نهج السعادة - الشيخ المحمودي ج 7 نهج السعادة الشيخ المحمودي ج 7 =========================================================================== [1] نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة =========================================================================== [3] نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة الجزء الاول من باب الوصايا تأليف محمد باقر محمودي =========================================================================== مطبعة النعمان - النجف الاشرف =========================================================================== [4] الطبعة الاولى 1385 ه‍ 1965 م حقوق الطبع محفوظة للمؤلف =========================================================================== [5] تحية واهداء بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليك يا خليفة الله في أرضه وحجته على خليقته، يا مولاي يا صاحب الزمان اني أتقرب الى الله واليك، واستشفعك الى الله والى رسوله سيد الانبياء والمرسلين، باهداء هذه الصحائف - التي نحكي لجامعها خلوص الولاء، وتشهد لراقمها بمزيد التعب والعناء - الى جدك صاحب الولاية الكبرى والامامة العظمى أمير المؤمنين وسيد الوصيين، وقائد الغر المحجلين علي بن أبي طالب عليه وعلى أبنائه الطاهرين آلاف التحية والسلام. يا مولاي هذه بضاعتكم أهديت وردت اليكم، إذ لم أجد أحدا حقيقا بالرد إليه والاهداء له، فان كانت الهدايا على مقدار مهديها، فهديتي هذه على مقدار مبدعها، وزنة منشيها. يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر فأتينا بتجارة رابحة، وجئنا ببضاعة رائجة فأوف لنا الكيل (في الدنيا والاخرة)، واحسن إلينا، وتصدق علينا، فان الله يحب المحسنين ويجزي المتصدقين. المؤلف =========================================================================== [6] بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة أما بعد فيقول المفتقر الى رحمة الله، المحتاج الى عناية ولي الله (أمير المؤمنين عليه السلام) أبو جعفر المحمودي: انا لما قدمنا نشر هذا الباب - باب الوصايا - من كتابنا (نهج السعادة) لمصالح إقتضت ذلك، وأجلنا طبع المجلدات والابواب الاربعة الباقية الى حين، أحببنا أن نشير إجمالا الى ما ذكرناه في مقدمة المجلد الاول من كتابنا هذا، إجابة لما يخطر في ذهن القراء الكرام من الاسئلة، وإلفاتا لانظار طالبي حكم أمير المؤمنين عليه السلام الى ما جمعناه وأودعناه في كتابنا هذا، فنقول: ان - كتابنا هذا مشتمل على خمسة أبواب: الباب الاول في الخطب والاوامر، وقد جمعنا منها في الحال الحاضرة ما يزيد على خطب النهج بكثير. الباب الثاني في الكتب والرسائل، ومن هذا الباب أيضا جمعنا مالا يقل من ضعف ما في نهج البلاغة. الباب الثالث في الوصايا وهي التي بين يدي القراء العظام، وهو نموذج لما لم ينشر بعد من الابواب والمجلدات. الباب الرابع في غرر أدعية أمير المؤمنين عليه السلام وحسان مناجاته، وقد دونا وكتبنا فعلا ما يزيد على مأة دعاء من أدعيته عليه السلام. الباب الخامس في قصار كلامه (ع)، ومختصر حكمه، وقد قسمناه =========================================================================== [7] الى قسمين: (القسم الاول) المسانيد، و (القسم الثاني) المراسيل أي ما وجدته مرسلا، وان كان واقعا وبحسب اطلاع غيري مسندا. ولاحد لهذا الباب، إذ كل يوم نظفر بما تشتهيه الانفس، وتلذ الاعين وتستريح إليه القلوب وتستأنس به الاسماع، وكأني بمنظوم كلامه (ع)، وما وجدته من أشعاره، قد توجه الي من نضيد نظامه، وهو يخاطبني بلطيف كلامه، ويشافهني بحسن بيانه، ويقول: أتأذن لي ان أكون للابواب الخمسة سادسا ؟ فأقول له: أنت من الابواب، فإن شملني الطاف الله، وساعدني عناية ولي الله سألبسنك كساء التحرير، وسأكسونك لباس التسديس. وليعلم اني لم أكن عازما على شرح كلامه (ع) والتعليق عليه، بل كان همي مقصورا على جمع الشوارد من حكمه، وترتيب الشوامل من كلمه (ع) إذ لم يقم بهذا الواجب - حق القيام - أحد بعد السيد الرضي (ره) فكان الجمع أهم من الشرح، لاسيما إذا نظرت الى قصوري بيانا وبنانا وقلما ولسانا، وبملاحظة ما القى في روعي من انه سيشرحه من هو أهله ومستحقه، ولكن أشار الي وأمرني بالتعليق من لااستطيع مخالفته، ولا استجيز ملالته وسامته، فامتثلت أمره بحسب مقدوري، وعلفت على كلامه (ع) بمقدار ميسوري، فان وافق الواقع وانظار أهل الحق والتحقيق فليس من صنع الله وعناية ولي الله ببعيد، وان لم يصادف الواقع ولم يحظ بالقبول عند ذوي الاذهان الثواقب، فليس من قاصر مثلي بعجيب، ولامن مبتلى بلا معين بغريب، فليعذرني الاكابر، ولينصرف على لومي الاماثل، فإن العذر عند كرام الناس مقبول. ثم لا يخفى اننا نظرنا في كل مورد من كلامه (ع) المحتاج الى شرح أو تعليق، فان اقتضى تعليقا مختصرا مثل الاشارة الى شاهد خارجي للكلام ومثل توضيح لفظي ولغوي، علقنا عليه في ذيل الصفحة، وان اقتضى كلامه =========================================================================== [8] عليه السلام تعليقا مبسوطا وشرحا مطنبا، نذكره بعد ختام كلامه (ع) وبعد البحث عن سند الكلام، بعقد مباحث أو فوائد أو تعليقات - على اختلاف تعبيراتنا في مختلف المقامات - فنذكر التعليق الاول فالاول. ثم ليعلم أيضا انا لاجل الاختصار وضعنا رموزا في الكتاب، فاستعملنا رمز: خ، للاشارة الى ما في بعض النسخ من المصدر المنقول عنه، وجعلنا حرف: ص، اشارة الى صفحة المصدر، وحرف: س: اشارة الى سطر الصفحة، وكلمة عكسا، اشارة الى تعداد الاسطر من الاسفل الى الاعلى إذ ربما يكون السطر المشار إليه قريبا من ذيل الصفحة، فعددنا من الذيل تسهيلا. وكذلك لاجل الاختصار والتسهيل جرينا في ضبط هيئة فعل المضارع مجرى كتاب المنجد مثلا، إذا كان الخط هكذا: -، فالمقصود ان المضارع مضموم العين، وإذا كان هكذا: -، يراد منه ان المضارع مفتوح العين، وان كان الخط هكذا: -، فالمعنى انه مكسور العين، وقد يكون هكذا فيقصد منه ان عين الفعل يجوز فيه ثلاثة أوجه، وهكذا إذا جمع بين الصورتين، يعني يجوز فيه الوجهان، ومع ذلك كله في كثير من الموارد نضع هلالين ونكتب بينهما انه من باب نصر مثلا، لئلا يقع القارئ في الغلط بواسطة الاغلاط المطبعية، وانحراف الرموز عن مجراها. وأيضا بنينا على ان نشير الى كتاب الدر النظيم، بلفظ: در، والى تاريخ الطبري، بلفظ: طب، والى كتاب من لا يحضره الفقيه بلفظ: الفقيه، والى مقاتل الطالبيين، بلفظ: مقا. من المؤلف =========================================================================== [9] بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فهذا هو الباب الثالث من كتاب (نهج السعادة) في الوصايا وما يجري مجراها، من كلام سيد الموحدين، وأمام المتقين، ويعسوب الدين، وقائد الغر المحجلين، وقسيم الجنة والسجين، مولا الكونين، وامام الثقلين، والمصلي الى القبلتين، ومبايع البيعتين، والشافع في النشأتين أعني أبا السبطين الطيبين الطاهرين - الحسن والحسين - علي بن أبي طالب عليه وعلى أولاده الطاهرين آلاف التحية والسلام، وعلى أعدائه وشانئيه أشد اللعنة وسوء العذاب، مادامت السماوات والارضون. جمعه وألفه العبد القاصر محمد باقر ابن ميرزا محمد المحمودي المردوشتي الشيرازي، خدمة للدين، وتقربا الى الله تعالى، وترويجا لمذهب سيد الوصيين، وأرجو من الله أن ينفع به العالمين، ويجعله طريق سعادتهم وسبيل قربهم الى مرضاته، إنه ولي التوفيق. =========================================================================== [10] - 1 - ومن وصية له عليه السلام في الحث على العلم ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني قدس الله نفسه الزكية، عن علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى، عن احمد بن محمد بن عيسى جميعا، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن ابي حمزة، عن أبي اسحاق السبيعي عمن حدثه، قال: سمعت امير المؤمنين عليه السلام يقول: أيها الناس إعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به (1)، وأن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال (2)، إن المال مقسوم بينكم، مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم وضمنه، وسيفي لكم به، والعلم مخزون عليكم عند أهله، =========================================================================== (1) اي لا العلم وحده، كما عليه عمل نوع البشر فانهم راغبون في العلم غاية الرغبة، وزاهدون في العمل نهاية الزهد. (2) المستفاد من هذا الكلام الشريف، ان طلب العلم والمال كليهما واجبان، الا ان تحصيل العلم اوجب من تحصيل المال، واكتسابه أهم من أكتساب المال، وهذا هو المستفاد من الادلة العقلية والنقلية بأجمعها. واما مقدار الواجب منهما فخلاصته: انه يجب من العلم ما يؤدى به الواجبات الاعتقادية والعملية وما يخرج به من خوف الهلاك، ويجب من المال قوته وقوت عياله، وكذا كل مال يتوقف عليه واجب مطلق أو واجب مشروط حصل شرطه. (*) =========================================================================== [11] قد أمرتم بطلبه منهم فاطلبوه (2) وإعلموا أن كثرة المال مفسدة للدين، مقساة للقلوب، وأن كثرة العلم والعمل به مصلحة للدين سبب إلى الجنة (3)، والنفقات تنقص المال، والعلم يزكو على انفاقه (4) وإنفاقه بثه إلى حفظته ورواته (5) =========================================================================== (2) الى هنا رواها ثقة الاسلام قدس سره في الحديث 4 من الباب 1 من كتاب العلم من الكافي بالسند الذي مر، رواها عنه الفيض الكاشاني (ره) في المحجة البيضاء 1: 29، ط 2، وللمقام بقية يأتي الكلام عليها بعد الفراغ من البحث الرجالي. (3) قوله عليه السلام: مفسدة ومقساة ومصلحة واضرابهما، اما اسم فاعل، أو اسم مكان، أو اسم آلة، وفى بعضها لا يحتمل بعض الوجوه، والظاهر انها (هنا) مصادر ميمية، أو اسم مصدر، وفيها من المبالغة (على هذا التقدير) مالا يفي به البيان، حيث حذر عليه السلام من تكثير المال بأنه نفس الفساد وعين القساوة فليحذره العقلاء، ورغب (ع) في الاكثار من العلم بأنه محض الصلاح، وعين السبب الذي يجر الى الجنة ويؤدي الى جوار الصالحين ودار الكرامة التي أعدها تبارك وتعالى للمقربين، فليغتنمه الصلحاء والعرفاء. (4) وهذا قريب جدا مما ذكره (ع) في وصيته الى كميل الاتية، من قوله عليه السلام: يا كميل محبة العلم دين يدان الله به، به يكسب الانسان الطاعة في حياته، وجميل الاحدوثة بعد وفاته، وقوله (ع): العلم يزكو، أي ينمو ويزيد بالانفاق، وانفاقه بذله لمستحقه، وانما يزيد العلم بالانفاق مع ان الاشياء ينقص به، لان بدل العلم لا ينفك عن التعمق فيه، والمباحثة مع التلميذ والراوي، ونفس التكلم والتعمق فيه ومباحثته هو نماؤه، وهذا أمر جلي لمن صرف عمره في تحصيل العلم والبحث مع ذويه في وقت ما. (5) ومن قوله عليه السلام: واعلموا ان كثرة المال مفسدة للدين - الى هنا - مما تفرد بروايته الحسن بن علي بن شعبة (ره) في كتاب تحف العقول، هذا بحسب النظر الابتدائي، واما النظر الدقيق فحاكم بأنهما معا اشتركا في =========================================================================== [12] واعلموا أن صحبة العالم (6) وإتباعه دين يدان الله به (7) وطاعته مكسبة للحسنات، ممحاة للسيئات، وذخيرة للمؤمنين، ورفعة في حياتهم (8)، وجميل الاحدوثة =========================================================================== نقل جميع الوصية، إذ ديدن الكليني (ره) والفقهاء تفريق جملات الروايات على الابواب المناسبة، فالكليني (ره) لما فرق فقرات الوصية الشريفة على أبواب الفقه، بقيت هذه القطعة مغفولا عنها. (6) وفى بعض نسخ الكافي: واعلموا أن محبة العالم وأتباعه دين.. الخ. قال الفيض (ره): العالم هنا يحتمل معنيين: أحدهما الامام المعصوم، والثاني الاعم منه ومن كل عالم عامل بعلمه، والاول أظهر. (7) المراد من الدين هنا: الطريقة، هذا ان قرئ بكسر الدال على ما هو الظاهر، ويحتمل فتح الدال أيضا، وهو - بالفتح - بمعنى القرض المؤجل، وقوله (ع): يدان الله به، اما ان يقصد به الجزاء كما في قولهم: كما تدين تدان ودان فلانا أي جازاه، واما ان يقصد به الطاعة كما قالوا دان زيد الخليفة أي أطاعه. وعلى التقديرين الفعل من باب باع، ولكن المراد يختلف، (فعلى الوجه الاول) فمعناه: ان الله يجزى بمحبة العالم أو بصحبته، أي ان جزاء نعم الله وشكر آلاء الله تبارك وتعالى هو صحبة العالم أو محبته. كما في الحديث المعتبر: الصوم لي وأنا أجزى به، وفيه من المبالغة مالا يحيط به البيان، (واما على الوجه الثاني) فمعناه: أن محبة العالم أو صحبته دين أي طريق يطاع الله به، وفيه حث على اتباع العالم والتمسك بذيل محبته، بأن اتباعه عين اتباع الله واطاعته، فيكون الكلام نظير الاية 79 من النساء: من يطع الرسول فقد أطاع الله الخ. وعلى التقديرين تتجلى صحة ماقاله المحقق الكاشاني (ره): من ان المراد من العالم - هنا - على الاظهر هو الامام المعصوم. (8) وفى بعض نسخ الكافي: ورحمة فيهم في حياتهم، وجميل بعد مماتهم. =========================================================================== [13] عنهم بعد موتهم (9)، وأن العلم (10) ذو فضائل كثيرة، فرأسه التواضع، وعينه البراءة من الحسد، وأذنه الفهم، ولسانه الصدق، وحفظه الفحص، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة الاسباب بالامور، ويده الرحمة، وهمته السلامة، ورجله زيارة العلماء، وحكمته الورع، ومستقره النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لين الكلام، وسيفه الرضا، وقوسه المداراة، وجيشه محاورة =========================================================================== (9) من قوله (ع): واعلموا أن صحبة العالم، الى قوله (ع): وجميل الاحدوثة عنهم بعد موتهم - رواه في الحديث 14 من الباب 8 من الكتاب 4 من الكافي، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم عن أبي حمزة عن أبي اسحاق، عن بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين: وأعلموا أن صحبة (محبة خ ل) العالم الخ. (10) شبه (ع) العلم بشخص كامل روحاني له أعضاء وقوى كلها روحانية بعضها ظاهرة، وبعضها باطنة، فالظاهرة كالرأس والعين والاذن واللسان واليد والرجل، والباطنة كالحفظ واللب والعقل والهمة والحكمة، وله مستقر روحاني ومركب وسلاح وسيف وقوس وجيش ومال وذخيرة وزاد ومأوى ودليل ورفيق وكلها أمور معنوية، ثم أنه عليه السلام بين انطباق هذا الشخص الروحاني بجميع أجزائه على هذا الهيكل الجسماني اكمالا للتشبيه، وأفصاحا بأن العلم إذا استقر في قلب انسان يملك جميع جوارحه، ويظهر آثاره من كل منها، فرأس العلم - وهو التواضع - يملك هذا الرأس الجسداني ويخرج منه التكبر والنخوة التي هو مسكنها، ويستعمله فيما يقتضيه التواضع من الانكسار والتخشع، فكما ان الرأس البدني بانتفائه تنتفي حياة البدن، فكذا بانتفاء التواضع عند الخالق والخلائق تنتفي حياة العلم، فهو كجسد بلا روح، ولا يصير مصدرا لاثر، وهاتان الجهتان ملحوظتان في جميع الفقرات. =========================================================================== [14] العلماء، وماله الادب، وذخيرته إجتناب الذنوب، وزاده المعروف، ومأواه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه صحبة الاخيار. أنتهى وقد تبين مما تقدم ان الكليني رحمه الله، يروي الوصية الشريفة، تارة من طريق سهل بن زياد عن رجال ابي اسحاق عن امير المؤمنين (ع)، واخرى يرويها من طريق احمد بن محمد بن عيسى، عن رجال ابي اسحاق أيضا، عن أمير المؤمنين (ع) كما في الحديث: 4 من الباب 1 من كتاب فضل العلم من الكافي. وثالثة من طريق ابراهيم بن هاشم، عن رجال ابي اسحاق عنه (ع) كما في الحديث: 14 من الباب 8 من كتاب الحجة من الكافي. ورابعة يرويها من طريق أحمد بن محمد بن عيسى (ره)، عن الامام الصادق (ع)، عن آبائه عن امير المؤمنين عليه السلام كما في الحديث: 2 من باب النوادر من فضل العلم من الكافي فانه روى قوله: و (اعلموا) ان العلم ذو فضائل كثيرة، (الى آخر الوصية الشريفة) عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن نوح بن شعيب النيسابوري، عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان عن درست بن أبي منصور، عن عروة ابن أخي (اخت خ) شعيب العقرقوفي، عن شعيب، عن أبي بصير، قال: سمعت (الامام) الصادق عليه السلام يقول: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: يا طالب العلم - الى آخر ما تقدم. أقول: ورواها أيضا بأسرها علي بن حسن بن شعبة (ره) في المختار: 25 من كلام أمير المؤمنين (ع) في كتابه تحف العقول، 137، ط النجف، =========================================================================== [15] وفي ط ص 199. ورواها عنه في الحديث 40 من الباب 1 من أبواب فضل العلم من البحار: 1، 56، ط الكمباني. * * * هنا أبحاث البحث الاول: حول رجال السند على سبيل الاختصار، ونقدم الاول فالاول على حسب ما ذكرناه، فنقول: أما علي بن محمد، فهو مشترك بين جماعة من أجلاء مشايخ الكليني أعلى الله مقامه، وكفاهم بذلك جلالة وعظمة وفخامة ومكرمة. وأما غيره (الذي عطفه الكليني رحمه الله على علي بن محمد) فهو غير غير مشخص عندي فعلا، وأيضا وحدته وتعدده غير معلوم لدي، ولعله متعدد، فلابد من الرجوع الى القرائن. واما سهل بن زياد الادمي المكنى بأبي سعيد، فقد قال شيخ الطائفة رحمه الله: انه ثقة من أهل الري، وفاز بلقاء الامام الجواد والعسكريين عليهم السلام. ومما يدل على عظمته وكونه في أعلى مراتب الثقة، انه معدود من مشايخ الاجازة، وكذلك كثرة رواياته المعمول بها عند اصحابنا، وشدة عنايته بنقل الاخبار السديدة عن المعصومين (ع) يرشدنا الى جلالته والوثوق به، وأيضا اكثار العلماء من الرواية عنه يسوقنا الى الاعتراف والاذعان =========================================================================== [16] بديانته، وانه من المعتمدين الذين يركن إليهم، لاسيما إذا نظرنا الى صنيع ثقة الاسلام الكليني رحمه الله فانه قد شحن كتابه الشريف (الكافي) بالنقل منه، والرواية عنه، مع العلم بغاية احتياطه، واجتنابه الرواية من المتهمين، خصوصا إذا لو حظ تصريحه وقوله في مقدمة الكافي: ان فيه من جميع فنون الدين ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالاثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام، والسنن القائمة التي عليها العمل، (انتهى المهم من محصل كلامه وملخصه، رفع الله درجاته في عليين). وأما محمد بن يحيى أبو جعفر العطار الاشعري القمي فهو استاذ الكليني (ره)، وقد أكثر من الرواية عنه، وذكره الشيخ (ره) في باب من لم يرو عن الائمة عليهم السلام (1) فقال: قمي كثير الرواية، روى عنه الكليني رحمة الله عليهما. وقال النجاشي (ره): محمد بن يحيى أبو جفعر العطار القمي شيخ أصحابنا في زمانه، ثقة عين كثير الحديث، له كتب، منها كتاب مقتل الحسين، وكتاب النوادر، أخبرني عدة من أصحابنا عن ابنه احمد عن أبيه بكتبه. واما أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك بن الاحوص ابن السائب بن مالك بن عامر الاشعري من بني ذخران بن عوف الجماهر ابن الاشعر، فهو كان (ره) شيخ الشيوخ، ورئيس علماء الفرقة المحقة وأهل الرسوخ، وتشرف بلقاء الامام الرضا وابنه أبي جعفر الثاني عليهما السلام، وكان رحمه الله أحد الشهود على أبي جعفر الجواد عليه السلام بالامامة =========================================================================== (1) قيل: هذا اصطلاح، يعني انهم إذا أرادوا ان يبينوا ان فلانا لم يعاصر الائمة (ع) أو لم يرو عنهم (ع) بلا واسطة، يقولون لم يرو عنهم (ع). ويؤيده انهم اطلقوا هذه العبارة على من أكثر النقل والرواية عنهم (ع) بالواسطة كشيخنا المترجم هنا المجمع على عدالته وثقته. =========================================================================== [17] والوصاية من قبل أبيه الامام الرضا عليه السلاام. وقد جمع الله تعالى لاحمد ابن محمد هذا، رئاسة الدين والدنيا، وكان شيخا فقيها، وعينا وجيها من علماء قم، وكان وافدهم الى الائمة صلوات الله عليهم أجمعين، وقد إتفقت كلمة الاصحاب على عدالته وجلالته، وانه من الاركان. واما ابن محبوب فهو كابن عيسى، رفيع المقام، عظيم المنزلة، جليل القدر، منيع الساحة، محبوب الطائفة الحقة. قال الشيخ (ره): الحسن بن محبوب السراد، ويقال له: الزراد أيضا، ويكنى أبا علي، مولى بجيلة، كوفي ثقة، روى عن ابي الحسن الرضا (ع) وعن ستين رجلا من أصحاب أبي عبد الله (ع)، وكان جليل القدر، يعد في الاركان الاربعة في عصره. وله كتب كثيرة، منها كتاب المشيخة، كتاب الحدود، كتاب الديات، كتاب الفرائض، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب النوادر نحو الف ورقة، أخبرنا بجميع كتبه ورواياته عدة من أصحابنا عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن الهيثم بن أبي مسروق، ومعاوية بن حكيم، واحمد ابن محمد بن عيسى، عن الحسين بن محبوب. وقريب منه عن آية الله العلامة في الخلاصة، وابن داود في رجاله. وقريب منهما عن السيد ابن طاوس (ره). وكلهم أرخوا ووفاته في آخر سنة أربع وعشرين ومأتين. وقال ابن ادريس (ره) في مستطرفات السرائر: ان كتاب المشيخة تصنيف الحسن بن محبوب السراد صاحب (الامام) الرضا عليه السلام، وهو ثقة عند أصحابنا، جليل القدر، حسن الرواية، أحد الاركان الاربعة في عصره وكتاب المشيخة معتمد. واما هشام بن سالم الجواليقي الجعفي العلاف مولى بشر بن مروان =========================================================================== [18] أبو محمد أو أبو الحكم، فهو من أصحاب الامام الصادق والامام الكاظم عليهما السلام، قال النجاشي رحمه الله: هشام بن سالم الجواليقي مولى بشر بن مروان أبو الحكم، كان من سبي الجوزجان ثقة ثقة، روى عن أبي عبد الله وابي الحسن عليهما السلام، وله كتاب يرويه جماعة، أخبرنا محمد ابن عثمان قال حدثنا جعفر بن محمد، قال: حدثنا عبيد الله بن احمد، قال: حدثنا ابن أبي عمير عنه بكتابه وكتابه الحج، وكتابه التفسير، وكتابه المعراج. وقريب منه عن شيخ الطائفة (ره) في الفهرست، وآية الله العلامة في الخلاصة، وجميع من تأخر عنهم فانهم اطبقوا على توثيقه. والمحكى عن السيد ابن طاوس (ره) في التحرير الطاوسي انه قال: ان هشام بن سالم صحيح العقيدة، معروف الولاية، غير مدافع. وأما أبو حمزة، فهو ثابت بن أبي صفية المتوفى سنة خمسين ومأة ه‍، قال النجاشي رضوان الله عليه: ثابت بن أبي صفية أبو حمزة الثمالي مولى كوفي ثقة، واسم أبي صفية: دينار، وكان آل المهلب يدعون ولاءه وليس من قبلهم، لانهم من العتيك. قال محمد بن عمر الجعابي: ثابت بن دينار، مولى المهلب بن أبي صفرة، وأولاده نوح ومنصور وحمزة قتلوا مع زيد، لقى علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبد الله وأبا الحسن عليهم السلام، وروى عنهم، وكان من خيار أصحابنا وثقاتهم ومعتمديهم، في الرواية والحديث، وهو رحمه الله ممن يروى عنه العامة. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال: أبو حمزة في زمانه مثل سلمان في زمانه، وله (ره) كتب، وتوفي سنة خمسين ومأة. وقال ابن النديم في الفهرست، في عنوان الكتب المصنفة في التفسير: ومنها كتاب تفسير أبي حمزة، واسمه ثابت بن دينار، وكنية دينار: أبو صفية =========================================================================== [19] وكان أبو حمزة من أصحاب علي بن الحسين عليه السلام من النجباء الثقاة، وصحب أيضا أبا جعفر عليه السلام. وأما أبو اسحاق السبيعي المتوفى 127 وقيل 128، وقيل 129، فهو كنية عمرو بن عبد الله بن علي الكوفي الهمداني من أجلاء التابعين، قال معلم الامة الشيخ المفيد رضوان الله عليه في كتاب الاختصاص ص 83، ط 2: روى محمد بن جعفر المؤدب: ان أبا اسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي صلى أربعين سنة صلاة الغداة بوضوء العتمة، وكان يختم القرآن في كل ليلة، ولم يكن في زمانه أعبد منه، ولا أوثق في الحديث عند الخاص والعام، وكان من ثقاة علي بن الحسين (ع)، وولد في الليلة التي قتل فيها أمير المؤمنين عليه السلام (2) وقبض وله تسعون سنة، وهو من همدان، اسمه عمرو بن عبد الله بن علي ابن ذي حمير بن السبيع بن يبلع الهمداني، ونسب الى السبيع لانه نزل فيهم. وقال المحدث القمي: وكان أبو اسحاق المذكور ابن اخت يزيد بن حصين من أصحاب الحسين (ع)، وله رواية مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: ألا أدلكم على خير أخلاق الدنيا والاخرة: تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتفو عمن ظلمك. وكان له مسجد معروف بالكوفة، قرأ ابن عساكر فيه الحديث سنة 501 (3) على الشريف أبي البركات عمر العلوي. =========================================================================== (2) هذا سهو من قلمه الشريف لاستفاضة النقل من الخاصة والعامة عن أبي اسحاق انه قال: رفعني أبي على يديه فرأيت عليا يخطب على المنبر وهو شيخ أبيض الرأس واللحية، كما في البحار والمعجم للطبراني، ووفيات ابن خلكان وآخر ترجمته (ع) من أسد الغابة. ويجئ أيضا في كلام ابن حجر من تذكرة الحفاظ. (3) هذا لا يلائم ما ذكره في معجم الادباء من ولادة ابن عساكر في سنة 499، بل قيل ان ابن عساكر نفسه ايضا أرخ ولادته بسنة 499 ه‍. (*) =========================================================================== [20] قال صاحب رياض العلماء: وكان له ولد اسمه يونس كان محدثا زاهدا مثله، توفى سنة 160، ولولده يونس ولد اسمه اسرائيل، كان عابدا زاهدا توفي سنة 164. انتهى ما عن المحدث القمي. قال أبو الفرج قيل لابي اسحاق: متى ذل الناس، فقال: حين مات الحسن وادعي زياد، وقتل حجر بن عدي. وقال أبو الفرج أيضا: قال عمرو بن ثابت: كنت اختلف الى أبي اسحاق السبيعي سنة اسأله عن الخطبة التي خطب بها الحسن بن علي عليه السلام عقيب وفاة أبيه، ولا يحدثني بها فدخلت عليه في يوم شات وهو في الشمس وعليه برنسه فكأنه غول، فقال لي: من أنت ؟ فأخبرته، فبكى وقال: كيف أبوك وكيف اهلك ؟ قلت: صالحون، قال: في أي شئ تتردد منذ سنة ؟ قلت في خطبة الحسن بن علي بعد وفاة أبيه. وقال ابن أبي الحديد: فاما أبو اسحاق السبيعي فقال: ان معاوية قال في خطبته بالنخيلة: ألا ان كل شئ اعطيته الحسن بن علي، تحت قدمي هاتين، لاأفي به، قال أبو اسحاق: وكان والله غدارا. وقال في تذكرة الحفاظ: 1، 107، وفي ط: 101 -: أبو اسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي الحافظ، أحد الاعلام، رأى عليا رضى الله عنه وهو يخطب، وروى عن زيد بن أرقم، وعبد الله بن عمرو، وعدي بن حاتم، والبراء بن عازب، ومسروق، وخلق كثير، يقال: حدث عن ثلاثمائة شيخ، وروى عنه الاعمش، وشعبه والثوري واسرائيل وزهير وأبو الاحوص وزائدة وشريك وأبو بكر بن عياش وسفيان بن عيينة وخلائق وكان قد قرأ القرآن على أبي عبد الرحمن السلمي والاسود بن يزيد، عرض عليه حمزة الزيات وقد غزا الروم في خلافة معاوية وقال: سألني معاوية كم عطاء أبيك ؟ قلت: ثلاث مائة، فقرضها لي. وقيل انه سمع من ثمانية وثلاثين =========================================================================== [21] صحابيا، قال أبو حاتم: ثقة يشبه الزهري في الكبر، وهو أحفظ من أبي اسحاق الشيباني، قال فضيل بن غزوان: كان أبو اسحاق يختم في كل ثلاث، وقيل كان صواما قواما متبتلا من اوعية العلم، ومناقبة غزيرة، قال احمد ابن عبده: سمعت أبا داود الطيالسي يقول: وجدنا الحديث عند أربعة: الزهري وقتادة وأبي اسحاق والاعمش، فكان قتادة اعلمهم بالاختلاف، والزهري اعلمهم بالاسناد، وأبو اسحاق اعلمهم بحديث علي وابن مسعود، وكان عند الاعمش من كل هذا، ولم يكن عند واحد من هؤلاء الا الفين الفين، قال يحيى القطان: توفي أبو اسحاق السبيعي سنة سبع وعشرين ومأة، يوم دخل الضحاك بن قيس الكوفة، وكذا أرخه جماعة، وشذ أبو نعيم فقال: سنة ثمان وعشرين، قال مغيرة: كنت إذا رأيت أبا اسحاق ذكرت به الضرب الاول، قال أحمد بن عمران الاخنسي، أنا أبو بكر بن عياش، سمعت أبا اسحاق يقول: ما أفلت عيني غمضا منذ أربعين سنة، قال ابن عيينة: قال عون بن عبد الله لابي اسحاق: ما بقى منك ؟ قال: اصلي فاقرأ البقرة في ركعة، قال ذهب شرك وبقى خيرك، وقال أبو الاحوص عن أبي اسحاق: قد كبرت وضعفت، ما اصوم الا ثلاثة أيام من الشهر والاثنين والخميس والشهور الحرم. وقع لي عدة احاديث من عوالي أبي اسحاق منها: انبأنا أحمد بن سلامة وغيره عن عبد المنعم بن كليب، أخبرنا علي بن بيان، انا ابن مخلد، أنا اسماعيل الصفار، أنا الحسن بن عرفة، حدثني أبو بكر بن عياش، عن أبي اسحاق، عن البراء، قال: خرج رسول الله عليه وآله وسلم واصحابه، فاحرمنا بالحج فلما قدمنا مكة قال: اجعلوا حجكم عمرة فقالوا: قد أحرمنا بالحج وكيف نجعلها عمرة ؟ فقال: انظروا الذي آمركم به فافعلوا، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب =========================================================================== [22] في وجهه، فقالت: من اغضبك اغضبه الله، فقال: ومالي لاأغضب وأنا آمر بالامر فلا اتبع. وروى عن ميزان الذهبي انه قال في حق أبي اسحاق: هو من أئمة التابعين بالكوفة، وأثباتهم. وحكى عن التقريب انه قال: ان أبا اسحاق ثقة مكثر عابد. هذا كله مختصر الكلام في الطريق الاول، والثاني. واما الطريق الثالث الذي هو واسطة بين ثقة الاسلام الكليني (ره) وبين أبي اسحاق الراوي عن الحارث الاعور - على ما اخترنا - الذي سمع هذه الوصية من أمير المؤمنين عليه السلام فأولهم: هو شيخ الكيني واستاذه الذي جل نفائس الكليني وبضاعته الرابحة منه، وهو علي بن ابراهيم بن هاشم القمي، قال النجاشي (ره): علي بن ابراهيم بن هاشم القمي، أبو الحسن القمي ثقة في الحديث ثبت متعمد، صحيح المذهب، سمع فأكثر، وصنف كتبا، وأضر في وسط عمره، وله كتاب التفسير، كتاب الناسخ والمنسوخ، كتاب قرب الاسناد، كتاب الشرائع، كتاب الحيض، كتاب التوحيد والشرك، كتاب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، كتاب المغازي، كتاب الانبياء، رسالة في معنى هشام ويونس، جوابات مسائل سأله عنها محمد بن بلال، كتاب يعرف بالمشذر، الله أعلم انه مضاف إليه. أخبرنا محمد بن محمد وغيره، عن الحسن بن حمزة بن علي بن عبيد الله قال: كتب الي علي بن ابراهيم باجازة سائر حديثه وكتبه. وقريب منه عن الشيخ (ره) في الفهرست، ونقل عن كتاب أعلام الورى انه قال: علي بن ابراهيم من أجل رواة أصحابنا. وبالجملة عدالته ومناعة محله غير خفي على أولى الالباب، وقد اتفقت عليها كلمة الاصحاب. =========================================================================== [23] واما أبوه ابراهيم بن هاشم فعند المحصلين (الذين يدركون من عمل الاشخاص بواطنه وما انطوت عليه سريرته) لا يقل في الرتبة عن ابنه علي، بل هو الاصل، وابنه من ثمرات تلك الشجرة الطيبة، وصدقة من صدقاته، لاسيما إذا أمعنا النظر فما ثبت من المعصومين عليهم السلام من قولهم: اعرفوا منازل الرجال بقدر روايتهم عنا وفهمهم منا، وقد وردت بهذا المضمون روايات ستة - على ما اطلعت عليه -، مع العلم بأن كثيرا من الروايات - على الخصوص روايات الكافي - مروية عنه بواسطة ابنه علي، ومخصوصا إذا تأملنا ما نقله الشيخ والنجاشي (ره) من قولهما: وأصحابنا يقولون: أول من نشر حديث الكوفيين بقم هو أبو اسحاق القمي ابراهيم بن هاشم وكان كوفي الاصل فانتقل الى قم. انتهى ماعن الشيخ والنجاشي نقلا بالمعنى. فان كنت قاصرا عن ادراك شواهد البواطن والاحوال من الاعمال، وكنت متعبدا بقول أهل الخبرة: فلان ثقة، وفلان عدل، فنقول: قد وثقه ابنه في أول تفسيره، وكذلك ادعى الاجماع على وثاقته السيد ابن طاوس (ره) في الفصل التاسع عشر من كتاب فلاح السائل 158 ط 1. وأجمع المحققون من المتأخرين أيضا على توثيقه، كالمجلسيين، ووالد الشيخ بهاء الدين، والمحقق الاردبيلي، والمحقق الهمداني في كتاب الزكاة من المصباح، وغيرهم قدس الله أسرارهم. ونحن نقول كما قال المحقق الداماد: مدح الاصحاب ابراهيم بن هاشم بأنه أول من نشر حديث الكوفيين بقم، كلمة جامعة، وكل الصيد في جوف الفراء. نعم جميع مراتب كمالاته الظاهرية والباطنية باعتقاد معاصريه منطو في هذه الجملة التي مدحوه بها، بعد ملاحظة معاملة القميين من أرباب الحديث وطعنهم في الاجلاء بأدنى شئ، فالرجل في أعلى مراتب العدالة، وهو في =========================================================================== [24] حد ذاته أجل من أن يحتاج الى الموثق. واما الطريق الرابع الذي روى عنهم الكليني (ره) في الحديث 2، من باب النوادر، من فضل العلم، من الكافي، بقوله: عدة من أصحابنا الخ، فالعدة هنا: من رجال أحمد بن محمد بن عيسى الاشعري - دون البرقي - وهم (بناء على ما نقله الاصحاب من نص الكليني رحمه الله): علي بن ابراهيم صاحب التفسير. وأبو جعفر محمد بن يحيى العطار الاشعري القمي. وأبو سليمان داود بن كورة القمي. وعلي بن موسى بن جعفر الكمنداني (الكميداني خ) يعني القمي، وغيرهم. ونظمهم العلامة الطبا طبائي (ره) على ما حكى عنه وقال: عدة أحمد بن عيسى بالعدد * خمسة أشخاص بهم تم السند علي العلى والعطار * ثم ابن ادريس وهم أخيار ثم ابن كورة وابن موسى * فهولاء عدة ابن عيسى اما أحمد بن محمد بن عيسى الاشعري، وعلي بن ابراهيم، ومحمد بن يحيى العطار الاشعري، فقد مرت خلاصة القول في ترجمتهم. واما أحمد بن ادريس بن احمد، أبو علي الاشعري القمي المتوفى سنة 306 ست وثلاثمأة بالقرعاء من طريق مكة، فهو شيخ المحدثين، واستاذ المحصلين، وثقة الرواة، وعلم الهداة. قال النجاشي (ره): أحمد بن ادريس بن احمد، أبو علي الاشعري القمي، كان ثقة فقيها في أصحابنا، كثير الحديث صحيح الرواية، له كتاب النوادر، أخبرني عدة من أصحابنا اجازة عن أحمد بن جعفر بن سفيان عنه ومات أحمد بن ادريس بالقرعاء، سنة ست وثلاثمأة، من طريق مكة على طريق الكوفة. وقال الشيخ (ره) في الفهرست: احمد بن ادريس أبو علي الاشعري =========================================================================== [25] القمي، كان ثقة في أصحابنا كثير الحديث صحيحه، وله كتاب النوادر كتاب كبير كثير الفائدة، أخبرنا بسائر رواياته الحسين بن عبيد الله، عن احمد بن محمد بن جعفر بن سفيان البزوفري، عن احمد بن ادريس، ومات بالقرعاء (4) في طريق مكة، سنة ست وثلاثمأة. وقال في الرقم: 37، من باب من لم يرو عن الائمة عليهم السلام من رجاله ص 444: أحمد بن ادريس القمي الاشعري: يكنى أبا علي، وكان من القواد، روى عنه التلعكبرى، قال: سمعت منه أحاديث يسيرة في دار ابن همام، وليس لي منه اجازة. وقال أيضا في باب الهمزة من أصحاب العسكري (ع): أحمد بن ادريس القمي المعلم، لحقه عليه السلام، ولم يرو عنه. واما أبو سليمان داود بن كورة القمي، فهو أيضا من مشايخ ثقة الاسلام الكليني (ره)، وكفى للرجل مقاما ان يعد من مشايخ الكليني، ويكون هو من خريجي مدرسته. وقال الشيخ (ره) في الفهرست والرجال: داود بن كورة القمي بوب كتاب النوادر لاحمد بن محمد بن عيسى، وله كتاب الرحمة، مثل كتاب سعد بن عبد الله. وقال النجاشي (ره): داود بن كورة أبو سليمان القمي، وهو الذي بوب كتاب النوادر لاحمد بن محمد بن عيسى، وكتاب المشيخة للحسن بن محبوب السراد على معاني الفقه، وله كتاب الرحمة في الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج، أخبرنا محمد بن علي القزويني، قال: حدثنا احمد ابن محمد يحيى قال: حدثنا داود به. =========================================================================== (4) القرعاء: منهل بطريق مكة، بين القادسية والعقبة. =========================================================================== [26] واما علي بن موسى بن جعفر الكمنداني (ره) (5)، فهو أيضا من مشائخ الكليني والصدوق الاول (ره)، ولم نعرف من ترجمته غير هذا. هذا خلاصة القول حول العدة التي يروي الكليني عنهم عن الاشعري. واما نوح بن شعيب، فقد قيل: انه البغدادي الذي ذكر الفضل بن شاذان: انه كان فقيها عالما صالحا مرضيا. وقيل: انه نوح بن صالح، كما في رجال الشيخ في أصحاب الامام الجواد عليه السلام. ووصفه بعضهم بالخراساني، وقيل: انهما متعددان. وأما عبيد الله بن عبد الله الدهقان، فعده الشيخ في الفهرست: 133 ط 2، من المصنفين، وقال: له كتاب رواه لنا ابن أبي جيد، عن ابن الوليد عن الصفار، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان. واما درست بن أبي منصور، فقد ذكره الشيخ (ره) في رجاله في غير مورد، وصرح انه واقفي. وذكره أيضا في الفهرست ص 94 وقال: درست الواسطي، له كتاب، وهو ابن أبي منصور، أخبرنا بكتابه احمد بن عبدون عن علي بن محمد بن الزبير القرشي، عن أحمد بن عمر بن كيسبة، عن علي ابن الحسن الطاطري، عنه. ورواه حميد، عن ابن نهيك عنه. وقال النجاشي (ره): درست بن أبي منصور محمد الواسطي، روى عن أبي عبد الله، وأبي الحسن عليهما السلام، ومعنى درست أي صحيح، له كتاب يرويه جماعة، منهم: سعد بن محمد الطاطري، عم علي بن الحسن الطاطري. منهم: محمد بن أبي عمير، أخبرنا الحسين بن عبيد الله، قال: حدثنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا حميد بن زياد، قال: حدثنا محمد بن =========================================================================== (5) وضبطه بعضهم بالياء، وقال: انه المعروف في زماننا عند اهالي تلك الديار. وقيل: انم اسم لبلدة قم في أيام الفرس، ولما فتحها المسلمون اختصروها وخففوها وقالوا: قم. =========================================================================== [27] غالب الصيرفي، قال: حدثنا علي بن الحسن الطاطري، قال حدثنا عمي سعد ابن محمد أبو القاسم، قال: حدثنا درست بكتابه. وأخبرنا محمد بن عثمان قال: حدثنا جعفر بن محمد، قال حدثنا عبيد الله بن أحمد بن نهيك، قال: حدثنا محمد بن أبي عمير عن درست بكتابه. وأما عروة فلم نعثر لحد الان، على ترجمة له. وأما شعيب العقرقوفي، فعده الشيخ (ره) في رجاله من أصحاب الامام الصادق، والامام الكاظم عليهما السلام. وقال في الفهرست، ص 108: شعيب بن يعقوب العقرقوفي، ابن اخت أبي بصير، له أصل، أخبرنا الحسين ابن عبيد الله، عن الحسن بن حمزة العلوي، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، ومحمد بن أبي عمير، عنه. وأخبرنا بن ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، وعلي ابن السندي، عن ابن أبي عمير، وحماد بن عيسى، عن شعيب. وقال النجاشي (ره): شعيب ابن العقرقوفي أبو يعقوب، ابن اخت أبي بصير (يحيى بن القاسم)، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليه السلام، ثقة عين، له كتاب يرويه حماد بن عيسى، وغيره. أخبرنا عدة من أصحابنا، عن الحسن بن حمزة، قال: حدثنا ابن بطة قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد، عن حماد، عن شعيب به. وذكر الكشي (ره) في ترجمته رواية تدل على انه كان من حملة الاسرار للامام الصادق عليه السلام. وأما أبو بصير، فهو يحيى بن القاسم الاسدي، بقرينة رواية شعيب ابن اخته عنه، وهو (ره) وان كان كثر الاختلاف فيه - وتحقيق حاله ونقض الاباطيل التي وقعت من بعض يستدعي بسط الكلام - الا انا نكتفي بما أفاده المحقق النجاشي (ره)، - فانه، إذا قالت حذام فصدقوها - قال (ره): =========================================================================== [28] يحيى بن القاسم أبو بصير الاسدي، وقيل: أبو محمد، ثقة وجيه، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع)، وقيل: يحيى ابن أبي القاسم، واسم أبي القاسم اسحاق، وروى عن أبي الحسن موسى عليه السلام، له كتاب يوم وليلة، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن شيبان، قال: حدثنا الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير بكتابه، ومات أبو بصير سنة خمس ومأة. وروى الكشي عن ابن أبي عمير، عن شعيب العقرقوفي، قال: قلت لابي عبد الله (ص): ربما احتجنا أن نسأل عن الشئ، ممن نسأل ؟ قال: عليك بالاسدي، يعني أبا بصير. كما في ترجمة أبي بصير ليث المرادي من رجال الكشي ص 153. وحكي عن علي بن أحمد العقيقي انه قال: يحيى بن القاسم الاسدي مولاهم، ولد مكفوفا، رأى الدنيا مرتين، مسح أبو عبد الله عليه السلام على عينيه، وقال: انظر ما ترى، قال: أرى كوة في البيت وقد أرانيها أبوك من قبل. وقال الشيخ المفيد في الاختصاص: 83، ط 2: ومن جملة أصحاب الامام الباقر عليه السلام أبو بصير يحيى بن أبي القاسم مكفوف، مولى لبني أسد، واسم أبي القاسم اسحاق، وأبو بصير كان يكنى بأبي محمد. البحث الثاني: تعليق على قوله (ع): والعلم مخزون عليكم عند أهله، قد أمرتم بطلبه منهم، الخ. فان قيل: ما هو العلم الذي قال عنه أمير المؤمنين هنا: انكم قد أمرتم بطلبه منهم، وورد أيضا في غير واحد من الاخبار ان طلبه فريضة على كل مسلم ؟ هل المراد منه مطلق الكشف والادراك القائم بالنفس، سواء أكان المكشوف والمدرك من الامور المعنوية المجردة، أم كان من الماديات ؟ وبعبارة اخرى: هل المراد من العلم الذي قد حث الشارع على طلبه، هو خصوص =========================================================================== [29] علم المبدأ والمعاد، وعرفان الرب والنفس، أم المراد أعم منه ومن العلوم التي فائدتها منحصرة في الحياة الدنيا، والاستنتاج والانتفاع من متاعها، كالصنائع والرياضيات والهندسيات وغيرها ؟ ربما ادعى بعض المشغوفين بنتائج الصنائع، القاصرين طرفهم على لذات الماديات، البعيدين عن الكمالات المعنوية: ان المراد من العلم الذي وقع التحضيض عليه، والترغيب فيه من الشارع هو معناه العام، ومفهومه الشامل السعي المنطبق بحسب وضعه اللغوي على كل ادراك وكشف قائم بالنفس، سواء كان المنكشف دنيويا أو اخرويا، وسواء أكان من المعنويات والمجردات، أم من الماديات، وسواء أكان له مساس بعرفان الرب والنفس، أم لا ولكن يقال في جواب أصل السؤال، وفي تفنيد قول من زعم ان المراد من العلم مطلق احاطة الفكر على الاشياء وخواصها ولوازمها ومنافعها: ان المتأمل في الاثار الواردة عن الشارع، وحفاظ الشريعة، وأوعية علم الله، يقطع بأن المراد من العلم المرغب فيه من جانب الشرع، هو العلم الذي ينجي من الهلاك، ويقرب الانسان الى الله، ويعرفه الرب، فيحمله على اطاعته واطاعة سفرائه وخلفائه، ويعرفه نفسه، فيحمله على التحلي بالكمالات النفسانية، والتخلي عن الرذائل الاخلاقية. وان من ادعى بالنظر البدوي: شمول العلم حتى للصنائع والفنون المادية، فهو عن صراط الحق لناكب، وعن نيل الحقيقة لبعيد. ومن تصفح آثار المعصومين، وتعمق فيها أدنى تعمق ينكشف له جليا ان مرادهم من العلم الذي حثوا عليه، ورغبوا فيه غاية الترغيب، هو علم المبدأ والمعاد، وان غيره ليس بعلم. فالعلم في عرف الشرع، إذا اطلق مجردا عن القرينة يراد منه عرفان مقام الربوبية والعبودية، وما يتبعهما من معرفة النبي والوصي، وما يقرب =========================================================================== [30] الى الله، وما يبعد عنه. فان قيل: كيف يصح نفي العلم وسلبه عن الادراكات الفكرية المتعلقة بالماديات، وهل هذا الا سلب الشئ عن نفسه، ونفى الشئ عن ذاته ؟ قلنا: قد اغمضت النظر عن الاعتبارات العقلائية، والملاحضات العرفية، وان الاعتبار أمر هين بملاحظة الاغراض المطلوبة من الاشياء جليلها وحقيرها وانه قد ينزل وجود الشئ منزلة عدمه لاجل فقدانه النتيجة المطلوبة، أو لما يترتب عليه من المضار والمفاسد، وانه قد ينزل المعدوم منزلة الموجود، ارشادا الى ما يترتب عليه أو يترقب منه في أزمنة وجوده، وذلك في العرفيات فوق حد الاحصاء، وملحوظ عند جميع الامم، على اختلاف آرائها وألسنتها وأقطارها ومذاهبها، وقد اعتبره الشارع في أمور كثيرة، واستعمله في كثير من المقامات. وكفاك شاهدا لما ذكرنا الصوت السماوي، والنداء الملكوتي يوم بدر: لافتى الا علي، ولا سيف الا ذو الفقار. وحسبك الخبر المعروف المشهور لدى الطائفتين، المروي في الكافي والمعاني في الباب: 77 ص 141، وغيرهما من الكتب المعتبرة: انه دخل رسول الله (ص) المسجد، فإذا جماعة قد اطافوا برجل فقال: ماهذا ؟ قالوا: علامة يارسول الله، فقال: وما العلامة ؟ قالوا: اعلم الناس بانساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية وبالاشعار والعربية، قال فقال النبي صلى الله عليه وآله: ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: انما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة، وما خلاهن فهو فضل. كما في الحديث 1 من الباب، 2، من كتاب العلم، من الكافي ص 32، وكما في الحديث 6، من الباب 6، من البحار: 1، 65. =========================================================================== [31] وناهيك قول أمير المؤمنين عليه السلام: العالم من عرف قدره، ولم يتعد طوره، وكفى بالمرء جهلا ان لايعرف قدره، الخ. كما في المختار 99، من خطب نهج البلاغة، الى غير ذلك من الشواهد التي لا تحصى. فان سأل سائل وقال: ما مقصود أمير المؤمنين (ع) من أهل العلم، في قوله: العلم مخزون عند أهله قد أمرتم بطلبه منهم ؟ هل لعلم الدين أهل مخصوص يجب الاخذ منهم فقط، أم ان علم الدين أيضا كسائر العلوم والصنائع يجوز أخذه وتعلمه من كل من كان عالما به ؟ قلنا: نعم لعلم الدين أهل مخصوص، علموا الدين وعقلوه عقل دراية ورعاية، لاعقل سماع ورواية، ويجب الاخذ منهم، ولايجوز التعدي عنهم، لقول النبي صلى الله عليه وآله: لا تتأخروا عنهم فتهلكوا، ولا تتقدموهم فتمرقوا. فان قيل: ومن هم المنعوتون بهذه الصفات، وهل لعرفانهم من سبيل ؟ قلنا: المنعوتون بهذه الصفات هم الذين أمر الله الناس بالكون معهم في قوله: وكونوا مع الصادقين، وأمر باطاعتهم أيض في قوله عز ممن قائل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم. ووصفهم بقوله: وتعيها أذن واعية. وبقوله: ومن عنده علم الكتاب. ومدحهم بقوله: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. فان قلت: لم يتضح المراد، فهل لك معرف وطريق آخر يكشف عن مرادك جليا ؟ قلنا: نعم لنا طرق كثيرة لتعريفهم، ونشير هنا الى بعضها ونقول: ان المراد من أهل علم الدين هو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حقه: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فيأت الباب، ومن أتاها من غير بابها يعد سارقا. =========================================================================== [32] نعم ان المراد من أهل علم الدين هو الذي قال رسول الله (ص) في حقه: علي مع الحق، والحق معه، يدور معه حيثما دار. نعم، ان المراد من أهل علم الدين هو الذي قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله الف باب من العلم، ينفتح من كل باب الف باب. وفي طريق: ينفتح من كل باب الف الف باب. نعم، ان المراد من أهل العلم هو الذي قال رسول الله (ص) في شأنه: علي مع القرآن، والقرآن مع علي. نعم، ان المراد من أهل العلم هو الذي كان في صهوات المنابر يضع يده على صدره ويقول: هذا سفط العلم، هذا ما زقني به رسول الله زفا. نعم، ان المراد من أهل العلم هو الذي كان يتنفس الصعداء ويقول: - مشيرا الى قلبه - ان ههنا لعلما جما، لو وجدت له حملة. نعم، ان المراد من أهل العلم الذي يجب الاخذ عنه ولايجوز التعدي منه، هو من كان يصيح على الاعواد: سلوني قبل أن تفقدوني فاني بطرق السماء أعلم مني بطرق الارض. نعم، ان علم الدين يجب ان يؤخذ ممن كان يقول: فو الله، لو اشاء ان أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت، ولكني أخاف أن تشركوا في برسول الله، فأفضيه الى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه. نعم، ان المراد من أهل العلم هو الذي كان يقول: لو ثنيت لي الوسادة وجلست عليها، لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بانجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، الخ. نعم، ان المراد من أهل العلم هو الذي كان يقول: والله مامن آية نزلت في بر أو بحر أو سفر أو حضر في جبل أو في سهل، الا وقد علمت فيمن نزلت، وعلى ما نزلت، الخ. =========================================================================== [33] نعم، ان المراد من أهل العلم هو الذي يحكي عن نفسه الشريفة بداية أمره وحال صباوته، ويقول: ولقد كنت أتبع النبي اتباع الفصيل لامه، وكنت أرى نور الوحي وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان إذ نزل على النبي الوحي، فقلت: يارسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال: هذه رنة الشيطان، أيس أن يعبد بعد ذلك، انك ترى ما أرى، وتسمع ما أسمع، إلا انك لست بنبي، بل وزير، الخ. نعم، ان أهل العلم هم الذين قال النبي (ص) مرة بعد اخرى في شأنهم: اني تارك فيكم الثقلين، مان تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي، انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، الخ. نعم، يجب ان يقتبس العلم من الذين قال النبي في حقهم: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى. نعم، يجب تحمل العلم من الذين شبههم النبي (ص) بنجوم الهداية فقال: مثل أهل بيتي مثل نجوم السماء، كلما خوى نجم طلع نجم آخر، الخ. نعم، أهل العلم هم الذين نعتهم النبي (ص) بقوله: ان في كل خلف من أهل بيتي عدولا، ينفون عن هذا الدين تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين. ان قلت: كل ما ذكرت جلي، وأدلته غير محصورة، ومن يريد النجاة من الهلاك الدائم، والاتصال بالمقربين في جوار رب العالمين لا يترك عليا وأولاده المعصومين، ولا يتوصل بغيرهم ممن يشك في نجاته، وقد قال الله عز من قائل: أفمن يهدي الى الحق أحق ان يتبع أمن لا يهدي الا ان يهدى فمالكم كيف تحكمون. ولكن هل يجوز في أمثال زماننا هذا، أخذ العلم وتحمله من كل متلبس بالعلم وموصوف بالفقه، ولو لم يكن علمه مأخوذا من الكتاب والسنة، بل كان مصدر فتياه اللقياس أو الرمل والاسطرلاب أو الاستخارة مثلا، =========================================================================== [34] أو كان علمه متخذا من الكتاب والسنة، ولكن يكون منحرفا عقيدة أو عملا أو تراكمت عليه ظلمات بعضها فوق بعض ؟ وببيان آخر: هل يجوز إتباع كل عالم بالعلوم الشرعية، وتصديقه بأن ما يقول هو حكم الله، وهل يجوز التحمل عنه والنقل عنه لغيره ولو لم يكن هذا العالم المأخوذ منه عادلا أي عاملا بالواجبات، وتاركا للمحرمات، أو ولو لم يكن علمه مأخوذا من الكتاب والسنة، أم جواز الاخذ والرواية، والتصديق منوط وموقوف على ان يكون علم المفتي مأخوذا من الكتاب الكريم، والسنة الصحيحة، ومشروط أيضا بصحة عقيدة المفتي، وكونه عاملا بعلمه المعبر عنه بالعدالة ؟ قلت: اما تحمل العلم - بمعنى تصديق العالم فيما يخبر عن الله - فلا يجوز الا إذا كان العالم والمفتي من أهل الحق، وكان مخالفا لهواه، ومطيعا لامر مولاه، وكان علمه مأخوذا من الكتاب والسنة المعتبرة، واما تحمل العلم - بمعنى التعلم عن العالم بالعلوم الشرعية الاعتقادية والعملية، والتلمذ عليه ثم النقل لغيره - فان كان المتعلم قاصرا عن تشخيص الحق من الباطل، والغث من السمين، عاجزا عن معرفة الصدق والصواب، فلا يجوز له تعلم المسائل الاعتقادية أو العملية، ولا النقل من غير أهل الحق ممن كان له انحراف اعتقادي أو عملي، لانه لا يأمن الضلال والهلاك، واما لو كان المتعلم راسخ القدم في العقائد، ثابت الاركان في عبادة الله، وبيده معرفة الحق والباطل، وله حذاقة في خصوصيات الشريعة بحيث لا تحركه العواصف ولا تكسره القواصف، فيجوز له التعلم من غير مستقيم الطريقة اعتقادا وعملا، حيث انه مأمون من الضرر، محفوظ من توجه الخطر، وكذا يجوز له ان ينقل عنه لغيره، ويروي عنه إذا لم يوجب التباس الحق بالباطل، واضلال عباد الله، والقسمان الاخيران وهما عدم جواز التلمذ والنقل في =========================================================================== [35] صورة احتمال الضرر والاضلال، وجواز التعلم والرواية مع الامن من الضرر والاضلال، قياساتهما معهما، فهما مستغنيان عن الاستدلال واقامة البرهان عليهما. واما القسم لاول (أي عدم جواز تحمل العلم - الذي يعتبر فيه التصديق والاذعان، أو الجري العملي عليه ونسبته الى الشارع - من علماء السوء من حيث الاعتقاد أو العمل) فاليك دليله. 1 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم ينزل عالم الى عالم يصرف عنه طلاب حطام الدنيا وحرامها، ويمنعون الحق أهله، ويجعلونه لغير أهله، واتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فافتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا (6). 2 - وقال صلى الله عليه وآله: الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يارسول الله وما دخولهم في الدنيا ؟ قال: إتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم (7). 3 - وقال صلى الله عليه وآله: من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء وملائكة الارض (8). 4 - وقال صلى الله عليه وآله: تعلموا من عالم أهل بيتي، ومن تعلم من عالم أهل بيتي تنجوا من النار، دعائم الاسلام: 1، 80. 5 - وقال صلى الله عليه وآله في الحديث المتواتر بين الفريقين: مثل =========================================================================== (6) الحديث 8، من الباب 14، من البحار: 1، 90، وقريب منه في عقد الفريد: 1، 269، ط 2. وكما في الحديث 20، من الباب 15، من البحار: 1، 99. وكما في الحديث 41، من الباب 16، من البحار: 1: 101. (7) الحديث 16، من الباب 16، من البحار 1، وقريب منه في دعائم الاسلام: 81، ج 1. (8) كما في الدعائم: 1، 96، ورواه العامة عن النبي (ص) وعن امير المؤمنين. =========================================================================== [36] أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق (9). 6 - وقال صلى الله عليه وآله: أربعة مفسدة للقلوب: الخلوة بالنساء، والاستماع منهن، والاخذ برأيهن، ومجالسة الموتى، قيل: يارسول الله ! وماهم ؟ قال: كل ضال وحائر في الاحكام. 7 - وقال صلى الله عليه وآله: لا تجلسوا عند كل عالم الا عالم يدعوكم من الخمس الى الخمس، من الشك الى اليقين، ومن الكبر الى التواضع، ومن الرياء الى الاخلاص، ومن العداوة الى النصيحة، ومن الرغبة الى الزهد. 8 - وعن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال: يا معشر شيعتنا والمنتحلين مودتنا اياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، تفلتت منهم الاحاديث ان يحفظوها، وأعيتهم السنة أن يعوها، فاتخذوا عباد الله خولا وماله دولا، فذلت لهم الرقاب، واطاعهم الخلق أشباه الكلاب، ونازعوا الحق أهله، وتمثلوا بالائمة الصادقين، وهم من الكفار الملاعين، فسئلوا عما لا يعلمون فأنفوا ان يعترفوا بأنهم لا يعلمون، فعارضوا الدين بآرائهم، فضلوا وأضلوا، أما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما. 9 - وقال (ع) تعلموا العلم قبل أن يرفع، أما إني لاأقول: هكذا (ورفع عليه السلام يده) وللكن يكون العالم في القبيلة فيموت فيذهب بعلمه ويكون الاخر في القبيلة فيموت فيذهب بعلمه، فإذا كان ذلك إتخذ الناس رؤساء جهالا يفتون بالرأي، ويتركون الاثار فيضلون ويضلون فعند ذلك هلكت هذه الامة. دعائم الاسلام: 1، 96. 10 - وقال (ع): من دخل في الدين بالرجال أخرجه منه الرجال كما أدخلوه فيه، ومن دخل فيه بالكتاب والسنة، زالت الجبال قبل أن يزول. =========================================================================== (9) ورواه في دعائم الاسلام: 1، 80 بلفظ: منزلة اهل بيتي فيكم، الخ. =========================================================================== [37] كما في مقدمة الرسالة السعدية لاية الله العلامة الحلي (ره)، ولكن لم يحضرني الان، ولكن هذا اللفظ للامام الصادق عليه السلام كما في الحديث 66، من كتاب العلم، من البحار: 1، 68 (10). 11 - وقال السبط الشهيد صلوات الله عليه: مجاري الامور والاحكام على أيدي العلماء بالله، الامناء على حلاله وحرامه، الخ (11). 12 - وقال سيد الساجدين الامام زين العابدين عليه السلام، في كلام طويل: الرجل كل الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لامر الله، وقواه مبذولة في رضى الله، يرى الذل مع الحق أقرب الى عز الابد من العز في الباطل، ويعلم ان قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه الى دوام النعيم، في دار لاتبيد ولا تنفد، وان كثير ما يلحقه من سرائها ان اتبع هواه يؤديه الى عذاب لا انقطاع له ولا يزول، فذلكم الرجل، نعم الرجل، فيه فتمسكوا، وبسنته فاقتدوا، والى ربكم به فتوسلوا، فانه لاترد له دعوة، ولا تخيب له طلبة كما في الحديث 10، من الباب 14، من كتاب العلم، من البحار: 1، 91. 13 - وقال الامام الباقر عليه السلام: أما إنه ليس عند أحد من الناس حق ولاصواب الا شئ أخذوه منا أهل البيت، ولا أحد من الناس يقضي بحق وعدل وصواب الا مفتاح ذلك القضاء وبابه وأوله وسببه علي بن ابي طالب عليه السلام، فإذا اشتبهت عليهم الامور، كان الخطأ من قبلهم، والصواب من قبل علي بن أبي طالب عليه السلام. =========================================================================== (10) ان قلت: فعلى هذا لاوجه لنسبته الى امير المؤمنين عليه السلام بل اللازم روايته عن الامام الصادق (ع) قلنا: نسبناه الى امير المؤمنين (ع) لوجهين. الاول: ان المغايرة بينهما لا تكون الا في الفاظ طفيفة، ونقل الحديث بالمعنى جائز باتفاق اهل العلم. الثاني: ما ثبت من طريق اهل البيت (ع) من جواز نسبة ما ثبت عن بعضهم الى البعض الاخر منهم. (11) كما في المختار 1 من كلمه (ع) في تحف العقول. =========================================================================== [38] 14 - وقال (ع): كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل. 15 - وقال عليه السلام: إنا أهل بيت من علم الله علمنا ومن حكمه أخذنا. ومن قول الصادق سمعنا، فان تتبعونا تهتدوا. 16 - وروى الشيخ المفيد (ره) في الاختصاص: 31، ط 2، انه قال عليه السلام: كل شئ لم يخرج من هذا البيت فهو وبال. 17 - وسأله زرارة عن قول أمير المؤمنين (ع) " سلوني عما شئتم، ولا تسألوني عن شئ الا أنبأتكم به ". فقال: أنه ليس أحد عنده علم شئ الا خرج من عند أمير المؤمنين، فليذهب الناس حيث شاؤا فو الله ليأتين الامر هاهنا (12). 18 - وقال (ع) في تفسير قوله تعالى: فلينظر الانسان الى طعامه، أي الى علمه الذي يأخذه عمن يأخذه (13). 19 - وقال عليه السلام: أما انه ليس عند أحد علم ولاحق ولافتيا، الا شئ أخذ عن علي بن أبي طالب، وعنا أهل البيت، وما من قضاء يقضى به بحق وصواب الا بدء ذلك ومفتاحه وسببه وعلمه من علي ومنا، فإذا اختلف عليهم أمرهم قاسوا وعملوا بالرأي، وكان الخطأ من قبلهم إذا قاسوا وكان الصواب إذا اتبعوا الاثار من قبل علي عليه السلام (14). 20 - وروى بشير الدهان، عن الامام الصادق عليه السلام، انه قال: =========================================================================== (12) الحديث 33 من الباب، من كتاب العلم، من البحار: 1. قال المجلسي (ره) قوله (ع): ليأتين، بفتح الياء ورفع الامر، أي يأتي الامر وما يتعلق بأمور الخلق الى صدورنا، ويهبط الينا، ويحتمل نصب الامر فيكون ضمير الفاعل راجعا الى كل احد من الناس، أو كل من أراد اتضاح الامر. (13) الحديث 6 من رجال الكشى (ره) ص 11. (14) الحديث 35، وقريب منه في الحديث 34، من الباب، من كتاب العلم، من البحار: 1. =========================================================================== [39] لاخير فيمن لا يتفقه من أصحابنا، يا بشير ان الرجل منكم إذا لم يستغن بعلمه، احتاج إليهم، فإذا أحتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم، كما في الحديث: 58 من الباب 6، من كتاب العلم، من البحار: 1، 68. 21 - وقال عليه السلام: كذب من زعم انه يعرفنا وهو مستمسك بعروة غيرنا. كما في الحديث: 7 و 48 من الباب، من كتاب البحار: 1، 68. 22 - وقال عليه السلام: ان العلماء ورثة الانبياء، وذلك ان الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وانما ورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ شيئا منها فقد أخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فان فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. 23 - وقال علي بن سويد: كتب الي أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام وهو في السجن: لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا، فانك ان تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله، الخ، كما في الحديث: 4 من رجال الكشي، والحديث: 2 من الباب 6، من كتاب العلم، من البحار: 1. 24 - وروى ثقة الاسلام قدس سره في الحديث: 95 من روضة الكافي معنعنا، انه عليه السلام أجاب كتاب علي بن سويد بمطالب جمة الى أن قال (ع) فاستمسك بعروة الدين آل محمد، والعروة الوثقى الوصي بعد الوصي، والمسالمة لهم، والرضا بما قالوا، ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك، ولا تحبن دينهم فانهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم، الخ (15). 25 - وقال الامام الجواد عليه السلام: من اصغي الى ناطق فقد عبده =========================================================================== (15) وقال العلامة المجلسي: ان للحديث سنة طرق صحيحة. =========================================================================== [40] فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وان كان الناطق ينطق عن لسان ابليس فقد عبد ابليس. (16). 26 - وكتب الامام الهادي عليه السلام، الى احمد بن حاتم بن ماهويه واخيه: فأعتمدا في دينكما على مسن في حبتكما (على كبير في حبنا خ ل) وكل كثير القدم في أمرنا، فانهم كافو كما انشاء الله تعالى. (17). 27 - وقال الامام العسكري عليه السلام، في حديث طويل: فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا لهواه، مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه، وذلك لا يكون الا بعض فقهاء الشيعة لاجميعهم، فأما من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا، ولاكرامة: الخ (18). وعن الكليني رضوان الله عليه، عن اسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري (ره) ان يوصل لي كتابا سألت فيه عن مسائل اشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا، فانهم حجتي عليكم، وانا حجة الله، الخبر. (19) الى غير ذلك من الاخبار التي ذكرها في كتاب العلم من البحار وسنذكر طرفا آخر منها فيما سيأتي انشاء الله تعالى. =========================================================================== (16) تحف العقول، 339. (17) الحديث 4، من رجال ابي عمرو الكشى (ره)، 10. (18) الحديث 11، من الباب 14، من كتاب العلم، من البحار: 1. (19) الحديث 12، من الباب 14، من كتاب فضل العلم، من البحار: 1. ونقله أيضا مع مسائل اسحاق بن يعقوب في البحار 17: 219. =========================================================================== [41] البحث الثالث: في الاشارة الى نبذ من فضيلة العم والعلماء، المنقول من أهل بيت الوحي صلوات الله عليهم اجميعن. 1 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله: العلم وديعة الله في ارضه، والعلماء أمناؤه عليه، فمن عمل بعلمه أدى امانته، ومن لم يعمل بعلمه كتب في ديوان الله من الخائنين. (20) 2 - وقال (ص): فضل العلم خير من فضل العبادة. 3 - وقال (ص): ان قليل العمل مع العلم كثير، كما ان كثيره مع الجهل قليل. رواهما في الكتاب 6 من عقد الفريد: 1، 266، ط 2. 4 - وعن ثقة الاسلام قدس الله سره، في الحديث 1، و 2، من باب فرض العلم، من الكافي معنعنا، بثلاثة اسانيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طلب العلم فريضة على كل مسلم، ألا ان الله يحب بغاة العلم. 5 - وفي الحديث 45، من الباب 8، من كتاب العلم، من البحار: 1، 76، نقلا عن السرائر معنعنا، عن امير المؤمنين عليه السلام أنه قال: المؤمن العالم اعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله، وإذا مات ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شئ الى يوم القيامة. وهذا الحديث قد بلغ حد الاستقاضة عن غير واحد من المعصومين عليه السلام. 6 - وعن كتاب قرب الاسناد معنعنا، عن امير المؤمنين (ع) انه =========================================================================== (20) الحديث 39، من الباب، من كتاب العلم، من بحار الانوار: 1، 80، الكمباني، وكما في الحديث: 525، من مستدرك البحار: 17، 423، س 6. =========================================================================== [42] قال اياكم والجهال من المتعبدين والفجار من العلماء، فانهم فتنة كل مفتون. ورواه عنه في الحديث 3، من الباب 5، من كتاب العلم من البحار: 1، 64.، وفي نفس الباب والباب 15، منه اخبار كثيرة بهذا المعنى. 7 - وروى كثير من اصحابنا كالصدوق (ره) في الامالي، وشيخ الطائفة في الحديث 9، من المجلس 7، من اماليه 311، والطبرسي (ره) في مقدمة مجمع البيان، وغيرهم بأسانيد كثيرة صحيحة، عن الامام الرضا عليه السلام، عن ابائه، عن النبي صلوات الله عليهم اجمعين، قال الطبرسي (ره): وقد صح عن النبي (ص) فيما رواه لنا الثقات، بالاسانيد الصحيحة، مرفوعا الى امام الهدى، وكهف الورى، ابى الحسن علي بن موسى الرضا (ع)، عن آبائه سيد عن سيد، وامام عن امام، الى اتصل به عليه وآله السلام، أنه قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، فأطلبوا العلم من مظانه، واقتبسوه من أهله، فان تعلمه لله حسنة، وطلبه عبادة، والمذاكرة به تسبيح، والعمل به جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لاهله قربة الى الله تعالى، لانه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة، والمونس في الوحشة، والمصاحب في الغربة والوحدة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الاعداء، والزين عند الاخلاء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة تقتبس آثارهم، يقتدى بفعالهم، وينتهى الى أرائهم، ترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلواتها تبارك عليهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وانعامه، ان العلم حياة القلوب من الجهل، وضياء الابصار من الظلمة، وقوة الابدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الاخيار، ومجالس الابرار، والدرجات العلى في الاخرة والاولى، الذكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته =========================================================================== [43] بالقيام، به يطاع الرب ويعبد، وبه يوصل الارحام، ويعرف الحلال والحرام، العلم أمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الاشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه الله منه حظه. وهذا الخبر الشريف رواه العامة أيضا، كما في محكى كتاب المختصر 27، عن ابن عبد البر في العلم، ورواه أيضا في حاشية دعائم الاسلام: 1، 81 8 - وقال (ص): مجالسة العلماء عبادة، والنظر الى علي عبادة، والنظر الى البيت عبادة، والنظر الى المصحف عبادة، والنظر الى الوالدين عبادة. (21) 9 - وقال (ص): النظر في وجه العالم حبا له عبادة (22). 10 - وقال (ص) اربعة تلزم كل ذي حجى وعقل من امتي، قيل: يارسول الله وماهي ؟ قال: استماع العلم، وحفظه، والعمل به، ونشره. كما في دعائم الاسلام: 1، 81، وعقد الفريد: 1، 266، ط 2. 11 - وقال (ص): يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه (23) تحريف الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتأويل الغالين. (24) 12 - وعن امير المؤمنين عليه السلام انه قال: والله ما برأ الله من برية افضل من محمد ومنى واهل بيتي وان الملائكة لتضع اجنحتها لطلبة =========================================================================== (21) الحديث 25، من الباب 4، من كتاب العلم، من البحار: 1، 64، نقلا عن كشف الغمة معنعنا. (22) الحديث 30، من الباب 4، من كتاب العلم، من البحار: 1، 64، معنعنا. (23) وروى الكشى (ره) في الحديث 5، من رجاله 10، معنعنا، انه قال (ص): يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكير خبث الحديد. (24) دعائم الاسلام: 1، 81، ط 1. والعقد الفريد: 1، 266، ط 2. =========================================================================== [44] العلم من شيعتنا. (25) 13 - وقال عليه السلام: كفى بالعلم شرفا ان يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذما ان يبرأ منه من هو فيه. كما عن منية المريد، ومعجم الادباء، ومن كلامه (ع) أخذ الشاعر وقال: كفى شرفا للعلم دعواه جاهل * ويفرح ان يدعى إليه وينسب ويكفي خمولا للجهالة انني * أراع متى انسب إليها واغضب 14 - وجمع الامام المجتبى السبط الاكبر عليه السلام بنيه وبني اخيه فقال: إنكم صغار قوم، ويوشك ان تكونوا كبار قوم آخرين، فتعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم ان يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته. (26) 15 - وقال (ع): علم الناس علمك، وتعلم علم غيرك، فتكون قد اتقنت علمك، وعلمت ما لم تعلم. (27) 16 - وقال صلى الله عليه وآله: إذا خرج الرجل في طلب العلم، كتب الله له أثره حسنات، فإذا التقى هو والعالم فتذاكرا من امر الله تعالى شيئا اظلتهما الملائكة، ونوديا من فوقهما ان قد غفرت لكما. 17 - وقال الامام الباقر عليه السلام: من علم باب هدى كان له أجر من عمل به، ولا ينقص اولئك من أجورهم، ومن علم باب ضلال كان عليه وزر من عمل به، ولا ينقص اولئك من أوزارهم. كما في الحديث 56، من الباب 8، من كتاب العلم، من البحار: 1، 75، معنعنا ونقلا عن محاسن البرقي. (هامش) (25) الاختصاص 234، ط 2، ورواه عنه في البحار: 1، 58. (26) منية المريد، ورواه منه في كتاب العلم، من البحار: 1، 120 (27) البحار: 17، 146، نقلا عن كشف الغمة. =========================================================================== [45] 18 - وقال (ع): تذاكر العلم ساعة خير من قيام ليلة. (28) 19 - وقال (ع): رحم الله عبدا احيى العلم، فقيل: وما احياؤه ؟ قال: ان يذاكر به اهل الدين والورع (29) 20 - وقال (ع) تذاكر العلم دراسة، والدراسة صلاة حسنة. كما في الحديث 37، من الباب 4، من كتاب العلم، من البحار: 1، 64. 21 - وقال الامام الصادق عليه السلام: العلماء امناء، والاتقياء والاوصياء سادة. 22 - وفي رواية أخرى عنه (ع) قال: العلماء منار، والاتقياء حصون، والاوصياء سادة. كما في الحديث 5، من الباب 2، من باب فضل العلم والعلماء، من الكافي معنعنا. 23 - وقال (ع): اطلبوا العلم، وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم، ولا تكونوا علماء جبابرة، فيذهب باطلكم بحقكم. كما في دعائم الاسلام: 1، 80، وغير واحد من المصادر. 24 - وروى البرقي في المحاسن، والصدوق في الامالي معنعنا، انه قال (ع): لا يقبل الله عزوجل عملا الا بمعرفة، ولا معرفة الا بعمل، فمن عرف دلته المعرفة على العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له، ان الايمان بعضه من بعض. 25 - وبالسندين قال (ع): العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا يزيده سرعة السير الا بعدا. كما في الحديث 1 و 2، من الباب 5، من كتاب العلم، من البحار: 1، 64. =========================================================================== (28) كتاب العلم، من البحار: 1، 64، نقلا عن كتاب الاختصاص. (29) كتاب العلم، من البحار: 1، 64، نقلا عن منية المريد. =========================================================================== [46] وقال الامام الكاظم عليه السلام: اولى العلم بك، مالا يصلح لك العمل الا به، وأوجب العلم عليك، ما انت مسئول عن العمل به، والزم العلم لك، ما دلك على صلاح قلبك، واظهر لك فساده، واحلى العلم عاقبة، ما زاد في عملك العاجل، فلا تشغلن بعلم مالا يضرك جهله، ولا تغفلن عن علم ما يزيد في جهلك تركه. (30) 27 - وقال عليه السلام: محادثة العالم على المزبلة خير من محادثة الجاهل على الزرابي. (31) 28 - وروى أبو الصلت عن الامام الرضا عليه السلام انه قال: رحم الله عبدا احيى أمرنا، فقلت له: وكيف يحيى امركم ؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فأن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا، قال أبو الصلت: قلت له: فقد روى لنا عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: من تعلم علما ليمارى به السفهاء، أو يباهي به العلماء، أو ليقبل بوجوه الناس إليه فهو في النار، فقال (ع): صدق جدى (ع)، أفتدرى من السفهاء ؟ فقلت: لا، يا ابن رسول الله، قال: هم قصاص مخالفينا، وتدري من العلماء ؟ فقلت: لا، يا ابن رسول الله، فقال: هم علماء آل محمد الذين فرض الله طاعتهم، واوجب مودتهم، ثم قال: وتدري ما معنى قوله: أو ليقبل بوجوه الناس إليه ؟ قلت: لا، قال: يعني والله بذلك ادعاء الامامة بغير حقها، ومن فعل بذلك فهو في النار. كما في الحديث 11، من الباب 9، من كتاب العلم، من البحار: 1، 78، عن العيون والمعاني معنعنا. 29 - وقال (ع): مودة عشرين سنة قرابة، والعلم اجمع لاهله =========================================================================== (30) البحار: 17، 206، نقلا عن كتاب اعلام الدين. وقريب منه، رويناه عن امير المؤمنين (ع) كما يجئ في الباب الخامس. (31) الحديث 28، من الباب 4، من كتاب العلم، من البحار: 1، 64. =========================================================================== [47] من الاباء. كما في الحديث 8، من الباب 12، من البحار: 16، 48: نقلا عن عيون اخبار الرضا معنعنا. البحث الرابع: في ذكر ما ورد عن العلماء والصلحاء والحكماء والامراء في فضيلة العلم والعلماء. 1 - روى في البحار: 17، 267، ط الكمباني، عن الامام الصادق عليه السلام، انه قال: لقمان لابنه: يا بني ان تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا، ومن عنى بالادب اهتم به، ومن اهتم به تكلف علمه، ومن تكلف علمه اشتد له طلبه، ادرك به منفعة فأتخذه عادة، واياك والكسل منه والطلب لغيره، وان غلبت على الدنيا فلاتغلبن على الاخرة، وانه ان فاتك طلب العلم فانك لن تجد تضييعا اشد من تركه، يا بني استصلح الاهلين والاخوان من أهل العلم ان استقاموا لك على الوفاء، واحذرهم عند انصراف الحال بهم عتك، فان عداوتهم اشد مضرة من عداوة الاباعد، لتصديق الناس اياهم لاطلاعهم عليك. 2 - وروى عنه بسند آخر انه قال: يا بني اخلص طاعة الله حتى لا تخالطها بشئ من المعاصي، ثم زين الطاعة باتباع اهل الحق، فان طاعتهم متصلة بطاعة الله تعالى، وزين ذلك بالعلم، وحصن علمك بحلم لا يخالطه حمق، واخزنه بلين لا يخالطه جهل، وشدده بحزم لا يخالطه الضياع، وامزج حزمك برفق لا يخالطه العنف. 3 - وبهذا السند قال الامام الصادق (ع): قال امير المؤمنين عليه السلام: قيل للعبد الصالح لقمان: أي الناس افضل ؟ قال: المؤمن الغني، قيل: الغني من المال، فقال: لا، ولكن الغني من العلم، الذي ان احتيج =========================================================================== [48] إليه انتفع بعلمه، وان استغني عنه اكتفى، قيل: فأي الناس اشر ؟ قال: الذي لا يبالي ان يراه الناس مسيئا. 4 - وقال داود لابنه سليمان عليهما السلام: لف العلم حول عنقك واكتبه في الواح قلبك. كما في عقد الفريد: 1، 264، ط 2. 5 - وروى معلم الامة الشيخ المفيد (ره) معنعنا، في الحديث 2، من المجلس 39، من اماليه عن عكرمة، قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول لابنه علي بن عبد الله: ليكن كنزك الذي تدخره العلم، وكن به اشد اغتباطا منك بكنز الذهب الاحمر، فاني مودعك كلاما ان انت وعينه اجتمع لك به خير الدنيا والاخرة: لا تكن ممن يرجو الاخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الامل، ويقول في الدنيا قول الزاهدين، ويعمل فيها عمل الراغبين، ان اعطي منها لم يشبع، وان منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما اوتي، ويبغى الزيادة فيما بقى، ويأمر بما لا يأتي، يحب (يصحب خ ل) الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض الفجار وهو أحدهم، ويقول لم اعمل فاتعنى، ولا اجلس فاتمنى (32) وهو يتمنى المغفرة وقد دأب في المعصية، قد عمر ما يتذكر فيه من تذكر، يقول فيما ذهب: لو كنت عملت ونصبت كان ذخرا لي، ويعصي ربه تعالى فيما بقي غير مكترث، ان سقم ندم على العمل، وان صح امن واغتر وأخر العمل، معجب (معجبا خ) بنفسه ما عوفي، وقانط (وقانطا خ) إذا ابتلى، ان رغب اشر، وان بسط (سخط خ) له هلك، تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن، لا يثق من الرزق بما قد ضمن له، ولا يقنع بما قسم له، لم يرغب قبل ان ينصب، ولا ينصب فيما يرغب، ان استغنى بطر، وان افتفر قنط، فهو يبتغي الزيادة وان لم يشبع، ويضيع من نفسه ما هو اكره (اكبر خ) يكره الموت =========================================================================== (32) كذا في النسخة. =========================================================================== [49] لاساءته، ولا يدع الاساءة في حياته، ان عرضت شهوته واقع الخطيئة ثم تمنى التوبة، وان عرض له عمل الاخرة دافع، ويبالغ في الرغبة حين يسأل، ويقصر في العمل حين يعمل، فهو بالطول مدل، وفي العمل مقل، يبادر في الدنيا يعبأ بمرض، فإذا افاق واقع الخطايا، ولم يعوض (ولم يعرض خ)، يخشى الموت، ولا يخاف الفوت، يخاف على غيره بأقل من ذنبه، ويرجو لنفسه بدون عمله، وهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، يرى (يرجو خ) الامانة ما رضى، ويرى الخيانة ما سخط، ان عوفي ظن انه قد تاب، وان ابتلي طمع في العافية وعاد، لا يبيت قائما، ولا يصبح صائما، يصبح وهمه الغذاء، ويمسى ونيته العشاء وهو مفطر، يتعوذ بالله ممن فوقه، ولا ينجو بالعوذ منه من هو دونه، يهلك في بغضه إذا ابغض، ولا يقصر في حبه إذا أحب، يغضب من اليسير، ويعصى على الكثير، فهو يطاع ويعصى الله، والله المستعان. (33) 6 - وقال بعض الحكماء: ليس طلبي للعلم طمعا في بلوغ قاصيته، واستيلاء على غايته، ولكن لا لتماسي شيئا لا يسع جهله، ولا يحسن بالعاقل خلافة. 7 - وقال أيضا بعض الحكماء: ان لم تكن عالما فتعلم، وان لم تكن حكيما فتحكم، فانه قل ما تشبه رجل بقوم الا ان يكون منهم (34). 8 - وقال بعض منهم أيضا: العلم روح، والعمل بدن، والعلم أصل، والعمل فرع، والعلم والد، والعمل مولود، وكان العمل بمكان العلم، ولم يكن العلم بمكان العمل. =========================================================================== (33) هذا كله اخذه حبر الامة رحمه الله من باب مدينة علم النبي (ص) وهيبة علم الله: امير المؤمنين (ع) كما سنفصل القول في ذلك انشاء الله تعالى. (34) هذا ايضا مروى عن امير المؤمنين (ع) الا انه (ع) قال: ان لم تكن حليما فتحلم، الخ. =========================================================================== [50] 9 - قال بعضهم: من طلب العلم لرغبة أو رهبة أو منافسة أو شهوة كان حظه منه، ومن طلب العلم لكرم العلم، والتمسه لفضل الاستبانة، كان حظه منه بقدر كرمه، وانتفاعه به حسب استحقاقه. 10 - وقال بعضهم: كل شئ يحتاج الى العقل، والعقل بحتاج الى العلم. 11 - وقيل لخليل بن احمد (ره): ايهما افضل العلم أو المال ؟ قال: العلم، قيل له: فما بال العلماء يزدحمون على ابواب الملوك، والملوك لا يزدحمون على أبواب العلماء ؟ قال: ذلك لمعرفة العلماء بحق الملوك، وجهل الملوك بحق العلماء. 12 - وقال احنف بن قيس: كاد العلماء ان يكونوا اربابا، وكل عز لم يكسب بعلم، فالى ذل ما يصير. 13 - وقال أبو الاسود الدئلي (ره): الملوك حكام على الدنيا، والعلماء حكام على الملوك. قال أبو جعفر: وهذا أخذه أبو الاسود (ره) من كلام سيد الموحدين أمير المؤمنين عليه السلام كما سيأتي في قصار حكمه (ع). 14 - وقالت الحكماء: علم علمك من يجهل، وتعلم ممن يعلم، فإذا فعلت ذلك، حفظت ما علمت، وعلمت ما جهلت. 15 - وقالوا أيضا: العلم قائد، والعقل سائق، والنفس ذود، فان كان قائد بلا سائق هلكت، وان كان سائق بلا قائد اخذت يمينا وشمالا، وإذا أجتمعا أنابت طوعا أو كرها. 16 - قيل للمهلب: بم ادركت ما ادركت ؟ قال: بالعلم، قيل له: فأن غيرك قد علم اكثر مما علمت، ولم يدرك ما ادركت ؟ قال: ذاك علم حمل، وهذا علم استعمال. 17 - وقال بعضهم: ان مذاكرة العلم عون على أدائه، وزيادة في الفهم، ولابد للعالم من الجهل، أي ان يجهل كثيرا مما يسأل عنه، اما لانه =========================================================================== [51] ما سمعه أو نسيه. 18 - وقال بعض حكماء الفرس: الانسان الواحد لا يحسن الاشياء كلها، ولكن يحسن كل انسان شيئا. 19 - وقال بعض الاعلام: ان العزلة بدون عين العلم زلة، وبدون زاء الزهد علة. البحث الخامس: في شذرة مما انشده العلماء من الشعر في عظمة العلم. قال أبو الاسود رحمه الله على ما في غير واحد من كتب الرجال: العلم زين وتشريف لصاحبه * فاطلب هديت فنون العلم والادبا كم سيد بطل آباؤه نجب * كانوا رؤسا، فأضحى بعدهم ذنبا ومقرف خامل الاباء ذى أدب * نال المعالي بالاداب والرتبا (35) العلم كنز وذخر لانفاد له * نعم القرين ونعم الخدن إن صحبا قد يجمع المال شخص ثم يحرمه * عما قليل، الذل والحربا وجامع العلم مغبوط به أبدا * فلا يحاذر فيه الفوت والسلبا يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه * لاتعدلن به درا ولاذهبا وقال غيره: العالم العاقل ابن نفسه * أغناه جنس علمه عن جنسه كم بين من تكرمه لغيره * وبين من تكرمه لنفسه وقال آخر: العلم أنفس شئ أنت ذاخره * من يدرس العلم لم تدرس مفاخره أقبل على العلم واستقبل مقاصده * فأول العلم اقبال وآخره =========================================================================== (35) قيل: المقرف، هو الذي تكون امه كريمة، وأبوه غير كريم، والهجين: عكسه، والذي يكون أبواه كلاهما غير كريم يقال له: الضلنقس. =========================================================================== [52] وأنشد الرياشي: طلبت يوما مثلا سائرا * فكنت في الشعر له ناظما لاخير للمرء إذا ماغدا * لاطالب العلم ولا عالما وقال آخر: من كان مفتخرا بالمال والنسب * فانما فخرنا بالعلم والادب لاخير في رجل حر بلا أدب * لا، لا، وان كان عالي الرهط والنسب وذكر العلامة الكراجكي (ره) لبعضهم، وكأنه أخذه من أبي الاسود، أو العكس: العلم زين وتشريف لصاحبه * فاطلب هديت فنون العلم والادبا لاخير فيمن له أصل بلا أدب * حتى يكون على مازانه حربا كم من حسيب أخى عي وطمطمة * فدم لدى القوم معروف إذا انتسبا وخامل مقرف الاباء ذي أدب * نال المعالي به والمال والنسبا فالعلم ذخر وكنز لانفاد له * نعم القرين إذا ما عاقلا صحبا وقال آخر: أرى العلم نورا والتأدب حلية * فخذ منهما في رغبة بنصيب وليس يتم العلم في الناس للفتى * إذا لم يكن في علمه بأديب وقال الحكيم مؤمن الجزائري: ينفع المرء علمه أبدا * دون مالا يزال يجمعه ان من لا يكون ذا سعة * لا يكون الكمال ينفعه (36) =========================================================================== (36) قال العلامة النراقي قدس سره: وفى البيتين تناقض ظاهر، ودفعه ان قوله: لا يكون، ثانيا تأكيد لفظي لقوله: لا يكون أولا، ولا يفيد معنى ثانيا. =========================================================================== [53] - 2 - ومن وصية له عليه السلام محمد بن يعقوب الكليني أعلى الله مقامه، عن أحمد بن محمد بن أحمد الكوفي - وهو العاصمي - عن عبد الواحد بن الصواف، عن محمد بن اسماعيل الهمداني، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام، قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يوصي أصحابه ويقول: أوصيكم بتقوى الله فانها غبطة الطالب (1) الراجي، وثقة الهارب اللاجي واستشعروا التقوى شعارا باطنا واذكروا الله ذكرا خالصا تحيوا به أفضل الحياة، وتسلكوا به طريق النجاة (2)، أنظروا في الدنيا نظر الزاهد (3) المفارق =========================================================================== (1) سيجئ الكلام في التقوى، واما الغبطة فهو اسم من قولهم: غبطه (من باب ضرب ومنع) غبطا وغبطة، أي تمنى مثل حال غيره من غير ان يريد زواله منه، وهو بخلاف الحسد فانه أمل عين النعمة التي اعطيت غيره، أو أمل مثلها مع ارادة زوالها منه، وهو من أكبر الكبائر، ولذا ورد في ذمه وكونه مصدرا للمهالك أخبار كثيرة، كقولهم (ع): الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب، وأما الغبطة فانها ليست بمذمومة، بل بعض أقسامها ممدوح مثل ان يتمنى توفيق العلم أو بعض الاعمال الصالحة أو التحلي بالمكارم. (2) كأنه اشارة الى قوله تعالى في الاية 24، من سورة الانفال: " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ". (3) من قوله (ع): انظروا في الدنيا، الى قوله: والبقاء فيها الى الضعف والوهن، مذكور في صدر المختار 99، أو 101 من خطب نهج البلاغة. وأيضا رواه صاحب عيون الحكم والمواعظ، ومطالب السئول 148 و 149 ورواه عنهما في البحار: 17، 121 س 18، وص 400. =========================================================================== [54] لها، فانها تزيل الثاوي الساكن (4)، وتفجع المترف الامن (5)، لا يرجى منها ما تولى فأدبر، ولا يدرى ما هو آت فينتظر، وصل البلاء منها بالرخاء، والبقاء منها الى الفناء، فسرورها مشوب بالحزن، والبقاء فيها إلى الضعف والوهن، فهي كروضة إعتم مرعاها (6)، وأعجبت من يراها، عذب شربها، طيب تربها (7)، تمج عروقها الثرى (8)، وتنطف فروعها الندى (9) حتى إذا بلغ العشب =========================================================================== (4) ثوى يثوي (كرمى يرمي) ثواء وثويا (على زنة هواء وهويا) المكان وفيه وبه، أي أقام فيه، ومنه قوله تعالى في الاية 45، من سورة القصص. " وما كنت ثاويا في أهل مدين " أي مقيما فيهم. (5) فجعه - فجعا (من باب منع) وفجعه الامر تفجيعا، أي جعله ذا وجع بنزول ما يكرهه، أو باعدام ما يحبه، والمترف: الطاغي من أترفته النعمة، أي أطغته، أو المصر على البغي، من أترف الرجل أي أصر على البغي، أو من صار ذا بطر، من أترفه المال أي أبطره، والجميع متقارب. (6) اعتم النبت أعتماما: اكتهل أي تم طوله، وبلغ غاية الامتداد، وظهر نوره. (7) وفى نسخة الوافى وتنبيه الخواطر: طيب تربتها. والترب والترباء والتربة - كقفل وفلس، وحمراء وحمرة: التراب. الارض. (8) مج (من باب مد) مجا الشراب، أو الشئ وبه من فمه أي رمى وقذف به. والثرى - اريد به ههنا - النداوة والرطوبة. وفى تنبيه الخواطر: يبهج عروقها الثرى، وينظف فروعها الندى. (9) نطف (من باب ضرب ونصر) نطفا وتنطافا ونطافة ونطفانا الماء، أي سال قليلا قليلا، ونطفت القربة الماء، أي رشته وصبته، أي ان الدنيا في بهائها ورونقها كأغصان أشجار من شدة نضارتها وريعانها بحيث تتقاطر بالماء وترش به. وقال المحقق الفيض (ره): كأن الاول كناية عن احكام العروق =========================================================================== [55] إبانه (10) واستوى بنانه (11) هاجت ريح تحت الورق، وتفرق ما إتسق فأصبحت - كما قال الله - هشيما تذروه الرياح، وكان الله على كل شئ مقتدرا (12) أنظروا في الدنيا في كثرة ما يعجبكم وقلة ما ينفعكم. =========================================================================== واعراقها في الارض، والثاني عن نضرة الفروع وخضرتها وطراوتها. وعلى مافى نسخة تنبيه الخواطر، كأنه (ع) أراد من قوله: يبهج، التزيين والاهتزاز، وأيضا المقصود من الثرى - بناء على هذه النسخة -: وجه الارض، وكذا المراد من العروق كأنه الاغصان الممتدة، والاوراق المتدلية، المنبسطة على وجه الارض، أي ان الدنيا كروضة أهتزت الارض ببهجتها، وزينت الغبراء والبسيطة بنضارة أغصان أشجارها، والتفاف أوراقها الرائعة عليها، وقوله عليه السلام: ينظف فروعها الندى، كأنه اشارة الى ماعد في عصرنا من البديهيات،: من جذب الاشجار والنباتات الخضرة، الهواء الملوث ونشر الهواء الملطف، واذاعة المروح منها، عكس الحيوانات. (10) العشب - كقفل -: الكلا الرطب وابان الشئ: أوانه أو أوله، ومنه الحديث: كل الفواكه في ابانها. (11) وفى تنبيه الخواطر والوافى: واستوى نباته. (12) الاية 46، من السورة 18: الكهف. والهشيم فعيل بمعنى مفعول من قولهم: هشم (من باب ضرب) هشما الشئ أي كسره، الا انه يختص بكسر الشئ اليابس أو المجوف، وتذروه أي تطيره وتفرقه في كل جهة، وتجعله هباء منثورا. ولطافة هذه الوصية الشريفة، والكلام القدسي لا تدرك كما هي الا بذكر تمام الاية الشريفة، وبذكرها والمقايسة بينهما تتجلى صحة ما قيل في وصف كلامه (ع): من انه دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوق، فأقول تمام الاية الكريمة هكذا: " وأضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا ". فدقق النظر كيف بين (ع) تأثير الماء النازل من السماء في التراب القابل بقوله: فهي كروضة أعتم مرعاها واعجبت من يراها، الخ. وكيف كشف (ع) عن حال النباتات في أوان اشتدادها، وحال ريعانها وأوقاف اخضرارها، =========================================================================== [56] انتهى الحديث 3، من روضة الكافي. ورواه عنه في المختار 1 من باب مواعظه (ع) من الوافي: 4، 62. ورواه أيضا في تنبيه الخواطر 342. ورواه أيضا في المختار 41، من كلامه (ع) في تحف العقول 139. ورواه أيضا في المختار 52، من الباب 2، من مستدرك نهج البلاغة. وههنا مباحث البحث الاول: في الاشارة الى ترجمة رواة الوصية. قال النجاشي (ره): احمد بن محمد بن أحمد بن طلحة، أبو عبد الله - وهو ابن أخي أبى الحسن علي بن عاصم المحدث - (1) يقال له: العاصمي كان ثقة في الحديث، سالما خيرا، أصله كوفي سكن بغداد، وروى عن شيوخ الكوفيين، وله كتب، منها كتاب نجوم السماء، وكتاب مواليد الائمة وأعمارهم، أخبرنا احمد بن علي بن نوح، قال: حدثنا الحسين بن علي بن السفيان عن العاصمي. وقريب منه عن شيخ الطائفة في الفهرست، والعلامة في الخلاصة، وابن شهر آشوب في معالم العلماء. وقال (في محكى التعليقة): إنه (ره) من الوكلاء الذين تشرفوا برؤية ولي العصر عليه السلام، ووقفوا على معجزاته. =========================================================================== بقوله: تمج عروقها الثرى وتنطف فروعها الندى الخ، وكيف شرح عليه السلام عاقبة أمرها وما تئول إليه من الانكسار والتشتت في أيدي الدواب والانعام، ومن تفريقه وتطييره بكل ريح ونسيم يهيج، بقوله: هاجت ريح تحت الورق وتفرق ما اتسق، الخ. (1) وفى محكى رسالة أبي غالب الزراري: وقيل له العاصمي لانه كان ابن اخت علي بن عاصم. =========================================================================== [57] وقال (في محكى الوجيزة) انه (ره) استاذ الكليني (ره) وحسبه بذلك فخرا ومنقبة، وثوابا وحسنة. وهو رحمه الله يروى عن علي بن الحسن (الحسين خ ل) التيمي، ويروى عنه تلميذه الكليني وأحمد بن عبدون، وابن الجنيد، والحسين بن علي بن سفيان، ومحمد بن احمد النهدي رحمهم الله جميعا. واما عبد الواحد بن الصواف فلم نقف على ترجمته فعلا. واما محمد بن اسماعيل الهمداني، فعده الشيخ رحمه الله في رجاله من أصحاب الامام الصادق (ع)، ولم نعرف فعلا غير هذا من ترجمته. البحث الثاني: في التعليقات الراجعة الى متن كلامه (ع) ولنبدأ بالتعليق على قوله عليه السلام: أوصيكم بتقوى الله، وببيان حقيقة التقوى، فنقول: التقوى، استعملت في اللغة في معان مختلفة، واطلقت عليها كالصيانة والستر من الاذى، ومخافة الله والعمل بطاعته، والخشية، والهيبة، وغيرها بحيث يظن في أول نظرة انها متباينة، وكل واحدة منها قسيم للاخر، ولكن بالنظر العميق يستكشف انها جمعاء ترجع الى معنى واحد، وهو التحفظ عن الوقوع في المكروه، وصون النفس عن المكاره وستره عن حلول الاذى فيها، وهذا المعنى يختلف في المقامات، فتارة يحصل صون النفس وحفظها عن المضرات بالعمل وايجاد فعل، واخرى يتوقف حفظ النفس وصيانتها من الالام والاذى على ترك العمل وكف النفس عن الفعل، فمرجع الجميع الى ما ذكر، هذا بحسب اللغة والعرف. واما بحسب الشرع فلها مراتب، وأول مراتبها الذي تنعقد به العدالة هو اتيان ما أوجب الله عليه، وترك ما نهى الله عنه، والظاهر انها عند الشارع أيضا باقية على معناها الاولي، أي اللغوي والعرفي، إذ صون النفس وحفظه =========================================================================== [58] عن سخط الله وعذابه على نحو اليقين والقطع يتوقف على العمل بما أوجب الله عليه، وترك ما حرم الله ونهاه عنه، فعلى هذا يقال ان حقيقة التقوى في اللغة والعرف والشرع، هو صون النفس عن توجه الاذى والالم إليها، والتحرز عن الضرر ومالايلائم النفس، وهذا المعنى لا يكون مقطوعا به للمكلف الا إذا أتى بالواجبات وترك المحرمات. وقال السمي العلامة (المجلسي) قدس سره: التقوى في اللغة، فرط الصيانة، وفي العرف هي صيانة النفس عما يضرها في الاخرة، وقصرها على ما ينفعها فيها، ولها ثلاث مراتب، الاولى: وقاية النفس عن العذاب المخلد بتصحيح العقائد الايمانية، والثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك، وهو المعروف عند الشرع، والثالثة: التوقي عن كل ما يشغل القلب عن الحق، وهذه درجة الخواص، بل خاص الخاص. أقول: ولعل هذه المرتبة مراد رسول الله (ص) من قوله: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع مالا بأس به حذرا مما به الباس. وكذلك مقصود أمير المؤمنين (ع) هي المرتبة الثالثة من قوله (ع) حينما سئل عن التقوى، فقال عليه السلام ما معناه: المتقي هو الذي لو وضع عمله على طبق مكشوف، ويدور به على العالمين، لم يكن فيه ما يستخفي به، ويستحيى منه (2). وأيضا الظاهر ان هذه المرتبة هي التي أرادها الامام الصادق (ع) لما سئل عن التقوى فقال: أن لا يفقدك حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك (3). =========================================================================== (2) رواه جمال المفسرين أبو الفتوح الرازي (ره) بالفارسية في تفسير قوله تعالى (في أول سورة البقرة): ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين. (3) ويمكن ارجاع هذا الى ما ذكرناه أولا، من انه اول المراتب التي تنعقد وتتحقق بها ومعها العدالة، من أنه اتيان ما اوجب الله عليه، وترك ما حرم الله عليه. =========================================================================== [59] وسئل بعض السالكين عن التقوى، فقال: هل دخلتم أرضا فيها شوك ؟ فقيل: نعم فقال: كيف تعمل وما تصنع ؟ قيل: نتوفى ونتحرز، فقال: إصنعوا في طريق الدين كذلك، فتوقوا عن المعاصي، كما يتوقى، الماشي رجله من الشوك. ونظمها بعض الشعراء وقال: خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى واصنع كماش فوق أر * ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة * إن الجبال من الحصى وقيل: التقوى بحسب العرف الشرعي تعود الى خشية الله سبحانه المستلزمة للاعراض عن كل ما يوجب الالتفات عنه تعالى، من متاع الدنيا وزينتها، وتنحية ما دون وجهة القصد. وقيل: ان خيرات الدنيا والاخرة جمعت تحت لفظة واحدة، وهي التقوى، انظر الى ما في القرآن الكريم من ذكرها، فكم علق عليها من خير ووعد لها من ثواب، واضاف إليها من سعادة دنيوية، وكرامة أخروية. وقال ابن فهد رحمه الله، في محكى عدة الداعي: التقوى هي العدة الكافية في قطع الطريق الى الجنة، بل هي الجنة الواقية من متالف الدنيا والاخرة، وهي الممدوحة بكل لسان، والمشرفة لكل انسان، وقد شحن بمدحها القرآن، وكفاها شرفا قوله تعالى: " ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وأياكم ان إتقوا الله " (4) ولو كانت في العالم خصلة هي أصلح للعبد وأجمع للخير، وأعظم بالقدر، وأولى بالايجال، وأنجح للامال من هذه الخصلة التي هي التقوى لكان الله أوصى بها عباده لمكان حكمته ورحمته =========================================================================== (4) الاية 30 من سورة النساء، وفى الصافى في تفسير الاية، عن مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام: في هذه الاية قد جمع الله ما يتواصى به المتواصون من الاولين والاخرين، في خصلة واحدة هي التقوى، وفيها جماع كل عبادة صالحة، وبها وصل من وصل الى الدرجات العلى. =========================================================================== [60] فلما أوصى بهذه الخصلة الواحدة جميع الاولين والاخرين واقتصر عليها علم انها الغاية التي لا يتجاوز عنها، ولا مقتصر دونها، والقرآن مشحون بمدحها وعدد في مدحها خصالا: (الاول) المدح والثناء " وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الامور " (5). (الثاني) الحفظ والتحصين من الاعداء " وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا " (6). (الثالث) التأييد والنصر " ان الله مع المتقين " (7). (الرابع " اصلاح العمل " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم " (8). (الخامس) غفران الذنوب " ويغفر لكم ذنوبكم " (9). (السادس) محبة الله " ان الله يحب المتقين " (10). (السابع) قبول الاعمال " انما يتقبل الله من المتقين " (11). (الثامن) الاكرام " ان أكرمكم عند الله أتقاكم " (12). (التاسع) البشارة عند الموت " الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الاخرة " (13). =========================================================================== (5) الاية 186، من سورة آل عمران. (6) الاية 120، من سورة آل عمران. (7) الاية 194، من سورة البقرة. (8) الاية 70 من سورة الاحزاب. (9) لم أجد آية راجعة الى التقوى بهذه اللفظة. (10) وفى الاية 75، من سورة آل عمران هكذا: بلى من أوفى بعهده واتقى فان الله يحب المتقين. (11) الاية 26، من سورة المائدة. (12) الاية 12، من سورة الحجرات. (13) الاية 62، من سورة يونس (*). =========================================================================== [61] (العاشر) النجاة عن النار " ثم ننجي الذين اتقوا " (14). (الحادي عشر) الخلود في الجنة " اعدت للمتقين " (15). (الثاني عشر) تيسير الحساب " وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ " (16). (الثالث عشر) النجاة من الشدائد والرزق الحلال " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا (17). فانظر ما جمعت هذه الخصلة الشريفة من السعادات فلا تنس نصيبك منها. (التعليق الثاني) في ذكر بعض الاثار الواردة في الزهد في الدنيا عن المعصومين عليهم السلام: فعن رسول الله (ص) انه قال: لا تكونوا ممن خدعته العاجلة، وغرته الامنية، فاستوته الخدعة، فركن الى دار السوء، سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، انه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب أو صر جالب، فعلى ما تعرجون، وماذا تنتظرون، فكأنكم والله وما أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن، وما تصيرون إليه من الاخرة لم تزل، فخذوا اهبة لا زوال لنقلة (*)، وأعدوا الزاد لقرب الرحلة، وأعلموا ان كل امرئ على ما قدم قادم، وعلى ما خلف نادم. =========================================================================== (14) الاية 71، من سورة مريم. (15) الاية 133، من سورة آل عمران. (16) الاية 68، من سورة الانعام. (17) الاية 2، من سورة الطلاق. ولا يخفى انه ليس مراده انحصار الفوائد المرتبة في الذكر الحكيم على التقوى، فيما ذكره، بل المقصود من كلامه الاشارة الى نتائج التقوى، وان ما علقه الله تعالى في الموارد المذكورة مما تحن إليه قلوب الاولياء، وتشتاق إليه نفوس الازكياء والعرفاء، فليشمر المجدون إليه، وليتنافس المتنافسون فيه.كذا في النسخة. =========================================================================== [62] وقال (ص): يا معشر المسلمين شمروا فان الامر جد، وتأهبوا فان الرحيل قريب، وتزودوا فان السفر بعيد، وخففوا أثقالكم فان وراءكم عقبة كئودا لا يقطعها الا المخففون، أيها الناس ان بين يدي الساعة امورا شدادا، وأهوالا عظاما، وزمانا صعبا يتملك فيه الظلمة، ويتصدر فيه الفسقة ويضام فيه الامرون بالمعروف، ويضطهد فيه الناهون عن المنكر، فأعدوا لذلك الايمان، وعضوا عليه بالنواجذ، والجأوا الى العمل الصالح، وأكرهوا عليه النفوس، تفضوا الى النعيم الدائم. وقال السبط الاكبر الامام المجتبى عليه السلام: اعلموا ان الله لم يخلقكم عبثا، وليس بتارككم سدى، كتب آجالكم، وقسم بينكم معايشكم ليعرف كل ذي لب منزلته، وأن ما قدر له أصابه، وما صرف عنه فلن يصيبه، قد كفاكم مئونة الدنيا، وفرغكم لعبادته، وحثكم على الشكر وافترض عليكم الذكر. وأوصاكم بالتقوى، وجعل التقوى منتهى رضاه، والتقوى باب كل توبة، ورأس كل حكمة، وشرف كل عمل بالتقوى، فاز من فاز من المتقين، قال الله تبارك وتعالى: ان للمتقين مفازا، وقال: وينجي الله الذين اتقوا بمازتهم لا يمسهم السوء ولاهم يحزنون، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا انه من يتق الله يجعل له مخرجا من الفتن، ويسدده في أمره، ويهيئ له رشده، ويفلجه بحجته، ويبيض وجهه، ويعطيه رغبته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن اولئك رفيقا. البحار: 17، 146. وقال السبط الشهيد بكربلاء، الحسين بن علي عليهما السلام: أوصيكم بتقوى الله، وأحذركم أيامه، وأرفع لكم أعلامه، فكأن المخوف قد أفد بمهول وروده، ونكير حلوله، وبشع مذاقه، فاعتلق مهجكم، وحال بين العمل وبينكم، فبادروا بصحة الاجسام، في مدة =========================================================================== [63] الاعمار، كأنكم ببغتات طوارقه، فتنقلكم من ظهر الارض الى بطنها، ومن علوها الى سفلها، ومن أنسها الى وحشتها، ومن روحها وضوئها الى ظلمتها ومن سعتها الى ضيقها، حيث لا يزار حميم، ولا يعاد سقيم، ولايجاب صريخ، أعاننا الله واياكم على أهوال ذلك اليوم، ونجانا واياكم من عقابه، وأوجب لنا ولكم الجزيل من ثوابه، عباد الله فلو كان ذلك قصر مرماكم، ومدى مظعنكم، كان حسب العامل شغلا يستفرغ عليه أحزانه، ويذهله عن دنياه، ويكثر نصبه لطلب الخلاص منه، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه، مستوقف على حسابه، لاوزير له يمنعه، ولا ظهير عنه يدفعه، ويومئذ لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في ايمانها خيرا قل إنتظروا انا منتظرون، اوصيكم بتقوى الله، فان الله قد ضمن لمن إتقاه أن يحوله عما يكره الى ما يحب، ويرزقه من حيث لا يحتسب، فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم، ويأمن العقوبة من ذنبه، فان الله تبارك وتعالى لا يخدع عن جنته، ولا ينال ما عنده الا بطاعته ان شاء الله. وفي مستدرك البحار: 17، 275، في الحديث 26: حدث شاكر بن غنيمة ابن أبي الفضل، عن عبد الجبار الهاشمي، قال: سمعت هذه الندبة من الشيخ أبي بشر ابن أبي طالب الكندي، يرويها عن أبي عيينة الزهري قال: كان علي بن الحسين عليه السلام يناجي ويقول: قل لمن قل عزاؤه، وطال بكاؤه، ودام عناؤه، وبان صبره، وتقسم فكره، والتبس عليه أمره، من فقد الاولاد، ومفارقة الاباء والاجداد، والامتعاض بشماتة الحساد، ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد. تعز فكل للمنية ذائق * وكل ابن انثى للحياة مفارق فعمر الفتى للحادثات ذريئة * تناهبة ساعاتها والدقائق كذا تتفانى واحد بعد واحد * وتطرقنا بالحادثات الطوارق =========================================================================== [64] فحسن الاعمال، وجمل الافعال، وقصر الامال الطوال، فما عن سبيل المنية مذهب، ولاعن سيف الحمام مهرب، ولا الى قصد النجاة مطلب، فيا أيها الانسان المتسخط على الزمان، والدهر الخوان، مالك والخلود الى دار الاحزان، والسكون الى دار الهوان، وقد نطق القرآن بالبيان الواضح في سورة الرحمن: كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام: وفيم وحتام الشكاية والردى * جموع لاجال البرية لاحق فكل ابن انثى هالك وابن هالك * لمن ضمنته غربها والمشارق فلابد من ادراك ما هو كائن * ولابد من إتيان ما هو سابق فالشباب للهرم، والصحة للسقم، والوجود للعدم، وكل حي لاشك مخترم، بذلك جرى القلم، على صفحة اللوح في القدم، فما هذا التلهف والندم، وقد خلت من قبلكم الامم: أترجو نجاة من حياة سقيمة * وسهم المنايا للخليقة راشق سرورك موصول بفقدان لذة * ومن دون ما تهواه تأتى العوائق وحبك للدنيا غرور وباطل * وفي ضمنها للراغبين البوائق أفي الحياة طمع، أم الى الخلود نزع، أم لما فات مرتجع، ورحى المنون دائرة، وفراسها غائرة، وسطواتها قاهرة، فقرب الزاد ليوم المعاد، ولا تنوط على غير مهاد وتعمد الصواب، وحقق الجواب، فلكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. فسوف تلاقي حاكما ليس عنده * سوى العدل لا يخفى عليه المنافق يميز أفعال العباد بلطفه * ويظهر منه عند ذاك الحقائق فمن حسنت أفعاله فهو فائز * ومن قبحت أفعاله فهو زاهق أين السلف الماضون، والاهلون والاقربون، والاولون والاخرون، =========================================================================== [65] والانبياء والمرسلون، طحنتهم والله المنون، وتوالت عليهم السنون، وفقدتهم العيون، وإنا إليهم صائرون، فإنا لله وانا إليه راجعون. إذا كان هذا نهج من كان قبلنا * فإنا على آثارهم نتلاحق فكن عالما ان سوف تدرك من مضى * ولو عصمتك الراسيات الشواهق فما هذه دار المقامة فاعلمن * ولو عمر الانسان ماذر شارق أين من شق الانهار، وغرس الاشجار، وعمر الديار، ألم تمح منهم الاثار، وتحل بهم دار البوار، فاخش الجوار، فلك اليوم بالقوم اعتبار، فان الدنيا متاع والاخرة هي دار القرار. تخرمهم ريب المنون فلم تكن * لتنفعهم جناتهم والحدائق ولا حملتهم حين ولوا بجمعهم * نجائبهم والصافنات السوابق وراحوا عن الاموال صفرا وخلفوا * ذخائرهم بالرغم منهم وفارقوا أين من بنى القصور والدساكر، وهزم الجيوش والعساكر وجمع الاموال، وحاز الاثام والجرائر، أين الملوك والفراعنة، والاكاسرة والسياسنة أين العمال والدهاقنة، أين ذوو النواحي والرساتيق، والاعلام والمجانيق، والعهود والمواثيق. كأن لم يكونوا أهل عز ومنعة * ولارفعت أعلامهم والمجانق ولاسكنوا تلك القصور التي بنوا * ولا اخذت منهم بعد مواثق وصاروا قبورا دارسات وأصبحت * منازلهم تسفي عليه الخوافق ما هذه الحيرة والسبيل واضح، والمشير ناصح، والصواب لائح، عقلت فاغفلت، وعرفت فأنكرت، وعلمت فأهملت، هذا هو الداء الذي عز دواؤه، والمرض الذي لا يجرى شفاؤه، والامل الذي لا يدرك انتهاؤه، أفأمنت الايام، وطول الاسقام، ونزول الحمام، والله يدعو الى دار السلام. لقد شقيت نفسي تتابع غيها * وتصدف عن ارشادها وتفارق =========================================================================== [66] وتأمل مالا يستطاع بحيلة (بحمله خ) * وتعصيك ان خالفتها وتشاقق وتصغي الى قول الغوي وتنثني * وتعرض عن تصديق من هو صادق فيا عاقلا راحلا، ولبيبا جاهلا، ومتيقظا غافلا، أتفرح بنعيم زائل وسرور حائل، ورفيق خاذل، فيا أيها المفتون بعمله، الغافل عن حلول أجله، والخائض في بحار زلله، ماهذا التقصير وقد وخطك القتير، ووافاك النذير والى الله المصير. طلابك أمر لايتم سروره * وجهدك باستصحاب من لا يوافق وأنت كمن يبني بناء وغيره * يعاجله في هدمه ويسابق وينسج آمالا طوالا بعيدة * ويعلم ان الدهر للنسج خارق ليست الطريقة لمن ليس له الحقيقة، ولا يرجع الى خليفة، الى كم تكدح ولا تقنع، وتجمع ولا تشبع، وتوفر لما تجمع، وهو لغيرك مودع، ماذا الرأي العازب، والرشد الغايب، والامل الكاذب، ستنقل عن القصور وربات الخدور، والجذل والسرور، الى ضيق القبور، ومن دار الفناء الى دار الحبور، كل نفس ذائقة الموت، وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور. فعالك هذا غرة وجهالة * وتحسب يا ذا الجهل انك حاذق تظن بجهل منك انك راتق * وجهلك بالعقبى لدينك فاتق توخيك من هذا أدل دلالة * وأوضح برهانا بأنك مائق عجبا لغافل عن صلاحه، مبادر الى لذاته وافراحه، والموت طريدة مسائه وصباحه، فيا قليل التحصيل ويا كثير التعطيل، وياذا الامل الطويل، ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، بناؤك للخراب، ومالك للذهاب، وأجلك الى اقتراب. وأنت على الدنيا حريص مكاثر * كأنك منها بالسلامة واثق تحدثك الاطماع انك للبقا * خلقت وان الدهر خل موافق =========================================================================== [67] كأنك لم تبصر أناسا ترادفت * عليهم باسباب المنون اللواحق هذه حالة من لا يدوم سروره، ولا تتم أموره، ولا يفك أسيره، أتفرح بمالك ونفسك، وولدك وغرسك (وعرسك)، وعن قليل تصير الى رمسك، وأنت بين طي ونشر، وغنى وفقر، ووفاء وغدر، فيا من القليل لا يرضيه، والكثير لا يغنيه، إعمل ما شئت انك ملاقيه، يوم يفر المرء من أخيه، وامه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه. سيقفر بيت كنت فرحة أهله * ويهجر مثواك الصديق المصادق وينساك من صافيته وألفته * ويجفوك ذو الود الصحيح الموافق على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة * وميت ومولود وقال ووامق اف لدنيا لا يرقى سليمها، ولا يصح سقيمها، ولا يندمل كلومها، وعودها كاذبة، وسهامها صائبة، وآمالها خائبة، لا تقيم على حال، ولا تمتع بوصال، ولا تسر بنوال. وتلك لمن يهوى هواها ملكية * تعبده أفعالها والطرائق يسر بها من ليس يعرف غدرها * ويسعى الى تطلابها ويسابق إذا عدلت جارت على اثر عدلها * فمكروهة أفعالها والخلائق فياذا السطوة والقدرة، والمعجب بالكثرة، ما هذه الحيرة والفترة، لك فيمن مضى عبرة، وليؤذن الغافلون، عما إليه يصيرون، إذا تحققت الظنون، وظهر السر المكنون، وتندمون حين لا تقالون، ثم انكم بعد ذلك لميتون. سيندم فعال على سوء فعله * ويزداد منه عند ذاك التشاهق إذا عاينوا من ذى الجلال اقتداره * وذو قوة من كان قدما يداقق هنالك تتلوا كل نفس كتابها * فيطفو ذو عدل ويرسب فاسق الى كم ذا التشاغل بالتجايروالارباح، الى كم ذا التهور بالسروركذا في النسخة. =========================================================================== [68] والافراح، وحتام التغرير بالسلامة في مراكب (18) النياح، من ذا الذي سالمه الدهر فسالم (19)، ومن ذا الذي تاجره الزمان فغنم، ومن ذا الذي استرحم الايام فرحم، اعتمادك على الصحة والسلامة خرق، وسكونك الى المال والولد حمق، والاغترار بعواقب الامور خلق، فدونك وحزم الامور، والتيقظ ليوم النشور، وطول اللبث في صفحات القبور، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. فمن صاحب الايام سبعين حجة * فلذاتها لاشك منه طوالق فعقبى حلاوات الزمان مريرة * وان عذبت حينا فحينا خرابق ومن طرفته الحادثات بويلها * فلابد ان تأتيه فيها الصواعق فما هذه الطمأنينة وأنت مزعج، وما هذا الولوج وأنت مخرج، جمعك الى تفريق، ورفوك (وفرك خ) الى تمزيق، وسعتك الى ضيق، فيا أيها المفتون، والطامع بما لا يكون، أفحسبتم انما خلقناكم عبثا وانكم الينا لا ترجعون. ستندم عند الموت شر ندامة * إذا ضم اعضاك الثرى والمطابق وعاينت أعلام المنية والردى * ووافاك ما تبيض منه المفارق وصرت رهينا في ضريحك مفردا * وباعدك الجار القريب الملاصق فيا من عدم رشده، وجار قصده، ونسى ورده، الى متى تواصل بالذنوب وأوقاتك محدودة، وأفعالك مشهودة، افتعول على الاعتذار، وتهمل الاعذار والانذار، وأنت مقيم على الاصرار، ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار. إذا نصب الميزان للفصل والقضا * وأبلس محجاج وأخرس ناطق واججت النيران واشتد غيظها * إذا فتحت أبوابها والمغالق =========================================================================== (18) كذا. (19) كذا. =========================================================================== [69] وقطعت الاسباب من كل ظالم * يقيم على أسراره وينافق فقدم التوبة، واغسل الحوبة، فلابد ان تبلغ اليك النوبة، وحسن العمل قبل حلول الاجل، وانقطاع الامل، فكل غائب قادم، وكل عريب عازم (وكل غريب غارم خ)، وكل مفرط نادم، فاعمل للخلاص قبل القصاص، والاخذ بالنواص. فانك مأخوذ بما قد جنيته * وانك مطلوب بما أنت سارق وذنبك ان ابغضته فمعانق * ومالك ان احببته فمفارق فقارب وسدد واتق الله وحده * ولا تستقل الزاد فالموت طارق واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. ومن كلام بعض الحكماء: رحم الله امرء لا يغره ما يرى من كثرة الناس، فانه يموت وحده، ويقبر وحده، ويحاسب وحده. وقال بعضهم: لاوجه لمقاساة الهموم لاجل الدنيا، ولا الاعتداد بشئ من متاعها، ولا التخلي منها. اما ترك الاهتمام لها، فمن جهة انه لاسبيل الى دفع الكائن من مقدورها، واما ترك الاعتداد بها، فان مرجع كل الى تركها، واما ترك التخلي عنها، فان الاخرة لا تدرك الا بها. وقال بعضهم: أفضل اختيار الانسان ما توجه به الى الاخرة وأعرض به عن الدنيا، وقد تقدمت الحجة، وأوذنا بالرحيل، ولنا من الدنيا على الدنيا دليل، وانما أحدنا في مدة بقائه صريع المرض، أو مكتئب بهم، أو مطروق بمصيبة، أو مترقب لمخوف، لا يأمن المرء من أصناف لذته من المطعوم والمشروف ان يكون موته فيه، ولا يأمن مملوكه وجاريته ان يقتلاه بحديد أو سم، وهو مع ذلك عاجز عن استدامة سلامة عقله من زوال، وسمعه من صمم، وبصره من عمى، ولسانه من خرس، وسائر جوارحه من =========================================================================== [70] زمانة، ونفسه من تلف، وماله من بوار، وحبيبه من فراق، وكل ذلك يشهد شهادة قطعية انه فقير الى ربه، ذليل في قبضته، محتاج إليه، لا يزال المرء بخير ما حاسب نفسه، وعمر آخرته بتخريب دنياه، وإذا اعترضته بحار المكاره جعل معابرها الصبر والتأسي، لم يغتر بتتابع النعم، وابطاء حلول النقم، وأدام صحبة التقى، وفطم النفس عن الهوى، فانما حياته كبضاعة ينفق من رأس المال منها، ولا يمكنه أن يزيد فيها، ومثل ذلك يوشك فناؤه، وسرعة زواله. وقالت حرقة بنت النعمان، حين حضرت عند سعد بن أبي وقاص: ان الدنيا دار زوال، ولا تدوم على حال، تنتقل بأهلها انتقالا، وتعقبهم بعد حال حالا، كنا ملوك هذا المصر، يجبى لنا خراجه، ويطيعنا أهله مدى المدة، وزمان الدولة، فلما أدبر الامر وانقضى، صاح بنا صائح الدهر، فصدع عصانا، وشتت شملنا، وكذلك الدهر يا سعد، انه ليس يأتي قوما بمسرة إلا ويعقبهم بحسرة، ثم أنشأت تقول: فبينا نسوس الناس والامر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف فأف لدنيا لا يدوم نعيمها * تقلب تارات بنا وتصرف فقال سعد: قاتل الله عدي بن زيد، كأنه ينظر إليها حيث يقول: إن للدهر صولة فاحذرتها * لا تبيتن قد أمنت الدهورا قد يبيت الفتى معافى فيردى * ولقد كان آمنا مسرورا فبينا هي واقفة، إذ دخل عمرو بن معد يكرب، وكان زوارا لابيها في الجاهلية، فلما نظر إليها، قال: أنت حرقة ؟ قالت نعم. قال: فما دهمك فأذهب محمودات شيمك، وأين تتابع نعمتك، وسطوات نقمتك ؟ فقالت: يا عمرو ! ان للدهر لسطوات وعثرات وعبرات، تعثر بالملوك وأبنائهم، فتخفضهم بعد رفعة، وتفردهم بعد منعة، وتذلهم بعد عزة، ان هذا الامر =========================================================================== [71] كنا ننتظره، فلما حل بنا لم ننكره. " (البحث في ذكر جملة من الاشعار التي تناسب المقام) " نسب الى أمير المؤمنين عليه السلام: تزود من الدنيا فانك راحل * وبادر فان الموت لاشك نازل سرورك في الدنيا غرور وحسرة * وعيشك في الدنيا محال وباطل ألا إنما الدنيا كمنزل راكب أناخ عشيا وهو في الصبح راحل وقال (ع) - على ما نسبه إليه العلامة النراقي في الخزائن، 145 -: هون الامر تعش في راحة * قل ما هونت الا سيهون ليس أمر المرء سهلا كله * انما الامر سهول وحزون تطلب الراحة في دار العنا * خاب من يطلب شيئا لا يكون وقال الامام المجتبى عليه السلام: قل للمقيم بغير دار اقامة * حان الرحيل فودع الا حبابا إن الذين لقيتهم وصحبتهم * صاروا جميعا في القبور ترابا وقال السبط الشهيد الامام التابع لمرضاة الله (ع): ناديت سكان القبور فاسكتوا * فأجابني عن صمتهم ترب الجثا قالت أتدري ما صنعت بساكني ؟ * مزقت لحمهم وخرقت الكسا وحشيت أعينهم ترابا بعد ما * كانت تأذى بالقليل من القذا أما العظام، فانني مزقتها * حتى تباينت المفاصل والشوى قطعت ذا من ذا ومن هذا كذا * فتركتها مما يطول بها البلى قال أبو العتاهية: ستباشر الترباء خدك * وسيضحك الباكون بعدك ولينزلن بك البلى * ووليخلقن الموت عهدك وليفنينك مثل ما * أفنا أباك به وجدك =========================================================================== [72] لو قد رحلت عن القصور * وطيبها وسكنت لحدك لم تنتفع الا بفعل * صالح قد كان عندك وترى الذين قسمت ما * لك بينهم حصصا وكدك يتلذذون بما جمعت * لهم ولا يجدون فقدك وجد مكتوبا في خرابة: هذا منازل أقوام عهدتهم * في خفض عيش وعز ماله خطر صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا * الى القبور فلاعين ولا أثر للتهامي الشامي الشيعي (ره): ننافس في الدنيا غرورا وانما * قصارى غناها ان تعود الى الفقر واما لفي الدنيا كركب سفينة * نظن وقوفا والزمان بنا يجري وله رحمه الله في رثاء ولده وقد مات صغيرا: حكم المنية في البرية جار * ما هذه الدنيا بدار قرار بينا يرى الانسان فيها مخبرا * حتى يرى خيرا من الاخبار طبعت على كدر وأنت تريدها * صفوا من الاقذار والاقدار ومكلف الايام ضد طباعها * متطلب في الماء جذوة نار فالعيش نوم والمنية يقظة * والمرء بينهما خيال سار فاقضوا مأربكم عجالا انما * أعماركم سفر من الاسفار اني وترت بصارم ذي رونق * اعددته لطلابة الاوتار والنفس ان رضيت بذلك أو أبت * منقادة بأزمة المقدار يا كوكبا ماكان أقصر عمره * وكذا تكون كواكب الاسحار ان يحتقر صغرا قرب مفخم * يبدو ضئيل الشخص للنظار ان الكواكب في علو محلها * لترى صغارا وهي غير صغار ولد المعزى بعضه فإذا مضى * بعض الفتى، فالكل في الاثار =========================================================================== [73] أبكيه ثن اقول معتذرا له * وفقت حين تركت الام دار جاورت أعدائي وجاور ربه * شتان بين جواره وجواري أشكو بعادك لي وأنت بموضع * لولا الردى لسمعت فيه مزاري والشرق نحو الغرب أقرب شقة من بعد تلك الخمسة الاشبار فإذا نطقت فأنت أول منطقي * وإذا سكت فأنت في مضماري اني لارحم حاسدي لحرء ما * ضمنت صدورهم من الاوغار نظروا صنيع الله بي فعيونهم * في جنة وقلوبهم في نار لاذنب لي قد رمت كتم فضائلي * فكأنما برقعت وجه نهار وقال آخر: فانك لا تدري متى أنت ميت * وقبرك لا تدري بأي مكان وحسبك قول الناس فيما رأيته * لقد كان هذا مرة لفلان وقال المتنبي: سبقنا الى الدنيا فلو عاش أهلها * منعنا بها من جيئة وذهوب تملكها الاتي تملك سالب * وفارقها الماضي فراق سليب وروى جمال المفسرين، أبو الفتوح الرازي (ره)، عن جرير بن عبد الله: ان نعمان الاكبر خرج مع عدي بن زيد العبادي يوما للتفرج، فلما وصلا الى مقابر الحيرة، قال عدي بن زيد: أبيت اللعن أيها الملك، أتعرف ما يقول أهل هذه المقابر ؟ قال: لا. يقولون: أيها الركب المخبون * على الارض مجدون كما أنتم كنا * كما نحن تكونون فرجع النعمان وقد نغص عليه تفرجه. فخرج للتفرج ثانيا، بعد مضي أيام من المرة الاولى، فصادفا جبانة ومقبرة اخرى، فقال عدي: أيها الملك أتدري ما يقول أهل هذه المقابر بلسان الاعتبار ؟ قال: لا. قال: يقولون: =========================================================================== [74] من رآنا فليحدث نفسه * انه موف على قرن الزوال وصروف الدهر لا تبقى لها * ولما تأتي به صم الجبال رب ركب قد أناخوا حولنا * يشربون الخمر بالماء الزلال والاباريق عليها قدم * وعتاق الخيل تردي في الجلال عمروا دهرا بعيش حسن * آمني دهرهم غير عجال ثم أضحوا لعب الدهر بهم * وكذاك الدهر حالا بعد حال (20) وقال آخر: قد نادت الدنيا على نفسها * لو كان في العالم من يسمع كم واثق بالعمر واريته * وجامع بددت ما يجمع وقال آخر: لاتغبطن أخا الدنيا لزخرفها * ولا للذة وقت عجلت فرحا فالدهر اسرع شئ في تقلبه وفعله بين للخلق قد وضحا كم شارب عملا فيه منيته * وكن تقلد سيفا من به ذبحا وقال آخر: وإذا رأيت بنيك فاعلم انهم * قطعوا اليك مسافة الاجال وصل البنون الى محل ابيهم * وتجهز الاباء للترحال وقال أبو الفتح ابن عميد القمي: سكن الدنيا اناس قبلنا * رحلوا عنها وخلوها لنا ونزلناها كما قد نزلوا * ونخليها لقوم بعدنا ومر صاحب بن عباد (ره) على باب داره بعد انقراضه، فلم ير هناك أحدا، بعد ان كان الدهليز من زحام الناس، فأنشد: أيها الربع لم علاك إكتئاب * أين ذاك الحجاب والحجاب ؟ =========================================================================== (20) ويروى: وكذاك الدهر يلهو بالرجال =========================================================================== [75] أين من كان يفزع الدهر منه * فهو اليوم في التراب تراب ؟ قل بلا رهبة وغير احتشام * مات مولاي فاعتراني إكتئاب - 3 - ومن وصية له عليه السلام قال الامام الكاظم عليه السلام: كان أمير المؤمنين عليه السلام يوصي أصحابه ويقول: أوصيكم بالخشية من الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والاكتساب في الفقر والغنى، وأن تصلوا من قطعكم، وأن تعفوا عمن ظلمكم، وتعطوا على من حرمكم، وليكن نظركم عبرا (1)، وصمتكم فكرا، وقولكم ذكرا، والسخاء (2) فانه لايدخل الجنة بخيل، =========================================================================== (1) العبرة: العظة، وانما حذف (ع) التاء ليتلائم لفظا مع قوله (ع): وصمتكم فكرا، وقولكم ذكرا، أي إذا نظرتم الى شئ فليكن نظركم للاتعاظ لاسفها ولغوا، وكذلك إذا سكتم فليكن سكوتكم للتأمل في موجبات السعادة وأيضا إذا تكلمتم فاجعلوا كلامكم ذكر الله، أو تذكير عباد الله. كتب سلمان الفارسي رضوان الله عليه الى أبى الدرداء: أما بعد فانك لن تنال ما تريد الا بترك ما تشتهي، ولن تنال ما تأمل الا بالصبر على ما تكره فليكن كلامك ذكرا، وصمتك فكرا، ونظرك عبرا، قال الدنيا تتقلب، وبهجتها تتغير، فلا تغتر بها، الخ. (2) قوله (ع): " والسخاء " مجرور بالعطف على قوله: بالخشية من الله. =========================================================================== [76] ولا يدخل النار سخي. وهذه الوصية الشريفة رواها الحسن بن علي بن شعبة رحمه الله في كتابه القيم: تحف العقول 191، عن العبد الصالح الامام موسى بن جعفر عليهما السلام في ضمن وصاياه القدسية، وحكمه الربانية، التي القاها وحملها على نصير أهل البيت: هشام بن الحكم رحمه الله. ورواها عن تحف العقول في الحديث 30، من الباب 3، من البحار: 1، 47 وفي ج 17، من البحار 199، من 7 عكسا. وهذه الوصايا وان كان ناقلها ثبتا معتمدا، ومتنها أيضا يشهد شهادة قطعية على انها من أهل بيت الوحي، وخزان علم الله، ومن هذه الجهة لانحتاج الى معاضد ومؤيد داخلي أو خارجي آخر، ولكن لما التزمنا نحن احياء ذكر رواتها وايفاء حقوقهم، فمن هذه الناحية مست حاجتنا الى تعيين نقلتها، وترجمة حفظهتا، وتعدد طرقها، لنحيي ما دثر من مآثر الرواة، ونؤدي ما وجب علينا من حق الحماة، ولاجله تفحصنا وبحثنا بقدر وسعنا في مظانه من اسفار العلماء، وحملة أسرار أهل بيت النبوة، فلم نجد الوصية الشريفة مسندة الا في الحديث 12، من كتاب العقل، من الكافي، الا ان ثقة الاسلام الكليني رضوان الله عليه، لم يتعرض لذكرها كاملة بل ذكر موضع حاجته منها. وحيث احتملنا تعدد الطرق، وان سند الكافي غير سند تحف العقول كففنا عن ترجمة الرواة التي في سند الكافي. وههنا تعليقات التعليق الاول: فيما يتعلق بقوله عليه السلام: والاكتساب في الفقر والغنى. أقول: اطلاق الاكتساب وان كان يعم الاكتساب الدنيوي والاخروي، =========================================================================== [77] لكن المتبادر الى الذهن، والمأنوس للخاطر من هذه العبارة، هو الاكتساب الدنيوي أي الاشتغال بالعمل وتحمل المشقة لازدياد المال والثراء، ورغد العيش، وطيب الحياة، من الزراعة والتجارة وجري الانهار وتعمير القصور، وغير ذلك مما يعمر به الدنيا. ومما يدل أيضا على الامر بالاكتساب وعدم اهمال الدنيا، ما ذكره عليه السلام في المختار 95، من خطب نهج البلاغة: وأن تعمل لدنياك بقدر عمرك فيها، وان تعمل لاخرتك بقدر بقائك فيها، الخ. ويدل عليه أيضا ما رواه في البحار: 17، 422، س 22، وفي تنبيه الخواطر 339، عن النبي الاكرم (ص) انه قال لجابر: فاحرث حرث من يظن انه لا يموت الا هرما، واعمل عمل من يخاف انه يموت غدا. ويدل عليه أيضا ما أوصى به لقمان ابنه من قوله: يا بني لا تدخل في الدنيا دخولا يضر بآخرتك، ولا ترفضها كل الرفض فتكون كلا على غيرك. والاثار من هذا النمط غير قليل، ومن أراد الزيادة فعليه بمظانها. ونظير ماقاله عليه السلام في صدر هذه الوصية، قد ورد عن غير واحد من المعصومين (ع). قال النبي (ص): أوصاني ربي بتسع أوصيكم بها، أوصيكم بالاخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وان اعفو عمن ظلمني، واعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وان يكون صمتي فكرا، ونطقي ذكرا، ونظري عبرا، كما في عقد الفريد: 1، 355. وعن الشيخ المفيد رحمه الله، كما في الحديث الاخير من الفصول المختارة 123 معنعنا، عن الامام السجاد (ع) قال قال رسول الله (ص): ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فاما المنجيات: فخوف الله في السر والعلانية، =========================================================================== [78] والعدل في الغضب والرضا، والقصد في الغنى والفقر، واما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، واعجاب المرء نفسه. وقال السبط الاكبر الامام المجتبى عليه السلام: ان الله عزوجل أدب نبيه أحسن الادب فقال: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، فلما وعى الذي أمره، قال تعالى: ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، فقال لجبرئيل عليه السلام: وما أقفو ؟ قال: ان تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، فلما فعل ذلك أوحى الله إليه: انك لعلى خلق عظيم. كما في البحار: 17، 147. التعليق الثاني: في الاشارة الى بعض ما ورد في الشريعة، من الامر بصلة الارحام. قال الله تعالى في الاية 27، من سورة البقرة: " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به ان يوصل ويفسدون في الارض اولئك هم الخاسرون ". وقال تعالى في الاية 90، من سورة النحل: " ان الله يأمر بالعدل والاحسان وإبتاء ذي القربى ". الى غير ذلك من الايات الواردة في الذكر الحكيم. واما الاثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله، وعترته المعصومين في الحث على صلة الرحم، والردع عن قطعها فكثيرة. فعن ثقة الاسلام الكليني قدس سره معنعنا، في الحديث 2، من الباب 68، من كتاب الكفر والايمان، من الكافي: إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يارسول الله، أهل بيتي أبوا الا توثبا علي، وقطيعة لي، وشتيمة فأرفضهم ؟ قال (ص): إذا يرفضكم الله جميعا، قال: فكيف أصنع. قال: تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، =========================================================================== [79] فانك إذا فعلت ذلك كان لكم من الله عليهم ظهير. وفي الحديث 21، من الباب معنعنا، عنه صلى الله عليه وآله: ان القوم ليكونون فجرة، ولا يكونون بررة، فيصلون أرحامهم فتنمى أموالهم، وتطول أعمارهم، فكيف إذا كانوا أبرارا بررة. وفي الحديث 22، من الباب معنعنا، عن أمير المؤمنين عليه السلام: صلوا أرحامكم ولو بالتسليم، يقول الله تبارك وتعالى: واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام، ان الله كان عليكم رقيبا (1). وروى العياشي (ره) عن الاصبغ بن نباتة (ره) قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ان أحدكم ليغضب، فما يرضى حتى يدخل به النار، فأيما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه، فان الرحم إذا مسها الرحم استقرت، وانها متعلقة بالعرش ينقضه انتقاض الحديد، فينادي: اللهم صلى من وصلني واقطع من قطعني، وذلك قول الله في كتابه: واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام، ان الله كان عليكم رقيبا، وأيما رجل غضب وهو قائم فليلزم الارض من فوره، فانه يذهب رجز الشيطان. وقالت الزهراء المرضية صلوات الله عليها في خطبتها: فرض الله صلة الارحام منماة للعدد، الخ (2). وعن الصدوق (ره) بأسانيد ثلاثة، عن السبط الشهيد عليه السلام، قال: من سره أن ينسأ في أجله، ويزاد في رزقه، فليصل رحمه. كما في الحديث 18، من الباب 3، من البحار: 16، 27، نقلا عن عيون أخبار الرضا. وعنه (ره) مسندا، عن الامام السجاد عليه السلام، قال: مامن خطوة =========================================================================== (1) الاية: 1 من سورة النساء. (2) الحديث 26، من الباب 3، من البحار: 16، 27، ط الكمباني. =========================================================================== [80] أحب الى الله عزوجل من خطوتين: خطوة يسد بها المؤمن صفا في الله، وخطوة الى ذي رحم قاطع، الخبر. كما في الحديث 8، من الباب 3، من الكتاب، ص 26، نقلا عن كتاب الخصال. وفي الحديث 12، من الباب، من الكتاب، نقلا عن الخصال معنعنا، قال الامام الباقر عليه السلام: أربعة أسرع شئ عقوبة: رجل أحسنت إليه ويكافيك بالاحسان إليه إساءة، ورجل لا تبغي عليه وهو يبغي عليك، ورجل عاهدته على أمر فمن أمرك الوفاء له، ومن أمره الغدر بك، ورجل يصل قرابته ويقطعونه. وقال علبه السلام: إذا قطعت الارحام، جعلت الاموال في أيدي الاشرار كما في البحار: 16، 27. وعن أبي حمزة (ره) قال: قال أبو جعفر عليه السلام: صلة الارحام تزكي الاعمال، وتنمي الاموال، وترفع البلوى، وتيسر الحساب، وتنسئ في الاجل. وعن أبي حمزة، عن الامام الصادق عليه السلام، قال: صلة الارحام تحسن الخلق، وتسمح الكف، وتطيب النفس، وتزيد في الرزق، وتنسئ في الاجل، كما في شرح المختار 23، من الخطب، من منهاج البراعة: 3، 342. وعن معلم الامة الشيخ المفيد قدس الله أسراره معنعنا، عن داود الرقي قال: كنت جالسا عند أبي عبد الله عليه السلام إذ قال لي مبتدئا من قبل نفسه: يا داود لقد عرضت علي أعمالكم يوم الخميس، فرأيت فيما عرض علي من عملك صلتك لابن عملك فلان، فسرني ذلك، اني علمت ان صلتك له أسرع لفناء عمره وقطع أجله، قال داود: وكان لي ابن عم معاندا خبيثا، بلغني عنه وعن عياله سوء حال، فصككت له نفقة يفقه قبل خروجي الى =========================================================================== [81] مكة، فلما صرت بالمدينة خبرني أبو عبد الله عليه السلام بذلك. وعن شيخ الطائفة قدس سره، في كتاب الغيبة معنعنا، عن سالمة مولاة أبي عبد الله عليه السلام قالت: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام حين حضرته الوفاة واغمي عليه، فلما أفاق قال: اعطوا الحسن بن علي بن علي بن الحسين وهو الافطس سبعين دينارا، واعط فلانا كذا، وفلانا كذا، فقلت: أتعطي من حمل عليك بالشفرة يريد أن يقتلك ؟ قال: تريدين أن لاأكون من الذين قال الله عزوجل: والذين يصلون ما أمر الله به ان يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، نعم يا سالمة، ان الله خلق الجنة فطيبها وطيب ريحها، وان ريحها ليوجد من مسيرة الفي عام، فلا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم، كما في الحديث 34، من الباب 3، من البحار: 16، 28. وقريب منه في تفسير الاية من مجمع البيان. وعن الراوندي رحمه الله في الدعوات قال: روى ان موسى بن جعفر عليه السلام دخل على الرشيد يوما فقال له هارون: اني والله قاتلك، فقال: لا تفعل فاني سمعت ابي عن آبائه عليهم السلام قال، قال رسول الله (ص): ان العبد ليكون واصلا لرحمه وقد بقى من أجله ثلاث سنين، فيجعلها ثلاثين سنة، ويكون الرجل قاطعا لرحمه وقد بقى من أجله ثلاثون سنة، فيجعلها الله ثلاث سنين، فقال الرشيد: الله لقد سمعت هذا من أبيك ؟ قال: نعم، فأمر له بمأة الف درهم ورده. وعن الشيخ المفيد (ره) في الاختصاص، 55، ط 2: انه قال (ع) لهارون: حدثني أبي عن جدي يرفعه الى النبي صلى الله عليه وآله: ان الرحم إذا مست رحما تحركت واضطريت، الخ. وعن الامام الرضا عليه السلام قال: يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقى من عمره ثلاث سنين، فيصيرها الله ثلاثين سنة، ويفعل الله ما يشاء، =========================================================================== [82] رواه عنه في البحار: 16، 31، في الباب 3، الحديث 84، معنعنا عن الكافي وروى شيخ الطائفة (ره) معنعنا انه: بعث المنصور الى أبي عبد الله عليه السلام وأمر له بفرش، فطرحت الى جانبه، فأجلسه عليها، ثم قال: علي بمحمد، علي بالمهدي، يقول ذلك مرارا، فقيل له: الساعة الساعة يأتي يا أمير المؤمنين، ما يحبسه الا انه يبخر، فما لبث ان وافى وقد سبقه ريحه، فأقبل المنصور على أبي عبد الله عليه السلام فقال: حديث حدثته في صلة الرحم، اذكره يسمعه المهدي، قال: نعم، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله (ص): ان الرجل ليصل رحمه وقد بقى من عمره ثلاث سنين، فيصيرها الله عزوجل ثلاثين سنة، ويقطعها وقد بقى من عمره ثلاث سنين، فيصيرها الله ثلاث سنين، ثم تلا عليه السلام: يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده ام الكتاب، الاية. قال: هذا حسن يا أبا عبد الله، وليس اياه أردت، قال أبو عبد الله: نعم، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي (ع) قال: قال رسول الله (ص): صلة الرحم تعمر الديار، وتزيد في الاعمار، وان كان أهلها غير أخيار، قال: هذا حسن، وليس هذا أردت، فقال أبو عبد الله عليه السلام: نعم، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي (ع) قال: قال رسول الله (ص): صلة الرحم تهون الحساب، وتقي ميتة السوء، قال المنصور: نعم هذا أردت. التعليق الثالث: في الاشارة الى بعض ما ورد في مدح السخاء وذم البخل. فعن الشيخ الصدوق (ره) معنعنا، عن أمير المؤمنين عليه السلام، انه قال: سادة الناس في الدنيا الاسخياء، في الاخرة الاتقياء. كما في البحار: 2، 200. وعنه عليه السلام أخذ تلميذه ابن عباس، كما في عقد الفريد: 1، 114، ط 2. =========================================================================== [83] وعن رسول الله صلى عليه وآله: تجاوزوا عن ذنب السخي، فان الله تعالى آخذ بيده كلما عثر، وفاتح له كلما افتقر. كما في البحار: 17، 422، عن نزهة الناظر. وعن الشيخ المفيد مسندا عنه، (ص) قال: ان الله تعالى يقول: أيما عبد خلقته فهديته الى الايمان، وحسنت خلقه، ولم أبلته بالبخل، فاني اريد به خيرا. وعن شيخ الطائفة (ره) معنعنا، عن رسول الله (ص) انه قال: ان السخاء شجرة من أشجار الجنة، لها أغصان متدلية في الدنيا، الخ. وعن الشيخ الصدوق (ره) معنعنا، عن رسول الله (ص) انه قال: السخاء شجرة، في الجنة أصلها، وهي مظلة على الدنيا، من تعلق بغصن منها اجتره الى الجنة. وفي الكافي: 4، 41 معنعنا، عن الامام الصادق عليه السلام انه قال لبعض جلسائه: ألا أخبرك بشئ يقرب من الله ويقرب من الجنة، ويباعد من النار ؟ فقال بلى، فقال: عليك بالسخاء، فان الله خلق خلقا برحمته لرحمته، فجعلهم للمعروف أهلا، وللخير موضعا، وللناس وجها، يسعى إليهم لكي يحيوهم كما يحيي المطر الارض المجدبة، اولئك هم المؤمنون الامنون يوم القيامة. وعنه (ره) في الكافي: 4، 39، عن الامام الكاظم عليه السلام انه قال: السخي الحسن الخلق في كنف الله، لا يستخلي الله منه حتى يدخله الجنة، وما بعث الله عزوجل نبيا ولا وصيا إلا سخيا، وما كان أحد من الصالحين الا سخيا، ومازال أبي يوصيني بالسخاء حتى مضى. وعن اختصاص الشيخ المفيد (ره)، وكتاب فقه الرضا، انه روي عن العالم، انه قال: السخاء شجرة من الجنة، أغصانها في الدنيا، فمن تعلق =========================================================================== [84] بغصن منها أدته الى الجنة، والبخل شجرة في النار، أغصانها في الدنيا، فمن تعلق بغصن من أغصانها أدته الى النار. وذيل الرواية نقله في الكافي مسندا. وعن الامام الهادي عليه السلام: الجهل والبخل أذم للاخلاق. وقال ارسطا طاليس: من انتجعك من بلاده فقد ابتدأك بحسن الظن بك والثقة بما عندك. وقال أبو ذر رحمه الله: ان لك في مالك شريكين: الحدثان والوارث، فان استطعت أن لا تكون أبخس الشركاء حظا فافعل. وقال كسرى: عليكم بأهل السخاء والشجاعة، فانهم أهل حسن الظن بالله، ولو ان أهل البخل لم يدخل عليهم من ضر بخلهم، ومذمة الناس لهم واطباق القلوب على بغضهم، الا سوء ظنهم بربهم في الخلف، لكان عظيما. ومنه أخذ محمود الوراق فقال: من ظن بالله خيرا جاد مبتدأ * والبخل من سوء ظن المرء بالله وقال بزرجمهر: إذا أقبلت عليك الدنيا فانفق منها فانها لا تبقى، وقال الشاعر: لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة * فليس ينقصها التبذير والسرف وان تولت فأحرى ان تجود بها * فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف وقال آخر: اسعد بمالك في الحياة فانما * يبقى خلافك مصلح أو مفسد فإذا جمعت لمفسد لم يغنه * وأخو الصلاح قليله يتزيد وقال الغزالي في الاحياء (كما في المحجة البيضاء: ج 6، 63): وقال علي عليه السلام: إذا أقبلت عليك الدنيا فانفق منها، فانها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فانفق منها، فانها لا تبقى، وأنشد: =========================================================================== [85] لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة * فليس ينقصها التبذير والسرف فان تولت فأحرى أن تجود بها * فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف ونسب أيضا إليه عليه السلام كما في الديوان، 89: سأمنح مالي كل من جاء طالبا * وأجعله وقفا على الفرض والقرض فأما كريم صنت بالمال عرضه * واما لئيم صنت عن لؤمه عرضي وعن الصدوق (ره) معنعنا، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي، لا تشاور جبانا، فانه يضيق عليك المخرج، ولا تشاور البخيل، فانه يقصر بك عن غايتك، ولا تشاور حريصا، فانه يزين لك شرهما، واعلم يا علي ان الجبن والبخل والحرص غريزة واحدة، يجمعها سوء الظن. وسئل الامام المجتبى عليه السلام عن البخل، فقال: هو ان يرى الرجل ما أنفقه تلفا، وما أمسكه شرفا، كما في المختار 42، مما اختار من كلمه عليه السلام، في البحار: 17، 147. =========================================================================== [86] - 4 - ومن وصية له عليه السلام رواها حافظ الشيعة وصدوق الشريعة ابن بابويه رحمه الله، عن ابراهيم ابن الوليد، عن محمد بن أحمد الكاتب رفعه، ان أمير المؤمنين عليه السلام قال لبنيه: يا بني إياكم ومعاداة الرجال، فانهم لا يخلون من ضربين، من عاقل يمكر بكم، أو جاهل يعجل عليكم، والكلام ذكر والجواب أنثى، فإذا اجتمع الزوجان فلابد من النتاج، ثم انشأ عليه السلام يقول: سليم العرض من حذر الجوابا ومن دارى الرجال فقد أصابا ومن هاب الرجال تهيبوه ومن حقر الرجال فلن يهابا (1) =========================================================================== (1) هاب يهاب ويهيب (من باب خاف وباع) هيبا وهيبة ومهابة - فلانا أي عظمه ووقره، ومراده عليه السلام: ان من أراد المهابة والجلالة والتوقير والاحترام فلابد له من تجرع الغصص وتحمل المرارة بتعظيم الناس، وغض النظر عن سوء سيرتهم وسريرتهم، وانهم غير مستحقين للاحترام، بل أهل للتوهين والملام، إذ بالمعاملة بالمثل وقدر الاستحقاق يختل نظام المجتمع، ويؤل =========================================================================== [87] انتهى الحديث 109، من باب الاثنين، من كتاب الخصال. ورواه عنه في الحديث 1، من الباب 64، من البحار: 16، 174. =========================================================================== أمر الصداقة والمحبة الى العداوة والبغضاء، فلابد للعاقل أن لا ينظر الى قابلية الاشخاص، بل ينظر الى قابليته وشخصيته، فيوصل من قطعه، ويقرب من هجره، ويعفو عمن ظلمه، ويحسن الى من أساء إليه، ويذكر بالحسن من اغتابه وآذاه باللسان، ويتفقد من نسيه، وينصر من خذله، الى غير ذلك من انحاء مجازاة الاساءة بالاحسان، وهذا هو الذي حث عليه الشارع المقدس ببيانات مختلفة وتأكيدات بليغة لا تحصى، وبهذا العمل يجتمع الشمل المبدد، والنظام المختل، ويحسن هذا الصنيع ترتفع البغضاء، وترجع العداوة الى الصداقة، والمنافرة الى المؤانسة والعلاقة، ويجتث أصل الحقد، ويستأصل بذر الغل، كما قال الله تبارك وتعالى: " ادفع بالتي هي أحسن السيئة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " إذ النفوس غالبا مجبولة على المقابلة بالمثل، وجزاء الاحسان بالاحسان، ومكافاة الاساءة باضعافها من الشرارة والطغيان، وأنشد الامام الصادق (ع): تنح عن القيبح فلا ترده. ثم قال لابنه الامام الكاظم (ع) وهو صبي: يا بني تممه، فأتمه الامام الكاظم عليه السلام بقوله: ومن أوليته حسنا فزده. ثم قال الامام الصادق عليه السلام: ستلقى من عدوك كل كيد. فأجابه الامام الكاظم (ع) بقوله: إذا كاد العدو فلاتكده. وروى الشيخ الصدوق طاب ثراه مسندا في عيون أخبار الرضا كلاما طويلا من اسئلة المأمون عن الامام الرضا عليه السلام، منها: انه قال للامام الرضا عليه السلام: انشدني أحسن ما رويته في استجلاب العدو حتى يكون صديقا، فقال: الرضا عليه السلام: وذى غلة سالمته فقهرته * فأو قرته مني لعفو التجمل ومن لا يدافع سيئات عدوه * باحسانه لم يأخذ الطول من عل ولم أر في الاشياء أسرع مهلكا * لغمر قديم من وداد معجل فقال المأمون: ما أحسن هذا، هذا من قاله ؟ فقال عليه السلام: بعض فتياننا، الخ. وروى الشيخ الطوسى (ره) في الحديث 22، من المجلس، من اماليه، مسندا عن رسول الله (ص) انه قال: اياكم ومشاجرة الناس، فانها تظهر الغرة، وتدفن العزة. =========================================================================== [88] - 5 - ومن وصية له عليه السلام لما ضربه ابن ملجم المرادي لعنه الله ثقة الاسلام الكليني قدس الله نفسه الزكية. عن الحسين بن الحسن الحسني، رفعه (1). ومحمد بن الحسن عن ابراهيم بن اسحاق الاحمري، رفعه، قال: لما ضرب أمير المؤمنين عليه السلام حف به العواد (2) وقيل له: يا أمير المؤمنين اوص، فقال (عليه السلام): اثنوا لي وسادة (3) ثم قال: =========================================================================== (1) سنذكر في البحث الرجالي ترجمتهم، ونبين أيضا ان الوصية الشريفة مروية بلا رفع، وان لها مصادر وثيقة. (2) حف - (من باب مد وفر) حفا القوم الرجل وبه وحوله أي أحدقوا به واستداروا عليه، وحفه بكذا أي أحاطه به، والعواد: جمع عائد وهو الذي يذهب الى المصاب للتسلي واذهاب الغم عنه، أو ليداويه، أو ليرشده الى المحيص مما هو فيه، أو ليتزود من رؤيته وسماع كلامه، أو غير ذلك مما يقصد من العيادة. (3) اثنوا طلب من قولهم ثنى - (من باب ضرب) ثنيا الشئ أي عطفه وطواه ورد بعضه الى بعض، والوسادة (مثلث الواو): المخدة والمتكأ، أي اجعلوا لي الوسادة بحيث أتكئ عليها، واتمكن بالاعتماد عليها من الجلوس، وهذا مثل قوله (ع): لو ثنيت لي الوسادة وجلست عليها، لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بانجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم الخ. وقال العلامة المجلسي (ره): وثني الوسادة اما للجلوس عليها ليرتفع ويظهر للسامعين، أو للاتكاء عليها لعدم قدرته على الجلوس. =========================================================================== [89] الحمد لله حق قدره متبعين أمره (4) وأحمده كما أحب، ولا إله إلا الله الواحد الاحد الصمد كما انتسب (5)، أيها الناس كل امرئ لاق في فراره مامنه يفر (6)، والاجل مساق النفس إليه، والهرب منه موافاته (7)، كم أطردت الايام أبحثها عن مكنون هذا الامر، فأبى الله عز ذكره إلا إخفاءه (8)، هيهات علم مكنون (9) أما وصيتي. فأن لا تشركوا =========================================================================== (4) قوله (ع) حق قدره، أي حمدا يكون حسب قدره، وكما هو اهله. وقوله (ع): متبعين حال عن فاعل الحمد، لانه في قوة نحمد الله. (5) أي كما نسب نفسه المقدسة الى الوحدانية والصمدانية، في سورة التوحيد المعروفة (في الروايات) بنسبة الرب. (6) أي كل احد يلاقي في فراره مايفر منه من الامور المقدرة الحتمية كالموت، قال الله تعالى: قل ان الموت الذي تفرون منه فانه ملاقيكم، وأنما قال (ع) في فراره، لان كل أحد يفر دائما من الموت. (7) والمساق مصدر ميمي، وليست فيما أختاره السيد (ره) في النهج كلمة (إليه)، فيحتمل ان يكون المراد بالاجل منتهى العمر، والمساق ما يساق إليه، ويحتمل ان يكون المراد به المدة، فالمساق زمان السوق، وقوله (ع): والهرب منه موافاته، من حمل اللازم على الملزوم، فان الانسان مادام يهرب من موته بحركات وتصرفات يفني عمره فيها فكان الهرب منه موافاته، والمعنى انه إذا قدر زوال عمر أو دولة فكل ما يدبره الانسان لرفع ما يهرب منه يصير سببا لحصوله. (8) قال السمى العلامة (المجلسي رحمه الله): يحتمل ان يكون الاطراد بمعنى الطرد والجمع، أو الامر به مجازا، ويمكن ان يقرأ اطردت على صيغة الغائب بتشديد اللام، فالايام فاعله، قال أكثر شراح النهج: كأنه (ع) جعل الايام اشخاصا يأمر باخراجهم وابعادهم عنه، أي مازلت ابحث عن كيفية قتلى يوما فيوما فإذا لم أجده في طردته واستقبلت يوما آخر، وهكذا حتى وقع المقدور، وللكلام بقية تجئ في البحث المذهبي، فانتظر. (9) أي بعد اطلاع غير المؤتمنين على الاسرار عليه، لانه من علم الله المكنون =========================================================================== [90] بالله جل ثناؤه شيئا، ومحمدا صلى الله عليه وآله فلا تضيعوا سنته (10)، أقيموا هذين العمودين وأوقدوا هذين المصباحين، وخلاكم ذم ما لم تشردوا (11)، حمل كل امرئ (منكم) مجهوده، وخفف عن الجهلة رب رحيم، وإمام عليم، ودين قويم (12) أنا بالامس صاحبكم، و (أنا) اليوم عبرة لكم، وغدا مفارقكم، إن تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك المراد (13)، وإن تدحض القدم فانا كنا في أفياء أغصان، =========================================================================== ولا يمسه الا المطهرون المأمونون على الاسرار والغيوب، والله العالم بالغيب لا يظهر على غيبة أحدا الا من ارتضى من رسول، والرسول المرتضى لايودع أسرار الملك العلام الا عند مدينة علمه وخليفته. (10) محمدا عطف على ان لا تشركوا، قال المجلسي (ره): ويمكن ان يقدر فيه فعل، أي اذكركم محمدا، أو هو نصب على الاغراء، وفى بعض النسخ بالرفع. أقول: وحمل نصبه على شرط التفسير احسن من تقدير فعل آخر، أو الحمل على الاغراء. (11) العمودان: التوحيد والنبوة، واقامتهما كناية عن احقاق حقوقهما، وخلاكم ذم، أي سقط وذهب عنكم الذم، وجاوزكم اللوم، مادام لم تميلوا عن اقامة التوحيد والنبوة، أو مادام لم تتفرقوا، فيكون الكلام اشارة الى عظم معصية المفارقة وفساد ذات البين. (12) قوله (ع): رب رحيم وما عطف عليه مرفوع على الفاعلية لقوله: حمل كل امرئ مجهوده، أي ان الله تعالى جعل تكليف الجهال دون تكليف أهل العلم وجعل لكل منها على حسب وسعه تكليفا، وقيل: ان حمل وخفف خبر، اريد بهما الانشاء والطلب، أي فليحمل كل أمرئ مقدوره، وليخفف عن الجهلة، ولا ينتظر منها ما يتوقع من أهل المعرفة. (13) وفى نهج البلاغة: ان ثبتت الوطاة، ومراده (ع) من ثبوت الوطاة: معافاته من الضربة، وسلامته من القتل، والمزلة: محل الزلل. =========================================================================== [91] وذرى رياح، وتحت ظل غمامة (14)، إضمحل في الجو متلفقها، وعفا في الارض مخطها (15)، وإنما كنت جارا جاوركم بدني أياما (16)، وستعقبون (17) مني جثة خلاء =========================================================================== (14) وفى النهج: فأنا كنا في افياء اغصان، ومهب رياح وتحت ظل غمام. يقال: دحض (من باب منع) دحضا القدم: زلت وزلقت، والمراد من دحض القدم قتله (ع) من ضربة العين. والافياء: جمع فئ، وهو الظل ينسخ ضوء الشمس من بعض الامكنة. والذري: اسم لما ذرته الرياح، وقيل: المراد محال ذروها، يقال: ذرى يذري ذريا (من باب رمى) وذرا يذرو ذروا (من باب دعا يدعو) وذري تذرية، وأذرى اذراء - الريح التراب، أي أطارته وفرقته، شبه (ع) الانسان وما فيه من حياة الدنيا وزخارفها بفئ اغصان الاشجار وما ذرته الرياح من حيث عدم الثبات وقلة الانتفاع، فانها مجموعة ساعة ثم نضمحل. (15) اضمحل السحاب أي تقشع وذهب، ولغة الكلابيين امضحل - بتقديم الميم -. والمتلفق - بكسر الفاء -: المنضم بعضه الى بعض، وضمير متلفقها للغمام، وضمير مخطها للرياح، وعفا الاثر، أي امحى واندرس، ومخطها: ما يحدث في الارض من الخط الفاصل بين الظل والنور، قال المجلسي (ره): وفى بعض النسخ محطها - بالحاء المهملة - والحاصل اني ان مت فلا عجب، فاني كنت في أمور فانية شبيهة بتلك الامور، اولا ابالي فاني كنت في الدنيا غير متعلق بها، كمن كان في تلك الامور، وكنت دائما مترصدا للانتقال. (16) انما خص (ع) المجاورة بالبدن اما لانها من خواص الاجسام، أو لان روحه (ع) كانت معلقة بالملاء الاعلى وهو بعد في هذه الدنيا، كما قال (ع) في وصف أخوانه: وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الاعلى، كما في وصيته (ع) الى كميل. (17) وفى النهج: وستعقبون منى جثة خلاء ساكنة بعد حراك، وصامتة بعد نطوق. وفى نسخة ابن أبي الحديد: وصامتة بعد نطق، ستعقبون - بالبناء على المفعول - من الاعقاب وهو اعطاء الشئ عقيب الشئ، يقال: أكل اكلة اعقبته سقما، أي اورثته، والجثة - بالضم -: الجسد والشخص، والحركة والحراك - كسحاب - بمعنى واحد، والكاظم - كالصامت والساكت - لفظا ومعنى - وجمعه كظم - كراكع وركع - والنطق والنطوق والمنطق: التكلم، يقال: نطق (من باب ضرب) نطقا ونطوقا ومنطقا: تكلم. =========================================================================== [92] ساكنة بعد حركة، وكاظمة بعد نطق، ليعظكم هدوي، وخفوت إطراقي، وسكون أطرافي، فانه أوعظ من الناطق البليغ (18) ودعتكم وداع مرصد للتلاقي (19)، غدا ترون أيامي، ويكشف الله عزوجل عن سرائري، وتعرفوني بعد خلو مكاني، وقيام غيري مقامي (20) إن أبق فأنا ولي =========================================================================== (18) أي ستستبدلون بي جثة وبدنا خالية من الروح وخواص الحياة. وفى النهج: ليعظكم هدوئي، وخفوت أطرافي، وسكون اطرافي، فانه اوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ، والقول المسموع، الخ. قال صعصعه (ره) في مرثيته (ع): وكانت في حياتك لي عظات * وانت اليوم منك حيا ليعظكم - بكسر اللام ونصب الفعل بأن المقدرة بعد اللام - وفاعله الهدوء المضافة الى الياء، ويحتمل فتح اللام - على انها للابتداء - ورفع الفعل واسناده الى المرفوع بعده أيضا، ويحتمل فيه الجزم لكونه أمرا، وهذا اظهر. والهدوء - بالهمزة -: السكون، وقد تقلب الهمزة واوا وتشدد. والخفوت كالسكون لفظا ومعنى، ولهذا قيل للميت: خفت إذا أنقطع كلامه وسكت. والاطراق - بكسر الهمزة -: ارخاء العينين الى الارض، وهو كناية عن عدم تحريك الاجفان، والاطراف - جمع الطرف بالتحريك -: الرأس واليدان والرجلان، وفيهما وجوه آخر. (19) وفى النهج: وداعيكم وداع امرئ مرصد للتلاقي، الخ. الوداع - بالفتح - اسم من قولهم: ودعته توديعا أي شيعته ودعوت له بالسلامة. واما الوداع - بالكسر - فهو بمعنى المتاركه والمسالمة والمصالحة من قولهم: وأدعته موادعة. (20) غدا ظرف لما بعده من الافعال، أي بعد مفارقتي لكم وخلو مكاني منى، واشغال غيري اياه واستيلائه على دست الخلافة والرئاسة - تعرفون بركات ايامي، وسوابغ انعامي، وسوانح احساني، وينكشف لكم سرائري، وما نويته من اعمالي التي كانت مرا عليكم وبشعة عندكم. قوله (ع): وقيام، الخ - قال المجلسي (ره) وفى اكثر نسخ الكافي: وقيامي غير مقامي. وفيها وجوه آخر يطلب من المطولات. =========================================================================== [93] دمي، وإن أفن فالفناء ميعادي، وإن أعف فالعفو لي قربة، ولكم حسنة، فاعفوا واصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم، فيالها حسرة على كل ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة، أو توديه أيامه إلى شقوة، جعلنا الله وإياكم ممن لا يقصر به عن طاعة الله رغبة، أو تحل به بعد الموت نقمة فانما نحن له وبه. ثم أقبل (ع) الى الحسن عليه السلام فقال: يا بني ضربة مكان ضربة ولا تأثم. انتهى الحديث 6، من الباب 65، من الكتاب 4، من الكافي، 299. قال أبو جعفر المحمودي: وهذه الوصية الشريفة رواها أيضا ابن عساكر (في مقتل امير المؤمنين عليه السلام)، في تاريخه ص 152، عن أبي علي الحداد، عن جماعة باختلاف طفيف في بعض الفاظها، وزيادة ابيات نذكرها فيما جمعنا من ديوانه (ع) انشاء الله تعالى. وأيضا هي مروية عن علي بن ابراهيم رحمه الله في تفسيره. وأيضا رواها الحسين بن سعيد، وكذلك رواها المسعودي كما سنفصل القول بذكرها بالفاظها الخاصة وطرقها المخصوصة، في مناهج البلاغة، في شواهد المختار - 145 - من خطب النهج. =========================================================================== [94] وههنا أبحاث البحث الاول: في تحقيق اجمالي حول سند الوصية من كتاب الكافي، فأقول: أما الراوي الاول، وهو الحسين بن الحسن الحسنى، فهو من مشايخ ثقة الاسلام الكليني رحمة الله عليهما، وقد ترحم عليه في الحديث 1، من باب مولد علي بن الحسين عليهما السلام، من كتاب الكافي، وكفى بالرجل صدقة جارية وعملا صالحا خالد أن يكون مثل الكليني عليه الرحمة، تلميذه وحامل العلم عنه. واما الراوي الثاني (أو الطريق الثاني)، فهو محمد بن الحسن الصفار، قال النجاشي (ره): محمد بن الحسن بن فروخ الصفار مولى عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله بن السائب بن مالك بن عامر الاشعري أبو جعفر الاعرج، كان وجها في أصحابنا القميين ثقة عظيم القدر، راجحا قليل السقط في الرواية، له كتب، منها كتاب الصلاة (2) كتاب الوضوء (3) كتاب الجنائز (4) كتاب الصيام " 5 " كتاب الحج " 6 " كتاب النكاح (7) كتاب الطلاق (8) كتاب العتق والتدبير والمكاتبة " 9 " كتاب التجارات " 10 " كتاب المكاسب " 11 " كتاب الصيد والذبائح " 12 " كتاب الحدود " 13 " كتاب الديات " 14 " كتاب الفرائض " 15 " كتاب المواريث " 16 " كتاب الدعاء " 17 " كتاب المزار " 18 " كتاب الرد على الغلاة " 19 " كتاب الاشربة " 20 " كتاب المروءة " 21 " كتاب الزهد " 22 " كتاب الخمس " 23 " كتاب الزكاة " 24 " كتاب الشهادات " 25 " كتاب الملاحم " 26 " كتاب التقية " 27 " كتاب المؤمن " 28 " كتاب الايمان =========================================================================== [95] والنذور والكفارات " 29 " كتاب المناقب " 30 " كتاب المثالب " 31 " كتاب بصائر الدرجات " 32 " كتاب ماروى في أولاد الائمة " 33 " كتاب ماروى في شعبان " 34 " كتاب الجهاد " 35 " كتاب فضل القرآن. أخبرنا بكتبه كلها ماخلا بصائر الدرجات، أبو الحسين علي بن احمد بن بن محمد بن طاهر الاشعري، قال حدثنا محمد بن الحسن بن الوليد عنه بها، واخبرنا أبو عبد الله ابن شاذان، قال حدثنا احمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه، عنه بجميع كتبه وببصائر الدرجات، وتوفي محمد بن الحسن الصفار بقم سنة 290 تسعين ومأتين رحمه الله، انتهى ماعن النجاشي (ره) وقريب منه عن الشيخ (ره) في فهرسته، وعده في رجاله من اصحاب الامام العسكري عليه السلام. وأما ابراهيم بن اسحاق الاحمري، فضعفه قوم، ولكن صرح جماعة من الاجلاء كالوحيد البهبهاني وصاحب عين الغزال والسيد الامين وغيرهم، قدس الله أسرارهم، بتوثيق الرجل، وأيدوا توثيقه بوجوه نشير الى بعضها، منها اكثار الوكيل الجليل القاسم بن محمد الرواية عنه وسماعه منه، ومنها رواية الشيخين العظيمين الصفار وعلي بن شبل (وكذا رواية شيخ المشايخ ابن الوليد) (ره) عنه، ومنها رواية شيخ أصحابنا القميين ووافد علمائنا الراسخين (الى الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم): احمد بن محمد بن عيسى الاشعري - قدس الله نفسه - عنه، مع ما هو المعلوم من سيرته المكشوف من دأبه، وهو الاجتناب عن الرواية من الضعفاء، بل الاحتراز عمن يروى عن الضعفاء والمجاهيل، بل كان رضى الله عنه يراقب الرواة، ويترصد حملة العلم، فمتى تحقق لديه وثبت عنده ان العالم الفلاني يكون مسامحا في تحمل الرواية، وأخذ الحديث، وانه ينقل عن كل من روى له الحديث، (وان لم يعلم وثاقته) - كان رحمه الله يخرج هذا المسامح عن =========================================================================== [96] محروسة قم ودار علم الشيعة (في تلك الانصار). وأكثر رحمه الله الطعن على الاجلاء، لاجل روايتهم احيانا عن بعض الضعفاء والمجاهيل، وان كان عنده رحمه الله محتملا ان النقل عن الضعفاء لعله كان من باب التائيد، أو لشاهد يدل على صدق الراوي في مورد النقل عنه بخصوصه، ومع ذلك كان رحمه الله يواخذ الناقل ويعاتبه، ولعا منه بسد باب الرواية، وتحمل الحديث من الضعفاء. البحث الثاني: في ذكر شئ يسير من كلامه (ع) في الاخبار بشهادته، وأما تفصيله فسيوافيك في باب اخباره (ع) بالمغيبات، فأقول: روى محمد بن طلحة، في مطالب السئول 135، ط النجف: أنه (ع) لما فرغ من قتل الخوارج وعاد الى الكوفة، قام في المسجد فصلى ركعتين، ثم صعد المنبر فخطب خطبة حسناء، ثم التفت الى ابنه الحسن، فقال: يا أبا محمد، كم مضى من شهرنا هذا ؟ قال: ثلاث عشرة يا أمير المؤمنين. ثم التفت الى الحسين، فقال: يا أبا عبد الله، كم بقى من شهرنا هذا - يعني رمضان الذي هم فيه - ؟ فقال الحسين (ع): سبع عشرة يا أمير المؤمنين. فضرب (ع) بيده الى لحيته، وهي يومئذ بيضاء، فقال: الله أكبر، والله ليخضبنها بدمها إذا انبعث اشقاها، ثم جعل يقول: أريد حياته ويريد قتلى * خيلي من عذيري من مراد وعبد الرحمان بن ملجم المرادي يسمع، فوقع في قلبه من ذلك شئ، فجاء حتى وقف بين يدي علي (ع) وقال: أعيذك بالله يا امير المؤمنين، هذه يميني وشمالي بين يديك فاقطعهما أو فأقتلني. قال (ع): وكيف اقتلك ولاذنب عليك ؟ ألا ولو اعلم انك قاتلي لم اقتلك، ولكن هل كانت لك حاضنة يهودية فقالت لك يوما من الايام: يا شقيق عاقر ناقة ثمود ؟ =========================================================================== [97] قال: قد كان ذلك يا امير المؤمنين، فسكت (ع) وركب. وروى ابن الاثير في اسد الغابة: 4، 35، وابو الفرج، في مقاتل الطالبيين معنعنا، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، قال: جمع علي عليه السلام الناس للبيعة، فجاء عبد الرحمن بن ملجم، فرده مرتين أو ثلاثا، ثم مد يده فبايعه، فقال له علي: ما يحبس اشقاها، فو الذي نفسي بيده لتخضبن هذه من هذه، انشد (ع): اشدد حيازيمك للموت فان الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا وقال: وقد روي لنا من طريق آخر: ان عليا اعطي الناس، فلما بلغ ابن ملجم اعطاه وقال له: أريد حياته ويريد قتلى * عذيرك من خليلك من مراد وقال سبط ابن الجوزي في التذكرة، 182، بعد رواية الحديث الاول عن جده ابى الفرج: وفي رواية، ان عليا عليه السلام رده مرتين أو ثلاثا، ثم بايعه وقال عند بيعته: ما يحبس اشقاها، فوالذي نفسي بيده ليخضبن هذه من هذه، ووضع يده على لحيته ورأسه وانشد البيتين. ثم قال - بعد ذكر ثلاثة احاديث -: وذكر ابن سعد في الطبقات، ان عليا عليه السلام قال للمرادي لما أتاه يطلب منه عطاءه: اريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد وفي رواية ان ابن ملجم قال: يا امير المؤمنين احملني، فحمله على فرس اشقر، فركبه وولى، وانشد امير المؤمنين (ع) البيت. وقال ابن سعد: أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا هشام بن حسان، عن محمد بن عبيدة قال: قال علي (ع): ما يحبس اشقاكم ان يجئ فيقتلني، اللهم قد سئمتهم وسئموني، فارحهم منى، وأرحني منهم. =========================================================================== [98] وقال ابن سعد: أخبرنا وكيع بن الجراح، حدثنا الاعمش، عن سالم بن ابي الجعد عن عبد الله بن سبع، قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: لتخضبن هذه من هذه، فما ينتظر بالاشقى. قالوا: يا امير المؤمنين فأخبرنا به نبيد عشيرته، قال: إذا والله تقتلون غير قاتلي، الخ. وقريب منه معنعنا، في أسد الغابة: 4، 34، ورواه أيضا ابن عساكر، من طرق كثيرة بالفاظ مختلفة. وقال معلم الامة، الشيخ المفيد - رضوان الله عليه - في الفصل الثالث والرابع، من كتاب الارشاد، 13: فمن الاخبار التي جاءت بذكره عليه السلام الحادث قبل كونه، وعلمه به قبل حدوثه: ما أخبر به علي بن المنذر الطريفي، عن ابي الفضل العبدي، عن فطر، عن ابي الطفيل عامر بن واثله رضى الله عنه، قال: جمع أمير المؤمنين عليه السلام الناس للبيعة، فجاء عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله، فرده مرتين أو ثلاثا، ثم بايعه، فقال عند بيعته له: ما يحبس أشقاها، فوالذي نفسي بيده لتخضبن هذه من هذا، ووضع يده على لحيته ورأسه فلما أدبر ابن ملجم منصرفا عنه، قال عليه السلام متمثلا: أشدد حيازيمك للموت * فان الموت لاقيك ولا تجزع من الموت * إذا حل بواديك كما اضحكك الدهر * كذاك الدهر يبكيك وروى الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي اسحاق السبيعي، عن الاصبغ بن نباته، قال: أتى ابن ملجم امير المؤمنين (ع) فبايعه فيمن بايع، ثم ادبر عنه، فدعاه امير المؤمنين (ع) فتوثق منه وتوكد عليه ان لا يغدر ولا ينكث، فقال ابن ملجم لعنه الله، والله يا امير المؤمنين ما رأيتك فعلت هذا بأحد غيري، فقال امير المؤمنين (ع): =========================================================================== [99] اريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد امض يابن ملجم، فوالله ما أرى ان تفي بما قلت. وروى جعفر بن سليمان الضبعي، من المعلي بن زياد، قال: جاء عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله الى امير المؤمنين (ع) يستحمله، فقال: يا أمير المؤمنين احملني، فنظر إليه امير المؤمنين (ع) ثم قال له: انت عبد الرحمن بن ملجم المرادي ؟ قال: نعم. ثم قال: انت عبد الرحمن بن ملجم المرادي ؟ قال: نعم. قال: يا غزوان، احمله على الاشقر. فجاء بفرس اشقر، فركبه ابن ملجم لعنه الله وأخذ بعنانه فلما ولى قال امير المؤمنين (ع): اريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد قال: فلما كان من أمره ماكان، وضرب امير المؤمنين (ع) قبض عليه، وقد خرج من المسجد، فجئ به الى امير المؤمنين (ع)، فقال له: فوالله لقد كنت اصنع بك ما اصنع وانا أعلم انك قاتلي، ولكن كنت افعل ذلك بك لاستظهر بالله عليك. وروى أبو زيد الاحول، عن الاجلح، عن اشياخ كندة، قال: سمعتهم أكثر من عشرين مرة، يقولون: سمعنا عليا (ع) على المنبر يقول: ما يمنع اشقاها ان يخضبها من فوقها بدم، ويضع يده على لحيته عليه السلام (1). =========================================================================== (1) ولاجل اكثاره (ع) من نعي نفسه. وقتله وشيكا، تواعد عدة من أصحابه (ع) على ان يحرسه في كل ليلة جماعة منهم، كما يحدثنا بذلك عدة من العلماء روى ابن عبد ربه، في العقد الفريد: 3، 123، ط 2، عن سفيان بن عيينة، قال: كان علي بن أبي طالب رضى الله عنه يخرج بالليل الى المسجد، فقال اناس من أصحابه: نخشى ان يصيبه بعض عدوه، ولكن تعالوا نحرسه، فخرج ذات ليلة فإذا هو بنا، فقال: ما شأنكم ؟ فكتمناه، فعزم علينا، فأخبرناه. فقال: تحرسوني من أهل السماء، أو من أهل الارض ؟ قلنا: من اهل الارض. قال: انه ليس يقضى في الارض حتى يقضى في السماء. =========================================================================== [100] وروى علي بن الحزور، عن الاصبغ بن نباته، قال: خطبنا امير المؤمنين (ع) في الشهر الذي قتل فيه، فقال: أتاكم شهر رمضان، وهو سيد الشهور، وأول السنة، وفيه تدور رحى السلطان، ألا وانكم حاج العام صفا واحدا، وآية ذلك اني لست فيكم. قال: فهو ينعى نفسه عليه السلام، ونحن لا ندري. وروى الفضل بن دكين، عن حيان بن العباس، عن عثمان بن المغيرة قال: لما دخل شهر رمضان كان امير المؤمنين (ع) يتعشى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن العباس، وكان لا يزيد على ثلاث لقم، فقيل له ليلة من تلك الليالي في ذلك، فقال: يأتيني أمر الله وأنا خميص، انما هي ليلة أو ليلتان، فأصيب عليه السلام في آخر الليل. وروى اسماعيل بن زياد، قال حدثتني ام موسى خادمة علي، (ع) وهي حاضنة ابنته فاطمة (ع)، قالت: سمعت عليا (ع) يقول لابنته ام كلثوم: يا بنية اني أراني قل ما اصحبكم. قالت: وكيف ذلك يا أبتاه ؟ قال: اني رأيت رسول الله (ص) في منامي، وهو يمسح الغبار عن وجهي =========================================================================== وروى ابن عساكر، في ترجمته (ع) من تاريخ الشام مسندا، عن يعلى بن مرة، قال: ائتمرنا ان نحرس عليا كل ليلة عشرة، قال: فخرج فصلى كما كان يصلي، لم أتانا فقال: ماشان السلاح ؟ قلنا: نحرسك. فقال: من اهل السماء، أم من أهل الارض ؟ قلنا: من اهل الارض. قال: فانه لا يكون في الارض شئ، حتى يقضى في السماء، وان على من الله جنة حصينة، فإذا جاء اجلي كشف عني، وانه لا يجد عبد يذوق حلاوة الايمان حتى يستيقن يقينا غير ظان ان ما أصابه لم يكن ليخطأه، وما اخطأه لم يكن ليصيبه. وقال قتادة: ان آخر ليلة اتى على علي، جعل لا يستقر، فارتاب به أهله، فجعل يدس بعضهم الى بعض حتى اجتمعوا، قال: فناشدوه، فقال: انه ليس من عبد الا ومعه ملكان يدفعان عنه ما لم يقدر (ما لم يأت القدر، خ)، فإذا أتى القدر خليا بينه وبين القدر، قال فخرج الى المسجد فقتل. =========================================================================== [101] ويقول: يا علي لا عليك، قضيت ما عليك. قالت: فما مكث الا ثلاثا حتى ضرب تلك الضربة، فصاحت ام كلثوم. فقال: يا بنية لا تفعلي، فاني أرى رسول الله (ص) يشير الى بكفه ويقول: يا علي، هلم الينا، فان ما عندنا هو خير لك. وروى عمار الدهني، عن ابي صالح الحنفي، قال: سمعت عليا (ع) يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وآله في منامي، فشكوت إليه ما لقيت من امته من الاود واللدد وبكيت. فقال: لا تبك يا علي، والتفت فإذا رجلان مصفدان، وإذا جلاميد ترضخ بها رؤسهما. قال أبو صالح: فغدوت إليه من الغد، كما كنت أغدو إليه كل يوم، حتى إذا كنت في الجزارين لقيت الناس يقولون: قتل امير المؤمنين (ع). وروى عبد الله بن موسى، عن الحسن بن دينار، عن الحسن البصري قال: سهر امير المؤمنين علي (ع) في الليلة التي قتل في صبيحتها، ولم يخرج الى المسجد لصلاة الليل عادته، فقالت له ابنته ام كلثوم رحمة الله عليها: ماهذا الذي قد اسهرك ؟ فقال: اني مقتول لو قد اصبحت، فأتاه ابن النباح، فآذنه بالصلاة، فمشى غير بعيد، ثم رجع فقالت له أم كلثوم: مر جعدة فليصل بالناس. قال: نعم، مروا جعدة ليصلي، ثم قال: لا مفر من الاجل، فخرج الى المسجد، وإذا هو بالرجل قد سهر ليلته كلها يرصده، فلما برد السحر نام، فحركه امير المؤمنين عليه السلام برجله، وقال له: الصلاة، فقام إليه فضربه. وفي حديث آخر: ان امير المؤمنين (ع) قد سهر تلك الليلة، فأكثر الخروج والنظر الى السماء، وهو يقول: والله: ما كذبت ولاكذبت، وانها الليلة التي وعدت بها، ثم يعاود مضجعه، فلما طلع الفجر شد ازاره وخرج وهو يقول: =========================================================================== [102] أشدد حيازيمك للموت فان الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا فلما خرج الى صحن الدار استقبلته الاوز فصحن في وجهه، فجعلوا يطرد ونهن، فقال: دعوهن فانهن نوائح، ثم خرج فأصيب عليه السلام. وروى الخوارزمي مسندا، في الحديث 7، من الفصل 26، من مقتله، 282، عن سلمة بن كميل (كهيل ظ)، عن عبد الله بن سميع، قال: قال. علي بن ابي طالب قبل ان يضرب بثلاث: اين شقيكم هذا أما والله ليخضبن هذه من هذا، الخ. وروى أيضا معنعنا، في الحديث 8، من الباب، عن خالد بن مخلد ومحمد بن الصلت، قالا اخبرنا الربيع بن المنذر، عن أبيه، عن محمد بن الحنفية، قال: دخل علينا ابن ملجم لعنه الله الحمام، وانا والحسن والحسين جلوس في الحمام، فلما دخل كأنهما اشمأزا منه، فقالا: ما أجراك تدخل علينا، قال: فقلت لهما دعاه عنكما، فلعمري ما يريد بكما اثم من هذا، فلما كان يوم أتي به أسيرا، قال ابن الحنفية: ما أنا اليوم بأعرف به من يوم دخل علينا الحمام، فقال علي (ع): انه أسير، فأحسنوا إليه وأكرموا مثواه، فان بقيت قتلت أو عفوت، وان مت فاقتلوه كما قتلني،، ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين. (2) =========================================================================== (2) ورواه أيضا مسندا، في مقتله (ع) من أسد الغابة: 4، 35. ورواه أيضا معنعنا ابن عساكر، في تاريخه 151. وقال سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 186: وحمل علي (ع) الى القصر، وقال علي بالرجل، فأدخل عليه، فقال: أي عدو الله الم احسن اليك ؟ قال: بلي. قال: فما حملك على هذا ؟ اشار علي (ع) الى احسانه إليه وحمله على الاشقر. وفى رواية انه قال: ولقد كنت اعلم انك قاتلي، وانما احسنت اليك لاستظهر بالله عليك. ثم قال لبنيه: يا بني ان هلكت والنفس بالنفس، اقتلوه كما قتلني، وان بقيت رأيت فيه رأيا. وفى رواية: وان عشت فضربة بضربة أو أعفوا. =========================================================================== [103] وروى الصفار (ره) في بصائر الدرجات: ان امير المؤمنين (ع) دخل الحمام، فسمع صوت الحسن والحسين عليهما السلام قد علا، فقال لهما مالكما فداكما ابي وأمي ؟ فقالا: اتبعك هذا الفاجر فظننا انه يريد ان يضرك. قال (ع): دعاه والله ما أطلق الاله. البحار: 9، 648. وقال ابن عساكر في تاريخه، 150: اخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، عن جوين الحضرمي قال عرض: (على) علي الخيل، فمر عليه ابن ملجم، فمسأله عن اسمه (أو قال نسبه)، فانتهى الى غير ابيه، فقال له: كذبت، حتى انتسب الى ابيه، فقال: صدقت، أما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني ان قاتلي شبه اليهود، هو يهودي فامصه. (كذا). في البحار: 9، ص 658، س 4، عن كتاب الخرائج: انه (ع) دخل الحمام، ذ فسمع صوت الحسن والحسين فخرج اليهما، فقال: مالكما ؟ فقالا: اتبعك هذا الفاجر ابن ملجم، فظننا انه يغتالك. فقال: لهما دعاه لا بأس. وروى ابن شهر اشوب في المناقب: انه سمع ابن ملجم يقول: لاضربن عليا بسيفي هذا، فذهبوا به إليه، فقال له: ما اسمك ؟ قال: عبد الرحمن ابن ملجم. قال: نشدتك بالله عن شئ تخبرني ؟ قال: نعم. قال: هل مر عليك شيخ يتوكأ على عصاه وانت في الباب، فمشقك بعصاه، ثم قال: بؤسا لك، اشقى من عاقر ناقة ثمود ؟ قال: نعم. قال: هل كان الصبيان يسمونك ابن راعية الكلاب وانت تلعب معهم ؟ قال: نعم. قال: هل اخبرتك أمك أنها حملت بك وهي طامث ؟ قال: نعم، قال: فبايع، فبايع، ثم قال: خلوا سبيله. وروى الخوارزمي مسندا - وكذلك ابن الاثير في أسد الغابة 354 الا أنه قال وليلة عند ابن جعفر - في الحديث 11، من الفصل المتقدم ذكره، عن عثمان بن المغيرة، قال: انه لما دخل رمضان، كان علي عليه السلام يتعشى =========================================================================== [104] ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند ابن عباس، ولا يزيد على ثلاث لقم، ويقول: يأتيني امر الله وانا أخمص، انما هي ليلة أو ليلتان، فأصيب (ع) من الليل. وفي الحديث 13، من الفصل معنعنا، عن حفص بن خالد، عن ابيه، عن جده جابر، قال: اني لشاهد لعلي (ع) واتاه المرادي يستحمله فحمله، ثم قال: أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد ثم قال: هذا والله قاتلي. قالوا: يا امير المؤمنين افلا تقتله ؟ قال: فمن يقتلني إذا ؟ ثم قال: أشدد حيازيمك للموت فان الموت لاقيكا، الخ. وروى في الاستيعاب، بهامش الاصابة: 3، 60، معنعنا، عن ابن سيرين، عن عبيده قال: كان علي رضى الله عنه، إذا رأى ابن ملجم قال: أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد وكان رضى الله عنه كثيرا ما يقول: ما يمنع اشقاها (أو ما ينتظر اشقاها) ان يخضب هذه من دم هذا، يقول: والله لتخضبن هذه من دم هذا - ويشير الى لحيته ورأسه - خضاب دم لاخضاب عطر ولاعبير. وذكر عمر بن شبه، عن ابي عاصم النبيل وموسى بن اسماعيل، عن سكين بن عبد العزيز العبدي، انه سمع اباه يقول: جاء عبد الرحمن بن ملجم يستحمل عليا فحمله، ثم قال: أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد أما ان هذا قاتلي. قيل: فما يمنعك منه ؟ قال: انه لم يقتلني بعد. وأتي على رضى الله عنه فقيل له: ان ابن ملجم يسم سيفه ويقول: انه سيفتك بك فتكة يتحدث بها العرب، فبعث إليه فقال له: لم تسم سيفك ؟ قال: لعدوي وعدوك، فخلى عنه وقال: ما قتلني بعد. =========================================================================== [105] البحث الثالث: في الاثار الواردة في كيفية شهادته (ع) وسببها. واجمال القصة على ما ذكره جمهور العلماء من الخاصة والعامة (3) ما أوردها أبو الفرج في مقاتل الطالبيين 29، حيث قال: ان نفرا من الخوارج اجتمعوا بمكة فتذاكروا أمر المسلمين، فعابوهم وعابوا أعمالهم عليهم، وذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم، وقال بعضهم لبعض: لو أنا شرينا انفسنا لله عزوجل، فأتينا ائمة الضلال وطلبنا غرتهم وأرحنا منهم العباد والبلاد، وثأرنا لاخواننا الشهداء بالنهروان، فتعاقدوا عند انقضاء الحج، فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا اكفيكم عليا، وقال واحد: انا اكفيكم معاوية، وقال الثالث: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، =========================================================================== (3) كالشيخ المفيد في الارشاد، والطبري وابن الاثير في تاريخيهما، وابن طلحة في مطالب السؤل، والمسعودي في مروج الذهب، وسبط ابن الجوزي في التذكرة نقلا عن محمد بن اسحاق وهشام بن محمد والسدي وغيرهم، واليعقوبي في تاريخه، والكنجي في كفاية الطالب، والزرندي في نظم درر السمطين. وابن عساكر في تاريخه 152، وابن شهر اشوب في مناقبه، والخوارزمي في المناقب، وكلهم اصفقوا على سرد أصل القضية مثل ما سرده أبو الفرج، نعم بينهم اختلاف من حيث السند، ومن جهة ذكر بعض الخصوصيات ومن طريق الاجمال والتفصيل، واسناد الرواية الى راويها أو ارسالها، وحسن التعبير وجودته. نعم وللمدائني سياق آخر في مبدأ القصة، قال ابن قتيبة في الامامة والسياسة 159، قال المدائني: حج ناس من الخوارج، سنة تسع وثلاثين، وقد اختلف عامل على وعامل معاوية، فأصطلح الناس على شبيب ابن عثمان، فلما انقضى الموسم اقام النفر من الخوارج مجاورين بمكة، فقالوا: كان هذا البيت معظما في الجاهلية، جليل الشأن في الاسلام، وقد انتهك هؤلاء حرمته، فلو ان قوما شروا أنفسهم فقتلوا هذين الرجلين الذين قد افسدا في الارض، واستحلا حرمة هذا البيت استراحت الامة، واختار الناس لهم اماما، فقال عبد الرحمن بن ملجم: انا اكفيكم أمر علي، وقال الحجاج ابن عبد الله: انا أقتل معاوية (ثم ساق القصة) مثل ماقاله أبو الفرج الا نادرا. =========================================================================== [106] فتعاقدوا، وتواثقوا على الوفاء، وان لا ينكل أحد منهم عن صاحبه الذي يتوجه إليه ولاعن قتله، واتعدوا لشهر رمضان في الليلة التي قتل فيها ابن ملجم عليا. قال أبو الفرج: قال أبو مخنف: قال أبو زهير العبسى: الرجلان الاخران: البرك بن عبد الله التميمي، وهو صاحب معاوية، وعمرو بن بكر التميمي، وهو صاحب عمرو بن العاص. قال: فأما صاحب معاوية، فانه قصده فلما وقعت عينه عليه ضربه، فوقعت ضربته على اليته، وأخذ فجاء الطبيب إليه فنظر الى الضربة فقال: ان السيف مسموم، فاختر اما أن احمي لك حديدة فأجعلها في الضربة، واما ان أسقيك دواء فتبرأ وينقطع نسلك، فقال: أما النار فلا أطيقها، وأما انسل ففي يزيد وعبد الله ما تقر عيني وحسبي بهما، فسقاه الدواء فعوفي، وعالج جرحه حتى التأم، ولم يولد له بعد ذلك. وقال البرك: ان لك عندي بشارة، قال: وماهي ؟ فأخبره خبر صاحبه، وقال له: ان عليا قتل في هذه الليلة، فاحتبسني عندك، فان قتل فأنت ولي ما تراه في أمري، وان لم يقتل اعطيتك العهود والمواثيق ان أمضى إليه فأقتله، ثم اعود اليك فأضع يدي في يدك حتى تحكم في بما ترى، فحبسه عنده، فلما اتى الخبر ان عليا قتل في تلك الليلة خلى سبيله. هذه رواية اسماعيل بن راشد، وقال غيره من الرواة: بل قتله من وقته. واما صاحب عمرو بن العاص، فانه وافاه في تلك الليلة، وقد وجد علة فأخذ دواء واستخلف رجلا يصلي بالناس، يقال: له خارجة بن حنيفة أحد بني عامر بن لؤي، فخرج للصلاة، فشد عمرو بن بكر فضربه بالسيف فأثبته، وأخذ الرجل فأتي به عمرو بن العاص فقتله، ودخل من غد الى =========================================================================== [107] خارجة وهو يجود بنفسه، فقال: أما والله يا أبا عبد الله ما أراد غيرك. قال عمرو: ولكن الله أراد خارجة. وأما ابن ملجم فانه قتل عليا تلك الليلة. قال: وحدثني احمد بن عيسى العجلي بأسناد ذكره في الكتاب الى أبي زهير العبسي. قال: كان ابن ملجم من مراد، وعداده في كنده، فأقبل حتى قدم الكوفة، فلقي بها اصحابه، وكتمهم أمره، (4) وطوى عنهم ما تعاقد هو واصحابه عليه بمكة من قتل أمراء المسلمين مخافة ان ينتشر، وزار رجلا من أصحابه ذات يوم من بني تيم الرباب، فصادف عنده قطام بنت الاخضر من بني تيم الرباب، وكان علي قتل أخاها وأباها بالنهروان، وكانت من أجمل نساء أهل زمانها، فلما راها شغف بها، وأشتد اعجابه فخطبها، فقالت له: ما الذي تسمى لي من الصداق ؟ فقال: احتكمي ما بدأ لك. فقالت: احتكم عليك ثلاثة الاف درهم، ووصيفا وخادما، وان تقتل علي بن ابي طالب. فقال لها: لك جميع ما سألت، وأما قتل علي فأني لي بذلك ؟ قالت: تلتمس غرته، فان انت قتلته شفيت نفسي، وهناك العيش معي، وان قتلت فما عند الله خير لك من الدنيا. قال لها: أما والله ما أقدمني هذا المصر، وقد كنت هاربا منه، لامن اهله الا ما سألتني من قتل علي. قالت له: فأنا طالبة لك بعض من يساعدك على هذا ويقويك. ثم بعثت =========================================================================== (4) وقال اليعقوبي (ره): وقدم عبد الرحمان بن ملجم المرادي الكوفة، لعشر بقين من شعبان، سنة اربعين، فلما بلغ عليا قدومه قال: أو قد وافى ؟ اما انه ما بقي علي غيره وهذا أوانه. فنزل على الاشعث بن قيس الكندي، فأقام عنده شهرا يستحد سيفه، وكانوا ثلاثة نفر توجهوا، فواحد منهم الى معاوية بالشام، وآخر الى عمرو بن العاص بمصر، والاخر الى علي (ع) وهو ابن ملجم. فأما صاحب معاوية فضربه، فوقعت الضربة على اليته، وبادر فدخل داره. وأما صاحب عمرو بن العاص فانه ضرب خارجة خليفة عمرو في صلاة الصبح وكان عمرو تخلف لعلة، الخ. =========================================================================== [108] الى ورد ان مجالد، أحد بني تيم الرباب، فخبرته الخبر، وسألته معاونة ابن ملجم، فتحمل لها ذلك. وخرج ابن ملجم فأتى رجلا من اشجع، يقال له شبيب بن بجيرة، وقال له: يا شبيب ! هل لك في شرف الدنيا والاخرة ؟ قال: وماذاك ؟ قال: تساعدني على قتل علي. وكان شبيب على رأي الخوارج، فقال له هبلتك الهبول، لقد جئت شيئا ادا، (5) وكيف تقدر ويحك على ذلك ؟ قال ابن ملجم: نكمن له في المسجد الاعظم، فإذا خرج لصلاة الفجر فتكنا به وشفينا أنفسنا منه، فلم يزل به حتى أجابه. فأقبل به حتى دخلا على قطام، وهي معتكفة في المسجد الاعظم، قد ضربت لها قبة، فقالا لها: قد أجمع رأينا على قتل هذا الرجل. قالت: لهما فإذا أردتما ذلك فالقياني =========================================================================== (5) وههنا لعبارة الطبري والكامل، ومروج الذهب والاستيعاب مزية على ما ذكره أبو الفرج، ونحن نذكر لفظ ابي عمر لفوائده الخاصة. قال في الاستيعاب بهامش الاصابة: 3، 58: ولقي ابن ملجم شبيب بن بجرة الاشجعي فقال: يا شبيب هل لك في شرف الدنيا والاخرة ؟ قال: وما هو ؟ قال: تساعدني على قتل علي بن ابي طالب. قال له: تكلتك امك لقد جئت شيئا ادا، كيف تقدر على ذلك ؟ قال: انه رجل لاحرس له، ويخرج الى المسجد منفردا ليس له من يحرسه، فنكمن له في المسجد، فإذا خرج الى الصلاة قتلناه، فان نجونا نجونا، وان قتلنا سعدنا بالذكر في الدنيا، وبالجنة في الاخرة. فقال: ويلك ان عليا ذو سابقة في الاسلام مع النبي صلى الله عليه وسلم، والله ما تنشرح نفسي لقتله. فقال: ويحك انه حكم الرجال في دين الله عزوجل، وقتل اخواننا الصالحين، فنقتله ببعض من قتل فلا تشكن في دينك، فأجابه، واقبلا حتى دخلا على قطام، وهي معتكفة في المسجد الاعظم في قبة ضربتها لنفسها، فدعت لهم، وأخذوا سيوفهم وجلسوا قبالة السدة التي يخرج منها علي رضى الله عنه، فخرج لصلاة الصبح، فبدره شبيب فضربه فأخطأه، وضربه ابن ملجم على رأسه، وقال: الحكم لله يا علي لالك ولا لاصحابك، فقال علي رضى الله عنه: فزت ورب الكعبة، لا يفوتنكم الكلب. فشد الناس عليه من كل جانب فأخذوه، وهرب شبيب خارجا من باب كندة، الخ. وقال ابن عساكر في تاريخه ص 153، اخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، عن شيخ من قريش، ان عليا قال لما ضربه ابن ملجم: فزت ورب الكعبة. =========================================================================== [109] في هذا الموضع، فانصرنا من عندها فلبثا اياما، ثم أتياها، ومعهما وردان ابن مجالد الذي كلفته مساعدة ابن ملجم، وذلك في ليلة الجمعة، لتسع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربعين، قال أبو الفرج: هكذا في رواية أبي مخنف. وفي رواية ابي عبد الرحمان السلمى انها كانت ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، فقال لها ابن ملجم: هذه الليلة هي التي وعدت فيها صاحبي ووعداني ان يقتل كل واحد منا صاحبه الذي يتوجه إليه، فدعت لهم بحرير فعصبت به صدورهم، وتقلدوا سيوفهم، ومضوا فجلسوا مقابل السدة التي كان يخرج منها علي. قال الشيخ المفيد وابو الفرج (6): وقد كان ابن ملجم اتى الاشعث بن قيس في هذه الليلة فخلا به في بعض نواحي المسجد، (7) فمر بهما حجر بن عدي فسمع الاشعث وهو يقول لابن ملجم: =========================================================================== (6) هذا الذي ذكرناه هو لفظ ابي الفرج في مقاتل الطالبيين: وذكره أيضا جل المؤرخين. ولكن لفظ الشيخ المفيد في الارشاد اوضح، فانه بعد ما ذكر نحو ما نقلناه عن ابي الفرج، من انهم مضوا وجلسوا مقابل السدة التي كان يخرج منها امير المؤمنين عليه السلام الى الصلاة قال: وقد كانوا قبل ذلك القوا الى الاشعث بن قيس مافى نفوسهم من العزيمة على قتل امير المؤمنين عليه السلام، وواطأهم على ذلك، وحضر الاشعث لعنه الله في تلك الليلة لمعونتهم على ما اجتمعوا عليه، وكان حجر بن عدي رحمه الله في تلك الليلة بائتا في المسجد، فسمع الاشعث يقول لابن ملجم: النجا النجا لحاجتك فقد فضح الصبح فأحس حجر بما أراد الاشعث، فقال له: قتلته يا أعوز، وخرج مبادرا ليمضي الى امير المؤمنين عليه السلام ليخبره الخبر، ويحذره من القوم، وخالفه امير المؤمنين عليه السلام من الطريق فدخل المسجد، فسبقه ابن ملجم لعنه الله فضربه بالسيف، فأقبل حجر والناس يقولون: قتل امير المؤمنين. (7) قال أبو الفرج: وللاشعث في انحرافه عن أمير المؤمنين اخبار يطول شرحها. منها: انه جاء في تلك الايام الى علي يستأذن عليه، فرده قنبر، فأدمى الاشعث انفه، فخرج علي وهو يقول: مالي ولك يا اشعث ؟ أما والله لو بعبد ثقيف تمرست لاقشعرت شعيراتك. قيل يا امير المؤمنين: ومن عبد ثقيف ؟ قال: غلام لهم لا يبقى اهل بيت من العرب الا أدخلهم ذلا. قيل يامير المؤمنين: =========================================================================== [110] النجا، النجا فقد فضحك الصبح. قال له حجر: قتلته يا أعور، فخرج مبادرا الي علي عليه السلام وقد سبقه ابن ملجم فضربه، فأقبل حجر والناس يقولون: قتل امير المؤمنين. وقال ابن شهر اشوب في المناقب: روى أبو مخنف الازدي، وابن راشد، والرفاعي، والثقفي جميعا: انه اجتمع نفر من الخوارج بمكة، فقالوا: انا شرينا أنفسنا لله، فلو أتينا ائمة الضلال، وطلبنا غرتهم فأرحنا منهم البلاد والعباد. فقال عبد الرحمان بن ملجم: انا اكفيكم عليا. وقال الحجاج بن عبد الله السعدي الملقب بالبرك: انا أكفيكم معاوية. وقال عمرو ابن بكر التميمي: انا اكفيكم عمرو بن عاص. واتعدوا التاسع عشر من شهر رمضان، ثم تفرقوا، فدخل ابن ملجم الكوفه، فرأى رجلا من تيم الرباب وعنده قطام التيمية، وكان امير المؤمنين (ع) قتل أباها الاخضر، وأخاها الاصبغ النهروان، فشغف بها ابن ملجم، فخطبها فأجابته بمهر ذكره العبدي في كلمة له فقال: فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة * كمهر قطام من فصحيح واعجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وضرب علي بالحسام المسمم فلامهر اغلى من علي وان غلا * ولاقتل الا دون قتل ابن ملجم فقال ابن ملجم: ويحك من يقدر على قتل علي، وهو فارس الفرسان، والسباق الى الطعان، ومغالب الاقران ؟ ! وأما المالية فلا بأس علي منها. قالت: انتظر غفلته، فآفتك به. فقبل ابن ملجم، فبعثت الى ورد ان بن =========================================================================== كم يلي أو كم يمكث ؟ قال: عشرين ان بلغها. ومنها: ان الاشعث دخل على علي (ع) في تلك الايام فكلمه، فأغلظ علي له، فعرض له الاشعث انه سيفتك به، فقال له علي (ع): أبالموت تخوفني ؟ (أو تهددني)، فوالله ما أبالي وقعت على الموت أو وقع الموت علي. =========================================================================== [111] مجالد وسألته معونة ابن ملجم، واستعان ابن ملجم بشبيب بن بجرة فأعانه، وأعانه رجل من وكلاء عمرو بن العاص بخط فيه مأة الف درهم فجعله مهرها، فأطعمتها الموزينج والجوزينق وسقتهما الخمر العكبري، فنام شبيب وتمتع ابن ملجم معها، (8) ثم قامت فأيقظتهما، وعصبت صدورهم بحرير، فتقلدوا اسيافهم، وكمنوا له مقابل السدة، وحضر الاشعث بن قيس لمعونتهم، فقال لابن ملجم: النجا النجا، فقد فضحك الصبح، فأحس الحجر بن عدي بما أراد الاشعث، وخرج مبادرا ليمضى الى امير المؤمنين عليه السلام فدخل (ع) المسجد فسبقه ابن ملجم فضربه بالسيف. وقال محمد بن عبد الله الازدي اقبل امير المؤمنين (ع) وهو ينادي الصلاة الصلاة، فإذا هو مضروب، وسمعت قائلا يقول: الحكم لله يا علي لالك ولا لاصحابك، وسمعت عليا (ع) يقول: فزت ورب الكعبة، ثم يقول: لا يفوتنكم الرجل. وكان قد ضربه شبيب فأخطأه، ووقعت ضربته في الطاق، ومضى هاربا حتى دخل منزله، ودخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير عن صدره، فقال: ماهذا لعلك قتلت امير المؤمنين ؟ فأراد ان يقول لا، فقال: نعم. فقتله الازدي. وأما ابن ملجم، فان رجلا من همدان لحقه وطرح عليه قطيفة فصرعه، وانسل الثالث بين الناس. وجئ بابن ملجم الى امير المؤمنين (ع) فلما رآه قال: النفس بالنفس ان أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وان سلمت رأيت فيه رأيي. =========================================================================== (8) قال سبط ابن الجوزي في التذكرة، ص 185: وروي ان ابن ملجم دخل بها، فلما فرغ منها ازداد عشقا لها، فقالت له: والله لا تساكني حتى تقتل عليا، ثم قالت: اني سأطلب لك رجلا يساعدك، الخ. =========================================================================== [112] وفي رواية: ان أنا عشت رأيت فيه رأيي، وان هلكت فاصنعوا به مايصنع يقاتل النبي. فسئل عن معناه، فقال: اقتلوه ثم احرقوه بالنار. فقال ابن ملجم: لقد ابتعته بألف وسممته بألف فان خانني فأبعده الله، ولقد ضربته ضربة لو قسمت بين أهل الارض لاهلكتهم. وروى انه (ع) قال: اطعموه واسقوه واحسنوا أساره، فان اصح فأنا ولي دمي، ان شئت عفوت، وان شئت استفذت، وان هلكت فاقتلوه، ثم اوصى (ع) فقال: يا بني عبد المطلب لا الفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا، تقولون قتل امير المؤمنين، الا لا يقتلن بي الا قاتلي. ونهى عن المثلة. انتهى ما أردنا نقله عنه بتصرف ما يقتضيه السياق. قال أبو الفرج: قال أبو مخنف: حدثني أبى، عن عبد الله بن محمد الازدي، قال: اني لاصلي تلك الليلة في المسجد الاعظم مع رجال من أهل المصر كانوا يصلون في ذلك الشهر من أول الليل الى آخره، إذ نظرت الى رجال يصلون قريبا من السدة قيام وقعودا وركوعا وسجودا ما يسأمون، إذ خرج عليهم علي بن ابي طالب الفجر، فأقبل ينادي: الصلاة الصلاة فرأيت بريق السيف وسمعت قائلا يقول: الحكم لله يا علي لالك، ثم رأيت بريق سيف آخر، وسمعت صوت علي يقول: لا يفوتنكم الرجل. وروى أبو الفرج معنعنا، عن الامام الحسن عليه السلام قال: خرجت وابي يصلي في المسجد، فقال لي: يا بني اني بت الليلة اوقظ أهلي، لانها ليلة الجمعة صبيحة يوم بدر، لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، فملكتني عيناي فسنح لي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: يارسول الله، ماذا لقيت من امتك من الاود واللدد، فقال لي: ادع عليهم، فقلت: (9) =========================================================================== (9) وقريب منه في تاريخ ابن عساكر، بطرق كثيرة. وذكره في الامامة والسياسة 160، قال: وروى عن الحسن انه قال: اتيت =========================================================================== [113] اللهم ابدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني. قال الحسن عليه السلام: وجاء ابن النباح فآذنه بالصلاة فخرج، وخرجت خلفه، فاعتوره الرجلان، فأما احدهما فوقعت ضربته على الطاق، واما الاخر فأثبتها في رأسه. وقال الشيخ المفيد رحمه الله في الارشاد: روى عمار الدهني عن أبي صالح الحنفي، قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منامي، فشكوت إليه ما لقيت من أمته من الاود واللدد، وبكيت، فقال: لا تبك يا علي والتفت، فالتفت فإذا رجلان مصفدان، وإذا جلاميد ترضخ بهما رؤسهما. قال أبو صالح: فغدوت إليه من الغد كما كنت أغدو إليه كل يوم، حتى إذا كنت في الجزارين لقيت الناس يقولون: قتل أمير المؤمنين. وقريب منه في مناقب ابن شهر اشوب عن أبي صالح. وروى الخوارزمي بأسناده، والشيخ المفيد (ره) عن اسماعيل بن زياد، قال: حدثتني أم موسى خادمة علي عليه السلام، وهي حاضنة فاطمة ابنته (ع)، قالت سمعت عليا (ع) يقول لابنته ام كلثوم: يا بنية اني اراني قل ما أصحبكم، قالت: وكيف ذلك يا ابتاه ؟ اني رأيت رسول الله في منامي، وهو يمسح الغبار عن وجهي ويقول: يا علي لا عليك، قضيت ما عليك. قال: فما مكثنا الا ثلاثا حتى ضرب (ع) تلك الضربة، فصاحت ام كلثوم، فقال: يا بنية لا تفعلي، فاني أرى رسول الله (ص) يشير الى بكفه ويقول: يا علي هلم الينا، فان ما عندنا هو خير لك. وقريب منه =========================================================================== ابي فقال لي: أرقت الليلة، ثم ملكتني عيناي فسنح لي، الخ. ورواه في المختار 68، من خطب النهج بلفظ: ملكتني عيناي، وانا جالس، فسنح لي رسول الله صلى الله عليه وآله، الخ. وذكره أيضا سبط ابن الجوزي في التذكرة، قريبا من لفظ نهج البلاغة. وقريب منه ما رواه في الاستيعاب بهامش الاصابة: 3، 62، مع قوله: فجاء ابن النباح فآذنه بالصلاة، فخرج فاعتوره الرجلان، الخ. وكذلك نقله السيوطي، في تاريخ الخلفاء ص 175، ط 1. =========================================================================== [114] مرسلا عن ابن شهر اشوب. وروى المجلسي العظيم، عن كتاب العدد القوية، عن ابي مخنف قال: جاء رجل من مراد الى امير المؤمنين (ع) يصلي في المسجد فقال: احترس فان أناسا من مراد يريدون قتلك، فقال (ع): ان مع كل رجل ملكين يحفظانه ما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه (10) وان الاجل جنة حصينة، وقال الشعبي: انشد امير المؤمنين (ع) قبل ان يستشهد بايام: تلكم قريش تمناني لتقتلني * فلا وربك ما فازوا ولا ظفروا فان بقيت فرهن ذمتي لهم * وان عدمت فلا يبقى لها أثر وسوف يورثهم فقدي على وجل * ذل الحياة بما خانوا وما غدروا (11) وقال المسعودي: وكان علي رضي الله عنه كثيرا ما يتمثل: تلكم قريش تمناني لتقتلني * فلا وربك ما بروا وما ظفروا فان هلكت فرهن ذمتي لهم * بذات ودقين لا يعفو لها اثر. (12) ورواها ابن شهر اشوب، في المناقب، عن ابي عثمان المازني، عنه (ع) بزيادة قوله: =========================================================================== (10) وفى الامامة والسياسة 162: وجاء رجل من مراد الى علي فقال له: يا امير المؤمنين احترس فان هنا قوما يريدون قتلك، فقال: ان لكل انسان ملكين يحفظانه فإذا جاء القدر خلياه. ورواه سبط ابن الجوزي في التذكرة 182 معنعنا عن طبقات ابن سعد كما رواه المجلسي (ره) عن كتاب العدد القوية ولكن بسند آخر. ورواه ابن عساكر بالفاظ مختلفة واسناد متعددة وفى اوقات مختلفة من حياته (ع). (11) ورواه ايضا سبط ابن الجوزي، في التذكرة 183، قال: قال الشعبي: انشد علي (ع) قبيل قتله بأيام: تلكم قريش تمناني ليقتلني، الخ. (12) ونقلها معجم الادباء 14، ص 43. في ترجمة امير المؤمنين (ع) الا انه قال: فلاوجدك ما بروا ولا ظفروا. وفى الاخير قال: بذات روقين الخ، ثم قال: يقال ذات روقين وذات ودقين، إذا كانت عظيمة. =========================================================================== [115] وان هلكت فاني سوف اوترهم * ذل الممات فقد خانوا وقد غدروا قال المسعودي: وكان (عليه السلام) يكثر من ذكر هذين البيتين: أشدد حيازيمك للموت * فان الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت * إذا حل بواديكا وسمعا منه في الوقت الذي قتل فيه، فانه قد خرج الى المسجد وقد عسر عليه فتح باب داره (13)، وكان من جذوع النخل، فاقتلعه وجعله ناحية، وانحل ازاره، فشده وجعل ينشد هذين البيتين المتقدمين (14). وقال الطبري وابن الاثير - بعد ما ذكرا اصل القضية كالمسعودي والشيخ المفيد وابي الفرج وغيرهم الا في خصوصيات نادرة - واللفظ من كامل ابن الاثير -: فلما كان ليلة الجمعة - وهي التي واعد ابن ملجم أصحابه على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص - فأخذ (ابن ملجم) سيفه ومعه شبيب ووردان، وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي للصلاة (15)، فلما خرج علي نادى: ايها الناس الصلاة الصلاة، فضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب، وضربه ابن ملجم على قرنه بالسيف وقال: الحكم لله، لالك يا علي ولا لاصحابك، وهرب وردان فدخل منزلة فأتاه =========================================================================== (13) وفى مطاللب السئول 136، قبيل الفصل العاشر من ترجمته. وبيان حاله (ع): فلما كانت ليلة ثلاث وعشرين من الشهر فقام ليخرج من داره الى المسجد لصلاة الصبح، وقال: ان قلبي ليشهد اني لمقتول في هذا الشهر، وفتح الباب، فتعلق الباب بمئزره فجعل ينشد: اشدد حيازيمك للموت * فان الموت لاقيكا، الخ. فخرج وقتل. (14) وقال في الامامة والسياسة 162: وخرج علي في الليلة التي قتل فيها وهو يقول: اشدد حيازيمك، الخ. (15) وقال اليعقوبي: وخرج علي في الغلس فتبعته اوز كن في الدار فتعلقن بثوبه فقال (ع): صوائح تتبعها نوائح. وقريب منه في تاريخ ابن عساكر 150، =========================================================================== [116] رجل من أهله فأخبره وردان بما كان، فانصرف عنه وجاء بسيفه فضرب به وردان حتى قتله، وهرب شبيب في الغلس وصاح الناس فلحقه رجل من حضر موت يقال له عويمر، وفي يد شبيب السيف فأخذه وجلس عليه، فلما رأى الحضرمي الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خشي على نفسه فتركه، ونجا شبيب في غمار الناس. ولما ضرب ابن ملجم عليا قال: لا يفوتنكم الرجل، فشد الناس عليه فأخذوه (16)، وتأخر علي، وقدم جعدة (وفي الطبري: ودفع في ظهر جعدة) ابن هبيرة، وهو ابن اخته أم هاني ليصلي بالناس الغداة. وقال علي (ع) أحضروا الرجل عندي، فادخل عليه، فقال: أي عدو الله ألم أحسن اليك ؟ قال: بلى. قال: فما حملك على هذا ؟ قال: شحذته أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه. فقال علي: لاأراك إلا مقتولا به، ولا أراك الا من شر خلق الله، ثم قال: النفس بالنفس، =========================================================================== (16) قال في الامامة والسياسة 160، فلما خرج علي للصلاة، وثب (ابن ملجم) عليه وقال: الحكم لله لالك يا علي، وضربه على قرنه بالسيف، فقال علي: فزت ورب الكعبة، ثم قال: لا يفوتنكم الرجل، فشد الناس عليه فأخذوه، فلما قتل عليا قال: لقد احددت سيفي بكذا وكذا، وسممته بكذا، وضربت به عليا ضربة لو كانت بأهل المصر لاتت عليهم. ثم قال ابن قتيبة: وادخل ابن ملجم على علي بعد ضربه اياه فقال: أطيبوا اطعامه، وألينوا فراشه، فان أعش فأنا ولي دمي، اما عفوت واما اقتصصت، وان أمت فالحقوه بي، ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين. قالوا: وبكت أم كلثوم، وقالت لابن ملجم: يا عدو الله قتلت امير المؤمنين، قال: ما قتلت أمير المؤمنين، ولكني قتلت أباك، قالت: والله اني لارجو أن لا يكون عليه بأس، قال: ولم تبكين إذا ؟ والله لقد أرهفت السيف، ونفيت الخوف، وحببت الاجل، وقطعت الامل، وضربته لو كانت بأهل المشرق لاتت عليهم. =========================================================================== [117] إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطلب، لا الفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا، تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن الا قاتلي، انظر يا حسن، ان أنا مت من ضربتي هذه فاضربه ضربة بضربة، ولاتمثل بالرجل، فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اياكم والمثلة، ولو بالكلب العقور. هذا كله وابن ملجم مكتوف، فقالت له أم كلثوم ابنة علي: أي عدو الله، لا بأس على أبي، والله مخزيك، قال: فعلى من تبكين ؟ والله ان سيفي اشتريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة بأهل مصر ما بقي منهم أحد. البحث الرابع: حول أعماله عليه السلام في الليلة التي ضرب فيها: روى الشيخ الزاهد أبو الحسين ورام ابن أبي فراس (ره)، في أول الجزء الثاني، من كتاب تنبيه الخواطر، عن محمد بن الحسن القصباني، عن ابراهيم محمد بن مسلم الثقفي قال: حدثنا عبد الله بن بلخ المنقري، عن شريك، عن جابر، عن أبي حمزة اليشكري، عن قدامة الاودي، عن اسماعيل ابن عبد الله الصلعي، وكانت له صحبة قال: لما كثر الاختلاف بين أصحاب رسول الله (ص) وقتل عثمان بن عفان تخوفت على نفسي الفتنة، فاعتزمت على اعتزال الناس فتنحيت الى ساحل البحر، فأقمت فيه حينا، لاأدري ما فيه الناس معتزلا لاهل الهجر والارجاف، فخرجت من بيتي لبعض حوائجي وقد هدأ الليل، ونام الناس، فإذا انا برجل على ساحل البحر يناجي ربه ويتضرع إليه بصوت شجي وقلب حزين، فنهضت إليه وأصغيت إليه من حيث لايراني، فسمعته يقول: يا حسن الصحبة، يا خليفة النبيين، يا أرحم =========================================================================== [118] الراحمين، البدئ البديع الذي ليس مثلك شئ، والدائم غير الغافل، والحي الذي لا يموت، أنت كل يوم في شأن، أنت خليفة محمد، وناصر محمد، ومفضل محمد أنت الذي اسألك ان تنصر وصي محمد، وخليفة محمد، والقائم بالقسط بعد محمد، اعطف عليه بنصر، أو توفاه برحمة. قال: ثم رفع رأسه وقعد مقدار التشهد، ثم انه سلم فيما أحسب تلقاء وجهه، ثم مضى فمشى على الماء، فناديته من خلفه كلمني يرحمك الله، فلم يلتفت، وقال: الهادي خلفك فاسأله عن أمر دينك. فقتل: من هو يرحمك الله ؟ فقال: وصي محمد من بعده. فخرجت متوجها الى الكوفة، فأمسيت دونها، فبت قريبا من الحيرة، فلما اجنني الليل إذا أنا برجل قد أقبل حتى استتر برابية ثم صف قدميه فأطال المناجاة، وكان فيما قال: اللهم اني سرت فيهم ما أمرني رسولك وصفيك فظلموني، فقتلت المنافقين كما أمرتني فجهلوني، وقد مللتهم وملوني وأبغضتهم وأبغضوني، ولم تبق خلة إلا المرادي، اللهم فعجل له الشقاوة، وتغمدني بالسعادة، اللهم قد وعدني نبيك أن تتوفاني إذا سألتك، اللهم وقد رغبت اليك في ذلك. قال: ثم مضى فقفوته، فدخل منزله، فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: فلم البث إذ نادى المنادي بالصلاة فخرج، واتبعته حتى دخل المسجد، فعممه ابن ملجم لعنه الله بالسيف. وقال ابن شهر اشوب (ره) في المناقب: روي انه عليه السلام في تلك الليلة قال لابنته أم كلثوم: يا بنية اني أراني قل ما أصحبكم، قالت: وكيف ذلك يا أبتاه ؟ قال رأيت رسول الله (ص) في منامي وهو يمسح الغبار عن وجهي، ويقول: يا علي لا عليك، قد قضيت ما عليك. قالت: فما مكثنا حتى ضربت تلك الليلة الضربة. وروى غير واحد من أصحابنا وغيرهم، كالشيخ المفيد في الارشاد، =========================================================================== [119] والراوندي في الخرائج، وابن شهر آشوب في المناقب، وكذا روي الخوارزمي في المناقب 282، والزرندي في نظم درر السمطين 137، ط 1، وابن الاثير في أسد الغابة: 4، 35، والكامل: انه عليه السلام كان يفطر في هذا الشهر (يعني شهر رمضان الذي استشهد فيه) ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن جعفر (17)، ولا يزيد على ثلاث لقم، فقال له أحد ولديه الحسن أو الحسين عليهما السلام في ذلك، فقال: يا بني يأتي أمر الله وأنا خميص، وانما هي ليلة أو ليلتان. وروى ابن شهر آشوب في المناقب، عن الحسن البصري: انه (ع) سهر في تلك الليلة لصلاة الليل على عادته، فقالت أم كلثوم، ماهذا السهر ؟ قال: اني مقتول لو قد أصبحت. فقالت: مر جعدة فليصل بالناس، قال: نعم مروا جعدة ليصل، ثم مر (ع) وقال: لا مفر من الاجل، وخرج قائلا: خلوا سبيل المجاهد * في الله ذي الكتب وذي المجاهد في الله لا يعبد غير الواحد * ويوقظ الناس الى المساجد =========================================================================== (17) هذا هو الصحيح، وفى تاريخ ابن عساكر 150، وبعض كتب التواريخ والمقاتل ابدل ابن جعفر يابن عباس، وهو وهم، لان ابن عباس لم يثبت حضوره في الكوفة في الشهر الذي قتل فيه امير المؤمنين (ع) بالكوفة، ولو ثبت حضور ابن عباس بالكوفة لم يصح أيضا افطار أمير المؤمنين (ع) في بعض الليالي عنده على سبيل النوبة كما هو المستفاد من هذا الخبر المستفيض، لانه لم يكن لابن عباس في الكوفة أهل حتى يفطر أمير المؤمنين (ع) في بعض الليالي عنده، بل الامر بالعكس، يعني ابن عباس بما انه ضيف كان افطاره عند أمير المؤمنين، فالصحيح الذي يناسب العرف وعادة البشر، هو انه (ع) فرق افطاره في الليالي على بيت السيدين الحسن والحسين، وعلى بيت عبد الله بن جعفر ابن أخيه لانه كان من ساكني الكوفة، وكان ابن اخيه، وكانت بنت أمير المؤمنين (ع) زينب الكبرى زوجته. (*) =========================================================================== [120] أقول: ويدل على صدق هذه الحكاية ما ذكره معنعنا، في الحديث 4، من الباب 47، من الكتاب 4، من الكافي، 259، عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرضا عليه السلام: ان أمير المؤمنين عليه السلام قد عرف قاتله، والليلة التي يقتل فيها، والموضع الذي يقتل فيه، وقوله لما سمع صياح الاوز في الدار: صوائح تتبعها نوائح، وقول أم كلثوم: لو صليت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلي بالناس فأبى عليها، وكثر دخوله وخروجه بلا سلاح، وقد عرف عليه السلام ان ابن ملجم قاتله بالسيف، الخ. قال الحسن البصري على ما في المناقب: وكان عليه السلام في تلك الليلة يكثر الخروج والنظر الى السماء وهو يقول: والله ما كذبت، وانها الليلة التي وعدت بها، ثم يعاود مضجعه، فلما طلع الفجر أتاه ابن النباح ونادى الصلاة فاستقبله الاوز في وجهه (فطردوهن) فقال عليه السلام: دعوهن فانهن صوائح تتبعها نوائح، ولما أراد الخروج تعلقت حديدة من الباب على منزره، فشد ازاره وهو يقول: أشدد حيازيمك للمو * ت فان الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت * إذا حل بواديكا وقال ابن الاثير في الكامل: وقال الحسن بن كثير، عن أبيه، قال: خرج علي من الفجر، فأقبل الاوز يصحن في وجهه، فطردوهن عنه، فقال: ذروهن فانهن نوائح (18)، فضربه ابن ملجم في ليلته. =========================================================================== (18) وذكره مسندا في أسد الغابة: 4، 36، ثم قال: وهذا يدل على انه (ع) علم السنة والشهر والليلة التي يقتل فيها، والله أعلم. قال أبو جعفر: ونعم ما استفاد وأنصف، ولكن كان عليه أن يضيف الى ما ذكره لفظ الساعة ويقول: وهذا يدل على انه (ع) علم السنة والشهر والليلة والساعة التي يقتل فيها، وكأنه اتقى من أهل نحلته. =========================================================================== [121] وقال الحسن بن علي يوم قتل علي: خرجت البارحة وأبي يصلي في مسجد داره فقال لي: يا بني اني بت اوقظ أهلي لانها ليلة الجمعة صبيحة بدر، فملكتني عيناي فنمت فسنح لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يارسول الله ماذا لقيت من امتك من الاود واللدد - قال: والاود: العوج، واللدد: الخصومات - فقال لي: ادع عليهم. فقلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني (19). فجاء ابن النباح فآذنه بالصلاة فخرج وخرجت خلفه فضربه ابن ملجم فقتله، وكان عليه السلام إذا رأى ابن ملجم قال: اريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد قال: وقيل من غير وجه: ان عليا (ع) كان يقول: ما يمنع أشقاكم أن يخضب هذه من هذه - يعني لحيته من دم رأسه -. وقال المسعودي: وقيل: ان عليا لم ينم تلك الليلة، وانه لم يزل يمشي =========================================================================== (19) وقريب منه مسندا في مقتله (ع) من أسد الغابة: 4، 36 عن الحسين ابن علي (ع). ثم قال ابن الاثير: كذا في هذه الرواية الحسين بن علي، وانما هو الحسن. ثم ذكر مرسلا الحديث عن الحسن (ع) وروي مسندا عن الامام الحسن (ع) بطرق كثيرة، في تاريخ ابن عساكر. وقال ابن عبد ربه، في العقد الفريد: 3، 124، ط 2: قال الحسن ابن علي صبيحة الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب رضى الله عنه: حدثني أبي البارحة في هذا المسجد، فقال: يا بني اني صليت البارحة ما رزق الله، ثم نمت نومة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكوت إليه ما أنا فيه من مخالفة أصحابي، وقلة رغبتهم في الجهاد، فقال: ادع الله أن يريحك منهم، فدعوت الله. وقال الحسن في صبيحة تلك الليلة: أيها الناس انه قتل فيكم الليلة رجل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا ينثني حتى يفتح الله له، ما ترك الا ثلاثمأة درهم. =========================================================================== [122] بين الباب والحجرة وهو يقول: والله ما كذبت، ولاكذبت، وانها لليلة التي وعدت فيها. فلما خرج صاح بط كان للصبيان، فصاح بهن بعض من في الدار، فقال علي (ع): ويحك دعهن فانهن نوائح. ثم انه عليه السلام قد خرج الى المسجد، وقد عسر عليه فتح باب داره، وكان من جذوع النخل، فاقتلعه وجعله ناحية، وانحل إزاره، فشده وجعل ينشد: أشدد حيازيمك للمو * ت فان الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت * إذا حل بواديكا وقال المسعودي أيضا: وكان علي (ع) يخرج كل غداة أول الاذان يوقظ الناس للصلاة، وقد كان ابن ملجم مر بالاشعث وهو في المسجد، فقال له: فضحك الصبح (20)، فسمعهما حجر بن عدي، فقال: قتلته يا أعور فتلك الله، وخرج علي رضي الله عنه ينادي أيها الناس الصلاة، فشد عليه ابن ملجم وأصحابه، وهم يقولون: الحكم لله لالك، وضربه ابن ملجم على رأسه بالسيف في قرنه، وأما شبيب فوقعت ضربته بعضادة الباب، وأما مجاشع بن وردان فهرب، وقال علي: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس على ابن ملجم يرمونه بالحصباء ويتناولونه ويصيحون، فضرب ساقه رجل من همدان برجله، وضرب المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وجهه فصرعه، وأقبل به الى الحسن، ودخل ابن وردان بين الناس فنجا بنفسه، =========================================================================== (20) قال سبط ابن الجوزي في التذكرة، ص 186: وذكر بعضهم ان الاشعث بن قيس كان مواطئا لهم على قتل أمير المؤمنين (ع) فاجتمعوا في الليل في المسجد، وكان حجر بن عدي نائما في المسجد، فسمع الاشعث يقول: لهم اسرعوا فقد ضحك الصبح، فقال له حجر: ما تقول يا أعور، ثم قصد عليا ليخبره فوجده قد جاء من موضع آخر، فقيل: فخرج يريد صلاة الصبح، فأقبلن الاوز يصحن في وجهه، فقال: انهن نوائح، فلما حصل في المحراب هجموا عليه، فضربه ابن ملجم، الخ. =========================================================================== [123] وهرب شبيب حتى أتى رحله، فدخل إليه عبد الله بن نجدة - وهو أحد بني أبيه - فرآه ينزع الحرير عن صدره، فسأله عن ذلك فخبره (خبره) فانصرف عبد الله الى رحله، وأقبل إليه بسيفه فضربه حتى قتله. وقال الطبري: وذكر ان محمد بن الحنفية (21) قال: كنت والله اني لاصلي تلك الليلة التي ضرب فيها علي في المسجد الاعظم، في رجال كثير من أهل المصر يصلون قريبا من السدة، ماهم إلا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أول الليل الى آخره، إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي أيها الناس الصلاة الصلاة، فما أدري أخرچ من السدة فتكلم بهذه الكلمات أم لا، فنظرت الى بريق وسمعت: الحكم لله يا علي، لالك ولا لاصحابك، فرأيت سيفا ثم رأيت ثانيا، ثم سمعت عليا يقول: لا يفوتنكم الرجل (22)، وشد الناس عليه من كل جانب. قال: فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم، وادخل على علي، فدخلت فيمن دخل من الناس فسمعت عليا يقول: النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وان بقيت رأيت فيه رأيي. قال: وذكر ان الناس دخلوا على الحسن فزعين لما حدث من أمر علي، فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوف بين يديه، إذ نادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي: أي عدو الله لا بأس على أبي والله مخزيك. قال: فعلى من تبكين ؟ والله لقد اشتريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم أحد. =========================================================================== (21) وكذلك ذكره الزرندي في نظم درر السمطين: 141، ط 1. ولعل الصواب محمد بن حنيف، كما ذكره الخوارزمي في الحديث 3، من الفصل 26، من المناقب 277، ط 1. (22) وروى ابن الاثير في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أسد الغابة 4، 38، معنعنا عن هارون ابن أبي يحيى، عن شيخ من قريش: ان عليا لما ضربه ابن ملجم قال: فزت ورب الكعبة. =========================================================================== [124] وقال الشيخ المفيد (ره) في الارشاد: فأخرج من بين يديه (ع) وان الناس ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم سباع، وهم يقولون: يا عدو الله ما فعلت، أهلكت أمة محمد (ص)، وقتلت خير الناس، وانه لصامت لم ينطق فذهب به الى الحبس، وجاء الناس الى أمير المؤمنين (ع) فقالوا: يا أمير المؤمنين مرنا بأمرك في عدو الله، والله لقد أهلك الامة وأفسد الملة، فقال لهم: إن عشت رأيت فيه رأيي، وان هلكت فاصنعوا به كما يصنع بقاتل النبي (ص)، اقتلوه ثم حرقوه بعد ذلك بالنار، الخ (23). تنبيه: قد استقرت آراء الفرقة المحقة على انه عليه السلام كان في الصلاة حين ضربه اللعين، فلما أحس عليه السلام بالضربة قال: فزت ورب الكعبة، ثم نادى، أيها الناس لا يفوتنكم الرجل. فان سأل سائل: بأنه هل لهذه العقيدة مستند، وهل تعرض أحد لهذه المسألة، أو هل يمكن استفادة مدرك لهذه الاراء من كلام المؤرخين أو المحدثين أو غيرهم من علماء الاسلام، أم هذه عقيدة مجردة غير مدعمة بعماد، ولا لها استناد ؟ والجواب: لاننكر ان بعض علماء العامة شك في هذه القضية كما ذكر أبو عمر في الاستيعاب، حيث قال: اختلفوا في صفة أخذ ابن ملجم، فلما أخذ قال علي رضي الله عنه: احبسوه فان مت فاقتلوه، ولا تمثلوا به، =========================================================================== (23) وقريب من ذيل الرواية مذكور في تاريخ ابن عساكر من ترجمته (ع) 150، وقال أيضا في ترجمته (ع) من تاريخه 153: أخبرنا أبو علي ابن السبط، قال: لما ضرب ابن ملجم عليا الضربة قال علي: افعلوا به كما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يفعل برجل أراد قتله، فقال: اقتلوه ثم حرقوه. وسيجئ في تعليقات المختار 54، شواهد أخر. =========================================================================== [125] ان لم أمت فالامر الي في العفو والقصاص، واختلفوا أيضا هل ضربه في الصلاة، أو قبل الدخول فيها، وهل استخلف من أتم بهم الصلاة أو هو أتمها، والاكثرون انه استخلف جعدة بن هبيرة، فصلى بهم تلك الصلاة، والله أعلم. ولكن شيعة أهل البيت - وهم الذين لم يفارقوهم أبدا، وفدوهم بنفسهم ونفيسهم - لاريب عندهم، انه عليه السلام استشهد وهو في الصلاة، ويشعر به كلام الطبري وغيره ممن عبر بتعبيره، حيث قال: فشد الناس على ابن ملجم فأخذوه، وتأخر علي، ودفع في ظهر جعدة ليصلي بالناس الغداة، الخ. وقال سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 186: فلما حصل علي في المحراب هجموا عليه فضربه ابن ملجم، وتأخر علي عن المحراب، وقدم جعدة فصلى بالناس، الخ. وهذا ظاهر في انه (ع) كان في المحراب حين وقع عليه سيف اللعين. فان قلت أولا: ان هذا التعبير معارض بما ذكره الطبري وغيره من قول الراوي: ما أدري ان عليا دخل السدة أم لا، إذ رأيت بريق سيف وسمعت قائلا يقول: الحكم لله يا علي لالك ولا لاصحابك، ثم رأيت بريق سيف آخر وسمعت عليا يقول: فزت ورب الكعبة، أيها الناس لا يفوتنكم الرجل، الخ. فان هذا الكلام ظاهر بل صريح بأنه عليه السلام ضرب بالسيف بمجرد دخوله في السدة، أو في آن دخوله في المسجد. وثانيا: ان المستفاد من عبارة الطبري ومن حذا حذوه في التعبير هو الاشعار بما ذكرت، والاشعار ليس بحجة، بل لابد في الدلالة من الصراحة أو الظهور، وهما مفقودان. قلت: أما قول الرواي: ما أدري أدخل السدة أم لا إذ سمعت قائلا يقول الخ، فمحمول على انه لم تطل المدة بين دخوله عليه السلام وبين وقوع =========================================================================== [126] الضربة عليه. وأما الاشكال الثاني فمدفوع، بأنا لم نجعل تعبير الطبري دليلا، بل قلنا فيه اشعار بالمطلب، لاسيما بملاحظة ان القدماء كانوا خائفين من ذكر مناقب علي (ع) وأولاده، وكانوا يلوحون الى المطلب. واما ما حضرني فعلا من الدليل على مذهب الشيعة فهو: ما رواه شيخ الطائفة (ره) في الحديث 18، من المجلس 13، من الامالي معنعنا، عن الامام السجاد عليه السلام قال: لما ضرب ابن ملجم لعنه الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكان معه آخر فوقعت ضربته على الحائط، واما إبن ملجم فضربه فوقعت الضربة وهو ساجد على الضربة التي كانت، فخرج الحسن والحسين عليهما السلام وأخذا ابن ملجم وأوثقاه، واحتمل أمير المؤمنين فادخل داره، فقعدت لبابة عند رأسه، وجلست أم كلثوم عند رجليه، ففتح عينيه فنظر اليهما فقال: الرفيق الاعلى خير مستقرا وأحسن مقيلا، ضربة بضربة أو العفو ان كان ذلك، ثم عرق عليه السلام ثم افاق فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرني بالرواح إليه عشاء (ثلاث مرات). وممن تعرض وصرح بوقوع الضربة على رأسه الشريف في حال الصلاة، محمد بن طلحة، في مطالب السئول 184، قال: فلما كانت الليلة التي تقدم ذكرها، خرج من منزله لاجل صلاة الصبح، وكان في داره شيئا من الاوز، فلما صار في صحن الدار تصايح الاوز في وجهه، فقال (ع): صوائح تتبعها النوائح، ثم خرج فلما وقف في موضع الاذان أذن ودخل المسجد وقد كان ابن ملجم في تلك الليلة في بيت قطام، فلما سمعت صوت علي (ع) قامت الى ابن ملجم وقالت: يا أخا مراد هذا أمير المؤمنين علي، فقم واقض حاجتنا وارجع قرير العين، ثم ناولته سيفه، فأخذ السيف وجاء =========================================================================== [127] ودخل المسجد ورمى بنفسه بين النيام، وأذن علي ودخل المسجد فجعل ينبه من بالمسجد من النيام، ثم صار الى محرابه فوقف فيه، واستفتح وقرأ فلما ركع وسجد سجدة ضربه عليل رأسه، فوقعت الضربة على ضربة عمرو ابن عبد ود يوم الخندق بين يدي رسول الله (ص)، الخ. وأيضا قال ابن عساكر في ترجمة علي (ع) من تاريخه 151: أخبرنا أبو القاسم اسماعيل بن أحمد: ان عبد الرحمن بن ملجم ضرب عليا في صلاة الصبح على دهش، بسيف كان سمه بالسم، ومات من يومه، ودفن بالكوفة ليلا. البحث الخامس: في ذكر العواد وما قالوا لامير المؤمنين عليه السلام، وما قال لهم. فعن كتاب دستور معالم الحكم، وتاريخ ابن عساكر 153، وكشف الغمة عن الامام الحسن عليه السلام قال: دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام وهو يجود بنفسه لما ضربه ابن ملجم، فجزعت لذلك، فقال لي: أتجزع ؟ فقلت: وكيف لاأجزع وأنا أراك على هذه الحالة ؟ فقال (ع): ألا أعلمك خصالا أربع، ان أنت حفظتهن نلت بهن النجاة، وإن أنت ضيعتهن فاتك الداران، يا بني لاغنى أكبر من العقل، ولافقر مثل الجهل، ولا وحشة أشد من العجب، ولاعيش ألذ من حسن الخلق (24). =========================================================================== (24) هذا الذي ذكرناه من كتاب كشف الغمة، واما ابن عساكر فقال: أخبرنا أبو السعود أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن المحلى، قال: لما ضرب ابن ملجم عليا دخل عليه الحسن وهو باك، فقال له: ما يبكيك يا بني ؟ قال: ومالي لاأبكي وأنت في أول يوم من الاخرة، وآخر يوم من الدنيا. فقال: يا بني احفظ أربعا وأربعا، لا يضرك ما عملت معهن. قال: وماهن يا أبة ؟ قال ان أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، =========================================================================== [128] وروى شيخ الطائفة (ره) في الحديث 67، من الجزء 11، من أماليه معنعنا، عن ميثم (ره) قال: سمعت عليا أمير المؤمنين (ع) وهو يجود بنفسه يقول: يا حسن، فقال الحسن: لبيك يا أبتاه، قال: ان الله تعالى أخذ ميثاق أبيك - وربما قال: أعطى ميثاقي - وميثاق كل مؤمن على بغض كل منافق وفاسق، وأخذ ميثاق كل منافق وفاسق على بغض أبيك. وروى الصدوق (ره) معنعنا عن حبيب بن عمرو قال: دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام في مرضه الذي قبض فيه، فحل عن جراحته، فقلت يا أمير المؤمنين: ما جرحك هذا بشئ وما بك من بأس. فقال لي: يا حبيب أنا والله مفارقكم الساعة. قال: فبكيث عند ذلك، وبكت أم كلثوم، فقال لها: يا بنية ما يبكيك ؟ فقال: ذكرت يا أبة انك تفارقنا الساعة فبكيت. فقال لها: يا بنية لا تبكين فوالله لو ترين ما يرى أبوك ما بكيت. قال حبيب: فقلت له: وما الذي ترى يا أمير المؤمنين ؟ فقال: يا حبيب أرى ملائكة السماوات والنبيين بعضهم في اثر بعض وقوفا الى أن يتلقوني، وهذا أخي محمد رسول الله (ص) جالس عندي يقول: أقدم فان امامك خير لك مما أنت فيه. قال (حبيب): فما خرجت من عنده حتى توفى عليه السلام، الخ. وعن القطب الراواندي (ره) في كتاب الخرائج، عن عمرو بن الحمق (ره) قال: دخلت على علي أمير المؤمنين (ع) حين ضرب الضربة بالكوفة، فقلت: ليس عليك بأس انما هو خدش. قال عليه السلام: لعمري اني =========================================================================== واكرم الحسب الكرم حسن الخلق. قال: قلت يا أبة هذه الاربع، فاعطني الاربع الاخر. قال: اياك ومصادقة الاحمق، فانه يريد أن ينفعك فيضرك، واياك ومصادقة الكذاب، فانه يقرب اليك البعيد، ويبعد عليك القريب، واياك ومصادقة البخيل، فانه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وأياك ومصادقة الفاجر، فانه يبيعك بالتافه. =========================================================================== [129] لمفارقكم، ثم اغمي عليه، فبكت أم كلثوم، فلما أفاق قال: لا تؤذيني يا أم كلثوم، فانك لو ترين ما أرى، ان الملائكة من السماوات السبع بعضهم خلف بعض، والنبيين يقولون: انطلق يا علي فما امامك خير مما أنت فيه، كما في البحار: 9، 655. وعن ابن الاثير معنعنا في أسد الغابة: 4، 38، عن عمرو ذي مر قال: لما اصيب علي بالضربة دخلت عليه وقد عصب رأسه فقلت: يا أمير المؤمنين أرني ضربتك، فحلها، فقلت: خدش وليس بشئ. قال اني مفارقكم، فبكت أم كلثوم من وراء الحجاب، فقال لها: أسكتي فلو ترين ما أرى لما بكيت. فقلت: يا أمير المؤمنين ماذا ترى ؟ قال هذه الملائكة وفود والنبيون، وهذا محمد (ص) يقول: يا علي ابشر فما تصير إليه خير مما أنت فيه. وروى أبو الفرج عن أبي مخنف عن عبد الله بن محمد الازدي قال: ادخل ابن ملجم على علي عليه السلام، ودخلت عليه فيمن دخل، فسمعت عليا (ع) يقول: النفس بالنفس ان أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وان سلمت رأيت فيه رأيي، فقال ابن ملجم: ولقد اشتريته - يعني السيف - بألف، وسممته بألف، فان خانني فأبعده الله (25). وعن كثير من أرباب التاريخ والتأليف: انه قال اللعين - وأوردناه بلفظ الدينوري في كتاب محاسن الجوابات -: سألت الله أن يقتل به شر خلقه. فقال علي (ع): قد أجاب الله دعوتك، يا حسن إذا مت فاقتله =========================================================================== (25) وذكره مسندا في الحديث 1 من الباب العاشر من كفاية الطالب 318، في عنوان ذكر ما صنع بقاتله وما قال فيه: عن قثم مولى الفضل، قال: لما قتل ابن ملجم لعنه الله عليا عليه السلام ودخلت عليه فيمن دخل، سمعته يقول للحسن والحسين ومحمد بن الحنفية: النفس بالنفس ان أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وان سلمت رأيت فيه رأيي، الخ. =========================================================================== [130] بسيفه (26). قال أبو الفرج: فنادته أم كلثوم: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين. قال: انما قتلت أباك. قالت: يا عدو الله اني لارجو أن لا يكون عليه بأس. قال: فأراك انما تبكين عليه، والله لقد ضربته ضربة لو قسمت بين أهل الارض لاهلكتهم. قال أبو الفرج: وانصرف الناس من صلاة الصبح فأحدقوا بابن ملجم ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم السباع ويقولون: يا عدو الله ماذا صنعت أهلكت امة محمد وقتلت خير الناس، وانه لصامت ما ينطق، قال: ثم جمع له أطباء الكوفة، فلم يكن منهم أحد أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هاني السكوني، وكان متطببا صاحب كرسي يعالج الجراحات، وكان من الاربعين غلاما الذين كان ابن الوليد أصابهم في عين التمر فسباهم، فلما نظر أثير الى جرح أمير المؤمنين عليه السلام دعا برئة شاة حارة، فاستخرج منها عرقا وأدخله في الجرح ثم نفخه، ثم استخرجه وإذا عليه بياض الدماغ فقال: يا أمير المؤمنين اعهد عهدك فان عدو الله قد وصلت ضربته الى أم رأسك (27) فدعا علي عليه السلام عند ذلك بدواة وصحيفة وكتب وصيته: هذا ما أوصى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أوصى (الى آخر ما يجئ في المختار 54، باختلاف طفيف في بعض الالفاظ). قال أبو الفرج: وروى أبو مخنف عن أبي الطفيل، ان صعصعة بن صوحان استأذن على علي عليه السلام وقد أتاه عائدا لما ضربه ابن ملجم، =========================================================================== (26) وقال في نظم درر السمطين 145: وأخذوا ابن ملجم وأتوا به عليا عليه السلام فقال له: أي عدو الله ألم أحسن اليك ؟ قال: بلى، قال: فما حملك على هذا ؟ قال: شحذته أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه. فقال علي (ع): فلا أراك الا مقتولا به، ولا أراك الا من شر خلق الله. (27) ورواه معنعنا في الاستيعاب 3: 62 بهامش الاصابة الا انه لم يشر الى الوصية الشريفة. =========================================================================== [131] فلم يكن عليه إذن، فقال صعصعة للاذن: قل له يرحمك الله يا أمير المؤمنين حيا وميتا، فلقد كان الله في صدرك عظيما، ولقد كنت بذات الله عليما، فأبلغه الاذن مقالته، فقال: قل له: وأنت يرحمك الله فلقد كنت خفيف المؤنة كثير المعونة. وروى الشيخ المفيد (ره) في الحديث 3، من المجلس 42، من الامالي، والشيخ الطوسي (ره) أيضا في الحديث 4، من المجلس 5، من مجالسه، عن أبي بكر محمد بن عمر الجعابي، قال حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد ابن سعيد الهمداني، قال حدثنا أبو عوانة موسى بن يوسف العطار الكوفي، قال حدثنا محمد بن سليمان المقري الكندي، عن عبد الصمد بن علي النوفلي عن أبي اسحاق السبيعي، عن الاصبغ بن نباتة العبدي قال: لما ضرب ابن ملجم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) عدونا عليه نفر من أصحابنا أنا والحرث وسويد بن غفلة وجماعة معنا، فقعدنا على الباب فسمعنا البكاء فبكينا، فخرج الينا الحسن بن علي عليه السلام، فقال يقول لكم أمير المؤمنين انصرفوا الى منازلكم فانصرف القوم غيري، واشتد البكاء من منزله فبكيت، فخرج الحسن (ع) فقال: ألم أقل لكم انصرفوا فقلت لا والله يابن رسول الله ما تتابعني نفسي ولا تحملني رجلي ان أنصرف حتى أرى أمير المؤمنين (ع)، قال: فبكيت فدخل فلم يلبث ان خرج فقال لي ادخل، فدخلت على أمير المؤمنين عليه السلام، فإذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء، قد نزف واصفر وجهه، ما أدري وجهه أصفر أم العمامة، فاكببت عليه فقبلته وبكيت، فقال لي: لا تبك يا أصبغ فانها والله الجنة، فقلت له: جعلت فداك اني أعلم والله انك تصير الى الجنة، وانما أبكي لفقدي اياك، يا امير المؤمنين جعلت فداك، حدثني بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله، فاني أراك لاأسمع منك حديثا بعد يومي هذا أبدا. قال: نعم يا أصبغ، =========================================================================== [132] دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فقال لي: يا علي انطلق حتى تأتي مسجدي ثم تصعد منبري صم تدعو الناس اليك، فتحمد الله تعالى وتثني عليه وتصلي علي صلاة كثيرة ثم تقول: أيها الناس اني رسول رسول الله صلى الله عليه وآله اليكم، وهو يقول لكم: ان لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من انتمى الى غير أبيه، أو ادعى الى غير مواليه، أو ظلم أجيرا أجره. فأتيت مسجده صلى الله عليه وآله وصعدت منبره، فلما رأتني قريش ومن كان فيها في المسجد اقبلوا نحوي، فحمدت الله واثنيت عليه وصليت على رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة كثيرة ثم قلت: أيها الناس اني رسول رسول الله صلى الله عليه وآله اليكم، وهو يقول لكم: ألا إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من اتمى الى غير أبيه، أو ادعى الى غير مواليه، أو ظلم أجيرا أجره، قال: فلم يتكلم أحد من القوم إلا عمر بن الخطاب، فانه قال قد ابلغت يا أبا الحسن ولكنك جئت بكلام غير مفسر، فقلت: ابلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فرجعت الى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته الخبر، فقال: ارجع الى مجسدي حتى تصعد منبري فاحمد الله واثن عليه وصل علي ثم قال: يا أيها الناس ماكنا لنجيئكم بشئ إلا وعندنا تأويله وتفسيره، ألا واني أنا أبوكم، ألا واني أنا مولاكم، ألا واني أنا أجيركم. انتهى. اقول: ويجئ ما يوضحه، ويبين اجماله. وفي المناقب 96، ج 3، ط النجف، وفي خبر عن الاصبغ ان عليا (ع) قال: لقد ضربت في الليلة التي قبض فيها يوشع بن نون، ولاقبض في الليلة التي رفع فيها عيسى بن مريم. =========================================================================== [133] البحث السادس: قال أبو جعفر المحمودي: ربما تخيل متخيل، وتمسك غافل، وتعلق متجاهل، بقول أمير المؤمنين (ع): " كم أطردت الايام ابحثها عن مكنون هذا الامر، فأبى الله الا إخفاءه، هيهات علم مكنون " ويقول: ان أمير المؤمنين (ع) لم يكن عالما تفصيلا بزمان قتله، وانما كان عالما اجمالا، لان رسول الله (ص) أخبره بنحو الاجمال، لا بالصراحة والتفصيل. وتقريب التمسك والاستدلال: إن معنى قوله (ع): كم اطردت الايام ابحثها عن مكنون هذا الامر الخ: مازلت ابحث عن كيفية قتلي يوما فيوما، فإذا لم أجده في يوم طردته وانصرفت عنه واستقبلت يوما آخر، وهكذا حتى وقع المقدور، وهذا يدل على انه (ع) لم يعلم خصوصيات ما جرى عليه وابتلي به. أقول: هذا الكلام خبط من قائله، وسهو من ناسجه، وتيه من مستدله. اما أولا: فلاجمال هذه الفقرات من كلامه (ع) وتعدد الوجوه المحتملة منه، وصلاحيته للحمل على معنى صحيح لا ينافي ساحة صاحب الولاية، ووصي رسول الله، وحافظ الدين القويم والشريعة الابدية وقابليته لان يراد منه معنى لا يصادم الاخبار المتواترة الدالة على أن أمير المؤمنين (ع) كان عالما بجميع الحوادث بتعليم من رسول الله (ص) وافاضة من الله تبارك وتعالى. والمعنى الذي يصح ان يحمل الكلام عليه: هو ان يراد من الكلام: أني مرارا وفي كثير من الاوقات أردت ان أخبركم بمكنون أمري وما لاقيته وسألاقيه من الفتن الحاجزة بيني وبين وصولي بحقي واستيلائي على منصبي =========================================================================== [134] الخلافة، فأبى الله إلا اخفاءه عنكم، لانه علم مكنون لا يمسه الا المطهرون من قدح الشك في قلوبهم، ولاني لو أخبرتكم لتضعضعتم ووهنتم عن الجهاد معي أعدائي أعداء الله - الجهاد الذي غايته العظمى إعلام الجامعة البشرية وإلفات أنظار العقلاء على أني ومن تبعني بواد، وعدوي ومن تبعه ومن أسس أساسه بواد آخر. فعلى هذا يكون هذا الكلام مثل قوله (ع) في المختارة، من خطب النهج: " بل إندمجت على مكنون أمر لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية في الطوى البعيدة " فالمراد من إباء الله الا اخفاء الامر، اخفاؤه على أصحابه عليه السلام لااخفاؤه عليه. ويصح أيضا ان يريد عليه السلام من قوله: " كم أطردت الايام ابحثها عن مكنون هذا الامر. الخ " الشهادة في سبيل الله، والفوز بلقاء الله، ومرافقة الصديقين والشهداء والصالحين، لانه عليه السلام كان آنس بالموت من الطفل بثدي امه، وكان مشتاقا الى لقاء ربه، فيرجع معنى الكلام الى انه عليه السلام لفرط اشتياقه الشهادة كان يطلبها في كل يوم فإذا لم ينلها فيه يستقبل يوما آخر، ويتمنى الشهادة والقتل في سبيل الله فيه، وهكذا حتى وقع المقدور، ومعنى قوله: فأبى الله إلا اخفاءه، أي أبي الله اظهاره بوقوعه قبل وقته المقدر له، بل اخفاه بابقائه الى الزمان الذي قدر وقوعه فيه ولهذا الاحتمال شواهد. منها: انه عليه السلام بكى يوم استشهد حمزة وبعض أهل بيته، فسأله رسول الله (ص) عن سبب بكائه، فقال: يا رسول الله لاني لم أفز بالشهادة كما فازوا، فقال رسول الله (ص): لا تبك فان الشهادة من ورائك، فكيف صبرك إذا خضبت هذه من هذه بدم ؟ واشار (ص) بيده الى لحيته ورأسه. فقال علي: يا رسول الله أما ان تثبت لي ما أثبت فليس ذلك من =========================================================================== [135] مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشري والكرمة. كما في ترجمته (ع) من اسد الغابة: 4، 34، وغيره. ومنها: ما يأتي في المختار 8، من الباب، من قوله (ع): " والله ما فجأني من الموت وارد كرهته، ولاطالع أنكرته، وما كنت الا كقارب ورد، وطالب وجد، وما عند الله خير للابرار " حيث انه عليه السلام شبه نفسه الكريمة في طلب الموت والشهادة في سبيل الله بعطشان حمله العطش على طلب الماء ليلا، ولا يمكنه التصبر الى الصباح، أو ظمآن طوى السباسب والبراري لورود الماء وقد قرب منه ولم يبق بينه وبين الماء إلا يومان، أو ليلة. وحينئذ فمعنى قوله (ع) كم اطردت الايام ابحثها عن مكنون، الخ، اني لشدة ظمئي في الشهادة، وفرط رغبتي في القتل في سبيل الله لازلت اطلبها من الايام، وابحثها عن مطلوبي وأمنيتي، فإذا لم أجدها في يوم طردته وتركته واستقبلت يوما آخر، إلا ان الله عزوجل أخر وقتها ولم يعجلها لمصالح اقتضت ذلك. واما ثانيا: فلوجوب رفع اليد وارتكاب التأويل لو فرض ان الكلام ظاهر أو صريح فيما ادعى من دلالته على ما ذكروه، إذ الادلة القاطعة متواترة على أنه عليه السلام كان عالما بالبلايا والمنايا، وأخبر بوقوع الحوادث قبل وقوعها فكان الامر على ما أخبر، واجمع أئمة أهل البيت عليهم السلام على انهم عالمون - بافاضة من الله ووراثة من رسول الله - بما كان وما يكون الى يوم القيامة، واحتجوا على المرتابين بوجوه. منها: انه يستحيل أن يوجب الله طاعة شخص على العالمين ثم يحجب عنه خبر السماء والارض. ومنها: انهم (ع) قالوا للشاكين: ويلكم ان ميثم التمار ورشيد الهجري وأمثالهم كانوا يعلمون علم المنايا والبلايا، فكيف لا يعلمه قوام دين الله، =========================================================================== [136] وحفاظ الشريعة الخالدة ؟ ! فان قلت: قد دل غير واحد من الايات القرآنية على ان الغيب لله، وان مفاتح الغيب عند الله، وانه لا يعلم من في السماوات والارض الغيب الا الله، الى غير ذلك من الايات الكريمة، فكيف يصح ادعاء اجماع أهل البيت على انهم يعلمون الغيب ؟ قلت: ان كل واحدة من الايات ناظرة الى جهة خاصة لا تنافي اتفاق أئمة أهل البيت (ع) على انهم يعلمون الغيب، وحيث لا مجال لنا فعلا لبيان تلك الجهات الخاصة التي كانت ملحوظة في الايات المذكورة، فلنذكر ما هو أقرب لتفنيد تلك المزعمة، وأسهل لعرفان صحة ما اجمع عليه خزان علم الله، وورثة رسول الله، فنقول: ان القرآن المقدس مشحون بالاخبار بالغيب، وكذلك تواتر عن النبي (ع) انه أخبر بالغيب ثم وقع الامر على ما أخبر به. اخبر النبي (ص) ان أبا لهب يموت على الكفر، وسيصلى هو امرأته نارا ذات لهب (كما في سورة تبت) وأخبر صلى الله عليه وآله ان جماعة المستهزئين سيهلكون، قال الله تعالى: " إنا كفيناك المستهزئين " وأخبر ان جماعة معهودة من الكفار لا يؤمنون، كما في الاية 5، من سورة البقرة " ان الذين كفروا سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون "، وأخبر ان الكفار سيغلبون ويموتون على الكفر، كما في قوله تعالى " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون الى جهنم " واخبر ان الفرس سيغلبون بعد غلبتهم وظفرهم، وان الروم سيغلبون بعد مغلوبيتهم وانهزامهم، قال الله تعالى " آلم غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " الى غير ذلك من الايات، ولعل الاخبار الغيبية لا تقل عن عشر القرآن المقدس، فان كنت قاصر الهمة عن لحاظها بجملتها، فالحظ على الاقل سورة الفتح، فان فيها عدة أخبار =========================================================================== [137] غيبية تغنيك عن ملاحظة سائر الايات، وعما أخبره الرسول الاكرم (ص) ببيانه الشريف. وحينئذ نسأل المنكرين لعلم الغيب لغير الله ونقول: ءانتم مذعنون ومصدقون بما أخبر الله ورسوله به، أم أنتم منكرون أو شاكون ؟ ونقول: أيضا أكان سلفكم وأكابركم في عهد الرسول (ص) مؤمنين بهذه المغيبات التي أخبر الله ورسوله بها ايمانا قطعيا وتصديقا علميا أم كانوا منكرين لها أو شاكين فيها ؟ فان قلتم: انا مع سلفنا منكرون لها، وغير مصدقيها، أو شاكون فهيا، لامصدقون ولا مكذبون لا مذعنون ولارادون. قلنا لكم: يا معاشر المنكرين والمكذبين، ويا ملا الشاكين والمرتابين، ان مسألتنا هذه فرع التصديق بالقرآن الكريم والرسول العظيم، تعالوا الى البحث في اعجاز القرآن وهل انه حجة الله وبرهانه لاثبات نبوة من جاء به وتحدى به، أم لا، فإذا فرغنا من ذلك نتكلم بأنه هل يصح لحافظ القرآن والمهيمن على الشريعة ان يعلم الغيب أم لا، إذ ان اثبات الفرع قبل الاصل غير ممكن. فان قلتم: إنا كأسلافنا مصدقون بما في القرآن العظيم تصديقا يقينيا، وايمانا قطعيا، فكان سلفنا يعلمون باخبار الله ونبيه ان أبا لهب يموت ويصلى مع امرأته نارا ذات لهب، وان المعهودين من الكفار لا يؤمنون سواء أنذرهم الرسول أم لا، وإن الفرس سيغلبون، وان الروم سيغلبون، وان الله سيفتح لهم فتحا مبينا، الى الكثير من المغيبات التي ورد الاخبار عنها في الكتاب العزيز. قلنا: ثبتكم الله أيها المصدقون، أليس تصديق أسلافكم وتصديقكم هذا تصديقا وعلما بالغيب ؟ أليس هذا اذعانا بالشئ قبل وقوعه، وعلما بأمر يغيب عن الحواس والقوى الادراكية ؟ وهل العلم بالغيب الا الاعتراف العلمي =========================================================================== [138] بشئ يغيب عن الحواس ؟ فان قلت: إن هذا علم بالغيب بنحو جزئي وليس مثل ما ادعيتم لائمة أهل البيت (ع)، مع ان هذا القسم خارج عن محل النزاع لانه باعلام الله لنبيه بالوحي، والنبي أيضا أعلم أمته بذلك. قلنا: انكم ادعيتم ان المستفاد من الايات ان الغيب لله، ويستحيل ان يعلمه غير الله، وإلا يكون مناقضا للايات، ومخالفا لها وهو باطل، وقد اعترفتم الان ان التصديق ببعض ما غاب عنا والعلم بشئ ما، لا ينافي الايات، وهذا المقدار يكفينا في نفي ما قلتم من انه لا يعلم الغيب الا الله، وفي عدم التنافي بين كون الغيب لله وعلم الائمة بالغيب. واما ما قلتم: ان هذا خارج عن محل البحث، لانه باعلام القرآن والنبي فعجيب، لان هذا عين ما ندعيه لانا نعتقد ان الرسول يتلقى الغيب من الله تعالى كما قال الله تعالى: " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول " والائمة يتلقون من رسول الله (ص) كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الخبر المتواتر: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وكما قال أمير المؤمنين (ع) في الخبر الصحيح المتفق عليه: علمني رسول الله (ص) الف باب من العلم، يفتح من كل باب الف باب. وفي خبر: ينفتح من كل باب ألف الف باب من العلم. نعم، قد يلهم الله تبارك وتعالى وليه ببعض الغيوب بلا وساطة النبي صلى الله عليه وآله كما انه تبارك قد يري ويلهم نبيه في المنام أو في اليقظة ببعض الغيوب بلا واسطة امين الوحي، كما أرى نبيه انه دخل مسجد الحرام مع أصحابه محلقين آمنين، وكما أراه في المنام ان جماعة من بني أمية ينزون على منبره نزو القردة. بل قد يلهم الله بالغيب غير النبي والولي أيضا كما قال الله تبارك وتعالى: =========================================================================== [139] " وأوحينا الى أم موسى ان ارضعيه فإذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين " فقد تبين مما ذكرنا ان القول بأن الائمة عليهم السلام لا يعلمون الغيب باطل، ومرجعه إما الجهل بالحقائق ومقامات اولياء الله عليهم السلام، وأما الغفلة عن قدرة الله والتجاهل عن شئون اصفيائه، وإما العناد واللجاج والمشاقة لتراجمة وحي الله وحفظة سر الله. أما الطائفة الثالثة فلا يقنعهم شئ ولو جئناهم بكل نبي ووصي، ومعجز تكويني، إذ لا يعدون ان يقولوا - كأسلافهم الجهال المردة -: ان هذا إلا سحر مبين، والبرهان الوحيد الذي اعد الله تبارك وتعالى لهؤلاء هو الخلود في النار. واما الطائفتين الاوليين فيكفيهم ما ذكره علماؤنا قدس سرهم وقد أتينا على نبذة منه، ونذكر أيضا شذرة اخرى. ولنا طريقة أخرى لاثبات العلم بالغيب لاوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وتقريره: انا معاشر الامامية نقول: الاطلاع على ما غاب عنا - سواء أكان موجودا فعلا، أم لا - أمر ممكن وشئ جائز، والله الغالب القاهر قادر على كل ممكن، والائمة المعصومون عليهم السلام قابلون وصالحون لان يكونوا محلا لهذه الموهبة الفائضة من الله، وهم عليهم السلام أهل للاتصاف بهذه الصفة الكمالية، والادلة على اتصافهم بها متواترة متكاثرة، وكلما كان الامر على ما وصفنا يجب أن يكونوا عالمين بالغيب، ويجب على الناس ان يقروا لهم بذلك. ومنكر هذه الخصيصة لاهل بيت الوحي إما أن يقول باستحالة الامر =========================================================================== [140] الاول وانه غير معقول، فنقول له: بينوا لنا ما وجه استحالته وعدم امكانه، هل يلزم من امكانه اجتماع النقضين أو الخلف والدور أو التسلسل أو شئ آخر من جهات الامتناع ؟ وكل ذلك مفقود، وهو كسائر الامور الممكنة. ويقال له: أليس وقوع الشئ أدل دليل على إمكانه ؟ وأنتم قد اعترفتم بتحققه للانبياء، وقد تواتر عن النبي (ع) انه أخبر ببعض المغيبات، وقد نطق القرآن المجيد على ان المسيح (ع) كان يخبر بني اسرائيل بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. وإما ان يقول بعدم القدرة لله تعالى لافاضة التمكين على عبد من عباده بالاطلاع على ما غاب عنه، ولا نعهد أحدا من أهل الاسلام أنكر قدرته تعالى شأنه. وإما ان يقول المنكر: إن سيد العترة أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين غير صالحين لان يكونوا محلا لهذه الموهبة، ولا جديرون بالاتصاف بهذه الصفة. وهذا أيضا مما لم يلتزم به أحد من المسلمين، بل من عرف أمير المؤمنين وأولاده عليهم السلام يذعن ويعترف بأنه ليس في الكون من هو أحق منهم بأن يكونوا موردا للفيوضات الربانية والعنايات الرحمانية. ولو فرض ان بعض من لم يخرج من قلبه حب الاوثان وبغض كاسر الاصنام، ادعى ذلك، وقال بعدم صلاحية أمير المؤمنين والمعصومين من أولاده للاتصاف بهذه الخصيصة والتحلي بهذه الموهبة، فهو محجوج بقول الرسول الكريم: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وبقوله (ص): أنا مدينة الحكمة وعلي بابها، وبقوله: علي أقضاكم، الى غير ذلك مما تواتر عنه صلى الله عليه وآله في شأن أمير المؤمنين وأولاده الائمة الاثنى عشر عليهم السلام. وأيضا يرد قول هذا المنكر المعاند للحق، بما أجمع عليه المسلمون =========================================================================== [141] - حتى خصوم أمير المؤمنين عليه السلام كمعاوية وأضرابه ومن على شاكلته - من اختصاص أمير المؤمنين (ع) بعلوم ليس عندهم، ولذا كان (ع) ملجأهم في المشكلات، ومفزعهم في الملمات، وكان عمر بن الخطاب إذا ضاق به الخناق يراجع أمير المؤمنين (ع) فإذا حل الامام مشكلته، ورفع بعلمه (ع) معضلته، قال: لولا علي لهلك عمر، أو قال: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن، الى غير ذلك مما تواتر من الصحابة. وكان معاوية مع تصلبه في عداء أمير المؤمنين، وتمركز الغل والعناد في قلبه، وكونه محورا للحقد والبغضاء، ومعدنا للشنآن والشحناء - يقول بعد ما استشهد أمير المؤمنين عليه السلام: مات العلم والفقه بموت ابن أبي طالب. وإما ان يقول المنكر: كان ما قدمتموه فهو حق، أي إن الاطلاع على ما غاب عن الحس ممكن لاسيما للنفوس الكاملة. وكذلك قدرة الله تعالى قاهرة ومسيطرة على كل ممكن، فلا ممكن إلا وهو خاضع لقدرته الغالبة وارادته القاهرة، فله تعالى أن يطلع ويظهر على غيبه من شاء وأراد. وكذلك سيد العترة أمير المؤمنين (ع) حقيق على ان يكون مأوى للفيوضات الربوبية والعنايات الالهية. إلا ان الادلة في مقام الاثبات غير ناهضة على ان الله تبارك وتعالى مكن أمير المؤمنين (ع) من الاتصاف بهذه الصفة وهي العلم بالغيب، فالممنوع هو المقدمة الرابعة، أي انه لم يقم لنا دليل على انه (ع) كان متصفا بعلم الغيب، ولم ندع قيام الدليل على عدم اتصافه به. والجواب انه لا ينبغي لمن له أدنى المام بتاريخ أمير المؤمنين (ع) من كتب الفريقين أن يشك في اتصاف أمير المؤمنين عليه السلام بعلم الغيب واخباره ببعض الحوادث قبل وقوعها، وانما ارتاب من ارتاب في علمه (ع) بخصوصيات شهادته لصدور هذا الكلام المجمل منه (ع) بعد ما ضربه =========================================================================== [142] اللعين. وقد بينا ان هذا الكلام لو كان ظاهرا أو صريحا يجب تأويله وصرفه الى معنى يطابق الادلة القاطعة الحاكمة بأن أمير المؤمنين (ع) كان عالما بخصوصيات ما جرى عليه، فضلا عما لو كان الكلام مجملا ومحتملا لمعان كثيرة، وقد تبين انه مجمل. وتحقق أيضا مما ذكرنا في سيرته (ع) مع ابن ملجم قبل أن يضربه، انه عليه السلام كان عالما تفصيلا بما سيجري عليه، وكذا من اخباره (ع) لابنته أم كلثوم: بأني لو قد أصبحت قتلت، وكذا قوله (ع) لما بلغه قدوم ابن ملجم: أما انه ما بقي علي غيره وهذا أوانه، وكذا قوله (ع) في الليلة التي ضرب فيها: والله انها لليلة التي وعدت فيها، ما كذبت ولاكذبت، الى غير ذلك ومما لم يذكر هنا. وذكره أصحابنا في محالها، لاسيما ما ذكره السيد البحراني (ره) والشيخ الحر (ره) في مدينة المعاجز، واثبات الهداة، فانهما أتيا بما فوق المراد. ولنختم المقام ببعض ما ثبت عنه (ع) ونقله الاجلاء، والشواهد الداخلية والخارجية قائمة على صدقه، ليكون نموذجا لما لم يذكر هنا، وليكون لما أسسنا سندا، ولما مهدنا دعائم وعمدا، فنقول: روى ثقة الاسلام الكليني قدس الله نفسه، بثلاثة أسانيد، إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان كثيرا ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا الفاروق الاكبر، وأنا صاحب العصا والميسم، ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الرب (28)، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعى فيكسى، وأدعى فأكسى، ويستنطق، وأستنطق، =========================================================================== (28) حملت على بناء المتكلم المجهول، والحمولة بالضم: الاحمال، يعني كلفني الله ربي بمثل ما كلف محمدا (ص) من أعباء التبليغ والهداية، وحمولة الرب أي الاحمال التي وردت من الله سبحانه لتربية الناس وتكميلهم. =========================================================================== [143] فأنطق على حد منطقه، ولقد أعطيت خصالا ما سبقني إليها أحد قبلى، علمت المنايا والبلايا، والانساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني (29) أبشر بإذن الله، وأؤدي عنه، كل ذلك من الله، مكنني فيه بعلمه، الحديث 1، من الباب 14، من كتاب الحجة، من اصول الكافي 196، وقريب منه في الحديث 2 و 3. الكلام الثاني: ما رواه عنه عليه السلام جماعة كثيرة من الخاصة والعامة، وقد بلغ حد التواتر - كما سننقله بألفاظه الخاصة في شرح المختار 207، من خطب نهج البلاغة - ونذكره هنا - بلفظ ثقة الاسلام في كتاب الكافي - محذوف الاسناد، لئلا يطول الكلام، فنقول: قال سليم بن قيس: قلت لامير المؤمنين عليه السلام: اني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الاحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون ان ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله عليه وآله متعمدين، ويفسرون القرآن بآرائهم ؟ قال (سليم) فأقبل (أمير المؤمنين ع) علي فقال: قد سألت فافهم الجواب: ان في أيدي الناس حقا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول =========================================================================== (29) المنايا والبلايا: آجال الناس ومصائبهم. وفصل الخطاب، أي الخطاب المفصول الذي لا يشتبه على المخاطب والسامع. ولم يعزب أي لم يغب ولم يخف علي علم ما سيأتي. يا معشر العقلاء، أيجوز أن يعرف (ع) آجال الناس ومصائبهم ولم يخف عليه شئ، ومع ذلك لايعرف خصوصيات ما يجري عليه ؟ ! =========================================================================== [144] الله صلى عليه وآله على عهده حتى قام خطيبا فقال: أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. ثم كذب عليه من بعده، وانما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس، (ثم شرح عليه السلام ان كل ما جاءت به الطوائف الاربع لامساس له بالواقع، بل هو عن الحق والصدق لناكب، وانما الصحيحة منها منحصرة فيما خرج من بيتي وبيت من تبعني) ثم قال عليه السلام: وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسأله عن الشئ فيفهم، وكان منهم من لا يسأله ولا يستفهمه، حتى ان كانوا ليحبون أن يجئ الاعرابي والطارئ (30) فيسأل رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يسمعوا وقد كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله كل يوم دخلة وكل ليلة دخلة، فيخليني فيها، أدور معه حيث دار، وقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله انه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله صلى الله عليه وآله أكثر ذلك في بيتي، وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عني نساءه فلا يبقي عنده غيري، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة ولا أحد من بني، وكنت إذا سألته أجابني، وإذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله آية من القرآن إلا اقرأنيها وأملاها علي فكتبتها بخطي، وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها، ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله، ولا علما أملاه علي وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك شيئا علمه الله من حلال ولاحرام ولا أمر ولانهي كان أو يكون ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته فلم أنس حرفا واحدا، ثم وضع يده على صدري ودعا الله لي أن =========================================================================== (30) الطارئ: الغريب خلاف الاصلي، جمع طراء وطراء. =========================================================================== [145] يملا قلبي فهما وحكما ونورا، فقلت: يا نبي الله بأبي أنت وأمي منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئا، ولم يفتني شئ لم أكتبه، افتتخوف علي النسيان فيما بعد ؟ فقال: لا، لست أتخوف عليك النسيان والجهل، انتهى. الثالث - ما ذكره السيد (ره) في المختار 187 من خطب نهج البلاغة عنه عليه السلام حيث قال (ع) في تلك الخطبة بعد كلام طويل: وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولاخطلة في فعل، ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن ان كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه إتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد في الاسلام يومئذ غير رسول الله صلى الله عليه وآله، وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول الله ! ما هذه الرنة ؟ فقال: هذا الشيطان أيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلا انك لست بنبي ولكنك وزير، وانك لعلى خير (الى آخر كلامه الشريف). الرابع - ما رواه أيضا السيد (ره) في المختار 170، من الباب الاول، من نهج البلاغة، قال (ع) في تلك الخطبة: والله لو شئت ان اخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت، ولكن اخاف ان تكفروا في برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، =========================================================================== [146] الا واني مفضيه الى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه، والذي بعثه بالحق واصطفاه على الخلق، ما انطق الا صادقا، وقد عهد الي بذلك كله، وبمهلك من يهلك، ومنجى من ينجو، ومآل هذا الامر، وما ابقى شيئا يمر على رأسي إلا أفرغه في أذني، وأفضى به إلي (الى آخر كلامه الشريف). فنسألكم يا ذوى البصائر، يا أهل الانصاف والوجدان، يا صاحبي العقول الراقية، والانظار الثاقبة، يا حماة الانصاف، يامن لا ينطوي قلبه على إنكار الحقائق، يا من لا تجيش مراجل أضعان امير المؤمنين في قلبه، يا من لا يضمر في قلبه حقد كاسر الاصنام، وحب الارجاس والاوثان أيجوز عندك ان يجهل حاله وما يجري عليه، من كان في صغره يرى نور النبوة، ويشم ريح الرسالة ؟ ام يسوغ عقلك ان يكون جاهلا بتفصيلات حياته، من شهد له الرسول الاكرم (ص): بأنه يسمع كل ما يسمعه الرسول، ويرى كل ما يراه، غير انه ليس ينبي بل وزير ووصي ؟ بالله عليك، هل يمكن ان لا يكون عالما بخصوصيات ما يجري عليه، من كان علمه بحيث لو اراد ان يخبر جميع مخاطبيه - وهم ملايين - بجميع شئونهم لفعل، ولكنه لم يفعل لانه خاف منهم ان يكفروا فيه برسول الله (ص) ؟ سبحان الله ! ان مثل امير المؤمنين (ع) يحلف بالله بأن رسول الله (ص) قد عهد الله إليه بمهلاك من يهلك، ومنجى من ينجو، وأنه (ص) ما ابقى شيئا يمر عليه ويبتلي به الا وقد اخبره وافضى إليه، وهو (ع) وعاها بأذنه الواعية، ومع ذلك كله يقول اناس: ان امير المؤمنين (ع) لم يكن عالما بخصوصيات الحوادث الجارية عليه، ان هذا لشئ عجاب ! ! الكلام الخامس - ما ذكره أيضا السيد الرضى (ره) في المختار 89، من خطب النهج، من قوله (ع): =========================================================================== [147] فاسألوني قبل ان تفقدوني، فو الذي نفسي بيده لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة، ولاعن فئة تهدي مأة، أو تضل مأة ألا انبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يقتل من أهله قتلا، ومن يموت منهم موتا، (الى آخر بيانه الكريم العزيز). وقد تواتر عنه (ع) أنه في غير واحد من مقاماته كان يصيح على الاعواد: سلوني قبل ان تفقدوني فان بين الجوانح مني لعلما جما. وكان (ع) احيانا يكشف عن صدره منبع العلوم ويقول: هذا لعاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا ما زقني رسول الله زقا. واحيانا كان عليه السلام يشير الى قلبه ينبوع الحكمة ويقول: ان ههنا لعلما جمالو اصبت له حملة. ولقد كان (ع) يقول: لو ثنيت لي الوسادة وجلست عليها لحكمت بين اهل التوراة بتوراتهم، وبين اهل الانجيل بانجليهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين اهل الفرقان بفرقانهم، الخ. وكان عليه السلام يحرق أعداءه بنار الرعب والحسد برجزه: ولي السبقة في الاسلام * طفلاو وجيها ولي الفضل على النا * س بفاطم وبنيها ثم فخري برسول الله * إذ زوجنيها وإذا أنزل ربي * آية علمينها ولقد زقني العلم * لكي صرت فقيها وكان عليه السلام في احايين يقول: سلوني قبل ان تفقدوني، فو الله اني بطرق السماء اعلم مني بطرق الارض. ونعم ما قال بعض محبيه (ع): ومن ذا يساميه بمجد ولم يزل * يقول سلوني ما يجل ويعظم سلوني ففي جنبي علما ورثته * عن المصطفى ما فات مني به الفم =========================================================================== [148] سلوني عن طرق السماوات انني * بها من سلوك الطرق في الارض اعلم أيقال: ان امير المؤمنين (ع) غير عالم بتفصيلات ما يجري عليه، وقد قال وارثه ومتحمل العلوم عنه: الامام الخامس من ولده، - اعني الامام الصادق (ع) -: قد ولدني رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا أعلم كتاب الله، وفيه بدء الخلق، وما هو كائن الى يوم القيامة، وفيه خبر السماء وخبر الارض، وخبر الجنة، وخبر النار، وخبر ماكان وما هو كائن، اعلم ذلك كما انظر الى كفي، ان الله يقول: فيه تبيان كل شئ. =========================================================================== [149] - 6 - ومن وصية له عليه السلام الى سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين (ع) أوصيكما بتقوى الله، وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، (1) ولا تبكيا على شئ (منها) زوي عنكما، (2) وقولا الحق، وأرحما البتيم، وأغيثا الملهوف، (3) واصنعا للاخرة (4)، وكونا للظالم خصما، وللمظلوم ناصرا (5)، واعملا بما في الكتاب ولا تأخذ كما في الله لومة لاثم. ثم نظر عليه السلام الى محمد بن الحنفية فقال: هل حفظت ما أوصيت =========================================================================== (1) بغى - من باب رمى يرمى - بغاء وبغيا وبغية كابتغى وتبغى، الشئ أي طلبه، اي لا تكونا طالبي الدنيا وان كانت الدنيا طالبة لكم. (2) وفى مروج الذهب والنهج: ولا تأسفا على شئ منها زوي عنكما، وزوي - على بناء المجهول من باب رمى يرمي - زويا وزيا الشئ: نحاه ومنعه وقبضه، أي ما قبضه اهل الباطل من دنياكم ومنعوكم منه ونحوه عنكم لا تبكيا عليه ولا تجزعا له، وهذا كقوله تعالى: لكيلا تأسوا على ما فاتكم، الخ. (3) وفى المروج: واعينا الضعيف، وفى الكامل: واعينا الضائع. (4) وفى النهج: واعملا للاجر، وفى بعض النسخ منه، واعملا للاخرة. (5) وفى المروج والنهج: وكونا للظالم خصما وللمظلوم عونا، وفى الكامل: وكونا للظالم خصيما. =========================================================================== [150] به أخويك ؟ قال: نعم، قال: فاني اوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير اخويك العظيم حقهما عليك، فاتبع أمرهما، ولا تقطع أمرا دونهما، ثم قال (ع): أوصيكما به فانه شقيقكما وابن ابيكما، وقد علمتما ان اباكما كان يحبه. ثم اوصى (الامام) الحسن عليه السلام بالوصية التالية كما في تاريخ الطبري: 4، 123 و 113. ومروج الذهب: 425، ج 2. وكامل ابن الاثير: ج 3، والمختار 47 من النهج. وذكره مع التالي في كشف الغمة وكذلك في نظم درر السمطين: 140 ط 1 بل المستفاد منه تعدد طرق هذه الوصية واشار اليهما أيضا أبو الفداء في تاريخه، وكذا ابن كثير، بل اشار هو الى انه (ع) كتب الوصيتين لهما (ع)، ورواها الخوارزمي في المناقب 278، ط 1 مع التالي والمختار (54) قال: وذكروا ان جندب بن عبد الله دخل على علي (ع) يسليه، فقال: يا امير المؤمنين ان فقدناك فلا نفقدك، فنبايع الحسن ؟ قال: نعم ثم دعا حسنا وحسينا فقال: اوصيكما بتقوى الله الخ، ورواها عنه في البحار: 9، 660، س 16. =========================================================================== [151] - 7 - ومن وصية له عليه السلام الى السبط الاكبر ابي محمد الحسن الزكي عليه السلام أوصيك أي بني بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها، وإبتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء فانه لاصلاة إلا بطهور، ولاتقبل صلاة من مانع زكاة، وأوصيك بغفر الذنب (1) وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عند الجبل، (2) والتفقه في الدين، وألتثبت في الامر، والتعاهد للقرآن، (3) وحسن الجوار، والامر بالمعروف، والنهى عن المنكر، واجتناب الفواحش (4). =========================================================================== (1) غفر الذنب: ستره والعفو عنه. وهو مصدر قولهم: غفر يغفر (من باب ضرب) غفرا وغفيرا وغفيرة وغفرانا ومغفرة وغفورا له الذنب اي غطى عليه وعفا عنه. وفى تحف العقول: واوصيك بمغفرة الذنب. (2) وفى تحف العقول: والحلم عند الجاهل. وفى كامل ابن الاثير: والحلم عن الجاهل. (3) وفى تحف العقول: والتعهد للقران. (4) وفى تحف العقول: واجتناب الفواحش كلها في كل ما عصي الله فيه. =========================================================================== [152] قال الطبري: فلما حضرته الوفاة اوصى، فكانت وصيته: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اوصى (الى آخر ما يجئ في المختار 54). اقول: وهذه الوصية الشريفة ذكرها أيضا الحسن بن علي بن شعبه (ره) في المختار 118 من تحف العقول، الا انه رحمه الله لم يذكر قوله (ع): وحسن الوضوء فانه لاصلاة الا بطهور، ولاتقبل صلاة من مانع زكاة. =========================================================================== [153] - 8 - ومن كلام له عليه السلام قاله قبل وفاته على سبيل الوصية لما ضربه اللعين ابن مجلم المرادي وصيتي لكم أن لا تشركوا بالله شيئا، ومحمد صلى الله عليه وآله (وسلم) فلا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، وأوقدوا هذين المصباحين، وخلاكم ذم، أنا بالامس صاحبكم، واليوم عبرة لكم، وغدا مفارقكم، إن أبق فأنا ولي دمي، وإن أفن فالفناء ميعادي، وان أعف فالعفو لي قربة، وهو لكم حسنة، فاعفوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم، والله ما فجأني من الموت وارد كرهته، ولاطالع أنكرته وما كنت إلا كقارب ورد، (1) وطالب وجد، وما عند الله خير للابرار. إنتهى المختار 24، من الباب 3، من النهج. =========================================================================== (1) المحكى عن الخليل (ره): ان القارب يقال لطالب الماء ليلا، ولايقال لطالبه نهارا. وقيل: القارب الذي يسير الى الماء وقد بقى بينه وبين الماء ليلة واحدة، والاسم القرب - كقفل وجمل - والقوم قاربون، ولايقال مقربون. وقيل: القرب طلب الماء ليلا، أو ان لا يكون بينه وبين الماء الا ليلة، أو إذا كان بينكما يومان فأول يوم تطلب فيه الماء القرب، والثاني الطلق - محركا -، وقد قرب الابل - كنصر - قرابة - بالكسر - واقربتها. =========================================================================== [154] - 9 - ومن وصية له عليه السلام الى أولاده وخواص شيعته قال المسعودي رحمه الله: روي ان ام كلثوم بكت (لما رأته على تلك الحالة) فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام يا بنية ما يبكيك ؟ لو ترين ما ارى ما بكيت (1)، ان ملائكة السبع سماوات لراكب (مواكب خ) بعضهم خلف بعض، والنبيون خلفهم، كل نبي كان قبل محمد، وها هو ذا رسول الله (ص) عندي، آخذ بيدي، يقول لى انطلق يا علي فان امامك خير لك مما انت فيه، ثم قال عليه السلام: اخلوني واهل بيتي اعهد إليهم، فقام الناس الا اليسير من شيعته، فجمع عليه السلام اهل بيته وهم اثنا عشر ذكرا فحمد الله واثنى عليه ثم قال (عليه السلام): =========================================================================== (1) وروى العياشي رحمه الله عن عمرو بن الحمق قال: دخلت على امير المؤمنين عليه السلام حين ضرب على قرنه، فقال لي: يا عمرو اني مفارقكم، ثم قال: سنة السبعين فيها بلاء، قالها ثلاثا، فقلت: فهل بعد البلاء رخاء ؟ فلم يجبنى، واغمي عليه، فبكت ام كلثوم فأفاق، فقال: يا ام كلثوم تؤذيني، فانك لو قد ترين ما ارى لم تبكي، ان الملائكة في السماوات السبع بعضهم خلف بعض، والنبيون خلفهم، وهذا محمد (ص) آخذ بيدي يقول: انطلق يا علي فما امامك خير لك مما انت فيه، فقلت: بأبي انت وامي قلت: الى السبعين بلاء، فهل بعد السبعين رخاء ؟ قال: نعم يا عمرو ان بعد البلاء رخاء، ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب، الخ، كما في الحديث 62، من باب النسخ من البحار: 2، 139، و 4، 120، الطبعة الحديثة. =========================================================================== [155] إن الله تبارك وتعالى أحب أن يجعل في سنة نبيه يعقوب، إذ جمع بنيه وهم إثنا عشر ذكرا فقال: إني أوصي إلى يوسف فاستمعوا له، وأطيعوا أمره. واني أوصي الى الحسن والحسين، فاستمعوا لهما، واطيعوا أمرهما. (2) الخبر. =========================================================================== (2) قال المسعودي (ره): فقام إليه عبد الله، فقال: يا امير المؤمنين ادون محمد بن الحنفية ؟ فقال (ع) له: أجرأة في حياتي، كأني بك قد وجدت مذبوحا في خيمتك (*)، ثم اوصى (ع) الى الحسن، وسلم إليه الاسم الاعظم والنور والحكمة ومواريث الانبياء وقال: إذا أنامت فغسلني وكفني وحنطني وادخلني قبري، فإذا أشرجت علي اللبن فارفع اول لبنة فاطلبني فانك لن تراني. ثم قال المسعودي (ره): وقبض في ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان، فكان عمره عليه السلام خمسا وستين سنة، منها مع النبي (ص) خمس وثلاثون سنة، وبعده ثلاثون سنة، ودفن (ع) بظاهر الكوفة بالغري، انتهى. وروى الشيخ الجليل ابن شاذان قدس الله نفسه، عن الاصبغ بن نباته قال: لما ضرب امير المؤمنين عليه السلام الضربة التي كانت وفاته فيها اجتمع إليه الناس بباب القصر، وكان يراد قتل ابن ملجم لعنه الله، فخرجقال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين 91 ط النجف، و 88 ط بيروت وعبد الله بن علي بن ابي طالب، وامه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن حنظلة. قتله اصحاب المختار بن ابي عبيدة يوم المدار. وكان صار الى المختار وسأله ان يدعو إليه، ويجعل الامر له، فلم يفعل، فخرج فلحق بمصعب بن الزبير فقتل في الواقعة وهو لا يعرف. =========================================================================== [156] اثبات الوصية 125، والحديث 6، من الباب 64، من الكتب 5، =========================================================================== الحسن عليه السلام فقال: معاشر الناس ان ابي اوصاني ان أترك أمره الى وفاته، فان كان له الوفاة والا نظر هو في حقه، فانصرففوا يرحمكم الله، قال: فانصرف الناس ولم انصرف، فخرج ثانية وقال لي: يا اصبغ اما سمعت قولي عن قول امير المؤمنين عليه السلام ؟ قال: قلت: بلى، ولكنني رأيت حاله، فاحببت ان انظر إليه فاسمع منه حديثا، فاستأذن لي رحمك الله، قال: فدخل ولم يلبث ان خرج فقال لي: ادخل، فدخلت فإذا امير المؤمنين عليه السلام معصب بعصابة، وقد علت صفرة وجهه على تلك العصابة، وإذا هو يرفع فخذا ويضع أخرى من شدة الضربة وكثرة السم، فقال لي: يا اصبغ اما سمعت قول الحسن عن قولي ؟ قلت: يا امير المؤمنين ولكني رأيتك في حالة فاحببت النظر اليك، وان اسمع منك حديثا، فقال لي: اقعد، فما أراك تسمع حديثا مني بعد يومك هذا، اعلم يا اصبغ اني اتيت رسول الله صلى الله عليه وآله عائدا كما جئت الساعة، فقال: يا ابا الحسن أخرج فناد في الناس الصلاة جامعة، واصعد المنبر، وقم دون مقامي بمرقاة، وقل للناس: الا من عق والديه فلعنة الله عليه، الا من ابق من مواليه فلعنة الله عليه الامن ظلم أجيرا اجرته فلعنة الله عليه. يا اصبغ ففعلت ما امرني به حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقام من اقصى المسجد رجل فقال: يا ابا الحسن تكلمت بثلاث كلمات واوجزتهن فاشرحهن لنا، فلم ارد جوابا حتى اتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت ماكان من الرجل، قال الاصبغ ثم اخذ بيدي، وقال ابسط يدك، فبسطت يدي فتناول اصبعا من اصابع يدي وقال: يا اصبغ كذا تناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اصبعا من اصابع يدي، كما تناولت اصبعا من اصابع يدك، ثم قال: مه يا أبا الحسن، الاواني وانت أبوا هذه الامة، فمن عقنا فلعنة الله عليه. الاواني وأنت موليا هذه الامة، فعلى من ابق عنا لعنة الله. الأواني وانت أجيرا هذه الامة، فمن ظلمنا أجرتنا فلعنة الله عليه. ثم قال آمين، فقلت آمين. قال الاصبغ ثم اغمي عليه (ع)، ثم افاق فقال لي: اقاعد انت يا اصبغ ؟ قلت: نعم، يا مولاي. قال: ازيدك حديثا آخر ؟ قلت: نعم، (*) =========================================================================== [157] من الكافي. =========================================================================== زادك الله من مزيدات الخير. قال: يا اصبغ لقيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض طرقات المدينة، وانا مغموم قد تبين الغم في وجهي، فقال لي: يا ابا الحسن أراك مغموما، الا احدثك بحديث لاتغتم بعده أبدا ؟ قلت: نعم، (يارسول الله (ص). قال: إذا كان يوم القيامة نصب الله منبرا يعلو منابر النبيين والشهداء، ثم يأمرني الله اصعد فوقه، ثم يأمرك ان تصعد دوني بمرقاة ثم يأمر الله ملكين فيجلسان دونك بمرقاة، فإذا استقللنا على المنبر لا يبقى احد من الاولين والاخرين الا حضر، فينادي الملك الذي دونك بمرقاة: معاشر اللناس الا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فانا اعرفه بنفسي، انا رضوان خازن الجنان، الا ان اله بمنه وكرمه وفضله وجلاله أمرني ان ادفع مفاتيح الجنة الى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وان محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أمرني أن ادفعها الى علي بن أبيطالب عليه السلام، فاشهدوا لي عليه. ثم يقول ذلك الذي تحت ذلك الملك بمرقاة مناديا يسمع اهل الموقف: معاشر الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فانا اعرفه بنفسي انا مالك خازن النيران، الا ان الله بمنه وفضله وكرمه وجلاله قد امرني ان ادفع مفاتيح النار الى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وان محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قد امرني ان ادفعها الى علي بن ابي طالب عليه السلام، فاشهدوا لي عليه. فآخذ مفاتيح الجنان والنيران. ثم قال: يا علي فتاخذ بحجزتي. واهل بيتك يأخذون بحجزتك، وشيعتك يأخذون بحجزة أهل بيتك قال عليه السلام: فصفقت بكلتا يدي، والى الجنة يارسول الله ؟ قال: اي ورب الكعبة. قال الاصبغ: فلم اسمع من مولاي غير هذين الحديثين، ثم توفى صلوات الله عليه، انتهى. فضائل شاذان بن جبرئيل رحمه الله كما في الانوار البهية 67، للمحدث القمي (ره). وروى الصدوق رحمه الله في الباب 52، من معاني الاخبار 118، معنعنا عن انس بن مالك قال: كنت عند علي بن ابي طالب عليه السلام، في الشهر الذي اصيب فيه، وهو شهر رمضان، فدعا ابنه الحسن عليه السلام، ثم قال: يا ابا محمد اعل المنبر، فاحمد الله كثيرا واثن عليه، واذكر جدك رسول الله صلى الله عليه وآله بأحسن الذكر، وقل: لعن الله ولذا عق ابويه، لعن =========================================================================== [158] الله ولدا عق ابويه، لعن الله ولدا عق ابويه، لعن الله عبدا أبق من مواليه، لعن الله غنما ضلت عن الراعي. وانزل. فلما فرغ من خطبته ونزل اجتمع عليه الناس، فقالوا: يا ابن امير المؤمنين وابن بنت رسول الله نبينا الجواب. فقال: الجواب على امير المؤمنين عليه السلام. فقال امير المؤمنين عليه السلام: اني كنت مع النبي صلى الله عليه وآله في صلاة صلاها، فضرب بيده اليمنى الى يدي اليمنى فأجتذبها، فضمها الى صدره ضما شديدا، ثم قال لي: يا علي ! قلت: لبيك يارسول الله صلى الله عليه وآله. وقال: انا وانت ابوا هذه الامة، فلعن الله من عقنا، قل آمين، قلت: آمين. ثم قال: انا وانت موليا هذه الامة، فلعن الله من أبق عنا، قل آمين، قلت آمين، ثم قال: انا وانت راعيا هذه الامة، فلعن الله من ضل عنا، قل آمين، قلت آمين. قال امير المؤمنين عليه السلام: وسمعت قائلين يقولان معي: آمين، فقلت: يارسول الله ! ومن القائلان معي آمين ؟ قال: جبرئيل وميكائيل عليهما السلام، انتهى. =========================================================================== [159] - 10 - ومن وصية له عليه السلام لما حضرته الوفاة شيخ الطائفة رفع الله مقامه (1)، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام. وابراهيم بن عمر، عن أبان رفعه الى سليم بن قيس رضى الله عنه، قال سليم: شهدت وصية أمير المؤمنين عليه السلام، حين أوصى الى ابنه الحسن، وأشهد على وصيته الحسين عليهما السلام ومحمدا وجميع ولده، ورؤساء شيعته واهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح، ثم قال لابنه الحسن: يا بني أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أوصي إليك، وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي رسول الله صلى الله عليه وآله ودفع إلي كتبه وسلاحه. وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفع ذلك إلى أخيك الحسين: =========================================================================== سيجئ بعد الفراغ من كلامه (ع) أسناد علية أخرى للوصية الشريفة. =========================================================================== [160] (قال) ثم اقبل على ابنه الحسين، فقال وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله أن تدفعه إلى ابنك هذا. ثم اخذ بيد ابن ابنه علي بن الحسين وهو صبي فضمه إليه، ثم قال لعلي بن الحسين. يا بني وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله أن تدفعه إلى ابنك محمد بن علي فاقرأه من رسول الله صلى الله عليه وآله ومني السلام. ثم اقبل على ابنه الحسن فقال. يا بني أنت ولي الامر، وولي الدم فان عفوت فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة، ولا تأثم. ثم قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به علي بن أبى طالب، أوصى أنه يشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله على محمد =========================================================================== [161] وآله وسلم، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. ثم إنى أوصيك يا حسن، وجميع ولدي، ومن بلغه كتابي من المؤمنين: بتقوى الله ربكم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصوم (2)، وإن البغضة حالقة الدين (3) وفساد ذات البين، ولاقوة إلا بالله. أنظروا ذوي أرحامكم فصلوهم، يهون الله عليكم الحساب. والله ألله في الايتام، فلاتغبوا أفواههم (4) ولا يضيعوا =========================================================================== (2) وفى نسخة الفقيه وغير واحد من المصادر: صلاح ذات البين افضل من عامة الصلاة والصيام. (3) وفى المحكي عن نسخة الدر النظيم: خالعة الدين. (4) وفى الفقيه، ومحكي الدر النظيم: فلاتعر افواههم، وكأنه مأخوذ من قولهم: عره يعره عرا، من باب مد -: أي ساءه أو لطخه بمكروه، أو ادخل على الاذى، أي لا تجعلوا اليتامى بحيث بلطخ بهم المكروه، ويدخل =========================================================================== [162] بحضرتكم، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله له الجنة، كما أوجب لاكل مال اليتيم النار. والله الله في القران فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم (5) والله الله في بيت الله، فلا يخلون منكم ما بقيتم، فانه إن يترك لم تناظروا، وان أدنى ما يرجع به من أمه أن يغفر له ما قد سلف (6). والله الله في الصلاة، فإنها خير العمل، وإنها عمود دينكم. =========================================================================== عليهم الاذى من عفونة افواههم، وعدم الفتها الطعام، والغذاء. وتعر وتغب بمعنى واحد، يقال: اغب الماشية، أي اوردها الماء يوما وتركها يوما ظمأى. واغب القوم، أي جاءهم يوما وتركهم يوما، واغببه الحمى واغبت عليه، أي اخذته يوما وتركته آخر، واغب الطعام، اي انتن. والمقصود على جميع الوجوه تعاهد الايتام، وعدم التغافل عنهم. (5) وفى الفقيه ومحكي الدر النظيم زيادة قوله (ع): الله الله في الجيران، فان الله ورسوله اوصيا بهم، الخ. (6) وفى الفقيه هكذا: الله الله في بيت ربكم، فلا يخلون منكم ما بقيتم، فانه ان ترك لم تناظروا، فان ادنى ما يرجع به من أمه ان يغفر له ما سلف من ذنبه، الخ. قوله (ع): لم تناظروا، أي لم تمهلوا. وأمه اي قصده. =========================================================================== [163] والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب ربكم. والله الله في شهر رمضان، فان صيامه جنة من النار والله الله في الفقراء والمساكين، فشاركوهم في معيشتكم والله الله في الجهاد في سبيل الله باموالكم وأنفسكم، فانما يجاهد في سبيل الله رجلان، إمام هدى، ومطيع له، مقتد بهداه. والله الله في ذرية نبيكم، فلا تظلمن بين أظهركم وأنتم تقدرون على الدفع عنهم. والله الله في أصحاب نبيكم الذين لم يحدثوا حدثا، ولم يئووا محدثا، فان رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى بهم، ولعن المحدث منهم ومن غيرهم والمؤوي للمحدث. والله الله في النساء وما ملكت أيمانكم، لا تخافن في الله لومة لاثم، فيكفكم الله من أرادكم وبغى عليكم، فقولوا حسنا كما أمركم الله (7)، ولا تتركن الامر =========================================================================== (7) وفى نسخة الفقيه: قولوا حسنا كما امركم الله عزوجل، الخ. =========================================================================== [164] بالمعروف والنهي عن المنكر فيولي الله الامر شراركم، وتدعون فلا يستجاب لكم (8). عليكم يا بني بالتواصل والتباذل والتبار، وإياكم والنفاق والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى، واتقوا الله إن الله شديد العقاب. حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيكم، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام. ثم لم يزل يقول (ع): لاإله الا الله، حتى قبض عليه السلام، في أول ليلة من العشر الاواخر من شهر رمضان، ليلة احدى وعشرين (9)، ليلة جمعة، سنة اربعين من الهجرة. قال شيخ الطائفة رحمه الله: وزاد فيه ابراهيم بن عمر قال: قال أبان: قرأتها على علي بن الحسين عليه السلام، فقال: صدق سليم. الحديث الاخير من الفصل 6، من باب الوصايا، من كتاب التهذيب. ورواها أيضا في كتاب الغيبة 127، ط 1، عن احمد بن عبدون، عن ابن أبي الزبير القرشي، عن علي بن الحسن بن فضال، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عمن رواه عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن ابي جعفر عليه السلام، قال: هذه وصية امير المؤمنين عليه السلام الى الحسن عليه السلام، وهي نسخة كتاب سليم بن قيس الهلالي، دفعها الى أبان، وقرأها =========================================================================== (8) وفى نسخة الفقيه، ومحكى الدر النظيم: فيولي الله الامر منكم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم، الخ. (9) ويجئ في تعليقات المختار 54، ما يتعلق بالمقام. =========================================================================== [165] عليه، قال أبان: وقرأتها على علي بن الحسين عليهما السلام، فقال: صدق سليم رحمه الله. قال سليم: فشهدت وصية امير المؤمنين عليه السلام حين اوصى الى إبنه الحسن عليه السلام، وأشهد على وصيته الحسين (عليه السلام) ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته واهل بيته، وقال: يا بني أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله ان اوصي اليك، وان ادفع اليك كتبي وسلاحي، ثم اقبل عليه فقال: يا بني انت ولي الامر، وولي الدم، فان عفوت فلك، وان قتلت فضربة مكان ضربة، ولا تأثم، ثم ذكر الوصية الى آخرها، فلما فرغ من وصيته قال: حفظكم الله، وحفظ فيكم نبيكم، واستودعكم الله واقرأ عليكم السلام ورحمة الله. ثم لم يزل يقول: لا اله الا الله، حتى قبض ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، ليلة الجمعة، سنة اربعين من الهجرة، وان ضرب ليلة احدى وعشرين من شهر رمضان. وفي رواية أخرى انه (ع) قبض ليلة احدى وعشرين، وضرب ليلة تسع عشرة، وهي اظهر. (10). ورواها أيضا ثقة الاسلام الكليني رضوان الله عليه، في الحديث 1، من باب النص على امامة السبط الاكبر: الحسن عليه السلام، من أصول الكافي 296: - عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن حماد بن عيسى، عن ابراهيم بن عمر اليماني، وعمر بن اذينة، عن أبان، عن سليم بن قيس. ورواها أيضا في الحديث 5، من الباب، عن عدة من أصحابنا، عن احمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام. وروى الوصية الشريفة أيضا، صدوق الشريعة وحافظ الشيعة الشيخ =========================================================================== (10) وذكرنا شواهده في تعليقات المختار 54، فراجع. =========================================================================== [166] الصدوق رحمه الله، في كتاب الوصايا، من كتاب من لا يحضره الفقيه، عن سليم بن قيس رحمه الله. واشار إليها أيضا، القاضى نعمان (ره) في الحديث 3، من كتاب الزكاة، من دعائم الاسلام 240. وذكرها مع زيادات كثيرة في ج 2، ص 346، وسنذكرها. ورواها أيضا، في كتاب الدر النظيم، عن عبد الرحمان بن الحجاج، عن أبي عبد الله (ع). وعمن رواه عن عمرو بن شمر، عن جابر بن عبد الله، عن ابي جعفر عليه السلام، كما في مقدمة كتاب سليم بن قيس 14. =========================================================================== [167] وههنا فوائد الفائدة الاولى: روى ثقة الاسلام الكليني (ره)، في الحديث 4، من باب مولد امير المؤمنين عليه السلام، من كتاب الحجة، من الكافي 454، عن اسيد بن صفوان صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: لما كان يوم الذي قبض فيه امير المؤمنين عليه السلام ارتج الموضع بالبكاء، ودهش الناس، كيوم قبض النبي صلى الله عليه وآله، وجاء رجل باكيا، وهو مسرع مسترجع، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة، حتى وقف على باب البيت الذي فيه امير المؤمنين عليه السلام، فقال: رحمك الله يا أبا الحسن، كنت اول القوم اسلاما، وأخلصهم ايمانا، واشدهم يقينا، وأخوفهم لله، واعظمهم عناء، واحوطهم على رسول الله صلى الله عليه وآله، وآمنهم على اصحابه، وافضلهم مناقب، واكرمهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله، واشبههم به هديا وخلقا وسمتا وفعلا، واشرفهم منزلة، واكرمهم عليه، فجزاك الله عن الاسلام وعن رسوله وعن المسلمين خيرا، قويت حين ضعف اصحابه، وبرزت حين استكانوا (1)، ونهضت حين وهنوا، ولزمت منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله إذ هم اصحابه، وكنت خليفته حقا، لم تنازع ولم تضرع، برغم المنافقين، وغيظ الكافرين، وكره الحاسدين، وصغر الفاسقين، فقمت بالامر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا، ومضيت بنور =========================================================================== (1) الاستكانة: الخضوع والذل. =========================================================================== [168] الله إذ وقفوا، فأتبعوك فهدوا، وكنت أخفضهم صوتا، وأعلاهم قنوتا (2)، وأقلهم كلاما، وأصوبهم نطقا، وأكبرهم رأيا، واشجعهم قلبا، وأشدهم يقينا، وأحسنهم عملا، وأعرفهم بالامور، كنت والله يعسوب الدين اولا وآخرا، الاول حين تفرق الناس، والاخر حين فشلوا، كنت للمؤمنين أبا رحيما، إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ماعنه ضعفوا، وحفظت ما أضاعوا، ورعيت ما أهملوا، وشمرت إذا اجتمعوا، وعلوت إذ هلعوا (3)، وصبرت إذ أسرعوا، وادركت أوتار ما طلبوا، ونالوا بك ما لم يحتسبوا، كنت على الكافرين عذابا صبا ونهبا، وللمؤمنين عمدا وحصنا، فطرت والله بنعمائها، وفزت بحبائها، وأحزرت سوابقها، وذهبت بفضائلها، لم تفلل حجتك، ولم يزغ قلبك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك ولم تخر، كنت كالجبل لا تحركه العواصف، وكنت كما قال عليه السلام: آمن الناس في صحبتك وذات يدك، وكنت كما قال عليه السلام (4): ضعيفا في بدنك، قويا في أمر الله، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، كبيرا في الارض، جليلا عند المؤمن، لم يكن لاحد فيك مهمز، ولا لقائل فيك مغمز، ولا لاحد فيك مطمع، ولا لاحد عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوي =========================================================================== (2) كذا في النسخة. وفى المختار 36، من خطب نهج البلاغة: وكنت اخفضهم صوتا، واعلاهم فوتا (الخ). وهو اظهر. والفوت السبق. ويقال: قنت يقنت (من باب نصر) قنوتا، أي اطاع وامسك عن الكلام. تواضع الله. وفى بعض نسخ الكافي: وأعلاهم قدما، وأطيبهم كلاما، وأصوبهم منطقا. (3) أي استقللت بالامر حين جزع اصحاب النبي (ص) وفزعوا من القيام بالامر، كما في غزوة الاحزاب وغير واحد من مقامات أخر. (4) كأنه من باب الالتفات من الخطاب الى الغيبة، أي كما قلت عليك السلام. وكثير من هذه الجمل مما قد وصف (ع) نفسه بها، كما في المختار ال‍ (36) من خطب النهج. =========================================================================== [169] عزيز حتى تأخذ له بحقه، والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حت تأخذ منه الحق، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء، شأنك الحق والصدق والرفق، وقولك حكم وحتم، وأمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم فيما فعلت، وقد نهج السبيل، وسهل العسير، واطفئت النيران، واعتدل بك الدين، وقوي بك الاسلام، فظهر امر الله ولو كره الكافرون، وثبت بك الاسلام والمؤمنون، وسبقت سبقا بعيدا، وأتعبت من بعدك تعبا شديدا، فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الانام، فانا لله وانا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاه، وسلمنا لله أمره، قوالله لن يصاب المسلمون بمثلك أبدا، كنت للمؤمنين كهفا وحصنا، وقنة راسيا، وعلى الكافرين غلظة وغيظا، فألحقك الله بنبيه، ولا أحرمنا اجرك، ولا اضلنا بعدك. وسكت القوم حتى انقضى كلامه وبكى، وبكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم طلبوه فلم يصادفوه. ورواه الشيخ الصدوق (ره) معنعنا ايضا، في كتاب اكمال الدين. وقال اليعقوبي رحمه الله (لما دفن امير المؤمنين عليه السلام): فقام القعقاع بن زرارة على قبره فقال: رضوان الله عليك يا امير المؤمنين، فوالله لقد كانت حياتك مفتاح خير، ولو أن الناس قبلوك لاكلوا من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، ولكنهم غمطوا النعمة (5) وآثروا الدنيا على الاخرة. وروى العلامة المجلسي (ره) في البحار: 9، 675: انه لما دفن امير المؤمنين (ع) وقف صعصعة بن صوحان رضي الله عنه على القبر، ووضع احدى يديه على فؤاده، والاخرى قد أخذ بها التراب وضرب به رأسه، ثم قال: =========================================================================== (5) اي احتقروها وازدروا بها ولم يشكروها. =========================================================================== [170] بأبي انت وامي يا امير المؤمنين، ثم قال: هنيئا لك يا أبا الحسن، فلقد طاب مولدك وقوي صبرك، وعظم جهادك، وظفرت برأيك، وربحت تجارتك، وقدمت على خالقك، فتلقاك الله ببشارته، وحفتك ملائكته، واستقررت في جوار المصطفى، فأكرمك الله بجواره، ولحقت بدرجة اخيك المصطفى، وشربت بكأسه الاوفي، فاسأل الله ان يمن علينا باقتفائنا اثرك، والعمل بسيرتك، والموالاة لاوليائك، والمعاداة لاعدائك، وان يحشرنا في زمرة اوليائك، فقد نلت ما لم ينله أحد، وأدركت ما لم يدركه أحد، وجاهدت في سبيل ربك بين يدي أخيك المصطفى حق جهاده، وقمت بدين الله حق القيام، حتى أقمت السنن وأبرت الفتن، واستقام الاسلام، وانتظم الايمان، فعليك مني أفضل الصلاة والسلام، بك اشتد ظهر المؤمنين، واتضحت أعلام السبل، واقيمت السنن، وما جمع لاحد مناقبك وخصالك، سبقت الى اجابة النبي (ص) مقدما مؤثرا، وسارعت الى نصرته، ووقيته بنفسك، ورميت سيفك ذا الفقار في مواطن الخوف والحذر، قصم الله بك كل ذي بأس شديد، وذل بك كل جبار عنيد، وهدم بك حصون اهل الشرك والكفر والعدوان والرداء، وقتل بك اهل الضلال من العدى، فهنيئا لك يا امير المؤمنين، كنت اقرب الناس من رسول الله (ص) قربى، واولهم سلما، واكثرهم علما وفهما، فهنيئا لك يا ابا الحسن، لقد شرف الله مقامك، وكنت أقرب الناس الى رسول الله (ص) نسبا، وأولهم اسلاما، وأوفاهم يقينا، وأشدهم قلبا وأبذلهم لنفسه مجاهدا، واعظمهم في الخير نصيبا، فلاحرمنا الله أجرا، ولا أذلنا بعدك، فو الله لقد كانت حياتك مفاتح للخير، ومغالق للشر، وان يومك هذا مفتاح كل شر، ومغلاق كل خير، ولوان الناس قبلوا منك لاكلوا من فوقهم، ومن تحت ارجلهم، ولكنهم آثروا الدنيا على الاخرة. =========================================================================== [171] ثم بكى بكاء شديدا، وابكى كل من كان معه، وعدلوا الى الحسن والحسين ومحمد وجعفر والعباس ويحيى وعون وعبد الله، فعزوهم في ابيهم صلوات الله عليهم، وانصرف الناس، ورجع اولاد امير المؤمنين (ع) وشيعتهم الى الكوفة، ولم يشعر بهم احد من الناس. =========================================================================== [172] الفائدة الثانية: في نبذ مما قيل في رثائه (ع) من الشعر قال السبط الاكبر الامام المجتبى (ع): أين من كان لعلم ال‍ * لمصطفى في الناس بابا أين من كان إذا ما * أقحط الناس سحابا أين من كان إذا نو * دي في الحرب اجابا اين من كان دعاه * مستجابا ومجابا وقال في المناقب: 3، 97: قال صعصعة بن صوحان في مرثيته (ع): ألا من لي بأنسك يا أخيا * ومن لي ان ابثك مالديا طوتك خطوب دهر قد توالى * لذاك خطوبه نشرا وطيا فلو نشرت قواك لي المنايا * شكوت اليك ما صنعت اليا بكيتك يا علي بدر عيني * فلم يغن البكاء عليك شيا كفى حزنا بدفنك ثم اني * نفضت تراب قبرك من يديا وكانت في حياتك لي عظات * وانت اليوم اوعظ منك حيا فيا اسفا عليك وطول شوقي * اليك لو أن ذلك رد شيئا وقال أبو بكر ابن حماد التاهرتي، على ما في الاستيعاب وغيره: قل لابن ملجم والاقدار غالبة * هدمت ويلك للاسلام اركانا قتلت أفضل من يمشي على قدم * وأول الناس اسلاما وايمانا وأعلم الناس بالقران ثم بما * سن الرسول لنا شرعا وتبيانا صهر الرسول ومولاه وناصره * أضحت مناقبه نورا وبرهانا =========================================================================== [173] وكان منه على رغم الحسود له * مكان هارون من موسى بن عمرانا وكان في الحرب سيفا صارما ذكرا * ليثا إذا لقي الاقران أقرانا ذكرت قاتله والدمع منهدر * فقلت سبحان رب الناس سبحانا اني لاحسبه ماكان من بشر * كلا ولكنه قد كان شيطانا أشقى مراد إذا عدت قبائلها * واخسر الناس عند الله ميزانا كعاقر الناقة الاولى التي جلبت * على ثمود بأرض الحجر خسرانا قد كان يخبرهم ان سوف يخضبها * قبل المنية أزمانا فأزمانا (6) فلاعفا الله عنه ما تحمله * ولاسقى قبر عمران بن حطانا لقوله في شقي ظل مجترما * ونال ما ناله ظلما وعدوانا يا ضربة من تقي ما أراد بها * الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا كأنه لم يرد قصدا بضربته * الا ليصلى عذاب الخلد نيرانا. وقال الحاج محمد رضا الازري (ره): مصاب رمى ركن الهدى فتصدعا * ونادى به ناعي السماء فأسمعا وضجت له الاملاك في ملكوتها * وأوشك عرش الله ان يتضعضعا ومن يك اعلى الناس شأنا ومفخرا * يكن رزؤه في الناس ادهى وافظعا مصاب على الاسلام القى جرانه * وبرقع بالغي الهدى فتبرقعا فيا ناشد الاسلام قوض سفره * وصاح به داعي النفير فجعجعا وأصبح كالذود الظماء بقفرة * من الدولم تعهد بها الدهر مربعا ولم تر عقد الدين الا مبددا * ولم تر شمل الدين الا موزعا وان قتيلا شيد الدين سيفه * جدير عليه الدين ان يتصدعا فيا هل ذري الاسلام أن زعيمه * لقى حوله جبريل ينعى فلا نعى وان عماد الدين بان عميدها * وودعها داعي الهدى يوم ودعا =========================================================================== (6) وفى بعض النسخ: قبل المنية اشقاها وقد كانا. =========================================================================== [174] وياهل دري المختار ان حبيبه * بسيف عدو الله امسى مقنعا وأقسم لو ان النعي لقبره * بكاه أسى في قبره وتفجعا ومن عجب ان ينزل الموت داره * وقد كان لايلفاه الا مروعا لتبك الطول الغلب من آل هاشم * طويل ذرى حك السهى فتصدعا ليبك التقى منه منار هداية * وتنعى الوغى منه كميا سميدعا وان يبكه الاسلام وجدا وحسرة * فقد كان للاسلام حصنا ومفزعا وان يبكه البيت الحرام فطالما * به كان محمي الجوار ممنعا وان يبك جبريل له فلشدما * بخدمته جبريل كان ممتعا وان يبكه بدر السماء فانما * بكى البدر بدرا منه أسنى وأرفعا ولو عقلت شمس الضحى يوم دفنه * لخطت له في عينها الشمس مضجعا امام دعا لله حتى انتهى له * ألا هكذا فليدع لله من دعا ولم يمض حتى أن شأى كل سابق * ولم يبق في قوس الفضائل منزعا وان عد في نسك فلم يبق أورعا * وان عد في فتك فلم يبق أروعا لقد طبق الافاق بأسا ونائلا * فذلت له الاعناق خوفا ومطمعا كأن مقاليد السماء بكفه * فلم يك الا ما أراد وأرفعا أما والهجان القود تدمى نحورها * ومن بمنى يرمي الجمار تطوعا وبالبيت ذي الاستار والنفر الاولى * بأرجائه تهوى ركوعا وسجدا وبالابطح الاعلى ومروة والصفا * وبالحجر الملموس والركن أجمعا لقد صرع الاسلام ساعة قتله * فيا مصرع الاسلام عظمت مصرعا فكيف ودار الوحي امست ربوعها * خلاء وامسي منزل الدين بلقعا أجدك من للدين أبقيت كالئا * ومن لعلوم الغيب أصبحت مودعا ويارب دمع كان صعبا قياده * فأصبح منقادا ليومك طيعا وان يغد في الارضين رزؤك مفظعا * فقد راح في اهل السموات أفظعا =========================================================================== [175] ويومك في الاسلام ثلم ثلمة * وأوسع خرقا في الهدى لن يرقعا فلا بطشت الا بساعد أجذم * ولاعطست الا بمارن اجدعا. وقال الشيخ كاظم البستي النجفي (ره): خطب ألم بركن الدين فانهارا * أورى الغداة بقلب المصطفى نارا فأي حادثة في الدين قد وقعت * فألبسته من الاشجان أطمارا كرت وقد شمرت عن ساقها فرمت * فجدلت بطلا في الحرب كرارا هذي المحاريب أين القائمون بها * والليل مرخ من الظلماء أستارا جار الزمان عليهم كم بهم ملا الد * نيا مصابا وكم أخلى لهم دارا هذي منازلهم بعد الانيس فلا * ترى بها غير وحش القفر زوارا اضحى المؤمل للجدوي يجيل بها * طرفا وليس يرى في الدار ديارا بالله يا راكبا حرفا معودة * طي السباسب انجادا، واغوارا يمم بها بمنى من غالب فئة * وجوهها سطعت في الليل أقمارا مطعامة الجدب ان كف به بخلت * واسرة الحرب ان نقع لها ثارا فأي طود هدى من مجدكم مارا * وأي بحر ندى من جودكم غارا هذا علي امير المؤمنين لقى * مضرجا بدم من رأسه فارا قد حجب الخسف بدرا منه مكتملا * وغيض الحتف بحرا منه تيارا أودى ومن حوله للمسلمين ترى * من دهشة الخطب اقبالا وادبارا وافت إليه بنوه الغر مسفرة * عن أوجه تملا الظلماء أنوارا تدعوه والعين عبرى تستهل دما * والحزن أجج في أحشائها نارا يانيرا غاب عن أفق الهدى فأرى * أفق الهدى لا يرى للصبح إسفارا أبكيك في الجدب مطعاما سواغبها * وفي لظى الحرب مقداما ومغوارا فلا أرى بعد حامي الجار من أحد * يجيرنا من صروف الدهر لو جارا فلابدا بعده بدر ولاطلعت * شمس ولافلك في أفقها دارا. =========================================================================== [176] وقال السيد صالح النجفي القزويني (ره) في قصيدته: تالله لاأنساه في محرابه * لله يسجد في الظلام ويركع وجلا ابن ملجم والظلام مجلل * سيف المنية والبرية هجع وقضى عليه به وقنع رأسه * لله رأس بالحسام مقنع فهناك أعول جبرئيل مناديا * فوق السما من في البسيطة يسمع اليوم أشقى الاشقياء قد غال أتقى الاتقيا وله الجميل مضيع اليوم منعمر الهدى متهدم * اليوم منهمر الندى متقشع اليوم روض العلم ألوى والتقى * أودى وعرنين المكارم أجدع قتل ابن عم المصطفى قتل الوصي * المرتضى قتل الامام الاورع يقضي امام المسلمين مخضبا * والمسلمون لهم قلوب هجع فمن المعزي احمدا بوصيه أرداه صمصام بسم منقع ومن المعزي فاطما بحميها * قد قد مفرقه الحسام الاقطع ومن المعزي المجتبى بملمة * كادت له السبع العلى تتصدع ومن المعزي المستضام بفارس * الاسلام جرعه الحمام الاوضع ومن المعزي جبرئيل بمن به * جبريل سبح والملائك أجمع أفهل درت آل الهدى ان الهدى * اودى ودك شمامه المترفع أم هل دري الدين المبين بنكبة * نزلت فخذ الدين منها أضرع عجبا لقلب لا يذوب ومقلة * جزعا له بدمائها لا تدمع عجبا لارض لاتمور ولج بحر * لا يغور وعارض لا يقلع عجبا لبدر التم يسفر مشرقا * لم بالسواد عليك لا يتبرقع عجبا لعرش الله جل جلاله * كيف استقام وركنه متضعضع عجبا لقبر قد حواك ولم يضق * بنداك وهو من البسيطة أوسع لكن حواك فقر فيك وانه * لولاك لهو الخاشع المتصدع =========================================================================== [177] لاكان يومك يا علي فانه * يوم به الدين الحنيف مضعضع أصمى مصابك قلب كل موحد * واصم نعيك كل أذن تسمع أدري ضريحك كم حوى بك من على * سام له انحط الضراح الا رفع مازلت مضطهدا تغض على القذى * جفنا وقلبك بالنوائب موجع وهجرت لله المضاجع قائما * فكأنما لك في قيامك مضجع ورزئت بالطهر البتول وما انقضى * رزء الرسول ولم تجف الادمع هجموا على بنت الرسول وروعوا * قلب البتول واي قلب روعوا تدعو فيغضي المسلمون كأنها * لم تدعهم وكأنهم لم يسمعوا أتباح حرمتها ويسقط حملها * ما بينهم وترض منها الاضلع لهفي لها غضبي تموت ومالها * متوجع منهم ولا متفجع ودفنتها سرا كما أوصت وقد * هجعوا لكيلا يحضروا ويشيعوا ومنعتهم عن نبش مرقدها وهم * لولاك عما حاولوا لم يرجعوا. =========================================================================== [178] الفائدة الثالثة: في ترجمة الرواة، ونقدم الاول فالاول. اما الحسين بن سعيد بن حماد بن سعيد بن مهران الاهوازي من موالي علي بن الحسين عليهما السلام، فقد وثقه الشيخ (ره) في الرجال والفهرست، واثنى عليه ابن النديم. قال الشيخ في الفهرست 83: الحسين بن سعيد بن حماد بن سعيد بن مهران الاهوازي من موالي علي بن الحسين عليه السلام ثقة، روى عن (الامام) الرضا، وابي جعفر الثاني وابي الحسن الثالث عليهم السلام، واصله كوفي وانتقل مع اخيه الحسن (رضي الله عنه) الى الاهواز، ثم تحول الى قم، فنزل على الحسن بن أبان، وتوفي بقم، وله ثلاثون كتابا، وهي: كتاب الوضوء، وكتاب الصلاة، وكتاب الزكاة، وكتاب الصوم، وكتاب الحج، وكتاب النكاح، وكتاب الطلاق، كتاب الوصايا، كتاب الفرائض، كتاب التجارات، كتاب الاجارات، كتاب الشهادات، كتاب الايمان والنذور والكفارات، كتاب الحدود والديات، كتاب البشارات، كتاب الزهد، كتاب الاشربة، كتاب المكاسب، كتاب التقية، كتاب الخمس، كتاب المروءة والتجمل، كتاب الصيد والذبائح، كتاب المناقب، كتاب المثالب، كتاب التفسير، كتاب المؤمن، كتاب الملاحم، كتاب المزار، كتاب الدعاء، كتاب الرد على الغالية، كتاب العتق والتدبير. أخبرنا بكتبه ورواياته ابن ابي جيد القمي، عن محمد بن الحسن، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد بن حماد بن سعيد =========================================================================== [179] بن مهران. قال ابن الوليد: واخرجها الينا الحسين بن الحسن بن أبان بخط الحسين بن سعيد، وذكر انه كان ضيف ابيه. واخبرنا بها عدة من اصحابنا، عن محمد بن علي بن الحسين، عن ابيه. ومحمد بن الحسن، ومحمد بن موسى بن المتوكل، عن سعد بن عبد الله. والحموي عن احمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد. وذكره النجاشي رحمه الله، واطال الكلام في طرقه الى كتب الحسين بن سعيد رحمه الله. وقال ابن النديم في محكي فهرسته: الحسن والحسين، إبنا سعيد الاهوازيان، من أهل الكوفة، من موالي علي بن الحسين (ع) من اصحاب (الامام) الرضا (ع)، كانا اوسع اهل زمانهما علما بالفقه والاثار والمناقب وغير ذلك من علوم الشيعة، وصحبا أيضا ابا جعفر ابن الرضا (ع). ثم ذكر رحمه الله أسامي كتبه كما مر عن الشيخ (ره). واما حماد بن عيسى الجهني البصري المتوفي سنة تسع ومأتين، وقيل: ثمان ومأتين، فهو من اصحاب الامام الصادق والكاظم عليهما السلام، وادرك الامام الرضا وابنه ابا جعفر عليهما السلام. قال معلم الامة الشيخ المفيد (ره): وكان اصله كوفيا، ومسكنه البصرة، وعاش نيفا وتسعين، ولحق بأبي عبد الله عليه السلام، ومات بوادي قناة بالمدينة، وهو واد يسيل من الشجرة الى المدينة، ومات سنة تسع ومأتين. حدثنا جعفر بن الحسين المؤمن - رحمه الله - عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن حماد بن عيسى، قال: دخلنا على ابي الحسن الاول عليه السلام، فقلت له: جعلت =========================================================================== [180] فداك، أدع الله لي أن يرزقني دارا وزوجة وولدا وخادما والحج في كل سنة. فقال: اللهم صل على محمد وال محمد، وارزقه دارا وزوجة وولدا وخادما، والحج خمسين سنة. قال حماد: فلما اشترط خمسين سنة، علمت اني لاأحج اكثر من خمسين سنة. قال حماد: وحججت ثمان واربعين حجة، وهذه داري قد رزقتها، وهذه زوجتي وراء الستر تسمع كلامي، وهذا إبني، وهذه خادمتي، قد رزقت كل ذلك. فحج بعد هذا الكلام حجتين تمام الخمسين، ثم خرج بعد الخمسين حاجا فزامل ابا العباس النوفلي القصير، فلما صار في موضع الاحرام، دخل يغتسل في الوادي فحمله فغرقه الماء رحمة الله عليه، واتاه قبل ان يحج زيادة على خمسين، (7) عاش الى وقت (الامام) الرضا عليه السلام، وتوفي سنة تسع ومأتين، وكان من جهينة. وحكي عن الكشي رحمه الله انه قال: اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، واقرت له بالفقه. وذكره الشيخ (ره) في رجاله في اصحاب الامام الصادق (ع)، وقال في الفهرست 86: حماد بن عيسى الجهني غريق الجحفة، ثقة، له كتاب النوادر، وكتاب الزكاة، وكتاب الصلاة، اخبرنا بها عدة من اصحابنا، عن ابي المفضل، عن ابن بطة، عن احمد بن ابي عبد الله، عن ابيه، عن حماده ورواه ابن بطة، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمان ابن ابي نجران، =========================================================================== (7) هذا الحديث رواه الكشي أيضا، ورواه أيضا في قرب الاسناد - كما في البحار: 11، 244، ولكن اختلفوا في ضبط هذه الفقرة، ففي نسخة الاختصاص المطبوعة، والمحكي عن نسخ أخرى، ضبط (اتاه) بالمثناة الفوقية. وفى محكي قرب الاسناد هكذا: فجاء الوادي فحمله، فغرق فمات رحمنا الله واياه، الخ. وفى نسخة مطبوعة من الكشي والمحكي من نسخ اخرى: فجاء الوادي فحمله فغرقه الماء، رحمه الله واباه، الخ. =========================================================================== [181] وعلي بن حديد، عن حماد بن عيسى. واخبرنا بها ابن ابي جيد، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد ابن ابي الصهبان، عن ابي القاسم الكوفي، عن اسماعيل بن سهل، عن حماد. وفي محكي الخرائج وكشف الغمة عن احمد بن هلال، عن امية بن علي العبسي (القيسي خ) قال: دخلت انا وحماد بن عيسى على ابي جعفر عليه السلام بالمدينة لنودعه، فقال لنا: لا تخرجا، أقيما الى غد، فلما خرجنا من عنده، قال حماد: انا اخرج فقد خرج ثقلي. قلت اما انا فأقيم، فخرج حماد، فجرى الوادي تلك الليلة، فغرق فيه، وقبره بسياله. (8) وحكي عن المحقق الفيض (ره) انه قال: حماد الذي يروي عنه الحسين بن سعيد، فانه ابن عيسى الثقة الجهني الذي يروي غالبا عن حريز. وقال المحقق النجاشي قدس الله نفسه: حماد بن عيسى أبو محمد الجهني مولى، وقيل عربي، اصله الكوفي، سكن البصرة. وقيل: انه روى عن ابي عبد الله عليه السلام عشرين حديثا، وروى عن ابي الحسن والرضا (ع)، ومات في حياة ابي جعفر الثاني عليه السلام، ولم يحفظ عنه رواية عن الرضا ولاعن ابي جعفر. وكان ثقة في حديثه، صدوقا، قال: سمعت من ابي عبد الله عليه السلام سبعين حديثا، فلم ازل ادخل الشك على نفسي، حتى اقتصرت على هذه العشرين. (9) وله حديث مع ابي الحسن موسى عليه السلام في دعائه بالحج، =========================================================================== (8) وهذه الفقرة مذكورة في ذيل رواية قرب الاسناد أيضا (على مافى البحار) وقيل في بيانه: السيالة - بالمثناة التحتانية - على زنة سحابة: موضع بقرب المدينة، على مرحلة منها لمن يريد مكة. (9) الظاهر من سوق هذا التعبير ان حمادا ذكر لبعض الرواة ما رواه عن الامام الصادق (ع)، أو أراه ما كتبه عن الامام (ع) من العشرين حديثا، =========================================================================== [182] وبلغ من صدقه انه روى عن جعفر بن محمد، وروى عن عبد الله بن المغيرة، وعبد الله بن سنان، وعبد الله بن المغيرة، عن ابي عبد الله. له كتاب الزكاة اكثره عن حريز وبشير عن الرجال (10)، اخبرنا به الحسين بن عبيد الله، قال: حدثنا احمد بن جعفر بن سفيان، قال: حدثنا حميد بن زياد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن غالب، قال: حدثنا محمد ابن اسماعيل الزعفراني، عن حماد به. وكتاب الصلاة، اخبرنا به، محمد بن جعفر، عن احمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية، قال الحسن بن فضال: ورجل يقرأ عليه كتاب حماد في الصلاة، قال احمد بن الحسين رحمه الله: رأيت كتابا فيه عبر ومواعظ، وتنبيهات على منافع الاعضاء من الانسان والحيوان، وفصول من الكلام في التوحيد، وترجمته مسائل التلميذ، وتصنيفه عن جعفر بن محمد بن علي (ع)، وتحت الترجمة - بخط الحسين بن احمد بن شيبان القزويني - التلميذ: حماد بن عيسى، وهذا الكتاب له، وهذه المسائل سأل عنها جعفرا وأجابه. وذكر ابن شيبان: ان علي بن حاتم اخبره بذلك، عن احمد بن ادريس =========================================================================== فقال لحماد: أهذا جميع ما ترويه من الامام (ع) ام لك بقية ؟ فأجابه حماد: بان جميع ما رويته وسمعته من الامام كان سبعين حديثا، فلم ازل ادخل الشك على نفسي حتى اقتصرت على هذه العشرين، الخ. (10) كذا في المطبوعة من رجال النجاشي، فقيل: ان مراد النجاشي (ره) من هذه العبارة: ان حماد يروي اكثر كتاب زكاته عن حريز وبشير عمن يروي عن الامام (ع). وقيل: ان لفظ بشير - بالموحدة التحتانية ثم الشين المعجمة - غلط، والصواب يسير - بالمثناة التحتانية ثم السين المهملة - ومعناه ان اكثر روايات كتاب الزكاة لحماد يرويه عن حريز، واقله ويسيره عن اخرين. =========================================================================== [183] قال: حدثنا محمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا محمد بن الحسن الطائي، رفعه الى حماد. وهذا القول ليس بثبت، والاول من سماعه من جعفر بن محمد أثبت. ومات حماد بن عيسى غريقا بوادي قناة، وهو واد يسيل من الشجرة الى المدينة، وهو غريق جحفة، في سنة تسع ومأتين. وقيل: سنة ثمان ومأتين، وله نيف وتسعونه سنة، رحمه الله. واما عمرو بن شمر، فهو من اصحاب الامامين الهمامين، الامام الباقر والامام الصادق عليهما السلام، كما ذكره الشيخ (ره) في الرجال والفهرست. وضعفه بعضهم، ولعله لروايته بعض أسرار آل محمد (ص)، لانه قد نال حظا وافرا، وحاز قسمة عظيمة من السر المستصعب والمنهل العذب، من علوم آل محمد (ص)، وما خصهم الله به من الفضائل والمكارم. وقد فحصنا عن رواياته، وسبرناها فلم نجد فيها شيئا يوجب ضعف راويه، أو حط مقامه وسقوطه عن الاعتبار، اللهم الا ان يدعي مدع، أو يقول قائل: ان شرط قبول الرواية وصدق الراوي ان تكون رواياته خالية عن مناقب آل البيت، أو مشتملة على حط مقامهم ومدح اعدائهم. واما جابر بن يزيد بن الحرث بن عبد يغوث، أبو عبد الله وقيل: أبو محمد الجعفي المتوفي سنة 128، فهو أيضا من اصحاب السيدين الامام الباقر والصادق (ع)، وقد وثقه جماعة كثيرة من علماء الخاصة والعامة، وزينوا كتبهم بذكر احاديثه ومروياته، وتشرفوا بمحضره للاخذ عنه والاستضاءة من قبساته، فقد روي عن سفيان الثوري انه قال: جابر الجعفي صدوق في الحديث الا انه كان يتشيع. (11) وحكى عنه أيضا انه قال: =========================================================================== جميع ما نقلناه هنا عن علماء العامة في ترجمة جابر مأخوذ من اعيان الشيعة. =========================================================================== [184] ما رأيت أورع بالحديث من جابر. وفي تاريخ بغداد في ترجمة محمد بن اسحاق صاحب السيرة بسنده، قال شعبة: اما محمد بن اسحاق وجابر الجعفي فصدوقان. وزاد ابن حنبل: في الحديث. وفي ميزان الاعتدال ذكر له علامة (د ت ق) اشارة الى انه اخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجه القزويني، ثم قال: جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي، أحد علماء الشيعة، قال ابن مهدي عن سفيان: كان جابر الجعفي ورعا في الحديث، ما رأيت أورع منه في الحديث. ابن مهدي سمعت سفيان يقول: ما رأيت في الحديث اورع من جابر الجعفي ومنصور. وقال شعبة: صدوق. وزاد في تهذيب التهذيب: في الحديث. وعن شعبه: كان جابر إذا قال انبأنا وحدثنا وسمعت فهو من اوثق الناس. وقال وكيع: ما شككتم في شئ فلا تشكوا ان جابر الجعفي ثقة. وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال سفيان الثوري لشعبه: لئن تكلمت في جابر الجعفي لاتكلمن فيك. أنبأ كثير بن معاوية، سمعت جابر بن يزيد يقول: عندي خمسون الف حديث ما حدثت منها بحديث، ثم حدث يوما فقال: هذا من الخمسين الف. وقال سلام ابن ابي مطيع: قال لي جابر الجعفي: عندي خمسون الف باب من العلم ما حدثت بها أحدا، فأتيت ايوب فذكرت هذا له فقال: اما الان فهو كذاب (12). وقال عبد الرحمان بن شريك: كان عند ابي، عن جابر الجعفي عشرة آلاف =========================================================================== (12) ان ارباب القياس لما نظروا ورأوا ان بضاعة ائمتهم من العلم مزجاة، وصفقتهم من الكمال خاسرة، قاسوا مدائن علم الرسول (ص) والاخذين عنهم (ع) بائمتهم، ولم يعلموا انه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون =========================================================================== [185] مسألة. وقال عبد الرحمان بن مهدي: الا تعجبون من سفيان بن عيينه لقد تركت لجابر الجعفي (لما حكي عنه) اكثر من الف حديث، ثم هو يحدث عنه. وعن الاعمش انه قال: أليس اشعث بن سوار يسألني عن حديث ؟ فقلت: لا، ولانصف حديث، ألست انت الذي تحدث عن جابر الجعفي ؟ ! وقيل لشعبة: تركت رجالا ورويت عن جابر الجعفي. قال: روى اشياء لم أصبر عنها. وفي تهذيب التهذيب: لم طرحت فلانا وفلانا ورويت عن جابر ؟ قال: لانه جاء باحاديث لم نصبر عنها. ورأيت زكريا ابن ابي زائدة يزاحمنا عند جابر، فقال لي سفيان: نحن شباب وهذا الشيخ ماله يزاحمنا، ثم قال لنا شعبة: لا تنظروا الى هؤلاء المجانين الذين يقعون في جابر، هل جاءكم بأحد لم يلقه. وقال ابن عدي: عامة ما قذفوه به انه كان يؤمن بالرجعة. وليس لجابر الجعفي في سنن ابي داود والنسائي سوى حديث واحد في سجود السهو. وروى ابن حبان بسنده، عن الجراح بن مليح قال سمعت جابرا يقول عندي سبعون الف حديث، عن ابي جعفر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلها. سأل رجل سفيان: ارأيت يا أبا محمد الذين عابوا على جابر الجعفي قوله: حدثني وصي الاوصياء ؟ ! فقال سفيان: هذا اهونه. وفي تهذيب التهذيب: جابر بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث الجعفي أبو عبد الله، ويقال: أبو يزيد. ثم ذكر ما مر من الميزان وزاد: عن زهير بن معاوية: كان جابر إذا قال سمعت أو سألت فهو من أصدق الناس. وسئل شريك عن جابر فقال: ماله العدل الرضي، ومد بها صوته. وقال ابن حبان: واخبرني ابن فارس، ثنا محمد بن رافع، رأيت احمد بن حنبل في =========================================================================== ولم يتفطنوا للمثل السائر: وليس سواء عالم وجهول. ولو تفطنوا وانصفوا لم يبادروا الى تكذيب وعاة العلم ودعاة الحق. =========================================================================== [186] مجلس يزيد بن هارون ومعه كتاب زهير عن جابر الجعفي، فقلت: يا ابا عبد الله ! تنهوننا عن حديث جابر وتكتبونه ؟ ! قال: لنعرفه. الى غير ذلك من كلماتهم، وما تحمله اكابرهم منه. ووثقة من اعاظم الخاصة: ابن الغضائري (ره) الذي قلما يسلم من قدحه احد. ومعلم الامة، الشيخ المفيد في رسالته التي صنفها في الرد على اصحاب العدد، ووصفه في جملة من وصفه: بانهم فقهاء اصحاب ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام، والاعلام والرؤساء المأخوذ منهم الحلال والحرام، والفتيا والاحكام، الذين لا مطعن عليهم، ولا طريق الى ذم واحد منهم، وهم اصحاب الاصول المدونة، والمصنفات المشهورة. وكذلك المحقق النجاشي (ره) والشيخ الطوسي (ره) وجل من تأخر عنهم. ونقل عن الفقيه الجليل الفضل بن شاذان قدس الله نفسه: ان علم الائمة عليهم السلام انتهى الى اربعة نفر: سلمان الفارسي، وجابر، والسيد، ويونس بن عبد الرحمن. وقال الحافظ ابن شهر اشوب عطر الله مرقده في ترجمة الامام الباقر (ع): جابر بن يزيد بن الحرث بن عبد يغوث من اصحاب السيدين باقر العلوم والصادق عليهما السلام، وقد نال مرتبة عظيمة من العلم وحمل الاسرار، وتشرف بمقام منيع حتى صار بابا للامام الباقر (ع). (13) وان شئت العثور على شموخ مقامه، وعلو درجته، فارجع الى الروايات الواردة عنه، في ترجمته أو في معاجز الائمة (ع). نعم، لما رأى بعض الجاهلين بمقامات أهل البيت، الناصبين لهم العداء والمقت ما تضمنته كتبه، أو رواه عنه الثقات، أو سمع هو منه مشافهة من مناقبهم، وعلو مقامهم عند الله، وما اختار الله لهم من الكرامات الباهرة، والمزايا الموهوبة، والعلوم الموروثة عن رسول الله (ص)، =========================================================================== (13) هذا ليس نص كلام ابن شهر اشوب، بل نقل بالمعنى. =========================================================================== [187] اشمأزت قلوبهم، واضطربت عروقهم الاموية، وجاشت شنآنهم الموروثة عن اسلافهم، فرموه بالضعف، ولكن البصير يعلم ان هذا ليست اول قارورة كسرت في الاسلام، ويترنم بأنه: شنشنة اعرفها من اخزم، فكم من موحد اوحدي رموه بالكفر والزندقة ! وكم من ورع تقي نسبوه الى الالحاد والتفرقة ! وسعوا في استيصاله بشتى الوسائل ! ولذا اضطر بعض للتوقي عن بوائقهم، والفرار من غوائلهم، الى تصديقهم، والسكوت عما يفترونه وينسبونه الى البررة الكرام ! الى الله اشكو معشرا يعيشون جهالا، ويموتون ضالا. ولنعم ما قال بعض العلماء من ان: خفاء فضل الفاضل، وتضييع حق المحق من لوازم الفضل والتمسك بالحق. ولنعم ما افاد الحكيم الشيخ أبو علي ابن سينا متضجرا من الهمج والرعاع، ومشيرا الى طريق التخلص من اولي الجور والعداء، بقوله بالفارسية. بااين دو سه نادان كه چنين ميدانند * از جهل كه داناي جهان آنانند خر باش كه اين جماعت از فرط خري * هركس نه خر است كافرش ميخوانند واما ابراهيم بن عمر الصنعاني اليماني أبو اسحاق، فهو من اصحاب الامام الباقر والامام الصادق عليهما السلام، وهو عند المحققين من الثقات المعول عليهم، المأخوذ منهم. قال النجاشي (ره): ابراهيم بن عمر اليماني الصنعاني شيخ من اصحابنا ثقة، روى عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام، ذكر ذلك أبو العباس وغيره، له كتاب يرويه عنه حماد بن عيسى وغيره، اخبرنا محمد بن عثمان، قال حدثنا أبو القاسم جعفر بن محمد قال: حدثنا عبيد الله بن احمد بن نهيك قال: حدثنا ابن ابي عمير، عن حماد بن عيسى، عن ابراهيم بن =========================================================================== [188] عمر - به. وذكره شيخ الطائفة (ره) في غير موضع من رجاله، وقال: في فهرسته 32: ابراهيم بن عمر اليماني، وهو الصنعاني، له اصل، اخبرنا به عدة من اصحابنا، عن احمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن ابيه، عن محمد بن الحسن الصفار، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عنه. واخبرنا احمد بن عبدون، عن ابي طالب الانباري، عن حميد بن زياد عن ابن نهيك، والقاسم بن اسماعيل القرشي جميعا - به. وحكي عن المحقق الورع المجلسي الكبير (ره) انه قال: ان اصوله معتمد عند الاصحاب. وحكي عن ابن حجر انه قال في التقريب: ان ابراهيم بن عمر اليماني الصنعاني ابا اسحاق، صدوق من السابعة. واما ابان ابن ابي عياش، (14) أبو اسماعيل البصري الزاهد، مولى عبد القيس، المتوفى سنة 138 ه‍، فهو الذي التجأ به سليم بن قيس (ره) واستجاره لما فر من الطاغية حجاج بن يوسف الثقفي، فاجاره أبان ابن ابي عياش وخلصه من سيف حجاج، فبقي سليم عنده مختفيا حتى دنا اجله، فطلب ابان، وشكره على صنيعه، واودعه كتابه، وشرط عليه ان لا يظهره ولا يحدث به مادام سليم حيا، وان يودعه عند قرب اجله ودنو وفاته من كان معتمدا من شيعة علي امير المؤمنين (ع)، فقبل أبان، ووفي بما اشترطه سليم (ره) فاودع كتابه عند حضور اجله عند عمر بن اذينه (ره). وحكي عن ميزان الاعتدال: ان سلمان العلوي قال لحماد بن زيد: يا بني عليك بابان، فذكر ذلك لايوب السختياني، فقال: ما زال نعرفه =========================================================================== (14) واسم ابي عياش: فيروز، وقيل: دينار. =========================================================================== [189] بالخير منذ كان. وحكي عنه ايضا: ان أبانا رئي في النوم، فقال: أو قفني الله بين يديه، فقال: ما حملك على ان تكثر للناس من ابواب الرجاء ؟ فقلت: يا رب اردت ان احببك الى خلقك. فقال: قد غفرت لك. وأما سليم بن قيس الهلالي أبو صادق رحمه الله، فهو من اصحاب امير المؤمنين عليه السلام، وحاملي اسراره، وصاحب الاصل القديم المعتبر عند أعيان الطائفة، المعتمد لدى المحققين جميعا. وبقي حتى ادرك الحجاج، فطلبه ليقتله كما قتل نظراءه مثل سعيد بن جبير، وكميل بن زياد، وغيرهما رضوان الله عليهم، ففر منه، واخفى شخصه، وتوارى عن الناس، حتى ادركه الموت وهو في جوار أبان ابن أبي عياش رضوان الله عليهما. وبموته ضاع ما انفرد بحفظه وحمله من أسرار امير المؤمنين عليه السلام، الا ما اودعه في كتابه، ولعل اكثر ما في كتابه أيضا قد انمحى وأتى عليه الدهر، لاستيلاء اعداء اهل البيت على الاقطار الاسلامية، وسعيهم في استيصال الشيعة وقتلهم تحت كل حجر ومدر. والاصل الموجود من كتاب سليم الذي وصل الينا من السلف الصالح يدا بيد، موافق للحق والحقيقة، وما ظن فيه من القدح يمكن تصحيحه وحمله على مالا ينافي الحقائق، أو عدالة صاحبه ووثاقته. نعم بعض من غفل من تاريخ سليم وما ابتلي به، جعله هدفا لسهم الانتقاد، لوجدانه في اصل سليم مالا يقبل الصحة - بحسب نظره ومبلغ علمه - ولم يلتفت المسكين الى انه لا يتصور عادة تصديق جميع الناس لما كتبه أو حققه غير المعصوم، ولم يدر انه لا يوجد في ملة من المل، ومذهب من المذاهب، كتاب أو أمر حققه البشر - غير المؤيد من الله وغير المعصوم - =========================================================================== [190] ثم يكون جميع ما اشتمل عليه مورد االقبول الجميع، وتصديق الكل، ولو كان صاحبه في نهاية العظمة، وغاية الدقة، وكان حظه من الحياة والتعيش مع ابناء عصره حظا أو في، ونصيبا اعلى، وكتابه في كل عصر بمرءى ومسمع من الناس، فكيف بالكتاب الذي صاحبه مرعوب وجل، وعاش في زاوية الاختفاء مطرودا عن اهله ومصره، وكان مطلوبا للقتل والصلب من قبل الد الخصوم، واسفك الانام للدماء، وهو حجاج بن يوسف المنصوب من قبل الامويين، الذين يرون حب علي وأولاده ومتابعتهم اكبر من كل زندقة والحاد، ولعنهم والتبري منهم، وستر مناقبهم، واظهار شخصيات معانديهم، اعظم من كل قربة ورشاد. هذا كله بالنسبة الى صاحب الكتاب، واما الكتاب ومطالبه فعند اعداء اهل البيت عين الكفر والالحاد، ولاجله كان في اغلب الاعصار، مخزونا عند اهله لا يطمثه إنس ولاجان، كل ذلك خوفا من القتل والاستيصال وهتك الحرمات، واسترقاق البنين والنبات. وهذه الامور من الاسباب العادية للتلف، ومحق بعض الحقائق، لاسيما في الاعصار القديمة التي كانت الكتب فيها غير مطبوعة، ولذا شنت غارات الحوادث على جل كتب المتقدمين من علماء الامامية، فكم من صحائف مكرمة قد أكلتها دواب الارض، وكم من زبر معظمة قد تقاطر عليها الامطار فمحتها من صفحة الوجود، وكم من حقائق مرقومة قد جنت عليها ايادي الظالمين واعداء الدين بالحرق والغرق، والمزق والسحق، ومحوها بالبزاق والبصاق ! ! فلولا عناية الباري بحفظ دينه، وآثار اوليائه، لاصبحت تلك الاثار اسما بلا مسمى، كالعنقاء والكيمياء. اضف الى جميع ما ذكرنا السهو والنسيان، وهو مالا يخلو منه احد، =========================================================================== [191] حتى قيل: انه طبيعة ثانوية، وقيل: الانسان مجبول على السهو والنسيان: فأي محقق في صنعته لم يصدر منه في اموره خطأ أو سهو أو نسيان، واي ذي عناية في عمل من الاعمال، لم يبتل بالغفلة والذهول، واي كاتب لم يبدل العقول بالبقول، والفصول بالفضول ؟ ! والحاصل ان سليم بن قيس الهلالي رحمه الله، من أعيان الطائفة: وكتابه من الاصول المعتبرة، وحسبك شاهدا على تبرزه وكونه من اولياء امير المؤمنين عليه السلام، موته في ديار الغربة وهو خائف يترقب، ومرعوب وجل، مع انه لو كان مريدا للدنيا، ويروقه التقرب الى سلاطين زمانه، وطواغيت ايامه - امثال ابي هريرة، وسمرة بن جندب، ومن على شاكلتهما - كان متمكنا بشتى الوسائل من التقرب إليهم، وهضم حلوائهم، ولبس زيهم، وأكل فريستهم، لان الملوك وآكلي أموال الناس بالباطل، في حاجة شديدة الى التشبث باهل العلم والصلاح، ليتخذوا بهم مال الله دولا، وعباد الله خولا، فيأكلوا الدنيا باسم الدين، ويسيطروا على أموال الفقراء والمساكين، ويتأمروا على العالمين، ولاجله ينوهون باسم من يوافقهم ويعظمونه فوق حد التعظيم، ولو لم يميز السين من الشين، ولم يعرف الصاد من الضاد، ويحطون من مقام من خالفهم ولو كان اعلم أهل الارض، بل ولو كان نفس القداسة والروحانية، وعين العلم والعدالة والانسانية ! ! ومن صعب عليه تصديق ما ذكرنا، وتشخيص اهل زمانه، فليراجع الى تاريخ بني امية، وما صنعوا مع امير المؤمنين (ع) واوليائه، وما اختلقوا لاعدائه ومبغضيه، فانه يرى الامر جليا، فيصدق ما قلناه، لان الزمان اشباه، والبشر اشكال. واما كتابه فكفى في اعتباره ان علماءنا خلفا عن سلف تمسكوا بمطالبه، وجعلوها دليلا ومصدرا لدعاويهم. =========================================================================== [192] واما ابن عبدون، فهو احمد بن عبد الواحد بن احمد البزاز أبو عبد الله المتوفى سنة 423 ه‍. قال النجاشي رحمه الله: هو شيخنا المعروف بابن عبدون، له كتب، منها اخبار السيد ابن محمد كتاب تاريخ، كتاب تفسير خطبة فاطمة (ع) معربة، كتاب عمل الجمعة، كتاب الحديثين المختلفين، أخبرنا بسائرها. وكان رحمه الله قويا في الادب، قد قرأ كتب الادب على شيوخ اهل الادب، وكان قد لقي ابا الحسن، علي بن محمد القرشي المعروف بابن الزبير، وكان علوا في الوقت. (15) وقال الشيخ رحمه الله: احمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر، يكنى ابا عبد الله، كثير السماع والرواية، سمعنا منه، واجاز لنا بجميع ما رواه، مات سنة ثلاث وعشرين واربعمأة. واما ابن ابي الزبير، فهو علي بن محمد بن الزبير القرشي الكوفي المتوفى سنة 348، وكان رحمه الله شيخ الشيوخ، واستاذ اهل الكمال والنبوغ، وراوي الاصول، ومجيز الاكابر والفحول. قال الشيخ (ره) في باب من لم يرو عن الائمة عليهم السلام من رجاله =========================================================================== (15) قيل: المراد به مدح ابن الزبير، وانما كان علوا في الوقت، لانه كان يروي عن علي بن فضال بلا واسطة، كما يظهر ذلك من الغضائري في المفضل بن صالح، ومثل الكشي - الذي في مرتبة الكليني - يروي عنه بتوسط العياشي، وكان ناهز مأة سنة، كما صرح به الشيخ في رجاله. قال المحمودي: بل مقصود النجاشي (ره) من هذه العبارة مدح ابن عبدون، وانما كان مدحا له، للملازمة العادية بين الاتصال بعلية الناس، وبين العلى، كما يمدح مثلا سلمان بانه اخذ عن اهل البيت واتصل بهم (ع) دون غيرهم، وذلك في العرفيات فوق حد الاحصاء، ونظمه الشعراء فقالوا: عن المرء لا تسال وسل عن خدينه، الخ. وقال آخر: فاعتبر الارض باسمائها * واعتبر الصاحب بالصاحب =========================================================================== [193] 480: علي بن محمد بن الزبير القرشي الكوفي، روى عن علي بن الحسن ابن فضال جميع كتبه، وروى اكثر الاصول، روى عنه التل عكبري، واخبرنا عنه احمد بن عبدون، ومات ببغداد سنة ثمان واربعين وثلاث مأة، وقد ناهز مأة سنة، ودفن في مشهد امير المؤمنين عليه السلام. ويكنى بابي الحسن أيضا، كما يعلم ذلك مما ذكره النجاشي (ره) في ترجمة ابن عبدون من قوله - في وصفه -: وكان ابن عبدون قد لقي ابا الحسن علي بن محمد القرشي المعروف بابن الزبير، وكان علوا في الوقت. (16) وأرخ النجاشي أيضا وفاته كالشيخ (ره)، فقال في ترجمة ابان بن تغلب: اخبرنا احمد بن عبد الواحد قال: حدثنا علي بن محمد القرشي سنة ثمان واربعين وثلاث مأة - وفيها مات - قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عن محمد بن ابي عمير، عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: كنا في مجلس أبان بن تغلب، فجاء شاب، فقال: يا أبا سعيد أخبرني كم شهد مع علي بن أبي طالب عليه السلام من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال له ابان: كأنك تريد ان تعرف فضل علي بمن تبعه من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فقال الرجل: هو ذلك. فقال: والله ما عرفنا فضلهم الا باتباعهم اياه. قال: فقال أبو البلاد: عض ببظر امه رجل من الشيعة في اقصى الارض وادناها يموت أبان ولا يدخل مصيبته عليه. فقال له أبان: يا أبا البلاد ! =========================================================================== (16) قال في التعليقة على ما حكي عنه: الاقرب رجوع الضمير - في قوله: وكان علوا - الى علي بن محمد - والعلو - بالمهملة على مافى النسخ - الظاهر ان المراد به علو الشأن، واكثار رواية ابن عبدون عنه قرينة ظاهرة. والمحكي عن المحقق الداماد انه قال: علي بن محمد بن الزبير المعروف عند الاصحاب، شيخ الشيوخ، وراوية الاصول. قال النجاشي: كان علوا في الوقت، اي كان في غاية الفضل والعلم والثقة والجلالة في وقته واوانه. =========================================================================== [194] تدري من الشيعة ؟ الشيعة الذين ادا اختلف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخذوا بقول علي، وإذا اختلف الناس عن علي اخذوا بقول جعفر بن محمد عليه السلام. وأما علي بن الحسن بن فضال، فقد اجمع اصحابنا الا النادر منهم، على قبول روايته والوثوق بقوله، وانه من الاعاظم، ومن فقهاء اصحابنا، وعده الشيخ (ره) في رجاله في اصحاب الامام الهادي والامام العسكري عليهما السلام، وقال في فهرسته: علي بن الحسن بن فضال فطحي المذهب، ثقة كوفي، كثير العلم، واسع الرواية والاخبار، جيد التصانيف، غير معاند، وكان قريب الامر الى أصحابنا الامامية، القائلين بالاثني عشر، وكتبه في الفقه مستوفاة، وفي الاخبار حسنة، قيل: انها ثلاثون كتابا، منها كتاب الطب، وكتاب فضل الكوفة، وكتاب الدلائل، وكتاب المعرفة، وكتاب المواعظ، وكتاب التفسير وكتاب البشارات، وكتاب الجنة والنار، وكتاب الوضوء، وكتاب الصلاة، وكتاب الحيض، وكتاب الزكاة، وكتاب الصوم، وكتاب الرجال، وكتاب الوصايا، وكتاب الزهد، وكتاب الحج، وكتاب العقيقة، وكتاب الخمس، وكتاب النكاح، وكتاب الطلاق، وكتاب الجنائز، وكتاب صفات النبي (ص)، وكتاب المثالب، وكتاب اخبار بني اسرائيل، وكتاب الاصفياء. اخبرنا بجميع كتبه قراءة عليه اكثرها، والباقي اجازة احمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير سماعا واجازة عنه. وقال النجاشي (ره): علي بن الحسن بن علي بن فضال بن عمر بن ايمن مولى عكرمة بن ربعي الفياض أبو الحسن، كان فقيه اصحابنا بالكوفة، ووجههم وثقتهم وعارفهم بالحديث، والمسموع قوله فيه، سمع منه شيئا كثيرا، ولم يعثر له على زلة فيه، ولا ما يشينه، وقل ماروى عن ضعيف، وكان فطحيا، ولم يرو عن =========================================================================== [195] ابيه شيئا، وقال: كنت اقابله - وسني ثمان عشرة سنة - بكتبه، ولا افهم ادراك الروايات، ولا استحل ان ارويها عنه. وروى عن اخويه عن ابيهما. وذكر احمد بن الحسين رحمه الله، انه رأى نسخة اخرجها أبو جعفر ابن بابويه، وقال: حدثنا محمد بن ابراهيم بن اسحاق الطالقاني قال: حدثنا احمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال، عن ابيه، عن الرضا. ولا يعرف الكوفيون هذه النسخة، ولا رويت من غير هذا الطريق. وقد صنف كتبا كثيرة منها ما وقع الينا. ثم عدد كتبه كما ذكره (ره)، وزاد عدة كتب، منها: كتاب الانبياء، كتاب الفرائض، كتاب الدعاء، كتاب الملاحم، كتاب اثبات امامة عبد الله، كتاب ماروي في الحمام، كتاب المتعة، كتاب الغيبة، كتاب اسماء آلات رسول الله (ص) واسماء سلاحه، كتاب العلل ونحوها، ثم قال: ورأيت جماعة من شيوخنا يذكرون: ان الكتاب المنسوب الى علي بن الحسن بن فضال المعروف باصفياء امير المؤمنين عليه السلام (ويقولون: انه) موضوع عليه لااصل له، والله اعلم. قالوا: وهذا الكتاب الصق روايته الى ابي العباس - ابن عقدة، وابن زبير، ولم نر أحدا ممن روى عن هذين الرجلين يقول: قرأته على الشيخ، غير انه يضاف الى كل رجل منهما بالاجازة حسب. قرأ احمد بن الحسين كتاب الصلاة والزكاة ومناسك الحج والصيام والطلاق والنكاح والزهد والجنائز والمواعظ والوصايا والفرائض والمتعة والرجال على احمد بن عبد الواحد في مدة سمعتها معه، وقرأت انا كتاب الصيام عليه في مشهد العتيقة، عن ابن الزبير عن علي بن الحسن، واخبرنا بسائر كتب ابن فضال بهذا الطريق. واخبرنا محمد بن جعفر في آخرين، عن احمد بن محمد بن سعيد =========================================================================== [196] عن علي بن الحسن - بكتبه. ومجمل القول ان الرجل عند المحققين من اكمل الثقات. واما محمد بن عبد الله بن زرارة. فهو أيضا ممن ورث المجد والعظمة من ابيه وعشيرته الاكرمين الموالين للائمة الطاهرين عليهم السلام. قال أبو غالب الزراري رحمه الله، في رسالته المشتملة على ترجمة آل أعين اجمالا: ومن ولد زرارة محمد بن عبد الله بن زرارة، وكان كثير الحديث، وروى عنه علي بن الحسن بن علي بن فضال حديثا كثيرا. واما عمر بن اذينة رحمه الله، فقد اصفق الاصحاب رضوان الله عليهم على جلالته ووثاقته، وعده الشيخ (ره) في رجاله من اصحاب الامام الصادق والامام الكاظم عليهما السلام، وذكره في فهرسته مع طريقه الى كتبه. وقال الكشي (ره): قال حمدويه: سمعت اشياخي منهم العبيدي وغيره، ان ابن اذينة كوفي، وكان هرب من المهدي، ومات باليمن، فلذلك لم يرو عنه كثير، ويقال: اسمه محمد بن عمر بن اذينة، غلب عليه اسم ابيه، وهو كوفي مولى لعبد القيس. وقال المحقق النجاشي رضوان الله عليه: عمر بن محمد بن عبد الرحمان ابن اذينة بن سلمة بن الحارث بن خالد بن عائذ بن سعد بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن نهشة (بهته خ) بن جديمة بن الديل بن شن بن اقصى بن عبد القيس بن افصى بن دعمي بن جديلة بن اسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، شيخ اصحابنا البصريين ووجههم، روى عن ابي عبد الله عليه السلام بمكاتبة، له كتاب الفرائض، اخبرنا احمد بن محمد، عن احمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا محمد بن مفضل بن ابراهيم، عن محمد بن زياد، عن عبيد الله بن احمد بن نهيك، واحمد بن سقلاب جميعا، عن محمد بن ابي عمير، عن عمر بن اذينة. =========================================================================== [197] وينبغي لنا ان نذكر ما جرى بينه وبين ابن أبي ليلى لفوائده الجنة، وخلوا اكثر الكتب عنه. قال القاضي نعمان (ره): روينا عن عمر بن اذينه، وكان من اصحاب ابي عبد الله جعفر بن محمد (ع) انه قال: دخلت يوما على عبد الرحمان ابن ابي ليلى بالكوفة وهو قاض، فقلت: أردت ان أسألك عن مسائل - وكنت حديث السن. - فقال: سل يابن اخي عما شئت. قلت: اخبرني عنكم معاشر القضاة، ترد عليكم القضية في المال والفرج والدم، فتقضي أنت فيها برأيك، ثم ترد تلك القضية بعينها على قاضي مكة، فيقضي فيها بخلاف قضيتك، ثم ترد على قاضي البصرة وقاضي اليمن، وقاضي المدينة، فيقضون فيها بخلاف ذلك، ثم تجتمعون عند خليفتكم الذي استقضاكم، فتخبرونه باختلاف قضاياكم، فيصوب رأي كل واحد منكم، وإلهكم واحد، ونبيكم ودينكم واحد ! أفأمركم الله بالاختلاف فاطعتموه، أم نهاكم عنه فعصيتموه، أم كنتم شركاء الله في حكمه، فلكم ان تقولوا وعليه ان يرضى، أم انزل الله دينا ناقصا فاستعان بكم في إتمامه، أم انزل الله تاما فقصر رسول الله (ص) عن ادائه، أم ماذا تقولون ؟ ! فقال: من اين انت يافتى ؟ قلت: من أهل البصرة. قال: من ايها ؟ قلت: من عبد القيس. قال: من أيهم ؟ قلت: من بنى أذينة. قال: ما قرابتك من عبد الرحمان بن أذينة ؟ قلت: هو جدي. فرحب بي وقربني وقال: اي فتى ! لقد سألت فغلظت، وانهمكت فتعوصت، وسأخبرك ان شاء الله. أما قولك في اختلاف القضايا، فانه ما ورد علينا من أمر القضايا مما له في كتاب الله اصل، أو في سنة نبيه (ص) فليس لنا ان نعدو الكتاب والسنة، وأما ما ورد علينا مما ليس في كتاب الله ولافي سنة نبيه (ص) =========================================================================== [198] فانا نأخذ فيه برأينا. قلت: ما صنعت شيئا، لان الله عزوجل يقول: ما فرطنا في الكتاب من شئ، وقال: فيه تبيان كل شئ. أرأيت لو أن رجلا عمل بما أمر الله به، وانتهى عما نهى الله عنه، أبقي عليه شئ يعذبه الله عليه إن لم يفعله، أو يثيبه عليه ان فعله ؟ قال: وكيف يثيبه على ما لم يأمره به، أو يعاقبه على ما لم ينهه عنه ؟ ! قلت: وكيف يرد عليك من الاحكام ما ليس له في كتاب الله أثر، ولافي سنة نبيه خبر ؟ ! قال: اخبرك يا ابن اخي حديثا حدثناه بعض اصحابنا، يرفع الحديث الى عمر بن الخطاب، انه قضى قضية بين رجلين، فقال له - أدنى القوم إليه مجلسا -: أصبت يا أمير المؤمنين، فعلاه عمر بالدرة، وقال: ثكلتك امك، والله ما يدري عمر أصاب ام أخطأ، انما هو رأي اجتهدته، فلا تزكونا في وجوهنا. قلت: افلا احدثك حديثا ؟ قال: وما هو ؟ قلت: اخبرني ابي، عن ابي القاسم العبدي، عن ابان، عن علي بن ابي طالب (ع) انه قال: القضاة ثلاثة، هالكان وناج، فاما الهالكان فجائر جار متعمدا، ومجتهد اخطأ، والناجي من عمل بما أمر الله به. فهذا نقض حديثك (حديثكم خ) يا عم. قال: أجل والله يابن أخي، قتقول انت ان كل شئ في كتاب الله عزوجل ؟ قلت: الله قال ذلك، وما من حلال ولاحرام ولاأمر ولانهي الا وهو في كتاب الله عزوجل، عرف ذلك من عرفه، وجهله من جهله، ولقد اخبرنا لله فيه بما لانحتاج إليه، فكيف بما نحتاج إليه. قال: كيف قلت (وما هو خ) ؟ قلت: قوله: فاصبح يقلب كفيه على ما انفق فيها. قال: فعند من يوجد علم ذلك ؟ قلت: عند من عرفت. قال: وددت لو اني عرفته، فأغسل قدميه، وآخذ عنه، (واخدمه خ) واتعلم منه. قلت: اناشدك الله هل تعلم رجلا كان إذا سأل رسول الله (صلع) شيئا أعطاه، وإذا سكت عنه ابتداه ؟ قال: نعم، علي بن ابي طالب (ع). قلت: فهل علمت ان عليا =========================================================================== [199] سأل أحدا بعد رسول الله (صلع) عن حلال أو حرام ؟ قال: لا. قلت: هل علمت انهم كانوا يحتاجون إليه ويأخذون عنه ؟ قال: نعم. قلت: فذلك عنده. قال: فقد مضى فأين لنا به ؟ قلت: تسأل في ولده، فان ذلك العلم عندهم (فيهم خ). قال: وكيف لي بهم ؟ قلت: أرأيت قوما كانوا بمفازة (في مفازة خ) من الارض، ومعهم أدلاء، فوثبوا عليهم، فقتلوا بعضهم وجافوا (وأخافوا خ) بعضهم، فهرب واستتر من بقي لخوفهم، فلم يجدوا من يدلهم، فتاهوا في تلك المفازة حتى هلكوا، ما تقول فيهم ؟ قال: الى النار، واصفر وجهه، وكانت في يده سفر جلة فضرب بها الارض فتهشمت، وضرب بين يديه وقال: انا لله وانا إليه راجعون. المقدمة الاخيرة من كتاب دعائم الاسلام، ونقله عند المجلسي العظيم (ره) في البحار: 24، 5. واما العدة وقعت في الطريق الثاني من الكافي من احمد بن محمد الخ. فانهم الان غير معلومين لي تفصيلا وتعيينا، إذ يحتمل احمد بن محمد ان يكون الاشعري، ويحتمل ان يكون البرقي، فان كان الاشعري فقد تقدمت ترجمته وترجمة عدته في تعليقات المختار 1. وان كان البرقي فسيجئ ترجمته وترجمة عدته. واما الحسين بن سعيد وحماد بن عيسى وعمرو بن شمر وجابر، فقد مضت خلاصة القول في تراجمهم. =========================================================================== [200] تعليق تفسيري نقلي: على قوله (ع): واعتصموا بحبل الله، الخ. روى النعماني (ره) مسندا عن الامام السجاد عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم جالسا ومعه أصحابه في المسجد، فقال: يطلع عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة يسأل عما يعنيه، فطلع رجل طوال شبيه برجال مصر، فتقدم فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس فقال: يارسول الله اني سمعت الله عزوجل يقول فيما انزل: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا (1) " فما هذا الحبل الذي أمرنا الله بالاعتصام به، و (أن) لا نتفرق عنه ؟ فأطرق رسول الله صلى الله عليه وآله مليا، ثم رفع رأسه، فأشار بيده الى علي وقال: هذا حبل الله الذي من تمسك به عصم به في دنياه ولم يضل في آخرته. فوثب الرجل الى علي، فاحتضنه من وراء ظهره وهو يقول: اعتصمت بحبل الله وحبل رسوله، ثم قام فخرج، فقام رجل من الناس، فقال: يارسول الله ألحقه فاسأله ان يستغفر الله لي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا تجده موفقا. قال: فلحقه الرجل فسأله ان يستغفر له، فقال له: أفهمت ما قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله، وما قلت له ؟ قال: نعم. قال: فان كنت متمسكا بذلك فغفر الله لك، والا فلا غفر الله لك. كما في الحديث الثاني، من تفسير الاية المباركة، من البرهان. وروي أيضا في الحديث الرابع، من تفسير الاية الشريفة، عن السيد الرضي (ره) في الخصائص معنعنا، عن ابي الحسن عليه السلام، في خطبة =========================================================================== (17) الاية 103 من سورة آل عمران. =========================================================================== [201] خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه، وفي الخبر: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أدعوا عمي - يعني العباس -، فدعي له، فحمله وعلي عليه السلام حتى أخرجاه، فصلى بالناس وانه لقاعد، ثم حمل فوضع على المنبر بعد ذلك، فاجتمع لذلك جميع أهل المدينة من المهاجرين والانصار حتى برزت العواتق من خدرها، فبين باك وصائح، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب ساعة، ويسكت ساعة، وكان فيما ذكر من خطبته أن قال: يا معشر المهاجرين والانصار ومن حضر في يومي هذا وساعتي هذه من الانس والجن ؟ ليبلغ شاهدكم غائبكم، ألا واني خلفت فيكم كتاب الله فيه النور والهدى والبيان لما فرض الله تبارك وتعالى من شئ، حجة الله عليكم، وحجتي وحجة وليي، وخلفت فيكم العلم الاكبر، علم الدين، ونور الهدى، وضياءه، وهو علي بن ابي طالب (عليه السلام)، وهو حبل الله، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فاصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون. ايها الناس هذا علي، من احبه وتولاه اليوم وبعد اليوم فقد اوفي بما عاهد عليه الله، ومن عاداه وابغضه اليوم وبعد اليوم جاء يوم القيامة اصم وأعمى لاحجة له عند الله. وفي الحديث الخامس منه معنعنا، عن عبد الله بن عباس قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ جاء اعرابي فقال: يارسول الله سمعتك تقول: واعتصموا بحبل الله جميعا، فما حبل الله الذي نعتصم به ؟ فضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يده في يد علي (عليه السلام) وقال: تمسكوا بهذا، فهذا هو الحبل المتين. وفي الحديث السادس، من تفسير الاية، عن العياشي، عن ابن يزيد =========================================================================== [202] قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن قوله: واعتصموا بحبل الله جميعا، قال: علي بن ابي طالب حبل الله المتين. وفي الحديث السابع، عنه أيضا، عن جابر قال: آل محمد عليهم السلام هم حبل الله الذي أمر بالاعتصام به فقال: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا. وعن رشيد الدين ابن شهر آشوب (ره)، عن محمد بن علي العنبري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، انه سأله أعرابي عن هذه الاية: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا "، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي عليه السلام وقال: يا اعرابي هذا حبل الله فاعتصم به. فدار الاعرابي من خلف علي عليه السلام، واحتضنه وقال: أللهم اني اشهدك اني اعتصمت بحبلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من سره ان ينظر الى رجل من أهل الجنة فلينظر الى هذا. ثم قال ابن شهر اشوب: وروى نحوا من ذلك عن الامام الباقر عليه السلام. كما في الحديث الثامن، من تفسير الاية. وروي في الحديث التاسع، من تفسير الاية، عن الثعلبي باسناده الى جعفر بن محمد عليه السلام، في قوله تعالى: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " قال: نحن حبل الله الذي قال الله: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا. ورواه أيضا أبو الفتوح الرازي، عن ابان بن تغلب، عن الامام الصادق (ع). وروي عن عطية العوفي، عن ابي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا أيها الناس اني تركت فيكم خليفتين ان أخذتم بهما لن تضلوا بعدي، أحدهما اكبر من الاخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتي اهل بيتي، ان الله اللطيف الخبير =========================================================================== [203] أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. وعن الامام السجاد عليه السلام قال: الامام منا لا يكون الا معصوما، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها، ولذلك لا يكون الا منصوصا. فقيل له: يابن رسول الله صلى الله عليه وآله: فما معنى المعصوم ؟ فقال: هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن، والقرآن يهدي الى الامام، وذلك قول الله عزوجل: ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم (1) نقله في الصافي، في تفسير الاية الكريمة، عن معاني الاخبار. وعن تفسير القمي: إن حبل الله هو التوحيد والولاية. والاثار في ذلك كثيرة جدا، وللكلام بقية نبحث عنها فيما سيأتي. =========================================================================== (1) الاية 9، من سورة بني اسرائيل. =========================================================================== [204] ومن وصية له عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية (ره) حافظ الشيعة وصدوق الشريعة: الشيخ الصدوق قدس الله نفسه، عن ابيه، عن على بن ابراهيم، عن ابيه، عن حماد بن عيسى عمن ذكره (1) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام في وصيته لابنه محمد بن الحنفية: يا بني لا تقل مالا تعلم، بل لا تقل كل ما تعلم (2) فإن الله تبارك وتعالى قد فرض على جوارحك كلها فرائض يحتج بها عليك يوم القيامة، ويسألك عنها، وذكرها ووعظها وحذرها وأدبها ولم يتركها سدى، فقال الله عزوجل: ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد =========================================================================== (1) سجئ بعد ختام كلامه (ع) امور كلها تصلح ان تكون سندا للوصية الشريفة. (2) نقل من هذه الوصية الى هنا معلم الامة الشيخ المفيد (ره)، في الحديث 333، من كتاب الاختصاص 231، ط 2، ورواه عنه في الحديث 64، من باب السكوت والكلام، من البحار: ج 2، من 15، 187. ورواه أيضا السيد الرضي في المختار 382 من قصار نهج البلاغة. =========================================================================== [205] كل أولئك كان عنه مسؤلا (3). وقال عزوجل: إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (4) ثم استعبدها بطاعته فقال عزوجل يا أيها الذين آمنوا إركعوا وأسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (5)، فهذه فريضة جامعة واجبة على الجوارح. وقال الله عزوجل وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (6)، يعني بالمساجد الوجه واليدين والركبتين والابهامين. وقال عزوجل وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم (7). يعني بالجلود الفروج. ثم خص كل جارحة من جوارحك بفرض ونص عليها، ففرض على السمع أن لا تصغي به على المعاصي، فقال عزوجل: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات =========================================================================== (3) الاية 36، من سورة الاسراء. (4) الاية 15، من سورة النور. (5) الاية 77، من سورة الحج. (6) الاية 18، من سورة الجن. (7) الاية 22، من سورة فصلت. =========================================================================== [206] الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلكم (8). وقال الله عزوجل. وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره (9) ثم إستثنى عزوجل موضع النسيان فقال: وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (10). وقال عزوجل: فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله، وأولئك هم أولوا الالباب (11). وقال عزوجل وإذا مروا باللغو مروا كراما (12). وقال عزوجل والذين إذا سمعوا اللغوا أعرضوا عنه (13)، فهذا ما فرض الله عزوجل على السمع وهو عمله. وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرم الله عزوجل عليه، فقال عز من قائل قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم =========================================================================== (8) الاية 140، من سورة النساء. (9) الاية 68، من سورة الانعام. (10) الاية 68، من سورة الانعام. (11) الاية 17، من سورة الزمر. (12) الاية 72، من سورة الفرقان. (13) الاية 55، من سورة القصص. =========================================================================== [207] ويحفظوا فروجهم (14). فحرم أن ينظر احد إلى فرج غيره. وفرض على اللسان الاقرار والتعبير عن القلب بما عقد عليه، فقال عزوجل: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا (15) وقال عزوجل: وقولوا للناس حسنا (16). وفرض على القلب وهو أمير الجوارح، الذي به تعقل وتفهم، وتصدر عن أمره ورأيه، فقال عزوجل: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان (17). وقال تعالى حين أخبر عن قوم أعطوا الايمان بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم: الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم (18). وقال عزوجل ألا بذكر الله تطمئن القلوب (19) وقال عزوجل وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله، فيغفر لمن يشاء، =========================================================================== (14) الاية 30، من سورة النور. (15) الاية 136، من سورة البقرة. (16) الاية 83، من سورة البقرة. (17) الاية 106، من سورة النحل. (18) الاية 41، من سورة المائدة،، وأول الاية الكريمة: يا ايها الرسول لا يحزنك الدين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا، الخ. (19) الاية 28، من سورة الرعد. (*) =========================================================================== [208] ويعذب من يشاء (20). وفرض على اليدين أن لاتمدهما إلى ما حرم الله عزوجل عليك، وأن تستعملهما بطاعته، فقال عزوجل يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين (21). وقال عزوجل: فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب (22). وفرض على الرجلين أن تنقلهما في طاعته، وأن لا تمشي بهما مشية عاص، فقال عزوجل: ولا تمش في الارض مرحا إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا، كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (23) وقال عزوجل: اليوم نختم على أفواههم ونكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (24) فأخبر عنها أنها تشهد على صاحبها يوم القيامة. فهذا ما فرض الله تبارك وتعالى على جوارحك، فاتق الله =========================================================================== (20) الاية 284، من سورة البقرة. (21) الاية 6، من سورة المائدة. (22) الاية 4، من سورة محمد. (23) الاسراء، 37. (24) يس، 65. =========================================================================== [209] يا بني وأستعملها بطاعته ورضوانه وإياك أن يراك الله تعالى عند معصيته (25) أو يفقدك عند طاعته فتكون من الخاسرين (26)، وعليك بقراءة القرآن، والعمل بما فيه، ولزوم فرائضه وشرائعه وحلاله وحرامه وأمره ونهيه، والتهجد به وتلاوته في ليلك ونهارك، فانه عهد من الله تبارك وتعالى الى خلقه، فهو واجب (27) على كل مسلم أن ينظر كل يوم في عهده ولو خمسين آية. واعلم أن درجات الجنة على عدد آيات القرآن، فإذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق، فلا يكون في الجنة بعد النبيين والصديقين أرفع درجة منه (28). * (الهامش) * (25) وقال العلامة الكراجكي (ره): ولقي حكيم حكيما فقال: عظني وأوجز. قال: عليك بخصلتين: لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك من حيث امرك. قال: زدني. قال: لاأجد للحالين ثالثة. (26) من قوله (ع): واياك ان يراك الله، الى قوله: فتكون من الخاسرين - ذكره السيد (ره) في المختار 383، من قصار نهج البلاغة. (27) كذا في النسخة، والظاهر ان لفظة هو من زيادة النساخ. (28) قال الصدوق رحمه الله: والوصية طويلة اخذنا منها موضع الحاجة. اقول: لم نظفر بتمام الوصية من طرفها الاول، إذ الصدوق (ره) لم يذكرها مجموعة متوالية في محل واحد، بل فرقها في كتبه على الابواب =========================================================================== [210] =========================================================================== المناسبة لها، وما ذكر منها في موضع معين أيضا لم يذكرها باجمعها، بل ذكر ما هو الدخيل في غرضه، نعم من قوله (ع): يا بني اياك والاتكال على الاماني فانها بضائع النوكي، (الى آخرها) - نقلها متنسقة مترتبة، الا انه اسقط منها ما لم يتعلق به غرضه، ومن قوله (ع): يا بني البغي سائق الى الحين (الى آخرها)، رواها بلا حذف، كل ذلك مما صرح به الصدوق (ره) في مواضع، فتلخص ان من اول الوصية (الى قوله: يا بني اياك والاتكال على الاماني) يحتمل فيه الحذف والتقديم والتأخير، ومن قوله: يا بني اياك والاتكال على الاماني، الى قوله: يا بني البغي سائق الى الحين - مما يتيقن فيه الترتيب والحذف والاسقاط، بتصريح الصدوق (ره) ومن قوله: يا بني البغي سائق الى الحين (الى آخرها)، مما يعلم فيه التمام وعدم النقص، وبه أيضا صرح الصدوق. =========================================================================== [211] وهنا تعاليق تعزيزية نقلية التعليق الاول: فيما يناسب المقام من ذكر قطعة من رسالة الحقوق للسيد السجاد، الامام زين العابدين عليه السلام، رواها الشيخ الصدوق في الفقيه والخصال مسندا، ورواها السيد ابن طاوس (ره) عن رسائل الكليني (ره) كذلك، ورواها الحسن بن علي بن شعبه (ره) في تحف العقول 183 مرسلا، ونحن نذكرها من تحف العقول. قال عليه السلام: اعلم رحمك الله ان الله عليك حقوقا محيطة لك في كل حركة تحركتها، أو سكنة سكنتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلبتها، أو آلة تصرفت بها، بعضها اكبر من بعض، واكبر حقوق الله عليك ما اوجبه لنفسه تبارك وتعالى، من حقه الذي هو اصل الحقوق، ومنه تفرع. ثم ما اوجبه عليك لنفسك من قرنك الى قدمك على اختلاف جوارحك، فجعل لبصرك عليك حقا، ولسمعك عليك حقا، وللسانك عليك حقا، وليدك عليك حقا، ولرجلك عليك حقا، ولبطنك عليك حقا، ولفرجك عليك حقا، فهذه الجوارح السبع التي تكون بها الافعال. ثم جعل عزوجل لافعالك عليك حقوقا، فجعل لصلاتك عليك حقا، ولصومك عليك حقا، ولصدقتك عليك حقا، ولهديك عليك حقا، ولافعالك عليك حقا. ثم تخرج الحقوق منك الى غيرك من ذوي الحقوق الواجبة عليك، وأوجبها عليك حق ائمتك، ثم حقوق رعيتك، ثم حقوق رحمك، فهذه =========================================================================== [212] حقوق يتشعب منها حقوق: فحقوق ائمتك ثلاثة، اوجبها عليك حق سائسك بالسلطان، ثم سائسك بالعلم، ثم حق سائسك بالملك، وكل سائس امام (1). وحقوق رعيتك ثلاثة، اوجبها عليك حق رعيتك بالسلطان، ثم حق رعيتك بالعلم، فان الجاهل رعية العالم، وحق رعيتك بالملك من الازواج وما ملكت من الايمان (2). وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة، فاوجبها عليك حق امك، ثم حق ابيك، ثم حق ولدك، ثم حق اخيك، ثم الاقرب فالاقرب، والاول فالاول، ثم حق مولاك المنعم عليك، ثم حق مولاك الجاري نعمته عليك، ثم حق ذي المعروف لديك، ثم حق مؤذنك بالصلاة، ثم حق امامك في صلاتك، ثم حق جليسك، ثم حق جارك، ثم حق صاحبك، ثم حق شريكك، ثم حق مالك، ثم حق غريمك الذي تطالبه، ثم حق غريمك الذي يطالبك، ثم حق خليطك، ثم حق خصمك المدعي عليك، ثم حق خصمك الذي تدعي عليه، ثم حق مستشيرك، ثم حق المشير عليك، ثم حق مستنصحك، ثم حق الناصح لك، ثم حق من هو اكبر منك، ثم حق من هو اصغر منك، ثم حق سائلك، ثم حق من سألته، ثم حق من جرى لك على يديه مساءة بقول أو فعل، أو مسرة بذلك بقول أو فعل، عن تعمد منه أو غير تعمد منه، ثم حق اهل ملتك عامة، ثم حق اهل الذمة، (3) ثم الحقوق الجارية بقدر علل الاحوال وتصرف الاسباب، =========================================================================== (1) السائس: القائم بالامر، والمدبر له. (2) وفى الخصال: وما ملكت الايمان. (3) وفى الفقيه والخصال: ثم حق اهل ملتك عليك، ثم حق أهل ذمتك، الخ. =========================================================================== [213] فطوبى لمن أعانه الله على قضاء ما اوجب عليه من حقوقه، ووفقه، وسدده. فاما حق الله الاكبر: فانك تعبده ولا تشرك به شيئا، فإذا فعلت ذلك باخلاص جعل لك على نفسه ان يكفيك أمر الدنيا والاخرة، ويحفظ لك ما تحب منها. واما حق نفسك عليك: فان تستوفيها في طاعة الله، فتؤدي الى لسانك حقه، والى سمعك حقه، والى بصرك حقه، والى يدك حقها، والى رجلك حقها، والى بطنك حقه، والى فرجك حقه، وتستعين بالله على ذلك. واما حق اللسان: فاكرامه عن الخنى، (4) وتعويده على الخير (5) وحمله على الادب، وإجمامه (6) الا لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا، واعفاؤه عن الفضول الشنعة القليلة الفائدة التي لا يؤمن ضررها مع قلة عائدتها، وبعد شاهد العقل والدليل عليه، وتزين العاقل بعقله حسن سيرته في لسانه، ولاقوة الا بالله العلي العظيم. وأما حق السمع: فتنزيهه (7) عن ان تجعله طريقا الى قلبك الا لفوهة كريمة تحدث في قلبك خيرا، أو تكسب خلقا كريما، فانه باب الكلام الى القلب، يؤدي إليه ضروب المعاني على ما فيها من خير أو شر، ولاقوة إلا بالله. =========================================================================== (4) الخنى: الفحش في الكلام. (5) وفى الفقيه والخصال هكذا: وتعوديه الخير، وترك الفضول التي لا فائدة فيها، والبر بالناس، وحسن القول فيهم، الخ. (6) قيل: وفى بعض النسخ: واجماعه. وفى بعضها: وحله بالاداب واجمامه. واجمام اللسان: امساكه. (7) وفى محكي الفقيه والخصال: فتنزيهه عن سماع الغيبة، وسماع مالا يحل سماعه. =========================================================================== [214] وأما حق بصرك: فغضه عما لا يحل لك (8)، وترك ابتذاله الا لموضع عبرة تستقبل بها بصرا أو تستفيد بها علما، (9) فان البصر باب الاعتبار. وأما حق رجليك: فان لا تمشي بهما الى مالا يحل لك، (10) ولا تجعلهما مطيتك في الطريق المتسخفة بأهلها فيها، فانها حاملتك وسالكة بك مسلك الدين، والسبق لك، ولاقوة الا بالله. واما حق يدك: فان لا تبسطها الى مالا يحل لك، فتنال بما تبسطها من الله العقوبة في الاجل، ومن الناس بلسان اللائمة في العاجل، ولا تقبضها مما افترض الله عليها، ولكن توقرها بقبضها عن كثير مما لا يحل لها، وبسطها الى كثير مما ليس عليها، فإذا هي قد عقلت وشرفت في العاجل، ووجب لها حسن الثواب في الاجل. واما حق بطنك فان لا تجعله (11) وعاء لقليل من الحرام ولا لكثير، وان تقتصد له في الحلال، ولا تخرجه من حد التقوية الى حد التهوين وذهاب المروءة، وضبطه إذا هم بالجوع والظمأ، فان الشبع المنتهي بصاحبه الى التخم مكسلة ومثبطة ومقطعة عن كل بر وكرم، وان الري المنتهي بصاحبه الى السكر مسخفة ومجهلة ومذهبة للمروءة. واما حق فرجك: فحفظه مما لا يحل لك، (12) والاستعانة عليه بغض =========================================================================== (8) والمحكي عن الفقيه والخصال: ان تغضه مما لا يحل لك، وتعتبر بالنظر به. (9) وفى المحكي عن بعض النسخ: أو تعتقد بها علما. (10) وفى محكي الفقيه والخصال: واما حق رجليك: ان لا تمشي بهما الى مالا يحل لك، فيهما تقف على الصراط، فانظر ان لا تزال بك فتردى في النار. (11) وفى محكى الفقيه والخصال: ان لا تجعله وعاء للحرام، ولا تزيد على الشبع. (12) وفى المحكي عن الكتابين: وحق فرجك: ان تحصنه من الزنا، وتحفظه من ان ينظر إليه. =========================================================================== [215] البصر، فانه من أعون الاعوان، وكثرة ذكر الموت، والتهدد لنفسك بالله، والتخويف لها به، وبالله العصمة والتأييد ولاحول ولاقوة الا به، الخ. وروي في الحديث 1، من الباب 18، من كتاب الايمان والكفر، من الكافي معنعنا، عن ابي عمرو الزبيري، عن الامام الصادق عليه السلام، قال: قلت له: ايها العالم اخبرني اي الاعمال افضل عند الله ؟ قال: مالا يقبل الله شيئا الا به. قلت: وما هو ؟ قال: الايمان بالله الذي لاإله إلا هو أعلى الاعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظا. قال قلت: ألا تخبرني عن الايمان، أقول وعمل، أم قول بلا عمل ؟ فقال: الايمان عمل كله، والقول بعض ذلك العمل بفرض من الله بين في كتابه، واضح نوره ثابتة حجته، يشهد له به الكتاب ويدعوه إليه (13). قال قلت: صفه لي جعلت فداك حتى أفهمه. قال: الايمان (14) حالات ودرجات وطبقات ومنازل، فمنه التام المنتهي تمامه، ومنه الناقص البين نقصانه، ومنه الراجح الزائد رجحانه. قلت: إن الايمان ليتم وينقص ويزيد ؟ قال: نعم. قلت: كيف ذلك ؟ قال: لان الله تبارك فرض الايمان على جوارح ابن آدم، وقسمه عليها وفرقه فيها، فليس من جوارحه جارحة الا وقد وكلت من الايمان بغير ما وكلت به اختها. فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم، وهو امير بدنه الذي لاترد الجوارح ولاتصدر الا عن أمره ونهيه. ومنها عيناه اللتان يبصر بهما، واذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباه من قبله، ولسانه =========================================================================== (13) يشهد له: اي لكونه عملا، أو للعامل به، اي بذلك الفرض. ويدعوه إليه: اي يدعو العامل الى ذلك الفرض. كذا قيل. (14) وفى بعض النسخ: للايمان حالات ودرجات، الخ. =========================================================================== [216] الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه. فليس من هذه جارحة إلا وقد وكلت من الايمان بغير ما وكلت به أختها، بفرض من الله تبارك اسمه، ينطق به الكتاب لها، ويشهد به عليها. ففرض على القلب غير ما فرض على السمع، وفرض على السمع غير ما فرض على العينين، وفرض على العينين غير ما فرض على اللسان، وفرض على اللسان غير ما فرض على اليدين، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه. فاما ما فرض على القلب من الايمان: فالاقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن لاإله إلا الله وحده لا شريك له الها واحدا لم يتخذ صاحبة ولاولدا، وان محمدا عبده ورسوله، صلوات الله عليه وآله، والاقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب، فذلك ما فرض الله على القلب من الاقرار والمعرفة، وهو عمله، وهو قول الله عزوجل: إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان، ولكن من شرح بالكفر صدرا. (15) وقال: ألا بذكر الله تطمئن القلوب (16). وقال: الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم (17) وقال: إن تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء (18). فذلك ما فرض الله عزوجل على القلب، من الاقرار والمعرفة، وهو عمله، وهو رأس الايمان. =========================================================================== (15) الاية 106، من سورة النحل. (16) الاية 28، من سورة الرعد. (17) الاية 40، من سورة المائدة، وتقدم ذكر الاية الشريفة في تعليق كلام امير المؤمنين (ع)، والمذكور هنا اما سهو من الرواة، أو نقل بالمعنى من المعصوم (ع) أو من الرواة. (18) الاية 284، من سورة البقرة. =========================================================================== [217] وفرض الله على اللسان، القول والتعبير بما عقد عليه وأقر به، قال الله تبارك وتعالى: وقولوا للناس حسنا (19). وقال: قولوا آمنا بالله وما انزل الينا وما أنزل اليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (20). فهذا ما فرض الله على اللسان وهو عمله. وفرض على السمع ان يتنزه عن الاستماع الى ما حرم الله، وان يعرض عما لا يحل له، مما نهى الله عزوجل عنه، والاصغاء الى ما اسخط الله عزوجل فقال في ذلك: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره (21). ثم استثنى الله عزوجل موضع النسيان، فقال: وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (22). وقال: فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه، اولئك الذين هديهم الله واولئك هم اولوا الالباب (23). وقال عزوجل: قد أفلح المؤمنون، الذينهم في صلوتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذينهم للزكوة فاعلون (24). وقال: إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقالوا لنا اعمالنا ولكم أعمالكم (25). وقال: وإذا مروا باللغو مروا كراما (26). فهذا ما فرض الله على السمع من الايمان أن لا يصغى الى مالا يحل له، وهو عمله، وهو من الايمان. =========================================================================== (19) الاية 83، من سورة البقرة. (20) الاية 136، من سورة البقرة. (21) الاية 140، من سورة النساء. (22) الاية 68، من سورة الانعام. (23) الاية 17، من سورة الزمر. (24) الاية الاولى الى الرابعة، من سورة المؤمنون. (25) الاية 55، من سورة القصص. (26) الاية 72، من سورة الفرقان. =========================================================================== [218] وفرض على البصران لا ينظر الى ما حرم الله عليه، وان يعرض عما نهى الله عنه مما لا يحل له، وهو عمله، وهو من الايمان، فقال تبارك وتعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم (27) فنهاهم ان ينظروا الى عوراتهم، وان ينظر المرء الى فرج اخيه، ويحفظ فرجه أن ينظر إليه، وقال: وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن، (28). من ان تنظر أحداهن الى فرج اختها، وتحفظ فرجها من ان ينظر إليها، وقال: كل شئ في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا الا هذه الاية فانها من النظر. ثم نظم ما فرض على القلب واللسان والسمع والبصر في آية أخرى فقال: وما كنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم ولا ابصاركم ولا جلودكم (29). يعني بالجلود: الفروج والافخاذ. وقال: ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا (30). فهذا ما فرض الله على العينين من غض البصر عما حرم الله عزوجل وهو عملهما، وهو من الايمان. وفرض الله على اليدين ان لا يبطش بهما الى ما حرم الله، وان يبطش بهما الى ما أمر الله عزوجل وفرض عليهما من الصدقة وصلد الرحم والجهاد في سبيل الله والطهور للصلاة فقال: يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وايديكم الى المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم الى الكعبين (31). وقال: فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا =========================================================================== (27) الاية 30، من سورة النور. (28) الاية 31، من سورة النور. (29) الاية 22، من سورة فصلت. (30) الاية 36، من سورة الاسراء. (31) الاية 7، من سورة المائدة. =========================================================================== [219] اثخنتموه فشدوا الوثاق، فإمامنا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب اوزارها (32). فهذا ما فرض الله على اليدين لان الضرب من علاجهما (33). وفرض على الرجلين ان لا يمشي بهما الى شئ من معاصي الله، وفرض عليهما المشي الى ما يرضي الله عزوجل فقال: ولا تمش في الارض مرحا، إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا (34). وقال: واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن انكر الاصوات لصوت الحمير (35). وقال فيما شهدت الايدي والارجل على أنفسهما وعلى اربابهما من تضييعهما لما أمر الله عزوجل به وفرضه عليهما: اليوم نختم على افواهم وتكلمنا ايديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (36). فهذا أيضا مما فرض الله على اليدين وعلى الرجلين، وهو عملهما، وهو من الايمان. وفرض على الوجه السجود له بالليل والنهار في مواقيت الصلاة فقال: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (37). فهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرجلين. وقال في موضع آخر: وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (38). وقال فيما فرض على الجوارح من الطهور والصلاة بها وذلك ان الله عزوجل لما صرف نبيه صلى الله عليه وآله الكعبة عن البيت المقدس فأنزل الله =========================================================================== (32) الاية 4، من سورة محمد. (33) العلاج: المزاولة. (34) الاية 18، من سورة لقمان. (35) الاية 19، من سورة لقمان. (36) الاية 65، من سورة يس. (37) الاية 77، من سورة الحج. (38) الاية 18، من سورة الجن. =========================================================================== [220] عزوجل: وما كان الله ليضيع ايمانكم ان الله بالناس لرؤف رحيم (39). فسمى الصلاة ايمانا، فمن لقي الله عزوجل حافظا لجوارحه موفيا كل جارحة من جوارحه ما فرض الله عزوجل عليها لقي الله عزوجل مستكملا لايمانه، وهو من أهل الجنة، ومن خان في شئ منها أو تعدى ما أمر الله عزوجل فيها لقي الله عزوجل، ناقص الايمان. قلت: قد فهمت نقصان الايمان وتمامه، فمن أين جاءت زيادته ؟ فقال: قول الله عزوجل: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ايكم زادته هذه ايمانا، فاما الذين آمنوا فزادتهم ايمانا وهم يستبشرون: واما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا الى رجسهم (40). وقال: نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (41). ولو كان كله واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان، لم يكن لاحد منهم فضل على الاخر، ولاستوت النعم فيه، ولاستوى الناس وبطل التفضيل، ولكن بتمام الايمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الايمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله، وبالنقصان دخل المفرطون النار. وقريب منه في المقدمة الاولى من دعائم الاسلام. وروى في الحديث السابع، من الباب، بسند آخر، عن حماد بن عمرو النصيبي قال: سأل رجل العالم عليه السلام، فقال: ايها العالم أخبرني اي الاعمال افضل عند الله ؟ قال: مالا يقبل عمل الا به. فقال وما ذلك ؟ قال: الايمان - بالله - الذي هو اعلى الاعمال درجة، وأسناها حظا، واشرفها منزلة. قلت: أخبرني عن الايمان، أقول وعمل، أم قول بلا =========================================================================== (39) الاية 143، من سورة البقرة. (40) الاية 126، من سورة التوبة. (41) الاية 12، من سورة الكهف. =========================================================================== [221] عمل ؟ قال: الايمان عمل كله، والقول بعض ذلك العمل بفرض من الله بينه في كتابه، واضح نوره، ثابتة حجته، يشهد به الكتاب ويدعو إليه. قلت: صف لي ذلك حتى افهمه. فقال: إن الايمان (42) حالات ودرجات وطبقات ومنازل، فمنه التام المنتهي تمامه، ومنه الناقص المنتهي نقصانه، ومنه الزائد الراجح زيادته. قلت: وإن الايمان ليتم ويزيد وينقص ؟ قال: نعم. قلت: وكيف ذلك ؟ قال: إن الله تبارك وتعالى فرض الايمان على جوارح بني آدم، وقسمه عليها، وفرقه عليها، فليس من جوارحهم جارحة الا وهي موكلة من الايمان بغير ما وكلت به اختها. فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم، وهو أمير بدنه، الذي لا تورد الجوارح ولاتصدر إلا عن رأيه وأمره. ومنها يداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباه من قبله، ولسانه الذي ينطق به الكتاب، ويشهد به عليها، وعيناه اللتان يبصر بهما، واذناه اللتان يسمع بهما. وفرض على القلب غير ما فرض على اللسان، وفرض على اللسان غير ما فرض على العينين، وفرض على العينين غير ما فرض على السمع، وفرض على السمع غير ما فرض على اليدين، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه. فاما ما فرض على القلب من الايمان: فالاقرار والمعرفة والتصديق والتسليم والعقد والرضا بان لا اله إلا الله وحده لا شريك له، أحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ولاولدا، وان محمذا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله. =========================================================================== (42) في بعض النخس للايمان. =========================================================================== [222] التعليق الثاني: في ذكر ما ورد عن بقية المعصومين (ع)، مما يشبه لفظه (ع) في قوله السالف: فواجب على كل مسلم ان ينظر كل يوم في عهده ولو خمسين آية. فعن ثقة الاسلام الكليني رضوان الله عليه، في الحديث الاول، من الباب الخامس، من كتاب فضل القرآن، من الكافي معنعنا، عن حريز، عن الامام الصادق (ع) قال: القرآن عهد الله الى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم ان ينظر في عهده، وان يقرأ منه في كل يوم خمسين آية. وعن شيخ الطائفة طاب ثراه معنعنا، عن معمر بن خلاد، عن الامام الرضا عليه السلام قال: سمعته يقول: ينبغي للرجل إذا أصبح ان يقرأ بعد التعقيب خمسين آية. كما في البحار: 18، 474، س 13 عكسا، نقلا عن التهذيب. التعليق الثالث: في بيان الاثار الورادة عن سائر المعصومين صلوات الله عليهم اجميعين، مما يقرب من قوله (ع): واعلم أن درجات الجنة على عدد آيات القرآن، الخ. روى الكليني رحمه الله معنعنا، عن رسول الله (ص)، انه قال: إن أهل القرآن في اعلى درجة من الادميين ماخلا النبيين والمرسلين، فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم، فان لهم من الله العزيز الجبار لمكانا عليا. =========================================================================== [223] الحديث 1، من الباب الثاني، من كتاب القرآن، من الكافي. وروى أيضا في الحديث الثالث، من الباب معنعنا، عنه (ص)، انه قال: تعلموا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة صاحبه في صورة شاب جميل شاحب اللون، فيقول له القرآن أنا الذي كنت أسهرت ليلك، وأظمأت هو اجرك، وأجففت ريقك، وأسلت دمعتك، أؤول معكم حيثما ألت، وكل تاجر من وراء تجارته، وانا اليوم لك من وراء تجارة كل تاجر، وستأتيك كرامة (من) الله عزوجل فابشر. فيؤتى بتاج فيوضع على رأسه، ويعطى الامان بيمينه، والخلد في الجنان بيساره، ويكسى حلتين، ثم يقال له: إقرأ وارقه، فكلما قرأ آية صعد درجة، ويكسى ابواه حلتين ان كانا مؤمنين، ثم يقال: لهما: هذا لما علمتماه القرآن. وروى المجلسي العظيم، في الحديث 19، من الباب 1 من كتاب القرآن، من البحار: 19، 7، عن كتاب الامامة والتبصرة معنعنا، انه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عدد درج الجنة عدد أي القرآن، فإذا دخل صاحب القرآن الجنة، قيل له: إرق واقرأ لكل آية درجة، فلا يكون فوق حافظ القرآن درجة. وروى ثقة الاسلام الكليني رضوان الله عليه، في الحديث 3، من الباب 2، من كتاب القرآن، من الكافي: 2، 603 عنه صلى الله عليه وآله معنعنا، انه قال: تعلموا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة صاحبه في صورة شاب جميل شاحب اللون، فيقول له القرآن: أنا الذي كنت اسهرت ليلك، وأظمأت هو اجرك، وأجففت ريقك، وأسلت دمعتك، أؤول معك حيثما ألت، وكل تاجر وراء تجارته، وانا اليوم لك من وراء تجارة كل تاجر، وستأتيك كرامة (من) الله عزوجل فابشر. فيؤتى بتاج فيوضع على رأسه، ويعطى الامان بيمينه، والخلد في الجنان بيساره، ويكسى حلتين، ثم يقال له: إقرأ وأرق، فكلما قرأ آية صعد درجة، ويكسى أبواه حلتين =========================================================================== [224] إن كانا مؤمنين،، ثم يقال لهما: هذا لما علمتماه القرآن. وروى العلامة المجلسي (ره)، في الحديث 8، من الباب الرابع، من كتاب القرآن، من البحار: 19، 51، عن تفسير القمي، عن الامام السجاد عليه السلام، انه قال: عليك بالقرآن فإن الله خلق الجنة بيده، لبنة من ذهب ولبنة من فضة، جعل ملاطها المسك، وترابها الزعفران، وحصباها اللؤلؤ، وجعل درجاتها على قدر آيات القرآن، فمن قرأ القرآن، قال له: إقرأ وارق، ومن دخل منهم الجنة لم يكن في الجنة اعلى مقاما منه، ماخلا النبيين والصديقين. وروى المجلسي الوجيه (ره) في الحديث العاشر، من الباب 21، من كتاب القرآن، من البحار: 19، 49، عن ثواب الاعمال معنعنا، عن حفص بن غياث، قال: سمع ابا عبد الله (ع) يقول لرجل: اتحب البقاء في الدنيا ؟ قال: نعم. قال: ولم ؟ قال: لقراءة قل هو الله أحد. فسكت عنه، ثم قال لي بعد ساعة: يا حفص من مات من اوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن، علم في قبره ليرفع الله فيه درجته، فان درجات الجنة على قدر عدد آيات القرآن، فيقال لقارئ القرآن: إقرأ وارق. وروى أيضا في الحديث الرابع، من الباب 24، منه عن الصدوق رحمه الله في الامالي معنعنا، عن المفضل بن عمر، عن الامام الصادق عليه السلام انه قال: عليكم بمكارم الاخلاق، فان الله عزوجل يحبها، واياكم ومذام الافعال، فان الله عزوجل يبغضها، وعليكم بتلاوة القرآن، فان درجات الجنة على عدد آيات القرآن، فإذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن: إقرأ وارق، فكلما قرأ اية رقى درجة، وعليكم بحسن الخلق، فانه يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وعليكم بحسن الجوار فان الله عزوجل أمر بذلك، وعليكم بالسواك فانها مطهرة وسنة حسنة، وعليكم بفرائض الله =========================================================================== [225] فأدوها، وعليكم بمحارم الله فاجتنبوها. وروى ثقة الاسلام الكليني طيب الله رمسه معنعنا، في الحديث الحادي عشر، من الباب الاول، من كتاب فضل القرآن، من الكافي: 2، 601، عن الامام الصادق عليه السلام انه قال: يجئ القرآن يوم القيامة في احسن منظور إليه صورة، فيمر بالمسلمين، فيقولون: هذا الرجل منا، فيجاوزهم الى النبيين، فيقولون: هو منا، فيجاوزهم الى الملائكة المقربين، فيقولون: هو منا، حتى ينتهي الى رب العزة عزوجل فيقول: يا رب فلان ابن فلان أظمأت هو اجره، وأسهرت ليله في دار الدنيا، وفلان بن فلان لم أظمئ هو اجره، ولم أسهر ليله، فيقول تبارك وتعالى: أدخلهم الجنة على منازلهم فيقوم فيتبعونه فيقول: للمؤمن: إقرأ وارقه. قال: فيقرأ ويرقى حتى يبلغ كل رجل منهم منزلته التي هي انه فينزلها. وروى أيضا معنعنا، في الحديث 12، من الباب، عن يونس بن عمار قال قال أبو عبد الله عليه السلام، إن الدواوين يوم القيامة ثلاثة: ديوان فيه النعم، وديوان فيه الحسنات، وديوان فيه السيئات، فيقابل بين ديوان النعم وديوان الحسنات: فتستغرق النعم عامة الحسنات، ويبقى ديوان السيئات، فيدعى يابن آدم المؤمن للحساب، فيتقدم القرآن امامه في احسن صورة فيقول: يا رب أنا القرآن، وهذا عبدك المؤمن قد كان يتعب نفسه بتلاوتي، ويطيل ليله بترتيلي، وتفيض عيناه إذا تهجد، فارضه كما أرضاني، قال: فيقول العزيز الجبار، عبدي ابسط يمينك، فيملاها من رضوان الله العزيز الجبار، ويملا شماله من رحمة الله، ثم يقال: هذه الجنة مباحة لك، فأقرأ واصعد، فإذا قرأ آية صعد درجة. وروى أيضا في الحديث الرابع، من الباب الثاني، منه معنعنا، عن الامام الصادق (ع) انه قال: من قرأ القرآن وهو شاب إختلط القرآن =========================================================================== [226] يلحمه ودمه، وجعله الله عزوجل مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيزا عنه يوم القيامة، يقول: يا رب إن كل عامل قد أصاب أجر عمله غير عاملي، فبلغ به اكرم عطاياك، قال: فيكسوه الله العزيز الجبار حلتين من حلل الجنة، ويوضع على رأسه تاج الكرامة، ثم يقال له: هل أرضيناك فيه ؟ فيقول القرآن: يا رب قد كنت أرغب له فيما هو أفضل من هذا، فيعطي الامن بيمينه، والخلد بيساره، ثم يدخل الجنة، فيقال له: إقرأ واصعد درجة، ثم يقال له: هل بلغنا به وأرضيناك ؟ فيقول: نعم. قال: ومن قرأه كثيرا وتعاهده بمشقة من شدة حفظه أعطاه الله عزوجل أجر هذا مرتين. وروى أيضا في الحديث الثالث، من الباب الرابع، منه معنعنا، عن يعقوب الاحمر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن علي دينا كثيرا، وقد دخلني ماكان القرآن يتفلت مني. فقال أبو عبد الله عليه السلام: القرآن القرآن، ان الاية من القرآن والسورة لتجئ يوم القيامة حتى تصعد ألف درجة - يعني في الجنة - فتقول: لو حفظتني لبلغت بك ههنا. وقريب منه، عنه (ع) في الحديث الذي يليه. وروى أيضا في الحديث العاشر، من الباب الثاني، من الكتاب معنعنا، عن حفص قال: سمعت موسى بن جعفر عليه السلام يقول: لرجل: أتحب البقاء في الدنيا ؟ فقال: نعم. فقال: ولم ؟ قال: لقراءة قل هو الله أحد. فسكت عنه فقال له بعد ساعة: يا حفص من مات من اوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن علم في قبره ليرفع الله به من درجته، فان درجات الجنة على قدر آيات القرآن، يقال له: اقرأ وارق، فيقرأ ثم يرقى. قال حفص: فما رأيت أحدا اشد خوفا على نفسه من موسى بن جعفر عليه السلام، ولا أرجا الناس منه، وكانت قراءته حزنا، فإذا قرأ فكأنه يخاطب انسانا. =========================================================================== [227] وقال عليه السلام في هذه الوصية: واعلم أن مروءة المرء المسلم مروءتان، مروءة في حضر، ومروءة في سفر وأما مروءة الحضر فقراءة القرآن، ومجالسة العلماء والنظر في الفقه، والمحافظة على الصلوات في الجماعات، وأما مروءة السفر فبذل الزاد، وقلة الخلاف على من صحبتك، وكثرة ذكر الله عزوجل في كل مصعد ومهبط ونزول وقيام وقعود. =========================================================================== [228] تعليق تأييدي: في معنى المروءة روى الصدوق (ره) معنعنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: ستة من المروءة، ثلاث منها في الحضر، وثلاث منها في السفر، فاما التي في الحضر: فتلاوة كتاب الله تعالى، وعمارة مساجد الله، وإتخاذ الاخوان في الله عزوجل. واما التي في السفر: فبذل الزاد، وحسن الخلق، والمزاح في غير المعاصي. ورواه المجلسي (ره) عن الخصال والعيون وصحيفة الرضا، في الباب 59، من البحار: 2، من 16، 88. وروى الصدوق أيضا في الحديث السادس، من الباب 105، من الجزء الثاني، من معاني الاخبار: 258، معنعنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: المروءة استصلاح المال. وروى أيضا، في حديث طويل ذكره في مفتح الباب الاول، من الجزء الثاني، من المعاني 196، انه قال (ص): اقل الناس مروءة من كان كاذبا، الخ. وعنه (ص): لادين الا بمروءة. وقال صلى الله عليه وآله: تجاوزوا لذوي المروءات عن عثراتهم، فوا الذي نفسي بيده إن احدهم ليعثر وان يده لبيد الله. ذكرهما في العقد الفريد: 1، 292، ط 2، والاخير أيضا مروي من طرقنا. وروي الصدوق (ره) معنعنا، في الحديث الاول، من الباب 105، =========================================================================== [229] من الجزء الثاني، من المعاني، 257: انه خرج امير المؤمنين (ع) على اصحابه وهم يتذاكرون المروءة، فقال: أين انتم من كتاب الله ؟ قالوا: يا امير المؤمنين في أي موضع ؟ فقال: في قوله عزوجل: ان الله يأمركم بالعدل والاحسان (43)، فالعدل: الانصاف، والاحسان: التفضل. وروى الصدوق (ره) أيضا، في الحديث الثاني، من الباب مرفوعا: ان معاوية سأل الامام المجتبى (ع) عن المروءة. فقال (ع): شح الرجل على دينه، واصلاحه ماله، وقيامه بالحقوق. فقال معاوية: أحسنت يا ابا محمد، أحسنت يا ابا محمد. قال: فكان معاوية يقول بعد ذلك: وددت أن يزيد قالها وان كان أعور. وروي أيضا في الحديث الثالث، من الباب معنعنا، عن الامام الصادق (ع) قال: كان الحسن بن علي عليهما السلام في نفر من اصحابه عند معاوية، فقال له: يا ابا محمد أخبرتي عن المروءة. فقال: حفظ الرجل دينه، وقيامه في اصلاح ضيعته، وحسن منازعته، وافشاء السلام، وليكن الكلام، والكف والتحبب الى الناس. وروى أيضا معنعنا، في الحديث الرابع، من الباب: ان امير المؤمنين صلوات الله عليه قال لابنه الامام المجتبى عليه السلام: يا بني ما المروءة ؟ فقال: العفاف واصلاح المال. وروى أيضا، في الحديث الخامس، من الباب معنعنا، انه سئل الامام المجتبى عليه السلام عن المروءة، فقال: العفاف في الدين، وحسن التقدير في المعيشة، والصبر على النائبة. وقال عليه السلام: السداد دفع المنكر، بالمعروف، والشرف اصطناع العشيرة وحمل الجريرة، والمروءة العفاف واصلاح المرء ماله، الخ. كما =========================================================================== (43) الاية 90، من سورة النحل. =========================================================================== [230] في البحار: 17، 147، س 1، عكسا. وروى الغزالي في فضيلة السخاء، من كتاب الاحياء: ان معاوية سأل الحسن بن علي عليهما السلام عن المروءة والنجدة والكرم. فقال: اما المروءة فحفظ الرجل دينه، وحرزه نفسه، وحسن قيامه بضيفه، وحسن المنازعة، والاقدام في الكراهية. واما النجدة فالذب عن الجار، والصبر في المواطن. وأما الكرم فالتبرع بالمعروف قبل السؤال، والاطعام في المحل، والرأفة بالسائل مع بذل النائل. كما في المحجة البيضاء: ج 6، 64. ونقله في الهامش، عن تحف العقول، 225، وحلية الاولياء لابي نعيم: ج 2، 36، والفصول المهمة لابن الصباغ: ص 164، وتاريخ ابن كثير: 8، 39. قال: وفي جميع هذه المصادر: ان امير المؤمنين (ع) سأل عن الامام الحسن (ع). وروى أيضا معنعنا، في الحديث السابع، من الباب، عن الامام الصادق عليه السلام، انه قال: تعاهد الرجل ضيعته من المروءة. وروى أيضا معنعنا، عنه (ع) في الحديث الثامن، انه قال: المروءة مروءتان، مروءة الحضر ومروءة السفر، فاما مروءة الحضر فتلاوة القرآن، وحضور المساجد، وصحبة اهل الخير، والنظر في الفقه. وأما مروءة السفر فبذل الزاد، والمزاح في غير ما يسخط الله، وقلة الخلاف على من صحبك، وترك الرواية عليهم إذا أنت فارقتهم. وروى أيضا عنه عليه السلام، في الحديث التاسع، انه قال لاصحابه: ما المروءة ؟ قالوا: لا نعلم. قال (ع): المروءة ان يضع الرجل خوانه بفناء داره، والمروءة مروءتان. فذكر نحو الحديث الذي تقدم. أقول: ورواها عنه (ره) باجمعها في البحار: 16، 88، ج 2. وعن الصدوق وشيخ الطائفة رضوان الله عليهما، في اما ليهما معنعنا، =========================================================================== [231] عن الامام الصادق (ع) عند ما تذاكر الناس عنده الفتوة فقال: تظنون أن الفتوة بالفسق والفجور ؟ كلا، الفتوة والمروءة طعام موضوع، ونائل مبذول، واصطناع المعروف، وأذى مكفوف، فاما تلك فشطارة وفسق. ثم قال (ع): ما المروءة ؟ فقلنا لا نعلم. قال: المروءة - والله - أن يضع الرجل خوانه بفناء داره، والمروءة مروءتان، مروءة في الحضر، ومروءة في السفر، فاما التي في الحضر: فتلاوة القرآن، ولزوم المساجد، والمشي مع الاخوان في الحوائج، والانعام على الخادم، فانه مما يسر الصديق، ويكبت العدو. واما التي في السفر فكثرة الزاد وطيبه وبذله لمن كان معك، وكتمانك على القوم سرهم بعد مفارقتك اياهم، وكثرة المزاح في غير ما يسخط الله عزوجل، ثم قال (ع): والذي بعث جدي بالحق نبيا إن الله عزوجل ليرزق العبد على قدر المروءة، وان المعونة لتنزل من السماء على قدر المئونة، وان الصبر لينزل على قدر شدة البلاء. ورواه المجلسي (ره) عنهما، في البحار: 16، 88، ج 2. =========================================================================== [232] وقال عليه السلام في هذه الوصية: إياك والعجب وسوء الخلق، وقلة الصبر، فانه لا يستقيم لك على هذه الخصال الثلاث صاحب، ولا يزال لك عليها من الناس مجانب. وألزم نفسك التودد، وصبر على مثونات الناس نفسك، وابذل لصديقك نفسك ومالك، ولعرفتك رفدك ومحضرك (29)، وللعامة بشرك ومحبتك (30)، ولعدوك عدلك وإنصافك، وأضنن (31) بدينك وعرضك عن كل احد فانه أسلم لدينك ودنياك. =========================================================================== (29) العرفة - كالقبلة -: الاستخبار والسؤال. والرفد كالحبر: المعونة والعطاء، أي اعط من يستخبر عنك ويسألك الصلة والعطاء ما انعم الله عليك من الرزق وحسن المحضر. (30) البشر - على زنة شبر: طلاقة الوجه وانبساطه وبشاشته. ومن قوله (ع): وابذل لصديقك مالك - الى قوله: واضنن بدنيك وعرضك عن كل احد. ذكره ابن ابي الحديد في المختار 601، مما استدركه على السيد الرضي (ره)، في قصار النهج. (31) اضنن - أمر من قولهم: ضن يضن - من باب ضرب ومنع - ضنا وضنا وضنانة ومضنة بالشئ واضطن به اي بخل به، وتمسك عليه ولم يخرجه من يده نفاسة عليه وحبا له. وتخصيص الدين والعرض بالذكر للاعلام بانه لا شئ يوازيهما، فمن تحفظ عليهما فقد جمع الدنيا والاخرة، ومن بذلهما ولم يتمسك بهما فقد فانه الداران جميعا، وتقديم الدين على العرض للايذان بأهميته وانه لا يوازنه شئ. =========================================================================== [233] تعليق وتحقيق: حول قوله: اياك والعجب. إعلم ان الانسان إذا استعجب من شئ وباهى به واستعظمه، فاما ان يكون المستعجب منه والمباهي به والمستعظم حريا وموردا للاستعجاب والمباهات والاستعظام أو لا يكون. واياما كان فاما ان يكون استعجابه واستعظامه مقرونا بالتكبر والتعدي وغيرهما من انحاء الايذاء وتضييع حقوق الناس، أو الامتنان على الله - ولله المنة عليه - أو نسيان عظيم نعم الله، أو ذهوله عن فلتاته وما صدر منه من الاجرام والخطايا، أو غفلته عن تفقد نفسه وأعماله، أو اهماله شرائط قبول عباداته، أو اغتراره باعماله السابقة وإتكاله عليها، وترك مواظبته لتكليفه الفعلي، أو غير ذلك من أنحاء التقصير والتمرد، أو لا يكون استعظامه مقرونا بما ذكر من اقسام التجري والتمرد. فإذا استعجب الانسان من نفسه أو نفسياته أو ما يتعلق به واستعظمه وباهى به، فان كان استطرافه واستعظامه نفسه وما يرتبط به ملازما للتعدي على الخلق وتضييع حقوق الخالق كما هو الغالب على نوع سواد الناس فهذا هو العجب الذي هو أحد المهلكات، واما لو اعتقد الشخص عظمة نفسه أو ما ينتسب إليه، فاستطرفها وعدها عظيما - سواء كانت عظمتها تخيلية أو عظمة في الواقع ونفس الامر - ولم يقارن هذا الاستعظام التعدي وتضييع الحقوق واهمال التكاليف، فليس هذا من العجب في شئ. =========================================================================== [234] اما في صورة استعظام جهاته الشخصية باعتقاد عظمتها مع كون اعتقاده جهلا مركبا ومخالفا للواقع ونفس الامر، فلو فرض انفكاك هذا الاستعظام - المسبب عن العظمة الخيالية - عن تضييع حقوق الخالق والخلائق، فلادليل على قبحه فضلا عن كونه من المهلكات والادواء الدوية. واما لو استعظم نفسه وحيثياته الشخصية بلا تضييع للحقوق وتفريط وتقصير في وظائفه مع كون استعظامه في محله، بأن يكون جهاته عظيمة واقعا وحقيقة، فلا يمكن عقلا ولا شرعا ان يكون هذا من العجب ويعد منه. اما عقلا فلان هذا الاستعظام - المسبب عن العظمة الواقعية - يتولد من ضم صغرى وجدانية الى كبرى قطعية عقلية أو نقلية كعدم مساواة العالم والجاهل والمطيع والمتمرد، والراضي والكاره، وباذل النفس وباذل المال، ومؤثري غيرهم على انفسهم ولو كان بهم خصاصة وحاجة، الى غير ذلك من الكبريات الصادقة التي لو وجد شئ منها في غيره لكان اللازم عليه عقلا وشرعا الاذعان بجلالة قدره، وان له عند الله زلفى حسن مآب، فلو احس الانسان بشئ منها من نفسه، لا يمكن تكليفه بوجوب اذعانه بخلاف ما تنتج القضية العقلية، أو بعدم اعتقاده لما استنتج منها، فإذا لم يمكن الزامه على خلاف ما استفاد من القضية، فالاعتقاد على وفاقه بما انه دليل بديهي عقلي قهري. واما شرعا فالقرآن الكريم مشحون بعدم المساواة بين الجاهل والعالم، بل القرآن المقدس لوح الى ان عدم المساواة بين الفاضل والمفضول أمر فطري، فقال على سبيل الاستنكار في الاية التاسعة من سورة الزمر: " أمن هو قانت اناء الليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجو رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكر اولوا الالباب ". وقال تعالى في الاية 15 و 18 من سورة الرعد: " قل هل يستوي الاعمى والبصير، أم هل تستوي الظلمات والنور. الخ " " أفمن يعلم انما انزل =========================================================================== [235] اليك من ربك الحق كمن هو اعمى انما يتذكر الوا الالباب " وقال تعالى في الاية 17، من سورة السجدة: " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون " الى غير ذلك من الايات الكثيرة الكريمة. والسنن الصحيحة أيضا متواترة في ذلك المعنى، ووضوحها وظهورها يغني عن ايرادها. إن قيل: ان ادلة العجب غير قاصرة عن شمولها للقسمين الاخيرين، فكيف حكمت بخروجهما عن العجب ؟ قلت: ان الادلة ناظرة الى نوع سواد الناس الذين يصلون ركعتين وينتظرون الوحي، ويعملون ببعض الواجبات ويرون وصولهم الى الكمال بأقصى الغايات، وهؤلاء لا ينفك عجبهم عن التكبر والتنمر، فالاخذ باطلاق الادلة لادخال من لم يكن على هذه الصفة غير سائغ عند المحصلين، وقد قيدنا خروج القسمين عن العجب بما إذا خلا عن تضييع الحقوق، والخروج عن زي العبودية والانقياد لله تعالى، وعن العتو والعلو على عباد الله. فان قيل: هذا صرف فرض، ومجرد ملاحظة لمفهوم العجب من حيث هو، ولو نظرنا الى مفهوم العجب لحاظ تحققه ووجوده في الخارج - كما انه بلحاظ خارجيته منهي عنه ومورد للتحذير - فهو غير منفك عن التقصير وتضييع الحقوق. قلنا: الامر كذلك في جل المكلفين، واما العارفون بالله المستولون على انفسهم وشهواتهم، العالمون بالحقائق، المميزون الداء من الدواء، والصواب من الخطاء، الاخذون بحكم العقل والشريعة، المواظبون دائما على استقامة الطريقة، فهم مبرأون عن التقصير في حق الخالق والخليقة، فمهما ادركوا عظمة نفوسهم، ورأوا أنهم أشرف من غيرهم بحسب إبداع الله، أو بحسب حسن اختيارهم وإرادتهم فان لم يكن هذا الادراك سببا لزيادة شكرهم وحسن صنيعهم فانه لن يكون موجبا لتضييعهم حقوق الله =========================================================================== [236] وعبيده. فان قيل: لا شئ للانسان حتى يعده من مفاخره ويعظم في عينه، ويحسبه في نفسه عظيما، فالعجب بماذا ؟ فان كان بلحاظ كونه ذا بسطة في العلم والجسم والقوة والادراك وما يرتبط بجهات خلقه من النعم التي انعم الله عليه بها إبتداء، من غير سبق عمل للمكلف، ليتوهم انه انعمها عليه جزاء لعمله، فلاينبغي للعاقل ان يعجب بها، فانها لم تكن لعظمته وإستحقاقه ليتجح بها ويعدها من مفاخره. وان كان عجب الشخص لاجل أعماله وما كسبت يداه فالامر كذلك، لان الشخص بجميع خصوصياته ومنها علمه الكسبي وقدرته وارادته ملك لله، فبأي شئ يتبختر الانسان ويزهو ؟ قلنا: كل حيوان - بطبعه الاولي وجبلته غير المنحرفة عن مجراها - يعلم أنه مختار في أكله وشربه وقيامه وقعوده وذهابه ومجيئه وفراغه وشغله، ويجد من نفسه انه إن أتى بشئ مما ذكر ونحوه فانه يأتيه بارادة واختيار، وان تركه يتركه اختيارا، ويفرق بفطرته بين اخذه اللقمه ووضعه بيده في فمه، وبين مالو وجئ الغذاء في حلقه، ويميز بين نزوله شخصا من السطح، وبين ما يوثق ويرمي به من السطح، وكل احد يعرف ان الحيوان إذا جئ به الى شفانهر فان أمكنه الوثوب والعبور يثب ويعبر، وإلا فلا، وأن الاسد والهرة إذا شاهدا الصيد واللحم فان لم يريا مزاحما ومدافعا يتوثبان عليه، والا يفران أو ينتظران ارتفاع المزاحم، وهكذا جميع الحيوانات، هذا هو مقتضى الفطرة، وانما يعدل عنها لاجل ان بطانة الانسان أو ابواه يشعرانه ويجبرانه أو يفوضانه، فمهما شك في شئ فلا ينبغي الشك في أن إعمال القدرة وصرف الاختيار والارادة بيد الانسان فعلا وتركا، وباعمال القدرة والاختيار في الطاعات يستحق الثواب، وبصرفهما في المعاصي يستحق =========================================================================== [237] الذم وعظيم النكال، فقدرة الانسان ومبادئ علمه وإرادته وان كان من الله، الا أن اختيار الفعل أو الترك واعمال القدرة بيد الانسان، - ولاتنافي بينهما - والا فان كان اعمال قوة المكلف في الفعل والترك وصارفها في الخير والشر من الله لامن المكلف، وكان نسبة الفعل الى المكلف كنسبة الحرارة الى النار، والرطوبة الى الماء، لزم ما ذكره امير المؤمنين عليه السلام في كلامه المتواتر (44): لو كان قضاء لازما، وقدرا حاتما لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والامر والنهي، ولم يكن على مسئ لائمة، ولا لمحسن محمدة، ولكان المحسن اولى للائمة من المذنب، والمذنب اولى بالاحسان من المحسن، تلك مقالة عبدة الاوثان، وخصماء الرحمان وقدرية الامة ومجوسها، الخ. ولا شئ منهما يضطر العبد لفعل من أفعاله، فالعبد وما يجد من نفسه من باعث على الخير والشر، ولا يجد شخص الا أن اختياره دافعه الى ما يعمل، والله يعلمه فاعلا باختياره، اما شقيا به واما سعيدا. والدليل ما ذكره الامام. إذا تقرر ذلك، فلنذكر جملة من الاثار الواردة عن المعصومين (ع) فاقول: روى الشيخ المفيد (ره) في الحديث 290، من كتاب الاختصاص: 221، ط 2 معنعنا، عن أبي الربيع الشامي قال قال أبو عبد الله (ع): من اعجب بنفسه هلك، ومن اعجب برأيه هلك، وان عيسى بن مريم قال: داويت =========================================================================== (44) كما سنفصل القول في ذلك في مناهج البلاغة انشاء الله. ولله در محمد عبده وانصافه حيث عدل عن طريقة اسلافه، واتبع الصراط السوي وباب مدينة علم النبي (ص) فقال في تعليقة المختار 78، من قصار نهج البلاغة: القضاء علم الله السابق بحصول الاشياء على أحوالها في اوضاعها، والقدر ايجاده لها عند وجود أسبابها. =========================================================================== [238] المرضى فشفيتهم باذن الله، وأبرأت الاكمه والابرص باذن الله، وعالجت الموتى فأحييتهم باذن الله، وعالجت الاحمق فلم أقدر على اصلاحه. فقيل: يا روح الله ! وما الاحمق ؟ قال: المعجب برأيه ونفسه الذي يرى الفضل كله له لا عليه، ويوجب الحق كله لنفسه ولا يوجب عليها حفا فذلك الاحمق الذي لا حيلة في مداواته. ورواه عنه في الحديث 36، من الباب 19، من البحار: 3، من 15، 58. وفي الحديث 38، من الباب، نقلا عن عدة الداعي قال قال المرء، بنفسه، وهو محبط للعمل، وهو داعية المقت من الله سبحانه. ورواه في الحديث 12، من الباب معنعنا، عن الخصال عنه (ص). وكذا في وصايا النبي الى امير المؤمنين (ع)، كما في الحديث الاول، من باب النوادر من كتاب من لا يحضره الفقيه: 4، 260، وفيها أيضا: لافقر اشد من الجهل، ولامال اعود من العقل، ولا وحدة اوحش من العجب، ولاعقل كالتدبير، ولاورع كالكف عن محارم الله تعالى، ولاحسب كحسن الخلق، ولا عبادة مثل التفكر، الخ. وأيضا روى في الحديث الحادي عشر، من الباب التاسع عشر، نقلا عن امالي الصدوق (ره)، عن الامام الصادق (ع) قال قال امير المؤمنين عليه السلام: من دخله العجب هلك. وفي المختار 46، من قصار النهج قال عليه السلام: سيئة تسوءك خير عند الله من حسنة تعجبك. وقال (ع): لامال اعود من العقل، ولا وحدة اوحش من العجب، الخ. المختار 113، من قصار نهج البلاغة. وقال (ع): ان اغنى الغنى العقل، واكبر الفقر الحمق، واوحش الوحشة العجب، الخ. المختار 38، من قصار النهج. ورواه أيضا عنه (ع) ابن =========================================================================== [239] عساكر في ترجمته من تاريخ الشام. وكذلك صاحب دستور معالم الحكم. والاربلي في كشف الغمة. وفي المختار 167، من قصار النهج: الاعجاب يمنع الازدياد. وفي المختار 212، منها: عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله. وفي الحديث 16، من الباب 19، من البحار: 3، من 15، 57، عن الخصال، عن اصبغ بن نباته (ره)، قال قال امير المؤمنين (ع): العجب هلاك، والصبر ملاك. وقال (ع) في وصيته الى الامام المجتبى (ع): واعلم أن الاعجاب ضد الصواب، وآفة الالباب، الخ. وفي مواعظ الامام السجاد زين العابدين عليه السلام للزهري: هيهات هيهات اياك أن تعجب من نفسك، الخ (45). وروى الصدوق (ره) معنعنا، عن الامام الباقر عليه السلام انه قال: ثلاث موبقات: شح مطاع، وهوى متبع، واعجاب المرء بنفسه. الحديث 12، من الباب 19، من البحار: 3 من 15، 57 نقلا عن الخصال. وفي الحديث 13، من الباب معنعنا، نقلا عن معاني الاخبار والخصال، عن ابي جعفر عليه السلام قال: ثلاث هن قاصمات الظهر: رجل استكثر عمله، ونسي ذنوبه، وأعجب برأيه. وفي الحديث الاول، من الباب 125، من كتاب الايمان والكفر، من الكافي: 2، 313، معنعنا عن الامام الصادق عليه السلام قال: ان الله علم ان الذنب خير للمؤمن من العجب، ولولا ذلك ما ابتلى مؤمن بذنب أبدا. وفي الحديث الثاني، من الباب، معنعنا عنه (ع) قال: من دخله العجب هلك. =========================================================================== (45) وهو حديث عديم النظر من حيث اشتماله على معان بديعة وحكم فريدة، نزين الكتاب بذكر بعض فقراته فيما سيأتي انشاء الله. =========================================================================== [240] وفي الحديث السادس، من الباب، عن احدهما عليهما السلام قال: دخل رجلان المسجد، أحدهما عابد والاخر فاسق، فخرجا من المسجد والفاسق صديق، والعابد فاسق، وذلك انه يدخل العابد المسجد مدلا بعبادته (46) يدل بها، فتكون فكرته في ذلك، وتكون فكرة الفاسق في التندم على فسقه، ويستغفر الله عزوجل مما صنع من الذنوب. وفي الحديث السابع منه، معنعنا عن عبد الرحمان بن الحجاج قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق، ثم يعمل شيئا من البر فيدخله شبه العجب به، فقال: هو في حاله الاولى وهو خائف أحسن حالا منه في حال عجبه. وفي الحديث الثالث، معنعنا عن علي بن سويد قال سألت الامام الكاظم (ع) عن العجب الذي يفسد العمل. فقال: العجب درجات، منها ان يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب انه يحسن صنعا، ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله عزوجل ولله عليه فيه المن. وقال الامام الجواد عليه السلام: العجب صارف عن طلب العلم، وداع الى الغمط. =========================================================================== (46) قيل: المدل: المنبسط المسرور الذي لاخوف له من التقصير في العمل. =========================================================================== [241] التعليق الثاني: في ما ورد في الشريعة في ذم سوء الخلق. الكليني (ره) في الحديث الاخير، من باب سوء الخلق، من الكافي: 2، ص 322، معنعنا عن الامام الصادق عليه السلام قال: أوحى الله عزوجل الى بعض انبيائه: الخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل. ورواه في عيون الاخبار 203، باسانيد. وروى في المستدرك: 2، 338. والبحار: 17، 267، معنعنا عن الامام الصادق عليه السلام قال قال لقمان عليه السلام لابنه: يا بني إياك والضجر وسوء الخلق، وقلة الصبر، فلا يستقيم لك على هذه الخصال صاحب، وألزم نفسك التودد في أمورك، وصبر على مثونات الاخوان نفسك، وحسن مع جميع الناس خلقك، يا بني ان عدمك ما تصل به قرابتك، وتتفضل به على اخوانك، فلا يعد منك حسن الخلق، وبسط البشر فانه من أحسن خلقه أحبه الاخيار، وجانبه الفجار، واقنع بقسم الله ليصفو عيشك، فان أردت أن تجمع عز الدنيا والاخرة فاقطع طمعك مما في ايدي الناس، فانما بلغ الانبياء والصديقون ما بلغوا بقع طمعهم. وقال النبي صلى الله عليه وآله: خصلتان لا تجتمعان في مسلم، البخل وسوء الخلق. (47) =========================================================================== (47) الحديث الخامس، من باب سوء الخلق، من البحار: 3، من 15، 142. والحديث الثاني، من الباب 69، من جهاد النفس، من المستدرك: 2، 338. (*) =========================================================================== [242] وعنه (ص): الخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل. رواه في باب سوء الخلق، الحديث 7، من البحار: 15، 142، عن صحيفة الرضا، وعيون أخبار الرضا 203، بثلاثة أسانيد. وكذلك في المستدرك: 2، 338 وفي الحديث الثامن، من الباب معنعنا عنه (ص)، نقلا عن امالي الطوسي: من ساء خلقه عذب نفسه. وفي الحديث الاخير من الباب معنعنا، نقلا عن نوادر الراوندي (ره)، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله (ص): أبي الله لصاحب الخلق السيئ بالتوبة. فقيل: يارسول الله ! وكيف ذلك ؟ قال: لانه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم من الذنب الذي تاب منه. وهو الحديث السادس من الباب 69، من جهاد النفس، من المستدرك. ورواه في أصول الكافي معنعنا، عن الامام الصادق عن النبي (ص). وفي الحديث الاول من باب النوادر، من كتاب من لا يحضره الفقيه: 2، 334، معنعنا عن النبي (ص) في وصاياه لعلي (ع): يا علي لكل ذنب توبة الاسوء الخلق، فان صاحبه كلما خرج من ذنب دخل في ذنب، - الى ان قال (ص) - سوء الخلق شوم، وطاعة المرأة ندامة، الخ. وفي صحيفة الرضا، وعيون اخبار الرضا 199، معنعنا عنه (ع)، عن آبائه عليهم السلام، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عليكم بحسن الخلق، فان حسن الخلق في الجنة لا محالة، واياكم وسوء الخلق فان سوء الخلق في النار لا محالة وقال (ع): الاخلاق منايح من الله عزوجل، فإذا أحب عبدا منحه خلقا حسنا، وإذا ابغض عبدا منحه خلقا سيئا. ورواه أيضا في الحديث 13، من باب جهاد النفس، من المستدرك: 2، 338 عن الاختصاص. وفي الحديث العاشر، من الباب، نقلا عن ابي القاسم الكوفي في كتاب =========================================================================== [243] الاخلاق، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، انه قال: سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل. وفي الحديث الحادي عشر، من الباب، عن جامع الاخبار، عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال في حديث: وسوء الخلق زمام من عذاب الله في انف صاحبه، والزمام بيد الشيطان يجره الى الشر، والشر يجره الى النار. وفي الحديث الثامن، من الباب، عن أعلام الدين، عنه (ص): خلقان لا يجتمعان في مؤمن: الشح وسوء الخلق. وفي الحديث الرابع، من باب سوء الخلق، من البحار: 3، من 15، 142، عن قرب الاسناد، عن هارون، عن ابن صدقة، عن الصادق (ع)، عن أبيه (ع)، قال قال علي عليه السلام لابي أيوب الانصاري: يا أبا أيوب ! ما بلغ من كرم أخلاقك ؟ قال: لاأوذي جارا فمن دونه، ولا أمنعه معروفا أقدر عليه. ثم قال: مامن ذنب الا وله توبة وما من تائب الا وقد تسلم له توبته ماخلا سيئ الخلق لا يكاد (48) يتوب من ذنب الا وقع في غيره أشد (أشر خ) منه. وفي الحديث الثاني عشر، من الباب 69، من جهاد النفس، من مستدرك الوسائل: 2، 338، ط 1، نقلا عن جامع الاخبار، قال: سئل امير المؤمنين عليه السلام عن أدوم الناس غما. قال: أسوأهم خلقا. وفي الحديث الرابع عشر وتواليه، من الباب، نقلا عن الامدي في الغرر، عن امير المؤمنين عليه السلام، انه قال: سوء الخلق فكد العيش وعذاب النفس. وقال (ع): سوء الخلق يوحش النفس، ويرفع الانس. =========================================================================== (48) وفى الوسائل ج 6، ط 1، وج 11، من الطبعة الحديثة، ص 325، هكذا: لانه لا يتوب من ذنب الا وقع في غيره أشر منه. =========================================================================== [244] وقال (ع): سوء الخلق شؤم، والاساءة الى المحسن لؤم. وقال (ع): سوء الخلق يوحش القريب، وينفر البعيد. وقال (ع): كل داء يداوى الا سوء الخلق. وقال (ع) من ساء خلقه عذب نفسه. وعن ثقة الاسلام: الكليني رفع مقامه، في الحديث الاول، من باب سوء الخلق، من الكافي: 2، 321، وفي ط 1: 459، معنعنا عن الامام الصادق عليه السلام قال: ان سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل. وأيضا في الحديث الثالث، من الباب معنعنا عنه (ع): ان سوء الخلق ليفسد الايمان كما يفسد الخل العمل. وفي الحديث الرابع من الباب مسندا عنه (ع) قال: من ساء خلقه عذب نفسه. ورواه الصدوق (ره) في المجلس 27، من الامالي 124، بسند آخر، الا ان فيه: من اساء خلقه، الخ. وفي الحديث الخامس، من الباب 69، من جهاد النفس، من كتاب مستدرك الوسائل: 2، 338، ط 1، نقلا عن الخصال معنعنا، عن الامام الصادق (ع) قال: لا سؤدد لسيئ الخلق، الخير. وفي الحديث التاسع، من الباب، نقلا عن نزهة الناظر، عنه (ع) قال: لو علم سيئ الخلق انه يعذب نفسه لتسمح في خلقه. =========================================================================== [245] التعليق الثالث: في الاثار الدالة على ذم قلة الصبر والضجر. روى الصدوق (ره)، في الحديث الاول، من باب نوادر الفقيه: 4، 320، وفي ط، ج 2، ص 334، معنعنا انه قال رسول الله صلى الله عليه وآله في وصاياه لعلي (ع): يا علي لا تمزح فيذهب بهاؤك، ولا تكذب فيذهب نورك، واياك وخصلتين: الضجر والكسل، فانك ان ضجرت لم تصبر على حق، وان كسلت لم تؤد حقا - الى ان قال (ص) بعد جمل - من استولى عليه الضجر، رحلت عنه الراحة، الخ. وروى الصدوق (ره) أيضا، في كتاب علل الشرائع: ف 196، معنعنا عن علي (ع)، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: علامة الصابر في ثلاث: أولها ان لا يكسل، والثانية ان لا يضجر، والثالثة ان لا يشكو من ربه عزوجل، لانه إذا كسل فقد ضيع الحقوق، وإذا ضجر لم يؤد الشكر، وإذا شكا من ربه عزوجل فقد عصاه. ورواهما عنه في الوسائل 11، ط الحديث 320، وفي الحديث 62، من باب النوادر، من كتاب الفقيه: 4، 392، معنعنا عن الامام الكاظم عليه السلام انه قال لبعض ولده: يا بني اياك ان يراك الله عزوجل في معصية نهاك عنها، واياك ان يفقدك الله عند طاعة أمرك بها (49) وعليك بالجد، ولا تخرجن نفسك من التقصير عن عبادة الله، فان =========================================================================== (49) وهذا الصدر له مصادر عن غير واحد من المعصومين (ع). =========================================================================== [246] الله عزوجل لا يعبد حق عبادته، واياك والمزاح فانه يذهب بنور ايمانك، ويستخف بمروءتك، واياك والكسل والضجر، فانهما يمنعانك حظك من الدنيا والاخرة، ورواه في السرائر 473، عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب (ره). ورواه عنهما وعن الكافي في الوسائل وهامشه ج 11، ط الحديثة، ص 320. =========================================================================== [247] وقال عليه السلام في هذه الوصية: يا بني إياك والاتكال على الاماني فانها بضائع النوكى (32) وتثبيت عن الاخرة (33) ومن خير حظ المرء القرين الصالح، جالس أهل الخير تكن منهم، بائن أهل الشر ومن يصدك عن ذكر الله عزوجل، ذكر الموت بالاباطيل المزخرفة، والاراجيف الملفقة تبن منهم (34)، ولا يغلبن عليك سوء الظن بالله عزوجل، فانه لن يدع بينك وبين =========================================================================== (32) وهذه الفقرة قد تكررت في غير واحد من كلمه (ع) وذكرها أيضا في وصيته الى الامام المجتبى (ع) وأيضا من هنا الى آخر الوصية المباركة نقلها الصدوق (ره) متوالية الا أنه اسقط منها مالا مساس له بغرضه في مواضع منها. والاتكال: الاعتماد والركون. والاماني جمع الامنية، وهي الامال التي يتمناها الانسان من ادراك ما يشتهيه. والنوكي: جمع أنوك وهي كالحمقى والاحمق لفظا ومعنى جمعا وأفرادا. قال الشاعر: وكل الداء ملتمس دواء * وداء النوك ليس له دواء (33) التثبيت: التعويق. قال في لسان العرب: وثبته عن الامر كثبطه. وقوله (ع) عن الاخرة أي عن عملها. وقال الفيض (ره): وفى بعض النسخ: وتقنط عن الاخرة. والاول اظهر. (34) الاباطيل: الترهات، وهو جمع الباطل، بمعنى خلاف الحق، والاراجيف: الاخبار المختلقة السيئة، يقال: إذا وقعت المخاويف كثرت =========================================================================== [248] خليلك صلحا (35) أذك بالادب قلبك كما تذكي النار بالحطب (36)، فنعم العون الادب للخبرة، والتجارب لذي اللب (37). أضمم آراء الرجال بعضها إلى بعض، ثم اختر أقربها إلى الصواب، وأبعدها من الارتياب. =========================================================================== الاراجيف. والملفقة: المجتمعة. وقوله (ع): تبن منهم مجزوم بالطلب المتقدم، اعني بائن. (25) من اللوازم التي لا تنفك عن سوء الظن: الاضطراب وعدم الاستقرار على ما صدر منه من الرأي والعمل، فمن ساء ظنه مثله مثل الاطفال بيني فيعقبه بالهدم، ويعامل ثم يبطله بالفسخ، ويصادق فيبدلها المعاداة، ويعادي فتبدو له المحبة، وهكذا في جميع أعماله. قال الفيض (ره) قوله (ع): " وبين خليلك صلحا " اي وبين الله، أو المراد ان سوء الظن بخليلك لما لن يدع بينك وبين خليلك صلحا، فإذا ظننت بالله ظن السوء الن يدع بيبنك وبين الله صلحا. أو المراد بسوء الظن بالله بالنظر الى الاخوان، يعني إذا رأيت من خليل لك من اخوانك مخالفة لله عزوجل فنظن ان الله يعذبه فلا يمنك الصلح معه. (36) ذكى النار واذكاها: أي أوقدها وأشعلها. (37) كذا في النسخة، والمستفاد من كلام الفيض (ره) ان في نسخته: نحيزة بدل الخبرة، فانه قال: أي نور بالادب بمداومة الذكر ومراعاة الحياء قلبك، والنحيزة - بالنون المفتوحة ثم الحاء المهملة المكسورة ثم الزاء بعد المثناة التحتانية -: الطريقة والطبيعة. اقول: الخبر والخبرة - كالقفل والاربة - هو العلم بالشئ عن تجربة، وهما مصدران، وفعلهما كنصر، وقوله (ع) والتجارب، عطف على الادب، وقوله: لذي اللب قيد للخبرة والتجارب معا لا انه قيد ومتعلق لخصوص الاخير. =========================================================================== [249] يا بني لاشرف أعلى من الاسلام (38)، ولاكرم أعز من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولالباس أجمل من العافية، ولاوقاية أمنع من السلامة، ولاكنز أغنى من القنوع، ولامال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت، ومن أقتصر على بلغة الكفاف فقد إنتظم الراحة، وتبوأ خفض الدعة (39) الحرص داع إلى التفحم في الذنوب، (40) ألق عنك واردات الهموم بعزائم الصبر (41) عود نفسك الصبر، فنعم الخلق الصبر، وأحملها على ما أصابك من أهوال الدنيا =========================================================================== (38) من قوله (ع): يا بني لاشرف، الى قوله: الى التقحم في الذنوب، قد تواتر عنه (ع) ونقله السيد (ره) في المختار 371، من قصار النهج، وهو مذكور أيضا في اوائل الخطبة الوسيلة، وفى غيرها. (39) البلغة: الكفاية، واضافتها إليها بيانية. وخفض الدعة: سعة العيش والراحة. (40) التقحم: الدخول في الشئ بلا روية، والحريص كذلك، لان حرصه لا يدعه لان يقنع بالحلال، أو يتفكر في غاية ما يقدم عليه، ونتيجة ما يقبل إليه، فمهما خطر بباله نفع، أو تصور في ذهنه فائدة يهجم على اقتنائها. (41) أي بالمعزومات التي يجب الصبر عليها. أو المراد من عزائم الصبر: الجد والاستقامة، وانما عبر (ع) بلفظ الجمع للاعلام بانه يجب ان يجمع تمام جده، ويستقيم من جميع الجهات على الصبر. =========================================================================== [250] وهمومها، فاز الفائزون، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى (42)، فإنه جنة من الفاقة. وألجئ نفسك في الامور كلها إلى الله الواحد القهار، فانك تلجثها إلى كهف حصين، وحرز حريز ومائع عزيز، وأخلص المسألة لربك فان بيده الخير والشر والاعطاء والمنع والصلة والحرمان. =========================================================================== (42) اقتباس من الاية 101، من سورة 21. وقوله (ع) فاز الفائزون، اي بالصبر. =========================================================================== [251] وهنا فوائد الفائدة الاولى: في الاثار الواردة عن ائمة الهدى صلوات الله عليهم. في القرين الصالح ومن ينبغي مجالسته، فأقول: روى الشيخ الصدوق (ره) عن لقمان الحكيم انه قال لولده: يا بني كن عبدا للاخيار، ولا تكن ولدا للاشرار. وقال أيضا: يا بني جالس العلماء فزاحمهم بركبتيك، فان القلوب تحيا بالحكمة كما تحيا الارض الميتة بوابل المطر. وقال رسول الله (ص): أسعد الناس من خالط كرام الناس. وأيضا قال (ص): سائلوا العلماء، وخالطوا الحكماء، وجالسوا الفقراء. وأيضا قال صلى الله عليه وآله: الانبياء قادة، والفقهاء سادة، ومجالستهم زيادة، وأنتم في ممر الليل والنهار، في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتيكم بغتة، فمن يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرا يحصد ندامة. الحديث 11، من الباب 4، من كتاب العلم، من البحار: 1، 63. وقال صلى الله عليه وآله وسلم في اوائل وصاياه لعلي (ع): يا علي من لم تنتفع بدينه ولا دنياه فلا خير لك في مجالسته، ومن لا يوجب لك فلا توجب له ولاكرامة، الخ. وفي الحديث الثالث، من الباب الثالث، من كتاب العشرة، من اصول الكافي معنعنا، عن امير المؤمنين (ع) قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: انظروا من تحادثون، فانه ليس من أحد ينزل به الموت الا مثل =========================================================================== [252] (مثلث خ) له اصحابه الى الله (50) ان كانوا خيارا وان كانوا شرار فشرارا، وليس احد يموت الا تمثلت له عند موته. وفي الحديث الاول، من الباب معنعنا، عن امير المؤمنين (ع) قال: لا عليك ان تصحب ذا العقل وان لم يحمد (وان لم تجد خ) كرمه، ولكن انتفع بعقله، واحترس من سيئ اخلاقه، ولا تدعن صحبة الكريم وان لم تنتفع بعقله، ولكن انتفع بكرمه بعقلك، وافرر كل افرار من اللئيم الاحمق. ورواه في المختار 30، من قصار كلمه (ع) في تحف العقول، الا انه قال: وافرر الفرار كله من اللئيم الاحمق. وعنه (ع) معنعنا أن مجالسة الاشرار توجب سوء الظن بالاخيار. وقال (ع): أحيوا الطباع بمجالسة من يستحيا منه. كما في المحجة البيضاء ج 3، 314، نقلا عن احياء العلوم. وقال الامام السجاد عليه السلام: مجالسة الصالحين داعية الى الصلاح، وآداب العلماء زيادة في العقل، الخ. كما في وصايا الامام الكاظم (ع) لهشام بن الحكم من الكافي: 1، 20، وتحف العقول، 290. وفي الحديث الثاني، من الباب الثالث، من كتاب العشرة، من اصول الكافي معنعنا، عن الامام الباقر (ع) قال: إتبع من يبكيك وهو لك ناصح، ولا تتبع من يضحكك وهو لك غاش، وستردون على الله جميعا فتعلمون. وقال الامام الصادق عليه السلام: من غضب عليك من اخوانك ثلاث مرات فلم يقل فيك شرا فأتخذه لنفسك صديقا، البحار: 16، 48، الحديث 2، من الباب 12، عن امالي الصدوق. وفي الحديث 4، من الباب الثالث، من كتاب العشرة، من الكافي: =========================================================================== (50) وفي المحكي عن الوافى: الا مثل له اصحابه في الله، الخ. وهو اظهر. =========================================================================== [253] 2، 683، معنعنا عنه (ع) قال: عليك بالتلاد (51)، واياك وكل محدث لاعهد له ولا أمان ولا ذمة ولا ميثاق، وكن على حذر من أوثق الناس عندك. وحكي عن فصل الخطاب انه قال (ع): اياكم وصحبة العاصين، ومعونة الظالمين، ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم، وتباعدوا من ساحتهم. وقال الامام الكاظم عليه السلام، في وصاياه لهشام بن الحكم: مجالسة اهل الدين شرف الدنيا والاخرة، اياك ومخالطة الناس والانس بهم الا أن تجد منهم عاقلا ومأمونا فأنس به، واهرب من سائرهم كهربك من السباع الضارية، الخ. وقال الامام العسكري عليه السلام: خير أخوانك من نسب ذنبك إليه. وقال أيضا: خير أخوانك من نفسي ذنبك إليه، وذكر احسانك إليه (25). وعنهم عليهم السلام: ان كنت تحب أن تستتب لك النعمة (53) وتكمل لك المروءة، وتصلح لك المعيشة فلا تشرك العبيد والسفلة في أمرك، فانك ان ائتمنتهم خانوك، وان حدثوك كذبوك، وان نكبت خذلوك، ولا عليك ان تصحب ذا العقل فان لم تحمد كرمه انتفع بعقله، واحترز من سيئ الاخلاق، ولا تدع صحبة الكريم، وان لم تحمد عقله. ولكن تنتفع بكرمه بعقلك، وفر الفرار كله من الاحمق اللئيم. =========================================================================== (51) التلاد والتالد - نقيض الطارف -: المال القديم الاصلي. (52) كما في الحديث 35 و 53، مما اختار من كلمه (ع) في البحار: 17، 218. (53) يقال: استتب الامر اي استقام واطرد واستمر. =========================================================================== [254] الفائدة الثانية: في ما يناسب المقام من الاشعار. ونسب الى امير المؤمنين (ع) اشعار من جملتها هذه: فلا تصحبن الا تقيا مهذبا * عفيفا زكيا منجزا للمواعد وقارن إذا قارنت حرا مؤدبا * فتى من بني الاحرار زين المشاهد وكف الاذى واحفظ لسانك واتق * فديتك في ود الخليل المساعد وكل صديق ليس في الله وده * فناد عليه هل به من مزائد ونسب إليه (ع): تذلل لمن ان تذللت له * يرى ذاك للتفضل لاللبله وجانب صداقة من لا يزال * على الاصدقاء يرى الفضل له وأيضا نسب إليه (ع): هموم الرجال في امور كثيرة * وهمي من الدنيا صديق مساعد يكون كروح بين جسمين قسمت * فجسمهما جسمان والروح واحد وأيضا نسب إليه (ع): واحذر مصاحبة اللئام فانهم * منعوك صفو ودادهم وتصنعوا أهل المودة ما أنلتهم الرضا * وإذا منعت فسمهم لك منقع وما احسن ماقاله الشيخ امين الدين العروضي المحلي: عليك بارباب الصدور فمن غدا * مضافا لارباب الصدور تصدرا وإياك ان ترضى صحابة ناقص * فتحبط قدرا من علاك وتحقرا =========================================================================== [255] فرفع أبو من ثم جر مزمل (54) يبين قولي مغربا ومحذرا وقال آخر: تجنب صديقا مثل ما واحذر الذي * يكون كعمرو بين عرب وأعجم فان صديق السوء يزري وشاهدي * كما شرقت صدر القناة من الدم وقال آخر: إذا جمع الفتى حسبا ودنيا فلا تعدل به أبدا قرينا ولا تسمح بحظك منه بل كن بحظك من مودته ضنينا وقال آخر: عليك باخوان الثقات فانهم * قليل فصلهم دون من كنت تصحب وما الخدن الا من صفا لك وده * ومن هو ذو نصح وانت مغيب وقال آخر: فلا خير في الدنيا بغير تواصل * ولاعيش في العقبى بغير حبيب وقال آخر: امحض مودتك الكريم فانما * يرعى ذوي الاحسان كل كريم =========================================================================== (54) قوله: " فرفع أبو من " استشهاد لقوله: عليك بأرباب الصدور، الخ. واشارة الى ان العرب إذا قالوا: علمنا أبو من زيد ونحوه، يجرون على المضاف حكم المضاف إليه، ويعطون بعض خواص المجاور لما جاوره، ففي المثال لما أضافوا لفظة (أبو) الى كلمة (من) الواجبة التصدير المرفوعة، أجروا عليها حكمها فرفعوها، وان كان حقها النصب لكونها مفعولا لعلم، ولاجل اضافتها الى واجب التصدير اكتسبت الصدارة، فعلق علم عن العمل، واكتسبت أيضا الرفع فعدل عن النصب، فأبو من - مبتدأ، وزيد خبر - أو العكس - والجملة في محل نصب سادة مسد مفعولي علم. وقوله: " ثم جر مزمل " اشارة الى قول امرء القيس: كان أبانا في عرانين وبله * كبير اناس في بجاد مزمل حيث خفض مزمل لمجاورته للمخفوض وهو " بجاد " مع ان حقه الرفع لكونه صفة لكبير المرفوع. =========================================================================== [256] وتواخ أشراف الرجال مروءة * والموت خير من اخاء لئيم وقال آخر: إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم * ولا تصحب الاردى فتردى مع الردي عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدي وقال آخر: اصحب ذوي الفضل واهل الدين * فالمرء منسوب الى القرين =========================================================================== [257] الفائدة الثالثة: في الاثار الدالة على وجوب الفرار من الانذال والفساق ومن تشين مصاحبته، الواردة عن المعصومين (ع) المناسبة لقوله: بائن أهل الشر، الخ. فعن المسعودي (ره) عن عيسى بن مريم (ع) انه اوصى الى الحواريين وقال: ارضوا بزي الدنيا مع سلامة دينكم، كما رضي أهل الدنيا بزي الدين مع سلامة دنياهم، وتحببوا الى الله ببغض اهل المعاصي والبعد منهم. فقالوا: ومن نجالس يا روح الله ؟ فقال: من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الاخرة عمله. والذيل رواه أيضا في الكافي. وأيضا روى ثقة الاسلام (ره) في الكافي معنعنا، انه قال: ان صاحب الشر يعدي، وقرين السوء يردي، فانظر من تقارن. وأيضا روى ثقة الاسلام الكليني (ره) مسندا عن لقمان الحكيم، انه قال لابنه: يا بني لا تقترب فتكون ابعد لك، ولا تبعد فتهان، كل دابة تحب مثلها، وان ابن آدم يحب مثله، ولا تنشر بزك الا عند باغيه، كما ليس بين الكبش والذئب خلة كذلك ليس بين البار والفاجر خلة، من يقترب من الزفت (55) يعلق به بعضه، كذلك من يشارك الفاجر يتعلم من طرقه، من يحب المراء يشتم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم، ومن يقارن قرين السوء لا يسلم، ومن لا يملك لسانه يندم. وروي معلم الامة الشيخ المفيد (ره)، =========================================================================== (55) الزفت: القير. =========================================================================== [258] في الاختصاص 337، ط 2، انه قال لابنه في مواعظ له: يا بني لا تجاورن الملوك فيقتلوك، ولا تطعهم فتكفر، - الى ان قال -: يا بني اني نقلت الحجارة والحديد، فلم اجد شيئا اثقل من قرين السوء، يا بني انه من يصحب قرين السوء لا يسلم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم، - ثم ساق مواعظه الى ان قال -: يا بني اياك ومصاحبة الفساق، هم كالكلاب، ان وجدوا عندك شيئا أكلوه، والا ذموك وفضحوك، وانما حبهم بينهم ساعة، يا بني معاداة المؤمنين خير من مصادقة الفاسق، الخ. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: جالس الابرار فانك إذا فعلت خيرا حمدوك، وان اخطأت لم يعنفوك. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الصاحب رقعة في الثوب فلينظر الانسان بم يرقع ثوبه. وقال (ص): امتحنوا الناس باخوانهم. كما في العقد الفريد: 1، 309، و 337، ط 2. وقال معلم الامة الشيخ المفيد (ره)، في الحديث الاخير من كتاب الاختصاص: وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: اختبروا الناس فان الرجل يجاذب من يعجبه. وفي العقد الفريد: 1، 313، ط 2، عن النبي (ص): شر الناس من اتقاه الناس لشره. وقال (ص): إذا لقيت اللئيم فخالفه، وإذا لقيت الكريم فخالطه. وروى الصدوق (ره) عنه (ص) انه قال: أحكم الناس من فر من جهال الناس، وأسعد الناس من خالط كرام الناس. وفي الحديث 40، من المجلس الثامن عشر، من أمالي الشيخ، معنعنا عنه (ص) انه قال: المرء على دين خليله فلينظر احدكم من يخالل. =========================================================================== [259] ورواه الغزالي في الاحياء، وابو داود في سننه، كما في المحجة: 3، 309، ط 2. وروي عن فصل الخطاب انه قال الامام المجتبى عليه السلام: انظر الى كل من لا يفيدك منفعة في دينك فلاتعتدن به، ولا ترغبن في صحبته، فان كل ما سوى الله مضمحل وخيم عاقبة. وروى الصدوق (ره) في الباب، من كتاب معاني الاخبار 247، معنعنا عن الاصبغ بن نباته، عن حارث الاعور، قال قال علي للحسن ابنه عليهما السلام، في مسائله التي سأله عنها: يا بني ما السفه ؟ قال: اتباع الدناة، ومصاحبة الغواة. وقال (ع): إذا سمعت أحدا يتناول اعراض الناس فاجتهد ان لا يعرفك فان اشقى الاعراض به معارفه. وقال (ع) لبعض ولده: يا بني لاتواخ أحدا حتى تعرف موارده ومصادره. وقال السبط الشهيد عليه السلام: من علامات القبول الجلوس الى أهل العقول. وقال (ع): مجالسة أهل الدناءة شر، ومجالسة اهل الفسق ريبة. كما في البحار: 17، 149. وروى الصدوق (ره) مسندا عن الامام السجاد عليه السلام انه قال: ليس لك أن تقعد مع من شئت، لان الله تبارك وتعالى يقول: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، واما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مغ القوم الظالمين " (56) وليس لك ان تتكلم بما شئت لان الله عزوجل قال: " ولا تقف ما ليس =========================================================================== (56) الاية 67، من سورة الانعام. =========================================================================== [260] لك به علم " (57) ولان رسول الله (ص) قال: " رحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو صمت فسلم " وليس لك ان تسمع ما شئت لان الله عزوجل يقول: " ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا " (58). وعن ابي عمرو الكشي عنه (ع) انه كان يقول لبنيه: جالسوا أهل الدين والمعرفة، فان لم تقدروا عليهم فالوحدة آنس وأسلم، فان أبيتم الا مجالسة الناس، فجالسوا أهل المروءات، فانهم لا يرفثون في مجالسهم (59). وعن الامام الصادق، عن ابيه عليهما السلام قال: أردت سفرا فأوصى ابي علي بن الحسين (ع)، فقال في وصيته، اياك يا بني ان تصاحب الاحمق أو تخالطه، واهجره ولا تجادله، فان الاحمق هجنة عياب غائبا كان أو حاضرا، ان تكلم فضحه حمقه، وان سكت قصر به عينه، وان عمل أفسد، وان استرعي اضاع، لاعلمه من نفسه يغنيه، ولاعلم غيره ينفعه، ولا يطيع ناصحه، ولا يستريح مقارنه، تود امه ثكلته، وامرأته انها فقدته، وجاره بعد داره، وجليسه الوحدة من مجالسته، ان كان اصغر من في المجلس أعيى من فوقه، وان كان اكبرهم أفسد من دونه. الامالي. وعن الامام الصادق عليه السلام قال: كان أبي يقول: قم بالحق ولاتعرض لما نابك، واعتزل عما لا يعنيك، وتجنب عدوك، واحذر صديقك من الاقوام الا الامين الامين الذي خشي الله، ولا تصحب الفاجر ولا تطلعه على سرك. الاختصاص. =========================================================================== (57) الاية 35، من سورة الاسراء. (58) الاية 35، من سورة الاسراء. (59) رفث رفثا ورفثا (من باب ضرب ونصر وعلم) وأرفث في كلامه: أفحش. =========================================================================== [261] وفي الكافي معنعنا، عن الامام الصادق عليه السلام: لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المرء على دين خليله وقرينه. وفي الحديث 16، من باب النوادر، من الفقيه: 4، 282، قال (ع): احكم الناس من فر من جهال الناس، واسعد الناس من خالط كرام الناس، الخ. وقال المسعودي (ره) في اثبات الوصية: روي ان موسى مات بموت السبعين الذين اختارهم، فلذلك قال العالم (ع): لا تجالسوا المفتونين فينزل عليهم العذاب فيصيبكم معهم. وقال الامام الكاظم عليه السلام: من لم يجد للاساءة مضضا، لم يكن للاحسان عنده موقع. وقال الامام الجواد عليه السلام: اياك ومصاحبة الشرير فانه كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح أثره. وقال الامام العسكري عليه السلام: اللحاق بمن ترجو خير من المقام مع من لا تأمن شره. وان أردت المزيد فارجع الى الباب الرابع، والخامس، والخامس عشر، من البحار ج 1، فان فيها شواهد لا تحصى. =========================================================================== [262] الفائدة الرابعة: في بعض ما قيل في المقام من الشعر. نسب الى امير المؤمنين عليه السلام: إذا المرء لم يحسن مع الناس عشرة * وكان بجهل منه بالمال معجبا ولم تره يقضي الحقوق فانه * حقيق بأن يقلى وأن يتجنبا وقال عليه السلام علي ما في المحجة: 3، 310، نقلا عن احياء العلوم: فلا تصحب اخا الجهل * واياك واياه فكم من جاهل اردى * حكيما حين آخاه يقاس المرء بالمرء * إذا ما هو ماشاه وللشئ على الشئ * مقاييس واشباه وللقلب على القلب * دليل حين يلقاه وروى عن ايوب بن سليمان قال حدثنا أبان بن عيسى، عن عن ابيه، عن ابن القاسم قال: بينما سليمان بن داود عليهما السلام تحمله الريح إذ مر بنسر واقع على قصر، فقال له: كم لك مذ وقعت ههنا ؟ قال: سبعمأة سنة. قال: فمن بنى هذا القصر ؟ قال: لاادري، هكذا وجدته. ثم نظر فإذا فيه كتاب منقور بأبيات من شعر، وهي: خرجنا من قرى اصطخر * الى القصر فقلناه فمن يسأل عن القصر * فمبنيا وجدناه فلا تصحب اخا السوء * واياك واياه فكم من جاهل أردى * حكيما حين آخاه يقاس المرء بالمرء * إذا ما المرء ماشاه =========================================================================== [263] وفي الناس من الناس * مقاييس واشباه وفي العين غنى للعين * أن تنطق أفواه وقال آخر: لاخير في صحبة خوان * يأتي من العذر بألوان فلعنة الله على صاحب * له لسانان ووجهان وقالوا: كل الف الى الفه ينزع. قال الشاعر: فاعتبر الارض باسمائها * واعتبر الصاحب بالصاحب وقال آخر: والالف ينزع نحو الالفين كما * طير السماء على الافها تقع وقال أبو عمرو بن العلاء رحمه الله: لكل امرء شكل من الناس مثله * فأكثرهم شكلا أقلهم عقلا لان صحيح العقل لست بواجد * له في، طريق حين تفقده شكلا وقال امرؤ القيس: أجارتنا انا غريبان ههنا * وكل غريب للغريب نسيب وقال آخر: اني لامن من عدو عاقل * وأخاف خلا يعتريه جنون فالعقل فن واحد وطريقه * أدرى وأرصد والجنون فنون وعن غير واحد من علماء الامامية واهل السنة معنعنا ومرسلا، عن يونس بن حبيب النحوي - وكان عثمانيا - قال: قلت للخليل بن احمد: اريد أن اسألك عن مسألة فتكتمها علي ؟ قال: ان قولك يدل على ان الجواب اغلظ من السؤال فتكتمه أنت ايضا ؟ قال: قلت: نعم ايام حياتك. قال: سل. قلت: ما بال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ورحمهم كأنهم =========================================================================== [264] كلهم بنو ام واحد، وعلي بن ابي طالب من بينهم كأنه ابن علة ؟ (60) قال: من أين لك هذا السؤال ؟ قال قلت: وعدتني الجواب. قال: قد ضمنت الكتمان. قال قلت: ايام حياتك. فقال: ان عليا عليه السلام تقدمهم اسلاما، وفاقهم علما، وبذهم شرفا، ورجحهم زهدا، وطالهم جهادا، فحسدوه، والناس الى اشكالهم واشباههم أميل منهم الى من بان منهم، فأفهم. وروى الصدوق (ره)، عن ابي زيد الانصاري قال: سألت الخليل ابن احمد العروضي: لم هجر الناس عليا، وقربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قربه، وموضعه من المسلمين موضعه، وعناؤه في الاسلام عناؤه ؟ فقال: بهر والله نوره انوارهم، وغلبهم على صفو كل منهل، والناس الى أشكالهم أميل، أما سمعت الاول حيث يقول: وكل شكل لشكله الف * أما ترى الفيل يألف الفيلا قال الصدوق: وأنشدنا الرياشي في معناه عن العباس بن الاحنف: وقائل كيف تهاجرتما * فقلت قولا فيه انصاف لم يك من شكلي فهاجرته * والناس اشكال والاف =========================================================================== (60) ابن علة يقال لاولاد من امهات شتى. =========================================================================== [265] الفائدة الخامسة: فيما يتعلق بقوله عليه السلام: " أذك بالادب قلبك، الخ " وبيان حقيقة الادب. قيل: الادب يطلق على العلوم والمعارف مطلقا. وقيل: الادب اسم لخصوص المستظرف من العلوم ولا يطلق على غيره. وقالوا: الفرق بين الاديب والعالم أن الاديب من يأخذ من كل شئ أحسنه، والعالم من يقصد بفن من العلم فيتعلمه. ولذلك قال علي عليه السلام: العلم اكثر من أن يحصى فخذوا من كل شئ أحسنه. وقيل: الادب هو الصبر على الغصة حتى تدرك الفرصة. أقول: الادب عند أهل الدنيا والذين ضل سعيهم في حياتها وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا عبارة عن تزيين الاقوال الكاذبة بالفاظ طريفة، وتحسين الكلمات الفارغة بعبارات ظريفة، وجذب القلوب بأكاذيب الاشعار، وسحر النفوس بتنميق المقال، وتحبير البيان. وأما أهل المعنى والروحانيون فالادب عندهم عبارة عن رياضة النفس على التخلق بمكارم الاخلاق، والتجنب عن مساويها، والتحلي بمحامد الاوصاف، والتخلي عن رذائل السجايا. أو الادب عندهم هو الملكة الحاصلة من الرياضة المذكورة. وأياما كان فلا خفاء في أن الادب بالمعنى المذكور أحسن عون ومساعد للطبيعة الانسانية، أو لذوي العقول على تحصيل العلم بالاشياء عن تجربة واختبار. فحاصل مراده (ع) من قوله: أذك بالادب قلبك، الخ. أن اشتعال القلب وضياءه بالادب والاشتمال بمعالي الصفات، والاجتناب عن السفاسف. =========================================================================== [266] إذا تمهد هذا فلنذكر بعض الاثار الواردة عن المعصومين عليهم السلام وغيرهم في الادب فنقول: روى في معجم الادباء: ج 1، 38، وكذلك روى ابن مسكويه في جاويدان خرد (الحكمة الخالدة) ص 105، وفي هامشه نقل عن الجامع الصغير: 3، 256، وعن الترمذي والحاكم في المستدرك: انه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نحل والد ولده افضل من أدب حسن. ولما نزلت قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا قوا انفسكم واهليكم نارا " قالوا: يارسول الله كيف نقي انفسنا واهلينا ؟ قال: اعملوا الخير وذكروا به اهليكم، فأدبوهم على طاعة الله. دعائم الاسلام: 1، 82. وروى اليعقوبي (ره) عن امير المؤمنين (ع) انه قال: يا معشر الفتيان حصنوا اعراضكم بالادب، ودينكم بالعلم. وقال عليه السلام - على ما في سفينة البحار وكنز الفوائد -: كفى بك أدبا لنفسك تركك ما كرهته لغيرك. وفي المختار 54، من قصار النهج: لاغنى كالعقل، ولافقر كالجهل، ولا ميراث كالادب، الخ. وفي المختار 113، لامال اعود من العقل، ولا وحدة اوحش من العجب، ولاعقل كالتدبير، ولاكرم كالتقوى، ولاقرين كحسن الخلق، ولا ميراث كالادب، الخ. وفي المختار 365،: وكفى أدبا لنفسك تجنبك ما كرهته لغيرك. وفي المختار 412، كفاك أدبا لنفسك اجتناب ما تكرهه من غيرك. وقال (ع) في وصيته للحسن (ع): العاقل يتعظ بالاداب، والبهائم لاتنعظ الا بالضرب، الخ. وقال (ع) في المختار الرابع من القصار: نعم القرين الرضا، والعلم وراثة كريمة، والاداب حلل مجددة، والفكر مرآة صافية. =========================================================================== [267] وعنهم عليهم السلام: خير ما ورث الاباء لابنائهم الادب. وقال داود لابنه سليمان: اجعل العلم مالك والادب حليتك. كما في مجمع البحرين والعقد الفريد: 1، 264، ط 2. وقال لقمان الحكيم لابنه: يا بني ان تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا، ومن عني بالادب اهتم به، ومن اهتم به تكلف علمه، ومن تكلف علمه اشتد له طلبه، أدرك به منفعة، فأتخذه عادة، واياك والكسل منه والطلب لغيره، وان غلبت على الدنيا فلا تغلبن على الاخرة، الخ. البحار: 17، 267. وقال الامام الصادق عليه السلام: اربع خصال يسود بها المرء: العفة والادب والجود والعقل. وقال أيضا: لامال أعود من العقل، ولا مصيبة أعظم من الجهل، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولاورع كالكف، ولا عبادة كالتفكر، ولا قائد خير من التوفيق، ولاقرين خير من حسن الخلق، ولا ميراث خير من الادب. الحديث 397 و 415، من الاختصاص 244 و 246. وروى ثقة الاسلام (ره) معنعنا عنه (ع) في الحديث 132، من روضة الكافي انه قال: ان خير ما ورث الاباء لابنائهم الادب لا المال، فان المال يذهب، والادب يبقى. قال مسعدة: يعني بالادب العلم. قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: ان أجلت في عمرك يومين فأجعل أحدهما لادبك، لتستعين به على يوم موتك، فقيل له: وما تلك الاستعانة ؟ قال: تحسن تدبير ما تخلف وتحكمه. وقال (ع): لا يزال العبد المؤمن يورث أهل بيته العلم والادب الصالح حتى يدخلهم الجنة جميعا، حتى لا يفقد منهم صغيرا ولا كبيرا ولا خادما ولاجارا، ولا يزال العبد العاصي يورث اهل بيته الادب السيئ حتى يدخلهم الناس جميعا حتى لا يفقد فيها من أهل بيته صغيرا ولا كبيرا ولا خادما ولاجارا. الحديث 14، من باب الرغائب في العلم، =========================================================================== [268] من دعائم الاسلام: 1، 82. واما ما ورد عن الحكماء والعظماء فكثير أيضا. قال أرسطا طاليس: ليت شعري أي شئ فات من أدرك الادب، وأي شئ أدرك من فانه الادب ؟ ! وقال أفلاطون: بعد الجاهل أن يلتحم به الادب، كبعد النار أن تشتعل بالماء، فإذا رأيت المستمع غير قابل أثر الحكمة فلا تطمع في صلاحه. وقال ارسطا طاليس في آدابه التي كتبها وكان يعلمها الاسكندر: إذا ثم العقل التحم به الادب، كالتحام الطعام بالجسد الصحيح، فهو يغذوه ويربيه، وإذا نقص العقل نبا عنه ما يسمع من الادب، كما نبا عن المصفور (61) ما أكل من الطعام، وان آثر الجاهل ان يحفظ شيئا من الادب، تحول ذلك الادب فيه جهلا، كما يتحول ما خالط جوف المريض من طيب الطعام داء، فإذا كان الامر على هذا، فأحمد العقلاء من كان عقله من صحة طبيعة وكان رأيه عن سبب معرفة، وعلمه من قبل حجة، وزين منطقه من صدق مقال، وحسن عمله من حسن نية، وحسن أدبه من فضل رغبة، وحسن عطائه عن سماح نحيزة (62)، واداء أمانته عن صدق عفاف، واجتهاد سعيه في قصد سبيل، ثم وصل الطبيعة بحسن العادة، وذكاء العقل بشدة الفحص، ونفاذ الرأي بدرك المنافع، وصدق المنطق بحسن الادب، وحسن الادب بكثرة التعهد، وكثرة العطاء بصواب الموضع، واجتهاد العسي بشدة الورع، الخ. وقال بزرجمهر: من كثر أدبه كثر شرفه وان كان وضيعا، وبعد صوته =========================================================================== (61) صفر الرجل - بالبناء للمجهول -: اجتمع في بطنه الصفار، فهو مصفور، والصفار حية في البطن تلتصق بالضلوع فتعضها عند الجوع. وقيل: حيوان آخر بعض الضاوع والشراسيف. وقيل: دود في البطن. (62) النحيزة كالطبيعة لفظا ومعنى. =========================================================================== [269] وان كان خاملا (63) وساد وان كان غريبا، وكثرت الحاجة إليه وان كان فقيرا. وقيل: عليكم بالادب فانه صاحب في السفر ومؤنس في الحضر، وجليس في الوحدة، وجمال في المحافل، وسبب الى طلب الحاجة. وقيل: الادب الصالح خير من الشرف المضاعف. وقال أبو نواس: ما استكثر أحد من شئ الا مله وثقل عليه الا الادب، فانه كلما استكثر منه كان أشهى له وأخف عليه. وقال: الشره في الطعام دناءة، وفي الادب مروءة. وقيل: الاديب نسيب الاديب. وقال ابن السكيت (ره): خذ من الادب ما يعلق بالقلوب، وتشتهيه الاذان، وخذ من النحو ما تقيم به الكلام، ودع الغوامض، وخذ من الشعر ما يشتمل على لطيف المعاني، واستكثر من اخبار الناس وأقاويلهم وأحاديثهم ولا تولعن بالغث منها. (64) وقال أبو عمرو ابن العلاء (ره): قيل لمنذر بن واصل: كيف شهوتك للادب ؟ فقال: اسمع بالحرف منه لم اسمعه فتود أعضائي ان لها اسماعا تتنعم مثل ماتنعمت الاذان، قيل: وكيف طلبك له ؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره. قيل: وكيف حرصك عليه ؟ قال: حرص الجموع المنوع على بلوغ لذته في المال. وقال الاصمعي: قال لي أعرابي: ما حرفتك ؟ قلت: الادب. قال: نعم الشئ فعليك به، فانه ينزل المملوك في حد الملوك. وقال أو شهنج في وصاياه لولده: ثلاث ليس معهن غربة: حسن =========================================================================== (63) الصوت بمعنى الصيت، وهو الذكر الحسن والسمعة. (64) الغث: الردي. =========================================================================== [270] الادب، وكف الاذى، واجتناب الريب، الخ. واوصى رجل بنيه فقال: يا بني أصلحوا من ألسنتكم، فان الرجل تنوبه النائبة، يحتاج أن يتجمل فيها (65) فيستعير من اخيه دابة، ومن صديقه ثوبا، ولا يجد من يعيره لسانا. وقال آخر: الادب مال، واستعماله كمال. وقيل: أدب المرء خير من ذهبه. وقيل لشريف ناقص الادب: ان شرفك بأبيك لغيرك، وشرفك بنفسك لك، فأفرق بنى مالك ومالغيرك، ولا تفرح بشرف النسب فانه دون شرف الادب. وأما ما قيل في الادب من الشعر فغير معدود، ومما نسب الى امير المؤمنين عليه السلام من المنظوم في الموضوع قوله: حرض بنيك على الاداب في الصغر * كيما تقر بهم عيناك في الكبر وانما مثل الاداب تجمعها * في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر هي الكنوز التي تنمو ذخائرها * ولا يخاف عليها حادث الغير ان الاديب إذا زلت به قدم * يهوى الى فرش الديباج والسرر الناس اثنان ذو علم ومستمع * واع وسائرهم كاللغو والعكر وأيضا نسب إليه (ع): كن ابن من شئت واكتسب أدبا * يغنيك محموده عن النسب فليس يغني الحسيب نسبته * بلا لسان له ولا أدب ان الفتى من يقول ها أناذا * ليس الفتى من يقول كان أبي =========================================================================== (65) أي يظهر بمظهر الجمال ابتغاء سرور المحبين واتقاء شماتة الشامتين، قال الشاعر: وإذا تصبك خصاصة فتجمل. =========================================================================== [271] وأيضا نسب إليه (ع): ليس الجمال بأثواب تزينها * ان الجمال جمال العلم والادب ليس اليتيم الذي قد مات والده * ان اليتيم يتيم العقل والحسب وأيضا نسب إليه (ع): أيها الفاخر جهلا بالنسب * انما الناس لام ولاب هل تراهم خلقوا من فضة * أم حديد ام نحاس ام ذهب هل تراهم خلقوا من فضلهم * هل سوى لحم وعظم وعصب انما الفخر لعقل ثابت * وحياء وعفاف وادب وأيضا نسب إليه (ع): أدبت نفسي فما وجدت لها * بغير تقوى الاله من ادب، الخ وما احسن ما قال الشاعر: وإذا الهموم تضيقتك ولم تجد * احدا ومل فؤادك الا حبابا فاعمد الى الكتب التي قد ضمنت * اوراقها الاشعار والادابا فهي التي تنفي الهموم ولم تجد * أحدا له أدب يمل كتابا وقال آخر: أرى العلم نورا والتأدب حلية * فخذ منهما في رغبة بنصيب وليس يتم العلم في الناس للفتى * إذا لم يكن في علمه بأديب وقال آخر: ذخائر المال لا تبقى على أحد * والعلم تذخرة يبقى على الابد والمرء يبلغ بالاداب منزلة * يذل فيها له ذو المال والعقد وقال آخر: ان الجواهر درها ونضارها (66) هن الفداء لجوهر الاداب =========================================================================== (66) النضار: الذهب والفضة. قيل: وقد غلب على الذهب. =========================================================================== [272] فإذا اكتنزت أو ادخرت ذخيرة * تسمو بزينتها على الاصحاب فعليك بالادب المزين أهله * كيما تفوز ببهجة وثواب فلرب ذي مال تراه مبعدا * كالكلب ينبح من وراء حجاب وترى الاديب وان دهته خصاصة * لا يستخف به لدى الا تراب (67) وقال آخر: ما وهب الله لامرئ هبة * أحسن من عقله ومن أدبه هما جمال الفتى فان فقدا * ففقده للحياة أجمل به. وقال البستي: من شاء عيشا رخيا يستفيد به * في دينه ثم في دنياه اقبالا فلينظرن الى ما فوقه أدبا * ولينظرن الى ما دونه مالا وقال آخر: ولم أر عقلا صح الا بشيمة (68) * ولم أر علما صح الا على أدب وقال آخر: لكل شئ حسن زينة * وزينة العالم حسن الادب قد يشرف المرء بآدابه * فينا وان كان وضيع النسب وقال آخر: من كان مفتخرا بالمال والنسب * فأنما فخرنا بالعلم والادب لاخير في رجل حر بلا أدب * لالا، كان منسوبا الى العرب وقال آخر: لافقر اكبر من فقر بلا أدب * ليس اليسار بجمع المال والنشب (69) =========================================================================== (67) دهته، أي اصابته، والخصاصة: الاحتياج، والا تراب - جمع ترب -: من كان في سنك. (68) الشيمة: الخلق والسجية. (69) النشب: العقار والمال. =========================================================================== [273] ما المال الا جزازات (70) ملفقة * فيها عيون من الاشعار والخطب وقال آخر: كم من خسيس وضيع القدر ليس له * في العز أصل ولا ينمى الى حسب قد صار بالادب المحمود ذا شرف * عال وذا حسب محض وذا نسب وقال البحتري: رأيت القنوع على الاقتصاد * قنوعا به (71) ذلة في العباد وعز بذي أدب أن يضيق * بعيشته وسع هذي البلاد إذا ما الاديب ارتضى بالخمول * فما الحظ في الادب المستفاد وفي الحديث 20، من المجلس 14، من امالي الشيخ معنعنا: انشدني بعض أصحابنا شعرا: اجعل تلادك في المهم * من الامور إذا أقترب حسن التصبر ما استطعت * فانه نعم السبب لاتسه عن أدب الصغير * وان شكا الم التعب ودع الكبير لشأنه * كبر الكبير عن الادب لا تصحب النطف المريب * فقربه احدى الريب واعلم بان ذنوبه * تعدي كما يعدي الجرب وقال آخر: إذا لم يكن للمرء عقل يزينه * ولم يك ذا رأي سديد ولا أدب فما هو الا ذو قوائم أربع * وان كان ذا مال كثير وذا حسب =========================================================================== (70) جزازات، جمع جزازة، وهي من كل شئ ما يسقط منه عند جزه. (71) قنوعا حال، ويحتمل ان يكون مفعولا لاجله. =========================================================================== [274] الفائدة السادسة: البحث حول قوله (ع): " أضم أراء الرجال بعضها الى بعض، لخ " أقول: هذا القول واشباهة ترغيب منه عليه السلام في المشاورة، وحث على الاجتماع مع أرباب العقول الثاقبة، والحلوم الزاكية لاجالة الرأي، والمفاهمة، واصطفاء أصوب الفكرين، وأصح الرايين، وأتقن النظرين، ليتوصل به الى جلب المنافع، ودفع المضار، لاسيما عند انقلاب وضع الناس، وتبدل سيرتهم، وطرو الحوادث المدهشة، وهذا أمر ارتكازي قد أطبقت العقلاء عليه كافة، ولكن لاجل عروض دواعي الانحراف على العقلاء من العجب والتكبر وغيرهما واهمالهم هذا الامر الخطير، أو استنتاج المصالح الشخصية أو الدنيوية المضادة للمصالح الاخروية منه، حض الشارع المقدس عليه مع شرائط استعماله وبيان ما ينبغي أن يستعمل فيه. فخاطب نبيه (ص) ارشادا الى ما هو المعروف بينهم من قولهم: " اياك أعني واسمعي يا جارة " وتعليما للموحدين، وتأليفا لقلوبهم، فقال في الاية 153، من سورة آل عمران: " وشاورهم في الامر، فإذا عزمت فتوكل على الله، الخ " ووصف الله المؤمنين ملحا لهم بقوله في الاية 36، من سورة الشورى: " وأمرهم شورى بينهم، الخ ". وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما شقي عبد قط بمشورة، ولاسعد بأستغناء رأي. وقال (ص): إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الارض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، ولم يكن أمركم شورى بينكم، فبطن =========================================================================== [275] الارض خير لكم من ظهرها. وقال (ص): المستشار مؤتمن، والمستشير معان. وقال (ص): ما خاب من استخار، ولاندم من استشار. رواها بأجمعها جمال المفسرين أبو الفتوح الرازي (ره) في تفسيره، والحديث الاخير رواه أيضا في العقد الفريد: 1، 33، ط 2. وفي الحديث 66، من باب النوادر، من الفقيه: 4، 293 معنعنا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي لا تشاورن جبانا فانه يضيق عليك المخرج، ولا تشاورن بخيلا فانه يقصر بك عن غايتك، ولا تشاورن حريصا، فانه يزين لك شرها، واعلم ان الجبن والبخل والحرص غريزة يجمعها سوء الظن. وقال لقمان الحكيم في مواعظه لابنه: يا بني شاور الكبير، ولا تستحي من مشاورة الصغير، الخ (72). وروى البرقي عن النبي (ص) معنعنا انه اوصى عليا (ع)، وقال له فيما قال: لا مظاهرة اوثق من المشاورة، ولاعقل كالتدبير. المحاسن 600، ط 1، ورواه عنه في الوسائل: 5، 424، في الحديث 1، من الباب 21، من أحكام العشرة. وعن النبي (ص): الحزم ان تستشير ذا الرأي وتطيع أمره. الحديث الرابع، من الباب 20، من ابواب احكام العشرة، من المستدرك: 2، 65. وعن مجالس ابن الشيخ (ره) معنعنا، قال قال النبي صلى الله عليه وآله: استرشدوا العاقل ولا تعصوه فتندموا. وعن اعلام الدين عنه (ص): قال: إذا شاور عليك العاقل الناصح فاقبل، واياك والخلاف عليهم فان فيه الهلاك (73). =========================================================================== (72) الاختصاص للشيخ المفيد (ره) ص 338، ط 2. (73) الحديث الثالث والرابع، من المستدرك: 2، 65. =========================================================================== [276] وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله، فقيل له: ما الحزم ؟ قال: مشاورة ذوي الرأي واتباعهم. رواه في الحديث 1، من الباب 21، من أبواب احكام العشرة، من الوسائل: 5، 424، عن المحاسن 601. وقال امير المؤمنين عليه السلام: استشر اعداءك تعرف من رأيهم مقدار عداوتهم ومواضع مقاصدهم. وفي المختار 161، من قصار نهج البلاغة: من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها. وفي المختار 54، منها: ولا ظهير كالمشاورة. وفي المختار 113، منها قال (ع): ولا مظاهرة اوثق من المشاورة. وفي المختار 211، من القصار: والاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، الخ. وقال (ع) في وصيته الى الامام المجتبى (ع): واياك ومشاورة النساء، فان رأيهن الى أفن، وعزمهن الى وهن، الخ. وفي الحديث الاربعمأة قال (ع): ما عطب امرء استشار. وروى العياشي عنه (ع) انه قال: من لم يستشر يندم. الحديث 1 و 2، من الباب 20، من احكام العشرة، من المستدرك: 2، 65. وفي كنز الفوائد، للعلامة الكراجكي (ره) ص 171، ط 1، عنه (ع): لا رأي لمن انفرد برأيه. وقال أيضا: ما عطب من استشار. وقال (ع): من شاور ذوي الالباب دل على الرشاد. وروى البرقي (ره) في المحاسن 601، ط 1، عن الامام الباقر عليه السلام معنعنا، انه قال: في التوراة اربعة اسطر: من لا يستشر يندم، والفقر الموت الاكبر، كما تدين تدان، ومن ملك استأثر. ورواه عنه في =========================================================================== [277] الحديث 3، من الباب 21، من أحكام العشرة من الوسائل: 5، 424. وقال الامام الصادق عليه السلام: استشر العاقل من الرجال الورع، فانه لا يأمر الا بخير، واياك والخلاف، فان خلاف الورع العاقل مفسدة في الدين والدنيا. وقال (ع): ما يمنع احدكم إذا ورد عليه مالاقبل له به أن يشتشير رجلا عاقلا له دين وورع. ثم قال (ع): أما انه إذا فعل ذلك لم يخذله الله، بل يرفعه الله، ورماه بخير الامور، وأقربها الى الله. وقال أيضا: ان المشورة لا تكون الا بحدودها، فمن عرفها بحدودها، والا كانت مضرتها على المستشير أكثر من منفعتها له، فأولها ان يكون الذي يشاوره عاقلا، والثانية ان يكون حرا متدينا، والثالثة ان يكون صديقا مواخيا، والرابعة ان تطلعه على سرك فيكون علمه به كعلمك بنفسك ثم يستر ذلك ويكتمه، فانه إذا كان عاقلا انتفعت بمشورته، وإذا كان حرا متدينا جهد نفسه في النصيحة لك، وإذا كان صديقا مواخيا كتم سرك إذا أطلعته عليه، وإذا أطلعته على سرك فكان علمه به كعلمك تمت المشورة وكملت النصيحة، الخ (74). * (الهامش) * (74) المحاسن للبرقي (ره) ص 601، ط 1، ورواها بأجمعها عنه في الحديث 5، الى 8، من الباب 22، من احكام العشرة من الوسائل: 5، 426، الطبعة الحديثة، وبهذا وأمثاله مما بين فيه شرائط المشورة وحدودها يتضح بطلان ما يحكي عن عبد الملك بن صالح الهاشمي من قوله: ما استشرت واحدا قط الا تكبر علي، وتصاغرت له، ودخلته العزة، ودخلتني الذلة، فاياك والمشورة، وان ضاقت عليك المذاهب، واستشبهت عليك المسائل، وأداك الاستبداد الى الخطاء الفادح. وما قال عبد الله بن طاهر: ماحك جلدك مثل ظفرك، ولئن أخطئ مع الاستبداد الف خطأ أحب الي من ان استشير أرى بعين النقص والحاجة. وكان يقال: الاستشارة اذاعة السر، ومخاطرة بالامر الذي ترومه بالمشورة، فرب مستشار اذاع عنك ماكان فيه فساد تدبيرك. =========================================================================== [278] وقال (ع): المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل. وقال (ع): لاتشر على المستبد برأيه. وعنه (ع): من استشار أخاه فلم يمحضه محض الرأي سلبه الله عزوجل رأيه. رواه البرقي (ره) في المحاسن 602. وروى أيضا معنعنا عنه (ع) في المحاسن 601، انه قال: لن يهلك امرؤ عن مشورة. ورواهما عنه، في الحديث 4، من الباب 21 و 22، من احكام العشرة، من الوسائل: 5، 424 و 427. وعن الشهيد (ره) في الدرة الباهرة، قال قال الامام الكاظم عليه السلام: من استشار لم يعدم عند الصواب مادحا، وعند الخطاء عاذرا. الحديث 6، من الباب 20، من احكام العشرة، من مستدرك الوسائل: 2، 65. =========================================================================== [279] الفائدة السابعة: في ماقاله الحكماء والعظماء في المشاورة سئل بعض الحكماء: اي الامور أشد تأييدا للعقل، وأيها اشد اضرارا به ؟ فقال: أشدها تأييدا له ثلاثة أشياء: مشاورة العلماء، وتجربة الامور، وحسن التثبت، وأشدها اضرارا به ثلاثة أشياء: الاستبداد، والتهاون، والعجلة. وأشار حكيم على حكيم برأي فقال: لقد قلت بما يقول الناصح الشفيق الذي يخلط حلو كلامه بمره، وسهله بوعره، ويحرك الاشفاق منه ما هو ساكن من غيره، وقد وعيت النصح وقبلته إذ كان مصدره عند من لا يشك في مودته، وصفاء غيبه، ونصح حبيبه، ومازلت بحمد الله الى الخير طريقا واضحا، ومنارا بينا. وقال أو شنهج في وصاياه للملوك وولده: اربع خصال ضعة في الملوك والاشراف: التعظم، ومجالسة الاحداث والنساء، ومشاورتهن، وترك ما يحتاج إليه من الامور فيما يعمله بيده ويحضره بنفسه، لا يكون الملك ملكا حتى يأكل من غرسه، ويلبس من طرازه، وينكح من تلاده، ويركب من نتاجه، واحكام هذه الامور بالتدبير، والتدبير بالمشورة، والمشورة =========================================================================== [280] الوزراء الناصحين المستحقين لرتبهم، الخ. واوصى ابن هبيرة ولده، فقال: لا تكن اول مشير، واياك والرأي الفطير، ولاتشر على مستبد، فان التماس موافقته لؤم، والاستماع منه خيانة. وكان ابن ظرب حكيم العرب يقول: دعوا الرأي يغب حتى يختمر، واياكم والرأي الفطير. وكان المهلب يقول: ان من البلية أن يكون الرأي بيد من يملكه دون من يبصره. وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم. قال: نحن ألف رجل، وفينا حازم واحد، فنحن نشاوره فكأنا الف حازم. وقال ابن ابي الحديد في شرح المختار 161، من قصار النهج: واما المادحون للمشورة فكثير جدا، وقالوا: خاطر من استبد برأيه. وقالوا: المشورة راحة لك وتعب على غيرك. وقالوا من اكثر من المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا، وعند الخطاء عاذرا. وقالوا: المستشير على طرف النجاح، والاستشارة من عزم الامور. وقالوا: المشورة لقاح العقول ورائد لصواب. ومن الفاظهم البديعة: ثمرة رأي المشير أحلى من الارى المشور. (75) وقيل: إذا استشرت انسانا صار عقله لك. وقال اعرابي: ماغبنت قط حتى يغبن قومي. قيل: وكيف ذاك ؟ قال لاافعل شيئا حتى أشاورهم. وقيل: من أعطى الاستشارة لم يمنع الصواب، ومن اعطى الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطى الشكر لم يمنع المزيد. وفي اداب ابن المقفع: لا يقذفن في روعك أنك إذا استشرت الرجال =========================================================================== (75) الارى - كفلس -: العسل. والمشور: المستخرج. =========================================================================== [281] ظهر منك للناس حاجتك الى رأي غيرك فيقطعك ذلك عن المشاورة، فانك لا تريد الرأي للفخر، ولكن للانتفاع به، ولو انك أردته للذكر، لكان أحسن الذكر عند العقلاء أن يقال: انه لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من اخوانه. =========================================================================== [282] الفائدة الثامنة: في نبذ مما قاله الشعراء في المشورة. قال الشاعر: شاور صديقك في الخفي المشكل * واقبل نصيحة ناصح متفضل فالله قد اوصى بذاك نبيه * في قوله شاورهم وتوكل وقال آخر: الراي كالليل مسود جوانبه * والليل لا ينجلي الا باصباح فاضمم مصابيح آراء الرجال الى * مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح وقال الارجاني: شاور سواك إذا نابتك نائبة * يوما وان كنت من أهل المشورات فالعين تنظر منها مادنا ونأى * ولا ترى نفسها الا بمرآة وقال آخر: إذا كنت في حاجة مرسلا * فأرسل حكيما ولا توصه وان ناب أمر عليك التوى * فشاور لبيبا ولا تعصه ونص الحديث الى أهله * فان الوثيقة في نصه إذا المرء اضمر خوف الاله * تبين ذلك في شخصه وقال بشار: إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعن * بعزم نصيح أو مشورة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة * فان الخوافي عدة للقوادم. =========================================================================== [283] الفائدة التاسعة: في معنى الصبر وفي الشواهد التي تناسب قوله (ع): " ألق عنك واردات الهموم بعزائم الصبر ". قال المحقق الطوسي رحمه الله: الصبر حبس النفس عن الجزع عند المكروه، وهو يمنع الباطن عن الاضطراب، واللسان عن الشكاية، والاعضاء عن الحركات غير المتعادة. وقال الراغب: الصبر: الامساك في ضيق، يقال: صبرت الدابة اي حبستها بلا علف، وصبرت فلانا أي حلفته حلفة لا خروج له منها، والصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه، فالصبر لفظ عام وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فان كان حبس النفس لمصيبة سمي صبرا لاغير، ويضاده الجزع، وان كان في محاربة سمي شجاعة ويضاده الجبن، وان كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر، ويضاده الضجر، وان كان في امساك الكلام سمي كتمانا، ويضاده الاذاعة، وقد سمى الله تعالى كل ذلك صبرا، ونبه عليه بقوله: والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس. والصابرين على ما أصابهم. والصابرين والصابرات. وسمى الصوم صبرا لكونه كالنوع له، وقوله: اصبروا وصابروا، أي احبسوا أنفسكم على العبادة، وجاهدوا أهواءكم، وقوله: عزوجل: اصطبر لعبادته، أي تحمل الصبر بجهدك، وقوله: اولئك يجزون الغرفة بما صبروا، أي بما تحملوه من الصبر في الوصول الى مرضاة الله. إذا تقرر هذا فلنأت ببعض ما ورد عن المعصومين (ع) في الحث على الصبر فنقول: روي في الحديث الثاني عشر، من الباب 47، من كتاب =========================================================================== [284] الكفر والايمان، من الكافي 91، معنعنا قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه الا بالقتل والتجبر، ولا الغنى الا بالغصب والبخل، ولا المحبة الا باستخراج الدين (76) واتباع الهوى، فمن ادرك ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبة، وصبر على الذل وهو يقدر على العز آتاه الله ثواب خمسين صديقا ممن صدق بي. ورواه في البحار: 15، 145 عن علي (ع). وسأله جابر بن عبد الله الانصاري (ره) عن الايمان. فقال (ص): الصبر والسماحة (77). وفي الحديث الخامس عشر، من الباب، معنعنا عنه (ع) قال: الصبر ثلاثة، صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، ومن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمأة درجة مابين الدرجة الى الدرجة كما بين السماء الى الارض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمأة درجة مابين الدرجة الى الدرجة كما بين تخوم الارض الى العرش، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمأة درجة مابين الدرجة الى الدرجة كما بين تخوم الارض الى منتهى العرش. وقريب منه في باب الصبر، من البحار: 2، من 15، 145، نقلا عن المجالس. وروى ابن ابي الحديد، في شرح المختار 22، من خطب النهج، عنه (ص) انه قال: ان الصبر نصف الايمان، واليقين الايمان كله. وقال علي عليه السلام: الصبر مفتاح الظفر، والتوكل على الله رسول الفرج. =========================================================================== (76) اي طلب خروج الدين من القلب، أو بطلب خروجهم من الدين. (77) كما في شرح الخطبة 22، من النهج من شرح ابن ابي الحديد: 1، 124، ط بيروت. =========================================================================== [285] وقال (ع) انتظار الفرج بالصبر عبادة. (78) وقال عليه السلام: لا يعدم الصبور الظفر وان طال به الزمان. المختار 153، من قصار نهج البلاغة. وفي المختار 55 منها قال (ع): الصبر صبران: صبر على ما تكره، وصبر عما تحب. وقال (ع) لاشعث بن قيس: ان صبرت جرى عليك القدر وانت مأجور، وان جزعت جرى عليك القدر وانت مأزور، الخ، المختار 291، من قصار النهج وغيره. وتواتر عنه (ع) قوله: الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، فلا خير في ايمان لاصبر معه، كما انه لاخير في جسد لا رأس معه. ونقل ابن أبي الحديد، في شرح المختار 22، من خطب النهج انه قال (ع): الصبر اما صبر على المصيبة، أو على الطاعة أو عن المعصية (79). وعنه (ع): الحياء زينة، والتقوى كرم، وخير المراكب مركب الصبر وعنه عليه السلام: القناعة سيف لاينبو، والصبر مطية لاتكبو، وافضل العدة الصبر على الشدة. وسئل عليه السلام: أي شئ أقرب الى الكفر ؟ قال: ذو فاقة لاصبر له. وقال عليه السلام: الصبر يناضل الحدثان، والجزع من أعوان الزمان. وفي باب الصبر. من البحار: 15، 146، مرسلا عن التمحيص قال قال امير المؤمنين عليه السلام: ان للنكبات غايات لابد ان تنتهي إليها، فإذا =========================================================================== (78) رواها ابن ابي الحديد، في شرح الخطبة المشار إليها مع كلم أخرى مذكورة في النهج وفى كنز الفوائد. (79) وهذا مروي عنه وعن الائمة من ولده عليهم السلام من طريقنا أيضا. =========================================================================== [286] حكم على أحدكم بها فليطأطئ لها ويصبر حتى يجوز، فان اعمال الحيلة فيها عند اقبالها زائد في مركوهها. وهذا الكلام نقلناه في الباب الخامس، من نهج السعادة، من طرق اخرى أيضا. وكلامه (ع) في هذا المعنى واشباهه اكثر من ان يحصى. وقال الامام المجتبى عليه السلام: الحمد لله الذي لو كلف (كلفنا خ) الجزع على المصيبة لصرنا الى معصيته، وآجرنا على الصبر الذي لابد من الرجوع إليه. (80) وقال (ع): جربنا وجرب المجربون فلم نر شيئا أنفع وجدانا ولا أضر فقدانا من الصبر، نداوي به الامور، ولا يداوي هو بغيره. رواه في شرح المختار 22، من خطب النهج، من شرح ابن ابي الحديد: 1، 123، ط بيروت. وقال الامام السجاد عليه السلام: الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا ايمان لمن لاصبر له. الحديث الرابع، من باب الصبر، من اصول الكافي معنعنا. وفي الحديث الثالث عشر، من الباب معنعنا، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما حضرت أبي علي بن الحسين عليهما السلام الوفاة ضمني الى صدره وقال: يا بني أوصيك بما اوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أن أباه اوصاه به: يا بني اياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا الا الله، يا بني اصبر على الحق وان كان مرا. (81) =========================================================================== (80) جاويدان خرد: (الحكمة الخالدة) لابن مسكويه (ره)، ص 117. وقريب منه في شرح المختار 144، من قصار النهج، من شرح ابن ابي الحديد الا انه قال: وكان الحسن يقول في قصصه: الحمد لله الذي، الخ. (81) وهذا الحديث لم يذكره ثقة الاسلام (ره) باجمعه في الباب المشار =========================================================================== [287] وروي البحار: 2، من 15، 145، عن المجالس، عن الامام الرضا (ع) باسناده، عن علي بن الحسين (ع) قال: خمسة لو دخلتم فيهن لاصبر تموهن: لا يخاف عبد الا ذنبه، ولا يرجو الا ربه، ولا يستحي الجاهل إذا سئل عما لا يعلم، والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا ايمان لمن لاصبر له. وروى ثقة الاسلام الكليني قدس سره، في الحديث السابع، من باب الصبر، من الكافي معنعنا، عن الامام الباقر عليه السلام انه قال: الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات، فمن أعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار. وفي الحديث الرابع عشر، من الباب معنعنا، عنه (ع) انه قال: الصبر صبران: صبر على البلاء حسن جميل، وافضل الصبرين الورع عن المحارم. وفي الحديث 22، من الباب معنعنا قال (ع): مروءة الصبر في حال الحاجة والفاقة، والتعفف والغنى (والعناء خ) اكثر من مروءة الاعطاء. وفي الحديث 23، من الباب معنعنا، عن جابر قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: يرحمك الله ما الصبر الجميل ؟ قال: ذلك صبر ليس فيه شكوى الناس. وفي الحديث 24، من الباب معنعنا، عن أبي النعمان، عن أبي عبد الله =========================================================================== إليه، بل القطعة المتوسطة ذكرها في الحديث 5، من باب الظلم. وروى في الوافى: 2، 66، ط 2، عن الصدوق (ره) في الفقيه، عن الثمالي قال قال أبو جعفر عليه السلام: لما حضرت ابي الوفاة ضمني الى صدره وقال: يا بني اصبر على الحق وان كان مرا توف أجرك بغير حساب. =========================================================================== [288] - أو أبي جعفر عليهما السلام - قال: من لا يعد الصبر لنوائب الدهر يعجز. وفي باب الصبر، من البحار: 15، 144، ج 2، معنعنا عن الخصال، عن الثمالي، عن ابي جعفر عليه السلام قال: العبد بين ثلاثة: بلاء وقضاء ونعمة، فعليه في البلاء من الله الصبر فريضة، وعليه في القضاء من الله التسليم فريضة، وعليه في النعمة من الله الشكر فريضة. وفي الباب أيضا، ص 146، س 3 عكسا، نقلا عن مشكاة الانوار، قال قال الامام الباقر (ع): من صبر واسترجع، وحمد الله عند المصيبة، فقد رضي بما صنع الله، ووقع أجره على الله، ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء وهو ذميم، واحبط الله أجره. وفيه ص 145، س 3 عكسا، نقلا عن المجالس: وسئل محمد بن علي (ع) عن الصبر الجميل، فقال: شئ لاشكوى فيه، ثم قال: وما في الشكوى من الفرج فانما هو يحزن صديقك، ويفرح عدوك. وقال الامام الصادق عليه السلام لاصحابه: عليكم بالصبر، فان به يأخذ الحازم، واليه يعود الجازع. (82) جاويدان ان خرد (الحكمة الخالدة) لابن مسكويه (ره) ص 117. وفي الحديث الاول، من الباب 47، من كتاب الايمان والكفر، من الكافي: 2، 87، معنعنا عنه (ع): الصبر رأس الايمان. وفي الحديث الثاني، من الباب معنعنا، قال (ع): الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الايمان. =========================================================================== (82) وفى شرح المختار 144، من قصار النهج، ص 418، قال ابن ابي الحديد: وكان امير المؤمنين عليه السلام يقول عند التعزية: عليكم بالصبر، فان به يأخذ الحازم، ويعود إليه الجازع. =========================================================================== [289] وفي الحديث الثالث، من الباب معنعنا، عن حفص بن غياث، قال قال أبو عبد الله عليه السلام: يا حفص ان من صبر صبر قليلا، ومن جزع جزع قليلا، ثم قال: عليك بالصبر في جميع امورك، فان الله عزوجل بعث محمدا صلى الله عليه وآله نأمره بالصبر والرفق فقال: " واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا وذرني والمكذبين اولي النعمة (83) " وقال تبارك وتعالى: " ادفع بالتي هي أحسن السيئة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقيها الا الذين صبروا وما يلقيها الا ذو حظ عظيم (84) " فصبر رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نالوه بالعظائم ورموه بها (85)، فضاق صدره فأنزل الله عزوجل: " ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (86) " ثم كذبوه ورموه فحزن لذلك فأنزل الله عزوجل: " قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون فانهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون، ولقد كذبت رسول من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا حتى أتاهم نصرنا (87) " فألزم النبي صلى الله عليه وآله نفسه الصبر، فتعدوا فذكروا الله تبارك وتعالى وكذبوه، فقال: قد صبرت في نفسي وأهلي وعرضي، ولاصبر لي على ذكر إلهي، فأنزل الله عزوجل: " ولقد خلقنا السموات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فأصبر على ما يقولون (88) " فصبر النبي صلى الله عليه واله في جميع =========================================================================== (83) المزمل: 10. والهجر الجميل هو ان يجانبهم ويداريهم ولا يكافيهم ويكل أمرهم الى الله تعالى. (84) فصلت: 35. (85) قيل: المراد من العظائم: الكذب والجنون والسحر. (86) الحجر: 97 و 98. (87) الانعام: 33، 34. (88) ق: 38. واللغوب: التعب والاعياء. =========================================================================== [290] أحواله، ثم بشر في عترته بالائمة ووصفوا بالصبر فقال جل ثناؤه: " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (89) " فعند ذلك قال صلى الله عليه وآله: الصبر من الايمان كالرأس من الجسد، فشكر الله عز وجل له ذلك، فأنزل الله عزوجل: " وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل بما صبروا ودمرنا ماكان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (90) " فقال صلى الله عليه وآله انه بشرى وانتقام، فأباح الله عزوجل له قتال المشركين فانزل الله " فأقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد (91) " وقال تعالى: " واقتلوهم حيث ثقفتموهم " (92) فقتلهم الله على يدي رسول الله صلى الله عليه وآله واحبائه، وجعل له ثواب صبره مع ما ادخر له في الاخرة، فمن صبر واحتسب لم يخرج من الدنيا حتى يقر الله له عينه في أعدائه مع ما يدخر له في الاخرة. ورواه القمي أيضا. وروي في الوافي: 2، 65، ط 2، عن الصدوق (ره) في الفقيه، قال قال الصادق عليه السلام: الصبر صبران، فالصبر عند المصيبة حسن جميل، وافضل من ذلك الصبر عما حرم الله عزوجل ليكون لك حاجزا. وقريب منه في باب الصبر من البحار: 2، من 15، 146، نقلا عن التمحيص. وفي الحديث الخامس، من باب الصبر، من الكافي معنعنا عنه (ع) الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الايمان. وفي الحديث الثامن، من الباب معنعنا قال (ع): إذا دخل المؤمن في قبره كانت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن يساره، والبر مظل (مطل خ) =========================================================================== (89) السجدة: 24. (90) الاعراف: 136. (91) التوبة: 6. (92) البقرة: 191. ثقفه: صادفه أو أخذه أو ظفر به أو ادركه. =========================================================================== [291] عليه، (93) ويتنحى الصبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته، قال الصبر للصلاة والزكاة والبر: دونكم صاحبكم، فان عجزتم عنه فأنا دونه. ورواه في باب الصبر من البحار: 2، من 15، ص 145، عن ثواب الاعمال معنعنا. وفي الحديث السابع عشر، من الباب معنعنا، عنه (ع) قال: من ابتلي من المؤمنين ببلاء فصبر عليه، كان له مثل أجر ألف شهيد. وفي باب الصبر، من البحار: 15، 146، نقلا عن التمحيص، عن ابن ابي عمير قال قال أبو عبد الله (ع): اتقوا الله واصبروا، فانه من لم يصبر اهلكه الجزع، وانما هلاكه في الجزع انه إذا جزع لم يوجر. وفيه مرسلا، نقلا عن مشكاة الانوار، قال قال أبو عبد الله (ع): المؤمن يطبع على الصبر على النوائب. وفيه ص 145، نقلا عن المجالس معنعنا قال (ع): كم من صبر ساعة قد اورثت فرحا طويلا، وكم من لذة ساعة قد اورثت حزنا طويلا. وفيه الحديث 44، نقلا عن مصباح الشريعة، قال قال الصادق (ع): الصبر يظهر ما في بواطن العباد من النور والصفاء، والجزع يظهر ما في بواطنهم من الظلمة والوحشة، والصبر يدعيه كل أحد، ولا يثبت عنده الا المخبتون، والجزع ينكره كل أحد، وهو ابين على المنافقين، لان نزول المحنة والمصيبة يخبر عن الصادق والكاذب. وتفسير الصبر: ماء يستمر مذاقه، وما كان عن اضطراب لا يسمى صبرا. وتفسير الجزع: اضطراب القلب، وتحزن الشخص، تغير السكون، وتغير الحال، وكل نازلة خلت أوائلها من الاخبات والانابة والتضرع الى الله تعالى فصاحبها جزوع غير صابر، والصبر ماء اوله مر، وآخره حلو، من =========================================================================== (93) يقال: اطل عليه أي اشرف عليه. =========================================================================== [292] دخله من أواخره فقد دخل، ومن دخله من اوائله فقد خرج، ومن عرف قدر الصبر، لا يصبر عما منه الصبر، الخ. وفي الحديث الاخير، من باب الصبر، من البحار: 15، 147، معنعنا عن كتاب المؤمن، عن أحدهما (ع): مامن عبد مؤمن ابتلاه الله بمكروه وصبر الا كتب الله له أجر الف شهيد. وعن أبي الحسن عليه السلام قال: مامن أحد يبليه الله عزوجل ببلية فصبر عليها الا كان له أجر ألف شهيد. وفي الحديث العاشر، من باب الصبر، من الكافي: 2، 90 معنعنا، عن سماعة بن مهران، عن أبي الحسن عليه السلام، قال قال لي: ما حبسك عن الحج ؟ قال قلت له جعلت فداك، وقع علي دين كثير وذهب مالي، وديني الذي قد لزمني هو اعظم من ذهاب مالي، فلولا ان رجلا من اصحابنا أخرجني ما قدرت أن أخرج. فقال لي: ان تصبر تغتبط، والا تصبر ينفذ الله مقاديره راضيا كنت أم كارها. وقال الحسن بن شاذان الواسطي (ره): كتبت الى الامام الرضا عليه السلام أشكو جفاء أهل واسط وحملهم علي، وكانت عصابة من العثمانية تؤذيني، فوقع (ع) بخطه: ان الله جل ذكره أخذ ميثاق اوليائنا على الصبر في دولة الباطل، فاصبر لحكم ربك، فلو قد قام سيد الخلق لقالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا. وقال (ع): المصيبة للجازع اثنتان، وللصابر واحدة. الانوار البهية. وقال رجل للامام الجواد عليه السلام: عظني يابن رسول الله. فقال له أتقبل ؟ قال نعم. فقال (ع): توسد الصبر، واعتنق الفقر، وارفض الشهوات، وخالف الهوى، واعلم انك لن تخلو من عين الله فانظر كيف تكون. =========================================================================== [293] الفائدة العاشرة: في بعض ماروي عن الحكماء والملوك والاكابر من التوصية بالصبر. قال بعض الحكماء: انك لن تنال القليل مما تحب الا بالصبر على الكثير مما تكره. وقال آخر: بالصبر على مرارة العاجل ترجى حلاوة الاجل. وقال آخر: أفضل العدة، الصبر على الشدة. وقال آخر: الصبر كإسمه، وثمرته ثمرته. وكتب رجل الى أخيه: الصبر مجنة المؤمن، وسرور الموقن، وعزيمة المتوكل، وسبب درك الحاجة، وانما يوفى الصابرون اجورهم بغير حساب. وقال ارسطا طاليس في الحكم التي علمها وكتبها للاسكندر: لا ينبغي للعاقل أن يحزن لامرين: أن يكون ما أتاه من المكروه له مدفع فيحتال له بقلب غير مشغول بحزن، وان لم ير لما أتاه وجها ولا مدفعا ألزم قلبه الحيلة للصبر، الخ. وقال أو شهنج في وصيته لولده وللملوك: واعلم ان التمتع في ايام طويلة يوجد بالصبر على ايام قليلة، الغنى الاكبر في ثلاثة اشياء: نفس عالمة تستعين بها على دينك، وبدن صابر تستيعن به في طاعة ربك، وتتزود به لمعادك وليوم فقرك، وقناعة بما رزق الله باليأس عما عند الناس - الى ان قال -: والصبر احتمال الامور المؤلمة، والمكاره الحادثة، - الى ان قال -: الكمال في ثلاث: الفقه في الدين، والصبر على النوائب، وحسن التقدير في المعيشة، ويستدل على تقوى المرء بثلاث: التوكل فيما لم ينل، وحسن الرضا بما قد نال، وحسن الصبر عما فات، ذروة الايمان اربع خلال: =========================================================================== [294] الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والاخلاص بالتوكل، والاستسلام للرب. ومن كلامهم: الصبر مر لا يتجرعه الا حر. وقال أعرابي: كن حلو الصبر عند مرارة النازلة. وقال كسرى لبزرجمهر: ما علامة الظفر بالامور المطلوبة المستصعبة ؟ قال: ملازمة الطلب، والمحافظة، وكتمان السر. وقال الاحنف: لست حليما انما أنا صبور، فأفادني الصبر صفتي بالحلم. وقيل له: انك شيخ ضعيف، وان الصيام يهدك. فقال: اني أعده لشر يوم طويل، وان الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله. ومن كلامه: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات. وقال أيضا: رب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو اشد منه. وقال يونس بن عبيد: لو أمرنا بالجزع لصبرنا. وقال ابن السماك: المصيبة واحدة، فان جزع صاحبها منها صارت اثنتين. يعني: فقد المصاب، وفقد الثواب. وقال الحارث المحاسبي: لكل شئ جوهر، وجوهر الانسان العقل، وجوهر العقل الصبر. وقال أكثم بن صيفي: الصبر على جرع الحمام أعذب من جني الندم. ومن كلام بعض الزهاد: واصبر على عمل لاغناء بك عن ثوابه، واصبر على عمل لاصبر على عقابك به. وكتب ابن العميد: أقرأ في الصبر سورا، ولا أقرأ في الجزع آية، وأحفظ في التماسك والتجلد قصائد، ولا أحفظ في التهافت قافية. ووصف الحسن البصري عليا عليه السلام فقال: كان لا يجهل، وان جهل عليه حلم، ولا يظلم، وان ظلم غفر، ولا يبخل، وان بخلت الدنيا عليه صبر. =========================================================================== [295] وقال بعضهم: من تبصر تصبر، الصبر يفسح الفرج، ويفتح المرتتج، المحنة إذا تلقيت بالرضا والصبر كانت نعمة دائمة والنعمة إذا خلت من الشكر كانت محنة لازمة. قيل لابي مسلم صاحب الدولة: بم أصبت ما أصبت ؟ قال: ارتديت بالصبر، واتزرت بالكتمان، وحالفت الحزم، وخالفت الهوى، ولم أجعل العدو صديقا، ولا الصديق عدوا. وحكي ان كسرى سخط على بزرجمهر، فحبسه في بيت مظلم، وأمر ان يصفد بالحديد، فبقي أياما على تلك الحال، فأرسل إليه من يسأله عن حاله، فإذا هو منشرح الصدر مطمئن النفس، فقالوا له: انت في هذه الحالة من الضيق، ونراك ناعم الحال ! فقال: صنعت سند أخلاط وعجنتها واستعملتها فهي التي أبقتني على ما ترون. قالوا صف لنا هذه الاخلاط، لعلنا ننتفع بها عند البلوى. فقال: نعم، اما الخلط الاول فالثقة بالله عز وجل، واما الثاني فكل مقدر كائن، وأما الثالث فالصبر خير ما استعمله الممحتن، وأما الرابع فإذا لم اصبر فماذا أصنع، ولا أعين على نفسي بالجزع، واما الخامس فقد يكون أمر أشد مما أنا فيه، وأما السادس فمن ساعة الى ساعة فرج. فبلغ ماقاله كسرى فأطلقه واعزه. =========================================================================== [296] الفائدة الحادية عشرة: في بعض ما يناسب المقام من الاشعار. نسب الى امير المؤمنين عليه السلام: ترد رداء الصبر عند النوائب * تنل من جميل الصبر حسن العواقب وكن حافظا عهد الصديق وداعيا * تذق من كمال الحفظ صفو المشارب وكن صاحبا للحلم في كل مشهد * فما الحلم الاخير خدن وصاحب وفي المختار 27، من باب الراء، من الديوان المنسوب إليه (ع): اصبر قليلا فبعد العسر تيسير * وكل أمر له وقت وتدبير وللمهيمن في حالاتنا نظر * وفوق تدبيرنا لله تدبير وفي باب الهمزة من الديوان: هي حالان شدة ورخاء * وسجالان نعمة وبلاء والفتى الحاذق الاديب إذا ما * خانه الدهر لم يخنه العزاء ان ألمت ملمة بي اني * في الملمات صخرة صماء صابر في البلاء علما بأن ليس * يدوم النعيم والبلواء. وروى ابن الشيخ الطوسي (ره) في الحديث الاخير، من المجلس 40، من الامالي 79، انه (ع) قال: صبرت على مر الامور كراهة * وأيقنت في ذاك الصواب من الامر إذا كنت لا تدري ولم تك سائلا * عن العلم من يدري جهلت ولا تدري ونسب إليه (ع) في المختار الثالث، من باب الراء من الديوان: إذا شئت ان تستقرض المال منفقا * على شهوات النفس في زمن العسر =========================================================================== [297] فسل نفسك الانفاق من كنز صبرها * عليك وانظارا الى زمن اليسر فان سمحت كنت الغني وان أبت * فكل منوع بعدها واسع العذر وفي المختار الثامن، من حرف الباء، نقلا عن كتاب الفرج بعد الشدة: اني اقول لنفسي وهي ضيقة * وقد أناخ عليها الدهر بالعجب صبرا على شدة الايام ان لها * عقبى وما الصبر الا عند ذي حسب سيفتح الله عن قرب بنافعة * فيها لمثلك راحات من التعب وفي المختار الثامن عشر، من حرف الميم، نقلا عن الكتاب: فما نوب الحوادث باقيات ولاالبوسى تدوم ولا النعيم كما يمضي سرورك وهو جم * كذلك ما يسوؤك لا يدوم فلاتهلك على ما فات وجدا * ولاتفروك بالاسف الهموم. وفي المختار التاسع عشر، من حرف اللام من الديوان: يمثل ذو العقل في نفسه * مصائبه قبل ان تنزلا فان نزلت بغتة لم يرع * لما كان في نفسه مثلا رأى الامر يفضي الى آخر * فصير آخره اولا وذو الجهل يأمن (يهمل خ) ايامه * وينسى مصارع (مصائب خ) من قد خلا فان بدهته صروف الزمان * ببعض مصائبه اعولا ولو قدم الحزم في نفسه * لعلمه الصبر عند البلاء. وروى في البحار: 17، 172، السطر الاخير: ان رجلا من التجار كان يختلف الى جعفر بن محمد، وكان يخالطه ويعرفه بحسن حاله، فتغيرت حاله فجعل يشكو الى الصادق عليه السلام، فقال له: فلا تجزع وان أعسرت يوما * فقد أيسرت في زمن طويل ولا تيأس فان اليأس كفر * لعل الله يغني عن قليل =========================================================================== [298] ولا تظنن بربك ظن سوء * فان الله اولى بالجميل وقال شاعر: اصبر لدهر نال منك * فهكذا مضت الدهور فرج وحزن مرة * لا الحزن دام ولا السرور وقال ديك الجن: من كان يبغي الذل في دهره * فليطلع الناس على فقره ما للفتى ان عضه دهره * مؤمل اكرم من صبره وقال آخر: هي النفس ما حملتها تتحمل * وللدهر ايام تجور وتعدل وعاقبة الصبر الجميل جميلة * وافضل اخلاق الرجال التحمل وقال آخر: لا تعتبن على النوائب * فالدهر يرغم كل عاتب واصبر على حدثانه * ان الامور لها عواقب كم نعمة مطوية * لك بين أثناء النوائب ومسرة قد اقبلت * من حيث تنتظر المصائب وقال الاعشى: ان نلت لم أفرح بشئ نلته * وإذا سبقت به فلا اتلهف ومتى تصبك من الحوادث نكبة * فاصبر فكل غيابة تنكشف. وقال العتابي: اصبر إذا بدهتك نائبة * ما عال منقطع الى الصبر الصبر اولى ما اعتصمت به * ولنعم حشو جوانح الصدر وقال آخر: ويوم كيوم البعث ما فيه حاكم * ولا عاصم الا قنا ودروع =========================================================================== [299] حبست به نفسي على موقف الردى * حفاظا واطراف الرماح شروع وما يستوي عند الملمات ان عرت * صبور على مكروهها وجزوع. وقال أبو حية النميري: اني رأيت وفي الايام تجربة * للصبر عاقبة محمودة الاثر وقل من جد في أمر يحاوله * واستصحب الصبر الا فاز بالظفر وقال عبد العزيز الكلابي: قد عشت في الدهر أطوارا على طرق * شتى فقاسيت منه الحلو والبشعا كلا بلوت فلا النعماء تبطرني * ولا تخشعت من لاوائها جزعا لايملا الامر صدري قبل موقعه * ولا يضيق به صدري إذا وقعا وقال النمري في الرشيد: وليس لاعباء الامور إذا عرت * بمكترث لكن لهن صبور يرى ساكن الاطراف باسط وجهه * يريك الهوينا والامور تطير وقال نهشل بن حرى: ويوم كأن المصطلين بحرة * وان لم يكن جمرا قيام على جمر صبرنا له حتى تجلى وانما * تفرج أيام الكريهة بالصبر. =========================================================================== [300] الفائدة الثانية عشرة في الاثار الدالة على وجوب اللجأ والاعتصام بالله المناسبة لقوله (ع): " والجئ نفسك في الامور كلها الى الله الواحد القهار، الخ ". فعن ثقة الاسلام الكليني (ره)، في الحديث الاول، من باب التفويض الى الله، معنعنا عن الامام الصادق (ع) قال: اوحى الله عزوجل الى داود عليه السلام: ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي، عرفت ذلك من نيته ثم تكيده السماوات والارض ومن فيهن الا جعلت له المخرج من بينهن، وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي، عرفت ذلك من نيته الا قطعت اسباب السماوات والارض من يديه، وأسخت (94) الارض من تحته، ولم أبال بأي واد هلك. ورواه في الباب العاشر، من أبواب جهاد النفس، من المستدرك، من مشكاة الانوار. وفي الحديث التاسع، من الباب الحادي عشر، من الكتاب: 2، 288، عن لب اللباب، عن النبي (ص) قال: من توكل وقنع ورضي كفي المطلب. وفي الحديث العاشر وما يليه منه قال (ص): من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم يسدوا فاقتها، ومن أنزلها بالله اوشك الله له الغنى، اما موتا عاجلا أو غنى آجلا. وقال (ص): لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ورأى (ص) قوما لا يزرعون، قال ما أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: لا. بل انتم المتأكلون (ط). =========================================================================== (94) من الاساخة، بمعنى الخسف. =========================================================================== [301] وقال (ص): لا تتكل الى غير الله فيكلك الله إليه، ولا تعمل لغير الله فيجعل ثوابك عليه. وروى الشيخ الطوسى (ره)، في الامالي معنعنا، عن محمد بن عجلان، قال: اصابتني فاقة شديدة واضاقة، ولا صديق لمضيق، ولزمني دين ثقيل وغريم يلج باقتضائه، فتوجهت نحو دار الحسن بن زيد، وهو يومئذ امير المدينة لمعرفة كانت بيني وبينه، وشعر بذلك من حالي محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين، وكان بيني وبينه قديم معرفة، فلقيني في الطريق فأخذ بيدي، وقال لي قد بلغني ما أنت بسبيله، فمن تؤمل لكشف ما نزل بك ؟ قلت الحسن بن زيد، فقال إذ لا تقضى حاجتك، ولا تسعف بطلبتك، فعليك بمن يقدر على ذلك، وهو أجود الاجودين، فالتمس ما تؤمله من قبله، فاني سمعت ابن عمي جعفر بن محمد يحدث عن ابيه، عن جده، عن ابيه الحسين بن علي، عن ابيه علي بن ابي طالب عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: اوحى الله الى بعض أنبيائه، في بعض وحيه إليه: وعزتي وجلالي لاقطعن أمل كل مؤمل غيري بالاياس ولاكسونه ثوب المذلة في النار، ولابعدنه من فرجي وفضلي، أيؤمل عبدي في الشدائد غيري والشدائد بيدي، أو يرجو سواي وانا الغني الجواد، بيدي مفاتيح الابواب، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني، الم يعلم ان ما دهته نائبة لم يملك كشفها عنه غيري، فمالي أراه بأمله معرضا عني، قد أعطيته بجودي وكرمي ما لم يسألني، فاعرض عني ولم يسألني وسأل في نائبته غيري وأنا الله أبتدأ بالعطية قبل المسألة، أفأسأل فلا أجيب، كلا ! أو ليس الجود والكرم لي، أو ليس الدنيا والاخرة بيدي، فلو ان اهل سبع سماوات وأرضين سألوني جميعا، فاعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك عن ملكي مثل جناح بعوضة، وكيف ينقص ملك أنا قيمه فيا بؤس لمن عصاني ولم يراقبني. =========================================================================== [302] فقلت له: يابن رسول الله اعد علي هذا الحديث، فأعاده ثلاثا، فقلت لا والله، لا سألت أحدا بعد هذا حاجة، فما لبثت ان جائني الله برزق وفضل من عنده. وفي الحديث 14، من الباب 11، من أبواب جهاد النفس، من المستدرك: 2، 289، ط 1، عن النبي (ص) قال: قضى الله على نفسه انه من آمن به هداه، ومن اتقاه وقاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن اقرضه أنماه، ومن وثق به أنجاه، ومن التجأ إليه آواه، ومن دعاه أجابه ولباه، وتصديقها من كتاب الله: ومن يؤمن بالله يهد قلبه. ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ومن يتوكل على الله فهو حسبه. من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه. ومن يعتصم بالله فقد هدي. وانيبوا الى ربكم. وإذا سألك عبادي، الاية. وفي الحديث السابع، من باب التوكل، من الكافي معنعنا، عن الحسين بن علوان قال: كنا في مجلس نطلب فيه العلم، وقد نفدت نفقتي في بعض الاسفار، فقال لي بعض اصحابنا: من تؤمل لما قد نزل بك ؟ فقلت فلانا. فقال إذا والله لاتسعف حاجتك (95)، ولا يبلغك أملك، ولا ينجح طلبتك. قلت: وما علمك رحمك الله ؟ قال: ان أبا عبد الله عليه السلام حدثني أنه قرأ في بعض الكتب: ان الله تبارك وتعالى يقول: وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي لاقطعن أمل كل مؤمل (من الناس) غيري باليأس، ولاكسونه ثوب المذلة عند الناس، ولانحينه (96) من قربي ولابعدنه من =========================================================================== (95) اسعف حاجته اي قضاها له. وفى بعض النسخ: لا يسقف، وفى اكثرها لاتسعف. وكذا قوله: لا تنجح، فيهما بالتاء على بناء المفعول، وبالياء على الفاعل، والنجاح: الفوز والوصول بالبغية. (96) أي لابعدنه ولازيلنه. =========================================================================== [303] فضلي، أيؤمل غيري في الشدائد، والشدائد بيدي، ويرجو غيري، ويقرع بالفكر باب غيري، وبيدي مفاتيح الابواب وهي مغلقة، وبابي مفتوح لمن دعاني، فمن ذا الذي أملني لنوائبه فقطعته دونها ومن ذا الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه مني، جعلت آمال عبادي عندي محفوظة، فلم يرضوا بحفظي وملات سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي، وأمرتهم ان لا يغلقوا الابواب بيني وبين عبادي فلم يثقوا بقولي، ألم يعلم ان من طرقته نائبة من نوائبي انه لا يملك كشفها احد غيري الا من بعد اذني، فمالي أراه لاهيا عني، أعطيته بجودي ما لم يسألني ثم انتزعته فلم يسألني رده وسأل غيري، أفيراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة، ثم أسأل فلا أجيب سائلي، أبخيل أنا فيبخلني عبدي، أو ليس الجود والكرم لي، أو ليس العفو والرحمة بيدي، أو ليس أنا محل الامال، فمن يقطعها دوني، أفلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري، فلو ان أهل سماواتي وأهل أرضي أملوا جميعا، ثم أعطيت كل واحد منهم مثل ما أمل الجميع، ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة، وكيف ينقص ملك أنا قيمه، فيابوسا للقانطين من رحمتي، ويابؤسا لمن عصاني ولم يراقبني. وفي الحديث الثامن، من الباب معنعنا، عن سعد بن عبد الرحمان قال: كنت مع موسى بن عبد الله بينبع وقد نفدت تفقتي في بعض الاسفار، فقال لي بعض ولد الحسين: من تؤمل لما قد نزل بك ؟ فقلت: موسى بن عبد الله. فقال: إذا لا تقضي حاجتك، ثم لا تنجح طلبتك قلت: ولم ذاك ؟ قال: لاني قد وجدت في بعض كتب آبائي: ان الله عزوجل يقول: وعزتي وجلالي - ثم ذكر مثل ما في الحديث السابق - فقلت: يابن رسول الله أمل علي، فاملاه علي، فقلت: لا والله ما اسأله حاجة بعدها. وفي كنز الفوائد قال قال لقمان لابنه: يا بني ثق بالله عزوجل، ثم سل في الناس هل من أحد وثق بالله فلم ينجه، يا بني توكل على الله، ثم =========================================================================== [304] سل في الناس من ذا الذي توكل على الله فلم يكفه، يا بني أحسن الظن بالله، ثم سل في الناس من ذا الذي احسن الظن بالله فلم يكن عند حسن ظنه به. وفي الاختصاص 337، ط 2، والمستدرك: 2، 289، عنه، عن الاوزاعي عن لقمان قال لابنه: يا بني من ذا الذي عبد الله فخذله، ومن ذا الذي ابتغاه فلم يجده، ومن ذا الذي ذكره فلم يجده، ومن ذا الذي توكل على الله فوكله الى غيره، ومن ذا الذي تضرع إليه جل ذكره فلم يرحمه. وعن مشكاة الانوار وفقه الرضا: اوحى الله تعالى الى داود عليه السلام: انه ما اعتصم بي عبد من عبادي دون احد من خلقي عرفت ذلك من نيته ثم تكيده السماوات والارض ومن فيهن الا جعلت له المخرج من بينهن، وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيته، الا قطعت أسباب السماوات من بين يديه، وأسخت الارض من تحته ولا أبالي في أي واد هلك. الحديث الثالث، من باب وجوب الاعتصام بالله، من مستدرك الوسائل: 2، 288. وفي الحديث الخامس، من الباب مسندا، عن صحيفة الرضا، ومرسلا عن روضة الواعظين، عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: يقول الله عز وجل: مامن مخلوق يعتصم بمخلوق دوني الا قطعت أسباب السماوات والارض دونه، فان سألني لم اعطه، وان دعاني لم أجبه، وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي الا ضمنت السماوات والارض رزقه، فان سألني أعطيته، وان دعاني أجبته، وان استغفرني غفرت له. وذكره الشيخ الطوسى (ره) أيضا معنعنا في اماليه. وفي الحديث السادس، من الباب مرسلا، عن الراوندي في لب اللباب، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يقول الله: مامن عبد نزلت به بلية =========================================================================== [305] فاعتصم بي دون خلقي الا اعطيته قبل أن يسألني. وفي الحديث الثالث، من الباب الحادي عشر، من الكتاب معنعنا، عن امالي الطوسي، عن ابي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا ذر ان سرك أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وان سرك ان تكون اكرم الناس فاتق الله عزوجل، وان سرك ان تكون اغنى الناس فكن بما في يدي الله عزوجل اوثق بما في يديك، يا أبا ذر لو ان الناس كلهم اخذوا بهذه الاية لكفتهم: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا ". وقال امير المؤمنين عليه السلام: من اعتصم بالله نجاه. وقال أيضا: من اعتصم بالله لم يضره شيطان. وقال (ع): من اعتصم في أحوالك كلها بالله فانك تعتصم منه سبحانه بمانع عزيز، ألجئ نفسك في الامور كلها الى إلهك، فانك تلجئها الى كهف حريز. رواها بأجمعها في الحديث السابع، من الباب العاشر، من أبواب جهاد النفس، من المستدرك: 2، 288، عن الامدي في الغرر. وفي الحديث الاول، من الباب الحادي عشر، من الكتاب معنعنا، بأسناده عن الجعفريات والمحاسن وقرب الاسناد، قال قال امير المؤمنين عليه السلام: الايمان له أركان اربعة: التوكل على الله، والتفويض إليه، والتسليم لامر الله، والرضا بقضاء الله تعالى. وفي الحديث التاسع عشر، من الباب، عن الكراجكي (ره) في معدن الجواهر، قال قال امير المؤمنين عليه السلام: خصلة من عمل بها كان من اقوى الناس. قيل: وماهي يا امير المؤمنين ؟ قال: التوكل على الله عزوجل. =========================================================================== [306] وفي الحديث الاخير، من الباب، نقلا عن تفسير الشيخ ابي الفتوح رحمه الله قال: مر امير المؤمنين عليه السلام يوما على قوم فرآهم أصحاء جالسين في زاوية المسجد، فقال (ع) من أنتم ؟ قالوا نحن المتوكلون. قال (ع): لا، بل أنتم المتأكلة، فان كنتم متوكلين فما بلغ بكم توكلكم ؟ قالوا: إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا. قال (ع): هكذا تفعل الكلاب عندنا. قالوا: فما نفعل ؟ قال: كما نفعل. قالوا: كيف تفعل ؟ قال (ع): إذا وجدنا بذلنا، وإذا فقدنا شكرنا. وفي الحديث الخامس عشر، من الباب، عن السبط الشهيد عليه السلام قال: ان الغنى والعز خرجا يجولان، فلقيا التوكل فاستوطنا. وفي الحديث الثاني، من باب التوكل، من الكافي معنعنا، عن الامام السجاد عليه السلام قال: خرجت حتى انتهيت الى هذا الحائط فاتكأت عليه، فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر في تجاه وجهي، ثم قال: يا علي بن الحسين مالي أراك كئيبا حزينا، أعلى الدنيا فرزق الله حاضر للبر والفاجر ؟ قلت: ما على هذا أحزن وانه لكما تقول. قال: فعلى الاخرة، فوعد صادق يحكم فيه ملك قاهر (قادر). قلت ما على هذا احزن وانه لكما تقول. فقال: مم حزنك ؟ قلت: مما نتخوف من فتنة ابن الزبير وما فيه الناس. قال فضحك، ثم قال: يا علي بن الحسين هل رأيت أحدا دعا الله فلم يجبه، الخ. وفي الحديث السابع، من الباب 10، من المستدرك، عن روضة الواعظين، قال قال الامام الباقر عليه السلام: من توكل على الله لا يغلب. وقال الامام الصادق عليه السلام: قال ابليس: خمسة أشياء ليس لي فيهن حيلة، وسائر الناس في قبضتي، من اعتصم بالله عن نية صادقة، واتكل عليه في جميع أموره، الخبر. رواه في الحديث الاول، من الباب العاشر، من ابواب جهاد النفس، من مستدرك الوسائل معنعنا، عن =========================================================================== [307] كتاب الخصال. وفي الحديث الرابع، من الباب الحادي عشر، من الكتاب، نقلا عن مشكاة الانوار، عن المحاسن، قال قال أبو عبد الله عليه السلام: ان الغنى والعز يجولان، فإذا ظفرا بموضع التوكل اوطناه. ورواه في الحديث الثالث، من باب التوكل، من الكافي، بسندين، عن جماعة من اصحابنا عنه (ع). وفي الحديث الرابع، من الباب، من الكافي، معنعنا عنه (ع) قال: أيما عبد أقبل قبل ما يحب الله عزوجل، اقبل الله قبل ما يحب، ومن اعتصم بالله عصمه الله، ومن اقبل الله قبله وعصمه لم يبال لو سقطت السماء على الارض، أو كانت نازلة نزلت على اهل الارض فشملتهم بلية كان في حزب الله بالتقوى من كل بلية، اليس الله عزوجل يقول ان المتقين في مقام امين. ورواه في الحديث 2، من الباب 10، من ابواب جهاد النفس، من المستدرك، عن مشكاة الانوار، عن المحاسن. وفي الحديث السادس، من الباب، من الكافي معنعنا، عنه (ع) قال: من أعطى ثلاثا لم يمنع ثلاثا: من أعطى الدعاء أعطي الاجابة، ومن اعطى الشكر اعطي الزيادة، ومن اعطى التوكل أعطي الكفاية، ثم قال: أتلوت كتاب الله عزوجل: ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وقال: لئن شكرتم لازيدنكم. وقال: ادعوني استجب لكم. وفي الحديث الخامس، من الباب معنعنا، عن علي بن سويد، عن أبي الحسن الاول عليه السلام، قال سألته عن قول الله عزوجل: ومن يتوكل على الله فهو حسبه. فقال: التوكل على الله درجات، منها ان تتوكل على الله في أمورك كلها، فما فعل بك كنت عنه راضيا، تعلم أنه لايألوك خيرا وفضلا (97) وتعلم ان الحكم في ذلك له، فتوكل على الله بتفويض =========================================================================== (97) الالو: التقصير، وإذا عدي الى مفعولين ضمن معنى المنع. =========================================================================== [308] ذلك إليه، وتثق به فيها وفي غيرها. ورواه في باب التوكل، من البحار: 15، 17، س 4 عكسا، عن التمحيص مرسلا. وقال الامام الجواد عليه السلام: كيف يضيع من الله كافله، وكيف ينجو من الله طالبه، ومن انقطع الى غير الله وكله الله إليه. ومن أراد الزيادة فعليه بباب التوكل، من البحار: 2، من 15، 147. =========================================================================== [309] وقال عليه السلام في هذه الوصية: يا بني الرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك (43) فلا تحمل هم سنتك على هم يومك، وكفاك كل يوم ما هو فيه، فإن تكن السنة من عمرك فإن الله عزوجل سيؤتيك في كل غد بجديد ما قسم لك، وإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بغم وهم ما ليس لك. واعلم أنه لن يسبقك إلى رزقك طالب، ولن يغلبك عليه غالب، ولن يحتجب عنك ما قدر لك فكم رأيت من طالب متعب نفسه، مقتر عليه رزقه، ومقتصد في الطلب قد ساعدته المقادير، وكل مقرون به الفناء، أليوم لك وأنت من بلوغ غد على غير يقين، ولرب مستقبل يوم ليس بمستدبره، ومغبوط في أول ليله قام في آخرها بواكيه، فلا =========================================================================== (43) وقريب منه في المختار 279 و 267، من قصار النهج، وكذلك في وصيته (ع) الى الامام المجتبى (ع)، بل هذا أيضا مما تواتر عنه (ع). =========================================================================== [310] يغرنك من الله طول حلول النعم، وإبطاء موارد النقم، فانه لوخشي الفوت، عاجل بالعقوبة قبل الموت. يا بني إقبل من الحكماء مواعظهم، وتدبر أحكامهم، وكن آخذ الناس بما تأمر به وأكف الناس عما تنهى عنه، وأمر بالمعروف تكن من أهله. فإن إستتمام الامور عند الله تبارك وتعالى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (44). وتفقه في الدين فان الفقهاء ورثة الانبياء (45) =========================================================================== (44) أي ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من متممات المصالح التشريعيه والتكاليف الجعلية، فان كل فرد من أفراد المكلفين يتوقف تحصيل مصالحه اولا وبالذات على الاتيان بما هو وظيفته الشخصية وتكليفه الفردي، فإذا امتثله وخرج عن عهدته، فقد حاز من نتائج أعماله ما هو الباعث للشارع الحكيم للجعل والتشريع من الثمرات الصالحة النافعة واللوازم الحسنة، ولكن تمامية هذه الثمرات وكمالها يتوقف على عمل سائر المكلفين أيضا، ولاجل توقف عمل المكلفين جميعا بحسب الغالب على الامر بالمعروف والحث على الخيرات، والنهي عن المنكر والزجر عن القبائح، يتوقف أيضا تتميم المصالح، وتكميل البركات المترتبة على الاعمال المشروعة، على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا حصلا تستتم الامور، أي التكاليف المجعولة من قبل الشارع الحكيم، وإذا تركا بقيت المصالح ناقصة غير ناهضة لكمال السعادة في الدنيا والاخرة، فكأن الامور المشروعة غير تامة لعدم حصول الغرض الباعث على التشريع، هكذا أفاده بعض الاعاظم مد ظله. (45) وفى الحديث 31، من الباب السابع، من البحار: 1، 67، عن غوالي اللئالي، قال قال امير المؤمنين صلوات الله عليه لولده محمد: تفقه في =========================================================================== [311] إن الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما (46) ولكنهم =========================================================================== الدين فان الفقهاء ورثة الانبياء. وايضا رواها عنه (ع) العلامة (ره) في وصيته في خاتمة القواعد الى ولده. وفى فضيلة الفقه والفقهاء اخبار جمة يأتي ذكر بعضها. (46) إذ شأن كل شخص ان يذر ويخلف بعد حياته ماكان جمعه في حال الحياة مما كان يروفه ويعظم في نظره ويحن قلبه إليه، ويهوي فؤاده إليه، والانبياء عليهم السلام لم يجمعوا زخارف الدنيا من الدراهم والدنانير وغيرهما ولم يهتموا بادخارهما، وما كانوا معجبين بهما، حتى يصرفوا عزائمهم ورغائبهم في تحصيلهما وجمعهما واستنمائهما، بل كانوا فيهما من الزاهدين، وعن اقتنائهما من الراغبين، وعن ذويهما من المعرضين، الا بقدر البلغة وما تدفع به الضرورة الوقتية، فطبيعة حالهم اقتضت ان لا يكون لهم درهم ولا دينار، ولاساكن ولا متحرك، ولانضار ولاعقار، ولم يرد (ع) نفي الارث بين الانبياء ومخلفيهم من الاباء والابناء وبقية طبقات الوراث، فان هذا مما اجمع على بطلانه أعدال الكتاب، وفى طليعتهم سيد العترة وخليفة رسول الله ووصيه بلا فصل امير المؤمنين عليه السلام، وقد ملئ الطوامير، وطرش الجهال والسماسير من تكذيبه (ع) من ادعى ان الانيباء لاارث لهم، وقد تواتر عنه عليه السلام واجمع اولاده المعصومون على انه عليه السلام ادعى ميراث رسول الله (ص) لزوجته وحبيبة رسول الله فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وقد دوخ اذن الدهر حجاج الزهراء المرضية على أبي بكر لما طلبت ارثها من تركة رسول لله فصدقها علي والحسنان (ع)، وشهدوا لها بالميراث وصحة الدعوى، وهم حكام عدل، وقولهم هو الفصل، ويستحيل أن يحمل على الهزل، بشهادة آية التطهير، وحديث الثقلين، وحديث السفينة، وحديث النجوم، وحديث الطائر، وحديث علي مع الحق، والحق معه، يدور معه حيثما دار، وحديث علي مع القرآن، والقرآن معه، وحديث: ابناي هذان امامان قاما أو قعدا، وحديث: ان الله يرضى لرضا فاطمة، ويغضب لغضبها، الى غير ذلك مما تواتر عن النبي (ص)، من طرق الفريقين، وقد تكفل لاثبات تواترها كتاب العبقات، وغاية المرام، والغدير، وغيرها. =========================================================================== [312] ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر. واعلم أن طالب العلم يستغفر له من في السماوات والارض حتى الطير في جو السماء (الهواء خ) والحوت في البحر، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به، وفيه شرف الدنيا والفوز بالجنة يوم القيامة، لان الفقهاء هم الدعاة إلى الجنان، والا دلاء على الله تبارك وتعالى وأحسن إلى جميع الناس كما تحب أن يحسن إليك، وارض لهم ما ترضاه لنفسك (47) واستقبح من نفسك ما تستقبح =========================================================================== وبالجملة فمن ضروريات فقه اهل بيت العصمة (ع)، ان الانبياء (ع) كسائر الناس يرثون ويورثون، فلو بقي منهم مال بعد وفاتهم فهو لورثتهم، ويمكن ايضا حمل هذا الكلام واشباهه على المعتاد المتعارف، حيث ان اهل الدنيا لا يعدون المال القليل، وما كان بقدر البلغة مالا، ولا يطلقون اسم التركة والميراث عليه، لتنزيله عندهم منزلة العدم، فيقولون فلان معدم لامال له، وفلان مات فقيرا ولم يخلف شيئا، فمن لم يكن عنده وفر، ولم يدخر ثروة جمة يقولون فيه: ذهب ولم يترك لورثته ميراثا، والانبياء (ع) كانوا على هذه الحالة، إذ لم يدخروا مالا للربح والازدياد، ولم يعمروا عقارا للاستنماء، ولم يتخذوا الكنوز، ولم يقنطروا القناطير، ففي نظر أهل الدنيا لامال لهم حتى يورثوا ويحظوا الورثة. (47) من قوله (ع): واحسن الى جميع الناس - الى قوله: ما تستقبح من غيرك - مذكور ايضا في وصيته (ع) الى الامام المجتبى مع زيادات لطيفة وعبارات أنيقة. =========================================================================== [313] من غيرك، وحسن مع جميع الناس خلقك حتى إذا غبت عنهم حنوا إليك (48) وإذا مت بكوا عليك وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا تكن من الذين يقال عند موته الحمد لله رب العالمين. واعلم أن رأس العقل بعد الايمان بالله عزوجل مداراة الناس (49)، ولاخير فيمن لا يعاشر بالمعروف من لابد =========================================================================== (48) هذا مأخوذ من الحنان بمعنى العطف والشفقة والرقة. أو من الحنين بمعنى الاشتياق وفرط الرغبة، يقال: حن - حنينا إليه، أي اشتاق. صوت عن حزن أو طرب. وحن (من باب فرايضا) حنة وحنانا عليه: عطف وشفق. وتحنن عليه: ترحم. وتحان واستحن إليه: اشتاق. وهذا الكلام الشريف قريب مما ذكره السيد (ره) في المختار التاسع من قصار النهج، ومما ذكرناه في المختار من باب الوصايا. (49) قال المحقق الكاشاني (ره): مراده (ع) من المداراة التقية، ومن المعاشرة بالمعروف: المعاملة بما يعد في العرف حسنا، يعني كل ما يمكن من أفعال الناس ان يحمل على الوجه الحسن فليحمل عليه، وما لم يمكن فيه ذلك يتغافل عنه ولا يلتفت إليه، وذلك إذا خاف منهم على نفسه، والا فهو مداهنة محرمة الا مالايتعلق بالدين. أقول: بيانه (ع)، وان كان مطلقا الا أن المنساق منه الى الذهن هو المداراة والمسامحة في امورهم الدنيوية، وعد اعمالهم حسنا مع كونها قبيحة، واشخاصهم شريفا مع كونهم وضيعا، وعن المعنويات عريا، وملخص مرامه (ع) من هذا الكلام عدم المداقة مع الناس، وقطع الطمع عن طلب المعالي منهم، والاغماض والتجاهل عن فلتاتهم، والتجاوز عن قبيح عادياتهم، ونحن اختبرنا الناس ثلاثين سنة فمن لم يفعل معهم ما ذكره (ع)، كان غير معدود عند الناس من الجامعة البشرية، ويؤيد ما ذكرناه من أن مراده (ع) هو المداراة في الامور الدنيوية ما رواه في الحديث 6، من الباب 6، من أبواب جهاد النفس، من المستدرك: 2: 282، ط 2، عن مشكاة الانوار، =========================================================================== [314] من معاشرته حتى يجعل الله إلى الخلاص منه سبيلا فإني وجدت جميع ما يتعايش به الناس وبه يتعاشرون ملء مكيال ثلثاه إستحسان، وثلثه تغافل. وما خلق الله عزوجل شيئا أحسن من الكلام (50) ولا أقبح منه، بالكلام إبيضت الوجوه، وبالكلام إسودت الوجوه، واعلم أن الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فإن تكلمت به صرت في وثاقه (51). فاخزن لسانك كما تخزن =========================================================================== عن امير المؤمنين عليه السلام انه قال: ذللوا أخلاقكم بالمحاسن، وقودها الى المكارم، وعودوها الحلم، واصبروا عى الايثار على انفسكم فيما تحمدون عنه قليلا من كثير، ولا تداقوا الناس وزنا بوزن، وعظموا اقداركم بالتغافل من الدني من الامور، وامسكوا رمق الضعيف بالمعونة له بجاهكم، وان عجزتم عما رجا عندكم فلا تكونوا بخاشن عما غاب عنكم فيكثر عائبكم وتحفظوا من الكذب فانه من ارق الاخلاق قدرا، وهو نوع من الفحش، وضرب من الدناءة. وتكرموا بالغنى عن الاستقصاء، وروى بعضهم: بالتغامس عن الاستقصاء. ورواه ابن شعبة (ره) في تحف العقول ضمن قصار كلامه (ع) قبل المختار الاخير بواحد. (50) ونظير هذا رواه عنه (ع) في المختار 125، مما اختار من كلامه (ع) في تحف العقول 150، ط النجف، قال: وسئل (ع): اي شئ مما خلق الله احسن ؟ فقال (ع): الكلام. فقيل: اي شئ مما خلق الله اقبح ؟ قال: الكلام، ثم قال (ع): بالكلام اسودت الوجوه، وبالكلام ابيضت الوجوه. (51) من قوله (ع): واعلم - الى قوله (ع): سلبت نعمة - مذكور في المختار 381، من قصار النهج باختلاف ما، وكذلك في الاختصاص وروضة =========================================================================== [315] ذهبك وورقك فإن اللسان كلب عقور (52) فإن أنت خليته عقر ورب كلمة سلبت نعمة (53) من سيب عذاره قاده إلى كل كريهة وفضيحة (54) ثم لم يخلص من دهره إلا على مقت من الله وذم من الناس. قد خاطر بنفسه من استغنى برأيه (55) من استقبل وجوه الاراء عرف مواقع الخطاء، ومن تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفظعات النوائب (56) والتدبير قبل =========================================================================== الواعظين، كما في البحار: 15، 187. والوثاق - كسحاب ورقاب -: ما يشد به، من قيد وحبل ونحوهما، جمع: وثق. (52) قال الشيخ المفيد (ره) في الحديث 321، من كتاب الاختصاص: 229، ط 2، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام في وصيته لمحمد بن الحنفية: واعلم ان اللسان كلب عقور، ان خليته عقر، ورب كلمة سلبت نعمة، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك، من سبب عذاره قاده الى كل كريهة. وقريب منه أيضا عن جامع الاخبار. (53) وهذا مروي عنه (ع) من طريق آخر، مع زيادة قوله، وجلبت نقمة. (54) العذار من الفرس، كالعارض من الانسان، سمي الستر الذي يكون عليه اللجام عذرا بأسم موضعه، فقوله (ع): من سيب عذاره، كناية عن اهمال اللسان وارخائه وتركه بحاله. (55) من قوله (ع): قد خاطر بنفسه - الى قوله: يؤمنك من الندم - ذكره (ع)، في خطبة الوسيلة أيضا باختلاف ما. وكذلك في المختار 173، و 211، من قصار النهج. (56) قال الفيض (ره): المفظعات: المصائب الشديدة الشناعة. وبالقاف والطاء المهملة، أي اللازمة كالجبة اللاصقة بالبدن. =========================================================================== [316] العمل يؤمنك من الندم (57) والعاقل من وعظته التجارب وفي التجارب علم مستأنف (58) وفي تقلب الاحوال علم جواهر الرجال، الايام تهتك لك عن السرائر الكامنة (59)، =========================================================================== (57) من قوله (ع): قد خاطر بنفسه - الى قوله: والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم - حث وترغيب منه (ع)، على المشاورة في كل أمر لم يتبين غيه من رشده، ونفعه من ضرره، وتبيين منه (ع) على ان في التشاور في كل ما ينبغي التشاور فيه، فائدة لا تزال النفوس تشتاق إليها وترغب فيها، وان في الاستبداد، بالرأي وترك المشاورة والتدبير مفسدة قد جبلت نفوس ذوي الارواح من الهرب عنها، والفرار منها، فكشف (ع) بقوله: " قد خاطر بنفسه من استغنى برأيه " وبقوله: ومن تورط في الامور، الخ - اي من دخل فيها بلا رؤية ومشورة - ان المستبد بالرأي وتارك التدبير والاحتياط لا يكون واثقا من النجاح، ولم يأمن من الفظيعة والفضيحة. وصرح بقوله (ع): من استقبل وجوه الاراء، الخ. وبقوله: التدبير قبل العمل، الخ - الى ان صاحب المشورة قد يبين له الصواب من الخطاء، والنفع من الخسارة، فهو مقدم على الامر عن بصيرة، فقلبه مطمئن بالريح، وباله مأمون من الندم، وماله محفوظ من التلف. (58) وقال السبط الشهيد الامام الحسين عليه السلام: دراسة العلم لقاح المعرفة، وطول التجارب زيادة في العقل، والشرف التقوى، والقنوع راحة الابدان، ومن احبك نهاك، ومن ابعضك أغراك. البحار: 17، 151. وقال سحبان بن وائل: العقل بالتجارب، لان عقل الغريزة سلم الى عقل التجربة. وقال افلاطون: إذا لم تعظك التجربة فلم تجرب بل انت ساذج كما كنت. وقال المتكلمون: العقل نوعان: غريزي ومكتسب، فالغريزي العلوم البديهية، والمكتسب ما افادته التجربة. (59) الجملة الثانية كالتأكيد للاولى، اي ان في اختلاف الحالات كالقدرة =========================================================================== [317] تفهم وصيتي هذه، ولا تذهبن عنك صفحا، فإن خير القول مانفع. إعلم يا بني أنه لابد لك من حسن الارتياد (60) وبلاغك من الزاد مع خفة الظهر (61). فلاتحمل على ظهرك فوق طاقتك فيكون عليك ثقلا في حشرك ونشرك في القيامة، فبئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد (62). =========================================================================== بعد الضعف، والغنى بعد الفقر، والغضب بعد الرضا، والتعب بعد الراحة، والسفر بعد الحضر، يعرف ما في كمون الرجال ونفسياتهم، ولما كان هذا متوقفا على طرو الحالات المختلفة، المتوقفة على مضي الايام، فالايام هي الكاشفة للضمائر، الهاتكة لستور السرائر الكامنة في النفوس، المخبوءة في الصدور. (60) الارتياد: الطلب، ولعل مراده (ع)، من حسن الطلب ان يكون عمل العامل، بين طلب الزاهد والراغب. وقال الفيض (ره): حسن الارتياد، اي طلب الاخرة على الوجه الاحسن في المجاهدة. ثم لا يخفى ان هذا الكلام مع اكثر ما يذكر بعده، مما ذكره (ع) ايضا في وصيته الى الامام المجتبى (ع). (61) البلاغ من الزاد: ما يبلغك حاجتك، ويكفيك لسفرك، اي لابد لك من زاد الاخرة ما يبلغك الى حاجتك، ويكفيك لسفر الاخرة (حال كونك خفيف الظهر عن تبعات العباد وغيرها)، ولايكون ناقصا عن البلاغ فتنقطع في سفر الاخرة بلا زاد، ولا يزيد عن البلاغ فيكون ثقلا عليك في عقبات الاخرة. (62) وهذا قد تواتر عنه وعن ابنائه المعصومين عليهم السلام، وذكره السيد (ره) المختار 221، من قصار النهج. =========================================================================== [318] واعلم أن أمامك مهالك ومهاوي وجسورا وعقبة كئودا (63) لا محالة أنت هابطها. وإن مهبطها إما على جنة أو على نار فارتد (64) لنفسك قبل نزولك إياها، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل زادك إلى القيامة (65) فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه، فاغتنمه وحمله وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه فلعلك تطلبه فلا تجده وإياك أن تثق لتحميل زادك بمن لاورع له ولا أمانة، فيكون مثلك مثل ظمآن رأى سرابا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا (66) فتبقى في =========================================================================== (63) المهاوي جمع المهوى والمهواة - على زنة المرضى والمرضاة - وهي مسقط الشئ من محل عال، ولذا يستعمل فيما بين الجبلين ونحوه من الفرجة والوهدة العميقة. والعقبة: اسم لقطعة من الجبال يصعب ارتقاؤها، ويقال لها بالفارسية (گردنة) وكئود وكأداء - كثمود وصحراء - اي شاقة المصعد. (64) أي فاطلب المنجى لنفسك قبل نزول دركات الاخرة، وحلول عقبات القيامة، إذ بعد النزول فيها لا حيلة لاختيار ما ينجي وتحصيل ما ينتفع به. (65) وما في هذا البيان الرباني من الحث والتأكيد على أعانة الضعفاء، واغتنام الانفاق في سبيل الله عند القدرة مما لا يحيط به البيان، ولا يجري لشرحه كما هو حقه قلم ولالسان. وقال الفيض (ره): حمل زاد القيامة اهل الفاقة كناية عن الانفاق في سبيل الله، وكل خير معروف لله. (66) هذا الكلام يحتمل معنيين: الاولى - ان يكون تحذيرا عن صرف المعروف في غير أهله، وبذل الاحسان لغير مستحقه، فمن وضع نائله في غير =========================================================================== [319] القيامة منقطعا بك. =========================================================================== الصلحاء، وجاد بمعروفه على غير مستحقه من المساكين والفقراء، يحسب انه يحسن صنعه، وحصل زاده، فإذا قامت القيامة، وكشف عنه غطاؤه، علم أن ما تخيله ماء لم يكن الا سرابا فيبقى في عقبات القيامة بلا زاد. وهذا المعنى اخترناه سابقا، وسنذكر شواهده من الاخبار. واحتملنا اخيرا ان يكون مراده (ع) من الكلام التحذير من ايكال الامر - وما ينبغي للمكلف أن يأتي به بنفسه من الواجبات والمستحبات - الى غيره، إذا لم يكن الموكول إليه ورعا ولا أمينا، فمن لم يعمل هو بوظيفته، ولم يؤد بنفسه خيراته الى أهله، بل فوض اداء خيراته أو تكاليفه القابلة للنيابة الى غيره مع كونه غير امين ولاورع - بل مع عدم احراز امانته وورعه - فقصته بالنسبة الى زاد القيامة، والادخار ليوم الفاقة كقصة ظمآن رأى سرابا بقيعة فحسبه ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فبقي عطشانا في وادي الهلاكة. =========================================================================== [320] وهنا موائد المائدة الاولى في حقيقة الرزق وهو في اللغة استعمل في معان: (1) كل ما ينتفع به. (2) مايخرج للجندي رأس كل شهر. (3) العطاء، وقيل العطاء الجاري. (4) ما يفرض للمقاتلة. (5) مايعين للفقراء. (6) المطر، وفي القرآن الكريم: " وما انزل الله من السماء من رزق فأحيا به الارض، الخ ". (7) الشكر. قيل: وهي لغة أزدية، وفي القرآن المقدس: " وتجعلون رزقكم انكم تكذبون ". (8) النصيب. (9) ما يصل الى الجوف ويتغذى به (98). وقال الراغب في المفردات: الرزق يقال للعطاء الجاري تارة، دنيويا كان ام أخرويا، وللنصب تارة (99) ولما يصل الى الجوف ويتغذى به تارة، يقال: أعطى السلطان رزق الجند، ورزقت علما، قال (تعالى): " وانفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت " اي من المال والجاه والعلم. وكذلك قوله: " ومما رزقناهم ينفقون " وقوله: " كلوا من طيبات ما رزقناكم " وقوله: " وتجعلون رزقكم انكم تكذبون " اي وتجعلون =========================================================================== (98) وغير خفي على البصير ان هذه المعاني لا تقابل بينهما، اي ليس كل واحد منها قسيما للاخر، بل اغلبها يرجع الى معنى عام مشترك، وبما ان اللغويين ليس لهم سبيل الى الوضع، بل غاية بضاعتهم الاطلاع على موارد الاستعمال، ورأوا ان أهل اللسان استعملوا اللفظ في هذه المعاني ظنوا ان كل واحد منها موضوع له في قبال الاخر. (99) وقال بعض المحققين: الرزق في اللغة: العطاء، ويطلق على النصيب المعطي نحو ذبح ورعي - بالكسر - للمذبوح والمرعي. وقيل: هو بالفتح مصدر، وبالكسر اسم، الخ. =========================================================================== [321] نصيبكم من النعمة تحري الكذب. وقوله: " وفي السماء رزقكم " قيل: عنى به المطر الذي به حياة الحيوان. وقيل: هو كقوله: " وانزلنا من السماء ماء " وقيل: تنبيه (على) ان الحظوظ بالمقادير. وقوله تعالى: " فليأتكم برزق منه " اي بطعام يتغذى به. وقوله تعالى: " والنخل باسقات لها طلع فضيد، رزقا للعباد " قيل: عنى به الاغذية. ويمكن ان يحمل على العموم فيما يؤكل ويلبس ويستعمل، وكل ذلك مما يخرج من الارضين وقد قيضه الله بما ينزله من السماء من الماء. وقال في العطاء الاخروي: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل احياء عند ربهم يرزقون " اي يفيض الله عليهم النعم الاخروية. وكذلك قوله: " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا " وقوله: " إن الله هو الرزاق ذو القوة " فهذا محمول على العموم. والرازق يقال لخالق الرزق ومعطيه والمسبب له وهو الله تعالى، ويقال ذلك للانسان الذي يصير سببا في وصول الرزق، (100) والرزاق لا يقال الا لله تعالى. وقوله: " وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين " اي بسبب في =========================================================================== (100) قال الله تعالى في الاية 5، من سورة النساء: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما، وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا " وقال في الاية التاسعة منها: " وإذا حضر القسمة اولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا " وقال تعالى في الاية 117، من سورة المائدة: " وانت خير الرازقين " وفى الاية 58، من سورة الحج: " وان الله لهو خير الرازقين " وفى الاية 71، من سورة المؤمنون: " وهو خير الرازقين " وفى آخر سورة الجمعة: " والله خير الرازقين ". وقال عويف: سميت بالفاروق فافرق فرقه * وارزق عيال المسلمين رزقه ويقال: رزق الطائر فرخه، اي يطعمه طعاما، قال الاعشى: وكأنما تبع الصوار بشخصها * عجزاء ترزق بالسلي عيالها =========================================================================== [322] رزقه، ولا مدخل لكم فيه، " ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقا من السماوات والارض ولا يستطيعون شيئا " أي ليسوا بسبب في رزق بوجه من الوجوه، وسبب من الاسباب. ويقال: ارتزق الجند، أي اخذوا أرزاقهم، والرزقة: ما يعطونه دفعة واحد. وأما الرزق بمعناه العرفي والشرعي فقد اختلف فيه. قال بعض المحققين ما حاصله: الرزق عند الا شاعرة ما انتفع بى حي سواء كان بالتغذي أو غيره، مباحا كان أو حراما. وربما قال بعضهم: هو ما تتربى به الحيوانات من الاغذية والاشربة لاغير. قال الامدي: والتعويل على الاول. وأما المعتزلة، فلما أحالوا تمكين الله تعالى من الحرام، لانه منع من الانتفاع به، وأمر بالزجر عنه قالوا: الرزق ماصح الانتفاع به وليس لاحد منعه منه، فلا يكرم الحرام رزقا. واستدلوا بقوله تعالى: " ومما رزقناهم ينفقون " حيث اسند الرزق الى نفسه، إيذانا بأنهم ينفقون من الحلال الطيب الطلق، فان انفاق الحرام بمعزل عن ايجاب المدح. وبقوله تعالى: " قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ". حيث ذم المشركين على تحريم ما رزقهم الله. وتمسكت الا شاعرة لشمول الرزق للحلال والحرام معا بما رووه عن صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله (ص) إذ جاء عمر بن قرة فقال: يارسول الله ان الله كتب علي الشقوة، فلا أراني ارزق الا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء. فقال (ص): لا آذن لك، ولاكرامة، ولا نعمة، كذبت اي عدو الله، والله رزقك حلالا طيبا، فاخترت ما حرم الله من رزقه، مكان ما أحل الله لك من حلاله. وبأنه لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقا، وقد قال الله تعالى: " وما من دابة في الارض =========================================================================== [323] الا على الله رزقها ". وأجابت المعتزلة عن الحديث بالطعن في سنده تارة، وبالتأويل على تقدير صحته اخرى، وتأويله ان اطلاق الرزق على الحرام لمشاكلة قوله: فلا أراني ارزق، كقوله: تعالى: ومكروا ومكرا الله، وباب المشاكلة وان كان نوعا من المجاز، لكنه وسع كثير الورود في القرآن والحديث، فاش في نظم البلغاء ونثرهم. وعن قولهم: لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقا، بأن مادة النقض لابد وأن تكون متحققة، وليس الامر كذلك إذ لا يتصور حيوان كذلك، اما غير الانسان فلانه لا يتصور بالنسبة إليه حل ولا حرمة، وأما الانسان فلو لم يكن يأكل من الحلال الا مدة عدم التكليف لكفى في دفع النقض (101). وأيضا فالرزق أعم من الغذاء باجماع المعتزلة وجمهور الاشاعرة، ولا يشترط الانتفاع به بالفعل، فالنقض بالمتغذي طول عمره بالحرام انما يرد لو لم ينتفع مدة عمره بشئ انتفاعا محللا، ولا يشرب الماء ولا يتنفس في الهواء، بل ولاتمكن من الانتفاع بذلك أصلا، وظاهر ان هذا مما لا يوجد. وللمعتزلة أن يقولوا أيضا: لو مات حيوان قبل ان يتناول شيئا - =========================================================================== (101) وبعبارة واضحة: اعمال الانسبان - ومنها تغذيه - قبل البلوغ بحسب الحكم الشرعي كاعمال الحيوان لا تتصف بالاباحة ولا الحرمة ولاغيرهما من الاحكام الخمسة، فلا يتصور بالنسبة الى الصبيان وغير البالغين التغذي بالحرام، واما بعد البلوغ فلانه بعد ماكان الرزق أعم من الغذاء باتفاق المعتزلة والاشاعرة يشمل التنفس في الهواء، ومعلوم انه مباح في حقه قطعا فلم يوجد حيوان لارزق له الا الحرام طول عمره، ويوضحه انه لو مات انسان قبل ان يأكل شيئا، لزم ان يكون غير مرزوق، فما هو جواب الاشاعرة فهو جواب المعتزلة. =========================================================================== [324] لامن الحلال ولا الحرام - يلزم ان يكون غير مرزوق، فما هو جوابكم فهو جوابنا، انتهى. وقال بعض الاكابر: لاشك ان ما نشاهده من الموجودات اعم من الجماد والنبات والحيوان والانسان لا يكفيها اصل الوجود للبقاء، بل تستمد في بقائها بأمور اخر خارجة عن وجودها، اما بضمها الى انفسها بالاقتيات والاغتذاء، أو بوجه آخر بالايواء واللبس والتناسل ونحوها، وهذا المعنى في الانسان وسائر اقسام الحيوان اوضح، وهو الززق الذي عليه يتوقف بقاء أقسام الحيوان، من غير فرق في ذلك بينها أصلا، وقد قال تعالى: " وما من دابة في الارض الا على الله رزقها " فالرزق مما لا يستغني عنه موجود في بقائه، واذ خلق الله هذه الاشياء لبقائها، فقد خلق لها رزقا، فاستناد البقاء إليه تعالى يوجب استناد الرزق إليه من غير شك، قال تعالى: " فو رب السماء والارض انه لحق مثل ما انكم تنطقون " وكون الرزق بهذا المعنى أمرا تكوينيا غير مربوط بعالم التكليف كالشمس في رائعة النهار، فان الحدوث والبقاء ولوازم كل منهما امور تكوينية بلا ريب، ثم ان الانسان لما تعلق التكليف ببعض أفعاله المتعلقة بالارزاق كالاكل والشرب والنكاح واللباس ونحوها، والززق مما يضطر إليه تكوينا، كان لازم ذلك ان لا تتعلق الحرمة والمنع الا بماله مندوحة عنه، والا كان تكليفا بما لا يطاق قال تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " وقال: " ان الله لا يأمر بالفحشاء " وكان لازم ذلك ان في موارد المحرمات ارزاقا الهية محللة هي المندوحة للعبد، وهي الارزاق المنسوبة إليه تعالى بحسب النظر التشريعي دون المحرمات. فتحصل ان الرزق رزقان: رزق تكويني وهو كل ما يستمد به موجود في بقائه كيف كان. ورزق تشريعي وهو الحلال الذي يستمد به الانسان =========================================================================== [325] في الحياة، دون الحرام فانه ليس برزق منه تعالى، هذا هو الذي يتحصل من الكتاب والسنة بعد التدبر فيهما. وقال الحكيم القدوسي، المحقق الطوسي أعلى الله مقامه: الرزق ماصح الانتفاع به ولم يكن لاحد منعه، والسعي في تحصيله قد يجب وقد يستحب وقد يباح وقد يحرم. اقول: الرزق قد يطلق ويراد منه ذوات الاشياء التي خلقها الله تبارك وتعالى لانتفاع الحيوان بها وتغذيه منها، وهذا القسم مادام لم يحرزه احد، ولم يتسلط عليه بأحد العناوين المملكة أو المخصصة، أو المبيحة بحكم الشرع أو العقل، لا يصح ان ينسب الى شخص معين وحيوان مخصوص، فيقال مثلا: الفاكهة الموجودة في جزيرة البحر غير المملوكة أو المحجوزة رزق لزيد. إذ نسبتها الى زيد وغيره على حد سواء، فما دام لم تحصل جهة تخصصها بفرد معين لا تصح اضافته إليه، وذلك مثل جميع الاغذية الموجودة في البراري وقلل الجبال المحفوظة عن استيلاء البشر عليها، وكذلك اللؤلؤ والمرجان، والكنوز الثابته في قعر البحار وشواهق الجبال فانها كما يصح اطلاق المال أو الغذاء أو الحلي أو الطعام عليها، كذلك يصح اطلاق الرزق عليها بمعنى انها مما يصح ان تجعل غذاء، وانها مما اوجدها الله تعالى لتقوت الحيوان وتغذيه منها، وكما لا يصح ان ينسب الى شخص معين بانها ماله أو غذاؤه أو حليه أو طعامه، لا يصح أيضا ان يقال انها رزقه، فترى ماهذا سبيله في حين انها رزق على الحقيقة، ليس برزق لمعين أيضا على الحقيقة، وقد يطلق الرزق ويراد منه ماله الى شخص معين علاقة واضافة خاصة سواء كان حدوث هذه العلاقة ناشئا من عمل الحيوان واختياره كما إذا حاز الاغذية المباحة أو تملكها ببيع أو موهبة أو صلح أو غيرها، أو كانت العلاقة الحادثة غير اختيارية له، كما إذا مات مورثه، أو حملت =========================================================================== [326] الريح الفلك المملوء من الجواهر التي أبيد اهلها إليه، أو انشقت الارض أو الجبال بالزلزال فألقيت الكنوز في حجره، أو غيرها من انحاء الاستيلاء المبيح للانتفاع شرعا وعقلا، فإذا حدثت هذه العلاقة بين شخص وما أعده الله للانتفاع به، فلا يكون رزقا لغير صاحب العلاقة، ولايجوز في حال الاختيار الانتفاع به من دون رضا صاحبه، فمن حال بينه وبين ذي العلاقة فهو ظالم، وجميع انتفاعاته حرام، وفاعله مستحق للعقوبة، وحينئذ نسأل الاشاعرة القائلين: بان الرزق ما أكل ولو كان حراما. أو ما ساقه الله الى الحيوان فانتفع به (102)، ونقول لهم: هل مجرد الاكل والانتفاع من طعام أحد أو ماله يوجب سلب علاقته منه، وايجاد علاقة مماثلة لتلك العلاقة للاكل والمنتفع ؟ ! فحينئذ جميع الغاصبين والظالمين يأكلون أرزاقهم، فما معنى قوله تعالى: " ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " ؟ ؟ ! وما معنى قوله تعالى: " والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله " ؟ ؟ ! فلو كان الغاصب والسارق قد أخذا ما رزقهما الله تعالى وساقه اليهما لكان المطالب له برد ما أخذا ظالما لهما، ولم يجز في شريعة العدل ان يعاقبا عليه، لافي الدنيا ولافي الاخرة، بل كانا ممدوحين على انفاقهما منه، كما مدح الله تعالى من انفقه من حل، فقال: " انما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، اولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عندهم ربهم ومغفرة ورزق كريم " فجعل انفاق الرزق من صفات المؤمنين، فلما لم يكن للغاصبين انفاق ما اغتصبوه وكانوا مذمومين عليه معاقبين على =========================================================================== (102) وهذا أيضا يشمل الاول، الا انه اعم منه، فيشمل الملبوس والمنكوح، فمن اشتبه الامر عليه فعقد على امه أو اخته أو بنته وعمل ما يعمله الرجال مع النساء فهذا رزقه، وكذا لو تخيل انها زوجته فبان الخلاف. =========================================================================== [327] تصرفهم فيه، دل ذلك على ان الله تعالى لم يرزقهم اياه في الحقيقة، وإذا لم يكن رزقا للغاصب فهو رزق للمغصوب منه، وان حال الغاصب بينه وبينه. ونقول أيضا: الشئ الذي يصح الانتفاع به إذا استولى عليه غير صاحبه هل يجوز عليه ان يصلي فيه لو كان ملبوسا أو مسكونا، وهل يجب الحج على المسيطر عليه، لاجل انه انتفع به وصار ذا مكنة، وهل تجب الزكاة عليه إذا قلبه فنما وربح حتى بلغ حد النصاب، الى غير ذلك من الفروع ؟ ! وليعلم ان النزاع مع الاشاعرة في امثال المقام لا طائل تحته، بعد اعتقادهم بالجبر، وان جميع ما يصدر من المكلفين فهو على سبيل الاضطرار كاشراق الشمس وحرارة النار، ورطوبة الماء، وان لاصنع ولا اثر الا لله تعالى، وان الظالم مقهور على الظلم ولا يمكنه الكف، فقابيل لم يكن قادرا على ترك قتل هابيل، بل القتل ما صدر من قابيل بل الله هو القاتل، إذ لو كان القتل من قابيل لزم ان يكون في دار الوجود مؤثر غير الله ! ! وكذا الذي قطع رأس يحيى ووضع المنشار على رأس زكريا هو الله المتفرد بالمؤثرية، والا لزم وجود مؤثر غير الله ! ! بل جميع الانبياء والاولياء والصلحاء الذين ابتلوا واوذوا أشد الايذاء وقتلوا تقتيلا، كان ايذاؤهم وقتلهم من الله ! ! بل ان معصية الشيطان واباءه ايضا من الله، والا يلزم وجود مؤثر غير الله ! ! وفساد هذا المذهب اظهر من فساد عقيدة النصارى في الاقانيم الثلاثة والقول بالتثليث، واستحالته اوضح من استحالة الدور والخلف والتناقض، فان كنت في شك مما قلنا فارجع الى كتاب احقاق الحق للشهيد القاضي نور الله نور الله مرقده، فأنه لاجل اشتماله على كتاب فاضل اهل السنة ابن روزبهان، وغرة بياض علماء الامامية العلامة الحلي (ره) يجسم ويمثل لك خارجيا دعاوى الطرفين وبراهين الخصمين. وان تراجع كتاب دلائل الصدق أيضا فنعم البديل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. =========================================================================== [328] المائدة الثانية: في أن الرزق هل يقبل الزيادة والتوفير بالسعي والاكتساب أم لا ؟ ظاهر كثير من الادلة عدم قبوله للازدياد والتكثير، ولو يطلب بتمام الجد، ويسعى له في جميع الافاق. وصريح بعض الادلة، وظاهر كثير منها أن بعض أقسامه يقبل التكثير بالاكتساب، وبالحذاقة في التدبير، واقتناء المال. اما القسم الاول فنشير إليه على طريق الاجمال ومن باب بيان نموذج منه فنقول: مما يدل على عدم قبول الارزاق للتكثير ما رواه غير واحد (بل كثير) من الخاصة والعامة ورواه في مستدرك البحار: 17، 414، عن اصل عاصم بن حميد، (103) ورواه الكليني (ره) في الحديث الثاني، عن الباب 36، من كتاب الايمان والكفر من الكافي: 2، 74، معنعنا انه خطب رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع فقال: يا أيها الناس والله مامن شئ يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار الا وقد أمرتكم به، وما من شئ يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة الا وقد نهيتكم عنه، ألا وان الروح الامين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحمل احدكم استبطاء شئ من الرزق أن يطلبه بغير حله، فانه لا يدرك ما عند الله الا بطاعته. وقريب منه في البحار: 23، 10، عن امالي الصدوق، وص 11، عن تفسير القمي، وص 12، عن التمحيص. =========================================================================== (103) ورواه في الحديث 1، من الباب 10، من مستدرك الوسائل: 2، 418 عن أصل عاصم. وفى الحديث 10، عن ابن عمر. وفى الحديث 4، عن التمحيص. وفى الحديث 13، عن كتاب الاخلاق. وفى الحديث 15، عن كتاب علاء بن رزين. وفى الباب اخبار كثيرة شاهدة للمدعى. =========================================================================== [329] وروى في فلاح السائل عنه (ص) انه قال: ان من ضعف اليقين ان ترضي الناس بسخط الله تعالى، وأن تحمدهم على رزق الله تعالى، وان تذمهم على ما لم يؤتك الله، ان رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهة كاره. وقال (ص): أيها الناس ان الرزق مقسوم، لن يعدو امرء ما قسم له، فأجملوا في الطلب، وان العمر محدود لن يتجاوز أحد ما قدر له، الخ. البحار: 23، 10. وروى ابن أبي الحديد في شرح المختار 31، من كتب النهج عنه (ص) أنه قال: وان يقدر لاحدكم رزق في قبة جبل أو حضيض بقاع يأته. وقال (ص) عند منصرفه من أحد: أيها الناس اقبلوا على ما كلفتموه من اصلاح آخرتكم وأعرضوا عما ضمن لكم من دنياكم، ولا تستعملوا جوارح غذيت بنعمته في التعرض لسخطه بمعصيته، واجعلوا شغلكم في التماس مغفرته، واصرفوا همكم بالتقرب الى طاعته، من بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبه من الاخرة، ولم يدرك منها ما يريد، ومن بدأ بنصيبه من الاخرة وصل إليه نصيبه من الدنيا، وأدرك من الاخرة ما يريد، ان الله يعطي الدنيا بعمل الاخرة، ولا يعطي الاخرة بعمل الدنيا. البحار: 23، 10. واما كلام امير المؤمنين (ع) في هذا المعنى فكثير أيضا، منه قوله (ع) في المختار الاول، من الوصايا: ان المال مقسوم مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم، وسيفي لكم، الخ. ومنه قوله (ع) في المختار 90، من خطب نهج البلاغة: عياله الخلق، ضمن أرزاقهم، وقدر أقواتهم، الخ. وقال (ع): قد تكفل لكم بالرزق، وأمرتم بالعمل، فلا يكونن المضمون لكم طلبه اولى (104) بكم من المفروض عليكم عمله، الخ. المختار 110، من =========================================================================== (104) قيل: طلبه مبتدأ وخبره اولى، والجملة خبر يكون. =========================================================================== [330] خطب النهج. وقال (ع): وقدر الارزاق فكثرها وقللها وقسمها على الضيق والسعة، فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها، وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها. المختار 87، أو 89 من خطب النهج 177. وفي مستدرك الوسائل 2، ص 419، عن الامدي (ره) في الغرر عنه (ع) قال: الرزق يسعى الى من لا يطلبه. وقال (ع): لن يفوتك ما قسم لك، فأجمل في الطلب، ولن تدرك مازوي عنك فأجمل في المكتسب. وقال (ع): الارزاق لا تنال بالحرص والمغالبة. وقال (ع): أجملوا في الطلب، فكم من حريص خائب، ومجمل لم يخب. وقال (ع): ذلل نفسك بالطاعة، وحلها بالقناعة، وخفض في الطلب، وأجمل في المكتسب. وقال (ع): رزقك يطلبك فأرح نفسك من طلبه. وقال (ع): سوف يأتيك أجلك، فأجمل في الطلب، سوف يأتيك ما قدر لك، فخفض في المكتسب. وقال (ع): عجبت لمن علم ان الله قد ضمن الارزاق وقدرها وان سعيه لا يزيده فيما قدر له منها وهو حريص دائب في طلب الرزق. وروى السيد المرتضى (ره) في الحديث الرابع، من الفصل الاخير، من الفصول المختارة: ان الامام المجتبى عليه السلام قال لرجل: يا هذا ! لا تجاهد الطلب جهاد المغالب، ولا تنكل على التقدير اتكال المستسلم، فان ابتغأ الفضل من السنة، والاجمال في الطلب من العفة، (105) وليست العفة بدافعة رزقا، =========================================================================== (105) هذا هو الصواب، وفى النسخة: فان ابتغاء الفضل من السنة في =========================================================================== [331] ولا الحرص بجالب فضلا، فان الرزق مقسوم، والاجل موقوت، واستعمال الحرص يورث المأثم. ورواه أيضا في البحار: 17، 145، عن تحف العقول. ورواه أيضا في المجلد 23، منه ص 12، عن قصص الانبياء على نحو ما استصوبناه. ورواه في الحديث 8، من الباب 11، من كتاب التجارة، من مستدرك الوسائل: 2، 420، عن كتاب التمحيص. ويدل عليه أيضا ما يجئ من قول السبط الشهيد عليه السلام: فان تكن الارزاق قسما مقدرا فقلة حرص المرء في السعي أجمل، الخ بل جميع ما نذكر من الكلام المنظوم المنسوب الى امير المؤمنين (ع) ظاهر في ذلك. وما قاله الامام السجاد زين العابدين (ع)، في المختار الاول، من الصحيفة السجادية من قوله (ع): جعل لكل روح منهم قوتا معلوما مقسوما من رزقه، لا ينقص من زاده ناقص، ولا يزيد من نقص منهم زائد، الخ. (106) =========================================================================== الاجمال والطلب، الخ. ورواه في البحار: 23، 10، عن الحسين (ع)، وفى آخره: فان اتباع الرزق من السنة، والاجمال في الطلب من العفة، الخ. (106) قال بعض المحققين من الشراح: وفى نسخة قديمة: " وجعل لكل ذي روح منهم قوتا، الخ ". والقوت - بالضم - ما يؤكل ليمسك الرمق، ومنه الحديث: " أللهم اجعل رزق آل محمد قوتا " اي بقدر ما يمسك الرمق من المطعم، وفى الدعاء من طريق العامة: " وجعل لكل منهم قيتة مقسومة من رزقه " وهي فعلة من القوت، اي كمية من القوت، ومن في قوله (ع): منهم - ابتدائية أو بيانية. وقوله (ع): معلوما، اي معلوم الوصف والقدر والوقت، على حسب ما تقتضيه الحكمة، وتستدعيه الارادة التابعة لها، لا بما تقتضيه القدرة، فان ذلك غير متناه، إذ تخصيص كل شئ بصفة معينة وقدر معين ووقت محدود دون ما عدا ذلك مع استواء الكل في الامكان واستحقاق تعلق القدرة به، لابد له من حكمة تقتضي اختصاص كل ذلك بما اختص به، وهذا البيان سر عدم تكوين =========================================================================== [332] وما رواه العياشي، عن الحسين بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال قلت له: جعلت فداك، انهم يقولون: ان النوم بعد الفجر مكروه، لان الارزاق تقسم في ذلك الوقت. فقال: الارزاق موظوفة مقسومة، ولله فضل يقسمه من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، وذلك قوله: " واسألوا الله من فضله " (107) ثم قال: وذكر الله بعد طلوع الفجر أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الارض. الحديث 7، من كتاب العدل، من البحار 2، ط الكمباني، و 5، 147، ط الحديث. وما رواه الصدوق (ره) معنعنا في الحديث 12، من باب النوادر، من كتاب =========================================================================== الاشياء لا على وجه الكثرة حسب ما هو في خزائن القدرة، كما قال تعالى: " وان شئ الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم ". وقوله (ع): مقسوما، أي معينا مفروزا عن غيره قسمة تقتضيها مشينه المبنية على الحكمة والمصلحة، ولم يفوض أمره إليهم علما منه بعجزهم عن تدبير انفسهم، كما قال تعالى: " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا، الخ ". قوله (ع): من رزقه، اما متعلق بجعل، أو بقوله: مقسوما. ومن يحتمل ان تكون ابتدائية وبيانية وتبعيضية. والضمير اما راجع الى الله فيكون من باب اضافة الشئ الى فاعله، تأكيدا لجعله أو قسمته، ليثق الانسان بوصول ما قدره الله إليه، فيكف عن الحرص والهلع في طلبه، أو الى الروح فيكون من باب اضافة الشئ الى صاحبه بيانا لعنايته سبحانه، وتمليكه ما يحتاج إليه. وقوله (ع): من زاده، مفعول مقدم، وناقص فاعله، وهو اسم فاعل منه. وكذا قوله: من نقص منهم مفعول، ومفعول نقص محذوف، أي نقصه منهم، والمعنى ان من زاد الله قوته أو رزقه منهم لا ينقصه ناقص، ومن نقصه سبحانه لا يزيده زائد، وقدم المفعول في الفقرتين لمزيد الاعتناء ببيان فعله تعالى، من الزيادة والنقصان. (107) النساء: 31. =========================================================================== [333] الفقيه: 4، 281، ط النجف: انه جاء رجل الى (الامام الصادق) جعفر ابن محمد عليهما السلام، فقال له: بأبي أنت وامي يابن رسول الله علمني موعظة. فقال له عليه السلام: ان كان الله تبارك وتعالى قد تكفل بالرزق فاهتمامك لماذا، وان كان الرزق مقسوما فالحرص لماذا، وان كان الحساب حقا فالجمع لماذا، وان كان الخلف من الله عزوجل حقا فالبخل لماذا، وان كانت العقوبة من الله عزوجل النار فالمعصية لماذا، وان كان الموت حقا فالفرح لماذا، وان كان العرض على الله عزوجل حقا فالمكر لماذا، وان كان الشيطان عدوا فالغفلة لماذا، وان كان الممر على الصراط حقا فالعجب لماذا، وان كان كل شئ بقضاء من الله وقدره فالحزن لماذا، وان كانت الدنيا فانية فالطمأنينة إليها لماذا ؟ ! وقريب منه في الباب الثاني، من البحار: 23، 10، عن امالي الصدوق. وروى ثقة الاسلام الكليني (ره)، في الحديث الثاني، من الباب الثالث، من الكتاب الخامس، من الكافي 57. والشيخ الطوسي (ره)، في الحديث الاخير، من المجلس الثاني، من الامالي 38 معنعنا، عن الامام الصادق عليه السلام انه قال: من صحة يقين المرء المسلم ان لا يرضي الناس بسخط الله، ولا يلومهم على ما لم يؤته الله، فان الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، ولو ان أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لادركه رزقه، كما يدركه الموت، الخ. ورواه في البحار: 23، 12، عن قصص الانبياء. وفي الحديث الثامن، من الباب 23، من كتاب الايمان والكفر، من الكافي: 2، 455 معنعنا، عن الامام الصادق عليه السلام قال: كم من طالب للدنيا لم يدركها، ومدرك لها قد فارقها، فلا يشغلنك طلبها عن عملك، والتمسها من معطيها ومالكها، فكم من حريص على الدنيا قد صرعته، =========================================================================== [334] واشتغل بما ادرك منها عن طلب آخرته حتى فنى عمره وادركه أجله. وفي الحديث التاسع، من الباب، ص 458، معنعنا عنه (ع) قال: انكم في آجال مقبوضة، وايام معدودة، والموت يأتي بغتة، من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرا يحصد ندامة، ولكن زارع ما زرع، ولا يسبق البطئ منكم حظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، من اعطي خيرا فالله اعطاه، ومن وقي شرا فالله وقاه. وقال الامام العسكري عليه السلام: انكم في آجال منقوصة وايام معدودة، والموت يأتي بغتة، من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرا يحصد ندامة، لكل زارع ما زرع، لا يسبق بطئ بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، من أعطي خيرا الله أعطا، ومن وقي شرا فالله وقاه وقال (ع): لا يشغلك رزق مضمون، عن عمل مفروض. تحف العقول: 368، ط النجف. وقال (ع): المقادير الغالبة، لا تدفع بالمغالبة، والارزاق المكتوبة لا تنال بالشره، ولا تدفع بالامساك عنها. البحار: 17، 218، ط الكمباني. هذا قليل من كثير مما هو ظاهر أو صريح في أن الرزق لا يقبل الازدياد، بل ان ما قدر لك يصل اليك، وان لم تقم من مقامك، وان ما لم يقدر فلا يصل اليك، وان ابتغيت في السماوات سلما، أو في الارضين نفقا، وهو معتقد كثير من الناس. وحكي ان كسرى لما قتل بزرجمهر وجد في منطقته مكتوبا: إذا كان الغدر في الناس طباعا فالثقة بالناس عجز، وإذا كان القدر حقا فالحرص باطل، وإذا كان الموت راصدا فالطمأنينة حمق. وفي قبال هذه الاخبار آثار كثيرة آخر تدل على ان الرزق مما يقبل الوفور بالسعي وحسن التدبير، وحذاقة التحفظ والتربية، مثل قوله تعالى في سورة الجمعة: " فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الارض وابتغوا من =========================================================================== [335] فضل الله الخ ". ومثل ماروي في بعض الكتب: ان الله يقول: يابن آدم حرك يدك أبسط لك في الرزق، وأطعني فيما آمرك، فما اعلمني بما يصلحك. ومثل ماروى الشيخ (ره) معنعنا عن علي بن عبد العزيز قال قال أبو عبد الله عليه السلام: ما فعل عمر بن مسلم ؟ قلت: جعلت فداك، اقبل على العبادة وترك التجارة. فقال: ويحه، أما علم ان تارك الطلب لا يستجاب له دعوة، ان قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله لما نزلت: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " اغلقوا الابواب، واقبلوا على العبادة، وقالوا قد كفينا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأرسل إليهم، فقال: ما حملكم على ما صنعتم ؟ فقالوا: يارسول الله تكفل الله لنا بأرزاقنا، فأقبلنا على العبادة. فقال (ص): انه من فعل ذلك لم يستجب له، عليكم بالطلب. ومثل ماروي في كنز الفوائد وغيره، عن امير المؤمنين عليه السلام: الدنيا دول، فاطلب حظك منها بأجمل الطلب. ومثل مان عن الكليني (ره)، عن عمر بن يزيد، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: أرايت لو ان رجلا دخل بيته واغلق بابه، أكان يسقط عليه شئ من السماء ؟ ! وعن ابن فهد (ره)، في عدة الداعي، عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اني لاركب في الحاجة التي كفانيها الله، ما اركب فيها الا لالتماس ان يراني الله أضحى في طلب الحلال، اما تسمع قول الله عزوجل: " فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله ". أرايت لو ان رجلا دخل بيتا وطين عليه بابه، وقال رزقي ينزل علي، كائن يكون هذا ؟ اما انه أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم دعوة. قلت: من =========================================================================== [336] هؤلاء ؟ قال رجل عنده المرأة فيدعو عليها فلا يستجاب له، لان عصمتها في يده ولو شاء ان يخلي سبيلها، والرجل يكون له الحق على الرجل فلا يشهد عليه، فيجحد حقه فيدعو عليه فلا يستجاب له، لانه ترك ما أمر به، والرجل يكون عنده الشئ فيجلس في بيته فلا ينتشر ولا يطلب ولا يلتمس الرزق حتى يأكله فيدعو فلا يستجاب له. الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة الواردة في مختلف المقامات. والذي يحل الاشكال، ويشرح المقصود من الاخبار السابقة هو الاخبار المفصلة بان الرزق نوعان، مثل هذا الكلام الذي نحن في مقام شرحه، فانه صريح في أن بعض اقسام الرزق يطلب الانسان، وبعض آخر يطلبه الانسان. ومثل ما رواه في الوسائل، عن الشيخ المفيد (ره)، في المقنعة، عن الامام الصادق عليه السلام قال: الرزق مقسوم على ضربين: احدهما واصل الى صاحبه وان لم يطلبه، والاخر معلق بطلبه، فالذي قسم للعبد على كل حال آتيه وان لم يسع له، والذي قسم له بالسعي فينبغي لله أن يلتمسه من وجوهه، وهو ما أحله الله دون غيره، فان طلبه من جهة الحرام فوجده حسب عليه يرزقه وحوسب به. =========================================================================== [337] المائدة الثالثة: في ذكر شئ مما قيل في المقام من الاشعار. ونسب الى امير المؤمنين عليه السلام، كما في المختار 21، من حرف الراء، من الديوان المنسوب إليه (ع)، ص 78: للناس حرص على الدنيا بتدبير * وصفوها لك ممزوج بتكدير كم من ملح عليها لا تساعده * وعاجز نال دنياه بتقصير لم يرزقوها بعقل حينما رزقوا * لكنما رزقوها بالمقادير لو كان عن قوة أو عن مغالبة * طار البزاة بأرزاق العصافير. وفي المختار العاشر، من حرف اللام، من الديوان المنسوب إليه (ع): فلو ان العقول تجر رزقا * لكان الرزق عند ذوي العقول، الخ وفي المختار 23، من الباب: صن النفس واحملها على ما يزينها * تعش سالما والقول فيك جميل وان ضاق رزق اليوم فاصبر الى غد * عسى نكبات الدهر عنك تزول يعز غني النفس وان قل ماله * ويغنى غني المال وهو ذليل (108) وروى في الباب الثاني، من البحار: 23، 12 عن جامع الاخبار عنه (ع): دع الحرص على الدنيا * وفي العيش فلا تطمع ولاتجمع من المال * فلا تدري لمن تجمع ولا تدري أفي ارضك * ام في غيرها تصرع فان الرزق مقسوم * وكد المرء لا ينفع فقير كل من يطمع * عني كل من يقنع ورواها عنه أيضا في المستدرك: 2، 420. =========================================================================== (108) يغنى، اي يمكث ويلبث، كقوله تعالى: " كأن لم تغن بالامس ". =========================================================================== [338] وقال السبط الشهيد الامام الحسين عليه السلام: قال تكن الدنيا تعد نفيسة * فان ثواب الله اعلى وأنبل وان تكن الابدان للموت أنشأت * فقتل امرء بالسيف في الله أفضل وان تكن الارزاق قسما مقدرا * فقلة حرص المرء في السعي أجمل وان تكن الاموال للترك جمعها * فما بال متروك به المرء يبخل وقال (ع): إذا ما عضك الدهر * فلا تجنح الى خلق ولا تسأل سوى الله * تعالى قاسم الرزق فلو عشت وطوفت * من الغرب الى الشرق لما صادقت من يقد * ر ان يسعد أو يشقي وقال الشاعر: لا تحرصن الحطام فانما * يأتيك رزقك حين يؤذن فيه سبق القضاء بقدره وزمانه * وبأنه يأتيك أو تأتيه وقال آخر: أراك تزيدك الايام حرصا * على الدنيا كأنك لا تموت فهل لك غاية ان صرت يوما * إليها قلت حسبي قد رضيت وذكروا ان ابراهيم بن هرمة انقطع الى جعفر بن سليمان الهاشمي فكان يجري له رزقا، فقطعه، فكتب إليه ابن هرمة: ان الذي شق فمي ضامن * للرزق حتى يتوفاني حرمتني خيرا قليلا فما * ان زادني مالك حرماني فرد إليه رزقه وأحسن إليه. وأنشد لبعضهم: التمس الارزاق عند الذي * ما دونه ان سيل من حاجب من يبغض التارك تسأله * جودا ومن يرضى عن الطالب =========================================================================== [339] ومن إذا قال جرى قوله * بغير توقيع الى كاتب لابن وكيع النفيسي: لاتحيلن على سعد * ك في الرزق ونحسك وإذا أغفلك الدهر * فذكره بنفسك لا تعجل بلزوم * البيت فيما قبل رمسك انما يحمد حسن الرزق * من حمدة حسك وانشد لابن أصبغ: لو كان في صخرة في الارض راسية * صماء ملموسة ملس نواحيها رزق لنفس براها الله لانفلقت * عنه فأدت الى كل ما فيها أو كان بين طباق السبع مطلبها * لسهل الله في المرقى مراقيها حتى يلاقي الذي في اللوح خط له * ان هي أتته والا سوف يأتيها وقال حيص بيص أبو الفوارس: يا طالب الرزق في الافاق مجتهدا * أقصر عناك فان الرزق مقسوم الرزق يسعى الى من ليس يطلبه * وطالب الرزق يسعى وهو محروم وقال أيضا: أنفق ولا تخش اقلا لافقد قسمت * على العباد من الرحمان أرزاق لا ينفع البخل مع دنيا مولية * ولا يضر مع الاقبال انفاق وقال الاصم: وكيف أخاف الفقر والله رازقي * ورازق هذا الخلق في العسر واليسر تكفل بالارزاق للخلق كلهم * وللضب في البيدا وللحوت في البحر وقال آخر: مالك العالمين ضامن رزقي * فلماذا أملك الخلق رقي قد قضى لي بما علي ومالي * خالقي جل ذكره قبل خلقي فكما لايرد عجزي رزقي * فكذا لايجر رزقي حذقي =========================================================================== [340] المائدة الرابعة: في معنى الحكمة والاثار الواردة في شأنها وشأن الحكماء، المناسبة لقوله (ع): " يا بني اقبل من الحكماء مواعظهم، الخ ". قال العلامة المجلسي (ره): قيل: الحكمة تحقيق العلم، وانفاق العمل. وقيل: هي ما يمنع من الجهل. وقيل: هي الاصابة في القول وقيل: هي طاعة الله. وقيل هي الفقه في الدين. وقال ابن دريد: كل ما يؤدي الى مكرمة أو يمنع من قبيح. وقيل: ما يتضمن صلاح النشأتين. والتفاسير متقاربة. (109). والظاهر من الاخبار انها العلوم الحقة النافعة مع العمل بمقتضاها. وقد يطلق على العلوم الفائضة من جنابه تعالى على العبد بعد العمل بما يعلم. وقيل: الحكمة هي العدل والعلم والحكم والنبوة والقرآن والانجيل ووضع الشئ في موضعه وصواب الامر وسداده، وفي عرف العلماء هي استعمال النفس الانسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة. =========================================================================== (109) وقيل: الحكمة هي العلم الذي يرفع الانسان عن فعل القبيح. مستعار من الحكمة التي هي اللجام وهي ما احاط بحنك الدابة، يمنعها الخروج عن طاعة راكبها، والحكمة فهم المعاني، وسميت حكمة لانها مانعة من الجهل. وقال الراغب في المفردات: حكم أصله منع منعا لاصلاح، ومنه سميت اللجام حكمة الدابة، فقيل: حكمته وحكمت الدابة: منعتها بالحكمة، وأحكمتها: جعلت لها حكمة، وكذلك حكمت السفينة وأحكمتها، قال الشاعر: " أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ". وقيل: الحكمة - بكسر الحاء - على فعلة، بناء نوع يدل على نوع المعنى، فمعناه النوع من الاحكام والاتقان أو نوع من الامر المحكم المتقن الذي لا يوجد فيه ثلمة ولافتور، وغلب استعماله في المعلومات الحقة الصادقة التي لاتقبل البطلان والكذب البتة. اقول: ولا يخفى عليك انها كلمة حق قد يراد بها الباطل. =========================================================================== [341] على الافعال الفاضلة قدر طاقتها. وقال بعضهم: الحكمة هي معرفة الحقائق على ماهي عليه بقدر الاستطاعة، وهي العلم النافع المعبر عنه بمعرفة مالها وما عليها المشار إليه بقوله تعالى: " ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا " وافراطها الجربزة وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي كالمتشابهات، وعلى وجه لا ينبغي كمخالفة الشرائع، وتفريطها الغباوة التي هي تعطيل القوة الفكرية، والوقوف عن اكتساب العلم، وهذه الحكمة غير الحكمة التي هي العلم بالامور التي وجودها من أفعالنا، بل هي ملكة تصدر عنها أفعال متوسطة بين افعال الجربزة والبلاهة. وقال الراغب: الحكمة: اصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى معرفة الاشياء وايجادها على غاية الاحكام، ومن الانسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله عز وجل: " ولقد آتينا لقمان الحكمة " ونبه على جملتها بما وصفه بها. فإذا قيل في الله تعالى: هو حكيم فمعناه بخلاف معناه إذا وصف به غيره، ومن هذا الوجه قال الله تعالى: " أليس الله باحكم الحاكمين "، وإذا وصف به القرآن فلتضمنه الحكمة نحو " الر، تلك ايات الكتاب الحكيم " وعلى ذلك قال: " ولقد جاءهم من الانباء ما فيه مزدجر، حكمة بالغة ". وقيل: معنى الحكيم: المحكم نحو " احكمت آياته " وكلاهما صحيح، فانه محكم ومفيد للحكم، ففيه المعنيان جميعا، والحكم أعم من الحكمة، فكل حكمة حكم، وليس كل حكم حكمة، فان الحكم أن يقضى بشئ على شئ فيقول: هو كذا، أو ليس بكذا، قال صلى الله عليه وسلم: ان من الشعر لحكمة، أي قضية صادقة، وذلك نحو قول لبيد: " ان تقوى ربنا خير نفل. " قال الله تعالى: " وآتيناه الحكم =========================================================================== [342] صبيا " وقال صلى الله عليه وسلم: " الصمت حكم وقليل فاعله " اي حكمة. " ويعلمهم الكتاب والحكمة " وقال تعالى: " واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة " قيل: تفسير القرآن، ويعني مانبه عليه القرآن، ومن ذلك: " ان الله يحكم ما يريد " اي ما يريده يجعله حكمة (110) وذلك حث للعباد على الرضا بما يقضيه. قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله: " من آيات الله والحكمة " هي علم القرآن، ناسخه ومنسوخه. محكمه ومتشابهه. وقال ابن زيد: هي علم آياته وحكمه. وقال السدي: هي النبوة. وقيل: فهم حقائق القرآن، وذلك اشارة الى ابعاضها التي تختص بأولي العزم من الرسل، ويكون سائر الانبياء تبعا لهم في ذلك، وقوله عزوجل: " يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا " فمن الحكمة المختصة بالانبياء، أو من الحكم، قوله عزوجل: " آيات محكمات هن ام الكتاب، واخر متشابهات " فالمحكم مالا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولامن حيث المعنى، الخ. وروى العلامة الكراجكي (ره)، في كنز الفوائد: 214، ط 1، عن لقمان الحكيم وصية لولده، منها: يا بني تعلم الحكمة تشرف، فان الحكمة تدل على الدين، وتشرف العبد على الحر، وترفع المسكين على الغني، وتقدم الصغير على الكبير، وتجلس المسكين مجالس الملوك، وتزيد الشريف شرفا، والسيد سؤددا، والغني مجدا، وكيف يظن ابن آدم أن يتهيأ له أمر دينه ومعيشته بغير حكمة، ولن يهئ الله عزوجل أمر الدنيا والاخرة الا بالحكمة، ومثل =========================================================================== (110) هذا خلاف ظاهر الاية، والظاهر من السياق انه تعالى في مقام بيان قهاريته، وانه إذا أراد شيئا يوجده بارادته النافذة، وحكمه الماضي، بخلاف غيره، فان ارادته غير ماضية فيما احب واراد. =========================================================================== [343] الحكمة بغير طاعة مثل الجسد بلا نفس، أو مثل الصعيد بلا ماء، ولاصلاح للجسد بلا نفس، ولا للصعيد بغير ماء، ولا للحكمة بغير طاعة. وقال أيضا: لان يضربك الحكيم فيؤذيك خير من ان يدهنك الجاهل بدهن طيب. البحار: 17، 268. وفي الحديث 34، من باب النوادر، من الفقيه: 4، 285 معنعنا، عن رسول الله (ص) قال: ان عيسى بن مريم عليه السلام قام في بني اسرائيل فقال: يا بني اسرائيل لا تحدثوا بالحكمة الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، ولا تعينوا الظالم على ظلمه فيبطل فضلكم، الامور ثلاثة: أمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غيه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فرده الى الله عزوجل. وروي عن منية المريد، الشهيد الثاني أيضا. وقال النبي صلى الله عليه وآله: كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا وما فيها. المحجة البيضاء: 94، ط 2، عن احياء العلوم. ونسب إليه (ص) انه قال: قلب ليس فيه شئ من الحكمة كبيت خراب، فتعلموا وعلموا وتفقهوا، ولا تموتوا جهالا، فان الله لا يعذر على الجهال (على الجهل ظ). وقال (ص): ما أخلص عبد العمل لله اربعين يوما الا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه. وقال (ص): الحكمة ضالة المؤمن يأخذها ممن سمعها، ولايبالي في أي وعاء خرجت. وقال (ص): لا تضعوا الحكمة عند غير اهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. (111) =========================================================================== (111) ورواه في البحار: 17، 51، في الحديث 14، عن اعلام الدين بلفظ: تعطوا، الخ. =========================================================================== [344] وروي عن كتاب نزهة الناظر، لابي يعلى الجعفري (ره) قال قال رسول الله (ص): كلمة حكمة يسمعها المؤمن فيعمل بها خير من عبادة سنة. ورواه في البحار: 17، 49، س 5، عن اعلام الدين للديلمي (ره). وفي البحار: 17، 50 س 7، عن كتاب الامامة والتبصرة، معنعنا عنه (ص): غريبتان غريبة كلمة حكم من سفيه فاقبلوها، وكلمة سفه من حكيم فاغفروها. وقال امير المؤمنين عليه السلام: الحكمة شجرة تنبت في القلوب، وتثمر على اللسان. نقله بعض الفضلاء عن كتاب الناسخ. وقال (ع) في اوائل عهده للاشتر (ره): وأكثر مدارسة العلماء، ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، واقسامة ما استقام به الناس قبلك، الخ. وقال (ع): ان كلام الحكماء إذا كان صوابا كان دواء، وإذا كان خطاء كان داء. المختار 265، من قصار النهج. وقال (ع) في مدح قوم ينصرون الحق في آخر الزمان: ويغبقون كأس الحكمة بعد الصبوح، الخ (112). وقال (ع) في ذم فتن ستحدث بعده: تغيض فيها الحكمة، وتنطق فيها الظلمة، الخ. المختار 149، من خطب النهج. وقال (ع) في وصيته للامام المجتبى: أحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهادة، وقوة باليقين، ونوره بالحكمة، الخ. وقال (ع): واعلموا أن ليس من شئ الا ويكاد صاحبه أن يشبع منه ويمله الا الحياة، فانه لا يجد له في الموت راحة، وانما ذلك بمنزلة =========================================================================== (112) المختار 148، من خطب النهج، ويغبقون - على بناء المجهول - اي يسقون. =========================================================================== [345] الحكمة التي هي حياة للقلب الميت، وبصر للعين العمياء، وسمع للاذن الصماء. وري للظمآن، وفيها الغنى كله والسلامة، الخ (113). وقال (ع): خذ الحكمة أني كانت، فان الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره حتى تخرج فتسكن الى صواحبها في صدر المؤمن. وقال (ع): الحكمة ضالة المؤمن، فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق. المختار 79 و 80، من قصار نهج البلاغة. وقال (ع): ان الحكماء ضيعوا الحكمة لما وضعوها عند غير أهلها. البحار: 17، 208. وعن الامام السجاد عليه السلام قال: هلك من ليس له حكيم يرشده، وذل من ليس له سفيه يعضده. البحار: 17، 160، س 11. وفي الحديث 26، من الباب 7، من البحار: 1، 67، ط الكمباني، عن مصباح الشريعة، قال الصادق عليه السلام: الحكمة ضياء (114) =========================================================================== (113) قال الشيخ محمد الحقاني وفقه الله: المشار إليه في قوله (ع): " وانما ذلك بمنزلة الحكمة، الخ " هو عدم الشبع والملالة من الحياة، أي عدم شبع أهل الدنيا من الحياة، وعدم ملالتهم منها، كعدم شبع العلماء والصلحاء من الحكمة التي هي حياة للقلب، وضياء للعين، وسمع للاذن، وري للظماء، وفيها الغنى والسلامة، وهي كتاب الله الذي به يبصر البصير، وينطق المحق، الخ. وهذا المعنى المستفاد من السياق، مؤيد ايضا بقرائن خارجية مثل قولهم (ع): منهومان لا يشبعان: طالب الدنيا وطالب العلم. ومثل ما ورد في شأن القرآن كقولهم (ع): ان لله حرمات ثلاث كتابه هو حكمة ونور، الخ. ومثل ما ورد في تفسير قوله تعالى: " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " الاية، الى غير ذلك مما ورد في شأن القرآن. (114) قال العلامة المجلسي (ره): اضافة الضياء الى المعرفة اما بيانية، أو لامية، وعلى الاخير فالمراد: النور الحاصل في القلب بسبب المعرفة، أو العلوم الفائضة بعدها، والثبات عند اوائل الامور عدم التزلزل من الفتن الحادثة عند الشروع في عمل من أعمال الخير، وكذا الوقوف عند عواقبها وأواخرها وما يترتب عليها من المفاسد الدنيوية. =========================================================================== [346] المعرفة، وميراث التقوى، وثمرة الصدق، وما انعم الله على عبد من عباده نعمة أنعم وأعظم وأرفع وأجزل وأبهى من الحكمة، قال الله عزوجل: " يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يوت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا وما يذكر الا اولو الالباب ". أي لا يعلم ما اودعت وهيئت في الحكمة الا من استخلصته لنفسه (لنفسي ظ) وخصصته بها، والحكمة هي الثبات، وصفة الحكيم الثبات عند اوائل الامور، والوقوف عند عواقبها، وهو هادي خلق الله الى الله تعالى، قال رسول الله (ص) لعلي لان يهدي الله على يديك عبدا من عباد الله خير لك مما طلعت عليه الشمس من مشارقها الى مغاربها. وقال (ع): كثرة النظر في الحكمة تلقح العقل. البحار: 17، 185، س 21. وقال الامام السابع موسى بن جعفر عليهما السلام في وصاياه للعبد الصالح: هشام بن الحكم (ره): يا هشام ان الزرع ينبت في السهل، ولا ينبت في الصفا، فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع، ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار، لان الله تعالى جعل التواضع آلة العقل، وجعل التكبر من آلة الجهل، الم تعلم ان من شمخ الى السقف برأسه شجه، ومن خفض رأسه استظل تحته وأكنه، فكذلك من لم يتواضع لله خفضه الله، ومن تواضع لله رفعه الله، الخ. وقال (ع) فيها ايضا: واعلموا أن الكلمة من الحكمة ضالة المؤمن، فعليكم بالعلم قبل ان يرفع، ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم. وقال (ع): يا هشام لا تمنحوا الجهال الحكم فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، يا هشام كما تركوا لكم الحكمة، فاتركوا لهم الدنيا، الخ. البحار: 17، 199، س 3، ط الكمباني. =========================================================================== [347] وقال الامام الهادي عليه السلام: الحكمة لاتنجع في الطباع الفاسدة. وعنهم (ع): خذوا الحكمة ولو من ألسنة المشركين. وقالت الحكماء: لا يطلب الرجل حكمة الا بحكمة عنده. وقالوا: إذا وجدتم الحكمة مطروحة على السكك فخذوها. وذكر ابن مسكويه (ره)، في حكم الاسلاميين، من الحكمة الخالدة، ص 285، وصية وفيها: يا طالب الحكمة طهر لها قلبك، وفرغ لها لبك، واجمع الى النظر فيها همتك، فان الحكمة اعظم المواهب التي وهبها الله لعباده، وأفضل الكرامة التي اكرم الله بها اولياءه، وهي المال الذي من أحرزه استغنى به، ومن عدمه لم يغنه شئ سواه، والصاحب الذي من صحبه في عمره لم يستوحش معه، ومن فارقه لم يسكن الى أحد بعده، هي للقلوب كالقطر للنبات، ومن العقول بمنزلة الضياء من الابصار، بطنت الحكمة لكل شئ، وظهرت عليه، وعلت فوقه، واحاطت به، فلها بكل شئ خبر، وعندها على كل خبر شهادة، ومن أعظم شأنها أنها ليس احد الا وهو منتحل اسمها، ومتزين بها ولا حاجة بها الى انتحال شئ غيرها، ولا التزين بغير زينتها، فان كنت من حملتها ففرغ لها قلبك، وارفع الى النظر فيها همتك، فانها أطهر من ان تجامع دنسا، وأنزه من ان تخالط قذرا، فقد رأينا من أراد الغرس في ارضه يبدأ فيقلع ما فيها من غرائب النبت، ثم يأتي بكرائم الغرس فينصبه فيها، وكذلك من طلب الحكمة، ورغب في اقتنائها، فهو حقيق بان يبدأ بما في قلبه من أضوائها فيمحقها ويطهره منها، مثل الهوى والشهوات المردية، ومثل الحقد والحسد، ومحبة الكرامة والتسرع الى الغضب، واشباه هذه الاشياء، فإذا تطهر منها استقبل الحكمة فأخذ منها ما استطاع، فإذا اظفرك الله بالحكمة، وزرع فيك بذرها، فلا يكونن زارع اولى بالقيام على زرعه منك، ولا يمنعك بعد غورها، وكثرة أشباهها منها، فانها من =========================================================================== [348] المعونة على نفسها مثل الذي بالشمس للابصار، على استثباتها والاستبانة لها، فمن صح بصر نفسه، ثم وصل بما صح منه الى ما يرد عليه من الحكمة، أو رابه شئ من الامور ثم يمنعه ما فاته منها ان يسمى حكيما، ويلحقه ما ظفر به بالحكماء، كما لايمنع البصر ما فاته من المبصرات من ان يدعى بصيرا ويلحقه بالبصراء، فإذا صح لك من عقلك ما تعرف به وجوه الحكمة، وترغب به في الخير، وتميز بينه وبين الشر، فليس بشهادة الناس ولا بما يسمونه حكمة تكون حكيما، ولا بعقولهم تعد من العقلاء، ولا بسائر ما يثنون عليهم من ودهم ونصائحهم تكون فاضلا، وانما الناس رجلان: رجل لاخير فيه، جاهل بحقيقة الحكمة، فليس ملتفتا إليه، ورجل من اهل الحكمة لا يمنعك مما سهل الله لك به سبيل الخير، بل يبذله لك، لانه ليس يباع بثمن، ولا يمنع من طالب، ولا يكتتم كاكتتام الذنوب، واعلم ان العقل متوجه اينما وجه، وله غناء أينما صرف، وبعض مصارفه أنفع من بعض، فإذا صرف الى الدين أحكمه وتفقه فيه، وإذا صرف الى الدنيا أغني بها واحتال فيها فليس مستودعا شيئا الا حفظه، ولا مصبوغا بصبغ الا قبله، ولا محملا رشدا ولاغيا الا تحمله، فاياك ان تعدله عن رشد، أو تصرفه الى غي عامدا أو مخطئا، فانك لست محكما به شيئا من أمر دنياك الا أضعت به اكثر منه من امر دينك، ولا حافظا به شيئا من الادب غير النافع الا أضعت به اكثر منه من نافع الادب، غير انك تجمع الى ضياع العناية بما لا ينفع استيجاب التبعة فيما اضعت، وليس شئ من امر الدنيا صرفت إليه عقلك فاحكمته الا سيعود محكمه عن وشيك ضائعا، وصالحه فاسدا لا يصحبك شئ منه في آخرتك، ولا يوثق ببقائه لك في دنياك، وانما وهن امر صاحب الدنيا وبطل سعيه، لانه بنى في غيره داره، وغرس في غير أرضه، فلم يكن له - حين جاء من يشخصه - الا ان ينقضه ويدعه لغيره، ومن أخطاه العقل ظهر =========================================================================== [349] به الحمق والبله، ومن صرف عقله الى غير الحق ظهر به الدهى، وبعض الدهى ابلغ في الشر من كثير من الحمق، وانما القصد في ذلك ان يصاب الحق، ثم لا يصرف به عن جهته. اعلم أنه من غابت الحكمة عن عقله عجز عن انفاذ الامور كما تعجز العين الصحيحة عن رؤية الاشياء عند فقد الضياء، ولا يسلم له حق وان حسنت ولايته، وذلك انه ان كان جواها افسد جوده التبذير، وسوء موضع الصنيعة وذلك انه يصرف العطية الى من لاحق له مع منع ذوي الحق، وان كان بليغا افرط في القول، وأخطأ البغية، وان كان عالما افسد علمه العجب، وان كان حليما أفسد حلمه الذل والمهانة، وان كان صموتا أضر بصمته العي، وان كان لينا بلغ لينه الضعف، فمن فقد الحكمة من أهل الخصال الحسنة ضاعت خصاله، ومن فقدها من غيرهم هلك كل الهلاك، الخ. وهي طويلة أخذنا منها بقدر الحاجة. =========================================================================== [350] الفائدة الخامسة: في بعض الاثار الواردة في حق الفقه والفقيه المناسبة لقوله (ع): " وتفقه في الدين فان الفقهاء ورثة الانبياء، الخ ". فعن غوالي اللئالي، قال النبي (ص): فقيه واحد اشد على ابليس من الف عابد. وقال (ص): من اراد الله به خيرا يفقه في الدين. وهذا يأتي باسانيده عن غير واحد من الائمة صلوات الله عليهم. وعنه (ص): من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. دعائم الاسلام: 1، 81. وكما في الحديث 28، من الباب 6، من البحار: 1، 67، عن الغوالي معنعنا، وفي الحديث 30، من الباب معنعنا، عن كتاب السرائر، قال رسول الله: نعم الرجل الفقيه، ان احتيج إليه نفع، وان لم يحتج إليه نفع نفسه. وفي الحديث 33، عن المجالس معنعنا (ص): إذا أراد الله بعيد خيرا فقهه في الدين. وفي الحديث 34، عن روضة الواعظين، عنه (ص): افضل العبادة الفقه، وافضل الدين الورع. وعنهم علهيم السلام: خلتان لا تجتمعان في منافق: فقه في الاسلام، وحسن سمت في وجه. دعائم الاسلام: 1، 81 و 80. وهذا متواتر عنهم عليهم السلام. وعنهم (ع)، عن رسول الله (ص)، انه خطب الناس في مسجد الخيف فقال: رحم الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، وبلغها الى من لم يسمعها، فرب حامل فقه وليس بفقيه، ورب حامل فقه الى من هو افقه منه، الخ. وهذا الخبر له مصادر وثيقة من الطريقين: الشيعة والسنة. =========================================================================== [351] وفي البحار: 17، 208، عن فقه الرضا: تفقهوا في دين الله فانه اروى، من لم يتفقه في دينه ما يخطئ اكثر مما يصيب، فان الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب الى المنازل الرفيعة، الخ. وعن بصائر الدرجات معنعنا، عن الامام السجاد، والامام الباقر عليهما السلام: متفقه في الدين اشد على الشيطان من عبادة الف عابد. وعن المحاسن معنعنا، عن الامام الباقر عليه السلام قال: تفقهوا في الحلال والحرام، والا فانتم اعراب. الحديث 14 و 10، من الباب 6، من البحار: 1، 66. وعن ثقة الاسلام (ره) معنعنا عنه (ع) قال: الكمال كل الكمال التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة. الحديث الرابع، من الباب الثاني، من كتاب فضل العلم، من الكافي: 1، 32. وعن الامام الصادق عليه السلام أنه كان يقول: تفقهوا في الدين، فانه من لم يتفقه منكم في الدين فهو اعرابي، ان الله يقول في كتابه: " ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم بحذرون ". وقال عليه السلام: عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا اعرابا، فانه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزك له عملا. وعنه عليه السلام: لو ددت ان اصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا. وسأله رجل عن رجل عرف هذا الامر، لزم بيته، ولم يتعرف الى أحد من اخوانه، قال فقال: كيف يتفقه هذا في دينه ؟ ! وعنه (ع): لاخير فيمن لا يتفقه من اصحابنا - يا بشير - ان الرجل منهم إذا لم يستغن بفقهه احتاج إليهم، فإذا احتاج إليهم ادخلوه في باب =========================================================================== [352] ضلالتهم وهو لا يعلم. كل ذلك ذكره ثقة الاسلام (ره) باسانيدها في الحديث 6، من الباب 2، من كتاب فضل العلم، والحديث 6 الى 10، من الباب 1، من الكافي. وعن المحاسن معنعنا، قال قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى تكون فيه خصال ثلاث: التفقه في الدين، وحسن التقدير في المعيشة، والصبر على الرزايا. ورواه في الخصال مسندا عن امير المؤمنين (ع)، كما في الحديث 4، و 11، من الباب 6، من كتاب العلم، من البحار: 1، 65 و 66. وعنه (ع): إذا اراد الله بعد خيرا فقهه في الدين. كما في الحديث 3، من الباب 2، من كتاب فضل العلم، من الكافي 32، ورواه ايضا باختلاف في اللفظ، عن رسول الله (ص)، في الحديث 9، من المجلس 19، من امالي الشيخ المفيد، وفي كنز الفوائد 239، ورواه في المحجة البيضاء: 1، 13، عن جماعة من العامة، عن رسول الله (ص). وقال الامام الكاظم عليه السلام: تفقهوا في دين الله، فان الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب الى المنازل الرفيعة، والرتب الجليلة في الدين والدنيا، وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملا. تحف العقول: 307. وعن الامام الجواد عليه السلام: التفقه ثمن لكل غال، وسلم الى كل عال. الحديث 39، من الباب 6، من البحار: 1، 67، عن الدرة الباهرة. =========================================================================== [353] المائدة السادسة: في الاثار الدالة على مراعاة الناس، وان يرضى لهم ما يرضاه لنفسه، المناسبة لقوله (ع): " واحسن الى جميع الناس كما تحب ان يحسن اليك، الخ ". روى الصدوق (ره) في الباب 97، من الجزء الثاني، من معاني الاخبار: 253 معنعنا، قال قال لقمان لابنه: يا بني صاحب مأة، ولا تعاد واحدا، يا بني انما خلاقك وخلقك، فخلاقك دينك، وخلقك بينك وبين الناس، فلا تتبغض إليهم، وتعلم محاسن الاخلاق، يا بني كن عبدا للاخيار، ولا تكن ولدا للاشرار، يا بني أد الامانة تسلم لك دنياك وآخرتك، وكن أمينا تكن غنيا. وروى الكليني (ره)، في الحديث 9، من باب حق المؤمن، من الكافي: 2، 172 معنعنا، عنه (ص) انه قال: ست خصال من كن فيه كان بين يدي الله عزوجل وعن يمين الله: يحب المرء المسلم لاخيه ما يحب لاعز أهله، ويكره لاخيه ما يكره لاعز اهله، الخ. وعن الصدوق (ره) معنعنا، ان امير المؤمنين عليه السلام وجد في قائمة سيف من سيوف رسول الله صحيفة، فيها ثلاثة أحرف: صل من قطعك، وقل الحق ولو على نفسك، وأحسن الى من اساء اليك، الخ. الحديث 2، من الباب 11، من البحار: 16، 44، عن امالي الصدوق. وروى ثقة الاسلام الكليني (ره) معنعنا، في الحديث العاشر، من الباب 66، من كتاب الايمان والكفر، من الكافي: 2، 146: انه جاء أعرابي الى النبي صلى الله عليه وآله، وهو يريد بعض غزواته، فأخذ =========================================================================== [354] بغرز راحلته فقال: يارسول الله علمني عملا ادخل به الجنة. فقال: ما أحببت أن يأتيه الناس اليك فأته الهيم، وما كرهت ان يأتيه الناس اليك فلاتأته إليهم، خل سبيل الراحلة. وقال امير المؤمنين عليه السلام، في وصيته الى الامام المجتبى عليه السلام: يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين الناس، فأحبب لغيرك ما تحب لنفس، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن اليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل مالا تعلم وان قل ما تعلم، ولا تقل مالا تحب ان يقال لك، الخ. وروى في الحديث 5، من الباب 26، من كتاب العشرة، من الكافي 2، 67 معنعنا: ان امير المؤمنين عليه السلام صاحب رجلا ذميا، فقال له الذمي: اين تريد يا عبد الله ؟ قال: اريد الكوفة، فلما عدل الطريق بالذمي عدل معه علي، فقال له الذمي ليس زعمت تريد الكوفة ؟ قال: بلى:. فقال له الذمي: فقد تركت الطريق. فقال له: قد علمت. فقال له: فلم عدلت معي وقد علمت ذلك ؟ فقال له علي (ع): هذا من تمام حسن الصحبة ان يشيع الرجل صاحبه هنيهة إذا فارقه، وكذلك امرنا نبينا. فقال له: هكذا ؟ قال: نعم. فقال له الذمي: لاجرم انما تبعه من تبعه لافعاله الكريمة، وأنا أشهدك اني على دينك، فرجع الذمي مع علي فلما عرفه أسلم. وهذا اللفظ رواه المجلسي (ره)، في الحديث 4، من باب 11، من البحار: 1، من 16، ص 44، ط الكمباني معنعنا، عن قرب الاسناد. وعن السبط الاكبر، الامام الحسن عليه السلام قال: يابن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا، وارض بما قسم الله سبحانه تكن غنيا، وأحسن =========================================================================== [355] جوار من جاورك تكن مسلما، وصاحب الناس بمثل ما تحب ان يصاحبوك به تكن عدلا، الخ. المختار 36، من كلامه (ع)، في البحار: 17، 147، ط الكمباني. وروى الصدوق (ره)، في الباب 66، من كتاب التوحيد 137، مسندا عن الامام الباقر عليه السلام قال: أوحى الله تبارك وتعالى الى آدم عليه السلام: يا آدم اني أجمع لك الخير كله في أربع كلمات، واحدة لي وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين الناس، فأما التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك: فأجازيك بعملك أحوج ما تكون إليه، واما التي بيني وبينك: فعليك الدعاء وعلي الاجابة، وأما التي فيما بينك وبين الناس: فترضى للناس ما ترضى لنفسك. ورواه أيضا معنعنا عنه (ع)، في الحديث 13، من باب العدل والانصاف، من الكافي: 2، 146. ورواه ايضا معنعنا، عن الامام الصادق (ع)، في الحديث 53، من باب النوادر، من كتاب من لا يحضره الفقيه: 4، 290. وروى الكليني (ره)، في الحديث الثاني، من الباب 75 (باب حق المؤمن) من الكافي: 2، 169 معنعنا، عن معلى بن خنيس عن الامام الصادق (ع) قال، قلت له: ماحق المسلم على المسلم ؟ قال: له سبع حقوق واجبات، مامنهن حق الا وهو عليه واجب، ان ضيع منها شيئا خرج من ولاية الله وطاعته، ولم يكن لله فيه نصيب، - وساق الكلام الى ان قال (ع) -: وأيسر حق منها، أن تحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك، الخ. ورواه أيضا شيخ الطائفة (ره)، مسندا في الحديث 3، من الجزء الرابع من الامالي 59. وأيضا روى ثقة الاسلام الكليني (ره)، في الحديث الثالث، من الباب، معنعنا عنه (ع) انه قال: ان من أشد ما افترض الله على خلقه =========================================================================== [356] ثلاثا: انصاف المرء من نفسه حتى لا يرضى لاخيه من نفسه الا بما يرضى لنفسه منه، ومؤاساة الاخ في المال، الخ. وأيضا روى الكليني (ره)، في الحديث 4، من الباب معنعنا عنه (ع) ما عبد الله بشئ أفضل من أداء حق المؤمن. وفي الحديث الثاني، من الجزء الرابع، من المالي الشيخ (ره)، ص 59 معنعنا، عن محمد بن مسلم قال: اتاني رجل من اهل الجبل، فدخلت معه على أبي عبد الله عليه السلام، فقال له عند الوداع: اوصني. فقال: أوصيك بتقوى الله، وبر أخيك المسلم، وأحب له ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لنفسك، وان سألك فأعطه، وان كف عنك فاعرض عليه، ولا تمله خيرا فانه لا يملك، وكن له عضدا فانه لك عضد، وان وجد عليك فلا تفارقه حتى تحل سخيمته، وان غاب فاحفظه في غيبته، وان شهد فاكنفه واعضده ووازره وأكرمه ولاطفه، فانه منك وأنت منه. =========================================================================== [357] المائدة السابعة: في تفسير الخلق الحسن، والاخبار الواردة في مدحه، المناسبة لقوله: عليه السلام: " وحسن مع جميع الناس خلقك، الخ ". قال العلامة المجلسي (ره): الخلق - بالضم - يطلق على الملكات والصفات الراسخة في النفس، حسنة كانت ام قبيحة، وفي مقابله الاعمال، ويطلق حسن الخلق غالبا على ما يوجب حسن المعاشرة ومخالطة الناس بالجميل. قال الراغب: الخلق والخلق في الاصل واحد، لكن خص الخلق - بالفتح - بالهيئات والاشكال والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق - بالضم - بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة. وقال في النهاية: الخلق - بضم اللام وسكونها: الدين والطبع والسجية، وحقيقته انه لصورة الانسان الباطنة وهي نفسها وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق - بالفتح - لصورته الظاهرة واوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة اكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكررت الاحاديث في مدح حسن الخلق في غير موضع كقوله: أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق. وقوله: اكمل المؤمنين ايمانا أحسنهم خلقا. وقوله: ان العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم. وقوله: بعثت لاتمم مكارم الاخلاق. والاحاديث من هذا النوع كثيرة، وكذلك جاء في ذم سوء الخلق احاديث كثيرة. وقيل: حسن الخلق انما يحصل من الاعتدال بين الافراط والتفريط في القوة الشهوية والقوة الغضبية، ويعرف ذلك بمخالطة الناس بالجميل، =========================================================================== [358] والتودد والصلة والصدق واللطف والبرر وحسن الصحبة والعشرة والمراعاة والمساواة والرفق والحلم والصبر والاحتمال لهم والاشفاق عليهم، وبالجملة هي حالة نفسانية يتوقف حصولها على اشتباك الاخلاق النفسانية بعضها ببعض، ومن ثم قيل: هو حسن الصورة الباطنة التي هي الصورة الناطقة، كما ان حسن الخلق هو حسن الصورة الظاهرة، وتناسب الاجزاء، الا ان حسن الصورة الباطنة قد يكون مكتسبا، ولذا قد تكررت الاحاديث في الحث به وبتحصيله. وقال الراوندي (ره)، في ضوء الشهاب: الخلق السجية والطبيعية، ثم يستعمل في العادات التي يتعودها الانسان من خير أو شر، والخلق ما يوصف العبد بالقدرة عليه، ولذلك يمدح ويذم به، ويدل على ذلك قوله (ص): خالق الناس بخلق حسن. واما الاخبار الدالة على مدح حسن الخلق فكثيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله، في وصاياه (115) لعلي (ع): يا علي ألا أخبركم بأشبهكم بي خلقا ؟ قال: بلى يارسول الله. قال: أحسنكم خلقا، وأعظمكم حلما، وابركم بقرابته، وأشدكم من نفسه انصافا - الى ان قال (ص) - لافقر أشد من الجهل، ولامال أعود من العقل، ولا وحدة اوحش من العجب، ولاعقل كالتدبير، ولاورع كالكف عن محارم الله تعالى، ولا حسب كحسن الخلق، ولا عبادة مثل التفكر، الخ (116). والذيل رواه في البحار: 2 من 15، ص 209، س 1 عكسا، في الحديث 53، من باب حسن الخلق، عن معاني الاخبار. =========================================================================== (115) رواها في الحديث 1، من باب نوادر الفقيه: 4، 254 معنعنا. (116) وقريب منه رواه الغزالي انه قالا لابي ذر. وحكي عن سنن ابن ماجة تحت الرقم 4218، كما في المحجة البيضاء: 5، 92. =========================================================================== [359] وفي الحديث 14، من الجزء السابع، من امالي شيخ الطائفة (ره) معنعنا، عن أبي ذر (ره)، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتق الله حيث ماكنت، وخالق الناس بحسن خلق، وإذا عملت سيئة فاعمل حسنة تمحوها. وقريب منه ما رواه العامة، كما في المحجة البيضاء: 5، 90، عن احياء العلوم، والدارمي ج 2 ص 323، والمسند: 5، 228. وروى ثقة الاسلام الكليني (ره)، في الحديث الثاني، من الباب 49، من الكافي: 2، 99، معنعنا عنه (ص) انه قال: ما يوضع في ميزان امرء يوم القيامة افضل من حسن الخلق. وفي الحديث الاول، من الباب 87، من أحكام العشرة، من كتاب الحج، من مستدرك الوسائل: 2، 82، ط 1، عن الجعفريات معنعنا، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اكثر ما تلج به أمتي في النار الاجوفان: البطن والفرج، وأكثر ما تلج به أمتي في الجنة: التقوى وحسن الخلق. وبالاسناد قال (ص): ليس شئ أثقل في الميزان من الخلق الحسن. وأيضا معنعنا، عن الكتاب: قيل يارسول الله ما افضل حال أعطي للرجل ؟ قال (ص): الخلق الحسن، ان أدناكم مني وأوجبكم علي شفاعة أصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، وأحسنكم خلقا، وأقربكم من الناس. وبالاسناد عن الجعفريات: قال أتي النبي صلى الله عليه وآله بسبعة أسارى، فقال: قم يا علي فاضرب اعناقهم، قال، فهبط جبرئيل عليه السلام في طرف العين، فقال: يا محمد اضرب أعناق هؤلاء الستة، وخل عن هذا. (117) فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل ما بال هذا من بينهم ؟ فقال: لانه كان حسن الخلق، سخيا على الطعام، سخي الكف. =========================================================================== (117) وقريب منه في الحديث 31 و 59، من باب حسن الخلق من البحار: 15، 209 و 210، نقلا عن الصدوق في الامالي والخصال. =========================================================================== [360] قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل عنك أو عن ربك ؟ فقال: لا، بل عن ربك عزوجل يا محمد. وفي الحديث الخامس، من الباب، عن كتاب محمد بن المثنى معنعنا، عنه (ص) قال ان صاحب الخلق الحسن له أجر الصائم القائم. وفي الحديث العاشر، من الباب، نقلا عن مشكاة الانوار، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الله اختار الاسلام دينا، فأحسنوا صحبته بالسخاء وحسن الخلق، فانه لا يصلح الا بهما. وقال (ص): لاحسب كحسن الخلق. وقال (ص): ان الخلق الحسن يذيب الذنوب، كما تذيب الشمس الجمد، وان الخلق السيئ يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل. وقريب من الصدر رواه اللعمة عن أنس، عنه (ص)، وكذلك الذيل مروي عنه (ص): من طريق العامة أيضا، كما في المحجة البيضاء: 5، 91 و 92، ط 2. وفي الحديث 31 و 32، من الباب، نقلا عن مصباح الشريعة، عنه (ص) قال: حاتم زماننا حسن الخلق، والخلق الحسن الطف شئ في الدين، وأثقل شئ في الميزان، وسوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، وان ارتقى في الدرجات، فمصيره الى الهوان. وقال (ص): حسن الخلق شجرة في الجنة، وصاحبه متعلق بغصنها يجذبه إليها، وسوء الخلق شجرة في النار، وصاحبه متعلق بغصنها يجذبه إليها. وفي الحديث الثاني، من باب حسن الخلق، من المحجة البيضاء: 5، 89، عن الغزالي قال: سأل رجل رسول الله (ص) عن حسن الخلق، فتلا قوله عزوجل: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " (118) ثم =========================================================================== (118) الاية 199، من سورة الاعراف. والخبر رواه في الهامش، عن =========================================================================== [361] قال رسول الله (ص) وهو أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك. وفي الحديث الخامس، من الباب: وجاء رجل الى رسول الله (ص) من بين يديه فقال: يارسول الله ما الدين ؟ فقال: حسن الخلق. ثم أتاه من قبل يمينه فقال: يارسول الله ما الدين ؟ فقال: حسن الخلق. ثم أتاه من قبل شماله فقال: ما الدين ؟ فقال: حسن الخلق. ثم اتاه من ورائه فقال: ما الدين ؟ فالتفت إليه فقال: أما تفقه: هو ان لا تغضب. ورواه في الهامش عن الترغيب والترهيب: 3، 405 وفي الحديث 20، من الباب 6، من ابواب جهاد النفس، من المستدرك: 2، 283، ط 1، عن السيد علي خان المدني وغيره، في كتاب الطبقات، عن امير المؤمنين عليه السلام قال: لو كنا لا نرجو جنة ولا نخشى نارا ولا ثوابا ولاعقابا لكان ينبغي لنا ان نطلب مكارم الاخلاق، فانها مما تدل على سبيل النجاح. فقال رجل: فداك ابي وامي يا امير المؤمنين سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم، وما هو خير منه، لما أتانا سبايا طي فإذا فيها جارية حماء حواء لعساء لمياء عيطاء، صلت الجبينين، لطيفة العرنين، مسنونة الخدين، ملساء الكعبين، حذلجة الساقين، لفاء الخدين، (119) خميصة الخنصرين، ممكورة الكشحين، مصقولة المثنين، فأعجبتني، وقلت لاطلبن الى رسول الله صلى الله عليه وآله يجعلها في فيئي، فلما تكلمت نسيت ما راعني من جمالها لما رأيت من فصاحتها وعذوبة كلامها، فقالت: يا محمد ان رأيت ان تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب، =========================================================================== ابن مردويه، في التفسير، عن جابر وقيس بن سعد وانس، بأسانيد حسان كما في المعني. (119) كذا في النسخة، وكأنه مصحف، والصواب لغاء الفخذين. =========================================================================== [362] فاني ابنة سرة قومي، كان أبي يفك العاني، ويعطي العاني (120) ويحمي الذمار، ويقري الضيف، ويشبع الجائع، ويكسي المعدوم (121)، ويفرج عن المكروب، أنا ابنة حاتم طي. فقال (ص): خلوا عنها، فان أباها كان يحب مكارم الاخلاق. فقام أبو بردة فقال: يارسول الله ! الله يحب مكارم الاخلاق ؟ فقال: يا أبا بردة لايدخل الجنة أحد الا بحسن الخلق. والاخبار في هذا المعنى عنه (ص) كثيرة جدا، في البحار والمستدرك وغيرهما، وفيما ذكرناه غنى وكفاية. وقال امير المؤمنين عليه السلام: حسن الخلق خير قرين، وعنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه. المختار الثاني، من قصار ما رواه عنه (ع) في تحف العقول. ورواه في الحديث 68، من باب حسن الخلق، من البحار: 15، 210، عن صحيفة الرضا. وقال (ع): اكرم الحسب حسن الخلق. المختار 38، من قصار نهج البلاغة وغيره. وقال (ع): ولاقرين كحسن الخلق، الخ. وقال (ع): كفى بالقناعة ملكا، وبحسن الخلق نعيما. المختار 113 و 229 من قصار النهج. وفي الحديث الرابع، من الباب 90، من ابواب احكام العشرة، من المستدرك: 2، 84، نقلا عن الامدي (ره) في الغرر قال قال امير المؤمنين عليه السلام: بالبشر وبسط الوجه يحسن موقع البذل. =========================================================================== (120) الاول بمعنى الاسير، والثاني بمعنى المتعب وذي النصب والمشقة، اي ان ابي كان من دابه وعادته فك الاسير وخلاصه من الذل، واعطاء المساكين الذين كانت انفسهم في النصب والتعب لتحصيل ما يعيشون به. (121) كذا في النسخة، والظاهر أن الواو من زيادة النساخ. =========================================================================== [363] وقال (ع): بشرك يدل على كرم نفسك، بشرك اول برك، بشرك يطفي نار المعاندة. وقال (ع): حسن البشر اول العطاء وأفضل السخاء، حسن البشر احدى البشارتين. وقال (ع): البشر شيمة كل حر. وقال (ع): حسن البشر من علائم النجاح. وقال (ع): طلاقة الوجه بالبشر والعطية، وفعل البر وبذل التحية، داع الى محبة البرية. وفي الحديث السادس، من الباب 87، من ابواب احكام العشرة، من كتاب الحج، من المستدرك: 2، 81 (122)، عن جعفر بن احمد القمي، في كتاب المسلسلات، قال حدثنا علي بن احمد الاسواري المذكر، قال حدثني أبو يوسف أحمد بن محمد بن قيس المذكر السجري، قال حدثني أبو محمد عبد العزيز بن علي السرخسي، قال: حدثني أبو بكر أحمد ابن عمران البغدادي، قال: حدثني أبو الحسن، قال: حدثني أبو الحسن، قال: حدثني أبو الحسن، قال: حدثني الحسن، قال: حدثني الحسن، قال حدثني الحسن (123) عليه السلام: ان أحسن الحسن الخلق الحسن. وفي الحديث العاشر، من الباب 87، من ابواب احكام العشرة، من كتاب الحج، من المستدرك: 2، 82، ط 1، عن مشكاة الانوار، قال قال =========================================================================== (122) ورواه أيضا في الحديث 26، من باب حسن الخلق، من البحار: 2، من 15، 209، عن الخصال والمسلسلات. (122) اما أبو الحسن الاول فهو محمد بن عبد الرحيم التستري، واما أبو الحسن الثاني فعلي بن احمد البصري التمار، واما أبو الحسن الثالث: فعلي بن محمد الواقدي، واما الحسن الاول فالحسن بن عرفة العبدي، واما الحسن الثاني فالحسن بن أبي الحسن البصري، واما الحسن الثالث: فسبط النبي: الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام. =========================================================================== [364] علي بن الحسين عليهما السلام: ان المعرفة بكمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعنيه، وقلة مرائه، وصبره، وحسن خلقه. وقال (ع): ان حسن الخلق من الدين. وفي الحديث الثالث، من الباب 90، من الابواب، من الكتاب، ص 84، عن أبي جعفر عليه السلام قال: البشر الحسن، وطلاقه الوجه، مكتسبة للمحبة، وقربة من الله عزوجل، وعبوس الوجه وسوء البشر مكتسبة للمقت، وبعد من الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: انكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فالقوهم بطلاقة الوجه، وحسن البشر. نقله عن المشكاة. والذيل المروي عن رسول الله (ص) له طرق كثيرة بين الخاصة والعامة. وفي الحديث 29، من الباب 87، من الكتاب، ص 83، ط 1، عن مصباح الشريعة، قال الصادق عليه السلام: الخلق الحسن جمال في الدنيا، ونزهة في الاخرة، وبه كمال الدين، والقربة الى الله تعالى، الخ. وفي الحديث 16، من باب النوادر، من كتاب من لا يحضره الفقيه: 4، 282، قال (ع): افضل الناس ايمانا أحسنهم خلقا، الخ. وعنه (ع): ثلاثة تدل على كرم المرء: حسن الخلق، وكظم الغيظ، وغض الطرف. وفي الحديث 74، من باب النوادر، من الفقيه: 4، 295، وفي الباب 96، من الجزء الثاني، من معاني الاخبار 253 معنعنا: وسئل (الامام) الصادق عليه السلام ماحد حسن الخلق ؟ قال: تلين جانبك، وتطيب كلامك، وتلقى أخاك ببشر حسن. ورواه في الحديث 52، من باب حسن الخلق، من البحار: 2، من 15، 209 عن معاني الاخبار. وفي الحديث الثامن، من الباب 87، من ابواب احكام العشرة، من =========================================================================== [365] كتبا الحج، من المستدرك: 2، 81، ط 1، عن فقه الرضا قال: أروي عن العالم عليه السلام انه قال: عجبت لمن يشتري العبيد بماله فيعتقهم، فكيف لا يشتري الاحرار بحسن خلقه ! أقول: وقريب منه رويناه عن امير المؤمنين (ع) كما يجئ في الباب الخامس انشاء الله تعالى. وقال (ع): ولاعيش أغنى من حسن الخلق. =========================================================================== [366] المائدة الثامنة: في الاثار الواردة في المداراة، المناسبة لقوله (ع): " واعلم ان رأس العقل بعد الايمان بالله عزوجل مداراة الناس، الخ ". روى الشيخ الطائفة (ره) في الحديث 54، من الجزء الثامن عشر، من الامالي معنعنا، عن النبي (ص) انه قال: انا معاشر الانبياء أمرنا بمداراة الناس، كما أمرنا باقامة الفرائض. ورواه أيضا في الحديث التاسع عشر، من الجزء السابع عشر. وعن ثقة الاسلام (ره)، في الحديث الرابع، من باب المداراة: 57، من الكافي: 2، 117 معنعنا، عنه صلى الله عليه وآله انه قال: أمرني ربي بمداراة الناس، كما أمرني بأداء الفرائض. ورواه الصدوق (ره)، مع زيادات جمة في الحديث 20، من باب 246، وهو باب نوادر المعاني، من معاني الاخبار: 2، ص 386. وروى ابن مسكويه (ره)، عنه (ص) انه قال: رأس العقل بعد الايمان مداراة الناس. الحكمة الخالدة، ص 103. وفي وصاياه (ص) لعلي (ع): يا علي ثلاث من لم يكن فيه لم يتم عمله: ورع يحجزه عن معاصي الله، وخلق يداري به الناس، وحلم يرد به جهل الجاهل، الخ. الحديث 1، من باب النوادر، من كتاب من لا يحضره الفقيه: 4، 260. وقال السبط الاكبر الامام الحسن عليه السلام: رأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل تدرك الداران جميعا، ومن حرم العقل حرم الداران جميعا. البحار: 17، 146. وروى ابن ابي الحديد، في شرح المختار 10، من قصار نهج البلاغة، =========================================================================== [367] عنه (ع) انه قال: حسن السؤال نصف العلم، ومداراة الناس نصف العقل، والقصد في المعيشة نصف المئونة. وقال الامام الباقر عليه السلام: صلاح شأن الناس التعايش، والتعاشر ملء مكيال ثلثاه فطن، وثلثه تغافل. الحديث 64، من الباب 11، من البحار: 16، 47. وروى الكليني (ره) في الحديث الثاني، من باب حسن المعاشرة، من الكافي: 2، 637 معنعنا، عن الامام الصادق عليه السلام انه قال: يا شيعة آل محمد اعلموا انه ليس منا من لم يملك نفسه عند غضبه، ومن لم يحسن صحبة من صحبه، ومخالقة، من خالقة، ومرافقة من رافقه، ومجاورة من جاوره، وممالحة من مالحه، يا شيعة آل محمد اتقوا الله ما استطعتم ولاحول ولاقوة الا بالله. وفي الحديث السادس عشر، من باب النوادر، من الفقيه: 4، 282، 2، 643، عنه (ع): مجاملة الناس ثلث العقل. وفي الحديث السادس عشر، من باب النوادر، من الفقيه: 4، 282، عنه (ع): أعقل الناس أشدهم مراعاة للناس، الخ. وفي الحديث 65، من الباب 11، من البحار: 16، 47، س 7 2 عنه (ع) قال: من اكرمك فأكرمه، ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه. وفي الحديث 81، من باب التقية، من البحار: 16، س 12، 231، عن الخصال معنعنا، عن حذيفة بن منصور قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ان قوما من قريش قلت مداراتهم للناس فنفوا من قريش، وأيم الله ماكان باحسابهم بأس، وان قوما من غيرهم حسنت مداراتهم فألحقوا بالبيت الرفيع. قال ثم قال: من كف يده عن الناس فانما يكف عنهم يدا واحدة، ويكفون عنه أيادي كثيرة. ورواه أيضا في الحديث 6، من الباب 57 باب المداراة من الكافي: 2، 117، معنعنا عنه (ع). =========================================================================== [368] وفي الحديث 66، من الباب 11، من البحار: 16، 47، س 2 معنعنا، عن الامام الرضا عليه السلام انه قال: اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع، والعدو بالتحرز، والعامة بالبشر. وقال عليه السلام: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون فيه ثلاث خصال، سنة من ربه، وسنة من نبيه، وسنة من وليه، فاما السنة من ربه فكتمان السر، واما السنة من نبيه فمداراة الناس، وأما السنة من وليه فالصبر في البأساء والضراء. البحار: 17، 206، نقلا عن تحف العقول. وقال (ع): التودد نصف العقل. وقال الامام الجواد عليه السلام: من هجر المداراة قاربه المكروه، ومن لايعرف الموارد أعيته المصادر. =========================================================================== [369] المائدة التاسعة: في مدح السكوت، والتحذير عن ارخاء اللسان، وللتكلم بما لا يعني المناسب لقوله (ع): " واعلم ان الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، الخ ". وليعلم ان آفات الكلام، والهذر في المنطق لعامة الناس - الا من عصمه الله - كثيرة، وقد أنهاها بعضهم الى أربع عشرة آفة، ولعلنا نوفق لتفصيل الكلام فيها في مقام آخر، وأما هنا فنورد لمعا من الادلة الشرعية، وطرفا من نتائج افكار الحكماء والشعراء واهل التجارب والامراء ونوكل الاستفادة الى فهم القراء، ونوصي من لا رسوخ له في الشرعيات بملازمة أهل الذكر والسؤال من علماء الدين المتقين منهم، فنقول: روى ثقة الاسلام الكليني (ره)، في الحديث السادس، من الباب 56، من كتاب الايمان والكفر، من الكافي: 2، 114 معنعنا، عن الامام الصادق عليه السلام، قال قال لقمان لابنه: يا بني ان كنت زعمت ان الكلام من فضة، فان السكوت من ذهب. وفي الحديث السادس، من الباب 100، من ابواب احكام العشرة، من كتاب الحج، من المستدرك: 2، 88، نقلا عن الاختصاص 232، للشيخ المفيد (ره)، قال عيسى بن مريم (ع): طوبى لمن كان صمته فكرا، ونظره عبرا، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته، وسلم الناس من يده ولسانه. ورواه معنعناه في الحديث 6، من باب العزلة، من البحار: 15، 51، عن اكمال الدين. وفي الحديث 14، من باب السكوت والكلام، من البحار: 15، 185، س 3، عن قرب الاسناد معنعنا، قال داود لسليمان عليهما السلام: يا بني اياك وكثرة الضحك، فان كثرة الضحك تترك العبد حقيرا يوم القيامة، =========================================================================== [370] يا بني عليك بطول الصمت الا من خير فان الندامة على طول الصمت مرة واحدة، خير من الندامة على كثرة الكلام مرات، يا بني لو أن الكلام كان من فضة، ينبغي للصمت ان يكون من ذهب. وذيل الكلام مما تواتر عن ائمة الدين والصلحاء وغيرهم. وفي الحديث 40، من الباب، نقلا عن قصص الانبياء: ان آدم لما كثر ولده وولد ولده كانوا يحدثون عنده وهو ساكت، فقالوا: يا أبه مالك لا تتكلم. فقال: يا بني ان الله جل جلاله لما اخرجني من جواره عهد الي وقال: أقل كلامك ترجع الى جواري. وفي المجلد الثاني من العقد الفريد 15، تحت الرقم 92 (باب الصمت): كان لقمان الحكيم يجلس الى داود صلى الله عليه وسلم، وكان عبدا أسودا، فوجده وهو يعمل درعا من حديد فعجب منه ولم ير درعا قبل ذلك، فلم يسأله لقمان عما يعمل، ولم يخبره داود حتى تمت الدرع بعد سنة، فقاسها داود على نفسه وقال: " زرد طايا ليوم فرايا " تفسيره: درع حصينة ليوم قتال. فقال لقمان: الصمت حكم، وقليل فاعله وروى الشيخ الصدوق (ره)، في الحديث 20، من باب نوادر المعاني، وهو الباب 246، من معاني الاخبار: 2، 386، ط الحديثة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: ان عز المؤمن في حفظ لسانه، ومن لم يملك لسانه ندم، الخ. وفي الحديث الثاني، من الباب 100، من ابواب احكام العشرة، من كتاب الحج، من المستدرك: 2، 88، ط 2، عن مشكاة الانوار، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: رحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت عن شر فسلم. وفي الحديث الاخير، من الباب، نقلا عن اعلام الدين، عن ابن ودعان في اربعينة، باسناده عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: =========================================================================== [371] ألا انبئكم بأمرين خفيفين مئونتهما، عظيم اجرهما، لم يلق الله بمثلهما: طول الصمت وحسن الخلق. وفي الحديث السابع، من الباب 56، من الكافي: 2، 114 معنعنا، عنه (ص) انه قال: امسك لسانك، فانها صدقة تصدق بها على نفسك، - ثم قال: - ولا يعرف عبد حقيقة الايمان حتى يخزن لسانه. وفي الحديث 14، من الباب، ص 115 معنعنا، انه جاء رجل الى رسول الله، فقال: يارسول الله أوصني. فقال: احفظ لسانك. قال يارسول الله أوصني. فقال: احفظ لسانك. فقال: يارسول الله اوصني. فقال: احفظ لسانك، ويحك وهل يكب الناس على مناخرهم في النار الا حصائد ألسنتهم ؟ !. وفي الحديث 15، من الباب معنعنا، عنه (ص) قال: من لم يحسب كلامه من عمله كثرت خطاياه، وحضر عذابه. وفي الحديث التاسع، من الباب، عنه (ص): نجاة المؤمن في حفظ لسانه. وفي الفقرة الخامسة من وصايا البني (ص) لعلي (ع): يا علي من خاف الناس لسانه فهو من أهل النار، يا علي شر الناس من اكرمه الناس اتقاء فحشه (شره خ) - الى ان قال - سبع من كن فيه فقد استكمل حقيقة الايمان، وأبواب الجنة مفتحة له،: من أسبغ وضوءه، وأحسن صلاته، وأدى زكاة ماله، وكف غضبه، وسجن لسانه، واستغفر لذنبه، وأدى النصيحة لاهل بيت نبيه، الخ. (124) وقال (ص): البلاء موكل بالمنطق. الفقيه: 4، 272، الحديث الثامن، من باب النوادر. =========================================================================== (124) الحديث 1، من باب النوادر، من الفقيه: 4، 254، ط النجف. =========================================================================== [372] وفي الحديث 19، من باب 56، من كتاب الايمان والكفر، من الكافي: 2، 116، معنعنا عنه (ص) قال: من رأى موضع كلامه من عمله، قل كلامه الا فيما يعنيه. وفي الحديث الاول، من الباب 101، من ابواب احكام العشرة، من كتاب الحج، من المستدرك: 2، 89، ط 2، عن مصباح الشريعة، قال (الامام) الصادق عليه السلام: قال امير المؤمنين عليه السلام: المرء مخبوء تحت لسانه، فزن كلامك، واعرضه على العقل، فان كان لله وفي الله فتكلم به، وان كان غير ذلك فالسكوت اولى، الخبر. وصدره رواه في المختار 144، من قصار النهج، وله أيضا مصادر كثيرة اخر تقف عليها في الباب الخامس، من نهج السعادة. وفي المختار 58، من قصار النهج: " اللسان سبع ان خلي عنه عقر. وفي المختار 69، منها: إذا تم العقل نقص الكلام. وسئل عليه السلام عن اللسان، فقال: معيار أطاشه الجهل، وأرجحه العقل. رواه عنه (ع) ابن ابي الحديد في شرح المختار 99، من خطب النهج: 7، 88. وفي الحديث 12، من باب السكوت والكلام، من البحار: 15، 185، معنعنا عن الخصال عنه (ع): مامن شئ احق بطول السجن من اللسان. وقال (ع): ضرب اللسان أشد من ضرب السنان. الحديث 54، من باب السكوت والكلام، من البحار: 15، ص 186، س 2 عكسا، نقلا عن جامع الاخبار. وقال (ع) اياكم وتهزيع الاخلاق وتصريفها، واجعلوا اللسان واحدا، وليختزن الرجل لسانه، فان هذا اللسان جموح بصاحبه، والله =========================================================================== [373] ما أرى عبدا يتقي تقوى تنفعه حتى يختزن لسانه، وان لسان المؤمن من وراء قلبه، وان قلب المنافق من وراء لسانه، لان المؤمن إذا أراد ان يتكلم بكلام تدبره في نفسه، فان كان خيرا أبداه، وان كان شرا واراه، وان المنافق يتكلم بما أتى على لسانه، لا يدري ماذا له وماذا عليه، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يستقيم ايمان عبد حتى يستقم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، فمن استطاع منكم أن يلقى الله وهو نقي الراحة من دماء المسلمين وأموالهم، سليم اللسان من اعراضهم فليفعل، الخ. المختار 171، من خطب النهج. وقال (ع): اياك والكلام في مالا تعرف طريقته، ولا تعلم حقيقته، فان قولك يدل على عقلك، وعبارتك تنبئ عن معرفتك، فتوق عن طول لسانك ما امنته، واختصر من كلامك على ما استحسنته، فانه بك أجمل، وعلى فضلك أدل. وقال (ع): اياك وكثرة الكلام، فانها تكثر الزلل وتورث الملل. نقلها بعض المعاصرين من قصار كلامه (ع) من كتاب ناسخ التواريخ. وله (ع) في هذا المعنى كلم كثيرة جدا، يقف عليها الباحث في البحار ونهج البلاغة ونهج السعادة وغيرها. وفي الحديث 28، من باب السكوت والكلام، من البحار: 2، من 15، ص 185، عن معاني الاخبار، عن الامام المجتبى عليه السلام انه قال: نعم العون الصمت في مواطن كثيرة، وان كنت فصيحا. وقال السبط الشهيد الحسين عليه السلام لابن عباس (ره): لاتتكلمن فيما لا يعنيك، فاني أخاف عليك الوزر، ولا تتكلمن فيما يعنيك حتى ترى للكلام موضعا، فرب متكلم قد تكلم بالحق فعيب، الخ. البحار: 17، 151، س 9، نقلا عن كنز الفوائد. =========================================================================== [374] وفي الحديث 6، من باب ترك العجب، من البحار: 2، من 15، ص 176، عن تفسير الامام العسكري عليه السلام قال: قال محمد بن علي الباقر (ع): دخل محمد بن علي بن مسلم بن شهاب الزهري على علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام وهو كئيب حزين، فقال له زين العابدين: ما بالك مهموما مغموما ؟ قال: يابن رسول الله هموم وغموم تتوالى عللي لما امتحنت به من جهة حساد نعمتي، والطامعين في، وممن أرجوه وممن أحسنت إليه فيخلف ظني. فقال علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام: احفظ لسانك تملك به اخوانك. قال الزهري: يابن رسول الله اني احسن إليهم بما يبدر من كلامي. قال علي بن الحسين (ع): هيهات هيهات: اياك وان تعجب من نفسك بذلك، واياك ان تتكلم بما يسبق الى القلوب انكاره، وان كان عندك اعتذاره، فليس كل من تسمعه نكرا، يمكنك لان توسعه عذرا، - ثم قال - يا زهري من لم يكن عقله أكمل ما فيه، كان هلاكه من ايسر ما فيه، الخ (125). وفي الحديث 327، من الاختصاص 230، والحديث 13، من الباب 56، من كتاب الايمان والكفر، من الكافي: 2، 115، معنعنا عنه (ع) قال: ان لسان ابن آدم يشرف على جميع جوارحه كل صباح فيقول: كيف اصبحتم ؟ فيقولون: بخير ان تركتنا، ويقولون: الله الله فينا، ويناشدونه ويقولون: انما نثاب ونعاقب بك. ورواه في البحار: 2، من 15، ص 185، عن ثواب الاعمال، واكمال الدين. وفي الحديث 2، من الباب 56، من الكافي: 2، 113، معنعنا عن الامام الباقر عليه السلام قال: انما شعيتنا الخرس. وروى ابن أبي الحديد، في شرح المختار 99، من خطب النهج: 7، =========================================================================== (125) وللحديث تتمة ما أجلها من حكم. =========================================================================== [375] ص 92، عنه (ع) انه قال: اني لاكره ان يكون مقدار لسان الرجل فاضلا على مقدار علمه، كما أكره ان يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله. وروى الصدوق (ره) معنعنا، عن سفيان الثوري، عن الامام الصادق عليه السلام انه قال: يا سفيان أمرني والدي عليه السلام بثلاث، ونهاني عن ثلاث، فكان فيما قال لي: يا بني من يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم، ومن لا يملك لسانه يندم، ثم أنشدني: عود لسانك فعل الخير تحظ به * ان اللسان لما عودت معتاد موكل بتقاضي ما سننت له * في الخير والشر فانظر كيف تعتاد الحديث 19، من باب الكلام والسكوت، من البحار: 15، 185، نقلا عن الخصال. وفي الحديث 24، من باب السكوت والكلام، من البحار: 15، 185، عن الخصال معنعنا، قال قال الامام الصادق عليه السلام: ان أردت أن تقر عينك، وتنال خير الدنيا والاخرة، فاقطع الطمع، مما في أيدي الناس، وعد نفسك في الموتى، ولا تحدثن نفسك انك فوق احد من الناس، واخزن لسانك كما تخزن مالك. وفي الحديث 34، من الباب، عن امالي الطوسي معنعنا، قال قال (ع) لاصحابه: إسمعوا مني كلاما هو خير لكم من الدهم الموفقة، لا يتكلم احدكم بما لا يعنيه، وليدع كثيرا من الكلام فيما يعنيه، حتى يجد له موضعا، فرب متكلم في غير موضعه جنى على نفسه بكلامه، ولا يمارين احدكم سفيها ولا حليما، فانه من مارى حليما أقصاه، ومن مارى سفيها أرداه، واذكروا أخاكم إذا غاب عنم بأحسن ما تحبون ان تذكروا به إذا غبتم عنه، واعملوا عمل من يعلم أنه مجازى بالاحسان، مأخوذ بالاجرام. وقريب منه في الحديث 63، من الباب، نقلا عن الاختصاص 231، الا ان فيه: من الدراهم =========================================================================== [376] المدقوقة. وفي آخره: مجزي بالاحسان. وفي الحديث 20، من الباب 56، من الكافي: 2، 116، معنعنا عنه عليه السلام قال: في حكمة آل داود: على العاقل ان يكون عارفا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه. ورواه مرسلا ابن ابي الحديد في شرح المختار 186، من خطب النهج، ج 10، ص 137. وفي الحديث الاخير، من الباب، عنه (ع) معنعنا قال: لا يزال العبد المؤمن يكتب محسنا مادام ساكتا، فإذا تكلم كتب محسنا أو مسيئا. وفي الحديث 341، من الاختصاص 232، عن داود الرقي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الصمت كنز وافر، وزين الحليم، وستر الجاهل. وقال الامام الكاظم عليه السلام: ما أحسن الصمت لامن عي، والمهذار له سقطات. الحديث 66، من باب السكوت والكلام، من البحار: 15، ص 187، عن مشكاة الانوار. ورواه أيضا في الحديث 340، من الاختصاص 232، عن الامام الرضا (ع). وفي الحديث 47، من الباب، من البحار، عن روضة الواعظين، قال قال علي بن الحسين (ع): حق اللسان اكرامه عن الخنا، وتعويده الخير، وترك الفضول التي لا فائدة لها، والبر بالناس، وحسن القول فيهم. وقال الامام الرضا (ع): من علامات الفقه الحلم والعلم والصمت، ان الصمت باب من أبواب الحكمة، ان الصمت يكسب المحبة (الجنة خ)، انه دليل على كل خير. الحديث 1، من باب الصمت، من الكافي: 2، 113، وصدره مذكور في الحديث 343، من الاختصاص 232 مرسلا، ورواه معنعنا مثل الكافي، في الحديث 8، من الباب، من البحار: 15، 184، عن قرب الاسناد، وعيون أخبار الرضا، والخصال. وفي الحديث 4، من الباب، من الكافي معنعنا، عن عثمان بن عيسى =========================================================================== [377] قال: حضرت ابا الحسن صلوات الله عليه، وقال له رجل: اوصني. فقال له: إحفظ لسانك تعز، ولاتمكن الناس من قيادك فتذل رقبتك. والاخبار في هذا المعنى كثيرة جدا، وقد بلغت حد التواتر بين الشيعة وأهل السنة، والامر جلي معاضد بالعقل والتجربة، منصور باتفاق اولي الالباب من الحكماء على صدقها، ولكن هنا أخبار واقوال أخر، ربما استفاد أو ظن بعض التنافي بينهما، ولابد لنا من ذكر نموذج منها، ثم التكلم في مفادها وبيان النسبة بينهما فنقول: من جملة ما يمكن القول بدلالته على أفضلية الكلام على السكوت ما رواه السيد الرضي (ره) في المختار 187 من قصار النهج عن امير المؤمنين (ع) من قوله: لاخير في الصمت عن الحكم، كما انه لاخير في القول بالجهل. وما رواه في الحديث 1، من باب السكوت والكلام، من البحار: 2، من 15، ص 184، نقلا عن كتاب الاحتجاج، عن الامام السجاد عليه السلام، انه سئل عن الكلام والسكوت أيهما أفضل. فقال: لكل واحد منهما آفات فإذا سلما من الافات فالكلام افضل من السكوت، قيل: كيف ذلك يابن رسول الله (ص) ؟ قال: لان الله عزوجل ما بعث الانبياء والاوصياء بالسكوت، انما بعثهم بالكلام، ولا استوجبت الجنة بالسكوت، ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت، ولا توقيت النار بالسكوت، انما ذلك كله بالكلام، ماكنت لاعدل القمر بالشمس، انك تصف فضل السكوت بالكلام ولست تصف فضل الكلام بالسكوت. وما رواه في الحديث 128، من روضة الكافي 148، معنعنا عن الامام الصادق عليه السلام عن أبيه (عليه السلام) انه قال لرجل وقد كلمه بكلام كثير، فقال: أيها الرجل تحتقر الكلام وتستصغره، اعلم أن الله عزوجل لم يبعث رسله حيث بعثها ومعها ذهب ولافضة، ولكن بعثها بالكلام، وانما =========================================================================== [378] عرف الله جل وعز نفسه الى خلقه بالكلام، والدلالات عليه والاعلام. وما رواه في الحديث 41، من باب النوادر، من الفقيه: 4، 287، ط النجف، قال الامام الصادق عليه السلام: النوم راحة للجسد، والنطق راحة للروح، والسكوت راحة للعقل. الى غير ذلك مما يدل بصريحه أو بظاهره، على التفصيل، أو على رجحان الكلام على السكوت. أقول: لا تنافي بين الطائفتين من الاخبار، وكذا ما يأتي من إفادات الحكماء والعلماء، إذ الاخبار الاول جلها ناظر الى نوع المكلفين الذين يصرفون اوقاتهم بالقول الهزل، والنميمة والغيبة والايذاء وإشعال النار بين المتعاديين، وغير ذلك مما لا يخفى على من عاشر اهل الدنيا وقتا من الاوقات، وهذه الطائفة من الادلة أغلبها مقيد بقيد أو معلل بعلة - كما لا يخفى على من تدبرها - فلا اطلاق لها، فلا مجال لان يقال انها معارضة لادلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحقاق الحق وابطال الباطل، والتعليم والتعلم وغيرها، وذلك لان التعارض فرع الاطلاق، ولا اطلاق فيها بشهادة التعليلات التي ذكرت فيها، ولو فرض ان لبعضها اطلاق يجب تقييدها بأدلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرهما، لان الخاص قرينة على الذي اريد من العام، والمقيد مبين للمقصود من المطلق، ولو فرض العموم في الجانبين أيضا، فلا تنافي بين الطائفتين، وذلك لحكومة أدلة الامر بالمعروف وما شاكلها، على المطلقات المذكورة، (126) فلاوقع لما قيل: من أفضلية الكلام من السكوت، =========================================================================== (126) هذا من باب المماشاة، والا الامر عندنا جلى بأن الطائفة الاولى مفادها: ان الكلام الذي لا يكون لله ويترتب عليه المضار والمفاسد فهو مرجوح يلزم على العاقل الكف منه والاجتناب عنه، ومفاد الطائفة الثانية: ان الكلام الذي يكون لله وفى الله فهو راجح على الصمت ينبغي للعاقل ان يتكلم به ويلقيه، والى هذا يرجع ماقاله بعضهم: من أن أعدل شئ قيل في الصمت والمنطق قولهم: الكلام في الخير كله افضل من الصمت فيه، والصمت في الشر كله افضل من الكلام فيه. =========================================================================== [379] لان بالكلام يؤمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، ويحق الحق ويدحض الباطل، ويعلم العلم، لان مرجع هذا الكلام الى ان التكلم الذي هو لاجل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، واحقاق الحق، وابطال الباطل، وتعليم العلوم الحقة، والدعاء والتضرع، أفضل من السكوت - وهذا حق - ولا يدل على ان كل كلام أفضل من السكوت، كما هو ادعاء القائل، مع ان هذا قد يعكس، إذ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يحصل بالسكوت أيضا. هذا بالنسبة الى اكثر أدلة الصمت، وقليل منها في مقام بيان الحكم الوضعي والاثر الخارجي، وان الكلام قد يستولد الملام، وقد يستتبع الخسارات والالام، ولاتعرض لها لملاحظة النسبة بينه وبين الصمت، وأفضليته من الصمت. واما الطائفة الثانية فواضحة الدلالة على ان الكلام الذي يتكلم به لله وفي الله فهو افضل من الصمت - بل هو الفاضل دون الصمت - ولا تدل على ان كل كلام افضل من السكوت. =========================================================================== [380] المائدة العاشرة: في نقل من أقوال الحكماء والامراء وذوي التجارب والعلماء في الصمت والكلام. اجتمع اربعة من الحكماء: من الروم، والفرس، والهند، والصين، فقال احدهم: أنا أندم على ما قلت، ولا اندم على ما لم أقل. وقال الاخر: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني ولم أملكها، وإذا لم أتكلم ملكتها ولم تملكني. وقال الاخر: عجبت للمتكلم ان رجعت عليه كلمته ضرته، وان لم ترجع لم تنفعه. وقال الرابع: أنا على رد ما لم أقل اقدر مني على رد ما قلت. وقال بعض الحكماء: حظي من الصمت لي، ونفعه مقصور علي، وحظي من الكلام لغيري، ووباله راجع الي. وقالوا: إذا أعجبك الكلام فاصمت. وقال ابن مسكويه (ره)، في الحكمة الخالدة، 171: أمر بعض الملوك أن يستخرج له كلمات من الحكمة ليعمل بها، فاستخرجت له اربعون الف كلمة، فاستكثرها، فاختير منها أربعة آلاف كلمة، ثم لم يزل ينقص منها حتى رجعت الى أربع كلمات، وهي: لا تثقن بامرأة، لاتحملن معدتك فوق طاقتها، احفظ لسانك، خذ من كل شئ ما كفاك. وقالوا: سعد من لسانه صموت، وكلامه قوت. وقالوا: إذا سكت عن الجاهل فقد اوسعته جوابا، واوجعته عقابا. وقالوا: إعراضك صون أعراضك. وكان يحيى بن خالد يقول: ما جلس الي احد قط الا هبته حتى يتكلم، فإذا تكلم اما أن تزداد تلك الهيبة، أو تنقص. وكان يقال: لاخير في الحياة الا لصموت واع، أو ناطق محسن. =========================================================================== [381] وقالت جارية ابن السماك له: ما احسن كلامك لولا انك تكثر ترداده. فقال: أردده حتى يفهمه من لم يفهمه. قالت: فالى أن يفهمه من لم يفهمه مله من فهمه. وبعث عبد العزيز بن مروان بن الحكم، ابن أخيه الوليد بن عبد الملك قطيفة حمراء وكتب إليه: أما بعد فقد بعثت اليك بقطيفة حمراء، حمراء، حمراء، فكتب إليه الوليد: أما بعد فقد وصلت القطيفة، وأنت يا عم أحمق، أحمق، أحمق. وقال المعتضد لاحمد بن الطيب السرخسي: طول لسانك دليل على قصر عقلك. وكان يقال: إذا رأيتم الرجل يطيل الصمت، ويهرب من الناس، فاقربوا منه فانه يلقي الحكمة. ورواه في شرح المختار 99، من خطب النهج، من شرح ابن ابي الحديد: 7، ص 93، بلفظ: إذا رأيتم المؤمن صموتا، الخ. عن رسول الله (ص) مرفوعا. وقيل للعتابي: ما البلاغة ؟ قال: كل من أفهمك حاجته، من غير اعادة ولا خلسة ولا استعانة فهو بليغ، قيل له: ما الاستعانة ؟ قال: الا ترى الرجل إذا حدث قال: ياهناه واستمع الي وافهم، وألست تفهم، هذا كله عي وفساد. ودخل على المأمون جماعة من بني العباس، فاستنطقهم فوجدهم لكنا مع يسار وهيئة، ومن تكلم منهم أكثر وهذر، فكانت حاله أفحش من حال الساكتين، فقال: ما أبين الخلة في هؤلاء، لاخلة الايدي بل خلة الالسنة والاحلام وسمع خالد بن صفوان مكثارا يتكلم، فقال له: يا هذا ليست البلاغة بخفة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، ولكنها اصابة المعنى، والقصد الى الحجة. =========================================================================== [382] وقال أبو سفيان لابن الزبعري: مالك لا تسهب في شعرك ؟ قال: حسبك من الشعر غرة لائحة، أو وصمة فاضحة. وكانوا يكرهون ان يزيد منطق الرجل على عقله. قيل للخليل بن احمد (ره) - وقد اجتمع بابن المقفع -: كيف رأيته ؟ فقال: لسانه أرجح من عقله. وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل ؟ قال: عقله أرجح من لسانه. فكان عاقبتهما ان عاش الخليل مصونا مكرما، وقتل ابن المقفع تلك القتلة الفظيعة. وسئل عمرو بن عبيد عن البلاغة فقال: ما بلغك الجنة، وباعدك من النار، وبصرك مواقع رشدك، وعواقب غيك. قال حفص: ليس عن هذا أسأل. فقال: كانوا يخافون من فتنة القول، ومن سقطات الكلام، ولا يخافون من فتنة السكوت وسقطات الصمت. وقال الجاحظ: وكان عمرو بن عبيد لا يكاد يتكلم، فان تكلم لم يكد يطيل، وكان يقول: لاخير في المتكلم إذا كان كلامه لمن شهده دون نفسه، وإذا أطال المتكلم الكلام عرضت له أسباب التكلف، ولاخير في شئ يأتيك بالتكلف. وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: متى أتكلم ؟ قال: إذا اشتهيت ان تصمت، قال: فمتى أصمت ؟ قال: إذا اشتهيت ان تتكلم. وسمع عبد الله بن الاهتم رجلا يتكلم فيخطئ فقال: بكلامك رزق الصمت المحبة. وفي وصية المهلب لولده: يا بني تباذلوا تحابوا، فان بني الاعيان يختلفون فكيف ببني العلات، ان البر ينسئ في الاجل، ويزيد في العدد، وان القطيعة تورث القلة، وتعقب النار بعد الذلة، اتقوا زلة اللسان، فان الرجل تزل رجله فينتعش، ويزل لسانه فيهلك، الخ. وأطال خطيب بين =========================================================================== [383] يدي الاسكندر، فزبره وقال: حسن الخطبة ليس على طاقة الخاطب، ولكن على حسب طاقة السامع. وأطال ربيعة الرأي الكلام، وعنده أعرابي، فلما فرغ من كلامه قال للاعرابي: ما تعدون العي والفهاهه فيكم ؟ قال: ماكنت فيه اصلحك الله منذ اليوم. وقال واصل بن عطاء: لان يقول الله لي يوم القيامة: هلا قلت، أحب الي من ان يقول لي: لم قلت، لاني إذا قلت طالبني بالبرهان، وإذا سكت لم يطالبني بشئ. ونزل النعمان بن المنذر برابية، فقال له رجل من أصحابه: أبيت اللعن لو ذبح رجل على رأس هذه الرابية الى أين كان يبلغ دمه. فقال النعمان: المذبوح والله انت، ولانظرن الى اين يبلغ دمك، فذبحه. فقال رجل: رب كلمة تقول دعني. وقال أعرابي: رب منطق صدع جمعا، ورب سكوت شعب صدعا. ومكث الربيع بن خثيم عشرين سنة لا يتكلم، الى أن قتل الحسين عليه السلام، فسمعت منه كلمة واحدة، قال: لما بلغه ذلك: أوقد فعلوها ؟ ! ثم قال: اللهم فاطر السموات والارض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. ثم عاد الى السكوت حتى مات. وقال أبو عبيد الله كاتب المهدي: كن على التماس الحظ بالسكوت، أحرص منك على التماسه بالكلام، ان البلاء موكل بالمنطق. وقال أبو الدرداء: أنصف أذنيك من فيك، فانما جعل لك أذنان اثنتان، وفم واحد، لتسمع اكثر مما تقول. وقال ابن عوف عن الحسن: جلسوا عند معاوية فتكلموا وسكت الاحنف بن قيس، فقال معاوية: مالك لا تتكلم أبا بحر، قال: أخافك ان =========================================================================== [384] صدقت، وأخاف الله ان كذبت. وقال المهلب: لان أرى لعقل الرجل فضلا على لسانه أحب الي من أن أرى للسانه فضلا على عقله. وقال سالم بن عبد الملك: فضل العقل على اللسان مروءة، وفضل اللسان على العقل هجنة. وقالوا من ضاق صدره اتسع لسانه، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن ساء خلقه قل صديقه. وقال حرم بن حيان: صاحب الكلام بين منزلتين، ان قصر فيه خصم، وان أعرق فيه أثم. وقال أكتم بن صيفي: مقتل الرجل بين فكيه. وقالت الحكماء: النطق اشرف ما خص به الانسان لانه صورته المعقولة التي باين بها سائر الحيوانات، ولذلك قال سبحانه: " خلق الانسان علمه البيان " ولم يقل: (وعلمه البيان) بالواو، لانه سيحانه جعل قوله: (علمه البيان) تفسيرا لقوله: (خلق الانسان) لاعطفا عليه، تنبيها على ان خلقه له، هو تخصيصه بالبيان الذي لو توهم مرتفعا لارتفعت إنسانيته، ولذلك قيل: ما الانسان لولا اللسان لا بهيمة مهملة، أو صورة ممثلة. وقال الشاعر: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده * فلم يبق الا صورة اللحم والدم. قالوا: والصمت من حيث هو صمت مذموم، وهو من صفات الجمادات فضلا عن الحيوانات. وقالوا: العلم كله لا يؤديه الى اوعية القلوب الا اللسان، فنفع المنطق عام لقائله وسامعه، ونفع الصمت خاص للصامت. وقال بعضهم: إحفظ لسانك عن خبيث الكلام، وفي غيره لا تسكت =========================================================================== [385] ان استطعت. وعن ابن مسكويه (ره)، قال: قال رجل لمطيع بن أياس: ماندمت على صمت قط، ولامللته. فقال مطيع: أما أنت لو خرست ما آجرك الله على الخرس، فانه من شهوتك. =========================================================================== [386] المائدة الحادية عشرة: في نزر من الاشعار التي تناسب المقام. ونسب الى امير المؤمنين عليه السلام، كما في المختار 6، من حرف التاء من الديوان 48: ان القليل من الكلام بأهله * حسن وان كثيره ممقوت مازل ذو صمت وما من مكثر * الا يزل ومايعاب صموت ان كان ينطق ناطق من فضة * فالصمت در زانه ياقوت وقال ابن عبد ربه في العقد الفريد: 2، ص 15، ط 2: وقال جعفر بن محمد بن علي بن السحين بن علي بن أبي طالب (ع): يموت الفتى من عثرة بلسانه * وليس يموت المرء من عثرة الرجل فعثرته من فيه ترمي برأسه * وعثرته بالرجل تبرأ على مهل وفي المختار 29، من حرف الباء، من الديوان المنسوب إليه (ع): أدبت نفسي فما وجدت لها * بغير تقوى الاله من أدب في كل حالاتها وان قصرت * افضل من صمتها عن الكذب وغيبة الناس ان غيبتهم * حرمها ذو الجلال في الكتب ان كان من فضة كلامك يانف‍ * س فان السكوت من ذهب وقال آخر: يخوض أناس في الكلام ليوجزوا * وللصمت في بعض الاحايين أوجز إذا كنت عن ان تحسن الصمت عاجزا * فأنمت عن الابلاغ في القول أعجز وقال آخر: النطق زين والسكوت سلامة * فإذا نطقت فلا تكن مكثارا ما إن ندمت على سكوت مرة * لكن ندمت على الكلام مرارا =========================================================================== [387] وقال الشهيد ابن السكيت رفع الله مقامه: يصاب الفتى من عثرة بلسانه * وليس يصاب المرء من عثرة الرجل فعثرته في القول تذهب رأسه * وعثرته في الرجل تبرأ عن مهل. ومن عجيب المصادفات ان المتوكل العباسي قد الزم هذا العالم التحرير، والاديب الخبير، تأديب ولديه: المؤيد والمعتز، فكانا يغترفان من عين علمه الغزيرة، فقال له المتوكل يوما: أيما أحب اليك، ابناي هذان، أم الحسن والحسين ؟ فقال ابن السكيت (ره): والله ان قنبرا خادم أمير المؤمنين (ع) خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل للاتراك: سلوا لسانه من قفاه. ففعلوا فمات، وكان ذلك في خامس رجب سنة 244 ه‍. ونظيره ما وقع لسنمار الصانع المشهور، والمعمار المعروف الذي يضرب به المثل في بداعة الصنعة، وغرابة ما جرى عليه، فانه بني للنعمان، قصره المعروف بالخورنق، وكان من حذاقة صنعة السنمار ان القصر يتلون في كل يوم بأربعة الوان، فلما تم بناؤه، انعم النعمان على السنمار بمال كثير، فصعد القصر للتفرج، وكان النعمان متعجبا من حسن الصنعة، ويطري السنمار بالمدح والثناء، فقال له السنمار: أيها الملك لو علمت أنك تقابل عملي هذا بالتقدير، وتعطف علي باعطاء هذا المال الخطير، لكنت بانيالك قصرا أحسن من هذا. فقال النعمان: أتقدر ان تصنع احسن من هذا ؟ فقال: نعم. فغضب النعمان واحمر وجهه وقال: بعد أن أتلفت أموالي، وتركت بيت مالي خالية تقول: لو علمت حسن الصنيعة لبنيت احسن منه ! ! أيها الغلمان ألقوه من القصر، لئلا يبني لغيري قصرا احسن من قصري. فألقوه من القصر، فخر ميتا، فضرب به المثل في مكافاة الاحسان بالاساءة. وقال آخر: وكائن ترى من صامت لك معجب * زيادته أو نقصه في التكلم =========================================================================== [388] لسان الفتى نصف ونصف فؤاده * فلم يبق الا صورة اللحم والدم. وقال احيحة بن الجلاح: والصمت اجمل بالفتى * ما لم يكن عي يشينه والقول ذو خطل إذا * ما لم يكن لب يعينه وقال آخر: لقد وارى المقابر من شريك * كثير تحلم وقليل عاب صموتا في المجالس غير عي * جديرا حين ينطق بالصواب وقال آخر: وإذا خطبت على الرجال فلا تكن * خطل الكلام تقوله مختالا واعلم بان من السكوت إبانة * ومن التكلف ما يكون خبالا. وقال علي بن هشام: لعمرك ان الحلم زين لاهله * وما الحلم الا عادة وتحلم إذا لم يكن صمت الفتى من بلادة * وعي فان الصمت اهدى وأسلم وقال آخر: عجبت لازراء العيي بنفسه وصمت الذي قد كان بالقول أعلما وفي الصمت ستر للعيي وانما * صحيفة لب المرء أن يتكلما وقال الخبز ارزي: لسان الفتى خنق الفتى حين يجهل * وكل امرئ مابين فكيه مقتل إذا مالسان المرء اكثر هذره * فذاك لسان بالبلاء موكل وكم فاتح أبواب شر لنفسه * إذا لم يكن فقل على فيه مقفل فلا تحسبن الفضل في العلم وحده (127) * بل الجهل في بعض الاحايين أفضل إذا شئت أن تحيا سعيدا مسلما * قدير وميز ما تقول وتفعل. =========================================================================== (127) وفى النسخة: ولم تحسبن الفضل في الحلم وحده، الخ. =========================================================================== [389] وقال آخر: الحلم زين والسكوت سلامة * فإذا نطقت فلا تكن مكثارا ما ان ندمت على سكوتي مرة * الا ندمت على الكلام مرارا. وقال الحسن بن هاني: خل جنبيك لرام * وامض عني بسلام مت بداء الصمت خير * لك من داء الكلام رب لفظ ساق آجا * ل فئام وفئام انما السالم من * ألجم فاه بلجام =========================================================================== [390] المائدة الثانية عشرة: في ذكر ما يناسب قوله (ع): " واياك ان تثق لتحميل زادك بمن لاورع له ولا أمانة، الخ ". وقد قلنا سابقا انه يحتمل ان يكون المراد من هذا الكلام التحذير عن صرف المعروف والعطيات في غير أهله، وهذا المعنى قد ورد في غير واحد من الاخبار الزجر عنه، والردع منه، ففي الحديث الاخير من المجلس 16، من أمالي الشيخ المفيد (ره)، عن كعب الاحبار قال: مكتوب في التوراة: من صنع معروفا الى احمق فهي خطيئة تكتب عليه. وروى ابن أبي الحديد، في المختار 400، أو 455، مما استدركه على السيد الرضي (ره) انه قال أمير المؤمنين (ع): ينبغي للعاقل ان يمنع معروفه الجاهل واللئيم والسفيه، اما الجاهل فلا يعرف المعروف، ولا يشكر عليه، وأما اللئيم فأرض سبخه لا تنبت، وأما السفيه فيقول: انما أعطاني فرقا من لساني. وأيضا روى ابن ابي الحديد في المختار 853، مما استدركه على قصار النهج، انه قال (ع): المصطنع الى اللئيم كمن طوق الخنزير تبرا، وقرط الكلب دررا، وألبس الحمار وشيا، وألقم الافعى شهدا. وفي الحديث 1، من الباب 25، من كتاب الزكاة، من الكافي: 4، 30 معنعنا، عن الامام الصادق (ع) قال: إذا أردت أن تعلم أشقي الرجل أم سعيد، فانظر سببه ومعروفه الى من يصنعه، فان كان يصنعه الى من هو أهله فاعلم أنه خير، وان كان يصنعه الى غير أهله، فاعلم انه ليس له عند الله خير. ورواه الصدوق (ره)، في الفقيه مرسلا، كما في الوافي: 2، ص 84، في الحديث 3، من الباب 58، من كتاب الزكاة. ورواه أيضا في =========================================================================== [391] الحديث، 2، من الباب، من الكافي، بسند آخر. وفي الحديث الرابع، من الجزء الرابع، من أمالي الشيخ (ره) معنعنا، عن الامام الصادق (ع) قال: انه من عظم دينه، عظم إخوانه، ومن استخف بدينه استخف بأخوانه، يا محمد اخصص بمالك وطعامك من تحبه في الله عزوجل. وفي تحف العقول عن الامام الكاظم عليه السلام قال: والصنيعة لا تكون صنيعة الا عند ذي دين أو حسب، الخ. وقريب منه رواه في مستطرفات السرائر عن النبي (ص). ورواه في الحديث 80، من باب النوادر، من الفقيه: 4، 298 معنعنا، مع زيادات كثيرة عن الامام الصادق (ع). وأما ما قيل في هذا المعنى من الشعر فقير قليل أيضا. ففي المختار 9 من حرف العين، من الديوان المنسوب الى امير المؤمنين (ع) ص 93: لا تضع المعروف في ساقط * فذاك صنع ساقط ضائع وضعه في حر كريم يكن * عرفك مسكا عرفه ضائع وقال شاعر: ان الصنيعة لا تكون صنيعة * حتى يصاب بها طريق المصنع فإذا اصطنعت صنيعة فاعمد بها * لله أو لذوي القرابة أودع. هذا ما حضرني الان من شواهد الاحتمال الاول. وأما شواهد الاحتمال الثاني - اي كون الكلام تحذيرا من ايكال الامر الى غيره، بأن يكون مساق قوله (ع): " واياك أن تثق لتحميل زادك بمن لاورع له ولا أمانة، الخ " مساق قوله (ع): " يابن آدم كن وصي نفسك، واعمل في مالك ما تؤثر ان يعمل فيه من بعدك " (128) - فكثيرة أيضا نثرا ونظما، ويدل عليه جميع ما ورد في الشريعة من الحث على المبادرة =========================================================================== (128) المختار 251، من قصار نهج البلاغة. =========================================================================== [392] الى الخيرات، ويدل عليه أيضا ماقاله السبط الشهيد عليه السلام: مالك ان لم يكن لك، كنت له منفقا، فلا تنفقه بعدك فيكون ذخيرة لغيرك، وتكون أنت المطالب به، المأخوذ بحسابه، واعلم انك لا تبقى له، ولا يبقى عليك (129) فكله قبل ان يأكلك. وفي حديث آخر عنه (ع): مالك ان لم يكن لك، كنت له، فلاتبق عليه، فانه لا يبقي عليك، وكله قبل أن يأكلك. الحديث 28 و 34، من مختار كلمه (ع) في البحار: 17، 151، نقلا عن اعلام الدين، والدرة الباهرة. واما الشواهد المنظومة للمعنى الثاني فكثيرة أيضا، ومما نسب الى امير المؤمنين عليه السلام قوله: قدم لنفسك في الحياة تزودا * ولقد تفارقها وأنت مودع واهتم للسفر القريب فانه * أنأى من السفر البعيد واشع واجعل تزودك المخافة والتقى * فلعل حتفك في مسائك أسرع، الخ وقال آخر: قدم جميلا إذا ما شئت تفعله * ولا تؤخر ففي التأخير آفات ألست تعلم ان الدهر ذو غير * وللمكارم والاحسان اوقات وقال آخر: إذا ماكنت متخذا وصيا * فكن فيما ملكت وصي نفسك ستحصد ما زرعت غدا وتجزى * إذا وضع الحساب ثمار غرسك. وقال آخر: تمتع انما الدنيا متاع * وان دوامها لا يستطاع =========================================================================== (129) كذا في النسخة، والسياق يقتضي ان يقال: ولا يبقى لك، ولعله من سهو النساخ، أو أن على بمعنى اللام. =========================================================================== [393] وقدم ما ملكت وأنت حي * أمير فيه متبع مطاع ولا يغررك من توصي إليه * فقصر وصية المرء الخداع ومالي أن أملك ذاك عيري * وأوصيه به لولا الخداع وقال آخر: قدم لنفسك شيئا * وأنت مالك مالك من قبل أن تتلاشى * ولون حالك حالك وقال آخر: افعل الخير مابدا وتهيا * علم الخير لائح في الثريا انما أنت أنت مادمت حيا * فإذا مت صرت تأويل رؤيا وقال الاعشى: إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * وأبصرت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ان لا تكون كمثله * وانك لم ترصد كما كان أرصدا وقال الاخطل: وإذا افتقرت الى الذخائر لم تجد * ذخرا يكون كصالح الاعمال. =========================================================================== [394] وقال عليه السلام في هذه الوصية (67) يا بني البغي سائق إلى الحين (68) لن يهلك امرؤ عرف قدره (69)، من حصن (حظر خ) شهوته صان قدره، قيمة كل امرئ ما يحسن (70) الاعتبار يفيدك الرشاد، أشرف الغنى ترك =========================================================================== (67) من هنا الى آخر الوصية رواها الصدوق (ره) بلا حذف، واسقاط شئ منها، على ما هو الظاهر من كلامه. (68) الحين - كزين وشين ومين -: المحنة. الهلاك. (69) قريب منه ذكره السيد (ره)، في المختار 99، من باب الخطب، والمختار 148، من باب القصار من النهج. وهذا مما تواتر عنه (ع)، وقد أشرنا غير مرة الى ان جل مافى هذه الوصية مذكور في خطبة الوسيلة وفى وصيته (ع) الى الامام المجتبى (ع). (70) يحسن - من الاحسان - بمعنى العلم، ومراده (ع) ان قيمة المرء تدور مدار علمه، فمن لاعلم له فلاقيمة له، وقيمة العالم أيضا بمقدار قيمة علمه كما وكيفا. وقال الفيض (ره) في شرح الكلام: يعني تزيد قيمة المرء بزيادة علمه كما وكيفا، ولاشك ان شرف العلم بشرف المعلوم، فالعالم بعظمة الله وجلاله أعظم قدرا من العالم بأحكامه، وكذلك في سائر العلوم، وما كان المقصود منه الدنيا فقيمته ما يحصل له في الدنيا، وماله في الاخرة من نصيب سوى الحسرة والندامة. اقول: هذا الكلام الشريف مما اطبقت الامة جمعاء على صدوره من امير المؤمنين (ع) وانه (ع) أبو عذرته، وانه اجل تعبير ينبئ عن وزن العالم، ويكشف عن سمو مقامه، وللعلماء والشعراء كلم نافعة، وافادات جيدة في نفاسة هذا الكلام وشرافته، نشير إليها في مناهج البلاغة، في شواهد المختار 81، من قصار نهج البلاغة انشاء الله تعالى. =========================================================================== [395] المنى، الحرص فقر حاضر المودة قرابة مستفادة، صديقك أخوك لابيك وأمك، وليس كل أخ لك من أبيك وأمك صديقك، لاتتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك، كم من بعيد أقرب منك من قريب، وصول معدم خير من مثرجاف (71) الموعظة كهف لمن وعاها، من من بمعروفه أفسده (72) من أساء خلقه عذب نفسه وكانت البغضة أولى به، ليس من العدل القضاء بالظن على الثقة (73)، ما أقبح الا شر عند الظفر، والكابة عند النائبة (74) والغلظة والقسوة على الجار، =========================================================================== (71) الوصول - كصبور -: الكثير الوصل، أو الكثير الاعطاء، وكأن المراد منه هنا معناه الوصفي بلا مبالغة وتكثير، والمعدم: الفقير. والمثري: ذو المال والغني. والجافي: الغليظ. (72) هذا المعنى مقتبس من قوله تعالى في الاية: 264، من سورة البقرة " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس، الخ ". (73) أي إذا كان أحد موثوقا عندك في الدين أو الامانة أو المحبة أو غيرهما، فما لم يحصل لك اليقين على زواله لا تحكم بالزوال، فان الظن لا يغني من الحق شيئا، وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ". (74) الاشر: كالبطر والفرح لفظا ومعنى. والكابة والكأبة والكآبة - كالراحة والكعبة والصحابة -: الغم وسوء الحال والانكسار من الحزن، وهي مصادر لقولهم: كئب (من باب علم). =========================================================================== [396] والخلاف على الصاحب، والحب (والخبث خ) من ذوي المروءة (75)، والغدر من السلطان، وزل معه حيث زال، لاتصرم أخاك على ارتياب، ولا تقطعه دون استعتاب (76) لعل له عذرا وأنت تلوم، إقبل من متنصل (77) عذره فتنا لك الشفاعة، وأكرم الذين بهم نصرك، وازدد لهم طول الصحبة برا وإكراما وتبجيلا وتعظيما، فليس جزاء من سرك أن تسوءه (78)، أكثر البر ما استطعت لجليسك =========================================================================== (75) قال في الوافى: الخب - بالخاء المعجمة -: الخداع والمكر، وفى بعض النسخ: الخبث - بالمثلثة - وفى بعضها بالحاء المهملة والنون والمثلثة، وكأنهما تصحيف. (76) صرم يصرم (من باب ضرب) صرما وصرما (كفلس وقفل) - فلانا. أي هجره. الشئ: قطعه. والاستعتاب: طلب الرجوع والعود الى ماكان عليه. وفى كتاب العلم من العقد الفريد قال: قال علي (ع): لا تقطع اخاك على ارتياب، ولا تهجره دون استعتاب. (77) يقال: تنصل فلان من ذنبه أي تبرأ منه. ومنه الحديث: يا على من لم يقبل العذر من متنصل لم ينل شفاعتي. (78) أوصى عليه السلام بهذا البيان القدسي بالاهتمام بشئون الانصار والاعوان من الاخوان والاقرباء والاصدقاء، حيث ان الانسان بمعاضدتهم ينال المقصود، وبمعاونتهم يظفر بطلبته، فيفرح ويبتهج، فعليه أن يجزيهم بالبر والاكرام، ويثيبهم بالانعام والاحترام في جميع اوقات الصحبة، ولا يتبرم بطول صحبتهم فيترك ما يجب عليه من مراعاة حقهم، لانه لا يجزى الاحسان الا بالاحسان، فليس جزاء من سرك بانجاح المقاصد، ونيل الامال، ان تسوءه يترك رعايته، واظهار الملالة والسامة من طول صحبته. =========================================================================== [397] فإنك إذا شئت رأيت رشده من كساء الحياء ثوبه اختفى عن العيون عيبه من تحرى القصد خفت عليه المؤن (79) من لم يعط نفسه شهوتها أصاب رشده مع كل شدة رخاء ومع كل أكلة غصص، لا تنال نعمة إلا بعد أذى، كفر النعم موق (80) ومجالسة الاحمق شوم. إعرف الحق لمن عرفه لك شريفا كان أو وضيعا، من ترك القصد جاز، ومن تعدى الحق ضاق مذهبه، كم من دنف نجا، وصحيح قد هوى (81) قد يكون اليأس إدراكا، والطمع هلاكا، إستعتب من رجوت عتابه (82)، لا تبيتن من امرء على غدر، الغدر شر =========================================================================== (79) التحري: الطلب واختيار ما هو الاولى من الامور. والقصد: هو التوسط بين الافراط والتفريط. والمؤن - على زنة زفر وعمر - جمع المئونة - بفتح اوله وضمه - وهي القوت وما يصرفه الانسان في حوائجه، ولملازمته نوعا من الثقل يستعمل في كل شدة وثقيل. (80) الموق: الحمق، وفى خطبة الوسيلة: كفر النعم لوم، وصحبة الجاهل شوم. (81) الدنف - على زنة كتف -: من ثقل مرضه وصار ملازما له، وجمعه أدناف، ومؤنثه دنفة، وجمع المؤنث دنفات. وهوى: هلك. (82) العتبى: الرضا، أي اطلب رضا من ترجو رضاه ولا تتركه ساخطا عليك، أو المعنى اطلب الرجوع الى المحبة والعود إليها لمن تحتمل وترجو رجوعه الى المسرة، وحاصله ترك الانقطاع والهجران إذا كان الاتصال ممكنا، والتحبب محتملا، والمعنى الثاني لازم للاول، إذ كل من رضي بعد السخط فقد رجع الى ماكان عليه اولا، ومنه الحديث: ولابعد الموت من مستعتب. =========================================================================== [398] لباس المرء المسلم. من غدر ما أخلق أن لايوفى له، الفساد يبير الكثير والاقتصاد ينمي اليسير (83) من الكرم الوفاء بالذمم من كرم ساد، ومن تفهم إزداد، إمحض أخاك النصيحة وساعده على كل حال ما لم يحملك على معصية الله عز وجل (84) لن لمن غاظك (85) تظفر بطلبتك، ساعات الهموم ساعات الكفارات، والساعات تنفد عمرك (86)، لاخير في لذة بعدها النار، وما خير بخير بعده النار، وما شر بشر بعده =========================================================================== (83) يبير، من الابارة، أي يهلكه ويبطله، ونمى ينمي نميا ونميا - من باب رمى يرمي - كنما ينمو نموا - من باب دعا يدعو - المال وغيره: زاد وكثر. وأنمى انماء الشئ، أي زاده، فأنمى هو، أي زاد. (84) وبهذا يقيد جميع ما ورد في رعاية الاخوان. وأداء حقوقهم، ومعاونتهم، وعدم مهاجرتهم، ولاجل ان الحكم عقلي - إذ حق الله أقدم واجل من جميع الحقوق - فلا يختص بمورد الاخوة، بل يقيد به حقوق جميع المخلوقين. (85) غاظه يغيظه (من باب باع) غيظا، وغيظه واغاظة وغايظه، أي حمله على الغيظ وهو الغضب، أو الاشد منه. وقال (ع) في وصية الى الامام المجتبى (ع): لن لمن غالظك فانه يوشك ان يلين لك، الخ. وهذا مأخوذ من قوله تعالى: " ادفع بالتي هي احسن السيئة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ". وللكلام ذنابة تأتي. (86) وفى الحديث: يابن آدم انت عدد أيامك. وروى في جامع الاخبار - على ما حكي عنه - عن السبط الشهيد (ع) انه قال: يابن آدم انما انت أيام، كلما مضى يوم ذهب بعضك. =========================================================================== [399] الجنة (87) كل نعيم دون الجنة محقور وكل بلاء دون النار عافية، لا تضيعن حق أخيك إتكالا على ما بينك وبينه فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه، ولا يكونن أخوك على قطيعتك أقوى منك على صلته، ولا على الاساءة أقوى منك على الاحسان إليه (88)، يا بني إذا قويت فاقو على طاعة الله عزوجل، وإذا ضعفت فاضعف عن معصية الله عزوجل (89) =========================================================================== (87) اي ما يعده الناس شرا (من المصائب في سبيل الله وتحمل مشقة التكاليف) ليس بشر، بل هو خير محض، لانه يجر الى المكلف خيرا لا ينقطع ولا يبيد، وهكذا معنى قوله (ع) في الفقرة السابقة: " وما خير بخير بعده النار، الخ " أي ما تحسبونه خيرا " من المتاع الحقير الذي تنالونه بمعصية الله) ليس بخير، بل هو شر محض، لانه يجر المكلف الى الجحيم والعذاب الاليم، والفقرة السابقة والجملتان الاخيرتان كالتأكيد لهما، ولا يذهب عنك أن هذه الجمل قد ألقاها (ع) في ضمن كثير من كلماته، كخطبته الوسيلة، ووصيته الى الامام المجتبى (ع)، والمختار 387، من قصار النهج، وغيرها. (88) من قوله (ع): لا تضيعن حق اخيك، الى قوله: على الاحسان إليه، مذكور في وصيته الى السبط الاكبر: الامام المجتبى (ع)، ورواه أيضا عنه (ع) في كنز الفوائد 34. (89) ومن قوله (ع): يا بني إذا قويت، الى قوله: عن معصية الله عزوجل - رواه باختلاف ما، في المختار 383، من قصار النهج عنه (ع). وقريب منه جدا رواه عنه (ع) ابن مسكويه (ره)، في جاويدان خرد (الحكمة الخالدة) ثم قال ابن مسكويه: فكان ابن المقفع يقول: ليجتهد البلغاء ان يزيدوا في هذا حرفا. =========================================================================== [400] وإن استطعت أن لا تملك المرأة (90) من أمرها ما جاوز نفسها فافعل، فإنه أدوم لجمالها وأرخى لبالها وأحسن لحالها فان المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، فدارها على كل حال، وأحسن الصحبة لها، فيصفو عيشك إحتمل القضاء بالرضا، وإن أحببت أن تجمع خير الدنيا والاخرة فاقطع طمعك مما في أيدي الناس والسلام عليك يا بني ورحمة الله وبركاته. قال الصدوق (طاب ثراه) في آخر الحديث 10، من نوادر الفقيه): هذا آخر وصيته عليه السلام لمحمد بن الحنفية (ره). أقول: قال شيخ الطائفة عطر الله مرقده في ترجمة الاصبغ بن نباته (ره): كان الاصبغ من خواص امير المؤمنين عليه السلام، وعمر بعده، وروى عهد مالك الاشتر الذي عهده إليه أمير المؤمنين عليه السلام لما ولاه مصر، وروى وصية امير المؤمنين عليه السلام الى ابنه محمد بن الحنفية. أخبرنا بالعهد إبن جيد، عن محمد بن الحسن الحميري، عن هارون بن مسلم، والحسن بن طريف جميعا، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، عن امير المؤمنين عليه السلام. وأما الوصية، فأخبرنا بها الحسين بن عبيدالله، عن الدوري، عن محمد بن أبي الثلج، عن جعفر بن محمد الحسيني، عن علي بن عبدك =========================================================================== (90) من قوله (ع): وان استطعت، الى قوله: فيصفو عيشك - ذكرناه في باب الخطب من هذا الكتاب، عن مصادر كثيرة. وأيضا هذا كله مذكور في وصيته الى الامام الحسن (ع) مع زيادة، وكذلك في الحكمة الخالدة 177. ولا يخفى ان الظاهر من هذا الكلام الشريف - بقرينة ذيله - =========================================================================== [401] الصوفي، عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباته المجاشعي، قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام الى ولده محمد بن الحنفية وصيته. وقال النجاشي رحمه الله: كان الاصبغ بن نباته المجاشعي من خاصة امير المؤمنين عليه السلام، وعمر بعده، روى عنه عهد الاشتر، ووصيته الى محمد إبنه. أخبرنا ابن الجندي، عن علي بن همام، عن الحميري عن هارون بن مسلم، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بالعهد. وأخبرنا عبد السلام بن الحسين الاديب، عن أبي بكر الدوري، عن محمد بن أحمد ابن أبي الثلج، عن جعفر بن محمد الحسني، عن علي بن عبدك، عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بالوصية. وروى ثقة الاسلام الكليني (ره)، بسندين في الحديث 7، من الباب 19، من كتاب النكاح، من الكافي: 5، 337، معنعنا عن الامام الباقر والصادق (ع) قال: قال امير المؤمنين عليه السلام في رسالته الى الحسن عليه السلام: إياك ومشاورة النساء، فان رأيهن الى الافن، وعزمهن الى الوهن، واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك اياهن، فان شدة الحجاب خير لك ولهن من الارتياب، وليس خروجهن باشد من دخول لا تثق به عليهن، فان استطعت ان لا يعرفن غيرك من الرجال فأفعل. ثم قال ثقة الاسلام قدس الله نفسه: أحمد بن محمد بن سعيد، عن جعفر بن محمد الحسيني، (130) عن علي بن عبدك، عن الحسن بن ظريف =========================================================================== عدم تحميل الاحور الشاقة على النساء مما ينغص عيشها، ويذهب بطراوتها وبهاء وجهها ونضارة غصنها، من ادارة شئون الحياة، ودحراجها الى الجهات لتحصيل المآكل والاقوات. (130) كذا في النسخة، والصواب " الحسني " كما تقدم ويأتي. =========================================================================== [402] ابن ناصح، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، عن امير المؤمنين عليه السلام مثله، إلا انه قال: كتب بهذه الرسالة امير المؤمنين عليه السلام الى ابنه محمد بن الحنفية. أقول لا تنافي بين الروايتين، لان امير المؤمنين عليه السلام كتب اليهما جميعا، فالاولون من الرواة لما لم يطلعوا على الرواية الثانية، - أو لم يكونوا بصدد بيانها، أو بينوها أيضا، ولكن النقلة عنهم لم يعلموا بها - اكتفوا بذكر الاولى فقط، وكذلك الكلام في رواة الرواية الثانية الاتية. وأيضا روى ثقة الاسلام رفع الله درجاته في الحديث 3، من الباب 152، من كتاب النكاح، من الكافي: 5، 510، بالسندين المتقدمين - إلا ان فيما تقدم روى عن أبي عبد الله الاشعري، عن رجاله الى ان انتهى الى الامام الباقر والصادق (ع)، وهنا يروي عن ابي علي الاشعري، عن المذكورين في ما تقدم، عن الامام الباقر والامام الصادق عليهما السلام قال: في رسالة امير المؤمنين عليه السلام الى الحسن عليه السلام: لا تملك المرأة من الامر ما يجاوز نفسها، فان ذلك أنعم لحالها، وأرخى لبالها، وأدوم لجمالها، فان المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، ولا تعد بكرامتها نفسها، واغضض بصرها بسترك، واكففها بحجابك، ولا تطمعها أن تشفع لغيرها، فيمل عليك من شفعت له عليك معها، واستبق من نفسك بقية، فان إمساكك نفسك عنهن وهن يرين أنك ذو إقتدار، خير من أن يرين منك حالا على انكسار. ثم قال ثقة الاسلام عطر الله مضجعه: أحمد بن محمد بن سعيد، عن جعفر بن محمد الحسني، عن علي بن عبدك، عن الحسن بن ظريف بن ناصح، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباته، عن امير المؤمنين عليه السلام مثله، إلا انه قال: كتب امير المؤمنين صلوات =========================================================================== [403] الله عليه بهذه الرسالة الى ابنه محمد رضوان الله عليه (131) وممن ذكر السند للوصية الشريفة السيد ابن طاووس رحمه الله، نقلا عن الجزء الاول عن كتاب الزواجر والمواعظ، من نسخة تاريخها: ذو القعدة، من سنة ثلاث وسبعين وأربع مأة، تأليف ابي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، قال: وأخبرنا احمد بن عبد الرحمان بن فضال القاضي، قال حدثنا الحسن بن محمد بن أحمد، واحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) قالا: حدثنا جعفر بن محمد الحسني، قال: حدثنا الحسن بن عبدك، قال حدثنا الحسن بن ظريف بن ناصح، عن الحسن (الحسين خ) بن علوان، عن سعد بن طريف عن اصبغ بن نباتة المجاشعي قال: كتب أمير المؤمنين (ع) الى ابنه محمد. وقال السيد (ره) أيضا: واعلم أنه قد روى الشيخ المتفق على ثقته وأمانته محمد بن يعقوب الكليني تغمده الله برحمته، رسالة مولانا أمير المؤمنين (ع)، الى إبنه الحسن (ع)، وروى رسالة أخرى مختصرة عن خط علي عليه السلام الى ولده محمد بن الحنفية (ع)، وذكر الرسالتين في كتاب الرسائل، ووجدنا منها نسخة قديمة يوشك أن تكون كتابتها في زمان حياة محمد بن يعقوب رحمه الله. انتهى ملخصا (132). =========================================================================== (131) قال المحمودي: لاغرابة في اشتباه الامر على الرواة في الوصيتين أو الرسالتين، لانهما صدفا بحر واحد، ولؤلؤا صدف فارد، وكلتاهما تستقيان من بحر الولاية، وتتفرعان عن دوحة الامامة، وتنبتان عن شجرة العلوم الالهية، وتنشآن عن مغرس المعارف الربوبية، فمن شاهد الاولى، ولم يكن عارفا بالثانية، ثم تليت الثانية عليه، يقول بلا تأمل: كأنها هي، بل غير المتعمق يقول: هي هي، وذلك لفرط الوحدة، والتشابه من جهات شتى، وقلة المميزات، ولذا التبس الامر على بعض الرواة. (132) قال أبو جعفر المحمودي: المستفاد من القرائن ان هذه الوصية غير رسالته (ع) الى ابنه محمد بن الحنفية، التي وجدها السد ابن طاووس =========================================================================== [404] أقول: قد تقدم في التعليقات السابقة ان الشيخ المفيد والكراچكي والسيد الرضي وابن شعبة وابن ابي جمهور والعلامة أيضا رووا بعض فقرات هذه الوصية الشريفة، وكذلك كثير من فقراتها قد تكلم به امير المؤمنين عليه السلام في غير واحد من كلماته الكريمة، كما لا يخفى على من أحاط خبرا بنهج البلاغة ونهج السعادة، وخطبة الوسيلة، ووصيته (ع) الى السبط الاكبر (ع)، والمختار الاول والثاني والثالث والرابع والخامس من الباب الاول من دستور معالم الحكم وغيره، فقد تحقق بتراكم الشواهد الداخلية والخارجية ان كون الوصية الشريفة من كلام سيد البلغاء والموحدين وامير المؤمنين (ع) أمر جلي، والاريب لا يمكنه أن يناقش فيها، وأرباب اللب والانصاف بعض ما تقدم يكفيها، فتبصر واستقم، ولا تكونن من الممترين. =========================================================================== (ره) في رسائل ثقة الاسلام الكليني قدس الله نفسه، إذ نحن وان كنا محرومين عن رسائل الكليني (ره) وأمثالها من ذخائر العلماء القدماء، ولكن من وصف العدل العلامة السيد ابن طاووس اياها بالاختصار، يعلم أن هذه الوصية غير تلك الرسالة، إذ الوصية كما رأيتها - مع ما أسقطه الصدوق (ره) منها - لا تقل عن وصيته (ع) الى الامام المجتبى (ع). ويدل عليه أيضا ما ذكرناه في باب الكتب، من كتابه (ع) الى ابنه محمد، عن مصدر آخر، غير رسائل الكليني، وهو كما قال السيد مختصر. =========================================================================== [405] وهنا عوائد وزوائد العائدة الاولى: في بيان بعض ما ورد في شأن الصديق، ولوازم الصداقة، المناسب لقوله (ع): " صديقك أخوك لابيك وامك، الخ " وقوله (ع): " لاتتخذن عدو صديقك صديقا، فتعادي صديقك، الخ ". واعلم أن لكل شئ آثارا وخواصا في دار الوجود، تكوينا أو اعتبارا وتشريعا، وهذه الاثار والخواص إذا قسناها الى شئ آخر أو آثاره ولوازمه، قد يكونان متلائمين - على اختلاف أقسامه - وقد يكونان متعاندين، غير متوافقين. ومن جملة الموجودات الصداقة والمحابة والموادة بين الشخصين، ولها لوازم وثمرات وآثار بحسب التكوين والعقل والمعتاد بين ذوي العقول، وهكذا بحسب الشرائع. فمن جملة آثار الصداقة: إختيار هوى الصديق على هوى نفسه وغيره، (133) والفرح إذا فرح، والحزن إذا حزن، والمواساة مع في البأساء والضراء، وتفقده عند غيبته، ومراودته والمعاشرة معه بالجميل عند حضوره، وموالاة وليه، ومعاداة عدوه، وستر ما يشينه، ونشر ما يزينه، الى غير ذلك مما هو مركوز في فطرة جميع ذوي الحس والعقل، من اي صنف وقطر وسلالة، فانك إذا تأملت تجد جميع الامم القائلين بالشريعة وغيرهم، يحنون الى صديقهم، ويفرون وينزجرون من بغيضهم، بحسب طبعهم وفطرتهم، ولم ير ولاسمع - ولن يرى ولا يسمع - أن احدا رتب آثار الصداقة - من =========================================================================== (133) لبعضهم: اريد وصاله ويديد هجري * فأترك ما اريد لما يريد =========================================================================== [406] بذل النفس والمال، واختيار هوى الحبيب والصديق على هوى شخصه - على عدوه. وكذلك العكس: لم يعهد من فرد من ذوي العقول أن يعامل مع صديقه معاملة العدو، بان يسبه ويضربه عند الحضور، ويغتابه ويسئ القول فيه لدى الغيبة، ويفرح عند حزنه، ويحزن عند مسرته، ويساعد أعداءه على استيصاله، أو يسعى في سبيل مرضاة عدوه، أو تنغيص عيش صديقه وحبيبه، وهذا أمر إرتكازي - حتى للحيوانات - غير محتاج الى اقامة الشواهد، الا أنا نذكر بعض الشواهد، لتنبيه الغافل، ولالزام بعض الكاذبين وتكذيبهم، والفات العقلاء والمنصفين، على انهم هم الكاذبون في دعواهم، فنقول: قال الله تعالى في الاية 29 و 30، من سورة آل عمران: قل ان كنتم تحبون لله فاتبعوني يحببكم الله، الخ. وقال تعالى: قل اطيعوا الله والرسول فان تولوا فان الله لا يحب الكافرين. وقال تعالى في الاية 22، من سورة المجادلة: لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ابناءهم، الخ. فتأمل في الاية الاولى كيف رتب اتباع حبيبه على محبته، وعلقه عليه، فمن لم يتبع الرسول فليس بمحب لله، ولا لرسوله، وتدبر في الاية الثانية كيف اطلق الكافر على من لم يطع الله ورسوله، وأعلن انه لا يحبهم، وتفكر في الاية الثالثة كيف حكم بالملازمة بين الايمان بالله ورسوله، وبين قطع المراودة والموادة مع من حاد الله، وكنى بعدم الوجود عن عدم الامكان واستحالة التحقق. وروى الصدوق (ره)، في المجلس 95، من الامالي 397، وفي مصادقة الاخوان، قال قال لقمان لابنه: يا بني إتخذ الف صديق، وألالف قليل، ولا تتخذ عدوا واحدا، والواحد كثير. =========================================================================== [407] وروى في الحديث 1، من الباب 10، من ابواب احكام العشرة، من مستدرك الوسائل: 2، 62، عن الجعفريات معنعنا، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المرء على دين من يخالل، فليتق الله المرء، ولينظر من يخالل. وفي الحديث الثاني، من الباب، نقلا عن كتاب الاخلاق لابي القاسم الكوفي، عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: المؤمنون كأسنان المشط، يتساوون بينهم في الحقوق بينهم، ويتفاضلون باعمالهم، والمرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل. وقال (ص): إختبروا الناس بأخدانهم، فانما يخادن الرجل من يعجبه. (134) وفي الحديث الاخير من الباب السابع، من أبواب احكام العشرة، من المستدرك: 2، 62، ط 2، عن القطب الراوندي (ره)، في لب اللباب، قال قال امير المؤمنين عليه السلام: عليكم بالاخوان، فانهم عدة في الدنيا والاخرة، ألا تسمعون الى قوله تعالى: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم. (135) وروى الصدوق (ره) معنعنا، في صفات الشيعة 165، في الحديث التاسع، عن امير المؤمنين (ع) انه قال: مجالسة الاشرار تورث سوء الظن بالاخيار، ومجالسة الاخيار تلحق الاشرار بالاخيار، ومجالسة الفجار للابرار تلحق الفجار بالابرار، فمن اشتبه عليكم أمره، ولم تعرفوا دينه، فانظروا الى خلطائه، فان كانوا اهل دين الله فهو على دين الله، وان كانوا =========================================================================== (134) هذا هو الصحيح، وفى النسخة: فانما يخادن الرجل من يعجبه نحوه. اقول: وبعض شواهد الباب قد تقدم في تعليقات قوه (ع): " صاحب أهل الخير تكن منهم " فراجع. (135) الاية 100 من سورة الشعراء. =========================================================================== [408] على غير دين الله فلاحظ له في دين الله. ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الاخر، فلايواخين كافرا، ولا يخالطن فاجرا، ومن آخى كافرا أو خالط فاجرا، كان كافرا فاجرا. ورواه عنه في الحديث 7، من ابواب احكام العشرة، من المستدرك: 2، ص 62. وصدر الكلام رويناه بسند عال في الباب 5، من نهج السعادة. وفي المختار 130، من قصار نهج البلاغة: لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ اخاه في ثلاث: في نكبته وغيبته ووفاته (136). وفي الحديث 13، من تفسير الاية 100، من سورة الشعراء، من تفسير البرهان: 3، 187، ط 2، عن الزمخشري في ربيع الابرار، عن علي عليه السلام: من كان له صديق حميم، فانه لا يعذب، ألا ترى انه كيف أخبر الله عن اهل النار: " فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ". وقال (ع): حسد الصديق من سقم المودة. المختار 214، من قصار نهج البلاغة. وفي المختار 295، منها: أصدقاؤك ثلاثة، واعداؤك ثلاثة، فاصدقاؤك: صديقك وصديق صديقك وعدو عدوك، وأعداؤك: عدوك وعدو صديقك وصديق عدوك. وقال (ع) في وصف القرامطة وتكذيبهم: ينتحلون لنا الحب والهوى، ويضمرون لنا البغض والقلى، وآية ذلك، قتلهم وراثنا، وهجرهم أجداثنا. (137) =========================================================================== (136) ونعم ما قيل: الصبر من كرم البيعة * والمن مفسدة الصنيعة ترك التعهد للصدي‍ * - ق يكون داعية القطيعة (137) كما في شرح المختار 176، من خطب النهج، من شرح ابن أبي الحديد: 10، 14، ومن هذا وامثاله مما تواتر عنه (ع) يعلم حال من ادعى =========================================================================== [409] وقال (ع): ان اولى الناس بالانبياء أعملهم بما جاءوا به، ثم تلا عليه السلام: " ان أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا " (138). ثم قال عليه السلام: ان ولى محمد من أطاع الله وان بعدت لحمته، وان عدو محمد من عصى الله وان قربت قرابته. المختار 92، أو 95 من قصار نهج البلاغة، ورواه أيضا الزمخشري في ربيع الابرار، وروى صدره فقط في تنبيه الخواطر، قال العلامة المجلسي (ره): في الحديث 75 من الباب 58 من البحار: 1، ص 58، - بعد ما ذكره على وفق النسخ المطبوعة من النهج: " أعلمهم " بتقديم اللام على الميم - وفي بعض النسخ: =========================================================================== مودة امير المؤمنين واهل بيته عليهم السلام، وهو متصل بعدوه، ومظاهر له، أو يعادي أحباء أمير المؤمنين (ع) أو يصادق عدوه ويصافي مودته، ولذا قال عليه السلام - في جواب من قال: اني احبك وفلانا -: اما الان فانت أعور، فاما ان تبصر أو تعمى. مع انا أشرنا الى أن الامر فطري لكافة ذوي الشعور، مستغن عن اقامة البرهان، وما احسن للمقام قول الشاعر: تود عدوي ثم تزعم انني * صديقك ان الرأي عنك لعازب (138) الاية 68، من سورة آل عمران. ونعم ما قيل: يا مدعي الحب المولاه * من ادعى صحح معناه من ادعى شيئا بلا شاهد * لابد ان تبطل دعواه وحبذا ماقاله الاخر: تعصي الاله وانت تظهر حبه * هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقا لاطعته * ان المحب لمن يحب مطيع وما اوضح ماقاله الاخر: إذا صافى صديقك من تعادي * فقد عادك وانقطع الكلام وما ابين ما افاده الاخر: صديق صديقى داخل في صداقتي * وخصم صديقي ليس لي بصديق وما أبدع ما نظمه الاخر: وإذا ما اختبرت ود صديق * فاختبر وده من الغلمان =========================================================================== [410] " اعملهم " بتقديم الميم على اللام، وهو اظهر. اقول: بل تقديم الميم على اللام متعين، والتفصيل في شرح ابن أبي الحديد: 18، 252. وقال (ع) لابنه الحسن (ع): يا بني اياك ومصادقة الاحمق، فانه يريد ان ينفعك فيضرك، واياك ومصادقة البخيل فانه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، واياك ومصادقة الفاجر فانه يبيعك بالتافه، واياك ومصادقة الكذاب، فانه كالسراب، يقرب عليك البعيد، ويبعد عليك القريب. (139) وقال السبط الاكبر الامام الحسن عليه السلام: القريب من قربته المودة، وان بعد نسبه، والبعيد من بعدته المودة، وان قرب نسبه، لا شئ أقرب الى شئ من يد الى جسد، وان اليد تغل فتقطع، وتقطع فتحسم. الحديث السابع، من الباب الخامس، من كتاب العشرة، من الكافي: 2، 643. وقال عليه السلام: لاتواخ أحدا حتى تعرف موارده ومصادره، فإذا إستنبطت الخبرة، ورضيت العشرة، فآخه على اقالة العثرة، والمواساة في العشرة. البحار: 17، 145، نقلا عن تحف العقول. وقال الامام السجاد عليه السلام: لا تعادين أحدا وان ظننت انه لا يضرك، ولا تزهدن في صداقة أحد، وان ظننت انه لا ينفعك، فانك لا تدري متى ترجو صديقك، ولا تدري متى تخاف عدوك، ولا يعتذر اليك أحد الا قبلت عذره، وان علمت انه كاذب. الحديث 35، من باب فضل الصديق (12) من البحار: 16، 50، س 4، نقلا عن الدرة الباهرة. وفي الحديث الثامن، من الباب 15، من البحار: 16، 52، نقلا عن الخصال معنعنا، قال قال أبو جعفر عليه السلام: لا تقارن ولاتواخ اربعة: =========================================================================== (139) المختار 37، من قصار النهج، ورواه أيضا ابن عساكر، وكذلك صاحب دستور معالم الحكم، وغيرهم، كما فصلنا القول فيه في مناهج البلاغة، وسيمثل ان شاء الله تعالى. =========================================================================== [411] الاحمق والبخيل والجبان والكذاب، أما الاحمق فانه يريد ان ينفعك فيضرك، واما البخيل فانه يأخذ منك ولا يعطيك (140)، واما الجبان فانه يهرب عنك وعن والديه، واما الكذاب فانه يصدق ولا يصدق. (141) وقال الامام الصادق عليه السلام: من رأى أخاه على امر يكرهه فلم يرده عنه وهو يقدر عليه فقد خانه، ومن لم يجتنب مصادقة الاحمق أو شك أن يتخلق بأخلاقه. الحديث الثاني، من باب من ينبغي مصادقته (15) من البحار: 16، 52، نقلا عن أمالي الصدوق (ره) معنعنا. وفي الحديث العاشر، من الباب، عن امالي الشيخ، الحديث 11، من الجزء الاول، 24 معنعنا، قال (ع): اياك وصحبة الاحمق، فانه أقرب ما تكون منه، أقرب ما يكون الى مساءتك. وقريب منه في الحديث الحادي عشر، من الباب 4، من كتاب العشرة، من الكافي: 2، 642. وفي الحديث الاول، من باب فضل الصديق (12) من البحار: 16، ص 48، عن أمالي الصدوق (ره) معنعنا، عنه (ع) كان يقول: الصداقة محدودة، ومن لم تكن فيه تلك الحدود فلا تنسبه الى كمال الصداقة، ومن لم يكن فيه شئ من تلك الحدود، فلا تنسبه الى شئ من الصداقة، اولها، ان تكون سريرته وعلانيته لك واحده. والثانية - ان يرى زينك زينه، وشينك شينه. والثالثة - ان لا يغيره منك مال ولاولاية. الرابعة - ان لا يمنعك شيئا مما تصل إليه مقدرته. والخامسة - أن لا يسلمك عند النكبات (النائبات خ). ورواه الكليني (ره) معنعنا، في الحديث الاخير، من الباب 3، من كتاب العشرة، من الكافي. وفي الحديث 12، من الباب، عن أمالي الشيخ (ره) معنعنا، عنه =========================================================================== (140) هذا كناية عن انه يضر ولا ينفع. (141) اشارة الى ان الكذاب ولو كان مهمونا عليه من الضرر الا أن مصادقته ومصاحبته غير مفيدة لسلب الوثوق عن قوله، ولو كان صادقا واقعا. =========================================================================== [412] عليه السلام قال: إذا كان لك صديق، فولي ولاية فاصبته على العشر مما كان لك عليه قبل ولايته، فليس بصديق سوء. وفي الحديث 13، من الباب، عن أمالي الشيخ (ره) معنعنا، عن الحسين بن صالح، قال: سمعت جعفر بن محمد (ع) يقول: لقد عظمت منزلة الصديق، حتى ان أهل النار يستغيثون به، ويدعونه قبل القريب الحميم، قال الله سبحانه مخبرا عنهم: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم. (142) وروى الصدوق (ره)، في مصادقة الاخوان (18) معنعنا عنه (ع) قال: أكثروا من الاصدقاء في الدنيا، فانهم ينفعون في الدنيا والاخرة، اما في الدنيا فحوائج يقومون بها، واما في الاخرة فان اهل جهنم قالوا: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم. ورواه عنه في الحديث 5، من الباب 7، من ابواب احكام العشرة، من الوسائل: 5، 407. وأيضا روى الصدوق (ره)، في الامالي انه قال (ع) لبعض اصحابه: لاتطلع صديقك من سرك الا على مالو اطلع عليه عدوك لم يضرك، فان الصديق قد يكون عدوك (عدوا خ) يوما ما. كما في الحديث 17، من الباب 12، من البحار: 16، 49، ط الكمباني. وفي الحديث 29، من الباب، نقلا عن الاختصاص قال (ع): ان الذين تراهم لك اصدقاء إذا بلوتهم وجدتهم على طبقات شتى، فمنهم كالاسد في عظم الاكل، وشدة الصولة، ومنهم كالذئب في المضرة، ومنهم كالكلب في البصبصة، ومنهم كالثعلب في الروغان والسرقة، صورهم مختلفة، والحرفة واحدة، ما تصنع غدا إذا تركت فردا وحيدا لاأهل لك ولاولد، الا الله رب العالمين. =========================================================================== (142) الاية 100، من سورة الشعراء، وأيضا نقله في الحديث 34، من الباب، بسند آخر عن امالي الشيخ، عن الحسن بن صالح بن حي، عنه (ع). =========================================================================== [413] وفي الحديث 33، من الباب، نقلا عن أمالي الطوسي معنعنا، عن سفيان بين عيينه، قال: سمعت جعفر بن محمد (ع) في مسجد الخيف يقول: انما سموا إخوانا لنزاهتهم عن الخيانة، وسموا أصدقاء لانهم تصادقوا حقوق المودة. وفي الحديث 35 من الباب، نقلا عن أمالي الشيخ المفيد (ره) معنعنا، عنه (ع) قال: لاتسم الرجل صديقا سمة معروفة، حتى تختبره بثلاث: تغضبه فتنظر غضبه يخرجه من الحق الى الباطل، وعند الدينار والدرهم، وحتى تسافر معه. وقال (ع): صديق عدو علي، عدو علي. الحديث 29، من باب من ينبغي مصادقته (15) من البحار: 16، ص 53، ط الكمباني، نقلا عن الاختصاص. =========================================================================== [414] العائدة الثانية: في ما يناسب المقام من منظوم الكلام. روى الصدوق (ره)، في المجلس 95، من الامالي 397، وفي مصادقة الاخوان عن امير المؤمنين عليه السلام انه قال: تكثر من الاخوان ما اسطعت انهم * عماد إذا استنجدتهم وظهور وليس كثيرا الف خل وصاحب * وان عدوا واحدا لكثير. (143) وقال ابن عبد ربه في العقد الفريد: 1، 337، ط 2، وفي ط، ج 2، ص 201،: وقد دحية (دحيم خ ل) الكلبي على علي عليه السلام فما زال يذكر معاوية ويطريه في مجلسه، فقال علي عليه السلام: صديق عدوي داخل في عداوتي * واني لمن ود الصديق ودود فلا تقربن مني وأنت صديقه * فان الذي بين القلوب بعيد (144) =========================================================================== (143) ورواه عنه في مستدرك البحار: 17، 265، في الحديث 3، من حكم لقمان، وضبط الشطر الثاني هكذا: عماد إذا ما أستنجدوا وظهور الخ. ونقل في الحاشية عن الديوان الشطر الاول هكذا: عليك باخوان الصفاء فانهم، الخ. وكذلك رواه في الحديث 2، من الباب 7، من أبواب احكام العشرة، من الوسائل: 5، 407. والشطرين الاخيرين رواهما عنه (ع) في كنز الفوائد 36، الفصل 19. (144) وقال الخليل بن احمد (ره): يقولون لي دار الاحبة قد دنت * وانت كئيب ان ذا لعجيب فقلت وما تغني الديار وقربها * إذا لم يكن بين القلوب قريب وروى الخطيب البغدادي ان نصر بن علي بن نصر البصري الجهضمي، المتوفى سنة. 250 ه‍، روى عن علي بن جعفر العلوي، قال حدثني اخي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه، عن =========================================================================== [415] وروى الشيخ الصدوق (ره)، في عيون أخبار الرضا معنعنا، قال قال المأمون (للامام) الرضا (ع): أنشدني أحسن ما رويته في السكوت عن الجاهل، وترك عتاب الصديق. فقال (ع): اني ليهجرني الصديق تجنبا * فأريه أن لهجره أسبابا وأراه ان عاتبته أغريته * فأرى له ترك العتاب عتابا وإذا بليت بجاهل متحكم (145) * يجد المحال من الامور صوابا أوليته مني السكوت وربما * كان السكوت من الجواب جوابا فقال له المأمون: ما احسن هذا ! هذا من قاله ؟ فقال (ع): بعض فتياننا، الخ. وقال كثير عزة: ومن لا يغمض عينه عن صديقه * وعن بعض ما فيه يعش وهو عاتب ومن يتتبع جاهدا كل عثرة * يجدها فلا يسلم له الدهر صاحب وقال بشار بن بردة: إذا كنت في كل الامور معاتبا * صديقك لم تلق الذي من تعاتبه =========================================================================== جده عليهم السلام، ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد الحسن والحسين عليهما السلام فقال: من أحبني واحب هذين واباهما وامهما كان معي في درجتي يوم القيامة. قال أبو عبد الرحمان عبد الله: لما حدث بهذا الحديث نصر بن علي، أمر المتوكل بضربه ألف سوط، فكلمه جعفر بن عبد الواحد، وجعل يقول له هذا الرجل من أهل السنة، ولم يزل به حتى تركه، وكان له أرزاق فوفرها عليه موسى. قال الخطيب: انما أمر المتوكل بضربه، لانه ظنه رافضيا، فلما علم انه من أهل السنة تركه. الكني والالقاب 20، 146. (145) ونظير هذا الذيل قول الشاعر: إذا نطق السفيه فلاتجبه * فخير من اجابته السكوت سكت عن السفيه فظن اني * عييت من الجواب وما عييت =========================================================================== [416] فعش واحدا أوصل أخاك فانه * مقارف ذنب مرة ومجانبه إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى * ظمئت واي الناس تصفوا مشاربه وقال مسلم بن وابصة: أحب فتى ينفي الفواحش سمعه * كأن به من كل فاحشة وقرا سليم دواعي الصدر لا باسطا أذى * ولا مانعا خيرا ولا قائلا هجرا إذا ما أنت من صاحب لك زلة * فكن أنت محتالا لزلته عذرا غنى النفس ما يكفيك من سد خلة * فان زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا وقال آخر: وكنت إذا الصديق أراد غيظي * وأشرقني على حنقي بريقي غفرت ذنوبه وصفحت عنه * مخافة أن أعيش بلاصديق وقال سليمان بن فلاح: لي صديق ما مسني عدم * مذ وقعت عينه على عدم قام بعذري لما قعدت به * ونمت عن حاجتي ولم ينم أغنى وأقنى ولم يسم كرما * بقبل كف له ولاقدم وقال آخر: لاتوردن على الصدي‍ * - ق من الدعاية ما يغمه واحذر بواطش طيشه * يوما إذا ما طال حلمه فالعجل تنطحه على ادما * ن مس الضرع، امه وقال بعضهم: احذر مودة ماذق * شاب المرارة بالحلاوة يحصي العيوب عليك ايا * م الصداقة للعداوة وقال الشريف الرضي (ره): وقد كنت مذلاح المشيب بعارضي * أنفر عن هذا الورى واكشف =========================================================================== [417] فما إذا عرفت الناس الا ذممتهم * جزى الله خيرا كل من لست أعرف وقال ابراهيم بن هلال الصابي: أيا رب كل الناس أبناء علة * أما تغلط الدنيا لنا بصديق وجوه بها من مضمر الغل شاهد * ذوات أديم في النفاق صفيق إذا اعترضوا عند اللقاء فانهم * قذى لعيون أو شجى لحلوق وان عرضوا برد الوداد وظله * أسروا من الشحناء حر صديق ألا ليتني حيث اتنوت أفرخ القطا * بأقصى محل في البلاد سحيق أخو وجدة قد آنستني كأنني * بها نازل في معشري وفريقي فذلك خير للفتى من ثوابه * بمسغبة من صاحب ورفيق وقال غيره: اسم الصديق على كثير واقع * وقد أختبرت فما وجدت فتى يفي كعجائب البحر التي أسماؤها * مشهورة وشخوصها لم تعرف وقال احمد بن اسماعيل: مذ سمعنا باسم الصديق فطالب‍ * نا بمعناه ماستفدنا صديقا أتراه في الارض يوجد لكن * نحن لا نهتدي إليه طريقا ؟ أم ترى قولهم: صديقا مجاز * لا نرى تحت لفظه تحقيقا ؟ وقال غيره: صديقك حين تستغني كثير * ومالك عند فقرك من صديق فلا تأسف على أحد إذا ما * لهى عنك الزيارة وقت ضيق وقال بعضهم: هو خل لي ولكن * لعن الله ولكن لفظة في ضمنها السوء * تحامى في أماكن وقال آخر: ولن تنفك تحسد أو تعادي * فأكثر ما استطعت من الصديق =========================================================================== [418] وبغضك للتقي (146) أقل ضرا * وأسلم من مودة ذي الفسوق. وقال آخر: احذر عدوك مرة * واحذر صديقك الف مرة فلربما انقلب الصدي‍ * ق فكان أعرف بالمضرة =========================================================================== (146) وفى بعض النسخ: وبغضاء التقي اقل ضرا، الخ. وما اجود قول أبي حيان: عداي للهم فضل على ومنة * فلا أذهب الرحمان غني الاعاديا هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها * وهم نافسوني فالتبست المعاليا =========================================================================== [419] العائدة الثالثة: في نبذ من أقوال الحكماء والعلماء والكبراء في الصديق والصداقة، وفضلها على القرابة. قالوا: ومما يجب للصديق على الصديق النصيحة جهده، لان صديق الرجل مرآته، يريه حسناته وسيئاته. وقالوا: الصديق من صدقك وده، وبذل لك رفده. وقالت الحكماء أيضا: ومما يجب للصديق على الصديق، الاغضاء عن زلاته، والتجاوز عن سيئاته، فان رجع واعتب، والا عاتبته بلا إكثار، فان كثرة العتاب مدرجة للقطيعة (147). وقال الاحنف: من حق الصديق أن يتحمل ثلاثا: ظلم الغضب، وظلم الدالة، وظلم الهفوة. وقيل لبزرجمهر: من أحب اليك، أخوك أو صديقك ؟ فقال: ما احب أخي الا إذا كان صديقا. وقال أكثم بن صيفي: القرابة تحتاج الى مودة، والمودة لا تحتاج الى قرابة. قال حبيب الطائي: ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم * ووصفت ما وصفوا من الاسباب فإذا القرابة لاتقرب قاطعا * وإذا المودة أقرب الانساب وقالت الحكماء: القريب من قرب نفعه، وانتفى ضره. وقال المبرد: =========================================================================== 0147) ونعم ما قيل: إذا ذهب العتاب فليس ود * ويبقى الود ما بقي العتاب =========================================================================== [420] ما القرب الا لمن صحت مودته * ولم يخنك وليس القرب للنسب كم من قريب دوي الصدر مضطغن * ومن بعيد سليم غير مقترب وقيل: رب بعيد ناصح الحبيب * وابن أب متهم المغيب. ورأى بعض الحكماء مصطحبين لا يفترقان، فسأل عنهما، فقيل: صديقان. قال: فما بال احدهما غنيا والاخر فقيرا ؟ ! وكتب ظريف الى صديق له: اني غير محمود على الانقياد اليك، لاني صادقتك من جوهر نفسي، والنفس يتبع بعضها بعضا. ومن كلام امير المؤمنين (ع): الصديق من صدق في غيبته. ومن كلام أهل التجارب: الحبوس مقابر الاحياء، وشماتة الاعداء، وتجربة الاصدقاء. وقيل للثوري: دلني على جليس أجلس إليه. قال: تلك ضالة لا توجد. قال ابن أبي الحديد - في شرح قول امير المؤمنين (ع): " حسد الصديق من سقم المودة " -: إذا حسدك صديق على نعمة أعطيتهما لم تكن صداقته صحيحة، فان الصديق حقا من يجري مجرى نفسك، والانسان لا يحسد نفسه. وقيل لحكيم: ما الصديق ؟ قال: انسان هو أنت الا انه غيرك. وأخذ هذا المعنى أبو الطيب فقال: ما الخل الا من أود بقلبه * وأرى بطرف لا يرى بسوائه ومن أدعية الحكماء: أللهم اكفني بوائق الثقات، واحفظني من كيد الاصدقاء. وقال العلامة الكراجكي (ره) في كنز الفوائد 37، ط 1: وروى في الكامل: ان عبد الله بن علي بن جعفر بن أبي طالب افتقد صديقا له من =========================================================================== [421] مجلسه، ثم جاءه، فقال: أين كانت غيبتك ؟ قال: خرجت الى عرض من أعراض المدينة مع صديق لي. فقال له: ان لم تجد من صحبة الرجال بدا فعليك بصحبة من ان صحبته زانك، وان خفقت له صانك، وان احتجت إليه مانك، وان رأى منك خلة سدها، أو حسنة عدها، وان وعدك لم يحرضك، وان كثرت عليه لم يرفضك، وان سألته أعطاك، وان أمسكت عنه ابتداك. وقال أبو عمرو بن العلاء (ره): الصديق انسان هو أنت، فانظر صديقا يكون منك كنفسك، وأنشد: لكل امرء شكل من الناس مثله * فأكثرهم شكلا أقلهم عقلا لان الصحيح العقل لست بواجد * له في طريق حين تفقده شكلا وسئل رجل عن صديقين له، فقال: اما أحدهما فعلق مصيبة لاتباع، وأما الاخر فعلق مصيبة لاتبتاع. وقال آخر: اللهم احفظني من الصديق، فقيل له: ولم ؟ قال: لاني من العدو متحرز، ومن الصديق آمن. وقيل لبعضهم: كم لك من صديق ؟ فقال: لاادري، لان الدنيا علي مقبلة، فكل من يلقاني يظهر لي الصداقة، وانما أحصيهم إذا ولت عني. قيل ليحيى بن خالد - وهو في الحبس، وقد احتاج -: لو كتبت الى فلان، فانه صديقك. فقال: دعوه يكون صديقا. لبعضهم: قد أخلق الدهر ثوب المكرمات فلا * تخلق لوجهك في الحاجات ديباجة ولا يغرنك اخوان تعدهم * انت العدو لمن كلفته حاجة قال المسعودي (ره) في مروج الذهب: 4، 33، وذكر ابن أبي الازهر قال: حدثني أبو سهل الرازي، عمن حدثه، عن الواقدي (محمد بن عمرو بن واقد مولى بني هاشم) قال: كان لي صديقان، أحدهما هاشمي، =========================================================================== [422] وكنا كنفس واحدة، فنالتني ضيقة شديدة، وحضر العيد، فقالت امرأتي: أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا هؤلاء فقد قطعوا قلبي رحمة لهم، لانهم يرون صبيان الجيران قد تزينوا في عيدهم، وأصلحوا ثيابهم، وهم على هذه الحال من الثياب الرثة، فلو احتلت بشئ تصرفه في كسوتهم. قال: فكتبت الى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة علي لما حضر. فوجه الي كيسا مختوما ذكر أن فيه الف درهم، فما استقر قراري حتى كتب الي الصديق الاخر يشكو مثل ما شكوت الى صاحبي، فوجهت إليه الكيس بحاله، وخرجت الى المسجد، فأقمت فيه ليلي مستحييا من امرأتي، فلما دخلت عليها استحسنت ماكان مني ولم تعنفني عليه، فبينا انا كذلك، إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي: أصدقني عما فعلته فيما وجهت اليك، فعرفته الخبر على جهته، فقال: انك وجهت لي وما أملك على الارض الا ما بعثت به اليك، وكتبت الى صديقنا أسأله المواساة، فوجه بكيسي بخاتمي. قال: فتواسينا الالف ثلاثا، بعد أن أخرجنا الى المرأة قبل ذلك مأة درهم، ونمى الخبر الى المأمون فدعاني، فشرحت له الخبر، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، لكل واحد ألفا دينار، وللمرأة ألف دينار. =========================================================================== [423] العائدة الرابعة: في طرف من الاخبار الدالة على رعاية حق الاخوان والحث على اتخاذهم. روى الاوزاعي عن يحيى ابن أبي كثير: ان داود قال لابنه سليمان (عليهما السلام): يا بني لاتستقل عدوا واحدا، ولا تستكثر ألف صديق (148)، ولا تستبدل بأخ قديم أخا مستفادا ما استقام لك. وفي الحديث المرفوع: المرء كثير بأخيه. وروى ابن مسكويه (ره) في الحكمة الخالدة: 103، ط 2، انه قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: المرء بأخيه. وقال ابن ابي الحديد في شرح المختار 12، من قصار النهج: وفي الحديث المرفوع ان النبي صلى الله عليه وآله بكى لما قتل جعفر بمؤنة وقال: المرء كثير بأخيه. وأيضا في الحديث المرفوع: إذا أحب احدكم اخاه فليعلمه. وقال (ص): من اكرم أخاه المسلم بكلمة يلطفه بها وفرج عنه كربته، لم يزل في ظل الله الممدود، عليه الرحمة ماكان في ذلك. الحديث 42، من الباب 21، من البحار: 16، 84، نقلا عن الكافي. وفي الحديث الرابع، من الباب 12 (باب فضل الصديق من البحار): 16، 48، نقلا عن الصدوق (ره) في الامالي معنعنا، قال قال امير المؤمنين عليه السلام: من لك يوما بأخيك كله، وأي الرجال المهذب (149). =========================================================================== (148) رواه أيضا في كنز الفوائد 36، ثم نقل عن امير المؤمنين (ع) قوله: وليس كثيرا الف خل وصاحب * وان عدوا واحدا لكثير (149) قال الشاعر: ولست بمستبق أخا لا تلمه * على شعث أي الرجال المهذب =========================================================================== [424] وفي الحديث 4، من الباب 17، من البحار: 16، 74، عن كنز الفوائد قال قال امير المؤمنين (ع): من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه، وحنينه الى أوطانه، وحفظه قديم اخوانه. وقال (ع) في وصيته الطويلة الى كميل: أخوك الذي لا يخذلك عند الشدة، ولا يقعد عنك الجريرة، ولا يدعك حين تسأله، ولا يذرك وأمرك حتى تعمله، الخ. وقال (ع) في أواسط وصيته الى الامام المجتبى (ع): احمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة، وعند صدوده على اللطف والمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند جرمه على العذر حتى كأنك له عبد، وكأنه ذو نعمة عليك، واياك أن تضع ذلك في غير موضعه، أو تفعله بغير أهله - الى ان قال (ع) -: وان أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية يرجع إليها ان بدا له ذلك يوما ما، الخ. وقال (ع): لا يكلف المؤمن أخاه الطلب إليه، إذا علم حاجته، توازروا وتعاطفوا وتباذلوا ولا تكونوا بمنزلة المنافق الذي يصف مالا يفعل. (150) وقال عليه السلام: شر الاخوان من تكلف له. وقال (ع): إذا أحتشم المؤمن اخاه فقد فارقه (151). وروى ابن أبي الحديد، في شرح المختار 12، من قصار النهج، عن الامام الصادق (ع) انه قال: لكل شئ حلية، وحلية الرجل أوداؤه. وقال (ع): مامن مؤمن بذل جاهه لاخيه المؤمن الا حرم الله وجهه =========================================================================== (150) الحديث 16، من الباب 16، من البحار: 16، 62، نقلا عن الخصال. ورواه في الحديث 36، من الباب، عن كتاب قضاء الحقوق، عن رسول الله (ص). (151) المختار الاخير وما قبله من قصار نهج البلاغة. =========================================================================== [425] على النار، ولم يمسه قتر ولاذلة يوم القيامة، وأيما مؤمن بخل بجاهه على أخيه المؤمن، وهو أوجه منه جاهلا الا مسه قتر وذلة في الدنيا والاخرة، وأصابت وجهه يوم القيامة لفحات النيران، معذبا كان أو مغفورا له. وقال الامام الكاظم عليه السلام: المؤمن أخ المؤمن لاخيه وأمه، وان لم يلده ابوه، ملعون من اتهم أخاه، ملعون من غش أخاه، ملعون من لم ينصح أخاه، ملعون من اغتاب أخاه. وقال (ع): من أتى الى أخيه مكروها فبنفسه بدأ. (152) =========================================================================== (152) البحار: 17، 206، عن اعلام الدين للديلمي (ره). =========================================================================== [426] العائدة الخامسة: في الاشعار الدالة على مراعاة حق الاخوة والقيام بلوازمها، المناسبة لقوله (ع): " امحض أخاك النصيحة وساعده على كل حال، الخ " وقوله عليه السلام: " لا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه، الخ ". روى في البحار: 8، 517، س 8، وأيضا رواه الطبري في تاريخه: 4، 45، ط سنة 1357، وأيضا رواه مع التالي ابن ابي الحديد في شرح المختار 12، من قصار النهج، الا انه قال: من الشعر المنسوب إليه (ع): أخوك الذي ان أجرضتك ملمة * من الدهر لم يبرح لبثك واجما (153) وليس أخوك بالذي ان تمنعت (154) * عليك أمور ظل يلحاك لائما ونسب إليه (ع) أيضا: ان أخاك من يسعى معك (155) * ون يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك * شتت فيك شمله ليجمعك وكان الامام الصادق عليه السلام كثيرا ما يتمثل بهذين البيتين: أخوك الذي لو جئت بالسيف عامدا * لتضربه لم يستغشك بالود ولو جئته تدعوه للموت لم يكن * يردك إبقاء عليك من الود وروى في البحار: 12، 32، عن عيون اخبار الرضا معنعنا: انه شكا =========================================================================== (153) أجرضه بريقه اي اغصه به. وفى نسخة: أحرضتك - بالحاء المهملة والضاد المعجمة - من أحرض، اي طال همه وسقمه. وفى نسخة الديوان: أجهضتك، من أجهضه على الامر اي غلبه عليه ونحاه عنه، كذا عن سيدنا الامين (ره). والواجم: الساكت حزنا وغيظا. (154) وفى بعض النسخ: ان تشعبت. (155) وفى نسخة: ان أخاك الصدق من كان معك، الخ. =========================================================================== [427] رجل الى الامام الرضا عليه السلام أخاه فأنشأ (ع): إعذر أخاك على ذنوبه * واستر وغط على عيوبه واصبر على بهت السفيه * وللزمان على خطوبه ودع الجواب تفضلا * وكل الظلوم الى حسيبه ورواها في العقد الفريد: 1، ص 356، ط 2، عن امير المؤمنين (ع). وفي ط، ج 2، ص 231، س 15، تحت الرقم 71 (كتاب العلم). وقال الشاعر: إذا أنا لم أصبر على الذنب من أخ * وكنت أجازيه فأين التفاضل ولكن أداويه فان صح سرني * وان هو أعيا كان فيه تحامل وقال آخر: أخو ثقة يسر ببعض شأني * وان لم تدنه مني قرابة أحب الي من ألفي قريب * تبيت صدورهم لي مسترابة وقالوا: خير الاخوان من أقبل عليك إذا أدبر الزمان. قال الشاعر: فان أولى الموالي ان تواليه * عند السرور لمن واساك في الحزن ان الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا * من كان يألفهم في المنزل الخشن وأنشد ابن الاعرابي: لعمرك ما مال الفتى بذخيرة * ولكن اخوان الصفاء الذخائر وقال آخر: أخاك اخاك ان من لاأخاله * كساع الى الهيجا بغير سلاح وان ابن عم المرء فاعلم جناحه * وهل ينهض البازي بغير جناح وقال آخر: إذا كان دواما أخوك مصارما * موجهة في كل أوب ركائبه =========================================================================== [428] فخل له ظهر الطريق ولا تكن * مطية رحال كثير مذاهبه وقال آخر: هي توبتي من أن أظن جميلا * باخ ودود أو أعد خليلا كشفت لي الايام كل جنية (خبيئة ظ) * فوجدت اخوان الصفاء قليلا الناس سلمك ما رأوك مسلما * ورأوا نوالك ظاهرا مبذولا فإذا أمتحنت بمحنة ألفيتهم * سيفا عليك مع الردى مسلولا =========================================================================== [429] العائدة السادسة: فيما قاله الحكماء والامراء في حقوق الاخوان، وفيمن ينبغي أخوته. قالوا: الاخوان ثلاثة، فأخ يخلص لك وده، ويبذل لك رفده، ويستفرغ في مهمك جهده، وأخ ذونية يقتصر بك على حسن نيته دون رفده ومعونته، وأخ يتملق لك بلسانه، ويتشاغل عنك بشأنه، ويوسعك عن كذبه وايمانه. وقيل: إخوان الصفا خير من مكاسب الدنيا، هم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، ومعونة على الاعداء. قال الشاعر: لعمرك ما مال الفتى بذخيرة * ولكن إخوان الصفاء الدخائر وكان يقال: الاخوان ثلاث طبقات، طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء يحتاج إليه عند المرض، وطبقة كالداء، لا يحتاج إليه أبدا. وقال الاحنف: خير الاخوان من ان استغنيت عنه لم يزدك في المودة، وان احتجت إليه لم ينقصك منها وان كوثرت عضدك، وان استرفدت رفدك، وأنشد: أخوك الذي ان تدعه لملمة * يجبك وان تغضب الى السيف يغضب وقال بعضهم: إذا بلغني موت أخ كان لي، فكأنما سقط عضو مني. وكان يقال: صاحبك كرقعة في قميصك، فانظر بم ترقع قميصك. وقال بعضهم: اثنان ما في الارض أقل منهما، ولا يزدادان الا قلة، درهم يوضع في حق، وأخ يسكن إليه في الله. وأوصى بعضهم ابنه فقال: يا بني إذا نازعتك نفسك الى مصاحبة =========================================================================== [430] الرجال، فأصحب من إذا صحبته زانك، وان خدمته اصنك، وان عرضت لك مئونة أعانك وان قلت صدق قولك، وان صلت شد صولك، وان مددت يدك لامر مدها، وان بدت لك عورة سدها، وان رأى منك حسنة عدها، وان سألته أعطاك، وان سكت إبتداك، وان نزلت بك ملمة واساك، من لا تأتيك منه البوائق، ولا تحتار عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق. وقال بعض الحكماء: ينبغي للانسان أن يوكل بنفسه كالئين، أحدهما يكلؤه من أمامه، والاخر يكلؤه من ورائه، وهما عقله الصحيح، وأخوه النصيح، فان عقله وان صح فلن يبصره من عيبه الا بمقدار ما يرى الرجل من وجهه في المرآة، ويخفى عليه ما خلفه، وأما أخوه النصيح فيبصره ما خلفه، وما أمامه أيضا. وأيضا حكي عن الاحنف: خير الاخوان من إذا استغنيت عنه لم يزدك ودا، وان احتجت إليه لم ينقصك. وقيل لحكيم: من أبعد الناس سفرا ؟ قال: من سافر في ابتغاء الاخ الصالح. =========================================================================== [431] العائدة السابعة: في الروايات الدالة على أنه ينبغي للمؤمن أن يظهر الغنى ويكون مأيوسا عما في أيدي الناس، المناسبة لقوله (ع) " وان أحببت أن تجمع خير الدنيا والاخرة فاقطع طمعك مما في أيدي الناس، الخ ". فأقول: روى الشيخ الطوسي (ره) في الحديث 17، من الجزء 18، من الامالي معنعنا: أن ابا أيوب الانصاري أتى النبي (ص) فقال: يارسول الله أوصني وأقلل لعلي احفظ. فقال (ص): أوصيك باليأس عما في أيدي الناس فانه الغنى، واياك والطمع فانه الفقر الحاضر، وصل صلاة مودع، واياك وما يعتذر منه، وأحب لاخيك ما تحب لنفسك. وفي آخر وصاياه (ص) لعلي (ع): ثم قال لابي ذر رحمه الله: يا أبا ذر إياك والسؤال فانه ذل حاضر، وفقر تتعجله، وفيه حساب طويل يوم القيامة، الخ. الحديث الاول، من باب النوادر، من الفقيه: 4، 271، ط النجف. وروى الصدوق (ره) عنه (ص) انه قال: أفقر الناس ذو الطمع. وروى أيضا في الحديث 70، من باب النوادر، من الفقيه: 4، 294، عن الحسن بن راشد، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: علمني يارسول الله شيئا. فقال صلى الله عليه وآله: عليك باليأس مما في أيدي الناس، فانه الغنى الحاضر. قال: زدني يارسول الله. قال: إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته، فان بك خيرا أو رشدا اتبعته، وان يك شرا اوغيا تركته. وقال ابن أبي الحديد في شرح المختار 2، من قصار نهج البلاغة: =========================================================================== [432] وفي الحديث المرفوع: ان الصفا الزلزال لا تثبت عليه أقدام العلماء الطمع. وفي الحديث انه قال للانصار: أنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع. وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الغنى، فقال: اليأس عما في أيدي الناس، ومن مشى منكم الى طمع الدنيا فليمش رويدا. وفي الحديث المرفوع: الطمع الفقر الحاضر. وقال (ص): شرف الرجل قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس. الحديث 2، من الباب 49، من البحار: 16، 146 معنعنا. وفي الحديث 5، من الباب، نقلا عن أمالي الصدوق معنعنا عنه (ص): خير الغنى غنى النفس، الخ. وفي الحديث 10، من الباب معنعنا، عن الخصال وثواب الاعمال - وقريب منه أيضا في شرح المختار 340، من قصار النهج، لاابن ابي الحديد - انه قال رجل للنبي (ص) علمني شيئا إذا أنا فعلته أحبني الله من السماء، واحبني الناس من الارض. قال (ص): ارغب فيما عند الله يحبك الله، وازهد فيما عند الناس، يحبك الناس. ورواه في الوسائل وهامشه ج 4، ص 315، عن مجالس الشيخ (ره) ص 126، و 87، والتهذيب: 2، 113، والخصال: 1، 32، وثواب الاعمال. وفي الحديث 3، من الباب 31، من ابواب الصدقة من وسائل الشيعة: 4، 305، نقلا عن الفقيه 23، وفروع الكافي: 1، 167 معنعنا قال قال امير المؤمنين عليه السلام: إتبعوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله فانه قال: من فتح على نفسه باب مسألة، فتح الله عليه باب فقر. وقال امير المؤمنين عليه السلام: أزري بنفسه من استشعر الطمع، ورضي بالذل من كشف عن ضره، وهانت عليه نفسه من أمر عليها لسانه. =========================================================================== [433] وقال عليه السلام: الطمع رق مؤبد. وقال عليه السلام: الطامع في وثاق الذل. وقال عليه السلام: أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع. وقال عليه السلام: الطمع مورد غير مصدر، وضامن غير وفي، وربما شرق شارب الماء قبل ريه، وكلما عظم قدر الشئ المتنافس فيه عظمت الرزية لفقده، والاماني تعمي أعين البصائر، والحظ يأتي من لا يأتيه. وقال عليه السلام: الغني الاكبر اليأس عما في ايدي الناس (156). وقال عليه السلام في وصيته الى الامام المجتبى (ع): وأكرم نفسك عن كل دنية وان ساقتك الى الرغائب، فانك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا - الى ان قال (ع) -: واياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة، وان استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فانك مدرك قسمك، وآخذ سهمك، وان اليسير من الله سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خلقه، وان كان كل منه - الى أن قال (ع) -: ومرارة اليأس خير من الطلب الى الناس - الى ان قال (ع) -: قد يكون اليأس ادراكا إذا كان الطمع هلاكا، الخ. وقال الامام السجاد عليه السلام للزهري: واعلم ان أكرم الناس من كان خيره عليهم فائضا، وكان عنهم مستغنيا متعففا، وان كان إليهم محتاجا، وانما أهل الدنيا يعشقون أموال الدنيا، فمن لم يزاحمهم فيما يعشقونه كرم عليهم، ومن لم يزاحمهم فيها ومكنهم منها أو من بعضها كان اعز واكرم. وفي الحديث 46، من باب الحث على العمل، من ج 2، من 15، من البحار 166، س 9 معنعنا، عن المجالس، عن الامام السجاد (ع) انه =========================================================================== (156) كما في المختار 2، و 182 و 215 و 222 و 275 و 340، من قصار نهج البلاغة. =========================================================================== [434] كان يقول: أظهر اليأس من الناس، فان ذلك من الغنى، وأقل طلب الحوائج إليهم فان ذلك فقر حاضر، واياك وما يعتذر منه، وصل صلاة مودع، وان استطعت ان يكون اليوم خيرا منك أمس، وغدا خيرا منك اليوم فأفعل. وروى ثقة الاسلام الكليني (ره) في الحديث 3، من الباب 67، من الكافي: 2، 148، معنعنا عن الزهري، قال قال علي بن الحسين عليهما السلام: رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس، ومن لم يرج الناس في شئ ورد أمره الى الله عزوجل في جميع اموره إستجاب الله عزوجل له في كل شئ. وعن الامام الباقر عليه السلام انه قال: اياك أن تطمع بصرك الى من هو فوقك، فكفى بما قال الله عزوجل لنبيه: " ولا تعجبك أموالهم ولا اولادهم " وقال: " ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا " فان دخلك من ذلك شئ فاذكر عيش رسول الله (ص)، فانما كان قوته الشعير، وحلواه التمر، ووقوده السعف. وفي الحديث الاخير من الباب 36، من ابواب الصدقات من الوسائل: 4، 315، نقلا عن التهذيب معنعنا عنه (ع) قال: سخاء المرء عما في ايدي الناس اكثر من سخاء النفس والبذل، ومروءة الصبر في حال الفاقة والحاجة والتعفف والغنى اكثر من مروءة الاعطاء، وخير المال الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس. وروى ثقة الاسلام في الحديث 6، من الباب 67، من كتاب الايمان والكفر، من الكافي: 2، 149، معنعنا عن الغنوي - وفي البحار: 16، 148، في الحديث 29، من الباب 49، نقلا عن الكافي عن الغنوي - عنه (ع): قال: اليأس مما في أيدي الناس عز المؤمن في دينه، أو ما سمعت قول حاتم (157). =========================================================================== (157) قال المجلسي الوجيه (ره): ذكر شعر حاتم ليس للاستشهاد، =========================================================================== [435] إذا ما عزمت (عرفت خ ل) اليأس ألفيته غنى إذا عرفته النفس والطمع الفقر وفي الحديث 6، من الباب 16، من كتاب الزكاة من الكافي 21، معنعنا عن الحسين ابن أبي العلاء قال: قال أبو عبد الله (الامام الصادق) عليه السلام: رحم الله عبدا عف وتعفف، وكف عن المسألة، فانه يتعجل الدنية في الدنيا، ولا يغني (ولا يعني خ) الناس عنه شيئا. قال: ثم تمثل عليه السلام ببيت حانم: إذا ما عرفت اليأس ألفيته غنى * إذا عرفته النفس والطمع الفقر وقريب منه بلا تمثل بقول حاتم، رواه عنه (ع) في الوسائل: 4، 308، نقلا عن ثواب الاعمال ص 100. وفي الحديث 23، من الباب 49، من البحار: 16، 247، عن الكافي معنعنا، عن الامام الصادق عليه السلام قال: شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس. (158) الحديث 1، من الباب 67، من الكافي: 2، 148. وفي الحديث 26، من الباب عنه أيضا معنعنا، عن عبد الاعلى بن اعين قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: طلب الحوائج الى الناس استلاب =========================================================================== بل للاشارة والدلالة على ان هذا مما يحكم به عقل جميع الناس حتى الكفار. وقوله: " إذا ما عزمت اليأس " كلمة ما زائدة، أي إذا عزمت على اليأس عن الناس الفيته (أي وجدته) غنى، وقوله: " إذا عرفته " بصيغة الخطاب من باب التفعيل، ونصب النفس، أو بصيغة الغيبة ورفع النفس، والطمع مرفوع بالابتدائية، والفقر بالخبرية. أقول: الوجه الثاني اظهر. (158) وقريب منه في الحديث 6، من الباب، نقلا عن أمالي الصدوق (ره) معنعنا، وزاد عليه قوله (ع): وولاية الامام من آل محمد. ورواه في الوسائل وهامشه: 4، 314، عن المجلس 81، من مجالس الصدوق (ره) ص 325، وعن روضة الكافي ص 234. =========================================================================== [436] للعز، ومذهبة للحياء، واليأس مما في أيدي الناس عز للمؤمن في دينه، والطمع هو الفقر الحاضر. الحديث 4، من الباب 67، من الكافي. وعن الخصال معنعنا عنه (ع): قال: إذا أردت أن تقر عينك، وتنال خير الدنيا والاخرة، فأقطع الطمع مما في ايدي الناس، وعد نفسك في الموتى، ولا تحدثن نفسك أنك فوق احد من الناس، واخزن لسانك كما تخزن مالك. وفي الحديث 1، من الباب 33، من ابواب الصدقات، من كتاب الزكاة، من مستدرك الوسائل: 1، ص 542، عن مجموعة الشهيد (ره)، عن كتاب معاوية بن حكيم، عن صفوان بن يحيى، عن الحرث بن المغيرة البصري، قال قال لي أبو عبد الله عليه السلام: اليأس مما في أيدي الناس عز للمسلم في دينه، أو ما سمعت قول حاتم: إذا ما عرفت اليأس ألفيته الغنى * إذا عرفته النفس والطمع الفقر وفي الحديث 2، من الباب 32، من ابواب الصدقة، من وسائل الشيعة، نقلا عن فروع الكافي: 1، 167 معنعنا، وعن الفقيه: 1، 23 مرسلا، عنه (ع) قال: اياكم وسؤال الناس، فانه ذل في الدنيا، وفقر تستعجلونه، وحساب طويل يوم القيامة. وقال الامام الكاظم عليه السلام في وصاياه لنصير أهل البيت هشام بن الحكم رفع الله مقامه: اياك والطمع، وعليك باليأس مما في أيدي الناس، وأمت الطمع من المخلوقين، فان الطمع مفتاح الذل، واختلاس العقل، واختلاف المروءات، وتدنيس العرض، والذهاب بالعلم، الخ. وفي الحديث 6، وما يليه من الباب 33، من ابواب الصدقة، من كتاب الزكاة، من مستدرك الوسائل: 1، 543، ط 2، عن فقه الرضا (ع) قال: أروي عن العالم عليه السلام انه قال: اليأس مما في أيدي الناس عز =========================================================================== [437] المؤمن في دينه، وعظمته في أعين الناس، وجلالته في عشيرته، ومهابته عند عياله، وهو أغنى الناس عند نفسه وعند جميع الناس. وأروي شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس. وأروي: اليأس غنى، والطمع فقر حاضر. وروي: من أبدى ضره الى الناس، فضح نفسه عندهم. (159) وأروي عن العالم عليه السلام انه قال: وقوا دينكم بالاستغناء بالله عن طلب الحوائج. وروي: سخاء النفس عما في أيدي الناس، اكثر من سخاء البذل. ورواها بأجمعها عنه في الحديث 12، وما يليه، من الباب 49 من البحار: 16، 147، ط الكمباني. وفي الحديث 20، من الباب 49، من البحار: 16، 147، نقلا عن الدرة الباهرة للشهيد (ره) قال: قال الامام الجواد عليه السلام: عز المؤمن عناؤه عن الناس. (160) وقال الامام الهادي عليه السلام: الطمع سجية سيئة، الخ. وقال (ع): الغناء قلة تمنيك، والرضاء بما يكفيك، والفقر شره النفس وشدة القنوط (161). وقال الامام العسكري عليه السلام: ما اقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله. =========================================================================== (159) وقريب منه جدا رواه في كنز الفوائد، عن رسول الله (ص)، كما في الحديث 4، من الباب 31، من الكتاب، من المستدرك: 1، 543. (160) وأيضا رواه عنه في المستدرك: 1، 543، س 1. (161) هذا أيضا رواه في الحديث 20، من الباب 49، من البحار: 16، ص 147، عن الدرة الباهرة. =========================================================================== [438] العائدة الثامنة: في ما ورد عن العظماء والحكماء في ذم الطمع والردع عنه. قال ابن ابي الحديد: وقد ضرب الحكماء مثالا لفرظ الطمع فقالوا: ان رجلا صاد قبرة فقالت: ما تريد ان تصنع بي ؟ قال: أذبحك وآكلك، قالت: والله ما أشفي من قرم، ولا أشبع من جوع، ولكني أعلمك ثلاث خصال هن خير لك من أكلي، اما واحدة فاعلمك اياها وأنا في يدك، وأما الثانية فإذا صرت على الشجرة، واما الثالثة فإذا صرت على الجبل. فقال الصياد: هاتي الاولى. قالت: لاتلهفن على ما فات. فخلاها، فلما صارت على الشجرة قال: هاتي الثانية. قالت: لاتصدقن بما لا يكون انه يكون. ثم طارت فصارت على الجبل، فقالت: يا شقي لو ذبحتني لاخرجت من حوصلتي درتين وزن كل واحدة ثلاثون مثقالا، فعض على يديه وتلهف تلهفا شديدا وقال: هاتي الثالثة. فقالت: أنت قد أنسيت الاثنتين فما تصنع بالثالثة ؟ ! ألم أقل لك: لاتلهفن على ما فات وقد تلهفت ! ! وألم أقل لك لاتصدقن بما لا يكون أنه يكون، وأنا ولحمي ودمي وريشي لا يكون عشرين مثقالا، فكيف صدقت أن في حوصلتي درتين كل واحدة منهما ثلاثون مثقالا ؟ ! ! ثم طارت وذهبت. ومن كلام بعضهم: ما أكلت طعام واحد الا هنت عليه. وكان يقال: نعوذ بالله من طمع يدني الى طبع (162). وقال الشاعر: أرحت روحي من عذاب الملاح * لليأس روح مثل روح النجاح وقال بعض الادباء: هذا المعنى الذي قد أطنب فيه الناس ليس كما =========================================================================== (162) الطبع كالدنس لفظا ومعنى. =========================================================================== [439] يزعمونه، لعمري ان لليأس راحة، ولكن لاكراحة النجاح، وما هو الا كقول من قال: لاأدري نصف العلم، فقيل له: ولكنه النصف الذي لا ينفع. وقال ابن الفضل: لاأمدح اليأس ولكنه * أروح للقلب من المطمع أفلح من أبصر روض المنى * يرعى فلم يرع ولم يرتع وكان يقال: أكثر مصارع الالباب تحت ظلال الطمع. وقال بعضهم: العبيد ثلاثة: عبد رق، وعبد شهوة، وعبد طمع. وقال أبو حفص: ما الخمر صرفا بأذهب لعقول الرجال من الطمع (163). وفي الحديث الاول، من الباب 49، من البحار: 16، 146، نقلا عن الامالي والخصال والمعاني، عن الامام الصادق (ع)، ناقلا عن حكيم انه قال: غني النفس أغنى من البحر (164). =========================================================================== (163) قيل: صدق أبو حفص، والدليل عليه عمله، فانه لاجل طمعه في الخلافة، وعدم حضور صاحبه في اول يوم السقيفة، طار عقله، مخافة ان يتردى بها شخص آخر قبل مجيئه، فجرد سيفه وقال: لا يتكلم أحد بأن محمدا قد مات الا ضربت عنقه، ألا ان محمدا قد ذهب الى ربه، وسيعود، وليقطعن أيدي رجال، الخ. والحق ان عقل أبي حفص كان بحاله وما كان ذاهب العقل، وانما قال ما قال انتظارا لصاحبه، وقطعا للامال. (164) قد تقدم عن العلامة المجلسي (ره) وجه تمثل الائمة (ع) ببعض الاشعار الحكمية، وهنا يمكن أن يكون مراده (ع) الحث على اتباع من اتصف بالحكمة علما وعملا، ويحتمل أيضا أن يكون مراده بعض الائمة، وانما عبر عنه بالحكيم، لئلا يستفز بعض السامعين. (*) =========================================================================== [440] الفائدة التاسعة: في المأثور من أقوال الشعراء في الطمع والطامع، وذم السؤال، والتماس الحطام عن المخلوقين. ونسب الى امير المؤمنين (ع) كما في المختار 17، من حرف الباء، من الديوان: وما المرء الا حيث يجعل نفسه * فكن طالبا في الناس اعلى المراتب وكن طالبا للرزق من باب حله * يضاعف عليك الرزق من كل جانب وصن منك ماء الوجه لا تبذلنه * ولا تسأل الا رذال فضل الرغائب وكن موجبا حق الصديق إذا أتى * اليك ببر صادق منك واجب: الخ وفي الختار 20 منه أيضا: لاتطلبن معيشة بمذلة * واربأ بنفسك عن دني المطلب وإذا افتقرت فداو فقرك بالغنى * عن كل ذي دنس كجلد الاجرب فليرجعن اليك رزقك كله * لو كان أبعد من محل الكوكب وروى ابن شهر اشوب (ره)، عن الامام الرضا (ع): لبست بالعفة ثوب الغنى * وصرت أمشي شامخ الرأس لست الى النسناس مستأنسا * لكنني آنس بالناس إذا رأيت التيه من ذي الغنى * تهت على التآئه باليأس وما تفاخرت على معدم * ولا تضعضعت لافلاس. وقال أبو الاسود (ره): البس عدوك في رفق وفي دعة * طوبى لذي اربة للدهر لباس ولا تغرنك أحقاد مزملة * قد يركب الدير الدامي بأحلاس =========================================================================== [441] واستغن عن كل ذي قربى وذي رحم * ان الغني الذي استغنى عن الناس وقال آخر: رأيت مخيلة فطمعت فيها * وفي الطمع المذلة للرقاب. وقال مجنون العامري: طمعت بليلى أن تريع وانما (165) * تقطع اعناق الرجال المطامع ودانيت ليلى في خلاء ولم يكن * شهود على ليلى عدول مقانع وقال آخر إذا حدثتك النفس أنك قادر * على ما حوت أيدي الرجال فكذب واياك والاطماع ان وعودها رقارق آل أو بوارق خلب (166) وقال آخر قد أرحنا واسترحنا * من غدو ورواح واتصال بأمير * ووزير ذي سماح بعفاف وكفاف * وقنوع وصلاح وجعلنا اليأس مفتا * حا لابواب النجاح قال أبو العتاهية: تسل فان الفقر يرجى له الغنى * وان الغنى يخشى عليه من الفقر ألم تر ان البحر ينضب ماؤه * وتأتي عل حيتانه نوب الدهر وقال آخر ولست بنظار الى جانب الغنى * إذا كانت العلياء في جانب الفقر =========================================================================== (165) تريع اي تعود وترجع الى ولا تبتليني بالمهاجرة والفراق. (166) الرقارق: السراب. والال: ما يشاهد في الضحى، كالماء بين الارض والسماء، والظاهر ان المراد هنا هو نفس الضحى بقرينة الاضافة، والبوارق: جمع البرق، والخلب: السحاب الذي لامطر فيه، ويقال لمن يعد ولا ينجز: انما انت كبرق خلب. =========================================================================== [442] واني لصبار علي ما ينوبني * وحسبك أن الله أثنى على الصبر ترى الدهر مغتالي ولم أر ثروة * من المال تنبي الناس عني وعن أمري واني على فقري لاحمل همة * لها مسلك بين المجرة والنسر وقال آخر: قنعت بالقوت من زماني * وصنت نفسي عن الهوان مخافة ان يقول قوم * فضل فلان على فلان فلن تراني امد كفي * الى لئيم ولاهجان ولا أجوب الفلا لرزق * حسبي من الرزق ما كفاني من كنت عن ماله غنيا * رأيته كالذي يراني أبره ان أراد بري * واقطع البر ان جفاني كم كربة قد عييت فيها * فانكشفت بي على المكان وكم أمور حذرت منها * فكنت من ذاك في أمان فلو رأيت المنون حلت * بأكثر الخلق ماعناني يا جاهلا بالزمان غرا * أنظر الى الدور والمغاني فانها وهي صامتات * أبلغ من كل ذي لسان ألم تكن معدن الغواني * البيض والخرد الحسان وكل نهد أقب طرف * وصارم مرهف يماني ولواو باد الجميع منهم * وأخر متهم يد الزمان (167) وقال آخر: للناس مال ولي مالان مالهما * إذا تحارس اهل المال حراس مالي الرضا بالذي اصبحت املكه * ومالي اليأس مما يملك الناس =========================================================================== (167) الى هنا ذكرها جمال المفسرين: أبو الفتوح الرازي (ره). =========================================================================== [443] وقال أبو عبد الله الازدي: أبا هانئ لا تسأل الناس والتمس * بكفيك فضل الله فالله أوسع فلو تسأل الناس التراب لاوشكوا * إذا قيل هاتوا أن يملوا فيمنعوا (168) وقال آخر: تعف وعش حرا ولاتك طامعا * فما قطع الاعناق الا المطامع. وقال آخر: لاتطلبن الى صديق حاجة * من عف خف على جميع العالم أنت المسود ما رزقت كفاية * فإذا طلبت ذللت ذل الخادم =========================================================================== (168) هكذا ذكره المفسر، والمعروف: فلو سئل الناس التراب لاوشكوا، الخ. =========================================================================== [444] وههنا زوائد نبحث فيها عن تراجم رواة الوصية. وليعلم أنا لا نتعرض لترجمة الصدوقين والشيخين والسيدين وثقة الاسلام الكليني (169) وأمثالهم، من سدنة الشريعة وحماة الدين، قدس الله أسرارهم، لان تراجمهم مشهورة وصفحة حياتهم بيضاء لامعة، وغالب الكتب الدينية مشتملة على شرح أحوالهم، وتشيعهم وتفانيهم في ترويج الدين وتشييد الشرع لا يقل عن تشيع سلمان وأبي ذر ومقداد وتفانيهم. وضرب أقلامهم وآثارها في سبيل الله لا ينحط عن ضرب سيوف قيس بن سعد وعمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وحجر بن عدي وابن التيهان وذي الشهادتين والاشتر وأمثالهم، رحمهم الله جميعا. وانما نترجم من رواة كتابنا من لم تكن له تلك الشهرة والصيت، اوسها قلم بعضهم عن بعض خصوصياته، أو لم يذكر في موضع معين ترجمة حياته. وكان علينا ان تنبه الى هذا الامر في ابتداء الكتاب، لكنا غفلنا عنه. وإذا تقرر هذا، فالتكلم عن السند الاول الذي قد تقدم في مفتتح الوصية مستغنى عنه، إذ علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (الصدوق الاول، المعاصر للامام العسكري (ع) الوكيل عنه (ع) المفتخر بالتوقيع =========================================================================== (169) الصدوقان: هما علي بن الحسين بن بابويه، وابنه محمد بن علي قدس الله سرهما. والشيخان: هما معلم الامة: الشيخ المفيد، وشيخ الطائفة: محمد بن الحسن الطوسي، رفع الله مقامها. والسيدان: هما ععلي بن الحسين، ومحمد بن الحسين: المرتضى والرضي، شرف الله محلهما. =========================================================================== [445] الصادر منه (ع) في شأنه) معروف، وبالعدالة والعظمة ومشهور، (170) وكذا ابنه: محمد بن علي: الصدوق الثاني، المولود بدعاء امام العصر عجل الله تعالى فرجه، الموفق للسير في الافاق، وأخذ علوم الدين من أفواه الرجال الكملين، وتأليف كتب كثيرة في التفسير والفقه والرجال والمعارف الاسلامية وتأريخ المعصومين (ع) (171). وترجمة حماد بن عيسى أيضا تقدم في الفائدة الثالثة من تعليقات المختار 10، من هذا الباب، ص 179. وكذلك قد أسلفنا ترجمة علي بن ابراهيم وابيه رحمهما الله جميعا، في التعليق الاول من تعليقات المختار الاول من هذا الباب ص 22 و 23. فالذي ينبغي التعرض له هو ترجمة من وقع في طريق شيخ الطائفة والنجاشي وثقة الاسلام الكليني والسيد ابن طاووس قدس الله أرواحهم جميعا، فنقول: =========================================================================== (170) المحكي عن ابن النديم انه قرأ بخط الصدوق الثاني (ره) على ظهر جزء: قد أجزت لفلان بن فلان كتب أبي: علي بن الحسين، وهي مأتا كتاب. وتوفى (ره) 329 ه‍. (171) رأيت في بعض تأليفاته قدس سره ان عدد كتبه التي ألفها 280 كتابا، ولعله ذكره في علل الشرائع. =========================================================================== [446] الاولى من الزوائد: في ترجمة اول من وقع في طريق الشيخ (ره) وهو أستاذه واستاذ أهل التحقيق، ومن فاز بالعلوم بمختوم الرحيق، شيخ الفقهاء والمحدثين، ورئيس أهل الدراية والمدققين: الحسين بن عبيد الله (172) بن ابراهيم الغضائري، المتوفى في نصف صفر سنة 411 ه‍. وقال شيخ الطائفة (ره) في الرقم 52، من كتاب الرجال، ص 470، في باب من لم يرو عن الائمة عليهم السلام: الحسين بن عبيد الله الغضائري، يكنى أبا عبد الله، كثير السماع، عارف بالرجال، وله تصانيف ذكرناها في الفهرست، سمعنا منه، وأجاز لنا بجميع رواياته، مات سنة أحدى عشرة وأربعمأة. وقال المحقق النجاشي (ره) في الرجال 54: الحسين بن عبيد الله بن ابراهيم =========================================================================== (172) ولاجل علوه، وكونه مسموع الكلام، ومقبول القول، ومتبوع الرأي عند الطائفة المحقة - وضع بعض المعاندين كتابا باسمه، أو باسم ولده، في جرح الثقات، وتضعيف الرواة. وغير خفي على البصير عدم صحة النسبة، أما بالنسبة الى الاب فلعدم ذكر أحد من تلاميذه كالشيخ والنجاشي وأضرابهما في تأليفاته كتاب الرجال، ولا ما ينطبق عليه. واما عدم صحة انتساب الكتاب الى ابنه، فلتصريح شيخ الطائفة (ره) في اول الفهرست بأن كتابيه في المصنفات والاصول، لم ينسخهما أحد من أصحابنا، واخترم هو رحمه الله، وعمد بعض ورثته، الى اهلاك هذين الكتابين، وغيرهما من الكتب، على ما حكى بعضهم عنه. ويشهد لصحة قول الشيخ (ره) انه لم يعثر قبل السيد ابن طاوس احد على هذا الكتاب، وهو (ره) جمعه وحفظه رجاء ان يظفر بشواهد صدق عليه، لامن جهة الثقة والاطمئنان، وكل من جاء بعد السيد (ره) فمستنده السيد لاغير، ومن اراد الزيادة فعليه بالذريعة: 4، ص 290، في الكلام حول تفسير الامام العسكري (ع). =========================================================================== [447] الغضائري: أبو عبد الله، شيخنا رحمه الله، له كتب منها كتاب كشف التمويه والغمة، كتاب التسليم علي أمير المؤمنين بامرة المؤمنين، كتاب تذكير العاقل وتنبيه الغافل في فضل العلم، كتاب عدد الائمة وما شذ على المصنفين من ذلك، كتاب البيان في حياة الرحمان، كتاب النوادر في الفقه، كتاب مناسك الحج، كتاب مختصر مناسك الحج، كتاب يوم الغدير، كتاب الرد على الغلاة والمفوضة، كتاب سجدة الشكر، كتاب مواطن أمير المؤمنين عليه السلام، كتاب في فضل بغداد، كتاب في قول امير المؤمنين عليه السلام: الا اخبركم بخير هذه الامة. أجازنا جميعها، وجميع رواياته عن شيوخه، ومات رحمه الله في نصف صفر، سنة احدى عشرة وأربع مأة. وعن السمعاني في الانساب، ان الغضائري نسبة الى الغضار، وهو الاناء الذي يؤكل فيه، نسب جماعة الى عملها أو واحد من آبائهم، الخ. =========================================================================== [448] الثانية من الزوائد: في ترجمة الطبقة الثانية من طريق الشيخ (ره)، وهو أحمد بن عبد الله الدوري، المولود في سنة 299، والمتوفى سنة 379 ه‍. قال الشيخ (ره) في باب احمد من فهرسته 57، ط النجف، في الرقم 97: احمد بن عبد الله بن احمد بن جلين الدوري، (173) أبو بكر الوراق، كان من أصحابنا، ثقة في حديثه، مسكونا الى روايته، وله كتاب في طرق من روى رد الشمس، أخبرنا الحسين بن عبيد الله، قال: قرأه (قرأته ظ) على احمد بن عبد الله الدوري أبو بكر. وقال في باب من لم يرو عن الائمة عليهم السلام (في العدد 105) من كتاب الرجال: احمد بن عبد الله بن احمد بن جلين الدوري، أبو بكر الوراق، ثقة، روى عنه ابن الغضائري. وقال المحقق النجاشي (ره)، في رجاله 66: أحمد بن عبد الله بن أحمد بن جلين الدوري، أبو بكر الوراق، كان من أصحابنا ثقة في حديثه، مسكونا الى روايته، لا نعرف له الا كتابا واحدا في طرق من روى رد الشمس، =========================================================================== (173) قال السمعاني: (على ما حكى عنه في الاعيان: 9، 10) الجليني - بضم الجيم وكسر النون - هذه النسبة الى جلين، وهو اسم لجد أبي بكر احمد ابن عبد الله بن أحمد بن جلين الدوري، الجليني الوراق، من أهل بغداد، كان رافضيا مشهورا بذلك. وأيضا حكى عن العلامة وصاحب توضيح الاشتباه (ره) انهما أيضا ضبطا الجلين بضم الجيم وشد اللام المكسورة واسكان الياء بعدها النون. وقال أيضا في الاعيان: هو منسوب الى الدور - بالضم - وهما قريتان، بين سر من رأى وتكريت، عليا وسفلى، وناحية من دجيل، ومحلة ببغداد ونيسابور، وبلدة بالاهواز، وموضع بالبادية. =========================================================================== [449] وما يتحقق بأمرنا، (174) مع اختلاطه بالعامة، وروايته عنهم، وروايتهم عنه. دفع الي شيخ الادب أبو احمد عبد السلام بن الحسين البصري رحمه الله كتابا بخطه، قد اجاز له فيه جميع رواياته. وروى في أعيان الشيعة: 9، 10، عن ميزان الاعتدال: احمد بن عبد الله بن جلين، عن أبي القاسم البغوي رافضي بغيض، كان ببغداد، يروي عنه أبو القاسم التنوخي بلايا. وفي لسان الميزان: هو أبو بكر الدوري الوراق. وفي تاريخ بغداد: 4، 234، ط 1: احمد بن عبد الله بن خلف (175) أبو بكر الدوري الوراق، كان رافضيا مشهورا بذلك، حدثني التنوخي عنه انه قال: اول كتابتي الحديث سنة 313. وعن الرياض: يروي عنه عبد السلام بن الحسين الاديب البصري شيخ النجاشي، ويظهر من اسانيد الشيخ الطوسي الى الصحيفة الكاملة، في ترجمة المتوكل بن عمر المتوكل، ان احمد بن عبدون يروي أيضا عن أبي بكر الدوري، ويروي الشيخ الطوسي عنه بتوسطه، وهو يروي عن ابن أخي طاهر، فهو في درجة الصدوق، ولم أعلم اسمه. وقال العلامة الرازي ادام الله بقاه، في مخطوطة كتابه نوابغ الاعلام =========================================================================== (174) قيل: ان ما نافية، أي انه لمكان اختلاطه بالعامة، وروايته عنهم، وروايتهم عنه، كان يخفي مذهبه، ولا يتحقق بأمرنا ولا يظهره، كما هو شأن جميع المعاشرين لهم، الخ. وقيل: ان ما موصولة، وغرض النجاشي ان الدوري ذكر في كتابه حديث رد الشمس، وما من الاخبار به يتحقق أمرنا معاشر الشيعة. أقول يدل على الاحتمال الثاني ويثبته، وينفي الاول ما يجئ عن الخطيب والسمعاني، والذهبي من انه رافضي مشهور يروى عنه البلايا. (175) هذا تحريف أو خطأ من الخطيب، واهل البيت أدرى بما فيه، وتقدم ما أفادوه. =========================================================================== [450] والرواة في رابعة المئات: ويروي الدوري صاحب الترجمة عن محمد بن جعفر بن عبد الله النحوي المؤدب. وعن أبي العباس احمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة، المتوفى سنة 333، كما في ترجمة أبان بن تغلب من النجاشي. وعن أبي بكر احمد بن كامل بن شجرة، تلميذ أبي جعفر محمد بن جرير العامي المتوفى سنة 310، كما في فهرست الشيخ، ترجمة محمد بن جرير العامي. وعن أبي الفرج علي بن الحسين الاصفهاني صاحب الاغاني المتوفى سنة 356، كما في ترجمة عباد بن يعقوب الرواجني من النجاشي. وعن أبي بكر محمد بن احمد بن اسحاق الحريري، كما في الفهرست في ترجمة عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا. وذكر في أنساب السمعاني انه رافضي مشهور، ولد في سنة 299، وكتب الحديث من سنة 313، ومات في شهر رمضان سنة 379، تسع وسبعين وثلاثماة. =========================================================================== [451] الثالثة من الزوائد: في ترجمة الراوي الثالث الواقع في طريق الشيخ (ره)، وهو محمد بن احمد بن محمد بن عبد الله بن اسماعيل الكاتب، أبو بكر المعروف بأبن أبي الثلج، المتوفى سنة 325 ه‍. قال الشيخ (ره) في رجاله ص 502: محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج الكاتب، بغدادي خاصي، يكنى ابا بكر، سمع منه التل عكبري سنة اثنتين وعشرين وثلاث ماة وما بعدها الى سنة خمس وعشرين، وفيها مات (ره)، وله منه اجازة، انتهى. وقال في فهرسته 179: محمد بن أحمد ابن أبي الثلج الكاتب، له كتاب التنزيل في امير المؤمنين (ع)، اخبرنا به احمد بن عبدون، عن الدوري، عن ابن أبي الثلج، وله كتاب البشرى والزلفى وصفة الشيعة وفضلهم، وله كتاب اسماء امير المؤمنين (ع) في كتاب الله، أخبرني بجميع ذلك ابن عبدون، عن الدوري عنه. انتهى. وقال النجاشي (ره) محمد بن احمد بن عبد الله بن اسماعيل الكاتب، أبو بكر، يعرف بابن ابي الثلج، وابو الثلج هو عبد الله بن اسماعيل، ثقة عين كثير الحديث، له كتب، منها: ما نزل في القرآن في امير المؤمنين (ع)، 2 - كتاب البشري والزلفي في فضائل الشيعة، 3 - كتاب تاريخ الائمة (ع)، 4 - كتاب أخبار النساء الممدوحات، 5 - كتاب أخبار فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، 6 - كتاب من قال بالتفضيل من الصحابة وغيرهم. قال أبو المفضل الشيباني، حدثنا أبو بكر ابن أبي الثلج، واخبرنا ابن نوح، قال حدثنا أبو الحسن بن داود، قال حدثنا سلامة بن محمد الارزني، =========================================================================== [452] قال حدثنا أبو بكر بن أبي الثلج بجميع كتبه. وقال العلامة الحلي في ايضاح الاشتباه، 25 ما لفظه: وجدت بخط السيد صفي الدين محمد بن معد الموسوي رحمه الله: هذا محمد بن عبد الله ابن اسماعيل ابن أبي الثلج البغدادي مشهور عند أصحاب الحديث، يروي عن أبي حرار (الحق خ ل) وروح (قدوح، خ ل) بن عبادة، وخلف بن الوليد، وغيرهم، وحدث عنه محمد بن اسماعيل البخاري (الصحابي خ ل)، وكان يروي عنه ابن ابنه محمد المذكور في هذه الورقة. ويروي عن محمد هذا أبو الحسن الدار قطني عن جده محمد بن اسماعيل. كتبه محمد بن معد الموسوي. وللمترجم (ره) بنت مسماة بالخديجة، كانت (ره) راوية للحديث، ذكرها الخطيب في الرقم 7819، من تاريخ بغداد: 14، 442، ط 1. وقال ابن النديم في الفهرست 326، ط مصر، في آخر الفن السادس، من المقالة السادسة: أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد ابن أبي الثلج الكاتب خاصي عامي، والتشيع اغلب عليه، وله رواية كثيرة من روايات العامة، وتصنيفات في هذا المعنى، وكان دينا ورعا فاضلا، وله من الكتب كتاب السنن والاداب على مذاهب العامة، كتاب فضائل الصحابة، كتاب الاختيار من الاسانيد. =========================================================================== [453] الرابعة من الزوائد: في ترجمة جعفر بن محمد الحسني، وهو الطبقة الرابعة من طريق الشيخ (ره) الى الوصية الشريفة، وهذا الرجل قد وقع في اسناد كثير من احاديث الشيعة واهل السنة. وقد ذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: 3، ص 328، ط 1، وج 11، ص 251 - ما ينطبق على من نحن في مقام ترجمته. وكذا ذكر الشيخ (ره) في الرقم: 493، من فهرسته 137، ط 3 - ترجمة عمرو بن ميمون، وقال: له كتاب حديث الشورى - الى ان قال - وله كتاب المسائل التي اخبر بها امير المؤمنين عليه السلام اليهودي. أخبرنا بها احمد بن عبدون، عن أبي بكر الدوري، عن محمد بن جعفر العلوي الحسني، قال: حدثنا علي بن عبدك، قال حدثنا طريف مولى محمد بن اسماعيل، عن موسى، وعبيد الله بني يسار، عن عمرو ابن أبي اسحاق السبيعي، عن الحارث الهمداني، عن امير المؤمنين عليه السلام، وذكر الكتاب. ولاشك ان هذا اما ابن المترجم، واما نفسه، وانما قدم الراوي أو الناسخ محمدا على جعفر. وهنا اشتركت الطرق الاربعة (أي طريق الشيخ والنجاشي وثقة الاسلام الكليني، والعسكري) في كونه من رواة الوصية الشريفة، وانه يرويها عن علي بن عبدك الى ان يتصل بأمير المؤمنين (ع) - كما في الطرق الثلاثة الاول - وعن الحسن بن عبدك عن الرجال المذكورين في الطرق الثلاثة أنفسهم الى ان تتصل بأمير المؤمنين (ع) - كما في رواية العسكري -. والحاصل ان المترجم عندي مأنوس الاسم، ومجهول الشخص، وقد =========================================================================== [454] بحثت بمقدرا ميسوري، وتتبعت بحسب مقدوري، وتصحفت ما عندي من كتب الخاصة والعامة فلم أجد في ترجمته عدا ما ذكره الشيخ (ره) في الرقم 18 و 19 و 20 في باب من لم يرو عن الائمة (ع) من رجاله 460، ط 2، أما ما ذكره تحت الرقم 20 فبعيد الانطباق على المترجم، ولا نذكره هنا، ومن أراده فليطالع رجال الشيخ (ره). وأما ذكره تحت الرقم الثامن عشر من الكتاب فهذا لفظه: جعفر بن محمد بن ابراهيم بن محمد بن عبيد الله ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، العلوي الحسيني الموسوي المصري، روى عنه التلعكبري، وكان سماعه منه سنة اربعين وثلاث ماة بمصر، وله منه اجازة. وأما ما أفاده الشيخ قدس سره تحت الرقم 19، فهذا نصه: جعفر بن محمد العلوي الحسيني، من ولد علي بن عبد الله بن الحسين بن علي بن الجسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، يكنى ابا هاشم، روى عنه التلعكبري، وقال: كان قليل الرواية، وسمع منه شيئا يسيرا. =========================================================================== [455] الخامسة من الزوائد: في ترجمة علي بن عبدك الصوفي الواقع في الطرق الثلاثة المتقدمة. وهذا الرجل أيضا كجعفر بن محمد الحسيني غير معنون بشخصه في ما عندي من كتب التراجم، الا أنه وأخيه (الحسن بن عبدك، الواقع في سند العسكري) يخرجان عن المجهولية، بما ذكره الاصحاب رضوان الله عليهم في شأن محمد ابن علي بن عبدك الجرجاني، المتوفى بعد سنة 360 ه‍، وبما ذكره السمعاني في لفظة الشيعي من كتاب الانساب قال: وثم جماعة من شيعة امير المؤمنين علي بن أبي طالب، ويتولون إليه، وفيهم كثرة يقال لهم الشيعة، منهم محمد ابن علي بن عبدك الشيعي، واسم عبدك عبد الكريم، صاحب محمد بن الحسن الفقيه، العبدكي أبو احمد الجرجاني، كان مقدم الشيعة، واليه ينسب جماعة، سمع عمران بن موسى الجرجاني وأقرانه، روى عنه الحاكم ابن عبد الله الحافظ النيسابوري. وقال أيضا: العبدكي - بفتح العين المهملة، وسكون الباء الموحدة، وفتح الدال المهملة، وفي آخرها الكاف - هذه النسبة الى عبدك، وهو والد علي بن عبدك، واسمه عبد الكريم، وعبدك صاحب محمد بن الحسن الفقيه، وتفقه عليه، والمشهور بهذه النسبة أبو أحمد محمد بن علي بن عبدك، الشيخ العبدكي من أهل جرجان، كان مقدم الشيعة، وامام أهل التشيع بها، سمع عمران بن موسى بن مجاشع الجرجاني وأقرانه، روى عنه الحاكم أبو عبد الله البيع وعرفه ونسبه هكذا قال: كان من الادباء الموصوفين بالعقل والكمال، وحسن النظر بنيسابور، وبنى بها الدار والحمام المعروف =========================================================================== [456] بباب عزة، وتوفي بعد 360 بجرجان. (176) هذا كله بالنسبة الى رهط العبدكي ونسبه، واما ابن المترجم وهو محمد بن علي (ره) فقد اتفقت كلمة اصحاب الفهارس من أصحابنا على تجليله وتعظيمه وان له كتبا كثيرة، منها كتاب التفسير، قال الشيخ (ره) وهو كتاب كبير حسن، وقال ابن شهر آشوب: وهو عشرة اجزاء. ومنها كتاب مطلع الهداية في الرد على الاسماعيلية، الخ. =========================================================================== (176) ما ذكرناه عن السمعاني مأخوذ من كتاب اعيان الشيعة: 46، ص 62، ط 2، لسيد الاعيان السيد محسن العاملي (ره). =========================================================================== [457] السادسة من الزوائد: في ترجمة الحسن بن ظريف. عده الشيخ (ره) في رجاله من أصحاب الامام الهادي (ع). وعده وأباه في الرقم 167، و 375، من فهرسته 73 و 112، ط 2، من مصنفي الشيعة، فقال في ترجمته: الحسن بن ظريف بن ناصح، له كتاب، أخبرنا به عدة من أصحابنا، عن أبي المفضل، عن ابن بطة، عن أحمد ابن أبي عبد الله، عن الحسن بن ظريف. وقال النجاشي (ره) في الرقم 135، من رجاله 48: الحسن بن ظريف ابن ناصح، كوفي، يكنى أبو محمد، ثقة، سكن ببغداد، وابوه قبل، له نوادر، والرواة عنه كثير، أخبرنا اجازة محمد بن محمد عن الحسن بن حمزة، قال حدثنا ابن بطة، عن محمد بن علي. وعن جامع الرواة ان المترجم يروي عن جماعة منهم علي بن عبدك الكوفي. وفي الحديث المأة من الباب الحادي والثلاثين من اثبات الهداة: 6، 334، عن الاربلي (ره)، عن الحسن بن ظريف، قال: كتبت الى أبي محمد عليه السلام،: قد تركت التمتع ثلاثين سنة، وقد نشطت لذلك، وكان في الحي إمرأة وصفت لي بالجمال، فمال قلبي إليها، وكانت عاهرا، لا تمنع يد لامس، فكرهتها، ثم قلت: قد قال الائمة (عليهم السلام) تمتع بالفاجرة، فانك تخرجها من حرام الى حلال، فكتبت الى أبي محمد عليه السلام أشاوره في المتعة، وقلت: أيجوز بعد هذه السنين أن أتمتع ؟ فكتب (ع): انما تحيي سنة، وتميت بدعة فلا بأس، واياك وجارتك المعروفة بالعهر، وان حدثتك نفسك ان آبائي قالوا: " تمتع بالفاجرة، فانك تخرجها من حرام الى حلال. " فهذه أمرأة معروفة بالهتك، وهي جارة، =========================================================================== [458] وأخاف عليك استقاضة الخبر. قال: فتركها ولم اتمتع بها، وتمتع بها شاذان بن سعد، رجل من إخواننا وجيراننا، فاشتهر بها حتى علا أمره، وصار الى السلطان، وغرم بسببها ما لانفيسا، وأعاذني الله من ذلك ببركة سيدي. =========================================================================== [459] السابعة من الزوائد: في ترجمة الحسين بن علوان بن قدامة الكلبي. قال الشيخ (ره) في الفهرست 80، تحت الرقم 208: الحسين بن علوان، له كتاب اخبرنا به ابن أبي جيد، عن محمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله، ومحمد بن الحسن الصفار، عن أبي الجوزاء المنبه بن عبد الله، عن الحسين بن علوان. وعده في رجاله 171، تحت الرقم 101، من اصحاب الامام الصادق عليه السلام، وقال: الحسين بن علوان الكلبي مولاهم، كوفي. وقال المحقق النجاشي (ره) في الفهرست 41، الحسين بن علوان الكلبي، مولاهم كوفي عامي، وأخوه الحسن يكنى أبا محمد ثقة، رويا عن ابي عبد الله عليه السلام، وليس للحسن كتاب، والحسن أخص بنا وأولى. (177) روى الحسين عن الاعمش وهشام بن عروة، وللحسين كتاب تختلف رواياته. أخبرنا اجازة محمد بن علي القزويني، قدم علينا سنة أربعمأة، قال أخبرنا احمد بن محمد بن يحيى، قال حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن هارون بن مسلم عنه به. وفي اختيار الكشي (ره) ص 333، تحت الرقم 248، وتواليه، ماهذا لفظه: محمد بن اسحاق، ومحمد بن المنكدر، وعمرو بن خالد الواسطي، وعبد الملك بن جريح، والحسين بن علوان الكلبي، هؤلاء من رجال العامة، الا ان لهم ميلا ومحبة شديدة، وقد قيل: ان الكلبي كان =========================================================================== (177) كذا في النسخة المطبوعة حديثا بطهران، وهو مقتضى السياق، وفى ترتيب الرجال للقهبائي (ره) هكذا: والحسين أخص بنا واولى. (*) =========================================================================== [460] مستورا ولم يكن مخالفا. أقول: ويدل على قول هذا القائل رواياته، وتضعيف العامة اياه كما ذكره الخطيب في تاريخ بغداد: 8، 62، ط 1، تحت الرقم 4138. هذا مع استفاضة الاخبار بأن المرء مع من أحب. ويدل عليه أيضا ان محبة أهل البيت (ع) ومخالفيهم لا تجتمعان، وفي تلك الاعصار كانت المخالفة والمعاندة بين أئمة اهل البيت (ع) ومعاصريهم كالنار على المنار، وكالمنافرة بين الخليل ونمرود، ولم يكن مثل زماننا حيلولة الشبه متراكمة للقاصرين، فمن أدرك ذلك الزمان وكان قريبا من المراكز الاسلامية، ومشاعره صحيحة، فبطبيعة الحان كان على خبرة وايقان على اختلاف مرام أهل البيت (ع) ومعاصريهم، فإذا أحبهم ولم تكن دواعي المحبة الدنيوية موجودة ولا متوقعة، فلابد أن تكون المحبة لكونهم على الحق، ومخالفيهم على الباطل، فمن كان هكذا معتقده، ولم يحصل له في امتثال أوامر الله، ولا اجتناب نواهيه افراط وتفريط، فهو من أهل الحق، وقوله مقبول إذا لم يعارضه شئ، فالرجل من أهل الثقة والاطمئنان، لحصول ما ذكر فيه، واتصافه به. ووثقه أيضا في خاتمة مستدرك الوسائل: 3: 599، ط 2: فانه (ره) بعد ما نقل كلام النجاشي والكشي، وقول ابن عقدة عن الخلاصة، من ان الحسن بن علوان كان أوثق وأحمد من أخيه عند أصحابنا - قال ما ملخصه: ويشهد بوثاقته في الحديث مضافا الى ما ذكر رواية الاجلاء عنه، وفيهم الحسن بن علي بن فضال، والهيثم بن أبي مسروق، والحسن بن ظريف بن ناصح، وأبو الجوزاء. =========================================================================== [461] الثامنة من الزوائد: في ترجمة سعد بن طريف الحنظلي الاسكاف. قال الشيخ (ره) في الرقم 323، من الفهرست 102، ط النجف: سعد بن طريف الاسكاف، له كتاب، اخبرنا به جماعة عن أبي المفضل، عن حميد، عن محمد بن موسى خوراء عنه. وأخبرنا به ا حمد بن محمد بن موسى، عن احمد بن أحمد بن محمد بن سعيد، عن الحسين بن أحمد بن الحسن، عن عمه علي بن الحسن، عن عمرو بن عثمان، عن أبي جيد (حميد خ) الحنظلي عنه. وقال في باب السين، من اصحاب الامام السجاد (ع) من رجاله، ص 92: سعد بن طريف ابن الحنظلي الاسكاف، مولى بني تميم، الكوفي، ويقال له سعد الخفاف، روى عن الاصبغ بن نباته، وهو صحيح الحديث. وذكره أيضا فيه، من باب السين، في اصحاب الامام الباقر والصادق عليهما السلام. وقال النجاشي (ره) تحت الرقم 458، من الفهرست، 135: سعد بن طريف الحنظلي، مولاهم الاسكاف، كوفي، يعرف وينكر، روى عن الاصبغ بن نباتة، وروى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع)، وكان قاصا، له كتاب رسالة أبي جعفر إليه، أخبرنا عدة عن أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال، عن عمرو بن عثمان، عن أبي جميلة عن سعد. =========================================================================== [462] التاسعة من الزوائد: في ترجمة الاصبغ بن نباتة بن الحارث بن عمرو بن فاتك بن عامر بن مجاشع بن دارم من بني تميم، (178) أبو القاسم التميمي الحنظلي الكوفي (179). اقول: بعد توثيق امير المؤمنين عليه السلام اياه بالصراحة، (كما تقدم في آخر باب الكتب من كتابنا هذا) وبعد أدنى أنس برواياته، لا يخفى على الفطن علو مقامه، وكونه فريدا في التفاني في مرضاة الله، وولاء اهل البيت (ع) ولكن لابتلاء بعض النفوس بالوسوسة، وقصر همم نفوس آخرين عن التنقيب، ومراجعة الروايات، نذكر بعض ما قيل في شخصية، وما روى الثقات عنه، فنقول: قال في اختيار رجال الكشي (ره) تحت الرقم 42: طاهر بن عيسى الوراق، قال حدثنا جعفر بن احمد التاجر معنعنا، عن ابن أبي الجارود، عن الاصبغ بن نباته، قال قلت للاصبغ: ماكان منزلة هذا الرجل فيكم ؟ فقال: ما أدري ما تقول: الا أن سيوفنا كان على عواتقنا فمن أومى إليه ضربناه بها. ورواه في الاختصاص 65، ط 2، عن جعفر بن الحسين، عن محمد بن جعفر المؤدب، عن احمد ابن أبي عبد الله البرقي، عن أبي الحسين صالح =========================================================================== (178) هكذا نقله في اعيان الشيعة: 12، 274، ط 2، عن كتاب الطبقات الكبير لابن سعد. واما وفاته، فالمحكي عن ابن حجر انه مات بعد الثالثة. (179) هكذا وصفه في تهذيب التهذيب، كما في اعيان الشيعة، ووصفه الشيخ (ره) بالتيمي الحنظلي في أصحاب أمير المؤمنين (ع) من رجاله، وتقدم عن النجاشي (ره) وصفه بالمجاشعي، وكذا عن الشيخ (ره) في الفهرست، والعسكري في كتاب الزواجر والمواعظ. =========================================================================== [463] ابن أبي حماد (180) عن محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن الاصبغ. ثم قال الكشي (ره): محمد بن مسعود قال: حدثني علي بن الحسن، عن مروك بن عبيد، قال حدثني ابراهيم أبو البلاد، عن رجل، عن الاصبغ، قال قلت له: كيف سميتم شرطة الخميس يا أصبغ ؟ قال: انا ضمنا له الذبح، وضمن لنا الفتح، يعني امير المؤمنين صلوات الله عليه. ورواه في الاختصاص، عن جعفر بن محمد بن قولويه، عن جعفر ابن محمد بن مسعود، عن أبيه قال: حدثني علي بن الحسين، عن مروك بن عبيد قال: حدثني ابراهيم ابن أبي البلاد، عن رجل، عن الاصبغ، الى آخر ما مر. وأيضا قال الكشي (ره) في الحديث الثاني، من ترجمة أويس، من رجاله 91: وروى الحسن بن الحسين القمي، عن علي بن الحسن العرني، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة قال: كنا مع علي عليه السلام بصفين فبايعه تسعة وتسعون رجلا، ثم قال: اين تمام المأة، لقد عهد الي رسول الله صلى الله عليه وآله، ان يبايعني في هذا اليوم مأة رجل. قال: إذ جاء رجل عليه قباء صوف، متقلدا بسيفين، قال: ابسط يدك أبايعك. قال علي عليه السلام: على ما تبايعني ؟ قال: على بذل مهجة نفسي دونك. قال: من أنت ؟ قال: أنا اويس القرني. قال: فبايعه فلم يزل يقاتل بين يديه، حتى قتل فوجد في الرجالة. وفي رواية أخرى: قال له أمير المؤمنين عليه السلام: كن اويسا. =========================================================================== (180) من قوله: أبي الحسين صالح ابن أبي حماد، الى آخر السند، هو الذي طويناه في قولنا: " معنعنا " في خبر الكشي، الا ان الكشي قال: أبو الخير صالح ابن ابي حماد. وأيضا قال عن ابن أبي الجارود، وفى غيرهما لااختلاف بينهما. =========================================================================== [464] قال: أنا أويس. قال: كن قرنيا. قال: أنا أويس القرني. وروى الشيخ المفيد (ره) في الاختصاص 209، ط 2، معنعنا بسندين، عن الاصبغ بن نباتة (181) قال: أتيت أمير المؤمنين عليه السلام فوجدته متفكرا ينكت في الارض، فقلت: يا امير المؤمنين مالي أراك متفكرا تنكت في الارض، أرغبة منك فيها ؟ قال: لا والله، ولافي الدنيا يوما قط، ولكني فكرت في مولود يكون من ظهر الحادي عشر من ولدي، هو المهدي الذي يملؤها عدلا وقسطا، كما ملئت ظلما وجورا، يكون له حيرة وغيبة، يضل فيها أقوام، ويهتدي فيها آخرون. فقلت: ان هذا لكائن ؟ قال: نعم كما انه مخلوق، فأنى لك بهذا الامر يا أصبغ، أولئك خيار هذه الامة مع خيار أبرار هذه العترة. قلت: وما يكون بعد ذلك ؟ قال: الله يفعل ما يشاء فان الله أرادت وبداءات وغايات ونهايات: وروى الصدوق (ره) معنعنا، عن الاصبغ، عن امير المؤمنين انه كان يقول: صاحب هذا الامر الشريد الطريد الفريد الوحيد. كما في الحديث 20، من الباب 7، من البحار: 13، 30، عن اكمال الدين. وفي الحديث 291، من الاختصاص 221، معنعنا عن سعد الخفاف، عن الاصبغ بن نباتة، قال: سألت امير المؤمنين عليه السلام عن سلمان الفارسي - رحمة الله عليه - وقلت: ما تقول فيه ؟ قال: ما أقول في رجل خلق من طينتنا، وروحه مقرونة بروحنا، وخصه الله من العلوم بأولها وآخرها وظاهرها وباطنها، وسرها وعلانيتها، الخ. وفي الحديث 296، منه ص 223، معنعنا عن سعد بن طريف، عن =========================================================================== (181) وهذا الحديث رواه عن الاصبغ جماعة كثيرة بأسناد عديدة، كما في الكافي: 1، 338، والحديث 17، من الباب 7، من البحار: 13، 29، ط الكمباني. =========================================================================== [465] الاصبغ، قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ذكر الله عزوجل عبادة، وذكري عبادة، وذكر علي عبادة، وذكر الائمة من ولده عبادة، والذي بعثني بالنبوة، وجعلني خير البرية، ان وصيي لافضل الاوصياء، وانه لحجة الله على عباده، وخليفته على خلقه، ومن ولده الائمة الهداة بعدي، بهم يحبس الله العذاب عن أهل الارض، وبهم يمسك السماء أن تقع على الارض الا باذنه، وبهم يمسك الجبال ان تميد بهم، وبهم يسقي خلقه الغيث، وبهم يخرج النبات، أولئك اولياء الله حقا، وخلفائي صدقا، عدتهم عدة الشهور وهي اثنا عشر شهرا، وعدتهم عدة نقباء موسى بن عمران، ثم تلا عليه السلام هذه الاية: " والسماء ذات البروج " ثم قال: أتقدر يابن عباس ان الله يقسم بالسماء ذات البروج، ويعني به السماء وبروجها ؟ قلت: يارسول الله فما ذاك ؟ قال: اما السماء فأنا، وأما البروج فالائمة بعدي، أولهم علي، وآخرهم المهدي صلوات الله عليهم اجمعين. وفي الحديث 529، منه ص 279، معنعنا عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، قال: سمعت عليا عليه السلام على المنبر يقول: سلوني قبل ان تفقدوني، فو الله مامن أرض مخصبة ولامجدبة، ولافئة تضل مأة أو تهدي مأة، الا وعرفت قائدها وسائقها، وقد أخبرت بهذا رجلا من أهل بيتي يخبر بها كبيرهم صغيرهم الى أن تقوم الساعة. وفي الحديث 542، منه ص 283، معنعنا عن الحارث بن الحصيرة، عن الاصبغ بن نباته، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سمعته يقول: ان رسول الله صلى الله عليه وآله علمني الف باب من الحلال والحرام، مما كان ومما هو كائن الى يوم القيامة، كل باب منها يفتح الف باب، فذلك ألف ألف باب، حتى علمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب. وفي الحديث 544، منه معنعنا، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ قال: =========================================================================== [466] أمرنا أمير المؤمنين عليه السلام بالمسير الى المدائن من الكوفة، فسرنا يوم الاحد، وتخلف عمرو بن حريث في سبعة نفر، فخرجوا الى مكان بالحيرة يسمى الخورنق، فقالوا تتنزه، فإذا كان يوم الاربعاء خرجنا فلحقنا عليا، قبل ان يجمع، فبيناهم يتغدون إذ خرج عليهم ضب فصادوه، فأخذه عمرو ابن حريث فنصب كفه، فقال: بايعوا، هذا أمير المؤمنين، فبايعه السبعة وعمرو ثامنهم، وارتحلوا ليلة الاربعاء، فقدموا المدائن، يوم الجمعة، و أمير المؤمنين يخطب، ولم يفارق بعضهم بعضا، كانوا جميعا حتى نزلوا على باب المسجد، فلما دخلوا نظر إليهم امير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا أيها الناس ان رسول الله صلى الله عليه وآله أسر الي ألف حديث، في كل حديث الق باب، لكل باب الف مفتاح، واني سمعت الله يقول: " يوم ندعو كل أناس بإمامهم " واني اقسم لكم بالله ليبعثن يوم القيامة ثمانية نفر بإمامهم، وهو ضب، ولو شئت أن أسميهم فعلت. قال: فلو رأيت عمرو ابن حريث سقط كما تسقط السعفة وجيبا. وهذا الحديث له طرق أخر أيضا. وفي الحديث 606، منه ص 304، معنعنا عن الاصبغ قال: كنا وقوفا على امير المؤمنين عليه السلام بالكوفة وهو يعطي العطاء في المسجد، إذ جاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين أعطيت العطاء جميع الاحياء ماخلا هذا الحي من مراد لم تعطهم شيئا. فقال: أسكتي يا جريئة يابذية، يا سلفع يا سلقلق، يامن لا تحيض كما تحيض النساء. قال: فولت فخرجت من المسجد، فتبعها عمرو بن حريث، فقال لها: أيتها المرأة قد قال علي فيك ما قال، أيصدق عليك ؟ فقالت: والله ما كذب، وان كل ما رماني به لفي، وما اطلع علي أحد الا الله الذي خلقني، وأمي التي ولدتني. فرجع عمرو بن حريث فقال: يا أمير المؤمنين تبعت المرأة فسألتها عما رميتها به في بدنها فأقرت بذلك كله، فمن اين عملت ذلك ؟ فقال: ان رسول الله صلى الله عليه =========================================================================== [467] وآله، علمني الف باب من الحلال والحرام يفتح كل باب ألف باب، حتى علمت المنايا والوصايا وفصل الخطاب، وحتى علمت المذكرات من النساء، والمؤمنين من الرجال. وهذا الحديث أيضا له طرق أخر. وفي الحديث 622، من الكتاب 310، معنعنا عن سعد بن طريف الاسكاف، عن الاصبغ بن نباته، قال: ان امير المؤمنين عليه السلام صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس ان شعيتنا من طينة مخزونة، قبل أن يخلق الله آدم بألفي عام، لا يشذ منها شاذ، ولا يدخل فيها داخل، واني لاعرف صديقي من عدوي حين أنظر إليهم، لان رسول الله صلى الله عليه وآله، لما تفل في عيني وكنت أرمد، قال: اللهم أذهب عنه الحر والبرد، وبصره صديقه من عدوه، فلم يصبني رمد ولاحر ولابرد، واني لاعرف صديقي من عدوي، فقام رجل من الملا فسلم، ثم قال: والله يا أمير المؤمنين اني لادين الله بولايتك، واني لاحبك في السر كما اظهر لك في العلانية. فقال له علي عليه السلام: كذبت فو الله ما أعرف اسمك في الاسماء، ولا وجهك في الوجوه، وان طينتك لمن غير تلك الطينة، فجلس الرجل قد فضحه الله وأظهر عليه. ثم قام آخر فقال: يا أمير المؤمنين اني لادين الله بولايتك، واني لاحبك في السر كما أحبك في العلانية، فقال له: صدقت، طينتك من تلك الطينة، وعلى ولايتنا أخذ ميثاقك، وان روحك من أرواح المؤمنين، الخ. وفي الحديث 623، منه ص 311، معنعنا عن الحسين بن علوان الكلبي، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، قال: كنت مع امير المؤمنين عليه السلام، فأتاه رجل فسلم عليه، ثم قال: يا امير المؤمنين اني والله لاحبك في الله، وأحبك في السر كما أحبك في العلانية، وأدين الله بولايتك في السر كما أدين بها في العلانية، وبيد أمير المؤمنين عود، طأطأ =========================================================================== [468] رأسه، ثم نكت بالعود ساعة في الارض، ثم رفع رأسه إليه، فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله حدثني بالف حديث لكل حديث ألف باب، وان أرواح المؤمنين تلتقي في الهواء فتشم وتتعارف، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، وبحق الله لقد كذبت، فما أعرف وجهك في الوجوه، ولا اسمك في الاسماء. ثم دخل عليه رجل آخر فقال: يا أمير الؤمنين اني لاحبك في السر كما أحبك في العلانية. قال: فنكت الثانية بعوده في الارض، ثم رفع رأسه فقال له: صدقت، ان طينتنا طينة مخزونة، أخذ الله ميثاقها من صلب آدم، فلم يشذ منها شاذ، ولا يدخل فيها داخل من غيرها، الخ. هذا قليل من كثير مما رواه الاصبغ عن امير المؤمنين (ع) وبه يتبين وجه تضعيف حديثه عند الجمهور الا الشاذ منهم ممن لم يطلع على مروياته، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. وقال نصر بن مزاحم في كتاب صفين: كان أصبغ من ذخائر علي عليه السلام، ممن قد بايعه على الموت، وكان من فرسان أهل العراق، وكان علي عليه السلام يضمن به على الحرب والقتال، وكان شيخا ناسكا عابدا، وحضض علي عليه السلام اصحابه، فقام إليه الاصبغ فقال: انك جعلتني على شرطة الخميس، وقدمتني في الثقة دون الناس، وانك اليوم لا تفقد مني صبرا ولانصرا، أما اهل الشام فقد هدهم ما أصبنا منهم، ونحن ففينا بعض البقية، فأطلب بنا أمرك، وائذن لي في التقدم. فقال عليه السلام: تقدم، الخ. أقول: تقدم قول الشيخ والنجاشي (ره) في حقه عند ختام الوصية الشريفة، فلا تطيل الكلام بأكثر مما ذكر، وتقدم أيضا قصة دخوله على امير المؤمنين (ع) وما قال له، وما أجابه (ع) في تعليقات المختار 5 و 9، فراجع. =========================================================================== [469] العاشرة من الزوائد: في ترجمة شيخ النجاشي وأستاذه (رحمهما الله جميعا) وهو عبد السلام بن الحسين الاديب الواقع في أول سنده، المولود سنة 329، والمتوفى سنة 405، وقد تقدم في ترجمة الدوري ما اطرأه به النجاشي (ره). وقال الخطيب في الرقم 5739، من تاريخ بغداد: 11، ص 57 س الاخير، ط 1: عبد السلام بن الحسين بن محمد، أبو أحمد البصري اللغوي، سكن بغداد، وحدث بها عن محمد بن اسحاق بن عباد التمار، وجماعة من البصريين، حدثني عنه عبد العزيز الازجي وغيره، وكان صدوقا عالما أديبا، قارئا للقرآن، عارفا بالقراءات، وكان يتولى ببغداد النظر في دار الكتب، واليه حفظها والاشراف عليها، سمعت أبا القاسم عبيد الله بن علي الرقي الاديب يقول: كان عبد السلام البصري من أحسن الناس تلاوة للقرآن، وانشادا للشعر، وكان سمحا سخيا وربما جاءه السائل وليس معه شئ يعطيه، فيدفع إليه بعض كتبه التي لها قيمة كثيرة وخطر كبير. حدثني علي بن الحسن التنوخي: أن عبد السلام البصري توفي في يوم الثلاثاء التاسع عشر من المحرم سنة خمس وأربع مأة. قال غيره: ودفن في مقبرة الشونيزي عند قبر أبي علي الفارسي، وكان مولده في سنة تسع وعشرين وثلاثماة. وقال العلامة الرازي ادام الله ظله في (ازاحة الحلك الدامس) المخطوط ص 49: الشيخ أبو احمد عبد السلام بن الحسين بن محمد بن عبد الله البصري، ويعبر عنه بعبد السلام الاديب، أو أبي أحمد عبد السلام بن الحسين البصري، من مشايخ الشيخ أبي العباس احمد بن علي النجاشي =========================================================================== [470] المتوفي سنة 450 كما يظهر من ترجمة جعفر بن محمد المؤدب وغيرها، وهو يروي عن الدوري، وعن أبي القاسم الحسن بن بشير بن يحيى الذي يروي عن محمد بن احمد المفجع، كما في ترجمة أحمد بن عبد الله بن جلين الدوري والمفجع من النجاشي، ويروي عنه أيضا بعض مشايخ النجاشي، وهو احمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر، المتوفى سنة 423. والشيخ الطوسي ما أدركه بعد وروده العراق سنة 408، وانما يروي عنه بواسطة ابن عبدون المذكور في الفهرست، في ترجمة محمد بن جرير العامي، انتهى بتلخيص ما. الحادية عشرة من الزوائد: في ترجمة أحمد بن محمد بن سعيد، المعروف بأبي العباس ابن عقدة، المولود سنة 249، المتوفى سنة 333 ه‍. وهو من مشايخ ثقة الاسلام الكليني (ره) وجماعة كثيرة من علماء الاسلام، وصيته أشهر من ان يذكر، وخبرته وتضلعه في العلوم الاسلامية فوق ان يوصف، ولذا تلقى الفريقان رواياته بالقبول، مع كونه تابعا ومؤمنا بمناقب بعض أئمة اهل البيت (ع)، وهو ذنب غير مغفور عند بعض من يدعي الاسلام، لاسيما إذا أضيف الى ما ذكر، إفراده رسالة في تواتر حديث الغدير، واثباته من طريق مأة وخمس نفرا من الصحابة، وبالجملة فهو من أعاظم الثقات، متفق عليه بين الفريقين، ونكتفي بشاهدين من الطرفين: الشاهد الاول - قال الشيخ أبو جعفر الطوسي أعلى الله مقامه في كتاب فهرست مصنفي الشيعة 52، ط 2، تحت الرقم 86: احمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمان بن زياد بن عبيد الله بن زياد بن عجلان، مولى عبد الرحمان بن سعيد بن قيس السبيعي الهمداني، المعروف بابن عقدة الحافظ، أخبرنا بنسبه احمد بن عبدون، عن محمد بن أحمد بن الجنيد، وأمره في الثقة والجلالة وعظم الحفظ أشهر من أن يذكر، وكان زيديا =========================================================================== [471] جاروديا، وعلى ذلك مات، وانما ذكرناه في جملة أصحابنا لكثرة روايته عنهم وخلطته بهم، وتصنيفه لهم، وله كتب كثيرة، منها كتاب التاريخ وهو في ذكر من روى الحديث من الناس كلهم العامة والشيعة وأخبارهم، خرج منه شئ كثير ولم يتمه، وكتاب السنن، وهو عظيم، قيل انه حمل بهيمة، لم يجتمع لاحد وقد جمعه هو، وكتاب من روى عن امير المؤمنين عليه السلام، ومسنده (وأسنده خ)، كتاب من روى عن الحسن والحسين عليهما السلام، كتاب من روى عن علي بن الحسين (ع) وأخباره، كتاب من روى عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام واخباره، كتاب من روى عن زيد ابن علي ومسنده، كتاب الرجال وهو كتاب من روى عن جعفر بن محمد عليه السلام، كتاب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، كتاب اخبار ابي حنيفة ومسنده، كتاب الولاية ومن روى يوم غدير يرخم، كتاب فضل الكوفة، كتاب من روى عن علي عليه السلام انه قسيم الجنة والنار، كتاب الطائر، مسند عبد الله بن بكير بن أعين، حديث الراية، كتاب الشورى، كتاب ذكر النبي صلى الله عليه وآله والصخرة والراهب وطرق ذلك، كتاب الاداب وهو كتاب كبير يشتمل على كتب كثيرة (مثل كتاب المحاسن) كتاب طرق تفسير قول الله عزوجل: " انما أنت منذر ولكل قوم هاد " كتاب طرق حديث النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " كتاب تسمية من شهد مع امير المؤمنين عليه السلام حروبه من الصحابة والتابعين، كتاب الشيعة من أصحاب الحديث، وله كتاب من روى عن فاطمة عليها السلام من اولادها، وله كتاب يحيى بن الحسين بن زيد وأخباره. أخبرنا بجميع رواياته وكتبه أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى الاهوازي، وكان معه خط أبي العباس باجازته، وشرح رواياته وكتبه، عن ابي العباس احمد بن محمد بن سعيد، ومات أبو العباس احمد بن محمد =========================================================================== [472] ابن سعيد هذا بالكوفة، سنة 333 ثلاث وثلاثين وثلاث مأة. وذكره المحقق النجاشي (ره) تحت الرقم 227، من رجاله 73، ثم قال: هذا رجل جليل في أصحاب الحديث، مشهور بالحفظ، والحكايات تختلف عنه في الحفظ وعظمه - ثم ساق الكلام كما ذكرناه عن شيخ الطائفة (ره)، وزاد على ما ذكره الشيخ كتاب صلح الامام الحسن (ع) ومعاوية، ثم قال -: هذه الكتب هي التي ذكرها أصحابنا وغيرهم ممن حدثناه عنه، ورأيت له كتاب تفسير القرآن، وهو كتاب حسن، وما رأيت أحدا ممن حدثناه عنه ذكره، وقد لقيت جماعة ممن لقيه وسمع منه وأجازه منهم من أصحابنا. ومن العامة ومن الزيدية، ومات أبو العباس بالكوفة سنة 333 ثلاث وثلاثين وثلاثمأة. والشاهد الثاني - ما حكي عن طبقات الحفاظ ص 93، 151 للسيوطي في الطبقة الحادية عشرة. وهذا لفظه: ابن عقدة حافظ العصر، والمحدث البحر أبو العباس احمد بن محمد بن سعيد الكوفي مولى بني هاشم، ابوه نحوي صالح يلقب عقدة، سمع أمما لا يحصون وكتب عن العالي والنازل حتى عن أصحابه، وكان إليه المنتهى في قوة الحفظ، وكثرة الحديث، ورحلته قليلة ألف وجمع، حدث عنه الدار قطني، وقال: أجمع اهل الكوفة انه لم يريها من زمن ابن مسعود الى زمنه احفظ منه. وعنه أحفظ مأة ألف حديث بأسنادها، وأجيب عن ثلاث مأة الف حديث من حديث أهل البيت وبني هاشم. وقال أبو علي: ما رأيت احفظ منه لحديث الكوفيين، وعنده تشيع. ولد سنة 249، ومات في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مأة. ومثله بعينه مع زيادات لطيفة في تذكرة الحفاظ: 3، 57، ط الهند، تحت الرقم 49، من حفاظ الطبقة الحادية عشرة، وفصل الكلام في ترجمته وموارد استشهاد العامة بكلامه في عبقات الانوار: مجلد الغدير عن =========================================================================== [473] 14، الى 42. وأما أحمد بن عبد الرحمان بن فضال القاضي، والحسن بن محمد بن احمد، اللذان يروي عنهما العسكري فلم أطلع على ترجمتهما الى الان، والظاهر انهما من علماء أهل السنة. واما احمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، فلم أجده فيما عندي من كتب الرجال معنونا، نعم ذكر الشيخ (ره) في باب من لم يرو عنهم (ع) من رجاله - باب الحسن - تحت الرقم 22، ص 464 ط 1 ماهذا لفظه: الحسن بن محمد بن احمد بن جعفر بن محمد بن زيدين علي بن الحسين بن علي أبي طالب عليه السلام، يكنى ابا محمد، روى عنه التلعكبري وسمع منه سنة ثلاث وعشرين وثلاثمأة وما بعدها، وكان ينزل بالرميلة ببغداد، وله منه اجازة. ولاشك ان الحسن هذا من احفاد المترجم لاغير. واما الحسن بن علوان الواقع في بعض نسخ سند العسكري فقد أسلفنا في ترجمة اخيه الحسين انه ثقة، وحكى في الخلاصة عن المحدث الخبير، والعالم البصير ابن عقده انه قال: ان الحسن بن علوان كان اوثق وأحمد من اخيه عند اصحابنا. واما الحسن بن عبدك، فقد مضى في الخامسة من الزوائد ما يستعلم به حاله ومذهبه. =========================================================================== [474] - 12 - ومن وصية له عليه السلام الى السبط الشهيد أبي عبد الله الحسين عليه السلام يا بني أوصيك بتقوى الله في الغنى والفقر (1). وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وبالعدل على الصديق والعدو، وبالعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله في الشدة والرخاء. أي بني ! ماشر بعده الجنة بشر، ولاخير بعده النار بخير، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية (2). واعلم أي بني أنه من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره (3)، ومن تعرى من لباس التقوى لم يستتر بشئ من =========================================================================== (1) وقريب من هذا الصدر تقدم في المختار الثالث، وهي وصيته عليه السلام الى اصحابه. (2) من قوله (ع): ماشر بعده الجنة بشر، الى قوله (ع): وكل بلاء دون النار عافية، مذكور في غير واحد من كلمه الشريفة، كما في آخر الخطبة الاولى، من نهج السعادة. (3) هذه الجملة ايضا قد نطق (ع) بها في غير واحد من كلماته الشريفة كما في وصيته (ع) الى السبط الاكبر، المختار 31، من كتب النهج. =========================================================================== [475] اللباس، ومن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر بئرا لاخيه وقع فيها (4)، ومن هتك حجاب غيره إنكشفت عورات بيته (5)، ومن نسي خصيئته إستعظم خطيئة غيره، ومن كابد الامور عطب (6)، ومن إقتحم الغمرات غرق، ومن أعجب برأيه ضل ومن استغنى بعقله ذل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن خالط العلماء وقر، ومن خالط الانذال حقر (7). ومن سفه على الناس شتم، ومن دخل مداخل السوء أتهم، ومن مزح أستخف به، ومن أكثر من شئ عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطاؤه، ومن كثر خطاؤه قل حياؤه، ومن قل حياؤه =========================================================================== (4) من قوله (ع): من سل سيف البغي قتل به، الى قوله (ع): عورات بيته، ذكره في الفصل 36، ومابعده من كنز الفوائد 57، الا ان فيه: ومن هتك حجاب اخيه، هتك عورات بينه. (5) وفى بعض النسخ: انكشفت عوراته. (6) من هنا الى قوله (ع): ومن مات قلبه دخل النار، ذكره في المختار 12، وهو وصيته (ع) الى السبط الاكبر الا بعض جمله. يقال: فلان يكابد الامور، اي يقاسيها ويتحمل المشاق في فعلها بلا اعداد اسبابها. وعطب فلان، اي هلك. والغمرات: الشدائد. وفى النهج: ومن اقتحم اللجج غرق. (7) الانذال - جمع النذل - وهو الخسيس من الناس الدنئ في الاعمال والرويات. =========================================================================== [476] قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه ومن مات قلبه دخل النار. أي بنى من نظر في عيوب الناس ورضى لنفسه بها فذلك الاحمق بعينه، ومن تفكر إعتبر، ومن إعتبر إعتزل، ومن إعتزل سلم، ومن ترك الشهوات كان حرا ومن ترك الحسد كانت له المحبة عند الناس، أي بنى عز المؤمن غناه عن الناس، والقناعة مال لا ينفد، ومن أكثر ذكر الموت رضى من الدنيا باليسير، ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه (8) أي بنى العجب ممن يخاف العقاب فلم يكف، ورجا الثواب فلم يتب ويعمل، أي بنى الفكرة تورث نورا، والغفلة ظلمة، والجدالة ضلالة والسعيد من وعظ بغيره، والادب خير ميراث، وحسن الخلق خير قرين، ليس مع قطيعة الرحم نماء، ولامع الفجور غنى، أي بنى العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر =========================================================================== (8) وفى المختار 349، من قصار النهج، طبع مصر: قل كلامه الا فيما يعنيه. وما هنا من قوله (ع): انه من ابصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره. قريب جدا مما في المختار المشار إليه، الا ان هنا زيادة ليست ثمة. =========================================================================== [477] الله، وواحدة في ترك مجالسة السفهاء أي بنى من تزيا (9) بمعاصي الله في المجالس أورثه الله ذلا، ومن طلب العلم علم يا بني راس العلم الرفق، وآفته الخرق (10)، ومن كنوز الايمان الصبر على المصائب، والعفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، كثرة الزيارة تورث الملالة، والطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم (11)، وإعجاب المرء بنفسه يدل على ضعف عقله، أي بني كم نظرة جلبت حسرة، وكم من كلمة سلبت نعمة، أي بني لاشرف أعلى من الاسلام، ولاكرم أعز من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع ولا شفيع أنجح من التوبة (12)، ولالباس أجمل من العافية، ولامال أذهب بالفاقة من الرضا بالقوت ومن اقتصر على بلغة الكفاف =========================================================================== (9) اي من جعل ريه وعنوانه في المجتمع ومراي الناس المعاصي وارتكابها، يجعله الله ذليلا ويبدل عزه بالذل، وذلك لمجاهرته بهتك حرمات الله واعلانه بالطغيان ومبارزته بالتمرد والعصيان. (10) الخرق - ضد الرفق - وهو الشدة وفظاظة القلب وغلظته. (11) الطمأنينة: توطين النفس وتسكينها. والخبرة - بالضم -: العلم بالشئ. والحزم: ضبط الشئ واحكامه والاخذ فيه بالثقة. (12) المعقل: الحصن والملجأ، والورع أمنع الحصون وأحرزها عن عذاب الله. والنجاح: الظفر والفوز، اي لا يظفر المكلف بشفاعة شفيع بالنجاة من سخط الله وعذابه مثل ما يظفر بالتوبة. =========================================================================== [478] تعجل الراحة وتبوأ خفض الدعة (13) أي بني الحرص مفتاح التعب ومطية النصب (14) وداع إلى التفخم في الذنوب والشره جامع لمساوي العيوب (15) وكفاك أدبا لنفسك ما كرهته من غيرك، لاخيك عليك مثل الذي لك عليه، ومن تورط في الامور بغير نظر في العواقب فقد تعرض للنوائب. التدبير قبل العمل يؤمنك الندم، من إستقبل وجوه الاراء عرف مواقع الخطاء، الصبر جنة من الفاقة، البخل جلباب (16) المسكنة، الحرص علامة الفقر، وصول معدم خير من جاف مكثر (17) لكل شئ قوت وابن آدم قوت الموت، أي بني =========================================================================== (13) البلغة - بالضم -: ما يتبلغ به من القوت، ولافضل فيه. والكفاف - بفتح الكاف - من الرزق: مالازيادة فيه ولا نقصان، بل يكون بقدر الحاجة. والخفض، لين العيش وسعته. والدعة - بالتحريك -: الراحة. والاضافة للمبالغة، أي تمكن واستقر في متسع الراحة. (14) النصب - بالتحريك -: اشد التعب. (15) الشره - على زنة الفرح -: الحرص الغالب، وفى بعض النسخ: الشرة - على زنة الهرة - وهي الحدة، النشاط، الغضب، الطيش، الحرص. (16) الجلباب والجلباب - بسكون اللام وشدها -: الثوب الواسع الذي يغطي جميع البدن. (17) الوصول - كصبور -: الذي يصل القرابة والمودة اللاحقة بالسابقة ولا يقطعها، ويداوم على المعروف ولا يهجرها. والمعدم: الفقير. وجاف: اسم فاعل من قولهم: جفاه يجفوه جفاه، أي اعرض عنه، وقسا قلبه =========================================================================== [479] لا تؤيس مذنبا فكم من عاكف على ذنبه ختم له بخير، وكم من مقبل على عمله مفسد في آخر عمره صائر إلى النار، نعوذ بالله منها أي بني كم من عاص نجا، وكم من عاقل هوى من تحرى القصد خفت عليه المؤن (18)، في خلاف النفس رشدها، الساعات تنقص الاعمار، ويل للباغين من أحكم الحاكمين، وعالم ضمير المضمرين، يا بني بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد، في كل جرعة شرق وفى كل أكلة غصص (19) لن تنال نعمة إلا بفراق أخرى، ما =========================================================================== عليه وغلظ طبعه، لازم ومتعد. والمكثر: الكثير المال. ومراده (ع) ان من يدوم على الوصل والانس مع فقره، خير من قسي القلب الكثير المال الذي بعرض عن الارحام والاصدقاء. (18) التحري: اختيار أصوب الوجوه. والمؤن - بضم الميم وفتح الهمزة - جمع المئونة، وهي القوت وما يصرفه الانسان في سبيل اعاشته وطريق حياته وحياة من كان تحت كفالته، ويعد من عياله. (19) قال في أقرب الموارد: الشرق - محركة -: الشمس، وقد يطلق على ما يشرق به. يقال: شرق الرجل، أي غص بريقه. وهو من باب علم، ومصدره على زنة البرق. ولا يبعد ان يكون بضم الشين جمعا للشرقة بفتحها، كالغصص فانه جمع للغصة، وهي الشجا. وقال الليث: الغصة الشجا يغص به في الحرقدة. والغصص - بفتح أوله - مصدر قولك: غص يغص - من باب منع ومد - بالطعام والماء اي شرق به، أو وقف في حلقه فلا يكاد يسيغه، ومنعه من التنفس فهو غاص وغصان، وخص بعضهم به الماء. =========================================================================== [480] أقرب الراحة من النصب، والبؤس من النعيم والموت من الحياة، والسقم من الصحة، فطوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه وحبه وبغضه وأخذه وتركه وكلامه وصمته وفعله وقوله (20) وبخ بخ لعالم عمل فجد، وخاف البيات (21) فأعد واستعد، إن سئل نصح وإن ترك صمت كلامه صواب وسكوته من غير عي جواب (22) والويل لمن بلي بحرمان وخذلان وعصيان فاستحسن لنفسه ما يكرهه من غيره وأزرى (23) على الناس بمثل ما يأتي، واعلم أي بني أنه من لانت كلمته وجبت محبته، وفقك الله لرشده وجعلك من أهل طاعته بقدرته إنه جواد كريم. تحف العقول 88، وفي نسخة 58، ونقلها باختصار في آخر الباب =========================================================================== (20) وقال الامام الصادق (ع) في كلام له مع حفص بن غياث: ومن تعلم وعمل لله دعي في ملكوت السماوات عظيما، فقيل: تعلم لله وعمل لله، وعلم لله، الخ. (21) بخ - بالتخفيف والتثقيل - اسم فعل للمدح واظهار الرضي بالشئ. ويكرر للمبالغة فيقال بخ بخ، بالكسر والتنوين. والبيات: هجوم المكاره ليلا، بحرمان وخذلان وعصيان فاستحسن لنفسه ما يكرهه من غيره وأزرى (23) على الناس بمثل ما يأتي، واعلم أي بني أنه من لانت كلمته وجبت محبته، وفقك الله لرشده وجعلك من أهل طاعته بقدرته إنه جواد كريم. تحف العقول 88، وفي نسخة 58، ونقلها باختصار في آخر الباب =========================================================================== (20) وقال الامام الصادق (ع) في كلام له مع حفص بن غياث: ومن تعلم وعمل لله دعي في ملكوت السماوات عظيما، فقيل: تعلم لله وعمل لله، وعلم لله، الخ. (21) بخ - بالتخفيف والتثقيل - اسم فعل للمدح واظهار الرضي بالشئ. ويكرر للمبالغة فيقال بخ بخ، بالكسر والتنوين. والبيات: هجوم المكاره ليلا، وحلول المساءة (من اغارة عدو أو فقدان حبيب أو ضياع بضاعة) فيها. (22) العي - بكسر العين -: العجز من الكلام، يقال: عيي - كحي من باب علم) عيا - على زنة ند وضد - في المنطق: حصر، فهو عي وعيي - كحي ودوي -، ومنه المثل: هو اعيا من باقل. (23) ازرى وتزري عليه عمله، اي عاتبه أو عابه عليه ووضع من حقه. =========================================================================== [481] 100 من آخر ينابيع المودة. وغير خفي على الخبير ان ما في هذه الوصية الشريفة فوق حد الاستفاضة، كما يعلم بأدنى المام بوصيته (ع) الى الحسن الزكي (ع) - وهو المختار 31، من الباب الثاني، من النهج - وبوصيته عليه السلام الى محمد بن الحنفية (ره) - وقد سبق ذكرها في هذا الكتاب - وبالرجوع الى خطبة الوسيلة، فضلا عمن احاط خبرا بكلامه (ع) في نهج البلاغة ونهج السعادة. مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية