القول العطر في نبوة سيدنا الخضر- حسن بن علي السقاف القول العطر في نبوة سيدنا الخضر حسن بن علي السقاف =========================================================================== [ 1 ] القول العطر في نبوة سيدنا الخضر تأليف حسن بن علي السقاف =========================================================================== [ 2 ] بسم الله الرحمن الرحيم حقوق الطبع محفوظة الطبعة الاولى 1413 ه‍، 1992 م دار الامام النووي عمان - الاردن - ص. ب 920393 هاتف 67011 =========================================================================== [ 3 ] المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ذي القدر العظيم، وعلى آله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن صحابته المتقين أما بعد: فهذه رسالة لطيفة أوضح وأثبت فيها نبوة سيدنا الخضر عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كان السبب في تأليفها أنني حضرت في مجلس بتاريخ (26 / 7 / 1987 م) فادعى بعض القوم الذين كانوا في ذلك المجس بأن الحقيقة تخالف الشريعة ! ! وأن الباطن يخالف الظاهر ! ! يعني بذلك ما يقول به بعض منحرفي المتصوفة من أن الحرام المنصوص عليه في الشريعة حلال لهم في الحقيقة لانهم من أهل الباطن ! ! واستدل بقصة سيدنا الخضر مع سيدنا موسى عليهما السلام المذكورة في سورة الكهف ! ! بناء على أن الخضر فيما يزعم القائل ولي وليس بنبي ! ! فأنكرت عليه في ذلك المجلس أشد الانكار ورددت على مزاعمه ثم كتبت هذه الورقات ولا زلت أزيد فيها كلما تبين لي دليل أو قول والله المعين والموفق، وهذا أوان الشروع في البيان والايضاح. =========================================================================== [ 4 ] فصل اسم سيدنا الخضر عليه السلام وكنيته أما اسم سيدنا الخضر فمختلف فيه، وأثبت الاقوال فيه هو: بليا بن ملكان، قال بعض العلماء نظما: الخضر المشهور عند الناس * بليا بن ملكان أبو العباس قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (6 / 433): (الخضر قد اختلف في اسمه قبل ذلك وفي اسم أبيه وفي نسبه وفي نبوته وفي تعميره، فقال وهب بن منبه هو بليا بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها تحتانية، ووجد بخط الدمياطي في أول الاسم بنقطتين وقيل كالاول بزيادة ألف بعد الباء، وقيل اسمه إلياس، وقيل: اليسع، وقيل عامر، وقيل خضرون، والاول أثبت) اه‍. ثم قال الحافظ: (واختلف في اسم أبيه فقيل ملكان، وقيل كليان،. قيل عاميل، وقيل قابل، والاول أشهر) اه‍. =========================================================================== [ 5 ] فرع وأما الزمن الذي ولد فيه فلا يجزم فيه بشئ إلا أننا نجزم بأنه كان حيا في عصر سيدنا موسى، للحديث الصحيح الثابت في ذلك. وقال الحافظ في (الفتح) (6 / 433) عند ذكر الاقوال في نسبه: (ابن ملكان ابن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفشخذ بن سام بن نوح، فعلى هذا فمولده قبل إبراهيم الخليل لانه يكون ابن عم جد إبراهيم، وقد حكى الثعلبي قولين في أنه كان قبل الخليل أو بعده قال وهب: وكنيته أبو العباس) اه‍. =========================================================================== [ 6 ] فرع سبب تسميته بالخضر قال الامام البخاري في صحيحه (6 / 433 الفتح): حدثنا محمد بن سعيد الاصفهاني، أخبرنا ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنما سمي الخضر لانه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء). قال الحافظ ابن حجر في شرحه (6 / 433): [ ذكر المصنف في هذا الباب حديث أبي هريرة (إنما سمي الخضر لانه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء) وتعلقه بالباب ظاهر من جهة ذكر الخضر فيه، وقد زاد عبد الرزاق في مصنفه بعد أن أخرجه بهذا الاسناد: الفرو الحشيش الابيض وما أشبهه، قال عبد الله بن أحمد بعد أن رواه عن أبيه عنه: أظن هذا تفسيرا من عبد الرزاق. اه‍ وجزم بذلك عياض، وقال الحربي: الفروة من الارض قطعة يابسة من حشيش، وهذا موافق لقول عبد الرزاق، وعن أبي الاعرابي: الفروة أرض بيضاء ليس فيها نبات وبهذا جزم الخطابي ومن تبعه، وحكي عن مجاهد أنه قيل له الخضر: لانه كان إذا صلى اخضر ما حوله ] اه‍ من الفتح. =========================================================================== [ 7 ] فصل أدلة نبوة سيدنا الخضر عليه السلام أولا: من القرآن الكريم: لقد أثبتت الايات التي ذكرها الله تعالى في سورة الكهف بأنه نبي ومنها: قوله تعالى: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما). وقوله تعالى: (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا). وقوله تعالى: (وما فعلته عن أمري). قال ابن كثير في (تاريخه) (1 / 328) - ناقلا: (وقد دل سياق القصة على نبوته من وجوه: (أحدها): قوله تعالى: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما). (الثاني): قول موسى له: (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا) فلو كان وليا =========================================================================== [ 8 ] وليس بنبي لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة ولم يرد على موسى هذا الرد، بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به دونه، فلو كان غير نبي لم يكن معصوما، ولم تكن لموسى وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولي غير واجب العصمة، ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عليه، ولو أنه يمضي حقبا من الزمان قيل ثمانين سنة، ثم لما اجتمع به تواضع له وعظمه واتبعه في صورة مستفيد منه دل على أنه نبي مثله يوحى إليه كما يوحى إليه، وقد خص من العلوم اللدنية والاسرار النبوية بما لم يطلع الله عليه موسى عليه السلام الكليم نبي بني إسرائيل الكريم وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرماني على نبوة الخضر عليه السلام (الثالث): أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام، وهذا دليل مستقل على نبوته وبرهان ظاهر على عصمته لان الولي لا يجوز له الاقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده، لان خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق. ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم علما منه بأنه إذا بلغ يكفر ويحمل أبويه على الكفر لشدة محبتهما له فيتابعانه عليه ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته صيانة لابويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته، دل ذلك على نبوته وأنه مؤيد من الله بعصمته. =========================================================================== (1) هو أبو الحسن علي بن عيسى الرماني النحوي المفسر ترجمته في (سير أعلام النبلاء) (16 / 533). (*). =========================================================================== [ 9 ] وقد رأيت أبا الفرج ابن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه، وحكى الاحتجاج عليه الرماني أيضا. (الرابع): أنه فسر الخضر تأويل تلك الافاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره وجلى، قال بعد ذلك كله (وما فعلته عن أمري) يعني ما فعلته من تلقاء نفسي بل أمرت به وأوحي الي فيه. فدلت هذه الوجوه على نبوته، ولا ينافي ذلك حصول ولايته بل ولا رسالته كما قال آخرون، وأما كونه ملكا من الملائكة فغريب جدا، وإذا ثبتت نبوته كما ذكرناه لم يبق لمن قال بولايته وأن الولي يطلع على حقيقة الامور دون أرباب الشرع الظاهر مستند يستندون إليه ولا معتمد يعتمدون عليه) اه‍ من تاريخ ابن كثير. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في (الاصابة) (1 / 430): [ باب ما ورد في كونه نبيا: قال الله تعالى في خبره مع موسى حكاية عنه: (وما فعلته عن أمري) وهذا ظاهر أنه فعله بأمر الله تعالى والاصل عدم الواسطة، ويحتمل أن يكون بواسطة نبي آخر وهو بعيد، ولا سبيل الى القول بأنه إلهام لان ذلك لا يكون من غير النبي وحيا حتى يعمل به ما عمل من قتل النفس وتعريض الانفس للغرق، فإن قلنا أنه نبي فلا إنكار في ذلك، وأيضا فكيف يكون غير النبي أعلم من النبي، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح أن الله =========================================================================== [ 10 ] تعالى قال لموسى: (بلى عبدنا الخضر - هو أعلم منك -) وأيضا فكيف يكون النبي تابعا لغير نبي ؟ ! وقد قال الثعلبي هو نبي في سائر الاقوال، وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقد يحل من الزندقة اعتقاد كون الخضر نبيا لان الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي الى ان الولي أفضل من النبي كما قال قائلهم: مقام النبوة في برزخ * فويق الرسول ودون الولي ] انتهى كلام الحافظ من (الاصابة). =========================================================================== [ 11 ] أدلة نبوة سيدنا الخضر من الحديث الشريف قال الامام الحافظ الطحاوي في (مشكل الاثار) (2 / 357): (حدثنا أبو أميه، حدثنا سليمان بن عبيد الله الانصاري الرقمي حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا محمد بن زياد الالهاني، عن أبي امامة الباهلي، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذات يوم لاصحابه: (ألا أحدثكم عن الخضر ؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (بينا هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل أبصره رجل مكاتب، فقال: تصدق علي بارك الله فيك، قال الخضر: آمنت بالله ما يريد الله عز وجل من أمر يكون، ما عندي شئ أعطيكه، فقال المسكين: أسألك بوجه الله لما تصدقت علي إني نظرت الى سيماء الخير في وجهك ورجوت البركة عندك، قال الخضر: آمنت ما عندي شئ أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني، فقال المسكين: هل يستقيم هذا ؟ ! قال: نعم، الحق أقول لك، لقد سألتني بأمر عظيم، مالي لا أجيبك لوجه ربي فبعني، فقدمه الى السوق فباعه بأربع مائة درهم، فمكث عند المشتري زمانا لا يستعمله في شئ، فقال الخضر: أما إنك ابتعتني التماس خيري فأوصني بعمل فقال: أكره أن أشق عليك وأنت شيخ كبير، فقال: ليس يشق علي، فقال: قم فانقل هذه الحجارة وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم، فخرج =========================================================================== [ 12 ] الرجل ليقضي حاجته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة، فقال له: أحسنت وأحكمت وأطقت ما لم أرك تطيقه، ثم عرض للرجل سفر فقال: إني أحسبك أمينا فاخلفني في أهلي خلافة حسنة، قال: أوصني بعمل، قال: أني أكره أن أشق عليك (قال: ليس يشق علي، قال فاضرب من اللبن لبيتي حتى أقدم عليك قال:) (2) فمضى الرجل لسفره فرجع وقد شيد بناءه، فقال الرجل: أسألك بوجه الله ما حسبك وما أمرك ! ! قال سألتني بوجه الله عز وجل ووجه الله أوقعني في العبودية، فقال: سأخبرك من أنا، أن الخضر الذي سمعت به سألني مسكين صدقة فلم يكن عندي شيئا أعطيه، ثم سألني بوجه الله عز وجل فأمكنته من رقبتي فباعني، وأخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو يقدر وقف يوم القيامة وليس بوجهه جلد ولا لحم ولا دم إلا عظم يتقعقع، قال: آمنت بذلك شققت عليك يا رسول الله، احكم في أهلي وما لي بما أراك الله عز وجل أو أخيرك فأخلي سبيلك، قال: أحب أن تخلي سبيلي يا عبد الله، فخلى سبيله فقال الخضر: الحمد لله الذي أوقعني في العبودية وأخرجني منها). قلت: ورواه الطبراني (8 / 132) باسنادين عن بقية وقد عنعن فيه بقية. لكنه صرح بالتحديث عند الطحاوي. وقال الحافظ الهيثمي في (مجمع الزوائد) (3 / 103): (رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون إلا أن فيه بقية بن الوليد وهو مدلس ولكنه ثقة) وكذا قال =========================================================================== (2) ما بين القوسين زيادة من (المجمع) من رواية الطبراني. (*). =========================================================================== [ 13 ] في (المجمع) (8 / 213). قلت: فالحديث حسن أو صحيح. وقد وقع في الطبراني وغيره بلفظ: (يا نبي الله وفي (مشكل الاثار) بلفظ (يا رسول الله) وهي من تصرفات الرواة والقصد والغاية هو إثبات النبوة للخضر عليه السلام في كلا اللفظين من هذا الحديث والله الموفق. أقوال الائمة من أهل العلم في نبوة سيدنا الخضر 1 - قال الامام الحافظ النووي في كتابه (الاسماء واللغات) (3) في ترجمة سيدنا الخضر صلى الله عليه وسلم: (قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله تعالى في فتاويه: هو نبي واختلفوا في كونه مرسلا، وكذا قاله بهذه الحروف غير الشيخ من المتقدمين، وذكر أبو اسحاق الثعلبي المفسر قال: والخضر على جميع الاقوال نبي معمر محجوب عن الابصار) اه‍. وانظر فتاوي الحافظ ابن الصلاح (1 / 185 - 186) طبعة المعرفة. 2 - قال الامام الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) (1 / 219): =========================================================================== (3) القسم الاول، صحيفة رقم (177) رقم الترجمة (147). (*). =========================================================================== [ 14 ] [ قوله (هو أعلم منك) ظاهر في أن الخضر نبي، بل نبي مرسل، إذ لو لم يكن للزم تفضيل العالي على الاعلى وهو باطل من القول ] اه‍. 3 - وقال الامام ابن حجر أيضا في (الفتح) (1 / 220): [ ومن أوضح ما يستدل به على نبوة الخضر قوله (وما فعلته عن أمري)، وينبغي اعتقاد كونه نبيا لئلا يتذرع بذلك أهل الباطل في دعواهم أن الولي أفضل من النبي حاشا وكلا ] اه‍. 4 - وفي الفتاوى الحديثية ص (180) للعلامة ابن حجر الهيثمي أنه سئل فقيل له: (ما المعتمد في الخضر هل هو نبي حي وكذا إلياس ؟ ! فأجاب بقوله: المعتمد حياتهما ونبوتهما) اه‍. 5 - نص الامام القرطبي في ذلك: قال الامام الحافظ ابن حجر العسقلاني في (الفتح) (6 / 434): (وقال القرطبي: هو نبي عند الجمهور والاية تشهد بذلك، لان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتعلم ممن هو دونه، ولان الحكم بالباطل لا يطلع عليه إلا الانبياء) اه‍. قلت: انظر تفسير الامام القرطبي (11 / 16). =========================================================================== [ 15 ] 6 - ونص على ذلك الامام ابن عطية: وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) أيضا (6 / 434): (وحكى ابن عطية البغوي عن أكثر أهل العلم أنه نبي ثم اختلفوا هل هو رسول أم لا) اه‍. قلت: ابن عطية هذا أظنه هو الامام العلامة أبو محمد عبد الحق بن الحافظ أبي بكر غالب بن عطية المحاربي الغرناطي المترجم في (سير أعلام النبلاء) (19 / 587). وأما لفظة (البغوي) فأظنها سبق قلم من الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أو من النساخ. والله تعالى أعلم. 7 - ونص على ذلك شيخنا إمام العصر المحدث المفيد (سيدي) أبو الفضل عبد الله بن الصديق الغماري الحسني في كتابه (خواطر دينية) ص (64) حيث قال: [ أدلة نبوة الخضر عليه السلام: قول الخضر عليه السلام (وما فعلته عن أمري) دليل على أنه فعل تلك الامور بوحي من الله تعالى فيكون نبيا، وهو الصحيح. وما قاله كثير من المفسرين: إنه فعل بإلهام، بناء على قولهم بولايته، ليس بصحيح. لوجوه: أحدها: أن ما أقدم عليه من خرق السفينة، وقتل الغلام، لا يجوز حصوله بأمر إلهام. =========================================================================== [ 16 ] ثانيها: لا يجوز أن يدرك الخضر - وهو ولي - أن الغلام سيرهق أبويه كفرا، ولا يدرك موسى وهو نبي. ثالثها: لا يجوز أن يكون الولي - ولو بلغ أعلى درجات الولاية - أعلم من النبي. رابعها: لو فعل ما فعله عن إلهام كما يقال، لوجب عليه القصاص في قتل الغلام ودفع قيمة تعييب السفينة، ولا تعفيه ولايته من ذلك: لكن شيئا من ذلك لم يحصل، فدل على أنه كان يفعل بوحي تشريع. خامسها: أن تعليله لما فعل بقوله (فأردت أن أعيبها) (فأردت أن يبدلهما ربهما) (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما) يدل على أنه واثق من نتيجة عمله، جازم بها، وهي غيب لا يدرك إلا بوحي نبوة. ولو كان إلهاما لقال: فرجوت أن يكون كذا، ولم يجزم أبدا بحال. سادسها: لو لم يكن نبيا يوحى إليه، لم يدرك بمجرد الالهام أن الله أراد أن يبلغ اليتيمان أشدهما، ويستخرجا كنزهما. سابعها: قوله لموسى عليه السلام - بأسلوب الواثق المتأكد مما يقول (إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا) هذا وهو يعلم أن موسى رسول بني إسرائيل كما ثبت في الصحيحين وغيرهما. فلولا أنه نبي يعلم أنه على شريعة لا يعرفها موسى، ما تجرأ على مخاطبته بهذا الاسلوب إعتمادا على مجرد الالهام الذي يناله الاولياء ! فضلا عن رسول كريم. =========================================================================== [ 17 ] ثامنها: أن موسى حين قابل الخضر عليهما السلام قال له (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا) فأراد أن يتعلم منه علما زيادة على ما عنده في التوراة، وذلك بأن يتعلم تشريعات ليست في شريعته، والالهام ليس بعلم ولا تشريع، وليس له قاعدة ينضبط بها، وإنها هو - كما قال أهل الاصول - إيقاع شئ في القلب ينشرح له الصدر. وهو لا يفيد اليقين، لجواز أن يكون للشيطان دخل فيه، إذ الولي غير معصوم، كما هو معلوم. فهل يعقل أن يطلب موسى. أن يتعلم من شخص شيئا - ولا أقول علما - للشيطان فيه دخل ؟ ! إذن الخضر كان نبيا، وهذا ما يفيده سياق قصتهما في القرآن الكريم، وصرح بنبوته في السنة النبوية. انظر كتابنا (سمير الصالحين) ج 2 والله الموفق ]. انتهى كلام سيدي الامام عبد الله بن الصديق وكتابه المذكور لم أقف عليه بعد. =========================================================================== [ 18 ] فصل فيما يتعلق بحياته، وهل هو حي الآن ؟ ! قال الامام الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (6 / 434): [ قال ابن الصلاح: (هو حي عند جمهور العلماء والعامة معهم في ذلك، وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين) وتبعه النووي وزاد (أن ذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به أكثر من أن تحصر) انتهى. والذي جزم بأنه غير موجود الان: البخاري وإبراهيم الحربي وأبو جعفر بن المنادي وأبو يعلى بن الفراء وأبو طاهر العبادي وأبو بكر ابن العربي وطائفة، وعمدتهم الحديث المشهور عن ابن عمر وجابر وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في آخر حياته: (لا يبقى على الارض بعد مائة سنة ممن هو عليها اليوم أحد، قال ابن عمر: أراد بذلك انخرام قرنه. وأجاب من أثبت حياته بأنه كان حينئذ على وجه البحر، أو هو مخصوص من الحديث كما خص منه أبليس بالاتفاق. ومن حجج من أنكر ذلك قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) وحديث ابن عباس: (ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه) أخرجه البخاري ولم يأت في خبر صحيح أنه جاء الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا قاتل معه، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر (اللهم إن =========================================================================== [ 19 ] تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض) فلو كان الخضر موجودا لم يصح هذا النفي. وقال صلى الله عليه وآله وسلم (رحم الله موسى لوددنا لو كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما) فلو كان الخضر موجودا لما حسن هذا التمني ولأحضره بين يديه وأراه العجائب وكان أدعى لإيمان الكفرة لا سيما أهل الكتاب. وجاء في اجتماعه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث ضعيف أخرجه ابن عدي من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع وهو في المسجد كلاما فقال: يا أنس أذهب الى هذا القائل فقل له يستغفر لي، فذهب إليه فقال: قل له إن الله فضلك على الانبياء بما فضل به رمضان على الشهور، قال فذهبوا ينظرون فإذا هو الخضر) إسناده ضعيف. وروى ابن عساكر من حديث أنس نحوه بإسناد أوهى منه. وروى الدارقطني في (الافراد) من طريق عطاء عن ابن عباس مرفوعا (يجتمع الخضر والياس كل عام في الموسم، فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه. ويفترقان عن هؤلاء الكلمات: (بسم الله ما شاء الله) الحديث، في إسناده محمد بن أحمد بن زيد بمعجمة ثم موحدة ساكنة وهو ضعيف. وروى ابن عساكر من طريق هشام بن خالد عن الحسن بن يحيى عن ابن أبي رواد نحوه وزاد (ويشربان من ماء زمزم شربة تكفيهم الى قابل) وهذا معضل. ورواه أحمد في الزهد بإسناد حسن عن أبي رواد وزاد أنهما (يصومان رمضان ببيت المقدس) وروى الطبري من طريق عبد الله بن شوذب نحوه وروي عن علي أنه =========================================================================== [ 20 ] (دخل الطواف فسمع رجلا يقول يا من لا يشغله سمع عن سمع) الحديث فإذا هو الخضر، أخرجه ابن عساكر من وجهين في كل منهما ضعف، وهو في (المجالسة) من الوجه الثاني. وجاء اجتماعه ببعض الصحابة فمن بعدهم أخبار أكثرهم واهي الاسناد. منها ما أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي من حديث أنس: (لما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل فتخطاهم - فذكر الحديث في التعزية - فقال أبو بكر وعلي: هذا الخضر) في إسناده عباد بن عبد الصمد وهو واه. وروى ابن أبي حاتم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي نحوه. وروى ابن وهب من طريق ابن المنكدر (أن عمر صلى على جنازة، فسمع قائلا يقول: لا تسبقنا - فذكر القصة - وفيها: أنه دعا للميت (فقال عمر: خذوا الرجل، فتوارى عنهم فإذا أثر قدمه ذراع فقال عمر: هذا والله الخضر) في إسناده مجهول مع انقطاعه. وروى أحمد في الزهد من طريق مسعر عن معن بن عبد الرحمن عم عون بن عبد الله قال: بينا رجل بمصر في فتنة ابن الزبير مهموما إذ لقيه رجل فسأله فأخبره باهتمامه بما فيه الناس من الفتن، قال: قل اللهم سلمني وسلم مني، قال فقالها فسلم. قال مسعر يرون أنه الخضر. وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه وأبو عروبة من طريق رياح بالتحتانية ابن عبيده قال: (رأيت رجلا يماشي عمر بن عبد العزيز معتمدا على يديه فلما انصرف قلت له من الرجل ؟ قال: رأيته ؟ قلت: نعم. قال أحسبه رجلا صالحا، ذاك أخي الخضر بشرني أني سأولى وأعدل). لا بأس برجاله. ولم يقع لي الى الآن خبر ولا أثر بسند جيد غيره، وهذا لا يعارض الحديث الاول في مائة سنة =========================================================================== [ 21 ] فإن ذلك كان قبل المائة. وروى ابن عساكر من طريق كرز بن وبرة قال: أتاني أخ لي من أهل الشام فقال أقبل مني هذه الهدية، إن إبراهيم التيمي حدثني قال: كنت جالسا بفناء الكعبة أذكر الله، فجاني رجل فسلم علي، لم أر أحسن وجها منه ولا أطيب ريحا. فقلت: من أنت ؟ فقال أنا أخوك الخضر: قال فعلمه شيئا إذا فعله رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام. وفي إسناده مجهول وضعيف. وروى ابن عساكر في ترجمة أبي زرعة الرازي بسند صحيح أنه رأى وهو شاب رجلا نهاه عن غشيان أبواب الامراء. ثم رآه بعد أن صار شيخا كبيرا على حالته الاولى فنهاه عن ذلك أيضا، قال فالتفت لاكلمه فلم أره، فوقع في نفسي أنه الخضر، وروى عمر الجمحي في فوائده والفاكهي في كتاب مكه بسند فيه مجهول عن جعفر بن محمد أنه رأى شيخا كبيرا يحدث أباه ثم ذهب، قال له أبوه رده علي، قال فطلبته فلم أقدر عليه، فقال لي أبي: ذاك الخضر. وروى البيهقي من طريق الحجاج بن فرافضة أن رجلين كانا يتبايعان عند ابن عمر، فقام عليهم رجل فنهاهما عن الحلف بالله ووعظهم بموعظة، قال ابن عمر لاحدهما: اكتبها منه، فاستعاده حتى حفظها ثم تطلبه فلم يره، قال: وكانوا يرون أنه الخضر ]. اه‍ فعلى هذا الكلام المنقول عن ابن حجر يتبين أن الاحاديث التي احتج بها من قال بموت الخضر يمكن تخصيصها وإخراجه منها. فحياته هو القول الراجح مع إمكان أن يكون قد مات، والله تعالى أعلم. =========================================================================== [ 22 ] فصل في مسألة الباطن والظاهر والشريعة والحقيقة قال بعض الناس: (إن الحقيقة تخالف الشريعة وتخرقها، وإن الباطن يخالف الظاهر). وعمدة استدلالهم بقصة الخضر عليه الصلاة والسلام المذكورة في القرآن الكريم ! ! ونحن نقول لهم: إن هذا خطأ فادح وليس في قصة سيدنا الخضر ما يؤيد ما تذهبون إليه فأولا: لان في ثبوت نبوته بالادلة التي قدمناها ما يهدم هذا كله وثانيا: لان الامور التي فعلها سيدنا الخضر ليس فيها ما يخالف شرعنا كما وضح ذلك الامام الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) (1 / 222) حيث قال: [ قال: القرطبي: وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وكذا قال آخر أنا آخذ عن قلبي عن ربي، وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع ونسأل الله تعالى الهداية والتوفيق. وقال غيره: من استدل بقصة الخضر على أن الولي يجوز أن يطلع من خفايا الامور على ما يخالف الشريعة ويجوز له فعله فقد =========================================================================== [ 23 ] ضل، وليس ما تمسك به صحيحا، فإن الذي فعله الخضر ليس في شئ منه ما يناقض الشرع، فإن نقض لوح من ألواح السفينة لدفع الظالم عن غصبها ثم إذا تركها أعيد اللوح جائز شرعا وعقلا، ولكن مبادرة سيدنا موسى بالانكار بحسب الظاهر، وقد وقع ذلك واضحا في رواية أبي إسحاق التي أخرجها مسلم ولفظه (فإذا جاء الذي يسخرها فوجدها منخرقة تجاوزها فأصلحها) فيستفاد منه وجوب التأني عن الانكار في المحتملات، وأما قتله الغلام فلعله كان في تلك الشريعة، وأما إقامة الجدار فمن مقابلة الاساءة بالاحسان، والله أعلم ]. انتهى كلام الحافظ ابن حجر. فقتل الغلام كان بأمر الله تعالى، وما كان بأمر الله تعالى لا يقال إنه مخالف للشريعة، وذلك لان الشريعة هي عبارة عن امتثال أمر الله تعالى وتنفيذه، واجتناب نهيه، وهو نبي - أي الخضر - وقد قال (وما فعلته عن أمري) أي: إن هذا تنفيذا لامر الله تعالى، فأين خرق الشريعة بالحقيقة التي جاء القرآن بإثباتها ؟ ! ولا يخفى على أهل العلم أن محققي علماء الاسلام أهل السنة والجماعة نصوا على كفر من قال أو ادعى بأن الحقيقة تخالف الشريعة أو أن الباطن يخالف الظاهر، وممن نص على ذلك الامام الغزالي رحمه الله تعالى في كتابه (الاحياء) (1 / 100) حيث قال: (فمن قال: إن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يناقض الظاهر فهو الى الكفر أقرب منه الى الايمان) اه‍. =========================================================================== [ 24 ] وقد بسط الامام الغزالي رحمه الله تعالى هذا الموضوع هناك وتوسع فيه ولا بد من مطالعته بتمعن. وقال الامام الحافظ ابن حجر أيضا في (فتح الباري) (1 / 221) نقلا عن القرطبي ما نصه: [ الثانية: ذهب قوم من الزنادقة الى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة فقالوا: إنه يستفاد من قصة موسى والخضر أن الاحكام الشرعية العامة تختص بالعامة والاغبياء، وأما الاولياء والخواص فلا حاجة بهم الى تلك النصوص بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم، لصفاء قلوبهم من الاكدار وخلوها عن الاغيار. فتنجلي لهم العلوم الالهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات ويعلمون الاحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر، فإنه استغنى بما ينجلي له من تلك العلوم عما كان عند موسى، ويؤيده الحديث المشهور (استفت قلبك وإن أفتوك) (4) قال القرطبي: وهذا =========================================================================== (4) هذا الحديث صحيح رواه أحمد (4 / 194) في المسند من حديث أبي ثعلبة الخشني بإسناد صحيح. وله أيضا شاهد في صحيح مسلم (4 / 1980) من حديث النواس =========================================================================== [ 25 ] القول زندقة وكفر، لانه إنكار لما علم من الشرائع فإن الله قد أجرى سنته وأنفذ كلمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه المبينين لشرائعه وأحكامه، كما قال الله تعالى (يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) وقال (الله أعلم حيث يجعل رسالته) وأمر بطاعتهم في كل ما جاءوا به، وحث على طاعتهم والتمسك بما أمروا به فإن فيه الهدى. وقد حصل العلم اليقين واجماع =========================================================================== [ 26 ] السلف على ذلك، فمن ادعى أن هناك طريقا أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الطرق التي جاءت بها الرسل يستغني بها عن الرسول فهو كافر يقتل ولا يستتاب ]. انتهى من (فتح الباري). =========================================================================== [ 27 ] أقوال باطلة متداولة يجب التنبيه عليها أقول وبما أن الكلام قد انفتح في هذه المسألة فلا بد أن ننبه ههنا على مسائل يتناقله بعض من ينتسب الى التصوف ويعتقدونها ويردونها وهي أغلاط فادحة وأغلاط فاحشة، فأقول وبالله تعالى التوفيق: [ مسألة ]: حديث (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعائين فأما أحدهما فبثثته، وأما الاخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم) رواه البخاري (1 / 216) قال الحافظ ابن حجر في شرحه: (وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الاحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم (5)، كقوله أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان يشير الى خلافة يزيد بن معاوية لانها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة). ثم قال الحافظ: (قال ابن المنير: جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة الى تصحيح باطلهم حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وذلك الباطن إنما =========================================================================== [ 28 ] حاصله الانحلال من الدين. قال: وإنما أراد أبو هريرة بقوله (قطع) أي قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم وتضليله لسعيهم...) فتأمل. [ مسألة ]: زعم بعض منحرفي المتصوفة بأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعرف القرآن قبل نزوله عليه، ويؤكد ذلك عندهم قوله تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى اليك وحيه) سورة طه: (114). وادعوا بأن القرطبي يؤيدهم في زعمهم هذا في تفسيره ! ! وقد جاءني أحدهم وقال لي ذلك بعدما كنت قد قرأت ذلك في كتاب لاحد منحرفيهم فجئته بتفسير القرطبي وقرأت له أمام عينيه تفسير قوله تعالى (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى اليك وحيه) وتفسير قوله (لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرءانه) القيامة: 16 - 17، فقال: (إن نسختك هذه محرفة ونسخة القرطبي الاصلية فيها ما نقول) فضحكت من حسن تصرفه الساذج لما وقع في هذه الورطة ! ! ! والحق في المسألة: أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يعرف القرآن الذي لم ينزل عليه قبل نزوله، والدليل عليه من القرآن قوله تعالى (وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان) الايات الشورى: 52. وقال تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) العنكبوت: 48. =========================================================================== [ 29 ] وحديث الافك الثابت في الصحيح (6) من أكبر الادلة على أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يعرف القرآن الذي لم ينزل بعد عليه، وإلا لما احتار في المسألة وانتظر الوحي حتى ينفذ ما يقضي الله تعالى في الامر، وفي الحديث: (فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله). وفيه: (وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني...) (7). وقد أفتى العلماء المحققون بأن من زعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعرف القرآن قبل نزوله وأنه كان يسابق سيدنا جبريل عليه السلام به عند قراءته كافر مرتد والعياذ بالله تعالى. وكذلك لا يجوز لأي مسلم أن يعتقد بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الغيب كله أو أن الله تعالى أطلعه على جميع الغيبيات، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى (قل لا يعلم من في السماوات والارض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون) النمل: 65. وقال تعالى: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، إن أنا إلا نذير وبشير (8) لقوم يؤمنون) =========================================================================== (6) رواه البخاري (8 / 452) ومسلم (4 / 2129). (7) انظر البخاري (8 / 453 - 454 فتح). (8) ولا يعني هذا أنه لا يشفع للناس أو لا جاه له حاشا وكلا، وإنما نقول (*) = =========================================================================== [ 30 ] الاعراف: 188. وقوله تعالى: (وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم. نحن نعلمهم. سنعذبهم مرتين ثم يردون الى عذاب عظيم). ولو استقرينا نصوص الكتاب والسنة الصحيحة فربما نجمع مئات النصوص المثبتة لذلك. ولا يعني هذا أن الله تعالى لم يطلع نبيه أو بعض ملائكته على بعض الامور التي ستحدث في المستقبل كأشراط الساعة وما يحدث في آخر الزمان ونحو ذلك تحقيقا لقوله سبحانه (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) الجن: 25. فهذه الاية تثبت أن الله تعالى أطلع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على بعض الامور التي ستحصل في المستقبل، فالواجب اعتقاد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم الغيب بنفسه بل بإطلاع الله له، وكذلك لا يعلم جميع الغيب، ومن خالف هذا ضل وأضل، فضلا عن بعض السذج الذين يعتقدون بأن الولي =========================================================================== = بأنه: رسول له المكانة السامية على جميع الخلق فضلا عن البشر، وجميعهم تحت لوائه آدم عليه السلام فمن دونه، وقد أعطي ذلك بفضل الله تعالى (وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) الحديد: 29، فمن قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبارة عن حامل رسالة كساعي بريد أو طارش بلغة قوم فقد ارتد وخرج من الاسلام وتزندق، لانه استهان واستخف بالرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى: (فالذين آمنوا وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولائك هم المفلحون) الاعراف: 157. ومعنى عزروه: عظموه ووقروه ومنه بالسيادة والله أعلم. (*) =========================================================================== [ 31 ] يعلم الغيب ويعلم جميع ما حصل لأي إنسان مثلا وكذلك جميع ما سيحصل اللهم إنا نبرأ اليك من مثل هذا الاعتقاد، وهذا لا ينفي أنه قد يرى الانسان رؤيا أو يلهمه الله أن ينطق بشئ يخطر في قلبه على أنه حصل كذا أو سيحصل كذا لان هذا لا يعني أنه يعرف الغيب كله. وبهذا تم بيان وعرض أدلة سيدنا الخضر عليه السلام وهذا ما ندين الله تعالى به مع أنا لا نكفر من قال بولايته ولا نضلله مع قولنا بتخطئته وغلطه إلا أن يتذرع بقوله إنه ولي ليثبت بعض العقائد الزائغة فساعتئذ يحكم عليه بحسب تلك العقيدة، فنصيحتي لمن يدعي أنه يرى الخضر ويجتمع به ويدعي أن الحقيقة تخالف الشريعة وأن الباطن يخالف الظاهر أن يتقي الله تعالى وأن يرجع الى الصواب، هدانا الله الى الحق والى الصراط المستقيم. =========================================================================== [ 33 ] تنبيه ذوي الالباب الى عدم جواز العدد على كمال المولى الوهاب الحمد لله كما ينبغي لجلاله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وبعد: فقد أحببت تذكير نفسي وإخواني السادة الفضلاء، الى خطأ في بعض صيغ الصلاة على الحبيب الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم ليبدل هذا الخطأ الذي درج بعض الناس عليه بالصواب في صيغة (اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله). فكلمة (عدد كمال الله) خطأ مخالف لعقيدة أهل الحق، لانها تفيد أن كمال الله تعالى له عدد، أي حد فهو محصور، ومن المعلوم المقرر أن كمال الله تعالى لا عدد له، نبهنا على ذلك شيخنا إمام العصر سيدي عبد الله بن الصديق الغماري الحسني متعه الله تعالى بالعافية، وقد غفل عن هذه الكلمة بعض الناس فليتنبه الى ذلك طالب الحق الذي يريد وجه الله تعالى. كما نبه على ذلك جماعة من المحققين منهم جدي علوي بن أحمد السقاف ونقل ذلك عن المحقق ابن عابدين صاحب الحاشية على (الدر المختار). =========================================================================== [ 34 ] وأنني أنقل نص جدي السيد العلامة علوي السقاف من كتابه (الفوائد المكية) ص 19 فأقول: قال رحمه الله تعالى: [ وفي الدر المختار مع حاشيته للعلامة ابن عابدين ما نصه... (تنبيه): لينظر في أنه يقال مثل ذلك في نحو ما يؤثر من الصلوات مثل: اللهم صل على محمد عدد علمك وحلمك ومنتهى رحمتك، وعدد كلماتك وعدد كمال الله ونحو ذلك، فإنه يوهم تعدد الصفة الواحدة أو انتهاء متعلقات نحو العلم ولا سيما مثل عدد ما أحاط به علمك ووسعه سمعك وعدد كلماته إذ لا منتهى لعلمه ولا لرحمته ولا لكلماته تعالى، ولفظة عدد ونحوها توهم خلاف ذلك، ورأيت في شرح العلامة الفاسي على دلائل الخيرات البحث في ذلك فقال: قد اختلف العلماء في جواز إطلاق الموهم عند من لا يتوهم فقال: قد اختلف العلماء في جواز إطلاق الموهم عند من لا يتوهم به، أو كان سهل التأويل واضح المحل أو تخصص بطرق الاستعمال في معنى صحيح، وقد اختار جماعة من العلماء كيفيات في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا إنها أفضل الكيفيات منهم الشيخ عفيف الدين اليافعي والشرف البارزي والبهاء ابن القطان ونقله عنه تلميذه المقدسي اه‍ أقول: ومقتضى كلام أئمتنا المنع من ذلك إلا فيما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما اختاره الفقيه فتأمل ]. انتهى كلام العلامة علوي السقاف من كتاب الفوائد المكية. خطأ فلتصلح لفظة (عدد كمال الله) وتبدل بلفظة صحيحة وهي صواب (عدد خلق الله) فليس لأي أحد بعد هذا البيان أن يقول: لقد =========================================================================== [ 35 ] وجدنا كثيرا من المشايخ يقولونها بلا نكير، لان هذا الكلام بعد بيان الحق الواضح ليس حجة شرعية مقبولة عند الله تعالى، ولا سيما أن جماعة من المحققين منهم فقهاء ومحدثين أنكروها، وكذا ليس لأي انسان أن يقول: إن لها تأويلا صحيحا عنده، الى غير ذلك من أجوبة غثة هزيلة لا تثبت عند التمحيص العلمي مع ما فيها من الايهام للخطأ أو للاعتقاد الفاسد. والمطلوب من كل من رأى خطأ وخصوصا من أهل الله تعالى أو وهما أو غلطا أن يصلحه ويأمر باصلاحه ويأمر إخوانه باستبداله بكلام صحيح مقبول شرعا، وفقنا الله وإياكم لكل خير والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية