يه القاعدة بعد ورود النص الخاص. اللهم إلا أن يقال: إن النسبة بين ما دل على اعتبار الرجحان في متعلق النذر وأنه لا ينعقد إذا لم يكن راجحا، وبين إطلاق هذه النصوص عموم من وجه، ولا وجه لتقديمها عليه. =========================================================================== (1) الوسائل باب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 1. (2) الوسائل باب 8 من كتاب النذر حديث 3. (3) الوسائل باب 8 من كتاب النذر حديث 1. =========================================================================== [ 319 ] [... ] هذا كله إذا كان متعلق النذر خصوصية المشي، وأما إذا كان المنذور الحج ماشيا فلا خلاف في انعقاده في الجملة، ووجوب الوفاء به، بل في الجواهر: بل لعل الاجماع بقسميه عليه. ويشهد به - مضافا الى عمومات صحة النذر ونفوذها، لانه عبادة راجحة - جملة من النصوص المتقدمة كصحيح رفاعة، وخبر محمد، وصحيح ابن أبي عمير المذكروة آنفا، وقد استشهد بها صاحب الجواهر وغيره من الاساطين لهذه المسألة، وهذا يؤيد ما ذكرناه من عدم دلالتها على حكم المسألة السابقة، وكيف كان فلا خلاف في أصل الحكم. إنما الكلام فيما إذا لم يكن المشي أرجح، فالمشهور انعقاده. وعن أيمان قواعد المصنف، وظار كشف اللثام عدم انعقاد نذره. وعن الايضاح انعقاد أصل النذر ولا يلزم المشي. والاظهر: الاول، إذ المنذور الحج ماشيا ولا ريب في رجحانه، وأفضلية غيره لا توجب عدم انعقاده، فإن المعتبر فيه الرجحان لا الارجحية، ولا يعتبر كون المنذور راجحا بجميع قيوده وأوصافه. ولنعم ما أفاده الشهيد الثاني - ره - في محكي المسالك، قال: إن الحج في نفسه عبادة وهي تتأدى بالمشي والركوب وغيرهما من أنواع الاكوان الموجبة لانتقاله الى المشاعر المخصوصة، فنذره على إحدى الكيفيات نذر عبادة في الجملة وإن كان غيرها أرجح منها، إذ لا يشترط في انعقاد نذر شئ كونه أعلى مرتبة من جميع أفراده، ونظيره نذر الصلاة في الزمان والمكان الخاليين عن المزية أو المشتملين على المزية الناقصة عن غيرها. انتهى. أضف الى ذلك إطلاق النصوص المتقدمة، وإما صحيح الحذاء فسيأتي الكلام فيه. =========================================================================== [ 320 ] [... ] ومما ذكرناه ظهر حكم ما لو نذر الحج راكبا، فإنه إذا نذر أن يركب في الحج بحيث كان النذر واردا على القيد اعتبر كونه راجحا، ومع كونه راجحا ينعقد نذره وإن كان المشئ افضل، ومع عدمه لا ينعقد، وقد مر تنقيح القول في المبنى. وإما إن كان النذر واردا على المقيد بالركوب فينعقد في جميع الصور، إذ لا يعتبر في النذر كون المتعلق راجحا بجميع قيوده وحدوده، فتدبر. لو نذر الحج حافيا فروع: 1 - لو نذر الحج حافيا، فتارة ينذر الحج المقيد بالمشي حافيا، واخرى ينذر المشي المقيد بالحفا، وثالثة ينذر الحفا في المشي، والكلام يقع أولا فيما تقتضيه القواعد، ثم فيما تقتضيه النصوص الخاصة كصحيح الحذاء وخبر سماعة وحفص. أما الاول ففي الصورة الاولى ينعقد النذر مطلقا ويجب الوفاء به، لان المنذور راجح مطلقا وإن كان غيره أرجح منه، بل وإن كان قيده مرجوحا، فإن المعتبر رجحان المتعلق نفسه كما مر. وفي الصورة الثانية ينعقد في مورد رجحان المشي مطلقا وإن كان المشي متنعلا افضل من المشي حافيا، لما مر. وفي الصورة الثالثة ينعقد النذر، لان الحفا في المشي الى الحج راجح بنفسه، ففي خبر محمد بن علي بن الحسين المتقدم: أن الحاج إذا انقطع شسع نعله كتب الله له ثواب ما بين مشيه حافيا الى متنعل. وأما الثاني، ففي المقام روايتان: إحداهما صحيحة أبي عبيدة الحذاء قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن =========================================================================== [ 321 ] [... ] رجل نذر أن يمشي الى مكة حافيا، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج حاجا فنظر الى امرأة تمشي بين الابل، فقال: من هذه؟ فقالوا: اخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي الى مكة حافية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عقبة انطلق الى اختك فمرها فلتركب، فإن الله غني عن مشيها وحفاها (1). ظاهر الصحيحة عدم مشروعية نذر الحج ماشيا حافيا، فإن المراد من غنى الله سبحانه عدم المشروعية، وإلا فالله غني عن العالمين، وموردها ما ذكرناه لا المشي ولا الحفا فيه، كما يظهر مما ذكرناه في النصوص المتقدمة في الفرع السابق. وأجاب الاصحاب عنها بوجوه: الاول: ما في المنتهى، قال: إن ذلك حكاية حال فلا عموم، وإنما تناول صورة واحدة، فلعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم من حال المرأة العجز عن المشي، فأمرها بالركوب. انتهى، ونحوه ما عن المعتبر، وقد تبعهما سيد العروة. وفيه أولا: أن ما في ذيلها من التعليل يدفع ما افيد، فإنه ظاهر في أن المحذور عدم مطلوبية مشيها وحفاها. وثانيا: أن الامام عليه السلام في مقام بيان الجواب عما سأله الراوي اكتفى ببيان هذه الواقعة، ولو كان كما أفادوا من كونها قضية في واقعة لما صح ذلك كما لا يخفى. الثاني: حملها على صورة التضرر أو إيجابه كشفها أو ما شابه ذلك. وفيه: - مضافا الى أنه حمل لا شاهد له - يأبى عنه ما في ذيلها من التعليل. الثالث: أنها تحمل بقرينة ما فيها من التعليل بعدم مطلوبية مشيها وحفاها على إرادة المشي حافيا، كما عن الدروس وسيد المدارك، لا نذر الحج ماشيا حافيا. =========================================================================== (1) الوسائل باب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 4. =========================================================================== [ 322 ] [... ] لكنه أيضا لا يلائم مع كون نقله جوابا عما سأله الرجل عن الامام الباقر عليه السلام، إلا أن يقال: إن السؤال أيضا يكون عن نذر المشي حافيا. وعليه فيعارضه الخبر الآخر وهو خبر سماعة وحفص قالا: سألنا أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نذر يمشي الى البيت الله حافيا، قال عليه السلام: فليمش فإذا تعب فليركب (1). والترجيح مع الخبر. بل الصحيح اعرض الاصحاب عنه ولم يعملوا به لو نذر الحج ماشيا أو حافيا مع كونه حرجيا عليه 2 - لو نذر الحج ماشيا أو حافيا على نحو نذر الخصوصية مع عدم تمكن الناذر منه لم ينعقد، لانتفاء الشرط. ولو نذر مع تضرره به فإن قلنا بحرمة الاضرار بالنفس لا إشكال في عدم انعقاد النذر، لان المشي أو الحفا وإن كان بعنوانه الاولي راجحا لكنه بعنوانه الثانوي وهو كونه مضرا يصير مرجوحا فلا ينعقد النذر. وإن لم نقل بحرمته فحكمه حكم ما لو كان حرجيا. وملخص القول فيه: أنه تارة لا يعلم حين النذر بكون المشي الى الحج أو الحفافيه في وقته حرجيا لا كلام في انحلال نذره، بل في انكشاف عدم انعقاده من الاول لا من جهة تقيد نذره بكونه غير حرجي، فإنه ربما لا يكون ملتفتا الى ذلك، كي يقصده، بل لاطلاق أدلة نفي العسر والحرج الحاكم على جميع الادلة الاولية، ولازم ذلك عدم وجوب الوفاء به، وعدم مشروعيته لا خصوص الاول منها، لما مر في بعض =========================================================================== (1) الوسائل باب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 10. =========================================================================== [ 323 ] [... ] المسائل السابقة في الفصل السابق من أن حديث نفي الضرر ودليل نفي العسر والحرج إنما ينفيان كل حكم أعم من التكليفي والوضعي، وبعده لا كاشف عن وجود الملاك، وإنما أفيد - من أنهما يرفعان العقاب أو اللزوم، أو الحكم مع بقاء الملاك لا يمكن المساعدة على شئ من ذلك. نعم لو أتى بالحج ماشيا أو حافيا حينئذ يكون ذلك عبادة مطلوبة للشارع، لان دليل نفي العسر لا يصلح لرفع الحكم الاستحبابي، لوروده مورد الامتنان. وأما إذا علم من الاول كونه حرجيا عليه، فالظاهر وجوب الوفاء به، فإن دليل نفي العسر والحرج لوروده مورد الامتنان لا يشمل ما كان في رفعه خلاف ذلك، وعليه فمن علم بأن المنذور حرجي ومع ذلك يقدم على ذلك ويجعله في ذمته، أو علم أنه ضرري وأقدم عليه مع عدم كون الاضرار بالنفس حراما أو كان الضرر ماليا لا يكون نذره ذلك مشمولا لادلة نفي العسر والحرج أو الضرر، فتشمله العمومات والمطلقات الدالة على الصحة والنفوذ، إذ الفرض أن استحباب الحج ماشيا أو حافيا بحاله فالمتعلق راجح في نفسه، ودليل وجوب الوفاء بالنذر أيضا غير مشمول لتلك الادلة فيجب الوفاء به. ويؤيد ذلك ما دل من الأدلة على وجوب الوفاء بنذر الحج ماشيا أو حافيا، فإنه حرجي بحسب الغالب، وكذا ما دل على وجوب الوفاء بنذر الصدقة، وما شاكل، فإنه ضرري، فيعلم من ذلك عدم مشمولية الموردين لادلة نفي العسر والحرج والضرر، فتدبر. =========================================================================== [ 324 ] [... ] تعيين مبدأ المشي ومنتهاه 3 - في تعين مبدأ المشي ومنتهاه خلاف بين الاصحاب، فالكلام في موردين: الاول: في المبدأ وفيه أقوال: منها: ما عن الشيخ في المبسوط، والمصنف - ره - في التحرير، والمحقق في الشرائع، وغيرهم في غيرها أنه بلد النذر. ومنها: ما عن الشهيد - ره - في الدروس، ومال إليه صاحب الحدائق - ره - وهو بلد الناذر. ومنها: أنه الاقرب من البلدين الى الميقات. ومنها: أنه البلد الذي يقصد منه الى الحج، ذهب إليه كاشف اللثام. ومنها: أنه حين الشروع في افعال الحج اختاره الشهيد الثاني وسيد المدارك وصاحب الجواهر - ره - وغيرهم. أقول: لا ينبغي الكلام في أنه إن كان الناذر قصد محلا معينا وتعلق النذر به كذلك كان هو المتعين، لان المشي راجح من أي محل شرع فيه فيتبع في تعيينه تعيين الناذر. ودعوى أن المشي الراجح هو من مكة، لصحيح رفاعة المتقدم الدال على أن الحسن بن علي (ع) كان مبدأ مشيه مكة. تندفع: بأنه وإن كان يتضمن الحديث أفضلية الركوب إلا من مكة، إلا أنه يعارضه عدة من النصوص الدالة على أن مشيه الى الحج كان من المدينة، فراجع، وكذلك إذا كان هناك انصراف وإلا فالقول الاخير لا يخلو من قوة، لما أفاده جمع من الاساطين بان المشي حال من الحج وهو اسم للمناسك المخصوصة فلا يجب المشي إلا حالة الحج والاشتغال بأفعاله. =========================================================================== [ 325 ] [... ] اللهم إلا أن يقال: إن ذلك يتم فيما لو قال الناذر: لله علي أن أحج ماشيا. وأما لو نذر وأجرى الصيغة بما تضمنته النصوص وهو هكذا: لله علي المشي الى بيت الله أو الى مكة. وما شاكل، فإنه لا يأتي فيه البرهان المزبور، بل يمكن منعه في الاول أيضا كما عن الشيخ في المبسوط بأن يراد من الحج القصد لا الافعال فيجب المشي من حين الشروع في قصد البيت. وعلى ذلك، فالاظهر هو القول الرابع، فإن المتبادر الى الذهن من نذر الحج ماشيا ما هو المتبادر إليه من نظائره كنذر زيارة الحسين عليه السلام ماشيا وهو المشي من حين الشروع في السفر، والى ذلك يرجع ما عن كشف اللثام من التعليل له بتطابق العرف واللغة، ويؤيده النصوص المتضمنة للقيام في المعبر الآتية، ولو تم ما ذكرناه وإلا فمقتضى أصالة البراءة عدم الوجوب إلا من أول أفعال الحج. المورد الثاني في منتهاه، فعن الدروس والشرائع أن منتهاه مع عدم التعيين طواف النساء. وعن المسالك أنه المشهور بين الاصحاب، وذهب أصحاب المسالك والمدارك والجواهر وغيرهم من الاساطين أنه رمي الجمار، وربما يحتمل أن يكون المنتهى الافاضة من عرفات. ويشهد للثاني جملة من النصوص كصحيح جميل عن أبي عبد الله عليه السلام: إذا حججت ماشيا ورميت الجمرة، فقد انقطع المشي (1). وصحيح إسماعيل بن همام عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال أبو عبد الله عليه السلام في الذي عليه المشي في الحج: إذا رمى الجمرة زار البيت راكبا (2). =========================================================================== (1) الوسائل باب 35 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 2. (2) الوسائل باب 35 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 3. =========================================================================== [ 326 ] [... ] وصحيح الحلبي أنه سأل أبا عبد الله عن الماشي متى ينقضي مشيه؟ قال عليه السلام: إذا رمى الجمرة وأراد الرجوع راكبا فقد انقضى مشيه وإن مشى فلا بأس (1). ونحوها غيرها. ثم إن الظاهر أن مورد النصوص هو ما إذا لم يعين الناذر المنتهى في نذره، وإنما نذر الحج ماشيا وأطلق من حيث المنتهى، وعلى فالنصوص على وفق القاعدة، فإن آخر أفعال الحج رمي الجمار، فلو كان قصده المشي بعد ذلك وجب. ولعله لذلك أفتى المشهور - على ما نسب إليهم - بأن منتهى المشي طواف النساء، فإنه وإن لم يكن من أجزاء الحج ولكن عدم كونه من أجزائه لا ينافي ما ذكرناه بعد كونه من توابع الحج، وعلى أي تقدير تكفي النصوص المتقدمة في ردهم. وبما ذكرناه ظهر مدرك القول الاول وضعفه. واستدل للثالث بخبر يونس بن يعقوب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام متى ينقطع مشي الماشي؟ قال عليه السلام: إذا أفاض من عرفات (2). وفيه: أنه لم يعرف القائل به، ولا يصلح لمعارضته النصوص المتقدمة، ولا يمكن الجمع بتقييده بما إذا افاض ورمى كما هو واضح، فالمتعين طرحه أو حمله على بعض المحامل. لا يجوز لمن نذر المشي أن يركب البحر 4 - إذا نذر المشي الى الحج لا يجوز له أن يركب البحر بلا خلاف، لمنافاته للنذر. =========================================================================== (1) الوسائل باب 35 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 5. (2) الوسائل باب 35 من أبواب وجوب الحج وشرائطة حديث 6. =========================================================================== [ 327 ] [... ] ولو اضطر إليه لعروض المانع من سائر الطرق، فقد يقال بأن النذر ينعقد ولا ينحل ويجب المشي إلا فيما لا يمكن، لان نذر المشي ينصرف الى ما يصح المشي فيه، فيكون موضع العبور مستثنى بالعادة، ولكن ذلك فيما لو علم بذلك من الاول. وأما الجاهل به، بل المعتقد تمكنه من المشي في جميع الطريق فلا يتم فيه ذلك، فإنه ينصرف الى المشي في الجميع، والفرض أنه غير متمكن من ذلك، فيسقط نذره. نعم إذا كانت النقطة التي يمتنع المشي فيها قصيرة جدا بحيث لا ينافي صدق المشي في طريق الحج لا يسقط نذره، بل يركب البحر. وأما خبر السكوني الآتي، فلعدم وروده في مقام بيان موارد انعقاد النذر لا إطلاق له من هذه الجهة، وسيأتي الكلام فيه. وبهذا يظهر حكم ما لو كان الطريق منحصرا فيه من الاول، فإنه إن علم به ومع ذلك نذر المشي انعقد نذره، وينحصر المشي الواجب في المقدار الممكن، ولا مانع من الركوب الذي يحتاج إليه. وإن كان جاهلا به فإن كان المقدار الذي يحتاج فيه الى الركوب قصيرا بحد لم يكن مضرا بصدق أنه حج ماشيا انعقد ايضا، ولا يضر الركوب في ذلك المقدار، وإلا فالظاهر عدم انعقاد نذره، لعدم التمكن من متعلقه، والاستدلال بقاعدة الميسور لوجوب الباقي في غير محله، لعدم تماميتها في أجزاء الواجب. وقد نسب الى المشهور أنه في ما يجوز الركوب ويكون النذر غير منحل يجب أن يقوم في المركب. وفي التذكرة والمنتهى وعن التحرير والقواعد الحكم باستحباب القيام فيه. وذهب جماعة الى عدم وجوبه وعدم استحبابه. واستدل للاول بقاعدة الميسور بتفريب: أن المشي مركب من القيام والحركة، فإذا تعذر أحدهما لم يسقط الآخر. =========================================================================== [ 328 ] [... ] وفيه: - مضافا الى عدم تمامية قاعدة الميسور في أجزاء المركب - أنه لا يكون القيام ميسور المشي عرفا، بل مفهوم المشي لم يؤخذ فيه القيام، وإنما اجتماعهما غالبي. وربما يستدل له بخبر السكوني الذي رواه المشايخ الثلاثة عن جعفر عليه السلام عن أبيه عن آبائه عليهم السلام أن عليا عليه السلام سئل عن رجل نذر أن يمشي الى البيت فعبر في المعبر، قال عليه السلام: فليقم في المعبر قائما حتى يجوزه (1). والايراد عليه بضعف السند في غير محله، لان السكوني والنوفلي الموجودين في السند من المعتمدين عليهم عند الاصحاب، وقد بينا القرائن الموجبة للوثوق بوثاقتهما في بعض مباحث هذا الشرح. وأضعف منه دعوى الاعراض، فإنه مع إفتاء الاصحاب بوجوب القيام كيف يدعي الاعراض، فالاظهر هو وجوب القيام. ثم إن الخبر من جهة وروده في مقام بيان الوظيفة مع الركوب في المعبر لا دلالة له على جواز الركوب فيه وعدمه، وعليه فمن جهة عدم معلومية مورد الجواز لابد وأن يقتصر على المتيقن، وهو ما تقدم من الموارد التي تقتضي القاعدة جوازه فيها. وبما ذكرناه ظهر ضعف ما عن المصنف - ره - من حمل الامر فيه على الاستحباب، إذ لا وجه له إلا أحد أمرين: إما ضعف سنده والحكم بالاستحباب لقاعدة التسامح في أدلة السنن، أو أن نذر المشي ينصرف الى ما يصح المشي فيه فيكون موضع العبور مستثنى بالعادة فلا يتعلق النذر به مطلقا، كما في المنتهى، وقد عرفت ما فيهما. =========================================================================== (1) الوسائل باب 37 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 1. =========================================================================== [ 329 ] [... ] لو نذر المشي في الحج فحج راكبا 5 - إذا نذر المشي فخالف نذره فحج راكبا، ففيه صور: الاولى: أن ينذر الحج ماشيا في سنة معينة. الثانية: أن ينذر الحج ماشيا مطلقا من غير تقييد بسنة معينة فخالف وأتى به راكبا. الثالثة: أن ينذر المشي في حج معين منذور بنذر آخر أو حجة الاسلام مثلا، أو ما شابه ذلك. أما في الصورة الاولى فالكلام تارة في صحة ما أتى به من الحج راكبا واخرى في إجزائه عن الحج المنذور، وثالثة في وجوب القضاء والكفارة. أما صحة ما أتى به فمقتضى القاعدة تلك، فإنه وإن خالف المنذور إلا أن المأتي به عبادة في نفسه وقع على وفق أمره فيكون صحيحا. وعن سيد المدارك وغيره بطلانه، واستدل للبطلان بوجوه: الاول: أن الامر بالحج المنذور وهو الحج ماشيا يقتضي النهي عن ضده وهو الحج راكبا، والنهي عن العبادة يقتضي الفساد. وفيه أولا: أن الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده، كما حقق في الاصول. وثانيا: أن التضاد إنما هو بين الركوب والمشي، وشئ منهما لا يكون داخلا في الحج ومن أجزائه، فلو كان هناك اقتضاء فإنما هو اقتضاء الامر بالمشي للنهي عن الركوب لا عن الحج، إلا أن يأتي ببعض أفعال الحج راكبا كالطواف والسعي، فإنه حينئذ يتحد المأمور به والمنهي عنه فيفسد على فرض تسليم المبنى، وأما الركوب في الطريق فلا يوجب فساد ما بعده من الاعمال. =========================================================================== [ 330 ] [... ] الثاني: ما ذكره بعض الاعاظم من المعاصرين وهو أنه بناء على أن السير من الميقات الى مكة من أجزاء الحج تشكل صحته من جهة أن السير راكبا تفويت لموضوع النذر، فيكون حراما من باب أن علة الحرام حرام ولو عقلا على نحو يكون مبعدا، فيمتنع أن يكون مقربا، وحرمة السبب المبعد المفوت للواجب لا ترتبط بحرمة الضد. وفيه أن ما ذكر أحد الوجوه التي استدل به للاقتضاء، وهو يجري في جميع موارد التضاد، مثلا: الصلاة والازالة يجري فيهما عين هذا البرهان، ويقال: إن الصلاة مفوتة للازالة الواجبة فتكون حراما من باب أن علة الحرام حرام. والحل: أن العلة التامة والسبب التوليدي للحرام حرام لا العلل المعدة، وفي المقام على فرض ترك الحج راكبا يمكن أن يحج ماشيا ويمكن أن لا يحج أصلا، وتمام الكلام في محله. الثالث: ما دل على أنه لا تطوع في وقت الفريضة، فإن الحج راكبا تطوع، والواجب عليه الحج ماشيا فهو ممنوع عنه. وفيه أولا: أنه يختص الدليل بالصلاة ولا مورد له في غيرها إلا بالقياس. وثانيا: أنه لا مانع من التطوع في وقت الفريضة حتى في الصلاة كما حقق في محله. وثالثا: أنه وإن وجب الحج ماشيا إلا أن المأتي به أيضا ربما يكون واجبا بإجارة وشبهها. الرابع: ما عن سيد المدارك وهو أن الحكم بوجوب الاعادة يستفاد منه كون الحج المأتي به فاسدا. وفيه: أنه لم يدل دليل على وجوب الاعادة، ولو كان هناك إجماع فإنما تكون الاعادة من جهة قضاء ما تركه من الواجب بالنذر، ولا يستفاد منه عدم صحته =========================================================================== [ 331 ] [... ] لمطابقته للمأمور به بأمر آخر غير الامر النذري. الخامس: أن الحج النذري الذي هو المقصود لم يقع وما يحكم بوقوعه لم يقصد. وفيه أولا: أنه لو تم لاختص بما إذا لم يقصد الحج الآخر، بل قصد الحج النذري، ومحل الكلام أعم من ذلك. وثانيا: أن النذر لا يكون منوعا للحج ولا يوجب قيدية المشي له، وإنما يوجب وجوب المقيد، وعليه فمن أتى به وإن قصد الحج المنذور يكون آتيا بالحج المأمور به بالامر التطوعي مثلا مع جميع قيوده وحدوده مضافا الى الله تعالى، ولا يعتبر في الامتثال وسقوط الامر أزيد من ذلك، والاتيان به بعنوان الوفاء بالنذر لا يكون أحد الموانع عن التقرب إلا إذا علم بعدم كونه كذلك، فينطبق عليه عنوان التشريع المحرم. وبذلك يظهر ما في كلام بعض الاعاظم، قال: إن الناذر حين ما يأتي بالج المنذور يأتي به بعنوان الوفاء بالنذر، والوفاء من العناوين التقييدية لا من قبيل الداعي، فمع انتفائه لا قصد للفاعل، وحينئذ لا يكون عبادة لانتفاء قصد الامر، وقد مر تفصيل ذلك في مسألة من وجب عليه حجة الاسلام وأتى بغيرها، فراجع، فالمتحصل: أن الاظهر صحته. وأما إجزاؤه عن الحج المنذور فالاظهر عدمه، لان المشي داخل في تحقق الحج المنذور، فمع الاخلال به لا يتحقق الوفاء بالنذر، لعدم تحقق متعلقه. وما نسب الى المصنف - ره - والمحقق وغيرهما من الاجزاء فالظاهر أن محل كلامهم نذر المشي خاصة لا الحج ماشيا، فراجع كلماتهم. أما الجهة الثالثة، فوجوب الكفارة عليه لا إشكال فيه، لحنث النذر، وأما وجوب القضاء فقد مر الكلام فيه مفصلا، وعرفت أنه لا دليل عليه سوى الاجماع وتسالم الاصحاب عليه. وأما في الصورة الثانية وهي ما لو نذر الحج ماشيا غير مقيد بسنة معينة، فلو =========================================================================== [ 332 ] [... ] حج راكبا صح حجه وأجزأ عما أتى به بعنوانه - غير عنوان النذر - بلا كلام، ولا كفارة عليه، لعدم المخالفة. نعم يجب عليه الاتيان به ماشيا في العام اللاحق أو فيما بعده من السنوات بعنوان الاداء لا القضاء، وهذا واضح. وأما في الصورة الثالثة، وهي ما لو نذر المشي في الحج المعين كما لو نذر الحج مطلقا ثم نذر نذرا آخر بإتيان المنذور ماشيا فحج راكبا، فالكلام في صحة ما أتى به هو الكلام فيها في الصورة الاولى قولا ودليلا، فالاظهر صحته. وأما إجزاؤه عن حجه المنذور فالظاهر ذلك، فإن النذر الثاني لا يوجب قيدية المشي للمنذور بالنذر الاول، وعليه فيكون مجزيا عنه كما صرح به المصنف - ره - في أغلب كتبه. وأما الكفارة فالظاهر ثبوتها للمخالفة للنذر الثاني، وعدم وجوب القضاء واضح لا سترة عليه. ولو ركب بعضا ومشى بعضا فحكمه حكم ركوب الكل، لان المقصود من نذر قطع المسافة بالمشي قطعها كذلك في عام واحد، وعليه فما عن الشيخ وجمع من الاصحاب من أنه يقضي ويمشي موضع الركوب. غير تام، كما أن الاستدلال لذلك بما عن المختلف من أن الواجب عليه قطع المسافة ما شيا وقد حصل بالتلفيق فيخرج عن العهدة. في غير محله. وقد أجاب هو - قده - ايضا عن ذلك بالمنع من حصوله مع التلفيق، والظاهر أن ما ذكرناه واضح لا حاجة الى إطالة الكلام فيه. =========================================================================== [ 333 ] [... ] لو نذر المشي في الحج ثم عجز 6 - لو نذر أن يحج ماشيا وانعقد نذره لتمكنه منه ثم عجز عن المشي سقط وجوب المشي بلا كلام، لعدم التمكن، ففي وجوب الحج راكبا أقوال: أحدها: وجوبه راكبا مع سياق بدنة. نسب الى الشيخ وجماعة من الفقهاء، وعن الخلاف دعوى الاجماع عليه. ثانيها: وجوبه راكبا بلا لزوم سياق بدنة، وهو المنسوب الى المفيد وابن الجنيد وابن سعيد والشيخ في نذر الخلاف، وعن كشف اللثام: أنه يحتمله كلام الشيخين والقاضي ونذر النهاية والمقنعة والمهذب. ثالثها: سقوط وجوب الحج إذا كان الحج مقيدا بسنة معينة، أو كان مطلقا مع اليأس من التمكن بعد ذلك وتوقع المكنة مع الاطلاق وعدم اليأس، نسب الى الحلي والمصنف في الارشاد والمحقق الثاني في حاشية الشرائع، وهو الظاهر من المنتهى. رابعها: وجوب الركوب مع تعيين السنة أو اليأس في صورة الاطلاق وتوقع المكنة مع عدم اليأس فيها، وهو المنسوب الى المصنف في المختلف، والشهيد الثاني في المسالك. خامسها: وجوب الركوب مع سياق بدنة إذا كان بعد الدخول في الاحرام، وإذا كان قبله فالسقوط مع التعيين وتوقع المكنة مع الاطلاق، وهو الذي اختاره سيد المدارك، هذه هي أقوال المسألة. وأما المدرك، فلا بد من التكلم في موردين: الاول: فيما تقتضيه القاعدة. الثاني في مقتضى النصوص الخاصة. أما الاول، فإن كان المنذور مقيدا بسنة معينة سقط وجوب الحج مع العجز عن =========================================================================== [ 334 ] [... ] المشي، لعدم التمكن من المشي الذي هو قيد للمنذور. والتمسك بقاعدة الميسور في وجوب الباقي. قد مر غير مرة أنه غير تام، لعدم تمامية القاعدة في إجزاء الواجب. وما عن الشهيدين من أن نذر الحج ماشيا يرجع الى نذرين: نذر الحج ونذر المشي، فإذا تعذر الثاني بقي الاول. يرد عليه أنه غير ظاهر، فإن النذر واحد ورد على المقيد بالمشي، وإرجاعه الى نذرين خلاف قصد الناذر. وإن كان المنذور غير مقيد بسنة معينة، فإن ارتفع العذر وتمكن وجب الاتيان به، إذ المفروض أن وقت المنذور موسع وهو متمكن من العمل به، ومجرد العجز في بعض الوقت مع التمكن منه بعده لا يوجب سقوطه من غير فرق بين اليأس من المكنة أو الرجاء لها، وهذا هو القول الثالث مع اختلاف يسير. وأما المورد الثاني، ففي المقام طوائف من النصوص: الاولى: ما يدل على وجوب الحج راكبا مع سياق بدنة كصحيح الحلبي، قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل نذر أن يمشي الى بيت الله وعجز عن المشي. قال عليه السلام: فليركب وليسق بدنة فإن ذلك يجزي عنه إذا عرف الله تعالى منه الجهد (1). وصحيح ذريح المحاربي، سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل حلف ليحجن ماشيا فعجز عن ذلك فلم يطقه، قال عليه السلام: فليركب وليسق الهدي (2). وخبر أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رآى رجلا يهاوي بين ابنيه وبين رجلين قال: ما هذا؟ قالوا: نذر أن يحج ماشيا. قال: إن الله تعالى غني عن تعذيب =========================================================================== (1) الوسائل باب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 3. (2) الوسائل باب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 2. =========================================================================== [ 335 ] [... ] نفسه، مروه فليركب وليهد (1). وهذه النصوص ظاهرة في وجوب الحج راكبا مع سياق بدنة من غير فرق بين كون النذر مقيدا بسنة معينة أو مطلقا مع عدم توقع المكنة، أما مع توقعها والعلم بالمكنة عبد ذلك فالظاهر عدم شمول النصوص له، فإن موضوعها العجز عن الاتيان بالمنذور، فلابد وأن يكون في المطلق عاجزا في تمام العمر، فحينئذ إن علم بذلك حج راكبا وساق بدنة وإن علم بالمكنة توقعها، وإن شك في ذلك يستصحب العجز، فتشمله النصوص، وفي الصورتين إذا تمكن أتى بالمنذور، فإنه ينكشف به عدم شمول النصوص له من الاول. الطائفة الثانية: ما يدل على وجوب الحج راكبا من دون تعرض لسياق بدنة كصحيح رفاعة بن موسى قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل نذر أن يمشي الى بيت الله. قال: فليمش. قلت: فإنه تعب. قال: فإذا تعب ركب (2). وصحيح محمد بن مسلم سأل أحدهما عليه السلام عن رجل جعل عليه مشيا الى بيت الله تعالى فلم يستطع، قال عليه السلام: يحج راكبا (3). ونحوهما - أخبار سماعة وحفص ومحمد بن مسلم وحريز، ومرسل الصدوق (4)، وبعضها في نذر المشي حافيا. والجمع بين الطائفتين يقتضي أن يلتزم بوجوب السياق، فإن السكوت عن بيان القيد لا يزيد عن المطلق الذي يقيد إطلاقه بالمقيد. =========================================================================== (1) الوسائل باب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 8. (2) الوسائل باب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 1. (3) الوسائل باب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 9. (4) الوسائل باب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 10 - 11 - 12 - 5. =========================================================================== [ 336 ] [... ] الطائفة الثالثة: ما يكون صريحا في عدم وجوب سياق بدنة كخبر عنبسة بن مصعب قال: قلت له - يعني لابي عبد الله عليه السلام -: اشتكى ابن لي فجعلت لله علي إن هو برأ أن أخرج الى مكة ماشيا وخرجت أمشي حتى انتهيت الى العقبة فلم استطع أن أخطو فيه فركبت تلك الليلة حتى إذا أصبحت مشيت حتى بلغت فهل علي شئ؟ قال، فقال لي: اذبح فهو أحب إلي. قلت له: أي شئ هو الي لازم أم ليس لي بلازم؟ قال: من جعل لله على نفسه شيئا فبلغ فيه مجهوده فلا شئ عليه، وكان الله أعذر لعبده (1). وإيراد صاحب المدارك عليه بأن الراوي لها واقفي ناووسي. في غير محله، فإن الراوي عنه البزنطي الذي هو من أصحاب الاجماع، مضافا الى اعتماد الشيخ وجماعة عليه، مع أن ابن أبي عمير يروي عن جميل في نفقة الاقارب رواية فيها قال جميل: قد رووا أصحابنا - وهو عنبسة بن مصعب وسودة بن كلب. الحديث، وهذه كلها تكفي في كون الخبر موثقا، ولذا عده في الجواهر من قسم الموثق. والجمع بينه وبين النصوص المتقدمة يقتضي حملها على الاستحباب من جهة حمل الظاهر على النص، ويؤيد ذلك الطائفة الثانية. ومقتضى إطلاق النصوص عدم الفرق في وجوب الركوب بين أن يكون العجز قبل الشروع في الذهاب أو بعده، ومن غير فرق أيضا بين قبل الدخول في الاحرام أو بعده، واختصاص بعض النصوص بما بعد الاحرام لا يوجب تقييد إطلاق غيره، لكونهما متوافقين. وبما ذكرناه ظهر مدارك سائر الاقوال وما يرد عليها. والمستفاد من صحيح رفاعة وخبر حفص وسماعة المتقدمين ان الحرج والتعب =========================================================================== (1) الوسائل باب 34 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 6. =========================================================================== [ 337 ] [... ] يكفي في وجوب الركوب وإن لم يصل الى حد العجز. وربما يورد على الاستدلال بالنصوص لوجوب الركوب بأن الامر فيها لوروده مورد توهم الحظر لا يستفاد منه أزيد من الجواز، فلا دليل على وجوب الركوب، ولذلك التجأ بعضهم للاستدلال على الوجوب تارة بالاجماع، واخرى بقاعدة الاحتياط، وثالثة بقاعدة الميسور، والكل كما ترى. ولكن يرد على الاشكال: أنه في الفرض يحتمل السائل ابتداء عدم وجوب الحج أصلا، ووجوبه راكبا، ولا يحتمل شيئا آخر، فلا صارف عن ظهور الامر في الوجوب. وبعبارة اخرى: احتمال المنع عن الركوب إنما هو في ظرف القدرة على المشي لا في صورة العجز عنه، فتدبر، مع أن قوله في صحيح الحلبي بعد الامر بالركوب، فإن ذلك يجزيه، كالصريح في اشتغال الذمة بالحج بعد العجز أيضا، وأن الحج راكبا يجزي عنه ويسقطه، ومع هذا التعليل لا معنى لاحتمال ورود الامر مورد توهم الحظر، فتحصل أنه لا مناص عن البناء على وجوب الحج راكبا. ولا فرق فيما ذكرناه من مقتضى القاعدة، وفيما يستفاد من النصوص الخاصة بين أن يكون العجز عن المشي لضعف في الاستعداد، أو لمرض، أو لوجود مانع في الارض من ماء ونحوه، أو لمانع آخر من عدو أو حيوان. وانصراف النصوص الا خصوص ما إذا كان العجز عن قصور في الفاعل فيختص بالاولين لو سلم فهو بدوي يزول بأدني تأمل. =========================================================================== [ 338 ] [... ] المطلب الثاني: في النيابة قد تقدم في بعض المباحث المتقدمة أن النيابة عن الحي أو الميت خلاف الاصل، وأن إطلاق الصيغة، بل توجه الامر نفسه أيضا يقتضيان المباشرة فسقوط الواجب بفعل الغير يتوقف على ورود دليل تعبدي، وقد ورد في عدة موارد منها: الحج المندوب عن الميت والحي، والحج الواجب عن الميت، وعن الحي في بعض الصور، وقد تقدم تفصيله. (و) إنما الكلام في المقام فيما يعتبر في النائب والمنوب عنه وحقيقة النيابة وشرائطها. (أما النائب فشرطه) امور: الاول (الاسلام) بلا خلاف في اعتباره، وفي الجواهر: إجماعا بقسميه. واستدلوا له بعدم تمشي قصد القربة منه. وقد تقدم ما فيه. والحق أن يستدل له - مضافا الى ما تقدم من عدم صحة حج الكافر، لتسالم الاصحاب عليه، ولتوقف بعض الاعمال على دخوله الحرم وهو ممنوع منه، ولتوقف بعض أعماله كالطواف على طهارة البدن وهو نجس - بخبر مصادف عن ابي عبد الله عليه السلام في المرأة تحج عن الرجل الصرورة، فقال: إن كانت قد حجت وكانت مسلمة فقيهة. الحديث (1). وخبر الآخر عنه (ع) قال: سألته أتحج المرأة عن الرجل؟ فقال عليه السلام: =========================================================================== (1) الوسائل باب 8 من أبواب النيابة في الحج حديث 4. =========================================================================== [ 339 ] [... ] نعم إذا كانت مسلمة فقيهة (1). فإنهما يدلان على اشتراط الاسلام في النائب، ولا يضر فيه شرط كونها قد حجت، مع أنه غير شرط، لانه قرينة على أن المراد المرأة المستطيعة. نيابة المخالف وهل يشترط في النائب الايمان فلا يصح نيابة المخالفين، كما ذهب إليه جماعة منهم صاحبا الحدائق والجواهر، أم لا يعتبر فتصح نيابتهم كما هو ظاهر الاكثر حيث لم يتعرضوا لهذا الشرط؟ وجهان. وقد استدل للاول بما ذكره جماعة وهو أن عمله غير صحيح في نفسه، لفقده شرط الصحة وهو الولاية، فإذا كان باطلا لا يصح أن ينوب وهو واضح. واورد عليهم بأن بطلان عبادة المخالف إنما استفيدت من الاخبار، والظاهر منها العبادات الراجعة الى نفسه، فلا تشمل ما نحن فيه. وفيه: أنه قد تقدم ذكر النصوص المستدل بها على شرطية الولاية لصحة الاعمال، وعرفت أن طائفة من تلك النصوص المتضمنة لان العمل بلا ولاية كلا عمل، تدل على الشرطية، ومقتضى إطلاقها أن كل عمل يعمله المخالف كذلك كان عن نفسه أو بعنوان النيابة عن الغير. ويؤيد هذا الوجه ما ذكره جمع آخرون وهو أن المخالف إن أتى به على وفق مذهبه فهو باطل، لفقده بعض ما يعتبر فيه شرطا أو شطرا، وإن أتى به على وفق مذهبنا فلا يتمشى منه قصد القربة. =========================================================================== (1) الوسائل باب 8 من أبواب النيابة في الحج حديث 7. =========================================================================== [ 340 ] [... ] وجه كونه مؤيدا لا دليلا: أنه يمكن أن يفرض المخالف غير معتقد بطلان مذهبنا، أو يحتمل أن يكون الحج المأمور به هو ما يوافق مذهب الحق، فيأتي بما يوافق المذهب باحتمال الامر. وأما ما ذكره بعضهم من أنه يشترط في الحكم بإجزاء العمل أن يكون عن اجتهاد صحيح أو تقليد أو احتياط كذلك، ومن الواضح عدم كون عمل المخالف كذلك. فيرد عليه: أنه يمكن أن يأتي المخالف بما يوافق مذهب الحق ويكون موافقا لفتوى من يجب تقليده. وأما خبر عمار الذي رواه ابن طاوس بإسناده عن عمار بن موسى من كتاب أصله المروي عن الامام الصادق عليه السلام في الرجل يكون عليه صلاة أو صوم هل يجوز له أن يقضيه غير عارف؟ قال عليه السلام: لا يقضيه إلا مسلم عارف (1). الذي استدل به بعض، واستقر به بعض الاعاظم من المعاصرين بتقريب: أن المسلم العارف - على ما هو المصطلح في لسان الاخبار - هو المؤمن، وهو وإن ورد في الصلاة والصوم ألا أنه يتعدى عنها الى غيرهما من العبادات فيرد عليه. أن التعدي مع عدم إحراز المناط لا وجه له، فالعمدة ما ذكرناه. وقد يستدل على جواز نيابته بالنصوص الدالة على أن المخالف لو استبصر لا يجب عليه إعادة اعماله، فإنه يستكشف منها صحة أعماله فيصح نيابته. ولكن يرد عليه، أولا: أن تلك الروايات نظير ما دل على أن الاسلام يجب ما قبله تفضل من الله تعالى على المخالفين، ولا تدل على الصحة. وثانيا: أنه لو سلم دلالتها على الصحة فإنما تدل على الصحة بشرط موافاة الايمان لا مطلقا، فتحصل مما ذكرناه أن الاقوى عدم جواز نيابة المخالف. =========================================================================== (1) الوسائل باب 12 من أبواب قضاء الصلوات حديث 5. =========================================================================== [ 341 ] [ والعقل ] اعتبار البلوغ والعقل (و) الثاني مما يعتبر في النائب كمال (العقل) على المشهور، وفي الجواهر إجماعا بقسميه. فلا يصح نيابة الصبي ولا المجنون، فالكلام في موردين: الاول: في نيابة الصبي، الثاني: في نيابة المجنون. أما الاول، فقد استدل على المنع عن نيابة الصبي وعدم الاجتزاء بحجه بوجوه: أحدها: عدم صحة عباداته لكونها تمرينية. واجيب عنه بأن عباداته تشريعية فتصح نيابته. ولكن الحق تمامية هذا الوجه، وتظهر ببيان امور: 1 - أن حديث رفع القلم عن الصبي لا يختص برفع الالزام، ولا العقوبة ولا التكاليف الالزامية، بل يعم جميع التكاليف من غير فرق بين خطاب الوجوب والحرمة والندب والكراهة، بل لا يبعد إلحاق خطاب الاباحة بها، وأن عدم مؤاخذة الصبي لارتفاع القلم عنه كالمجنون لا لانه مخاطب بالخطاب الاباحي، كما أفاده صاحب الجواهر - ره - وقد مر تنقيح ذلك في مسألة استحباب الحج للصبي المميز، فراجع. 2 - إن في بعض الموارد أمر الشارع الولي بأمر الصبي بالفعل كالصلاة، وعليه فإن قلنا بأن الامر بالامر بشئ ليس أمرا بذلك الشئ يكون عمل الصبي تمرينيا محضا، وهو الذي يظهر من المحقق وغيره، وإن قلنا بأن الامر بالامر بالشئ أمر به - كما هو الحق - فلا يبعد أن يقال: إن الغرض من الامر التمرين لا استيفاء المصلحة الموجبة للامر المتوجه الى البالغين، كما يظهر من الاكثر، واختاره صاحب الجواهر، قال: والمختار صحة عمله لكن على وجه التمرين لا على كيفية أمر المكلف بالنافلة =========================================================================== [ 342 ] [... ] مثلا، لاختصاص ذلك بالمكلفين - الى أن قال - نعم لما أمر الولي بأمره بالعبادة وكان الظاهر من هذا الامر إرادة التمرين كان هو أيضا مأمورا بما أمر به الولي من التمرين وإن استحق عليه الثواب من هذه الجهة. انتهى. 3 - إن العبادات التي أمر الاولياء بأمر الصبي بها، أو دل دليل على مطلوبيتها منه تكون صحيحة ولو على وجه التمرين، وأما غيرها الذي لم يدل دليل عليه فلا وجه للقول بصحته ومطلوبيته منه، ومنه الحج عن الغير حيث لم يدل دليل على مطلوبيته منه، ولا أمر الولي بالامر به، فيبقى على أصالة عدم المشروعية والمطلوبية. 4 - إن في النيابة في العبادات لا يأتي النائب بالعمل بداع الامر المتوجه الى المنوب عنه، لان ذلك غير معقول: إذا الامر المتوجه الى شخص لا يعقل أن يكون محركا لآخر، بل فيها يأتي النائب بالعمل بداع الامر المتوجه الى نفسه، ولذلك يتوقف على ورود أمر به، فقد دلت النصوص المستفيضة على توجه أمر استحبابي الى جميع الناس في النيابة عن الميت والحي في جملة من الموارد منها: الحج، وهو أمر عبادي نظير الامر المتوجه الى المنوب عنه وهو متعلق بالفعل المعنون بعنوان النيابة عن الغير، وقد أشبعنا الكلام في ذلك في الجزء الاول من كتابنا منهاج الفقاهة حاشية المكاسب، في مبحث الاجرة على الواجبات. إذا تم هذه الامور يظهر أن نيابة الصبي في الحج لا تكون مشروعة، لعدم الدليل عليه، فإنه في موارد خاصة تكون عباداته صحيحة ولكن تمرينية وليس الحج منها. وبما ذكرناه يظهر أن ما أفادوه من شرعية عباداته. لا يتم، كما أنه ظهر أنه لو قلنا بشرعيتها لا يكون ذلك كافيا في إثبات صحة نيابته إلا على القول بتوجه جيمع الخطابات سيما غير الالزامية إليه، وأن حديث رفع القلم لا يشمله، كما أنه قد ظهر أن ما أفاده بعض الاعاظم من المعاصرين من أنه لو بنى على كون عباداته =========================================================================== [ 343 ] [... ] تمرينية بأي معنى من المعنيين فرض لا مانع من صحة نيابته عن غيره في الحج وغيره من العبادات المشروعة في حق المنوب عنه، لان النائب يتعبد بأمر المنوب عنه لا بأمره. انتهى، غير تام، لان النائب يتعبد بأمر نفسه لا بأمر المنوب عنه. مع أنه لو سلم تعبده بأمر المنوب عنه لا ريب في توقف ذلك على دليل دال عليه، وحيث إنه غير موجود في الصبي لان الخطابات العامة تختص بواسطة حديث الرفع بالبالغين، فلا تصح نيابته، فالمتحصل عدم صحة نيابته. هذا في المميز، وأما غيره فعدم صحتها منه من الضروريات لان الحج عبادة فلا تصح بدون القصد. نعم مقتضى إطلاق خبر طلحه بن زيد عن الامام الصادق عليه السلام: أن أولاد المسلمين موسومون عند الله شافع مشفع، فإذا بلغوا اثنتى عشرة سنة كتبت لهم الحسنات فإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيئات (1)، إنه يكتب له الحسنات مطلقا منها: الحج عن الغير، فيدل على استحبابه ومطلوبيته، ولكن الخبر ضعيف، لكون طلحة صحابيا مجهولا ولم يقل أحد بمضمونه. ثانيها: ما في العروة، قال: لاصالة عدم ذمة المنوب عنه بعد دعوى انصراف الادلة خصوصا مع اشتمال جملة من الاخبار على لفظ الرجل. انتهى. وفيه: أن ما أفاده في وجه عدم شمول الادلة له من الانصراف، مردود، إذ لا وجه له سوى انس الذهن الحاصل من الفتاوى، فليس انصرافا صالحا لتقييد الاطلاق، واشتمال بعض النصوص على لفظ الرجل لا يصلح لذلك، لصدقه على المميز المراهق كصدقه على البالغ في أوائل بلوغه، مع أن في غير ما تضمنه كفاية. أضف إليه: أن المراد به الجنس كما لا يخفى. =========================================================================== (1) الوسائل باب 4 من أبواب مقدمة العبادات حديث 1. =========================================================================== [ 344 ] [... ] نعم - ما أفاده على تقدير تسليم الانصراف من الاصل متين، فإن النيابة - كما عرفت - خلاف الاصل، فلابد من الاقتصار فيها على المتيقن. ثالثها: ما عن بعض، وهو أن الاخبار المتضمنة للنيابة ليست في مقام بيان الشرائط فلا إطلاق لها من هذه الجهة، كي يتمسك به لدفع احتمال اعتبار البلوغ، فيشك في تناول دليل النيابة له، فيبقى حينئذ على مقتضى أصل عدم الجواز وعدم فراغ ذمة المنوب عنه. وفيه: أن جملة من النصوص وإن تم هذه الدعوى فيها إلا أنها لا تتم في جميعها، لاحظ: النصوص الواردة في حج الرجل عن المرأة والعكس، والنصوص المتقدمة في مبحث الاستنابة وغيرهما، وفي الجواهر. وهو كما ترى، لمنع الشك، والشاهد على ثبوت الاطلاق لها عدم توقف أحد في التمسك بإطلاقها في كل مورد شك في صحة النيابة كالسفيه والصرورة والاعمى ومن يكون الحج عليه حرجيا وما شاكل، فإن ذلك آية أن الاصحاب فهموا من النصوص الاطلاق، والصحيح في منع الشمول ما ذكرناه من حديث رفع القلم. رابعها: ما عن سيد المدارك - ره - وهو عدم الوثوق به لعدم الرادع له من جهة عدم تكليفه. وأيده بعض من تبعه بجهله بعد بالمسائل والاحكام فلا يوثق بإتيانه بالحج على الوجه الصحيح. وفيه: أن محل الكلام الحكم في مقام الثبوت، وأنه لو أتى الصبي بالحج صحيحا هل يكون ذلك مجزيا أم لا؟ لا في مقام الطريق الى إحراز الصحة، فتحصل: أن الاظهر عدم صحة نيابته، وأن الصحيح هو الوجه الاول. والمحكي عن صاحب المدارك القطع بصحة نيابة الصبي في الحج المندوب بإذن الولي. =========================================================================== [ 345 ] [... ] وذكر في وجه هذه الفتوى: أن الحج المندوب يصح عن نفسه بناء على شرعية عباداته بخلاف الحج الواجب. وفيه: أن الحج المندوب يصح عن نفسه للدليل، ولا دليل في النيابة عن الغير، ومقتضى الاصل عدم مشروعيتها كما تقدم. نيابة المجنون وأما المورد الثاني، فنخبة القول فيه: أن المجنون قد يكون ذا الادوار، وقد يكون مطبقا، وعلى التقديرين قد يتمشى منه القصد وقد لا يتمشى منه ذلك، وإن لم يتمش منه القصد يكون بطلان نيابته من الواضحات والقضايا التي قياستها معها، وإن تمشى منه القصد ففي وقت إفاقة ذي الادوار لا مانع من نيابته إذا وفت إفاقته بجميع الاعمال، وأما في وقت الجنون، أو فرض كون المجنون مطبقا فيشهد لعدم جواز نيابته: حديث رفع القلم عن المجنون بناء على شموله لجميع الخطابات كما اخترناه وبيناه، وهو يكون حاكما على إطلاق أدلة النيابة. وقد استدل لذلك في كثير من كلمات الفقهاء بانتفاء القصد منه، ولعل مرادهم به القصد المعتد به عند العقلاء، وإلا فالمجنون ربما يتأدى منه القصد. وأما السفيه فالظاهر عدم الخلاف في جواز نيابته، ومقتضى إطلاق أدلة النيابة جوازه، وكونه محجورا عليه في تصرفاته المالية لا يصلح لا يصلح مانعا، كما لا يخفى. =========================================================================== [ 346 ] [... ] عدم اعتبار العدالة الثالث: العدالة. وفي المستند: وقد اعتبرها المتأخرون في الحج الواجب كما في المدارك والذخيرة والمفاتيح، أو في الحج مطلقا كما في بعض شروح المفاتيح، وهو ظاهر المفيد في باب مختصر المسائل والجوابات من كتاب الاركان. انتهى. وقد استدلوا له بأن الاتيان بالحج الصحيح إنما يعلم بإخباره، والفاسق لا تعويل على إخباره، لآية التثبت، وحيث إنهم رأوا أخصية هذا الوجه من المدعى فلذلك اكتفى بعضهم بكونه ممن يظن بصدقه ويحصل الوثوق من إخباره أو غيره بصحة عمله، واستحسنه جماعة آخرون. والحق أن يقال: إن في المقام مبحثين: أحدهما: أن نيابة الفاسق في نفسها صحيحة ومجزية أم لا؟ كما لو فرضنا أن الولي كان بنفسه فاسقا وأتى بالحج هل يجزيه بينه وبين ربه، أم يجب عليه أن يستنيب شخصا آخر؟ ثانيهما: أنه هل يعتبر في مقام الاجتزاء به للولي مثلا إذا أتى به غيره، أن يكون الحاج عادلا، أم يكفي الوثوق بصحة عمله، أو يكفي الوثوق بصدور العمل منه ولو لم يوثق بصحته أو يكفي إخباره بالاتيان به وإن لم يحصل الوثوق منه، أو يكفي الاستنابة في فراغ ذمة المنوب عنه؟ أما الاول فمقتضى إطلاق أدلة النيابة عدم اعتبار العدالة وصحة نيابة الفاسق، وما ذكر من الوجه إنما يكون مربوطا بالمبحث الثاني، لا ربط له بهذا المبحث كما هو واضح. =========================================================================== [ 347 ] [... ] وأما الثاني، فقد استدل لاعتبار الوثوق بصحة عمله وعدم الاعتناء بإخباره بإتيان العمل صحيحا: بأنه فاسق يجب التبين عن خبره ولا يكون حجة. وبعض الاعاظم من المعاصرين ذهب الى عدم قبول إخبار النائب وإن كان عادلا من جهة عدم حجية خبر الواحد في الموضوعات، قال: فالميزان هو حصول الوثوق باتيان النائب بالحج الصحيح عن المنوب عنه. وقد تردد الشهيد في محكي الدروس، قال: وفي قبول إخباره بذلك تردد أظهره القبول، لظاهر حال المسلم، ومن عموم قوله تعالى: (فتبينوا). أقول: إنه لو احرز إتيان الحج عن المنوب عنه، وشك في صحته وفساده تكون أصالة الصحة في فعل المسلم كافية للبناء على الاتيان به صحيحا، ولا يحتاج الى الاخبار أو الوثوق به، فضلا عن كون المخبر عادلا ومتعددا. وإن لم يحرز ذلك ولا حصل الوثوق به فإن كان النائب ثقة وإن لم يكن عادلا وأخبر به أو أخبر ثقة آخر بذلك، يكتفي به بناء على ما حققناه في محله من حجية خبر الثقة الواحد في الموضوعات إلا ما خرج بالدليل. وإن كان النائب غير ثقة ولم يخبر ثقة آخر بذلك وأخبر النائب بالاتيان به لا يبعد حجية قوله وإخباره، فان السيرة قائمة على قبول خبر المستناب على عمل في أداء عمله، نظير إخبار ذي اليد عما في يده، وعليه فيعتبر إخباره به، فلا يعتبر العدالة في هذا المقام أيضا. هذا كله مضافا الى أنه يمكن أن يقال بأن الحج يثبت للمنوب عنه، ويفرغ ذمته عنه بعد الاستنابة من غير حاجة الى احراز صدور الفعل عن الاجير والنائب، بل وإن أحرز عدمه، لشهادة جملة من النصوص بذلك كمرسل ابن أبي عمير الذي هو في حكم الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أخذ من رجل مالا ولم يحج عنه ومات ولم يخلف شيئا، فقال عليه السلام: إن كان حج الاجير أخذت حجته =========================================================================== [ 348 ] [... ] ودفعت الى صاحب المال، وإن لم يكن حج كتب لصاحب المال ثواب الحج (1). ومرسل الفقيه، قيل لابي عبد الله (ع): الرجل يأخذ الحجة من الرجل فيموت فلا يترك شيئا، فقال: أجزأت عن الميت وإن كان له عند الله حجة اثبتت لصاحبه (2). وحيث إن الصدوق ينسب ذلك الى الامام الصادق عليه السلام جزما فيستكشف أن الوسائط كانوا ثقات عنده ولكن لا يبعد اتحاده مع الخبر الاول كما لا يخفى. وصحيح ابن أبي عمير عن ابن أبي حمزة والحسين عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أعطاه رجل مالا ليحج عنه فحج عن نفسه، فقال: هي عن صاحب المال (3). ومكاتبة أبي علي أحمد بن محمد بن مطهر الى أبي محمد عليه السلام: إني دفعت الى ستة أنفس مائة دينار وخمسين دينارا ليحجوا بها فرجعوا ولم يشخص بعضهم وأتاني بعض، وذكر أنه قد أنفق بعض الدنانير وبقيت بقيتها، وأنه يرد علي ما بقي وإني قد رمت مطالبة من لم يأتني بما دفعت إليه، فكتب عليه السلام لا تعرض لمن لم يأتك ولا تأخذ ممن أتاك شيئا مما يأتيك، والاجر فقد وقع على الله عز وجل (4). وموثق إسحاق الصحيح عمن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه عن الامام الصادق عليه السلام في الرجل يحج عن آخر فاجترح في حجه شيئا يلزمه فيه الحج من قابل أو كفارة؟ قال: هي للاول تامة وعلى هذا ما اجترح (5). =========================================================================== (1) الوسائل باب 23 من أبواب النيابة حديث 1. (2) الوسائل باب 23 من أبواب النيابة حديث 2. (3) الوسائل باب 22 من أبواب النيابة حديث 1. (4) الوسائل باب 10 من أبواب النيابة حديث 4. (5) الوسائل باب 15 من أبواب النيابة حديث 2. =========================================================================== [ 349 ] [... ] وموثقه الآخر في حديث، قال: قلت: فإن ابتلى بشئ يفسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل أيجزي عن الاول؟ قال عليه السلام: نعم، قلت: لان الاجير ضامن للحج، قال عليه السلام: نعم (1). وهذه النصوص تدل على ثبوت الحج للمنوب عنه بعد الاستنابة مطلقا بلا حاجة الى كون الاجير مقبول القول أولا حتى يشترط عدالته. فالمتحصل أنه لا إشكال في صحة استنابة الفاسق، وإنه لا يعتبر إحراز صدور الحج منه ولا إخباره به، وأنه لو أخبر يقبل قوله، سيما إذا كان ثقة. اعتبار الفقاهة الرابع: أن يكون فقيها حال الحج أي عارفا بما يلزم عليه من أفعال الحج اجتهادا أو تقليدا وإن كان بإرشاد معلم حال كل عمل. وعن المدارك: ومن الشرائط أيضا: قدرة الاجير على العمل وفقهه في الحج، واكتفى الشهيد في الدروس بحجه مع مرشد عدل، وهو جيد حيث يوثق بحصول ذلك. انتهى. ويشهد به: خبرا مصادف المتقدمان في شرطية إسلام النائب. ثم إن الظاهر أن اعتبارها إنما هو من جهة عدم القدرة على إتيان الحج بدونها، وعليه فمقتضى الجمود على ظاهر النص وإن كان اعتبار علم المستنيب بفقاهة النائب إلا أن الاظهر ما عليه بناء العلماء من الاكتفاء بعدم العلم بالعدم، والمعاملة معه حينئذ معاملة كونه عالما، لان هذا الشرط راجع الى فعل النائب، ويكفي في إحراز صحته =========================================================================== (1) الوسائل باب 15 من أبواب النيابة حديث 1. =========================================================================== [ 350 ] [ وان لا يكون عليه حج واجب ] أصالة الصحة في عمل المسلم. واللازم هو معرفة ما يجب عليه الاتيان به حال العمل تفصيلا ولو لم يعلم الجميع مفصلا قبل الاعمال، فلو كان معه كتاب يرجع إليه عند كل فعل كان كافيا، وكذا إن كان ذلك بتعليم مرشد يحج معه، كما هو المتداول في هذه الاعصار. وأما ما عن الشهيد - ره - احتماله، وهو كفاية العلم الاجمالي بذلك. فإن أراد كفاية ذلك قبل الاعمال فلا يعتبر العلم لا التفصيلي منه ولا الاجمالي، وإن أراد كفايته حين العمل فلا معنى لكفاية العلم الاجمالي إلا أن يريد كفاية الاحتياط، ولا يعتبر العلم بالحكم تفصيلا عن اجتهاد أو تقليد، وعليه فليس هو محتملا، بل هو مقطوع به. عدم اشتغال ذمة النائب بحج واجب (و) الخامس: (أن لا يكون عليه حج واجب) كما هو المشهور. وفي المستند ومنها: خلو ذمته من حج واجب عليه في عام النيابة بالاصالة أو بالاستيجار أو بالافساد أو بغير ذلك، فلو وجب عليه حج في ذلك العام لم يجز أن ينوب عن غيره بالاجماع. انتهى. ونحوه في التذكرة من غير دعوى الاجماع عليه. ولكن قد تقدم في الفصل الثاني في المسألة الثانية عشر الكلام في ذلك مفصلا، وقد مر أن نيابة من استقر عليه حجة الاسلام عن الميت لا تجوز، للنص وأما غير ذلك المورد من موارد استقرار الحج فالاظهر جوازه، فراجع ما ذكرناه، كما أنه بينا هناك أنه على فرض صحة الحج تصح الاجارة عليه، فالتفكيك بينهما كما في العروة في غير محله. =========================================================================== [ 351 ] [ ولو لم يكن جاز ولو كان صرورة أو امرأة ] لا تعتبر المماثلة وفي اشتراط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والانوثة خلاف بين الفقهاء، كما أن في استنابة الصرورة كذلك، صريح المتن - حيث قال: (ولو لم يكن) أي لم يكن عليه حج واجب (جاز) أي جاز الحج عن الغير (وإن كان صرورة أو امرأة) - هو عدم اعتبار المماثلة وجواز استنابة الصرورة مطلقا. وتحقيق القول بالبحث في موردين: الاول: في اعتبار المماثلة وعدمه. المشهور بين الاصحاب - كما في الحدائق والجواهر - عدم اعتبارها، فتصح نيابة المرأة عن الرجل كالعكس. وعن الاستبصار: المنع من نيابة المرأة الصرورة عن الرجل. وعن النهاية والتهذيب والمهذب والمبسوط: المنع عن نيابتها مطلقا، أي كان المنوب عنه رجلا أو امرأة. ويشهد للمشهور: جملة من النصوص، كصحيح معاوية بن عمار، قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يحج عن المرأة، والمرأة تحج عن الرجل. قال عليه السلام: لا بأس (1). وصحيح رفاعة عنه عليه السلام تحج المرأة عن اختها وعن أخيها، وقال: تحج المرأة عن أبيها (2). وصحيح صفوان عن حكم بن حكيم عنه عليه السلام يحج الرجل عن المرأة =========================================================================== (1) الوسائل باب 8 من أبواب النيابة حديث 2. (2) الوسائل باب 8 من أبواب النيابة حديث 5. =========================================================================== [ 352 ] [... ] والمرأة عن الرجل والمرأة عن المرأة (1). ونحوها غيرها من النصوص الكثيرة، ولا معارض لهذه النصوص بالنسبة الى حج الرجل عن المرأة. نعم ورد في حج المرأة عن الرجل ما ظاهره المنع، وهو موثق عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) عن الرجل الصرورة يوصي أن يحج عنه هل يجزي عنه امرأة؟ قال عليه السلام: لا كيف تجزي امرأة وشهادته شهادتان!؟ قال: إنما ينبغي أن تحج المرأة عن المرأة، والرجل عن الرجل، وقال: لا بأس أن يحج الرجل عن المرأة (2). ولكن الرواية - مضافا الى عدم ظهورها في نفسها في المنع من جهة ذيلها - لا تصلح لمعارضة النصوص المتقدمة الصريحة في الجواز، فتحمل على الاولوية. وهل الاولى المماثلة مطلقا أو يختص ذلك بما إذا كان المنوب عنه رجلا، وإن كان امرأة لا تكون المماثلة أولى، بل نيابة الرجل أولى؟ مقتضى الموثق هو الاول. ولكن في خبر بشير النبال، قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن والدتي توفيت ولم تحج. قال عليه السلام: يحج عنها رجل أو امرأة. قلت: أيهما أحب اليك؟ قال: رجل أحب إلي (3). وهما متعارضان يقدم الاول للاوثقية فيحمل الثاني على ما إذا كان الرجل خيرا من المرأة تأدية، كما في الجواهر، وأما القولان الآخران فسيأتي الكلام فيهما في المورد الثاني. =========================================================================== (1) الوسائل باب 8 من أبواب النيابة حديث 6. (2) الوسائل باب 9 من أبواب النيابة حديث 2. (3) الوسائل باب 8 من أبواب النيابة حديث 8. =========================================================================== [ 353 ] [... ] استنابة الصرورة المورد الثاني: في استنابة الصرورة، والمشهور جوازها مطلقا، وبإزائه قولان المتقدمان في المورد الاول. ويشهد للمشهور جملة من النصوص - وقد تقدم بعضها في المورد الاول - الدالة على ذلك بالاطلاق. وصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام: لا بأس أن يحج الصرورة عن الصرورة (1). واستدل للقول بالمنع عن نيابة المرأة الصرورة مطلقا: بخبر سليمان بن جعفر قال: سألت الرضا عليه السلام عن امرأة صرورة حجت عن امرأة صرورة، فقال عليه السلام: لا ينبغي (2). وفيه أولا: أنه ضعيف السند، لان في طريقه علي بن احمد بن أشيم وهو مجهول. وثانيا: أن لا ينبغي لا يكون ظاهرا في الحرمة وعدم الجواز. واستدل للقول بالمنع عن نيابة المرأة الصرورة عن الرجل بخبر زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول: يحج الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة، ولا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة (3). وبخبري مصادف المتقدمين في المرأة تحج عن الرجل الصرورة، في أحدهما: =========================================================================== (1) الوسائل باب 6 من أبواب النيابة حديث 1. (2) الوسائل باب 9 من أبواب النيابة حديث 3. (3) الوسائل باب 9 من أبواب النيابة حديث 1. =========================================================================== [ 354 ] [... ] إن كانت قد حجت وكانت مسلمة فقيهة فرب امراة افقه من الرجل. ونحوه الآخر، وفيه: رب امرأة خير من الرجل. وبموثق عبيد المتقدم بعد تقييد إطلاقه بخبري مصادف. ولكن يرد على الاول: أنه ضعيف السند، لان الراوي عن زيد هو المفضل، وبهذه القرينة يكون هو المفضل بن صالح أبو جميلة الاسدي النخاس. قال ابن الغضائري: إنه ضعيف كذاب يضع الحديث، وقد روي عنه أنه قال: أنا وضعت رسالة معاوية الى محمد بن أبي بكر، وكذا غيره من مهرة الفن. مع أنه مختص بما إذا كان المنوب عنه صرورة ولا يشمل ما لو كان غير صرورة. وأما خبرا مصادف فهما أيضا ضعيفان، لتضعيف ابن الغضائري إياه من دون أن يوثقه أحد. مع إن في طريق أحدهما الحسين اللؤلؤي، وهما أيضا لا يشملان النيابة عن الرجل غير الصرورة. وبذلك يظهر ما في الاستدلال بالموثق، مضافا الى ما تقدم من تعين حمله على الاولوية لروايات اخر. فالمتحصل: أن الاظهر هو ما عن المشهور من جواز تلك مطلقا. وقد استظهر صاحب الجواهر - ره - من النصوص كراهة استئجار الصرورة ولو كان رجلا. وفي العروة افتى بكراهة استنابة المرأة الصرورة خصوصا مع كون المنوب عنه رجلا، ولم يستبعد ما أفتى به صاحب الجواهر - ره -. واستدل للاول بأن المستفاد من النصوص أن الصرورة موجبة للمرجوحية في نفسها ولو كان رجلا. =========================================================================== [ 355 ] [... ] وبمكاتبة بكر بن صالح الى أبي جعفر عليه السلام أن ابني معي وقد أمرته أن يحج عن أمي أيجزي عنها حجة الاسلام؟ فكتب عليه السلام لا، وكان ابنه صرورة وكانت امه صرورة (1). وبخبر إبراهيم بن عقبة قال: كتبت إليه أسأله عن رجل صرورة لم يحج قط حج عن صرورة لم يحج قط أيجزي كل واحد منهما تلك الحجة عن حجة الاسلام أو لا؟ بين ذلك يا سيدي إن شاء الله، فكتب عليه السلام لا يجزي ذلك (2). ولكن يرد على الاول: - مضافا الى عدم بيان وجه الاستظهار - أن مصحح معاوية - المتقدم في مسألة ما لو مات المستطيع في عام استطاعته - عن الامام الصادق عليه السلام: عليه أن يحج من ماله صرورة لا مال له، وكذا غيره من النصوص الآمرة باستئجار الصرورة الذي لا مال له - المحمولة عندهم على الاستحباب - تأبى عن ذلك. وأما المكاتبة فهي ضعيفة السند معارضة بما تقدم. وأما خبر إبراهيم - فمضافا الى ضعف سنده وإضماره - أنه إنما نفى الاجزاء عن كليهما معا لا عن المنوب عنه مع أنه لو تم دلالته وسنده يكون معرضا عنه عند الاصحاب، ومعارضا بما هو أقوى منه، فإذا لا وجه للكراهة. وأما ما في العروة فالظاهر أن مدركه النصوص السابقة التي عرفت أنها ضعيفة، وهي كما لا تصلح لان تكون مدركا للافتاء بعدم الجواز لا تصلح أن تجعل مدركا للافتاء بالكراهة، وقاعدة التسامح مختصة بالسنن ولا تشمل الكراهة. =========================================================================== (1) الوسائل باب 6 من أبواب النيابة حديث 4. (2) الوسائل باب 6 من أبواب النيابة حديث 3. =========================================================================== [ 356 ] [... ] شرائط المنوب عنه وقد ذكر للمنوب عنه شرائط: الاول: موته أو عجزه. وقد مر وجهه. هذا في الواجب، وأما في المستحب فلا يعتبر ذلك كما تطابقت عليه النص والفتوى. الثاني: الاسلام فلا تصح النيابة عن الكافر إجماعا، كما في المستند وغيره، وعن المدارك لا ريب فيه. واستدل له بوجوه: الاول: الآية الكريمة (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولي قربى) (1). وفيه أولا: انها مختصة بالمشركين ولا تشمل غيرهم من الكفار. وثانيا: أن النيابة عنه في الحج غير الاستغفار، والمناط غير محرز. الثاني: الآية الشريفة (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) (2). وفيه: أنه تخصص الآية بالروايات الدالة على جواز النيابة في الحج. الثالث: انصراف الادلة الدالة على جواز النيابة الى النيابة عن المسلم. وفيه: أنه لو سلم الانصراف فهو بدوي ناش من انس الذهن بالفتاوي. الرابع: النهي عن الموادة لمن حاد الله ورسوله. أفاده صاحب الجواهر - ره -. =========================================================================== (1) سورة التوبة - آية 114. (2) سورة النجم - آية 40. =========================================================================== [ 357 ] [... ] وفيه: اولا: النقض بالاحسان إليه واهداء شئ إليه، إذ لا شك في جوازهما. وثانيا: أن الموادة ظاهرة في الموادة القلبية فإنها كالحب والبغض ظاهرة في تلك، ولا تشمل المجاملة العملية والقولية. الخامس: ما أفاده صاحب الجواهر - ره - من أنه لا ينتفع الكافر بذلك، وقربه أولا: بأن الثواب الذي هو دخول الجنة لازم لصحة العمل ولو من حيث الوعد بذلك، والكافر لا ينال الثواب، ثم قربه احتمالا بوجه آخر وهو أن الكافر لا يخفف عنه العذاب، لعدم قابليته لذلك، ولعله المستفاد من قوله تعالى في سورة البقرة: (لا يخفف عنهم العذاب) وبديهي أن صحة عمل النائب مستلزمة لفراغ ذمة المنوب عنه المستلزم لارتفاع العذاب الذي كان مترتبا على تركه للحج. ويرد على ما أفاده أولا: أن الثواب إنما هو تفضل من الله تعالى على العباد، وإلا فهو غير لازم لصحة العمل، بل كم من عمل لا يترتب عليه الثواب إلا أنه يوجب ارتفاع العقاب خاصة، ووعد الثواب على ما لو حج النائب للمنوب عنه لو كان فيخصص بما افيد، وهذا لا يلزم منه عدم الصحة. ويرد على ما أفاده ثانيا: أن الكافر في الآخرة لا يخفف عنه العذاب، ولكن ذلك لا ينافي ارتفاع سبب العقاب الخاص في عالم البرزخ. وبعبارة اخرى: إن الكافر يعاقب عقابا لكفره، وهذا لا يخفف عنه لو مات كافرا، ويعاقب عقابا لترك كل واجب وفعل كل حرام كغيره، وهذا كما يتوقف على حدوث سببه، فلو لم يشرب الخمر لا يعاقب عقاب الشارب، وكذلك يتوقف على بقاء سببه، فإذا ارتفع سبب العقاب على مخالفة وجوب الحج يرتفع ذلك العقاب أي لا يعاقب في الآخرة عقاب تارك الحج، وهذا لا ينافي عدم تخفيف العذاب عنه. السادس: ما أفاده صاحب الجواهر أيضا وهو أنه يستحق العقاب في الآخرة لا الاجر والثواب. وفيه ما عرفت. =========================================================================== [ 358 ] [... ] السابع: ما عن كشف اللثام، وهو أن فعل النائب تابع لفعل المنوب عنه في الصحة لقيامه مقامه، فكما لا يصح منه لا يصح من نائبه. وفيه أولا: النقض بالنيابة عن الحائض في الطواف والصلاة فإنها جائزة في بعض الموارد مع أنهما لا يصحان عن المنوب عنها. وثانيا بالحل: وهو أن الملازمة ممنوعة، إذ يمكن أن يكون المنوب عنه فاقدا لبعض ما يعتبر في الصحة، والنائب يكون واجدا له، فإذا لا دليل عليه، ولكن الظاهر تسالم الاصحاب عليه، ومخالفتهم مشكلة جدا. النيابة عن المخالف الثالث: الايمان. اعتبره جماعة. وفي الحدائق: المنقول عن الشيخين وأتباعهما أنه لا يجوز النيابة عن غير المؤمن. انتهى. وفي الشرائع: بل لا عن المسلم المخالف إلا أن يكون أب النائب. انتهى. وفي الجواهر: فالتحقيق حينئذ اعتبار الايمان في النائب والمنوب عنه. انتهى. وعن الجامع والمعتبر والمنتهى والمختلف والدروس وغيرها أنه يجوز النيابة عن غير الناصب مطلقا. فالكلام في موارد الاول: في النيابة عن غير الناصب. الثاني: في الناصب. الثالث: في النيابة عنه إذا كان اب النائب. أما الاول، فقد استدل لعدم جواز النيابة مطلقا بقوله تعالى: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) (1)، وبالاخبار الكثيرة المتضمنة لعدم انتفاع المخالف بشئ =========================================================================== (1) سورة النجم - آية 40. =========================================================================== [ 359 ] [... ] من الاعمال، وبأنه كافر في الآخرة فيجري فيه نحو ما سمعته في الكافر. وقد ظهر ضعف ذلك كله مما قدمناه في النيابة عن الكافر. وربما يستدل لعدم جواز النيابة عنه بأن النص الصحيح دل على عدم جواز النابة عن الناصب، وهو صحيح وهب أو حسنه، سأل الامام الصادق عليه السلام أيحج الرجل عن الناصب؟ فقال عليه السلام: لا. قال: قلت: فإن كان أبي. قال: إن كان أباك فنعم (1). ورواه الصدوق بإسناده عن وهب بن عبد ربه مثله إلا أنه قال: إن كان أباك فحج عنه. وخبر علي بن مهزيار قال: كتبت إليه الرجل يحج عن الناصب هل عليه إثم أذا حج عن الناصب؟ وهل ينفع ذلك الناصب أم لا؟ فقال: عليه السلام لا يحج عن الناصب ولا يحج به (2). وقد دلت طائفة من النصوص على ان غير الاثنى عشرية من فرق المسلمين ممن أزال الائمة عن مراتبهم هم النواصب كخبر محمد بن عيسى، كتبت إليه - أي الهادي عليه السلام - أسأله عن الناصب هل احتاج في امتحانه الى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب (3). ونحوه غيره، ونتيجة ضم هذه الطائفة الى الاولى عدم جواز النيابة عن المخالف مطلقا. وفيه: أن نصوص المنع معارضة بطائفة اخرى من النصوص تدل على جواز =========================================================================== (1) الوسائل باب 20 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. (2) الوسائل باب 20 من أبواب النيابة في الحج حديث 2. (3) الوسائل باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث 14. =========================================================================== [ 360 ] [... ] النيابة عن الناصب، كموثق إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: سألته عن الرجل يحج فيجعل حجته وعمرته أو بعض طوافه لبعض أهله وهو عنه غائب ببلد آخر، قال: فقلت: فينقص ذلك من أجره؟ قال: لا، هي له ولصاحبه، وله سوى ذلك بما وصل. قلت: وهو ميت هل يدخل ذلك عليه؟ قال: نعم حتى يكون مسخوطا عليه فيغفر له أو يكون مضيقا عليه فيوسع عليه. قلت: فيعلم هو في مكانه إن عمل ذلك لحقه؟ قال: نعم. قلت: وإن كان ناصبا ينفعه ذلك؟ قال: نعم يخفف عنه (1). وخبر علي بن أبي حمزة، قال: سألته عن الرجل يحج ويعتمر ويصلي ويصوم ويتصدق عن والديه وذوي قرابته. قال عليه السلام: لا بأس به يؤجر فيما يصنع وله أجر آخر بصلته قرابته. قلت: إن كان لا يرى ما أرى وهو ناصب. قال عليه السلام: يخفف عنه بعض ما هو فيه (2). والجمع بين الطائفتين يقتضي حمل الاولى على الكراهة، وبه يظهر الحال في المورد الثاني. وأما الثالث فالحكم الثابت للناصب كان هو المنع أو الكراهة لا يثبت لو كان الناصب أب النائب، لمصحح معاوية المتقدم. وهل يلحق به الجد أم لا؟ وجهان، أقربهما: العدم، لظهور الاب فيما لا يشمله. اعتبار البلوغ والعقل الرابع مما قيل باعتباره في المنوب عنه: البلوغ. فلا تجوز النيابة عن الصبي وإن كان مميزا. =========================================================================== (1) الوسائل باب 25 من أبواب النيابة حديث 5. (2) الوسائل باب 12 من أبواب قضاء الصلاة حديث 8. =========================================================================== [ 361 ] [... ] والوجه في ذلك: ما تقدم من أن مقتضى حديث رفع القلم ارتفاع كل تكليف وإن كان غير إلزامي عن الصبي، وأنه انما يكون مأمورا بامور أمر الولي بأمره بها من باب أن الامر بالامر بشئ أمر بذلك الشئ، وليس الحج منها، فلا يكون الصبي ثابتا في ذمته الحج حتى ينوب عنه فيه، ولكن الصبي وإن لم يكن مأمورا بحج الاسلام فلا يجوز النيابة عنه فيه، إلا أنه مأمور بالحج بالامر الاستحبابي كما مر، فلا مانع من النيابة عنه في ذلك. وبما ذكرناه ظهر اندفاع ما قيل من أن عبادات الصبي تمرينية لا شرعية فلا معنى للنيابة عنه. فالمتحصل: أنه لا تجوز النيابة عنه في حجة الاسلام وتجوز في الحج التطوعي. وأما العقل، فالظاهر اعتباره بمعنى أن المجنون في تمام عمره لا يجوز النيابة عنه، نعم من كان عاقلا وتوجه إليه خطاب الحج ثم طرأ عليه الجنون تجوز النيابة عنه، بل تجب الاستئجار عنه إذا استقر عليه حال إفاقته ثم مات مجنونا. أما الاول، فلما عرفت من أن مقتضى حديث الرفع رفع جميع الخطابات منها: الخطاب بالحج، ومعه عدم ثبوت التكليف على المنوب عنه لا معنى للنيابة عنه. ودعوى: أن المنفي هو العقاب أو الالزام أو الاحكام اللزومية لا كل خطاب. مندفعة: بما مر مرارا من عدم تمامية شئ من ذلك. وأما الثاني: فلان المفروض توجه الخطاب إليه حال إفاقته والجنون كالموت لا يوجب رفع ذلك التكليف وفراغ الذمة، فإن مفاد حديث الرفع رفع قلم التكليف حال الجنون لا ما قبله، وهذا واضح وقد اتفق عليه الفقهاء على ما نسب إليهم. =========================================================================== [ 362 ] [... ] حقيقة النيابة وشروطها المورد الثالث: في حقيقة النيابة وشروطها. أما حقيقتها فقد أشكل على جمع من الاساطين تصوير النيابة في العبادة، ومنشأ الاشكال أمران: أحدهما: أنه بعد فرض كون الفعل مطلوبا من المنوب عنه والامر متوجها إليه، كيف يتصور أن يكون ذلك الامر محركا للنائب!؟ أضف إليه أنه ربما لا يكون أمر متوجها الى المنوب عنه أيضا، كما إذا كان ميتا فما المحرك للنائب نحو الفعل؟ ثايهما: أن التقرب المعنوي كالتقرب الحسي لا يقبل النيابة، إذ لا يعقل تقرب النائب وحصول القرب للمنوب عنه، ومع عدم حصول القرب للمنوب عنه لا يسقط غرض الامر، فلا تفرغ ذمته عن العمل القربي المكلف به. ولهذا نقل عن الانتصار والغنية والمختلف منع صحة النيابة، وأن المراد من قولنا: يقضي ولي الميت عنه. أنه يقضي عن نفسه، ونسبته الى الميت باعتبار أنه السبب في وجوب القضاء. والتزم بعض بأن باب النيابة باب إهداء الثواب. والتزم المحقق الخراساني - ره - على ما نسب إليه بعدم لزوم قصد التقرب على النائب، وأن رضا المنوب عنه بما نسب إليه كاف في مقربية العمل له. ولكن سيأتي بيان حقيقة النيابة، وستعرف أن سقوط التكليف عن المنوب عنه إنما هو لحصول الغرض من إتيان النائب بذلك العمل نيابة عنه الذي ستعرف أنه مأمور به بالامر الاستحبابي، وقصد النائب التقرب إنما يكون لاجل الامر المتوجه الى النائب نفسه، وحصول القرب المعنوي الملازم لفراغ الذمة عن التكليف إنما =========================================================================== [ 363 ] [... ] يكون لاجل فراغ ذمة المنوب عنه عنها، وبالمعنى الآخر: لا نتعقله وإعطاء الثواب إنما هو باختيار الله تعالى، فقد وعد على إعطائه بالمنوب عنه لو أتى النائب بالعمل نيابة عنه. وللقوم في تصوير النيابة في العبادة مسالك: أحدها: ما يظهر من الشيخ الاعظم الانصاري - ره - في كتاب القضاء، وهو أن للنائب فعلين: أحدهما: فعل جانحي قلبي وهو جعل نفسه بدلا عن المنوب عنه في الاتيان بتكاليفه وتنزيله منزلته، وهذه هي حقيقة النيابة، والامر المتعلق به أمر غير عبادي. ثانيهما: ما هو فعل جارحي وهو الحج أو الصلاة، وما شاكل، والامر المتعلق به أمر تعبدي، ولكل من الفعلين غاية مترتبة عليه. ويرد عليه: أن التنزيل مما لا يخطر ببال النائب والمنوب عنه، مع أنه تنزيل ادعائي لا حقيقي فلا بد وأن يكون صادرا ممن بيده جعل الآثار وإلا فلا يكاد يترتب عليه الاثر، ألا ترى أنه لو نزل زيد نفسه منزلة عمرو لا يترتب عليه وجوب الانفاق على زوجته وغيره من الآثار والاحكام الثابتة لعمرو. ثانيها: ما يظهر مما أفاده في المكاسب في مبحث أخذ الاجرة على الواجبات، وفي الفرائد في مبحث أصالة الصحة، وحاصله: أن العبادة النيابية كالحج إذا تحققت في الخارج كان لها اعتباران، وباعتبار هي فعل المنوب عنه، ولذا إذا كانت هي الصلاة يراعى فيها القصر والاتمام وباعتبار هي فعل النائب، ولذا يجب عليه مراعاة الاجزاء والشرائط، وهي بالاعتبار الثاني لا يجب التقرب فيها، وبالاعتبار الاول عبادية، فلا مانع من وقوعها قربيا محضا عن المنوب عنه. وبالجملة: العبادة النيابية فعل لشخصين اعتبارا، وهي بأحد الاعتبارين قربية وبالاعتبار الآخر غير قربية. =========================================================================== [ 364 ] [... ] وفيه: أن كون فعل النائب فعل المنوب عنه اعتبارا لا يتصور، فإن كون الفعل منتسبا الى شخص إنما هو باعتبار صدوره عنه، وعليه فإن كان المراد أن الشارع الاقدس يعتبر صدور الفعل عن المنوب عنه، فما الدليل على هذا الاعتبار أولا. وثانيا: أن هذا الاعتبار إنما يكون بعد إتيان العمل عن الغير فقبل أن ينوي الفعل عن الغير يسئل عن محركه له، وأنه هل الامر المتوجه الى المنوب عنه يكون محركا وهو غير معقول، أو غيره، وبالجملة بهذا المقدار لا يتم، ولعله سيأتي توجيهه. ثالثها: ما أفاده المحقق اليزدي - ره - في درره بما حاصله: أن مباشرة الفاعل تارة تكون دخيلة في حصول الغرض المترتب على الفعل فلا يسقط الامر بفعل الغير وإن لم يكن العمل عباديا، واخرى لا تكون دخيلة فيه فلا مانع من صيرورة الامر المتعلق به محركا للغير لايجاد ذلك الفعل مراعاة لصديقه واستخلاصه من المحذورات المترتبة على ذلك الامر من العقاب والبعد عن ساحة المولى. والظاهر أنه الى هذا نظر المحقق النائيني - ره - حيث قال: إن الامر الاجاري تعلق بإتيان العبادة بداعي الامر المتوجه الى المنوب عنه. وفيه: أنه إذا كان الغرض مترتبا على فعل كل واحد منهما بما هو لزم كون الامر متوجها اليهما، غاية الامر بما أن الغرض واحد، ويحصل بفعل كل منهما يكون الوجوب كفائيا، فيخرج عما هو محل الكلام. وإن كان مترتبا على فعل المنوب عنه خاصة غاية الامر أعم من المباشري والتسبيبي، وما بالذات وما بالعرض، فمثله لا يصلح إلا لتوجه الامر الى المنوب عنه المحرك نحو الفعل أعم من المباشرة والتسبيب، ولكن هذا الامر لا يعقل أن يكون محركا للنائب نحو الفعل، إذ التكليف غير المتوجه إليه كيف يحركه!؟ نعم إذا كان الغرض يحصل بفعله وكان الواجب توصليا لزم سقوط التكليف بفعله، لحصول الغرض لا للامتثال. =========================================================================== [ 365 ] [... ] وبالجملة الامر المتوجه إليه لا يعقل أن يكون محركا نحو عمل غيره الصادر عنه بإرادته واختياره. رابعها: ما أفاده بعض المحققين، وهو أن النيابة من الاعتبارات العقلائية لها آثار عند العقلاء، فإذا أمضاها الشارع الاقدس لزم ترتب تلك الآثار عليها، فإذا كان المنوب فيه من العبادات كان مقتضى إمضاء النيابة توجه التكليف المتوجه الى المنوب عنه الى النائب أيضا. وفيه: أنه إن اريد بذلك توجه ذلك التكليف إليه فهو غير معقول، إذ الفرد المشخص كيف يمكن توسعته. وإن اريد انتسابه إليه بالعرض. فيرد عليه: أن البعث العرضي لا يجدي في الانبعاث الحقيقي. وإن اريد توجه تكليف آخر الى النائب فهو يحتاج الى دليل. وهناك مسالك اخر لوضوح ضعفها مما بيناه أغمضنا عن ذكرها. والصحيح في المقام أن يقال: إنه في مورد النيابة يكون العمل ثابتا في ذمة المنوب عنه إما مع الامر المتوجه إليه أو بدونه، وهناك تكليف آخر متوجه الى النائب إما وجوبيا أو استحبابيا، بأن يأتي بذلك العمل الثابت في ذمة المنوب عنه، نظير الامر بأداء الدين عنه، فالمحرك للنائب هو الامر العبادي المتوجه إليه متعلقا بالفعل المعنون بعنوان النيابة عن الغير، لا الامر المتوجه الى المنوب عنه، وعلى هذا فالنائب إنما يأتي بالعبادة بداعي الامر المتوجه الى نفسه، لا بالامر العبادي المتوجه الى المنوب عنه، وسقوط التكليف عن المنوب عنه إنما هو لحصول الغرض من إتيان النائب بذلك العمل نيابة عنه الذي عرفت أنه مأمور به بالامر الاستحبابي، وقصد النائب التقرب إنما يكون لاجل الامر المتوجه الى النائب نفسه، وقد مر أن حصول القرب المعنوي بالمعنى الملازم لفراغ الذمة عن التكليف إنما يكون لاجل فراغ ذمة المنوب عنه عنه =========================================================================== [ 366 ] [... ] وبالمعنى الآخر لا نتعقله وإعطاء الثواب إنما هو باختيار الله تعالى فقد وعد على إعطائه بالمنوب عنه لو أتى النائب بالعمل نيابة عنه. شرائطه النيابة وأما شرائطها، فيعتبر فيها قصد النيابة، فإنه لا يصدق وقوع الحج عن الغير الذي هو المأمور به إلا بذلك. وبعبارة اخرى: إن المأمور به فردان: أحدهما: الحج عن نفسه، والآخر الحج عن غيره، ولعل الاول لا يتقوم بالقصد زائدا عن اتيان الاعمال متقربا الى الله تعالى، وأما الثاني فامتيازه عن الاول إنما هو بذلك، فلابد وأن يقصد وإلا لا يتحقق. كما أنه يعتبر فيها تعيين المنوب عنه، فإن الفعل الصالح للوقوع عن المتعدد لا يتعين لاحدهم إلا بالقصد وإلا لزم الترجح بلا مرجح، بل النيابة وإتيان الحج عن الغير حقيقتها تتقوم بتعيين المنوب عنه. ولا يعتبر ذكر اسمه أتفاقا كما في الجواهر. وعن ظاهر الصدوق لزوم تسميته عند الذبح. وأما النصوص فهي على طوائف: الاولى: ما تضمن الامر به كخبر ابن عبد السلام عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يحج عن الانسان يذكره في جميع المواطن كلها، قال: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، الله يعلم أنه قد حج عنه، ولكنه يذكره عند الاضحية إذا ذبحها (1). الثانية: ما تضمن الامر به بعد الاحرام كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه =========================================================================== (1) الوسائل باب 16 من أبواب النيابة حديث 4. =========================================================================== [ 367 ] [... ] السلام قال: قلت له: الرجل يحج عن أخيه أو عن أبيه أو عن رجل من الناس هل ينبغي له أن يتكلم بشئ؟ قال عليه السلام: نعم يقول بعدما يحرم: اللهم ما أصابني في سفري هذا من تعب أو بلاء أو شعث فآجر فلانا فيه وآجرني في قضائي عنه (1). ونحوه صحيح معاوية أو حسنه (2). الثالثة: ما تضمن الامر به في جميع المواطن والمواقف كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: ما يجب على الذي يحج عن الرجل؟ قال عليه السلام: يسميه في المواطن والمواقف (3). الرابعة: ما تضمن عدم لزومه في شئ من المواقف كصحيح البزنطي أنه قال: سأل رجل أبا الحسن الاول (ع) عن الرجل يحج عن الرجل يسميه باسمه، قال: إن الله تعالى لا يخفى عليه خافية (4). والجمع بين النصوص يقتضي البناء على الاستحباب والرجحان وتأكده في الموقفين، وذلك، لانه لو لم تكن الطائفة الثالثة كان الجمع بين الاولتين والاخيرة بتقييدها بهما، والحكم بوجوبه في الموقفين مع قطع النظر عما نشير إليه، كما أنه لو كنا قائلين بانقلاب النسبة كان مقتضى الجمع العرفي ذلك، فإنه يقيد إطلاق الاخيرة بالاولتين فتصير أخص من الثالثة، وتقيد هي بها، وكانت هو الوجوب في الموقفين. ولكن بينا في محله بطلان القول بانقلاب النسبة وأنه تلاحظ النصوص كما هي. كما أنه لو كان للأولتين مفهوم كانتا دالتين به على عدم الوجوب في غير =========================================================================== (1) الوسائل باب 16 من أبواب النيابة حديث 2. (2) الوسائل باب 16 من أبواب النيابة حديث 3. (3) الوسائل باب 16 من أبواب النيابة حديث 1. (4) الوسائل باب 16 من أبواب النيابة حديث 5. =========================================================================== [ 368 ] [ ولو تبرع عن الميت برئت ذمته ] الموطنين كانت النتيجة أيضا ذلك، فإنه كان يقيد حينئذ إطلاق الاخيرة بمنطوق الاولتين، وإطلاق الثالثة بمفهومهما، ولكن ليس لهما مفهوم، وعليه فيتعين الجمع بما ذكر بأن يحمل ظاهر الثالثة من الوجوب على الاستحباب بقرينة الاخيرة، والاولتان وإن كان لا مانع من إبقائهما على ما هما عليه من الظهور في الوجوب إلا أنه بقرينة الاتفاق على عدم الوجوب، ولما في التعليل في الرابعة الآبي عن التخصيص بأن الله لا تخفى عليه خافية - يتعين حملهما على الاستحباب، فتكون النتيجة ما ذكرناه، التبرع عن الميت في الحج بقي الكلام في جملة من أحكام هذا الباب، ولنذكرها في طي مسائل: الاولى: أنه لا يكون الخطاب بالنيابة عن الميت مختصا بالولي (و) لا مشروطا بإذنه، بل (لو تبرع) إنسان بالحج (عن الميت) بعد موته (برئت ذمته) ولا نعلم فيه خلافا، كما في التذكرة، بل الاجماع بقسميه عليه كما في الجواهر، بالاجماع المحقق والمحكي مستفيضا كما في المستند، من غير فرق في الميت بين أن يكون عنده ما يحج به عند أم لا، وبين إيصائه به وعدمه، وبين قرب المتبرع للميت وعدمه، وبين وجود المأذون من الميت أو وليه وعدمه. كل ذلك، لاطلاق معاقد الاجماعات، والنصوص. لاحظ: صحيح معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل مات ولم يكن له مال ولم يحج حجة الاسلام فأحج عنه بعض إخوانه هل يجزي ذلك عنه أو هل هي ناقصة؟ قال عليه السلام: بل هي حجة تامة (1). ومعلوم أن المراد =========================================================================== (1) الوسائل باب 31 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 1. =========================================================================== [ 369 ] [... ] به أنه لم يكن له مال حين الموت وإنما استقر عليه الحج من قبل، كما نبه عليه صاحب الوسائل - ره -. وخبر ابن عميرة عن الصادق عليه السلام: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن أبي مات ولم يحج. فقال له رسول الله (ص): حج عنه فإن ذلك يجزي عنه (1). ونحوها غيرها، وقد ادعى صاحب المستند استفاضتها. وفي الجواهر: وثبوت مشروعية النيابة عنه مع تعذر الاذن عنه وأن الحج مع شغل الذمة به كالدين الذي لا أشكال في جواز التبرع به مع النهي فضلا عن عدم الاذن وأصل عدم اشتراط حصولها منه حال حياته وعدم تعلق الغرض بما يقابلها منه. انتهى. وهذه الوجوه وإن كانت لا تخلو عن المناقشة، فإن ثبوت مشروعية النيابة مع تعذر الاذن عنه إذا لم يأذن في حال الحياة لغير الولي، أول الكلام، وكون الحج مع شغل الذمة به كالدين لا يوجب جواز التبرع عنه في الافعال، وأصالة عدم اشتراط حصولها منه حال الحياة محكومة لاصالة عدم مشروعيتها بناء على كون النيابة على خلاف الاصل كما هو الحق إلا أنه لا بأس بذكرها تأييدا للمطلب. وأما التبرع عن الميت في الحج المندوب فجوازه أيضا لا كلام فيه، وفي المستند: بالاجماعين أي: المحصل والمنقول. ويشهد به: جملة من النصوص، وقد عقد صاحب الوسائل في أبواب النيابة بابا لاستحباب التطوع بالحج والعمرة عن المؤمنين خصوصا الاقارب أحياء وأمواتا، وعن المعصومين عليهم السلام أحياء وأمواتا، وذكر فيه أحد عشر حديثا، ثم قال: وتقدم ما يدل على ذلك في... ويأتي ما يدل عليه. =========================================================================== (1) الوسائل باب 31 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 2. =========================================================================== [ 370 ] [... ] منها: خبر حازم بن حبيب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن أبي هلك وهو رجل أعجمي وقد أردت أن أحج عنه وأتصدق. فقال عليه السلام: افعل فإنه يصل إليه (1). ومنها: خبر عمرو بن الياس في حديث قال أبي لابي عبد الله عليه السلام وأنا أسمع: إن ابني هذا صرورة وقد ماتت امه فاحب أن يجعل حجته لها أفيجوز ذلك له؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: يكتب ذلك له ولها ويكتب له أجر البر (2). ومنها: موثق إسحاق الآتي، و نحوها غيرها. التبرع عن الحي في الحج وأما الحي، فيجوز التبرع عنه بالتطوع بلا خلاف، وفي المستند بالاجماعين. وفي المنتهى: لا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا بإذنه سواء كان الحج فرضا أو نفلا. انتهى. والاول اظهر، لجملة من النصوص التي قيل: إنها متواترة كموثق إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم عليه السلام عن الرجل يحج فيجعل حجته وعمرته أو بعض طوافه لبعض أهله وهو عنه غائب ببلد آخر، قال: فقلت: فينقص ذلك من أجره؟ قال عليه السلام: لا هي له ولصاحبه وله سوى ذلك بما وصل. قلت: وهو ميت هل يدخل ذلك عليه؟ قال: نعم حتى يكون مسخوطا عليه فيغفر له أو يكون مضيقا عليه فيوسع عليه. فقلت: فيعلم هو في مكانه إن عمل ذلك لحقه. قال: نعم. الحديث (3). =========================================================================== (1) الوسائل باب 25 من أبواب النيابة حديث 10. (2) الوسائل باب 25 من أبواب النيابة حديث 2. (3) الوسائل باب 25 من أبواب النيابة حديث 5. =========================================================================== [ 371 ] [... ] وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: من حج فجعل حجته عن ذي قرابته يصله بها كانت حجته كاملة وكان للذي حج عنه مثل أجره، إن الله عز وجل واسع لذلك (1). ونحوهما غيرهما. والمصنف - ره - في المنتهى علل ما اختاره بقوله: لانها عبادة يدخلها النائب فلم يجز عن الحي المكلف إلا بإذنه كالزكاة. انتهى، وهذا الاستدلال في مقابل النصوص اجتهاد في مقابل النص. وفي الجواهر: ولعله حمل النصوص على إهداء الثواب لا على وجه النيابة. انتهى لكنه واضح الضعف، فإن الروايات متضمنة لجعل الحج له والاتيان بالحج عنه، وهذه التعابير كالصريحة في النيابة. ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كونه قادرا أو عاجزا، كما لا فرق بين من كان عليه حج واجب مستقرا كان أولا وغيره، تمكن من أدائه ففرط أو لم يفرط، بل يحج بنفسه واجبا ويستنيب غيره في التطوع، لاطلاق الاخبار، وإذا جاز التبرع جاز للمنوب عنه أن يستأجر له، وهو واضح. وأما التبرع عن الحي في الواجب فيما إذا كان له عذر مسوغ للاستنابة وكفايته عنه ففيه قولان، ذهب جماعة منهم المصنف - ره - في محكي القواعد، وكاشف اللثام، وفي الحدائق والجواهر والمستند الى عدم الجواز، وعن جماعة آخرين الجواز والكفاية. وقد استدل للاول في الجواهر بأصالة عدم فراغ ذمته بذلك، السالمة عن معارضة ما دل على مشروعيتها عنه بإذنه، ضرورة أعمية ذلك من جواز التبرع، وبإنه يجب الاستنابة عليه نصا وفتوى، ولا دليل على سقوطه بذلك بعد حرمة القياس على الميت، وعدم =========================================================================== (1) الوسائل باب 25 من أبواب النيابة حديث 4. =========================================================================== [ 372 ] [... ] ثبوت كونه في هذه الحال كالدين الذي يقضي عن صاحبه مع نهيه، ثم قال فيها بعد ذكر الدليلين: فالاحوط حينئذ - إن لم يكن الاقوى - الاقتصار في النيابة حينئذ على الاذن. واستدل في المستند له: بالاخبار المتضمنة للامر بالتجهيز من ماله قال: فلعل هذا العمل واجب عليه مقام الحج بنفسه، وكفاية فعل الغير موقوفة على الدليل وهو في المقام مفقود. أقول: إن نصوص الاستنابة - بعد ملاحظة ما بيناه في حقيقة النيابة - تكون ظاهرة في أن البدل فعل النائب لا فعل المنوب عنه، وعليه فلا دخل للتسبيب في إفراغ الذمة وأداء الواجب، وإنما يجب الاستنابة تحصيلا للبدل، فمع حصوله بنفسه لا وجه لبقاء الوجوب. نيابة واحد عن المتعدد الثانية: لا يجوز أن ينوب عن اثنين بحج واحد في الحج الواجب إجماعا كما في المستند. وهذا مضافا الى وضوحه مطابق للاصل، فإن الخارج عن تحت أصالة عدم فراغ الذمة نيابة واحد عن واحد ويبقى الباقي. وأما صحيح البزنطي - عن أبي الحسن عليه السلام عن رجل أخذ حجة من رجل فقطع عليه الطريق، فأعطاه رجل حجة اخرى يجوز له ذلك؟ فقال عليه السلام: جائز له ذلك محسوب للاول والاخير، وما كان يسعه غير الذي فعل إذا وجد من يعطيه الحجة (1) - الدال بالاطلاق وعدم الاستفصال على جواز نيابة واحد عن اثنين حتى في الحج الواجب، فمضافا الى معارضته بصحيح محمد ابن إسماعيل قال: أمرت =========================================================================== (1) الوسائل باب 19 من أبواب النيابة حديث 2. =========================================================================== [ 373 ] [... ] رجلا أن يسأل أبا الحسن (ع) عن رجل يأخذ من رجل حجة فلا تكفيه أله أن يأخذ من رجل آخر فيتسع بهما ويجزي عنهما جميعا أو يتركهما جميعا إن لم يكفه إحداهما؟ فذكر أنه قال: احب الي ان تكون خالصة لواحد، فأن كانت لا تكفي فلا يأخذها (1) - لم يفت أحد بما تضمنه من الاطلاق، فيتعين حمله على الحجتين على وجه الاستحباب، أو أن إحدى الحجتين لا على وجه الاجارة، أو على غير ذينك من المحامل التي ذكرها الفقهاء، راجع الحدائق. نعم إذا كان حج واحد واجبا على المتعدد، كما إذا نذر كل منهما أن يشترك مع الآخر في تحصيل الحج لا مانع من النيابة فيه ووجهه ظاهر. وأما في الحج المندوب، فالظاهر جواز النيابة عن المتعدد، كما هو المشهور. وعن المسالك وفي الحدائق تخصيص جواز الاستنابة في المستحب على وجه التشريك بما إذا اريد إيقاع الفعل عنهما معا ليشتركا في ثوابه، أما لو اريد من النيابة فعل الحج عن كل واحد منهما فهو كالحج الواجب. والاول أظهر، لجملة من النصوص كخبر هشام بن الحكم بإسنادين أحدهما صحيح أو حسن عن الامام الصادق عليه السلام في الرجل يشرك أباه أو أخاه أو قرابته في حجه، فقال: إذن يكتب لك حجا مثل حجهم وتزداد أجرا بما وصلت (2). وصحيح محمد بن إسماعيل قال: سألت أبا الحسن عليه السلام كم اشرك في حجتي؟ قال: كم شئت (3). وصحيح معاوية بن عمار عن الامام الصادق عليه السلام قال: قلت له: اشرك =========================================================================== (1) الوسائل باب 19 من أبواب النيابة حديث 1. (2) الوسائل باب 28 من أبواب النيابة حديث 3. (3) الوسائل باب 28 من أبواب النيابة حديث 2. =========================================================================== [ 374 ] [... ] أبوي في حجتي؟ قال: نعم. قلت: اشرك إخواتي في حجتي؟ قال: نعم، إن الله تعالى جاعل لك حجا ولهم حجا ولك أجر لصلتك أياهم (1). وخبر محمد بن الحسن عن أبي الحسن عليه السلام قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لو أشركت ألفا في حجتك لكان لكل واحد حجة من غير أن تنقص حجتك شيئا (2). وخبر علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن موسى (ع) عن الرجل يشرك في حجته الاربعة والخمسة من مواليه، فقال: إن كانوا صرورة جميعا فلهم أجر ولا يجزي عنهم الذي حج عنهم من حجة الاسلام، والحجة للذي حج (3). ونحوها في الدلالة على جواز النيابة عن المتعدد وكذا في استثناء حجة الاسلام - غيرها وظاهرها النيابة ولا محذور فيه فحملها على إهداء الثواب لا وجه له. وأما نيابة المتعدد عن واحد، ففي الحج المندوب لا إشكال فيها ولا خلاف. ويشهد به جملة من النصوص كخبر محمد بن عيسى اليقطيني، قال: بعث إلي أبو الحسن الرضا عليه السلام رزم ثياب وغلمانا وحجة لي وحجة لاخي موسى بن عبيد، وحجة ليونس بن عبد الرحمن وأمرنا أن نحج عنه فكانت بيننا مائة دينار أثلاثا فيما بيننا. الحديث (4). وخبر أحمد بن محمد بن مطهر قال: كتبت الى أبي محمد عليه السلام إني دفعت الى ستة أنفس مائة دينار وخمسين دينارا ليحجوا بها - الى أن قال - فكتب عليه السلام =========================================================================== (1) الوسائل باب 28 من أبواب النيابة في الحج حديث 2. (2) الوسائل باب 28 من أبواب النيابة في الحج حديث 4. (3) الوسائل باب 28 من أبواب النيابة في الحج حديث 5. (4) الوسائل باب 34 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. =========================================================================== [ 375 ] [... ] لا تعرض لمن لم يأتك ولا تأخذ ممن أتاك شيئا مما يأتيك والاجر فقد وقع على الله عز وجل (1). ونحوهما غيرهما. وفي الجواهر: فقد احصي عن علي بن يقطين في عام واحد ثلاثمائة ملبيا ومائتان وخمسون وخمسمائة وخمسون. وأما الحج الواجب، فإن كان في ذمة الميت أو الحي الممنوع عن المباشرة حجتان مختلفتان بالنوع كحجة الاسلام، وحجة النذر، أو متحدتان من حيث النذر كحجتين للنذر جاز نيابة نائبين في سنة واحدة. وكذا يجوز إذا كان إحداهما واجبة والاخرى مستحبة، بل يجوز أن ينوب شخصان عنه في حج واجب واحد كحجة الاسلام في عام واحد، وإن كان أحدهما أسبق شروعا فإن ذمة المنوب عنه لا تفرغ بالشروع، وعليه فيجوز مادامت الذمة مشغولة لكل أحد النيابة عنه. وبعبارة اخرى: إن التكليف بالنيابة متوجه الى جميع الناس مادامت الذمة مشغولة به، نعم إذا كان أحدهما أسبق ختاما ولا يحتمل في حجه البطلان بطل فعل اللاحق، لعدم بقاء المورد، وإما إذا كان يحتمل بطلانه فلا بأس بإتمامه رجاء واحتياطا. لو مات النائب قبل تمام الحج الثالثة: إذا مات النائب قبل الاتيان بالمناسك فتارة يكون ذلك قبل الاحرام، واخرى يكون بعد الاحرام ودخول الحرم، وثالثة يكون بعد الاحرام وقبل الدخول في الحرم. =========================================================================== (1) الوسائل باب 10 من أبواب النيابة في الحج حديث 4. =========================================================================== [ 376 ] [... ] قبل الدخول في البحث في هذه المواضع ينبغي التنبيه على أمرين: الاول: أن ما تدقم منا من إمكان القول بكفاية الاستيجار في فراغ ذمة المنوب عنه - إنما هو فيما إذا قصر الاجير في الاتيان به، وأما إذا لم يقصر ولكن الوقت لم يكن صالحا له لموته قبل تمام الحج - فالظاهر خروجه عن تحت تلك الاخبار، ولعل الاعتبار أيضا يساعد الفرق بينهما. الثاني: أن النصوص الواردة في المقام التي استدل بها في هذه المسألة واردة في الاستيجار ولا تشمل النيابة التبرعية، كما أن مورد كلام الاصحاب أيضا ذلك، فإسراء الحكم المخالف للقاعدة إليها يتوقف على إحراز المناط وإلا فلا. إذا عرفت ذلك، فاعلم أنه لا خلاف بينهم في عدم الاجزاء في الصورة الاولى، وفي المستند: لم يجزئ عنه إجماعا للاصل والاجماع. انتهى، وفي الجواهر: قطعا، بل إجماعا بقسميه. ولكن موثق إسحاق الآتي يدل على الاجزاء لو مات في الطريق مطلقا، ولعل إجماع الاصحاب يصلح لتقييده، وأما نصوص كفاية الاستيجار في فراغ ذمة المنوب عنه فقد عرفت عدم شمولها للمقام، والله العالم. وأما الصورة الثانية وهي لو مات النائب بعد دخول الحرم والاحرام - ففي الجواهر في شرح قول المحقق: فقد اجزأت عنه: بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه. انتهى. وفي التذكرة: أجزأه ما فعله عن نفسه وعن المنوب عنه، وسقط الحج عن المنوب عنه عند علمائنا. انتهى. وفي المستند: بلا خلاف يوجد، بل بلا خلاف على الظاهر المصرح به في التنقيح والمفاتيح وشرحه والحدائق، بالوفاق كما في الذخيرة، بل بالاجماع كما عن المسالك والمنتهى وجماعة، بل بالاجماع المحقق. انتهى. =========================================================================== [ 377 ] [... ] وقد استدل له بوجوه: أحدها: الاجماع استدل به جماعة منهم: الفاضل النراقي. وفيه: ما تقدم منا مرارا من أن الاجماع الذي يصح الاستناد إليه في الحكم هو الاجماع التعبدي وهو الذي يكون كاشفا عن رأي المعصوم على السلام، وأما مع معلومية مدرك المجمعين فلا يعتمد على الاجماع. الثاني: ما استدل به سيد المدارك وفي الجواهر، وهو صحيحا ضريس والعجلي. روى ضريس عن أبي جعفر عليه السلام في رجل خرج حاجا حجة الاسلام فمات في الطريق، فقال: إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الاسلام، وإن مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الاسلام (1). قال بريد العجلي: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل خرج حاجا ومعه جمل له وزاد ونفقة فمات في الطريق، قال عليه السلام: إن كان صرورة ثم مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجة الاسلام، وإن كان مات وهو صرورة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته وما معه في حجة الاسلام. الحديث (2). وقرب الاستدلال بهما في الجواهر بقوله: وإن كان موردهما الحج عن نفسه إلا أن الظاهر ولو بمؤونة فهم الاصحاب كون ذلك كيفية خاصة في الحج نفسه سواء كان عن نفسه أو عن الغير، وسواء كان بالنذر أو غيره. انتهى. ولكن يرد عليه: أن البناء على كون الحكم الوارد في مورد خاص حكما للطبيعة بإلغاء الخصوصية يحتاج الى دليل، ومجرد إفتاء الاصحاب لا يصلح منشئا لذلك. وذكر سيد المدارك في تقريب الاستدلال بهما: أنه إذا ثبت ذلك في حق الحاج =========================================================================== (1) الوسائل باب 26 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 1. (2) الوسائل باب 26 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 2. =========================================================================== [ 378 ] [... ] عن نفسه ثبت في نائبه، لان فعله كفعل المنوب عنه، وتبعه صاحب الجواهر - ره - في هذا التقريب أيضا. وفيه أولا: ما عرفت في حقيقة النيابة من أن عمل النائب يوجب سقوط ذمة المنوب عنه لا إن عمله كعمله. وثانيا: أنه لو سلم ذلك أن ظاهر الخبرين اختصاص الحكم بما إذا أوجد الحج وأتى به بنفسه، وشمول الحكم لما هو منزل منزلته يتوقف على دليل خاص، أو عموم لدليل التنزيل، وهما مفقودان. وأما دعوى تنقيح المناط فعهدة إثباتها على مدعيها، كما أن دعوى أن بالاستيجار تتسع ذمة المنوب عنه بضم ذمة النائب إليها وإلا فما فيها لا يتغير فهو مشمول للخبرين. كلام شعري لا يبتنى الاحكام الشرعية عليه. الثالث: ما استدل به جماعة وهو أن طائفة من النصوص تدل عليه كموثق إسحاق بن عمار الصحيح عن من أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطي رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل أن يحج ثم أعطى الدراهم غيره - فقال عليه السلام: إن مات في الطريق أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فإنه يجزي عن الاول. قلت: فإن ابتلى بشئ يفسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل أيجزي عن الاول؟ قال: نعم. قلت: لان الاجير ضامن للحج؟ قال: عليه السلام نعم (1). ومرسل الحسين بن عثمان عنه عليه السلام في رجل أعطى رجلا ما يحجه فحدث بالرجل حدث، فقال عليه السلام: إن كان خرج فأصابه في بعض الطريق =========================================================================== (1) الوسائل باب 15 من أبواب النيابة حديث 1. =========================================================================== [ 379 ] [... ] فقد أجزأت عن الاول وإلا فلا (1). ومرسل الحسين بن يحيى عمن ذكره عنه عليه السلام في رجل أعطى رجلا مالا يحج عنه فمات، قال عليه السلام: فإن مات في منزله قبل أن يخرج فلا يجزي وإن مات في الطريق فقد أجزأ عنه (2). واورد على الاستدلال بها بإيرادين: الاول: أن مقتضى إطلاقها هو الاجزاء وإن مات النائب قبل الاحرام، والاصحاب غير ملتزمين بذلك ولم يفتوا به. واجيب عنه بجوابين. أحدهما: أنه يقيد إطلاقها بالاجماع. وفيه: - مضافا الى أنه تخصيص بعيد كما نبه عليه صاحب الذخيرة وما في المستند في الايراد على الذخيرة من أنه غفلة عن حال بلد السؤال الذي هو المدينة فإن محل الاحرام فيها قريب منها معدود من حدودها. انتهى. غريب، فإن السائل هو إسحاق وهو كان يسكن بغداد، والظاهر من السؤال إما الاطلاق أو عن من في بلده - أن الاجماع قد مر عدم كونه تعبديا، بل إنما أفتى الفقهاء بذلك من جهة الجمع بين النصوص والاستفادة منها، فكما لا يعتمد عليه في الحكم لا يعتمد عليه في التقيد والتخصيص. ثانيهما: ما في العروة وهو: أنه يقيد إطلاقها بمرسل المقنعة. قال الصادق عليه السلام: من خرج حاجا فمات في الطريق فإنه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه =========================================================================== (1) الوسائل باب 15 من أبواب النيابة حديث 3. (2) الوسائل باب 15 من أبواب النيابة حديث 4. =========================================================================== [ 380 ] [... ] الحجة، فإن مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحج وليقض عنه وليه (1). الشامل للحاج عن غيره. ولا يرد عليه: أنه مرسل ضعيف لا يعتمد عليه، واستناد الاصحاب إليه غير ثابت، فإنه يدفعه ما تقدم منا غير مرة من أن المرسل إن كان من قبيل نسبة المرسل الخبر الى المعصوم جزما كان حجة، لانه توثيق للواسطة، إذ مع عدم وثاقته يكون النقل هكذا كذبا، والمرسل غير الحجة هو ما لم ينسب الى المعصوم كذلك، والمفيد - ره - نسب ذلك الى الصادق عليه السلام فهو حجة. كما أنه لا يرد عليه: أن ذيله: فإن مات قبل دخول الحرم... وليقض عنه وليه. ظاهر في الاختصاص بالاصيل، إذ الاجير لاقضاء عنه فإنه إن كانت المباشرة معتبرة واعتبرت في ضمن العقد بطلت في الفرض لذهاب الموضوع، وإلا فهو أداء عنه لاقضاء، فإنه أيضا يندفع بأن القضاء في لسان الاخبار يراد به الفعل الاعم من القضاء المصطلح. ولكن يرد عليه: أن المرسل كما يكون أخص من النصوص المتقدمة من هذه الجهة يكون أعم من جهة اخرى وهي شموله للاصيل والنائب، واختصاصها بالنائب، ومورد الاجتماع موت النائب قبل الاحرام، فإن النصوص المتقدمة تدل على الاجزاء، وهذا المرسل يدل على عدمه، وعليه فإن بنينا على أن العامين من وجه أيضا يدخلان في أخبار الترجيح والتخيير لاريب في تقديم المرسل على تلك النصوص كما سيأتي. الايراد الثاني: أنه يعارضها موثق عمار الساباطي عن الامام الصادق عليه السلام في رجل حج عن آخر ومات في الطريق، قال عليه السلام: قد وقع أجره على =========================================================================== (1) الوسائل باب 26 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 4. =========================================================================== [ 381 ] [... ] الله ولكن يوصي فإن قدر على رجل يركب في رحله ويأكل زاده فعل (1). وللاصحاب في الجمع بينها وبينه مسالك: منها: ما أفاده بعض الاعاظم من المعاصرين وهو أن موثق إسحاق الذي هو العمدة من تلك النصوص نص في الاجزاء إذا مات بعد دخول الحرم، لانه هو القدر المتيقن من الاجزاء إذ لو كان الموت في أول الطريق سببا للاجزاء لكان الموت بعد دخول الحرم سببا له قطعا، ولكن بالنسبة الى ما قبل الدخول في الحرم ظاهر، وأما موثق عمار فهو نص في عدم الاجزاء بالنسبة الى ما قبل الدخول في الحرم ولو بقرينة الاجماع، لانه هو القدر المتيقن من عدم الاجزاء، فيرفع اليد عن ظاهر كل منهما بنص الآخر، والنتيجة هو التفصيل بين الموت قبل الدخول في الحرم وبعده في الحكم بالاجزاء في الثاني وعدمه في الاول كما هو المعروف بين الاصحاب. وفيه: أنه لم يرد آية ولا رواية دلة على لزوم تقديم النص على الظاهر، بل إنما يلتزم به لكونه جمعا عرفيا، وضابط كون الجمع عرفيا جمع المتعارضين في بادئ النظر في كلام واحد، وإن رأى أهل العرف أحدهما قرينة على الآخر ولم يروا تهافتا بينهما كان ذلك الجمع عرفيا وإلا فلا. وفي المقام إذا جمعنا الخبرين يرى العرف تهافتا بينهما، ولا يكون أحدهما قرينة على الآخر، فهذا الجمع ليس عرفيا. ومنها: أن موثق عمار نص في المطلوبية وظاهر في الوجوب، وموثق إسحاق صريح في عدم الوجوب، فيحمل موثق عمار على الاستحباب، وهذا لا بأس به، إذ لو جمعنا بين قوله في موثق إسحاق: فإنه يجزي عن الاول. وبين قوله في موثق عمار: ولكن يوصي. أهل العرف لا يرون التهافت بينهما، ويرون الاول قرينة على حمل الامر =========================================================================== (1) الوسائل باب 15 من أبواب النيابة حديث 5. =========================================================================== [ 382 ] [... ] بالايصاء على الاستحباب. ولكن الحق في المقام أن يقال: إن في المقام طوائف من النصوص: الاولى: ما دل على الاجزاء لو مات في الطريق مطلقا، وهي موثق إسحاق والمرسلان. الثانية: ما دل على عدم الاجزاء مطلقا ولو لم يكن غير هاتين الطائفتين لكنا حاملين للثانية على الاستحباب. ولكن في المقام طائفة ثالثة، وهي مرسلة المفيد المعتبرة المفصلة بين الموت قبل الدخول في الحرم، والموت بعده، والحكم بعدم الاجزاء في الاول، وبه في الثانية، ونسبتها مع كل من الطائفتين وإن كانت عموما من وجه كما مر إلا أنها تقدم عليهما بناء على المختار من الرجوع في تعارض العامين من وجه الى نصوص الترجيح، فإن الشهرة الفتوائية التي هي أول المرجحات مع المرسلة، والمرجحات الاخرى إنما هي في طول ذلك على المختار من الترتيب بينها، وعليه فيقيد بذيلها الطائفة الاولى، وبصدرها الطائفة الثانية، فيكون المتحصل: أنه إن مات بعد الدخول في الحرم سقط الحج عنه وأجزأ عن المنوب عنه وإن مات قبله لم يجزئ. وأما الصورة الثالثة، وهي ما لو مات بعد الاحرام وقبل الدخول في الحرم ففيها قولان: الاجزاء. نسب الى الشيخ في المبسوط والخلاف والحلي في السرائر، وفي المستند، بل عن الخلاف: أصحابنا لا يختلفون في ذلك، وعدمه. اختاره صاحب الجواهر، ونسب الى المشهور، وهو الاظهر بناء على ما عرفت من حجية مرسل المقنعة، وأنه يقيد إطلاق ما دل على الاجزاء لو مات في الطريق مطلقا. ومنشأ الاختلاف في هذه الصورة على فرض عدم حجية المرسل، هو الاختلاف في الدليل على الاجزاء في الصورة السابقة، فإن كان المدرك هو الاجماع لزم البناء على عدمه في هذه الصورة لعدمه، وإن كان هو النصوص الواردة في الحاج =========================================================================== [ 383 ] [... ] عن نفسه لزم البناء على عدم الاجزاء أيضا: لما عرفت في تلك المسألة، وإن كان المدرك هو موثق إسحاق مع تقييد إطلاقه بالاجماع لزم البناء على الاجزاء، لعدم الاجماع فيه فالموثق هو المحكم. إذا مات الاجير قبل تمام الحج الرابعة: إذا استؤجر شخص للحج فمات في أثناء الحج، فتارة، يكون أجيرا في إفراغ ذمة المنوب عنه، واخرى يكون أجيرا في الاتيان بطبيعة الحج، وثالثة يكون أجيرا في الاتيان بالاعمال المخصوصة خاصة، ورابعة يكون أجيرا في الاعمال مع المقدمات، ومنها: طي الطريق، وخامسة يكون أجيرا في الحج من دون أن يصرح بخروج المشي أو دخوله. أما في الصورة الاولى فإن مات بعد الاحرام ودخول الحرم يستحق تمام الاجرة كما هو المشهور بين الاصحاب، وعن المسالك نسبته الى اتفاق الاصحاب، والوجه فيه واضح، فإن المستأجر عليه تحقق. ودعوى بطلان الاجارة المزبور لان فراغ الذمة أمر قهري وليس من قبيل المسبب التوليدي لفعل الاجير، إذ الشارع الاقدس يحكم بالفراغ تفضلا لو مات وإن لم يأت بالمناسك، فلا يصح الاستيجار عليه، فلا محالة تكون الاجارة على الاعمال التي هي تحت قدرة المكلف واختياره، ولعله لذلك قال الشهيد الثاني في محكي المسالك: واتفق الاصحاب على استحقاقه جميع الاجرة، فهذا الحكم ثبت على خلاف الاصل. مندفعة: بأن الشارع الاقدس حكم بفراغ الذمة لو مات بعد الدخول في الحرم فهو وإن كان قهريا إلا أن سببه اختياري، نظير ما لو أتى بجميع الاعمال فإنه حينئذ قهري، وعليه فالموت وإن كان خارجا عن تحت القدرة إلا أن الاتيان بالمناسك قبله =========================================================================== [ 384 ] [... ] داخل تحت الاختيار، والفراغ بالنسبة إليها بعد جعل الشارع من قبيل المسبب التوليدي، فإن إيجاد تمام الموضوع حينئذ باختيار المكلف وبفعله، وله أن يأتي بالمناسك فيحكم بفراغ الذمة، وأن لا يأتي به فلا يحكم به، وعليه فلا مانع من جعله متعلق الاجارة فيستأجر على إفراغ الذمة، فلو افرغ ذمة المنوب عنه استحق تمام الاجرة. وإن مات قبل ذلك لا يستحق شيئا، لعدم تحقق شئ من العمل المستاجر عليه. وما نسب الى الاصحاب من أنه يستعاد من الاجرة ما قابل المتخلف ذاهبا وعائدا إنما هو في غير هذه الصورة. وأما في الصورة الثانية، فلو مات بعد الدخول في الحرم والاحرام استحق تمام الاجرة، لانه أتى بالحج، وإن مات قبله يأتي فيه ما سيأتي في الصورة الثالثة. وأما في الصورة الثالثة، فإن مات بعد الاحرام ودخول الحرم، فالمنسوب الى الاصحاب أنه يستحق تمام الاجرة. وعن المعتبر: أنه المشهور بينهم. وفي الحدائق: عن المسالك والخلاف: دعوى الاجماع عليه، والشهيد الثاني - قده - مع اعترافه بأنه خلاف القاعدة التزم به للاجماع، والمحقق في محكي المعتبر أفاد إن ثبت إجماع أو نص وإلا اتجهت استعادة ما بإزاء الباقي. انتهى. وما أفاده العلمان متين، فإن مقتضى قاعدة الاجارة الاستحقاق من الاجارة بالنسبة الى ما أتى به من الاعمال، فإن الحاصل بعض ما استؤجر عليه لا تمامه فتوزع الاجرة على الجميع، ويستحق من الاجرة على النسبة إلا أن اتفاق الاصحاب على استحقاق تمام الاجرة مع عدم نص في المقام يوجب الاطمينان بالحكم. وما أفاده بعض الاعاظم من أنه لا إشكال في دعوى الاتفاق والاجماع على الحكم في الجملة، أما في خصوص ما إذا كانت الاجارة على نفس العمل فغير ظاهرة، =========================================================================== [ 385 ] [... ] ولا مجال للاعتماد عليها. يدفعه: أن الفرد الغالب الخارجي الذي هو موضوع حكم الاصحاب هو الاجارة على العمل لا إفراغ الذمة، وهو من قبيل الداعي. وإن مات قبل الشروع في الاعمال لا يستحق شيئا لفرض الاجارة على العمل. وما أفاده صاحب الجواهر - ره - من أن مقتضى أصالة احترام عمل المسلم الذي لم يقصد التبرع به، بل وقع مقدمة للوفاء بالعمل المستأجر عليه فلم يتيسر له ذلك - استحقاق الاجرة عليه على نحو بعض العمل المستأجر عليه الذي لا استقلال له كبعض الصلاة. يرد عليه: أن عمل المسلم محترم إذا لم يسقط احترامه، ومن آجر نفسه للاعمال خاصة وأخرج طي الطريق من متعلق الاجارة فقد أسقط احترامه ولا يستحق له شيئا. كما أن ما افيد من أن من أسباب الضمان الاستيفاء بالامر، فمن عمل بأمر غيره فقد استوفى ذلك الغير عمله فيكون مضمونا عليه، وفي المقام وإن لم يأمر المستنيب بطي الطريق نفسا إلا أنه مأمور به بالامر الغيري. يرد عليه أولا: النقض بما لو أتى بتمام الاعمال، فإن لازم ذلك أن يستحق تمام الاجرة للعمل، ويستحق اجرة المثل لطي الطريق لكونه بأمره وخارجا عن مورد الاجارة. وثانيا بالحل: وهو أن الامر الغيري سيما المبني على المجانية لا يكون من أسباب الضمان. وبه يظهر: أنه لا مورد لقاعدة الغرور المستفادة من قوله: المغرور يرجع الى من غره. وإن مات بعد الشروع في الاعمال وقبل أن يدخل الحرم - فعن المدارك وغيرها، وعن النافع والقواعد في نظير المسألة التوزيع على ما أتى به من الاعمال بعد الاحرام وأنه يستحق بنسبة ما فعله الى الجملة، وعن بعضهم نسبة ذلك الى تصريح =========================================================================== [ 386 ] [... ] الاصحاب. وذهب صاحب الجواهر - ره - الى أنه وإن لم يستحق من المسمى بالنسبة إلا أنه يستحق اجرة المثل لما أتى به. واختار جماعة من الاصحاب عدم استحقاقه شيئا. فقد استدل للاول: بأن الاجارة وقعت على مجموع العمل فكل جزء من أجزاء العمل جزء من مورد الاجارة وبإزائه مقدار من الاجرة المسماة فيستحقه، نظير تبعض الصفقة في باب البيع. وأورد عليه: بأن بعض مورد الاجارة إنما يستحق الاجير ما يقابله من الاجرة المسماة إن كان له بانفراده مالية وقيمة، وإلا فلا يستحق شيئا، كما هو الشأن في تبعض الصفقة في باب البيع، فإنه يستحق ما يقابله من المال إذا كان له بانفراد قيمة لا مطلقا، مثلا لو استؤجر على الصلاة فأتى بركعة ثم أبطلت صلاته لا يستحق بإزاء ما أتى به من الركعة شيئا، والمقام هكذا، فإن بعض أعمال الحج قبل الدخول في الحرم لا أثر له ولا قيمة فلا يوزع عليه الاجرة. أقول: إن عدم الاثر إن كان بمعنى عدم ترتب الغرض من الاجارة وهو سقوط ما في الذمة على بعض الحج فهو مسلم لكنه وحده لا يمنع من استحقاق الاجرة بالنسبة، فإن الميزان في الصحة واستحقاق العوض في باب المعاملات ليس هو الاغراض والدواعي، الا ترى أن من اشترى ثوبا ليلبسه فمات بعد الاشتراء يستحق البائع تمام الثمن وإن لم يترتب على الشراء الغرض والداعي الى المعاملة. وإن كان المراد عدم ترتب أثر عليه أصلا ولاجله لا مالية له ولا قيمة فأكل المال بإزائه أكل للمال بالباطل. فيرد عليه: أنه يترتب عليه أثر وهو ترتب الثواب على ذلك العمل، وذلك يوجب ماليته بلا كلام. ونظير المقام ما لو استؤجر على الصلاة فأتى بركعة ومات فإنه يستحق الاجرة =========================================================================== [ 387 ] [... ] بمقدار الركعة، وبهذا يمتاز المقام عن تبعض الصفقة في باب البيع. نعم إذا وقعت الاجارة على المجموع بقيد كونه مفرغا للذمة لا يستحق من الاجرة ما يقابل ما أتى به، وهو واضح. ثم لو أغمضنا عما ذكرناه فما أفاده صاحب الجواهر - ره - متين فإنه لم يأت بالعمل مجانا، بل أتى به بأمر المستنيب، فلا يذهب عمله هدرا، وفي استحقاق اجرة المثل لا يعتبر المالية والقيمة كما هو واضح. نعم إذا كانت الاجارة واقعة على مجموع العمل بقيد كونه موجبا لفراغ الذمة يكون بعض العمل مما أقدم العامل على الاتيان به مجانا على تقدير عدم ضم البقية إليه، ولعله بما ذكرناه يمكن الجمع بين كلمات النافين والمثبتين، والله تعالى أعلم. وأما الصورة الرابعة وهي ما لو كانت الاجارة على الاعمال مع طي الطريق، فإن كان طي الطريق مأخوذا جزء لمورد الاجارة فحكم المشي الى الحج حينئذ حكم الاعمال بعد الاحرام وقبل الدخول في الحرم، ويجزي فيه ما ذكرناه في تلك الاعمال طابق النعل بالنعل. وأما إن كان مأخوذا شرطا بأن تكون الاجارة على العمل المقيد بالذهاب فقد يستشكل في أخذه قيدا نظرا الى أن الذهاب ضروري ومما لابد منه، فلا إطلاق له كي يحسن تقييده. ولكن يندفع ذلك بأنه لو تم فإنما هو فيما لو أخذ الذهاب المطلق قيدا لا الذهاب الخاص وهو ما كان بنية النيابة، فلا مانع من أخذه قيدا. وكيف كان ففي الشرائع: ولو مات قبل ذلك لم يجزئ، وعليه أن يعيد من الاجرة ما قابل المتخلف من الطريق ذاهبا وعائدا. انتهى. وفي الحدائق نسبة استحقاق الاجرة بالنسبة الى تصريح الاصحاب. واختار صاحب الجواهر - ره - استحقاق أجرة المثل له. =========================================================================== [ 388 ] [... ] واستدل للاول في الحدائق بأن مقتضى قواعد إلاجارة وإن كان عدم الاستحقاق إلا أنه يشهد به موثق عمار الساباطي عن امامنا الصادق عليه السلام في رجل حج عن آخر ومات في الطريق، قال: وقد وقع أجره على الله ولكن يوصي فإن قدر على رجل يركب في رحله ويأكل زاده فعل (1). بتقريب: أنه يدل على أن ما مضى من مؤونة الطريق كان مستحقا للميت فلم يأمر باستعادته منه، فيستكشف من ذلك استحقاقه له. أقول: لا بأس به إلا أنه لا يدل على عدم استعادته منه من جهة كونه بعض الاجرة المسماة أو لكونه اجرة المثل، بل يمكن أن يقال بالثاني، إذ الاجرة المسماة ربما تزاد على مقدار ما صرفه، وعليه فينطبق الخبر على القاعدة، فإن عمل المسلم محترم لا يذهب هدرا، والمفروض أنه لوحظ المشي قيدا في الاجارة فلم يلاحظ مجانا، كي يقال: إنه أقدم عليه مجانا، فإن قيل: إن مقتضى عدم الاستفصال استحقاق ما صرفه حتى إذا كانت الاجارة على الاعمال خاصة. قلنا: ظاهر الخبر كون الاجارة متعلقة بالحج البلدي، لاحظ: قوله: حج عن آخر ومات في الطريق. فما أفاده صاحب الجواهر - ره - هو الصحيح. وأما الصورة الخامسة وهي ما لو أوقع الاجارة على الحج من دون أن يصرح بخروج المشي الى بيت الله أو دخوله، فبالنسبة الى ما لو مات بعد الاحرام ودخول الحرم أو قبل دخول الحرم وبعد الاحرام فالحكم هو ما في الصورتين السابقتين على هذه الصورة. وأما بالنسبة الى خصوص المشي، فعن النهاية والكافي والمقنعة والمهذب والغنية: =========================================================================== (1) الوسائل باب 15 من أبواب النيابة حديث 5. =========================================================================== [ 389 ] [... ] أنه يستحق بنسبة ما فعل من الذهاب الى المجموع منه ومن أفعال الحج. وفي الشرائع وعن القواعد والارشاد وغيرها فنسبته الى ما ذكر مع العود أيضا. وعن الايضاح والمبسوط والسرائر والمختلف والتذكرة والروضة والمدارك والذخيرة وغيرها عدم استحقاق شئ من الاجرة. وفي الجواهر وعن كشف اللثام استحقاق اجرة المثل. واستدل للاول بأن إطلاق الاجارة على الحج يقتضي دخول الذهاب، بل والاياب على نحو الجزئية، ولذا نرى بالوجدان من دخالة قرب الطريق وبعده في القيمة، وأنه لا يبذل بإزاء الحج الميقاتي ما يبذل بإزاء الحج البلدي، وأنه لا يبذل بإزاء الحج من البلاد القريبة الى مكة ما يبذل بإزاء الحج من البلاد البعيدة، كما أنه لا يبذل لمن لا يريد العود من مكة ما يبذل لمن يريد العود، وهذا كله كاشف عن دخل الذهاب بل والاياب في متعلق الاجارة. وفيه: أنه ربما يكون بعض القيود والاوصاف دخيلا في زيادة قيمة المقيد ومع ذلك لا يؤخذ جزء لمورد المعاملة، ولعل مقدمة الحج كذلك، فلا صارف عن ظهور الحج في الاعمال المخصوصة. لا يقال: إن حج البيت معناه قصده والتوجه إليه فيدخل طي الطريق فيه بماله من المفهوم. فإنه يقال: إن مقصود الطرفين من جعل الحج موردا للاجارة هو الحج بماله من الحقيقة المتشرعية وهي الاعمال الخاصة. واستدل للثاني بأن مقدمات الاعمال المستأجر عليها لا تكون داخلة في الاجارة، ألا ترى أن من يستأجر بناء لبناء داره يريد خروجه ومجيئه الى موضع العمل، وليس ذلك مما استؤجر له قطعا لا عرفا ولا عادة، وكذا في العبادات فمن استؤجر للصلاة لا يكون تحصيله الماء والتوضي داخلا في مورد الاجارة فكذلك الحج، وبأن =========================================================================== [ 390 ] [... ] طي الطريق الى الميقات بنفسه لا مالية له، نعم هو يوجب بذل المال بإزاء الحج الواقع بعده أزيد مما يبذل بإزاء الحج الميقاتي، فلا يوزع عليه الاجرة، وبأنه من قبيل الاوصاف فكما لا تكون هي جزء للمبيع كذلك هذا، وبأن الاياب كالذهاب يوجب ازدياد القيمة، ومع ذلك لو لم يرجع النائب عن مكة وأراد المقام بها لا يكون بنظر العرف ذمته مشغولة بشئ فكذلك الذهاب. ولكن يرد على الاول: أنه فرق بين المشي الى الحج وبين سائر مقدمات الاعمال، فإن المشي بنفسه عبادة يترتب على كل قدم منه ثواب فهو يكون ملحوظا في الاجارة قطعا، وبذلك يظهر ما في الوجه الثاني، فإن له مالية قطعا. ويرد على الثالث: أن أوصاف المبيع الدخيلة في زيادة المالية إنما لا تكون دخيلة في المبيع لعدم إمكانه، والمشي الى بيت الله ليس كذلك. ويرد على الرابع: أن بين الذهاب والاياب فرقا من الناحية التي أشرنا إليها. فتحصل مما ذكرناه أن الاظهر أنه يوزع على ما أتى به من طي الطريق بنسبة ما فعل من الذهاب الى المجموع منه ومن أفعال الحج، فما أفاده قدماء أصحابنا أظهر، ويوافقه أيضا خبر عمار المتقدم. وأما استحقاق اجرة المثل فوجهه أنه وإن لم يكن الذهاب جزء للاجارة إلا أنه بلحاظه يبذل المال بإزاء ما تعقبه من الحج أزيد مما يبذل بإزاء الحج خاصة، فهو فعل جعل به اجرة بإذن المستأجر ولمصلحته فيستحق اجرة مثله كمن استأجر رجلا لبناء فنقل الآلة ثم مات قبل الشروع فيه فإنه يستحق اجرة مثل النقل قطعا. كذا عن كشف اللثام. وفي الجواهر استدل له باصالة احترام عمل المسلم الذي لم يقصد التبرع به، بل وقع مقدمة للوفاء بالعمل المستأجر عليه فلم يتيسر له لمانع قهري. أقول: لو سلمنا عدم الاستحقاق للاجرة المسماة لعدم كونه دخيلا في متعلق =========================================================================== [ 391 ] [... ] الاجارة جزء لا مناص عن البناء على ما أفاده المحققان كما يظهر مما ذكرناه في الصورة السابقة. يجب تعيين نوع الحج في الاجارة الخامسة: يجب تعيين نوع الحج في الاجارة من تمتع أو إفراد أو قران بلا خلاف، وفي الجواهر ظاهرهم الاتفاق عليه. أقول: مضافا الى ذلك أنه منطبق على القواعد، فإنه مع اختلاف الأنواع في الكيفية والاحكام لو لم يعين يلزم الغرر، مع أنه يعتبر في صحة الاجارة معلومية العوضين كما هو محرر في محله. ولكن هذا بظاهره ينافي ما ذكروه في مسألة جواز العدول الى التمتع من أنه إذا علم أن قصد المستأجر التخيير جاز العدول، ولازم ذلك صحة الاجارة التخييرية، بل في الجواهر بع نقل جملة من الكلمات: الى غير ذلك من كلماتهم المتفقة على جواز العدول مع فرض التخيير. انتهى. وقد أفاد الفاضل النراقي في المستند في مقام رفع التنافي: أن الاجارة تارة تقع على منافع الشخص في الزمان المعين وإن كان مراد المستأجر استيفاء نفع خاص منه، واخرى على العمل، فإن وقعت على الطريق الاول يتحمل التخيير فيستأجر الشخص في سنة معينة مطلقا لان يحج بما يأمره أو بما يشاء الاجير، فالمنتقل الى المستأجر منفعة الشخص، وله أن يخيره في كيفية إيجاد المنفعة، ومن هذا القبيل إجارة الشخص لمعونة السفر أو الخدمة مع أن أنواعهما غير محصورة. وإن وقعت على الطريق الثاني بأن يستأجره للحج خاصة أي ينتقل إليه هذه المنفعة خاصة فلا شك في اشتراط التعيين، لاختلاف العمل والكيفية، وزمان كل منهما، =========================================================================== [ 392 ] [... ] فلا يتحمل التخيير، للزوم تعيين المنتقل إليه من المنافع. وفيه: أن المنفعة عبارة عن الحيثية القائمة بالعين الموجودة بوجودها على نحو وجود المقبول بوجود القابل، فمنفعة الخادم ليست ما هو فعله، بل حيثية كون الخادم خادما منفعته، وهذه إنما تصير فعلية بالعمل، ففي الاجارة يكون المورد هو العمل لا المنفعة، وبما أنه على الفرض مختلف وله أنواع متضادة لا يمكن الاتيان بها جميعا فلا تكون متعلقة لها، فلا بد من التعيين فرارا عن الابهام والجهالة والغرر، وتمام الكلام في كتاب الاجارة. وأما في مسألة الخدمة فإنما تصح الاجارة مع عدم اختلاف أنواعها من حيث المالية فيوقع الاجارة على الطبيعي بلا لحاظ الخصوصيات، أو الكلي في المعين، وأما مع اختلاف أنواعها في المالية فلا تصح الاجارة على الخدمة من دون تعيين. نعم في جملة من الموارد يكون من باب العمل بأمر المستأجر ولمصلحته، ويستحق حينئذ الاجرة، وهذا ليس من باب الاجارة. وبالجملة مع فرض اختلاف أنواع الحج من حيث المالية - كما هو المفروض - لا تصح الاجارة إلا على المعين، ومع عدم اختلافها من حيث المالية يصح إيقاع الاجارة على الكلي المعين لكنه خلاف الفرض، فلا مناص في المقام إلا عن ما أفاده في الجواهر، قال: نعم لو قلنا بعد تعيين الفرد بالعقد بإجزاء غيره عنه مع رضا المستأجر نحو الوفاء بغير الجنس أمكن الاجزاء حينئذ لذلك لا لأنه مقتضى الاجارة. انتهى. وكيف كان فتارة يكون على المنوب عنه نوع خاص من الحج وتقع الاجارة عليه، واخرى يكون مخيرا بين النوعين أو الانواع كما في الحج المستحبي والمنذور المطلق، أو كان ذا منزلين متساويين في مكة وخارجها، ولكن يستأجر على نوع خاص منه. =========================================================================== [ 393 ] [... ] عدول النائب من الحج المستأجر عليه الى غيره وفي الصورة الاولى لا خلاف في عدم جواز العدول، وفي الصورة الثانية أقوال: أحدها: ما عن الشيخ والقاضي والاسكافي وغيرهم، وهو جواز العدول الى الافضل مطلقا. ثانيها: ما عن ظاهر النافع والجامع والتلخيص وهو عدم جوازه مطلقا. ثالثها: ما عن المعتبر، وهو عدم جواز العدول إلا إذا كان الحج مندوبا، ونسب في الجواهر ذلك الى المنتهى، ولكن سيمر عليك ما في المنتهى. رابعها: ما في المنتهى، قال بعد حكمه بعدم جواز العدول في الواجب: وإن كان غير واجب عليه وعلم من قصد المستأجر الاتيان بالافضل وإن لم يضمنه العقد فإنه يجوز له العدول الى الافضل له، لانه كالمنطوق به. انتهى، ونسب ذلك في الجواهر الى التحرير أيضا، ونسب ذلك كاشف اللثام الى المعظم. خامسها: ما عن القواعد وهو جواز العدول الى الافضل مع تعلق الغرض به وإلا فلا. سادسها: ما في الشرائع قال: يجوز إذا كان الحج مندوبا أو قصد المستأجر الاتيان بالافضل لا مع تعلق الغرض بالقران أو الافراد. وتنقيح القول في المقام يقتضي التكلم في الموردين: الاول: فيما يقتضيه القواعد. الثاني: في مقتضى النصوص الخاصة. أما الاول فلا إشكال في أنه لا يجوز العدول في الصورة الاولى كان المعدول إليه أفضل أم لم يكن، فإنه خلاف أدلة النفوذ والصحة، ولو عدل وأتى بغيره فلا كلام =========================================================================== [ 394 ] [... ] في عدم فراغ ذمة المنوب عنه، لان إتيانه لا يغير موضوع الوجوب، وفراغ الذمة عن نوع بإتيان غيره خلاف الاصل، وعليه فإن أتى بغيره بما هو واجب على المنوب عنه وثابت في ذمته يقع باطلا، لعدم كونه كذلك، وإن أتى به عنه لا بهذا العنوان وقع عنه ندبا، وعلى جميع التقادير لا يستحق الاجرة لا المسماة، لعدم الاتيان بالمستأجر عليه، ولا اجرة المثل، لعدم كونه بأمره. هذا مع عدم رضاه، وأما معه فإن كان الرضا مقدما فلا يصح تصحيحه بالالتزام بكونه إجارة ثانية بالمعاطاة، إذ - مضافا الى بطلانه إلا إذا قصد الحج الندبي - مجرد الرضا لا يكفي في المعاطاة، واقترانه بالامر أيضا لا يجدي، لان أمر الآمر وحده ليس عقد الاجارة، نعم العمل بأمر الغير ولمصلحته بنفسه موجب لثبوت اجرة المثل عليه، وهو المسمى في اصطلاحهم بالعمل بالضمان، كما أنه لا يصح بعنوان الوفاء بغير الجنس، لعدم كونه وفاء فإنه لا يسقط ما في ذمة المنوب عنه به فلا يكون ذلك وفاء عما في ذمة النائب الثابت بالاجارة. وبذلك ظهر أنه لو كان التعيين بعنوان الشرط لم يمكن تصحيحه بعنوان إسقاط حق الشرط، فإنه يصح مع انطباق المأتي به لما في الذمة، وبما ذكرناه يظهر حكم الرضا اللاحق. وأما في الصورة الثانية فتارة لا يرضى المستأجر بالعدول، واخرى يكون راضيا، فإن لم يكن راضيا لم يجز العدول، لكونه خلاف قواعد الاجارة، فهل يكون مجزيا أم لا؟ أظهرهما: ذلك، لانطباق المأتي به على ما اشتغلت ذمة المنوب عنه به. وقد استدل لعدم الاجزاء بأن المعدول إليه يقع باطلا إما لان الامر بإتيان المعدول عنه المضاد لما أتى به يقتضي النهي عنه وهو يوجب الفساد، أو لان المعدول إليه غير مقدور شرعا لوجوب صرف قدرته في المعدول عنه، وغير المقدور الشرعي كغير المقدور العقلي فلا يصح منه، أو لانه لا يكون مالكا له، لانه بعد صيرورته أجيرا =========================================================================== [ 395 ] [... ] للاتيان بالمعدول عنه لا يكون مالكا لما أتى به لان الانسان لا يملك أعماله المتضادة، بل هو مالك لواحد منها وقد ملكه المستأجر. ولكن الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده، وكون غير المقدور الشرعي من جهة تعين صرف قدرته في ضده حراما أو باطلا لم يدل عليه دليل، ولا يعتبر في الصحة كونه مالكا للعمل، بل الانسان الحر لا يكون مالكا بالملكية الاعتبارية لاعماله لان الملكية لابد لها من سبب وهو مفقود. وهل يستحق الاجرة أم لا؟ الظاهر عدم الاستحقاق، أما عدم استحقاق المسماة، فلعدم الاتيان بالعمل المستأجر عليه، وأما عدم استحقاق اجرة المثل، فلانه لم يأت بالعمل بأمره وإذنه وهو واضح. وإن كان المستأجر راضيا قبل العمل، فقد يقال: إنه إن كان التعيين بعنوان الشرطية يكون رضاه من باب إسقاط حق الشرط فيستحق الاجرة المسماة، لانه أتى بالعمل المستأجر عليه، وحق الشرط قد سقط، وكونه مبرئا للذمة واضح. ولكن يرد عليه: أن المراد بالشرط إن كان ما ينشأ مستقلا في ضمن العقد لزم منه بطلان الاجارة في المقام، فإنها حينئذ واقعة على المردد بين أنواع مختلفة، وإن كان المراد به الوصف المتعلق بموضوع العقد الموجب تخلفه الخيار، فالظاهر عدم تماميته، فإن ضابط القيد الذي يوجب تخلفه الخيار وامتيازه عن القيد الذي تخلفه موجب للبطلان كون الاول خارجا عن الذات بنظر العرف والثاني داخلا فيه، فلو باع الحيوان على أنه حمار فانكشف كونه فرسا بطل البيع، لان الحمارية والفرسية داخلتان في الذات، وتبدل إحداهما موجب لتبدل المبيع وتغيره، ولو باع العبد على أنه كاتب فانكشف عدم كونه كاتبا كان ذلك موجبا للخيار من غير فرق في الموردين بين أخذه قيدا في الانشاء أو شرطا، بأن يقول: بعت هذا العبد الكاتب. أو بعت العبد بشرط أن يكون كاتبا. وتمام الكلام في ذلك في محله. =========================================================================== [ 396 ] [... ] وعليه ففي المقام بما أن كون الحج تمتعا أو قرانا أو إفرادا من الخصوصيات الداخلة في الذات دون الخارجة عنها، فلان يكون العدول عن أحدها الى الآخر موجبا لتحقق مورد المعاملة مع تخلف الشرط، بل حينئذ يكون من قبيل تبدل ما عو مل عليه. ولكن يمكن أن يقال: إنه إن أتى بغير ما أستؤجر عليه مع رضا المستأجر وبإذنه يمكن الحكم باستحقاقه الاجرة من أحد الطريقين إما أن يكون من قبل الوفاء بغير الجنس بحيث يقع مصالحة بين الطرفين بأن يأتي عوض ما استحقه عليه بنوع آخر من الحج، وعليه فيستحق الاجرة المسماة، وتبرأ ذمته أيضا، وإما أن يكون الاتيان بالحج الثاني من قبيل العمل بالضمان فيستحق اجرة المثل، ويجب رد الاجرة المسماة إن أخذها. هذا كله في الرضا المتقدم، وأما الرضا المتأخر فهو لا يغير الحكم أصلا ووجوده كعدمه. وأما النصوص الخاصة فهي روايتان: إحداهما: رواية أبي بصير - التي رواها المشايخ الثلاثة، وعلى ما في الوسائل هي في أعلى مراتب الصحة - عن أحدهما عليهما السلام في رجل أعطى رجلا دراهم يحج بها عنه حجة مفردة فيجوز له أن يتمتع بالعمرة الى الحج، قال عليه السلام: نعم، إنما خالف الى الفضل. وفي رواية الصدوق: إنما خالفه الى الفضل والخير (1). ثانيتهما: رواية علي - الذي استظهر صاحب المدارك - ره - كونه - ابن رئاب في رجل أعطى رجلا دراهم يحج بها عنه حجة مفردة، قال عليه السلام: ليس له أن يتمتع بالعمرة الى الحج، لا يخالف صاحب الدراهم (2). =========================================================================== (1) الوسائل باب 12 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. (2) الوسائل باب 12 من أبواب النيابة في الحج حديث 2. =========================================================================== [ 397 ] [... ] وفي الجمع بينهما قيل: وجوه: 1 - ما عن المحقق - ره - وهو حمل خبر أبي بصير على ما إذا كان على المنوب عنه حج ندبي. 2 - ما عن الشيخ - عليه ما في الوسائل - وهو حمل خبر علي على من أعطى غيره حجة من قاطني مكة والحرم. 3 - ما في العروة وهو حمل خبر أبي بصير على صورة العلم برضا المستأجر بذلك مع كونه مخيرا بين النوعين. وهذه كلها لا شاهد لها، بل الجمع بينهما يقتضي حمل خبر أبي بصير على صورة كون المستأجر مخيرا بين الانواع أعم من أن يكون ندبيا أو وجوبيا، وذلك لاختصاصه - بقرينة ما في ذيله من التعليل - بما إذا كان مخيرا، وكان التمتع افضل، فمفاد التعليل أن التمتع حيث يكون أفضل من غيره يكون العدول إحسانا للمستأجر وإن لم يرض به، ولاجله يختص الخبر بهذا المورد، وبه يقيد إطلاق خبر علي، وعليه فمقتضى إطلاق خبر ابي بصير جواز العدول الى الافضل في كل مورد كان المنوب عنه مخيرا رضي به المستأجر أم لم يرض به. ولا يبعد أن يقال: إن مفاد التعليل أن المنوب عنه حيث يكون مخيرا بين النوعين والتمتع أفضل فهذا قرينة على رضاه بذلك فتكون النتيجة جواز العدول مع رضاه به، ولا اقل من الاجمال، فيرجع الى ما يقتضيه القواعد. إذا عدل النائب عما عين له من الطريق السادسة: لا يشترط في الحج تعيين الطريق، لعدم تعلق الغرض بالطريق نوعا، ولكن لو عين تعين، وهذا مما لا كلام فيه. =========================================================================== [ 398 ] [... ] إنما الكلام في أنه هل يجوز العدول عنه الى غيره مع التعيين مطلقا، كما عن الشيخين والقاضي والحلبي والجامع والارشاد وجماعة آخرين، أم يجوز إلا مع العلم بتعلق غرض بذلك المعين كما في الشرائع، بل نسب في الجواهر الى المشهور، أم لا يجوز إلا مع العلم بانتفاء الغرض في ذلك الطريق كما في المستند وعن غيره؟ أقول: لا إشكال في أن مقتضى قواعد باب الاجارة لزوم الاتيان بخصوص ما وقعت الاجارة عليه إلا إذا كان ذكر طريق خاص من باب التعارف، لعموم ما دل على وجوب الوفاء بالعقود والشروط من غير فرق في صورة التعيين في عقد الاجارة بين تعلق غرض بذلك المعين وعدمه، فإن التعيين في عقد الاجارة يوجب تعين ذلك، وإنما لا يجب إذا كان الموضوع الطريق الكلي، وإنما ذكر طريقا معينا من باب المثال. ولكن في المقام رواية صارت هي منشئا لهذا الاختلاف، وهي صحيحة جرير ابن عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أعطى رجلا حجة يحج بها عنه من الكوفة، فحج عنه من البصرة، فقال عليه السلام: لا بأس إذا قضى جميع المناسك ففد تم حجه (1). والقائلون بجواز العدول مطلقا تمسكوا بإطلاقها، وقد حملوها غيرهم على محامل. 1 - ما عن الذخيرة، وهو أن قوله: من الكوفة. متعلق ب‍ (أعطى) لا ب‍ (يحج). وفيه: أن قرينة المقابلة بين (من الكوفة) و (من البصرة) مقتضية لتعلقه بالحج. وبه يظهر ما في الوجه (2) وهو ما عن المدارك من أنه متعلق بقوله: رجلا، ويكون صفة له. 3 - ما عن المنتقى وفي العروة وهو حملها على صورة عدم تعلق الغرض =========================================================================== (1) الوسائل باب 11 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. =========================================================================== [ 399 ] [... ] بخصوص الطريق فينطبق مفادها مع القول الثالث. وفيه: أنه تقييد للاطلاق من غير قرينة عليه. 4 - ما عن المنتقى أيضا وهو حملها على ما إذا كان المدفوع بعنوان الرزق لا بعنوان الاجارة. وفيه أولا: أنه خلاف الظاهر، ولا أقل خلاف الاطلاق وعدم الاستفصال. وثانيا: أن البذل إن كان مشروطا بالحج من الكوفة فمع عدم الحج منها يكون المبذول له ضامنا للمبذول. 5 - ما عن السيد الجزائري - ره - وهو كون الشرط خارجا عن العقد، والشرط الابتدائي لا يجب الوفاء به. وفيه: أنه خلاف ظاهر قوله: أعطى حجة يحج بها عنه من الكوفة. 6 - ما عن الذخيرة وفي العروة، ونفي عنه البعد في المستند، وهو أنها تدل على صحة الحج من حيث هو وإجزائه عن المنوب عنه، ولا نظر لها الى جواز ذلك للاجير. وتوضيح ذلك: أن السؤال يحتمل أن يكون عن أحد امور: إما جواز العدول تكليفا وعدم ترتب الاثم عليه، أو إجزائه عن المنوب عنه، أو جوازه وضعا واستحقاق الاجرة، وقوله عليه السلام في الجواب: فقد تم حجه يعين الثاني بمعنى كونه ظاهرا في صحة الحج وإجزائه، ولا أقل من الاجمال، وحيث إن صحة الحج وسقوط ما في ذمة المنوب عنه موافقة للقواعد - كما عرفت مما ذكرناه في نظير المسألة - فلا يستفاد من الرواية شئ أزيد مما يقتضيه قواعد باب الاجارة. ولكن هذا يبتنى على أن يكون قوله: إذا قضى... فقد تم حجه. متفرعا على قوله: لا بأس. وهو خلاف الظاهر، بل الظاهر كون الجواب متضمنا لحكمين: أحدهما: نفي البأس عن الحج نفسه الظاهر في جواز ذلك للاجير، ثانيهما: إجزائه عن المنوب عنه المؤدى ذلك بقوله: إذا قضى... فقد تم حجه. =========================================================================== [ 400 ] [... ] ودعوى: أن الصحيح محمول على الغالب من عدم الغرض في طريق معين. تندفع: بأنه بملاحظة أن الحج من الكوفة أكثر ثوابا من الحج من البصرة لا محالة يكون الغالب تعلق الغرض به، فتحصل: أن الاظهر جوازه مطلقا وإجزائه عن المنوب عنه. وأما الاجرة فإن كان تعيين الطريق من باب المثال لا إشكال ولا كلام في استحقاقه تمام الاجرة المسماة وهو واضح. وإن كان تعيينه على وجه الشرطية الفقهية بمعنى الالتزام في الالتزام بأن أوقع العقد على الحج بالاجرة وشرط في ضمنه أن يكون الحج من الطريق المعين يثبت الخيار للمستأجر، لتخلف الشرط، فإن أمضاه استحق الاجير الاجرة المسماة، وإن فسخه استحق اجرة المثل، لان الحج وقع بطلب المستأجر وأمره، فيكون من باب العمل بالضمان. وان كان تعيينه على وجه الجزئية بأن كان متعلق الاجارة مركبا من الحج والطريق الخاص فالظار هو استحقاقه من الاجرة المسماة بالنسبة، إلا إذا فسخ المستأجر الاجارة للتبعض فيستحق اجرة المثل. وإن كان تعيينه على وجه القيدية الارتباطية بأن يوقع الاجارة على الحج المقيد بكونه من طريق خاص لم يستحق شيئا. أما عدم استحقاق الاجرة المسماة فلعدم الاتيان بالعمل المستأجر عليه ولا بعضه، فإن المقيد بقيد خاص غير ما لم يقيد به، وبعبارة اخرى: ليس مورد الاجارة ذا أجزاء. وأما عدم استحقاق اجرة المثل، فلعدم كون الحج من غير ذلك الطريق بأمره فلا يكون مشمولا للعمل بالضمان، فإن ما امر به غير ما وقع. وما في الجواهر: لكن الاصح خلافه ضرورة كونه بعض العمل المستأجر عليه =========================================================================== [ 401 ] [... ] وليس هو صنفا آخر، وليس الاستئجار على خياطة تمام الثوب فخاط بعضه - مثلا، بأولى منه بذلك. انتهى. يرد عليه: أن في المثال إنما يلتزم باستحقاق بعض الاجرة المسماة إذا كانت الاجارة واقعة على خياطته بحيث يكون خياطة بعضه جزء من مورد الاجارة، وإلا فلو كان مورد الاجارة مقيدا بإتمام العمل لم يستحق شيئا، وفي المقام أيضا إن كان طي الطريق مأخوذا جزء للمورد استحق الاجرة بالنسبة، وإن كان قيدا لا يستحق لانتفاء المقيد بانتقاء قيده. وما استدل به للضمان من أصالة احترام عمل المسلم، فإنما يكون موردها ما لو كان العمل بأمر المستأجر وإذنه، وإلا فقد أسقط احترام عمله، فالاظهر عدم استحقاق شئ في هذه الصورة، ولكن الفرض المتعارف الشائع هو الصورة الثالثة، فيستحق فيما هو الغالب من الاجرة المسماة بالنسبة. تعدد الاجارة للحج في سنة واحدة السابعة: إذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة ثم آجر عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة أيضا بطلت الثانية على ما هو المعروف بينهم، بل في الجواهر والمستند عد ذلك من القطعيات. وقد استدل له بوجوه: الاول: ما في التذكرة والمنتهى بأن فعله صار مستحقا للاول فلا يجوز صرفه الى غيره. وفيه: أن هذا يصلح وجها لعدم الجواز تكليفا، فإنه يكون عاصيا بتركه الحج عن الاول، ولكن لا يصلح وجها للبطلان، فإن الاجارة الاولى على الفرض لم تقع على وجه تكون منفعته الخاصة للمستأجر، بل وقعت على العمل وهو الحج عنه، وأما =========================================================================== [ 402 ] [... ] الحج عن غيره فليس متعلقا لحقه. الثاني: ما في الجواهر وهو أنه لا يقدر على التسليم، وفي العروة عبر عن ذلك بعدم القدرة على العمل والمراد واحد. وفيه: أن المراد من عدم القدرة إن كان عدم القدرة عقلا فهو بديهي البطلان، وإن كان عدم القدرة شرعا فلا دليل على اعتباره في متعلق الاجارة، بل الدليل دل على اعتبار القدرة والاستطاعة في حجة الاسلام لا في الحج عن الغير، ولا في إيجار نفسه عليه. الثالث: النصوص الدالة على عدم جواز نيابة من ثبت الحج في ذمته، المتقدمة في المسألة الثانية عشر من الفصل السابق، وهي تشمل المقام، ولا أقل من ضم تنقيح المناط. وفيه: أنه قد تقدم في تلك المسألة أن النص مختص بمن في ذمته حجة الاسلام، ولا يتعدى عنه لعدم العلم بالمناط. الرابع: أن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده، فالحج عن الاول حيث يكون مأمورا به فيكون الثاني منهيا عنه وفاسدا. وفيه: أن الامر بالشي لا يقتضي النهي عن ضده كما مر مرارا. الخامس: أن الامر بالحج عن الاول وإن لم يقتض النهي عن الحج عن الثاني إلا أنه يقتضي عدم الامر به، فإنه يمتنع الامر بالضدين، وحيث إنه عبادة فلا يصح بدون الامر، وحديث كفاية الملاك والمحبوبية في صحته قد مر أنه مع سقوط الامر لا كاشف عنهما. وفيه: أنه يلتزم بالترتب بالترتب كما هو الشأن في سائر موارد المتزاحمين. السادس: أنه كما لا يمكن أن يملك الانسان منافعه المتضادة في آن واحد كذلك لا يملك الغير تلك المنافع كذلك، وعليه فإذا صار الحج عن الاول مملوكا له =========================================================================== [ 403 ] [... ] بالاجارة الاولى فالاجارة الثانية إن صحت لزم من صحتها صيرورة الحج عن الثاني مملوكا له وهو غير ممكن، وإن لم يصر مملوكا له فسدت الثانية، لملازمة صحتها لذلك، بل حقيقتها ذلك. ونظير المقام ما لو آجر داره سنة واحدة لسكني زيد، فإنه لا يصح أن يؤجرها تلك السنة ثانيا لعمرو، والفرق بينهما من جهة أن في المقام الانسان لا يملك عمل نفسه قبل الاجارة، وفي المثال لابد وأن يكون قبل الايجار مالكا للمنفعة، فإذا ملكها بزيد لا يكون مالكا للمنفعة، كي يملكها لعمرو. غير فارق، فإنه في الاجارة لابد من التمليك، فكما أن في المثال يقال: لا يكون مالكا للمنفعة ثانيا كي يملكها، كذلك في المقام نقول: ليس له أن يملك عمله للثاني. وهذا هو الفارق بين هذه المسألة وما تقدم من أن من في ذمته الحج النذري لسنة معينة يصح أن يؤجر نفسه للحج عن الغير في تلك السنة، فإنه بالنذر لا يصير الحج مملوكا للغير، فلا مانع عن تمليكه بالاجارة، فتدبر فإنه دقيق. هذا مع اشتراط المباشرة في الحجتين، ولو آجر نفسه من شخصين لحجتين في سنة واحدة مع عدم اشتراط المباشرة فيهما أو في إحداهما صحتا معا، فإن الاجير يتمكن من العمل بكلتا الاجارتين، ولا مانع من كون المستأجرين مالكين لحجتين في ذمته كذلك، فلا وجه للمنع، وإطلاقات أدلة النفوذ والصحة شاملة لهما. وفي الجواهر: بل قد يقال بكون الحكم كذلك مع عدم اعتبار المباشرة، فإنه وإن تمكن من الاتيان بهما باستنابة لكن يعتبر في الاجارة تمكن الاجير من العمل بنفسه، فلا يجوز إجارة الاعمى على قراءة القرآن على إرادة الاستنابة، ففي الفرض لا يجوز الاجارة للثانية للحج في تلك السنة وإن كان المراد بها أو بالاولى أو بهما ما يعم الاستنابة، ولكن قد ذكرنا في كتاب الاجارة احتمال الصحة. انتهى. وفيه: أن المعتبر في الاجارة تمكن الاتيان من العمل، وإما اعتبار التمكن منه =========================================================================== [ 404 ] [... ] بالمباشرة خاصة فلم يدل عليه دليل فالاظهر هي الصحة فيهما، هذا كله في الاجارة لسنة معينة. حكم الاجارتين مع إطلاقهما أو إطلاق إحداهما وهناك صور اخرى: إحداها: ما لو كانت الاجارتان مطلقتين ولم يكن انصراف الى التعجيل، ففي التذكرة والمستند والعروة وغيرها صحتهما معا. وفي الشرائع، وعن الشيخ بطلان الاجارة الثانية. مقتضى إطلاق أدلة الاجارة هو الاول. واستدل للثاني: بأن مقتضى إطلاق الاجارات كلها التعجيل لا من جهة دلالة الامر على الفور، بل من جهة أن قاعدة السلطنة على الاموال والحقوق تقتضي وجوب المبادرة الى الاداء، والتأخير مخالف لها، وعليه فتكون الثانية مزاحمة للاجارة الاولى فتبطل. وفيه: أن التعجيل الذي يقتضيه الاطلاق ليس بمعنى انحصار المملوك في الحج في السنة الاولى، كي لا يقدر الاجير على تمليكه للثاني، ولا بمعنى التوقيت، كي تكون الثانية واقعة على الحج في غير وقته، بل هو حكم تكليفي مستقل، وعليه فلا تكون الثانية مزاحمة للاولى، ولو كان هناك مزاحمة فإنما هي مزاحمتها لقاعدة السلطنة وهي لا توجب البطلان، مع أنه لو تم ذلك فإنما هو فيما لو كانت الاجارة الثانية واقعة على الحج في السنة الاولى، وأما إذا كانت مطلقة فاقتضاء التعجيل في الثانية مندفع بسبب استحقاق الاول. ثانيتها: ما لو كانت الاولى مطلقة، والثانية مقيدة بالسنة الاولى، ومن ذهب في =========================================================================== [ 405 ] [... ] الصورة الاولى الى بطلان الثانية يلتزم به في هذه الصورة، ومن القائلين بالصحة في تلك الصورة: المصنف - ره - في التذكرة وهو بناؤه على البطلان في الفرض، واستدل له بما ذكر وجها للبطلان فيها، فكأنه - قده - لم يسلم الجواب الذي ذكرناه الجاري في الفرض، واقتصر على الثاني، ولا مورد له في المقام كما لا يخفى، وبعد صحتهما معا يقع التزاحم بين الوجوبين التكليفيين فيجري فيهما ما يجري في سائر المتزاحمين. ثالثتها: ما لو كانت الاولى مطلقة، والثانية مقيدة بالسنة اللاحقة، لا إشكال في صحتهما. والقول ببطلان الثانية من جهة اعتبار اتصال زمان الاجارة بالعقد لعدم القدرة على التسليم في غير المتصل، يندفع: بأن اللازم هو التسليم في زمان الاستحقاق لا قبله. رابعتها: ما لو كانت الاولى مقيدة بالسنة الاولى والثانية مطلقة، فقد يقال بالبطلان أي بطلان الثانية نظرا الى أن الاطلاق يقتضي التعجيل فتزاحم الاجارة الثانية الاولى. ولكن قد عرفت في الصورة الاولى فساد هذا الوجه، وأنه لا يقتضي البطلان، غاية الامر أن يكون للمستأجر الثاني الخيار لو كان جاهلا بالاجارة الاولى ووجهه واضح. ومما ذكرنا ظهر حكم الخامسة، وهي ما لو كانت الثانية مطلقة والاولى مقيدة بالسنة المتأخرة وأنهما تصحان جميعا. =========================================================================== [ 406 ] [... ] ولو اقترنت الاجارتان أو اشتبه السابقة منهما ثم إن الاجارتين اللتين لا تصحان معا كالواقعتين على الحج مباشرة في سنة واحدة لو اقترنتا، كما إذا آجر نفسه من شخص وآجره وكيله من آخر في سنة واحدة وكان وقوع الاجارتين في وقت واحد، بطلتا معا إذا لا يمكن البناء على صحتهما، لما تقدم، والحكم بصحة إحداهما المعين ترجيح بلا مرجح، وإحداهما لا بعينها لا تكون موضوعة للصحة، وبعبارة اخرى: أن عنوان إحداهما ليس موضوعا للصحة، وواقعها متعين فلا مناص عن البناء على بطلانهما معا. والحكم بالتخيير في نظائر المقام كمسألة العقد على اختين في زمان واحد - لو تزويج امرأتين وله ثلاث وما شاكل، لورود النص الخاص في تلك الموارد - لا يوجب الحكم به في المقام كما لا يخفى. ولو اشتبه السابقة من الاجارتين فأصالة الصحة في كل منهما بناء على جريانها في مورد العلم الاجمالي بالخلاف، وعدم تمامية ما قيل من أن مدركها بناء العقلاء وبناؤهم عليها في مورد العلم الاجمالي - غير ثابت، وبناء على جريانها مع العلم بصورة العمل والشك في الصحة من جهة الامور الخارجية الاتفاقية تعارض أصالة الصحة في الآخر، وتتساقطان. وأما أصالة عدم حصول كل منهما عند تحقق الاخرى، أو عدم مملوكية الحج له الى حين تحقق هذه، فهي وإن كانت جارية في نفسها ولا تكون مثبتة لان بها يثبت شرط الصحة أو يرفع المانع عنها، إلا أنه بناء على ما هو الحق من جريان الاصل في مجهول التاريخ ومعلومه يتعارض الاصل الجاري في كل منهما مع الاصل الجاري في =========================================================================== [ 407 ] [... ] الاخرى في جميع الصور أعم من أن تكونا مجهولتي التاريخ أو يكون تاريخ إحداهما معلوما وتاريخ الاخرى مجهولا. وأما على القول بعدم جريانه في معلوم التاريخ فإن كان وقت إحداهما مجهولا ووقت الاخرى معلوما يجري الاصل في المجهول ويثبت به صحة المعلوم وقتها، فهل يعارضه أصل الصحة الجاري في المعلوم فيكون ذلك الاصل معارضا مع أصلين طوليين في الآخر، أم لا؟ الظاهر هو الثاني، لان الاصلين في أطراف العلم الاجمالي لا يجريان إن لم يكن لاحدهما مرجح، وفي المقام يكون الترجيح مع الاصل المزبور، فإن أصل الصحة لا يجري على كل تقدير، لابتلائه بالمعارض، فيجري ذلك، وتمام الكلام في محله. ويمكن أن يقال في المورد الذي يتعارض فيه الاصول: إنه يرجع الى القرعة، لانها لكل أمر مشكل بناء على ما حققناه في رسالتنا في القرعة من أن إجراءها لا يتوقف على إحراز عمل المشهور، بل كل مورد اشكل الامر ولم يمكن التخلص، ولم يكن طريق ولا أصل محرز للوظيفة، ولم يمكن الاحتياط تجري القرعة، وفي المقام حيث يكون كذلك فتجري، وفي رعاية شرائط إجرائها يرجع الى تلك الرسالة. ولو آجر نفسه من شخص للحج في سنة معينة، ثم علم أنه آجره فضولي من شخص آخر سابقا على عقد نفسه، فهل له أن يجيز ذلك العقد وتبطل إجارة نفسه بناء على كاشفية الاجازة فإن الاجازة تكشف عن صحة الاجارة من الاول، فالثانية واقعة بعد الاجارة الاولى الصحيحة فتكون باطلة أم لا؟ وجهان، أظهرهما: الثاني، لانه ولو قلنا بالكشف الحقيقي في الاجارة ولكن لاريب في أن الاجازة الصادرة ممن له السلطان تكون كاشفة لا الاجازة من كل أحد، والفرض أنه بإجارة نفسه سلب سلطانه فليس له الاجارة، فإجارة نفسه معدمة لما هو المصحح للاجازة، فليس له تلك. =========================================================================== [ 408 ] [... ] تصحيح الاجارة الثانية بإجازة المستأجر الاول وفي المورد الذي حكمنا فيه ببطلان الاجارة الثانية - وهو ما لو آجر نفسه من شخص للحج في سنة معينة، ثم آجر نفسه من شخص آخر للحج في تلك السنة - هل يمكن تصحيح الثانية بإجازة المستأجر الاول، أم لا؟ ونخبة الكلام في المقام: أنه تارة تكون الاجارتان واقعتين على منفعته الخاصة وهي الحج في تلك السنة، واخرى تكونان واقعتين على العمل الشخصي الخارجي وهو الحج عنه في تلك السنة، وثالثة تكون الاولى من قبيل الاول والثانية من قبيل الثاني، ورابعة بالعكس. ففي الصورة الاولى والثالثة للمستأجر الاول أن يجيز الاجارة الثانية لوقوعها على ما هو ماله وملكه، فلا مانع من تصحيحها بإجازة المالك، ولو أجازها يكون العقد تاما، والمستأجر الاول يستحق الاجرة المسماة في الثانية لفرض كون العمل المستأجر عليه له فله عوضه، والاجير لا يستحق منها شيئا، لعدم كون العمل ملكا له ولكنه يستحق الاجرة المسماة في الاولى وهو واضح. وأما في الصورة الثانية والرابعة فقد يقال بأنه لا مورد للاجازة، فإن المستأجر الاول لا يملك ما وقعت الثانية عليه فليس له الاجازة. وأورد عليه: بأنه لا يعتبر في الاجازة صدورها من المالك، بل يكفي في صحة العقد كونه لولا الاجازة منافيا لحق غير العاقد، فإذا أجاز ذو الحق لم يكن مانع من نفوذ العقد، ولذا صح بيع العين المرهونة بإجازة المرتهن وإن لم يكن مالكا لموضوع الحق. وفيه: أن الاجازة إنما تصحح العقد إذا صدرت ممن له الملك أو الحق في مورد =========================================================================== [ 409 ] [... ] العقد، وفي المقام ليس كذلك، فإن المستأجر الاول ليس مالكا لمورد الاجارة الثانية ولا يكون حق له متعلق به وإنما لا يصح العقد من جهة قصور في نفس مورد الاجارة فإنه لا يصلح أن يصير ملكا للمستأجر الثاني، لما تقدم، وعليه فليس له الاجازة، فتدبر فإنه دقيق. نعم للمستأجر الاول إبراء ما في ذمة الاجير أو إسقاط ما ملكه عليه من العمل إذا كان عنوان المباشرة في الاجارة الاولى قيدا وإسقاط حق الشرط إذا كان شرطا، وبذلك تصح الاجارة الثانية لعدم المانع من نفوذها، وعلى هذا فحيث لا مانع من أبراز ذلك بإجازة الاجارة الثانية فدعوى أن للمستأجر الاول إجازة الثانية مطلقا. في محلها وحينئذ إن كانت الاجازة إسقاطا لنفس العمل استحق الاجير كلتا الاجرتين، وعليه العمل بالاجارة الثانية، وإن كانت إسقاطا لحق الشرط استحق الاجرتين، ولكن عليه كلا العملين: الواقع عليه الاجارة الثانية بالمباشرة، والواقع عليه الاجارة الاولى بالاستنابة والتسبيب، لو صد الاجير أو احصر الثامنة: لو صد الاجير أو احصر اي: منع من الحج بالمرض أو بالعدو، وما ماثله - كان حكمه كالحاج عن نفسه فيما عليه من الاعمال، فالممنوع بالمرض الذي هو المصدر يبعث بهديه مع أصحابه ويواعدهم يوما لذبحه فيتحلل في ذلك اليوم من كل شئ إلا من النساء حتى يحج من قابل إن كان حجه واجبا، أو يطاف عنه للنساء إن كان ندبا، والممنوع بالعدو الذي هو المحصور يذبح هدية حينئذ، ويحل له كل شئ حتى النساء، وسيأتي بقية أحكامهما في محله. وبالجملة تلك الاحكام تثبت الاجير، لعموم الآية وغيرها من الادلة، ويقع ما =========================================================================== [ 410 ] [... ] فعله عن المستأجر، لانه قصده بفعله. وعليه فإن كانت الاجارة مقيدة بتلك السنة على وجه التقييد انفسخت الاجارة لتعذر العمل المستأجر عليه الكاشف عن عدم صحة تمليكه وتملكه الاجرة. وإن كانت مقيدة بها على وجه الاشتراط للمستأجر خيار التخلف. وإن كانت مطلقة يبقى الحج في ذمته الى القابل، فإن تعذر بعض أفراد المستأجر عليه لا يوجب الانفساخ ولا الخيار، وما عن الشهيد من ثبوت الخيار، لا وجه له. وفي صورة الانفساخ أو الفسخ يستحق الاجير من الاجرة المسماة بالنسبة الى ما أتى به من الاعمال، وقد تقدم تفصيل القول في ذلك في المسألة الثالثة. ولو كان الصد أو الاحصار قبل إتمام الحج لا يجزي عن المنوب عنه وإن كان ذلك بعد الاحرام ودخول الحرم، إذ إجزاء الناقص على خلاف الاصل يحتاج الى دليل مفقود، وإنما التزمنا به في موت النائب - كما مر - للنصوص الخاصة، والتعدي عن موردها الى المقام مع عدم إحراز المناط قياس لا نقول به، فما عن الشيخ: ويشعر به عبارة الشرائع من الاجزاء - غير تام، ولعلهما أيضا لا يقولان به، فراجع الجواهر في توجيه ما أفاداه. وفي صورة التقييد لو ضمن المؤجر الحج في المستقبل، فهل تجب إجابته كما عن ظاهر المقنعة والنهاية والمهذب، بل ربما قيل: إنه ظاهر المبسوط والسرائر وغيرهما، أم لا تجب كما في التذكرة والمنتهى والشرائع والمستند والجواهر وغيرها؟ وجهان، أقواهما: الاول، إذ المفروض أن العقد واقع على المقيد ولا يتناول غيره فلا وجه للزوم قبول غيره. وفي الجواهر وجه قول من قال بوجوب الاجابة بقوله: ولذا حمله غير واحد على إرادة ما رضي المستأجر بضمان الاجير بمعنى استيجاره ثانيا بالمتخلف من =========================================================================== [ 411 ] [... ] الاجرة ولو معاطاة، فإنه حينئذ لا إشكال فيه. انتهى، وهو حسن. لو أفسد الاجير حجه التاسعة: لو أفسد الاجير حجه يجب أن يحج من قابل، وإتمام ما بيده، وكفارة بدنة كالحاج عن نفسه بلا خلاف، وفي الجواهر: بل يمكن تحصيل الاجماع عليه. ويشهد به جملة من النصوص سيمر عليك بعضها، إنما الكلام في موارد: 1 - هل الاول مسقط لذمة المنوب عليه أم لا؟ وعلى الثاني هل الحج الثاني مبرئ للذمة أم لا؟. 2 - هل تنفسخ الاجارة ام لا؟ 3 - هل يستحق الاجرة على ما أتى به وإن ترك الاتيان به ثانيا من قابل أم لا؟ 4 - هل يجب الاتيان بالثاني بالعنوان الذي أتى به الاول، أم هو واجب تعبدي؟ أما في المورد الاول، فالقول بالمسقطية وعدمها يبتنيان على القول بأن الاول هو الواجب والثاني عقوبة، أو أن الواجب هو الثاني وإتمام الاول عقوبة، إذ على الاول يكون ما أتى به مبرءا لذمة المنوب عنه دونه على الثاني. وفيه قولان مشهوران، أحدهما: صحة الاول وكون الثاني عقوبة، ثانيهما: العكس، وصاحب الجواهر في المقام يختار الثاني، وفي مبحث كفارات الاحرام في الحج عن نفسه يختار الاول. وقد استدل للثاني في الجواهر: بإطلاق اسم الفاسد على الاول في النص والفتوى، وقال: احتمال أن هذا الاطلاق مجاز لا داعي إليه، بل هو مناف لجميع ما ورد في بيان المبطلات من النصوص من أنه قد فاته الحج، أو لاحج له، أو نحو ذلك =========================================================================== [ 412 ] [... ] مما يصعب ارتكاب المجاز فيه، بل مقتضاه أن الحج لا يبطله شئ وإنما يوجب فعل هذه المبطلات الاثم والاعادة عقوبة، وهو كما ترى. انتهى، وسيمر عليك ما في هذا الاستدلال من الاشكال. واستدل للاول: بطائفتين من النصوص: الاولى: ما ورد في الحاج مطلقا، وهي حسنة زرارة، بل صحيحته المروية عن الكافي قال: سألته عن محرم غشى امرأته، قال عليه السلام: جاهلين أم عالمين؟ قلت: أجنبي على الوجهين جميعا. قال عليه السلام: إن كانا جاهلين استغفرا ربهما ومضيا على حجهما وليس عليهما شئ، وإن كانا عالمين فرق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه وعليهما بدنة وعليهما الحج من قابل، فإذا بلغا المكان الذي أحدثا فيه فرق بينهما حتى يقضيا نسكهما ويرجعا الى المكان الذي اصابا فيه ما أصابا. قلت، فأي الحجتين لهما؟ قال عليه السلام: الاولى التي أحدثا فيها ما أحدثا، والاخرى عليهما عقوبة (1). واورد عليها: تارة بكونها مضمرة ولم يحرز كون المسئول عنه الامام عليه السلام، واخرى بأنها مختصة بالحاج عن نفسه ولا تشمل مفروض المقام بقرينة قوله: فأي الحجتين لهما. ولكن يندفع الاول: بأن السائل الراوي للخبر على غيره بما أنه زرارة لا محالة يكون المسئول عنه هو الامام عليه السلام، على أن الظاهر كون الاضمار قد وقع في تأليف الشيخ لا في أصل الخبر كما هو مذكور في محله. ويندفع الثاني: بأن السؤال مطلق، وقوله: لهما في مقابل كون الحج الآخر عقوبة لا في مقابل النيابة، وعلى هذا فيتعين حمل الفساد في بعض النصوص المشار إليه على إرادة كون الاولى كالفاسدة باعتبار وجوب الاعادة ولو عقوبة لا تداركا، =========================================================================== (1) الوسائل باب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع في الاحرام حديث 9. =========================================================================== [ 413 ] [... ] خصوصا بعد ما ورد من إطلاقه فيما اجمعوا على صحته، كما في حديث حمران فيمن جامع بعد أن طاف ثلاثة أشواط، قال: قد افسد حجه وعليه بدنه. مع الاجماع على صحة الحج في هذه الصورة، كذا في الجواهر في مبحث كفارات الاحرام في الحج عن نفسه. الثانية: ما ورد في خصوص الاجير، وهي موثقا إسحاق بن عمار عن أحدهما (ع)، ففي أحدهما: قال: سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطي رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل أن يحج ثم اعطي الدراهم غيره، فقال عليه السلام: إن مات في الطريق أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فإنه يجزي عن الاول. قلت: فإن ابتلى بشئ يفسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل أيجزي عن الاول؟ قال عليه السلام: نعم. قلت: لان الاجير ضامن للحج؟ قال: نعم (1). والآخر: سأل الامام الصادق عليه السلام عن رجل حج عن رجل فاجترح في حجه شيئا يلزمه فيه الحج من قابل أو كفارة، قال عليه السلام: هي للاول تامة، وعلى هذا ما اجترح (2). والضمير في قوله: يجزي في الخبر الاول راجع الى الحج الذي وقع فيه المفسد، والمراد من الاول الشخص الاول. وأورد عليهما في الجواهر في هذه المسألة بأنهما وإن كانا ظاهرين في أن الفرض الاول إلا أنه يجب حملهما على إرادة إعطاء الله للمنوب عنه حجة تامة تفضلا منه وإن قصر النائب في إفسادها وخوطب بالاعادة. انتهى. ولكن ما أفاده في ذلك المبحث جواب عن ذلك، إذ حمل الفساد على النقص الموجب للعقوبة أسهل من حمل الخبرين على ما افيد. =========================================================================== (1) الوسائل باب 15 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. (2) الوسائل باب 15 من أبواب النيابة في الحج حديث 2. =========================================================================== [ 414 ] [... ] فتحصل: أن الاظهر كون الاول هو الفرض والثاني عقوبة، وعليه فهو الموجب لفراغ الذمة، وقد صرح بذلك في الخبرين أيضا. وأما على القول الآخر، فهل الثاني يوجب فراغ ذمة المنوب عنه أم لا؟ ربما يقال - كما عن المبسوط والخلاف والسرائر والقواعد قطعا، وعن المعتبر احتمالا - بالثاني، وأنه لابد للمستأجر أن يستأجر مرة اخرى في صورة التعيين، وللاجير أن يحج ثالثا في صورة الاطلاق. واستدل له بوجهين: أحدهما: أن الثاني إنما وجب للافساد عقوبة كان الاول صحيحا أم لا بمعنى أنه عقوبة ما جناه من ارتكاب المفسد، ولذا لا يختص بالحج الواجب، فيجب ثالث: إذ التداخل خلاف الاصل. وفيه أولا: النقض بما إذا أفسد المستطيع حجه، فإن يحج من قابل ويكتفي به عن خطاب الاستطاعة والافساد. وثانيا بالحل، وهو: أن التداخل مفهوم من دليل السببين، فإنه يجب على النائب أن يأتي بالحج في القابل عن المنوب عنه وبذلك العنوان، فذلك الحج بنفسه يتعلق به حكم آخر. وبهذا يظهر اندفاع ما قيل من أنه من عدم اختصاصه بالحج الواجب يستكشف كونه تكليفا متعلقا بحج آخر، وبالجملة على القول بعدم صحة الاول يكون الثاني هو المعنون بذلك العنوان. ثانيهما: ما ذكره في الجواهر، قال: ودعوى أن الحج بإفساده له انقلب لنفسه لانه غير المتسأجر عليه - الى أن قال - فيكون القضاء عن نفسه. انتهى. فيه أولا: منع الانقلاب لنفسه. وثانيا: أن المأتي به ثانيا بدل عن الاول بالعنوان الذي أتى به لا بما صار إليه =========================================================================== [ 415 ] [... ] بعد الفسخ والانقلاب. وأما المورد الثاني، وهو أنه هل تنفسخ الاجارة أم لا؟ وقد اختلفت كلمات القوم فيه، وفي الجواهر: أن المحصل من الاقوال ثمانية: - 1 - انفساخ الاجارة مطلقا إن كان الثاني فرضه وهو ظاهر المتن. - 2 - انفساخها مع التعيين دون الاطلاق ووجوب حجة ثالثة نيابة كما هو خيرة الفاضل في القواعد، والمحكي عن الشيخ وابن إدريس. - 3 - عدم الانفساخ مطلقا ولا يجب حجة ثالثة وهو خيرة الشهيد. - 4 - إن كان الثاني عقوبة لم تنفسخ مطلقا ولا عليه حجة ثالثة وإن كان فرضه انفسخ في المعينة دون المطلقة وعليه حجة ثالثة، وهو على ما قيل خيرة التذكرة وأحد وجهي المعتبر والمنتهى. - 5 - كذلك وليس عليه حجة ثالثة مطلقا، وهو محتمل المعتبر والمنتهى. - 6 - انفساخها مطلقة كانت أو معينة، كان الثاني عقوبة أولا، لانصراف الاطلاق الى العام الاول وفساد الحج الاول وإن كان فرضه. - 7 - عدم انفساخها مطلقا، كذلك قيل، ويحتمله الجامع والمعتبر والمنتهى والتحرير. - 8 - المختار وهو محتمل محكي المختلف، وهو الاصح، وليس في الخبرين منافاة له بعدما عرفت. انتهى. أقول: بناء على ما عرفت من أن الاول فرضه لا تنفسخ الاجارة مطلقا للاتيان بالعمل المستأجر عليه، غاية الامر يجب عليه الاتيان به ثانيا أيضا. وأما على القول بأن إتمام الاول عقوبة والثاني فرض، فإن كان الحج المستأجر عليه مقيدا بتلك السنة انفسخت، لعدم الاتيان به لفرض بطلان ما أتى به. ودعوى: أن الحج في القابل عوض شرعي عما وقع عليه العقد، فالاجارة =========================================================================== [ 416 ] [... ] بالنسبة الى الاول وإن انفسخت إلا أنها بالنسبة الى الثاني باقية كما في العروة. تندفع: بأنه ليس في نصوص الباب ما يدل على أن الثاني عوض شرعي تعبدي عن العمل المستأجر عليه بهذا العنوان بحيث يصير الثاني متعلق الاجارة كما لا يخفى. وإن كان غير مقيد بها لم تنفسخ الاجارة فإن فساد الفرد لا يقتضي انفساخ الاجارة الواقعة على المطلق وإن قلنا بوجوب التعجيل في الاجارة المطلقة، لانه لا يوجب تعيين المستأجر عليه، وقد مر أنه يجتزى بالحج من قابل عن الحج ثانيا. وأما المورد الثالث، فإن كان الفرض هو الثاني لا يستحق الاجرة بالاول، غاية الامر إذا كانت مطلقة يستحقها بالثاني، وان كان الفرض هو الاول استحقها مع الاتيان به من قابل لا بدونه، فإن ظاهر الاخبار أن الحج الثاني مربوط بالاول وتدارك للنقص الواقع فيه، ومعلوم أن متعلق الاجارة هو الحج الكامل غير الناقص، فلو لم يأت بالمكمل لا يستحق الاجرة. اللهم إلا أن يقال: إن قوله عليه السلام في موثق إسحاق الثاني: هي للاول تامة وعلى هذا ما اجترح. يدل على تمامية الاول بالنسبة الى المنوب عنه، وأن الحج الثاني في ذمة ذلك، وليس تداركا للنقص، وعليه فيستحق تمام الاجرة وإن لم يأت بالثاني عصيانا، بل قوله في الموثق الاول: أيجزي عن الاول. قال عليه السلام: نعم. قلت: لان الاجير ضامن للحج؟ قال: نعم. يدل على ذلك. وأما المورد الرابع، فالظاهر لزوم الاتيان به بالعنوان الذي أتى به الاول، فإنه الظاهر من الدليل الآمر بإعادة الحج، فإن المستفاد منها - كسائر الموارد التي يأمر الشارع بإعادة المأمور به - هو الاتيان بالثاني بالعنوان الذي أتى به الاول، لا أقول: إن الاعادة ظاهرة في ذلك، كي يقال: ليس هذا اللفظ في النصوص، بل أقول: قوله: عليهما الحج من قابل. ظاهر في ذلك، ولذا سأل الراوي بعد ذلك أي الحجتين لهما؟ إذ لو لم يكن الثاني بالعنوان الاول لما كان مورد لهذا السؤال، مع أن التعليل في الموثق =========================================================================== [ 417 ] [... ] بأن الاجير ضامن للحج يشعر بذلك، كما لا يخفى. الاجير يملك الاجرة بالعقد العاشرة: يملك الاجير الاجرة بالعقد، لان ذلك مقتضى صحة الاجارة المملكة لها، وقد دلت النصوص الخاصة في الحج على ذلك، لاحظ: موثق الساباطي، وخبر مسمع، ورواية عبد الله - الآتية في آخر هذه المسألة - كما لا إشكال في وجوب تسليمها بعد الاتيان بالعمل لوجوب رد المال الى صاحبه، وكذا لا كلام في وجوب تسليمها قبل إكمال العمل لو شرط ذلك. إنما الكلام في أنه هل يجب تسليمها قبل العمل لو طالبها الاجير مع عدم اشتراط ذلك في ضمن العقد ولم يكن قرينة على التعجيل، أم لا؟ المنسوب الى المشهور هو عدم الوجوب، بل عدم جواز المطالبة. واستدل له بعض الاعاظم من المعاصرين باقتضائه طبع المعاوضة، فما دام لم يحصل المعوض الى المستأجر له الحق في تأخير العوض فيجوز لكل منهما أن يمتنع من التسليم في ظرف امتناع الآخر عنه. وفيه أولا: أن المعاوضة هي المبادلة بين المالين ولا ربط لها بالتسليم والتسلم الخارجيين، وثانيا: أن محل الكلام ليس امتناع الآخر عن العمل بل بناؤه على العمل في ظرفه المقرر له وإنما يطالب الاجرة قبل ذلك. أقول: تسليم العمل إنما هو بالاتيان به، وعليه فكما أن في البيع نقول بأنه يجب تسليم العوض والمعوض معا - ولا يصغى الى ما قيل من أن كلا من البائع والمشتري ملك أحد العوضين، ولابد من تسليم ماله إليه، ووجوب التسليم عليه ليس مشروطا بتحققه من الاخر، فلا يسقط التكليف بأداء مال الغير عن أحدهما بمعصية الآخر، وأن ظلم أحدهما لا يسوغ ظلم الآخر، والوجه فيه: أن مبنى البيع على التقابض وكون =========================================================================== [ 418 ] [... ] المعاملة يدا بيد، فهناك شرط ضمني ارتكازي يكون العقد مبنيا عليه، وهو التزام كل منهما بتسليم العين مقارنا لتسليم صاحبه، والتزام على صاحبه أن لا يسلمه مع الامتناع، وعليه فلكل منهما الامتناع من التسليم لو امتنع الآخر، ولا يجب تسليم ما بيده قبل تسليم صاحبه ما تحت يده - كذلك نقول في المقام، فإن هذا الشرط الضمني الارتكازي الذي هو بحكم الذكر لبناء العقد عليه كما يكون في البيع كذلك يكون في الاجارة. هذا مع قطع النظر عما نفينا عنه البعد، وأفتى به جماعة منهم الفاضل النراقي من أنه بمجرد الاجارة يصير ذمة المنوب عنه فارغة، وتشتغل ذمة الاجير به، وإلا فيجب تسليم الاجرة وإن لم يعمل كما هو واضح، والمسألة محتاجة الى تأمل أزيد. وقد يقال: إنه ما الفرق بين استيجار العبد لعمل وبين استيجار الحر له حيث إن الاصحاب يلتزمون بجواز مطالبة الاجرة قبل إتيان العبد بالعمل، ولا يلتزمون به في الحر، مع أن المدرك عام لهما؟ والجواب عنه: أنه لا فرق بينهما أصلا، وما قيل من أن تسليم منفعة العبد إنما هو بتسليم نفسه، وهذا بخلاف الحر، فإنه لا يقع تحت اليد. كلام شعري لا أصل له، إذ المراد من الوقوع تحت اليد ليس صيرورته ملكا لمن وقع تحت يده، فإن العبد أيضا لا يصير كذلك، بل المراد التسلط الخارجي وإمكان الانتفاع به، وهو فيهما على حد سواء، وإنما الفرق بين موارد الاجارة، فإنه قد تقع الاجارة على المنفعة الخاصة، وهذا إنما يكون بتسليم من تكون المنفعة قائمة به لوجودها بوجوده من غير فرق بين العبد والحر، وقد تقع على العمل، وهذا لا يكون تسليمه إلا بالعمل، وتمام الكلام في كتاب الاجارة. وعلى ما ذكرناه من أن للمستأجر الامتناع من تسليم الاجرة قبل العمل - لو كان المستأجر وكيلا أو وصيا وسلمها قبله، هل يكون ضامنا على تقدير عدم العمل =========================================================================== [ 419 ] [... ] من المؤجر، أو فساده كما عن جمع من الاساطين، أم لا؟ قد استدل للاول في الجواهر: بكونه تفريطا. واورد عليه بأن الاجرة صارت ملكا للاجير بالاجارة، وخرجت عن ملك الميت والموكل، ورد المال الى صاحبه كيف يكون تفريطا!؟ ولكن يمكن أن يقال: إنه حيث يكون لهما أي الميت والموكل حق الامتناع عن التسليم قبل العمل فلا يجوز ذلك بدون إذنهما، فلو سلم الاجرة الوكيل أو الوصي والحال هذه ولم يأت الاجير بالعمل وانفسخت الاجارة وعاد المال الى الموكل أو الميت يكون الوصي أو الوكيل متعديا وضامنا. نعم في خصوص الحج لما كان المتعارف تسليم الاجرة أو نصفها قبل المشي يستحق الاجير المطالبة في صورة الاطلاق، ويجوز للوكيل والوصي دفعها من غير ضمان للاذن المستفاد من التعارف، ولذلك ترى في النصوص أن تسليم الاجرة قبل الحج كان مفروغا عنه، لاحظ: خبر مسمع، قلت لابي عبد الله عليه السلام: أعطيت الرجل دراهم يحج بها عني ففضل منها شئ فلم يرده علي. فقال: هو له لعله ضيق على نفسه في النفقة لحاجته الى النفقة (1). وخبر محمد بن عبد الله القمي عن الامام الرضا عليه السلام عن الرجل يعطى الحجة يحج بها ويوسع على نفسه فيفضل منها أيردها عليه؟ قال عليه السلام: لا هي له (2). وموثق الساباطي عن الامام الصادق عليه السلام عن الرجل يأخذ الدراهم ليحج بها عن رجل هل يجوز أن ينفق منها في غير الحج؟ قال عليه السلام: إذا ضمن =========================================================================== (1) الوسائل باب 10 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. (2) الوسائل باب 10 من أبواب النيابة في الحج حديث 2. =========================================================================== [ 420 ] [... ] الحجة فالدراهم له يصنع بها ما أحب وعليه حجة (1). استيجار الاجير غيره على الحج الحادية عشر: إذا استؤجر للحج عن الغير فتارة تقع الاجارة على الحج مباشرة، واخرى تقع على تحصيل الحج في الخارج أعم من المباشرة والتسبيب، وثالثة تكون مطلقة ولا يصرح فيها بشئ من الاطلاق والتقييد، وفي الاخيرة قد ينسب الحج الى الفاعل، كما لو قال: آجرتك على أن تحج بصيغة المعلوم، وقد لا ينسب إليه ولا يذكر فاعله، كما لو قال: آجرتك على أن تحج بصيغة المجهول. لا كلام في وجوب المباشرة في الصورة الاولى وعدم جواز استنابة غيره، كما لا كلام في جواز الاستنابة في الصورة الثانية. أما في الصورة الثالثة فالظاهر عدم جواز الاستنابة، إذ ظاهر نسبة الفعل الى الفاعل كون النسبة على نحو القيام به لا بنحو السبب في حصوله، فقوله: أن تحج. أي توجد الحج مباشرة. وأما في الصورة الرابعة فالظاهر جوازها، لان المستأجر عليه هو الحج من دون نطر الى فاعل معين، ونسبته الى الاجير ليست نسبة قيام بل نسبة تحصيل، هذا ما يقتضيه القواعد. ولكن في المقام رواية وهي رواية عثمان بن عيسى، قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: ما تقول في الرجل يعطى الحجة فيدفعها الى غيره؟ قال عليه السلام: =========================================================================== (1) الوسائل باب 10 من أبواب النيابة في الحج حديث 3. =========================================================================== [ 421 ] [... ] لا بأس (1). وما أفاده بعض المعاصرين من الخدشة في سندها غير صحيح، فإن سندها صحيح ورجالها ثقات ولكن في دلالتها على خلاف مقتضى القواعد تأملا. وفي المستند: فلا دلالة فيها على الاستيجار بوجه، بل مدلولها إعطاء ما يحج به لاجل الحج فيحتمل التوكيل أيضا، بل هو الظاهر، فسئل أنه إذا اعطى رجل وجه حجة لغيره هل يجب على الغير مباشرته بنفسه أو يجوز له الدفع الى الغير؟ انتهى. وأما ما في العروة من حملها على صورة العلم بالرضا من المستأجر. فيرد عليه: - مضافا الى أنه لا شاهد لهذا الحمل - أن مجرد العلم بالرضا لا يكفي إلا أن يرجع الى الاذن الانشائي في الاستيفاء بفرد آخر، فالعمدة ما ذكرناه، وإلا فالرواية غير معمول بها. الاستيجار للحج مع ضيق الوقت عنه الثانية عشر: لا يجوز استيجار من ضاق وقته عن إتمام الحج تمتعا وكان وظيفته العدول الى الافراد عن من عليه حج التمتع، إذ الافراد في الفرض المذكور بدل اضطراري، وعلى فرض القول بجواز العدول إليه من الاول إذا علم بالضيق ولم يختص ذلك بمن شرع في الحج ثم تبين فإن المنوب عنه مع فرض إمكان غير هذا النائب له لا يكون مضطرا فلا يكون ذلك مشروعا للنائب، كي يصح استيجاره له. ولو استأجره مع سعة الوقت فنوى التمتع ثم اتفق ضيق الوقت فهل يجوز العدول ويجزي عن المنوب عنه أم لا؟ وجهان، وفي المستند: لم أعثر على مصرح من =========================================================================== (1) الوسائل باب 14 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. =========================================================================== [ 422 ] [... ] الفقهاء بحكمه، واعتمادا عليه - قده - تركنا الفحص عن ذلك. ولكن المتأخرين عنه اختلفوا على قولين: أحدهما: جواز العدول. ذهب إليه المحقق النائيني - ره -. ثانيهما: عدم جوازه. اختاره جمع من الفقهاء. واستدل للاول: بإطلاق أخبار العدول إليه. واجيب عنه بانصرافها الى الحاج عن نفسه، وحيث إنه يكون على خلاف الاصل فلا دليل عليه. وفيه: أن دعوى الانصراف لا منشأ لها، وعلى فرضه فهو بدوي لا يعتنى به، فالمحكم هو إطلاق أخبار العدول. وعلى فرض جواز العدول هل يكون مجزئا عن المنوب عنه أم لا؟ ذهب جماعة منهم الفاضل النراقي - ره - وسيد العروة الى الثاني. واستدل له في المستند بأن عمومات عدول المتمتع الى الافراد مع العذر لا يفيد أزيد من جوازه أو لزومه عليه، وعدم ترتب إثم أو شئ آخر عليه من هذه الحيثية وهو مسلم ولا يدل ذلك على براءته عما لزم عليه من جهة الاجارة واستحقاقه لمال الاجارة. انتهى. وفيه: أنه على تقدير تسليم شمول أخبار العدول له يكون تلك ظاهرة في كون الافراد بدلا شرعيا عما عليه، فمع إتيان البدل لا محالة يسقط المبدل عنه عن الذمة، فالاجزاء لازم شمول الاخبار له، ويترتب عليه استحقاقه الاجرة المسماة. وبذلك يندفع ما استدل به على عدم الاجزاء عنه بأن الابدال الاضطرارية إنما تجزي على تقدير الاضطرار، والاضطرار بالنسبة الى المنوب عنه يتوقف على انحصار النائب بالشخص المعين، فمع إمكان غيره لا اضطرار، فإن هذا الوجه يصلح وجها لعدم جواز استيجاره لمن يعلم بذلك من أول الامر ولا يصلح الاستناد إليه في فرض =========================================================================== [ 423 ] [... ] المسألة بعد عموم النص. فصل: في الوصية بالحج الفصل الرابع: في الوصية بالحج، والكلام فيه في طي مسائل: الاولى: إذا وجب الحج على المكلف ولم يأت به الى أن قرب أجله يجب عليه أن يوصي به وفاقا لصريح غير واحد وظاهر آخرين في جميع العبادات البدنية، واستدل له بوجوه: الاول: عموم معاقد الاجماعات الدالة على وجوب الوصية لكل حق واجب. وفيه: كون تلك الاجماعات تعبدية غير ثابت. الثاني: ما عن جامع المقاصد بأن فيه دفعا لضرر العقاب عن نفسه. وفيه: أنه إن اريد العقاب على ترك مباشرته حال الحياة - فمع أنه قد يفوت الواجب لعذر يسقط العقاب - أن العقاب على ترك المباشرة لا يندفع بالوصية. وإن اريد العقاب على ترك الوصية فهو أول الكلام. وإن اريد العقاب على عدم إتيان النائب. فهو لا يكون متوجها الى الميت. الثالث: ما أفاده الشيخ الاعظم - ره - في كتاب الوصية، وحاصله: أنه بناء على مشروعية النيابة في العبادة البدنية كالحج على ما هو المفروض لا محالة يكون حج النائب حجا للمنوب عنه، وعليه فخطاب الحج وإن لم يشمل الايصاء به لان يأتي النائب به إلا أنه مستفاد مما ثبت من أن الامر بالمسبب المتوقف على امور غير اختيارية يرجع الى إرادة إيجاد ما في وسع المكلف من المقدمات وإن لم يكن ذلك مرادا من اللفظ، فإن صادف الاسباب الموجودة باقي الامور الخارجة عن اختيار المكلف فقد حصل الامتثال وإلا سقط الامر، فالايصاء بفعل الحج نيابة عنه يسقط =========================================================================== [ 424 ] [... ] معه الامر بالحج على كل تقدير سواء حصل من النائب أم لم يحصل. وفي كلامه - قده - مواقع للنظر: أحدها: ما أفاده - قده - من أن فعل النائب فعل المنوب عنه تنزيلا، فإنه قد عرفت في فصل النيابة عند بيان حقيقتها أن هذا لا يتم، بل النائب مأمور بإتيان العمل بعنوان النيابة مستقلا، فراجع. ثانيها: ما أفاده من أن المنوب عنه مأمور بفعل النائب، فإنه يرد عليه: أنه لا يعقل توجه الامر بفعل الغير الذي لا يكون مسببا توليديا لفعله، ويكون اختياره فاصلا إليه فإنه من الامر بغير المقدور، على أنه لا دليل عليه، وثبوته في ذمته غير الامر به، وإلا لزم سقوطه بالموت من دون الايصاء. ثالثها: ما أفاده من أن الايصاء بفعل الحج نيابة عنه يسقط معه الامر به على كل تقدير، فإنه يرد عليه: أنه مع سقوطه عنه لا مورد للنيابة. والحق في المقام أن يقال: إنه كما يستقل العقل بوجوب إطاعة المولى ولزوم تفريغ الذمة عن الواجب كذلك يستقل العقل بلزوم التسبيب الى فراغ الذمة بالمقدار الممكن، وليس هو إلا الايصاء وبالملازمة بين حكم العقل وحكم الشارع فيما يمكن توجه الامر المولوي كما في المقام يستكشف الحكم الشرعي وهو وجوب الايصاء. الحج الموصى به يخرج من الاصل أو الثلث الثانية: قد مر في فصل الحج النذري أن الحج الواجب أعم من الحج الاسلامي أو النذري على القول بوجوب قضائه أو غيرهما، بل جميع الواجبات البدنية تخرج من الاصل، راجع المسألة الرابعة من ذلك الفصل. ولا كلام ولا خلاف في أن الحج الموصى به إن علم إنه ندبي يخرج من الثلث، =========================================================================== [ 425 ] [... ] ويشهد به طائفتان من النصوص. الاولى: ما ورد في مطلق الوصية، ويدل على أنه لا يجوز الوصية بأكثر من الثلث خرج عنه الوصية بالحج الواجب بالتقريب المتقدم، وهي كثيرة قد عقد لها بابا في الوسائل في كتاب الوصية. منها: صحيح أحمد بن محمد قال: كتب أحمد بن إسحاق الى أبي الحسن عليه السلام أن درة بنت مقاتل توفيت وتركت ضيعة أشقاصا في مواضع وأوصت لسيدنا عليه السلام في إشقاصها بما يبلغ أكثر من الثلث - الى أن قال - فكتب بخطه: ليس يجب لها في تركتها إلا الثلث (1). ونحوه غيره. الطائفة الثانية: ما ورد في خصوص الايصاء بالحج كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام عن رجل مات وأوصى أن يحج عنه، قال عليه السلام: إن كان صرورة فمن جميع المال، وإن كان تطوعا فمن ثلثه (2). ونحوه غيره. حكم ما إذا لم يعلم أحد الامرين وإن لم يعلم أن ما أوصى به واجب أو ندب فهل يخرج من الاصل، أو الثلث، أم يفصل بين الموارد؟ أقوال: ففي التذكرة: وإن لم يعلم اخرج من الثلث اجرة المثل أو ما عينه. انتهى. وعن سيد الرياض: أنه يخرج من الاصل. وفي العروة فصل بين مالو كانت الحالة السابقة فيه هو الوجوب كما إذا علم =========================================================================== (1) الوسائل باب 11 من أبواب كتاب الوصايا حديث 1. (2) الوسائل باب 41 من أبواب كتاب الوصايا حديث 3. =========================================================================== [ 426 ] [... ] وجوب الحج عليه سابقا ولم يعلم أنه أتى به أم لا فيخرج من الاصل، وبين ما لو لم يعلم به فيخرج من الثلث. وقد استدل للخروج من الاصل: بأن مقتضى عمومات وجوب العمل بالوصية خروجها من الاصل خرج عنها صورة العلم بكونه ندبيا. وبالرضوي: فإن أوصى بماله كله فهو أعلم بما فعله، ويلزم الوصي إنفاذ وصيته على ما أوصى به، وبعض أخبار آخر الذي يكون بهذا المضمون. وقال في محكي الرياض: ويحتمل عبارة المخالف كالرضوي لما يلتئم مع فتاوي العلماء بأن يكون المراد به يجب على الوصي صرف المال الموصى به بجميعه على ما أوصى به من حيث وجوب العمل بالوصية وحرمة تبديلها بنص الكتاب والسنة، وإنما جاز تغييرها إذا علم أن فيها جورا ولو بالوصية بزيادة عن الثلث، وهو بمجرد الاحتمال غير كاف، فلعل الزيادة منه وقعت الوصية بها من دون حيف كان وجبت عليه في ماله بأحد الاسباب الموجبة له، والموصي اعلم، وهذا غير جواز الوصية بالزيادة تبرعا فلا يمضى منه إلا الثلث كما عليه العلماء. انتهى. وبأصالة الصحة في فعل الموصي فإنه مع الشك في أن الموصى به واجب فيصح الوصية في اكثر من الثلث أو مندوب فلا يصح يحمل تصرفه على الصحة فيبنى على أن وصيته في الواجب. ولكن يرد على الاول: أن عمومات وجوب العمل بالوصية خصصت بما دل على عدم نفوذ الوصية بأزيد من الثلث إن كان الموصى به ندبيا، وعليه فالتمسك بها عند الشك في كونه ندبيا أو وجوبيا تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وهو لا يجوز. ويرد على الثاني: أن تلك النصوص ظاهرة في نفوذ الوصية وإن كان بأزيد من الثلث، ويعارضها روايات كثيرة التي هي أشهر وأصح سندا وأكثر عددا وأوضح دلالة، ويتعين طرح هذه النصوص لذلك، ولا وجه لحملها على ما أفاده - قده -. =========================================================================== [ 427 ] [... ] ويرد على الثالث: أنه إن اريد إجراء اصالة الصحة في الوصية كما هو ظاهر الدليل فيرد عليه: أن أصالة الصحة إنما تجري عند دوران الامر بين الصحة نفسها والفساد، وأما لو دار الامر بين الصحة الفعلية والصحة التأهلية كما لو شك في صحة بيع الراهن من جهة الشك في إذن المرتهن أو إجازته فلا تجري، فإنه لا يثبت الاذن أو الاجازة بإجراء اصالة الصحة في العقد. وفي المقام يدور الامر بين الصحة الفعلية والصحة التأهلية، فإنه لو كان الموصى به واجبا فهي صحيحة بالفعل، وإن كان مندوبا فهي صحيحة بالصحة التأهلية، لتوقفها على إجازة الورثة، فلا تجري أصالة الصحة، فتأمل، فإن ذلك قابل للمناقشة، فإنه وإن افاده الشيخ الاعظم ولكن قد أشبعنا الكلام فيه في رسالة القواعد الثلاث في مبحث أصالة الصحة، وأثبتنا جريانها عند الدوران بين الفعلية والتأهلية، مع أنه لو تم ذلك اختص بما إذا زاد اجرة ما أوصى به عن الثلث بالنسبة الى الزيادة كما هو واضح. وإن اريد إجراء أصالة الصحة في فعل الموصي وأنه أتى بما كان واجبا عليه. فيرد عليه: أن إجراء أصالة الصحة يتوقف على إحراز صدور العمل في الخارج، ومع الشك في تحقق أصل العمل الموصوف بالصحة لا تجري، فإن دليلها يتكفل التعبد بالوصف لا التعبد بالموصوف وإثباته، ولا تعبد بالوصف إلا مع إحراز الموصوف. واستدل سيد العروة لما ذهب إليه بجريان الاستصحاب أي استصحاب بقاء وجوبه فيما علم وجوب الحج عليه سابقا، ويدخل بذلك في موضوع ما دل على الخروج من الاصل، وهذا بخلاف ما لو لم يعلم به، فإن مقتضى الاصل عدم كونه واجبا فيخرج من الثلث. أقول: ما ذكره يتم في الشق الثاني ولا يتم في الاول، لان استصحاب بقاء الوجوب لا يكون مثبتا لدين الميت الذي هو موضوع لتوجه الخطاب الى الوارث، =========================================================================== [ 428 ] [... ] وتمام الكلام في محله، فالاظهر: أنه يخرج من الثلث، للاصل اي أصالة عدم الوجوب. إذا لم يعين الموصي اجرة القتصر على الاقل الثالثة: إذا أوصى بالحج فتارة لا يعين الاجرة، واخرى يعينها، وعلى التقديرين تارة يعين أجيرا معينا، واخرى لا يعينه. فإن أوصى به ولم يعين الاجرة ولا الاجير، ففي الشرائع وغيرها انصرف ذلك الى اجرة المثل، ومقتضى إطلاق عبارة التذكرة ذلك أي لزوم الاقتصار على اجرة المثل. ولكن في المنتهى وعن القواعد وغيرهما أنه يلزم الاقتصار على أقل ما يوجد من يحج عنه. واستدلوا للاول بالانصراف الى اجرة المثل أو الانصراف عن الاكثر. وأفاد سيد المدارك بقوله: أما انصراف الاجرة مع عدم التعيين الى اجرة المثل فواضح، لان الواجب العمل بالوصية مع الاحتياط للوارث فيكون ما جرت به العادة كالمنطوق به. أقول: هذا الوجه يتم إذا كان الوصية بالاخراج من الثلث، فان له التصرف بما شاء، وأما إذا لم تكن كذلك، بل كانت بإخراجه من الاصل أو كانت مطلقة وقلنا بأنه يخرج من الاصل فهذا الوجه غاية ما يدل عليه أنه كالتصريح بالاستيجار باجرة المثل، فإذا أمكن الاستيجار بالاقل يجب الاقتصار عليه، فإنه به يجمع بين ما دل على لزوم العمل بالوصية وما دل على أنه لا يجوز الحيف على الورثة. وبالجملة العمل بالوصية لازم إلا أنه لابد وأن يراعى حق الورثة ولا يزاحمهم، ولا يكون ذلك إلا بالاستيجار بالاقل إن أمكن، بل يمكن منع ذلك وإن كانت الوصية =========================================================================== [ 429 ] [... ] بالاخراج من الثلث، فإن إطلاق الوصية يقتضي الاذن بما فيه مصلحة الموصى، ومعلوم أن مصلحته تقتضي الاستيجار بالاقل إن أمكن. وعلى ما اخترناه يجب الفحص عنه، إذ مع احتمال وجوده لا يكون جواز الاستيجار باجرة المثل معلوما، نعم يكون وجوب الفحص مغيى بأن يلزم منه الحرج أو تعطيل الواجب. ثم إنه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الحج الموصى به هو الحج الواجب أو الندبي. وإن أوصى به وعين أجيرا ولم يعين الاجرة، فإن رضي الاجير بما يرضى به الاقل اجرة فلا كلام، وإن لم يرض به ففي المنتهى كان على الولي أن يحج عنه بأقل ما يوجد من يحج عنه. أنتهى. والظاهر من التذكرة أن الواجب الاستيجار باجرة المثل لا أقل اجرة يوجد من يحج بها. وفي المستند، فيجب إجابة الموصى له فيما يرضي بأن يحج به وإن كان زائدا عن الاجرة إلا أن الزائد يخرج من الثلث. انتهى. أقول: الكلام في أن الاجرة التي يقتصر عليها في الخروج من الاصل هل هي اجرة المثل، أو أقل ما يوجد؟ هو الكلام فيها في الصورة السابقة. وأما الزائد عليها فإن كان أقل من الثلث يخرج منه ويجب إجابة الموصى له، وإن كان أزيد منه فلا يجب إجابته وتبطل الوصية. هذا إذا كان الحج واجبا، وإن كان مندوبا فيخرج اجرة الحج بتمامها من الثلث إن اتسع وإلا فتبطل الوصية. وإن أوصى به وعين الاجرة ولم يعين الاجير، فإن كان الحج ندبيا فالحكم واضح، وإن كان واجبا فإن كانت الاجرة المعينة مساوية لاقل ما يجد من يحج به =========================================================================== [ 430 ] [... ] صرفها الوارث الى من شاء ممن يقوم بالحج، وإن كانت أزيد منه كان ما يساويه من الاصل والزائد من الثلث. وإن أوصى به وعين الاجير والاجرة معا وكان الحج واجبا، ففي المنتهى: وإن عينهما معا فقال: أحجوا عني فلانا بمائة اعطي فلان اجرة المثل من أصل المال، والزائد من الثلث، فإن رضي الموصى له فلا بحث، وإلا استؤجر غيره بالمعين إن ساوى اجرة المثل أو كان أقل، وإن زاد فالوجه أن الزيادة للوارث، لانه أوصى بها لشخص معين بشرط الحج ولم يفعل الموصى له فيكون للوارث، ولا شئ للموصى له، لانه إنما وصى له بشرط قيامه بالحج. انتهى. أقول: حكمه بإخراج اجرة المثل من الاصل ينافي ما اخترناه، واختاره هو في الصورة السابقة من أن اجرة الحج التي تخرج من الاصل هي أقل ما يوجد من يحج عنه. وحق القول في المقام أن المقدار المشار إليه يخرج من الاصل والزائد من الثلث إن اتسع، وإلا فمع إجازة الوراث، وبدونهما تبطل الوصية، فإن الوصية تعلقت بشخص معين. وما في الحدائق من الاشكال في بطلان الوصية بأنه قد أوصى بأمرين: الاجير والاجرة، والحج واجب لابد من إخراجه، وتعذر الاجير لامتناعه لا يوجب بطلان تعيين الاجرة إلا أن يعلم أن التعيين إنما وقع من حيث خصوصية ذلك الاجير الموصى له وهو هنا غير معلوم. انتهى. يرد عليه: أن الوصية نظير غيرها مما يتوقف تحققه على الانشاء والابراز، والمفروض أن المنشأ هو الوصية لشخص معين، فمع امتناعه تبطل الوصية، ومجرد تعلق غرض الموصي بشئ لا يجدي إلا أن يعلم إرادة هذا الغرض من اللفظ ولو جازا بالقرينة، ومعلوم أن ما نحن فيه ليس كذلك، وقاعدة الميسور مع ارتباط أحدهما بالآخر في الانشاء لا مجري لها، وإذا بطلت الوصية فحيث إن الحج =========================================================================== [ 431 ] [... ] واجب لابد من إخراجه، فيستأجر غيره بأقل ما يوجد. وأما إن كان الحج ندبيا فإن كانت الاجرة الموصى بها بمقدار الثلث أو الاقل تعين استيجار ذلك الاجير، وإن زادت عنه أو لم ترض الوصي بتلك الاجرة بطلت الوصية وترجع الاجرة الى الورثة. ودعوى: أنه لو علم تعلق غرض الموصى بالحج مطلقا وجب إخراجه، لان الموصى به على هذا التقدير في قوة شيئين فلا يبطل أحدهما بفوات الآخر. تتم إذا كان المنشأ بالايصاء متعددا ولم يحتمل الارتباطية وإلا فمجرد التعدد الضمني لا يجدي كما مر. إذا لم يعين عدد الحج الرابعة: إذا أوصى بالحج وعين المرة أو التكرار بعدد معين تعين بلا خلاف ولا كلام، وإن لم يعين فتارة لا يعلم أنه أراد المرة أو التكرار، واخرى يعلم أنه أراد التكرار ولكن لا يعلم العدد. أما في الصورة الاولى ففي المنتهى والشرائع والجواهر وعن القواعد والمدارك وغيرها اقتصر على المرة. وعن بعض أنه إن اخرج من الاصل وجب الاقتصار على الواحد إلا مع إذن الورثة، وإن اخرج من الثلث جاز الواحد كا جاز المتعدد في سنة واحدة. وعن الشيخ وجماعة وفي الحدائق والمستند: أنه يجب التكرار ما دام الثلث باقيا. واستدل للاول: بأن مقتضى الاطلاق لو كان هناك إطلاق كون المراد صرف وجود الطبيعة المنطبق على أول الوجودات، وهو وإن صدق على المتعدد كما يصدق على الواحد إلا أنه من جهة مزاحمته لحق الورثة يجب الاقتصار على أقل ما يتحقق =========================================================================== [ 432 ] [... ] به الوصية، وإن لم يكن لكلامه إطلاق مقتضى أصالة العدم عدم الوصية بأزيد من واحد فيقتصر على المرة. أقول: ما ذكر من مقتضى الاطلاق والاصل متين، وأما ما افيد من أنه لمزاحمة حق الورثة يجب الاقتصار على الاقل - فإنما يتم إذا اخرج من الاصل، وإن اخرج من الثلث فلا يتم، فإنه أحق به من غيره، وعليه فالقول الثاني هو الصحيح بحسب القاعدة. واستدل للثالث بإن يقين البراءة من تنفيذ الوصية لا يحصل إلا بذلك كما في الحدائق، وبجملة من الاخبار كخبر محمد بن الحسين بن أبي خالد: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل أوصى أن يحج عنه مبهما، فقال (ع): يحج عنه ما بقي من ثلثه شئ (1). وخبر محمد بن الحسن: قال لابي جعفر عليه السلام: جعلت فداك قد اضطررت الى مسألتك، فقال: هات. فقلت: سعد بن سعد أوصى حجوا عني مبهما ولم يسم شيئا ولا يدري كيف ذلك. فقال عليه السلام: يحج عنه مادام له مال (2). وخبر محمد بن الحسن الاشعري: قلت لابي الحسن عليه السلام: جعلت فداك إني سألت أصحابنا عما اريد أن أسألك عنه فلم أجد عندهم جوابا وقد اضطررت الى مسألتك وأن سعد بن سعد أوصى إلي فأوصى في وصيته حجوا عني مبهما، ولم يفسر كيف أصنع؟ قال عليه السلام: يأتيك جوابي في كتابك فكتب إلي يحج عنه مادام له مال يحمله (3). =========================================================================== (1) الوسائل باب 4 من أبواب النيابة في الحج حديث 2. (2) الوسائل باب 4 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. (3) الاستبصار ج: 4 ص: 137 الرقم: 513. =========================================================================== [ 433 ] [... ] والاخيران وإن كانا في بادئ النظر مطلقين من حيث الثلث أو التمام إلا أنهما يقيدان بالثلث إما للاجماع أو للخبر الاول الذي هو كالمقيد بالنسبة اليهما، وإما لان المراد بالمال فيهما هو الثلث بقرينة (له) فإن الثلث له لا أزيد. ولكن يرد على الوجه الاول: أنه لا يقين بالشغل بأزيد من مرة، كي يجري قاعدة الاشتغال. وأما النصوص فقد اورد على الاستدلال بها بوجوه: أحدها: أنها موهونة بإعراض المشهور عنها، وفي المستند: لا وجه له مع عدم ظهور راد لها من المتقدمين سوى شاذ، وقد أفتى بمضمونها في التهذيب. انتهى. وإذا انضم إليه أن إعراض المتأخرين لا يوجب الوهن ارتفع هذا الايراد. ثانيها: ما عن كشف اللثام وفي العروة وهو: أنه يمكن أن يكون المراد من الاخبار أنه يجب الحج مادام يمكن الاتيان به ببقاء شئ من الثلث بعد العمل بوصايا اخر. وبعبارة اخرى: أنه يحج عنه إن بقي شئ من ثلثه بعد وصية مقدمة عليه، فلا يفهم التكرار منها أصلا. وفيه: - مضافا الى أنه حمل لا شاهد له - يشهد بخلافه قوله: مبهما لم يفسر، فإن ما افيد لا إبهام فيه، وأيضا أنه ليس شيئا يعجز الاصحاب عن جوابه، بل هو من الواضحات. ثالثها: ما عن سيد المدارك وهو حملها على صورة إرادة التكرار، وتبعه سيد العروة. وفيه أنه خلاف الاطلاق وعدم الاستفصال. رابعها: ما في الجواهر وهو: أنه من المحتمل أن يكون مورد الاخبار ما لو أوصى بإخراج الثلث أولا ولم يذكر إلا الحج، وكان تردد السائل من جهة أنه هل يحج عنه =========================================================================== [ 434 ] [... ] مرة ويصرف الباقي في سائر وجوه البر، أو يصرف الثلث بتمامه في الحج مرارا، ثم قال: بل يدعى ظهور الاقتصار في الوصية بالحج عنه في إرادة الوصية بالثلث وأنه يصرف في ذلك وإن لم يوص بالثلث بغير اللفظ المزبور - الى أن قال - ولعل مراد الشيخ ومن تبعه ذلك لا الحمل على التكرار تعبدا وإن كان ظاهر اللفظ خلافه، ضرورة استبعاد مثل ذلك من مثله. انتهى. أقول: دعوى الظهور المزبور غير ظاهرة، بل فرض السؤال في النصوص فرض الابهام وعدم الظهور، ومجرد الاحتمال لا يضر بالاستدلال بعد الاطلاق، واستبعاد مثل ذلك من مثل الشيخ وأتباعه في غير محله بعد كونه مقتضى النصوص. والانصاف أن إنكار دلالتها على ذلك مكابرة، فالمتعين بحسب النصوص هو القول الثالث. ومما ذكرناه ظهر حكم ما لو علم إرادة التكرار ولم يعلم العدد. إذا عين مقدارا لا يكفي للحج الخامسة: لو أوصى رجل أن يحج عنه سنين وعين لكل سنة مقدارا معينا واتفق عدم كفاية ذلك المقدار لكل سنة جمع نصيب سنتين في سنة، وكذا لو قصر اضيف إليه من نصيب الثالثة كما هو المشهور شهرة عظيمة، وفي الجواهر: بلا خلاف أجده فيه، بل في المدارك هذا الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب، وفي الحدائق: من غير خلاف يعرف، واستدل له بوجوه: 1 - ما في المنتهى وهو: أن المال الموصى به قد خرج بالوصية عن ملك الورثة ووجب صرفه فيما عينه الموصي بقدر الامكان ولا يمكن صرفه إلا بهذا الوجه فيتعين. وفيه: أن الواجب صرف الموصى به فيما عينه الموصي إن أمكن، وفي الفرض =========================================================================== [ 435 ] [... ] لا يمكن، لانه عين قدرا معينا لكل سنة لا يفي به، فلا يمكن الصرف فيما عين، وصرفه فيما هو أقرب إليه يحتاج الى دليل، فليكن المقام من قبيل ما إذا أوصى بمال في جهة معينة لا يمكن صرفه فيها، وسيأتي الكلام فيه وأنه يصرف في وجوه البر. 2 - ما في المستند نقله وهو: أن المال خرج عن الارث ووجب أمران: الحج وكونه بقدر مخصوص، فإذا تعذر الثاني لم يسقط الاول، ثم قال: ومرجعه الى قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور وهي عندي ضعيفة جدا. انتهى. وفيه: أن الوصية لو كانت بأمرين مستقلين غير مرتبطين تم ما افيد، ولكن الفرض ارتباطتيهما وأنه يحج بقدر مخصوص. 3 - ما في العروة، قال: لان الظاهر من حال الموصي إرادة صرف ذلك المقدار في الحج وكون تعيين مقدار كل سنة بتخيل كفايته. وفيه: ما تقدم منا من أن في باب الوصية كسائر الانشائيات لا اعتبار بالمرادات والاغراض، وإنما الميزان هو المنشأ والفرض أنه لا يمكن العمل به. 4 - قاعدة الميسور وهي إن رجعت الى أحد الوجوه السابقة فقد ظهر حالها وإلا فإن اريد إجراؤها في مراد الموصي. فيرد عليه: أن القاعدة غير تامة في نفسها، وعلى فرض تماميتها فهي في المطلوبات الشرعية دون غيرها. وإن اريد إجراؤها في وجوب العمل بالوصية. فهو لا يصح، لان وجوب العمل بها متوقف على صدقها على البعض ومع إنتفائه لانتفاء القيد لا يصدق الميسور، وبالجملة قاعدة الميسور على فرض تماميتها لا تصلح لاثبات وجوب ما لم يوص به الميت. 5 - النصوص الخاصة الواردة في الباب كخبر إبراهيم بن مهزيار، قال: كتب إليه علي بن محمد الحصيني أن ابن عمي أوصى أن يحج عنه بخمسة عشر دينارا في كل سنة وليس يكفي ما تأمرني في ذلك؟ فكتب عليه السلام يجعل حجتين في حجة =========================================================================== [ 436 ] [... ] فإن الله تعالى عالم بذلك (1). وخبره الآخر، قال: كتب إليه عليه السلام أن مولاك على بن مهزيار أوصى أن يحج عنه من ضيعة صير ربعها لك في كل سنة حجة الى عشرين دينارا وأنه قد انقطع طريق البصرة فتضاعف المؤن على الناس فليس يكتفون بعشرين دينارا، وكذلك أوصى عدة من مواليك في حجهم، فكتب عليه السلام يجعل ثلاث حجج حجتين إن شاء الله (2). ومعلوم أن ما فيهما من الكيفيتين من باب المثال سيما بلحاظ التعليل في الاول. وأورد سيد المدارك على الاستدلال بهما: بضعف السند، والظاهر أن نظره الى روايتهما في الكافي عن محمد بن يحيى عمن حدثه عن إبراهيم، ولكن للخبرين طريقين آخرين: أحدهما: أن الشيخ رواهما عن محمد بن علي بن محبوب عن إبراهيم، وطريقه إليه صحيح. ثانيهما: أن الصدوق رواهما عن إبراهيم بن مهزيار، وطريقه أيضا صحيح. وأما إبراهيم فهو من الثقات، مع أنه لو سلم ضعفهما فلا شبهة في انجبار ضعفهما بعمل الاصحاب حيث إنهم عملوا بهما ولم يستندوا الى الوجوه الاخر، كما يشهد به تعبيرهم في فتاويهم بما هو منطبق على مضمون الخبرين، فلا إشكال في الحكم. ولو فضل من الجميع إن حصر السنين في عدد كعشرة ونحوها فضلة لا تفي بالحج فعن كشف اللثام: عادت ميراثا، أو صرفت في غيره من المبرات. =========================================================================== (1) الوسائل باب 3 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. (2) الوسائل باب 3 من أبواب النيابة في الحج حديث 2. =========================================================================== [ 437 ] [... ] وفي الجواهر بعد ذكر الوجهين: قد يقال بوجوب دفعها اجرة في بعض السنين وإن زادت عن اجرة المثل مع فرض الوصية فلا فضلة حينئذ، نعم لو أمكن فرضها جرى فيها الوجهان، بل يتعين الثاني منهما مع فرض الوصية بها، وأنه ذكر ذلك مصرفا لها فاتفق تعذره، كما أنه يتعين الاول إذا فرض إخراجها عن الوارث بالوصية المزبورة التي قد فرض تعذرها. انتهى. أقول: مورد البحث الفرض الاخير أي: كون الوصية واحدة الظاهرة في إنشاء مطلوب واحد، لا المتعدد، وعليه فنظر صاحب الجواهر الى عودها ميراثا، ولكن الاظهر لزوم صرفها في وجوه البر، لما سيأتي من النصوص الدالة على ان ماعين للحج إن لم يكف له يصرف في وجوه البر، وموردها وإن كان غير المقام ولكن الظاهر وحدة المناط، ولعل القول الاخير مبني على أن الازدياد على اجرة بعض السنين من وجوه البر، ومع ذلك فهو أقرب الى الوصية ولا بأس به. ولو كان الموصى به الحج من البلد ودار الامر بين جعل اجرة سنتين مثلا لسنة وبين الاستئجار بذلك المقدار من الميقات لكل سنة، ففيه قولان، ذهب كاشف اللثام الى الثاني، ولم يستبعده سيد العروة، واختار صاحب الجواهر الاول. وقد يقال: إن مقتضى صحيح البزنطي الآتي المتضمن أنه إذا أوصى بمال لا يكفي للحج من البلد أنه يحج من حيث أمكن، وكذا خبر علي بن مزيد الذي سيمر عليك المتضمن أنه يحج به من الميقات، ونحوهما غيرهما - هو تقديم الحج الميقاتي، كما أن ذلك مقتضى قواعد باب التزاحم حيث إنه لا شك في أهمية الحج الميقاتي من الطريق. ولكن يرد عليه: أن مورد الخبرين وما شاكلهما هو ما إذا دار الامر بين ترك الحج رأسا والحج من الميقات وهو غير المقام. وأما ما ذكره من أنه مقتضى القواعد. فهو متين إذا ثبت تعين الالتزام بأحد =========================================================================== [ 438 ] [... ] الوجهين، ودار الامر بينهما لا مثل المقام مما لا يكون الحكم مسلما. والحق أن يقال: إن مقتضى إطلاق الخبرين - أي خبري إبراهيم الوارد أحدهما في الحج البلدي - هو القول الاول، فإن إطلاقهما شامل لما لو تمكن من الاستنابة من الميقات كشموله لما إذا لم يمكن. إذا عين للحج اجرة لا تكفي السادسة: إذا عين للحج اجرة لا يرغب فيها أحد، وكان الحج مستحبا، ففيه أقوال: الاول: ما عن ابن إدريس والشيخ في المسائل الحائريات وصاحب المدارك وفي المستند وهو: عودها ميراثا. الثاني: ما عن المشهور وهو: أنه تصرف في وجوه البر. الثالث: ما عن المحقق الكركي والشهيد الثاني في المسالك وهو: أنه إن كانت كذلك من الاول فترجع ميراثا، وإن كان الراغب موجودا ثم طرأ التعذر فتصرف في وجوه البر. والكلام تارة فيما تقتضيه القواعد، واخرى فيما تقتضيه النصوص الخاصة. أما الاول فقد استدل لما هو المشهور بوجوه: 1 - ما في المنتهى وهو: أنه بالوصية خرجت عن ملك الورثة ولا يمكن صرفها في الطاعة التي عينها الموصي فتصرف الى غيرها من الطاعات. وفيه: أنه مع بطلان الوصية لعدم إمكان العمل بها لا تخرج الاجرة المعينة عن ملك الورثة، مع أن الوصية إنما تعلقت بصرفها في الحج ولا يمكن، وصرفها في وجوه الطاعات الاخر يحتاج الى دليل مفقود. =========================================================================== [ 439 ] [... ] 2 - قاعدة الميسور بدعوى: أن الفصل إذا تعذر يبقى الجنس فمع تعذر الحج تصرف في جنس الطاعة. وفيه اولا: أن القاعدة غير تامة في نفسها. وثانيا: أنه إذا تعذر الفصل لا يكون الجنس ميسور المتعذر بنظر العرف، ألا ترى أن إطعام الحيوان لا يعد ميسور إطعام الانسان، فعلى فرض تمامية القاعدة تكوت مختصة بالمركبات الخارجية دون التحليلية. 3 - أن غرض الموصي تعلق بصرفها في الطاعة، وتكون تلك الطاعة هو الحج، فإذا تعذر الثاني يعمل بها في الاول. وفيه أولا: لعل الغرض متعلق بالمقيد ولا يكون هناك تعدد الغرض. وثانيا: قد مر أنه في باب الوصية لا عبرة بالاغراض ما لم تنشأ، والفرض في المقام إنشاء وصية واحدة متعلقة بالحج. وبما ذكرناه يظهر وجه القول الاول إذ مع بطلان الوصية لا محالة يكون المال للورثة. واستدل للثالث: بأنه إذا طرأ العذر تكون الوصية صحيحة ابتداء فيخرج المال عن ملك الورثة، ولا يعود إليهم إلا بدليل ولم يثبت، غاية الامر أنه قد تعذر صرفه في الوجه المعين، فيكون كمجهول المالك فيصرف في وجوه البر. وأورد عليه في المستند: بأن الموصى به إنما هو بحيث لو بطلت الوصية فيه ابتداء أو لعارض لصار كما كان ملكا للموصي، وهذا حق له ينتقل الى الوارث، ويلزمه انتقال الموصى به إليه. ثم أورد على نفسه بأنه ما الدليل على ثبوت هذا الحق للموصي؟ وأجاب عنه: بأن الموصى به كان ملكا له فالاصل بقائه عليه إلا بقدر علم خروجه منه، ولم يعلم إلا هذا القدر يعني علم أنه خرج عن ملكه ما دامت الوصية =========================================================================== [ 440 ] [... ] باقية، وأما الزائد عنه فلا. ثم أورد على نفسه بأنه بالوصية خرج عن ملكه فستصحب ذلك. وأجاب عنه بأنه بالوصية صار واجب الصرف في الوصية، ولزمه الخروج عن ملكه، فإذا انتفى الملزوم لا يمكن استصحاب اللازم. وفي كلامه - ره - مواقع للنظر: الاول: أن ما أفاده من ثبوت حق للموصي ينتقل ذلك بالارث. يرد عليه: أن هذا ليس حقا، بل في فرض حياة الموصي المال لم يخرج عن ملكه بالوصية وخروجه عنه يتوقف على الموت، فلو بطلت الوصية يكون الملك على ما هو عليه، والانتقال عنه يحتاج الى دليل، فهو ليس حقا من الحقوق، مع أنه لو كان حقا له كونه حقا في مقابل الحكم، وحقا قابلا للانتقال كي يورث - مما لم يدل على شئ منهما دليل، وبدون إثباتهما لا يصح التمسك بعموم أدلة الارث، للشك في الموضوع. الثاني: ما أفاده من أنه علم أنه خرج عن ملكه ما دامت الوصية يجب العمل بها، وأما الزائد عنه فلا، فإنه يرد عليه: أنه على فرض صحة الوصية ولو آناما وتأثيرها في الانتقال يكون المنتقل عنه الملكية الدائمية لا الموقتة. الثالث: ما أفاده بأنه بالوصية صار واجب الصرف ولزمه الخروج عن ملكه، فإنه يرد عليه: أن للوصية النافذة أثرين: أحدهما: خروج المال عن ملكه، الثاني: وجوب العمل بها، ومع انتفاء أحدهما لا وجه لانتفاء الآخر. وأما الاخبار الخاصة فهي طائفتان: الاولى: ما ورد في خصوص المقام. الثانية: ما ورد في نظائره. أما الاولى فهي خبر علي بن مزيد (فرقد) صاحب السامري قال أوصى الى رجل بتركته فأمرني أن أحج بها عنه فنظرت في ذلك فإذا هي شئ يسير لا يكفي =========================================================================== [ 441 ] [... ] للحج فسألت أبا حنيفة وفقهاء أهل الكوفة فقالوا: تصدق بها عنه - الى أن قال - فلقيت جعفر بن محمد عليهما السلام في الحجر، فقلت له: رجل مات وأوصى إلي بتركته إن أحج بها عنه فنظرت في ذلك فلم يكف للحج فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا: تصدق بها. فقال عليه السلام: ما صنعت؟ قلت: تصدقت بها. فقال: ضمنت إلا أن لا يكون يبلغ ما يحج به من مكة، فإن كان لا يبلغ ما يحج به من مكة فليس عليك ضمان، وإن كان يبلغ ما يحج به من مكة فأنت ضامن (1) ودلالته على أنه يتصدق به إذا لم يكف للحج واضحة. وأما الثانية، فمنها: خبر محمد بن الريان الذي رواه المشايخ الثلاثة، قال: كتبت الى أبي الحسن - يعني علي بن محمد - أسأله عن إنسان أوصى بوصية فلم يحفظ الوصي إلا بابا واحدا منها كيف يصنع بالباقي؟ فوقع عليه السلام الابواب الباقية اجعلها في البر (2). ومنها: ما ورد في من أوصى بألف درهم للكعبة المتضمن أنها تصرف في وجوه البر: لغناء الكعبة عنها. ومنها: غير ذلك، فإن المستفاد من المجموع أنه إذا تعذر العمل بالوصية يصرف المال في سائر وجوه المبرات، فالاصح - بحسب الروايات - ما هو المشهور بين الاصحاب. =========================================================================== (1) الوسائل باب 37 من أبواب أحكام الوصايا حديث 2. (2) الوسائل باب 61 من أبواب أحكام الوصايا حديث 1. =========================================================================== [ 442 ] [... ] إذا صالحه داره على أن يحج عنه السابعة: إذا صالحه داره مثلا وشرط عليه أن يحج عنه بعد موته، فهل يلحقه حكم الوصية فإن كان الحج ندبيا يحسب مقدار اجرة المثل لهذا العمل، فإن كانت زائدة عن الثلث توقف على إمضاء الورثة كما عن المحقق القمي - ره - أم لا يلحقه حكمها فيخرج من الاصل ولا ينتقل ذلك الى الورثة كما عن سيد العروة وجماعة؟ واستدل المحقق القمي لما ذهب إليه بأن المنوب عنه بهذا الشرط يملك عليه الحج وهو عمل له اجرة ومالية فيلحقه حكم الوصية. ويرد عليه: أولا ما في العروة قال: وفيه أنه لم يملك عليه الحج مطلقا في ذمته ثم أوصى أن يجعله عنه، بل إنما ملك بالشرط الحج عنه، وهذا ليس مالا تملكه الورثة فليس تمليكا ووصية، وإنما هو تمليك على نحو خاص لا ينتقل الى الورثة. انتهى. ومراده - قده - ليس أن الحج لا يكون مالا حتى يرد عليه - كما في بعض الكلمات - بأنه كيف لا يكون مالا وقد جعل عوضا عن مال!؟ مع أن الانتقال الى الميت لا يتوقف على المال، بل على الملك مثل حبة الحنطة، فإنها ملك ليس بمال وتنتقل الى الورثة، بل مراده - والله العالم - أن الحج في الفرض وإن كان مالا وملكا إلا أن ملكيته إنما تكون بنفس هذا الشرط لا أن الشرط وارد عليها. وبعبارة اخرى: أنه تارة يكون شئ ملكا لاحد ثم هو يتصرف فيه بالايصاء، فهذا هو الايصاء الذي يكون نافذا في الثلث وما دون، ولا ينفذ في الاكثر منه، واخرى يكون التصرف الايصائي هو الموجب لصيرورة ذلك الشئ ملكا، فالملكية مترتبة عليه ومتأخرة عنه رتبة، وهذا خارج عن موضوع الادلة. ثم إنه يكون ملكا خاصا لا ينتقل الى الورثة، فإن موضوع دليل الارث هو =========================================================================== [ 443 ] [... ] المال الذي لا تعين له في التصرف للميت، وإنما يكون التصرف فيه مرددا بينه وبين الوارث كالاعيان والحقوق التي لا تعين لها في الصرف للميت، وأما ما يكون معينا في ذلك كالحج المشروط بوقوعه عنه فلا تشمله أدلة الارث، لقصور ما تركه الميت عن الشمول لذلك، وهذا الذي ذكرناه في وجه عدم انتقاله الى الورثة منقول عن المحقق النائيني - ره -. وثانيا: أن دليل الشرط لا يفيد ملك المشروط له، بل مفاده مجرد الحكم التكليفي، وذلك لان دليله النصوص المتضمنة لقولهم عليهم السلام: المسلمون عند شروطهم (1). ومفاد ذلك ليس عدم انفكاك الشرط عن المسلم حتى يدعى كونه إرشادا الى اللزوم أو الصحة، بل مضمونه عدم انفكاك المسلم عن شرطه، وهذا ليس صفة في الشرط، بل هو صفة في المسلم فلا محالة يكون ظاهرا في كونه أمرا بالوفاء بالشرط تكليفا، فهو حكم تكليفي صرف، وعليه فقد استوفى الميت ذلك بنفسه فلا شئ حتى يرثه الورثة. لا يقال: إنه لا ريب في ثبوت خيار تخلف الشرط لو خالفه المشروط عليه، والورثة يرثون ذلك. فإنه يقال: الخيار وإن كان يورث إلا أن الكلام في صورة عدم تخلف الشرط وعدم ثبوت الخيار. قال سيد العروة: وكذا الحال إذا ملكه داره بمائة تومان مثلا بشرط أن يصرفها في الحج عنه أو عن غيره، أو ملكه إياها بشرط أن يبيعها ويصرف ثمنها في الحج أو نحوه. انتهى. أقول: إن الفرع الثاني من قبيل الفرع المتقدم، أما الاول فالظاهر تمامية ما =========================================================================== (1) الوسائل باب 6 من أبواب الخيار من كتاب التجارة. =========================================================================== [ 444 ] [... ] أفاده المحقق القمي - ره - فيه، فإن المشروط حينذ هو صرف ما في ذمته من مائة تومان في الحج، وهذا تصرف في ماله وملكه، فالمتحصل: أنه في فرع المصالحة والفرع الثاني مما أضافه السيد - ره - الحق معه - قده - ولا يتم ما أفاده المحقق القمي - ره - ولكن في الفرع الاول الحق مع المحقق - قده. من كان عنده وديعة ومات صاحبها ولم يحج الثامنة: إذا كان عند شخص وديعة ومات صاحبها وكان عليه حجة الاسلام له أن يحج بها عنه، وإن زادت عن اجرة الحج ردها إلى الورثة، كما هو المشهور بين الاصحاب، وفي الحدائق نسبته الى الاصحاب، وفي المستند: بلا خلاف فيه في الجملة. واستدل له في التذكرة والمنتهى: بأنه مال خارج عن الورثة ويجب صرفه في الحج فليصرف فيه. ويرد عليه: أنه لا إشكال ولا كلام في أن ولاية الصرف للورثة في أداء ديون الميت حجا كان أو غيره، قلنا بانتقال الاعيان والاموال بأجمعها الى الورثة حتى في مقدار الدين، غاية الامر لا يكون ملكا طلقا، أو قلنا بأن مقدار الدين يبقى على ملك اليمت، أو في حكم ملكه، فإنه على جميع التقادير لهم ولاية الصرف كما حقق في محله. وعليه فلا يتم هذا الوجه، فإن للورثة أن يحجوا عنه بأنفهسم أو إعطاءه من أموالهم الاخر. والحق أن يستدل له بصحيح بريد العجلي الذي رواه الصدوق بإسناده عن سويد القلا عن أيوب بن الحر عن بريد عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن رجل استودعني مالا فهلك وليس لولده شئ ولم يحج حجة الاسلام، قال عليه =========================================================================== [ 445 ] [... ] السلام: حج عنه وما فضل فأعطهم (1). والخبر صحيح السند، لان إسناد الصدوق الى سويد صحيح، وسويد وأيوب ثقتان، وكذا بريد وهو من الاكابر، مضافا الى أن الكليني والشيخ أيضا روياه بطريقين صحيحين، فلا إشكال في سنده، ولدلالته ظاهرة، والاصحاب اعتمدوا عليه، فلا ينبغي التوقف في الحكم في الجملة. إنما الكلام في موارد: 1 - هل يختص الحكم بما إذا علم المستودع أن الورثة لا يؤدون كما صرح به جماعة منهم المصنف - ره - في التذكرة، والمحقق في الشرائع، أو يعم ما إذا ظن بذلك كما عن النهاية والمبسوط والمهذب والسرائر، أم يكون الحكم عاما حتى لو علم بأنهم يؤدونه؟ وجوه. يشهد للاخير: إطلاق الخبر، نعم لو علم أو ظن طنا معتبرا شرعا بأن الورثة قد أدوه يجب عليه رده إليهم، ولكن الكلام قبل الاداء ومقتضى الاطلاق عدم اعتبار هذا القيد. واستدل لاعتبار هذا القيد في الجملة بوجوه: منها: ما يظهر من جماعة وهو: أن هذا الحكم مخالف للقاعدة فيجب الاقتصار فيه على المتيقن، وقد تقدم وجه مخالفته للقاعدة، ولازم هذا الوجه أنه لو شك في سعة القيد وضيقه يؤخذ بالاول، وعليه فالظن بالاداء بحكم العلم به. ولكن يرد عليه: أن مدرك هذا الحكم هو الصحيح المتقدم، وبإطلاقه يرفع اليد عن القاعدة، فإن إطلاق المقيد مقدم على إطلاق المطلق. ومنها: إنكار إطلاق الخبر، قال في الجواهر: ضرورة أنه خطاب المشافهة، =========================================================================== (1) الوسائل باب 13 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. =========================================================================== [ 446 ] [... ] والمتيقن من تعديته الى غير المشافه ذلك، فلا بد من الاقتصار على المتيقن وهو ما لو علم أن الورثة لا يؤدونه. وفيه: أن مقتضى ترك الاستفصال ثبوت الحكم حتى مع العلم بأنهم يؤدونه، فعلى التعدية - كما هي المفروضة، إذ لا يحتمل اختصاص العجلي بهذا الحكم - يثبت الحكم لغيره كما ثبت له. ومنها: الاجماع فيقيد به الخبر، والمتيقن من معقده ما لو لم يعلم ولم يظن بعدم الاداء. وفيه: أن الاجماع غير ثابت، وعلى فرضه ليس تعبديا. ومنها: أنه يمكن استفادة ذلك من قوله عليه السلام: وليس لولده شئ بدعوى: أنه مع عدم المال لولده يحصل العلم أو الظن بأنهم يصرفونه في حوائجهم ولا يؤدون الحج. وفيه أولا: أنه يمكن أن يصرفونه في حوائجهم ويحجوا عنه متسكعا. وثانيا: أن المسلم المعتقد بأنه لم ينتقل إليه المال كيف يظن أو يعلم بأنه يصرفه في حوائجه ولا يحج!؟ فالحق أن الحكم عام لما لو علم بأنهم يؤدونه. 2 - هل يعتبر في ذلك الاستئذان من الحاكم الشرعي إما مع إمكانه كما في التذكرة والجواهر وعن الروضة، أو مطلقا كما عن المدارك، أم لا يعتبر ذلك كما صرح به جماعة من الفحول؟ وجوه. قد استدل لاعتبار الاستيذان في الجملة بما في محكي المدارك بأن الخبر إنما تضمن أمر الامام الصادق عليه السلام لبريد في الحج عمن له الوديعة وهو إذن وزيادة. وفي الجواهر احتمال الامر منه لبريد الاذن به فيه فلا إطلاق فيه حينئذ يدل على خلافه، ضرورة أنه خطاب المشافهة، والمتيقن من تعديته الى غير المشافه ذلك. =========================================================================== [ 447 ] [... ] وفيه: أن الظاهر من السؤال هو السؤال عن الحكم الشرعي، والجواب ايضا ظاهر في ذلك، فإن كان إذنه معتبرا في الحكم كان عليه عليه السلام أن يبين، فمن عدم بيانه في مقام البيان يستكشف أنه غير معتبر، فالاظهر هو القول الاخير. 3 - ظاهر الخبر من جهة ظهور الامر في الوجوب وجوب الحج عنه، وعدم جواز إعطاء المال للورثة، ولكن في جملة من الكلمات التعبير بالجواز. وفي المستند في توجيه ذلك قال: إما بإرادة معناه الاعم الجامع للوجوب كما قيل، أو باعتبار ما ذكرنا من كونه مشروطا بعدم العلم بأداء الوارث من جهة اخرى، فللمستودع إعلام الوارث وأدائهم من جهة اخرى، وله الأخذ من الوديعة فيكون الاخذ جائزا وإن كان أحد فردي المخير. انتهى. وقد يقال: إنه يمكن أن يكون التعبير بالجواز من جهة عدم ظهور الامر في الوجوب، لو روده مورد توهم الحظر، وهذا غير بعيد، ولكن الجواز بهذا المعنى لا يسوغ جواز إعطاء المال للورثة حتى مع العلم بعدم صرفه في الحج، لعدم كونه لهم، فيكون ذلك تفريطا وتعديا لا يجوز لذلك. 4 - قد يقال: إن ظاهر الاصحاب التسالم على عدم اختصاص الحكم بما إذا لم يكن للورثة شئ، مع أن النص مختص بذلك المورد. ولكن يمكن أن يقال: إن التقييد بذلك إنما هو في السؤال لا في الجواب، وظاهره أن عدم ثبوت شئ للورثة كان منشئا للشك في وجوب الحج من جهة استلزامه لحرمان الورثة من الميراث لا احتمال أن له دخلا في الوجوب وهو ظاهر. 5 - قال في المستند: قالوا: مقتضى النص حج الودعي بنفسه، ولكن الاصحاب جوزوا له الاستيجار، بل ربما جعلوه أولى خصوصا إذا كان أنسب، واستند بعضهم في ذلك الى تنقيح المناط وهو جيد، مع أن إرادة الحج بنفسه من اللفظ في هذا المقام محل تأمل، وعلى ما ذكرناه من الاصل يكون جواز الاستئجار أظهر، وفي =========================================================================== [ 448 ] [... ] التذكرة والشرائع اقتصرا على الاستئجار، وعن القواعد يحج أو يستأجر، فيعلم من ذلك أن جواز الاستئجار لم يكن محل تأمل، ولعل السر فيه: إما تنقيح المناط، أو أن قوله: حج وما فضل. بقرينة (وما فضل) ظاهر في الاستئجار أو الاعم، فتدبر. 6 - هل الحكم مختص بالوديعة كما عن جماعة، ونسب الى الدروس، أو يتعدى الى سائر الحقوق المالية من الغصب والدين وغيرهما كما اختاره آخرون؟ وجهان، لا إشكال في أن النص مختص بالوديعة. ودعوى: فهم المثال من الخبر، مع ذكر الوديعة في السؤال عن حكم موضوع خارجي معين. كما ترى. وما عن المسالك والمدارك من دعوى تنقيح المناط، وتبعهما سيد العروة وإن كانت غير بعيدة، ولكن المناط المعتبر هو القطعي منه وهو غير حاصل، فالخبر لا يصلح منشئا للحكم في غير الوديعة. وأما القاعدة فقد يقال - كما في المستند وغيره - بأن مقتضى القاعدة ثبوت الحكم في غيرها. وحق القول في المقام يبتني على بيان امور: الاول: أنه قد تقدم في المبحث التاسع من المسألة الحادية عشر من الفصل الثاني أنه مع ثبوت الدين ومنه الحج والوصية لا ينتقل المال الى الورثة إلا مقدار ما زاد على الدين أو الوصية، وأما ما يساويهما فلا ينتقل إليهم. ويترتب على ذلك أن الاستدلال لعدم الجواز بأن تصرف الغير في المال بالحج به تصرف في مال الغير لا يجوز إلا بإذنه بالضرورة غير تام. الثاني: أنه قد صرح جماعة بأن أولوية الولي في الامور الراجعة الى الميت من التكفين والتدفين والصلاة عليه وأداء دينه وما شاكل إنما تكون على سبيل الاستحباب لا الوجوب، ومال إليه في محكي الذخيرة تبعا للمحقق الاردبيلي، ونحو وإن لم نسلم =========================================================================== [ 449 ] [... ] ذلك في شؤون تجهيز الميت مثل تغسيله وتكفينه وما شاكل إلا أن الوجه الذي ذكرناه لكون الاولوية على سبيل الوجوب لا يجري في الحج عنه بماله. وحاصله: أن مباشرة شؤون تجهيز الميت من الحقوق فتشملها لا آية الشريفة (واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض) (1) - مضافا الى النصوص الخاصة الواردة فيها، وهذا الوجهان لا يجريان في المقام، فعليه الاستدلال لعدم جواز الحج عنه بدون إذن الورثة: بأن المال وإن كان للميت لكن ولاية التصرف فيه للوارث، فلا يجوز بدون إذنه. غير تام. الثالث: أن النصوص الدالة على وجوب القضاء عن اميت من صلب ماله على كثرتها لم يخاطب في واحد منها شخص معين بذلك. ودعوى: عدم كون شئ منها في مقام البيان من هذه الجهة، كما ترئ أضف الى ذلك أنه إذا تعين صرف مال في مصرف خاص وشك في اعتبار إذن شخص معين - مقتضى الاصل عدم اعتبار إذنه. فالمتحصل من هذه الامور: أنه يجوز صرف مال الميت في الحج عنه، ولا يجب دفعه الى الورثة، بل ربما لا يجوز إذا لم يطمئن بأن الورثة يؤدون الحج. وهل يعتبر الاستيذان من لاحاكم الشرعي، أم لا؟ وجهان، أظهرهما: العدم، فإن ولاية الحاكم ولزوم اتباع نظره في غير باب الامور الحسبية وهي الامور التي علم من الشارع إرادة إيقاعها في الخارج ولا إطلاق لدليلها ليدل على جواز تصدي كل أحد لها، واحتمل دخالة نظر شخص خاص فيها، وفي غير باب الامور التي يرجع فيها في العرف الى الرئيس - وفي غير باب القضاوة والفتوى - غير ثابتة، كما حققناه في كتابنا منها الفقاهة في الجزء الثالث منه. =========================================================================== (1) سورة الانفال - آية 75. =========================================================================== [ 450 ] [... ] وقد ظهر مما ذكرناه حكم فرع آخر وهو: إلحاق غير حجة الاسلام من أقسام الحج الواجب أو غير الحج من سائر ما يجب عليه مثل الخمس والزكاة والمظالم والكفارات والدين بها وعدمه. وقد ظهر مما ذكرناه ما في أدلة الطرفين، ولقد أشرنا الى جملة منها مع ما يرد عليها. بقي في المقام شئ وهو: أن بعض الاعاظم من المعاصرين استدل لثبوت ولاية أداء الدين للوارث بروايتين: إحداهما صحيحة عباد بن صهيب أو موثقته عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل فرط في إخراج زكاته في حياته فلما حضرته الوفاة حسب جميع ما فرط فيه مما لزمه من الزكاة ثم أوصى به أن يخرج ذلك فيدفع الى من تجب له، قال عليه السلام: جائز يخرج ذلك من جميع المال، إنما هو بمنزلة دين لو كان عليه ليس للورثة شئ حتى يؤدوا ما أوصى به من الزكاة (1). ثانيتهما رواية يحيى الازرق عن أبي الحسن عليه السلام عن رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالا فأخذ أهله الدية من قاتله علهيم أن يقضوا دينه؟ قال عليه السلام: نعم. قلت: وهو لم يترك شيئا؟ قال عليه السلام: إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه (2). ولكن يرد على الاولى: أنها واردة في مقام بيان عدم جواز التصرف في المال ما دام لم يخرج الدين، وليست في مقام بيان من يجب عليه إخراجه، وحيث إن المفروض فيها الايصاء فلا محالة كان المخاطب به الورثة وإلا لبين الوصي، ولذا قال عليه =========================================================================== (1) الوسائل باب 21 من أبواب المستحقين للزكاة حديث 1. (2) الوسائل باب 24 من أبواب الدين والقرض حديث 1. =========================================================================== [ 451 ] [... ] السلام: حتي يؤدوا. وإن شئت قلت: إنه لا ريب في أنه لو أدى دينه غير الوارث تبرعا يسقط الدين، ويكون المال جميعه للورثة، وعليه فقوله: حتى يؤدوا. لا يكون دالا على تعين أدائهم، وإنما هو لبيان أن غاية عدم جواز التصرف هو أداء الدين، وحيث إنه بحسب الغالب يكون ماللميت تحت يد الورثة، وبناء الناس على عدم الدخالة في وفاء ديون الميت، قال عليه السلام: حتى يؤدوا. ويرد على الثانية: أن المفروض فيها سؤالا وجوابا أخذ الورثة الدية، وحيث إنها المخرج للدين لفرض عدم المال له غيرها فلا محالة يكون الخطاب بالاداء موجها إليهم لا لخصوصية فيهم، والله العالم. حكم حج من أعطاه رجل مالا لاستئجار الحج التاسعة: إذا أعطاه رجل مالا لاستئجار الحج هل يجوز له أن يحج بنفسه، أم لا، أم هناك تفصيل؟ وجوه. أقول: هذه المسألة معنونة في كلمات الفقها تحت عنوان آخر، وهو: أنه إذا دفع انسان الى غيره مالا ليصرفه في قبيل يكون المدفوع إليه منهم، ولم يكن هناك قرينة حالية على جواز أخذه أو عدمه فهل له أن يأخذه منه أم لا؟ ولهم فيه أقوال: الاول: ما عن وكالة المبسوط، وزكاة السرائر، ومكاسب النافع وكشف الرموز والمختلف والتذكرة وجامع المقاصد وهو: تحريم الاخذ مطلقا. الثاني: ما عن النهاية ومكاسب السرائر والشرائع والتحرير والارشاد والمسالك والكفاية وهو: جواز الاخذ من دون زيادة على غيره، وعن الدروس نسبته الى الاكثر، وعن الحدائق الى المشهور. =========================================================================== [ 452 ] [... ] الثالث: ما عن المهذب البارع وهو: التفصيل بين ما لو كان بصيغة ضعه فيهم أو مأ ادى معناه فالجواز، وبين ما إذا كان بصيغة ادفعه فالمنع. الرابع: ما عن بعض الفضلاء وهو: أنه إن قال: للفقراء. مثلا جاز، وإن قال: أعطه للفقراء. فإن علم فقره لم يجز إلا جاز. احتج المانع بظهور اللفظ في مغايرة الدافع والمدفوع إليه، وبما ورد في المرأة توكل رجلا أن يزوجها فيزوجها من نفسه. الدال على عدم الجواز (1). وبما ورد في من وكله شخص في بيع شئ فباعه من نفسه. الدال على المنع (2). وبجملة من النصوص الدالة على أنه لا يجوز أن يأخذ مما أعطى لان يفرقه في مساكين كمصحح ابن الحجاج عن الامام الصادق عليه السلام عن رجل أعطاه رجل مالا ليقسمه في محاويج أو في مساكين وهو محتاج أيأخذ منه لنفسه ولا يعلمه؟ قال عليه السلام: لا يأخذ منه شيئا حتى أذن له صاحبه (3). ولكن يرد على الاول: أن ظاهر تعليق كل حكم على موضوع ثبوته لجميع الافراد، فلو علق رضاه بتصرفه في ماله على المجتهد كان مقتضاه جواز تصرف كل مجتهد بما هو مجتهد، ولا سيما مع إحراز عدم خصوصية فرد في نظره، فإذا كان المدفوع إليه يرى نفسه مجتهدا جاز له التصرف، وهذا الظهور أقوى من المشار إليه، مع أن للمنع عن الظهور المذكور مجالا واسعا. ويرد على الثاني: أن صدر الخبر صريح في التوكيل في أن يزوجها من شخص معين، فهو غير مربوط بالمقام. =========================================================================== (1) الوسائل باب 6 من أبواب أحكام الوكالة حديث 1. (2) الوسائل باب 6 من أبواب آداب التجارة حديث 2 من كتاب التجارة. (3) الوسائل باب 84 من أبواب ما يكتسب به حديث 3 من كتاب التجارة. =========================================================================== [ 453 ] [... ] ويرد على الثالث: أنه ليس متضمنا لبيان كيفية التوكيل، ولعله كان بنحو لا يشمل نفسه. ويرد على الرابع: أنه يعارض تلك النصوص جملة اخرى من الاخبار، لا حظ: صحيح سعيد بن يسار، قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يعطى الزكاة فيقسمها في أصحابه أيأخذ منها شيئا؟ قال عليه السلام: نعم (1). وحسن الحسين بن عثمان عن أبي إبراهيم عليه السلام في رجل اعطي مالا يفرقه فيمن يحل له أله أن يأخذ منه شيئا لنفسه وإن لم يسم له؟ قال عليه السلام: يأخذ منه لنفسه مثل ما يعطى غيره (2). ونحوهما غيرهما. والجمع بين النصوص إنما هو بحمل خبر المنع من جهة التعبير فيه بالنكرة على إرادة أشخاص معينين، أو بحمل النصوص المجوزة على المال الذي يكون من الحقوق الشرعية على ما هو موردها، وخبر المنع على ما يكون للدافع، ولعل الاول أظهر، فالمتحصل: أنه لا دليل على المنع، والقاعدة تقتضي الجواز. وفي المقام رواية يمكن استفاة الجواز منها، وهي رواية عيثم بن عيسى عن أبي الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل تعطى الحجة فيدفعها الى غيره، قال عليه السلام: لا بأس (3). بتقريب: ما تقدم من أنه من المحتمل بل الظاهر ورودها في التوكيل فسئل أنه إذا أعطاه رجل ما لا للحج هل يجب مباشرته بنفسه أم يجوز الدفع الى الغير؟ وعليه فهي سؤالا وجوابا كالصريحة في جواز مباشرته بنفسه، فالمتحصل: أن الاظهر هو الجواز. =========================================================================== (1) الوسائل باب 40 من أبواب المستحقين للزكاة حديث 1. (2) الوسائل باب 40 من أبواب المستحقين للزكاة حديث 2. (3) الوسائل باب 14 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. =========================================================================== [ 454 ] [... ] الفصل الخامس: في الحج المندوب وفيه مسائل: الاولى: يستحب لفاقد شرائط الاستطاعة أو بعضها أن يحج مهما أمكن بلا خلاف فيه، وكذا من أتى بوظيفته من الحج الواجب. ويشهد به نصوص كثيرة، وقد ذكرت في الوسائل تحت أبواب، وذكر في كل باب روايات كثيرة: منها: باب استحباب الحج والعمرة عينا في كل عام وإدمانهما ولو بالاستنابة، وقد نقل في ذلك الباب تسعة أحاديث. ومنها: باب استحباب تكرار الحج والعمرة بقدر القدرة. وذكر فيه أربعة وثلاثون حديثا. ومنها: باب استحباب التطوع بالحج ولو بالاستدانة. وذكر فيه عشرة أحاديث. ومنها: أبواب ثلاثة في استحباب اختيار الحج المندوب على الصدقة، وعلى العتق، وعلى الجهاد مع غير الامام. وذكر فيها سبعة وعشرون حديثا. ومنها غير ذلك من الابواب. ويستحب تكراره في كل سنة. ويشهد به: - مضافا الى الاطلاقات الحاثة عليه، والى ما ورد في حج المعصومين عليهم السلام - خبر عذافر، قال أبو عبد الله عليه السلام: ما يمنعك من الحج في كل سنة؟ قلت: جعلت فداك العيال. قال، فقال: إذا مت فمن لعيالك؟ اطعم عيالك الخل =========================================================================== [ 455 ] [... ] والزيت، وحج بهم كل سنة (1). وخبر عيسى بن أبي منصور قال، قال لي جعفر بن محمد: يا عيسى إن استطعت أن تأكل الخبز والملح وتحج في كل سنة فافعل (2). ونحوهما أخبار مستفيضة اخر. ويكره تركه خمس سنين متوالية، لخبر ذريح عن الامام الصادق عليه السلام: من مضت له خمس سنين فلم يفد الى ربه هو موسر إنه لمحروم (3). وخبر عبد الله بن سنان عن حمران عن الامام الباقر عليه السلام: إن لله مناديا ينادي أي عبد أحسن الله إليه وأوسع عليه في رزقه فلم يفد إليه في كل خمسة أعوام مرة ليطلب نوافله إن ذلك لمحروم (4). ونحوهما غيرهما. وقد تضمنت جملة من النصوص لذكر فوائد لمراتب التكرار، ففي خبر صفوان بن مهران الجمال عن إمامنا الصادق عليه السلام: من حج ثلاث حجج لم يصبه فقر أبدا (5). وفي خبر منصور بن حازم عنه (ع): من حج اربع حجج لم تصبه ظغطة القبر (6). وفي خبر أبي بكر الحضرمي عنه عليه السلام: من حج خمس حجج لم يعذبه الله أبدا (7). =========================================================================== (1) الوسائل باب 46 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 3. (2) الوسائل باب 46 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 6. (3) الوسائل باب 49 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 1. (4) الوسائل باب 49 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 2. (5) الوسائل باب 45 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 21. (6) الوسائل باب 45 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 25. (7) الوسائل باب 45 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 26. =========================================================================== [ 456 ] [... ] وفي مرسل الصدوق: من حج خمس حجج لم يعد به الله أبدا، ومن حج عشر حجج لم يحاسبه الله أبدا، ومن حج عشرين حجة لم ير جهنم ولم يسمع شهيقها ولا زفيرها، ومن حج أربعين حجة قيل: له اشفع من أحببت، ويفتح له باب من أبواب الجنة يدلخ هو ومن يشفع له، ومن حج خمسين حجة بنى له مدينة في جنة عدن فيها ألف قصر في كل قصر ألف حوراء من الحور العين وألف زوجه، ويجعل من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة، ومن حج أكثر من خمسين حجة كان كمن حج خمسين حجة مع محمد والاوصياء، وكان ممن يزوره الله تعالى ي كل جمعة وهو ممن يدخل جنة عدن التي خلقها الله عز وجل بيده ولم ترها عين. الحديث (1). جنة عدن التي خلقها الله عز وجل بيده ولم ترهها عين. الحديث (1). الثانيد: يستحب نية العود الى الحج عند الخروج من مكة. ويشهد به خبر عبد الله بن سنان عن الامام الصادق: من رجع من مكة وهو ينوي الحج من قابل زيد في عمره (2). ونحوه غيره. بل يكره نية عدم العود، لخبر الحسين الاحمسي عن أبي عبد الله عليه السلام: من خرج من مكة وهو لا يريد العود إليها فقد اقترب أجله ودنى عذابه (2). ونحوه غيره. الثالثد: يستحب التبرع بالحج عن الاقارب أحياء وأمواتا، لمصحح إسحاق ابن عمار عن أبي إبراهيم عليه السلام عن الرجل يحج فيجعل حجته وعمرته أو بعض طوافه لبعض أهله وهو عنه غائب ببلد آخر، قال: فقلت: فنيقص ذلك من أجره؟ قال عليه السلام: لا، وهي له ولصاحبه، وله سوى ذلك بما وصل. قلت: وهو ميت هل يدخل =========================================================================== (1) الوسائل باب 45 من أبوب وجوب الحج وشرائطه حديث 16. (2) الوسائل باب 57 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 1. (3) الوسائل باب 57 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 2. =========================================================================== [ 457 ] [... ] ذلك عليه؟ قال عليه السلام: نعم حتى يكون مسخوطا عليه، فيغفر له، أو يكون ميقا عليه فيوسع عليه. الحديث (1). وخبر جابر عن الامام الباقر (ع)، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من وصل قريبا بحجة أو عمرة كتب الله له حجتين وعمرتين (2). وخبر موسى بن القاسم الجلي، قلت لابي جعفر الثاني (ع): ربما حججت عن أبيك، وربما حججت عن أبي، وربما حججت عن الرجل من إخواني، وربما حججت عن نفسي فكيف أصنع؟ فقال (ع): تمتع (3). وكذا عن المعصومين (ع)، لخبر البجلي المتقدم وغيره. النيابة في الطواف الرابعة: يستحب النيابة عن الغير في الطواف في الجملة بلا خلاف، وتفصيل الكلام في طي فروع: 1 - الطواف بنفسه مستحب مستقل من غير أن يكون في ضمن الحج بلا إشكال، وسشهد به نصوص كثيرة، وقد عقد لها صاحب الوسائل أبوابا تتضمن ذلك. منها: باب استحباب التطوع بالطواف وتكراره واختياره على العتق المندوب. وذكر فيه أخبارا كثيرة. ومنها: صحيح معاوية بن عمار عن الامام الصادق عليه السلام: إن الله جعل =========================================================================== (1) الوسائل باب 25 من أبواب النيابة في الحج حديث 5. (2) الوسائل باب 25 من أبواب النيابة في الحج حديث 6. (3) الوسائل باب 25 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. =========================================================================== [ 458 ] [... ] حول الكعبة عشرين ومائة رحمة منها: ستون للطائفتين (1). وخبر أبان بن تغلب عنه عليه السلام في حديث قال: يا إبان هل تدري ما ثواب من طاف بهذا البيت اسبوعا؟ فقتل: لا والله ما أدري. قال: يكتب له ستة آلاف حسنة، ويمحا عنه ستة آلاف سيئة، ويرفع له ستة آلاف درجة (2). ونحوهما غيرهما. 2 - يجوز النيابة فيه عن الميت بلا خلاف فيه بين الاصحاب. ويشهد به نصوص كثيرة واردة في الموارد المتفرقة كخبر أبي بصير عن أمامنا الصادق عليه السلام: من وصل أباه أو ذأقرابة له فطاف عنه كان له أجره كاملا، وللذي طاف عنه ثل أجره، ويفضل هو بصلته إياه بطواف آر (3). وخر يجيى الازرق، قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: الرجل يحج عن الرجل يصلح له أن يطوف عن أقاربه؟ فقال عليه السلام: إذا قضى مناسك الحج فليصنع ما شاء (4). وخبر موسى بن القاسم عن أبي جعفر الثاني في حديث، قلت طفت يوما عن رسول الله فقال ثلاث مرات: صلى الله عليه رسول الله، ثم اليوم الثاني عن أمير المؤمنين عليه السلام ثم طفت اليوم الثالث عن الحسن عليه السلام والرابع عن الحسين عليه السلام والخامس عن علي بن الحسين عليه السلام ولا يوم السادس عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام ولا يوم السابع عن جعفر بن محمد عليه السلام واليوم الثامن عن أبيك موسى (ع) واليوم التاسع عن أبيك علي (ع) واليوم =========================================================================== (1) الوسائل باب 4 من إبواب الطواف حديث 3. (2) الوسائل باب 4 من أبواب الطواف حديث 1. (3) الوسائل باب 8 من أبواب النيابة في الحديث 2. (4) الوسائل باب 21 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. =========================================================================== [ 459 ] [... ] العاشر عنك يا سيدي وهؤلاء الذين دين الله بولايتهم فقال: إذا والله تدين الله بالدين الذي لا يقبل من العباد غيره. فقلت: ربما طفت عن امك فاطمة عليها السلام وربما لم أطف. فقال عليه السالم: استكثر من هذا فإنه أفضل ما أنت عامله إن شاء الله (1). ونحوها غيرها. 3 - وكذا يجوز النيابد فيه الحي إذا كان غائبا عن مكة بلا خلاف، للنصوص الكثيرة كخبر ابن أبي نجران عمن دثه عن أبي عبد الله عليه السلام، قلت له: الرجل يطوف عن الرج وهما مقيمان بمكة. قال عليه السلام: لا ولكن يطوف عن الرجل وهو غائب عن مكة. قا، قلت: كم مقدار الغيبة؟ قال عشرة أميال (2). وصحيح معاوية بن عمار عنه عليه السلام في حديث، قال: قلت له: فأطوف عن الرجل والمأة وهما بالكوفة. فقال عليه السلام: نعم. الحديث (3). 4 - وكذا يجوز عن الحي الحاضر بمكة إذا كان معذورا في الطواف بنفسه بأحد الاعذار المذكورة في النصوص بلا خلاف ولا إشكال. ويشهد به نصوص كصحيح حريز عن أبي عبد الله عليه السلام: المريض المغلوب والمغمى عليه يرمى عنه ويطاف عنه (4). وصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: المبطون والكسير يطاف عنهما ويرمى عنهما (5). =========================================================================== (1) الوسائل باب 26 من إبواب النيابة في الحج حديث 1. (2) الوسائل باب 18 من أبواب النيابة في الحج حديث 3. (3) الوسائل باب 18 من أبواب النيابد في الحج حديث 1. (4) الوسائل باب 49 من أبواب الطواف حديث 1. (5) الوسائل باب 49 من إبواب الطواف حديث 3. =========================================================================== [ 460 ] [... ] وصحيح حبيب الخثعمي عنه عليه السلا: أمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان يطاف عن المبطون والكسير (1). وصحيح معاوية: الكسير يحمل فيرمي الجمار، والمبطون يرمي عنه ويصلى عنه (2) وهذه النصوص كما ترى متعرضة للمريض المغلوب، والمغمى عليه، والكبير، والمبطون، والكسير، والاصحاب - رضوان الله عليهم - قد تعرضوا لهم بالخصوص، والتعدي عنهم الى كل معذور يتوقف على إحراز المناط، وفي خصوص الحائض كلام، وقد تعرض بعض الاصحاب أيضا لها، وتنقيح القول فيها سيأتي إن شاء الله في مبحث الطواف، فانتظر. وو كان حاضرا غير معذور فلا تصح النيابد عنه افتاقا كما عن كشف اللثام. ويشهد به جملة من النصوص كخبر ابن ابي نجران المتقدم عنه، وخبر إسماعيل بن عبد الخالفق، وقال: كنت الى جنب أب ي عبد الله عليه السلام وعنده ابنه عبد الله أو ابنه الذي يليه فقال له رجل: إصلحك الله يطوف الرجل عن الرج وهو مقيم بمكة ليس به علة. فقال عليه السلام: لا، لو كان ذلك يجوز لامرت ابني فلانا فطاف عني (3). وأما سائر أفعال الحج حتى مثل السعي بين الصفا والمرؤة الذي يظهر من جملد من النصوص استحبابه لنفسه، فشروعيتها مستقلا لم تثبت، والاصل عدمها. والخامسد: يستحب لمن ليس له زاد وراحلة أن يستقرض ويحج إذا كان واثقا =========================================================================== (1) الوسال باب 49 من أبواب الطواف حديث 5. (2) الوسائل باب 49 من أبواب الطواف حديث 7. (3) الوسائل باب 51 من أبواب الطواف حديث 1. =========================================================================== [ 461 ] [... ] بالوفاء، لخبر موسى بن بكر الواسطي، قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن الرجل يستقرض ويحج، فقال: إن كان خلف ظهره مال فإنحديث به ما حديث أدى عنه فلا بأس (1). ونحوه غيره. بل الظاهر من جملد من الاخبار استحباب ذلك مطلقا كخبر يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام عن رجل يحج بدين وقد حج حجة الاسلام، قال عليه السلام: نعم إن الله سيقضي عنه إن شاء الله تعالى (2). وخبر محمد بن أبي عمير عن حفية (حقبة) قال: جاءني سدير الصيرفي، فقال: إن أبا عبد الله عليه السلام يقرإ عليك السلام ويقول: مالك لا تحج، استقرض وحج (3). ولا وجه لتقييدها بما تقدم، لعدم حمل المطلق على المقيد في المستحبات، فتأمل، ولعدم المفهوم له: لعدم ثبوت كون إذا شرطية. السادسد: يستحب كثرد الانفاق في الحج. ويشهد به خبر ابن أبي يعفور عن الامام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما من نفقة أحب الى الله عز وجل من نفقة قصد، ويبغض الاسراف إلا في الحج والعمرد، فرحم الله مؤمنا اكتسب طيبا وأنفق من قصد أو قدم فضلا (4). السابعة: يستحب لمن لا مال له يحج به ان يأتي به ولو بإجارة نفسه، لاحظ: خبر عبد الله بن سنان، قال: كنت عند أبى عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل =========================================================================== (1) الوسائل باب 50 من إبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 7. (2) الوسائل باب 50 من إبواب وجوب الحج وشرائطه حدث 8. (3) الوسائل باب 50 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 3. (4) الوسائل باب 55 من أبواب وجوب الحج وشرائطه حديث 1. =========================================================================== [ 462 ] [... ] فأعطاه ثلاثين دينارا لحج بها عن إماعيل ولم يترك من العمرة الى الحج إلا اشترط عليه حتى اشترط عليه أن يسعى في وادي محسر، ثم قال: يا هذا إذا أنت فعلت هذا كان لاسماعيل حجة بما انفق من ماله، وكانت لك تسع بما أتعبت من بدنك (1). ونحوه غيره. تم الجزء التاسع من كتابنا فقه الصادق، ويتلوه الجزء العاشر في أنواع الج والمواقيت والاحرام، والحمد لله أولا وآخرا. =========================================================================== (1) الوسائل باب 1 من أبواب النيابة في الحج حديث 1. ولا وجه لتقييدها بما تقدم، لعدم حمل المطلق على المقيد في المستحبات، فتأمل، ولعدم المفهوم له: لعدم ثبوت كون إذا شرطية. السادسد: يستحب كثرد الانفاق في الحج. ويشهد به خبر ابن أبي يعفور عن الامام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما من نفقة أحب الى الله عز وجل من نفقة قصد، ويبغض الاسراف إلا في الحج والعمرد، فرحم الله مؤمنا اكتسب طيبا وأنفق من قصد أو قدم فضلا (4). السابعة: يستحب لمن لا مال له يحج به ان يأتي به ولو بإجارة نفسه، لاحظ: خبر عبد الله بن سنان، قال: كنت عند أبى عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية