أضواء على السنة المحمدية- الشيخ محمود ابو ريه أضواء على السنة المحمدية الشيخ محمود ابو ريه =========================================================================== [ 5 ] محمود أبوريه أضواء على السنة المحمدية أو دفاع عن الحديث الطبعة الخامسة مزيدة محققة =========================================================================== [ 6 ] الاهداء أي ولدي العزيز مصطفى (1) كانت سعادتي في وجودك ، وحياتي تستضئ بنورك ، فلما أفل بدرك ، وغاب عن عيني شخصك ، أطبقت على الدنيا بأحزانها وبأسائها ، وأصبحت غريبا فيها وإن كنت من أبنائها . فإليك يا ولدي العزيز أهدي هذا الكتاب الذي ما قصدت بتأليفه إلا وجه الحق الذي فطرك الله عليه ، وكنت دائما تؤثره وتسكن إليه ، وخدمة العلم الذي أخلصت له نفسك ، وأفنيت فيه عمرك ، وجاهدت حق الجهاد في تحصيله ، وقضيت نحبك في سبيله . وإني والله يا بني لعلى ما عهدت من حب عميق لك لم يظفر بمثله أحد غيرك ، ومكانك من قلبي لا تدنو منه نفس سواك . لئن غبت عن عيني وشط بك النوى * فأنت بقلبي حاضر وقريب خيالك في وهمي ، وذكرك في فمي * ومثواك في قلبي فأين تغيب ؟ أما الاسى لك ، والحزن عليك ، فلا ينال منهما مرور الايام ، ولا يخففهما تطاول الاعوام ، إذ لا صبر عليك ولا سلوان عنك . كيف أرجو شفاء ما بي ، وما بي * دون سكناي في ثراك شفاء شطر نفسي دفنت ، والشطر باق * يتمنى ! ومن مناه الفناء القاهرة - الجيزة محمود أبوريه =========================================================================== (1) هو ولدي العزيز مصطفى صادق ، ترقبه القضاء وهو يتهيأ للخروج إلى الحياة بعد إتمام دراسته الهندسية الكهربائية بجامعة القاهرة فعاجله بسهم مسوم نفذ إلى (صدره) فتلقته مصحة حلوان ليعاني فيها برحاء المرض ، ويتلوى من غرز الابر ثلاث سنين سويا ، ثم فاضت روحه إل بارئها ، وكان ذلك في فجر يوم الخميس غرة رمضان سنة 1359 - 3 أكتوبر سنة 1940 ولما يتجاوز الثانية والعشرين من عمره ، ولم يدعني القضاء أتجرع الفجيعة التي قصمت ظهري فثنى بسهم آخر أصاب (كبد) أمه بعد أن ابيضت من الحزن عليه إحدى عينيها ، فخرت صريعة بيني وبين أولادها . وقد أضرحت لها مع عزيزها لتأنس به ويأنس بها . وغادراني بعدهما في حزن مقيم وعذاب أليم ، إلى أن يلحقني الله بهما . (*) =========================================================================== [ 7 ] كلمة نصير الفكر والدين والعلم العلامة الدكتور طه حسين " ولا بأس عليه من هذه الهنات التي أشرت إلى بعضها فالذين يبرءون من النقص والتقصير أو الهفوات أحيانا لا يكادون يوجدون " أضواء على السنة المحمدية جهد وعبء ثقيل لا يقوم به في هذه الايام إلا القليلون هذا كتاب بذل فيه مؤلفه من الجهد ما لا يبذل مثله إلا الاقلون الذين يمكن إحصاؤهم في هذه الايام التي انتشر فيها الكسل العقلي ، وعم فيها إيثار الراحة والعافية على الجد والمشقة والعناء . والذين يقرءون هذا الكتاب قراءة المتدبر المستأنى سيلاحظون مقدار هذا الجهد العنيف الذى مكن المؤلف من أن يصبر نفسه السنين الطوال على قراءة طائفة ضخمة من الكتب التي لا يكاد الباحثون يطيلون النظر فيها لكثرة ما يتعرضون له من كثرة الاسانيد وتكرارها وتعدد الروايات واضطرابها وإعادة الخبر الواحد مرات كثيرة في مواطن مختلفة . وأقل ما يوصف به النظر في هذه الكتب أنه يعرض صاحبه لكثير من الملل والضيق ، فليس قليلا أن يأخذ الانسان نفسه بقراءة المعروف من كتب السنة والموازنة بين ما روى فيها من الحديث في النص وفي الاسانيد التي روى بها هذا النص والبحث بعد ذلك عن الرجال الذين تتألف منهم هذه الاسانيد في الكتب المخصصة لذلك . * * * ويكفي أن نذكر أن المؤلف قرأ كتاب الموطأ لمالك رحمه الله وصحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داوود وكتاب الترمذي ، وكتاب ابن ماجة ومسند أحمد ابن حنبل ، ونظر مع ذلك في شروح طوال لبعض هذه الكتب وفي كتب كثيرة =========================================================================== [ 8 ] أحرى منها الطوال ومنها القصار كتبت في تفسير نصوص الحديث وفي رجال الاسانيد وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي الطبقات . وهو قد أثبت أسماء الكتب التي قرأها والتي أطال النظر فيها أو رجع إليها في كتابه في آخر الكتاب ، ويكفي أن تنظر إلى هذه الاسماء لتعرف مقدار ما أخذ المؤلف نفسه من الصبر والاناة والتعمق لما قرأ . فهذا وحده يدل على جهد عنيف وعبء ثقيل لا ينهض بهما في هذه الايام إلا الاقلون جدا كما قلت آنفا . وهذه هي المزية الاولى التي تسجل لمؤلف هذا الكتاب ، وقد قرأته مرتين ، وأشهد أنه قد ذكر في أثناء كتابه كل الكتب التي أثبتها أو أشار إليها . وإذا كانت لهذا دلالة فهو يدل على أنه لم يبالغ ولم يتكثر حين أثبت هذه الكتب في مراجعه وإنما انتفع بها جميعا أدق الانتفاع وأقواه . وموضوع الكتاب خطير حقا وقيم حقا لا يقف الناس عنده في هذه الايام وإنما يشفقون منه أشد الاشفاق يخافون أن تزل أقلامهم أو أن يثيروا سخط المحافظين الذين قرروا أن هذا النحو من العلم قد أصبح شيئا مقدسا أو كالمقدس لا ينبغي التعرض له إلا بالنقل والاستشهاد . فأما النقد والتعمق وإصدار الاحكام فأشياء لا يستقيم الخوض فيها لاحد . فقد أضاف المؤلف إذن إلى مزية الصبر والاناة وأخذ النفس بالعنف في سبيل البحث والاستقراء مزية أخرى وهي الشجاعة على البحث عن الحق والجهر به متى اطمأن إليه عقله لا يخاف في ذلك لوما ولا اعتراضا . وإنما هو مستعد للجدال عن آرائه والنضال عما استقر في نفسه أنه الحق . * * * الموضوع إذن خطير قيم وهو نقد ما وصل إلينا من الحديث الذي يحمل عن النبي صلى الله عليه وسلم وتمييز الصحيح من غيره ليطمئن المسلمون إلى ما يروى لهم عن رسول الله . وقد ألح المؤلف في تبيين أشياء تحمل على النبي وليست من كلامه في شئ وإنما دست عليه لاغراض مختلفة بعضها دسه جماعة من اليهود أظهروا الاسلام والورع واخترعوا أشياء من عند أنفسهم أضافوا بعضها إلى النبي =========================================================================== [ 9 ] وأضافوا بعضها إلى التوراة . وليست هي من كلام النبي ولا من التوراة في شئ . وبعضها دس أثناء الوعظ والقصص أريد بها دعوة الناس إلى الفضائل وحب الخير واجتناب الآثام فرغبوا ورهبوا ولم يتحرجوا من إضافة أشياء إلى النبي يرون أن الناس يتأثرون بها أكثر مما يتأثرون بكلام الوعاظ والقصاص . وأشياء أخرى دست تملقا للخلفاء ورجال الحكم والتماسا للحظوة عندهم ، وأشياء أخرى اخترعها المختصمون في الكلام والفقه دفاعا عن آرائهم في هذين النوعين من العلم ، وأشياء دست لنشر الدعوة لبعض الاحزاب السياسية في العصور الاولى . ذلك إلى أفراد من الناس أكثروا من اختراع الحديث ليلقوا في روع العامة وبعض الخاصة أنهم أصحاب علم غزير ومعرفة دقيقة بأقوال النبي وأعماله . وكان لهذا كله أثر اي أثر في إفساد العقول والانحراف بآراء كثير من الناس عن الاستقامة في فهم الدين وتصور النبي كما ينبغي أن يتصوره المسلمون منزها عن هذا السخف الكثير الذى حمل عليه وهو منه برئ . (وكان هذا أيضا مطمعا لكثير من خصوم الاسلام وأعدائه في نقد الدين والتحامل عليه وعلى الرسول الذي جاء به ظلما وبهتانا) . * * * وقد فطن المحدثون القدماء لهذا كله واجتهدوا ما استطاعوا في التماس الصحيح من الحديث وتنقيته من كذب الكذابين وتكلف المتكلفين ، وكانت طريقتهم في هذا الاجتهاد إنما هي الدرس لحياة الرجال الذين نقلوا الحديث جيلا بعد جيل حتى تم تدوينه . فكانوا يتتبعون كل واحد من هؤلاء الرجال ويتحققون من أنه كان نقي السيرة صادق الايمان بالله ورسوله شديد الحرص على الصدق في حديثه كله وفي حديثه عن النبي خاصة . وهو جهد محمود خصب بذله المتقنون من علماء الحديث وأخلصوا فيه ما وجدوا إلى الاخلاص سبيلا . ولكن هذا الجهد على شدته وخصبه لم يكن كافيا ، فمن أعسر الاشياء وأشدها تعقيدا أن تتبع حياة الناس بالبحث والفحص والتنقيب عن دقائقها ، فمن الممكن أن تبحث وتفحص وتنقب دون أن تصل إلى حقائق الناس ودقائق أسرارهم وما تضمر قلوبهم في أعماقها وما يمعنون في الاستخفاء به من ألوان الضعف في نفوسهم وفي سيرتهم أيضا . =========================================================================== [ 10 ] ولم يكن بد من أن يضاف إلى هذا الجهد جهد آخر وهو درس النص نفسه ، فقد يكون الرجل صادقا مأمونا في ظاهر أمره بحيث يقبل القضاة شهادته إذا شهد عندهم . ولكن الله وحده هو الذي إختص بعلم السرائر وما تخفيه القلوب أو تستره الضمائر ، وقد يكون الرجال الذين روى عنهم حديثه صادقين مأمونين مثله يقبل القضاة شهادتهم إن شهدوا عندهم ، ولكن سرائرهم مدخولة تخفي دخائلها على الناس . فلا بد إذن من أن نتعمق نص الحديث الذي يرويه عن أمثاله من العدول لنرى مقدار موافقته للقرآن الذي لا يتطرق إليه الشك ولا يبلغه الريب من أي جهة من جهاته لانه لم يصل إلينا من طريق الرواة أفرادا أو جماعات وإنما تناقلته أجيال الامة الاسلامية مجمعة على نقله في صورته التي نعرفها . وهذه الاجيال لم تنقله بالذاكرة وإنما تناقلته مكتوبا ، كتب في أيام النبي نفسه ، وجمع في خلافة أبي بكر وسجل في المصاحف وأرسل إلى الاقاليم في خلافة عثمان . فاجتمعت فيه الرواية المكتوبة والرواية المحفوظة في الذاكرة وتطابقت كلتا الروايتين دائما فلا معنى للشك في نص من نصوص القرآن لانها وصلت إلينا عن طريق لا يقبل فيها الشك . * * * وكذلك طائفة من أعمال النبي لم ينقلها فرد أو جماعة وإنما تناقلتها الامة الاسلامية كلها جيلا عن جيل كالصلوات الخمس المكتوبة التي أمر الله بها ولم يفصلها ففصلها النبي حين صلى بأصحابه وتناقلتها الامة على نحو ما أداها النبي . وقل مثل ذلك في الزكاة والحج وصيام رمضان الذي فصل الله في القرآن بعض أحكامه وفصلها النبي بصيامه وتعليم أصحابه كيف يصومون ، فإذا وصل إلينا حديث عن النبي فينبغي أن ندرس نص هذا الحديث ونتبين أنه لم يناقض القرآن ولم يناقض ما تواتر من أعمال النبي . . فإن كان فيه مناقضة قليلة أو كثيرة رفضناه واطمأنت قلوبنا إلى رفضه لان النبي إنما كان مفسرا للقرآن ومفصلا للمجمل من أحكامه . وكذلك كانت عائشة رحمها الله تفعل ، فقد نقل إليها أن بعض الصحابة يقولون إن النبي رأى ربه ليلة المعراج ، فقالت لمن نقل إليها ذلك : لقد قف شعري مما قلت . . وقرأت الآية الكريمة " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير " . =========================================================================== [ 11 ] ونقل إليها عن بعض أصحاب النبي أن النبي قال إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ، فرفضت هذا الحديث ، وقرأت قول الله تعالى : " ولا تزر وازرة وزر أخرى " . وكان الصالحون من أصحاب النبي يتحرجون أشد التحرج من رواية الحديث عن النبي ، وكان عمر رحمه الله يشتد على من أكثر الحديث عن النبي وربما ضربهم بدرته كما فعل عمر مع أبي هريرة وأنذره بالنفى عن المدينة إلى أرض قومه في اليمن إن عاد إلى الحديث . ويروى أن النبي نفسه نهى عن كتابة أقواله وكره أن يكتب المسلمون عنه شيئا غير القرآن . وهذا كله سجله المؤلف في كتابه ولكنه يبتكره من عند نفسه وإنما هو شئ كان المتقنون من علماء المسلمين يقولونه ويذيعونه في كتبهم كما فعل ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما . ولكن المحدثين نسوا هذا أو أعرضوا عنه فاختلطت على الناس أمور الحديث وكان فضل المؤلف في إظهارها في هذا العصر ليقرأها الذين يحبون أن يصلح دينهم ويعصم من التخليط الكثير . ولكن المؤلف مع ذلك قد أسرف على نفسه في بعض المواطن ، ولست أريد أن أذكر هذه المواطن كلها تجنبا للاسراف في الاطالة وإنما أكتفى بضرب الامثال . فمنها مثلا هذه المؤامرة التى دبر فيها مقتل عمر بن الخطاب رحمه الله وشارك فيها كعب الاحبار وهو يهودى أسلم أيام عمر . والرواة يحدثوننا بأن كعبا هذا أنبأ عمر بأنه مقتول في ثلاث ليال . فلما سأله عمر عن ذلك زعم أنه يجده في التوراة ، فدهش عمر لان اسمه يذكر في التوراة ، ولكن كعبا أنبأه بأنه لا يجد اسمه في التوراة وإنما يجد صفته . ثم غدا عليه في اليوم الثاني لهذا الحديث . فقال له : بقى يومان . ثم غدا عليه في اليوم الثالث فقال له مضى يومان وبقى يوم : وإنك مقتول من غد . فلما كان الغد في صلاة الصبح أقبل ذلك العبد الاعجمي فطعنه وهو يسوى الصفوف للصلاة ، والمؤلف يؤكد أن عمر إنما قتل نتيجة لمؤامرة دبرها الهرمزان وشارك فيها كعب ويؤكد أن هذه المؤامرة ثابتة لا يشك فيها إلا الجهلاء . وأريد أن أؤكد أنا للمؤلف أنى أنا أحد هؤلاء الجهلاء لانى أشك في هذه المؤامرة أشد الشك وأقواه ولا أراها إلا وهما . فقد قتل ذلك العبد المشئوم نفسه قبل =========================================================================== [ 12 ] أن يسأل . وتعجل عبيد الله بن عمر فقتل الهرمزان دون أن يسأل ، وعاش كعب لاحبار هدا سبعة أعوام أو ثمانية دون أن يسأله أحد أو يتهمه أحد بالاشتراك في هذه المؤامرة ، وكان كثيرا ما يدخل على عثمان ، ثم ترك المدينة وذهب إلى حمص فأقام فيها حتى مات سنة إثنتين وثلاثين للهجرة ، فمن أين استطاع المؤلف أن يؤكد وقوع هذه المؤامرة أولا ومشاركة كعب فيها ثانيا مع أن المسلمين قد غضبوا حين تعجل عبيدالله ابن عمر حين قتل الهرمزان جهلا عليه ولم يقدمه إلى الخليفة ولم يقم عليه البينة لانه شارك من قريب أو من بعيد في قتل أبيه . وقد ألح جماعة من المسلمين من أصحاب النبي على عثمان أن يقيم الحد على عبيد الله لانه قتل مسلما دون أن يقاضيه إلى الامام ودون أن يثبت عليه قتل عمر بالبينة . فعفا عنه عثمان مخافة أن يقول الناس قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم . وعد الثائرون على عثمان هذا العفو أحد أغلاطه ، وكان علي حين تولى الخلافة مزمعا معاقبة عبيد الله على فعلته تلك . ولكنه هرب من علي ولجأ إلى معاوية فعاش في ظله وقتل في موقعة صفين . ولم يسأل عثمان كعبا عن شئ ولم يتهمه أحد بشئ وقد ذهب من المدينة إلى الشام ومعاوية أمير عليها فعاش فيها حتى مات فلم يسأله عن شئ ، فمن أين يأتي هذا التأكيد الذى ألح فيه المؤلف حتى لعن كعبا ولم يكن له ذلك ، فالمعروف من أمر كعب أنه أسلم والمعروف كذلك أن لعن المسلمين غير جائز . ومثل آخر في الصفحة 154 حين زعم أن أبا هريرة رحمه الله لم يصاحب النبي محبة له أو طلبا لما عنده من الدين والهدى وإنما صاحبه على ملء بطنه . كان مسكينا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطعمه . والمؤلف يروى لاثبات ذلك حديثا رواه أحمد بن حنبل ورواه البخاري أيضا ، ولكن مسلما روى هذا الحديث نفسه عن أبى هريرة . ونص الحديث عند مسلم أصرح وأوضح من نصه عند البخاري وابن حنبل فقد كان أبو هريرة يقول فيما روى مسلم أنه كان يخدم النبي على ملء بطنه . وفرق بين من يقول إنه كان يخدم ومن يقول إنه كان يصاحب ، وحسن الظن في هذه المواطن شر من سوئه ، وما أظن أبا هريرة أقبل من اليمن مع من أقبل منها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا ليؤمن به ولا ليأخذ عنه الدين بل ليملا بطنه عنده . هذا إسراف في التأويل وفي إساءة الظن . والمؤلف شديد على أبى هريرة شدة أخشى أن يكون قد أسرف فيها شيئا . =========================================================================== [ 13 ] فنحن نعلم أن أبا هريرة كان كثير الحديث عن النبي وأن عمر شدد عليه في ذلك وأن بعض أصحاب النبي أنكروا بعض حديثه وأنه أخذ كثيرا عن كعب الاحبار . وكان المؤلف يستطيع أن يسجل هذا كله تسجيلا موضوعيا كما يقال دون أن يقحم فيه غيظا أو موجدة . فهو لا يكتب قصة ولا يكتب أدبا فيظهر شخصيته بما ركب فيها من الغضب والغيظ والموجدة وإنما يكتب عالما وعالما يتصل بالدين وأخص مزايا العلماء ولا سيما في هذا العصر أنهم ينسون أنفسهم حين يكتبون العلم وأنهم يبحثون ويقررون بعقولهم لا بعواطفهم . فمن الظلم لابي هريرة أن يقال إنه لم يصاحب النبي إلا ليأكل من طعامه . والذى نعلمه أنه أسلم وصلى مع النبي وسمع منه بعض أحاديثه . فليقل فيه المؤلف إنه لم يصاحب النبي إلا ثلاث سنين وقد روى من الحديث أكثر مما روى المهاجرون الذين صحبوا النبي بمكة والمدينة ، وأكثر من الانصار الذين صاحبوا النبي منذ هاجر إلى المدينة حتى آثره الله بجواره . وهذا يكفى للتحفظ والاحتياط بإزاء ما يروى عنه من الحديث . وأخرى أريد أن أثبتها هنا وهي أن المؤلف يقول في حديثه الطويل عن أبى هريرة إنه لحرصه على الاكل ورغبته في الطيبات كان يأكل عند معاوية ويصلى مع على ويقول إن الاكل مع معاوية ادسم أو بعبارة أدق إن المضيرة عند معاوية أدسم ، والمضيرة لون من الحلوى ، وأن الصلاة مع على أفضل . وأريد أن أعرف كيف كان يجتمع لابي هريرة أن يأكل عند معاوية ويصلى مع على وقد كان أحدهما في العراق والآخر في الشام أو أحدهما في المدينة والآخر في الشام إلا أن يكون قد فعل ذلك أثناء الحرب في صفين . وما أحسبه كان يسلم لو فعله أثناء الحرب إذن لاتهمه أحد الفريقين بالنفاق والتجسس . وإنما هذا كلام قيل في بعض الكتب وكان يجب على الاستاذ المؤلف أن يتحقق منه قبل أن يثبته . فهذا أيسر ما يجب على العلماء . وبعد فالمؤلف يطيل في تأكيد ما اتفقت عليه جماعة المسلمين من أن الاحاديث التى يرويها الافراد والآحاد كما يقول المحدثون لا تفيد القطع وإنما تفيد الظن وحده ، ومن أجل ذلك لا يستدل المسلمون بهذه الاحاديث على أصول الدين وعقائده وإنما يستدلون بها أحيانا على الاحكام الفرعية في الفقه وعلى فضائل الاعمال =========================================================================== [ 14 ] ويستعان بها على الترغيب في الخير والتخويف من الشر ، وكل الاحاديث التى اعتمد عليها المؤلف في المواضع التى ضربنا لها الامثال إنما هي أحاديث رواها الافراد والآحاد فهى لا تفيد قطعا ولا يقينا ، فما باله يرغب عن الافراط في الثقة بهذه الاحاديث ثم يستدل بها هو ليتهم الناس بأشياء لا سبيل له إلى إثباتها . وملاحظة أخيرة أختم بها هذا الحديث الذى أراه على طوله موجزا ، وهى أن المؤلف قد أخذ في كتابه وهو يؤمن فيما يظهر بأنه لن يظفر برضى الناس عنه ولن يظفر برضى فريق من رجال الدين خاصة فعرض بهم أحيانا ، واشتد عليهم أحيانا أخرى ووصفهم بالجمود حينا وبالتقليد حينا وبالحشوية أحيانا فأغرى هؤلاء الناس بنفسه وسلطهم على كتابه وخيل إليهم أنه يبغضهم ولا يراهم أهلا للبحث القيم والمحاولة لاستكشاف حقائق العلم . ولو أنه صبر حتى يخرج كتابه ويقرأه الناس ويسمع رأيهم فيه ونقدهم له لكان هذا الصبر خيرا له وأبقى عليه . وأنا بعد ذلك أجدد اعترافي للمؤلف بجهده العنيف الخصب في تأليف هذا الكتاب وإخلاصه الصادق للعلم والحق في بحثه عن الحديث . ولا بأس عليه من هذه الهنات التى أشرت إلى بعضها فالذين يبرءون من النقص والتقصير أو الهفوات أحيانا لا يكادون يوجدون . وصدق بشار حين قال : إذ أنت لم تشرب مرارا على القذى ظمئت وأى الناس تصفو مشاربه ! طه حسين =========================================================================== [ 15 ] هذه هي الكلمة النفيسة التى تفضل الدكتور طه حسين فنشرها عن كتاب (أضواء على السنة المحمدية " بعد ما قرأه . وإذا كان قد وجب على أن أقدم له أخلص الشكر وأعمقه - أن أولى كتابي هذا من بالغ العناية ما جعله يقرؤه غير مرة . فإن مما يسرنى - وأحمد الله عليه - أن سيادته وهو العالم الجليل ، والناقد العظيم . لم يجد شيئا يتجه إليه النقد بين مختلف مواضيع الكتاب - وهي خطيرة - لم يسبق أن حملها كتاب من قبل ، وأن ما بدا من نقده إنما كان " هنات لا بأس على منها " كما صرح بذلك في كلمته (1) . أما هذه الهنات فإنى أضع على هامشها هذا التعليق الوجيز ، وأرجو أن ينال من لدنه رضا وقبولا . كانت أولى هذه الهنات أن الدكتور قد شك في مؤامرة قتل عمر ، وفي أن كعب الاحبار كان ممن اشتركوا فيها ، ولقد ابتسمت عندما قرأت كلامه في ذلك ، وقلت كيف يغيب علم هذا الامر عن مثله وهو العالم النقاب وارتقبت كتابه " الشيخان " لانظر ما سيقول في مقتل عمر ، وما كدت أقرأ ما كتبه في ذلك حتى اطمأننت بما ذكرته في كتابي وحمدت الله أن ألفيت الشك الذى كان قد إعترى الدكتور في أمر مؤامرة قتل عمر قد زال والحمد لله (2) . أما الهنة الثانية فهى أنى قد أسرفت في التأويل عندما قلت : إن أبا هريرة قد أسلم ليملا بطنه . وأنى لم أذكر ذلك إلا لانه قد اعترف بنفسه في كتب الحديث الكثيرة ، ففى رواية البخاري : صاحبت النبي على ملء بطني ، ورواية مسلم خدمت النبي على ملء بطني ، والاعتراف كما يقول أئمة القانون سيد الادلة ، فأنا لم أتأول ولم أسرف في التأويل ، على أن تاريخ أبى هريرة يؤيد اعترافه هذا ، فقبل إسلامه يروى ابن سعد عنه : أنه كان أجيرا لابن عفاف وابنة غزوان بطعام بطنه ، وبعد إسلامه عندما كان نزيلا على الصفة جرى منه ما جرى مما بينه البخاري نفسه وغيره ولا داعى لبيانه هنا . =========================================================================== (1) نشرت هذه الكلمة بجريدة الجمهورية الصادرة في يوم الثلاثاء 25 نوفمبرسنة 1958 . (2) ص 256 و 257 من كتاب (الشيخان) . 15 (*) =========================================================================== [ 16 ] أما الهنة الثالثة وهى الاخيرة فهى شك الدكتور فيما رويناه من أن أبا هريرة كان يأكل المضيرة عند معاوية ويصلى خلف على - وكيف يفعل أبو هريرة . ذلك ويأمن على نفسه من أن يتهمه أحد الفريقين بالنفاق والتجسس ! . وإنى قبل كل شئ أقول إن هذا الخبر قد ورد في مصادر كثيرة للمؤرخين وكبار العلماء مثل : شذرات الذهب للعماد الحنبلى ، والسيرة الحلبية لبرهان الدين الحلبي ، والزمخشري في ربيع الابرار وأساس البلاغة ، وبديع الزمان الهمذانى الذى لم يكن من كبار الكتاب فحسب وإنما كان كما يعلم من تاريخه ثقة في الحديث يعرف الرجال والمتون ، والثعالبي في المضاف والمنسوب ، ولا نستوفي ذكر كل المصادر التى حملت هذا الخبر ، على أنه إن يفعل ذلك لا يخشى ضررا لانه كان معروفا بأنه لا في العير ولا في النفير ولم يكن من المحاربين بل ظل طوال حياته رجلا سلما . أما ما لاحظه الدكتور على أسلوبي من الشدة ، فلو أنه عرف ما قوبلت به من شتائم وسباب من يوم أن نشرت ما نشرت من فصول هذا الكتاب في مجلة الرسالة قبل أن يطبع الكتاب لعذرني فيما كتبت . على أنى قد رجعت إلى كل ما رأيته شديدا فيما كتبت فحذفته من هذه الطبعة وآثرت أن أدفع بالتى هي أحسن وأن أتبع قول الله فأمر على كل ما ينالني مرا كريما ، وأن يكون خطابي لمن يسوءني سلاما سلاما . أما الشدة على أبى هريرة التى أشار إليها الدكتور فليست منا ، وإنما هي شدة الادلة التى أحاطت به . هذه سطور وجيزة عن الهنات التى رآها الدكتور طه حسين في كتابي ، وإنى لمغتبط كثيرا من أن سيادته لم يلاحظ شيئا على أي موضوع من مواضيع الكتاب وهى كثيرة وخطيرة لم يسبق أن نشرت في كتاب جامع وأن يسمى ما وجده هنات ويقول في صراحة : " ولا بأس عليه من هذه الهنات التى أشرت إلى بعضها فالذين يبرءون من النقص والتقصير أو الهفوات أحيانا لا يكادون يوجدون " . حفظه الله . محمود أبوريه =========================================================================== [ 17 ] بسم الله الرحمن الرحيم [ والذين اجتنبوا الطاغوت (1) أن يعبدوها وأنا بوا إلى الله . لهم البشرى ، فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه . أولئك الذين هداهم الله . وأولئك هم أولو الالباب ] (آية 17 ، 18 من سورة الزمر) تعريف بالكتاب مما لا يكاد يختلف فيه إثنان ، أو يحتاج في إثباته إلى برهان ، أن للحديث المحمدى من جلال الشأن وعلو القدر ما يدعو إلى العناية الكاملة به ، والبحث الدقيق عنه ، حتى يدرس ما فيه من دين وأخلاق ، وحكم وآداب ، وغير ذلك مما ينفع المسلمين في دينهم ودنياهم . وعلى أنه بهذه المكانة الجليلة ، والمنزلة الرفيعة ، فإن العلماء والادباء لم يولوه ما يستحق من العناية والدرس ، وتركوا أمره لمن يسمون رجال الحديث يتداولونه فيما بينهم . ويدرسونه على طريقتهم - وطريقة هذه الفئة التى اتخذتها لنفسها قامت على قواعد جامدة لا تتغير ولا تتبدل . فترى المتقدمين منهم وهم الذين وضعوا هذه القواعد قد حصروا عنايتهم في معرفة رواة الحديث والبحث - على قدر الوسع - في تاريخهم . ولا عليهم بعد ذلك إن كان ما يصدر عن هؤلاء الرواة صحيحا في نفسه أو غير صحيح . معقولا أو غير معقول . ذلك بأنهم وقفوا بعلمهم عند ما يتصل بالسند فحسب ، أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شئ . ثم جاء المتأخرون منهم فقعدوا وراء الحدود التي أقامها من سبقهم ، لا يتجاوزونها ولا يحيدون عنها ، وبذلك جمد علم الرواية منذ القرون الاولى لا يتحرك ولا يتغير . =========================================================================== (1) الطاغوت ما تكون عبادته وطاعته سببا للطغيان والخروج عن الحق ، من مخلوق يعبد ورئيس يقلد ، وهوى يتبع - وقال ابن القيم : الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع ، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله ، أو يعبدونه من دون الله ، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله ، ويطيعونه فيما يعلمون أنه طاعة لله . (*) =========================================================================== [ 18 ] ووقف هؤلاء وهؤلاء عند ظواهر الحديث كما أدت إليه الرواية مطمئنين إليها ، آخذين بها من غير بحث فيها ولا تمحيص لها . وعلى أنهم قد بذلوا أقصى جهدهم في دراسة علم الحديث من حيث العناية بسنده حتى قيل : " إن علم الحديث قد نضج واحترق " (1) . فإنهم قد أهملوا جميعا أمرا خطيرا كان يجب أن يعرف قبل النظر في هذا العلم ودرس كتبه - ذلك هو البحث عن حقيقة النص الصحيح لما تحدث به النبي صلوات الله عليه . وهل أمر بكتابة هذا النص بلفظه عند إلقائه - كما فعل بالقرآن الكريم . أو تركه ونهى عن كتابته ؟ وهل دونه الصحابة ومن بعدهم ، أو انصرفوا عن تدوينه ؟ وماذا كان أمرهم - ومن تبعهم - عندما أخذوا في روايته ؟ وهل ما روى منه قد جاء مطابقا لحقيقة ما نطق به النبي - لفظا ومعنى - أو كان مخالفا له ؟ وما هي العوامل التي تدسست إليه من نزعات أعدائه ، والمؤثرات التي أصابته من أغراض أوليائه ، حتى شيب بما ليس منه ، وتسرب إليه ما هو غريب عنه ؟ ثم في أي زمن دون ما حملته الرواية منه ؟ وهل اتخذ التدوين طريقة واحدة لم تتغير على مد العصور وتوالي الاجيال ؟ وفي أية صورة خرج أخيرا إلى الناس في كتبه التي اعتمد عليها الجمهور ؟ وماذا كان موقف علماء الامة منه ؟ وما مبلغ ثقتهم به ، ومدى اختلافهم فيه ، بعد أن عراه ما عراه وتأثر بما تأثر به ؟ وما إلى ذلك من الامور المهمة التي يجب أن يعرفها كل مسلم أو باحث في الدين الاسلامي قبل النظر فيه ، والاخذ بما تؤدي إليه ألفاظه ومعانيه . أما هذا كله وغيره مما يتصل - بحياة الحديث وتاريخه - فقد انصرف عنه العلماء والباحثون ، وتركوه أخبارا في بطون الكتب مبعثرة ، وأقوالا بين ضمائر الاسفار مستترة ، لا يضم نشرهاك تاب ولا يعنى بتصنيفها باحث نقاب (2) . ولقد كان يجب عليهم قبل أن يشتغلوا بعلم الحديث أن يعرفوا تاريخ هذا =========================================================================== (1) قالوا : العلوم ثلاثة : علم نضج وما احترق ، وهو علم النحو والاصول ، وعلم لا نضج ولا احترق ، وهو علم البيان والتفسير ، وعلم نضج واحترق وهو علم الحديث والفقه . (2) يقال رجل نقاب أي نافذ الامور . (*) =========================================================================== [ 19 ] العلم . ذلك بأن العلماء قد أوجبوا معرفة تاريخ كل علم قبل دراسته فقالوا : إن تاريخ كل مادة يقع منها موقع البصر من الجسم (1) . أسباب تصنيف هذا الكتاب : لما أنشأت أدرس دينى درس العقل والفكر ، بعد أن تلقيته تلقينا من نواحى العاطفة والتقليد ، رأيت أن أرجع إلى مصادره الاولى وأسانيده الصحيحة ، ولما وصلت من دراستي إلى كتب الحديث المعتمدة لدى الجمهور ، ألفيت فيها من الاحاديث ما يبعد أن يكون - في ألفاظه أو معانيه أو أسلوبه - من محكم قوله ، وبارع منطقه صلوات الله عليه ، ومما راعني أنى أجد في معاني كثير من الاحاديث ما لا يقبله عقل صريح ، ولا يثبته علم صحيح ، ولا يؤيده حس ظاهر ، أو كتاب متواتر (2) . ووجدت مثل ذلك في كثير من الاحاديث التى شحنت بها كتب التفسير والتأريخ وغيرها ! ومما كان يثير عجبى أنى إذا قرأت كلمة لاحد أجلاف العرب أهتز لبلاغتها ، وتعروني أريحية من جزالتها ، وإذا قرأت أكثر ما ينسب إلى النبي من قول لا أجد له هذه الاريحية ، ولا ذلك الاهتزاز ، وكنت أعجب كيف يصدر عنه صلوات الله عليه - مثل هذا الكلام المغسول من البلاغة والعارى عن الفصاحة - وهو أبلغ من نطق بالضاد ، أو يأتي منه مثل تلك المعاني السقيمة وهو أحكم من دعا إلى رشاد ! ! وما كان هذا العجب إلا لانى كنت أسمع من شيوخ الدين - عفا الله عنهم - أن الاحاديث التى تحملها كتب السنة قد جاءت كلها على حقيقتها ، بألفاظها ومعانيها ، وأن على المسلمين أن يسلموا بكل ما حملت ولو كان فيها ما فيها ! ! ولما قرأت حديث " من كذب على - متعمدا - فليتبوأ مقعده من النار " غمرني الدهش لهذا القيد الذى لا يمكن أن يصدر من رسول جاء بالصدق وأمر به ، ونهى عن الكذب وحذر منه ، إذ ليس بخاف أن الكذب هو الاخبار بالشئ =========================================================================== (1) كتاب مناهج وتجديد للاستاذ أمين الخولى ص 88 . (2) الكتاب المتواتر هو القرآن الكريم فحسب . (*) =========================================================================== [ 20 ] على خلاف ما هو عليه سواء أكان عن عمد أم غير عمد . وظللت على ذلك حتى حفزني حب عرفان الحق إلى أن أبحث عن أصل الحديث وروايته ، وتاريخ حياته من المصادر الصحيحة ، والاسانيد الوثيقة ، لعلى أقف على شئ يذهب بما يحيك في صدري من حرج ، ويصرف ما يغمر نفسي من ضيق . وذلك لان هذا الامر الجليل - لم يفرد من قبل بالتأليف الجامع الذى يشبع نهم الباحث ، ويحقق بغية الطالب . ولبثت زمنا طويلا أبحث وأنقب فلا أدع كتابا يمكن أن يستفاد منه كلمة لما أنا بسبيله إلا قرأته في طلبها ، لا آلو في ذلك جهدا ، ولا أطاوع النفس عندما تسكن إلى الراحة ، مما يدركها من ملل أو يغشاها من تعب ، بل آخذها بالصبر والاناة والمطاولة ، حتى انتهيت إلى حقائق عجيبة ونتائج خطيرة ! ذلك أنى وجدت أنه لا يكاد يوجد في كتب الحديث كلها مما سموه صحيحا ، أو ما جعلوه حسنا - حديث - قد جاء على حقيقة لفظه ومحكم تركيبه ، كما نطق الرسول به ، ووجدت أن الصحيح منه على اصطلاحهم إن هو إلا معان مما فهمه بعض الرواة ! وقد يوجد بعض ألفاظ مفردة بقيت على حقيقتها في بعض الاحاديث القصيرة وذلك في الفلتة والندرة ، وتبين لى أن ما يسمونه في اصطلاحهم حديثا " صحيحا " إنما كانت صحته في نظر رواته ، لا أنه صحيح في ذاته ، وأن ما يقال عنه " متفق عليه " ليس المراد أنه متفق على صحته في نفس الامر ، وإنما المراد أن البخاري ومسلم قد اتفقا على إخراجه - وليس من شروط الحديث الصحيح أن يكون مقطوعا به في نفس الامر لجواز الخطأ والنسيان والسهو على الثقة ، ومن أجل ذلك جاءت الاحاديث وليس عليها من ضياء بلاغته صلوات الله عليه إلا نور خافت أو شعاع ضئيل . ولا أحصى هنا كل ما انكشف لى ، لانه كثير جدا قد فصلناه في كتابنا هذا تفصيلا . كان أول ما بان لى من هذه الحقائق ، أن النبي صلوات الله عليه لم يجعل لحديثه كتابا يكتبونه عندما كان ينطق به كما جعل للقرآن الحكيم ، وتركه ينطلق من غير قيد إلى أذهان السامعين ، تخضعه الذاكرة لحكمها القاهر ، الذى لا يستطيع إنسان مهما كان أن ينكره أو ينازع فيه ، من سهو أو وهم ، أو غلط أو نسيان . =========================================================================== [ 21 ] وبذلك تفكك نظم ألفاظه وتمزق سياق معانيه ، ولم يدع صلوات الله عليه الامر على ذلك فحسب ، بل نهى عن كتابته ، فقال فيما رواه مسلم وغيره : " لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن ، فمن كتب عنى غير القرآن فليمحه . " وقد استجاب أصحابه لهذا النهى فلم يكتبوا عنه غير القرآن ، ولم يقف الامر بهم عند ذلك بل ثبت عنهم أنهم كانوا يرغبون عن رواية الحديث وينهون الناس عنها ، ويتشددون فيما يروى لهم منها . وقد كان أبو بكر وعمر لا يقبلان الحديث من الصحابي مهما بلغت منزلته عندهما ، إلا إذا جاء عليه بشاهد يشهد معه أنه قد سمعه من النبي ، وكان على يستحلف الصحابي على ما يرويه له رضى الله عنهم جميعا . وكان ذلك في عصر الصحابة فترى ماذا يكون الامر بعد ذلك ؟ ! رواية الحديث بالمعنى : ولما رأى بعض الصحابة أن يرووا للناس من أحاديث النبي ، وذلك في المناسبات التى تقتضي روايتها ، وقد يكون ذلك بعد مضى سنين طويلة على سماعها ، ووجدوا أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بالحديث على أصل لفظه ، كما نطق النبي به ، استباحوا لانفسهم أن يرووا على المعنى ، ثم سار على سبيلهم كل من جاء من الرواة بعدهم ، فيتلقى المتأخر عن المتقدم ما يرويه عن الرسول بالمعنى ثم يؤديه إلى غيره بما استطاع أن يمسكه ذهنه منه ، وهذا أمر معلوم لا يمترى فيه أحد حتى لقد قال وكيع كلمته المشهورة : " إذا لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس " وقال سفيان الثوري : " إن قلت إنى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني ! فإنما هو المعنى " . وهكذا ظلت الالفاظ تختلف والمعاني تتغير بتغير الرواة . فيهم - كما قال السيوطي : الاعاجم والمولدون وغيرهم ممن ليسوا بعرب ولهجتهم العربية ليست خالصة ! وكان البخاري - وهو شيخ رجال الحديث ، وكتابه ، كما هو مشهور بين الجمهور - أصح كتاب بعد كتاب الله كما يقولون ، يروى على المعنى ! ولقد كان لرواية الحديث بالمعنى - ولا جرم - ضرر كبير على الدين واللغة والادب ، كما ستراه فيما بعد . =========================================================================== [ 22 ] وكذلك أباحوا لانفسهم أن يأخذوا الحديث إذا أصابه اللحن أو اعتراه الخطأ أو اختل نظمه بالتقديم والتأخير ، وأن يأخذوا ببعض الحديث ويدعوا بعضا . وسيتبين ذلك كله في مواضعه من هذا الكتاب إن شاء الله . حديث من كذب على : وقد عنيت بالبحث عن حقيقة هذا الحديث حتى وصلت بعد طول السعي إلى أن كلمة " متعمدا " لم تأت في روايات كبار الصحابة . ويبدو أن هذه الكلمة قد تسللت إلى هذا الحديث من سبيل " الادراج " المعروف عند رجال الحديث لكى يتكئ عليها الرواة فيما يروونه عن غيرهم من جهة الخطأ أو الوهم ، أو الغلط أو سوء الفهم ، ليدرءوا بذلك عن أنفسهم إثم الكذب ، ولا يكون عليهم في الرواية أي حرج ، ذلك بأن المخطئ غير مأثوم - أو أن هذه الكلمة قد وضعت ليسوغ بها الذين " يضعون الاحاديث " عن غير عمد عملهم ، ليسندوا بها أقوالهم ، وليثق الناس فيهم (1) . الموضوعات : لم يرزأ الاسلام بشئ في حياته كلها مثل ما رزئ بتلك الموضوعات التى تولى كبرها أعداء الاسلام وأحباؤه على السواء لاسباب كثيرة بيناها في موضعها ، وناهيك بالاسرائيليات التى بثها اليهود ، أمثال كعب الاحبار ، ووهب بن منبه وغيرهما . وكذلك المسيحيات وغيرها مما تسلل إلى الدين من الاديان والنحل غير الاسلامية وقبلها المسلمون من غير أن يبحثوا فيها ، أو يفطنوا لها . أبو هريرة : ولما كان أبو هريرة أكثر الصحابة رواية عن رسول الله على حين أنه لم يصاحب النبي إلا سنة واحدة وتسعة أشهر ، كما حققناه في كتابنا (شيخ المضيرة) (2) ، =========================================================================== (1) كالقصاص وغيرهم . (2) طبع هذا الكتاب مرتين ونعده الآن للطبعة الثالثة إن شاء الله . (*) =========================================================================== [ 23 ] وفي رواياته ما فيها من مشكلات بقيت على وجه الدهر ، وستبقى ، فقد أفردنا له ترجمة خاصة أدينا فيها حق العلم وتحرينا وجه الحق فأوردنا فيها ما له وما عليه بغير أن نخشى أحدا في إظهار الحق ، أو نتحرج من شئ في بيان العلم ، ذلك بأن الحق أولى من أبى هريرة وأكبر من أبى هريرة . جمع القرآن وتدوينه : وقد رأينا قبل تفصيل القول في تدوين الحديث أن نوطئ بفذلكة صغيرة في تدوين القرآن أتينا فيها على خلاصة كاملة من أمر هذا التدوين حتى يتجلى للناس كيف كانوا يتحرون الدقة التامة والتثبت الفائق في جمع القرآن ، وبذلك جاء كله " متواتر " يكفر من جحد شيئا منه . ولو أن الحديث قد دون في عصر النبي كما دون القرآن ، واتخذ له من وسائل التحرى والدقة مثل ما اتخذ للقرآن ، لجاء كله " متواتر " كذلك ولما اختلف المسلمون فيه هذا الاختلاف الشديد الذى لم يستطع أحد - على مد العصور - تلافيه . كتابة الحديث : ومما كشف عنه البحث أن كتابة الحديث لم تقع إلا في القرن الثاني ، أي بعد انتقال النبي إلى الرفيق الاعلى بأكثر من مائة سنة ، ولم يكن ذلك بدافع من الرواة ، وإنما كان بوازع من الولاة ، إذ كانوا يتحرجون من كتابته خشية أن يقعوا فيما نهى النبي عنه - وقد كانت هذه الكتابة أول ما بدأت غير كاملة ثم تقلبت في أطوار مختلفة ، إلى أن خرجت في صورتها الاخيرة حول منتصف القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجرى . ولقد كان لتأخير كتابة الحديث ضرر كبير بيناه في موضعه من الكتاب . نشأة علم الحديث : ولما كان علم الحديث يتصل ببحثنا ، فقد أتينا بإلمامة صالحة منه يهتدى بها من يريد معرفته . وتكلمنا عن كتب الحديث المشهورة لنبين حقيقتها وما استدرك عليها وقيل فيها ، وألمعنا إلى أمر الجرح والتعديل واستطردنا من ذلك إلى " عدالة الصحابة " =========================================================================== [ 24 ] وإختلاف العلماء فيها ، وإلى درجاتهم في العلم والفضل ، وخلصنا من ذلك كله إلى المذهب الحق الذى يجانب ناحيتى الافراط والتفريط في هذه العدالة . علماء الامة إزاء الحديث : ولان الحديث لم ينشأ تدوينه إلا في القرن الثاني كما قلنا وكتبه المشهورة بين جمهور أهل السنة - وهى البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي - لم تظهر إلا في القرنين الثالث والرابع ، وما فيها من الاحاديث قد روى من طريق الآحاد الذى لا يعطى إلا الظن ، فإن علماء الامة لم يتلقوا أحاديثها بمحض التسليم والاذعان ، كما تلقواما جاءهم من آيات القرآن ، ولا اعتبروها من الاخبار المتواترة التى يجب الاخذ بها ، ولا يجوز لاحد أن يخالف عن أمرها ، وإنما طاروا عليها بددا واختلفوا فيها طرائق قددا . فالمتكلمون وعلماء الاصول - لما كان الخبر عندهم ينقسم إلى " متواتر وآحاد " ، والمتواتر هو الذى يعطى العلم اليقيني ويؤخذ به في العقائد فحسب ، والآحاد لا يعطى إلا الظن ، والظن لا يغنى من الحق شيئا ، وببحثهم - لم يجدوا في كتب الحديث خبرا ينطبق عليه حكم التواتر فتكون دلالته يقينية . وإن علماء الحديث لم يعرضوا للبحث فيه لانه خارج عن علمهم . ورأوا ما يأتي من طريق الآحاد - الذى هو ظنى الدلالة ولا يجوز البناء في العقائد على الظن ، فقد ردوا كل حديث لا يتفق مع ما ذهبوا إليه من أصول ، وما وضعوه من قواعد - ومما اتفق عليه جميع النظار : أن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد مهما قويت أسانيدها وتعددت طرقها . وأما مقلدة المذاهب الذين يسمون أنفسهم علماء الفقه فقد كبلهم التقليد فلم يعنوا بكتب الحديث التى ظهرت بعد موت أئمتهم ، ولم يعطوها حقها من البحث والدرس كما أعطوا كتب شيوخهم ، ولم يجعلوها من أدلتهم في أحكامهم ، وإذا وجد أحدهم من الاحاديث - حتى الواهية - ما يتفق ومذهبه تشبث به ورد ما سواه وإن كان أقوى من الحديث الذى يعتمد عليه ، وقد يأخذ ببعض الحديث ويدع بعضا ! أما ما يخالف مذهبه فينبذه ولا يقبله ولو كان مما رواه الجماعة (1) ، وقد =========================================================================== (1) الجماعة هم : أحمد ، والشيخان - البخاري ، ومسلم - وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي . (*) =========================================================================== [ 25 ] ساعدهم على ذلك أن دلائل الفقهاء كلها ظنية الثبوت ولا يشترط فيها التواتر . ولكل إنسان أن يأخذ بما يطمئن به قلبه من الاحاديث بغير ما حرج . ولو أنت رجعت إلى كتب المحققين وبخاصة كتاب " إعلام المرقعين " لابن قيم الجوزية لوجدت فيه أحاديث كثيرة تبلغ المائة أو تزيد - لم يأخذ شيوخ الفقه بها ، ولم يخالفوا مذاهبهم من أجلها ، وإذا سألتهم عن سبب استمساكهم بما وجدوه في مذاهبهم وعدم الاخذ عن غيرها قالوا : إن أئمتهم لم يأخذوا بما أخذوا من أحاديث وفتاوى من قبلهم إلا بما اطمأنت به قلوبهم وسكنت إليه نفوسهم مما هو صحيح في رأيهم ، وجرى عليه العمل في أزمانهم ، وإن هؤلاء الائمة الكبار قد كانوا لقربهم من الصحابة وكبار التابعين أوسع علما ، وأعمق فقها من أصحاب كتب السنة الذين لم تشتهر كتبهم إلا بعد انقضاء القرون الاولى التى هي خير القرون بنص الحديث الذى رووه في ذلك . وأما أئمة النحو فإنهم لم يجعلوا الحديث من النصوص التى يستشهدون بها على قواعدهم في اللغة والنحو لانهم استيقنوا أن النص الصحيح للحديث قد ضاعت معالمه ، وأن ما يروى عن النبي لم يأت على حقيقة لفظه ، ولا يعلم أحد على اليقين ما هي الصورة الصحيحة التى نطق النبي بها ، وبذلك لا يصح الاستشهاد بالحديث ، وعلى أنهم لا يأخذون بالحديث الذي جاءهم عن نبيهم ، فإنهم يستشهدون بكلام أجلاف العرب الذين كانوا يبولون على أعقابهم ! كلمة عامة : لما انكشف لى ذلك كله وغيره مما يحمله كتابنا - وبدت لى حياة الحديث المحمدى في صورة واضحة جلية تتراءى في مرآة مصقولة ، أصبحت على بينة من أمر ما نسب إلى الرسول من أحاديث ، آخذ ما آخذ منه ونفسي راضية ، وأدع ما أدع وقلبي مطمئن ، ولا على في هذا أو ذلك أي حرج أو جناج . ولا يتوهمن أحد أنى بدع في ذلك ، فإن علماء (1) الامة لم يأخذوا بكل حديث =========================================================================== (1) وقد قال أبو عمر وغيره من كبار العلماء ، أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم ، وأن العلم معرفة الحق بدليله . وقال ابن القيم تعليقا على هذا القول : قد تضمن هذان الاجماعان = (*) =========================================================================== [ 26 ] نقلته إليهم كتب السنة فليسعنى ما وسعهم ، بعد ما تبين لى ما تبين لهم ، وهذا أمر معلوم لذوى البصائر لا يختلف فيه عالم ، اللهم إلا الحشوية الذين يؤمنون بكل ما حمله سيل الرواية سواء أكان صحيحا أم غير صحيح ، ما دام قد ثبت سنده على طريقتهم ، قال ابن أبى ليلى : " لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذ منه ويدع " . وقال عند الرحمن بن مهدى : " لا يكون إماما في الحديث ، من تتبع شواذ الحديث ، أو حدث بكل ما يسمع أو حدث عن كل أحد " . والامثلة على ذلك كثيرة تجدها في مواضعها من كتابنا . وهذا البحث لم يعن به أحد من قبل - كما قلنا - وكانت دراسته واجبة قبل النظر في كتب الحديث والتفسير والفقه والاصول والتأريخ والنحو وكل ما إليها مما يتصل بالدين الاسلامي ، وكان يجب أن يفرد بالتأليف منذ ألف سنة عند ما ظهرت كتب الحديث المعروفة بعد انتشار المذاهب الفقهية بين المسلمين حتى توضع هذه الكتب في مكانها الصحيح من الدين ، ويعرف الناس حقيقة ما روى فيها من أحاديث ليكونوا منها في أمرهم على يقين ، ولو أننى ألفيت أمامى في المكتبة العربية على سعتها كتابا قد انطوى على هذا الامر الخطير الذى يجب على كل مسلم أن يحيط به علما - لا نحط عن كاهلى هذا " العبء الثقيل (1) " الذى احتملته في سبيل البحث والتنقيب بين مئات الكتب والاسانيد التى أطلعت عليها ، ورجعت إليها ، ثم أخذت منها ، ونقلت عنها ، ولما أنفقت ما أنفقت من سنين طوال في اقتحام هذا الطريق الشاق ، الذى لم يعبد من قبل ولم يضع له أحد فيما سبق منارا يهتدى به - حتى تسنى لى أن أعثر على تلك المواد الغزيرة التى مكنتني من أن أسوى منها هذا الكتاب الجامع الذى يعد الاول في موضوعه ، وأن أذيعه في الناس حتى يكونوا على بينة من أمر الحديث المحمدى ، يدرسونه على نور العلم ، ويفهمونه بمنطق العقل . ولان هذا البحث - كما قلنا - طريف وغريب ، وقد ينبعث له من يتطال إلى معارضته من بعض الحشوية والجامدين ، استكثرت فيه من بعض الادلة ، التى لا يرقى الشك =========================================================================== = اطراح المتعصب بالهوى ، والمقلد الاعمى من زمرة العلماء وأسقطوهما باستكمال من فوقهما الفروض من وراثة الانبياء . وكان السلف يعبرون عن المقلد بالجاهل لان العالم من كان مستقلا في فهمه للعلم واستدلاله على فهمه ، ويقولون مثل إنسان يقلد كبهيمة تقاد . (1) هذا هو وصف الدكتور طه حسين لعملنا في كلمته النفيسة التى افتتحنا بها هذه الطبعة . (*) =========================================================================== [ 27 ] إليها ، وأتزيد من الشواهد التي لا ينال الضعف منها ، وقد يتكرر بعض هذه الادلة بين الابواب المناسبة تقتضيها أو سبب يدعو إليها ، أو لان الكلام معقود بها وسياق المعنى لا يتم بدونها ، وما يتقدمها أو يليها من الكلام مفتقر إليها . وبرغمى أن أنصرف في هذا الكتاب عن النقد والتحليل ، وهى الاصول التى يقوم التأليف العلمي الصحيح في هذا العصر عليها . وقد اضطررت إلى ذلك لان قومنا حديثو عهد بمثل هذا البحث على أنى أرجو أن يكون قد انقضى ذلك الزمن الذى لا يشيع فيه إلا النفاق العلمي والرياء الدينى ، ولا ينشر فيه إلا ما يروج بين الدهماء ويرضى عنه من يزعمون للناس أنهم من المحدثين أو العلماء ، وأن يكون قد أظلنا عهد لا يثبت فيه غير القول الحق ولا يستقر به إلا العمل الصالح ، ولا يقبل فيه إلا العلم النافع الذى يمكث في الارض . وأرجو كذلك - وقد حسرت النقاب عن وجه الحق في أمر الحديث المحمدى الذى جعلوه الاصل الثاني من الادلة الشرعية ، بعد السنة العملية ، واتخذوا منه ، أسانيد لتأييد الفرق الاسلامية ، ودلائل على الخرافات والاوهام ، وقالوا بزعمهم إنها دينية ، وكشفت القناع عما خفى على الناس من أمره ، وعرضت لهم صورة صادقة من تاريخه - أرجو أن أكون قد وفقت إلى إصابة الغرض الاول الذى بذلت كل ما بذلت من أجله ، وأنفقت من عمر وتعب في سبيله ، وهو الدفاع عن السنة القولية وحياطتها مما يشوبها ، وأن يصان كلام الرسول من أن يتدسس إليه شئ من افتراء الكاذبين أو ينال منه كيد المنافقين وأعداء الدين ، وأن تنزه ذاته الكريمة من أن يعزى إليها إلا ما يتفق وسمو مكانتها وجلال قدرها ، إذ لم يكن صلوات الله عليه - وهو في أعلى أفق من العلم والحكمة والبلاغة - ليصدر عن جهل ، أو ينطق عن هوى . وإذا كان هذا الكتاب سيغير - ولا ريب - من آراء كثير من المسلمين فيما ورثوه من عقائد ، وما درسوه من أحكام ، فإنه سيقفهم إن شاء الله على حقائق كثيرة تزيدهم تبصرة وعلما بدينهم ، ويحل لهم مشاكل متعددة مما تضيق به صدورهم ، ويدفع شبهات مما يتكئ عليها المخالفون ، والصادون عن دينهم ، وبذلك يستقيم =========================================================================== [ 28 ] النظر لى معرفة أصول الدين ، ويعتدل الرأى في فهم أغراضه من المسلمين ، وغير المسلمين . وسيبقى هذا الكتاب - إن شاء الله - منارة عالية تهدى إلى معالم تاريخ الحديث المحمدى على مد التاريخ كله ما دام هذا الحديث يقرأ أو يدرس بين الناس في الارض . وإنى لاتوجه بعملي هذا - بعد الله سبحانه وله العزة - إلى المثقفين من المسلمين خاصة ، وإلى المهتمين بالدراسات الاسلامية عامة ، ذلك بأن هؤلاء وهؤلاء هم الذين يعرفون قيمته ويدركون قدره . والله أدعو أن يجدوا فيه جميعا ما يرضيهم ويرضى العلم والحق معهم . وأتضرع إليه سبحانه أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه ، وأن يكتب له توفيقا وتأييدا من عنده ، حتى يبلغ ما أرجو له من خدمة الدين ، وإظهار الحق ، ونفع الناس أجمعين إنه سميع الدعاء . عن جيزة الفسطاط في يوم السبت 5 من جمادى الاولى سنة 1377 7 من ديسمبر 1957 محمود أبوريه =========================================================================== [ 29 ] بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الطبعة الثانية (1) " ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده . ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ، أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " . . (88 - 90 سورة الانعام) أرى من الحق على - وأنا أقدم بين يدى هذه الطبعة الثانية من كتابي " أضواء على السنة المحمدية ، أو دفاع عن الحديث " أن آتى بكلمة صريحة عن الطبعة الاولى منه - وكيف قوبلت من الناس على اختلاف طبقاتهم ونزعاتهم . فأما كبار العلماء وقادة الفكر في بلادنا وغير بلادنا ، فقد ظفر منهم - والحمد لله على فضله وتوفيقه - بالرضا والتقدير ، وأثنوا عليه ثناء جميلا ، جزاهم الله عنا وعن العلم خير الجزاء ، وأما أولئك الذين يكرهون التحقيق في البحث ، والاجتهاد في الفهم ، والحرية في الفكر ، ولا يرون العلم إلا فيما أخذوه عن شيوخهم تلقينا ، فهؤلاء جميعا قد قابلوه بما كنا نتوقعه منهم ، وغضبوا عليه ، وثاروا حوله من هاهنا ، وهاهنا حتى ألفوا في ذلك كتبا ، فأعرضت عنهم جميعا ، ولم أعرض لهم . على أننا لم نجد في أي من هذه الكتب - على ضخامتها وكثرتها - دراسة قيمة ولا نقدا موضوعيا ، يقوم على الاسلوب العلمي الحديث ، الذى يظهر حقا ، أو يصحح غلطا ، أو يعدل رأيا - وكل قيمتها أنها قد أظهرت أخلاق مؤلفيها ومبلغ علمهم . وإذا كان مثل هذا النقد سائغا عند بعضهم ، فإنه قد أصبح =========================================================================== (1) قد حذفنا من هذه المقدمة أكثر من سبع عشرة صفحة مما كنا قد بينا فيها موقف الذين ثاروا علينا وعلى كتابنا ، وقد أثرنا أن نتبع الحسنى وندفع بالحسنة السيئة فألقينا كل ما قالوه فينا من وراء ظهرنا وأن ندعو الله أن يغفر لكل الذين آذونا ، وأن يهديهم سواء السبيل . (*) =========================================================================== [ 30 ] اليوم ممقوتا لا بعمد إليه إلا كل جاهل لا يعرف من أصول النقد شيئا . ذلك أن النقد الصحيح في هذا العصر إنما يقوم على أصول ثابتة من العلم الكامل ، والعقل الراجح والمنطق السليم ، وأن يكون الناقد قبل ذلك عف اللسان مهذب الاسلوب - وبذلك كله يؤدى إلى النقد واجبه ، وإلى العلم حقه ، حتى يقع نقده موقع القبول ، ويؤثر في القلوب والعقول معا . هذا هو النقد الصحيح ، أما النقد المبنى على غير ذلك ولا يعمل له حساب فهذا لا يعد نقدا ! ومما لا يقضى الانسان منه عجبا ، أن كل الذين ثاروا على كتابنا لم ينفذوا إلى فهم الغاية منه ولم يدركوا أغراضه ، ولعل مرد ذلك إلى أنه من وراء علمهم ، وموضوعه غريب عليه ، وأن بحثه يقوم على المنهج العلمي الحديث وهم لا يحسنونه ، فما كاد يخرج عليهم حتى روعهم فنكروه ، وأوجسوا منه خفية فعارضوه . وليتهم لما لم يفهموا كلامنا قد أراحوا الناس بسكوتهم ، واستمعوا إلى نصيحة الشاعر الحكيم في قوله : ليت من لا يحسن العل‍ * م كفانا شر علمه ! وإنى بعد ذلك لاستعلن وقلبي مطمئن أي اطمئنان أنه لا ضير على كتابي هذا من مثل هذا النقد الهزيل الذى زاد من قيمته ، وأعلى من شأنه . =========================================================================== [ 31 ] للحق والتاريخ هذه هي قصة كتابي مع العلماء المحققين وغير المحققين أسجلها هنا للحق والتأريخ في عبارة وجيزة لتبقى على وجه الدهر شاهدة صادقة يقرؤها الناس جيلا بعد جيل على مد العصور لكى يعرفوا كيف كان بعض شيوخ الدين - في عصرنا هذا ، عصر النور والعرفان ، عصر الذرة - يقابلون كتب العلم التى تكتب بتحقيق في البحث واجتهاد في الفهم ، وحرية في الفكر ! ! وإنى هنا أرى أنه لا مناص لى من أن أذكر أمرا لاحظته واضحا في نقد المنتقدين ، وذلك أن حملاتهم قد اشتدت فيما يتصل بأبى هريرة خاصة وفي عدالة الصحابة عامة ، حتى بلغوا في ذلك حالة غير معقوله - ومن أجل ذلك رأيت وفاء بحق التأريخ ورعاية لحرمة العلم أن أعود فأراجع كتابي كله لكى أعزز أبوابه ، وأدعم فصوله ، بما كنت قد أمسكت عن نشره في الطبعة الاولى - وبما أعثر عليه البحث بعد صدور هذه الطبعة - من المصادر الوثيقة والاسانيد المعتبرة لدى الجمهور إن في هذين الموضوعين وإن في غيرهما من سائر مواضيع الكتاب إلى ما يدعو إليه إعادة النظر في كل ما يكتب لاول مرة من تهذيب وتنقيح واستيفاء وزيادة وتوضيح حتى أصبح الكتاب كاملا . فأما أبو هريرة فلان له وضعا خاصا به لا يشاركه فيه سواه من سائر الصحابة وليس له مثيل منهم ، لا في سيرته ، ولا في تاريخه ، ولا في كثرة أحاديثه ، فقد كسرت له كتابا خاصا باسم " شيخ المضيرة " وطبعناه على حدة مرتين (1) . وأما الصحابة فقد رأينا أن نعزز ما كتبناه في الطبعة الاولى بنقل بعض ما جاء عنهم من أصدق كتاب يرجع إليه المسلمون في مشارق الارض ومغاربها ذلكم هو القرآن الكريم ، فمن استطاع أن يمترى في آية من آياته ، أو يجادل في كلمة من كلماته فليفعل ، ويكون بذلك شهما شجاعا . ولعل بعضهم يقول : إن الآيات التى جاءت في وصف الصحابة قد نسخت ! =========================================================================== (1) طبع طبعتين الاولى في مدينة صور - لبنان ، والثانية بالقاهرة . (*) =========================================================================== [ 32 ] وإن هذا كان شأنهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، أما بعد ذلك فقد أصبحوا مبرئين معصومين (1) ومن قال غير ذلك فهو زنديق . وإن إيمانه على حرف (2) . وفي ختام كلمتي أقول : بأنى سأتقبل كل ما قد يوجه إلى من نقد بالاغتباط والسرور . ورحم الله ابن حزم حيث يقول : من حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق ، وإن آلمتها في أول صدمة ، كان اغتباطه بذم الناس إياه ، أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه . هدانا الله جميعا إلى الصراط المستقيم وتولانا بفضله ، ورضوانه إنه هو البر الرحيم . =========================================================================== (1) مما يتكئ عليه بعضهم بأن الصحابة كلهم عدول حديث يرددونه وهو : أصحابي كالنجوم . . . وهو حديث لا أصل له ، انظر كتاب المنتقى لابن تيمية ص 551 وغيره . (2) راجع كتابنا " شيخ المضيرة " لتجد اسم تمن قضى بهذا الحكم وهو - واأسفا - أستاذ يدرس الشريعة الاسلامية بإحدى الجامعات المصرية . (*) =========================================================================== [ 33 ] بيان لا بد منه قبل أن أضع القلم من إعداد الطبعة الثانية لهذا الكتاب أجد من الضرورى أن أنشر هذا البيان لاجيب فيه عن ملاحظتين دقيقتين أبدى إحداهما العالم الجليل الدكتور طه حسين بعد أن قرأ الكتاب في طبعته الاولى مرتين - كما صرح بذلك حفظه الله - في الفصل الممتع الذى تفضل فكتبه عن كتابنا هذا ، وأثنى فيه عليه وعلى مؤلفه ثناء طيبا استحق من أجله أن أقدم له أجمل الشكر وأخلص الحمد ، وقد إستخرنا الله في أن نجعل هذا الفصل مقدمة لهذه الطبعة . أما الملاحظة الاولى فقد أبداها مع الدكتور بعض العلماء وهى : أنى - وأنا أقص على الناس قصة الحديث ، وأبين لهم ما أصابه من فعل الرواة ، وما اعتراه من وضع الوضاعين وغيرهم ، وما إلى ذلك مما بينته في كتابي - أعود فأستشهد ببعض الاحاديث وأجعلها من أدلتي فيما أريد من إثبات أو نفي ، أو غير ذلك ! مما قد يبدو في ظاهر الامر أنه تناقض . وقد يكون لهذه الملاحظة حظ من الاعتبار - إذا كنت أنا أعتقد صحة الاحاديث التى أستشهد بها ، وأقطع بأنها قد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظها ومعانيها ! ولكى أدرأ عن نفسي هذه الشبهة أقول : إن الاحاديث التى أوردها في سياق كلامي للاستدلال بها على ما أريد في كتابي ، إنما أسوقها لكى نقنع من لا يقتنع إلا بها ، على إعتبار أنها عنده من المسلمات التى يصدقها ولا يمارى فيها . وأنا إذ أفعل ذلك لم أخرج عن أصول المنطق وأساليب الحجاج والجدل ، فهناك ما يمسى " بالدليل الاقناعى " وهو أن يحتج على الخصم بما هو مسلم عنده ، كأن يحتج المسلم على النصراني بما في الانجيل ، وهو في نفسه غير مؤمن بما يحتج به ، أو عكس ذلك ، أو الذى يسمونه " دليل الالزام " الذى يقولون فيه " ألزموهم أضواء على السنة المحمدية =========================================================================== [ 34 ] بما ألزموا به أنفسهم " وهذا أمر مشهور بين العلماء فلا نحتاج إلى إيراد الادلة عليه . على أن ذلك ليس عاما في كل ما أورده من أحاديث في كتابي ، فإن منها ما يبدو عليه علائم الصحة - كأن يكون بيانا للقرآن الكريم ، أو متفقا مع العقل السليم ، أو جاء " على مقتضى الاصول التى قام عليها الدين ، وإليها قامت الدعوة ، ولاجلها منحت النبوة " أو أتنور خلال معانيه شعاعا من نور النبوة ، ولو كان خافتا ضئيلا - وهذا أمر أحسه بوجداني ، فما كان من مثل ذلك مما يطمئن به القلب ويسلم به العقل فأنا آخذ به وأرويه وأنا مطمئن وأعتبره من بيان الرسول للكتاب العزيز - وإن كنت على ثقة بعد ذلك كله من أنه من أحاديث الآحاد ، وأنه ظنى الدلالة بحيث لا يبلغ منزلة القطع الذى يفيد اليقين ، وأن روايته قد جاءت " بالمعنى " لا بأصل اللفظ الصحيح الذى نطق به النبي صلى الله عليه وسلم . ومن الاحاديث ما تقضى البداهة بصدقه كحديث : " لا تكتبوا عنى شيئا غير القرآن " وهو الحديث الذى بنينا عليه كتابنا هذا . ذلك بأن القرائن كلها تدل على صحته وجاء عمل الصحابة بتأييده ، فإنهم جميعا قد اتبعوه وامتنعوا عن كتابة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ثم منعوها بالنهي عنها . ومن أجل ذلك جاءت هذه الاحاديث كلها بالرواية لا بالكتابة كما جاء القرآن . أما الملاحظة الثانية التى لاحظها الدكتور الفاضل فكانت بلسانه فقال : إنك قد أكثرت من النقل عن السيد رشيد رضا " رحمه الله " ، وهذه الملاحظة سمعتها كذلك من غيره من كبار العلماء ، وما لاحظه دكتورنا - ومن معه - هو حق لا أمارى فيه ! وجوابي عن هذه الملاحظة أنى لم أصنع ذلك عفوا أو فقرا من الادلة - وإنما كان ذلك مقصودا منى لاسباب مهمة . منها : أن هذا السيد يعتبر في هذا العصر من كبار أئمة الفقه المجتهدين عند أهل السنة =========================================================================== [ 35 ] الذين يعتد برايهم ، ويوتق بهم ، ويؤخذ عنهم ، وأنه بلا منازع شيخ محدثي أهل السنة في عصرنا ، بحيث يعلم من أمر الاحاديث التى حملتها الكتب المشهورة لدى الجمهور ويدرك ما اعتراها من فعل الرواة وغير ذلك ، مما يتصل بموضوع كتابي ، ما لم يعلم مثله سواه ، وبحسبك أن الازهر - هذا المعهد العظيم - لم يخرج - في هذا العصر وفي عصور كثيرة - من يضارعه علما وبحثا ، وأنا أعرف ما أقول . على أنه فوق ذلك ورث علم الاستاذ الامام محمد عبده - وناهيك به علما وفضلا ، بحيث لا يختلف اثنان في أنه من كبار أئمة الدين المجتهدين - فما يقوله السيد رشيد إنما أعتبره كأنه صادر عن أستاذه الامام وذلك فيما أرى أنه من منهج الاستاذ الامام وأسلوبه في النظر إلى الدين (1) . ولانه قد جمع كل هذه الصفات تكون أقواله وآراؤه ولا ريب - عند الجمهور - حججا دامغة ، وبراهين مقنعة ، لا يستطيع أحد منهم أن يعارضها أو يمارى فيها . من أجل ذلك أكثرنا من الاستشهاد في كتابنا بأقواله وآرائه ، وجعلنا ذلك من الادلة القوية على ما نأتى به . والامر في هذا العالم كالامر في غيره ممن نستشهد بأقوالهم كابن تيمية الذى أكثرنا كذلك من النقل عنه ، ذلك أنه يلقب عند أهل السنة " بشيخ الاسلام " ، وله لدى الجمهور مقام ، أي مقام ، وإذا كنا نعرف لهذين العالمين الكبيرين قدرهما ، فإنا لنعلم كذلك ما يؤخذ عليهما - وكل أحد يؤخذ من قوله ويرد عليه ، إلا صاحب الرسالة صلوات الله عليه . وقد صنعنا ذلك لاننا على علم بما سيثور حول كتابنا من الذين يقولون إنهم من أهل السنة - وذلك بما سبق أن قابلونا به عندما نشرنا من فصول هذا الكتاب ما نشرنا على مجلة الرسالة قبل طبع كتابنا - طبعته الاولى - ببضع سنين . قد أيد ذلك ما ابتلينا به بعد ظهور الكتاب مطبوعا . =========================================================================== (1) قال العلامة الكبير الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الازهر (سابقا) رحمه الله : إذا كان الشيخ محمد عبده إماما في الدين فالسيد رشيد رضا لا شك صاحبه ومفسر مذهبه ومكمله ، وقد بذل منشئ المنار رحمة الله عليه مجهودا في هذه الناحية ضخما حافلا بالمباحث الدينية ، والمناقشات الفقهية ، وكان لهذا المجهود العظيم أثر غير ضئيل في طلاب العلوم الدينية ومناهجهم ، وفي توجيه الدراسات الشرعية في البلاد الاسلامية المختلفة (ص 15 من كتاب رائد الفكر المصرى) . (*) =========================================================================== [ 36 ] هذا هو جوابنا عما لاحظه الدكتور طه حسين وغيره - ونرجو أن يكون هذا الجواب شافيا ومقنعا له ولسائر العلماء المثقفين - وحسبي ذلك . وهنا يتاح لى أن أزيد في هذا البيان سطورا أعرض فيها لحقيقة ثابتة ضل في فهمها بعض الناس . ذلك أنهم يزعمون أنى أرمى من وراء كتابي هذا إلى غاية خفية وهى الصد عن السنة القولية والاكتفاء بالقرآن الكريم وحده في أخذ أمور الدين ! ولست أدرى من أين جاءهم هذا الفهم الخاطئ ، ولا في أي موضع من كتابي هذا ذكرت ذلك ، أو أشرت من قريب أو بعيد إليه . أما الذى صرحت به في عبارات واضحة لا لبس فيه ولا غموض ، أن يتحفظ الناس في أخذ الحديث ، وأن يتحروا الصحيح الثابت منه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، أما غير الصحيح والموضوع فيدعونه ولا يلتفتون إليه بعد ما عراه من فعل الرواة ما عراه ، مما فصلناه في كتابنا تفصيلا ، ولم أكن بدعا في ذلك فهذه سنة من قبلنا من أئمة الاسلام ، وما جرى عليه عمل العلماء الاعلام . هذا ما صرحت به مرارا وأكدته وأنا على يقين من أن القرآن هو أصل الدين القويم وأن السنة لم تكن إلا مبينة له ، ولا بد أن يكون البيان صحيحا واضحا لا شبهة فيه . وعلى أن كلامي هذا واضح ، فقد سمعنا ما سمعنا ولكن هذا لا يهمنا ، ولا يضر بشئ من قريب أو بعيد كتابنا . عن جيزة الفسطاط في يوم الجمعة 8 من محرم سنة 1383 ه‍ 31 من مايو سنة 1963 م =========================================================================== [ 37 ] مقدمة الطبعة الثالثة نستخير الله في أن نقدم هذه الطبعة من كتابنا إلى القراء ، ونستهلها بكلمة مختصرة نبين فيها ما صنعناه لها من تنقيح وزيادة على ما كانت عليه الطبعة الثانية منه . عندما عزمنا على طبع كتابنا هذا للمرة الثالثة رأينا من التدبير أن نعيد النظر في الطبعة الثانية ، وما إن انتهينا من قراءتها حتى بدا لنا أن بعض مواضيعها يحتاج إلى مزيد من البيان والايضاح ، وقد يطول هذا البيان أو يقصر ، وذلك حسب ما يقتضيه الموضوع ، وألفينا مواطن عديدة منها تستدعى شيئا من التصحيح أو التنقيح ، ثم عثرنا على أغلاط مطبعية قد شاعت في كلمات كثيرة وقد نجمت هذه الاغلاط من أن الكتاب قد طبع في لبنان بعيدا عنا . ولا أفصل القول في بيان كل ما قمت به لتهيئة الكتاب وإخراجه للطبعة الثالثة لان ذلك يعتبر تطويلا لا جداء فيه ، وإنما الذى يمكن أن أذكره عن طريق الاجمال - وأنا مطمئن - أنى قد بذلت كل ما أستطيع من جهد وقوة في سبيل تقويم كل ما وجدت في الطبعة الثانية بدقة وأناة حتى خرجت هذه الطبعة الحالية - والحمد لله - كاملة مستوفاة . وقد جئنا في هذه الطبعة بخلاصة وجيزة من تاريخ أبى هريرة بعد أن كنا قد حذفنا تاريخه من الطبعة الثانية وجعلناه في كتاب خاص مفصل جامع . وإذا كنت - وأنا أقدم هذه الطبعة للناس قد أصبحت راضيا عنها مغتبطا بها - فإنى أرجو مخلصا أن ينفع الله بها ، وأن يزداد رضا العلماء الكمل عنها ، والحمد لله في البدء والنهاية ونسأله دوام التوفيق والهداية ، إنه سميع مجيب . =========================================================================== [ 38 ] السنة نرى من الحق علينا قبل أن نتناول أطراف الحديث الذى أخذنا على أنفسنا القيام به أن نمهد بصدر صالح من القول في تعريف " السنة " لغة واصطلاحا وبيان حكم القولية منها التى هي أحاديث النبي ، ومكانها من الدين . ثم نمضى في سبيلنا إن شاء الله . عرفوا السنة لغة : بأنها الطريقة المعبدة ، والسيرة المتبعة ، أو المثال المتبع - وجمعها سنن ، وذكروا أنها مأخوذة من قولهم : سن الماء إذا والى صبه . فشبهت العرب الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب ، فإنه لتوالى جريانه على نهج واحد يكون كالشئ الواحد . قال الشاعر (1) : فلا تجز عن من سيرة أنت سرتها * وأول راض سنة من يسيرها وفي الاساس : سن سنة حسنة ، طرق طريقة حسنة ، واستن بسنته . وفلان متسنن ، عامل بالسنة . وقال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم : السنة هي العادة وهى الطريق التى تتكرر لنوع الناس مما يعدونه عبادة أو لا يعدونه عبادة . قال تعالى : " قد خلت من قبلكم سنن ، فسيروا في الارض " وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لتتبعن سنن من كان قبلكم " والاتباع هو الاقتفاء والاستنان . وسنة النبي طريقته التى كان يتحراها ، وسنة الله تعالى قد تقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته ، نحو : " سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا " " ولن تجد لسنة الله تحويلا " . وقال الجرجاني في التعريفات : السنة في اللغة الطريقة مرضية كانت أو غير =========================================================================== (1) هو خالد بن عتبة الهذلى وابن أخت أبى ذؤيب الهذلى . (*) =========================================================================== [ 39 ] مرضية ، وفي الشريعة هي الطريقة المسلوكة في الدين في غير افتراض ولا وجوب ، فالسنة ما واظب النبي عليها مع الترك أحيانا ، فإن كانت المواظبة المذكورة على سبيل العبادة فسنن الهدى ، وإن كانت على سبيل العادة فسنن الزوائد . وسنة رسول الله هي ما كان عليه هو وخاصة أصحابه عملا وسيرة ، وهذه السنة تعرف من الصحابة بالعمل والاخبار ، كنحو : من السنة كذا . ثم اصطلح المحدثون على تسمية كلام الرسول " حديثا وسنة " اه‍ أي أنه اصطلاح مستحدث لا تعرفه اللغة ولا يستعمل في أدبها وقد جرينا على هذا الاصطلاح في تسمية كتابنا هذا وفيما يجرى حديثنا فيه - وكان الحق أن نسميه - دفاعا عن الحديث لانه وضع في الحقيقة من أجل ذلك وقد زدناها في تسمية هذه الطبعة . وقالوا السنة تطلق في الاكثر على ما أضيف إلى النبي ، من قول أو فعل أو تقرير . مكان السنة في الدين جعلوا السنة القولية في الدرجة الثالثة من الدين ، وأنها تلى السنة العملية ، وهذه تلى القرآن في المرتبة ، ذلك بأن القرآن قد جاء من طريق متواتر بحيث لا يتطرق إليه الشك ، فهو من أجل ذلك مقطوع به جملة وتفصيلا . أما السنة فقد جاءت من طريق غير متواتر ، فهى مظنونة في تفصيلها ، وإن كان مقطوعا بجملتها ، وأما الذى هو في الدرجة الثانية من الدين فهو السنة العملية . قال الامام الشاطبي في الموافقات (1) : رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار ، والدليل على ذلك أمور : أحدها - أن الكتاب مقطوع به ، والسنة مظنونة ، والقطع بها إنما يصح في الجملة لا في التفصيل ، بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به في الجملة والتفصيل ، والمقطوع به مقدم على المظنون ، فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة . =========================================================================== (1) ص 3 وما بعدها ج‍ 4 . (*) =========================================================================== [ 40 ] الثاني - أن السنة إما بيان للكتاب ، أو زيادة على ذلك ، فإن كانت بيانا كانت ثانيا على المبين في الاعتبار - إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان ، ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين - وما شأنه هذا فهو أولى في التقدم ، وإن لم يكن بيانا فلا يعتبر إلا بعد ألا يوجد في الكتاب ، وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب . الثالث - ما دل على ذلك من الاخبار والآثار كحديث معاذ ، بم تحكم ؟ قال : بكتاب الله . قال ، فإن لم تجد ؟ قال : بسنة رسول الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد رأيى (1) . وبعد ما أورد الشاطبي أدلة كثيرة عن عمر وابن مسعود وابن عباس تثبت ذلك قال : والمقطوع به في المسألة أن السنة ليست كالكتاب في مراتب الاعتبار . ومما قاله : " إن السنة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب ، ودل على ذلك قوله تعالى : (لتبين للناس ما نزل إليهم) ، وأن السنة راجعة في معناها إلى الكتاب ، فهى تفصيل مجمله ، وبيان مشكله ، وبسط مختصره ، وذلك لانها بيان له ، وهو الذى دل عليه قوله تعالى : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فلا تجد في السنة (2) أمرا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية ، وأيضا فكل ما دل على أن القرآن هو كلية الشريعة (3) وينبوع لها فهو دليل على ذلك ولان الله قال : (وإنك لعلى خلق عظيم) : وفسرت عائشة ذلك بأن خلقه القرآن ، - واقتصرت في خلقه على ذلك - فدل على أن قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن ، لان الخلق محصور في هذه الاشياء ، ولان الله جعل القرآن تبيانا لكل شئ (4) ، فيلزم من ذلك أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة ، لان الامر والنهى أول ما في الكتاب ، ومثل قوله : (ما فرطنا في الكتاب من شئ (5)) وقوله : (اليوم أكملت لكم دينكم) وهو يريد بإنزال القرآن - فالسنة إذن في محصول الامر بيان =========================================================================== (1) رواه أبو داود والترمذي والدارمى . (2) أي السنة الثابتة . (3) أي جامع لكليات الشريعة وأصولها . (4) قال تعالى في سورة النحل : " وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " . (5) أي من أمور الدين وغير الدين . (*) =========================================================================== [ 41 ] لما فيه ، وذلك معنى كونها راجعة إليه ، وأيضا فالاستقراء التام دل على ذلك وقد تقدم في أول كتاب الادلة أن السنة راجعة إلى الكتاب ، وإلا وجب التوقف عن قبولها وهو أصل كاف في هذا المقام " إلى أن قال : " إن السنة تطاع لانها بيان للقرآن ، فطاعة الله العمل بكتابه ، وطاعة الرسول العمل بما بين به كتاب الله تعالى قولا أو عملا أو حكما . ولو كان في السنة شئ لا أصل له في الكتاب لم تكن بيانا له ، ولا يخرج من هذا ما في السنة - من التفصيل لاحكام القرآن الاجمالية وإن كانت تتراءى أنها ليست منه كالصلاة المجملة في القرآن والمفصلة في السنة ، ولكننا علمنا بهذا التفصيل أنه مراد الله في الصلاة التى ذكرها في كتابه مجملة " . وقال (1) : إن السنة توضح المجمل ، وتقيد المطلق ، وتخصص العموم . وقال (2) : إن السنة إنما جاءت مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه . وسئل الامام أحمد عن الحديث الذى روى في أن السنة قاضية على الكتاب فقال : ما أجسر على هذا أن أقوله ، ولكني أقول إن السنة تفسر القرآن وتبينه (3) . وكان الامام مالك " يراعى كل المراعاة العمل المستمر والاكثر ويترك ما سوى ذلك وإن جاء فيه أحاديث . وقال : أحب الاحاديث إلى ما اجتمع الناس عليه (4) . وفي روح البيان للآلوسي أن الامام الشافعي قال : جميع ما حكم به النبي فهو مما فهمه من القرآن . وقال الامام الشافعي : لا تخالف سنة لرسول الله كتاب الله بحال (5) . وقال الفقيه المحدث السيد رشيد رضا رحمه الله : والنبى مبين للقرآن بقوله وفعله ويدخل في البيان التفصيل والتخصيص والتقييد ولكن لا يدخل فيه إبطال حكم من أحكامه أو نقض خبر من أخباره ، ولذلك كان التحقيق " أن السنة =========================================================================== (1) ص 21 ج 1 . (2) ص 43 ج 3 أكثرنا من النقل عن هذا الكتاب لانه كما قال أستاذنا الامام محمد عبده : " من الكتب النفيسة التى لم يؤلف مثلها " . (3) ص 26 ج 4 الموافقات للشاطبي وص 23 - 1 تفسير القرطبى . (4) ص 66 و 70 ج 3 الموافقات . (5) ص 576 من الرسالة طبعة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله . (*) =========================================================================== [ 42 ] لا تنسخ القرآن " . . والعمدة في الدين كتاب الله تعالى في المرتبة الاولى والسنة العملية المتفق عليها في المرتبة الثانية وما ثبت عن النبي ، وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة في الدرجة الثالثة - ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلما ناجيا في الآخرة مقربا عند الله تعالى وقد قرر ذلك الغزالي (1) . حكم كلام الرسول في الامور الدنيوية هذا ما رأينا إيراده من كلام كبار الائمة من حيث بيان درجة كلام الرسول في الامور الدينية - أما كلامه صلوات الله عليه في الامور الدنيوية فإنه كما قالوا من الآراء المحضة ويسميه العلماء " أمر إرشاد " ، أي أن أمره صلى الله عليه وسلم في أي شئ من أمور الدنيا يسمى إرشادا - وهو يقابل " أمر التكليف " . ومن القواعد الاصولية أن العمل بأمر الارشاد - لا يسمى واجبا ولا مندوبا ، لانه لا يقصد به القربة ولا فيه معنى التعبد . ومن المعلوم أنه : لا دليل على وجوب أو ندب إلا بدليل خاص . وما ذكره العلماء في ذلك إنما هو لان الرسل غير معصومين في غير التبليغ . قال السفارينى في شرح عقيدته (2) : قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين : وإنهم معصومون فيما يؤدونه عن الله تعالى وليسوا بمعصومين في غير ذلك من الخطأ والنسيان والصغائر . وقال ابن عقيل في الارشاد : إنهم عليهم السلام لم يعتصموا في الافعال - بل في نفس الاداء ولا يجوز عليهم الكذب في الاقوال فيما يؤدونه عن الله تعالى . وهذا ينكره علماء الشيعة فإنهم أجمعوا على أن الانبياء لا يخطئون ولا يعتريهم السهو والنسيان - وهم مجمعون على أنهم معصومون في الكبر والصغر حتى في أمور الدنيا . وقد ثبت أن النبي كان يصدق بعض ما يفتريه المنافقون ، كما وقع في غزوة =========================================================================== (1) ص 694 ج 12 المنار وقرر الغزالي ذلك في كتابه القسطاس المستقيم . (2) 291 ج 2 . (*) =========================================================================== [ 43 ] تبوك وغيرها وصدق بعض أزواجه ، وتردد ، في حديث الافك وضاق صدره به زمنا حتى نزل عليه آيات البراءة فكشفت له الغطاء عن الحقيقة . قال القاضى عياض (1) : أما أحواله في أمور الدنيا فقد يعتقد الشئ على وجه ويظهر خلافه ، أو يكون منه على شك أو ظن بخلاف أمور الشرع . عن رافع بن خديج (2) قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل فقال : ما تصنعون ؟ قالوا : كنا نصنعه ، قال : لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا ، فتركوه فنفضت ، فذكروا ذلك له . فقال : " إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشئ من رأيى فإنما أنا بشر " . وفي رواية أنس " أنتم أعلم بأمر دنياكم " وفي حديث آخر إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن . وفي حديث ابن عباس في قصة الخرص (3) فقال رسول الله : " إنما أنا بشر فما حدثتكم عن الله فهو حق ، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ أصيب " . وهذا على ما قررنا فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها ، ولما نزل بأدنى مياه بدر قال له الحباب بن المنذر : أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أم هو الرأى والحرب والمكيدة ؟ قال : لا بل هو الرأى والحرب والمكيدة . قال : فإنه ليس بمنزل ! انهض حتى نأتى أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب فنشرب ولا يشربون . فقال : أشرت بالرأى . وفعل ما قاله . وأراد مصالحة بعض عدوه على ثلث تمر المدينة فاستشار الانصار فلما أخبروه برأيهم رجع عنه . فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التى لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها يجوز عليه فيها ما ذكرناه . وقال (4) وأما ما يعتقده في أمور أحكام البشر الجارية على يديه وقضاياهم ومعرفة المحق من المبطل ، وعلم المصلح من المفسد فبهذه السبيل ، لقوله صلى الله =========================================================================== (1) ص 178 و 179 ج 2 الشفاء . (2) هذه الاحاديث رواها مسلم في كتابه ، بألفاظ مختلفة وظاهرها هو في الضابط القطعي بين ما قاله الرسول رأيا وإرشادا ، وبين ما قاله تشريعا . (3) كانوا قد مروا بشجر مثمر يخرصونه يجربون حدسهم ، وخرصها النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت على خلاف خرصه . (4) ص 180 ج 2 من الشفاء . (*) =========================================================================== [ 44 ] عليه وسلم : " إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه بشئ فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار " (عن أم سلمة) . وفي رواية الزهري عن عروة " فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضى له " . وهو صلى الله عليه وسلم يجرى أحكامه على الظاهر وموجب غلبات الظن بشهادة الشاهد ويمين الحالف ومراعاة الاشبه . . . إلخ . وقال (1) : فأما ما تعلق منها (أي معارف الانبياء) بأمر الدنيا فلا يشترط في حق الانبياء العمصة من عدم معرفة الانبياء ببعضها أو اعتقادها على خلاف ما هي عليه ، ولا وصم عليهم فيه . وقال صلى الله عليه وسلم : إنى لا أعلم إلا ما علمني ربى . وقال موسى للخضر (هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا) (2) . وقال الوزير اليماني في الروض الباسم : غير خاف عمن له أنس بقواعد العلماء أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم عند المحققين لا تدل بنفسها على الوجوب ، ولا على الندب ، وإنما تدل على الاباحة - والقدر المقطوع به أنه لم يكن يفعل المعاصي المحرمة ، فإن فعل شيئا من الصغائر سهوا لم يقر عليه ، وبين الله تعالى ذلك - وقال المحققون : إذا فعل فعلا نظرنا ، هل دلت القرائن على أنه فعل ذلك متقربا به إلى الله تعالى أولا ، فإن لم تدل القرائن على ذلك لم يستحب التأسي به وكان من فعله على الاباحة ، من شاء فعله ومن شاء تركه ، ومن ذلك إقراره لعمر بن الخطاب على مخالفة رأيه في قصة أسرى بدر (3) . =========================================================================== (1) 107 ج‍ 2 . (2) ص 109 من نفس المصدر . (3) ص 142 ج 1 . (*) =========================================================================== [ 45 ] مجرد أمر الرسول لا يقتضى الوجوب روى محمد بن الحنفية رحمه الله عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام قال : كان قد كثر على مارية القبطية أم إبراهيم في ابن عم لها قبطى كان يزورها ، ويختلف إليها ، فقال لى النبي صلى الله عليه وسلم : خذ هذا السيف وانطلق ، فإن وجدته عندها فاقتله . قلت : يا رسول الله ، أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة ، أمضى لما أمرتنى ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال لى النبي صلى الله عليه وسلم : " بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب " فأقبلت متوشحا بالسيف فوجدته عندها ، فاخترطت السيف فلما أقبلت نحوه ، عرف أنى أريده ، فأتى نخلة فرقى إليها ، ثم رمى بنفسه على قفاه ، وشغر برجليه ، فإذا به أجب أمسح ، ما له مما للرجال قليل ولا كثير ، قال فغمدت السيف ، ورجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال : الحمد لله يصرف عنا أهل البيت . قال الشريف المرتضى في تعليقه على هذا الخبر : ومما فيه من الاحكام اقتضاؤه أن مجرد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقتضى الوجوب ، لانه لو اقتضى ذلك لما حسنت مراجعته ولا استفهامه ، وفي حسنها ووقوعها موقعها دلالة على أنها لا تقتضي ذلك (1) . وفي طبقات الاطباء والحكماء لابن جلجل عن سعد بن أبى وقاص قال : مرضت مرضا فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى : ائت الحارث بن كلدة فإنه رجل بتطيب . فأمر رسول الله بإتيان الاطباء ومسألتهم عمابين أيديهم (2) . =========================================================================== (1) ص 77 و 78 ق 1 أمالى المرتضى . (2) ص 54 وهذا الكتاب من مطبوعات المعهد العلمي الفرنسى للآثار الشرقية بالقاهرة . (*) =========================================================================== [ 46 ] النهى عن كتابة الحديث كان رسول الله صلوات الله عليه - كما قلنا - مبينا ومفسرا للقرآن بفعله وقوله ، ولكن أقواله في هذا البيان أو في غيره لم تحفظ بالكتابة كما حفظ القرآن ، فقد تضافرت الادلة النقلية الوثيقة ، وتواتر العمل الثابت الصحيح على أن أحاديث الرسول صلوات الله عليه لم تكتب في عهده كما كان يكتب القرآن ولا كان لها كتاب يقيدونها عند سماعها منه وتلفظه بها كما كان للقرآن كتاب ومعروفون يقيدون آياته عند نزولها ، وقد جاءت أحاديث صحيحة وآثار ثابتة تنهى كلها عن كتابة أحاديثه صلى الله عليه وسلم نجتزئ هنا بذكر بعضها : روى أحمد ومسلم والدارمى ، والترمذي والنسائي ، عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله : " لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن فمن كتب عنى غير القرآن فليمحه (1) " ، وأخرج الدارمي عن أبى سعيد كذلك : أنهم أستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في أن يكتبوا عنه فلم يأذن لهم . وراية الترمذي عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد قال : استأذنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فلم يأذن لنا (2) . (ومن مراسيل ابن أبي مليكة) أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال : إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه (3) . وروى حافظ المغرب ابن عبد البر والبيهقي في المدخل عن عروة - أن عمر أراد =========================================================================== (1) لهذا الحديث صيغ كلها تتفق في المعنى . والدارمى شيخ البخاري . (2) ص 91 ج‍ 2 طبع الهند ، وقد أملى النبي صلى الله عليه وسلم كتبا في الشرائع والاحكام جهز بها رسله وعماله في الاقطار المفتوحة بعضها في الصدقات والفرائض ولا يتعدى ما كتب عن الرسول في عصره عشر صحفات في أمور يجب أن تحفظ بنصوصها لكى لا يعتورها التغيير والتشويه . (3) ص 3 تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 . (*) =========================================================================== [ 47 ] أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله في ذلك - ورواية البيهقى - فاستشار ، فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير الله شهرا ، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له ، فقال : إنى كنت أريد أن أكتب السنن ، وإنى ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله ، وإنى والله لا أشوب كتاب الله بشئ أبدا . ورواية البيهقى " لا ألبس كتاب الله بشئ أبدا " . وعن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا يكتبها ثم كتب في الامصار من كان عنده شئ فليمحه (1) . وروى ابن سعد عن عبد الله بن العلاء قال : سألت القاسم بن محمد أن يملى على أحاديث ، فقال : إن الاحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب (2) فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال : مثناة كمثناة أهل الكتاب ، قال (3) فمنعني الناس القاسم بن محمد يومئذ أن أكتب حديثا . ودخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث ، وأمر إنسانا أن يكتبه فقال له زيد : " إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمرنا ألا نكتب شيئا من حديثه ، فمحاه . وعن عبد الله بن يسار قال : سمعت عليا يخطب يقول : أعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه ، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم . وعن الاسود بن هلال قال : أتى عبد الله بن مسعود بصحيفة فيها حديث فدعا بماء فمحاها ثم غسلها ثم أمر بها فأحرقت . ثم قال أذكر الله رجلا يعلمها عند أحد إلا أعلمني به ، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها ، بهذا هلك أهل الكتاب =========================================================================== (1) ص 64 و 65 ج‍ 1 جامع بيان العلم وفضله وص 206 ج‍ 1 / 3 طبقات ابن سعد طبعة ليدن وما خشيه عمر قد وقع . (2) بدأت رواية الحديث تكثر في عهد عمر فترى ماذا يكون الامر بعد وفاة عمر . (3) ص 140 ج‍ 5 طبقات ابن سعد وص 52 تقييد العلم للبغدادي . ولعل عمر يقصد أن يمثل ذلك بما صنعه اليهود عند ما تركوا التوراة وعملوا بمجموعة الروايات الاسرائيلية وسموها " مثناة " ومن مختار الصحاح عن أبى عبيدة أن الاحبار والرهبان وضعوا بعد موسى عليه السلام كتابا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله فهو " المثناة " ويرويها بعضهم بالسين المهملة . وجاء في كتاب مقالة في الاسلام بالشين - المشناة . (*) =========================================================================== [ 48 ] قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ! وهناك غير ذلك أخبار كثيرة يرجع إليها في كتابي جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر وتقييد العلم للبغدادي وغيرهما . ولئن كان هناك بعض أحاديث رويت في الرخصة بكتابة الاحاديث إن أحاديث النهى أصح وأقوى ، بله ما جرى عليه العمل في عهد الصحابة والتابعين . وقد عقد الفقيه المحدث السيد رشيد رضا رحمه الله فصلا قيما في التعادل والترجيح بين روايات النهى وروايات الرخصة نأتى به هنا ليكون مقطع الحق في هذا الامر . قال رحمه الله (1) : إن أصح ما ورد في المنع من كتابة الحديث ما رواه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه وابن عبد البر في كتاب العلم وغيرهم عن أبى سعيد الخدرى مرفوعا : " لا تكتبوا عنى شيئا إلا القرآن فمن كتب غير القرآن فليحمه " . وإن أصح ما ورد في الاذن حديث أبى هريرة في الصحيحين وغيرهما مرفوعا : " اكتبوا لابي شاه " وهو لا يعارض حديث أبى سعيد وما في معناه على قاعدتنا التى مدارها على أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن كتابة حديثه مراد به ألا تتخذ دينا عاما كالقرآن ، وذلك أن ما أمر بكتابته لابي شاه هو خطبة خطبها صلى الله عليه يوم فتح مكة موضوعها تحريم مكة ولقطة الحرم ، وهذا من بيانه صلى الله عليه وسلم للقرآن الذى صرح به يوم الفتح وصرح به في حجة الوداع وأمر بتبليغه - فهو خاص مستثنى من النهى العام . قد صرح البخاري في باب اللقطة من صحيحه بأن أبا شاه اليمنى طلب أن تكتب له الخطبة المذكورة فأمر صلى الله عليه وسلم بإجابة طلبه . ولو فرضنا أن بين أحاديث النهى عن الكتابة والاذن بها تعارضا يصح أن يكون به أحدها ناسخا للآخر ، لكان لنا أن نستدل على كون النهى هو المتأخر بأمرين أحدهما استدلال من روى عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي عنها ، وذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . وثانيهما عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره ، ولو دونوا ونشروا لتوافر ما دونوه . =========================================================================== (1) ص 766 وما بعدها من المجلد العاشر في المنار وص 511 وما بعدها من المجلد 19 من (*) =========================================================================== [ 49 ] فعزيمة على (رضى الله عنه) على من عنده كتاب أن يمحوه وقول أبى سعيد الخدرى : " تريدون أن تجعلوها مصاحف " (1) وقول عمر بن الخطاب عند الفكر في كتابة الاحاديث أو بعدم الكتابة " لاكتاب مع كتاب الله " في الرواية الاولى وقوله في الرواية الثانية بعد الاستشارة في كتابتها : " والله إنى لا أشوب كتاب الله بشئ أبدا " ، وقول ابن عباس : " كنا نكتب العلم ولا نكتبه " . أي لا نأذن لاحد أن يكتبه عنا - ونهيه في الرواية الاخرى عن الكتابة . . ومحو زيد بن ثابت للصحيفة ثم إحراقها وتذكيره بالله من يعلم أنه توجد صحيفة أخرى في موضع آخر ولو بعيدا أن يخبره بها ليسعى إليها ويحرقها - وقول سعيد بن جبير عن ابن عمر ، إنه لو كان يعلم بأنه يكتب عنه لكان ذلك فاصلا بينهما ، ومحو عبد الله بن مسعود للصحيفة التى جاءه بها عبد الرحمن بن الاسود وعلقمة وقوله عند ذلك " إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره " . كل هذا الذى أورده ابن عبد البر وأمثاله مما رواه غيره كإحراق أبى بكر لما كتبه (2) وعدم وصول شئ من صحف الصحابة إلى التابعين وكون التابعين لم يدونوا الحديث لنشره إلا بأمر الامراء - يؤيد ما ورد من أنهم كانوا يكتبون الشئ لاجل حفظه ثم يمحونه . وإذا أضفت إلى هذا ما ورد في عدم رغبة كبار الصحابة في التحديث بل في رغبتهم عنه بل في نهيهم عنه (3) - قوى عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الاحاديث (كلها) دينا عاما دائما كالقرآن . ولو كانوا فهموا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه يريد ذلك لكتبوا ولامروا بالكتابة ، ولجمع الراشدون ما كتب وضبطوا ما وثقوا به وأرسلوه إلى عمالهم ليبلغوه ويعملوا به ، ولم يكتفوا بالقرآن =========================================================================== (1) عن أبى نضرة قال : قلت لابي سعيد الخدرى : ألا نكتب ما نسمع منك ؟ قال : أتريدون أن تجعلوها مصاحف ؟ إن نبيكم كان يحدثنا فنحفظ (ص 27 تقييد العلم للخطيب البغدادي) . (2) يشير السيد رشيد بذلك إلى الخبر الذى رواه الحاكم عن عائشة ونقله الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ ص 5 ج‍ 1 الذى قالت فيه : جمع أبى الحديث عن رسول الله فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب ولما أصبح قال : أي بنية هلمى الاحاديث التى عندك فجئته بها فأحرقها وقال : خشيت أن أموت وهى عندك فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ، ولم يكن كما حدثنى فأكون قد تقلدت ذلك ! والسيد رشيد إذا أشار إلى خبر في مثل ذلك أو استشهد بحديث فثق بأنه صحيح لا ريب فيه لانه كان من صيارفة الحديث . (3) سترى ذلك كله فيما بعد . (*) =========================================================================== [ 50 ] والسنة المتبعة المعروفة للجمهور يجريان العمل بها . وبهذا يسقط قول من قال : إن الصحابة كانوا يكتفون في نشر الحديث بالرواية ، وإذا أضفت إلى ذلك كله حكم عمر بن الخطاب على أعين الصحابة بما يخالف بعض تلك الاحاديث ، ثم ما جرى عليه علماء الامصار في القرن الاول والثانى من اكتفاء الواحد منهم كأبى حنيفة بما بلغه ووثق به من الحديث وإن قل ، وعدم تعينه في جمع غيره إليه ليفهم دينه ويبين أحكامه - قوى عندك ذلك الترجيح . بل تجد الفقهاء - بعد اتفاقهم على جعل الاحاديث أصلا من أصول الاحكام الشرعية ، وبعد تدوين الحفاظ لها في الدواوين وبيان ما يحتج به وما لا يحتج به - لم يجتمعوا على تحرير الصحيح والاتفاق على العمل به ، فهذه كتب الفقه في المذاهب المتبعة ولا سيما كتب الحنفية فالمالكية فالشافعية ، فيها مئات من المسائل المخالفة للاحاديث المتفق على صحتها ، ولا يعد أحد منهم مخالفا لاصول الدين . أما ما رووه عن أبى هريرة من قوله : إن عبد الله بن عمرو كان يكتب ولا أكتب فليس حجة شرعية وهو لا يدل على أن ابن عمرو كان يكتب بأمر النبي ولا بإقراره فيصلح معارضا لحديث نهيه (صلى الله عليه وسلم) عن كتابة شئ عنه غير القرآن - (على أن ما كتبه عبد الله بن عمرو إنما كان أدعية كما سيتبين ذلك في موضعه) . وقد أورد ابن القيم في أعلام الموقعين شواهد كثيرة جدا من رد الفقهاء للاحاديث الصحيحة عملا بالقياس أو لغير ذلك - ومن أغربها أخذهم ببعض الحديث الواحد دون باقيه - وقد أورد لهذا أكثر من ستين شاهدا (1) . وقد ذكروا أن نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن كتابة حديثه إنما كان لخوفه من إختلاط الحديث بالقرآن ، وهو سبب لا يقتنع به عاقل عالم ، ولا يقبله =========================================================================== (1) انظر فيما بعد موقف علماء الفقه من كتب الحديث . وقال رحمه الله في ص 288 من تفسيره السادس : " ونحن نجزم بأننا نسينا وأضعنا من حديث نبينا صلى الله عليه وسلم حظا عظيما لعدم كتابة علماء الصحابة كل ما سمعوه ولكن ليس منه ما هو بيان للقرآن أو من أمور الدين . (*) =========================================================================== [ 51 ] محقق دارس اللهم إلا إذا جعلنا الاحاديث من جنس القرآن في البلاغة وأن أسلو بها في الاعجاز من أسلوبه - وهذا ما لا يقره أحد حتى الذين جاءوا بهذا الرأى ، إذ معناه إبطال معجزة القرآن وهدم أصولها من القواعد . هذا على أن الاحاديث لو كانت قد كتبت فإنما ذلك على أنها أحاديث للنبى (صلى الله عليه وسلم) ، وبين الحديث والقرآن ولا ريب فروق كثيرة يعرفها كل من له بصر بالبلاغة وذوق في البيان . ومن ثم كانت تؤثر على هذه الصفة - وإذا كتبها الصحابة بعد إنتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الاعلى ووزعوا منها نسخا على الامصار كما فعلوا بالقرآن فيكون ذلك على أنها أحاديث ، ويتلقاها المسلمون على أنها كلام النبي ، ويظل أمرها على ذلك جيلا بعد جيل فلا يدخلها الشوب ، ولا يعتريها التغيير ولا ينالها الوضع . على أن هذا السبب الذى يتشبثون به قد زال بعد أن كتب القرآن في عهد أبى بكر على ما رووه وبعد أن نسخ في عهد عثمان ووزعت منه نسخ على الامصار وأصبح من العسير بل من المستحيل أن يزيدوا على القرآن حرفا واحدا ، وما لهم يذهبون إلى اختراع الاسباب وابتداع العلل وقد بين كبار الصحابة أنفسهم السبب الحق في عدم كتابة الحديث كما تبين لك من قبل . وقد يكون قريبا من الصواب في حكمة نهى النبي عن كتابة حديثه هو لكى لا تكثر أوامر التشريع ولا تتسع أدلة الاحكام ، وهو ما كان يتحاشاه (صلى الله عليه وسلم) حتى كان يكره كثرة السؤال - أو يكون من أحاديث في أمور خاصة بوقتها بحيث لا يصح الاستمرار في العمل بها (1) . وقبل أن نفرغ من هذا الفصل لا بد لنا أن نشير إلى حديث يروونه ليجعلوا كل الاحاديث من وحى الله كالقرآن الكريم ، وهذا الحديث هو (2) : =========================================================================== (1) ونضرب لذلك مثلا أن بعض الصحابة أو لم للنبى وبعض الصحابة وليمة أكلوا فيها لحم جزور ، وبعد أن فرغوا من طعامهم خرج من أحدهم ريح وصل إلى أنوف المدعويين ، فرأى النبي - لكى لا ينال من أحدث ذلك خزى - أن يقول لهم جميعا : " من أكل لحم جزور فليتوضأ " . ومن الغريب أن كثيرا من الفقهاء قد جعلوا هذا الحكم عاما فيأمرون بأن يتوضأ كل من أكل لحم الجمال وفاتهم أن الوضوء إنما يكون من شئ يخرج من السبيلين لا مما يدخل الجوف . (2) روى هذا الحديث أبو داود والدارمى وابن ماجة ولم يروه البخاري ومسلم وهو مثل القرآن كما يزعمون أو شطره كما يروون ! (*) =========================================================================== [ 52 ] " ألا وإنى أوتيت الكتاب ومثله معه " وفي وراية : " إلا إنى أوتيت القرآن ومثله معه " . وهذا الحديث من أغرب ما قذفته الرواية في سيلها ! لان النبي إذا كان قد أوتى مثل " الكتاب " أو " مثل القرآن " فمعنى ذلك أنه قد أوتى ذلك ليكون تماما على القرآن وإكمالا له لبيان دينه وشريعته - وإذا كان الامر كذلك فلم لم يعن النبي بكتابة هذا " المثل " في حياته ، عندما تلقاه عن ربه ، كما عنى بكتابة القرآن ؟ ولم لم يجعل له كتابا يقيدونه عند نزوله ، كما جعل للقرآن كتابا ؟ ولم اقتصر في النهى عن كتابة غير القرآن وأغفل هذا المثل فقال : " لا تكتبوا عنى شيئا غير القرآن " ولم يقل - وغير ما أوتيته معه وهو " مثله ! ! " . وهنا يجوز لسائل أن يسأل : هل يصح أن يدع النبي نصف ما أوحاه الله إليه يغدو بين الاذهان بغير قيد ، يمسكه هذا ، وينساه ذاك ، ويتزيد فيه ذلك ! مما يصيب غير المدون في كتاب محفوظ ؟ وهل يكون الرسول بعمله هذا قد بلغ الرسالة على وجهها ، وأدى الامانة كاملة إلى أهلها ! ! وأين كان هذا الحديث عندما قال النبي في مرضه الاخير الذى انقلب بعده إلى ربه ، وبعد أن نزلت الآية : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الاسلام دينا " : إنى والله ما تمسكوا على بشئ ، إني لم أحل إلا ما أحل القرآن ، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن (1) ، ثم أين كان هذا الحديث عند ما قال أبو بكر للناس : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه ! وعندما قال عمر عندما طلب النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يحتضر أن يكتب للناس كتابا لن يضلوا بعده : حسبنا كتاب الله ! ولم لم يشفق عمر من ضياع هذا " المثل " ، وهو بزعمهم نصف ما أوحى الله به إلى النبي ، فيذكره لابي بكر عندما فزع إليه في أن يجمع القرآن ويكتبه بعد وقعة اليمامة ؟ ! ثم أين كان هذا المثل عندما أجابت عائشة في خلق النبي ، إذ كان عليها أن تقول كان خلقه القرآن ومثله معه ؟ ولكنها اكتفت بقولها : كان خلقه القرآن ! =========================================================================== (1) ص 332 ج‍ 4 سيرة ابن هشام . (*) =========================================================================== [ 53 ] وأين ذهبت عانية الصحابة بهذا " المثل " فلم يكتبوه كما كتبوا القرآن في زمن أبى بكر وعند ما نسخ في عهد عثمان ووزعت نسخه على الامصار ؟ إلا إنهم بإهمالهم هذا الامر الخطير إنما يكونون قد تركوا " نصف الوحى " بغير تدوين ، ويصبحون بذلك جميعا من الآثمين (1) . الصحابة ورواية الحديث إذا كانت الآثار الصحيحة قد جاءت في نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن كتابة حديثه ، والاخبار الوثيقة قد ترادفت بأن صحابته قد استمعوا إلى نهيه ، ولم يكتبوا حديثه بعد موته - كما علمت مما مر بك - فإنا نجد هؤلاء الصحابة لم يقف بهم الامر عند ذلك ، وإنما كانوا يرغبون عن رواية الحديث وينهون عنها وأنهم كانوا يتشددون في قبول الاخبار تشديدا قويا . روى الذهبي في تذكرة الحفاظ قال : من مراسيل ابن أبى مليكة (2) أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال : إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله ، وحرموا حرامه . وروى ابن عساكر عن محمد بن إسحاق قال : أخبرني صالح بن إبراهيم =========================================================================== (1) بعد صدور الطبعة الاولى من كتابنا هذا في سنة 1958 جاءنا كتيب من الهند بعث به إلينا صديقنا العلامة عبد الحميد الخطيب رحمه الله من دمشق ووصل إلينا في يوم السبت الموافق 6 فبراير سنة 1960 واسم هذا الكتيب رسالة " الذب عن العرب " تأليف عبد العزيز إسماعيل الخالدي ومطبوع في بلاد الهند في سنة 1368 (1948) وهى رسالة قيمة تنم عن علم مؤلفها وفضله ، بين فيها ما بثه علماء الفرس في دين الاسلام انتقاما منه لما دك عروش ملوكهم وقضى على دولتهم وملكهم ، وقد جعل هذا الحديث الذى تكلمنا عنه مما بثوه في الدين الاسلامي (ص 14) وذلك ليفسدوا به أحكام الدين بعد أن عجزوا عن أن ينالوا من القرآن الكريم . فالحمد لله على توفيقه وأن ما نفهمه في ديننا يقول به علماء كبار من غير بلادنا . (2) ص 3 ج‍ 1 - وابن أبى مليكة هو عبد الله بن عبيدالله بن أبى ملكية القرشى التميمي الملكى . قاضى مكة في زمن ابن الزبير كان إماما فقيها فصيحا مفوها ، اتفقوا على توثيقه ، وممن روى عنه الليث بن سعد ، توفى سنة 117 ه‍ ، وص 63 من كتاب التشريع الاسلامي للشيخ محمد الخضرى . (*) =========================================================================== [ 54 ] ابن عبد الرحمن بن عوف قال : ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق ، عبد الله بن حذيفة وأبا الدرداء وأبا ذر وعقبة ابن عامر ، فقال : ما هذه الاحاديث التى أفشيتم عن رسول الله في الآفاق ؟ قالوا : تنهانا ؟ قال : لا ، أقيموا عندي ، لا والله لا تفارقوني ما عشت فنحن أعلم ، نأخذ منكم ، ونرد عليكم ، فما فارقوه حتى مات (1) . وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن عمر حبس ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الانصاري فقال : قد أكثرتم الحديث عن رسول الله (2) ، وكان قد حبسهم في المدينة ثم أطلقهم عثمان (3) . وروى ابن عساكر عن السائب بن يزيد قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لابي هريرة : لتتركن الحديث عن رسول الله أو لالحقنك بأرض دوس (أي بلاده) . وقال لكعب الاحبار : لتتركن الحديث عن الاول أو لالحقنك بأرض القردة . وكذلك فعل معهما عثمان بن عفان (4) . وروى ابن سعد وابن عساكر عن محمود بن لبيد - واللفظ لابن سعد قال : سمعت عثمان بن عفان على المنبر يقول : لا يحل لاحد يروى حديثا لم يسمع به في عهد أبى بكر ولا في عهد عمر ، فإنه لم يمنعنى أن أحدث عن رسول الله أن لا أكون من أوعى أصحابه ، إلا أنى سمعته يقول : من قال على ما لم أقل فقد تبوأ مقعده من النار . وفي جامع بيان العلم وفضله (5) لحافظ المغرب ابن عبد البر عن الشعبى عن قرظة ابن كعب قال : =========================================================================== (1) أخرجه ابن عساكر ومحمد بن إسحاق . (2) ص 7 ج‍ 1 ، وص 123 تاريخ التشريع الاسلامي للخضري ، وص 161 من كتاب تمهيد لتاريخ الفسلفة الاسلامية للشيخ مصطفى عبد الرازق . (3) قال أبو بكر بن " العربي في العواصم من القواصم " وهو يدافع عن عثمان فيما نسبوه إليه من المظالم والمناكير ما نصه : ومن العجيب أن يأخذ عليه في أمر فعله عمر ! فقد روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة بالمدينة حتى استشهد فأطلقهم عثمان ، وكان سجنهم لان القوم أكثروا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - ص 75 و 76 . (4) راجع كتابنا " شيخ المضيرة " الطبعة الثالثة . (5) ص 120 ج‍ 2 . (*) =========================================================================== [ 55 ] خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى صرار (1) ثم قال لنا : أتدرون لم مشيت معكم ؟ قلنا : أردت أن تشيعنا وتكرمنا ؟ قال : إن مع ذلك لحاجة خرجت لها . إنكم لتأتون بلدة لاهلها دوى كدوى النحل فلا تصدوهم بالاحاديث عن رسول الله وأنا شريككم ، قال قرظة : فما حدثت بعده حديثا عن رسول الله . وفي رواية أخرى : إنكم تأتون أهل قرية لها دوى بالقرآن كدوى النحل فلا تصدوهم بالاحاديث لتشغلوهم . جودوا القرآن ، وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم . فلما قدم قرظة قالوا : حدثنا ! فقال : نهانا عمر (2) . وفي الام للشافعي رواية الربيع بن سليمان : فلما قدم قرظة قالوا حدثنا ! قال : نهانا عمر ! وكان عمر يقول : أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل به (3) . ولا غرابة في أن يفعل عمر ذلك ، لانه كان لا يعتمد إلا على القرآن والسنة العملية ، فقد روى البخاري عن ابن عباس أنه لما حضر رسول الله (أي حضرته الوفاة) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي : هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ، فقال عمر : " إن النبي غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله " : وفي رواية : أن النبي يهجر . وروى ابن سعد في الطبقات عن السائب بن يزيد أنه صحب سعد بن أبى وقاص من المدينة إلى مكة ، قال : فما سمعته يحدث عن النبي حديثا حتى رجع ، وسئل عن شئ فاستعجم وقال : إنى أخاف أن أحدثكم واحدا فتزيدوا عليه المائة ! وسعد هذا من كبار الصحابة ومن العشرة المبشرين بالجنة (4) كما يقولون . وعن عمرو بن ميمون قال : اختلفت إلى عبد الله بن مسعود سنة ، فما سمعته فيها يحدث عن رسول الله =========================================================================== (1) صرار : بالكسر موضع قرب المدينة ، وفي رواية : خرجنا فشيعنا . (2) هذه الزيادة من تذكرة الحفاظ للذهبي . وصححه الحاكم في المستدرك ص 102 ج‍ 1 . (3) أي السنة العملية ص 107 ج‍ 8 البداية والنهاية . (4) ص 102 / 2 / 2 . (*) =========================================================================== [ 56 ] ولا يقول قال رسول الله ، إلا أنه حدث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه قال رسول الله ! فعلاه الكرب حتى رأيت العرق يتحدر عن جبينه ! ! ثم قال : إن شاء الله إما فوق ذاك ، أو قريب من ذاك ، وإما دون ذاك . وفي رواية عند ابن سعد عن علقمة بن قيس ، أن عبد الله بن مسعود كان يقوم قائما كل عشية خميس فما سمعته في عشية منها يقول : قال رسول الله غير مرة واحدة ، فنظرت إليه وهو يعتمد على عصا - فنظرت إلى العصا تزعزع . . وأخرج الدار قطني عن عبد الرحمن بن كعب قال : قلت لابي قتادة ، حدثنى بشئ سمعته عن رسول الله ، قال أخشى أن يزل لساني بشئ لم يقله رسول الله . وأخرج البخاري عن السائب بن يزيد قال : صحبت طلحة بن عبيدالله وسعد بن أبى وقاص والمقداد بن الاسود وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهم فما سمعت أحدا منهم يحدث عن رسول الله ، إلا أنى سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد . وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث ، قال ابن بطال وغيره كان كثير من كبار الصحابة لا يحدثون عن رسول الله خشية المزيد والنقصان (1) . وأخرج أحمد وأبو يعلى عن دجين قال : قدمت المدينة فلقيت أسلم مولى عمر بن الخطاب فقلت : حدثنى عن عمر . فقال : لا أستطيع ، أخاف أن أزيد أو أنقص ، كنا إذا قلنا لعمر : حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أخاف أن أزيد أو أنقص ، إن رسول الله قال : من كذب على فهو في النار . وأخرج ابن ماجة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال : قلت لزيد بن أرقم : حدثنا عن رسول الله ، قال : كبرنا ونسينا ، والحديث عن رسول الله شديد . وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (2) : وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم كأبى بكر والزبير وأبى عبيدة والعباس ابن عبد المطلب يقلون الرواية عنه ، بل كان بعضهم لا يكاد يروى شيئا كسعيد ابن زيد بن عمرو بن نفيل وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، كما يروون . =========================================================================== (1) ص 28 ج‍ 6 من الفتح الباري . (2) ص 49 قال ابن تيمية عن ابن قتيبة إنه كان لاهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة لانه خطيب السنة كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة ، وهذا الكلام في صفحة 121 من تفسير سورة الاخلاص . (*) =========================================================================== [ 57 ] ولو أنت نصفحت البخاري ومسلم لما وجدت فيهما حديثا واحدا لامين هذه لامة أبى عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح ، وليس فيهما كذلك حديث لعتبة ابن غزوان وأبى كبشة مولى رسول الله وكثيرين غيرهم . والاخبار في ذلك كثيرة لا يمكن استقصاؤها وإليك كلمة صغيرة نختتم بها هذا الفصل . قال ابن القيم : إن الصحابة كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ويعظمونها ويقللونها - خوف الزيادة والنقص - ويحدثون بالشئ الذى سمعوه من النبي مرارا . ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون : قال رسول الله (1) . تشديد الصحابة في قبول الاخبار كان الخلفاء الراشدون وكبار الصحابة وأهل الفتيا منهم - كما علمت - يتقون الرواية عن النبي ويهابونها بل كانوا يرغبون عنها ، إذ كانوا يعلمون أنهم لا يستطيعون أن يؤدوا كل ما سمعوه عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه الصحيح لان الذاكرة لا يمكن أن تضبط كل ما تسع ، وما تحفظه مما تسمعه لا يمكن أن يبقى فيها على أصله مهما تحرى الانسان الضبط ، وكذلك لم يأمنوا من يسمع منهم أن يغير فيما سمعه بالزيادة أو النقص أو الغلط أو التبديل أو التحريف أو بغير ذلك ، وهم بما عرفوا من أصول الدين وفروعه كاملة عن رسول الله ما كانوا ليرضوا بما رضى به بعضهم ومن جاء بعدهم من رواية الحديث " بالمعنى " لانهم كانوا يعلمون أن تغيير اللفظ يغير المعنى في الغالب ، وكلام الرسول ليس كغيره من الكلام ، إذ كل لفظة من كلامه صلى الله عليه وسلم يكمن وراءها معنى خاص يقصده هو (صلى الله عليه وسلم) . من أجل ذلك كانوا يتشددون في قبول الاخبار من إخوانهم في الصحبة مهما بلغت درجاتهم ، ويحتاطون في ذلك أشد الاحتياط ، حتى كان أبو بكر لا يقبل من أحد حديثا إلا بشهادة من غيره على أنه سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد وضع بعمله هذا أول شروط علم الرواية وهو شرط الاسناد الصحيح . قال الذهبي في ترجمته (2) : إنه أول من احتاط في قبول الاخبار . =========================================================================== (1) ص 128 ج‍ 4 من أعلام الموقعين . (2) ص 3 ج‍ 1 من تذكرة الحفاظ . (*) =========================================================================== [ 58 ] روى ابن شهاب عن قبيصة أن الجدة جاءت أبا بكر تلتمس أن تورث فقال : ما أجد لك في كتاب الله شيئا ، وما علمت أن رسول الله ذكر لك شيئا ، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال ، كان رسول الله يعطيها السدس فقال له : هل معك أحد ؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر . هذا هو عمل أبى بكر ، أما عمر فقد كان أشد من ذلك إحتياطا وتثبتا . قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (1) : " وكان عمر شديدا على من أكثر الرواية - أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد عليه ، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية - يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها ويدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والاعرابي (2) . " وقد بلغ من شدة حرصه على صيانة الحديث أن ضرب أبا هريرة على رواية الحديث وأنذره بالنفى إلى بلاده إذا هو روى . وقال الذهبي في طبقات الحفاظ : " وهو الذى سنن للمحدثين التثبت في النقل وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب " . روى البخاري عن أبى سعيد الخدرى قال كنت في مجلس - من مجالس الانصار - إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور ! فقال : إستأذت على عمر ثلاثا ، فلم يؤذن لى فرجعت . قال عمر : ما منعك ؟ فقال إستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لى فرجعت . قال رسول الله : " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع " ، فقال والله لتقيمن عليه بينة - زاد مسلم - وإلا أوجعتك - وفي رواية ثالثة : فوالله لاوجعن ظهرك وبطنك ، أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا - أمنكم أحد سمعه من النبي ؟ فقال أبى بن كعب : والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم ، فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي قال ذلك . فانظر كيف تشدد عمر في أمر ليس فيه حلال ولا حرام ، وقدر ماذا يكون الامر لو كان الحديث في غير ذلك من أصول الدين أو فروعه ! =========================================================================== (1) ص 48 . (2) قد وقع ماخشيه عمر بعد أن اتسع الناس في الرواية فدخلها الشوب ووقع فيها التدليس والكذب . ولا حول ولا قوة إلا بالله . (*) =========================================================================== [ 59 ] وقد استند إلى هذه القصة من يقولون : إن عمر كان لا يقبل خبر الواحد ، واستدل بها من قال : إن خبر العدل بمفرده لا يقبل حتى ينضم إليه غيره ، كما في الشهادة ، وقال ابن بطال : يؤخذ منه التثبت في خبر الواحد لما يجوز عليه من السهو وغيره . وقد رأيت من قبل ما فعله مع أبى هريرة وغيره ، ولم تكثر أحاديث أبى هريرة إلا بعد وفاة عمر (1) ، فقد روى عن أبى سلمة عن أبى هريرة وقلت له - أكنت تحدث في زمان عمر هذا ؟ قال : لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته . الكذب على رسول الله شر الرذائل كلها الكذب - لا يختلف في ذلك أحد . وليس في خلال الانسان أسوأ خلة من الافتراء ، ولا في أدواء الجماعات أعضل من داء البهتان ، ولئن كان الكذب بين الافراد والجماعات مما يمكن تداركه والقضاء عليه . إن بلاءه ولا ريب إنما يكون عميما ، وضرره يكون عظيما ، إذا كان على مثل رسول الله ، فإن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره ، لانه رسول دين عام وصاحب شريعة للناس كافة . أخرج الطبراني عن رافع بن خديج قال ، قال رسول الله : لا تكذبوا على فإنه ليس كذب على ككذب على أحد (2) . وقد أتت الرسالة المحمدية بأصول في العقائد ليس لانسان مهما بلغ من العلم أن يغير أصلا من أصولها ، وجاءت بأحكام في العبادات لا يجوز لاحد أن يزيد فيها أو ينقص منها ، أو يبدل شيئا من صورها ولا أزمانها ، ذلك بأن الاعمال الدينية مبنية على قاعدتين : إحداهما ألا يعبد إلا الله ، والثانية أن يعبد بما شرعه ، وما عدا ذلك من نظم العمران وقواعد الاجتماع وغيرهما ، فقد وضع له الدين أسسا عامة من العدل والرحمة والخير والمصلحة والمساواة والحرية وعدم الضرر والصدق . =========================================================================== (1) في تاريخ أبى هريرة " شيخ المضيرة " مزيد من القول في هذا الامر فارجع إليه في طبعته الثالثة (2) ص 10 و 11 من تحذير الخواص . (*) =========================================================================== [ 60 ] والامانة والاحسان وما إلى ذلك من أمهات الفضائل . ولما كان القرآن الكريم مصونا بالتدوين والحفظ ، وأحاديث الرسول لم تدون فقد كان أشد ما يخشاه صلوات الله عليه أن يكذب أحد عليه وبخاصة بعد أن نرك حديثه بغير تدوين محفوظ ، وقد شدد في هذا الامر تشديدا عظيما ، حتى جعل جزاءه القتل في الدنيا ، وعذاب النار في الآخرة . روى البخاري (1) عن ربعى بن خراش قال : سمعت عليا يقول : قال النبي : لا تكذبوا على فإن من كذب على فليلج النار . وقال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث . يؤيده رواية مسلم من طريق غندر عن شعبة بلفظ " يلج النار " . وروى البخاري عن أنس وأبى هريرة بزيادة لفظ " معتمدا " ، وكذلك أتت أحاديث في غير البخاري بهذه الزيادة ، ولكن من حقق النظر ، وأبعد النجعة في مطارح البحث ، يجد أن الروايات الصحيحة التى جاءت عن كبار الصحابة ، ومنهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين تدل على أن هذا الحديث لم تكن فيه تلك الكلمة " متعمدا " وكل ذي لب يستبعد أن يكون النبي قد نطق بها ، لمنافاة ذلك للعقل والخلق اللذين كان الرسول متصفا بالكمال فيهما . ذلك بأن الكذب " هو الاخبار بالشئ على خلاف ما هو عليه سواء أكان عمدا أم خطأ " ، ولعل هذه اللفظة قد تسللت إلى هذا الحديث من طريق " الادراج " المعروف عند العلماء ليسوغ بها الذين يضعون الحديث على رسول الله حسبة من غير عمد ، كما كان يفعل الصالحون من المؤمنين ويقولون " نحن نكذب له لا عليه " ! أو يتكئ عليها الرواة فيما يروونه عن غيرهم على سبيل الخطأ ، أو الوهم أو سوء الفهم ، لكى لا يكون عليهم حرج في ذلك لان المخطئ غير مأثوم - ومن أجل ذلك وضع هؤلاء الرواة قاعدتهم المشهورة : " إنما الكذب على من تعمده " . =========================================================================== (1) أخرج هذا الحديث كذلك مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والحاكم في المدخل . (*) =========================================================================== [ 61 ] الادلة القوية الصحيحة على حقيقة حديث من كذب على وإنا نسوق هنا طائفة من الادلة التى تؤيد ما ذهبنا إليه : ففى رواية لاحمد عن " عمر " مرفوعا : من كذب على فهو في النار . وروى ابن سعد في طبقاته وابن عساكر عن محمود بن لبيد واللفظ لابن سعد قال : سمعت عثمان بن عفان على المنبر يقول : لا يحل لاحد أن يروى حديثا لم يسمع به في عهد أبى بكرو لا في عهد عمر (1) ، فإنى لم يمنعني أن أحدث عن رسول الله ألا أكون أوعى أصحابه ! إلا أنى سمعته يقول : " من قال علي ما لم أقل فقد تبوأ مقعده من النار " . وروى أحمد والدارمى وابن ماجة وآخرون من حديث أبى قتادة عن النبي أنه قال : إياكم وكثرة الحديث عنى ، فمن قال عنى فلا يقولن إلا حقا وصدقا ، فمن قال على ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار " . وأقطع دليل في هذا الامر الحديث الذى رواه البخاري عن عامر بن عبد الله ابن الزبير فقد قال فيه : قلت للزبير : إنى لا أسمعك تحدث عن رسول الله كما يحدث فلان وفلان ! قال أما إنى لم أفارقه ولكني سمعته يقول : " من كذب على فيتبوأ مقعده من النار (2) . قال ابن حجر في شرح هذا الحديث وهذا الحديث أخرجه الزبير بن بكار في كتاب النصب من وجه آخر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال : " عناني ذلك " يعنى قلة رواية الزبير فسألته - أي عن ذلك - فقال : يا بنى كان بينى وبينه (صلى الله عليه وسلم) من القرابة والرحم ما علمت . وعمته أمي ، وزوجته خديجة عمتى وأمه آمنة بنت وهب ، وجدتي هالة بنت وهب ابني عبدمناف بن =========================================================================== (1) ص 100 ج‍ 2 ق 2 . (2) اختلاف صيغ هذا الحديث قد جاء من أنهم كانوا يروون أحاديث رسول الله بالمعنى كما ستراه في هذا الكتاب إن شاء الله . (*) =========================================================================== [ 62 ] زهرة ، وعندي أمك وأختها عائشة عنده ، ولكن سمعته يقول : من كذب على فليتبوأ مقعده من النار " (1) ، وأخرجه الدارمي عن عبد الله بن الزبير بلفظ " من حدث عنى " كذبا ولم يذكر العمد . وهذا الحديث أخرجه كذلك أبو داود (2) والنسائي وابن ماجة والدارمي والدارقطني (3) وقال : والله ما قال متعمدا " ، وأنتم تقولون متعمدا ، ورواية ابن قتيبة في كتاب تأويل مختلف الحديث (4) : من كذب على فليتبوأ مقعده من النار ، وقال أراهم يزيدون فيها " متعمدا " ووالله ما سمعته قال " متعمدا (5) " ، وفى نسخة إنهم يزيدون ! ورواية ابن سعد والله ما قال متعمدا وأنتم تقولون متعمدا (6) ، وقد قال ابن حجر في شرح هذا الحديث : " وفى تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه في اختيار قلة التحديث ، دليل للاصح في أن الكذب هو الاخبار بالشئ على خلاف ما هو عليه سواء أكان عمدا أم خطأ - والمخطئ وإن كان غير مأثوم بالاجماع ، لكن الزبير خشي من الاكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر ، لانه وإن لم يأثم بالخطأ ، لكن قد يأثم بالاكثار إذ الاكثار مظنة الخطأ فحمل عنه - =========================================================================== (1) ص 162 ج‍ 1 فتح الباري . (2) في مختصر سنن أبى داود للحافظ المنذرى ومعالم السنن لابي سليمان الخطابى وتهذيب الامام ابن القيم ص 248 ج‍ 5 بعد أن أورد هذا الحديث قال : " وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجة وليس في حديث البخاري والنسائي " متعمدا " والمحفوظ في حديث الزبير أنه ليس فيه " متعمدا " وقد روى الزبير أنه قال والله ما قال " متعمدا " وأنتم تقولون متعمدا . وهذا الكتاب اشترك في تحقيقه وطبعه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله . (3) الدارقطني هو الامام الحافظ الكبير قال فيه الحافظ ابن حجر : " إنه حافظ عصره وهو أشهر المنتقدين على الصحيحين وأوسعهم تتبعا واستقصاء " توفى سنة 385 ه‍ . (4) ص 49 . (5) على أن رواية " متعمدا " مرجوحة وواهية وأنها لم تثبت في رواية كبار الصحابة وأن العقل يدفعها ، وخلق النبي يمنعها ، فإن بعض أدعياء السنة وعبيد الاسانيد في عصرنا لا يزالون يكابرون في إثباتها وكأنهم أعلم بالحديث من ابن قتيبة والبخاري والنسائي والمنذري والدارقطني والخطابى وابن حجر وابن القيم والسيوطي وغيرهم ، ومن إمعانهم في اللجاجة أن يزعم بعضهم أن الزبير بن العوام لم يقل : " والله ما قال متعمدا وأنتم تقولون متعمدا " وينسب هذه العبارة إلى أحد الذين رووا عنه في حين أن الرواية صحيحة ثابتة من رواية كبار أئمة الحديث ولم يقل أحد منهم إنها لغيرا بن الزبير ! ! (6) ص 74 و 75 ج‍ 2 ق 2 (*) =========================================================================== [ 63 ] وهو لا يشعر أنه خطأ - ما يعمل به على الدوام للوثوق بنقله فيكون سببا للعمل بما لم يقله الشارع ، فمن خشى من الاكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الاثم " (1) . ولعلك تمعن الفكر كثيرا في هذا الحديث وشرحه وتجعله مرآة لغيره . وقال الحاكم في المدخل : " إن موعد الكاذب عليه في النار ، وقد شدد في ذلك وبين أن الكاذب عليه في النار ، تعمد الكذب أم لم يتعمد (2) في قوله (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه ابن عمر : " إن الذى يكذب على يبنى له بيتا في النار " ، وقد زاد تشددا بقوله فيما رواه عثمان بن عفان : " من قال على ما لم أقل " فإنه إذا نقله غير متعمد للكذب استوجب هذا الوعيد من المصطفى (3) . ومن روايات هذا الحديث : " من نقل عني ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار " . قالوا : وهذا أصعب ألفاظه وأشقها لشموله للمصحف واللحان والمحرف . وهذا الامام الشافعي الذى قالوا عنه إنه عالم قريش ، والذى كان أقرب إلى معين السنة الصافى من البخاري ومسلم وأصحاب السنن جميعا وأستاذا للامام أحمد ، لو رجعنا إليه لنرى ما رواه في هذا الامر لوجدناه قد روى أحاديث كثيرة في هذا المعنى ليس فيها كلها كلمة " متعمدا " . وإليك بعض ما رواه في رسالته المشهورة (4) : عن واثلة بن الاسقع عن النبي قال : " إن أفرى الفرى من قولني ما لم أقل ومن أرى عينيه ما لم تر ، ومن ادعى إلى غير أبيه " . وعن ابن عمر أن النبي قال : " إن الذى يكذب على يبنى له بيتا في النار " . وعن أم أسيد قالت : قلت لابي قتادة : ما لك لا تحدث عن رسول الله كما يحدث الناس عنه ؟ قال : سمعت رسول الله يقول : من كذب على فليلتمس لجنبيه مضجعا من النار . =========================================================================== (1) ص 162 ج‍ 1 شرح البخاري لابن حجر . (2) لعل هذا يكون ميسما من الخزى لوجوه أدعياء العلم الذين ينشرون بين الناس أن الكذب غير المتعمد ليس كالكذب المتعمد . (3) ص 26 من رسالة تحذير الخواص للسيوطي . (4) ص 395 وما بعدها . (*) =========================================================================== [ 64 ] هذا بعض ما رواه الشافعي في رسالته ، وكله لم يرد فيه كلمة " متعمدا " فليسمع من يعقل ! - وكذلك ليس فيما ننقله مما رواه هذه اللفظة . وقال النووي في شرح حديث من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ، الذى رواه مسلم ، ولا فرق في تحريم الكذب عليه (صلى الله عليه وسلم) بين ما كان في الاحكام ، وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ ، وغير ذلك ، وكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الاجماع - إلى أن قال : وقد أجمع أهل الحل والعقد على تحريم الكذب على آحاد الناس ! فكيف بمن قوله شرع ، وكلامه وحى ، والكذب عليه كذب على الله تعالى (1) . وقال السيوطي : وللتحرز من ذلك كان الخلفاء الراشدون ، والصحابة المنتخبون ، رضوان الله عليهم يتقون كثرة الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود والمقداد بن الاسود وأبو أيوب الانصاري وثوابان مولى رسول الله وزيد بن أرقم . . . إلخ . وكان أبو بكر وعمر يطالبان من روى لهما حديثا عن رسول الله لم يسمعاه منه ، إقامة البينة ويتوعدانه في ذلك ، وكان على بن أبى طالب يستحلف عليه ، وكان عبد الله بن مسعود يتغير عند ذكر الحديث عن رسول الله وتنتفخ أوداجه ويسيل عرقه وتدمع عيناه ويقول ، أو قريبا من هذا ، أو نحو هذا ، أو شبه هذا ، كل ذلك خوفا من الزيادة والنقصان ، أو السهو والنسيان ، واحتياطا للدين وحفظا للشريعة ، وحسما لطمع طامع ، أو زيغ زائغ أن يجترئ فيحكى عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما لم يقله ، أو يدخل في الدين ما ليس منه ، ويقتدى بهم من يسمع منهم ويأخذ عنهم ، فيقفو أثرهم ويسلك طريقهم (2) . وعن مالك بن عبادة قال : إن النبي عهد إلينا في حجة الوداع فقال : عليكم بالقرآن وإنكم سترجعون إلى قوم يشتهون الحديث عنى ، فمن عقل شيئا =========================================================================== (1) ص 23 تحذير الخواص . (2) راجع صفحة 28 و 29 من نفس المصدر . (*) =========================================================================== [ 65 ] فليحدث به ومن افترى علي فليتبوأ مقعده في جهنم (1) . هذا ما رأينا إيراده من الادلة على أن حديث الرسول " من كذب على " لم يكن فيه كلمة " متعمدا " وإنك لتجد مما أوردناه أن روايات كبار الصحابة ومنهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين والزبير بن العوام حوارى رسول الله قد اتفقت كلها على أن الرواية الصحيحة للحديث لم يكن فيها كلمة " متعمدا " (2) . وإن العقل السليم والخلق الكريم ، لينفران من قبول رواية " متعمدا " لان الكذب هو أبو الرذائل كلها سواء أكان عن عمد أم غير عمد . الكذب على النبي في حياته صلوات الله عليه لعل النبي صلوات الله عليه قد حذر من الكذب عليه بعد أن سمع أن بعضهم قد افترى عليه كذبا وهو حى ، فقد جاء في كتاب الاحكام في أصول الاحكام لابن حزم الظاهري (3) عن عبد الله بن بريدة عن ابن الخطيب الاسلمي قال : كان حى من بني ليث على ميلين من المدينة فجاءهم رجل وعليه حلة فقال : إن رسول الله كسانى هذه الحلة وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم بما أرى ! وكان قد خطب منهم امرأة في الجاهلية فلم يزوجوه ، فانطلق حتى نزل على تلك المرأة ، فأرسلوا إلى رسول الله فقال : كذب عدو الله ، ثم أرسل رجلا فقال : إن وجدته حيا - ولا أراك تجده - فاضرب عنقه وإن وجدته ميتا فحرقه بالنار . وأخرج ابن سعد في الطبقات والطبراني عن المقنع التميمي قال : أتيت النبي بصدقة إبلنا فأمر بها فقبضت - فقلت إن فيها ناقتين هدية لك : فأمر بعزل الهدية عن الصدقة ، فمكثت أياما وخاض الناس أن رسول الله باعث خالد بن الوليد إلى رقيق مضر فمصدقهم ، فقلت : والله ما عند أهلنا من مال ! فأتيت النبي صلى =========================================================================== (1) ص 171 ج‍ 1 مشكل الآثار للطحاوي . (2) قال الحافظ ابن حجر : إن الصفات العلية من الرواة تقام مقام العدد أو تزيد عليه (ص 164 ج 1 فتح الباري) . (3) ص 582 ج‍ 2 . أضواء على السنة المحمدية (*) =========================================================================== [ 66 ] الله عليه وسلم فقلت له : إن الناس خاضوا في كذا وكذا فرفع النبي يديه حتى نظرت إلى بياض إبطه وقال : اللهم لا أحل لهم أن يكذبوا على ، قال المقنع فلم أحدث بحديث عن النبي إلا حديثا نطق به كتاب أو جرت به سنة (1) . وهذا لمن يكذب عليه في حياته ! فكيف بعد موته ؟ - والاخبار في ذلك كثيرة . الكذب على النبي بعد موته صلوات الله عليه وإذا كان قد كذب عليه في حياته ، فإن الكذب قد كثر عليه وفشا بعد وفاته والصحابة متوافرون والدين غض والناس ناس ، وقد استفاض هذا الكذب بعد موت عمر لانه كما علمت كان يخيف الناس حتى أفزعت كثرة ما نسب إلى رسول الله من أحاديث - كبار الصحابة وأمضتهم . فقد روى مسلم في مقدمة كتابه بسنده عن طاووس قال : جاء هذا إلى ابن عباس (يعنى بشير (2) بن كعب) فجعل يحدثه ، فقال له ابن عباس : عد لحديث كذا وكذا ، فعاد ، فقال له : عد لحديث كذا وكذا ، فعاد له ، فقال : ما أدرى ؟ أعرفت حديثى كله وأنكرت هذا ؟ أم أنكرت حديثى كله وعرفت هذا ؟ فقال ابن عباس : إنا كنا نحدث عن رسول الله إذ لم يكن يكذب عليه ! فلما ركب الناس الصعبة والذلول تركنا الحديث عنه (3) . وجاء بشير بن كعب العدوى إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول : قال رسول الله ، قال رسول الله : قال فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه فقال : يا ابن عباس مالى أراك لا تسمع لحديثي ؟ أحدثك عن رسول الله ولا تسمع ! قال =========================================================================== (1) أي سنة عملية إذا لم تكن تعرف حينئذ إلا بذلك وفي هذا القول فوائد كثيرة يدركها كل ذى لب . (2) بشير مصغر بشر مخضرم يروى عن أبى ذر وأبى الدرداء وثقه ابن سعد والنسائي . وانظر فصل " الوضع في الحديث وأسبابه " فيما بعد . (3) إذا كان الناس قد ركبوا الصبعة والذلول في عهد ابن عباس ، فترى ماذا يكون الامر بمن جاءوا بعد هذا العهد ؟ . وفيما نقلناه لك من قول أبى بكر أنهم يحدثون عن رسول الله أحاديث يختلفون فيها ! (*) =========================================================================== [ 67 ] ابن عباس : إنا كنا مدة إذا سمعنا رجلا يقول : قال رسول الله ، ابتدرته أبصارنا ، واصغينا بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف ! وروى عن ابن أبى مليكة قال كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لى كتابا ويخفى عنى ، قال : ولد ناصح ، إنى أختار له الامور اختيارا وأخفى عنه قال : فدعا بقضاء على فجعل يكتب منه أشياء ويمر بالشئ فيقول والله ما قضى بهذا على إلا أن يكون قد ضل ! وروى عن أبى بكر بن عياش قال : سمعت المغيرة يقول : لم يكن يصدق على على في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود . نجتزئ بهذه النصوص التى تدل على أن الرسول صلوات الله عليه قد كذب عليه في حياته وبعد مماته ، ولم يكن ذلك من أهل البدع والاهواء وأعداء الدين فحسب ، وإنما كان كذلك من الصالحين ، كما سيتبين لك ذلك في فصل " الوضاع الصالحون " من هذا الكتاب . حكم من كذب على رسول الله قال السمعاني : من كذب في خبر واحد على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجب إسقاط ما تقدم من حديثه (1) وقال أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدى وأبو بكر الصيرفى : لا تقبل رواية من كذب في أحاديث رسول الله وإن تاب عن الكذب بعد ذلك (2) وقال ابن حجر العسقلاني : اتفق العلماء على تغليظ الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لانه من الكبائر حتى بالغ الشيخ أبو محمد الجوينى فحكم بكفر من وقع منه ذلك ، وكلام القاضى أبو بكر بن العربي يميل إليه ، وجهل من قال من الكرامية ، وبعض المتزهدة : إن الكذب على النبي يجوز =========================================================================== (1) ص 14 التقريب للنووي . (2) ص 111 اختصار علوم الحديث . (*) =========================================================================== [ 68 ] فيما يتعلق بتقوية أمر الدين وطريقة أهل السنة والترغيب والترهيب ، واعتلوا بأن الوعيد ورد في حق من كذب عليه ، لا في الكذب له ، وهو اعتلال باطل لان المراد بالوعيد من نقل عنه الكذب سواء أكان له أم عليه ، والدين بحمد الله كامل غير محتاج إلى تقويته بالكذب (1) . الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر أخرج ابن عساكر في تاريخه عن واثلة بن الاسقع قال : سمعت رسول الله يقول : إن من الكبائر أن يقول الرجل على ما لم أقل . وقال النووي في شرح مسلم ، تحريم رواية الحديث الموضوع : ولا فرق في تحريم الكذب عليه (صلى الله عليه وسلم) بين ما كان في الاحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك ، وكله حرام من أكبر الكبائر ، وأقبح القبائح بإجماع المسلمين إلى أن قال : وقد أجمع أهل الحل والعقد على تحريم الكذب على آحاد الناس فكيف بمن قوله شرع ، وكلامه وحى ، والكذب عليه كذب على الله تعالى . درجات الصحابة (2) لم يكن الصحابة طرازا واحدا في الفقه والعلم ، ولا نمطا متساويا في الادراك والفهم ، وإنما كانوا في ذلك طبقات متفاوتة ، ودرجات متباينة ، شأن الناس جميعا في هذه الحياة على مر الدهور : سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا . قال ابن خلدون في مقدمته (3) : " إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه =========================================================================== (1) ص 389 ج‍ 6 فتح الباري . (2) عقدنا فيما بعد فصلا خاصا بعدالة الصحابة . (3) ص 446 من طبعة بيروت . (*) =========================================================================== [ 69 ] ومنسوخه ، ومتشابهه ومحكمه ، وسائر دلالته ، بما تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم أو ممن سمعه منهم وعن عليتهم وكانوا يسمون لذلك (القراء) أي الذين يقرءون الكتاب لان العرب كانوا أمة أمية ، فاختص من كان منهم قارئا للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ وبقى الامر كذلك صدر الملة " . وعن محمد بن سهل بن أبى خيثمة عن أبيه (1) قال : كان الذين يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر من المهاجرين ، وثلاثة من الانصار ، عمر وعثمان وعلي ، وأبى بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت . وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه : أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأى ، دعا رجالا من المهاجرين والانصار ، دعا عمر وعثمان وعليا ، و عبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبى ابن كعب وزيد بن ثابت . وكل هؤلاء كان يفتى في خلافة أبى بكر وإنما تصير فتوى الناس إلى هؤلاء فمضى أبو بكر على ذلك . ثم ولى عمر فكان يدعو هؤلاء النفر . وفي مسلم : عن مسروق قال : شاممت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت علمهم انتهى إلى ستة : إلى عمر وعلى وعبد الله ومعاذ (2) وأبى الدرداء وزيد ابن ثابت ، فشاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى على وعبد الله (3) . وروى ابن القيم في إعلام الموقعين عن مسروق قال : جالست أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) فكانوا كالاخاذة (4) ، الاخاذة تروى الراكب ، والاخاذة تروى الراكبين ، والاخاذة لو نزل بها أهل الارض لاصدرتهم ، وإن عبد الله من تلك الاخاذة . وروى البخاري ومسلم عن النبي قال : إن مثل ما بعثنى به الله من الهدى =========================================================================== (1) ص 168 ج‍ 4 طبقات ابن سعد . (2) رواية ابن القيم في إعلام الموقعين ، وأبى بن كعب بدل معاذ . (3) هو عبد الله بن مسعود . (4) الاخاذة : الغدير . (*) =========================================================================== [ 70 ] والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية (1) قبلت الماء فأنبتت الكلا والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب بها طائفة أخرى ، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلا . وعن عامر قال : كان علماء هذه الامة بعد نبيها ستة : عمر وعبد الله وزيد ابن ثابت . فإذا قال عمر قولا وقال هذان قولا كان قولهما لقوله تبعا ، وعلى وأبى بن كعب وأبو موسى الاشعري ، فأذا قال على قولا كان قولهما لقوله تبعا ، وقال قضاة هذه الامة أربعة : عمر وعلى وزيد وأبو موسى الاشعري . ودهاة هذه الامة أربعة : عمرو بن العاص ومعاوية بن أبى سفيان والمغيرة بن شعبة وزياد . تفاوت الصحابة في صدق الرواية فبعضهم أصدق من بعض صدق عمر عبد الرحمن بن عوف وقال له : أنت عندنا العدل الرضا - قال الذهبي في شرح الخبر فأصحاب رسول الله وإن كانوا عدولا فبعضهم أعدل من بعض فهاهنا عمر قنع بخبر عبد الرحمن ، وفي قصة الاستئذان يقول لابي موسى الاشعري : ائت بمن يشهد معك (2) . رواية الصحابة بعضهم عن بعض وروايتهم عن التابعين ليس كل ما جاء من الاحاديث عن الصحابة مما رووه عن رسول الله ودون في الكتب قد سمعوه كله بآذانهم من النبي صلوات الله عليه مشافهة ، ولا أخذوه =========================================================================== (1) في رواية طائفة طيبة . ارجع في هذه الاخبار كلها إلى طبقات ابن سعد ص 109 و 110 ج‍ 2 ق 2 . (2) ص 48 ج‍ 1 سير أعلام النبلاء للذهبي ، راجع صفحة 58 . (*) =========================================================================== [ 71 ] عنه تلقينا ، وإنما كان يروى بعضهم عن بعض ، فمن لم يسمع من الرسول كان يأخذ ممن سمع منه (صلى الله عليه وسلم) ، وإذا رواه لغيره لم يعزه إلى الصحابي الذى تلقاه عنه ، بل يرفعه إلى النبي بغير أن يذكر اسم هذا الصحابي - ذلك أن مجالس الرسول كانت متعددة ، وتقع في أزمنة وأمكنة مختلفة ، ولا يمكن أن يحضر الصحابة جميعا كل مجلس من مجالسه ، فما يحضره منها بعض الصحابة لا يحضره البعض الآخر . وقد ذكر الآمدي في كتاب الاحكام في أصول الاحكام (1) : أن ابن عباس لم يسمع من رسول الله سوى أربعة أحاديث لصغر سنه ولما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الربا في النسيئة " وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبى حتى رمى حجر العقبة ، قال في الجزء الاول لما روجع فيه ، قال : أخبرني به أسامة ابن زيد ، وفي الخبر الثاني : أخبرني به أخى الفضل بن العباس . ولما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم له ، راجعوه في ذلك ، فقال : ما أنا قلته ورب الكعبة ولكن محمدا قاله ! ثم عاد فقال : حدثنى به الفضل بن العباس (2) . وروى عن البراء بن عازب قال : " ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ولكن سمعنا بعضه وحدثنا أصحابنا ببعضه " . وأما التابعون فقد كان من عادتهم إرسال الاخبار (3) . ويدل على ذلك ما روى عن الاعمش أنه قال : قلت لابراهيم النخعي : إذا حدثتني فأسند (4) فقال : إذا قلت لك حدثنى فلان عن عبد الله فهو الذى حدثنى وإذا قلت لك حدثنى =========================================================================== (1) ص 178 - 180 ج‍ 2 وقال ابن القيم في الوابل الصيب : إن ما سمعه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ العشرين حديثا ، وعن ابن معين والقطان وأبى داود في السنن أنه روى تسعة أحاديث وذلك لصغر سنه ومع ذلك فقد أسند له أحمد في مسنده 1696 حديثا ! (2) لهذا الحديث قصة شائقة تقرؤها في تاريخ أبى هريرة الذى طبعناه باسم " شيخ المضيرة " مرتين . (3) الرواية المرسلة للحديث هي التى لم يذكر فيها اسم الذى رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . (4) الحديث المسند ما اتصل سنده إلى منتهاه ، وكان التابعون يتبعون في ذلك سبيل الصحابة فيما يروون من الاحاديث التى لم يسمعوها من النبي وإنما تلقوها من إخوانهم فإنهم كانوا لا يذكرون أسماء من تلقوا عنهم . (*) =========================================================================== [ 72 ] عبد الله ، فقد حدثنى جماعة عنه ، وقد قال الآمدي بعد ذلك ، ولم يزل ذلك مشهورا فيما بين الصحابة والتابعين من غير نكير فكان إجماعا (1) اه‍ . وكما كان الصحابة يروى بعضهم عن بعض فإنهم كذلك كانوا يروون عن التابعين . وهذا أمر نص عليه علماء الحديث في كتبهم فارجع إليه إن شئت . وفي كلام ابن الصلاح وغيره في باب " رواية الاكابر عن الاصاغر " أن ابن عباس والعبادلة الثلاثة وأبا هريرة وغيرهم قد رووا عن كعب الاحبار - اليهودي الذى أسلم خداعا في عهد عمر وعدوه من كبار التابعين ثم سوده بعد ذلك على المسلمين . وهاك ما قاله السيوطي في ألفيته (2) . وقد روى الكبار عن صغار * في السن أو في العلم والمقدار ومنه أخذ الصحب عن أتباع * وتابع عن تابع الاتباع كالبحر عن كعب وكالزهري * عن مالك ويحيى الانصاري وقال شارح هذه الالفية الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله - ومن هذا النوع رواية الصحابة عن التابعين كرواية البحر عبد الله بن عباس وسائر العبادلة وأبى هريرة ومعاوية وأنس وغيرهم عن كعب الاحبار ! على أن الصحابة في روايتهم عن إخوانهم أو عن التابعين لم يكونوا - كما أبنا - يذكرون أن أحاديثهم قد جاءت من سبيل الرواية عن غيرهم ، بل يروون ما يروون في المناسبات التى تستدعى ذكر الحديث مهما طال الزمن من غير عزو إلى من سمعوا منه ثقة بهم ويرفعونها إلى النبي ، وظلوا على ذلك إلى أن وقعت الفتنة ، ومن ثم قالوا ، سموا لنا رجالكم ! قال ابن سيرين : لم يكونوا يسألون عن الاسناد ، فلما وقعت الفتنة (3) قالوا : سموا لنا رجالكم . =========================================================================== (1) ص 178 - 180 ج‍ 2 . (2) ص 237 . (3) ذر قرن الفتنة بعد انقضاء بضع سنين من خلافة عثمان رضى الله عنه - وعلى ذكر الفتنة نسوق هذا الخبر عن الزهري قال : لما ولى عثمان عاش اثنتى عشرة سنة أميرا يعمل ستة سنين لا ينقم الناس عليه شيئا ، وإنه لاحب إلى قريش من عمر بن الخطاب ! لان عمر كان شديدا عليهم ، فلما وليهم عثمان لان لهم = (*) =========================================================================== [ 73 ] وأخرج مسلم عنه : لقد أتى على الناس زمان وما يسأل عن إسناد حديث ، فلما وقعت الفتنة سئل عن إسناد الحديث . . وفي سنن الترمذي عنه : كانوا في الزمن الاول لا يسألون عن الاسناد ! فلما وقعت الفتنة ، سألوا عن الاسناد ، إن الرجل ليحدثني فما أتهمه ولكن أتهم من هو فوقه . وقد روى التابعون عن " تابعي التابعين " . ومن رواية التابعين عن تابعي التابعين . . رواية الزهري ، ويحيى بن سعيد الانصاري عن مالك وهو تلميذهما . ومن الطريف للفطن كما قال السيوطي في ألفيته - أن يروى الصحابي عن تابعي ، عن صحابي آخر حديثا ، ومن ذلك حديث السائب بن يزيد الصحابي عن عبد الرحمن بن عبد القارى التابعي عن عمر بن الخطاب عن النبي (صلى الله عليه وسلم " من نام عن حزبه أو عن شئ منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر ، كتب له كأنما قرأه في الليل " رواه مسلم في كتابه ، ومن ذلك حديث " لا يستوى القاعدون " . وقد جمع الحافظ العراقي من ذلك عشرين حديثا . نقد الصحابة بعضهم لبعض لم يقف الامر بالصحابة عند تشديدهم في قبول الاخبار من إخوانهم في الصحبة كما أسلفنا ، ولكنه تجاوز ذلك إلى أن ينقد بعضهم بعضا . ولقد كان عمر وعلى وعثمان وعائشة وابن عباس وغيرهم من الصحابة يتصفحون على إخوانهم في الصحبة ، ويشكون في بعض ما يروونه عن الرسول ويردونه على أصحابه . عن محمود بن الربيع - وكان ممن عقل عن رسول الله وهو صغير - أنه سمع =========================================================================== = ووصلهم ، ثم توانى في أمرهم ، واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الاواخر . وكتب لمروان بخمس خراج مصر وأعطى أقرباءه المال وتأول في ذلك واتخذ الاموال واستسلف من بيت المال وقال : إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما وإنى أخذته فقسمته في أقربائي ! فأنكر الناس عليه ذلك (ص 34 / 2 / 3 طبقات ابن سعد) . وارجع إلى فصل - " كيف قامت دولة بنى أمية في كتابنا " شيخ المضيرة " . (*) =========================================================================== [ 74 ] عتبان بن مالك الانصاري وكان ممن شهد بدرا ، أن رسول الله قال : إن الله حرم النار على من قال : لا إله إلا الله يبغى بها وجه الله - وكان الرسول في دار عتبان فحدثها قوما فيهم أبو أيوب صاحب رسول الله - فأنكرها على أبو أيوب وقال : والله ما أظن رسول الله قد قال ما قلت ! وقد استدلت المرجئة (1) بهذا الحديث ونحوه على مذهبهم . وردت عائشة حديث عمر وابن عمر : " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " ، فقالت : إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولكن السمع يخطئ والله ما حدث رسول الله أن الله يعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ! وقالت : حسبكم القرآن " ولا نزر وازرة وزر أخرى " . وفي رواية أنها لما سمعت أن ابن عمر يحدث بهذا الحديث قالت : وهل ! إنما قال : إنه ليعذب بخطيئته وذنبه ، وإن أهله ليبكون عليه " وفي رواية ثالثة : إنه لم يكذب ولكنه نسى أو أخطأ وقالت مثل قوله (ابن عمر) إن رسول الله قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فقال : إنهم ليسمعون ما أقول . وقالت : إنما قال : إنهم الآن يعلمون أن ما كنت أقوله لهم حق ، ثم قرأت " إنك لا تسمع الموتى ، وما أنت بمسمع من في القبور " حين تبوءوا مقاعدهم من النار . . والحديثان في البخاري ومسلم وغيرهما . وردت عائشة كذلك حديث رؤية النبي لربه ليلة الاسراء الذى رواه الشيخان عن عامر بن مسروق الذى قال لعائشة : يا أمتاه . هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : لقد قف شعرى مما قلت ! أين أنت من ثلاث من حدثكم فقد كذب (2) : من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير . وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب " ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ، ثم قرأت : " وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا " ، ومن حدثك أنه كتم شيئا فقد كذب ، ثم قرأت : " يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " . =========================================================================== (1) المرجئة فرقة من كبار الفرق الاسلامية تقول لا يضر مع الايمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة . (2) في مسلم : فقد أعظم على الله الفرية . وأحاديث الرؤية بلغت كما ذكر ابن القيم في حادى الارواح ثلاثين حديثا ، والمرفوع منها أكثر من عشرين حديثا ، دع الموقوف والآثار . (*) =========================================================================== [ 75 ] وفي مسلم وكنت متكئا فجلست فقلت : ألم يقل الله " ولقد رآه نزلة أخرى " فقالت : أنا أول من سأل رسول الله عن هذا فقلت يا رسول الله ، هل رأيت ربك ؟ فقال : لا ، أنا رأيت جبريل منهبطا . وفي حديث أبى ذر عند مسلم أنه سأل النبي عن ذلك فقال : نور أنى أراه - ولاحمد رأيت نورا (1) . وردت خبر ابن عمر وأبى هريرة : أن الشؤم في ثلاث : فقالت إنما كان (2) رسول الله يحدث عن أحوال الجاهلية ، وذلك لمعارضته الاصل القطعي من " أن الامر كله لله " . ولما بلغها قول أبى الدرداء من أدرك الصبح فلا وتر له . قالت : لا - كذب أبو الدرداء ، كان النبي يصبح فيوتر ، ولما سمعت أن ابن عمر قال : اعتمر رسول الله عمرة في رجب ، قضت عليه بالسهو ، وقالت عن أنس بن مالك وأبى سعيد الخدرى ، ما علم أنس بن مالك وأبى سعيد بحديث رسول الله ، وإنما كانا غلامين صغيرين ! وكانت عائشة ترد كل ما روى مخالفا للقرآن - وتحمل رواية الصادق من الصحابة على خطأ السمع . أو سوء الفهم (3) - وكذب عمران بن حصين سمرة في حديث أن للنبى سكتين في الصلاة عند قراءته (4) . والامثلة على ذلك كثيرة وقد أتينا في تاريخ أبى هريرة بطائفة من الاحاديث التى انتقدوه فيها ، وردوها عليه فراجعها هناك (5) . عدالة الصحابة أما الكلام عن عدالة الصحابة فقد أرجأناه إلى مكانه من هذا الكتاب . =========================================================================== (1) قال ابن حجر في فتح الباري : وقد رجح القرطبى في المفهم قول الوقف في هذه المسألة وعزاه لجماعة من المحققين ، وقواه أنه ليس في الباب دليل قاطع ، وغياية ما استدل به للطائفتين ظواهر متعارضة قابلة للتأويل - وليست المسألة من العمليات فيكتفى فيها بالادلة الظنية - وإنما هي من المتعقدات فلا يكتفى فيها إلا بالدليل القطعي . (2) راجع كتابنا " شيخ المضيرة " تجد فيه هذه الاخبار وغيرها مبسوطة هناك . (3) جمع الامام الزركشي كتابا قيما فيما استدركته عائشة على الصحابة سماء " الاجابة لايراد ما استدركته عائشة على الصحابة " ، توفى الزركشي 794 ه‍ . (4) 154 ج‍ 2 من الاستيعاب . (5) راجع كتاب " شيخ المضيرة " الطبعة الثالثة . (*) =========================================================================== [ 76 ] كيف روى الحديث ؟ بعد نهى النبي عن كتابته يحسب الذين لا خبرة لهم بالعلم ، ولا علم عندهم بالخبرة ، أن أحاديث الرسول التى يقرءونها في الكتب ، أو يسمعونها ممن يتحدثون بها ، قد جاءت صحيحة المبنى محكمة التأليف ، وأن ألفاظها قد وصلت إلى الرواة مصونة كما نطبق النبي بها ، بلا تحريف فيها ولا تبديل . وكذلك يحسبون أن الصحابة ومن جاء من بعدهم ، ممن حملوا عنهم أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى زمن التدوين ، قد نقلوا هذه الاحاديث بنصها كما سمعوها ، وأدوها على وجهها كما تلقوها ، فلم ينلها تغيير ولا اعتراها تبديل ، ومما وقر في أذهان الناس أن هؤلاء الرواة قد كانوا جميعا صنفا خاصا بين بنى آدم في جودة الحفظ ، وكمال الضبط وقوة الذاكرة ، وأن أذهانهم قد فطرت على صورة خاصة غير ما فطرت عليه أذهان البشر جميعا ، فكل ما يسمعونه ينقش على ألواحها ، فلا تفلت منه كلمة ، ولا يشذ عنه حرف . ولقد كان ولا جرم لهذا الفهم أثر بالغ في أفكار شيوخ الدين - إلا من عصم ربك - فاعتقدوا أن هذه الاحاديث في منزلة آيات الكتاب العزيز ، من وجوب التسليم بها ، وفرض الاذعان لاحكامها ، بحيث يأثم أو يرتد أو يفسق من يخالفها ، ويستتاب من أنكرها أو شك فيها . من أجل ذلك رأينا أن نشبع القول في هذا الامر ، ليعلم الناس وجه الحق فيه ، ويدركوا أن الاحاديث التى جاءتهم عن رسول الله صلوات الله عليه قد رويت عنه بمعناها ، لما لم يستطيعوا أن يأتوا بها على حقيقة مبناها ، لنسيان أصلها أو لمضى الزمن عليها في أذهانهم عندما رووها ، وأن كل راو قد روى ما بقى في ذهنه من هذا المعنى بعد أن عجزت ذاكرته عن ضبط ألفاظه . ولم يكونوا قد عنوا في أول الامر بتدوينه ، وعلى أن الامر قد جرى على رواية الحديث بالمعنى ، حتى لم يختلف =========================================================================== [ 77 ] في ذلك أحد من العارفين (1) ، فقد وقع الاختلاف بعد ذلك بين العلماء في أمر هذه الرواية ، فمنهم من منعها ومنهم من أجازها ، ولان هذا الامر مما يجب بيانه لاهميته رأينا أن نذكر هنا طرفا من أدلة هؤلاء وهؤلاء ، ولم نجد أحدا عرض بتحقيق شامل لهذا الامر مثل العلامة الشيخ طاهر الجزائري في كتابه النفيس " توجيه النظر " وهاك ما قاله (2) : رواية الحديث بالمعنى واختلاف العلماء في ذلك " اختلف العلماء في رواية الحديث بالمعنى . فذهب قوم إلى عدم جواز ذلك مطلقا منهم ابن سيرين وثعلب وأبو بكر الرازي ، ويروى ذلك عن ابن عمر (3) . وذهب الاكثرون إلى جواز ذلك - إذا كان الراوى عارفا بدقائق الالفاظ بصيرا بمقدار التفاوت بينها ، خبيرا بما يحيل معانيها فإذا أبدل اللفظ الذى بلغه بلفظ آخر مقامه بحيث يكون معناه مطابقا لمعنى اللفظ الذى بلغه جاز ذلك (4) . وقد تعرض لهذه المسألة علماء الاصول - ولما كانت من المسائل المهمة جدا فقد أحببت أن أروى من عباراتهم هنا ما يكون فيه الكفاية : قال أبو إسحاق الشيرازي في اللمع : والاختيار في الرواية أن يروى الخبر بلفظه ، لقوله صلى الله عليه وسلم نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمع ، =========================================================================== (1) قال ابن الصلاح في مقدمته : كثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا في أمر واحد بألفاظ مختلفة ، وما ذلك إلا لان معولهم كان على المعنى دون اللفظ (ص 90) . (2) ص 298 وما بعدها ببعض اختصار . (3) كان من الذين يجوزون رواية الحديث بالمعنى من الصحابة جماعة منهم : ابن عباس وأنس ، أما التابعون فكان الذين يتشددون في رواية الحديث على لفظه محمد بن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة ، والذين يتساهلون في ذلك الحسن والشعبى والنخعي . (4) إن معرفة دقائق الالفاظ والبصر بمقدار التفاوت بينها إنما يكون ذلك كله ولا ريب عند ضبط اللفظ الاصلى للحديث ومعرفته حتى يمكن أن يغيره بلفظ آخر ، ولكن رواية الحديث بالمعنى إنما تأتى من ذهاب شئ من معالم اللفظ الاصلى ونسيانه مما يدعو إلى تغييره - وإذا كان اللفظ الاصلى محفوظا فليس هناك ما يسوغ تغييره ، ويكون هو أولى بالرواية من سواه . (*) =========================================================================== [ 78 ] فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه (1) فإن أورد الرواية نظر ! فإن كان ممن لا يعرف معنى الحديث لم يجز لانه لا يؤمن أن يغير معنى الحديث ، وإن كان ممن يعرف معنى الحديث نظر ! فإن كان ذلك في خبر محتمل لم يجز أن يروى بالمعنى ، لانه ربما نقله بلفظ لا يؤدى مراد الرسول فلا يجوز أن يتصرف فيه ، إن كان خبرا ظاهرا ففيه وجهان : من أصحابنا من قال : لا يجوز ، لانه ربما كان التعبد باللفظ كتكبير الصلاة ، والثانى أنه يجوز . وهو الاظهر لانه يؤدى معناه ولهذا روى عن النبي أنه قال : إذا أصبت المعنى فلا بأس . وهذا الحديث قد رواه ابن منده في معرفة الصحابة والطبراني في المعجم الكبير من حديث عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثى قال : قلت يا رسول الله ، إنى أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمعه منك ، يزيد حرفا أو ينقص حرفا ، فقال : " إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس " (2) فذكر للحسن فقال : لولا هذا ما حدثنا . وقد احتج من منع الرواية بالمعنى بالنص والمعقول ، أما النص فقوله عليه السلام " رحم الله أمرا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع " (3) قالوا : وأداؤه كما سمع هو أداء اللفظ المسموع ، ونقل الفقيه إلى من هو =========================================================================== (1) من العجيب أن هذا الحديث نفسه قد جاءت روايته بصيغ كثيرة ! وكل رواية تختلف من الاخرى في اللفظ والمعنى ، ولولا خشية الاطالة لاوردناها كلها فليرجع إليها في مظانها . وقد قال ابن الجوزى بعد أن أورد قول الرسول " نضر الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها " : وتأدية الحديث كما يسمع لا يكاد يحصل إلا من الكتابة لان الحفظ خوان . وقد كان أحمد بن حنبل رضى الله عنه يحدث بالحديث فيقال له : أمله علينا : فيقول : لا بل من الكتاب . وقد قال على بن المدينى أمرنى أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا من الكتاب (ص 221 من تلبيس إبليس) . (2) ص 50 ج‍ 3 فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي - وهذا الحديث يناقض ولا ريب حديث " رحم الله امرأ سمع مقالتي . . " ولكن لا بد لكل فئة من أن تؤيد رأيها بحديث . (3) من وصية النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : " ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه ، وفي رواية " رب مبلغ أوعى من سامع " . رواهما البخاري وغيره ، وفي معنى هذا الحديث ما رواه الترمذي والضياء من حديث زيد بن ثابت مرفوعا نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه - وفي معناه حديث " نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع . رواه أحمد والترمذي وابن حبان . (*) =========================================================================== [ 79 ] أفقه منه معناه - والله أعلم - أن الافطن ربما فطن بفضل فقهه من فوائد اللفظ بما لم يفطن له الراوى ، لانه ربما كان دونه في الفقه . وأما المعقول فمن وجهين : الاول - إنا لما جربنا رأينا أن المتأخر ربما استنبط من فوائد آية أو خبر ما لم يتنبه له أهل الاعصار السالفة من العلماء والمحققين - فلو جوزنا النقل بالمعنى فربما حصل التفاوت العظيم ، مع أن الراوى يظن أن لا تفاوت . الثاني - أنه لو جاز للراوى تبديل لفظ الرسول بلفظ نفسه ، كان للراوى الثاني تبديل اللفظ الذى سمعه بلفظ نفسه - بل هذا أولى لان تبديل لفظ الراوى أولى بالجواز من تبديل لفظ الشارع ، وإن كان ذلك في الطبقة الثالثة والرابعة فذلك يفضى إلى سقوط الكلام الاول ، لان الانسان وإن اجتهد في تطبيق الترجمة لكن لا ينفك عن تفاوت وإن قل ، فإذا توالت التفاوتات كان التفاوت الاخير تفاوتا فاحشا بحيث لا يبقى بين الكلام الاخير وبين الاول نوع مناسبة . وقال القرافى في شرح تنقيح الفصول في الاصول : ونقل الخبر بالمعنى عند أبى الحسين وأبى حنيفة والشافعي جائز خلافا لابن سيرين وبعض المحدثين بشروط أن لا تزيد الترجمة ولا تنقص ولا تكون أخفى ولا أجلى - لان المقصود إنما هو إيصال المعاني فلا يضر فوات غيرها ، ومتى زادت عبارة الراوى أو نقصت فقد زاد الشرع أو نقص ، وذلك حرام إجماعا - ومتى كانت عبارة الحديث جلية فغيرها بعبارة خفية ، فقد أوقع في الحديث وهنا يوجب تقديم غيره عليه بسبب خفائه ، فإن الاحاديث إذا تعارضت في الحكم الواحد ، يقدم أجلاها على أخفاها فإذا كان أصل الحديث جليا فأبدله بخفى فقد أبطل منه مزية حسنة تخل به عند التعارض ، وكذلك إذا كان الحديث خفى العبارة فأبدلها بأجلى منها ، فقد أوجب له حكم التقديم على غيره - وحكم الله أن يقدم غيره عليه عند التعارض ، فقد تسبب بهذا التغيير في العبارة إلى تغيير حكم الله تعالى - وذلك لا يجوز - فهذا هو مستند هذه الشروط فإذا حصلت هذه الشروط فحينئذ يجرى الخلاف في الجواز ، أما عند عدمها فلا يجوز إجماعا . =========================================================================== [ 80 ] ومن حجج المانعين حديث البراء بن عازب (1) . وحجة " الجواز " أن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يسمعون الاحاديث ولا يكتبونها ولا يكررون عليها ، ثم يروونها بعد السنين الكثيرة ومثل هذا يجزم الانسان فيه بأن نفس العبارة لا تنضبط بل المعنى فقط ، ولان أحاديث كثيرة وقعت بعبارات مختلفة وذلك مع اتحاد القصة ! وهو دليل جواز النقل بالمعنى ، ولان لفظ السنة ليس متعبدا به ، بخلاف لفظ القرآن ، فإذا " ضبط المعنى " (2) فلا يضر فوات ما ليس بمقصود . وقال القاسمي في كتابه " قواعد التحديث " (3) : رخص في سوق الحديث بالمعنى دون سياقه جماعة منهم : على وابن عباس وأنس بن مالك وأبو الدرداء وواثلة بن الاسقع وأبو هريرة ثم جماعة من التابعين يكثر عددهم ، منهم إمام الائمة حسن البصري ثم الشعبى وعمرو بن دينار وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة . وقد اختلفت ألفاظ الصحابة في رواية الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فمنهم من يرويه تاما ، ومنهم من يأتي بالمعنى ، ومنهم من يورده مختصرا ، وبعضهم يغاير بين اللفظين ويراه واسعا إذا لم يخالف المعنى ، وكلهم لا يتعمد الكذب وجميعهم يقصد الصدق ، ومعنى ما سمع ، فلذلك وسعهم ، وكانوا يقولون " إنما الكذب على من تعمده " ، وقد روى عن عمران بن مسلم قال : قال رجل =========================================================================== (1) حديث البراء بن عازب نصه ، كما رواه البخاري : قال رسول الله إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الايمن وقل : اللهم أسلمت وجهى إليك ، وفوضت أمرى إليك ، وألجأت ظهرى إليك ، رغبة ورهبة إليك ، ولا منجا (يجوز فيها هذا الرسم) إلا إليك آمنت بكتابك الذى أنزلته وبنبيك الذى أرسلته . فإن مت فأنت على الفطرة ، واجعلهن آخر ما تقول ، فقلت : أستذكرهن ، ورسولك الذى أرسلت . قال : لا ونبيك الذى أرسلت . وهذا الحديث قد رواه كذلك مسلم والنسائي والترمذي وفي بعض رواياته : فطعن بيده في صدري ثم قال " ونبيك الذى أرسلت " على أن الرسول هو نبى والنبى لا يكون رسولا . (2) إذا ضبط المعنى ولكن هيهات ! (3) ص 207 ، نكتفي بهذا القدر من الادلة ، وفي كتاب الجزائري أدلة أخرى كثيرة إليها من يريد التوسع في ذلك . (*) =========================================================================== [ 81 ] للحسن : يا أبا سعيد إنما تحدث بالحديث أنت أحسن له سياقا ، وأجود تحبيرا ، وأفصح به لسانا منه إذا حدثنا به ! فقال ، إذا أصبت المعنى فلا بأس بذلك . وقد قال النضر بن شميل : " كان هشيم لحانا فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة - يعنى بالاعراب - وكان النضر بن شميل نحويا وكان سفيان يقول : " إذا رأيت الرجل يشدد في ألفاظ الحديث في المجلس فاعلم أنه يقول : اعرفوني ! وجعل رجل يسأل يحيى بن سعيد القطان عن حرف في الحديث على لفظه فقال له يحيى : يا هذا ، ليس في الدنيا أجل من كتاب الله تعالى - قد رخص للقراءة فيه بالكلمة على سبعة أحرف ، فلا تشدد " (1) وروى البيهقى عن مكحول قال دخلت أنا وأبو الازهر على واثلة بن الاسقع فقلنا له : حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ليس فيه وهم ولا تزيد ولا نسيان ! فقال : هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئا ؟ فقلنا : نعم وما نحن له بحافظين جدا ، إنا نزيد الواو والالف وننقص ، فقال : هذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألونه حفظا ، وإنكم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عسى ألا يكون سمعنا لها منه إلا مرة واحدة ؟ حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى . وكان ابن أبى ليلى يروى الشئ مرة هكذا ومرة هكذا بغير إسناد - وإنما جاء هذا من جهة حفظه ، لان أكثر من مضى من أهل العلم كانوا لا يكتبون ، ومن كتب منهم فإنما كان يكتب لهم بعد السماع ، وكان كثير منهم يروى بالمعنى فكثيرا ما يعبر عنه بلفظ من عنده فيأتى قاصرا عن أداء المعنى بتمامه ، وكثيرا ما يكون أدنى تغيير محيلا له وموجبا لوقوع الاشكال فيه - وقد أجاز الجمهور الرواية بالمعنى (2) . وفى سنن الترمذي - عن مكحول عن واثلة بن الاسقع قال : إذا حدتناكم على المعنى فحسبكم ، ورواية الذهبي في سير أعلام النبلاء : إذا حدثتكم بالحديث =========================================================================== (1) كانت العرب لا ترى بأسا من تغيير كلمة بكلمة ، وقد روى عن ذى الرمة أنه قال لقيس ابن عمر : اكتب شعرى ، فالكتاب أحب إلى من الحفظ ، لان العربي ينسى الكلمة قد سهر في طلبها ليلة فيضع في موضعها كلمة في وزنها ثم ينشدها الناس (ص 180 و 181 من كتاب نقض الشعر الجاهلي) للشيخ الخضر حسين . (2) ص 76 توجيه النظر . (*) =========================================================================== [ 82 ] على معناه فحسبكم (1) . وقال وكيع (2) عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال : إذا أصبت المعنى أجزأك ، وقال : إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس ، وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والاتقان والتثبت عند السماع - مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الائمة . وقال سفيان الثوري (3) إن قلت إنى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني فإنما هو المعنى ، وقيل له : يا أبا عبد الله ، حدثنا كما سمعت . قال : والله ما إليه سبيل ، وما هو إلا المعاني . ومن قوله : لو أردنا أن نحدثكم بالحديث كما سمعناه ما حدثناكم بحديث واحد ! وقد قال الثقات من العلماء : إن الاولى هو إيراد الحديث بألفاظه دون التصرف فيه . ولكن أنى ذلك وقد جرى الامر على غير الاولى ! قال القاضى عياض : " ينبغى سد باب الرواية بالمعنى لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن ، كما وقع لكثير من الرواية قديما وحديثا والله الموفق ! ومما ذكره المحققون ، أن الرواية بالمعنى لا تكون فيما يتعبد فيه باللفظ كالتكبير والتشهدات . على أن التشهدات قد وردت بألفاظ مختلفة وإليك أكثرها . صيغ التشهدات تشهد ابن مسعود : في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال : علمني رسول الله التشهد وكفى بكفه كما يعلمنى السورة من القرآن : التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - وكذلك رواه أصحاب السنن . وفي رواية : " ولقننيه كلمة كلمة " وفي رواية : إذا قلت هذا ، أو قضيت هذا ، =========================================================================== (1) ص 259 ج‍ 3 . (2) وكيع بن الجراح الامام الحافظ محدث العراق قال فيه أحمد بن حنبل : ما رأيت أوعى للعلم ، ولا أحفظ من وكيع . وكان ثقة متقنا ورعا ، توفى سنة 197 ه‍ . (3) سفيان الثوري سيد الحفاظ الكوفى الفقيه ، قال القطان فيه : ما رأيت أحفظ منه ، وإنه فوق مالك في كل شئ . مات بالبصرة سنة 161 ه‍ . (*) =========================================================================== [ 83 ] فقد قضيت صلاتك - وقد اختاره أبو حنيفة وأحمد وأصحاب الحديث وأكثر العلماء . تشهد ابن عباس : روى مسلم وأصحاب السنن عن ابن عباس وكذلك روى الشافعي في الام قال : كان رسول الله يعلمنا كما يعلمنا السورة من القرآن فيقول ، قولوا : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله . تشهد عمر بن الخطاب : روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير عن عبد الرحمن بن عبدالقارى أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يقول ، قولوا : التحيات الزاكيات لله ، الطيبات الصلوات لله . ورواية السرخسى في المبسوط : التحيات الناميات الزاكيات المباركات الطيبات لله . قال مالك : أفضل التشهد تشهد عمر بن الخطاب ، لان عمر قاله على المنبر بمحضر من الصحابة فلم ينكروه عليه إجماعا ، ورواه أبو داود وابن مردويه مرفوعا . تشهد أبى سعيد الخدرى : التحيات الصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله . قال أبو سعيد : وكنا لا نكتب إلا القرآن والتشهد (1) ! تشهد جابر : وفي حديث جابر المرفوع عند النسائي وابن ماجة والترمذي في العلل بلفظ : كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن " باسم الله وبالله التحيات إلخ وصححه الحاكم . تشهد عائشة : روى مالك في الموطأ عن عائشة زوج النبي أنها كانت تقول إذا تشهدت : التحيات الطيبات الزاكيات لله . فتسقط (لله) عقب التحيات والصلوات =========================================================================== (1) ص 93 تقييد العلم للخطيب البغدادي . (*) =========================================================================== [ 84 ] بخلاف ما في حديث عمر وابن مسعود من إثباتهما ، وهى مرفوعة ، وزادت على حديث عمر " وحده لا شريك له " وكذلك ثبتت هذه الزيادة في حديث أبى موسى مرفوعا عند مسلم . تشهد أبى موسى الاشعري : روى مسلم وأبو داود أن التشهد عند أبى موسى " التحيات الطيبات الصلوات لله " . وفيه " وحده لا شريك له " (1) . تشهد سمرة بن جندب : التحيات الطيبات والصلوات والملك لله إلخ . تشهد ابن عمر : روى مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر أنه كان يتشهد فيقول باسم الله (في أوله) التحيات لله الصلوات لله السلام على النبي بإسقاط (كاف الخطاب ولفظ أيها) إلخ وقال فيه : " فإذا قضى تشهده وأراد أن يسلم قال السلام على النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . وهذه زيادة تكرير في التشهد . ورواية " السلام على النبي " التى جاءت في هذا التشهد - قد وردت في رواية البخاري عن ابن مسعود في " باب الاستئذان " فقد قال في آخره : وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وهو بين ظهرانينا فلما قضى (صلى الله عليه وسلم) قلنا السلام على النبي . وقد علق ابن حجر على ذلك بقوله : ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود ما يقتضى المغايرة بين زمانه (صلى الله عليه وسلم) فيقال بلفظ الخطاب وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة ، وفي الاستئذان في صحيح البخاري من طريق أبى معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد قال : وهو بين ظهرانينا فلما قضى قلنا السلام يعنى على النبي . وقال السبكى في شرح المنهاج : إن صح هذا عن الصحابة دل على أن الخطاب في السلام بعد النبي غير واجب فيقال السلام على النبي - قال الحافظ قد صح بلا ريب . =========================================================================== (1) عن حطان بن عبد الله الرقاشى قال : صليت مع أبى موسى الاشعري وبعد الصلاة قال : أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم . إن رسول الله خطبنا فبين لنا سنتنا ، وعلمنا صلاتنا وذكر التشهد فإذا هو التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك إلخ ص 13 ج‍ 2 مسلم . (*) =========================================================================== [ 85 ] قال عبد الرازق : أخبرنا ابن جريج أخبرنا عطاء أن الصحابة كانوا يقرءون والنبى " حى " السلام عليك أيها النبي فلما مات قالوا : السلام على النبي وهذا إسناد صحيح . ولهذا الاختلاف (1) قال القاضى : هذا يدل على أنه إذا أسقط لفظة هي ساقطة في بعض التشهدات المروية صح التشهد ، فعلى هذا يجوز أن يقال : أقل ما يجزئ في التشهد " التحيات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - أو أن محمدا رسول الله " . هذه تشهدات تعسة (2) وردت عن الصحابة وقد اختلفت ألفاظها ، ولو أنها كانت من الاحاديث القولية التى رويت بالمعنى لقلنا عسى ! ولكنها من الاعمال المتواترة التى كان يؤديها كل صحابي مرات كثيرة كل يوم وهم يعدون بعشرات الالوف ، ومما يلفت النظر أن كل صاحب تشهد يقول ، إن الرسول كان يعلمه التشهد كما يعلمهم القرآن ، وأن تشهد عمر قد ألقاه من فوق منبر رسول الله والصحابة جميعا يسمعون فلم ينكر عليه أحد منهم ما قال ، كما ذكر مالك في الموطأ . ومما يلفت النظر كذلك ، أن هذه التشهدات على تباين ألفاظها وتعدد صيغها وكثرة رواتها ، قد خلت كلها من الصلاة على النبي فكأن الصحابة كانوا كما قال إبراهيم النخعي يكتفون بالتشهد والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله . ولقد اختلفت الائمة في وجوب الصلاة على النبي في الصلاة المفروضة فأبو حنيفة وأصحابه لا يوجبونها فيها وأما الشافعي فقد جعلها شرطا ! وفي البحر الزاخر لابن نجيم : وأما موجب الامر في قوله تعالى : " صلوا عليه " فهو افتراضها في العمر مرة واحدة في الصلاة أو خارجها ، لان الامر لا يقتضى التكرار وهذا بلا خلاف . =========================================================================== (1) ص 575 ج‍ 1 المغنى والشرح الكبير . (2) هذا ما أمكن إحصاؤه من التشهدات ولم يتفق أئمة الفقه على تشهد واحد منها بل اختلفوا فيها فاختار أبو حنيفة وأحمد تشهد ابن مسعود واختار مالك تشهد عمر بن خطاب واختار الشافعي تشهد ابن عباس . (*) =========================================================================== [ 86 ] وقد قال بذلك السرخسى في المبسوط وابن همام في شرح فتح القدير والقسطلاني في إرشاد السارى . وقال القاضى عياض في الشفاء ، وقد شذ الشافعي فقال من لم يصل على فصلاته فاسدة ، ولا سلطان له في هذا القول ولا سنة يتبعها ، وشنع عليه في ذلك جماعة منهم الطبري والقشيري ، وخالفه من أهل مذهبه الخطابى فقال إنها ليست بواجبة ولا أعلم له فيها قدوة ، والتشهدات المرويات عن الصحابة لم يذكر فيها ذلك أما حديث " لا صلاة لمن لم يصل على " فقد ضعفه أهل الحديث ، وحديث ابن مسعود " من صلى صلاة لم يصل فيها على وعلى أهل بيتى لم تقبل منه " فقد قال الدار قطني إنه من قول أبى جعفر محمد الباقر بن على وبن الحسين . ونص قوله : لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا تتم (1) . . . . وكلمة التوحيد وما قاله هؤلاء الائمة في الصلاة على النبي ، قد جاء مثله في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) . قال العلامة سعيد بن حجى في رسالة " الكلام المنتقى فيما يتعلق بكلمة التقوى - لا إله إلا الله " . وأما حكمها فقال " في فاكهة القلوب والافواه " : " أما المؤمن بالاصالة فيجب أن يذكرها مرة في عمره ، وينوى بها الوجوب " . ولا نطيل في ذلك حتى نستطرد إلى ما ليس من موضوعنا . وقال الفقيه المحدث رشيد رضا رحمه الله عند كلامه على أحاديث أشراط الساعة في تفسيره (2) . " لا شك في أن أكثر الاحاديث قد روى بالمعنى كما هو معلوم واتفق عليه العلماء ، ويدل عليه اختلاف رواة الصحاح في ألفاظ الحديث الواحد حتى المختصر منها ، وما دخل على بعض هذه الاحاديث (في المدرجات) وهي ما يدرج في اللفظ المرفوع من كلام الرواة فعلى هذا ، كان يروى كل أحد ما فهمه ، وربما =========================================================================== (1) ص 55 ج‍ 2 من الشفاء . (2) ص 506 ج‍ 9 . (*) =========================================================================== [ 87 ] وقع في فهمه الخطأ وربما فسر بعض ما فهمه ، بألفاظ يزيدها ، إلى أن قال : فهل من الغرابة أن يقع الخلط والتعارض فيما يروى عنه بالمعنى بقدر فهم الرواة ؟ وسئل رحمه الله عن رأيه فيمن قال : إنه لم يثبت عن النبي إلا 12 أو 14 حديثا فأجاب (1) : هذا القول غير صحيح ، ولم يقل به أحد بهذا اللفظ ، وإنما قيل هذا أو ما دونه ، في الاحاديث التى تواتر لفظها . ولا بأس من أن نثبت هنا كلمة لنا نشرناها في العدد 957 من مجلة الرسالة الصادر في 5 نوفمبر سنة 1951 تصحيحا لما نشره الاستاذ عبد السلام هارون في كتاب البيان والتبيين للجاحظ وها هي ذى : هو سماع الحديث لا سماع الغناء ! يعثر الانسان أحيانا أثناء مطالعاته في الصحف على أشياء تستدعى النقد ، وتستوجب التصحيح فيتجاوزها ولا يعنى بها ، لانه إذا تولى نقد أو تصحيح كل ما يعثر عليه من الغلط فإنه لا يجد من الوقت ما يسعه ، ولا من هدوء البال ما يعينه ، وقد ينشط أحيانا فينهض لبيان ما يجد من خطأ ، وبخاصة عندما يقف على أمر لا يصح السكوت عليه أو الاغضاء عنه . ومن ذلك أنى كنت أقرأ في الجزء الثاني من كتاب " البيان والتبيين " للجاحظ الذى خرج بتحقيق وشرح الاستاذ عبد السلام هارون فإذا بى أجد في الصفحة 322 من هذا الجزء ما يلى : " وقال ابن عون : أدركت ثلاثة يتشددون في السماع ، وثلاثة يتساهلون (في المغانى) فأما الذين يتساهلون ، فالحسن والشعبى والنخعي ، وأما الذين يتشددون ، فمحمد بن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة (2) " . وقد حسب الاستاذ هارون أن السماع في هذا الخبر هو سماع الاغانى ! فآثر =========================================================================== (1) ص 260 ج‍ 34 من مجلة المنار . (2) راجع صفحة 77 من هذا الكتاب . (*) =========================================================================== [ 88 ] كلمة " المغانى " بالمعجمة التى وجدها في بعض نسخ الاصول ، على لفظها بالمهملة التى جاءت بأصول أخرى ، وأخذ يفسرها على ما ظن تفسيرا لا أدرى إن كان يرضى أئمة اللغة أم يغضبهم ! فقال في شرح الكلمة : " المغانى جمع مغنى مصدر ميمى من غنى يغنى ! وفي التيمورية المعاني بالمهملة تحريف ، أي أن هذه الكلمة قد جاءت في نسخة مكتبة كوبرلى والنسخة التيمورية بالمهملة وهو تحريف . والذى قال عنه الاستاذ إنه تحريف هو الصحيح ، وإن صحة الكلمة المعاني بالمهملة كما جاءت بهاتين النسختين ، والسماع هنا هو سماع الحديث النبوى ، لا سماع الاغانى ! وقد جاءت عبارة ابن عون هذه ، لان نقل حديث رسول الله على حقيقة لفظه أو بمعناه ، كان موضع خلاف بين الصحابة ، ثم امتد هذا الخلاف إلى التابعين ومن بعدهم ، فكان من الصحابة الذين يجوزون رواية الحديث بالمعنى ، كما يقولون ، على وابن عباس وأنس وجماعة معهم . وكان الذى يمنع ذلك ابن عمر ، أما التابعون فكان الذين يتشددون في رواية الحديث على لفظه محمد بن سيرين والقاسم ابن محمد ورجاء بن حيوة ، والذين يتساهلون في ذلك الحسن والشعبى والنخعي (1) ، ومن هنا جاءت كلمة ابن عون التى رواها الجاحظ وأخطأ في فهمها الاستاذ عبد السلام هارون . . . المنصورة محمود أبوريه =========================================================================== (1) ص 80 ج‍ 1 جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ، وص 308 توجيه النظر ، وقد ذكر لابن سيرين أن الحسن والشعبى والنخعي يروون بالمعنى فقال ، إنهم لو حدثوا كما سمعوا لكان أفضل ، ص 206 من الكفاية للخطيب . (*) =========================================================================== [ 89 ] أمثلة من رواية الحديث بالمعنى حديث الاسلام والايمان روى مسلم عن طلحة بن عبيدالله : جاء رجل إلى رسول الله من أهل نجد ثائر الرأس ، نسمع دوى صوته ولا نفقه ما يقول ، حتى دنا من رسول الله فإذا هو يسأل عن الاسلام ، فقال رسول الله : خمس صلوات في اليوم والليلة . فقال : هل على غيرهن ؟ فقال : لا ، إلا أن تطوع ، وصيام شهر رمضان ، فقال : هل على غيره ؟ فقال : لا إلا أن تطوع . وذكر له رسول الله الزكاة . فقال ، هل على غيرها ؟ فقال : لا ، إلا أن تطوع ، قال : فأدبر الرجل وهو يقول : والله لا أزيد على هذا ، ولا أنقص منه . فقال رسول الله أفلح إن صدق ، وفي رواية أخرى أفلح وأبيه إن صدق ، وفي رواية ثالثة دخل الجنة وأبيه إن صدق . وعن أبى هريرة في حديث جبريل . قال رسول الله : سلونى فهابوه فجاء رجل فجلس عند ركبتيه وقال : يا رسول الله ما الاسلام ؟ قال : لا تشرك بالله شيئا . وتقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة ، وتصوم رمضان . قال : صدقت ، ثم قال : يا رسول الله ما الايمان ؟ قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله ، وتؤمن بالغيب ، وتؤمن بالقدر كله قال : صدقت ، قال : يا رسول الله ما الاحسان ؟ قال أن تخشى الله كأنك تراه ، فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك إلخ . وقد تكلمنا عن هذا الحديث في كتابنا " شيخ المضيرة " فيرجع إليه ويقرأ ما قاله الدكتور طه حسين فيه (1) . وعن أبى أيوب (2) قال : جاء رجل إلى النبي فقال : دلنى على عمل أعمله يدنينى من الجنة ، ويباعدني من النار . قال : تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة ، وتصل ذا رحمك . قال رسول الله : إن تمسك بما أمر به دخل الجنة . =========================================================================== (1) ص 211 و 212 مرآة الاسلام . (2) هو خالد بن زيد الانصاري ، ص 172 ج‍ 1 شرح النووي على مسلم وص 119 من كتاب المعارف لابن قتيبة . (*) =========================================================================== [ 90 ] وفي رواية ابن أبى شيبة إن تمسك به . وعن أبى هريرة : أن أعرابيا جاء إلى رسول الله فقال يا رسول الله ، دلنى على عمل إذا عملته دخلت الجنة ، قال : تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدى الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان ، قال والذى نفسي بيده ، لا أزيد على هذا شيئا ولا أنقص منه . فلما ولى قال النبي : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا . قال الامام النووي معلقا على هذه الاحاديث ما نصه (1) : " اعلم أنه لم يأت في حديث طلحة - ذكر (الحج) ولا جاء ذكره في حديث جبريل من رواية أبى هريرة ، وكذا غير هذه الاحاديث لم يذكر في بعضها " الصوم " ولم يذكر في بعضها " الزكاة " وذكر في بعضها صلة الرحم ، وفي بعضها أداء الخمس ، ولم يقع في بعضها ذكر " الايمان " - فتفاوتت هذه الاحاديث في عدد خصال الايمان زيادة ونقصا وإثباتا وحذفا . وقد أجاب القاضى عياض وغيره رحمهم الله بجواب لخصه الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح وهذبه فقال : ليس هذا باختلاف صادر من رسول الله . بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط ، فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفى ولا إثبات ، وإن كان اقتصاره على ذلك يشعر بأنه (الكل) فقد بان بما أتى به غيره من الثقات أن ذلك ليس " بالكل " وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن تمامه . ألا ترى حديث النعمان بن توقل الذى اختلفت الرواية في خصاله بالزيادة والنقصان ، مع أن راوي الجميع راو واحد ؟ ! وهذا هو حديث النعمان بن توقل (2) : عن أبى سفيان عن جابر أتى النبي (صلى الله عليه وسلم) النعمان بن توقل فقال : يا رسول الله أرأيت إذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال أأدخل الجنة ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : نعم . =========================================================================== (1) ص 215 ج‍ 1 شرح النووي لمسلم على هامش القسطلانى . (2) ص 175 ج 1 شرح النووي على مسلم . (*) =========================================================================== [ 91 ] وعن الاعمش عن أبى صالح وأبى سفيان عن جابر قال : قال النعمان بن توقل : يا رسول الله بمثله ، وزادا فيه ، ولم أزد على ذلك شيئا . حديث زوجتكها بما معك (1) جاءت إمراة إلى النبي وأرادت أن تهب نفسها له ، فتقدم رجل فقال : يا رسول الله : أنكحنيها ؟ ولم يكن معه من المهر غير بعض القرآن ، فقال له النبي : أنكحتكها بما معك من القرآن ، وفي رواية : " قد زوجتكها بما معك من القرآن " وفي رواية ثالثة : " زوجتكها على ما معك " وفي رواية رابعة : " قد ملكتكها بما معك " ، وفي رواية خامسة : " قد ملكتكها بما معك من القرآن " وفي رواية سادسة : " أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها " ، وفي رواية سابعة : " أمكناكها . . " . وفى رواية ثامنة : " خذها بما معك " فهذه اختلافات ثمانية - في لفظة واحدة . قال ابن دقيق العيد : هذه لفظة واحدة في قصة واحدة واختلف فيها مع اتحاد مخرج الحديث ! وقال العلائى : من المعلوم أن النبي لم يقل هذه الالفاظ كلها تلك الساعة فلم يبق إلا أن يكون قال لفظة منها ، وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى ، فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ التملك ثم احتج بمجيئه في هذا الحديث ، إذا عورض ببقية الالفاظ لم ينتهض احتجاجه ! فإن جزم بأنه هو الذى تلفظ به النبي - ومن قال غيره ذكره بالمعنى ! - قلبه عليه مخالفه وادعى ضد دعواه ، فلم يبق إلا الترجيح بأمر خارجي . وهذا الحديث ومثله كان مما دعا سيبويه وغيره إلى عدم جعلهم الحديث من شواهدهم في إثبات اللغة والنحو كما ستراه في محله من هذا الكتاب . =========================================================================== (1) لم نعرض هنا لاختلافات الفقهاء في حكم هذا الحديث بسبب اختلاف ألفاظه فارجع إليها في كتبهم لترى كيف تفعل الرواية بالمعنى ، ويراجع من ص 168 إلى ص 176 ج‍ 9 فتح الباري . (*) =========================================================================== [ 92 ] حديث الصلاة في بني قريظة روى البخاري عن ابن عمر أن النبي قال يوم الاحزاب : لا يصلين أحد " العصر " إلا في بني قريظة ، فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال بعضهم لا نصلى حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلى ، لم يرد منا ذلك ، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم . قال ابن حجر في شرح هذا الحديث : كذا وقع في جميع النسخ عند البخاري ووقع في جميع النسخ عند مسلم " الظهر " مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد ، وقد وافق مسلما أبو يعلى وآخرون ، وكذا أخرجه ابن سعد ، وأما أصحاب المغازى فقد اتفقوا على أنها العصر . ثم قال ابن حجر بعد ذلك : إن البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه (1) في تجويز ذلك ، بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيرا ، ولم يجوز مثله لموافقة من وافق مسلما على لفظه بخلاف البخاري . وقد بلغ من أمرهم أنهم كانوا يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم ثم يعزونه إلى كتب السنة . قال العراقي في شرح ألفيته : إن البيهقي في السنن والمعرفة والبغوى في شرح السنة وغيرهما ، يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم ، ثم يعزونه إلى البخاري ومسلم مع إختلاف الالفاظ والمعاني ، فهم إنما يريدون أصل الحديث لا عزو ألفاظه اه‍ . =========================================================================== (1) الذي قاله ابن حجر عن البخاري يؤيده ما رواه الخطيب البغدادي عن البخاري قال : رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر ، فقيل له يا أبا عبد الله ، بكماله . قال : فسكت (ص 11 ج‍ 2 من تاريخ الخطيب) . وقال : حيدر بن أبي جعفر والى بخارى : قال لي محمد بن إسماعيل يوما : رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر ، فقلت له : يا أبا عبد الله ، بتمامه ؟ فسكت (ص 201 ج‍ 2 هدى السارى مقدمة فتح الباري) . ويراجع الكلام عن كتاب البخاري بين كتب الحديث المشهورة في الفصل الذي عقدناه لذلك في كتابنا هذا . (*) =========================================================================== [ 93 ] ومن هذا القبيل قول النووي في حديث " الائمة من قريش " أخرجه الشيخان مع أن لفظ الصحيح " لا يزال هذا الامر في قريش ما بقى منهم إثنان " وبين اللفظين والمعنيين تفاوت عظيم كما ترى اه‍ . حديث تأبير النخيل روى مسلم في كتابه عن موسى بن طلحة عن أبيه قال : مررت مع رسول الله بقوم على رءوس النخل فقال : ما يصنع هؤلاء ؟ فقلت : يلقحونه ، يجعلون الذكر في الانثى فتلقح ! فقال رسول الله : ما أظن يغنى ذلك شيئا ! قال : فأخبروا بذلك فتركوه ، فأخبر رسول الله بذلك فقال : إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإنى ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به ، فإنى لن أكذب على الله عزوجل . وعن رافع بن خديج قال : قدم نبى الله المدينة وهم يأبرون النخل فقال : ما تصنعون ؟ قالوا : كنا نصنعه ، قال : لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا ، قال : فتركوه فنفضت ، أو قال فنقصت ، قال : فذكروا ذلك له فقال : إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشئ من رأيى فإنما أنا بشر . رواه مسلم والنسائي . وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعن أنس ، أن النبي مر بقوم يلقحون فقال : لو لم تفعلوا لصلح ، قال : فخرج شيصا : فمر بهم فقال : ما لنخلكم ؟ قالوا : قلت كذا كذا ، قال : أنتم أعلم بأمر دنياكم . وفي رواية أحمد : ما كان أمر دينكم فإلى ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به ، وفي رواية رويت عن ابن رشد في كتاب التحصيل والبيان " ما أنا بزارع ولا صاحب نخل " . =========================================================================== [ 94 ] حديث صحيفة علي رضي الله عنه هذا الحديث رواه الجماعة أحمد والشيخان وأصحاب السنن بألفاظ مختلفة . أما البخاري فقد رواه عن أبى جحيفة في كتاب العلم بلفظ قلت لعلى : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا ، إلا كتاب الله ، أو فهما أعطيه رجلا مسلما ، أو ما في هذه الصحيفة قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل وفكاك الاسير ، ولا يقتل مسلم بكافر . ورواية الكشميهنى " وإن لا يقتل " إلخ . وفي كتاب الجهاد بلفظ : قلت لعلي هل عندكم شئ من الوحي ، إلا ما في كتاب الله ؟ قال : لا والذى فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، وما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة ؟ قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال العقل وفكاك الاسير وأن لا يقتل مسلم بكافر . وفي باب الديات : سألت عليا رضي الله عنه : هل عندكم شئ مما ليس في القرآن ؟ فقال ، والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ، ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطى رجل في كتابه ، وما في هذه الصحيفة . قلت وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل وفكاك الاسير إلخ . وفي باب حرم المدينة من كتاب الحج عن إبراهيم التيمى عن أبيه بلفظ ما عندنا شئ إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) " المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا ، من أحدث فيها حدثا ، أو آوى محدثا ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل " وقال : " ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل ، ومن تولى بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل " . وفي باب ذمة المسلمين من كتاب الجزية بلفظ ، خطبنا على فقال : ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة ، قالوا ، وما في هذه الصحيفة فقال ، فيها الجراحات وأسنان الابل والمدينة حرام ما بين عير إلى كذا فمن أحدث =========================================================================== [ 95 ] فيها حدثا ، أو آوى فيها محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ، ومن تولى غير مواليه فعليه مثل ذلك ، وذمة المسلمين واحدة ، فمن أخفر مسلما فعليه مثل ذلك . وفي باب إثم من عاهد ثم غدر بلفظ ، عن علي قال : ما كتبنا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) إلا القرآن وما في هذه الصحيفة : قال النبي (صلى الله عليه وسلم) : المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا فمن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل ، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل ، ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل . وفي باب إثم من تبرأ من مواليه بلفظ : ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وغير هذه الصحيفة ، وأخرجها فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الابل ، وفيها - المدينة حرام إلخ وذكر مسألة الولاء فمسألة الذمة بمثل ما تقدم . وفي باب كراهة التعمق والتنازع والغلو في الدين من كتاب الاعتصام بلفظ : خطبنا على على منبر من آجر فقال : والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة ، فنشرها فإذا فيها أسنان الابل ، وإذا فيها المدينة حرم من عير إلى كذا فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله . . . وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر فعليه . . . وإذا فيها : من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه . . . (إلا أنه قال) : لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا (هذه روايات البخاري) . وروايات مسلم وأصحاب السنن بمعنى روايات البخاري - وصرح مسلم بحدى المدينة ، وهما عير وثور (جبلان) وقال الحافظ ابن حجر في الكلام على حديث على رضى الله عنه من طريق إبراهيم التيمى عن أبيه : إن الصحيفة كانت مشتملة على كل ما ورد - أي فكان يذكر كل راو منها شيئا ، إما لاقتضاء الحال ذكره دون غيره ، وإما لان بعضهم لم يحفظ كل ما فيها ، أو لم يسمعه ، ولا شك أنهم نقلوا ما نقلوه بالمعنى دون التزام اللفظ كله ، ولذلك وقع الخلاف في ألفاظهم ، ولم يقل الرواة " إنه قرأها عليهم " برمتها فحفظوها أو كتبوها عنه بل (تدل ألفاظهم) =========================================================================== [ 96 ] على أنه كان يذكر ما فيها أو بعضه من حفطه ، ومن قرأها لهم كلها أو بعضها لم يكتبوها ، بل حدثوا بما حفظوا ، ومنه ما هو من لفظ الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومنه ما هو إجمال للمعنى كقوله " العقل وفكاك الاسير " فإن المراد بالعقل دية القتل وسميت عقلا لان الاصل فيها أن تكون إبلا تعقل أي تربط بالعقل في فناء دار المقتول أو عصبته المستحقين لها ، وقوله (أسنان الابل) في بعض الروايات ، معناه ما يشترط في أسنان إبل الدية أو الصدقة إلخ . . . وجملة القول : أننا لا نعلم أن أحدا كتب عن أمير المؤمنين ما كان في تلك الصحيفة بنصه ، ولا أنه هو كتبها بأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) لانه قال في رواية قتادة عن أبي حسان إنه سمع شيئا فكتبه . اه‍ باختصار . وإذا كان لنا من كلمة نعلق بها على أمر هذه الصحيفة المنسوبة إلى علي رضي الله عنه - وما جاء فيها من روايات مختلفة في كتب الحديث فهى أننا لا نطمئن إلى ما جاء فيها من روايات مهما كان رواتها ، وبحسبك أن تجد ابن حجر قد قال في هذه الروايات ما قال . ومرد شكنا إلى أن عليا رضي الله عنه إذا كان قد أراد أن يكتب عن رسول الله ما يراه نافعا للدين وللمسلمين فلا تكفيه مثل هذه الصحيفة التى كان يضعها كما يقولون في قراب سيفه وإنما كان يكتب آلاف الاحاديث في جميع ما يهم المسلمين وهو صادق في كل ما يكتب إذا أراد ، على أننا قد أفدنا من أخبار هذه الصحيفة فائدة كبيرة إذ أثبتت لنا كيف تفعل الرواية بالمعنى فعلها ، وأنها كانت ضررا على الدين وعلى اللغة والادب كما سنبينه قريبا إن شاء الله . ونختم هذا الفصل بكلمة صغيرة جامعة للحافظ ابن كثير جاءت في كتاب الباعث الحثيث (1) ، قال بعد أن تكلم عمن جوزوا رواية الحديث بالمعنى : " ومنع الرواية بالمعنى طائفة آخرون من المحدثين والفقهاء والاصوليين ، وشددوا في ذلك آكد التشديد - وكان ينبغى أن يكون هذا هو الواقع ، ولكن لم يتفق ذلك " وذلك لان الذي جرى عليه الامر ، هو رواية الحديث بالمعنى ، وهو ما تجده في =========================================================================== (1) ص 165 و 166 من كتاب الباعث الحثيث . (*) =========================================================================== [ 97 ] جميع كتب الحديث بلا استثناء . وستعرف من تاريخ البخاري أنه ممن كانوا يروون بالمعنى - ويراجع فصل " موقف النحاة من كتب الحديث " في موضعه من هذا الكتاب . ضرر رواية الحديث بالمعنى لما كانت أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) قد جاء نقلها بالمعنى - كما بينا من قبل - وأنهم قد أباحوا لرواتها أن يزيدوا فيها ويختصروا منها ، وأن يقدموا ويؤخروا في ألفاظها - بله ما سوغوه من قبول الملحون منها - لما كان الامر قد جرى على ذلك فقد نشأ من أثر ذلك كله - ولا جرم وبخاصة بسبب نقل الحديث بالمعنى - ضرر عظيم . وقال العلامة الجزائري في كتابه " توجيه النظر " (1) . [ بعد البحث والتتبع تبين أن كثيرا ممن روى بالمعنى قد قصر في الاداء ولذلك قال بعضهم : ينبغي سد باب الرواية بالمعنى لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن ، كما وقع لكثير من الرواة قديما وحديثا . وقد نشأ عن الرواية بالمعنى ضرر عظيم حتى عد من جملة أسباب اختلاف الامة ، قال بعض المؤلفين (2) في ذلك في مقدمة كتابه : إن الخلاف قد عرض للامة من " ثمانية أوجه " ، وجميع وجوه الخلاف متولدة منها ، ومتفرعة عنها . " الاول " منها اشتراك الالفاظ واحتمالها للتأويلات الكثيرة ، " الثاني " الحقيقة والمجاز ، " الثالث " الافراد والتركيب ، " الرابع " الخصوص والعموم ، " الخامس " الرواية والنقل ، " السادس " الاجتهاد فيما لا نص فيه ، " السابع " الناسخ والمنسوخ ، " الثامن " الاباحة والتوسيع - وقال في باب الخلاف العارض من جهة الرواية والنقل : هذا الباب لا تتم الفائدة التي قصدناها منه إلا بمعرفة العلل التي تعرض للحديث فتحيل معناه ، فر بما أوهمت فيه معارضة بعضه لبعض ، وربما ولدت فيه إشكالا يحوج العلماء إلى طلب التأويل البعيد . ونحن نذكر العلل كم هي ؟ =========================================================================== (1) ص 337 وما بعدها . (2) ظللنا نبحث عن هذا المؤلف حتى وجدنا أنه أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسى الاندلسي المتوفى سنة 521 ه‍ وهذا الكلام في كتابه " الانصاف في التنبيه على الاسباب التى أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم " ، وقد طبع في مصر سنة 1319 مصححا بقلم الشيخ أحمد عمر المحمصانى الازهرى . أضواء على السنة المحمدية (*) =========================================================================== [ 98 ] ونذكر من كل نوع منها مثالا أو أمثلة يستدل بها على غيرها إن شاء الله (1) . قال البطليوسي : اعلم أن الحديث المأثور عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعن أصحابه والتابعين لهم ، تعرض له " ثمانى علل " - أولاها : فساد الاسناد ، (الثانية) من جهة نقل الحديث على معناه دون لفظه ، (والثالثة) من جهة الجهل بالاعراب ، (والرابعة) من جهة التصحيف ، (والخامسة) من جهة إسقاط شئ في الحديث لا يتم المعنى إلا به ، (والسادسة) أن ينقل المحدث الحديث ويغفل نقل السبب الموجب له ، أو بسط الامر الذي جر ذكره ، (السابعة) أن يسمع المحدث بعض الحديث ويفوته سماع بعضه ، (الثامنة) نقل الحديث من الصحف دون المشايخ (2) . العلة الاولى وهي فساد الاسناد ، وهذه العلة أشهر العلل عند الناس حتى إن كثيرا منهم يتوهم (3) أنه إذا صح الاسناد صح الحديث ! وليس كذلك فإنه قد يتفق أن يكون رواة الحديث مشهورين بالعدالة ، معروفين بصحة الدين والامانة ، غير مطعون عليهم ، ولا مستراب بنقلهم ، ويعرض مع ذلك لاحاديثهم أعراض على وجوه شتى من غير قصد منهم إلى ذلك - والاسناد يعرض له الفساد من أوجه : (منها) الارسال وعدم الاتصال ، (ومنها) أن يكون بعض رواته صاحب بدعة ، أو متهما بكذب وقلة ثقة ، أو مشهورا ببله وغفلة ، أو يكون متعصبا لبعض الصحابة منحرفا عن بعضهم ، فإن كان مشهورا بالتعصب ثم روى حديثا في تفضيل من يتعصب له ، ولم يرد من غير طريقه ، لزم أن يستراب به ، وذلك أن إفراط عصبية الانسان لمن يتعصب له وشدة محبته يحمله على افتعال الحديث ، وإن لم يفتعله بدله وغير بعض حروفه . . . ومما يبعث على الاسترابة =========================================================================== (1) وننقل هذه العلل باختصار من أصل كتاب البطليوسي . (2) قد لا يصح أن يعد ذلك من علل الحديث ، فقد ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه . وقال أبو إسحاق الاسفرائيني : الاجماع على جواز النقل من الكتاب المعتمدة ، وقال الطبري : من وجد حديثا في كتاب صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به ، وكذلك قال العز بن عبد السلام . (3) ومنهم حشوية دهرنا الذين يظهرون بين الناس في لباس العلماء . (*) =========================================================================== [ 99 ] بنقل الناقل أن يعلم منه حرص على الدنيا وتهافت على الاتصال بالملوك ونيل المكانة والحظوة عندهم - فإن من كان بهذه الصفة لم يؤمن عليه التغيير والتبديل والافتعال للحديث والكذب حرصا على مكسب يحصل عليه (1) . وقد نبه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على نحو هذا الذى ذكرنا بقوله : إن الاحاديث ستكثر بعدى كما كثرت عن الانبياء قبلي ، فما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافقه كتاب الله فهو عني قلته أو لم أقله . وقد روى أن قوما من الفرس واليهود (2) وغيرهم لما رأوا الاسلام قد ظهر وعم ودوخ وأذل جميع الامم ، ورأوا أنه لا سبيل إلى مناصبته ، رجعوا إلى الحيلة والمكيدة فأظهروا الاسلام من غير رغبة فيه ، وأخذوا أنفسهم بالتعبد والتقشف ، فلما حمد الناس طريقتهم ولدوا الاحاديث والمقالات ، وفرقوا الناس فرقا . . . وإذا كان عمر بن الخطاب يتشدد في الحديث ويتوعد عليه والزمان زمان ، والصحابة متوافرون ، والبدع لم تظهر ، والناس في القرن الذى أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما ظنك بالحال في الازمنة التى ذمها ! وقد كثرت البدع وقلت الامانة . . . العلة الثانية وهي نقل الحديث على المعنى دون اللفظ بعينه - وهذا الباب يعظم الغلط فيه جدا . وقد نشأت منه بين الناس شغوب شنيعة ، وذاك أن أكثر المحدثين لا يراعون ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم التى نطق بها ، وإنما ينقلون إلى من بعدهم معنى ما أراده بألفاظ أخرى ، ولذلك نجد الحديث الواحد في المعنى الواحد يرد بألفاظ شتى ، ولغات مختلفة ، يزيد بعض ألفاظها على بعض . على أن اختلاف ألفاظ الحديث قد تعرض من أجل تكرير النبي (صلى الله عليه وسلم) له في مجالس عدة مختلفة وما كان من الحديث بهذه الصفة فليس =========================================================================== (1) كما هو شأن بعضهم في عصرنا . (2) مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام . (*) =========================================================================== [ 100 ] كلامنا فيه ، وإنما كلامنا في اختلاف الالفاظ التى تعرض من أجل نقل الحديث على المعنى . ووجه الغلط الواقع من هذه الجهة ، أن الناس يتفاضلون في صورهم وألوانهم وغير ذلك من أمورهم وأحوالهم ، فربما اتفق أن يسمع الراوي الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم أو من غيره ، فيتصور معناه في نفسه على غير الجهة التى أرادها ، وإذا عبر عن ذلك المعنى الذى تصور في نفسه بألفاظ أخرى ، كان قد حدت بخلاف ما سمع من غير قصد منه إلى ذلك - وذلك أن الكلام الواحد قد يحتمل معنيين وثلاثة ، وقد تكون فيه اللفظة المشتركة التى تقع على الشئ وضده ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " قصوا الشارب واعفوا اللحى " ففى مثل هذا يجوز أن يذهب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المعنى الواحد ويذهب الراوي عنه إلى المعنى الآخر ، فإذا أدى معنى ما سمع دون لفظه بعينه ، كان قد روى عنه ضد ما أراده غير عامد ، ولو أدى لفظه بعينه ، لاوشك أن يفهم منه الآخر ما لم يفهم الاول ، وقد علم (صلى الله عليه وسلم) أن هذا سيعرض بعده فقال محذرا من ذلك : " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها . فرب مبلغ أوعى من سامع " . . . العلة الثالثة وهي الجهل بالاعراب ومباني كلام العرب ومجازاتها ، وذلك أن كثيرا من رواة الحديث قوم جهال باللسان العربي لا يفرقون بين المرفوع والمنصوب والمحفوض . ولعمري لو أن العرب وضعت لكل معنى لفظا يؤدى عنه لا يلتبس بغيره ، لكان لهم عذر في ترك تعلم الاعراب ، ولم يكن بهم حاجة إليه في معرفة الخطأ من الصواب . ولكن العرب قد تفرق بين المعنيين المتضادين بالحركات فقط ، واللفظ واحد - ألا ترى أن الفاعل والمفعول ليس بينهما أكثر من الرفع والنصب - فربما حدث المحدث بالحديث ، فرفع لفظة منه ينوى بها أنها فاعلة ، ونصب أخرى ينوي بها أنها مفعولة ، فنقل عنه السامع ذلك الحديث فرفع ما نصب ونصب ما رفع جهلا منه بما بين الامرين فانعكس المعنى إلى ضد ما أراده المحدث الاول . =========================================================================== [ 101 ] العلة الرابعة وهي التصحيف (1) ، وهي أيضا باب عظيم الفساد في الحديث جدا - وذلك أن كثيرا من المحدثين لا يضبطون الحروف ، ولكنهم يرسلونها إرسالا غير مقيدة ولا مثقفة اتكالا على الحفظ ، فإذا غفل المحدث عما كتب مدة من زمانه ثم احتاج إلى قراءة ما كتب ، أو قرأه غيره ، فربما رفع المنصوب ، ونصب المرفوع - فانقلبت المعاني إلى أضدادها ، وربما تصحف له الحرف بحرف آخر لعدم الضبط فيه ، فانعكس المعنى إلى نقيض المراد به - وذلك أن هذا الخط العربي شديد الاشتباه ، وربما لم يكن بين المعنيين المتضادين غير الحركة أو النقطة ، كقولهم مكرم بكسر الراء إذا كان فاعلا ، ومكرم بفتح الراء إذا كان مفعولا ، ورجل أفرع بالفاء إذا كان تام الشعر ، وأقرع بالقاف لا شعر في رأسه . وفي الحديث - كان رسول الله أفرغ . وقد جاءت من هذا الباب أشياء طريفة من المحدثين نحو ما يروى عن يزيد بن هارون أنه روى : كنا جلوسا حول بشر بن معاوية وإنما هو حول بسر بن معاوية ، وكما روى عبد الرزاق : يقاتلون خور كرمان ، وإنما هو خوز (بالزاي معجمة) . وهذا النوع كثير جدا وقد وضع فيه الدارقطني رحمه الله كتابا مشهورا سماه " تصحيف الحفاظ " . ومن ظريف ما وقع منه في كتاب مسلم ومسنده الصحيح : نحن يوم القيامة على كذا - انظر - وهذا شئ لا يتحصل له معنى ، وهكذا تجده في كثير من النسخ وإنما هو " نحن يوم القيامة على كوم) والكوم جمع كومة وهو المكان =========================================================================== (1) وقال ابن الصلاح في مقدمته عن التصحيف ما يلي ، معرفة المصحف من أسانيد الاحاديث ومتونها فن جليل ينهض بأعبائه الحذاق من الحفاظ ، والدارقطني منهم وله فيه تصنيف مفيد ، وروينا عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل أنه قال : ومن يعرى من الخطأ والتصحيف ؟ وأتى ابن الصلاح بمثال للتصحيف في السنن ، ما رواه ابن لهيعة عن كتاب موسى بن عقبة بإسناده إليه عن زيد بن ثابت أن رسول الله احتجم في المسجد وإنما هو بالراء - احتجر في المسجد بخص أو حصير حجرة يصلى فيها فصحفه ابن لهيعة (ص 114) . (*) =========================================================================== [ 102 ] المشرف . فصحفه بعض النقلة فكتب : نحن يوم القيامة على كذا ، فقرأ من قرأ فلم يفهم ما هو ! فكتب في طرة الكتاب : انظر - يأمر قارئ الكتاب بالنطر فيه وينبهه عليه ، فوجده ثالث فظنه من الكتاب فألحقه بمتنه . العلة الخامسة وهي إسقاط شئ من الحديث لا يتم إلا به : وهذا النوع أيضا قد وردت منه أشياء كثيرة في الحديث كنحو ما رواه قوم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن ليلة الجن ، فقال : ما شهدها منا أحد - وروى عنه من طريق آخر أنه رأى قوما من الزط فقال : هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن . فهذا الحديث يدل على أنه شهدها - والاول يدل على أنه لم يشهدها - فالحديثان كما ترى متعارضان - وإنما أوجب التعارض بينهما - إن الذى روى الحديث الاول أسقط منه كلمة رواها غيره - وإنما الحديث - ما شهدها منا أحد غيري . العلة السادسة وهي أن ينقل المحدث الحديث ويغفل عن نقل السبب الموجب له فيعرض من ذلك إشكال في الحديث أو معارضة لحديث آخر ، كنحو ما رواه قوم من أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بالعرنيين الذين ارتدوا عن الاسلام وأغاروا على لقاحه فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل عيونهم وتركوا بالحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا . وقد وردت عنه الروايات من طرق شتى أنه نهى عن المثلة - وإنما عرض هذا التعارض من أجل أن الذي روى الحديث الاول أغفل نقل سببه الذي أوجبه ، ورواه غيره فقال إنما فعل بهم ذلك لانهم مثلوا برعائه فجازاهم بمثل فعلهم . . . =========================================================================== [ 103 ] العلة السابعة وهي أن يسمع المحدث بعض الحديث ويفوته سماع بعضه : كنحو ما روى من أن عائشة رضى الله عنها ، أخبرت أن أبا هريرة حدث أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : " إن يكن الشوءم ففي ثلاث : الدار والمرأة والفرس (1) " ، وهذا الحديث معارض لقوله (صلى الله عليه وسلم) : " لا عدوى ولا هامة ولا صفر ولا غول " - وقد روى في أحاديث عنه كثيرة أنه (صلى الله عليه وسلم) نهى عن التطير ، فغضبت عائشة (رضى الله عنها) وقالت : والله ما قال هذا رسول الله قط ، وإنما قال : " أهل الجاهلية يقولون إن يكن الشؤم ففي ثلاث : الدار والمرأة والفرس " ، فدخل أبو هريرة فسمع الحديث ولم يسمع أوله - وهذا غير منكر أن يعرض لان النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يذكر في مجلسه الاخبار حكاية ويتكلم بما لا يريد به أمرا ولا نهيا ولا أن يجعله أصلا في دينه وشيئا يستسن به ، وذلك معلوم من فعله ، مشهور من قوله . العلة الثامنة وهي نقل الحديث من الصحف دون لقاء الشيوخ والسماع عن الائمة - وهذا باب عظيم البلية والضرر في الدين فإن كثير من الناس يتسامحون فيه جدا وأكثرهم إنما يعول على إجازة الشيخ له دون لقائه ، والضبط عليه يأخذ بعد ذلك علمه من الصحف المسودة والكتب التي لا يعلم بصحتها من سقمها . وربما كانت مخالفة لرواية شيخه ، فيصحف الحروف ، ويبدل الالفاظ ، وينسب جميع ذلك إلى شيخه ظالما له - وقد صار علم أكثر الناس في زماننا هذا على هذه الصفة ليس بأيديهم من العلم غير أسماء الكتب اه‍ باختصار (2) . =========================================================================== (1) انظر القول المفصل في الحديث وأشباهه في كتابنا " شيخ المضيرة " . (2) ص 100 وما بعدها . (*) =========================================================================== [ 104 ] إلى هنا ينتهى ما نقلناه من كتاب البطليوسى عن الخلاف العارض بين المسلمين من جهة الرواية ، ونعود إلى العلامة الجزائري الذى وقف ينتظرنا لكى يسمعنا ما بقى من كلامه عن ضرر رواية الحديث بالمعني فإذا به يقول : واعلم أن الرواية بالمعنى قد أحس بضررها كثير من العلماء وشكوا منها على اختلاف علومهم ، غير أن معظم ضررها كان في الحديث والفقه لعظم أمرهما . وقد نسب لكثير من العلماء الاعلام أقوال بعيدة عن السداد جدا اتخذها كثير من خصومهم ذريعة للطعن فيهم والازراء بهم ، ثم تبين بين البحث الشديد والتتبع أنهم لم يقولوا بها ، وإنما نشأت نسبتها إليهم من أقوال رواها الراوى عنهم بالمعنى ، فقصر في التعبير عما قالوه فكان من ذلك ما كان . هذا وقد تعرض العلامة النحرير نجم الدين أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي للضرر الذي نشأ من الرواية بالمعنى في مذهبه فقال في آخر كتاب " صفة المفتى " في باب جعله لبيان عيوب التأليف وغير ذلك ليعرف المفتى كيف يتصرف في المنقول ويقف على مراد القائل بما يقول ، ليصح نقله للمذهب وعزوه إلى الامام أو إلى بعض من إليه ينسب . " اعلم أن أعظم المحاذير في التأليف النقلي إهمال نقل الالفاظ بأعيانها والاكتفاء بنقل المعاني مع قصور الناقل عن استيفاء مراد المتكلم الاول بلفظه ، وربما كانت بقية الاسباب مفرعة عنه ، لان القطع بحصول مراد المتكلم بكلامه ، أو الكاتب بكتابته مع ثقة الراوي ، تتوقف على انتفاء الاضمار والتخصيص والنسخ ، والتقديم والتأخير ، والاشتراك والتجوز والتقدير ، والنقل ، والمعارض العقلي ، فكل نقل لا يؤمن معه حصول بعض الاسباب ، لا نقطع بإنتفائها نحن ولا الناقل ، ولا نظن عدمها ، ولا قرينة تنفيها ولا نجزم فيه بمراد المتكلم ، بل ربما ظنناه أو توهمناه - ولو نقل لفظه بعينه وقرائنه وتأريخه وأسبابه (1) انتفى هذا المحذور أو أكثره ، وهذا من حيث الاجمال ، وإنما يحصل الظن به حينئذ بنقل المتحرى ، فيعذر تارة لدعوى الحاجة إلى التصرف لاسباب ظاهرة ، ويكفى ذلك في الامور الظنية وأكثر المسائل =========================================================================== (1) آه لو كان كل ذلك يتحقق ! (*) =========================================================================== [ 105 ] الفروعية (1) اه‍ . وإليك كلمات قيمة في رواية الحديث نستوفي بها هذا الفصل المهم من كتابنا : قال الخطابى : ولا يبدل لفظ بأظهر منه ، إذ الشارع ربما قصد باللفظ الجلى تارة ، وبالخفي أخرى ، وكذا بالعكس . وقال ابن حزم : وحكم الخبر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يورد بنص لفظه ، لا يبدل ولا يغير إلا في حال واحدة - وهي أن يكون المرء قد تثبت فيه ، وعرف معناه يقينا ، فيسأل فيفتى بمعناه وموجبه فيقول : حكم رسول الله بكذا ، وأباح عليه والسلام كذا ، ونهى عن كذا ، وحرم كذا ، والواجب في هذه القضية ما صح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو كذا ، وكذلك القول فيما جاء من الحكم في القرآن ولا فرق ، وجائز أن يخبر المرء بموجب الآية : ويحكيها بغير لفظها - وهذا ما لا خلاف فيه من أحد في أن ذلك مباح ، وأما من حدث وأسند القول إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وقصد التبليغ لما بلغه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) فلا يحل له إلا تحرى الالفاظ كما سمعها لا يبدل حرفا مكان آخر ، وإن كان معناهما واحدا ، ولا يقدم حرفا ولا يؤخر آخر - وكذلك من قصد تلاوة آية أو تعلمها ولا فرق . وبرهان ذلك ، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) علم البراء بن عازب دعاء وفيه " ونبيك " الذى أرسلت ، فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على النبي قال وبرسولك الذى أرسلت ، فقال النبي : " لا . ونبيك الذى أرسلت " (2) فأمره (صلى الله عليه وسلم) أن لا يضع لفظة " رسول " - في موضع لفظة " نبى " وذلك حتى لا يحيل معنى ، وهو عليه السلام رسول دين ، فكيف يسوغ للجهال المغفلين أن يقولوا إنه عليه السلام كان يجيز أن يوضع في القرآن مكان عزيز حكيم ، غفور رحيم ، أو سميع عليم ، وهو يمنع من ذلك في دعاء ليس قرآنا ، والله يقول مخبرا عن نبيه : " ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي " ، ولا تبديل أكثر من وضع كلمة مكان أخرى (3) . =========================================================================== (1) لكلام الحرانى تفصيل دقيق نافع يمكن الرجوع إليه في كتابه أو في كتاب توجيه النظر للجزائري صفحة 340 وما بعدها (2) راجع صفحة 77 . (3) ص 86 و 87 ج 2 من الاحكام في أصول الاحكام لابي محمد على بن حزم الاندلسي الظاهرى . (*) =========================================================================== [ 106 ] بعثت بجوامع الكلم وقال ابن حجر العسقلاني في شرح قول الرسول صلوات الله عليه : " بعثت بجوامع الكلم " من فتح الباري (1) ما من الانبياء نبى إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا ، أوحاه الله إلى ، فأرجو أنى أكثرهم تابعا يوم القيامة . معنى الحصر في قوله " إنما كان الذى أوتيته " : أن القرآن أعظم المعجزات وأفيدها وأدومها ، لاشتماله على الدعوة والحجة ودوام الانتفاع إلى آخر الدهر - فلما كان لا شئ يقاربه فضلا عن أن يساويه ، وكان ما عداه بالنسبة إليه كأن لم يقع ، قيل : يؤخذ من إيراد البخاري هذا الحديث عقب الذي قبله - أي بعثت بجوامع الكلم - أن الراجح عنده أن المراد بجوامع الكلم القرآن ، وليس ذلك بلازم ، فإن دخول القرآن في قوله : " بعثت بجوامع الكلم " لا شك فيه - وإنما النزاع هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن ؟ وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلام في القرآن قوله تعالى : " ولكم في القصاص حياة يا أولى الالباب لعلكم تتقون " ، وقوله : " ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون " إلى غير ذلك . ومن أمثلة جوامع الكلام من الاحاديث النبوية حديث عائشة : " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " وحديث " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل " ، وحديث " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما إستطعتم " وحديث المقدام " ما ملا ابن آدم وعاء شرا من بطنه " إلى غير ذلك مما يكثر بالتتبع وإنما يسلم ذلك فيما لم تتصرف الرواة في ألفاظه ، والطريق إلى معرفة ذلك أن تقل مخارج الحديث وتتفق ألفاظه ، وإلا فإن مخارج الحديث إذا كثرت قل أن تتفق ألفاظه لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى بحسب ما يظهر لاحدهم أنه واف به ، والحاصل لاكثرهم على ذلك إنهم كانوا - لا يكتبون ويطول الزمان فيتعلق المعنى بالذهن فيرتسم فيه ، ولا يستحضر اللفظ فيحدث بالمعنى لمصلحة =========================================================================== (1) ص 210 و 211 ج 13 . (*) =========================================================================== [ 107 ] التبليغ ثم يظهر من سياق ما هو أحفظ منه أنه لم يوف بالمعنى . اه‍ . ولكى يزداد اليقين بما نجم من الضرر البالغ لعدم كتابة الحديث في حياته صلوات الله عليه ، ومن أن هذا الحديث قد تغير لفظه وضاع الكثير منه - نسوق في ختام هذا الفصل دليلا من أقوى الادلة على إثبات ما نقول ، وهذا الدليل نأخذه مما فعلت الرواية في خطبة الوداع التى ألقاها النبي في آخر حياته - وبعد ثلاث وعشرين سنة من بعثته وأجمل فيها وصاياه العظيمة وتعاليمه الجليلة - وكانت هذه الخطبة في يوم مجموع له الصحابة كافة وكانوا حوال مائة وخمسين ألفا فقد كان المعقول واليقين أن تأتى هذه الخطبة الجامعة محفظة بألفاظها ومعانيها كما نطق النبي بها ، وأن يحرص الصحابة جد الحرص على حفظها ، وأن يؤدوها إلى من بعدهم كما سمعوها ! ولكنهم برغم ذلك كله قد تركوها بغير قيد كتابي أو ذهني يعبث الرواة بها . ولو أنك اطلعت على ما نشر منها متناثرا في كتب الحديث المشهورة والسير الكبيرة ثم درستها دراسة لا تتأثر فيها بالعاطفة فإنك تجد ألفاظها متباينة ومعانيها مختلفة ، وعباراتها غير مؤتلفة ، مما يثير عندك الدهش ، ويبعث العجب ! ومن عجيب أمر الذين يكابرون في أن الحديث قد روى بالمعنى ما يقرع آذانهم من جميع خطباء المساجد في أيام الجمع على مدار السنين من قولهم عندما يفرغون من تلاوة حديث الخطبة " أو كما قال ! " حتى أصبحت هذه العبارة كأنها من أصل الحديث - فلم هذا الاحتياط - الواجب ؟ ضرر الرواية بالمعنى من الناحية اللغوية والبلاغية هذا بعض ما قالوه في ضرر نقل الحديث بالمعنى في الامور الدينية . أما الضرر اللغوى والبلاغى فقد بينه في عبارة وجيزة الاديب الاسلامي الكبير السيد مصطفى صادق الرافعى رحمه الله ، وذلك عند كلامه عن البلاغة النبوية في كتابه النفيس " إعجاز القرآن " قال رحمه الله (1) : إن ألفاظ النبوة يعمرها قلب متصل بجلال خالقه ، ويصقلها =========================================================================== (1) ص 364 من إعجاز القرآن ، ولهذا الكلام البليغ بقية من هذا الطراز العالي يرجع إليه . حتى ص 422 من إعجاز القرآن . (*) =========================================================================== [ 108 ] لسان نزل عليه القرآن بحقائقه ، فهى إن لم تكن من الوحى ، فقد جاءت من سبيله ، وإن لم يكن لها منه دليل فقد كانت هي من دليله . محكمة الفصول ، حتى ليس فيها عروة مفصولة ، محذوفة الفضول ، حتى ليس فيها كلمة مفضولة ، وكأنما هي في اختصارها وإفادتها نبض قلب يتكلم ، وإنما هي في سموها وإجادتها مظهر من خواطره صلى الله عليه وسلم " . . . إلخ (1) . وقال وهو يتحدث عن نسق البلاغة النبوية : " ليس كل ما يروى على أنه حديث يكون من كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) بألفاظه وعبارته ، بل من الاحاديث ما يروى بالمعنى ، فتكون ألفاظه أو بعضها لمن أسندت إليه في النقل ، ولجواز الرواية بالمعنى لم يستشهد سيبويه وغيره من أئمة المصرين (أي البصرة والكوفة) على النحو واللغة بالحديث ، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصحيح النقل عن العرب ، ولو كان التدوين شائعا في الصدر الاول ، وتيسر لهم أن يدونوا كل ما سمعوه من النبي (صلى الله عليه وسلم) ، بألفاظه وصوغه ، وبيانه ، لكان لهذه اللغة شأن غير شأنها " . وقد كان الاصل عندهم أن يضبط المحدث معنى الحديث ، فأما الالفاظ فمنها ما يتفق لهم بنصه ، وخاصة في الاحاديث القصار ، وفي حكمه وأمثاله (صلى الله عليه وسلم) ، ومنها ما لا يتفق فيلبسه الراوية من عبارته ، حتى قال سفيان الثوري : إن قلت لكم إنى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني ، إنما هو المعنى (2) . وقد ألطلنا القول في هذا الباب ، لانه من الابواب المهمة في هذا الكتاب . اللحن والخطأ في الحديث بعد أن أباحوا لانفسهم رواية الحديث بالمعنى ، سوغوا كذلك أن يأتي الحديث ملحونا ، ولا يرون بأسا في إصلاح لحنه وخطئه . قال حافظ المغرب ابن عبد البر في كتابه " جامع بيان العلم وفضله " (3) : =========================================================================== (1) ص 364 من إعجاز القرآن . (2) ص 422 من نفس المصدر . (3) ص 78 - 81 ج 1 . (*) =========================================================================== [ 109 ] حدث الوليد بن مسلم قال : سمعت الاوزاعي يقول : لا بأس بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث . وقال كذلك سمعت الاوزاعي يقول : اعربوا الحديث فإن القوم كانوا عربا . وعن جابر قال : سألت عامرا - يعنى الشعبى - وأبا جعفر - يعنى محمد بن على - والقاسم - يعنى ابن محمد - وعطاء - يعنى ابن أبى رباح - عن الرجل يحدث بالحديث فيلحن ، أأحدث به كما سمعت أم أعربه ؟ قالوا : لا ، بل أعربه ! وقال يحيى بن معين : لا بأس أن يقوم الرجل حديثه على العربية . وقال النضر بن شميل : كان هشيم لحانا فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة - يعنى بالاعراب . وحدث على بن الحسن قال : قلت لابن المبارك : يكون في الحديث لحن ، أقومه ؟ قال : نعم لان القوم لم يكونوا يلحنون ! اللحن منا . وقد تعرض الامام ابن فارس لهذا الامر في رسالة سماها " مأخذ العلم " فقال (1) : " ذهب أناس إلى أن المحدث إذا روى فلحن ، لم يجز للسامع أن يحدث عنه إلا لحنا كما سمعه ، وقال آخرون : بل على السامع أن يرويه إذا كان عالما بالعربية معربا صحيحا مقوما بدليل نقوله - وهو أنه معلوم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان أفصح العرب وأعربها ، وقد نزهه الله عزوجل - وإذا كان كذا فالوجه أن يروى كلامه مهذبا من كل لحن . وكان شيخنا أبو الحسن على بن إبراهيم القطان يكتب الحديث على ما سمعه لحنا . ويكتب على حاشية كتابه . (كذا) قال : يعنى الذى حدثه والصواب كذا . وهذا أحسن ما سمعت في هذا الباب . وقال ابن الانباري في الانصاف في منع (أن) في خبر كاد ، وأما حديث كاد الفقر أن يكون كفرا . فإنه من تغييرات الرواة لانه (صلى الله عليه وسلم) أفصح من نطق بالضاد ، والامثلة في ذلك كثيرة والكلام طويل =========================================================================== (1) ص 308 و 309 توجيه النظر . (*) =========================================================================== [ 110 ] التقديم والتأخير في الحديث والزيادة والنقص وكذلك لم يروا بأسا من تقديم الحديث وتأخيره . فعن أبى بكر بن أبى شيبة قال : حدثنا حفص عن أشعث عن الحسن والشعبى أنهما كانا لا يريان بأسا بتقديم الحديث وتأخيره (1) . وروى عن جابر بن عبد الله عن حذيفة أنه قال : إنا قوم عرب نورد الحديث فنقدم ونؤخر (2) . وبلغ من صنيعهم في رواية الحديث أن يأتي أحد الرواة بزيادة في الحديث لا تكون في رواية غيره ، وقد وضعوا لذلك قاعدة هي " الزيادة من الحافظ مقبولة " . رواية بعض الحديث واختصاره ومما أجازوه اختصار الحديث ورواية بعضه . وفي سنن الترمذي عن مجاهد : أنقص من الحديث إن شئت ولا تزد فيه (3) . وقال ابن حجر في شرح النخبة : أما اختصار الحديث فالاكثرون على جوازه ، بشرط أن يكون الذى يختصره عالما . وقال النووي في شرح مسلم : الصحيح الذى ذهب إليه الجماهير والمحققون من أصحاب الحديث جواز رواية بعض الحديث من العارف ، ثم قال : وأما تقطيع المصنفين الحديث في الابواب فهو بالجواز أولى - بل يبعد طرد الخلاف فيه ، وقد استمر عليه عمل الائمة الحفاظ الجلة من المحدثين وغيرهم ، من أصناف العلماء . وممن ذهب إلى جواز اختصار الحديث مسلم ، وقد أشار إلى ذلك في مقدمته . =========================================================================== (1) ص 80 ج‍ 1 جامع بيان العلم . (2) هذا الخبر مذكور كذلك في ص 136 ج‍ 3 من عيون الاخبار . (3) ص 237 من طبعة الهند . (*) =========================================================================== [ 111 ] وقال أبو شامة في كتاب مختصر كتاب المؤمل (1) : مما يفعله شيوخ الفقه في الاحاديث النبوية والآثار المروية ، كثرة استدلالهم بالاحاديث الضعيفة على ما يذهبون إليه ، نصرة لقولهم ، وينقصون من ألفاظ الحديث وتارة يزيدون فيه ، وما أكثره في كتب أبى المعالى وصاحبه أبى حامد . ومن قبيح ما يأتي به بعضهم أن يحتج بخبر ضعيف هو دليل خصمه عليه فيوردونه معرضين عما كانوا ضعفوه . تساهلهم فيما يروى في الفضائل وضرر ذلك قال ابن مهدى : إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والاحكام شددنا في الاسانيد ، وانتقدنا الرجال ، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب تساهلنا في الاسانيد ، وتسامحنا في الرجال . أخرجه البهيقى في المدخل . وممن جوزوا التساهل في رواية الحديث ، إذا كان في فضائل الاعمال أحمد ابن حنبل وعبد الله بن المبارك ، وقال الحاكم سمعت أبا زكريا العنبري يقول : الخبر إذا لم يحرم حلالا ، ولم يحل حراما ، ولم يوجب حكما في ترغيب أو ترهيب ، أغمض عنه وتسوهل في روايته . ولاحمد رأى آخر تراه فيما بعد . وقال ابن عبد البر : أحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى من يحتح به ، وقال : أحاديث الفضائل تسامح العلماء قديما في روايتها عن كل ، ولم ينتقدوا فيها كانتقادهم في أحاديث الاحكام (2) . وقال السيد رشيد رضا في تعليقه على ما ذكره صاحب الآداب الشرعية (لابن مفلح (3) من أنه قد جاء عن الامام أحمد ما يدل على أنه لا يعمل بالحديث =========================================================================== (1) ص 21 و 22 . (2) ص 45 ج‍ 1 جامع بيان العلم . (3) ص 313 و 314 من الآداب الشرعية ج‍ 2 ، لكن جاءت رواية أخرى عن أحمد بن حنبل بأن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الاعمال . (*) =========================================================================== [ 112 ] الضعيف في الفضائل والمستحبات : " رضى الله عن أحمد ما أوسع علمه وأدق فهمه ! إن القول بالعمل بالحديث الضعيف فيما ذكر ، والتساهل في روايته قد فتح على الامة بابا من الغلو في الدين وتكثير العبادات المحرجة التى تنافى يسر الاسلام . حتى جعلوا بعضها من الشعائر فيه ، مع تقصير الاكثرين في إقامة الفرائض والتزام الواجبات ، وترتب عليه ما نقله المصنف بعده عن ابن تيمية في قبول الاسرائيليات والمنامات وكذا الخرافات ، إن العبادات والفضائل الثابتة بالقطع من الكتاب والسنة كافية للامة - ويا ليت يوجد فيها كثيرون ممن لا يقصر فيها " اه‍ . وحقا ما قاله هؤلاء الائمة وما بينوه من ضرر نقل الاحاديث الضعيفة على الامة بله ما ذهب إليه بعضهم من العمل بها في الفضائل . ومن أجل ذلك قال القاضى أبو بكر بن العربي المالكى : إنه لا يجوز العمل بالاحاديث الضعيفة مطلقا (1) . وللكاتب الاسلامي البليغ السيد مصطفى صادق الرافعى رحمه الله فصل ممتع كبير على الرواية - وذلك في كتابه النفيس " تاريخ آداب العرب " نقتطف منه ما يلي : الرواية في الاسلام كان الصحابة يأخذون عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أخذا علميا ليتفقهوا في الدين - فكانت مجالسه (صلى الله عليه وسلم) هي الحلقات العلمية الاولى التى عرفت في سلسلة التاريخ العربي كله ، كما هو (صلى الله عليه وسلم) أول من علم . . . فلما قبض (صلى الله عليه وسلم) بدأ من بعده علم الرواية . إذ لم يعد من سبيل إلى الاستدلال والفصل إلا بها . وكان أبو بكر لا يقبل من أحد إلا بشهادة على =========================================================================== (1) ص 129 ج‍ 31 من المنار . (*) =========================================================================== [ 113 ] سماعه من الرسول (1) والعهد يومئذ قريب ، والصحابة متوافرون ، والمادة لم تنقض بعد . . . ثم كان عمر يتثبت في النقل إذ كانت طائفة من الناس قد مردت على النفاق وكانت الحاجة قد اشتدت إلى الرواية - وكان عمر وعثمان وعائشة وجلة من الصحابة يتصفحون الاحاديث ، ويكذبون بعض الروايات التى تأتي ، ويردونها على أصحابها ، ثم خشى عمر أن يتسع الناس في الرواية ، فيدخلها الشوب ، ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والاعرابي ، فكان يأمرهم أن يقلوا الرواية وكان شديدا على من أكثر منها أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه ، لان المكثر وإن جاء بالصحيح فقد لا يسلم من التحريف أو الزيادة أو النقصان في الرواية ، وقد سمعوه (صلى الله عليه وسلم) يقول : من كذب على فليتبوأ مقعده من النار (2) . وعلى هذه الجهة من التوقى والامساك في الرواية كان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة بالرسول (صلى الله عليه وسلم) كأبى بكر والزبير وأبى عبيدة والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية عنه بل كان بعضهم لا يكاد يروى شيئا كسعيد بن زيد وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة . وكان أكثر الصحابة رواية أبو هريرة وقد صحب ثلاث سنين (3) وعمر بعده (صلى الله عليه وسلم) نحوا من خمسين سنة (4) ولهذا كان عمر وعثمان وعائشة ينكرون عليه ويتهمونه وهو أول راوية اتهم في الاسلام وكانت عائشة أشدهم إنكارا عليه لتطاول الايام بها وبه إذ اتوفيت قبله بسنة . . . ثم كانت الفتنة أيام عثمان واضطرب من بعدها حبل الكلام في الخلافة وخاض الناس في ضروب من الشك والحيرة والقلق فكان فيهم من لا يتوقى ولا يتثبت ، وألف كثير من الناس أمر هؤلاء فلم يبالوا أن يتبينوا فيرجعوا في الرواية إلى شهادة =========================================================================== (1) وقال على رضى الله إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء منه وإذا حدثني عنه محدث استحلفته فإن حلف لي صدقته . (2) هذه هي الرواية الصحيحة . (3) الصيحيح أنه صحب النبي عاما وتسعة أشهر كما حققناه في كتابنا " شيخ المضيرة " فيرجع إليه . (4) توفى أبو هريرة سنة 59 هجرية . (*) =========================================================================== [ 114 ] قاطعة أو دلالة قائمة . على أن كل ما كان يقع في الحديث قبلهم من خطأ فإنما كان من قبل ما يعترض المحدث من السهو والاغفال . وقد قال عمران بن حصين وهو من الصحابة (1) والله إن كنت لارى أنى لو شئت لحدثت عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يومين متتابعين ، ولكن بطأنى عن ذلك أن رجالا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سمعوا كما سمعت ، وشهدوا كما شهدت ، ويحدثون أحاديث ما هي كما يقولون وأخاف أن يشبه لى كما شبه لهم ، فأعلمك أنهم كانوا يغلطون لا أنهم كانوا يتعمدون (2) . غير أن الاعلام كانت يومئذ لا تزال قائمة ، والفروع لا تزال باسقة ، فكان الخطب لم يستفحل حتى إذا خرجت الخوارج ، وتحزب الناس فرقا ، وجعلوا أهلها شيعا ، بدءوا يتخذون من الحديث صناعة فيضعون ويصنعون ويصفون الكذب ، ثم ظهر القصاص والزنادقة ، وأهل الاخبار المتقادمة (3) مما يشبه أحاديث خرافة ، فوقع الشوب والفساد في الحديث من كل هذه الوجوه في عصور مختلفة ، أما القصاص فإنهم كانوا يميلون وجوه القوم إليهم ويستدرون ما عندهم بالمناكير والغرائب والاكاذيب من الاحاديث ، ومن شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجيبا خارجا عن قطر المعقول ، أو كان رقيقا يحزن القلوب ويستغزر العيون ، وللقوم في هذه الفنون الاكاذيب العريضة والاخبار المستفيضة . وأما الزنادقة فقد جعلوا يحتالون للاسلام ويهجنونه بدس الاحاديث المستشنعة والمستحيلة مما يشبه خرافات اليونان والرومان وأساطير الهنود والفرس ليشنعوا بذلك على أهل السنة في روايتهم ما لا يصح في العقول ولا يستقيم على النظر . وأما أهل الاخبار المتقادمة فقد قصدوا من ذلك إلى إثبات الخرافات الجاهلية وجعلها بسبيل من الصحة للاستعانة بها على التفسير وما إليه . وأمثلة ذلك كله فاشية . =========================================================================== (1) توفى عمران بن حصين سنة 52 هجرية . (2) انظر الكلام في قول عمران بن حصين بعد هذه الكلمة . (3) كأخبار اليهود ومن إليهم . (*) =========================================================================== [ 115 ] إلى أن كان تدوين الحديث واستمر الحديث بعد الطبقة التى كان منها صغار الصحابة وكبار التابعين - كطبقة ابن عباس ، على ما يعترض فيه من عوارض السهو والاغفال ، وما يدخل عليه من الشبه والتأويلات - وعلى أن بعض الثقات ربما أخذه عن غير الثقة حتى كانت خلافة عمر بن عبد العزيز (1) . . . فخشى تزيد الناس وشيوع الكذب إذا قل الصحيح ، وكانت قد فشت في زمنه أشياء مما يتعمد فيه الكذب لغير مصلحة يتأول عليها ، كالاحاديث التى كان يكذب فيها عكرمة مولى ابن عباس (2) وبرد مولى سعيد بن المسيب (3) وغيرهما - خشى عمر عاقبة ذلك وما أشبهه فكتب إلى أبى بكر بن حزم نائبه في الامرة والقضاء على المدينة (4) أن انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه فإنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء . وكان هذا أول البدء في تدوين الحديث وجمعه ولم يكن الحديث يدون قبل ذلك (5) . . . إلخ ونختم هذا البحث بذكر علة خطيرة من علل الرواية . علة خطيرة من علل الرواية كيف كانت رواياتهم كان لرواية الحديث عن رسول الله - بعد نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن كتابته علل كثيرة ، منها أنه كان لا يروى عند سماعه ، ومن أجل ذلك اضطر =========================================================================== (1) بويع سنة 99 ه‍ وتوفى سنة 101 ه‍ . (2) توفى عكرمة سنة 105 ه‍ . (3) توفى سعيد سنة 94 ه‍ . (4) توفى أبو بكر سنة 120 ه‍ . (5) من صفحة 276 - 281 من الجزء الاول من تاريخ آداب العرب المطبوع سنة 1329 ه‍ الموفق سنة 1911 م . (*) =========================================================================== [ 116 ] الرواة إلى أن يرووا (بالمعنى) ، ومنها أنهم كانوا " يدلسون " فيروى الصحابي حديث رسول الله عن صحابي آخر من غير أن يذكر اسم من روى عنه - وكانوا لا يرون في ذلك بأسا ، كما ذكر ذلك ابن قتيبة ، إذ قال في كتابه " تأويل مختلف الحديث " (1) وهو يتكلم عن روايات أبى هريرة التى لم يسمعها من النبي : إنه كان يقول : قال رسول الله " كذا " وإنما سمعه من الثقة " عنده " فحكاه ، وكذلك كان ابن عباس يفعل وغيره من الصحابة . ومثل هذه الرواية يسميها رجال الحديث في علمهم " بالتدليس " وقد قال الحافظ الذهبي وهو يؤرخ لابي هريرة " كان أبو هريرة يدلس " وتدليس الصحابة " كثير ولا عيب فيه " (2) . وقد بينا هذه العلل من قبل في كتابنا هذا وفي كتابنا " شيخ المضيرة " الذى طبعناه على حدة وأظهرنا أضرارها ، ولكن ثم علة خطيرة لم نتكلم عنها من قبل كشف عنها الصحابي الكبير - عمران بن حصين (3) في كلامه الذى أقسم عليه : إذ قال : " والله إن كنت لارى أنى لو شئت لحدثت عن رسول الله يومين متتابعين ، ولكن بطأنى عن ذلك ، أن رجالا من أصحاب رسول الله سمعوا كما سمعت ، وشهدوا كما شهدت ، ويحدثون أحاديث ما هي كما يقولون ، وأخاف أن يشبه لى كما شبه لهم ، فأعلمك أنهم كانوا يغلطون - وفي رواية - يخطئون - لا أنهم كانوا يتعمدون (4) . وروى ابن الجوزى في كتاب " شبهة التشبيه (5) " قال : سمع الزبير (ابن العوام) رجلا يحدث ، فاستمع الزبير حتى قضى الرجل حديثه ، فقال له الزبير : أنت سمعت هذا من رسول الله ؟ فقال الرجل : نعم ! ! فقال الزبير : هذا وأشباهه =========================================================================== (1) ص 50 (2) ص 437 و 438 ج‍ 2 من سير أعلام النبلاء ويرجع إلى كتاب شيخ المضيرة . (3) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف أسلم هو وأبوه وأبو هريرة في وقت واحد سنة سبع ، وغزا مع النبي عدة غزوات ، ولى قضاء البصرة وكان عمر بعثه ليفقههم - وكان الحسن يحلف ما قدم عليهم البصرة خير لهم من عمران بن حصين ، توفى سنة 52 ه‍ مسنده 180 حديثا وله في البخاري أربعة أحاديث وفي مسلم 9 ص 363 - 366 ج‍ 2 سير أعلام النبلاء . (4) ص 49 و 50 تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة . (5) ص 38 . (*) =========================================================================== [ 117 ] مما يمنعاني أن أتحدث عن النبي ! قد لعمري سمعت هذا من رسول الله ، وأنا يومئذ حاضر ولكن رسول الله ابتدأ بهذا الحديث فحدثناه عن رجل من أهل الكتاب حديثه يومئذ فجئت أنت بعد انقضاء صدر الحديث - وذكر الرجل الذى هو من أهل الكتاب فظننت أنه من حديث رسول الله ! ! وقال بسر بن سعيد اتقوا الله وتحفظوا في الحديث ، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويحدثنا عن كعب ، ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا ، يجعل حديث رسول الله عن كعب ، ويجعل حديث كعب عن رسول الله (1) . هذا ما ذكره عمران بن حصين ، والزبير بن العوام ، وبسر بن سعيد ، وإن على كل مسلم مفكر غير مغلول العقل ، أن يتدبره ، ويطيل النظر فيه . فالصحابي عمران بن حصين يقسم بالله أنه لو شاء لحدث عن رسول الله يومين متتابعين ولكنه يأبى ، لانه رأى رجالا من من أصحاب رسول الله ، يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون ، وإنما يغلطون - أو يخطئون - فإذا كان هذا شأن غير المتعمدين من الصحابة الصادقين - فترى ماذا يكون أمر المتعمدين ، ومن إليهم من المنافقين وأعداء الدين ؟ إنها والله في الرواية لاحدى الكبر ! ومن يبصر الناس بذلك يقولون عنه : إنه قد كفر . ويصف الزبير علة أخرى ، هي أن يسمع بعضهم الحديث من النبي - بعد انقضاء صدر منه ثم يخرج فيروى ما سمعه - على أنه حديث كامل . ثم يأتي بسر بن سعيد ، فينا شد الناس ، أن يتقوا الله في الحديث لان بعضهم كان يجعل حديث رسول الله عن كعب الاحبار ويجعل حديث كعب عن رسول الله وكل ذلك وغيره قد حملته بطون الكتب ، وبقى على وجه الزمن ، يرويه الخلف عن السلف إلى يوم القيامة - ولا حول ولا قوة إلا بالله . وثم كلام كثير في التحفظ من الحديث تجده مسطورا في كتابنا " شيخ المضيرة " فارجع إليه . =========================================================================== (1) ص 436 ج‍ 2 سير أعلام النبلاء للذهبي . (*) =========================================================================== [ 118 ] الوضع في الحديث وأسبابه كان من آثار تأخير تدوين الحديث وربط ألفاظه بالكتابة - إلى ما بعد المائة الاولى من الهجرة وصدر كبير من المائة الثانية - أن اتسعت أبواب الرواية ، وفاضت أنهار الوضع ، بغير ما ضابط ولا قيد ، حتى لقد بلغ ما روى من الاحاديث الموضوعة عشرات الالوف ، لا يزال أكثرها منبثا بين تضاعيف الكتب المنتشرة بين المسلمين في مشارق الارض ومغاربها . نشأة الاختراع في الرواية والوضع على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقد أجمع الباحثون والعلماء المحققون - على أن نشأة الاختراع في الرواية ووضع الحديث على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إنما كان في أواخر عهد عثمان وبعد الفتنة التى أودت بحياته ، ثم اشتد الاختراع واستفاض بعد مبايعة على رضى الله عنه فإنه ما كاد المسلمون يبايعونه بيعة صحيحة حتى ذر قرن الشيطان الاموى ليغتصب الخلافة من صاحبها ، ويجعلها حكما أمويا ! وقد كان واأسفاه ! وإليك كلمة صادقة دقيقة كتبها الاستاذ الامام محمد عبده رحمه الله في " مقدمات " رسالة التوحيد بعد أن تكلم عن الفتنة الكبرى التى " هوى بها ركن عظيم من هيكل الخلافة ، واصطدم الاسلام وأهله صدمة زحزحتهم عن الطريق التى إستقاموا عليها وبقى القرآن قائما على صراطه " . قال رضى الله عنه : " توالت الاحداث بعد ذلك ونقض بعض المبايعين للخليفة الرابع (1) ما عقدوا ، وكانت حروب بين المسلمين انتهى فيها أمر السلطان إلى الامويين ! غير أن بناء =========================================================================== (1) أول من نقض البيعة : طلحة والزبير وأعانهما على ذلك أم المؤمنين عائشة لما كان بينها وبين على رضى الله عنه من حقد وموجدة ، وطلحة والزبير من العشرة الذين قالوا إن النبي صلوات الله عليه بشرهم بالجنة . (*) =========================================================================== [ 119 ] الجماعة قد انصدع ، وانفصمت عرى الوحدة بينهم ، وتفرقت بهم المذاهب في الخلافة ، وأخذت الاحزاب في تأييد آرائهم ، كل ينصر رأيه على رأى خصمه ، بالقول والعمل ، وكانت نشأة الاختراع في الرواية والتأويل ، وغلا كل قبيل فافترق الناس . . . إلخ (1) . الحديث الموضوع والحديث الموضوع هو المختلق المصنوع المنسوب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) زورا وبهتانا سواء أكان ذلك عمدا أم خطأ . ووضع الحديث على رسول الله كان - كما قال أحد الائمة - أشد خطرا على الدين وأنكى ضررا بالمسلمين من تعصب أهل المشرقين والمغربين . وإن تفرق المسلمين إلى شيع وفرق ومذاهب ونحل لهو أثر من آثار الوضع في الدين . وقال المرتضى اليماني في كتابه " إيثار الحق " : إن معظم ابتداع المبتدعين من أهل الاسلام إنما يرجع إلى هذين الامرين الواضح بطلانهما وهما : الزيادة في الدين والنقص منه ، ومن أنواع الزيادة في الدين - الكذب عليه . وقال النووي في شرح مسلم نقلا عن القاضى عياض : الكاذبون ضربان : أحدهما - ضرب عرفوا بالكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أنواع : منهم من يضع ما لم يقله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أصلا كالزنادقة وأشباههم ممن لم يرج لله وقارا إما حسبة بزعمهم وتدينا كجهلة المتعبدين (2) الذين وضعوا الاحاديث في الفضائل والرغائب ، وإما إغرابا وسمعة كفسقة المحدثين ، وإما تعصبا واحتجاجا كدعاة المبتدعة ومتعصبي المذاهب ، وإما إشباعا لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه ، وطلب الفوز لهم فيما أتوه (3) . ومنهم من =========================================================================== (1) ص 7 و 8 من الطبعة الاولى من رسالة التوحيد . (2) سنتكلم في آخر الفصل عن الوضاع الصالحين . (3) قالت دائرة المعارف الاسلامية : بعد وفاة محمد (ص) لم تستطع الآراء والمعاملات الدينية الاصلية التى سادت في الرعيل الاول أن تثبت على حالها من غير تغيير - فقد حل عهد للتطور جديد ، = (*) =========================================================================== [ 120 ] لا يضع متن الحديث ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسنادا صحيحا مشهورا . ومنهم من يقلب الاسانيد أو يزيد فيها ويتعمد ذلك إما للاغراب على غيره ، =========================================================================== وبدأ العلماء يدخلون شيئا من التطور في نظام مرتب من الاعمال والعقائد يتواءم والاحوال الجديدة . فقد أصبح الاسلام بعد الفتوح العظيمة يبسط سيادته على مساحات شاسعة واستعير من الشعوب المغلوبة على أمرها آراء ولظم جديدة وتأثرت حياة المسلمين وأفكارهم حين ذاك في كثير من النواحى لا بالنصرانية والاسرائيلية وحدهما ، بل بالهلينية والزرادشتية والبوذية كذلك . وعلى أية حال فإن المسلمين التزموا أيما التزام المبدأ القائل : إن سنة النبي والسابقين الاولين في الاسلام هي وحدها التى يمكن أن تكون القانون الخلقى للمؤمنين ، وسرعان ما أدى هذا بالضرورة إلى وضع الاحاديث فاستباح الرواة لانفسهم اختراع أحاديث تتضمن القول أو الفعل ، وينسبونها إلى النبي لكى تتفق وآراء العصر التالى ، وكثرت الاحاديث الموضوعة وتداولها الناس منسوبة إلى النبي بحيث تجعله يقول أو يفعل شيئا مما كان بعد ذلك العصر من الامور المستحسنة ، وظهرت في الحديث أقوال مأخوذة من أقوال الرسل والاناجيل المنحولة ، ومن الآراء الاسرائيلية والعقائد الفلسفية اليونانية إلخ تلك الآراء التى لقيت الحظوة عند فريق معين من المسلمين ، ونسبت كل هذه الاقوال إلى النبي - ولم يتورع الناس عند ذاك أن يجعلوا النبي يفصل على هذا النحو القصصى (حذفنا من هنا كلمة الاساطير لان قلمنا لم يطاوعنا على إثباتها) التى وردت موجزة في القرآن ويدعو إلى آراء ومعتقدات جديدة إلخ بل كان كثير من هذه الاحاديث الموضوعة المنسوبة إلى النبي تتناول الاحكام كالحلال والحرام والطهارة وأحكام الطعام والشريعة وآداب السلوك ومكارم الاخلاق والعقائد ويوم الحساب والجنة والنار إلخ . ومع مضى الزمن إزداد ما روى عن النبي من قول أو فعل شيئا فشيئا في عدده وفي غزارته ، وفي القرون الاولى التى تلت وفاة الرسول عظم الخلاف بين المسلمين على جملة من الآراء في مسائل تختلف طبائعها أشد الاختلاف ، وعملت كل فرقة على تأييد رأيها على قدر ما تستطيع بقول أو تقرير منسوب إلى النبي ، ومن استطاع أن يرد رأيه إلى أثر من آثار النبي فهو على الحق من غير شك ، ولهذا كثرت الاحاديث الموضوعة المتناقضة أشد التناقض في سنة محمد صلى الله عليه وآله - وفي الخلافات الكبيرة التى نشأت عن العصبية جرى كل فريق على التوسل بمحمد " ص " . . فمثلا أنه قد نسب إلى النبي قول يتنبأ به بقيام دولة العباسين ، وجملة القول أنهم جعلوه يتنبأ على نحو تمتزج فيه الرؤية بالنبوة بما جرى بعد ذلك من حوادث سياسية وحركات دينية ، بل بالظواهر الاجتماعية الجديدة التى نشأت من الفتوح العظيمة " كازياد الشرف " وكان غرضهم من ذلك " تبرير " كل أولئك في نظر الجماعة الاسلامية الجديدة . وهناك قسم خاص من هذه الاحاديث التنبئية وضعت في صورة أقوال نسبت إلى محمد (ص) تتعلق بفضائل أما كن متعددة ونواح لم يفتحها المسلمون إلا في عصر متأخر . وعلى هذا لا يمكن أن نعد للكثرة من الاحاديث وصفا تاريخيا صحيحا لسنة النبي بل هي على عكس ذلك تمثل آراء اعتنقها بعض أصحاب النفوذ في القرن الاولى بعد محمد " ص " ونسبت إليه عند ذلك فقط (ص 330 - 335 ج‍ 7) . يظن بعض الجهلاء أن نقلنا لمثل هذه الكلمة هو لكى نجعلها من أدلتنا ويعدون ذلك من مآخذهم علينا ، ولا يدركون أننا إذ نفعل ذلك إنما نبين لهم ولاخوانهم من الجاهلين أن المستشرقين يعلمون من أمر ديننا ما لم يعلموا - وسبحان واهب العقول ! (*) =========================================================================== [ 121 ] وإما لرفع الجهالة عن نفسه . ومنهم من يكذب فيدعى سماع ما لم يسمع ولقاء من لم يلق ويحدث بأحاديثهم الصحيحة عنهم ، ومنهم من يعمد إلى كلام الصحابة وغيرهم وحكم العرب والحكماء فينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم . هذا ، وإن لوضع الحديث والكذب على رسول الله أسبابا كثيرة غير التى تكلم عنها النووي من قبل بينها العلماء نأتى هنا على أهمها (1) . أحدها - وهو أهمها ما وضعه الزنادقة اللابسون لباس الاسلام غشا ونفاقا وقصدهم بذلك إفساد الدين وإيقاع الخلاف والافتراق في المسلمين - قال حماد بن زيد : وضعت الزنادقة أربعة آلاف حديث ، وهذا بحسب ما وصل إليه علمه واختباره في كشف كذبها ، وإلا فقد نقل المحدثون أن زنديقا واحدا وضع هذا المقدار قالوا : لما أخذ ابن أبى العوجاء ليضرب عنقه قال : " وضعت فيكم أربعة آلاف حديث ، أحرم فيها الحلال وأحل الحرام " . ثانيها - الوضع لنصرة المذاهب في أصول الدين وفروعه : فإن المسلمين لما تفرقوا شيعا ومذاهب جعل كل فريق يستفرغ ما في وسعه لاثبات مذهبه لا سيما بعد ما فتح عليهم باب المجادلة والمناظرة في المذاهب ، ولم يكن المقصود من ذلك إلا إفحام مناظره والظهور عليه حتى إنهم جعلوا " الخلاف " علما صنفوا فيه المصنفات مع أن دينهم ما عادى شيئا كما عادى الخلاف . وهذا السبب يشبه أن يكون أثرا من آثار السبب الذى قبله - وقد استشهد لهذا بعض المحدثين الذين كتبوا في أسباب الوضع بقوله : تاب رجل من المبتدعة فجعل يقول : انظروا عمن تأخذون هذا الحديث ، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا . وليس الوضع لنصرة المذاهب محصورا في المبتدعة وأهل المذاهب في الاصول ، بل إن من أهل السنة المختلفين في الفروع من وضع أحاديث كثيرة لنصرة مذهبه أو تعظيم إمامه . . . وإليك حديثا واحدا وهو " يكون في أمتى رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتى من إبليس ، ويكون في أمتى رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتى " ، قالوا : وفي إسناده وضاعان أحدهما مأمون بن أحمد السلمى والآخر أحمد بن عبد الله الخونبارى . وقد رواه الخطيب عن أبى هريرة مرفوعا ، واقتصر على ما ذكره في =========================================================================== (1) راجع المجلد الثالث من مجلة المنار . (*) =========================================================================== [ 122 ] أبى حنيفة ، وقال ، موضوع وضعه محمد بن سعيد المروزى البورقى ، ثم قال : هكذا حدث به في بلاد خراسان ثم حدث به في العراق وزاد فيه " وسيكون في أمتى رجل يقال له محمد بن إدريس فتنته أضر على أمتى من فتنة إبليس " قالوا وهذا الافك لا يحتاج إلى بيان بطلانه - ومع هذا تجد الفقهاء المعتبرين يذكرون في كتبهم الفقهية شق الحديث الذى يصف أبا حنيفة بأنه سراج الامة (1) ويسكنون عليه ، بل يستدلون به على تعظيم إمامهم على سائر الائمة ، وهم مع هذا قدوة الامة الذين يؤخذ بأقوالهم في الدين ، ويتركون لهم الكتاب والسنة لانهما على قولهم يختصان بالمجتهدين . قال أبو العباس القرطبى في شرح صحيح مسلم : أجاز بعض فقهاء أهل الرأى نسبة الحكم الذى دل عليه القياس الجلى إلى رسول الله نسبة قولية ، فيقولون في ذلك : قال رسول الله : كذا ، ولهذا نرى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة لانها تشبه فتاوى الفقهاء ، ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين ولانهم لا يقيمون لها إسنادا . وقال أبو شامة في كتابه مختصر كتابه المؤمل : مما يفعله شيوخ الفقه في الاحاديث النبوية والآثار المروية كثرة استدلالهم بالاحاديث الضعيفة على ما يذهبون إليه نصرة لقولهم ، وينقصون في ألفاظ الحديث وتارة يزيدون فيه ، وما أكثره في كتب أبى المعالى وصاحبه أبى حامد (2) . ثالثها - الغفلة عن الحفظ اشتغالا عنه بالزهد والانقطاع للعبادة : وهؤلاء العباد والصوفية يحسنون الظن بالناس ويعدون الجرح من الغيبة المحرمة ، ولذلك راجت عليهم الاكاذيب وحدثوا عن غير معرفة ولا بصيرة . . فيجب ألا يعتمد على الاحاديث التى حشيت بها كتب الوعظ والرقائق والتصوف من غير بيان =========================================================================== (1) اضطرت الشافعية إزاء ذلك إلى أن يرووا في إمامهم حديثا يفضلونه على كل إمام وهذا نصه : قال رسول الله عليه وسلم : " أكرموا قريشا فإن عالمها يملا طباق الارض علما ! " . وأنصار الامام مالك لم يلبثوا أن وضعوا في إمامهم هذا الحديث : " يخرج الناس من المشرق إلى المغرب فلا يجدون أعلم من عالم أهل المدينة " ثم حديث آخر عن أبى هريرة بهذا المعنى - راجع كتاب الانتقاء لابن عبد البر . (2) ص 21 . (*) =========================================================================== [ 123 ] تخريجها ودرجتها ، ولا يختص هذا الحكم بالكتب التى لا يعرف لمؤلفها قدم في العلم ككتاب " نزهة المجالس " المملوء بالاكاذيب في الحديث وغيره ، بل إن كتب أئمة العلماء كالاحياء للغزالي لا تخلو من الموضوعات الكثيرة . رابعها - قصد التقرب من الملوك والسلاطين والامراء كما نص على ذلك غير واحد من الحفاظ . وكما كذب علماء السوء على الرسول صلى الله عليه وسلم لاجل السلاطين ، كذبوا كذلك في وضع الاحكام والفروع الفقهية لاجلهم . ومن الاحاديث الموضوعة في هذا الباب ما اشتمل على مدح السلاطين وتعظيم شأنهم ، وهو ما يتملق به الجهال للملوك في هذا العصر كما تملقوا لهم فيما قبله . خامسها - الخطأ والسهو : وقع هذا لقوم ومنهم من ظهر له الصواب ، ولم يرجع إليه أنفة واستنكافا أن ينسب إليهم الغلط . ولم تعرف رقة دين هؤلاء وعدم إخلاصهم في الاشتغال برواية الحديث إلا بعد ما وقع لهم ما وقع . سادسها - التحديث عن الحفظ ممن كانت له كتب يعتمد عليها فلم يتقن الحفظ فضاعت الكتب فوقع الغلط (1) . سابعها - اختلاط العقل في أواخر العمر - وقع هذا لجماعة من الثقات فكانوا معذورين ، دون من سلم بكل ما نسب إليهم من غير تمييز بين ما روى عنهم في طور الكمال والعقل ، وبين ما روى في طور الاختلاط والهرم . ثامنها - الظهور على الخصم في المناظرة ولا سيما إذا كانت في الملا - وهو غير الوضع لنصرة المذاهب ، قال ابن الجوزى : ومن أسباب الوضع ما يقع ممن لا دين له عند المناظرة في المجامع ، من استدلال على ما يقوله كما يطابق هواه ، تنسيقا لجداله وتقويما لمقاله ، واستطالة على خصمه ، ومحبة للغلب وطلبا للرياسة وفرارا من الفضيحة إذا ظهر عليه من يناظره . تاسعها - إرضاء الناس وابتغاء القبول عندهم واستمالتهم لحضور مجالسهم =========================================================================== (1) هؤلاء هم كما قال ابن عساكر في تاريخه : " تارة يرفعون المرسل ، ويسندون الموقوف ، وتارة يقبلون الاسناد وتارة يدخلون حديثا في حديث " (ص 10 ج‍ 2) . (*) =========================================================================== [ 124 ] الوعظية ، وتوسيع دائرة حلقاتهم ، وقد ألصق المحدثون هذا السبب بالقصص . . . ولعل ابن الجوزى ما تصدى لتأليف كتابه في الموضوعات إلا بعد ما زاول الوعظ واختبر ما أفسد الوعاظ من دين الناس - وقد ذكر عن نفسه : أن الاحاديث كانت ترد عليه في مجلس وعظه فيردها فيحقد عليه سائر القصاص (1) . ضرر القصص والقصاص : أخرج السلفي من طريق الفضل بن زياد قال : سمعت أحمد بن حنبل يقول : أكذب الناس السؤال والقصاص . وعن أبى قلابة قال : ما أمات العلم إلا القصاص . وأخرج العقيلى عن عاصم قال : كان أبو عبد الرحمن يقول : اتقوا القصاص . معاوية هو الذى أحدث القصص : أخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن نافع وغيره من أهل العلم قالوا : لم يقص في زمان النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا في زمان أبى بكر ولا زمان عمر ، وإنما القصص محدث أحدثه معاوية حين كانت الفتنة . وأخرج ابن أبى شيبة مثل هذا الخبر عن ابن عمر وكان عمر قد نهى عن القصص . عاشرها - شدة الترهيب وزيادة الترغيب لاجل هداية الناس ، ولعل الذي سهل على واضعى هذا النوع من الاحاديث المكذوبة - هو قول العلماء إن الاحاديث الضعيفة يعمل بها في فضائل الاعمال (2) وما في معناها مما لا يتعلق بالاحكام والحقوق =========================================================================== (1) ومنهم قوم من السؤال والمكدين يقفون في الاسواق والمساجد يضعون على رسول الله أحاديث بأسانيد صحاح قد حفظوها فيذكرون الموضوعات بتلك الاسانيد (ص 69 ج 1 من تفسير القرطبى) . (2) كم جلب هذا القول وأتباعه من الضرر العظيم للناس في دينهم ودنياهم . (*) =========================================================================== [ 125 ] - وكأنهم رأوا أن الدين ناقص يحتاج إلى إكمال وإتمام ، والله سبحانه وتعالى يقول : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " . وإن جميع البدع الدينية التى يسميها الناس " بدعا حسنة " . . . هي من الزيادة في الدين ويا ليتها كانت زيادة في الاعمال فقط ولكنها زيادة في العقائد أيضا - كاعتقاد وساطة بعض الصالحين " الاموات " بين الله والناس في قضاء حوائجهم - إما بأن يقضوها بأنفسهم لان لهم سلطة غيبية وراء الاسباب ، وإما بأن يقضيها الله تعالى لاجلهم فتكون إرادة الله تعالى تابعة في ذلك لارادتهم ، كما اشتهر من قولهم " إن لله عبادا إذا أرادوا أراد " ! وغير ذلك ، فإذا قلت لهم إن هذا شرع لم يأذن به الله يأتونك بأمثال ينزه الله عنها ، كتشبيهه بالملوك والامراء الذين يتقرب إليهم بمن يحبون (1) ليفعلوا ما لم يكونوا يفعلونه لولاهم ، وفاتهم أن إرادة الله تعالى لا تتغير لاجل أحد ، لان تخصيصها وترجيحها إنما يكون بحسب العلم القديم الذى لا تغيير فيه ولا تبديل . حادى عشرها - إجازة وضع الاسانيد للكلام الحسن (2) ليجعل حديثا ، ذكروا هذا سببا مستقلا وهو يدخل فيما سبقه . ثانى عشرها - تنفيق المدعى العلم لنفسه على من يتكلم عنده إذا عرض البحث عن حديث - فيقول من في دينه رقة وفي علمه دغل ، هذا الحديث أخرجه فلان وصححه فلان ويسند هذا إلى كتب يندر وجودها ، ليوهم أنه مطلع على ما لم يطلع عليه غيره أو يخلق للحديث إسنادا جديدا . اه‍ وحكى السيوطي عن ابن الجوزى أنه من وقع في حديثه الموضوع " والكذب والقلب أنواع : منهم من غلب عليهم الزهد فغفلوا عن الحفظ ، أو ضاعت كتبه فتحدث من حفظه فغلط ، ومنهم قوم ثقات لكن اختلطت عقولهم في آخر أعمارهم ومنهم من روى الخطأ سهوا فلما رأى الصواب وأيقن به لم يرجع أنفة أن ينسب إليه الغلط ، ومنهم زنادقة وضعوا قصدا إلى إفساد الشريعة ، وإيقاع الشك والتلاعب بالدين . وقد كان بعض الزنادقة يتغفل الشيخ فيدس في كتابه ما ليس من حديثه ، =========================================================================== (1) مما وضعوه في ذلك هذه القاعدة (لولا الواسطة لذهب الموسوط) . (2) يرجع إلى باب وضع الحديث للكلام الحسن في هذا الكتاب . (*) =========================================================================== [ 126 ] ومنهم من يضع لنصرة مذهبه ، ومنهم من يضع حسبة وترغيبا ، ومنهم من أجاز وضع الاسانيد بكلام حسن ، ومنهم من قصد التقرب إلى السلطان ، ومنهم القصاص يروون أحاديث ترقق وتنفق (1) اه‍ . ولان الكلام قد طال في هذا الامر فإنا نكتفي بما أوردناه . أما وضاع الحديث فكانوا كثيرين لا يحصيهم العدد وقد قالوا إن أشهرهم أربعة : ابن أبى يحيى في المدينة ، والواقدى في بغداد ، ومقاتل بن سليمان بخراسان ، ومحمد ابن سعيد بالشام (2) . وإليك مثلا واحدا من أمثلة الوضع للتقرب من الملوك والامراء : كان الرشيد يعجبه الحمام واللهو به ، فأهدى إليه حمام وعنده أبوالبخترى القاضى (3) فقال : روى أبو هريرة عن النبي أنه قال : لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح - فزاد جناح ، وهي لفظة وضعها للرشيد ، فأعطاه جائزة سنية . ولما خرج قال الرشيد والله لقد علمت أنه كذاب - وأمر بالحمام أن يذبح ، فقيل : وما ذنب الحمام ؟ قال : من أجله كذب على رسول الله ! الوضع السياسي أو الوضع للسياسة ولا بد لنا قبل أن نختم هذا الفصل أن نكشف عن ناحية خطيرة من نواحى الوضع في الحديث كان لها أثر بعيد في الحياة الاسلامية ، ولا يزال هذا الاثر يعمل عمله في الافكار العفنة والعقول المتخلفة والنفوس المتعصبة ، ذلك أن السياسة قد دخلت في هذا الامر وأثرت فيه تأثيرا بالغا فسخرته ليؤيدها في حكمها ، وجعلته من أقوى الدعائم لاقامة بنائها . . وقد علا موج هذا الوضع السياسي وطغا ماؤه في عهد معاوية الذى أعان عليه وساعده بنفوذه وماله ، فلم يقف وضاع الحديث عند بيان فضله والاشادة بذكره =========================================================================== (1) ص 409 ج‍ 2 كشف الخفاء . (2) ص 113 ج‍ 2 ابن خلكان . (3) كان أبوالبخترى قاضى مدينة النبي بعد بكار بن عبد الله ، ثم ولى قضاء بغداد بعد أبى يوسف صاحب أبى حنيفة ، توفى سنة 200 ه‍ في خلافة المأمون . ص 69 ج‍ 1 تفسير القرطبى . (*) =========================================================================== [ 127 ] بل أمعنوا في مناصرته ، والتعصب له حتى رفعوا مقام الشام الذى يحكمه إلى درجة لم تبلغها مدينة الرسول صلوات الله عليه ، ولا البلد الحرام التى ولد فيه ، وأسرفوا في ذلك إسرافا كثيرا وأكثروا حتى ألفت في ذلك مصنفات خاصة . وإذا كان هذا الموضوع وحده يحتاج إلى مؤلف برأسه فإنا - في حدود هذا الكتاب - سنلتزم جانب الايجاز ولا نبدى إلا علائم وشواهد قليلة . ومن أمثلة هذا الوضع : مما وضعته البكرية وأخرجه ابن عساكر عن أبى هريرة : تباشرت الملائكة يوم بدر ، فقالوا أما ترون الصديق مع رسول الله في العريش . وأخرج الخطيب عن ابن عباس عن النبي : هبط على جبريل عليه السلام وعليه طنفسة وهو يتخلل ، فقلت له يا جبريل ما هذا ؟ قال : إن الله تعالى أمر الملائكة أن تتخلل في السماء كتخلل أبى بكر في الارض . وأخرج أبو يعلى عن أبى هريرة ، قال رسول الله : عرج بى إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت فيها اسمى (محمد رسول الله وأبو بكر الصديق خلفي) . وأخرج أبو يعلى كذلك عن ابن عمر أن النبي قال : إن الملائكة لتستحيى من عثمان كما تستحى من الله ورسوله . وفي حديث أن رسول الله قال : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام . . . وفي حديث أن صورتها قد جاءت النبي في سرقة من حرير مع جبريل وقال له : " هذه زوجتك في الدنيا والآخرة " ! ! وفي حديث آخر : خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء وفي رواية " خذوا شطر دينكم . . . " إلخ . وهذا باب واسع لا يمكن إحصاء كل ما فيه . معاوية والشام أما معاوية والشام الذى حكمه هو وأقاربه حقبة طويلة فهاك فذلكة مما وضعوه في فضلهما . =========================================================================== [ 128 ] ومعاوية كما هو معروف أسلم هو وأبوه يوم فتح مكة ، فهو بذلك من الطلقاء ، وكان كذلك من المؤلفة قلوبهم الذين كانوا يأخذون ثمنا لاسلامهم ، وهو الذى هدم مبدأ الخلافة الرشيدة في الاسلام فلم تقم لها من بعده إلى اليوم قائمة ، وقد اتخذ " دمشق " حاضرة لملكه . وإليك بعض ما وضعوه من الاحاديث في فضله : أخرج الترمذي أن النبي قال لمعاوية : اللهم اجعله هاديا مهديا . وفي حديث آخر أن النبي قال : اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب - وهناك زيادة في هذا الحديث تقول : وأدخله الجنة . وعلى كثرة ما جاء في فضائل معاوية من أحاديث لا أصل لها ، فإن إسحاق ابن راهويه وهو الامام الكبير وشيخ البخاري قد قال : إنه لم يصح في فضائل معاوية شئ . وقد ذكر البخاري في باب " فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " فقال : باب ذكر معاوية رضي الله عنه (1) ، ولم يأت في هذا الباب بأحاديث مرفوعة إلى النبي وإنما أورد قولين عن ابن عباس في وصف معاوية - قال في الاول : إنه صحب رسول الله ، وقال في الثاني : إنه فقيه ! =========================================================================== (1) قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الباب : " تنبيه " عبر البخاري في هذه الترجمة بقوله " ذكر " ولم يقل فضيلة ، ولا منقبة لكون الفضيلة لا تؤخذ من حديث الباب لان ظاهر شهادة ابن عباس له بالفقه والصحبة دالة على الفضل الكثير - وقد صنف ابن أبى عاصم جزءا في مناقبه وكذلك أبو عمر غلام ثعلب وأبو بكر النقاش وأورد ابن الجوزي في الموضوعات بعض الاحاديث التى ذكروها ثم ساق عن إسحاق بن راهويه أنه قال : لم يصح في فضائل معاوية شئ - فهذه النكتة في عدول البخاري عن التصريح بلفظ " منقبة " اعتمادا على قول شيخه " ابن راهويه " وقصة النسائي في ذلك مشهورة ، وكأنه اعتمد أيضا على قول شيخه إسحاق وكذلك في قصة الحاكم ، وأخرج ابن الجوزى أيضا من طريق ابن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، سألت أبى ما تقول في على ومعاوية ؟ فأطرق ثم قال : اعلم أن عليا كان كثير الاعداء ، ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كيدا منهم لعلى - فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له ، وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصح من طريق الاسناد وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما والله أعلم . انتهى كلام ابن حجر ص 83 ج‍ 7 من فتح الباري . أما قصة النسائي التى أشار إليها ابن حجر - وهو صاحب أحد كتب الحديث المشهورة - فقد رواها الذهبي فقال : سئل النسائي وهو بدمشق عن فضائل معاوية فقال ، ألا يرضى رأسا برأس ، حتى يفضل ؟ قال الذهبي فما زالوا يدفعونه حتى أخرج من المجلس وحمل إلى الكوفة فتوفى بها رحمه الله . (*) =========================================================================== [ 129 ] أما الشام : فقد ذكروا أنها أرض المحشر والمنشر وأرض الابدال . . . وأن نزول عيسى سيكون بهذه الارض ، وإليك بعض ما جاء فيه من الاحاديث الكثيرة : روى أحمد وأبو داود والبغوى والطبراني وغيرهم : عليكم بالشام فإنها خيرة الله من أرضه ، يجتبى إليها خيرته من عباده ، إن الله قد توكل بالشام وأهله . وفي حديث آخر : الشام صفوة الله في بلاده يجتبى إليها صفوته من عباده فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخطه ، ومن دخلها من غيرها فبرحمته . وروى البيهقى في الدلائل عن أبى هريرة مرفوعا : الخلافة بالمدينة والملك بالشام . وعن كعب الاحبار : أهل الشام سيف من سيوف الله ينتقم الله بهم ممن عصاه ! ومن حديث : ستفتح عليكم الشام ، فإذا خيرتم المنازل فيها فعليكم بمدينة يقال لها " دمشق " - وهى حاضرة الامويين - فإنها معقل المسلمين في الملاحم ، وفسطاطها منها بأرض يقال لها الغوطة . وقد جعلوا دمشق (1) هذه - هي الربوة التى ذكرت في القرآن الكريم " وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " وذلك في حديث مرفوع . وقد جعلها أبو هريرة من مدائن الجنة في حديث رفعه إلى النبي هذا نصه : أربعة مدائن من مدائن الجنة مكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق . وأما مدائن النار : فالقسطنطينية وطبرية وأنطاكية وصنعاء ! وبينما يجعلون القسطنطينية هذه في هذا الحديث من مدن النار إذا بهم يروون هذا الحديث في فضلها وذلك بعد أن أصبحت مطمح الانظار : لتفتحن القسطنطينية فنعم الامير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش ، ولعل هذا الحديث قد وضع من أجل يزيد بن معاوية لانه كان أمير الجيش في غزوة القسطنطينية . =========================================================================== (1) مما روى في فضل دمشق ما أخرجه أبو داود عن أبى الدرداء أن رسول الله قال : إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة ، إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام . أضواء على السنة المحمدية (*) =========================================================================== [ 130 ] ولا نستقصي كل ما جاء في فضل الشام لانه يملا مصنفات كما قال ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم (1) : وقد صنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التى بالشام ، وذكروا فيها من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب وعمن أخذ عنهم ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم ، وأمثل من نقل عنه تلك الاسرائيليات كعب الاحبار ، وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيرا من الاسرائيليات . أصل قرية الابدال كان مما خصوا به بلاد الشام من الفضل - بعد أن وصفوها وأهلها بما وصفوا - أن جعلوا منها " الابدال " ، وقد كانت هذه العقيدة من عوامل هدم الاسلام إذ اتخذها الصوفية أصلا لطريقتهم ، وبنوا عليها ما بنوا من أوهامهم وخرافاتهم . روى الواقدي (2) أن معاوية لما عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن (سنة 41 ه‍) خطب فقال : أيها الناس إن رسول الله قال : إنك ستلى الخلافة من بعدى ! فاختر الارض المقدسة فإن فيها الابدال - وقد أخبرتكم فالعنوا أبا تراب ! - أي على بن أبى طالب - فلما كان من الغد كتب كتابا ثم جمعهم فقرأه عليهم وفيه : هذا كتاب كتبه أمير المؤمنين معاوية صاحب وحى الله الذى بعث محمدا نبيا وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب ، فاصطفى له من أهله وزيرا كاتبا أمينا ، فكان الوحى ينزل على محمد وأنا أكتبه وهو لا يعلم ما أكتب ، فلم يكن بينى وبين الله أحد من خلقه ، فقال الحاضرون : صدقت (3) ! وما كاد معاوية يذكر أن الشام أرض الابدال حتى ظهرت أحاديث مرفوعة عن هؤلاء الابدال نذكر منها ما يلى (4) : 1 - الابدال في هذه الامة ثلاثون رجلا ، قلوبهم على قلب إبراهيم خليل =========================================================================== (1) ص 208 ويراجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (2) ص 361 ج شرح نهج البلاغة . (3) لم يكن معاوية في كتاب الوحى ولا خط بقلمه لفظة واحدة من القرآن . (4) هذه الاحاديث أوردها السيوطي في الجامع الصغير . (*) =========================================================================== [ 131 ] الرحمن كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا (عن عبادة بن الصامت) . 2 - الابدال في أمتى ثلاثون بهم تقوم الارض ! وبهم تنصرون وبهم تمطرون ! (عن عبادة) . 3 - الابدال في أهل الشام بهم ينصرون وبهم يرزقون (عن عوف بن مالك) . 4 - الابدال بالشام وهم أربعون رجلا ، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا ، يسقى بهم الغيث وينتصر بهم على الاعداء ، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب - (عن على) . . . 5 - الابدال أربعون رجلا وأربعون إمرأة ! كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا ، وكلما ماتت امرأة أبدل الله مكانها إمرأة - (عن أنس بن مالك) . 6 - الابدال من الموالى - (عن عطاء بن أبى رباح) . وقد رفع سؤال عن هذه الاحاديث إلى الفقيه المحدث السيد رشيد رضا رحمه الله ، وقال السائل في سؤاله : وما معنى اختصاص الشام بهم ؟ وما معنى رفع العذاب عن أهل الشام ونصرهم ورزقهم بالابدال ؟ وهل أهل الشام يرزقون وينصرون ويرفع العذاب عنهم دون غيرهم من أهل الارض ؟ ! وقد أجاب السيد بجواب عالم مطلع دقيق نختصره هنا فيما يلى (1) : بدأ رحمه الله جوابه بقوله : " إن هذه الاحاديث باطلة رواية ودراية ، سندا ومتنا ، وإنما راجت في الامة بعناية المتصوفة ، وقد ذكرها الحافظ ابن الجوزى في الموضوعات وطعن فيها واحدا بعد واحد . . . وأحاديث الابدال اشترك فيها المتصوفة والشيعة (2) والباطنية ورواة الاسرائيليات ككعب الاحبار وغيره من أصحاب الترهات الصحاصح ، دون أهل الاحاديث الصحائح (3) - قال حكيمنا المحقق ابن خلدون في سياق =========================================================================== (1) ص 747 - 754 ج‍ 27 مجلة المنار . (2) ينفى الشيعة نفيا باتا أن يكونوا قد اشتركوا في وضع أحاديث الابدال لانه ليس عندهم أبدال حتى يضعوا لهم أحاديث ولا يعترفون بهم . (3) لسلطان العلماء العز بن عبد السلام رسالة مطبوعة في حلب عن الابدال والغوث والقطب والنجباء ذكر فيها أن هذه الاسماء ليس لها أصل في الدين الاسلامي وغير مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح ولا ضعيف . (*) =========================================================================== [ 132 ] كلامه في علم التصوف من مقدمة تاريخه ، بعد أن بين منشأ التصوف وحال أهله في علمهم وعملهم ، ما نصه (1) : " ثم إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة . وملاوا الصحف منه ، مثل الهروي وغيره وتبعهم ابن العربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف . . . وكان سلفهم مخالطين للاسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحاول وإلهية الائمة . مذهبا لم يعرف لاولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر ، واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ، ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان . ثم قالوا بترتيب وجود الابدال بعد هذا القطب ، كما قاله الشيعة في النقباء ، حتى إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم وتخليهم ، رفعوه إلى على رضى الله عنه ، وهو من هذا المعنى أيضا ، وإلا فعلى رضى الله عنه لم يختص من بين الصحابة بتخلية ولا طريقة في لباس ولا حال ، بل كان أبو بكر وعمر رضى الله عنهما أزهد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم عبادة ، ولم يختص أحد منهم في الدين بشئ يؤثر عنه في الخصوص ، بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد والمجاهدة - ثم إن كثيرا من الفقهاء وأهل الفتيا انتدبوا للرد على هؤلاء المتأخرين في هذه المقالات وأمثالها وشملوا بالنكير سائر ما وقع لهم في الطريقة " . وأما أهل الحديث المحققون فقد تكلموا في أسانيد هذه الاحاديث (2) فالحافظ ابن الجوزى حكم بوضعها - وتابعه شيخ الاسلام ابن تيمية - وكذلك السخاوى ، وهو والسيوطي من تلاميذ الحافظ ابن حجر ، إلا أن الاول أدق وأدنى إلى التحقيق وقد قال خبر الابدال له طرق بألفاظ مختلفة كلها ضعيفة . وهذا القول أصح من كلام ابن حجر نفسه : منها ما يصح ومنها ما لا يصح ! " وبعد أن فند السيد رشيد هذه الاحاديث حديثا حديثا قال : =========================================================================== (1) راجع صفحة 473 من المقدمة طبع بيروت . (2) أي أحاديث الابدال . (*) =========================================================================== [ 133 ] وذكر ملا على القارئ في الموضوعات عن ابن الصلاح أنه قال : أقوى ما روينا في الابدال قول على : إنه بالشام يكون الابدال . هذا يوافق ما قاله ابن تيمية في رسالته (1) في أهل الصفة والصوفية من جهة الرواية ، وأما ما حققه شيخ الاسلام في المسألة من جهة الدراية فهو غاية الغايات . . ونذكر هنا بعض جمل مما قال : قال رحمه الله تعالى : (فصل) وأما الاسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذى يكون بمكة والاوتاد الاربعة ، والاقطاب السبعة والابدال الاربعين والنجباء الثلثمائة - فهذه الاسماء ليست موجودة في كتاب الله تعالى ولا هي مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل ، إلا لفظ الابدال فقد روى فيهم حديث شامى منقطع الاسناد عن على بن أبى طالب ، مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه قال " إن فيهم - يعنى أهل الشام - الابدال أربعين رجلا كلما مات رجل أبدله الله مكانه رجلا " ولا توجد هذه الاسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب . . . إلخ ، ثم ذكر أن لفظ الغوث والغياث لا يستحقه إلا الله تعالى - ثم تكلم شيخ الاسلام في مسألة الاوتاد والقطب بكلام معقول موافق للغة ، وعاد إلى الابدال فقال " فأما الحديث المرفوع فالاشبه أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الايمان كان بالحجاز واليمن قبل فتوح الشام وكانت الشام والعراق دار كفر ، ثم في خلافة على قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق " فكان على وأصحابه أولى بالحق ممن قاتلهم من أهل الشام " . ثم عاد السيد رشيد رحمه الله فقال : " إن سبب ما ورد من الاثر المروى عن على رضى الله عنه هو أن بعض جماعته كانوا يسبون أهل الشام ، فنهاهم عن ذلك الاطلاق وقال : إن فيهم الابدال ، أي أن الله تعالى يبدل من أنصار معاوية غيرهم أو ما هذا معناه ، فزاد فيه الرواة المتزلفون لبنى أمية ، ثم الصوفية ، ما زادوا =========================================================================== (1) هي الرسالة الثالثة من مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية . (*) =========================================================================== [ 134 ] وجعلوه حديثا مرفوعا كما وضعوا أحاديث أخرى للامصار المشهورة من مدح وذم - روى ابن عساكر أن كعب الاحبار (1) قال : الابدال ثلاثون . وقال أيضا الابدال بالشام والنجباء بالكوفة ، ثم ذكر كثيرا من هذه الاقوال عن أهل ذلك العصر في الابدال والنجباء النقباء والاخيار . ولفظ الابدال أشهر هذه الالفاظ ولم يكن الناس يفهمون في القرن الثاني والثالث من هذا اللفظ ما ادعاه الصوفية بعد ، بل قال الامام أحمد " إن الابدال هم أهل الحديث " . وأما ما في هذه الروايات من أن الله تعالى ينصر أهل الشام ويرزقهم بالابدال فهو من علل متونها ، ودلائل وضعها فالله تعالى قد جعل للنصر أسبابا تعرف من كتابه ومن سننه في خلقه ، وقد أخل أفضل الامم بقيادة أفضل الرسل (عليهم السلام) ببعض أسبابه في غزوة أحد فانكسروا بعد انتصار ، وظهر المشركون عليهم ، ولما استغربوا ذلك أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ما بين له ذلك فقال (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم : أنى هذا ؟ قل هو من عند أنفسكم . . .) ومن هذه الاسباب الاجتماعية ، ما بينه تعالى بقوله (إن تنصروا الله ينصركم) وقوله (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) ومن أسبابه الحسية ما أمر به بقوله : (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ومن أسبابه الروحية المعنوية قوله تعالى : (إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا) الآية . وبعد أن بين ما كان عليه أهل الشام في سنة 1927 (2) من البؤس وضيق الرزق ، والجيوش الفرنسية تدمر بلادهم ، وكثيرون منهم يهلكون جوعا وعريا قال : فأين الابدال وأسرارهم ؟ ! واختتم كلامه رضى الله عنه بقوله : " إن هذه الروايات قد أفسدت بأس الامة الاسلامية وصار المتصوفة وأهل الطريق المتمسكون بها فتنة لنابتة المسلمين ينفرون أولى الاستقلال العقلي والعلوم العصرية من الاسلام ، =========================================================================== (1) في كل واد أثر من ثعلبة . (2) السنة التى كتبت فيها هذه الفتوى . (*) =========================================================================== [ 135 ] فيعدونه كغيره دين خرافات وأوهام ، كما أنهم عار على المسلمين أمام شعوب البشر الراقين ، وقد بلغ من جهلهم وفساد دينهم وأخلاقهم أنهم صاروا أعوان فرنسة في أفريقية من حدود تونس إلى ريف مراكش ، وقد آن لنا أن نعقل ونفهم ديننا من القرآن لا من هذه الروايات المنكرة التى صرفتنا عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله التى لا تحتمل التأويل ، ولا ينال منها التضليل ، وآن لنا أن ندوس هؤلاء المضلين وكل من ينصرهم ويتأول لهم من سدنة القبور المعبودة ، لاعتقاد العامة أن الرزق وسعادة الدنيا ، تطلب من المدفونين فيها ، فقد صارت أمتنا بهذه الخرافات تحت أرجل جميع الامم ، ولا تزال عامتها تعتقد أن الميتين ورجال الغيب هم سبب رزقها ودفع البلاء عنها " اه‍ (1) . دولة بنى العباس : وإذا كانت قد رويت أحاديث في فضل معاوية والشام ، فإن دولة بنى العباس قد ظفرت هي الاخرى بأحاديث تشد أزرها بعد أن أدبرت دولة بنى أمية وقامت هي على أنقاضها ، وهاك بعضا منها : روى البزار : عن أبى هريرة أن رسول الله قال للعباس : فيكم النبوة والمملكة . وأخرجه كذلك أبو نعيم في الدلائل وابن عدى في الكامل - وابن عساكر وروايته " فيكم النبوة وفيكم المملكة " . وروى الترمذي عن ابن عباس ، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دعا للعباس بدعاء قال فيه : واجعل الخلافة باقية في عقبه . وروى الطبراني ، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : الخلافة في ولد عمى وصنو أبى حتى يسلموها إلى المسيح (2) . وقد امتد وضع الحديث إلى السفاح ، فقد روى أحمد عن أبى سعيد الخدرى =========================================================================== (1) فليسمع من لا يزالون يكابرون في الحقائق . (2) وقد صحت نبوءة الحديث فظل الملك في بنى العباس حتى تسلمه منهم المسيح ! ! (*) =========================================================================== [ 136 ] أن رسول الله قال : يخرج رجل من أهل بيتى عند انقطاع الزمان وظهور الفتن ، يقال له السفاح ! ! وبمناسبة الكلام عن دولة بنى العباس نذكر ما رواه السيوطي في كتابه " تاريخ الخلفاء " عن المتوكل : قال أظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها واستقدم المحدثين إلى سامراء وأجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية - وتوفر دعاء الخلق للمتوكل وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له - حتى قال قائلهم : الخلفاء ثلاثة : أبو بكر الصديق في قتل أهل الردة ، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم والمتوكل في إحياء السنة وإماتة التجهم . ودولة نبى العباس هذه التى رويت لها كل هذه الاحاديث ، كان من آثارها - كما قال بعض كبار المؤرخين - أن افترقت كلمة الاسلام ، وسقط اسم العرب من الديوان واستولت عليها الديلم ثم الاتراك ، وصارت لهم دولة عظيمة ، وانقسمت ممالك الارض عدة أقسام ! ذم الاتراك : ولمناسبة ذكر الاتراك نقول : إنه لما استكثر المعتصم (1) من الاتراك حتى امتلات بهم بغداد كانوا يؤذون الناس ويظلمونهم - فكره أهل بغداد مجيئهم إذ كانوا في حلهم وترحالهم شؤما عليهم ، فأخذ المحدثون يروون في ذم الاتراك أحاديث رفعوها إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ومنها ، أن الترك أول من يسلب أمتى ما خولوا . وعن ابن عباس : ليكونن الملك - أو الخلافة - في ولدى ، حتى يغلبهم على عزهم الحمر الوجوه ، الذين كأن وجوههم المجان المطرقة . وعن أبى هريرة : لا تقوم الساعة حتى يجئ قوم عراض الوجوه صغار الاعين ، فطس الانوف ، حتى يربطوا خيولهم بشاطئ دجلة ، وقد رواه أحمد في مسنده عن أبى هريرة بلفظ آخر نصه : قال رسول الله : لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار العيون حمر الوجوه ذلف الانوف كأن وجوههم المجان المطرقة . =========================================================================== (1) كانت أم المعتصم تركية . (*) =========================================================================== [ 137 ] وقد مر بك من قبل حديث " القسطنطينية " . وإذا أردت المزيد من ذلك فارجع إلى كتاب " تاريخ الخلفاء للسيوطي " . كيف استجازوا وضع الاحاديث لم يشأ وضاع الحديث أن يدعوا عملهم بغير أن يسندوه بأدلة تسوغ ما يضعون فقد أخرج الطحاوي في المشكل عن أبى هريرة مرفوعا : إذا حدثتم عنى حديثا تعرفونه ولا تنكروبه فصدقوا به ، قلته أم لم أقله ! فإنى أقول ما يعرف ولا ينكر ، وإذا حدثتم عنى حديثا تنكرونه ولا تعرفونه ، فكذبوا به ، فإنى لا أقول ما ينكر ولا يعرف . ويشبه هذا الحديث حديث آخر رواه أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا سمعتم الحديث عنى تعرفه قلوبكم وتلين له أبشاركم ، وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به ، وإذا سمعتم الحديث عنى تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد ، فأنا أبعدكم منه . قال السيد رشيد إن إسناده جيد (1) . وقال خالد بن يزيد سمعت محمد بن سعيد الدمشقي يقول : إذا كان كلام حسن ، لم أر بأسا من أن أجعل له إسنادا (2) . وأخرج في الحلية عن ابن مهدى عن أبى لهيعة ، أنه سمع شيخا من الخوارج يقول بعد أن تاب : إن هذه الاحاديث دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرنا له حديثا . قال الحافظ ابن حجر : هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل ، إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الاسلام والصحابة متوافرون ، ثم في عصر التابعين فمن بعدهم ، وهؤلاء إذا استحسنوا أمرا جعلوه حديثا وأشاعوه ، فربما سمع الرجل الشئ فحدث به ولم يذكر من حدثه به تحسينا للظن ، فيحمله عنه غيره ويجئ الذى يحتج بالمنقطعات فيحتج به ، مع كون أصله ما ذكرت ! =========================================================================== (1) ص 228 ج 9 تفسير المنار . (2) ص 32 ج‍ 1 النووي على مسلم . (*) =========================================================================== [ 138 ] الوضاع الصالحون لم يكن وضع الحديث على رسول الله مقصورا على أعداء الدين وأصحاب الاهواء فحسب - كما بينا - وإنما كان الصالحون من المسلمين يضعون كذلك أحاديث على رسول الله ، ويجعلون ذلك حسبة لله بزعمهم ، ويحسبون أنهم بعملهم هذا يحسنون صنعا ، وإذا سألهم سائل . كيف تكذبون على رسول الله ، قالوا : نحن نكذب له لا عليه ! وإن الكذب على من تعمده ! روى مسلم في كتابه عن يحيى بن سعيد القطان قال : لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث - وفي رواية - لم نر أهل الخير في شئ أكذب منهم في الحديث ، يعنى أنه - كما قال مسلم : يجرى على لسانهم ولا يتعمدون الكذب (1) . وروى مسلم عن أبى الزناد قال : أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ، ما يؤخذ عنهم الحديث (2) . قال الحافظ ابن حجر (3) وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث الترغيب والترهيب وقالوا : نحن لم نكذب عليه ، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته ! ! وما دروا أن تقويله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل يقتضى الكذب على الله لانه إثبات حكم من الاحكام الشرعية ، سواء كان في الايجاب أو الندب ، وكذا مقابلهما وهو الحرام والمكروه ، ولا يعتد بمن خالف ذلك من الكرامية حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة واحتج بأنه كذب له لا عليه وهو جهل باللغة العربية (4) . قال عبد الله النهاوندي : قلت لغلام أحمد ، من أين لك هذه الاحاديث التى تحدث بها في الرقائق ؟ فقال وضعناها لنرقق بها قلوب العامة ، قال ابن الجوزى =========================================================================== (1) هذه من بلايا تلك الكلمة " متعمدا " التى يتشبث بها الذين يزعمون أنهم من المحدثين (ص 132 ج 1 فتح الملهم) . (2) من قواعدهم : أن الورع لا يقتضى صحة الرواية . (3) ص 161 ج 1 فتح الباري . (4) ليت الحشوبة يفقهون ما قاله الحافظ الكبير ، ولكن أنى لهم الفقه ! أو الفهم . (*) =========================================================================== [ 139 ] عن غلام أحمد هذا : إنه كان يتزهد ويهجر شهوات الدنيا ، ويتقوت الباقلاء صرفا ، وغلقت أسواق بغداد يوم موته . وكان أحمد بن محمد الفقيه المروزى - من أصلب أهل زمانه في السنة ، وأكثرهم مدافعة عنها ، ويحقر كل من خالفها ، وكان مع ذلك يضع الحديث ويقلبه . وأخرج البخاري في التاريخ الاوسط عن عمر بن صبيح بن عمران التميمي أنه قال : أنا وضعت خطبة النبي ، وأخرج الحاكم في المدخل بسنده إلى أبى عمار المروزى ، أنه قيل لابي عصمة : من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة ، وليس عند أصحاب عكرمة هذا ؟ فقال إنى رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبى حنيفة ، ومغازى ، ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة . لطيفة وقد بلغ من أمرهم أنهم يضعون الحديث لاسباب تافهة ، ومن أمثلة ذلك ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي (1) قال : كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكتاب يبكى ! فقال له مالك ؟ قال : ضربني المعلم . قال : لاخزينهم اليوم ! حدثنا عكرمة عن ابن عباس مرفوعا : " معلمو صبيانكم شراركم ، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المساكين " والاخبار في ذلك أكثر من أن تحصى الوضع بالادراج قد يأتي الوضع من الراوى للحديث غير مقصود له - وعدوا ذلك من باب " الادراج " ، والحديث " المدرج " ما كانت فيه زيادة ليست منه . وقال أهل الاثر إن الادراج نوعان . إدراج في الاسناد وإدراج في المتن . =========================================================================== (1) وسيف بن عمر هذا كان كذابا وكان أشهر من روى عنهم الطبري في التاريخ وغيره من كتبه . (*) =========================================================================== [ 140 ] وإدراج المتن يكون في أول الحديث ، مثل حديث أبى هريرة الذى رواه الخطيب أن رسول الله قال : " أسبغوا الوضوء ، ويل للاعقاب من النار " فقوله : " أسبغوا الوضوء " مدرج من قول أبى هريرة . ويكون الادراج في أثناء الحديث مثل حديث فضالة عند النسائي " أنا زعيم - والزعيم الحميل - لمن آمن بى وأسلم وجاهد في سبيل الله ، يبيت في ربض الجنة . فقوله : والزعيم الحميل - مدرج في الحديث . أما الادراج الذى في آخر الحديث ، فقد جاء في حديث الكسوف - وهو في الصحيح : أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته - فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة . قال الغزالي إن هذه الزيادة لم يصح نقلها فيجب تكذيب قائلها . هل يمكن معرفة الموضوع ذكر المحققون أمورا كلية يعرف بها أن الحديث موضوع ، منها : مخالفته لظاهر القرآن ، أو السنة المتواترة ، أو الاجماع القطعي أو القواعد المقررة في الشريعة أو للبرهان العقلي أو للحس والعيان ، وسائر اليقينات أو اشتمال الحديث على مجازفات في الوعد والوعيد ، والثواب والعقاب ، أو كان مناقضا لما جاءت به السنة الصريحة ، أو كان باطلا في نفسه ، أو ما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه ، أو لا يشبه كلام الانبياء ، أو كان بكلام الاطباء أشبه ، أو يشتمل على تواريخ الايام المستقبلة ، أو يكون سمجا أو يسخر منه - وغير ذلك . ومنها ، أن تقوم الشواهد الصحيحة ، أو تجارب العلم الثابتة ، على بطلانه أو يكون ركيكا في معناه . وقال ابن حجر العسقلاني : المراد في الركة على " المعنى " فحيثما وجدت دلت على الوضع ، لان هذا الدين كله محاسن - أما ركاكة " اللفظ " فلا تدل على ذلك ، لاحتمال أن يكون الراوى قد رواه بالمعنى فغير ألفاظه بغير فصيح . وقال ابن الجوزى : إن الحديث المنكر ، يقشعر له جلد الطالب للعلم ، وينفر =========================================================================== [ 141 ] منه قلبه ، يعنى الممارس لالفاظ الشارع الخبير بها ، وبرونقها وبهجتها . وقال : إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الاصول فاعلم أنه موضوع . وقال الرببع بن خيثم : إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه ، وظلمة كظلمة الليل تنكره . رواه الخطيب . وأخرج أبى حاتم عن ابن مسعود : إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله . وعن ابن جبير ، ما بلغني حديث على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله (1) . وأخرج البيهقى بسنده عن ابن عباس قال : إذا حدثتكم بحديث عن رسول الله فلم تجدوا تصديقه في الكتاب (2) ، أو هو حسن في أخلاق الناس ، فإنه كاذب (3) . والاحاديث الموضوعة لا يمكن حصرها ، وقد جمع منها ابن الجوزى والسيوطي وغيرهما مجلدات كثيرة يمكن الرجوع إليها . وقد عقد العالم القاسمي في كتابه " قواعد التحديث " بابا عن الحديث الموضوع ختمه بفصلين نلخصهما فيما يأتي وقد جعل عنوانهما : هل يمكن معرفة الموضوع بضابط من غير نظر في سنده ؟ سئل الامام شمس الدين بن القيم : هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده ؟ فقال : هذا سؤال عظيم القدر ، وإنما يعرف ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة ، وخلطت بلحمه ودمه وصار له فيها ملكة واختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار ، ومعرفة سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام وهديه فيما يأمر به وينهى عنه ، ويخبر عنه =========================================================================== (1) ص 39 من كتاب المرقاة . (2) أي كتاب الله . (3) ص 17 من كتاب مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي . (*) =========================================================================== [ 142 ] ويدعو إليه ، ويحبه ويكرهه ، ويشرعه للامة كأنه مخالط له (صلى الله عليه وسلم) . فمثل هذا يعرف من أحواله وهديه وكلامه وأفعاله وأقواله ، وما يجوز أن يخبر به ، وما لا يجوز ، ما لا يعرفه غيره - وهذا شأن كل متبوع مع تابعه فإن للاخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها ، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح ، ليس كمن لا يكون كذلك . . . إلخ . وقال ابن دقيق العيد : " كثيرا ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى المروى وألفاظ الحديث ، وحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم ، لكثرة محاولة ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم ، هيئة نفسانية ، وملكة قوية عرفوا بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبوة وما لا يجوز " . للقلب السليم إشراف على معرفة الموضوع وفي فصل لابي الحسن على بن عروة الحنبلى : " القلب إذا كان نقيا نظيفا زاكيا كان له تمييز بين الحق والباطل ، والصدق والكذب ، والهدى والضلال ، ولا سيما إذا كان قد حصل له إضاءة وذوق من النور النبوى ، فإنه حينئذ تظهر له خبايا الامور ودسائس الاشياء والصحيح من السقيم ، ولو ركب على متن ألفاظ موضوعة على الرسول إسناد صحيح أو على متن صحيح إسناد ضعيف ، لميز ذلك وعرفه وذاق طعمه ، وميز بين غثه وسمينه ، وصحيحه وسقيمه ، فإن ألفاظ الرسول لا تخفى على عاقل ذاقها ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله (1) " رواه الترمذي من حديث أبى سعيد . وقال جماعة من السلف في قوله تعالى : " إن في ذلك لآيات للتموسمين " - أي للمتفرسين . وقال معاذ بن جبل : " إن للحق منارا كمنار الطريق " . هذا وإن القلب الصافي له شعور بالزيغ والانحراف في الافعال والاعمال فإذا =========================================================================== (1) قال أوس بن حجر : الالمعى الذى يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا * =========================================================================== [ 143 ] سمع الحديث عرف مخرجه من أين ، وإن لم يتكلم فيه الحفاظ وأهل النقد . فمن كانت أعماله خالصة لله موافقة للسنة ، ميز بين الاشياء كذبها وصدقها . . والله سبحانه وتعالى يلهم الصادق الذكى معرفة الصدق من الكذب ، كما في الحديث : " الصدق طمأنينة والكذب ريبة " وقال لوابصة : " استفت قلبك " ، وقد ترك النبي أمته على البيضاء ليلها كنهارها . . وكلام الرسول ولا ريب عليه جلالة وفيه فحولة ليست لغيره من الناس . . وقال ابن تيمية : القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعى . . . فمتى ما وقع عنده ، وحصل في قلبه ما يظن معه أن هذا الامر ، أو هذا الكلام أرضى لله ورسوله ، كان ترجيحا بدليل شرعى - والذين أنكروا كون الالهام ليس طريقا إلى الحقائق مطلقا ، اخطأوا . فإذا اجتهد العبد في طاعة الله وتقواه ، كان ترجيحه لما رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة ، فإلهام هذا دليل في حقه وهو أقوى من كثير من الاقيسة الضعيفة والموهومة ، والظواهر والاستصحابات الكثيرة التي يحتج بها كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف وأصول الفقه . وقال عمر : " الحق آبلج لا يخفى عن فطن " ، وقال حذيفة بن اليمان : " إن في قلب المؤمن سراجا يزهر " ، وكلما قوى الايمان في القلب قوى انكشاف الامور له وعرف حقائقها من بواطلها ، وكلما ضعف الايمان ضعف الكشف ، وذلك مثل السراج القوى والسراج الضعيف في البيت المظلم . . وفي الصحيح عن النبي " قد كان في الامم قبلكم محدثون ، فإن يكن في أمتى منهم أحد فعمر " والمحدث هو الملهم المخاطب في سره ، وقد كان أبو سليمان الدارانى يسمى أحمد بن عاصم الانطاكي " جاسوس القلب " لحدة فراسته . . اه‍ ما قلناه ملخصا من هذين الفصلين (1) . ومما يجب أن يكون من موازين الحديث الصحيح ألا يمجه الذوق السليم مثل حديث " الذباب " ، وألا يخالف أغراض الاسلام العليا التى ترمى إلى سعادة الانسان في الدينا والاخرة . =========================================================================== (1) ص 147 - 155 باختصار . (*) =========================================================================== [ 144 ] الكاذبون وما جنوا من الافتراء على النبي صلوات الله عليه قال حماد بن زيد : وضعت الزنادقة على رسول الله اثنى عشر ألف حديث . وقال المهدى : أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع 400 حديث ، فهى تجول في أيدى الناس . وأخرج ابن عساكر عن الرشيد أنه جئ إليه بزنديق فأمر بقتله ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أين أنت عن أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم أحرم فيها الحلال وأحل فيها الحرام . ولما أخذ عبد الكريم بن أبى العوجاء بضرب عنقه قال : لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال ، وأحلل الحرام . وقال إسحاق بن راهويه وهو شيخ البخاري أحفظ أربعة آلاف حديث مزورة . وعن سهل بن السرى الحافظ قال : وضع أحمد بن عبد الله الجوبيارى ، ومحمد بن عكاشة الكرماني ، ومحمد بن تميم الفارابى على رسول الله أكثر من عشرة آلاف حديث . وقال البخاري : أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح . والاخبار في ذلك أكثر من أن تحصى ، ومن أراد أن يستزيد منها فليرجع إلى مظانها ، وبخاصة كتاب تحذير الخواص للسيوطي . ونقف من نقلنا عند ذلك وهو كفاية . =========================================================================== [ 145 ] الاسرائيليات في الحديث لما قويت شوكة الدعوة المحمدية واشتد ساعدها ، وتحطمت أمامها كل قوة تنازعها ، لم ير من كانوا يقفون أمامها ويصدون عن سبيلها ، إلا أن يكيدوا لها من طريق الحيلة والخداع ، بعد أن عجزوا عن النيل منها بعدد القوة والنزاع . ولما كان أشد الناس عداوة للذين آمنوا ليهود ، لانهم بزعمهم شعب الله المختار ، فلا يعترفون لاحد غيرهم بفضل ، ولا يقرون لنبى بعد موسى برسالة ، فإن رهبانهم وأحبارهم لم يجدوا بدا - وبخاصة بعد أن غلبوا على أمرهم وأخرجوا من ديارهم (1) - من أن يستعينوا بالمكر ، ويتوسلوا بالدهاء ، لكى يصلوا إلى ما يبتغون ، فهداهم المكر اليهودي إلى أن يتظاهروا بالاسلام ويطووا نفوسهم على دينهم ، حتى يخفى كيدهم ، ويجوز على المسلمين مكرهم ، وقد كان أقوى هؤلاء الكهان دهاء وأشدهم مكرا ، كعب الاحبار ووهب بن منبه ، وعبد الله بن سلام . ولما وجدوا أن حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى ، وأن المسلمين قد سكنوا إليهم ، واغتروا بهم ، جعلوا أول همهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم ، وذلك بأن يدسوا إلى أصوله التى قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات ، وأوهام وترهات لكى تهى هذه الاصول وتضعف . ولما عجزوا عن أن ينالوا من القرآن الكريم لانه قد حفظ بالتدوين ، واستظهره آلاف من المسلمين ، وأنه قد أصبح بذلك في منعة من أن يزاد فيه كلمة أو يتدسس إليه حرف - اتجهوا إلى التحدث عن النبي فافتروا - ما شاءوا أن يفتروا - عليه أحاديث لم تصدر عنه (2) ، وأعانهم على ذلك أن ما تحدث به النبي في حياته لم يكن محدود المعالم ، ولا محفوظ الاصول ، لانه لم يكتب في عهده صلوات الله عليه كما كتب القرآن ، ولا كتبه صحابته من بعده ، وأن في =========================================================================== (1) أجلى عمر يهود خيبر إلى أذرعات وغيرها سنة 20 ه‍ ، وأجلى يهود نجران إلى الكوفة ، وقسم وادى القرى ونجران بين المسلمين (ص 108 ج‍ 8 البداية والنهاية لابن كثير) ، وذلك لمن لم يكن معه عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم . (2) قال ابن الجوزي : لما لم يستطيع أحد أن يدخل في القرآن ما ليس منه أخذ أقوام يزيدون في الحديث ويضعون ما لم يقل (ص 14 ج‍ 2 تاريخ ابن عساكر) . (*) =========================================================================== [ 146 ] استطاعة كل ذى هوى أو دخلة سيئة ، أن يتدسس إليه بالافتراء ، ويسطو عليه بالكذب ، ويسر لهم كيدهم أن وجدوا الصحابة يرجعون إليهم في معرفة ما لا يعلمون من أمور العالم الماضية - واليهود بما لهم من كتاب ، وما فيهم من علماء ، كانوا يعتبرون أساتذة العرب فيما يجهلون من أمور الاديان السابقة ، إن كانوا مخلصين صادقين . قال الحكيم بن خلدون (1) عندما تكلم عن التفسير النقلي ، وأنه كان يشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود : والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم ، وإنما غلبت عليهم البداوة والامية ، وإذا تشوفوا إلى معرفة شئ مما تتشوف إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود ، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ، ويستفيدونه منهم (2) ، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى ، مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه وعبد الله ابن سلام وأمثالهم ، فامتلات التفاسير من المنقولات عندهم . . وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملاوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كلها كما قلنا من التوراة ، أو مما كانوا يفترون . وقال في موضع آخر من مقدمته (3) : " وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين ، وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع ، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا ، لم يعرضوها على أصولها ، ولا قاسوها بأشباهها ، ولا سبروها بمعيار الحكمة ، والوقوف على طبائع الكائنات ، وتحكيم النظر والبصيرة في الاخبار ، فضلوا عن الحق ، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط . وقال الدكتور أحمد أمين : اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه وكعب الاحبار وعبد الله بن سلام ، =========================================================================== (1) ص 439 و 440 من المقدمة . (2) كان ابن إسحق يحمل عن اليهود والنصارى ويسميهم في كتبه أهل العلم الاول - ص 8 ج‍ 18 معجم الادباء . (3) ص 9 في المقدمة . (*) =========================================================================== [ 147 ] واتصل التابعون بابن جريج - وهؤلاء كانت لهم معلومات يروونها عن التوراة والانجيل وشروحها وحواشيها ، فلم ير المسلمون بأسا من أن يقصوها بجانب آيات القرآن فكانت منبعا من منابع التضخم " اه‍ (1) . من أجل ذلك كله أخذ أولئك الاحبار يبثون في الدين الاسلامي أكاذيب وترهات ، يزعمون مرة أنها في كتابهم أو من مكنون علمهم ، ويدعون أخرى أنها مما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وهى في الحقيقة من مفترياتهم ، وأنى للصحابة أن يفطنوا لتمييز الصدق من الكذب من أقوالهم وهم من ناحية لا يعرفون العبرانية (2) التى هي لغة كتبهم ، ومن ناحية أخرى كانوا أقل منهم دهاء وأضعف مكرا ، وبذلك راجت بينهم سوق هذه الاكاذيب ، وتلقى الصحابة ومن تبعهم كل ما يلقيه هؤلاء الدهاة بغير نقد أو تمحيص ، مغتبرين أنه صحيح لا ريب فيه . وقبل أن نعرض لبيان بعض الاسرائيليات التى إمتلات بها كتب التفسير والحديث والتاريخ ، نؤرخ هنا بإيجاز لزعماء هؤلاء الاحبار : كعب ووهب ، وعبد الله بن سلام . كعب الاحبار (3) هو كعب بن ماتع الحميرى من آل ذى رعين ، وقيل من ذى الكلاع ، ويكنى أبا إسحاق من كبار أحبار اليهود ، وعرف بكعب الاحبار وأسلم في عهد عمر على التحقيق وسكن المدينة في خلافته ، وكان معه في فتح القدس ، ثم تحول إلى الشام =========================================================================== (1) ص 139 ج‍ 2 ضحى الاسلام . (2) روى البخاري عن أبى هريرة : أن أهل الكتاب كانوا يقرءون التوراة بالعبرانية ، ويفسرونها بالعربية لاهل الاسلام (ص 285 ج‍ 2) . (3) كان الاستاذ سعيد الافغاني قد نشر بمجلة الرسالة مقالة ذكر فيها أن الصهيوني الاول هو عبد الله بن سبأ ، فرددنا عليه بمقال مفصل أثبتنا فيه أن الصهيوني الاول هو كعب الاحبار ، ونشر هذا الرد بالعدد 656 من الرسالة . (*) =========================================================================== [ 148 ] في زمن عثمان فاستصفاه معاوية وجعله من مستشاريه لكثرة علمه (1) ، كما كانوا يفهمون ، وهو الذى أمره أن يقص في بلاد الشام (2) وبذلك " أصبح أقدم الاخباريين في موضوع الاحاديث اليهودية والاسلامية ، وبواسطة كعب وابن منبه وسواهما من اليهود الذين أسلموا تسربت إلى الحديث طائفة من أقاصيص التلمود - الاسرائيليات - وما لبثت هذه الروايات أن أصبحت جزءا من الاخبار الدينية والتاريخية . وقال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ إنه قدم من اليمن في دولة أمير المؤمنين عمر فأخذ عنه الصحابة وغيرهم وروى عن جماعة من التابعين مرسلا مات بحمص (3) في سنة 32 أو 33 أو 38 بعد ما ملا الشام وغيرها من البلاد الاسلامية اليهودية برواياته وقصصه المستمدة من الاخبار ، كما فعل تميم الدارى في الاخبار النصرانية (4) . سبب إسلامه : افتجر هذا الكاهن لاسلامه سببا عجيبا ليتسلل به إلى عقول المسلمين وقلوبهم ! فقد أخرج ابن سعد بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال : قال العباس لكعب : ما منعك أن تسلم في عهد النبي وأبى بكر ؟ فقال : إن أبى كتب لى كتابا من التوراة ، فقال أعجل به ! وختم على سائر كتبه ، وأخذ =========================================================================== (1) ص 164 من الاسلام والحضارة العربية ، وكيف لا يوصف كعب بكثرة العلم وقد قال لقيس بن خرشة القيسي : ما من شبر في الارض إلا وهو مكتوب في التوراة التى أنزل على نبيه موسى عليه السلام ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة - رواه الطبري والبيهقي في الدلائل . وص 533 ج‍ 2 من الاستيعاب لابن عبد البر . (2) ص 323 ج‍ 5 في الاصابة . (3) على أن كعبا قد مات بحمص ودفن بها فإنهم في مصر قد جعلوا له قبرا أقاموا عليه قبة عالية يزورها الناس ويتبركون بها ، وهذه القبة قائمة بمسجد كبير في شارع الناصرية في القاهرة تنفق عليه وزارة الاوقاف من أموالها ، وحمص التى دفن فيها كعب ليست كغيرها من بلدان المسلمين فقد رووا فيها حديثا رفعوه إلى النبي صلى الله عليه وآله هذا لفظه : " ليبعثن الله تعالى من مدينة بالشام يقال لها " خمص " سبعين ألفا يوم القيامة ، لا حساب عليهم ولا عذاب " ، ولا ريب أن هذا كله من بركات جثمان سيدنا كعب . . ومن حقه على الله ! ! ومن العجيب أنهم أسندوا هذا الحديث إلى عمر ! ! (راجع الجزء الثاني من الجامع الصغير للسيوطي) . وذكر ابن جبير في رحلته أن بالجيزة قبرا لكعب الاحبار ص 25 . (4) ص 97 ج‍ 2 ضحى الاسلام . (*) =========================================================================== [ 149 ] على بحق الوالد على الولد - ألا أفض الختم عنها . فلما رأيت ظهور الاسلام ، قلت لعل أبي غيب عنى علما ! ففتحتها فإذا صفة محمد وأمته ! فجئت الآن مسلما ! وروى عبد الله بن عمر (1) أن رجلا من أهل اليمن جاء إلى كعب الاحبار فقال له : إن فلانا الحبر اليهودي أرسلني إليك برسالة ، فقال كعب : هاتها ، فقال له الرجل : إنه يقول لك : ألم تكن سيدا شريفا مطاعا ! فما الذى أخرجك من دينك إلى أمة محمد ؟ فقال له كعب : أتراك راجعا إليه ؟ قال : نعم ، قال : فإن رجعت إليه فخذ بطرف ثوبه ، لئلا يفر منك ، وقل له : يقول لك : أسألك بالذى فلق البحر لموسى ، وأسألك بالله الذى ألقى الالواح إلى موسى بن عمران فيها علم كل شئ ! ألست تجد في كلمات الله تعالى : أن أمة محمد ثلاثة أثلاث ، فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة ، وثلث يدخلون الجنة بشفاعة أحمد ، فإنه سيقول لك : نعم ، فقل له : يقول لك كعب : اجعلني في أي الا ثلاث شئت ! " اه‍ . وقال ابن حجر في الاصابة : إنه روى عن النبي مرسلا وروى عنه في الصحابة ابن عمر وأبو هريرة وابن عباس وابن الزبير ومعاوية وغيرهم (2) . وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : وحدث عنه عبد الله بن جنظلة (3) وأسلم مولى عمر وتبيع الحميرى وأبو سلام الاسود ، وروى عنه عدة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلا . وقع له رواية في سنن أبى داود والترمذي والنسائي (4) . وهب بن منبه ذكر المؤرخون أنه فارسي الاصل جاء جده إلى اليمن في جملة من بعثهم كسرى لنجدة اليمن على الحبشة ، فأقاموا هناك وتناسلوا وصاروا يعرفون بين العرب =========================================================================== (1) ص 266 ج‍ 1 في حياة الحيوان . (2) ص 323 ج‍ 5 في الاصابة ، وانظر كتابنا " شيخ المضيرة " . (3) ص 218 ج‍ 3 . (4) ص 322 في نفس المصدر . (*) =========================================================================== [ 150 ] " بالابناء " أي أبناء الفرس ، ومنهم طاوس بن كيسان التابعي المشهور . وكان آباء وهب على دين الفرس (المجوسية أو الزردشتية) ، فلما أقاموا بين اليهود باليمن ، أخذوا عنهم آداب اليهود وتقاليدهم فتعلموا شيئا من النصرانية ، وكان يعرف اليونانية وعنده من علم أهل الكتاب شئ كثير . ولكن ضعفه الفلاس (1) . أدرك عدة من الصحابة وروى عنهم ، وكذلك روى عنه كثير من الصحابة منهم أبو هريرة وعبد الله بن عمرو وابن عباس وغيرهم ، وكان للعرب ثقة بهم . وذكر الامام أحمد أن والده منبها فارسي أخرجه كسرى إلى اليمن فأسلم ، وأن إبنه وهبا كان يختلف من بعده إلى بلاده بعد فتحها . ومن أقواله : إنى قرأت من كتب الله 72 كتابا . . . وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ : إنه عالم أهل اليمن ولد سنة 34 ه‍ وتوفى بصنعاء سنة 110 ه‍ . أو بعد ذلك بسنة أو أكثر ، وقيل إنه توفى سنة 116 (1) ه‍ . عبد الله بن سلام هو أبو الحارث الاسرائيلي ، أسلم بعد أن قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، وهو من أحبار اليهود ، حدث عنه أبو هريرة وأنس بن مالك وجماعة ، وقال فيه وهب بن منبه الاسرائيلي : كان أعلم أهل زمانه ، وكعب أعلم أهل زمانه ، وقد مات سنة 40 ه‍ . كيف استحوذوا على عقول المسلمين اتبع هؤلاء الاحبار بدهائهم العجيب طرقا غريبة لكى يستحوذوا بها على عقول المسلمين ، ويكونوا محل ثقتهم ، وموضع احترامهم ، وإليك طرفا من هذه الاساليب العجيبة : * (هلمش) * (1) ص 171 ج‍ 2 مقدمة فتح الباري . (*) =========================================================================== [ 151 ] أخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام (1) - وهو أحد كبار اليهود الذين أسلموا - أنه مكتوب في التوراة في السطر الاول : محمد رسول الله عبده المختار ، مولده مكة ومهاجره طيبة ، وأخرج كذلك ، مكتوب في التوراة صفة النبي وعيسى بن مريم يدفن معه . وهذا الذى أخرجه الترمذي عن ابن سلام قد أحكمه الداهية كعب : فقد وى الدارمي عنه - في صفة النبي في التوراة قال : في السطر الاول محمد رسول الله عبده المختار ، مولده مكة ومهاجره طيبة وملكه بالشام (2) . وقد بحثنا عن السطر الثاني من هذه الاسطورة حتى وجدناه في سنن الدارمي كذلك عن الداهية الاكبر كعب : فقد روى ذكوان عنه قال : في السطر الاول محمد رسول الله عبده المختار ، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالاسواق ، ولا يجزى بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام (3) . وفي السطر الثاني : محمد رسول الله أمته الحمادون ، يحمدون الله في السراء والضراء ، يحمدون الله في كل منزل ، ويكبرون على كل شرف ، رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة ، ويأتزرون على أوساطهم ويوضئون أطرافهم ، وأصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النحل . وهذا الكلام قد أورده ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس في جواب لكعب ، وقد امتدت هذه الخرافة إلى أحد تلاميذ كعب عبد الله بن عمرو بن العاص . فقد روى البخاري عن عبد الله بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة ، قال : أجل ، والله (4) إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا =========================================================================== (1) ص 274 ج‍ 4 فتح الباري . (2) ممن رووا عن عبد الله بن سلام أبو هريرة وأنس بن مالك . (3) تخصيص الملك بالشام في قول كعب إنما جاء لغرض سياسي خطير ، مر بك شئ من خبره ، وسيأتيك نبأ عنه فيما بعد . (4) هكذا يورطه أستاذه حتى يقسم بالله . ولا حول ولا قوة إلا بالله ! (*) =========================================================================== [ 152 ] ونذيرا وحرزا للاميين ، أنت عبدى ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب (1) في الاسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ، بل يعفو ويغفر ، ولا يقبضه الله حتى يقيم به المللة العوجاء بأن يقولوا : " لا إله إلا الله " ويفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا . وزاد ابن كثير ، قال ابن يسار ، ثم لقيت كعبا الحبر فسألته فما اختلفا في حرف . وكيف يختلفان وكعب هو الذى علمه ! وروى السيوطي في الاتقان (2) ، أن كعب الاحبار قال : في التوراة : يا محمد ، إنى منزل عليك توراة حديثة ، تفتح أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا . وروى الجواليقى في كتاب المغرب (3) قال : قال ابن الاعرابي : ذكر عن كعب الاحبار أنه قال : أسماء النبي في الكتب السالفة : محمد وأحمد وحمياط - أي حامى الحرم ! وروى القاضى عياض في الشفاء (4) أن وهب بن منبه قال : قرأت في أحد وسبعين كتابا ، فوجدت في جميعها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلا ، وأفضلهم رأيا ، وفي رواية أخرى : فوجدت في جميعها أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى إنقضائها من العقل في جنب عقله (صلى الله عليه وسلم) إلا كحبة رمل من رمال الدينا . كعب وعمر لما قدم كعب إلى المدينة في عهد عمر وأظهر إسلامه ، أخذ يعمل بدهاء ومكر لما أسلم من أجله ، من إفساد الدين وافتراء الكذب على النبي (صلى الله عليه وسلم) . ومما أغراه بالرواية أن عمر بن الخطاب كان في أول أمره يستمع إليه على اعتبار أنه قد أصبح مسلما صادق الايمان ، فتوسع في الرواية الكاذبة ما شاء أن =========================================================================== (1) سخاب بالسين لغة أثبتها الفراء وغيره ، والاشهر بالصاد . (2) ص 53 ج‍ 1 . (3) ص 122 . (4) ص 55 ج‍ 1 . (*) =========================================================================== [ 153 ] يتوسع . قال ابن كثير (1) : " لما أسلم كعب في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضى الله عنه ، فر بما استمع له عمر ، فترخص الناس في استماع ما عنده ، ونقلوا ما عنده من غث وسمين " . ولكن لم يلبث عمر أن فطن لكيده وتبين له سوء دخلته ، فنهاه عن الحديث ، وتوعده إن لم يترك الحديث عن الاول أو ليلحقنه بأرض القردة (2) . وعلى أن عمر قد ظل يترقب هذا الداهية بحزمه وحكمته ، وينفذ إلى أغراضه الخبيثة بنور بصيرته ، كما ترى في قصة الصخرة - فإن شدة دهاء هذا اليهودي قد تغلبت على فطنة عمر وسلامة نيته ، فظل يعمل بكيده في السر والعلن ، حتى انتهى الامر بقتل عمر ، وتدل القرائن كلها على أن هذا القتل كان بمؤامرة من جمعية سرية ، وكان هذا الدهى من أكبر أعضائها وعلى رأسها الهرمزان (3) ملك الخوزستان الذى كان قد جئ به إلى المدينة أسيرا ، وعهدوا بتنفيذها إلى أبى لؤلؤة الاعجمي . قتل عمر ويد كعب فيه ذكر المسور بن مخرمة (4) أن عمر لما انصرف إلى منزله بعد أن أوعده أبو لؤلؤة جاء كعب الاحبار (5) فقال : يا أمير المؤمنين " اعهد " فإنك ميت في ثلاث ليال ، =========================================================================== (1) ص 17 ج‍ 4 تفسير . (2) ص 206 ج‍ 8 البداية والنهاية ، ورواية الذهبي في سير أعلام النبلاء " لتتركن الحديث أو لالحقنك بأرض القردة ص 433 ج‍ 2 . (3) هو صاحب تستر من أعظم قواد الفرس وكان على ميمنة جيش رستم وزير ملك فارس في حرب القادسية ، ولما قتل رستم فر الهرمزان بمن بقى من جنده ، فما زال المسلمون يتابعونه حتى لجأ إلى مدينة تستر وتحصن بها فحاصروه أشد حصار حتى أنزلوه على حكم الفاروق ، وأتوا به إلى المدينة (سنة 17 ه‍) وكان المسلمون يسبون أبناء فارس ويتخذونهم عبيدا . ومن كان منهم بالمدينة كانوا يختلفون إلى الهرمزان ، ومن هؤلاء السبايا فيروز الملقب " بأبي لؤلؤة " وكان غلاما للمغيرة بن شعبة وهو الذى طعن عمر . (4) ص 24 / 3 تاريخ ابن الاثير والجزء الخامس من تاريخ الطبري . (5) كان لهذا الرجل أفانين عجيبة في اللعب بعقول المسلمين ، وإليك لعبة من ألاعيبه رواها المؤرخون الثقات : قال كعب لعمر : أجدك في التوراة تقتل شهيدا ! قال عمر : وأنى لى بالشهادة وأنا بجزيرة العرب ؟ وعن شداد بن أوس عن كعب قال : كان في نبى إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر ، = (*) =========================================================================== [ 154 ] " رواية " الطبري " ثلاثة أيام " قال : وما يدريك ؟ قال : أجده في كتاب التوراة ، قال عمر : أتجد عمر بن الخطاب في التوراة ؟ قال : اللهم لا ولكن أجد حليتك وصفتك ، وأنك قد فنى أجلك ، قال ذلك وعمر لا يحس وجعا فلما كان الغد ، جاءه كعب فقال : " بقى يومان " فلما كان الغد جاءه كعب فقال : مضى يومان وبقى يوم - ورواية الطبري وبقى يوم وليلة - وهى لك إلى صبيحتها فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة ، وكان يوكل بالصفوف رجالا ، فإذا استوت كبر ، ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر له رأسان نصابه في وسطه فضرب عمر ست ضربات ، إحداهن تحت سرته وهي التى قتلته . وكان أبو لؤلؤة من سبى نهاوند . ووقع في رواية أبى إسحاق عند ابن سعد : وأتى كعب عمر فقال : " ألم أقل لك إنك لا تموت إلا شهيدا " وإنك تقول : " من أين وأنا في جزيرة العرب " (1) ؟ وإليك خبرا عجيبا من أخبار هذا الكاهن لعله يمتلخ منك عرق الشك في اشتراكه في هذه المؤامرة ، فقد أخرج الخطيب عن مالك ، أن عمر دخل على أم كلثوم بنت علي وهى زوجته فوجدها تبكى : فقال : ما يبكيك ؟ قالت هذا اليهودي (2) أي كعب الاحبار - يقول : إنك على باب من أبواب جهنم ، فقال عمر : ما شاء الله ! ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه فقال : يا أمير المؤمنين - لا تعجل على والذى نفسي بيده ، لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة ؟ فقال عمر : ما هذا ؟ مرة في الجنة ، ومرة في النار ؟ ! قال كعب : يا أمير المؤمنين ، والذى نفسي بيده إنا لنجدك في كتاب الله (3) على باب من أبواب جهنم تمنع الناس ان يقتحموا فيها ، =========================================================================== = وإذا ذكرنا عمر ذكرناه ، وكان إلى جنبه نبى يوحى إليه فأوحى الله إلى النبي أن يقول له : اعهد عهدك واكتب إلى وصيتك ، فإنك ميت إلى ثلاثة أيام ، فأخبره النبي بذلك - فلما كان اليوم الثالث وقع بين الجدار والسرير ثم جاء إلى ربه فقال : اللهم إن كنت تعلم أنى كنت أعدل في الحكم وإذا اختلفت الامور اتبعت هداك ، وكنت وكنت فزد في عمري حتى يكبر طفلي ، وتربو أمتى ، فأوحى الله إلى النبي أنه قال كذا وكذا وقد صدق وقد زدته في عمره خمس عشرة ففى ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته ، فلما طعن عمر قال كعب : لئن سأل عمر ربه ليبقينه الله ، فأخبر بذلك عمر فقال : اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم - من ص 90 ، 98 تاريخ الخلفاء و 357 ج‍ 2 في تاريخ الكامل لابن الاثير . (1) ص 236 / 3 / 1 طبقات ابن سعد . (2) حقا إنه يهودى ماكر ، هذا الخبر في فتح الباري ص 41 ج 13 وص 253 ج‍ 3 ق 2 طبقات ابن سعد . (3) كان يعزو كل مفترياته إلى كتاب الله ، وكتاب الله منه برئ . (*) =========================================================================== [ 155 ] فإذا مت لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة ! ولما طعن عمر جاء كعب فجعل يبكى بالباب ويقول : والله لو أن أمير المؤمنين يقسم على الله أن يؤخره لاخره (1) . وقد صدقت يمينه - لعنه الله - فقد قتل عمر يوم الاربعاء لاربع ليال بقين من ذي الحجة سنة 23 ه‍ . ودفن يوم الاحد هلال المحرم 24 ه‍ . وهذه الادلة كلها تثبت أن قتل عمر على يد أبى لؤلؤة لم يكن إلا نتيجة لتلك المؤامرة التى دبرها له الهرمزان لما كان يكنه من الحقد الموجدة للعرب ، بعد أن ثلوا عرش الفرس ، ومزقوا دولتهم ، وممن اشترك فيها وكان له أثر كبير في تدبيرها كعب الاحبار وهذا أمر لا يمترى فيه أحد إلا الجهلاء . حديث الاستسقاء روى التاريخ أن الارض أجدبت إجدابا شديدا في خلافة عمر ، وكان ذلك في عام الرمادة (2) فلم يدع كعب هذه الفرصة تفلت من غير أن يتخذ منها وسيلة ليرمى الاسلام طعنة من طعناته - فقال لعمر : إن بنى إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الانبياء . وهنا جاءت روايات بأن عمر قال : هذا عم رسول الله وصنو أبيه وسيد بنى هاشم - العباس ، فمشى إليه ثم استسقوا . وقال أنس (3) إن عمر قال في هذا استسقاء : إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فتسقينا . ومما لا مراء فيه أن هذا اليهودي قد أراد بقوله هذا أن يخدع عمر عن أول أساس قال عليه الدين الاسلامي - وهو التوحيد الخالص - ليزلقه إلى هوة التوسل =========================================================================== (1) ص 262 ج‍ 3 ق 2 طبقات ابن سعد . (2) ذكر ابن سعد وغيره أن عام الرمادة كان سنة 18 ه‍ ودام تسعة أشهر ، والرمادة بفتح الراء وتخفيف الميم ، سمى العام بها من شدة الجدب فأغبرت الارض جدا من عدم المطر وهلكت الماشية وجاع الناس وهلكوا حتى كانوا يستفون الرماد ويحفرون نفق اليرابيع والجرذان يخرجون ما فيها 223 / 2 / 3 طبقات ابن سعد . (3) لا شك أن رواية أنس هذه أو غيرها لا تنهض أمام الروايات القوية التى جاءت بخلافها . وأنس هذا من الذين لا يوثق كثيرا برواياتهم ، وكان أبو حنيفة لا يثق به ولا بأبى هريرة ولا بسمرة بن جندب . (*) =========================================================================== [ 156 ] الذى هو الشرك بعينه ، حتى إذا هوى فيها عمر وأثرت عنه بالعمل اتخذت سنة من بعده وكان لها أثر بالغ لدى المسلمين جميعا في العقيدة الاسلامية على مد العصور ، فينهدم بذلك الاساس المتين للدين ، ولكن عمر وهو في الافق من البصيرة بالدين والفقه فيه قد فطن لها ولم يقع في الفخ الذى نصبه له هذا الخدعة ، فلم يستسق بأحد حتى بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يزد على الاستغفار . قال أبو بكر بن أبى الدنيا في كتاب المطر ، وفي كتاب مجابى الدعوة عن خوات بن جبير قال : خرج عمر يستسقى بهم فصلى الركعتين فقال : اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك ، فما برح من مكانه حتى مطروا . وعن الشعبى قال : خرج عمر يستسقى بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع ، فقالوا يا أمير المؤمنين : ما نراك استسقيت ؟ فقال : لقد طلبت المطر بمجاديح (1) السماء التى يستنزل بها المطر ، ثم قرأ : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا " ، ثم قرأ : " وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه " . . . الآية (2) . وعن الشعبى : خرج يستسقى فقام على المنبر فقرأ هؤلاء الآيات : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا " ويقول " استغفروا ربكم ثم توبوا إليه " ثم نزل فقيل يا أمير المؤمنين : ما منعك أن تستسقى ؟ فقال : قد طلبت المطر بمجاديح السماء التى ينزل بها القطر . وعن عبد الله بن دينار الاسلمي عن أبيه قال : لما أجمع عمر على أن يستسقى ويخرج بالناس كتب إلى عماله أن يخرجوا يوم كذا وكذا ، وأن يتضرعوا إلى ربهم ويطلبوا إليه أن يرفع هذا المحل عنهم ، وخرج لذلك اليوم عليه برد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى انتهى إلى المصلى فخطب الناس ، وتضرع وجعل الناس يلحون فما كان أكثر دعائه إلا الاستغفار حتى إذا قرب أن ينصرف رفع يديه مادا وحول رداءه وجعل اليمين على اليسار ، ثم اليسار على اليمين ، ثم مد يده ، وجعل يلح في الدعاء ويبكى بكاء طويلا حتى اخضلت لحيته (3) . =========================================================================== (1) في أساس البلاغة لجار الله في مادة " ج د ح " وخفق المجدح أي الدبران ونوءه غزير ، يقولون أرسلت السماء مجاديح الغيث وفي حديث عمر " لقد استسقيت بمجاديح السماء " أراد الاستغفار . (2) ص 92 ج 7 البداية والنهاية لابن كثير . (3) ص 231 / 2 / 3 طبقات ابن سعد . (*) =========================================================================== [ 157 ] وفي المغنى والشرح الكبير ، أن عمر خرج يستسقى فلم يزد على الاستغفار وقال : لقد استسقيت بمجاديح السماء (1) . وقال الجاحظ : ولما صعد " عمر " المنبر قابضا على يد العباس يوم الاستسقاء لم يزد على الدعاء . فقيل له إنك لم تستسق وإنما تستغفر ، قال : قد استسقيت بمجاديح السماء - ذهب إلى قوله تعالى : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا " (2) . وإذا كان الامر قد وقع على هذه الصورة فلا بأس به ما داموا جميعا كانوا يدعون الله ، وإنا نكاد نقطع بأن عمر لم يتوسل بأحد في الاستسقاء ولم يتخذ من وسيلة فيه إلى الله غير الدعاء والاستغفار ، كما جاء في الاخبار الصحيحة المؤيدة بآيات من كتاب الله العزيز . من مكر وكيد كعب في موطأ مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب أراد الخروج إلى العراق فقال له كعب الاحبار : لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين ! فإن بها تسعة أعشار السحر : فسقة الجن وبها الداء العضال (3) . ما بثه كعب ووهب من الاسرائيليات ولكى تقف على بعض ما بثه هذان الكاهنان من الاسرائيليات ، وكانت شبها على الاسلام يحتج بها عليه أعداؤه ، ويضيق بها ذرعا أولياؤه ، والتى أصبحت من المشكلات التى نعاني سيئاتها ، ويعسر علينا التخلص منها - نمد لك بطرف =========================================================================== (1) 290 ج‍ 2 . (2) ص 279 ج 4 البيان والتبيين ، وهذا الخبر رواه كذلك ابن قتيبة في تاريخ يزيد بن عبيد في كتاب الشعر والشعراء ورواه الطبري في التفسير . (3) ص 538 من كتاب صيانة الانسان عن وسوسة ابن دحلان . (*) =========================================================================== [ 158 ] صغير منها على سبيل المثال : قال معاوية لكعب : أنت تقول إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا ! فقال كعب : إن قلت ذلك فإن الله قال : وآتيناه من كل شئ سببا ! ! قال ابن كثير في تفسيره (1) وهذا الذي أنكره معاوية على كعب هو الصواب ، والحق مع معاوية في ذلك الانكار ، فإن معاوية كان يقول عن كعب : إنا كنا لنبلو عليه الكذب ، وذكر القرطبي في تفسير سورة غافر عن خالد بن معدان عن كعب أنه قال : لما خلق الله تعالى العرش قال : لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم منى ، واهتز تعاظما ، فطوقه الله بحية لها سبعون ألف جناح ، في كل جناح سبعون ألف ريشة ، في كل ريشة سبعون ألف وجه ، في كل وجه سبعون ألف فم ، في كل فم سبعون ألف لسان ! يخرج من أفواهها كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر ، وعدد ورق الشجر ، وعدد الحصى والثرى ، وعدد أيام الدنيا ، وعدد الملائكة أجمعين ، والتوت الحية على العرش - فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية عليه ، فتواضع عند ذلك ! وفي التفسير (2) أن عبد الله بن قلابة خرج في طلب إبل له فوصل إلى جنة شداد فحمل ما قدر عليه مما كان هناك ، وبلغ خبره معاوية فاستحضره وقص عليه ، فبعث إلى كعب فسأله ، فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال . وعلى عنقه خال ، يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال : هذا والله هو ذلك الرجل (3) =========================================================================== (1) ص 101 ج 3 . (2) اللفظ هنا منقول عن تفاسير الفخر الرازي والطبري وأبى السعود والنيسابوري على هامش تفسير الطبري ص 87 ج 3 . (3) من أساطيرهم أنه كان لعاد ابنان ، شداد وشديد ، فملكا وقهرا البلاد ، ثم مات شديد وخلص الامر لشداد ، فملك الدنيا ودانت له ملوكها ، فسمع بذكر الجنة فقال أبنى مثلها . فبنى إرم في بعض صحارى عدن في 300 سنة ، وكان عمر 900 سنة ، وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت ، وفيها أصناف الاشجار والانهار ، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته ، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا . . (*) =========================================================================== [ 159 ] ولا يدخل المدينة أحد بعده إلى يوم القيامة (1) . ولما فرغ كعب من كلامه قال له معاوية (2) : يا أبا إسحاق ، أخبرني عن كرسى سليمان بن داود وما كان عليه ومن أي هو . فأخذ ينشى من خرافاته وأساطيره ما لا نستطيع إيراده ، فيرجع إليه في كتب التفسير . . . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن كعب قال : الارضون السبع على صخرة ، والصخرة في كف ملك ، والملك على جناح الحوت ، والحوت في الماء ، والماء على الريح ، والريح على الهواء ، ريح عقيم لا تلقح ، وإن قرونها معلقة في العرش . وعن وهب بن منبه : أربعة أملاك يحملون العرش على أكتافهم ، لكل واحد منهم أربعة وجوه ! وجه ثور ، ووجه أسد ، ووجه نسر ، ووجه إنسان ، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة ، أما جناحان فعلى وجهه ليحفظاه من أن ينظر إلى العرش فيصعق فيهفو بهما ، ليس له كلام إلا أن يقول : قدوس الملك القوي ملات عظمته السموات والارض (3) . روى ابن الفقيه في تاريخه : سئل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الارض ، سبع هي ؟ قال : نعم والسموات سبع . وقرأ - " الله الذى خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن " . فقال رجل : فنحن على وجه الارض الاولى ؟ قال : نعم ، وفي الثانية خلق يطيعون ، ولا يعصون . وفي الثالثة خلق ، وفي الرابعة صخرة ملساء ، والخامسة ضحضاح من الماء ، والسادسة سجيل وعليها عرش إبليس ، والسابعة ثور ، والثور على سمكة ، والسمكة على الماء ، والماء على الهواء ، والهواء على الثرى ، والثرى منقطع فيه علم العلماء (4) . وقرأ معاوية آية " حتى بلغ مغرب الشمس " حتى إذا بلغ " عين حمئة " قال ابن عباس إنها عين حمئة ، فجعلا كعبا بينهما فأرسلوا إليه فسألوه فقال : =========================================================================== (1) لقد أخذ الطريق على معاوية بذلك ، لان وصول غيره إليها ليبحث عنها سيفضحه ويفضح رواياته وخرافاته . (2) ص 36 ج‍ 4 تفسير ابن كثير . (3) ص 99 من كتاب التنبيه في الرد على أهل الاهواء والبدع للملطى . (4) ص 51 من تاريخ الادب الجغرافي العربي تأليف المستشرق أغناطيوس يوليا نوفتش تشكو فسكى . (*) =========================================================================== [ 160 ] أما الشمس فإنها تغيب في " ثأط " والثأط الطين . وقال مرة أخرى : تغيب في طينة سوداء . ويروى أن ابن عباس وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية " في عين حمئة " وارتعفا إلى (1) كعب الاحبار في ذلك . وأخرج ابن خيثمة عن قتادة قال : بلغ حذيفة أن كعبا يقول : إن السماء تدور على قطب كالرحى فقال : كذب كعب ، إن الله يقول : " يمسك السموات والارض أن تزولا (2) " . وذكر الحافظ ابن حجر أن كعب الاحبار روى ، أن باب السماء الذى يقال له " مصعد الملائكة " يقابل بيت المقدس (3) فأخذ منه بعض العلماء أن الحكمة في الاسراء إلى بيت المقدس قبل العروج ، ليحصل العروج مستويا . من غير تعويج . . . وهكذا تنفذ الاسرائيليات إلى معتقداتنا ، وقال ابن حجر بعد أن أورد تلك الخرافة : وفيه نظر لورود أن في كل سماء بيتا معمورا ، وأن الذى في سماء الدنيا حيال الكعبة ، وكان من المناسب أن يصعد من مكة ليصل إلى البيت المعمور بغير تعويج ! لانه صعد من سماء إلى سماء إلى البيت المعمور ! ! وروى كعب أن في الجنة ملكا لو شئت أن أسميه لسميته ، يصوغ لاهل الجنة الحلى منذ خلقه الله إلى يوم القيامة ، لو أبرز قلب منها (أي سوار) لرد شعاع الشمس ، كما ترد الشمس شعاع القمر . ومما يدلك على أن الصحابة كانوا يرجعون إليه حتى فيما هو من علمهم وبخاصة عندما قال : " ما من شئ إلا وهو مكتوب في التوراة " ، أن أبا عبد الرحمن محمد ابن الحسين النيسابوري ذكر أن عمر قال لكعب - وقد ذكر الشعر - يا كعب هل تجد للشعر ذكرا في التوراة ؟ فقال كعب : أجد في التوراة قوما من ولد إسماعيل =========================================================================== (1) ص 112 ج‍ 2 سنن الترمذي طبع الهند . (2) ص 323 ج‍ 5 من الاصابة في تمييز الصحابة . (3) ص 156 ج‍ 7 فتح الباري . (*) =========================================================================== [ 161 ] أناجيلهم في صدورهم ، ينطقون بالحكمة ، ويضربون الامثال ، لا نعلمهم إلا العرب (1) . وروى يزيد بن حبيب أن معاوية بن أبي سفيان سأل كعب الاحبار : هل تجد لهذا النيل في كتاب الله خبرا ؟ قال : إي والذى فلق البحر لموسى عليه السلام ، إنى لاجد في كتاب الله عزوجل : أن الله يوحى إليه في كل عام مرتين . يوحى إليه عند جريه : أن الله يأمرك أن تجرى فيجرى كما كتب الله ، ثم يوحى إليه بعد ذلك ، عد حميدا (2) . وروى البيهقي في الاسماء والصفات بسند صحيح عن ابن عباس قال : في قوله تعالى " الذى خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن " قال سبع أرضين في كل أرض نبى كنبيكم ، وآدم كآدمكم ، ونوح كنوح ، وإبراهيم كإبراهيم ، وعيسى كعيسى - ولم يذكر لموسى مثيلا ! قال البيهقى في الشعب : هو شاذ بالمرة ، قال السيوطي - هذا من البيهقى في غاية الحسن ، فإنه لا يلزم من صحة الاسناد صحة المتن ، لاحتمال صحة الاسناد مع أن في المتن شذوذا أو علة تمنع صحته " . وقال ابن كثير بعد عزو هذا الحديث لابن جرير بلفظ " كل أرض في الخلق مثل ما في هذه من آدم كآدمكم وإبراهيم كإبراهيمكم " هو محمول - إن صح عن ابن عباس - على أنه أخذه من الاسرائيات . وعن مكحول ، قال كعب : أربعة من الانبياء أحياء أمان لاهل الارض ، اثنان في الارض : الخضر وإلياس ، واثنان في السماء : إدريس وعيسى (3) . وفي تفسير الطبري أن ابن عباس سأل كعبا عن " سدرة المنتهى " فقال : إنها على رؤوس حملة العرش وإليها ينتهى علم الخلائق ، وليس لاحد وراءها علم ، ولذلك =========================================================================== (1) ص 8 من كتاب العمدة لابن رشيق . (2) ص 33 ج 1 من النجوم الزاهرة . (3) ص 337 ج‍ 6 فتح الباري . (*) =========================================================================== [ 162 ] سميت " سدرة المنتهى " لانتهاء العلم بها ، هذا ما قاله لتلميذه الثاني . أما تلميذه الاول فهو أبو هريرة ، ففى حديث له أنها شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن ، وأنهار من خمر ، وأنهار من عسل - وهى شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها ، والورقة منها تغطى الامة كلها - يا حفيظ ! وفي حديث المعراج أنه لما فرض الله خمسين صلاة على العباد في النهار وفي الليل لم يستطع أحد من الرسل جميعا غير موسى - أن يفقه استحالة أدائها على البشر ! فهو وحده الذى فطن لذلك وحمل محمدا صلى الله عليه وسلم على أن يراجع ربه عشر مرات في حديث ، وخمس مرات في حديث ثان ، وبضع مرات في حديث ثالث - وفيها كلها أنه صلوات الله عليه كلما نزل بعدد منها من عند الله ، أعاده موسى إلى ربه لينقصها حتى رجعت إلى خمس صلوات . وكأن الله سبحانه وتعالى لما فرض الصلاة على المسلمين ، كان لا يعلم مبلغ قوة احتمال عباده على أدائها - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وكذلك لا يعلم محمد الذى اصطفاه للرسالة العامة إلى الناس كافة - والله أعلم حيث يجعل رسالته - لا يعلم إن كان من أرسل إليهم يستطيعون احتمال هذه العبادة أو لا يستطيعون . حتى بصره موسى ! وهكذا ترى الاسرائيليات تنفذ إلى ديننا وتسرى في معتقداتنا فتعمل عملها ولا تجد أحدا إلا قليلا يزيفها أو يردها ، بل نرى - واأسفاه - من يصدقها ويعتقدها من حشوية آخر الزمان ، الذين يتجرون بالدين ولا يهمهم أن ينسب الجهل الخاتم المرسلين ، صلوات الله عليه ، ولا يزالون يذكرون اسم كعب الاحبار مقرونا بالسيادة (1) ، ونكتفى بهذه الامثلة فإنها مجزئة (2) . =========================================================================== (1) كانوا يعتبرون كعبا في الطبقة الاولى من التابعين ص 90 ج‍ من النجوم الزاهرة - ولا يزال الحشويون يعتبرونه كذلك . (2) انظر ما أوردناه من الاسرائيليات التى تلقاها أبو هريرة عن استاذه كعب الاحبار وذلك في كتابنا " شيخ المضيرة " . (*) =========================================================================== [ 163 ] هل يجوز رواية الاسرائيليات جاءت الشريعة الاسلامية فنسخت ما قبلها من الشرائع . وإن كانت قد أبقت على أصول العقائد وما لا يتعارض معها من الامور التى أرسل الله بها جميع الرسل إلى خلقه - وقد بين القرآن الكريم أن أهل الكتاب (اليهود والنصارى) قد كتبوا من عند أنفسهم كتبا ليشتروا بها ثمنا قليلا . ومن أجل ذلك نهى رسول الله أن يأخذ المسلمون على أهل الكتاب أمرا يخالف أصول دين الله وأحكامه وآدابه ، وكان يغضب أشد الغضب إذا رأى أحدا ينقل عنهم شيئا ، فقد روى أحمد عن جابر بن عبد الله أن عمر بن خطاب أتى النبي : بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي فغضب وقال : أمهوكون فيها يابن الخطاب ؟ والذى نفسي بيده لو أن موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ، وفي رواية : فغضب وقال : لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو باطل فتصدقوا به . وروى البخاري عن أبى هريرة : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون . وروى البخاري من حديث الزهري عن ابن عباس أنه قال : كيف تسألون أهل الكتاب عن شئ ، وكتابكم الذى أنزل الله على رسول الله أحدث الكتب تقرءونه محضا لم يشب ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه ، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ! ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذى أنزل إليكم ! وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود أنه قال : لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل ! هذه هي الروايات الصحيحة التى تتفق مع الدين والعقل ، والتى كانت معروفة عند المحققين . =========================================================================== [ 164 ] هذا بعض ما روى عن النبي صلوات الله عليه في النهى عن الاخذ عن أهل الكتاب ، ولكن ما لبث الامر أن انقلب بعد أن اغتر بعض المسلمين بمن أسلم من أحبار اليهود خدعة - فظهرت أحاديث رفعوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تبيح الاخذ وتنسخ ما نهى عنه . فقد روى أبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما أن رسول الله قال : حدثوا عن بنى إسرائيل ولاحرج ، وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو من تلاميذ كعب الاحبار ، وقد جاءت الاخبار بأن الثاني - وهو عبد الله بن عمرو بن العاص - أصاب يوم اليرموك - زاملتين من علوم أهل الكتاب فكان يحدث منها . وزاد ابن حجر " فتجنب الاخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين " (2) . رواية بعض الصحابة عن أحبار اليهود كان من أثر وثوق الصحابة بمسلمة أهل الكتاب واغترارهم بهم أن صدقوهم فيما يقولون ، ويروون عنهم ما يفترون - وقد نص رجال الحديث في كتبهم أن العبادلة الثلاثة (3) وأبا هريرة (4) ومعاوية وأنس وغيرهم ، قد رووا عن كعب الاحبار وإخوانه - وكان أبو هريرة أكثر الصحابة وثوقا به ، وأخذا عنه ، وانقيادا له ، كما يتبين لك من تاريخه الذى نشرناه في كتاب خاص باسم (شيخ المضيرة فيرجع إليه . وقد استطاع هذا اليهودي (كعب الاحبار) كما دعته السيدة الجليلة أم كلثوم - بوسائله الشيطانية أن يدس من الخرافات والاوهام والاكاذيب في الدين ما امتلات به كتب التفسير والحديث والتاريخ فشوهتها وأدخلت الشك إليها ، وما زالت تمدنا بأضرارها إلى ما شاء الله وقد حدثناك بشئ منها من قبل لان استيعابها يحتاج إلى مصنفات مفردة . =========================================================================== (1) ص 4 ج 1 تفسير ابن كثير . (2) ص 167 ج 1 فتح الباري . (3) العبادلة الثلاثة : عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو . (4) يرجع إلى كتابنا " شيخ المضيرة " ليعلم كيف اتصل أبو هريرة بكعب الاحبار وكيف وقع في فخه . (*) =========================================================================== [ 165 ] تكذيب الصحابة لكعب كان الصحابة - كما علمت - يثقون بكعب أول الامر ، ولكن ما لبث بعضهم أن فطن له بعد ما تبين من كذبه وانكشف من أمره ، فنزعوا عنه ثوب الثقة وشكوا في أخباره ، بل كذبوه وإن كان بعضهم أمثال أبى هريرة والعبادلة وغيرهم قد ظلوا على تصديقه ، والاخذ عنه حتى لقى ربه . وقد نهى عمر كعبا عن الحديث وأوعده بالنفى إلى بلاده ، وقال له : لتتركن الحديث أو لالحقنك بأرض القردة (1) - وكان على يقول : إنه لكذاب . وروى البخاري عن الزهري أن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش وذكر كعبا فقال : إنه من أصدق (2) هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب . وأخرج ابن أبى خيثمة بسند حسن عن قتادة قال : بلغ حذيفة أن كعبا يقول : إن السماء تدور على قطب كالرحى ، فقال : كذب كعب ، إن الله يقول : " إن الله يمسك السموات والارض أن تزولا " (3) ، وقال ابن عباس لرجل مقبل من الشام : من لقيت ؟ قال : كعبا ، قال : وما سمعته يقول ؟ قال : سمعته يقول إن السموات تدور على منكب ملك . فقال : كذب كعب . أما ترك يهوديته بعد ! ثم قرأ : " إن الله يمسك السموات والارض " . . . الآية (4) . والاخبار في ذلك كثيرة فنجتزئ بما قدمناه . =========================================================================== (1) ص 106 ج‍ 8 البداية والنهاية . (2) هناك رواية أخرى (أمثل) . (3) ص 323 ج‍ 1 من الاصابة لابن حجر . (4) ص 139 من كتاب الكافي الشاف لابن حجر العسقلافى . (*) =========================================================================== [ 166 ] قصة الصخرة بين عمر وكعب لما افتتحت إيليا وأرضها على يدى عمر في ربيع الآخر سنة 16 ه‍ ودخل عمر بيت المقدس دعا كعب الاحبار وقال له : أين ترى أن نجعل المصلى ؟ فقال كعب الاحبار : إلى الصخرة (1) ! ! فقال له عمر : ضاهيت والله اليهودية (2) يا كعب - وفي رواية - يا بن اليهودية خالطتك يهودية أبنيه في صدر المسجد ؟ فإن لنا صدور المساجد - وقد رأيتك وخلعك نعليك ! فقال : أحببت أن أبا شره بقدمى ! ولما أخذ في تنظيف بيت المقدس من الكناسة التى كانت الروم قد دفنتها به (3) سمع التكبير من خلفه - وكان يكره سوء الرعة (4) في كل شئ فقال : ما هذا ؟ فقالوا : كبر كعب وكبر الناس بتكبيره فقال : على به ، فقال : يا أمير المؤمنين - إنه قد تنبأ على ما صنعت اليوم نبى منذ خمسمائة سنة ! ! قال : وكيف ؟ قال : إن الروم أغاروا على بنى إسرائيل فأديلوا عليهم فدفنوه - إلى أن وليت فبعث الله نبيا على الكناسة فقال أبشرى أورى شلم ، عليك الفاروق ينقيك مما فيك (5) ، وفي رواية أتاك الفاروق في جندي المطيع ويدركون لاهلك بثأرك من الروم إلخ هذه الخرافات التى افتجرها هذا الدجال الافاك . . " وقد ظللت الصخرة مكشوفة في خلافة عمر وعثمان مع حكمهما على الشام ، وكذلك في خلافة على رضى الله عنه ، وإن كان لم يحكم عليها ، ثم كذلك في إمارة معاوية وابنه وابن ابنه ، فلما كان في زمن عبد الملك وجرى بينه وبين ابن الزبير من الفتنة ما جرى كان هو الذى بنى القبة على الصخرة (6) وعظم عبد الملك شأن =========================================================================== (1) وفي رواية إن أخذت عنى صليت خلف الصخرة ، أي أن تكون الصخرة قبلة . (2) مضاهاة اليهودية مشابهتها في استقبال الصخرة . لما فيه من مشابهة من يعتقدها قبلة باقية . (3) كان نصارى الروم قد ألقوا هذه الكناسة معاندة لليهود الذين يعظمون الصخرة ، ويصلون إليها . (4) سوء التقية والورع . (5) لخصنا هذا الكلام من الطبري ص 160 وما بعدها ج‍ 4 . (6) على ذكر عبد الملك بن مروان الذى بنى الصخرة نورد ما رواه عنه ابن الاثير في الصفحة 190 من الجزء الرابع قال : حج عبد الملك بن مروان بالناس سنة 75 فخطب الناس بالمدينة فقال : أما بعد فإنى لست الخليفة المستضعف يعنى عثمان ، ولا الخليفة المداهن يعنى معاوية ، ولا الخليفة المأفون يعنى يزيد ، ألا وإنى لا أداوى هذه الامة إلا بالسيف حتى تستقيم لى قناتكم ، وإنكم تحفظون أعمال المهاجرين الاولين ، ولا تعملون مثل أعمالهم . وإنكم تأمروننا بتقوى الله وتنسون أنفسكم والله لا يأمرن أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه . (*) =========================================================================== [ 167 ] الصخرة بما بناه عليها وجعل عليها من الكسوة في الشتاء والصيف ، ليكثر قصد الناس للبيت المقدس فيشتغلوا بذلك عن قصد ابن الزبير - والناس على دين الملوك . وظهر من ذلك الوقت من تعظيم الصخرة ما لم يكن المسلمون يعرفونه ، وصار بعض الناس ينقل الاسرائيليات في تعظيمها ، حتى روى بعضهم عن كعب الاحبار عند عبد الملك بن مروان - وعروة بن الزبير حاضر - أن الله قال للصخرة : أنت عرشى الادنى . وقد صنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التى بالشام ، وذكروا من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب وعمن أخذ عنهم ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم ، وأمثل من ينقل عنه تلك الاسرائيليات كعب الاحبار - وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيرا من الاسرائيليات . وفي مرآة الزمان لسبط بن الجوزى : توقفهم فيما رواه كعب الاحبار عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، لانه أسلم على يد الفاروق ، وكان يضربه بالدرة ويقول له : دعنا من يهوديتك (1) . الاسرائيليات - في فضل بيت المقدس قال كعب : إن الله نظر إلى الارض فقال : إنى واطئ على بعضك ، فاستبقت له الجبال ، وتضعضعت الصخرة ، فشكر لها ذلك ، فوضع عليها قدمه ! وقال : إن العرض والحساب من بيت المقدس . وإن مقبور بيت المقدس لا يعذب . وقال : هي أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا - وهى أرض المحشر والمنشر . وقال : لا تقوم الساعة حتى يزور البيت الحرام بيت المقدس فينقادان جميعا إلى الجنة وفيهما أهلوهما . وقال : إن في التوراة أنه يقول لصخرة بيت المقدس : أنت عرشى الادنى ، ومنك ارتفعت إلى السماء ، ومن تحتك بسطت الارض ، وكل ما يسيل من ذروة =========================================================================== (1) ص 35 ج‍ 1 . (*) =========================================================================== [ 168 ] الجبال من تحتك - من مات فيك فكأنما مات في السماء إلخ . وعن أبى هريرة - تلميذ كعب الاحبار - أن النبي قال : الانهار كلها والسحاب والبحار والرياح تحت صخرة بيت المقدس . وقال كعب : قال الله عزوجل لبت المقدس : أنت جنتي وقدسي وصفوتي من بلادي ، من سكنك فبرحمة منى ، ومن خرج منك فبسخط منى عليه . وعن كعب : اليوم في بيت المقدس كألف يوم ، والشهر كألف شهر ، والسنة فيه كألف سنة ، ومن مات فيه فكأنما مات في السماء ، ومن مات حوله فكأنما مات فيه (1) . عن وهب بن منبه قال : أهل بيت المقدس جيران الله ، وحق الله عزوجل ألا يعذب جيرانه ، ومن دفن في بيت المقدس نجا من فتنة القبر وضيقه . وفي حديث أن الطائفة من أمته الظاهرين على الحق ، والذين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله ، أنهم في بيت المقدس وأكنافه . وقال العلامة الاستاذ نعمة الله السلجوقي رئيس فخر المدارس (بهرات) من بلاد أفغانستان وهو يقرظ كتابنا " أضواء على السنة المحمدية " في كتاب قيم بعث به إلينا . أما الاحاديث المروية في فضل الشام فنحن نعترف بأن أكثرها دسائس إسرائيلية . وفي ذلك ما روى في بعض الكتب أن من أهل من المسجد الاقصى للحج غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فهذه الرواية - مع ما تدل على أفضلية المسجد الاقصى - تؤدى إلى الالحاد وعدم المبالاة بارتكاب المعاصي وتفتح أبواب الفسوق ، ومن الخرافات التى دسها اليهود وأدرجت في كتب السير وبعض التفاسير : أن السموات بعضها من الفضة وبعضها من الزبرجد ، وأن السيارات مركوزة في السموات على الترتيب المذكور في كتب اليونان ، مثل إن القمر مركوز بسماء الدنيا ، والعطارد بالثانية ، وهكذا إلى السابعة . وهكذا أن السموات موضوعة على رأس جبل محيط بالارض يقال له قاف . وأن الارض موضوعة على قرن ثور =========================================================================== (1) ارجع إلى ص 332 ج‍ 1 وما بعدها من نهاية الارب للنويرى فترى هذه الاخبار وأعجب منها . (*) =========================================================================== [ 169 ] قائم فوق ظهر حوت يسبح في الماء . كل ذلك من غفلة العلماء ، وعدم مبالاتهم بوخامة عاقبة ما دس أعداء الدين بين المسلمين . ما قيل في المسجد الاقصى كانت الاحاديث الصحيحة أول الامر في فضل المسجد الحرام ومسجد رسول الله ولكن بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الاقصى . وقد روى أبو هريرة : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، مسجدي هذا ومسجد الحرام ، ومسجد الاقصى . وفي رواية : يسافر إلى ثلاثة مساجد ، الكعبة ومسجدي ومسجد إيليا : وروى مالك في الموطأ ومسلم في كتابه عن أبى هريرة : صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام . وعنه أيضا : " صلاة في مسجد رسول الله أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام " ، وفي رواية : كألف صلاة فيما سواه من المساجد ، إلا أن يكون المسجد الحرام ، وعن أبي عمر : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام . وعن ابن عباس : أن امرأة اشتكت شكوى ، فقالت : إن شفاني الله لاخرجن فلاصلين في بيت المقدس ، فبرئت ثم تجهزت تريد الخروج فجاءت ميمونة زوج النبي تسلم عليها فأخبرتها بذلك ، فقالت : إجلسى ، فكلى ما صنعت وصلى في مسجد رسول الله ، فإنى سمعت رسول الله يقول : صلاة فيه أفضل من ألف فيما سواه إلا مسجد الكعبة . ولو أن المسجد الاقصى كان قد ورد فيه تلك الاحاديث ، لما منعت ميمونة هذه المرأة من أن توفى بنذرها . =========================================================================== [ 170 ] اليد اليهودية في تفضيل الشام ذكرنا لك من قبل (1) أن إشادة كهان اليهود إلى أن ملك النبي سيكون بالشام إنما هو الامر خبئ في أنفسهم ، ونبين هنا أن الشام ما كان لينال من الاشادة بذكره ، والثناء عليه ، إلا لقيام دولة بنى أمية فيه ، تلك الدولة التى قلبت الحكم من خلافة عادلة إلى ملك عضوض ، والتى تحت كنفها وفي أيامها نشأت الفرق الاسلامية التى فتت في عضد الدولة الاسلامية ومزقتها تمزيقا واستفاض فيها وضع الحديث ، فكان جديرا بكهنة اليهود أن ينتهزوا هذه الفرصة وينفخوا في نار الفتنة ، ويمدوها بجيوش الاكاذيب والكيد وكان من هذه الاكاذيب أن بالغوا في مدح الشام وأهله ، وأن الخير كل الخير فيه ، والشر كل الشر في غيره . وعلى أنه قد مر بك ذرو مما قاله هؤلاء الكهنة في أن ملك النبي سيكون بالشام ، وأن معاوية قد زعم أن رسول قد قال له إنه سيلى الخلافة من بعده . وطلب منه أن يختار الارض المقدسة التى فيها الابدال ، فإنا نكشف هنا عن جانب آخر من كيد الدهاء اليهودي للمسلمين ودينهم وملكهم ، ذلك أنهم لم يكتفوا بما قالوه في الشام مما أتينا على بعضه من قبل ، بل زادوا على ذلك بأن جعلوا الطائفة الظاهرة على الحق تكون في الشام كذلك ، وحتى نزول عيسى الذى قالوا عنه سيكون بأرضه . . . فقد جاء في الصحيحين : لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ، روى البخاري هم بالشام (2) . وفي مسلم عن أبى هريرة أن النبي قال : لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة . قال أحمد وغيره : هم أهل الشام . ولما فتحت بلاد الاندلس جعلوها هذا الغرب المقصود ، في الحديث وأطلقوا =========================================================================== (1) ص 151 . (2) في رواية أبى أمامة الباهلى أنهم لما سألوا النبي قال : بيت المقدس وأكناف بيت المقدس . ص 333 ج‍ 1 نهاية الارب . (*) =========================================================================== [ 171 ] الحديث على بلادهم ، ففى المعجب في تلخيص أخبار المغرب عن سعد بن أبى وقاص أن رسول الله قال : لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة (1) . وفي كشف الخفاء أن كعب الاحبار قال : أهل الشام سيف من سيوف الله ينتقم الله بهم من العصاة . ولعل العصاة هنا هم الذين لا ينضوون تحت لواء معاوية ويتبعون غيره وغيره ، هو علي رضي الله عنه ! قال عروة بن رويم : إن رجلا لقى كعب الاحبار فسلم عليه ودعا له ، فسأله كعب : ممن هو ؟ فقال : من أهل الشام ، قال : لعلك من الجند الذين يدخل الجنة منهم سبعون ألفا بغير حساب ، ولا عذاب ، قال : ومن هم ، قال : أهل دمشق ! فقال : لست منهم ؟ قال فلعلك من الجند الذين ينظر الله إليهم في كل يوم مرتين . قال : ومن هم ؟ قال : أهل فسلطين . قال : أنا منهم ! وفي لفظ قال : لعلك من الجند الذين يشفع شهيدهم بسبعين ؟ قال : ومن هم ؟ قال : أهل حمص (2) . وقال كعب : أول حائط وضع على وجه الارض بعد الطوفان : حائط حران ودمشق ثم بابل (3) . وعن نافع عن ابن عمر عن كعب قال : تخرج نار تحشد الناس فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام (4) . وابن عمر هو أحد تلاميذ كعب . ومن أحاديث الجامع الصغير للسيوطي التى أشر عليها بالصحة : الشام صفوة الله من بلاده ، إليها يجتبي صفوته من عباده ، فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخطة ، ومن دخلها فبرحمة ! طوبى للشام إن الرحمن لباسط رحمته عليه . . =========================================================================== (1) ص 15 . (2) ص 57 ج‍ 1 من تاريخ ابن عساكر - المخطوط - وحمص هذه هي التى دفن فيها جثمانه الطاهر ! (3) ص 14 من نفس المصدر . (4) ص 69 ج‍ 13 من فتح البار . (*) =========================================================================== [ 172 ] ليبعثن الله من مدينة بالشام يقال لها " حمص " سبعين ألفا يوم القيامة ، لا حساب عليهم ولا عذاب ، يبعثهم فيما بين الزيتون والحائط . . إلخ . ومدينة حمص هذه يجب أن يكون لها هذا الشأن العظيم حتى في الآخرة بحيث لا يدانيها في ذلك مدينة أخرى حتى مدينة النبي . . وذلك لان الكاهن اليهودي - الذى يعده كثير من شيوخ المسلمين أنه من كبار التابعين - قد اتخذها مقاما له ، ثم ضمت رفاته بعد موته . ولا نطيل بإيراد كل ما لدينا من هذه الاخبار لان ما جئنا به فيه الكفاية . قول المحققين في الاسرائيليات ورواتها وقبل أن نفرغ من الكلام عن الاسرائيليات التى منى بها الدين الاسلامي نسوق إليك بعض ما قاله المحققون من أئمة المسلمين في هؤلاء الكهنة الذين أظهروا الاسلام ، وفي رواياتهم المدخولة . قال ابن تيمية عن الاسرائيليات التى قيلت في بيت المقدس وغيره من بقاع الشام ما يأتي : وقد صنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التى بالشام ، وذكروا ما فيها من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب وعمن أخذ عنهم ، ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم - وأمثل من ينقل عنه تلك الاسرائيليات كعب الاحبار . وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيرا من الاسرائيليات ، وقد قال معاوية : ما رأينا في هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من كعب ، وإن كنا لنبلو عليه الكذب أحيانا ، قد ثبت في الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال : إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه ، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه (1) . =========================================================================== (1) هذا هو الحديث الصحيح الذى يسطع منه نور النبوة ، ولكن أحد تلاميذ كعب هو عبد الله بن عمرو بن العاص يأتي فيروى عن النبي هذا الحديث : " بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج " ثم يخالف عن أمر النبي ويغضبه فيحدث عن الزاملتين وراجع صفحة 163 و 164 من هذا الكتاب . (*) =========================================================================== [ 173 ] ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة (1) المحروسة ، مع هذه الامة المعصومة التى لا تجتمع على ضلالة - إذا حدث بعض أعيان التابعين عن النبي (صلى الله عليه وسلم) كعطاء بن أبى رباح والحسن البصري وأبى العالية ونحوهم - وهم من خيار علماء المسلمين وأكابر أئمة الدين - توقف أهل العلم في مراسيلهم فمنهم من يرد المراسيل مطلقا ، ومنهم من يتقبلها بشروط ، إلى أن قال : وهؤلاء ليس بين أحدهم وبين النبي (صلى الله عليه وسلم) إلا رجل ، أو رجلان ، أو ثلاثة مثلا . وأما ما يوجد في كتب المسلمين في هذه الاوقات من الاحاديث التى يذكرها صاحب الكتاب مرسلة ، فلا يجوز الحكم بصحتها باتفاق العلماء - فكيف بما ينقله كعب الاحبار وأمثاله عن الانبياء - وبين كعب وبين النبي الذى ينقل عنه ألف سنة وأكثر وأقل ، وهو لم يسند ذلك عن ثقة بعد ثقة بل غايته أن ينقل عن بعض الكتب التى كتبها شيوخ اليهود (2) ، وقد أخبر الله عن تبديلهم وتحريفهم ، فكيف يحل للمسلم أن يصدق شيئا من ذلك بمجرد هذا النقل ، بل الواجب ألا يصدق ذلك ولا يكذبه أيضا ، إلا بدليل على كذبه . وهكذا أمرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) . وفي هذه الاسرائيليات مما هو كذب على الانبياء أو ما هو منسوخ في شريعتنا ما لا يعلمه إلا الله اه‍ (3) . وقال ابن كثير في تفسير سورة النمل ، بعد أن ذكر ما جاء في قصة ملكة سبأ مع سليمان من الاسرائيليات ما يلي : " والاقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله تعالى فيما نقلاه إلى هذه الامة من أخبار بنى إسرائيل من الاوابد والغرائب والعجائب مما كان ومما لم يكن ومما حرف وبدل ونسخ ، وقد أغنانا الله بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ ولله الحمد والمنة . وقد أشار الحكيم ابن خلدون في مواضيع كثيرة من مقدمته إلى كعب ووهب وما جاء عنهما فليرجع إليه من أراد زيادة في البيان . =========================================================================== (1) أي الشريعة الاسلامية . (2) هذا على فرض أنهم ينقلون عن شيوخهم ، ولكنهم كانوا يفترون من عند أنفسهم ! (3) ص 208 و 209 من كتاب اقتضاء الصراط المستقيم . (*) =========================================================================== [ 174 ] ولم نجد في هذا العصر ، بل في العصور الاخيرة من فطن لدهاء كعب ووهب وكيدهما ، مثل الفقيه المحدث السيد محمد رشيد رضا رحمه الله . وإنى أنقل هنا بعض ما قاله في كعب خاصة ، وفيه وفي زميله وهب عامة . قال في كعب ردا على من وصفوه بأنه كان من أوعية العلم ما يلى (1) : إن ثبوت العلم الكثير لا يقتضى نفى الكذب . وكان جل علمه عندهم ، ما يرويه عن التوراة ليقبل وغيرها من كتب قومه وينسبه إليها ليقبل ، ولا شك أنه كان من أذكى علماء اليهود قبل إسلامه وأقدرهم على غش المسلمين بروايته بعده . وقال عنه إنه كان من زنادقة اليهود الذين أظهروا الاسلام والعبادة لتقبل أقوالهم في الدين . وقد راجت دسيسته حتى إنخدع به بعض الصحابة ورووا عنه ، وصاروا يتناقلون قوله بدون إسناد إليه ، حتى ظن بعض التابعين ومن بعدهم أنها مما سمعوه عن النبي ، وأدخلها بعض المؤلفين في الموقوفات التى لها حكم المرفوع كما قال الحافظ ابن كثير في مواضع من تفسيره (2) . وقال عنه : إنه كان بركان الخرافات وأجزم بكذبه بل لا أثق بإيمانه (3) . وقال فيهما معا - أي كعب ووهب (4) . " إن شر رواة هذه الاسرائيليات ، أو أشد تلبيسا وخداعا للمسلمين هذان الرجلان . فلا تجد خرافة دخلت في كتب التفسير والتاريخ الاسلامي في أمور الخلق والتكوين والانبياء وأقوامهم ، والفتن والساعة والآخرة ، إلا وهي منهما مضرب المثل - في كل واد أثر من ثعلبة - ولا يهولن أحد انخداع بعض الصحابة والتابعين بما بثاه وغيرهما من هذه الاخبار - فإن تصديق الكاذب لا يسلم منه أحد من البشر ولا المعصومين من الرسل : فإن العصمة إنما تتعلق بتبليغ الرسالة والعمل بها ، فالرسل معصومون من الكذب ومن الخطأ في التبليغ ومن العمل بما ينافى ما جاءوا به التشريع ، لان هذا ينافى القدوة ويخل بإقامة الحجة . ولكن الرسول =========================================================================== (1) ص 541 وما بعدها 27 مجلة المنار . (2) ص 752 ج‍ 27 من نفس المصدر . (3) ص 697 ج‍ 27 . (4) ص 783 ج‍ 27 من نفس المصدر . (*) =========================================================================== [ 175 ] إذا صدق الكاذب في أمر يتعلق به وبعمله ، أو بمصلحة الامة ، فإن الله تعالى يبين له ذلك ومنه ما كان ، من بعض أزواجه ، الذى نزل فيه أول سورة التحريم ، وعلم من قوله تعالى فيها " قالت من أنبأك هذا ؟ ؟ قال نبأنى العليم الخبير " أي أنه لم يعلم المكيدة بملكة العصمة ، بل بوحى الله تعالى بعد وقوعها . ومنه قوله تعالى فيما كان كذب عليه بعض المنافقين الذين اعتذروا عن الخروج معه (صلى الله عليه وسلم) إلى تبوك ، " عفا الله عنك ، لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " . وما نقله الزرقاني من رأيه : أن ما روى عن الصحابي مما لا مجال للرأى فيه موقوفا عليه ، فإن له حكم المرفوع ، (وإن احتمل أخذ الصحابي له عن أهل الكتاب تحسينا للظن به) فهو رأى باطل مردود عليه ، لا نتخذه قاعدة وأصلا في ديننا وما علله به ظاهر البطلان ، إذ لا محل هنا لتحسين الظن ، ولا لمقابله ، فمن المعتاد المعهود من طباع البشر أن يصدقوا كل خبر لا يظهر لهم دليل على تهمة قائله فيه ولا على بطلانه في نفسه ، فإذا صدق بعض الصحابة كعب الاحبار في بعض مفترياته التى كان يوهمهم أنه أخذها من التوراة أو غيرها من كتب أنبياء بنى إسرائيل وهو من أحبارهم ، أو في غير ذلك ، فلا يستلزم هذا إساءة الظن فيهم ، وإذا كانت هذه الخرافات الاسرائيلية مما يصد عن الاسلام ويجرى الالسنة والاقلام بالطعن فيه ، مع العلم بأنها مروية عمن لا تعد أقوالهم ولا آراؤهم نصوصا دينية ، ولا أدلة شرعية ، وإن كانوا من أفراد علماء السلف - كما هو واقع بالفعل - فكيف يكون موقفنا مع هؤلاء الطاعنين فيه من الملاحدة ودعاة الاديان المعادين للاسلام ، والمسلمين من زنادقة المسلمين أيضا إذا قلنا إن كل تلك الترهات والخرافات الاسرائيلية إذا كان بعض رواتها من الصحابة فإنها تنتظم في سلك الاحاديث المرفوعة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ويجب الايمان بها ؟ ألا إن هذا باب واسع في الطعن في الاسلام والصد عنه ، لو فتحه علينا من هو أكبر من الزرقاني من مقلدة القرون الوسطى المظلمة لاغلقناه في وجهه وقلنا له ، إن علماء الاصول قد اتفقوا على أن طروء الاحتمال في المرفوع من وقائع الاحوال ، يكسوها =========================================================================== [ 176 ] ثوب الاجمال فيسقط بها الاستدلال . وهذا الاحتمال أولى من ذاك أن يمنع عد الموقوف مرفوعا ، وجعله دليلا شرعيا . وقال رحمه الله (1) : وإنا بعد اختبارنا ثلث قرن قضيناه في معالجة الشبهات ومناظرة الملاحدة وأمثالهم من خصوم الاسلام والرد عليهم قولا وكتابة ، قد ثبت عندنا أن روايات كعب ووهب في كتب التفسير والقصص والتاريخ ، كانت شبهات كثيرة للمؤمنين ، لا للملاحدة والمارقين وحدهم . وإن المستقلين في الرأى لا يقبلون ما قالوه : إن كل من قال جمهور رجال الجرح والتعديل بعدالته فهو عدل ، وإن ظهر لمن بعدهم فيه من أسباب الجرح ما لم يظهر لهم . وقال رحمه الله : رأينا الشئ الكثير في رواياتهما (2) مما نقطع بكذبه ، لمخالفة ما روياه مما كانا يعز وانه للتوراة وغيرها من كتب الانبياء - فجزمنا بكذبهما وهو مما لم يكن يعلمه المتقدمون . لانهم لم يطلعوا على كتب أهل الكتاب ، والطعن في روايتهما يدفع شبهات كثيرة عن كتب الاسلام ولا سيما تفسير كتاب الله المحشو بالخرافات . وقال كذلك عن روايتهما : إن أكثرها خرافات إسرائيلية شوهت كتب التفسير وغيرها من الكتب ، وكانت شبها على الاسلام يحتج بها أعداؤه الملاحدة أنه كغيره دين خرافات وأوهام ، وما كان فيها غير خرافة فقد تكون الشبهة فيه أكبر كالذى ذكره كعب من صفة النبي في التوراة (3) . وعلى أن الائمة المحققين قد طعنوا في رواية هذين الكاهنين ، لا يزال يوجد بيننا - واأسفاه - من يثق بهما ، ويصدق ما يرويانه ، ولا يقبل أي كلام فيهما . =========================================================================== (1) ص 539 ج‍ 27 من مجلة المنار . (2) أي كعب ووهب . (3) ص 618 ج‍ 27 . (*) =========================================================================== [ 177 ] الكيد السياسي ولكى نستوفي القول في بيان مدى الكيد اليهودي للاسلام والمسلمين - وإن كان ذلك يعد استطرادا ينحرف بنا عما نحن بسبيله - نكشف لك عن جانب آخر من عمل دهاة اليهود ، ذلك هو الجانب السياسي ، فلقد كان كيدهم في محاربة الاسلام يتجه إلى ضربه من ناحيتين : ناحية دينية ، وأخرى سياسية ، أما طعنهم في الناحية الدينية فقد حدثناك به من قبل ، وهاك ذروا صغيرا من كيدهم السياسي . عبد الله بن سبأ قال رفيق العظم في أشهر مشاهير الاسلام (1) : " إن بذار الفتنة بذرت في أنحاء المملكة (الاسلامية) وعواصمها الكبيرة كمصر والبصرة والكوفة بدعوة سرية قام ببثها عبد الله بن سبأ المعروف " بابن السوداء " وكان يهوديا من حمير أسلم على عهد عثمان بإيعاز جمعية سرية تريد بهذا أحد أمرين : إما تفريق المسلمين في الدين ، أو تفريقهم في السياسة . وهذا الرجل لما أسلم نزل في البصرة على حكيم بن جبلة العبدى ، وإجتمع إليه نفر فأخذ يغريهم بالدعوة التى قام بها ، فقبلوا منه ، وبلغ ابن عامر أمره فطرده من البصرة ، فأتى الكوفة فأخرج منها أيضا ، فأتى مصر واستقر فيها ، والتف عليه ناس من أهل مصر ، منهم كنانة بن بشر ، وسودان بن حمران ، وخالد بن ملجم وأشباههم فقال لهم : العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع ، ويكذب أن محمدا يرجع ، فوضع لهم الرجعة فقبلت منه اه‍ . ومن قول ابن سبأ هذا : إن لكل نبى وصيا ، وعلي وصى محمد ، والرجعة بعد محمد لعلى - وهذا هو متعقد الشيعة ، وإن عثمان قد أخذ حق علي . وقال عنه الدكتور أحمد أمين في فجر الاسلام (2) إنه " هو الذي حرك أبا ذر =========================================================================== (1) ص 763 . (2) ص 330 و 331 . أضواء على السنة المحمدية (*) =========================================================================== [ 178 ] الغفاري للدعوة الاشتراكية (1) ، وكان من أكبر من ألب الامصار على عثمان وأله عليا ، والذى يؤخذ من تاريخه أنه وضع تعاليم لهدم الاسلام ، وألف جمعية سرية لبث تعاليمه ، واتخذ الاسلام ستارا يستر به نياته - وأشهر تعاليمه الوصاية والرجعة ، وقد بدأ قوله بأن محمدا يرجع ، فكان مما قاله : " العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع ، ويكذب أن محمدا يرجع " . ثم تحول إلى القول بأن عليا يرجع ، وقال ابن حزم ، لما قتل على قال : " لو أتيتمونا بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته ، ولا يموت حتى يملا الارض عدلا كما ملئت جورا . وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية ، فعندهم أن النبي " إلياس " صعد إلى السماء وسيعود فيعيد الدين والقانون ، ووجدت الفكرة في النصرانية أيضا في عصورها الاولى . وصفوة القول في هؤلاء اليهود - كما قال بعض الباحثين - أن سلاحهم كان الافتراء والكذب ، والمكر والدس ، وتحريف الكلم ، وإثارة الشكوك والشبهات بين المسلمين وإيقاع الضغينة بينهم . وقد تبين لك أن قتل عمر كان من تدبير جمعية سرية اشترك فيها كعب الاحبار اليهودي . وقتل عثمان كان بعضه بتأثير دسائس عبد الله بن سبأ اليهودي ، وإلى جمعية السبئيين وجمعيات الفرس ، ترجع جميع الفتن السياسية ، وأكاذيب الرواية في الصدر الاول . كتبنا ذلك في الطبعة الاولى من كتابنا اعتمادا على ما كتبه كبار المؤرخين ومن جاء بعدهم عن ابن سبأ ، وقد ظهر كتاب نفيس اسمه " عبد الله بن سبأ " من تأليف العالم العراقى الكبير الاستاذ مرتضى العسكري أثبت فيه بأدلة قوية مقنعة أن هذا الاسم لا حقيقة له ، لان المصدر الاول الذى اعتمد عليه كل المؤرخين من الطبري إلى الآن في إثبات وجوده هو سيف بن عمر التميمي المتوفى سنة 170 ه‍ ، وقد طعن أئمة السنة جميعا في روايته ، وقال فيه الحاكم : اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط . وإنا - إنصافا للعلم والحق نقول : إن الدكتور طه حسين قد شك قبل ذلك في =========================================================================== (1) لما لقى ابن السوداء أبا ذر في الشام قال يا أبا ذر : ألا تعجب إلى معاوية يقول : المال مال الله ؟ ألا إن كل شئ لله ، كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين - 734 - أشهر مشاهير الاسلام . (*) =========================================================================== [ 179 ] وجود عبد الله بن سبأ هذا ، وإليك بعض ما أثبته في كباته العظيم " الفتنة الكبرى " الجزء الثاني " على وبنوه " وهو يتحدث عن وقعة صفين (1) : أقل ما يدل عليه إعراض المؤرخين عن السبئية وعن ابن السوداء في حرب صفين أن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء إنما كان متكلفا منحولا وقد اخترع بأخرة حين كان الجدال بين الشيعة وغيرهم من الفرق الاسلامية . أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصرا يهوديا إمعانا في الكيد لهم ، والنيل منهم ، ولو قد كان أمر ابن السوداء مستندا إلى أساس من الحق والتاريخ الصحيح لكان من الطبيعي أن يظهر أثره وكيده في هذه الحرب المعقدة المعضلة التي كانت بصفين ، ولكان من الطبيعي أن يظهر أثره حين اختلف أصحاب على في أمر الحكومة ، ولكان من الطبيعي بنوع خاص أن يظهر أثره في تكوين هذا الحزب الجديد ، الذى كان يكره الصلح وينفر منه ويكفر من مال إليه ، أو شارك فيه . ولكنا لا نرى لا بن السوداء ذكرا في أمر الخوارج ، فكيف يمكن تعليل هذا الاهمال ؟ أو كيف يمكن أن نعلل غياب ابن سبأ عن وقعة صفين وعن نشأة حزب المحكمة ؟ أما أنا فلا أعلل الامرين إلا بعلة واحدة . وهى أن ابن السوداء لم يكن إلا وهما وإن وجد بالفعل فلم يكن ذا خطر كالذى صوره المؤرخون وصوروا نشاطه أيام عثمان وفي العام الاول من خلافة على ! وإنما هو شخص ادخره خصوم الشيعة للشيعة وحدهم ولم يدخروه للخوارج . . . إلخ . وإليك مثلا من هذا الكيد في أمر خطير تحول به التاريخ الاسلامي عن مجراه : كعب ومعاوية قرأت فيما سبق وبيناه (2) أن عمر بن الخطاب كان قد نهى كعب الاحبار عن الحديث وتوعده بالنفى إذا هو روى من إسرائيلياته أو ما يزعم أنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك بعد أن فطن لكيده ، وتبين له سوء دخلته ، ولم يجد كعب تلقاء هذا التهديد الشديد مناصا من أن يذعن في غيظ وموجدة ، ثم أخذ يسعى في =========================================================================== (1) ص 98 و 99 . (2) ص 153 في هذا الكتاب . (*) =========================================================================== [ 180 ] الخفاء لكن يحقق أغراضه التى أسلم من أجلها ، ورأى أن ذلك لا يتسنى إلا بعد التخلص من هذه الصخرة العاتية التى اعترضت طريقه ، وحالت بينه وبين ما يريد ، وما لبث أن أتيحت له فرصة المؤامرة التي دبرتها جمعية سرية لقتل عمر فاشترك فيها ونفخ في نارها ! ولما خلا له الجو بقتله ، وأمن من خوفه ، أطلق العنان لنفسه لكى يبث ما شاء الكيد اليهودي أن يبث من الخرافات والاسرائيليات التى تشوه بهاء الدين يعاونه في ذلك تلاميذه الكبار أمثال : عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر ، وأبو هريرة . . ولم يكفه ذلك ، ولا أقنعه أن يصبح ولا معارض له فيما يريد ، وأن يجد من غفلة المسلمين ، وعون الحاكمين إصغاء لكل ما يفترى وتقديرا ، بل ظل على مكره يهتبل كل فرصة لكى يضرب الاسلام من ضرباته الخبيثة . ولنضرب لذلك هنا مثلا واحدا نجتزئ به ، ذلك أنه لما اشتعلت نيران الفتنة في زمن عثمان واشتد زفيرها ، حتى التهمت عثمان فقتلته وهو في بيته ، لم يدع هذا الكاهن الماكر هذه الفرصة تمر دون أن يهتبلها بل أسرع ينفخ في نارها ويسهم بكيده اليهودي فيها ما استطاع على ذلك سبيلا ، وقد كان من كيده في هذه الفتنة أن أرهص بيهوديته بأن الخلافة بعد عثمان ستكون لمعاوية ! فقد روى وكيع عن الاعمش عن أبى صالح (1) أن الحادى كان يحدو بعثمان (رضى الله عنه) يقول : إن الامير بعده على وفي الزبير خلق رضى فقال كعب الاحبار : بل هو صاحب البغلة الشهباء ! (يعنى معاوية) ، وكان يراه يركب بغلة . فبلغ ذلك معاوية فأتاه فقال : يا أبا إسحاق ما تقول هذا ! وها هنا على والزبير وأصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) ! قال : أنت صاحبها . ولعله أردف ذلك بقوله : إنى وجدت ذلك في الكتاب الاول ! ! وقدر معاوية هذه اليد الجليلة لكعب ، وأخذ يغمره بأفضاله ، وقد عرف من تاريخ =========================================================================== (2) ص 51 من رسالة النزاع والتخاصم فيما بين بنى أمية وبنى هاشم للمقريزى . (*) =========================================================================== [ 181 ] هذا الكاهن أنه تحول إلى الشام في عهد عثمان وعاش تحت كنف معاوية فاستصفاه لنفسه وجعله من خلصائه لكى يروى من أكاذيبه وإسرائيلياته ما شاء أن يروى في قصصه لتأييده ، وتثبيت قوائم دولته . وقد ذكر ابن حجر العسقلاني في الاصابة بأن معاوية هو الذى أمر كعبا بأن يقص في الشام (1) ، وحسبك ما وقفت عليه من قبل ، وما وصل إلينا مما رواه في تفضيل الشام وأهله (2) . ومن العجيب أن هذه الاسرائيليات لا تزال تجد إلى اليوم من يصدقها بل يقدسها ، وإذا بصرناهم بتخفيفها هب في وجهنا أدعياء العلم في عصرنا وبخاصة من كانوا من حفدة الامويين ورمونا بالسب والشتم تعصبا لهم وحماقة . هذا مثل واحد نسوقه هنا في مواقف كعب مع معاوية خاصة ، وما أصاب الاسلام من كيده ومكره عامة ، ولان عليا هو ابن عم النبي صلى الله عليه وآله الذى أرصد له هؤلاء الكهان كل قواهم لمحاربة شريعته ، ولو شئنا أن نستوفي كل ما أتاه هذا الكاهن من كيد للاسلام وأهله لاقتضى منا ذلك أن نعقد مؤلفا خاصا كما فعلنا لتلميذه الاكبر أبى هريرة (3) . ولا ننسى أن عليا رضى الله عنه كان يقول عن كعب إنه لكذاب (4) . المسيحيات في الحديث حديث الجساسة - حديث طعن الشيطان لكل بنى آدم إلا عيسى وأمه - ابن جريح إذا كانت الاسرائيليات قد شوهت بهاء الدين الاسلامي بمفترياتها ، فإن المسيحيات كان لها كذلك نصيب مما أصاب هذا الدين ، وأول من تولى كبر هذه =========================================================================== (1) ص 323 ج‍ 5 . (2) ص 158 وما بعدها في هذا الكتاب . (3) راجع كتاب " شيخ المضيرة " . (4) صفحة 156 في هذا الكتاب . (*) =========================================================================== [ 182 ] المسيحيات هو تميم بن أوس الدارى وهو من نصارى اليمن ، وكان مقامه مع قبيلته في الشام في ناحية فلسطين ، وفد على النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد غزوة تبوك سنة 9 ه‍ وأسلم قال أبو نعيم : كان راهب أهل عصره ، وعابد أهل فلسطين ، وهو أول من أسرج السراج وأول من قص ، وقد صحب النبي (صلى الله عليه وسلم) وغزا معه ، ولم يزل بالمدينة حتى تحول إلى الشام بعد قتل عثمان (1) ، ومات في خلافة على سنة 40 . وكان يحدث بروايات وقصص عن الجساسة والدجال ، وإبليس ، وملك الموت ، والجنة والنار فملا الارض بهذه الروايات ، كما فعل زميلاه من قبل كعب الاحبار ووهب بن منبه ، ولا يعجب القارئ من أن يدخل في الاسلام مسيحيات بعد أن دخل فيه إسرائيليات ، فإنه قد شيب بأشياء من كل دين ومن كل نحلة . ولكن المجال لا يتسع لبيان كل ما دخل عليه من الملل والنحل الاخرى ، لان ذلك يحتاج إلى مؤلف برأسه . حديث الجساسة : مما بثه تميم الدارى من مسيحياته ، ما ذكره للنبى (صلى الله عليه وسلم) من قصة الجساسة والدجال ونزول عيسى وغير ذلك . أما حديث الجساسة فقد رواه مسلم (2) في كتابه من طرق يخالف بعضها بعضا . وها هو ذا من طريق فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس وكانت من المهاجرات الاول . قال رسول الله بعد أن جمع الناس : إنى والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ، ولكن =========================================================================== (1) مما يلفت النظر ويسترعى الفكر أننا نجد هؤلاء الكهان جميعا من اليهود والنصارى وذوى الهوى من المسلمين يتحولون كلهم إلى الشام بعد مقتل عثمان . ويبدو أن هذا التحول لم يكن لله ، وإنما كان ذلك ليتعاونوا على نشر الفتنة وليشعلوا نار البغضاء بين المسلمين ، لكى تنضج دولة الامويين ، ويتمزق شمل المسلمين . ويملئوا أيديهم بعد ذلك من غنائم الامويين . (2) ص 520 ج‍ 2 . (*) =========================================================================== [ 183 ] جمعتكم لان تميما الدارى (1) كان رجلا نصرانيا ، فجاء فبايع وأسلم ، وحدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام ، فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثم أرفأوا إلى جزيرة في البحر (2) حتى مغرب الشمس ، وأنهم دخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره ، فقالوا : ويلك ما أنت ؟ فقالت : أنا الحساسة ، ثم أشارت عليهم أن يتطلعوا إلى رجل في الدير وأشارت إليه . فدخلوا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه خلقا ، وأشده وثاقا مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد ، ولما عرف أمرهم وأنهم من العرب سألهم جملة أسئلة ، وهم يجيبون عنها إلى أن قال لهم : أخبروني عن نبى الاميين ما فعل ؟ قالوا : قد خرج من مكة ونزل يثرب ، قال : أقاتله العرب ؟ قلنا : نعم . قال : كيف صنع بهم ! فأخبروه بأنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه ، قال : وإنى مخبركم عنى : إنى أنا المسيح وإنى أوشك (3) أن يؤذن لى في الخروج فأخرج فأسير في الارض أربعين يوما فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فإنهما محرمتان على كلتاهما . كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني ملك بيده السيف مصلتا يصدني عنها ، وبعد ما ذكر ذلك ، طعن الرسول بمخصرته في المنبر وقال : هذه طيبة ، هذه طيبة ، هذه طيبة ، يعنى المدينة . ولم يشأ أبو هريرة أن يدع هذا الخبر بغير أن يمسه بنفحة من غرائبه ، فروى أن بين قرنى الجساسة فرسخ للراكب ! وقد رأينا تعليقا على هذا الحديث للعلامة السيد رشيد رضا رحمه الله نثبته هنا في محله . " حديث الجساسة الذى حدث به تميم الدارى رسول الله وأخرجه مسلم في صحيحه مرفوعا من طرق يخالف بعضها بعضا في متنه - فهذا الخلاف في المتن علته =========================================================================== (1) جاء هو وأخوه نعيم المدينة سنة 9 ه‍ وأسلما كما قلنا . (2) لعل علماء الجغرافيا يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانها من البحر ! ثم يخبروننا حتى نرى ما فيها من الغرائب التى حدثنا بها - سيدنا - تميم الدارى رضى الله عنه . (3) هذا الوشك كان حوالى سنة 9 ، ونحن الآن في 1386 ولم نر لهذا المسيح وجها ولا لمسنا له أثرا ! (*) =========================================================================== [ 184 ] من بعض رواة الصحيح ، ولا يظهر حمله على تعدد القصة (1) ثم إن رواية الرسول له من تميم الدارى - إن سلم سندها من العلل - هل تجعل الحديث ملحقا بما حدث به النبي (صلى الله عليه وسلم) من تلقاء نفسه ، فيجزم بصدق أصله قياسا على إجازته (صلى الله عليه وسلم) أو تقريره للعمل ، إذ يدل حله وجوازه ؟ الظاهر لنا أن هذا القياس لا محل له هنا - والنبى ما كان يعلم الغيب فهو كسائر البشر يحمل كلام الناس على الصدق ، إذا لم تحف به شبهة ، وكثيرا ما صدق المنافقين والكفار في أحاديثهم وحديث العرينيين (2) وأصحاب بئر معونة مما يدل على ذلك ، وإنما كان يعرف كذب بعض الكاذبين بالوحى ، أو ببعض طرق الاختبار ، أو إخبار الثقات ونحو ذلك ، من طرق العلم البشرى ، وإنما يمتاز الانبياء على غيرهم بالوحى والعصمة من الكذب - وما كان الوحى ينزل إلا في أمر الدين وما يتعلق بدعوته وحفظه وحفظ من جاء به ، وتصديق الكاذب ليس كذبا ، وحسبك أن تتأمل في هذا الباب عتاب الله لرسوله ، إذ أذن لبعض المعتذرين من المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك وما علله به وهو قوله " عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " . وإذا جاز على الانبياء والمرسلين أن يصدقوا الكاذب فيما لا يخل بأمر الدين ولا يترتب عليه حكم شرعى ، ولا شئ ينافي منصب الرسالة ، أفلا يجوز على من دونهم أن يصدقوا الكاذب في أي خبر لا تقوم القرينة على كذبه فيه ؟ ومن صدق شيئا يجوز أن يحدث به من غير عزو إلى من سمعه منه (3) . =========================================================================== (1) يشير رحمه الله إلى صنيع رجال الحديث عند ما يرون اختلافا في متن حديث فإنهم لا يلبثون أن يقدروا تعدد القصة التى قيل فيها الحديث ، ويحسبون أنهم بذلك قد حلوا عقدة التناقض . (2) حديث العرينيين : أن ناسا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي وأسلموا ثم قالوا : يا نبى الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف ، فآونا وأطعمنا ، وكانوا قد استوخموا المدينة ، فأمر لهم النبي بذود وراع ، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها ، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحيرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعى النبي ، واستاقوا الذود فبلغ النبي فبعث الطلب في أثارهم وأمر بهم فقطعوا أيديهم وأرجلهم وتركوا في ناحية الحيرة حتى ماتوا على حالتهم - وأما أصحاب بئر معونة : فإن ناسا من رعل وذكوان وعصية وبنى لحيان أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وزعموا له أنهم قد أسلموا واستمدوه على قومهم فأمدهم بسبعين من الانصار فانطلقوا بهم حتى بلغوا بئر معونة ، فغدروا بهم وقتلوهم ، فقنت النبي شهرا ، يدعو على رعل وذكوان وبنى لحيان . (3) ص 99 و 100 ج 19 مجلة المنار . (*) =========================================================================== [ 185 ] وقال رحمه الله في أمر نزول عيسى من السماء وخروج الدجال والمهدى (1) : إن الاحاديث الواردة في نزول عيسى كثيرة في الصحيحين والسنن وغيرها ، وأكثرها واردة في أشراط الساعة وممزوجة بأحاديث الدجال ، وفي تلك الاشراط - ولا سيما أحاديث الدجال والمهدى - اضطراب واختلاف وتعارض كثير ، والظاهر من مجموعها ، أنه يظهر في اليهود دجال بل أكبر دجال عرف في تاريخ الامم فيدعى أنه هو المسيح الذى تنتظره اليهود فيفتتن به خلق كثير ، وفي آخر مدته يظهر المسيح الذى هو عيسى بن مريم ، ويكون نزوله في المنارة البيضاء شرقي دمشق - ويلتقى بالمسيح الدجال بباب لد بفلسطين ، وهناك يقتل المسيح الصادق عيسى بن مريم الدجال (2) بعد حرب طويلة تكون بين المسلمين واليهود . . فنزول عيسى عقيدة أكثر النصارى وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهر الاسلام إلى الآن بثها في المسلمين ، وممن حاولوا ذلك بإدخالها في التفسير وهب بن منبه الركن الثاني بعد كعب الاحبار لتشويه تفسير القرآن بما بثه من الخرافات . حديث طعن الشيطان لكل بنى آدم إلا عيسى وأمه : ومن المسيحيات في الحديث ما رواه البخاري عن أبى هريرة أن النبي قال : كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد ، غير عيسى بن مريم ، ذهب يطعن فطعن في الحجاب . وفي رواية : سمعت رسول الله يقول : ما من بنى آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها " . وفي رواية ثالثة : كل بنى آدم قد طعن الشيطان فيه حين ولد غير عيسى بن مريم وأمه ، جعل الله دون الطعنة حجابا فأصاب الحجاب ولم يصبها ! وفي رواية عند مسلم " إلا نخسة الشيطان " و " إلا يستهل من نخسة الشيطان " . وفقه هذا الحديث الذى سمعه الصحابي الجليل من الرسول ، أن الشيطان يطعن =========================================================================== (1) ص 756 ج 28 مجلة المنار . (2) في الباب الثاني في الرسالة الثانية لبولس إلى أهل تسالو نيقى والباب التاسع عشر من المشاهدات أن عيسى سيقتل الدجال ص 191 ج 2 إظهار الحق . (*) =========================================================================== [ 186 ] كل ابن آدم ، أو ينخسه إلا عيسى بن مريم وأمه ، وبذلك لم يسلم من طعن الشيطان أحد غيرهما من بنى آدم أجمعين ، حتى الرسل : نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم ، وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وعلى جميع النبيين ، فانظر واعجب ! (1) . =========================================================================== (1) اتكأ المسيحيون على هذا الحديث في إثبات عقيدتين من عقائدهم ، أولاهما : أن البشر جميعا قد سقطوا في الخطيئة واقتراف الآثام إلا عيسى بن مريم الذى ارتفع عن طبقة البشر ، والاخرى نزول عيسى بن مريم من السماء إلى الارض ليحكم بين الناس ويجازيهم . قال القس إبراهيم لوقا في كتابه " المسيحية في الاسلام " - بعد أن ذكر ارتفاع مقام عيسى عن طبقة البشر ، وأنه وحده قد استحق العصمة والصون من الآثام : " جاء في سورة مريم : (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) فهذه الآية قد حكمت على جميع البشر بورود جهنم والعياذ بالله ، ومعلوم أن العقاب لا يكون إلا لذنب وإلا كان ظلما - وما ربك بظلام للعبيد ، فهذه الآية تدل على أن البشر جميعا معرضون للوقوع في أسر الشهوات والخطايا . ثم قال : لتقرأ هذه الآية مرة أخرى ، ثم لتقرأ بعدها آية سورة آل عمران : " وإنى أعيذها بك وذريتها (أي المسيح) من الشيطان " . تر أن الله قد حفظ العذراء والمسيح من غواية الرجيم ، ثم لنقرأ بعد هذا الحديث الذى تضمن هاتين الحقيقتين معا - سقوط البشر أجمعهم ، وعصمة المسيح دون سواه وهو كما أورده البخاري : " كل ابن آدم يطعنه الشيطان في جنبه بأصبعيه حين يولد ، غير عيسى بن مريم ، ذهب يطعنه فطعن في الحجاب " . فإقرار الاسلام بأن البشر جميعا قد زاغوا وفسدوا ، وأنهم مجردون عن العصمة ، معرضون لاقتراف الخطايا والآثام ، بجانب إقراره للمسيح وحده بالعصمة ، وأنه مصون عن مس الشيطان ، يرفع المسيح عن طبقة البشر وبالتالي يقر بلا هوته الممجد (ص 127 من الطبعة الثالثة من هذا الكتاب) ولهذا الحديث روايات أخرى - راجع الجزء السادس من فتح الباري . وذكر في صحفة 135 : إن الذى روى هذا الحديث هو أبو هريرة . وفي ص 149 من الكتاب قال تحت هذا العنوان " دينونة المسيح " روى البخاري : " لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا " فهذا الحديث ناطق بأن المسيح سيأتي ديانا عادلا ، وهذا ما يعلنه الوحى الالهى في الانجيل المقدس (يو 5 : 22) قال المسيح " لان الآب لا يدين أحدا بل قد أعطى كل الدينونة للابن " ، وفي ختام سفر الرؤيا (رؤيا 22 : 12) " وها أنا آتى سريعا وأجرتي معى لاجازي كل واحد كما يكون عمله " . ومن العجيب أن يصرح أبو هريرة في حديثى البخاري بطعن الشيطان ونزول عيسى أنه سمعهما من النبي ، كما صرح بسماع حديث خلق الله التربة يوم السبت - وأثبت المحققون أنه قد رواه عن كعب الاحبار - وهكذا يبث راويتنا المكثار من الاحاديث بين الناس ما يكون مشكلات في ديننا وحججا لتأييد عقائد غيرنا ! وحديث طعن الشيطان الذى رواه البخاري قال ابن حجر في شرحه : " وقد طعن صاحب الكشاف في معنى هذا الحديث وتوقف في صحته ، وكذلك طعن فيه الرازي وقال " إن الحديث خبر واحد ورد على خلاف الدليل " . (*) =========================================================================== [ 187 ] ولم يقفوا عند ذلك بل كان من رواياتهم أن النبي صلوات الله عليه ولم ينج من نخسة الشيطان إلا بعد أن نفذت الطعنة إلى قلبه - وكان ذلك بعملية جراحية تولتها الملائكة بآلات جراحية مصنوعة من الذهب ! ونصب هذه الروايات أن صدره صلوات الله عليه قد شق وأخرجت منه العلقة السوداء ! وحظ الشيطان - كما يقولون - وكأن العملية الاولى لم تنجح فأعيد شق صدره ، ووقع ذلك مرات عديدة بلغت خمسا ، وأربع منها باتفاق كما يقولون ، في الثالثة من عمره ، وفي العاشرة ، وعند مبعثه ، وعند الاسراء . ومرة خامسة فيها خلاف (1) وقد قالوا ، إن تكرار الشق إنما هو زيادة في تشريف النبي ! وإن هذه العملية الجراحية لتشبه من بعض الوجوه عملية صلب السيد المسيح عليه السلام ، وهو لم يرتكب ذنبا يستوجب هذا الصلب ، وإنما ذكروا ذلك لكى يغفر الله خطيئة آدم التى احتملها هو وذريته من بعده إلى يوم القيامة ، وأصبحت في أعناقهم جميعا ، وتنص العقيدة المسيحية أنه لا يظفر بهذا الغفران إلا من يؤمن بعقيدة الصلب . ولئن قال المسلمون لاخوانهم المسيحيين : ولم يغفر الله لآدم خطيئته بغير هذه الوسيلة القاسية التى أزهقت فيها روح طاهرة بريئة ، هي روح عيسى عليه السلام بغير ذنب ؟ قيل لهم : ولم لم يخلق الله قلب رسوله الذى اصطفاه كما خلق قلوب إخوانه من الانبياء المرسلين - والله أعلم حيث يجعل رسالته - نقيا من العلقة السوداء وحظ الشيطان بغير هذه العملية الجراحية التى تمزق فيها صدره وقلبه مرار عديدة ! =========================================================================== (1) نظم بعضهم أمر شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أيا طالبا نظم الفرائد في عقد * مواطن فيها شق صدر لذى رشد لقد شق صدر للنبى محمد * مرار لتشريف وذا غاية المجد فأولى له التشريف فيها مؤثل * بتطهيره من مضغة في بنى سعد وثانية كانت له وهو يافع * وثالثة للمبعث الطيب الند ورابعة عند العروج لربه * وذا باتفاق فاستمع يا أخا الرشد وخامسة فيها خلاف تركتها * لفقدان تصحيح لها عند ذى النقد ص 154 - 156 ج 1 سيرة ابن هشام ، وسبحان واهب العقول للانام ! (*) =========================================================================== [ 188 ] ولا أدرى والله أين يذهبون مما جاء في سورة الحجر من الكتاب العزيز في قوله تعالى : " قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين . قال هذا صراط على مستقيم . إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين " (1) . وكيف يدفعون الكتاب بالسنة ، أو يعارضون المتواتر الذى يفيد اليقين ، بأحاديث الآحاد التى لا تفيد إلا الظن ؟ ! هذا إذا كانت هذه الاحاديث صحيحة . على أن حديث نخس الشيطان هذا قد طعن فيه الزمخشري في الكشاف وقال فيه فخر الدين الرازي في تفسيره (2) " طعن القاضى في هذا الخبر وقال إنه خبر واحد ، ورد على خلاف الدليل فوجب رده ، وإنما قلنا على خلاف الدليل لوجوه ، أحدها : أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير والشر - والصبى ليس كذلك ! الثاني : أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك ، من إهلاك الصالحين وإفساد أحوالهم . الثالث : لم خص بهذا الاستثناء مريم وعيسى عليهما السلام دون سائر الانبياء عليهم السلام ؟ الرابع : أن ذلك النخس لو وجد بقى أثره ، ولو بقى أثره لدام الصراخ والبكاء - فلما لم يكن ذلك علمنا بطلانه . وقال أستاذنا الامام محمد عبده رضى الله عنه (3) : " والمحقق عندنا أنه ليس للشيطان سلطان على عباد الله المخلصين ، وخيرهم الانبياء والمرسلون - وأما ما ورد في حديث مريم وعيسى من أن الشيطان لم يمسهما ، وحديث إسلام شيطان النبي (صلى الله عليه وسلم) وحديث إزالة حظ الشيطان من قلبه (صلى الله عليه وسلم) ، فهو من الاخبار الظنية لانه من رواية الآحاد - =========================================================================== (1) سورة الحجر : 39 - 41 . (2) ص 459 ج 2 . (3) ص 291 ، 392 ج 3 تفسير القرآن الحكيم . (*) =========================================================================== [ 189 ] ولما كان موضعها عالم الغيب ، والايمان بالغيب من قسم العقائد ، وهى لا يؤخذ فيها بالظن لقوله تعالى : " إن الظن لا يغنى من الحق شيئا " - كنا غير مكلفين الايمان بمضمون تلك الاحاديث في عقائدنا . ابن جريج وممن كان يبث في الدين الاسلامي مما يخفيه قلبه - ابن جريج الرومي ، الذى مات سنة 150 ه‍ وكان البخاري لا يوثقه وهو على حق في ذلك . قال الذهبي في تذكرة الحفاظ إنه من أصل رومى فهو نصراني الاصل . ويقول عنه بعض العلماء إنه كان يضع الحديث ، وإنه تزوج بتسعين امرأة زواج متعة . ومن المسيحيات التى تدسست إلى الاسلام ما ذكروه من إقعاد النبي (صلى الله عليه وسلم) على العرش ! ذلك أنهم لما رأوا أن من عقائد المسيحيين أن عيسى عليه السلام يقعد بجوار الله على العرش (1) عز عليهم ألا يعقد محمد (صلى الله عليه وسلم) هو الآخر على العرش ، فرووا هذا الخبر الذى ننقله لك بنصه عن كتاب بدائع الفوائد لابن القيم ص 39 و 40 ج 4 . " قال القاضى : صنف المروزى كتابا في فضيلة النبي (صلى الله عليه وسلم) وذكر فيه " إقعاده على العرش " قال القاضى : وهو قول أبى داود وأبى جعفر الدمشقي وإسحاق بن راهويه وإبراهيم الحربى وعبد الله بن الامام أحمد ، والمروزي ، وبشر الحافى ، ثم ذكر أسماء أكثر من خمسة عشر عالما يقولون بذلك . =========================================================================== (1) يعتقد المسيحيون أن المسيح عليه السلام قد ارتفع بجسمه بعد صلبه وأنه يجلس هناك مع أبيه . وعند الكاثوليكية الرومانية عقيدة جوهرية تقضى بأن أمه مريم العذراء قد ارتفعت هي الاخرى بجسدها إلى السماء وأنها لم تمت . ومنذ سبع عشرة سنة انعقد مجمع دينى مقدس برياسة البابا بيوس الثاني عشر بميدان القديس بطرس اشترك فيه 35 كردينالا ونحو 500 بطريرك من جميع أنحاء العالم واحتشد له مليون مسيحي وقرر هذا المجمع هذه العقيدة الدينية ، وقال إنها لا تقبل الجدل أو المناقشة ومن يناقشها أو يشك فيها يعتبر من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية ملحدا أو كافرا (يراجع جريدة الوفد المصرى في 31 / 10 ، و 1 و 2 و 3 / 11 / 1950) والاقباط المصريون جميعا يؤمنون بهذه العقيدة وتحتفل كل طوائفهم في يوم 16 مسرى من كل سنة بعيد انتقال السيدة مريم بجسدها إلى السماء ، ويطلقون على هذا الاحتفال اسم " عيد العذراء الكبير " ، وليس لاحد أن يعترض على هذه العقيدة أو يمارى فيها إذ ما دام المسيح عليه السلام قد ارتفع إلى السماء وجلس بجوار أبيه فإنه لا مانع من أن تصعد إليه أمه من بعده لتقيم وإياه مع الله في السماء ويحيون جميعا حياة طيبة في هناء وصفاء ! (*) =========================================================================== [ 190 ] قلت (أي ابن القيم) : وهو قول ابن جرير الطبري ، وإمام هؤلاء كلهم مجاهد إمام التفسير ، وهو قول أبى الحسن الدار قطني ومن شعره فيه : حديث الشفاعة عن أحمد * إلى أحمد المصطفى مسنده وجاء (حديث بإقعاده * على العرش) أيضا فلا تجحده أمروا الحديث على ووجهه * ولا تدخلوا فيه ما يفسده ولا تنكروا (أنه قاعد) * ولا تنكروا أنه يقعده (1) وإليك هذه الكلمة الصغيرة ننقلها من كتاب العقيدة والشريعة للمستشرق الكبير جولد تسيهر ص 42 و 43 : وهناك جمل أخذت من العهد القديم والعهد الجديد ، وأقوال للربانيين ، أو مأخوذة من الاناجيل الموضوعة وتعاليم من الفلسفة اليونانية ، وأقوال من حكم الفرس والهنود ، كل ذلك أخذ في الاسلام عن طريق " الحديث " حتى لفظ " أبونا " لم يعدم مكانه في الحديث المعترف به ، وبهذا أصبحت ملكا خالصا للاسلام بطريق مباشر أو غير مباشر ! وقد تسرب إلى الاسلام كنز كبير من القصص الدينية حتى إذا ما نظرنا إلى المواد المعدودة في الحديث ونظرنا إلى الادب الدينى اليهودي فإننا نستطيع أن نعثر على قسم كبير دخل الادب الديني الاسلامي من هذه المصادر اليهودية . =========================================================================== (1) نقلنا هذا الخبر عن ابن القيم في الطبعة الثانية ، ولكن تبين أن ابن القيم هذا وهو " حنبلي " لم يكن صادقا فيما نسبه إلى ابن جرير الطبري ، فقد جاء في تاريخه الذى ذكره صاحب معجم الادباء أنه لما قدم إلى بغداد من طبرستان تعصب عليه قوم وسأله الحنابلة عن حديث الجلوس على العرش فقال : أما حديث الجلوس على العرش فمحال ، ثم أنشد : سبحان من ليس له أنيس * ولا له في عرشه جليس فلما سمع ذلك الحنابلة وأصحاب الحديث وثبوا ورموه بمحابرهم فدخل داره ، فرموا داره بالحجارة حتى صار على بابه كالتل العظيم ، فركب صاحب الشرطة في عشرات ألوف من الجند يمنع عنه العامة ووقف على بابه يوما إلى الليل ، وأمر برفع الحجارة وكان قد كتب على بابه هذا البيت الذى أوردناه آنفا فأمر صاحب الشرطة بمحوه وكتب مكانه بعض أصحاب الحديث هذه الابيات : لاحمد منزل لا شك عال * إذا وافى إلى الرحمن وافد فيدنيه ويقعده كريما * على رغم لهم في أنف حاسد على عرش يغلفه بطيب * على الاكباد من باغ وعاند له هذا المقام الفرد حقا * كذاك رواه ليث عن مجاهد ص 57 - 59 ج 18 . (*) =========================================================================== [ 191 ] ولا نستقصي كل ما دخل الاسلام من المسيحيات . ومن شاء أن يستزيد من معرفة الاسرائيليات والمسيحيات وغيرها في الدين الاسلامي ، فليرجع إلى كتب التفسير والحديث والتاريخ وإلى كتب المستشرقين أمثال جلد تسيهر ، وفون كريمر وغيرهما ، فقد نقلت فيهما من هذه الاسرائيليات والمسيحيات أشياء كثيرة . وقبل أن نخرج من هذا الباب نتحفك بشئ مما رواه أبو هريرة في نزول عيسى من السماء . عيسى بن مريم ونزوله ذكروا أن من علامات الساعة نزول المسيح من السماء . وفي الصحيحين وغيرهما عن أبى هريرة قال رسول الله : " والذى نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويقتل القرد ولا يقبل إلا الاسلام " . ولا ينزل بشريعة مستقلة ، ويتسلم الامر من المهدى ، ويكون المهدى من أصحابه وأتباعه . وكل أعماله تشابه الاعمال التى ذكروا أن المهدى سيقوم بها . محل نزوله : محل نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر ، وإذا رفع رأسه تحدر منه جمان كاللؤلؤ ، ويكون نزوله لست ساعات مضت من النهار ويقعد على المنبر ، فيدخل المسلمون والنصارى واليهود المسجد ، ويصلى بالمسلمين صلاة العصر بمسجد دمشق ، ثم يخرج بمن معه من أهلها في طلب الدجال ، والارض تقبض له إلى أن يأتي بيت المقدس فيجده مغلقا قد حصره الدجال . =========================================================================== [ 192 ] مقدار مدته : في حديث أبى هريرة عند الطبراني وابن عساكر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) " يمكث عيسى في الناس أربعين سنة " ، ثم يدفنه المسلمون عند نبينا (صلى الله عليه وسلم) . وعن ابن عمر مرفوعا : يتزوج ويلد ولدين ذكرين أحدهما يسمى موسى والآخر محمدا ، ويمكث خمسا وأربعين سنة ثم يموت ويدفن معى في قبري ، فأقوم أنا وعيسى من قبر واحد بين أبى بكر وعمر ! وقالوا إنه يمكث سبع سنين ، وبعد أن يقتل الدجال يذهب إلى المدينة فيزور قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ويحج البيت الحرام ويتوفى بالمدينة ! وهناك أخبار من هذا القبيل كثيرة أعرضنا عنها لعدم فائدتها . ما استشكلوه : وقد قالوا : الروايات ثابتة أن نزول عيسى مع الفجر على منارة دقشق الشرقية (1) ، ولكن كيف يقال في رواية أخرى إن النزول كان لست ساعات مضت من النهار ! وكذلك المعروف عند أهل العلم أن عيسى إنما يصلى وراء المهدى صلاة الصبح لا العصر ! كثرة الاحاديث المروية رأيت فيما تقدم أن الوضع كان له أسباب كثيرة ، وبواعث متعددة ، وأن أبوابه قد ظلت مفتحة قرونا ، يخرج منها كل يوم ألوان مختلفة من الاحاديث التى يفتن الوضاع في صوغها وإسنادها إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) . ولقد كان من رواء ذلك أن كثرت الاحاديث المنسوبة إلى النبي كثرة هائلة ، =========================================================================== (1) لم جعلوا نزول عيسى على منارة دمشق الاموية ؟ (*) =========================================================================== [ 193 ] حتى بلغت مئات الالوف (1) مما جعل الحافظ الدار قطني يقول : إن الحديث الصحيح في الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الاسود (2) . وقد أفزعت هذه الكثرة العلماء فنهضوا لكشف القناع عن الاحاديث الموضوعة ، ووضعوا فيها المؤلفات الكثيرة ، ومن أشهر من تجرد لذلك ابن الجوزى السيوطي والصاغانى والملا على القارى وغيرهم . وقد عرض الدكتور أحمد أمين رحمه الله لامر كثرة الاحاديث هذه فقال (3) : " ومن الغريب أننا لو اتخذنا رسما بيانيا للحديث لكان شكل " هرم " طرفه المدبب هو عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ثم يأخذ في السعة على مر الزمان ، حتى نصل إلى القاعدة أبعد ما نكون على عهد الرسول - مع أن المعقول كان العكس . فصحابة رسول الله أعرف الناس بحديثه ، ثم يقل الحديث بموت بعضهم مع عدم الراوى عنه وهكذا ، ولكنا نرى أن أحاديث العهد الاموى أكثر من أحاديث عهد الخلفاء الراشدين ، وأحاديث العصر العباسي أكثر من أحاديث العهد الاموى . =========================================================================== (1) قال الامام أحمد في مسنده : هذا كتاب جمعته وانتقيته من 750 ألف حديث : وقال أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ : كان أبو زرعة يحفظ 700 ألف حديث ، وكان يحفظ 140 ألف حديث في التفسير ، واختار مالك الموطأ من مائة ألف حديث ، وستري عند الكلام عن البخاري أنه اختار كتابه من 600 ألف حديث ، وأن مسلما قد اختار كتابه كذلك من 600 ألف حديث ، وأن أبا داود قد كتب عن رسول الله 500 ألف حديث - وعلى أنهم قد رووا عشرات الآلاف من الاحاديث في التفسير فإن ابن تيمية قد ذكر في كتابه " في أصول التفسير " أن الامام أحمد قد قال : ثلاثة أمور ليس لها إسناد : التفسير والملاحم والمغازى (ص 14) . ولذلك قال شعبة : تسعة أعشار الحديث كذب . ونأتى هنا بكلمة قيمة من كتاب " وجهة الاسلام " الذى ترجمه الاستاذ محمد عبد الهادى أبو ريدة منقولة عن كتاب " روح الاسلام " الذى ألفه سيد أمير على للدفاع عن الاسلام : " إن الاصلاح يجب أن يسبقه التعليم وتحرر العقل من القيود ويجب أن نطرح التمسك بالظواهر تمسكا صوريا ، لانه أصبح عديم الاثر ، ويجب أن تكون أحكامنا صادرة عن استعمال العقل ، وعما نستشعر أنه حق وملائم في ظرف ما . للاسلام قدرة على صبغ ما عداه بصبغته وسيبقى جوهره ، وإن تغير مظهره - ولو أن الائمة كانوا أحرارا في استعمال رأيهم ونبذوا بشجاعة خمسمائة ألف من الاحاديث واستبقوا منها ثمانية آلاف إذا لجعلنا لانفسنا مثل هذه الحرية ، ولماذا يظن إنسان أن الاسلام صار مسبوكا في قالب لا يتغير بعد الاجماع على الكتب السنة ؟ ص 126 . (2) ص 215 من كتاب الاسلام الصحيح . (3) ص 128 و 129 ج‍ 2 ضحى الاسلام . (*) =========================================================================== [ 194 ] قد يكون ضمن الاسباب الصحيحة أن الهجرة لطلب الحديث في العصر العباسي وجمعه من مختلف الامصار كانت أتم وأنشط ، لكن ليس هذا كل السبب ، بل من أكبر الاسباب في تضخم الحديث - الوضع - فاليهود والنصارى وغيرهم (1) من أهل الديانات الاخرى أدخلوا في الاحاديث أشياء كثيرة من دياناتهم وأخبارهم ، فملئت الاحاديث بما في التوراة وحواشيها ، وبعض أخبار النصرانية . . وبعض تعاليم الشعوبية كالاحاديث التى تدل على فضل الفرس والروم اه‍ . أبو هريرة لو كانت أحاديث رسول الله كلها من الدين العام - كالقرآن - لا يقوم إلا عليها ، ولا يؤخذ إلا منها ، وأنه يجب على كل مسلم أن يعرفها ويتبع ما فيها ، كما يتبع ما في القرآن ، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أمر أصحابه أن يحفظوا هذه الاحاديث لكى تؤثر من بعده - لكان أكثر الصحابة رواية لها ، أعلاهم درجة في الدين ، وأثبتهم قدما في الايمان ، وأسناهم مرتبة في العلم - ولكان المقلون منهم في الرواية دون المكثرين في رتبة الدين ، ووراءهم في درجة العلم والفضل ، وخلفهم في منزلة الاعتبار ، ولكنا نجد الامر - على ما بدا في كتب الحديث المعروفة - قد جرى على خلاف ذلك ! ! فإن أفضل الصحابة في المرتبة ، وأرفعهم في المنزلة وأوسعهم علما بالدين ، وأشدهم عناية به ، وأقواهم حياطة له ، الذين نيط بهم حمل أحكام الدين بما تلقوه عن أستاذهم الاكبر - كالخلفاء الراشدين والعشرة الذين قالوا إنه (صلى الله عليه وسلم) قد مات وهو راض عنهم - أو بشرهم بالجنة ، وكبار المهاجرين والانصار وغيرهم - كل أولئك كانوا أقل الصحابة تحديثا عنه ، وأنزرهم رواية ، حتى لقد بلغ الامر ببعضهم أنه لم يرو عن الرسول حديثا واحدا ! ! ولم يقف الامر بهم عند ذلك فحسب ، بل قد وجدنا كبار الصحابة يرغبون عن رواية الحديث وينهون إخوانهم عنها ، ولقد أدى بهم فرط الاحتياط ألى أن كانوا =========================================================================== (1) لم يذكر هنا الوضاع الصالحون من المسلمين وغيرهم فليرجع إلى فصل الوضع في الحديث وأسبابه في هذا الكتاب ص 118 . (*) =========================================================================== [ 195 ] يحرقون ما يكتبون منها - كما علمت ذلك كله من قبل - وهذا الامر قد دعانا إلى أن نفرد ترجمة خاصة لمن كان أكثر الصحابة تحديثا عن رسول الله ، وأوسعهم رواية ، على حين أنه كان من عامة الصحابة ، وكان بينهم لا في العير ولا في النفير ذلكم هو " أبو هريرة " . ولولا أن هذه الكثرة البالغة - بفضل ثقة الجمهور بها - قد استفاضت في كتب الحديث ، وأخذت مكان الاعتبار والتصديق من قلوب المسلمين ، وسيطرت على عقولهم وأفكارهم . وجعلوها من عام دينهم ، على ما فيها من مشكلات تحار فيها عقول المؤمنين ، وشبهات وخرافات تتخذ مطاعن على الدين ، وأسانيد يتكأ عليها في إثبات الاسرائيليات والمسيحيات وغيرها من الملل والنحل - لولا ذلك كله ما جرى بهذا البحث قلمنا ، ولا اتجه إليه بالعناية همنا . الاختلاف في اسمه : لم يختلف الناس في اسم أحد - في الجاهلية والاسلام - كما اختلفوا في اسم " أبى هريرة " فلا يعرف أحد على التحقيق الاسم الذى سماه به أهله ، ليدعى بين الناس به . قال النووي : اسم أبى هريرة عبد الرحمن بن صخر على الصحيح من ثلاثين قولا . . . وقال حافظ المغرب ابن عبد البر في الاستيعاب (1) : اختلفوا في اسم أبى هريرة وامم أبيه إختلافا كثيرا لا يحاط به ولا يضبط في الجاهلية والاسلام - ومثل هذا الاختلاف والاضطراب لا يصح معه شئ يعتمد عليه - وقد غلبت عليه كنيته ، فهو كمن لا اسم له غيرها وأولى المواضع باسمه المكنى . وقال صاحب المشكاة : قد اختلف الناس في اسم أبى هريرة ونسبه اختلافا كثيرا ، وقد غلبت عليه كنيته فهو كمن لا اسم له واشتهرت الكنية حتى نسى الاسم الاصلى لانه قد اختلف فيه اختلافا كثيرا . =========================================================================== (1) ص 718 ، 719 (*) =========================================================================== [ 196 ] ومما تبين لك يكون الجزم باسم خاص يطلق عليه ، من ضروب التخمين فنكتفي بذكر كنيته التى التصقت به - وهذه الكنية قد بين هو نفسه سببها فقال : كنت أرعى غنم أهلى - وكانت لى هرة صغيرة ، فكنت أضعها بالليل في شجرة ، وإذا كان النهار ذهبت بها معى فلعبت بها فكنوني " أبا هريرة " ! ! نشأته وأصله : وإذا كانوا قد اختلفوا في اسم أبى هريرة ، فإنهم كذلك لم يعرفوا شيئا عن نشأته ، ولا عن تاريخه قبل إسلامه ، غير ما ذكر هو عن نفسه ، من أنه كان يلعب بهرة صغيرة . وأنه كان فقيرا معدما ، يخدم الناس بطعام بطنه - وكل ما يعرف عن أصله أنه من عشيرة سليم بن فهم من قبيلة أزد ثم من دوس . ومن قوله في ذلك : نشأت يتيما ، وهاجرت مسكينا ، وكنت أجيرا بطعام بطني . وقال ابن قتيبة في ترجمته بكتاب " المعارف " بعد أن ذكر اختلاف الناس في اسمه ، وأنه من قبيلة باليمن يقال لها دوس ما نصه : " وقال أبو هريرة نشأت يتيما وهاجرت مسكينا . وكنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني ، وعقبة رجلى ، فكنت أخدم إذا نزلوا ، وأحدو إذا ركبوا ، وكنيت بأبى هريرة بهرة صغيرة كنت ألعب بها . قدومه إلى المدينة وذهابه إلى خيبر : قدم أبو هريرة بعد أن تخطى الثلاثين من عمره - وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) حينئذ في غزوة خيبر ، التى وقعت في سنة 7 من الهجرة : قال ابن سعد في الطبقات الكبرى : قدم الدوسيون فيهم أبو هريرة ورسول الله بخيبر فكلم رسول الله أصحابه في أن يشركوا أبا هريرة في الغنيمة ففعلوا - ولفقره اتخذ سبيله إلى الصفة (1) بعد ما عاد إلى المدينة فعاش بها ما أقام بالمدينة ، وكان من أشهر من أمها . =========================================================================== (1) الصفة موضع مظلل في مؤخرة مسجد النبي بالمدينة من الناحية الشمالية . وأهل الصفة - كما قال أبو الفداء في تاريخه المختصر - : أناس فقراء لا منازل لهم ولا عشائر ، ينامون على عهد رسول الله في المسجد ويظللون فيه ، وكانت صفة المسجد مثواهم ، فنسبوا إليها - وكان إذا تعشى رسول الله يدعو منهم طائفة يتعشون معه ، ويفرق منهم طائفة على الصحابة ليعشوهم . (*) =========================================================================== [ 197 ] سبب صحبته للنبى صلى الله عليه وسلم : كان أبو هريرة صريحا صادقا في الابانة عن سبب صحبته للنبى (صلى الله عليه وسلم) ، كما كان صريحا صادقا في الكشف عن حقيقة نشأته . فلم يقل إنه صاحبه للمحبة والهداية - كما كان يصاحبه غيره من سائر المسلمين - وإنما قال : " إنه قد صاحبه على ملء بطنه " . ففى حديث رواه أحمد والشيخان عن سفيان عن الزهري عن عبد الرحمن الاعرج (1) قال : " سمعت أبا هريرة يقول : إنى كنت امرأ مسكينا أصحب رسول الله على ملء بطني " . وراية مسلم : أخدم رسول الله ، وفي رواية " لشبع بطني " . وفي رواية لمسلم : كنت رجلا مسكينا أخدم رسول الله على ملء بطني . وفي رواية له أيضا : وكنت ألزم رسول الله على ملء بطني . وسجل التاريخ أنه كان أكولا نهما ، يطعم كل يوم في بيت النبي ، أو في بيت أحد أصحابه ، حتى كان بعضهم ينفر منه . ومما رواه البخاري عنه أنه قال : كنت أستقرئ الرجل الآية وهى معى كى ينقلب بى فيطعمني - وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبى طالب ، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته ، وروى الترمذي عنه : وكنت إذا سألت جعفر عن آية لم يجبنى حتى يذهب إلى منزله . ومن أجل ذلك كان جعفر هذا في رأى أبى هريرة أفضل الصحابة جميعا ، فقدمه على أبى بكر وعمر وعلى وعثمان وغيرهم من كبار الصحابة رضى الله عنهم جميعا . فقد أخرج الترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن أبى هريرة : ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ، ولا وطئ التراب ، بعد رسول الله أفضل من جعفر بن أبى طالب (2) . شيخ المضيرة : كان أبو هريرة يلقب " بشيخ المضيرة " وقد نالت هذه المضيرة من عناية العلماء والكتاب والشعراء ما لم ينله مثلها من أصناف الحلوى ، وظلوا يتندرون بها ، ويغمزون أبا هريرة قرونا طويلة من أجلها ، وإليك بعض ما أرسلوه فيها . =========================================================================== (1) الاعرج تلميذه وصاحبه . (2) ص 62 ج 7 فتح الباري . (*) =========================================================================== [ 198 ] قال الثعالبي في كتابه " ثمار القلوب في المضاف والمنسوب " ما يلى (1) : شيخ المضيرة : كان أبو هريرة رضى الله عنه على فضله واختصاصه بالنبي (صلى الله عليه وسلم) مزاحا أكولا ، وكان مروان بن الحكم يستخلفه على المدينة فيركب حمارا قد شد عليه برذعة فيلقى الرجل فيقول : الطريق ! الطريق ! قد جاء الامير . . وكان يدعى الطب . . . وبعد أن ذكر الثعالبي شيئا من طبه وكله طعام يشفى داء الامعاء ، ويداوى نهم البطن ، قال : وكان يعجبه المضيرة جدا فيأكل مع معاوية ، فإذا حضرت الصلاة صلى خلف على رضى الله عنه ، فإذا قيل له في ذلك قال : مضيرة معاوية أدسم وأطيب ، والصلاة خلف على أفضل ، وكان يقال له " شيخ المضيرة " وختم الثعالبي قوله ببيتين لشاعر هجا فيهما أبا هريرة أعرضنا عنهما . وعقد بديع الزمان الهمذانى مقامة خاصة - من مقاماته - لهذه المضيرة ، غمز فيها أبا هريرة غمزة أليمة فقال : حدثنا عيسى بن هشام قال : كنت بالبصرة ومعى أبو الفتح الاسكندرى رجل الفصاحة يدعوها فتجيبه ، والبلاغة يأمرها فتطيعه ، وحضرنا معه دعوة بعض التجار ، فقدمت إلينا مضيرة تثنى على الحضارة ، وتترجرج في الغضارة ، وتؤذن بالسلامة ، وتشهد لمعاوية رحمه الله بالامامة . . . وقال استاذنا الامام محمد عبده في شرح ذلك : " ومعاوية ادعى الخلافة بعد بيعة على بن أبى طالب رضى الله عنه ، فلم يكن من يشهد له بها في حياة على إلا طلاب اللذائذ ، وبغاة الشهوات ، فلو كانت هذه المضيرة من طعام معاوية لحملت آكليها على الشهادة له بالخلافة ، وإن كان صاحب البيعة الشرعية حيا - وإسناد الشهادة إليها لانها سببها الحامل عليها . والامامة والخلافة في معنى واحد " وفي الاساس لجار الله : على مع الحال المضيرة ، خير من معاوية مع المضيرة . وأخرج أبو نعيم في الحلية قال : كان أبو هريرة يطوف بالبيت هو يقول : ويل لى بطني ، إذا أشبعته كظنى ، وإن أجعته سبنى ، ورواية ابن كثير في البداية والنهاية : أضعفني . =========================================================================== (1) ص 86 ، 87 . (*) =========================================================================== [ 199 ] وفي خاص الخاص للثعالبي (1) : كان أبو هريرة يقول : ما شممت رائحة أطيب من رائحة الخبز الحار ، وما رأيت فارسا أحسن من زبد على تمر . قد جعل أبو هريرة الاكل من المروءة ، فقد سئل : ما المرءوة ؟ قال : تقوى الله وإصلاح الصنيعة ، والغداء والعشاء بالافنية . وقد أضربنا عن أخبار كثيرة لان في بعضها ما يزيد في إيلام بعض الناس . حديث زر غبا تزدد حبا : قال رسول صلى الله عليه وسلم لابي هريرة ذات يوم : زر غبا تزدد حبا ، وقد كان صلوات الله عليه نعم المؤدب لاصحابه ، وكان دائما يتولاهم بحكمته ، ويغرس فيهم مكارم أخلاقه بسيرته ، وما كان له (صلى الله عليه وسلم) أن يذر مثل أبى هريرة على ما كان عليه من غشيان البيوت في كل وقت ، يقبله هذا ويصده ذاك ، من غير أن يؤدبه بأدبه العالي ، وكان سبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال له : أين كنت أمس يا أبا هريرة ؟ قال زرت أناسا من أهلى ، فقال يا أبا هريرة : زر غبا تزدد حبا . وقد ذكر أبو حيان التوحيدي في كتابه " الصداقة والصديق " قال أبو هريرة : لقد دارت كلمة العرب " زر غبا تزدد حبا " إلى أن سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " ولقد قالها لى " . قال العسجدى : " ليست هذه الكلمة محمولة على العام ، ولكن لها مواضع يجب أن تقال فيها ، لان الزائر يستحقها ! ألا ترى أنه صلوات الله عليه لا يقول ذلك لابي بكر ، ولا لعلى بن أبى طالب وأشباههما ، فأما أبو هريرة فأهل ذاك ! لبعض الهنات التى يلزمه أن يكون مجانبا لها ، وحائدا عنها (2) " . وهنات أبى هريرة التى يغمزه بها العسجدى ، أنه كان لنهمه يغشى بيوت الصحابة في كل وقت ، وكان بعضهم يزور عنه ، وينزوى منه ، فأراد الرسول أن يلقى عليه درسا في أدب الزيارة وغشيان البيوت ، فذكر له المثل العربي " زر غبا تزدد حبا " . وكان صلوات الله عليه لا يفتأ يتعهد أصحابه بالتأديب وتحرى حسن الخلق . =========================================================================== (1) ص 43 . (2) ص 51 . (*) =========================================================================== [ 200 ] مزاحه وهذره : أجمع مؤرخو أبى هريرة على أنه كان مزاحا مهذارا ، يتودد إلى الناس ويسليهم بكثرة الحديث ، والاغراب في القول ليشتد ميلهم إليه ، ويزداد إقبالهم عليه ، وإليك بعض ما رووه في ذلك . قالت عنه عائشة ، وهى أعلم الناس به لامتداد العمر بهما ، في حديث المهراس : إنه كان رجلا مهذارا . التهكم به : ولقد كانوا يتهكمون برواياته ويتندرون عليها لما تفنن فيها وأكثر منها . فعن أبى رافع : أن رجلا من قريش أتى أبا هريرة في حلة وهو يتبختر فيها ، فقال يا أبا هريرة : إنك تكثر الحديث عن رسول الله ، فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئا ؟ ! ! فقال سمعت أبا القاسم يقول : إن رجلا ممن كان قبلكم بينما هو يتبختر في حلة ، إذ خسف الله به الارض ، فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة ، فوالله ما أدرى لعله كان من قومك أو من رهطك (1) . ويبدو من سؤال هذا الرجل أنه لم يكن مستفهما وإنما كان متهكما ، إذ لم يقل له : إنك تحفظ أحاديث رسول الله ! وإنما قال : تكثر الحديث عن رسول الله ، وسياق الحكاية يدل كذلك على أنه كان يهزأ به ، ويسخر منه . كثرة أحاديثه : أجمع رجال الحديث على أن أبا هريرة كان أكثر الصحابة حديثا عن رسول الله ! على حين أنه لم يصاحب النبي إلا عاما وتسعة أشهر ! (2) وقد ذكر أبو محمد ابن حزم أن مسند بقى بن مخلد قد احتوى من حديث أبى هريرة على 5374 روى البخاري منها 446 . وقد قال هو عن نفسه - كما روى البخاري - ما من أصحاب النبي صلى الله =========================================================================== (1) ص 108 ج البداية والنهاية . (2) راجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (*) =========================================================================== [ 201 ] عليه وسلم أحد أكثر حديثا منى ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو (1) فقد كان يكتب ولا أكتب (2) ! ولو بحثنا عن كل ما رواه ابن عمرو هذا لوجدناه 700 حديث عند ابن الجوزى وفي مسند أحمد 722 روى البخاري منها سبعة ومسلم 20 ، وقد أفزعت كثرة رواية أبى هريرة عمر بن الخطاب فضر به بالدرة وقال له : أكثرت يا أبا هريرة من الرواية ، وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول الله . ثم هدده وأوعده إن لم يترك الحديث عن رسول الله فإنه ينفيه إلى بلاده . وقد أخرج ابن عساكر من حديث السائب بن يزيد : لتتركن الحديث عن رسول الله أو لالحقنك بأرض دوس . ومن أجل ذلك كثرت أحاديثه بعد وفاة عمر وذهاب الدرة ، إذ أصبح لا يخشى أحدا بعده . ومن قوله في ذلك : إنى أحدثكم بأحاديث لو حدثت بها زمن عمر لضربني بالدرة - وفي رواية لشج رأسي . وعن الزهري عن أبى سلمة : سمعت أبا هريرة يقول : ما كنا نستطيع أن نقول قال رسول الله حتى قبض عمر ! ثم يقول : أفكنت محدثكم بهذه الاحاديث وعمر حى ؟ أما والله إذن لايقنت أن المخفقة ستباشر ظهرى ، فإن عمر كان يقول : اشتغلوا بالقرآن فإن القرآن كلام الله . وقد قال الفقيه المحدث السيد رشيد رضا رحمه الله في ذلك : لو طال عمر عمر حتى مات أبو هريرة لما وصلت إلينا تلك الاحاديث الكثيرة (3) ، وقال عن أحاديثه المشكلة : " لا يتوقف على شئ منها إثبات أصل من أصول الدين " (4) . =========================================================================== (1) أحد العبادلة الثلاثة الذين رووا عن كعب الاحبار وكان قد أصاب زاملتين من كتب : أهل الكتاب ، كان يرويها للناس فتجنب الاخذ عنه كثير من أئمة التابعين - وكان يقال له لا تحدثنا عن الزاملتين . أما صحيفته التى كان يسميها " الصادقة " ويحرص عليها ، فهى أدعية وصلوات كما قال الخطيب البغدادي - وقال فيها مغيرة " ما تسرني أنها لى بفلسين - ص 93 تأويل مختلف الحديث) . (2) قال ابن حجر في الفتح : ثبت أن أبا هريرة لم يكن يكتب - ص 167 ج 2 فتح الباري . وكذلك لم يحفظ القرآن . (3) ص 851 ج‍ 10 مجلة المنار . (4) ص 100 ج‍ 19 المنار . (*) =========================================================================== [ 202 ] كيف سوغ كثرة الرواية ! كان أبو هريرة يسوغ كثرة الرواية عن النبي (صلى الله عليه وسلم) بأنه ما دام لا يحل حراما ولا يحرم حلالا ، فإنه لا بأس من أن يروى . وقد أيد صنيعه هذا بأحاديث رفعها إلى النبي ، ومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن أبى هريرة أن رسول الله قال : " إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم ، المعنى فلا بأس " . وقال أيضا إنه سمع النبي يقول : " من حدث حديثا هو لله عزوجل رضا فأنا قلته وإن لم أكن قلته " ، روى ذلك ابن عساكر في تاريخه . وأخرج الطحاوي عن أبى هريرة : " إذا حدثتم عنى حديثا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به ، قلته أم لم أقله ، فإنى أقول ما يعرف ولا ينكر ، وإذا حدثتم عنى حديثا تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به ، فإنى لا أقول ما ينكر ولا يعرف " (1) . روى ذلك وغيره على حين أن الثابت عن النبي أنه قال : " من نقل عنى ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار " وقد اضطر عمر أن يذكره بهذا الحديث لما أوغل في الرواية . تدليسه : ذكر علماء الحديث أن أبا هريرة كان يدلس - والتدليس كما عرفوه أن يروى عمن لقيه ما لم يسمعه منه أو عمن عاصره ولم يقله ، موهما أنه سمعه منه ، والتدليس أنواع كثيرة ، وحكمه أنه مذموم كله على الاطلاق (2) ، وقد كره التدليس جماعة من العلماء ، وكان شعبة (3) أشد الناس إنكارا لذلك حتى قال : لان أزنى أحب إلى من أن أدلس ! وقال أيضا : التدليس أخو الكذب . ومن الحفاظ من جرح من عرف بهذا التدليس من الرواة فرد روايته مطلقا =========================================================================== (1) ص 23 ج 2 الموافقات للشاطبي . (2) ص 35 من شرح ألفية السيوطي للشيخ أحمد شاكر . (3) شعبة بن الحجاج إمام أهل الحديث توفى بالبصرة سنة 160 ه‍ وكان صريحا فيما يقول ومن صراحته أنه كان يقول : " والله لانا في الشعر أسلم منى في الحديث ، ولو أردت الله ما خرجت لكم ولو أردتم الله ما جئتموني ولكنا نحب المدح ونكره الذم " . (*) =========================================================================== [ 203 ] وإن أتى بلفظ الاتصال ، ولو لم يعرف أنه دلس إلا مرة واحدة . كما نص على ذلك الشافعي رحمه الله . وروى مسلم بن الحجاج عن بسر بن سعيد قال : اتقوا الله وتحفظوا من الحديث ، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويحدثنا عن كعب الاحبار ، ثم يقول فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب ، وحديث كعب عن رسول الله ! وفي رواية - يجعل ما قاله كعب عن رسول الله ، وما قاله رسول الله عن كعب ! فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث . وقال يزيد بن هارون : سمعت شعبة يقول : أبو هريرة كان يدلس - أي يروى ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ، ولا يميز هذا من هذا - ذكره ابن عساكر - وكأن شعبة يشير بهذا إلى حديث " من أصبح جنبا فلا صيام له " ، فإنه لما حوقق عليه قال : أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله (1) . وقال ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " : (2) وكان أبو هريرة يقول ، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كذا وإنما سمعه من الثقة عنده فحكاه . أول راوية اتهم في الاسلام : قال ابن قتيبة في تأويل متخلف الحديث : " إنه لما أتى أبو هريرة من الرواية عنه صلى الله عليه وسلم ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه والسابقين الاولين اتهموه وأنكروا عليه وقالوا : كيف سمعت هذا وحدك ؟ ومن سمعه معك ؟ وكانت عائشة رضى الله عنها أشدهم إنكارا عليه لتطاول الايام بها وبه (3) وممن اتهم أبا هريرة بالكذب ، عمر وعثمان وعلى وغيرهم وبذلك كان - كما قال الكاتب الاسلامي الكبير =========================================================================== (1) ص 109 ج‍ 8 البداية والنهاية لابن كثير ، وفي الكتاب الخاص بأبى هريرة بسط هذا القول فارجع إليه . (2) ص 50 . (3) ص 48 . (*) =========================================================================== [ 204 ] مصطفى صادق الرافعى (1) - " أول راوية اتهم في الاسلام " . ولما قالت له عائشة : إنك لتحدث حديثا ما سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار ، إذ قال لها - كما رواه ابن سعد والبخاري وابن كثير وغيرهم : شغلك عنه صلى الله عليه وسلم المرآة والمكحلة ! وفي رواية - ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب ، ولكن أرى ذلك شغلك ! ! على أنه لم يلبث أن عاد فشهد بأنها أعلم منه ، وأن المرآة والمكحلة لم يشغلاها ، ذلك أنه لما روى حديث " من أصبح جنبا فلا صوم عليه " أنكرت عليه عائشة هذا الحديث فقالت : إن رسول الله كان يدركه الفجر وهو جنب من غير احتلام فيغتسل ويصوم ، وبعثت إليه بأن لا يحدث بهذا الحديث عن رسول الله ، فلم يسعه إزاء ذلك إلا الاذعان . وقال : إنها أعلم منى ، وأنا لم أسمعه من النبي ، وإنما سمعته من الفضل بن العباس - فاستشهد ميتا وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما قال (2) ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث . وكان على رضى الله عنه سيئ الرأى فيه ، وقال عنه ألا إنه أكذب الناس - أو قال : أكذب الاحياء على رسول لابو هريرة . ولما سمع أنه يقول : حدثنى خليلي ! قال له : متى كان النبي خليلك ؟ ولما روى حديث : متى استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يضعها في الاناء ، فإن أحدكم لا يدرى أين باتت يده - لم تأخذ به عائشة وقالت : كيف نصنع بالمهراس (3) . ولما سمع الزبير أحاديثه قال : صدق ، كذب (4) . =========================================================================== (1) ص 278 تاريخ آداب العرب ج‍ 1 ويراجع فصل نقد الصحابة بعضهم لبعض في هذا الكتاب . وفي اختصار علوم الحديث قال ابن حنبل وأبو بكر الحميدى وأبو بكر الصيرفى : لا تقبل رواية من كذب في أحاديث رسول الله وإن تاب عن الكذب بعد ذلك ص 111 وقال السمعاني من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه (ص 14 من التقريب للنووي) وقال الحافظ ابن حجر اتفق العلماء على تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه من الكبائر حتى بالغ الشيخ أبو محمد الجوينى فحكم بكفر من وقع منه ذلك ، وكلام القاضى أبى بكر بن العربي يميل إليه . (2) ص 28 . (3) المهراس صخر ضخم منقور لا يحمله الرجال ولا يحركونه ، يملاونه ماء ويتطهرون به . (4) ص 109 ج‍ 8 البداية والنهاية . . (*) =========================================================================== [ 205 ] وعن أبى حسان الاعرج أن رجلين دخلا على عائشة رضى الله عنها فقالا : إن أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار " ، فطارت شفقا ثم قالت : كذب والذى أنزل القرآن على أبى القاسم ، من حدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! إنما قال رسول الله - كان أهل الجاهلية يقولون : إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار ، ثم قرأت : " ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها " (1) . وأنكر عليه ابن مسعود قوله : من غسل ميتا ، ومن حمله فليتوضأ - وقال فيه قولا شديدا ثم قال : يا أيها الناس لا تنجسوا من موتاكم (2) . وروى محمد بن الحسن عن أبى حنيفة أنه قال : أقلد من كان من القضاة المفتين من الصحابة كأبى بكر وعمر وعثمان وعلى والعبادلة الثلاثة ولا أستجيز خلافهم برأيى إلا ثلاثة نفر - وفي رواية - أقلد جميع الصحابة ولا أستجيز خلافهم برأيى إلا ثلاثة نفر (أنس بن مالك وأبو هريرة وسمرة بن جندب) فقيل له في ذلك فقال : أما أنس فاختلط في آخر عمره وكان يستفتى فيفتى من عقله ، وأنا لا أقلد عقله ، وأما أبو هريرة فكان يروى كل ما سمع من غير أن يتأمل في المعنى ومن غير أن يعرف الناسخ من المنسوخ (3) " . وروى أبو يوسف قال : قلت لابي حنيفة : الخبر يجيئنى عن رسول الله يخالف قياسنا ، ما نصنع به ؟ فقال : إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأى . فقلت : ما تقول في رواية أبى بكر وعمر ؟ قال ناهيك بهما . فقلت : وعلى وعثمان ؟ قال : كذلك . فلما رأني أعد الصحابة - قال : والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالا . وعد منهم أبا هريرة وأنس بن مالك (4) . =========================================================================== (1) ص 126 و 127 تأويل مختلف الحديث . (2) ص 85 ج‍ 2 جامع بيان العلم . (3) ص 31 و 32 من كتاب مختصر كتاب المؤمل لابي شامة . (4) هذا هو رأى أبى حنيفة فيه وهو من نعلم ، والذى ولد في المائة الاولى والذى أدرك عصر الصحابة ولجلال قدره سموه الامام الاعظم ولد سنة 80 ه‍ ومات سنة 150 ه‍ . (*) =========================================================================== [ 206 ] وعن إبراهيم النخعي قال : كان أصحابنا يدعون من حديث أبى هريرة . ورواية الاعمش عنه - ما كانوا يأخذون بكل حديث أبى هريرة ! وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم : كانوا يرون في أحاديث رسول الله شيئا ، وما كانوا يأخذون بكل حديث أبى هريرة إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار ، أو حث على عمل صالح ، أو نهى عن شر جاء في القرآن (1) . وروى أبو شامة عن الاعمش قال : كان إبراهيم صحيح الحديث (2) ، فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه ، فأتيته يوما بأحاديث من حديث أبى صالح عن أبى هريرة فقال : دعني من أبى هريرة ! إنهم كانوا يتركون كثيرا من حديثه . وقال أبو جعفر الاسكافي - وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضى الرواية ، ضربه عمر وقال : أكثرت من الحديث وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول الله (3) . وقال ابن الاثير : أما رواية أبى هريرة فشك فيها قوم لكثرتها (4) . وفي الاحكام للآمدي : أنكر الصحابة على أبي هريرة كثرة روايته وذلك الان الاكثار لا يؤمن معه اختلاط الضبط الذى لا يعرض لمن قلت روايته . وجرت مسألة المصراة (5) في مجلس الرشيد فتنازع القوم فيها ، وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بالحديث الذى رواه أبو هريرة ، فرد بعضهم الحديث وقال : أبو هريرة متهم فيما يرويه ، ونحا نحوه الرشيد . =========================================================================== (1) ص 109 ج‍ 8 البداية والنهاية . (2) كانوا يسمونه صيرفي الحديث . (3) ص 360 ج‍ 1 شرح نهج البلاغة . (4) ص 81 من كتاب المثل السائر . (5) المصرأة هي الناقة أو البقرة يجمع اللبن في ضرعها ويحبس أياما بغير حلب ، لايهام المشترى أنها غزيرة اللبن - وسبب در الحنفية لحديث " المصراة " أنه مخالف للاقيسة بأسرها فإن حلب اللبن تعد ، وضمان التعدي يكون بالمثل أو بالقيمة والصاع من التمر ليس بواحد منها . (*) =========================================================================== [ 207 ] أخذه عن كعب الاحبار : ذكر علماء الحديث في باب " رواية الصحابة عن التابعين ، أو رواية الاكابر عن الاصاغر " أن أبا هريرة والعبادلة ومعاوية وأنس وغيرهم ، قد رووا عن كعب الاحبار اليهودي الذى أظهر الاسلام خداعا وطوى قلبه على يهوديته - ويبدو أن أبا هريرة كان أكثر الصحابة انخداعا به ، وثقة فيه ، ورواية عنه وعن إخوانه ، كما كان أكثرهم رواية للحديث ، ويتبين من الاستقراء أن كعب الاحبار قد سلط قوة دهائه على سذاجة أبى هريرة لكى يستحوذ عليه وينيمه ليلقنه كل ما يريد أن يبثه في الدين الاسلامي من خرافات وأوهام ، وكان له في ذلك أساليب غريبة ، وطرق عجيبة . فقد روى الذهبي في طبقات الحفاظ - في ترجمة أبى هريرة - أن كعبا قال فيه - أي في أبى هريرة - ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبى هريرة ! ! فانظر مبلغ دهاء هذا الكاهن ومكره بأبى هريرة الذى يتجلى في درس تاريخه أنه كان رجلا فيه غفلة وغرة ! إذ من أين يعلم أبو هريرة ما في التوراة وهو لم يعرفها ، ولو عرفها لما استطاع أن يقرأها (1) لانها كانت باللغة العبرية وهو لا يستطيع أن يقرأ حتى لغته العربية ، إذ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب . ومما يدلك على أن هذا الحبر الداهية قد طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى جعله يردد كلام هذا الكاهن بالنص ويجعله حديثا مرفوعا إلى النبي ما نورد لك شيئا منه : روى البزار عن أبى هريرة أن النبي قال : إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة ! فقال الحسن : وما ذنبهما ؟ فقال : أحدثك عن رسول الله وتقول ما ذنبهما ؟ =========================================================================== (1) روى البخاري عن أبى هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لاهل الاسلام ، ولو كان يعرف العبرانية لقال : وكنت من الذين يفسرون التوراة . (*) =========================================================================== [ 208 ] وهذا الكلام نفسه قد قاله كعب بنصه ، فقد روى أبو يعلى الموصلي ، قال كعب : يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم يراهما من عبدهما (1) . وروى الحاكم في المستدرك والطبراني - ورجاله رجال الصحيح - عن أبى هريرة : أن النبي قال : إن الله أذن لى أن أحدث عن ديك رجلاه في الارض وعنقه مثبتة تحت العرش وهو يقول : سبحانك ما أعظم شأنك ! قال : فيرد عليه ما يعلم ذلك من حلف بى كاذنا . وهذا الحديث من قول كعب الاحبار ونصه : إن لله ديكا عنقه تحت العرش وبراثنه في أسفل الارض فإذا صاح صاحت الديكة فيقول : سبحان القدوس الملك الرحمن لا إله غيره (2) . وروى أبو هريرة أن رسول الله قال : النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة ، وهذا القول نفسه رواه كعب إذ قال : أربعة أنهار الجنة وضعها الله عزوجل في الدنيا فالنيل نهر العسل في الجنة ، والفرات نهر الخمر في الجنة ، وسيحان نهر الماء في الجنة ، وجيحان نهر اللبن في الجنة . وقال ابن كثير في تفسيره إن حديث أبى هريرة في يأجوج ومأجوج ونصه كما رواه أحمد عن أبى هريرة " إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ، قال الذين عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون . . . إلخ ، وقد روى أحمد هذا الحديث عن كعب - قال ابن كثير لعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كان كثيرا ما كان يجالسه ويحدثه - وبين في مواضع كثيرة من تفسيره ما أخذه أبو هريرة من كعب ، وفي الصحيحين من حديث أبى هريرة أن الله خلق آدم على صورته - وهذا الكلام قد جاء في الاصحاح الاول من التوراة (العهد القديم) ونصه هناك : وخلق الله الانسان على صورته ، على صورة الله خلقه (3) . =========================================================================== (1) ص 222 حياة الحيوان . (2) ص 220 ج‍ 1 نهاية الارب للنويرى . (3) من روايات هذا الحديث . وطوله - أي آدم - ستون ذراعا ، وفي رواية على صورة الرحمن . وقد = (*) =========================================================================== [ 209 ] ولما ذكر كعب صفة النبي في التوراة : قال أبو هريرة في صفته صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الاسواق - وهذا هو نص كلام كعب كما أوردناه من قبل . وروى مسلم عن أبى هريرة : أخذ رسول الله بيدى ! فقال : خلق الله التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الاحد ! وخلق الشجر يوم الاثنين ! وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الاربعاء ! وبث فيها الدواب يوم الخميس ! وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل . وقد روى هذا الحديث كذلك أحمد والنسائي عن أبى هريرة ! ! وقد قال البخاري وابن كثير وغيرهما إن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب الاحبار لانه يخالف نص القرآن في أنه خلق السموات والارض في ستة أيام . ومن العجيب أن أبا هريرة قد صرح في هذا الحديث (بسماعه) من النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قد أخذ بيده حين حدثه به - وإنى لاتحدى الذين يزعمون أنهم على شئ من علم الحديث عندنا ، وجميع من هم على شاكلتهم ، في غير بلادنا أن يحلوا لنا هذا المشكل . إن الحديث صحيح السند على قواعدهم - لا خلاف في ذلك - وقد رواه مسلم في صحيحه ولم يصرح بسماعه من النبي فقط ، بل زعم أن رسول الله قد أخذ بيده وهو يحدثه به ، وقد قضى أئمة الحديث بأن هذا الحديث مأخوذ عن كعب الاحبار وأنه مخالف للكتاب العزيز ، فمثل هذه الرواية تعد ولا ريب كذبا صراحا ، وإفتراء على رسول الله ، فما حكم من يأتي بها ؟ وهل تدخل تحت حكم حديث الرسول : من كذب على فليتبوأ مقعده من النار ؟ أم هناك مخرج لراوي هذا الحديث بذاته ! إنى والله لفى حاجة إلى الانتفاع بعلمهم في هذا الحديث وحده الذى يكشف ولا ريب عن روايات أبى هريرة التى يجب الاحتياط الشديد في تصديقها ! =========================================================================== = انتقد هذا الحديث من إحدى نواحيه ابن حجر في الفتح فقال ويشكل على هذا من الآن - الآثار للامم السالفة كديار عاد وثمود فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة في الطول على حسب ما يقتضيه الترتيب الذى ذكره أبو هريرة . وأنكر مالك هذا الحديث . أضواء على السنة المحمدية (*) =========================================================================== [ 210 ] وقد بلغ من دهاء كعب الاحبار واستغلاله لسذاجة أبى هريرة وغفلته ، أن كان يلقنه ما يريد بثه في الدين الاسلامي من خرافات وترهات حتى إذا رواها أبو هريرة عاد هو فصدق أبا هريرة ، وذلك ليؤكد هذه الاسرائيليات وليمكن لها في عقول المسلمين - كأن الخبر قد جاء عن أبى هريرة وهو في الحقيقة عن كعب الاحبار . وإليك مثلا من ذلك نختم به ما ننقله من الاحاديث التى رواها أبو هريرة عن النبي ، وهى في الحقيقة من الاسرائيليات حتى لا يطول بنا القول : روى الامام أحمد عن أبى هريرة أن رسول الله قال : إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ، اقرءوا إن شئتم " وظل ممدود " . ولم يكد أبو هريرة يروى هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال : صدق والذى أنزل التوراة على موسى ، والفرقان على محمد ، لو أن رجلا ركب حقة أو جذعة ثم دار بأعلى تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما ! إن الله تعالى غرسها بيده ونفخ فيها من روحه ، وإن أفنانها لمن وراء أستار الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل هذه الشجرة . وهكذا يتعاونان على نشر مثل هذه الخرافات ، ومن العجيب أن يروى هذا الخبر الغريب وهب بن منبه في أثر غريب فيرجع إليه من أراده (1) . وفي فصل الاسرائيليات الذى مر بك أحاديث كثيرة من مثل ذلك . ولما روى أن رسول الله قال : " لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا ودما خير من أن يمتلئ شعرا " قالت عائشة : لم يحفظ إنما قال : " . . من أن يمتلئ شعرا هجيت به (2) " . =========================================================================== (1) ص 513 ، 514 ج‍ 4 تفسير ابن كثير . (2) اتخذ الذين لا يعلمون قول أبى هريرة هذا حجة على أن النبي صلوات الله عليه كان يكره الشعر ، وفشا ذلك بين المسلمين وغير المسلمين ، في حين أنا نجده صلى الله عليه وسلم كان يصغى إلى الشعر ويمدحه ويثيب عليه ، فقد روى أبى بن كعب أن رسول الله قال إن من الشعر حكمة وأخرج أبى داود عنه صلى الله عليه وسلم = (*) =========================================================================== [ 211 ] حفظ الوعاءين : أخرج البخاري عن أبى هريرة قال : حفظت عن رسول الله وعاءين (1) فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم . وهذا الحديث معارض بحديث رواه الجماعة (2) بألفاظ متقاربة عن على رضى الله عنه ، فقد سئل : هل عندكم كتاب ؟ فقال : لا ، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة . وكذلك يعارضه ما رواه البخاري عن عبد العزيز بن رفيع قال : دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس فقال له شداد ، أترك النبي من شئ ؟ فقال : ما ترك إلا ما بين الدفتين . ولو كان هناك شئ يؤثر به النبي (صلى الله عليه وسلم) أحد خواصه ويحجبه عن سائر أصحابه ، لكان على أول الناس جميعا بذلك ، ذلك بأن ربيبه وابن عمه وأول من أسلم وزوج إبنته ، ولم يفارقه لا في سفر ولا في حضر ، وشهد معه المشاهد كلها - سوى تبوك - ولما استخلفه النبي فيها على المدينة قال له على : أتخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال له النبي : أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى ؟ ! إلا أنه لا نبى بعدى ، رواه البخاري والترمذي . حقا كان على أولى الناس جميعا بذلك ، فإن لم يكن على فالصديق أبو بكر أو عمر ، أو أبو عبيدة أو الزبير حواريه وابن عمته أو عائشة أحب أزواجه إليه بعد خديجة ، أو العاقلة الرزينة أم سلمة أو ابن مسعود الذى قال له النبي : أذنك على أن ترفع الحجاب وتسمع سوادى أي سرارى ، حتى كانوا لشدة ملازمته للنبي (صلى الله عليه وسلم) لا يرون إلا أنه رجل من أهل بيته صلى الله عليه وسلم ، وعرف بين الصحابة جميعا بأنه صاحب السواد والوساد ، الذى لا يعرفه غيره رضى الله عنهم جميعا . =========================================================================== = " إن من البيان سحرا ، وإن من العلم جهلا ، وإن الشعر حكمة " ، ورواية البخاري في الادب المفرد وأبى داود والترمذي وابن ماجة " إن من الشعر حكما " ، واستشهد صلى الله عليه وآله من شعر أمية بن أبى الصلت . (1) في رواية أخرى جرابين وفي ثالثة ثلاثة أجربة . (2) الجماعة أحمد والشيخان وأصحاب السنن . (*) =========================================================================== [ 212 ] كان هؤلاء هم أولى الناس بأن يؤثرهم النبي بما لا يريد أن يظهره لاحد من سائر أصحابه ، وإذا كان هناك أمر يريد أن يسره لاحد من خواصه . ومن هو أبو هريرة حتى يؤثره النبي بشئ يخصه به ويكتمه ويخفيه عن أصفيائه وأحبابه وأقرب الناس إليه ؟ ! إنه لم يكن له أي فضل يدنو به إلى النبي - ولا عد بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الاعلى من أية طبقة (1) من طبقات الصحابة ، فلا هو من السابقين الاولين ولا من المهاجرين ، ولا من الانصار ، ولا من المجاهدين بأموالهم أو بأنفسهم (2) ولا في النقباء ، ولا من العرفاء ، ولا من الكملة في الجاهلية وأول الاسلام ، ولا من شعراء النبي الذين نافحوا عنه ولا من المفتين ، ولا من القراء - الذين حفظوا القرآن - ولا جاء في فضله حديث عن الرسول (3) ، وكل ما عرف عنه أنه كان من أهل الصفة لا أكثر ولا أقل ! تشيع أبى هريرة لبنى أمية : علمت مما كشفناه لك من تاريخ أبى هريرة أنه لم يصاحب النبي إلا على ملء بطنه ، كما ذكر هو مرارا عن نفسه ، وأنه قد اتخذ الصفة ملاذا له لفقره ، يأكل فيها كما يأكل سائر أهلها ، أو يأكل عند النبي أو عند أحد أصحابه . ومن كان هذا شأنه لا يكون ولا جرم إلا من عامة الصحابة لا شأن له ولا خطر ، وقد ظل على ذلك زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر - ثم أخذ يظهر في زمن عثمان بعد انزوائه ، ويبدو للناس بعد خفائه . =========================================================================== (1) قسموا الصحابة من حيث فضلهم إلى إثنتى عشرة درجة . فما وجدناه في واحدة منها ! وهى (1) قدماء السابقين الذين أسلموا بمكة (2) أصحاب دار الندوة (3) مهاجرة الحبشة (4) أصحاب العقبة الاولى (5) أصحاب العقبة الثانية (6) أول المهاجرين الذين وصلوا إلى النبي بقباء قبل أن يدخل المدينة (7) أهل بدر (8) المهاجرون بين بدر والحديبية (9) أهل بيعة الرضوان (10) من هاجر بين الحديبية وفتح مكة (11) مسلمة الفتح (12) صبيان - وأطفال رأوا رسول الله يوم الفتح وفي حجة الوداع ، ويصح أن نعده في هذه الطبقة مع الصبيان - ص 69 و 70 ج‍ 1 الروض الباسم للوزير اليماني . (2) أثبت التاريخ أنه فر يوم مؤتة ولما عيروه بذلك لم يحر جوابا . (3) روى البخاري وغيره أحاديث كثيرة في فضل طائفة كبيرة من أجلاء الصحابة لم نر بينهم أبا هريرة . (*) =========================================================================== [ 213 ] ولما شبت نار الحزب بين على رضى الله عنه وبين معاوية ، وإن شئت فقل لما انبعث الصراع بين الاموية والهاشمية (1) بعد أن توارى - فرقا من القوة - في زمن النبي وخليفتيه أبى بكر وعمر ، وانقسم المسلمون فرقا اتجه أبو هريرة إلى الناحية التى يميل إليها طبعه ، وتتفق مع هوى نفس - وهى ناحية معاوية - إذ كانت تملك من أسباب السلطان والترف والمال والنعيم ما لم تملك ناحية على التى ليس فيها إلا الفقر والجوع والزهد - وليس بغريب على من نشأ نشأة أبى هريرة وعاش عيشته ، أن يتنكب الطريق التى تؤدى إلى على ، وأن يتخذ سبيله إلى معاوية ليشبع نهمه من ألوان موائده الشهية ، ويقضى وطره من رفده وصلاته وعطاياه السنية . وإذا كان قد بلغ من فاقة أبى هريرة وجوعه أن يخر مغشيا عليه (2) ، فيضع الناس أرجلهم على عنقه ! فهل تراه يدع دولة بنى أمية ذات السلطان العريض والاطعمة الناعمة ، وينقلت إلى على الزاهد الفقير الذى كان طعامه القديد ؟ إن هذا لمما تأباه الطباع الانسانية ، ولا يتفق والغرائز النفسية ! اللهم إلا من عصم ربك ، وقليل ما هم . ولقد عرف بنو أمية صنيعه معهم ، وقدروا موالاته لهم ، فأغدقوا عليه من أفضالهم ، وغمروه برفدهم وأعطيتهم ! فلم يلبث أن تحول حاله من ضيق إلى سعة ، ومن شظف العيش إلى دعة ، ومن فقر إلى ثراء ، وبعد أن كان يستر جسمه بنمرة بالية (3) صار يلبس الخز والكتان الممشق (4) . ولقد كانت أول لفتة من عين الامويين إلى أبى هريرة لقاء مناصرته إياهم أن =========================================================================== (1) ارجع إلى كتابنا المطول عن أبى هريرة تجد فيه فصلا خاصا عنوانه " كيف قامت دولة بنى أمية " . (2) من قول أبى هريرة - كما روى البخاري : لقد رأيتنى وإنى لاخر فيما بين منبر رسول الله إلى حجرة عائشة مغشيا على ، فيجئ الجائى فيضع رجله على عنقي ويرى أنى مجنون - وما بى من جنون - ما بى إلا الجوع . (3) ومن قوله - كما جاء في الحلية - نزعت نمرة على ظهرى فبسطتها بين يديه صلى الله عليه وآله كأنى أنظر إلى القمل يدب عليها ، وهذه النمرة كان يربطها في عنقه فتبلغ ساقيه فيجمعها بيده لئلا تبدو عورته . (4) في طبقات ابن سعد أن أبا هريرة كان يلبس الخز والساج المزرور بالديباج ، وروى البخاري أنه كان يلبس الكتان الممشق . (*) =========================================================================== [ 214 ] ولاه بسر بن أرطأة على المدينة بعد أن بعثه معاوية إلى أهل الحجاز يفعل فعلاته بهم وبأموالهم وذراريهم - وكذلك كان مروان ينيبه عنه على ولاية المدينة ، ثم زادت أياديهم عليه فبنوا له قصرا بالعقيق وأقطعوه أرضا بالعقيق وبذي الحليفة ، ولم يكتفوا بذلك بل زوجوه بسرة بنت غزوان أخت الامير عتبة بن غزوان وهى التى كان يخدمها أيام عريه وفقره بطعام بطنه (1) . ولقد استخفه أشره وزهوه ، ونم عليه أصله ونحيزته ، فخرج عن حدود الادب والوقار مع هذه السيدة الكريمة ، فكان يقول بعد هذا الزواج الذى ما كان ليحلم به : " إنى كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني ، فكنت إذا ركبوا سقت بهم وإذا نزلوا خدمتهم - والآن تزوجتها ، فأنا الآن أركب فإذا نزلت خدمتني ! " ويقول : وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت فقالت لا أريم حتى تجعل لى عصيدة ! فها أنا إذا أتيت على نحو من مكانها قلت لها : لا أريم حتى تجعلي لى عصيدة ! ومما أخرجه ابن سعد أنه قال : أكريت نفسي من ابنة غزوان على طعام بطني وعقبة رجلى . . فكانت تكلفني أن أركب قائما وأورد حافيا ، فلما كان بعد ذلك زوجنيها الله فكلفتها أن تركب قائمة وأن تورد حافية (2) . ولم يكن ما قدم أبو هريرة لمعاوية جهادا بسيفه أو بماله ، وإنما كان جهاده أحاديث ينشرها بين المسلمين يخذل بها أنصار على ويطعن فيها عليه ، ويجعل الناس يبرءون منه ، ويشيد بفضل معاوية ودولته . وقد كان مما رواه أحاديث في فضل عثمان ومعاوية وغيرهما ممن يمت بأواصر القربى إلى آل أبى العاص وسائر بنى أمية . روى البيهقى عنه أنه لما دخل دار عثمان وهو محصور ، استأذن في الكلام ولما أذن له قال : إنى سمعت رسول الله يقول ، إنكم ستلقون بعدى فتنة واختلافا ، =========================================================================== (1) مما يدل على أن أبا هريرة قد ظل على فقره وعريه إلى أواخر عهد عمر - أن عمر قال له عندما استدعاه من البحرين لما أتى أشياء استوجبت عزله وكان قد ولاه عليها سنة 21 ه‍ : هل علمت من حين أنى استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين ! ! (2) انظر إلى هذا الكلام الذى تعرى عن كل مروءة وكرم - فتجده يباهى بامتهان زوجه والتشفي منها - وهل يفعل مثل ذلك رجل كريم . (*) =========================================================================== [ 215 ] فقال له قائل من الناس فمن لنا يا رسول الله ؟ . . أوما تأمرنا ؟ فقال : عليكم بالامين وأصحابه ، وهو يشير إلى عثمان ، وقد أورده أحمد بسند جيد . ولما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال (1) : أصبت ووفقت ! أشهد لسمعت رسول الله يقول : إن أشد أمتى حبا لى ، قوم يأتون من بعدى يؤمنون ولم يرونى ، يعملون بما جاء في الورق المعلق . . حتى رأيت المصاحف . قال فأعجب ذلك عثمان ، وأمر لابي هريرة بعشرة آلاف . وهذا الحديث من غرائبه ، وهو ينطق ولا ريب بأنه ابن ساعته . ومما وضعه في معاوية ما أخرجه الخطيب عنه : ناول النبي صلى الله عليه وسلم معاوية سهما فقال : خذ هذا السهم حتى تلقاني به في الجنة . وأخرج ابن عساكر وابن عدى والخطيب البغدادي عنه : سمعت رسول الله . يقول : إن الله ائتمن على وحيه ثلاثة : أنا وجبريل ومعاوية ، وفي رواية أخرى (2) عن أبى هريرة مرفوعا : الامناء ثلاثة ، جبريل وأنا ومعاوية . ونظر (أبو هريرة) إلى عائشة بنت طلحة وكانت مشهورة بالجمال الفائق - فقال : سبحان الله ، ما أحسن ما غذاك أهلك ! والله ما رأيت وجها أحسن منك إلا وجه معاوية على منبر رسول الله (3) . والاخبار في ذلك كثيرة . ولقد بلغ من مناصرته لبنى أمية أنه كان يحث الناس على ما يطالب به عمالهم من صدقات ، ويحذرهم أن يسبوهم . قال العجاج الراجز : قال لى أبو هريرة : ممن أنت ؟ قلت : من أهل العراق ، قال : يوشك أن يأتيك بقعان الشام (4) فيأخذوا صدقتك ، فإذا أتوك فتلقهم بها فإذا دخلوها فكن في أقاصيها ، وخل عنهم وعنها ، وإياك أن تسبهم فإنك إن سببتهم =========================================================================== (1) ص 216 ج‍ 7 البداية والنهاية لابن كثير (2) ص 120 ج‍ 8 البداية والنهاية لابن كثير (3) ص 109 ج‍ 6 من العقد الفريد (4) بقعان الشام خدمهم وعبيدهم ومماليكهم . (*) =========================================================================== [ 216 ] ذهب أجرك وأخذوا صدقتك وإن صبرت جاءت في ميزانك يوم القيامة (1) . وضعه أحاديث على على : قال أبو جعفر الاسكافي (2) إن معاوية حمل قوما من الصحابة ، وقوما من التابعين ، على رواية أخبار قبيحة على على تقتضي الطعن فيه ، والبراءة منه ، وجعل لهم في ذلك جعلا ، فاختلقوا له ما أرضاه ، منهم أبو هريرة ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير . وروى الاعمش : لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة (3) جاء إلى مسجد الكوفة فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مرارا وقال : يا أهل العراق أتزعمون أنى أكذب على الله ورسول الله (4) وأحرق نفسي بالنار . والله لقد سمعت رسول الله يقول : لكل نبى حرما وإن حرمى بالمدينة ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها . فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة . على أن الحق لا يعدم أنصارا ، وأن الصحابة إذا كان فيهم مثل أبى هريرة ممن يستطيع معاوية أن يستحوذ عليه ، فإن فيهم كثرة غالبة لا يستهويها وعد ، ولا يرهبها وعيد . فقد روى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمر بن عبد الغفار أن أبا هريرة ، لما قدم الكوفة مع معاوية ، كان يجلس بالعشيات بباب كندة ويجلس الناس إليه ، فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه فقال : يا أبا هريرة ، أنشدك الله ، أسمعت رسول الله يقول لعلى بن أبى طالب ، اللهم وال من والاه =========================================================================== (1) ص 572 الشعر والشعراء لابن قتيبة . (2) ص 358 ج‍ 1 شرح نهج البلاغة . (3) هو العام الذى نزل فيه الحسن رضى الله عنه عن الحكم إلى معاوية حقنا لدماء المسلمين سنة 41 ه‍ وسموه عام الجماعة وهو في الحقيقة كان عام الفرقة . (4) يدل هذا القول على أن كذب أبى هريرة على النبي قد اشتهر حتى عم الآفاق - لانه قال ذلك وهو بالعراق . وإن الناس جميعا كانوا يتحدثون عن هذا الكذب في كل مكان . (*) =========================================================================== [ 217 ] وعاد من عاداه ؟ فقال : اللهم نعم . فقال : فأشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت وليه ، ثم قام عنه - بعد أن لطمه هذه اللطمة الاليمة . وروى مسلم : أن معاوية بن أبى سفيان قال لسعد بن أبى وقاص : ما يمنعك أن تسب أبا تراب (1) ؟ فقال : أما ذكرت ثلاثا قالهن له الرسول ؟ فلن أسبه - لان تكون لى واحدة منهن أحب إلى من حمر النعم ! سمعت رسول الله يقول له ، لما خلفه في بعض مغازيه (2) يا رسول الله : خلفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول الله : " أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه لا نبوة بعدى " وسمعته يقول يوم خيبر ، " لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله " ، فتطاولنا لها فقال : ادعوا عليا فأتى به أرمد . فبصق في عينيه ، ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه - ولما نزلت هذه الآية " قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم " الآية دعا رسول الله - عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وقال : اللهم هؤلاء أهلى . ومن فضائل على أن النبي قال له : أنت منى وأنا منك . وقال له : من كنت مولاه فعلي مولاه . وقال أحمد بن حنبل ما بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا عن على . وقال هو والنسائي والنيسابوري وغيرهم : لم يرد في حق أحد من الصحابة بالاسانيد الجياد أكثر مما جاء فيه . وأخرج مسلم عن على : والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد إلى : " أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " وقد جمع النسائي في مناقبه كتاب الخصائص . سيرته في ولايته : استعمل عمر أبا هريرة على البحرين حوالى سنة 21 ه‍ ثم بلغه عنه أشياء تخل بأمانة الوالى العادل فعزله وولى مكانه عثمان بن أبى العاص الثقفى - واستدعاه وقال =========================================================================== (1) أبو تراب هو على رضى الله عنه - وكان مما فعله معاوية ومن جاءوا بعده من ملوك بنى أمية أن طلبوا من الناس أو ألزموهم أن يسبوا عليا ويلعنوه على المنابر ، وظلت هذه السنة السيئة حتى أبطلها عمر ابن عبد العزيز رحمه الله . (2) هي غزوة تبوك . (*) =========================================================================== [ 218 ] له : هل علمت من حين أنى استخلفتك على البحرين وأنت بلا نعلين ! ثم بلغني أنك ابتعت أفراسا بألف دينار وستمائة دينار ! ! فقال : كانت لنا أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت ! قال : قد حسبت لك رزقك ومؤونتك ، وهذا فضل فأده . فقال له : ليس لك ذلك ! فأجابه عمر : بلى والله وأوجع ظهرك ، ثم قام إليه بالدرة فضربه حتى أدماه . ثم قال له : إئت بها - قال : احتسبتها . فقال له عمر : ذلك لو أخذتها من حلال وأديتها طائعا ! أجئت من أقصى حجر بالبحرين يجبى الناس لك ، لا لله ولا للمسلمين ؟ ما رجعت بك أميمة (أم أبى هريرة) إلا لرعية الحمر (1) . وفي رواية عن أبى هريرة نفسه : أن عمر قال : يا عدو الله وعدو كتابه ، سرقت مال الله ، من أين اجتمعت لك عشرة آلاف . ونكتفى بما أوردناه ففيه بلاغ . وفاته : مات أبو هريرة سنة 59 ه‍ عن ثمانين سنة بقصره بالعقيق وحمل إلى المدينة ودفن بالبقيع وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبى سفيان ، وكان يومئذ أميرا على المدينة تكريما له . ولما كتب الوليد إلى عمه معاوية ينعى له أبا هريرة أرسل إليه معاوية " انظر من ترك ، وادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم وأحسن جوارهم وافعل إليهم معروفا " . وهكذا يترادف رفدهم له حتى بعد وفاته . كلمة مجملة فيه : وإذ وصلنا من تاريخ أبى هريرة إلى هنا ، فإنا نردف ما سقناه بكلمات للعالم الكبير المحدث السيد رشيد رضا رحمه الله (1) قالها في أبى هريرة : كان إسلامه في سنة 7 ه‍ فصحب رسول الله ثلاث سنين ونيفا ، فأكثر أحاديثه لم يسمعها من النبي ، وإنما سمعها من الصحابة والتابعين ، فإذا كان جميع =========================================================================== (1) أي ما ولدتك أمك إلا لرعية الحمر . وانظر هل تجد عمر يخاطب غير أبى هريرة بمثل هذه اللهجة القاسية التى تنم عن الاحتقار الشديد ، وأى احتقار أبلغ من أن يصفه بأنه لا يصلح إلا لرعية الحمر . . والحقيقة أنه صحب النبي عاما وتسعة أشهر (راجع كتابنا شيخ المضيرة) . (*) =========================================================================== [ 219 ] الصحابة عدولا في الرواية - كما يقول جمهور المحدثين ، فالتابعون ليسوا كذلك ، وقد ثبت أنه كان يسمع من كعب الاحبار ، وأكثر أحاديثه عنعنة ، على أنه صرح بالسماع (1) في حديث " خلق الله التربة يوم السبت " وقد جزموا بأن هذا الحديث أخذه من كعب الاحبار (2) . وقال : إنه يكثر في أحاديثه الرواية بالمعنى والارسال (3) لان الكثير منه قد سمعه من الصحابة وكذا بعض التابعين - ورواية الحديث بالمعنى كانت مثارا لمشكلات كثيرة . وقال : إنه انفرد بأحاديث كثيرة كان بعضها موضع الانكار أو مظنته لغرابة موضوعها كأحاديث الفتن وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم ببعض المغيبات التى تقع بعده ، ويزاد على ذلك أن بعض تلك المتون غريب في نفسه ، ولو انفرد بمثله غير صحابي لعد من العلل التى يتثبت بها في روايته - كما هو المعهود عند نقاد الحديث ، أهل الجرح والتعديل (4) ولذلك نرى الناس ما زالوا يتكلمون في بعض روايات أبى هريرة (5) . وقد أخرج البخاري لابي هريرة 446 حديثا في صحيحه وأخرج لابن عباس 217 حديثا . وهذا القدر من روايتهما للاصول الموصولة من الاحاديث لم ينفردا به ، وإنما شاركهما في رواية الكثير منه غيرهما ، ولو أحصينا ما انفرد بروايته أبو هريرة وحده من أحاديث الاحكام الشرعية لرأيناه قليلا جدا ، وعلمنا أنه لو لم يروه =========================================================================== (1) أي أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . (2) يثبت السيد رحمه الله وهو المحدث الكبير بل شيخ المحدثين في هذا العصر - كما يثبت غيره أنه غير صادق في إدعائه أنه سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم . وقد مر بك نص هذا الحديث وقصته ص 43 ج‍ 29 مجلة المنار . (3) الحديث المرسل الذى لا يذكر فيه اسم الصحابي الذى سمعه من النبي صلى الله عليه وآله . (4) ولكن أنى لانسان مهما كان أن يجرؤ على تجريح أبى هريرة وقد أوصدوا باب الجرح والتعديل دون الصحابة جميعا وفتحوه على مصراعيه ليدخل فيه الناس كافة ، ولو نفذ الجرح والتعديل إلى الصحابة لاستفاد الاسلام فوائد جليلة . (5) ص 97 ج‍ 19 مجلة المنار . (*) =========================================================================== [ 220 ] لما نقصت كتب الاحكام شيئا كثيرا ، وأن ما عسى أن تنقصه يمكن أن يعرف حكمه من قواعد الشريعة الثابتة وأصولها القطعية ، كقاعدة رفع الحرج والعسر ، وإثبات اليسر وترجيحه ، وقاعدة كون الاصل براءة الذمة ، وكون الاصل في كل الخبائث والمضرات الحرمة ، وفى كل الطيبات الحل ، وكون الضرورات تبيح المحظورات وغير ذلك (1) . وقال وهو يبين أن بطلى الاسرائيليات وينبوعي الخرافات هما كعب الاحبار ووهب بن منبه : " وما يدرينا أن كل الروايات - أو الموقوفة منها - ترجع إليهما ، فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يذكرون ما يسمع بعضهم من بعض ومن التابعين على سبيل الرواية والنقل ، بل يذكرونه بالمناسبات من غير عزو غالبا ، وكثير من التابعين كذلك ، بل أكثر ما روى عن أبى هريرة من الاحاديث المرفوعة لم يسمعه منه صلى الله عليه وسلم ، ولذلك روى أكثره عنه بالعنعنة أو بقوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقله بلفظ سمعت رسول الله يقول كذا (2) ، وقد روى عن بعض الصحابة وعن بعض التابعين وثبت أنه روى عن كعب الاحبار . ومن هنا نجزم بأن موقوفات الصحابة التى لا مجال فيها للاجتهاد والرأى لا يكون لها قوة المرفوع - كما قال المحدثون إلا إذا كانت ليست من قبيل الاسرائيليات (3) . هذه ترجمة مختصرة لابي هريرة التزمنا فيها الناحية التقريرية ولم نسلك الطريقة التحليلة والموضوعية ، التي لا تكمل التراجم الصحيحة إلا بها ، ولا تتم دراسة الرجال والاحداث إلا باتباعها ، ذلك بأننا لم نصل بعد إلى احتمال سطوتها ، وبخاصة إذا كان الامر يتصل بأحد الصحابة الذين قالوا فيهم " إنهم كلهم عدول " فلا يجوز لاحد =========================================================================== (1) ص 101 من المصدر نفسه ، ويلاحظ أن السيد قال هذا الكلام في رد له على دعاة النصرانية الذين انتقدوا أبا هريرة ، ولذلك نجد فيه روح الدفاع عن أبى هريرة ظاهرة . (2) ولقد علمت قيمة صحة روايته فيما قال " إنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم من قبل في حديث خلق الله التربة يوم السبت ! (3) 476 ج 9 من تفسير المنار . (*) =========================================================================== [ 221 ] أن ينتقد بالعلم والبرهان والحجة أحدا منهم ، لا في روايته ولا في شهادته ، ولا في سيرته ، ومما قالوه في ذلك أيضا " إن بساطهم قد طوى " كأن العدالة موقوفة عليهم وحدهم وكأنهم في ذلك قد ارتفعوا عن درجة الانسانية ، فلا يعتريهم ما يعترى كل إنسان من سهو أو خطأ ، أو وهم أو نسيان - ولا نقول الكذب والبهتان ! على أننا لو سلمنا لهم بأن كل صحابي معصوم فيما يقع فيه غيره من بنى الانسان وأنه لا ينسى ولا يخطئ ولا يهم ، ولا يعتريه سوء فهم أو غلط ، وأنه لم يكن في الصحابة منافقون ، ولم يرتكب أحد منهم كبيرة ولا صغيرة ولا وقع بينهم ما وقع ، ولا ارتد بعضهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا غير ذلك كله مما حملته كتب التاريخ الصحيحة عنهم - فإن أمر أبى هريرة يباين أمر الصحابة جميعا ، فقد جرحه كبار الصحابة ومن جاء بعدهم وشكوا في روايته ، كما أبنا ذلك من قبل وبخاصة في كتابنا المطول عنه . ويعجبنى قول علماء الكلام - أصحاب العقول الصريحة - في هذا الامر نفسه ، فقد جاءت عنهم هذه الكلمة الحكيمة وهى " ومن عجيب شأنهم - أي رجال الحديث - أنهم ينسبون (الشيخ) (1) إلى الكذب ولا يكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدثون - بقدح يحيى بن معين وعلى بن المدينى وأشباههما (2) ويحتجون بحديث أبى هريرة فيما لا يوافقه عليه أحد من الصحابة ، وقد أكذبه عمر وعلى وعثمان وعائشة (3) . وما بيناه من تاريخ أبى هريرة قد سقناه لك على حقيقته ، وأظهرنا شخصيته كما خلقها الله ولم نأت فيها بشئ من عند أنفسنا ، بل أتينا بالروايات الصحيحة فيها ، ورجعنا إلى مصادر ثابتة لا يرقى الشك إليها ، ولا يدنو الريب منها وعلى أننا قد طوينا كثيرا مما أثبته التاريخ الصحيح ، لان بعض الناس في دهرنا لا يزالون يخشون سطوة الحق ، ولا يحتملون قوة البرهان . وأبو هريرة لم يكن له - كما قلنا - أي شأن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم =========================================================================== (1) ليس المراد به شيخا معينا ، بل المراد به أي شيخ من الاشياخ . (2) أي علماء الجرح والتعديل . (3) ص 10 و 11 من كتاب تأويل مختلف الحديث . (*) =========================================================================== [ 222 ] ولا في عهد الخلفاء الاربعة ، ولم يستطع أن يفتح فاه بحديث واحد إلا بعد قتل عمر ، ولم يجرؤ على الفتوى إلا بعد الفتنة الاولى (1) وهى قتل عثمان وعلو شأن بنى أمية ، وناهيك بالبخارى فإنه لم يذكره بين الصحابة الذين جاءت في فضلهم أحاديث عن رسول الله . على أنه لا يفوتنا أن نذكر أن فيما رواه أحاديث يبدو منها شعاع من نور النبوة ، ينفذ إلى القلوب السليمة ، ولعلها مما يكون قد سمعه (وضبطه) والحديث الصحيح له ضوء كضوء النهار . أمثلة مما رواه أبو هريرة : أخرج البخاري ومسلم عنه قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام فلما جاءه صكه (2) فرجع إلى ربه ! فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، فرد الله عليه عينيه ! وقال ارجع فقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنة ! قال : أي رب ، ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت ، قال : فالآن فاسأل الله أن يدنيه من الارض المقدسة رمية حجر ! قال رسول الله : فلو كنت ثم لاريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الاحمر ! ! وفى رواية لمسلم قال : فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها . =========================================================================== (1) قال ابن سعد وهو يترجم لابن عباس ما يلي : عن زياد بن مينا كان ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدرى وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله ورافع بن خديج وسلمة بن الاكوع أبو واقد الليثى وعبد الله بن بحينة مع أشباه لهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتون بالمدينة ويحدثون عن رسول الله من لدن توفى عثمان إلى أن توفوا ، وإذا رجعت إلى من كانوا يفتون على عهد رسول الله وعهد صاحبيه أبى بكر وعمر ، فإنك لا تجد أبا هريرة بينهم ، وكذلك لم نجد أحدا من الصحابة كان يرجع إليه في شئ إلا بعد موت عثمان ، وكانت عائشة تفتى في خلافة أبى بكر وعمر وعثمان وعلى إلى أن ماتت ، وكان الاكابر من أصحاب رسول الله يسألونها عن السنن . (2) لما أورد الثعالبي في كتابه " ثمار القلوب " هذا الخبر تحت عنوان " لطمة موسى " قال : ومن أساطير الاولين ، أن موسى سأل ربه إلخ القصة ومما قاله : إن ملك الموت أعور حتى قيل فيه : يا ملك الموت لقيت منكرا * لطمة موسى تركتك أعورا ! ! وختم الثعالبي قوله بهذه العبارة " وأنا برئ من عهدة هذه الحكاية " . وله الحق في هذه البراءة . (*) =========================================================================== [ 223 ] وفى تاريخ الطبري عن أبى هريرة أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه ، ومن بعد حادثة موسى - يأتي الناس خفيا اه‍ وإن رائحة الاسرائيلية لتفوح من هذا الحديث ! وأخرجا كذلك عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : تحاجت الجنة والنار ! فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين . وقالت الجنة مالى لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس وسقطتهم ! قال الله تبارك وتعالى للجنة : أنت رحمتى أرحم بك من أشاء من عبادي ، وقال للنار : إنما أنت عذاب أعذب بك من أشاء من عبادي ، ولكل واحدة ملؤها ، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله فتقول قط ، قط ، فهناك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض وروى البخاري عنه " ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع " . وأخرج أوله مسلم عنه مرفوعا ، وزاد : وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام . وروى البخاري وابن ماجة عنه عن النبي : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم يطرحه فإن أحد جناحيه داء والآخر شفاء (1) . وروى الطبرنى في الاوسط عنه عن النبي : أتانى ملك برسالة من الله عزوجل ، ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والاخرى في الارض لم يرفعها . وروى الترمذي عنه قال رسول الله : العجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السم . وروى الحاكم وابن ماجة من حديثه بسند صحيح : خمروا الآنية وأوكئوا الاسقية وأجيفوا الابواب واكفتوا صبيانكم عن النساء فإن للجن انتشارا وخطفة ، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد ، فإن الفويسقة (أي الفأرة) ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت . =========================================================================== (1) نص هذا الحديث : إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه ، فإن في أحد جناحيه داء وفى الآخر شفاء . رواه البخاري وابن ماجة عن أبى هريرة ، وفى رواية بزيادة " فإنه يتقى بجناحه الذى فيه الداء . وفى رواية ثالثة : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله منه فإن في أحد جناحيه سما وفى الآخر شفاء وأنه يقدم السم ويؤخر الشفاء . وفى رواية رابعة إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله أو ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفى الآخر داء . وفى رواية خامسة : فإنه يتقى بجناحه الذى فيه الداء فليغمسه كله . (*) =========================================================================== [ 224 ] وروى مسلم عنه أن رسول الله قال : إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة . وروايات أبي هريرة من هذا القبيل ، وأدهى منه تفهق الكتب بها ولا نستطيع إيرادها هنا لان ذلك يحتاج إلى مجلدات برأسها . ما رواه كبار الصحابة : علمت مما تقدم أن أبا هريرة روى عن رسول الله 5374 روى البخاري منها 446 على حين أنه لم يصاحب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلا عاما وبضعة أشهر - وبقي أن تعرف مقدار ما رواه الذين سبقوه بالايمان وكانوا أدنى منه إلى رسول الله وأعلم بالدين وأبعد في الفضل والجهاد من المهاجرين والانصار وغيرهم وقضوا مع الرسول سنين طويلة - لنرى كم روى كبارهم من أحاديث رسول الله . ما رواه أبو بكر : فهذا أبو بكر أول الرجال إسلاما بعد على ، وشيخ الصحابة جميعا وقضى مع النبي ما قضى بمكة والمدينة وكان نسابة العرب ، ترى كم من حديث رواه ؟ قال النووي في تهذيبه : روى الصديق عن النبي 142 حديثا ، أورد السيوطي منها في تاريخ الخلفاء 104 وله في البخاري 22 حديثا . ما رواه عمر : أسلم سنة ست وظل مع النبي إلى آخر حياته (صلى الله عليه وسلم) ومن قوله : كنت وجارا من الانصار نتناوب النزول على رسول الله ، ينزل يوما ، وأنزل يوما ، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحى وغيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك - وبرغم ذلك كله لم يصح عنه إلا حوال خمسين حديثا كما أثبت ذلك ابن حزم . ما رواه على : أول من أسلم وتربى في حجر النبي وعاش تحت كنفه من قبل البعثة وظل معه إلى أن انتقل النبي إلى الرفيق الاعلى لم يفارقه لا في سفر ولا في حضر وهو ابن عمه وزوج =========================================================================== [ 225 ] ابنته فاطمة الزهراء ، شهد المشاهد كلها سوى تبوك فقد استخلفه النبي فيها على المدينة فقال : يا رسول الله ، أتخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال رسول : أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه لا نبى بعدى . هذا الامام الذي لا يكاد يضارعه أحد من الصحابة جميعا في العلم - قد أسندوا له كما روى السيوطي 58 حديثا ، وقال ابن جزم : لم يصح منها إلا خمسون حديثا لم يرو البخاري ومسلم منها إلا من عشرين حديثا . عثمان : أما عثمان فقد روى البخاري له تسعة أحاديث ومسلم خمسة . الزبير بن العوام روى له البخاري تسعة أحاديث ومسلم حديث . طلحة بن عبيدالله روى له البخاري أربعة أحاديث . عبد الرحمن بن عوف روى له البخاري تسعة أحاديث . أبى بن كعب له في الكتب الستة ستون حديثا ونيف . زيد بن ثابت روى له البخاري ثمانية أحاديث ، واتفق الشيخان على خمسة . سلمان الفارسي أخرج له البخاري 4 أحاديث ومسلم ثلاثة . . . إلخ . وقد ثبت أن كثيرا من الصحابة لم يرووا عن النبي شيئا ، منهم سعيد بن زيد ابن نفيل أحد العشرة وأبى بن عمارة . . . إلخ . أحاديث مشكلة قلنا من قبل : إن الرواية قد حملت عن رسول الله فيما حملت أحاديث كثيرة مشكلة وغريبة ، وإنا نورد هنا بعض هذه الاحاديث على طريق المثال لان استيعابها يحتاج إلى أسفار . عن ابن عباس أن الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء ، قلمه نور ، وكتابه نور ، عرضه ما بين السموات والارض ينظر فيه كل يوم نظرة ، أضواء على السنة المحمدية =========================================================================== [ 226 ] ويحيى ويميت ويعز ويذل ، ويفعل ما يشاء فذلك قوله " كل يوم هو في شأن " . رواه عبد الرزاق وابن المنذر والطبراني والحاكم . وروى الشيخان وبعض السنن والمسانيد والتفسير المأثور عن أبى ذر ، قال رسول الله لابي ذر حين غربت الشمس أتدرى أين تذهب ؟ قلت الله ورسوله أعلم ! قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ، فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها ، وتستأذن فلا يؤذن لها ، فيقال لها ارجعي من حيث شئت فتطلع من مغربها ، فذلك قوله تعالى : " والشمس تجرى لمستقر لها " . . . الآية . وروى مسلم في مقدمة كتابه عن عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب الزاملتين قال : إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان بن داود ، يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا . وروى البخاري في " باب الدواء بالعجوة للسحر " عن عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه قال ، قال النبي : " من اصطبح كل يوم تمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل - وفي رواية سبع تمرات عجوة - وكذا المسلم عن سعد بن أبى وقاص . وعند النسائي من حديث جابر : العجوة من الجنة وهى شفاء من السم . وأخرج الشيخان عن أبى هريرة إذا نودى للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه - وقال العلماء المحققون في شرح هذا الحديث : لئلا يسمع فيضطر أن يشهد له بذلك يوم القيامة . . . وروى مسلم عن أبى سفيان أنه قال للنبى : يا رسول الله أعطني ثلاثا ، تزوج ابنتى أم حبيبة ، وابنى معاوية اجعله كاتبا ، وأمرني أن أقاتل الكفار كما قاتلت المسلمين . . . وأم حبيبة تزوجها رسول الله وهو بالحبشة وأصدقها النجاشي ، وأبو سفيان أسلم عام الفتح وبين الهجرة والفتح عدة سنين . =========================================================================== [ 227 ] وروى مسلم عن عمرو بن الشريد قال : ردفت النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : هل معك من شعر أمية ؟ قلت : نعم ، فأنشدته مائة بيت ، فقال : لقد كاد يسلم في شعره . وروى أحمد في مسنده عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : صدق أمية في شئ من شعره ، وفي رواية قال رسول الله : صدق أمية ابن أبى الصلت في شئ من شعره فقال : زحل وثور تحت رجل يمينه * والنسر للاخرى وليث مرصد فقال رسول الله : صدق وقال : والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراء يصبح لونها يتورد تأتي فما تطلع لنا في رسلها (1) * إلا معذبة وإلا تجلد وهذا الحديث صحيح الاسناد وهو في مجمع الزوائد ، ورواه أبو يعلى والطبراني ورجاله ثقات . ولما اعترض عليه في قوله : " إلا معذبة وإلا تجلد " ! قال ابن عباس (2) والذى نفسي بيده ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك فيقولون لها : اطلعي ، اطلعي ! فتقول : لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله ! فيأتيها ملك فتشتعل لضياء بنى آدم ، فيأتيها شيطان فيريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تحتها ، وذلك قول رسول الله : ما طلعت شمس إلا بين قرنى شيطان ، ولا غربت إلا بين قرنى شيطان ، وما غربت الشمس قط إلا خرت ساجدة ، فيأتيها شيطان فيريد أن يصدها عن السجود فتغرب بين قرنيه فيحرقه الله تحتها . وروى الطبراني عن أبى أمامة ، أن الله وكل بالشمس تسعة أملاك يرمونها بالثلج كل يوم ، ولولا ذلك ما أتت على شئ إلا أحرقته . . وروى الشيخان واللفظ لمسلم عن أنس بن مالك : أن رجلا سأل النبي قال : =========================================================================== (1) رسلها ، الرسل الرفق التؤدة - ارجع إلى ص 7 ج 4 من تفسير ابن كثير . (2) ابن عباس هو من كبار تلاميذ كعب الاحبار ويلقب بحبر الامة ، وقد تهكم المعرى بأسلوبه اللاذع بهذا الحديث وجعله من أكاذيبهم التى يفترونها على النبي صلى الله عليه وآله فقال : (*) =========================================================================== [ 228 ] متى تقوم الساعة ؟ قال : فسكت رسول الله هنيهة ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة فقال : " إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة " قال أنس : ذاك الغلام من أترابي يومئذ . وقد مات أنس في سنة 93 ه‍ على المشهور وهو ترب الغلام الذى قال النبي إنه لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة ، وبذلك يكون قيام الساعة قبل انقضاء القرن الاول الهجرى (1) كما نص الحديث ! فما قول عباد الاسانيد ؟ ! لعل بعضهم ينبرى فيقول : وما يدريك لعل هذا الغلام لم يدركه الهرم إلى الآن ! ! حديث فيم يختصم الملا الاعلى : وروى أحمد في مسنده ، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خرج عليهم ذات غداة وهو طيب النفس مسفر الوجه فسئل عن السبب فقال : وما يمنعنى ! أتانى ربى عزوجل في أحسن صورة قال : يا محمد قلت لبيك ربى وسعديك ! قال : فيم يختصم الملا الاعلى ؟ قلت : لا أدرى أي ربى ! قال : فوضع كفيه بين كتفي فوجدت بردهما بين ثديى حتى تجلى لى ما في السموات وما في الارض ! ورواية الشهرستاني : لقيني ربى فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله . ثورالجنة : وفي بدائع الفوائد (2) لابن القيم ثبت عن النبي أن المؤمنين ينحر لهم يوم القيامة ثور الجنة الذى كان يأكل منها فيكون نزلهم ، قال ابن القيم : فهذا حيوان قد كان يأكل من الجنة فينحر نزلا لاهلها . =========================================================================== = وقد كذبوا حتى على الشمس أنها تهان إذا حان الشروق وتضرب ص 207 ج 1 من اللزوميات . (1) جاءت آثار أخرى عن عمر الدنيا تراها فيما بعد . (2) ص 177 ج 3 . (*) =========================================================================== [ 229 ] رؤية النبي لله 11 مرة ، والاسراء كان يقظة : قال القاضى (1) : نص أحمد على أن الاسراء كان يقظة ، وحكى له أن موسى ابن عقبة قال : أحاديث الاسراء منام فقال : هذا كلام الجهمية (2) - وقال أبو بكر النجار : رآه إحدى عشرة مرة ! تسع مرات ليلة المعراج حينما كان يتردد بين موسى وبين ربه عزوجل ، ومرتين بالكتاب . ملك من حملة العرش : في منتخب كنز العمال في سنن الاقوال والافعال : عن أنس عن النبي أذن لى أن أحدث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الارض السفلى وعلى قرنه العرش وبين شحمة أذنه وعاتقه خفقات الطير 700 عام يقول : أنت الملك سبحانك حيث كنت . الرعد : عن ابن عباس : الرعد ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله تعالى (3) - وعنه أيضا الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة والخنازير زمن بنى إسرائيل - وعنه : أول ما خلق الله من شئ " القلم " ، ثم خلق النون فكبس الارض على ظهر النون (4) الحجر الاسود : عن ابن عباس : الحجر الاسود يمين الله تعالى في الارض يصافح بها من يشاء =========================================================================== (1) ص 39 ج 4 من نفس المصدر (بدائع الفوائد) وفي البخاري من حديث شريك أن الاسراء كان مناما . (2) ص 455 ج‍ 2 . (3) ص 459 من نفس المصدر . (4) ص 449 من نفس المصدر . والنون هو الحوت . (*) =========================================================================== [ 230 ] من خلقه (1) وفي رواية أخرى عنه أنه قال : الحجر الاسود من الجنة ، وكان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا الشرك ، وقالوا إنه يأتي يوم القيامة ، وله لسان وشفتان ليشهد لمن استلمه بحق . وهذا الحديث إسرائيلى منقول عن وهب بن منبه الذى قال فيه : كان لؤلؤة بيضاء فسوده المشركون (2) . وقد استهزأ الجاحظ بهذا الحديث فقال : كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا . . . فضل بسم الله الرحمن الرحيم : عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله قال : لما نزل بسم الله الرحمن الرحيم هرب الغيم إلى المشرق وسكنت الرياح وهاج البحر ، وأصغت البهائم بآذانها ورجمت الشياطين من السماء ، وحلف الله تعالى بعزته وجلاله ألا يسمى اسمه على شئ إلا بارك فيه (3) . أحد حملة العرش : عن جابر قال رسول الله : " أذن لى أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام . رواه أبو داود والبيهقي . جبريل له سمائة جناح : وروى الامام أحمد عن عبد الله قال : رأى رسول الله جبريل في صورته له ستمائة جناح ، كل جناح منها يسد الافق ، يسقط من جناحه من الدر والياقوت ، ما الله به أعلم . (إسناده قوى) =========================================================================== (1) ص 271 من كتاب تأويل مختلف الحديث . (2) ص 368 من نفس المصدر . (3) ص 17 ج‍ 1 تفسيرا بن كثير . (*) =========================================================================== [ 231 ] وعن عبد الله بن مسعود قال : رأى رسول الله جبريل في حلة خضراء وقد ملا بين السماء والارض . (رواه مسلم) يكشف ربنا عن ساقه : روى الشيخان عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الله عزوجل يكشف عن ساقه . وفي البخاري عن أبى سعيد قال : سمعت النبي يقول : يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة . وقال ابن مسعود : يكشف الله عن ساقه اليمنى فيضئ من نور ساقه الارض . الشاة من دواب الجنة : وفي سنن ابن ماجة من حديث ابن عمر ، أن النبي قال : الشاة من دواب الجنة . قدم الجبار : في الصحيحين من حديث أنس ، أن النبي قال : لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول : هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فيزوى بعضها إلى بعض . شجرة في الجنة : روى البخاري عن ابن سعيد عن النبي قال : إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد ، أو المضمر السريع مائة عام ما يقطعها . وفي رواية : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ولا يقطعها . أصدق الحديث ما عطس عنده : رواه الطبراني في الاوسط والترمذي وغيرهما عن أنس . =========================================================================== [ 232 ] طوبى شجرة في الجنة : رواه أحمد وابن حبان وفي رواية ، طوبى شجرة في الجنة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت بالحلى والحلل ، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة . والمشكلات لا يمكن حصرها ، وبحسبك أن تجد الطحاوي قد ألف كتاب " مشكل الآثار " في أربعة مجلدات كبار ، ولم يستوعب فيها كل المشكلات . وهذا الكتاب طبع في الهند . أحاديث المهدى : مما يبدو من مشكلات الرواية تلك الاحاديث المختلفة التى جاءت في كتب السنة المشهورة عند الجمهور عن " المهدى المنتظر " والتى تذكر أنه يخرج في آخر الزمان ليملا الدنيا عدلا - كما ملئت جورا . وهو عند أهل السنة " محمد بن عبد الله " وفي رواية : أحمد بن عبد الله - والشيعة الامامية متفقون على أنه " محمد بن الحسن المهدى " من الائمة المعصومين ويلقبونه بالحجة والقائم المنتظر . وتقول الكيسانية : إن المهدى هو : محمد بن الحنفية وهو حى يقيم بجبل رضوى بين أسدين يحفظانه ، وعنده عينان نضاختان تفيضان ماء وعسلا ومعه أربعون . والمشهور في نسبه أنه علوى فاطمي من ولد الحسن ، وعند الشيعة الامامية أنه من ولد الحسين رضى الله عنهما . وقد قال الحكيم ابن خلدون (1) في مقدمته إن المشهور بين الكافة من أهل الاسلام على مر الاعصار ، أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ، ويظهر العدل ، ويتبعه المسلمون ، ويستولى على الممالك الاسلامية ويسمى " بالمهدي " ، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره ، وأن عيسى ينزل بعده فيقتل الدجال وينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته ، ويحتجون في =========================================================================== (1) ص 311 من طبعة بيروت . (*) =========================================================================== [ 233 ] الباب بأحاديث خرجها الائمة وتكلم فيها المنكرون لذلك ، وربما عارضوها ببعض الاخبار . . . إلخ) . وقد طعن ابن خلدون في أكثر أحاديث المهدى التى جاءت في كتب السنة عند الجمهور . أما الشيعة - وبخاصة الامامية فإن لهم أدلة يروونها عن أئمتهم وهم يعتمدون عليها في إثبات ظهور المهدى - ولكل قوم سنة وإمامها . المهدى العباسي : وهناك عدة أحاديث مصرحة بأنه سيكون من ولد العباس ، ولكثرة هذه الاحاديث نكتفي بالاشارة إليها ، ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إليها في مظانها . المهدى السفياني : وإذا كان للعلويين مهدى ، وللعباسيين آخر ، فلم لا يكون للامويين مهدى ثالث ! ما دام باب الوضع يسع كل ما يدخل فيه ، وبخاصة بعد أن أصبحوا من القوة والسلطان بحيث يتقرب الوضاعون إليهم لينالوا من عطائهم ، وقد جاءت آثار بأن لهم مهديا يسمى " السفياني " لا نطيل بذكر أخباره وما جاء فيه . الخلفاء الاثنا عشر : وإليك بعض ما جاء في الخلفاء الاثنى عشر ، لكى تقف على ناحية من نواحى الاختلاق في رواية الحديث وهو مما يعنينا في هذا البحث أما ما وراء ذلك فليس من غرضنا ولا من حقنا مناقشة الناس في معتقداتهم . جاءت أحاديث كثيرة تنبئ أن الخلفاء سيكونون اثنى عشر خليفة . وإنا نورد هنا ما وقفنا عليه من مختلف ألفاظها ، ولا نعرض لمعاني متونها ! روى الشيخان واللفظ للبخاري عن جابر بن سمرة : يكون اثنا عشر أميرا كلهم من قريش . =========================================================================== [ 234 ] ورواية مسلم : " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا وكلهم من قريش " . وفي رواية أخرى : " إن هذا الامر لا ينقضى حتى يمضى له فيهم اثنا عشر خليفة " . وفي رواية ثالثة : " لا يزال الاسلام عزيزا منيعا إلى اثنى عشر خليفة " . ووقع عند أبى داود بلفظ : " لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثنى عشر خليفة " . وفي حديث أبى جحيفة عند البزار والطبراني بلفظ " لا يزال أمر أمتى صالحا " وأخرج أبو داود عن جابر بن سمرة نحوه وزاد (1) . " فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا : ثم يكون ماذا ؟ فقال : الهرج " أي الفتنة والقتال . وعند أبى داود : " لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليهم الامة " . وعند أحمد : " لا تزال هذا الامر صالحا ، ورواية أخرى عنده ، لا يزال هذا الامر مرضيا ، وأخرجه الطبراني بلفظ " لا تضرهم عداوة من عاداهم " . ووقع عند أبى داود وأخرجه أحمد والبزار من حديث ابن مسعود ، أنه سئل كم يملك هذه الامة من خليفة ؟ قال : سألنا عنها رسول الله فقال : اثنا عشر كعدة نقباء نبى إسرائيل . وأخرج الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه : إذا ملك اثنا عشر من بنى كعب بن لؤى ، كان النقف والنقاف إلى يوم القيامة . وعن كعب الاحبار - ولا بد من كعب الاحبار ! ! ، وفي كل واد أثر من ثعلبة ! ! - يكون اثنا عشر مهديا ثم ينزل روح الله فيقتل الدجال . وعلى أن هذه الاحاديث قد جعلت الخلفاء اثنى عشر ، فقد رووا حديثا يعارض هذه الاحاديث جميعا ، وهو حديث سفينة الذى أخرجه أصحاب السنن =========================================================================== (1) يلاحط أن أكثر أحاديث المهدى التى جاءت في كتب السنة من رواية جابر بن سمرة . (*) =========================================================================== [ 235 ] وصححه ابن حيان وغيره " الخلافة بعدى ثلاثون سنة ثم يكون ملكا " . وكذلك أخرج أبو داود من حديث ابن مسعود رفعه " تدور رحى الاسلام لخمس وثلاثين سنة أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين ، فإن هلكوا فسبيل من هلك ، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما " زاد الطبراني والخطابى : فقالوا : سوى ما مضى ؟ قال : نعم . أقوال بعض العلماء في هذه الاحاديث : قال القاضى عياض : توجه على هذا العدد " أي الاثنى عشر " سؤالان أحدهما أنه يعارضه ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سفينة " الخلافة بعدى ثلاثون سنة ثم يكون ملكا " لان الثلاثين سنة لم يكن فيها إلا الخلفاء الاربعة ، وأيام الحسن بن على ، والثانى أنه ولى الخلافة أكثر من هذا العدد . وقال ابن الجوزى في كشف المشكل : قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث ، وتطلبت مظانه ، وسألت عنه فلم أقع على المقصود ، لان ألفاظه مختلفة ولا أشك أن التخليط فيها من الرواة . أما السيوطي فبعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الاحاديث المشكلة . خرج برأى غريب نورده هنا تفكهة للقراء وهو : وعلى هذا فقد وجد من الاثنى عشر ، الخلفاء الاربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز - وهؤلاء ثمانية ويحتمل أن يضم إليهم المهدى من العباسيين لانه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بنى أمية ، وكذلك الظاهر ، لما أوتيه من العدل وبقى الاثنان المنتظران ! ! أحدهما المهدى ! لانه من أهل البيت محمد - ولم يبين المنتظر الثاني - ورحم الله من قال في السيوطي : إنه حاطب ليل (1) . وقبل أن نختم الكلام عن المهدى نثبت هنا كلمة عنه للعلامة الكبير الاستاذ مرتضى العسكري من كبار علماء العراق تبين عقيدة الشيعة الامامية الاثنا عشرية في المهدى . =========================================================================== (1) يرجع إلى ص 179 - 183 ج‍ 13 من فتح الباري وتاريخ الخلفاء . (*) =========================================================================== [ 236 ] قال حفظه الله من جواب طويل بعث به إلينا : الشيعة الاثنا عشرية يعتقدون أن الارض لم تخل من حجة لله على خلقه ولا تخلو منه كذلك ، وهو إما أن يكون نبيا يوحى إليه أو من يعين من قبله على شريعته من بعده ، ويبينها لامته . وهم يرون في الاحاديث الاثنى عشر التي أوردتموها في كتابكم ص 210 - 211 (1) تحت عنوان " الخلفاء الاثنا عشر " بيانا لعدد الائمة الاثنى عشر الذين يلون أمر الدين بعد النبي ، فإن هذا العدد لا ينطبق على الراشدين ، ولا الامويين ولا غيرهم مضافا إلى مئات الاحاديث التى يروونها بطرقهم الخاصة عن رسول الله مما فيه التنصيص على ذلك . وثاني عشر هؤلاء الائمة عندهم هو المهدى ابن الحسن العسكري المولود بسامراء سنة 255 ه‍ والذين يعتقدون فيه أنه لا يزال حيا كحياة نوح ألف سنة إلا خمسين عاما بين قومه ، وكحياة عيسى الذى ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم بل رفعه الله إليه . . . وهم يعتقدون بأن المهدى موجود وحى بقدرة الله التى جعلت الطين طيرا لابراهيم ، والنار بردا وسلاما له ، والايمان بوجوده كل هذه المدة دليل على الايمان بقدرة الله ، ويعتقدون أنه موجود بين الناس ، وقد يعاينهم كأحدهم دون أن يشخصوه . ومما يذكر من فوائد وجوده أنه إذا احتاج المسلمون إلى بيان رأى خفى فيه وجه الصواب يقوم بإرشاد بعض العلماء إلى صواب الرأى في الامر . أما موعد ظهوره فإنهم يجمعون على أنه من الغيب الذى لا يعرفه إلا الله وأن لظهوره علائم منها ما هو حتمي الوقوع ، وأخرى غير حتمية على ما في الاحاديث ، وأنه يبدأ ظهوره من مكة على الاشهر ، وتكون حملته الاولى من جيش عدده كعدد جيش رسول الله في بدر ، وأنه يملا الارض عدلا ، وأنه يحكم بين الناس بالواقع وإن خالف ذلك شهادة الشاهدين ، أما سرداب الغيبة الذى قيل عنه في الحلة أو سامراء فلم أسمع بشيعي يقول بغيبة المهدى فيه ، أو بوجوده فيه ، أو بخروجه =========================================================================== (1) أي كتابنا " الاضواء " في الطبعة الاولى . (*) =========================================================================== [ 237 ] منه ، ولعل السرداب الموجود في سامراء كان مصلى للامامين على الهادى والحسن العسكري اتخذاه مصلى لهما للعبادة فقد كانوا يتخذون في بيوتهم مصلى يعبدون الله فيه ، ثم بقى كذلك حتى اليوم . هذا بعض ما حضر آن عصر الجمعة 2 ربيع الآخر سنة 1381 . =========================================================================== [ 238 ] الدجال (1) جاء في الدجال الذى أشار إليه ابن خلدون في كلمته عن المهدى أحاديث كثيرة بعضها يصرح بأن النبي صلى الله عليه وآله كان يرى أن من المحتمل ظهور الدجال في زمنه ، وأنه يكفى المسلمين شره ، وبعضها يصرح ، أنه يخرج بعد فتح المسلمين لبلاد الروم والقسطنطينية ، وبعض الاحاديث تقول بأنه سيكون معه جبال من خبز وأنهار من ماء وعسل ! كما رواه أحمد والبيهقي وزاد مسلم جبال من لحم ! وأخرج نعيم بن حماد من طريق كعب " أن الدجال تلده أمه بقوص من أرض مصر ، وبين مولده ومخرجه ثلاثون سنة . . . ! ومن أخباره أنه ينزل عند باب دمشق الشرقي ثم يظهر بالمشرق فيعطى الخلافة ثم يأتي النهر فيأمره أن يسيل فيسيل ، ثم يأمره أن يرجع فيرجع ، ثم يأمره أن ييبس فييبس ، ثم يأمر الجبال أن تتناطح فتتناطح ، ويأمر الريح أن تثير سحابا فتمطر الارض ، ويخوض البحر في كل يوم ثلاث خوضات فلا يبلغ حقويه - وإحدى يديه أطول من الاخرى ، فيمد الطويلة في البحر فتبلغ مقره فيخرج من الحيتان ما يريد ! وفي رواية عن مسلم أنه يخرج من أصبهان - وفي حديث الجساسة عند مسلم أنه محبوس بدير أو قصر في جزيرة في الشام أو بحر اليمن - وروى الحاكم وأحمد أنه يخرج من خراسان ، وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم أنه يخرج بين الشام والعراق . الدجالة في خطبة الوداع : روى البخاري عن ابن عمر قال : كنا نتحدث بحجة الوداع والنبى بين أظهرنا ولا ندرى ما حجة الوداع ، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره وقال : ما بعث الله من نبى إلا أنذر أمته أنذره نوح والنبيون =========================================================================== (1) سبق لنا فيما مضى كلام آخر عن الدجال في حديث الجساسة . (*) =========================================================================== [ 239 ] من بعده ، وأنه يخرج فيكم فما خفى عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم ! إن ربكم ليس على ما يخفى عليكم ثلاثا ! إن ربكم ليس بأعور ، وإنه أعور عين اليمنى كأن عينه عنية طافية ، ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ، ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم ، قال : اللهم اشهد ثلاثا ويلكم أو يحكم انظروا : لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث : ذكر الخطبة في حجة الوداع جماعة من الصحابة ولم يذكر أحد منهم قصة الدجال فيها إلا ابن عمر ولعل ابن حجر قد فاته أن ابن عمر هذا أحد تلاميذ كعب الاحبار . وهاك حديثا غريبا آخر في الدجال . في الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن النبي أنه ذكر الدجال فقال : إلا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور . وقال الفخر الرازي في " أساس التقديس " عند الكلام على هذا الحديث : إن هذا الخبر مشكل لان ظاهره يقضى أن النبي أظهر الفرق بين الاله تعالى وبين الدجال بكون الدجال أعور ! وكون الله تعالى ليس بأعور ! وذلك بعيد . وخبر الواحد إذا بلغ هذه الدرجة في ضعف المعنى وجب أن يعتقد أن الكلام كان مسبوقا بمقدمة لو ذكرت لزال هذا الاشكال . وهناك أحاديث أخرى عن هذا الدجال أعرضنا عن ذكرها وكلها مرفوعة إلى النبي . . ولكى يمكنوا لهذه العقيدة في عقول المسلمين ، أوردوا حديثا عن النبي بأن " من كذب بالمهدي فقد كفر ، ومن كذب بالدجال فقد كفر " (1) . =========================================================================== (1) نقل هذا الحديث ابن حجر الهيثمى في كتابه الفتاوى الحديثة عن أبى جعفر الاسكافي عن النبي بلفظ من كذب بالدجال فقد كفرو من كذب بالمهدي فقد كفر - ص 60 من كتاب الامام المنتظر للسيد محمد الكاظمي القزويني . (*) =========================================================================== [ 240 ] عمر الدنيا في تفسير الآلوسي أن السيوطي أخرج عدة أحاديث في أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة . . وذكر أن مدة هذه الامة تزيد على ألف سنة ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة ، واستدل على ذلك بأخبار وآثار ذكرها - أي السيوطي - في رسالته التى سماها " الكشف عن مجاوزة هذه الامة الالف " (1) ، وقد قال الآلوسي : وإذا لم يظهر المهدى على رأس المائة التى نحن فيها ينهدم جميع مانبأه فيها - كما لا يخفى وكأني بك تراه منهدما . وقد مضت المائة التى كان فيها الآلوسي وهى المائة الثالثة عشرة من الهجرة ومضى بعدها ست وثمانون سنة من المائة الرابعة عشرة ، ولم يظهر المهدى وبذلك ينهدم يقينا ما نبأه السيوطي وخلط فيه . وذكر ابن خلدون في مقدمته قالوا : إن خروج الدجال يكون سنة 743 ه‍ (2) ، والكلام في ذلك يطول بغير طائل ، وقد أعرضنا كذلك عن إيراد أخبار الفتن وأشراط الساعة ونزول عيسى التى زخرت بها كتب السنة المعتمدة بين المسلمين ، والمقدسة من شيوخ الدين ، وكذلك أهملنا هنا ذكر الاحاديث الواردة في خروج النيل والفرات وسيحون وجيحون من أصل سدرة المنتهى فوق السماء السابعة وهى في البخاري وغيره ، وخلق كل شئ من نور النبي صلى الله عليه وسلم وبشارة الوحوش به ، وما إلى ذلك من هذه الاخبار الغريبة . ومن يرد أن يقف على هذه الاخبار كلها فليرجع إلى كتب السنة وإلى ما جاء في الفصل الثاني والخمسين من مقدمة ابن خلدون وهو الفصل الذى عقده على " أمر الفاطمي وما يذهب إليه الناس في شأنه وكشف الغطاء عن ذلك " . =========================================================================== (1) في حديث للشيخين أن الساعة تقوم قبل انتهاء القرن الاول الهجرى . (2) ص 325 من الطبعة الشامية . ارجع إلى هذه الاحاديث في كتاب " شيخ المضيرة " . (*) =========================================================================== [ 241 ] كلمة جامعة في أحاديث أشراط الساعة - وأمثالها انتهى العلامة السيد رشيد رضا في تفسيره ، بعد أن طعن في أحاديث أشراط الساعة وأماراتها - مثل الفتن والدجال والجساسة وظهور المهدى وغير ذلك - إلى هذه النتائج القيمة (1) : 1 - أن النبي لم يكن يعلم الغيب " قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون " وهو معلوم من الدين بالضرورة ، وإنما أعلمه الله ببعض الغيوب بما أنزل عليه في كتابه ، وهو قسمان صريح ، ومستنبط . 2 - لا شك أن أكثر الاحاديث قد روى بالمعنى كما هو معلوم واتفق عليه العلماء ، ويدل على ذلك إختلاف رواة الصحاح في ألفاظ الحديث الواحد حتى المختصر منها ، وما دخل على بعض الاحاديث من المدرجات وهو ما يدرج في اللفظ المرفوع من كلام الرواة - فعلى هذا كان يروى كل أحد ما فهمه وربما وقع في فهمه الخطأ ، لان هذه أمور يد غيبية وربما فسر بعض ما فهمه بألفاظ يزيدها (2) . وإذا كان النبي لم يطلعه الله تعالى على ما أطلعه عليه من هذه المغيبات بالتفصيل . وكان يجتهد في بعضها ويقدر ، ويأخذ بالقرائن كما قال النووي وابن الجوزى في تجويزه صلى الله عليه وسلم أن يكون ابن صياد اليهودي المعاصر له هو الدجال المنتظر ، وكذا تجويزه أن يظهر في زمنه وهو حى ، فهل من الغرابة أن يقع الخلط والتعارض فيما يروى عنه بالمعنى بقدر فهم الرواة . إن العابثين بالاسلام ومحاولى إفساد المسلمين وإزالة ملكهم من زنادقة اليهود والفرس وغيرهم من أهل الابتداع ، وأهل العصبيات العلوية والاموية والعباسية ، وقد وضعوا أحاديث كثيرة افتروها وزادوا في بعض الآثار المروية دسائس دسوها ، وراج كثير منها بإظهار رواتها =========================================================================== (1) ص 504 - 507 ج‍ 9 تفسير القرآن الحكيم . (2) راجع فصل رواية الحديث بالمعنى في هذا الكتاب ص 77 . (*) =========================================================================== [ 242 ] للصلاح والتقوى ، ولم تعرف بعض الاحاديث الموضوعة إلا باعتراف من تاب إلى الله من واضعيها . ولقد كان الاستاذ الامام محمد عبده رحمه الله يقول : إن الاسلام الصحيح هو ما كان عليه أهل الصدر الاول قبل ظهور الفتن - وإن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم وما كل مؤمن صادق ، وما كانوا يفرقون في الاداء بين ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من غيره ، وما بلغهم عنه بمثل سمعت وحدثني - وأخبرني - ومثل - عن النبي أنه قال - أو قال رسول الله - كما فعل المحدثون من بعد ، عند وضع مصطلح الحديث - وقد ثبت أن الصحابة كان يروى بعضهم عن بعض (1) وعن التابعين حتى عن كعب الاحبار وأمثاله - والقاعدة عند أهل السنة أن جميع الصحابة عدول (2) فلا يخل جهل اسم راو منهم بصحة السند ! وهى قاعدة أغلبية لا مطردة ، فقد كان في عهد النبي منافقون قال تعالى : (9 - 102) " وممن حولكم من الاعراب منافقون . ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم " مردوا عليه ، أحكموه وصقلوه أو صقلوا فيه حتى لم يعد يظهر في سيماهم وفحوى كلامهم ، كالذين قال الله فيهم - منهم (47 - 31) : " ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول " ، ولكن البلية من الرواية عن مثل كعب الاحبار وممن روى عنه أبو هريرة وابن عباس (3) ومعظم التفسير المأثور مأخوذ عنه وعن تلاميذه ، ومنهم المدلسون كقتادة وغيره من كبار المفسرين وكابن جريج (4) . فكل حديث مشكل المتن أو مضطرب الرواية ، أو مخالف لسنن الله تعالى في الخلق ، أو لاصول الدين . أو نصوصه القطعية أو للحسيات وأمثالها من القضايا اليقينية ، فهو مظنة لما ذكرنا . . فمن صدق رواية مما ذكر - ولم يجد فيها إشكالا فالاصل فيها الصدق ، ومن ارتاب =========================================================================== (1) راجع فصل رواية الصحابة بعضهم عن بعض في هذا الكتاب ص 70 . (2) راجع فصل عدالة الصحابة في هذا الكتاب . (3) وكذلك كان يروى عنه سائر العبادلة وطائفة كبيرة من الصحابة . (4) ابن جريج كان من النصارى . (*) =========================================================================== [ 243 ] في شئ منها ، أو أورد عليه بعض المرتابين أو المشككين إشكالا في متونها ، فليحمله على ما ذكرنا من عدم الثقة بالرواية ، لاحتمال كونها من دسائس الاسرائيليات ، أو خطأ الرواية بالمعنى ، أو غير ذلك مما أشرنا إليه ، وإذا لم يكن شئ منها ثابتا بالتواتر القطعي فلا يصح أن يجعل شبهة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم المعلوم بالقطع ، ولا على غير ذلك من القطعيات . نقلنا هذا الكلام الجامع ليهتدى الناس إلى دراسة الحديث - لا أحاديث أشراط الساعة فحسب ، بل في كل ما روى منسوبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ونختم هذا الفصل بهذه الاحاديث المتناقضة : أحاديث متناقضة ولا يدرى المسلمون ، بأيها يأخذون ! روى البخاري عن عمران بن حصين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير أمتى قرنى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم - قال عمران : فلا أدرى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ، ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ، ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم السمن . وعن عبد الله رضى الله عنه أن النبي قال : " خير الناس قرنى ، ثم الذين يلونهم ، ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته . وقال ابن حجر العسقلاني : قد سبق في صفة النبي صلى الله عليه وآله قوله : بعثت في خير قرون بنى آدم - وفي رواية بريدة عند أحمد : خبر هذه الامة القرن الذى بعثت فيهم . وقد ظهر أن الذى بين البعثة وآخر من مات من الصحابة 120 سنة أو دونها ، أو فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبى الطفيل ، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته صلى الله عليه وآله فيكون مائة سنة أو تسعين ، أو سبعا وتسعين ! =========================================================================== [ 244 ] وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين ، إلى أن قال : واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله ، من عاش حدود العشرين ومائتين ، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا ، وأطلقت المعتزلة ألسنتها ، ورفعت الفلاسفة رؤوسها ! وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن ! وتغيرت الاحوال تغيرا شديدا (1) ، ولم يزل الامر في نقص إلى الآن ، وظهر قوله صلى الله عليه وآله ثم يفشو الكذب ظهورا بينا (2) حتى يشمل الاقوال والافعال والمعتقدات والله المستعان ! ! وقد اقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين والتابعون أفضل من أتباع التابعين . . وقد احتج ابن عبد البر بحديث : مثل أمتى مثل المطر ، لا يدرى أوله خير أم آخره (3) ، وهو حديث حسن له طرق قد يرتقى بها إلى الصحة . وقد روى ابن أبى شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبر قال رسول الله ليدركن المسيح أقواما إنهم لمثلكم أو خير - ثلاثا ، وروى أبو داود والترمذي من حديث أبى ثعلبة رفعه : يأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين ، قيل : منهم أو منا يا رسول الله ؟ قال : بل منكم . وهو شاهد لحديث ، مثل أمتى مثل المطر - وروى أحمد والدارمى والطبراني من حديث أبى جمعة قال : قال أبو عبيدة يا رسول الله أأحد خير منا ! أسلمنا معك وجاهدنا معك ! قال : قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بى ولم يرونى . وإسناده حسن وقد صححه الحاكم . وقد تعقب كلام ابن عبد البر بأن مقتضى كلامه أن يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة وبذلك صرح القرطبى ، ولكن كلام ابن عبد البر ليس على الاطلاق في حق جميع الصحابة فإنه صرح في كلامه باستثناء أهل بدر والحديبية ، ولابن حجر كلام كثير في ذلك يرجع إليه . =========================================================================== (1) ص 4 وما بعدها ج 7 من فتح الباري . (2) كأن الكذب لم يفش إلا في القرن الثالث . . . (3) هذا الحديث رواه الترمذي وأبو يعلى والدارقطني عن أنس مرفوعا ، وأخرجه الخطيب في الرواة عن مالك ووكذا أبو الحسن القطان في العلل ، وله شاهد عن عمار بن ياسر أخرجه ابن حبان في صحيحه وفي لفظ عند الطبراني الكبير : مثل أمتى كالمطر يجعل الله في أوله خيرا وفي آخره خيرا ، وأخرجه البزار بسند جيد عن عمران بن حصين (وهو راوي الحديث الاول) . (*) =========================================================================== [ 245 ] ونحن نقول إن قرن النبي صلوات الله عليه وقع فيه من الاحداث الجسام ما وقع مثل فتنة عثمان وما جرت على المسلمين من بلايا ، ومثل ما فعل الامويون في حكمهم من تقويض قاعدة الشورى في الاسلام ! ولا نطيل بذكر ما وقع في هذا القرن مما سجله التاريخ على صفحاته . ومن أجل ذلك نرجح أن الحديث الصحيح الذى يتفق مع روح الرسالة المحمدية هو حديث " مثل أمتى مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره " . هذا والاحاديث المتناقضة كثيرة تؤلف منها كتب كتابة القرآن رأينا قبل أن نعرض للكلام عن كتابة الحديث ، أن نأتى بفذلكة وجيزة من تأريخ جمع القرآن وكتابته لنبين كيف كانت عناية الرسول صلى الله عليه وآله وكذا صحابته من بعده بكتابة هذا الكتاب العظيم ، وكيف كانوا يبالغون في التدقيق في جمعه وحفظه حتى أوفوا على الغاية من الكمال ، وخرج إلى الناس في أصدق صورة بلغها كتاب على مد الزمن كله ، وبذلك استحق صفة التواتر الصحيح الذى لا يمترى فيه إنسان ، ولا يختلف عليه إثنان . وتلقاه المسلمون جميعا في مشارق الارض ومغاربها على اختلاف مذاهبهم بالثقة التامة واليقين الكامل ، لا يشذ في ذلك منهم أحد . ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد عنى بكتابة الحديث كما عنى بكتابة القرآن وعنى الصحابة من بعده بكتابته ، لجاءت أحاديث الرسول كلها متواترة في لفظها ومعناها ، ليس شئ فيها اسمه صحيح ، ولا شئ اسمه حسن ، ولا شئ اسمه ضعيف ، ولا غير ذلك من الاسماء التى اخترعوها مما لم يكن معروفا زمن النبي وصحابته ، وبذلك كان يرتفع الخلاف في حقيقته ، وينحط عن كاهل العلماء أعباء البحث عن صحته ، ووضع المؤلفات الكثيرة التى صنفت في " علوم الحديث " والبحث عن أحوال الرواة ، من حيث العدالة والضبط والجرح والتعديل وغير ذلك ، وكان فقهاء الدين يسيرون على نهج واحد لا اختلاف بينهم في أصله ولا تباين ، =========================================================================== [ 246 ] اللهم إلا في الفهم والادراك ، إذ تكون أدلتهم كلها متواترة كالقرآن الكريم فلا يأخذون بما سموه الظن الغالب الذى فتح أبواب الخلاف ومزق صفوف الامة وجعلها مذاهب وفرقا ، مما لا يزال أمره بينهم إلى اليوم وما بعد اليوم قائما . ثم كانت الاحاديث تصبح كذلك من أهم المصادر لعلماء النحو ورجال اللغة والبلاغة . كيف كانت كتابة القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ كان النبي حينما ينزل عليه من القرآن ما ينزل يأمر كتابه بأن يسارعوا إلى كتابته عند النطق به حتى لقد بلغ من حرصه على أدائه كما أوحى إليه ، أن كان يحرك لسانه بما يتلقاه من الوحى حتى لا يتفلت منه شئ ، فقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى " لا تحرك به لسانك . . " الآية ، قال : كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة ، وكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن يتفلت منه - يريد أن يحفظه - فأنزل الله : " لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه " ويقول إن علينا أن نجمعه في صدرك ثم نقرأه فإذا قرأناه - إذا أنزلناه عليك " فاتبع قرآنه " فاسمع له وأنصت ، ثم إن علينا بيانه أي تبيينه بلسانك . . . إلخ . وكان النبي يحض صحابته على حفظه وضبطه ، والمداومة بالليل والنهار على تلاوته وكذلك كان يحث على قراءته في الصلاة وفي غير الصلاة وبذلك كثر القراء " الحفاظ " وقد كان بعضهم يكتب ما ينزل " ابتداء من عند أنفسهم أو بأمر النبي " ومنهم من حفظ بعضه ، ومنهم من حفظ أكثره ، ومنهم من حفظه كله وهم قليل . كتاب الوحى : كان كتاب الوحى - كما ذكروا - الخلفاء الاربعة وسعيد بن العاص وغيرهم ، وقالوا كذلك إن أكثرهم كتابة وأشهرهم بينهم كان زيد بن ثابت وإن كان أول من كتب للنبى بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبى سرح الذى ارتد ، ثم عاد إلى الاسلام يوم الفتح ، وأول من كتب بالمدينة أبى بن كعب وزيد بن ثابت (1) . =========================================================================== (1) كان بين نزول أول القرآن وآخره ، 20 سنة ، أو 23 ، أو 25 ، وهو مبنى على الاختلاف في مدة إقامته بمكة بعد البعثة ، فقيل عشر وقيل 13 وقيل 15 ، ولم يختلف في مدة = (*) =========================================================================== [ 247 ] وفي المواهب الفتحية (1) : إن الزبير بن العوام وجهم بن الصلت كانا يكتبان أموال الصدقة ، وكان حذيفة يكتب خرص النخل ، وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير ، يكتبان المداينات والمعاملات . جمع القرآن وسببه : قضى رسول الله ولم يكن القرآن جمع في شئ وذلك أنه كان في الصدور ، وفيما كتب متفرقا ، في عهد النبي ، ولما تولى أبو بكر ونشبت حرب الردة وقتل فيها كثير من الصحابة - خشى عمر من ضياع القرآن بموت الصحابة ، فدخل على أبى بكر وقال له : إن أصحاب رسول الله باليمامة يتهافتون تهافت الفراش في النار ، وإنى أخشى ألا يشهدوا موطنا إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا وهم حملة القرآن (2) فيضيع القرآن وينسى ، ولو جمعته وكتبته ؟ فنفر منها أبو بكر ، ولما تراجعا أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت وقال له : إن عمر قد دعاني إلى أمر فأبيت ، وأنت كاتب الوحي فإن تكن معه اتبعتكما ، فنفر زيد كذلك ، وقال : نفعل ما لم يفعل رسول الله ؟ فقال عمر : وما عليكما لو فعلتما ذلك ؟ فشرح الله صدري لذلك ، ورأيت في ذلك ما رأى عمر ، ثم تتبعت القرآن أجمعه من العسب (3) واللخاف ، والاكتاف وقطع =========================================================================== = إقامته بالمدينة أنها عشر سنين - وكان القرآن ينزل بحسب الحاجة ، خمس آيات ، وعشر آيات وأكثر وأقل ، وصح نزول " غير أولى الضرر " وحدها وهى بعض آية - 29 من كتاب التبيان للجزائري . (1) ص 85 ج‍ 2 . (2) مما يلفت النظر البعيد ، ويسترعى العقل الرشيد ، أن عمر لما راعه تهافت الصحابة في حرب اليمامة تهافت الفراش في النار - وفزع إلى أبى بكر لكى يسارع إلى جمع القرآن وكتابته ، لم يقل عنهم إنهم حملة الحديث ، بل قال إنهم حملة القرآن ولم يطلب جمع الحديث وكتابته ، عندما فزع إلى أبى بكر ، بل جعل همه في جمع القرآن وحده وكتابته ، ولم يقف الامر عند ذلك فحسب ، بل إننا لم نجدهم وهم يجمعون القرآن ويكتبونه - وكان ذلك على عين الصحابة جميعا - قد اقترح واحد منهم أن يجمعوا الحديث ويكتبونه ، بل انحصرت عنايتهم جميعا في جمع القرآن فحسب ، وفي ذلك أقوى الادلة وأصدق البراهين على أنهم لم يكونوا يعنون بأمر الحديث ، ولا أن يكون لهم فيه كتاب محفوظ ، يبقى على وجه الدهر كالقرآن الكريم . (3) العسب جمع عسيب وهو جريد النخل ، كانوا يكشطون الخوص عنه ويكتبون في الطرف العريض ، واللخاف جمع لخفة بفتح وسكون ، وهى صفائح الحجارة . وهذه الاشياء هي التى كانوا يكتبون فيها عند نزول القرآن . (*) =========================================================================== [ 248 ] الاديم ، وصدور الرجال (1) . . . وقد اختص أبو بكر زيدا بذلك لانه من كتاب الوحى ، وكان حافظا للقرآن ، وهذا الجمع هو ضم متفرق القرآن من صحف لتكون هذه الصحف في مصحف . تحريهم في جمع القرآن : لما اتفق الرأى على جمع القرآن وتدوينه قام عمر في الناس وقال : من تلقى من رسول الله شيئا من القرآن فليأت به . وقال أبو بكر لعمر وزيد : اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه ، وكان عمر - كما علمت - لا يقبل من أحد حديثا عن رسول الله حتى يشهد شاهدان على أنهما قد تلقياه من النبي ، وعهدوا إلى بلال أن ينادى بأنحاء المدينة ، أن من كان عنده قطعة عليها شئ من كتاب الله فليأت بها إلى الجامع وليسلمها إلى الكتبة . قال أبو شامة وكان غرضهم ألا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدى النبي لا من مجرد الحفظ ، ولذلك قال زيد في آخر سورة التوبة لم أجدها مع غيره - أي لم أجدها مكتوبة مع غيره - لانه كان لا يكتفى بالحفظ دون الكتابة . وقد روى ابن وهب في موطئه عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله ابن عمر أنه قال : قد جمع أبو بكر القرآن في قراطيس اه‍ ، وبذلك يكون أبو بكر هو أول من جمع القرآن في الصحف وهذا هو الجمع الاول . هذا ما أمكن نشره هنا في هذا الحيز الضيق من الكلام في موضوع كتابة القرآن الكريم ، ولم نعرض لشئ من التفصيل عما جاء في هذا الامر الخطير الذى تشعبت فيه الرواية ، واختلف فيها كلام الرواة لان ذلك ليس من همنا ، ولا هو من موضوع كتابنا . ومن شاء أن يقف على كل ما قيل في هذا الامر فليرجع إلى كتاب الاتقان للسيوطي ، وكتاب التبيان للجزائري والجزء الاول من " البيان في تفسير القرآن " للعلامة المحقق الكبير السيد أبو القاسم الموسوي الخوئى . وهذا الكتاب وحده كاف في بيان هذا الامر لان مؤلفه الجليل قد درسه درسا =========================================================================== (1) ارجع إلى حديث زيد بن ثابت الذين رواه البخاري في ذلك . (*) =========================================================================== [ 249 ] وافيا ، وفصل فيه القول تفصيلا بحيث لا تجد مثله في كتاب آخر حتى ليجب على كل مسلم أن يقرأه ليستفيد منه علما ومعرفة . غريبة توجب الحيرة : من أغرب الامور ، ومما يدعو إلى الحيرة أنهم لم يذكروا اسم على رضى الله عنه فيمن عهد إليهم بجمع القرآن وكتابته ، لا في عهد أبى بكر ولا في عهد عثمان ! ويذكرون غيره ممن هم أقل منه درجة في العلم والفقه ! فهل كان على لا يحسن شيئا من هذا الامر ؟ أو كان من غير الموثوق بهم ؟ أو ممن لا يصح استشارتهم أو إشراكهم في هذا الامر ؟ اللهم إن العقل والمنطق ليقضيان بأن يكون على أول من يعهد إليه بهذا الامر ، وأعظم من يشارك فيه وذلك بما أتيح له من صفات ومزايا لم تهيأ لغيره من بين الصحابة جميعا - فقد رباه النبي صلى الله عليه وآله على عينه ، وعاش زمنا طويلا تحت كنفه ، وشهد الوحى من أول نزوله إلى يوم انقطاعه ، بحيث لم يند عنه آية من آياته ! ! فإذا لم يدع إلى هذا الامر الخطير فإلى أي شئ يدعى ؟ ! وإذا كانوا قد انتحلوا معاذير ليسوغوا بها تخطيهم إياه في أمر خلافة أبى بكر فلم يسألوه عنها ولم يستشيروه فيها ، فبأى شئ يعتذرون من عدم دعوته لامر كتابة القرآن ؟ فبماذا نعلل ذلك ؟ وبماذا يحكم القاضى العادل فيه ؟ حقا إن الامر لعجيب وما علينا إلا أن نقول كلمة لا نملك غيرها وهى : لك الله يا على ! ما أنصفوك في شئ ! الجمع الثاني في عهد عثمان : لبثت الصحف التى كتبت في عهد أبى بكر عنده إلى أن قضى نحبه - رضى الله عنه - ثم حفظت عنه عمر مدة ولايته ، وقبل موته دفع بها إلى ابنته حفصة ، وظلت عندها حتى طلبها عثمان ليراجعوا عليها المصحف الذى كتب في عهده . كتابة القرآن في عهد عثمان : ما كاد عمر رضى الله عنه ينقلب إلى ربه ، ويتولى عثمان الخلافة حتى أخذ أمر المسلمين يتحول ، واختلف المسلمون حتى في قراءة القرآن . =========================================================================== [ 250 ] أخرج ابن أبى داود في المصاحف من طريق أبى قلابة أنه قال : لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل ، والمعلم يعلم قراءة الرجل ، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون ، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين ، حتى كفر بعضهم بعضا ، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال ، أنتم عندي تختلفون فمن نأى عنى من الامصار أشد اختلافا . وروى البخاري عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام في فتح أرمنينة وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة وقال لعثمان : يا أمير المؤمنين : أدرك هذه الامة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى اه‍ . ومما ذكره حذيفة : رأيت أناسا من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة غيرهم وأنهم أخذوا القرآن عن " المقداد " ، ورأيت أهل دمشق يقولون إن قراءتهم خير من قراءة غيرهم ، فإنهم قرءوا بقراءة " أبى بن كعب " ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك وأنهم قرءوا على " أبى موسى " ، ويسمون مصحفه " لباب لقلوب " . وفي رواية عمارة بن غزية ذكرها ابن حجر في الفتح (ص 14 ج 9) أن حذيفة قدم من غزوة فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان فقال : يا أمير المؤمنين أدرك الناس ! قال : وما ذاك ؟ قال غزوت فرج أرمينية فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة " أبى بن كعب " فيأتون بما لم يسمع أهل العراق ، وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضا . ولما بلغ كل ذلك عثمان ورأى الامر قد حزب أرسل إلى حفصة (1) ابنة =========================================================================== (1) كانت حفصة رضى الله عنها وصية من قبل أبيها عمر على أوقافه وتركته ، ويبدو أن عمر كان لا يثق بابنه عبد الله فقد روى السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء قال : أخرج النخعي أن رجلا قال لعمر : ألا تخلف عبد الله بن عمر ؟ فقال له : قاتلك الله ! والله ما أردت الله بهذا ! أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته ؟ (ص 98) وقد ثبت عنه أنه قال : لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته (ص 123 ج 1 سير أعلام النبلاء) . أما خبر هذا الطلاق الذى أشار إليه عمر فقد رواه البخاري عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه طلق إمرأته وهى حائض على عهد رسول الله ، فقال رسول الله مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ، إن شاء طلق قبل أن يمس . فتلك العدة التى أمر الله أن يطلق لها النساء (ص 288 ج 9 فتح الباري) . وقد ذكر ابن دقيق العيدا أن النبي صلى الله عليه وسلم تغيظ مما فعل ابن عمر . (*) =========================================================================== [ 251 ] عمر أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ، ففعلوا ، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة ، فأرسل إلى كل أفق بمصحف ، مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق . قال الحافظ ابن حجر - وكان ذلك في أواخر سنة 24 وأوائل سنة 25 ه‍ . الفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان : قال ابن التين وغيره : الفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان ، أن جمع أبى بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شئ بذهاب حملته ، لانه لم يكن مجموعا في موضع واحد ، فجمعه في صحائف مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة ، حتى قرءوا بلغاتهم من اتساع اللغات ، فأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضا ، فخشى من تفاقم الامر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش ، محتجا بأنه نزل بلغتهم ، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم ، رفعا للحرج والمشقة في ابداء الامر ، فرأى أن الحاجة في ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة عدد المصاحف التى أرسلها عثمان إلى الآفاق : اختلف في عدة المصاحف التى أمر عثمان بكتابتها ، والمشهور أنها كانت خمسة ، أرسل أربعة منها إلى الآفاق وأمسك عنده واحدا منها . هذه لمعة ضئيلة مما جمعناه في هذا البحث رأينا إيرادها هنا ، ولعل الله يهيئ لنا نشر البحث الطويل الذى أعددناه لكتاب برأسه في هذا الموضوع الجليل لينتفع به المسلمون خاصة ، والمعنيون بالمباحث الاسلامية عامة . =========================================================================== [ 252 ] وقفة قصيرة : ولا بد لى هنا من أن أقف وقفة قصيرة أستعلن فيها ما عرانى من حيرة فيما أوردوه من أنباء هذا الجمع وما فيها من تناقض كثير . فنبأ يقول : إن عمر هو الذى فزع إلى أبى بكر في هذا الجمع ، وخبر يقول : إن هذا الجمع لم يكن في عهد أبى بكر ، وإنما هو عمر الذى تولاه ، ورواية ثالثة تفيد أن عمر قد قتل قبل أن يكمل هذا الجمع ، وأن عثمان هو الذى أتمه ، وثم روايات أخرى كثيرة تحمل مثل هذا التناقض ، لا نتوسع بإيرادها . ونحن لو أخذنا بالاخبار المشهورة ، التى رواها البخاري ، وهى التى فزع فيها عمر إلى أبى بكر لكى يجمع القرآن لما رأى القتل قد استحر في وقعة اليمامة وأنه قد قتل فيها من الصحابة مئات وهم ، حملة القرآن ، وإذا استمر الامر على ذلك فإن القرآن يضيع وينسى ! لو نحن أخذنا بهذا النبأ فإنه يتبين منه أن الصحابة وحدهم هم الذين كانوا في هذا العهد يحملون القرآن ، فإذا ما ماتوا أو قتلوا ضاع القرآن ونسى ، وأنه ليس هناك مصدر آخر يحفظ القرآن على مد الزمان إذ كانوا مادته وكانوا كتابه ؟ على حين ذكروا قبل ذلك في أخبار وثيقة يرضى بها العقل ويؤيدها العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب كل ما ينزل عليه من قرآن وقت نزوله على العسب واللخاف وقطع الاديم وغيرها ، وأنه اتخذ لذلك كتابا أحصى التاريخ أسماءهم ، فأين ذهبت هذه النسخة ، التى لا يشك فيها أحد ولا يمترى فيها إنسان ؟ لانها هي التى حفظ الله بها القرآن الكريم في قوله تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " وفي قوله تعالى " إنا علينا جمعه وقرآنه " . إن هذه النسخة الفريدة التى تحمل الصورة الصحيحة للقرآن التى ستبقى على وجه الزمن خالدة لو كانت موجودة لاغنتهم عما وجدوه في سبيل عملهم من عناء ، ولا صبحت هي المرجع الاول للقرآن في كل عصر ومصر والتى كان يجب على عثمان أن يراجع عليها مصاحفه التى كتبها قبل أن يوزعها على الامصار . =========================================================================== [ 253 ] تعقيب لا بد منه : وإذا كانوا - كما قلنا - قد أوفوا على الغاية من التحقيق في كتابة القرآن الكريم وحفظه حتى لا يستطيع أحد أن يمارى في ذلك ، أو يحيك بصدره شئ من الريب فيه ، فقد قامت حول هذا الامر الخطير أمور سموها مشكلات نرى من الواجب أن نشير إلى بعضها حتى لا يأخذ علينا أحد أننا قد أغفلنا شيئا مما يجب أن يعلمه قراء كتابنا عن الرواية وما جنت ، وهو ما يتصل بموضوعنا " وفي كل واد أثر من ثعلبة " ! قال العلامة طاهر الجزائري في كتابه " التبيان " (1) وهو يتكلم عن وجوب تواتر القرآن وما ورد على ذلك من مشكلات : وهنا مشكلات ترد على أصل وجوب تواتر القرآن نذكرها مع الجواب عنها : المشكل الاول : نقل عن ابن مسعود أنه كان ينكر سورة الفاتحة والمعوذتين من القرآن وقد أنكر صحة النقل عنه كثير من العلماء ، قال النووي في شرح المهذب : أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد شيئا منها كفر ، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح . وقال ابن حزم في كتاب القدح المعلى تتميم المحلى : هذا كذب على ابن مسعود وموضوع ، وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر عنه ، وفيها المعوذتان والفاتحة . وقال ابن حجر في شرح البخاري : قد صح عن ابن مسعود إنكار ذلك فأخرج أحمد وابن حبان عنه أنه كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه - وبعد أن أورد كل الروايات التى جاءت في أن ابن مسعود كان يحك المعوذتين من مصاحفه قال (ابن حجر) : فقول من قال إنه كذب عليه مردود ، والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل ! ! وقال ابن قتيبة في مشكل القرآن : ظن ابن مسعود أن المعوذتين ليستا من القرآن =========================================================================== (1) ص 96 - 101 ، وكتاب التبيان هو مهذب كتاب الاتقان للسيوطي . (*) =========================================================================== [ 254 ] لانه رأى النبي صلى الله عليه وآله يعوذ بهما الحسن والحسين فأقام على ظنه ، ولا نقول إنه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والانصار - وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن ، معاذ الله ! ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان ، والزيادة والنقصان ، ورأى أن ذلك مأمون في سورة الحمد لقصرها ووجوب تعلمها على كل أحد . . . ومما يشاكل ما نقل عن ابن مسعود ، ما نقل عن أبى بن كعب ، أنه كتب في مصحفه سورتين تسميان سورتي الخلع والحقد ، كان يقنت بهما وهما : اللهم إنا نستعينك ، ونستغفرك ونثنى عليك الخير ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يفجرك ، اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نخشى عذابك ونرجو رحمتك إن عذابك بالكفار ملحق . وقد تعرض القاضى لذكر ذلك في الانتصار فقال : إن كلام القنوت المروى أن أبى بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم الحجة بأنه قرآن منزل بل هو ضرب من الدعاء ، وإنه لو كان قرآنا لنقل نقل القرآن وحصل العلم بصحته ، وإنه يمكن أن يكون منه كلام كان قرآنا منزلا ثم نسخ وأبيح الدعاء به وخلط بكلام ليس بقرآن - ولم يصح ذلك عنه - وإنما روى عنه أنه أثبته في مصحفه ، وقد أثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء وتأويل . المشكل الثاني : نقل عن زيد بن ثابت أنه قال في أثناء ذكره لحديث جمع القرآن في المصحف - وهو الجمع الاول - وكان ذلك في عهد أبى بكر الصديق : فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والاكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع أبى خزيمة الانصاري ، لم أجدهما مع أحد غيره " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم . . . " إلى آخرها ، ونقل عنه أنه قال : لما نسخنا المصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الاحزاب ، كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الانصاري الذى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين : " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " ، وقد وقع هذا الجمع الثاني ، وكان ذلك في عهد عثمان ، وقدا ختلف =========================================================================== [ 255 ] المتكلمون في ذلك ، فقال بعضهم : إن هذا الخبر وإن كان مخرجا في الصحيحين ، غير صحيح ، لاقتضائه أن الآيات الثلاث المذكورة قد ثبتت بغير طريق التواتر ، وهو خلاف ما يقتضيه الدليل المذكور ، وقال بعضهم : ليس في الخبر المذكور ما يقتضي ثبوت الآيات المذكورة بغير طريق التواتر ، لاحتمال أن يكون زيد قد أراد بقوله : لم أجدها مع غير فلان : لم أجدها مكتوبة عند غيره ، وهو لا يقتضى أنه لم يجدها محفوظة عند غيره . . وقال بعضهم : إن الدليل المذكور إنما يتقضى كون القرآن قد نقل على وجه يفيد العلم - وإفادة العلم قد تكون بغير طريق التواتر ، فإن في أخبار الآحاد ما يفيد العلم ، وهى الاخبار التى احتفت بها قرائن توجب ذلك - وعلى هذا فنحن لا نستبعد أن يكون في القرآن ما نقل على هذا الوجه ، وذلك كالآيات الثلاث المذكورة ، إذ المطلوب حصول العلم على أي وجه كان ، وقد حصل بهذا الوجه . وهذا القول في غاية القوة والمتانة ، ولا يرد عليه شئ مما يرد على من أفرط في هذا الامر أو فرط عليه . المشكل الثالث : روى البخاري عن قتادة أنه قال : سألت أنس بن مالك ، من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أربعة كلهم من الانصار ، أبى بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ، قلت : من أبو زيد ؟ قال : أحد عمومتي ، وروى من طريق ثابت عن أنس أنه قال : مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة ، أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد . وفيه مخالفة لحديث قتادة من وجهين : التصريح بصيغة الحصر في الاربعة ، والآخر ذكر أبا الدرداء بدل أبى بن كعب ، وقد استنكر جماعة من الائمة الحصر في الاربعة . وقال المازرى : لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم ، أن يكون الواقع في نفس الامر كذلك ، لان التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه ، وإلا فكيف الاحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد ، وهذا لايتم إلا إن كان لقى كل واحد منهم على انفراده ، وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع =========================================================================== [ 256 ] القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهذا في غاية البعد في العادة ، وإذا كان المرجع إلى ما في علمه ، لم يلزم أن يكون الواقع كذلك . . وأخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو أنه قال : جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة (1) فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأه في شهر الحديث . وأخرج ابن أبى داود بسند حسن عن محمد بن كعب القرظى قال : جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة من الانصار ، معاذ بن جبل ، وعبادة ابن الصامت ، وأبى بن كعب ، وأبو الدرداء ، وأبو أيوب الانصاري . وقد اعترض الاسماعيلي على إخراج حديثى أنس معا في الصحيح مع اختلافهما فقال : هذان الحديثان مختلفان ، ولا يجوز أن يكونا في الصحيح مع تباينهما ، بل الصحيح أحدهما . وجزم البيهقى بأن ذكر أبى الدرداء وهم والصواب أبى بن كعب ، وقال الداودى لا أرى ذكر أبى الدرداء محفوظا ، والصحيح هو الرواية الاولى ، وأما الرواية الثانية فالظاهر أن بعض الرواة " رواها بالمعنى " فزاد فيها الحصر لتوهمه أنه مراد وذهل في ذكر الاسماء ، فأبدل اسم أبى بن كعب باسم أبى الدرداء ! ومن أمعن النظر في أمر الرواية بالمعنى - لم يستبعد ذلك . اه‍ ما نقلناه من كتاب التبيان . ولم يقف فعل الرواية عند ذلك بل تمادت إلى ما هو أخطر من ذلك حتى زعمت أن في القرآن نقصا ولحنا وغير ذلك مما أورد في كتب السنة ، ولو شئنا أن نأتى به كله لطال الكلام - ولكنا نكتفي بمثالين مما قالوه في نقص القرآن ، ولم نأت بهما من كتب السنة العامة بل مما حمله الصحيحان ، ورواه الشيخان البخاري ومسلم . أخرج البخاري وغيره عن عمر بن الخطاب أنه قال - وهو على المنبر : إن الله بعث محمدا بالحق نبيا وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها . رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضل بترك فريضة أنزلها الله =========================================================================== (1) هل هذا ممكن ؟ إن الشك ليبدو على هذا الخبر . (*) =========================================================================== [ 257 ] - والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء . ثم إنا كنا نقرأ فيما يقرأ في كتاب الله ، ألا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم . وأخرج مسلم عن أبى الاسود عن أبيه قال : بعث أبو موسى الاشعري ، إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلثمائة رجل قد قرءوا القرآن فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ، ولا يطولن عليكم الامد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم - وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها ، غير أنى قد حفظت منها " لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب " ، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أنى حفظت منها " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة " . نجتزئ بما أوردنا وهو كاف هنا لبيان كيف تفعل الرواية حتى في الكتاب الاول للمسلمين وهو القرآن الكريم ! ولا ندرى كيف تذهب هذه الروايات التى تفصح بأن القرآن فيه نقص وتحمل مثل هذه المطاعن مع قول الله سبحانه " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " وأيهما نصدق ؟ ! اللهم إن هذا أمر عجيب يجب أن يتدبره أولو الالباب . أضواء على السنة =========================================================================== [ 258 ] تدوين الحديث (1) كيف نشأ تدوين الحديث : عندما شرعوا في تدوين الحديث دونوه على الهيئة التى وصل بها إليهم ، فجمع كل منهم ما جمع مما رواه الرواة بالاسانيد التى رووه بها ، وبعد ذلك بحثوا عن أحوال هؤلاء الرواة لكى يعرفوا من تقبل روايته ومن ترد . وعلى أنهم قد بذلوا في هذه السبيل ما بذلوا ، لكنهم لم يصلوا إلى الغرض المرجو منه ولا بلغوا مستقر اليقين الذى تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب من أن ما دونوه هو نفس ما نطق النبي به بحيث لا يدنو منه شك ، أو يعروه شبهة . وأنى لهم أن ينفذوا إلى دخائل النفوس وبواطنها حتى يطلعوا على حقيقتها ؟ ومن أجل ذلك جاءت كتبهم (كلها) وليس فيها مما جاء عن رسول الله - حديث يعتبر متواترا ، بل نجدها قد جمعت بين ما هو صحيح في نظر الرواة وما هو موضوع لا أصل له ، ولا يخلو من ذلك كتاب حتى التى سموها الصحاح وهى البخاري ومسلم لانها لم تسلم من سهام النقد التى وجهها إلى كتب الحديث أئمة الحديث وعلماء الاصول وعلم الكلام . وسيتبين لك كل ذلك فيما سيقابلك في مواضيعه من هذا الكتاب . وقد رأيت فيما تقدم من الفصل السابق أن الصحابة في عهد أبى بكر قد جمعوا القرآن في موضع واحد ، مما كان قد كتب في حياة الرسول صلوات الله عليه ، وما حفظ في الصدور ، وأنهم قد عنوا بذلك عناية فائقة ، أما أحاديث الرسول فإنهم لم يكتبوها ولم يجمعوها لانها لم تكتب في عهد النبي كما كتب القرآن ، إذ كان =========================================================================== (1) التدوين هو تقييد المتفرق المثبت وجمعه في ديوان أي في كتاب تجمع فيه الصحف فيضم الشمل ويحفظ من الضياع ، وهو أوسع من التقييد بمعناه المحدود . في تاج العروس دونه تدوينا جمعه ، وقال نقلا عن الفيروز ابادى : الديوان مجمع الصحف . والتصنيف أدق من التدوين فهو ترتيب ما دون في فصول محدودة ، وأبواب متميزة . قال في تاج العروس - وصنفه تصنيفا جعله أصنافا وميز بعضها عن بعض ، وقال الزمشخرى ومنه تصنيف الكتاب . (*) =========================================================================== [ 259 ] النبي قد نهى عن كتابتها ، وكانت صدورهم ، هي التى تحملها ، ومن أجل ذلك كانوا ينشرونها بالرواية ، إما بنفس الالفاظ التى سمعوها من النبي - إن بقيت في أذهانهم وهذا نادر جدا - وإن وقع ذلك ففى بعض الاحاديث القصيرة ، أو - بما يؤدى معناها إذا غابت عنهم ، وهذا كان غالب أمرهم ، ولم يروا حرجا من ذلك " لان المقصود من الحديث عندهم - كما قالوا - هو المعنى ولا يتعلق في الغالب حكم بالمبنى " بخلاف القرآن فإن لالفاظه مدخلا في الاعجاز ، فلا يجوز إبدال لفظ بلفظ آخر ، ولو كان مرادفا له خشية النسيان مع طول الزمان ، فوجب أن يقيد بالكتابة ولا يكتفى بالحفظ - وإعجازه قائم ولا جرم على تأليف ألفاظه . قال الامام الخطابى في كتابه إعجاز القرآن : إنما يقوم الكلام بهذه الاشياء الثلاثة : لفظ حاصل ، ومعنى قائم ، ورباط لهما ناظم . وقال الشيخ أبو بكر بن عقال الصقلى في فوائده على ما رواه ابن بشكوال : إنما لم يجمع الصحابة سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصحف كما جمعوا القرآن ، لان السنن انتشرت وخفى محفوظها من مدخولها ، فوكل أهلها في نقلها إلى حفظهم ولم يوكلوا من القرآن إلى مثل ذلك ، وألفاظ السنن غير محروسة من الزيادة والنقصان كما حرس الله كتابه ببديع النظم الذى أعجز الخلق عن الاتيان بمثله ، فكانوا في الذى جمعوه من القرآن مجتمعين ، وفي حروف السنن ونقل نظم الكلام نصا مختلفين ، فلم يصح تدوين ما اختلفوا فيه (1) . وقد ظل الامر في رواية الحديث على ما ذكرنا ، تفعل فيه الذاكرة ما تفعل ، لا يكتب ولا يدون طوال عهد الصحابة وصدرا كبيرا من عهد التابعين إلى أن حدث التدوين - على ما قالوا - في آخر عهد التابعين (2) قال الهروي (3) : لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الاحاديث إنما كانوا يؤدونها لفظا ويأخذونها =========================================================================== (1) ص 48 و 49 من شرح شروط الائمة الخمسة للحازمي . (2) آخر عصر التابعين هو حدود الخمسين ومائة . والحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة 300 ه‍ . (3) ص 7 ج 1 إرشاد السارى شرح القسطلانى وص 10 ج 1 شرح الزروقانى على الموطأ . (*) =========================================================================== [ 260 ] حفظا ، إلا كتاب الصدقات والشئ اليسير الذى يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء ، حتى خيف عليه الدروس وأسرع في العلماء الموت ، أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمى (1) ، فيما كتب إليه : انظر ما كان من سنة أو حديث فاكتبه . وقال مالك في الموطأ رواية محمد بن الحسن : أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبى بكر بن حزم : أن انظر ما كان من حديث رسول الله ، أو سننه فاكتبه لى فإنى حفت دروس العلم وذهاب العلماء ، وأوصاه أن يكتب له ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الانصارية - وكانت تلميذة عائشة رضى الله عنها - والقاسم ابن محمد بن أبى بكر . أما أمر عمر بن عبد العزيز فقد كان على رأس المائة الاولى (2) . ويبدو أنه لما عاجلت المنية عمر بن عبد العزيز انصرف ابن حزم عن كتابة الحديث ، وبخاصة لما عزله يزيد بن عبد الملك عندما تولى بعد عمر بن عبد العزيز سنة 101 ، ه‍ وكذلك انصرف كل من كانوا يكتبون مع أبى بكر وفترت حركة التدوين إلى أن تولى هشام بن عبد الملك سنة 105 ه‍ فجد في هذا الامر ابن شهاب الزهري (3) ، بل قالوا إنه أكرهه على تدوين الحديث لانهم كانوا يكرهون كتابته - كما سيتبين لك بعد - ولكن لم تلبث هذه الكراهية أن صارت رضا ولم يلبث ابن شهاب أن صار حظيا عند هشام فحج معه وجعله " معلم أولاده " إلى أن توفى قبل هشام بسنة ، وتوفى هشام سنة 125 ه‍ ، وبموته تزعزع ملك بنى أمية ودب فيه الاضطراب . =========================================================================== (1) أبو بكر بن محمد الانصاري ، لجده صحبة وهو تابعي فقيه ، استعمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها ، قال مالك : لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبى بكر بن حزم . مات سنة 120 ه‍ . (2) تولى عمر بن عبد العزيز سنة 99 ه‍ ومات سنة 101 ه‍ . لعدله بلسم ، وإليك كلمة بليغة للجاحظ في هذا الامام العادل . قال في كتاب فضل هاشم على عبد شمس : والذى حسن أمره - يريد عمر بن عبد العزيز - وشبه على الاغبياء حاله ، أنه قام بعقب قوم قد بدلوا عامة شرائع الدين وسنن النبي صلى الله عليه وسلم وكان الناس قبله من الظلم والجور والتهاون بالاسلام في أمر صغر في جنبه ما عاينوا منه ألفوه عليه فجعلوه لما نقص من تلك الامور الفظيعة في عداد الائمة الراشدين - ص 91 من رسائل الجاحظ جمع السندوبى ، وص 204 من كتاب تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية للعلامة مصطفى عبد الرازق . (3) هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أحد الائمة توفى سنة 124 ه‍ . (*) =========================================================================== [ 261 ] ثم شاع التدوين في الطبقة التى تلى طبقة الزهري ، وكان ذلك بتشجيع العباسيين . وقد اعتبر ابن شهاب الزهري أول من دون الحديث ، ولعل سبب ذلك أخذ بنى أمية عنه - وجاء في تذكرة الحفاظ : أن خالد بن معدان الحمصى لقى 70 صحابيا . وكان يكتب الحديث وله مصنفات ، ولكن لم يأت لهذه المصنفات ذكر في كتب الحديث ، ومات ابن معدان سنة 104 ه‍ . وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري ، بعد أن بين أن آثار النبي لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة لانهم نهوا عن ذلك كما ثبت في صحيح مسلم : " ثم حدث في أواخر التابعين تدوين الآثار وتبويب الاخبار ، لما انتشر العلماء في الامصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض . . . إلخ . وروى البخاري والترمذي عن أبى هريرة أنه قال : ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا منى إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب (1) ، والمحدثون لا يعدون ما يوجد في صحيفة محدث أو عالم رواية صحيحة عنه إلا إن حدث أنه سمعها من صحابها ويسمونها " الوجادة " . وقال العلامة الشيخ مصطفى عبد الرازق : " مما أكد الحاجة لتدوين السنن شيوع رواية الحديث وقلة الثقة ببعض الرواة وظهور الكذب في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاسباب سياسية أو مذهبية - أما أول تدوين للسنن بالمعنى الحقيقي فيقع ما بين سنة 120 ه‍ وسنة 150 ه‍ (2) . لم يدونوا الحديث إلا مكرهين : لما أمروا بتدوين الحديث لم يستجيبوا للامر إلا مكرهين ، ذلك بأنهم كانوا يتحرجون من كتابته بعد أن مضت سنة من كان قبلهم من الصحابة على عدم =========================================================================== (1) ذكر البغدادي أن ما دونه عبد الله بن عمرو في صحيفته التى يسميها " الصادقة " وكان يحرص عليها حرصه على نفسه إنما كانت أدعية وصلوات كان يرجع إليها . يرجع إلى كتاب " شيخ المضيرة " لمعرفة ما في هذه الصحيفة . (2) ص 195 و 198 من كتاب " تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية " . (*) =========================================================================== [ 262 ] تدوينه ، فقد حدث معمر عن الزهري قال : كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه (1) هؤلاء الامراء فرأينا ألا نمنعه أحدا من المسلمين (2) . وقال الزهري كذلك : استكتبني الملوك فأكتبتهم فاستحييت الله إذ كتبها الملوك ألا أكتبها لغيرهم (3) . وذلك لان المسلمين كان همهم في أول الاسلام مقصورا على كتابة القرآن ، أما الحديث فقد كانوا يتناقلونه من طريق الرواية معتمدين في ذلك على ذاكرتهم . لم يعتبروا التدوين في عصر بنى أمية تدوينا منسقا : لم يعتبر العلماء عصر بنى أمية عصر تصنيف منسق ، لانهم لم يجدوا من آثار هذا العصر كتبا جامعة مبوبة ، وإنما وجدوا أن ما صنعوه إنما كان في مجموعات لا تحمل علما واحدا ، وإنما كانت تضم الحديث والفقه والنحو واللغة والخبر وما إلى ذلك . قال الاستاذ العالم أحمد السكندرى في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية (4) : انقضى عصر بنى أمية ولم يدون فيه غير قواعد النحو وبعض الاحاديث وأقوال فقهاء الصحابة في التفسير ، ويروى أن خالد بن يزيد (5) وضع كتبا في الفلك والكيمياء وأن معاوية استقدم عبيد بن سارية (6) من صنعاء فكتب له كتاب =========================================================================== (1) قال أبو المليح : كان هشام هو الذى أكره الزهري على كتاب الحديث فكان الناس يكتبون بعد ذلك ، ورواية ابن سعد في الطبقات " فرأينا ألا يمنعه أحد من المسلمين " - ص 135 ج 2 ق / 2 . (2) ص 107 من تقييد العلم للخطيب البغدادي . (3) ص 77 ج 1 جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر . (4) ص 72 . (5) ذكروا أن خالد بن يزيد بن معاوية ترجم كتب الفلاسفة والنجوم والكيمياء والطب والحروب وغيرها وكانت الترجمة أحيانا من لغة يونان إلى العبرانية ومن العبرانية ، إلى السريانية ، ومن السريانية إلى العربية ، وهو أول من جمعت له الكتب وجعلها في خزانة - توفى سنة 85 ه‍ . (6) عبيد بن سارية وفي رواية شرية الجرهمى ، استحضره معاوية من اليمن إلى الشام ليسأله عن أخبار ملوك العرب والعجم ، وأمر أن يدون ما يقول وينسب إليه ، فكان ذلك أول التدوين في التاريخ " الفهرست " لابن النديم طبعة ليبسك - ص 89 . وقال الجاحظ في البخلاء إنه كان لا يعرف إلا ظاهر اللفظ أي أنه كان راوية فقط . (*) =========================================================================== [ 263 ] " الملوك والاخبار الماضية " وأن وهب بن منبه والزهرى وموسى بن عقبة كتبوا في ذلك أيضا كتبا ، ولكن ذلك لم يقنع الباحثين في تاريخ العلوم وتصنيفها أن يعتبروا عصر بنى أمية عصر تصنيف ، إذ لم تتم فيه كتب جامعة حافلة مبوبة مفصلة وإنما كان كل ذلك مجموعات تدون حسب ورودها واتفاق روايتها اه‍ (1) . وقال الغزالي في الاحياء : بل الكتب والتصانيف محدثة لم يكن شئ منهما في زمن الصحابة وصدر التابعين وإنما حدث بعد سنة 120 ه‍ وبعد وفاة جميع الصحابة وجلة التابعين رضى الله عنهم ، وبعد وفاة سعيد بن المسيب (توفى سنة 105 ه‍) والحسن (توفى سنة 110 ه‍) وخيار التابعين ، بل كان الاولون يكرهون كتب الحديث ، وتصنيف الكتب ، لئلا يشتغل الناس بها عن الحفظ وعن القرآن وعن التدبر والتذكر ، وقالوا : احفظوا كما كنا نحفظ . . . (2) والذى يخلص من ذلك كله أن أول تدوين الحديث قد نشأ في أواخر عهد بنى أمية وكان على طريقة غير مرتبة من صحف متفرقة تلف وتدرج بغير أن تقسم على أبواب وفصول ، ولعل هذا التدوين كان يجرى على نمط ما كان يدرس في مجالس العلم في زمنهم - إذ كانت غير مخصصة لعلم من العلوم ، وإنما كان المجلس الواحد يشتمل على علوم متعددة ، قال عطاء (3) ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس ، ولا أكثر فقها ولا أعظم هيبة ، أصحاب القرآن يسألونه وأصحاب العربية يسألونه ، وأصحاب الشعر يسألونه ، فكلهم يصدر من واد فسيح ، وقال عمر بن دينار : ما رأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلسه (ابن عباس) الحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والشعر . وهذا هو الطور الاول من التدوين ولم يصل إلينا منه أي كتاب . =========================================================================== (1) ص 72 من تاريخ آداب اللغة العربية للسكندرى . (2) ص 79 ج 1 من طبعة بولاق سنة 1296 ه‍ . (3) عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه أنه قال ، كنا نكتب الحلال والحرام وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع - ص 73 ج 1 جامع بيان العلم . (*) =========================================================================== [ 264 ] التدوين في العصر العباسي وقال السكندرى : هب العلماء في العصر العباسي إلى تهذيب ما كتب في الصحف وتدوين ما حفظ في الصدور ، ورتبوه وبوبوه وصنفوه كتبا ، وكان من أقوى الاسباب في إقبال العلماء على التصنيف في هذا العصر حث الخليفة أبى جعفر المنصور (1) عليه وحمله الائمة الفقهاء على جمع الحديث ، والفقه ، وأنه قد بذل - على بخله - في هذا السبيل أموالا طائلة ، وذكروا أن عنايته بالعلم لم تقف عند تعضيد العلوم الاسلامية ، بل إنه حمل العلماء والمترجمين من السريان والفرس أن ينقلوا إلى العربية من الفارسية واليونانية علوم الطب والسياسة والحكمة والفلك والتنجيم والآداب والمنطق وغيرها (2) . فكان بذلك أول حاكم ترجمت له الكتب من اللغات الاخرى إلى العربية ، على أن عنايته بالحديث وجمعه وتدوينه كانت فائقة ، حتى لقد قيل له : هل بقى من لذات الدنيا شئ لم تنله ؟ فقال : بقيت خصلة ، أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث . وهو الذى أشار على مالك بن أنس أن يضع كتاب " الموطأ " في بعض الروايات . وقال الصولى : كان المنصور أعلم الناس بالحديث والانساب . ولا عجب في أن يكثر رجال الحديث في عهد المنصور ولا في أن يشتد العلماء في طلب آثار الرسول وفي أن يرغبوا في جمعها وتدوينها ، وقد قال عمر بن عبد العزيز إن السلطان بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها ، فإن كان برا أتوه ببرهم ، وإن كان فاجرا أتوه بفجورهم (3) ، قال ابن تغرى بردى في حوادث 143 ما يلى : قال الذهبي : وفي هذا العصر (سنة 143 ه‍) شرع علماء الاسلام في تدوين الحديث =========================================================================== (1) كان أبو جعفر أول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والاعجمية بالعربية ، وأول من أوقع الفرقة بين بنى العباس والعلويين ، بعد أن كان أمرهم واحدا - تولى سنة 136 ه‍ ومات سنة 158 ه‍ . (2) ص 72 من كتاب تاريخ آداب اللغة العربية للسكندرى . (3) هناك رواية أخرى ، أن أبا حازم الاعرج قال لسليمان بن عبد الملك : إنما السلطان سوق فما ينفق عنده حمل إليه . (*) =========================================================================== [ 265 ] والفقه والتفسير فصنف ابن جريح (1) التصانيف بمكة (مات سنة 150 ه‍) ، وصنف سعيد بن أبى عروبة (مات سنة 156) وحماد بن سلمة (مات سنة 167) وغيرهما بالبصرة ، وصنف أبو حنيفة الفقه والرأى بالكوفة (مات سنة 150) ، وصنف الاوزاعي بالشام (مات سنة 156 أو 157) ، وصنف مالك الموطأ بالمدينة (مات سنة 179) وصنف ابن إسحاق المغازى (مات سنة 151) ، وصنف معمر باليمن (مات سنة 153) وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع بالكوفة (مات سنة 161) ثم بعد يسير صنف هشام (2) كتبه (مات سنة 188) وصنف الليث بن سعد (سنة 175) وعبد الله بن لهيعة (سنة 174) ثم ابن المبارك (سنة 181) والقاضى أبو يوسف يعقوب (سنة 182) وابن وهب (سنة 197) وكثر تبويب العلم وتدوينه ورتبت ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس ، وقبل هذا العصر كان سائر العلماء - وفي رواية (كان الائمة) - يتكلمون عن حفظهم ويروون العلم عن صحف غير مرتبة . اه‍ كلام الذهبي (3) . ولانهم في عصر واحد فإنه لا يعلم على التحقيق أيهم كان الاسبق بالتدوين ، فبعضهم قال : إن أول من صنف سعيد بن أبى عروبة . وبعضهم قال : ابن جريج ، وبعضهم قال : الربيع بن صبيح وبعضهم قال : حماد بن سلمة ، وقال ابن حجر : أول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبى عروبة - إلى أن قام كبار الطبقة (4) الثالثة فدونوا الاحكام ، فصنف مالك الموطأ وتوخى فيه القوى من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم . وقال الحافظان ابن حجر والعراقي : وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يدرى أيهم أسبق ، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الائمة منهم أن يفرد حديث النبي خاصة ، وذلك على رأس المائتين ، ولم يصل إلينا من هذه المجموعات إلا موطأ مالك ، ووصف لبعض المجموعات الاخرى ، وكذلك =========================================================================== (1) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي . (2) هو هشيم وكان بواسط . (3) ص 351 ج 1 من النجوم الزاهرة وص 101 تاريخ الخلفاء للسيوطي . (4) الطبقة في اصطلاح المحدثين عبارة عن جماعة اشتركوا في السن ولقاء المشايخ . (*) =========================================================================== [ 266 ] كان التدوين في هذا العصر يمزج الحديث بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم كما قال ابن حجر ، وظل على ذلك إلى تمام المائتين . وهذا هو الطور الثاني من أطوار التدوين . التدوين بعد المائتين : أخذت طريقة تدوين الحديث بعد المائتين صورة أخرى ، ذلك أن يفرد حديث النبي خاصة بالتدوين ، بعد أن كان مشوبا بغيره مما ليس بحديث ، فصنف عبيدالله بن موسى العبسى الكوفي (213) مسندا ، وصنف مسدد بن مسرهد البصري (228) مسندا ، وصنف الحميدى (219) مسندا وغيرهم . واقتفى الائمة بعد ذلك أثرهم كالامام أحمد (241) وإسحاق بن راهويه (237) وغيرهما ، ولئن كانت هذه المسانيد قد أفردت الحديث وحده بالتدوين ولم تخلط به غيره من أقوال الصحابة ولا غيرهم - إنها كانت تجمع بين الصحيح وغير الصحيح . مما كان يحمله سيل الرواية في هذا الزمن من الاحاديث ، إذ لم يكن قد عرف إلى هذا العصر تقسيم الحديث إلى ما تعارفوا عليه من صحيح وحسن وضعيف ولذلك كانت هذه المسانيد دون كتب السنن في المرتبة ولا يسوغ الاحتجاج بها مطلقا ، وسنتكلم عن هذه المسانيد فيما بعد وعن منزلتها بين كتب الحديث المعروفة . وقد استمر التدوين على هذا النمط إلى أن ظهرت طبقة البخاري . ومن ثم أخذ صورة أخرى ودخل في دور جديد ، هو دور التنقيح والاختيار . قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري : لما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها ، وانتشق رياها واستجلى محياها وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين ، والكثير منها يشمله التضعيف (1) فلا يقال لغة سمين ، فحرك همته لجمع الحديث الصحيح الذى لا يرتاب فيه أمين ، وقوى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه . . قال أبو عبد الله بن إسماعيل البخاري : كنا عند إسحاق بن راهويه فقال : لو جمعتم =========================================================================== (1) بل الوضع كما سيتبين لك . (*) =========================================================================== [ 267 ] كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال فوقع ذلك في قلبى فأخذت في جمع الجامع الصحيح (1) . الاطوار التى تقلب فيها التدوين : تبين لك فيما تقدم أن أحاديث رسول الله صلوات الله عليه لم تدون في حياته ولا في عصر الصحابة وكبار تابعيهم ، وأن التدوين لم ينشأ إلا في القرن الثاني للهجرة في أواخر عهد بنى أمية ، وأنه لم يتخذ طريقا واحدا بل تقلب في أطوار مختلفة . فكان في أول أمره جمعا من رواية الرواة مما وعت الذاكرة من أحاديث رسول الله ، وكان ذلك في صحف لا يضمها مصنف جامع مبوب ، وكانت هذه الصحف تضم مع الحديث فقها ونحوا ولغة وشعرا وما إلى ذلك ، مما تقضى به طفولة التدوين ، وهذا هو " الطور الاول " من التدوين ولم يصل إلينا منه شئ في كتاب خاص جامع ثم أخذ التدوين " طوره الثاني " في عصر العباسيين فهذب العلماء - بما اقتبسوا من مدينة فارس - ما في هذه الصحف ورتبوه ، بعد أن ضموا إليه ما زادته الرواية في هذا العصر ، وصنفوا من كل ذلك كتبا كسروها على الحديث وما يتصل به من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين ولم يدخلوا فيها أدبا ولا شعرا . وكان كثير من المتقدمين يطلقون اسم الحديث على ما يشمل آثار الصحابة والتابعين ، وأخذ التدوين هذا النمط تبعا لارتقاء التأليف في العصر العباسي ، وتميزت العلوم بعضها من بعض وجمعت مسائل كل علم على حدة ، وظل التأليف يجرى على هذا السنن إلى آخر المائة الثانية ولم يصل إلينا من الكتب المبوبة في هذا الطور إلا موطأ مالك رحمه الله . وبعد المائة الثانية أخذ التدوين يسير في طريق أخرى دخل بها في " الطور الثالث " فأنشأ العلماء يفردون كل ما روى من الاحاديث في عهدهم بالتدوين بعد أن كان من قبل مشوبا بأقوال الصحابة وغيرهم - كما بينا - وصنفت في ذلك مسانيد كثيرة أشهرها مسند أحمد وهو لا يزال موجودا بيننا ، وسنتحدث عنه عند =========================================================================== (1) ص 4 من مقدمة فتح الباري لابن حجر . (*) =========================================================================== [ 268 ] الكلام على كتب الحديث ونبين منزلته من الصحة وقيمته بينها . والمسند - أن يجعل جميع ما يروى عن كل صحابي - أي ما يسند إليه - في باب على حدة مهما كان موضوع الحديث ، وأيا كانت درجته من الصحة إذ لم يكن قد ظهر تمييز الصحيح من غير الصحيح في التأليف . ولقد كانت هذه المسانيد تحمل الاحاديث الصحيحة والموضوعة كما قلنا ، وجرى العمل على هذا النهج حتى ظهر البخاري وطبقته فانتقل التدوين إلى : " الطور الرابع " وهو طور " التنقيح والاختيار " كما ذكرنا آنفا ، فوضعوا كتبا مختصرة في الحديث اختاروا فيها ما رأوا أنه من الصحيح على طريقتهم في البحث ، كما فعل البخاري ومسلم ومن تبعهما ، وسنتكلم عن هذه الكتب كلها عند الكلام على كتب الحديث ، وهذا الطور من التصنيف هو الاخير ، إذ أصبحت هذه الكتب هي المعتمدة عند أهل السنة ، أما الشيعة فلهم كتب في الحديث يعتمدون عليها ولا يثقون إلا بها ، ولكل قوم سنة وإمامها . وبهذا يخلص لك أن التدوين المعتمد لدى الجمهور لم يقع إلا حوالى منتصف القرن الثالث إلى القرن الرابع . . أثر تأخير التدوين : لما تركت أحاديث الرسول صلوات الله عليه بغير تدوين في عهده ولم ينهض الصحابة من بعده لكتابتها كما كتبوا القرآن ، اتسعت أبواب الرواية عن رسول الله لكل ذى هوى زائغ ، أو دخلة سيئة ، من غير خوف من ضمير ولا وازع من دين فرووا ما شاءوا أن يرووا (1) . ولو أن المسلمين الاولين أو من دخلوا في الاسلام - من بعد - كانوا طبقة واحدة في الصدق ، ودرجة متساوية في العدل وكمال السيرة ، أو لو أن الرواية قد وقفت على من أطلقوا عليهم اسم الصحبة الصحيحة ، وربطت الكتابة ما روى في عهد الخلفاء الراشدين ، لكان عسى أن يكون النقل مقصورا على ما قاله النبي صلوات الله عليه بغير زيادة ولا نقص ، ولجاءت الاحاديث كلها صحيحة لا شك فيها - ومن ثم =========================================================================== (1) راجع فصل وضع الحديث وأسبابه فيما سبق ص 118 . (*) =========================================================================== [ 269 ] كانت الامة تتلقاها بالرضا والتسليم ، كما تلقت من قبلها آيات القرآن الحكيم ، ويأخذها الخلف عن السلف بألفاظها ومعانيها ولا يخالف أحد من المسلمين وغير المسلمين فيها ، ثم تسير الامة على نورها وتهتدى بهديها ، من غير تمذهب ولا تفرق كما هو الاصل في الدين الذى يقول كتابه " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا - إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ " ، ولكن الناس هم الناس في كل عصر ، والبشر لهم طباع لا تتغير ، وغرائز لا تتبدل ، وأهواء لا تتحول ، وما كان الصحابة رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم من التابعين بدعا من الناس ولا هم بالمعصومين (1) ، سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تدبيلا . وبحسبك أن تعرف أنه ما كاد الرسول صلوات الله عليه ينتقل إلى الرفيق الاعلى ، حتى ذر قرن الخلاف بين أصحابه حتى قبل دفن جثمانه الطاهر ثم ارتد كثير ممن صحب النبي ، ولولا حزم أبى بكر وصرامة عمر ومن عاونهما من خيار الصحابة وصالحيهم لاندك صرح الاسلام وهو في المهد . ومن أجل ذلك كان كبار الصحابة كأبى بكر وعمر وعلى لا يصدقون من يروى لهم من الصحابة - حتى من كبارهم - حديثا إلا إذا جاء بشهيد يشهد معه أنه قد سمعه من النبي ، أو يحلف أنه تلقاه عنه ، ولو كانوا كلهم مبرئين من الخطأ والكذب كما قالوا عنهم لقبلت رواية كل من يروى منهم في عهد هؤلاء الخلفاء الكبار ، والدين في عنفوانه والاعلام ظاهرة - بغير شاهد أو يمين ، وبخاصة أنهم كانوا هم الناس الذين تلقوا الدين مشافهة عن نبيهم - ولا يزال نور النبوة يشرق في قلوبهم . إن الذى يريد أن يدرس تاريخ الاسلام على حقه إنما يجب عليه أن يحيط علما بما كان عليه العرب قبل الاسلام عامة وبخاصة بين بنى هاشم وبين بنى أمية في الجاهلية (2) ثم في الاسلام . وبما شجر بين الصحابة منذ عهد عثمان والحروب التى وقعت بين على رضى الله عنه وبين معاوية ، وجنودهما أكثرهم من الصحابة ، وما كان =========================================================================== (1) راجع فصل عدالة الصحابة من هذا الكتاب (2) ارجع إلى كتاب النزاع والتخاصم فيما بين نبى أمية وبنى هاشم للمقريزى . وإلى كتابنا " شيخ المضيرة " لكى تعرف قامت دولة بنى أمية . (*) =========================================================================== [ 270 ] بعد ذلك بين الامويين والعباسيين ، وكذلك ما كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود - وما تكنه قلوب أهل الاديان والامم الاخرى للاسلام من بغض وشنآن . حقا يجب على كل من يريد أن يقف على تاريخ الاسلام الصحيح أن يحيط بذلك كله علما فتنكشف أمامه آفاق بعيدة ينبعث منها نور قوى يهدى إلى تحليل الحوادث تحليلا صادقا ، وتعليل الوقائع تعليلا صحيحا ، فإن كل هذه الامور كان لها ولا ريب أثر بعيد في تكوين التاريخ الاسلامي وفيما تدسس إلى تفسير القرآن من أساطير ، وما نسب إلى النبي - كذبا - من أحاديث . وإن التاريخ لينبئك أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما كاد ينتقل إلى الرفيق الاعلى حتى بدا ما كان يكنه بنو أمية من الموجدة لبنى هاشم مما كان قد استسر بغطاء الاسلام حينا ، فحاولوا إغراء بنى هاشم بالمطالبة بالخلافة لكى تقع الفتنة ، ولكن يقظة على أحبطت كيدهم فسكنوا وطووا على ما بين جوانحهم حتى يهيئوا فرصة تسنح لهم إلى أن تهيأت في خلافة عثمان رضى الله عنه . ذلك بأنه ما كاد يتولى الامر حتى كشف الامويون عما كانت تخفى صدورهم - وكان رضى الله عنه أمويا - وأخذوا ينفذون خطتهم بدقة ومهارة حتى أصبح الامر كله في عهده لهم ، وانقلب نظام الحكم كله في السنين الاخيرة من حكم عثمان من خلافة عادلة ، إلى ملك تتعاوره الاهواء ، وتتداوله الاغراض . ولما انشقت العصا بعد وفاة عثمان واستعرت نار الفتنة ، وانشعب الناس إلى شعب متعددة ، أخذ كل فريق يؤيد حزبه بكل ما يستطيع من وسائل التأييد المادية والمعنوية والقولية ، فهذا يشايع الهاشميين ، وذاك يناصر الامويين ، وهكذا . وقد رأوا أن أقوى أسلحة الغلب أن يستعين كل فريق بأدلة مأثورة عن النبي تشد أزر فرقته وتقوى دعوتها ، من أجل ذلك أخذوا جميعا يروون أحاديث ينسبونها إلى الرسول صلوات الله عليه ، وبخاصة في الفضائل ، كما رأيت ذلك في أسباب وضع الحديث من قبل . وإنهم لم يفعلوا ذلك إلا لانهم وجدوا أن شخص الرسول صلوات الله عليه مما تعنوا له الهام ، وأن مقامه بينهم جميعا فوق كل مقام ، ولكن الغلب كتب =========================================================================== [ 271 ] لبنى أمية على بنى هاشم بما كان لهم من قوة ومكر ، وما كان في أيديهم من مال وسلطان وقهر . وثم ناحية أخرى كان لها حظ كبير - في العبث بالرواية - وكان عمل أصحابها دينيتا خفيتا ، وغايتها التى تسعى إليها أن تفسد عقائد الدين النقية ، بأن تدخل فيها ما ليس منها وتدس إليها من التعاليم الزائفة ما يشوه جمالها ، أولئك هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين أظهروا الاسلام خدعة ، ثم ألقوا ما شاء لهم الكيد والهوى من الاسرائيليات والمسيحيات والاكاذيب في دين العرب الجديد - كما مر بك - ومن هذا ، ومن أسباب كثيرة بيناها من قبل ، أخذ الوضع والكذب يفشوان بين الناس ، واستبحرت الرواية عن رسول الله حتى ركب الناس في ذلك - كما قال ابن عباس - الصعبة والذلول . وإذا كان القرآن وهو الذى جعل له الرسول كتابا يقيدونه ساعة الوحى وكتب مرة أخرى في عهد أبى بكر ، وكان يحفظه كثير من الصحابة ، وقضى الله بحفظه في قوله تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ، قد اختلف المسلمون في قراءته حتى كفر بعضهم بعضا ، ووقع هذا الاختلاف قبل انقضاء حوالى عشر سنين على موت الرسول صلوات الله عليه حتى اضطر عثمان في سنة 25 ه‍ إلى كتابة مصاحف تحمل الصورة الصحيحة منه ، ويبعث بها إلى الامصار ، ويأمر بما سواها من المصاحف التى تحمل القرآن المختلف في قراءته أن يحرق - إذا كان أمر القرآن هكذا ، فترى ماذا يكون أمر الحديث وهو لم يكتب في عهد النبي ، ولا في عهد أبى بكر ولا في عهد عثمان وظل أمره مطلقا من قيد التدوين تكتنفه تلك الاهواء المختلفة ، وتترامى به تيارات الاغراض المتباينة قرنا وبعض قرن ؟ ؟ ! ! من أجل ذلك كان الوصول إلى معرفة الاحاديث الصحيحة شاقا ، والبحث عن معرفة حقيقة ضمائر الرواة أشق . وإذا علم ذلك كله بدا - ولا ريب - أن تأخير التدوين كان له ضرر بالغ ، إذ كان سببا في اتساع آفاق الرواية ، واختلاط الصحيح بالموضوع ، وتعذر التمييز بينهما على مر الدهور . =========================================================================== [ 272 ] تدوين الحديث عند الشيعة : بعد أن فرغنا من الكلام على تدوين الحديث عند أهل السنة رأينا أن نتم بحثنا عن تاريخ تدوينه عند الشيعة حتى نستوفي الكلام في هذا الامر من كل نواحيه فنقول : إن الشيعة يقولون : إن أول من جمع الحديث ورتبه على الابواب أبو رافع مولى رسول الله (1) وله كتاب السنن والاحكام والقضايا ، وقالوا : فلا أقدم منه في ترتيب الحديث وجمعه في الابواب (2) . وقال العالم الكبير محمد الحسين آل كاشف الغطاء النجفي في كتابه " المطالعات والمراجعات والردود " (3) : إن أول من دون الحديث ابن أبى رافع كاتب أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام وخازنه على بيت المال ، بل الحق أن أول من دونه هو نفس أمير المؤمنين عليه السلام كما يدل عليه خبر الصحيفة في الصحيحين (4) . =========================================================================== (1) أبو رافع مولى رسول الله واسمه أسلم وكان للعباس بن عبد المطلب فوهبه لرسول الله ، وهو الذى عمل منبر رسول الله من أثل الغابة ، وكانت سلمى مولاة رسول الله عند أبى رافع فولدت له عبيد الله بن أبى رافع كاتب على عليه السلام . (2) ص 27 ، 28 من كتاب " الشيعة وفنون الاسلام " لمؤلف السيد حسن الصدر من علماء العراق - مطبعة العرفان بصيدا سنة 1331 . (3) ص 56 . (4) أوردنا من قبل حديث الصحفية بين الاحاديث التى استشهدنا بها على إثبات الرواية بالمعنى . (*) =========================================================================== [ 273 ] نشأة علم الحديث بينا من قبل أنه لو أن أحاديث الرسول كانت قد كتبت عندما كان ينطق بها ، وحفظ ما كتب على وجه الدهر منها ، لتلقاها الناس كما تلقوا كتاب الله بغير بحث في صحتها ، ولا تنقيب عن حقيقتها ، ولكن عدم تدوينها في عهد صاحب الرسالة وأصحابه ، وإتيانها من ناحية الرواية قد ألزم العلماء أن يبحثوا في أمرها لكى يعرفوا الصحيح والموضوع منها ، وغير ذلك من أمور هذا العلم . أول من ألف علم الحديث : قال الحافظ ابن حجر (1) : أول من صنف في الاصطلاح القاضى أبو محمد الرامهرامزى (2) فعمل كتاب " المحدث الفاصل بين الراوى والواعى " لكنه لم يستوعب ، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري المتوفى سنة 405 ، ولكنه لم يهذب ولم يرتب ، وتلاه أبو نعيم الاصبهاني (430 م) فعمل على كتابه مستخرجا وأبقى أشياء للمنقب . . . . ثم جاء بعده الخطيب البغدادي (463) إلى أن جاء الحافظ الامام تقى الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح (643) فجمع كتابه المشهور فهذب فنونه ، ولهذا عكف الناس عليه ، وساروا بسيره ، فمنهم المختصر له ، كالنووى في تقريبه والناظم له كالعراقي (806) . انتهى باختصار . المراد من علم الحديث : وقال ابن خلدون في فصل " علوم الحديث " من مقدمته (3) : ومن علوم الحديث النظر في الاسانيد ومعرفة ما يجب العمل به من الاحاديث بوقوعه على السند الكامل الشروط ، لان العمل إنما وجب بما يغلب على الظن صدقه =========================================================================== (1) ص 9 من تدريب الراوى . (2) المتوفى سنة 360 هو ورامهرمز بلدة من بلاد فارس وكتابه " المحدث الفاصل بين الراوى والواعى " توجد نسخة خطية منه بدار الكتب المصرية . (3) ص 417 . (*) =========================================================================== [ 274 ] من أخبار رسول الله ، فيجتهد في الطريق التى تحصل ذلك الظن ، وهو معرفة رواة الحديث بالعدالة والضبط . . . إلخ . وقال النووي في شرح خطبة مسلم : المراد من علم الحديث (1) تحقيق معاني المتون وتحقيق علم الاسناد والمعلل ، والعلة عبارة عن معنى في الحديث خفى يقتضى ضعف الحديث مع أن ظاهره السلامة منها ، وتكون العلة تارة في المتن ، وتارة في الاسناد ، وليس المراد من هذا العلم مجرد السماع ولا الاسماع ولا الكتابة (2) بل الاعتناء بتحقيقه والبحث عن خفى معاني المتون والاسانيد والفكر في ذلك ودوام الاعتناء به ومراجعة أهل المعرفة ومطالعة كتب أهل التحقيق فيه (3) . سند الحديث ومتنه : " السند " في اللغة ما استندت إليه من جدار وغيره ، وهو في عرف أهل الحديث طريق متن الحديث ، وسمى " سندا " لاعتماد الحفاظ عليه في صحة الحديث ووضعه . وقد يقال للطريق " الوجه " فيقال : هذا الحديث لا يعرف إلا من هذا الوجه . " والمتن " في اللغة الظهر وما صلب من الارض وارتفع ، ثم استعمل في العرف بما ينتهى إليه السند ، مثال ذلك قول يحيى : أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله قال : لا يبع بعضكم على بيع بعض ، فسند الحديث ، هم الرواة ومتن الحديث " لا يبع بعضكم . . . إلخ " . من يؤخذ منه الحديث : اتفق علماء الحديث على أنه لا يؤخذ بالحديث إلا إذا كان رواته موصوفين بهاتين الصفتين : العدالة ، والضبط . والعدالة هي الركن الاكبر في الرواية . =========================================================================== (1) وصف هذا العلم عالم جليل فقال : إنه علم اصطلاحي محض يوعى بكد الحافظة ويستنبط بقوة الذاكرة ، فلا يستلذه الفكر الغواص على حقائق المعقولات ، ولا الخيال الجوال في جواء الشعريات ، ولا الروح المرفوف في رياض الادب أو المحلق في سماء الالهيات - ص 10 من مقدمة كتاب قواعد التحديث للقاسمى - طبعة دمشق . (2) فليسمع حشوية دهرنا الذين لم يبلغوا في علم الحديث حتى أن يسمعوا أو يسمعوا ، وإنما كل علمهم أن يقرءوا بعض كتب الحديث أو يطبعوها ليغنموا أثمانها . (3) ص 28 . (*) =========================================================================== [ 275 ] " والعدالة " وحدها غير كافية ، وقد اختلفوا في صفتها اختلافا شديدا حتى قالوا : " إن من الصعب الوقوف على رسم العدالة فضلا عن حدها ، وخاضوا في ذلك كثيرا ، ولا نطيل فيما قالوه في ذلك ، وقد عرفوا " الضابط " (1) في الرواية بأنه هو الذى يقل خطؤه في الرواية - وغير الضابط هو الذى يكثر غلطه (2) ووهمه ، سواء أكان ذلك لضعف استعداده ، أم لتقصيره في اجتهاده ، وقد وضعوا صفات كثيرة للضابط لا نعرض لها (3) . لان كلا من العدالة والضبط له مراتب عليا ووسطى ودنيا ، ويحصل من تركيب بعضها مع بعض مراتب للحديث مختلفة في القوة والضعف (4) . و " الثقة " هو الذي يجمع بين العدالة والضبط ، وليس كل ما يرويه " الحافظ المتقن " صوابا لاحتمال أن يكون قد زل في بعض المواضع ، وكذلك ليس كل ما يرويه " غير الحافظ المتقن " خطأ لاصابته في كثير من المواضع ، والعاقل اللبيب هو الذى يعسى لمعرفة صواب كل فريق ليأخذ به . الخبر وأقسامه : لما كان الحديث عبارة عن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله كما عرفوه ، وكان من لم يدرك هذه الاقوال بطريق الحس لا سبيل له إلى إدراكها إلا بطريق الخبر ، اعتنى العلماء ببيان أقسام الخبر مطلقا ، وجعلوا للحديث الذى هو قسم من أقسام الخبر بحثا خاصا به . وقد قسم " علماء الكلام والاصول " الخبر إلى قسمين : خبر متواتر ، وخبر آحاد " فالخبر المتواتر " هو خبر عن محسوس أخبر به جماعة بلغوا في الكثرة مبلغا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب فيه ، وهو مفيد للعلم بنفسه (5) لانه صحيح قطعا =========================================================================== (1) الراوى الضابط في الحقيقة هو الذى يؤدى ما سمع إلى غيره بغير تغيير ولا تبديل كما جاء في الحديث : وأداها كما سمعها لفظا ومعنى . (2) قال ابن تيمية : وأما الغلط فلم يسلم منه أكثر الناس بل في الصحابة من قد يغلط أحيانا وفيمن بعدهم ولهذا كان فيما صنف في الصحيح أحاديث يعلم أنها غلط . (3) قسموا الرواة الجامعين بين العدالة والضبط باعتبار تفاوت درجاتهم إلى تسعة أنواع بينوها في كتبهم . (4) ص 407 من توجيه النظر . (5) لم يسلم المتواتر من شبهة على إفادته - علم اليقين - فمن هذه الشبهة أنه يجوز أن تخبر جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب بأمر حياة فلان وتخبر جماعة أخرى مثلهم بما ينقض خبرهم . = (*) =========================================================================== [ 276 ] ويجب الاخذ به من غير توقف في العقائد وهو دليلها . و " خبر الآحاد " ويسمى أيضا خبر الواحد - هو الخبر الذى لم تبلغ نقلته في الكثرة مبلغ الخبر المتواتر ، سواء أكان المخبر واحدا أم اثنين أم ثلاثة أم أربعة أم خمسة ، إلى غير ذلك من الاعداد التى لا يشعر بأن الخبر دخل بها في خبر المتواتر (1) . وهو يفيد الظن ويؤخذ به في العبادات والمعاملات ، ولا يؤخذ به في العقائد . وفي شرح النوري على مسلم : أن الخبر ضربان ، متواتر وآحاد . فالمتواتر ما نقله عدد لا يمكن مواطأتهم على الكذب عن مثلهم ويستوى طرفاه والوسط ويخبرون عن حس غير مظنون ويحصل العلم بقولهم (2) ، والمختار الذى عليه المحققون والاكثرون أن ذلك لا ينضبط بعدد مخصوص ولا يشترط في المخبرين الاسلام ولا العدالة . وأما " خبر الواحد " فهو ما لم يوجد فيه شرط " المتواتر " سواء كان الراوى له واحدا أو أكثر (3) اه‍ . وفيه الصحيح ، وغير الصحيح ، وكل كتب الحديث تدخل في قسم " الآحاد " . حكم المتواتر والآحاد : إذا كان الخبر متواترا أفاد " العلم قطعا " ، وإذا كان خبر آحاد لم يفد العلم قطعا ، وقد يوجد في أخبار الآحاد ما تسكن إليه النفس . =========================================================================== = وقال الغزالي : إن العدد الكثير ربما يخبرون عن أمر تقتضي أيالة الملك وسياسته إظهاره والمخبرون من رؤساء جنود الملك ، فيتصور إجماعهم تحت ضغط الايالة على الاتفاق على الكذب . والفرقة التى أنكرت إفادة المتواتر العلم اليقيني قالت إن الحاصل منه هو الظن القوى الغالب . (1) ص 33 توجيه النظر . (2) صرح كثير من علماء الاصول بأن المتواتر لا بد فيه من القرائن ، فلا يبقى حنيئذ فرق بينه وبين خبر الآحاد الذى إن احتفت به القرائن أوجبت العلم بصدقه ويكون إيجاب كل منهما العلم إنما هو بمعونة القرائن وسبب اختلافهم هو غموض هذا البحث ودقته . (3) ص 169 ج 1 : ومما نورده من فكاهات أئمة الادب في " أخبار الآحاد " أن الثعالبي قال عنها في ثمار القلوب " هي التى لم يروها إلا الآحاد ولا يحكم بها سائر الفقهاء " ، ومن فصل للصاحب بن عباد فيها : مولاى يعرف أخبار الآحاد ، وكم أهلكت من العباد ، وله كذلك : لا تع ما جاءك الوشاة به * فإن هذه أخبار آحاد وعد إلى الرسم في مواصلتي * واعطف على عبدك ابن عباد (*) =========================================================================== [ 277 ] وقال الجمهور : إن أخبار الآحاد لا تفيد العلم قطعا ولو كانت مخرجة في البخاري ومسلم ، وإن تلقى الامة لهما بالقبول إنما يفيد العمل بما فيهما بناء على أن الامة مأمورة ، بالاخذ بكل خبر يغلب على الظن صدقه (1) ، ولا يفيد أن ما فيهما ثابت في نفس الامر قطعا . كالقاضي فإنه مأمور بالحكم بشهادة من كان عدلا في الظاهر ، وكونه مأمورا بذلك لا يدل على أن شهادة العدل لابد أن تكون مطابقة للواقع وثابتة في نفس الامر ، لاحتمال أن يكون قد شهد بخلاف الواقع ، إما لوهم وقع له إذا كان عدلا في نفس الامر ، أو لكذب لم يخرج منه إذا كان عدلا فيما يبدو للناس - هذا ما قاله الجمهور . وقال كثير من العلماء في أخبار الآحاد ، إنه يعمل بها ولا يشهد أن النبي قالها . وأطلق ابن عبد البر وجماعته : إنه قول جمهور أهل العلم والنظر حتى قال بعضهم : ولو مع قرينة أي أنه لا يفيد العلم ولو مع قرينة . وقال الرازي في تفسيره : ورواية الواحد إنما تفيد الظن . وقال في كتاب معالم أصول الدين (2) ، بعد أن عدد العناصر الذاتية التى تشتمل عليها البراهين النقلية المبنية على الروايات : " وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل النقلية ظنية ، وأن العقلية قطعية والظن لا يعارض القطع " . المتواتر ليس من مباحث علم الاسناد : قال ابن الصلاح : إن المتواتر لا يبحث عنه في علم الاثر . وقال الجزائري في توجيه النظر : ما قاله ابن الصلاح من أن المتواتر لا يبحث عنه في علم الاثر مما لا يمترى فيه . وقال بعض العلماء : ليس المتواتر من مذهب علم الاسناد ، إذ هو (3) علم =========================================================================== (1) ترى هل هذه القاعدة التى قرروها قد أمر الله بها ورسوله ؟ وترى هل هي تخرجنا من حكم اتباع الظن الذى جاء في آيات كثيرة من القرآن مثل " وما يتبع أكثرهم إلا ظنا وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا - وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا " ومثل قوله تعالى " ما لهم به من علم إلا اتباع الظن " ؟ (2) ص 9 . (3) أي علم الاسناد . (*) =========================================================================== [ 278 ] يبحث فيه عن صحة الحديث وضعفه ، من حيث صفات رواته وصيغ أدائهم ، ليعمل به أو يترك . وقالوا : إنه (1) يفيد " علم اليقين " وإن ورد عن غير الابرار بل عن الكفار ، ولا بد في الخبر المتواتر من استواء الطرفين - وهما الطبقة الاولى والطبقة الاخيرة - والوسط - وهو ما بينهما - والمراد بالاستواء في الكثرة المذكورة ، لا الاستواء في العدد بأن يكون في كل طبقة مستويا فإنه لا يضر الاختلاف فيه - إذا كان كل عدد منها فيها الكثرة مثل أن يكون عدد الطبقة ألفا وعدد الثانية تسعمائة وعدد الثالثة ألفا وتسعمائة . ابن الصلاح ومخالفوه : قال النووي في التقريب : وإذا قالوا ، صحيح متفق عليه ، أو على صحته فمرادهم اتفاق الشيخين ، وذكر الشيخ (2) أن ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته ، والعلم القطعي حاصل فيه ، وخالفه المحققون والاكثرون فقالوا : يفيد الظن ما لم يتواتر . وقال في شرحه على مسلم : هذا الذى ذكره الشيخ في هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والاكثرون ، فإنهم قالوا : أحاديث الصحيحين التى ليست بمتواترة إنما تفيد الظن فإنها آحاد ، والآحاد تفيد الظن على ما تقرر ، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك . وتلقى الامة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما . . ولا يلزم من إجماع (3) الامة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم . وقد أنكر ابن برهان الامام على من قال بما قاله الشيخ وبالغ في تغليظه - اه‍ . وقد كثر الرادون على ابن الصلاح والمنتصرون له ، ومما قاله الرادون عليه إنه =========================================================================== (1) أي المتواتر . (2) هو ابن الصلاح . (3) إذا كانوا لم يتفقوا على الاجماع في ذاته فإن هنا غير مسلم لان كثيرا من المذاهب الاسلامية كالشيعة والزيدية والاباضية وغيرهم لا يلتزمون بالعمل بما في البخاري وغيره من كتب السنة المعروفة لدى الجمهور وحتى أصحاب المذاهب الفقهية عند أهل السنة قد استمسكوا في مذهبهم بما أخذوه عن أئمتهم ولم يعرجوا عن كتب السنة بل تراهم قد خالفوا أكثر ما جاء فيها كما سيتبين لك فيما بعد . (*) =========================================================================== [ 279 ] خالف جمهور أرباب الكلام والاصول ، فإنهم ذهبوا إلى أن أخبار الآحاد لا تفيد العلم وإنما تفيد الظن ، وذهب هو إلى أن أخبار الآحاد التى في الصحيحين - سوى ما استثنى منهما - تفيد العلم ولو اكتفى بذلك لامكن أن يقال لعله يريد بالعلم الظن القوى - فلا يكون الخلاف بينه وبينهم شديدا ، ولكنه زاد فوصف العلم بكونه يقينيا ، فلم يبق وجه للصلح بينه وبينهم - ولا يخفى أن مخالفة أهل الكلام والاصول ليست بالامر السهل . وهنا شئ ، وهو أن بعض المحققين منهم ذهب إلى أن أخبار الآحاد قد تفيد العلم - مع القرائن - وقد اختلفوا في أن القرائن ، أتدل على صدق الخبر أم لا ، فذهب النظام وإمام الحرمين والغزالي إليه ، وأنكره الباقون (1) . . ليس في الحديث متواتر : قال الحازمى في شروط الائمة الخمسة (2) . الحديث الواحد لا يخلو إما يكون من قبيل التواتر أو من قبيل الآحاد ، وإثبات التواتر في الحديث عسر جدا ، لا سيما على مذهب من لم يعتبر العدد في تحديده - وأما الآحاد فعند أكثر الفقهاء توجب العمل دون العلم . وقال الامام الشاطبي في الجزء الاول من الاعتصام (3) وهو يتكلم عن خبر الواحد : إن عامة التكليف مبنى عليه ، لان الامر إنما يرد على المكلف من كتاب الله ، أو من سنة رسوله ، وما تفرع منهما راجع إليها ، فإذا كان واردا من السنة فمعظم نقل السنة " بالآحاد " بل قد أعوز أن يوجد حديث عن رسول الله متواتر . وقال ابن حبان البستى : وأما الاخبار فإنها كلها أخبار الآحاد ، لانه ليس يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين =========================================================================== (1) من شاء أن يتوسع في الاطلاع على هذا البحث فليرجع إلى كتاب توجيه النظر للجزائري الذى نقلنا عنه هذا الكلام . (2) ص 37 من شروط الائمة الخمسة للجازمي . (3) ص 130 ج 1 . (*) =========================================================================== [ 280 ] وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهى ذلك إلى رسول الله ، فلما استحال هذا وبطل ، ثبت أن الاخبار كلها أخبار الآحاد (1) . وقال النووي في التقريب . المتواتر المعروف في الفقه وأصوله ولا يذكره المحدثون وهو قليل لا يكاد يوجد في رواياتهم (2) ، ونفى بعضهم المتواتر اللفظى في السنة إلا حديث " من كذب على " وحديث الحوض (3) وبضعة أحاديث أخرى . أحاديث الآحاد : بينا لك - أن الخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد ، ووقفناك على تعريف كل منهما وحكمه - ونتم القول هنا في بيان ما اصطلح عليه أهل الحديث ، من تقسيم أحاديث الآحاد وما يتعلق بذلك مما هو موضوع علم الحديث ، وما يتصل بما نحن بسبيله . إن الحديث بالنظر - إلى الواقع ونفس الامر - لا يكون إلا صحيحا أو غير صحيح ، فالصحيح ما ثبتت صحة نسبته إلى النبي ، وغير الصحيح ما لم تثبت صحته ، ولكن المحدثين يقسمون الحديث إلى صحيح ، وحسن وضعيف (4) يريدون به الحديث المروى من طريق الآحاد . وأما المتواتر فهو خارج عن مورد القسمة كما بينا . =========================================================================== (1) ص 32 من شروط الائمة الخمسة للحازمي . (2) ص 31 . (3) نص هذا الحديث : حوضى بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأكوابه عدد نجوم السماء ! ! من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها . وأول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين الشعث رءوسا ، الدنس ثيابا ، الذين لا ينكحون المنعمات ، ولا تفتح لهم السدود ! ! هذا مثل من المتواتر عندهم ، ولهذا الحديث روايات متعددة تختلف ألفاظها ويختلف مقدار هذا الحوض اختلافا كثير فيها ! ! (4) هناك أقسام أخرى للحديث لم نعرض لها لانها من مباحث فن الحديث . وأول من قسم الحديث ثلاثة أقسام : صحيح وحسن وضعيف هو أبو عيسى الترمذي المتوفى سنة 279 ه‍ في جامعه ولم تعرف هذه القسمة عن أحد قبله ، وقد بين أبو عيسى مراده بذلك فذكر أن الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن فيهم متهم بالكذب ولم يكن شاذا وهو دون " الصحيح " الذى عرفت عدالة ناقليه وضبطهم - والضعيف الذى عرف أن ناقله متهم بالكذب ردئ الحفظ - وقال ابن تيمية في فتاويه بعد ذلك . أما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي ولكن كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف والضعيف كان عندهم نوعين : ضعيف ضعفا لا يمتنع العمل به ، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي ، وضعيف ضعفا يوجب تركه وهو الواهي . وكذلك تقسيم الاخبار ، ولا سيما الناسخ والمنسوخ والعام والخاص ، والمحكم والمتشابه ، وعلل الحديث تقسيم فنى حديث بعد عصر الصحابة والتابعين مما اصطلح عليه المصنفون في أصول الفقه بعد الشروع في تدوين الحديث ولم يكن مما يدور على ألسنتهم ولا مما يروونه عن النبي وما ورد في القرآن من هذه الالفاظ لم يرد كله بهذه المعاني الاصطلاحية التى حددوها . (*) =========================================================================== [ 281 ] الصحيح : الحديث الصحيح كما عرفوه هو الذى يكون متصل الاسناد من أوله إلى منتهاه بنقل العدل الضابط عن مثله ، ولا يكون فيه شذوذ ولا علة . وقال النووي في التقريب : هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة ، وإذا قيل - صحيح فهذا معناه ، لا أنه مقطوع به ، وإذا قيل غير صحيح فمعناه لم يصح إسناده - والمختار أنه لا يجزم في إسناد أنه أصح الاسانيد مطلقا . وإذا قالوا : صحيح متفق عليه ، أو على صحته فمرادهم اتفاق الشيخين . وقد يكون أجمع تعريف له : " أنه المروى على وجه تسكن إليه النفس ، مع السلامة من الشذوذ ، والعلة " . وقال الجرجاني في تعريفاته : الحديث الصحيح ما سلم لفظه من ركاكة ، ومعناه من مخالفة آية أو خبر متواتر أو إجماع ، وكان راويه عدلا - وفي مقابله السقيم . والصحيح تتفاوت رتبه بسبب تفاوت الاوصاف المقتضية للتصحيح في القوة فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذى عليه مدار الصحة - اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الامور القوية - وإذا كان كذلك فما يكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التى توجب الترجيح كان أصح مما دونه - وإذا كانوا قد جعلوا الاسانيد متفاوتة فإنهم كذلك قد جعلوا الرواة والبلاد درجات ، فقدموا رواة المدينة على رواة البصرة ، وجعلوا رواة الشام أقل من رواة البصرة وهكذا ، وللصحيح أقسام تعرف من كتبهم . الحسن : اختلف رجال الحديث في تعريف الحسن اختلافا كثيرا وإليك بعض ما قالوه في تعريفه : =========================================================================== [ 282 ] قال الخطابى : هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وعليه مدار أكثر الحديث ويقبله أكثر العلماء ، ويستعمله عامة الفقهاء ، وقال ابن الصلاح هو قسمان : " أحدهما " ما لا يخلو إسناده من مستور لم تتحقق أهليته وليس مغفلا كثير الخطأ ولا ظهر منه سبب مفسق ، ويكون الحديث معروفا برواية مثله أو نحوه من وجه آخر ، " الثاني " أن يكون راويه مشهورا بالصدق والامانة ولم يبلغ درجة الصحيح لقصوره في الحفظ والاتقان ، وهو مرتفع عن حال من يعد تفرده منكرا ، والحسن كالصحيح في الاحتجاج به وإن كان دونه في القوة . الضعيف : هو ما لم يجمع صفة الصحيح أو الحسن ، ويتفاوت ضعفه كصحة الصحيح . وقال النووي في شرح مسلم : وأنواعه : الموضوع والمقلوب والشاذ والمنكر والمضطرب وغير ذلك مما هو مبين في علم الحديث . وقال بعض العلماء إنه يعمل به في فضائل الاعمال ولكن منع ذلك كبار الائمة . وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية (1) : وعن الامام أحمد ما يدل على أنه لا يعمل بالحديث الضعيف في الفضائل والمستحبات . وقال الشيخ تقى الدين " ابن تيمية " عن قول العلماء في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الاعمال : العمل به بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب ، أو تخاف ذلك العقاب ، ومثال ذلك في الترغيب والترهيب بالاسرائيليات والمنامات وكلمات السلف والعلماء ووقائع العالم وغير ذلك مما لا يجوز إثبات حكم شرعي به لا استحباب ولا غيره - لكن يجوز أن يذكر في الترغيب والترهيب فيما حسنه أو قبحه بأدلة الشرع ، فإن ذلك ينفع ولا يضر ، وسواء كان في نفس الامر حقا أم باطلا . =========================================================================== (1) ص 313 و 314 ج 2 . (*) =========================================================================== [ 283 ] وقد علق بعض كبار العلماء على قول الامام أحمد بأن - لا يعمل بالحديث الضعيف في الفضائل والمستحبات فقال : رضى الله عن أحمد ما أوسع علمه وأدق فهمه ، إن القول بالعمل بالحديث الضعيف فيما ذكر ، والتساهل في روايته قد فتح على الامة بابا من الغلو في الدين وتكثير العبادات المحرجة التى تنافى يسر الاسلام ، حتى جعلوا بعضها من الشعائر فيه ، مع تقصير الاكثرين في إقامة الفرائض والتزام الواجبات ، وترتب عليه ما نقله المصنف بعده عن تقى الدين من قبول الاسرائيليات والمنامات وكذا الخرافات ، إن العبادات والفضائل الثابتة بالقطع في الكتاب والسنة كافية للامة ، ويا ليت يوجد فيها كثيرون ممن لا يقصرون فيها " اه‍ . وقال القاضى أبو بكر بن العربي المالكى : " إنه لا يجوز العمل بالاحاديث الضعيفة مطلقا " وهو الصواب (1) . تعدد طرق الحديث لا يقويها : قال العلامة السيد رشيد رضا : يقول المحدثون في بعض الاحاديث - حتى التى لم يصح لها سند ، إن تعدد طرقها يقويها - وهى قاعدة للمحدثين لم يشر إليها الله في كتابه ، ولا ثبتت في سنة عن رسوله - وإنما هي مسألة نظرية غير مطردة ، فتعدد الطرق في مسألة مقطوع ببطلانها شرعا كمسألة الغرانيق ، أو عقلا ، لا قيمة له ، لجواز اجتماع تلك الطرق على الباطل . ليس من شرط الحديث الصحيح أن يكون مقطوعا به في نفس الامر : قال الحافظ ابن الصلاح (2) : ومتى قالوا : هذا حديث صحيح فمعناه أنه اتصل سنده مع سائر الاوصاف =========================================================================== (1) ص 128 ج 31 من مجلة المنار . (2) ص 6 من كتاب علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح ويطلق عليه عند رجال الحديث اسم الشيخ توفى سنة 643 ه‍ . (*) =========================================================================== [ 284 ] المذكورة : وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في نفس الامر ، إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد ، وليس من الاخبار التى أجمعت الامة على تلقيها بالقبول . وكذلك إذا قالوا في حديث إنه غير صحيح ، فليس ذلك قطعا بأنه كذب في نفس الامر ، إذ قد يكون صدقا في نفس الامر ، وإنما المراد أنه لم يصح إسناده على الشرط المذكور . وقال في فتاويه : قالت الائمة : في الحديث ، حديث إسناده صحيح ومتنه غير صحيح ، وإسناده غير صحيح ومتنه صحيح ، أو إسناده مجهول ومتنه مجهول ، أو إسناده صحيح ومتنه صحيح ، أو إسناده ضعيف ومتنه ضعيف (1) . وقال الزين العراقى في ألفيته (2) المتوفى سنة 806 ه‍ : وحيث قال أهل الحديث : هذا الحديث صحيح ، فمرداهم فيما ظهر لنا عملا بظاهر الاسناد ، لا أنه مقطوع بصحته في نفس الامر ، لجواز الخطأ والنسيان على الثقة (3) ، هذا هو الصحيح الذى عليه أكثر أهل العلم خلافا لمن قال إن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر . . وكذا قولهم هذا حديث ضعيف فمرادهم ، لم تظهر لنا فيه شروط الصحة لا أنه كذب في نفس الامر ، لجواز صدق الكذاب وإصابته من كثير الخطأ اه‍ ، وقال : لا يلزم من كون الشئ له أصل صحيح أن يكون هو صحيحا ، وذكر السمعاني في القواطع : أن الصحيح لا يعرف برواية الثقات فقط ، وإنما يعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة . وقالوا : إن صحة الحديث لا توجب القطع به في نفس الامر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة ، وعزاه النووي في التقريب للاكثرين والمحققين وأنهم قالوا : إنه يفيد الظن ما لم يتواتر ، وقال في شرح مسلم : لان ذلك شأن الآحاد ، ولا فرق في =========================================================================== (1) ص 19 . (2) ص 12 من فتح المغيث بشرح ألفية الحديث . (3) ولنضرب لذلك مثلا : الحديث الذى روى عن النبي عند رجوعه إلى المدينة من غزوة أحد بعد أن أمر المسلمين أن يصطفوا خلفه واصطف الناس خلفهم والذى قال فيه : استووا حتى أثنى على ربى - والذى ختمه بقوله : اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق - فهذا الحديث قد أخرجه أحمد والبخاري في الادب المفرد والنسائي وغيرهم - قال الذهبي فيه : إنه على نظافة إسناده منكر ، وأخشى أن يكون موضوعا . وكتب الحديث فيها كثير من مثل هذه الروايات . (*) =========================================================================== [ 285 ] ذلك بين الشيخين وغيرهما . . والمحدثون لا يعنون بغلط المتون ، ويقولون : متى صح السند صح المتن . كان اهتمامهم بالسند أولا : قال الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء وهو يؤرخ ليحيى بن سعيد القطان إن يحيى قال : " لا تنظروا إلى الحديث ولكن انظروا إلى الاسناد ، فإن صح الاسناد وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الاسناد " . وقال الذهبي - كان السلف يزجرون عن التعمق ويبدعون أهل الجدل ! وقفة هنا لا بد منها يصح لنا هنا أن نقف وقفة لا نطيل فيها تلقاء ما نقلناه آنفا من أقوال ابن الصلاح والعراقي والحاكم وغيرهم من أئمة الحفاظ في أمر الحديث الذى اعتبروه صحيحا . وإذا نحن استعرضنا مع ذلك بعض ما بيناه في أمر الحديث عامة من قبل وما سنبينه من بعد ، وجدنا أمورا كثيرة تسوغ لنا هذه الوقفة بل تدفعنا إليها دفعا . وإن أول ما يبدو لنا في ذلك : أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكتب حديثه في حياته كما كتب القرآن حتى يأتي من بعده متواترا كما أتى القرآن - ولم يكتف بذلك بل نهى عن كتابته ، واتبع أصحابه ومن تبعهم أمره فلم يكتبوه ، وكانوا يكتفون بنقله بالرواية ، ولكن لا على أصل لفظه الذى نطق النبي به ، وإنما كانوا يروونه بالمعنى . وظل الامر على ذلك إلى أن شرعوا في تدوينه - وكان ذلك حوالى منتصف القرن الثاني الهجرى ، وقد كان لتأخير التدوين على الدين واللغة ضرر أي ضرر - بله ما أدخله الوضاع والكاذبون من أعداء الدين ، وأصحاب الاهواء ، حتى الصالحون من المسلمين . ولما أخذ علماء الجرح والتعديل في البحث عن أحوال الرواة لكى يعرفوا من =========================================================================== [ 286 ] تقبل روايته منهم ومن ترد ، لم يستطيعوا على كثرة ما بذلوا في هذا البحث من تعب أن يصلوا إلى ما كان ينبغى أن يبلغوه ، ولا تم لهم ما أرادوا أن يحققوه ، لان بحثهم قد جرى على قدر وسعهم وإمكانهم الانساني ، ولم يتجاوزوا الظاهر من أحوال الرواة ، ولا تثريب عليهم في ذلك ، لان الوقوف على أسرار الرجال وبواطنهم محال بل مستحيل . وفي ذلك يقول الوزير اليماني في الروض الباسم . نجد كثيرا من أئمة الجرح والتعديل يترددون في الراوى فيوثقونه مرة ويضعفونه مرة ! لان دخول وهمه في حيز (الكثرة) مما لا يوزن بميزان معلوم وإنما يظن ويرجع فيه إلى التحرى والاجتهاد ، فصار النظر فيه كنظر الفقهاء في الحوادث الظنية ، فلذا يكون لابن معين (1) في الراوى قولان ، التوثيق والتضعيف ونحو ذلك - والاحتراز عن الوهم غير ممكن ، والعصمة مرتفعة عن العدول ، بل العصمة (أي عصمة الرسول) لا تمنع من الوهم إلا في التبليغ (أي تبليغ الوحى) فقد وهم رسول الله أنه صلى بعض الفرائض على الكمال . . فقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت (2) . ومن أجل ذلك جاءت كل كتب الحديث تحمل الصحيح وغير الصحيح حتى ما كان موضوعا مكذوبا ، ولم يسلم من ذلك كتاب حتى البخاري ومسلم اللذين سموهما بالصحيحين فقد نالهما ضربات قوية من سهام الناقدين . ولما كانت هذه الكتب قد جاءت بهذه المثابة وأنها قد خلت من الاحاديث المتواترة التى تعطى اليقين بل كل ما فيها أحاديث آحاد التى لا تفيد غير الظن ، فإن علماء الامة من فقهاء وأصوليين وكلاميين لم ويأخذوا بها ، ولا تقيدوا بما فيها . وكذلك علماء النحو ، فإنهم لم يجعلوا الحديث مما يستشهدون به على اللغة والنحو بعد ما ثبت عندهم أنه لم يأت صحيح متواترا كما نطق النبي به ، وإنما جاءت روايته بالمعنى ، ومن حججهم في ذلك حديث زوجتها بما معك (3) فقد جاء بثمان صيغ على حين أنه كلمتان ! =========================================================================== (1) يحيى بن معين من كبار علماء الجرح والتعديل . (2) راجع ص 81 ج 1 (3) راجع قصة هذا الحديث في صفحة 91 من هذا الكتاب . (*) =========================================================================== [ 287 ] هذا ما أردنا استعراضه قبل الاخذ في نقل أقوال العلماء الذين جعلونا نقف أمامها هذه الوقفة . قال ابن الصلاح : ومتى قالوا : هذا حديث صحيح فمعناه أنه اتصل سنده مع سائر الاصناف المذكورة ، وليس من شرطه ، أن يكون مقطوعا به في نفس الامر . وأكد ذلك العراقى في شرح ألفيته فقال : وحيث قال أهل الحديث ، هذا حديث صحيح فمرادهم - فيما ظهر لنا عملا بظاهر الاسناد - لا أنه مقطوع بصحته في نفس الامر ، لجواز الخطأ والنسيان على الثقة . وقال السمعاني في القواطع : إن الصحيح لا يعرف برواية الثقات فقط وإنما يعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة . وقال الحاكم : كم من حديث ليس في إسناده إلا ثقة ثبت وهو معلول واه . وقال عبد الرحمن بن مهدى (1) : معرفة الحديث إلهام ! فلو قلت للعالم بعلل الحديث ، من أين هذا ؟ لم يكن له حجة . هذا بعض ما قاله العلماء في الحديث الذى جعلوه صحيحا فترى ماذا يكون الشأن فيما نزل عن درجة الصحيح عندهم من أنواع الحديث التى بينوها في كتبهم ؟ وماذا يصنع بعد ذلك كله من يريد أن يعرف الحديث الصحيح الذى يطمئن به القلب وتسكن إليه النفس ؟ وأى سبيل يسلكه لكى يهتدى إلى تمييزه من غيره وهو يجد تلقاءه هذه الاقوال وغيرها مما يوجب الحيرة ويدعو إلى الشك والاسترابة ! وأى حديث يأخذ وأيها يدع ؟ وبخاصة بعد أن يطلع على ما نقله ابن الصلاح في فتاويه عن الائمة فيما ذكروه من أصناف الحديث إذ قال : قالت الائمة : في الحديث (1) حديث إسناده صحيح ومتنه غير صحيح . (2) أو إسناده غير صحيح ومتنه صحيح . (3) أو إسناده مجهول ومتنه مجهول . (4) أو إسناده صحيح ومتنه صحيح . (5) أو إسناده ضعيف ومتنه ضعيف ! ! =========================================================================== (1) عبد الرحمن بن مهدى من كبار علماء الجرح والتعديل . (*) =========================================================================== [ 288 ] فهذه خمسة أصناف من الحديث يتيه الباحث بين أوديتها الغامضة ولا يدرى شيئا عن منفذ فيها يخلص منه ، ذلك بأنهم لم يبينوا حدودها ولا ميزوا بين أصنافها ولا وضعوا موازين لتقديرها حتى يكون الناس على علم بها . وهب الطالب قد اهتدى إلى القسم الصحيح منها فإن قلبه لا يطمئن إلى الاخذ به بعد أن صرحوا بأن صحة الحديث لا توجب القطع به في نفس الامر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة ! هذه كلمة صغيرة نذكرها في وقفتنا هذه ولا نتوسع فيها ، وليس لنا بعدها إلا أن ندعو الله فنقول : اللهم أدركنا برحمتك وهيئ لنا من أمرنا رشدا . بعض أنواع الحديث جعلوا للحديث أنواعا كثيرة ووضعوا في ذلك كتبا مستفيضة ، وإذا كنا كما قلنا لا نعرض إلى الناحية الفنية من هذا العلم ، وإنما نكتب في تاريخ الحديث فحسب ، فقد رأينا أن نشير إلى بعض ما يفيد موضوعنا من هذه الانواع ، لان ذلك مما يعين على معرفة ما أصاب الرواية من تباين وإختلاف ، وما تأثرت به من تغيير وتبديل ، وهذا غير ما بيناه من قبل . المضطرب : قال ابن الصلاح : المضطرب من الحديث هو الذى تختلف الرواية فيه ، فيرونه بعضهم على وجه ، وبعضهم على وجه آخر مخالف له . . . وقد يقع الاضطراب في متن الحديث ، وقد يقع في الاسناد ، وقد يقع ذلك من راو واحد ، وقد يقع من رواة له جماعة ، والاضطراب موجب ضعف الحديث لاشعاره بأنه لم يضبط اه‍ . ومثال الاضطراب في المتن حديث أبى بكر الصديق أنه قال : يا رسول الله أراك شبت ! قال شيبتني هود وأخواتها ، فهذا مضطرب ، فإنه لم يرو إلا من طريق أبى إسحاق السبيعى وقد اختلف عليه فيه ، فمنهم من رواه عنه مرسلا ، ومنهم =========================================================================== [ 289 ] من رواه موصولا ، ومنهم من جعله من مسند أبى بكر ، ومنهم من جعله من مسند سعد ومنهم من جعله من مسند عائشة ، وقد وقع الاختلاف فيه على نحو عشرة أوجه أوردها الدارقطني ، ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض والجمع متعذر . المحدثون لا يعنون بغلط المتون ونقدها : قال الجزائري : إن المحدثين قلما يحكمون على الحديث بالاضطراب . إذا كان الاختلاف فيه واقعا في نفس المتن - لان ذلك ليس من شأنهم من جهة كونهم محدثين ، وإنما هو من شأن المجتهدين وإنما يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلاف فيه في نفس الاسناد ، لانه من شأنهم . وقد وقع الاختلاف في الصلاة الكائنة في قصة ذى اليدين (1) - فإن الراوى شك فيها مرة - ولم يدر أهى الظهر أو العصر ! وقال مرة هي إحدى صلاتي العشى إما الظهر وإما العصر ، وجزم مرة بالظهر ومرة بالعصر ، وقال مرة ، أكبر ظنى أنها العصر ، وقد روى النسائي ما يشهد بأن الشك فيها كان من أبى هريرة ولفظه : صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشى ، قال أبو هريرة ولكني نسيت (2) أنا . . . وقد حاول بعضهم الجمع فذهب إلى أن القصة وقعت مرتين . وكثيرا ما يسلك بعضهم مثل ذلك في الجمع توصلا إلى تصحيح كل من الروايات صونا للرواة من أن ينسب الغلط أو السهو أو النسيان إليهم ، وكأن عناية هؤلاء بالرواة فوق عنايتهم بالمرويات فجمعهم كلا جمع ، لا سيما إن كان مما ينبو عنه السمع (3) . وبمناسبة ما ذكره العلامة الجزائري من عدم عناية المحدثين بالمتون نسوق هنا كلمة قيمة في هذا الامر للعلامة السيد رشيد رضا رحمه الله . قالها وهو يتكلم عن =========================================================================== (1) قصة ذى اليدين كما جاءت في الصحيحين عن أبى هريرة ، قال صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، أو العصر فسلم ، فقال له ذو اليدين : الصلاة يا رسول الله ، انقصت ؟ فقال النبي لاصحابه : أحق ما يقول ؟ قالوا : نعم ، فصلى ركعتين أخريين ثم سجد سجدتين . (2) وكيف ينسى ؟ وقد زعم أن النبي أمره أن يبسط ثوبه ثم أفرغ فيه من بركاته حتى لا ينسى شيئا سمعه أبدا . راجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (3) ص 257 من توجيه النظر . (*) =========================================================================== [ 290 ] حديث ذهاب الشمس بعد الغروب وهو من الاحاديث المشكلة التى مرت بك : إن علماء الحديث قلما يعنون بغلط المتون فيما يخص معانيها وأحكامها - وإنما كانت عنايتهم التامة بالاسانيد وسياق المتون وعباراتها ، والاختلاف فيها والمرفوع والموقوف منها ، وما عساه يكون مدرجا فيها من كلام بعض الرواة (مما) ليس من النص المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يظهر معاني غلط المتون للعلماء الباحثين في شروحها من أصول الدين وفروعه وغير ذلك ، ولو لم يكونوا من المحدثين في الاصطلاح ، على أنهم يرجعون في ذلك إلى أصول المحدثين كقولهم : إن صحة السند لا تقتضي صحة المتن في الواقع ونفس الامر حتما ، وعدم صحة السند لا تقتضي وضعه في الواقع ونفس الامر حتما . وقولهم : - إن من علامات وضع الحديث - وإن صح سنده - أن يكون مخالفا لنص القرآن القطعي ، وفي معناه كل قطعي شرعى ، كبعض أصول العقائد ، أو الاعمال المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة ، بحيث يتعدر الجمع بينهما . ولهذا جزموا بغلط حديث أبى هريرة عند مسلم في خلق السموات والارض في سبعة أيام . وإذا كانت مخالفة القطعي سببا للحكم إما بعدم صحة الحديث لعدم الثقة برواته ، وإما لغلطهم في سياق متنه ، فمن الضرورى أن تختلف الافهام في ذلك باختلاف مدارك أصحابها ومعارفهم ، فالذين لا يعلمون أن الشمس لا تغيب عن الارض ولا تحتجب عن جميع سكانها من البشر ساعة ولا دقيقة - لا يرون شيئا من إشكال في حديث أبى ذر ، في بيان أين تكون بعد غروبها ، لانهم يظنون أن غروبها عنهم غروب عن جميع العالم (1) . وقال : لو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها ، كما تنتقد من جهة سندها لقضت المتون على كثير من الاسانيد بالنقض (2) . وقال رحمه الله وهو يتكلم عن الاشكالات التى تعرض في بعض الاحاديث =========================================================================== (1) ص 40 و 41 ج 29 تفسير المنار . (2) ص 141 ج 3 تفسير المنار . (*) =========================================================================== [ 291 ] كحديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم وحديث سجود الشمس تحت العرش ما يلى : إن أمثال هذه المشكلات في الروايات لا يهتدى إلى تحقيق الحق فيها ، إلا الذى يعطى لعقله حرية الاستقلال فيما قاله أصناف العلماء ، وقال : إن علماء الاصول الاعتقادية والفقهية أعلم من المحدثين بنقد المتون وما يوافق المعقول وأصول العقائد منها وما لا يوافقها . وقد اتفق الفريقان على أنه : ليس كل ما صح سنده من الاحاديث المرفوعة يصح متنه ، لجواز أن يكون في بعض الرواة من أخطأ في الرواية عمدا أو سهوا ، وما كل ما لم يصح سنده يكون متنه باطلا ، بل قالوا : إن الموضوع من حيث الرواية قد يكون صحيحا في الواقع ، وإن الصحيح السند قد يكون موضوعا في الواقع - وإنما علينا أن نأخذ بالظواهر مع مراعاة القواعد ، فما صح سنده قبلنا روايته وحكمنا قواعد الاعتقاد ودلائل العقل في متنه إن كان مشكلا ، وما كان غير صحيح السند لا يجوز لنا أن نسميه حديثا نبويا وإن كان معناه صحيحا (1) . ونضيف إلى ما قاله السيد رشيد أن مما اتفقوا عليه كذلك : أن صحة الاسناد أو حسنه لا تقتضي صحة الحديث أو حسنه . وقال الحاكم (2) : كم من حديث ليس في إسناده إلا ثقة ثبت وهو معلول واه ، فالصحيح لا يعرف برواته فقط وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع . وإن الدارقطني وغيره من أئمة النقد ، لم يتعرضوا لاستيفاء النقد فيما يتعلق بالمتن كما تعرضوا لذلك في الاسناد - وذلك لان النقد المتعلق بالاسناد دقيق غامض لا يدركه إلا أفراد من أئمة الحديث المعروفين بمعرفة علله ، بخلاف النقد المتعلق (بالمتن) فإنه يدركه كثير من العلماء الاعلام المشتغلين بالعلوم الشرعية ، والباحثين =========================================================================== (1) ص 101 و 102 المنار والازهر . (2) ذكر الحاكم ذلك وهو يبين النوع التاسع عشر من علوم الحديث ، من كتابه " معرفة علوم الحديث " ، وقد قال في هذا البيان - إن هذا النوع من هذه العلوم غير الجرح والتعديل . (*) =========================================================================== [ 292 ] عن مسائلها الاصلية والفرعية ، ككثير من المفسرين والفقهاء وأهل أصول الفقه وأصول الدين . وقد تعرض كثير من أئمة الحديث للنقد من جهة المتن إلا أن ذلك قليل جدا بالنسبة لما تعرضوا له من النقد من جهة الاسناد . فمن ذلك قول الاسماعيلي بعد أن أورد الحديث الذى رواه البخاري عن أبى هريرة قال : يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة - الحديث - هذا خبر في صحته نظر من جهة أن إبراهيم عالم بأن الله لا يخلف الميعاد ، فكيف يجعل ما بأبيه خزيا له مع إخباره أن الله قد وعده أن لا يخزيه يوم يبعثون ، وأعلمه أنه لا خلف لوعده . وقد أعل الدار قطني هذا الحديث من جهة الاسناد فقال : هذا رواه إبراهيم بن طهمان عن ابن أبى ذئب عن سعيد المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة - - وأجيب عن ذلك بأن البخاري قد علق حديث إبراهيم بن طهمان في التفسير فلم يهمل حكاية الخلاف فيه ، وينبغى للناظر في الصحيحين أن يبحث عما انتقد عليهما من الجهتين ، فبذلك تتم له الدراية فيما يتعلق بالرواية (1) . المعلل في الحديث : المعلل من الحديث هو من أجل أنواع علوم الحديث وأدقها وأغمضها - ولا يقوم به إلا من كان له فهم ثاقب ، وحفظ واسع ، ومعرفة تامة بالاسانيد والمتون ، وأحوال الرواة : والحديث المعلل ويسميه أهل الحديث المعلول - هو الذى اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها ، ويتطرق ذلك إلى الاسناد الذى رجاله ثقات ، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر . وقد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الاكثر وقد تقع في متنه ، ثم ما يقع في الاسناد قد يقدح في صحة الاسناد والمتن جميعا . ونكتفى بإيراد مثل واحد لعلة المتن . ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس من اللفظ المصرح بنفى قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) فعلل قوم رواية اللفظ المذكور ، =========================================================================== (1) ص 334 من كتاب توجيه النظر . (*) =========================================================================== [ 293 ] لما رأوا الاكثرين إنما قالوا فيه ، فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين من غير تعرض لذكر البسملة ، وهو الذى اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح ، ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذى وقع له . ففهم من قوله كانوا يستفتحون بالحمد ، أنهم كانوا لا يبسلمون ، فرواه على ما فهم وأخطأ ، لان معناه أن السورة التى كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة ، وليس فيه تعرض لذكر التسمية ، وانضم إلى ذلك أمور : منها أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية ، فذكر أنه لا يحفظ شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد يطلق اسم العلة على غير ذلك من الاسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف ، المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الاصل ، ولذلك نجد في كثير من كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ ، ونحو ذلك من أنواع الجرح - وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات ، بأن يحدثوا له علة فيخفى عليهم علمها ، فيصير الحديث معلولا ، والحجة فيه الحفظ والفهم والمعرفة لا غير . وقال عبد الرحمن بن مهدى - معرفة الحديث " إلهام " فلو قلت للعالم يعلل الحديث من أين هذا ؟ لم يكن له حجة . ومن أنواع الحديث : المصحف والمحرف ذكرنا من قبل (1) نقلا عن العلامة البطليوسى أن من أسباب الخلاف الذى عرض للامة ، التصحيف ولم نتكلم عنه هناك ، وإليك شيئا منه هنا . والمصحف هو ما وقعت المخالفة فيه بتغير النقط في الكلمة مع بقاء صورة الخط فيها ، ومثاله حديث : من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال ، فجعلت شيئا والتصحيف كما يقع في المتن ، يقع في الاسناد ، ومثال فيه تصحيف بعض المحدثين ابن مراجم وهو بالراء والجيم بابن مزاحم . ويراجع ما قاله فيه البطليوسى هناك . وقال ابن الصلاح : معرفة المصحف من أسانيد الاحاديث ومتونها - فن جليل ينهض بأعبائه =========================================================================== (1) ص 103 . (*) =========================================================================== [ 294 ] الحذاق من الحفاظ ، والدار قطني منهم ، وله فيه تصنيف مفيد . وروينا عز أبى عبد الله أحمد بن حنبل أنه قال : ومن يعرى من الخطأ والتصحيف ! ومن التصحيف في " المتن " ما رواه ابن لهيعة عن كتاب موسى بن عقبة بإسناده إليه عن زيد بن ثابت أن رسول الله احتجم في المسجد وإنما هو (بالراء) احتجر ، في المسجد بخص أو حصير ، حجرة يصلى فيها فصحفه ابن لهيعة (1) . ومن أنواع الحديث المحرف : والمحرف : هو ما وقعت المخالفة فيه بتغيير الشكل في الكلمة مع بقاء صورة الخط فيها ، ومثال ذلك ما وقع لبعض الاعراب . فإنه رأى في كتاب من كتب الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى نصبت بين يديه عنزة - والعنزة الحربة (2) - فظنها بسكون النون ثم روى ذلك بالمعنى حسب وهمه ، فقال : كان النبي إذا صلى نصب بين يديه شاة ! ! المقلوب : هو ما وقعت فيه المخالفة بالتقديم والتأخير كما في حديث أبى هريرة عند مسلم في السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة تحت ظل عرشه فإن فيه " ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله ، فهذا ما انقلب على أحد الرواة - وإنما هو : حتى تعلم شماله ما تنفق يمينه - كما ورد في البخاري وفي مسلم في بعض طرقه - والامثلة كثيرة في مصنفاتهم . كتب الحديث المشهورة ذكرنا لك أن أقسام حديث (الآحاد) هي الصحيح ، والحسن ، والضعيف ، وأتينا لك بشئ قليل من أقوالهم في الصحيح ، لان ما قالوه فيه جد كثير لا يمكن =========================================================================== (1) ص 114 من مقدمة ابن الصلاح . (2) ومن معانيها العصا . (*) =========================================================================== [ 295 ] إيراده كله هنا . وإذا كانوا قد قالوا أن الكتب المشهورة التى تحمل هذه الاقسام هي : البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي . فقد وجب علينا أن نتكلم باختصار عن كل كتاب منها ، وإتماما للفائدة رأينا أن نتكلم كذلك عن كتاب الموطأ للامام مالك لانه هو الذى بقى لنا مما دون في القرن الثاني ، وصاحبه ذو قدر كبير وله مذهب بين المذاهب مشهور . وكذلك سنتكلم عن مسند أحمد لشهرته ولان لصاحبه كذلك مذهبا يقلده كثير من المسلمين . وسنبدأ بالكلام عن الموطأ لانه أسبق هذه الكتب جميعا في الزمن والتأليف . مالك وموطؤه هو الامام مالك بن أنس من ذى أصبح من حمير ، كان إماما جليلا أدرك خيار التابعين ، اختلف في تاريخ مولده بين سنة 91 وسنة 93 ه‍ أما وفاته فكانت سنة 179 ه‍ . قال عبد الرحمن بن مهدى : أئمة الناس في أزمانهم أربعة سفيان الثوري بالكوفة ، ومالك بالحجاز ، والاوزاعي بالشام ، وحماد بن زيد بالبصرة . ومن قول مالك : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ، لقد أدركت سبعين ممن يقولون : قال رسول الله عند هذه الاساطين (1) فما أخذت عنهم شيئا ، وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت المال لكان أمينا - وكان يتكلم برأيه على الاجتهاد وعلى ما أدرك عليه أهل العلم ببلده (2) . قال الشافعي : أصح الكتب بعد كتاب الله ، موطأ مالك (3) ، وقال الدهلوى في حجة الله البالغة : إن الطبقة الاولى من كتب الحديث منحصرة بالاستقراء في =========================================================================== (1) عمد المسجد . (2) بلده هي المدينة " يثرب " . (3) هناك روايات أخرى منها : ما على ظهر الارض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك ، ولا أعلم كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك ، ما على الارض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك - ما بعد كتاب الله أنفع من الموطأ . وأطلق جماعة على الموطأ اسم الصحيح ص 9 ج 1 شرح الزرقاني على الموطأ . (*) =========================================================================== [ 296 ] ثلاثة كتب : الموطأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم ، والثانية ، كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين ولكنها تتلوها ، سنن أبى داوود والترمذي والنسائي . والثالثة مسانيد ومصنفات صنفت قبل البخاري ومسلم ، وفي زمانهما وبعدهما - جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف ، والغريب والشاذ والمنكر والخطأ والصواب ، والثابت والمقلوب - وعلى الطبقة الثانية اعتماد المحدثين . ونقل السيوطي في تنوير الحوالك عن القاضى أبى بكر بن العربي : أن الموطأ هو الاصل الاول والبخاري هو الاصل الثاني . وإن مالكا روى مائة ألف حديث اختار منها في الموطأ عشرة آلاف ، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة (أي السنة العملية) حتى رجعت إلى 500 حديث - أي الحديث المسند (1) ، ورواية ابن الهباب : ثم لم يزل يعرضه على الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار والاخبار حتى رجعت إلى 500 حديث . وذكر ابن فرحون في الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب (أي المالكى) قال عتيق الزبيدى : وضع مالك الموطأ على نحو من عشرة آلاف حديث ، فلم يزل ينظر فيه كل سنة ويسقط منه حتى بقى هذا ، ولو بقى قليلا لاسقطه كله (2) . وفي شرح الزرقاني على الموطأ : أنه ظل يخلصها عاما فعاما بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين (3) . وذكر ابن الهباب أن مالكا روى مائة ألف حديث جمع منها الموطأ عشرة آلاف ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار والاخبار حتى رجعت إلى 500 حديث . وقال الكيا الهراس : موطأ مالك كان تسعة آلاف حديث ، ثم لم يزل ينتقى حتى رجعت إلى 500 حديث (ص 11 من مقدمة شرح الزرقاني على موطأ مالك) . =========================================================================== (1) " المسند " مرفوع صحابي بسنده ظاهر الاتصال - والمرسل ما سقط من سنده الصحابي بأن يرويه التابعي عن رسول الله مباشرة ، والموقوف ما أضيف إلى الصحابي قولا أو فعلا أو نحوه متصلا كان أو منقطعا - والمرفوع هو ما أخبر فيه الصحابي عن رسول الله . (2) ص 25 . (3) ص 11 ج‍ 1 . (*) =========================================================================== [ 297 ] وقال الابهري أبو بكر : جملة ما في موطأ مالك من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين 1720 حديث ، المسند منها 600 والمرسل 222 والموقوف 613 ومن أقوال التابعين 285 . وقال السيوطي في تقريبه نقلا عن ابن حزم : أحصيت ما في الموطأ وما في حديث سفيان بن عيينه فوجدت في كل واحد منهما من السنن 500 ونيفا و 300 مرسل ، وفيه نيف وسبعون حديثا قد ترك مالك نفسه العمل بها . وقال بعض العلماء : إن مالكا أول من ألف في الصحيح غير أنه لم يقتصر في كتابه عليه ، بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات ، ومن بلاغاته أحاديث لا تعرف ، كما ذكره الحافظ ابن عبد البر فهو لم يجرد الصحيح . اختلاف رواياته : روى عن مالك روايات مختلفة تختلف في ترتيب الابواب ، وتختلف في عدد الاحاديث حتى بلغت هذه الروايات عشرين نسخة وبعضهم قال إنها ثلاثون (1) . وقال الشيخ عبد العزيز الدهلوى (2) في كتابه " بستان المحدثين " : إن نسخ الموطأ التى توجد في بلاد العرب في هذه الايام متعددة ، عد منها 16 نسخة ، كل نسخة عن راو خاص . وقال أبو القاسم بن محمد بن حسين الشافعي : الموطآت المعروفة عن مالك أحد عشر ، ومعناها متقارب والمستعمل منها أربعة : موطأ يحيى بن يحيى " وموطأ ابن بكر ، وموطأ أبى مصعب ، وموطأ ابن وهب ثم ضعف استعمال الآخرين . وبين الروايات اختلاف كبير من تقديم وتأخير وزيادة ونقص ، ومن أكبرها وأكثرها زيادات رواية أبى مصعب (3) قال ابن حزم ، في رواية أبى مصعب زيادة =========================================================================== (1) ذكر مثل ذلك الزرقاني في شرحه على الموطأ ص 7 ج‍ 1 . (2) المتوفى سنة 1139 ه‍ . (3) أبو المصعب الزهري كان آخر من روى الموطأ عن مالك لصغر سنه وعاش بعد مالك 63 سنة ، وموطؤه أكمل الموطأت لان فيه 590 حديثا بالمكرر وبإسقاط المتكرر فيه 559 - ص 17 من توجيه النظر . (*) =========================================================================== [ 298 ] على سائر الموطآت نحو مئة حديث . وقال السيوطي : في رواية محمد بن الحسن أحاديث يسيرة زيادة عن سائر الموطآت ، وقد علل الدكتور أحمد أمين سبب هذا الاختلاف فقال : إن مالكا لم ينته من نسخة يؤلفها ويقف عندها ، بل قد كان دائم التغيير فيها ، كما روينا من أنه كان دائم المراجعة للاحاديث وحذف ما لم يثبت صحته منها ، فالذين سمعوا الموطأ سمعوه من مالك في أزمان مختلفة ، فكان من ذلك الاختلاف في النسخ وقد بقى من هذه النسخ بين أيدينا رواية يحيى بن الليثى وهى التى شرحها الزرقاني ، ورواية محمد بن الحسن الشيباني صحاب أبى حنيفة وفيها أشياء كثيرة ليست في رواية يحيى وهو يمزج ما روى عن مالك بآرائه فكثيرا ما يقول " قال محمد (1) " . سبب تأليفه وزمن تأليفه (2) : ألف الموطأ في أواخر عهد المنصور وكان ذلك في سنة 148 ه‍ وكان سبب ذلك كما روى الشافعي أن أبا جعفر المنصور بعث إلى مالك لما قدم المدينة وقال له : إن الناس قد اختلفوا في العراق فضع للناس كتابا نجمعهم عليه ، فوضع " الموطأ " . وفي رواية لغير الشافعي ، أنه قال له مع ذلك : اجتنب فيه شواذ ابن عباس وتشددات ابن عمر ورخص ابن مسعود ، فقال له مالك : ما ينبغى يا أمير المؤمنين أن نحمل الناس على قول رجل واحد يخطئ ويصيب . وقد كان المنصور كما بينا من قبل معنيا بأمر الحديث ودراسته - وقد أخرج ابن عبد البر أن أول من عمل كتابا بالمدينة على معنى الموطأ - من ذكر ما أجمع عليه أهل المدينة - عبد العزيز بن عبد الله بن سلمة الماجشون المتوفى في سنة 164 ه‍ ونظر فيه مالك قبل أن يضع موطأه . =========================================================================== (1) ص 215 ج 2 منجى الاسلام . (2) قال الحافظ ابن البر في كتاب الانتقاء ص 41 أن محمد بن سعد قال : سمعت مالك بن أنس يقول : لما حج أبو جعفر المنصور دعاني فدخلت عليه ، فحادثته وسألني فأجبته فقال : إنى عزمت أن آمر بكتبك هذه التى وضعت (يعنى الموطأ) فتنسخ نسخا ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة ، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوها إلى غيرها ! فإنى رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم ، قال ، فقلت يا أمير المؤمنين : لا تفعل هذا ، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل ، وسمعوا أحاديث ، ورووا روايات ، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وغيرهم ، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد فدع الناس وما هم عليه ، وما اختار أهل كل بلد لانفسهم ، فقال لعمري ، لو طاوعتني على ذلك لامرت به . وفي روايات أخرى أن المنصور طلب منه أن يضع للناس كتابا يتجنب فيه تشديدات ابن عمر ، ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود . (*) =========================================================================== [ 299 ] نقد ابن معين لمالك : قال ابن معين ، إن مالكا لم يكن صاحب حديث بل كان صاحب رأى . وقال الليث بن سعد - أحصيت على مالك سبعين مسألة وكلها مخالفة لسنة الرسول . وقد اعترف مالك بذلك ، وألف الدارقطني جزءا فيما خولف فيه مالك من الاحاديث في الموطأ وغيره ، وفيه أكثر من عشرين حديثا ، وهو من محفوظات الظاهرية بدمشق . البخاري وكتابه البخاري هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الفارسى رحمه الله . ولد ببخارى سنة 194 ه‍ وارتحل بطلب الحديث ، وتنقل في البلاد وابتدأ في تراجم أبواب كتابه بالحرم الشريف ، ولبث في تصنيفه ست عشرة سنة بالبصرة وغيرها حتى أتمه ببخارى ، ومات بخرتنك قرب سمرقند سنة 256 ه‍ . روى ابن حجر في مقدمة فتح الباري (1) أن أبا على الغساني روى عنه أنه قال خرجت الصحيح من 600 ألف حديث . وروى عنه الاسماعيلي أنه قال : لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا (2) وما تركت من الصحيح أكثر (3) وقال : أحفظ مائة ألف حديث صحيح ، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح (4) ولا يهولنك وجود مثل هذه المئات من آلاف الاحاديث في عصر البخاري ، فقد نقل عن الامام أحمد أنه قال : صح من الحديث سبعمائة ألف وكسر . . وهذا الفتى - يعنى أبا زرعة - قد حفظ سبعمائة ألف . . . وقال أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ : كان أبو زرعة يحفظ سبعمائة ألف حديث ، وكان يحفظ مائة وأربعين ألفا في التفسير . . (ص 4 توجيه النظر) . =========================================================================== (1) ص 4 . (2) أي عنده وفي رأيه كما أدت إليه روايته . (3) ص 4 من هدى السارى مقدمة فتح الباري . (4) ص 201 ج‍ 2 من المصدر السابق . (*) =========================================================================== [ 300 ] سبب جمع البخاري لكتابه : قال الحافظ ابن حجر في مقدمته : إن الذى حرك همة البخاري لجمع الحديث الصحيح وقوى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه ، قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري : كنا عند إسحاق بن راهويه فقال : لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة الله ؟ فوقع ذلك في قلبى فأخذت في جمع الجامع الصحيح ، وخرجت الصحيح من ستمائة ألف حديث (1) . كان البخاري يروى بالمعنى : روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أنه قال يوما عن البخاري إنه قال : رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر ! فقيل له : يا أبا عبد الله ، بكماله ؟ فسكت (2) . وقال أحيدر بن أبى جعفر والى بخارى : قال لى محمد بن إسماعيل يوما : رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر ! فقلت له : يا أبا عبد الله بتمامه ؟ فسكت (3) . وقال محمد بن الازهر السجستاني : كنت في مجلس سليمان بن حرب والبخاري معنا يسمع ولا يكتب ، فقيل لبعضهم : ما له لا يكتب ؟ فقال يرجع إلى بخارى ويكتب من حفظه (4) . وقال ابن حجر العسقلاني : من نوادر ما وقع في البخاري ، أنه يخرج الحديث تاما بإسناد واحد بلفظين (5) . =========================================================================== (1) ص 4 مقدمة فتح الباري . (2) ص 11 ج‍ 2 . (3) ص 201 ج‍ 2 من هدى السارى . (4) ص 194 من المصدر السابق . (5) ص 186 ج‍ 1 من فتح الباري . (*) =========================================================================== [ 301 ] مات البخاري قبل أن يبيض كتابه : يظهر أن البخاري مات قبل أن يتم تبييض كتابه ، فقد ذكر ابن حجر في مقدمة الفتح ، أن أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملى قال : انتسخت كتاب البخاري من أصله الذى كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربرى ، فرأيت فيه أشياء لم تتم ، وأشياء مبيضة ، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئا ، ومنها أحاديث لم يترجم لها ، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض . قال أبو الوليد الباجى : ومما يدل على صحة هذا القول رواية أبى إسحاق المستملى ، ورواية أبى محمد السرخسى ورواية أبى الهيثم الكشميهى ورواية أبى زيد المروزى مختلفة بالتقديم والتأخير مع أنهم انتسخوا من أصل واحد ! وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما ، فأضافه إليه ، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث (1) . وقال (2) في الجزء السابع من فتح الباري (3) : لم أقف في شئ من نسخ البخاري على ترجمة " عبد الرحمن بن عوف " ولا " لسعيد بن زيد - " - وهما من العشرة ، وإن كان قد أفرد ذكر إسلام سعيد ابن زيد بترجمة في أوائل السيرة النبوية ، وأظن أن ذلك من تصرف الناقلين لكتاب البخاري ، كما تقدم مرارا أنه ترك الكتاب مسودة ، فإن أسماء من ذكرهم هنا لم يقع فيهم مراعاة الافضلية ولا السابقة ولا الاسنية - وهى جهات التقدم في الترتيب ، فلما لم يراع واحدا منها دل ذلك على أنه كتب كل ترجمة على حدة فضم بعض النقلة بعضها إلى بعض حسبما اتفق . والبخاري أول من ميز الصحيح - في نظره - من غيره ، فاختار كتابه مما تبين له أنه صحيح - ذلك أن التدوين قبله كان يجمع - كما بينا - كل ما روى من غير تمييز بين صحيح وغير صحيح - كما ترى ذلك في مسند أحمد وغيره من المسانيد - =========================================================================== (1) ص 5 ج 1 من نفس المصدر . (2) أي ابن حجر . (3) ص 74 . (*) =========================================================================== [ 302 ] أو يضم إلى أحاديث الرسول أقوال الصحابة وفتاوى التابعين - كما تجد ذلك في موطأ مالك ، ومن أجل ذلك قالوا في كتاب البخاري : إنه أول كتاب ألف في الصحيح . وقد انتقده الحفاظ في عشرة ومائة حديث منها 32 حديثا ، وافقه مسلم على تخريجه ، و 78 حديثا انفرد هو بتخريجه (1) . والذين انفرد البخاري بالاخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضعة وثلاثون رجلا ، المتكلم فيه بالضعف منهم ثمانون رجلا (2) ، والذين انفرد مسلم بالاخراج لهم دون البخاري 620 رجلا المتكلم بالضعف منهم 160 رجلا . . والاحاديث التى انتقدت عليهما بلغت مائتي حديث وعشرة ، اختص البخاري منها بأقل من ثمانين وباقى ذلك يختص بمسلم (3) . وقال ابن حجر في الاحاديث التى انتقدها الدارقطني : إن هذه المواضع متنازع في صحتها فلم يحصل لها من التلقى ما حصل لمعظم الكتاب . في البخاري إشكالات كثيرة : وقال السيد محمد رشيد رضا بعد أن عرض لاحاديث المنتقدة على البخاري ما يلى : وإذا قرأت ما قاله الحافظ فيها رأيتها كلها في صناعة الفن . . (4) ولكنك إذا قرأت الشرح نفسه " فتح الباري " رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات في معانيها أو تعارضها مع غيرها ، مع محاولة الجمع بين المختلفات وحل المشكلات =========================================================================== (1) ص 81 ج‍ 2 مقدمة فتح الباري . (2) هذا هو عدد الرجال المتكلم فيهم بالضعف الذين أخرج لهم البخاري دون مسلم أما الذين طعن فيهم من رجال البخاري فقد عقد لهم ابن حجر فصلا خاصا في الجزء الثاني من مقدمة فتح الباري " سرد فيه أسماءهم ، مع حكاية ذلك الطعن والتنقيب عن سببه والقيام بجوابه " كما يرى هو ، وقد بلغت هذه الاسماء نحو أربعمائة استغرقت 65 صفحة من رقم 113 - 176 ، وسنذكر بعض هذه الاسماء في باب اختلافهم في الجرح والتعديل . (ص 7 من مقدمة الفتح وص 111 ج 2 من نفس المصدر . وص 119 ج 2 ضحى الاسلام) (3) ص 7 و 8 من نفس المصدر ج‍ 1 . (4) أي فن مصطلح الحديث أي من ناحية السند أما من ناحية متون أحاديث البخاري فلم يعرض لنقدها ، ولو تجرد لها عالم فقيه متحرر لوجد فيها أحاديث كثيرة تستحق النقد . (*) =========================================================================== [ 303 ] - بما يرضيك بعضه دون بعض (1) . وقال الدكتور أحمد أمين - بعد أن ذكر عدد الاحاديث التى انتقدت على البخاري كما بيناها - ما يلى (2) : إن بعض الرجال الذى روى لهم (3) غير ثقات ، وقد ضعف الحفاظ من رجال البخاري نحو الثمانين ، وفي الواقع هذه مشكلة المشاكل ، فالوقوف على أسرار الرجال محال ، نعم إن من زل زلة واضحة سهل الحكم عليه ، ولكن ماذا يصنع بمستور الحال ؟ ثم إن أحكام الناس على الرجال تختلف كل الاختلاف ، فبعض يوثق رجلا وآخر يكذبه ، والبواعث النفسية على ذلك لا حصر لها ، ثم كان المحدثون أنفسهم يختلفون في قواعد التجريح والتعديل ، فبعضهم يرفض حديث المبتدع مطلقا كالخارجي والمعتزلي ، وبعضهم يقبل روايته في الاحاديث التى لا تتصل ببدعته ، وبعضهم يقول ، إن كان داعيا لها لا تقبل روايته وإن كان غير داع قبلت ! وبعض المحدثين يتشدد فلا يروى حديث من اتصلوا بالولاة ودخلوا في أمر الدنيا مهما كان صدقهم وضبطهم ، وبعضهم لا يرى في ذلك بأسا ، متى كان عدلا صادقا ، وبعضهم يتزمت فيأخذ على المحدث مزحة مزحها ، كالذى روى أن بعض مجان البصرة كانوا يضعون صرر نقود في الطريق ويختفون ، فإذا انحنى المار لاخذها صاحوا به فتركها خجلا وضحكوا منه ، فأفتى بعض المحدثين أن يملا صرة من زجاج مكسر فإذا صاحوا به وضع صرة الزجاج وأخذ صرة الدراهم عقابا لهم وتأديبا ، فجرحه بعض المحدثين من أجل ذلك ، وعدله بعضهم إذ لم ير به بأسا ، إلى غير ذلك من أسباب يطول شرحها ، ومن أجل هذا اختلفوا اختلافا كثيرا في الحكم على الاشخاص ، وتبع ذلك اختلافهم في صحة روايته والاخذ عنه ، ولعل من أوضح المثل في ذلك - عكرمة مولى ابن عباس وقد ملا الدنيا حديثا وتفسيرا ، فقد رماه بعضهم بالكذب وبأنه يرى رأى الخوارج وبأنه كان يقبل جوائز الامراء ، ورووا عن كذبه شيئا كثيرا ، فرووا أن سعيد بن المسيب قال لمولاه " برد " : =========================================================================== (1) ص 41 ج 29 منار . (2) ص 117 و 118 ج‍ 2 ضحى الاسلام . (3) أي البخاري . (*) =========================================================================== [ 304 ] لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس (1) وأكذبه سعيد بن المسيب في أحاديث كثيرة ، وقال القاسم : إن عكرمة كذاب يحدث غدوة بحديث يخالفه عشية ، وقال ابن سعد : " كان عكرمة بحرا من البحور وتكلم الناس فيه وليس يحتج بحديثه " هذا على حين أن آخرين يوثقونه ويعدلونه فابن جرير الطبري يثق به كل الثقة ويملا تفسيره وتاريخه بأقواله والرواية عنه ، وقد وثقه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى ابن معين وغيرهم من كبار المحدثين . من أجل هذا كله وقف جامعو الصحيح منه مواقف مختلفة ، فالبخاري ترجح عنده صدقه فهو يروى له في صحيحه كثيرا ، ومسلم ترجح عنده كذبه ، فلم يرو له إلا حديثا واحدا في الحج ، ولم يعتمد فيه عليه وحده وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن جبير في الموضوع نفسه . من هذا ترى صعوبة الحكم على مستوى الحال ، ولم يسلم جامع كتاب حديث من ذلك لاختلاف الناس في الحكم على الرجال . أحاديث البخاري وحكم من أنكر شيئا منها : قال السيد رشيد رضا رحمه الله في جواب عن سؤال قدم له في ذلك : لا شك في أن أحاديث الجامع الصحيح للبخاري في جملتها أصح في صناعة الحديث وتحرى الصحيح من كل ما جمع في الدفاتر من كتب الحديث ، ويليه في ذلك صحيح مسلم ، ومما لا شك فيه أيضا أنه يوجد في غيرهما من دواوين السنة أحاديث أصح من بعض ما فيهما ، وما روى من رفض البخاري وغيره لمئات الالوف من الاحاديث التى كانت تروى يؤيد ذلك ، فإنما نفوا ما نفوا لينتقوا الصحاح الثابتة (2) : ودعوى وجود أحاديث موضوعة في أحاديث البخاري المسندة بالمعنى الذي =========================================================================== (1) ورد كذلك عن ابن عمر أنه قال لمولاه نافع : لا تكذب على كما كذب عكرمة على ابن عباس . وذكر ابن تيمية في مقدمة أصول التفسير ، أن رجلا سأل سعيد بن المسبب عن آيات من القرآن ، فقال له : لا تسألني عن القرآن ، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شئ ! يعنى عكرمة (ص 39) . (2) أي في رأيهم لا أنها صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله . (*) =========================================================================== [ 305 ] عرفوا به الموضوع في علم الرواية - ممنوعة لا يسهل على أحد إثباتها ، ولكنه لا يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر قد يصدق عليه بعض ما عدوه من علامة الوضع . كحديث سحر بعضهم للنبى صلى الله عليه وسلم الذى أنكره بعض العلماء كالامام الحصاص من المفسرين المتقدمين والاستاذ الامام " محمد عبده " من المتأخرين لانه معارض بقوله تعالى (وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا - انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا . . هذا وإن في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين ولا فروعه ، فإذا تأملتم هذا وذاك علمتهم أنه ليست - لعلها " ليس " - من أصول الايمان ولا من أركان الاسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري مهما يكن موضوعه ، بل لم يشترط أحد في صحة الاسلام ولا في معرفته التفصيلية الاطلاع على صحيح البخاري والاقرار بكل ما فيه - وعلمتم أيضا أن المسلم لا يمكن أن ينكر حديثا من هذه الاحاديث بعد العلم به إلا بدليل يقوم عنده على عدم صحته متنا أو سندا ، فالعلماء الذين أنكروا صحة بعض هذه الاحاديث لم ينكروها إلا بأدلة قامت عندهم قد يكون بعضها صوابا وبعضها خطأ ، ولا يعد أحدهم طاعنا في دين الاسلام (1) . " وما كلف الله مسلما أن يقرأ صحيح البخاري ويؤمن بكل ما فيه ، وإن لم يصح عنده ، أو اعتقد أنه ينافي أصول الاسلام . سبحان الله ! ! يقول ملايين المسلمين من الحنفية إن رفع اليدين عند الركوع والقيام منه مكروه شرعا وقد رواه البخاري في صحيحه وغير صحيحه عن عشرات من الصحابة بأسانيد كثير جدا ، ولا إثم عليهم ولا حرج لان إمامهم لم يصح عنده لانه لم يطلع على أسانيد البخاري فيه ، وكل من اطلع من علماء مذهبه عليها يوقن بصحتها - ثم يكفر مسلم (2) من خيار المسلمين علما وعملا ودفاعا عن =========================================================================== (1) ص 104 و 105 ج‍ 29 المنار . (2) هذا المسلم هو الدكتور محمد توفيق صدقي وكان قد طعن في حديث الذباب فكفره شيوخ الازهر بذلك كما هي عادتهم . (*) =========================================================================== [ 306 ] الاسلام ودعوة إليه ، بدليل أو شبهة على صحة حديث رواه البخاري عن رجل يكاد يكون مجهولا واسمه يدل على أنه لم يكن أصيلا في الاسلام وهو عبد بن حنين ، وموضوع متنه ليس من عقائد الاسلام ولا من عباداته ولا من شرائعه ، ولا التزم المسلمون العمل به ، بل ما من مذهب من مذاهب المقلدة إلا وأهله يتركون العمل ببعض ما صح عند البخاري وعند مسلم أيضا من أحاديث التشريع المروية عن كبار أئمة الرواة لعلل اجتهادية أو لمحض التقليد . وقد أورد المحقق ابن القيم أكثر من مائة شاهد على ذلك في كتابه أعلام الموقعين ، وهذا المكفر للدكتور منهم . . مع هذا نقول بحق إن صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله ، ولكنه ليس معصوما هو ورواته من الخطأ . وليس كل مرتاب في شئ من روايته كافرا ! ما أسهل التكفير على مقلدة أقوال المتأخرين وحسبنا الله ونعم الوكيل (1) . وفي الانتصار لابن الجوزى جملة أحاديث لم تأخذ بها الشافعية من أحاديث الصحيحين لما ترجح عندهم مما يخالفها وكذا في بقية المذاهب . البخاري وأهل الشام : ذكر الذهبي عن أبى عمرو حمدان : سألت ابن عقدة أيهما أحفظ ، البخاري أم مسلم ؟ فقال كان محمد عالما ، ومسلم عالم ، فأعدت عليه مرارا ، فقال : يقع لمحمد (2) الغلط في أهل الشام وذلك لانه أخذ كتبهم ونظر فيها فربما ذكر الرجل بكنيته ، ويذكره في موضع آخر باسمه يظنهما اثنين ، وأما مسلم فقلما يوجد له غلط في العلل ، لانه كتب السانيد ولم يكتب المقاطيع ولا المراسيل اه‍ (3) . البخاري أدركته محنة مسألة " خلق القرآن " : قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخه : قدم البخاري نيسابور في سنة 250 ه‍ فأقبل عليه الناس ليسمعوا منه ، وفي أحد الايام سأله رجل عن " اللفظ بالقرآن " =========================================================================== (1) ص 51 ج‍ 29 مجلة المنار . (2) أي البخاري . (3) ص 5 من شروط الائمة الستة للمقدسي . (*) =========================================================================== [ 307 ] فقال : أفعالنا مخلوقة ، وألفاظنا من أفعالنا ، فوقع بذلك خلاف ولم يلبث أن حرض الناس عليه محمد بن يحيى الذهلى وقال : من قال ذلك فهو مبتدع ، ولا يجالس ولا يكلم ! ومن ذهب بعد ذلك إلى البخاري فاتهموه ، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه ! فانقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة فقال الذهلى : ألا من قال باللفظ - فلا يحل له أن يحضر مجلسنا ! فأخذ مسلم رداءه فوق عمامته وقام على رءوس الناس ، وبعث جميع ما كان قد كتبه عنه ، وقد خشى البخاري على نفسه فسافر من نيسابور (1) اه‍ ملخصا . ومن المعلوم أن مسلما منسوب أيضا إلى اللفظ . روايات البخاري تختلف في العدد : فعدد أحاديث البخاري يزيد في رواية الفربرى على عدده في رواية إبراهيم ابن معقل النسفى بمائتين ، ويزيد عدد النسفى على عدد حماد بن شاكر النسفى بمائة كما ذكره العراقى (2) . وقد حرر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن عدة ما في البخاري من المتون الموصولة بلا تكرار 2602 ، ومن المتون المعلقة المرفوعة 159 ، فمجموع ذلك 2761 ، وقال في شرح البخاري إن عدته على التحرير 2513 حديث (3) . =========================================================================== (1) ص 203 و 204 ج‍ 2 من هدى السارى . (2) 58 شروط الائمة الخمسة . (3) ص 70 ج 1 . (*) =========================================================================== [ 308 ] مسلم وكتابه هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى النيسابوري رحمه الله ولد بنيسابور سنة 204 ه‍ وتوفى بها سنة 268 ه‍ جرد الصحاح ولم يتعرض للاستنباط ونحوه وفاق البخاري في جمع الطرق وحسن الترتيب ، وكتابه سهل التناول ، إذ جعل لكل حديث موضعا واحدا يليق به جمع فيه طرقه التى ارتضاها ، وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة ، وكان لا يروى بالمعنى بخلاف البخاري وكان لا يخلط مع الاحاديث شيئا من أقوال الصحابة ومن بعدهم - ومن مزاياه كما قال ابن حجر في مقدمة الفتح : أنه قد صنفه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه فكان يتحرز في الالفاظ ويتحرى في السياق ولا يتصدى لما تصدى له البخاري من استنباط الاحكام ليبوب عليها ، ولزم من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه ، بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد واقتصر على الاحاديث دون الموقوفات فلم يعرج عليها إلا في بعض المواضيع على سبيل الندورة تبعا لا مقصودا (1) . وقد نقل عنه أنه صنف مسنده من 300 ألف حديث مسموعة أما عدد أحاديث كتابه فأربعة آلاف حديث دون المكرر . وقال النووي في شرح مسلم : قول مسلم ليس كل شئ صحيحا عندي وضعته هنا " أي في كتابه " وإنما وضعت هنا ما أجمعوا عليه ، فمشكل ، فقد وضع فيه أحاديث كثيرة مختلفا في صحتها لانها من حديث من اختلفوا في صحة حديثه ، وكذلك قال ابن الصلاح . وقال ابن تيمية في تفسير سورة الاخلاص إن الحديث الذى رواه مسلم في خلق التربة يوم السبت (2) حديث معلول قدح فيه أئمة الحديث كالبخاري وغيره وقالوا إنه من قول كعب الاحبار ولهذا الحديث نظائر عند مسلم فقد روى أحاديث عرف أنها غلط مثل قول أبى سفيان لما أسلم أريد أن أزوجك أم حبيبة (أي بنته) ولا خلاف بين الناس أن النبي قد تزوجها قبل إسلام =========================================================================== (1) ص 8 . (2) هذا الحديث رواه أبو هريرة وصرح فيه بسماعه من النبي . راجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (*) =========================================================================== [ 309 ] أبى سفيان ، ومثل حديث صلاة الكسوف أن النبي صلاها بثلاث ركوعات . والصواب أنه لم يصلها إلا مرة واحدة بركوعين اه‍ (1) . وقد بلغت الاحاديث التى انتقدت على مسلم 132 ، وعدد من انتقدوهم من رجاله 110 . وقال الحافظ أبو زرعة الرازي (2) - وقد ذكر له كتاب مسلم - هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه فعملوا شيئا يتسوقون به ، ألفوا كتابا لم يسبقوا إليه ، ليقيموا لانفسهم رياسة قبل وقتها . وأتاه ذات يوم رجل بكتاب الصحيح من رواية مسلم فجعل ينظر فيه فإذا حديث عن أسباط بن نصر . . ثم رأى في الكتاب قطن بن نسير فقال : وهذا اطم من الاول ! قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت جعلها عن أنس ، ثم نظر فقال : يروى عن أحمد بن عيسى المصرى في كتاب الصحيح ! ثم قال : أيحدث عن هؤلاء ويترك محمد بن عجلان ونظراءه ويطرق لاهل البدع عليها فيجدوا السبيل بأن يقولوا للحديث إذا احتج عليهم به ، ليس هذا من كتاب الصحيح . وكان أبو زرعة يذم وضع هذا الكتاب . وروى مسلم عن أبى الزبير عن جابر أحاديث كثيرة بالعنعنة وقد قال الحفاظ : أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكى يدلس في حديث جابر ، وروى عن جابر وابن عمر في حجة الوداع حديثا بروايتين قال ابن حزم فيهما : إحداهما كذب بلا شك . وروى حديث (خلق الله التربة يوم الست) . وقال الحفاظ : إن مسلما لما وضع كتابه الصحيح عرضه على أبى زرعة الرازي فأنكر عليه وتغيظ وقال : سميته الصحيح ! فجعلت سلما لاجل البدع وغيرهم فإذا روى لهم المخالف حديثا يقولون : هذا ليس في صحيح مسلم . ولما قدم مسلم الرى خرج إلى أبى عبد الله محمد بن مسلم بن واره فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب ، وقال له نحوا مما قال أبو زرعة ، فإعتذر إليه مسلم وقال له : =========================================================================== (1) ص 16 . (2) قال الامام أحمد عنه إنه حفظ 700 ألف حديث ، وقال أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ كان أبو زرعة يحفظ 700 ألف حديث ، وكان يحفظ 140 ألفا في التفسير - ص 4 من توجيه النظر . (*) =========================================================================== [ 310 ] إنما أخرجت هذا الكتاب ، وقلت (هو صحاح) ولم أقل : إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف ! ولكن إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح ليكون مجموعا عندي وعند من يكتبه عنى ، ولا يرتاب في صحتها ، ولم أقل إن ما سواه ضعيف ، فقبل عذره وحدثه (1) اه‍ باختصار . وأخرج مسلم أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم لشبهة وقعت في نفسه (2) ذلك بأن أئمة النقل على إختلاف مذاهبهم وتباين أحوالهم - في تعاطى اصطلاحاتهم يختلفون في أكثرها - فرب راو هو موثوق به عند عبد الرحمن بن مهدى ومجروح عند يحيى بن سعيد القطان وبالعكس ، وهما إمامان عليهما مدار النقد في النقل ومن عندهما يتلقى معظم شأن الحديث (3) . والكلام في نقد البخاري ومسلم طويل فنكتفي بما نورده هنا . البخاري ومسلم - وما قيل فيهما قال الحافظ زين الدين العراقى في شرح ألفيته في علوم الحديث - عندما ذكر مراتب الصحيح - قال محمد بن طاهر في كتابه في شروط الائمة : شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجتمع على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور - قال العراقى في شرح ألفيته : ليس ما قاله ابن طاهر يجيد لان النسائي ضعف جماعة أخرج لهم الشيخان أو أحدهما اه‍ . وقال البدر العينى : في الصحيح جماعة جرحهم بعض المتقدمين . وفي العلم الشامخ قال المقبلى : في رجال الصحيحين من صرح كثير من الائمة يجرحهم ، وتكلم فيهم من تكلم بالكلام الشديد ، وإن كان لا يلزمهما إلا العمل بإجتهادهما . وقال ابن الصلاح : احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح له كعكرمة =========================================================================== (1) ص 60 - 63 شروط الائمة الخمسة للحازمي وشرحها . (2) ص 10 و 11 شروط الائمة الستة للقدسى . (3) 58 - 59 شروط الائمة الخمسة للحازمي . (*) =========================================================================== [ 311 ] مولى ابن عباس وكإسماعيل بن أبى أويس وعاصم بن على ، وعمرو بن مرزوق وغيرهم واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم وهكذا فعل أبو داود (1) . قال الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله في شرحه لالفية السيوطي : وقد وقع في الصحيحين أحاديث كثيرة من رواية بعض المدلسين (2) . ومعلوم أن التدليس (3) كان من أسباب الجرح . وفي شرح شروط الائمة الخمسة للشيخ محمد زاهد الكوثري نقلا عن ابن الهمام (4) . وقد أخرج مسلم عن كثير ممن لم يسلم من غوائل الجرح ، وكذا في البخاري جماعة تكلم فيهم ، فدار الامر في الرواية على اجتهاد العلماء فيهم وكذا في الشروط حتى إن من اعتبر شرطا وألغاه آخر ، يكون ما رواه الآخر مما ليس فيه هذا الشرط عنده مكافئا لمعارضة المشتمل على ذلك الشرط ، وكذا فيمن ضعف راويا ووثقه الآخر . وأما الانتقاد عليهما من جهة ما يتعلق بالمتون من جهة مخالفتهما للكتاب أو للسنة المتواترة ونحو ذلك فلم يتصدوا له ، لان ذلك من متعلقات علماء الكلام والاصول (5) . تجافى الرواية - عن أهل الرأى : قال القاسمي : تجافى أرباب الصحاح الرواية عن أهل الرأى - كالامام أبى يوسف والامام محمد بن الحسن فقد لينهما أهل الحديث كما ترى في ميزان الاعتدال وآثارهما تشهد بسعة علمهما وتبحرهما بل تقدمهما على كثير من الحفاظ (6) وكذلك تجافى البخاري عن الرواية عن أئمة أهل البيت النبوى ، وإليك كلمة قيمة في هذا الامر . قال العلامة عبد الحسين شرف الدين في كتابه الفصول المهمة في تأليف الامة (7) =========================================================================== (1) ص 41 من مقدمة ابن الصلاح . (2) ص 36 . (3) راجع ما كتبناه عن التدلس والمدليسين في كتابنا شيخ المضيرة . (4) ص 58 من شرح الشروط الخمسة . (5) ص 131 توجيه النظر . (6) ص 24 من كتاب الجرح والتعديل للقاسمى . (7) ص 168 و 169 من الطبعة الثانية . (*) =========================================================================== [ 312 ] وأنكى من هذا كله عدم احتجاج البخاري في صحيحه بأئمة أهل البيت النبوى ، إذ لم يرو شيئا عن الصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والزكى العسكري وكان معاصرا له ، ولا روى عن الحسن بن الحسن ولا عن زيد بن على بن الحسين . ولا عن يحيى بن زيد ولا عن النفس الزكية محمد بن عبد الله الكامل بن الحسن الرضا بن الحسن السبط ولا عن أخيه إبراهيم بن عبد الله ولا عن الحسين الفخى بن على بن الحسن بن الحسن ، ولا عن يحيى بن عبد الله بن الحسن ولا عن أخيه إدريس ابن عبد الله ولا عن محمد بن جعفر الصادق ، ولا عن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل ابن إبراهيم بن الحسن بن الحسن المعروف بابن طباطبا ولا عن أخيه القاسم الشرسى ، ولا عن محمد بن زيد بن على ، ولا عن محمد بن القاسم بن على بن عمر الاشرف بن زين العابدين صاحب الطالقان المعاصر للبخاري - ولا عن غيرهم من أعلام العترة الطاهرة وأغصان الشجرة الزاهرة ، كعبد الله بن الحسن وعلى بن جعفر العريضى وغيرهما . ولم يرو شيئا من حديث سبطه الاكبر وريحانته من الدنيا أبى محمد الحسن المجتبى سيد شباب أهل الجنة مع احتجاجه بداعية الخوارج وأشدهم عداوة لاهل البيت (عمران ابن حطان) القائل في ابن ملجم وضربته لامير المؤمنين عليه السلام : يا ضربة من تقى ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذى العرش رضوانا إنى لاذكره يوما فأحسبه * أوفى البرية عند الله ميزانا هل أصح الاحاديث ما في الصحيحين : قال الامام كمال الدين ابن الهمام في شرح الهداية : وقول من قال : أصح الاحاديث ما في الصحيحين ثم ما انفرد به البخاري ، ثم ما انفرد به مسلم ، ثم ما اشتمل على شرطهما ، ثم ما اشتمل على شرط أحدهما ، تحكم لا يجوز التقليد فيه ، إذ الاصحية ليست إلا لاشتمال رواتهما على الشروط التى اعتبراها ، فإن فرض وجود تلك الشروط في رواة حديث في غير الكتابين ، أفلا يكون الحكم بأصحية ما في الكتابين عين التحكم (1) ؟ . =========================================================================== (1) ص 120 توجيه النظر وص 25 من شرح شروط الائمة الخمسة . (*) =========================================================================== [ 313 ] الاستدراك على البخاري ومسلم : قال النووي في شرح مسلم : استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلا بشرطيهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه . وقد ألف الامام الحافظ الدارقطني في بيان ذلك كتابه المسمى (بالاستدراكات والتتبع) ، وذلك في مائتي حديث مما في الكتابين ، ولابي مسعود الدمشقي (صاحب الاطراف) استدراك عليهما وكذا لابي على الغساني في كتابه تقييد المهمل . وقال : في أول شرح مسلم : وما يقوله الناس أن من روى له الشيخان فقد جاوز القنطرة ! هذا من التجوه ولا يقوى . مثل غريب مما اتفق البخاري ومسلم على روايته : روى البخاري عن ابن عمر قال النبي يوم الاحزاب : أن لا يصلين أحد (العصر) إلا في بنى قريظة - قال ابن حجر : كذا وقع في جميع النسخ عند البخاري ووقع في جميع النسخ عند مسلم (الظهر) مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد من مبدئه إلى منتهاه ! قال : ويظهر من تغاير اللفظين أن عبد الله بن محمد شيخ الشيخين لما حدث به حدث فيه بلفظين أو أن البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ - كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ . وفي الصحيحين ما ينوف على مائتي حديث من الغرائب وقد ألف الحافظ الضياء المقدسي في ذلك مؤلفا سماه (غرائب الصحيحين) ذكر فيه ما يزيد على مائتي حديث من الغرائب والافراد المخرجة في الصحيحين (1) . =========================================================================== (1) ص 31 من شرح شروط الائمة الخمسة للحازمي . (*) =========================================================================== [ 314 ] أصحية البخاري ومسلم وعند من تكون ؟ قال ابن أمير الحاج في شرح التحرير ما معناه (1) : ثم مما ينبغى التنبه له أن أصحيتهما على ما سواهما تنزلا إنما تكون بالنظر إلى من بعدهما ، لا المجتهدين المتقدمين عليهما ، فإن هذا مع ظهوره قد يخفى على بعضهم ، أو يغالط به والله سبحانه أعلم . وقال الشارح لهذا الكلام : يريد أن الشيخين وأصحاب السنن جماعة متعاصرون من الحفاظ أتوا بعد تدوين الفقه الاسلامي ، واعتنوا بقسم من الحديث وكان الائمة المجتهدون قبلهم أوفر مادة ، وأكثر حديثا ، بين أيديهم المرفوع والموقوف والمرسل وفتاوى الصحابة والتابعين - ونظر المجتهد ليس بمقصور على قسم من الحديث - ودونك الجوامع والمصنفات في كل باب منها تذكر هذه الانواع التى لا يستغنى عنها المجتهد ، وأصحاب الجوامع والمصنفات قبل الستة من الحفاظ " أي أصحاب الكتب الستة " أصحاب هؤلاء المجتهدين وأصحاب أصحابهم ، والنظر في أسانيدها كان أمرا هينا عندهم لعلو طبقتهم ، لا سيما أو استدلال المجتهد بحديث تصحيح له - والاحتياج إلى الستة والاحتجاج بها إنما هو بالنظر إلى من تأخر عنهم فقط - ومما يلفت إليه النظر هنا أن بعض الحفاظ المتأخرين يتساهلون في عزو ما يروونه إلى الاصول الستة وغيرها على اختلاف عظيم في اللفظ والمعنى . قال العراقى في شرح ألفيته : إن البيهقى في السنن والمعرفة ، والبغوى في شرح السنة وغيرهما يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم ثم يعزونه إلى البخاري ومسلم مع اختلاف الالفاظ والمعاني ، فهم إنما يريدون أصل الحديث لا غزو ألفاظه اه‍ . ومن هذا القبيل قول النووي في حديث " الائمة من قريش " أخرجه الشيخان ، مع أن لفظ الصحيح " لا يزال هذا الامر في قريش ما بقى منهم اثنان " وبين اللفظين والمعنيين تفاوت عظيم كما ترى اه‍ . وقد وضع الحافظ الرشيد العطار كتابا على الاحاديث المقطوعة المخرجة في مسلم =========================================================================== (1) ص 58 و 59 من هامش شروط الائمة الخمسة للحازمي . (*) =========================================================================== [ 315 ] سماه (الفوائد المجموعة في شأن ما وقع في مسلم من الاحاديث المقطوعة) وما يقوله الناس : إن من روى له الشيخان فقد جاوز القنطرة فهو من التجوه ولا يقوى ، فقد روى مسلم في كتابه عن ليث بن أبى سليم وغيره من الضعفاء . . واعلم أن " أن وعن " مقتضيان للانقطاع " أي من المدلس " عند أهل الحديث ، ووقع في مسلم والبخاري من هذا النوع شئ كثير ، فيقولون على سبيل التجوه : ما كان من هذا النوع في غير الصحيحين فمنقطع ، وما كان في الصحيحين فمحمول على الاتصال ! ! وروى مسلم في كتابه عن أبى الزبير عن جابر أحاديث كثيرة بالعنعنة وقد قال الحفاظ : أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكى يدلس في حديث جابر ، فما كان بصيغة العنعنة لا يقبل ذلك - وقد روى مسلم أيضا في كتابه عن جابر وابن عمر في حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وآله توجه إلى مكة يوم النحر فطاف طواف الافاضة ثم صلى الظهر بمكة ثم رجع إلى منى ، وفي الرواية الاخرى ، أنه طاف طواف الافاضة ثم رجع فصلى الظهر بمنى فيتجوهون (1) ويقولون : أعادها لبيان الجواز ! وغير ذلك من التأويلات ! ! قال ابن حزم في هاتين الروايتين : إحداهما كذب بلا شك . وروى مسلم أيضا حديث الاسراء وفيه (ذلك قبل أن يوحى إليه) وقد تكلم الحفاظ في هذه اللفظة وضعفوها - وروى مسلم أيضا حديث " خلق الله التربة يوم السبت " (2) ، وفي مسلم أيضا عن أبى سفيان أنه قال للبنى " ص " لما أسلم : يا رسول الله أعطني ثلاثا ، تزوج ابنتى أم حبيبة ، وابنى معاوية اجعله كاتبا ، وأمرني أن أقاتل الكفار ، فأعطاه النبي ما سأل الحديث ، وفي هذا من الوهم ما لا يخفى ! فأم حبيبة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وهى بالحبشة وأصدقها النجاشي ، وأبو سفيان أسلم عام الفتح وبين الهجرة والفتح عدة سنين - وأما إمارة أبى سفيان فقد قال الحفاظ : إنهم لا يعرفونها . . . ويذكرون عن الزبير بن بكار بأسانيد ضعيفة ، أن النبي صلى الله عليه وآله أمره في بعض الغزوات ، وهذا لا يعرف وما حملهم على هذا كله إلا بعض التعصب . وقد قال الحفاظ أن مسلما لما وضع كتابه الصحيح عرضه على أبى زرعة الرازي ، فأنكر عليه وتغيظ وقال : سميته الصحيح ، فجعلت سلما لاهل البدع =========================================================================== (1) تجره - تعظم - تكلف الجاه وليس به ذلك . (2) ارجع في الكلام عن هذا الحديث إلى كتابنا " شيخ المضيرة " . (*) =========================================================================== [ 316 ] وغيرهم ، فإذا روى لهم المخالف حديثا يقولون ، هذا ليس في صحيح مسلم (1) . وقد أوردنا من قبل كلاما غير ذلك مما قاله أبو زرعة وغيره في مسلم وكتابه . قال الحازمى في شروط الائمة الخمسة تحت هذا العنوان ما يلى : (باب في إبطال قول من زعم أن شرط البخاري إخراج الحديث عن عدلين وهلم جرا ، إلى أن يتصل الخبر بالنبي صلى الله عليه وسلم) إن هذا حكم من لم يمعن الغوص في خبايا الصحيح ، ولو استقرأ الكتاب حق الاستقراء لوجد جملة من الكتاب ناقضة عليه دعواه . وأما قول الحاكم : إن اختيار البخاري ومسلم إخراج الحديث عن عدلين إلى النبي (2) صلى الله عليه وسلم فهذا غير صحيح طردا وعكسا ، بل لو عكس القضية وحكم كان أسلم له ، وقد صرح بنحو ما قلت من هو أمكن منه في الحديث - وهو أبو حاتم محمد بن حبان البستى فقد قال : وأما الاخبار فإنها كلها أخبار الآحاد لانه ليس يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين ، وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما استحال هذا وبطل ثبت أن الاخبار كلها أخبار الآحاد ومن اشترط ذلك فقد عمد إلى ترك السنن كلها لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد . انتهى كلام ابن حبان . ومن سبر مطالع الاخبار عرف أن ما ذكره ابن حبان أقرب إلى الصواب . انتهى (3) كلام الحازمى . هذه هي كتب الطبقة الاولى من كتب الحديث أما الطبقة الثانية فهاك الكلام عنها بإيجاز وهى سنن أبى داود والترمذي والنسائي (4) . =========================================================================== (1) ص 61 و 62 من هامش شروط الائمة الخمسة للحازمي ويراجع صفحة 310 من هذا الكتاب . (2) أول حديث في البخاري وهو حديث إنما الاعمال بالنيات وآخر حديث فيه أعنى حديث (كلمتان خفيفتان) فردان غريبان باعتبار المخرج كما نص على ذلك الحفاظ البرهان البقاعي وغيره ص 31 من نفس المصدر . (3) ص 31 نفس المصدر . (4) ذكر رجال الحديث أن الكتب التى تأتى درجتها بعد البخاري ومسلم هي سنن أبى داود المتوفى سنة 275 ه‍ وسنن النسائي - 303 - وجامع الترمذي - 279 - وقد جعلوا هذه الكتب الخمسة هي الاصول ، وزاد بعضهم عليها كتاب سنن ابن ماجة - 375 وقال بعضهم إن الاحق بأن يكون الكتاب = (*) =========================================================================== [ 317 ] أبو داود هو الامام الفقيه أبو داود سليمان بن الاشعث الازدي السجستاني رحمه الله ولد سنة 202 ه‍ قدم بغداد مرارا ومات بالبصرة سنة 275 ه‍ . قال الخطابى : لم يصنف في علم الحديث مثل سنن أبى داود وهو أحسن وضعا وأكثر فقها من الصحيحين ، حدث عنه الترمذي والنسائي ، وقال ابن كثير في مختصر علوم الحديث : إن الروايات لسنن أبى داود كثيرة ، في بعضها ما ليس في الاخرى . ومن أشهر رواة السنن عنه أبو سعيد بن الاعرابي ، وأبو علي اللؤلؤي وأبو بكر بن داسه . وكانت همة أبى داود جمع الاحاديث التى استدل بها فقهاء الامصار وبنوا عليها الاحكام ، فصنف سننه وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل ، ومن قوله : ما ذكرت في كتابي حديثا أجمع الناس على تركه . وما كان به من حديث فيه وهن شديد فقد بينته . وقال أبو بكر بن داسه : سمعت أبا داود يقول : كتبت عن رسول الله 500 ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث - ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه . وقد قالوا : إن سنن أبى داود تكفى المجتهد . وإنه يكفى منها لدينه أربعة أحاديث " 1 " إنما الاعمال بالبيات " 2 " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " 3 " لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لاخيه ما يرضاه لنفسه " 4 " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات . وقد . فضلها بعضهم على البخاري . وقد تفقه أبو داود هو والبخاري على فقهاء العراق . =========================================================================== السادس هو سنن الدارمي المتوفى سنة 255 لان ابن ماجة قد أخرج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الاحاديث أما سنن الدارمي فإنه قليل الرجال الضعفاء ويندر أن يكون فيه أحاديث منكرة أو شاذة وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة فهو مع ذلك أولى منه وهو حقا كما قالوا . (*) =========================================================================== [ 318 ] الترمذي هو أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي الضرير رحمه الله ، ولد سنة 209 ه‍ بترمذ وتوفى بها سنة 279 ه‍ . قال ابن الاثير : في سنن الترمذي ما ليس في غيرها من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب . جمع كتابه واختصر فيه طريق الحديث اختصارا لطيفا وبين أمر كل حديث من أنه صحيح أو ضعيف أو منكر . أما كتابه الجامع الصحيح له ففيه أحاديث كثيرة منكرة (1) . قال الحفاظ ابن رجب في " سرح علل الترمذي " اعلم أن الترمذي خرج في كتابه الحديث الصحيح والحديث الحسن وهو ما نزل عن درجة الصحيح وكان فيه بعض ضعف والحديث الغريب ، والغرائب التى خرجها ، فيها بعض المناكير ولا سيما في كتاب الفضائل ولكنه يبين ذلك غالبا ولا يسكت عنه ، ولا أعلم أنه خرج عن متهم بالكذب متفق على اتهامه - حديثا بإسناد منفرد إلا أنه قد يخرج حديثا مرويتا من طرق أو مختلفا في إسناده وفي بعض طرقه متهم وعلى هذا الوجه خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب ومحمد بن السائب الكلبى ، نعم قد يخرج عن سيئ الحفظ وعمن غلب على حديثه الوهم ، ويبين ذلك غالبا ولا يسكت عنه وقد شاركه أبو داود في التخريج عن كثير من هذه الطبقة مع السكوت على حديثهم كإسحاق ابن أبى فروة . والترمذي يخرج حديث الثقة الضابط ومن يهم قليلا ومن يهم كثيرا ومن يغلب عليه الوهم يخرج حديثه قليلا ويبين ذلك ولا يسكت عنه . الترمذي أول من قسم الحديث : الترمذي هو أول من قسم الحديث صحيح ، وحسن ، وضعيف ، وكان قبله لا يقسم إلا إلى صحيح وغير صحيح . =========================================================================== (1) ص 18 من كتاب اختصار علوم الحديث . (*) =========================================================================== [ 319 ] النسائي هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ولد في نسا من نيسابور سنة 215 ه‍ . قال الدار قطني خرج حاجا فامتحن بدمشق وأدرك الشهادة ، فقال احملوني إلى مكة فحمل وتوفى بها ودفن بين الصفا والمروة وكانت وفاته سنة 303 ه‍ . قال الذهبي : سئل بدمشق عن فضائل معاوية ، فقال : ألا يرضى رأسا برأس حتى يفضل ! قال : فما زالوا يدفعونه حتى أخرج من المسجد . ثم حمل إلى مكة فتوفى بها - كذا في هذه الرواية إلى (مكة) وصوابه (الرملة) - وأنه قال : دخلت دمشق والمنحرف عن على بها كثير ، فصنفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم الله . وروايات النسائي تختلف اختلافا كثيرا ، والذى عد من " الاصول الخمسة " - هو " المجتبى " المعروف بسنن النسائي الصغير ، رواية ابن السنى ، وأما رواية ابن حيوة وابن الاحمر وابن قاسم فيقال لها النسائي الكبير . وقال ابن كثير إن في سنن النسائي رجالا مجهولين إما اعتبارا وإما حالا ، وفيهم المجروح وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة (1) . وهناك كتب أخرى لا نطيل بذكرها ما داموا قد قالوا . إن هذه الكتب الخمسة " البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسانى لم يفتها من أحاديث رسول الله إلا اليسير " . قال النووي في التقريب (2) : " الصواب أنه لم يفت الاصول الخمسة إلا اليسير " وقد أشار إلى ذلك السيوطي في ألفيته فقال : النووي - لم يفت الخمسة من * ما صح إلا النزر فاقبله ودن وقال ابن خلدون بعد أن تكلم عن الموطأ وهذه هي الكتب الخمسة (3) ، هذه هي المسانيد المشهورة في المللة وهى أمهات كتب الحديث في السنة ، وإنها إن تعددت ترجع إلى هذه في الاغلب (4) . =========================================================================== (1) ص 18 اختصار علوم الحديث . (2) ص 3 . (3) وأشهر الكتب المصنفة في القرن الرابع : المعاجم الثلاثة للطبراني سنة 360 وسنن الدار قطني 385 ه‍ وصحيح ابن حبان البستى - 354 - وصحيح ابن خزيمة - 311 - ومصنف الطحاوي - 321 إلخ . (4) ص 418 من المقدمة . (*) =========================================================================== [ 320 ] وهاك كلمة للمسيو أميل درمنغهم قالها في كتاب حياة محمد : إن من المنابع الاولى لسيرة محمد القرآن والسنة . فالقرآن هو أوثقها سندا ولكنه غير شامل الشمول الكافي في هذا الموضوع ، وأما الحديث فبرغم جميع ما تحراه المحدثون لا سيما البخاري في جمع أقوال الرسول والاحاطة بأقل إشارة من إشاراته وترجمة الرجال الذين روى عنهم الحديث مسلسلا ومعنعنا لا يزال فيه كثير مما هو محل للتهمة ومما هو موضوع إلخ . . . وعلق الامير شكيب أرسلان على كلام درمنغهم بقوله : " . . هو غير معتقد بصحة كثير من الاحاديث حتى الوارد منها في الصحيحين ، وهذا مشرب من المشارب الفكرية لا نقدر أن نؤاخذه عليه لا سيما أن كثيرين من المسلمين ، ومن ذوى الحمية الاسلامية وممن لا ينقصهم شئ من الايمان والايقان يشاركون المسيو " درمنغهم " في هذا الرأى . . . ولا يرون من الواجب الدينى الايمان بكل ما جاء في الصحيحين وغيرهما من الاحاديث لاحتمال ، أن يكون تطرق إليها التبديل والتغيير ، أو دخلها الزيادة والنقصان ، إذ من المعلوم أنهم كانوا يروون الاحاديث بالمعنى . وإذا روى الحديث بالمعنى لم يخل الامر من أن تتطرق إليه زيادات كثيرة قد يتغير بها المعنى أو يبعد عن أصله ، إلى أن قال : والادلة التى تستظهر بها هذه الفئة على وجوب عدم القطع بأكثر الاحاديث ولزوم التوقف في كثير مما يسارع الناس فيه هي ما يلى : أولا : عدم إمكان رواية الاحاديث إلا النادر الاندر بدون زيادة أو نقصان مما يعرفه كل إنسان من نفسه ، وذلك أنه إذا أراد أن يعيد كلاما سمعه ولو بعد سماعه إياه بساعة من الزمن تعذر عليه سرده بحرفه . ثانيا : كونهم يقولون إن ما لا يكاد يحصى من الاحاديث مروى بالمعنى ، فيتغير فيه كثير من اللفظ . ثالثا : جواز السهو والنسيان مما لا يخلو منه إنسان ولا يمكن الجدال فيه أصلا . رابعا : كون النبي صلى الله عليه وآله نفسه أشار إلى وضع الاحاديث عليه في أيامه وأنه من أوثق الاحاديث قوله : لقد كثرت على الكذابة ، فمن كذب على فليتبوأ مقعده من النار . =========================================================================== [ 321 ] ثم قال : ولا يزال الشك يحوم حول أحاديث كثيرة واردة في الصحاح ، وهذا الشك ليس من جهة عدم الامانة في النقل - ولكن من جهة عدم استطاعة البشر إلا ما ندر من رواية كل ما يسمعونه بحرفه ، أو من وصف كل حادثة كانوا فيها كما وقعت بلا زيادة ولا نقصان ، وقد يكون اثنان في حادثة من الحوادث ويرويها كل واحد منهما بشكل يختلف قليلا أو كثرا عن الآخر (1) . المستخرجات الاستخراج أن يعمد حافظ من الحفاظ إلى البخاري مثلا فيورد أحاديثه حديثا حديثا بأسانيد لنفسه غير ملتزم فيها ثقة الرواة من غير طرق البخاري إلى أن يلتقى معه في شيخه أو فيمن فوقه ، لكن لا يسوغ للمخرج أن يعدل عن الطريق التى يقرب فيها اجتماعه مع مصنف الاصل إلى الطريق البعيدة إلا لغرض مهم ، من علو أو زيادة مهمة أو نحو ذلك - وربما ترك المستخرج أحاديث لم يجد له بها إسنادا مرضيا ، وربما علقها عن بعض رواتها ، وربما ذكرها من طريق صاحب الاصل . وقد اعتنى كثير من الحفاظ بالاستخراج لما فيه من الفوائد المهمة وقصروا ذلك غالبا على صحيح البخاري وصحيح مسلم لكونهما العمدة في هذا العلم " عند أهله " فممن استخرج على البخاري أبو بكر أحمد بن إبراهيم الاسماعيلي ، وأبو بكر أحمد ابن محمد البراقانى ، وممن استخرج على صحيح مسلم أبو جعفر أحمد النيسابوري وأبو بكر محمد بن محمد بن رجا النيسابوري وهو ممن يشارك مسلما في أكثر شيوخه وغيرهما كثير . . . ومن المستخرجين على كل منهما أبو نعيم الاصفهانى وجماعة معه ، واستخرجوا كذلك على أبى داود والترمذي . . وللمستخرجات فوائد كثيرة منها ما يقع فيها من زيادات في الاحاديث التى يوردونها لم تكن في الاصل المستخرج عليه . وإنما وقعت لهم تلك الزيادات لانهم لم يلتزموا إيراد ألفاظ ما استخرجوا عليه بل التزموا إيراد الالفاظ التى وقعت لهم الرواية بها عن شيوخهم ، وكثيرا ما تكون مخالفة لها ، وقد تقع المخالفة في المعنى أيضا - ومنها أن يكون مصنف الصحيح روى عمن =========================================================================== (1) في ص 44 - 51 حاضر العالم الاسلامي ج 1 . (*) =========================================================================== [ 322 ] اختلط ، ولم يبين هل سماع ذلك الحديث في هذه الرواية قبل الاختلاط أو بعده ! فيبينه المستخرج إما تصريحا ، أو بأن يرويه عنه من طريق من لم يسمع منه إلا قبل الاختلاط ، ومنها أن يروى في الصحيح عن مدلس بالعنعنة فيرويه المستخرج بالتصريح بالسماع . . ومنها أن يكون في الحديث مخالف لقاعدة اللغة العربية فيتكلف لتوجيهه ويتمحل لتخريجه ، فيجئ في رواية المستخرج على القاعدة فيعرف بأنه هو الصحيح ، وأن الذى في الصحيح قد وقع فيه الوهم من الرواة (1) ! اه‍ ببعض اختصار . وقال ابن الصلاح : الكتب المخرجة على البخاري ومسلم لم يلتزم مصنفوها فيها موافقتهما في ألفاظ الحديث بعينها من غير زيادة ونقصان ، لكونهم رووا تلك الاحاديث من غير جهة البخاري ومسلم طلبا لعلو الاسناد ، فحصل فيها بعض التفاوت في الالفاظ - وهكذا ما أخرجه المؤلفون في تصانيفهم المستقلة كالسنن الكبرى للبيهقي وشرح السنة لابي محمد البغوي وغيرهما مما قالوا فيه : أخرجه البخاري أو مسلم ، فلا يستفاد من ذلك أكثر من أن البخاري أو مسلما أخرج أصل ذلك الحديث مع احتمال أن يكون بينهما تفاوت في اللفظ ، وربما كان تفاوتا في بعض المعنى (2) فقد وجدت في ذلك ما فيه بعض التفاوت من حيث المعنى (3) . ولا نعرض لما في هذه المستخرجات من تغيير في الالفاظ أو في المعاني أو في الزيادات ، فارجع إليها في كتبهم ، وقد ميز الحميدى في الاكثر تلك الزيادات من ألفاظ الصحيح فيقول بعد سياق الحديث (اقتصر منه البخاري على كذا) وزاد فيه البرقانى مثلا كذا ! أو نحو ذلك وعدم التمييز إنما وقع في الاقل فإنه قد يسوق الحديث ناقلا له من مستخرج البرقافى أو غيره ثم يقول : اختصره البخاري فأخرج طرفا منه ، ولا يبين القدر الذى اقتصر عليه ، فيلتبس الامر على الواقف عليه ، ولا يزول عنه اللبس إلا بالرجوع إلى أصله فارتفع عنه الملام في الاكثر (4) ، وقد مر بك أنهم أعلوا أحاديث كثيرة مما رواه البخاري ومسلم ، وكذلك نجد في شرح ابن حجر للبخاري =========================================================================== (1) ص 141 و 142 من توجيه النظر . (2) إلى متى تتفاوت ألفاظ الحديث ومعانيها ؟ (3) ص 9 و 10 من مقدمة ابن الصلاح . (4) ص 144 من توجيه النظر . (*) =========================================================================== [ 323 ] والنووي لمسلم استشكالات كثيرة وألف عليها مستخرجات متعددة ، فإذا كان البخاري ومسلم - وهما الصحيحان - كما يسمونهما - يجملان كل هذه العلل والانتقادات وقيل فيهما كل هذا الكلام - دع ما وراء ذلك من تسرب بعض الاسرائيليات وخطأ النقل بالمعنى وغير ذلك في روايتها إلى بعض كتب الاحاديث ولا نقول المسانيد ! لانها في نفسها لا ثقة بها ، ولا اعتماد عليها ، لان ما فيها كغثاء السيل . وقد قال فيها الائمة إنه لا يحتج بها ، ولا يركن إلى ما فيها كما تراه قريبا . اللهم إنا نسألك أن تهيئ لهذا الدين القويم ، من يحفظ أصوله ويصون قواعده ، فلا يغشاها ما ليس منها ، ولا يتسور عليها ذو دخلة سيئة لها . مسند أحمد قد يقول القارئ ما بالنا لم نجد لمسند أحمد ذكرا بين كتب الحديث التى جرى الكلام عنها وهو أوسعها رواية ، وأكثرها جمعا ، حتى قيل إنه يحوى أربعين ألف حديث ! ! ومؤلفه إمام كبير وله مذهب من المذاهب المتبعة تدين به طوائف كثيرة من المسلمين ؟ وإنا نقول إننا لم نعرض لهذا الكتاب ولا إلى غيره من كتب المسانيد بالتفصيل - وهى كثيرة إلا لان العلماء قد تكلموا فيها وقضوا بأنه لا يسوغ الاحتجاج بها ، ولا التعويل عليها ، على أنا قد رأينا أن نتكلم عن مسند أحمد الذى هو أشهرها لنبين للمسلمين حقيقته ، ونكشف عن درجته ، خاصة بين كتب الحديث ليقاس عليها درجة سائر المسانيد . ويغنينا ذلك عن الكلام في غيره . وسنوطئ لذلك بصدر من القول في بيان رتبة كتب المسانيد عامة بين كتب الحديث ، وحكم ما حملته من الروايات ثم نتحدث عن مسند أحمد . =========================================================================== [ 324 ] كتب المسانيد دون الكتب الستة كتب المسانيد هي ما أفرد فيه حديث كل صحابي على حدة ، من غير نظر للابواب ، وقد جرت عادة مصنفيها أن يجمعوا في مسند كل صحابي ما يقع لهم من حديثه صحيحا كان أو سقيما ، ولذلك لا يسوغ الاحتجاج بما يورد فيها مطلقا . قال الحافظ ابن الصلاح في مقدمته : كتب المسانيد غير ملحقة بالكتب الخمسة التى هي الصحيحان وسنن أبى داود وسنن النسائي وجامع الترمذي ، وما جرى مجراها في الاحتجاج بها والركون إلى ما يورد فيها مطلقا ، كمسند أبى داود الطيالسي ومسند عبيد الله بن موسى ، ومسند أحمد بن حنبل . . . وأشباهها - فهذه جرت عادة مؤلفيها أن يخرجوا في سند كل صحابي ما رووه من حديثه غير منقيدين بأن يكون حديثا محتجا به ، فلهذا تأخرت مرتبتها - وإن جلت لجلالة مؤلفيها - عن مرتبة الكتب الخمسة ، وما التحق بها من الكتب المصنفة على الابواب (1) . وقال ولى الله الدهلوى إن كتب المسانيد قد " جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف والغريب والشاذ والمنكر والخطأ والصواب ، والثابت والمقلوب ، ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة ، ولم يفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كثير فحص ، ومنه ما لم يخدمه لغوى لشرح غريب ولا فقيه بتطبيقه بمذاهب السلف ولا محدث ببيان مشكله ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله (2) . وقال النووي في تقريبه وهو يتكلم عن كتب الحديث ومراتبها : وأما مسند أحمد بن حنبل وأبى داود الطيالسي وغيرهما من المسانيد فلا تلتحق بالاصول الخمسة وما أشبهها ، في الاحتجاج بها والركون إلى ما فيها اه‍ (3) . =========================================================================== (1) ص 15 من مقدمة ابن الصلاح . (2) ص 134 و 135 ج 1 حجة الله البالغة . (3) ص 5 . (*) =========================================================================== [ 325 ] الكلام في مسند أحمد : هذا بعض ما قالوه في رتبة كتب المسانيد عامة بين كتب الحديث ، مما يكاد يكون إجماعا . أما مسند أحمد خاصة فإننا ننقل هنا بعض كلام أئمة الحديث فيه مبتدئين بقول إمام الحنابلة - بعد أحمد - ابن تيمية ، وليس علينا - بعد أن ننقل ما ننقل أن يغضب أحد ممن يزعمون في عصرنا أنهم من رجال الحديث - لان الحق أحق أن يتبع ، وما سوينا هذا الكتاب إلا لنرضى الحق وحده ، فإذا ما غضب غاضب ، فليكن غضبه من الحق لا منا . قال ابن تيمية رحمه الله من كلام له عن أبى نعيم : إنه روى كثيرا من الاحاديث التى هي ضعيفة بل موضوعة بإتفاق العلماء ، وهو وإن كان حافظا ثقة كثير الحديث واسع الرواية لكن روى - كما هي عادة المحدثين أمثاله - يروون جميع ما في الباب لاجل المعرفة بذلك ، وإن كان لا يحتج من ذلك إلا ببعضه - والناس في مصنفاتهم ، منهم من لا يروى عمن يعلم أنه يكذب مثل مالك وشعبه ، وأحمد بن حنبل - فإن هؤلاء لا يروون عن شخص ليس بثقة عندهم ولا يروون حديثا يعلمون أنه عن كذاب من الذين يعرفون بتعمد الكذب لكن قد يتفق فيما يروونه ما يكون صاحبه أخطأ فيه ، وقد يروى الامام أحمد وإسحاق وغيرهما أحاديث تكون ضعيفة عندهم لاتهام رواتها بسوء الحفظ ونحو ذلك ليعتبر بها ويستشهد بها ، فإنه قد يكون لذلك الحديث ما يشهد له أنه محفوظ ، وقد يكون له ما يشهد بأنه خطأ ، وقد يكون صاحبه كذابا في الباطن ليس مشهورا بالكذب بل يروى كثيرا من الصدق فيروى حديثه ، وكثير من المصنفين يعز عليه تمييز ذلك على وجهه بل يعجز عن ذلك فيروى ما سمعه كما سمعه ، والدرك على غيره لا عليه (1) وقال رحمه الله ، وليس كل ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حجة عنده ، بل يروى ما رواه أهل العلم ، وشرطه في المسند أن لا يروى عن (المعروفين =========================================================================== (1) ص 15 ج 4 منهاج السنة . (*) =========================================================================== [ 326 ] بالكذب عنده) وإن كان في ذلك ما هو ضعيف . . وأما كتب الفضائل فيروى ما سمعه من شيوخه سواء كان صحيحا أو ضعيفا ، فإنه لم يقصد أن لا يروى في ذلك إلا ما ثبت عنده ثم زاد ابن أحمد زيادات ، وزاد أبو بكر القطيعى زيادات وفي زيادات القطيعى أحاديث كثيرة موضوعة (1) . وقال : إن أحمد بن حنبل كان يروى ما رواه الناس وإن لم يثبت صحته . وكل من عرف العلم - يعلم : أنه ليس كل حديث رواه أحمد في الفضائل ونحوه يقول إنه صحيح - ولا كل حديث رواه في مسنده يقول إنه صحيح ، بل أحاديث مسنده هي التى رواها الناس عمن هو معروف عند الناس بالنقل ولم يظهر كذبه ، وقد يكون في بعضها علة تدل على أنه ضعيف ، بل باطل (2) . وقال يرد على من استشهد بحديث رواه أحمد وهو كذب : . . وبتقدير أن يكون أحمد روى الحديث ، فمجرد رواية أحمد لا توجب أن يكون صحيحا يجب العمل به ، بل الامام أحمد روى أحاديث كثيرة لتعرف ويبين للناس ضعفها وهذا في كلامه وأجوبته أظهر وأكبر ، من أن يحتاج إلى بسط ، لا سيما في مثل هذا الاصل العظيم - وهذا الكتاب (مسند أحمد) زاد فيه ابنه عبد الله زيادات ثم إن القطيعى الذى رواه عن ابنه عبد الله زاد عن شيوخه زيادات فيها أحاديث موضوعة باتفاق أهل المعرفة (3) . وقال في كتابه " قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة " : تنازع الحافظ أبو العلاء الهمداني والشيخ أبو الفرج ابن الجوزى ، هل في المسند (4) حديث موضوع ؟ فأنكر الحافظ أن يكون في المسند حديث موضوع وأثبت ذلك أبو الفرج ، وبين أن فيه أحاديث قد علم أنها باطلة ، ولا منافاة بين القولين ، فإن الموضوع في اصطلاح أبو الفرج هو الذى قام دليل على أنه باطل وإن =========================================================================== (1) ص 27 ج 4 منهاج السنة . (2) ص 61 من المصدر نفسه . (3) ص 106 ج 4 منهاج السنة . (4) أي مسند أحمد . (*) =========================================================================== [ 327 ] كان المتحدث لم يتعمد الكذب بل غلط فيه ، وأما الحافظ أبو السعود وأمثاله فإنما يريدون بالموضوع المختلق الذى تعمد صاحبه الكذب (1) وهذا على قاعدة " الكذب على من تعمد " أما رواية الكاذب غير المتعمد فلا تعد من الكذب ! ! وكم جلبت هذه القاعدة على الدين من أضرار . وقال في " القاعدة " كذلك أن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الاعمال ما لم يعلم أنه ثابت (2) . ومما قاله أحمد بن حنبل ووافقه عليه عبد الرحمن بن مهدى وعبد الله بن المبارك (إذا روينا في الحلال والحرام شددنا ، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا) . وفي كتاب اختصار علوم الحديث لابن كثير (3) . وأما قول الحافظ أبى موسى محمد بن أبى بكر المدينى في مسند أحمد - إنه صحيح ، فقول ضعيف فإن فيه أحاديث ضعيفة بل موضوعة كأحاديث فضائل مرو وعسقلان والبرث الاحمر عند حمص وغير ذلك ، كما نبه عليه طائفة من الحفاظ ثم إن الامام أحمد قد فاته في كتابه أحاديث كثيرة جدا بل قد قيل إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مائتين . وقال العراقي : يرد على من قال إن أحمد بن حنبل التزم الصحيح في مسنده : إنا لا نسلم ذلك ، وأما وجود الضعيف في المسند فهو محقق بل فيه أحاديث موضوعة وقد جمعتها في جزء ، ولعبدالله ابنه فيه زيادات فيها الضعيف والموضوع وحديث أنس : عسقلان أحد العروسين يبعث منها يوم القيامة سبعون ألفا لا حساب عليهم - ومما فيه من المناكير حديث بريدة : " كونوا في بعث خراسان ثم انزلوا مدينة مرو فإنه بناها ذو القرنين إلخ أما حديث برث فهو : يبعث الله منها سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب فيما بين البرث الاحمر وبين كذا ، وحديث عائشة في قصة أم زرع في الصحيح ليس في مسند أحمد . وقال العلامة عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبى شامة في كتابه " الباعث =========================================================================== (1) ص 75 و 76 . (2) ص 77 . (3) ص 18 و 19 . (*) =========================================================================== [ 328 ] على إنكار البدع والحوادث " ، قال أبو الخطاب : أصحاب الامام أحمد يحتجون بالاحاديث التى رواها في مسنده وأكثرها لا يحل الاحتجاج بها وإنما أخرجها الامام أحمد حتى يعرف من أين الحديث مخرجه والمنفرد به أعدل أو مجروح ! ولا يحل لمسلم عالم أن يذكر إلا ما صح لئلا يشقى في الدارين ، لما صح عن سيد الثقلين أنه قال : " من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " (1) . وقال بعض الناظرين في مسند أحمد : الحق أن في المسند أحاديث كثيرة ضعيفة وقد بلغ بعضها في الضعف إلى أن أدخلت في الموضوعات (2) . ولما أشكل قول الامام أحمد : عملت هذا الكتاب إماما إذا اختلف الناس في سنة عن رسول الله رجع إليه (3) : أجيب عن ذلك بأن الامام أحمد شرع في جمع المسند فكتبه في أوراق مفردة وفرقه في أجزاء منفردة على نحو ما تكون المسودة ، ثم جاء حلول المنية قبل حصول الامنية فبادر بإسماعه لاولاده وأهل بيته ومات قبل تنقيحه وتهذيبه ، فبقى على حاله ثم إن ابنه عبد الله ألحق به ما يشاكله وضم إليه من مسموعاته ما يشابهه ويماثله ، فسمع القطيعى من كتبه من تلك النسخة . على ما يظفر به منها فوقع الاختلاط من المسانيد والتكرار من هذا الوجه قديما ، فبقى كثير من الاحاديث في الاوراق والاجزاء لم يظفر بها ، فما لم يوجد فيه من الاحاديث الصحاح من هذا القبيل (4) . ولما قال الامام أحمد : إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من 750 ألف حديث فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة ، قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي ، هذا القول منه على غالب الامر وإلا فلنا أحاديث قوية في الصحيحين والسنن والاجزاء ما هي في المسند . وقدر الله تعالى أن الامام قطع الرواية قبل تهذيب المسند =========================================================================== (1) ص 55 . (2) ص 155 توجيه النظر . (3) في مقدمة ابن خلدون أن مسند أحمد فيه 50 ألف حديث ولما أورد هذا الخبر محمد إسعاف لنشاشيبى في كتابه الاسلام الصحيح ، أردفه بقوله " يالطيف . . . " وحقا يالطيف . . . (4) ص 30 و 31 ج‍ 1 مقدمة مسند أحمد للشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله . (*) =========================================================================== [ 329 ] وقبل وفاته بثلاث عشرة سنة فتجد في الكتاب أشياء مكررة ودخول مسند في مسند وسند في سند وهو نادر (1) وللحافظ ابن الجوزى كلمة في كتابه " صيد الخاطر " بشأن المسند ننقلها بحروفها عن مقدمة الجزء الاول من المسند طبع دار المعارف . فصل - كان قد سألني بعض أصحاب الحديث : هل في مسند أحمد ما ليس بصحيح ؟ فقلت . نعم : فعظم ذلك جماعة ينسبون إلى المذهب ، فحملت أمرهم على أنهم عوام ! وأهملت فكر ذلك ، وإذا بهم قد كتبوا فتاوى فكتب فيها جماعة من أهل خراسان منهم أبو العلاء الهمداني ، يعظمون هذا القول ويردونه ويقبحون قول من قاله ! فبقيت دهشا متعجبا . وقلت في نفسي : واعجبا صار المنتسبون إلى العلم عامة أيضا ! وما ذاك إلا أنهم سمعوا الحديث ولم يبحثوا عن صحيحه وسقيمه ، وظنوا أن من قال ما قلته قد تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد وليس كذلك ، فإن الامام أحمد روى المشهور والجيد والردئ ، ثم هو قد رد كثيرا مما روى ولم يجعله مذهبا له . أليس هو القائل في حديث الوضوء بالنبيذ مجهول ! ومن نظر في كتاب العلل الذى صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلها في المسند ، وقد طعن فيها أحمد . ونقلت من خط القاضى أبى يعلى محمد بن الحسين الفراء في مسألة النبيذ قال : إنما روى أحمد في مسنده ما اشتهر ولم يقصد الصحيح ولا السقيم ، ويدل على ذلك أن عبد الله قال : قلت لابي ، ما تقول في حديث ربعى بن خراش عن حذيفة ؟ قال : الذى يرويه عبد العزيز بن أبى داود ؟ قلت : نعم ، قال الاحاديث بخلافه ، قلت : فقد ذكرته في المسند ! قال : قصدت في المسند المشهور ، فلو أردت أن أقصد ما صح عندي لم أرو في هذا المسند إلا الشئ بعد الشئ اليسير ، ولكنك يا بنى تعرف طريقتي في الحديث : لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب شئ يدفعه . قال القاضى : وقد أخبر عن نفسه كيف طريقه في المسند ، فمن جعله أصلا للصحة فقد خالفه وترك مقصده . =========================================================================== (1) ص 31 من نفس المصدر . (*) =========================================================================== [ 330 ] قلت (أي ابن الجوزى) : قد غمني في هذا الزمان (1) أن العلماء لتقصيرهم في العلم صاروا كالعامة ، وإذا مر بهم حديث موضوع . قالوا : فد روى (2) ! والبكاء ينبغى أن يكون على خساسة الهمم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم (3) . وقال ابن قتيبة في كتاب الاختلاف في اللفظ : قطع أحمد بن حنبل رواية الحديث قبل وفاته بسنين كثيرة من سنة 228 ه‍ على ما يذكره أبو طالب المكى وغيره فدخل في الروايات عنه ما دخل من الاقوال البعيدة عن العلم ، إما من سوء الضبط أو من سوء الفهم أو تعمد الكذب (4) . أحمد يروى عن صحابي مرتد ! ! قال ابن حجر في فتح الباري : وقع في مسند أحمد حديث ربيعة بن أمية ابن خلف الجمحى وهو ممن أسلم في الفتح وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع وحدث عنه بعد موته ثم لحقه الخذلان فلحق في خلافة عمر بالروم وتنصر بسبب شئ أغضبه - وإخراج حديث مثل هذا مشكل ولعل من أخرجه لم يقف على قصة ارتداده (5) . هذا ما رأينا نقله مما قاله الائمة الكبار في مسند أحمد وهو كاف في التعريف به وبيان قيمته في نفسه ، لا فيما هو مشهور عنه ، وإنه من المصادر التى لا يعول عليها ، أو يحتج بها ، شأنه شأن سائر المسانيد . =========================================================================== (1) ولد ابن الجوزى سنة 510 ه‍ ومات سنة 597 ه‍ . (2) البلاء كله في كلمة (قد روى) . (3) ص 56 و 57 من مقدمة الجزء الاول من المسند طبع دار المعارف ، التى أشرف عليها الشيخ أحمد شاكر رحمه الله . (4) ص 53 . (5) ص 3 ج‍ 7 فتح الباري . (*) =========================================================================== [ 331 ] الجرح والتعديل بعد أن فرغنا من الكلام عن كتب الحديث نأخذ في الكلام عن " الجرح والتعديل " فنقول : لما كان الوضع قد اقتحم على الرواية وشيبت الاحاديث الصحيحة بغيرها واستساغ أهل الهوى ومن لا دين لهم ، وضع الاحاديث على رسول الله إرضاء لاهوائهم ولاختلاف أحوال الرواة وما يوجد بينهم ممن لم يتصف بصفتي الضبط والعدالة ، وهما الشرطان الواجبان لصحة الرواية ، نهض علماء أجلاء لنقد رواة الحديث لكى يعرف الناس من الوقوف على تاريخهم ، درجة ما يصدر عن رواياتهم ، وقد سموا هذا النقد " بالجرح والتعديل " . روى مسلم عن محمد بن سيرين قال : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم . وقال : لم يكونوا يسألون عن الاسناد فلما وقعت الفتنة قالوا : سموا لنا رجالكم . وقال النووي : إن جرح الرواة جائز بل واجب بالاتفاق للضرورة الداعية إليه . لصيانة الشريعة المكرمة . وليس هو من الغيبة المحرمة ، بل من النصيحة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين . والنقد قد أمر به القرآن ودعا إليه ، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " الآية ، وقال : " وأشهدوا ذوى عدل منكم " . وقال : " ممن ترضون من الشهداء " وأثنى فقال : " نعم العبد إنه أواب " وذم فقال : " هماز مشاء بنميم ، مناع للخير متعد أثيم ، عتل بعد ذلك زنيم " . ونقد الرجال واقع من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وقد سرد ابن عدى - المتوفى سنة 365 في مقدمة كتاب الكامل - جماعة إلى زمنه ، فمن الصحابة ابن عباس (67) وعبادة بن الصامت (34) ومن التابعين الشعبى توفى بعد المائة وابن سيرين (110) وسعيد بن المسيب (190) . ويقولون إن شعبة الذى قال في الشعبى إنه أمير المؤمنين في الحديث - هو أول =========================================================================== [ 332 ] من تكلم في الرجال ولد سنة 82 وتوفى 160 . وذكر كثيرا من النقاد في القرن الثاني - ومما قاله في هذا القرن : إنه كان في أوائله من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء ، وضعف أكثرهم نشأ غالبا من قبل تحملهم وضبطهم للحديث - فكانوا يرسلون كثيرا ويرفعون الموقوف - وكانت لهم أغلاط وكان أشهر النقاد في آخر القرن الثاني الحافظان الحجتان يحيى بن سعيد القطان (198) وعبد الرحمن بن مهدى (198) وكان للناس وثوق بهما فصار من وثقاه مقبولا ، ومن جرحاه مجروحا . ومن اختلف فيه رجع الناس فيه إلى ما ترجح عندهم ، وأول من جمع كلامه في الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطان ، ثم تكلم من بعده تلامذته مثل يحيى بن معين (233) وقد اختلفت آراؤه وعباراته في بعض الرجال ، ومن تلامذة يحيى بن معين أحمد بن حنبل (241) وعلى بن المدينى (224) وغيرهم . وممن تكلم كذلك في هذا الامر محمد بن سعد (230) كاتب الواقدي في طبقاته وكلامه جيد مقبول . ولا نستوعب أسماء الذين تكلموا في الجرح والتعديل ، لان ذلك ليس من غرضنا . أسباب الجرح والتعديل أسباب الجرح : وقال الحافظ ابن حجر . أسباب الجرح مختلفة ومدارها على خمسة أشياء : البدعة ، أو المخالفة ، أو الغلط ، أو جهالة الحال ، أو دعوى الانقطاع في السند ، بأن يدعى في الراوى أنه كان يدلس أو يرسل (1) . =========================================================================== (1) ص 111 ج‍ 2 هدى السارى . (*) =========================================================================== [ 333 ] اختلافهم في الجرح والتعديل : إن علماء الجرح قد اختلفوا في الجرح والتعديل باختلاف مذاهبهم وأحوالهم . قال الحازمى في " شروط الائمة الخمسة " : إن أئمة النقل على اختلاف مذاهبهم وتباين أحوالهم في تعاطى اصطلاحاتهم يختلفون في أكثرها ، فرب راو هو موثوق به عند عبد الرحمن بن مهدى ومجروح عند يحيى بن سعيد القطان وبالعكس - وهما إمامان عليهما مدار النقد في النقل ، ومن عندهما يتلقى معظم شأن الحديث (1) . وقال الحافظ أبو عيسى الترمذي : قد تكلم بعض أهل الحديث في قوم من أجلة أهل العلم وضعفوهم من قبل حفظهم ، ووثقهم آخرون من الائمة لجلالتهم وصدقهم ، وإن كانوا قد وهموا في بعض ما رووا ، وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في محمد بن عمرو ، ثم روى عنه ، وكان ابن أبى ليلى يروى الشئ مرة هكذا ، ومرة هكذا بغير إسناد ، وإنما جاء هذا من قبل حفظه ، لان أكثر من مضى من أهل العلم كانوا لا يكتبون ، ومن كتب منهم إنما كان يكتب لهم بعد السماع (2) . وإليك أمثلة من اختلافهم (3) نوردها على سبيل ضرب المثل ، لا على سبيل الحصر ، لان ذلك يحتاج إلى مؤلف برأسه : 1 - أحمد بن صالح المصرى ، أبو جعفر بن الطبري - أحد أئمة الحديث الحفاظ المتقنين الجامعين بين الفقه والحديث أكثر عنه البخاري وأبو داود ووثقه أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المدينى وغيرهم ، ولكن كان النسائي سيئ الرأى فيه ذكره مرة فقال : ليس بثقة ولا مأمون ! 2 - أحمد بن المقدام بن سليمان العجلى - وثقه أبو حاتم والنسائي وقال فيه أبو داود ، لا أحدث عنه لانه كان يعلم المجان المجون . =========================================================================== (1) ص 58 و 59 . (2) ص 75 و 76 توجيه النظر . (3) راجع صفحة 286 من هذا الكتاب . وص 101 وما بعدها من توجيه النظر . (*) =========================================================================== [ 334 ] 3 - خالد بن مخلد القطوانى الكوفى - من كبار شيوخ البخاري روى عنه وروى عن واحد عنه قال العجلى ثقة فيه تشيع وقال أحمد بن حنبل له مناكير . ومن إفراد البخاري له حديث من عادى لى وليا (1) . إلخ وقد عدوه من غرائب البخاري وطعن الائمة في بعض رجاله - وقد خرجه أيضا من يروون الضعاف والمناكير كابن أبى الدنيا والطبراني بأسانيد في كل منهما مقال . 4 - عكرمة مولى ابن عباس احتج به البخاري وأصحاب السنن وتركه مسلم كما كذب عكرمة على ابن عباس . وكذلك قال ابن سيرين لمولاه برد : لا تكذب على كما كذب عكرمة على ابن عباس . 5 - الواقدي كذبه الشافعي ووثقه آخرون - وفي تهذيب التهذيب : أنه لا خلاف في كونه من أعلم علماء الملة ! وتكلم الثوري في أبى حنيفة ، وابن معين في الشافعي وتكلم الذهلى في البخاري . وقال صحاب العلم الشامخ : قد اختلفت آراء الناس واجتهاداتهم في التعديل والترجيح ، فترى الرجل الواحد تختلف فيه الاقوال حتى يوصف بأنه أمير المؤمنين وبأنه أكذب الناس ، أو قريب من هاتين العبارتين . وإليك كلمة جامعة في هذا الامر للعلامة السيد رشيد رضا رحمه الله . إن توثيق كل من وثقه المتقدمون وإن ظهر خلاف ذلك بالدليل يفتح باب الطعن في أنفسنا بنبذ الدليل ، والاخذ في مقدماته بالتقليد ، ومخالفة هداية القرآن المجيد (2) . ولم يأخذ هذا العلامة بقاعدتهم في تعديل الرجال على إطلاقها فقال : إن كل من قال جمهور رجال الجرح والتعديل المتقدمون بعدالتهم فهو عدل وإن ظهر لمن بعدهم فيه من أسباب الجرح ما لم يظهر لهم . إن المستقلين في الرأى =========================================================================== (1) لما أورد الذهبي في ترجمة خالد بن مخلد القطوانى من الميزان هذا الحديث قال : إن هذا حديث غريب جدا ولولا هيبة الجامع الصحيح لعددته من منكرات ابن مخلد اه‍ . وانظر نص الحديث في كتابنا شيخ المضيرة . وهو مما رواه أبو هريرة . (2) ص 615 ج‍ 27 مجلة المنار . (*) =========================================================================== [ 335 ] لا يقبلون هذا القول ، ولهذا الكلام بقية ستراها في خاتمة الكتاب . وهذه الاقوال وغيرها مما قرره هذا العلامة لم نر مثلها لاحد غيره من علماء أهل السنة من المسلمين ، وكذلك لم نجد أحدا قد تعمق في دراسة الحديث ونفذ إلى لبابه وفقهه في هذا العصر بل في عصور كثيرة مثله - ولا غرو فهو أكبر تلاميذ الاستاذ الامام محمد عبده رحمه الله ، وصاحبه الذى نشر علمه وفسر مذهبه في الدين وكمله وحفظه ودونه وكان منه كما كان أصحاب أبى حنيفة والشافعي من صاحبهم كما بينا ذلك من قبل (1) . قال الوزير اليماني في الروض الباسم : تجد كثيرا من أئمة الجرح والتعديل يترددون في الراوى فيوثقونه مرة ، ويضعفونه أخرى ، وذلك لان دخول وهمه في حيز الكثرة - مما لا يوزن بميزان معلوم - وإنما يظن ويرجع فيه إلى التحرى والاجتهاد فصار النظر فيه كنظر الفقهاء في الحوادث الظنية فلذا يكون لابن معين في الراوى قولان ! التوثيق والتضعيف ونحو ذلك . . والاحتراز عن الوهم غير ممكن ، والعصمة مرتفعة عن العدول . بل العصمة لا تمنع من الوهم إلا في التبليغ (2) فقدوهم رسول الله أنه صلى بعض الفرائض على الكمال فقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ والحديث في الصحيح . وقال " ص " رحم الله فلانا لقد ذكرني آية كنت أنسيتها ، رواه مسلم . وفي الصحيحين عن عائشة أنها قالت في حق ابن عمر : ما كذب ولكنه وهم (3) . وإليك مثلا في ذلك : أبو جعفر الرازي عيسى بن ماهان - وقيل : عبد الله بن ماهان ، قال الذهبي : صالح الحديث ثم روى فيه الاختلاف ، قال الحافظ عبد العظيم : قد اختلف قول ابن المدينى وابن معين ، وأحمد بن حنبل ، فقال المدينى مرة : ثقة . وقال مرة : كان مخلطا ! وقال أحمد مرة : ليس بقوى ، وقال =========================================================================== (1) ص 34 . (2) أي تبليغ النبي عن الله . (3) ص 80 و 81 ج 1 من الروض الباسم . (*) =========================================================================== [ 336 ] مرة صالح الحديث ، وقال ابن معين مرة : ثقة ، يكتب حديثه إلا أنه يخطئ ، وقال أبو زرعة الرازي يتهم كثيرا ، وقال الفلاس : سيئ الحفظ . . اضطربوا في توثيقه لان معرفة حد الوهم الذى يجب معه ترك الصدوق ، دقيقة اجتهادية تكون فيها للحافظ قولان كما يكون للفقيه قولان في دقيق مسائل الفقه (1) . وأكثر الامام الشافعي من الرواية عن إبراهيم بن أبى يحيى الاسلمي ووثقه وخالفه الاكثرون في ذلك ، وقال ابن عبد البر في تمهيده : أجمعوا على تجريح ابن يحيى إلا الشافعي (2) . وإليك مثلا آخر : محمد بن إسحاق أكبر مؤرخ في حوادث الاسلام الاولى قال قتادة : لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن إسحاق ، وقال فيه النسائي ، ليس بالقوى ، وقال سفيان : ما سمعت أحدا يتهم محمد بن إسحاق ، وقال الدار قطني : لا يحتج به وبأبيه ، وقال مالك : أشهد أنه كذاب (3) . الجرح مقدم على التعديل : قال ابن الصلاح : إذا اجمتع في شخص جرح وتعديل فالجرح مقدم ، لان المعدل يخبر على ما ظهر من حاله والجارح يخبر عن باطن خفى على المعدل ، فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل التعديل أولى ، والصحيح الذى عليه الجمهور أن الجرح أولى (4) . وقال الفيلسوف الحكيم ابن خلدون وهو يتكلم عن السبب الذى حمل بعض الرواة على تقليل الرواية . وإنما قلل منهم من قلل الرواية لاجل المطاعن التى تعترضه فيها ، والعلل التى =========================================================================== (1) ص 135 و 136 من نفس المصدر . (2) ص 163 من المصدر السابق . (3) ص 366 فجر الاسلام . (4) ص 42 من مقدمة الصلاح . (*) =========================================================================== [ 337 ] تعرض في طرقها ، لا سيما أو الجرح مقدم عند الاكثر ، فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الاخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الاحاديث وطرق الاسانيد ، ويكثر ذلك فتقل روايته لضعف في الطرق (1) . كلمة عامة ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن علماء الجرح والتعديل قد بذلوا جهدا كبيرا في تمحيص ما روى من أحاديث رسول الله مما يستحقون عليه الثناء الطيب والتقدير الحق . بيد أنهم على فضلهم وتدقيقهم ، لم يبلغوا الغاية من عملهم ، إذ لا تزال كتب الحديث تحمل الكثير من الاحاديث المشكلة ، أو التى يبدو عليها الوضع . ولم يكن ذلك عن تقصير منهم - رحمهم الله - لانهم قد بذلوا كل طاقتهم في عملهم ، وإنما كان ذلك لامر فوق قدرتهم البشرية ، ذلك بأن حكمهم على الرجال إنما كان (لظاهر أحوالهم) وما وصل إلى علمهم من أخبارهم ، أما بواطنهم ، ودخائل نفوسهم ومطويات ضمائرهم ، فهذا أمر من وراء إدراكهم لا يطلع عليه إلا علام الغيوب ، ورب رجل حسن السمت طيب المظهر ، إذا كشف عن دخيلته تبين لك سوء مخبره ، وهذا أمر لا يمترى فيه أحد ، وقد تكلم فيه العلماء المحققون ، قال مجتهد اليمن الوزير اليماني في الروض الباسم (2) : إن الاجماع منعقد على الاعتبار بالظاهر دون الباطن ، ومن نجم نفاقه ، وظهر كفره يترك حديثه ومن (ظهر إسلامه) وأمانته وصدقه قبل وإن كان في الباطن خلاف ما ظهر منه ، فقد عملنا بما وجب علينا وبذلنا في طلب الحق جهدنا ، وقد كان رسول الله يعمل بالظاهر ويتبرأ من علم الباطن ، وإلى ذلك الاشارة في هذه الآية بقوله : " لا تعلمهم نحن نعلمهم " أي أنه صلى الله عليه وآله لم يمكن يعلم المنافقين وذلك في الآية " 101 " من سورة التوبة ونصها : " وممن حولكم من الاعراب منافقون ، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم ، نحن نعلمهم ، سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم " . =========================================================================== (1) ص 444 من المقدمة طبع بيروت . (2) ص 151 ج 1 . أضواء على السنة المحمدية (*) =========================================================================== [ 338 ] وقال الدكتور طه حسين في كلمة قيمة (1) قرظ فيها كتابنا " الاضواء " وهو يذكر ما بذله رجال الجرح والتعديل : وقد فطن المحدثون القدماء لهذا كله 8 واجتهدوا ما استطاعوا في التماس الصحيح من الحديث وتنقيته من كذب الكذابين وتكلف المتكلفين . وكانت طريقتهم في هذا الاجتهاد إنما هي الدرس لحياة الرجال الذين نقلوا الحديث جيلا بعد جيل حتى تم تدوينه فكانوا يتتبعون كل واحد من هؤلاء الرجال ويتحققون من أنه كان نقى السيرة صادق الايمان بالله ورسوله . شديد الحرص على الصدق في حديثه كله وفي حديثه عن النبي خاصة ، وهو جهد محمود خصب بذله المتقنون من علماء الحديث وأخلصوا فيه ما وجدوا إلى الاخلاص سبيلا . ولكن هذا الجهد على شدته وخصبه لم يكن كافيا ، فمن أعسر الاشياء وأشدها تعقيدا أن تتبع حياة الناس والبحث والفحص والتنقيب عن دقائقها ، فمن الممكن أن تبحث وتنقب دون أن تصل إلى حقائق الناس ودقائق أسرارها ، وما تضمر قلوبهم في أعماقها ، وما يمعنون في الاستخفاء به من ألوان الضعف في نفوسهم ، وفي سيرتهم أيضا . ولم يكن بد إلى أن يضاف إلى هذا الجهد جهد آخر ، وهو درس النص نفسه فقد يكون الرجل صادقا مأمونا في ظاهر أمره بحيث يقبل القضاة شهادته إذا شهد عندهم . ولكن الله وحده هو الذى اختص بعلم السرائر وما تخفيه القلوب ، أو تستره الضمائر ، وقد يكون الرجال الذين روى عنهم حديثه صادقين مأمونين مثله يقبل القضاة شهادتهم إن شهدوا عندهم . ولكن سرائرهم مدخولة تخفى دخائلها على الناس . فلا بد إذن من أن نتعمق نص الحديث الذى يرويه عن أمثاله من العدول لنرى مقدار موافقته للقرآن الذى لا يتطرق إليك الشك ولا يبلغه الريب من أي جهة من جهاته ، لانه لم يصل إلينا من طريق الرواة أفرادا أو جماعات ، وإنما تناقلته أجيال الامة الاسلامية مجمعة على نقله في صورته التى نعرفها . وهذه الاجيال لم تنقله بالذاكرة وإنما تناقلته مكتوبا ، كتب في أيام النبي نفسه وجمع في خلافة أبى بكر ، وسجل في المصاحف وأرسل إلى الاقاليم في خلافة =========================================================================== (1) نشرت هذه الكلمة بجريدة الجمهورية المصرية الصادرة في 25 نوفبر 1958 وقد افتتحنا بها هذه الطبعة من كتابنا . (*) =========================================================================== [ 339 ] عثمان ، فاجتمعت فيه الرواية المكتوبة ، والرواية المحفوظة في الذاكرة ، وتطابقت كلتا الروايتين دائما ، فلا معنى للشك في نص من نصوص القرآن لانها وصلت إلينا عن طريق لا يقبل فيها الشك . وإنا إذ نسوق ما سقناه من عرض الحقائق على وجهها ، وإظهار وقائع التاريخ بعد تمحيصها ، لا نقصد وايم الله أن ننال أحدا بسوء من عندنا ، وإنما لنبين في غير حرج أمر الصحابة على حقيقته ، وأنهم أناس من الناس فيهم البر والآثم ، والصادق وغير الصادق ، وأنهم كانوا يعيشون في الحياة ويستمتعون بها كما يعيش الناس ويستمتعون ، وهذا كله لا يضر الاسلام في شئ وإن ضياءه ليشرق من كتابه العظيم على الناس إلى يوم الدين . عدالة الصحابة إن أمر عدالة جميع الصحابة أمر خطير ، كثر الكلام فيه ، وطال المراء حوله في كل العصور ، فهو من أجل ذلك يستحق الاهتمام ، ويحتاج إلى العناية حتى يعتدل الرأى فيه ، ويزول الاختلاف عليه . لقد اختلف المسلمون في هذه العدالة اختلافا كثيرا ، على حين أنها في نفسها قضية مسلمة فصل القرآن والرسول فيها ، وهى بذلك لا تدعو إلى الخلاف ، ولا تفتقر إلى جدال ، وهل يصح في قضية فصل القرآن والرسول فيها أن يدور حولها خلاف أو جدال ؟ ؟ لقد غلا فيها قوم حتى قضوا بعدالتهم جميعا حتى من انغمس منهم في الفتنة أو نزل الكتاب بنفاقه ، بحيث لا يجوز أن يوجه إلى واحد منهم نقد ، أو تقابل روايته بشك ومن فعل ذلك فقد فسق (1) . وهذا لعمرك إسراف في الثقة ، وإفراط في التقدير ، ثم هو غير ذلك يتعارض مع ما جاء في الكتاب والسنة في الادلة القوية ، ولا يتفق والطبائع البشرية . إن القول بعدالة جميع الصحابة ، وتقديس كتب الحديث يرجع إليهما كل ما أصاب الاسلام من طعنات أعدائه ، وضيق صدور ذوى الفكر من أوليائه ! =========================================================================== (1) ارجع إلى ردنا على العجاج وغيره بكتابنا " شيخ المضيرة " . (*) =========================================================================== [ 340 ] ذلك بأن عدالة جميع الصحابة تستلزم ولا ريب الثقة بما يروون ، وما رووه قد حملته كتب الحديث بما فيه من غثاء - وهذا الغثاء هو مبعث الضرر وأصل الداء . ولو نحن ذهبنا نحصى الاضرار التى أصابت المسلمين من وراء ذلك لطال بنا سبيل القول - فنكتفي ببيان ضررين فحسب : أولهما : ذلك الخلاف الشديد الذى ضرب في مفاصل الائمة وأعرق بين المسلمين من لدن عهد عثمان إلى اليوم وما بعد اليوم ! فمزق صفوف المسلمين وجعلهم فرقا متباينة ، ونحلا متشاكسة ، ومذاهب مختلفة ، إن في العقائد ، أو في العبادات ، أو في المعاملات ، وعلى كثرة الاساة الذين عملوا على جمع شمل المسلمين في مئات السنين - لكى يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا ، فإن سوس الخلاف لا يزال ، ولن يزال ينخر في عظم الامة الاسلامية ، وهذا أمر مشهور غير منكور . وثانيهما : ما يوجه كل يوم إلى الاسلام من طعنات دامية بسبب ما يوجد في كتب الحديث من روايات تحمل الخرافات والجهالات ، وغير ذلك مما لا يقبله عقل صريح ، ولا يؤيده علم صحيح ، حتى أطلقوا عليه اسم " دين الخرافات والاوهام " وأنه لا يصلح لعصور العلم والعمران - ولا خلاف بأن الذين رووا هذه الاحاديث المشكلة إنما هم الصحابة ، ثم تلقاها الرواة عنهم ودونها رجال الحديث في كتبهم . فإذا نحن رفعنا صوتنا وقلنا : إن البلاء الذى يصيب الاسلام إنما يرجع إلى أمرين : عدالة الصحابة المطلقة ، والثقة العمياء بكتب الحديث التى تجمع بين الغث والسمين ، فإننا لا نبعد ولا نتجاوز الحقيقة . ولو نحن سلكنا السبيل القويم ، والتزمنا الحجة الواضحة ، واتبعنا منطق العقل واتخذنا المنهج الذى اتخذه علماء العصر في دراستهم للامور غير متأثرين بأى أثر تقليدي أو عاطفي سواء في دراستنا لشخصيات الصحابة أو فيما رووه ، لبدا وجه الحق واضحا ، ولظهر نور الاسلام ساطعا ، ولا عتصم المسلمون في مشارق الارض ومغاربها بحبل الله متفقين غير متفرقين . =========================================================================== [ 341 ] ولان عدالة الصحابة كما قلنا أمرها خطير فقد رأينا أن نعقد هذا الفصل لكى نضع هذا الامر في نصابه ، ولنبين بالادلة القوية التى لا يدنو الشك منها - من كتاب الله وأحاديث رسوله ، وجه الصواب الذى يمنع من الزلل ويعصم من الخطل . من هو الصحابي ؟ يجب علينا قبل أن نتكلم عن عدالة الصحابة : أن نبين من هو الصحابي كما عرفوه . وأوفى تعريف له عند الجمهور ما ذكره البخاري . قال البخاري في كتابه (1) : من صحب النبي صلى الله عليه وآله أو رآه من المسلمين فهو صحابي (2) ! وقد شرح ابن حجر العسقلاني تعريف البخاري بقوله : يعنى أن اسم صحبة النبي صلى الله عليه وآله مستحق لمن صحبه أقل ما يطلق على اسم صحبة لغة وإن كان العرف يخص ذلك ببعض الملازمة ، ويطلق أيضا على من رآه رؤية ولو على بعد . وهذا الذى ذكره البخاري هو الراجح ، إلا أنه هل يشترط في الرائى بحيث يميز ما رآه أو يكتفى بمجرد حصول الرؤية - محل نظر - وعمل من صنف في الصحابة يدل على الثاني ، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبى بكر الصديق ، وإنما ولد قبل وفاة النبي بثلاثة أشهر وأيام كما ثبت في الصحيح أن أمه أسماء بنت عميس ولدته في حجة الوداع قبل أن يدخلوا مكة وذلك في أواخر ذى القعدة سنة 20 ه‍ . وقال على بن المدينى : من صحب النبي أو رآه ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي . وكأنهم أيدوا تعريفهم هذا بما رووه عن النبي من أنه قال : يغزو قوم فيقال : هل فيكم من رأى رسول الله فيفتح لهم . =========================================================================== (1) ص 2 ج‍ 3 فتح الباري . (2) قال العلامة المقبلى يرد على الذين أثبتوا الصحبة لكل من رأى النبي : إنهم يصطلحون على شئ في متأخر الازمان ، ثم يفسرون الكتاب والسنة باصطلاحهم المجرد ، والصحبة ليس فيها لسان شرعى إنما هي بحسب اللغة ، وكذلك سائر الالفاظ التى وردت فيها فضائل الصحابة ، لكن المحدثين اصطلحوا وقضوا بغير دليل على أن الصحبة لكل من رآه النبي - أو رأى هو النبي - ولو طفلا ! بشرط أن يكون محكوما بإسلامه ، ويشترط أن يموت على ذلك ولا يرتد . . (*) =========================================================================== [ 342 ] وقال (1) في مقدمة كتاب الاصابة في تمييز الصحابة يعرف ما هو الصحابي : " أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي - من لقى النبي صلى الله عليه وآله مؤمنا به ومات على الاسلام ، فيدخل فيمن لقيه ومن طالت مجالسته له ، أو قصرت ، ومن روى عنه ، أو لم يرو ، ومن غزا معه ، أو لم يغز ، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ، ومن لم يره لعارض كالعمى (2) أوجب العلماء - كما علمت في الفصل السابق - البحث عن رواة الحديث ، فجرحوا من جرحوا ، وعدلوا من عدلوا - وهم على حق في ذلك ، إذ لا يصح أن يؤخذ قول أي إنسان مهما كان بغير تمحيص وتحقيق ونقد ، وعلى أنهم قد جعلوا جرح الرواة وتعديلهم واجبا تطبيقه على كل راو مهما كان قدره - فإنهم قد وقفوا دون عتبة الصحابة فلم يتجاوزوها ، إذ اعتبروهم جميعا عدولا لا يجوز عليهم نقد ، ولا يتجه إليهم تجريح ، ومن قولهم في ذلك : " إن بساطهم قد طوى " ، ومن العجيب أنهم يقفون هذا الموقف ، على حين أن الصحابة أنفسهم قد انتقد بعضهم بعضا وكفر بعضهم بعضا كما بينا لك - وسنبين - في هذا الكتاب . قال النووي في التقريب : الصحابة كلهم عدول ، من لابس الفتنة وغيرهم . وقال الذهبي في رسالته التى ألفها - في الرواة الثقات (3) : ولو فتحنا هذا الباب (الجرح والتعديل) على نفوسنا لدخل فيه عدة من الصحابة والتابعين والائمة ، فبعض الصحابة كفر بعضهم بعضا - بتأويل ما ! ! والله يرضى عن الكل ويغفر لهم ، فما هم بمعصومين ، وما اختلافهم ومحاربتهم بالتى تلينهم عندنا . ثم قال : وأما الصحابة رضى الله عنهم فبساطهم مطوى ، وإن جرى ما جرى ، وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات ! ! فما يكاد يسلم أحد من الغلط - ولكنه غلط نادر لا يضر أبدا ! إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوا - العمل وبه ندين الله تعالى . =========================================================================== (1) أي ابن حجر (2) ص 4 (3) من ص 3 - 21 . (*) =========================================================================== [ 343 ] وأما التابعون فيكاد يعدم فيهم من يكذب عمدا ، ولكن لهم غلط وأوهام ، فمن ندر غلطه في حديث ما احتمل ، ومن تعدد غلطه وكان من أوعية العلم اغتفر له أيضا ونقل حديثه وعمل به ، على تردد بين الائمة الاثبات في الاحتجاج بمن هذا نعته وكثر تفرده . ومن فحش خطؤه لم يحتج بحديثه . وأما أصحاب التابعين - كمالك والاوزاعي وهذا الضرب فعلى المراتب المذكورة . ووجد في عصرهم من يتعمد الكذب أو من كثر غلطه فترك حديثه ، هذا مالك : هو النجم الهادى بين الامة وما سلم من الكلام فيه ! ولو قال قائل عند الاحتجاج بمالك - فقد تكلم فيه لعذر وأهين ! وكذا الاوزاعي ثقة حجة وربما انفرد ووهم وحديثه عن الزهري فيه شئ ! وقد قال فيه أحمد بن حنبل رأى ضعيف . وحديث ضعيف - وكذا تكلم من لم يفهم في الزهري لكونه خضب بالسواد ، ولبس لبس الجند ، وخدم هشام بن عبد الملك - وهذا باب واسع . ومحمد بن إدريس الشافعي من سارت الركائب بفضله ومعارفه وثقته وأمانته فهو حافظ متثبت نادر الغلط ، ولكن قال أبو عمر بن عبد البر ، روينا عن محمد ابن وضاح قال : سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال : ليس بثقة . وكلام ابن معين (1) في الشافعي إنما كان من فلتات اللسان بالهوى والعصبية (2) ، فإن ابن معين كان من الحنفية وإن كان محدثا . وجعفر بن محمد الصادق ، وثقه أبو حاتم والنسائي إلا أن البخاري لم يحتج به (3) وسعيد بن أبى عروبة : ثقة إمام ساء حفظا بأخرة . وحديثه في الكتب إلا أنه قدري - قاله أحمد بن حنبل . والوليد بن مسلم : عالم أهل دمشق ثقة حافظ لكنه يدلس عن الضعفاء ، وحديثه في الكتب كلها . انتهى ما نقلناه من هذه الرسالة باختصار . وقال الآمدي في الاحكام (4) : اتفق الجمهور من الائمة على عدالة الصحابة ، وقال قوم : إن حكمهم في العدالة =========================================================================== (1) يحيى بن معين من كبار أئمة الجرح والتعديل الذين جعلوا قولهم في الرجال حجة قاطعة . (2) انظر كيف تفعل العصبية . وراجع صفحة 334 من هذا الكتاب . (3) وإذا كان البخاري لا يحتج بمثل هذا العلم الشامخ فبمن يحتج ؟ وانظر ما فعل البخاري بأئمة أهل البيت الذين تجافى الرواية عنهم فيما بيناه لك من قبل . (4) ص 128 ج 2 . (*) =========================================================================== [ 344 ] حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم في الرواية ومنهم من قال : إنهم لم يزالوا عدولا إلى حين ما وقع الاختلاف والفتن فيما بينهم ، وبعد ذلك فلا بد من البحث في العدالة عن الراوى أو الشاهد منهم ، إذا لم يكن ظاهر العدالة . ومنهم من قال : إن كل من قاتل عليا عالما منهم فهو فاسق مردود الرواية والشهادة على الامام ، الحق ، ومنهم من قال : برد رواية الكل وشهادتهم لان أحد الفريقين فاسق وهو غير معلوم ولا معين اه‍ (1) . وقال الغزالي في المستصفى : وزعم قوم أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث . . وقال قوم : حالهم العدالة في بداية الامر إلى ظهور الحرب والخصومات ثم تغيرت الحال وسفكت الدماء ، فلا بد من البحث ومما يتكئ عليه من يعتقدون عدالة جمع الصحابة قولهم إن رسول الله قال : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ، وفي رواية فأيهم أخذتم بقوله . . . ولكن هذا الحديث باطل لا أصل له . بحث قيم في الاختلاف عقد الامام المقبلى (2) في كتابه " العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ " فصلا قيما عرض فيه لامر الاختلاف في الدين واستطرد لامر الصحابة وعدالتهم ، نأتى به هنا ببعض اختصار لما فيه من الفوائد الجزيلة والقواعد الجليلة . نوه الله سبحانه بالاختلاف في الدين ، وكرر ذلك في كتابه العزيز لعلمه سبحانه وتعالى بضرره في الدنيا ، وكم كرر ذلك في بنى إسرائيل قائلا : " وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم " ونحوها ، وصدق الله تعالى ، ما وجدنا الخلاف =========================================================================== (1) قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث قالوا : ومن عجيب شأنهم أنهم ينسبون الشيخ إلى الكذب ولا يكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدثون بقدح يحيى بن معين وعلى بن المدينى وأشباههما ، ويحتجون بحديث أبى هريرة فيما لا يوافقه عليه أحد من الصحابة ، وقد أكذبه عمر وعثمان وعائشة - ص 10 و 11 . (2) هو الشيخ صالح مهدى المقبلى من علماء اليمن المجتهدين توفى سنة 1108 ه‍ كان في الاصل على مذهب الزيدية ، ثم طلب الحق بعدم التقليد فانتهى إلى ترك التمذهب ، وقبول الحق الذى يقوم على الدليل ، وقد شهد له الامام الشوكاني بالاجتهاد المطلق . رحمه الله ورضى عنه . (*) =========================================================================== [ 345 ] إلا في محل قد تبين الحق فيه . وقد تمم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنهى رسول الله عن مظان الخلاف ، وحذر منها كالجدل في القدر . وقال تعالى : " لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ، وقال رسول الله : " اتركوني ما تركتكم " ، وكمل الله سبحانه الدين على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فلم يبق شئ يقربنا إلى الجنة إلا بينه لنا ، ولا شئ يقربنا إلى النار إلا بينه ، وما عفا الله عنه وسكت عنه رسوله ، فلا يريد الله أن نبحث عنه بمجرد عقولنا القاصرة ، فإنها إنما جعلت الدنيا في قدر محدود في علمه سبحانه ، وجاءت الرسل بتتميم ما تتم به النعمة ، وتؤكد الحجة ، فما عدا ذلك فضول يخاف ضرره ولا يرجى نفعه ، وقد قام بمراد الله في ذلك خير القرون فكانوا يحاذرون الاختلاف أشد المحاذرة وما فرط منهم تلافوه أشد التلافى ، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ، كما كان من طلحة والزبير وعائشة رضى الله عنهم ، ولقد صبر من بقى من الصحابة بعد خلافة النبوة على أمراء الجور أشد الصبر ، إلى أن ظهرت البدع بسبب التنقير عما سكت الله عنه ورسوله ، ولو كان لهم من ذلك خير لوقفهم الله على تلك المطالب على لسان رسوله ولم يتركهم يتخبطون . ثم حدثت بين المسلمين أنفسهم نوادر كالكلام في القدر ومسألة خلق القرآن والتعرض لما جرى بين الصحابة رضى الله عنهم ، واتصل بذلك المناظرة عند الملوك والامراء وصارت عصبية ، والدعوى من الجانبين أن ذلك تدين ، وما هو إلا أنهم لما تعدوا طورهم ولم يقفوا على حدهم ، الذى وقفهم الله ورسوله صلى الله وسلم عليه ، تركهم الله وشأنهم ولبسهم شيعا ، وأذاق بعضهم بأس بعض ، فكان خليفة يوافق هؤلاء فيذيق مخالفيهم العذاب الاليم ، ويخلفه الآخر وينقض ما فعله الاول وينكل بهؤلاء ، ويوطئ شأن هؤلاء ، حتى استحكم الشر وصار الناس شيعا . تجد أحدهم ينتقل من مذهب إلى آخر بسبب شيخ ، أو دولة أو غير ذلك من الاسباب الدنيوية والعصبية الطبيعية . كما رووا أن ابن عبد الحكم أراد مجلس الشافعي بعد موته فقيل له ، قال الشافعي : الربيع أحق بمجلسى ، فغضب وتمذهب لمالك وصنف كتابا سماه : الرد على محمد بن إدريس فيما خالف فيه الكتاب والسنة . وهكذا ذكره ابن السبكى ، وقد علم الله سبحانه والراسخون في العلم أن الحق لم يكن برمته عند فرقة ، والباطل عند البواقى ، ولكن الحق والحمد الله =========================================================================== [ 346 ] لا يخرج عن مجموعهم ، وما الحق كله إلا عند من بقى على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا بد له من الخطأ في اجتهاداته أيضا في المسائل المعفو عن الخطأ فيها ، لا في المهمات . وقل لى : من ذا الذى وقف على ما وقف ، وقنع بما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولم يتمذهب ويؤثر الاسلاف على الكتاب والسنة ويترك هذا الداء الدوى ، ويتمسك بالانصاف فيما يأتي ويذر ؟ لا والله ما أعرف أحدا في هذه الكتب التى طبقت البسيطة إلا وقد تخبط وخلط وتعسف لمذهبه وما أنصف ، ورد كتاب الله تعالى إلى عقيدته وحرف ! وبعد أن تكلم عن أحوال المتكلمين ، أخذ يبين أحوال المحدثين فقال : وهؤلاء المحدثون الذين يزعمون الثبوت على السنة وينهون عن الكلام (1) قد سرت فيهم المفسدة أكثر منها في غيرهم ، لانهم قاعدون في طريق الشريعة ، والمفسدة والحرب والفتك ، والحيات والعقارب والسموم والسباع في الجادة أعظم ضررا منها في ثنيات الطريق ، مع أن داءهم جاء من الخوض في الكلام ، وصاروا أشد عصبية من المتكلمين لان المتكلمين بنو أمرهم على التفتيش ، وأن لا يلام الطالب على المباحثة وإيراد الاسئلة واختراع التعليلات ، بل يعدون ذلك ظرافة وكمالا ، فربما انكشف للمتأخر مع تعاقب الانظار تقارب كلام الفريقين ونحو ذلك ، كما انكشف لاتباع الاشعري بطلان الجبر ، ثم تشبثوا بالكسب ، ثم تبين عواره ، فصاروا إلى مذهب المعتزلة من حيث المعنى كما مضى ، ، وليس ثبوت الاختيار يختص بالمعتزلة حتى ينفر منه ، إنما هو دين الله وحجته . فمن حقق من المتأخرين هون ما عظم سلفه ولانت عريكته ، وأما المحدثون فإنما أخذوا شيئا بأول رؤية ثم لم ينقروا ، كأن ذلك بدعة وصدقوا ، ولكنه بدعة من أوله إلى آخره ، فما لهم دخلوا فيه ! كأن دخولهم من غير نية ، لكن دس لهم الشيطان : أنتم أهل السنة فمن يذب عنها إن تركتم هؤلاء ؟ فلا هم اقتصروا على ما هم عليه ، ولا هم بلغوا إلى مقاصد القوم ليتمكنوا من الرد عليهم ! . هذا الامام أحمد حفظه للسنة وتقدمه وتجريده نفسه لله سبحانه وتعالى لا يجهل ، لكنه لما تكلم في مسألة خلق القرآن وابتلى بسببها ، جعلها عديل التوحيد أو زاد ! =========================================================================== (1) أي علم الكلام . (*) =========================================================================== [ 347 ] حتى إنه بلغه أن محمد بن هارون قال لاسماعيل بن علية : يا بن الفاعلة ! قلت القرآن مخلوق ! أو نحو هذه العبارة ! قال أحمد : لعل الله يغفر له ، يعنى محمد ابن هارون ، وكان إسماعيل بن علية أحق أن يرجو له أحمد ، لانه إمام مثله علما وورعا ، وإن فرض خطؤه فيما زعم أحمد ، فعفو الله أوسع ، وما خطؤه فيها كمن يقعد في الخلافة خاليا عن صفاتها ويعوث (1) في الدماء والاموال ! غفر الله لاحمد ، لقد بلغ في هذه المسألة ما أمكنه من التصعب ، حتى صار يرد كل من خالفه فيها ولا يقبل روايته ، وهذه خيانة للسند ، فإن الذى أوجب قبول خبر العدول يوجب قبول خبر هذا ، وها هو ذا يقول نروى عن القدرية ، ولو فتشت البصرة وجدت ثلثهم قدرية . هكذا في تهذيب المزى وغيره . وهذه المسألة لا تزيد على القدر لو كان للخلاف في المسألتين استقرار ، بل زاد فصار يرد الواقف ويقول (فلان واقفى (2) مشئوم) بل غلا وزاد وقال : لا أحب الرواية عمن أجاب في المحنة كيحيى بن معين . مع أن أحمد ليس من المتعنتين ولا من المتشددين . فمن شيوخه عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوام ، قال فيه النسائي ليس بثقة ، وقال الدارقطني بتركه ، وقال ابن معين : كذاب خبيث عدو الله ، ليس بشئ ، وقال : جن أحمد . يحدث عن عامر بن صالح ؟ وقال الذهبي " واهن . لعل ما روى أحمد عن أحد أو هي منه ، مع غلو الذهبي (3) في أحمد ورؤيته له بعين الرضا ، وعلى الجملة فلا يشك أن رواته لم يكن فيهم بالشحيح ، إلا أن يكون من قبيل مسألة القرآن . فيا هذا ما الذى عندك في القرآن والسنة ، إن القرآن ليس بمخلوق ؟ أو أنه مخلوق ؟ وبحثك وبحث غيرك كلاهما بدعة ! والله وصف القرآن بأنه قرآن عربي " غير ذى عوج " وقال جعلناه ونزلناه وفصلناه ولم يقل خلقناه ، ولم يقل ليس بمخلوق ، فمن أين جئت بهذه السنة ، =========================================================================== (1) يقال : عثى يعثى وعثا وفيه لغة أخرى عاث يعيث وهو أشد الفساد ص 43 من كتاب " القرطين " (2) الواقف هو الذى لم يتكلم في مسألة خلق القرآن . (3) وصف المقبلى الذهبي بأنه كان يتكلف الغمز في أهل البيت ويعمى عن مناقبهم ويحابي بنى أمية ولا سيما المروانية . (*) =========================================================================== [ 348 ] ولما أجاب على بن المدينى الذى قال البخاري (1) : ما أستحقر نفسي عند أحد إلا عنده فأجاب في المحنة فتكلموا فيه مع أنه عذر له لو أجاب في الترك كيف مسألة خلق القرآن حتى تحاماه بذلك مسلم (2) مع تساهله في رجاله . وأعجب من هذا أن الذابين عن على بن المدينى لم يجدوا من الذب إلا قولهم : روى عنه فلان ، وروى عنه فلان أنه قال : من قال إن القرآن مخلوق فقد كفر ! ومن قال : إن الله لا يرى فقد كفر ! فهذا التنزيه إن صح هو الذى ينقم عليه به لانه تكفير مسلم يبوء به أحدهما من غير دليل ، وكيف وما سلم من هذا التكفير أم المؤمنين عائشة الصديقة رضى الله عنها ومن وافقها من الصحابة والتابعين في نفى الرؤية - ولكن المحدثين لم يعرفوا مقدار الخطأ في الكلام ، لانه غير صنعتهم - وكل صاحب سلعة لا يعرف إلا سلعته ، فنقر عن هذا المعنى وخذ في كل فن عن أئمته ، وإياك والدخيل فيه - وتراهم يكررونه فمن أرادوا تنزيهه أو مدحه قالوا : من قال القرآن مخلوق فهو كافر - ذكروا هذا في جماعة ، منهم ابن لهيعة وغيره بل قالوا : ترك المحاسبى ميراث أبيه وقال : أهل ملتين لا يتوارث (3) لان أباه كان واقفيا . وقال يحيى بن معين أمير الجرح والتعديل : كان عمرو بن عبيد دهريا ! قيل ، وما الدهرى ؟ قال ، يقول : لا شئ . . وما كان عمرو هكذا . فلو طلبت أعظم المتكلمين ، بل القصاص المجازفين لا تكاد تجد من يتجاسر هذا التجاسر على رجل علمه وزهده وتألهه مثل الشمس في الضحى ، وقد تبعه شطر هذه البسيطة . وقال يحيى بن معين في عنبسة بن سعيد بن العاص بن أمية ، ثقة - وهو جليس الحجاج ابن يوسف وكذا قال النسائي وأبو داود والدارقطني ، بل روى له البخاري ومسلم ، وروى البخاري لمروان بن الحكم الذى رمى طلحة وهو في جيشه ، والمتسبب في =========================================================================== (1) من الذين تكلموا في مسألة خلق القرآن البخاري ونص قوله : أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا . (2) مسلم بن الحجاج صاحب الكتاب المشهور . (3) لعلها : يتوارثون . (*) =========================================================================== [ 349 ] خروجه على على ، وفعل كل طامة ، وقال ابن حجر العسقلاني وهو إمام في المتأخرين (كامل) في ترجمة مروان : إذا ثبتت صحبته لم يؤثر الطعن فيه ! ! كأن الصحبة نبوة ، أو أن الصحابي معصوم (1) ! وهو تقليد في التحقيق بعد أن صارت عدالة الصحابة مسلم بها عند الجمهور . والحق أن المراد بذلك (الغلبة) فقط ، فإن الثناء من الله تعالى ورسوله - وهو الدليل على عدالتهم - لم يتناول الافراد بالنصوصية إنما غايته عموم ، مع أن دليل شمول الصحبة لمطلق الرائى (2) . ونحوه ركيك جدا ، وليت شعرى من المخاطب الموصى ؟ وهل هو عين الموصى به في نحو قوله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه . فأنظر أسباب تلك الاحاديث (3) هو وقوع شئ من متأخرى الاسلام في حق بعض السابقين ، كما قال لعمار رضى الله عنه أيسبني هذا العبد ! وإذا أردت تعميم اسم الصحبة من الطرف الاعلى إلى الادنى ، أعنى من السابقين إلى من ثبت له مطلق الرؤية ، فانظر مواقع الممادح التى في الكتاب والسنة وافرق بين ما يقضي بالدرجة المنيفة التى أقل أحوالها العدالة وما يقضى بنوع شرف ، مع أنه ربما جاء التفريق النبوى صريحا كقوله صلى الله عليه وسلم في بعض فقراء الصحابة : " هو خير من ملء الارض مثل هذا " يعنى بعض الرؤساء من متأخرى الاسلام . وعلى الجملة فمن تتبع تلك الموارد وسوى بين الصحابة فهو أعمى أو متعام ، فمنهم من علمنا عدالتهم ضرورة وهو الكثير الطبيب ، ولذا قلنا (إنها غالبية فيهم) بحيث يسوغ ترك البحث في أحوالهم ، ومن الصحابة نوادر ظهر منهم ما يخرج عن العدالة فيجب إخراجه - كالشارب (4) - من العدالة لا من الصحبة ، ومنهم من أسلم خوف السيف كالطلقاء (5) وغيرهم ، فمن ظهر حسن حاله فذاك ، وإلا بقى أمره * =========================================================================== (1 ، 2) راجع تعريفهم للصحابي الذى بيناه لك من قبل بصحفة 341 . (3) قيل هذا الحديث عندما تقاول عبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال ، ولما بلغ ذلك رسول الله قال : لا تسبوا أصحابي الحديث - فهو إذن في مناسبة خاصة - والحديث رواه مسلم . (4) أي شارب الخمر . (5) كأبى سفيان ومعاوية . ومن معهما . (*) =========================================================================== [ 350 ] في حيز المجهول وهم في حيز الندور ، ومع هذا فالعدالة غير العصمة . وقد غلا الناس فيمن ثبتت صحبته في التعنت في إثبات العدالة ، فلو سلمنا شمول الصحبة ثم العدالة لم يبلغ الامر إلى الحد الذى عليه غلاة الرواة . ولو نفعت الصحبة نحو بشر بن مروان على فرض الثبوت أو الوليد لتبين لنا ، أن الصحبة لا يضر معها عمل غير الكفر فتكون الصحبة أعظم من الايمان ، ويكون هذا أخص من مذهب مقاتل وأتباعه من المرجئة . ثم أين أحاديث (لا تدرى ماذا أحدثوا بعدك) وهى متواترة المعنى ، بل لو ادعى في بعضها تواتر اللفظ لساغ ذلك ، والمدعون للسنة ، ادعوا الصحبة أو ثبوتها لمن لم يقض له بها دليل ، وفرعوا عليها ما ترى . ثم بنوا الدين على ذلك ألم يقل الله (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) في رجل متيقن صحبته (1) . ولم تزل حاله مكشوفة مع الصحبة ، ومنهم من شرب الخمر (2) ، وما لا يحصى مما سكت عنه رعاية لحق النبي صلى الله عليه وسلم ، ما لم يلجئ إليه ملجئ دينى فيجب ذكره ، ومن أعظم الملجئات ترتب شئ من الدين على رواية مروان والوليد بن عقبة (3) وغيرهما ، فإنها أعظم خيانة لدين الله ومخالفة لصريح الآية الكريمة ، والنقم بذلك لا يعود على جملة الصحابة بالنقص ، بل هو تزكية لهم فإياك والاغترار . ولا شك أن البخاري من سادات المحدثين الرفعاء - فما ظنك بمن دونه ومع هذا تجنب (البخاري) ما لا يحصى من الحفاظ العباد (4) ، كما تخبرك عنه كتب الجرح والتعديل وعلي بن المدينى تجنبه مسلم . وقال العجلى في عمر بن سعد ابن أبى وقاص تابعي ثقة روى عنه الناس . وهو الذى باشر قتل الحسين . فقل لى أي جرح في الدين أكبر من هذا ! وهذا تنبيه . وإلا فهذا باب لو فتح وصنف فيه لكان فنا كبيرا ، وكذلك سائر الكلام من المحدثين في مخالفيهم في العقائد فاختبره ، وشاهد هذه الدعوى من كتب الجرح ، فتأمل كلامهم في الموافق والمخالف ، واجعله من شهادة الاعداء وأهل الاحن ، وليتهم جعلوا ذلك باطنا =========================================================================== (1) أي أنه من الصحابة وهو الوليد بن عقبة . (2) كقدامة بن مظعون . (3) هو الذى نزلت فيه الآية " إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " . (4) انظر ما ذكرناه من قبل في هذا الامر بصفحة 311 . (*) =========================================================================== [ 351 ] وظاهرا ، ولكن يقولون : نحن نروى عن المبتدعة ثم يعاملونهم هذه المعاملة ، قال يحيى بن معين - وقيل له في سعيد بن خالد البجلى حين وثقه (شيعي) قال وشيعي ثقة ، وقدري ثقة ، وقال العجلى كذلك في عمران بن حطان ثقة وهو خارجي مدح ابن ملجم (1) لعنه الله بقوله : يا ضربة من تقى ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذى العرش رضوانا فانظر عمن رضى بقتل على ، وعمن قتل طلحة ، وعمن قتل السحين وتوثيقهم لهم ، وأما علماء الامة وحفاظها كحماد بن سلمة الامام ، ومكحول العالم الزاهد ، فتجنبهم مثل البخاري ومسلم أيضا ، وقد اختلفت عقائد المحدثين ، فترى الرجل الواحد تختلف فيه الاقوال حتى يوصف بأنه أمير المؤمنين ، وبأنه أكذب الناس أو قريب من هاتين العبارتين ، وانظر الصحيحين كم تحامى صاحباهما من الائمة الكبار الذين يتطلب النقم عليهم تطلبا ، ولو نظر تجنب أفضلهم لاضمحل ، ولما أثر في ظن صدقهم إلا كقطرة دم في بحريم - وفي رجالهما من صرح كثير من الائمة بجرحهم ، وتكلم فيهم من تكلم بالكلام الشديد ، وإن كان لا يلزمهما - أعنى صاحبي الصحيحين - إلا العمل باجتهادهما . وأعجب من هذا أن في رجالهما من لم يثبت تعديله ، وإنما هو في درجة المجهول أو المستور . قال الذهبي في ترجمة حفص ابن بغيل : قال ابن القطان : لا يعرف له حال ولا يعرف ، يعنى فهو مجهول العدالة ومجهول العين ، فجمع الجهالتين قال الذهبي : لم أذكر هذا النوع في كتابي " الميزان " قال ابن القطان : تكلم في كل ما لم يقل فيه إمام عاصر ذلك الرجل أو أحد ممن عاصره ما يدل على عدالته وهذا شئ كثير ففى الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون ما ضعفهم أحد ولا هم مجاهيل ، وقال في ترجمة مالك بن الخير الزبادى : في رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم . فانظر هذا العجب . يروى عمن حاله ما ذكر ويترك أئمة مشاهير مصنفين ، لانهم قالوا بخلق القرآن أو وقفوا أو نحو ذلك . والعجب هنا من مجاملة الذهبي بقوله : ولا هم مجاهيل ، فمن لم يعلم عدالته لم تشمله أدلة قبول خبر الآحاد الخاصة بالعدول ، والاصطلاح على تسميته مستورا لا يدخله في العدول الذين =========================================================================== (1) ابن ملجم هو الذى اقترف إثم قتل على رضى الله عنه . (*) =========================================================================== [ 352 ] تتناولهم أدلة قبول الآحاد ، فهذا تفريط وإفراط ! يترك أبا حنيفة ومحمد بن الحسن وابن إسحاق وداود الظاهرى ، ومنهم من أذعن له الناس في المغازى ومنهم من تبعه شطر أهل البسيطة ثم يروى عن مستور لا يعلم من هو ولا ما هو . وليس مرادنا الحط من الصحيحين ، ولكن ليعلم أن الخلاف دخلت مفسدته في كل شعب ، فهذا هو ما نحن بصدده من التنفير عن الخلاف فاعلمه (1) اه‍ باختصار . ثم قال المقبلى فيه ذيل هذا الكتاب المسمى بالاوراح النوافخ فيما شرح به قوله (2) وادعوا الصحبة وأثبتوها لمن لم يقض له بها دليل : وجه هذا الكلام ما كررناه أنهم يصطلحون على شئ في متأخر الازمان ثم يفسرون الكتاب والسنة باصطلاحهم المجدد ، والصحبة ليس فيها لسان شرعى ، إنما هي بحسب اللغة وكذلك سائر الالفاظ التى وردت بها فضائل الصحابة ، ولكن المحدثون اصطلحوا وقضوا بغير دليل ، على أن الصحبة لكل من رأى النبي ، أو رأى هو النبي ولو طفلا ، بشرط أن يكون محكوما بإسلامه ، ويموت على ذلك ولا يرتد ، ولا يشك منصف بل عاقل أن هذه القيود أمر اصطلاحي لا تقضى اللغة بها ، لان الاشتقاق إنما هو من صحب ، لا من رأى أو رئى تحقيقا أو تقديرا ، ليدخل الاعمى . وكان عليهم أن يقولوا تقديرا قريبا أو نحوه ، ليخرج المعاصر الذى لم يره ، بل ليخرج كل أحد ، إذ التقدير بحر واسع ، فهذا أصل الخطأ في هذه المسألة كما قد حذرناك من هذه الغلطة التى وقع الناس كثيرا فيها . ثم بعد أن تم لهم تعريف الصحبة ذيلوها باطراح ما وقع من مسمى الصحابي فمنهم من يتستر بدعوى الاجتهاد ، دعوى تكذبها الضرورة في كثيرة من المواضع ومنهم من يطلق ! ويا عجباه من قلة الحياء في ادعاء الاجتهاد لبسر بن أرطاة (3) =========================================================================== (1) من صفحة 297 إلى صفحة 312 من كتاب العلم الشامخ . (2) ص 687 إلى 688 . (3) نقل الحافظ ابن حجر في الاصابة أن معاوية وجه بسر بن أرطأة إلى اليمن والحجاز وأمره أن ينظر من كان طاعة على فيوقع بهم ويقتلهم ، وهو الذى قتل طفلين لعبيد الله بن عباس . ولامهما عائشة بنت المدان قصيدة في ذلك نكتفي منها بهذا البيت : أنحى على ودجى ابني مرهفة * مشحوذة وكذلك الاثم يقترف ثم وسوست فكانت تقف في الموسم تنشد هذا الشعر وتهيم على وجهها . (*) =========================================================================== [ 353 ] الذى انفرد بأنواع الشر لانه مأمور المجتهد معاوية ناصح الاسلام في سب على بن أبى طالب وحزبه . وكذلك مروان والوليد الفاسق ، وكذلك الاجتهاد الجامع للشروط في البيعة ليزيد ومن أشار بها ، وسعى فيها ، أو رضيها ، وما لا يحصى . . والله ما قال قائلهم ذلك نصحا لله ولرسوله ، اللهم إلا مغفل لا يدرى ما يخرج من رأسه - قد سلم مقدمات وغذا لحمه وعروقه بالهوى والتقليد ، وعود جسمه ما اعتاد ، فصار بذلك غذاؤه . ثم أخذ يتجاسر في البناء على ذلك ، كنظائر لها قلما يخلو منها أحد ، وإن اختلفت مكانتها في الدين . غايته أن الورع يتحرز من الرضا بتلك الطوام ، فمن غاب عن المعصية ثم رضيها ، كان كمن حضرها ، والعكس كما صرح به الحديث النبوى . . . اه‍ (1) . الاخذ بعدالة جميع الصحابة وإذا كان الجمهور على أن الصحابة كلهم عدول ولم يقبلوا الجرح والتعديل فيهم كما قبلوه في سائر الرواة واعتبروهم جميعا معصومين من الخطأ والسهو والنسيان فإن هناك كثيرا من المحققين لم يأخذوا بهذه العدالة (المطلقة) لجميع الصحابة وإنما =========================================================================== (1) ممن جعلوهم من الصحابة من لمز النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات ومنهم من آذاه وقال (هو أذن) ومنهم من اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ، ومنهم من كان في قلبه مرض ومنهم المعوقون ومنهم الذين اعتذروا في غزوة تبوك وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، وحلفوا للنبى فقبل منهم علانيتهم فنزل فيهم قوله تعالى (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون ، يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضو عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) وفي هذه الغزوة هم أربعة عشر منافقا أن يفتكوا برسول الله في ظلمات الليل عند عقبة هناك ولما انصرف النبي من هذه الغزوة إلى المدينة كان في الطريق ماء يخرج من وشل بوادي المشقق فقال رسول الله : من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يسقين منه شيئا حتى نأتيه فسبقه إليه نفر من المنافقين واستقوا ما فيه ! فلما أتاه رسول الله وقف عليه فلم ير فيه شيئا ، ولما علم النبي بأمر المنافقين قال : أو لم ننههم أن يستقوا منه شيئا حتى نأتيه ثم لعنهم ودعا عليهم . وبحسبك أن تجد أن في القرآن سورة ، تسمى سورة المنافقين . وسيأتيك بيان مفصل عن المنافقين في غزوة تبوك . وروى البخاري عن زيد بن ثابت : لما خرج النبي إلى أحد رجع ناس من أصحابه فقالت فرقة منهم : نقتلهم ، وقالت فرقة : لا نقتلهم ، نزلت الآية الكريمة : " فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا . . . " الآية . قال الراغب في مفرداته (أركسهم أي ردهم إلى كفرهم - والكلام في هذا الباب كثير جدا . أضواء على السنة (*) =========================================================================== [ 354 ] قالوا كما قال العلامة المقبلى إنها (أغلبية) لا عامة وإنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من الغلط والنسيان والسهو ، بل والهوى ويؤيدون رأيهم بأن الصحابة إن هم إلا بشر يقع منهم ما يقع من غيرهم ، مما يرجع إلى الطبيعة البشرية ، وإن سيدهم الذى اصطفاه الله صلوات الله عليه " والله أعلم حيث يجعل رسالته " قد قال : إنما أنا بشر أصيب وأخطئ - ويعززون حكمهم بمن كان منهم في عهده صلوات الله عليه من المنافقين والكاذبين وبأن كثيرا منهم قد ارتدوا عن دينهم بعد أن انتقل إلى الرفيق الاعلى ، بله ما وقع منهم من الحروب والفتن التى أهلكت الحرث والنسل ولا تزال آثارها - ولن تزال - إلى اليوم وما بعد اليوم ، وكأن الرسول صلوات الله قد رأى بعينى بصيرته النافذة ما سيقع من أصحابه بعد انتقاله إلى الرفيق الاعلى ، فقال في حجة الوداع : " لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض (1) " . وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي قال : (إنكم تحشرون حفاة عراة وأن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : أصحابي ! أصحابي ! فيقول إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ، فأقول كما قال العبد الصالح : " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم " . وروى مسلم هذا الحديث بلفظ " ليردن على ناس من أصحابي حتى إذا عرفتهم اختلجوا من دوني ، فأقول : أصحابي فيقول : لا تدرى ماذا أحدثوا بعدك " . وروى البخاري عن أبى هريرة عن النبي قال : بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم ، خرج رجل من بينى وبينهم قال : هلم ، قلت أين ؟ قال : إلى النار =========================================================================== (1) سمعت أم سلمة الرسول يقول " إن من أصحابي من لا يرانى بعد أن أموت أبدا . فخرج عبد الرحمن بن عوف من عندها مذعورا حتى دخل على عمر فقال : اسمع ما تقول أمك ! فقام عمر حتى أتاها فدخل عليها فسألها ثم قال : أنشدك الله ، أمنهم أنا ؟ قالت لا ولا أنى أبرئ أحدا بعدك . ذكر هذا الحديث في مسندها من جامع المسانيد لابن الجوزى وعزاه السيوطي في الجامع الكبير إلى أحمد والطبراني وسأل عمر وهو الذى فر منه الشيطان ! حذيفة هل أنا ممن عد لك رسول الله من المنافقين ؟ قال : لا ولا أزكى أحدا بعدك - ص 92 من العلم الشامخ للمقبلى . (*) =========================================================================== [ 355 ] والله ، قلت وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى . ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بينى وبينهم ، قال : هلم قلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى . فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم (1) . وفي رواية أخرى أن النبي قال : يرد على يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلاون عن الحوض ، فأقول : يا رب أصحابي . فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى . وأخرج عن سهل بن سعد قال : قال النبي : ليوردن على أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثم يحال بينى وبينهم ، قال أبو حازم ، فسمعني النعمان بن أبى عياش فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت نعم ، فقال : أشهد على أبى سعيد الخدرى لسمعته - وهو يزيد فيها - فأقول إنهم منى فيقال : إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول : سحقا سحقا لمن غير بعدى . وأخرج من حديث عن ابن عباس جاء فيه : وأن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : أصحابي ! أصحابي . . فيقال : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم . . . الحديث . وأخرج البخاري أيضا في باب غزوة الحديبية عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال لقيت البراء بن عازب فقلت له : طوبى لك . صحبت النبي صلى الله عليه وآله وبايعته تحت الشجرة ، فقال ؟ يا بن أخى : إنك لا تدرى ما أحدثنا بعده ! وأخرج عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم ، ثم ليختلجن دوني ، فأقول : يا رب أصحابي ! فيقال : إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك ، قال البخاري : تابعه عاصم عن أبى وائل وقال حصين : عن أبى وائل ، عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله . وأخرج عن أسماء بنت أبى بكر قالت : قال النبي صلى الله عليه وآله إنى على الحوض حتى أنظر من يرد على منكم ، وسيؤخذ ناس دوني فأقول : يا رب منى ومن أمتى ؟ =========================================================================== (1) همل النعم الابل بلا راع أي لا يخلص منهم من النار إلا قليل . (*) =========================================================================== [ 356 ] فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك ؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم - قال البخاري فكان ابن أبى مليكه يقول : اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا ونفتن عن ديننا . هذا بعض ما نقلناه من البخاري ومسلم وفيهما وفي غيرهما كثير أعرضنا عنه خشية التطويل . المنافقون من الصحابة وما جاء عنهم في سورة التوبة عن غزوة تبوك : ذكر البغوي وغيره عن ابن عباس أنه قال : لم يكن رسول الله يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة وكان قبلها يعرف بعض صفاتهم وأقوالهم وأفعالهم مما جاء عنهم في عدة سور نزلت قبل سورة براءة ، منها سورة المنافقين والاحزاب والنساء والانفال والقتال والحشر . أما سورة براءة فقد فضحتهم وكشفت جميع أنواع نفاقهم الظاهرة والباطنة ومن أجل ذلك سميت (الفاضحة) والمبعثرة ، والمشردة ، والمخزية ، والمثيرة ، والحافرة والمنكلة ، والمدمدمة ، وسورة العذاب ! وإليك بيان أمورهم في غزوة تبوك ، وحدها ، وأعمالهم وآيات نفاقهم ، وهتك أستارهم وعقابهم مرتبة على سياق آيات سورة التوبة لا على الحروف (1) : 1 - استئذانهم في التخلف وهو لا يقع من مؤمن ، وإنما يستأذن ترك الجهاد من لا يؤمن بالله ولا بالآخرة (467) . 2 - لو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة (471) 3 - إن الله كره انبعاثهم فثبطهم (471) 4 - إنهم لو خرجوا في المؤمنين لم يزيدوهم إلا خبالا ، ويبغون فتنتهم (473) . =========================================================================== (1) هذا الفصل منقول عن الجزء العاشر من تفسير القرآن الحكيم للامامين محمد عبده ومحمد رشيد رضا رضى الله عنهما والارقام الموضوعة هي أرقام الصفحات من هذا الجزء . (*) =========================================================================== [ 357 ] 5 - أنهم اتبعوا الفتنة من قبل تبوك في غزوة أحد ، إذ أوقعوا الشقاق في المسلمين وثبطوا بعضهم (474) . 6 - أنهم قلبوا الامور للنبى من أول الامر إلى أن جاء الحق بنصره وظهور أمر الله وهم كارهون لذلك (475) . 7 - أن منهم من استأذن النبي في القعود معتذرا بأنه يخاف على نفسه الافتتان بجمال نساء الروم فسقطوا في فتنة معصية الله ورسوله بالفعل (477) . 8 - أن كل حسنة تصيب النبي تسوءهم ، وكل مصيبة تعرض له تسرهم ، ويرون أنهم أخذوا بالحزم في التخلف (478) . 9 إن المؤمنين يتربصون بالمنافقين عذاب الله مباشرة أو بأيديهم (479) . 10 أن صدقاتهم لا تقبل لفسوقهم ولكفرهم وإتيانهم الصلاة وهم كسالى وإنفاق ما ينفقون وهم كارهون (481) . 11 تعذيبهم بأموالهم وأولادهم في الدنيا وموتهم على كفرهم (485 : 474) . 12 حلفهم للمؤمنين بأنهم منهم ، ووصف خيبتهم وفرقهم منهم (485) . 13 لمز بعضهم للرسول في الصدقات ، فإن أعطوا منها رضوا ، وإلا سخطوا (487) . 14 - ايذاؤهم له صلى الله عليه وآله بقولهم : هو أذن (516) . 15 - حلفهم للمؤمنين ليرضوهم دون إرضاء الله ورسوله (522) . 16 - حذرهم إنزال سورة تنبئهم بما في قلوبهم ووعيدهم على استهزائهم بإخراج ما يحذرون (525) . 17 - اعتذارهم عن استهزائهم بأنهم كانوا يقصدون الخوض واللعب ، وكون هذا الخوض عين الكفر ، ووعيدهم بتعذيب طائفة منهم بإصرارهم على إجرامهم واحتمال العفو عن طائفة أخرى (528 - 532) . 18 - بيان حال المنافقين وصفاتهم العامة ذكرانا وإناثا ، وإيقادهم هم والكفار نار جهنم ولعنهم إلخ (533) . =========================================================================== [ 358 ] 19 - تشبيههم بمنافقى الامم الغابرة في كونهم لا حظ لهم إلا الاستماع بما ذكروا في خوضهم بالباطل وحبوط أعمالهم في الدنيا والآخرة مثلهم وخسارهم التام (527) وتذكيرهم بنبأ أقوام الانبياء قبلهم (539) 20 - إن المنافقين هم الفاسقون . الآية (67) . 21 - قرنهم بالكفار في وجوب جهادهم والاغلاظ في معاملتهم ووعيدهم (549) 22 - حلفهم على إنكار ما قالوا من كلمة الكفر ، وإثبات الله لما نفوه (ولهمهم بما لم يانلوا) أي محاولة اغتياله " ص " (551 - 555) . 23 - من عاهد الله منهم على الصدقة في حالة العسر وإخلافه وكذبه بعد الغنى واليسر وإعقابهم ذلك نفاقا يصحبهم إلى الحشر ، وجهلهم علم الله بحالهم في السر والجهر (558) . 24 - لمزهم وعيبهم للمؤمنين في الصدقات وسخريتهم منهم (563) . 25 - حرمانهم الانتفاع باستنفار الرسول لهم بكفرهم حتى بالله ورسوله لا يرجى اهتداؤهم بالرجوع عن قسوتهم (666) . 26 - فرح المخلفون منهم بمقعدهم خلاف رسول الله وتواصيهم بعدم النفر في الحر وتذكيرهم بحر جهنم (569) . 27 - كون الاجدر بهم أن يحزنوا ، ويضحكوا قليلا ويبكوا كثيرا (572) . 28 - نهيه صلى الله عليه وآله عن الصلاة على موتاهم وتعليله بكفرهم وموتهم عليه (573) . 29 - استئذان أغنيائهم بالتخلف عن الجهاد كلما نزلت سورة تأمر بالجمع بين الايمان والجهاد (581) 30 - حال الاعراب واستئذان بعضهم بالقعود عن الجهاد ، وقعود الكاذبين بغير اعتذار ووعيدهم بعذاب أليم على الكفر (583) . نكتفي بذلك من صفات المنافقين في غزوة تبوك التى جاءت بسورة التوبة ومن أراد المزيد من معرفة سائر أعمال المنافقين فليرجع إلى سور المنافقين والاحزاب والنساء والانفال والقتال والحشر . =========================================================================== [ 359 ] وفي الصحيحين من حديث الافك أن أسيد بن الخضير قال لسعد بن عبادة : إنك منافق ، تجادل عن المنافقين . واختصم الفريقان فأصلح النبي بينهم - فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم : إنك منافق ولم يكفر النبي لا هذا ولا ذاك . والاخبار في ذلك كثيرة ومن شاء أن يقف على أسماء المنافقين من الخزرج والاوس فيلرجع إلى الجزء الاول من أنساب الاشراف يجد أسماءهم قد ملات عشر صفحات كاملة من صفحة 274 إلى 283 . يفضلون التجارة واللهو عن الصلاة : ولا بأس أن نورد هنا ما صنعه الصحابة مع رسول الله وانفضاضهم من حوله إلى التجارة واللهو ، وتفضيل ذلك على الصلاة وتركهم إياه قائما وحده يصلى يوم الجمعة وذلك بعد أن أمرهم الله سبحانه بأن يسعوا إلى الصلاة ويتركوا البيع ، لان ذلك خير لهم (إن كانوا يعلمون) فخالفوا عن أمر الله ، وانصرفوا إلى تجارتهم ولهوهم من حول رسول الله ! وإليك هذه الآية الكريمة التى تفضحهم قال تعالى : (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ، قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين " 9 - 11 سورة الجمعة . نفاق الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده : وإليك حديثا رواه البخاري وغيره (1) عن حذيفة بن اليمان يبين فيه نفاق الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وآله وبعده . قال حذيفة : إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وآله كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون ! وفي رواية أخرى للبخاري كذلك عنه : قال : إنما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وآله فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الايمان وفي رواية : فإنما الكفر والايمان . وأخرج البزار عن أبى وائل ، قلت لحذيفة : النفاق اليوم شر أم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال : فضرب بيده على جبهته وقال : أوه ! هو اليوم ظاهر ، =========================================================================== (1) ص 62 و 63 ج‍ 13 فتح الباري . (*) =========================================================================== [ 360 ] إنما كانوا يستخفون على عهد رسول الله ! وأنا نعزز هذا الفصل بكلمة للدكتور طه حسين في كتابه القيم (عثمان) أشار فيها إلى أمر الفتنة التى وقعت في عهد عثمان وكلام المؤرخين فيها . إن الناس وقفوا من الاحداث أيام عثمان ، ومن نصيب عثمان منها ، مواقف متباينة أشد التباين ، فقوم أراحوا أنفسهم جملة وقالوا إن أكثر هذه الاحداث مكذوب مصنوع لم يصح وقوعه ، وإنما تكلفه المتكلفون ، أراد بعضهم به الكيد للاسلام ، ودفع بعضهم إليه بما كان من الخصومة العنيفة بين الاحزاب وهم من أجل ذلك يرفضون أكثر الاحداث ويرون فيما يقبلون منها أنها أمور ليست بذات خطر ذهب فيها الامام مذهب الاجتهاد ، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر ، وهو على كل حال لم يرد إلا الخير ، ولم يكن يريد ولا يمكن أن يريد إلا الخير ، وهم يرون مثل هذا الرأى فيما يقبلون من الروايات التى تتحدث ببعض ما كان بين عثمان وأصحاب النبي من الخصومة - أكثر هذه الروايات عندهم مكذوب مصنوع وقليل منها يقبل على ما مضى من التأويل - أي على أنه كان نتيجة الاجتهاد ، ومن اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد . وأكثر الذين يذهبون هذا المذهب إنما يدفعون إليه ، لانهم يقدسون ذلك العصر من عصور الاسلام ، ويكرهون أن يحملوا على أصحاب النبي ما يحمل عادة على الذين يستقبلون أمور الدنيا بما في نفوسهم من استعداد للمنافسة والاصطراع حول أعراض وأغراض لا تلائم قوما صحبوا رسول الله ، وأبلوا في سبيل الله أحسن البلاء وأسسوا الدولة بما أنفقوا في ذلك من دمائهم وأموالهم وجهودهم فهم يخطئون ويصيبون ، ولكنهم يجتهدون دائما ، ويسرعون إلى الخير دائما ، فلا يمكن أن يتورطوا في الكبائر ، ولا أن يحدثوا إلا هذه الصغائر التى يغفرها الله للمحسنين من عباده ! وقليل من الذين يرون هذا الرأى ، ويذهبون هذا المذهب يدفعون إلى ذلك بحكم الكسل والعقلي الذى يمنعهم من البحث والدرس والاستقصاء . وقوم آخرون يريحون أنفسهم نوعا آخر من الاراحة ، فيستبعدون أن تقع هذه الاحداث والفتن من أصحاب النبي ويرون أنها مؤامرات دبرها الكائدون للاسلام =========================================================================== [ 361 ] - كعبد الله بن سبأ ومن لف لفه من أهل الكتاب ، وغير أهل الكتاب . وواضح جدا أننا لا نستطيع أن نذهب هذا المذهب أو ذاك ، فنحن لا نحب الكسل ولا نطمئن إلى الراحة ، ولا نغلو في تقديس الناس إلى هذا الحد البعيد ، ولا نرى في أصحاب النبي ما لم يكونوا يرون في أنفسهم ، فهم كانوا يرون أنهم بشر فيتعرضون لما يتعرض له غيرهم من الخطايا والآثام ، وهم تقاذفوا التهم الخطيرة ، وكان منهم فريق تراموا بالكفر والفسوق ، فقد روى أن عمار بن ياسر كان يكفر عثمان ويستحل دمه ويسميه نعثل ، وروى أن ابن مسعود كان يستحل دم عثمان أيام كان في الكوفة وهو كان يخطب الناس فيقول : إن شر الامور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار - يعرض في ذلك بعثمان وعامله الوليد . وروى أن عبد الرحمن بن عوف . . قال لبعض أصحابه في المرض الذى مات فيه : عاجلوه - أي على - قبل أن يطغى ملكه . والذين ناصروا عثمان من أصحاب النبي كانوا يرون أن خصومهم قد خرجوا على الدين وخالفوا عن أمره ، وهم جميعا من أجل ذلك قد استحلوا أن يقاتل بعضهم بعضا ، وقاتل بعضهم بعضا بالفعل يوم الجمل ويوم صفين - إلا ما كان من سعد وأصحابه القليلين . وإذا دفع أصحاب النبي أنفسهم إلى هذا الخلاف ، وتراموا بالكبائر وقاتل بعضهم بعضا في سبيل الله ، فما ينبغى أن يكون رأينا فيهم أحسن من رأيهم في أنفسهم ، وما ينبغى أن نذهب مذهب الذين يكذبون أكثر الاخبار التى نقلت إلينا ما كان بينهم من فتنة واختلاف ، فنحن إن فعلنا ذلك لم نزد عن أن نكذب التاريخ الاسلامي كله منذ بعث النبي ، لان الذين رووا أخبار هذه الفتن هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح وأخبار المغازى وسيرة النبي والخلفاء ، فما ينبغى أن نصدقهم حين يروون ما يروقنا ، وأن نكذبهم حين يروون ما لا يعجبنا ، وما ينبغى أن نصدق بعض التاريخ ونكذب بعضه الآخر ، لا لشئ إلا لان بعضه يرضينا وبعضه يؤذينا ، وما ينبغى كذلك أن نصدق كل ما يروى ، أو نكذب كل ما يروى ، وإنما الرواة أنفسهم ناس من الناس يجوز عليه الخطأ والصواب ويجوز عليهم الصدق والكذب ، والقدماء أنفسهم قد عرفوا ذلك وتهيئوا له ووضعوا قواعد التعديل والتجريح ، والتصديق والتكذيب ، وترجيح ما يمكن ترجيحه ، وإسقاط =========================================================================== [ 362 ] ما يمكن إسقاطه ، والشك فيما يجب الشك فيه ، فليس علينا بأس من أن نسلك الطريق التى سلكوها وأن نضيف إلى القواعد التى عرفوها ما عرف المحدثون من القواعد الجديدة التى يستعينون بها على تحقيق النصوص وتحليلها وفقهها . والشئ الذى لا يمكن أن يتعرض للشك ، هو أن المسلمين قد اختلفوا على عثمان ، وأن هذا الاختلاف قد انتهى إلى ثورة قتل فيها عثمان ، وأن هذه الثورة قد فرقت المسلمين تفريقا لم يجتمعوا بعده إلى الآن . اه‍ (1) . وختم الدكتور طه حسين هذا الفصل الممتع بكلام عن القواعد التى يجب على كل دارس للتاريخ الاسلامي أن يتبعها ، ويقيم بحثه على أصولها ، " ليستعينوا بها على تحقيق النصوص وتحليلها وفقهها " . وأوجب كذلك على من يتصدى لدارسة هذه الاخبار دراسة صحيحة أن يقف من رواة الاخبار موقف العالم بطبائع النفوس البشرية ، فينظر إليهم على أنهم " ناس من الناس يجوز عليهم الخطأ والصواب ، ويجوز عليهم الصدق والكذب " وأن يتحرى الحق والانصاف فيما يصل إليه من مروياتهم فلا يصدق منها ما يصدق لمرض في قلبه ، أو يكذب ما يكذب لهوى في نفسه . وإذا كانت هذه القواعد السليمة التى ساقها الدكتور طه حسين قد تغضب بعض الناس - فإنها ولا ريب مما يرضى عنه ويطمئن به العلم والحق والدين جميعا . ونختم هذا الفصل بكلمة نقلها الدكتور أحمد أمين رحمه الله في ضحى الاسلام (2) من رسالة لبعض الزيدية وهى : " إنا رأينا الصحابة أنفسهم ينقد بعضهم بعضا ، بل يعلن بعضهم بعضا - ولو كانت الصحابة عند نفسها بالمنزلة التى لا يصح فيها نقد ولا لعن لعلمت ذلك من حال نفسها ، لانهم أعرف بمحلهم من عوام أهل دهرنا (3) ، وهذا طلحة والزبير وعائشة ومن كان معهم وفي جانبهم ، لم يروا أن يمسكوا عن على ، وهذا معاوية وعمرو بن العاص لم يقصرا دون ضربه =========================================================================== (1) ص 170 - 173 ج‍ الفتنة الكبرى (عثمان) . (2) ص 75 و 76 ج‍ 3 . (3) ومثلهم عوام أهل دهرنا وإن ظهروا بين الناس بلباس العلماء . (*) =========================================================================== [ 363 ] وضرب أصحابه بالسيف ، وكالذى روى عن عمر من أنه طعن في رواية أبى هريرة (1) وشتم خالد بن الوليد وحكم بفسقه ، وخون عمرو بن العاص ومعاوية ونسبهما إلى سرقة مال الفئ واقتطاعه ، وقل أن يكون في الصحابة من سلم من لسانه أو يده ، إلى كثير من أمثال ذلك مما رواه التاريخ - وكان التابعون يسلكون بالصحابة هذا المسلك ويقولون في العصاة منهم هذا القول ، وإنما اتخذهم العامة أربابا بعد ذلك . والصحابة قوم من الناس ، لهم ما للناس وعليهم ما عليهم . من أساء ذممناه ، ومن أحسن منهم حمدناه ، وليس لهم على غيرهم كبير فضل إلا بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير ، بل ربما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم ، لانهم شاهدوا الاعلام والمعجزات ، فمعاصينا أخف لاننا أعذر " . بعد أن فرغنا من الكلام عن عدالة الصحابة نبين كيف كان موقف علماء الامة من أخبار الآحاد . موقف علماء الامة من أخبار الآحاد قال الجزائري يعقب على قول ابن الصلاح (2) : إن الامة قد تلقت البخاري ومسلم بالقبول " ! إنه لم يبين ماذا أراد بالامة ! ولا ماذا أراد بتلقيها إياهما بالقبول ! وقد كان عليه أن يبين ذلك حتى لا تذهب العقول والافهام في ذلك كل مذهب . فإذا أراد بالامة كل الامة فلا يخفى فساده لان الكتابين إنما حسنا في المئة الثالثة بعد عصر البخاري وأئمة المذاهب المتبعة ، وإن أراد بعضها - وهم من وجد بعد الكتابين فهم بعض الامة فلا يستقيم دليله ، وإن أراد بالامة علماءها - وهو الظاهر - فإن العلماء في هذا الامر ثلاثة أقسام . المتكلمون - والفقهاء - والنحويون - على أن العلماء الذين ينطبق عليهم هذا الوصف إنما هم الذين جاءوا بعد ظهور هذين الكتابين ، في القرن الثالث الهجرى ، أما من قبلهم من أهل القرون الاولى الذين جاء فيهم حديث رفعوه إلى النبي صلى الله عليه وآله =========================================================================== (1) يراجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (2) ص 125 من توجيه النظر . (*) =========================================================================== [ 364 ] بأنهم خير القرون ! فهم جميعا لم يروا هذين الكتابين حتى كان يعلم رأيهم فيهما ، ولا كيف تلقوهما ! ولنعد إلى العلماء الذين جاءوا بعد هذين الكتابين لنرى موقفهم منهما ، وبماذا قابلوهما : أما المتكلمون : فقد عرف من حالهم أنهم يردون كل حديث يخالف ما ذهبوا إليه ، ولو كان من الامور الظنية ، فإذا أورد عليهم من ذلك حديث صحيح عند المحدثين أولوه إن وجدوا تأويله قريب المأخذ ، أو ردوه مكتفين بقولهم : هذا من أخبار الآحاد وهى لا تفيد غير الظن ، ولا يجوز البناء على الظن في المطالب الكلامية ، ذلك بأن الاساس في علم الكلام هو دائما أن " الدلائل النقلية لا تفيد اليقين " (1) ، فمن ذلك حديث : تحاجت الجنة والنار ، فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين . وقالت الجنة : مالى لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس وسقطهم ! قال الله تبارك وتعالى للجنة ، أنت رحمتى أرحم بك من أشاء من عبادي ! وقال للنار : إنما أنت عذاب أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منهما ملؤها ! فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول ، قط ، قط ، قط ، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض ، ولا يظلم الله عزوجل من خلقه أحدا ، وأما الجنة فإن الله عزوجل ينشئ لها خلقا اه‍ . وهذا الحديث متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم (عن أبى هريرة) عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي رواية أخرى عند البخاري - عن أبى هريرة - بلفظ : اختصمت الجنة والنار إلى ربهما - الحديث - وفيه أنه ينشئ للنار خلقا وفي رواية لمسلم " حتى يضع الله رجله " وذهب المحققون إلى أن الراوى أراد أن يذكر الجنة فذهل فسبق لسانه إلى النار . فهذا الحديث ونظائره - وهى كثيرة - يبعد على المتكلم أن يقول بصحتها فضلا عن أن يجزم بذلك ! وإذا ألجئ إلى القول بصحتها لم يأل جهدا في تأويلها ، ولو على وجه لا يساعد اللفظ عليه بحيث يعلم السامع أن المتكلم لا يقول بجوازه في الباطن ، وقد نشأت بسبب ذلك عداوة شديدة بين المتكلمين والمحدثين يعرفها من نظر =========================================================================== (1) المواقف للايجى والجرجاني ص 79 طبعة استانبول . (*) =========================================================================== [ 365 ] في كتب التاريخ حتى إن المتكلمين سموا جمهور المحدثين بالشبهة والمحدثين سموهم بالمعطلة (1) . الفقهاء : وأما الفقهاء فقد عرف من حالهم أنهم يؤولون كل حديث يخالف ما ذهب إليه علماء مذهبهم - ولو كان من المتأخرين - أو يعارضون الحديث بحديث آخر - ولو كان غير معروف عند أئمة الحديث - والحديث الذى عارضوه ثابتا في الصحيحين بل مما أخرجته الستة . ومن نظر في شروح الصحيحين اتضح له الامر وقد ترك بعضهم المجاملة للمحدثين ، فصرح بأن ترجيح الصحيحين على غيرهما - ترجيح من غير مرجح ، والذين جاملوا اكتفوا بدلالة الحال . وقد أشار إلى ذلك العز بن عبد السلام في " كتاب القواعد " فقال : ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا ، وهو مع ذلك يقلده فيه ، ويترك من شهد الكتاب والسنة والاقيسة الصحيحة لمذهبه جمودا على تلقيد إمامه ، بل يتحيل لدفع ظواهر الكتاب والسنة ويتأولها التأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده ، وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس ، فإذا ذكر لاحدهم خلاف ما وطن نفسه عليه ، تعجب منه غاية العجب من غير استرواح إلى دليل ، بل لما ألفه من تقليد إمامه ، ولو تدبره لكان تعجبه من مذهب إمامه أولى من تعجبه من مذهب غيره ! فالبحث مع هؤلاء ضائع مفض إلى التقاطع والتدابر من غير فائدة يجديها - وما رأيت أحدا رجع عن مذهب =========================================================================== (1) كذلك يسمى المتكلمون المحدثين بالحشوية ويصفونهم بأنهم أجهل الناس بما يحملون وبخس الناس حظا فيما يطلبون ، وفي ذلك يقول شاعرهم : زوامل للاسفار لا علم عندهم * بجيدها إلا كعلم الاباعر لعمرك ما يدرى البعير إذا غدا * بأحماله أو راح - ما في الغرائر قد قنعوا من العلم برسمه ، ورضوا بأن يقولوا : فلان عارف بالطرق ورواية الحديث وزهدوا في أن يقال : عالم بما كتب أو عامل بما علم ! ! وهناك كلام كثير في قول بعضهم في بعض ويراجع في ذلك الجزء الثاني من كتاب جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر وسيأتيك شئ في ذلك في فصل (طلب الحديث بدون فقه) . (*) =========================================================================== [ 366 ] إمامه إذ ظهر له الحق في غيره ! بل يصر عليه مع علمه بضعفه وبعده . فالاولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه ، قال : لعل إمامى وقف على دليل لم أقف عليه ، ولم أهتد إليه ، ولا يعلم المسكين أن هذا مقابل بمثله ويفضل لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح والبرهان اللائح ، فسبحان الله ما أكثر من أعمى التقليد بصره ، حتى حمله على مثل ما ذكرته ، وفقنا الله لاتباع الحق أين كان وعلى لسان من ظهر . اه‍ كلام العز . وقد ختم الجزائري رحمه الله هذا البحث (بتنبيه) مهم قال فيه تعليقا على نقدهم لحديث (تحاج الجنة والنار) من أن النار لا تمتلئ حتى ينشئ الله لها خلقا آخر : " ومن الغريب في ذلك محاولة بعض الاغمار ممن ليس له إلمام بهذا الفن لا من جهة الرواية ولا من جهة الدراية ، لنسبة الغلط إليه كأنه ظن أن النقد قد سد بابه على كل أحد - أو ظن أن النقد من جهة المتن لا يسوغ لانه يخشى أن يدخل منه أرباب الاهواء - ولم يدر أن النقد إذا جرى على المنهج المعروف لم يستنكر وقد وقع ذلك لكثير من أئمة الحديث مثل الاسماعيلي فإنه بعد أن أورد حديث (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة) وعلى وجه آزر قترة - الحديث - قال وهذا خبر في صحته نظر من جهة أن إبراهيم عالم بأن الله لا يخلف الميعاد فقد يجعل ما بأبيه خزيا له ، مع إخباره أن الله قد وعده بأن لا يخزيه يوم يبعثون ، وعلمه بأنه لا خلف لوعده فانظر كيف أعل المتن بما ذكره . وقد قال بعض علماء الاصول إن في الاحاديث ما لا تجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك لانه لا يمكن حملها على ظاهرها لكونه على خلاف البرهان ، وغير ظاهرها بعيد عن فصاحته صلى الله عليه وسلم (1) وملخصا . * (1) ص 130 ، 131 ، 136 ، 137 وما بعدها من كتاب توجيه النظر . (*) =========================================================================== [ 367 ] كلام مقلدة المذاهب : وبعد أن فرغنا من كلام الذين ردوا على ابن الصلاح نأتى بطائفة من القول في أمر مقلدة المذاهب وموقفهم من الحديث ليكون تماما على ما قاله العز بن عبد السلام آنفا . من المعروف الذى لا خلاف فيه أنك تجد الحديث يعمل به الحنفي لشهرته ثم يأتي الشافعي فيرفضه لضعف في سنده ! وتجد المالكى يترك الحديث لان العمل جرى على خلافه ، ويعمل به الشافعي لقوة في سنده على ما رأى . وهكذا وفي مرآة الاصول وشرحها مرقاة الوصول - من أصول الحنفية يرحمهم الله في بحث حال الراوى - وهو ، إن عرف بالرواية فإن كان فقيها تقبل منه الرواية مطلقا ، سواء وافق القياس أو خالفه وإن لم يكن فقيها ، كأبى هريرة وأنس رضى الله عنهما فترد روايته إن لم توافق الحديث الذى رواه . ومن العلماء من قال : لا تقبل رواية الاخبار عن رسول الله إلا إذا كانت خبر عامة عن عامة ، أو اتفق علماء الامصار على العمل بها ، وهذا الطريق هو لذى يميل إليه فقهاء العراق ، أبو حنيفة وأصحابه . وقد أوضح هذا الامر الامام أبو يوسف صاحب أبى حنفية في كتابه الذى ألفه عن الاوزاعي . وجاء في كتاب (الام) للامام الشافعي (1) - نقل هذا القول عن أبى يوسف تلميذ الشافعي - حيث قال : فعليك من الحديث بما تعرفه العامة (2) وإياك والشاذ منه ، فإنه حدثنا ابن أبى كريمة عن جعفر عن رسول الله : أنه دعا اليهود فسألهم فحدثوه حتى كذبوا على عيسى فصعد المنبر فخطب الناس فقال : إن الحديث سيفشو على فما أتاكم عنى يوافق القرآن فهو عنى ، وما أتاكم عنى يخالف القرآن فليس عنى . وكان عمر فيما بلغنا لا يقبل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله =========================================================================== (1) ص 307 و 308 ج‍ 7 . (2) يريد بالعامة الجمهور ، لا مقابل الخاصة . (*) =========================================================================== [ 368 ] إلا بشاهدين . وكان على بن أبى طالب رضى الله عنه لا يقبل الحديث عن رسول الله والرواية تزداد كثرة ويخرج منها ما لا يعرف ولا يعرفه أهل الفقه ، ولا يوافق الكتاب ولا السنة فإياك وشاذ الحديث ، وعليك بما عليه الجماعة من الحديث وما يعرفه الفقهاء ، وما يوافق الكتاب والسنة (1) فقس الاشياء على ذلك فما خالف القرآن فليس عن رسول الله وإن جاءت به الرواية . وحدثنا الثقة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرضه الذى مات فيه : إنى لاحرم وفي رواية : لا أحرم إلا ما حرم القرآن والله لا يمسكون على بشئ (2) فاجعل القرآن والسنة المعروفة لك إماما وقائدا ، واتبع ذلك ، وقس عليه ما يرد عليك مما لم يوضح لك في القرآن والسنة اه‍ . وقال الامام علم الدين الفلاني المالكى في كتابه إيقاظ الهمم (3) ترى بعض الناس إذا وجدوا حديثا يوافق مذهبه فرح به وانقاد له وسلم ، وإن وجد حديثا صحيحا سالما من النسخ والمعارض مؤيدا لمذهب غير إمامه فتح له باب الاحتمالات البعيدة ، وضرب عنه الصفح والعارض ، ويلتمس لمذهب إمامه أوجها من الترجيح مع مخالفته للصحابة والتابعين والنص الصريح . . وإن عجز عن ذلك كله أدعى النسخ (4) بلا دليل ، أو الخصوصية أو عدم العمل به أو غير ذلك مما يحضر ذهنه العليل ، وإن عجز عن ذلك كله ادعى أن إمامه اطلع على كل مروى أو جله فما ترك هذا الحديث الشريف إلا وقد اطلع على طعن فيه برأيه المنيف فيتخذ علماء مذهبه أربابا ، ويفتح لمناقبهم وكراماتهم أبوابا ، ويعتقد أن كل من خالف ذلك لم يوافق صوابا ، وإن نصحه أحد من علماء السنة اتخذه عدوا ولو كانوا قبل ذلك أحبابا ! رأى مالك وأصحابه : ورأى الامام مالك وأصحابه أنهم يقولون : تثبت السنة من وجهين : أحدهما أن نجد الائمة من أصححاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا بما يوافقها . =========================================================================== (1) السنة هي السنة العملية ، وما كانت تعرف عندهم إلا بذلك . (2) ارجع إلى هذا الكلام من 332 ج 4 من سيرة ابن هشام . (3) ص 72 من قواعد التحديث . (4) قال الزهري أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله ومنسوخه . (*) =========================================================================== [ 369 ] الثاني - ألا نجد الناس اختلفوا فيها . وقد كان رضى الله عنه يراعى كل المراعاة العمل المستمر الاكثر ويترك ما سوى ذلك ، وإن جاء فيه أحاديث ، وقال : أحب الاحاديث إلى ما اجتمع الناس عليه . ولنعد إلى ما نحن بصدده : قال الشاطبي في الموافقات (1) : قال الامام مالك في حديث غسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا : جاء هذا الحديث ولا أدرى ما حقيقته ! وكان يضعفه ويقول : يؤكل صيده فكيف يكره لعابه ؟ وأهمل مالك كذلك اعتبار حديث من مات وعليه صوم . صام عنه وليه (2) وذلك للاصل القرآني ولا تزر وازرة وزر أخرى . وقال ابن العربي : إذا جاء خبر الواحد معارضا لقاعدة من قواعد الشرع ، فهل يجوز العمل به أم لا ؟ قال أبو حنيفة : لا يجوز العمل به ، وقال الشافعي : يجوز ، وقال مالك إن الحديث إذا عضدته قاعدة قال به وإن كان وحده تركه كما في حديث ولوغ الكلب - لان هذا الحديث عارض أصلين عظيمين ، أحدهما قوله تعالى : " فكلوا مما أمسكن عليكم " والثانى أن علة الطهارة (الحياة) وهى قائمة بالكلب ، ونهى عن صيام ست من شوال - مع ثبوت الحديث الذى أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي ، وهو من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر - رد ذلك تعويلا على أصل سد الذرائع . ومذهب أبى حنيفة : أن خبر الواحد إذا ورد على خلاف القياس لم يقبل ولهذا لم يقبلوا حديث المصراة . وكان الطحاوي (3) إمام الحنفية مجتهدا في المذهب يخالف أبا حنيفة عند قيام الدليل ، وينقد الحديث نقد معنى وإن صح السند في نظر المحدثين . =========================================================================== (1) ص 21 وما بعدها ج 3 . (2) رواه الشيخان وأبو داود . (3) هو أبو جعفر الطحاوي تفقه على خاله المزني صاحب الشافعي ، ألف معاني القرآن ومشكل الآثار وغيرهما عاش من سنة 229 ه‍ إلى سنة 321 ه‍ . أضواء على السنة المحمدية (*) =========================================================================== [ 370 ] بين الاوزاعي وأبى حنيفة : ذكر ابن الهمام أن الاوزاعي قال : ما لكم لا ترفعون الايدى عند الركوع والرفع منه ؟ فقال لاجل أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شئ . . فقال الاوزاعي : كيف لم يصح وقد حدثنى الزهري عن سالم عن أبيه ابن عمر أن رسول الله كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه - فقال أبو حنيفة حدثنا حماد عن إبراهيم (أي النخعي) عن علقمة ، والاسود عن عبد الله ابن مسعود أن النبي كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود . فقال الاوزاعي أحدثك عن الزهري عن سالم عن أبيه وتقول حدثنى حماد عن إبراهيم ! فقال أبو حنيفة - كان حماد أفقه من سالم ، وعلقمة ليس بدون ابن عمر في الفقه ، وإن كان لابن عمر فضل صحبته فالاسود له فضل كثير . وقال حافظ المغرب في الانتقاء (1) : إن كثيرا من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبى حنيفة لرده كثيرا من أخبار الآحاد العدول ، لانه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من الاحاديث ومعانى القرآن فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذا . وقال الثوري : كان أبو حنيفة شديد الاخذ للعلم ذابا عن حرم الله أن تستحل يأخذ بما صح عنده من الاحاديث التى كان يحملها الثقات ، وبالاخير من فعل رسول الله وبما أدرك عليه علماء الكوفة . وكان الاوزاعي يقول : إنا لا ننقم على أبى حنيفة أنه رأى (2) ، كلنا يرى ، ولكننا ننقم عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيخالفه إلى غيره (3) . هذا ولا يزال أبو حنيفة إلى يوم القيامة بين الائمة ، هو الامام الاعظم وأتباعه يملاون مشارق الارض ومغاربها ، ولا يستطيع أحد أن يشك في إسلامهم ، أو يطعن =========================================================================== (1) ص 149 . (2) كان أبو حنيفة إمام أهل الرأى . (3) ص 63 تأويل مختلف الحديث . (*) =========================================================================== [ 371 ] في عبادتهم ، هذا وقد أحصى ابن القيم في أعلام الموقعين حوال مائة حديث لم يأخذ بها مقلدة الفقهاء . وذلك من الكتب المعتبرة عن أهل السنة . وذكر سبط بن الجوزى جملة أحاديث من أحاديث الصحيحين لم يأخذ بها الشافعية لما ترجح عندهم مما يخالفها وكذا بقية المذاهب . وأخرج الخطيب عن أبى صالح الفراء قال : سمعت يوسف بن أسباط يقول : رد أبو حنيفة على رسول الله أربعمائة حديث أو أكثر . وأخرج عن وكيع قال وجدنا أبا حنيفة خالف مئتى حديث ، وأخرج أيضا عن حماد بن سلمة من طريقين قال إن أبا حنيفة استقبل الآثار والسنن فردها برأيه (1) . ونختم هذا الفصل بكلمة رائعة لابي شامة . المذهب دين مبدل : قال رضى الله عنه في مختصر كتاب المؤمل للرد إلى الامر الاول : سئل بعض العارفين عن معنى المذهب فأجاب إن معناه دين مبدل ، قال تعالى ولا تكونوا من المشركين ، من الذى فرقوا دينهم وكانوا شيعا (2) . ما اختلف فيه أقوال الفقهاء : مما اختلف فيه أقوال الفقهاء لاخذ كل واحد منهم بحديث مفرد اتصل به ، ولم يتصل به سواه ، ما روى عن عبد الوارث (3) بن سعيد أنه قال : قدمت مكة فألفيت بها أبا حنيفة ، فقلت له : ما تقول في رجل باع بيعا وشرط شرطا ؟ فقال : البيع باطل والشرط باطل ! فأتيت ابن أبى ليلى فسألته عن ذلك فقال : البيع جائز والشرط باطل . فأتيت ابن شبرمة فسألته عن ذلك ، فقال : البيع جائز والشرط جائز ، فقلت في نفسي ، سبحان الله ، ثلاثة من فقهاء العراق لا يتفتون على =========================================================================== (1) ص 390 ج‍ 13 . (2) ص 10 . (3) في نسخة : الليث بن سعد . (*) =========================================================================== [ 372 ] مسألة ! فعدت إلى أبى حنيفة فأخبرته بما قال صاحباه ، فقال : ما أدرى ما قالا لك ، حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : نهى رسول الله عن بيع وشرط ، فالبيع باطل والشرط باطل ، فعدت إلى ابن أبى ليلى فأخبرته بما قال صاحباه ، فقال : ما أدرى ما قالا لك ، حدثنى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة (رض) قالت أمرنى رسول الله أن أشترى بريرة فأعتقها ، البيع جائز والشرط باطل (1) . قال فعدت إلى ابن شبرمة فأخبرته بما قال صاحباه : فقال : ما أدرى ما قالا لك ، حدثنى مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر قال : بعت النبي صلى الله عليه وآله بعيرا وشرط لى حملانه إلى المدينة - البيع جائز والشرط جائز (2) . ونكتفى بهذا القدر لان الادلة كثيرة تملا مجلدا برأسه . علماء النحو واللغة : مر بك أن علماء الامة قد انقسموا في تلقى الحديث إلى ثلاثة أقسام : المتكلمون والاصوليون - والفقهاء - والمحدثون ، ولكى نستوفي هذا البحث نذكر كذلك موقف علماء النحو اللغة فإنهم لم يجعلوا الحديث من شواهدهم في إثبات اللغة وقواعد النحو : ذكر السيوطي في كتابه الاقتراح في أصول النحو : وأما كلامه صلى الله عليه وسلم فيستدل منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المروى وذلك نادر جدا ، وإنما يوجد في الاحاديث القصار على قلة أيضا ، فإن غالب الاحاديث مروى بالمعنى ، وقد تداولها الاعاجم والمولدون قبل تدوينها فرووها بما أدت إليه عباراتهم فزادوا ونقصوا ، وقدموا وأخروا وأبدلوا ألفاظ ولهذا نرى الحديث الواحد في القصة الواحدة مرويا على أوجه شتى بعبارات مختلفة (3) - ومن ثم أنكر على ابن مالك إثباته القواعد النحوية بالالفاظ الواردة في الحديث . ثم نقل عن أبى الحسن بن الضائع أنه قال (4) في شرح الجمل : =========================================================================== (1) الحديث رواه البخاري في باب الشروط في الولاء . (2) من كتاب الانصاف للبطليوسى ص 70 و 71 . (3) راجع فصل رواية الحديث بالمعنى ص 77 من هذا الكتاب . (4) توفى ابن الضائع سنة 86 ه‍ . (*) =========================================================================== [ 373 ] تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الائمة كسيبويه وغيره الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث . واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب - ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان الاولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي صلى الله عليه وسلم لانه أفصح العرب . وقد قال صاحب ثمار الصناعة " النحو علم يستنبط بالقياس والاستقراء من كتاب الله تعالى وكلام فصحاء العرب . فقصره عليهما ولم يذكر الحديث . وقال أبو حيان (1) في شرح التسهيل يرد على ابن مالك (2) الذى جوز الاستشهاد بالحديث وهو صاحب الالفية المشهورة . قد أكثر المصنف من الاستدلال بما وقع في الاحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب ، وما رأيت أحدا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره . على أن الواضعين الاولين لعلم النحو المستقرئين للاحكام من لسان العرب كأبى عمرو بن العلاء (3) وعيسى بن عمر (4) والخليل (5) وسيبويه (6) من أئمة البصريين - والكسائي (7) والفراء (8) وعلى بن مبارك الاحمر (9) وهشام بن الضرير من أئمة الكوفيين - لم يفعلوا ذلك - وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين وغيرهم من نحاة الاقاليم ، كنحاة بغداد وأهل الاندلس . وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الاذكياء فقال : إنما ترك العلماء ذلك لعدم وثوقهم بأن ذلك لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن الكريم في =========================================================================== (1) توفى سنة 740 ه‍ . (2) توفى سنة 672 ه‍ . (3) توفى سنة 154 ه‍ . (4) توفى سنة 149 ه‍ . (5) توفى سنة 175 ه‍ . (6) توفى سنة 188 ه‍ . (7) توفى سنة 189 ه‍ . (8) توفى سنة 207 ه‍ . (9) توفى سنة 194 ه‍ . (*) =========================================================================== [ 374 ] إثبات القواعد الكلية وإنما كان ذلك لامرين : أحدهما : أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه صلى الله عليه وسلم ولم تنقل بتلك الالفاظ جميعها نحو ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم " زوجتكها بما معك من القرآن وملكتكها بما معك " (1) وغير ذلك من الالفاظ الواردة في هذه القصة فتعلم يقينا أنه صلى الله عليه وسلم لم يلفظ بجميع هذه الالفاظ ، بل لا نجزم بأنه قال بعضها إذ يحتمل أنه قال لفظا مرادفا لهذه الالفاظ غيرها فأتت الرواة بالمرادف ولم تأت بلفظه ، إذ المعنى هو المطلوب ولا سيما مع تقادم السماع وعدم ضبطه بالكتابة والاتكال على الحفظ والضابط منهم من ضبط المعنى (2) وأما ضبط اللفظ فبعيد جدا لا سيما في الاحاديث الطوال ، وقد قال سفيان الثوري : إن قلت لكم إنى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى . ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين أنهم يروون بالمعنى . الثاني : أنه وقع اللحن كثيرا فيما روى من الحديث ، لان كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو فوقع اللحن في كلامهم وهم لا يعلمون ذلك ، وقد وقع في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب - ونعلم قطعا من غير شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفصح الناس فلم يكن يتكلم إلا بأفصح اللغات وأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها . . والمصنف " أي ابن مالك " قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الاثر متعقبا بزعمه على النحويين - وما أمعن النظر في ذلك ولا صحب من له التمييز - وقد قال لنا قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة - وكان ممن أخذ عن ابن مالك قلت له يا سيدى : هذا الحديث رواية الاعاجم ووقع فيه من روايتهم ما يعلم أنه ليس من لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ! فلم يجب بشئ : قال أبو حيان : وإنما أمعنت الكلام في هذه المسألة لئلا يقول المبتدئ ، ما بال النحويين ، يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر ولا يستدلون بما روى في الحديث بنقل العدول كالبخاري ومسلم وأضرابهما فمن طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذى لاجله لم يستدل النحاة بالحديث ه‍ . =========================================================================== (1) راجع ألفاظ هذا الحديث بصحفة 91 . (2) وبعيد جدا أن يضبط المعنى كله . (*) =========================================================================== [ 375 ] وقال ابن الانباري في الانصاف في منع (أن) في خبر كاد : وأما حديث كاد الفقر أن يكون كفرا ، فإنه من تغييرات الرواة لانه صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالضاد ، وحديث كاد الفقر أن يكون كفرا ، ضعيف . وفي كتاب النحو لابراهيم مصطفى ورد في الحديث : إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون فلحن راويه (1) ، وهذا الحديث رواه مسلم . وممن رد على ابن مالك كذلك أبو إسحق إبراهيم الاندلسي الشاطبي الغرناطي في شرحه على ألفية ابن مالك قال (2) : وأما استدلاله (ابن مالك) بالحديث الشريف فإنه قد خالف في الاستشهاد به جميع المتقدمين ، إذ لا تجد في كتاب نحو منهم استدلالا بحديث منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا على وجه أذكره إن شاء الله تعالى - وهم يستشهدون بكلام سفهاء العرب وأجلافهم وبأشعارهم التى فيها ذكر الحنى والفحش ، بل روى أبو حاتم عن الجرمى ، أنه أتاه أبو عبيدة معمر بن المثنى بشئ من كتابه في تفسير غريب القرآن الكريم قال ، فقلت له : عمن أخذت هذا يا أبا عبيدة ، فإن هذا خلاف تفسير الفقهاء ! ! فقال : هذا تفسير الاعراب البوالين على أعقابهم ! فإن شئت فخذ وإن شئت فذر ! ويتركون الاحاديث الصحيحة كما ترى ، ووجه تركهم للحديث أن يستشهدوا به في النحو واللغة ، ما ثبت عندهم من جواز نقله بالمعنى عند الائمة - إذ المقصود الاعظم إنما هو المعنى لتلقى الاحكام الشرعية لا اللفظ ، ولذلك تجد في الاحاديث ، اختلاف الالفاظ كثيرا فترى الحديث الواحد في القصة الواحدة قد اختلفت فيه العبارات اختلافا متفاوتا بين ما هو جار على ما عرف من كلام العرب وما لم يعرف ، وما ذاك إلا لما ساغ لهم (أعنى الرواة) من نقله بالمعنى . وذلك خلاف ما عليه الامر في نقل الشعر وكلام العرب ، فإن رواته لم ينقلوه أخذا لمعناه فقط =========================================================================== (1) ص 65 . (2) نقلنا هذا الكلام عن كتاب المواهب الفتحية للشيخ حمزة فتح الله رحمه الله ص 39 - 41 ج 1 الذى لخص فيه ما نقله العلامة أبو عبيد الله الاندلسي المالكى المشهور بالراعى عن شيخ شيوخه أبي إسحق إبراهيم الاندلسي . وممن تكلموا عن موقف علماء النحو من الحديث وأنهم لا يستشهدون به عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الادب فراجع ، ما قاله في الصفحتين 5 و 6 من الجزء الاول . (*) =========================================================================== [ 376 ] بل المعنى به عندهم اللفظ ، لما ينبئ على ذلك من الاحكام اللسانية ، فاعتنى النحويون بالاستنباط مما نقل من كلام العرب عن الثقات ، وتركوا ما نقل من الاحاديث لاحتمال إخراج الراوى لفظ الحديث عن القياس العربي فيكون قد بنى على غير أصل - وذلك من جملة تحريهم في المحافظة على القواعد اللسانية . ولو رأيت اجتهادهم في الاخذ عن العرب وكيفية التلقى عنهم لرأيت العجب ، فليس بمنكر تركهم للاستشهاد بالحديث الشريف والاستنباط منه ، كيف وهم بنوا على ما نقل الالفاظ . إلى أن قال : ولا أعرف له (1) من النحاة سلفا إلا ابن خروف . وكأن ابن مالك - والله أعلم - بنى على القول بمنع رواية الحديث بالمعنى مطلقا ، وهو قول ضعيف يرده المقطوع به من نقل القضايا المتحدة بالالفاظ المختلفة غير مختصة بزمان الصحابة دون غيرهم ولا يقتصر به على العرب دون من عداهم ، ومن تأمل كتب الحديث وجد فيها كثيرا من ذلك بل من الالفاظ الحائدة عن كلام العرب أشياء كثيرة حتى تقع تخطئة الرواة من الائمة الناقدين ، والعلماء العارفين بكلام العرب من غير نكير من غيرهم - قال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي - فالحق أن ابن مالك في هذه القاعدة غير مصيب إلخ . . اه‍ . ولعل القارئ قد لاحظ أننا قد أكثرنا من الاستشهاد بكلام أئمة النحو الكبار في هذا الامر ، ولم نفعل ذلك إلا لان في كلام كل إمام منهم من الفوائد ما لا يوجد في غيره ، وأن في أدلتهم جميعا ما يقنع أهل الفكر والرأى ، ولا يمترى فيه إلا جهول أو متعصب . وثم طوائف أخرى وقفت من الحديث مواقف مختلفة كالشيعة والزيدية والخوارج وغيرهم ولكل قوم سنة وإمامها . فأما الشيعة وبخاصة الامامية فإنهم لا يعتبرون من الاحاديث إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت عن جدهم ، يعنى ما رواه الصادق " جعفر " عن أبيه الباقر عن أبيه =========================================================================== (1) أي لابن مالك . (*) =========================================================================== [ 377 ] زين العابدين عن الحسين السبط عن أبيه أمير المؤمنين عن رسول الله سلام الله عليهم جميعا ، أما ما يرويه مثل أبى هريرة وسمرة بن جندب ومروان بن الحكم وعمران بن حطان وعمرو بن العاص ونظرائهم فليس له عند الامامية من الاعتبار مقدار بعوضة (1) وأما الخوارج (2) فإنهم اقتصروا من الحديث على من يتولونه من الصحابة ، فالاحاديث المقبولة عندهم هي ما خرجت للناس قبل الفتنة (3) ، أما ما بعدها فإنهم نابذوا الجمهور كله لانهم اتبعوا أئمة الجور - بزعمهم - فلم يصبحوا بذلك أهلا لثقتهم . رأى الامام محمد عبده رحمه الله : كان الاستاذ الامام محمد عبده لا يأخذ بحديث الآحاد مهما بلغت درجته من الصحة في نظر المحدثين ، إذا ما خالف العقل أو القرآن أو العلم ، وإليك طرفا من أقواله في ذلك : قال رحمه الله وهو يتكلم عن سحر النبي ما يلى : وقال كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها : إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح (4) فليزم الاعتقاد به ، وعدم التصديق من بدع المبتدعين . لانه ضرب من إنكار السحر وقد جاء القرآن بصحة السحر ! ! فأنظر كيف ينقلب الدين الصحيح والحق الصريح في نظر المقلدين بدعة ! نعوذ بالله ! يحتج بالقرآن على ثبوت السحر ! ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه صلى الله عليه وسلم وعده من افتراء المشركين عليه ، ويؤول في هذه ولا يؤول في تلك ! مع أن الذى قصده المشركون ظاهر ، لانهم كانوا يقولون إن الشيطان يلابسه عليه السلام ، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم وضرب من ضروبه ، وهو بعينه أثر السحر الذى نسب إلى لبيد (5) فإنه قد خالط عقله وإدراكه في زعمهم ! =========================================================================== (1) ص 149 من كتاب أصل الشيعة وأصولها للعلامة محمد الحسين آل كاشف الغطاء - الطبعة العاشرة . (2) هم الذين خرجوا على على رضى الله عنه . (3) ومن الذى يستطيع أن يميز ما خرج قبل الفتنة مما خرج بعدها . (4) حديث السحر رواه أحمد والشيخان والنسائي . (5) لبيد بن الاعصم الذى قالوا بأنه سحر النبي " ص " . (*) =========================================================================== [ 378 ] والذى يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به ، وأنه كتاب الله بالتواتر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فهو الذى يجب الاعتقاد بما يثبته ، وعدم الاعتقاد بما ينفيه ، وقد جاء بنفى السحر عنه عليه السلام ، حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه ووبخهم على زعمهم هذا ، فإذن هو ليس بمسحور قطعا . حديث السحر من الآحاد : وأما الحديث - فعلى فرض صحته - هو حديث آحاد ، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد ، وعصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد ، لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين ، ولا يجوز أن يؤخذ فيها بالظن والمظنون ! على أن الحديث الذى يصل إلينا من طريق الآحاد إنما يحصل الظن عند من صح عنده ، أما من قامت له الادلة على أنه غير صحيح فلا تقوم به عليه حجة ، وعلى أي حال - فلنا بل علينا أن نفوض الامر في الحديث - ولا نحكمه في عقيدتنا ، ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل ، فإنه إذا خولط النبي في عقله - كما زعموا - جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئا وهو لم يبلغه ، أو أن شيئا ينزل عليه وهو لم ينزل عليه ، والامر ظاهر لا يحتاج إلى بيان ، إلى أن قال رحمه الله ، ما أضر المحب الجاهل ، وما أشد خطره على من يظن أنه يحبه ، نعوذ بالله من الخذلان - على أن نافى السحر بالمرة لا يجوز أن يعد مبتدعا ، لان الله تعالى ذكر ما يعتقد به المؤمنون في قوله " آمن الرسول " الآية وفي غيرها من الآيات ، ووردت الاوامر بما يجب على المسلم أن يؤمن به حتى يكون مسلما ولم يأت في شئ ذكر السحر . . وقال : ولو كان هؤلاء يقدرون الكتاب قدره ، ويعرفون من اللغة ما يكفى لعاقل أن يتكلم ما هذروا هذا الهذر ، ولا وصموا الاسلام بهذه الوصمة - لكن من تعود القول بالمحال ، لا يمكن الكلام معه بحال ، نعوذ بالله من الخبال (1) . وسحر النبي قد نفاه من المتقدمين غير الاستاذ الامام ، الجصاص في تفسيره . =========================================================================== (1) ص 183 - 186 من تفسير جزء عم وقد أنكر صحة رواية حديث السحر بعض العلماء ، ومنهم المفسر الفقيه أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن . (*) =========================================================================== [ 379 ] وقد رد الاستاذ الامام كذلك أحاديث كثيرة في أمور اعتقادية وغير اعتقادية كحديث الغرانيق وحديث زينب بنت جحش وغيرهما مما لا نستطيع إيراد أقواله فيها هنا . رأى السيد رشيد رضا : نختتم هذا الموضوع بكلمة قيمة للعلامة السيد رشيد رضا رحمه الله : إن بعض أحاديث الآحاد تكون حجة على من تثبت عنده واطمأن قلبه بها ، ولا تكون حجة على غيره يلزم العمل بها ، ولذلك لم يكن الصحابة يكتبون جميع ما سمعوا من الاحاديث ويدعون إليها ، مع دعوتهم إلى اتباع القرآن والعمل به وبالسنة العملية المتبعة المبينة له إلا قليلا من بيان السنة كصحيفة على رضى الله عنه المشتملة على بعض الاحكام كالدية وفكاك الاسير وتحريم المدينة كمكة ، ولم يرض الامام مالك من الخليفتين المنصور والرشيد أن يحمل الناس على العمل بكتبه حتى الموطأ ، وإنما يجب العمل بأحاديث الآحاد على من وثق بها رواية ودلالة ، وعلى من وثق برواية أحد وفهمه لشئ منها أن يأخذ عنه - ولكن لا يجعل ذلك تشريعا عاما . ومن بلغه حديث وثبت عنده وجب عليه العمل به ، ومن خالف بعض الاحاديث لعدم ثبوتها عنده ، أو لعدم العلم بها فهو معذور . وأحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد ، وإنما يؤخذ بها في الاحكام الفرعية ، لان العقائد دلائلها الاخبار المتواترة . وكل من ظهر له علة في رواية حديث فلم يصدق رفعه لاجلها ، فهو معذور كذلك ، ولا يصح أن يقال في حقه إنه مكذب لحديث كذا . وهى تفيد الظن ، والامة لم تتعبد إلا بخبر يغلب على الظن صدقه ، حتى جعلوا من قواعدهم : يقع الحكم بالظن الغالب ، ولا يلزم من ظنهم صحته ، صحته في نفس الامر ، ومن القواعد الجليلة المتفق عليها عند علماء الاصول : أن طروء الاحتمال في المرفوع من وقائع الاحوال ، يكسوها ثوب الاجمال ، فيسقط به الاستدلال (1) . =========================================================================== (1) ص 784 ج 27 المنار . (*) =========================================================================== [ 380 ] طلب الحديث بدون فقه وما نبز به المشتغلون بالحديث بقى أمر لا يصح لنا أن نغفل الكلام فيه ، ذلك هو أمر طلب الحديث في العصور المتأخرة ، لانه مما يتصل بموضوع كتابنا . قال أبو عمر بن عبد البر : أما طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عصرنا (1) اليوم دون تفقه فيه ولا تدبر لمعانيه ، فمكروه عند جماعة أهل العلم (2) . وقال الذهبي في كتابه (3) " بيان زغل العلم والطلب عن علم الحديث " : وأما المحدثون فغالبهم لا يفهمون ، ولا همة لهم في معرفة الحديث ، ولا في التدين به . . . معذور سفيان الثوري فيما يقول : لو كان الحديث خيرا لذهب كما ذهب الخير ! (نص كلام سفيان : لو كان هذا الحديث خيرا لنقص كما ينقص الخير لكنه شر فأراه يزيد كما يزيد الشر) صدق والله ! وأى خير في حديث مخلوط صحيحه بواهيه ، أنت لا تفليه ، ولا تبحث عن ناقليه ، ولا تدين الله تعالى به . . إلى أن قال : بالله خلونا فقد بقينا ضحكة لاولى العقول ، ينظرون إلينا ويقولون هؤلاء هم أهل الحديث ! ! وبعد أن تكلم عن سير الرواية وكبار الرواة في العصور الاولى قال : ثم تناقص هذا الشأن في المائة الرابعة بالنسبة إلى المائة الثالثة . ولم يزل ينقص إلى اليوم ، فأفضل من في وقتنا اليوم من المحدثين على قلتهم ، نظير صغار من كان في ذلك الزمان على كثرتهم ، وكم من رجل مشهور بالفقه وبالرأي في الزمن القديم أفضل في =========================================================================== (1) توفى الحافظ بن عبد البر سنة 463 ه‍ . (2) ص 127 ج 2 جامع بيان العلم . (3) توفى الحافظ الذهبي سنة 748 ه‍ . (*) =========================================================================== [ 381 ] الحديث من المتأخرين ، وكم من رجل من متكلمي القدماء أعرف بالاثر من مشيخة زماننا إلخ (1) . هذه هي أقوال أئمة الحديث فيما كانت عليه حالة المحدثين في القرنين الخامس والثامن من الهجرة ، فترى ماذا تكون حال كثيرين من الذين يزعمون اليوم أنهم من المحدثين ، ومبلغ علمهم أنهم قرءوا بعض كتب الحديث واستظهروا عددا مما فيها وهذا وحده لا يكفى لان يكون الانسان به عالما ينتفع بعلمه ، أو يطمئن الناس إلى ما يقوله أو يفتى به . ورحم الله أستاذنا الامام محمد عبده حيث قال - في رجل وصفوه بأنه قد جد واجتهد ، حتى بلغ ما لم يبلغه أحد - فحفظ متن البخاري كله - : " لقد زادت نسخة في البلد . . " حقا والله ما قال الامام . أي أن قيمة هذا الرجل - الذى أعجب الناس جميعا به لانه حفظ البخاري - لا تزيد على قيمة نسخة من كتاب البخاري لا تتحرك ولا تعى ! والذهبي الذى نقلناه عنه هذا الكلام القيم هو المحدث الكبير مؤرخ الاسلام قال فيه العلامة الصفدى فيه كتابه " نكت الهميان " ، اجتمعت به ، وأخذت عنه وقرأت عليه كثيرا من تصانيفه ولم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة النقلة (2) ولم يقل الصفدى ذلك إلا لما اشتهر بين الناس جميعا من جمود رجال الحديث ، وقد وصفهم كذلك الاستاذ الامام بضيق العطن وحرج الصدر في رسالة الاسلام والنصرانية (3) . وإذا كان الصفدى قد قال ذلك في شيخه لكى يبرئه من نقيصة الجمود الذى عرف بها الذين يشتغلون بالحديث ، فإن شيخه الذهبي نفسه قد قال فيهم ما ننقله من كتابه النفيس " سير أعلام النبلاء " في ترجمة الفقيه المحدث شيخ الاسلام أبى بكر بن عياش : =========================================================================== (1) ص 6 و 9 و 11 . (2) ص 242 . وفي لسان العرب الكودن هو الهجين ، وقيل هو البغل ، ويقال للبرذون الثقيل (كودن) تشبيها بالبغل وفي الاساس أثقل من البرذون . (3) ص 107 من الطبعة الرابعة . (*) =========================================================================== [ 382 ] نقلت من فوائد أبى عمرو أحمد بن محمد النيسابوري عن أبى تراب محمد بن الفرج قال : سمعت خالد بن عبد الله الكوفى يقول : كان في سكة أبى بكر بن عياش كلب إذا رأى صاحب محبرة " أي من الذين يكتبون الحديث " حمل عليه ، فأطعمه أصحاب الحديث شيئا فقتلوه ! فخرج أبو بكر ، فلما رآه ميتا قال : إنا لله ذهب الذى كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ! وقال نعيم بن حماد : كان أبو بكر بن عياش يبزق في أصحاب الحديث . وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (1) : وإنا لا نخلى أكثر أهل الحديث من العذل (2) في كتبنا في تركهم الاشتغال بعلم ما قد كتبوا ، والتفقه بما جمعوا ، وتهافتهم على طلب الحديث من عشرة أوجه وعشرين وجها ! وقد كان في الوجه الواحد الصحيح والوجهين مقنع لمن أراد الله عزوجل بعلمه حتى تنقضي أعمارهم ولم يحلوا من ذلك إلا بأسفار (3) ، اتبعت الطالب ولم تنفع الوارث ! فمن كان من هذه الطبقة فهو عندنا مضيع لحظه ، مقبل على ما كان غيره أنفع له منه . وقد لقبوهم بالحشوية والنابتة (4) والمجبرة وربما قالوا : الجبرية ، وسموهم الغثاء (5) والغثر (6) وهذه كلها أنباز (7) . وقال الوزير اليماني في الروض الباسم : إنما سموا بالحشوية لانهم يحشون الاحاديث =========================================================================== (1) ص 96 . (2) العذل اللوم . (3) أسفار أي كتب ، جمع سفر . (4) في أساس البلاغة للزمخشري وهذا قول النابتة والنوابت وهم الحشوية . (5) الغثاء بالضم والمد في الاصل ، ما يجئ فوق السبل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره أطلقوه عليهم على المجاز . (6) الغثر بضم فسكون جمع أغثر أصله سفلة الناس وأرذالهم . (7) أي ألقاب جمع نبز . (*) =========================================================================== [ 383 ] التى لا أصل لها في الاحاديث المروية عن رسول الله ، أي يدخلونها فيها وليست منها . وقال محمد بن نشوان في كتابه " ضياء العلوم " : إن الحشوية سموا بذلك لكثرة قبولهم الاخبار من غير إنكار (1) . وقال الشعبى : كره الصالحون الاولون الاكثار من الحديث ، ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث . وقال الاعمش : والله لان أتصدق بكسرة أحب إلى من أن أتحدث بستين حديثا . وسأل شعبة أيوب السختيانى عن حديث فقال : أنا أشك فيه . فقال : شكك أحب إلى من يقين سبعة . ومن قول شعبة بن الحجاج : يا قوم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن . وقال : ما شئ أخوف عندي أن يدخلنى النار من الحديث . وقال وددت أنى وقاد حمام ، ولم أعرف الحديث . وقال عبيد الله بن عمرو : كنت في مجلس الاعمش فجاءه رجل فسأله مسألة فلم يجبه فيها ، ونظر إلى أبى حنيفة فقال : يا نعمان قل فيها ، فقال : القول فيها كذا . قال : من أين ؟ قال : من حيث حدثتناه ، فقال الاعمش ، نحن الصيادلة ، وأنتم الاطباء . أي أن رجال الحديث كالصيادلة وأما الفقهاء فكالاطباء . وقال شعبة : كنت إذا رأيت رجلا من أهل الحديث يجيئنى أفرح به ! فصرت اليوم ليس شئ أبغض إلى من أن أرى واحدا منهم ، وكان يقول : إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ؟ =========================================================================== (1) ص 120 ج 1 . (*) =========================================================================== [ 384 ] وكان الشعبى يرى أنه في الشعر أسلم منه في الحديث حتى قال لاصحابه : لو أردت الله ما خرجت لكم ، ولو أردتم الله ما جئتموني ، ولكنا نحب المدح ونكره الذم . وقال عمرو بن الحارث : ما رأيت علما أشرف ، ولا أهلا أسخف من أهل الحديث ! ! ونظر سفيان إلى أصحاب الحديث فقال : أنتم سخنة عين ، لو أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب لاوجعنا ضربا (1) . وقال مغيرة الضبى : والله لانا أشد خوفا منهم (أصحاب الحديث) من الفساق . وقال سفيان الثوري : إنا في هذا الحديث منذ ستين سنة ، ووددت أنى خرجت منه كفافا لا على ولا لى (2) . وعن محمد بن سلام قال : حدثنى يحيى بن سعيد القطان قال : رواة الشعر أعقل من رواة الحديث ، لان رواة الحديث يروون مصنوعا كثيرا ، ورواة الشعر ينشدون المصنوع ينتقدونه ويقولون هذا مصنوع (3) . وسئل المازنى (النحوي الكبير) عن صفات أهل العلم فقال : أصحاب القرآن فيهم تخليط وضعف ، وأهل الحديث فيهم حشو ورقاعة ، والشعراء فيهم هوج (أي طيش وتسرع) ، وأصحاب النحو فيهم ثقل ، وفي رواية الاخبار الظرف كله (4) . ولو أردنا أن ننقل كل ما قيل في جمود رجال الحديث ، لطال بنا نفس القول فنكتفي بذلك . ونختتم هذا الفصل بأمر يؤسى له لانه يدل على مقدار ما أصاب الاسلام من داء التفرق ، فمن فرق المسلمين فرقة المعتزلة وتسمى العدلية ومثلها فرقة تسمى أصحاب =========================================================================== (1) كان عمر يضرب من كان يروى الحديث ، وممن ضربهم على ذلك أبا هريرة وكعب الاحبار راجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (2) هذه الاخبار وغيرها كثير ، تجدها في الجزء الثاني من كتاب جامع العلم وفضله لحافظ المغرب ابن عبد البر . (3) ص 105 من ذيل الامالى لابي على القالى . (4) ص 123 ج‍ 7 معجم الادباء . (*) =========================================================================== [ 385 ] السنة وبينهما خلاف شديد أدى إلى أن يطعن بعضهم في بعض ونكتفى بذكر مثال واحد من هذا الطعن . فمما قالته العدلية في أصحاب السنة : وجماعة سموا هواهم سنة * وجماعة حمر لعمري موكفه قد شبهوه بخلقه وتخوفوا * شنع الورى فتستروا بالبلكفه (1) وقال أصحاب السنة في أعدائهم العدلية : وجماعة كفروا برؤية ربهم * حقا ووعد الله ما لن يخلفه وتلقبوا عدلية قلنا : أجل * عدلوا بربهم فحسبهمو سفه وتلقبوا الناجين كلا إنهم * إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه =========================================================================== (1) البلكفة أي بلا كيف . (*) =========================================================================== [ 386 ] خاتمة رأينا - بعد أن فرغنا من القول في أمر الحديث المحمدى وحياته وتاريخه ، أن نختم كتابنا بفصول تشتمل على مباحث تتصل بالحديث وفقهه ، وكيف يسلك الطالب إلى معرفة الصحيح منه ، وعلى قواعد وأصول في الدين الاسلامي لا يستغنى عنها القارئ ، وهذه الفصول - ولا ريب - لازمة للكتاب ومتممة له ، وسنمهد لها بكلام ممتع لفيلسوف المؤرخين ابن خلدون في فلسفة التاريخ والاجتماع . قال في مقدمته الشهيرة : إن الاخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ، ولم تحكم أصول العادة ، وقواعد السياسة وطبيعة العمران والاحوال في الاجتماع الانساني ، ولا قيس الغائب منها بالشاهد ، والحاضر بالذاهب ، فربما لم يؤمن فيها من العثور ، ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق ، وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا ، ولم يعرضوها على أصولها ، ولا قاسوها بأشباهها ، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات ، وتحكيم النظر والبصيرة في الاخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط (1) . ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته ، وله أسباب تقتضيه ، فمنها التشيعات للآراء والمذاهب ، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر ، أعطته حقه من التمحيص والنظر ، حتى تتبين صدقه من كذبه ، وإذا خامرها تشيع لرأى أو نحلة ، قبلت ما يوافقها من الاخبار لاول وهلة ، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص ، فتقع في قبول الكذب ونقله . ومن الاسباب المقتضية للكذب في الاخبار أيضا الثقة بالناقلين ، وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح ، ومنها " الذهول عن المقاصد " فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع ، وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في =========================================================================== (1) ص 9 . (*) =========================================================================== [ 387 ] الكذب ومنها " توهم الصدق " وهو كثير وإنما يجئ في الاكثر من جهة الثقة بالناقلين ومنها " الجهل بتطبيق الاحوال على الوقائع " لاجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع ، فينقلها المخبر كما رآها وهى بالتصنع على غير الحق في نفسه ، ومنها تقرب الناس في الاكثر لاصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح ، وتحسين الاحوال وإشاعة الذكر بذلك فيستفيض الاخبار بها على غير حقيقة ، فالنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة ، وليسوا في الاكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها ، ومن الاسباب المقتضية له أيضا - وهى سابقة على جميع ما تقدم - الجهل بطبائع الاحوال في العمران ، فإن كل حادث من الحوادث - ذاتا كان أو فعلا لا بد من طبيعة تخصه في ذاته ، وفيما يعرض له من أحواله - فإذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والاحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب ، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض - وكثيرا ما يعرض للسامعين قبول الاخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثر عنهم (1) . تمحيص الاخبار بمعرفة طبائع العمران سابق على التمحيص بتعديل الرواة : وقال : وأحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الاخبار إنما هو بمعرفة طبائع العمران وتمييز صدقها من كذبها . وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة ، ولا يرجع إلى تعديل الرواة ، حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ، ممكن أو ممتنع ، وأما إذا كان مستحيلا فلا فائدة ، للنظر في التعديل والتجريح - ولقد عد أهل النظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللفظ وتأويله بما لا يقبله العقل ، وإنما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الاخبار الشرعية ، لان معظمها تكاليف إنشائية أوجب الشارع العمل بها حتى حصل الظن بصدقها ، وسبيل صحة الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط اه‍ (2) . =========================================================================== (1) ص 35 و 36 . (2) ص 37 من المقدمة . (*) =========================================================================== [ 388 ] ولما تكلم عن عمر الدنيا قال : كان المعتمد في ذلك في صدر الاسلام آثارا منقولة عن الصحابة ، وخصوصا مسلمة بنى إسرائيل مثل كعب الاحبار ووهب ابن منبه وأمثالهما ، وقال في حديثه عن تفسير القرآن : وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين ، والمقبول والمردود ، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والامية ، وإذا تشوقوا إلى معرفة شئ ، مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات ، وبدء الخليقة وأسرار الوجود ، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ، ويستفيدونه منهم ، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى ، وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية ، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالاحكام الشرعية التى يحتاطون لها ، مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك وهؤلاء مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم ، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملاوا كتب التفسير بهذه المنقولات . وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة فتلقيت بالقبول من يومئذ (1) . وقال في بحث علوم الحديث (2) . إن الائمة المجتهدين تفاوتوا في الاكثار من هذه الصناعة والاقلال فأبو حنيفة رضى الله تعالى عنه : يقال بلغت روايته إلى 17 حديثا أو نحوها ، ومالك رحمه الله إنما صح عنده ما في كتاب الموطأ وغايتها 300 حديث أو نحوها ، وأحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده 50 ألف حديث (3) . . وإنما قلل منهم من قلل الرواية لاجل المطاعن التى تعترضه فيها ، والعلل التى تعرض في طرقها ، ولا سيما والجرح مقدم عند الاكثر فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الاخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الاحاديث =========================================================================== (1) 439 من المقدمة . (2) 444 و 445 من المقدمة . (3) راجع الكلام عن الموطأ ومسند أحمد فيما مضى من القول . (*) =========================================================================== [ 389 ] وطرق الاسانيد ، ويكثر ذلك ، فتقل روايته لضعف في الطرق . . والامام أبو حنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي (1) فقل حديثه . . لا أنه ترك رواية الحديث متعمدا ، فحاشاه من ذلك . . وأما غيره فتوسعوا في الشروط وكثر حديثهم والكل على اجتهاد . وقال (2) : إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا ، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم ، وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن ، العارفين بناسخه ومنسوخه ، ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالته ، بما تلقوه من النبي أو ممن سمعه منهم ومن عليتهم وكانوا يسمون لذلك القراء ، أي الذين يقرءون الكتاب لان العرب كانوا أمة أمية . أعظم ما رزئ به الاسلام : قال الاستاذ الامام محمد عبده : لم يرزأ الاسلام بأعظم مما ابتدعه المنتسبون إليه ، وما أحدثه الغلاة من المفتريات عليه ، فذلك مما جلب الفساد على عقول المسلمين ، وأساء ظنون غيرهم فيما بنى عليه الدين . وقد فشت للكذب فاشية على الدين المحمدى في قرونه الاولى حتى عرف ذلك في عهد الصحابة رضى الله عنهم ، بل عهد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم في حياته . . إلا أن عموم البلوى بالاكاذيب حق على الناس بلاؤه في دولة الامويين فكثر الناقلون وقل الصادقون وامتنع كثير من أجلة الصحابة عن الحديث إلا لمن يثقون بحفظه خوفا من التحريف فيما يؤخذ عنهم . . وروى الامام مسلم في مقدمة صحيحه قال : ما رأيت أهل الخير في شئ أكذب منهم في الحديث (3) ثم اتسع شر الافتراء ، وتفاقم خطب الاختلاق وامتد بامتدادات =========================================================================== (1) أي يعرض الامر على الطبائع النفسية والبيئة الاجتماعية . (2) ص 446 من أجل ذلك لم يأخذ أبو حنيفة بما جاء عن أبى هريرة وأنس بن مالك وسمرة ابن جندب لاسباب بينها ولانهم لم يكونوا من أهل الفتيا راجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (3) روى مسلم هذه العبارة في مقدمة صحيحه عن يحيى بن سعيد القطان بهذا اللفظ ، وبلفظ الصالحين بدل أهل الخير . (*) =========================================================================== [ 390 ] الزمان ، ومن راجع مقدمة الامام مسلم ، علم ما لحقه من التعب والعناء في تصنيف صحيحه ، واطلع على ما أدخله الدخلاء في الدين وليس منه في شئ . لم يخف على أهل النظر في التاريخ أن الدين الاسلامي غشى أبصار العالم بلامع القوة ، وعلا رءوس الامم بسلطان السطوة وفاض في الناس فيضان السيول المنحدرة ، ولاحت لهم فيه رغبات ، وتمثلت لهم منه مرهبات ، وقامت لاولى الالباب عليه آيات بينات ، فكان الداخلون في الدين على هذه الاقسام : قوم اعتقدوا به إذعانا لحاجته واستضاءة بنوره وأولئك الصادقون ، وقوم من ملل مختلفة انتحلوا لقبه واتسموا بسمته ، إما لرغبة في مغانمه أو لرهبة من سطوات أهله ، أو لتعزز بالانتساب إليه فتدثروا بدثاره ، لكنهم لم يستشعروا بشعاره ، لبسوا الاسلام على ظواهر أحوالهم ، إلا أنه لم يمس أعشار قلوبهم ، فهم كانوا على أديانهم في بواطنهم ، ويضارعون المسلمين في ظواهرهم . وقد قال الله في قوم من أشباههم : " قالت الاعراب آمنا ! قل لم تؤمنوا ، ولكن قولوا أسلمنا ، ولما يدخل الايمان في قلوبكم " فمن هؤلاء من كان يبالغ في الرياء حتى يظن الناس أنه من الاتقياء ، فإذا أحس من قوم ثقة بقوله أخذ يروى لهم أحاديث دينه القديم مسندا لها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو بعض أصحابه ، ولهذا ترى جميع الاسرائيليات وما حوته شروح التوراة قد نقل إلى الكتب الاسلامية على أنه أحاديث نبوية (1) . ومنهم من تعمد وضع الاحاديث التى لو رسخت معانيها في العقول أفسدت الاخلاق وحملت على التهاون بالاعمال الشرعية وفترت الهمم عن الانتصار للحق ، كالاحاديث الدالة على إنقضاء عمر الاسلام " والعياذ بالله أو المطمعة في عفو الله مع الانحراف عن شرعه ، أو الحاملة على التسليم للقدر بترك العقل فيما يصلح الدين والدنيا . كل ذلك يضعه الواضعون قصدا لافساد المسلمين وتحويلهم عن أصول دينهم . ليختل نظامهم ويضعف حولهم . ومن الكاذبين قوم ظنوا أن التزيد في الاخبار والاكثار من القول ، يرفع من شأن الدين ، فهذروا بما شاءوا ، يبتغون بذلك الاجر والثواب ، ولن ينالهم إلا الوزر والعقاب ، وهم الذين قال فهم مسلم في صحيحه ما رأيت الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث (2) ويريد " بالصالحين " أولئك الذين يطيلون =========================================================================== (1) راجع فصل الاسرائيليات من هذا الكتاب ص 145 وما بعدها . (2) راجع فصل الوضاع الصالحون ص 138 . (*) =========================================================================== [ 391 ] سبالهم ويوسعون سربالهم ، ويطأطئون رؤوسهم ويخفتون من أصواتهم ، ويغدون ويروحون إلى المساجد بأشباحهم ، وهم أبعد الناس عنها بأرواحهم ، يحركون بالذكر شفاههم ويلحقون بها في الحركة سبحهم . . ولكنهم كما قال أمير المؤمنين على بن أبى طالب جعلوا الدين من أقفال البصيرة ومغاليق العقل ، فهم أغرار مرحومون يسيئون ويحسبون أنهم يحسنون . . فهؤلاء قد يخيل لهم الظلم عدلا ، والغدر فضلا ، فيرون أن نسبة ما يظنون - إلى أصحاب النبي مما يزيد في فضلهم ، ويعلى في النفوس منزلتهم فيصح فيهم ما قيل . عدو عاقل خير من محب جاهل (1) اه‍ ببعض اختصار . ولما عرض رحمه الله لعلم الحديث في اللائحة التى وضعها لاصلاح التعليم ، وما يجب اتباعه قال : " فن الحديث على شرط أن يؤخذ مفسرا للقرآن مبينا له ، مع اطراح ما يخالف نصه ، من الاحاديث الضعيفة ، والاجتهاد لارجاع الاحاديث الصحيحة إليه إن كان ظاهرها يوهم المخالفة (2) . وقال في خطاب لاحد إخوانه ينصحه فيه بمداومة قراءة القرآن والسيرة النبوية قال : " داوم قراءة القرآن وتفهم أوامره ونواهيه ومواعظه وعبره ، كما كان يتلى على المؤمنين والكافرين أيام الوحى ، وحاذر النظر إلى وجوه التفاسير إلا لفهم لفظ مفرد غاب عنك مراد العرب منه ، أو ارتباط مفرد بآخر خفى عليك متصله ، ثم اذهب إلى ما يشخصك القرآن إليه ، واحمل بنفسك على ما يحمل عليه ، وضم إلى ذلك مطالعة السيرة النبوية ، واقفا عند الصحيح المعقول ، حاجزا عينيك عن الضعيف والمبذول (3) . وقال طيب الله ثراه ، في تفسير القرآن : وفهم الدين : لا يتبع إلا الدليل القاطع لان هذا من باب العقائد ، وهو مبنى على اليقين الذى لا يمكن الاخذ فيه بالظن والوهم (4) . =========================================================================== (1) ص 347 - 49 تاريخ الاسناد للامام ج‍ 2 . (2) ص 516 من المصدر نفسه . (3) ص 559 من المصدر نفسه . (4) ص 643 من المصدر نفسه . (*) =========================================================================== [ 392 ] التصديق بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم (1) . : قال الاستاذ الامام محمد عبده : يجب تصديق خبره صلى الله عليه وسلم والايمان بما جاء به ، ونعنى بما جاء به ما صرح به في الكتاب العزيز ، وما تواتر الخبر به ، تواترا صحيحا مستوفيا لشرائطه ، وهو ما أخبر به جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة في أمر محسوس . ومن ذلك أحوال ما بعد الموت من بعث ونعيم في جنة ، وعذاب في نار - وحساب على حسنات وسيئات ، وغير ذلك مما هو معروف . ويجب أن يقتصر في الاعتقاد على ما هو صريح في الخبر ، ولا تجوز الزيادة على ما هو قطعي بظني - وشرط صحة الاعتقاد أن لا يكون فيه شئ يمس التنزيه وعلو المقام الالهى عن مشابهة المخلوقين . أما أخبار الآحاد فإنما يجب الايمان بما ورد فيها على من بلغته وصدق بصحة روايتها ، وأما من لم يبلغه الخبر ، أو بلغه وعرضت له شبهة في صحته ، وهو ليس من المتواتر فلا يطعن في إيمانه عدم التصديق به . والاصل في جميع ذلك أن من أنكر شيئا (2) وهو يعلم أن النبي حدث به أو قرره ، فقد طعن في صدق الرسالة وكذب بها ، ويلحق به من أهمل العلم بما تواتر وعلم أنه من الدين بالضرورة وهو ما في الكتاب وقليل من السنة في العمل (3) . =========================================================================== (1) ص 200 - 202 رسالة التوحيد . (2) أي من أمر الدين الذى هو موضوع الرسالة والتبليغ عن الله تعالى . (3) أكثر السنن المتواترة هي العملية كصفة الصلاة والحج وأما الاحاديث القولية المتواترة فقيل إنها لا تبلغ أقصى جمع القلة ، من تعليق السيد رشيد . (*) =========================================================================== [ 393 ] هل كل من وثقه جمهور المتقدمين يكون ثقة : كان أحد الشيوخ الازهريين قد أخذ على العلامة السيد رشيد رضا أنه انتقد كعب الاحبار ووهب بن منبه ! وأظهر عدم الثقة بروايتهما ، فأجاب رحمه الله برد طويل ممتع مفحم ، ننقل منه ما يلى : " إذا سلمنا أن كل من وثقه جمهور المتقدمين فهو ثقة - وإن ظهر خلاف ذلك بالدليل - نفتح بابا للطعن في أنفسنا بنبذ الدليل والاخذ في مقدماته بالتقليد ، ومخالفة هداية القرآن المجيد " . وبعد أن بين أن نقد رواة الحديث قد بحث فيه رجال الجرح والتعديل قال : أما تمحيص متون الروايات وموافقتها أو مخالفتها للحق والواقع وللاصول أو الفروع الدينية القطعية أو الراجحة وغيرها فليس من صناعتهم ، (أي رجال الحديث) ويقل الباحثون فيه منهم ، ومن تعرض له منهم - كالامام أحمد والبخاري لم - يوفه حقه ، كما تراه فيما يورده الحافظ ابن حجر في التعارض بين الروايات الصحيحة له ولغيره ، ومنه ما كان يتعذر عليهم العلم بموافقته أو مخالفته للواقع كظاهر ، حديث أبى ذر عند الشيخين وغيرهما (1) : أين تكون الشمس بعد غروبها ؟ فقد كان المتبادر منه للمتقدمين أن الشمس تغيب عن الارض كلها وينقطع نورها عنها مدة الليل ! إذ تكون تحت العرش تنتظر الاذن لها بالطلوع ثانية ! ! وقد صار من المعلوم القطعي لمئات الملايين من البشر أن الشمس لا تغيب عن الارض في أثناء الليل ، وإنما تغيب عن بعض الاقطار وتطلع على غيرها ، فنهارنا ليل عند غيرنا ، وليلنا نهار عندهم ، كما هو المتبادر من قوله تعالى (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) ، وفي قوله : (يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا) ، فنحن - بعد =========================================================================== (1) نص الحديث قال رسول الله لابي ذر حين غربت الشمس ، أتدرى أين تذهب ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها . وتستأذن فلا يؤذن لها ! فيقال لها : ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله (والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) . هذا لفظ البخاري وقد رواه الشيخان وبعض أصحاب السنن والمسانيد والتفسير المأثور والبيهقي بألفاظ متقاربة . (*) =========================================================================== [ 394 ] العلم القطعي الثابت بالحس في مثل هذه المسألة وما في حكمها - لا مندوحة لنا عن أحد أمرين : إما الطعن في سند الحديث وإن صححوه - لان رواية ما يخالف القطعي من علامات الوضع عند المحدثين أنفسهم ، وأقرب تصوير للطعن فيما اشتهر رواته بالصدق والضبط أن يكون الصحابي أو التابعي منهم سمعه من مثل كعب الاحبار ، ونحن نعلم أن أبا هريرة روى عن كعب الاحبار ، وكان يصدقه ونرى الكثير من أحاديثه عنعنة لم يصرح بسماعها من النبي صلى الله عليه وسلم - ومن القطعي أنه لم يسمع الكثير منها من لسانه صلى الله عليه وسلم لتأخر إسلامه فمن القريب أن يكون سمع بعضها من كعب الاحبار . ومرسل الصحابي إنما يكون حجة إذا سمعه من صحابي مثله (1) ومثل هذا يقال في ابن عباس وغيره ممن روى عن كعب الاحبار وكان يصدقه - وإما تأويل الحديث بأنه مروى بالمعنى وأن بعض رواته لم يفهم المراد منه فعبر عما فهمه ، كعدم فهم راوي هذا الحديث الذى ذكرنا على سبيل التمثيل - المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : إن الشمس تكون ساجدة تحت العرش إلخ . فعبر عنه بما يدل على أنها تغيب عن الارض كلها . . إلى أن قال : وقد أول الحديث بعض شراح الصحيحين ليوافق رأى المتقدمين من علماء الفلك فكان تأويلهم متكلف يرده ظاهر الحديث ولا سيما رواية مسلم المطولة . ومن هذا القبيل حكاية بعض الرواة لكعب ووهب عن كتب بنى إسرائيل ، ولم يكن يحيى بن معين وأحمد وأبو حاتم وابنه وأمثالهم (2) يعرفون ما يصح من ذلك وما لا يصح لعدم اطلاعهم على تلك الكتب ، وعدم ظهور دليل على كذب الرواة المتقنين للكذب ، فيما يعزونه إليها ، فإذا ظهر لمن بعدهم في العصر أو فيما قبله ، أو فيما بعده ما لم يظهر لهم من كذب اثنين أو أكثر من هؤلاء الرواة فهل يكابر حسه ويكذب نفسه ، ويصدقهم بلسانه كذبا ونفاقا ؟ أو يكتم الحق عن المسلمين =========================================================================== (1) هذا إذا جاءت الرواية بذلك ولكنها أتت بغير ذلك فلا يذكر الصحابي اسم من سمع منه وبهذه الحالة تسقط حجية الحديث . (2) من شيوخ الحديث وعلماء الجرح والتعديل . (*) =========================================================================== [ 395 ] لئلا يكون مخالفا لمن قبله فيما ظهر له ولم يظهر لهم ! فلم ير المنتقد (1) الغيور على السنة أن الملاحدة الذين يتقى طعنهم في السنة بتعديل كعب ووهب يشككون المسلمين في الاصول والمسائل القطعية حتى في نصوص القرآن ! ثم إننا نعيد القول ونؤكده بأن ظهور كذب كعب ووهب لنا لا يترتب عليه خسراننا لشئ من أصول ديننا ولا من فروعه ، فالعمدة في الدين هو القرآن وسنن الرسول المتواترة وهى السنن العملية ، كصفة الصلاة والمناسك مثلا ، وبعض الاحاديث القولية التى أخذ بها جمهور السلف ، وما عدا ذلك من أحاديث الآحاد التى هي غير قطعية الدلالة ، فهى محل اجتهاد . وإننا نرى بعض الائمة المجتهدين قد تركوا الاخذ بكثير من الاحاديث الصحيحة ، حتى ما رواه الشيخان (البخاري ومسلم) منها . ولا يزال يتبعهم الملايين من الناس في تركها ، ولا يعدهم سائر المسلمين ضالين عن دينهم . وقد أورد المحقق ابن القيم أكثر من مائة شاهد من هذه الاحاديث الصحيحة التى خالفها الحنفية وغيرهم ، وهم أكثر مسلمى هذا العصر . فماذا تكون قيمة روايات هذا الاسرائيلي (كعب الاحبار) وهذا الفارسى (وهب بن منبه) وأكثرها خرافات إسرائيلية ، شوهت كتب تفسير كتاب الله وغيرها من الكتب ، وكانت شبها على الاسلام يحتج بها أعداؤه الملاحدة بأنه كغيره دين خرافات ، وأوهام ، وما كان منها غير خرافة فقد تكون الشبهة فيه أكبر ، كالذى ذكره كعب من صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة (2) واعترف المنتقد بصحته عنه . . إلى أن قال : إن جرحنا لهما (كعب ووهب) إنما كان في شئ لم يكن يعرفه رجال الجرح والتعديل المتقدمون ، وهو وجيه يتعين قبوله . وإن الروايات المعروفة صحتها عنهما كافية في إثبات كذبها . وبعد هذا كله أقول : إذا ثبت بما حررناه كذب الرجلين بما ذكرا ، فلا يبقى مجال للشك في أنهما كانا يغشان المسلمين ، ويدخلان في كتبهم الدينية ورواياتهم ما يقتضى الطعن في دينهم ، وحينئذ لا يبقى محل لاستغراب اشتراكهما في تلك الجمعيات اليهودية والمجوسية ، التى كانت تكيد للاسلام والعرب (3) . =========================================================================== (1) الذى كان قد أخذ عليه الطعن في كعب وغيره اسمه الشيخ عبد الرحمن الجمجمونى . (2) راجع ص 151 وما بعدها . (3) ص 614 - 619 ج‍ 27 منار . (*) =========================================================================== [ 396 ] نقد علماء فقه الحديث : وقال رحمه الله : إن لعلماء فقه الحديث من وراء نقد أسانيد الاخبار والآثار ، نقدا آخر لمتونها من نواحى معانيها ولغتها ، وحكم العقل والشرع فيها ، وتعارضها مع غيرها ، ويشاركهم في هذا النوع من النقد رجال الفلسفة والادب والتاريخ ويسمونه في عصرنا " النقد التحليلي " ومن ثم استشكلوا كثيرا من الاحاديث حتى الصحيحة الاسانيد ، تكلموا عليها في شروحها وصنف بعضهم كتبا خاصة بها ، أشهرها كتاب " مشكل الآثار للطحاوي " (1) . وعلى الجملة فقد كان هم رجال الجرح والتعديل محصورا في تمحيص رواة السنة من حيث جودة الحفظ والضبط ، وعدم الشذوذ على قدر الوسع وقلما يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلاف واقعا في المتن - ولكن تمحيص متون الروايات أو مخالفتها للحق والواقع وللاصول أو الفروع الدينية القطعية الراجحة وغيرها لم يجعلوه من صناعتهم ، وقل الباحثون فيه منهم - وكم من حديث ليس في إسناده إلا ثقة ثبت وهو معلول واه فالصحيح لا يعرف برواته فقط وإنما يعرف بالفهم والحفظ . جل أحاديث الآحاد لم تكن مستفيضة في العصر الاول : جاء في مقدمة كتاب المغنى والشرح الكبير ما يلى : يعلم من أدلة المذاهب أن جل الاحاديث التى يحتج بها أهل الحديث على أهل الرأى (2) وعلى القياسيين من علماء الرواية ، هي من أحاديث الآحاد التى لم =========================================================================== (1) ص 620 ج‍ 34 منار وقد طبع مشكل الآثار هذا في الهند في أربعة أجزاء كبار وكذلك نجد مشكلات كثيرة في شرح ابن حجر للبخاري المسمى (فتح الباري) . (2) انقسم الفقه عند أهل السنة إلى طريقتين طريقة أهل الرأى والقياس ، وهم أهل العراق . وطريقة أهل الحديث وهم أهل الحجاز . وأهل العراق قد استكثروا من القياس ومهروا فيه فلذلك قيل = (*) =========================================================================== [ 397 ] تكن مستفيضة في العصر الاول ، أو نقل عن الصحابة والتابعين خلاف في موضوعها ، فعلم بذلك أنها ليست من التشريع العام ، الذى جرى عليه عمل النبي وأصحابه ، وليست مما أمر النبي أن يبلغ الشاهد فيه الغائب ، بل كانت مما يرد كثيرا في استفتاء مستفت عرضت له المسألة فسأل عنها فأجيب ، ولعله لو لم يسأل لكان في سعة من العمل باجتهاده فيها ، ولكان خيرا له وللناس ، إذ لو كانت من مهمات الدين التى أراد الله تكليف عباده إياها ، لبينها لهم من غير سؤال ، فإن الله تعالى أعلم بما هو خير لهم (1) . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره كثرة السؤال ونهى عنها لئلا تكون سببا لكثرة التكاليف ، فتعجز الامة عن القيام بها ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم " دعوني ما تركتكم ، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ، رواه الشيخان ورواه الدارقطني من وجه آخر ، وقال فنزل قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم " الآية . وقال صلى الله عليه وسلم : " إن الله فرض فرائض فلا تعتدوها ، وحد حدودا فلا تقربوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها " ، رواه الدارقطني والنووي في الاربعين . وفوق كل هذا قول الله تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الاسلام دينا " . ومن الجهل الفاضح والجناية على الدين أن نهدم هذه القواعد والاصول العظيمة بأقيسة من ظنون الرأى والقياس . ولقد ثبت أن النبي كان يجيب كل مستفت بما يناسب حاله ، وأن بعض فتاواه كانت رخصا خاصة أو عامة ، ومن ذلك أنه رخص لعقبة بن عامر ولابي بردة بن نيار بأن يضحى بالجذع (أو العتود) من المعز وهو ما يرعى وقوى وأتى عليه =========================================================================== = لهم " أهل الرأى " إمامهم " أبو حنيفة " وإمام أهل الحجاز ومالك والشافعي بعده ، وهناك فقه آخر لمذاهب كثيرة كالشيعة الزيدية ، والشيعة الامامية ، وغيرهما من فرق المسلمين - ولكل قوم سنة وإمامها . (1) وهذه الاسئلة لا يعلم أحد أسبابها ولا أوقاتها ولا مناسباتها وهى أمور ضرورية لفهمها . (*) =========================================================================== [ 398 ] حول ، وقال الجوهرى وخيره ما بلغ سنة - والحديث متفق عليه - والجمهور ومنهم الائمة الاربعة يمنعون التضحية بالجذع والمعز (1) . هل الاحاديث التى يسمونها بسنن الاقوال ، دين وشريعة عامة ؟ قال السيد رشيد رضا : هل الاحاديث - ويسمونها بسنن الاقوال دين - وشريعة عامة ، وإن لم تكن سننا متبعة بالعمل بلا نزاع ولا خلاف ، لا سيما في الصدر الاول ؟ إن قلنا نعم ! فأكبر شبهة ترد علينا - نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة شئ عنه غير القرآن ، وعدم كتابة الصحابة للحديث ! وعدم عناية علمائهم وأئمتهم كالخلفاء بالتحديث ! بل نقل عنهم الرغبة عنه . ما يرد به خبر الواحد : قال الشيرازي في اللمع في (باب بيان ما يرد به خبر الواحد) . إذا روى الخبر ثقة رد بأمور : " أحدها " أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه لان الشرع إنما يرد بمجوزات العقول (2) وأما بخلاف العقول فلا . " والثانى " أن يخالف نص كتاب أو سنة متواترة ، فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ . " الثالث " أن يخالف الاجماع فيستدل به على أنه منسوخ ، أو لا أصل له لانه لا يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ وتجمع الامة على خلافه . " والرابع " أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على الكافة علمه ، فيدل ذلك على أنه لا أصل له ، لانه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم . " والخامس " أن ينفرد برواية ما جرت العادة أن ينقله أهل التواتر ، فلا يقبل لانه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية ، فأما إذا ورد مخالفا للقياس ، أو انفرد الواحد برواية ما تعم به البلوى ، لم يرد - وقد حكينا الخلاف في ذلك فأغنى عن الاعادة اه‍ (3) . =========================================================================== (1) ص 18 و 19 ج‍ 1 . (2) هذه القضية مسلم بها عند جميع النظار ، وقد قال ابن تيمية ، ويمتنع أن يتعارض دليلان قطعيان سواء أكانا عقليين ، أم كان أحدهما عقليا والآخر سمعيا . (3) ص 82 في توجيه النظر . (*) =========================================================================== [ 399 ] وقال الغزالي في المستصفى : القسم الثاني من الاخبار ما يعلم كذبه ، وهى أربعة : " الاول " ما يعلم خلافه بضرورة العقل ، أو نظره ، أو الحس والمشاهدة أو أخبار التواتر - وبالجملة ما خالف المعلوم بالمدارك الستة ، " الثاني " ما يخالف النص القاطع من الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الامة ، فإنه ورد مكذبا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللامة ، " الثالث " ما صرح بتكذيبه جمع كثير يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب إذا قالوا : حضرنا معه في ذلك الوقت فلم نجد ما حكاه من الواقعة أصلا ، " الرابع " ما سكت الجمع الكثير عن نقله والتحدث به مع جريان الواقعة بمشهد منهم ، ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره لتوفر الدواعى على نقله ولا حالة العادة اختصاصه بحكايته . وقال القرافى : الدال على كذب الخبر خمسة : وهو منافاته لما علم بالضرورة أو النظر أو الدليل القاطع أو فيما شأنه أن يكون متواترا ولم يتواتر ، وكقواعد الشرع ، أولهما جميعا ، كالمعجزات أو طلب في صدور الرواة أو كتبهم بعد استقراء الاحاديث فلم يوجد اه‍ (1) . حال الناس في الصدر الاول وبعده : قال الامام أبو زيد الدبوسي رحمه الله في تقويم الادلة : كان الناس في الصدر الاول ، أعنى الصحابة والتابعين والصالحين ، يبنون أمورهم على الحجة ، فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة (2) ثم بأقوال من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ما يصح بالحجة ، فكان الرجل يأخذ بقول عمر في مسألة ، ثم يخالفه بقول على في مسألة أخرى . وقد ظهر من أصحاب أبى حنيفة أنهم وافقوه مرة ، وخالفوه أخرى ، بحسب ما تتضح لهم الحجة ، ولم يكن المذهب في الشريعة عمريا ، ولا علويا ، بل النسبة كانت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فكانوا قرونا أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالخير فكانوا يرون الحجة ، لا علماءهم ، ولا نفوسهم ، فلما ذهبت التقوى عن =========================================================================== (1) ص 82 توجيه النظر للجزائري . (2) المقصود بالسنة هنا هي السنة العملية . (*) =========================================================================== [ 400 ] عامة القرن الرابع وكسلوا عن طلب الحجج ، جعلوا علماءهم حجة واتبعوهم ، فصار بعضهم حنفيا وبعضهم مالكيا وبعضهم شافعيا ، ينصرون الحجة بالرجال ، ويعتقدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب ، ثم كل قرن بعدهم اتبع عالمه كيف ما أصابه بلا تمييز حتى تبدلت السنن بالبدع فضل الحق بين الهوى (1) . الفقه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم : قال ولى الله الدهلوى في رسالته " الانصاف في بيان سبب الاختلاف " . لم يكن الفقه في زمانه الشريف مدونا ، ولم يكن البحث في الاحكام يومئذ مثل بحث هؤلاء الفقهاء حيث يبينون بأقصى جهدهم الاركان والشروط والآداب . . . ويفرضون الصور من صنائعهم ويتكلمون عن تلك الصور المفروضة ويحدون ما يقبل الحد ، ويحصرون ما يقبل الحصر إلى غير ذلك . أما رسول الله فكان يتوضأ فيرى الصحابة وضوءه فيأخذون به من غير أن يبين أن هذا ركن وذلك أدب ، وكان يصلى فيرون صلاته فيصلون كما رأوه يصلى (2) وحج فرمق الناس حجه ففعلوا كما فعل (3) وهذا كان غالب حاله صلى الله عليه وآله ولم يبين أن فروض الوضوء ستة أو أربعة ، ولم يفرض أنه يحتمل أن يتوضأ إنسان بغير موالاة حتى يحكم عليه بالصحة أو الفساد إلا ما شاء الله ، وقلما كانوا يسألونه عن هذه الاشياء . عن ابن عباس قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن ، منهن : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ، ويسألونك عن المحيض ، قال : ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم - وقال القاسم إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها ، وتنقرون عن أشياء ما كنا =========================================================================== (1) 334 من قواعد التحديث ومن حقها أن تكون تبدلت البدع بالسنن لان الباء تدخل على المتروك . (2) قال رسول الله : صلوا كما رأيتموني أصلى . متفق عليه . (3) روى مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر أن رسول الله قال : خذوا عنى مناسككم . (*) =========================================================================== [ 401 ] ننقر عنها فما رأيت قوما أيسر سيرة ولا أقل تشديدا من الصحابة (1) . وبالجملة فهذه كنت عادته الكريمة صلى الله عليه وآله فرأى كل صحابي ما يسره الله من عبادته وفتاواه وأقضيته فحفظها وعقلها ، وعرف لكل شئ وجها من قبل حفوف القرائن به . . ولم يكن العمدة عندهم إلا وجدان الاطمئنان (2) والثلج من غير التفات إلى طرق الاستدلال كما ترى الاعراب يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم (3) . من وجوه الترجيح ما فيه تعارض : قال العلامة الشيخ جمال الدين القاسمي في كتابه " قواعد التحديث " : إن من نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم ، وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح ، وطرق الترجيح كثيرا جدا ، ومدار الترجيح على ما يزيد الناظر قوة في نظره على وجه صحيح مطابق للمسالك الشرعية ، فما كان محصلا لذلك فهو مرجح معتبر ، والترجيح قد يكون باعتبار الاسناد وباعتبار المتن وباعتبار المدلول وباعتبار أمر خارج ، ثم ذكر وجوها كثيرة من وجوه الترجيح باعتبار الاسناد نختار منها ما يلى : 1 - الترجيح بكثرة الرواة . وقال الكرخي - إنهما سواء ، ورب عدل يعدل =========================================================================== (1) قول ابن عباس هذا رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ص 141 ج‍ 2) وقد ذكرها السيوطي في الاتقان فقال : إنها 12 سؤالا وأوردها الرازي بلفظ 14 حرفا ، وقال : منها ثمانية في البقرة " 1 " وإذا سألك عبادي عنى " 2 " يسألونك عن الاهلة " 3 " ويسألونك ماذا ينفقون قل : ما أنفقتم " 4 " يسألونك عن الشهر الحرام " 5 " يسألونك عن الخمر والميسر " 6 " ويسألونك عن اليتامى " 7 " ويسألونك ماذا ينفقون ؟ قل العفو " 8 " ويسألونك عن المحيض " 9 " ويسألونك ماذا أحل لهم " 10 " يسألونك عن الانفال " 11 " يسألونك عن الساعة " 12 " يسألونك عن الجبال " 13 " يسألونك عن الروح " 14 " يسألونك عن ذى القرنين : والسائل عن الروح وعن ذى القرنين هم مشركو مكة واليهود - كما في أسباب النزول لا الصحابة فأذن يكون الخالص 12 سؤالا - كما ذكر السيوطي . (2) قال رسول الله لوابصة لما سأله عن البر : استفت قلبك البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن له القلب ثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك . رواه أحمد والدرامي . (3) ص 2 ، 3 من الرسالة وص 140 و 141 ج‍ 1 من حجة الله لمؤلف الرسالة . (*) =========================================================================== [ 402 ] ألف رجل في الثقة - كما قيل إن شعبة بن الحجاج كان يعدل مئتين ، وقد كان الصحابة يقدمون رواية الصديق على رواية غيره . 2 - ترجيح رواية من كان فقيها ، لانه أعرف بمدلولات الالفاظ . 3 - ترجيح رواية الاوثق والاحفظ . 4 - أن يكون أحدهما من الخلفاء الاربعة دون الآخر . 5 - أن يكون أحدهما قد ثبتت عدالته بالتزكية والآخر بمجرد الظاهر . 6 - تقدم رواية من لم ينكر عليه ، على رواية من أنكر عليه . 7 - تقدم رواية من كان أشهر بالعدالة والثقة من الآخر ، لان ذلك يمنع من الكذب . ومن جهة أخرى الترجيح باعتبار أمور أخرى : 1 - يقدم ما عضده دليل آخر على ما لم يعضده دليل آخر . 2 - يقدم ما عمل عليه أكثر السلف ، على ما ليس كذلك لان الاكثر أولى بإصابة الحق . 3 - أن يكون أحدهما موافقا لعمل الخلفاء الاربعة . 4 - أن يكون أشبه بظاهر القرآن فإنه يقدم . اه‍ مختصرا (1) وفي كتابه - أي القاسمي - " تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب (2) قواعد أصولية نقتطف منها ما يلى : 1 - اتفقوا على أن " الوجوب " حكم من الاحكام الشرعية . وقد عرفوا الحكم بأنه : خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين . " والخطاب " توجيه الكلام نحو الغير للافهام . والوجوب حكم ، والحكم لا يكون إلا من حاكم ، والحاكم هو الله تعالى لا غيره . 2 - في المحصول : واعلم أن الانصاف أنه لا سبيل إلى استفادة اليقين من هذه الدلائل اللفظية إلا إذا اقترنت بها قرائن تفيد اليقين ، سواء كانت تلك القرائن =========================================================================== (1) 301 و 304 . (2) ص 13 و 14 و 37 و 38 . (*) =========================================================================== [ 403 ] مشاهدة أو منقولة إلينا (بالتواتر) . . لانها إن لم تكن مشاهدة ولا متواترة تكون منقولة بالآحاد ، وذلك لا يفيد إلا الظن اه‍ . من شرح مختصر منهاج البيضاوى . 3 - استدل بعض الحشوية من حديث " كل أمر ذى بال " بوجوب البداءة بالبسملة عنده قال : لان الحديث خبر لفظا ، إنشاء معنى - لانه بمعنى الامر والامر للوجوب ، فقيل له : إن شرط دلالة الامر على الوجوب أمران : الاول : أن يكون ثبوته قطعيا ، بأن يكون آية من كتاب الله أو حديثا متواترا . الثاني : أن تكون دلالته على المعنى قطعية ، لا يحتمل لفظ غير هذا المعنى فإن سقط أحد الامرين من الامر لم يفد الوجوب ، فبهت وكأنما ألقم حجرا . 4 - لا يفتى إلا المجتهد : قاله ابن الهمام رحمه الله . وقال أبو يوسف وزفر وغيرهما لا يحل لاحد أن يفتى بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا - أي لانه إذا حكم بإيجاب أو تحريم يستند إلى دليل نير ، يبذل فيه قصارى جهده ، وأما المقلد فلا يسوغ له طرق هذا الباب ، لانه سد على نفسه الابواب ، وأرخى ما أمكنه من ستر وحجاب . وقال الغزالي في فيصل التفرقة : حق المقلد أن يسكت ويسكت عنه اه‍ ما اقتطفناه من هذا الكتاب (1) . قواعد وأصول لما أنشأت أضع أصول هذا الكتاب لم أكن أظن أنه سيبلغ هذا المدى من الطول ، فاضطررت من أجل ذلك إلى أن أحتجن عنه كثيرا مما أعثر البحث عليه وأن أمسك القلم عن أن يجرى إلى أكثر من هذا المدى ، على أنى لم أر بدا من أن أذيله بقواعد مهمة اقتطفت بعضها مما حملته أغصانه من ثمرات ، على أن يكون في مقدمة ذلك بعض آيات من القرآن العظيم ، يتلوها أحاديث مما روى عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، تبدو صحتها من دقة معانيها . قال تعالى : " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " . =========================================================================== (1) ص 47 و 55 و 57 . (*) =========================================================================== [ 404 ] وقال تعالى : " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء " وقال تعالى : " وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون " . - وقال تعالى : " كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين . وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه " . - وقال تعالى : " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " . وقال تعالى " ما فرطنا في الكتاب من شئ " (1) . - وقال تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " . وروى الشيخان (البخاري ومسلم) أنه قيل لعبد الله بن أوفى (2) ، هل وصى رسول الله ؟ قال : لا ، قيل : فلم ؟ وقد كتب الوصية على الناس ، قال : وصى بكتاب الله ، قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث : أي التمسك به والعمل بمقتضاه ولعله أشار إلى قوله صلوات الله عليه : " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا : كتاب الله ، واقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه أعظم وأهم ، ولان ما فيه تبيان كل شئ إما بطريق النص أو بطريق الاستنباط ، فإذا اتبع الناس ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به اه‍ . والحديث الذى أشار إليه ابن حجر رواه مسلم في سياق حجة الوداع قال : إنى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا . وفي رواية أخرى عن جابر لما خطب صلى الله عليه وسلم يوم عرفة : " تركت فيكم ما لن تضلوا بعده - إن اعتصمتم به ، كتاب الله " . وفي الموطأ : " وسنتى " ، ولم تكن السنة يومئذ تعرف إلا بالسنة العملية . وفي رواية : إنى تارك فيكم الثقلين ! كتاب الله ، وعترتي أهل بيتى . وقد جاء هذا الحديث بروايات مختلفة والمعنى واحد في كثير من كتب السنة ، =========================================================================== (1) أي أن القرآن محيط بكل أصول أحكام الدين وغير الدين مما خلق وذرا . (2) عبد الله بن أوفى أحد الذين بايعوا تحت الشجرة في الحديبية ، وجاهد مع النبي ست غزوات ، وجرح يوم حنين وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة . (*) =========================================================================== [ 405 ] وإذا أردت الوقوف على هذه الروايات فارجع إلى كتاب " المراجعات " التى جرت بين العلامة شرف الدين الموسوي رحمه الله ، وبين الاستاذ الكبير الشيخ سليم البشرى شيخ الازهر (سابقا) في الصفحات من 20 وما بعدها من الطبعة الرابعة . * وعن أبى الدرداء مرفوعا " ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عافية ، فأقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئا ، وما كان ربك نسيا " - رواه البزار وابن أبى حاتم والطبراني . * ومن مراسيل ابن أبى مليكة : أن الصديق (أبا بكر) جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال : " إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها (1) والناس بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ! فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه " . * لما صلى رسول الله صلوات الله عليه صلاته التى صلاها في مرضه الاخير ، أقبل على الناس يكلمهم ويحذرهم الفتن رافعا صوته حتى خرج من المسجد فقال : أيها الناس سعرت النار ، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، وإنى والله ما تمسكون على بشئ ، إنى لم أحل إلا ما أحل القرآن ، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن (2) . * وعندما ضلت ناقته صلوات الله عليه في غزوة تبوك ، وقال المنافقون يومئذ : هو لا يعلم خبر موضع ناقته ! فكيف يعلم خبر السماء ! فقال - لما بلغه قولهم هذا - إنى لا أعلم إلا ما علمني الله (3) . * ولما سئلت عائشة رضى الله عنها عن خلق النبي ، قالت : إن النبي كان خلقه القرآن ، رواه أحمد ومسلم وأبو داود . * وقال الاستاذ الامام محمد عبده رضى الله عنه : إن المسلمين ليس لهم إمام في =========================================================================== (1) انظر كيف بدأ الاختلاف في عهد أبى بكر وانظر كيف أن الخلاف قد اشتد بعده بين الناس إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم . والناس هم الناس . (2) ص 332 ج 4 سيرة ابن هشام في رواية البلاذرى في أنساب الاشراف " إنى والله لا أحل لكم إلا ما أحل الله ولا أحرم عليك إلا ما حرم الله " ص 558 و 59 ج‍ 1 . (3) ص 111 ج‍ 1 الاستيعاب لابن عبد البر . (*) =========================================================================== [ 406 ] هذا العصر غير القرآن ، وأن الاسلام الصحيح هو ما كان عليه الصدر الاول قبل ظهور الفتن . * وقال رحمه الله : " لا يمكن لهذه الامة أن تقوم ما دامت هذه الكتب فيها (1) ولن تقوم إلا بالروح التى كانت في القرن الاول وهو (القرآن) وكل ما عداه فهو حجاب قائم بينه وبين العمل والعلم " . * وقال رحمه الله في تفسير سورة الفاتحة : إذا وزنا ما في أمغتنا من الاعتقاد بكتاب الله تعالى من غير أن ندخلها أولا فيه ، يظهر لنا كوننا مهتدين أو ضالين ! وأما إذا أدخلنا ما في أدمغتنا في القرآن وحشرناها فيه أولا ، فلا يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال ، لاختلاط الموزون بالميزان فلا يدرى ما هو الموزون من الموزون به - أريد أن يكون القرآن أصلا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين ، لا أن تكون المذاهب أصلا والقرآن هو الذى يحمل عليها ، ويرجع بالتأويل أو التحريف إليها ، كما جرى عليه المخذولون ، وياه فيه الضالون اه‍ (2) . * العبرة في العقائد بالدلالة القطعية ، وجميع العقائد التى تتوقف عليها صحة الاسلام ، ثابتة بنصوص القرآن وإجماع المسلمين ، ولا يوجد شئ منها يتوقف على أحاديث الآحاد التى يمكن الارتياب في بعضها - وكذلك أصول العبادات كلها قطعية ثابتة بالقرآن والسنة العملية المتواترة التى لا تتوقف على أخبار الآحاد ، وما ثبت من أحكام العبادات بأحاديث الآحاد ولم يجمع عليه أئمة العلم فلا تتوقف عليه صحة الاسلام ، وإن كان صحيحا في نفسه . * العمدة في الدين هو القرآن الحكيم وما دل عليه دلالة قطعية يجب الايمان به والاذعان له علما وعملا وتركا - وما كان غير قطعي الدلالة منه ، فهو محل اجتهاد للعارفين بأساليب لغته ، ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلما ناجيا . * وسنن الرسول المتواترة - وهى السنن العملية - وما أجمع عليه مسلمو الصدر =========================================================================== (1) يعنى الكتب التى تدرس في الازهر وأمثالها . (2) ص 54 . (*) =========================================================================== [ 407 ] الاول ، وكان معلوما عندهم بالضرورة - كل ذلك قعطى لا يسع أحد جحده أو رفضه ، بتأويل ولا اجتهاد ، ككون الصلاة المعروفة خمسا ، وكون الفجر ركعتين والمغرب ثلاثا والبواقي أربعا أربعا ، وكون كل ركعة تشتمل على قيام وقراءة قرآن فيه ، وركوع وسجودين إلخ ما هو معروف " بالعمل " من عهد الرسول إلى اليوم . * هذه هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أما إطلاقها على ما يشمل الاحاديث فاصطلاح حادث . * أحاديث الآحاد التى لم يعمل بها جمهور السلف ، هي محل اجتهاد في - أسانيدها ومتونها ودلالتها ، لان ما صح سنده منها يكون خاصا بصاحبه . * ومن صح عنده شئ منها رواية ودلالة عمل به - ولا تجعل تشريعا عاما تلزمه الامة إلزاما ، تقليدا لمن أخذ به . * الحديث الصحيح لا يعرف برواته فقط ، وإنما يعرف بالفهم والحفظ - وكم من حديث ليس في إسناده إلا ثقة وهو معلول واه . * الاحاديث الصحيحة مفيدة لغلبة الظن الذى عليه مدار الصحة عند الفقهاء ، وقال النووي في شرح مسلم : لان ذلك شأن الآحاد ، الذى لا يفيد شئ منها العلم البرهانى واليقين المنطقي ، ولا فرق في ذلك بين الشيخين البخاري ومسلم ، وغيرهما ، هذا هو الصحيح ، خلافا لمن قال " إن خبر الواحد يوجب العلم " . * ما كل ما صح سنده يكون متنه صحيحا ، وما كل ما لم يصح سنده يكون متنه غير صحيح . لا يلزم من إجماع الامة (1) على العمل بما في البخاري ومسلم ، إجماعهم على القطع بأنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا على أن ما فيهما مجزوم بصحة نسبته إلى النبي ، وأن تقدير ما فيهما إنما كان للذين أتوا بعدهما . * لم يكن الائمة الاربعة الذين يتبعهم أكثر المسلمين في الاحكام العملية =========================================================================== (1) هذا الاجماع الذى يقول به من سموا أنفسهم أهل السنة غير مسلم فهناك الشيعة والزيدية والاباضية وغيرهم ، وهم فرق كبيرة ، لا يستهان بهم ، لا يلزمون أنفسهم بالعمل بما فيها ، ولكل قوم سنة وإمامها . (*) =========================================================================== [ 408 ] مطلعين على كتب الحديث ، ولا سيما الامام أبى حنيفة ، ولم يكن الحديث مدونا في الاسفار فيأخذه منها - وهو مع ذلك معترف بإمامته واجتهاده عند اتباعه وغيرهم من أهل السنة ، ولم يظهر البخاري ولا غيره من كتب الحديث إلا بعد انقضاء خير القرون . * لم يقل أحد من سلف الامة وأئمة الفقه ، إن معرفة الدين تتوقف على الاحاطة بجميع ما رواه المحدثون من الاحاديث ولا بأكثرها . * اتفق علماء الاصول على هذه القاعدة " أن طروء الاحتمال في المرفوع من وقائع الاحوال ، يكسوها ثوب الاجمال ، فيسقط به الاستدلال " . * يعذر من لم يصدق رواية بعض الاحاديث لشبهة عنده في المتن والسند فكذب مضمونها ، أو خالفها لذلك ، وإن صح ويرد عليه بالتى هي أحسن . * جعل العلماء المتقدمون " أن مدار الارتداد عن الاسلام هو جحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة " . * الامة ما تعبدوا إلا بخبر يغلب على الظن صدقه ، لانهم إنما أمروا بالاستناد إلى ما ظنوا صحته - والحكم يقع بالظن الغالب ، ولا يلزم من ظنهم صحته ، صحته في نفس الامر ، وكذلك لا يلزم من الاجماع على حكم مطابقته لحكم الله في نفس الامر . مضت سنة السلف الصالح في الاحاديث غير المتواترة ، بأن من بلغه حديث منها بطريق يعتقد ثبوته عمل به ولم يوجبوا على أحد - ولو كان منقطعا لتحصيل العلم - أن يبحث عن جميع ما روى من هذه الاحاديث ويعمل بها ، كيف والصحابة لم يكتبوا الحديث ، ولم يتصدوا لجمعه وتلقينه للناس ، بل منهم من نهى عن روايته . قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل : ثلاثة أمور ليس لها إسناد ، التفسير والملاحم ، والمغازى . وقال ابن تيمية خليفة أحمد بن حنبل في إمامة الحنابلة : =========================================================================== [ 409 ] والمؤدى ليست لها أصول ، أي إسناد ، لان الغالب عليها المراسيل (1) . لم يجمع الصحابة السنة القولية ، ولم يتفقوا عليها ، كما جمعوا القرآن واتفقوا عليه . إن أئمة المسلمين لم يتفقوا على الصحيح منها ، وما منهم من أحد إلا خالف في مذهبه كثيرا منها - ولو صح عند غيره الخ . الاصل في العبادات والاصل في العقود (المعاملات) : الاصل في العبادات البطلان ، حتى يقوم دليل على الامر . والاصل في العقود والمعاملات الصحة ، حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم . والفرق بينهما - أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله ، فإن العبادة حقه على عباده ، وحقه الذى أحقه هو ورضى به وشرعه . وأما العقود والشروط والمعاملات فهى عفو حتى يحرمها ، ولهذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الاصلين ، وهو تحريم ما لم يحرمه ، والتقرب إليه بما لا يشرعه ، فالحلال ما أحله الله ، والحرام ما حرمه - وما سكت عنه فهو عفو . رب راو هو موثوق به عند عبد الرحمن بن مهدى ومجروح عند يحيى بن سعيد القطان وبالعكس ، وهما إمامان عليهما مدار النقد في النقل ومن عندهما يتلقى معظم شأن الحديث . إن ما كان قطعي الدلالة في النصوص فهو " الشرع العام " الذى يجب على جميع المسلمين اتباعه عملا وقضاء ، وإن ما كان ظنى الدلالة ، فهو موكول إلى اجتهاد الافراد في التعبدات والمحرمات ، وإلى أولى الامر في الاحكام القضائية . إن ما كانت دلالته على التحريم من النصوص ظنية غير قطعية ، لا يجعل تشريعا عاما تطالب به كل الامة - وإنما يعمل فيه كل أحد باجتهاده ، فمن فهم =========================================================================== (1) ص 14 من مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية طبعة دمشق . (*) =========================================================================== [ 410 ] منه الدلالة على تحريم شئ امتنع منه ، ومن لم يفهم منه ذلك جرى فيه على أصل الاباحة . قال الفخر الرازي في كتاب " معالم أصول الدين " إن الدلائل النقلية ظنية ، وإن الفعلية قطعية - والظن لا يعارض القطع - والاساس في علم الكلام هو دائما ، أن الدلائل النقلية لا تفيد اليقين . كانت عائشة ترد كل ما روى مخالفا للقرآن ، وتحمل رواية الصادق من الصحابة على خطأ السمع ، أو سوء الفهم . قال السيد رشيد رضا - إننى لا أعتقد صحة سند حديث ولا قول عالم صحابي يخالف ظاهر القرآن ، وإن وثقوا رجاله ، فرب راو يوثق للاغترار بظاهر حاله وهو سيئ الباطن ، وقال : ولو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها ، كما تنتقد من جهة سندها لقضت المتون على كثير من الاسانيد بالتناقض ، ونحن نجزم بأننا نسينا وأضعنا من حديث نبينا حظا عظيما لعدم كتابة علماء الصحابة كل ما سمعوه ، ولكن ليس منه ما هو بيان للقرآن ، أو من أمور الدين فإن أمور الدين معروفة في القرآن ومبينة في السنة العملية ، وما دون من الاحاديث فهو مزيد هداية وبيان (1) . 1 - والخلق ما كلفوا الصواب عند الله ، فإن ذلك غير مقدور عليه ولا يكلف بما لا يطاق ، بل كلفوا بما يظنونه صوابا ، وقد عرف الاصوليون " الاجتهاد " بأنه استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل ظنى بحكم شرعى - وإنما قالوا : تحصيل ظنى بحكم " لان الاحكام القطعية المعلومة في الدين بالضرورة لا اجتهاد فيها " 2 - ومن قواعدهم المشهورة أنه لا يلزم من ظنهم صحة الخبر ، صحته في نفس الامر . من قواعد الشريعة الثابتة ، وأصولها القطعية . كقاعدة رفع الحرج والعسر وإثبات اليسر وترجيحه =========================================================================== (1) ص 288 ج‍ 6 من تفسير القرآن الكريم للامام محمد عبده والسيد رشيد رضا . (*) =========================================================================== [ 411 ] وقاعدة كون الاصل براءة الذمة وكون الاصل في كل الخبائث والمضرات الحرمة وفي كل الطيبات الحل وكون الضرورات تبيح المحظورات ولا ضرر ولا ضرار (1) . قال الامام أبو حنيفة : " ردى على كل رجل يحدث عن النبي بخلاف القرآن - ليس ردا على النبي ولا تكذيبا له ، ولكنه رد على من يحدث عنه بالباطل ، والتهمة دخلت عليه ليس على نبى الله ، وكل شئ تكلم به النبي فعلى الرأس والعين قد آمنا به وشهدنا أنه كما قال ، ونشهد أنه لم يأمر بشئ يخالف أمر الله ، ولم يبتدع ولم يتقول غير ما قال الله ولا كان من المتكلفين " (ص 99 من مناقب أبى حنيفة) . وقال الامام أحمد بن حنبل : انظروا في أمر دينكم ، فإنى التقليد لغير المعصوم مذموم ، وفيه عمى للبصيرة (2) . * * * وهنا نضع القلم بعد أن قدمنا ما أعاننا الله عليه من عمل ، وما وفقنا إليه من بحث ، مستعينين بالله في إخراجه إلى الناس جميعا في صورة صادقة ، مؤيدة بأقوم البراهين ، وأقوى الاسانيد ، وفي سبيل الله ما أنفقنا من عمر ، في قراءة مئات المصادر التى رجعنا إليها ، وما بذلنا من جهد في تناول ما يصح لكتابنا منها ، ولمرضاته تعالى ما نالنا من مشقة في تهيئة مواده ، وتنسيق فصوله ، وبخاصة لان هذا المصنف لم يكن له من قبل مثال نحتذيه ، ولا طريق عبده لنا أحد ممن سبقنا فنتبعه ونسير عليه . وتقسيم الكتاب وتبويبه كما قالوا أكبر خطوة في سبيل تأليفه . فإن يقع عملنا هذا لدى المستنيرين ، ورجال الفكر المثقفين ، في مكان الرضا والقبول فهذا ما نرجوه وهو حسبنا . وإن تضق به صدور بعض النفوس فهذا لا يهمنا ولا يعنينا ، إذ ليس لمثل هؤلاء خطر عندنا ولا وزن في حسابنا . وإنا لنرجو أن نكون بما قدمنا قد وضعنا - كما قلنا من قبل - لما روى عن =========================================================================== (1) قال الامام الطوخى في شرح هذا الحديث إن المصلحة تقدم في المعاملات على النص والاجماع . (2) ص 297 من الاسلام الصحيح . (*) =========================================================================== [ 412 ] رسول الله من أحاديث مرآة صادقة ، تبدو فيها صورتها على حقيقتها ، وآتينا الذين يريدون الاهتداء إلى معرفة أصول هذه المرويات ، سراجا منيرا يكشف عن الصادق وغيره من صورتها . بحث ، مستعينين بالله في إخراجه إلى الناس جميعا في صورة صادقة ، مؤيدة بأقوم البراهين ، وأقوى الاسانيد ، وفي سبيل الله ما أنفقنا من عمر ، في قراءة مئات المصادر التى رجعنا إليها ، وما بذلنا من جهد في تناول ما يصح لكتابنا منها ، ولمرضاته تعالى ما نالنا من مشقة في تهيئة مواده ، وتنسيق فصوله ، وبخاصة لان هذا المصنف لم يكن له من قبل مثال نحتذيه ، ولا طريق عبده لنا أحد ممن سبقنا فنتبعه ونسير عليه . وتقسيم الكتاب وتبويبه كما قالوا أكبر خطوة في سبيل تأليفه . فإن يقع عملنا هذا لدى المستنيرين ، ورجال الفكر المثقفين ، في مكان الرضا والقبول فهذا ما نرجوه وهو حسبنا . وإن تضق به صدور بعض النفوس فهذا لا يهمنا ولا يعنينا ، إذ ليس لمثل هؤلاء خطر عندنا ولا وزن في حسابنا . وإنا لنرجو أن نكون بما قدمنا قد وضعنا - كما قلنا من قبل - لما روى عن =========================================================================== (1) قال الامام الطوخى في شرح هذا الحديث إن المصلحة تقدم في المعاملات على النص والاجماع . (2) ص 297 من الاسلام الصحيح . (*) =========================================================================== [ 412 ] رسول الله من أحاديث مرآة صادقة ، تبدو فيها صورتها على حقيقتها ، وآتينا الذين يريدون الاهتداء إلى معرفة أصول هذه المرويات ، سراجا منيرا يكشف عن الصادق وغيره من صورتها . وما دام عملنا هذا قد جعلناه خالصا لوجهه تعالى ، فإنا لا نطلب عليه من غيره أجرا ، ولا نرتقب من أحد في هذه الحياة حمدا ولا شكرا ، وهو سبحانه وتعالى حسبنا ونعم الوكيل ، بيده الخير ، يهدى من يشاء إلى سواء السبيل ، ويجزيه من فضله الثواب الجزيل . والحمد لله في المبدأ والنهاية ، ونسأله تعالى دوام التوفيق والهداية ، إنه سميع مجيب . مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية