حديث نحن معاشر الأنبياء- الشيخ المفيد حديث نحن معاشر الأنبياء الشيخ المفيد =========================================================================== [ 1 ] رسالة حول الحديث نحن معاشر الانبياء لا نورث تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله، العكبري، البغدادي (336 - 413 ه‍) =========================================================================== [ 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم لحق الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الاعلى مخلفا من الورثة بنته الو حيدة " فاطمة الزهراء " سلام الله عليها وزوجات عدة. وكانت " فدك " مما أفاء الله به على رسوله من قرى خيبر، نحلها الرسول ابنته الزهراء، وكانت يدها على فدك يوم وفاة الرسول أبيها. ولما استولى أبو بكر على أريكة الخلافة، ابتز " فدكا " من فاطمة عليها السلام، واستولى عليها، أيضا. فادعت فاطمة عليها السلام على أبي بكر، وطالبت نحلة أبيها لها، و أشهدت زوجها أمير المؤمنين عليا عليه السلام، وابنيها الحسن والحسين سبطي رسول الله وسيدي شباب أهل الجنة، وام أيمن زوجة رسول الله على أن أباها نحلها " فدكا ". فرد أبو بكر دعواها، ورد شهاداتهم لها. فأعادت الزهراء عليها السلام على أبي بكر دعوى ثانية، وطالبت بإرثها من ابيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من تلك الارض التي كانت لرسول الله بنصن القرآن، لانها مما أفاء الله على رسوله. =========================================================================== [ 4 ] ورد أبو بكر دعواها هذه أيضا بحديث رواه هو وحده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة ". فادعى أن النبي لم يترك ميراثا و لا تركة، وأن كل مخلفاته صدقة. ومع أن هذا خبر واحد، لم يعرفه ولم يسمعه ولم يروه يومذاك غير أبي بكر (1). ومع أن الاولى بسماعه وروايته - لو كان النبي صلى الله عليه وآله قاله - هم أهل بيته وابنته الزهراء بالاخص، لانهم هم محل ابتلاء مؤداه، وهم بحاجة إلى معرفة حكمه، فكان على النبي أن يبلغهم به، لا أن يقوله لابي بكر الذي لا يرث من النبي شيئا ! مع هذا فقد فرض أبو بكر رأيه على الزهراء عليها السلام وأخذ منها " فدكا " وقد احتجت الزهراء على أبي بكر في هذا الرأي المنافي لصريح القرآن حيث نص على توريث الانبياء لورثتهم، مما يدل على اختلاق هذا الخبر الذي ينسب عدم الارث إلى الا نبياء. ولقد انقضى التاريخ على ظلمه وجوره، إلا أن البحوث العلمية حول هذا الخبر الواحد لم تنقض بعد: فالمفارقة المعروفة حتى عند المبتدئين أن كلمة " صدقة " هل تقرأ بالنصب على أنها توضيح لكلمة (ما) الذي هو مفعول لقوله (لا نورث) فالمعنى: إنا لا نورث المتروكات التي كانت صدقة، فغير الصدقات مما تركه النبي صلى الله عليه وآله من ممتلكاته يكون إرثا لوارثيه. =========================================================================== (1) وان كانت أسانيده كثرت - بعد ذلك - حتى صار من المتواترات في عهد معاوية ! ! ! (*) =========================================================================== [ 5 ] أو هي تقرأ بالرفع على أنها خبر لكلمة (ما) فتكون جملة (ما تركناه صدقة) مستأنفة. والرفع يناسب مذهب أبي بكر والعامة، والنصب يوافق رأي الشيعة الذين يلتزمون بأن الانبياء حالهم كسائر الناس، في توريث ما يخلفون، إلا ما كان عندهم من الصدقات، فإنها لاصحابها من المستحقين. وقد ذكر العلماء هذا الخلاف في إعراب " صدقة " فانظر الالماع للقاضي عياض (ص 151). وخصص الشيخ المفيد هذه الرسالة لذكر أدلة الشيعة الامامية في رد هذا الخبر ورد الاستدلال به على نفي الارث عن الانبياء. فذكر وجوها ومقاطع من النقض والابرام: الاول: إن قراءة النصب توافق عموم القرآن، وقراءة الرفع تمنع من العموم فتخالف القرآن الذي جاء على العموم. وما يوافق ظاهر القرآن أولى بالحق مما خالفه. الثاني: اعترض العامة على النصب، بأنه لا يصح، إذ معنى الحديث على ذلك أن ما كان صدقة وتركه الميت فهو لا يورث، وهذا ليس حكما خاصا بالنبي صلى الله عليه وآله بل الخلق كلهم محكومون بذلك، فمن ترك صدقة لم تدخل في تركته ولم يرثه منه ذووه، فما فائدة الخبر ؟ وأجاب الشيخ المفيد عن هذا الاعتراض بأن تخصيص الانبياء بالذكر في الخبر ليس من أجل اختصاص الحكم بهم، بل هو حكم عام، وإنما ذكر الانبياء هنا للتعبير عن أولوية الانبياء بالعمل به، وأنهم ألزم الخلق به واحق، و إن كان سائر المكلفين كذلك. =========================================================================== [ 6 ] وهذا نظير قوله تعالى " إنما أنت منذر من يخشاها " مع أن النبي منذر كل الناس من يخشاها ومن لا يخشاها، ولكن بما أن من يخشاها أحق بالانذار لمكان استفادته منه، استحق ذكره لهذه الاولوية. ثم ذكر نظائر اخر لهذه الاية، وأمثله عرفية تجرى عليها. الثالث: إن للخبر وجها آخر في التفسير: وهو ان المراد أن ما تركناه صدقة لا يصبح لا ولادنا، ولا يأكله أولادنا مطلقا بأي عنوان، حتى لو صاروا فقراء وصدق عليهم عنوان المستحقين للصدقات. فيكون هذا الحكم خاصا بالانبياء وأولادهم، بخلاف غير الانبياء فإنهم لو تركوا الصدقات فهي - وان كانت لا تدخل في الارث - إلا أن أولادهم لو اصبحوا فقراء أو صدق عليهم عنوان المستحق أكلوا من الصدقات بذلك العنوان. فمعنى (لا نورث) في الخبر، اي: لا يصير إلى ورثتنا على كل حال، و اطلاق كلمة (الارث) ومشتقاتها بهذا المعني أمر متعارف في اللغة، وإن لم يكن من مخلفات الميت، كما قال الله تعالى " وأورثكم أرضهم وديارهم " أي اوصلها اليكم، فان ذلك لم يكن بالتوارث الشرعي. الرابع: أن للخبر لفظا آخر، لم يرد فيه احتمال النصب، وهو: " نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه، فهو صدقة " وقد جعل بعض العامة هذا اللفظ دليلا على صحة الرفع في اللفظ السابق، وبطلان التأويل المبتنى على النصب. لكن الشيخ المفيد رده بأن الخبر على هذا اللفظ وإن كان لا يحتمل النصب، بل بالرفع فقط، إلا أن له معنى محتملا لا يوافق تأويل العامة، وهو: أن الذي تركناه من أموالنا وحقوقنا على الاخرين، التي أسقطناها عن ذممهم و =========================================================================== [ 7 ] تصدقنا بها عليهم، فلم نطالب بها في حياتنا، ولم نستنجزه قبل مماتنا، فهي صدقة على من هي في يده بعد موتنا، ولا تدخل في مخلفاتنا ولا ما نورثه لو ارثينا، فليست من تركتنا، وليس لورثتنا أن يأخذوه. وهذا المعنى موافق لعموم القرآن وظاهر السنة، بخلاف المعنى الذي يريده العامة من أن الانبياء لا إرث لهم مطلقا فهو مخالف لظاهر الآيات القرآنية الدالة على توريث الانبياء. وحمل السنة على وفاق القران أولى. والملاحظ: أن الشيخ المفيد تصدى لهذا الخبر من جهة تحليله، والرد عليه بإيراد المحتملات. و لكنه لم يتعرض للنقض عليه بما ورد من الايات القرانية والسنة القطعية الدالة على بطلان مضونه. وكذلك لم يتعرض للرد عليه سنديا، حيث أنه لم يثبت من غير طريق أبي بكر الذي هو طرف في تلك الدعوى وللبحث في ذلك مجال تكفلت به المطولات. والله ولي التوفيق. وكتب السيد محمد رضا الحسيني الجلالي =========================================================================== [ 9 ] نسخ هذه الرسالة نسخ هذه الرسالة التي كانت لدينا عند التحقيق. 1 - نسخة مكتبة آية الله المرعشي بقم ورمزها " آ ". 2 - نسخة اخرى لتلك المكتبة ورمزها " ج ". 3 - نسخة مكتبة المجلس الشورى الاسلامي ورمزها " ب ". 4 - نسخة مصححة لمؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم. 5 - مطبوعة نجف. واليكم مصورة بعض هذه النسخ: =========================================================================== [ 17 ] رسالة حول حديث نحن معاشر الانبياء لا نورث تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله، العكبري، البغدادي (336 - 413 ه‍) =========================================================================== [ 19 ] بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ المفيد رضي الله عنه: إذا سلم للطخصوم ما ادعوه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة " (1)، كان محمولا على ان الذي تركه الانبياء عليهم السلام صدقة، فإنه لا يورث، ولم يكن محمولا على ان ما خلفوه من أملاكهم فهو صدقة لغير هم (2) لا يورث (3). =========================================================================== (1) رواه أحمد بن حنبل في المسند 1 / 4 - 6 - 9 - 10 - 13 - 25 - 47 - 48 - 60 - 162 - 164 - 191 - 208. ومسلم في صحيحه الجزء الخامس / 154 كتاب الجهاد، والبخاري في صحيحه الجزء الرابع / 71 كتاب الجهاد، باب فرض الخمس، والجزء الخامس / 20 كتاب الفضائل، باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والجزء الثامن / 149 كتاب الفرائض. (2) هكذا في " آ " و " ب " وفي المطبوع " بعدهم ". (3) ان في هذا الحديث على فرض صدوره من النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتمالين: الاول: أن يكون قوله: " ما تركناه " مبتدأ، و " صدقة " خبره، وعليه فمدلول الحديث أن الانبياء جميعا لا يورثون، وما تركوا فهو صدقة، وليس لورثتهم شئ بعنوان الارث. وهذا المعنى مخالف لعمومات القرآن في الارث. والثاني: ان يكون قوله: " ما تركناه " مفعولا ثانيا لقوله: " لا نورث " ومفعوله الاول محذوفا ويصير حاصل المعنى على هذا الاحتمال: انا لا نورث أحدا مما تركناه بعنوان الصدقة، وبعبارة اخرى أن ورثة الانبياء لا يرثون من الصدقات التي تكون عند الانبياء بعد وفاتهم شيئا. وهذا الاحتمال متعين لموافقته للكتاب كما ذكره الشيخ المفيد رحمه الله. =========================================================================== [ 20 ] والحجة على ذلك أن التأويل الاول موافق لعموم القرآن (4) وتأويل الناصبة (5) مانع من العموم، وما يوافق ظاهر القرآن أولى بالحق مما خالفه. فإن قالوا: هذا لا يصح، وذلك لان كل شئ تركه الخلق بأجمعهم صدقة وكان من صدقاتهم لم يورث ولم يصح ميراثه فلا يكون حينئذ لتخصيص الانبياء عليهم السلام بذكره فائدة معقولة. قيل لهم: ليس الامر كما ذكرتم، وذلك ان الشئ قد يعم بتخصيص البعض للتحقيق به انهم اولى الناس بالعمل بمعناه والزم الخلق له، وإن كان دينا لمن سواهم من المكلفين، قال الله عزوجل: (انما أنت منذر من يخشيها) (6) وان كان منذرا لجميع العقلاء. وقال: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر وأقام الصلاة) (7) وان كان قد يعمرها الكفار ومن هو بخلاف هذه الصفة. وقال: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) (8) وان كان في الكفار من إذا ذكر الله وجل قلبه وخاف، وفي المؤمنين من يسمع ذكر الله =========================================================================== (4) سورة النساء: 4 / 7 (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا). سورة النساء: 4 / 11 (يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين...). سورة الانفال: 8 / 75 (... وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شئ عليم). سورة مريم: 19 / 6 (يرثني ويرث من آل يعقوب...). (5) في المطبوع: وتأويل الناصبة الخصوم مانع. (6) سورة النازعات: 79 / 45. (7) سورة التوبة: 9 / 18. (8) سورة الانفال: 8 / 2. =========================================================================== [ 21 ] وهو مسرور بنعم الله أو مشغول بضرب من المباح، فلا يلحقه في الحال وجل ولا يعتريه خوف. وهذا محسوس معروف بالعادات وهو كقول القائل: نحن معاشر المسلمين لا نقر على منكر، وإن كان أهل الملل من غيرهم لا يقرون على ما يرونه من المنكرات، وفي المسلمين من يقر على منكر يعتقد صوابه بالشبهات. وكقول فقيه من الفقهاء: نحن معاشر الفقهاء لا نرى قبول شهادة الفاسقين، وقد ترى ذلك جماعة ممن ليس من الفقهاء. وكقول القائل: نحن معاشر القراء لا نستجيز (9) خيانة الظالمين، وقد يدخل معهم من يحرم ذلك من غير القراء من العدول والفاسقين، وامثال هذا في القول المعتاد كثير. وإنما المعنى في التخصيص به التحقيق بمعناه، والتقدم فيه، وأنهم قدوة لمن سواهم، وأئمتهم في العمل نحو ما ذكرناه. ووجه آخر وهو أنه يحتمل أن يكون قوله عليه وآله السلام - إن صح عنه - انه قال: " نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه. صدقة لا يورث " أي لا يستحقه أحد من أولادنا وأقربائنا وإن صاروا إلى حال الفقراء التي من صار إليها من غيرهم حلت لهم صدقات أهليهم، لان الله تعالى حرم الصدقة على أولاد الانبياء وأقاربهم تعظيما لهم ورفعا لاقدارهم عن =========================================================================== (9) في المطبوع: لا نستحل. =========================================================================== [ 22 ] الادناس (10)، وليس ذلك في من سواهم من الناس لان غير الانبياء عليهم السلام إذا تركوا صدقات ووقوفا ووصايا للفقراء من سائر الناس فصار أولادهم وأقاربهم من بعدهم إلى حال الفقر كان لهم فيها حقوق أوكد من حقوق غيرهم من الاباعد. =========================================================================== (10) قال الشيخ الطبرسي رحمه الله: اختلف العلماء في كيفية الخمس ومن يستحقه على اقوال احدها: ما ذهب إليه اصحابنا وهو ان الخمس يقسم على ستة اسهم، فسهم لله وسهم للرسول وهذان السهمان مع سهم ذي القربى للامام القائم مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسهم ليتامى آل محمد وسهم لمساكينهم وسهم لابنا سبيلهم لا يشركهم في ذلك غيرهم لان الله سبحانه حرم عليهم الصدقات لكونها أو ساخ الناس وعوضهم من ذلك الخمس. مجمع البيان 2 / 543. وراجع وسائل الشيعة للشيخ الحر العاملي ج 6 ص 355 - 360 ففيه عدة روايات في هذا الموضوع وإليك بعضها: 1 - عن سليم بن قيس قال سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: " نحن والله الذين عنى الله بذي القربى والذين قرنهم الله بنفسه وبنبيه فقال: (وما افاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمسكين) منا خاصة ولم يجعل لنا سهما في الصدقة أكرم الله نبيه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في ايدي الناس " (وسائل الشيعة 6 / 357). 2 - عن العبد الصالح قال: وإنما جعل الله هذا الخمس لهم خاصة دون مساكين الناس وابناء سبيلهم عوضا لهم من صدقات الناس تنزيها من الله لهم لقرابتهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكرامة من الله لهم عن أوساخ الناس (الوسائل 6 / 358). وفي الدر المنثور للسيوطي 3 / 186: عن عبد الرحمان بن أبي ليلى قال: سألت عليا عليه السلام كيف كان صنع أبي بكر وعمر في الخمس نصيبكم... ثم انشأ علي عليه السلام يحدث فقال: " ان الله حرم الصدقة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فعوضه سهما من الخمس عوضا مما حرم عليه وحرمها على أهل بيت خاصة دون امته فضرب لهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عوضا مما حرم عليهم. وفي الدر المنثور رواية اخرى في هذا الموضوع ايضا فراجع 3 / 186. =========================================================================== [ 23 ] فمنع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ذريته وأهل بيته من نيل ما تركه من صدقاته وإن افتقروا وخرجوا من حال الغنى، وكان المعنى في قوله " لا نورث " أي لا يصير من بعدنا إلى ورثتنا على حال، وهذا معروف في انتقال الاشياء من الاموات إلى الاحياء، والوصف له بأنه ميراث وان لم يوجد من جهة الارث (11). قال الله عزوجل: (وأورثكم أرضهم وديارهم) (12) فصل: وقد تعلق بعضهم بلفظ آخر في هذا الخبر فقال: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه هو صدقة " (13) وهذا ايضا لا يصح (*). فالوجه فيه: أن الذي تركناه من حقوقتا وديوننا (فلم نطالب في حياتنا ونستنجزه قبل مماتنا فهو صدقة) (14) على من هو في يده من بعد موتنا وليس يجوز لورثتنا (15) أن يتعرضوا لتمليكه فانا قد عفونا لمن هو في يده عنه بتركنا قبضه منه في حياتنا، وليس معناه ما تأوله الخصوم. والدليل على ذلك: ان الذي ذكرناه فيه موافق لعموم القرآن وظاهره (16). =========================================================================== (11) في المطبوع: وان لم يكن بسبب الارث. وفي المخطوطات: وإن يوجد من جهة الارث. وما أثبتناه هو الصحيح ظاهرا. (12) سورة الاحزاب: 33 / 27. (13) هذا يوافق ما قي سنن أبي داود 3 / 144 - 145.كذا ولعل الصحيح: إن صح. (14) ما بين القوسين اخذناه من المطبوع. (15) في المطبوع: وليس يجدر لذرياتنا ان يتعرضوا لتملكه. (16) في المطبوع: لعموم القرآن وظاهر السنة. =========================================================================== [ 24 ] وما ادعاه المخالف دافع لعموم القرآن ومخالف لظاهره، وحمل السنة على وفاق العموم أولى من حمله على خلاف ذلك والله ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين وصلواته على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين. تكميل وبعد تمام هذه الرسالة الثمينة ننقل بعض كلمات الاعلام حول هذا الحديث تتميما للفائدة وتبيينا للحق. اللهم أرنا الحق حقا حتى نتبعه وارنا الباطل باطلا حتى نجتنبه. قال القرطبي في تفسيره: ويحتمل قوله عليه السلام: " إنا معاشر الانبياء لا نورث " ان يريد ان ذلك من فعل الانبياء وسيرتهم وان كان فيهم من ورث ماله ك‍ " زكريا " على أشهر الاقوال فيه. وهذا كما تقول: انا معاشر المسلمين انما شغلتنا العبادة، والمراد ان ذلك فعل الاكثر، ومنه ما حكى سيبويه: انا معاشر العرب أقرى الناس للظيف (17). =========================================================================== (17) الجامع لاحكام القرآن 13 / 164. =========================================================================== [ 25 ] قال الفخر الرازي في تفسير الاية 11 من سورة النساء: الموضع الرابع من تخصيصات هذه الآية ما هو مذهب أكثر المجتهدين ان الانبياء عليهم السلام لا يورثون، والشيعة خالفوا فيه. روي ان فاطمة عليها السلام لما طلبت الميراث ومنعوها منه، احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام (نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة " فعند هذا احتجت فاطمة عليها السلام بعموم قوله: (للذكر مثل حظ الانثيين) وكأنها اشارت إلى ان عموم القرآن لا يجوز تخصيص بخبر واحد. ثم ان الشيعة قالوا: بتقدير أن يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر واحد الا انه غير جائز ههنا، وبيانه من ثلاثة اوجه: احدها: انه على خلاف قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام: (يرثني ويرث من آل يعقوب) (18) وقوله تعالى: (وورث سليمان داود) (19) قالوا ولا يمكن حمل ذلك على وراثة العلم والذين لان ذلك لا يكون وراثة في الحقيقة، بل يكون كسبا جديدا مبتدأ، انما التوريث لا يتحقق الا في المال على سبيل الحقيقة. وثانيها: ان المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان الا فاطمة وعلي والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء وأهل الذين، واما ابو بكر فانه ما كان محتاجا إلى معرفة هذه المسألة البتة، لانه ما كان ممن يخطر بباله انه يرث من الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف يليق بالرسول عليه الصلاة =========================================================================== (18) سورة مريم: 19 / 6. (19) سورة النمل 27 / 16. =========================================================================== [ 26 ] والسلام أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا جاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة ؟. وثالثها: يحتمل ان قوله " ما تركناه صدقة صلة " " لا نورث " والتقدير: ان الشئ الذي تركناه صدقة، فذلك الشئ لا يورث فان قيل: فعلى هذا التقدير لا يبقى للرسول خاصية في ذلك. قلنا: بل تبقى الخاصية لا حتمال ان الانبياء إذا عزموا على التصدق بشئ فبمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم ولا يرثه وارث عنهم، وهذا المعنى مفقود في حق غيرهم. (20). قال العلامة الحلي رحمه الله: إن أبا بكر منع فاطمة إرثها فقالت: يا ابن أبي قحافة أترث أباك ولا أرث أبي ! ! واحتج عليها برواية تفرد هو بها عن جميع المسلمين، مع قلة رواياته وقلة علمه، وكونه الغريم لان الصدقة تحل عليه. فقال لها: إن النبي قال: " نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة "، والقرآن مخالف لذلك فإن صريحه يقتضي دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه بقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم) (21). وقد نص على أن الانبياء يورثون، فقال تعالى: (وورث سليمان داود) (22). =========================================================================== (20) التفسير الكبير 9 / 210. (21) سورة النساء: 4 / 11. (22) سورة النمل: 27 / 16. =========================================================================== [ 27 ] وقال عن زكريا: (إني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) (23)، وناقض فعله أيضا هذه الرواية، لان أمير المؤمنين والعباس، اختلفا في بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيفه وعمامته وحكم بها ميراثا لامير المؤمنين، ولو كانت صدقة لما حلت على علي عليه السلام، وكان يجب على أبي بكر انتزاعها منه، ولكان أهل البيت الذين حكى الله تعالى عنهم بأنه طهرهم تطهيرا مرتكبين ما لا يجوز، نعوذ بالله من هذه المقالات الردية والاعتقادات الفاسدة. واخذ فدكا من فاطمة وقد وهبها إياها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يصدقها، مع أن الله قد طهرها وزكاها واستعان بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء على الكفار على ما حكى الله تعالى وأمره بذلك فقال تعالى: (قل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) (24) فكيف يأمره الله تعالى بالاستعانة - وهو سيد المرسلين - بابنته وهي كاذبة في دعواها غاصبة لمال غيرها نعوذ بالله من ذلك فجاءت بأمير المؤمنين عليه السلام فشهد لها فلم يقبل شهادته، قال: إنه يجر إلى نفسه، وهذا من قلة معرفته بالاحكام، ومع أن الله تعالى قد نص في آية المباهلة أنه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يليق بمن هو بهذه المنزلة واستعان به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمرالله في الدعاء يوم المباهلة أن يشهد بالباطل ويكذب ويغصب المسلمين أموالهم نعوذ بالله من هذه المقالة. =========================================================================== (23) سورة مريم: 19 / 5 و 6. (24) سورة آل عمران: 3 / 61. =========================================================================== [ 28 ] وشهد لها الحسنان عليهما السلام فرد شهادتهما وقال: هذان ابناك لا أقبل شهادتهما لانهما يجران نفعا بشهادتهما، وهذا من قلة معرفته بالاحكام أيضا، مع أن الله قد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاستعانة بدعائهما يوم المباهلة فقال: (أبناءنا وأبناءكم). وحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنهما سيدا شباب أهل الجنة، فكيف يجامع هذا شهادتهما بالزور والكذب وغصب المسلمين حقهم نعوذ بالله من ذلك. ثم جاءت بأم أيمن فقال: إمرأة لا يقبل قولها مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أم أيمن من أهل الجنة "، فعند ذلك غضبت عليه وعلى صاحبه وحلفت أن لا تكلمه ولا صاحبه، حتى تلقى أباها وتشكو إليه فلما حضرتها الوفاة أوصت أن تدفن ليلا ولا يدع أحدا منهم يصلي عليها. وقد رووا جميعا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك ". قال العلامة الاميني في الغدير: لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك (أي حديث نحن معاشر...) لوجب أن يفشيه إلى آله وذويه الذين يدعون الوراثة منه ليقطع معاذيرهم في ذلك بالتمسك بعمومات الارث من آي القرآن الكريم والسنة الشريفة، فلا يكون هناك صخب وحوار تتعقبهما محن، ولا تموت بضعته الطاهرة وهي واجدة على أصحاب أبيها ويكون ذلك كله مثارا للبغضاء والعداء في الاجيال المتعاقبة بين أشياع كل من الفريقين، وقد بعث هو صلى الله عليه وآله وسلم لكسح تلكم المعرات وعقد الاخاء بين الامم والافراد. =========================================================================== [ 29 ] ألم يكن صلى الله عليه وآله وسلم على بصيرة مما يحدث بعده من الفتن الناشئة من عدم ايقاف أهله وذويه على هذا الحكم المختص به صلى الله عليه وآله وسلم المخصص لشرعة الارث ؟ حاشاه. وعنده علم المنايا والبلايا والقضايا والفتن والملاحم. وهل ترى أن دعوى الصديق الاكبر أمير المؤمنين وحليلته الصديقة الكبرى - صلوات الله عليهما وآلهما - على أبي بكر ما استولت عليه يده مما تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ماله كانت بعد علم وتصديق منهما بتلك السنة المزعومة صفحا منهما عنها لاقتناء حطام الدنيا ؟ أو كانت عن جهل منهما بما جاء به أبو بكر ؟ نحن نقدس ساحتهما [ أخذا بالكتاب والسنة ] عن علم بسنة ثابتة والصفح عنها، وعن جهل يربكهما في الميزان. ولماذا يصدق أبو بكر في دعواه الشاذة عن الكتاب والسنة، فيما لا يعلم إلا من قبل ورثته صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه الذي هتف صلى الله عليه وآله وسلم به وبوصايته من بدء دعوته في الاندية والمجتمعات ؟ !. ولم تكن اذن واعية لدعوى الصديقة وزوجها ؟ قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج: وسألت علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد فقلت له: أكانت فاطمة صادقة ؟. قال: نعم. قلت: فلم لم يدفع إليها ابو بكر فدكا وهي عنده صادقة ؟. فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته. قال: لو اعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشئ، =========================================================================== [ 30 ] لانه قد أسجل على نفسه انها صادقة فيما تدعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود. وهذا كلام صحيح وان كان اخرجه مخرج الدعابة والهزل (25). لانه قد أسجل على نفسه انها صادقة فيما تدعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود. وهذا كلام صحيح وان كان اخرجه مخرج الدعابة والهزل (25). قال السيد شرف الدين في كتاب " النص والاجتهاد ". واليك كلمة في هذا الموضوع لعيلم المنصورة الاستاذ محمود ابو رية المصري المعاصر، قال: بقي امر لابد أن نقول فيه كلمة صريحة: ذلك هو موقف أبي بكر من فاطمة - رضي الله عنها - بنت رسول الله (ص)، وما فعل معها في ميراث أبيها، لانا إذا سلمنا بأن خبر الآحاد الظني يخصص الكتاب القطعي، وانه قد ثبت أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قال " انه لا يورث " وانه لا تخصيص في عموم هذا الخبر، فان ابا بكر كان يسعه أن يعطي فاطمة - رضى الله عنها - بعض تركة أبيها (صلى الله عليه واله وسلم) كأن يخصها بفدك وهذا من حقه الذي لا يعارضه فيه أحد، إذ يجوز للخليفة أن يخص من يشاء بما شاء. قال: وقد خصن هو نفسه الزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة وغير هما ببعض متروكات النبي. على ان فدكا هذه التي منعها ابو بكر لم تلبث أن اقطعها الخليفة عثمان لمروان - هذا كلامه بنصه (26) -. =========================================================================== (25) شرح نهج البلاغة 16 / 284. (26) النص والاجتهاد ص 70 طبع مطبعة سيد الشهداء. وراجع الشافي للسيد المرتضى 4 / 57 - 102 ودلائل الصدق للمظفر 3 / 40 - 77 ففي هذين الكتابين بحث مستوفى حول حديث نحن معاشر الانبياء وإرث فاطمة سلام الله عليها. مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية