مناقب خديجة الكبرى- محمد بن علوي المالكي مناقب خديجة الكبرى محمد بن علوي المالكي =========================================================================== [ 1 ] البشرى في مناقب السيدة خديجة الكبرى رضي الله عنها بقلم صاحب الفضيلة السيد محمد بن علوى المالكى الحسنى من علماء المسجد الحرام طبع بترخيص من وزارة الاعلام رقم 617 / 2 في 10 / 4 / 94 ه‍ تام بنشره بعض يلبة العلم بسم الله الرحمن الرحيم حافظ المسلمون - عبر القرون - علي الاثار النبوية و الاسلامية لكي تستلهم الاحيال المقبلة منها الدروس و العبر. و جا دور الوهابية فهدموا القبور و القباب في عام 1343 = 1924 م معتقدين انها بدعة محرمة و استثنوا من هذا التحريم قبر النبي و قبته. و لم يوافقهم علي هذا الراي فكريا جمهور المسلمين و عارضوهم عمليا باستمرارهم لزيارة المواقع المهدومة و استلهام ذكريات ابطال الاسلام و الاثار الاسلامية التاريخية. ومن هذه الاماكن =========================================================================== [ 2 ] التي وفقني الله لزيارتها عام 1383 و رأيت طائفة كبيرة من الحججاج و خاصة المسلمين من تركيا يحافظون على زيارتها ما يأتي: 1. مولد النبي (ص) في شعب علي في محلة القشاشية في مكة المكرمة. 2. دار خديجة بنت خويلد زوجة النبي (ص) التي نصرت الاسلام باموالها حتى قيل: ما قام الاسلام الا بسيف علي و اموال خديجة. و تقع في سوق الصاغة المتفرع من سوق الطويل خلف المسعى. و كانت هذه الدار مهبط الوحي و التنزيل و مولد =========================================================================== [ 3 ] السيدة فاطمة الزهرا (ع). 3. مقبرة المعلاة الواقعة في محلة السليمانية و فيها مقبرة السيدة خديجة الكبرى و أبو طالب حامي الرسول و ناصره و جدي الرسول عبد مناف و عبد المطلب الذي يحتفظ التاريخ الاسلامي بمواقفه الجريئة و المفعمة بالايمان مع اصحاب الفيل الذين قصدوا هدم الكعبة المشرفة فاخزاهم الله و انزل فيهم سورة الفيل. (ومع الاسف) الانبا الواصلة تفيد بان الحكومة السعودية قررت محو هذه الاثار بالمرة من الخارطة متذرعة بحجة الزحام ايام =========================================================================== [ 4 ] الحج و ضرورة توسعة المسجد الحرام. (و غريب) ان تتخذ هذه الذرائع لهدم الاثار النبوية فان من الممكن التوسعة من دون عرض هذه الاثار للهدم و الابادة. مع ان امنية كل حاج مسلم ان يتعرف علي الاثار النبوية و ليس في هدمها الا استهانة بقيمتها التاريخية و باهدافها الرسالية مع ان الامم تحتفظ بالاثار التي هي اقل شانا و اصالة. و انا لله وانا إليه راجعون. وبهذه المناسبة المؤلمة قدمت للطبع هذه الرسالة التي كتبها صاحب الفضيلة من =========================================================================== [ 5 ] علما المسجد الحرام محمد بن شيخنا محدث الحجاز السيد محمد بن علوي الحسني المالكي في مناقب السيدة خديجة الكبرى عسي ان تكون ذكرى و موعظة لمن يريد التعرف علي تاريخ الاسلام و يعتز بتراثه الخالد. محمد حسين الحسيني الجلالي =========================================================================== [ 6 ] مزارات السيدة خديجة و أبو طالب و جدي النبي صلى الله عليه وسلم عبد مناف و عبد المطلب في مقبرة المعلاة في مكة هدمها الوهابيون في سنة 1343 هجرية = 1924 م. دار السيدة خديجة التي كانت منزل النبي صلى الله عليه وسلم و مولد فاطمة الزهراء عليه السلام الواقعة في سوق الصاغة في مكة هدمتها الحكومة السعودية عام 1413 ه‍. =========================================================================== [ 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي شرف هذا الوجود ببعثة أكرم نبي و أعز مولود * سيدنا و مولانا محمد النبي المقدس المحمود * ذي الشفاعة العظمى و الحوض المورود * عنصر الفضائل المشهود * و كريم الامهات و الآباء و الجدود * نخبة العالم * و سيد ولد آدم * من انتقل في الغرر الكريمة نوره * و أضاء الكون ميلاده و بعثته و ظهوره * و طلعت شمس الهداية و العرفان * بانفلاق صبحه على كل الآكوان * و الصلاة و السلام على سيد السادات * كامل الشمائل والصفات * ذي النور العميم * و القدر العظيم * و الصراط المستقيم * و الدين القويم * و الحسب الصميم * و المجد الفخيم * و على آله و صحابته * و أزواجه و ذريته * و تابعيه من أهل ملته * و خديجة التي تشرفت بعشرته =========================================================================== [ 4 ] و صحبته * وفازت بخدمته * و شهدت يوم بعثته * و قامت بتأييده في دعوته * و مؤازرنه و نصرته. أما بعد * فهذه نفحات نبوية * و فيوضات ربانية * جرى بها القلم في مناقب أم المؤمنين * و فضائل زوجة سيد المرسلين * و شمائلها التي هي من أحسن الشمائل * المقتبسة من أخلاق ذلك الانسان الكامل * سيد الأواخر و الأوائل * جمعتها لكي تتعطر بها المجالس و النوادي * في الحواضر و البوادي * انتخبتها من عيون الأخبار * و مجاميع الآثار * المودعة في السير و الأسفار * و ضمنتها من ذلك كل ما هو مقبول * عند الأئمة الحفاظ الفحول * من كل قول محمود * ليس بموضوع و لا مردود، و هذا أوان الشروع في المقصود، بعون الملك المعبود. فأقول هي سيدتنا خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدية * =========================================================================== [ 5 ] تجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في جده قصى الذى جمع القبائل القرشية. و أمها فاطمة بنت زائدة بن الاصم من بنى عامر بن لؤي بن غالب * فأكرم بهذا النسب الطاهر الذى هو نسب أشرف الحبائب * وقد حفظها الله تعالى من أرجاس الجاهلية، فأحاط عرض هذه السيدة الز كية * و صانه من كل أذية و بلية * برعايته و عنايته الباهرة * و لذلك كانت تلقب بالسيدة الطاهرة * فما أجل هذه المنحة الفاخرة * و اشتهر تلقيبها بالكبرى * لعظم شأنها في المعاهد الأخرى * و هي بذلك أحق و أحرى. وقد ولدت رضى الله عنها قبل ولادته صلى الله عليه وسلم بنحو خمس عشرة سنة * فنشأت في بيت طاهر طيب الأعراق * على أكمل السير المحمودة و أحسن الأخلاق * فكانت رضى الله عنها متكاملة حسنا و عقلا * و جمالا و فضلا * حازمة رشيدة في جميع أمورها * =========================================================================== [ 6 ] حسنة التدبير و التصرف في جميع شؤونها * ذات فراسة قوية * و همة علية * لها نظر ثاقب * و معرفة دقيقة بالعواقب * أغناها الله تعالى بسعة النعم * و كثرة الخدم و الحشم * و من عليها ذو الجلال * بكثرة الأموال * فكانت تستأجر الرجال * ليتاجروا في ذلك بالحلال * فتضاربهم (1) عليه بشئ معلو م * و يستفيد بذلك الجميع على العموم * و ظهرت أسرار تلك الأخلاق المرضية * و الأوصاف الحسنة الزكية * فيما بلغنه بين قومها في الجاهلية * من مكانة علية * و رتبة سنية * و شهرة قوية * فهي الدرة الثمينة الطاهرة * الرزينة * دوحة المجد الطيبة الفروع * و شجرة الفرد اليانعة الأفراد و المجموع. * * * اللهم انشر نفحات الرضوان عليها و أمدنا =========================================================================== (1) المضاربة: هي اعطاء الرجل ماله لآخر يتجر فيه و له جزء من الربح. =========================================================================== [ 7 ] اللهم بالأسرار التى أودعتها لديها اللهم صل و سلم على زوجها الأمين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين. * * * و قد أراد الله تعالى لهذه السيدة الطاهرة * أن تجمع بين شرف الدنيا و عز الاخرة * فوصلت إليها أخبار سيد المرسلين * و أخذت تتعرف عليها بتدبر و تفكر و يقين * فرأت أنه المجمع على فضله المبين * و انه المشهود له بأنه التقي النقي الامين * و انه الصادق المصدق * و الكريم الذي لا يلحق و لا يسبق. فعلمت أن معاملة مثل هذا ناجحة * ومتاجرته ان شاء الله رابحة * فما كان منها الا أن بعثت إليه * و عرضت مشروعها التجارى عليه * و هو أن يتجر لها في مالها * و تعطيه لعمالها. فقبل ذلك عليه الصلاة و السلام * وخرج =========================================================================== [ 8 ] بتجارتها من البلد الحرام * قاصدا بلاد الشام * و هذه هي الرحلة الثانية و لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم سافر الى الشام الا في هاتين المرتين * في عامين مختلفين * كما ذكره بعض الحفاظ المرجوع إليهم * المعول على قولهم. و أرسلت معه ميسرة الغلام * و أوصته عليه و أمرته أن يكون قائما بخدمته حق القيام * فألقى الله محبة النبي في قلبه * حتى أخذت بعقله و لبه * و خدمه فأخلص خدمته * و صحبه فأحسن صحبته. و رأى بعينه شيئا من أسراره * و سمع بأذنه ما سمع من أخباره * و من ذلك ما حدثه به الراهب نسطورا * و هو حق ليس بخرافة و لا أسطورة * إذ قال - ذلك الراهب * وقد رأى أشرف الحبائب * نزل تحت شجرة هناك * من هذا الذى يفوق بدر الأفلاك * فقال ميسرة: هذا رجل من الكرام * من أهل =========================================================================== [ 9 ] البلد الحرام * فقال له الراهب و هو واثق مما يقول * ما نزل تحت هذه الشجرة الا نبي أو رسول (1) * ثم قال لميسرة: أفي عينيه حمرة لا تفارقه ؟ * قال نعم قال هذا آخر نبى فهنيئا لمن يصدقه * ثم في تلك الاثناء * وقع بين سيد الأنبياء * و رجل كان في تلك الأنحاء * خلاف في ثمن بعض المشتريات * فقال له الرجل احلف بالعزى و اللات * كما يجري بينهم في مثل تلك الحالات * فقال سيد السادات * و الله ما حلفت بهما * و انى لأمر فأعرض عنهما * فقال الرجل القول قولك * و الرأي عندك * ثم قال لميسرة: هذا و الله نبي تشرفنا به في سوقنا، و انه لتجده أحبارنا منعوتا في كتبنا * و من ذلك انه كان يرى في كل تلك المدة القصيرة * سحابة تظلله دون الجميع في وقت الظهيرة * و قيل فيما =========================================================================== (1) أي ما نزل تحتها هذه الساعة الا نبي و لم يرد انه ما نزل تحتها قط الا نبي. كذا أفاده بعض علماء السيرة. =========================================================================== [ 10 ] روى أنه كان يرى ملكين * يظللان سيد الكونين. * * * و لما أتم صلى الله عليه وسلم مهمته * و باع سلعته * رجع الى مكة و قد اكتسب خيرات كثيرة * و جاء بأر باح وفيرة * فسرت بذلك السيدة خديجة ايما سرور * و حمدت فعله المشكور * و نظرت إليه بعين الاكبار و الاحترام * و أكرمته غاية الاكرام * و تأثرت بشخصيته كل التأثير * فأكنت له في نفسها عظيم التقدير * و زاد ذلك عندها بعد ما حدثها ميسرة بما شاهده من الآيات * و عجائب الاحوال و خوارق العادات. التي هي للنبوة دلائل واضجات * حدثها عن السحابة التي صحبته في سفره فكانت نعم الصاحب * و عن كلام ذلك الراهب * و عن طاعة الابل و طي الأرض له * و التوفيق الذى لازمه في سفره كل الملازمة * و تلك الرمال و الحجارة التى لانت =========================================================================== [ 11 ] تحت مواطئ قدميه * و كل ذلك وعاه بقلبه و رآه بعينيه * و حدثها بما رآه من حسن سيرته * في خلقه و معاملته * مع ما سبق لها معرفته عنه من صدق حديثه * و عظيم أمانته * و كريم أخلاقه و ديانته * فأصبحت هذه الصفات و الأخلاق العلية * مثبتة متيقنة لديها جلية * فأحست بعارض غريب * عن صورة و حقيقة ذلك الحبيب * و تحيرت من أمر نفسها * و أصبحت قلقة بين قلبها و عواطفها * فقد رفضت بالأمس القريب الكثير من الرجال * من ذوي الوجاهة و المال * و ردتهم خائبين متحسرين * لرفضها طلبهم المتين. * * * و لما أراد الله تعالى لها السعادة الأبدية * و الشرف و الفضل على نساء البرية * ترجح عندها أن لا تفوت هذه الفرصة الذهبية. =========================================================================== [ 12 ] واستبانت خديجة أنه الكنز الذي حاولته و الكيمياء فاختارت لنفسها الزكي الأمين، سيد ولد آدم أجمعين * و من لاحت في وجهه علامات النبل و الجمال * و تكاملت فيه خصال الكمال و الجلال * و بدت عليه امارات السيادة * و ظهرت منه اشارات النجابة و القيادة * فما كان منها الا أن أرسلت إليه * و عرضت نفسها عليه * فخطبت الرسول الاعظم * و النبي الاكرم * صلى الله عليه و سلم * و قالت له: يابن العم * اني قد رغبت فيك لقرابتك و شرفك * و سامي منزلتك و قدرك * و في رواية (1) انها أرسلت له نفيسة بنت أمية دسيسا إليه فقالت له: ما يمنعك أن تتزوج ؟ فقال: ما في يدي شئ * فقالت له: فان =========================================================================== (1) رواه الواقدي و هو الاليق و المناسب بحال المراة و خصوصا كالسيدة خديجة. =========================================================================== [ 13 ] كفيت و دعيت الى المال و الجمال و الكفاءة ؟ قال: و من ؟ قالت له خديجة فأجاب: ورأته خديجة و التقى و الزهد * فيه سجية و الحياء * و أتاها ان الغمامة و السرح * أظلته منهما أفياء * و أحاديث ان وعد رسول الله * بالبعث حان منه الوفاء * فدعته الى الزواج وما أحسن * ما يبلغ المنى الاذكياء * * * * و قد ألهم الله نبينا صلى الله عليه وسلم الموافقة * فكانت خطوة مباركة موفقة * فشاور أعمامه الكرام و أيدوه على ذلك الكلام * فتقدم حمزة فكلم عمها و قيل أباها و الصحيح ان أباها خويلد قد مات قبل حرب الفجار * ثم حضر رؤساء قريش يتقدمهم =========================================================================== [ 14 ] أبو طالب * فكان هو لسان حالهم المتكلم الخاطب * فقال: (الحمد لله الذي جعلنا من ذرية ابراهيم و زرع اسماعيل وضئضئ (ا) معد و عنصر مضر و جعلنا حضنة بيته و سواس حرمه * و جعل لنا بيتا محجوجا و حرما آمنا * و جعلنا الحكام على الناس * ثم ان ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل الا رجح به * فان كان في المال قل * فان المال ظل زائل * و أمر حائل * و محمد من قد عرفتم قرابته * و قد خطب خديجة بنت خويلد * و بذل لها من الصداق ما آجله و عاجله من مالى كذا، وهو الله بعد هذا له نبأ عظيم * و خطب جليل). ثم قام ورقة بن نوفل فقال: (الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت و فضلنا على ما عدد ت فنحن سادة العرب و قادتها و أنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم و لا يرد أحد من =========================================================================== (1) أي أصل معد. =========================================================================== [ 15 ] الناس فخركم و شرفكم و قد رغبنا في الاتصال بحبلكم فاشهدوا علي يا معشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على أربعمائة دينار) ثم سكت، فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمها، فقال عمها: اشهدوا يا معشر قريش انى قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد، و شهد على ذلك صناديد قريش. * * * و قد جاء في سيرة ابن هشام * انه عليه أفضل الصلاة و السلام * أصدقها عشرين بكرة سنية * و قيل اثنا عشر أوقية من مذهب و نصف أوقية * و كل هذا لا يعارض ما جاء في خطبة ورقة بن نوفل السابقة من أن الصداق أربعمائة درهم إذ يمكن الجمع بينهما بتقويم الثمن بذلك أو أن أحد الاشياء مهر و الاخر هدية من عمه أبى طالب للسيدة خديجة أو =========================================================================== [ 16 ] انه صلى الله عليه وسلم زاد ذلك في صداقها على صداق عمه فكان الكل صداقا. * * * وتزوج نبينا الامين * سيدتنا أم المؤمنين * و قد أتم خمسا و عشرين * و أتمت هي الاربعين. قال صاحب قرة الابصار: واذ الى مكة عاد و افتت‍ ح ستا و عشرين من العمر نكح خديجة من بعد أربعينا مضت لها من عمرها سنينا وقد نحر صلى الله عليه وسلم جزورا أو جزورين * و قرت بذلك من المحبين العين * و انشرحت منهم الصدور * و عم الفرح و السرور * و طلع سعد السعود * و انكمد الفؤاد المفؤد * و غدا الحسود لا يسود و هو مهموم * و قال أبو طالب: الحمد لله الذي =========================================================================== [ 17 ] أذهب عنا الكرب و الغموم * و قال في ذلك الراجز في قوله المنظوم: لا تزهدي خديج في محمد نجم يضئ كاضاء الفرقد ولما تزوجت خديجة سيد و لدعدنان * كان قد تزوجها قبله رجلان * و هما هند أبو هالة بن زارة من بني عدي * و عتيق بن عائد بن مخزوم القرشي * و قد اختلفوا في تعيين الثاني من الأول * و ليس في ذلك نص صريح عليه يعول * و قد كان عندها من الذرية * من غير خير البرية * عبد مناف و هند و هما من زوجها عتيق * و قيل ان هندا هذه أسلمت و فازت بالصحبة و التصديق * و ولدت لأبى هالة ولدا * سموه هندا * و هو صحابي جليل ممن شهد بدرا وأحدا * و قد روى حديثا مشهورا في صفة النبي صلى الله =========================================================================== [ 18 ] عليه وسلم * و قتل يوم الجمل مع سيدنا علي ذي الوجه المكرم * و ذكر بعضهم أنه مات بالبصرة في الطاعون * و كان قد مات في ذلك اليوم سبعون ألفا كلهم مسلمون * فشغل الناس بجنائز هم و تركت جنازته * ولم يوجد من يحملها فصاحت نادبته: وا هند ابن هنداه * وا ربيب رسول الله * فلم تبق جنازة الا وتركت * وأما جنازته فحملت * و ازدحم عليها الناس فامتلأت بهم المواضع * وما حملت الا على اطراف الاصابع * و قال بعضهم ان الذى مات في الطاعون ابن هذا المذكور * و يسمى بهند ايضا و الخلاف في ذلك مشهور * و كان فصيحا بليغا و صافا محسنا * وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكا ن مجيدا متقنا * و كان يقول: انا أكرم الناس أباو اما * و أخا و أختا * ابى =========================================================================== [ 19 ] رسول الله * و أمي التي عنها رضى الله واخى القاسم عليه السلام * و أختى فاطمة عليها الرحمة و الاكرام * و لخديجة من أبى هالة ابنان غير هذا المذكور * احدهما الطاهر و الأخر هالة و الأول غير مشهور. * * * قد كان لها رضى الله عنها مواقف مع زوجها مشكورة * فلا تذكر قصة الوحي و البعثة الا و هي معها مذكورة * و سنذكر مسألة الوحى من أولها * لنعرف مقدار هذه السيدة و فضلها. فاعلم ان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة التي تفضل بها عليه مولاه * انه كان لا يمر بشجر و لا حجر الا قال: السلام عليك يا رسول الله * و غير ذلك من الارها صات التي اشهرها الرؤيا الصادقة * فكان صلى الله عليه و سلم لا يرى رؤيا في نومه الا و كانت =========================================================================== [ 20 ] لا محالة واقعة * و حبب الله إليه الخلوة * فلم يكن شئ احب إليه من ان يخلو وحده * فكان يجاور من كل سنة شهرا في حراء * مشتغلا بالعبادة و التفكر في ملكوت الارض و السماء * و كان إذا خرج الى حراء تتكفل خديجة بكل حاجاته * و تحقق له كافة رغباته * و تهئ له الطعام و الشراب * و تيسر له ما تستطيع من الاسباب * فينقطع لمقصوده * و يقبل على معبوده * و هو مرتاح البال * من كل المتعلقات و الاشغال * فإذا طالت غيبته عليها * تركت كل ما لديها * و خرجت تتلمسه في مكانه الذى تعود الذهاب إليه * و قلبها يخفق من شدة خوفها عليه * حتى إذا رأته مستغرقا في وحدته * منجمعا على فكرته * رجعت و لم تكلمه لئلا تقطعه عن خلوته * و تبقى منتظرة موعد عودته * لتعمل جاهدة على ازالة وحشته * و ادخال السرور الى قلبه * و السعادة الى نفسه. =========================================================================== [ 21 ] و لقد كانت خديجة صادقة الفراسة * صائبة النظرة * صافية الفكرة * و كانت على ثقة من ان رجلا كزوجها محمد الامين * يحمل هذه الروح العالية * و النفس السامية * و الفضائل التى ما نقله إليها عبدها * مما سبق ذكره و تقدم نشره * كانت على ثقة من انه سيكون له شأن عظيم * يتحدث عنه المسافر و المقيم * و سيحدث في التاريخ امرا * تهتز له الدنيا عجبا و تيها و فخرا * فما أجل عينها الصادقة الحنونة * التي ترعاه في حب و تباشر شؤونه * و ما أعظم قلبها العطوف الذي يزوده بالرعاية * و يخفق له فرحا منتظرا يومه الذي تنصب له فيه الراية * و ينشر له مرسوم دار الولاية. * * * و مرت الايام * على هذا النظام * فما اكمل الاربعين على التمام * حتى جاء اليوم الذي =========================================================================== [ 22 ] هيأته القدرة الربانية * لابلاغه الرسالة السماوية * و هو في وحدته التعبدية * بعد ان مهدت من قبل الاسباب * و تفتحت لذلك الابواب * فأتاه في ذلك المقام * في اليقظة لا في المنام * رسول الملك العلام * و قال له: اقرأ فقال: ما انا بقارئ و لست من جملة القراء * فأخذه فغطه و ما تركه حتى بلغ غاية الجهد و العياء * ثم أمره بالقراءة مرة ثانية فامتنع * فأخذه و غطه و ما تركه الا بعد ما كاد يقع * و في الثالثة قال له: (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ و ربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم) فما اعظمها من بشارة اوصلتها يد الاحسان * من حضرة الامتنان * الى هذا الانسان * و ايدتها ببشارة (الرحمن * علم القرآن خلق الانسان، علمه البيان) و لاشك انه صلى الله عليه وسلم هو المقصود، بهذا التعليم * من حضرة الرحمن الرحيم * فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى زوجته * =========================================================================== [ 23 ] بعد ان شهد مشهد كرامته * و فؤاده يرجف من هول ما رآه * و شدة ما سمعه و قرأه * و لقد كاد ينخلع لولا تثبيت مولاه * و قال: زملوني زملوني فزملته * فلما ذ هب عنه الروع و حدثها * قال لها: لقد خشيت على نفسي * فداه أبى و أمي و نفسي * فقالت: كلا. و الله لا يخزيك الله أبدا و * ان الله سيكتب لك عزا و مجدا و سؤددا * فرحمك موصولة * و يدك لضيفك مبذولة * تحمل الكل و تكسب المعدوم * و تقرى الضيف و تعين على نوائب الحق كل مكلوم * و اثبت يا ابن العم فلك البشرى * فهو الله لقد كنت اعلم ان الله لا يفعل بك الا خيرا * و انى اشهد انك نبي هذه الامة المنتظر * و هذا زمانك ان شاء الله قد حضر * و قد أخبرني ناصح غلامي و بحيرى الراهب بخبرك المبين * و أمرنى ان اتزوجك قبل عشرين من السنين. * * * =========================================================================== [ 24 ] ثم انطلقت به الى ورقة بن نوفل و اخبرته بالتفصيل * فقال لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حدثنى بفمك ايها السيد النبيل * فأخذ يحدثه بما رآه و سمعه من سيدنا جبريل * فقال ورقة: هذا و الله الناموس الجليل * الذي كان ينزل على موسى رسول بني اسرائيل * يا ليتني اكون حاضرا * و مؤيدا لدعونك و ناصرا * و في رواية ان السيدة خديجة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أول أمره * إذا جاء صاحبك بالوحى فأخبرني بخبره * فلما جاءه أخبرها فقالت: اجلس على شقي الايمن فجلس فقالت: اتراه الان قال: نعم. قالت: فتحول فاجلس في حجري فتحول فجلس في حجرها فقالت: هل تراه الان قال: نعم فرفعت خمارها عن رأسها و قالت: هل تراه الان قال: لا فقا لت: ما هذا بشيطان * هذا ملك من ملائكة الرحمن. =========================================================================== [ 25 ] و أتاه في بيتها جبرئيل * و لذي اللب في الامور ارتياء * فأماطت عنها الخمار لتدرى * أهو الوحي أم هو الاغماء * فاختفى عند كشفها الرأس جبريل * فما عاد أو أعيد الغطاء * و كانت تفعل ذلك احتياطا لدينها، و زيادة في يقينها * اما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان واثقا بذلك الخطاب * دون شك أو تردد و ارتياب. * * * و في تلك اللحظة الكريمة * سعدت الدنيا بالرسالة العظيمة * و من ذلك الجبل المشهود * في ذلك اليوم الموعود * طلعت شمس الوجود * فأفاضت نورا جديدا * و استقبل العالم صباحا سعيدا * لقد كان هذا العالم يستقبل كل يوم صباحا * و لكنه لا يرى فيه للامة خيرا و لا فلاحا * و ما اكثر =========================================================================== [ 26 ] النهار المظلم * و الصبح الكا ذب المعتم * لكن من هذا المكان المتواضع * و على ذلك الجبل الراسخ * الذي ليس بمخصب ولا شامخ * تم ماا لم يتم في عواصم العالم الكبيرة بمدنياته و حضاراته الشهيرة * و مدارسه الفخمة * و مكتباته الضخمة * إذ من الله على هذه الامة * برسالة محمد الذي كشف عنها الغمة * و جلى الظلمة * فطلع الصبح المشرق الصادق * و استيقظ فيه الكون بعد ان كان في غفلته غارق * و تعرف على المفتاح النبوى * الذي يفتح كل عقل ملتوى * فظهرت له شناعة الشرك و الوثنية * و الخرافات و الاوهام الجاهلية * فتهذبت تلك القوى الجامحة كل التهذيب * و انصقلت تلك المواهب الضائعة بهدى الحبيب * و تقلبت بين مقامي الترغيب و الترهيب * فتدفقت كالسيل و اشتعلت كاللهيب * حتى كان راعى الابل راعى الامم * و خليفة يحكم العالم و إليه يحتكم * و اصبح فارس =========================================================================== [ 27 ] القبيلة و البلد * فاتح الدول ذات المجد و العدد * فكثر العدل و انتشر النور * و قل الجدل و فقدت شهادة الزور * و تبدلت الأحوال * الى احسن حال * فالتاجر أمين صدوق * و الغني سخى مرزوق * و الفقير شريف كادح * و العامل مجتهد ناصح * و الرئيس متواضع رحيم * و الخازن حفيظ عليم و القاضي عادل فهيم * فظهر في ذلك المجتمع صدق التاجر و امانته * و تعفف الفقير و كدحه * و اجتهاد العامل و نصحه * و سخاوة الغنى و مواساته * و عدل القاضى و حكمته * و اخلاص الوالى و شفقته * و تواضع الرئيس و رحمته * و قوة الخادم و حراسته * فكانت تلك البعثة للعالم ربيعا * و للانسانية خصبا و ريعا. * * * و قد اختص الله هذه الجوهرة المصونة * =========================================================================== [ 28 ] و الدرة المكنونة * بمزايا عديدة و خصال حميدة. فمنها انها هي التي طلبته * و الى الزواج بها دعته * و انها أول امرأة يتزوجها * و وليمتها أول وليمة يصنعها * و عاشت معه بقية عمرها * و لم يتزوج بغيرها * حتى ماتت بعد أن رأى خالص برها * و دفنها بمكة و نزل هو بنفسه في قبرها * و قد عاشرته اربعا و ع‍ شرين سنة احسن عشرة * و رافقته أفضل رفقة * و آلفته اعظم الفة * و صادقته أوفي محبة * و كا نت لا ترى منه ميلا الى شئ الا بادرت به إليه * و قدمته هدية بين يديه. و قد رأت منه قبل البعثة النبوية * رغبة في مولاها زيد بن حارثة قوية * فما كان منها الا أن وهبته له بنفس راضية سخية، فكان الى حضرته من المنسوبين، و كتب في ديوان المسعودين * و فاز بالاولوية مع السابقين * و تشرف بمحبوبية سيد المرسلين. =========================================================================== [ 29 ] و من خصائصها التي نالت بها أعلى مراتب الشرف و الكمال * انها أول من آمن به من النساء و الرجال * فصدقته و آزرته * و أعانته و ثبتته، و خفف الله بسبب ايمانها عن نبيه صلى الله عليه وسلم كل هم، و فرج عنه ما أصابه في الدعوة من تعب و نكد و عم * فكان لا يسمع شيئا من زمرة الالحاد * من تكذيب و جحود و عناد * و يرجع الى خديجة الا و يجد عندها كل هدى وسداد * فتهون عليه الرزايا و تواسيه * و تبعث الطمأنينة الى نفسه و تسليه * و تمنحه العطف و تبشره بما سوف تراه فيه * و تشجعه و تؤيده و بكل خير تمنيه. * * * وقد ثبت انها رضى الله عنها صلت معه عليه الصلاة و السلام * و تشرفت بمنقبة الوضوء و استقبال البيت الحرام. * * * =========================================================================== [ 30 ] وكان جبريل قد علم النبي صلى الله عليه وسلم تلك الصلاة * قبل أن تفرض الخمس الصلوات ليلة المناجاة * و كان يصلى صلاتين مرة في العشية و مرة في الغداة. * * * و قد روى عن يحيى بن عفيف انه قال: جئت زمن الجاهلية الى مكة فقدمت منى أيام الحج و نزلت على العباس بن عبد المطلب فلما طلعت الشمس خرج رجل من خباء قريب منا * فاستقبل الكعبة و قام يصلى * فلم يلبث حتى جاء علام فقام عن يمينه * فلم يلبث حتى جاءت فقامت خلفهما * فركع الرجل * فركع الغلام و المرأة * فرفع، فرفعا فسجد فسجدا فقلت: يا عباس أمر عظيم * فقال: أمر عظيم * أتدرى من هذا ؟ قلت: لا * فقال: هذا محمد بن عبد الله ابن أخى * أتدري من الغلام ؟ قلت: لا. قال: هذا علي بن أبى طالب * أتدري من هذ ه المرأة ؟ قلت: =========================================================================== [ 31 ] لا. فقال: هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي. و هذا حدثنى ان ربك رب السماء و الأرض أمرهم بهذا الذى تراهم عليه و ايم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة * قال عفيف الراوى: فليتني كنت آمنت يؤمئذ فكنت أكون ثانيآ * * * ومن خصائصها عليها الرحمة و الاكرام * أنها أفضل نساء المصطفى بالتمام * كما جاء في الحديث عن سيد الأنام * انه قال: (سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة فرعون) و في رواية عن أنس مرفوعة: (حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران و خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد و آسية). و هو حديث ثابت بلا مراء * و قد حكم بصحته أجلة العلماء (1). =========================================================================== (1) أخرجه أحمد و الترمذي و صححه. =========================================================================== [ 32 ] و في رواية صحيحة ثابتة لا يشك فيها اثنان * انه صلى الله عليه وسلم قال: (خير نسائها مريم و خير نسائها خديجة) و قد روى هذا الشيخان. و الأحاديث في هذا الباب كثيرة * و هي معروفة في أصول كتب أهل السنة الشهيرة * و كلها متفقة في مجموعها بيقين * على أن مريم و خديجة و فاطمة و آسية هن أفضل نساء العالمين * رضى الله تعالى عنهن أجمعين * و الخلاف بين العلماء في تعيين أولاهن * و الموازنة في الافضلية بينهن * و قد اجتهد بعضهم في تعيين واحدة * و تكلف التأويل و الجمع و لا أرى في ذلك فائدة. * * * و من خصائصها الشريفة * و مناقبها المنيفة * أن كل أولاده عليه السلام منها * الا سيدنا ابراهيم عليه السلام فلم يتكون =========================================================================== [ 33 ] عنها * بل عن مارية القبطية * التى أهداها له مقوقس مصر و الاسكندرية * و قد ولدت لخير البرية * ستة من الذرية. الأول: القاسم، و هو أكبر الاولاد * و به كان صلى الله عليه يتكنى بين العباد * و هو أول من مات من ولده * و دفن في بعض الأقوال بمكة بلده و الثاني عبد الله و يقال له الطاهر و الطيب لأنه ولد في الاسلام * و مات صغيرا بالبلد الحرام. و الثالثة زينب و هي أكبر بناته و قد ولدت قبل بعثته * و تزوجها أبو العاص بن الربيع و كان اسلامها و هجرتها قبل اسلامه و هجرته * و توفيت في أول عام ثمانية من هجرة المصطفى * و دفنت في جنة البقيع و قبرها هناك لا يخفى. و الرابعة رقية و الخامسة أم كلثوم * و قد =========================================================================== [ 34 ] كانتا تحت أبي لهب * الشقي المحروم * فلما نزلت تبت يدا أبي لهب * غضب أبوهما أشد الغضب * و قال لولديه: رأسي من رأسكما حرام * ان لم تفارقا ابنتي محمد صاحب هذا الكلام * يقصد بذلك ايذاءه عليه الصلاة و السلام * ففارقاهما قبل الدخول عليهما * و لم يصلا بفضل الله اليهما. و قد تزوجت رقية بسيدنا عثمان بن عفان * و هاجرت معه الى الحبشة فرارا بالايمان * ثم رجعت و هاجرت معه الى مدينة الشفيع * و ماتت عنده و دفنت في جنة البقيع * ثم تزوج بعدها أختها و هي أم كلثوم * و ماتت عنده أيضا و قبرها في البقيع معلوم * فيكون قد تزوج من بنات النبي اثنتين * و لذلك اشتهر بين الانا م بذي النورين * و لو كانت هناك ثالثة لمن بها عليه سيد الكونين. =========================================================================== [ 35 ] و السادسة فاطمة الغراء * المعروفة بالبتول و الزهراء. أم الحسن و الحسين أهل الرضا * و زوج الامام علي المرتضى * الذي أحسن عشرتها و أخلص لها حبها * و لم يتزوج عليها حتى قضت عنده نحبها * و كانت و فاتها سنة احدى عشرة من الهجرة النبوية * بعد أن عمرت ثلاثين سنة قمرية * و دفنت بالبقيع على أصح الاقوال المروية * و قيل دفنت ببيتها الذي بجانب الحجرة النبوية * و هو في المسجد الآن و ليس في ذلك رواية مرضية * و بهذا تعلم أن بناته دخلن في الاسلام * و هاجرن معه الى المدينة من البلد الحرام. فهؤلاء جملة أولاده منها رضى الله عنهم أجمعين * و حشرنا في زمرتهم مع رسول رب العالمين * آمين. * * * =========================================================================== [ 36 ] و من فضائلها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينسى أبدا ودها * و يحفظ في اهلها عهدها * فيبعث لهم بما يأتيه من الهدايا * و لا يتركهم إذا قسم بين أصحابه العطايا. و قد يذبح الشاة بنفسه ثم يقطع أعضاءها * و يخص بها أصدقاءها و أقرباءها: فإذا غارت السيدة عائشة و لم يتحمل ذلك قلبها * قال لها صلى الله عليه وسلم * (لقد رزقت حبها * فأنا أحب من يحبها). و من فضائلها المروية عن أئمة المحدثين الكبار * في كثير من كتب السنن و السير و الاثار * انه صلى الله عليه وسلم كان يكثر من ذكرها * و ينشر بين الجميع طيب خبرها و حسن برها * و يثنى عليها أحسن الثناء * و يستغفر لها الله و يكثر لها من الدعاء * و يتحدث عن ما لها من الشرف و الفضل و الكمال * و يسترسل في ذلك الحديث دون =========================================================================== [ 37 ] ملل و لو طال * فإذا سمعته السيدة عائشة يتحدث عنها * غارت أشد الغيرة منها * و قالت: ما هي الا حمراء الشدقين عجوزا كبيرة * وقد عوضك الله خيرا منها شابة صغيرة * فكان يغضب من قولها * و يخاصمها على فعلها * و يقول: (ما أبدلني الله خيرا منها لقد آمنت بي إذ كفر الناس و صدقتني إذ كذبني النا س و آوتني إذ رفضني الناس و واستني إذ حرمى الناس ورزقني أولادها إذ حرمني أولاد النساء (1). و قد جاء في بعض الاثار المروية * عن السيدة عائشة الصديقية * انها قالت: (ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خديجة باهتمام * فاحتملتني الفيرة و قلت =========================================================================== (1) أصله في الصحيحين، و له روايات كثيرة عند أحمد و أبو حاتم و الدولابي و الطبري و غيرهم. =========================================================================== [ 38 ] فيها ما لا ينبغى من الكلام * فتغير وجهه تغيرا ما كنت أراه الا عند نزول الوحي عليه * و سقطت في جلدى و ندمت على اساءتي بذلك إليه * و قلت: اللهم ان أذهبت غيظ رسولك الآن * لم أعد أذكرها بسوء ما بقيت مدى الازمان * فلما رأى ذلك منى * عذرني و سامحني و عفا عنى * و ذكر لى طرفا من فضائلها الغراء) * و بهذا تعلم أن غيرتها لا عن بغض أو عداء * و انما هي طبيعة معروفة في النساء * و عائشة هي التى نقلت لنا في فضل خديجة ذلك الخبر * و لولاها ما كنا وقفنا له على عين و لا أثر. * * * و من فضائلها عليها الرحمة و الاكرام * ان رب العزة أرسل بها مع جبريل السلام * فقال: يا محمد هذه خديجة قد أتتك باناء فيه ادام و طعام * فإذا هي أتتك فاقرأ عليها =========================================================================== [ 39 ] من ربها و منى السلام * فلما بلغها قالت: الله السلام و منه السلام و على جبريل السلام و قد ثبت ذلك عن الشيخين * في كتابيهما المعروفين بالصحيحين. و من خصائصها رضى الله عنها ما رواه الشيخان * ان جبريل بشرها ببيت في الجنان * إذ قال ذلك الملك المكرم * للنبي صلى الله عليه وسلم بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب (1) لا صخب (2) فيه و لا نصب (3). و من فضائلها رضى الله عنها الغراء * انها وقفت مع النبي صلى الله عليه وسلم في السراء و الضراء * ولم ترض أن تتركه لما قاطعه في الشعب الأعداء، فخرجت عن بيتها الرفيع * و مقامها المنيع * و دخلت معه الشعب فكانت من جملة المحصورين * و لم تبال بسنها الذى زاد على الستين * رغبة في متابعة سيد المرسلين * =========================================================================== (1) لؤلؤ مجوف. (2) لا صياح. (3) التعب. =========================================================================== [ 40 ] فاستبدلت حياة العز و الرفاهية * بتلك الحياة الخشنة القاسية * و كم ذاقت معهم مرارة العطش و الجوع * إذ كان الطعام و الشراب عن الجميع ممنوع * فيحق للتاريخ أن يحنى رأسه أمام جلالها * و يتوج صحائفه بكريم فعالها. و الحاصل أن فضائلها لا تعد * و مناقبها لا تحد * و ما عسى أن يقال فيمن وصفها سيد ولد عدنان * و أشاد بذكرها على رؤوس الاعيان * و رفع شأنها بين النساء على كل شأن * و ذكر فضلها و شرفها الثابت بالتحقيق * و شكر لها مواقفها معه في الايمان و التصديق. فما أعظم أخلاقها القويمة * و سيرتها المستقيمة * النى هي عين أوصاف المؤمن الكريم * كما أخبر عنها الرسول العظيم * عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم * إذ قال: =========================================================================== [ 41 ] (ان المؤمن تراه * قوة في دين * و حزما في لين * و ايمانا في يقين * و حرصا في علم * و علما في حلم * و شفقة في محبة * و برا في استقامة * و قصدا في غنى * و تجملا * في فاقه * و تحرجا عن طمع * و كسبا في حلال * و نشاطا في هدى * و نهيا عن شهوة * و رحمة للمجهود * ان المؤمن لا يظلم من يبغض * و لا يأثم فيمن يحب * و لا يضيع ما استودع * و لا يحسد و لا يطعن * في الزلازل وقورا * و في الرخاء شكورا) فكأن هذه الاوصاف و الاخلاق * منطبقة على السيدة خديجة تمام الانطباق. * * * وفاتها و لما تمت لها الكمالات الباهرة * و توطنت الرتبة السامية العلية الفاخرة * و ا متدت أنوارها و آياتها لمتكاثرة * توفيت رضى الله =========================================================================== [ 42 ] عنها في اليوم الحادى عشر من رمضان * قبل هجرة سيد ولد عدنان * بثلاث سنين على الآصح من الاقاويل * و قيل بأربع و قيل بسبع على ما قيل * و لم يصل عليها عليه الصلاة و السلام * لأنها لم تشرع الصلاة على الميت في ذلك العام * و نزل النبي صلى الله عليه وسلم في قبرها * و سوى عليها التراب وأحسن نزلها * و هي فضيلة لها دون غيرها من أمهات المؤمنين، رضى الله تعالى عنهن أجمعين الى يوم الدين * و كان لها من العمر خمس و ستون * و دفنت بمقبرة المعلى المعروفة بالحجون * و هذا و ان كان قد ثبت بطريق الاحاد * الا أنه اشتهر كل الاشتهار بين كافة العباد. * * * =========================================================================== [ 43 ] دعاء و حيث تشرفت الاسماع بذكر أخبارها * و بيان فضائلها و نشر آثارها حسن منا أن نختم ذلك بالدعاء * متوجهين الى الله رب العالمين قاصدين مخلصين قائلين: الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين. اللهم أنت أحق من ذكر * و أحق من عبد و ارأف من ملك و أجود من سئل و أوسع من أعطى أنت الملك لا شريك لك و الفرد لا ند لك، كل شئ هالك الا وجهك لا تطاع الا باذنك و لن تعصى الا بعلمك تطاع فتشكر و تعصى فتغفر أقرب شهيد و أدنى حفيظ حلت دون النفوس و أخذت بالنواصى و كتبت =========================================================================== [ 44 ] الاثار و نسخت الآجال القلوب لك مفضية و السر عند علانية الحلال ما أحللت و الحرام ما حرمت و الدين ما شرعت و الامر ما قضيت و الخلق خلقك و العبد عبدك و أنت الله الغفور الرحيم نسألك بنور وجهك الكريم، الذى أشرقت له السموات و الأرض و بكل حق هو لك و بحق السائلين عليك أن تقيلنا و تجيرنا من النار بقدرتك يا أرحم الرا حمين. اللهم نحمدك على ما هديت و نشكرك على جزيل ما أسديت و نستعينك على رعاية ما أسبغت من النعم و نستهديك الشكر على ما كفيت من النقم و نعوذ بك من عثرات اللسان و غفلات ا لجنان و من غدرات الزمان و نسألك اللطف فيما قضيت و قدرت و المعونة على ما أمضيت و نستغفرك من قول يعقبه الندم أو فعل تزل به القدم فأنت الثقة لمن توكل عليك و العصمة لمن فوض أمره اليك =========================================================================== [ 45 ] وأفوض أمرى الى الله ان الله بصير بالعباد ربنا عليك توكلنا و اليك أنبنا و إليك المصير. اللهم افتح مسامع قلوبنا لذكرك و ارزقنا طاعتك و طاعة نبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم و عملا بكتابك و اتباعا لسنة نبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم اجعلنا نخشاك و كأنا نراك أبدا حتى نلقاك و أسعدنا بتقواك و لا تشقنا بمعصيتك. اللهم انا نسألك الهدى و التقى و العفاف و الغنى و حسن الظن و حسن الخلق. اللهم اغننا بحلالك عن حرامك و بطاعتك عن معصيتك و بفضلك عمن سواك. اللهم انا نعوذ بك من جهد البلاء و درك الشقاء، و سوء القضاء و شماتة الاعداء و عضال الداء، و خيبة الرجاء. اللهم طهر قلوبنا من النفاق و أعمالنا من الرياء، و ألسنتنا من الكذب و أعيننا من الخيانة =========================================================================== [ 46 ] انك تعلم خائنة الاعين و ما تخفى الصدور. اللهم جمل أمورنا ما أحييتنا و عافنا ما أبقيتنا و بارك لنا فيما خولتنا و احفظ علينا ما أوليتنا و ارحمنا إذا توفيتنا و سامحنا إذا حاسبتنا، و لا تسلبنا الايمان و قد هديتنا. اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا و تجمع بها شملنا و تلم بها شعثنا و ترد بها الفتن عنا و تصلح بها حالنا و تحفظ بها غائبنا و ترفع بها شاهدنا و تبيض بها وجوهنا و تزكى بها أعمالنا و تلهمنا بها رشدنا و تعصمنا من كل سوء. اللهم اعطنا ايمانا صادقا و يقينا ليس بعده كفر و رحمة ننال بها شرف كرامتك. اللهم انا نسألك الفوز عند القضاء و نزل الشهداء و مرافقة الانبياء و النصر على الاعداء. اللهم خذ بأيدينا في المضائق و اكشف لنا وجوه الحقائق و وفقنا لما تحب و ترضى =========================================================================== [ 47 ] و اعصمنا من الزلل و لا تسلبنا ستر احسانك و قنا مصا رع السوء و اكفنا كيد الخائنين و شماتة الاضداد و الطف بنا في سائر تصرفاتنا و اكفنا من جميع جهاتنا يا أرحم الراحمين. اللهم اعطنا من الدنيا ما تقينا به فتنتها و تغنينا به عن أهلها و يكون بلاغا لنا الى ما هو خير منها فانه لا حول و لا قوة الا بك. اللهم انا نسألك نعمة تامة و رحمة شاملة و عافية دائمة و عيشا رغيدا و عمرا سعيدا و احسانا تاما و انعاما عاما و عملا صالحا و علما نافعا و رزقا واسعا. اللهم كن لنا و لا تكن علينا و اختم بالسعادة آجالنا و حقق بالزيادة أعمالنا و اقرن بالعافية غدونا و آصالنا و اجعل لى رحمتك مصيرنا و مالنا و اصبب سجال عفوك على ذنوبنا و من علينا باصلاح أعمالنا واستر عيوبنا و اجعل =========================================================================== [ 48 ] التقوى زادنا و في دينك اجتهادنا و عليك توكلنا واعتمادنا. اللهم ثبتنا على نهج الاستقامة و أعذنا من موجبات الندامة يوم القيامة و خفف عنا ثقل الاوزار و ارزقنا عيشة الابرار و اكفنا و اصرف عنا شر الاشرار واعتق رقابنا و رقاب آبائنا وأمهاتنا من النار يا عزيز يا غفار يا كريم يا ستار يا حليم يا جبار برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم كما مننت على السيدة خديجة بتمام التصديق و الايمان بنبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فمن علينا بذلك يا قديم الاحسان و كما تفضلت عليها بتعظيم حرمته و حفظ عهده و ذمته و نصر حزبه و دعو ته و متابعة سبيله و سنته و تأييد كلمته و حجته فتفضل علينا بذلك و اكتب لنا من ذلك الحظ الأوفر و النصيب الأكبر و وفقنا للاستمساك بسنته و لزوم ملته حتى نموت عليها =========================================================================== [ 49 ] و احشرنا في زمرته و تحت لوائه و اجعلنا من رفقائه و أوردنا حوضه و اسقنا بكأسه و انفعنا بمحبته و تب علينا و احفظنا من جميع البلاء و البلواء والفتن ما ظهر منها و ما بطن و اغفر لنا ولجميع المؤمنين والمؤمنات و المسلمين و المسلمات الاحياء منهم و الاموات. و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم. و لما رأى هذه الرسالة بعض مشائخنا من كبار العلماء المدرسين بالمسجد الحرام قال: اللهم كما مننت على السيدة خديجة بتمام التصديق و الايمان بنبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فمن علينا بذلك يا قديم الاحسان و كما تفضلت عليها بتعظيم حرمته و حفظ عهده و ذمته و نصر حزبه و دعو ته و متابعة سبيله و سنته و تأييد كلمته و حجته فتفضل علينا بذلك و اكتب لنا من ذلك الحظ الأوفر و النصيب الأكبر و وفقنا للاستمساك بسنته و لزوم ملته حتى نموت عليها =========================================================================== [ 49 ] و احشرنا في زمرته و تحت لوائه و اجعلنا من رفقائه و أوردنا حوضه و اسقنا بكأسه و انفعنا بمحبته و تب علينا و احفظنا من جميع البلاء و البلواء والفتن ما ظهر منها و ما بطن و اغفر لنا ولجميع المؤمنين والمؤمنات و المسلمين و المسلمات الاحياء منهم و الاموات. و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم. و لما رأى هذه الرسالة بعض مشائخنا من كبار العلماء المدرسين بالمسجد الحرام قال: أيا مهدى البشرى سعدت لك البشرى * بنبيل الرضا من تلكم الجدة الكبرى * و دمت قرير العين فيمن تحبه * تفوز بما ترجو بدنياك و الاخرى مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية