مسألة في الإرادة- الشيخ المفيد مسألة في الإرادة الشيخ المفيد =========================================================================== [ 1 ] مسألة في الارادة تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله، العكبري، البغدادي (336 - 413 ه‍) =========================================================================== [ 3 ] مسألة في " الارادة " بسم الله الرحمن الرحيم اتفق المسلمون على توصيف البارئ سبحانه بأنه " مريد ". و " الارادة " عند الانسان تعني المشيئة والرغبة، وهي بلا ريب حادثة في الانسان، فهي زائدة على ذاته، وجودها يتبع أسبابه. أما الارادة الالهية، فما معناها ؟ فهي: لا يمكن أن تكون معدومة، لو ضوح صدور الاوامر منه تعالى، مما يكشف عن وجود " إرادة " له، بلا ريب. وكذلك لا ريب في وجود " كراهة " له تعالى، لتعلق نهيه بالامور القبيحة. فلا يمكن ان تكون " الارادة " أمرا ذاتيا الله تعالى، وإلا، لاستلزم أن تكون جميع الامور حسنها وقبيحها - مرادة له تعالى، وقد علمنا بالضرورة أنه تعالى لا يريد القبيح، بل يكرهه. فلا بد أن تكون " الارادة الالهية " صفة خارجة عن الذات، لكنها ليست صفة قديمة، وإلا للزم تعدد القدماء. =========================================================================== [ 4 ] وإن قلنا إنها صفة محدثة في الله تعالي، لزم أن تحدث في محل ! وليست الذات الالهية محلا للحوادث، لانها قديمة. وإن لم تكن الذات الالهية محلا لارادته تعالى، لكان محلها متصفا بها، لا هو سبحانه. ولا يمكن أن يخلو الحادث من محل، لانه عرض، لا وجود - مستقلا - له بنفسه والحاصل: أن الارادة الالهية بعد اثبات اتصافه بها، ليست أمرا موجودا عينيا، لا قديما، ولا محدثا بل توصف بها الذالت مجازيا، لا حقيقيا. بمعنى: أن الله تعالى يخلق الشئ لمصلحة يعلمها في الشئ هي إرادته الداعية إلى خلقه. وهذا الكتاب " مسألة الارادة... " على إيحازه قد استوعب فيه الشيخ المفيد أهم ما يلزم الاستدلال عليه حول الارادة الالهية. وقد وجدنا المتأخرين من علماء الكلام ينشدون الحقيقة التي ابداها الشيخ المفيد في هذا الكتاب، ويسيرون على خطاه في الاستدلال ويتبعون أثره في الاستنتاج. والله ولي التوفيق. وكتب السيد محمد رضا الحسيني الجلالي =========================================================================== [ 5 ] * مسألة في إرادة الله سبحانه للشيخ المفيد (ره). * كتبها أحمد بن الحسين بن العودي الاسدي الحلي. * ضمن مجموعة بخط واحد، كتبها ناسخها ما بين سنة 740 - 746 ه‍. * النسخة الخطية في خزانة مكتبة بودليان في جامعة اكسفورد بانجلترا. * النسخة المصورة محفوظة في مكتبة حجة الاسلام والمسلمين العلامة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي. =========================================================================== [ 7 ] مسألة في ارادة الله تعالى [ بسم الله الرحمن الرحيم ] لا يخلو تعالى جده أن يكون مريدا لنفسه أو بارادة، ولا يجوز أن يكون مريدا لنفسه، لانه لو كان كذلك، لوجب أن يكون مريدا للحسن والقبيح، وقد دل الدليل على أنه لا يريد القبيح، ولا يفعله. ولا يجوز أن يكون مريدا بارادة، لانها لا تخلو من أن تكون موجودة أو معدومة، ولا يجوز أن تكون معدومة، لان المعدوم ليس بشئ [ ولا ] يوجب لغيره حكما. وإن كانت موجودة لم تخل من أن تكون قديمة أو محدثة، فان كانت قديمة وجب تماثلها للقديم تعالى. وكذلك السوادان والبياضان، فيجب تماثل القديمين كذلك. وأيضا فلو كان مريدا بارادة قديمة، لوجب قدم المرادات بأدلة قد ذكرت في مواضها. فلم يبق إلا أن يكون تعالى مريدا بارادة محدثة، وهذا باطل، من حيث كانت الارادة عند مثبتيها عرض، والاعراض لا تقوم بأنفسها، ولا بد لها من محال، ولم تخل محل هذه من أن يكون هو أو غيره، ومحال كونه تعالى محل شئ من الاعراض لقدمه. =========================================================================== [ 8 ] ولا يجوز أن يكون مريدا بارادة محدثة تحل في غيره، لو جوب رجوع حكمها إلى المحل، ولا يصح أن يكون حكمها راجعا إلى محلها، ويكون تعالى مريدا بها، ووجودها لا في محل غير معقول، واثبات ما ليس بمعقول يؤدي إلى الجهالات، فثبت أنه مريد مجازأ لا حقيقة، فتأمل ذلك. تمت المسألة والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله الطاهرين. علقها العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن الحسين بن العودي [ الاسدي الحلي ]. تكملة قال الكراجكي رضوان الله تعالى عليه في كنز الفوائد ؟ بيان صفات المجاز: فأما الذي يوصف الله تعالى به ومرادنا غير حقيقة الوصف في نفسه، فهو كثير، فمنه مريد وكاره وغضبان وراض ومحب ومبغض وسميع وبصير وراء ومدرك، فهذه صفات لا تدل العقول على وجوب صفته بها، وإنما نحن متبعون للسمع الوارد بها، ولم يرد السمع إلا على اللغة واتساعاتها، والمراد بكل صفة منها معنى غير حقيقتها. القول في المريد: إعلم أن المريد في الحقيقة والمعقول هو القاصد إلى أحد الضدين اللذين خطرا بباله الموجب له بقصده وإيثاره دون غيره. وهذا من صفات المخلوقين التي تستحيل أن يوصف في الحقيقة بها =========================================================================== [ 9 ] رب العالمين. إذ كان سبحانه لا يعترضه الخواطر، ولا يفتقر إلى أدنى روية وفكر، إذ كان هذا على ما بيناه، فإنما معنى قولنا: إن الله تعالى مريد لافعاله، أنها وقعت وهو عالم بها غير ساه عنها، وإنما لم يقع عن سبب موجب من غيره لها لانا وجدنا القاصد منا للمشئ الذي هو عالم به غير ساه عنه، ولا هو موجودا لمسبب وجب من غيره مريدا له. فصح إذا أردنا أن نخبر بأن الله تعالى يفعل لا عن سهو ولا غفلة ولا بإيجاب من غيره، أن نقول هو مريد لفعله، ويكون هذا الوصف استعارة، لان حقيقته كما ذكرناه لا يكون إلا في المحدث. دليل: والذي يدل على صحة قولنا في وصف الله تعالى بالارادة، أنه سبحانه لو كان مريدا في الحقيقة لم يخل الامر من حالين: إما أن يكون مريدا لنفسه، أو مريدا بإرادة فلو كان مريدا لنفسه لوجب أن يكون مريدا للحسن والقبيح، كما أنه لو كان عالما لنفسه كان عالما بالحسن والقبيح. وإرادة القبيح لا تجوز على الله سبحانه. والكلام في هذا يأتي محررا على المجبرة في خلق الافعال. فإذا ثبت أن الله عزوجل لا يجوز أن يريد المقبحات علم أنه غير مريد لنفسه. وإن كان مريدأ بإرادة، لم تخل الارادة من حالين: إما أن تكون قديمة، أو حادثة. ويستحيل أن تكون قديمة، بما بيناه من أنه لا قديم سواه عزوجل. والكلام على المجبرة في هذا داخل في باب نفي الصفات التي ادعت المجبرة أنها قديمة مع الله تعالى. =========================================================================== [ 10 ] وأيضا فلو كان الله سبحانه مريدا فيما لم يزل، إما لنفسه وإما بإرادة قديمة معه، لوجب أن يكون مراده معه فيما لم يزل، لانه لا مانع له مما أراده، ولا حائل بينه وبينه، ولكان ما يوجده من الافعال لا تختلف أوقاته، [ ولا ] يتأخر بعضه عن بعض، لان الارادة حاصلة موجدة في كل وقت، وهذا كله موضح أنه عزوجل ليس بمريد فيما لم يزل، لا لنفسه ولا لا رادة قديمة معه. وإذا بطل هذا لم يبق إلا أن يكون مريدا بعد أن لم يكن مريدا بإرادة محدثة، وهذا أيضا يستحيل، لان الارادة لا تكون إلا عرضا، والعرض يفتقر إلى محل، والله تعالى غير محل للاعراض، ولا يجوز أن تكون إرادته حالة في غيره، كما لا يجوز أن يكون عالما بعلم يحل في غيره، وقادرا بقدرة تحل في غيره. ولا يجوز أيضا أن تكون لا فيه ولا في غيره، لانه عرض، والعرض يفتقر إلى محل يحملها، ويصح بوجوده وجودها. ولو جاز أن توجد إرادة لا في مريد بها، ولا في غيره، الجاز أن توجد حركة لا في متحرك بها ولا في غيره. فإن قيل أن الحركة هيئة للجسم، وليس يجوز أن تكون هيئة غير حالة فيه. قلنا: ولم لا يجوز ذلك ؟. فإن قيل: لان تغير هيئة الجسم مدرك بالحاسة، فوجب أن يكون المعنى الذي يتغير به حالا فيه. قلنا: وكذلك المريد للشئ بعد أن لم يكن مريدا له، قد يتغير عليه حس نفسه، فوجب أن تكون إرادته تحله. فإن قيل: بأي شئ من الحواس تحس الارادة ؟. قلنا: وبأي شئ من الحواس يحس الصداع. =========================================================================== [ 11 ] فإن قيل: إن الانسان يدرك ألم الصداع في موضعه ضرورة. قلنا: فلم نركم أشرتم إلى حاسة بعينها أدركه بها ؟. ولنا أن نقول: وكذلك المريد في الحقيقة، يعلم بتغير حسه، ويدرك ذلك من نفسه ضرورة. (فصل) من كلام شيخنا المفيد رضي الله تعالى عنه في الارادة. قال: الارادة من الله جل إسمه نفس الفعل، ومن الخلق الضمير وأشباهه مما لا بحوز إلا على ذوي الحاجة والنقص. وذاك أن العقول شاهدة بأن القصد لا يكون إلا بقلب، كما لا تكون الشهوة والمحبة إلا لذي قلب، ولا تصح النية والضمير والعزم إلا على ذي خاطر يضطر معها في الفعل الذي يغلب عليه إلى الارادة له، والنية فيه والعزم. ولما كان الله تعالى يجل عن الحاجات، ويستجيل عليه الوصف بالجوارح والآلات، ولا يجوز عليه الدواعي والخطرات، بطل أن يكون محتاجا في الافعال إلى القصود والعزمات، وثبت أن وصفه بالارادة مخالف في معناه لوصف العباد، وأنها نفس فعله الاشياء، وإطلاق الوصف بها عليه مأخوذ من جهة الاتباع دون القياس، وبذلك جاء الخبر عن أئمة الهدى عليهم السلام. قال شيخنا المفيد رحمه الله: " أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن محمد بن يعقوب الكليني عن أحمد بن إدريس عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان بن يحيى قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: (أخبرني عن الارادة من الله تعالى ومن الخلق ؟. فقال: الارادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد (كذا) الفعل، والارادة =========================================================================== [ 12 ] من الله تعالى إحداثه الفعل لا غير ذلك، لانه جل إسمه لا يهم ولا يتفكر). قال شيخنا [ المفيد ] رحمه الله: " وهذا نص من مولانا عليه السلام على اختياري في وصف الله تعالى بالارادة، وفيه نص على مذهب لي آخر منها، وهو: أن إرادة العبد تكون قبل فعله، وإلى هذا ذهب البلخي. والقول في تقدم الارادة للمراد كالقول في تقدم القدرة للفعل، وقول الامام عليه السلام في الخبر المتقدم أن الارادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد الفعل صريح في وجوب تقدمها للفعل، إذ كان الفعل يبدو من العبد بعدها، ولو كان الامر فيها على مذهب الجبائي لكان الفعل باديا في حالها، ولم يتأخر بدوه إلى الحال التي هي بعد حالها. فصل: اعلم أنا نذهب إلى أن الارادة تتقدم المراد كتقدم القدرة للمقدور، غير أن الارادة موجبة للمراد، والقدرة غير موجبة للمقدور، والارادة لا تصلح إلا للمراد دون ضده وليس كذلك القدرة لانها تصلح أن يفعل الشئ بها فضده بدلا منه، والجميع أعراض لا يصح بقاؤها. فصل معنى القول في أن الارادة موجبة: معنى قولنا في الارادة أنها موجبة، هو أن الحي متى فعل الارادة لشئ، وجب وجود ذلك الشئ، إلا أن يمنعه منه غيره، فأما أن يمتنع هو من مراده فلا يصح ذلك. ومن الدليل على صحة ما ذكرناه أنه قد ثبت تقدم الارادة على المراد، لاستحالة أن يريد الانسان ما هو فاعل له في حال فعله، فيكون مريدا للموجود، كما يستحيل أن يقدر على الموجود. وإذا ثبت أن الارادة متقدمة للمراد لم يخل أمر المريد لحركة يده من أن يكون واجبا وجودها عقيب الارادة =========================================================================== [ 13 ] بلا فصل، أو كان يجوز عدم الحركة، فلو جاز ذلك لم يعدم إلا بوجود السكون منه بدلا منها. ولو فعل السكون في الثاني من حال إرادته للحركة لم يخل من أن يكون فعله بإرادة له أو سهو عنه، ومحال أن يفعله بإرادة، لان ذلك موجب لاجتماع إرادتي الحركة والسكون لشئ واحد في حالة واحدة، ومحال وجود السهو عن السكون في حال إرادته للحركة، فبطل جواز امتناع الانسان مما قد فعل الارادة له على ما شرحناه. مسألة: إن قال قائل: إذا كنتم تقولون أن إرادة الله تعالى لفعله هي نفس ذلك الفعل، ولا تثبتون له إرادة غير المراد، فما معنى قولكم أراد الله بهذا الخبر كذا، ولم يرد كذا، وأراد العموم ولم يرد الخصوص، وأراد الخصوص ولم يرد العموم ؟. جواب: قيل له معنى ذلك أن المقدور أخبارا كثيرة عن أشياء مختلفة، فقولنا أراد كذا ولم يرد كذا، فهو أنه فعل الخبر الذي هو عن كذا، ولم يفعل الخبر الذي هو عن كذا، وفعل القول الذي يفهم منه كذا، ولم يفعل القول الذي يفهم منه كذا. وهذا كقولنا: إنا إذا قلنا: الحمد لله رب العالمين وأردنا القرآن كان ذلك قرآنا، وإذا أردنا أن يكون منا شكرا لله تعالى كان كذلك. فإنا لسنا نريد أن قولا واحدأ ينقلب بإرادتنا قرآنا إن جعلناه قرآنا، ويكون كلاما لنا إن جعلناه لنا كلامأ، وإنما معناه أن في مقدورنا كلامين نفعل هذا مرة وهذا مرة. فإن قال: فكان من قولكم أن (الحمد لله رب العالمين) إذا أردتم به القرآن يكون مقدورأ لكم. قلنا: هذا كلام في الحكاية والمحكي، وله باب يختص به، وسنورد إن =========================================================================== [ 14 ] شاء الله تعالى طرفأ منه. فصل: فأما إرادة الله تعالى لافعال خلقه فهي أمره لهم بالافعال، ووصفنا له بأنه يريد منهم كذا إنما هو استعارة ومجاز، وكذلك كال من وصف بأنه مريد لما ليس من فعله، تعالى طريق الاستعارة والمجاز. وقول القائل: يريد مني فلان المصير إليه إنما معناه أنه يأمر بذلك ويأخذني به، وأرادني فلان على كذا أي أمرني به، فقولنا: إن الله يريد من عباده الطاعة إنما معناه أنه يأمرهم بها. وقد تعبر بالارادة عن التمني والشهوة مجازا وإتساعا، فيقول الانسان أنا أريد أن يكون كذا أي أتمناه، وهذا الذي كنت أريده أي اشتهيه وتميال نفسي إليه. والاستعارات في الارادات كثيرة. فأما كراهة الله تعالى للشئ فهو نهيه عنه، وذلك مجاز كالارادة فاعلمه. القول في الغضب والرضا وهاتان صفتان لا تصح حقيقتهما إلا في المخلوق، لان الغضبب هو نفور الطباع، والرضا ميلها وسكون النفس، ووصف الله تعالى بالغضب والرضا إنما هو مجاز، والمراد بذلك ثوابه وعقابه، فرضاه وجود ثوابه، وغضبه وجود عقابه، فإذا قلنا رضي الله عنه فإنما نعني أثابه الله تعالى، وإذا قلنا غضب الله عليه فإنا نريد عاقبه الله، فإذا علق الغضب والرضا بأفعال العبد فالمراد بهما الامر والنهي، نقول إن الله يرضى اللاعة بمعنى يأمر بها، ويغضب من المعصية بمعنى ينهي عنها. =========================================================================== [ 15 ] القول في الحب والبغض وهاتان الصفتان إنما يوصف الله تعالى بها مجازا، لان المحبة في الحقيقة ارتياح النفس إلى المحبوب، والبغض ضد ذلك من الانزعاع والنفور الذي لا يجوز على التقديم، فإذا قلنا إن الله عزوجل يحب المؤمن ويبغض الكافر فإنما نريد بذلك أنه ينعم على المؤمن ويعذب الكافر، وإذا قلنا إنه يحب من عباده الطاعة، ويبغض منهم المعصية جرى ذلك مجرى الامر والنهي أيضا على المعنى الذي قدمنا في الغضب والرضا. القول في سميع وبصير اعلم أن السميع في الحقيقة هو مدرك الاصوات بحاسة سمعه، والبصير هو مدرك المبمرات بحاسة بصره، وهاتان صفتان لا يقال حقيقتهما في الله تعالى، لانه يدرك جميع المدركات بغير حواس ولا آلات، فقولنا: إنه اعلم أن السميع في الحقيقة هو مدرك الاصوات بحاسة سمعه، والبصير هو مدرك المبمرات بحاسة بصره، وهاتان صفتان لا يقال حقيقتهما في الله تعالى، لانه يدرك جميع المدركات بغير حواس ولا آلات، فقولنا: إنه سميع إنما معناه لا تخفي عليه المسموعات، وقوالنا: بصير معناه أنه لا يغيب عنه شئ من المبصرات، وأنه يعلم هذه الاشياء على حقائقها بنفسه لا بسمع وبصر، ولا بمعان زائدة على معنى العلم: وقد جاءت الآثار عن الائمة عليهم السلام بما يؤكد ما ذكرناه. قال شيخنا المفيد رضوان الله عليه: " أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن محمد بن عيسى عن حماد عن حريز عن محمد بن سالم الثقفي، قال: قلت لابي جعفر الباقر عليه السلام: إن =========================================================================== [ 16 ] قوما من أهل العراق يزعمون أن الله تعالى سميع بصير كما يعقلونه، قال: فقال: تعالى الله تعالى إنما يعقل ذلك فيما كان بصفة المخلوق، وليس الله تعالى كذلك. وبإسناده عن محمد بن يعقوب عن علي بن محمد مرسلا عن الرضا عليه السلام: أنه قال في كلام له في التوحيد، وصفة الله تعالى كذلك: بأنه سميع إخبار بأنه تعالى لا يخفي عليه شئ من الاصوات، وليس هذا على معنى تسميتنا بذلك، وكذلك قولنا بصير، فقد جمعنا الاسم، واختلف فينا المعنى، وقولنا أيضا مدرك وراء لا يتعدى به معنى عالم، فقولنا راء معناه عالم بجميع المرئيات، وقولنا مدرك معناه عالم بجميع المدركات، فهذه صفات المجازات والحمد لله. مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية