نهج السعادة - الشيخ المحمودي ج 3 نهج السعادة الشيخ المحمودي ج 3 =========================================================================== [1] نهج السعادة في متسدرك نهج البلاغة =========================================================================== [3] نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغه الجز الثالث - باب الخطب تأليف الشيخ محمد باقر المحمودى دار التعارف للمطبوعات بيروت - لبنان =========================================================================== [4] الطبعة الاولى 1977 م - 1397 ه‍ حقوق الطبع محفوظة دار التعارف للمطبوعات شارع سوريا - بناية درويش - الطابق الثالث تلفن - 247280 - البريد 643 - بيروت لبنان =========================================================================== [5] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد فهذا هو القسم الثاني من باب خطب أمير المؤمنين عليه السلام وما يجري مجراها من كتاب نهج السعادة تأليف الشيخ محمد باقر المحمودي. وقد ذكرنا في مقدمة الكتاب في ج 1، ص 15 - 16، أن باب الخطب من كتابنا هذا رتبناه على قسمين: قسم يستفاد من سند الكلام أو من متنه أو من القرينة الخارجية زمان صدور الكلام عنه عليه السلام - ولو بحسب التقريب غير البعيد عن التحقيق - وهو القسم الاول وقد تقدم ذكره. وقسم لا يعلم من سند الكلام أو من متنه أو من القرينة الخارجية زمان صدور الكلام عنه عليه السلام لا تحقيقا ولا بالتقريب الغير البعيد عنه، وهو القسم الثاني وقد حان أو ان التمتع من شميم رياضه واغتراف مأ الحياة من حياضه: =========================================================================== [6] - 1 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها في يوم الجمعة، وهي من جلائل خطبه عليه السلام مشتملة على كثير من مباحث التوحيد وصفات الجلال والجمال الشيخ أبو علي ابن شيخ الطائفة قدس الله نفسهما قال: حدثنا أبي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الصلت الاهوازي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد ابن سعيد بن عبد الرحمان الحافظ، قال: حدثني محمد بن عيسى بن هارون ابن سلام الضرير أبو بكر، قال: حدثنا محمد بن زكريا المكي (1) قال حدثني كثير بن طارق، قال: سمعت زيد بن علي - مصلوب الظالمين - يقول: حدثني أبي علي بن الحسين بن علي [عليه السلام] (2) قال: خطب علي بن أبي طالب عليه السلام بهذه الخطبة في يوم الجمعة فقال: الحمد لله المتوحد بالقدم والاولية (3) الذي ليس =========================================================================== (1) كذا في نسخة الامالي والمصادر الحاكية عنه، ولعل الصواب: (المالكي) كما في ترجمة كثير بن طارق من فهرست النجاشي ص 244. (2) مابين المعقوفين كان في الاصل هكذا: (ع) (3) أي انه تعالى هو المتفرد بالقدم الحقيقي والمتوحد بالاولية الحقيقة غير المسبوقة بالعدم فله الحمد لعز جلاله وشموخ كبريائه. =========================================================================== [7] له غاية في دوامه ولاله أولية (4) أنشأ صنوف البرية لا من أصول كانت بدية (5) وارتفع عن مشاركة الانداد (6) وتعالى عن اتخاذ صاحبة وأولاد، هو الباقي بغير مدة (7) والمنشئ لا بأعوان ولابآلة، فطر لا بجوارح صرف‍ [ها في] ما خلق (8) لا يحتاج إلى محاولة التفكير ولا مزاولة مثال ولا تقدير، أحدثهم على صنوف من التخطيط والتصوير، لابروية ولا ضمير ! ! ! =========================================================================== (4) كذا في الاصل فان صح ولم يكن فيه تصحيف فمعناه أنه تعالى لا نهاية لوجوده أولية لكينونته. (5) كذا في الاصل. (6) هذا هو الظاهر الموافق لما في البحار، وفي الاصل: (فارتفع) أي أنه تعالى أجل وأعلى عن أن يشركه في إنشأ البرية أو كبريائه ند، إذ لاند له تعالى إذ جميع الاشيأ داخل تحت مقولة الامكان المساوق للاحتياج والافتقار والمخلوقية والصغار. (7) أي إن بقأه تعالى غير محدود بمدة. (8) هذا هو الظاهر. وما بين المعقوفين لم يكن في الاصل، وفيه: (فطر ولا بجوارح ما خلق). وفي البحار: (فطن ولا بجوارح). =========================================================================== [8] سبق علمه في كل الامور (9) ونفذت مشيئته في كل ما يريد في الازمنة والدهور (10) إنفرد بصنعة الاشيأ فأتقنها بلطائف التدبير (11) سبحانه من لطيف خبير ليس كمثله شي وهو السميع البصير. الحديث الاول من المجلس: (41) من الجزء الثاني من أمالي الشيخ - المعروف بأمالي ابن الشيخ - ص 79 ط طهران، ورواه عنه في الحديث 44 وهو الحديث ما قبل الاخر بواحد من الباب: (4) وهو باب جوامع التوحيد من بحار الانوار: ج 2 ص 204 في السطر 4 عكسا ط الكمباني، وفي ط الحديثة: ج 4 ص 319، ورواه أيضا في الحديث: (178) من كلمه عليه السلام في البحار ج: 17، ص 126 ط الكمباني كما رواه أيضا بأدنى اختلاف في بعض الالفاظ في كتاب تنبيه الخواطر ص 393. * (لهامش) * (9) أي إن علمه تعالى بالامور سابق ومتحقق قبل كونها وتحققها في عالم الخارج. (10) وفي البحار: (في كل ما يرد من الازمنة والدهور). (11) وفي البحار: (انفرد بصنعه الاشيأ). =========================================================================== [9] - 2 - ومن خطبة له عليه السلام في عظمة شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجلالة مقام أوصيائه والائمة من ولده وفي أن الله تعالى خلق العوالم من أجلهم وانهم علل غائية لايجاد العوالم والاكوان ! ! ! (1) علي بن الحسين بن علي المسعودي - صاحب مروج الذهب - عن الامام الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام انه قال: ان الله حين شأ تقدير الخليقة، وذرأ البرية (2) وابداع المبدعات، نصب الخلق في صور كالهبأ =========================================================================== (1) وهذه الخطبة يجب أن تكتب بالنور على قلة الطور لتستضي بها العوالم وتتلالا بها الجنان وتشرق الحور والقصور... (2) تقدير الخلقية: تكونيها وتكثيرها. و (ذرأ البرية): ايجادها واختراعها. والبرية: الخليقة. والجمع: برايا. =========================================================================== [10] قبل دحو الارض ورفع السمأ (3). وهو في انفراد ملكوته وتوحد جبروته، فأتاح نورا من نوره فلمع، ونزع قبسا من ظيائه فسطع (4) ثم اجتمع النور في وسط تلك الصور الخفية فوافق ذالك صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (5) فقال الله عز من قائل: أنت المختار المنتخب، وعندك مستودع نوري وكنوز =========================================================================== (3) الهبأ: الغبار. دقائق التراب ساطعة ومنشورة في الجو أو الارض. و (دحو الارض): بسطها. وفي تذكرة الخواص: (لما أراد الله أن ينشئ المخلوقات ويبدع الموجودات أقام الخلائق في صورة واحدة قبل خلق [دحو (خ)] الارض ورفع السماوات...). (4) وفي هامش مروج الذهب المطبوع بمصر هكذا: في [ط] 1: (فأساح). أقول: وفي تذكرة الخواص: (ثم أفاض نورا من نوره...). و (أتاح نورا) هيأه وقدره. (ونزع قبسا) - من باب ضرب -: جذبه. قلعه. ومن باب منع: استخرجه. والقبس - محركا -: الشعلة من النار تؤخذ من معظمها. (5) وفي تذكرة الخواص: (ثم اجتمع [النور] في تلك الصورة وفيها صورة رسول الله صلى الله عليه وآله...). =========================================================================== [11] هدايتي من أجلك أسطح البطحأ وأمرج المأ (6) وأرفع السمأ، وأجعل الثواب والعقاب، والجنة والنار ! ! ! وأنصب أهل بيتك [علما] للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل عليهم دقيق ولا يعييهم خفي (7) وأجعلهم حجتي على بريتي، والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي ! ! ! =========================================================================== (6) أسطح: أبسط واستوسع. والبطحأ: المسيل فيه الرمل ودقاق الحصى. وأمرج المأ: أرسله وأطلقه. وفي تذكرة الخواص: (من أجلك أضع البطحأ وأرفع السمأ وأجري المأ). (7) لا يعييهم خفي أي لا يكون علم شي من الاشيأ الغامضة المتعبة للناس متعبا لهم بل يكون عندهم من البديهيات من قولهم: (أعياه الامر إعيأ): أتعبه وجعله كليلا، وهو دون العجز. وهذا من خصائص أوصياء رسول الله وخلفائه في أمته المهيمنين على كتاب الله وحجج الله على خلفه وشهدائه في عباده وبلاده، وبه وبأمثاله يتمسك شيعة أهل البيت ويعتقد أن الائمة وأوصيا رسول الله يعلمون الغيب وجميع ما يحتاج إليه البشر في الحياة الدنيا، وأن من لا يعلم الغيب بمعزل عن خلافة رسول الله ومقام وصايته، وأن الائمة أخذوا جميع المعلومات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو آخذ عن الله تعالى إما بالوحي أو بالالهام ! ! ! ويشهد بذلك قوله تعالى في الاية: (26) من سورة الجن: 72: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا). وقوله تعالى في الاية: (179) من سورة آل عمران: (وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبى من رسله من يشأ). =========================================================================== [12] ثم أخذ الله الشهادة عليهم بالربوبية، والاخلاص بالوحدانية (8) فبعد أخذ ما أخذ من ذلك شاب ببصائر الخلق انتخاب محمد وآله (9) وأراهم أن الهداية معه والنور له والامامة في آله تقديما لسنة العدل، وليكون الاعذار متقدما (10). ثم أخفى الله الخليقة في غيبه وغيبها في مكنون علمه، ثم نصب العوالم وبسط الزمان، ومرج المأ =========================================================================== (8) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (ثم أخذ الله... بالربوبية والاخلاص وبالوحدانية). (9) يقال: (شاب فلان الشي بكذا - من باب قال - شوبا وشيابا): خلطه. والبصائر: جمع البصيرة: العقل. الفطنة. (10) قوله: (تقديما... وليكون) تعليلان لقوله: (شاب ببصائر الخلق). =========================================================================== [13] وأثار الزبد وأهاج الدخان، فطفا عرشه على المأ (11) فسطح الارض على ظهر المأ، وأخرج من المأ دخانا فجعله السمأ، ثم استجلبهما إلى الطاعة، فأذعنتا بالاستجابة (12). ثم أنشأ الله الملائكة من أنوار أبدعها وأرواح =========================================================================== (11) نصب العوالم - من باب ضرب ونصر -: رفعها. أقامها. و (مرج المأ - من باب نصر - مرجا): أطلقه وأرسله. و (أثار الزبد وأهاج الدخان).: جعلهما ذا ثوران وهياج وتحرك وانبعاث و (طفا عرشه على المأ) من باب دعا -: علا فوق المأ ولم يرسب فيه. (12) الظاهر ان المراد من الدخان هو البخار، وقوله (ثم استجلبهما): دعاهما وسقهما سوقا حثيثا. والمراد منه الدعوة والسوق التكوينيان. والكلام مقتبس معنى من قوله تعالى في الاية: (9) وتواليها من سورة فصلت: (قل ائنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا، وجعل فيها رواسي من فوفها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سوأ للسائلين، ثم استوى إلى السمأ وهي دخال فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سمأ أمرها...) وفي المختار الاول من نهج البلاغة شواهد لما ذكره عليه السلام ها هنا. =========================================================================== [14] اخترعها، وقرن بتوحيده نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فشهرت في السمأ قبل بعثته في الارض (13). فلما خلق الله آدم أبان فضله للملائكة، وأراهم ما خصه به من سابق العلم من حيث عرفه عند استنبائه إياه أسمأ الاشيأ (14) فجعل الله آدم محرابا =========================================================================== (13) وفي تذكرة الخواص: (ثم أنشأ الملائكة من أنوار أبدعها وأنواع اخترعها [ثم خلق المخلوقات فأكملها (خ)] ثم خلق الارض وما فيها ثم قرن بتوحيده نبوة نبيه وصفيه محمد [ظ] فشهدت السماوات والارض والملائكة والعرش والكرسي والشمس والقمر والنجوم وما في الارض له بالنبوة). (14) إشارة إلى ما قص الله تعالى في الاية: (29) وتواليها من سورة البقرة: (وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الارض خليفة قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمأ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. قال: إني أعلم ما لا تعلمون، وعلم آدم الاسمأ كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسمأ هاؤلا إن كنتم صادقين، قالو: سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم: قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون). =========================================================================== [15] وكعبة، وبابا وقبلة، أسجد إليها الابرار، والروحانيين الانوار. (15) ثم نبه آدم على مستودعه، وكشف له (عن) خطر ما إئتمنه عليه، بعد ما سماه إماما عند الملائكة، وكان حظ آدم من الخير ما أراه من مستودع نورنا (16) ولم يزل لله تعالى يخبأ النور تحت الزمان إلى أن فضل محمدا صلى الله عليه وسلم في ظاهر الفترات (17) فدعا الناس ظاهر وباطنا، وندبهم سرا وإعلانا، =========================================================================== (15) ظاهر هذا الكلام أن الملائكة أمروا بالسجود لله تعالى وأن يجعلوا آدم قبلة ومحرابا في سجودهم كما عبدنا الله تعالى بالسجود له متوجها إلى الكعبة وقبلها كان أمرنا بالسجود له متوجها إلى بيت المقدس. (16) ولله العظمة والمقدرة والحكمة والخيرة ما أعظم عنايته لاوليائه ؟ وما أفخم مكرمته لرسول الله وأهل بيته حيث وهب الله لهم ما لا يحيط به البيان ولا يقدر على وصفه لسان ! ! ! (17) يخبأ - من باب منع -: يستر ويخفي و (الفترات): جمع الفترة: الضعف والانكسار. والظاهر ان المراد منها - ها هنا - هو الضعف العارض لاهل الديانة فيما بين الشريعة السالفة واللاحقة. =========================================================================== [16] واستدعى عليه السلام (18) التنبيه على العهد الذي قدمه إلى الذر قبل النسل، فمن وافقه وقبس من مصباح لنور المقدم اهتدى إلى سره، واستبان واضح امره، اومن أبلسته الغفلة استحق السخط. ثم انتقل النور إلى غرائزنا، ولمع في أئمتنا فنحن أنوار السماء وأنوار الارض، فبنا النجاة، ومنا مكنون =========================================================================== (18) كذا في النسخة، والظاهر ان كلمتا: (عليه السلام) زائدتان وأن في الكلام سقطا وتصحيفا ؟ وفي تذكرة الخواص هكذا: (ثم بين لادم حقيقة ذلك النور، ومكنون ذلك السر، فلما حانت أيامه أودعه شيثا، ولم يزل ينتقل من الاصلاب الفاخرة إلى الارحام الطاهرة إلى أن وصل إلى عبد المطلب ثم إلى عبد الله [ثم صانه الله عن الخثعمية حتى وصل إلى آمنة (خ)] ثم إلى نبيه [صلى الله عليه وآله وسلم] فدعا الناس ظاهرا وباطنا وندبهم سرا وعلانية، واستدعى الفهوم إلى القيام بحقوق ذلك السر اللطيف، وندب العقول إلى الاجابة لذلك المعنى المودع في الذر قبل النسل فمن وافقه قبس من لمحات ذلك النور غشي بصر قلبه عن ادراكه وانتهى إلى العهد المودع في باطن الامر وغامص العلم، ومن غمرته الغفلة، وشغلته المحنة استحق البعد. ثم لم يزل ذلك النور ينتقل فينا ويتشعشع في غرائزنا...). =========================================================================== [17] العلم، والينا مصير الامور، وبمهدينا تنقطع الحجج، خاتم الائمة، ومنقذ الامة، وغاية النور، ومصدر الامور. فنحن أفضل المخلوقين، وأشرف الموحدين وحجج رب العالمين (19) فليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا، وقبض على عروتنا (20). مروج الذهب: ج 1، ص 32 ط مصر، وفي ط ص 17، وفي طبعة بيروت ج 1 ص 42، في ابتداء الباب الثالث عند ذكر المبدء وشأن الخليفة. وقريب منه جدا في المختار (6) من الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص 138، ورواه عنه في البحار: ج 17، ص 82 ط الكمبانى. =========================================================================== (19) والى الخطبة هذه وأمثالها تستند الامامية في اعتقادهم في أئمة أهل البيت عليهم السلام، ومن أبحر ما بينوه يغترفون ومن مشربهم الصافي يستقون ! ! ! (20) فليهنأ - من باب منع وعلم - فليفرح. (نهج السعادة ج 3) (م 2) =========================================================================== [18] - 3 - ومن كلام له عليه السلام في مدحه ومدح أهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين وحث الناس على اتباعهم وأخذ العلوم عنهم قال محمد بن ابراهيم النعماني رحمه الله: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته التي رواها الموافق والمخالف: الا ان العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الارض، وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين، في عترة خاتم النبيين فأين يتاه بكم (1) ؟ بل أين تذهبون ؟ =========================================================================== (1) أي فأين يذهب بكم الضلال تائهين متحيرين وبينكم عترة نبيكم وهم أعلام الحق وألسنة الصدق ومعادن العلم والحكمة وخزنة الوحي ؟ ! ! يقال: (تاه زيد - من باب منع - تيها وتيهانا): ضل. ذهب متحيرا فهو تياه وتيهان. =========================================================================== [19] يا من نسخ من أصلاب أصحاب السفينة هذا مثلها فيكم (2) فكما نجا في هاتيك من نجا، فكذلك ينجو في هذه من ينجو (3) ويل لمن تخلف عنهم. [قال النعماني] وقال عليه السلام في هذه الخطبة: ان مثلنا فيكم كمثل الكهف لاصحاب الكهف، وكباب حطة وهو باب السلم فادخلوا في السلم كافة (4). =========================================================================== (2) ومثله في كتاب الارشاد، الا أن الذيل فيه هكذا: (فهذه مثلها فيكم فاركبوها، فكمانجا في هاتيك من نجا، كذلك ينجو في هذى من دخلها). والمراد من النسخ - هنا -: الانتقال من صلب إلى صلب نظير نسخ الكتاب فانه عبارة عن نقل المطالب وانتقالها من نسخة إلى نسخة أخرى. (3) وفي المسترشد: (يا معشر من نجا من [أصلاب] أصحاب السفينة هذا مثلها فيكم [و] كما نجا في هاتيك من نجا، فكذلك ينجو في هذه منكم من ينجو) وقد تقدم قريب منه في المختار: (152) من القسم الاول في ج 1 ص 532 فراجع. (4) الكلام اشارة إلى ما ذكره الله تعالى في الاية: (15) من سورة الكهف: (وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون الا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا). واشارة إلى ما بينه الله تعالى في الاية: (57) من سورة البقرة: (واذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين، فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمأ بما كانوا يفسقون) وفي معناها الاية: (160 - 161) من سورة الاعراف. واشارة أيضا إلى ما أمر الله به في الاية: (207) من سورة البقرة: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين، فان زللتم من بعد ما جأتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم). وبالتدبر في ذيل الايات الكريمات ينكشف سر عجيب. =========================================================================== [20] وأيضا قال عليه السلام في خطبته هذه: ولقد علم المستحفظون (5) من أصحاب محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] أنه قال: اني وأهل بيتي مطهرون فلا تسبقوهم فتضلوا، ولا تخلفوا عنهم فتزلوا، ولا تخالفوهم فتجهلوا. ولا تعلموهم فانهم أعلم منكم، هم أعلم الناس صغارا وأعلم الناس كبارا (6) =========================================================================== (5) أي الذين يطلب منهم حفظ الاسرار، والتحفظ على الودائع والامانات وهو بفتح الفأ اسم مفعول. (6) وقد تقدم في تعليق المختار الاول من القسم الاول: ج 1 ص 18، وفي المختار: (52) ص 182، شواهد لما ها هنا. (*) =========================================================================== [21] فاتبعوا الحق وأهله حيثما كان، وزائلوا الباطل وأهله حيث ما كان. أواسط الباب الثاني من كتاب الغيبة - للشيخ الاجل النعماني رحمه الله - ص 18، وقد بتر الخطبة - ولم يذكر تمامها - وذكر منها ما يناسب مدعاه في الباب المذكور. ورواه أيضا الطبري في المسترشد، ص 76 بزيادات كثيرة، والمستفاد منه أنه من خطبة خطبها عليه السلام في أوائل ما ولي الامر بعد قتل عثمان. =========================================================================== [22] - 4 - ومن خطبة له عليه السلام في تحميد الله تعالى على ما من به عليه من الهداية والنجابة واستجابة الدعوة والشفاعة وفي الحث على أخذ العلم منه (1) الحمد لله الذي هدانا من الضلالة، وبصرنا من العمى ومن علينا بالاسلام، وجعل فينا النبوة، وجعلنا النجبأ، وجعل أفراطنا أفراط الانبياء (2) =========================================================================== (1) قال الراوي وهو الشيخ المفيد رحمه الله: وقد تركنا صدرها. (2) الافراط جمع الفرط - كفرس - وهو العلم المستقيم يهتدي به. وغير المدرك من الولد الذي يدركه الموت. والذي يتقدم الواردة ليهيأ لهم ما يحتاجون إليه. أي الحمد لله الذي جعل أولادنا أولاد الانبياء، أي نحن وأولادنا أولاد الانبياء، أو المراد أن الهادي أي الامام منا أمام للانبيأ وقدوة لهم أيضا كذا أفاده المجلسي الوجيه (ره). أقول: وروي ابن عساكر في الحديث: (1190) من ترجمته عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 144، ط 1، أنه قال: (نحن النجبأ، وافراطنا افراط الانبياء، وحزبنا حزب الله، والفئة الباغية حزب الشيطان، ومن سوى بيننا وبين عدونا فليس منا) ورواه أيضا في الحديث (41) من الجز العاشر، من أمالي الطوسي ص 170 ط 1، ورواه أيضا احمد بن حنبل في الحديث: (282) من كتاب الفضائل ورواه عنه في الباب (58) من كتاب ينابيع المودة ص 101، ط 1، ورواه أيضا في الباب (67) من المقصد الثاني من غاية المرام ص 575، ورواه جماعة آخرون كثيرون ذكرناهم في تعليق الحديث المذكور من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 144، ط 1. =========================================================================== [23] وجعلنا خير أمة أخرجت للناس، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر (3) ونعبد الله ولا نشرك به شيئا، ولانتخذ من دونه وليا، فنحن شهدأ الله، والرسول شهيد علينا (4) نشفع فنشفع فيمن شفعنا له، وندعو فيستجاب دعاؤنا، ويغفر لمن ندعو له ذنوبه، أخلصنا لله فلم ندع من دونه وليا (5). =========================================================================== (3) اشارة - أو اقتباس - إلى الاية (110) من سورة آل عمران: 3. (4) هذا مقتبس من قوله تعالى في الاية: (143) من سورة البقرة: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدأ على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا). (5) هذا الذيل تعليل لقوله: (نشفع فنشفع... وندعو فيستجاب دعاؤنا) إذ مقتضى عناية الله لمن أخلص له عمله ودعأه أن يكون عنده وجيها يشفعه فيمن شفع له، ويستجيب دعأه فيمن دعا له فيغفر ذنوبه، وهذا باجماله مما قامت عليه السنن القطعية الواردة عن أهل بيت الوحي وتدل عليه أيضا الاية: (64) من سورة النسأ: (ولو أنهم أذ ظلموا انفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما). والاول - أي الشفاعة - أيضا مما أطبقت عليه السنن المتواترة بين المسلمين وآيات كثيرة من القرآن الكريم، ولم يناقش فيها الا بعض المستأجرين التابعين لسياسة أمرأ عصرهم كيفما كانت ! ! ! أما الاثار الواردة عن الرسول الاكرم وأهل بيته في أصل الشفاعة فهي غير محصورة ويكفي في ذلك المراجعة إلى بحار الانوار من كتب الشيعة، ومسند أحمد بن حنبل من كتب أهل السنة. وأما آيات الذكر الحكيم فيكفي المسلم منها الاية: (255) من سورة البقرة والاية (3) من سورة يونس، والاية: (28) من سورة الانبياء، والاية: (87) من سورة مريم، والاية: (110) من سورة طه، والاية (23) من سورة السبأ، والاية: (26) من سورة النجم. وللعلامة الطباطبائي مد ظله تحقيقات ذكرهما في تفسير الاية: (48) من سورة البقرة من تفسير الميزان: ج 1، ص 156 - 188 فليراجعها من أراد التعمق حول الشفاعة فانها نافعة جدا. =========================================================================== [24] أيها الناس (تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان، واتقوا الله ان الله شديد العقاب) (6). أيها الناس اني ابن عم نبيكم وأولاكم بالله ورسوله =========================================================================== (6) ما بين القوسين مقتبس من الاية الثانية من سورة المائدة: 5. (*) =========================================================================== [25] فاسألوني ثم اسألوني وكأنكم بالعلم قد نفد، وانه لا يهلك عالم الا يهلك بعض علمه (7) وأنما العلمأ في الناس كالبدر في السمأ يضي نوره على سائر الكواكب. خذوا من العلم ما بدا لكم، وأياكم أن تطلبوه لخطال أربع: لتباهوا به العلمأ، أو تماروا به السفهأ، أو تراوأ به في المجالس، أو تصرفوا وجوه الناس اليكم للترؤس، لا يستوي عند الله في العقوبة الذين يعلمون والذين لا يعلمون، نفعنا الله واياكم بما علمنا وجعله لوجهه خالصا، انه سميع مجيب. الفصل الثالث مما اختار من كلامه عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 122. ورواه عنه في الحديث (17) من الباب التاسع من البحار: ج 1، ص 78، في السطر 9 عكسا ط الكمباني. =========================================================================== (7) أي مما لم يأخذ منه أحد ممن يبقى بعده أو مما لم تتح الفرصة له أن يعلمه الناس ويودعه عند أهله. =========================================================================== [26] - 5 - ومن كلام له عليه السلام في تقسيم المقتبسين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أربعة طبقات وانه ليس عند أحد منهم علم صحيح غير ما عنده عليه السلام قال التوحيدي: وحكى لنا ابن رباط الكوفي (1) - وكان رئيس الشيعة ببغداد، ولم أر أنطق منه - قال: قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: من أين جأ اختلاف الناس في الحديث ؟ فقال: ألناس أربعة: رجل منافق كذب على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم متعمدا فلو علم الناس أنه منافق ما صدق ولا أخذ عنه. ورجل سمع رسول الله صلى =========================================================================== (1) ولعله من ذكره النجاشي رحمه الله تحت الرقم (134) من كتاب فهرست مصنفي الشيعة ط طهران ص 307 قال: محمد بن محمد بن أحمد ابن اسحاق بن رباط الكوفي البجلي، سكن بغداد وعظمت منزلته بها، وكان ثقة فقيها صحيح العقيدة، له كتاب الفرائض وكتاب الطلاق، وكانت له رئاسة في الكرخ وتقدم الجماعة، وأضر [في آخر عمره] وخرج [من بغداد إلى] الكوفة وجاور [بها] إلى أن مات هناك. =========================================================================== [27] الله عله [وآله] وسلم يقول قولا أو رآه فعل [ظ] فعلا ثم غاب ونسخ ذلك من قوله أو فعله، فلو علم أنه نسخ ما حدث ولاعمل به، ولو علم الناس أنه نسخ ما قبلوا منه ولا أخذوا عنه. ورجل سمع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول قولا فوهم فيه (2) فلو علم أنه وهم [فيه] ما حدث ولاعمل به. ورجل لم يكذب ولم يهم وشهد ولم يغب (3). =========================================================================== (2) يقال: (وهم في الشي - من باب وعد - وهما): ذهب إليه وهمه وهو يريد غيره. و (وهم الشي وهما): تمثله وتصوره وتخليه. و (وهم في الشي) - من باب وجل - غلط فيه وسهاه. (3) قال التوحيدي: قال [ابن رباط]: وانما دل بهذا على نفسه، ولهذا قال عليه السلام (كنت إذا سألت أجبت، وإذا سكت ابتدئت). أقول: والحديث طرق كثيرة ومصادر جمة فقد رواه في الحديث: (222) من كتاب الفظائل تأليف أحمد بن حنبل الحديث (26) من ترجمته عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 2 ص 98 ط 1، ورواه أيضا ابن عساكر في تبيين كذب المفتري ص 80 وفي الحديث: (978) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 2 ص 454 ط 1، وقد ذكرناه في تعليقه عن مصادر جمة. =========================================================================== [28] كتاب الامتاع والمؤنسة - لابي حيان التوحيدي - ج 3 ص 197 وللكلام صور تفصيليه ومصادر، وذكره أيضا في المختار (205) من نهج البلاغة، وفي المسترشد - للطبري الامامي - ص 30. - 6 - ومن كلام له عليه السلام في الحث على العمل بالعلم وتحصيل الفقه واليقين، والردع عن الشك والريب والكفر والفسوق ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رفع الله مقامه، عن عدة من اصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام - في كلام له خطب [به] على المنبر -: أيها الناس إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون، فان العالم العامل بغيره (1) كالجاهل الحائر =========================================================================== (1) هذا هو الظاهر جليا من السياق، وفي النسخة: (ان العالم). والضمير في قوله: (بغيره) عائد إلى العلم المدلول عليه لما تقدمه. =========================================================================== [29] الذي لا يستفيق عن جهله بل قد رأيت أن الحجة عليه أعظم، والحسرة [له] أدوم (2) على هذا العالم المنسلخ من علمه، منها على هذا الجاهل المتحير في جهله، وكلاهما حائر، بائر (3). لا ترتابوا فتشكوا (4) ولا تشكوا فتكفروا، ولا ترخصوا لانفسكم فتدهنوا (5) ولا تدهنوا في الحق فتخسروا. وان من الحق أن تتفقهوا (6) ومن الفقه أن لا تغتروا، =========================================================================== (2) كذا في الاصل، وفي ذيل المختار: (106) من نهج البلاغة: (والحسرة له ألزم، وهو عند الله ألوم). وقريب منه في خطبة الديباج الاتية. (3) قوله: (على هذا العالم المنسلخ من علمه) بدل من قوله المتقدم: (عليه). وحائر متحير، وبائر: معطل. باطل، يقال: فلان حائر بائر أي لا يتوجه إلى صلاح ولا يسمع النصح من مرشد وهاد. (4) ومن هنا إلى آخر الكلام مذكور أيضا في خطبة الديباج الاتية. (5) يقال: (دهنه - من باب نصر - دهنا وأدهنه وداهنه: خدعه. (6) هذا هو الظاهر الموافق للامالي - غير أن فيه: (وان من الحزم) - وفي نسخة الكافي (أن تفقهوا). (*) =========================================================================== [30] وان أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه، و [ان] أغشكم لنفسه أعصاكم لربه، ومن يطع الله يامن ويستبشر (7) ومن يعص الله يخب ويندم. [اسألوا الله اليقين، وارغبوا إليه في العافية، وخير ما دار في القلب اليقين (8). أيها الناس أياكم والكذب فان كل راج طالب، وكل خائف هارب]. الحديث: (6) من الباب: (13) من كتاب فضل العلم من أصول الكافي: ج 1 ص 45، ومن قوله: (لا ترتابوا) إلى آخر الكلام رواه في الحديث: (37) من المجلس: (23) من أمالى الشيخ المفيد، ص 128، عن أحمد بن محمد، عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد القمي، عن محمد ابن الصفار، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، قال: أخبرني ابن اسحاق الخراساني صاحب كان لنا، قال: كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: لا ترتابوا فتشكوا... ثم ان ما وضعناه يبن المعقوفين غير موجود في رواية الكليني في الكافي، بل هو من رواية الشيخ المفيد في أماليه. =========================================================================== (7) وفي رواية الشيخ المفيد: (ومن يطع الله يأمن ويرشد). (8) كذا في النسخة، ولعل الاصل: (فان خير ما دار في القلب اليقين). وفي خطبة الديباج: (واعلموا أن خبر ما لزم القلب اليقين). =========================================================================== [31] - 7 - ومن كلام له عليه السلام في سمة العاقل ورزانة الحكيم والحث على التكلم في العلم وأن قدر كل شخص بقدر علمه ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني الرازي رحمة الله، عن الحسين بن الحسن، عن محمد بن زكريا الغلابي (1) عن ابن عائشة البصري رفعه [قال]: أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في بعض خطبه: أيها الناس اعلموا أنه ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه (2) ولا بحكيم من رضي بثنأ الجاهل عليه، الناس أبنأ ما يحسنون (3) وقدر كل امرئ ما =========================================================================== (1) وهو أبو جعفر البصري الاخباري الراوي عن محمد بن عائشة وغيره المترجم في باب محمد تحت الرقم: (571) من لسان الميزان: ج 5 ص 168. (2) الانزعاج: الانقلاع والقلق والتغيظ والخروج عن الحالة العادية. (3) ما يحسنون - من باب أفعل -: ما يعلمون. وهذه القطعة متواترة عنه عليه السلام. =========================================================================== [32] يحسن، فتكلموا في العلم تبين أقداركم (4). الحديث (14) من الباب (15) من كتاب فضل العلم من أصول الكافي ج 1 ص 50، ورواه عنه الشيخ المفيد (ره) في الحديث الاول من كتاب الاختصاص، قال: حدثني أبو غالب أحمد بن محمد الرازي، وجعفر بن محمد بن قولويه، عن محمد بن يعقوب، عن الحسين بن الحسن... ورواه أيضا في المختار: (60) من قصار كلام أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب تحف العقول ص 208. =========================================================================== (4) يقال: (بان الشي - من باب باع - بيانا وتبيانا، وبين الشي تبيينا وأبان الشي ابانة واستبان وتبين): اتضح. والاقدار: جمع القدر: المقام والمنزلة. =========================================================================== [33] - 8 - ومن خطبة له عليه السلام في تحميد الله تعالى على ما تفرد به من صفات الجلال والجمال، وبيان بعض الصفات الثبوتية والسلبية قال السيد أبو طالب: أخبرنا محمد بن على العبدكي قال: حدثنا محمد ابن يزداد، قال: حدثنا يعقوب بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي قال: حدثنا أبو زهير عبد الرحمن بن معزي الدوسي (1) قال: حدثنا عوانة ابن الحكم قال: حدثنا من حضر خطبة علي عليه السلام التي تسمى الغرأ [و] خطب بها في مسجد الكوفة (2) فكان مما حفظ منها بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم (3) أن قال: =========================================================================== (1) رسم الخط في هاتين الكلمتين غير واضح، ويحتمل في الثانية أن يقرأ (الدويسي). (2) وعلى هذا كان علينا أن نذكر الخطبة الشريفة، في أواسط القسم الاول من باب الخطب من كتابنا هذا، ولما غفلنا عن ايرادها في موضعها من أجل تفرق مخطوطاتنا وتشتت شملنا أوردناها هنا. (3) المستفاد من هذا الكلام أن أمير المؤمنين عليه السلام، كان صدر هذه الخطبة بحمد الله والثنأ عليه بما هو أهله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله ولكن هذا الراوي لم يحفظ تمام الخطبة، أو انه حينما ذكرها لعوانة بن الحكم لم يكن في مقام بيان الخطبة حرفية. (نهج السعادة ج 3) (م 3) =========================================================================== [34] الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد (4) ولا تحوزه المشاهد (5) ولا تراه النواظر (6) ولا تحجبه السواتر (7) الذي علا بكل مكرومة، وبان بكل فضيلة، وجل عن شبه الخليقة، وتنزه عن الافعال القبيحة، وصدق في ميعاده، وارتفع عن ظلم عباده، وقام بالقسط في خلقه، وعدله عليهم في حكمه (8) وأحسن إليهم في قسمه، ولا =========================================================================== (4) قال في ذيل الخطبة من كتاب تيسير المطالب: قال السيد أبو طالب الحسني: معنى قوله عليه السلام: (لا تدركه الشواهد) انه تعالى لا يدرك من طريق المشاهدة. وأصل الشاهد بالحقوق مأخوذ من المشاهدة، ولهذا يقال: عرفت هذا الامر من شاهد الحال. (5) وفي المختار: (180) من نهج البلاغة: (لا تحويه المشاهد). والحيازة والحواية بمعنى واحد. (6) النواظر: جمع الناظرة - مونث الناظر -: العين. (7) وبعده في المختار المتقدم الذكر من نهج البلاغة هكذا: (الدال على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده، وباشتباههم على أن لاشبه له، الذي صدق في ميعاده...). (8) كذا في الاصل، وفي النهج: (وعدل عليهم في حكمه، مستشهد بحدوث الاشيأ على أزليته، وبما وسمها به من العجز على قدرته وبما اظطرها إليه من الفنأ على دوامه. واحد لابعدد، ودائم لا بأمد، وقائم لا بعمد، تتلقاه الاذهان لا بمشاعرة، وتشهد له المرائي لا بمحاضرة...). =========================================================================== [35] اله الا هو الواحد القهار، العزيز الجبار الذي لم يتناه في الاوهام بتحديد (9) ولم يتمثل في العقول بتصوير، ولم تنله مقائيس المقدرين (10) ولا استخرجته نتائج الاوهام، ولا أدركته تصاريف الاعتبار فأوجدته سبحانه محدودا، أو شخصا مشهودا (11) ولاوقتته الاوقات فتجري عليه الازمنة والغايات، ولم يسبقه حال فيجري عليه الزوال. =========================================================================== (9) هذا هو الظاهر. وفي الاصل - ها هنا -: (لم يتناها). قال السيد أبو طالب في ذيل الخطبة: قولة: (لم يناها (كذا) في الاوهام بتحديد) معناه: أن ما يقع في الاوهام من صفة المحدودين فالله مخالف له ومنفي عنه، لانه ليس بمحدود. (10) قال السيد أبو طالب: معناه: ان تقدير من يقدر فيه بقياسه انه مشبه بخلقه وموصوف بالتحديد والتمثيل، فقياسه فاسد باطل لا يثبت به ما قدره. (11) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (فأوجدته سبحانه لا محدودا ولا شخصا مشهودا). قال السيد أبو طالب: وقوله عليه السلام: (ولا أدركته تصاريف الاعتبار فأوجدته سبحانه) معناه: أن من يعتبر صفاته [تعالى] بصفات المخلوقين فاعتباره فاسد، لان الاعتبار الصحيح لا يثبته محدودا مشبها بخلقه، بل شواهده تقضي بحلافه كما قال عليه السلام. =========================================================================== [36] فسبحانه من عظيم عظم أمره، ومن كبير كبر قدره، ليس بذي كبر امتدت إليه النهايات فكبرته تجسيدا (12) ولابذي عظم ألحقت به الغايات فعظمته تجسيما، علا عن التجسيم والتجسيد والتصوير والتحديد علوا كبيرا، شواهده بذلك قائلة، وأحكامه فيه فاصلة، قد [أ] جمعت العقول عليها بدلالتها، فظهر لديها تبيان حكمتها، حتى جلت عن المرتابين البهم (13) وكشفت عنهم الظلم. الحديث: (20) من الباب: (14) من تيسير المطالب المخطوط ص 129، وفي ط 1، ص 192، وقريبا منه رواه السيد الرضي رحمه الله في صدر المختار: (185) من نهج البلاغة. =========================================================================== (12) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (ليس بذي كبير). وفي نهج البلاغة: (لم تحط به الاوهام بل تجلى لها بها، وبها امتنع منها، واليها حاكمها، ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما، ولابذي عظم تناهت به الغايات فعظمته تجسيدا، بل كبر شأنا وعظم سلطانا). (13) جلت - من باب دعا -: ظهرت ووضحت. و (جلا زيد الشبهة جلا وجلوا): كشفها وأذهبها وأزالها. و (جلى زيد عن فلان الهم): أزاله وأذهبه عنه. والبهم - بضم ففتح -: مشكلات الامور. =========================================================================== [37] - 9 - ومن كلام له عليه السلام في نعمت الربوبية وسمة الالوهية قال السيد أبو طالب: أخبرنا محمد بن علي العبدكي قال: حدثنا محمد ابن يزداد، قال: حدثنا علي بن الحسين الوراق البغدادي قال: حدثنا أحمد ابن عبد الله، قال: حدثنا ابن سنان، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة [قال]: ان رجلا قام إلى علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين كيف كان ربنا ؟ فقال علي [عليه السلام]: ربنا لم يزل تبارك وتعالى (1) وانما يقال لشي لم يكن: (كيف كان) فاما ربنا فهو قبل القبل وقبل كل غاية، انقطعت الغايات عنده، فهو غاية كل غاية. فقال [الرجل]: كيف عرفته [يا أمير المؤمنين ؟] قال: عرفته بما عرفت به نفسه (2) (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد) [3 - 4 الاخلاص]. =========================================================================== (1) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (كيف لم يكن وربنا...) (2) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (أعرفه بما عرف به نفسه). =========================================================================== [38] لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس، متدان في علوه، عال في دنوه ! ! ! (ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم ولا خمسة الا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر الا هو معهم أين ما كانوا) (3). قريب غير ملتصق، وبعيد غير متقص (4) يعرف بالعلامات، ويثبت بالايات، يوحد ولا يبعض [و] يحقق ولا يمثل لا اله الا هو الكبير المتعال. الحديث (14) من الباب (14) من تيسير المطالب ص 126، من النسخة المخطوطة، وفي ط 1، ص 188. وقريبا منه رواه في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد بن حنبل: ج 1، ص 117، ط 1. =========================================================================== (3) اقتباس من الاية السابعة من سورة المجادلة، واليك تتمة الاية الكريمة: (ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ان الله بكل شي عليم). (4) أي غير بالغ أقصى البعد، لانه تعالى بالقيومية والتدبير والعلم أقرب إلى كل شخص من حبل وريده، ومن جهة الجلالة والعظمة وارتفاع الشأن وعدم المحدودية أبعد من كل شي. =========================================================================== [39] - 10 - ومن كلام له عليه السلام في بيان ما لله تعالى من صفات الجلال والجمال، ومرتبة معرفة الله وتوحيده واخلاص التوحيد له تعالى ان أول الديانة معرفة الله، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده الاخلاص له، و [كمال] الاخلاص [له] نفى الصفات عنه (1) بشهدة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة الموصوف أنه غير الصفة، وشهادتهما جميعا بالتنبيه على أنفسهما بالحدث الممتنع =========================================================================== (1) المراد من المعرفة هنا هي التي تحمل النفوس العادية غير المكابرة وامعاندة إلى عقد القلب بها، والتصديق اللساني لمدلولها في حلال الاختيار، وهذه قد تكون مجرد عقد القلب وتصديق اللسان بأن الله تعالى موجود، وقد تكون باذعان الجوانح والجوارح بأن الله متفرد بالالوهية والوحدانية الخالصة عن شوب التركيب وزيادة الصفات على الذات ومغايرتها معها، فالاول معرفة ناقصة، والثاني كاملة، وانما عد معرفة الله أول الديانة، إذ من لايعرف الله لادين له. وفي المختار الاول من نهج البلاغة: (أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق بة توحيده...). =========================================================================== [40] من الازل (2) فمن وصف الله عزوجل فقد حده، ومن حده فقد عده ومن عده فقد أبطل أزله (3). ومن قال: كيف فقد استوصفه، ومن قال: فيم فقد ضمنه، ومن قال: علام فقد أخلى منه، ومن قال: أين فقد نعته، ومن قال إلى [م] فقد عداه (4). عالم إذ لا معلوم وقادر إذ لا مقدور، ورب إذ لامربوب، ومصور إذ لامصور، فكذلك ربنا تبارك وتعالى وفوق ما يصفه الواصفون. المختار: (22) من الباب السابع من دستور معالم الحكم ص 153، ط مصر. وللكلام شواهد كثيرة عقيلة ونقلية تجد بعضها في نهج البلاغة. =========================================================================== (2) إذ على فرض زيادة الصفات على الذات يلزم احتياج كل واحد منهما إلى الاخر، والمحتاج لا يكون واجب الوجود والغني المطلق، بل هو مخلوق ممكن محدث مسبوق بالعدم، والحدث والسبق بالعدم يخالف القدم ويمتنع على الازلي. (3) وفي المختار الاول من النهج: (فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حده...). (4) كذا في الاصل، وفي أوائل المختار: (12) الاتي: (فمن قال: أين فقد بوأه ومن قال: فيم فقد ضمنه، ومن قال: إلى م فقد نهاه...). =========================================================================== [41] - 11 - ومن كلام له عليه السلام في مثل ما تقدم من توحيد الله عزوجل ان الله جل ثناؤه واحد بغير تشبيه (1) ودائم بغير تكوين (2) [و] خالق بغير كلفة، [و] قائم بغير منصبة (3) موصوف بغير غاية، معروف بغير محدودية باق بغير تسوية، عزيز لم يزل قديم في القدم، زاغت القلوب لمهابته، وذهلت الالباب لعزته، وخضعت =========================================================================== (1) أي ان وحدته تعالى حقيقية غير شبيهة بوحدة المكنات، حيث ان وحدتهم عددية وبمعنى أن لها ثان وثالث من جنسها. (2) أي ان دوامه تعالى ليس كدوام المخلوقين، حيث ان دوامهم يكون آنا بعد آن ويفاض إليهم من المبد الفياض. (3) المنصبة - بفتح الصاد -: التعب، والعنأ. والكلفة والتعب من لوازم الممكنات، فهما أي الكلفة والمنصبة منفيتان عنه تعالى. وفي المختار: (180) من نهج البلاغة: (الحمد لله المعروف من غير رؤية، والخالق من غير منصبة). (*) =========================================================================== [42] الرقاب لقدرته، لا يخطر على القلوب له مبلغ كنه، ولا يعتقد ضمير التسكين من التوهم في امضأ مشيئته، لا تبلغه العلمأ بألبابها، ولا أهل التفكر بتدبير أمورها بأكثر مما وصف عزوجل به نفسه. المختار: (23) من الباب السابع من دستور معالم الحكم ص 153، ط مصر. =========================================================================== [43] - 12 - ومن خطبة له عليه السلام في الاخلاص التوحيد لله تعالى وبيان صفات الجلال والجمال وفيها من أصول علم المعارف والعقائد ما يعز وجوده في غيرها ان أول عبادة الله معرفته (1)، وأصل معرفته توحيده (2) ونظام توحيده نفي الصفات عنه (3) لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق (4) وشهادة كل مخلوق =========================================================================== (1) أي ان معرفة الله أول عبادته زمانا ورتبة، لان المعرفة واجبة قبل كل شي، ثم هي شرط لقبول الطاعات وصحة العبادات أيضا. (2) إذ مع اثبات الشريك، أو القول بتركبيب الذات، أو زيادة الصفات يلزم القول بالامكان، فالمشرك لم يعرف الله، ولم يثبته، فمن لم يوحد الله لم ينل معرفته. (3) إذ أول التوحيد نفي الشريك، تم نفي التركيب، ثم نفي الصفات الزائدة، فهذا كماله ونظامه. (4) استدل عليه السلام على نفي زيادة الصفات بأن العقول تشهد بأن كل صفة محتاجة إلى الموصوف لقيامها به، والموصوف كذلك لتوقف كماله بالصفة. فهو في كماله محتاج إليها، وكل محتاج ممكن فلا يكون شي منهما واجبا ولا المركب منهما، فيحتاجان إلى علة ثالثة ليست بموصوف ولا صفة. =========================================================================== [44] أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الازل الممتنع من حدثه [الحدث (خ ل)]. فليس الله عرف من عرف ذاته (5) ولا له وحد من نهاه (6) ولابه صدق من مثله (7) ولاحقيقته أصاب من شبهه، ولا اياه أراد من توهمه، ولا له وحد من اكتنهه (8) ولابه آمن من جعل له نهاية، =========================================================================== (5) المراد منه التعريف بالكنه والحقيقة المستلزم للتحديد. (6) أي من جعل لله حدا ونهاية فلم يوحده. وقريب منه ومما بعده ذكره في المختار: (181) من نهج البلاغة. (7) أي من جعل له شخصا ومثالا في ذهنه وجعل الصورة الذهنية مثالا له فهو غير مصدق بوجوده، وما أصاب أيضا حقيقته، لان كلما توهمه المتوهم فهو مخلوقه ومصنوعه. (8) أي بين كنه ذاته، أو طلب الوصول إلى كنهه، إذ لو كان له كنه لكان شريكا مع الممكنات في التركيب والصفات الامكانية، وهو بنا في التوحيد. =========================================================================== [45] ولاصمده من أشار إليه (9) ولا اياه عنى من حده، ولا له تذلل من بعضه (10) كل قائم بغيره مصنوع، وكل موجود في سواه معلول (11). بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول تعتقد معرفته، وبالفكرة تثبت حجته (12) وبآياته احتج على خلقه، =========================================================================== (9) أي ما قصد نحوه من أشار إليه باشارة حسية أو وهمية أو عقلية، لان المشار إليه لابد أن يكون محدودا، والله تعالى منزه عن المحدودية. (10) أي من حكم بأن له أبعاضا وأجزاء. (11) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: (كل قائم بنفسه مصنوع). وفي المختار: (181) من النهج: (كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم سواه معلول). أي كل ما كان نفسه معروفا بالكنه ومن جميع الجهات فهو مصنوع صنعه غيره، وكل ما كان قيامه بغيره وفي سواه فهو معلول أوجده علة، وجهة المصنوعية والمعلولية في كلا المعنيين هو الافتقار والاحتجاج لان معرفة الكنه انما هي بمعرفة الاجزاء فمعروف الكنه مركب والمركب محتاج إلى أجزائه ومعلول لمن ركبه، وهكذا الكلام فيما كان قيامه في غيره، فانه محتاج إلى ما يقوم به، ومعلول لمن أوجده كذلك. (12) وفي بعض النسخ: (وبالفطرة تثبت حجته). =========================================================================== [46] خلق الله الخلق فعلق حجابا بينه وبينهم (13) فمباينته اياهم مفارقته انيتهم (14) وايداوه (15) اياهم شاهد على أ [ن] لا أداة فيه، لشهادة الادوات بفاقة المودين، وابتداوه اياهم دليل على أن لاابتداء له، لعجز كل مبتدء عن ابداء غيره. أسماؤه تعبير (16) وأفعاله تفهيم (17) وذاته (* هامش) * (13) لان الخلقة صفة كمال للخالق، ونقص للمخلوق، فالخلقة التي هي من صفة كماله تعالى، ونقص مخلوقه حجاب بينه وبينهم. (14) الانية: الحقيقة والهوية، أي ان المباينة بين الخالق الواجب، والممكن المخلوق بحسب الذات والحقيقة، فالله تعالى بذاته منزه عن مجانسة مخلوقاته. وفي بعض النسخ: (مفارقته أينيتهم...). وحكي عن المجلسي العظيم رحمه الله انه قال في معناه: (ان مباينته تعالى الممكنات ليست بحسب المكان حتى يكون هو في مكان، وغيره في مكان آخر، بل انما هي بأن فارق أينيتهم، فليس له أين ومكان، وهم محبوسون في مطمورة المكان. أو المعنى ان مباينته لمخلوقه في الصفات صارت سببا لان ليس له مكان). (15) أي جعلهم ذا أدوات واعطائه اياها لهم وخلقها فيهم شاهد وبرهان على أنه تعالى منزه عن كونه ذي أداة، والدليل ما ذكره عليه السلام. (16) أي ليست عين ذاته وصفاته، بل هي معبرات تشهد عنها. (17) أي يفهم منها وجوده وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته، وغير ذالك. =========================================================================== [47] حقيقة (18) وكنهه تفرقة بينه وبين خلقه (19). قد جهل الله من استوصفه، وتهداه من مثله، وأخطأه من اكتنهه (20) فمن قال: أين فقد بوأه، ومن قال: فيم فقد ضمنه، ومن قال: إلى م فقد نهاه، ومن قال: لم فقد علله، ومن قال: كيف فقد شبهه، ومن قال: إذ فقد وقته، ومن قال: حتى فقد غياه (21) ومن غياه فقد جزأه، ومن جزأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه، ومن بعضه فقد عدل عنه، لا يتغير الله بتغيير المخلوق، كما لا يتحدد بتحديد المحدود، أحد لا بتأويل عدد (22) صمد =========================================================================== (18) أي حقيقة مكونة عالية لا تصل إليها عقول الخلق، بأن كان التنوين للتعظيم، أو خليقة بأن تتصف بالكمالات دون غيرها، أو ثابتة واجبة لا يعتريها التغيير والزوال. (19) لعدم اشتراكه مع الخلق في شئ، ولازمه عدم معرفته كنهه. (20) أي من توهم أنه أصحاب كنهه تعالى فقد أخطأه ولم يصبه. (21) أي جعل له غاية ونهاية، وهذا كقوله عليه السلام سابقا: (ومن قال إلى م فقد نهاه). (22) بأن يكون معه ثان من جنسه، أو بأن يكون واحدا مشتملا على أعداد. =========================================================================== [48] لا بتبعيض بدد (23) باطن لا بمداخلة، ظاهر لا بمزايلة (24) متجل لا باشتمال رؤية، لطيف لا بتجسم (25)، فاعل لا باضطراب حركة (26) مقدر لابجول فكرة، مدبر لا بحركة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة، قريب لابمدانات، بعيد لا بمسافة، موجود لابعد عدم. =========================================================================== (23) الصمد: السيد المقصود إليه في الحوائج، وله معان آخر جلها يناسب المقام. والبدد والبدة - كعدد وهرة -: الطاقة. الحاجة. فعلى هذا يكون المعنى: أنه هو السيد المصمود أي المقصود إليه في الحوائج، من دون تبعيض الحاجة. (24) أي كونه تعالى باطنا وظاهرا ليس عبارة عن دخوله في بواطنهم حتى يعرفوها، أو بانتقاله من مكان إلى مكان، بل لخفاء كنهه عن عقولهم وعلمه ببواطنهم وأسرارهم. (25) أي أن تجليه تعالى وظهوره ليس من جهة الرؤية، بل لصنعه، وكذا كونه تعالى لطيفا ليس لكونه جسما له قوام رقيق، أو حجم صغير، أو تركيب غريب وصنع عجيب، بل لعلمه بدقائق الامور وخلقه لها. (26) وفي النهج: (فاعل لا باضطراب آلة). أي لا بتحريك الالات والادوات. =========================================================================== [49] لا تصحبه الاوقات، ولا تتضمنه الاماكن (27) ولا تأخذه السنات (28) ولا تحده الصفات، ولا تقيده الادوات. سبق الاوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله. بتشعيره المشاعر علم أن لا مشعر له (29)، وبتجهيره الجواهر علم أن لاجوهر له (30) وبانشائه البرايا علم أن لا منشأ له، وبمضادته بين الامور عرف أن لاضد له (31) وبمقارنته بين الاشياء علم أن لاقرين له (32) =========================================================================== (27) لحدوث الزمان والمكان وقدمه تعالى. ولتنزيهه عنهما. (28) السنات جمع السنة - بالكسر - وهي النعاس وأول النوم. واكثر ما ها هنا موجود في المختار: (181) من نهج البلاغة، وفيه (ولا ترفده الادوات). (29) يعني بخلقه تعالى المشاعر الادراكية، وافاضتها على الخلق، عرف أن لا مشعر له، اما لانه تعالى لا يتصف بخلقه، واما للزوم الاحتياج والافتقار المنافي لوجوب الوجود والاستغناء، واما لحكم العقل بالمباينة بين الخالق والمخلوق. أو لاجل أن المشاعر وهي الحواس عبارة عن آلات انفعالية عما يمر عليها أو يقارنها أو يتجه إليها فهي متزلزلة دائما متغيرة أبدية، والله تعالى منزه عن التغير والتزلزل. ثم انها من لوازم الاحتياج والله منزه عنه. (30) أي بتحقيق حقائق الجواهر وايجاد ماهياتها عرف انها ممكنة، وكل ممكن محتاج إلى مبدء، فمبدئ المبادئ لا يكون حقيقة من هذه الحقائق. (31) أي عقدة التضاد بين الاشياء دليل على استواء نسبتها إليه تعالى فلاضد له، اذلو كانت له طبيعة تضاد شيئا لاختص ايجاده بما يلائمها لاما يضادها، فلم تكن له أضداد. (32) قيل: المراد من المقارنة هنا المشابهة أي ان المشابهة بين الاشياء في نظام الخلقة دليل على وحدة صانعها، إذ لو كان له شريك لخالفه في النظام الايجادي ! ! ! (نهج السعادة ج 3) (م 4) =========================================================================== [50] ضاد النور بالظلمة، والصرد بالحرور (33) مؤلفا بين متعادياتها، مقاربا بين متبائناتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها، جعلها سبحانه دلائل على ربوبيته، وشواهد على غيبته، ونواطق عن حكمته، إذ ينطق تكونهن على حدثهن، ويخبرن بوجودهن عن عدمهن، وينبئن بتنقلهن عن زوالهن، ويعلن بأفولهن أن لا أفول لخالقهن. وذلك قوله جل ثناؤه: (ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (34). ففرق بين هاتين: قبل وبعد، ليعلم أن لاقبل [له] =========================================================================== (33) الصرد: البرد، قيل هو فارسي فعرب. وفي المختار: (181) من نهج البلاغة: (ضاد النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة، والجمود بالبلل، والحرور بالرصاد. مؤلف بين متعادياتها، مقارن بين متبايناتها، مقرب بين متباعداتها، مفرق بين متدانياتها. لا يشمل بحد ولا يحسب بعد، وانما تحد الادوات أنفسها وتشير [الالات] إلى نظائرها ؟ ! !). (34) الاية (49) من سورة (الذاريات) قيل: الاستشهاد بالاية يحتمل أن يكون اشارة إلى أن التأليف والتفريق والتضاد بين الاشياء واتصافها بصفة التركيب والزوجية والتضايف كلها دلائل على ربوبيته تعالى. وعلى أن خالقها واحد لا يوصف بصفاتها لدلالة خلق الزوجين على المفرق والمؤلف لانه خلق الزوجين من واحد بالنوع، فيحتاج إلى مفرق يجعلهما مفرقين، أو يجعلهما مزاوجين مؤتلفين ألفة لخصوصهما فيحتاج إلى مؤلف يجعلهما مؤتلفين. =========================================================================== [51] ولابعد، شاهد بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، دالة بتفاوتها أن لا تفاوت في مفاوتها (35) مخبرة بتوقيتها أن لاوقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لاحجاب بينه وبينها. ثبت له معنى الربوبية إذ لامربوب، وحقيقة الالوهية ولا مألوه (36) وتأويل السمع ولا مسموع (37) ومعنى العلم ولا معلوم، ووجوب القدرة ولا مقدور عليه. ليس مذ خلق الخلق استحق اسم الخالق، ولا باحداثه البرايا استحق اسم البارئ، فرقها لامن شئ وألفها لا بشئ، وقدرها لا باهتمام. لا تقع الاوهام على كنهه، ولا تحيط الافهام بذاته، ولايوقته (متى) (38) ولا تدنيه (قد) ولا تحجبه (لعل) ولا تقارنه (مع) ولا تشتمله =========================================================================== (35) الغرائز: الطبائع، والمغرز: موجد الغرائز ومفيضها. والمفاوت - على صيغة اسم الفاعل - من جعل بينها التفاوت. (36) وفي بعض النسخ: (إذ لامألوه) أي كان مستحقا للعبودية إذ لا عابد. (37) وانما قال عليه السلام: (تأويل السمع) لانه ليس له تعالى سمع حقيقة، بل سمعه تعالى عبارة عن علمه بالمسموعات. (38) أي ليس له وقت محدود بأول حتى يقال: متى وجد، أو متى علم، أو متى قدر. =========================================================================== [52] (هو) (39). انما تحد الادوات أنفسها (40) وتشير الالة إلى نظائرها، وفي الاشيأ توجد أفعالها، وعن الفاقة تخبر الادوات، وعن الضد يخبر التضاد، والى شبهه يول الشبيه، ومع الاحداث أوقاتها (41) وبالاسمأ تفترق صفاتها، ومنها فصلت قرائنها، واليها آلت أحداثها (42) منعتها (مذ) القدمة، وحمتها (قد) الازلية، ونفت عنها (لولا) الجبرية (43). =========================================================================== (39) (ولا تدنيه قد) يعني لما لم يكن زمانيا لاتدنيه كلمة (قد) التي هي لتقريب الماضي إلى الحال. أو ليس في علمه شدة وضعف حتى تقربه كلمة (قد) التي للتحقيق إلى العلم بحصول شي. ولا تحجبه كلمة (لعل) التي هي لترجى أمر في المستقبل أي لا يخفى عليه الامور المستقبلة، أو ليس له شك في أمر حتى يمكن أن يقول (لعل) ولا تقارنه (مع) أي بأن يقال: كان شي معه أزلا، أو مطلق المعية بنأا على نفي الزمان، أو الاعم من المعية الزمانية أيضا. ولا تشتمله (هو) ولعل اللفظ مصحف والصواب: (لا يشمله حين) أو (لا يشمل بحد) ؟. (40) وفي نهج البلاغة: (وتشير الالات). والمراد بالادوات هنا: آلات الادراك التي هي حادثة وناقصة. وكيف يمكن لها أن تحد الازلي المتعالي عن النهاية في الكمال والجلال. (41) قوله عليه السلام (وعن الفاقة تخبر الادوات) أي يكشف بالالات والادوات عن احتياج الممكنات، وبالضد عن التضاد، وبالتشبية عن شبه الممكنات بعضها من بعض، وبالحدثية يكشف عن توقيتها. (42) القرائن جمع القرينة: المقرونة بآخر. التي تصاحبك وتعاشرك. (43) وفي نهج البلاغة: (منعتها منذ القدمية، وحمتها قد الازلية، وجنبتها لولا التكملة). (مذ) و (قد) و (لولا) كلها مرفوعة محلا على الفاعلية للافعال المتقدمة عليها، (مذ) و (قد) للابتدأ والتقريب، ولا تكونان الافي الزمان المتناهي، وهذا مانع للقدم والازلية، وكلمة لولا مركب من (لو) بمعنى الشرط و (لا) بمعنى النفي، ويستفاد منها التعليق، وهو ينافي الجبرية. هكذا أفاده بعض الافاضل. =========================================================================== [53] افترقت فدلت على مفرقها، وتباينت فأعربت عن مباينها، بها تجلى صانعها للعقول (44)، وبها احتجب عن الرؤية (45)، واليها تحاكم الاوهام، وفيها أثبتت العبرة، ومنها أنيط الدليل (46) [و] بالعقول يعتقد التصديق بالله، وبالاقرار يكون الايمان. لادين الا بمعرفة، ولا معرفة الا بتصديق، ولا تصديق الا بتجريد التوحيد، ولا توحيد الا بالاخلاص، ولا اخلاص مع التشبيه، ولانفي مع أثبات الصفات، ولا تجريد الا باستقصأ النفي كله. اثبات بعض التشبيه يوجب =========================================================================== (44) أي بهذه الالات والادوات التي هي حواسنا ومشاعرنا وبخلقه اياها، وتصويره لنا تجلى للعقول وعرف، ولو لم يخلقها لم يعرف. (45) أي بها استنبطنا استحالة كونه تعالى مرئيا بالعيون، لان بالمشاعر والحواس كملت العقول، وبالعقول استفدنا على أنه تعالى لا تصح رؤيته، فاذن بخلقه الالات والادوات لنا عرفناه عقلا. وفي المختار: (181) من النهج: (وبها امتنع عن نظر العيون...) (46) وفي المحكى عن بعض النسخ: (ومنها انبط الدليل). =========================================================================== [54] الكل ولا يستوجب كل التوحيد ببعض النفي دون الكل. والاقرار نفي الانكار، ولا ينال الاخلاص بشي من الانكار، كل موجود في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه، لا تجري عليه الحركة، ولا يمكن فيه التجزأة ولا الاتصال، وكيف يجري عليه ما هو أجراه ؟ ويعود عليه ما هو ابتداه ؟ ويحدث فيه ما هو أحدثه ؟ إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الازل معناه (47) ولما كان للازل معنى الا معنى الحدث، ولا للبارئ [معنى] الا معنى المبروء (48). لو كان له وراء لكان له أمام (49) ولا التمس =========================================================================== (47) قوله عليه السلام: وإذا لتفاوت ذاته) أي لاختلف ذاته باختلاف الاعراض ولتجزأت حقيقته. وقوله: (لامتنع من الازل معناه) أي لو كان قابلا للحركة والسكون لكان جسما ممكنا لذاته، فكان موصوفا بالحدوث الذاتي، ولم يكن موصوفا ومستحقا للازلية بذاته، فيبطل من الازلية معناه، وهذا وما بعده كالتعليل لما سبق. (48) المبرؤ: المخلوق. المستحدث. (49) وفي المختار: (181) من النهج: (ولكان له ورأ إذ وجد له أمام). وهو أظهر مما ها هنا، وتكون الجمله معطوفة على ما قبلها غير مستأنفة. =========================================================================== [55] التمام إذ لزمه النقصان ! ! ! وكيف يستحق اسم الازل من لا يمتنع من الحدث ؟ وكيف يستأهل الدوام من تنقله الاحوال والاعوام ؟ وكيف ينشئ الاشيأ من لا يمتنع من الاشيأ ؟ (50) إذا لقامت فيه آلة المصنوع (51) ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه، ولاقترنت صفاته بصفات ما دونه، ليس في محال القول حجة، ولافي المسألة عنها جواب (52). المختار الاول من مختار كلام أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب تحف العقول، ص 61 ط ايران، وفي ط ص 43، قال صاحب تحف العقول في ختام الخطبة: [و] هذا مختصر منها. أقول ورواها أيضا السيد الرضي رحمه الله في المختار: (181) من نهج البلاغة بمغايرة قليلة في بعض الالفاظ، وزيادات كثيرة في آخرها عزيزة الوجود في غيرها من سائر خطبه عليه السلام. =========================================================================== (50) وفي المحكي عن بعض النسخ: (من لا يمتنع من الانشأ). (51) يعني لو كان فيه تلك الحوادث والتغيرات لقامت فيه علامة المصنوع، وكان دليلا على وجود صانع آخر غيره، ولاشترك مع غيره في الصفات، فليس في هذا القول المحال حجة، ولافي السؤال عنه جواب، لظهور خطائه لانه إذا يكون ممكنا كسائر الممكنات، وليس بواجب الوجود. (52) المحال - بضم الميم -: المعوج. غير الممكن. الباطل. ما اقتضى الفساد من كل وجه =========================================================================== [56] - 13 - ومن كلام له عليه السلام في بيان ما وهب الله تعالى له من الوصول إلى حقائق الايمان، وتعداد شي من جلال الله وكبريائه جلت عظمته قال سبط ابن الجوزي: روي عطية العوفي، عن ابن عباس قال: سأل رجل أمير المؤمنين [عليه السلام]: هل رأيت ربك ؟ فقال [عليه السلام] أنا أعبد ولا أرى ! ! ! وفي رواية [انه قال]: ما كنت لاعبد ربا لم أراه ! ! ! فقال [السائل]: وكيف رأيته ؟ - أو كيف تراه ؟ - فقال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، وانما تدركه القلوب بحقائق الايمان، قريب من الاشياء غير ملامس بعيد منها غير مبائن، متكلم بغير روية (1) مريد لابهمة، =========================================================================== (1) أي بغير ترو وتفكر فيما يتكلم به، كما هو الشأن في المخلوقين فانهم يتفكرون أولا ثم يتكلمون. =========================================================================== [57] صانع لا بجارحة (2) لطيف لا يوصف بالخفأ، كبير لا ينعت بالجفأ (3) بصير لا [يوصف] بحاسة، رحيم لا [يوصف] بالرقة (4) تعنو الوجوه لعظمته، وتوجل القلوب من مخافته (5). أواخر الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص ص 166. ورواه أيضا السيد الرضي رحمه الله في المختار: (174) من نهج البلاغة. وتقدم أيضا بزيادات كثيرة في المختار (142) من القسم الاول: ج 1، ص 474 ط 1. =========================================================================== (2) الهمة: العزيمة واخطار المطلب بالقلب واحضاره فيه ثم عقد القلب على تحصيله أو الوصول إليه، هذا في المخلوقين الملازمين للجهل والغفلة والسهو والنسيان، واما الخالق فمبرء عن الجهل، وعلمه محيط بجميع الاشيأ فلا يوصف بالهمة والتفكير والتصوير. والجارحة: العضو كاليد والرجل وغيرها. (3) الخفأ كون الشي خفيا عسر الادراك. والجفأ: الغلظة. (4) كذا في المختار: (179) من نهج البلاغة، وفي الاصل: (رحيم لا برأفة أو برقة) (5) وفي النهج: (وتجب القلوب من مخافته). وتعنو: تخضع وتذل. وتجب - من باب وعد - تخفق وتضطرب. =========================================================================== [58] - 14 - ومن كلام له عليه السلام في شهادة المصنوعات على كمال صانعها وتجلي الباري - جلت عظمته - على خلقه من عجائب آثار قدرته وبدائع أنوار تدبيره وحكمته قال في جواهر المطالب: ومن بديع كلامه عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) [21 / الذاريات: 51] قوله: أشهد أن السماوات والارض آيات دالات عليك، تشهد لك بما وصفت به نفسك، وتؤدي عنك حجتك، وتقر لك بالربوبية آثار قدرتك، ومعالم تدبيرك الذي تجليت به لخلقك، فوسمت من معرفتك القلوب بما آنسها من وحشة الفكر، وكفاها رجم الاحتجاج (1) فهي على اعترافها بك شاهد [ة على] أنك لا تحيط =========================================================================== (1) هذا هو الظاهر الموافق لما ذكرناه في المختار: (10) من باب الدعاء من كتابنا هذا، والرجم: التكلم بالظن، ورجم الاحتجاج: الاحتجاج الخيالي والاستدلال الظني. وفي الاصل: (رحم الاحتجاب). =========================================================================== [59] بك الصفات، ولا تدركك الاوهام، وأن حظ الفكر منك الاعتراف بك والتوحيد [لك]. الباب: (66) من كتاب جواهر المطالب الورق 110. أقول: وذكرنا نظيره في المختار: (10، و 62) من باب الدعأ من هذا الكتاب ص 42 وص 274 ط 1. - 15 - ومن كلام له عليه السلام في تقدم خلقة الجن على الانس قال المسعودي: وسئل علي أمير المؤمنين عليه السلام، هل كان في الارض خلق من خلق الله تعالى قبل آدم يعبدون الله تعالى ؟ فقال [عليه السلام]: نعم خلق الله تعالى الارض، وخلق فيها أمما من الجن يسبحونه ويقدسونه لا يفترون (1) وكانوا يطيرون إلى السماء ويلقون الملائكة ويسلمون عليهم ويتعلمون منهم الخير، ويعلمون منهم بخبر ما يجري في السمأ. =========================================================================== (1) أي كانوا غير مقصرين في التسبيح والتقديس. أو كانوا مداومين عليهما غير ساكنين عن حدتهم وجهدهم عليهما. والمعنى. واحد. والفعل من باب نصر وضرب. =========================================================================== [60] ثم ان طائفة من الجن تمردوا وعتوا عن أمر الله عزوجل، وبغوا في الارض بغير الحق، وعلا بعضهم على بعض حتى سفكوا الدمأ، وأظهروا الفساد، وجحدوا الربوبية، وأقام الاخرون المطيعون، على دينهم وعبادتهم وباينوا الذين عتوا عن أمر الله، وكان يصعد إلى السماوات عنها للطاعة (2). كتاب أخبار الزمان - للمسعودي - ص 11. =========================================================================== (2) وبعده في المصدر هكذا: (وخلق الملائكة - كما قدمنا ذكره - روحانيين ذوي أجنحة يطيرون بها حيث صيرهم الله تعالى واسكنهم ما بين أطباق السماوات يسبحونه ويقدسونه لا يفترون، حتى اصطفى الله منهم ملائكة [ظ] فكان أقربهم اسرافيل، ثم ميكائيل، ثم جبرائيل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم اجمعين). أقول: والظاهر انه خلط كلام أمير المؤمنين عليه السلام بكلامه، كما ان الظاهر ان الضمير في قوله: (عنها) راجع وعائد إلى الارض. =========================================================================== [61] - 16 - ومن كلام له عليه السلام في ذكر عناق بنت آدم وأنها كانت أول بغي في الارض من نسل آدم عليه السلام قال المسعودي: ولدت عناق بنت آدم مفردة بغير أخ [ذكر (خ ل)] وكانت مشوهة الخلق، لها رأسان ! ! ! وكان لها في كل يد عشر أصابع، لكل اصبع ظفران كالمنجلين الحادين ! ! ! [وهي التي] ذكرها [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: هي أول بغي بغى في الارض، وعمل الفجور وجاهر بالمعاصي، واستخدم الشياطين، وصرفهم في وجوه السحر. وكان الله عزوجل أنزل على آدم عليه السلام أسمأ تطيعها الشياطين، وأمره أن يدفعها إلى حوأ فتعلقها على نفسها فتكون حرزا لها ففعل ذلك، وكانت حوأ تصونها وتحتفظ بها، فاغتفلتها عناق (1) وهي نائمة =========================================================================== (1) أي ترصدت وانتظرت غفلتها كي تختلسها منها. =========================================================================== [62] فأخذتها واستجلبت الشياطين بتلك الاسمأ، وعملت السحر، وتكلمت بشي من الكهانة، وجاهرت بالمعاصي، وأضلت خلقا كثيرا من ولد آدم عليه السلام، فدعا عليها آدم عليه السلام وأمنت حوأ، فأرسل الله إليها في طريقها أسد أعظم من الفيل، فهجم عليها في بعض المغاور (2) فقتلها ومزق أعظأها وأراح الله آدم وحوأ منها. كتاب أخبار الزمان - للمسعودي - ص 92. =========================================================================== (2) المغاور والمغاورات: جمع المغار - بضم الميم وفتحها - والمغارة - بضم الاول وفتحها -: الكهف. وقد تقدم في المختار: (53) وتاليه من القسم الاول ج 1، ص 184، وتواليها تفضيل قتل عناق. =========================================================================== [63] - 17 - ومن خطبة له عليه السلام في بيان عظمة الله تعالى وما له من صفات الجمال والجلال، وما من به على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكمال عنايته به وبشجرته الطيبة قال المسعودي: وخطب أمير المؤمنين عليه السلام، خطبة في انتقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من آدم [إلى الطيبين من أجداده] إلى أن ولد، فقال: الحمد لله الذي توحد بصنع الاشياء، وفطر أجناس البرايا على غير مثال سبقه في انشائها، ولا اعانة معين على ابتداعها، بل ابتدعها بلطف قدرته، فامتثلت خاضعة لمشيئته (1) متستحدثة لامره، [فهو] الواحد الاحد الدائم بغير حد ولا أمد ولا زوال ولانفاد (2) وكذلك لم يزل ولا يزال. =========================================================================== (1) هذا هو الظاهر من السياق، وفي النسخة: (فامتثلت لمشيئته خاضعة...). وفي المختار (12) من خطب مستدرك النهج للشيخ هادي رحمه الله: (بل ابتدعها بلطف قدرته، خاضعة لمشيئته). (2) كذا في النسخة، عدا أن ما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ من المستدرك، وفيه هكذا: (فهو الواحد بغير حد ولا زوال، والدائم بغير آمد ولانفاد). =========================================================================== [64] لا تغيره الازمنة، ولا تحيط به الامكنة، ولا تبلغ صفاته الالسنة (3) ولا تأخذه نوم ولاسنة (4). لم تره العيون فتخبر عنه برؤيته، ولم تهجم عليه العقول فيتوهم كنه صفته (5) ولم تدر (6) كيف هو الا بما أخبر عن نفسه، ليس لقضائه مرد ولا لقوله مكذب (7). ابتدع الاشياء بغير تفكير، وخلقها بلا ظهير ولاوزير، فطرها بقدرته وصيرها بمشيئته (8) وصاغ أشباحها وبرأ أرواحها واستنبط أجناسها خلقا =========================================================================== (3) وفي نسخة: (ولا تبلغ مقامه الالسنة). (4) هذا هو الظاهر الموافق لما في المستدرك، وفي النسخة: (ولا تأخذه سنة ولانوم). والسنة - بكسر السين - هو الفتور. (5) هذا هو الظاهر الموافق لما في المستدرك، وفي النسخة: (ولم تهجم عنه العقول). (6) أي ولم تدر العقول كيفيته تعالى الا بما أرشدها الله تعالى إليه، وأخبره به عن نفسه. (7) الظاهر ان الثاني أيضا بمعنى الاول وان المراد من القول هو التكويني، وان المراد من عدم المكذب لقوله، هو الحالة التي عليها الاشياء من مطاوعتها لامره وتلونها بلون الانقياد، وقبول أمره التكويني كما هو المراد من قوله تعالى: (انما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون). (8) وفي نسخة: (وصيرها إلى مشيئته). =========================================================================== [65] مبروءا مذروءا (9) في أقطار السماوات والارضين، لم يأت بشئ على غير ما أراد أن يأتي عليه (10) ليري عباده آيات جلاله وآلائه، فسبحانه لا اله الا هو الواحد القهار، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. أللهم فمن جهل فضل محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] فاني مقر بأنك ما سطحت أرضا ولا برأت خلقا حتى أحكمت خلقه وأتقنته من نور سبقت به السلالة، وأنشأت آدم له جرما (11) فأودعته منه قرارا مكينا، ومستودعا مأمونا، وأعذته من الشيطان، وحجبته عن الزيادة والنقصان، وجعلت له الشرف الذي به تسامى عبادك (12) فأي بشر كان مثل آدم =========================================================================== (9) صاغ أشباحها: صور أشباحها. وأراد بالاشباح الاجساد في قبال الارواح. واستنبط أجناسها: اخترعها وأظهرها بعد خفائها في عالم العدم. ومبروءا: مخلوقا غير مسبوق بالمثل. ومذروءا: متشتتا متفرقا. (10) كذا في الاصل، وكأنه اشارة إلى خضوع الممكنات تحت قدرته القاهرة ومشيئته الماضية، وعدم امكان ابائها عنها. (11) الجرم: الجسم، وجمعه الاجرام على زنة الاجسام. أي ان النبي صلى الله عليه وآله، كان هو اللب والروح، وآدم عليه السلام كان كالقشر والجسم له ! ! ! (12) أي علاهم وفاقهم أو باراهم وفاخرهم بما أودعت فيه من نور النبي صلى الله عليه وآله وسلم (نهج السعادة ج 3) (م ه) =========================================================================== [66] - فيما سقت الاحبار (13) وعرفتنا كتبك - في عطاياك ؟ أسجدت له ملائكتك وعرفته ما حجبت عنهم من علمك إذ تناهت به قدرتك وتمت فيه مشيتك (14) دعاك بما أكننت فيه فأجبته أجابة القبول (15). فلما أذنت - اللهم - في انتقال محمد صلى الله عليه وآله وسلم من صلب آدم، ألفت بينه وبين زوج خلقتها له سكنا (16) ووصلت لهما به سببا فنقلته من بينهما إلى (شيث) اختيارا له بعلمك، فأي بشر كان اختصاصه برسالتك. ثم نقلته إلى (أنوش) (17) فكان خلف أبيه في قبول كرامتك واحتمال رسالتك. =========================================================================== (13) كذا في الاصل. (14) من جعله خليفة في الارض ومستودعا لنور النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (15) أي دعاك بالذي أضمرت فيه واستودعته وجعلته كالوعاء والغلاف له. والظاهر انه اشارة إلى ما رواه في الدر المنثور، في تفسير قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) [37 / البقرة] من انه سأله بحق محمد وآل محمد فأجابه الله تعالى وقبل توبته. ورواه أيضا في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: ج 1، ص 419 ورواه ايضا في الباب (23) من كفاية الطالب والباب (107) من غاية المرام ص 393 ورواه أيضا في الغدير: ج 7 ص 300 ط 2. (16) أي لاجل أن يسكن ويطمئن إليها ويستريح بها. (17) قال في مادة: (أوش) من تاج العروس: ومما يستدرك على المصنف (انوش) - كصبور - ابن شيث بن آدم، وهو أبو قينان، وقد ذكره المصنف في مادة (قين) ومعناه الصادق. ويقال: يانش كصاحب وآدم. ويقال: أنوش - بكسر الهمزة - بمعنى انسان. (*) =========================================================================== [67] ثم قدرت نقل النور إلى (قينان) (18) وألحقته في الحظوة بالسابقين، وفي المنحة بالباقين (19). ثم جعلت (مهلائيل) رابع أجرامه قدرت [أن] تودعها من خلقك في من له سهم النبوة وشرف الابوة (20) حتى تناهيى تدبيرك إلى (أخنوخ) (21) فكان أول من =========================================================================== (18) قال في مادة: (قان) من تاج العروس: قينان - بلا لام - [هو] قينان بن أنوش ابن شيث بن آدم عليه السلام وهو الجد السابع والاربعون لسيدنا رسول الله صلى الله عليه ومعناه المسوي... (19) التقدير - في امثال المقام - عبارة عن التدبير وجعل الاسباب على وجه معين وتهيئة العلل على أسلوب خاص يتولد منها المعلول والمسبب على وفق ما أراده المدبر، وفي المقام لما كان (قينان) مرضيا عند الله وأراد الله أن يشرفه لاجل قيامه بوضائف العبوديية وخضوعه وانقياده لمقام الربوبية جعل الله تعالى وضع التناسل والتوالد على كيفية ينتقل نور النبي صلى الله عليه وآله وسلم من (أنوش) إلى (قينان) لا الى غيره. والحظوة - بضم الاول وكسره: المكانة المنزلة. والمحنة - بكسر الميم -: العطية، واجمع المنح. (20) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي الاصل: (وقدرة تودعها من خلقك في من لهم سهم النبوة وشرف الابوة...) (21) قال في التاج - مزجا بكلام القاموس -: خنوخ - كصبور - أو هو أخنوخ - بالفتح. كما في النسخ، وضبطه شيخنا بالضم أجرأا له على أوزان العرب وان كان أعجميا - اسم سيدنا ادريس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. والذي صدر به المصنف هو القول المشهور وعليه الاكثر، كما أشار إليه ابن حجر، ومن لغاته أخنخ بضم الهمزة وحذف الواو، وأهنوخ وأهنخ وأهنوح. وذكره أيضا في مادة: (درس) وقال - بتخليص منا -، ادريس النبي ليس مشتقا من الدراسة لانه أعجمي واسمه خنوح كصبور. وقيل: بفتح النون. وقيل: بل الاولى مهملة... ولد قبل موت آدم بمأة سنة، وهو الجد الرابع والاربعون لسيدنا رسول الله صلى الله عليه... =========================================================================== [68] جعلت من الاجرام ناقلا للرسالة وحاملا لاعبأ النبوة (22). فتعاليت يا رب، لقد لطف علمك وجلت قدرتك عن التقسير الا بما دعوت إليه من الاقرار بربوبيتك. وأشهد أن الاعين لا تدركك، والاوهام لا تلحقك، والعقول لاتصفك، والمكان لا يسعك، وكيف يسع المكان من خلقه وكان قبله ؟ أم كيف تدركه الاوهام ولانهاية له ولاغاية ؟ ! ! وكيف يكون له نهاية وغاية وهو الذي ابتدأ الغايات والنهايات ؟ أم كيف تدركه العقول ولم يجعل لها سبيلا إلى ادراكه، وكيف يكون لها سبيل إلى ادراكه وقد لطف عن المحاسة والمجاسة (23) وكيف لا يلطف عنهما من لا ينتقل عن حال إلى حال وقد جعل الانتقال نقصا وزوالا. =========================================================================== (22) الاغبأ: جمع العب - بكسر العين -: الثقل، وأيضا يجي الاعبأ جمعا للعب - بفتح العين -: المثل والنظير. (23) المحاسة كأنها مأخوذة من قولهم: (محس الدباغ الجلد - من باب منع - محسا): دلكه ليلين ودبغه. والمجاسة: المس أو تحديد النظر إلى الشي كي يتبينه. فالكلام مسوق لتنزيهه تعالى عن كونه جسما وعن مشابهة الاجسام والجسمانيات. =========================================================================== [69] فسبحانك ملات كل شي، وباينت كل شي فأنت الذي لا يفقدك شي، وأنت الفعال لما تشأ تباركت [وتعاليت] (24). يا من كل مدرك من خلقه (25) وكل محدود من صنعه، أنت الذي لا تستغني عنك المكان والزمان، ولا نعرفك الا بانفرادك بالوحدانية والقدرة. سبحانك (26) ما أبين اصطفاؤك لادريس على سائر خلقك من العالمين، لقد جعلت له دليلا من كتابك إذ سميته (صديقا نبيا، ورفعته مكانا عليا) (27) وأنعمت عليه نعمة حرمتها على خلقك - الا من نقلت إليه نور الهاشميين - وجعلته أول منذر من أنبيائك. (الهامش) (24) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (تبارك). وما بين المعقوفين أيضا زيادة تقتضيها السياق، وقوله: (لا يفقدك شي) - من باب ضرب -: لا يغيب عنك شي، أو لا يعدمك شي. أو من باب افعال يقال: أفقده الشي: أعدمه أياه. (25) كل مدرك: كل ما يدرك ويشاهد. وكل محدود: كل مخلوق أو كل موجود. (26) وفي النسخة: (وسبحانك) والظاهر أن الواو زائدة. (27) اشارة إلى قوله تعالى في الاية: (55 - 57) من سورة مريم: (واذكر في الكتاب ادريس انه كان صديقا نبيا، ورفعناه مكانا عليا). =========================================================================== [70] ثم أذنت في انتقال نور محمد - [صلى الله عليه وآله وسلم] من القابلين له (متوشلخ) و (لمك) المفيضين به (28) - إلى نوح، فأي آلائك يا رب لم توله، وأي خواص كرامتك لم تعطه. ثم أذنت في ايداعه (ساما) دون (حام) و (يافث) فضربت لهما بسهم الذلة، وجعلت ما أخرجت بينهما لنسل (سام) خولا (29). ثم تتابع عليه القابلون - من حامل إلى حامل ومستودع إلى مستودع من عترته (30) في فترات الدهور، حتى قبله (تارخ) أطهر الاجسام وأشرف الاجرام، ونقلته منه إلى ابراهيم (31) فأسعدت بذلك جده وأعظمت به مجده وقدسته في الاصفيأ، وسميته دون رسلك خليلا. =========================================================================== (28) وفي نسخة: (المفضين به). (29) الخول - على زنة الجبل -: الخدم. العبيد والامأ. (30) الضمير راجع إلى نوح أو إلى سام عليهما السلام. (31) هذا أحد الشواهد لما ندعيه نحن معاشر الامامية من ان آبأ الانبياء موحدون وأن آزر لم يكن أبا خليل الله ابراهيم عليه السلام وانما كان عمه واطلاق الاب على العم شائع في اللغة العربية. =========================================================================== [71] ثم خصصت به اسماعيل دون [سائر] ولد ابراهيم (32) فأنطقت لسانه بالعربية التي فضلتها على سائر اللغات، فلم تزل تنقله [محظورا عن الانتقال في كل مقذوف] (33) من أب إلى أب حتي قبله (كنانة) عن (مدركة) فأخذت له مجامع الكرامة (34) ومواطن السلامة، وأحللت له البلدة التي قضيت فيها مخرجه. فسبحانك لا اله الا أنت، أي صبب أسكنته فيه لم ترفع ذكره (35) وأي نبي بشر به فلم تتقدم في الاسمأ اسمه، وأي ساحة من الارض سلكت به لم يظهر بها قدسه، حتى الكعبة التي جعلت منها مخرجه، غرست أساسها بياقوتة من جنات عدن، وأمرت الملكين المطهرين: جبرئيل وميكائيل، فتوسطا بها أرضك، وسميتها بيتك، واتخذتها معبدا لنبيك وحرمت وحشها =========================================================================== (32) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق. (33) ما بين المعقوفين غير موجود في ط النجف من كتاب أثبات الوصية، وانما هو مأخوذ من ط ايران. (34) كذا في الاصل، وفي المستدرك: (تأخذ له بمجامع الكرامة). (35) وفي ط النجف: (ولم ترفع ذكره). =========================================================================== [72] وشجرها، وقدست حجرها ومدرها ! ! ! وجعلتها مسلكا لوحيك (36) ومنسكا لخلقك ومأمن المأكولات (37) وحجابا للاكلات العاديات تحرم على أنفسها اذعار من أجرت (38). ثم أذنت للنظر في قبوله وايداعه مالكا، ثم من بعد مالك فهرا، ثم خصصت من ولد فهر غالبا، وجعلت كل من تنقله [إليه] أمينا لحرمك (39) حتى إذا قبله لؤي بن غالب آن له حركة تقديس، فلم تودعه من بعده صلبا الا جللته نورا تأنس به الابصار (40) وتطمئن إليه القلوب. =========================================================================== (36) وفي نسخة: (لوجهك). (37) المأكولات: ما من شأنها أن يكسر ويؤكل، ويرادبها - هنا - المستضعف من الحيوان سوأ كان ناطقا أم صامتا. (38) كذا في النسخة، والاذعار: الافزاع والاخافة. و (من أجرت) أي من جعلته أجيرا لك وضمنت له ايفأ حقه وأن لا يهضم. وفي نسخة بدلها هكذا: (إذا هاد من أجرت). والظاهر أن (عاد) مصحف (عاذ) أي إذا عاذ ببيتك من أجرته وأمنته، فعياذه بالبيت حجاب بينه وبين من يريد التوثب عليه وهضمه وأكله. (39) الطاهر أن المراد به هو حرم مكة المكرمة. (40) أي تسكن إليه وتألف به فلا ترفع عنه كلما وقعت عليه. والفعل من باب علم وضرب وشرف. =========================================================================== [73] فأنا يا الهي وسيدي ومولاي المقر لك بأنك الفرد الذي لا ينازع ولا يغالب ولا يجادل ولايشارك، سبحانك سبحانك لا اله الا أنت. ما لعقل مولود وفهم معقود - مدحو من ظهر مزيج بمحيض لحم وعلق در إلى فضالة الحيض (41) وعلالات الطعم وشاركته الاسقام والتحفت عليه الالام، [و] لا يمتنع من قيل (42) ولا يقدر على فعل، ضعيف التركيب والبنية ماله - والاقتحام على قدرتك ؟ والهجوم على ارادتك ؟ وتفتيش ما لا يعلمه غيرك ؟ ! ! سبحانك أي عين تصب نورك وترقى إلى ضيأ =========================================================================== (41) قوله: (ما لعقل) مبتد، وقوله - الاتى -: (ماله) بدل له، وقوله: (والاقتحام خبر. و (مدحو): مدفوع. أو منبسط من قولهم: (دحا المطر الحصى - من باب دعا - دحوا) دفعها. أو (ادحوى ادحوأ): انبسط. والمزيج: الممزوج. والعلق - كفلك -: الدم -. والوحداة: علقة. و (فضالة الحيض): بقيته. وفي بعض النسخ هكذا: (ما لعقل مولود، وفهم مفقود [كذا] مدحو من ظهر مريج نبع من غير شبح بمحيض لحم وعلق در إلى فضالة الحيض...). (42) لعله اراد منه الفتور والضعف العارض عليه قهرا من قولهم: (قال زيد - من باب باع - قيلا وقائلة وقيلولة ومقالا ومقيلا): نام في القائلة أي منتصف النهار كي يدفع عنه أو يخفف عنه الفتور العارض. =========================================================================== [74] قدرتك ؟ (43) وأي فهم يفهم ما دون ذلك ؟ الا بصائر كشفت عنها الاغطية، وهتكت عنها الحجب العمية، وفرقت أرواحها إلى أطراف أجنحة الارواح (44) فتأملوا أنوار بهائك، ونظروا من مرتقى التربة الى مستوى كبريائك (45) فسماهم أهل الملكت زوارا، ودعاهم أهل الجبروت أغمارا ! ! ! (46). فسبحانك يامن ليس في البحار قطارت - ولافي متون الارض جنات، ولافي رتاج الرياح حركات، ولافي قلوب العباد خطرات، ولافي الابصار لمحات (47) ولا على متون =========================================================================== (43) وفي بعض النسخ: (أي عين تقوم قصب بها نورك. (44) كذا في الاصل، فان صح فمعناه: فزعت والتجأت. ويمكن أن يكون الاصل: (فرقت) أي صعدت وارتفعت. وعليه فالفأ ليست جزا للكلمة، والواو أيضا من زيادات الكتاب سهوا أو غفلة. (45) مرتقى التربة: موضع الارتقأ منها. ومستوى الكبريأ. مركز آيات العظمة ومجمع تجلي الكبريأ والجلالة. (46) أهل الملكوت: الملا الاعلى. وأهل الجبروت هم الذين ركنوا إلى عالم الطبيعة، ولم يرتقوا من أفق الجهل إلى فضأ العلم. والاغمار: جمع الغمر - بتثليث الاول وسكون الميم -: الجاهل. غير المجرب للامور. (47) كأن المراد من (رتاج الرياح) هيجانها أو دوامها واطباقها. و (لمحات): جمع لمحة: النظرة. =========================================================================== [75] السحاب نفحات - الا وهي قي قدرتك متحيرات ! ! ! أما السمأ فتخبر عن عجائبك، وأما الارض فتدل على مدائحك، وأما الرياح فتنشر فوائدك، وأما السحاب فتهطل مواهبك (48) وكل ذلك يحدث بتحننك، ويخبر أفهام العارفين بشفقتك ؟ ! ! وأنا المقر بما أنزلت على ألسن أصفيائك. وان أبانا آدم [عليه السلام] (49) عند اعتدال نفسه وفراغك من خلقه رفع وجهه فواجهه من عرشك رسم (50) فيه: (لا اله الا الله، محمد رسول الله). فقال: الهي من المقرون باسمك ؟ فقلت: [هو] محمد خير من أخرجته من صلبك واصطفيته بعدك من ولدك، ولولاه ما خلقتك ! ! ! =========================================================================== (48) يقال: (هطل المطر - من باب ضرب - هطلا وهطلانا وتهطالا): نزل متتابعا متفرقا عظيم القطر. والمواهب العطايا. (49) هذا ما صوبناه بعد التروي في السياق، وفي الاصل هكذا: (أو أبان آدم (ع) عند اعتدال نفسه...). (50) الرسم: الاثر. الخط. الكتاب. =========================================================================== [76] فسبحانك لك العلم النافذ، والقدر الغالب، لم تزل الابأ تحمله والاصلاب تنقله، كلما أنزلته ساحة صلب جعلت له فيها صنعا يحث العقول على طاعته، ويدعوها إلى متابعته (51) حتى نقلته إلى هاشم خير آبائه بعد اسماعيل، فأي أب وجد ووالد أسرة ومجتمع عترة (52) ومخرج طهر ومرجع فخر جعلت - يا رب - هاشما، لقد أقمته لدن بيتك وجعلت له المشاعر والمتاجر (53). ثم نقلته من هاشم إلى عبد المطلب، فأنهجته سبيل ابراهيم، وألهمته رشد التأويل وتفصيل الحق، ووهبت له عبد الله وأبا طالب وحمزة، وفديت في القربان بعبد الله كسمتك (54) في أبراهيم باسماعيل، ووسمت في بأبي طالب في ولده (55) كسمتك في اسحاق، =========================================================================== (51) هذا هو الصواب، وفي الاصل تصحيف فاحش. (52) كذا في نسختين من الاصل، ولا يبعد أن الاصل كان هكذا: (ومجمع عترة) فصحف. (53) كذا في الاصل. (54) السمت - كفلس -: الطريق والمنهاج. (55) كذا في الاصل، ولعل الصواب: (وسمت في) ؟ =========================================================================== [77] لتقديسك عليهم وقتديم صفوة لهم فلقد بلغت - يا الهي - ببني طالب الدرجة التي رفعت إليها فضلهم في الشرف الذي مددت به أعناقهم، والذكر الذي حليت به أسمأهم وجعلتهم معدن النور وجنته، وصفوة الدين وذروته، وفريضة الوحي وسنته (56). ثم أذنت لعبد الله في نبذه (57) عند ميقات تطهير أرضك من كفار الامم: الذين نسوا عبادتك وجهلوا معرفتك واتخذوا [لك] أندادا، وجحدوا ربوبيتك وأنكروا وحدانيتك، وجعلوا لك شركا وأولادا، وصبوا إلى عبادة الاوثان (58) وطاعة الشيطان، فدعاك نبينا صلوات الله عليه لنصرته، فنصرته بي وبجعفر وحمزة، =========================================================================== (56) الجنة - بفتح الجيم -: الفردوس. الحديقة. وبكسر الجيم: زهر النبات ونوره ومن الشاب أوله. والذروة - بكسر الذال -: العلو والرفعة. (57) كذا في الاصل، فان لم يك مصفحا فمعناه: ثم أذنت لعبد الله أبي النبي في توليده ونقله من صلبه إلى مستقره ثم إلى الخارج. ويتحمل أيضا أن يكون من باب قوله تعالى: (واما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوأ). يقال: (نبذ إلى العدو - من باب ضرب - نبذا): رمى إليه بالعهد، وجاهره بالحرب. (58) أي مالوا إلى عبادة الاوثان، يقال: (صبا الرجل - من باب دعا - صبوا وصبوا). مال إلى الصبوة أي غمرة الصبيان فهو صاب. (*) =========================================================================== [78] فنحن الذين اخترتنا له، وسميتنا في دينك - لدعوتك - أنصارا لنبيك قائدنا إلى الجنة [و] خيرتك وشاهدنا. أنت - رب السماوات والارضين - جعلتنا ثلاثة ما نصب له عزيز الا أذللته بنا، ولاملك الا طحطحته بنا (59) (أشدأ على الكفار رحما بينهم تراهم ركعا سجدا) (60) وصفتنا يا ربنا بذلك، وأنزلت فينا قرآنا، جليت به عن وجوهنا الظلم، وأرهبت بصولتنا الامم. إذا جاهد محمد رسولك عدوا لدينك تلوذ به أسرته، وتحف به عترته كأنهم النجوم الزاهرة إذا توسطهم القمر المنير ليلة تمه ! ! ! فصلواتك على محمد عبدك ونبيك وصفيك وخيرتك وآله الطاهرين، أي منيعة لم =========================================================================== (59) كذا في النسخة، يقال: (طحطح زيد عدوه). كسره. وطحطح القوم وبالقوم: بددهم وأهلكهم. وفي المختار: (36) من باب الوصايا من كتابنا هذا: ج 7 ص 319: (اللهم انك شهيد - وكفى بك شهيدا - أني بايعت رسولك وحجتك في أرضك محمد [صلى الله عليه وسلم] أنا وثلاثة من أهل بيتي على أن لا ندع لله أمرا الا عملناه، ولا ندع له نهيا الا رفضناه، ولاوليا الا أحببناه، ولاعدوا الا عاديناه، ولا نولي ظهورنا عدوا، ولانمل عن فربضة ولانرداد لله ولرسوله الانصحية). (60) اقتباس من الاية (29) من سورة الفتح. =========================================================================== [79] تهدمها دعوته ؟ وأي فضيلة لم تنلها عترتة ؟ جعلتهم خير أئمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويجاهدون في سبيلك ويتواصون بدينك (61) تشهد لهم وملائكتك أنهم باعوك أنفسهم وابتذلوا من هيبتك أبدانهم [كذا] شعثة رؤسهم، تربة وجودههم، تكاد الارض من طهارتهم أن تقبضهم إليها ! ! ! ومن فضلهم أن تميد بمن عليها (62) رفعت شأنهم بتحريم أنجاس المطاعم والمشارب، فأي شرف يا رب جعلته في محمد وعترته ؟ ! ! فوالله لاقولن قولا لا يطيق أن يقوله أحد من خلقك: أنا علم الهدى، وكهف التقى، ومحل السخأ، وبحر الندى وطود النهى، ومعدن العلم، والنور في ظلم الدجى، وخير من أمر واتقى، وأكمل من تقمص =========================================================================== (61) كذا في مستدرك النهج - للشيخ هادي رحمه الله - والاصل المأخوذ منه ها هنا مشوش اللفظ هكذا: (ويتواصلون بدينك، طهرتهم بتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل ونسك به لغير الله). (62) يقال: (مادت الارض بالخلق - من باب باع - ميدا وميدانا): دارت وتحركت. =========================================================================== [80] وارتدى، وأفضل من شهد النجوى بعد النبي المصطفى (63) وما أزكي نفسي، ولكن أحدث بنعمة ربي. أنا صاحب القبلتين، وحامل الرايتين فهل يوازي بي أحد ؟ (64) وأنا أبو السبطين فهل يساوي بي بشر ؟ وأنا زوج خير النسوان فهل يفوقني رجل ؟. أنا القمر الزاهر - بالعلم الذي علمني ربي - والفرات الزاخر، أشبهت من القمر نوره وبهأه، ومن الفرات بذله وسخأه. أيها الناس بنا أنار الله السبل، وأقام الميل (65) و عبد الله في أرضه، وتناهت إليه معرفة خلقه (66) وقدس الله جل وتعالى بابلاغنا الالسن (67) وابتهلت =========================================================================== (63) أي أنا بعد النبي المصطفى علم الهدى وكذا وكذا... (64) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: (فهل يوازي في أحد). (65) الميل: الاعوجاج والانحراف. (66) يقال: (تناهى الشي تناهيا): بلغ نهاينته. و (تناهى المأ: وقف وسكن. و (تناهى الخبر): بلغ. (67) أي أن الالسن نطقت بتقديس الله تعالى بتبليغنا وبياننا لها تقديس الله جل وعلا. وابتهلت: تضرعت وخشعت... =========================================================================== [81] بدعوتنا الاذهان. فتوفى الله محمدا صلى الله عليه وآله سعيدا شهيدا هاديا مهديا، قائما بما استكفاه، حافظا لما استرعاه، تمم به الدين، وأوضح به اليقين، وأقرت العقول بدلالته، وأبان [به] حجج أنبيائه، فاندمغ الباطل زاهقا (68) ووضح العدل ناطقا، وعطل مظان الشيطان (69) وأوضح الحق والبرهان (70). اللهم فاجعل فواضل صلواتك ونوامي بركاتك ورأفتك ورحمتك على محمد نبي الرحمة، وعلى أهل بيته الطاهرين. اثبات الوصية، ص 100 - 105، ط 1 النجف، وقريبا منه ذكره الشيخ هادي رحمه الله في المختار (12) من باب خطب مستدرك النهج ص 33. =========================================================================== (68) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: (وأبانت حجج أنبيائه واندمغ الباطل زاهقا). و (اندمغ الباطل زاهقا): انكسر مضمحلا غير باق، يقال: (دمغ الحق الباطل - من باب نصر ومنع - دمغا): قهره. أبطله ومحقه. (69) مظان الشي: المحل الذي يظن وجوده فيه. (70) كذا في النسخة، ولعل الاظهر: (وأوضح الحق بالبرهان). (نهج السعادة ج 3) (م 6) =========================================================================== [82] - 18 - ومن خطبة له عليه السلام في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصلاة عليه قال سبط ابن الجوزي: أخبرنا عبد الله بن أبي المجد الحربي، أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك أخبرنا أبو الفتح أحمد بن محمد الحداد، أخبرنا أبو بكر بن أحمد [بن] علي بن ابراهيم ابن منحويه، أخبرنا محمد بن اسحاق، أخبرنا عبد الله بن سليمان بن الاشعت، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عباد ابن الحبيب بن المهلب بن أبي صفرة، عن مجالد: عن سعيد بن عمير، قال: خطب أمير المؤمنين [عليه السلام] يوما فقال: الحمد لله داحي المدحوات، وداعم المسموكات (1) وجابل القلوب على فطرتها (2) شقيها وسعيدها، وغويها ورشيدها. =========================================================================== (1) الداحي: الباسط. والمدحوات: المبسوطات كالارض والجبال وغيرهما من الاجرام المنبسطة. وداعم المسموكات أي حافظها عن الميل وجعلها ذات عماد كي لاتزول عن محالها ومجاريها، والمسموكات: الاجرام العلوية المرفوعة. (2) جابل القلوب على فطرتها: خالقها على طبيعتها الساذجة الخالية عن كل نقش. وقوله: (شقيها وسعيدها...) بدل عن القلوب. =========================================================================== [83] اللهم واجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك (3) على سيدنا محمد عبدك ورسولك وحبيبك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق (4) المعلن [الحق] بالحق، الناطق بالصدق، الدافع جيشات الاباطيل (5) والدامغ هيشات الاضاليل (6) فاضطلع قائما بأمرك مستوفزا في مرضاتك (7) غير ناكل في قدم ولا وان في عزم (8) مراعيا لعهدك محافظا لودك (9) حتى أورى قبس القابس، وأضأ الطريق للخابط (10) وهدي به =========================================================================== (3) أي صلواتك الشريفة السامية، وبركاتك النامية الزاكية. والشرائف: جمع الشريفة. والنوامي: جمع النامية. (4) أي الخاتم لما سبقه من الشرائع والنبوات، والفاتح لما أغلقه المبطلون من أبواب السعادات أو القلوب المقفلة بغلق التلبيسات والشبهات. (5) جيشات: جمع جيشة - بفتح فسكون - من قولهم: (جاشت القدر): ارتفع غليانها. والاباطيل: جمع باطل على غير قياس. (6) كذا في الاصل، وفي النهج: (والدامغ صولات الاضاليل). (7) فضطلع: نهض قويا. و (مستوفزا): مسارعا مستعجلا. (8) الناكل: الناكص والمتأخر. وفي النهج: (غير ناكل عن قدم...). (9) وفي النهج: (واعيا لوحيك حافظا على عهدك، ماضيا على نفاذ أمرك حتى أورى...). (10) أورى: استخرج وأظهر. والقبس: شعلة النار. والقابس: طالب النار. والخابط: الذي يسير ليلا على غير جادة. والكلام كناية وتمثيل لما مهده رسول الله صلى الله عليه وآله من مشعل الهداية والمحجة الواضحة للسالكين. =========================================================================== [84] الناس بعد خوض الفتن والاثام، والخطب في عشو [أ] الضلام (11). وأنارت نيرات الاحكام ارتفاع الاعلام (12) فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وحجتك على العالمين، وبعيثك بالحق (13) ورسولك إلى الخلق. اللهم فافسح له مفسحا في ظلك (14)، واجزاه بمضاعفات الخير من فضلك (15). اللهم اجمع بيننا وبينه في برد العيش، وقرار النعمة، =========================================================================== (11) (والحبط في عشو الظلام): السير في الظلمات على غير جادة بضعف بصر وعلى غير بصيرة. وفي نهج البلاغة: (وهديت به القلوب بعد خوضات الفتن، وأقام موضحات الاعلام، ونيرات الاحكام). (12) كذا في الاصل، فان صح ولم يكن مصحفا فمعناه: أي وهدي به الناس بعد ما أنارت نيرات أحكام الله الدنيا، وتمركزت وارتفع ضوؤها كارتفاع الجبال الراسية المرتفعة إلى أعنان السماء. (13) شهيد - ها هنا - بمعنى شاهد. وبعيث بمعنى مبعوث، ومجي فعيل بمعنى فاعل تازة وبمعنى مفعول أخرى أمر شائع فيى العربية. (14) أي فأوسع له مكانه في دار كرامتك ومنزلتك في جنب منزلة خيرتك سعة تسعها عنايتك به وألطافك عليه. والظل - هنا - كناية عن اللطف والمرحمة والاحسان والتكرمة. (15) وبعده في نهج البلاغة هكذا: (اللهم أعل على بنأ البانين بنأه، وأكرم لديك منزلته وأتمم له نوره وأجزه من ابتعائك له مقبول الشهادة، ومرضي المقالة، ذا منطق عدل وخطة فصل. =========================================================================== [85] ومنتهى الرغبة، ومستقر اللذة، ومنتهى الطمأنينة، وأرجأ الدعة، وأفنأ الكرامة (16). المختار الرابع من كلامه عليه السلام في الفصل السادس، من كتاب تذكرة الخواص ص 136. ورواه أيضا السيد الرضي رحمه الله في المختار: (69) من نهج البلاغة، وقطعة منه رواها في ذيل المختار: (102) منه. ورواه أيضا ابراهيم بن محمد الثقفي رحمه الله في الحديث: (85) من الغارات ج 1، ص 158، عن أبي سلام الكندي قال: كان علي عليه السلام يعلمنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم [و] يقول قولوا: اللهم داحي المدحوات. =========================================================================== (16) كذا في الاصل، وفي النهج: (اللهم اجمع بيننا وبينه في برد العيسش، وقرار النعمة ومني الشهوات وأهوأ اللذات، ورخاء الدعة، ومنتهى الطمأنينة وتحف الكرامة). أقول: برد العيش كناية عن حلاوته الملازمة للسكون والهدوء ووفور النعمة. وقرار النعمة: دوامها. وأرجأ الدعة: نواحبها. وهو جمع الرجاء - مقصورا أو ممدودا - وأفناء الكرامة: ساحاتها ومحالها. وكأنه جمع فنأ - بكسر الفاء -: الساحة أمام المسكن. =========================================================================== [86] - 19 - ومن كلام له عليه السلام في تصويره عليه السلام الدنيا بصورة مثالية في صورة عجوز شوهأ مطلقة بثلاث تطليقات وابلاسها من الوصال والرجوع إليها جمال المفسرين الشيخ أبو الفتوح الرازي الخزاعي رحمه الله قال: أتى ضرار ابن عبد الله الضبي (1) - بعد وفات أمير المؤمنين عليه السلام - معاوية، فقال له: يا ضرار ما فعل أبو تراب ؟ قال: كان عبدا لله فدعاه فأجابه ! ! ! فقال يا ضرار صف لي بعض أخلاقه. قال: اعفني عن ذلك ! ! ! قال: لابد من ذلك. قال ضرار: إذا فاسمع: كان والله أول من لبى وكبر، وأفضل من تقمص واعتجز (2) وأكرم من ناجى ربه وسهر، وأعلم من قرب ونحر، وأجود من تصدق بأبيض وأصفر، وخير من أقبل وأدبر بعد محمد سيد البشر ! ! ! قال معاوية: زدني يا ضرار. فقال ضرار: =========================================================================== (1) كذا في الاصل، وفي المختار: (77) من الباب الثالت من نهج البلاغة (ضرار بن حمزة الضبائي). وفي الاستيعاب: (ضرار الصدائي). وفي عنوان: (قطعة من الاخبار المروية في ايجاب ولاء أمير المؤمنين وشي من أخبار زهده...) من كتاب الخصائص - للسيد الرضي - ص 40 ط 2: ذكروا أن ضرار بن ضمرة الضبابي دخل على معاوية بن أبي سفيان وهو بالموسم فقال له: صف [لي] عليا... (2) تقمص: لبس القميص. واعتجز: لبس المعجر - كمنبر -: العمامة. =========================================================================== [87] كان والله شديد القوى، بعيد المدى يقول فصلا (3) ويحكم عدلا، تنفجر الحكمة من جوانبه، وينطلق العلم من نواحيه ! ! ! لا يطمع القوي في باطله ولايؤيس الضعيف من عدله (4)، وكان والله يجيبنا إذا سألنا [ه] ويبدينا أذا أتينا [ه] ويلبينا إذا دعوناه ! ! ! وكان فينا كأحدنا ! ! ! وكان مع قربه بنا وتقربه الينا لا نكلمه هيبة ولا نبتديه جلالة ! ! ! وأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله (5) قابضا على لحيته يتململ تململ السليم (6) ويبكي بكأ الحزين يناجي ربه ويعاتب نفسه ويقول: يا دنيا [يا دنيا اليك عني] أبي تعرضت ؟ (7) أم بي تشوفت ؟ (8) هيهات هيهات لاحان حينك (9) =========================================================================== (3) المدى - بفتح الميم -: المنتهى والغاية أي كان عليه السلام في منتهى الكمال وغاية العظمة والجلال لايجاريه فيها أحد. و (يقول فصلا) أي يقول قولا يفصل بين الحق والباطل أو يفصل كل واحد من المتخاصمين عن الاخر بحل عويصتهم وتنجيز القضأ بينهم. (4) أي كان عليه السلام لا يسلس قياده للقوي المائل بقوته إلى الزور والباطل كي يطمع في باطله ويتمادى في غيه لهظم حقوق الضعفأ. وكان عليه السلام باقباله على سماع حجة الضعيف وخفض جناحه له واهتمامه باحقاق حقه لايؤيسه من عدله. (5) سدول الليل: حجب ظلامه. (6) يتململ: يضطرب ويتقلب من غم أو مرض. والسليل - كعليل - الملدوغ من حية أو نحوها. (7) مابين المعقوفين مأخوذ من نهج البلاغة. و (اليك عني): بعد نفسك مني ووار شخصك عني. (أبي تعرضت): أتصديت لي ؟ وطلبت وصلي ؟ (8) كذا في ترجمة ضرار من تاريخ دمشق، وفي رواية أخرى منها وكذا في جل الطرق والمصادر: (ألي تشوقت ؟) بالقاف. وفي النسخة الموجودة عندي من روض الجنان (أم بي تسوفت) بالسين المهملة والفأ، ولم يحضرني للكلمة معنى يلائم السياق، وكأنها مصحفة. والتشوف - بالشين المعجمة ثم الواو ثم الفأ -: التزين والتصقيل والتجلية. والتشوق - بالقاف -: اظهار الحنان والشوق الشديد. =========================================================================== [88] غري غيري [لا حاجة لي فيك] قد أبنتك ثلاثا لارجعته لي اليك ! ! ! (10) فعمرك قصير، وعيشك حقير وخطرك يسير. ثم غلب البكأ عليه فبكى فقال معاوية: كان والله كما ذكر [ت] فكيف كان حبك له ؟ قال ضرار: كحب أم موسى [له] وأعتذر إلى الله من التقصير ! ! ! قال معاوية: وكيف حزنك عليه ؟ قال: حزن والدة ذبح واحدها في حجرها لا يرقأ دمعها (11) ولا يذهب حزنها إلى يوم القيامة ! ! ! تفسير الاية: (60) من سورة المائدة، من تفسير روض الجنان: ج 4 ص 238. ورواه أيضا في المختار: (77) من الباب الثالث من نهج البلاغة، وللكلام مصادر كثيرة، وأصل القصة لعلها متواترة معنى. ورواه أيضا أبو عمر في أواسط ترجمة أمير المؤمنين من كتاب الاستيعاب بهامش الاصابة: ج 3 ص 43 قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا يحي بن مالك =========================================================================== (9) أي بعيد أن تنالين ما تصديت له، ومستحيل أن تدركين ما أظهرت وجدك إليه، أو من عرضت نفسك مزينة عليه، فارجعي خائبة فليس الان آن وصولك إلى مبتغاك، وليس لك حظ فيمن تصديت لوصله في زينتك أو في نغمتك الخارجة عن شغاف قلبك ! ! ! (10) وفي نهج البلاغة: (قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير وخطرك يسير وأملك حقير). وما بين المعقوفين أيضا منه (قد أبنتك ثلاثا) قد قطعتك عني وفصلتك مني بالطلاق الثلاث. وفي غير واحد من الطرق: (قد بتتك ثلاثا). وهو أيضا - من باب أفعل وفعل ومد وفر - بمعنى القطع. وامضأ الامر وانجازه. (11) يقال: (رقع الدمع أو الدم - من باب منع - رقأ ورقؤ): جف وانقطع. =========================================================================== [89] ابن عائذ، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن سلمة البغدادي بمصر، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، قال: قال أخبرنا العكلي عن الحرمازي - رجل من همدان - قال: قال معاوية لضرار الصدائي: يا ضرار صف لي عليا... ورواه عنه في كتاب (مدينة العلم) من عبقات الانوار: ج 2 ص 446. - 20 - ومن كلام له عليه السلام في بيان استقامته على محور القسط ومركز العدالة، وبرأة ساحته عن الظلم والقساوة قال سبط ابن الجوزي: وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يوما قال: والله لان أبيت على حسك السعدان مسهدا أو أجر في الاغلال مصفدا (1) أحب الي من أن القى الله تعالى ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشي من حطام الدنيا، وكيف =========================================================================== حسك السعدان: شوكه. والسعدان: نبت ترعاه الابل وله شوك تشبه به حلمة الثدي. ومسهدا: مؤرقا أي الاصباح من غير نوم لعدم ايناس العين بالنوم لاجل الهم أو الخوف أو الالم مما يطرد النوم عن العين. والاغلال: جمع الغل. ومصدفا: مقيدا. =========================================================================== [90] أظلم أحدا لنفس تسرع إلى البلى فقولها، ويطول في الثرى حلولها ! ! ! (2). والله لو أعطيت الاقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته ! ! ! وأن دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة [تقضمها] ! ! ! (3). أواخر الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص ص 165، ورواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (219) من نهج البلاغة بزيادات كثيرة. =========================================================================== (2) هذا هو الظاهر الموافق لما في المختار: (219) من نهج البلاغة وفي الاصل: (والنفس...) والبلى: الوهن والرثاثة. و (قفولها): رجوعها. والثري التراب... ثم ان في النهج بعد هذه الفقرة زباداة كثيرة في قصة عقيل واستماحه من أمير المؤمنين عليه السلام، وقصة الحديدة المحماة لم يذكرها سبط ابن الجوزي ها هنا. (3) ما بين المعقوفين مأخوذ من نهج البلاغة وفيه بعده هكذا: (ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى تعود بالله من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين). أقول: و (جلب شعيرة) بكسر الجيم -: قشرتها. و (تقضهما) من باب علم -: تكسرها بأطراف أسنانها و (سبات العقل) - بضم السين -: نومة. و (الزلل): العثرة والسقوط في الخطأ. =========================================================================== [91] - 21 - ومن خطبة له عليه السلام في انه وأهل بيته مراكز العلم والسعادة، وان المعرضين عنهم منابع الجهل والغوابة الحمد لله، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وآله. أما بعد فذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم (1) أنه لا يهيج على التقوى زرع قوم ولا يظمأ عنه سنخ أصل (2) وان الخير كله فيمن عرف قدره، وكفى بالمر =========================================================================== (1) الذمة: العهد. الامان. الضمان. الحرمة. الحق. و (هينة): مرهونة. و (زعيم) كفيل. ضامن، أي حرمتي أو ضماني أو عهدي عند الله مرهونة لحقيقة ما أقول وأنا بذلك كافل وضامن. وقال في النهاية: وفي حديث علي: (ذمتي رهينة وأنا به زعيم). أي ضماني وعهدي رهن في الوفأ به. (2) وفي النهج: (ولا يظمأ عليها...). يقال: (هاج النبت - من باب باع - والمصدر كبيع وكتاب ورمضان هيجا وهياجا وهيجانا): يبس. وهاجت الابل: عطشت. وهاجت الارض: أخذ نباتها في اليبس واصفرت. قال في النهاية: ومنه حديث علي عليه السلام: (لا يهيج على التقوى زرع قوم). أراد من عمل لله لم يفسد عمله ولا يبطل، كما يهيج الزرع فيهلك. و (لا يظمأ) - من باب علم -: لا يعطش شديدا. قال في النهاية: وفي حديث علي عليه السلام: (ولا يضمأ على التقوى سنخ أصل). أصل السنخ والاصل واحد، فلما اختلف اللفظان أضاف أحدهما إلى الاخر. وقال المجلسي رحمه الله: ويحتمل أن يكون المراد بهما عدم فوت المنافع الدنيوية أيضا بالتوى ويحتمل أن يراد باحداهما أحداهما، وبالاخرى الاخرى. =========================================================================== [92] جهلا أن لايعرف قدره، وان أبعض الخلق إلى الله تعالى رجل وكله [الله] إلى نفسه، جائز عن قصد السبيل (3) مشغوف بكلام بدعة، قد لهج فيها بالصوم والصلاة (4) فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدى من كان قبله، مضل لمن اقتدى به، حمال خطايا غيره، رهن بخطيئته (5) قد قمش جهلا في جهال غشوه (6) غار بأغباش الفتنة (7) عمي عن الهدى قد سماه أشباه الناس عالما ولم يغن فيه يوما سالما (8) بكر فاستكثر مما قل منه خير مما =========================================================================== (3) وفي البحار: (وان أبغض الخلق عند الله رجل وكله إلى نفسه) أي لا يلاحظه بسؤ عمله بلحاظ المرحمة، ولا يراقبه مراقبة الحبيب لحبيبه أو الوالد لولده. و (جائر) ضال منحرف. و (قصد السبيل): استقامته ووسطه. (4) مشغوف بكلام بدعة. أي ان حب البدعة والتكلم فيها قد بلغ شغاف قلبه. و (لهج بالشي - من باب فرح - لهجا). أولع به. والضمير في (فيها) راجع إلى البدعة، أي هو حريص في مبتدعات الصلاة والصوم. (5) وفي البحار: (رهين بخطيئته). أي هو مرهون ومأخوذ بها. (6) يقال: (قمش القماش - من باب ضرب ونصر - قمشا): جمعه من هنا وهنا، أي من نواحي متفرقة. و (غشوه): أحاطوا به. (7) غار: مغتر. و (الاغباش): جمع الغيش - كسبب -: الظلمة. الخدعة. (8) أي ولم يقم في تحصيل العلم يوما كاملا سالما من النقص. ورواه في النهاية: (يوما تاما). =========================================================================== [93] كثر (9) حتى إذا ارتوى من آجن، واستكثر من غير طائل (10) جلس للناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، ان خالف من سبقه لم يأمن من نقص حكمه من يأتي بعده، كفعله بمن كان قبله وان نزلت به احدى المهمات هيأ لها حشوا من رأيه (11) ثم قطع عليه، فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت (12) لا يدري أصاب أم أخطأ [فان أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وأن أخطأ رجا أن يكون قد =========================================================================== (9) أي خرج في الطلب في أول اليوم أو في بد العمر، فاستكثر - أي حاز كثيرا - من المطالب التي قليلها خير من كثيرها. هذا بنأ على كون (ما) موصولة، وأما بنأ على مصدريتها فالمعنى حاز كثيرا من شي قلته خير من كثرته. (10) ارتوى: شرب حتى شبع وحصل له الري. و (الاجن): المأ المتغير المتعفن. واستاره عليه السلام ها هنا للمقدمات الفاسدة التي يأخذها المبطلون من أشباههم من الضلال والجهال. و (من غير طائل): من غير فائدة. (11) ومثله في تاريخ ابن عساكر، وفي أمالي الشيخ: (فان نزلت به - وفي الكافي: وان نزلت به احدى المبهمات) أي التي تحتاج في تبيينها إلى نظر صائب وعلم ثاقب. والحشو من الرأى: رذاله وفضوله. (12) ومثله في الكافي، وفي تاريخ ابن عساكر: (فهو من قطع المشبهات في مثل نسج - قال وقال ابن زيدويه مكان نسج غزل - العنكبوت). أقول: وكلاهما بمعنى واحد، والكلام بيان لغاية ضعف مقدمات هذا المبطل ونهاية وهيها. =========================================================================== [94] أصاب (13)] ولايرى أن [من (خ)] ورأ ما بلغ مذهبا [لغيره] ان قاس شيئا بشي لم يكذب رأيه، وان أظلم عليه أمر اكتتم به - لما يعلم من نفسه من الجهل والنقص والضرورة (14) - كيلا يقال: انه لا يعلم، ثم أقدم بغير علم، فهو خائض عشوات (15) ركاب شبهات، خباط جهالات (16) لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم (17) يذري الروايات ذرو الريح الهشيم (18) =========================================================================== (13) مابين المعقوفين مأخوذ من المختار (17) من نهج البلاغة، وهذا بيان وتفصيل لقوله: (لا يدري أصاب أم أخطأ). (14) أي لاضطراره إلى جواب السائل، وحل المشكلة المرجوعة إليه. (15) أي يخوض ويدخل في المسائل العلمية من غير بصيرة كالابل التي تجول في الارض ولا تبصر أمامها، فما أحرى بها اما أن تقع في بئر أو بركة أو تسقط من جبل أو أكمة، أو تغرق في بحر أو تثب عليه السباع فتمزقوها اربا اربا. (16) أي انه كثير الارتكاب لشبهات - فهيهات له من اجتناب المحرمات - وكثير الخبط في الجهالات - والخبط: السير في الظلمة بلا دليل - فهيهات له من تحصيل طريق النجاة. (17) اي لم يحكم القوانين العلمية، ولم يحتفظ على مقدماتها عن خبرة وبصيرة. وهذا مثل، وأصله: ان الرماة كانوا إذ أرادوا أن يتخذوا من عود سهما كانوا يعضونه بأسنانهم كي يعلموا أنه صلب أو لين، وكانوا إذا أرادوا أن يخبروا بصلابته وأن جودته مختبرة يقولون عض بضرس قاطع، وإذا أرادوا أن يخبروا أنه مجهول الحال قالوا: لم يعض بضرس قاطع. فصار مثلا. (18) يقال: (ذرت الريح التراب - من باب دعا - ذروا، وأذرته وذرته) من باب أفعل وفعل -: أطارته وأذهبته. والهشيم - فعيل بمعنى مفعول -: النبت اليابس المتكسر. قال في النهاية: ذرته الريح وأذرته تذروه وتذريه [يعنى من باب دعا، وأفعل]: أطارته. ومنه حديث علي عليه السلام: (يذرو الرواية ذرو الريح الهشيم). أي يسرد الرواية كما تنسف الريح هشيم النبت. =========================================================================== [95] تبكي منه المواريث وتصرخ منه الدمأ (19) ويستحل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم به الحلال، لا يسلم باصدار ما عليه ورد، ولا يندم على ما منه فرط (20). أيها الناس عليكم بالطاعة والمعرفة بمن لا تعذرون بجهالته (21) فان العلم الذي هبط به آدم [عليه السلام] وجميع ما فضلت به النبيون - إلى محمد خاتم النبيين - في عترة [نبيكم] محمد صلى الله عليه وآله، فأين يتاه بكم ؟ بل أين تذهبون ؟ (22). =========================================================================== (19) وفي المختار: (16) من نهج البلاغة: (تصرخ من جور قضائه الدمأ وتعج منه المواريث). (20) إلى هنا رواه في مادة (ذمم) من كتاب الفائق بنحو الارسال واختلاف قليل في بعض الالفاظ، وفيه: (لاملي والله باصدار ما ورد عليه، ولا أهل لما قرظ به). ومثله في جل المصادر فان صح ما هنا ولم يكن تصحيفا فلعله بمعنى فرغ يقال: (سلم الدلو - من باب ضرب - سلما): فرغ من عملها وأحكمها. ويقال (فرط من زيد شي - من باب نصر - فرطا): ذهب وفات. (21) أي عليكم بطاعة من لا تعذرون من معصيته، وعليكم بمعرفة من لا تعذرون بعدم عرفانه وبجهالته وهم عترة النبي وأعدال القرآن، وسفن النجاة. (22) فأين يتاه بكم - من باب باع -: أين يضل بكم ؟ أين تذهبون متحيرين ؟ =========================================================================== [96] يا من نسخ من أصلاب أصحاب السفينة (23) هذه فيكم فاركبوها، فكما نجا في هاتيك من نجى، فكذلك ينجو في هذه من دخلها، أنا رهين بذلك قسما حقا وما أنا من المتكلفين (24) الويل لمن تخلف [عنهم] ثم الويل لمن تخلف، أما بلغكم ما قال فيهم نبيكم صلى الله عليه وآله، حيث يقول في حجة الوداع: (أني تارك فيكم الثقلين: ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما). الا هذا عذب فرات فاشربوا (25) وهذا ملح أجاج فاجتنبوا. =========================================================================== (23) نسخ من أصلاب أصحاب السفينة: نقل منها وأخذ عنها. (24) أنا رهين لذلك أي ضامن له مأخوذ به، كما يؤخذ الرهن لو تخلف المديون عن أدأ الدين. وما أنا من المتكلفين أي ممن تجشم ذلك من قبل نفسه وتعسف في ادعائه... (25) فرات: كثير العذوبة منته فيها. و (أجاج): شديد الملوحة أو مر. والمشار إليه في الفقرتين هو معنى الكلام والمحصل منه أي التمسك بهم والاعراض عنهم. =========================================================================== [97] الفصل الخامس من مختار كلامه عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 123. وقريبا منه جدا رواه اليعقوبي في تاريخه: ج 2 ص 187، ولنصدر مصادر كثيرة وأسانيد، وللذيل شواهد جمة، ورواه نقلا عن الارشاد، مشروحا في الحديث: (58) من الباب (15) من بحار الانوار: ج 1، ص 95 ط الكمباني. وفي ط الحديثة: ج 2 ص 99، وذيلي الكلام - من قوله: (ان العلم الذي هبط به آدم)) إلى آخره - رواه النعماني بمغايرة طفيفة في الباب الثاني من كتاب الغيبة ص 18، وحكم بمشهوريتها وانها رواها الموافق والمخالف. وقد تقدم في المختار: (3) ص 18. وكثيرا من فقراتها رواه الطبري في المسترشد، ص 76. وقريبا منه جدا رواه في الاحتجاج: ج 1، ص 39، ونقله عنه في الحديث الثاني من الباب (34) من البحار: ج 1، ص 157، ط الكمباني. وقريبا منها رواه ابن عساكر في الحديث: (1280) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 221 ط 1، ورواه أيضا في الحديث (3) من الباب (14) من تيسير المطالب ص 179، ط 1. (نهج السعادة ج 3) (م 7) =========================================================================== [98] - 22 - ومن كلام له عليه السلام في بيان أن الله تعالى أتم نعمته على العالمين ببعث رسول الله وانزال القرآن عليه، حينما كانوا مغرقين في العنأ والشقأ ! ! ! ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رفع الله مقامه عن محمد بن يحي، عن بعض أصحابه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الناس ان الله تبارك وتعالى أرسل اليكم الرسول صلى الله عليه وآله، وأنزل إليه الكتاب بالحق، وأنتم أميون عن الكتاب ومن أنزله، وعن الرسول ومن أرسله، على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الامم (1) =========================================================================== (1) من قوله: (أرسله على حين فترة - إلى قوله: (ودثارها السيف) - ذكره في المختار: (87) من خطب نهج البلاغة، مع ذيل غير مذكور هنا. وقوله: (على حين فترة من الرسل) متعلق بقوله (أرسل اليكم الرسول وأنزل إليه). وفترة من الرسل: هو انقطاع الوحي والرسالة. والهجعة - بفتح الهاء وسكون الجيم، والهجوع والتهجاع - بفتح التأ - النومة ليلا. ولعل التعبير بالهجعة للاشارة إلى أن الامم كانوا مستغرقين في بحار الغفلة والاجوأ المظلمة، لاذاكر يوقظهم عن غلفتهم، ولا نبي ولاوصي كي ينورا بتمهيد القوانين الالهية آفاقهم وأقطارهم المدلهمة. =========================================================================== [99] وانبساط من الجهل، واعتراض من الفتنة، وانتقاض من المبرم، وعمي من الحق، واعتساف من الجور، وامتحاق من الدين، وتلظ من الحروب (2) على حين اصفرار من رياض جنات الدنيا، ويبس من أغصانها، وانتشار من ورقها، ويأس من ثمرها واغورار (3) من مائها قد درست أعلام الهدى فظهرت أعلام الردى، فالدنيا متهجمة [متهجمة (خ)] في وجوه أهلها، مكفهرة (4) مدبرة غير مقبلة، ثمرتها الفتنة، وطعامها الجيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السيف (5) مزقتم كل ممزق، =========================================================================== (2) واعتراض من الفتنة: حيلولة من الفتنة بين الناس وبين الهدوء والامن. وفي النهج: (واعتزام من الفتن وانتشار من الامور). والاعتساف: ارتكاب الشي بلا تدبر. والامتحاق: الانمحأ والاضمحلال. والتلظى: التلهب. (3) وفي النهج: (والدنيا كاسفة النور ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها، واياس من ثمرها، واغورار من مائها، قد درست منار الهدى وظهرت أعلام الردى فهي متجهمة لاهها عابسة في وجه طالبها، ثمرها الفتنة...). (4) واغورار المأ: ذهابه. ومتهجمة: متكلفة للهجوم عليهم غفلة والورود عليهم بغتة لتصيبهم بما يكرهون. ويقال: (جهمه - من باب علم ومنع - جهما وتجهمه تجهما): استقبله بوجه عبوس كريه. وتجهمه أمله: لم ينله. و (كهرزيد فلانا - من باب منع - كهرا): استقبله بوجه عبوس تهاونا به. انتهره. قهره. (5) اشارة إلى ما كان دائرا بين العرب من الضطراب ومن اضطهاد بعضهم بعضا واغارة كل على آخرين واستباحتهم اهراق الدمأ، وأكل مال الغير، واستباحة الحريم، وأكلهم الميتة والحيف المنتنة. والشعار من الثياب: ما يلي البدن ويتصل بشعر الانسان. والدثار: ما يلبس فوق الشعار. وما أحسن التعبير عن الخوف بالشعار، وعن السيف بالدثار حيث أن الخوف سابق والسيف لاحق، والاول باطن والثاني ظاهر. (*) =========================================================================== [100] وقد أعمت عيون أهلها، وأظلمت عليها أيامها، وقد قطعوا أرحامهم وسفكوا دمأهم ودفنوا في التراب الموؤدة بينهم من أولادهم ! ! ! (6) يختار دونهم طيب العيش ورفاهية خفوض الدنيا (7) لا يرجون من الله ثوابا، ولا يخافون - والله - منه عقابا، حيهم أعمى نجس ! ! ! وميتهم في النار مبلس (8) فجأهم بنسخة ما في الصحف =========================================================================== (6) يقال: (وأد زيد بنته - من باب وعد يعد - وأدا): دفنها في التراب وهي حية، فالابنة وئيد ووئيدة وموؤدة. (7) وفي بعض النسخ: (طلب العيش). وفي أكثر النسخ: (يجتاز) من الاجتياز بمعني المرور. وفي بعض النسخ (يحتاز) بالحأ المهملة والرأ المعجمة من الحيازة، وفي بعضها بالخأ المعجمة والرأ المهملة أي كان من يختار طيب العيش والرفاهية يجتنبهم ولا يجاورهم. وقيل: يعني اختاروا وأرادوا بدفن البنات طيب العيش. والرفاهية - بفتح الرأ -: لين العيش وطيبه. التنفس. التخفيف، ازالة الضيق والتعب. التوسعة. والخفوض: جمع الخفض. سعة العيش وسهولته وهناؤه. (8) قال المجلسي رحمه الله: وفي بعض النسخ: (نحس) من النحوسة. والمبلس: الايس من رحمة الله تعالى. =========================================================================== [101] الاولى، وتصديق الذي بين يديه (9) وتفصيل الحلال من ريب الحرام، ذلك القرآن، فاستنطقوه - ولن ينطق لكم - [ولكن] اخبركم عنه [الا] ان فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي يوم القيامة (10) وحكم ما بينكم وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه لعلمتكم (11). الحديث السابع من الباب (19) من كتاب فضل العلم من الكافي ج 1 =========================================================================== (9) ولعل المراد من الصحف الاولى هو خصوص ما نزل على الانبياء السلف قبل موسى وعيسى، والمراد من (الذي بين يديه) هو التوراة والانجيل وانما عبر عنهما بأنهما بين يديه لقربهما نسيبا بعصر رسول لله عليه وسلم. أو أن المراد من الصحف جميع الصحف السماوية النازلة على الانبياء حتى التوراة والانجيل، والمراد مما بين يديه هو ما يأتي في المستقبل من البعث والنشور والحساب والجزأ مما يقع في عالم الاخرة. (10) ما بين المعقوفات مأخوذ من المختار: (153) من النهج وفيه هكذا: (أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الامم، وانتقاض من المبرم، فجاءهم بتصديق الذي بين يديه والنور المقتدي به ! ! ! ذلك القرآن فاستنطقوه - ولن ينطق ! ! ! - ولكن أخبركم عنه الا ان فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي ودوأ دائكم ونظم ما بينكم). (11) هذا كتاب الاسلام وهذا امامه وعالمه، وهذا الثقل الاكبر. وذاك الثقل الاصغر الذين خلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمته وقال لهم: ان تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا. ولكن أسفي على المسلمين حيث ضيعوا الاول ولم يتفقهوا فيه ولن يطبقوا معاليه، واستضعفوا الثاني وأخروه عن مقامه وجلسوا فيه، ثم وثبوا عليه وعلى من شايعه وبنيه فشردوهم تشريدا وقتلوهم تقتيلا ! ! ! =========================================================================== [102] ص 60 وفي طبع ص 15 ورواه عنه في الحديث: (5) من الباب (4) من مقدمة تفسير البرهان: ج 1، ص 14، ط 2، ورواه أيضا علي بن ابراهيم رحمه الله في مقدمة تفسيره: ج 1، ص 2. وقريبا من صدر الكلام إلى قوله (ودثارها السيف) رواه في المختار: (87) من نهج البلاغة والذيل أيضا رواه في صدر المختار: (153) من النهج. - 23 - ومن كلام له عليه السلام في توصية العلماء وحملة القرآن بالعمل به الحافظ الكبير ابن عساكر، قال: أخبرنا أبو السعادات أحمد بن أحمد ابن عبد الواحد، أنبأنا أبو جعفر ابن المسلمة الملاء، أنبأنا أبو عبد الله الحسين ابن محمد الفراء [ظ] أنبأنا الحسين ابن أيوب الهاشمي أنبأنا صلاح بن عمران، أنبأنا الحسن بن بشر، حدثني بشر بن سالم، عن سفيان الثوري عن يونس بن أبي فاخته، عن يحي بن جعدة، قال: قال: علي بن أبي طالب [عليه السلام]: يا حملة القرآن اعملوا به، فان العالم من علم ثم عمل بما علم، ووافق عمله علمه [ظ] وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف سريرتهم =========================================================================== [103] علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يجلسون حلقا فيباهي بعضمهم بعضا، حتى أن الرجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله ! ! ! (1). الحديث (1284) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق ج 3 ص 228 من الطبعة الاولى، وفي نسخة العلامة الاميني ج 38 ص 83 وفي النسخة المرسلة الورق: 99 / أو 137. ورواه أيضا عنه عليه السلام في كتاب الصواعق. =========================================================================== (1) إذ ليس عملهم مما يرفع إلى الله تعالى، إذ المرفوع إلى الله تشريفا هو الكلم الطيب والعمل الصالح، كما قال تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه) وجلوسهم حلقا ومباهات بعضهم بعضا، أو غضبهم على جليسهم لاجل جلوسه إلى غيره ليس منهما حتى يشرف بالرفع إلى الله. =========================================================================== [104] - 24 - ومن كلام له عليه السلام في تعيير اهل الحل والعقد من الامة بما فعلوا، وانهم لو قدموا من قدمه الله وأخروا من أخره الله لاستقامت أمور المسلمين علما وعملا وسعادة وسيادة الكليني طيب الله رمسه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن التيمي عن محمد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله [الامام جعفر ابن محمد الصادق] عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: الحمد لله الذي لا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم. ثم ضرب [عليه السلام] باحدى يديه على الاخرى ثم قال: أيتها الامة المتحيرة بعد نبيها لو كنتم قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله، وجعلتم الولاية والوراثة حيث جعلها الله، ما عال ولي الله، ولاعال سهم من فرائض الله ! ! ! (1) ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولا =========================================================================== (1) الاول مأخوذ من (العيل) بمعنى الافتقار والاحتياج، يقال: (عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا - كباع يبيع بيعا وبيعة وبيوعا - أي افتقر، فهو عائل، والمؤنث عائلة، والاسم العيلة - كضربة -. والثاني مشتق من العول، يقال: (عال فلان في حكمه - من باب قال. - عولا): جار في حكمه ومال عن الحق. و (عال يعول عولا) في الميزان: نقص. وبهذا المعنى جاء من باب (باع) أيضا، وسميت فريضة الوارث عولا وعائلة لميلها عن أهلها بالجور ونقصان سهامهم. ويقال: (عالت الناقة ذنبها عولا): رفعته، وسميت الفرائض بهذا المعنى أيضا عولا لاجل ارتفاعها على أصلها بزيادة السهام. ويقال: (عال الرجل عولا): كثر عياله. وانما سميت الفريضة عائلة بهذا المعنى لكثرة السهام فيها. ويقال: (عال صبره عولا) غلب. وعال الرجل: افتقر. وبهذين المعنيين جاء من باب (باع) أيضا، وعلى هذين المعنيين سميت الفريضة عولا وعائلة، لغلبة الفريضة ومغلوبية أهل السهام بورود النقص عليهم. ومحصل مراده عليه السلام من هذا الكلام انه لو قدمتم من قدمه الله وجعله خليفة على البرية، وأعرضتم عن الجهال الذين انحط قدرهم عن شامخ مقام الولاية، وأخرتهم حكمة الباري عن سمو الخلافة والامامة، لنلتم غاية الامنية من سعادة الدنيا والاخرة، وما افتقر فيكم أولياء الله، وما ظلم أحد بنقصان حظه، وعدم اعطاء سهمه، من أجل جهالة الحكام والقضاة أو انحرافهما ولعشتم حميدا ومتم سعيدا لوصول كل ذي حق إلى حقه، لحكم الوالي عن علم وعدل واتفاق الامة على اتباع حكمه وامتثال أمره، ولكن قدمتم من أخره الله وأخرتم من قدمه الله فحرمتم خير الدنيا والاخرة. =========================================================================== [105] تنازعت الامة في شئ من أمر الله، الا وعندنا علمه من كتاب الله، فذوقوا وبال أمركم وما فرطتم في ما قدمت أيديكم وما الله بظلام للعبيد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. الحديث الثاني من الباب السادس من كتاب المواريث من الكافي: ج 7 ص 78. =========================================================================== [106] - 25 - ومن كلام له عليه السلام في الاخبار عن مغلوبية المسلمين عن الجهاد في سبيل الله يدا ثم لسانا ثم قلبا قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن محمد البغدادي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن اسحاق بن جعفر، قال: حدثني أحمد بن يزيد الكوفي قال: حدثنا الحسن بن حماد، قال: حدثنا أبو سفيان وكيع ابن الجراح، قال: حدثنا سفيان بن سعيد الثوري عن زيد بن الحرث، عن الشعبي عن أبي جحيفة، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ان أول ما تغلبون عليه من دينكم الجهاد بأيديكم (1) ثم الجهاد بألسنتكم ثم الجهاد بقلوبكم ! ! ! فإذا لم يعرف القلب المعروف ولم ينكر المنكر نكس [فجعل] (2) أعلاه أسفله كالجراب يؤخذ بأسفله فيخرج ما فيه ! ! ! =========================================================================== (1) وقد وقع الخبر على طبق ما أخبر به عليه السلام حتى آل الامر في عصرنا إلى نكس قلوب جل شباب المسلمين وفراغها عما هو المعروف في الاسلام، وملائها بأباطيل الزنادقة والكفار. (2) وفي كتاب الفتن: (فأي قلب لم يعرف المعروف...). وفي الطريق الثاني منه: (إذا كان القلب لايعرف معروفا ولا ينكر منكرا نكس...). =========================================================================== [107] هكذا رواه عنه في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر - وهو الباب: (28) - من تيسير المطالب في ترتيب أمالي السيد أبي طالب ص 159، من المخطوطة، وفي ط 1، ص 295. ورواه أيضا في المختار: (375) من الباب الثالث من نهج البلاغة. ورواه أيضا - إلى قوله: (أعلاه أسفله) - نعيم بن حماد، في الحديث: (133) من الجزء الاول من كتاب الفتن الورق 14 / ب / عن أبي معاوية، عن الاعمش، عن قيس بن راشد، عن أبي جحيفة، عن أمير المؤمنين عليه السلام... ثم روى الذيل فقط عن ابن مهدي عن زبيد، عن الشعبي عن أبي جحيفة عنه عليه السلام. =========================================================================== [108] - 26 - ومن كلام له عليه السلام في وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الامم السالفة انما هلكوا لركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والاحبار قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن زيد الحسني قال: حدثنا الناصر للحق الحسن بن علي قال: أخبرنا محمد بن علي بن خلف، عن حسن بن صالح قال: حدثنا خالد بن مختار، عن أبي حمزة الثمالي (1) قال: قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: انما هلك من كان قبلكم بارتكابهم المعاصي ثم لم ينههم الربانيون والاحبار، فلما فعلوا أنزلت بهم العقوبات (2). الا فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم ! ! ! [فان] الامر بالمعروف والنهي عن =========================================================================== (1) والظاهر أنه يرويه عن الامام الباقر عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين عليه السلام، ويحتمل روايته عن غيره أيضا فانظر المختار التالي. (2) كذا في الاصل. =========================================================================== [109] المنكر لا يقدم [أجلا] ولا يدفع رزقا (3). هكذا رواه عنه في آخر الباب: (28) وهو باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من كتاب تيسير المطالب في ترتيب أمالي السيد أبي طالب ص 197، من المخطوطة، وفي ط 1، ص 299. ورواه أيضا بسند آخر مع زيادات كثيرة في صدره وذيله في الباب: (45) وهو باب ذم الدنيا، من الكتاب ص 242. وفي ط 1، ص 299. ومثل ذيله رواه ابن دأب في كتابه الذي نقله عنه الشيخ المفيد رحمه الله وأدرجه في كتاب الاختصاص ص 159، ط 2، غير أنه قال: وخطب عليه السلام وقال: أيها الناس مروا بالمعروف.. وللكلام أسانيد جمة، ومصادر كثيرة، وصور عديدة، يمر عليك بعضها فيما سيأتي. =========================================================================== (3) وفي رواية ابن داب: (فان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرب أجلا ولا يؤخر رزقا). =========================================================================== [110] - 27 - ومن خطبة له عليه السلام في وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وان الامم الهالكة انما هلكت لتوغلهم في المعاصي ولم ينههم الربانيون عن ذلك، وفي أن المؤمن الراضي بقضاء الله لا يخلو من احدى الحسنيين الحسين بن سعيد الاهوازي رضوان الله عليه، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن أبي حمزة، عن يحي بن عقيل، عن حبشي (1) قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ابن عمه محمد صلى الله عليه وآله فصلى عليه ثم قال: أما بعد فانه انما هلك من كان قبلكم بحسب ما عملوا (2) من المعاصي ولم ينههم الربانيون والاحبار عن ذلك، فانهم لما تمادوا في المعاصي نزلت بهم العقوبات. فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر (3) واعلموا =========================================================================== (1) كذا في الطبعة الحديثة من البحار نقلا عن كتاب الزهد، وفي النسخة المخطوطة بخط الشيخ شير محمد الهمداني رحمه الله، وط الكمباني من البحار: (حدس)... (2) كذا في الاصل وفي رواية الثقفي: (بحيث ما أتوا) وفي رواية الكافي الاتية: (حيث ما عملوا)... (3) وفي المخطوطة المتقدمة الذكر: (فأمروا بالمعروف...). =========================================================================== [111] ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان أجلا ولا يقطعان رزقا، فان الامر ينزل من السماء إلى الارض كقطر المطر إلى كل نفس بما قدر الله لها من زيادة ونقصان، فان أصابت أحدكم مصيبة في أهل ومال ونفس ورأى عند أخيه عفوة (4) فلا يكونن عليه فتنة [فان المرء المسلم ما لم يغش دناءة تظهر - ويخشع لها إذا ذكرت، ويغرى بها لئام الناس - كان كالياسر الفالج الذي ينتظر احدى فوزة من قداحه توجب له المغنم، ويدفع عنه بها المغرم، كذلك المرء المسلم البرئ من الخيانة] (5) ينتظر احدى الحسنيين اما داع إلى الله فما عند الله خير له (6) واما رزق من الله فإذا هو ذو أهل ومال وبنين، فحرث الدنيا [المال والبنون] =========================================================================== (4) هذا هو الصواب، وفي النسخة: (عقوبة). والعفوة - بكسر العين وفتحها -: خيار الشئ وصفوته. (5) مابين المعقوفين كان ساقطا من النسخة، وأثبتناه على وفق تفسير علي بن ابراهيم لحكم المجلسي رحمه الله بالمماثلة بينهما. (6) وفي تفسير القمي: (اما داعيا من الله فما عند الله خير له، واما رزقا من الله فهو ذو أهل ومال، ومعه دينه وحسبه، المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الاخرة، وقد يجمعهما الله لاقوام). =========================================================================== [112] و [أما] العمل الصالح فحرث الاخرة (7) وقد يجمعهما الله لاقوام. الحديث الاخير من كتاب الزهد (8) للحسين بن سعيد الاهوازي رحمه الله ص 82 ونقله عنه في الحديث (11) من باب الامر بالمعروف من البحار: ج 21 ط الكمباني ص 111، وفي ط الحديث ج 100، ص 74، وذكر قبله مثله عن الامام الصادق عليه السلام عن تفسير علي بن ابراهيم القمي. =========================================================================== (7) مابين المعقوفين زيادة منا لاصلاح ما صحف من النسخة، فان ما فيها هكذا: لحزب الدنيا، والعمل الصالح لخربت الاخرة وقد يجمعهما الله لاقوام) ! ! ! (8) ولا يزال هذا الكتاب مخطوط، ونرجو من الله أن يبعث بعض أهل الخير لاحيائه وطبعه. =========================================================================== [113] - 28 - ومن كلام له عليه السلام في حكمة تشريع القوانين الالهية قال الطبرسي - رحمه الله -: روي أنه اتصل بأمير المؤمنين عليه السلام أن قوما من أصحابه خاضوا في التعديل والتجريح (1) فخرج حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ان الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه أراد أن يكونوا على أداب رفيعة، وأخلاق شريفة، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك الا بأن يعرفهم ما لهم وما عليهم، والتعريف لا يكون الا بالامر والنهي، والامر والنهي لا يجتمعان الا بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون الا بالترغيب، والوعيد لا يكون الا بالترهيب، والترغيب لا يكون الا بما تشتيه أنفسهم وتلذ [به] أعينهم والترهيب لا يكون الا بضد ذلك ! ! ! =========================================================================== (1) الظاهر أن المراد من الخوض في التعديل والترجيح هو خوضهم في أسبابهما. (نهج السعادة ج 3) (م 8) =========================================================================== [114] ثم خلقهم في دار وأراهم طرفا من اللذات ليستدلوا به على ما ورأهم من اللذات الخالصة التى لا يشوبها ألم - ألا وهي الجنة - وأراهم طرفا من الالام ليستدلوا به على ما ورأهم من الالام الخالصة التي لا يشوبها لذة - ألا وهي النار - فمن أجل ذلك ترون نعيم الدنيا مخلوطا بمحنها، وسرورها ممزوجا بكدرها وهمومها (2). أواخر احتجاجات أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الاحتجاج: ج 1، ص 309 ط النجف. =========================================================================== (2) قيل: فحدث الجاحظ بهذا الحديث فقال: هو جماع الكلام الذي دونه الناس في كتبهم وتحاوروه بينهم. قيل: فسمع أبو علي الجبائي بذلك فقال: صدق الجاحظ، هذا ما لا يحتمله الزيادة والنقصان. =========================================================================== [115] - 29 - ومن خطبة له عليه السلام كان يلقيها إذا ما أراد أن يخطب أو يزوج محمد بن يعقوب الكليني طيب الله رمسه، عن أحمد بن محمد، عن ابن العزرمي عن أبيه، كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا أراد أن يزوج قال: الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا اله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وصلى الله على محمد وآله، والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته أوصيكم عباد الله بتقوى الله ولي النعمة والرحمة، خالق الانام، ومدبر الامور فيها بالقوة عليها والاتقان لها. فان الله (1) - له الحمد على غابر ما يكون وماضيه (2) وله الحمد مفردا، والثنأ مخلصا، بما منه كانت =========================================================================== 1 - كذا في النسخة، والسياق في غاية الاحتياج إلى كلمتي (اما بعد) ولعلها مقدرتان. (2) أي على مستقبل ما يكون وماضي ما كان. والغابر ها هنا - بقرينة المقابلة - بمعنى الاتي والباقي. =========================================================================== [116] لنا نعمة مونقة، وعلينا مجللة، والينا متزينة (3) - خالق ما أعوز (4) ومذل [ومدرك (خ)] ما استصعب، ومسهل ما استوعر (5) ومحصل ما استيسر - مبتدئ الخلق بدا أولا يوم ابتدع السمأ وهي دخان (فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها. قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع سماوات في يومين) (6) - لا يعوره [يعوزه (خ)] شديد (7) ولا يسبقه هارب، ولا يفوته مزائل، يوم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. ثم ان فلان بن فلان (8). الحديث الرابع من باب خطب النكاح وهو الباب: (44) من كتاب النكاح من فروع الكافي ج 5 ص 371، الطبعة الثانية التي قام بنشرها الاخوندي. =========================================================================== (3) من قوله عليه السلام: (له الحمد) إلى هنا جمل اعتراضية. ومونقة: معجبة. ومجللة: عامة شاملة. (4) أي خالق ما يتعذر على غيره، يقال: (أعوز الشي اعوازا): تعذر. و (أعوزه الشي اعوازا): أعجزه وصعب عليه نيله. و (عوز الامر - من باب علم - عوزا): اشتد. (5) أي ما يكون عويصا ويعده الناس صعبا ويكون عليهم وعرا أي عسرا وصلبا شديدا. (6) مابين القوسين مقتبس من الاية: (11) من سورة (فصلت): 41. (7) قوله عليه السلام: (لا يعوره) خبر (ان) في قوله المتقدم: (فان الله) وقوله: (خالق ما أعوز) وما عطف عليه، صفة لاسم الجلالة. ولله دره من بيان عاوي ما أشتد تناسبه بباب النكاح. و (لا يعوره شديد) - بالرأ المهملة -: لا يصرفه ولا يرده أي صعوبة خلق الشي أو تنفيذه أو شدتهما على المخلوقين لا توجب أن تصرف الله عن خلقه أو تنفيذه كما هو الشأن في المخلوقين - إذ لاصعب في جنب قدرته القاهرة ولاراد لقضائه النافذ. ويقال: (أعوزه المطلوب اعوازا): أعجزه وصار صعبا عليه. (8) كذا في الاصل، وواضح أن للكلام تتمة، وليكن إلى الان لم أطلع على بقية الكلام. =========================================================================== [117] - 30 - ومن خطبة له عليه السلام في التحذير عن الركون إلى رأي النسأ والانقياد لهن الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه رحمه الله قال: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي رحمه الله، قال: حدثني أبي عن جده أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن غير واحد [من أصحابنا] عن [الامام] الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه عن أبائه عليهم السلام قال: شكى رجل من أصحاب أمير المؤمنين [عليه السلام إليه] نسأه فقام [أمير المؤمنين] عليه السلام خطيبا فقال: معاشر الناس لا تطيعوا النسأ على حال ! ! ! ولا تأمنوهن على مال، ولا تذروهن أمر العيال، فانهن ان تركن وما أردن، أوردن المهالك ! ! ! وعدون أمر المالك (1) فانا وجدناهن لاورع لهن عند حاجتهن ! ! ! ولاصبر لهن عند شهوتهن ! ! ! البذخ لهن لازم وان كبرن (2) =========================================================================== (1) وفي كتاب علل الشرائع: (وعصين أمر المالك). يقال: (عدا زيد الامر، وعن الامر - من باب دعا - عدوا وعدا وعدوا وعدوانا). ترك. تجاوز عنه. (2) البذخ - كفرس -: التكبر، يقال: (بذخ فلان بذخا - من باب فرح - وبذخ بذخا - من باب منع - وبذخ بذاخة - كشرف افة - شر وتبذخ): ارتفع. تكبر. عظم شأنه فهو باذخ. =========================================================================== [118] والعجب بهن لاحق عجزن (3) لا يشكرون الكثير إذا منعن القليل ! ! ! ينسين الخير، ويحفظن الشر ! ! ! يتهافتن بالبهتان، ويتمادين بالطغيان (4) ويتصدين للشيطان، فداروهن على كل حال، وأحسنوا لهن المقال لعلهن يحسن الفعال. الحديث السادس من المجلس (37) من أمالي الشيخ الصدوق رفع الله مقامه، ص 100، وفي ط ص 103، ورواه أيضا بالسند المذكور في الباب (288) من كتاب علل الشرائع ص 512 ط النجف، ورواه عنه في باب فصل حب النسأ من البحار: ج 23 ص 52، وذكره مرسلا في الرسالة الاخيرة من كنز الفوائد، ص 177، كما نقله أيضا بنحو الارسال في الفصل التاسع من كتاب مكارم الاخلاق، ص 264. =========================================================================== (3) وفي كتاب علل الشرائع: (والعجب لهن لاحق وان عجزن، يكون رضاهن في فروجهن...). و (كبرن) أي صرن عجوزا، وهو من باب (علم) ومصدره على زنة عنب ومجلس. و (العجب) - كقفل: الزهو. الكبر. (4) وفي كتاب علل الشرائع: (ويذكرون الشر، يتهافتن بالبهتان، ويتمادين في الطغيان) أي يسرعن إلى البهتان، ويتساقطن فيه كتساقط الفراش وتطايره إلى النار، ويبلغن في الطغيان غايته ويدمن عليه. =========================================================================== [119] - 31 - ومن كلام له عليه السلام في التوصية بتقوى الله الذي أحاط علمه بالمقولات والمضمرات، والظواهر والخفيات، وفي الحث على التزود للموت الذي لابد منه قال أبو العباس المبرد: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خطبة له: أيها الناس اتقوا الله الذي ان قلتم سمع، وان أضمرتم علم، وبادروا الموت الذي ان هربتم منه أدرككم، وان أقمتم أخذكم (1). الكامل للمبرد: ج 1، ص 380، ورواه أيضا في المختار (8) من كلمه عليه السلام من كتاب نزهة الناظر، عن ابن عباس، عنه عليه السلام، قال: قال ابن عباس في وصفه - لما سمعه -: فكأنه قرآن نزل من السماء ! ! ! ورواه عنه في آخر كتاب معالم العبر وهو المستدرك للسابع عشر من البحار، ص 423. ورواه أيضا في الباب (59) من جواهر المطالب ص 108، ثم قال: قال ابن عباس: سبحان الله لكأن هذا الكلام ينزل من السماء ؟ ! ! ورواه أيضا الشريف الرضي في آخر كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه السلام، ص 90 ط النجف، ورواه أيضا في المختار: (203) من الباب الثالث من نهج البلاغة. =========================================================================== (1) ومثله في المختار: (203) من قصار نهج البلاغة، وزاد بعده: (وان نسيتموه ذكركم). وفي كتاب نزهة الناظر: (وبادروا الموت الذي ان هربتم أدرككم، وان وقفتم أخذكم، وان نسيتموه ذكركم). =========================================================================== [120] - 32 - ومن خطبة له عليه السلام في تذكير الناس بالموت وتحذيرهم عما يتعقبه من سوء العاقبة والشقاوة وفي حثهم على الاستداد لما بعده من السعادة الحافظ الشهير ابن عساكر علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي الدمشقي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن شجاع، أنبأنا أبو مسعود سليمان بن ابراهيم ابن محمد، وأبو الخير محمد بن أحمد بن محمد بن هارون، وأبو الحسين سهل ابن عبد الله بن علي الفارئ، وأبو الحسين أحمد بن عبد الرحمان بن محمد الذكواني وأبو نصر أحمد بن عبد الله بن سمير، ومحمد بن علي بن أحمد السكري. وأخبرنا أبو القاسم اسماعيل بن محمد بن الفضل، أنبأنا أحمد بن عبد الرحمان. وأخبرنا أبو محمد ابن طاووس المقرئ، أنبأنا سليمان بن ابراهيم. وأخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن مهران، أنبأنا سهل بن عبد الله، قالوا: أنبأنا محمد بن ابراهيم بن جعفر اليزدي املاءا، أنبأنا أبو علي الحسين بن علي الوراق، أنبأنا محمد بن زكريا الغلابي أنبأنا العباس بن بكار، أنبأنا عبد الله بن سليمان المزني عن ليث بن أبي سليم: =========================================================================== [121] عن مجاهد [قال]: حدثني من سمع (1) علي بن أبي طالب [عليه السلام] يخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: عباد الله الموت ليس منه فوت، ان أقمتم له أخذكم وان فررتم منه أدرككم (2) الموت معقود بنواصيكم فالنجا النجا والوحا الوحا (3) وراءكم طالب حثيث (4) القبر احذروا ضنكه وظلمته وضيقه. ألا [و] ان القبر حفره من حفر جهنم أو روضة، من رياض الجنة. ألا وانه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الوحشة، أنا بيت الظلمة، أنا بيت الدود. =========================================================================== (1) لعل المراد منه هو الاصبغ بن نباتة، بقرينة ما رواه عنه ابن عساكر في الحديث: (1270) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 211 وسنذكره حرفيا، ويحتمل أيضا أن مجاهدا سمع من غيره أذ ما تقدم احتمالي وليس بقطعي. (2) قال ابن عساكر: وفي حديث اسماعيل: (وان فررتم أدرككم). (3) أي الاسراع الاسراع والبدار البدار إلى المخلص والمنجا. يقال: النجاك النجاك - مقصورا - والنجاءك النجاءك - ممدودا - وهو من باب الاغراء منصوب بفعل محذوف تقديره: الزم النجاء. والكاف حرف خطاب. والوحى - كعصى -: العجلة يقال: الوحى الوحى والوحاك والوحاك أي استعجل استعجل. (4) قال ابن عساكر: وقال اسماعيل: (فان وراءكم). أقول: وهو أظهر. =========================================================================== [122] ألا وان وراء ذلك اليوم أشد من ذلك اليوم نار، حرها شديد، وقعرها عميق وحبلها حديد (5) ليس لله فيها رحمة، قال: فبكى المسلمون حوله بكاءا شديدا ! ! ! فقال: وان وراء ذلك (6) جنة، عرضها السماوات والارض أعدت للمتقين، أجارنا الله واياكم من العذاب الاليم (7). الحديث: (1270) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 212 ط 1، وفي المخطوطة الموجودة بالظاهرية: ج 11 / الورق 193 / ب. =========================================================================== (5) كذا في النسخة ها هنا، وفي الرواية الاتية عن ابن عساكر: (وحليها حديد). وفي رواية السيد أبي طالب: (وحلية أهلها فيها حديد). (6) قال ابن عساكر: وقال اسماعيل: (وان من وراء ذلك...). (7) أقول: وفي رواية أخرى رواها ابن عساكر بسند آخر هكذا: (وان وراء ذلك جنة عرضها السماوات... أعدت للمتقين، جعلنا الله وأياكم من المثقين، وأجارنا...). =========================================================================== [123] - 33 - ومن كلام له عليه السلام في التوصية بحسن الرأي بالمؤمنين الذين عرفوا بجميل السيرة، أو تحلوا بالظواهر المرضية، والتحذير عن تصديق ما قيل فيهم وعليهم أيها الناس من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه الاقاويل، ومن حسنت علانيته فنحن لسريرته أرجى. ألا لا يزيدن أحدكم نفسه شكا، فان من علم من أخيه مروءة جميلة فسمع فيه الاقاويل فقد شكك نفسه ! ! ألا وان الرامي قد يرمي وقد تخطئ السهام. وباطل ذلك يبور. ألا وان بين الحق والباطل أربع أصابع - وأشار [عليه السلام] بأصابعه الاربع فوضعها بين العين والاذن - فالحق أن تقول: رأيته بعيني والباطل أن تقول سمعته بأذني. =========================================================================== [124] المختار (13) من الباب: (7) من دستور معالم الحكم ص 139، ط مصر، وقريبا منه رواه السيد الرضي رحمه الله تحت الرقم: (137) من نهج البلاغة. ورواه أيضا أبو الحسن علي بن هذيل في كتاب: (عين الادب والسياسة) ص 215 وهو ألصق بنهج البلاغة مما ها هنا. ولذيل الكلام مصادر. وقريبا من الذيل رواه ابن أبي الدنيا في آخر كتاب اليقين الورق 157 / ب / عن الامام الحسن عليه السلام، قال: حدثني محمد بن عباد بن موسى عن محمد بن مسعر اليربوعي قال: قال علي بن أبي طالب للحسن بن علي عليهما السلام: كم بين الايمان واليقين ؟ قال: أربع أصابع... ورواه أيضا في عنوان: (نتف من الاخبار) من كتاب الزبرجدة الثانية في طبائع الانسان... من العقد الفريد: ج 6 ص 268 ط 2 عن الاصمعي قال: سأل علي بن أبي طالب الحسن ابنه رضوان الله عليهم: كم بين الايمان واليقين ؟ قال: أربع... =========================================================================== [125] - 34 - ومن خطبة له عليه السلام في وجوب الرضا بقضاء الله تعالى والاجتناب عن سوء الظن بالله، والحسد للمؤمنين وأن المؤمن الراضي الخالي من الدناءة دائما لا يخلو من احدى الموهبتين اما الكرامة في الدنيا، واما السعادة في الاخرة ! ! ! وأن الله تعالى قد يجمعهما لبعض المؤمنين قال اليعقوبي: وخطب أمير المؤمنين عليه السلام خطبة فتلا قول الله عزوجل: (انا نحن نحيي الموتى، ونكتب ما قدموا وآثارهم، وكل شئ أحصيناه في امام مبين) [11 / ياسين: 36] ثم قال [عليه السلام]: أن هذا الامر ينزل من السماء كقطر المطر إلى كل نفس بما كتب الله لها من [زيادة أو] نقصان في نفس أو أهل أو مال (1) فمن أصابه نقص في أهله [أ] وماله ورآى عند أخيه عفوة (2) فلا يكونن ذلك عليه =========================================================================== (1) وفي المختار: (23) من نهج البلاغه: (أما بعد فان الامر ينزل من السماء إلى الارض كقطرات المطر إلى كل نفس بما قسم لها من زيادة ونقصان...). (2) ومثله في كتاب الغارات، ومثله ورد أيضا عن الامام الصادق عليه السلام على ما في المطبوع بالنجف من تفسير علي بن ابراهيم: ج 2 ص 36، وعفوة الشئ: صفوته وخياره. وفي النهج - وقريب منه في الكافي -: (فإذا رأى أحدكم لاخيه غفيرة) أي زيادة وكثرة في الاهل والمال. =========================================================================== [126] فتنة، فان المرء السملم ما لم يأت دناءة (3) - يخشع لها وتذله إذا ذكرت، وتغرى بها (4) لئام الناس - كالياسر الفالج الذي ينتظر أول فوزه من قداحه يوجب له المغنم، ويدفع عنه المغرم (5) [و] كذلك المرء [المسلم] البرئ من الخيانة والكذب، يترقب كل يوم وليلة (6) احدى الحسنيين: اما داعي الله، فما عند الله خير له، واما فتحا من الله (7) فإذا هو ذو أهل ومال ومعه حسبه =========================================================================== (3) هذا هو الظاهر الذي يدل عليه الضمائر الثلاثة الراجعة إليها، ويدل عليه أيضا ما رواه في الكافي والغارات والنهج وتفسير القمي وتاريخ دمشق، وظاهر قرب الاسناد، وتاج العروس والنهاية، وفي النسخة: (ما لم يأت دنياه) والظاهر أنها من تصحيف الناسخين. (4) كذا في كتاب الغارات وتفسير القمي، والكافي، واحدى روايتي ابن عساكر، وفي النسخة المطبوعة من تاريخ اليعقوبي والطويق الثاني من روايتي ابن عساكر: (وتغرى به). (5) كذا في الاصل باضافة لفظة: (فوز) إلى هاء الضمير، وفي جل المصادر: (فوزة) بالتاء المثناة الفوقانية. وقوله: (كالياسر الفالج) خبر (فان) والياسر: المقامر أي الذي يلعب بالمسير - وهو القمار - يقال: (يسر زيد - من باب ضرب - يسرا): لعب بالمسير. والفالج: الغالب. والقداح: جمع القدح - كحبر -: سهم المسير، كانوا ينحرون الجزور ويقسمونها عشرة أقسام أو ثمانية وعشرين قسما ثم يضربون بالقدح وفيها الرابح والغفل، فمن خرج له قدح رابح فاز وأخذ نصيبه من الجزور، ومن خرج له الغفل غرم ثمنها. والمغنم: اصابة المال واستفادته. والمغرم الخسارة. (6) وفي النهج: (وكذلك المرء المسلم البرئ من الخيانة ينتظر من الله احدى...). (7) وفي النهج: (واما رزق الله فإذا هو ذو أهل ومال ومعه دينه...). =========================================================================== [127] ودينه، المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الاخرة (8) وقد يجمعهما الله لاقوام. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 196، ط النجف، وقريبا منه رواه في الحديث: (3544) من كنز العمال ج 8 ص 320. ومن قوله عليه السلام: (ان هذا الامر ينزل من السماء) إلى آخر الخطبة، له مدارك جمة أشرنا إليها في التعليقات. =========================================================================== (8) كذا في جميع المصادر التي عثرنا عليها، وفي تاريخ اليعقوبي: (المال والبنون حزب الدنيا، والعمل الصالح حزب الاخرة...). والظاهر أنه من خطأ الكتاب. =========================================================================== [128] - 35 - ومن كلام له عليه السلام في التحذير عن طول الامل واتباع الهوى وفي التنبيه على عظمة نعمة الصحة والامان، وشدة عناية الباري جل وعلا بمن آثر رضي الله تعالى على هواه قال اليعقوبي رحمه الله: وخطب [أمير المؤمنين] عليه السلام فقال: ان من أخوف ما أخاف عليكم خصلتين: اتباع الهوى وطول الامل، فأما طول الامل فينسي الاخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق. من أصبح آمنا في سربه (1) معافا في بدنه له قوت يومه فكانما حيزت له الدنيا ! ! ! (2) ان الله تعالى يقول وعزتي وجلالي وجمالي وبهائي وعلوي وارتفاعي في مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه الا جعلت همه في الاخرة وغناه في قلبه، وضمنت السماوات والارض رزقه وأتته الدنيا وهي راغمة، تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 198، ط 4، وذيل الكلام رواه المبرد، في كتاب الكامل: ج 1 ص 158، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. =========================================================================== (1) السرب - كحرب ودرب -: الطريق. الوجهة، بيقال: (فلان مخلى السرب). أي غير مضيق عليه و (خل له سربه) أي طريقته. (2) أي صارت الدنيا في حيازته وصارت ملكا له وفي قبضته. =========================================================================== [129] - 36 - ومن كلام له عليه السلام في التوصية بالتقوى وبيان ثمراتها الطيبة وآثارها الحبيبة أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فان تقوى الله منجاة من كل هلكة، وعصمة من كل ضلالة، وبتقوى الله فار الفائزون، وظفر الراغبون، ونجا الهاربون، وأدرك الطالبون، وبتركها خسر المبطلون (ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) [128 / النحل]. الله الله عباد الله قبل جفوف الاقلام، وتصرم الايام ولزوم الاثام (1) وقبل الدعوة بالحسرة، والويل والشقوة ونزول عذاب الله بغتة أو جهرة. أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب لكم الامثال =========================================================================== (1) لزوم الاثام كناية عن الموت، إذ به تجف أقلام الحفظة عن كتابة الاعمال، وبه تنقضي أيام العمل واتخاذ الزاد، وبه تلزم الاثام وتبقي غير قابلة للانمحأ والازالة، لسد باب التوبة وتدارك ما سلف. (نهج السعادة ج 3) (م 9) =========================================================================== [130] ووقت لكم الاجال، وفتق لكم أسماعا لتعي ما عناها (2) وأبصارا لتجلو عن عشاها، وأفئدة لتفهم ما دهاها (3) لم يخلقكم عبثا ولم يمهلكم سدى ولم يضرب عنكم الذكر صفحا (4) بل أكرمكم بالنعم السوابغ، وقطع عذركم بالحج البوالغ، ورفدكم بأحسن الروافد، وأم الزوائد (5) وأحاط بكم الاحصأ (6) وأرصد لكم =========================================================================== (2) فتق - من باب ضرب ونصر وفعل -: شق. والاسماع: جمع السمع: الاذن. لقوة السامعة. لتعي - من باب وقى -: لتسمع. لتحفظ. لتتدبر. و (ما عناها) - من باب دعا - ما أهمها. (3) يقال: (جلا الامر - من باب دعا - جلوا وجلاا): كشفه. وجلا عنه الهم: أذهبه وأزاله. والعشي والعشاوة - كعصى وسحابة -: العمأ. سؤ البصر. (وما دهاها): ما يجعلها داهية أي جيد الرأي حاذق الوعي. (4) سدى: مهملا غير مكلف، ومنه قوله تعالى في الاية: ((36) من سورة القيامة: (أيحسب الانسان أن يترك سدى). وقوله: (ولم يضرب عنكم الذكر صفحا) مقتبس من الاية: (5) من سورة الزخرف: (أفترضب عنكم الذكر صفحا). والصفح بمعنى الاعراض - وهو مفعول له في الموردين - أو بمعنى الجانب أي ان الله تعالى لم يصرف ذكره عنكم إلى جانب آخر، أو أن الله تعالى لم يصرف ذكره عنكم اعراضا منكم أي انه لم يعرض عنكم فلم يصرف الدكر منكم. أقول: ولي قصة في الاستخارة بالقرآن الكريم ومجي الاية الكريمة في جوابي - لما أردت الذهاب إلى النجف الاشرف لتحصيل العم - ذكرتها في رسالة: (السير إلى الله). (5) والسوابغ: جمع السابغة: الواسعة. التامة. الكافية. والبوالغ: جمع البالغة: الكافية. الواصلة. النافذة. ورفدكم - من باب ضرب -: أعطاكم وأعانكم. والروافد: العطايا. والزوائد جمع الزائدة، وأعم الزوائد: أشملها. (6) أي وأحاط بكم احصاده وفي المختار: (81) من نهج البلاغة: (وأحاطكم بالاحصأ. =========================================================================== [131] الجزأ في السرأ والضرأ فاتقوا الله عباد الله، وجدوا في الطلب، وبادروا بالعمل قبل حلول الاجل [و] اقطعوا النهمات (6) وأحذروا هادم اللذات. المختار ما قبل الاخير، من الباب الرابع من دستور معالم الحكم ص 94 ط مصر. وقريبا منه مع زيادات كثيرة رواه في المختار: (83) من نهج البلاغة، ويأتي أيضا قريب منه في المختار: (50 و 80) ص 186، و 290 مع زيادات جيدة وصدر مغاير لما ها هنا. =========================================================================== (6) هذا هو الصواب، وهو جمع النهمة: الشره. الحرص. فرط الشهوة في الشئ. وفي الاصل: (التهمات). =========================================================================== [132] - 37 - ومن كلام له عليه السلام قال ابن عبد ربه: وخطب [أمير المؤمنين] عليه السلام فقال: أيها الناس احفظوا عني خمسا، فلو شددتم إليها المطايا حتى تنضوها (1) لم تظفروا بمثلها ! ! ! ألا لا يرجون أحدكم الا ربه، ولا يخافن الا ذنبه، ولا يستحيي أحدكم إذا لم يعلم أن يتعلم، وإذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لاأعلم. ألا وان الخامسة الصبر، فان الصبر، فان الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، من لاصبر له لا ايمان له ! ! ! ومن لا رأس له لاجسد له (2). =========================================================================== (1) شددتم إليها المطايا - من باب مد -: دفعتم إليها المطايا وحركتموها وحثثتموها على السير إليها. و (تنضوها) - من باب أفعل -: تهزلوها أي لو دفعتم مراكبكم ودوابكم وتحملوها على سرعة السير واستمراره حتى تذوب لحمها من سرعة سيرها وكثرته في أقطار الارض في طلب النفائس لم تظفروا بمثل هذه الخمسة ! ! ! (2) كذا في الاصل، والمعروف بطرق كثيرة: فلا خير في ايمان لاصبر معه كما لا خير في جسد لا رأس له. =========================================================================== [133] ولا خير في قراءة الا بتدبر، ولا في عبادة الا بتفكر ولا في حلم الا بعلم (2). ألا أنبئكم بالعالم كل العالم ؟ من لم يزين لعباد الله معاصي الله، ولم يؤمنهم مكر الله ولم يؤيسهم من روحه (3). لا تنزلوا المطيعين الجنة، ولا المذنبين الموحدين النار حتى يقضي الله فيهم بأمره، ولا تأمنوا على خير هذه الامة عذاب الله، فانه يقول: (فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون) [99 الاعراف: 7] ولا تقنطوا شر هذه الامة من رحمة الله فانه يقول: ([انه] لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون) [87 يوسف 12]. العقد الفريد: ج 4 ص 146، ط مصر، والقطعة الاولى من الكلام متواتر عنه عليه السلام، والقطعة الثانية أيضا لها مصادر كثيرة. =========================================================================== (2) كذا في النسخة، والمحفوظ: (ولافي علم الا بحلم). (3) أي من رحمة الله، وبها فسرت كلمة: (روح) في الاية الكريمة التالية. =========================================================================== [134] - 38 - ومن خطبة له عليه السلام في الحث على التقوى والردع عن التنافس في الدنيا قال ابن عبد ربه: وخطب [أمير المؤمنين علي بن أبي طالب] عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أوصيكم عباد الله - ونفسي - بتقوى الله ولزوم طاعته، وتقديم العمل وترك الامل (1)، فانه من فرط في عمله لم ينفع بشئ من أمله. أين التعب بالليل والنهار ؟ المقتحم للجج البحار، ومفاوز القفار (2) يسير من وراء الجبال وعالج الرمال (3) =========================================================================== (1) الظاهر ان المراد من الامل - ها هنا - هو أمل الخيرات - لا مطلق الامل - فيقول عليه السلام: عليكم بمباشرة الخيرات واياكم والاتكال على تمنيها وأملها. وعلى هذا مساق قوله عليه السلام ها هنا، مساق قوله الاخر المعروف: اياكم والمنى فانها بضائع النوكى. (2) التعب: من أعيا وكل من طول الحركة والجولان وراء العمل. و (لجج البحار): الموضع الكثير الماء منها. وهي جمع لجة - بضم اللام -: معظم الماء. والمفاوز: جمع المفازة: الفلاة لاماء فيها. وكأنها مأخوذة من قولهم: (فوز فلان) - من باب فعل -: مات. إذا المفازة من أجل خلوها عن الماء مظنة الموت. و (القفار) بكسر القاف: جمع القفر - بفتحها - وهي الارض التي لاماء فيها ولاكلاء ولاناس. (3) (عالج الرمال) أي المتراكم منها الداخل بعضها في بعض. وهذا من قبيل اضافة الصفة إلى الموصوف أي الرمال العالجة. =========================================================================== [135] يصل الغدو بالرواح (4) والمساء بالصباح، في طلب محقرات الارباح ! ! ! هجمت عليه منيته فعظمت بنفسه رزيته، فصار ما جمع بورا وما اكتسب غرورا، ووافى القيامة محسورا ! ! ! (5) أيها اللاهي بنفسه كأني بك وقد أتاك رسول ربك لا يقرع لك بابا ولا يهاب بك حجابا، ولا يقبل منك بديلا، ولا يأخذ منك كفيلا، ولا يرحم لك صغيرا ولا يوقر فيك كبيرا، حتى يؤديك إلى قعر [ملحودة] مظلمة، أرجاوءها، موحشة أطلالها، كفعله بالامم الخالية (6) =========================================================================== (4) الراوح - بفتح الراء -: العشي أو من الزوال إلى الليل. ويقابله الصباح. (5) المنية: الموت. والرزية والرزيئة: المصيبة العظيمة، والجمع رزايا. و (بورا) بضم الباء -: فاسدا. هالكا بلا خير وعائدة. و (محسورا) أي منقطعا عما جمعه واكتسبه. أو ذا حسرة على ذهاب ماله عن يده. ومنه قوله تعالى في الاية: (29) من سورة الاسراء: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا). (6) كذا في جواهر المطالب، عدا مابين المعقوفين فانه زيادة منا يستدعيها السياق، وفي العقد الفريد هكذا: (إلى قعر منظلمة موحشة أرجاؤها)... والارجاء: جمع الرجاء، والرجاء مقصورا وممدودا -: الناحية. والاطلال: جمع الطلل - كجبل -: الموضع المرتفع. الشاخص من الاثار. والخالية بمعنى الماضية أي القرون الراحلة عن الدنيا والبائدة من عرصة الوجود. =========================================================================== [136] والقرون الماضية ! ! ! أين من سعى واجتهد ؟ وجمع وعدد ؟ وبنى وشيد ؟ وزخرف ونجد ؟ و [أين من] بالقليل لم يقنع ؟ وبالكثير لم يمتع (7). أين من قاد الجنود ؟ ونشر البنود ؟ (8). أضحوا رفاتا تحت الثرى أمواتا (9) وأنتم بكأسهم شاربون ولسبيلهم سالكون ! ! ! عباد الله فاتقوا الله وراقبوه، واعملوا لليوم الذي تسير فيه الجبال، وتشقق السماء بالغمام، وتطاير الكتب عن الايمان والشمائل (10) فأي رجل يؤمئذ تراك ؟ ! =========================================================================== (7) يقال: (عدد المال): جعله عدة لنوائب الدهر. و (شيد البناء): رفعه وطوله أو بناه بالشيد - بكسر الشين - وهو ما يطلى به الحائط من جص وغيره. و (زخرف البيت): حسنه وزينه. و (نجد الدار): زينها. و (لم يمتع): لم يلتذ. لم ينتفع. (8) البنود: جمع البند - كفلس -: العلم الكبير. (9) كذا في النسخة، ولعل الاصل كان هكذا: (أضحوا أمواتا وتحت الثرى رفاتا) فالتقديم والتأخير اما من الرواة أو من الكتاب. و (أضحوا) صاروا. و (رفاتا): متكسرا باليا. و (الثرى): التراب الندي. (10) أي وتتطاير الكتب... والكلام مقتبس معنى من آيات كثيرة من القرآن الكريم منها الاية: (10) من سورة الطور: (يوم تمور السماء مورا، وتسير الجبال سيرا). ومنها الاية: (25) من سورة الفرقان: (ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا). أي اذكروا يوم تتشقق السماء - أي تنصدع وتنفصل أجزاؤها - بالغمام أي السحاب - قيل الباء في قوله: (بالغمام) للحال كما يقال: ركب الامير بسلاحه أي وعليه سلاحه. وقيل: الباء هنا للمجاوزة أي بمعنى عن. =========================================================================== [137] أقائل، هاؤم اقرؤا كتابيه ؟ أم [قائل]: يا ليتني لم أوت كتابيه (11): نسأل من وعدنا - باقامة الشرائع - جنته أن يقينا سخطه. ان أحسن الحديث، وأبلغ الموعظة كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه تنزيل من حكيم حميد (12). كتاب فرش الخطب من العقد الفريد: ج 4 ص 134. والخطبة رواها أيضا في أواسط الباب (49) وأواخره، من كتاب جواهر المطالب، ص 59 و 70. =========================================================================== (11) اشارة إلى قوله تعالى في الاية: (19) وتواليها من سورة الحاقة: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه. وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه...). (12) اشارة إلى قوله تعالى في الاية: (40 و 41) من سورة السجدة: فصلت: (وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه تنزيل من حكيم حميد). =========================================================================== [138] - 39 - ومن خطبة له عليه السلام في تحميد الله تعالى وتوصية الناس بالتقوى الحمد لله الذي استخلص الحمد لنفسه، واستوجبه على جميع خلقه (1) الذي ناصية كل شئ بيده، ومصير كل شئ إليه، القوي في سلطانه، اللطيف في جبروته، لامانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، خالق الخلائق بقدرته، ومسخرهم بمشيئته، وفي العهد، صادق الوعد، شديد العقاب، جزيل التواب. أحمده وأستعينه على ما أنعم به مما لايعرف كنهه غيره، وأتوكل عليه توكل المتسلم لقدرته، المتبرئ =========================================================================== (1) استخلصه لنفسه أي استخصه وجعله خالصا لنفسه، فقال عزوجل: (الحمد لله رب العالمين). ومنه قوله تعالى في الاية (54) من سورة يوسف: (وقال الملك ائتوني به استخلصه لنفسي). واستوجبه: عده واجبا لازما. استحقه. =========================================================================== [139] من الحول والقوة إليه (2). وأشهد شهادة لا يشوبها شك، أنه لا اله الا هو وحده لا شريك له، الها واحدا صمدالم يتخذ صاحبة ولاولدا، ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا، وهو على كل شي قدير، قطع ادعاء المدعي (3) بقوله عزوجل: (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) [56 الذاريات: 51] وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم صفوته من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله بالمعروف آمرا، وعن المنكر ناهيا، والى الحق داعيا، على حين فترة من الرسل وضلالة من الناس، واختلاف من الامور، وتنازع من الالسن (4) حتى تمم به الوحي وأنذر به أهل الارض. =========================================================================== (2) المتسلم والمستسلم: المنقاد. (المتبرئ من الحول والقوة إليه) أي المتخلص الممتنع من الاتكال إلى حولي وقوتي ! ! ! وانما قال عليه السلام ذلك لضعف قوته وحوله بالنسبة إلى عظمة حول الله وقوته القاهرة ! ! ! أو لضعف حوله وقوته عليه السلام لما قام به من أعياه الامامة وصعوبة القيام بلوازمها في زمان تفرق آراء أهل الوجاهة والشوكة من المسلمين. (3) كأن المراد ادعاء من يدعي القربة إلى الله وكونه محبوبا له تعالى من غير قيامه بجهات القرب ولوازم المحبوبية، كما حكاه الله تعالى عن اليهود والنصارى بقوله في الاية: (18) من سورة المائدة: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه. قل: فلم يعذبكم بذنوبكم). (4) فترة من الرسل: انقطاع منهم وفتور وسكون من بعث الانبياء. و (تنازع من الالسن) كأن المراد منه تنازع ألسنة الدعاة إلى الدين والشريعة. =========================================================================== [140] أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فانها العصمة من كل ضلالة، والسبيل إلى كل نجاة، فكأنكم بالجثث قد زايلتها أرواحها وتضمنتها أجداثها (5). فلن يستقبل معمر منكم يوما من عمره الا بانتقاص [يوم] آخر من أجله، وانما دنياكم كفئ الظل (6) أو زاد الراكب ! ! ! وأحذركم دعاء العزيز الجبار عبده يوم تعفى آثاره وتوحش منه دياره وييتم صغاره (7) ثم يصير إلى حفير من الارض متعفرا على خده غير موسد ولا ممهد (8). أسأل الله - الذي وعدنا على طاعته - جنته أن يقينا سخطه، ويجنبنا نقمته ويهب لنا رحمته. =========================================================================== (5) الجثث: جمع الجثة - بضم الجيم فيهما -: الهيكل والبدن. والاجداث: جمع الجدث - كفرس -: القبر. (6) أي كرجوع الظل وتحوله من سمت إلى سمت آخر. (7) المراد من دعاء العزيز الجبار عبده هو أمره بقبض روحه واظعانه من عالم الاحياء إلى عالم الاموات. (وتعفى آثاره): تبلى آثاره. تمحى وتهلك. و (ييتم صغاره) - من باب ضرب وعلم وشرف -: صاروا يتيما أي فقدوا آباءهم أي مات أباهم وهم صغار. (8) متعفرا: متمرغا خده في التراب. و (غير موسد): بلا وسادة ومخدة. و (غير ممهد): غير مفروش أو غير مبسوط فيه الفرش. =========================================================================== [141] ان أبلغ الحديث كتاب الله (9). كتاب فرش الخطب من العقد الفريد: ج 4 ص 135. ومثله روى الخطبة الشريفة، في أواخر الباب (49) من جواهر المطالب ص 60. =========================================================================== (9) إلى هنا أتم الكلام في النسخة، في كلا المصدرين، ومعلوم أن للكلام بقية وانه عليه السلام، ذكر هذا الذيل ليفرع عليه غيره كما يستعلم ذلك ويستأنس به من ملاحظة أشباهه ونظائره من خطبه عليه السلام. =========================================================================== [142] - 40 - ومن خطبة له عليه السلام في الحث على الزهد، وان الدنيا محله تنغيص وسريعة الزوال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان الحارثي رحمه الله قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني، قال: أخبرني أحمد بن محمد المكي، قال: حدثنا أبو العيناء، عن محمد بن الحكم، عن لوط بن يحيى، عن الحرث ابن كعب: عن مجاهد، قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: ازهدوا في هذه الدنيا التي لم يتمتع بها أحد كان قبلكم ولا تبقى لاحد من بعدكم، سبيلكم فيها سبيل الماضين، قد تصرمت وآذنت بانقضاء، وتنكر معروفها فهي تخبر أهلها بالفناء، وسكانها بالموت، وقد أمر منها ما كان حلوا، وكدر منها ماكان صفوا، فلم تبق منها الا سملة كسملة الادواة، وجرعة كجرعة الاناء لو تمززها العطشان =========================================================================== [143] لم ينقع بها ! ! ! (1) فآذنوا بالرحيل من هذه الدار المقدر (2) على أهلها الزوال، الممنوع أهلها من [دوام] الحيات، المذللة فيها أنفسهم بالموت ! ! ! فلا حي يطمع في البقاء، ولانفس الا مذعنة بالمنون، فلا يعللكم الامل، ولا يطول عليكم الامد (3) ولا تغتروا منها بالامال. و [الله] لو حننتم حنين الوله العجال، ودعوتم مثل حنين الحمام، وجأرتم جأر متبتل الرهبان (4) وخرجتم =========================================================================== (1) كدر - مثلث الدال -: ضد صفى. وسملة وسملة - كغرفة وشجرة -: الماء القليل والجمع: سمل وأسمال وسمال وسمول. والاداوة: اناء صغير كانوا يصنعونها في القديم من الجلد. والجرعة - بتثليث الجيم -: البلعة من الماء. وتمززها: مصها. والمزة: المصة: يقال: ما بقي في الاناء الا مزة أي قليل. و (لم ينقع بها) من باب منع -: لم يرو منها. (2) وفي المختار: (52) من نهج البلاغة، والمختار: (150) من القسم الاول من كتابنا هذا: ج 1، ص 518: (فأزمعوا) أي فاعزموا على الرحيل... وأما ماهنا فمعناه: أعلموا أنفسكم باليقين بالرحيل. أو فأيقنوا بالحريل... والمعنى الاول على قراءة (فآذنوا) من الائذان، والمعنى الثاني بناءا على كون اللفظ مأخوذا من (أذن) كعلم لفظا ومعنى. والوجهان جاريان في قوله تعالى في الاية: (279) من سورة البقرة: (فأذنوا بحرب من الله ورسوله). (3) (فلا يعللكم الامل): فلا يشغلكم ولا يلهاكم. و (الامد) أجل الشئ ووقته. (4) الحنين هو الصوت عن حزن، وقد يكون عن طرب. والوله - على زنة الركع والسجد -: جمع الواله: الذي له حزن شديد كاد أن يذهب بعقله. والعجال كأنها بمعنى المعجال: الامرأة التي تضع ولدها قبل أوانه. ويحتمل أيضا أن يكون اللفظة مصحفة عن المعجال. و (جارتم) - من باب منع -: تضرعتم. رفعتم صوتكم بالدعاء. والمتبتل: المنقطع عن الدنيا. والرهبان: جمع الراهب: العابد من عباد النصارى الذي يترك الناس ويلجأ إلى دير للعبادة. =========================================================================== [144] إلى الله تعالى من الاموال والاولاد، التماس القربة إليه في ارتفاع درجة [ظ] عنده، أو غفران سيئة أحصتها كتبته وحفظة ملائكته، لكان قليلا فيما أرجوا لكم من ثوابه، وأتخوف عليكم من عقابه ! ! ! جعلنا الله واياكم من التائبين العابدين. الحديث الثاني من المجلس العشرين من أمالي الشيخ المفيد، ص 102، ونقله عنه في الحديث (119) من الباب (22) من القسم الثالث من المجلد الخامس عشر، من بحار الانوار، ص 94 في السطر: 13، وفي ط الجديد: ج 73 ص 107، ورواه أيضا عنه في مستدرك المجلد السابع عشر من البحار، ص 307 في السطر 8 عكسا. وقريبا منه جدا رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (52) من نهج البلاغة، وتقدم أيضا في ضمن خطبة عيد الاضحى تحت الرقم: (150) من القسم الاول من هذا الباب: ج 1، ص 516. وقطعة من آخرها ذكرها في آخر الباب: (48) من جواهر المطالب ص 48 قال: قال بكر بن خليفة: قال علي بن أبي طالب: (ايها الناس انكم والله لو حننتم حنين الواله العجلان)... =========================================================================== [145] - 41 - ومن كلام له عليه السلام في الحث على صلة الرحم واستجلاب مودة الاقرباء والاحبة ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رفع الله مقامه، عن محمد بن يحى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى، عن يحيى، عن أبي عبد الله [الامام الصادق] عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لن يرغب المرء (1) عن عشيرته وان كان ذا مال وولد، وعن مودتهم وكرامتهم ودفاعهم بأيديهم وألسنتهم، هم أشد الناس حيطة من ورائه (2) وأعطفهم عليه وألمهم لشعثه (3) ان أصابته مصيبة أو نزل به بعض مكاره الامور. ومن يقبض يده عن عشيرته فانما يقبض عنهم =========================================================================== (1) نهي في صورة النفي، وانما أتى به في صورة النفي وأكده ب‍ (لن) ارادة للتأكيد. وعشيرة الرجل: قبيلته، أي لا يعرضن الشخص بوجدانه المال والولد عن عشيرته وبني أبيه وأمه فانهما لا يغنيانه عن العشيرة. (2) أي محافظة وحماية وذبا عنه ودفاعا منه. (3) اللم: الجمع، والشعث: التفرقة، أي العشيرة أجمع الناس لتفرقة ذويها وقرابتها. (نهج السعادة ج 3) (م 10) =========================================================================== [146] يدا واحدة (4) ويقبض عنه منهم أيد كثيرة ! ! ! ومن يلن حاشيته يعرف صديقه منه المودة (5) ومن بسط يده بالمعروف إذا وجده يخلف الله له ما أنفق في دنياه ويضاعف له في آخرته. ولسان الصدق في المرء يجعله الله في الناس خير [له] من المال يأكله ويورثه (6). =========================================================================== (4) قال أبو الشيخ: [و] عن علي [عليه السلام] أنه خطب فقال: عشيرة الجرل للرجل خير من الرجل لعشيرته، أنه ان كف يده عنهم كف يدا واحدة، وكفوا عنه أيد كثيرة، مع مودتهم وحفاظهم ونصرتهم حتى لربما غضب الرجل للرجل وما يعرفه الا بحسبه، وسأتلو عليكم بذلك آيات من كتاب الله. فتلا هذه الاية: (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) [80 / هود: 11] والركن الشديد: العشيرة، فلم يكن للوط عشيرة، فوالذي لا اله الا هو ما بعث الله نبيا بعد لوط الا في ثروة من قومه، وتلا هذه الاية في شعيب: (وانا لنراك فينا ضعيفا - قال: كان مكفوفا فنسبوه إلى الضعف - ولو لا رهطك لرجمناك) [91 / هود: 11] فوالله الذي لا اله غيره ما هابوا جلال ربهم [ما هابوا] الا العشيرة. رواه عنه في تفسير سورة يونس من منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: ج 1، ص 451 ط 1. ورواه أيضا في عنوان: (فضل العشيرة) من كتاب الياقوتة في العلم والادب من العقد الفريد: ج 2 ص 366 ط القاهرة 2، وفيه: (والله ما هابوا الا عشيرته). وفي المختار: (23) من نهج البلاغة: (ومن يقبض يده عن عشيرته، فانما تقبض منه عنهم يد واحدة، وتقبض منهم عنه أيد كثيرة ! ! ! ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة). (5) الحاشية - هنا -: الجناب. أهل الرجل وخاصته. ويعرف - من باب ضرب - كأنها ها هنا بمعنى يجازي. (6) وفي المختار: (23) من نهج البلاغة: (ولسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يورثه غيره). وفي المختار: (116) من نهج البلاغة أيضا: (ألا وان اللسان الصالح يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يورثه من لا يحمده ! ! !). أقول: لسان الصدق: هو الذكر الجميل وتسمية الشخص مقرونا بالتمجيد والتعظيم، ومنه قوله تعالى في الاية: (84) من سورة الشعراء حكاية عن ابراهيم عليه السلام (واجعل لي لسان صدق في الاخرين). =========================================================================== [147] لا يزدادن أحدكم كبرا وعظما في نفسه ونأيا عن عشيرته (7) ان كان موسرا في المال. ولا يزدادن أحدكم في أخيه زهدا ولامنه بعدا إذا لم ير منه مروءة وكان معوزا في المال (8). لا يغفل أحدكم عن القرابة بها الخصاصة (9) أن يسدها بما لا ينفعه ان أمسكه، ولا يضره أن استهلكه ! ! ! (10). الحديث (19) من الباب (68) وهو باب صلة الرحم من كتاب الايمان والكفر من أصول الكافي: ج 2 ص 154. ولفقرات الكلام مصادر آخر، أشرنا إلى بعضها في التعليقات. =========================================================================== (7) يقال: (نآزيد عن البلد - من باب منع - نأيا): بعد. (8) يقال: (أعوز الرجل اعوازا): افتقر وساءت حاله فهو معوز ومعوز. (9) الخصاصة: الفقر وسوء الحال، يقال: سددت خصاصة فلان أي جبرت فقره. ومنه قوله تعالى في شأن أهل البيت عليهم السلام: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة). (10) وفي المختار: (23) من النهج: (ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدها بالذي لا يزيده ان أمسكه، ولا ينقصه ان أهلكه ! ! !). =========================================================================== [148] - 42 - ومن كلام له عليه السلام في التزهيد عن الدنيا، والتحذير عن الاغترار بها أيها الناس ان الدنيا ليست لكم بدار قرار، وأنما أنتم فيها كركب عرسوا فأناخوا، ثم استقلوا فغدوا [وراحوا ! ! ! دخلوا] خفافا وراحوا خفافا (1) لم يجدوا عن مضي نزوعا (2) ولا إلى ما تركوا رجوعا، جد بهم فجدوا وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا حتى أخذوا [ظ] بكظمهم (3). فلا تغرنكم الحياة الدنيا فانما أنتم سفر [فيها] حلول، والموت بكم نزول ينتضل فيكم مناياه، =========================================================================== (1) ما بين المعقوفين مأخوذ من الكافي. والركب: جمع الراكب. والتعربس: نزول المسافر في آخر الليل للاستراحة. وأناخوا: أقاموا. واستقلوا: مضوا وارتحلوا. والخفاف - بكسر الخاء -: جمع الخفيف: السريع. (2) والنزوع - بضم النون -: الحيلة. العلاج. الكف. (3) الكظم - ككرم -: مخرج النفس. والجمع كظام وأكظام. =========================================================================== [149] ويمضي بأخباركم مطاياه (4) إلى دار الثواب والعقا ب والجزاء والحساب. فرحم الله امرءا راقب ربه وخاف ذنبه، وكابر هواه وكذب مناه. ورحم الله امرءا زم نفسه من التقوى بزمام، وألجمها من خشية ربها بلجام، فقادها إلى الطاعة بزمامها، وردعها عن المعصية بلجامها (5) رافعا إلى المعاد طرفه، متوقعا في كل أوان حتفه، دائم الفكر، طويل السهر، عزوفا عن الدنيا، كدوحا لامر آخرته (6) جعل الصبر مطية نجاتة، والتقوى عدة وفاته، فاعتبر وقاس، وترك الدنيا والناس. =========================================================================== (4) سفر - كركب -: جمع سافر: مسافر. وحلول: حال ونازل. وينتضل: يترامي. والمنايا: جمع منية: الموت. (5) زم نفسه - من باب مد -: ربطها وشدها. والزام - بكسر الزاء -: المقود، والجمع الازمة. وألجمها: يجعلها ذات لجام، وهو بكسر اللام: ما يجعل في فم الفرس - ونحوه - من الحديد، مع الحكمتين والعذارين والسير، ويعبر عنه أهل بلادنا ب‍ (دهنه) محركة. وقدعها - من باب منع -: زجرها. جذبها. (6) هذا هو الظاهر الموافق للرواية الاتية عن الكليني رحمه الله، وفي الاصل: (عزوف... كدوح) والعزوف: الملول. الزاهد. والكدوح: كثير الجهد. =========================================================================== [150] أيها الناس أحذركم الدنيا والاغترار بها فكأن قد زالت عن قليل عنكم كما زالت عمن كان قبلكم، فاجعلوا اجتهادكم فيها التزود من يومها القصير، ليوم الاخرة الطويل، فانها دار عمل، والاخرة دار القرار والجزاء. تنبيه الخواطر، ص 459 ط 1. وقريبا منه رواه في أول الباب: (49) من جواهر المطالب ص 48 ورواه أيضا في مطالب السؤال ص 147. وقريبا منه رواه أيضا في المختار الثامن من خطب مستدرك نهج البلاغة، للشيخ هادي رحمه الله. =========================================================================== [151] - 43 - ومن كلام له عليه السلام في الحض على التزود من الدنيا واتخاذ ذخائر أخروية من زخارفها الشيخ الصدوق رحمه الله، قال: حدثنا محمد بن أبي القاسم الاسترابادي رضي الله عنه (1) قال: حدثنا أحمد بن الحسن الحسيني عن الحسن بن علي عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي عليهم السلام، قال: قال أمير المؤمنين [عليه السلام] في بعض خطبه: أيها الناس ان الدنيا دار فناء، والاخرة دار بقاء (2) فخذوا من ممركم لمقركم ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم ففي الدنيا حييتم =========================================================================== (1) كون هذا السند سندا للمختار المذكور ها هنا على ما هو الظاهر من سياق كلام الصدوق رحمه الله حيث ذكر هذا السند أولا ثم ذكر له عليه السلام حكمتين من قصار كلامه ثم قال: وقال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه... (2) وفي المختار: (198) من نهج البلاغة: (انما الدنيا دار مجاز والاخرة دار قرار، فخذوا من ممركم لمقركم ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم...). =========================================================================== [152] [حبستم (خ ل)] وللاخرة خلقتم (3) انما الدنيا كالسم يأكله من لا يعرفه. ان العبد إذا مات قالت الملائكة: ما قدم ؟ ! ! وقال: الناس: ما أخر ؟ ! فقدموا فضلا يكن لكم ولا تؤخروا كلا يكن عليكم (4) فان المحروم من حرم خير ماله، والمغبوط من ثقل بالصدقات والخيرات موازينه، وأحسن في الجنة بها مهاده، وطيب على الصراط بها مسلكه. الحديث (10)، من المجلس (23) من أمالي الشيخ الصدوق رضوان الله عليه، ص 58 (5). ورواه عنه في الحديث (64) من الباب (23) من القسم الثالث من المجلد الخامس عشر من البحار، ص 90 ط الكمباني. وفي ط الحديث: ج 70 ص 100. =========================================================================== (3) وفي النهج: (ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم...). (4) وفي المختار (198) من النهج: (ان المرء إذا هلك قال الناس: ما ترك ؟ وقالت الملائكة: ما قدم ؟ لله آباؤكم فقدموا بعضا يكن لكم ولا تخلفوا كلا يكن عليكم). (5) وقريبا منه جدا رواه في المختار: (198) من نهج البلاغة ص 209 وقطعة من صدره رواها في أواسط الباب: (49) من جواهر المطالب ص 50. =========================================================================== [153] - 44 - ومن خطبة له عليه السلام في يوم الجمعة ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني أعلى الله مقامه، عن علي بن ابراهيم عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن النعمان وغيره. عن أبي عبد الله [الامام الصادق] عليه السلام، انه ذكر هذه الخطبة لأمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمعة. الحمد لله أهل الحمد ووليه، ومنتهى الحمد ومحله، البدئ البديع، الاجل الاعظم الاعز الاكرم، المتوحد بالكبرياء، والمتفرد بالالاء، القاهر بعزه، والمسلط بقهره، الممتنع بقوته، المهيمن بقدرته، والمتعالي فوق كل شئ بجبروته، المحمود بامتنانه وباحسانه، المتفضل بعطائه وجزيل فوائده، الموسع برزقه المسبغ بنعمه، نحمده على آلائه وتظاهر نعمائه، حمدا يزن عظمة جلاله، ويملاء قدر آلائه وكبريائه. =========================================================================== [154] وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، الذي كان في أوليته متقادما، وفي ديموميته متسيطرا، خضع الخلائق لوحدانيته وربوبيته وقديم أزليته، ودانوا لدوام أبديته (1). وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اختاره بعلمه واصطفاه لوحيه، وائتمنه على سره، وارتضاه لخلقه، وانتدبه لعظيم أمره (2) وأمضاء معالم دينه (3) ومناهج سبيله ومفتاح وحيه، و [جعله] سببا لباب رحمته (4). ابتعثه على حين فترة من الرسل، وهدأة من العلم (5) واختلاف من الملل، وضلال عن الحق وجهالة بالرب وكفر بالبعث والوعد. =========================================================================== (1) أي أقروا وأذعنوا بدوام أبديته، أو خضعوا وذلوا له لكونه دائم الابدية. (2) يقال: (ندب زيد فلانا للامر أو إلى الامر - من باب نصر - ندبا): دعاه ورشحه للقيام به وحثه عليه. وانتدبه لامر: دعاه فانتدب هو أي فأجاب. (3) هذا هو الظاهر من السياق، أي انتدبه لانفاذ معالم دينه... وهذا مثل قوله في أول المختار (81) من نهج البلاغة: (أرسله لانفاذ أمره وانهأ عذره وتقديم نذره). وفي الاصل: (ولضياء معالم دينه). (4) أي وارتضاه سببا لباب رحمته. وما بين المعقوفين زيادة توضيحية منا، واحتمال سقوطه من الاصل قوي جدا. (5) فترة من الرسل: انقطاع من بعثهم. وهدأة من العلم: سكون وموتة منه. =========================================================================== [155] أرسله إلى الناس أجمعين رحمة للعالمين، بكتاب كريم، قد فضله وفصله وبينه وأوضحه وأعزه، وحفظه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، تنزيل، من حكيم حميد، ضرب للناس فيه الامثال، وصرف فيه الايات لعلهم يعقلون، أحل فيه الحلال، وحرم فيه الحرام، وشرع فيه الدين لعباده عذرا ونذرا، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ويكون بلاغا لقوم عابدين، فبلغ رسالاته، وجاهد في سبيله، وعبده حتى أتاه اليقين (6)، صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا. أوصيكم عباد الله، وأوصي نفسي بتقوى الله الذي ابتدء الامور بعلمه، واليه يصير غدا ميعادها، وبيده فناؤها وفناؤكم، وتصرم أيامكم، وفناء آجالكم وانقطاع مدتكم، فكأن قد زالت عن قليل عنا وعنكم كما زالت عمن كان قبلكم ! ! ! =========================================================================== (6) المراد من اليقين ها هنا هو الموت. =========================================================================== [156] فأجعلوا عباد الله اجتهادكم في هذه الدنيا التزود من يومها القصير ليوم الاخرة الطويل، فانها دار عمل، والاخرة دار القرار والجزاء، فتجافوا عنها (7) فان المغتر من اغتر بها. لن تعدو الدنيا إذا تناهت إليها أمنية أهل الرغبة فيها - المحبين لها المطمئنين الهيا المفتونين بها - أن تكون كما قال الله عزوجل: [انما مثل الحياة الدنيا] كماء أنزلناه من السماء، فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام) [24 يونس]. مع انه لم يصب امرؤ منكم في هذه الدنيا حبرة الا أورثته عبرة ! ! ! ولا يصبح فيها في جناح أمن الا وهو يخاف يفيها نزول جائحة (8) أو تغير نعمة أو زوال عافية ! ! ! مع أن الموت من وراء ذلك وهول المطلع والوقوف بين يدي الحكم العدل [يوم] تجزى كل =========================================================================== (7) أي فتنحوا عنها ولا تطمئنوا إليها. (8) الحبرة - كحربة - السرور. كل نعمة حسنة. والعبرة - بالفتح فسكون -: الحزن. الدمعة. والجمع: عبر وعبرات. والجائحة: الهلاك والاستئصال، يقال: (جاح الله فلانا - من باب باع - جيحا وجائحة): أهلكه وأستأصله. =========================================================================== [157] نفس بما عملت (ليجزي الذين اساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) (9). فاتقوا الله عز ذكره، وسارعوا إلى رضوان الله، والعمل بطاعته والتقرب إليه بكل ما فيه الرضا فانه قريب، مجيب. جعلنا الله واياكم ممن يعمل بمحابه ويجتنب سخطه. ثم ان أحسن القصص وأبلغ الموعظة وأنفع التذكر كتاب الله عزوجل، قال الله عزوجل: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون) [204 الاعراف: 7] أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والعصر ان الانسان لفي خسر، الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). [سورة العصر: 103]. =========================================================================== (9) مابين المعقوفين قد سقط من الاصل، ولابد منه أو مما هو في معناه، وما بين القوسين اقتباس من الاية: (31) من سوره النجم: 53. =========================================================================== [158] (ان الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عيه وسلموا تسليما) [56 الاحزاب]: اللهم صل على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، وتحنن على محمد وآل محمد، وسلم على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت وتحننت وسلمت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد. اللهم أعط محمدا الوسيلة والشرف والفضيلة والمنزلة الكريمة. اللهم أجعل محمدا وآل محمد أعظم الخلائق كلهم شرفا يوم القيامة، وأقربهم منك مقعدا، وأوجههم عندك يوم القيامة جاها وأفضلهم عندك منزلة ونصيبا. اللهم أعط محمدا أشرف المقام، وحباء السلام (10) وشفاعة الاسلام. =========================================================================== (10) الحباء بكسر الحاء: الحبوة - مثلث الاول -: العطية أي أعطه عطية سلامتك بحفظه عن جميع ما يوجب النقص. =========================================================================== [159] اللهم وألحقنا به غير خزايا ولاناكبين (11) [ولاناكثين (خ ل)] ولا نادمين، ولا مبدلين اله الحق آمين. ثم جلس [عليه السلام] قليلا ثم قام فقال: الحمد لله أحق من خشي وحمد، وأفضل من اتقي وعبد، وأولى من عظم ومجد. نحمده لعظيم غنائه وجزيل عطائه وتظاهر نعمائه وحسن بلائه، ونؤمن بهداه الذي لايخبو ضياؤه. ولا يهدأ سناؤه (12) ولا يوهن عراه، ونعود بالله من سوء كل الريب، وظلم الفتن، ونستغفره من مكاسب الذنوب ونستعصمه من مساوي الاعمال، ومكاره الامال، والهجوم =========================================================================== (11) غير خزايا): غير فضحين وموهونين. ولاناكبين أي غير عادلين عن طريقته. ولاناكثين: أي غير ناقضين لعهده ولانابذين لدينه. (12) هذا هو الظاهر، والفعل من باب منع أي ولا يسكن ولا يطفأ سناؤه - بفتح السين - أي ضياؤه ورفعته وبهاؤه، وفيى النسخة: (ولا يتمهد). والغناء - بفتح الغين المعجمة -: الوفر وكنرة المال. =========================================================================== [160] في الاهوال، ومشاركة أهل الريب، والرضا بما يعمل الفجار في الارض بغير الحق. اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات الاحياء منهم والاموات، الذين توفيتهم على دينك وملة نبيك صلى الله عليه وآله. اللهم تقبل حسناتهم، وتجاوز عن سيأتهم وأدخل عليهم الرحمة والمغفرة والرضوان. واغفر للاحياء من المؤمنين والمؤمنات الذين وحدوك وصدقوا رسولك، وتمسكوا بدينك وعملوا بفرائضك، واقتدوا بنبيك، وسنوا سنتك وأحلوا حلالك وحرموا حرامك، وخافوا عقابك ورجوا ثوابك، ووالوا أوليأك وعادوا أعدأك. اللهم اقبل حسناتهم، وتجاوز عن سيأتهم وأدخلهم برحمتك في عبادك الصالحين، اله الحق آمين. الحديث (194) من روضة الكافي ص 173، وفي ط ص 204. وهذه الخطبة مشتمله على المختار التاسع من خطب مستدرك نهج البلاغة - للشيخ هادي رحمه الله - ص 29. =========================================================================== [161] - 45 - ومن خطبة له عليه السلام في عيد الفطر وفيها تبشير للمحسنين، وتخويف للمبطلين، وتذكير الناس بيوم يعرضون على الله تعالى في موقف القيامة، واعلام الصائمين والصائمات بمالهم عند الله من الرحمة والمغفرة. الشيخ الصدوق قدس الله نفسه قال: حدثنا محمد بن ابراهيم بن اسحاق (رضي الله عنه) قال: حدثنا أحمد بن محمد الهمداني، قال: أخبرنا المنذر ابن محمد، قال: حدثنا اسماعيل بن عبد الله الكوفي، عن أبيه، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن [الامام] الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عيهم السلام قال خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الناس يوم الفطر، فقال: أيها الناس أن يومكم هذا يوم يثاب فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون (1) وهو أشبه يوم بيوم قيامكم [قيامتكم (خ ل)] فاذكروا بخروجكم من منازلكم =========================================================================== (1) وروى السيد الرضي - رضوان الله عليه - تحت الرقم: (428) من الباب الثالث من نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال في بعض الاعياد: (انما هو عيد لمن قبل الله صيامه وشكر قيامه ! ! ! وكل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد ! ! !). (نهج السعادة ج 3) (م 11) (*) =========================================================================== [162] إلى مصلاكم خروجكم من الاجداث إلى ربكم (2) واذكروا بوقوفكم في مصلاكم وقوفكم بين يدي ربكم، واذكروا برجوعكم إلى منازلكم، رجوعكم إلى منازلكم في الجنة أو النار ! ! ! واعلموا عباد الله أن أدنى ما للصائمين والصائمات أن يناديهم ملك - في آخر يوم من شهر رمضان -: أبشروا عباد الله فقد غفر [الله] لكم ما سلف من ذنوبكم فانظروا كيف تكونون فيما تستأنفون ؟ ! ! الحديث: (10) - وهو قبل الحديث الاخير - من المجلس: (21) من أمالي الشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه ص 54 وفي ط ص 51. ورواه أيضا الشيخ الزاهد ورام بن أبي فراس رحمه الله في كتاب تنبيه الخواطر المعروف بمجموعة ورام ص 467. =========================================================================== (2) الاجداث: جمع الجدث - محركا على زنة الحدث -: القبر. =========================================================================== [163] - 46 - ومن كلام له عليه السلام خاطب به الموتى لما أشرف على القبور ومعه كميل بن زياد رضوان الله عليه الحافظ الكبير ابن عساكر قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن ابراهيم (1) أنبأنا رشاء بن نظيف، أنبأنا الحسن بن اسماعيل، أنبأنا أحمد بن مروان، حدثنا محمد بن علي بن خلف السبزواري (2) - سنة ثمان وسبعين - حدثنا عمرو بن عبد الغفار، عن الحسن بن عمرو الفقيمي [ظ] عن رشيد بن أبي راشد: عن كميل بن زياد، قال: خرجت مع [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب [عليه السلام] فما أن اشرف على الجبان (3) التفت إلى المقبرة فقال: يا أهل القبور، يا أهل البلاء (4) يا أهل الوحشة ! ! ! ما الخبر عندكم ؟ فان الخبر عندنا [أنه] قد قسمت =========================================================================== (1) هذا هو الصواب الموافق لكثير من موارد النقل عنه، وفي الاصل ها هنا: (أبو الغنم). (2) كذا في الاصل، والظاهر أنه مصحف، والصواب: (الشيرازي). (3) الجبان والجبانة - كسجاد وسجادة -: الصحراء. المقبرة. والجمع جبابين. (4) البلاء - بفتح الباء ممدودا - والبلى - بكسر الباء مقصورا -: الرثوئة وكون الشئ باليا. =========================================================================== [164] الاموال وأيتمت الاولاد (5) واستبدل بالازواج ! ! ! فهذا الخبر عندنا فما الخبر عندكم ؟ (6) [قال كميل]: ثم التفت [أمير المؤمنين عليه السلام] الي فقال: يا كميل لو أذن لهم في الجواب لقالوا: ان خير الزاد التقوى. ثم بكي [عليه السلام] وقال لي: يا كميل القبر صندوق العمل وعند الموت يأتيك الخبر ! ! ! ترجمة كميل بن زياد من تاريخ دمشق: ج 46 ص 1588. وقريبا منه رواه الشيخ الصدوق رفع الله مقامه في الحديث الأول من المجلس: (23) من أماليه ص 57، وقريبا منه رواه أيضا السيد الرضي رحمه الله في المختار: (130) من الباب الثالث من نهج البلاغة. =========================================================================== (5) أي فقدوا آبأهم وصاروا يتامى وهم صغار شديد الحاجة إلى من يكفلهم ويدير شئونهم. (6) وفي المختار: (130) من قصار نهج البلاغة: (هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ؟). =========================================================================== [165] - 47 - ومن كلام له عليه السلام في التوصية بالتقوى وسياق النفوس إلى الله تعالى وتزهيدهم عن الدنيا أوصيكم عباد الله بتوقى الله، فان التقوى أفضل كنز واحرز حرز، وأعز عز، فيه نجاة كل هارب، ودرك كل طالب وظفر كل غالب (1). وأحثكم على طاعة الله، فانها كهف العابدين، وفوز الفائزين، وأمان المتقين. واعلموا أيها الناس أنكم سيارة ! ! ! وقد حدا بكم [الحادي] وحدا بخراب الدنيا حاد (2) وناداكم للموت [مناد] فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. =========================================================================== (1) الدرك - محركا كسمك ومخففا كترك وبرق -: ادراك الحاجة ونيل المطلوب. (2) يقال: (حدا الراعي الابل وبالابل - من باب دعا - حدوا وحداءا وحداء): ساقها وغنى لها أي رفع صوته لها بالحداء، فهو حاد والجمع حداة. وحد الريح السحاب: ساقته. وحداه على كذا: بعثه وساقه عليه. =========================================================================== [166] ألا وان الدنيا دار غرارة خداعة ! ! ! تنكح كل يوم بعلا وتقتل في كل يوم أهلا، وتفرق في كل ساعة شملا ! ! ! فكم بمن متنافس فيها وراكن إليها من الامم السالفة وقد قذفتهم في الهاوية، ودمرتهم تدميرا، وتبرتهم تتبيرا (3). أين من جمع فأوعى ؟ وشد فأوكى، ومنع فأكدى ؟ ! بل أين من عسكر العساكر ؟ ودسكر الدساكر (4) وركب المنابر ؟ ! ! أين من بنى الدور ؟ وشرف القصور ؟ وجهز الالوف ؟ قد تداولتم أيامها، وابتعلتهم أعوامها ! ! ! فصاروا أمواتا =========================================================================== (3) متنافس فيها: راغب فيها غاية الرغبة. وراكن إليها: مطمئن إليها معتمد عليها. قد قذفتهم في الهاوية: ألقتهم في الجحيم. ودمرتهم: أدخل عليهم الشر فأهلكتهم. وتبرتهم: كسرتهم وأهلكتهم. (4) فأوعي: جعله في الوعاء أي الظرف وبخل من انفاقه. (فأوكى): فشح من صرفه في سبيل الله (فأكدى): بالغ في المنع وجعل نفسه عند سؤال السائلين وأرباب الحوائج كالكدية أي الصخرة العظيمة الشديدة أو الارض الصلبة الغليظة التي لم يؤثر فيها شئ. و (عسكر العساكر) جمع الجنود وجعلها عسكرا. و (الدساكر): جمع دسكرة: القرية العظيمة. المدينة. و (دسكر الدساكر): بنى القرى وجعلها مدينة. =========================================================================== [167] [و] في القبور رفاتا (5) قد يئسوا عما خلفوا، ووقفوا على ما أسلفوا (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق، الا له الحكم وهو أسرع الحاسبين) (6). وكفى بالموت لللهو قامعا، وللذات قاطعا، ولخفض العيش مانعا (7) وكأني بها وقد أشرفت بطلائعها، وعسكرت بفظائعها (8) فاصبح المرء بعد صحته مريضا، وبعد سلامته نقيصا، يعالج كربا، ويقاسي تعبا، =========================================================================== (5) شرف القصور: جعلها ذات شرفات. و (جهز الالوف): جعلها مجهزة وذات عدة لكسر أقرانه أو الدفاع عن شأنه. وفي كتاب الامالي: (وجمهر الالوف) أي جعل الالوف من جنده وعسكره جمهورا أي جمعا كثيرا. (تداولتهم أيامها) أي حولتهم أيام الدنيا من حال العزة إلى الذلة، وصرفتهم من الحيات إلى الممات. و (ابتلغتهم أعوامها) أي ان صروف أيام الدنيا وكرور أيامها ولياليها بلعتهم وجذبتهم من ظهرها إلى بطنها. و (رفاتا): رميما مفتتا. (6) مابين القوسين اقتباس من الاية: (62) من سورة الانعام. (7) قامعا: صارفا ومانعا. و (خفض العيش): سعته وسهولته وهناءته. وهذه الجمل الثلاث غير موجودة في النسخة المطبوعة من كتاب الامالي. (8) الضمير في (بها) راجع إلى الاخرة المدلول عليها من سياق الكلام. (وقد أشرفت بطلائعها): قد علتكم وأتتكم بطلائعها من فوقكم. والطلائع: جمع الطليعة: من يبعث قدام الجيش كي يحافظ على مصلحة الجيش ويستعلم مأمونية ممر الجيش عن مكائد العدو. =========================================================================== [168] في حشرجة السياق وتتابع الفراق (9) وتردد الانين، والذهول عن البنات والبنين، والمرء قد اشتمل عليه شغل شاغل، وهول هائل، قد اعتقل منه اللسان، وتردد منه البيان، فأجاب مكروها، وفارق الدنيا مسلوبا ! ! ! لا يملكون له نفعا، ولالما حل به دفعا ! ! ! يقول الله عزوجل: (فلولا ان كنتم غير مدينين، ترجعونها ان كنتم صادقين [86 الواقعة: 56]. ثم من دون ذلك أهوال [يوم] القيامة، ويوم الحسرة والندامة، يوم ينصب فيه الموازين، وتنشر [فيه] الدواوين، لاحصاء كل صغيرة، واعلان كل كبيرة، يقول الله في كتابه: (ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا [49 / الكهف: 18]. أيها الناس الان الان، من قبل الندم، ومن قبل أن =========================================================================== (9) يعالج: يباشر ويزاول ويمارس. و (يقاسي): يكابد ويتحمل. و (الحشرجة): تردد النفس والغر غرة عند الموت. و (السياق): اجراء الشئ وحمله على السير من ورائه. و (الفراق): المفارقة. =========================================================================== [169] تقول نفس: (يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وان كنت لمن الساخرين، أو تقول: لو أن الله هداني لكنت من المتقين، أو تقول حين ترى العذاب: لو أن لي كرة فأكون من المحسنين) (10) فيرد [عليه] الجليل جل جلاله: (بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين) [59 الزمر: 39] فو الله ما يسأل الرجوع الا ليعمل صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (11). أيها الناس الان، مادام الوثاق مطلقا والسراج منيرا وباب التوبة مفتوحا، من قبل أن يجف القلم وتطوى الصحف (12) فلا رزق ينزل، ولاعمل يصعد. =========================================================================== (10) ما بين القوسين مقتبس من الاية: (56 - 58) من سوره الزمر: 39. (11) كما قال الله تعالى في الاية: (100) من سورة المؤمنين: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: رب ارجعوني لعلي أعمل صالحا فيما تركت. كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون). (12) الوثاق - بفتح الواو وكسرها -: ما يشد به من قيد أو حبل ونحوهما. والمراد من اطلاق الوثاق - هنا - هو كون الشخص مطلقا سراحه، مخلى عنه الوثاق ذاحرية في حركاته وسكانة، وذا مكنة من عمل الخير. والمراد من قوله: (والسراج منيرا) هو كون الشخص في كمال من عقله واجتماع من حواسه. والمراد من جفاف القلم هو قلم كتبة أعمال الشخص من الملائكة البررة، فان قلمهم يجف ولا يتحرك عند موت المكلف. والمراد من الصحف - وهو جمع الصحيفة - هو الصحائف التي تدرج فيها ما يعمله المكلف، فانها تظوى بموت المكلف ولا يكتب فيها شئ بعد مماته. =========================================================================== [170] المضمار اليوم والسباق غدا (13) وانكم لا تدرون إلى جنة أو إلى نار ! ! ! [و] استغفر الله لي ولكم. كتاب تنيه الخواطر - المعروف بمجموعة الشيخ ورام - ص 393، ورواه أيضا - مع صدر لطيف غير مذكور في هذه الرواية - في الحديث (8) من المجلس (28) من أمالي الشيخ: ج 2 ص 69. =========================================================================== (13) المضمار يقال لمكان الاضمار ولزمانه، وتضمير الخيل - أي احداث الضمور والهزال فيها - عبارة عن أن تربط ويكثر لها الماء والعلف حتى تسمن، ثم يقلل علفها وماؤها وتجرى في الميدان حتى تهزل، وحقيقة التضمير هو العمل الثاني أي اجراؤها في الميدان، لانه هو الموجب الاحداث الضمور أي الخفة وقلة اللحم في الخيل، واطلاقه على الاول من باب انه مقدمة للتضمير. والغرض من اضمار الخيل حصول الخفة فيها كي يسبق على أقرانها ويكون لها الجعل المقرر بين المتسابقين، كما ان المقصود من تطبيق القوانين الشرعية هو الفوز على ثمراتها الطيبة وبركاتها. (*) =========================================================================== [171] - 48 - ومن خطبة له عليه السلام في تحميد الله تعالى على ماله من الكبرياء والعظمة، واللطف والمرحمة، ثم الشهادة على رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم التوصية بتقوى الله ورفض العلائق عن الدنيا الشيخ أبو علي ابن شيخ الطائفة، عن أبيه محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله، قال: أخبرنا أبو الحسن [محمد بن أحمد بن شاذان] عن علي بن الحسين بن علي بن الحسن أبي الحسن النحوي الرازي، قال: أخبرني الحسن ابن علي الرمزني (1) قال: حدثني العباس بن بكار الضبي، قال: حدثني أبو بكر الهذلي، عن عكرمة: عن ابن عباس قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: الحمد لله الذي لا يحويه مكان ولا يحده زمان (2) علا بطوله ودنا بحوله (3) سائق كل غنيمة وفضل =========================================================================== (1) كذا في نسخة الامالي من طبعة النجف، ويحتمله أيضا رسم الخط من ط ايران، كما أن رسم الخط من الثاني يحتمل أيضا: (الزفري). (2) لان الله تعالى منزه عن المحدودية، والزمان والمكان محدودان، فلا يمكن للمحدود أن يحوي على غير المحدود أو يحده. وقريبا منه رواه عنه عليه السلام في المختار: (173) من نهج البلاغه. (3) كذا في الاصل، وفي المختار: (80) من نهج البلاغة: (الحمد لله الذي علا بحوله ودنا بطوله). =========================================================================== [172] وكاشف كل عظيمة وأزل (4) أحمده على جود [ه] [و] كرمه وسبوغ نعمه (5) وأستعينه على بلوغ رضاه، والرضا بما قضاه، وأومن به ايمانا، وأتوكل عليه ايقانا. وأشهد أن لا اله الا الله، رفع السماء فبناها، وسطح الارض فطحاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها (6) لا يؤده خلق (7) وهو العلي العظيم. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى المشهور، والكتاب المسطور، والدين المأثور، ابلاءا =========================================================================== (4) هذا هو الصواب، أي هو السائق إلى المخلوقين كل غنيمة وفضل ليس لغيره فيهما صنع. والسائق هو الذي يحمل الشئ على السير من ورائه. وفي النسخة (سابق) بالباء الموحدة. وفي النهج: (مانح كل غنيمة وفضل) والمانح: الواهب: والازل - كفلس -: الضيق والشدة. (5) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق. (6) سطح الارض - من باب منع -: بسطها. و (طحا الشئ - من باب دعا - طحوا): بسطه ومده. ومثله (طحى الشئ طحيا) من باب رمى. و (الجبال أرساها) - من باب أفعل -: أثبتها في الارض كالوتد. والكلام مقتبس معنى من الاية: (29) وما بعدها من سورة النازعات: 79 (7) لا يؤده - من باب قال: لا يصعب عليه ولا يثقله. =========================================================================== [173] لعذره وانهاءا لامره (8) فبلغ الرسالة وهدى من الضلالة، وعبد ربه حتى أتاه اليقين (9) فصلى الله عليه وآله وسلم كثيرا. أوصيكم [عباد الله] بتقوى الله، فان التقوى أفضل كنز وأحرز حرز وأعز عز، فيه نجاة كل هارب ودرك كل طالب (10) وظفر كل غالب، وأحثكم على طاعة الله، فانها كهف العابدين، وفوز الفائزين، وأمان المتقين. وأعلموا أيها الناس أنكم سيارة [و] قد حدا بكم الحادي وحدا لخراب الدنيا حاد (11) وناداكم للموت =========================================================================== (8) وقريبا منه رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار الثاني من نهج البلاغة. والمشهور: المعروف والمسطور: المكتوب. والمأثور: المنقول. و (ابلاءا لعذره) أي تبليغا لعذره وتبيينا لحكمة ما يفعله بالمطيعين والعاصين من التكريم والتنكيل، لكيلا يكون للناس على الله حجة. و (انهاءا لامره) أي ابلاغا لما طلبه وأراده من المكلفين. (9) والمراد باليقين - هنا -: الموت. ومثله قوله تعالى في الاية: (99) من سورة الحجر: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين). (10) الدرك والدرك - كالبرق والفرس -: ادراك الحاجة وبلوغها، أي وفي التقوى يدرك كل طالب حاجته. (11) هذا هو الظاهر الموافق لما في تنيه الخواطر، وفي الاصل: (وحدي لخراب الدنيا حادي وناداكم للموت منادي). يقال: (حدا زيد الابل أو بالابل - من باب دعا - حدوا وحداءا وحداءا): ساقها وغنى لها، فهو حاد والجمع حداة. و (حدا الريح السحاب): ساقته وحداه على كذا: بعثه وساقه. =========================================================================== [174] مناد ! ! ! فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور. ألا وان الدنيا دار غرارة خداعة، تنكح في كل يوم بعلا، وتقتل في كل ليلة أهلا، وتفرق في كل ساعة شملا ! ! ! فكم من منافس فيها، وراكن إليها (12) من الامم السالفة وقد قذفتهم في الهاوية ! ! ! ودمرتهم تدميرا، وتبرتهم تتبيرا، وأصلتهم سعيرا (13). أين من جمع فأوعى ؟ وشد فأوكى ؟ ومنع فأكدى (14) بل أين من عسكر العساكر ؟ ودسكر الدساكر (15) وركب المنابر ؟ =========================================================================== (12) وفيه تنبيه الخواطر: (فكم من متنافس فيها...). يقال: (نافس فلان في الامر نفاسا ومنافسة، وتنافس القوم في الامر تنافسا): رغبوا فبه. وراكن إليها: ساكن إليها وواثق بها. (13) قذفتهم في الهاوية: القتهم في جهنم. ودمرتهم: أهلكتهم. وتبرتهم أهلكتهم. وأصلتهم سعيرا: أدخلتهم النار الموقدة، من قولهم: (صلى فلانا النار من باب رمى -: أدخله اياها وأثواه فيها. (14) يقال: (أوعى الشئ ايعاعا): جعله في الوعاء أي الظرف. وأوعى الرجل المال وعليه: شح وبخل عله. و (أوكى الرجل ايكاء): بخل. سعى شديدا. والقربة: شدها بالوكاء. و (أكدى زيد اكداء): بخل في العطاء. و (سألت زيدا فأكدى) أي فوجدته مثل الكدية أي الارض الصلبة الغليظة التي لا يمكن حفرها. أو الصفاة العظيمة الشديدة التي لا يمكن كسرها. و (أكدى فلانا عن حاجته). رده عنها ومنعها منه. (15) (دسكر الدساكر): بناها وجعلها دسكرة أي قرية عظيمة ومدينة. =========================================================================== [175] أين من بنى الدور ؟ وشرف القصور ؟ وجمهر الالوف ؟ (16) قد تداولتهم أيامها، وابتلعتهم أعوامها فصاروا أمواتا، وفي القبور رفاتا (17) قد يئسوا عما خلفوا (18) ووقفوا على ما أسلفوا، (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين [62 الانعام: 6] وكأني بها وقد أشرفت بطلائعها وعسكرت بفظائعها فأصبح المرء بعد صحته مريضا، وبعد سلامته نقيصا، يعالج كربا ويقاسي تعبا، في حشرجة السباق وتتابع الفراق (19) =========================================================================== (16) شرف القصور - من باب نصر - شرفا وشرفها تشريفا): جعل لها الشرفة - كغرفة - وهي ما أشرف من بنائها. أو الشرفة - محركة - وهي مثلثات أو مربعات أو نحوها تبني في أعلى القصور. و (جمهر الالوف): جمعه. جعله جمهورا أي عددا كثيرا وجما غفيرا. وفي تنبيه الخواطر: (وجهز الالوف). (17) (تداولتهم أيامها) أي حولتهم أيام الدنيا من العزة إلى الذلة، وصرفتهم من الحياة إلى الممات. وابتلعتهم أعوامها: نقلتهم من ظهر الارض وأنزلتهم منه إلى جوفها. ورفاتا - مضم الراء -: رميما. (18) هذا هو الظاهر الموافق لما في تنبيه الخواطر، وفي النسخة الموجودة عندي من الامالي: (قد نسوا). (19) وفي تنبيه الخواطر: (في حشرجة السياق) بالياء المثنات التحتانية. يقال: (قاسى ؤ زيد التعب مقاساة): كابده وذاقه. و (حشرج المحتضر حشرجة)) من باب فعلل -: غرغر عند الموت وتردد نفسه. والسباق) - بالباء الموحدة -: الاجراء في مضمار المسابقة. و (السياق) - بليا المثاة التحتانية -: اجراء الشئ وحمله على السير من وراءه. والفراق - بالكسر مصدر لفاعل -: المارقة أي الانفصال والانقطاع. ولعل المراد منه توالي فراق الروح فانها تخرج عن الاعضاء تدريجا. أو المراد من تتابع الفراق هو فراق الاهل والاولاد والاموال والاقرباء والاحبة. (*) =========================================================================== [176] وتردد الانين، والذهول عن البنات والبنين ! ! ! والمرء قد اشتمل عليه شغل شاغل وهول هائل، قد اعتقل منه اللسان، وتردد منه البنان فأصاب مكروها (20) وفارق الدنيا مسلوبا، لا يملكون له نفعا، ولالما حل به دفعا، يقول الله عزوجل: (فلولا أن كنتم غير مدينين (21) ترجعونها ان كنتم صادقين) [86 الواقعة: 56]. ثم من دون ذلك أهوال يوم القيامة، ويوم الحسرة والندامة، يوم تنصب [فيه] الموازين، وتنشر [فيه] الدواوين، باحصاء كل صغيرة، واعلان كل كبيرة، يقول الله في كتابه: (ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا) [49 الكهف: 18]. ثم قال [عليه السلام]: أيها الناس الان الان، من قبل الندم، ومن قبل (أن تقول نفس: يا حسرتى على ما فرطت في جنب =========================================================================== (20) كذا في الاصل بالنون، وفي تنبيه الخواطر: (وتردد منه البيان فأجاب مكروها). (21) أي غير مجزيين بأعمالكم أو غير ذليلين ومستعبدين أو غير مؤجلين بأجل معلوم. =========================================================================== [177] الله وان كنت من قبله لمن الساخرين، أو تقول: لو أن الله هداني لكنت من المتقين، أو تقول - حين ترى العذاب -: لو أن لي كرة فأكون من المحسنين [56 - 58 / الزمر 39] فيرد [عليه] الجليل جل ثناؤه (بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين) [59 / الزمر: 39] فوالله ما سأل الرجوع الا ليعمل صالحا (22) ولا يشرك بعبادة ربه أحدا. ثم قال [عليه السلام]: أيها الناس الان الان، مادام الوثاق مطلقا والسراج منيرا، وباب التوبة مفتوحا، ومن قبل أن يجف القلم وتطوى الصحيفة، فلارزق ينزل، ولاعمل يصعد (23)، =========================================================================== (22) وفي تنبيه الخواطر: (فوالله ما يسأل الرجوع). وما ذكره عليه السلام ها هنا مقتبس من الاية: (100) من سورة المؤمنون): (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: رب ارجعوني لعلى أعمل صالحا فيما تركت، كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون). وقال تعالى في آخر سورة الكهف: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا). (23) لعل المراد من الوثاق - بكسر الواو مصدر واثق - هو المعاهدة أي اغتنموا الفرصة مادام باب المعاهدة مع الله - بأن تطيعوه ولا تعصوه - مفتوحا. والظاهر أن المراد من السراج المنير هو اجتماع الحواص وكمال العقل والادراك، وما ذكره في التوالي كناية عن الموت، فان بموت المكلف ينسد باب توبته ويجف قلم حفظته وتطوى صحيفة أعماله وتنفد رزقه فلا ينزل، وتنتهي دار العمل فلا عمل حتى يصعد. (نهج السعادة ج 3) (م 12) =========================================================================== [178] المضمار اليوم والسباق غدا (24) فانكم لا تدرون إلى جنة أو نار، وأستغفر الله لي ولكم. الحديث الثامن، من المجلس: (38) - وهو مجلس يوم الجمعة: (14) شعبان من سنه 457 - من أمالي الشيخ الطوسي ج 2 ص 69. ورواه عنه في الحديث: (33) من الباب: (14) من المجلد السابع عشر من بحار الانوار، ص 98 في السطر 7 ط الكمباني. ورواه أيضا الشيخ الزاهد ورام بن ابي فراس المتوفى سنة 605 في كتاب تنبيه الخواطر، ص 393. =========================================================================== (24) وفي المختار: (27) من نهج البلاغة: (ألا وان اليوم المضمار، وغدا السباق، والسبقة الجنة والغاية النار ! ! !). والمضمار يقال للمحل الذي يضمر فيه الخيل، وللزمان الذي تضمر فيه أيضا، يقال: (ضمر الفرس تضميرا، وأضمره اضمارا): جعله ضامرا أي قليل اللحم دقيقا كي يغلب على رقيبه ويسبقه عند المسابقة ويأخذ الجعل. وكيفية التضمير عند العرب انهم كانوا يربطون الخيل المقصود مجارتها ويكثرون علفها وماءها حتى تسمن، ثم يقللون علفها وماءها ويجرونها في الميدان حتى تهزل. وحقيقة التضمير هو العمل الثاني لانه هو المحدث لضمور الخيل أي هزالها وخفة لحمها، وقد يطلقونه أيضا على العمل الاول. والسباق: اجراء الخيل في ميدان المسابقة. =========================================================================== [179] - 49 - ومن خطبة له عليه السلام في التنبيه على تقلب الدنيا والتحذير عن الاغترار بها والركون إليها والخطبة معروفة وموسومة بالخطبة البالغة (1) الموفق بن أحمد الخوارزمي قال: أخبرنا الشيخ الامام الزاهد أبو الحسن على بن أحمد العاصمي الخوارزمي، أخبرني القاضي الامام شيخ القضاة اسماعيل ابن أحمد الواعظ، أخبرنا والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، اخبرنا ابو الحسين ابن بشران الورك [كذا] ببغداد، أخبرنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله بن محمد ابن أبي الدنيا، حدثنا علي بن الحسين بن عبد الله، عن عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي [عن أبيه قال]: أخبرنا رجل من بني شيبان (2) أن علي بن أبي طالب عليه السلام، خطب فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأن =========================================================================== (1) كما ذكرها في تذكرة الخواص، ص 131، ط الغرى. (2) كذا في الاصل، وفي تاريخ دمشق: (عن عبد الله بن صالح العجلي عن أبيه قال: خطب علي بن أبي طالب يوما فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم تم قال... =========================================================================== [180] محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليزيح به علتكم (3) ويوقظ به غفلتكم. واعلموا [عباد الله] أنكم ميتون ومبعوثون من بعد الموت، وموقوفون على أعمالكم ومجزيون بها، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، فانها دار بالبلاء محفوفة، وبالفناء معروفة، وبالغدر موصوفة (4) وكل ما فيها إلى زوال، وهي بين أهلها دول وسجال ! ! ! (5) لا تدوم أحوالها، ولن يسلم من شرها نزالها (6) بينا أهلها منها في رخاء وسرور، إذ هم منها في بلاء وغرور ! ! ! أحوال مختلفة وتارات متصرفة (7) العيش فيها مذموم ! ! والرخاء =========================================================================== (3) يقال: أزاح الله العلل ازاحة): أزالها. و (أزحت علته فيما احتاج إليه): قضيت حاجته. و (زاحت العلة - من باب قال - والمصدر كالقول والسحاب - زواحا وزوحا): زالت. (4) وفي النهج: (وبالغدر معروفة). (5) الدول - بضم الدال وكسرها -: جمع الدولة: ما يتداول ويتناوب فيه بين الناس فيكون مرة لهذا ومرة لذالك. والسجال بكسر السين - جمع السجل - بفتح أوله -: ما يتعارض فيه ويتسابق إليه فيكون تارة نصيب هذا، وأخرى لذاك. (6) النزال: جمع نازل كركاب وزارع في جمع راكب وزارع. (7) أي أحيان ومرات منقلبة غير ثابتة. وهي جمع التأرة مهموزة. =========================================================================== [181] فيها لا يدوم، وانما أهلها فيها أغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها، وتقصمهم بحمامها (8) وكل حتفه فيها مقدور، وحظه منها موفور (9). واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا وأشد منكم بطشا، وأعمر ديارا وأبعد آثارا (10) فأصبحت أصواتهم هامدة من بعد طول تعليها (11) وأجسادهم بالية، وديارهم خالية وآثارهم عافية ! ! ! (12) واستبدلوا بالقصور المشيدة، والسرر المنضدة، =========================================================================== (8) كذا في الاصل بالصاد المهملة أي تكسرهم وتهلكهم بالحمام - بكسر الحاء المهملة - وهي الموت. وفي تاريخ دمشق: (تقضمهم) - بالضاد المعجمة - أي تكسرهم بأطراف أسنانها وتأكلهم. وفي النهج: (وتفنيم بحمامها). (9) الحتف - كفلس -: الموت، والجمع الحتوف كفلوس. (10) أي أشد بعدا - أي عرضها وطولا - وأدوم بقاءا. (11) كذا في الاصل، وفي النهج: (أصبحت أصواتهم هامدة ورياحهم راكدة وأجسادهم بالية). وفي تاريخ دمشق: (فاصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها...). والهامدة والخامدة الساكنة: (والتعلي: الارتفاع في تمهل. والتقلب: الدوران والجريان على جهات مختلفة. وعلى كلا التقديرين الكلام كناية عن أن أيام مسرتهم وشوكتهم كانت طويلة. (12) عافية: مندرسة، من قولهم: (عفت الريح الاثر - من باب دعا - عفوا): محته. (عفا المنزل عفوا وعفاءا.): بلي ودرس =========================================================================== [182] والنمارق الممهدة الصخور والاحجار المسندة (13) في القبور اللاطئة الملحدة (14) التي قد بني على الخراب فناؤها، وشيد بالتراب بناؤها، فمحلها مقترب وساكنها مغترب، بين أهل عمارة موحشين، وأهل محلة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الجيران والاخوان، على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار وكيف يكون بينهم تواصل ؟ وقد طحنهم بكلكله البلى وأكلتهم الجنادل والثرى (15) فأصبحوا بعد الحياة أمواتا، وبعد غضارة العيش رفاتا (16) فجع =========================================================================== (13) الصخور والاحجار مفعول لقوله: (استبدلوا). والنمارق: جمع النمرقة والنمرق - بتثليث النون فيها -: الوسادة الصغيرة أو البساط. (14) وفي النهج: (فاستبدلوا بالقصور المشيدة، والنمارق الممهدة الصخور والاحجار المسندة والقبور اللاطئة الملحدة). واللاطئة: اللاصقة. يقال: (لطأ زيد بالارض لطأ) من باب منع وفرح - لصق. والملحدة: المشقوقة من قولهم: (الحد زيد القبر). جعل له شقا في وسطه أو جانبه. (15) طحنهم البلى - من باب منع - طحنا): جعلهم طحينا أي دقيقا أي كسرهم وغير صورتهم الشخصية والنوعية معا. أهلكم. والبلى - بكسر الباء -: الدروس والرثاثة. و (الكلكل) - كجعفر - الصدر. وفي الكلام تشبيه بديع حيث شبه عليه السلام البلى والرثوثة العارضة على الشئ الراجعة إلى الفناء والعدم بجمل برك على انسان وأوقع ثقله عليه وضغطه بصدره إلى أن أهلكه. والجنادل جمع الجندل: الصخر العظيم. والثرى: التراب الندي أي المرطوب. الندى والرطوبة. (16) غضارة العيش طيبه. و (رفاقا): محطوما منكسرا مدقوقا. =========================================================================== [183] بهم الاحباب، وسكنوا [التراب وظعنوا] فليس لهم اياب (17) هيهات هيهات (كلا انها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) (18) فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من الوحدة والبلى، في دار الموتى (19) وارتهنتم في ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع فكيف بكم لوقد تناهت الامور، وبعثرت القبور (20) وحصل ما في الصدور، وهتكت عنكم الحجب والاستار، وظهرت منكم العيوب والاسرار ووقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل (21) هنالك تجزى كل نفس بما =========================================================================== (17) ما بين المعقوفين مأخوذ من تاريخ دمشق. و (فجع بهم) الاحباب - من باب منع -: توجع الاحباب بفقدهم وتألموا بسبب موتهم. (18) مابين القوسين مقتبس من الاية: (100) من سورة (المؤمنون): 23. (19) هذا هو الظاهر الموافق لما في تاريخ دمشق، وفي الاصل، (من البلى والوحدة في دار النوى). والنوى - بفتح النون -: البعد. الوجه الذي يتوجه إليه المسافر. (20) وفي النهج: (فكيف بكم لو تناهت بكم الامور ؟ وبعثرت القبور ؟ هنا لك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون) [30 يونس: 10]. يقال تناهى به الأمر: وصل إلى غايته. وبعثرت القبور: قلب ثراها وأخرج ما فيها. (21) وفي تاريخ دمشق: (فكيف بكم لو قد تناهت الامور ؟ وبعثرت القبور، وحصل ما في الصدور ؟ وأوقفتم للتحصيل بين يدي ملك جليل فطارت القلوب لاشفاقها من سالف الذنوب وهتكت عنكم الحجب والاستار، وظهرت منكم العيوب والاسرار (هنالك تجزى كل نفس بما كسبت ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ووضع الكتاب فترى المجرمين شفقين مما فيه، ويقولون: يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها ؟ ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا). =========================================================================== [184] كسبت، أن الله عزوجل يقول: (ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) [31 - النجم: 53]. وقال: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون: يا ويلتنا مالهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا) [49 - الكهف: 18]. جعلنا الله واياكم عاملين بكتابه، متبعين لاوليائه حتى يحلنا واياكم دار المقامة من فضله، أنه حميد مجيد. الحديث (13) من الفصل: (24) - وهو باب جوامع كلم أمير المؤمنين عليه السلام - من كتاب المناقب للخوارزمي ص 267 ط النجف. وقد ظفرنا به أخيرا في الحديث: (182) من كتاب ذم الدنيا لعبد الله ابن أبي الدنيا... والخطبة من مشاهير خطبه عليه السلام، وقد رواها جماعة كثيرة من أعلام الخاصة والعامة مسندة ومرسلة، وقد رواها في الحديث الثاني من الباب (6) من تذكرة الخواص، ص 131، عن عمر بن معمر الدارقزي، عن أحمد بن محمد المداري، عن الحسن بن أحمد البناء، عن علي بن محمد بن بشران، عن الحسين بن صفوان - إلى آخر ما مر عن الخوارزمي - الا انه =========================================================================== [185] لم يذكر صدر الخطبة، وممن رواها مع الصدر، علي بن محمد الواسطي في كتاب عيون الحكم والمواعظ. كما نقلها عنه في الحديث: (109) من باب (122) - وهو باب حب الدنيا وذمها - من القسم الثالث من البحار: ج 15، ص 96 ط الكمباني. وفي ط الجديد: ج 73 ص 117. وكذلك رواها مرسلة ومع الصدر، في اواسط الباب: (49) من جواهر المطالب ص 51، ورواها أيضا بنحو الارسال في دستور معالم الحكم ص 36، ورواها أيضا ابن عساكر، في الحديث: (1280) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 216 ط 1، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن ابراهيم. أنبأنا رشا [ء] بن نظيف، أنبأنا الحسن ابن اسماعيل، أنبأنا أحمد بن مروان، أنبأنا أبو قبيصة، أنبأنا سعيد الجرمي عن عبد الله بن صالح العجلي عن أبيه قال... ورواها أيضا مرسلة في الحديث: (3537) من كنز العمال: ج 8 ص 219 ط 1، ط الهند، عن الدينوري في كتاب (كر). ورواها أيضا السيد الرضي رضوان الله عليه، في المختار: (223) من نهج البلاغة. (*) =========================================================================== [186] - 50 - ومن خطبة له عليه السلام في التوصية بتقوى الله والتذكير بآلاء الله، والتنبيه على عظيم الاهوال والقيام بين يدي الله تعالى قال صاحب جواهر المطالب: قال الحسن بن علي شيع علي [عليه السلام] جنازة فلما وضعت في لحدها ضج أهلها بالبكاء، فقال [علي عليه السلام] مم يبكون ؟ أما والله لو عاينوا ما عاين ميتهم لاذهلتهم معاينتهم عن ميتهم وان لهم فيه (1) لعودة ثم عودة حتى لا يبقى منهم أحد [ثم قام عليه السلام خطيبا فيهم] (2) وقال: أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب [لكم] الامثال ووقت لكم الاجال (3) وجعل لكم أسماعا تعي ما =========================================================================== (1) كذا في النسخة، وفي حلية الاولياء: ج 1 ص 77، وتذكرة الخواص، ص 140: (أما والله أن له إليهم لعودة ثم عودة...) (2) ما بين المعقوفين زيادة توضحيحية منا. (3) وقريب منه جدا في المختار (81) من نهج البلاغة وكلمة: (لكم) الموضوعة بين المعقوفين مأخوذة من الحلية والتذكرة. وأنما عد عليه السلام ضرب الامثال وتوقيت الاجال من جملة نعماء الله التي لاجلها يجب على العبد أن يتقي الله، إذ ضرب الامثال في كلام الله انما هو لتقرير الحقائق في أذهان المكلفين واهتدائهم به، فهو نعمة لهم يجب عليهم شكرها وكذا جعل الاجال موقتة لا يشوبها تقديم ولا تأخير سبب لانتهازهم الفرص وتزودهم من أموالهم وامكانياتهم في أيام فراغهم وصحتهم وشبابهم وقدرتهم، فتوقيت الاجال أيضا من النعم التي يجب عليهم أن يشكروها ويتقو الله من أجلها. (*) =========================================================================== [187] عناها، وأبصارا لتجلي عن عشاها (4) وأفئدة تفهم ما دهاها، فان الله لم يخلقكم عبثا، ولم يضرب عنكم الذكر صفحا (5) بل أمدكم بالنعم السوابغ، ورزقكم بأرفد الروافد (6) وأرصد لكم الجزاء (7) في السراء والضراء. فاتقوا الله عباد الله وجدوا في الطلب، وبادروا في العمل [قبل قدوم] هادم اللذات [ومفرق الجماعات] (8) =========================================================================== (4) هذا هو الظاهر، وفي النسخة (ينجلى) وفي دستور معالم الحكم ونهج البلاغة: (وابصارا لتجلو عن عشاها). يقال عني الامر لفلان - من باب رمى - عنيا: نزل وحدث به. ويقال (عنا الامر فلانا عنايه وعنيا) شغله وأهمه و (عنى بالامر - على بناء المفعول - عناية وعنيا): اشتغل وأهم به وأصابته العناء. ويقال: (جلاء زيد الامر - من باب دعا - جلوا وجلاء): كشفه. و (جلا عنه الهم وأجلاه عنه أجلاء): كشفه عنه و (انجلى عنه الهم) انكشف. والعشا والعشاوة - بفتح الاول فيهما -: سوء البصر وضعفه: وقوله: (ما دهاها): ما تنوبها وتعرضها. أو ما يحذفها ويجودها. (5) وفي الاية: (5) من سورة (المؤمنون): (أفحسبتم انما خلقتناكم عبثا وأنكم الينا لا ترجعون). وفي الاية (5) من سورة (الزخرف): (أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين). (6) وفي دستور معالم الحكم: (ورفدكم بأحسن الروافد). والسوابغ جمع السابغة: الواسعة. (7) هذا هو الظاهر، ولفظة: (الجزاء) كان في الاصل بنحو الاهمال. وفي تذكرة الخواص (بل أكرمكم بالنعم السوابغ، والالاء السوائغ، فاتقوا الله عباد الله، وحثوا في المطلب، وبادروا بالعمل قبل الندم [و] قبل هادم اللذات). وفي المختار: (81) من النهج: (أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب [لكم] الامثال ووقت لكم الاجال وألبسكم الرياش وأرفغ لكم المعاش وأحاطكم بالاحصاء، وأرصد لكم الجزاء وآثركم بالنعم السوابغ، والرفد الروافغ وأنذركم بالحجج البوالغ). (8) ما بين المعقوفين مأخوذ من تذكرة الخواص. =========================================================================== [188] فان الدنيا لا يدوم نعيمها، ولا يؤمن فجائعها، غرور حائل وسناد رابل ؟ ! ! (9). فاتقوا [الله] عباد الله فاعتبروا بالايات والنذر، وانتفعوا بالمواعظ (10) وكأن قد علقتكم مخالب المنية، وضمكم بيت التراب، ودهمتكم معضلات الامور بنفخة الصور، وبعثرة القبور، وسياقة المحشر (11) =========================================================================== (9) كذا في النسخة، والظاهر أن اللفظة مصحفة وأن الصواب: (سناد مائل). وفي تذكرة الخواص: (غرور حائل، وسناد مائل ونعيم زائل وجيد عاطل ! ! ! فاتعظوا عباد الله بالعبر، وازدجروا بالنذر، فكأن قد علقتكم مخالب المنية، وأحاطت بكم البلية). وفي المختار: (81) من نهج البلاغة: (فاتعظوا عباد الله بالعبر النوافع، واعتبروا بالاي السواطع، وازدجروا بالنذر البوالغ، وانتفعوا بالذكر والمواعظ). (10) والنذر جمع النذير: المنذر. الرسول. اسم بمعنى الانذار. مصدر غير قياسية لانذر يقال: (انذره من معصية الله انذارا ونذرا - بالفتح فالسكون - ونذرا بضمتين أو بضمة فسكون - ونذيرا): أعلمه وحذره من عواقبها. (11) وفي النهج: (فكأن قد علقتكم مخالب المنية، والنقطعت منكر علائق الامنية، ودهمتكم مفظعات الامور، والسياقة إلى الورد المورود...). قد علقتكم - من باب علم -: تعلقت بكم ونشب فيكم. والمخاطب: الاظفار، وهي جمع المخلب - بكسر الميم - بمعنى الخلب - بالكسر فالسكون -: الظفر. المنجل. والجمع الاخلاب: الاظفار. ويعبر المرود شتيون عن المخالب ب‍ (جنكال) وتعبيرهم أشمل. والمنية: الموت. ودهمتكم - من باب علم ومنع -: غشيتكم وأصابتكم. ومعضلات الامور ومفظعاتها: مشكلاتها وشدائدها. وبعثرة القبور: تقلبها. والسياق والسياقة: السوق. وفي المختار: (199) من نهج البلاغة: (وكأنكم بمخالبها وقد نشبت فيكم وقد دهمتكم فيها مفظعات الامور، ومعظلات المحذور...). =========================================================================== [189] وموقف الحساب باحاطة قدرة الجبار، وكل نفس معها سائق وشهيدا [سائق يسوقها إلى محشرها، وشهيد] يشهد عيها بعملها (12) (وأشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء، وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون) (13) فارتجت لذلك اليوم البلاد ! ! ! [وخشع العباد] وناد [ى] المناد [ي] وكان يوم التلاق، وكشف عن ساق ! ! ! (14) وكسفت الشمس وحشرت الوحوش ! ! وبدت الاسرار، وهلكت الاشرار، وبرزت الجحيم [و] لها كلب ولجب (15) وقصيف ! ! ! =========================================================================== (12) هذا هو الصواب الموافق لما في نهج البلاغة - وما بين المعقوفين أيضا مأخوذ منه - وفي الاصل: (بعلمها). (13) اقتباس من الاية: (69) من سورة الزمر: 39. (14) مابين المعقوفين مأخوذ من تذكرة الجواص، وهذا الكلام وما بعده مأخوذ معنى من آيات كثيرة من القرآن الكريم منها الاية: (13) وما بعده من سورة المؤمن، ومنها الاية: (42) وما بعدها من سورة القلم: 68. (15) هذا هو الصواب، وفي الاصل (وبذت) بالذال المعجمة. و (لحب) بالحاء المهملة. و (بدت) ظهرت وفشت و (برزت الجحيم): أظهرت وأخرجت إلى الفضاء الخالي بحيث يراها جميع أهل الموقف. و (لها كلب) أي لها نباح كالكلب العقور المستعد للعض والاخذ بشدة وحرص ! ! ! و (لجب) - كفرس -: الصهيل والصياح والهيجان والاضطراب. =========================================================================== [190] [و] رعد وتغيظ وزفير (16) وبرزت الجحيم وغلا حميمها وتوقد سمومها، فلا تنفس عن ساكنها [ظ] ولا ينقطع [عنهم] حسراتها ولا تفصم [منهم] كبولها (17) معهم ملائكة يبشرونهم بنزل من حميم وتصلية حجيم [و] هم عن ربهم [يومئذ] محجوبون، ولاوليائه مفارقون، والى النار منطلقون. فاتقوا الله عباد الله اتقاء من كبع فحسر (18) ووجل =========================================================================== (16) هذا هو الظاهر الموافق للاية: (12) من سورة الفرقان: (إذ رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا). وفي الاصل: (ووعيد). ويقال: (قصف الرعد - من باب نصر - قصفا وقصيفا): اشتد صوته. (وقصف البعير): صرف أنيابه وهدر في الشقشقة. والرعد - هنا - - التهديد والايعاد، أو الضطراب والاهتزاز والتمايل من جانب إلى آخر. والتغيظ: شدة الغضب. والزفير: صوت توقد النار. (17) وفي تذكرة الخواص: (وبرزت الجحيم قد تأجج جحيمها وغلا حميمها). والحميم: الماء الحار. وتوقد - على بناء المعلوم -: اشتعل وتلالا. وعلى بناء المجهول: أوقد وأشعل. و (فلاتنفس عن ساكنها): لاتفرج الغموم عنهم ولا تزيل الهموم منهم. وقصم الشئ - من باب ضرب - قصما): قطعة. والكبول - كفلوس -: جمع الكبل - كفلس - القيد أو العظيم منه. (18) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (وقال: عباد الله اتقوا الله...). وفي تذكرة الخواص: (فاتقوا الله عباد الله تقية من وجل وحذر، وأبصر وازدجر...). ثم أن لفظة: (كبع) كانت في الاصل غير منقوطة، ورسم الخط - كلمعنى - يساعد على ان تقر (كبع) بالباء الموحدة، وبالنون أيضا، يقال: (كبع زيد آماله - من باب منع - كبعا): قطعها. و (كبع زيد نفسه): منعها. و (كبع كبوعا): خضع وذل. ويقال: (كنع زيد عن هواه - من باب منع - كنوعا). جبن وهرب عن اطاعته. وقوله: (فحسر لعله من قولهم: (حسر فلان البيت - من باب نصر - حسرا): كنسه. =========================================================================== [191] فحذر، وأبصر فازدجر [فاحتث] طلبا ونجا هربا (19) وقدم للمعاد، واستظهر بالزاد، وكفى بالله منتقما ونصيرا، وكفى بالكتاب خصيما وحجيجا (20) وكفى بالجنة ثوابا، وبالنار وبالا وعقابا، وأسغفر الله لي ولكم. الباب (49) من كتاب واهر المطالب ص 47، وقد تقدم أيضا في المختار: (36) ص 129، بصدر مغاير لما ها هنا، عن مصدر آخر. ورواها أيضا سبط ابن الجوزي في الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص، ص 131، أو 140، نقلا عن حلية الاولياء، كما رواها أيضا في المختار (11) من مستدرك نهج البلاغة للشيخ هادي رحمه الله. وروها قبلهم جميعا أبو نعيم الاصبهاني في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب حلية الاولياء: ج 1، ص 77 قال: حدثنا أبي، حدثنا ابراهيم بن محمد بن الحسن، قال: كتب الي أحمد بن ابراهيم بن هشام الدمشقي حدثنا أبو صفوان القاسم بن يزيد بن عوانة، عن ابن حرث، عن ابن عجلان، عن [الامام] جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده أن عليا [امير المؤمنين عليه السلام] شيع جنازة... أقول: وفي المختار: (83) من نهج البلاغة أيضا شواهد لهذا الكلام الشريف. =========================================================================== (19) مابين المعقوفين مأخوذ من حلية الاولياء، وتذكرة الخواص ومستدرك النهج - للشيخ هادي رحمه الله - وها هنا في نسخة جواهر المطالب تصحيف. وفي تيسير المطالب المخطوط ص 130: (فاجتنب هائبا [ظ] ونجا هاربا). (20) هذا هو الظاهر الموافق لما في المختار: (83) من نهج البلاغة. وفي الاصل: (وكفى بالله منتقما وبصيرا، وكفى بالكتاب خصما وحجيجا). =========================================================================== [192] - 51 - ومن خطبة له عليه السلام في تحميد الله تعالى وتزهيد الناس عن التعلق بالدنيا ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني تغمده الله برحمته، عن علي بن الحسين المؤدب وغيره، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن اسماعيل بن مهران، عن عبد الله بن أبي الحارث الهمداني، عن جابر، عن أبي جعفر [الامام محمد الباقر] عليه السلام، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: الحمد لله الخافض الرافع، الضار النافع (1) الجواد الواسع، الجليل ثناؤه، الصادقة أسماؤه، المحيط بالغيوب، وما يخطر على القلوب (2) الذي جعل الموت بين خلقه عدلا (3) وأنعم بالحياة عليهم فضلا =========================================================================== (1) الخافض للمتكبرين والعالين، والرافع للمتواضعين والمستضعفين، والضار للملحدين والمتمردين بأنواع النكال والنقمة، والنافع للمؤمنين والمناقدين بأنواع ما يتنعمون به وتشتهي أنفسهم. (2) هذا وأمثاله من ضروريات الشرع، وأقوال أمير المؤمنين عليه السلام بانفراده متواترة على ذلك، وبه يعرف ضلالة من أنكر علمه تعالى بالجزئيات، أو قبل وجود الممكنات. (3) لعل عدلية الموت بلحاظ أن به يصل إلى كل ذي حق حقه. =========================================================================== [193] فأحيا وأمات، وقدر الاقوات، أحكمها بعلمه تقديرا، وأتقنها بحكمته تدبيرا (4) انه كان خبيرا بصيرا. هو الدائم بلا فناء، والباقي إلى غير منتهى (5) يعلم ما في الارض وما في السماء، وما بينهما وما تحت الثرى. أحمده بخالص حمده المخزون (6) بما حمده به الملائكة والنبيون، حمدا لا يحصى له عدد، ولا يتقدمه أمد (7) ولا يأتي بمثله أحد، أو من به وأتوكل عليه، وأستهديه وأستكفيه، وأستقصيه بخير وأسترضيه (8). وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. صلى الله عليه وآله. =========================================================================== (4) الظاهر أن الضمير في قوله: (أحكمها... وأتقنها) راجع إلى الاقوات. (5) أي ان بقاءه تعالى لا انتهاء له. (6) أي المحفوظ عن شوب الرياء وتشريك غيره فيه. (7) الامد: الاجل والمدة المعينة. (8) أستقصيه بخير: أسأله وأطلب منه نهاية الخير. (نهج السعادة ج 3) (م 13) =========================================================================== [194] أيها الناس ان الدنيا ليست لكم بدار ولا [محل] قرار [و] انما أنتم [فيها] كركب عرسوا فأناخوا، ثم استقلوا فغدوا وراحوا (9) دخلوا خفافا وراحوا خفافا (10) لم يجدوا عن مضي نزوعا، ولا إلى ما تركوا رجوعا (11) جد بهم فجدوا وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا حتى إذا أخذوا بكظمهم (12) وخلصوا إلى دار قوم جفت أقلامهم (13) [و] لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر، قل في الدنيا لبثهم وعجل إلى الاخرة بعثهم، فأصبحتم حلولا في ديارهم ظاعنين على آثارهم، والمطايا بكم تسير سيرا ! ! ! ما فيه أين ولاتفتير (14) نهاركم بأنفسكم دوب، =========================================================================== (9) الركب: جمع الراكب. (عرسوا): نزلوا في آخر الليل للاستراحة والنوم. (فأناخوا) أبركوا واستناخوا رواحلهم لوضع الاثقال عنها للاستراحة. (استقلوا) رفعوا رؤسهم من المنام وقاموا فحملوا أثقالهم. (فغدوا): ذهبوا غدوة وانطلقوا في أول النهار. (10) والخفاف - بكسر أوله -: جمع الخفيف: السريع. أي دخلوا في المعرس سريعا ثم ارتحلوا عنه وذهبوا سريعا ! ! ! (11) النزوع - بضم النون -: الكف والاقلاع. (12) الكظم - بالتحريك -: مخرج النفس، والجمع كظام وأكظام. والاخذ بالكظم كناية عن الهلاك والاستيصال، وانما عبر بالكظم الجل أن العصاة يقبضون وهم حابسون أنفسهم على كرب ما عملوا وغم ما فعلوا ! ! ! (13) جف الاقلام كناية عن اخماد شوكتهم وانطفاء آثار مكنتهم وسلطتهم. أو أنه كناية عن جفاف أقلام حفظة أعمالهم وقاسمي ارزاقهم. (14) الاين - بفتح الهمزة وسكون الياء -: التعب والاعياء. والتفتير - كالفتور -: السكون بعد الحدة، واللين بعد الشدة. =========================================================================== [195] وليلكم بأرواحكم ذهوب (15) فأصبحتم تحكون من حالهم حالا، وتحتذون من مسلكهم مثالا ! ! ! (16) فلا تغرنكم الحياة الدنيا فأنما أنتم فيها سفر حلول [و] الموت بكم نزول، تنتضل فيكم مناياه، وتمضي بأخباركم مطاياه (17) إلى دار الثواب والعقاب، والجزاء والحساب. فرحم الله امرءا راقب ربه وتنكب ذنبه (18) وكابر هواه وكذب مناه، [ورحم الله] امرءا زم نفسه من التقوي بزمام، وألجمها من خشية ربها بلجام، فقادها إلى الطاعة بزمامها، وقدعها [وقرعها (خ)] عن المعصية =========================================================================== (15) يقال: (دأب زيد في العمل - من باب منع - دأبا ودأبا ودؤبا): جد وتعب، فهو دائب ودؤب. و (دأب الدابة): ساقها شديدا. ويقال: (ذهب عمرو بالشئ - من باب منع - ذهابا وذهوبا ومذهبا): استصحبه وذهب به معه. أزاله من مكانه. واذهبه وأذهب به: أزاله من مكانه. والذهوب - كصبور -: الذاهب. (16) تحتذون: تقطعون وتسلكون. و (مثالا) مسلكا أي انتم سائرون على منهاجهم إلى من له الخلق والامر. (17) السفر: جمع السافر. وحلول: نازلون. ونزول: واردن. وتنتضل: تترامي. والمنايا: جمع المنية. والمطايا: جمع المطية. (18) تنكب ذنبه: عدل عنه وولاه منكبه وأقبل نحو غيره. اجتنبه واعتزله. =========================================================================== [196] بلجامها (19) رافعا إلى المعاد طرفه، متوقعا في كل أوان حتفه، دائم الفكر، طويل السهر، عزوفا عن الدنيا سأما، كدوحا لاخرته متحافظا (20). [ورحم الله] امرء جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته ودواء أجوائه (21) فاعتبر وقاس، وترك الدنيا والناس [وهو] يتعلم للتفقه والسداد، وقد وقر قلبه ذكر المعاد (22) وطوى مهاده وهجر وساده، (الهامش) (19) يقال: (زم زيد الدابة - من باب مد - زما): ربطها وشدها. و (زم الجمال): خطمها - و (الزمام) - بكسر أوله -: ما يشد به. المقود. والجمع الازمة. و (اللجام) بكسر اللام -: سمة للابل. ما يجعل في فم الفرس من الحديد مع الحكمتين والعذارين والسير، ويعبر عنه أهل بلادنا من المرو دشتيين ب‍ (دهنه) محركة. و (قدعها) من باب منع -: دفعها. زجرها. ويقال: (قدع زيد فرسه باللجام قدعا): جذبه به لتقف ولا تجري. (20) الطرف: العين والحتف - كحرف -: الموت. و (عزوفا): ملولا. زاهدا غير راغب. و (سأما): كسلا. ويقال: (كدح زيد في العمل - من باب منع - كدحا) جهد نفسه فيه وكدحتى أثر فيها. (21) عدة الوفات: ما يعد ويهيأ من الخيرات. والاجواه: جمع الجوى: الداء وتطاول المرض. الحرقة وشدة الوجد من عشق أو خوف. (22) أي جعل ذكر المعاد قبله رزينا ذاوقار، ثابتا على المكارم غير متمايل إلى السفاسف. هذا بناءا على كون (وقر) من باب شرف، وان كان من باب التفعيل فمعناه: ان ذكر المعاد جعل قلبه ساكنا مطمئنا إلى كريم وعد الله. =========================================================================== [197] منتصبا على أطرافه، داخلا في أعطافه (23) خاشعا لله عزوجل، يراوح بين الوجه والكفين، خشوع في السر لربه، لدمعه صبيب، ولقلبه وجيب ! ! ! شديدة أسباله، ترتعد من خوف الله عزوجل أوصاله (24) قد عظمت فيما عند الله رغبته، واشتدت منه رهبته، راضيا بالكفاف من أمره [وان أحسن طول عمره] (25) يظهر دون ما يكتم، ويكتفي بأقل مما يعلم، أولئك ودائع الله في بلاده، المدفوع بهم عن عباده ! ! ! لو أقسم أحدهم على الله جل ذكره لابره (26) أو دعا على أحد نصره الله، يسمع [الله مناجاته] إذا ناجاه، ويستجيب له إذا =========================================================================== (23) المهاد: الفراش. والوساد والوسادة - بتثليث الواو فيهما -: المخدة والمتكأ. و (منتصبا على أطرافه): حاملا ثقله على قدميه وكفيه وجبهته يناجى الله تعالى قائما وراكعا وساجدا. و (الاعطاف): جمع العطف - كحبر - الابط. الجانب. (24) يقال: رواح بين العلملين: اشتغل بهذا مرة وبهذا أخرى. ورواح بين رجليه: قام على كل منهما مرة. و (صبيب): تصبب وانسكاب. و (وجيب): خفقان واضطراب. و (أسباله): دموعه السائلة. و (أوصله): أعضاؤه. (25) ما بين المعقوفين مأخوذ من كتاب الوافي. والكفاف - بفتح الكاف -: ما يبلغ الانسان إلى حاجته ويغنيه عن الناس. (26) أي لوفى به وأمضاء وصدقه، يعني يعمل بما حلف وأقسم به. =========================================================================== [198] دعاه، جعل الله العاقبة للتقوى، والجنة لاهلها مأوى دعاؤهم فيها أحسن الدعاء: (سبحانك اللهم) دعاؤهم المولى على ما آتاهم: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) (27). الحديث (193) من روضة الكافي، ص 170، ورواه عنه في كتاب الوافي: ج 3 ص 100. وقريبا منه رواه أيضا الشيخ ورام ابن أبي فراس رضوان الله عليه في كتاب تنبيه الخواطر، ص 459، وقد تقدم ها هنا، في المختار: (42) ص 148. وكذلك رواه في أول الباب: (49) من جواهر المطالب ص 48 غير أن فيه لم يذكر من أول الخطبة ولامن آخرها. وقريبا منه رواه أيضا في المختار الثامن من خطب مستدرك نهج البلاغة للشيخ هادي رحمه الله. =========================================================================== (27) اقتباس من الاية: (10) من سورة يونس 10. واليك تمام الاية الكريمة والتي قبلها: (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم تجري من تحتهم الانهار في جنات النعيم، دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين). =========================================================================== [199] - 52 - ومن كلام له عليه السلام في تمثيله صورة الدنيا واستحضارها عنده ومخاطبته اياها بأنه طلقها ثلاثا وقطع علاقتها قطعا لاوصل بعده أبدا الحافظ الكبير ابن عساكر قال: أنبأنا أبو علي الحداد، أنبأنا أبو نعيم الحافظ، أنبأنا سليمان بن أحمد، أنبأنا محمد بن زكريا الغلابي النبأنا العباس ابن بكار الضبي أنبأنا عبد الواحد بن أبي عمر الاسدي عن محمد بن السائب الكلبي: عن أبي صالح، قال: دخل ضرار بن ضمرة الكتاني (1) على معاوية فقال له: صف لي عليا. فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين ؟ قال: لاأعفيك ! قال له [و] إذ لابد [منه] فانه: والله كان [علي] بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا، ويحكم عدلا ينفجر العلم من جوانبه ! ! ! يستوحش من الدنيا وزهرتها [و] يستأنس بالليل وظلمته ! ! ! كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه ويخاطب نفسه، ويعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب ! ! ! كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ! ! ! ويجيبنا إذا سألناه. =========================================================================== (1) كذا ذكره بالمثناة الفوقانية في هذا الموضع من الاصل، وذكره في ابتداء الترجمة من النسخة هكذا (اللساني) ؟ =========================================================================== [200] وكان مع تقربه الينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له ! ! ! فان تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم. [كان] يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ! ! ! (2). فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه - وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه (3) - يتمثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم (4) ويبكي بكاء الحزين ! ! ! فكأني أسمعه الان وهو يقول: يا ربنا يا ربنا - يتضرع إليه - ويقول للدنيا: أبي تعرضت ؟ ألي تشوفت ؟ (5) هيهات هيهات غري غيري قد بتتك ثلاثا ! ! ! (6) =========================================================================== (2) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (ولا يأنس). (3) أرخى: أرسل وجعله رخوا. والسدول: الاستار، وهو جمع السدل - كقفل -: الستر، ويجمع أيضا على أسدال وأسدل. وغارت نجومه: غابت. (4) يتململ: يضطرب ويتقلب. والسليم: الملدوغ من حية ونحوها مما إذا لدغ الانسان وأفرغ سمومه في بنه يوجعه ويقلبه يمينا وشمالا. (5) كذا في الاصل، يقال: (شاف فلان المرآة - من باب قال - شوفا): صقلها وجلالها. و (شيفت الجارية): زينت. و (تشوفت الجارية تشوفا): تزينت. و (شوف العروس تشويفا): زينه. وفي جل الطرق والمصادر: (ألي تشوقت) بالقاف، والتشوق: اظهار الشوق الشديد إلى الشئ. (6) يقال: (أبت زيد الامر ابتاتا - وبتته تبتينا وبته - من باب مد وفر - بتا): قطعه. أمضاه وأكد انجازه. وفي المختار: (77) من الباب الثالث من نهج البلاغة: (غري غيري لا حاجة لي فيك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها ! ! ! فعيشك قصير وخطرك يسر، وأملك حقير...). =========================================================================== [201] فعمرك قصير، وعيشك حقير (7) وخطرك يسير ! ! !. آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق ! ! ! (8). فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء ! ! ! (9) فقال: هكذا كان أبو الحسن رحمه الله ! ! فكيف وجدك عليه يا ضرار ؟ ! قال: وجد من ذبح واحد [ها] في حجرها لا يرقأ دمعتها ولا يسكن حرها ! ! ! (10) ثم قام فخرج. ترجمة ضرار بن ضمرة من تاريخ دمشق: ج 25 ص 346، وقد رواه عن طريق آخر سيأتي نقله. وقد تقدم أيضا في المختار: (19) من هذا القسم ص 100، عن مصدر آخر، وله أساتيد ومصادر كثيرة، أشرنا إلى بعضها فيما تقدم. =========================================================================== (7) هذا هو الصواب وفي الاصل: (فعمري قصير ومحلسك حقير). (8) وفي النهج: (آه من قلة الزاد، وطول السفر، وبعد الرطيق وعظيم المورد ! ! !). (9) وكف - كوعدت -: سالت قليلا قليلا. و (نشفت زيد الماء - من باب نصر - نشفا، ونشفه تنشيفا): مسحه عن جسده بخرقة أو نحوها. واحتنق القوم بالبكاء: غصوا بالبكاء حتى كأن الدموع أخذت بمخنفقهم. (10) لا يرقأ - من باب منع -: يلايجف ولا ينقطع. =========================================================================== [202] - 53 - ومن كلام له عليه السلام في التحذير عن الدنيا، وانها غير خليقة للتعلق بها والاطمئنان إليها ! ! ! قال ابن مسكويه رحمه الله: وخطب [أمير المؤمنين] عليه السلام فقال: احذروا الدنيا فانها عدوة أولياء الله وعدوة أعدائه ! ! ! أما أولياؤه فغمتهم ! ! ! وأما أعداوه فغرتهم ! ! ! (1) الحكمة الخالدة - أو جاويدان خرد - ص 111، ط مصر، 1. =========================================================================== (1) وفي المختار: (400) من الباب الثالث من نهج البلاغة: (ان الدنيا تغر وتضر وتمر ! ! ! ان الله سبحانه لم يرضها ثوابا لاوليائه ولاعقابا لاعدائه). =========================================================================== [203] - 54 - ومن كلام له عليه السلام في أن أفعال الله تعالى معللة بحكم ومصالح، وأنه تعالى لا يأمر الا بالحسن، ولا ينهي الا عن القبيح وأنه تعالى منزه عن ظلم عباده قال ابن مسكويه رضوان الله عليه: وقال [أمير المؤمنين] عليه السلام في خطبة له: ان الله لا يأمر الا بالحسنى [بالحسن (خ)] ولا ينهى الا عن القبيح (1) فلا تخافوا ظلم ربكم و [لكن (خ)] خافوا ظلم أنفسكم. الحكمة الخالدة - أو جاويدان خرد - ص 113، ط 1 بمصر. =========================================================================== (1) وكان في الاصل هكذا: (أحسن الامور عند الله أحسنها عند الناس، لان الله لا يأمر الا...) وبما أن صدر الكلام لا يلائم النزعة العلوية الالهية الا على توجيه بعيد، ولم يقم دليل على صدور الكلام عنه عليه السلام واحتمال السقط والصحيف فيه قائم لم نذكره في المتن. =========================================================================== [204] - 55 - ومن كلام له عليه السلام في تأكد وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ابراهيم بن محمد الثقفي رحمه الله، قال: حدثني محمد بن هشام المرادي قال: أخبرنا أبو مالك عمر بن هشام، قال: حدثنا ثابت أبو حمزة [الثمالي] عن موسى، عن شهر بن حوشب أن عليا [أمير المؤمنين عليه السلام] قال لهم: انه لم يهلك من كان قبلكم من الامم الا بحيث ما أتوا من المعاصي ولم ينههم الربانيون والاحبار ! ! ! فلما تمادوا في المعاصي (1) ولم ينههم الربانيون والاحبار عمهم الله بعقوبة ! ! ! فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم ! ! ! واعلموا أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق، فان الامر ينزل =========================================================================== (1) أي تجاذبوها وتواغلوا فيها. والربانيون: المنسوبون إلى الرب أي الذين لهم علم وعمل بشؤون الرب ولشؤنه. والاحبار: جمع الحبر - كفلس -: العالم الصالح. =========================================================================== [205] من السماء إلى الارض - كقطر المطر إلى كل نفس بما قدر الله لهامن زيادة أو نقصان ! ! ! في نفس أو أهل أو مال، فإذا كان لاحدكم نقصان في ذلك ورآى لاخيه عفوة (2) فلا تكون له فتنة، فان المرء المسلم ما لم يغش دناءة - يخشع لها إذا ذكرت ويغرى بها لئام الناس - كان كالياسر الفالج (3) ينتظر أول فوزة من قداحه يوجب له بها المغنم، ويذهب عنه بها المغرم (4) فكذلك المرء المسلم البرئ من الخيانة ينتظر [من الله] احدى الحسنيين: اما داعي الله فما عند الله خير له، واما رزق من الله واسع فإذا هو ذو أهل ومال ومعه [دينه] وحسبه (5) المال =========================================================================== (2) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: (يواري لاخيه عفوه). والعفو - كفلس - والعفوة - كحبرة وابرة -: الخيار من الشئ وصفوته. (3) ومثله في الكلمتين - في روايتي ابن عساكر، وقرب الاسناد وتفسير القمي، وتاريخ اليعقوبي والمختار: (8) من باب غريب كلامه عليه السلام من الباب الثالث من نهج البلاغة. والياسر المقامر. والفالج: الغالب. (4) هذا هو الصواب، وفي النسخة في المواردين ذكر (المغنم). (5) ومثله في النهج والكافي، وتقسير القمي، وقرب الاسناد وتاريخ اليعقوبي والحديث الثاني من روايتي ابن عساكر، وسقط من البحار لفظ: (دينه) ولذا وضعناه مابين المعقوفين، ولم يكن عندي حين تحقيق هذا المورد كتاب الغارات. =========================================================================== [206] والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الاخرة وقد يجمعهما الله لاقوام (6). الحديث: (40) من كتاب الغارات. ص 78 ط 1. ورواه عنه في الحديث: (76) من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من البحار ج 21 ص 115، ط الكمباني، نقلا عن كتاب الغارات، وفي الطبعة الحديثة: ج 100، ص 90. =========================================================================== (6) هذا هو الظاهر الموافق لاغلب مصادر الكلام، وفي النسخة: (وقد جمعها الله لاقوام). =========================================================================== [207] - 56 - ومن خطبة له عليه السلام في تحميد الله تعالى والشهادة على الوحدانية والرسالة، ثم بيان ما أجرى الله تعالى على أيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قطع جزور الكفر والفساد، ومن انارة المحجة للسالكين ثم نعت الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رفع الله مقامه، عن أحمد، عن اسماعيل بن مهران، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي الحارث، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام بهذه الخطبة فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به وأتوكل عليه. وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، أرسله بالهدى ويدن الحق ليظهره على الدين كله، دليلا عليه وداعيا إليه، فهدم أركان الكفر، وأنار مصابيح الايمان، من يطع الله ورسوله يكن سبيل الرشاد سبيله، ونور التقوى دليله، ومن يعص الله ورسوله يخطئ السداد كله، ولن يضر الا نفسه. =========================================================================== [208] أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وصية من ناصح، وموعظة من أبلغ واجتهد. أما بعد فان الله عزوجل جعل الاسلام صراطا منير الاعلام، مشرق المنار، فيه تأتلف القلوب، وعليه تأخى الاخوان، والذي بيننا وبينكم من ذلك ثابت وده، وقديم عهده، معرفة من كل لكل، لجمع الذي نحن عليه، يغفر الله لنا ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحديث الثالث من الباب (44) من كتاب النكاح من الكافي ج 5 ص 37. =========================================================================== [209] - 56 - ومن خطبة له عليه السلام المعروفة بالديباج وفيها من فضيلة الايمان بالله وبما جاءت به رسله والحث على المكارم العميلة والمصالح الاجتماعية ما تقر به عيون المؤمنين ! ! ! الحمد لله فاطر الخلق، وفالق الاصباح (1) ومنشر الموتى وباعث من في القبور. وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله. عباد الله أن أفضل ما توسل به المتوسلون (2) إلى =========================================================================== (1) هذا هو الصواب وهكذا ذكره ابن كثير في البداية والنهاية: ج 7 ص 10، عن كتاب الهيثم بن عدي - وفيه أيضا: (وناشر الموتى) -. وفي النسخة الموجودة عندي من تحف العقول: (خالق الاصباح). (2) من قوله: (ان أفضل) إلى قوله -: مصارع السوء) رواه في الحديث (4) من الباب الثاني من كتاب الزهد، للحسين بن سعيد الاهوازي رحمه الله، وفي الحديث الاول من الباب: (182) من علل الشرائع، وفي آخر كتاب مصابيح الظلم من محاسن البرقي وفي الحديث (30) من الجزء (8) من أمالي الطوسي والمختار (108) من خطب نهج البلاغة، ورواه في الحديث (30) من الباب الاول من الوسائل: ج 1، ص 16، عن كتاب الرهد، وعن كتاب: (من لا يحضره الفقيه) باختلاف لفظي يسير وزيادة ألفاظ. (نهج السعادة ج 3) (م 14) =========================================================================== [210] الله جل ذكره، الايمان بالله وبرسله وما جاءت به من عند الله (3) والجهاد في سبيله فانه ذروة الاسلام، وكلمة الاخلاص فانها الفطرة، واقامة الصلاة، فانها الملة (4) وايتاء الزكاة فانها فريضة وصوم شهر رمضان فانه جنة حصينة، وحج البيت والعمرة (5) فانهما ينفيان الفقر، ويكفران الذنب، ويوجبان الجنة، وصلة الرحم فانها ثروة في المال ومنسأة في الاجل وتكثير للعدد (6) والصدقة في السر فانها تكفر الخطاء (7) وتطفئ غضب الرب تبارك وتعالى، والصدقة في العلانية، فانها تدفع ميتة السوء، وصنائع المعروف فانها تقي مصارع السوء (8). =========================================================================== (3) وفي النهج: (أن أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله سبحانه، الايمان به وبرسوله). (4) وفي النهج: (واقام الصلاة). (5) وفي النهج: (وحج البيت واعتماره فانهما ينفيان الفقر ويرحضان الذنب). (6) وفي النهج: (وصلة الرحم فانها مثراة في المال، ومنسأة في الاجل). (7) وفي النهج: (وصدقة السر، فانها تكفر الخطيئة). (8) وفي النهج: (فانها تقي مصارع الهوان). =========================================================================== [211] وأفيضوا في ذكر الله - جل ذكره - فانه أحسن الذكر (9) وهو أمان من النفاق وبراءة من النار، وتذكير لصاحبه عند كل خير يقسمه الله - عزوجل - وله دوي تحت العرش. وارغبوا فيما وعد [به] المتقون، فان وعد الله أصدق الوعد، وكلما وعد فهو آت كما وعد. واقتدوا (10) بهدي رسول الله - صلى الله عليه وآله - فانه أفضل الهدي، واستنوا بسنته فانها أشرف السنن (11) وتعلموا كتاب الله تبارك وتعالى فانه أحسن الحديث، وأبلغ الموعظة (12) وتفقهوا فيه فانه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره فانه شفاء لما في الصدور، وأحسنوا =========================================================================== (9) وفي المختار: (108) من نهج البلاغة: (أفيضوا في ذكر الله فانه أحسن الذكر، وارغبوا فيما وعد [الله] المتقين فانه أصدق الوعد، واقتدوا بهدي نبيكم...). (10) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: (فاقتدوا). (11) وفي النهج: (واستنوا بسنته فانه أهدى السنن). (12) وفي النهج: (وتعلموا القرآن فانه أحسن الحديث، وتفقهوا فيه فانه ربيع القلوب...). =========================================================================== [212] تلاوته فانه أحسن القصص (13) وإذا قرء عليكم القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (14) وإذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم منه لعلكم تفلحون. فاعلموا عباد الله أن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله، بل الحجة عليه أعظم، وهو عند الله ألوم، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه منها على هذا الجاهل المتحير في جهله (15) وكلاهما حائر بائر، مضل مفتون، مبتور ما هم فيه (16) وباطل ما كانوا يعملون. عباد الله لا ترتابوا فتشكوا (17) ولا تشكوا =========================================================================== (13) وفي النهج: (وأحسنوا تلاوته فانه أنفع القصص، فان العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله، بل الحجة عليه أعظم، والحسرة له ألزم، وهو عند الله ألوم). (14) الكلام مقتبس من الاية: (203) من سورة الاعراف: 7: (وإذا قرء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا...). (15) هذا هو الظاهر الموافق لرواية الكليني المتقدمة تحت الرقم: (6) من هذا الجزء، ص 28. وفي الاصل هكذا: (على هذا العالم المنسلخ من علمه مثل ما على هذا الجاهل...). (16) البائر: المعطل. الباطل، يقال: فلان حائر بائر أي لا يتجه إلى صلاح ولا يطيع لهاد. (17) لعل المعنى: لاتسيؤا الظن بالله فتؤل أساءة الظن به إلى الشك في الله أو في عدالته:. أولا تتهموا الله في قضأئه فيسوقكم إلى الشك في ذاته أو في قضائه. ثم ان جل ما ذكرها هنا في المختار: (6) عن أصول أخر. =========================================================================== [213] فتكفروا (18) ولا تكفروا فتندموا، ولا ترخصوا لانفسكم فتدهنوا وتذهب بكم الرخص مذاهب الظلمة فتهلكوا، ولا تداهنوا في الحق (19) إذا ورد عليكم وعرفتموه فتخسروا خسرانا مبينا. عباد الله ان من الحزم أن تتقوا الله (20) وان من العصمة أن لا تغتروا بالله. عباد الله ان أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه، و [ان] أغشهم لنفسه أعصاهم له... عباد الله ان من يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعصه يخب ويندم ولا يسلم. =========================================================================== (18) إذا الايمان عبارة عن عقد القلب وتصديقه بوجود المبدء المنزه عن النقائص الباعث للرسل والمحيي للاموات للمجازات، والفكر عبارة عن عدم هذه العقيدة سواء شك فيها أو اعتقد عدمها. (19) فتدهنوا - من باب أفعل -: فتخدعوا أنفسكم بالترخيص في ترك الواجب وفعل الحرام. والرخص: جمع الرخصة: اجازة فعل شئ أو تركه. ولا تداهنوا: لاتساهلوا ولا تسامحوا. (20) الحزم: ضبط الامر واحكامه ولاخذ فيه بالثقة. =========================================================================== [214] عباد الله سلوا الله اليقين فان اليقين رأس الدين، وارغبوا إليه في العافية، فان أعظم النعمة العافية، فاغتنموها للدنيا والاخرة، وارغبوا إليه في التوفيق، فانه أس وثيق (21) واعلموا أن خير ما لزم القلب اليقين، وأحسن اليقين التقى، وأفضل أمور الحق عزائمها، وشرها محدثاتها، وكل محدثة بدعة (22) وكل بدعة ضلالة،، وبالبدع هدم السنن. المغبون من غبن دينه، والمغبوط من سلم له دينه (23) وحسن يقينه، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من انخدع لهواه. =========================================================================== (21) الاس - بتثليث الاول -: أصل الشئ وقاعدته. (22) عزائم أمور الحق هي التي ثبتت في الشريعة ارادة الشارع فعلها أو تركها من المكلفين. (وشرها محدثاتها) أي شر أمور القائلين بالحق محدثانها، أي التي أحدثوها ولم يكن منها في الكتاب والسنة وسيرة الشارع عين ولا أثر، وليست لها سابقة ولاقدم عهد عند المتشرعة. و (البدعة): ما تخالف السنة التي ثبتت من تقرير الشارع أو بيانه نصا أو عموما أو اطلاقا، فالبدعة - بالمعنى المذكور - مساوقة للضلالة وهادمة للسنن. (23) هذا هو الصواب الموافق لما في ذيل المختار: (82) من نهج البلاغة، وفي الاصل في كلتا القفرتين ذكر (مغبون). والمغبون: المخدوع في المعاملة. والمغبوط: الحسن الحال الذي يتمنى غيره مثل حسن حاله. =========================================================================== [215] عباد الله اعلموا أن يسير الرياء شرك (24) وأن اخلاص العمل اليقين، والهوى يقود إلى النار، ومجالسة أهل اللهو تنسي القرآن، وتحضر الشيطان (25) والنسئ زيادة في الكفر (26) وأعمال العصاة تدعو إلى سخط الرحمان [وسخط الرحمان] يدعو إلى النار، ومحادثة النساء تدعو إلى البلاء، وتزيغ القلوب، والرمق لهن يخطف نور أبصار القلوب [و] لمح العيون [اليهن] =========================================================================== (24) هذا وكثير مما بعده مذكور في المختار: (82) من النهج، والرياء هو اتيان العمل بمرأى ومسمع من الناس ليراه أو يسمع من يتوقع منه غرض دينوي كي يوصله إلى غرضه سواء كان رؤية الشخص أو سماعه تمام المحرك إلى العمل أو جزء منه، فإذا انضم إلى العمل العبادي المقصود اتيانه بقصد القربة شئ غير قصد القربة ولو كان يسيرا فالعمل يصير ريائيا قد أشرك فيه غير الله. (25) (تنسي) من النسيان أي تذهب القرآن عن الخواطر وتشغل اللب باللهو. أو أنها من النسئ بمعنى التأخير أي ان مجالسة أهل اللهو تؤخر التحفظ على القرآن أو العمل به وتقدم الشيطان وتحضهر للعمل برأيه. (26) النسي: التأخير، والكلام مقتبس من قوله تعالى في الاية: (37) من سورة التوبة: (انما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما...). وكان أهل الجاهلية يحللون أشهر الحرم لحاجتهم إلى الحرب والاغارة ويحرمون بدلها أشهر الحل. ولعل الاقتباس من الاية الكريمة هنا للاشارة ال أن أهل اللهو يطلبون ممن جالسهم تأخير العمل بالقرآن عن مجلس لهوهم، وأنه ان أراد وأحب العمل به أن يتداركه في غيره. =========================================================================== [216] مصائد الشيطان (27) ومجالسة السلطان يهيج النيران. عباد الله اصدقوا فان الله مع الصادقين، وجانبوا الكذب فانه مجانب للايمان، وان الصادق على شرف منجاة وكرامة، والكاذب على شفامهواة وهلكة (28) وقولوا الحق تعروفا به، واعملوا به تكونوا من أهله، وأدوا الامانة إلى من أئتمنكم عليها، وصلوا أرحام من قطعكم، وعودوا بالفضل على من حرمكم، وإذا عاقدتم فاوفوا، وإذا حكمتم فاعدلوا، وإذا ظلمتم فاصبروا، وإذا أسئ اليكم فاعفوا واصفحوا كما تحبون أن يعفى عنكم، ولا تفاخروا بالاباء (ولا تنابزوا بالالقاب (29) بئس =========================================================================== (27) يقال: (رمق زيد عمرا - من باب نصر - رمقا): لحظه لحظا خفيفا. أطال النظر إليه. و (خطف الشئ - من باب علم - خطفا): استلبه بسرعة. و (لمح زيد الشئ والى الشئ - من باب منع - لمحا): أبصره بنظر خفيف أو اختلس النظر إليه. ولمح الشئ بالبصر: صوب بصره إليه. والمصائد: جمع المصيد - كمنبر ومنبرة ومحبرة ومعيشة -: ما يصاد به. (28) على شرف منجاة: على علو نجاة ورفعهته. و (شفا مهوات) أي على طرف مهلكة وحافة مسقط. وشفا - بفتح الشين -: حد الشئ وطرفه -. مهوات ومهوى: مابين الجبلين أو الجدارين ونحوهما من المواضع العميقة. (29) ما بين القوسين هنا - وما يأتي بعيد - مقتبس من الاية: (10) وما بعدها من سورة الحجرات: 49. ومعنى قوله: (ولا تنابزوا بالالقاب) أي لا يلقب بعضكم بعضا بالالقاب القبيحة تعييرا وحطا للمقام والمنزلة. =========================================================================== [217] الاسم الفسوق بعد الايمان) ولا تمازحوا ولا تغاضبوا ولا تباذخوا (30) (ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحكدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا). ولا تحاسدوا فان الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب، ولا تباغضوا فانها الحالقة (31) وأفشوا السلام في العالم، ورودا التحية على أهلها بأحسن منها، وارحموا الارملة واليتيم، وأعينوا الضعيف والمظلوم والغارمين، وفي سبيل الله وابن السبيل، والسائلين وفي الرقاب والمكاتب والمساكين، وانصروا المظلوم، وأعطوا الفروض (32) وجاهدوا أنفسكم في الله حق جهاده فانه شديد العقاب، وجاهدوا في سبيل الله، واقروا الضيف (33) وأحسنوا الوضوء وحافضوا على الصلوات الخمس في أوقاتها فانها من الله عزوجل بمكان (34) =========================================================================== (30) ولا تباخذوا: لا يتفاخر بعضكم على بعض تكبيرا وترفعا. (31) أي فان المباغضة حالقة لدينكم أو لما فعلتم من الحسنات كحلق الموسى الشعر. (32) كذا في الاصل، والفروض جمع الفرض وهو الواجب. (33) يقال: (قرى زيد الضيف - من باب رمى - قرى وقراء): أضافة. (34) أي بمكان من العظمة والاهمية. =========================================================================== [218] ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم (35) (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) واتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون) [2 / المائدة، و 102 آل عمران]. واعلموا عباد الله أن الامل يذهب العقل، ويكذب الوعد ويحث على الغفلة، ويورث الحسرة، فاكذبوا الامل فانه غرور، وان صاحبه مأزور (36). فاعملوا في الرغبة والرهبة (37) فان نزلت بكم رهبة فاشكروا واجمعوا معها رغبة، فان الله قد تأذن للمسلمين بالحسنى ولمن شكر بالزيادة (38) فاني لم أر مثل الجنة =========================================================================== (35) اقتباس من الاية (158) من سورة البقرة، وفي النسخة: (ومن تطوع خيرا فهو خير له، فان الله شاكر عليم). والظاهر أن جملة: (فهو خير له) من زيادات الناسخين زادوه لانس ذهنم بقوله تعالى - في الاية (184) من سورة البقرة أيضا -: (فمن تطوع خيرا فهو خير له، وأن تصوموا خير لكم أن كنتم تعلمون). (36) (غرور) أي يوجب انخداع صاحبه. (مأزور) أي مأثوم ذو وزر وذنب. (37) كذا في الاصل، وفي المختار: (27) من نهج البلاغة: (ألا فاعملوا في الرغبة كما ثعملون في الرهبة، الا وأني لم ار كالجنة نام طالبها ولا كالنار نام هاربها). ومثله في الحديث: (1271) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 213 ط 1. (38) كذا في الاصل، ولعله اشارة إلى الاية: (7) من سورة ابراهيم: (واذ تأذن ربكم لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم ان عذابي لشديد) أو اشارة إلى الاية: (25) من سورة يونس: 10: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة). =========================================================================== [219] نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها ؟ ! ! ولا أكثر مكتسبا ممن كسبه ليوم تذخر فيه الذخائر، وتبلى فيه السرائر. [ألا] وان من لا ينفعه الحق يضره الباطل، ومن لا يستقيم به الهدى تضره الضلالة (39) ومن لا ينفعه اليقين يضره الشك. [ألا] وانكم قد أمرتم بالظعن (40) ودللتم على الزاد. ألا [و] ان أخوف ما أتخوف عليكم اثنان: طول الامل واتباع الهوى (41). ألا وان الدنيا قد أدبرت وآذنت بانقلاع (42) =========================================================================== (39) وفي تاريخ دمشق: (ألا وانه من لم ينفعه الحق ضره الباطل، ومن لم يستقم به الهدى حاربه الضلال). وفي النهج: (ومن لم يستقم به الهدى يجر به الضلال إلى الردى). وما بن المعقوفات مأخوذ منه ومن تاريخ دمشق والحكمة الخالدة ص 144. (40) الظعن - كفلس وفرس -: الرحيل. (41) وفي المختار: (28) من نهج البلاغة والحديث: (1271) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: (وان أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الامل). (42) وفي النهج وتاريخ دمشق: (وآذنت بوداع، وان الاخرة قد أشرفت باطلاع) - وفي تاريخ دمشق: (قد أقبلت وأشرفت باطلاع). =========================================================================== [220] ألا وان الاخرة قد أقبلت وآذنت باطلاع. ألا وان المظمار اليوم، والسباق غدا (43). ألا وان السبقة الجنة والغاية النار (44). ألا وانكم في أيام مهل من ورائه أجل، يحثه العجل (45) فمن أخلص لله عمله في أيام [مهله] (46) قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضره أجله، ومن لم يعمل في أيام مهله ضره أجله ولم ينفعه عمله (47). =========================================================================== (43) المضمار: الزمان - أو المكان - الذي تضمر فيه الخيل، وكانت العرب تربطون الخيل وتكثرون ماءها وعلفها حتى تسمن، ثم تقللون علفها وماءها وتجرونها في الميدان حتى تهزل. وحقيقة التضمير هو العم الثاني لان به يحصل الضمور أي الهزال وخفة اللحم، وقد يطلق على العمل الاول أيضا. (44) السبقة - بالتحريك -: الرهن والجعل الذي يجعله المتسابقون للسابق أي الذي يتقدم ويسبق عند المسابقة وجري الخيل. والغاية: آخر السير ومنتهى المسى سواء انتهى السائر إليه بالمسرة وطيب النفس أو بالكراهة والمساءة. قال السيد الرضي رضوان الله عليه، في ذيل المختار: (28) من النهج: ولم يقل [عليه السلام] السبقة النار كما قال: (السبقة الجنة)، لان الاستباق انما يكون إلى أمر محبوب وغرض مطلوب وهذه صفة الجنة دون النار، بل قال: (الغاية النار) لان الغاية قد ينتهي إليها من لا يسره الانتهاء إليها ومن يسره ذلك، فهي في هذا الموضع كالمصير والمال، قال الله تعالى (قل تمتعوا فان مصيركم إلى النار) ولايجوز في هذا الموضع أن يقال: (سبقتكم إلى النار ! ! ! فتأمل ذلك فباطنه عجيب. أقول: هذا ملخص كلامه زيد في علو مقامه. (45) كذا في الاصل، ومثله في البداية والنهاية غير أنه قال: (من ورائها). والمهل والمهل - كالاهل والامل -: الرفق. الامهال أي اعطاء الوقت والمدة. (46) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (في أيامه...). (47) كذا في الاصل، ولعل الصواب: (ولم ينفعه أمله ؟). (*) =========================================================================== [221] عباد الله افزعوا إلى قوام دينكم باقام الصلاة لوقتها وايتاء الزكاة في حينها والتضرع والخشوع، وصلة الرحم، وخوف المعاد، واعطاء السائل، واكرام الضعيفة والضعيف [كذا] وتعلم القرآن والعمل به، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الامانة إذا ائتمنتم. وارغبوا في ثواب الله وارهبوا عذابه، وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، وتزودوا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم (48) واعملوا بالخير تجزوا بالخير يوم يفوز بالخير من قدم الخير، أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم. المختار (7) من كلمه عليه السلام من كتاب تحف العقول ص 99 ط النجف وفي ط ص 149. ومن قوله: (ان أفضل ما توسل به المتوسلون إلى قوله -: وهو عند الله ألوم) ذكره في المختار (107) من نهج البلاغة، وأيضا كثيرا من أواخر الكلام ذكره في المختار: (28) من النهج، وفي الحديث (1271) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 213 ط 1، ونقله عنه في الحديث (3538) من كنز العمال: ج 8 ص 219 ط الهند. وكثيرا منها رواه أيضا في الباب (49) من جواهر المطالب ص 60، ورواه أيضا ابن مسكويه في الحكمة الخالدة ص 144، ط مصر. وقد ذكرناه أيضا في المختار: ص (282) من القسم الاول: ج 2 ص 422 نقلا عن البداية والنهاية: ج 7 ص 307 نقلا عن الهيثم بن عدي. =========================================================================== (48) يقال: (حرز فلان ماله - من باب نصر - حرزا، وأحرزه احرازا): صانه وحفظه. (*) =========================================================================== [222] - 58 - ومن كلام له عليه السلام في الوصية بالتقوى واغتنام أيام الفرصة للمسابقة إلى السعادة والسيادة، وقطع العلائق عن الدنيا، والانتهاء عن المساوئ والاتصاف بالمحاسن أوصيكم عباد الله بتقوى الله، والتنافس في الحظ النفيس والاشفاق من اليوم العبوس، والجد في خلاص النفوس، والسعي في فكاكها قبل هلاكها، والاخذ لها قبل الاخذ منها. أغتنموا أيام الصحة قبل السقم، والشبيبة قبل الهرم، وبادروا بالتوبة قبل الندم، ولا تحملنكم المهلة على طول الغفلة، فان الاجل يهدم الامل، والايام موكلة بتنقيص المدة، وتفريق الاحبة. فبادروا رحمكم الله بالتوبة قبل حضور النوبة (1) =========================================================================== (1) أي قبل حضور نوبة فراقك عن أحبتك. =========================================================================== [223] وبرزوا للغيبة التي لا تنتظر معها الاوبة (2) واستعينوا على بعد المسافة بطور المخافة، فكم من غافل وثق بغفلته وتعلل بمهلته ؟ ! فأمل بعيدا وبنى مشيدا، فنغص بقرب أجله بعد أمله وفاجأه منيته بانقطاع أمنيته (3) فصار بعد العز والمنعة، والشرف والرفعة، مزتهنا بموبقات عمله، قد غاب فما رجع، وندم فما انتفع ؟ ! وشقي بما جمع في يومه، وسعد به غيره في غده ! ! ! وبقي مرتهنا بكسب يده، ذاهلا عن أهله وولده، لا يغني ما ترك فتيلا (4) ولا يجد إلى مناص سبيلا. فعلام - عباد الله - المنعرج والمدلج ؟ (5) والى أين =========================================================================== (2) (وبرز واللغيبة) أي انصبوا أنفسكم وانشروها وهيئوها للغيبة التي لا تنتظر معها الاوبة أي الرجعة إلى الدنيا. أو انها من (برز الفرس): سبق الخيل في الميدان. أو من (أبرز الرجل): عزم على السفر. (3) أي فصار بعد أمله مكدرا بقرب أجله، وحال قرب الاجل بينه وبين الوصول إلى المأمول، فلم يتم مراده. والمنية الموت. والامنية: البغية وما يتمنى. (4) الفتيل: المفتول فعيل بمعنى المفعول من الفتل وهو اللي. ما فتلته بين اصابعك من الوسخ. ما يكون في شق النواة. وقيل: هوما في بطن النواة. يقال: ما أغني عنك فتيلا أي شيئا بقدر الفتيل. (5) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (المنعرج والدلج) والمنعرج: المنعطف والمرجع. والمدلج: المأوى يستكن فيها ويلجأ إليها من الحر والبرد وما لا يلائم. =========================================================================== [224] المفر والمهرب ؟ ! ! وهذا الموت في الطلب، يخترم الاول فالاول، لا يتحنن على ضعيف، ولا يعرج على شريف ! ! ! (6) والجديدان يحثان الاجل تحثيثا، ويسوقانه سوقا حثيثا (7) وكل ما هو آت فقريب، ومن وراء ذلك العجب العجيب ؟ ! ! فأعدوا الجواب ليوم الحساب وأكثروا الزاد ليوم المعاد. عصمنا الله واياكم بطاعته، وأعاننا واياكم على ما يقرب إليه ويزلف لديه، فانما نحن به وله. المختار: (10) من الباب: (1) من دستور معالم الحكم ص 92 ط مصر. =========================================================================== (6) يخترم: يأخذ. يهلك. ولا يعرج: لا يفق ولا يلبث. (7) الجديدان: الليل والنهار، و (يحثان الاجل) يحرضانه وينشطانه. و (الحثيث): السريع. =========================================================================== [225] - 59 - ومن كلام له عليه السلام في التحذير عن مصادقة الاحمق ومصاحبته، ووجوب الاستعانة بالله تعالى والانتصاب للقيام بالحق، والفرار من الباطل وعدم الاتكال على المخلوقين في أمر المعيشة السيد أبو طالب قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن زيد الحسني قال: أخبرنا الناصر للحق الحسن بن علي قال: حدثني أخي الحسين بن علي قال: حدثني محمد بن الوليد بن [ظ] القاسم مولى بني هاشم، قال: حدثني سلمة ابن كهيل الحضرمي عن الاصبغ بن نباته، قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يعظ رجلا كان كثير الغزو معه وهو يقول: يا فلان ما العدو إلى عدوه أسوأ تضييعا من الاحمق إلى نفسه ! ! ! (1) احذر الاحمق فان الاحمق يرى نفسه محسنا وان كان مسيئا ؟ ! ! ويرى عجزه كيسا وشره خيرا ! ! ! =========================================================================== (1) الظاهر أن هذا هو الصواب، و (أسوأ تضييعا) أي أشد اهلاكا وافسادا، من قولهم: (أضاعه وضيعه): أهلكه. وفي الاصل: (تصنيعا) فان صح فالتصنيع بمعنى الصنع والفعل، أو انه بمعنى التزيين على نفسه وتحسينه عندها. (نهج السعادة) (م 15) =========================================================================== [226] ان استغنى بطر، وان افتقر قنط، وان ضحك شهق، و [ان] بكى خار ؟ ! وان نصحك أخجلك (2) وان اعتز لك شتمك، وان كان فوقك حقرك، وان كان دونك همزك ! ! ! (3). فاستعن بالله، وعليك بالاخلاق الصالحة [ف‍] ان كنت غنيا فأحسن، وان كنت فقيرا فاصبر. وضع نفسك للحق وفربها من الباطل، ولا تتكل في معيشتك على كسب غيرك ! ! وتنتظر متى يتصدق عليك. هكذا رواه عنه في باب التحذير من صاحب المسوء - وهو الباب (55) - من تيسير المطالب في ترتيب أمالي السيد أبي طالب ص 266 من النسخة المخطوطة، وفي ط 1 ص 419. =========================================================================== (2) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي النسخة: (اعجلك). (3) يقال: (حقر زيد فلانا - من باب ضرب - حقرا): أذنه. استصغره وعده حقيرا. ومثله أحقره وحقره واحتقره واستحقره. وهمزك - من باب ضرب -: عابك طعن فيك. أغتابك في غيبتك. =========================================================================== [227] - 60 - ومن كلام له عليه السلام بين فيه كيفية الوصية لمن أحس بالموت قال [عليه السلام] ينبغي لمن أحس بالموت أن يعهد عهده ويجدد وصيته. قيل: وكيف يوصي يا أمير المؤمنين ؟ قال: يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، شهادة من الله (1). شهد بها فلان ابن فلان (شهد الله أنه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم، قائما بالقسط، لا اله الا هو العزيز الحكيم) (2). اللهم من عندك واليك وفي قبضتك ومنتهى قدرتك، يداك مبسوطتان تنفق كيف تشاء، وأنت اللطيف الخبير. بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان ابن فلان، أوصى أنه يشهد أنه لا اله الا الله وحده لا =========================================================================== (1) كذا في الاصل. (2) مابين القوسين مقتبس من الاية: (18) من سورة آل عمران: 3. =========================================================================== [228] شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق (لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين) (1). اللهم اني أشهدك وكفى بك شهيدا، وأشهد حملة عرشك وأهل سماواتك واهل أرضك، ومن ذرأت وفطرت وأنبت وأبريت، بأنك أنت الله الذي (2) لا اله الا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأن الساعة آتية لاريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الجنة حق وأن النار حق، أقول قولي هذا مع من يقوله، واكفيه من أبي ولاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم. اللهم من شهد بما شهدت به فاكتب شهادته مع شهادتي ومن أبي فاكتب شهادتي مكان شهادته، واجعل لي بها عندك عهدا توفنية يوم ألقاك فردا، أنك لا =========================================================================== (1) مابين القوسين اقتباس من الاية: (70) من سورة ياسين: 36. (2) هذا هو الظاهر، أي وما أبرأت أي خلقت من العدم. وفي الاصل: (أجريت). وقوله: (بأنك) متعلق بقوله: (أشهدك). =========================================================================== [229] تخلف الميعاد. ثم يفرش فراشه مما يلي القبلة ثم يقول: على ملة رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] حنيفا وما أنا من المشركين (3). ويوصي كما أمر رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]. الحديث (1295) من المجلد الثاني من دعائم الاسلام ج 1، ص 344 ط مصر. =========================================================================== (3) مابين المعقوفات كان في الاصل هكذا (صلع). =========================================================================== [230] - 61 - ومن خطبة له عليه السلام في الاستسقاء الحمد لله سابغ النعم، ومفرج الهم، وبارئ النسم (1) الذي جعل السماوات لكرسيه عمادا (1) والجبال للارض أوتادا، والارض للعباد مهادا (2) وملائكته على أرجائها، وحملة عرشه على أمطائها (3) وأقام بعزته =========================================================================== (1) سابغ النعم: واسعها. بارئ النسم: خالقها. والنس - محركة -: الروح. الانسان. الحيوان. وما ألطف هذا الصدر وما أشد ملائمته لما يقصد ويطلب من الاستسقاء ؟ ! ! (2) وفي البحار: (الذي جعل السماوات المرساة عمادا). والمرسات: المثبتات. وهي [أي السماوات] عماد لما فوقها من العرش والكرسي. قال المجلسي رحمه الله: وفي التهذيب والفقيه وغيرهما: (جعل السماوات لكرسيه عمادا) فلعله لكونها تحته فكأنها بمنزلة العماد له. أقول: والكرسي قيل هو العرش. وقيل: هو سرير دون العرش. وقيل غيرهما. والعماد ما يتكأ ويعتمد عليه. والاوتاد: جمع الوتد - كحبل وجبل -: ما يثبت ويرز في الارض كالمسمار والخشب. والمهاد: ما يمهد ويوطا للاستراحة كالمهد للطبي. (3) قال المجلس الثاني. وفي أكثر نسخ المباح: (وحمل عرضه على أمطائها) فالضمير راجع إلى الملائكة. أقول: والارجاء جمع الرجاء -: الاطراف. والامطاء: جمع المطا - كمصا -: الظهر. ومدلول الكلام قريب جدا لمدلول الاية: (17) من سورة الحاقة. =========================================================================== [231] أركان العرش، وأشرق بضوئه شعاع الشمس. وأطفأ بشعاعه ظلمة الغطش (4) وفجر الارض عيونا والقمر نورا، والنجوم بهورا (5) ثم علا فتمكن (6) وخلق فأتقن، وأقام فتهيمن (7) فخضعت له نخوة المستكبر، وطلبت إليه خلقة المتمسكن (8). أللهم فبدرجتك الرفيعة، ومحلتك المنيعة، وفضلك البالغ، وسيبك الواسع (9) أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، كما دان لك ودعا إلى عبادتك، وأوفى بعهودك وأنفذ أحكامك، واتبع أعلامك (10) =========================================================================== (4) الغطش - كفلس - الظلمة. والغطش في العين - كعطش -: شبه العمش: ضعف بصرها. (5) أي مضيئة، من قولهم: (بهرت الشمس - من باب منع - بهرا وبهورا): أضأت. (6) أي فتمكن في العلو والرفعة. (7) أي وأقام لهم ما يسد خلتهم ويدفع علتهم ثم راقبهم على أعمالهم وحافظ على ما يصدر منهم. (8) كذا في الاصل، والنخوه - بالفتح فسكون -: الحماسة. العظمة. الفخر. والخلة - بالفتح -: الفقر والحاجة. والمتمسكن: الذي صار مسكينا أي ذليلا ذا فقر وحاجة. قال المجلسي الاول قدس سره: وفي بعض النسخ: (خله المتمكن) أي في الفقر والحاجة. (9) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: وسبيلك الواسع). والسيب: العطاء. (10) دان لك: خضع وانقاد لك. ويقال: (أو في فلان بالعهود إيفاءا - ووفي بها - من باب وقي - وفاءا): حافظ عليها. أتمها. و (الاعلام): جمع العلم: ما ينصب للاهتداء. والمراد منها - ها هنا - القوانين الدينية التي أسسها الله تعالى لصلاح عباده وكمالهم، ونصبها لرشدهم واهتدائهم. =========================================================================== [232] عبدك ونبيك وأمينك على عهدك إلى عبادك، القائم بأحكامك، ومؤيد من أطاعك وقاطع عذر من عصاك. أللهم فاجعل محمدا صلى الله عليه وآله أجزل من جعلت له نصيبا من رحمتك، وأنضر من أشرق وجهه بسجال عطيتك، وأقرب الانبياء زلفة يوم القيامة عندك (11) وأوفرهم حظا من رضوانك، وأكثرهم صفوف أمة في جنانك، كما لم يسجد للاحجار، ولم يعتكف للاشجار، ولم يستحل السباء ولم يشرب الدماء (12). أللهم خرجنا اليك حين فاجأتنا المضائق الوعرة، وألجاتنا المحابس العسرة (13) وعضتنا علائق الشين (14). =========================================================================== (11) (بسجال عطيتك) أي بعظام عطاياك وملاء دلاء بركاتك وضروع خيراتك. والسجال - بكسر السين - جمع السجل - بفتحها -: العطاء. ملؤ الدلو من الماء. النصيب. الضرع العظيم والزلفة: القربة وزنا ومعنى. المنزلة. الدرجة. (12) الكاف في قوله: (كما) تعليلية. والسباء - بكسر السين كالسبيئة بفتحها -: الخمر. وجميع ما نزه عنه ساحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أهل الجاهلية يرتكبونه. (13) فاجأتنا: ألم بنا ونزل علينا بغتة، والمستفاد من شرح المجلسي الثاني أن رواية الصدوق في الفقيه: (أجأتنا): الجأتنا. ولكن المستفاد من شرح المجلسي الاول انه ورد أيضا في بعض النسخ (فاجأتنا. والمضائق: جمع المضيقة: ما ضاق من الامور أو الاماكن. والوعرة: الصعبة. و (ألجاتنا) أي جعلتنا مظطرين و (المحابس): جمع المحبس - بكسر الباء - أو المحبسة - يفتحها -: مكان الحبس. (14) أي أضرتنا واشتدت علينا علائق قبح السمعة وسوء الحال، من قلة الاغذية وغلائها وموت المواثي ويبس النباتات والاشجار. والكلام على الاستعارة. =========================================================================== [233] وتأثلت علينا لواحق المين (15) واعتكرت علينا حدابير السنين (16) وأخلفتنا مخائل الجود (17) واستظمأنا لصوارخ القود (18) فكنت رجاء المبتئس، والثقة للملتمس (19) ندعوك حين قنط الانام، ومنع =========================================================================== (15) تأثلت: تجمعت. استحكمت واستعظمت ولواحق الشئ: ما يلحقه ويتبعه. والمين: الكذب. أي عظم واستحكم علينا غضبك اللاحق علينا بكذبنا. (16) اعتكرت: حملت وكرت. وحدابير السنين: المجدبة منها. والحدابير: جمع حدبار، وهي الناقة أنضاها السير أو الجوع أو العطش فبدا عظم ظهرها من الهزال. (17) وأخلفتنا: جعلت موعدها لنا في خلف ولم تف به، يقال: (أخلف الغيث): أطمع في النزول ثم نكص عنه. ومخايل الجود مظانه ومحال خياله وحسبانه. والجود - كقول -: المطر، ومظانه السحابة المخيلة - بضم الميم وفتحها ثم كسر الحاء وسكون الياء، والمخيلة بضم الميم وفتح الخاء وكسر الياء. والمختالة. - والمخيلة أي التي تنذر بالمطر وتحسبها ماطرة. وقال في المصباح: (أخالت السحابة) إذا رأيتها وقد ظهرت فيها دلائل المطر فحسبتها ماطرة فهي مخيلة... (18) قال المجلسي الثاني: وفي بعض النسخ: (العود). والقود - بالفتح -: الخيل. و (العود) بفتح العين المهملة: المسن من الابل والشاء والاخير أنسب. ثم قال: وقال الوالد: أي صرنا عطاشا لصراختها أو صرنا طالبين للعطش أي رضينا بالعطش مع زوال عطشهم. ويحتمل أن يكون الاستفعال للازالة أي صرنا طالبين لازالة العطش لصوارخها. ثم قال: ويحتمل أن يكون من (ظمأ إليه) أي اشتقنا إلى المطر لها... أقول: وفي بعض المصادر: (واستظمأنا الصوارخ القود) أي الصوارخ التي تقاد. وهي جمع صارخة - فان صح فلعل المراد منها ها هنا -: السحابة التي تقودها الرياح ولها رعد وصياح وولولة. (19) وفي المختار: (111) من نهج البلاغة: (فكنت الرجاء للمبتئس والبلاغ للملتمس): والمبتئس: الذي أصابه البؤس ومسه الفقر والشدائد. =========================================================================== [234] الغمام، وهلك السوام (20) يا حى يا قيوم، عدد الشجر والنجوم، والملائكة الصفوف، والعنان المكفوف (21) أن لا تردنا خائبين، ولا تواخذنا بأعمالنا، ولا تحاصنا بذنوبنا (22) وأنشر علينا رحمتك بالسحاب المتئق (23) والنبات =========================================================================== (20) قنط - من باب نصر ومنع -: يئس. والانام الخلق. والغمام السحاب. والسوام: البهائم الراتغة والانعام الراعية التي تطلق لتمشي إلى المرعى. أي ندعوك حين يئس الخلق من نزول بركات السماء، وحصول خيرات الارض وحين منع السحاب وبخل من التشرح بما فيه من الماء، وحين هلك الانعام الراتعة والبهائم الراعية. وقوله (عدد الشجر...) قائم مقام المفعول المطلق لقوله: (ندعوك). (21) وعنان السماء: ما ارتفع منها، وما بدا لك منها إذا نظرت إليها والعنان: السحاب. والنجوم: جمع النجم: ما نجم - أي طلع - من الارض من النبات بغير ساق كما أن هذا المعنى هو المراد من قوله تعالى في الايه (6) من سورة الرحمان: (والنجم والشجر يسجدان). ويحتمل أيضا أن يراد منه الكواكب. (22) كأنه من قولهم: (حاصه الغمراء محاصة، أو تحاص القوم الشئ): اقتسموه بينهم حصصا. والمراد المقاسمة بالاعمال بأن يسقط حصة من الثواب لاجل الذنوب، أو يجعل لكل ذنب حصة من العقاب. (23) كذا في الاصل، وفي بعض المصادر: (المنساق) وكأنه مصحف (المتآق) من قولهم: (تئق الاناء - من باب علم - تأقا): امتلا فهو تئق ومتآق. والمتئق - على بناء اسم الفاعل من باب الافعال - أي الذي يملا الغدران والجباب والعيون. ويمكن أن يقرأ على بناء اسم المفعول أو اسم الفاعل من باب الافتعال أي الممتلئ ماءا. قال الجزري: يقال: أتأقت الاناء: ملاته. ومنه حديث علي عليه السلام: (أتأق الحياض بمواتحه). وفي النهج: (وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق، والربيع المغدق، والنبات المونق سحا وابلا، تحيي به ما قد مات، وترد به ما قد فات...). والمنبعق: المنفرج عن المطر. والمغدق: المتسع المخصب. والمونق: المعجب المفرح. وسحا: صابا صبا غزيرا، متتابعا. وابلا: مطرا شديدا. =========================================================================== [235] المونق وامنن على عبادك بتنويع الثمرة، وأحي بلادك ببلوغ الزهرة (24) وأشهد ملائكتك الكرام السفرة، سقيا منك نافعة [مباركا] غزرها، واسعا درها (25) سحابا وابلا سريعا عاجلا، تحيي به ما قد مات، وترد به ما قد فات، وتخرج به ما هو آت. اللهم اسقنا غيثا ممرعا طبقا مجلجلا (26) متتابعا خفوقه، منبجسة بروقه مرتجسة هموعه (27) =========================================================================== (24) تنويع الثمرة وبلوغ الزهرة: كنايتان عن عموم الخصب. ووفور البركة في جميع النواحي لاجل نزول المطر النافع فيها: والزهرة إما أن يقرأ بكسر الزاء، فيراد منها حاجة العباد ووطرهم وإما أن يقرأ بفتح الزاء، فيراد منها نور النباتات والاشجار، ويراد من بلوغه ما يراد من بلوغ الانسان، وهو وصولها إلى حد الكمال بحيث يترتب عليه جميع آثار النباتية على نحو الاتم. (25) السفرة: جمع السافر: الكاتب ويراد منها هنا حفظة العباد وكتبة أعمالهم. والغزر والغزارة: الكثرة والدر: الخير الكثير. (26) ممرعا: مخصبا. طبقا: عاما. مجلجلا: سائدا على الارجاء مطبقا. (27) متتابعا خفوقه أي متواليا هيجان بروقه أو أصوات رعوده. والخفوق: صوت الشئ ودويه. اضطراب الراية. و (منبجسة بروقه) أي يفجر الماء من بروقه، يقال: بجس زيد الماء من باب ضرب ونصر بجسا، وبجسه تبجيسا) فجره. و (تبجس وانبجس الماء): انفجر. والبروق: جمع البرق. و (مرتجسة هموعه) أي صائتا سيلانه، ويكون إذا صوت ورعد جريانه، يقال: (ارتجست السماء ورجست - من باب نصر - رجسا): رعدت رعدا شديدا. وسحاب همع ككتف: ماطر. =========================================================================== [236] وسيبه مستدر، وصوبه مسبطر (28) لا تجعل ظله علينا سموعا، وبرده علينا حسوما، وضوءه علينا رجوما، وماءه أجاجا، ونباته رمادا رمددا (29). اللهم إنا نعوذ بك من الشرك وهواديه، والظلم ودواهيه، والفقر ودواعيه (30). =========================================================================== (28) السيب: العطاء. و (مستدر): كثير السيلان. مستمر و (الصوب): الانصباب والنزول. و (مسبطر): ممتد. سريع. قال في القاموس: اسبطر: امتد. واسبطرت الابل: اسرعت. قال المجلسي في البحار: وفي بعض نسخ الفقيه والتهذيب: (مستطر) - بفتح الطاء وتخفيف الراء -: مكتوب مقدر عندك نزوله. ولعله تصحيف. (29) سموما - بالفتح -: حارا محرقا. وبالضم -: قاتلا. و (حسوما): شوما حاسما للخيرات. والرجوم: جمع الرجم: ما يرجم ويرامى به والظاهر ان المراد منه ها هنا هو الصاعقة. و (أجاجا): مرا مالحا أو ضارا غير نافع. و (رمادا رمددا - وفي بعض النسخ: - رمدادا): هالكا فاسدا. و (رمدد) بكسر الراء وسكون الميم وكسر الدال وفتحها معا. قال الفيروز آبادي: الرمد داء - بالكسر - والارمداء - كالاربعاء -: الرماد: ورماد أرمد ورمدد - كزبرج ودرهم - ورمديد: كثير دقيق جدا. أو هالك. (30) هوادي الشرك: مقدماته وأوائله من الرياء والسمعة وغيرهما من المعاصي قال في القاموس: الهادي: المتقدم والعنق، والجمع: الهوادي يقال: أقبلت هوادي الخيل إذا بدت أعناقها. ودواهي الظلم: ما يلزمه من النوائب والشداد من مصيبات الدنيا وعقوبات الاخرة، وهي جمع الداهية: المصيبة. الامر العظيم. الامر المنكر. ودواعي الفقر: علله وأسبابه، وهي جمع الداعية: السبب والعلة. =========================================================================== [237] يا معطي الخيرات من أماكنها ومرسل البركات من معادنها، منك الغيث المغيث، وأنت الغياث المستغاث (31) ونحن الخاطئون وأهل الذنوب، وأنت المستغفر الغفار، نستغفرك للجهالات من ذنوبنا، ونتوب اليك من عوام خطايانا (32). اللهم فأرسل علينا ديمة مدرارا، واسقنا الغيث واكفا مغزارا (33) غيثا واسعا، وبركة من الوايل نافعة (34) =========================================================================== (31) (من أماكنها) أي من محالها التي قررتها فيها كما قررت محال المطر من السماء. والبركات: هي زيادات الخيرات. و (معادنها): محالها التي هي منظنة حصولها منها. و (الغيث الغيث): المطر العام. و (الغياث) الاسم من الاغاثة. والمستغاث: الذي يستغاث به أي يفزع إليه في الشدائد. (32) المستغفر - بفتح الفاء -: المطلوب منه المغفرة. والغفار: كثير المغفرة والغفران. و (من) في قوله: (للجهالات من ذنوبنا) للبيان فان كل ذنب تلزمه جهالة بعظمة الرب سبحانه وتعالى وشدائد عقوبات الاخرة، كما حمل عليه قوله تعالى: (انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة) [17 / النساء]. قال المجلسي الثاني وفي أكثر نسخ الفقيه: (للجمات من ذنوبنا) أي الكثيرات [منها]. وعوام خطايانا جميعها. (33) الديمة - بكسر الدال - أي مطرا دائما بلا رعد وبرق. و (مدرارا): كثير السيلان أو النفع. و (واكفا): متقاطرا منهلا شديدا انصبابه. و (مغزارا): كثيرا. (34) أي نموا وزيادة من المطر الشديد. الوايل: المطر الشديد الضخم القطر. وقال المجلسي الوجيه: (وفي بعض النسخ بالقاف أي منتقعة ثابتة في الارض ينتفع بها طول السنة. أو من قولهم نقع الماء العطش نقعا ونقوعا: سكنه. =========================================================================== [238] يدافع الودق [منها] الودق دفاعا (35) ويتلو القطر منه القطر، غير خلب برقه (36) ولا مكذب رعده، ولا عاصفة جنائبه (37) بل ريا بغص بالري ربابه وفاض (38) =========================================================================== (35) هذا هو الظاهر من سياق ما بعده من الكلام الموافق لما في نهج البلاغة والبحار، وفي الاصل: (وتدافع). وقال في البحار: وفي بعض النسخ (تدافع) - كما في التهذيب والفقيه - والودق: المطر: أي تكثر المطر: بحيث تتلاقى القطرات في الهواء [و] يدفع بعضها بعضا. ويحتمل ان يكون ضمير الفاعل راجعا إلى البركة. وفي بعضها: (يدافع) بالياء، فان قرئ على بناه المجهول يرجع [الضمير] إلى الاول، وان قر على بناء الفاعل فالضمير راجع إلى الله، أو إلى الوابل أو الغيث. وفي الجميع تكلف. وفي النهج: (يدافع الودق منها الودق) وهو أظهر. (36) البرق الخلب الخادع أي ما يطمع الناس في المطر ولامطر معه. (37) أي لا يكون رياح جنوبه مهلكة شديدة الهبوب. والجنائب: جمع الجنوب -: الرياح التي تهب من ناحية الجنوب. (38) كذا في الاصل، ولعل الصواب: (ففاض) تشبيها بالاودية تمتلئ بالماء ثم تفيض به. والري - بالكسر -: الارتواء من الماء والغص: الامتلاء والغصة: ما اعترض في الحلق. ويقال: (روي زيد من الماء - من باب رضي - ريا - بكسر الراء وفتحها - وروى): شرب وشبع فهوريان. و (غص زيد - من باب برود - بالماء غصصا): اعترض في حلقه شئ منه فمنعه التنفس فهو غاص وغصان. و (غض بهم المكان): امتلا وضاق عليهم. والرباب - كشباب -: السحاب الابيض أو السحاب الذي تراه كأنه دون السحاب، قد يكون أبيض وقد يكون أسود. والكلام محمول على المبالغة أي يكون غيثا مرويا يمتلئ سحابه بالري كأنه لكثرته اعتراض في حلقه. ويكمن أن يكون التخصيص بالسحاب الابيض أو الرقيق - ان أريد هنا خصوصه - المبالغة أي يكون سحابه الرقيق والابيض كذلك فكيف أسوده ! ! ! فان الغالب في السحاب الابيض ولارقيق قلة الماء. ويحتمل أن يراد به هنا مطلق السحاب. ويقال: (فاض الوادي بالماء - من باب باع - فيضا وفيضا وفيضانا): سال وجرى به. =========================================================================== [239] فانصاع به سحابه (39) وجرى [من] آثار هيدبه جنابه (40). سقيا منك محيية مروية محفلة مفضلة (41) زاكيا =========================================================================== (39) (فانصاع به سحابه): فانفجر به سحابه. وقال المجلسي الاول - قدس سره -: أي انفتل ورجع سحابه بالفيضان. وقال ولده الفائض بأنوار أهل البيت: [معنى قوله]: (وفاض فانصاع به سحابه) أي يكون غيثا يفيض ويجري منه الماء كثيرا ثم يرجع سحابه مسرعا بالفيضان، فالضمير في قوله: (به) راجع إلى الفيضان المفهوم من قوله (فاض). (40) مابين المعقوفين زيادة منا يقتضيها السياق. وقال في البحار: وفي بعض نسخ التهذيب: (جبابه،) بالبائين الموحدتين [بعد الجيم] وهو بالكسر: جمع الجب [بضم الجيم]: البئر التي لم تطو. والهيدب السحاب المتدلي أو ذيله. وفي الصحاح: هيدب السحاب: ما تهدب منه إذا أراد الودق كأنه خيوط. والجناب الفناء والناحية، والمراد [منه] هنا الارض التي يقع الغيث عليها فالكلام يحتمل وجوها: الاول أن يكون نسبة الجريان إلى الجناب - أو الجباب - على المجاز كقولهم: (جرى النهر) - أي يجري الماء في الارض أو آبارها عقيب ارادة سحابه الامطار. الثاني أن يكون قوله: (آثار) منصوبا بنزع الخفاض أي جرى الماء في جنابه لاثار هيدبه أي سحابه المتدلي. الثالث أن يقرأ: (آثار) بالرفع، و (جنابه) بالنصب على الظرفية أي جرى آثار سحاب المطر - وهي الماء - في جنابه. ويمكن [أيضا] أن يقرأ (هيدبة) بالتاء مضافة إلى (جنابه) لكنه أبعد. الرابع أن يقرأ (جرى) عل بناء التفعيل أي جرى الغيث آثار سحابه في جنابه. والكل بعيد. أقول: وعلى ما ذكرناه من سقوط كلمة: (من) عن النسخ معنى الكلام جلي ولكن بقي. الكلام في أنه هل يصح أن يكون الاصل: (وجرى [من] آثار هيدبه حبابه) بفتح الحاء المهملة ثم بائين - أي فقاقيعه وهي النفاخات التي تعلوا الماء عند جريان المطر، ويسميها أهل بلادنا (كلندروك) على زنة (سمندر) بزيادة واو وكاف في آخره. (41) محفلة: مالئة للاودية من قولهم: (حفل الماء - من باب ضرب - حفلا وحفولا وحفيلا): اجتمع بكثرة. والوادي بالسيل: جاء بملاء جنبيه. وحفلت السماء اشتد مطرها. قال المجلسي الاول: وفي بعض النسخ: (مخضلة) [من قولهم]: أخضلة: بله ونداه. أقول ومثله خضله من باب التفعيل. قال: ثومفضلة من الافضال، وفي بعض النسخ: (متصلة). =========================================================================== [240] نبتها، ناميا زرعها، ناضرا عودها ممرعة آثارها، جارية بالخصب (42) والخير على أهلها، تنعش بها الضعيف من عبادك (43) وتحيي بها الميت من بلادك، وتنعم بها المبسوط من رزقك (44) وتخرج بها المخزون من رحمتك، وتعم بها من نآى من خلقك (45) حتى =========================================================================== (42) (ناضرا) من النضارة وهي الحسن وشدة خضرة النبات والشجر لاشباعهما من الماء وكونهما ريانا. و (ممرعة آثارها) منقولهم: (مرع رأسه - من باب منع - مرعا، وأمرعه بالدهن امراعا): مسحه به وأكثر منه. أو من قولهم: (مرع شعره مرعا): سرحه أي سقيا تكون آثارها من شدة اسباغها وامتصاصها الماء مدهونة أي يترشح منها الدهن من شدة سمنها. (والخصب) كحبر.: كثرة الخير ووفور النعمة. (43) تنعش بها - من باب منع -: تجبرهم بها بعد فقرهم وتقيمهم بعد لصوقهم بالارض من شدة الضعف، وترفعهم بعد ضعتهم من الفاقة. (44) تنعم بها - من باب أفعل -: تجعل بها مبسوط رزقك ناعما طيبا ذالين ورغد. (45) (من نآى) من بعد منا أي تكون السقيا عامة ولا تكون مخصوصة بنا وبمن يلينا. والفعل أي (نآى) من باب منع، ومصدره: النأي - كالمنع: البعد. وقال المجلسي الاول قدس سره: وفي بعض النسخ: (من نأ) أي [من] نهض بجهد ومشقة. أقول: والفعل من باب (قال) ومن معانيه: السقوط، ويقال أيضا: (ناء به الحمل): أثقله وأماله. و (ناء بالحمل) نهض به مثقلا. =========================================================================== [241] حتى يخصب لامراعها المجدبون (46) ويحيا ببركتها المسنتون (47) وتترع بالقيعان غدرانها (48) وتورق ذرى الاكام زهراتها (49) ويدهام بذرى الاكام =========================================================================== (46) أي حتى يطيب من أجل امراع السقيا - أي انهائها النباتات وايصالها اياها إلى أعلى حد كمالاتها - عيسش المجدبين يعنى المبتلين بالقحط، وحتى يتوفر بها خيراتهم. قال المجلسي العظيم قدس سره: يكن أن يقرأ (يخصب) على بناء المجرد - [من باب ضرب وعلم] - والافعال، والمضبوط في أكثر النسخ الثاني وكذا (امراعها) يحتمل فتح الهمزة [على أن تكون جمع المريع بمعنى الخصيب، أو جمع المرع - كفلس - بمعنى الكاء]. و [يحتمل أيضا] كسرها، والمضبوط الثاني فيكون مصدرا. (47) المسنتون: المجدبون أي المبتلون بالقحط. قال الجوهري: أسنت القوم: أجدبوا وأصله من السنة [بمعنى القحط] قلبوا الواو تاءا ليفرقوا بينه وبين قولهم: أسنى القوم إذا قاموا سنة في موضع. وقال الفراء: توهموا أن الهاء أصلية إذ وجدوها ثالثة فقلوبها تاء. (48) يقال: (ترع الحوض - من باب منع - ترعا): امتلا. و (اترع الاناء - من باب افتعل - اتراعا): امتلا فهو ترع، وأترعت الاناء: ملاته. والقيعان: جمع القاع: الارض السهلة المطمئنة التي انفرجت عنها الجبال والاكام. والغدران - بالضم -: جمع الغدير. (49) قال المجلسي الاول وفي بعض النسخ: (الاكمام) أي تصير زهراتها وأنوارها ذات أوراق في أعالي أتلالها أو في أعالي غلف أزهارها وأغطية أنوارها. قال: وفي بعض النسخ: (رجوانها) قال: [وهي] تثنية رجا بمعنى الناحية أي طرفيها ؟ يقال: أورق الشجر: خرج ورقة وصار ذاورق. والذرى - بضم الذال وكسرها -: جمع الذروة - بكسرها -: أعلى الشئ. والاكام: التلال، وهي جمع الاكمة - محركة - أو جمع جمعها، وهي التل أو الموضع الذي يكون أكثر ارتفاعا مما حوله. و (الاكمام): جمع الكم - بكسر الكاف -: الغلاف الذي يحيط بالزهر - أو التمر أو الطلع - فيستره ثم ينشق عنه. وفي كتاب التهذيب: (وتورق ذرى الاكام رجواتها) وهي جمع الرجاء بمعنى الناحية. و (ذرى الاكام) منصوبة على الظرفية أي تصير رجوات السقيا ونواحيها التي تقع عليها ذات ورق ونبات في ذرى الاكام أيضا مع بعدها عن الماء. ويحتمل أن يكون الايراق بمعنى التزيين والروقة مجازا. أقول: هكذا أفاده المجلسي الثاني رفع الله مقامه. (نهج السعادة ج 3) (م 16) =========================================================================== [242] شجرها وتستحق بعد اليأس شكرا، منة من مننك مجللة (50) ونعمة من نعمك مفضلة، على بريتك المؤملة (51) وبلادك المغربة، وبهائمك المعملة، ووحشك المهملة (52). اللهم منك ارتجاؤنا واليك مآبنا، فلا تحبسه لتبطنك سرائرنا (53) ولا تواخذنا بما فعل السفهاء منا، فانك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا وتنشر رحمتك، وأنت الولي الحميد. =========================================================================== (50) الدهمة: السواد، ويدهام: يشتد سواده أي خضرته لاشباعه من الري. ومجللة - بكسر اللام -: عامة. ويقال للسحاب الذي يعم الارض بالمطر المجلل. (51) كذا في مسودتي التي كتبتها بيدي. و (المفضلة) من الافضال أو التفضيل، بالفتح والكسر. والمؤملة: الذين تعلقت آمالهم بذيل عناية الله، ومدوا أعينهم إلى أبواب رحمة الله ولطفه وكرمه. وفي المختار: (113) من نهج البلاغة: (على بريتك المرملة). والمرملة على صيغة الفاعل -: الفقيرة اللاصقة بالرمل. (52) (المغربة): المبعدة عن الزاد، يقال: دراهم غاربة أي بعيدة. وربما يقرأ بالغين والراء والنون أي اليابسة. وبالعين المهملة والراي والباء أي البعيدة عن المرعى. هكذا أفاده المجلسي الاول قدس سره، وقال ولده وفرعه الزاكي المجلسي الثاني رفع الله مقامه: في أكثر نسخ التهذيب والفقيه وبعض نسخ المتهجد: (المعرنة:) بالعين والراء المهملتين والنون - بفتح الراء أو كسرها - بمعنى البعيدة، يقال دراهم عارنة: بعيدة. وفي بعض النسخ بالعين المهملة والراي والباء الموحدة فهو أيضا يحتمل الفتح والكسر والمعنى قريب مما مر، وفي القاموس: أعزب: بعد وأبعد. والعازب: الكلاء البعيد. وفي بعضها بالغين المعجمة والراء المهملة من الغروب بمعنى البعد والغيبة والمعان متقاربة. والمعملة اسم مفعول من الاعمال لان الناس يستعملونها في أعمالهم ويقابله المهملة [أي] التي أهملوها وتركوها وحشية في البراري ولاراعي لها ولامن يكفلها. (53) يقال: رجيته وترجيته وارتجيته: رجوته. والمآب: المرجع. (لتبطنك سرائرنا) أي لعلمك ببواطننا وما نسره ونضمره فيها. =========================================================================== [243] ثم بكى عليه السلام فقال: سيدي صاخت جبالنا واغبرت أرضنا وهامت دوابنا (54) وقنط ناس منا (55) وتاهت البهائم، وتحيرت في مراتعها، وعجت عجيج الثكلى على أولادها، وملت الدوران في مراتعها حين حبست عنها قطر السماء، فرق لذلك عظمها، وذهب لحمها، وذاب شحمها، وانقطع درها. أللهم ارحم أنين الانة، وحنين الحانة، ارحم تحيرها في مراتعها، وأنينها في مرابضها (56) يا كريم. =========================================================================== (54) قال المجلسي الاول في شرح كتاب الفقيه: (ساخت أو صاخت جبالنا): غاصت في الارض. واستوت معها لعدم النبات... وقرء (صاحت) من الصياح أي خلت من النبات. وقال المجلسي الثاني: (صاحت جبالنا): جفت ويبست. وفي بعض النسخ بالضاد المعجمة [بمعنى] خلت. وفي بعضها بالصاد المهملة والخاء المعجمة أي انخسفت ورسبت في الارض. وفي الفقيه بالسين المهملة والخاء المعجمة بهذا المعنى ومرجعه إلى أنه كناية عن فقد الشجر والنبات عليها. فكأنها غير محسوسة [و] غائرة في الارض. و (هامت دوابنا): عطشت. أو ذهبت على وجوهما لشدة المحل من (هام على وجهه - من باب باع - هيما وهيمانا): ذهبت من العشق وغيره. (55) وبعده في النسخة هكذا: (أو من قنط منهم). أقول والظاهر أن الترديد من الراوي أي اما قال: قنط ناس منا، أو قال: وقنط من قنط من الناس. أقول: وفي المقام يحتمل وجوه أخر مذكورة في شرح الخطبة من بحار الانوار. (56) الانين: صوت المريض وشكواه من الوصب. والانة: الشاة. والحنين: صوت المتألم. والحانة: الناقة. والمراتع: جمع مرتع: محال الكلاء والنبات والرعي. والمرابض: جمع مربض: مأوى الدواب ومحل استراحتها. =========================================================================== [244] الحديث الاول من باب صلاة الاستسقاء من كتاب (من لا يحضره الفقية): ج 1، ص 337، ط الغري وتهذيب الاحكام: ج 3 ص 151، ط النجف والخطبة رواها أيضا في كتاب مصباح المتهجد، ص 367 ط ايران. كما رواها أيضا عنهم مشروحة وفي الحديث الثاني من باب صلاة الاستسقاء من بحار الانوار: ج 18، ص 100، ط 1. وفي ط الحديث: ج 91 ص 293. ورواها أيضا في باب صلاة الاستسقاء من ترتيب التهذيب: ج 3 ص 43. ونقلها الكفعمي رحمه الله في الدعاء الثالث من الباب (49) من كتاب المصباح ص 222، المخطوط ورواها أيضا في الصحيفة العلوية للسماهيجي ص 188، ونقلها أيضا في الحديث الرابع من باب صلاة الاستسقاء من كتاب مستدرك الوسائل: ج 1، ص 442 ط 1، وذكرها أيضا، في المختار: (59) من مستدرك نهج البلاغة للشيخ هادي رحمه الله - ص 74، وقطعة منها ذكرها في آخر الباب: (66) من جواهر المطالب ص 110. وقطعا من أواخرها رواها السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (113) من نهج البلاغة. =========================================================================== [245] - 63 - ومن كلام له عليه السلام روي انه عليه السلام خطب في يوم جمعة خطبة بليغة فقال: في آخرها: أيها الناس سبع مصائب عظام - ونعوذ بالله منها -: عالم زل، وعابد مل، ومؤمن خل، ومؤتمن غل (1) وغني، أقل وفقير اعتل. فقام إليه رجل فقال: صدقت يا أمير المؤمنين، أنت القبلة إذا ما ضللنا، والنور إذا ما أظلمنا (2) ولكن نسألك عن قول الله تعالى: (أدعوني استجب لكم) [60 غافر 40] فما بالنا ندعو فلايجاب [لنا دعاؤنا] ! ؟ قال [أمير المؤمنين عليه السلام]: ان قلوبكم جاءت بثمان خصال: أولها أنكم عرفتم الله فلم تؤدوا حقه كما أوجب عليكم فما أغنت عنكم معرفتكم شيئا ! ! ! والثانية أنكم آمنتم برسوله ثم خالفتم =========================================================================== (1) خل: احتاج وافتقر. وغل زيد - من باب مد - غلولا): افتقر. (2) أي إذا وقعنا في الظلام أو أرخى علينا الظلام سدوله. =========================================================================== [246] سنته وأمتم شريعته، فأين ثمرة ايمانكم ؟ ! والثالثة أنكم قرأتم كتابه المنزل عليكم فلم تعملوا به، وقلتم: سمعنا وأطعنا ثم خالفتم ! ! ! والرابعة أنكم قلتم: انكم تخافون من النار وأنتم في كل وقت تقدمون عليها بمعاصيكم فأين خوفكم ؟ ! والخامسة أنكم قلتم: أنكم ترغبون في الجنة وانتم في كل وقت تفعلون ما يباعدكم منها فأين رغبتكم ؟ ! فيها والسادسه أنكم أكلتم نعم الله ولم تشكروه عليها. والسابعة أن الله أمركم بعداوة الشيطان وقال: (ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا [6 فاطر: 35] فعاديتموه بالقول وواليتموه بالمخالفة (3). والثامنة أنكم جعلتم عيوب الناس نصب أعينكم، وعيبوكم وراء ظهوركم ! ! ! تلومون من أنتم أحق باللوم منه، فأي دعاة يستجاب مع هذا ؟ وقد سددتم أبوابها =========================================================================== (3) أي بمخالفة أمر الله تعالى باتخاذ الشيطان عدوا ! ! ! والظاهر أن هذا هو الصواب، وفي الاصل: (فعاديتموه بلا قول، وواليتموه بلا مخالفة). =========================================================================== [247] وطرقه ! ! ! فاتقوا الله وأصلحوا أعمالكم وأخلصوا سرائركم وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فيستجيب الله لكم دعأكم. كتاب دعائم الدين نقلا عن كتاب اتنبيه، كما في الحديث: (17) من الباب: (24) من القسم الثاني من المجلد التاسع عشر، من البحار، ص 58 في السطر، 13، وفي الطبع الحديث: ج 93 ص 376 ورواه عنه المحدث القمي رحمه الله في ترجمة ابراهيم بن أدهم من كتاب الكنى والالقاب ورواه أيضا في الحديث الثالث: الباب (59) من كتاب الصلاة من مستدرك الوسائل: ج 1، ص 378، نقلا عن كتاب التنبيه. =========================================================================== [248] - 62 - ومن كلام له عليه السلام في تقسيم الذنوب إلى مرجو الغفران والمغفور وغير المغفور قال أحمد بن محمد بن خالد البرقي رحمه الله: [حدثني أبي ورفع الحديث] (1) قال: أن أمير المؤمنين عليه السلام صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا ايها الناس أن الذنوب ثلاثة. ثم سكت [وأمسك عن الكلام] فقال له حبة العرني: يا أمير المؤمنين فسرها. فقال عليه السلام: ما ذكرتها الا وأنا أريد أن أفسرها، ولكنه عرض لي بهر (2) حال بيني وبين الكلام، نعم: الذنوب ثلاثة: فذنب مغفور، وذنب غير مغفور، وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه. قيل: يا أمير المؤمنين فبينها لنا. قال: نعم. أما الذنب المغفور: فعبد عاقبه الله تعالى على ذنبه =========================================================================== (1) مابين المعقوفين زيادة توضيحية منا. (2) البهر - كقفل -: ما يعرض الانسان عند العدو، والسعي الشديد من تتابع النفس. =========================================================================== [249] في الدنيا، فالله أحكم وأكرم [من] أن يعاقب عبده مرتين. وأما الذنب الذي لا يغفر، فظلم العباد بعضهم لبعض (3) ان الله تبارك وتعالى إذا برز لخلقه أقسم قسما على نفسه فقال (4): (وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كف بكف ولو مسحة بكف ونطحة ما بين الشاة القرناء إلى الشاة الجماء (5)) فيقتص الله للعباد بعضهم من بعض حتى لا يبقى لاحد عند أحد مظلمة، ثم يبعثهم الله إلى الحساب [كذا] (6). =========================================================================== (3) وفي المختار: (173) من نهج البلاغة: (ألا وان الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك وظلم مغفور لا يطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، قال الله: (ان الله لا يغفر أن يشرك به) [ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء] / 116 / النساء / وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات، وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص هناك شديد، ليس هو جرحا بالمدى ولاضربا بالسياط ولكنه ما يستصغر ذلك معه...). (4) أي يقسم قسما على نفسه، وانما عبر بالماضي لتحقق وقوعه. (5) القرناء - مؤنث الاقرن -: ماله قرنان من البهائم والجماء: مالاقرن لها. (6) وقريبا منه رواه المجلسي رحمه الله في الحديث: (14، 67) من الباب: 79) من بحار الانوار: ج 75 ط 2 مشروحا عن الامام الباقر عليه السلام. =========================================================================== [250] واما الذنب الثالث فذنب ستره الله على عبده ورزقه التوبة، فأصبح خاشعا من ذنبه، راجيا لربه فنحن له كما هو لنفسه، نرجو له الرحمة، ونخاف عليه العقاب. الحديث (10) من كتاب مصابيح الظلم من المحاسن - البرقي - ص 7 ورواه عنه في الحديث (29) من الباب (79) من القسم الاول من البحار: ج 16، ص 203 في السطر 17، ط الكمباني، نقلا عن محاسن البرقي، وفي ط الحديث: ج 75 ص 214. ورواه أيضا في الباب (195) من كتاب الايمان والكفر - وهو باب ان الذنوب ثلاثة - من أصول الكافي: ج 2 ص 443 بسند آخر، وفيه أيضا رفع، وقد ذكرناه في المختار: (147) من القسم الاول: ج 1، ص 488 ط بيروت. =========================================================================== [251] - 64 - ومن خطبة له عليه السلام في التنبيه على سرعة مضي الدنيا واقبال الاخرة والترغيب في اغتنام الفرصة، وتحصيل الزاد للاخرة قال ابن مسكويه رحمه الله: وخطب أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال: أما بعد فان الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وان الاخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع ألا وأن المضمار اليوم وغدا السباق. ألا وانكم في أيام أمل من ورائه أجل (1) فمن قصر في أيام عمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله. ألا فاعملوا [عباد الله] في الرغبة كما تعملون في الرهبة. ألا واني لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها. =========================================================================== (1) كذا في الاصل. =========================================================================== [252] ألا وان من لم ينفعه الحق ضره الباطل، ومن لم يستقم به الهدى جار به الضلال. ألا وانكم قد أمرتم بالظعن، ودللتم على الزاد وان أخوف ما أخاف [عليكم] اتباع الهوى وطول الامل. جاويدان خرد، أو الحكمة الخالدة ص 144. ورواه أيضا السيد الرضي رحمه الله في المختار: (28) من نهج البلاغة. ومر بزيادات كثيرة في ضمن خطبة الديباج. ورواه أيضا ابن عساكر في الحديث: (1271) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 213 ط 1، ورواه عنه في الحديث: (3538) من كنز العمال: ج 8 ص 219 ط 1. ورواه أيضا في الباب: (49) من جواهر المطالب ص 60. =========================================================================== [253] - 65 - ومن كلام له عليه السلام في نعت الزهاد وتقريضهم وانه لا يستجاب دعاء من اشتغلت ذمته بمظلمة الناس أو كان عريفا أو شرطيا أو صاحب كوبة أو عرطبة أي العود والطبل أو الطنبور والطبل ! ! ! قال السيد أبو طالب: حدثنا أبو العباس أحمد بن ابراهيم الحسني املاءا قال: أخبرنا عبد الرحمان بن أبي حاتم، قال: حدثنا سليمان بن داود الثقفي قال: أخبرنا أبو داوود - يعني الطيالسي - عن سهل بن شعيب، عن عبد الاعلى: عن نوف [البكالي] قال: بايت أمير المؤمنين عليه السلام ليلة (1) فجعل يكثر الخروج والنظر إلى السماء، ثم قال: يا نوف أنا ئم أنت ؟ قلت: لا بل أرمقك (2) بعيني يا أمير المؤمنين. فقال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا، والراغبين في الاخرة، أولئك الذين اتخذوا أرض الله بساطا وترابها فراشا وماءها طهورا، وجعلوا القرآن شعارا والدعاء دثارا، =========================================================================== (1) أي نزلت على أمير المؤمنين ليلة أو أقمت عنده ليلة أو أحييت معه ليلة بالعبادة. (2) يقال: (رمق زيد فلانا - من باب نصر - رمقا): أطال النظر إليه. =========================================================================== [254] وقرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح صلى الله عليه. أن الله أوحى إلى عبده المسيح أن قل لبني اسرائيل [أن] لا يدخلوا بيتا من بيوتي الا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وايد نقية، وأخبرهم أني لاأقبل منهم دعوة ولاحد من خلقي قبله مظلمة ! ! ! يا نوف لا تكونن شرطيا أو عريفا أو صاحب كوبة أو صاحب عرطبة، فان نبي الله داود عليه السلام خرج ذات ليلة فنظر إلى السماء فقال،: ان هذه لساعة لا يدعو الله فيها أحد الا استجابه الا أن يكون شرطيا أو عريفا أو صاحب كوبة أو صاحب عرطبة ! ! ! الحديث الثاني من باب الزهد - وهو الباب: (43) - من كتاب تيسير المطالب ص 237 من النسخة المخطوطة، وفي ط 1، ص 365. وللكلام مصادر كثيرة جدا، وقد مر عن مصدر آخر تحت الرقم: (135) من المجلد الاول ص 436. =========================================================================== (3) قرضوا الدنيا - من باب ضرب -: قطعوها وجازوها. عدلوا عنها. =========================================================================== [255] - 66 - ومن كلام له عليه السلام في الحث على اغتنام الفرصة، والمبادرة إلى العمل في أول وقت امكانه والتحذير عن التسويف وتأخير العمل عن وقته وانتظار المستقبل ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رفع الله مقامه، عن علي بن ابراهيم عن أبيه. وعن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، جميعا عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: انما الدهر ثلاثة ايام - أنت فيما بينهن -: مضى أمس بما فيه فلا يرجع أبدا، فان كنت عملت فيه خيرا لم تحزن لذهابه، وفرحت بما أسلفته فيه (1) وان كنت قد فرطت فيه فحسرتك شديدة لذهابه وتفريطك فيه. وأنت في يومك الذي أصبحت فيه من غد في غرة ! ! ! ولا تدري [و] لعلك لا تبلغه ؟ وان بلغته لعل حظك فيه في التفريط مثل حظك في الامس الماضي عنك ! ! ! =========================================================================== (1) هذا هو الظاهر الموافق للمحكي عن بعض النسخ، وفي النسخة: (وفرحت بما استقبلته منه) =========================================================================== [256] فيوم من الثلاثة قد مضى [و] أنت فيه مفرط، ويوم تنتظره [و] لست أنت منه على يقين من ترك التفريط، وانما [لك من الثلاثة] هو يومك الذي أصبحت فيه. وقد كان ينبغي لك - ان عقلت وفكرت - فيما فرطت في الامس الماضي مما فاتك فيه من حسنات أ [ن] لا تكون أكتسبتها ومن سيئات لا تكون أقصرت عنها (2) وأنت مع هذا من استقبال غد على غير ثقة من أن تبلغه وعلى غير يقين من اكتساب حسنة، أو ارتداع (3) عن سيئة محبطة. فأنت من يومك الذي تستقبل على مثل يومك الذي استدبرت ! ! ! فاعمل عمل رجل ليس يأمل من الايام الا يومه الذي أصبح فيه وليلته (4). =========================================================================== (2) هذا هو الظاهر، وفي الاصل في الموردين: (ألا تكون). (3) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: (أو مرتدع عن سبئة محبطة). (4) وبعده في الاصل هكذا: (فاعمل أودع والله المعين على ذلك). أقول: ومن هنا اقتبس السيد فضل الله الراوندي رحمه الله ما نظمه وقال: هل لك يا مغرور من زاجر أو حاجز من جهلك الغامر أمس تقضى وغدا لم يجئ واليوم يمضى لمحة الباصر فذلك العمر كذا ينقضي ما أشبه الماضي بالغابر وأقول أيضا: والى هذا الحديث وأشباهه استند الشيخ سعدى حيث قال: ما فات مضى وما سيأتيك فأين قم فاغتنم الفرصة بين العدمين (نهج السعادة ج 3) (م 17) =========================================================================== [257] الحديث الاول من باب محاسبة العمل من كتاب الايمان والكفر من أصول الكافي: ج 2 ص 453 ط الاخوندي ورواه عنه في البحار: القسم الاول من ج 16 ص 58 ط الكمباني. وأرى الحديث معنى الكلام الامام عليه السلام وليس ينص ألفاظه، ولذا تراه خاليا من المحسنات اللفظية، وعليك بالبحث والتفتيش فلعلك تظفر على ألفاظه عليه السلام بعينها. =========================================================================== [258] - 67 - ومن كلام له عليه السلام في نعمت الدنيا أجاب به من سأله من أن يصف له الدنيا وينعتها السيد أبو طالب يحيي بن الحسين بن هارون الحسني الهاروني قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا أبو القاسم حمزة بن القاسم العلوي العباسي قال: أخبرنا محمد بن اسماعيل، قال: حدثنا الحسن بن هشيم (1) قال: حدثنا عباد بن يعقوب، عن عتبة العابد (2) عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: صف لي الدنيا يا أمير المؤمنين. فقال: ما أصف من دار أولها عناء وآخرها فناء [في] حلالها حساب و [في] حرامها عقاب، من صح فيها مرض (3) ومن استغنى فيها فتن (4) ومن افتقر فيها حزن (5). =========================================================================== (1) وأيضا يحتمل رسم الخط أن يقراء (هيثم). (2) كذا في الاصل، ولعل الصواب: (عن عنبسة العابد). (3) مابين المعقوفات مأخوذ من نهج البلاغة، والجملة الاخيرة غير موجودة فيه. وفي تحف العقول: (من صح فيها أمن، ومن مرض فيها ندم). (4) هذا هو الظاهر الموافق لما في نهج البلاغة، وفي الاصل: (ومن امتعنا فني ؟). (5) وبعده في نهج البلاغة هكذا: (ومن ساعاها فاتته، ومن قعد عنها واتته، ومن أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته ! ! !). أي من سابق الدنيا وجاري معها في الطلب فاتته أي سبقته فانه كلما نال مطلوبا تجره الامال والحاجات إلى آمال وحوائج كثيرة عسيرة الحصول أو متعذر الوجود، فلا يكاد يصل إليها، ومن قعد عن مجارات الدنيا فلم يطلب فوق الكفاف وما لابد منه واتته الدنيا أي طاوعته وانقادت له ويئست من اتعابه وجره إلى ويلاتها ! ! ! ومن أبصر بالدنيا أي جعلها مرآتا وقنطرة ورأى بها ما وراءها وعبر عنها طالبا لما بعدها بصرته أي جعلته بصيرا، ومن أبصر إليها وغفل عما وراءها فطلبها لنفسها واشتغل بها فانها تعميه عن كل خير وتجر إليه كل ويل ! ! ! قال الشريف الرضي رحمه الله: وإذا تأمل المتأمل قوله عليه السلام: (من أبصر بها بصرته) وجد تحته من المعنى العجيب والغرض البعيد ما لا تبلغ غايته ولا يدرك غوره ! ! ! ولاسيما أذا قرن إليه قوله: (وما أبصر إليها أعمته) فانه يجد الفرق بين (ابصر بها) و (أبصر إليها) واضحا نيرا وعجيبا باهرا. أقول: ويشرحه أيضا قوله عليه السلام في المختار: (130) من النهج. (وانما الدنيا منتهى بصر الاعمى لا يبصر مما وراءها شيئا ! ! ! والصير ينفذها بصره ويعلم أن الدار وراءها، فالبصير منها شاخص، والاعمى إليها شاخص، والبصير منها متزود، والاعمى لها متزود ! ! !). =========================================================================== [259] الحديث (1) من باب ذم الدنيا - وهو الباب: (45) - من كتاب تيسير المطالب ص 241 من النسخة المخطوطة، وفي ط 1، ص 372. ورواه أيضا ابن أبي الدنيا بسندين آخرين - باختصار في المتن - في الحديث: (17، و 18) من كتاب ذم الدنيا الورق 3 ب. ورواه أيضا في أول الباب: (49) من كتاب جواهر المطالب ص 49 ولكن بنحو الارسال. ورواه أيضا في المختار: (79) من نهج البلاغة، ورواه أيضا في المختار: (5) من قصار كلمه عليه السلام في كتاب تحف العقول ص 201. =========================================================================== [260] - 68 - ومن كلام له عليه السلام في التنبيه على ادبار الدنيا واقبال الاخرة، والحث على الزهد في الاولى والرغبة في الثانية وبيان حال الزهاد ألا ان الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وان الاخرة قد دنت مقبلة، ولهذه أبناء ولهذه أبناء، فكونوا من أبناء الاخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا. ألا وكونوا من الزاهدين في الدنيا والراغبين في الاخرة، ان الزهدين في الدنيا اتخذوا الارض بساطا والتراب فراشا، والماء طيبا ! ! ! وقوضوا الدنيا تقويضا (1). ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات (2) =========================================================================== (1) وهذا الصدر قد تكرر ذكره في كلمه عليه السلام، وقوضوا الدنيا: هدموها. وفرقوا متاعها على المحتاجين ولم يدخروها. (2) هذا اخبار يردا منه الانشاء والطلب. وسلى عن الشهوات: ذهل عنها وهجرها، يقال: (سلا زيد الشئ وعن الشي - من باب دعا - سلوا وسلوا وسلوانا، وسلي عنه - من باب علم - سليا): نسيه وطابت نفسه عن فواته وذهل عن ذكره وهجره، و (أشفق من النار): خاف منها. =========================================================================== [261] ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن راقب الاخرة سارع في الخيرات. ألا وأن لله عبادا كأنهم يرون أهل الجنة في الجنة منعمين مخلدين ! ! ! ويرون أهل النار في النار معذبين. قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة [و] أنفسهم عفيفة. وحاجتهم خفيفة، صبروا أياما قليلة فصارت لهم العقبى راحة طويلة (3). أما الليل فصافوا أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى ربهم في فكاك رقابهم (4). وأما النهار فعلماء حلماء بررة أتقياء كأنهم القداح براهم الخوف والعبادة (5) ينظر إليهم الناظر فيقول: =========================================================================== (3) وفي المختار: (190) من نهج البلاغه: (وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة...). وفي الكافي: (أنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صيروا أياما قليلة فصاروا بعقبى راحة طويلة). (4) يجأرون: يتضرعون ويلجأون. (5) القدح: جمع القدح - كحبر -: السهم قبل أن ينصل ويراش. وبراهم: نحتهم وأذاب شخومهم ولحومهم أي ان مخافة الله وتعب اشتغالهم بطاعة الله وواجباتهم أهزلهم وجعلهم كالسهم. =========================================================================== [262] مرضى ؟ - وما بالقوم من مرض - أم خولطوا ؟ فقد خالطهم أمر عظيم من ذكر النار ومن فيها ! ! ! آخر ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب مروج الذهب ج 2 ص 432 طبع 3 ورواه أيضا في الحديث (15) من باب ذم الدنيا من أصول الكافي ج 2 ص 132، معنعنا عن سيد الساجدين الامام علي بن الحسين عليه السلام، وتقدم أيضا في ضمن المختار (139، و 140) من ج 1، ص 457 و 466 وكذلك رواه أيضا في المختار: (190) من نهج البلاغة. =========================================================================== [263] - 69 - ومن كلام له عليه السلام قاله لمولاه نوف البكالي وقد بين وشرح له صفة الزهاد كي يقتدي بهم وكشف له عن مذموم الصفاة والمكاسب المكروهة كي ينزجر عنها ويتجنبها. قال القضاعي: أخبرني أبو عبد الله محمد بن منصور التستري فيما أجازه لي، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن سعيد بن حمدان، قال: حدثنا أحمد ابن محمد بن الفضل النحوي، قال: حدثنا محمد بن ابراهيم بن قريش الحكيمي قال: حدثنا عبد العزيز بن أبان، قال: حدثنا سهل بن شعيب النهمي (1) عن عبد الاعلى: عن نوف البكالي قال: رأيت علي بن أبي طالب عليه السلام ليلة النصف من شعبان، فأكثر الخروج والنظر إلى السماء، فقال: أنا ئم أنت يا نوف ؟ قلت: بل رامق أرماق أمير المؤمنين بعيني (2) فقال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا، والراغبين في =========================================================================== (1) ومثله في ترجمة نوف من تاريخ دمشق: ج. 6 ص 6، وفي ترجمة جعفر بن مبشر من تاريخ بغداد: ج 7 ص 162: السهمي. (2) يقال: (رمق زيد عمرا - من باب نصر - رمقا): لحظه لحظا خفيفا. أطال إليه النظر. ورامقه مرامقة: تتبعه بنظره وراقبه. =========================================================================== [264] الاخرة، فان أولئك قوم (3) اتخذوا أرض الله بساطا وترابها فراشا، وماء ها طيبا، والقرآن شعارا والدعاء دثارا (4) ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح بن مريم (5) فان الله عزوجل أوحى إلى عبده المسيح ابن مريم أن مر بني اسرائيل أن لا يدخلوا بيتا من بيوتي الا بقولب طاهرة وأبصار خاشعة وأيد نقية، فاني لا أستجيب لاحد منهم دعوة [و] لاحد من خلقي قبله مظلمة. يا نوف لا تكونن شاعرا ولاعشارا ولا شرطيا ولا صاحب كوبة ولاصاحب عرطبة (6) فان نبي الله داود =========================================================================== (3) وفي أمالي الشيخ المفيد، ونهج البلاغة وتاريخ بغداد: (طوبى للزاهدين في الدينا. الراغبين في الاخرة، أولئك قوم...). (4) الشعار: الثوب الملاصق لشعر البدن. والدثار: ما يكون فوق الشعار. وقريبا منه ذكره عليه السلام في كلام آخر له، في صفة المؤمنين كما في دستور معالم الحكم أيضا، ص 148. (5) يقال: (قرض الوادي - من باب ضرب - قرضا): جازه. والمكان: عدل عنه. (6) وفسر العرطبة في الرواية الثانية لابن عساكر، بالعود. والكوبة بالطبل. وفي رواية السيد الرضي في المختار: (104) من قصار النهج - فسر العرطبة بالطنبور. والكوبة بالطبل وظاهرهما أن التفسير من أمير المؤمنين عليه السلام. =========================================================================== [265] عليه السلام خرج في مثل هذه الليلة، فقال: ما من عبد يدعو الله عزوجل الا استجاب دعوته في هذه الساعة (7) الا أن يكون شاعرا أو عشارا أو شرطيا أو عريفا أو صاحب كوبة أو صاحب عرطبة. المختار: (9) من الباب الرابع من دستور معالم الحكم ط مصر، ص 91، ورواه في آخر الباب الستة - وهو آخر المجلد الاول - من كتاب الخصال ص 337 بسند آخر ينتهي إلى عبد الاعلى، عن نوف عن أمير المؤمنين عليه السلام وقد تقدم في المختار: (135) وتاليه من المجلد الاول ص 436 بأسانيد، وتقدم ها هنا أيضا تحت الرقم: (65) ص 253 عن مصدر آخر. وله أسانيد ومصادر أخر أيضا. =========================================================================== (7) وفي النهج (: يا نوف ان داود عليه السلام قام في مثل هذه الساعة من الليل فقال: انها ساعة لا يدعو فيها عبد الا استجيب له الا أن يكون...). =========================================================================== [266] - 70 - ومن كلام له عليه السلام قال في بعض خطبه موصيا أصحابه بالمجاملة مع الناس ومداراتهم قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبو الحسن علي بن مهدي [الطبري] قال: أخبرنا محمد بن علي بن هاشم، قال: أخبرنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا عبد الرحمان بن صالح، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه فقال: كونوا [في الناس] كالنحلة في الطير، انه ليس شئ من الطير الا [وهو] يستضعفها ولو يعلم ما في أجوافها [من البركة] لم يفعل [ذلك بها] (1) خالقوا الناس بأخلاقهم وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم (2) فان لكل امرئ ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب (3). =========================================================================== (1) مابين المعقوفات مأخوذ من رواية ابن عساكر، وفي الاصل: (وكونوا كالنحلة في الطير فانه ليس في الطير شئ...). وفي رواية ابن عساكر: (لم يفعلوا ذلك بها). ويستأنس من لفظ الاصل أن الكلام كان في ضمن خطبة لم يحفظ الراوي تمامها أو لم يكن في مقام بيانها ولعل الله أن يمن علينا بالظفر على تمام الخطبة انه ولي التوفيق. (2) وفي رواية ابن عساكر: (خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم... فان للمرء...). (3) ولهذا الذيل شواهد كثيرة ومصادر، وقد تقدم في ذيل المختار: (352) من القسم الاول في ج 2 ص 671 بسند آخر. =========================================================================== [267] الحديث (10) من الباب: (14) من تيسير المطالب ص 125، وفي ط 1: ص 183، ورواه أيضا ابن عساكر في الحديث: (1282) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 227، ط 1، قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن اسماعيل، وأبو المحاسن أسعد بن علي وأبو بكر أحمد بن يحي وأبو الوقت عبد الاول بن عيسى بن شعيب، قالوا: أنبأنا أبو الحسن ؟ عبد الرحمان بن محمد بن المظفر، أنبأنا أبو محمد السرخسي أنبأنا أبوعمران السمرقندي أنبأنا أبو محمد الدارمي أنبأنا محمد بن الصلت، انبأنا منصور بن أبي الاسود، عن الحرث بن حصيرة، عن أبي صادق الازدي عن ربيعة بن ناجذ قال: قال علي: كونوا... =========================================================================== [268] - 71 - ومن كلام له عليه السلام في التحذير عن مواخات من لا مبالات له، والاحمق والكذاب ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رفع الله مقامه، عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن سالم الكندي عمن حدثه عن أبي عبد الله [الامام الصادق] عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه إذا اصعد المنبر يقول (1): ينبغي للمسلم أن يجتنب مواخات ثلاثة: الماجن (2) والاحمق والكذاب. فأما المجان فيزين لك فعله ويحب أن تكون مثله ولا يعينك على أمر دينك ومعادك، ومقارنته جفاء وقسوة، ومدخله ومخرجه عليك عار. =========================================================================== (1) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (قال...). والمستفاد من هذا التعبير انه عليه السلام كان يداوم على القاء هذا المعنى على المستمعين. (2) الماجن: القليل الحياء الصلب الوجه الذي لا يبالي بما يقول ويفعل، ولايما يفعل به ويقال له. =========================================================================== [269] وأما الاحمق فانه لا يشير عليك بخير ! ! ! ولا يرجى لصرف السوء عنك ولو أجهد نفسه، وربما أراد منفعتك فضرك ! ! ! فموته خير من حياته، وسكوته خير من نطقه، وبعده خير من قربه. وأما الكذاب فانه لا يهنؤك معه عيش ينقل حديثك وينقل اليك الحديث ! ! ! كلما أفنى أحدوثة مطها (3) بأخرى حتى انه يحدث بالصدق فما يصدق ويغري بين الناس بالعداوة فينبت السخائم في الصدور (4) فاتقوا الله وانظروا لانفسكم. الحديث: (6) من الباب: (163) من كتاب الايمان والكفر من أصول الكافي: ج 2 ص 376 ورواه أيضا في أول الباب الرابع من كتاب العشرة من المجلد المذكور، ص 638. ورواه عنه في الحديث (43) من الباب: (14) من كتاب العشرة من بحار الانوار: ج 16، ص 100، وفي ط الحديث: ج 74 ص 205. =========================================================================== (3) الاحدوثة: ما يتحدث به. و (مطها) من باب مد - لفظا ومعنى أي كلما تم حديث من أحاديثه أضاف إليه حديثا آخر من أباطيله. (4) يغري: يحرش بعضهم على بعض ويزرع في قلوبهم العداوة والبغضاء. والسخائم: جمع السخيمة: الضغينة. =========================================================================== [270] - 72 - ومن خطبة له عليه السلام في تحميد الله تعالى ثم الشهادة بوحدانيته ثم الشهادة برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم الوصية بتقوى الله عزوجل ابراهيم بن محمد الثقفي رضوان الله عليه، عن أبي زكريا الحريري، عن أصحابه قال: [هذه] خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام: الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلامضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، انتجبه بالولاية، واختصه بالاكرام وبعثه بالرسالة، أحب خلقه إليه وأكرمهم عليه، فبلغ رسالات ربه ونصح لامته وقضى الذي عليه. أوصيكم بتقوى الله، فان تقوى الله خير ما تواصت =========================================================================== [271] به العباد، وأقربه من رضوان الله، وخيره في عواقب الامور، فبتقوى الله أمرتم، ولها خلقتم (1) فاخشوا الله خشية ليست بسمعة ولا تعذير (2)، فانه لم يخلقكم عبثا، وليس بتارككم سدى (3)، قد أحصى أعمالكم وسمى آجالكم وكتب آثاركم، فلا تغرنكم الدنيا فانها غرارة، مغرور من اغتر بها، والى فناء ما [فيها]. نسأل الله ربنا وربكم أن يرزقنا واياكم خشية السعداء ومنازل الشهداء، ومرافقة الانبياء، فانما نحن به وله. الحديث (82) من كتاب الغارات، ص 155، ط 1، ورواه عنه المجلسي في الحديث: (49) من الباب: (15) من كلم أمير المؤمنين من البحار: ج 17، ص 11، وفي ط تبريز، ص 160، وفي ط الحديث: ج 78 ص 1 نقلا عن ابراهيم بن محمد الثقفي في كتاب الغارات. والخطبة قريبة جدا لخطبة الجمعة المتقدمة تحت الرقم: (131) من القسم الاول: ج 1، ص 127، ط 1. (الهامش) (1) وفي خطبة الجمعة المتقدمة في ج 1، ص 127: (وبتقوى الله أمرتم وللاحسان والطاعة خلقتم). وهو الظاهر. (2) أي اتقوا الله خشية حقيقية غير مشوبة بسمعة - بأن يجتنب عن المحارم كي يسمع الناس ويشيع ذكره وصيته في الناس فيقع عندهم موقع القبول. وقوله: (ولا تعذير): أي لا يدلي بالعذر واقامة العلة عند المولى لاجل دفع مؤاخذة المولى ولومه اياه أو للتوقي عن عذابه وعقابه. (3) سدى: مهملا. وهذا المعنى مقتبس من الاية: (115) من سورة (المؤمنون): (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم الينا لا ترجعون). ومن الاية: (36) من سورة القيامة (أيحسب الانسان أن يترك سدى). =========================================================================== [272] - 73 - ومن خطبة له عليه السلام في تحميد الله تعالى وتمجيده ثم الاستعاذة به، ثم الاستغفار والاستعفاء من الذنوب ثم الشهادة برسالة النبي صلوات الله عليه وعظمته منن الله على عباده ببعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم ابراهيم بن محمد الثقفي رضوان الله عليه، عن أبي زكريا الحريري، عن أصحابه قال: [هذه أيضا] خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام: الحمد لله، أحمده تسبيحا (1) ونمجده تمجيدا، نكبر عظمته لعز جلاله، ونهلله تهليلا موحدا مخلصا ونشكره في مصانعة الحسنى أهل الحمد والثناء الاعلى (2) ونستغفره للحت من الخطايا، ونستعفيه من ملح ذنوب البلايا (3) ونومن بالله يقينا في أمره، ونستهدي بالهدى العاصم المنقذ العازم بعزمات خير قدر موجب فصل عدل ؟ قضاء نافذا نفوذ سابق بسعادة في كريم مكنون ؟ =========================================================================== (1) كذا. (2) خبر لمبتدأ محذوف أي هو أهل الحمد... (3) وفي ط الحديث من البحار: (من متح ذنوب البلايا). (*) =========================================================================== [273] ونعوذ بالله من مضيق مضائق السبل على أهلها بعد اتساع مناهج الحق لطمس آيات منير الهدى [و] تلبس ثيابه مضلات العمل ؟ ونشهد - غير ارتياب حال دون يقين مخلص - بأن الله واحد موحد، وفي وعده، وثيق عقده، صادق قوله، لا شريك له في الامر، ولاولي له من الذل [و] نكبره تكبيرا، لا اله الا هو العزيز الحكيم. ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بعيث الله بوحيه (4) ونبيه بعينه، ورسوله بنوره، أرسله مجيبا ؟ مذكرا مؤديا متقيا، مصابيح شهب ضياء مبصر ؟ وماحيا ماحقا مزهقا رسوم أباطيل خوض الخائضين، بدار اشتباك ظلمة كفر دامس (5) فجلا غواشي الاظلام بلجي راكد (6) من بعد توصيل قوله وفصل فيه القول للذاكرين =========================================================================== (4) فعيل - ها هنا - بمعنى مفعول أي هو مبعوث الله تعالى بوحيه. (5) دامس: شديد السواد والظلمة. (6) كذا في الاصل يقال: (جلا الامر - من باب دعا - جلوا وجلاء): كشفه. و (جل فلانا وعن فلان الامر تجلية): كشفه عنه. و (جلى الامر): أظهره. والغواشي: جمع الغاشية: الغطاء. (نهج السعادة ج 3) (م 18) =========================================================================== [274] بمحكمات منه بينات [و] متشابهات يتبعها الزائغ قلبه ابتغاء التأويل [و] تعرضا للفتن (7) والفتن محيطة بأهلها. والحق نهج مستنير، من يطع الرسول يطع الله، ومن يطع الله يستحق الشكر من الله بحسن الجزاء، ومن يعص الله ورسوله يعاين عسر الحساب لدى اللقاء (8) قضاءا بالعدل عند القصاص بالحق، يوم افضاء الخلق إلى الخالق (9). أما بعد فمنصت سامع لواعظ نفعه انصاته (10) وصامت ذولب شغل قلبه بالفكر في أمر الله حتى أبصر فعرف فضل طاعته على معصيته، وشرف نهج ثوابه =========================================================================== (7) الكلام مقتبس من قوله تعالى في الاية: (7) من سورة آل عمران: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات - هن أم الكتاب - وأخر متشبهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله...). وكان في الاصل: (مشتبهات) فأرجعناه إلى لفظ الاية الكريمة. (8) لعل هذا هو الصواب، وفي الاصل: (له اللقاء...). (9) كذا في الاصل المطبوع، وفي البحار: (اقضاء الخلق). (10) اخبار في معنى الانشاء أي فلينصت سامع... =========================================================================== [275] على احتلال من عقابه (11) ومصير النائل رضاه على المستوجبين (12) غضبه عند تزايل الحساب (13) وشتان بين الخصلتين (14) وبعيد تقارب ما بينهما. أوصيكم بتقوى الله بارئ الارواح، وقالق الاصباح. الحديث: (48) من كتاب الغارات: ج 1، ص 158، ط 1. ورواه عنه في الحديث: (50) من الباب: (15) من باب كلم أمير المؤمنين عليه السلام من بحار الانوار: ج 17، ص 115، في السطر 14، الكمباني وفي ط تبريز، ص 160، وفي ط الحديث: ج 78 ص 2. =========================================================================== (11) لعل هذا هو الصواب، وفي الاصل: (على اختلال). وشرف: فضل. والنهج: الطريق الواضح. والاحتلال: الحلول. (12) لعل هذا هو الصواب أي وشرف مصير النائل رضاه الله على مصير المستوجبين لغضب الله، وفي الاصل: (ومحير النائل رضاه عند المستوجبين). ويحتمل أيضا أن يكون الصواب (ومحبر النائل). وحبر بمعنى الحبر أي وشرف حبور النائل رضاء الله وسروره على مساءة المستوجبين لغضبه. (13) كذا في الاصل. (14) هذا هو الصواب، وفي الاصل: (وشتى بين...). =========================================================================== [276] - 74 - ومن كلام له عليه السلام في نعت الدنيا وانها مسجد أحباء الله ومتجر أوليائه ! ! ! قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبو الحسين علي بن اسماعيل الفقيه، قال: أخبرنا الناصر للحق الحسن بن علي، قال أخبرنا محمد بن علي بن خلف، قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن ربيعة القرشي [ظ] عن يحي بن عبد الله بن الحسن بن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده عن أبيه أن عليا عليه السلام سمع رجلا يذم الدنيا فأطنب في ذمها فصرخ به علي عليه السلام فقال [الي] أيها الذام للدنيا. فما أتاه قال له علي عليه السلام: أيها الذام للدنيا ويحك لم تذمها ؟ [ء] أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك ؟ (1) فقال: بل أنا المتجرم عليها يا أمير المؤمنين. قال: ويحك فبما تذمها ؟ أليست منزل صدق لمن صدقها ودار غنى لمن تزود منها (2) ودار عافية لمن فهم عنها، مسجد أحباء =========================================================================== (1) المتجرمة - ها هنا -: المجرمة والمذنبة أي أانت أذنبت على الدنيا وأجرمت إليها ؟ أم هي المذنبة اليك الظالمة عليك ؟ (2) هذا هو الصواب الموافق لما في المختار: (131) من الباب الثالث من نهج البلاغة وكثير من المصادر، وفي الاصل: (لمن ترود فيها). =========================================================================== [277] الله عزوجل ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته وتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة (3) فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها (4) ونادت بانقطاعها ومثلت ببلائها البلاء، وشوقت بسرورها إلى السرور (5) راحت بفجيعة، وابتكرت بعافية، بتحذير وترغيب وتخويف (6) فذمها رجال - غداة الندامة - حدثتهم فلم يصدقوا وذكرتهم فلم يذكروا ! ! ! وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا وحدثتهم فصدقوا فأيها الذام للدنيا المغتر بتغريرها متى استذمت اليك ؟ بل متى غرتك ؟ أبمضاجع أبائك من البلاء ؟ أم بمصارع أمهاتك تحت الثرا [ء] (7) كم عللت بيديك (8) =========================================================================== (3) هذا هو الظاهر - وفي الاصل: وأربحوا...). - أي ان أولياء الله تاجروا الله بالاعمال الصالحة فنمت تجارتهم فارتفع رأس مالهم فاتفادوا الجنة. (4) آذنت ببينها: أعلمت ببعدها وفراقها عن أهلها. (5) هذا هو الصواب، وفي الاصل: (بشرورها...). (6) وفي نهج البلاغة: (راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيبا وترهيبا وتخويفا وتحذيرا) أي انها تمسي أهلها بعافية وتصبحهم بمصيبة فجيعة كي يرغبهم في رغائب الاخرة، ويرهبهم ويخوفهم عن مكارهها ! ! ! (7) كذا في الاصل، والمضاجع: موضع الجنب على الارض. والمصارع جمع المصرع: محل سقوط البدن على الارض، والبلى والبلاء - بكسر الباء في الاول وفتحه في الثاني - كون الشئ رثا وباليا وفانيا بالتحليل. والثراء - ممدودا -: التراب الندي. ومقصورا: الندى والجمع فيهما أثراء. (8) هذا هو الظاهر الموافق للسياق ولما في غيره من المصادر وفي الاصل: (بيدك). =========================================================================== [278] ومرضت بكفيك تلتمس له الشفاء وتستوصف له الاطباء لم تنفعه شفاعتك ولم تغن عنه طلبتك (9) مثلت لك - ويحك - الدنيا بمصرعه مضجعك حين لا يغني بكاؤك ولا ينفع أحباؤك (10). الحديث (3) من باب ذم الدنيا - وهو الباب: (45) - من تيسير المطالب ص 242 وفي ط 1: ص 373. وللكلام مصادر كثيرة وأسانيد منها ما تلاحظه في أول المختار التالي. =========================================================================== (9) كذا في الاصل، و (لم تغن عنه) من باب أفعل -: لم تجدي عنه ولم تنفعه. و (الطلبة) - على زنة الكلمة -: ما يطلب. (10) ويساعد رسم الخط على أن يقرأ: (أحبابك). =========================================================================== [279] - 75 - ومن خطبة له عليه السلام في التزهيد في الدنيا والترغيب في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان أن هلاك الامم السالفة انما هو لتوغلهم في المعاصي وتركهم الامر بامعروف والنهي عن المنكر السيد أبو طالب قال: [و] حدثنا أبو أحمد علي بن محمد العبدكي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن يزداد، قال: حدثنا محمد بن أبي سهل ويعقوب بن اسحاق، قالا: حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا الحرث، عن علي بن هاشم عن أبيه، عن علي بن ثابت عن أبيه قال: سمع علي عليه السلام رجلا يذم الدنيا مطنبا [فأجابه] (1) ثم التفت [أمير المؤمنين عليه السلام] إلى أصحابه فقال: عباد الله انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها (2) =========================================================================== (1) وبعده في الاصل هكذا وذكر الحديث [أي الكلام المتقدم بسند آخر في المختار السالف] إلى الموضع الذي انتهت إليه رواية الناصر للحق [الحسن بن علي] حتى نسق حديثه لم يخالف الا في أحرف يسيرة، وزاد فيها: [قال]: ثم التفت إلى أصحابه فقال: عباد الله... (2) وزاد في المختار (100) من نهج البلاغة: (الصادفين عنها). والصادفين: المعرضين. =========================================================================== [280] فانها والله عن قليل تزيل الثاوي الساكن (3) وتفجع المترف الامن (4) لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر، سرورها مشوب بالحزن ! ! ! وآخر الحيات فيها إلى الضعف والوهن (5) فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها. رحم الله عبدا تفكر فاعتبر، وأبصر فازدجر (6) وعاين ادبار ما أدبر وحضور ما حضر، فكأن ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن، وكأن ما هو كائن من الاخرة [عما قليل] لم يزل (7) وكل ما هو آت آت (8). =========================================================================== (3) الثاوى: المقيم، من قولهم: (ثوى المكان - من باب ضرب - ثواء وثويا): أقام فيه. (4) المترف: المتنعم الذي يتمكن من اتيان ما يشاء وفعل ما يريد من شهواته. (5) وفي المختار: (100) من نهج البلاغة: (وجلد الرجال فيها إلى الضعف والوهن). والجلد - محركا كبلد -: القوة والصلابة. (6) وفي النهج: (رحم الله امر تفكر فاعتبر، واعتبر فأبصر). (7) مابين المعقوفين مأخوذ من المختار: (100) من نهج البلاغة. (8) وفي النهج بعد قوله: (لم يزل) هكذا: (وكل معدود منقض وكل متوقع آت، وكل آت قريب دان). =========================================================================== [281] واعلموا أنه انما أهلك من كان قبلكم حيث أعمالهم (9) لما لم ينههم الربانيون والاحبار عن ذلك. فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فان ذلك لا يقدم أجلا (10) ولا يؤخر رزقا. [ان الامر ينزل من السماء إلى الارض كقطرات المطر إلى كل نفس بما قسم لها من زيادة أو نقصان] (11) فإذا رآى أحدكم نقصا في نفس أو أهل أو مال ورآى لاخيه صفوة (12) فلا يكونن ذلك فتنة له (13) فان [المرئ] المسلم البرئ من الخيانة [ما] لم يغش (14) =========================================================================== (9) كذا في الاصل غير أن كلمة: (واعلموا) كانت فيه بنحو الافراد. وفي رواية الكافي الاتية: (حيث ما عملوا). (10) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (لم يقدم). (11) مابين المعقوفين مأخوذ من نهج البلاغة، وقد سقط من الاصل ولا بد منه كما يظهر من التأمل في السياق وملاحظة رواية الكافي الاتية وغيرها مما ورد في المقام. (12) كذا في الاصل، فان صح فالمراد منه صفو العيش ولباب التمول والثروة، وفي غير واحد من الطرق والمصادر: (غفيرة) وهي كثرة المال وزيادته. وفي رواية ابن أبي الحديد، ومصادر أخر: (عفوة) وهي بكسر العين صفوة المال وخياره أو ما زاد منه عن حاجة صاحبه. (13) المراد من الفتنة ها هنا: اعمال الحسد والاضرار بصاحب النعمة. (14) أي ما لم يرتكب دناءة ولم يباشر أمرا قبيحا. والفعل من باب رضي. =========================================================================== [282] دناءة - يخشع لها إذا ذكرت ويغرى بها لئام الناس (15) - كان كالفالج الذي ينتظر أول فوزة من قداحه (16) تذهب عنه المغرم وتوجب له المغنم (17) وكذلك المرء المسلم [البرئ من الخيانة انما] ينتظر احدى الحسنيين: اما رزقا من الله فإذا هو ذو أهل ومال وصحة [من] دينه وحسبه، واما داعي الله فما عند الله خير للابرار، المال والبنون زينة الحيات الدنيا، والعمل الصالح [حرث الاخرة] (18) وقد يجمعهما الله لاقوام. الحديث الرابع من الباب: (45) - وهو باب ذم الدنيا - من كتاب تيسير المطالب ص 242 من النسخة الخطوطة، وفي ط 1: ص 374 وللكلام مصادر وأسانيد أخر. =========================================================================== (15) يخشع - من باب منع -: يخضع ويذل حياء وخجلا. و (يغرى بها): يهيج ويثور الناس عليه كي يونجوه على دناءته فيكسروه ويخجلوه. (16) وفي النهج: (كالياسر الفالج). والياسر: المقامر أي الذي يلعب بقداح الميسر. والقداح: جمع القدح - كحبر -: سهم المقامر، كانوا ينحرون الجزور ويقسمونها على ثمانية وعشرين قسما أو عشرة أقسام ثم يضربون بالقداح وفيها الرابح والغفل، فمن خرج له قدح رابح فاز وأخذ نصيبه من الجزور، ومن خرج له الغفل غرم ثمنها. (17) وفي الكافي ونهج البلاغة: (توجب له المغنم، ويدفع بها عنه المغرم). (18) ما بين المعقوفين مأخوذ من الكافي ونهج البلاغة. =========================================================================== [283] - 76 - ومن خطبة له عليه السلام في التحذير عن الدنيا والتنبيه على تقلبها بأهلها وكون أهلها هدفا للمصائب والمحن ! ! ! قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الحميري عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده [قال]: أن عليا عليه السلام خطب فقال بعد حمد الله تعالى والثناء [عليه]: أيها الناس انما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيكم المنايا (1) وما لكم فيها نهب للحتوف والمصائب (2) مع كل جرعة منها شرق ! ! ! وفي كل أكلة منها =========================================================================== (1) وفي المختار: (191) من الباب الثالث من نهج البلاغة: (انما المرء في الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا، ونهب تبادره المصائب، ومع كل جرعة...). والغرض - محركا - الهدف. وتنتضل: تترامى. والمنايا: جمع المنيه: الموت. (2) كلمة: (ومالكم) عطف على (أنتم) وهي اما مضاف ومضاف إليه، أو ان لفظة ما) موصولة و (لكم) جار ومجرور. و (نهب): منهوب أي يؤخذ بالقهر والغلبة ويعبر عنه في ألسنة العراقيين ب‍ (فرهود) وفي ألسنة الايرانيين ب‍ (تاراج). والحتوف: جمع الحتف - كقتل -: الموت. =========================================================================== [284] غصص ! ! ! (3) لا تنالون منها نعمة الا بفراق أخرى ! ! ولا يعمر معمر منكم (4) في عمره يوما الا بهدم آخر من أجله ! ! ! ولا تتجدد له زيادة في أكله الا بنفاد ما قبله من رزقه ! ! ! ولايحي له اثر الا مات له أثر (5) وقد مضت أصول نحن فروعها فما بقاء فرع اجتث أصله ؟ ! (6). إني أحذركم الدنيا فإنها غرارة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهلها (7) ما قال الله عزوجل: (واضرب =========================================================================== (3) هذا هو الصواب الموافق لما في المختار: (145) من نهج البلاغة، وفي الاصل: (وفي كل كلمة). والجرعة - بتثليث الجيم فالسكون: البلعة من الماء. و (الشرق): احتباس الماء أو الريق في الحلق المانع من التنفس. و (الغصص) - كفرس: نشوب شئ من الغذاء في الحلق واعتراضه فيه المانع من جذب الهواء الى الجوف. (4) هذا هو الظاهر الموافق لما في المختار: (145) من نهج البلاغة، وفي الاصل: (وما يعمر من يعمر في عمره يوما...) الا أن كلمة (يعمر) الثانية كانت، في الاصل مكتوبة فوق الاولى بخط مغائر لخط الاصل، وكتب بعدها: (من أصل). (5) وبعده في المختار: (145) من نهج البلاغة هكذا: (ولا يتجدد له جديد الا بعد أن يخلق له جديد ! ! ! ولا تقوم له نابتة الا وتسقط منه محصودة ! ! ! وقد مضت أصول نحن فروعها فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله ؟ ! !). (6) هذا هو الظاهر، وفي الاصلى: (فما بقي...). وأجتث: انقلع. (7) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (إلى أمنيتها...). وفي المختار: (111) من نهج البلاغة: (لا تعدو إذا [هي] تناهت إلى أمنيتة أهل الرغبة فيها والرضاء بها أن تكون كما قال الله تعالى سبحانه: كمأ أنزلناه من السماء...). (لا تعدو): لا تتعدى ولا تتجاوز. و (تناهت إلى أمنيته أهلها): بلغت إلى نهاية أمنيتهم. والامنية: الامل والبغية، ولاجمع: الاماني. =========================================================================== [285] لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الرياح (8) وكان الله على كل شئ مقتدرا) [45 - الكهف] مع أن كل من نال منها حبرة أعقبته عبرة (9) ولم يلق [أحد] من سرائها بطنا الا منحته من ضرائها ظهرا (10). غرارة غرور ما فيها. لاخير في شئ من زادها الا التقوى. من قلل منها استكثر مما يؤمنه ! ! ! ومن استكثر منها لم تدم له ولم يدم لها (11). =========================================================================== (8) هشيما: مهشوما محطوما. و (تذروه الرياح): تفرقه الرياح. (9) الحبرة - بالفتح: فالسكون -: السرور والنعمة. - بالفتح فالسكون -: الدمعة. (10) وفي النهج: (لم يكن امرؤ منها في حبرة الا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق في سرائها بطنا الا منحته من ضرائها ظهرا...). أقول: البطن والظهر هنا كناية عن الاقبال والادبار. (11) وفي نهج البلاغة: (من أقل منها استكثر مما يؤمنه ! ! ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه وزال عما قليل عنه ! ! !). =========================================================================== [286] كم [من] واثق بها ومطمئن إليها قد خدعته، وذي تيه منها (12) قد أكبته لليدين وللفم ! ! ! سلطانها دول، وصفوها كدر وحيها بعرض موت، وآمنها (13) بعرض خوف، وملكها مسلوب وجارها محزون ! ! ! (14). ومن وراء ذلك سكرة الموت وزفرته وهول المطلع [و] الوقوف بين يدي الحكم العدل فهناك (تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون). فيجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين =========================================================================== (12) لعل هذا هو الصواب، وفي الاصل: (وذي تاح) ؟. وفي نهج البلاغة: (كم واثق بها قد فجعته وذي طمأنينة إليها قد صرعته وذي أبهة قد جعلته حقيرا، وذي نخوة قد ردته ذليلا). والتيه: الصلف والكبر. (13) الظاهر أن هذا هو الصواب، ويتحمل رسم الخط أيضا أن يقرأ: (وطامنها) أي الذي اطمئن إليها والامن لها. وفي الاصل: (واكامنها) ؟. (14) كذا في الاصل، ولكن كتب فيه فوق لفظ: (محزون) هكذا: (محروم (غ) والظاهر أن (غ) مصحف عن (خ) ويراد منه: ان في نسخة ورد لفظ (محروم) بدلا عن لفظ: (محزون). وفي نهج البلاغه: (ملكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وموفورها منكوب وجارها محروب). و (محروب) من قولهم: (حربه ما له - من باب نصر - حربا): سلبه ماله وتركه بلاشئ. =========================================================================== [287] أحسنوا بالحسنى (15). ألستم ترون وتعلمون أنكم في منازل من كان قبلكم [ممن] كانوا أطول منكم أعمارا، وأشهر منكم آثارا، وأكثر منكم جنودا وأشد منكم عمودا ؟ ! تعبدوا للدنيا أي تعبد (16) ونزلوا بها أي نزول وآثروها أي ايثار (17). فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم ؟ بل أهلكتهم بالخطوب، ودهمتهم بالقوارع ! ! ! (18) وهل صحبتهم =========================================================================== (15) مابين القوسين مقتبس من الاية: (30) من سورة يونس، وفيها: (هنالك تبلو). وما بعد القوسين مقتبس من الاية: (31) من سورة النجم وفيها: (ليجزي الذين أساؤا...). (16) أي تذللوا لها وجعلوا أنفسهم كالعبيد لها بالتفاني في شهواتها والانهماك في التفرد بزخارفها. (17) وبعده في نهج البلاغة هكذا: (ثم ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ ولاظهر قاطع) أي بلا زاد يبلغهم إلى الجنة، وبلا ظهر راحلة يركبونها فيقطعون بها طريق القيامة، ويصلون إلى دار السلام. (18) سمحت لهم: جادت لهم. والخطوب: جمع الخطب - كحرب -: الحوادث المؤلمة، والنوازل المدهشة. و (دهمتهم) من باب علم ومنع -: غشيتهم. والقوارع: النكبات المهلكة، والشدائد الكاسرة للظهور. وهي جمع القارعة مؤنث القارع. =========================================================================== [288] الا بالتعسف ؟ وهل أعقبتهم الا النار ؟ (19). [أ] فهذه تؤثرون ؟ أو فيها ترغبون ؟ والله تبارك وتعالى يقول: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الاخرة الا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) [16 - هود]. بئست الدار لمن لم يتهمها (20) ولم يكن فيها على وجل ! ! ! اعلموا - وأنتم تعلمون - أنكم لابد تاركوها [و] أنها لعب ولهو كما قال [الله] عزوجل (21): (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر =========================================================================== (19) التعسف - ها هنا - يراد منه العدول عن أداء حق الصحبة والعدوان على الصاحب. ثم ان في المختار: (111) من نهج البلاغة ها هنا زيادات بديعة. (20) هذا هو الظاهر الموافق لما في المختار: (111) من نهج البلاغة، وفي الاصل: (لمن لاينهنها). (21) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (انها كما قال عزوجل: لعب ولهو...). وفي نهج البلاغة: (فاعلموا - وأنتم تعلمون - بأنكم تاركوها وظاعنون عنها ! ! ! واتعظوا فيها بالذين قالوا: (من أشد منا قوة، حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا...). =========================================================================== [289] في الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكن حطاما (22) وفي الاخرة عذاب شديد) [20 - الحديد: 57]. فاعتبروا بمن قدرأيتم من اخوانكم صاروا في التراب رميما، لا يرجى نفعهم ولا يخشى ضرهم وهم كمن لم يكن ! ! ! وكما قال الله عزوجل: (فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم الا قليلا) [58 - القصص 28] استبدلوا بظهر الارض بطنا، وبالانس غربة، وبالاهل وحدة، غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة [أو] الشقوة اللازمة. فيا لها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون [عمره] عليه حجة، أو أن يؤديه أيامه إلى شقوة (23). =========================================================================== (22) الكفار: جمع الكافر، وهو - ها هنا - كالزارع في جمع الزارع لفظا ومعنى. و (يهيج - من باب باع -: ييبس بعاهة - و (حطاما): محطوما مكسرا مفتتا. (23) مابين المعقوفين مأخوذ من المختار: (64) من نهج البلاغة، وفيه أيضا: (وأن تؤديه أيامه إلى الشقوة). (نهج السعادة ج 3) (م 19) =========================================================================== [290] جعلنا الله واياكم ممن لا تبطره نعمة، ولا يعظم (24) به عن طاعة غاية، ولا تحل به شقوة، فانه لطيف لما يشاء، بيده الخير وهو على كل شي قدير. وصلى الله وسلم على محمد وآله وعلى أنبيائه [ط] وعلى جميع أهل بيته الاخيار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. الحديث: (6) من الباب: (14) من تيسير المطالب ص 122، من النسخة المخطوطة، وفي ط 1: ص 183. وقد تبين من التعليقات أن الخطبة تشترك في كثير من جملها مع المختار: (111، و 145) من نهج البلاغة. =========================================================================== (24) (لا تبطره النعمة): لا تطغيه ولا تسكره. وفي المختار: (64) من نهج البلاغة: (نسأل الله سبحانه أن يجعلنا واياكم ممن لا تبطره نعمة ولا تقصر به عن طاعة ربه غاية، ولا تحل به بعد الموت ندامة ولاكآبة). =========================================================================== [291] - 77 - ومن كلام له عليه السلام قاله في بعض خطبه حثا على اتباع القرآن وملازمة الحق. وردعا عن موافقة الشيطان وعصيان الرب قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن محمد البغدادي قال: حدثنا عبد العزيز بن اسحاق بن جعفر الزيدي قال: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن عمر، قال: حدثنا محمد بن كثير الكوفي عن أبي خالد عمرو بن خالد، عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: خطب علي عليه السلام الناس فقال في خطبته: الحق طريق الجنة، والباطل طريق النار، وعلى كل طريق داع يدعوا إلى طريقه، فمن أجاب داعي الحق أداه إلى الجنة، ومن أجاب داعي الباطل ساقه إلى النار ! ! ! ألا وان داعي الحق كتاب الله عزوجل، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، من عمل به آجر، ومن خالفه دحر (1). =========================================================================== (1) أي طرد عن الخير ودفع عنه ودفع عنه وأبعد منه، يقال: (دحر زيد فلانا - من باب منع - دحرا ودحورا ومحدرة).: طرده. أبعده. دفعه. وقد تقدم في المختار: (118) وتعليقه من الجزء الاول ص 380 ما ينفع المقام، وكذلك في المختار: (352) في الجز الثاني ص 674. =========================================================================== [292] ألا وان الداعي إلى الباطل عدوكم الذي (أخرج أبويكم من الجنة، ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما انه يراكم هو وقبيلة من حيث لا ترونهم) (2). ألا فاعصوا عدوكم وأطيعوا ربكم ومن أحق بكم من الله ؟ خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم. ألا وانه عزوجل قال: (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [11 - الرعد: 13]. عباد الله (فلا تكونوا كالذين قالوا: سمعنا. وهم لا يسمعون) (3) ألا فان لم تفعلوا فقد سلكتم سبيل من قد هلك. الحديث: (7) من الباب: (14) من تيسير المطالب ص 123، من النسخة المخطوطة، وفي ط 1: ص 184. =========================================================================== (2) مابين القوسين مقتبس من الاية: (27) من سورة الاعراف: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة...). (3) مابين القوسين مقتبس من الاية: (21) من سورة الانفال: 21. =========================================================================== [293] - 87 - ومن خطبة له عليه السلام في وجوب التوقي عن كيد المبطلين، والتنبيه على أنهم دائما يلبسون الحق بالباطل، ويمزجون المقدمات الحقة مع المقدمات الباطلة، للتوصل إلى منوياتهم السيئة، وأمنياتهم الكاذبة ! ! ! قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن محمد البغدادي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن اسحاق، قال: حدثني أحمد بن الحسين الحربي قال: حدثنا محمد بن الازهر الطائي الكوفي قال: حدثنا سلمة بن عامر، عن أبي اسحاق السبيعي عن الحرث، عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه خطب فقال: ألا ان الحق لو أخلص لم يخف على ذي حجى ! ! ! ألا وان الباطل لو أخلص لم يخف على ذي حجى (1) ولكنه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث (2) فيمتزجان =========================================================================== (1) كذا في الاصل، و (أخلص الشئ): أتى به خالصا. و (ذي حجى): ذي عقل أي أن المبطلين لو كانوا يأتون بالمقدمات الحقة خالصة عن شوب الباطل، ويقدمون المقدمات الباطلة مفردة عن مزج المقدمات الحقة، لم يكن محل لخفاء الحق والباطل على ذوي العقول، ولكنهم يخلطونهما... (2) الضغث - كضرس -: الحزمة من الحشيش المختلط رطبها بيابسها، ومنه قوله تعالى في الاية: (44) من سورة (ص): (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث). =========================================================================== [294] فحينئذ يستولي الشيطان على حزبه، وينجو حزب الله الذين سبقت لهم [من الله] الحسنى (3). ألا وان الباطل خيل شمس ركبها أهلها (4) وأرسلوا أزمتها فسارت [بهم] حتى انتهت بهم إلى نار وقودها الناس والحجارة. ألا وان الحق مطايا ذلل ركبها أهلها وأعطوا أزمتها فسارت بهم الهوينا حتى أتت ظلا ظليلا (5). فعليكم بالحق فاسلكوا سبيله واعملوا به تكونوا من أهله. =========================================================================== (3) هذا هو االظاهر من السياق، وفي الاصل: (استولى الشيطان على حزبه، ونجا حزب الله الذين سبقت لهم منا الحسنى) وفي المختار: (50) من نهج البلاغة: (ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى). أقول: ذيل الكلام مقتبس من قوله تعالى في الاية: (101) من سورة الانبياء: (ان الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون). (4) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (للشمس راكبها). والشمس - على زنة قفل وعنق -: جمع الشموس - كعبوس -: الحيوان الذي لا يمكن أحدا من ركوبه أو وضع شئ عليه، ولا يستقر من شدة نشاطه. ولازمة: جمع الزمام: المقود. والوقود: ما وقد به النار. (5): المطايا: جمع المطية: المركوب من الحيوان. وذلل: جمع ذلول: المنقاد. والازمة: جمع الزمام.: ما يشد به. و (الهوينا): الرفق. وهي تصغير الهونى وهي تأنيث الاهون. وظلا ظليلا: ظلا دائما ويعني به - هنا - الجنة. =========================================================================== [295] ألا ومن خاف حذر، ومن حذر جانب السيئات. ألا وانه من جانب السيئات، أدلج إلى الخيرات في السرا [ء] (6) ومن أراد سفرا أعد له زادا، فأعدوا الزاد ليوم المعاد، واعملوا [فان] الجزا [ء] باق، فاني والله لم أر كالجنة نام طالبها ! ! ! ولم أر كالنار نام هاربها ! ! ! (7). الحديث: (16) من الباب: (14) من تيسير المطالب ص 127، من النسخة المخطوطة، وفي ط 1: ص 189. وقد تقدم في المختار: (65) من القسم الاول: ج 1، ص 224، وكذلك في المختار: 238 من ج 2 ص 301 شواهد لصدر الكلام، وكذلك في المختار: (50) من نهج البلاغة. =========================================================================== (6) الظاهر أن هذا هو الصواب أي ان من شأن مجانب السيآت أن يسارع في حال مسرته ورخاء عيشه إلى الخيرات، ويغتنم القيام بها في حالة غفلة الناس عنها واعتيادهم باللذات الحيوانية واراحة الجسم. والادلاج: السير في الليل كله أو في آخره. ثم ان في الاصل هكذا: (أدلح إلى الخيرات في السرا). (7) وقريب منه في المختار: (28) من نهج البلاغة. =========================================================================== [296] - 79 - ومن خطبة له عليه السلام في التذكير بالموت والتحذير عما بعده من المحاسبة والمجازات، والتبشير بالجنة وما أعده الله تعالى للمتقين قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبي رحمه الله قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن سلام، قال: أخبرنا أبي قال: حدثنا ابراهيم بن سليمان [ظ] قال: حدثنا أحمد بن صبيح، قال: حدثنا حسين بن علوان الليثي (1) عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، قال: خطب أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال: عباد الله الموت ليس منه فوت، ان أقمتم أخذكم وان فررتم أدرككم الموت معقود بنواصيكم ! ! ! الاسراع الاسراع الوحا الوحا النجاء النجاء (2) [فان] وراءكم طلب حثيث (3) القبر فاذكروا ضيقه وضنكه وظلمته. =========================================================================== (1) هذه الكلمة رسم خطها غير واضح، ويحتمل بعيدا أن يقرأ (الكلبي). (2) الوحا الوحا: المسارعة المسارعة. والنجاء النجاء: الاستعجال الاستعجال. والاسماء منصوبة بفعل محذوف على الاغراء. (3) كذا في الاصل، وفي رواية ابن عساكر الاتية: (وراءكم طالب حثيث). وفي رواية أخرى له عن شيخه اسماعيل: (فان وراءكم طالب حثيث...). =========================================================================== [297] ألا وان القبر روضة من رياض الجنة، أو حفره من حفر النيران. ألا وان من وراء ذلك يوما (تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) (4). ألا وان من وراء ذلك اليوم نار حرها شديد وقعرها عميق، وحلية أهلها فيها حديد (5) [دار] ليس لله فيها رحمة. قال: فبكى المسلمون حول المنبر حتى اشتد بكاؤهم فقال: ألا ومن وراء ذلك جنة عرضها [عرض] السماوات والارض. أعاذنا الله واياكم من العذاب الاليم، ورحمنا واياكم من العذاب المهين. ثم نزل [عليه السلام عن المنبر]. الحديث: (9) من الباب: (14) من تيسير المطالب ص 124، من النسخة المخطوطة، وفي المطبوعة ص 185. =========================================================================== (4) ما بين القوسين مقتبس من الاية الثانية من سورة الحج. (5) وفي رواية ابن عساكر الاتية: (وحليها حديد). =========================================================================== [298] - 80 - ومن خطبة له عليه السلام في الاخبار عما يقع بعده من حكومة الظالين، واستيلاء أعدائه على شيعته وأوليائه وتنكيلهم بمحبيه ومتبعيه، ثم انتقام الله تعالى من الظالمين واستئصالهم ! ! ! قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن محمد البغدادي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن اسحاق الكوفي قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا خلف بن عبد الحميد، قال: حدثنا سلام بن سلمة، عن أبي هاشم عن زاذان، عن علي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه خطب فقال: الحمد لله، وصلى الله على نبيه. أيها الناس انه لابد من رحا ضلالة تطحن ! ! ! ألا وان لطحنها دقا، ألا وان على الله فلها (1). ألا وانه لا يزال البلاء بكم من بعدي حتى يكون =========================================================================== (1) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (بطحنها). والرحي: آلة الطحن وهي الطاحون. و (تطحن) تعمل وتدور وتنتج الطحين أي الدقيق. والدق بفتح الدال: الكسر. وبكسر الدال: الدقيق. و (فلها): كسرها. والضمير راجع إلى (رحا). =========================================================================== [299] المحب لي والمتبع أذل في أهل زمانه من فرخ الامة ! ! ! (2) قالوا: ولم ذلك ؟ [قال] ذلك بما كسبت أيديكم ! ! ! برضاكم بالدنية في الدين ! ! ! فلو أن أحدكم إذا ظهر الجور من أئمة الجور باع نفسه من ربه وأخذ حقه من الجهاد لقام دين الله على قطبه وهنأتكم الدنيا الفانية، ولرضيتم ربكم (3) فنصركم على عدوكم ! ! ! ثم تلا [عليه السلام] هذه الاية: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (4) [وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة =========================================================================== (2) كذا في الاصل، و (فرخ الامة): ولدها. (3) لعل هذا هو الصواب، أي صارت الدنيا هنيئة وسائغة لكم ولتوخيتم رضا ربكم عنكم وأعطيتموه ما يرضى به عنكم... وفي الاصل: (وهنتكم الدنيا الفانية ولرضيتم من ربكم). (4) مابين المعقوفين التاليين تفصيل لما أجمله المصنف أو الراوي من كلام أمير المؤمنين عليه السلام من ذكر الاية الكريمة، وكان في الاصل بعد كلمة: (الفساد) هكذا: إلى قوله: (والله رؤف بالعباد). =========================================================================== [300] بالاثم، فحسبه جهنم ولبئس المهاد، ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد]. الحديث: (12) من الباب: (14) من تيسير المطالب ص 125، من النسخة المخطوطة، وفي المطبوعة ص 186. =========================================================================== [301] - 81 - ومن كلام له عليه السلام في تحميد الله تعالى ثم الشهادة على وحدانيته ورسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم التوصية بالتقوى وقطع العلائق عن الدنيا قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبي رحمه الله قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن سلام، قال: أخبرنا أبي قال: حدثني جعفر بن عبد الله المحمدي قال: أخبرنا فرج بن فروة (1) عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام [قال]: ان أمير المؤمنين عليه السلام شيع جنازة فلما وضع الميت في لحده عج أهله وبكوا، فقام أمير المؤمنين عليه السلام فقال - وهو قائم على قدميه -: على من تبكون ؟ أ [ما] والله لو عاينتم ماعاين ميتكم لاذهلتكم معاينتكم عن البكاء ! ! ! ثم قال [عليه السلام]: الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأستهدي الله الهدى وأعوذ به من الضلالة والردى من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. =========================================================================== (1) هذا هو الصواب، وفي الاصل: (فرح بن فرده). =========================================================================== [302] وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب لكم الامثال ووقت لكم الاجال (2) وجعل لكم أسماعا لتعي ما عناها وأبصارا لتجلو عن عشاها، وأفئدة لتفهم ما دهاها (3) في تركيب صورها ومدد عمرها (4) فان الله لم يخلقكم عبثا، ولم يمهلكم سدى ولم يضرب عنكم الذكر صفحا (5) =========================================================================== (2) هذا هو الظاهر المستفاد من السياق، الموافق لما في حلية الاولياء وتذكرة الخواص والمختار: (81) من نهج البلاغة، وفي الاصل: (الاجل). أي قرر لكم آجالا محدودة موقتة. (3) لتعي - من باب وقى -: لتحفظ. و (ما عناها) - من باب دعا -: ما أهمها. (لتجلو عن عشاها) لتكشف عن عدم اهتدائها في مقاصدها ومسيرها إلى ما يهمها في ظلمة الدنيا. والعشا - مقصورا -: ضضعف البصر وعدم ابصاره ليلا. و (ما دهاها): ما يجعلها ذا داهية وجودة رأي وحذق في الامور. (4) وفي المختار: (81) من نهج البلاغة: (جعل لكم أسماعا لتعي ما عناها وأبصارا لتجلو عن عشاها، وأشلاء جامعة لاعضائها ملائمة لاحنائها في تركيب صورها، ومدد عمرها بأبدان قائمة بأرفاقها، وقلوب رائدة لارزاقها). (5) هذا هو الظاهر الموافق لما مر في المختار (34) نقلا عن المختار الاخير من الباب: (4) من دستور معالم الحكم، وفي الاصل: (ولم يهملكم). و (سدا): مهملا. والجمل الثلاثة مقتسبة من الاية: (115) من سورة المؤمنون: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم الينا لا ترجعون). ومن الاية (36) من سورة القيامة: (أيحسب الانسان أن يترك سدى). ومن الاية (5) من سورة الزخرف: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا). =========================================================================== [303] بل أكرمكم بالنعم السوابغ وأرفدكم بالرفد الروافد (6) وأحاط بكم [با] لاحصاء، وأرصد لكم الجزاء، في السراء والضراء (7). فاتقوا الله (8) عباد الله، وجدوا في الطلب ونجاة المهرب، وبادروا بالعمل قبل مقطع النهمات، و [قدوم] هادم اللذات (9) فان الدنيا لا يدوم نعيمها، ولا يؤمن فجعاتها، ولا يتوقى سوأتها، غرور حائل وشجا قاتل (10) =========================================================================== (6) وفي جواهر المطالب: (بل أمدكم بالنعم السوابغ ورزقكم بأرفد الروافد). وفي دستور معالم الحكم: (بل أكرمكم بالنعم السوابغ، وقطع عذركم بالحجج البوالغ، ورفدكم بأحسن الروافد واعم الزوائد). (7) أي وأحاط احصاؤه بكم فلا يغيب عن علمه شئ من حالاتكم. وفي المختار: (81) من النهج: (وأحاطكم بالاحصاء، وأرصد لكم الجزء، وآثركم بالنعم السوابغ، والرفد الروفغ وأنذركم بالحج البوالغ). (8) هذا هو الصواب، وفي الاصل: (فالتوا الله). (9) لعل هذا هو الصواب، وفي الاصل: (قبل منقطع المهندات وهادم اللذات). والمقطع: القطع والابانة. والنهمات: جمع النهمة كشهوة لفظا ومعنى. الحاجة. بلوغ الهمة في الشئ. وفي دستور معالم الحكم: (واقطعوا النهمات واحذروا هادم اللذات). (10) وفي الباب: (49) من جواهر المطالب: (ولا يؤمن فجائعها). والفجائع: جمع الفجيعة: الرزية والبلية. والسوآت: ما يسوء الانسان ويغمه ويحزنه. والغرور كصبور -: ما يوجب الانخداع. والحائل: المتغير المتقلب من حال إلى حال. والشجا كعصا -: ما يعترض في الحلق. والسناد: كون الشي سندا ودعامة لغيره. =========================================================================== [304] وسناد مائل، تضني مستطرفها وتردي مستزيدها وتحفل مصرعها (11) وتصرم حبالها. فاتعظوا عباد الله بالعبر، واعتبروا بالاثر، وازدجروا بالنذر [وكأن قد علقتكم] مخالب المنية، وضمنتم بين التراب، ودهمتكم الساعة (12) بنفخة الصور، وبعثرة القبور، وسياقة المحشر إلى الحساب باحاطة [قدرة] الجبار، وكل نفس معها سائق وشهيد [سائق] يسوقها [إلى] المحشر، وشهيد يشهد عليها بعملها (13) وأشرقت الارض بنور ربها، ووضع الكتاب وجي بالنبيين والشهداء =========================================================================== (11) تضني: تثقل. و (مستطرفها): مستفيدها. و (تردي): تهلك. و (تحفل): تزين لاهلها مصارعهم ومهالكهم. و (تصرم حبالها). تقطع علاقات المتعلقين بها والمنقطعين إليها. ثم ان رسم الخط من الاصل في قوله: (تضعي) وما بعدها غامض لاسيما في قوله: (تحفل) فانه يساعد على أن يقرأ (تختل). ولا يبعد أن يكون الصواب: (وتقتل مصارعها) أي من صارع معها تقتله ولا تكتفي بضربه واسقاطه على الارض كما هو شأن المتصارعين. (12) هذا هو الظاهر، ودهمتكم - من باب علم ومنع: غشيتكم. ثم ان رسم الخط في قوله: (مخالب المنية. وضمنتم) لم يكن واضحا، وكان في الاصل هكذا (بل طالب المنية وضمتم بين التراب ودهمتم الساعة). وما وضعناه في المتن بين المعقوفين مأخوذ من المختار: (81) من نهج البلاغة وتذكرة الخواص. (13) هذا هو الظاهر من السياق، وفي الاصل: (وشاهد يشهد عليها بعملها) (*) =========================================================================== [305] وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون) (14) فارتجت الارض لنداء المنادي وكشفت عن ساق، وكان يوم الطلاق، وكورت الشمس، وحشرت الوحوش، وارتجت الافئدة، ونزل بأهل النار من الله سطوة، فجثوا حول [جهنم] و [لها] زفير [و] وعيد، تأجج جحيمها (15) وغلا حميمها، وتوقد سمومها، لا يهرم خالدها، ولا يظعن مقيمها، ولا تفصم كبولها، معهم ملائكة الزجر يبشرونهم بنزل من حميم (16) وتصلية جحيم، [و] هم عن الله محجوبون (17) ولاوليائه مفارقون، والى النار منطلقون، حتى إذا أتوا جهنم قالوا: (مالنا من شافعين، ولا صديق حميم، فلو أن لنا =========================================================================== (14) مابين القوسين مقتبس من الاية: (69) من سورة الزمر. (15) لعل هذا هو الصواب مما صحف في الاصل، واليك صورة ما في الاصل: (فجثاحه وزفير وعيد تأجج ؟...) ولعل الله ان يمن علينا بالعثور على نسخة صحيحة أو مصارد أخر للكلام فنحققه على القطع واليقين. (16) هذا هو الظاهر الموافق لما تقدم عن جواهر المطالب، وفي الاصل: (بنزول). والكلام مقتبس من الاية: (94) من سورة الواقعة. والنزل كقفل وكسبل -: ما يقدم للضيف قبل الطعام. (17) الكلام مقتبس معنا عن الاية: (15) من سورة المطففين: 83: (كلا أنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون). (نهج السعادة ج 3) (م 20) =========================================================================== [306] كرة فنكون من المؤمنين) (18) [ف‍] قيل (وقفوهم انهم مسؤلون) [24 / الصافات] وجهنم تناديهم - وهي مشرفة عليهم - الي بأهلي ؟ وعزة ربي لانتقمن اليوم من أعدائه ! ! ! ثم يناديهم ملك من الزبانية، ثم يسحبهم حتي يلقيهم في النار على وجوههم ثم يقول [لهم]: ذوقوا عذاب الحريق. ثم أزلفت الجنة للمتقين مخضرة محضرة للناظرين (19) فيها درجات، لا يبيد نعيمها ولا يأسى ساكنها (20) أمنوا الموت فصفا لهم ما فيها [و] (فيها أنهار من مأ غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من =========================================================================== (18) مابين القوسين مقتبس من الاية: (100 - 101) من سورة الشعراء وفيها: (فما لنا...). (19) لعل هذا هو الصواب، وفي الاصل: (مخضرة محضا... ؟). (20) لعل هذا هو الصواب وهو من قولهم: (أسي زيد - من باب رضي - أسى): حزن فهو آس واسيان وفي الاصل هكذا: (بوسى). ويحتمل أيضا أن يكون صوابه: (ولايبئس ساكهنا) من قولهم: (أبأس زيد): حلت به الشدائد. أو من قولهم: (بئس زيد - من باب علم - بؤسا: افتقر. =========================================================================== [307] خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى) (21) مع أزواج مطهرة وحور عين كأنهن الياقوت والمرجان (22) [ويطوف عليهم ولدان] بحلية وآنية من فضة (23) ولباس السندس الاخضر، والفواكه الدائمة، وتدخل عليهم الملائكة فتقول: (سلام عليكم [بما] صبرتم فنعم عقبى الدار) (24) فلا تزال الكرامة لهم حين وفدوا إلى خالقهم وقعدوا في داره، ونالهم (سلام قولا من رب رحيم) (25) فأسأل الله أن يجعلنا واياكم من أهل الجنة، الذين خلقوا لها، وخلقت لهم. عباد الله اتقوا الله تقية من كنع فخنع، فوجل فرجل =========================================================================== (21) مابين القوسين مقتبس من الاية: (15) من سورة محمد صلى الله عليه وآله. (22) الكلام مقتبس معنى من الاية: (56 و 57) من سورة الرحمان. (23) مابين المعقوفين زيادة منا مأخوذة من الاية (17) من سورة الواقعة زدناها احتمالا لاصلاح المتن وليست ارادتها وكونها من كلام أمير المؤمنين قطعية، ولذا وضعناها بين المعقوفين وطولنا الكلام حوله في هذا التعليق، وكان في الاصل هكذا: (كأنهن الياقوت والمرجان حلينه وابنه من فضة... ؟). (24) اقتباس من الاية: (24) من سورة الرعد: 13. (25) مابين القوسين مقتبس من الاية: (38) من سورة ياسين. =========================================================================== [308] فحذر (26) فاجتنب هائبا، ونجا هاربا (27) وأفاد ذخيرة وأطاب سريرة، وقدم للمعاد واستظهر بالزاد. وكفى بالله منتقما وخصيما، وكفى بالجنة ثوابا ونوالا، وكفى بالنار عقابا ونكالا (28). الحديث: (21) من الباب: (14) من كتاب تيسير المطالب ص 130، من النسخة المخطوطة، وفي المطبوعة ص 193. ورواه أيضا أبو نعيم الاصبهاني في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب حلية الاولياء: ج 1 ص 77 بسند آخر، عن الامام الصادق عليه السلام عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين عليه السلام بنقص عما ها هنا في أواخره. ورواه أيضا سبط ابن الجوزي في الباب (6) من كتاب تذكرة الخواص، ص 130، نقلا عن أبي نعيم. وقد تقدم أيضا في المختار: (50) نقلا عن الباب: (49) من جواهر المطالب ص 47،. وأيضا قد تقدم في المختار: (36) شواهد لكثير من فقرات الكلام، كما أن في المختار: (81) من نهج البلاغة أيضا شواهد للكلام، فخذها وكن من الشاكرين. =========================================================================== (26) كنع زيد - كمنع - كنوعا): تقبض وانضم. جبن وهرب، وكنع إليه خضع ولان. وكنع عمرو من باب علم - كنعا): يبس وتشنج، ويقال: (خنع عمرو لله والى الله - من باب منع - خنوعا): خضع وذل له وتضرع إليه. ويقال (رجل زيد - من باب علم - رجلا): سار على رجليه. (27) كلمة: (هائبا) رسم خطها غير واضح، وفي جواهر المطالب: (طلبا ونجا هربا). (28) وفي المختار: (83) من نهج البلاغة: (فكفى بالجنة ثوابا ونوالا، وكفى بالنار عقابا ووبالا، وكفى بالله منتقما ونصيرا، وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما). =========================================================================== [309] - 82 - ومن كلام له عليه السلام في نعت أولياء الله الخاملي الذكر عند أهل الدنيا المنهمكين في لذاتها قال الحافظ الكبير ابن عساكر: أخبرنا أبو غالب وأبو عبد الله ابنا البناء، قالا: أنبأنا أبو الحسين ابن الابنوسي أنبأنا أبو الطيب عثمان بن عمرو بن محمد بن المنتاب، أنبأنا يحي بن محمد بن صاعد، أنبأنا الحسين بن الحسن ابن حرب، أنبأنا اسماعيل بن ابراهيم، أنبأنا ليث عن الحسن قال: قال علي بن أبي طالب [عليه السلام]: طوبى لكل عبد نومة (1) عرف الناس ولم يعرفه الناس، وعرفه الله منه برضوانه، أولئك مصابيح الهدى يخلى عنهم كل فتنة مظلمة (2) [أولئك] يدخلهم [الله] في رحمته (3) ليس أولئك بالمذاييع البذر (4) =========================================================================== (1) النومة - كهمزة ولمزة -: الخامل الذكر الفاقد الصيت. (2) وفي المختار: (101) من نهج البلاغة: (أولئك يفتح الله لهم أبواب رحمته ويكشف عنهم ضراء نقمته). وفي حلية الاولياء: (يكشف الله عنهم كل فتنة. (3) هذا هو الظاهر الموافق لما في حلية الاولياء، وفي النسخة الظاهرية: (تدخلم في رحمته) (4) المذاييع: جمع المذياع وهو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها ونوه بها. والبذر: جمع بذور: الذي يكثر سفهه ويلغو منطقه. والجفات: جمع الجافي: غليظ العشرة خشن العادة. والمرائين جمع المرائي الذي يأتي بالصالحات ليراه الناس ويحظو عندهم. =========================================================================== [310] ولا بالجفاة المرائين. الحديث: (1264) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق ج 3 ص 207 ط 1، وفي مخطوطة الظاهرية: ج 11 - الورق 191 / أ / ثم روى قريبا منه مع زيادات كثيرة، وقد ذكرناه تحت الرقم: (140) من ج 1 ص 565 ط 1. ورواه أيضا أبو نعيم في ترجمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من حلية الاولياء: ج 1، ص 76 بسند آخر عن عبد الله بن محمد. عن أبي يحي الرازي عن هناد، عن ابن فضيل، عن ليث عن الحسن عليه السلام. =========================================================================== [311] - 83 - ومن خطبة له عليه السلام في التحذير عن متابعة الهوى، وطول الامل، والتحريض على العمل الصالح الحافظ الكبير ابن عساكر الدمشقي قال: أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمان بن أحمد بن علي الزجاجي أنبأنا أبو أحمد عبيد الله بن محمد بن أحمد بن أبي مسلم الفرضي حدثني أبو عبد الله علي بن سليمان صاحب الحكمي أنبأنا علي بن حرب. وأخبرنا أبو القاسم الشحامي أنبأنا أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله علي بن عبد الله العطار ببغداد، أنبأنا علي بن حرب الموصلي سنة ست وستين ومأتين بالموصل. وأخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن الحسن بن محمد بن ابراهيم، أنبأنا أبو بكر ابن خلف، أنبأنا الحاكم أبو عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله علي بن عبد الله العطار صاحب الحكم ببغداد يقول: حدثنا علي بن حرب الموصلي أنبأنا وكيع عن سفيان: عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمان السلمي قال: خطب علي ابن أبي طالب على منبر الكوفة - وقال الشحامي: بالكوفة - فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس ان أخوف ما أخاف عليكم طول الامل واتباع الهوى فأما طول الامل فينسي الاخرة، وأما =========================================================================== [312] اتباع الهوى فيصد عن الحق. ألا ان الدنيا قد ولت مدبرة، والاخرة [قد أشرفت] مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الاخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فان اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولاعمل. الحديث: (1270) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 209 ط 1، وفي النسخة المخطوطة بالظاهرية: ج 11 - الورق 191 / ب. =========================================================================== [313] - 84 - ومن كلام له عليه السلام في معنى ما تقدم في المختار السالف من أن أخوف ما يضل الناس ويزلهم عن الاستقامة على صراط الحق والحقيقة، هو طول الامل واتباع الهوى قال الحافظ الكبير علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي الدمشقي: أخبرنا أبو بكر محمد بن شجاع، أنبأنا أبو الفضل العباس بن محمد بن عبد الواحد الرازي وسليمان بن ابراهيم بن محمد، ومحمد بن أحمد بن محمد ابن هارون، وأحمد بن عبد الرحمان بن محمد الذكواني وسهل بن عبد الله ابن علي و عبد الرزاق بن عبد الكريم بن عبد الواحد. وأخبرنا أبو محمد ابن طاووس، أنبأنا سليمان بن ابراهيم قالوا: أنبأنا محمد بن ابرايهم بن جعفر املااءا، أنبأنا محمد بن الحسين بن الحسن، أنبأنا علي بن الحسن الدرابجردي [ظ] أنبأنا عبيد الله بن موسى أنبأنا اسماعيل [ابن أبي خالد] عن زبيد [اليامي] (1) قال: قال علي [عليه السلام]: انما أخاف عليكم خصلتين: طول الامل واتباع الهوى فأما طول الامل فينسى الاخرة، وأما اتباع الهوى =========================================================================== (1) مابين المعقوفات مأخوذ من الحديث: (1267) من ترجمة، وقد ذكرناه في المختار: (144) من ج 1، ص 480 ط 1، وفيه: (عن رجل من بني عامر، قال: قال علي...). =========================================================================== [314] فيصد عن الحق. [ألا] وان الدنيا قد ترحلت مدبرة، وان الاخرة قد قربت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الاخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فان اليوم عمل ولاحساب، وغدا حساب ولاعمل. الحديث: (1271) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 211 ط 1، وفي النسخة المخطوطة بالظاهرية: ج 11 / الورق 192 / أ. =========================================================================== [315] - 85 - ومن خطبة له عليه السلام في الحث على استعداد للموت، بالسعي وراء صالح الاعمال، والتجنب عن المساوئ ومكاره العادات، وفيها التحذير عن مخاوف القيامة وأهوال القبر، والتشويق إلى رغائب الجنة قال ابن عساكر: كتب الي أبو بكر عبد الغفار بن محمد [بن الحسين الشيروي] (1) - وحدثني أبو المحاسن الطبسي عنه - أنبأنا أبو بكر الحيري. وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل، أنبأنا أبو عثمان الصابوني أنبأنا أبو محمد عبد الرحمان احمد المقرئ قالا: انبأنأ ابو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف، أنبأنا عبد الله بن أحمد - يعني ابن المستورد - زاد المقرئ: الاشجعي - وقالا: - الكوفي أنبأنا أحمد بن صبيح الاسد حدثني حسين بن علوان، عن سعد بن طريف: عن الاصبغ بن نباتة، قال: صعد [أمير المؤمنين] علي [عليه السلام] ذات يوم المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر الموت فقال: عباد الله الموت ليس منه فوت، أن أقمتم له أخذكم، وان فررتم منه أدرككم ! ! ! فالنجا النجا والوحا الوحا =========================================================================== (1) ما بين المعقوفين مأخوذ من موارد نقل الحافظ ابن عساكر عن الرجل، منها في تبيين كذب المفتري ص 47 و 50. =========================================================================== [316] [فان] ورأكم طالب حثيث (2) القبر فاحذروا ضغطته وظلمته ووحشته. ألا وان القبر حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة. ألا وأنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الدود، أنا بيت الوحشة ! ! ! ألا وان وراء ذلك يوم يشيب فيه الصغير ! ! ! ويسكر فيه الكبير، وتضع كل ذات حمل حملها ! ! ! وترى الناس سكارى وماهم بسكارى (3) ولكن عذاب الله شديد ! ! ! ألا وان وراء ذلك ما هو أشد منه، نار حرها شديد، =========================================================================== (2) وهذا الصدر مع كثير مما بعده مذكور في كتابه عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر رحمه الله، فانظر المختار: (51) من باب الكتب من كتابنا هذا: ج 4 ص 143، وقوله: (فالنجا النجا والوحا الوحا) منصوب على الاغرأ أي الزم الاسراع الزم الاسراع، ولازم البدار لازم البدار. وحثيث: مجد. سريع. (3) قال ابن عساكر: (وقال الشيروي [يعني عبد الغفار]: سكرى وماهم بسكري) أقول: وكلام أمير المؤمنين هذا مقتبس من الاية الثانية من سورة الحج: 22. =========================================================================== [317] وقعرها بعيد، وحليها حديد، وخازنها ملك ليس لله فيه رحمة (4). وان وراء ذلك جنة عرضها السماوات والارض (5) أعدت للمتقين، جعلنا الله واياكم من المتقين، وأجارنا واياكم من العذاب الاليم. الحديث: (1271) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 211 ط 1. وقد تقدم أيضا في المختار: (79) ص 278 برواية السيد أبي طالب. =========================================================================== (4) قال ابن عساكر: وفي حديث الحيري: ([ليس لله] فيها رحمة). أقول: فعلى رواية الحيري لابد من تقدير وصف مناسب للمقام لقوله: (ملك) ثم جملة: (ليس لله فيها رحمة) اما نعت لقوله: (نار) أو انها نعت لمنعوت مقدر، ويشهد للثاني ما رواه في المختار: (27) من الباب الثاني من نهج البلاغة: (فاحذروا نارا قعرها بعيد، وحرها شديد، وعذابها جديد ! ! ! دار ليس فيها رحمة ولا تسمع فيها دعوة ولاتفرج فيها كربة...). وكذا ما في المختار: (51) من باب الكتب من كتابنا هذا: ج 4 ص 117: (دار ليس فيها رحمة ولا يسمع لاهلها دعوة). (5) وساق ابن عساكر الكلام بعد قوله: (وفي حديث الحيري: فيها رحمة) هكذا: قال ثم بكى وبكي المسلمون حوله ثم قال: وان وراء ذلك جنة عرضها السماوات والارض - وفي حديث الحيري: عرضها كعرض السماء والارض - أعدت للمتقين، جعلنا الله واياكم من المتقين، وأجارنا واياكم من العذاب الاليم. =========================================================================== [318] - 86 - ومن كلام له عليه السلام في أن الدنيا عند أهل البصر والبصيرة دار صدق ونجاة، ومعرض غنى وثراء ! ! ! قال ابن عساكر: أخبرنا أبو القاسم العلوي أنبأنا رشاء بن نظيف، أنبأنا الحسن بن اسماعيل قال: أنبأنا أحمد بن مروان، أنبأنا محمد بن عبد العزيز، أنبأنا الفضل بن موفق، أنبأنا السري بن القاسم، عن حبيب بن أبي ثابت: عن عاصم بن ضمرة، قال: ذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب فقال علي [عليه السلام]: الدنيا دار صدق لمن صدقها ! ! ! ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غني لمن تزود منها. مهبط وحي، الله ومصلى ملائكته ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه ! ! ! ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة. فمن ذايذمها وقد آذنت ببينها ؟ ! ونادت بفراقها وشبهت بسرورها السرور (1) وببلائها إليه [البلاء] =========================================================================== (1) هذا هو الظاهر الموافق لما ورد في كثير من المصادر، وفي الاصل: (وشبهت بشرور السرور). وفي المختار: (131) من قصار نهج البلاغة: (وشوقتهم بسرورها إلى السرور). وهو أظهر. وفي المختار: (117) من القسم الاول من كتابنا هذا: ج 1، ص 353: (ومثلت ببلائها البلاء، وشوقت بسرورها إلى السرور. =========================================================================== [319] ترهيبا وترغيبا (2). فيا أيها الذام للدنيا المعلل نفسه (3) متى خدعتك الدنيا ؟ أو متى استذمت اليك (4) أبمصارع آبائك في البلى ؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى (5) كم مرضت بيديك ؟ وعللت بكفيك ؟ تطلب لها الشفاء (6) =========================================================================== (2) أي انما صنعت الدنيا ما صنعت من أجل ترهيب الناس وتخويفهم من عذاب الله، ولاجل ترغيب الناس وتشويقهم إلى ما أعد الله للصالحين. (3) يقال: عللت زيدا بالعلم تعليلا: شغلته به ولهوته به. (4) أي متى فعلت بك صنعا تذم عليه. يقال استذم زيد إلى فلان: فعل ما يذمه عليه. (5) المصارع: جمع المصرع: موضع سقوط الانسان على الارض. و (البلى) - مقصورا -: الرث الخلق البالي من قدم الزمان، وتوارد الحرارة والبرودة عليه. والمضاجع: جمع مضجع: محل وضع الجنب على الارض. والثرى والثراء - مقصورا وممدودا -: الندى والرطوبة. التراب المرطوب، ومنه قوله تعالى في الاية: (6) من سورة (طه): (له ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى). (6) كذا في الاصل، ومقتضى السياق أن يقال: (لهم) كما في المختار (131) من قصار النهج و (117) من كتابنا، أو يقال: (له) كما في الفقرة التالية ها هنا. و (مرضت بيديك): داويت المريض وقلبته بيديك واعتنيت به في مرضه. و (عللت بكفيك): عالجته في علته بكفيك (تستوصف له الاطباء): سألتهم أن يصفوا لك ما تداوي به مريضك. =========================================================================== [320] وتستوصف له الاطباء، لا يغني عنك دواؤك، ولا ينفعك بكاؤك ؟ ! ! الحديث: (1272) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 214، وفي مخطوطة الظاهرية ج 11 / الورق 192 / ب / وفي النسخة المرسلة ص 133، وقد ذكره بعده بطرق. وللحديث طرق كثيرة ومصادر عديدة، وقد ذكره أيضا ابن أبي الاصبع المصري في باب التغاير من كتاب تحرير التحبير: ج 1، ص 277 ط مصر. =========================================================================== [321] - 87 - ومن كلام له عليه السلام في الحث على الرضا بقضاء الله، وترك اعمال الحسد، وأن المؤمن البري من الخيانة والدناءة، دائما محظوظ باحدى النعمتين: اما الحياة مع الشهامة والمسرة بالاهل والمال، واما الوفات والفوز بلقاء الصديقين، ومصاحبة الشهداء والصالحين، وقد يجمعهما الله لبعض المؤمنين قال ابن عساكر: أخبرنا أبو محمد: هبة الله بن أحمد بن عبد الله، أنبأنا عاصم بن الحسن بن محمد، أنبأنا محمود بن عمر بن جعفر بن اسحاق، أنبأنا علي بن الفرج بن علي بن أبي روح، أنبأنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، أنبأنا اسحاق بن اسماعيل، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن أبي حمزة، عين يحي ابن عقيل، عن يحي بن يعمر، قال: قال علي [عليه السلام]: ان الامر ينزل من السماء كقطر المطر لكل نفس بما (1) كتب الله [عزوجل] لها من زيادة أو نقصان في نفس أو أهل أو مال، فمن رأى نقصا في أهله أو نفسه أو ماله ورأى لغيره [عفوة فلا] يكونن ذلك له فتنة (2) فان المسلم =========================================================================== (1) كذا في كتاب القناعة والتعفف، وفي تاريخ دمشق ها هنا تصحيف. (2) كذا في كتاب القناعة والتعفف. وعفو الشئ: صفوه. وزيادته. والعفوة - بتثليث العين -: خيار الشئ وصفوته ولبابه. (نهج السعادة ج 3) (م 21) =========================================================================== [322] ما لم يغش (3) دناءة - يظهر تخشعا لها إذا ذكرت [و] تغرى بها لئام الناس (4) - [كان] كالياسر الفالج ينتظر أول فوزة من قداحه يوجب له المغنم ويدفع عنه المغرم (5). فكذلك المرء المسلم البرئ من الخيانة (6) بين احدى الحسنيين اما داعي الله [عزوجل] - فما عند الله خير له - واما أن يرزقه الله عزوجل مالا فإذا هو ذو أهل ومال، ومعه حسبه ودينه، الحرث حرثان: فحرث الدنيا المال والبنون (7). وحرث الاخرة الباقيات =========================================================================== (3) هذا هو الصواب أي ما لم يرتكب دناءة ولم يفعل قبيحا ولم يتلبس بخسيسة. وفي تاريخ دمشق: (ما لم يعش). (4) تخشعا: تذللا وانفعالا. وتغرى: تحرش ونهيج. واللئام: جمع لئيم: دنئ السيرة خسيس الطبيعة. (5) كذا في تاريخ دمشق، غير أن لفظة: (فوزة) ذكر ما بالهاء لا بالتاء، وفي كتاب القناعة والتعفف - لابن أبي الدنيا -: (ينتظر أول فوزة من قداحه توجب له المغنم وتدفع عنه المغرم). ومثله في نهج البلاغة الا انه قال في ذيله: (ويرع بها عنه المغرم). أقول: والياسر: اللاعب بالقمار والفالج: الغالب. والقداح: جمع القدح - كحبر - من سهام القمار. والمغنم: الغنيمة. والمغرم: الغرامة. (6) وفي كتاب القناعة والتعفف ونهج البلاغة: (وكذلك المرئ المسلم...). (7) والحديث رواه ابن عساكر بسند آخر تحت الرقم: (1276) من الترجمة وفيه: (المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الاخرة وقد يجمعمها الله لاقوام). =========================================================================== [323] الصالحات، وقد يجمعهما الله عزوجل لاقوام. قال سفيان: ومن يحسن أن يتكلم بهذا الكلام الاعلي ؟ ! ! الحديث: (1280) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 219 ط 1، وفي النسخة الظاهرية ج 11 / الورق 194 / أ / أقول: ووجدنا الحديث أخيرا تحت الرقم: (93) من كتاب القناعة والتعفف لابي بكر ابن أبي الدنيا، من مخطوطات الظاهرية الورق 112 / ب / وكان في نسخة ابن عساكر من تاريخ دمشق تصحيفات وحذف أصلحناها عليه. =========================================================================== [324] - 88 - ومن كلام له عليه السلام وقد شيع يوما جنازة فسمع رجلا يضحك ! ! ! فقال عليه السلام: كأن الموت فيها على غيرنا كتب ؟ ! ! وكأن الحق فيها على غيرنا وجب (1) وكأن الذي نشيع من الاموات سفر عما قليل الينا راجعون ؟ ! (2) ننزلهم أجداثهم (3) ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم ! ! ! قد نسينا كل واعظة، وأمنا كل جائحة (4). أيها الناس طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس (5) =========================================================================== (1) الضمير في كلمة: (فيها) في الموردين راجع إلى الدنيا. (2) هذا هو الظاهر الموفق لرواية ابن عساكر، وفي النسخة: (نسمع). والسفر - كفلس -: المسافرون. وهو جمع السافر - كصحب وصاحب - ويستوي فيه المفرد والجمع. والمذكر والمؤنث، يقال: رجل سفر: مسافر. وقوم سفر: مسافرون. وناقة سفر: مسافرة. (3) الاجداث القبور، والتراث: ما يتركه الميت وهو الميراث. وفي رواية ابن عساكر: (نبؤهم احداثهم). (4) هذا هو الظاهر الموافق لرواية ابن عساكر، وفي النسخة: (ورمينا بكل جائحة). والجائحة: الافة المهلكة للاصل والفرع. (5) هذه الفقرة - مع فقرات من آخر هذا الكلام - مذكورة في آخر المختار: (175) من نهج البلاغة. =========================================================================== [325] وتواضع من غير منقصة، وجالس أهل الفقه [التفقه (خ ل)] والحكمة، وخالط أهل الذل [الذكر (خ ل)] المسكنة (6) وأنفق مالا جمعه في غير معصية (7). أيها الناس طوبى لمن ذل في نفسه (8) وطاب كسبه وصلحت سريرته، وحسنت خليقته. وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من كلامه، وعدل عن الناس شره (9) [و] وسعته السنة، ولم يتعد إلى البدعة (10). أيها الناس طوبى لمن لزم بيته وأكل كسرته (11) =========================================================================== (6) هذا هو الظاهر الموفق لرواية ابن عساكر، - غير أن فيها: أهل الذلة - وفي الاصل: (وجالس أهل الفقه والرحمة، وجالس أهل الذل). (7) وفي رواية ابن عساكر: (أنفق مالا اكتسبه من غير معصية). (8) وفي رواية ابن عساكر: (طوبى لمن ذلت نفسه وحسنت خليقته وطابت سريرته وعزل عن الناس شره). وخليقته: طبيعته وسجيته. (9) يقال: (عدل فلان عن الطريق - من باب ضرب - عدلا وعدولا): حاد. وفي نهج البلاغة: (وعزل عن الناس شره). وهو أظهر. (10) وفي رواية ابن عساكر: (طوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم تستهوه البدعة). (11) الكسرة - بكسر الكاف والجمع كسر وكسرات - بسكون السين وفتحها -: القطعة من الشئ المكسور. ويراد مها ها هنا القطعة من الخبز اليابس. وفي آخر المختار: (173) من النهج: (طوبى لمن لزم بيته وأكل قوته، واشتغل بطاعة ربه...). =========================================================================== [326] وبكى على خطيئته. وكان من نفسه في تعب [في شغل (خ ل)] والناس منه في راحة. تفسير الاية (35) من سورة الانبياء: (21) من تفسير علي بن ابراهيم القمي رفع الله مقامه: ج 2 ص 70 ط النجف، ونقله عنه في البحار: ج 17، ص 104 - في السطر 7 عكسا، ط الكمباني. وفي ط ص 145، وقريبا منه رواه في المختار (122) وتاليه من قصار نهج البلاغة، ثم قال: ومن الناس من ينسب هذا الكلام والذي قبله [يعني المختار: (120، و 121، من النهج] إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أقول: ورواه أيضا تحت الرقم (45) من كتاب جمهرة الخطب: ج 1، ص 52 عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقريبا منه رواه في تحف العقول ص 29 عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ورواه أيضا الحافظ الكبير ابن عساكر، تحت الرقم: (1300) من كتاب معجم الشيوخ في ترجمة محمد بن محمود، بسنده عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانه خطبهم بها على ناقته الجدعاء فقال... الا أنه لا يوجد فيها ما ذكرها هنا في ذيل الكلام من قوله: (أيها الناس طوبى لمن لزم بيته...). =========================================================================== [327] - 89 - ومن كلام له عليه السلام خاطب به الدنيا مجاهرا لها بقطع وصلها وأنها عنده بمنزلة عجوز قد طلقها ثلاثا ! ! ! قال ابن عساكر: أخبرنا أبو الحسين عبد الرحمان بن عبد الله بن الحسن بن أحمد الخطيب، أنبأنا جدي أبو عبد الله، أخبرنا أبو المعمر المسد بن علي بن عبد الله بن أبي السحس (1) أخبرنا أبو بكر محمد ابن سليمان بن يوسف الربعي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن ثابت بن يعقوب ابن قيس بن ابراهيم العبقسي النجراني القاضي أخبرنا أبو زيد عمر بن شبة النمري، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المدائني: عن محمد بن غسان الكندي قال: دخل ضرار بن ضمرة النهشلي على معاوية، فقال له معاوية: صف لي عليا يا ضرار. قال: اؤ تعفيني من ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال: أقسمت عليك لتفعلن. قال: أما إذ أبيت فنعم: كان والله بعيد المدى شديد القوى يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة على لسانه ! ! ! يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته ! ! ! [و] كان طويل الفكرة، غزيرة الدمعة، يقلب كفه ويخاطب نفسه. وكان فينا كأحدنا يقربنا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا دعوناه، ونحن مع قربه منا =========================================================================== (1) ويحتمل رسم الخط بعيدا أن يقرأ: (أبي اسحاق) ؟. =========================================================================== [328] وتقريبه ايانا لانبتديه لعظمته، ولا نكلمه لهيبته ! ! ! فان تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم. لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله ! ! ! فاقسم بالله لرأيته في بعض أحواله وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه (2) وهو يقول: يادنيا يا دنيا [اليك عني] ألي تعرضت ؟ أم بي تشوقت ؟ (3) هيهات هيهات، لاحان حينك قد بتتتك ثلاثا لا رجعة لي فيك ! ! ! [فان] عيشك حقير وخطرك يسير وعمرك قصير ! ! ! آه من بعد الدار، وقلة الزاد ووحشة الطريق ! ! ! قال: فانهلت دموع معاوية على خديه حتى كفكفها بكمه ! ! ! واختنق القوم جميعا بالبكاء ! ! ! (4) فقال معاوية: رحم الله أبا الحسن فلقد كان كذلك ! ! ! فكيف جزعك عليه يا ضرار ؟ قال: جزع من ذبح ولدها في حجرها فما تسكن حرارتها ولا يرقى دمعتها ! ! ! قال: فقال معاوية: لكن أصحابي لو سئلوا عني بعد موتي ما أخبروا بشئ مثل هذا ! ! ! ترجمة ضرار من تاريخ دمشق: ج 25 ص 346. وقد رواه أيضا بسند آخر تقدم في المختار: (52) ص 199. ورواه أيضا المسعودي في آخر ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب مروج الذهب. =========================================================================== (2) سدوله: أستاره. (3) ويحتمل رسم الخط أيضا أن يقرأ: (أم لي تشوقت). وما بين المعقوفين مأخوذ من نهج البلاغة. (4) (فانهلت): اشتد انصبابه. و (كفكفها): مسحها مرة بعد مرة. و (اختنق القوم): غصوا بالبكاء حتى كأن الدموع أخذت بمخنقهم. =========================================================================== [329] - 90 - ومن كلام له عليه السلام في الحث على قطع العلائق عن الدنيا والتأسي بسفراء الله في ميدان العلم والعمل احذروا هذه الدنيا الخداعة الغدارة التي قد تزينت بحليها وفتنت بغرورها وغرت بآمالها، وتشوفت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلوة، والعيون إليها ناظرة، والنفوس بها مشغوفة، والقلوب إليها تائقة (1) وهي لازواجها كلها قاتلة ! ! ! فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الاخر بسوء أثرها على الاول مزدجر، ولا اللبيب فيها بالتجارب منتفع، أبت القلوب لها الا حبا، والنفوس لها الا صبا، والناس لها طالبان: طالب ظفر بها فاغتر فيها، ونسي التزود منها =========================================================================== (1) يقال: (شافه - من باب قال - شوفا): صقله وجلاه. و (شيفت) الجاربة: زينت و (شوف زيد جاريته): زينها. و (تشوفت الجارية تشوفا): تزين. و (تائقة): شائقة. =========================================================================== [330] للضعن (2) فقل فيها لبثه حتى خلت منها يده، وزلت عنها قدمه، وجاءته أسر ما كان بها منيته، فعظمت ندامته وكثرت حسرته وجلت مصيبته، فاجتمعت عليه سكرات الموت، فغير موصوف ما نزل به ! ! ! وآخر اختلج عنها قبل أن يظفر بحاجته [منها] ففارقها بغرته وأسفه (3) ولم يدرك ما طلب منها، ولم يظفر بمارجا فيها ! ! فارتحلا جميعا من الدنيا بغير زاد، وقدما على غير مهاد ! ! ! فاحذروا الدنيا الحذر كله، وضعوا عنكم ثقل همومها لما تيقنتم لو شك زوالها، وكونوا أسر ما تكونون فيها أحذر ما تكونون لها، فان طالبها كلما اطمئن =========================================================================== (2) يقال: (صب - من باب منع - صبا وصبابة) إليه: كلف به وعشقه، فهو صب: عاشق ذو ولع شديد. والجمع: صبون. والمؤنث: صبة، والجمع صبات. (والظعن) - كفلس وفرس -: الارتحال والسير عن المنزل ومحل الاقامة. (3) يقال: (اختلج - على بناء المجهول - من بينهم): مات. ويقال: (خلجه خلجا) - من باب ضرب ونصر -: نزعه. فاختلج: انتفض. =========================================================================== [331] منها إلى سرور أشخصته عنها إلى مكروه (4) وكلما اغتبط منها باقبال تغصه عنها ادبار، وكلما ثنت عليه رجلا طوت عنه كشحا ! ! ! فالسار فيها غار (5) والنافع فيها ضار. وصل رخاؤها بالبلاء، وجعل بقاؤها إلى الفناء ! ! ! فرحها مشوب بالحزن ! ! ! وآخر همومها إلى الوهن [كذا] فانظروا إليها بعين الزاهد المفارق، ولا تنظروا إليها بعين الصاحب الوامق (6). [و] اعلم - يا هذا - أنها تشخص الوادع الساكن، وتفجع المغتبط الامن (7)، لا يرجع منها ما تولى فأدبر، =========================================================================== (4) وفي المختار: (68) من باب الكتب من نهج البلاغة، والمختار: (2) من باب الكتب من كتابنا هذا: (فان صاحبها كلما أطمأن فيها إلى سرور أشخصته عنه إلى محذور). وأشخصته: أذهبته. (5) اغتبط - على بناء المعلوم والمجهول -: فرح وسر. و (تغصه): تحزنه وتوقعه في الغصة. و (ثنت) - من باب رمى -: عطفت. و (طوت عنه كشحا): أعرضت عنه بودها. والسار: المسرور. والغار: المغرور. (6) الوامق: المحب. يقال: (ومقه يمقه مقة وومقا - كعدة ووعدا -: أحبه. و (وامقه وماقا وموامقة): أحب كلاهما الاخر (توامق الرجلان): تحابا. و (تومقه) تودده. (7) تشخص: تزعج وتقلق. والوادع: المطمئن. يقال: (ودع - من باب شرف - وداعة الرجل) سكن واطمئن، فهو وديع ووادع. والمصدر كسحابة. و (تفجع) - من باب منع وفعل وأفعل -: توجع. وتوقع في الالم والمقاسات. =========================================================================== [332] ولا يدري ما هو آت فيحذر، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة ! ! ! صفوها كدر، وابن آدم فيها على خطر، اما نعمة زائلة، واما بلية نازلة، واما معظمة جائحة، واما منية قاضية ! ! ! (8). فلقد كدرت عليه العيشة ان عقل، وأخبرته عن نفسها ان وعى، ولو كان خالقها عزوجل لم يخبر عنها خبرا، ولم يضرب لها مثلا، ولم يأمر بالزهد فيها والرغبة عنها، لكانت وقائعها وفجائعها قد أنبهت النائم، ووعظت الظالم، وبصرت العالم، كيف وقد جاء عنها من الله تعالى زاجر، وأتت منه البينات والبصائر، فما لها عند الله عزوجل قدر ولاوزن، ولاخلق فيما بلغنا - خلقا أبغض إليه منها، ولانظر إليها مذ خلقها ! ! ! ولقد عرض على نبينا [صلى الله عليه وآله وسلم] بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك من حظه من الاخرة، فأبى أن يقبلها ! ! ! لعلمه أن الله عزوجل أبغض شيئا فأبغضه، وصغر =========================================================================== (8) المعظمة: النازلة الشديدة. والجائحة التهلكة. الداهية العظيمة. البلية. =========================================================================== [333] شيئا فصغره، وأن لا يرفع (9) ما وضعه الله جل شأنه، وأن لا يكثر ما أقل الله عزوجل، ولو لم يخبرك عن صغرها عند الله الا أن الله عزوجل صغرها عن أن يجعل خيرها ثوابا للمطيعين، وأن يجعل عقوبتها عقابا للعاصين [لكان كافيا لصغرها]. ومما يدلك على دناءة الدنيا أن الله جل ثناؤه زواها عن أوليائه وأحبائه نظرا لهم واختيارا (10) وبسطها لاعدائه فتنة واختبارا، فأكرم عنها نبيه صلى الله عليه وآله حين عصب على بطنه من الجوع ! ! ! وحماها عن موسى نجيه المكلم، وكانت ترى خضرة البقل من صفاق بطنه من الهزال ! ! ! وما سأل الله عزوجل يوم آوى إلى الظل الا طعاما يأكله لما جهده من الجوع (11). =========================================================================== (9) (وأن لا يرفع) عطف على قوله: (لعلمه) أي ولان لا يرفع ما وضعه الله. (10) نظرا: رأفة واشفاقا - عليهم واختيارا أي اختيارا لهم واصطفاء لما هو اللائق بحالهم وهو الاخرة، دون الدنيا الحقيرة الخسيسة. (11) وفي المختار (160): من نهج البلاغة: (وان شئت ثنيت بموسى كليم الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (رب اني لما أنزلت إلى من خير فقير) [24 / القصص] والله ما سأله الا خبزا يأكله ! ! ! لانه كان يأكل بقلة الارض. ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه ! ! !). =========================================================================== [334] وصاحب الروح والكلمة عيسى بن مريم [عليه السلام] إذ قال: (ادامي الجوع، وشعاري الخوف ولباسي الصوف، ودابتي رجلاي، وسراجي بالليل القمر، وصلاي في الشتاء مشارق الشمس (12) وفاكهتي ما أنبتت الارض للانعام، أبيت وليس لي شئ، وليس أحد أغنى مني ! ! !). وسليمان بن داود وما أوتي من الملك، إذ كان يأكل خبز الشعير، ويطعم أمه الحنطة، وإذا جنه الليل لبس المسوح وغل يده إلى عنقه وبات باكيا حتى يصبح ويكثر أن يقول: (رب اني ظلمت نفسي فان لم تغفر لي وترحمني لاكونن من الخاسرين، لا اله الا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين). فهولا أنبياء الله وأصفياؤه، تنزهوا عن الدنيا، وزهدوا فيما زهدهم الله جل ثناؤه فيه منها، وأبغضوا ما أبغض [الله] وصغروا ما صغر [ه الله]. ثم اقتص =========================================================================== (12) الصلا والصلى - كعشاء وعصا -: النار. وقودها. =========================================================================== [335] الصالحون آثارهم، وسلكوا منهاجهم، وألطفوا الفكر (13) وانتفعوا بالعبر، وصبروا في هذا العمر القصير، من متاع الغرور الذي يعود إلى الفناء، ويصير إلى الحساب. نظروا بعقولهم إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها، والى باطن الدنيا ولم ينظروا إلى ظاهرها، وفكروا في مرارة عاقبتها فلم يستمرئهم (14) حلاوة عاجلها، ثم ألزموا أنفسهم الصبر، وأنزلوا الدنيا من أنفسهم كالميتة التي لا يحل لاحد أن يشبع منها الا في حال الضرورة إليها ! ! ! وأكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النفس وأمسك الروح، وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتد نتنها فكل من مربها أمسك على فيه ! ! ! فهم يبتلغون بأدنى البلاغ، ولا ينتهون إلى الشبع من النتن، ويتعجبون من الممتلئ منها شبعا، والراضي بها نصيبا ! ! !. =========================================================================== (13) أي أحسنوا الفكر، وتأملوا بدقة وتلطف فانتفعوا بعبر الدنيا. (14) يقال: (استمرأ الطعام): استطيبه وعده - أو وجده - مريئا. =========================================================================== [336] كتاب الزواجر والمواعظ للشيخ علي بن محمد بن شاكر المؤدب الليثي للواسطي رضوان الله عليه. كما رواه عنه في الحديث (12) من الباب (122) وهو باب حب الدنيا وذمها من البحار: القسم الثالث من ج 15، ص 94 في السطر 20 وفي ط الحديث ج 73 ص 108، ورواه عنه أيضا في مستدرك السابع عشر من البحار، ص 308 في السطر 1. وقريبا منه رواه مع ذيل طويل في المختار العاشر، من الباب الثاني من دستور معالم الحكم ص 38 ط مصر. وقريبا منه رواه أيضا السيد الرضي رضوان الله عليه في المختار (160) من خطب نهج البلاغة. =========================================================================== [337] - 91 - ومن خطبة له عليه السلام في تأكد وجوب القيام بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الامم المدمرة انما هلكوا لتوغلهم في المعاصي ومداهنة علمائهم معهم وأن المؤمن دائما محظوظ بالحسنى وأنه لا ينبغي لمؤمن - ولايكون من شأته - أن يأتي بالعمل العبادي رياءا وسمعة ! ! ! ثقة الاسلام: محمد بن يعقوب الكليني الرازي قدس الله نفسه، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبد الرحمان بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن يحي بن عقيل، عن حسن (1)، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فانه انما هلك من كان قبلكم حيث ما عملوا من المعاصي ولم ينههم الربانيون والاحبار عن ذلك، وانهم لم تمادوا في المعاصي (2) ولم ينههم الرابنيون والاحبار عن ذلك نزلت بهم العقوبات. =========================================================================== (1) كذا في الاصل، وتقدم في المختار: (27) من هذا القسم أي القسم الثاني من باب الخطب من كتابنا هذا 110، ما ينفع المقام. (2) الربانيون: المنسوبون علما وعملا إلى الرب وهو الله المستجمع لجميع الكمالات، المنزه عن جميع النقائص. والاحبار: جمع الحبر - كفلس -: العالم الحسن السمت. وتمادوا في المعاصي: بلغوا فيها المدى وأداموا فعلها. (نهج السعادة ج 3) (م 22) =========================================================================== [338] فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، واعلموا أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يقربا أجلا ولم يقطعا رزقا، ان الامر (3) ينزل من السماء إلى الارض كقطر المطر إلى كل نفس بما قدر الله لها من زيادة أو نقصان، فان أصاب أحدكم مصيبة في أهل أو مال أو نفس ورآى عند أخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس (4) فلا تكونن عليه فتنة، فان المرء المسلم البرئ من الخيانة - ما لم يغش دناءة تظهر فيخشع لها (5) إذا ذكرت ويغرى بها لئام الناس - كان كالفالج الياسر الذي ينتظر أول فوزة من قداحه توجب له المغنم، ويدفع بها عنه المغرم (6) وكذلك المرء المسلم البرئ =========================================================================== (3) الظاهر من سياق ما بعده أن المراد من الامر هو أمر الرزق والتمتع بالثروة والمال. (4) الغفيرة: الزيادة والكثرة. والمراد من الفتنة ها هنا هو اعمال الحسد. (5) ما لم يغش - من باب رضي ودعا -: ما لم يأت وما لم يرتكب. (فيخشع) من باب منع -: فينكسر ويخضع ويذل حياءا وخجلا. (6) ومثله في المختار: (22) من نهج البلاغة وكثير من مصادر الكلام، وفي رواية الثقفي المتقدمة وبعض طرق ابن عساكر: (كالياسر الفالج). والفالج: الغالب الظافر بمأموله. والياسر: الذي يلعب بقداح الميسر أي المقامر. =========================================================================== [339] من الخيانة، ينتظر من الله تعالى احدى الحسنيين: اما داعي الله، فما عند الله خير له، واما رزق الله فإذا هو ذو أهل ومال ومعه دينة وحسبة. ان المال والبنين حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الاخرة، وقد يجمعهما الله لاقوام. فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه، واخشوه خشية ليست بتعذير (7) واعملوا في غير رياء ولا سمعة، فانه من يعمل لغير الله يكله الله إلى من عمل له [ومن عمل لله مخلصا تولى الله ثوابه] (8). نسأل الله منازل الشهداء، ومعايشة السعداء، ومرافقة الانبياء. =========================================================================== (7) أي بذات تعذير أي تقصير، أي خشية لا يكون فيها تقصير يتعذر معه الاعتذار. (8) ومن قوله: (فاحذروا من الله - إلى قوله - مرافقة الانبياء) تقدم بسند آخر - مع زيادات غير موجودة هنا - في المختار (131) من ج 1، ص 428، وما بين المعقوفين أيضا مأخوذ منه، وفيه أيضا: (فانه من عمل لغير الله وكله الله...). وهو أظهر. والرياء: ايتان العمل بمرأى من الناس ليحصل منهم ما يهمه والسمعة: اتيانه بمسمع من الناس كي ينال منهم مقصوده. =========================================================================== [340] الحديث السادس من الباب (28) من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5 ص 57. ومن قوله: (واعملوا في غير رياء) إلى آخر الكلام، رواه أيضا في الحديث (17) من الباب (116) من أصول الكافي: ج 2 ص 217 ورواه أيضا السيد الرضي رضوان الله عليه في المختار (22) من الباب الاول من نهج البلاغة، ومع ذيل غير موجود في رواية الكافي كما أن صدر ماهنا غير موجود في رواية السيد. وقطعة منه رواها أيضا في المختار (154) من الباب الثالث منه. =========================================================================== [341] - 92 - ومن كلام له عليه السلام في الحث على اتباع القرآن العظيم، والقانون السرمد الالهي الكافل للسعادة والسيادة ! ! ! قال السيد التوبلي رضوان الله عليه: وعن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله [الامام الصادق] عليه السلام، عن أبيه عن جده عليه السلام، قال: خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام خطبة فقال فيها: [و] نشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بكتاب فصله وأحكمه وأعزه، حفظه بعلمه (1) وأحكمه بنوره، وأيده بسلطانه وكلاه من أن يبتره هوى (2) أو يميل به شهوة (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه، تنزيل من =========================================================================== (1) كذا في الاصل، ولعل المعنى: أنه تعالى حفظ القرآن بين الناس محفوظا عن الزيادة والنقصان لعلمه تعالى باحتياج الناس إلى القرآن وكونه بمتناولهم. (2) كلاه - من باب منع -: حرسه وحفظه. و (يبتره) من باب نصر -: يقطعه ويسلب عنه الخير. =========================================================================== [342] حكيم حميد) (3) لا يخلقه طول الرد (4) ولا يفنى عجائبه. من قال به صدق، ومن عمل به آجر، ومن خاصم به فلج، ومن قاتل به نصر، ومن قام به هدي إلى صراط مستقيم (5). [فعليكم بكتاب الله ففيه] نبأ من كان قبلكم وحكم ما بينكم وخبر ما بعدكم (6) أنزله بعلمه وأشهد الملائكة بتصديقه، قال الله جل وجهه: (لكن =========================================================================== (3) مابين القوسين اقتباس من الاية: (42) من سورة فصلت: 41. وفي الاصل: (ان يأتيه البالطل...). والظاهر أنه من تصحيف النساخ، وان صح فلفظة (ان) نافية بمعنى (لا) ويكون أيضا اقتباسا معنويا. (4) أي لا يجعله طول ترداده ودوام قراءته خلقا باليا غير مرغوب فيه، بل هو دائما غض طري تهوي إليه الاعين، وتلذ به الاسماع. وفي المختار: (151، و 118) من نهج البلاغة ونهج السعادة: (كثرة الرد). ومثلهما في عيون الاخبار: ج 2 ص 133، والعقد الفريد: ج 1، ص 209 ط بولاق ومروج الذهب وغيرها. (5) ومثله تقدم في المختار: (118) من ج 1، ص 381، ط 1، وذكرنا في تعليقه له مصادر كثيرة، و (فلج) - من باب ضرب ونصر. - فاز. غلب. ظفر. (6) هذا هو الظاهر الموافق لما في المختار: (151، و 313) من الباب الاول والثالث من نهج البلاغة، والمختار (118) من نهج السعادة ج 1، ص 379، وفي الاصل: (فيه نبأ من كان قبلكم والحكم فيما بينكم وخيرة معادكم) والظاهر أنه مصحف. =========================================================================== [343] الله يشهد بما أنزل اليك، أنزله بعلمه، والملائكة، يشهدون وكفى بالله شهيدا) [166 / النساء: 4] فجعله نور الهدى التي هي أقوم [فقال: ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا)] 9 / الاسراء: 17] (7) وقال: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) [18 القيامة: 75] وقال: (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون) [3 الاعراف: 7]. وقال: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معلك ولا تطغوا انه بما تعملون بصير) [112 / هود: 11]. ففي اتباع ما جاءكم من الله الفوز العظيم، وفي تركه الخطأ المبين، وقال: (اما يأتينكم مني هدي فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) [123 طه: 20]. فجعل في اتباعه كل خير يرجى في الدنيا والاخرة. =========================================================================== (7) ما وضعناه بين المعقوفين قد سقط من الاصل، ولابد منه على حسب نظرنا واجتهادنا. (*) =========================================================================== [344] فالقرآن آمر وزاجر، حد [الله] فيه الحدود، وسن فيه السنن، وضرب فيه الامثال، وشرع فيه الدين، اعدله أمر نفسه وحجته على خلقه (8) أخذ على ذلك ميثاقهم وارتهن عليه أنفسهم (9) ليبين لهم ما يأتون وما يتقون، ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة، وان الله سميع عليم. الحديث: (15) من الباب (2) من تفسير البرهان: ج 1، ص 8 ط 2. =========================================================================== (8) كذا. (9) أي جعل نفوسهم رهنا على العمل بالقرآن والوفاء بميثاقه. وقريبا منه جدا رواه في المختار: (178 - أو - 183) من نهج البلاغة. =========================================================================== [345] - 93 - ومن كلام له عليه السلام في نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جسما وجسدا وبحسب المفاصل الاوصال البدنية قال أبو علي القالي -: حدثنا أبو عبد الله ابراهيم بن محمد بن عرفة النحوي - رحمه الله - [قال:] حدثنا محمد بن عبد الملك، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع ابن جبير بن مطعم، عن أبيه (1) عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: نعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم فقال: كان رسول الله صلى الله عليه ضخم الهامة، كثير شعر الرأس، رجلا أبيض مشربا حمرة، طويل المسربة شثن الكفين والقدمين، طويل أصابعها (2) ضخم الكراديس =========================================================================== (1) وبعده في النسخة: (هكذا قال يزيد بن هارون: هكذا الحديث). (2) قال أبو عبيدة: والشثن: الخشن الغليظ، وهذا من صفة النبي صلى الله عليه وسلم التمام، وانه ليس هناك استرخاء. وضخم الكراديس: غليظ العظام. والكردوس [كبرغوث]: كل عظم عليه لحمه. قال أبو علي: يتكفأ: يتمايل في مشيته، وهذا مدح في المشي لانه لا يكون الا عن تؤدة وحسن مشي والصبب: الحدور. والماشي يترفق في الحدور. =========================================================================== [346] يتكفأ في مشيته كأنما يمشي في صبب، لا طويلا ولا قصيرا، لم أر مثله قبله ولابعده صلى الله عليه وسلم. قال أبو علي: الرجل: استرسال الشعر كأنه مسرح، وهو ضد الجعودة يقال: رجل رجل الشعر. والمسربة: الشعر المستدق من الصدر إلى السرة. وأنشدني أبو بكر ابن دريد للحارث بن وعلة: الان لما ابيض مسربتي وعضضت من نابي على جذم (3) أمالي الشيخ أبي علي القالي: ج 2 ص 69، ط مصر. وللكلام صور تفصيلية ومصادر وأسانيد، وقد تقدم صورة منه في المختار الرابع، وصورة أخرى منه في المختار: (17) من القسم الاول: ج 1 ص 29 و 74. =========================================================================== (3) يريد كبرت حتى أكلت على جذم نابي. ورواه أيضا في لسان العرب وذكر بعده هذين البيتين: وحلبت هذا الدهر أشطره وأتيت ما آتى على علم ترجوا الاعادي أن ألين لها هذا تخيل صاحب الحلم ثم قال: قال ابن بري: هذا الشعر ظنه قوم للحارث بن وعلة الجرمي، وهو غلط وانما هو للذهلي. =========================================================================== [347] - 94 - ومن كلام له عليه السلام في نعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحسب الخلقة البشرية الناسوتية شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي قال: أخبرنا محمد بن محمد بن النعمان، قال: أخبرنا ابن الصلت، قال: أخبرنا ابن عقدة، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الرحمان بن قسي قراءة [كذا] قال حدثنا محمد بن عيسى المعبدي (1) قال: حدثنا مولى [الامام] علي بن موسى [الرضا عليه السلام] عنه، عن أبيه [الامام] موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده عن [أمير المؤمنين] علي [عليهم السلام] أنهم قالوا [له]: يا علي صف لنا نبينا [صلى الله عليه وآله وسلم] كأننا نراه فاننا مشتاقون إليه. [ف‍] قال [أمير المؤمنين عليه السلام]: كان نبي الله [صلى الله عليه وآله وسلم] (2) أبيض اللون، مشربا حمرة، أدعج العين، سبط الشعر، =========================================================================== (1) كذا في النسخة، وفي البحار: (العبدي). واحتمل بعضهم أنه مصحف والصواب: العبيدي وهو محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين العبيدي اليقطيني الاسدي. (2) هذا كان في نسخة الامالي هكذا: (كان نبي الله (ص) أبيض...). وأما ما عداه مما وضعناه بين المعقفتين فهو مما ردناه توضيحا وتزيينا. =========================================================================== [348] كث اللحية ذا وفرة (3) دقيق المسربة (4) كأنما عنقه ابريق فضة (5) يجري في تراقيه الذهب، له شعر من لبته إلى سرته (6) كقضيب خيط إلى السرة، وليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكفين والقدمين (7) شثن الكعبين، إذا مشى كأنما ينقلع من صخر [و] إذا أقبل كأنما ينحدر من صبب (8) إذا التفت التفت جميعا =========================================================================== (3) مشربا حمرة: علاه الحمره، والاشراب خلط لون بلون آخر كأن أحدهما سقي الاخر. و (أدعج العين): أسود العين. والدعج - بالتحيك -: شدة سواد العين مع سعتها. وقيل: هو شدة سواد العين في شدة بياضها. والسبط - كضرب - من الشعر: المنبسط المسترسل. والوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الاذن. (4) المسربة - بفتح الميم وسكون السين وفتح الراء وضمها - والمربة - كتربة -: الشعر وسط الصدر إلى البطن. (5) كذا في الاصل، وفي رواية ابن عساكر، وعلي بن ابراهيم: (كأن الذهب يجري في تراقيه). والتراقي: جمع الترقوة: أعلى الصدر. والكلام كأنه كناية عن حمرة ترقوته صلى الله عليه وآله وسلم أو سطوع النور منها ! ! ! (6) اللبة - كحبة -: أعلى الصدر. (7) قال في النهاية: يعني أنهما يميلان إلى الغلظ والقصر. وقيل: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر. (8) وفي الرواية المتقدمة عن ابن عساكر - ومثلها في البحار -: (يتقلع). قال في مادة: (قلع) من النهاية: في صفته عليه السلام: (وإذا مشى تقلع) أراد قوة مشيه كأنه يرفع رجليه رفعا قويا كمن يمشي اختيالا ويقارب خطاه... والصبب - كسبب -: المنحدر من الارض، قال في مادة (قلع) من النهاية: وهو كما جاء في حديث آخر: (كأنما ينحط من صبب) والانحدار من الصبب والتقلع من الارض قريب بعضه من بعض، أراد أنه كان يستعمل التثبيت ولا يبين منه في هذه الحالة استعجال ومبادرة شديدة. =========================================================================== [349] بأجمعه كله، ليس بالقصير المتردد (9) ولا بالطويل المتمغط (10) وكان في وجهه تداوير (11) إذا كان في الناس غمرهم (12) كأنما عرقه في وجهه اللؤلؤ. عرقة أطيب من ريح المسك ! ! ! ليس بالعاجز ولا باللئيم، أكرم الناس عشرة وألينهم عريكة (13) وأجودهم كفا من خالطه بمعرفة أحبه، ومن رآه بديهة هابه (14) عزه بين عينيه (15) يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده =========================================================================== (9) أي المتناهي في القصر كأنه تردد بعض خلقه في بعض وتداخلت أجزاؤه. (10) قال ابن الاثير في النهاية: في صفته صلى الله عليه وآله وسلم: (لم يكن بالطويل الممغط) هو بتشديد الميم الثانية: المتناهي في الطول. وامغط النهار: امتد. ومغطت الحبل - وغيره -: مددته. وأصله: (منمغت) والنون للمطاوعة فقلبت ميما وأدغمت في الميم. ويقال بالعين المهملة بمعناه. (11) التداوير: (12) قال ابن الاثير في النهاية: أي كان فوق كل من كان معه. (13) العشرة - بالكسر فسكون -: المخالطة والمصاحبة. والعريكة: الطبيعة. (14) أي من رآه مفاجأة وبغته قبل الاختلاط به هابه لوقاره وسكونه وإذا جالسه وخالطه بأن له حسن خلقه. (15) أي يظهر العز في وجهه أولا قبل أن يعرف. قال المجلسي العظيم: [هذا] تأكيد للسابق ويفسره اللاحق. ثم قال: [قوله]: (يقول باغته): بالباء الموحدة والغين المعجمة أي من رآه بغته. وفي بعض النسخ: (غرة) بالغين المعجمة والراء المهملة ولعله من الغر - بالفتح - بمعنى حد السيف فيرجع إلى الاول. أو هو بالضم بمعنى الغرة وهي البياض في الجبهة. وفي بعض النسخ: (ناعته) بالنون والعين المهملة ولا يخفي توجيهه. =========================================================================== [350] مثله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما (16). الحديث: (33) من الجزء (12) من أمالي الشيخ الطوسي رحمه الله ص 217، ط 1، ورواه عنه مشورحا في الحديث (3) من الباب 8 من البحار: ج 6 ص 134، وفي ط 2 ج 16 ص 147. وقريبا منه رواه ابراهيم بن محمد الثقفي رحمه الله في الحديث: (86) من كتاب الغارات ص 161، ط 1. وذكره أيضا في المختار (14) من المستدرك للشيخ هادي رحمه الله، وذكر قطعة منه في كتاب أخلاق النبوة من كتاب المحجة البيضاء: ج 4 ص 149، نقلا عن كتاب الشمائل للترمذي ص 1، عنه عليه السلام. وتقدم أيضا بسند آخر تحت الرقم: (4) من ج 1، ص 29، وبسند آخر تحت الرقم: (17) ص 74. ورواه ابن عساكر بطرق كثيرة في تاريخ دمشق: ج 1 ص 98 ط دمشق. ورواه أيضا في ترجمة الربيع بن عمرو بن الربيع من تاريخ دمشق ج 17، ص 113 قال: =========================================================================== (16) ورواه أيضا في الحديث (14) من الباب الاول من أبواب التاريخ من كتاب الحجة من الكافي: ج 1، ص 443 عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد، عن علي بن سيف، عن عمرو ابن شمر، عن جابر قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: صف لي نبي الله عليه السلام قال: كان نبي الله عليه السلام أبيض مشرب بحمرة، أدعج العينين، مقرون الحاجبين شثن الاطراف، كأن الذهب أفرغ على براثنه، عظيم مشاشة المنكبين، إذا التفت يلتفت جميعا من شدة استر ساله، سربته سائلة من لبته إلى سرته كأنها وسط الفضة المصفاة، وكأن عنقه إلى كاهله ابريق فضة، يكاد أنفه إذا شرب أن يرد الماء، وإذا مشى تكفاء كأنه يزل في صبب، لم ير مثل نبي الله صلى الله عليه وآله قبله ولا بعده صلى الله عليه وآله. =========================================================================== [351] أخبرنا أبو الفتح نصر الله بن محمد، أخبرنا نصر بن ابراهيم، أخبرنا أبو سعيد عبد الكريم بن علي بن أبي نصر القزويني قراءة عليه [ظ] أخبرنا أبو بكر محمد بن الحربي. بن الحسين الحمصي أخبرنا أبو القاسم الربيع بن عمرو الحمصي قراءة عليه، أخبرنا أبو علي محمد بن هارون بن شعيب الانصاري حدثني أحمد بن محمد التميمي حدثنا عبد الوارث بن الحسن بن عمر القرشي البيساني (17) حدثنا آدم بن أبي أياس، حدثنا ابن أبي ذيب [عن نافع] (18) عن عبد الله بن عمر قال: أقبل قوم من اليهود فأتوا عليا رضي الله عنه فقالوا: يا أبا الحسن صف لنا ابن عمك - يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال علي [عليه السلام]... أقول: متن كلامه عليه السلام هذا ونصه قد ذكرناه في المختار: (17) من القسم الاول من كتابنا هذا: ج 1، ص 74 ط 1، وانما كان المقصود ها هنا هو الارشاد إلى سند آخر للحديث، وتعيين موضع آخر له من تاريخ دمشق غير ما تقدم، والتحفظ عل متفردات السند من هذا الطريق، وجعلها بمتناول عموم الباحثين. =========================================================================== (17) كذا في النسخة. (18) مابين المعقوفين مأخوذ مما تقدم في المختار (17) من ج 1، ص 74 برواية ابن عساكر. =========================================================================== [352] - 95 - ومن خطبة له عليه السلام في بيان ما لله تعالى من صفات الربوبية، ونعوت الجلال والجمال، والكبرياء والعظمة أبو إسحاق ابراهيم بن محمد الثقفي رحمه الله، قال: حدثنا ابراهيم بن اسماعيل اليشكري - وكان ثقة - أن [أمير المؤمنين] عليا عليه السلام سئل عن صفة الرب [تبارك وتعالى] فقال: الحمد لله [الواحد] الاحد الصمد الفرد (1) المتفرد الذي لامن شئ كان، ولا من شئ خلق ماكان (2) قدرة بان من الاشياء، وبانت الاشياء منه (3) فليس له صفة تنال، ولاحد يضرب له فيه الامثال، كل دون صفاته تحبير اللغات (4) وضل هنا لك تصاريف الصفات (5) =========================================================================== (1) مابين المعقوفين مأخوذ من كتاب الكافي، وكلمة: (الفرد) غير موجود في روايته. (2) أي انه تعالى متفرد بالغنى المطلق والقدرة القاهرة التي أنشأ بها الموجودات من كتم العدم فوجوده تعالى غير مسبوق بالعدم ولا بمادة ولا بمدة، كما أن مخلوقاته غير مسبوقة بالمادة والمدة بل كانت عدما صرفا فأوجدها. (3) أي هو عين القدرة. أو أن له قدرة. وفي كتاب التوحيد: (قدرته). (4) أي اختل ووهن قبل الوصول إلى صفاته الالفاظ المزينة بحسن التعبير، وجميل التنسيق والتأدية. (5) أي لم يهتد إليه وصف الواصفين بأنحاء تصاريفهم الصفات. =========================================================================== [353] وحار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير (6) وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير (7) وحال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب (8) وتاهت في [أدنى] أدانيها طامحات العقول (9). فتبارك [الله] الذي لا يدركه بعد الهمم (10) ولا يناله غوص الفتن (11) وتعالى الذي ليس لصفته نعت موجود، ولا وصف محدود، ولا أجل ممدود (12) =========================================================================== (6) أي تحير في ادراك حقائق ملكوته وخواصها وأثارها وكيفية نظامها وصدورها عنه تعالى الافكار العميقة الواقعة في مذاهب التفكير العميقة. (7) الرسوخ: كون الشئ نافذا في شئ بثبات واستقرار. وجوامع التفسير: التفسيرات الجامعة التي بالغ مفسروها أن لا يشذ منها شاذ ولا يدخل فيها ناء ولاباد. (8) أي ان حجب غيوبه تعالى حائلة بين غيبه المكنون ووصول الخلق إليه. (9) وزاد في رواية الكافي: (في لطيفات الامور). وما بين المعقوفين أيضا مأخوذ منه. و (تاهت): تحيرت. والضمير في (أدانيها) راجع إلى (الحجب). (طامحات) مرتفعات. و (طامحات العقول): العقول الراقية الطائرة من مضيق جوها إلى عالم الجبروت. (10) أي لا تبلغه النفوس ذوات الهمم البعيدة وان أمعنت في الطلب. والهمم: جمع الهمة: العزم الجازم. وبعدها: تعلقها بالامور العلية. (11) قال المحقق الفيض رحمه الله: [انما] قدم الصفة للعناية بها، واستعار وصف الغوص لتعمق الافهام الثاقبة في مجاري صفات جلاله التي لاقرار لها ولا غاية، واعتبار نعوت كماله التي لا تقف عند حد ونهاية. (12) وفي الكافي: (وتعالى الذي ليس له وقت معدود، ولا أجل ممدود، ولا نعت محدود). (نهج السعادة ج 3) (م 23) (*) =========================================================================== [354] وسبحان الذي ليس له أول مبتداء، ولاغاية منتهى ولا آخر يفنى. فسبحانه [هو] كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته. حد الاشياء [كلها] عند خلقه اياها ابانة له من شبهها، وابانة لها من شبهه (13) لم يحلل فيها فيقال هو فيها كائن (14) ولم يبن منها فيقال: هو عنها بائن (15) ولم ينأ منها فيقال له أين (16) ولكنه أحاط بها علمه، وأتقنها صنعه، وذللها أمره وأحصاها حفظه =========================================================================== (13) عند خلقه اياها: عند انشائه وايجاده اياها. والجملة الاولى من هذه الفقرة، ذكرها في المختار: (161) من نهج البلاغة. (14) هذا هو الظاهر الموافق لما في الكافي والمختار: (65) من نهج البلاغة، وفي الاصل: (فلم يحلل). (15) يقال: (بان الملك عن ملكه - من باب باع - بينا وبيونا وبينونة): فارقه وانقطع منه فهو بائن عنه أي منقطع مفارق. وفي الكافي: (لم يحلل فيها فيقال: هو فيها كائن، ولم ينا عنها فيقال: هو منها بائن، ولم يخل منها فيقال له: أين...). (16) لم ينأ منها: لم يبعد منها، يقال: (نأى زيد وطنه وعن وطنه - من باب منع - نأيا).: بعد عنه، فهو ناء. =========================================================================== [355] فلم يغرب عنه خفيات غيوب المدى (17) ولا غامض سرائر مكنون الدجى (18) ولا ما في السماوات العلى ولا الارضين السفلى (19) لكل شئ منها حافظ ورقيب. وكل شئ منها بشئ محيط، والمحيط بما أحاط به منها (20) [هو] الله الواحد الصمد المبدئ لها لا من شئ، والمنشئ لها لا من شئ، ابتدعها خلقا مبتدئا يجعل لها خلقا آخر بفناء (21). ولم يزل هو كائن تبارك وتعالى لا تغيره صروف =========================================================================== (17) كذا في الاصل، والظاهر أنه مصحف، وفي الكافي: (لم يعزب عنه خفيات غيوب الهواء، ولا غوامض مكنون ظلم الدجى). فلم يعزب عنه: لم يخف ولم يغب عنه. (18) وفي الكافي: (ولا غوامض مكنون ظلم الدجى). وهو أظهر، والغوامض: جمع غامض: المبهم الذي لم يتبين عمقه وغوره. والسرائر: جمع السريرة: ما يسره الانسان في نفسه ولا يظهره، والمكنون: المستور. والدجى: جمع الدجية: الظلمة وزنا ومعنى. (19) وفي الكافي: (إلى الارضين السفلى). وفي المختار: (161) من نهج البلاغة: (وعلمه بما في السماوات العلى كعلمه بما في الارضين السفلى). (20) كلمة: (به) غير موجودة في الكافي وفيه: (والمحيط بما أحاط منها [هو] الواحد الاحد الصمد الذي لا يغيره صروف الازمان، ولا يتكأده صنع شئ كان، انما قال - لما شاء -: (كن) فكان. (21) الظاهر أن الضمير في قوله: لها) راجع إلى السماوات والارضين أي عند فناء خلقهما يجعل ويخلق لهما خلقا آخر. =========================================================================== [356] سوالف الازمان (22) ولم يتكاده صنع شي كان (23) انما قال لما يشاء [أن يكون]: (كن) فكان (24) بلا ظهير عليه ولا أعوان. فابتدع ما خلق على غير مثال سبق، ولا تعب ولا نصب. وكل صانع شئ فمن شئ صنع، والله لا من شئ خلق ما صنع (25). وكل عالم فمن بعد جهل تعلم. والله لم يجهل ولم يتعلم. أحاط بالاشياء علما [قبل كونها] فلم يزدد بتكوينه =========================================================================== (22) الصروف: جمع صرف: تغير الشئ وتبدلها ذاتا أو صفة. والسوالف: جمع السالفة: الماضية. (23) لم يتكأده - من باب التفعل -: لم يجهده ولم يتعبه. والصنع: الخلق. وفي المختار (65) من نهج البلاغة: (لم يؤده خلق ما ابتدأ، ولا تدبير ماذرأ، ولا وقف به عجر عما خلق، ولا ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدر). (24) وهذا مقتبس من آيات كثيرة من القرآن الكريم منها الاية: (41) من سورة النحل: (انما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له: كن فيكون). ومنها الاية: (82) من سورة ياسين: (انما أمره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون). (25) وفي الكافي: (والله لا من شئ صنع ما خلق). =========================================================================== [357] اياها خبرا (26) علمه بها قبل أن يكونها كعلمه بها بعد تكوينها. لم يكونها لتشديد سلطان، ولا لتخوف زوال ولا نقصان (27) ولا استعانة على ند مكابر ولاضد مثاور (28) ولا شريك مكاثر [و] لكن خلائق مربوبون، وعباد داخرون (29). فسبحان من لا يؤده خلف ما ابتدأ، ولا تدبير ما برأ، ولا من عجر ولا فتور بما خلق اكتفى (30) =========================================================================== (26) هذا هو الظاهر من السياق، وفي الاصل: (بتجربته بها...). وفي الكافي: (أحاط بالاشياء علما قبل كونها فلم يزدد بكونها علما، علمه بها...). (27) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (ولا لتخويف زال...). وفي الكافي: (ولا خوف من زوال ولا نقصان...). وفي المختار: (65) من نهج البلاغة: (ولا تخوف من عواقب زمان...). (28) وفي الكافي: (ولا استعانة على ضد مناوء، ولا ند مكاثر، ولا شريك مكابر). (29) مربوبون: المدبرون أي ان لهم سيد ورب يدبرهم. و (داخرون): صاغرون. (30) وفي الكافي: (فسبحان الذي لا يؤده... ولافترة...). وفي المختار: (65) من نهج البلاغة: (لم يؤده خلق ما ابتدأ، ولا تدبير ماذرأ، ولا وقف به عجر عما خلق، ولا ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدر). لا يؤده - من باب قال -: لا يثقله ولا يتعبه. ويقال: (برء الله العالم - من باب منع - برءا وبروءا): خلقه من العدم. و (ذر الله البرايا - كمنع - ذرءا): خلقهم. =========================================================================== [358] خلق ما علم، وعلم ما أراد (31) لا بتفكير [في] حادث علم أصاب، ولا شبهة دخلت عليه فيما أراد (32) ولكن قضاء متقن وعلم محكم. توحد بالوحدانية، وخص نفسه بالربوبية (33) فحوى الالهية والربوبية، ولبس العز والكبرياء (34) واستخلص الحمد والثناء، واستكمل المجد والسناء. تفرد بالتوحيد، وتوحد بالتمجيد، وتكرم بالتحميد، وعظم عن الشبهة (35) وجل سبحانه عن اتخاذ الابناء، وتطهر وتقدس سبحانه عن ملامسة النساء، وعزوجل سبحانه =========================================================================== (31) أي ان ما خلقه الله تعالى وأوجده هو عين ما تعلق به علمه قبل خلقة إياه، وما علمه بأن سيخلقه هو عين ما خلقه بعد، أو عين ما أراد أن يخلقه بعد فخلقه. (32) وفي الكافي: (علم ما خلق، وخلق ما علم، لا بالتفكير في علم حادث أصاب ما خلق، ولا شبهة دخلت عليه فيما لم يخلق، لكن قضاء مبرم وعلم محكم وأمر متقن). (33) هذا هو الظاهر الموافق للكافي غير أن فيه عكس ما ها هنا، وفي النسخة: (ولكن قضاء متقن وعلم محكم توحد فيه، وخص نفسه بالربوبية...). (34) وهاتان الجملتان غير موجدتان في الكافي وإليك لفظه: (توحد بالربوبية، وخص نفسه بالوحدانية، واستخلص بالمجد والسنأ وتفرد بالتوحيد والمجد والثناء، وتوحد بالتحميد، وتمجد بالتمجيد وعلا عن اتخاذ الابناء...). (35) كذا في الاصل، والظاهر أن الكلمة مصحفة عن (الشبيه). =========================================================================== [359] عن مجاورة الشركاء، فليس له فيما خلق ضد، ولا [له] فيما ملك ند، ولم يشركه في ملكه أحد، كذلك الله الواحد الاحد الصمد المبيد للامد، والوارث للابد (36) الذي لا يبيد ولا ينفد (37). فتعالى الله العلي الاعلى عالم كل خفية (38) وشاهد كل نجوى لا كمشاهدة شي من الاشياء، علا السماوات العلى [إلى] الارضين السفلى (39) وأحاط بجميع =========================================================================== (36) المبيد: المهلك والمفني. و (الامد): أجل الشئ ومنتهاء. وفي الكافي: (المبيد للابد). و (الابد): الدهر. الدوام. وفي بعض النسخ منه: (المؤبد للابد) أي الله تعالى دائم أبدي لا نهاية لدوامه. (37) وبعده في الكافي هكذا: بذلك أصف ربي فلا إله إلا الله من عظيم ما أعظمه ؟ ! ومن جليل ما أجله ؟ ! ومن عزيز ما أعزه ؟ ! وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا). و (لا يبيد) - من باب باع -: لا يهلك ولا يفنى. (38) ومن قوله: (فتعالى الله...) إلى آخر الكلام رواه حرفيا في باب جوامع التوحيد من بحار الانوار، وأما الذي قبلها فلم يذكره بالنص بل ذكر رواية الصدوق رحمه الله أولا ثم قال: ورواه إبراهيم بن محمد الثقفي في كتاب الغارات بإسناده عن إبراهيم بن إسماعيل اليشكري - قال: وكان ثقة - ان عليا عليه السلام سئل عن صفة الرب سبحانه وتعالى فقال... - وذكر نحو ما مر بأدني تغيير إلى قوله - كذلك الله الواحد الاحد الصمد المبيد للامد والوارث للابد الذي لا يبيد ولا ينفد، فتعالى الله العلي الاعلى... (39) كذا في الاصل، وفي البحار: (ملا السماوات العلى إلى الارضين السفلى...). =========================================================================== [360] الاشياء علما فعلى الذي دنا، ودنا الذي علا [و] له المثل الاعلى والاسماء الحسنى تبارك وتعالى. الحديث: (87) من كتاب الغارات ج 1، ص 170، ط 1. و رواه عنه المجلسي العظيم في ذيل الحديث: (15) من الباب الرابع - وهو باب جوامع التوحيد - من بحار الانوار: ج 4 ص 273 ط الجديد. وقريبا منه جدا رواه ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رفع الله مقامه - في الحديث الاول من (باب جوامع التوحيد) من كتاب التوحيد، من أصول الكافي: ج 1، ص 134، ط 2 عن محمد بن أبي عبد الله، ومحمد بن يحيى جميعا رفعاه إلى [الامام] أبي عبد الله [جعفر بن محمد الصادق] عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام استنهض الناس في حرب معاوية في المرة الثانية فلما حشد الناس قام خطيبا فقال... وقد تقدم في المختار: (256) من القسم الاول من كتابنا هذا: ج 2 ص 346 ط 1. ووراه أيضا الشيخ الصدوق قدس الله نفسه - في الباب (1) من كتاب التوحيد بسندين آخرين متصلين بأمير المؤمنين عليه السلام =========================================================================== [361] - 96 - ومن كلام له عليه السلام في تحميد الله تعالى على كل حال، وعلى أتم بيان ومقال، ثم التوصية بخصال عليها بني صلاح الخلق معاشا ومعادا قال ابن مسكويه رحمه الله وقال [أمير المؤمنين]: عليه السلام في خطبة له أخرى (1): اللهم لك الحمد على ما تأخذ وتعطي ولك الحمد على ما تبلي وتبتلي (2) حمدا يكون أرضى الحمد لك، وأحب الحمد إليك، وأفضل الحمد عندك (3) حمدا يبلغ ما أردت، وحمدا لا يحجب عنك ولا يقصر دونك ويبلغ فضل رضاك. قال ثم قال [عليه السلام]: =========================================================================== (1) كان رحمه الله قبل هذا الكلام قد ذكر وروى عن أمير المؤمنين كلاما آخر - قد أدر جناه في موضع آخر من كتابنا هذا - ثم قال: وقال عليه السلام في خطبة أخرى له. (2) وفي نهج البلاغة: (وعلى ما تعافي وتبتلي). (3) وبعده في نهج البلاغة هكذا: (حمدا يملاء ما خلقت ويبلغ ما أردت. حمدا لا يحجب عنك ولا يقصر دونك، حمدا لا ينقطع عدده ولا يفنى مدده...). =========================================================================== [362] اوصيكم بخصال لو ضربتم إليها آباظ الابل كن أهلا لها (4): لا يرجون أحد الا ربه. ولا يخافن الا ذنبه، ولا يستحيين إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لاأعلم. ولا يستحيين إذا لم يعلم الشئ أن يتعلمه (5). الحكمة الخالدة ص 113، ط 1، بمصر، وصدر الكلام رواه أيضا السيد الرضي رحمه الله في صدر المختار: (160) من نهج البلاغة، وأما الذيل فرواه تحت الرقم (82) من الباب الثالث منه. =========================================================================== (4) وفي كثير من الاسانيد والمصادر: (أوصيكم بخمس...). والاباط: جمع الابط - كحبر -: باطن الكتف. أقول: وهو عند أهل اللسان أعرف من مؤدى هذا التعبير. وضرب الابط - هنا - كناية عن غاية الاهتمام وشدة العناية بالمبادرة والمسارعة نحوها وذلك لان راكب الابل وغيرها من الدواب لا يضربون آباطها الا عند ولعهم بالاستعجال نحو المطلوب وأهميتهم به. (5) وبعده في المختار: (82) من الباب الثالث من نهج البلاغة هكذا: (وعليكم بالصبر فان الصبر من الايمان كالراس من الجسد ! ! ! ولاخير في جسد لا رأس معه، ولافي ايمان لاصبر معه. =========================================================================== [363] - 97 - ومن كلام له عليه السلام في تفسير الاستطاعة، وكون العباد مختارا في أعمالهم الارادية قال القضاعي: وسأل رجل [أمير المؤمنين عليه السلام] (1) عن تفسير (لاحول ولاقوة الا بالله) فقال عليه السلام: تفسيرها: أنا لانملك مع الله شيئا، ولانملك من دونه شيئا، ولانملك الا ما ملكنا، مما هو أملك به [منا] فمتى ملكنا ما هو أملك به كلفنا، ومتى أخذ منا وضع عنا ما كلفنا. ان الله عز اسمه أمرنا تخييرا (2) ونهانا تحذيرا، وأعطانا على قليل كثيرا، لن يطاع ربنا مكرها، ولن يعصى مغلوبا (3). =========================================================================== (1) وكان في الاصل: (وسأله...) وانما غيرنا اللفظ توضيحا. (2) وفي نسخة: (أمرنا مختبرا) أي أمر عباده مختبرا لهم هل يطيعون أمره أم يعصونه. (3) وفي المختار: (78) من باب القصار من نهج البلاغة: (ان الله سبحانه أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلف يسيرا، ولم يكلف عسيرا، وأعطى على القليل كثيرا، ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها، ولم يرسل الانبياء لعبا، ولم ينزل الكتاب للعباد عبثا، ولاخلق السماوات والارض وما بينهما باطلا (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) ! ! ! =========================================================================== [364] المختار الثامن من الباب الخامس من دستور معالم الحكم ص 110، ط مصر. وصدر الكلام رواه السيد الرضي - رحمه الله - في المختار: (404) من الباب الثالث من نهج البلاغة، والذيل أيضا رواه مع زيادات بديعة في ذيل المختار: (78) منه =========================================================================== [365] - 98 - ومن كلام له عليه السلام في بيان قواعد الاسلام، ثم حد الاستغفار وما اعتبر في حقيقة التوبة قال كميل بن زياد النخعي رضوان الله عليه: سألت أمير المؤمنين عليه السلام، عن قواعد الاسلام ماهي ؟ فقال عليه السلام: قواعد الاسلام سبعة: أولها العقل وعليه بني الصبر. والثاني صون العرض وصدق اللهجة، والثالثة تلاوة القرآن على جهته. والرابعة الحب في الله والبغض في الله، والخامسة حق آل محمد ومعرفة ولايتهم، والسادسة حق الاخوان والمحامات عنهم، والسابعة مجاورة الناس بالحسنى. [قال كميل:] قلت: يا أمير المؤمنين العبد يصيب الذنب فيستغفر الله منه، فما حد الاستغفار ؟ قال عليه السلام: يا ابن زياد [حد الاستغفار] التوبة. قلت: بس (1) قال: لا. قلت: فكيف ؟ قال عليه السلام: =========================================================================== (1) الكلمة فارسية واللفظ المؤدي لمعناها في اللسان العربي هو لفظ: (فقط) أو (فحسب). =========================================================================== [366] ان العبد إذا أصاب ذنبا يقول: أستغفر الله بالتحريك. قلت: وما التحريك ؟ قال الشفتان واللسان يريد أن يتبع ذلك بالحقيقة. قلت: وما الحقيقة ؟ قال: تصديق في القلب، واضمار أن لا يعود إلى الذنب الذي استغفر منه. قال كميل [قلت] فكيف ذاك ؟ قال: انك لم تبلغ إلى الاصل بعد. قال كميل: [قلت]: فأصل الاستغفار ما هو ؟ قال [عليه السلام] الرجوع إلى التوبة من الذنب الذي استغفرت منه - وهي أول درجة العابدين - وترك الذنب. والاستغفار اسم واقع لمعان ست (2): أولها الندم على ما مضى، والثاني العزم على ترك العود [إليه] أبدا، والثالث أن تؤدي حقوق المخلوقين التي بينك وبينهم (3) والرابع أن تؤدي حق الله في كل فرض (4) =========================================================================== (2) وفي المختار: (417) من الباب الثالث من نهج البلاغة: (والاستغفار درجة العليين وهو اسم واقع على ستة معان...). (3) وفي النهج: (والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة...). (4) وفي النهج: (والرابع أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها...). =========================================================================== [367] والخامس أن تذيب اللحم الذي نبت على السحت والحرام (5) حتى يرجع الجلد إلى عظمه ثم تنشى فيما بينهما لحما جديدا، والسادس أن تذيق البدن ألم الطاعات كما أذقته لذات المعاصي (6). المختار (23) من كلمه عليه السلام من كتاب تحف العقول، ص 133. ورواه عنه في الحديث (28) من الباب (10) من القسم الاول من المجلد الخامس عشر، من البحار، ص 208 في السطر 15، عكسا ط الكمباني، ورواه عنه أيضا في مستدرك السابع عشر، من البحار، ص 410، في السطر 21. وقريبا من ذيل الكلام رواه السيد الرضي - رضوان الله عليه - في المختار: (417) من الباب الثالث من نهج البلاغة. =========================================================================== (5) وفي النهج: (والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالاحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد...). (6) وفي النهج: (والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: استغفر الله). =========================================================================== [368] - 99 - ومن كلام له عليه السلام في الحث على الاعتصام بالدين، وشريعة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني قدس الله نفسه، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن محمد بن الريان بن الصلت رفعه (1) عن أبي عبد الله [الامام الصادق جعفر بن محمد] عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين [علي بن أبي طالب] عليه السلام كثيرا ما (2) يقول في خطبه (3): أيها الناس دينكم دينكم (4) فان السيئة فيه خير من الحسنة في غيره (5) والسيئة فيه تغفر، والحسنة في =========================================================================== (1) والكلام رواه الشيخ الصدوق رضوان الله عليه بسند آخر متصل عن أمير المؤمنين عليه السلام، وسيمر عليك نص السند في ذيل المختار التالي. (2) كلمة: (ما) ها هنا لتأكيد معنى الكثرة أي في أوقات كثيرة. (3) هذا هو الظاهر من السياق، وفي الاصل: (في خطبته). (4) لفظا: (دينكم دينكم) منصوبان على الاغراء أي الزموا دينكم أو احفظوا دينكم أو أكملوا دينكم، ونحوها. (5) المراد من السيئة - هنا - المغفورة، والفقرة التالية كالتفسير لهذه الفقرة. =========================================================================== [369] غيره لاتقبل (6) الحديث الاخير من كتاب الايمان والكفر من أصول الكافي: ج 2 ص 464، ط 2. =========================================================================== (6) وهذا مما يدل عليه أيضا قوله تعالى في الاية: (85) من سورة آل عمران: (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين). قال العلامة الطباطبائي مد ظله: المراد بعدم قبول الحسنة في غيره عدم الثواب بازائه في الاخرة، أو عدم الاثر الجميل المحمود عند الله في الدنيا بسعادة الحياة وفي الاخرة بنعيم الجنة، فلا ينافي ما ورد أن الكفار يوجرون في مقابل حسناتهم بشي من حسنات الدنيا، قال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) [7 / الزلزال]. (نهج السعادة 3) (م 24) =========================================================================== [370] - 100 - ومن كلام له عليه السلام في نعت الاسلام ونسبته ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابنا رفعه (1) قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي (2) ولا =========================================================================== (1) والحديث رواه الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين رحمة الله تعالى عليه من غير رفع. (2) هذا هو الظاهر الموافق لرواية الصدوق ونهج البلاغة، وفي النسخة (لا ينسبه). وفي نزهة الناظر: (لانسبن الاسلام صفة لم ينسبها أحد قبلي [كذا]. وفي النهج: (لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الاسلام هو التسليم...). يقال: (نسب زيد فلانا - من باب ضرب ونصر - نسبا ونسبة): وصفه وذكر نسبه. وقال العلامة الطباطبائي: المراد بالنسبة التعريف كما سميت سورة التوحيد في الاخبار بنسبة الرب، والذي عرف به [أمير المؤمنين] تعريف باللازم في غير الاول أعني قوله: (الاسلام هو التسليم): فانه تعريف لفظي عرف فيه اللفظ بلفظ آخر أوضح منه. ويمكن أن يراد بالاسلام المعنى الاصطلاحي له وهو هذا الدين الذي أتى به محمد [رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم اشارة إلى قوله: (أن الدين عند الله الاسلام) [9 / آل عمران: 3] و [يراد] بالتسليم الخضوع والانقياد ذاتا وفعلا فيعود الجميع إلى التعريف باللازم، والمعنى ان هذا الدين المسمى بالاسلام يستتبع خضوع الانسان لله سبحانه ذاتا وفعلا ووضعه نفسه وأعماله تحت أمره وارادته وهو التسليم، والتسليم لله يستتبع أو يلزم اليقين بالله وارتفاع الريب فيه، واليقين يستتبع التصديق واظهار صدق الدين، والتصديق يستتبع الاقرار وهو الاذعان بقراره وكونه ثابتا لا يتزلزل في مقره ولا يزول عن مكانه، واقراره يستتبع أداء وأداؤه يستتبع العمل. =========================================================================== [371] ينسبه أحد بعدي (3) الاسلام هو التسليم (4) والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الاقرار والاقرار هو العمل، والعمل هو الاداء (5). ان المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه، ولكن أتاه من ربه فأخذه (6) ان المؤمن يرى يقينه في عمله، و [ان] الكافر يرى انكاره في علمه ! ! ! فوالذي نفسي بيده ما عرفوا أمرهم [كذا] فاعتبروا انكار الكافرين والمنافقين بأعمالهم الخبيثة. =========================================================================== (3) هذا هو الظاهر الموافق لرواية الصدوق رحمه الله، وفي رواية الكليني: (لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي ولا ينسبه أحد بعدي الا بمثل ذلك ؟). والظاهر أن الزيادة من سهو الرواي. (4) هذا هو الظاهر الموافق لرواية الصدوق والسيد الرضي، ونزهة الناظر. وفي النسخة: (ان الاسلام هو التسليم...). (5) إلى هنا رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار (125) من قصار النهج، وفي نزهة الناظر هكذا: (والاقرار هو الاداء، والاداء هو العمل، وقد يكون الرجل مسلما، ولايكون مؤمنا حتى يكون مسلما [كذا] والايمان اقرار باللسان وعقد بالقلب وعمل بالجوارح. (6) وفي رواية الصدوق رحمه الله: (ان المؤمن أخذ دينه عن ربه ولم يأخذه عن رأيه). وهو أظهر من رواية الكليني. وفي ذيل رواية الصدوق هكذا: أيها الناس دينكم دينكم تمسكوا به لا يزيلكم أحد عنه، لان السيئة فيه خير من الحسنة في غيره ! ! ! لان السيئة فيه تغفر، والحسنة في غيره لاتقبل ! ! ! =========================================================================== [372] الحديث الاول من الباب: (22) - وهو باب: نسبة الاسلام - من كتاب الكفر والايمان من أصول الكافي: ج 2 ص 45. ورواه أيضا الشيخ الصدوق - رفع الله مقامه - في الحديث الثاني من المجلس (56) من أماليه ص 172، وفي ط 333، عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه عن أحمد بن محمد بن يحي عن غياث ابن ابراهيم، عن [الامام] الصادق جعفر بن محمد، عنه أبيه عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام. ورواه عنه المجلسي العظيم في الحديث الثاني من الباب: (25) من بحار الانوار: القسم الاول من ج 15، ص 187، في السطر 13، عكسا ط الكمباني وفي ط الحديث: ج 68 ص 309. ورواه إلى قوله: (العمل هو الاداء) في المختار: (125) من الباب الثالث من نهج البلاغة. ورواه أيضا بمغايرة طفيفة في المختار: (34) من كلمه عليه السلام من كتاب نزهة الناظر. ورواه أيضا الحافظ السروي في مناقب آل أبي طالب. ورواه في تفسير الميزان: ج 3 ص 333 وفي ط بيروت ص 126، نقلا عن ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب. =========================================================================== [373] - 101 - ومن كلام له عليه السلام في دعائم الايمان وشعبه ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رفع الله مقامه، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه. و [عن] محمد بن يحي عن أحمد بن محمد بن عيسى. وعن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد، جميعا عن الحسن ابن محبوب، عن يعقوب السراج، عن جابر، عن أبي جعفر [الامام محمد ابن علي بن الحسين] عليه السلام قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الايمان فقال: الايمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد. فالصبر من ذلك على أربع شعب: على الشوق والاشفاق (1) والزهد والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات (2) ومن أشفق من النار رجع عن =========================================================================== (1) وفي كثير من طرق الحديث: (والشفقة) وهما بمعنى الخوف. (2) يقال: (سلا زيد الشئ وعن الشي - من باب دعا - سلوا وسلوا وسلوانا): نسيه. طابت نفسه عن ذكره وذهل عنه وهجره. ومثله: (سيلي زيد الشئ وعنه - من باب علم - سليا). =========================================================================== [374] المحرمات [الحرمات (خ)] ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن راقب الموت سارع إلى الخيرات. واليقين على أربع شعب: تبصرة الفطنة (3) وتأول الحكمة (4) ومعرفة العبرة (5) وسنة الاولين، فمن أبصر الفطنة عرف الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما كان مع الاولين، واهتدى إلى التي هي أقوم، ونظر إلى من نجا بما نجا، ومن هلك بما هلك، وانما أهلك الله من أهلك بمعصيته، وأنجا من أنجا بطاعته. والعدل على أربع شعب: غامض الفهم، وغمر العلم، وزهرة الحكم، وروضه الحلم، فمن فهم فسر جميع العلم، ومن علم عرف شرائع الحكم، ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميدا. =========================================================================== (3) أي الفطنة التي تجعل الشخص بصيرا بالاشياء. (4) أي تأويلها وجعلها مكشوفة بالتدبر فيها. (5) أي معرفة أن يعتبر من الشئ وينتقل منه إلى ما يناسبه. =========================================================================== [375] والجهاد على أربع شعب: على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين (6). فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق وأمن كيده، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه، ومن شنأ الفاسقين غضب لله، ومن غضب لله غضب الله له، فذلك الايمان ودعائمه وشعبه. باب صفة الايمان - وهو الباب: (25) - من كتاب الايمان والكفر، من الكافي ج 2 ص 50 ورواه أيضا في أوائل كتاب سليم بن قيس ص 88. ورواه عنه في الحديث (17) من الباب: (27) - وهو باب دعائم الايمان - من بحار الانوار: القسم الاول من ج 15، ص 199، وفي ط 2: ج 68 ص 310. وتقدم أيضا بسند آخر في المختار: (163) من القسم الاول في ج 2 ص 20. =========================================================================== (6) الشنآن - كرمضان -: البغض. =========================================================================== [376] - 102 - ومن كلام له عليه السلام في المعنى المتقدم قال أبو علي القالي: حدثنا أبو جعفر محمد بن عثمان، قال: حدثنا منجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن محمد بن سوقة: [عن العلا بن عبد الرحمن] (1) قال: أتى عليا - رضي الله عنه - رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما الايمان ؟ - أو كيف الايمان ؟ - فقال: الايمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد، والصبر على أربع شعب: على الشوق والشفق والزهادة والترقب. فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات. واليقين على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، =========================================================================== (1) ما وضعناه بين المعقوفين قد سقط عن النسخة المطبوعة من كتاب أمالي القالي، وانما أخذناه من رواية ابن أبي الدنيا، وموفق بن أحمد الخوارزمي الاتيتان. =========================================================================== [377] وتأويل الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الاولين. فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الاولين. والعدل على أربع شعب: على غامض الفهم، وزهرة الحلم، وروضة العلم، وشرائع الحكم. فمن فهم فسر جميع العلم، ومن علم عرف شرائع الحكم ومن حلم لم يفرط [في] أمره وعاش في الناس [حميدا] (2). والجهاد على أربع شعب: على الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين. فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، ومن صدق في المواطن فقد قضي الذي عليه، ومن شنئ الفاسقين فقد غضب الله، ومن غضب لله غضب الله له. =========================================================================== (2) كذا في غير واحد من الطرق، والسياق أيضا يستدعيه وفي مسيس حاجة إليه، وقد سقط من نسخة الامالي ما وضعناه بين المعقوفات. =========================================================================== [378] قال: فقام الرجل [إليه] فقبل رأسه فقال علي كرم الله وجهه: أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغضيك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما. كتاب النوادر من أمالي الشيخ أبي علي القالي: ج 3 ص 171. ومن قوله: (اليقين على أربع شعب - إلى قوله - فكأنما كان في الاولين) رواه ابن أبي الدنيا في الحديث: (10) من كتاب اليقين، قال: حدثنا عبد الرحمان بن صالح، قال: حدثنا عبد الرحمان أبو مالك الجنبي عن صباح المزني عن محمد بن سوقة، عن العلا بن عبد الرحمان، قال: حدثني الذي سمع علي بن أبي طالب عليه السلام يقول... ومن قوله: (الجهاد على أربع شعب...) رواه أيضا في الحديث: (16) من كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: حدثنا عبد الرحمان ابن صالح، حدثنا عمرو بن هاشم، عن صباح المزني عن محمد بن سوقة... =========================================================================== [379] - 103 - ومن كلام له عليه السلام في دعائم الايمان وشعبها برواية أخرى قال الخوارزمي -: اخبرنا الشيخ الامام الزاهد أبو الحسن علي بن أحمد العاصمي الخوارزمي، أخبرني القاضي الامام شيخ القضاة اسماعيل بن أحمد الواعظ، أخبرنا والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، أخبرنا أبو زكريا أبن أبي اسحاق، حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، حدثني عبد الله بن مسلم بن عتام بن حفص بن غياث، حدثني سفيان بن وكيع (1) حدثني سفيان بن عيينة، عن محمد بن سوقة، عن العلا بن عبد الرحمان، قال: قام رجل إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين ما الايمان ؟ فقال: الايمان على أربع دعائم: على الصبر والعدل واليقين والجهاد، والصبر من ذلك على أربع شعب: على الشوق والشفق والزهد والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن =========================================================================== (1) كذا في الاصل، ورواه أيضا البيهقي في أوائل كتاب شعب الايمان الورق: 1، وفيه: (حدثنا عبد الله بن غنام [ظ] بن حفص بن غياث، حدثنا سفيان، عن وكيع...) وساق الكلام إلى قوله: (والجهاد) ثم قال البيهقي: ثم ذكر تقسيم كل واحدة من هذه الدعائم، وقد روينا [ه] من أوجه أخر عن علي [عليه السلام] =========================================================================== [380] الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات (2) ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن ترقب الموت سارع إلى الخيرات. والعدل على أربع شعب: تبصرة الفطنة، وتأويل الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الاولين، فمن تبصر في الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الاولين. واليقين على أربع شعب: غائص الفهم، وغرر العلم، وزهرة الحكم، وروضة الحلم، فمن فهم عليم غرر العلم، ومن عرف غرر العلم صدر عن شرائع الحكم، ومن عرف شرائع الحكم حلم وعاش في الناس ولم يفرط. والجهاد على أربع شعب. الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر =========================================================================== (2) سلا عن الشهوات - من باب دعا -: هجرها. نسيها وطابت نفسه عنها وذهل عن ذكرها. والشفق - محركا -: الخوف والوجل. =========================================================================== [381] أرغم أنف المنافق، ومن صدق في المواطن فقد قضى ما عليه، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله [كذا] غضب الله له، وما اكتحل رجل بمثل ميل الحزن (3). [قال] فقام الرجل إلى رأس علي عليه السلام فقبله. الحديث: (14) من الفصل: (24) - وهو باب جوامع كلم أمير المؤمنين عليه السلام - من مناقب الخوارزمي ص 268 ط 2. وقريبا منه جدا رواه الثقفي رحمه الله بسنده عن محمد بن سوقة، في الحديث: (79) من كتاب الغارات ج 1، ص 134، ط 1. ومن قوله: (اليقين على أربع شعب - إلى قوله - وعاش في الناس حميدا) رواه أيضا ابن أبي الدنيا في الحديث الرابع من كتاب اليقين، عن سفيان بن وكيع، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن سوقة، عن العلا بن عبد الرحمان قال... أقول وللكلام مصادر كثيرة كاد أن يكون متوترا. =========================================================================== (3) قوله: (وما اكتحل رجل بمثل ميل الحزن) من متفردات هذه الرواية. =========================================================================== [382] - 104 - ومن كلام له عليه السلام في نعت الاسلام وشعبه من طريق آخر. قال ابن عساكر: أخبرنا أبو محمد هبة الله بن سهل بن عمر، وأبو القاسم تميم بن أبي سعيد ابن أبي العباس، قالا: أنبأنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمان، أنبأنا أبو أحمد محمد بن محمد بن الحافظ، أنبأنا أبو العباس محمد بن اسحاق ابن ابراهيم الثقفي السراج، أنبأنا محمد بن الصباح، أنبأنا سليمان بن الحكم ابن عوانة - ودلني عليه محمد بن يزيد الواسطي - عن عتبة بن حميد: عن قبيصة بن جابر الاسدي (1) قال: قام رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين ما الايمان ؟ قال: الايمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد. =========================================================================== (1) قال سبط ابن الجوزي في آخر حوادث سنة: (70) من كتاب مرآة الزمان، ص 163: قبيصة بن جابر بن وهب بن مالك أبوالعلا الاسدي، من الطبقة الاولى من التابعين من أهل الكوفة، وكان رضيع معاوية بن أبي سفيان، أضعته أمه هند. وكان كاتب سعد بن أبي وقاص بالكوفة، وكان أميرا على بني أسد. و [كان] يوم الجمل مع علي رضوان الله عليه. وكان ثقة له أحاديث. روى عن عمر، وعلي وابن عوف، وابن مسعود، ومعاوية، وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة. روى عن الشعبي وغيره. [و] توفي سنة: (69). أقول: وقد بلى بلاء حسنا في يوم صفين كما في كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص 311. =========================================================================== [383] فالصبر منها على أربع شعب: على الشوق والشفقة والزهادة والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ! ! ! ومن أشفق من النار (2) رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات. واليقين على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأويل الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الاولين، فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الاولين. والعدل منها على أربع شعب: على غامض الفهم (3) [وزهرة الحلم، وروضة العلم، وشرائع الحكم، فمن فهم فسر جميع العلم، ومن علم عرف] شرائع =========================================================================== (2) يقال: (سلا الشي وعنه - من باب دعا - سلوا وسلوا): نسيه. طابت نفسه عنه وذهل عن ذكره وهجره. ومثله (سلاه سيلاه سليا) من باب علم والمصدر كالهوي. و (أشفق من النار): خاف منها. (3) ومثله في أمالي القالي، وأصول الكافي وقد تقدم ذكرهما، وفي رواية الخوارزمي المتقدمة ومثله في رواية تحف العقول الاتية: (على غائص الفهم...). وهو أظهر. =========================================================================== [384] الحكم، ومن حلم لم يفرط أمره وعاش في الناس جميلا (4). والجهاد على أربع شعب: على أمر بالمعروف ونهي عن المنكر (5) والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين (6) فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر رغم أنف المنافق، ومن صدق في المواطن فقد قضى ما عليه، ومن شنأ الفاسقين وغضب [لله] غضب الله له (7). قال: فقام إليه السائل فقبل رأسه. الحديث: (1295) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق ج 3 ص 235 ط 1، وفي مخطوطة الظاهرية: ج 11 / الورق 197 / ب / وفي نسخة العلامة الاميني: ج 38 ص 86، وفي النسخة المرسلة ص 138. =========================================================================== (4) كذا في الاصل وفي كثير من الطرق: (وعاش في الناس حميدا). ثم ان ما وضعناه بين المعقوفين أخذناه من امالي القالي لانه قد سقط عن نسخة ابن عساكر، وفيه هكذا: (والعدل منها على أربع شعب: غامض يعني الفهم وشرائع الحكم، ومن حلم لم يفرط أمره وعاش في الناس جميلا [كذا]. (5) وفي الطرق المتقدمة: (على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر...). وما فيها أظهر مما في هذه الرواية. (6) شنان - كرمضان -: البغض والعداوة. (7) مابين المعقوفين مأخوذ من الطرق المتقدمة. =========================================================================== [385] ورواه أيضا الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الحديث الثالث من المجلس (33) من أماليه ص 170، بسند آخر ينتهي إلى قبيصة، بصدر جيد غير مذكور هنا، وباختصار في آخره، ومثله رواه أيضا في كتاب سليم بن قيس ص 90 ط النجف ومثلهما رواه في المختار: (104) من خطب نهج البلاغة، ولكن له ذيل طويل غير مذكور في غيره من رواية سليم بن قيس والشيخ المفيد، وابن عساكر. ومن قوله: (الصبر على أربع شعب - إلى قوله - إلى الخيرات) رواه ابن أبي الدنيا، في الحديث (9) من كتاب الصبر الورق 2 / قال: حدثنا اسحاق بن اسماعيل، حدثنا سليمان بن الحكم بن عوانة، حدثنا عتبة بن حميد، عن من حدثه عن قبيصة بن جابر، قال: قال علي... وبهذا السند روي أيضا قوله: ([و] من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات) في الحديث: (77 و 240) من كتاب ذم الدنيا الورق 11 / أ / و 32 / أ / غير أنه قال في الموضع الثاني: (تهاون بالمصيبات... إلى الخيرات). (نهج السعادة) (م 25) =========================================================================== [386] - 105 - ومن كلام له عليه السلام في دعائم النفاق والكفر وشعبها ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن ابراهيم بن عمر اليماني، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه [انه] قال: بني الكفر على أربع دعائم: الفسق والغلو والشك والشبهة (1). والفسق على أربع شعب: على الجفاء والعمى والغفلة والعتو، فمن جفا احتقر الحق [الخلق (خ)] ومقت الفقهاء، وأصر على الحنث العظيم (2) ومن عمى =========================================================================== (1) الفسق: الخروج عن طاعة الله. والغلو: الافراط ومجاوزة الحد في الدين. والشك: التردد. والشبهة: تصوير غير الواقع بصورة الواقع بمزج الحق والباطل، ولذلك سميت شبهة لكونها تشبه الحق. (2) الجفاء: الغلظة في الطبع الموجبة للفظاظة، وخرق الصلة والرفق. والعمى: عدم البصيرة. والغفلة: الذهول. والعتو: الاستكبار. (مقت الفقهاء - من باب نصر -: أبغضهم أشد البغض. و (الحنث) كحبر -: الاثم. =========================================================================== [387] نسي الذكر، واتبع الظن وبارز خالقه (3) وألح عليه الشيطان، وطلب المغفرة بلا توبة ولا استكانة ولا غفلة (4) ومن غفل جنى على نفسه وانقلب على ظهره (5) وحسب غيه رشدا ! ! ! وغرته الاماني، وأخدته الحسرة والندامة إذا قضي الامر، وانكشف عنه الغطاء، وبدا له ما لم يكن يحتسب. ومن عتا عن أمر الله شك، ومن شك تعالى الله عليه فأذله بسلطانه وصغره بجلاله، كما أغتر بربه الكريم، وفرط في أمره (6). =========================================================================== (3) أي حارب خالقه في اتباع الظن المنهي عنه. (4) كذا في النسخة، والظاهر أن لفظة: (غفلة) مصحفة. وفي الخصال: (ومن عمى نسى الذكر، واتبع الظن وألح عليه الشيطان). (5) هذا مثل قوله تعالى - في الاية: (11) من سورة الحج -: (وان أصابته فتنة القلب على وجهه). وقوله - في الاية: (48) من الانفال -: فلما تراءت الفئتان نكص على ع قبيه) والكل كناية عن الرجوع إلى الضلال بعد الهدى والرشاد. وفي الخصال: (ومن غفل غرته الاماني، وأخذته الحسرة إذا انكشف الغطاء، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب). والاماني: جمع الامنية: ما يتمنى ويؤمل. (6) وفي الخصال: (ومن عتا عن أمر الله، تعالى الله عليه ثم أذله بسلطانه وصغره بجلاله، كما فرط في جنبه وعتا عن أمر ربه الكريم). =========================================================================== [388] والغلو على أربع شعب: على التعمق بالرأي والتنازع فيه، والزيغ والشقاق. فمن تعمق لم ينب [لم يتب (خ)] إلى الحق ولم يزدد الا غرقا في الغمرات (7) ولم ينحسر عنه فتنة الا غشيته أخرى وانخرق دينه فهو يهوي في أمر مريج (8). ومن نازع في الرأي وخاصم شهر بالعثل من طول اللجاج (9). ومن زاغ قبحت عنده الحسنة، وحسنت عنده السيئة. ومن شاق أعورت [أوعرت (خ)] عليه طرقه (10) =========================================================================== (7) أي في شدة من الجهل وفيضان من الباطل، وهي جمع غمرة - كضربة -: شدة الشئ ومزدحمة. (8) لم ينحسر: لم ينكشف. وأمر مريح): مضطرب ومختلط. وفي النهج: (فمن تعمق لم ينب إلى الحق، ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماء عن الحق، ومن زاغ ساءت عنده الحسنة، وحسنت عنده السيئة، وسكر سكر الضلالة. ومن شاق وعرت عليه طرقه، وأعضل عليه أمره وضاق عليه مخرجه). (9) والعثل - كفلس وفرس -: الجفاء والغلظة. وقال في هامش الكافي: وفي أكثر النسخ: (بالفشل) وهو الضعف والجبن. وفسر (العثل) بالحمق. (10) (ومن شاق) أي نازع الحق وكان منه في شقاق. و (أعورت عليه): صارت أعور لا بصيرة لها كي تهدي سالكها. و (أوعرت): صعبت. وفي النهج: (ومن شاق وعرت عليه طرقه وأعضل عليه أمره وضاق عليه مخرجه). =========================================================================== [389] واعترض عليه أمره فضاق عليه مخرجه، إذ لم يتبع سبيل المؤمنين. والشك على أربع شعب: على المرية والهوى والتردد والاستسلام (11) وهو قول الله عزوجل: (فبأي آلا ربك تتمارى) [55 - النجم: 53]. فمن هاله مابين يديه نكص على عقبيه (12). ومن امترى في الدين تردد في الريب (13) وسبقه =========================================================================== (11) والمرية - بالكسر والضم -: الجدل. الشك. والممارات والتماري والامتراء: الشك. والمراد من التردد هنا هو التردد بين الحق والباطل. والاستسلام، الانقياد للجهل. وها هنا الرواية مضطربة صدرا وذيلا، وحق المقام أن يكون بعد قوله: (والاستسلام). هكذا - كما جاء كذلك في بعض نسخ الخصال -: (فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح ليله، فبأي آلا ربك تتمارى [كذا]. وقال الكليني: وفي رواية أخرى: (على المرية والهول من الحق والتردد والاستسلام للجهل وأهله). وفي نهج البلاغة: (والشك على أربع شعب: على التماري والهول والتردد، والاستسلام. فمن جعل المرية ديدنا لم يصبح ليله. ومن هاله مابين يديه نكص على عقبيه، ومن تردد في الريب. وطئته سنابك الشياطين. ومن استسلم لهلكة الدنيا والاخرة هلك فيهما). (12) ومقتضى الترتيب أن يؤخر هذا عن التالي كما في تحف العقول: (والشك على أربع شعب: على المرية والهول والتردد والاستسلام فبأي آلا ربك تتمارى المتمارون. ومن هاله...). نعم بناء على رواية الخصال حيث قدم الهول على الريب - أو المرية - هو في محله. (13) كذا في النسخة، والصواب: تقديم هذا على ما سبقه، وفيه أيضا اخلال آخر، وهو ان هذا ان كان بيانا للشعبة الاولى تبقى الشعبة الثالثة بلا بيان، وان كان بيانا للثالثة فأين البيان للاولى ؟ ثم ما معنى قوله: (ومن امترى في الدين...). مع كونه في مقام بيان الثالثة ؟ ويمكن أن يقال: انه بيان للاولى والثالثة معا لكون الثالثة مرتبة على الاولى وملازمة لها في الوجود، وهذا هو السبب لتأخير الاولى عن الثانية، ولكن على هذا ينبغي أن تكون العبارة هكذا: (ومن امترى في الدين تردد في الريب، ومن تردد في الريب سبقه الاولون...). وهكذا تكون في كتاب الخصال غير أن ليس فيه قوله: (ومن امترى في الدين). =========================================================================== [390] الاولون من المؤمنين، وأدركه الاخرون، ووطئته سنابك الشيطان (14). ومن استسلم لهلكة الدنيا والاخرة، هلك فيما بينهما، ومن نجا من ذلك فمن فضل اليقين، ولم يخلق الله خلقا أقل من اليقين. والشبهة على أربع شعب: اعجاب - بالزنية، وتسويل النفس، وتأول العوج (15) ولبس الحق بالباطل، وذلك بأن الزينة تصدف عن البينة (16) وأن تسويل النفس تقحم على الشهوات، وأن العوج =========================================================================== (14) وفي الخصال: (وقطعته سنابك الشياطين). والسنابك: جمع سنبك - كقنفذ - وهو طرف الحافر. والكلام كناية عن هلاك الممترى والمتردد بيد الشيطان وجنوده بأقبح هلاك كالمقتول تحت حوافر الدواب. (15) التأول - هنا - بمعنى التأويل أي تأويل العوج وتغييره بوجه يخفى عوجه ويبرز استقامته فيظن أنه مستقيم. (16) المراد من البينة - هنا - الحجة والشريعة، أي ان زينة الحياة الدنيا تصد المعجب بها عن الشريعة وتحمله على الاعراض عن الحجة. =========================================================================== [391] يميل بصاحبه ميلا عظيما، وأن اللبس ظلمات بعضها فوق بعض. فذلك الكفر ودعائمه وشعبه. والنفاق على أربع دعائم: على الهوى والهوينا والحفيظة والطمع (17). فالهوى على أربع شعب: على البغي والعدوان والشهوة والطغيان، فمن بغى كثرت غوائله وتخلى عنه وقصر عليه (18). ومن اعتدى لم يؤمن بوائقه، ولم يسلم قلبه ولم يملك نفسه عن الشهوات، ومن لم يعدل نفسه في الشهوات خاض في الخبيثات. ومن طغى ضل على عمد بلا حجة. والهوينا على أربع شعب: على الغرة والامل والهيبة =========================================================================== (17) الهوينا - تصغير الهونى: مؤنث الاهون - من الهون: كون الشي لينا وعده هينا، والمراد - هنا -: التهاون في أمر الدين وترك الاهتمام به. والحفيظة: الحمية، الغضب. (18) كذا في النسخة، وفي الخصال: (فمن بغى كثرت غوائله وعلاته، ومن اعتدى لم تؤمن بوائقه ولم يسلم قلبه، ومن لم يعزل نفسه عن الشهوات خاص في الخبيثات، ومن طغى ضل على غير يقين ولا حجة له). =========================================================================== [392] والمماطلة، وذلك بأن الهيبة ترد عن الحق، والمماطلة تفرط في العمل حتى يقدم عليه الاجل، ولولا الامل علم الانسان حسب ما فيه (19) ولو علم حسب ما هو فيه مات خفاتا من الهول والوجل (20) والغرة تقصر بالمرء عن العمل. والحفيظة على أربع شعب: على الكبر والفخر والحمية والعصبية (21) فمن استكبر أدبر عن الحق، ومن فخر فجر، ومن حمي أصر على الذنوب. ومن أخذته العصبية جار، فبئس الامر أمر، بين ادبار وفجور واصرار وجور على الصراط (22). والطمع على أربع شعب: [على] الفرح والمرح =========================================================================== (19) الحسب - كالفرس -: القدر. العدد. وفي تحف العقول: (ولولا الامل علم الانسان حساب ما هو فيه، ولو علم حساب ما هو فيه مات خفاتا...). (20) أي مات بغتة، والخفات - كغراب -: الموت فجأة. (21) الحمية: اشتداد القوة الغضبية وثورانها. والعصبية: الاقارب من جهة الاب. الحماية والذب عنهم. والتعصب: المحامات والمدافعة، وهي والحمية من توابع الكبر، وكأن الفرق بينهما: أن الحمية للنفس، والعصبية للاقارب، أو الحمية للاهل والعصبية للاقارب. (22) كذا في الاصل، وكلمة: (على) بمعنى (عن) أو مصحفة منها. =========================================================================== [393] واللجاجة والتكاثر (23) فالفرح مكروه عند الله (24) والمرح خيلاء (25) واللجاجة بلاء لمن اضطرته إلى حمل الاثام (26) والتكاثر لهو ولعب وشغل واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. فذلك النفاق ودعائمه وشعبه. والله قاهر فوق عباده، تعالى ذكره وجل وجهه وأحسن كل شي خلقه، وانبسطت يداه ووسعت كل شي رحمته، وظهر أمره وأشرق نوره، وفاضت بركته واستضاءت حكمته، وهيمن كتابه وفلجت حجته (27) وخلص دينه واستظهر سلطانه، وحقت كلمته، وأقسطت موازينه، وبلغت رسله. =========================================================================== (23) وفي رواية تحف العقول الاتية: (والتكبر). (24) كما قال الله تعالى في الاية: (76) من سورة القصص: (ان الله لا يحب الفرحين). (25) الخيلاء - كأمراء، وبكسر الخاء وفتح الياء -: العجب والكبر. (26) ومثله في رواية تحف العقول الاتية في المختار: (106). (27) هيمن كتابه: صار مراقبا ومواضبا وميزانا يوزن به الحقائق، ويعرف به حدها ومرتبتها، وصدقها وكذبها. و (فلجت): غلبت. =========================================================================== [394] فجعل السيئة ذنبا، والذنب فتنة والفتنة دنسا، وجعل الحسنى غنما (28) والعتبى توبة والتوبة طهورا. فمن تاب اهتدى ومن افتتن غوى ما لم يتب إلى الله ويعترف بذنبه، ولا يهلك على الله الا هالك. الله الله عباد الله، فما أوسع مالديه من التوبة والرحمة والبشرى والحلم العظيم ؟ وما أنكل ما عنده من الانكال والجحيم، والبطش الشديد. فمن ظفر بطاعته اجتلب كرامته (29) ومن دخل في معصيته ذاق وبال نقمته وعما قليل ليصبحن نادمين. باب دعائم الكفر وشعبه - وهو الباب: (167) من كتاب الايمان والكفر من أصول الكافي: ج 2 ص 391. ورواه أيضا الشيخ الصدوق رحمه الله في الحديث: (74) من باب الاربعة =========================================================================== (28) هذا هو الظاهر الموافق لما يأتي في المختار (106). وفي نسخة الكافي: (وجعل الحسنى عتبى). (29) هذا هو الظاهر الموافق لما رواه في كنز العمال، وفي نسخة الكافي الموجودة عندي ها هنا تصحيف. وفي تحف العقول: (فمن ظفر بطاعة اختار كرامته، ومن لم يزل في معصية الله ذاق وبيل نقمته [و] هنالك عقبى الدار). =========================================================================== [395] من كتاب الخصال ص 231 مع صدر مشتمل على نعت الايمان ودعائمه، وقد تقدم ذكره في المختار: (163) في القسم الاول من كتابنا هذا: ج 2 ص 20 ط 1. ورواه أيضا قبلهما ابراهيم بن محمد الثقفي رحمه الله في الحديث: (80) من كتاب الغارات ص 142، ط 1، ولكن ما في آخر رواية الكليني من قوله: (والله قاهر...) إلى آخره غير موجود في رواية الشيخ الصدوق والثقفي. ورواه ايضا في كتاب تحف العقول ص 113، وقطعة منه رواها السيد الرضي رحمه الله في المختار: (30 و 31) من الباب الثالث من نهج البلاغة. =========================================================================== [396] - 106 - ومن كلام له عليه السلام في نعت الايمان ان الله ابتد الامور فاصطفى لنفسه منها ما شاء، واستخلص منها ما أحب، فكان مما أحب أنه ارتضى الايمان فاشتقه من اسمه فنحله من أحب من خلقه، ثم بينه فسهل شرائعه لمن ورده، وأعز أركانه على من جانبه، وجعله عزا لمن والاه، وأمنا لمن دخله، وهدى لمن أئتم به، وزينة لمن تحلى به، ودينا لمن انتحل به، وعصمة لمن اعتصم به، وحبلا لمن استمسك به، وبرهانا لمن تكلم به، وشرفا لمن عرفه، وحكمة لمن نطق به، ونورا لمن استضاء به، وحجة لمن خاصم به، وفلجا حاج به، وعلما لمن وعى وحديثا لمن روى، وحكما لمن قضى، وحلما لمن حدث، ولبا لمن تدبر، وفهما لمن تفكر، ويقينا لمن عقل، وبصيرة لمن عزم، =========================================================================== [397] وآية لمن توسم، وعبرة لمن اتعظ، ونجاتا لمن آمن به، ومودة من الله لمن صلح، وزلفى لمن ارتقب، وثقة لمن توكل، وراحة لمن فوض، وسبقة لمن أحسن (1) وخيرا لمن سارع، وجنة لمن صبر، ولباسا لمن اتقى وتطهيرا لمن رشد، وأمنة لمن أسلم (2) وروحا للصادقين. فالايمان أصل الحق، سبيله الهدى وصفته الحسنى ومأثرته المجد فهو أبلج المنهاج (3) مشرق المنار مضئ المصابيح، رفيع الغاية، يسير المضمار، جامع الحلبة (4) متنافس السبقة، قديم العدة، كريم الفرسان. الصالحات مناره، والعفة مصابيحه، والموت غايته، والدنيا مضماره، والقيامة حلبته، والجنة سبقته، والنار نقمته، والتقوى عدته، والمحسنون فرسانه. =========================================================================== (1) السبقة - كغرفة -: ما يتراهن عليه المتسابقون (2) الامنة - على زنة عرفة محركة -: الاطمئنان وسكون القلب. (3) المأثرة - على زنة المرحمة والمأدبة -: الفعل الحميد. المكرمة المتوارثة، والجمع: المآثر. والابلج: المشرق والمضئ. من قولهم: بلج - من باب نصر - وأبلج وتبلج وانبلج وابتلج الصبح: أضاء. (4) يسير المضمار أي ان مضماره سهل لين لاعسر فيه. والحلبة - على زنة ضربة -: الخيل المجموعة للسابق، والجمع: الحلبات والحلائب. =========================================================================== [398] فبالايمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يعمر الفقه، وبالفقه يرهب الموت، وبالموت تختم الدنيا وبالدنيا تحرز الاخرة (5) وبالقيامة تزلف الجنة، والجنة حسرة أهل النار، والنار موعظة التقوى (6) والتقوى سنخ الاحسان، والتقوى غاية لا يهلك من اتبعها ولا يندم من يعمل بها، لان بالتقوى فاز الفائزون، وبالمعصية خسر الخاسرون، فليزدجر أولوا النهى وليتذكر أهل التقوى. فالايمان على أربع دعائم على الصبر واليقين والعدل والجهاد. فالصبر على أربع شعب: على الشوق والشفق والزهد والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات (7) ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في =========================================================================== (5) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (تحدر). (6) أي لمن أراد التقوى ولان يكون متقيا. (7) أي تخلى عنها، وسلى نفسه عن تركها. =========================================================================== [399] الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات. واليقين على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الاولين. فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة، عرف العبرة، ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما عاش في الاولين. والعدل على أربع شعب: على غائص الفهم وغمرة العلم، وزهرة الحكم، وروضة الحلم، فمن فهم فسر جميع العلم، ومن عرف الحكم لم يضل، ومن حلم لم يفرط [في] أمره وعاش به في الناس حميدا. والجهاد على أربع شعب: على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق عند المواطن، وشنآن الفاسقين فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف الكافرين، ومن صدق في المواطن قضى ما =========================================================================== [400] عليه، ومن شنأ الفاسقين غضب لله، ومن غضب لله غضب الله له. فذلك الايمان ودعائمه وشعبه. والكفر على أربع دعائم: على الفسق والغلو والشك والشبهة. فالفسق من ذلك على أربع شعب: الجفأ والعمى والغفلة والعتو. فمن جفا حقر المؤمن ومقت الفقهأ، وأصر على الحنث، ومن عمي نسي الذكر [وموعظة من] خلقه (8) وبارز خالقه وألح عليه الشيطان، ومن غفل جنى على نفسه وانقلب على ظهره، وحسب غيه رشدا، وغرته الاماني، وأخذته الحسرة إذا انقضى الامر، =========================================================================== (8) ما بين المعقوفين زيادة ظنية وليست بقطعية ولم يكن الاصل المأخوذ منه موجودا عندي حين الطبع وكانت في مسودتي هكذا: (نسي الذكر خلقه). ولكن كان بين كلمتا: (الذكر - و - خلقه) بياضا بقدر ما وضعناه بين المعقوفين. وعلى بعد يحتمل أن يكون خلقه بدلا عن الذكر، وأخل الكتاب عن نصب القرينة على كونه بدلا. ثم ان هذا الكلام قد تقدم في المختار: (105) ص 387 برواية الكافي والخصال هكذا: (ومن عمى نسي الذكر واتبع الظن وبارز خالقه...). =========================================================================== [401] وانكشف عنه الغطاء، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب. ومن عتا عن أمر الله شك ومن شك تعالى الله عليه، ثم أذله بسلطانه وصغره بجلاله، كما فرط في حياته وأغتر بربه الكريم (9). والغلو على أربع شعب: على التعمق والتنازع والزيغ والشقاق. فمن تعمق لم ينته إلى الحق، ولم يزده الا غرقا في الغمرات (10) لا تنحسر عنه فتنة الا غشيته أخرى فهو يهوي في أمر مريج (11) ومن نازع وخاصم قطع بينهم الفشل (12) وبلي أمرهم من طول اللجاج. ومن زاغ ساءت عنده الحسنة، وحسنت عنده السيئة، وسكر سكر الضلال. ومن شاق أعورت عليه طرقه، واعترض عليه أمره وضاق مخرجه، وحرام أن ينزع =========================================================================== (9) وفي المختار: (105) المتقدم ص 387: (كما اغتر بربه الكريم، وفرط في أمره...). وفي رواية الشيخ الصدوق في كتاب الخصال: (كما فرط في جنبه وعتا عن أمر ربه الكريم). (10) أي غرقا في الشبهات التي تغمر عقله وتستولي عليه. (11) لا تنحسر: لا تنكشف. وغشيته: ركبته. ويهوي يسقط. ومريج: مختلط. (12) وفي المختار: (105) المتقدم المنقول عن الكليني رحمه الله: (ومن نازع في الرأي وخاصم شهر بالعثل [بالفشل (خ)] من طول اللجاج). (نهج السعادة ج 3) (م 26) (*) =========================================================================== [402] من دينه من اتبع غير سبيل المؤمنين (13). والشك على أربع شعب: على المرية والهول والتردد والاستسلام. فبأي آلا ربك يتمارى المتمارون (14) ومن هاله مابين يديه نكص على عقبيه (15) ومن تردد في دينه سبقه الاولون، وأدركه الاخرون، ووطئته سنابك الشياطين (16) ومن استسلم لهلكة الدنيا والاخرة، هلك فيهما، ومن نجا من ذلك فبفضل اليقين. والشبهة على أربع شعب: على اعجاب بالزينة، وتسويل النفس. وتأول العوج ولبس الحق بالباطل. وذلك ان الزينة تصدف عن البينة (17) وتسويل النفس =========================================================================== (13) وفي رواية الكليني: (ومن شاق أعورت [أوعرت (خ)] عليه طرقه، واعترض عليه أمره فضاق عليه مخرجه إذ لم يتبع سبيل المؤمنين). وفي المختار: (163) المتقدم في القسم الاول من هذا الباب في ج 2 ص 25: (وحري أن يرجع من دينه ويتبع غير سبيل المؤمنين). وهو الظاهر. (14) التماري: التردد والارتياب. (15) هاله: أفزعه وجعله في هول ووجل. ونكص: رجع. (16) أي سنابك خيول الشياطين. وهي جمع سنبك - كقنفذ -: طرف الحافر. (17) تصدف: تصرف. والبينة: الحجة. وتقحم: تدفع وتلقي بدفع وقوة حتى يدخله فيها. =========================================================================== [403] تقحم على الشهوة، والعوج يميل بصاحبه ميلا عظيما، واللبس ظلمات بعضها فوق بعض. فذلك الكفر ودعائمه وشعبه. والنفاق على أربع دعائم على الهوى والهوينا والحفيظة والطمع، والهوى من ذلك على أربع شعب: على البغي والعدوان والشهوة والطغيان. فمن بغى كثرت غوائله (18) وتخلى عنه ونصر عليه (19) ومن اعتدى لم تؤمن بوائقه (20) ومن لم يعزل نفسه عن الشهوات خاض في الحسرات وسيح فيها (21) ومن طغى ضل عمدا بلا عذر ولا حجة (22). =========================================================================== (18) غوائل: جمع غائلة: الشر. الفساد. الداهية. المهلكة. (19) كذا في الاصل، وفي المختار: (105) المتقدم عن ثقة الاسلام الكليني رحمه الله: (ومن بغى كثرت غوائله وتخلى عنه وقصر عليه). (20) بوائق: جمع بائقة: الشر والداهية. (21) كذا في الاصل، وفي المختار المتقدم تحت الرقم: (163) من القسم الاول: ج 2 ص 28: (ومن لم يعزل نفسه عن الشهوات خاض في الخبيثات). (22) هذا هو الصواب، وفي النسخة: (ومن عصى). =========================================================================== [404] وأما شعب الهوينا فالهيبة والغرة والمماطلة والامل. وذلك أن الهيبة ترد عن الحق، والاغترار بالعاجل تفريط [في] الاجل. وتفريط المماطلة مورط في العمى (23) ولولا الامل علم الانسان حساب ما هو فيه، ولو علم حساب ما هو فيه مات خفاتا من الهول والوجل (24). وأما شعب الحفيظة فالكبر والفخر والحمية والعصبية، فمن استكبر أدبر. ومن فخر فجر. ومن حمي أصر. ومن أخذته العصبية جار، فبئس الامر [أمر] بين ادبار وفجور، واصرار [وجور] (25). وشعب الطمع: الفرح والمرح واللجاجة والتكبر (26) فالفرح مكروه عند الله. والمرح خيلاء (27) واللجاجة =========================================================================== (23) أي ملق وموقع في العمى. والتوريط: الالقاء في المهلكة وما لاخلاص منه. (24) أي مات فجأة وبغتة من الهول والخوف. (25) مابين المعقوفين مأخوذ من رواية الكليني المتقدمة تحت الرقم: (105). (26) وفي رواية الصدوق رحمه الله المتقدمة تحت الرقم: (163) من القسم الاول من ج 2 ص 29: (والتكاثر). ومثله في رواية الكليني قدس الله نفسه - المتقدمة آنفا تحت الرقم: (105) من هذا القسم. (27) الخيلاء بضم الخاء وكسرها - وفتح الياء -: الكبر. والعجب. =========================================================================== [405] بلا لمن اضطرته إلى حمل الاثام (28) والتكبر لهو ولعب وشغل، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. فذلك النفاق ودعائمه وشعبه، والله قاهر فوق عباده، تعالى ذكره واستوت به مرته (29) واشتدت قوته وفاضت بركته واستضأت حكمته وفلجت حجته، وخلص دينه، وحقت كلمته وسبقت حسناته وصفت نسبته، وأقسطت موازينه، وبلغت رسله، وحضرت حفظته. ثم جعل السيئة ذنبا والذنب فتنة والفتنة دنسا. وجعل الحسنى غنما والعتبى توبة والتوبة طهورا، فمن تاب اهتدى ومن افتتن غوى ما لم يتب إلى الله ويعترف بذنبه ويصدق بالحسنى، ولا يهلك على الله الا هالك. فالله الله ما أوسع مالديه من التوبة والرحمة، والبشرى والحلم العظيم، وما أنكل ما لديه من الانكال والجحيم (30) =========================================================================== (28) ومثله في رواية الكليني المتقدمة آنفا، وفي رواية الصدوق رفع الله مقامه: (لمن) اضطرته إلى حبائل الاثام). (29) هذه الفقرة وبعض الفقرات التالية غير موجودة في رواية الكليني المتقدمة. (30) هذا هو الظاهر الموافق لما في الرواية المتقدمة عن الكليني، وفي الاصل: (وما أنكر). =========================================================================== [406] والعزة والقدرة والبطش الشديد، فمن ظفر بطاعة الله اختار كرامته، ومن لم يزل في معصيته الله ذاق وبيل نقمته، هنا لك عقبى الدار. المختار (11) مما اختار من كلمه عليه السلام في كتاب تحف العقول ص 113، وقد تقدم فقرات كثيرة من صدره في المختار: (118) من القسم الاول من الكتاب: ج 1، ص 366 ط 1. وكذا القسم الاول من ج 15، من بحار الانوار، ص 208 ط 1، وكذلك معالم العبر الموسوم بمستدرك السابع عشر من البحار، ص 409. =========================================================================== [407] - 107 - ومن كلام له عليه السلام في صفة المومنين وتقريض المتقين قال سبط ابن الجوزي: وفي رواية مجاهد، عن ابن عباس: قال: سمعت أمير المؤمنين [عليه السلام] يقول: أما بعد فان الله خلق الخلائق حين خلقهم وهو غني عن طاعتهم لا يتضرر بمعصيتهم لانه لا تضره معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه واتقاه. فالمتقون في هذه الدار هم أهل الفضائل منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع (1). غضوا أبصارهم عن المحارم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع، ولولا الرجاء لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ! ! ! شوقا إلى جزيل الثواب وخوفا من =========================================================================== (1) هذا هو الظاهر الموافق لغير واحد من المصادر، وفي الاصل: (وعيشهم التواضع). =========================================================================== [408] وبيل العقاب. عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم. وفهم والجنة كمن قدرآها [فهم فيها] منعمون و [هم] والنار كمن قدرآها [فهم فيها] معذبون (2) قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، أجسادهم نحيفة وحاجاتهم خفيفة، صبروا أياما [يسيرة] قصيرة، فأعقبهم راحة طويلة (3). أما الليل فصافون أقدامهم تالين أغر الكلام، وأحسن النظام (4) يحبرونه تحبيرا، ويرتلونه ترتيلا، فإذا مروا باية فيها ذكر تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت [إليها] نفوسهم شوقا وهلعا ! ! ! وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها بمسامع قلوبهم ومثلوا زفير جهنم في آذانهم فهم مفترشون جباههم وركبهم وأطراف أقدامهم =========================================================================== (2) هذا هو الصواب. وفي نسخة: (وعظما الخالق - إلى أن قال: - فهم في الجنة كمن قدرآها منعمون، وفي النار كمن رأها معذبون). (3) كذا في النسخة، فالضمير في قوله: (فأعقبهم) راجع إلى الصبر المدلول عليه بقوله: (صبروا). وفي رواية غيره: (فأعقبتهم). (4) كذا في الاصل، وفي غيره من الاصول: (تالين لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا... =========================================================================== [409] يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم ! ! ! وأما النهار فعلماء حلماء بررة أتقياء، قد براهم الخوف بري القدح (5) ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى ! ! ! - وما بالقوم [من] مرض - ويقول: قد خولطوا ؟ ! ! ولقد خالطهم أمر عظيم ! ! ! لا يرضون بأعمالهم بالقليل، ولا يستكثرون الكثير (6) فهم لانفسهم يمهدون (7) - أو متهمون - ومن أعمالهم مشفقون، إذا زكي أحدهم خاف أشد الخوف [و] يقول: أنا أعلم بنفسي من غيري [وربي أعلم مني بنفسي] اللهم فلا توآخذني بما يقولون ! ! ! واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون (8). =========================================================================== (5) براهم - من باب ضرب -: نحتهم وأذاب لحومهم وضعفهم. والقداح.: جمع قدح - كحبر -: السهم قبل أن ينصل ويراش. والكلام تمثيل لضمور المتقين وهزالهم لاجل قلة أكلهم أو كثرة سعيهم في الاعمال الحسبية المقربة إلى الله، الموجبة لاذابة شحومهم ولحومهم ! ! ! (6) وفي المختار: (190) من نهج البلاغة: (لا يرضون من أعمالهم القليل...) (7) كذا في هذا الطريق، والمعروف في غيره من المصادر والطرق هو الفقرة الثانية. (8) مابين المعقوفين مأخوذ من نهج البلاغة. =========================================================================== [410] ومن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وورعا في يقين، وحزما في علم، وعزما في حكم (9) وقصدا في غناء، وخشوعا في عبادة، وتحملا في فاقة (10) وصبرا في شدة، وطلبا للحلال، وتحرجا عن الطمع، يعمل الاعمال الصالحة على وجل ! ! ! ويجتهد في اصلاح ذات البين، يمسي وهمته الشكر، ويصبح وشغله الفكر (11) الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه ! ! ! في الزلازل صبور، وفي المكاره وقور، وفي الرخاء شكور، لا ينابز بالالقاب، ولا يعرف بألعاب (12) ولا يؤذي الجار، ولا يشمت =========================================================================== (9) كذا في الاصل. (10) ومثله في رواية سليم بن قيس، وفي كنز الفوائد: (وتجملا في فاقه) ولعله أظهر. (11) هذا هو الظاهر الموافق لغير واحد من المصادر، وفي الاصل: (يمشي وهمته). (12) لعل هذا هو الصواب، وهو جمع اللعب أي ان المؤمنين لا يلعبون في أمورهم حتى يعرفون به. أو الصواب: (ولا يعرف بالعاب) والعاب: العيب. وفي الاصل: (ولا يعرف العاب). وهذه الفقرة لم أتذكر وجودها في غير تذكرة الخواص. والمنابزة بالالقاب في الفقرة السالفة: الرمي بها ونسبة الاشخاص إليها، والمراد منها الالقاب الدالة على الذم والقدح والدناءة التي تأنف النفوس من التلقب بها، ومنه قوله تعالى في سورة الحجرات (ولا تنابزوا بالالقاب). (*) =========================================================================== [411] بالمصاب (13) ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق، ان بغي عليه صبر ليكون الله سبحانه هو المنتقم له، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة ! ! ! أتعب نفسه لاخرته، ويزهد في الدنيا شوقا إلى مولاه. أواسط الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص، ص 148. ط النجف. وللكلام مصادر وأسانيد، وقد تقدم بسند آخر في المختار (139) من القسم الاول: ج 1، ص 453 ط بيروت. =========================================================================== (13) أي لا يفرح ببلية من أصيب بالمصائب والبليات، فمن لايحبه ولايكون بينه (وبينها صلة. ولا يشمت: على زنة (لا يفرح) لفظا ومعنى عدا أن الشتماتة - مصدر يشمت - تختص بالفرح بالبلية. =========================================================================== [412] - 108 - ومن كلام له عليه السلام في صفة شيعته المخلصين الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله، قال: روى نقلة الاثار أنه عليه السلام خرج ذات ليلة من المسجد، وكانت ليلة قمراء، فأم الجبانة (1) فلحقه جماعة يقفون أثره، فوقف عليه السلام ثم قال: من أنتم ؟ قالوا: نحن شيعتك يا أمير المؤمنين. فتفرس في وجوههم ثم قال: ما لي لاأرى عليكم سيماء الشيعة ؟ قالوا: وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام: صفر الوجوه من السهر، عمشق العيون من البكاء حدب الظهور من القيام، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاة من الدعاء (2) عليهم غبرة الخاشعين ! ! ! =========================================================================== (1) الجبان والجبانة: الصحراء. المقبرة. (2) وفي ترجمتة عليه السلام من تاريخ دشمق: (خمص البطون من الطوى يبس الشفاه من الظماء، عمش العيون من البكاء)). =========================================================================== [413] الفصل الحادي عشر مما اختار من كلمه عليه السلام في كتاب الارشاد ص 127، وقريبا منه رواه في آخر أحواله عليه السلام من تاريخ الكامل لابن الاثير. وقريبا منه رواه ابن عساكر، في قصة أخرى بسنده عن المدائني عنه عليه السلام، كما في الحديث: (1261) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق ج 3 ص 206 ط 1، وفي النسخة الظاهرية: ج 11 / الورق 191 / أ / وفي النسخة المرسلة ص 130. =========================================================================== [414] - 109 - ومن كلام له عليه السلام في نعت شيعته وسمة أحبته المعترفين بولايته والمتبعين لطريقته شيعتنا المتباذلون في ولايتنا المتحابون في مودتنا المتوازرون في أمرنا [هم] الذين ان غضبوا لم يظلموا وان رضوا لم يسرفوا. بركة على من جاوروه، سلم لمن خالطوه، أولئك هم الاسئحون الناحلون الذابلون (1) ذابلة شفاههم، خمصة بطونهم (2) متغيرة ألوانهم، مصفرة وجوههم كثير بكاؤهم جارية دموعهم ! ! ! يفرح =========================================================================== (1) السائحون: الجارون أو السائرون في الارض في أداء واجبهم من تبليغ أحكام أو اصلاح بين المجتمع أو عيادة مريض أو قضاء حاجة. أو أن السائحون بمعني الصائمون. وهذا المعنى ألصق بما بعده من المعنى الاول. والناحلون: دقيقوا الابدان، هزيلوا الاجسام، ضامروا الاوساط. والذابلون: (أي الذين جفت ألسنتهم وشفاههم، وذهبت نضارة وجوههم من الصيام والقيام بالواجب. (2) كذا في الاصل، يقال: (خمص الجوع فلانا - من باب نصر - خمصا وخموصا ومخمصة): جعله خميص البطن. و (خمص البطن - من باب شرف - خمصا وخموصا ومخمصة. وخمص - من باب فرح - خميصا): فرغ وضمر. =========================================================================== [415] الناس و [هم] يحزنون ! ! ! وينام النا س [وهم] يسهرون ! ! ! قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة ! ! ! ذبل الشفاه من العطش، خمص البطون من الجوع، عمش العيون من السهر، الرهبانية عليهم لائحة [و] الخشية لهم لازمة (3) كلما ذهب منهم سلف خلف في موضعه خلف، أولئك الذين يردون القيامة ووجوههم كالقمر ليلة البدر ! ! ! يغبطهم الاولون والاخرون ! ! ! أولئك لاخوف عليهم ولاهم يحزنون. الحديث الثالث من النوع الثالث من كتاب مطالب السئول ص 153. =========================================================================== (3) الرهبانية - بفتح الراء وضمها - من الرهبة: الخوف أي ان خوفهم من الله متجل عليهم مبين في وجناتهم، بارز في أعمالهم وحالاتهم. =========================================================================== [416] - 110 - ومن كلام له عليه السلام في نعت الكملين من شيعته والمنتجبين من أهل ولايته الشيخ أبو علي ابن الشيخ الطوسي - رضوان الله عليهما - عن أبيه، قال: أخبرنا جماعة عن أبي المفضل، قال: حدثنا أبو الطيب: محمد بن الحسين [بن] الحميد بن الربيع اللخمي الكوفي ببغداد، قال: حدثنا أبو عبد الله جعفر بن عبد الله بن جعفر العلوي المحمدي قال: حدثنا منصور بن أبي نوبرة (1) قال: حدثني نوح بن دراج القاضي، عن ثابت ابن أبي صفية، قال: حدثني يحي ابن أم الطويل انه أخبره عن نوف بن عبد الله البكالي (2)، قال: قال لي علي عليه السلام: يا نوف [انا] خلقنا من طينة طيبة، وخلق شيعتنا من طينتنا، فإذا كان يوم القيامة ألحقوا بنا. قال نوف: فقلت [له]: صف لي شيعتك يا أمير المؤمنين. فبكى عليه السلام لذكر شيعته ! ! ! وقال: =========================================================================== (1) كذا فيما عندي من نسخة الامالي، وفي البحار، نقلا عن الامالي: (منصور بن أبي بريرة...). (2) ومثله في اسم أبيه رواه ابن عساكر في ترجمة نوف من تاريخ دمشق: ج 60 ص 8 عن أبي حاتم الرازي. ولكن في جل طرقه: نوف بن فضالة. =========================================================================== [417] يا نوف شيعتي والله الحكماء العلماء بالله ودينه، العاملون بطاعته وأمره، المهتدون بحبه، أنضاء عبادة، أحلاس زهادة (3) صفر الوجوه من التهجد، عمش العيون من البكأ، ذبل الشفاه من الذكر، خمص البطون من الطوى (4) تعرف الربانية في وجوههم، والرهبانية في سمتهم (5) مصابيح كل ظلمة، وريحان كل قبيل، لا يشنؤن من المسلمين سلفا ولا يقفون لهم خلفا (6) شرورهم مكنونة (7) وقلوبهم محزونة وأنفسهم عفيفة =========================================================================== (3) أنضاء عبادة: مهزولون من أجل العبادة، وهو جمع (نضو) - كحبر - وهو من الحيوان: المهزول. ومن الثياب: البالي. ومن السهام: الفاسد لكثرة الرمي به. و (أحلاس زهادة): ملازموها. أي انهم معرضون وراغبون عن متاع الحياة الدنيا، وملازمون لزهادة لا يبرحون عنها. (4) عمش - كقفل -: جمع أعمش، وهو من كان بصره ضعيفا مع سيلان دمعه في أكثر الاوقات. وذبل - كعنق - جمع الذابل، وهو الذي جف لسانه وشفتاه. و (خمص) - كقفل كأنه جمع خميص، وهو ظامر البطن، وفارغ البطن من الطعام. والطوى - على زنة العصى -: الجوع يقال: طوى الرجل: تعمد الجوع وقصده. (5) الرهبانيه - بفتح الراء وضمها -: خوف الله. والسمت - كفلس -: الهيئة والطريقة. (6) هذا هو الظاهر من السياق، وهنا في نسخة البحار تصحيف، أي لا يبغضون اسلاف المؤمنين الذين سبقوا بالايمان واستقاموا عليه. والفعل من باب (منع وعلم). (7) وفي نسخة البحار: (فشرورهم مكنونة) والمراد بمكنونية الشرور، هو عدم صدورها منهم فبقيت في أنفسهم. (نهج السعادة ج 3) (م 27) =========================================================================== [418] وحوائجهم خفيفة، أنفسهم منهم في عناء والناس منهم في راحة، فهم الكاسة الالباء، والخالصة النجبء، فهم الرواغون فرارا بدينهم (8) ان شهدوا لم يعرفوا، وان غابوا لم يفتقدوا، أولئك شيعتي الاطيبون، واخواني الاكرمون ألاهاه شوقا إليهم. الحديث الثالث من المجلس: (22) من الجز الثاني من أمالي الشيخ الطوسي ص 17، ورواه عنه في الحديث: (35) من الباب: (100) من القسم الاول من المجلد (15) من البحار، ص 149، في السطر 11، عكسا مشروحا. وقريبا منه رواه الشيخ ورام في تنبيه الخواطر، ص 328 و 374. وقريبا منه رواه أيضا ابن عساكر في ترجمة نوف من تاريخ دمشق: ج 60 ص 507. وقد تقدم في المختار: (138) وتاليه من القسم الاول: ج 1، ص 449 ما يناسب المقام فراجع. =========================================================================== (8) الكاسة لعله جمع الكائس - كقادة جمع قائد - أو جمع الكيس: الظريف. الفطن. الحسن الفهم والادب. والرواغون: الذين يذهبون في جوانب مختلفة تخلصا عن المكروه. =========================================================================== [419] - 111 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به من سأله عن نفسه وعن خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبو الحسن علي بن مهدي [ظ] قال أخبرنا محمد بن علي بن هاشم، قال: حدثنا محمد بن عيسى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابراهيم بن محمد بن ميمون، قال: أخبرنا علي بن عباس، عن اسماعيل ابن أبي خالد، ذكره مرة عن قيس (1) ومرة عن الشعبي قال: سئل أمير المؤمنين عن ابن مسعود فقال: قرأ القرآن ووقف عنده وأحل حلاله وحرم حرامه. وسئل عن حذيفة فقال: أسر إليه علم [أسماء] المنافقين، طلب علما فأدركه (2). وسئل عن أبي ذر فقال: وعاء ملئ علما وقد ضيعه الناس ! ! ! =========================================================================== (1) ولعله هو قيس بن سكن الموثق الواقع في سلسلة سند المختار (276) من القسم الاول المذكور في ج 2 ص 437. (2) كذا في الاصل. =========================================================================== [420] وسئل عن عمار فقال: مؤمن ينسى فإذا ذكر تذكر [و] قد ملئ ايمانا ما بين قرنه إلى قدمه ! ! ! وسئل عن سلمان فقال: أدرك العلم الاول و [العلم] الاخر، وهو بحر لا ينزح ! ! ! وهو منا أهل البيت. وسئل عنه نفسه [فقال]: اياه أردتم ! ! ! كنت إذا سكت ابتديت، وإذا سألت أعطيت، وان مابين هاتين الدفتين - يعني الجنبين - لعلما جما (3). الحديث: (65) من الباب: (3) من تيسير المطالب ص 49 من النسخة المخطوطة، وفي المطبوعة ص 76. وقريبا منه رواه ابن عساكر في كتاب تبيين كذب المفترى ص 80 وقريب مه جدا - مع زيادات كثيرة في ذيله - تقدم في المختار: (342) من القسم الاول في ج 2 ص 630. =========================================================================== (3) الجم: الكثير الواسع. ولهذه القطعة من كلامه عليه السلام شواهد كثيرة أشرنا إلى مظانها في تعليق المختار: (5) من هذا القسم: ج 3 ص 26. =========================================================================== [421] - 112 - ومن كلام له عليه السلام في بيان بعض خصائصهم عليهم السلام وأنه يسقي أولياءه من الحوض الكوثر، ويذوذ ويطرد عنه أعداءه، وأن لهم الشفاعة، وأن النجاة في التمسك بهم، والهلاك في العدول عنهم، وأن محبيهم سابحون في رحمة الله ورضوانه، ومبغضيهم مغرقون في عذاب الله وغضبه ! ! ! فرات بن ابراهيم بن فرات الكوفي، عن عبيد بن كثير العامري الكوفي باسناده عن [أمير المؤمنين] علي عليه السلام [انه] قال: أنا ورسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] على الحوض ومعنا عترتنا (1) فمن أرادنا فليأخذ بقولنا وليعمل بأعمالنا، فانا أهل البيت لنا الشفاعة، فتنافسوا في لقائنا على الحوض، فانا نذود عنه أعداءنا (2) =========================================================================== (1) أي أنا ورسول الله على الحوض الكوثر... وعترة الرجل - على زنة الفطرة -: ولده وذريته. ثم ليعلم أن مابين المعقوفين كان في الاصل هكذا: (ص). (2) روي ابن أبي الحديد - وجماعة كثيرة من متقدمي أهل السنة ومتأخريهم - عن المدائني - وغيره - عن أبي الطفيل، قال. قال [الامام] الحسن عليه السلام لمولى له: أتعرف معاوية ابن خديج ؟ قال: نعم. قال إذا رأيته فأعلمني. فرآه خارجا من دار عمرو بن حريث، فقال: هو هذا. قدعاه فقال له: أنت الشاتم عليا عند ابن آكلة الاكباد، أما والله لئن وردت الحوض - ولم ترده - لترينه مشمرا عن ساقيه، حاسرا عن ذراعيه يذود عنه المنافقين. قال أبو الحسن [المدائني]: وروي هذا الخبر أيضا قيس بن الربيع، عن بدر [زيد (خ ل)] ابن الخليل، عن مولى الحسن عليه السلام. شرح المختار (31) من كتب نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 16، ص 18 أقول: ورواه أيضا ابن عساكر في ترجمة معاوية بن خديج من تاريخ دمشق: ج 56 ص 919 بطرق أربعة كما رواه أيضا الزرندي في نظم درر السمطين ص 108، ورواه قبلهم ابن سعد الطبراني بطرق جمة في ترجمة الامام الحسن عليه السلام من المعجم الكبير: ج 1 / الورق 131. ورواه ايضا البلاذري في الحديث: (9) من ترجمة الامام الحسن من أنساب الاشراف: ج 3 ص 10، ط 1، وذكرناه في تعليقه عن مصادر. وانظر أيضا الحديث (753) وما علقناه عليه من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 2 ص 243 ط 1. =========================================================================== [422] ونسقي منه أولياءنا، ومن شرب منه لم يظمأ أبدا، وحوضنا مترع فيه مثعبان (3) ينصبان [فيه] من الجنة، أحدهما تسنيم [من تسنيم (خ)] والاخر معين [من معين (خ)] على حافيته الزعفران، وحصباه الدر والياقوت. وان الامور إلى الله وليست إلى العباد، ولو كانت إلى العباد ما اختاروا منا أحدا، ولكنه يختص برحمته من يشاء من عباده (4) فاحمدوا الله على ما أختصكم به من النعم، بارئ النعم، وهو طيب المولد (5) فان ذكرنا =========================================================================== (3) مترع - من باب افتعل -: مملوء. و (مثعبان) مجريان ومسيلان. وفي نسخة: (حوضنا مشرع فيه مثعبان):. و (ينصبان فيه): ينسكبان وينحدر ان فيه. (4) هذا هو الصواب، وفي النسخة هاهنا تصحيف، والكلام اشارة إلى قوله تعالى في الاية (68) من سورة القصص: (28): (وربك يخلق ما يشأ ويختار ما كان لهم الخيرة). (5) وانظر الحديث (45) من الباب العاشر من كتاب (اثبات الهداة) ج 4 ص 279. (*) =========================================================================== [423] أهل البيت شفاء من الوعك والاسقام ووسواس الريب (6) وان حبنا رضا الرب، والاخذ بأمرنا وطريقنا معنا غدا في حظيرة القدس، والمنتظر لامرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله ! ! ! ومن سمع واعيتنا فلم ينصرنا أكبه الله على منخريه في النار (7). نحن الباب إذا تعبثوا فضاقت بهم المذاهب (8) [و] نحن باب حطة: وهو باب الاسلام، من دخله نجا، ومن تخلف عنه هوى (9). بنا فتح الله وبنا يختم، وبنا يمحو الله ما يشاء ويثبت، وبنا ينزل الغيث (10) فلا يغرنكم بالله الغرور. =========================================================================== (6) الوعك - كفلس - الالم والمرض. والاسقام: جمع السقم - كفرس وقفل -: المرض ولعل المراد من وسواس الريب هو الوسوسة والارتياب في الشرعيات. (7) ونظيرها ذكرناه في كتاب (عبرات المصطفين) عن الامام الحسين عليه السلام. (8) أي نحن باب النجاة والخلاص إذا تعبث الناس وضاقت بهم المذاهب. (9) وبهذا المعنى وردت أخبار في تفسير قوله تعالى: (وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم) ويعاضده أيضا حديث الثقلين المتواتر بين المسلمين. (10) وبهذا المعنى وردت أخبار كثيرة. =========================================================================== [424] لو تعلمون ما لكم في الغناء بين أعدائكم (11) وصبركم على الاذى لقرت أعينكم، ولو فقدتموني لرأيتم أمورا يتمنى أحدكم الموت مما يرى من الجور والعدوان، والاثرة والاستخفاف - بحق الله - والخوف، فإذا كان كذلك فاعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وعليكم بالصبر والصلاة والتقية (12) واعلموا أن الله تبارك وتعالى يبغض من عباده المتلون (13) فلا تزولوا عن الحق وولاية أهل الحق، فأنه من استبدل بنا هلك، ومن اتبع أثرنا لحق، ومن سلك غير طريقنا غرق، وان لمحبينا أفواجا من رحمة الله، وان لمبغضينا أفواجا من عذاب الله، طريقنا القصد (14) وفي أمرنا الرشد، أهل الجنة ينظرون إلى منازل شيعتنا، كما =========================================================================== (11) كذا في الاصل، والغناء - بفتح الغين المعجمة ممدودا -: الاكتفاء واليسار. ويحتمل أن يكون اللفظ مصحفا عن (الغنى) بكسر الغين مقصورا، بمعنى الاقامة والمكث. (12) التقية: امتثال أوامر الله واتيان المأمور به في ستار عن أعداء الله أو الجهال بالحقائق. (13) المتلون: الذي لا يتقيد بشئ ويسمع عن كل ناعق، ويميل مع كل ريح ويتبع كل شيطان مارد تصدر وساد، ويعبر عن المتلون بابن الوقت أيضا. (14) أي لاافراط فيه ولا تفريط، بل هو وسط حقيقي وفي حاق الاستقامة والعدالة. =========================================================================== [425] يرى الكوكب الدري في السماء [كذا] لا يضل من اتبعنا، ولا يهتدي من أنكرنا، ولا ينجو من أعان علينا [عدونا] ولايعان من أسلمنا، فلا تخلفوا عنا لطمع دنيا وحطام (15) زائل عنكم [وأنتم] تزولون عنه، فانه من آثر الدنيا علينا عظمت حسرته، قال الله تعالى (16): (يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله [56 - الزمر]. سراج المؤمن معرفة حقنا، وأشد العمى من عمي عن فضلنا، وناصبنا العداوة بلا ذنب الا أن دعوناه إلى الحق، ودعاه غيرنا إلى الفتنة فأثرها علينا ! ! ! لنا راية من استظل بها كنته (17) ومن سبق إليها فاز، ومن تخلف عنها هلك، ومن تمسك بها نجا، أنتم عمار الارض [الذين] استخلفكم فيها، لينظر كيف تعملون، فراقبوا الله فيما يرى منكم، وعليكم بالمحجة العظمى فاسلكوها، لا ستبدل بكم غيركم =========================================================================== (15) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: (بحطام). (16) أي كما قال الله تعالى حاكيا عن لسان من آثر الدنيا على الدين... (17) أي وقته وحفظته من الهلاك. =========================================================================== [426] (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض، أعدت للمتقين) [21 / الحديد] واعلموا أئنكم لن تنالوها الا بالتقوى. ومن ترك الاخذ عمن أمر الله بطاعته (قيض الله له شيطانا فهو له قرين) (18). ما بالكم قد ركنتم إلى الدنيا ؟ ورضيتم بالضيم وفرطتم فيما فيه عزكم وسعادتكم، وقوتكم على من بغى عليكم ؟ ! لامن ربكم تستحيون، ولا لانفسكم تنظرون ؟ ! وأنتم في كل يوم تضامون ولا تنتبهون من رقدتكم، ولا تنقضي فترتكم ! ! ! أما ترون إلى دينكم يبلى وأنتم في غفلة الدنيا ؟ ! قال الله عز ذكره: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، وما لكم من دون الله من أوليأ ثم لا تنصرون) [113 / هود]. الحديث: (433) من تفسير فرات بن ابراهيم ص 137، ونقله عن في الحديث: (113) من الباب (15) وهو باب فضائل الشيعة، من القسم الاول من البحار: ج 15 ص 118، ط 1، وفي ط الحديث ج 68 ص 61. =========================================================================== (17) مابين القوسين اقتباس من الاية: (36) من سورة الزخرف (ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين). قيض الله: قدر الله وسبب الله وأتاح له شيطانا. =========================================================================== [427] - 113 - ومن كلام له عليه السلام قال لابي عمر: زادان في افترق الامة الاسلامية على ثلاث وسبعين فرقة، وانها كلها هالكة الا فرقة واحدة ! ! ! قال ابن عساكر: أخبرنا أبو محمد طاهر بن سهل، أنبأنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن ابراهيم، أنبأنا أبو محمد عبد الرحمان بن عثمان بن القاسم بن معروف بن حبيب بن أبان التميمي قرأة عليه، أنبأنا ابو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة القرشي قراءة عليه، أنبأنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن موسى الحسيني [ظ] أنبأنا أبو عسار (1) حدثني عطاء بن مسلم الحفاف، عن علاء بن المسيب، عن شريك البرجمي: عن أبي عمر، قال: قال [لي] علي [عليه السلام]: يا [أ] با عمر تدري على كم افترقت النصاري ؟ قال: قلت: الله أعلم. قال: على ثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية الا واحدة في الناحية (2). =========================================================================== (1) كذا في الاصل. (2) أي في ناحيتنا وهي ناحية أصحاب اليمين المقربين عند الله تعالى. وهذا المعنى قد ورد أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحديث - عدا بسض خوصياته - مما يمكن أثبات تواتره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين، وقد عد من معجزات نبينا صلوات الله وسلامه عليه، قال في شرح المواقف، ص 246 ط الهند، عند قول الماتن: (تذييل في ذكر الفرق التي أشار إليها الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: (ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة كلها في النار الا واحدة وهي ما أنا عليه وأصحابي). قال: وكان من معجزاته حيث وقع ما أخبر به. أقول: الظاهر أنه قد سقط من الحديث ذكر اليهود وافتراقهم على احدى وسبعين فرقة. كما أن ذيل خبر المواقف - لو ثبت من طريق معتمد - لا يضرنا لانه لم يرد به الاستغراق والا لدخل في العموم ابن أبي وأمثاله من المنافقين. ومما يلائم القام جدا، ما ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي على العطار: الحسن بن سعيد من تاريخ دمشق: ج 12، ص 124، قال: أخبرنا أبو الفتح نصر الله بن محمد، أنبأنا نصر بن ابراهيم المقدسي أنبأنا أبو علي الحسن بن سعيد بن محمد الدمشقي أنبأنا أبو الحسن ابن أحمد بن محمد العتيقي أنبأنا أبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين، أنبأنا عبد الله بن محمد، أنبأنا خلاد بن أسلم المحاربي عن عبد الرحمان بن زياد الافريقي عن عبد الله بن زيد: عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيأتي على أمتي ما أتى على بني اسرائيل مثلا بمثل حذو النعل بالنعل ! ! ! وانهم تفرقوا على ثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار غير واحدة ! ! ! فقيل: وما تلك الواحدة ؟ قال: هو ما نحن عليه اليوم وأصحابي. [قال ابن عساكر:] والصواب: عبد الله بن يزيد [بدل عبد بن زيد] وهو أبو عبد الرحمان الجلي. وأخبرناه عاليا على الصواب، أبو بكر محمد بن الحسين، أنبأنا أبو الحسن [ابن أحمد بن محمد العتيقي أنبأنا] أبو الحسين ابن المهتدي [ظ] أنبأنا أبو حفص ابن شاهين أملاءا [ظ] انبأنا عبد الله بن محمد البغوي أنبأنا خلاد بن أسلم، أنبأنا عبد الرحمان بن محمد المحاربي عن عبد الرحمان بن زياد بن أنعم [ظ] الافريقي عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله. فذكر نحوه. أقول: وهذا الحديث أيضا قد سقط فيه ذكر اليهود. =========================================================================== [428] [أ] تدري على كم أفترقت هذه الامة ؟ (3) قال [زادان]: قلت: الله أعلم. قال: تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية الا واحدة في الناحية ! ! ! [ثم] قال: وتفترق في اثنا عشر فرقة ! ! ! =========================================================================== (3) كذا في الاصل، وحق المقام أن يقال: (تفترق) كما في الفقرة التالية، فان لم يكن تصحيفا من الكتاب فلعله عليه السلام نزل المضارع المحقق الوقوع بمنزلة الماضي ثم عبر به. =========================================================================== [429] قال: قلت: وأنت تفترق فيك ؟ قال: نعم يا [أ] با عمر، وتفترق في اثنا عشر فرقة كلها في الهاوية الا واحدة في الناحية، وأنك من تلك الواحدة وتلك الواحدة (4). ترجمة زادان من تاريخ دمشق: ج 18، ص 4، وقد ذكرناه أيضا في كتاب الوفائد، ص 209. =========================================================================== (4) كذا في النسخة. =========================================================================== [430] - 114 - ومن كلام له عليه السلام في الموضوع المتقدم برواية أخرى شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي رفع الله مقامه قال: أخبرنا جماعة عن أبي المفضل، قال: حدثنا الفضل بن محمد بن المسيب (1) أبو محمد البيهقي الشعراني بجرجان. قال: حدثنا هارون بن عمرو بن عبد العزيز ابن محمد أبو موسى المجاشعي، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن محمد عليهم السلام، قال: حدثنا [أبي] أبو عبد الله [الامام الصادق عليه السلام، عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام] (2). قال المجاشعي: وحدثنا الرضا علي بن موسى [عليهما السلام] عن أبيه عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن آبائه [عن الحسين بن علي عليه السلام] (3) قال: سمعت عليا صلوات الله عليه وآله يقول لرأس اليهود: على كم افترقتم ؟ فقال: علي كذا وكذا فرقة. فقال علي عليه السلام: كذبت يا أخا اليهود ثم أقبل على الناس فقال: =========================================================================== (1) المتوفي سنة: (282) ولفضل بن محمد هذا ترجمة قصيرة في حرف الفأ من تاريخ دمشق: ج 45 ص 1232. (2) ما بين المعقوفين زيادة مستفادة من سياق الكلام. (3) ما بين المعقوفين مما يستدعيه السياق، إذا الشيخ رحمه الله ذكر هذا السند أولا ثم ساق به ثمانية متون وأحاديث. ثم قال: (وباسناده قال: سمعت عليا صلوت الله عليه وآله يقول لرأس اليهود:...). =========================================================================== [431] والله لو ثنيت لي الوسادة (4) لقضيت بين أهل التوراة بتوارتهم، وبين أهل الانجيل بانجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل القرآن بقرآنهم. أيها الناس افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة، سبعون منها في النار ! ! ! وواحدة ناجية في الجنة، وهي التي اتبعت يوشع بن نون وصي موسى عليه السلام. وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة احدى وسبعين [منها] في النار، وواحدة في الجنة، وهي التي اتبعت شمعون وصي عيسى عليه السلام. =========================================================================== (4) ثني الوساة: تمهيدها وتسطيحها بحيث بتمكن من الجلوس عليها أو الاتكاء عليها. والكلام كناية عن تمكنه عن بث العلم أو اقتداره عن حيازة مقامه وجلوسه على مسند الخلافة وقيادة المجتمع. وهذا المعنى قد ورد عنه عليه السلام عن طرق ومصادر، وقد تقدم في المختار: (119) من القسم الاول: ج 1، ص 392 عن مصدر آخر، وبعض شواهده مذكورة في المختار (340) وما حوله من ج 2 ص 624 وما حولها. وروى المدائني في كتاب صفين أن عليا عليه السلام خطب فقال: لو كسرت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوارتهم وبين أهل الانجيل بانجيلهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم. وما من آية في كتاب الله أنزلت في سهل أو جبل الا وأنا عالم متى أنزلت. هكذا رواه عنه ابن أبي الحديد، في شرح المختار: (70) من نهج البلاغة: ج 2 ص 50 ط 1، بمصر. وقريبا منه رواه أيضا في الباب (63) في الحديث: (272 و 274) من فرائد السمطين. (*) =========================================================================== [432] وستفترق هذه الامة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنان وسبعون فرقة [منها] في النار ! ! ! وفرقة في الجنة، وهي التي اتبعت وصي محمد صلى الله عليه وآله - فضرب بيده على صدره ثم قال: -: [و] ثلاث عشر فرقة من الثلاث والسبعين كلها تنتحل مودتي وحبي وواحدة منها في الجنة - وهم النمط الاوسط - واثنا عشر [منها] في النار ! ! ! آخر الجزء (18) من أمالي الشيخ: ج 1 ص 333 ط ايران، ورواه أيضا في كتاب سليم بن قيس ص 190، وقطعة منه ذكرها في آخر الصفحة 84 منه. وذكره باختصار جدا، في آخر باب: (نوادر ما وقع في أيام أمير المؤمنين عليه السلام) من البحار: ج 8 ص 740 في السطر 9 عكسا نقلا عن كتاب الغارات عن أبي عقيل عنه عليه السلام. وقد ألف بعض السادة المعاصرين رحمه الله كتابا سماه (الفرقة الناجية) وبحث عن الحديث سندا ومتنا، وهو فريد في بابه وليراجع إليه البتة. =========================================================================== [433] - 115 - ومن كلام له عليه السلام في الاخبار عن عمارة بغداد بيد بني العباس واتخاذهم اياه دار الملك وموطن الاتراف والاسراف ثم كثرة الجور والفجور فيه ثم انقراضهم بيد الترك الزورأ وما أدراك ما الزوراء، أرض ذات أثل (1) يشيد فيها البنيان، وتكثر فيها السكان، ويكون فيها مخازن وخزان (2) يتخذها والد العباس موطنا، ولزخرفهم مسكنا، تكون لهم دار لهو ولعب، يكون بها الجور الجائر والخوف المخيف، والائمة الفجرة (3) والقواد الفسقة، والوزراء الخونة، تخدمهم أبناء فارس والروم، =========================================================================== (1) الزوراء - هذه -: مدينة بغداد. والاثل - كفلس -: الطرفاء، ويعبر عنه في لسان الفرس ب‍ (شورة كز). (2) هذا هو الظاهر، وهو جمع مخزن: محل ادخار الثروة والبضاعة. وفي الاصل: (محارم وخزان). ويحتمل بعيدا صحته وانه جمع المحرم: الحرام أو المحرمة: ما لا يحل انتهاكه. ويراد منه هنا ما حماه بنو العباس لانفسهم وحرموه على غيرهم. (3) هذا هو الصواب، وفي النسخة: (الائمة العجزة). (نهج السعادة ج 3) (م 28) =========================================================================== [434] لا يأمرون بمعروف إذا عرفوه، ولا ينهون عن منكر إذا نكروه (4). وتكتفي الرجال منهم بالرجال ! ! ! والنساء بالنساء ! ! ! فعند ذلك الغم الغميم، والبكاء الطويل، والويل والعويل لاهل الزوراء من سطوات الترك، وما هم الترك ؟ قوم صغار الحدق، وجوههم كالمجان المطرقة (5) لباسهم الحديد، جرد مرد (6). يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ملكهم جهوري الصوت، قوي الصولة، عالي الهمة، لا يمر بمدينة =========================================================================== (4) أي إذا وجدوه منكرا قبيحا غير مرضي في الشريعة. وهذا نظير ما في الاية: (70) من سورة هود: (فلما رآى أيديهم لا تصل إليه نكرهم). قال في مجمع البيان.: ويقال: نكرته وأنكرته بمعنى واحد، ونكرته اشد مبالغة وهي لغة هذيل والحجاز، وأنكرته لغة تميم. (5) وفي المختار: (124) من نهج البلاغة: (كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان المطرقة. يلبسون السرق والديباج، ويعتقبون الخيل العتاق). أقول: الحدق: جمع الحدقة - محركة -: سواد العين. والمجان - بفتح الميم -: جمع المجن والمجنة - بكسر الميم فيهما - وهي الترس. كل ما وقي من السلاح. والمطرقه - بفتح الراء -: التي أطراق بعضها إلى بعض. (6) والجرد - بضم فسكون -: جمع الاجرد: من لاشعر عليه. والمرد - كقفل -: جمع الامرد: الشاب الذي طر شاربه ولم تنبت لحيته. =========================================================================== [435] الا فتحها، ولا ترفع له راية الا نكسها (7) الويل الويل لمن ناواه، فلا يزال كذلك حتى يظفر (8). كتاب كشف اليقين - للعلامة الحلي رحمه الله - ص 10 ورواه أيضا في المطلب الثالث من المبحث الخامس، من كتاب كشف الحق ونهج الصدق، ورواه أيضا - لكن باختصار - في الامر الخامس من المنهج الرابع من كتاب منهاج الكرامة ص 10 كما في المنهاج ج 4 ص 177 ط 1، ورواه أيضا في الحديث (350) من الباب الحادي عشر من كتاب إثباة الهداة: ج 5 ص 27، نقلا عن كشف اليقين، ورواه أيضا في ترجمة ابن أبي العز من الكنى والالقاب. وفي مادة الزوراء من سفينة البحار: ج 1 ص 567، وتجده، أيضا في إحقاق الحق، ولسان الصدق: ج 2 ص 343، إلا أن في غير كشف اليقين لم يذكر تمام الخبر، بل ذكر ذيله فقط. وقريبا منه معنى رواه مسندا وباختصار في الحديث الرابع من باب علامات الظهور، من كتاب الغيبة - للنعماني رحمه الله ص 133. =========================================================================== (7) يقدمهم - من باب نصر -: يمشي أمامهم ويسبقهم، وهذا من لوازم الحراة والجلادة، وهذا نظير قوله تعالى في الاية: (98) من سورة هود: " يقدم قومه يوم القيامة "، و " بدا ملكهم ": ظهر، و " الجهوري الصوت ": عالي الصوت، و " نكسها ": قلبها. (8) قال العلامة رفع الله مقامه: وأخبر (أمير المؤمنين عليه السلام) بعمارة بغداد وملك بني العباس وأحوالهم وأخذ المغول الملك منهم ! ! ! وبواسطة هذا الخبر سلمت الحلة والكوفة والمشهدان من القتل في وقعة هلاكو ! ! ! لانه لما ورد بغداد، كاتبه والدي والسيد ابن طاووس والفقيه ابن أبي العز، وسألوا (منه) الامان قبل فتح بغداد، فطلبهم فخافوا فمضى والدمي إليه خاصة فقال: كيف أقدمت على المكاتبة قبل الظفر ؟ فقال له والدي: لان أمير المؤمنين عليه السلام أخبر بك وقال: إنه يرد الترك على الاخير من بني العباس يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ملكهم جهوري الصوت لا يمر بدمينة إلا فتحها، ولا ترفع له راية إلا انكسها، الويل المويل لمن ناواه، فلا يزال كذلك حتى يظفر ! ! ! =========================================================================== [436] - 116 - ومن كلام له عليه السلام في الانباء عن فتن آخر الزمان، وإقبال الناس على مصالحهم الشخصية وتكالبهم على الملاذ النفسانية، ورفضهم المعوية والمعالى الدينية ! ! ! قال السيد أبو طالب: حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن (محمد بن) سعيد بن عقدة إجازة قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن بزيع (ظ) عن القاسم بن إسحاق، عن عبد الله العبدي عن أبيه عن عبد الرحيم بن نصر البارقي عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: قال: أمير المؤمنين علي عليه السلام: إذا كان زعيم القوم فاسقهم وأكرم الرجل اتقاء شره، وعظم أرباب الدنيا، واستخف بحملة القرآن، وكانت تجارتهم الرباء ومأكلهم أموال اليتامي وعطلت المساجد، وأكرم الرجل صديقه وعق أباه، وتواصلوا بالباطل، وقطعوا الارحام، واتخذوا كتاب الله مزامير، وتفقه (الناس) لغير الدين، وأكل الرجل أمانته، (و) أوتمن الخونة، وخون الامناء، واستعمل (ظ) السفهاء، ورفعت الاصوات في المسجاد، واتخذت طاعة الله بضاعة، وكثر =========================================================================== [437] القراءة وقل الفقهاء، فعند ذلك توقعوا ثلاثا: توقعوا ريحا حمراء (1) وخسفا وزلازل وأمورا عظاما ! ! ! قال السيد أبو طالب: وروينا (ه أيضا) من طريق الحسن بن سفيان، أخبرنا به محمد بن بندار، عن عثمان، عن أبي توبة، عن الفرج بن فضالة، عن يحي بن سعيد، عن محمد بن علي عن أبيه عن علي عليه السلام مرفوعا إلى النبي (فذكر مثله) إلا في ألفاظ يسيرة. (قال) وكان علي بن الحسين عليه السلام إذا ذكر هذا الحديث بكى بكاءا شديدا ويقول: قد رأيت أسباب ذلك (2). الباب: (30) من كتاب تيسير المطالب ص 302 ط 1. =========================================================================== (1) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: " فعند ذلك توقعوا ذلك توقعوا ريح حمراء... ". (2) قال المحمودي: ونحن رأينا المسببات، ولمسنا جل المحذورات المذكورة في هذا الحديث ويوما فيوما تزيد في بوق السفلة والمبطلين نغمات مستحدثة، ولنزعاتهم مستحدثه، ولنزعاتهم نزوات مستنكرة وإلى الله المشتكي. =========================================================================== [438] - 117 - ومن كلام له عليه السلام في الحث على السؤال عنه، ثم إخباره عن ظهور الدجال وما يقع قبله من العلامات سلوني قبل أن تفقدوني فإن بين كتفي علما جما (1) خبرني به حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم (2). فقام إليه صعصعة بن صوحان، فقال له: يا أمير المؤمنين متى يخرج الدجال ؟ فقال له: اقعد يا صعصعة، فقد علم الله جل ثناؤه (ما أردت، وسمع) مقالك (3) ولكن له علامات وهنات (4) وأشياء يتلوا بعضها بعضا =========================================================================== (1) قال في هامش دستور معالم الحكم: ويروي: " فإن بين جنبي... "، والجم الكثير الواسع. (2) كذا في الاصل، وقد استقر عمل القوم - إلا من عصمه الله منهم وقليل ما هم - على حذف كلمة " آل " من الروايات. (3) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: " فقد علم الله جل ثناؤه مقامك ". (4) كذا في النسخة، ولعل الاصل: " إن له علامات وهناك ". والهنات - كفتات: الشر والداهية، والجمع هنوات. =========================================================================== [439] حذو النعل (بالنعل) تكون في حول واحد، فإن شئت نبأتك بعلاماته ؟ فقال (صعصعة): عن ذلك سألتك يا أمير المؤمنين. فقال له: اعقد بيدك، يا صعصعة إذا أمات الناس الصلاة، وأضاعوا الامانة، واستحلوا الكذب، وأكلوا الربا، وأخذوا لارشا وشيدوا البناء، واتبعوا الاهواء وباعوا الدين بالدنيا، واستخفوا بالدماء، وكان الحلم ضعفا (5) والظلم فخرا (6) والامراء فجرة، ووزراوهم وأمناؤهم خونة، وقراوهم فسقة، ويظهر الجور (7) ويكثر الطلاق وموت الفجأة، وحليت المصاحف وزخرفت المساجد، وطولت المنابر، وخربت القلوب =========================================================================== (1) أي لا يحلم أحد إلا إذا كان غير قادر على الانتقام. أو المعني: يعد حلم الحليم وعدم تسرعه إلى شفاء غيظه ضعفا وعجزا. (6) أي يفتخر الظالم يظلمه ليصفه الناس بالشجاعة وشدة البأس، فلا يستطيع غيره أن يهضم جانبه. (7) كذا في الاصل، وفي رواية الشيخ الصدوق رحمه الله: " وظهرت شهادة الزور... " وهو الظاهر. =========================================================================== [440] ونقضت العهود واستعملت المعازف (8) وشربت الخمور، وفشا الزنا وأوتمن الخائن، وخون الامين، وشاركت المرأة زوجها في التجارة حرصا على الدنيا، وركب ذوات الفروج السروج، (يكون) السلام للمعرفة (9) و (يشهد) الشاهد من غير أن يستشهد (10) ولبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب (11) قلوبهم يومئذ أمر من الصبر (12) وأنتن من الجيفة، فالنجاء النجاء والوحا الوحا، والجد الجد (13) نعم المسكن يومئذ بيت المقدس. =========================================================================== (8) المعازف: جمع المعزف والمعزفة - بكسر الميم فيهما -: آلات الطرب كالعود والطنبور ونحوهما. (9) ما بين المعقوفين قد سقط من الاصل ولا بد منه أو ما هو بمعناه. (10) ما بين المعقوفين قد سقط من الاصل، وأخذناه من رواية من رواية الشيخ الصدوق رفع الله مقامه. (11) يعني يتظاهرون باللطف والحنان، ويبطنون التعدي والطغيان. (12) الصبر - ككتف - عصارة نبات مر متناهي في الموارة. (13) أي الزم خلاصك الزم خلاصك، يقال: النجاك النجاك - مقصورا - والنجاءك والنجاءك، وهو من باب الاغراء منصوب بفعل محذوف، والكاف حرف خطاب والوحي - كعصى -: العجلة يقال: الوحى الوحى والوحاك الوحاك: استعجل استعجل =========================================================================== [441] فقام إليه الاصبغ بن نباتة فقال: يا أمير المؤمنين: وما الدجال ؟ فقال له: يا إصبغ ألا إن الدجال صيفي بن عائد (14) الشقي من صدقة، والسعيد من كذبه، يقتل على عقبة بالشام يقال لها: عقبة فيق في الساعة الثالثة من النهار على يدي المسيح عيسى بن مريم عليه السلام (15). ألا ومن بعد ذلك الطامة الكبرى: طلوع الشمس من المغرب تطلع مكورة (16) " فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " (17) فيؤمئذ لا توبة تقبل، ولا عمل يصعد، ولا رزق ينزل ! ! ! =========================================================================== (14) وفي رواية الشيخ الصدوق رضوان الله عليه: " صائد بن الصيد ". (15) - كذا في الاصل، وفي رواية الشيخ الصدوق رفع الله مقامه: " يقتله الله عزوجل بالشام على عقبة أفيق، لثلاث ساعات من يوم الجمعة على يدي من يصلي المسيح عيسى بن مريم عليه السلام خلفه... ". (16) الطامة: تفاقهم الامر، الداهية العظيمة، القيامة، " مكورة " مجموع الضوء، وملفوف الضياء. أو مضمحل الضوء متعدم الضوء منعدم النور. أو لفت هي بعينها فرفعت. والمعنى الاول هاهنا ألصق (17) ما بين القوسين اقتباس من الاية: (158) من سورة الانعام: 6، وإليك صدر الاية الكريمة: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك، يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها... =========================================================================== [442] ثم قال [عليه السلام:] عهد الي حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لاأخبر بما يكون بعد ذلك. المختار الخامس من الباب الخامس من دستور معالم الحكم ط مصر، ص 104. ورواه أيضا الشيخ الصدوق رفع الله مقامه، بزيادات كثيرة في الباب (47) من كتاب اكمال الدين ص 525 قال: حدثنا محمد بن ابراهيم بن اسحاق، قال: حدثنا عبد العزيز بن يحي الجلودي بالبصرة. قال: حدثنا الحسن بن معاذ، قال: حدثنا قيس بن حفص قال: حدثنا يونس بن أرقم، عن أبي سيار الشيباني عن الضحاك بن مزاحم عن النزال بن سبرة، قال: خطبنا علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني سلوني قبل أن تفقدوني سلوني قبل أن تفقدوني. فقام إليه صعصعة بن صوحان فقال: يا أمير المؤمنين... ورواه أيضا الشيخ حسن بن سليمان الحلي رحمه الله في أواسط باب الكرات من مجموعته التي طبع باسم منتخب البصائر، ص 30 قال: فمما أجاز لي الشيخ السعيد الشهيد أبو عبد الله محمد مكي الشامي =========================================================================== [443] روايته عن شيخه السعيد عميد الدين عبد المطلب بن الاعرج الحسيني عن [العلامة] الحسن بن يوسف بن مطهر، عن أبيه، عن السيد فخار بن معد الموسوي عن شاذان بن جبرئيل، عن العماد الطبري عن أبي علي ابن الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي عن أبيه، عن محمد بن محمد بن النعمان، عن محمد بن علي بن بابويه [الشيخ الصدوق رحمه الله] قال: حدثنا محمد ابن ابراهيم بن اسحاق... =========================================================================== [444] - 118 - ومن كلام له عليه السلام في أن علم الشريعة لا ينقطع عن الناس بالكلية، وأن الله تعالى لا يخلي الارض من حجته على الناس اما ظاهرا مشهورا، أو خائفا مغمورا وفي نعت أوليأ الله. ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله، عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن أبي أسامة، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي اسحاق، قال: حدثني الثقة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام أنهم سمعوا أمير المؤمنين عليه السلام، يقول في خطبة له (1): اللهم واني لاعلم أن العلم لايارز كله (2) ولا ينقطع مواده، وأنك لا تخلي أرضك من حجة لك على خلقك، ظاهر ليس بالمطاع، أو خائف مغمور كيلا تبطل حججك [حجتك (خ ل)] ولا يضل أولياؤك =========================================================================== (1) لولا هذا التعبير، لقلنا هذا الكلام عين وصيته عليه السلام المشهورة - إلى كميل، ذكرها الراوي بالمعنى. (2) لايأرز - من باب نصر ومنع - لا ينقبض ولا يذهب به. =========================================================================== [445] بعد إذا هديتهم، بل أين هم وكم [هم ؟] (3) أولئك الاقلون عددا، والاعظمون عند الله جل ذكره قدرا، المتبعون لقادة الدين: الائمة الهادين. الذين (4) يتأدبون بآدابهم وينهجون نهجهم، فعند ذلك يهجم بهم العلم على حقيقة الايمان، فتستجيب أرواحهم لقادة العلم، ويستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم (5) ويأنسون بما استوحش منه المكذبون وأباه المسرفون، أولئك أتباع العلمأ [الذين] صحبوا أهل الدنيا بطاعة الله تبارك وتعالى وأوليائه ودانوا بالتقية عن دينهم (6) والخوف من عدوهم فأرواحهم معلقة بالمحل الاعلى فعلماؤهم وأباعهم خرس صمت (7) في دولة الباطل، منتظرون =========================================================================== (3) كذا في الاصل غير مابين المعقوفين فانه زيادة منا. والكلام اشارة إلى مغمورية أمكنتهم وماواهم، وقلة عدتهم وأعدادهم. (4) كلمة (المتبعون) - ومثلها كلمة: (الذين) - خبر بعد خبر لقوله: (أولئك). (5) وفي بعض السنخ: (ويستأنسون من حديثهم). و (يستلينون): يعدونه لينا سهل التناول. و (ما استوعر): ما صار صعبا على غيرهم وعده غيرهم عسر التناول. (6) أي خضعوا لاهل الدنيا بسبب تقيتهم في دينهم ومن أجل خوفهم من عدوهم. (7) خرس: جمع الخرس: من كان في لسانه تعقد لا يقدر معه على الكلام. والصمت - كفلس -: السكوت. =========================================================================== [446] لدولة الحق، وسيحق الله الحق بكلماته ويمحق الباطل (8) هاها طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنتهم، ويا شوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم، وسيجمعنا الله واياهم في جنات عدن، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. الحديث الاخير من الباب: (88) من كتاب الحجة من أصول الكافي ج 1، ص 335، والكلام كأنه نقل بالمعنى عن وصيته عليه السلام المشهورة إلى كميل رحمه الله، ولكن رواه النعماني رحمه الله في الباب الثامن، من كتاب الغيبة ص 68 بأسانيد عن ابن عقدة والكليني وقال: انه عليه السلام خطب به على منبر الكوفة. وتقدم أيضا في صدر الرواية قوله: (يقول في خطبة له) الظاهر في انه عليه السلام واجه بهذا الكلام جماعة لا الكميل وحده، وعلى هذا فهو غير وصيته إلى كميل رضوان الله عليه. وقد ذكرنا رواية النعماني بأسانيده في المختار: (362) من القسم الاول في ج 2 ص 691 ط 1، فراجع. =========================================================================== (8) سيحق الله الحق: يجعله ثابتا رصين القواعد، مستقر الاصول والفروع. ويمحق الباطل يمحوه ويهلكه. =========================================================================== [447] - 119 - ومن كلام له عليه السلام قال في بعض خطبه مخبرا عن بعض الملاحم (1) والفتن المستحدثة في آخر الزمان قال المدائني: وخطب علي عليه السلام فذكر [بعض] الملاحم فقال: سلوني قبل أن تفقدوني أما والله لتسعرن الفتنة الصمأ برجلها (2)، وتطأ [ن] في خطامها (3). يا لها من فتنة شبت نارها بالحطب الجزل (4) =========================================================================== (1) الملاحم: جمع الملحمة - بفتح الميم فيهما كمراحم ومرحمة -: الوقعة العظيمة الكثيرة الجرحى والقتلى من قولهم. التحم الشي وتلاحم: التصق بعضه ببعض ونشب بعضه في بعض. أو من قولهم: استلحم الزرع: التف. واستحلم الخطب فلانا: نشب فيه. (2) كأنه من قولهم: سعرناهم بالنبل - من باب منع -: احرقناهم وأمضضناهم. أو من قولهم: سعر فلان الليل بالمطي: قطعه أو من قولهم: سعر فلان القوم شرا: أو سعهم. أو سعر الرجل - مجهولا -: ضربه السموم. (3) كذا في الاصل، غير أن مابين المعقوفين زيادة ظنية منا. والخطام - بكسر الخأ المعجمة - وتر القوس. ما وضع في أنف البعير ليقاد به، والجمع: خطم بضم الخأ والطأ. (4) شبت نارها: اتقدت. والجزل: الغليظ. العظيم. =========================================================================== [448] مقبلة من شرق الارض رافعة ذيلها، داعية ويلها بدجلة أو حولها. ذاك ذا استدار الفلك، وقلتم مات أو هلك بأي واد سلك (5). كتاب صفين للمدائني كما في شرح المختار: (69) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 50 ط 1، من ط مصر. =========================================================================== (5) كذا في الاصل، والظاهر أنه كناية عن قطع أملهم عمن كانوا يتوقعون منه أصلاح شئونهم والتصدي لقيادتهم وتمشية أمورهم. =========================================================================== [449] - 120 - ومن كلام له عليه السلام قال المدائني في كتاب صفين: وخطب علي عليه السلام بعد انقضأ أمر النهروان (1) فذكر طرفا من الملاحم [و] قال: إذا كثرت فيكم الاخلاط، واستولت الانباط، دنا خراب العراق (2) وذاك إذا بنيت مدينة ذات أثل وأنهار (3) فإذا غلت فيها الاسعار (4) وشيد فيها البنيان، وحكم فيها الفساق (5) واشتد البلا، وتفاخر =========================================================================== (1) وعلى هذا كان علينا أن نذكر هذا الكلام في أواخر القسم الاول من هذا الباب - أعني في القسم المعلوم التاريخ من باب الخطب من كتابنا هذا - ولكن من أجل انقطاعنا عن ذخائرنا وتشتت مخطوطاتنا غفلنا عن ذكره في محله فأوردناه هنا بمناسبة أخرى غير خفية. (2) الاخلاط: جمع خلط - بكسر فسكون -: ما مزج بغير جنسه وضم إلى غير صنفه. أولاد الزنا. الاوباش. ولعل المراد هاهنا هو اختلاط غير المسلمين بهم. والانباط: جمع النبطي - محركا -: قوم من العجم كانوا ينزلون بين العراقين. أخلاط الناس. (3) كذا في الاصل، والاثل - كفلس -: الطرفاء. (4) كذا في الاصل. (5) الظاهر أن المدينة الموصوفة بهذه الاوصاف هي مدينة بغداد. (نهج السعادة ج 3) (م 29) =========================================================================== [450] الغوغاء (6) دنا خسوف البيدأ (7) وطاب الهرب والجلا. وستكون قبل الجلاء أمور يشيب منها الصغير ويعطب [منها] الكبير. ويخرس الفصيح ويبهت اللبيب ! ! ! يعاجلون بالسيف صلتا، وقد كانوا قبل ذلك في غضارة من عيشهم يمرحون (8). فيالها من مصيبة حينئذ من البلا العقيم، والبكأ الطويل، والويل والعويل، وشدة الصريخ وفنأ مريح (9) ذلك أمر الله وهو كائن. فيا ابن خيرة الاماء متى تنتظر البشير بنصر قريب من رب رحيم. ألا فويل للمتكبرين عند حصاد الحاصدين. وقتل =========================================================================== (6) الغوغاء: أوباش الناس الذين يجتمعون من كل أوب ولا ينتسبون إلى أصل معروف. (7) والظاهر أنها اشارة إلى خسوف البيدأ بالجيش السفياني. (8) كذا في الاصل. (9) هذا هو الصواب الموافق لما في الاخبار الواردة في الموضوع، وفي النسخة المطبوعة بمصر، سنة: (1329): (فيا ابن خيرة الاباء). =========================================================================== [451] الفاسقين عصاة ذي العرش العظيم. فبأبي وأمي من عدة قليلة أسماؤهم [في السمأ معروفة، و] في الارض مجهولة (10) قد دان حينئذ ظهورهم. ولو شئت لاخبرتكم بما يأتي ويكون من حوادث دهركم ونوائب زمانكم وبلايا أممكم وغمرات ساعاتكم [لفعلت] (11) ولكنه أفضيه إلى من أفضيه إليه مخافة عليكم. ونظرا لكم (12) علما مني بما هو =========================================================================== (10) مابين المعقوفين مأخوذ من المختار: (185) من نهج البلاغة، واليك نص كلامه: (ألا بأبي وأمي هم من عدة أسماؤهم في السماء معروفة وفي الارض مجهولة. ألا فتوقعوا ما يكون من ادبار أموركم وانقطاع وصلكم واستعمال صغاركم ! ! ! ذاك حيث تكون ضربة السيف على المؤمن أهون من الدرهم من حله...). (11) مابين المعقوفين مأخوذ من المختار: (173) من نهج البلاغة، وهذا لفظه: (والله لو شئت أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت ! ! ! ولكن أخاف أن تكفروا في برسول صلى الله عليه وآله ! ! ! ألا واني مفضيه إلى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه. والذي بعثه بالحق واصطفاه على الخلق ما أنطق الا صادقا، وقد عهد الي بذلك كله، وبمهلك من يهلك ونجى من ينجو ومآل هذا الامر، وما أبقى شيئا يمر على رأسي الا أفرغه في أذني وأفضى به الي ! ! !). (12) نظرا لكم: تأنيا بكم وامهالا لكم ولطفا ورحمة بكم وشفقة عليكم. والذي كان عليه السلام يخاف عليهم من بث علومه الغيبية في جمهورهم وبذله اياها لعمومهم هو الذي صرح به عليه السلام - على ما تقدم آنفا من رواية نهج البلاغة - من كفرهم فيه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اما بعقيدة الالوهية فيه كالغلاة، وهذه كفر برسول الله وانكار لما جاء به بالضرورة من دينه، من تفرد الله تعالى بالالوهية، وتقدسه عن صفاة المخلوقين، وعما كان علي متصفا به من كونه مسبوقا وملحوقا بالعدم، وقويا بعد الضعف، وضعيفا بعد القوة، وكونه محلا للعوارض من التعب والكسل والسامة والملل وأضدادها، واحتياجه إلى الاكل والشرب واللباس والنكاح والمنام وغير ذلك من لوازم الحياة والمخلوقية، أو أن خوفه عليه السلام من بث المغيبات في عامة الناس انما كان من أجل اعتقاد ضعفاء العقول وقاصري الحظوظ فيه أو لوبته من رسول الله بالرسالة، أو كونه شريكا لرسول الله في الرسالة والسفارة من الله إلى الناس. =========================================================================== [452] كائن وما تلقون من البلاء الشامل. ذلك [انما يكون] عند تمرد الاشرار، وطاعة أولي الخسار. [و] ذاك [عند] أوان الحتف والدمار، ذاك عند ادبار أمركم (13) وانقطاع أصلكم وتشتت أنفسكم (14). وانما يكون ذلك عند ظهور العصيان، وانتشار الفسوق ! ! ! حيث يكون الضرب بالسيف أهون على المؤمن من اكتساب درهم حلال ! ! ! (15). =========================================================================== (13) مابين المعقوفات كلها زيادات توضيحية منا، والمشار إليه في قوله عليه السلام: (ذلك) وما بعده، هو ما يبتلي به المؤمنون من البلاء الشامل والدواهي العامة، والرزايا المستوعبة. (14) كذا في الاصل، فان صح ولم يكن مصحفا عما في نهج البلاغة: (وانقطاع وصلكم) فالمراد: انقطاعكم عن أصلكم أي عن امامكم. (15) وبعده في نهج البلاغة هكذا: (ذاك حيث يكون المعطى أغظم أجرا من المعطي، ذاك حيث تسكرون من غير شراب، بل من النعمة والنعيم، وتحلفون من غير اضطرار، وتكذبون من غير احراج. ذلك إذا عضكم البلاء كما يعض القتب غارب البعير ! ! ! ما أطول هذا العناء وأبعد هذا الرجاء ؟). =========================================================================== [453] [وانما يكون ذلك] حين لا تنال المعيشة الا بمعصية الله في سمائه. حين تسكرون من غير شراب، وتحلفون من غير اضطرار، وتظلمون من غير منفعة، وتكذبون من غير احراج (16). [وانما يكون ذلك حين] تتفكهون بالفسوق، وتبادرون بالعمصية. [حين يكون] قولكم البهتان، وحديثكم الزور وأعمالكم الغرور. فعند ذلك لا تأمنون البيات ! ! ! فيا له من بيات ما أشد ظلمته ؟ ومن صائح ما أفظع صوته ؟ ! ذلك بيات لا يتمنى صباحه صاحبه (17). فعند ذلك تقتلون، وبأنواع البلاء تضربون، =========================================================================== (16) أي بلاضرورة داعية إلى الكذب كالوقوع في الاحراج أي الحرج والضنك الشديد، والضيق العسير. (17) كذا في الاصل. والبيات: اللبث والبيتوتة في الليل. الهجوم على العدو ليلا. =========================================================================== [454] وبالسيف تحصدون، والى النار تصيرون ! ! ! ويعضكم البلا كما يعض الغارب القتب (18). يا عجبا - كل العجب بين جمادى ورجب ؟ ! ! (19) - من جمع أشتات وحصد نبات، ومن أصوات بعدها أصوات ! ! ! (20). ثم قال [عليه السلام]: سبق القضأ سبق القضأ. شرح المختار: (69) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 49 ط القديم بمصر. =========================================================================== (18) يعض - كيمنع -: يشتد. يستمسك. يلزم. والغارب: الكاهل. أو بين الظهر والعنق. أو بين السنام والعنق. والقتب - كحبر وفرس -: الرحل، والجمع: أقتاب، يقال: فلان قتب يلح بالغارب: أي هو يلح كثيرا. (19) وهذا الحديث من الاحاديث المعروفة بين المسلمين من قديم الايام، قال البلاذري في الحديث: (105) من ترجمة الامام الحسن وأولاده في ترجمة النفس الزكية محمد بن عبد الله المحض من كتاب أنساب الاشراف: ج 1 ص 459 من النسخة المخطوطة: وسارع أهل المدينة إلى بيعة محمد، وقالوا: هذا الذي كنا نسمع به: (العجب كل العجب بين جمادى ورجب). (20) جمع أشتات: ضم المتفرقات بعضها إلى بعض. والظاهر أن المراد منه احتشاد اصحاب المهدي صلوات الله وسلامه عليه، من القبائل المختلفة، والاماكن المتباعدة. وقوله: (وحصد نبات) المراد منه اجتثاث أعداء الله عن وجه الارض. وقوله: (ومن أصوات بعدها أصوات) المراد منه ما يسمع الناس من أصوات دجال، ثم النداء باسم السفياني ثم البشارة بالمهدي والدعوة إليه والتعريف به عجل الله تعالى فرجه. اللهم فانا نرغب إلى دولته الكريمة التي تعز بها الاسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله. اللهم فانا نسألك أن تجعلنا فيها من دعاة دينك وقادة سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والاخرة آمين يا رب العالمين. =========================================================================== [455] - 121 - ومن كلام له عليه السلام يصف فيه بعض حالات ولده الامام الثاني عشر صلوات الله عليه ويحكي فيه دعاءه والتجاءه إلى الله تعالى وتضرعه إليه في أن يعجل فرجه وينجز له ما وعده وأن يملا به الارض قسطا وعدلا كأني بالقائم عليه السلام قد عبر من وادي السلام (1) إلى مسيل السهلة على فرس محجل، له شمراخ يزهر (2) يدعو ويقول في دعائه: لا اله الا الله حقا حقا، لا اله الا الله ايمانا وصدقا، لا اله الا الله تعبدا ورقا. اللهم معز كل مؤمن، ومذل كل جبار عنيد، أنت كهفي حين تعييني المذاهب، وتضيق علي الارض بما رحبت (3). =========================================================================== (1) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: (من وادي سلام). (2) المحجل: الفرس الذي في قوائمه بياض. المشهور. والشمراخ: رأس الخيل. أعالي السحاب، عذق النخل أو العنب. و (يزهر) - من باب منع -: يضئ ويتلالؤ. (3) تعييني - من باب رمي -: تشغلني وتهمني - تتعبني وتجهدني. والمذاهب: جمع المذهب السير والذهاب. محل الذهاب والاياب والمضي في الامور. و (بمارحبت): بما وسعت أي مع سعتها. =========================================================================== [456] أللهم خلقتني وكنت غنيا عن خلقي، ولولا نصرك اياي لكنت من المغلوبين. يا منشر الرحمة من مواضعها، ومخرج البركات من معادنها. ويا من خص نفسه بشموخ الرفعة، وأولياؤه بعز [ه] يتعززون. يا من وضعت له الملوك نير المذلة على أعناقها (4) فهم من سطوته خائفون، أسألك باسمك الذي فطرت به خلقك فكل له مذعنون، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تنجز لي أمري وتعجل لي في الفرج، وتكفيني وتعافيني، وتقضي حوائجي الساعة الساعة، الليلة الليلة، أنك على كل شي قدير. الحديث: (214) من الباب (27) من المجلد الثاني عشر من البحار، وفي ط الحديث: ج 52 ص 391 نقلا عن كتاب العدد القوية. ونقله أيضا في البحار القسم الثاني من ج 19، ص 171، ط الكمباني وفي ط الحديث: ج 94 ص 365، ولكن نسبه في ط الكمباني إلى مهج الدعوات، ولعله من خطأ النساخ أو المطابع. =========================================================================== (4) النير - بكسر فسكون -: الخشبة المعترضة في عنق الثورين بأداتها عند الحرث بهما. =========================================================================== [457] قال المؤلف الشيخ محمد باقر المحمودي: هذا تمام باب خطب أمير المؤمنين صلوات الله عليه من كتاب نهج، السعادة، ويليه باب كتبه عليه السلام. وقد ذكرنا وجمعنا في هذا الباب من الكتاب، من كلمه عليه السلام ما ينيق على: (500) كلمة، من خطب وكلام طويل يجري مجرى الخطب (1) أو كلام قصير ذكره عليه السلام في ضمن بعض خطبه ولكن لم يصل الينا تلك الخطبة المشتملة على ذلك الكلام القصير، أو وصل الينا الخطبة كاملة، ولكن كان في افراد ذلك الكلام القصير واستقلاله بالذكر أهمية أخرى. وقد اقتطفنا ما اشتمل عليه كتابنا هذا من كلمه عليه السلام في الابواب الستة (2) من ألوف من المصادر المخطوطة والمطبوعة المشهورة بين المسلمين، في مدة لا تتجاوز عن خمس وعشرين عاما، ولا تقصر عن اثنين وعشرين حولا، وقد هجرنا في سبيل اقتطافه من الاصول، وترتيبه في سلك الانتظام، الملاذ والمنام، وانقطعنا عن الخواص والعوام، فانقطع عنا وعن أهلنا ما يكون للحياة قوام وللعيش نظام، واكتفينا بالقدر الذي وقانا عن الانهدام، مما ساقه الله تعالى الينا من غير تسبيب منا وبلا سعي لتحصيله وبلا اتصال بالكرام، وذوي النعمة والاحسان، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لاأن هدانا الله. فاليكم أيها المتمسكون بالحقائق، والمستدلون بالبينات والوثائق بموسوعة حوت كثيرا من الحقائق العلوية. وانطوت على فنون من البينات =========================================================================== (1) ولنا أيضا في هذا الباب مجموعة أخرى مشتملة على كثير من خطبه عليه السلام وما يجري مجراها، ولكن لم تكن حاضرة عندي حين تحقيق هذا الكتاب وطبعه كى الاحظ النسبة بينها وبين هذا اللكتاب، وأشير إلى كمية ما في المجموعة من كلمه عليه السلام. (2) وليراجع إلى ما ذكرناه في مقدمة هذا الكتاب: ج 3، ص 13. =========================================================================== [458] المرتضوية، فاجعلوها محور علمكم وعملكم ودعائم سعادتكم وسيادتكم (3) المرتضوية، فاجعلوها محور علمكم وعملكم ودعائم سعادتكم وسيادتكم (3) وأسس دعايتكم وارشادكم الناس وهدايتكم أياهم إلى المنهاج الحق، والى طريق مستقيم. واليكم أيها الطالبون للعلوم الالهية بمجموعة لم تجدوا مثيلها ! ! ! واليكم أيها المتعطشون إلى المناهل المرتضوية، بعيون زخارة منها لم تعهدوا نظيرها ! ! ! واليكم أيها المقتبسون من باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأبواب من علومه لم تجدوها مفتوحة عليكم في غيرها، ولم تظفروا بها مجتمعة الاطراف في سواها. واليكم أيها السائرون على المنهاج العلوي والسالكون لمسالكه، بنموذجة وضاحة وأطراف لماعة متشعشعة من سيرته السامية، فاسلكوها كي تفوزوا وتسودوا في الدنيا والاخرة. واليكم أيها المتشوقون إلى صفو العيون وشافيها، بعيون شافية تشفيكم عن مزمن الدأ، وتقيكم عن حدوث الامراض والادوأ، وترويكم بمأ لا تظمأون بعده أبدا ! ! ! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. =========================================================================== (3) مع تطبيق الموازين العلمية على محتويات الكتاب، وأخذ ما تمت حجيته من الجهات الاربع: الصدور من المعصوم، وجهة الصدور، ووضوح المنطوق والمداول، وعدم المعارض له. دون ما لم يشتمل على شرائط القبول، وقد أشرنا في هامش مقدمة الكتاب في الجزء الاول ص 14 أنا أدرجنا مقدارا من الكلم التي هي من سنخ كلمه عليه السلام ونسبه في بعض المصادر إليه، ولكن شرائط القبول غير موجودة فيه، وانما ذكرناه كي يكون بمتناول الناس لعلنا نظفر بعد ذلك أو يظفر غيري - على شواهد صدقه وصدوره عنه عليه السلام. (*) مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية