نهج البلاغة مجلد: 1 - 4
ـ 1 ـ
نهج البلاغة
وهو مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام سيدنا
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
شرح الاستاذ الامام
الشيخ محمد عبده
مفتي الديار المصرية سابقا
الجزء الاول
ـ 2 ـ
من هو الامام علي ؟
اجتمع للامام علي بن أبي إطالب من صفات الكمال ، ومحمود الشمائل ،
والخلال ، وسناء الحسب وباذخ الشرف ، مع الفطرة النقية ، والنفس المرضية ،
مالم يتهيأ لغيره من أفذاذ الرجال .
تحدر من أكرم المناسب ، وانتمى إلى أطيب الاعراق ، فأبوه أبو
طالب عظيم المشيخة من قريش . وجده عبدالمطلب أمير مكة وسيد البطحاء
ثم هو قبل من هامات بني هاشم وأعيانهم ، وبنو هاشم كانوا كما وصفهم
الجاحظ : " ملح الارض ، وزينة الدنيا ، وحلى العالم ، والسنام الاضخم ،
والكاهل الاعظم ، ولباب كل جوهر كريم ، وشر كل عنصر شريف ،
والطينة البيضاء ، والمغرس المبارك والنصاب الوثيق ، ومعدن الفهم ،
وينبوع العلم . "
واختص بقرابته القريبة من الرسول عليه السلام ، فكان ابن عمه ،
وزوج ابنته وأحب عترته إليه ، كما كان كاتب وحيه ، وأقرب الناس إلى
فصاحته ، وبلاغته ، وأحفظهم لقوله وجوامع كلمه ، أسلم على يديه صبيا قبل
أن يمس قلبه عقيدة سابقة أو يخالط عقله شوب من شرك موروث ،
ولازمه فتيا يافعا ، في غدوه ورواحه وسلمه وحربه ، حتى تخلق بأخلاقه ،
واتسم بصفاته وفقه عنه الدين ، وثقف ما نزل به الروح الامين ، فكان من
أفقه أصحابه وأقضاهم ، وأحفظهم وأوعاهم ، وأدقهم في الفتيا ، وأقربهم
إلى الصواب ، وحتى قال فيه عمر : لابقيت لمعضلة ليس فيها أبوالحسن ،
وكانت حياته كلها مفعمة بالاحداث ، مليئة بجلائل الامور ، فعلى عهد الرسول
عليه السلام ، ناضل المشركين واليهود ، فكان فارس الحلبة ومسعر الميدان
صليب النبع جميع الفؤاد . ذلك هو الامام علي بن أبي طالب عليه السلام .
ـ 3 ـ
مقدمة الاستاذ الامام الشيخ محمد عبده
بسم الله الرحمن الرحيم
حمد لله سياج ( 1 ) النعم . والصلاة على النبي وفاء الذمم . واستمطار الرحمة على آله
الاولياء ، وأصحابه الاصفياء ، عرفان الجميل وتذكار الدليل ( 2 ) : وبعد فقد أوفى لي
حكم القدر بالاطلاع على كتاب ( نهج البلاغة ) مصادفة بلا تعمل . أصبته على تغير
حال وتبلبل بال ، وتزاحم أشغال ، وعطلة من أعمال . فحسبته تسلية ، وحيلة للتخلية
فتصفحت بعض صفحاته ، وتأملت جملا من عباراته . من مواضع مختلفات ،
وموضوعات متفرقات . فكان يخيل إلي في كل مقام أن حروبا شنت وغارات شنت
وأن للبلاغة دولة ، وللفصاحة صولة . وأن للاوهام عرامة ( 3 ) وللريب دعارة . وأن
جحافل الخطابة ، وكتائب الذرابة ، في عقود النظام وصفوف الانتظام ، تنافح
بالصفيح الابلج ( 4 ) والقويم الاملج . وتمتلج المهج برواضع الحجج . فتفل من دعارة
الوساوس ( 5 ) وتصيب مقاتل الخوانس . والباطل منكسر ومرج الشك في خمود ( 6 )
وهرج الريب في ركود . وأن مدبر تلك الدولة ، وباسل تلك الصولة ، هو حامل
لوائها الغالب ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب .
* ( هامش ) * ( 1 ) السياج : ما أحيط به على شئ ( 2 ) معرفة طريق الحق والهداية إليه .
( 3 ) العرمة الشراسة . والدعارة سوء الخلق . والجحافل الجيوش . والكتائب الفرق منها
والذرابة حدة اللسان في فصاحة . والكلام تخيل حرب بين البلاغة وهائجات الشكوك والاوهام .
( 4 ) تنافح تضارب أشد المضاربة . والصفيح السيف والابلج اللامع البياض . والقويم الرمح
والاملح الاسمر . وهي مجازات عن الدلائل الواضحة والحجج القويمة المبددة للوهم وإن خفي مدركها
وتمتلج أي تمتص . والمهج دماء القلوب لا تبقي للاوهام شيئا من مادة البقاء .
( 5 ) فل الشئ ثلمه والقوم هزمهم . والخوانس خواطر السوء تسلك من النفس مسالك الخفاء .
( 6 ) المرج الاضطراب . والهرج هيجان الفتنة ( * )
ـ 4 ـ
بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحس بتغير المشاهد . وتحول المعاهد
فتارة كنت أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية . في حلل من العبارات الزاهية
تطوف على النفوس الزاكية . وتدنو من القلوب الصافية : توحي إليها رشادها .
وتقوم منها مرادها . وتنفر بها عن مداحض المزال . إلى جواد الفضل والكمال .
وطورا كانت تتكشف لي الجمل عن وجوه باسرة ( 1 ) ، وأنياب كاشره . وأرواح
في أشباح النمور ، ومخالب النسور . قد تحفزت للوثاب ، ثم انقضت للاختلاب
فخلبت القلوب عن هواها ، وأخدت الخواطر دون رماها . واغتالت فاسد
الاهواء وباطل الآراء .
وأحيانا كنت أشهد أن عقلا نورانيا ، لايشبه خلقا جسدانيا ، فصل عن الموكب
الالهي ، واتصل بالروح الانساني . فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت
الاعلى . ونما به إلى مشهد النور الاجلي . وسكن به إلى عمار جانب التقديس . بعد
استخلاصه من شوائب التلبيس ( 2 ) . وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادى بأعلياء
الكلمة ، وأولياء أمر الامة ، يعرفهم مواقع الصواب ويبصرهم مواضع الارتياب
ويحذرهم مزالق الاضطراب . ويرشدهم إلى دقاق السياسة . ويهديهم طرق الكياسة ،
ويرتفع بهم إلى منصات الرئاسة ويصعدهم شرف التدبير ، ويشرف بهم على حسن المصير
ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي رحمه الله من كلام
سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . جمع متفرقه وسماه
بهذا الاسم ( نهج البلاغة ) ولا أعلم اسما أليق بالدلالة على معناه منه . وليس في وسعي أن أصف هذا الكتاب بأزيد مما دل عليه اسمه ، ولا أن آتي بشئ في بيان
مزيته فوق ما أتى به صاحب الاختيار كما سترى في مقدمة الكتاب . ولولا أن غرائز
الجبلة ، وقواضي الذمة ، تفرض علينا عرفان الجميل لصاحبه ، وشكر المحسن على
إحسانه ، لما احتجنا إلى التنبيه على ما أودع نهج للبلاغة ، من فنون الفصاحة .
وما خص به من وجوه البلاغة ، خصوصا وهو لم يترك غرضا من أغراض الكلام
إلا إسابة ولم يدع للفكر ممرا إلا جابه ( 3 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) باسرة : عابسة . ( 2 ) التلبيس : التخليط التدليس ( 3 ) جابه يجوبه : خرقه ومضى به ( * )
ـ 5 ـ
إلا أن عبارات الكتاب لبعد عهدها منا ، وانقطاع أهل جيلنا عن أصل لساننا
قد نجد فيها غرائب ألفاظ في غير وحشية ، وجزالة تركيب في غير تعقيد ،
فربما وقف فهم المطالع دون الوصول إلى مفهومات بعض المفردات أو مضمونات بعض
الجمل . وليس ذلك ضعفا في اللفظ أو وهنا في المعنى وإنما هو قصور في ذهن المتناول .
ومن ثم همت بي الرغبة أن أصحب المطالعة بالمراجعة والمشارفة بالمكاشفة ، وأعلق
على بعض مفرداته شرحا وبعض جمله تفسيرا وشئ من اشاته تعيينا ، واقفا عند
حد الحاجة مما قصدت . موجزا في البيان ما استطعت . معتمدا في ذلك على المشهور
من كتب اللغة والمعروف من صحيح الاخبار . ولم أتعرض لتعديل ما روي عن الامام
في مسألة الامامة او تجريحه ، بل تركت للمطالع الحكم فيه بعد الالتفات إلى أصول
المذاهب المعلومة فيها ، والاخبار المأثورة الشاهدة عليها ، غير أني لم أتحاش تفسير
العبارة ، وتوضيح الاشارة لا أريد في وجهي هذا إلا حفظ ما أذكر ، وذكر
ما أحفظ . تصونا من النسيان وتحرزا من الحيدان ( 1 ) . ولم أطلب من وجه الكتاب
إلا ما تعلق منه بسبك المعاني العالية في العبارات الرفيعة في كل ضرب من ضروب
الكلام . وحسبي هذه الغاية فيما أريد لنفسي ولمن يطلع عليه من أهل اللسان العربي .
وقد عني جماعة من أجلة العلماء بشرح الكتاب وأطال كل منهم في بيان
ما انطوى عليه من الاسرار ، وكل يقصد تأييد مذهب وتعضيد مشرب . غير أنه
لم يتيسر لي ولا واحد من شروحهم إلا شذرات وجدتها منقولة عنهم في بطون الكتب ،
فإن وافقت أحدهم فيما رأى فذلك حكم الاتفاق ، وإن كنت خالفتهم فإلى صواب
فيما أظن على أني لا اعد تعليقي هذا شرحا في عداد الشروح ، ولا أذكره كتابا
بين الكتب ، وإنما هو طراز لنهج البلاغة وعلم توشى به أطرافه ( 2 ) .
وأرجو أن يكون فيما وضعت من وجيز البيان فائدة للشبان من اهل هذا الزمان
فقد رأيتهم قياما على طريق الطلب ، يتدافعون لنيل الارب من لسان العرب .
يبتغون لانفسهم سلائق عربية وملكات لغوية ، وكل يطلب لسانا خاطبا ، وقلما
كاتبا ، لكنهم يتوخون وسائل ما يطلبون في مطالعة المقامات وكتب المراسلات مما
* ( هامش ) * ( 1 ) الحيدان ، كفيضان : الميل والجور . ( 2 ) العلم ما ينصب في الطريق ليهتدي به . ( * )
ـ 6 ـ
كتبه المولدون . او قلدهم فيه المتأخرون . ولم يراعوا في تحريره إلا رقة الكلمات ،
وتوافق الجناسات . وانسجام السجعات . وما يشبه ذلك من المحسنات اللفظية والتي
وسموها بالفنون البديعة . وان كانت العبارات خلوا من المعاني الجليلة ، او فائدة
الاساليب الرفيعة .
على أن هذا النوع من الكلام بعض ما في اللسان العربي وليس كل ما فيه ،
بل هذا النوع إذا نفرد يعد من أدنى طبقات القول ، وليس في حلاه المنوطة بأواخر
ألفاظه ما يرفعه إلى درجة الوسط . فلو أنهم عدلوا إلى مدارسة ما جاء عن أهل
اللسان ، خصوصا أهل الطبقة العليا منهم لاحرزوا من بغيتهم ما امتدت إليه أعناقهم ،
واستعدت لقبوله أعراقهم . وليس في أهل هذه اللغة إلا قائل بأن كلام الامام
علي بن أبي طالب هو أشرف الكلام وأبلغه بعد كلام الله تعالى وكلام نبيه صلى الله عليه وآله
- وأغزره مادة وأرفعه أسلوبا وأجمعه لجلائل المعاني .
فأجدر بالطالبين لنفائس اللغة ، والطامعين في التدرج لمراقيها أن يجعلوا هذا
الكتاب أهم محفوظهم ، وأفضل مأثورهم ، مع تفهم معانيه في الاغراض التي جاءت
لاجلها وتأمل ألفاظه في المعاني التي صيغت للدلالة عليها . ليصيبوا بذلك أفضل غاية
وينتهوا إلى خير نهاية ، وأسأل الله نجاح عملي وأعمالهم . وتحقيق أملي وآمالهم .
ولنقدم للمطالع موجزا من القول في نسب الشريف الرضي جامع الكتاب ،
وطرفا من خبره . فهو أبوالحسن محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى
ابن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين
ابن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . وأمه فاطمة بنت الحسين بن الحسن الناصر
صاحب الديلم ابن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين علي بن أبي
طالب رضي الله عنه . ولد الشريف الرضي في سنة تسع وخمسين وثلاثمائة . واشتغل
بالعلم ففاق في الفقه والفرائض وبذ أهل زمانه في العلم والادب .
قال صاحب اليتيمة هو اليوم أبدع أبناء الزمان وأنجب سادات العراق ، يتحلى
مع محتده الشريف ومفخره المنيف بأدب ظاهر ، وفضل باهر ، وحظ من جميع
ـ 7 ـ
المحامد وافر ، تولى نقابة نقباء الطالبيين بعد أبيه في حياته سنة ثمانة وثمانين وثلاثمائة ،
ضمت إليه مع النقابة سائر الاعمال التي كان يليها أبوه ، وهي النظر في المظالم ، والحج
بالناس . وكان من سمو المقام بحيث يكتب إلى الخليفة القادر بالله العباسي أحمد بن
المقتدر من قصيدة طويلة : نفتخر بها ويساوي نفسه بالخليفة :
عطفا أمير المؤمنين فإننا * في دوحة العلياء لانتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت * أبدا ، كلانا في المعالي معرق
إلا الخلافة ميزتك فإنني * أنا عاطل منها وأنت مطوق
ويروى أن القادر قال له عند سماع هذا البيت : على رغم أنفك الشريف
ومن غرر شعره فيما يقرب من هذا قوله :
رمت المعالي فامتنعن ولم يزل * أبدا ينازع عاشقا معشوق
وصبرت حتى نلتهن ولم أقل * ضجرا : دواء الفارك ( 1 ) التطليق
وابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل . قال صاحب اليتيمة ، وهو
أشعر الطالبيين : من مضى منهم ومن غبر على كثرة شعرائهم المفلقين ولو قلت أنه
أشعر قريش لم أبعد عن الصدق . وقال بعض واصفيه رحمه الله : كان شاعرا مفلقا
فصيح النظم ضخم الالفاظ قادرا على القريض متصرفا في فنونه ، إن قصد الرقة في
النسيب أتى بالعجب العجاب ، وإن أراد الفخامة وجزالة الالفاظ في المدح وغيره أتى
بما لا يشق له فيه غبار ، وإن قصد المراثي جاء سابقا والشعراء منقطعة الانفاس . وكان
مع هذا مترسلا كاتبا بليغا متين العبارات سامي المعاني . وقد اعتنى بجمع شعره في
ديوان جماعة ، وأجود ما جمع منه مجموع أبي حكيم الحيري ، وهو ديوان كبير يدخل
في أربع مجلدات كما ذكره صاحب اليتيمة . وصنف كتابا في معاني القرآن العظيم قالوا
يتعذر وجود مثله ، وهو يدل على سعة اطلاعه في النحو واللغة وأصول الدين . وله
كتاب في مجازات القرآن . وكان علي الهمة تسمو به عزيمته إلى أمور عظام لم يجد من
الايام عليها معينا فوقفت به دونها حتى قضى . وكان عفيفا متشددا في العفة بالغا فيها
إلى النهاية لم يقبل من أحد صلة ولا جائزة حتى أنه رد صلات أبيه ! وقد اجتهد
بنو بويه على قبوله صلاتهم فلم يقبل . وكان يرضى بالاكرام وصيانة الجانب واعزاز
* ( هامش ) * ( 1 ) الفارك : المرأة الكارهة لزوجها . ( * )
ـ 8 ـ
الاتباع والاصحاب . حكى أبوحامد محمد بن محمد الاسفرائينى الفقيه الشافعي . قال :
كنت يوما عند فخر الملك أبي غالب محمد بن خلف وزير بهاء الدولة وابنه سلطان
الدولة فدخل عليه الرضى ( صاحب كلامنا الآن ) أبوالحسن فأعظمه وأجل مكانه
ورفع من منزلته وخلى ما كان بيده من القصص والرقاع وأقبل عليه يحادثه إلى أن
انصرف . ثم دخل بعد ذلك المرتضى أبوقاسم ( أخو الشريف الرضي ) فلم يعظمه
ذلك التعظيم ولا أكرمه ذلك الاكرام وتشاغل عنه برقاع يقرأها فجلس قليلا ثم سأله
أمرا فقضاه ثم انصرف . قال أبوحامد فقلت : أصلح الله الوزير هذا المرتضى هو
الفقيه المتكلم صاحب الفنون وهو الامثل والافضل منهما وإنما أبوالحسن شاعر . قال
فقال لي إذا انصرف الناس وخلا المجلس أجبتك عن هذه المسألة . قال وكنت مجمعا
على الانصراف فعرض من الامر مالم يكن في الحساب فدعت الضرورة إلى ملازمة
المجلس حتى تقوض الناس . وبعد أن انصرف عنه أكثر غلمانه ولم يبق عنده غيري
قال لخادم له هات الكتابين اللذين دفعتهما إليك منذ أيام وأمرتك بوضعهما في السفط
الفلاني ، فأحضرهما فقال هذا كتاب الرضي اتصل بي إنه قد ولد له ولد فأنفذت إليه
ألف دينار وقلت هذا للقابلة فقد جرت العادة أن يحمل الاصدقاء وذوو مودتهم مثل
هذا في مثل هذه الحال ، فردها وكتب إلي هذا الكتاب فاقرأه ، فقرأته فإذا هو
اعتذار عن الرد وفي جملته : إننا أهل بيت لا يطلع على أحوالنا قابلة غريبة ، وإنما
عجائزنا يتولين هذا الامر من نسائنا ولسن ممن ياخذن أجرة ولايقبلن صلة . قال
فهذا هذا . وأما المرتضى فإنا كنا وزعنا وقسطنا على الاملاك ببعض النواحي تقسيطا
نصرفه في حفر فوهة النهر المعروف بنهر عيسى ، فأصاب ملكا للشريف المرتضى بالناحية
المعروفة بالداهرية من التقسيط عشرون درهما ثمنها دينار واحد ، وقد كتب منذ ايام
في هذا المعنى هذا الكتاب فاقرأه وهو أكثر من مائة سطر يتضمن من الخشوع والخضوع
والاستمالة والهزء والطلب والسؤال في أسقاط هذه الدراهم المذكورة ما يطول شرحه
قال فخر الملك فأيهما ترى أولى بالتعظيم والتبجيل : هذا العالم المتكلم الفقيه الاوحد
ونفسه هذه النفس ، لم ذلك الذي لم يشهر إلا بالشعر خاصة ونفسه تلك النفس ؟ .
فقلت وفق الله سيدنا الوزير والله ما وضع الامر إلا في موضعه ولا أحله إلا في محله .
ـ 9 ـ
وتوفي الرضي في المحرم سنة أربع وأربعمائة ودفن في داره بمسجد الانباريين بالكرخ
ومضى أخوه المرتضى من جزعه عليه إلى مشهد موسى بن جعفر عليه السلام لانه لم
يستطع أن ينظر إلى تابوته ودفنه ، وصلى عليه الوزير فخر الملك أبوغالب ، ومضى
بنفسه آخر النهار إلى المشهد الشريف الكاظمي فألزمه بالعود إلى داره . ومما رثاه به
أخوه المرتضى الابيات المشهورة التي من جملتها :
يا للرجال لفجعة جذمت يدي * ووددت لو ذهبت علي براسي
ما زلت أحذر وردها حتى أتت * فحسوتها في بعض ما أنا حاسي
ومطلتها زمنا فلما صممت * لم يثنها مطلى وطول مكاسي
- لا تنكروا من فيض دمعي عبرة * فالدمع غير مساعد ومواسي
- لله عمرك من قصير طاهر * ولرب عمر طال بالادناس
وحكى ابن خلكان عن بعض الفضلاء انه رأى في مجموع أن بعض الادباء اجتاز
بدار الشريف الرضي ( صاحب الترجمة ) بسر من رأى وهو لا يعرفها ، وقد أخنى عليها
الزمان وذهبت بهجتها وأخلقت ديباجتها ، وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة وحسن
الشارة ، فوقف عليها متعجبا من صروف الزمان وطوارق الحدثان ، وتمثل بقول
الشريف الرضي :
- ولقد بكيت على ربوعهم * وطلولها بيد البلي نهب
- فبكيت حتى شج من لغب * نضوى ، ولج بعذلي الركب
- وتلفتت عيني فمذ خفيت * عني الطلول تلفت القلب
فمر به شخص وهو ينشد الابيات فقال له : هل تعرف هذه الدار لمن هي ؟ فقال
لا . فقال هذه الدار لصاحب الابيات الشريف الرضي ، فعجب كلاهما من حسن
الاتفاق . وفي رواية العلماء من مناقب الشريف الرضي مالو تقصيناه لطال الكلام ،
وإنما غرضنا أن يلم القارئ بسيرته بعض الالمام . والله اعلم .
ـ 10 ـ
مقدمة السيد الشريف الرضي
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد حمد الله الذي جعل الحمد ثمنا لنعمائه . ومعاذا من بلائه . وسبيلا إلى
جنانه ( 1 ) وسببا لزيادة إحسانه . والصلاة على رسوله نبي الرحمة ، وإمام الائمة ،
وسراج الامة . المنتخب من طينة الكرم ( 2 ) وسلالة المجد الاقدم . ومغرس الفخار
المعرق ( 3 ) وفرع العلاء المثمر المورق وعلى أهل بيته مصابيح الظلم ، وعصم الامم ( 4 )
ومنار الدين الواضحة ، ومثاقيل الفضل الراجحة . صلى الله عليهم أجمعين صلاة تكون
إزاء لفضلهم ( 5 ) ومكافأة لعملهم . وكفاء لطيب فرعهم وأصلهم . ما أنار فجر ساطع
وخوى نجم طالع ( 6 ) فإني كنت في عنفوان السن ( 7 ) ، وغضاضة الغصن ، ابتدأت
بتأليف كتاب خصائص الائمة عليهم السلام يشتمل على محاسن أخبارهم وجواهر
كلامهم : حداني عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب وجعلته أمام الكلام . وفرغت
من الخصائص التي تخص أمير المؤمنين عليا عليه السلام . وعاقت عن إتمام بقية الكتاب
* ( هامش ) * ( 1 ) في بعض النسخ ووسيلا وهو جمع وسيلة وهي ما يتقرب به . ورواية سبيلا أحسن
( 2 ) طينة الكرم أصله وسلالة المجد فرعه ( 3 ) الفخار قال بعضهم بالكسر ويغلط من يقرأ
بالفتح لانه مصدر فاخر ، والمصدر من فاعل الفعال بكسر أوله ، غير أنه لايبعد أن يكون مصدر
فخر . والثلاثي إذا كانت عينه أو لامه حرف حلق جاء المصدر منه على فعال بالفتح نحو سمح سماحا
( 4 ) العصم جمع عصمة وهو ما يعتصم به : والمنار الاعلام واحدها منارة . والمثاقيل جمع مثقال
وهو مقدار وزن الشئ ، تقول مثقال حبة ومثقال دينار ، فمثاقيل الفضل زناته أي أن الفضل
يعرف بهم مقداره ( 5 ) إزاء لفضلهم أي مقابلة له ( 6 ) خوى النجم سقط وخوت النجوم انحلت فلم
تمطر كأخوت وخوت بالتشديد ( 7 ) عنفوان السن أولها . ( * )
ـ 11 ـ
محاجزات الزمان ( 1 ) ومماطلات الايام . وكنت قد بوبت ما خرج من ذلك أبوابا .
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 11 سطر 1 الى ص 20 سطر 22
محاجزات الزمان ( 1 ) ومماطلات الايام . وكنت قد بوبت ما خرج من ذلك أبوابا .
وفصلته فصولا فجاء في آخرها فصل يتضمن محاسن ما نقل عنه عليه السلام من الكلام
القصير في المواعظ والحكم والامثال والآداب دون الخطب الطويلة والكتب المبسوطة .
فاستحسن جماعة من الاصدقاء والاخوان ما اشتمل عليه الفصل المقدم ذكره معجبين
ببدائعه ومتعجبين من نواصعه ( 2 ) وسألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على
مختار كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه ، ومتشعبات غصونه ، من
خطب وكتب ومواعظ وآداب علما أن ذلك يتضمن عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة
وجواهر العربية وثواقب الكلم الدينية والدنيوية ما لا يوجد مجتمعا في كلام ( 3 ) ولا
مجموع الاطراف في كتاب . إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة
وموردها ( 4 ) ومنشأ البلاغة ومولدها . ومنه عليه السلام ظهر مكنونها . وعنه
أخذت قوانينها . وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب ( 5 ) وبكلامه استعان كل واعظ
بليغ . ومع ذلك فقد سبق وقصروا . وتقدم وتاخروا . لان كلامه عليه السلام
الكلام الذي عليه مسحة من العلم الالهي ( 6 ) وفيه عبقة من الكلام النبوي . فأجبتهم
ألى الابتداء بذلك عالما بما فيه من عظيم النفع ومنشور الذكر ومذخور الاجر .
واعتمدت به أن أبين من عظيم قدر أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الفضيلة مضافة
إلى المحاسن الدائرة والفضائل الجمة ( 7 ) . وأنه عليه السلام انفرد ببلوغ غايتها عن جميع
السلف الاولين الذين إنما يؤثر عنهم منها القليل النادر والشاذ الشارد ( 8 ) . وأما كلامه
فهو من البحر الذي لايساجل ( 9 ) ، والجم الذي لا يحافل ( 10 ) وأردت أن يسوغ لي
* ( هامش ) * ( 1 ) محاجزات الزمان ممانعاته ومماطلات الايام مدافعاتها . ( 2 ) النواصع الخالصة ، وناصع
كل شئ خالصه ( 3 ) الثواقب المضيئة ومنه الشهاب الثاقب ، ومن الكلم ما يضئ لسامعها طريق
الوصول إلى ما دلت عليه فيهتدي بها إليه ( 4 ) المشرع تذكير المشرعة مورد الشاربة كالشريعة
( 5 ) حذا كل قائل اقتفى واتبع ( 6 ) عليه مسحة من جمال ، أي علامة وأثر ، وكأنه يريد بهاء
منه وضياء . والعبقة الرائحة ( 7 ) اعتمدت قصدت ، والدائرة بفتح فسكون الكثيرة ( 8 ) يؤثر
اي ينقل عنهم ويحكى ( 9 ) لا يغالب في الامتلاء وكثرة الماء ( 10 ) لا يغالب في الكثرة من قولهم
ضرع حافل أي ممتلئ كثير اللبن ( * )
ـ 12 ـ
التمثل في الافتخار به عليه السلام بقول الفرزدق
- أولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ورأيت كلامه عليه السلام يدور على أقطاب ثلاثة : أولها الخطب والاوامر . وثانيها
الكتب والرسائل وثالثها الحكم والمواعظ . فاجمعت بتوفيق الله تعالى على الابتداء
باختيار محاسن الخطب ( 1 ) ثم محاسن الكتب ثم محاسن الحكم والادب ، مفردا
لكل صنف من ذلك بابا ومفصلا فيه أوراقا لتكون مقدمة لاستدراك ما عساه يشذ
عني عاجلا ويقع الي آجلا . وإذا جاء شئ من كلامه عليه السلام الخارج في أثناء
حوار ( 2 ) أو جواب سؤال أو غرض آخر من الاغراض في غير الانحاء التي ذكرتها
وقررت القاعدة عليها نسبته إلى أليق الابواب به وأشدها ملامحة لغرضه ( 3 ) . وربما جاء
فيما اختاره من ذلك فصول غير متسقة ، ومحاسن كلم غير منتظمة ، لاني أورد النكت
واللمع ولا أقصد التتالى والنسق . ومن عجائبه عليه السلام التي إنفرد بها وأمن المشاركة
فيها أن كلامه عليه السلام الوارد في الزهد والموعظ والتذكير والزواجر إذا تأمله
المتأمل وفكر فيه المتفكر وخلع من قلبه أنه كلام مثله ممن عظم قدره ونفذ أمره
وأحاط بالرقاب ملكه لم يعترضه الشك في أنه من كلام من لا حفظ له في الزهادة
ولا شغل له بغير العبادة ، وقد قبع في كسر بيت ( 4 ) أو انقطع في سفح جبل . لا يسمع
إلا حسه ولا يرى إلا نفسه ولا يكاد يوقن بأنه كلام من يتغمس في الحرب مصلتا
سيفه ( 5 ) فيقطع الرقاب ويجدل الابطال ( 6 ) ويعود به ينطف دما ويقطر مهجا ، وهو
مع تلك الحال زاهد الزهاد وبدل الابدال ( 7 ) . وهذه من فضائله العجيبة وخصائصه
* ( هامش ) * ( 1 ) أجمع عليه عزم ، والمحاسن جمع حسن على غير قياس ( 2 ) بالفتح وبالكسر المحاورة
( 3 ) الملامحة الابصار والنظر ، والمراد هنا المناسبة لان من ينظر إلى شئ ويبصره كأنه يميل إليه
ويلائمه ( 4 ) قبع القنفذ كمنع أدخل رأسه في جلده ، والرجل أدخل راسه في قميصه ، أراد منه
انزوى وكسر البيت جانب الخباء ، وسفح الجبل أسفله ( 5 ) أصلت سيفه جرده من غمده ، ويقط
الرقاب يقطعها عرضا ، فإن كان القطع طولا قيل يقد ، قال ابن عائشة : كانت ضربات على أبكارا
أن اعتلى قد وان اعترض قط ، ومنه قط القلم ( 6 ) يجدل الابطال يلقيهم على الجدالة كسحابة وهي وجه
الارض وينطف من نطف كنصر وضرب نطفا وتناطفا سال ، والمهج جمع مهجة وهي دم القلب
والروح ( 7 ) الابدال قوم صالحون لا تخلو الارض منهم ، إذا مات منهم واحد أبدل الله مكانه آخر ( * )
ـ 13 ـ
اللطيفة التي جمع بها بين الاضداد ، وألف بين الاشتات ( 1 ) . وكثيرا ما أذكر الاخوان
بها واستخرج عجبهم منها . وهي موضوع للعبرة بها والفكرة فيها . وربما جاء في أثناء
هذا الاختيار اللفظ المردد والمعنى المكرر والعذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف
اختلافا شديدا . فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه ، ثم وجد بعد
ذلك في رواية أخرى موضوعا غير وضعه الاول ، إما بزيادة مختارة أو بلفظ أحسن
عبارة ، فتقتضى الحال أن يعاد استظهارا للاختيار ، وغيرة على عقائل الكلام ( 2 ) . وربما
بعد العهد أيضا بما اختير أولا فأعيد بعضه سهوا أو نسيانا لا قصدا واعتمادا . ولا أدعي
مع ذلك اني أحيط بأقطار جميع كلامه عليه السلام ( 3 ) حتى لايشذ عني منه شاذ
ولا يند ناد ، بل لا أبعد أن يكون القاصر عني فوق الواقع إلى ، والحاصل في ربقتى دون
الخارج من يدي ( 4 ) وما على إلا بذل الجهد وبلاغ الوسع ، وعلى الله سبحانه نهج
السبيل ( 5 ) ورشاد الدليل إن شاء الله
ورأيت من بعد تسمية هذا الكتاب بنهج البلاغة إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها .
ويقرب عليه طلابها . فيه حاجة العالم والمتعلم وبغية البليغ والزاهد ، ويمضى في أثنائه
من الكلام في التوحيد والعدل وتنزيه الله سبحانه وتعالى عن شبه الخلق ما هو
بلال كل غلة ( 6 ) وجلاء كل شبهة . ومن الله سبحانه أستمد التوفيق والعصمة .
وأتنجز التسديد والمعونة ، وأستعيذه من خطأ الجنان قبل خطأ اللسان ، ومن زلة الكلام
قبل زلة القدم . وهو حسبي ونعم الوكيل .
باب المختار من خطب أمير المؤمنين عليه السلام وأوامره
ويدخل في ذلك المختار من كلامه الجاري مجرى الخطب في المقامات المحصورة والمواقف
المذكورة والخطوب الواردة
* ( هامش ) * ( 1 ) موضع العجب أن أهل الشجاعة والاقدام والمغامرة والجرأة يكونون في العادة قساة فتاكين
متمردين جبارين . والغالب على أهل الزهد وأعداء الدنيا وهاجرى ملاذها المشتغلين بالوعظ والنصيحة
والتذكير أن يكونوا ذوي رقة ولين وضعف قلوب وخور طباع . وهاتان حالتان متضادتان فاجتماعهما
في أمير المؤمنين كرم الله وجهه مما يوجب العجب ، فكان كرم الله وجهه إشجع الناس وأعظمهم إراقة
للدم ، وأزهدهم وأبعدهم عن ملاذ الدنيا وأكثرهم وعظا وتذكيرا وأشدهم اجتهادا في العبادة ، وكان أكرم
الناس أخلاقا وأسفرهم وجها وأوفاهم هشاشة وبشاشة حتى عيب بالدعابة .
( 2 ) عقائل الكلام كرائمه ، وعقيلة الحى كريمته ( 3 ) أقطار الكلام جوانبه . والناد النافر
( 4 ) الربقة عروة حبل يجعل فيها راس البهيمة ( 5 ) نهج السبيل إبانته وإيضاحه ( 6 ) الغلة العطش
وبلالها ما تبل به وتروى . ( * )
ـ 14 ـ
1 - ومن خطبة له عليه السلام
" يذكر فيها ابتداء خلق السماء والارض وخلق آدم "
الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون . ولا يحصي نعماءه
العادون . ولا يؤدي حقه المجتهدون ، الذي لا يدركه بعد الهمم ( 1 )
ولا يناله غوص الفطن ( 2 ) . الذي ليس لصفته حد محدود ( 3 ) ولا نعت
موجود . ولا وقت معدود ولا أجل ممدود . فطر الخلائق بقدرته .
ونشر الرياح برحمته . ووتد بالصخور ميدان أرضه ( 4 ) . أول الدين
معرفته ( 5 ) وكمال معرفته التصديق به . وكمال التصديق به توحيده .
* ( هامش ) * ( 1 ) أي أن همم النظار وأصحاب الفكر وإن علت وبعدت فإنها لا تدركه تعالى
ولا تحيط به علما ( 2 ) والفطن جمع فطنة . وغوصها استغراقها في بحر المعقولات لتلتقط
در الحقيقة ، وهي وإن أبعدت في الغوص لا تنال حقيقة الذات الاقدس ( 3 ) فرغ من
الكلام في الذات وامتناعها على العقول إدراكا ، ثم هو الآن في تقديس صفاته عن
مشابهة الصفات الحادثة ، فكل صفات الممكن لها في أثرها حد تنقطع إليه كما نجده في
قدرتنا وعلمنا مثلا فإن لكل طور ألا يتعداه . أما قدرة الله وعلمه فلا حد لشمولهما .
وكذا يقال في باقي الصفات الكمالية ، والنعت يقال لما يتغير ، وصفاتنا لها نعوت . فحياتنا
مثلا لها أطوار من طفولية وصبا وما بعدهما وقوة وضعف وتوسط . وقدرتنا كذلك
وعلمنا له أدوار نقص وكمال وغموض ووضوح . أما صفاته تعالى فهي منزهة عن هذه
النعوت وأشباهها . ثم هي أزلية أبدية لا تعد الاوقات لوجودها واتصاف ذاته بها ولا تضرب
لها الآجال ( 4 ) الميدان الحركة . ووتد بالتخفيف والتشديد أي ثبت أي سكن الارض
بعد اضطرابها بما رسخ من الصخور الجامدة في أديمها ، وهو يشير إلى أن الارض كانت
مائرة مضطربة قبل جمودها ( 5 ) أساس الدين معرفة الله وهو قد يعرف بأنه صانع
ـ 15 ـ
وكمال توحيده الاخلاص له . وكمال الاخلاص له نفى الصفات
عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنه غير
الصفة . فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه . ومن قرنه فقد ثناه ومن
ثناه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد جهله ( 1 ) . ومن جهله فقد أشار إليه .
ومن أشار إليه فقد حده ( 2 ) . ومن حده فقد عده ، ومن قال فيم
* ( هامش ) * العالم وليس منه بدون تنزيه وهي معرفة ناقصة وكمالها التصديق به ذاته بصفته الخاصة
التي لا يشركه فيها غيره وهي وجوب الوجود : ولا يكمل هذا التصديق حتى يكون معه
لازمه وهو التوحيد لان الواجب لا يتعدد كما عرف في فن الالهيات والكلام . ولا يكمل
التوحيد إلا بتمحيض السر له دون ملامحة لشئ من شؤون الحوادث في التوجه إليه
واستشراق نوره ، ولا يكون هذا الاخلاص كاملا حتى يكون معه نفي الصفات الظاهرة
في التعينات المشهودة في المشخصات ، لان معرفة الذات الاقدس في نحو تلك الصفات
اعتبار للذات ولشئئ آخر مغاير لها معها فيكون قد عرف مسمى الله مؤلفا لا متوحدا ،
فالصفات المنفية بالاخلاص صفات المصنوعين وإلا فللامام كلام قد ملئ بصفاته سبحانه ،
بل هو في هذا الكلام يصفه أكمل الوصف الجهل يستلزم القول بالتشخيص الجسماني
وهو يستلزم صحة الاشارة إليه تعالى الله عن ذلك ( 2 ) إنما تشير إلى شئ إذا كان
منك في جهة فأنت تتوجه إليها بإشارتك ، وما كان في جهة فهو منقطع عن غيرها
فيكون محدود أي له طرف ينتهي إليه ، فمن أشار إليه فقد حده ، ومن حد فقد عد ، أي
أحصى وأحاط بذلك المحدود لان الحد حاصر لمحدوده . وإذا قلت لشئ فيم هو فقد
جعلته في ضمن شئ ثم تسأل عن تعيين ذلك الذي تضمنه ، وإذا قلت على أي شئ
فأنت ترى أنه مستعل على شئ بعينه وما عداه خال منه ( * )
ـ 16 ـ
فقد ضمنه . ومن قال علام فقد أخلى منه . كائن لا عن حدث ( 1 )
موجود لا عن عدم . مع كل شئ لا بمقارنة . وغير كل شئ لا
بمزايلة ( 2 ) . فاعل لا بمعنى الحركات والآلة . بصير إذ لا منظور إليه
من خلقه ( 3 ) . متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش
لفقده ( 4 ) . أنشأ الخلق إنشاء . وابتدأه ابتداء . بلا روية أجالها ( 5 ) . ولا تجربة
استفادها . ولا حركة أحدثها . ولا همامة نفس اضطرب فيها ( 6 ) . أحال
الاشياء لاوقاتها ( 7 ) . ولام بين مختلفاتها ( 8 ) . وغرز غرائزها ( 9 ) وألزمها
أشباحها ( 10 ) عالما بها قبل ابتدائها محيطا بحدودها وانتهائها . عارفا بقرائنها
* ( هامش ) * ( 1 ) الحدث الابداء أي هو موجود لكن لا عن ابداء وايجاد موجد ، والفقرة
الثانية لازمة لهذه لانه إن لم يكن وجوده عن ايجاد موجد فهو غير مسبوق الوجود
بالعدم ( 2 ) المزايلة المفارقة والمباينة ( 3 ) أي بصير بخلقه قبل وجودهم ( 4 ) العادة
والعرف على أنه لا يقال متوحد إلا لمن كان له من يستأنس بقربه ويستوحش لبعده
فانفرد عنه . والله متوحد مع التنزه عن السكن ( 5 ) الروية الفكر ، وأجالها أدارها
ورددها . وفي نسخة أحالها بالمهملة أي صرفها ( 6 ) همامة النفس بفتح الهاء اهتمامها
بالامر وقصدها إليه ( 7 ) حولها من العدم إلى الوجود في أوقاتها ، أو هو من حال في
متن فرسه أي وثب وأحاله غيره أوثبه ، ومن أقر الاشياء في أحيانها صار كمن أحال غيره
على فرسه ( 8 ) كما قرن النفس الروحانية بالجسد المادي ( 9 ) الغرائز جمع غريزة وهي
الطبيعة . وغرز الغرائز كضوأ الاضواء أي جعلها غرائز . والمراد أودع فيها طبائعها
( 10 ) الضمير في أشباحها للغرائز . أي ألزم الغرائز أشباحها أي أشخاصها لان كل
ـ 17 ـ
وأحنائها ( 1 ) . ثم أنشأ سبحانه فتق الاجواء ( 2 ) وشق الارجاء وسكائك
الهواء ( 3 ) . فأجرى فيها ماء متلاطما تياره ( 4 ) ، متراكما زخاره . حمله
على متن الريح العاصفة ، والزعزع القاصفة . فأمرها برده ( 5 ) ، وسلطها
على شده ، وقرنها إلى حده . الهواء من تحتها فتيق ( 6 ) ، والماء من فوقها
* ( هامش ) * مطبوع على غريزة لازمته ، فالشجاع لايكون خوارا مثلا ( 1 ) جمع حنو بالكسر
أي الجانب ، أو ما أعوج من الشئ بدنا كان أو غيره ، كناية عما خفي . أو من قولهم
أحناء الامور أي مشتبهاتها وقرائنها ما يقترن بها من الاحوال المتعلقة بها والصادرة
عنها ( 2 ) ثم أنشأ الخ الترتيب والتراخي في قول الامام لا في الصنع الالهي كما لا يخفى .
والاجواء جمع جو وهو هذا الفضاء العالي بين السماء والارض . واستفيد من كلامه
أن الفضاء مخلوق وهو مذهب قوم كما استفيد منه أن الله خلق في الفضاء ماء حمله
على متن ريح فاستقل عليها حتى صارت مكانا له ثم خلق فوق ذلك الماء ريحا أخرى
سلطها عليه فموجته تمويجا شديدا حتى ارتفع فخلق منه الاجرام العليا . وإلى هذا يذهب
قوم من الفلاسفة منهم تالسين الاسكندري يقولون إن الماء أي الجوهر السائل أصل كل
الاجسام كثيفها من متكاثفه ولطيفها من شفائفه ، والارجاء الجوانب واحدها رجا
كعصا ( 3 ) السكائك جمع سكاكة بالضم وهي الهواء الملاقى عنان السماء وبابها نحو ذؤابة
وذوائب ( 4 ) التيار الموج . والمتراكم مايكون بعضه فوق بعض . والزخار الشديد الزخر
أي الامتداد والارتفاع . والريح العاصفة الشديدة الهبوب كأنها تهلك الناس بشدة هبوبها
وكذلك الزعزع كأنها تزعزع كل ثابت . وتقصف أي تحطم كل قائم ( 5 ) أمرها برده
أي منعه من الهبوط لان الماء ثقيل وشأن الثقيل الهوى والسقوط وسلطها على شده
أي وثاقه كأنه سبحانه أوثقه بها أو منعه من الحركة إلى السفل التي هي من لوازم طبعه .
وقرنها إلى حده أي جعلها مكانا له أي جعل حد الماء المذكور وهو سطحه الاسفل مماسا
لسطح الريح التي تحمله أو أراد من الحد المنع أي جعل من لوازها ذلك ( 6 ) الفتيق
ـ 18 ـ
دفيق . ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها ( 1 ) وأدام مربها . وأعصف
مجراها وأبعد منشاها . فأمرها بتصفيق الماء الزخار ( 2 ) ، وإثارة موج
البحار . فمخضته مخض السقاء ، وعصفت به عصفها بالفضاء . ترد أوله
إلى آخره ، وساجيه إلى مائره ( 3 ) . حتى عب عبابه ، ورمى بالزبد ركامه
فرفعه في هواء منفتق ، وجو منفهق ( 4 ) . فسوى منه سبع سموات
جعل سفلاهن موجا مكفوفا ( 5 ) وعلياهن سقفا محفوظا . وسمكا
مرفوعا . بغير عمد يدعمها ، ولا دسار ينظمها ( 6 ) . ثم زينها بزينة
الكواكب ، وضياء الثواقب ( 7 ) . وأجرى فيها سراجا مستطيرا ( 8 ) ،
وقمرا منيرا . في فلك دائر ، وسقف سائر ، ورقيم مائر ( 9 ) ثم فتق
* ( هامش ) * المفتوق والدفيق المدفوق ( 1 ) اعتقم مهبها جعل هبوبها عقيما . والريح العقيم التي لا تلقح
سحابا ولا شجرا وكذلك كانت هذه لانها أنشئت لتحريك الماء ليس غير . والمرب
ميمى من أرب بالمكان مثل ألب به أي لازمه . فأدام مربها أي ملازمتها ، أو أن أدام من
أدمت الدلو ملاتها . والمرب بكسر أوله المكان والمحل ( 2 ) تصفيقه تحريكه وتقليبه .
ومخضته حركته بشدة كما يمخض السقاء بما فيه من اللبن ليستخرج زبده . والسقاء
جلد السخلة يجذع فيكون وعاء للبن والماء جمعه أسقية وأسقيات وأساق . وعصفت به
الخ الريح إذا عصفت بالفضاء الذي لا أجسام فيه كانت شديدة لعدم المانع وهذه الريح
عصفت بهذا الماء ذلك العصف الذي يكون لها لو لم يكن مانع ( 3 ) الساجي الساكن
والمائر الذي يذهب ويجئ أو المتحرك مطلقا . وعب عبابه ارتفع علاه . وركامه أثبجه
وهضبته وما تراكم منه بعضه على بعض ( 4 ) المنفهق المفتوح الواسع ( 5 ) المكفوف
الممنوع من السيلان ، ويدعمها أي يسندها ويحفظها من السقوط ( 6 ) الدسار واحد
الدسر وهي المسامير أو الخيوط تشد بها ألواح السفينة من ليف ونحوه ( 7 ) الثواقب
المنيرة المشرقة ( 8 ) مستطيرا منتشر الضياء وهو الشمس ( 9 ) الرقيم اسم من اسماء ( * )
ـ 19 ـ
ما بين السموات العلا . فملاهن أطوارا من ملائكته ( 1 ) منهم
سجود لا يركعون ، وركوع لا ينتصبون ، وصافون لا يتزايلون
ومسبحون لا يسأمون . لا يغشاهم نوم العين . ولا سهو العقول .
ولا فترة الابدان . ولا غفلة النسيان . ومنهم أمناء على وحيه ،
وألسنة إلى رسله ، ومختلفون بقضائه وأمره . ومنهم الحفظة لعباده
والسدنة لابواب جنانه . ومنهم الثابتة في الارضين السفلى أقدامهم ،
والمارقة من السماء العليا أعناقهم ، والخارجة من الاقطار أركانهم ،
والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم . ناكسة دونه أبصارهم ( 2 ) .
* ( هامش ) * الفلك ، سمى به لانه مرقوم بالكواكب . ومائر متحرك . ويفسر الرقيم باللوح . وشبه
الفلك باللوح لانه مسطح فيما يبدو للنظر ( 1 ) جعل الملائكة أربعة أقسام : الاول
أرباب العبادة ومنهم الراكع والساجد والصاف والمسبح ، وقوله صافون أي قائمون
صفوفا لا يتزايلون أي لا يتفارقون . والقسم الثاني الامناء على وحي الله لانبيائه
والالسنة الناطقة في أفواه رسله والمختلفون بالاقضية إلى العباد ، بهم يقضي الله على من
شاء بما شاء . والقسم الثالث حفظة العباد كأنهم قوى مودعة في أبدان البشر ونفوسهم
يحفظ الله الموصولين بها من المهالك والمعاطب ، ولولا ذلك لكان العطب ألصق بالانسان
من السلامة . ومنهم سدنة الجنان جمع سادن وهو الخادم ، والخادم يحفظ ما عهد إليه
وأقيم على خدمته . والقسم الرابع حملة العرش كأنهم القوة العامة التي أفاضها الله في
العالم الكلي فهي الماسكة له الحافظة لكل جزء منه مركزه وحدود مسيره في مداره
فهي المخترقة له النافذة فيه الآخذة من أعلاه إلى أسفله ومن أسفله إلى أعلاه . وقوله
المارقة من السماء : المروق الخروج . وقوله الخارجة من الاقطار أركانهم : الاركان الاعضاء
والجوارح . والتمثيل في الكلام لا يخفى على أهل البصائر ( 2 ) الضمير في دونه للعرش ( * ) =
ـ 20 ـ
متلفعون تحته بأجنحتهم . مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب
العزة وأستار القدرة . لا يتوهمون ربهم بالتصوير . ولايجرون
عليه صفات المصنوعين . ولا يحدونه بالاماكن . ولا يشيرون
إليه بالنظائر
صفة خلق آدم عليه السلام
ثم جمع سبحانه من حزن الارض وسهلها ، وعذبها وسبخها ( 1 ) ،
تربة سنها بالماء حتى خلصت . ولاطها بالبلة حتى لزبت ( 2 ) . فجبل منها
صورة ذات أحناء ووصول ( 3 ) وأعضاء وفصول . أجمدها حتى استمسكت ،
وأصلدها حتى صلصلت ( 4 ) . لوقت معدود . وأمد معلوم . ثم نفخ
* ( هامش ) * = كالضمير في تحته . ومتلفعون من تلفعت بالثوب إذا التحفت به ( * ) ( 1 ) الحزن بفتح
فسكون : الغليظ الخشن والسهل ما يخالفه . والسبخ ما ملح من الارض . وأشار باختلاف
الاجزاء التي جبل منها الانسان إلى أنه مركب من طباع مختلفة وفيه استعداد للخير
والشر والحسن والقبيح ( 2 ) سن الماء صبه والمراد صب عليها أو سنها هنا بمعنى
ملسها كما قال :
- ثم خاصرتها إلى القبة الخض * راء تمشي في مرمر مسنون
وقوله حتى خلصت أي صارت طينة خالصة . وفي بعض النسخ حتى خضلت بتقديم
الضاد المعجمة على اللام أي ابتلت ولعلها أظهر . لاطها خلطها وعجنها أو هو من
لاط الحوض بالطين ملطه وطينه به . والبلة بالفتح من البلل . ولزب ككرم تداخل
بعضه في بعض وصلب ، ومن باب نصر بمعنى التصق وثبت واشتد ( 3 ) الاحناء جمع حنو
وهو بالكسر والفتح كل ما فيه اعوجاج من البدن كعظم الحجاج واللحى والضلع
أو هي الجوانب مطلقا . وجبل أي خلق ( 4 ) أصلدها جعلها صلبة ملساء متينة . وصلصلت ( * )
ـ 21 ـ
فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها ( 1 ) . وفكر يتصرف بها ،
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 21 سطر 1 الى ص 30 سطر 22
فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها ( 1 ) . وفكر يتصرف بها ،
وجوارح يختدمها ( 2 ) ، وأدوات يقلبها . ومعرفة يفرق بها بين الحق
والباطل والاذواق والمشام والالوان والاجناس . معجونا بطينة
الالوان المختلفة ( 3 ) ، والاشباه المؤتلفة . والاضداد المتعادية
والاخلاط المتباينة . من الحر والبرد . والبلة والجمود . واستأدى
الله سبحانه الملائكة وديعته لديهم ( 4 ) وعهد وصيته إليهم . في
الاذعان بالسجود له والخشوع لتكرمته . فقال سبحانه اسجدوا
لآدم فسجدوا إلا إبليس اعترته الحمية وغلبت عليه الشقوة ( 5 )
* ( هامش ) * يبست حتى كانت تسمع لها صلصلة إذا هبت عليها رياح وذلك هو الصلصال . واللام في
قوله لوقت متعلقة بمحذوف كأنه قال حتى يبست وجفت معدة لوقت معلوم ، ويمكن
أن تكون متعلقة بجبل أي جبل من الارض هذه الصورة ولا يزال يحفظها لوقت
معدود ينتهي بيوم القيامة
( 1 ) مثل كرم قام منتصبا . والاذهان قوى التعقل ،
ويجيلها يحركها في المعقولات ( 2 ) يختدمها يجعلها في مآربه وأوطاره كالخدم الذين
تستعملهم في خدمتك وتستعملهم في شؤوتك . والادوات جمع أداة وهي الآلة . وتقليبها
تحريكها في العمل بها فيما خلقت له ( 3 ) معجونا صفة إنسانا . والالوان المختلفة
الضروب والفنون . وتلك الالوان هي التي ذكره من الحر والبرد والبلة والجمود
( 4 ) استأدى الملائكة وديعته طلب منهم أداءها . والوديعة هي عهده إليهم بقوله
إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين .
ويروى الخنوع بالنون بدل الخشوع هو بمعنى الخضوع . وقوله فقال اسجدوا الخ
عطف على استأدى ( 5 ) الشقوة بكسر الشين وفتحها ما حتم عليه من الشقاء . والشقاء
ضد السعادة وهو النصب الدائم والالم الملازم . وتعززه بخلقة النار استكباره مقدار نفسه ( * ) =
ـ 22 ـ
وتعزز بخلقة النار واستهون خلق الصلصال . فأعطاه الله النظرة
استحقاقا للسخطة واستتماما للبلية . وإنجازا للعدة . فقال إنك من
المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم . ثم أسكن سبحانه آدم دارا
أرغد فيها عيشته ، وآمن فيها محلته ، وحذره إبليس وعداوته . فاغتره
عدوه نفاسة عليه بدار المقام ومرافقة الابرار ( 1 ) . فباع اليقين بشكه
والعزيمة بوهنه . واستبدل بالجذل وجلا ( 2 ) . وبالاغترار ندما . ثم بسط
الله سبحانه له في توبته . ولقاه كلمة رحمته ، ووعده المرد إلى جنته .
* ( هامش ) * = بسبب أنه خلق من جوهر لطيف ومادة أعلى من مادة الصلصال . والصلصال الطين الحر
خلط بالرمل أو الطين ما لم يجعل خزفا . والمراد من الصلصال هذا مادة الارض التي خلق
آدم عليه السلام منها . وجوهر ما خلق منه الجن - وهم من الجواهر اللطيفة - أعلى من
جوهر ما خلق منه الانسان وهو مجبول من عناصر الارض . والنظرة بفتح
فكسر الانتظار به حيا ما دام الانسان عامرا للارض متمتعا بالوجود فيكون من
الشيطان في هذا الامد ما يستحق به سخط الله وما تتم به بلية الشقاء عليه ويكون
الله جل شأنه قد أنجز وعده في قوله إنك من المنظرين الخ
( 1 ) اغتر آدم عدوه الشيطان
أي انتهز منه غرة فأغواه وكان الحامل للشيطان على غواية آدم حسده له على الخلود
في دار المقام ومرافقته الابرار من الملائكة الاطهار ( 2 ) أدخل الشيطان عليه الشك
في أن ما تناول منه سائغ التناول بعد أن كان في نهى الله له عن تناول ما يوجب له
اليقين بحظره عليه وكانت العزيمة في الوقوف عند ما أمر الله فاستبد بها الوهن الذي
أفضى إلى المخالفة . والجذل بالتحريك الفرح وقد كان في راحة الامن بالاخبات إلى
الله وامتثال الامر فلما سقط في المخالفة تبدل ذلك بالوجل والخوف من حلول العقوبة
وقد ذهبت عنه الغرة وانتبه إلى عاقبة ما اقترف فاستشعر الندم بعد الاغترار ( * )
ـ 23 ـ
وأهبطه إلى دار البلية ( 1 ) ، وتناسل الذرية ( 2 ) . واصطفى سبحانه من
ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم ( 3 ) ، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم لما
بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم ( 4 ) فجهلوا حقه ، واتخذوا الانداد معه ( 5 ) .
واجتالتهم الشياطين عن معرفته ( 6 ) ، واقتطعتهم عن عبادته . فبعث فيهم
رسله وواتر إليهم أنبياءه ( 7 ) ليستأدوهم ميثاق فطرته ( 8 ) . ويذكروهم
منسي نعمته . ويحتجوا عليهم بالتبليغ . ويثيروا لهم دفائن العقول ( 9 )
* ( هامش ) * ( 1 ) أهبطه من مقام كان الالهام الالهى لانسياق قواه إلى مقتضى الفطرة السليمة الاولى إلى
مقر قد خلط له وفيه الخير والشر واختط له فيه الطريقان ووكل إلى نظره العقلي وابتلى
بالتمييز بين النجدين واختيار أي الطريقين ، وهو العناد الذي تكدر به صفو هذه
الحياة على الآدميين ( 2 ) تناسل الذرية من خصائص تلك المنزلة الثانية التي أنزل
الله فيها آدم وهو مما ابتلى به الانسان امتحانا لقوته على التربية واقتداره على سياسة
من يعولهم والقيام بحقوقهم وإلزامهم بتأدية ما يحق عليهم ( 3 ) أخذ عليهم الميثاق أن
يبلغوا ما أوحى إليهم ويكون ما بعده بمنزلة التأكيد له أو أخذ عليهم أن لا يشرعوا
للناس إلا ما يوحى إليهم ( 4 ) عهد الله إلى الناس هو ما سيأتي يعبر عنه بميثاق
الفطرة ( 5 ) الانداد الامثال وأراد المعبودين من دونه سبحانه وتعالى ( 6 ) اجتالتهم
بالجيم صرفتهم عن قصدهم الذي وجهوا إليه بالهداية المغروزة في فطرهم . وأصله من
الدوران كأن الذي يصرفك عن قصدك يصرفك تارة هكذا وأخرى هكذا ( 7 ) واتر
إليهم أنبياءه أرسلهم وبين كل نبي ومن بعده فترة لا بمعنى أرسلهم تباعا بعضهم يعقب
بعضا ( 8 ) كأن الله تعالى بما أودع في الانسان من الغرائز والقوى وبما أقام له من
الشواهد وأدلة الهدى قد أخذ عليه ميثاقا بأن يصرف ما أوتى من ذلك فيما خلق له
وقد كان يعمل على ذلك الميثاق ولا ينقضه لولا ما اعترضه من وساوس الشهوات
فبعث إليه النبيين ليطلبوا من الناس أداء ذلك الميثاق أي ليطالبوهم بما تقتضيه
فطرتهم وما ينبغي ان تسوقهم اليه غرائزهم ( 9 ) دفائن العقول أنوار العرفان التي
ـ 24 ـ
ويروهم الآيات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع ، ومهاد تحتهم
موضوع . ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم . وأوصاب تهرمهم ( 1 ) .
وأحداث تتابع عليهم . ولم يخل سبحانه خلقه من نبي مرسل ، أو
كتاب منزل . أو حجة لازمة ، أو محجة قائمة ( 2 ) . رسل لا تقصر بهم
قلة عددهم . ولا كثرة المكذبين لهم . من سابق سمي له من بعده ،
أو غابر عرفه من قبله ( 3 ) . على ذلك نسلت القرون ( 4 ) . ومضت
الدهور . وسلفت الآباء . وخلفت الابناء . إلى أن بعث الله سبحانه
محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله لانجاز عدته ( 5 ) ، وتمام نبوته .
مأخوذا على النبيين ميثاقه ، مشهورة سماته ( 6 ) ، كريما ميلاده . وأهل
* ( هامش ) * = تكشف للانسان أسرار الكائنات وترتفع به إلى الايقان بصانع الموجودات وقد
يحجب هذه الانوار غيوم من الاوهام وحجب من الخيال فيأتي النبيون لاثاره تلك
المعارف الكامنة وإبراز تلك الاسرار الباطنة
( 1 ) السقف المرفوع السماء . والمهاد
الموضوع الارض . والاوصاب المتاعب ( 2 ) المحجة الطريق القويمة الواضحة ( 3 ) من
سابق بيان للرسل ، وكثير من الانبياء السابقين سميت لهم الانبياء الذين يأتون بعدهم
فبشروا بهم كما ترى ذلك في التوراة . والغابر الذي يأتي بعد أن يشير به السابق جاء
معروفا بتعرف من قبله ( 4 ) نسلت بالبناء للمجهول ولدت . وبالبناء للفاعل مضت
متتابعة ( 5 ) الضمير في عدته لله تعالى لان الله وعد بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم
على لسان أنبيائه السابقين . وكذلك الضمير في نبوته لان الله تعالى أنبأ به وأنه
سيبعث وحيا لانبيائه . فهذا الخبر الغيبي قبل حصوله يسمى نبوة . ولما كان الله هو
المخبر به أضيفت النبوة إليه ( 6 ) سماته علاماته التي ذكرت في كتب الانبياء السابقين ( * ) =
ـ 25 ـ
الارض يومئذ ملل متفرقة . وأهواء منتشرة . وطوائف متشتتة .
بين مشبه لله بخلقه أو ملحد في اسمه أو مشير إلى غيره ( 1 ) . فهداهم به
من الضلالة . وأنقذهم بمكانه من الجهالة . ثم اختار سبحانه لمحمد
صلى الله عليه وآله لقاءه . ورضي له ما عنده وأكرمه عن دار الدنيا
ورغب به عن مقارنة البلوى . فقبضه إليه كريما صلى الله عليه وآله :
وخلف فيكم ما خلفت الانبياء في أممها إذ لم يتركوهم هملا . بغير
طريق واضح . ولا علم قائم ( 2 ) : كتاب ربكم فيكم مبينا حلاله
وحرامه ( 3 ) وفرائضه وفضائله وناسخه ومنسوخه . ورخصه وعزائمه .
وخاصه وعامه . وعبره وأمثاله . ومرسله ومحدوده . ومحكمه
* ( هامش ) * = الذين بشروا به ( 1 ) الملحد في اسم الله الذي يميل به عن حقيقة مسماه فيعتقد في الله
صفات يجب تنزيهه عنها . والمشير إلى غيره الذي يشرك معه في التصرف إلها آخر
فيعبده ويستعينه ( 2 ) أي أن الانبياء لم يهملوا أممهم مما يرشدهم بعد موت أنبيائهم
وقد كان من محمد صلى الله عليه وسلم مثل ما كان منهم فإنه خلف في أمته كتاب الله
تعالى حاويا لجميع ما يحتاجون إليه في دينهم ( 3 ) حلاله كالاكل من الطيبات ، وحرامه
كأكل أموال الناس بالباطل ، وفرائضه كالزكاة أخت الصلاة ، وفضائله كنوافل الصدقات
التي يعظم الاجر فيها ولا حرج في التقصير عنها ، وناسخه ما جاء قاضيا يمحو ما كان عليه
الضالون من العقائد أو إزالة السابق من الاحكام كقوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما
على طاعم يطعمه الآية . ومنسوخه ما كان حكاية عن تلك الاحكام كقوله وعلى الذين هادوا
حرمنا كل ذي ظفر الآية . ورخصه كقوله فمن اضطر في مخمصة . وعزائمه كقوله ولا تأكلوا
مما لم يذكر اسم الله عليه . وخاصه كقوله ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك الآية ،
وعامه كقوله ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن . والعبر كالآيات التي تخبر ( * ) =
ـ 26 ـ
ومتشابهه مفسرا مجمله ومبينا غوامضه . بين مأخوذ ميثاق في علمه
وموسع على العباد في جهله . وبين مثبت في الكتاب فرضه ، ومعلوم
في السنة نسخه ، وواجب في السنة أخذه ، ومرخص في الكتاب
تركه . وبين واجب بوقته . وزائل في مستقبله . ومباين بين محارمه ( 1 )
من كبير أوعد عليه نيرانه . أو صغير أرصد له غفرانه . وبين مقبول
في أدناه موسع في أقصاه ( 2 ) .
* ( هامش ) * = عما أصاب الامم الماضية من النكال ونزل بهم من العذاب لما حادوا عن الحق وركبوا
طرق الظلم والعدوان . والامثال كقوله ضرب الله مثلا عبدا مملوكا الآية . وقوله كمثل
الذي استوقد نارا وأشباه ذلك كثير . والمرسل المطلق . والمحدود المقيد . والمحكم كآيات
الاحكام والاخبار الصريحة في معانيها . والمتشابه كقوله يد الله فوق أيديهم . والموسع
على العباد في جهله كالحروف المفتتحة بها السور نحو الم والر . والمثبت في الكتاب
فرضه مع بيان السنة لنسخه كالصلاة فإنها فرضت على الذين من قبلنا غير أن السنة
بينت لنا الهيئة التي اختصنا الله بها وكلفنا أن نؤدي الصلاة بها ، فالفرض في الكتاب .
وتبيين نسخه لما كان قبله في السنة ، والمرخص في الكتاب تركه ما لم يكن منصوصا
على عينه . بل ذكر في الكتاب ما يشتمله وغيره كقوله فأقرأوا ما تيسر منه وقد عينته
السنة بسورة مخصوصة في كل ركعة فوجب الاخذ بما عينته السنة ولو بقينا عند مجمل
الكتاب كان لنا أن نقرأ في الصلاة غير الفاتحة جوازا لا مؤاخذة معه . والواجب بوقته
الزائل في مستقبله كصوم رمضان يجب في جزء من السنة ولا يجب في غيره . ( 1 ) ومباين بين محارمه بالرفع لا بالجر خبر لمبتدا محذوف أي والكتاب قد خولف
بين المحارم التي حظرها فمنها كبير أوعد عليه نيرانه كالزنا وقتل النفس ، ومنها صغير
أرصد له غفرانه كالنظرة بشهوة ونحوها ( 2 ) رجوع إلى تقسيم الكتاب . والقبول في
أدناه الموسع في أقصاه كما في كفارة اليمين يقبل فيها إطعام عشرة مساكين . وموسع ( * ) =
ـ 27 ـ
( منها ذكر في الحج ) وفرض عليكم حج بيته الحرام الذي
جعله قبلة للانام يردونه ورود الانعام ويألهون إليه ولوه الحمام ( 1 )
جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزته . واختار من
خلقه سماعا أجابوا إليه دعوته . وصدقوا كلمته . ووقفوا مواقف
أنبيائه . وتشبهوا بملائكته . المطيفين بعرشه يحرزون الارباح في
متجر عبادته . ويتبادرون عند موعد مغفرته . جعله سبحانه وتعالى
للاسلام علما والعائذين حرما . فرض حجه وأوجب حقه وكتب
عليكم وفادته ( 2 ) فقال سبحانه ولله على الناس حج البيت من استطاع
إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين .
2 - ومن خطبة له بعد انصرافه من صفين ( 3 )
أحمده استتماما لنعمته . واستسلاما لعزته . واستعصاما من
معصيته . وأستعينه فاقة إلى كفايته إنه لا يضل من هداه . ولا يئل
من عاداه ( 4 ) ولا يفترق من كفاه . فإنه أرجح ما وزن ( 5 ) وأفضل ما
* ( هامش ) * = في كسوتهم وعتق الرقبة ( 1 ) يألهون إليه أي يفزعون إليه أو يلوذون به ويعكفون
عليه ( 2 ) الوفادة الزيارة .
( 3 ) صفين كسجين محلة عدها الجغرافيون من بلاد الجزيرة ( ما بين الفرات
والدجلة ) والمؤرخون من العرب عدوها من أرض سوريا وهي اليوم في ولاية حلب
الشهباء وهذه الولاية كانت من أعمال سوريا ( 4 ) وأل يئل خلص ( 5 ) الضمير في فإنه ( * ) =
ـ 28 ـ
خزن . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . شهادة ممتحنا
إخلاصها . معتقدا مصاصها ( 1 ) نتمسك بها أبدا ما أبقانا . وندخرها
لاهاويل ما يلقانا ( 2 ) فإنها عزيمة الايمان . وفاتحة الاحسان ومرضاة
الرحمن . ومدحرة الشيطان ( 3 ) وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . أرسله
بالدين المشهور . والعلم المأثور ( 4 ) والكتاب المسطور . والنور
الساطع . والضياء اللامع . والامر الصادع . إزاحة للشبهات .
واحتجاجا بالبينات . وتحذيرا بالآيات . وتخويفا بالمثلات ( 5 ) والناس في
فتن انجذم فيها حبل الدين ( 6 ) وتزعزعت سواري اليقين ( 7 ) واختلف
النجر ( 8 ) وتشتت الامر . وضاق المخرج وعمي المصدر ( 9 ) فالهدى
خامل والعمى شامل . عصي الرحمن . ونصر الشيطان . وخذل الايمان
* ( هامش ) * = للحمد المفهوم من أحمده ( 1 ) مصاص كل شئ خالصه ( 2 ) الاهاويل جمع أهوال
جمع هول فهي جمع الجمع ( 3 ) مدحرة الشيطان أي تبعده وتطرده ( 4 ) العلم بالتحريك
ما يهتدى به وهو هنا الشريعة الحقة . والمأثور المنقول عنه ( 5 ) المثلات بفتح فضم
العقوبات جمع مثلة بضم الثاء وسكونها بعد الميم وجمعها مثولات ومثلات وقد تسكن
ثاء الجمع تخفيفا ( 6 ) انجذم انقطع ( 7 ) السواري جمع سارية العمود والدعامة
( 8 ) النجر بفتح النون وسكون الجيم الاصل أي اختلفت الاصول فكل يرجع إلى
أصل يظنه مرجع حق وما هو من الحق في شئ ( 9 ) مصادرهم في أوهامهم وأهوائهم
مجهولة غير معلومة خفية غير ظاهرة فلا عن بينة يعتقدون ولا إلى غاية صالحة ينزعون ( * )
ـ 29 ـ
فانهارت دعائمه ( 1 ) ، وتنكرت معالمه ( 2 ) ، ودرست سبله ( 3 ) ، وعفت
شركه . أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه . ووردوا مناهله ( 4 ) بهم
سارت أعلامه . وقام لواؤه في فتن داستهم بأخفافها . ووطئتهم بأظلافها ( 5 )
وقامت على سنابكها . فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون في
خير دار وشر جيران ( 6 ) . نومهم سهود وكحلهم دموع . بأرض عالمها
ملجم وجاهلها مكرم ( ومنها يعني آل النبي عليه الصلاة والسلام )
موضع سره ولجأ أمره ( 7 ) وعيبة علمه ( 8 ) وموئل حكمه وكهوف
* ( هامش ) * ( 1 ) انهارت هوت وسقطت . والدعائم جمع دعامة وهي ما يستند إليه الشئ ويقوم
عليه . ودعامة السقف مثلا ما يرتفع عليه من الاعمدة ( 2 ) التنكر التغير من حال تسر
إلى حال تكره أي تبدلت علاماته وآثاره بما أعقب السوء وجلب المكروه ( 3 ) درست
كاندرست أي انطمست ، والشرك قال بعضهم جمع شراك ككتاب وهي الطريق
والذي يفهم من القاموس أنها بفتحات جواد الطريق أو مالا يخفى عليك ولا يستجمع
لك من الطرق ، اسم جمع لا مفرد له من لفظه . وعفت بمعنى درست ( 4 ) المناهل جمع
منهل وهو مورد الشاربة من النهر ( 5 ) الاظلاف جمع ظلف بالكسر للبقر والشاء
وشببههما كالخف للبعير والقدم للانسان . السنابك جمع سنبك كقنفذ طرف الحافر
( 6 ) خير دار هي مكة المكرمة . وشر الجيران عبدة الاوثان من قريش . وقوله نومهم
سهود الخ كما تقول فلان جوده بخل وأمنه مخافة فهم في أحداث أبدلتهم النوم بالسهر
والكحل بالدمع . والعالم ملجم لانه لو قال حقا والجمهور على الباطل لانتاشوه ونهشوه
والجاهل مكرم لانه على شاكلة العامة مشايع لهم في أهوائهم فنزلته عندهم منزلة أوهامهم
وعاداتهم وهي في المقام الاعلى من نفوسهم . وهذه الاوصاف كلها لتصوير حال الناس
في الجاهلية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ( 7 ) اللجأ محركة الملاذ وما تلتجئ إليه كالوزر محركة
ما تعتصم به ( 8 ) العيبة بالفتح الوعاء . والموئل المرجع أي أن حكمه وشرعه يرجع ( * ) =
ـ 30 ـ
كتبه . وجبال دينه . بهم أقام انحناء ظهره وأذهب ارتعاد فرائصه ( 1 ) .
( ومنها يعني قوما آخرين ) زرعوا الفجور : وسقوه الغرور . وحصدوا
الثبور ( 2 ) لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الامة أحد
ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا . هم أساس الدين . وعماد
اليقين . إليهم يفئ الغالي . وبهم يلحق التالي ( 3 ) ولهم خصائص حق
الولاية . وفيهم الوصية والوراثة . الآن إذ رجع الحق إلى أهله ( 4 )
ونقل إلى منتقله
3 - ومن خطبة له وهي المعروفة بالشقشقية ( 5 )
أما والله لقد تقمصها فلان ( 6 ) وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب
* ( هامش ) * = إليهم وهم حفاظ كتبه يحوونها كما تحوى الكهوف والغيران ما يكون فيها . والكتب
القرآن ، وجمعه لانه فيما حواه كجملة ما تقدمه من الكتب ويزيد عليها ما خص الله
به هذه الامة ( 1 ) كنى بانحناء الظهر عن الضعف وبإقامته عن القوة وبهم آمنه من
الخوف الذي ترتعد منه الفرائص ( 2 ) جعل ما فعلوا من القبائح كزرع زرعوه
وما سكنت إليه نفوسهم من الامهال واغترارهم بذلك بمنزلة السقي فان الغرور يبعث على
مداومة القبيح والزيادة فيه ثم كانت عاقبة أمرهم هذا الثبور وهو الهلاك ( 3 ) يريد
أن سيرتهم صراط الدين المستقيم فمن غلا في دينه وتجاوز بالافراط حدود الجادة فإنما
نجاته بالرجوع إلى سيرة آل النبي وتفيؤ ظلال أعلامهم . وقوله وبهم يلحق التالي
يقصد به أن المقصر في عمله المتباطئ في سيره الذي أصبح وقد سبقه السابقون إنما
يتسنى له الخلاص بالنهوض ليلحق بآل النبي ويحذو حذوهم ( 4 ) الآن ظرف متعلق برجع
وإذ زائدة للتوكيد ، سوغ ذلك ابن هشام في نقله عن أبي عبيدة أو أن إذ للتحقيق بمعنى
قد كما نقله بعض النحاة ( 5 ) لقوله فيها إنها شقشقة هدرت ثم قرت كما يأتي ( 6 ) الضمير ( * ) =
ـ 31 ـ
من الرحى . ينحدر عني السيل ( 1 ) ولا يرقى إلي الطير . فسدلت دونها
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 31 سطر 1 الى ص 40 سطر 23
من الرحى . ينحدر عني السيل ( 1 ) ولا يرقى إلي الطير . فسدلت دونها
ثوبا ( 2 ) وطويت عنها كشحا . وطفقت أرتإى بين أن أصول بيد جذاء ( 3 )
أو أصبر على طخية عمياء ( 4 ) يهرم فيها الكبير . ويشيب فيها الصغير .
ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ( 5 ) فرأيت أن الصبر على هاتا
أحجى ( 6 ) فصبرت وفي العين قذى . وفي الحلق شجا ( 7 ) أرى تراثي نهبا
* ( هامش ) * = يرجع إلى الخلافة . وفلان كناية عن الخليفة الاول أبي بكر رضى الله عنه
( 1 ) تمثيل لسمو قدره كرم الله وجهه وقربه من مهبط الوحي وأن ما يصل إلى
غيره من فيض الفضل فإنما يتدفق من حوضه ثم ينحدر عن مقامه العالي فيصيب
منه من شاء الله وعلى ذلك قوله ولا يرقى الخ غير أن الثانية أبلغ من الاولى في
الدلالة على الرفعة ( 2 ) فسدلت الخ كناية عن غض نظره عنها . وسدل الثوب أرخاه .
وطوى عنها كشحا مال عنها . وهو مثل لان من جاع فقد طوى كشحه ومن شبع فقد
ملاه فهو قد جاع عن الخلافة أي ما لم يلتقمها ( 3 ) وطفقت الخ بيان لعلة الاغضاء .
والجذاء بالجيم والذال المعجمة والدال المهملة ، وبالحاء المهملة مع الذال المعجمة بمعنى
المقطوعة ويقولون رحم جذاء أي لم توصل وسن جذاء أي متهتمة ، والمراد هنا
ليس ما يؤيدها كأنه قال تفكرت في الامر فوجدت الصبر أولى فسدلت دونها ثوبا
وطويت عنها كشحا ( 4 ) طخية بطاء فخاء بعدها ياء ويثلث أولها أي ظلمة . ونسبة العمى
إليها مجاز عقلي . وإنما يعمى القائمون فيها إذ لا يهتدون إلى الحق وهو تأكيد لظلام
الحال واسودادها ( 5 ) يكدح يسعى سعى المجهود ( 6 ) أحجى ألزم من حجي به كرضي
أولع به ولزمه ومنه هو حجى بكذا أي جدير وما أحجاه ، وأحج به أي أخلق به .
وأصله من الحجا بمعنى العقل فهو أحجى أي أقرب إلى العقل . وهاتا بمعنى هذه أي
رأى الصبر على هذه الحالة التي وصفها أولى بالعقل من الصولة بلا نصير ( 7 ) الشجا
ما اعترض في الحق من عظم ونحوه . والتراث الميراث ( * )
ـ 32 ـ
حتى مضى الاول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده ( 1 ) ( ثم تمثل بقول
الاعشى )
- شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر ( 2 )
فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته ( 3 ) إذ عقدها لآخر بعد وفاته
* ( هامش ) * ( 1 ) أدلى بها ألقى بها إليه .
( 2 ) الكور بالضم الرحل أو هو مع أداته . والضمير راجع إلى الناقة المذكورة في
الابيات قبل في قوله .
- وقد أسلى الهم اذ يعتري * بجسرة دوسرة عاقر
والجسر العظيم من الابل . والدوسرة الناقة الضخمة . وحيان كان سيدا في بني حنيفة
مطاعا فيهم وكان ذا حظوة عند ملوك فارس وله نعمة واسعة ورفاهية وافرة وكان
الاعشى ينادمه . والاعشى هذا هو الاعشى الكبير أعشى قيس وهو أبوبصير ميمون
ابن قيس بن جندل . وأول القصيدة :
- علقم ما أنت إلى عامر * الناقض الاوتار والواتر
وجابر أخو حيان أصغر منه ، ومعنى البيت أن فرقا بعيدا بين يومه في سفره
وهو على كور ناقته وبين يوم حيان في رفاهيته فإن الاول كثير العناء شديد الشقاء
والثاني وافر النعيم وافي الراحة ويتلو هذا البيت أبيات منها :
- في مجدل شيد بنيانه * يزل عنه ظفر الطائر
- ما يجعل الجد الظنون الذي * جنب صوب اللجب الماطر
- مثل الفراتي إذاما طما * يقذف بالبوصى والماهر
( المجدل كمنبر القصر . والجد بضم أوله البئر القليلة الماء . والظنون البئر لا يدرى أفيها
ماء أم لا . واللجب المراد منه السحاب لاضطرابه وتحركه . والفراتي الفرات . وزيادة
الياء للمبالغة . والبوصى ضرب من السفن معرب بوزى والماهر السابح المجيد ) ووجه
تمثل الامام بالبيت ظاهر بأدنى تأمل ( 3 ) رووا أن أبا بكر قال بعد البيعة أقيلونى فلست
بخيركم . وأنكر الجمهور هذه الرواية عنه والمعروف عنه وليتكم ولست بخيركم . ( * )
ـ 33 ـ
لشد ما تشطرا ضرعيها ( 1 ) فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها ( 2 )
ويخشن مسها . ويكثر العثار فيها . والاعتذار منها ، فصاحبها
كراكب الصعبة ( 3 ) إن أشنق لها خرم . وإن أسلس لها تقحم فمني
الناس لعمر الله بخبط وشماس ( 4 ) وتلون واعتراض . فصبرت على طول
المدة وشدة المحنة . حتى إذا مضى لسبيله . جعلها في جماعة زعم أني
* ( هامش ) * ( 1 ) لشد ما تشطرا ضرعيها جملة شبه قسمية اعترضت بين المتعاطفين ، فالفاء في
فصيرها عطف على عقدها . وتشطرا مسند إلى ضمير التثنية وضرعيها تثنية ضرع وهو
للحيوانات مثل الثدي للمرأة . قالوا إن للناقة في ضرعها شطرين كل خلفين شطر
ويقال شطر بناقته تشطيرا صر خلفين وترك خلفين . والشطر أيضا أن تحلب شطرا
وتترك شطرا ، فتشطرا أي أخذ كل منهما شطرا ، سمي شطرى الضرع ضرعين مجازا
وهو هنا من أبلغ أنواعه حين أن من ولى الخلافة لا ينال الامر إلا تاما ولا يجوز
أن يترك منه لغيره سهما ، فأطلق على تناول الامر واحدا بعد واحد اسم التشطر
والاقتسام كأن أحدهما ترك منه شيئا للآخر ، وأطلق على كل شطر اسم الضرع نظرا
لحقيقة مانال كل ( 2 ) الكلام بالضم الارض الغليظة . وفي نسخه كلمها وإنما هو بمعنى
الجرح ، وكأنه يقول خشونتها تجرح جرحا غليظا ( 3 ) الصعبة من الابل ما ليست
بذلول . وأشنق البعير وشنقه كفه بزمامه حتى ألصق ذفراه ( العظم الناتئ خلف الاذن )
بقادمة الرحل أو رفع رأسه وهو راكبه واللام هنا زائدة للتحلية ولتشاكل أسلس .
وأسلس أرخى . وتقحم رمى بنفسه في القحمة أي الهلكة . وسيأتي معنى هذه العبارة
في الكتاب . وراكب الصعبة إما أن يشنقها فيخرم أنفها وإما أن يسلس لها فترمى به
في مهواة تكون فيها هلكته ( 4 ) منى الناس ابتلوا وأصيبوا . والشماس بالكسر اباء
ظهر الفرس عن الركوب والنفار . والخبط السير على غير جادة . والتلون التبدل
والاعتراض السير على غير خط مستقيم ، كأنه يسير عرضا في حال سيره طولا . يقال بعير ( * ) =
ـ 34 ـ
أحدهم فيا لله وللشورى ( 1 ) متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى
* ( هامش ) * = عرضى يعترض في سيره لانه لم يتم رياضته ، وفي فلان عرضية أي عجرفة وصعوبة ( 1 ) إجمال القصة أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما دنا أجله وقرب مسيره إلى ربه
استشار فيمن يوليه الخلافة من بعده فأشير عليه بابنه عبدالله فقال لا يليها ( أي
الخلافة ) اثنان من ولد الخطاب حسب عمر ما حمل ، ثم رأي أن يكل الامر إلى ستة
قال إن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو راض عنهم ، وإليهم بعد التشاور أن يعينوا واحدا
منهم يقوم بأمر المسلمين ، والستة رجال الشورى هم على بن أبي طالب وعثمان بن عفان
وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص
رضى الله عنهم ، وكان سعد من بني عم عبدالرحمن كلاهما من بني زهرة وكان في
نفسه شئ من علي كرم الله وجهه من قبل أخواله لان أمه جنة بنت سفيان بن أمية
بن عبد شمس ولعلي في قتل صناديدهم ما هو معروف مشهور . وعبدالرحمن كان
صهرا لعثمان لان زوجته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت أختا لعثمان من أمه ،
وكان طلحة ميالا لعثمان لصلات بينهما على ما ذكره بعض رواة الاثر وقد يكفي في
ميله إلى عثمان إنحرافه عن علي لانه تيمي وقد كان بين بني هاشم وبنى تيم مواجد
لمكان الخلافة في أبي بكر ، وبعد موت عمر بن الخطاب رضي الله عنه اجتمعوا
وتشاوروا فاختلفوا وانضم طلحة في الرأي إلى عثمان والزبير إلى علي وسعد إلى
عبدالرحمن وكان عمر قد أوصى بأن لاتطول مدة الشورى فوق ثلاثة أيام وأن
لا يأتي الرابع إلا ولهم أمير ، وقال إذا كان خلاف فكونوا مع الفريق الذي فيه
عبدالرحمن فأقبل عبدالرحمن على علي وقال عليك عهد الله وميثاقه لتعملن
بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده فقال علي أرجو أن أفعل وأعمل
على مبلغ علمي وطاقتي ، ثم دعا عثمان وقال له مثل ذلك فأجابه بنعم ، فرفع عبدالرحمن
رأسه إلى سقف المسجد حيث كانت المشورة وقال أللهم إسمع واشهد أللهم إني جعلت
ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان وصفق بيده في يد عثمان وقال السلام عليك يا أمير
المؤمنين وبايعه . قالوا وخرج الامام علي واجدا ، فقال المقداد بن الاسود لعبد الرحمن
والله لقد تركت عليا وإنه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون ، فقال يا مقداد لقد ( * ) =
ـ 35 ـ
صرت أقرن إلى هذه النظائر ( 1 ) لكني أسففت إذ أسفوا ( 2 ) وطرت إذ
طاروا . فصغى رجل منهم لضغنه ( 3 ) ومال الآخر لصهره ( 4 ) مع هن
وهن ( 5 ) إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه ( 6 ) بين نثيله ومعتلفه .
وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ( 7 ) إلى
أن انتكث فتله . وأجهز عليه عمله ( 8 ) وكبت به بطنته ( 9 ) فما راعني
* ( هامش ) * = تقصيت الجهد للمسلمين . فقال المقداد والله إني لاعجب من قريش أنهم تركوا رجلا
ما أقول ولا أعلم أن رجلا أقضى بالحق ولا أعلم به منه ، فقال عبدالرحمن يا مقداد إني
أخشى عليك الفتنة فاتق الله . ثم لما حدث في عهد عثمان ما حدث من قيام الاحداث
من أقاربه على ولاية الامصار ووجد عليه كبار الصحابة روي أنه قيل لعبد الرحمن
هذا عمل يديك ، فقال ما كنت أظن هذا به ولكن لله علي أن لا أكلمه أبدا ، ثم مات
عبدالرحمن وهو مهاجر لعثمان ، حتى قيل إن عثمان دخل عليه في مرضه يعوده فتحول
إلى الحائط لا يكلمه . والله أعلم والحكم لله يفعل ما يشاء
( 1 ) المشابه بعضهم بعضا دونه
( 2 ) أسف الطائر دنا من الارض يريد أنه لم يخالفهم في شئ ( 3 ) صغى صغى وصغا
صغوا مال ، والضغن الضغينة يشير إلى سعد ( 4 ) يشير إلى عبدالرحمن ( 5 ) يشير إلى
أغراض أخر يكره ذكرها ( 6 ) يشير إلى عثمان وكان ثالثا بعد انضمام كل من طلحة
والزبير وسعد إلى صاحبه كما تراه في خبر القضية . ونافجا حضنيه رافعا لهما ، والحضن ما بين
الابط والكشح . يقال للمتكبر جاء نافجا حضنيه . ويقال مثله لمن امتلا بطنه طعاما ،
والنثيل الروث ، والمعتلف من مادة علف موضع العلف وهو معروف أي لا هم له إلا
ما ذكر ( 7 ) الخضم على ما في القاموس الاكل أو بأقسى الاضراس أول ملء الفم
بالمأكول أو خاص بالشئ الرطب . والقضم الاكل بأطراف الاسنان أخف من الخضم ،
والنبتة بكسر النون كالنبات في معناه ( 8 ) انتكث فتله انتقض . وأجهز عليه عمله تمم
قتله . تقول أجهزت على الجريح وذففت عليه ( 9 ) البطنة بالكسر البطر والاشر ( * ) =
ـ 36 ـ
إلا والناس كعرف الضبع إلي ( 1 ) ينثالون علي من كل جانب . حتى
لقد وطئ الحسنان . وشق عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم ( 2 )
فلما نهضت بالامر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون ( 3 )
كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول . ( تلك الدار الآخرة نجعلها
للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) بلى والله
لقد سمعوها ووعوها . ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم ( 4 ) وراقهم
زبرجها . أما والذي فلق الحبة . وبرأ النسمة ( 5 ) لولا حضور الحاضر ( 6 )
وقيام الحجة بوجود الناصر . وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على
كظة ظالم ولا سغب مظلوم ( 7 )
* ( هامش ) * = والكظة ( أي التخمة ) والاسراف في الشبع . وكبت به من كبا الجواد إذا سقط لوجهه ( 1 ) عرف الضبع ما كثر على عنقها من الشعر وهو ثخين يضرب به المثل في الكثرة
والازدحام ، وينثالون يتتابعون مزدحمين . والحسنان ولداه الحسن والحسين ، وشق
عطفاه خدش جانباه من الاصطكاك . وفي رواية شق عطافي والعطاف الرداء وكان
هذا الازدحام لاجل البيعة على الخلافة ( 2 ) ربيضة الغنم الطائفة الرابضة من الغنم يصف
ازدحامهم حوله وجثومهم بين يديه ( 3 ) الناكثة أصحاب الجمل ، والمارقة أصحاب النهروان
والقاسطون أي الجائرون أصحاب صفين ( 4 ) حليت الدنيا من حليت المرأة إذا
تزينت بحليها ، والزبرج الزينة من وشى أو جوهر ( 5 ) النسمة محركة الروح ، وبرأها
خلقها ( 6 ) من حضر لبيعته ولزوم البيعة لذمة الامام بحضوره ( 7 ) والناصر الجيش
الذي يستعين به على إلزام الخارجين بالدخول في البيعة الصحيحة . والكظة ما يعتري
الآكل من امتلاء البطن بالطعام والمراد استئثار الظالم بالحقوق ، والسغب شدة الجوع ( * ) =
ـ 37 ـ
لالقيت حبلها على غاربها ( 1 ) ولسقيت آخرها بكأس أولها . ولالفيتم
دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ( 2 ) ( قالوا ) وقام إليه رجل
من أهل السواد عند ( 3 ) بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله
كتابا فأقبل ينظر فيه . قال له ابن عباس رضي الله عنهما . يا أمير
المؤمنين لو أطردت خطبتك من حيث أفضيت . فقال هيهات
يا ابن عباس تلك شقشقة ( 4 ) هدرت ثم قرت . قال ابن عباس فو الله
ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام أن لا يكون أمير
المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد ( قوله كراكب الصعبة
إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم ) يريد أنه إذا شدد عليها في
جذب الزمام وهي تنازعه رأسها خرم أنفها وإن أرخى لها شيئا مع
صعوبتها تقحمت به فلم يملكها . يقال أشنق الناقة إذا جذب رأسها
* ( هامش ) * والمراد منه هضم حقوقه
( 1 ) الغارب الكاهل والكلام تمثيل للترك وإرسال الامر
( 2 ) عفطة العنز ما تنثره من أنفها كالعطفة ، عفطت تعفط من باب ضرب ، غير أن
أكثر ما يستعمل ذلك في النعجة ، والاشهر في العنز النفطة بالنون ، يقال ما له عافط
ولا نافط أي نعجة ولاعنز ، كما يقال ما له ثاغية ولا راغية ، والعفطة الحبقة أيضا لكن
الاليق بكلام أمير المؤمنين هو ما تقدم ( 3 ) السواد العراق وسمي سوادا لخضرته
بالزرع والاشجار . والعرب تسمى الاخضر أسود قال الله تعالى " مدهامتان " يريد الخضرة
كما هو ظاهر ( 4 ) الشقشقة بكسر فسكون فكسر شئ كالرئة يخرجه البعير من فيه
إذا هاج ، وصوت البعير بها عند إخراجها هدير ، ونسبة الهدير إليها نسبة إلى الآلة ، قال ( * ) =
ـ 38 ـ
بالزمام فرفعه وشنقها أيضا ، ذكر ذلك ابن السكيت في إصلاح
المنطق . وإنما قال أشنق لها ولم يقل أشنقها لانه جعله في مقابلة
قوله أسلس لها فكأنه عليه السلام قال إن رفع لها رأسها بمعنى
أمسكه عليها .
4 - ومن خطبة له عليه السلام
بنا اهتديتم في الظلماء . وتسنمتم العلياء ( 1 ) وبنا انفجرتم عن
السرار . وقر سمع لم يفقه الواعية ( 2 ) وكيف يراعي النبأة من أصمته
الصيحة ( 3 ) . ربط جنان لم يفارقه الخفقان ( 4 ) مازلت أنتظر بكم عواقب
* ( هامش ) * = في القاموس : والخطبة الشقشقة العلوية وهي هذه ( 1 ) تسنمتم العليا ركبتم سنامها
وارتقيتم إلى أعلاها ، والسرار كسحاب وكتاب آخر ليلة من الشهر يختفي فيها
القمر . وانفجرتم دخلتم في الفجر . والمراد كنتم في ظلام حالك وهو ظلام الشرك
والضلال فصرتم إلى ضياء ساطع بهدايتنا وإرشادنا والضمير لمحمد صلى الله عليه وآله
والامام ابن عمه ونصيره في دعوته . ويروى أفجرتم بدل انفجرتم وهو أفصح وأوضح
لان الفعل لا يأتي لغير المطاوعة إلا نادرا . أما أفعل فيأتي لصيرورة الشئ إلى حال
لم يكن عليها كقولهم أجرب الرجل إذا صارت إبله جربى وأمثاله كثير ( 2 ) الواعية
الصاخة ، والصارخة والصراخ نفسه . والمراد هنا العبر والمواعظ الشديدة الاثر . ووقرت
أذنه فهي موقورة ووقرت كسمعت صمت . دعاء بالصمم على من لم يفهم الزواجر
والعبر ( 3 ) الصيحة هنا الصوت الشديد ، والنبأة أراد منها الصوت الخفي ، أي من
أصمته الصيحة فلم يسمعها كيف يمكن أن يسمع النبأة فيراعيها .
ويشير بالصيحة إلى
زواجر كتاب الله ومقال رسوله ، وبالنبأة إلى ما يكون منه رضي الله عنه وقد رأينا هذا
أقرب مما أشرنا إليه في الطبعة السابقة ( 4 ) ربط جأشه رباطة اشتد قلبه ، ومثله رباطة ( * ) =
ـ 39 ـ
الغدر . وأتوسمكم بحلية المغترين ( 1 ) سترني عنكم جلباب الدين ( 2 )
وبصرنيكم صدق النية . أقمت لكم على سنن الحق في جواد
المضلة ( 3 ) ، حيث تلتقون ولا دليل . وتحتفرون ولا تميهون ( 4 ) . اليوم
أنطق لكم العجماء ذات البيان ( 5 ) غرب رأي امرئ تخلف عني ( 6 )
ما شككت في الحق مذ أريته . لم يوجس موسى عليه السلام
خيفة على نفسه ( 7 ) أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال . اليوم تواقفنا
على سبيل الحق والباطل من وثق بماء لم يظمأ
* ( هامش ) * = الجنان أي القلب وهو دعاء للقلب الذي لازمه الخفقان والاضطراب خوفا من الله بأن
يثبت ويستمسك ( 1 ) ينتظر بهم الغدر يترقب غدرهم ثم كان يتفرس فيهم الغرور
والغفلة وأنهم لا يميزون بين الحق والباطل ولهذا لا يبعد أن يجهلوا قدره فيتركوه إلى
من ليس له من الحق على مثل حاله . والحلية هنا الصفة ( 2 ) جلباب الدين ما لبسوه من
رسومه الظاهرة ، أي أن الذي عصمكم مني هو ما ظهرتم به من الدين وإن كان صدق
نيتي قد بصرني ببواطن أحوالكم وما تكنه صدوركم . وصاحب القلب الطاهر تنفذ
فراسته إلى سرائر النفوس فتستخرجها ( 3 ) المضلة بكسر الضاد وفتحها الارض يضل
سالكها ، وللضلال طرق كثيرة لان كل ما جار عن الحق فهو باطل ، وللحق طريق
واحد مستقيم وهو الوسط بين طرق الضلال ، لهذا قال أقمت لكم على سنن الحق وهو
طريقه الواضح فيما بين جواد المضلة وطرقها المتشعبة حيث يلاقي بعضكم بعضا وكلكم
تائهون فلا فائدة في التقائكم حيث لا يدل أحدكم صاحبه لعدم علمه بالدليل
( 4 ) تميهون تجدون ماء من أماهوا أركيتهم أنبطوا ماءها ، أو تستقون من أما هوا دوابهم
سقوها ( 5 ) أراد من العجماء رموزه واشاراته فإنها وإن كانت غامضة على من لا ( خبرة )
لهم لكنها جلية ظاهرة ( لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) لهذا سماها ذات
البيان مع أنها عجماء ( 6 ) غرب غاب ، أي لا رأي إن تخلف عني ولم يطعني ( 7 ) ( يعني ) ( * ) =
ـ 40 ـ
5 - ومن خطبة له عليه السلام لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وخاطبه
العباس وأبوسفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة
أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة . وعرجوا عن طريق
المنافرة وضعوا عن تيجان المفاخرة ( 1 ) . أفلح من نهض بجناح . أو
استسلم فأراح ( 2 ) هذا ماء آجن ( 3 ) . ولقمة يغص بها آكلها . ومجتني
الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه ( 4 ) فإن أقل يقولوا حرص
على الملك . وإن أسكت يقولوا جزع من الموت ( 5 ) هيهات بعد
* ( هامش ) * = بموسى عليه السلام إذ رموه بالخيفة ويفرق بين الواقع وبين ما يزعمون فإنه لا يخاف
على حياته ولكنه يخاف من غلبة الباطل كما كان من نبي الله موسى ، وهو أحسن
تفسير لقوله تعالى ( فأوجس في نفسه خيفة موسى ) وأفضل تبرئة لنبي الله من الشك
في أمره ( 1 ) قلب قصد به المبالغة . والقصد ضعوا تيجان المفاخرة عن رؤوسكم
وكأنه يقول طأطئوا رؤوسكم تواضعا ولا ترفعوها بالمفاخرة إلى حيث تصيبها تيجانها ،
ويروى وضعوا تيجان المفاخرة بدون لفظ عن وهو ظاهر . وعرج عن الطريق مال
عنه وتنكبه ( 2 ) المفلح أحد رجلين إما ناهض للامر بجناح أي بناصر ومعين يصل
بمعونته إلى ما نهض إليه ، وإما مستسلم يريح الناس من المنازعة بلا طائل وذلك عند
عدم الناصر ، وهذا ينحو نحو قول عنترة لما قيل له إنك أشجع العرب فقال لست
بأشجعهم ولكني أقدم إذا كان الاقدام عزما وأحجم إذا كان الاحجام حزما ( 3 )
الآجن المتغير الطعم واللون لا يستساغ ، والاشارة إلى الخلافة ، أي أن الامرة على الناس
والولاية على شئونهم مما لا يهنأ لصاحبه بل ذلك أمر يشبه تناوله تناول الماء الآجن
ولا تحمد عواقبه كاللقمة يغص بها آكلها فيموت بها ( 4 ) يشير إلى أن ذلك لم يكن
الوقت الذي يسوغ فيه طلب الامر فلو نهض إليه كان كمجتني الثمرة قبل إيناعها
ونضجها وهو لا ينتفع بما جنى ، كما أن الزارع في غير أرضه لا ينتفع بما زرع ( 5 ) إن ( * ) =
ـ 41 ـ
اللتيا والتي ( 1 ) والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 41 سطر 1 الى ص 50 سطر 23
اللتيا والتي ( 1 ) والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي
أمه . بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب
الارشية في الطوي البعيدة ( 2 ) .
6 - ومن كلام له لما أشير عليه بأن لا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد لهما القتال ( 3 )
والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم ( 4 ) . حتى يصل
إليها طالبها ويختلها راصدها . ولكني أضرب بالمقبل إلى الحق المدبر
عنه . وبالسامع المطيع العاصي المريب أبدا . حتى يأتي علي يومي
* ( هامش ) * = تكلم بطلب الخلافة رماه من لايعرف حقيقة قصده بالحرص على السلطان وإن سكت
وهم يعلمونه أهلا للخلافة يرمونه بالجزع من الموت في طلب حقه ( 1 ) أي بعد ظن
من يرميني بالجزع بعد ما ركبت الشدائد وقاسيت المخاطر صغيرها وكبيرها . قيل إن
رجلا تزوج بقصيرة سيئة الخلق فشقى بعشرتها ثم طلقها وتزوج أخرى طويلة فكان
شقاؤه بها أشد فطلقها وقال لا أتزوج بعد اللتيا والتي يشير بالاولى إلى الصغيرة وبالثانية
إلى الكبيرة فصارت مثلا في الشدائد والمصاعب صغيرها وكبيرها . وقوله هيهات الخ
نفي لما عساهم يظنون من جزعه من الموت عند سكوته ( 2 ) أدمجه لفه في ثوب
فاندمج ، أي انطويت على علم والتففت عليه . والارشية جمع رشاء بمعنى الحبل ، والطوى
جمع طوية وهي البئر ، والبعيدة بمعنى العميقة ، أو هي بفتح الطاء كعلي ، بمعنى السقاء
ويكون البعيدة نعتا سببيا أي البعيدة مقرها من البئر أو نسبة البعد إليها في العبارة
مجاز عقلي ( 3 ) يرصد يترقب أو هو رباعى من الارصاد بمعنى الاعداد ، أي ولا يعد لهما
القتال ( 4 ) اللدم الضرب بشئ ثقيل يسمع صوته . قال أبوعبيد يأتي صائد الضبع
فيضرب بعقبه الارض عند باب جحرها ضربا غير شديد وذلك هو اللدم ثم يقول
خامري أم عامر بصوت ضعيف يكررها مرارا فتنام الضبع على ذلك فيجعل في
عرقوبها حبلا ويجرها فيخرجها ، وخامري أي استتري في جحرك ويقال خامر ( * ) =
ـ 42 ـ
فوالله مازلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علي منذ قبض الله نبيه صلى
الله عليه وسلم حتى يؤم الناس هذا
7 - ومن خطبة له عليه السلام
اتخذوا الشيطان لامرهم ملاكا ( 1 ) ، واتخذهم له أشراكا .
فباض وفرخ في صدورهم ( 2 ) . ودب ودرج في حجورهم ( 3 ) . فنظر بأعينهم
ونطق بألسنتهم . فركب بهم الزلل وزين لهم الخطل ( 4 ) فعل من
قد شركه الشيطان في سلطانه ونطق بالباطل على لسانه .
8 - ( ومن كلام له عليه السلام يعني به الزبير في حال اقتضت ذلك )
يزعم أنه قد بايع بيده ولم يبايع بقلبه . فقد أقر بالبيعة وادعى
الوليجة ( 5 ) فليأت عليها بأمر يعرف . وإلا فليدخل فيما خرج منه
9 - ومن كلام له عليه السلام
وقد أرعدوا وأبرقوا ، ومع هذين الامرين الفشل . ولسنا نرعد
* ( هامش ) * = الرجل منزله إذا لزمه ( 1 ) ملاك الشئ بالفتح ويكسر قوامه الذي يملك به . والاشراك
جمع شريك كشريف وأشراف فجعلهم شركاءه أو جمع شرك وهو ما يصاد به فكأنهم
آلة الشيطان في الاضلال ( 2 ) باض وفرخ كناية عن توطنه صدورهم وطول مكثه
فيها ، لان الطائر لا يبيض إلا في عشه . وفراخ الشيطان وساوسه ( 3 ) دب ودرج الخ
اي أنه تربى في حجورهم كما يربى الاطفال في حجور والديهم حتى بلغ صوته وملك
قوته ( 4 ) الخطل أقبح الخطأ . والزلل الغلط والخطأ ( 5 ) الوليجة الدخيلة وما يضمر في ( * ) =
ـ 43 ـ
حتى نوقع ( 1 ) . ولا نسيل حتى نمطر .
10 - ومن خطبة له عليه السلام
ألا وإن الشيطان قد جمع ( حزبه ) . واستجلب خيله ورجله . وإن
معي لبصيرتي ما لبست علي نفسي ولا لبس علي . وأيم الله لا أفرطن
لهم حوضا أنا ماتحه ( 2 ) لا يصدرون عنه ولا يعودون إليه ( 3 )
11 - ومن كلام له عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية
لما أعطاه الراية يوم الجمل
تزول الجبال ولا تزل . عض على ناجذك ( 4 ) . أعر الله جمجمتك . تد
في الارض قدمك ( 5 ) . أرم ببصرك أقصى القوم . وغض بصرك ( 6 ) واعلم
* ( هامش ) * = القلب ويكتم ، والبطانة ( 1 ) إذا أوقعنا بعدو أوعدنا آخر بأن يصيبه ما أصاب سابقه ،
وإذا أمطرنا أسلنا ، أما أولئك الذين يقولون نفعل ونفعل وما هم بفاعلين فهم بمنزلة من
يسيل قبل المطر وهو محال غير موجود فهم كالاعدام فيما به يوعدون ( 2 ) أفرطه
ملاه حتى فاض . والماتح من متح الماء نزعه ، أي أنا نازع مائه من البئر فمالئ به
الحوض وهو حوض البلاء والفناء ، أو أنا الذي أسقيهم منه ( 3 ) أي أنهم سيردون
الحرب فيموتون عندها ولا يصدرون عنها ومن نجا منهم فلن يعود إليها ( 4 ) النواجذ
أقسى الاضراس أو كلها أو الانياب والناجذ واحدها . قيل إذا عض الرجل على أسنانه
اشتدت أعصاب رأسه وعظامه ولهذا يوصى به عند الشدة ليقوي ، والصحيح أن ذلك
كناية عن الحمية فإن من عادة الانسان إذا حمي واشتد غيظه على عدوه عض على
أسنانه . وأعر أمر من أعار ، أي ابذل جمجمتك لله تعالى كما يبذل المعير ماله للمستعير
( 5 ) أي ثبتها من وتد يتد ( 6 ) ارم ببصرك الخ أي أحط بجميع حركاتهم وغض ( * ) =
ـ 44 ـ
أن النصر من عند الله سبحانه
12 - ومن خطبة له عليه السلام
لما أظفره الله بأصحاب الجمل وقد قال له بعض أصحابه وددت
أن أخي فلانا كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعدائك . فقال
له عليه السلام أهوى أخيك معنا ؟ ( 1 ) فقال نعم ، قال فقد شهدنا . ولقد
شهدنا في عسكرنا هذا أقوام في أصلاب الرجال وأرحام النساء ،
سيرعف بهم الزمان ( 2 ) ويقوى بهم الايمان
13 - ومن كلام له عليه السلام في ذم أهل البصرة
كنتم جند المرأة . وأتباع البهيمة ( 3 ) . رغا فأجبتم . وعقر
* ( هامش ) * = النظر عما يخيفك منهم أي لا يهولنك منهم هائل ( 1 ) هوى أخيك أي ميله ومحبته
( 2 ) يرعف بهم أى سيجود بهم الزمان كما يجود الانف بالرعاف يأتي بهم على غير
انتظار ( 3 ) يريد الجمل ، ومجمل القصة أن طلحة والزبير بعد ما بايعا أمير المؤمنين فارقاه
في المدينة وأتيا مكة مغاضبين ، فالتقيا بعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فسألتهما الاخبار فقالا
إنا تحملنا هربا من غوغاء العرب بالمدينة وفارقنا قومنا حيارى لا يعرفون حقا
ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم ، فقالت ننهض إلى هذه الغوغاء أو نأتي الشام .
فقال أحد الحاضرين لا حاجة لكم في الشام قد كفاكم أمرها معاوية فلنأت البصرة
فإن لاهلها هوى مع طلحة ، فعزموا على المسير وجهزهم يعلى بن منبه وكان واليا لعثمان
على اليمن وعزله علي كرم الله وجهه وأعطى للسيدة عائشة جملا اسمه عسكر ونادى مناديها
في الناس بطلب ثأر عثمان فاجتمع نحو ثلاثة آلاف فسارت فيهم إلى البصرة وبلغ ( * ) =
ـ 45 ـ
فهربتم . أخلاقكم دقاق ( 1 ) وعهد كم شقاق ، ودينكم نفاق ،
وماؤ كم زعاق ( 2 ) . والمقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه ، والشاخص
عنكم متدارك برحمة من ربه . كأني بمسجدكم كجؤجؤ سفينة ( 3 )
قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها وغرق من في ضمنها .
( وفي رواية ) وايم الله لتغرقن بلدتكم حتى كأني أنظر إلى مسجدها
كجؤجؤ سفينة . أو نعامة جاثمة ( 4 ) . ( وفي رواية ) كجؤجؤ طير في
لجة بحر . ( وفي رواية ) أخرى بلادكم أنتن بلاد الله تربة ، أقربها
من الماء وأبعدها من السماء . وبها تسعة أعشار الشر . المحتبس فيها
بذنبه والخارج بعفو الله . كأني أنظر إلى قريتكم هذه قد طبقها
الماء حتى ما يرى منها إلا شرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر
* ( هامش ) * = الخبر عليا فأوسع لهم النصيحة وحذرهم الفتنة فلم ينجح النصح . فتجهز لهم وأدركهم
بالبصرة وبعد محاولات كثيرة منه يبغى بها حقن الدماء انتشبت الحرب بين الفريقين
واشتد القتال ، وكان الجمل يعسوب البصريين قتل دونه خلق كثير من الفئتين
وأخذ خطامه سبعون قرشيا ما نجا منهم أحد وانتهت الموقعة بنصر علي كرم الله
وجهه بعد عقر الجمل . وفيها قتل طلحة والزبير وقتل سبعة عشر ألفا من أصحاب الجمل
وكانوا ثلاثين ألفا . وقتل من أصحاب علي الف وسبعون الصدر ( 4 ) من جثم إذا وقع على صدره أو تلبد بالارض . وقد
وقع ما أوعد به أمير المؤمنين فقد غرقت البصرة جاءها الماء من بحر فارس من جهة
الموضع المعروف بجزيرة الفرس ومن جهة الجبل المعروف بجبل السنام ولم يبق ظاهرا ( * ) =
ـ 46 ـ
14 - ومن كلام له عليه السلام في مثل ذلك
أرضكم قريبة من الماء . بعيدة من السماء . خفت عقولكم
وسفهت حلومكم . فأنتم غرض لنابل ( 1 ) ، وأكلة لآكل ، وفريسة
لصائل .
15 - ومن كلام له عليه السلام فيما رده على المسلمين
من قطائع عثمان رضي الله عنه ( 2 )
والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الاماء لرددته فإن
في العدل سعة ، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق ( 3 ) .
16 - ومن كلام له عليه السلام لما بويع بالمدينة
ذمتي بما أقول رهينة ( 4 ) . وأنا به زعيم إن من صرحت له العبر
* ( هامش ) * = منها إلا مسجدها الجامع ، ومعنى قوله أبعدها من السماء أنها في أرض منخفضة
والمنخفض أبعد عن السماء من المرتفع بمقدار انخفاضه وارتفاع المرتفع ( 1 ) الغرض
ما ينصب ليرمى بالسهام . والنابل الضارب بالنبل ( 2 ) قطائع عثمان ما منحه للناس من
الاراضي ( 3 ) أي أن من عجز عن تدبير أمره بالعدل فهو عن التدبير بالجور أشد
عجزا ، فإن الجور مظنة أن يقاوم ويصد عنه ، وهذه الخطبة رواها الكلبي مرفوعة
إلى أبي صالح عن ابن عباس إن عليا خطب ثاني يوم من بيعته في المدينة فقال : ألا
أن كل قطيعة أقطعها عثمان وكل ما أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال ، فان
الحق القديم لا يبطله شئ ، ولو وجدته قد تزوج الخ ( 4 ) الذمة العهد تقول هذا الحق في ( * ) =
ـ 47 ـ
عما بين يديه من المثلات ( 1 ) حجزته التقوى عن تقحم الشبهات . ألا
وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم صلى الله عليه
وآله ( 2 ) والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة . ولتغربلن غربلة . ولتساطن
سوط القدر ( 3 ) حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم .
وليسبقن سابقون كانوا قصروا . وليقصرن سباقون كانوا سبقوا ( 4 ) .
* ( هامش ) * = ذمتي كما تقول في عنقي وذلك كناية عن الضمان والالتزام . والزعيم الكفيل . يريد
أنه ضامن لصدق ما يقول كفيل بأنه الحق الذي لا يدافع ( 1 ) العبر بكسر ففتح جمع
عبرة بمعنى الموعظة ، والمثلات العقوبات ، أي من كشف له النظر في أحوال من سبق
بين يديه وحقق له الاعتبار والاتعاظ أن العقوبات التي نزلت بالامم والاجيال والافراد
من ضعف وذل وفاقة وسوء حال انما كانت بما كسبوا من ظلم وعدوان وما لبسوا من
جهل وفساد أحوال ملكته التقوى وهي التحفظ من الوقوع فيما جلب تلك العقوبات
لاهلها فمنعته عن تقحم الشبهات والتردى فيها ، فإن الشبهة مظنة الخطيئة والخطيئة مجلبة .
العقوبة ( 2 ) إن بلية العرب التي كانت محيطة بهم يوم بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم هي
بلية الفرقة ومحنة الشتات حيث كانوا متباغضين متنافرين يدعو كل إلى عصبيته
وينادي نداء عشيرته يضرب بعضهم رقاب بعض ، فتلك الحالة التي هي مهلكة الامم
قد صاروا إليها بعد مقتل عثمان ، بعثت العداوات التي كان قد قتلها الدين ، ونفخت
روح الشحناء بين الامويين والهاشميين واتباع كل ولا حول ولا قوة إلا بالله
( 3 ) لتبلبلن أي لتخلطن . من نحو تبلبلت الالسن اختلطت ، ولتغربلن أي لتقطعن من
غربلت اللحم أي قطعته ولتساطن من السوط وهو أن تجعل شيئين في الاناء وتضربهما
بيدك حتى يختلطا . وقوله سوط القدر أي كما تختلط الابزار ونحوها في القدر عند
غليانه فينقلب أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها ، وكل ذلك حكاية عما يؤولون إليه من
الاختلاف وتقطع الارحام وفساد النظام ( 4 ) ولقد سبق معاوية إلى مقام الخلافة وقد
كان في قصوره عنه بحيث لا يظن وصوله إليه ، وقصر آل بيت النبوة عن بلوغه ( * ) =
ـ 48 ـ
والله ما كتمت وشمة ( 1 ) ولا كذبت كذبة . ولقد نبئت بهذا المقام
وهذا اليوم . ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت
لجمها فتقحمت بهم في النار ( 2 ) . ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها
أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة . حق وباطل . ولكل أهل ( 3 )
فلئن أمر الباطل لقديما فعل . ولئن قل الحق فلربما ولعل . ولقلما
أدبر شئ فأقبل ( 4 ) . أقول إن في هذا الكلام الادنى من مواقع
* ( هامش ) * = وقد كانوا أسبق الناس إليه ( 1 ) الوشمة الكلمة وقد كان رضي الله عنه لا يكتم شيئا
يحوك بنفسه ، كان أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر لا يحابي ولا يداري ولا يكذب
ولا يداجي ، وهذا القسم توطئة لقوله ولقد نبئت بهذا المقام أي أنه قد أخبر من قبل
على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بأن سيقوم هذا المقام ويأتي عليه يوم مثل هذا اليوم
( 2 ) الشمس بضمتين وضم فسكون جمع شموس وهي من شمس كنصر أي منع ظهره
أن يركب ، وفاعل الخطيئة إنما يقترفها لغاية زينت له يطلب الوصول إليها فهو شبيه
براكب فرس يجريه إلى غايته ، لكن الخطايا ليست إلى الغايات بمطايا فإنها اعتساف
عن السبيل واختباط في السير ، لهذا شبهها بالخيل الشمس التي قد خلعت لجمها لان من
لم يلجم نفسه بلجام الشريعة أفلتت منه إلى حيث ترديه وتتقحم به في النار . وتشبيه
التقوى بالمطايا الذلل ظاهر فإن التقوى تحفظ النفس من كل ما ينكبها عن صراط
الشريعة فصاحبها على الجادة لا يزال عليها حتى يوافى الغاية والذلل جمع ذلول وهي
المروضة الطائعة السلسة القياد ( 3 ) أي أن ما يمكن أن يكون عليه الانسان ينحصر في
أمرين الحق والباطل ولا يخلو العالم منهما ، ولكل من الامرين أهل ، فللحق أقوام
وللباطل أقوام . ولئن أمر الباطل أي كثر بكثرة أعوانه فلقد كان منه قديما لان
البصائر الزائغة عن الحقيقة أكثر من الثابتة عليها . ولئن كان الحق قليلا بقلة أنصاره
فلربما غلبت قلته كثرة الباطل ولعله يقهر الباطل ويمحقه ( 4 ) هذه الكلمة صادرة ( * ) =
ـ 49 ـ
الاحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان . وإن حظ العجب منه أكثر
من حظ العجب به وفيه مع الحال التي وصفنا زوائد من الفصاحة لا
يقوم بها لسان . ولا يطلع فجها إنسان ( 1 ) . ولا يعرف ما أقول إلا
من ضرب في هذه الصناعة بحق . وجرى فيها على عرق ( 2 ) . ( وما
يعقلها إلا العالمون ) .
ومن هذه الخطبة
شغل من الجنة والنار أمامه ( 3 ) ساع سريع نجا ( 4 ) وطالب بطئ
* ( هامش ) * = من ضجر بنفسه يستبعد بها أن تعود دولة لقوم بعد ما زالت عنهم ومن هذا المعنى
قول الشاعر .
- وقالوا يعود الماء في النهر بعدما * ذوى نبت جنبيه وجف المشارع
- فقلت إلى أن يرجع النهر جاريا * ويوشب جنباه يموت الضفادع ( 1 ) لا يطلع من قولهم اطلع الارض أي بلغها ، والفج الطريق الواسع بين
جبلين في قبل من أحدهما ( 2 ) العرق الاصل أي سلك في العمل بصناعة الفصاحة
والصدور عن ملكتها على أصولها وقواعدها ( 3 ) شغل مبني للمجهول نائب فاعله
من والجنة والنار مبتدا خبره أمامه . والجملة صلة من أي كفى شاغلا أن تكون الجنة
والنار أمامك . ومن كانت أمامه الجنة والنار على ما وصف الله سبحانه فحري به أن تنفد
أوقاته جميعها في الاعداد للجنة والابتعاد عما عساه يؤدي إلى النار ( 4 ) يقسم الناس
إلى ثلاثة أقسام الاول الساعى إلى ما عند الله السريع في سعيه وهو الواقف عند حدود
الشريعة لا يشغله فرضها عن نفلها ولا شاقها عن سهلها والثاني الطالب البطئ له
قلب تعمره الخشية وله صلة إلى الطاعة لكن ربما قعد به عن السابقين ميل إلى الراحة
فيكتفى من العمل بفرضه وربما انتظر به غير وقته وينال من الرخص حظه وربما ( * ) =
ـ 50 ـ
رجا ومقصر في النار هوى . اليمين والشمال مضلة . والطريق الوسطى
هي الجادة ( 1 ) . عليها باقي الكتاب وآثار النبوة . ومنها منفذ السنة
وإليها مصير العاقبة . هلك من ادعى وخاب من افترى . من أبدى
صفحته للحق هلك ( 2 ) وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره . لا يهلك
على التقوى سنخ أصل ( 3 ) . ولا يظمأ عليها زرع قوم . فاستتروا
ببيوتكم . وأصلحوا ذات بينكم . والتوبة من ورائكم ولا يحمد
حامد إلا ربه ولا يلم لائم إلا نفسه
* ( هامش ) * = كانت له هفوات ولشهوته نزوات على أنه رجاع إلى ربه كثير الندم على ذنبه فذلك
الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا فهو يرجو أن يغفر له والقسم الثالث المقصر وهو
الذي حفظ الرسم ولبس الاسم وقال بلسانه أنه مؤمن وربما شارك الناس فيما يأتون
من أعمال ظاهرة كصوم وصلاة وما شابههما وظن أن ذلك كل ما يطلب منه ثم لا تورده
شهوته منهلا إلا عب منه ولا يميل به هواه إلى أمر إلا انتهى إليه فذلك عبد الهوى
وجدير به أن يكون في النار هوى ( 1 ) اليمين والشمال مثال لما زاغ عن جادة الشريعة .
والطريق الوسطى مثال للشريعة القويمة . ثم أخذ يبين أن الجادة والطريق الوسطى
وهي سبيل النجاة جاء الكتاب هاديا إليها والسنة لا تنفذ إلا منها فمن خالف الكتاب
ونبذ السنة ثم ادعى أنه على الجادة فقد كذب ولهذا يقول خاب من ادعى أي من
ادعى دعوة وكذب فيها ولم يكن عنده مما يدعيه إلا مجرد الدعوى فقد هلك لانه مائل
عن الجادة ( 2 ) الرواية الصحيحة هكذا من أبدى صفحته للحق هلك أي من كاشف
الحق مخاصما له مصارحا له بالعداوة هلك ويروى من أبدى صفحته للحق هلك عند
جهلة الناس وعلى هذه الرواية يكون المعنى من ظاهر الحق ونصره غلبته الجهلة بكثرتهم
وهم أعوان الباطل فهلك ( 3 ) السنخ المثبت يقال ثبتت السن في سنخها أي منبتها ،
والاصل لكل شئ قاعدته وما قام عليه بقيته فأصل الجبل مثل أسفله الذي يقوم عليه ( * ) =
ـ 51 ـ
17 - ومن كلام له عليه السلام في صفة من يتصدى
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 51 سطر 1 الى ص 60 سطر 19
17 - ومن كلام له عليه السلام في صفة من يتصدى
للحكم بين الامة وليس لذلك بأهل
إن أبغض الخلائق إلى الله رجلان : رجل وكله الله إلى نفسه ( 1 )
فهو جائر عن قصد السبيل مشغوف بكلام بدعة . ودعاء ضلالة . فهو
فتنة لمن افتتن به . ضال عن هدي من كان قبله . مضل لمن اقتدى
به في حياته وبعد وفاته . حمال خطايا غيره . رهن بخطيئته ( 2 ) ورجل
قمش جهلا . ( 3 )
* ( هامش ) * = أعلاه ، وأصل النبات جذره الذاهب في منبته ، وهلاك السنخ فساده حتى لا يثبت
فيه أصول ما اتصل به ولا ينمو غرس فيه ، وكل عمل ذهبت أصوله في أسناخ
التقوى كان جديرا بأن تثبت أصوله وتنمو فروعه ويزكو بزكاء منبته ومغرس أصله
وهو التقوى وكما أن التقوى سنخ لاصول الاعمال كذلك منها تستمد الاعمال غذاءها
وتستقي ماءها من الاخلاص وجدير بزرع يسقى بماء التقوى أن لا يظمأ وعليها في
الموضعين في معنى معها ، وقد يقال في قوله سنخ أصل أنه هو على نحو قول القائل
إذا خاص عينيه كرى النوم ، والكرى هو النوم ، والسنخ هو الاصل ، والاليق
بكلام الامام ما قدمناه ( 1 ) وكله الله إلى نفسه تركه ونفسه وهو كناية عن ذهابه
خلف هواه فيما يعتقد لا يرجع إلى حقيقة من الدين ولا يهتدي بدليل من الكتاب ،
فهذا جائر عن قصد السبيل وعادل عن جادته ، والمشغوف بشئ المولع به وكلام البدعة
ما اخترعته الاهواء ولم يعتمد على ركن من الحق ركين ( 2 ) هذا الضال المولع بتنميق
الكلام لتزيين البدعة الداعي إلى الضلالة قد غرر بنفسه وأوردها هلكتها فهو رهن
بخطيئته لا مخرج له منها وهو مع ذلك حامل لخطايا الذين أضلهم وأفسد عقائدهم
بدعائه كما قال تعالى وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ( 3 ) قمش جهلا جمعه والجهل ( * ) =
ـ 52 ـ
موضع في جهال الامة ( 1 ) عاد في أغباش الفتنة . عم بما في عقد
الهدنة ( 2 ) قد سماه أشباه الناس عالما وليس به . بكر فاستكثر من جمع
ما قل منه خير مما كثر ( 3 ) حتى إذا ارتوى من آجن . واكتنز من
غير طائر ( 4 ) . جلس بين الناس قاضيا . ضامنا لتخليص ما التبس على
* ( هامش ) * = هنا بمعنى المجهول وكما يسمى المعلوم علما بل قال قوم إن العلم هو صورة الشئ في
العقل وهو المعلوم حقيقة كذلك يسمى المجهول جهلا بل الصورة التي اعتبرت مثالا
لشئ وليست بمنطبقة عليه هي الجهل حقيقة بالمعنى المقابل للعلم بذلك التفسير السابق
فالجهل المجموع هو المسائل والقضايا التي يظنها جامعها تحكي واقعا ولا واقع لها ( 1 ) موضع
في جهال الامة مسرع فيهم بالغش والتغرير وضع البعير أسرع وأوضعه راكبه فهو
موضع به أي مسرع به ، وقوله عاد في أغباش الفتنة الاغباش الظلمات واحدها غبش
بالتحريك وأغباش الليل بقايا ظلمته . وعاد بمعنى مسرع في مشيته أي أنه ينتهز افتتان
الناس بجهلهم وعماهم في فتنتهم فيعدو إلى غايته من التصدر فيهم والسيادة عليهم بما
جمع مما يظنه الجهلة علما وليس به . ويروى غار في أغباش الفتنة من غره يغره إذا
غشه وهو ظاهر ( 2 ) عم وصف من العمى أي جاهل بما أودعه الله في السكون
والاطمئنان من المصالح ، وقد يراد بالهدنة إمهال الله له في العقوبة وإملاؤه في أخذه
ولو عقل ما هيأ الله له من العقاب لاخذ من العلم بحقائقه وأوغل في النظر لفهم دقائقه
ونصح لله ولرسوله وللمؤمنين ( 3 ) بكر بادر إلى الجمع كالجاد في عمله يبكر إليه من أول
النهار فاستكثر أي احتاز كثيرا من جمع بالتنوين أي مجموع قليله خير من كثيره إن
جعلت ما موصولة فإن جعلتها مصدرية كان المعنى قلته خير من كثرته ، ويروى جمع
بغير تنوين ولابد من حذف على تلك الرواية أي من جمع شئ قلته خير من كثرته
( 4 ) الماء الآجن الفاسد المتغير الطعم واللون شبه به تلك المجهولات التي ظنها معلومات
وهي تشبه العلم في أنها صور قائمة بالذهن فكأنها من نوعه كما أن الآجن من نوع
الماء لكن الماء الصافي ينقع الغلة ويطفئ من الاوار والآجن يجلب العلة ويفضي ( * ) =
ـ 53 ـ
غيره ( 1 ) . فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشوا رثا من رأيه
ثم قطع به ( 2 ) . فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت ( 3 ) .
لا يدري أصاب أم أخطأ فإن أصاب خاف أن يكون أخطأ . وإن
أخطأ رجا أن يكون قد أصاب . جاهل خباط جهالات . عاش ركاب
عشوات ( 4 ) لم يعض على العلم بضرس قاطع ( 5 ) يذري الروايات إذراء
الريح الهشيم . لا ملئ والله بإصدار ما ورد عليه . ولا هو أهل لما
* ( هامش ) * = يشار به إلى البوار . واكتنز أي عدما جمعه كنزا وهو غير طائل أي دون خسيس ( 1 ) التخليص التبيين ، والتبس على غيره اشتبه عليه ( 2 ) المبهمات المشكلات لانها
أبهمت عن البيان كالصامت الذي لم يجعل على ما في نفسه دليلا ومنه قيل لما لا ينطق
من الحيوان بهيمة ، والحشو الزائد لا فائدة فيه ، والرث الخلق البالي ضد الجديد أي
أنه يلاقي المبهمات برأي ضعيف لا يصيب من حقيقتها شيئا بل هو حشو لا فائدة له في
تبينها ثم يزعم بذلك أنه بينها ( 3 ) الجاهل بشئ ليس على بينة منه فإذا أثبته عرضت
له الشبهة في نفيه وإذا نفاه عرضت له الشبهة في إثباته فهو في ضعف حكمه في مثل
نسج العنكبوت ضعفا ولا بصيرة له في وجوه الخطأ والاصابة فإذا حكم لم يقطع بأنه
مصيب أو مخطئ وقد جاء الامام في تمثيل حاله بأبلغ ما يمكن من التعبير عنه ( 4 ) خباط
صيغة مبالغة من خبط الليل إذا سار فيه على غير هدى ، ومنه خبط عشواء ، وشبه
الجهالات بالظلمات التي يخبط فيها السائر وأشار إلى التشبيه بالخبط . والعاشي الاعمى
أو ضعيف البصر أو الخابط في الظلام فيكون كالتأكيد لما قبله ، والعشوات جمع عشوة
مثلثة الاول وهي ركوب الامر على غير هدى ( 5 ) من عادة عاجم العود أي مختبره
ليعلم صلابته من لينه أن يعضه فلهذا ضرب المثل في الخبرة بالعض بضرس قاطع أي
أنه لم يأخذ العلم اختبارا بل تناوله كما سول الوهم وصور الخيال ولم يعرض على محض
الخبرة ليتبين أحق هو أم باطل ( 6 ) الهشيم ما يبس من النبت وتفتت . وأذرته الريح ( * ) =
ـ 54 ـ
فوض إليه ( 1 ) . لا يحسب العلم في شئ مما أنكره * ولا يرى أن
من وراء ما بلغ مذهبا لغيره . وإن أظلم أمر اكتتم به ( 2 ) لما يعلم
من جهل نفسه . تصرخ من جور قضائه الدماء . وتعج منه المواريث ( 3 )
إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهالا ( 4 ) ويموتون ضلالا ليس
فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ( 5 ) . ولا سلعة
أنفق بيعا ولا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرف عن مواضعه . ولا
عندهم أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر .
18 - ومن كلام له عليه السلام في ذم اختلاف العلماء في الفتيا
ترد على أحدهم القضية في حكم من الاحكام فيحكم فيها
* ( هامش ) * = إذراء أطارته ففرقته ويروى تذرو الروايات كما تذرو الريح الهشيم وهي أفصح قال
الله تعالى ( فأصبح هشيما تذروه الرياح ) وكما أن الريح في حمل الهشيم وتبديده لا تبالي
بتمزيقه واختلال نسقه كذلك هذا الجاهل يفعل في الروايات ما تفعل الريح بالهشيم ( 1 ) الملئ بالقضاء من يحسنه ويجيد القيام عليه وهذا لا ملئ بإصدار القضايا التي
ترد عليه وارجاعها عنه مفصولا فيها النزاع مقطوعا فيها الحكم أي غير قيم بذلك
ولا غناء فيه لهذا الامر الذي تصدر له وروى ابن قتيبة بعد قوله لا ملئ والله بإصدار
ما ورد عليه ( ولا أهل لما قرظ به ) أي مدح به بدل ولا هو أهل لما فوض إليه
( 2 ) اكتتم به أي كتمه وستره ( 3 ) العج رفع الصوت وصراخ الدماء وعج المواريث
تمثيل لحدة الظلم وشدة الجور ( 4 ) إلى الله متعلق بأشكو . وفي رواية إسقاط لفظ
أشكو فيكون إلى الله متعلقا بتعج ، وقوله من معشر يشير إلى أولئك الذين قمشوا
جهلا ( 5 ) تلى حق تلاوته أخذ على وجهه وما يدل عليه جملته وفهم كما كان النبي ( * ) =
ـ 55 ـ
برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه ثم
يجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم ( 1 ) فيصوب آراءهم
جميعا وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد . أفأمرهم الله تعالى
بالاختلاف فأطاعوه . أم نهاهم عنه فعصوه . أم أنزل الله دينا ناقصا
فاستعان بهم على إتمامه . أم كانوا شركاء له . فلهم أن يقولوا وعليه
أن يرضى أم أنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه
وآله عن تبليغه وأدائه والله سبحانه يقول ( ما فرطنا في الكتاب من
شئ ) فيه تبيان كل شئ وذكر أن الكتاب يصدق بعضه
بعضا وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه ( ولو كان من عند غير الله
لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) . وإن القرآن ظاهره أنيق ( 2 ) . وباطنه
عميق . لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ولا تكشف الظلمات
إلا به
* ( هامش ) * = وأصحابه صلى الله عليه وسلم يفهمونه ، وأبور من بارت السلعة كسدت ، وأنفق من النفاق بالفتح
وهو الرواج وما أشبه حال هذا المعشر بالمعاشر من أهل هذا الزمان ( 1 ) الامام الذي
استقضاهم الخليفة الذي ولاهم القضاء ( 2 ) أنيق حسن معجب ، وآنقني الشئ
أعجبني ( * )
ـ 56 ـ
19 - ومن كلام له عليه السلام
قاله للاشعث بن قيس وهو على منبر الكوفة يخطب فمضى في بعض
كلامه شئ اعترضه الاشعث فقال يا أمير المؤمنين هذه عليك
لا لك ( 1 ) فخفض عليه السلام إليه بصره فقال
ما يدريك ما علي مما لي عليك لعنة الله ولعنة اللاعنين . حائك
ابن حائك ( 2 ) منافق بن كافر ( 3 ) والله لقد أسرك الكفر مرة والاسلام
أخرى ( 4 ) . فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك وإن امرأ دل
* ( هامش ) * ( 1 ) كان أمير المؤمنين يتكلم في أمر الحكمين فقام رجل من أصحابه وقال
نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها فلم ندر أي الامرين أرشد فصفق بإحدى يديه على
الاخرى وقال هذا جزاء من ترك العقيدة فقال الاشعث ما قال وأمير المؤمنين يريد
هذا جزاؤكم فيما تركتم الحزم وشغبتم وألجأتموني لقبول الحكومة ( 2 ) قيل
ان الحائكين أنقص الناس عقلا وأهل اليمن يعيرون بالحياكة ، والاشعث يمنى من
كندة قال خالد بن صفوان في ذم اليمانيين . ليس فيهم الا حائك برد أو دابغ جلد
أو سائس قرد ملكتهم امرأة وأغرقتهم فأرة ودل عليهم هدهد ( 3 ) كان الاشعث
في أصحاب علي كعبد الله بن أبي ابن سلول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كل منهما
رأس النفاق في زمنه ( 4 ) أسر مرتين مرة وهو كافر في بعض حروب الجاهلية وذلك
أن قبيلة مراد قتلت قيسا الاشج أبا الاشعث فخرج الاشعث طالبا بثأر أبيه فخرجت
كندة متساندين إلى ثلاثة ألوبة على أحدها كبش بن هانئ وعلى أحدها القشعم
ابن الارقم وعلى أحدها الاشعث فأخطأوا مرادا ووقعوا على بني الحارث بن كعب
فقتل كبش والقشعم وأسر الاشعث وفدى بثلاثة آلاف بعير لم يفد بها عربي قبله ( * ) =
ـ 57 ـ
على قومه السيف . وساق إليهم الحتف . لحري أن يمقته الاقرب .
ولا يأمنه الا بعد ( 1 ) . *
20 - ومن كلام له عليه السلام
فإنكم لو عاينتم ما قد عاين من مات منكم لجزعتم
ووهلتم ( 2 ) وسمعتم وأطعتم . ولكن محجوب عنكم ما قد عاينوا .
وقريب ما يطرح الحجاب ( 3 ) ولقد بصرتم إن أبصرتم وأسمعتم إن
* ( هامش ) * = ولا بعده ، فمعنى قول أمير المؤمنين فما فداك لم يمنعك من الاسر وأما أسر الاسلام له
فذلك أن بني وليعة لما ارتدوا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وقاتلهم زياد بن لبيد البياضي
الانصاري لجاؤا إلى الاشعث مستنصرين به فقال لا أنصركم حتى تملكوني فتوجوه
كما يتوج الملك من قحطان فخرج معهم مرتدا يقاتل المسلمين وأمد أبوبكر زيادا
بالمهاجرين أبي أمية فالتقوا بالاشعث فتحصن منهم فحاصروه أياما ثم نزل إليهم على
أن يؤمنوه وعشرة من أفار به حتى يأتي أبا بكر فيرى فيه رأيه وفتح لهم الحصن فقتلوا
كل من فيه من قوم الاشعث إلا العشرة الذين عزلهم وكان المقتولون ثمانمائة ثم حملوه
أسيرا مغلولا إلى أبي بكر فعفا عنه وعمن كان معه وزوجه أخته أم فروة بنت
أبي قحافة ( 1 ) دلالة السيف على قومه وسوق الحتف إليهم تسليمهم لزياد بن لبيد
وفتح الحصن عليهم حتى قتلهم كما تقدم وإن كان الذي ينقل عن الشريف الرضي أن
ذلك إشارة إلى وقعة جرت بين الاشعث وخالد بن الوليد في حرب المرتدين باليمامة وأن
الاشعث دل خالدا على مكامن قومه ومكر بهم حتى أوقع بهم خالد فإن ما نقله الشريف
لا يتم إلا إذا قلنا أن بعض القبائل من كندة كانت انتقلت من اليمن إلى اليمامة
وشاركت أهل الردة في حروبهم وفعل بهم الاشعث ما فعل وعلى كل حال فقد كان
الاشعث ملوما على ألسنة المسلمين والكافرين وكان نساء قومه يسمينه عرف النار
وهو اسم للغادر عندهم ( 2 ) الوهل الخوف وهل يوهل ( 3 ) ما مصدرية أي قريب ( * ) =
ـ 58 ـ
سمعتم وهديتم إن اهتديتم . بحق أقول لكم لقد جاهرتكم العبر ( 1 )
وزجرتم بما فيه مزدجر . وما يبلغ عن الله بعد رسل السماء إلا
البشر ( 2 )
21 - ومن خطبة له عليه السلام
فإن الغاية أمامكم ( 3 ) وإن وراءكم الساعة تحدوكم . تخففوا
تلحقوا ( 4 ) . فإنما ينتظر بأولكم آخركم ( 5 ) ( أقول إن هذا الكلام
لو وزن بعد كلام الله سبحانه وبعد كلام رسول الله صلى الله عليه
* ( هامش ) * = طرح الحجاب وذلك عند نهاية الاجل ونزول المرء في أول منازل الآخرة
* وفي نسخة زيادة ( يريد عليه السلام أنه أسر في الكفر مرة وفي الا سلام مرة . وأما قوله عليه السلام
دل على قومه السيف فأراد به حديثا كان للاشعث مع خالد بن الوليد باليمامة غر فيه قومه ومكر بهم
حتى أوقع بهم خالد وكان قومه بعد ذلك يسمونه عرف النار وهو اسم للغادر عندهم . ( 1 ) جاهرتكم
العبر انتصبت لتنبهكم جهرا وصرحت لكم بعواقب أموركم ، والعبر جمع عبرة والعبرة
الموعظة لكنه أطلق اللفظ وأراد ما به الاعتبار مجازا فإن العبر التي جاهرتهم إما قوارع
الوعيد المنبعثة عليهم من ألسنة الرسل الالهيين وخلفائهم وإما ما يشهدونه من تصاريف
القدرة الربانية ومظاهرة العزة الالهية ( 2 ) رسل السماء الملائكة أي إن قلتم لم يأتنا
عن الله شئ فقد أقيمت عليكم الحجة بتبليغ رسول الله وارشاد خليفته ( 3 ) الغاية
الثواب أو العقاب والنعيم والشقاء فعليكم أن تعدوا للغاية ما يصل بكم إليها ولا تستبطئوها
فإن الساعة التي يصيبونها فيها وهي يوم القيامة آزفة إليكم فكأنها في تقربها نحوكم
وتقليل المسافة بينها وبينكم بمنزلة سائق يسوقكم إلى ما تسيرون إليه ( 4 ) سبق
سابقون بأعمالهم إلى الحسنى فمن أراد اللحاق بهم فعليه أن يتخفف من أثقال
الشهوات وأوزار العناء في تحصيل اللذات ويحفز بنفسه عن هذه الفانيات فيلحق
بالذين فازوا بعقبى الدار . وأصله الرجل يسعى وهو غير مثقل بما يحمله يكون أجدر أن
يلحق الذين سبقوه ( 5 ) أي أن الساعة لا ريب فيها وإنما ينتظر بالاول مدة لا يبعث ( * ) =
ـ 59 ـ
وآله بكل كلام لمال به راجحا وبرز عليه سابقا . فأما قوله عليه
السلام تخففوا تلحقوا فما سمع كلام أقل منه مسموعا ولا أكثر
محصولا وما أبعد غورها من كلمة . وأنقع نطفتها من حكمة ( 1 ) .
وقد نبهنا في كتاب الخصائص على عظم قدرها وشرف جوهرها . )
22 - ومن خطبة له عليه
ألا وإن الشيطان قد ذمر حزبه ( 2 ) واستجلب جلبه . ليعود
الجور إلى أوطانه . ويرجع الباطل إلى نصابه ( 3 ) . والله ما أنكروا
علي منكرا ، ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا ( 4 ) وإنهم ليطلبون حقا
هم تركوه . ودما هم سفكوه . فلئن كنت شريكهم فيه فإن
لهم لنصيبهم منه ولئن كانوا ولوه دوني فما التبعة إلا عندهم . وإن
أعظم حجتهم لعلى أنفسهم يرتضعون أما قد فطمت ( 5 ) . ويحيون
* ( هامش ) * = فيها حتى يرد الآخرون وينقضي دور الانسان من هذه الدنيا ولا يبقى على وجه
الارض أحد فتكون الساعة بعد هذا وذلك يوم يبعثون ( 1 ) من قولهم ماء ناقع
ونقيع أي ناجع أي إطفاء العطش ، والنطفة الماء الصافي ( 2 ) حثهم وحضهم والجلب
بالتحريك ما يجلب ( 3 ) النصاب الاصل أو المنبت ( 4 ) النصف بالكسر العدل أو
المنصف أي لم يحكموا العدل بيني وبينهم أو لم يحكموا عادلا ( 5 ) إذا فطمت الام ولدها
فقد انقضى إرضاعها وذهب لبنها يمثل به طلب الامر بعد فواته ( * )
ـ 60 ـ
بدعة قد أميتت . ياخيبة الداعي . من دعا وإلام أجيب ( 1 ) وإني لراض
بحجة الله عليهم . وعلمه فيهم . فإن أبوا أعطيتهم حد السيف .
وكفى به شافيا من الباطل وناصرا للحق . ومن العجب بعثهم إلي أن
أبرز للطعان . وأن أصبر للجلاد هبلتهم الهبول ( 2 ) لقد كنت وما
أهدد بالحرب ولا أرهب بالضرب . وإني لعلى يقين من ربي . وغير
شبهة من ديني .
23 - ومن خطبة له عليه السلام
أما بعد فإن الامر ينزل من السماء إلى الارض كقطرات المطر
إلى كل نفس بما قسم لها من زيادة أو نقصان فإذا رأى أحدكم لاخيه
غفيرة في أهل أو مال أو نفس ( 3 ) فلا تكونن له فتنة ؟ فإن المرء المسلم
البرئ من الخيانة مالم يغش دناءة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت وتغرى بها
لئام الناس كان كالفالج الياسر ( 4 ) الذي ينتظر أول فورة من قداحه
* ( هامش ) * ( 1 ) من استفهامية وما المحذوفة الالف لدخول إلى عليها كذلك . وهذا استفهام عن الداعى
ودعوته تحقيرا لهما . والكلام في أصحاب الجمل والداعي هو أحد الثلاثة الذين تقدم ذكرهم
في قصة الجمل عند الكلام في ذم البصرة ( 2 ) هبلتهم ثكلتهم والهبول بالفتح من النساء
التي لا يبقى لها ولد وهو دعاء عليهم بالموت لعدم معرفتهم بأقدار أنفسهم فالموت خير
لهم من حياة جاهلية ( 3 ) عفيرة زيادة وكثرة ( 4 ) الفالج الظافر فلج يفلج كنصر
ينصر ظفر وفاز ومنه المثل من يأتي الحكم وحده يفلج . والياسر الذي يلعب بقداح = ( * )
ـ 61 ـ
توجب له المغنم . ويرفع بها عنه المغرم وكذلك المرء المسلم
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 61 سطر 1 الى ص 70 سطر 19
توجب له المغنم . ويرفع بها عنه المغرم وكذلك المرء المسلم
البرئ من الخيانة ينتظر من الله إحدى الحسنيين . إما داعي الله فما
عند الله خير له . وإما رزق الله فإذا هو ذو أهل ومال ومعه دينه
وحسبه . إن المال والبنين حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة
وقد يجمعهما الله لاقوام فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه .
واخشوه خشية ليست بتعذير ( 1 ) . واعملوا في غير رياء ولا سمعة فإنه
من يعمل لغير الله يكله الله إلى من عمل له ( 2 ) . نسأل الله منازل
الشهداء . ومعايشة السعداء ومرافقة الانبياء .
* ( هامش ) * = الميسر أي المقامر . وفي الكلام تقديم وتأخير ونسقه كالياسر الفالج كقوله تعالى
( غرابيب سود ) وحسنه أن اللفظتين صفتان وإن كانت إحداهما إنما تأتي بعد
الاخرى إذا صاحبتها يريد أن المسلم إذا لم يأت فعلا دنيئا يخجل لظهوره وذكره
ويبعث لئام الناس على التكلم به فقد فاز بشرف الدنيا وسعادة الآخرة فهو شبيه
بالمقامر الفائز في لعبه لا ينتظر الا فوزا أي أن المسلم إذا برئ من الدناآت لا ينتظر
إلا إحدى الحسنيين إما نعيم الآخرة أو نعيم الدارين فجدير به أن لا يأسف على فوت
حظ من الدنيا فإنه إن فاته ذلك لم يفته نصيبه من الآخرة وهو يعلم أن الارزاق بتقدير
رزاقها فهو أرفع من أن يحسد أحدا على رزق ساقه الله عليه وقوله فاحذروا
ما حذركم الله من نفسه يريد احذروا الحسد فإن مبعثه انتقاص صنع الله تعالى
واستهجان بعض أفعاله وقد حذرنا الله من الجرأة على عظمته فقال وإياي فارهبون
واياي فاتقون ومايفوق الكثرة من الآيات الدالة على ذلك
( 1 ) مصدر عذر تعذيرا لم
يثبت له عذر أي خشية لا يكون فيها تقصير يتعذر معه الاعتذار ( 2 ) العامل لغير الله
لا يرجو ثواب عمله من الله وإنما يطلبه ممن عمل له فكأن الله قد تركه إلى من عمل له ( * ) =
ـ 62 ـ
أيها الناس إنه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال عن عشيرته
ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم وهم أعظم الناس حيطة من ورائه ( 1 )
وألمهم لشعثه وأعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به . ولسان الصدق
يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يورثه غيره ( 2 ) ( منها ) ألا لا
يعدلن أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدها بالذي لا
يزيده إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه ( 3 ) . ومن يقبض يده عن
عشيرته فإنما تقبض منه عنهم يد واحدة وتقبض منهم عنه أيد
كثيرة ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة ( أقول الغفيرة
ههنا الزيادة والكثرة من قولهم للجمع الكثير الجم الغفير والجماء
الغفير . ويروى عفوة من أهل أو مال . والعفوة الخيار من الشئ
يقال أكلت عفوة الطعام . أي خياره . وما أحسن المعنى الذي أراده
عليه السلام بقوله . ومن يقبض يده عن عشيرته إلى تمام الكلام
فإن الممسك خيره عن عشيرته إنما يمسك نفع يد واحدة فإذا احتاج
* ( هامش ) * = وجعل أمره إليه ( 1 ) حيطة كبينة أي رعاية وكلاءة ويروى حيطة بكسر الحاء وسكون
الياء مخففة مصدر حاطه يحوطه أي صانه وتعطف عليه وتحنن . والشعث بالتحريك التفرق
والانتشار ( 2 ) لسان الصدق حسن الذكر بالحق وهو في القرابة أولى وأحق ( 3 ) الخصاصة
الفقر والحاجة الشديدة ينهى أمير المؤمنين عن إهمال القريب إذا كان فقيرا ويحث ( * ) =
ـ 63 ـ
إلى نصرتهم واضطر إلى مرافدتهم ( 1 ) قعدوا عن نصره وتثاقلوا عن
صوته فمنع ترافد الايدي الكثيرة وتناهض الاقدام الجمة .
24 - ومن خطبة له عليه السلام
ولعمري ما علي من قتال من خالف الحق وخابط الغي من إدهان
ولا إيهان ( 2 ) فاتقوا الله عباد الله وفروا إلى الله من الله . وامضوا في الذي
نهجه لكم وقوموا بما عصبه بكم ( 3 ) . فعلي ضامن لفلجكم آجلا وإن
لم تمنحوه عاجلا ( 4 )
25 - ومن خطبة له عليه السلام
وقد تواترت عليه الاخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد
وقدم عليه عاملاه على اليمن وهما عبيد الله بن العباس وسعيد بن نمران
لما غلب عليها بسر بن أبي أرطاه ( 5 ) فقام عليه السلام إلى المنبر
* ( هامش ) * = على سد حاجته بالمال وأنواع المعاونة فإن ما يبذل في سد حاجة القريب لو لم يصرفه في
هذا السبيل وأمسكه لنفسه لم يزده في غناه أو في جاهه شيئا ولو بذله لم ينقصه من ذلك
كذلك ومعنى أهلكه بذله ( 1 ) المرافدة المعاونة ( 2 ) الادهان المنافقة والمصانعة ولا تخلو
من مخالفة الظاهر للباطن والغش . والايهان الدخول في الوهن وهو من الليل نحو نصفه
وهو هنا عبارة عن التستر والمخاتلة وقد يكون مصدر أوهنته أضعفته أي لا يعرض علي فيه
ما يضعفني . وخابط الغي والغي يخبطه وهو أشد اضطرابا ممن يخبط في الغي ( 3 ) عصبه بكم
ربطه بكم أي كلفكم به وألزمكم بأدائه ونهجه بكم أوضحه وبينه ( 4 ) لفلجكم أي
لظفركم وفوزكم ( 5 ) يقال بسر بن أبي أرطاه وبسر بن أرطاة وهو عامري من ( * ) =
ـ 64 ـ
ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم له في الرأي فقال
ما هي إلا الكوفة أقبضها وأبسطها ( 1 ) . إن لم تكوني إلا أنت
تهب أعاصيرك ( 2 ) . فقبحك الله ( وتمثل بقول الشاعر )
- لعمر أبيك الخير يا عمرو إنني * على وضر من ذا الاناء قليل ( 3 )
( ثم قال عليه السلام ) أنبئت بسرا قد اطلع اليمن ( 4 ) وإني والله
* ( هامش ) * = بني عامر بن لؤى بن غالب سيره معاوية إلى الحجاز بعسكر كثيف فأراق دماء غزيرة
واستكره الناس على البيعة لمعاوية وفر من بين يديه وإلى المدينة أبوأيوب الانصاري
ثم توجه واليا على اليمن فتغلب عليها وانتزعها من عبيد الله بن العباس وفر عبيد الله
ناجيا من شره فأتى بسر بيته فوجد له ولدين صبيين فذبحهما وباء باثمهما قبح الله
القسوة وما تفعل ويروى أنهما ذبحا في بني كنانة أخوالهما وكان أبوهما تركهما هناك
وفي ذلك تقول زوجة عبيد الله .
- يامن أحس بابني اللذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدف
- يا من أحس بابني اللذين هما * قلبي وسمعي فقلبي اليوم مختطف
- من ذل والهة حيرى مدلهة * على صبيين ذلا اذ غدا السلف
- خبرت بسرا وما صدقت ما زعموا * من إفكهم ومن القول الذي اقترفوا
- أنحى على ودجي ابني مرهفة * مشحوذة وكذاك الاثم يقترف
ويروى هذه الابيات بروايات شتى فيها تغيير وزيادة ونقص ( 1 ) أقبضها وأبسطها
أي أتصرف فيها كما يتصرف صاحب الثوب في ثوبه يقبضه أو يبسطه ( 2 ) جمع اعصار
ريح تهب وتمتد من الارض نحو السماء كالعمود أو كل ريح فيها العصار وهو الغبار
الكثير إن لم يكن لي ملك الكوفة على ما فيها من الفتن والآراء المختلفة فأبعدها الله
وشبه الاختلاف والشقاق بالاعاصير لاثارتها التراب وافسادها الارض ( 3 ) الوضر غسالة
السقاء والقصعة وبقية الدسم في الاناء ( 4 ) اطلع اليمن بلغها وتمكن منها وغشيها
بجيشه ( * )
ـ 65 ـ
لاظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم
وتفرقكم عن حقكم ( 1 ) . وبمعصيتكم إمامكم في الحق وطاعتهم
إمامهم في الباطل ، وبأدائهم الامانة إلى صاحبهم وخيانتكم .
وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم . فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت
أن يذهب بعلاقته ( 2 ) . اللهم إني قد مللتهم وملوني وسئمتهم وسئموني
فأبدلني بهم خيرا منهم وأبدلهم بي شرا مني . اللهم مث قلوبهم كما
يماث الملح في الماء ( 3 ) . أما والله لوددت أن لي بكم ألف فارس من
بني فراس بن غنم ( 4 )
- هنالك لو دعوت أتاك منهم * فوارس مثل أرمية الحميم
فالحق
ضعيف بتفرق أنصاره والباطل قوي بتضافر أعوانه ( 2 ) القعب بالضم القدح الضخم
( 3 ) مث قلوبهم أذبها ماثه يميثه دافه أي أذابه ( 4 ) بنو فراس بن غنم بن خزيمة
ابن مدركة بن الياس بن مضر أو هم بنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة
حي مشهور بالشجاعة ومنهم علقمة بن فراس وهو جذل الطعان ومنهم ربيعة
ابن مكدم حامي الظعن حيا وميتا ولم يحم الحريم أحد وهو ميت غيره : عرض له فرسان
من بني سليم ومعه ظعائن من أهله يحميهن وحده فرماه أحد الفرسان بسهم أصاب
قلبه فنضب رمحه في الارض واعتمد عليه وأشار إليهن بالمسير فسرن حتى بلغن بيوت
الحي وبنو سليم قيام ينظرون إليه لا يتقدم أحد منهم نحوه خوفا منه حتى رموا ( * ) =
* في نسخة : لو دعوت أتاك . بخطاب المؤنث ( * )
ـ 66 ـ
ثم نزل عليه السلام من المنبر . أقول الارمية جمع رمي وهو
السحاب . والحميم هاهنا وقت الصيف . وإنما خص الشاعر سحاب الصيف
بالذكر لانه أشد جفولا وأسرع خفوفا ( 1 ) لانه لا ماء فيه . وإنما
يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء وذلك لا يكون في
الاكثر إلا زمان الشتاء . وإنما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا
دعوا والاغاثة إذا استغيثوا . والدليل على ذلك قوله : هنالك لو دعوت
أتاك منهم .
26 - ومن خطبة له عليه السلام
إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وآله نذيرا للعالمين .
وأمينا على التنزيل . وأنتم معشر العرب على شر دين وفي شر دار .
متنخون * بين حجارة خشن وحيات صم ( 2 ) تشربون الكدر وتأكلون
الجشب ( 3 )
* ( هامش ) * = فرسه بسهم فوثبت من تحته فسقط وقد كان ميتا ( 1 ) مصدر غريب لخف بمعنى انتقل
وارتحل مسرعا والمصدر المعروف خفا ( 2 ) الخشن جمع خشناء من الخشونة ، ووصف
الحيات بالصم لانها أخبثها إذ لا تنزجر . وبادية الحجاز وأرض العرب يغلب عليها القفر
والغلظ فأكثر أراضيها حجارة خشنة غليظة ، ثم إنه يكثر فيها الافاعي والحيات
فأبدلهم الله منها الريف ولين المهاد من أرض العراق والشام ومصر وما شابهها ( 3 ) الجشب ( * ) = * ( هامش ) * تنخ بالمكان : أقام به ( * )
ـ 67 ـ
وتسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم . الاصنام فيكم منصوبة والآثام بكم معصوبة ( 1 ) . ( ومنها ) فنظرت فإذا ليس لي معين إلا
أهل بيتي فضننت بهم عن الموت . وأغضيت على القذى . وشربت
على الشجى . وصبرت على أخذ الكظم ( 2 ) وعلى أمر من طعم العلقم
( ومنها ) ولم يبايع حتى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمنا ( 3 ) فلا ظفرت
يد البائع وخزيت أمانة المبتاع . فخذوا للحرب أهبتها . وأعدوا
لها عدتها . فقد شب لظاها وعلا سناها . واستشعروا الصبر فإنه أدعى
إلى النصر .
27 - ومن خطبة له عليه السلام
أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة
أوليائه وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنته الوثيقة ( 4 ) .
فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشملة البلاء . وديث
* ( هامش ) * = الطعام الغليظ أو ما يكون منه بغير أدم ( 1 ) معصوبة مشدودة تمثيل للزومها
لهم . وقد جمع في وصف حالهم بين فساد المعيشة وفساد العقيدة والملة ( 2 ) الكظم
بالتحريك الحلق أو الفم أو مخرج النفس والكل صحيح ههنا ، والمراد أنه صبر على
الاختناق . وأغضيت غضضت طرفي على قذى في عينى وما أصعب أن يغمض الطرف
على قذى في العين . والشجا ما يعترض في الحلق وكل هذا تمثيل للصبر على المضض
الذي ألم به من حرمانه حقه وتألب القوم عليه ( 3 ) ضمير يبايع إلى عمرو بن العاص
فإنه شرط على معاوية أن يوليه مصر لو تم له الامر ( 4 ) جنته بالضم وقايته ( * )
ـ 68 ـ
بالصغار والقماءة ( 1 ) وضرب على قلبه بالاسداد ( 2 ) وأديل الحق منه
بتضييع الجهاد وسيم الخسف ( 3 ) ومنع النصف . ألا وإني قد دعوتكم
إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا ، وسرا وإعلانا ، وقلت لكم
اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ( 4 )
فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت الغارات عليكم وملكت عليكم
الاوطان . وهذا أخو غامد قد وردت خيله الانبار ( 5 ) وقد قتل حسان
ابن حسان البكري وأزال خيلكم عن مسالحها ( 6 ) ولقد بلغني أن
الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والاخرى المعاهدة
* ( هامش ) * ( 1 ) ديث مبني للمفعول من ديثه أى ذلله وقمؤ الرجل ككرم قمأة وقماءة أي ذل وصغر ( 2 ) الاسداد
جمع سد يريد الحجب التي تحول دون بصيرته والرشاد . قال الله " وجعلنا من بين أيديهم
سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون " ويروى بالاسهاب وهو ذهاب العقل
أو كثرة الكلام أي حيل بينه وبين الخير بكثرة الكلام بلا فائدة ( 3 ) أديل الحق
منه أي صارت الدولة للحق بدله ، وسيم الخسف أي أولى الخسف وكلفه والخسف الذل
والمشقة أيضا والنصف بالكسر العدل ، ومنع مجهول أي حرم العدل بأن يسلط الله عليه
من يغلبه على أمره فيظلمه ( 4 ) عقر الدار بالضم وسطها وأصلها وتواكلتم وكل كل
منكم الامر إلى صاحبه أي لم يتوله أحد منكم بل أحاله كل على الآخر ومنه يوصف
الرجل بالوكل أي العاجز لانه يكل أمره إلى غيره . وشنت الغارات فرقت عليكم من
كل جانب كما يشن الماء متفرقا دفعة بعد دفعة وما كان إرسالا غير متفرق يقال فيه
سن بالمهملة ( 5 ) أخو غامد هو سفيان ابن عوف من بني غامد قبيلة من اليمن من
أزد شنوءة بعثه معاوية لشن الغارات على أطراف العراق تهويلا على أهله . والانبار
بلدة على الشاطئ الشرقي للفرات ويقابلها على الجانب الغربي هيت ( 6 ) جمع مسلحة ( * ) =
ـ 69 ـ
فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعاثها ( 1 ) ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع
والاسترحام ( 2 ) ثم انصرفوا وافرين ( 3 ) ما نال رجلا منهم كلم ولا
أريق لهم دم . فلو أن امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به
ملوما بل كان به عندي جديرا . فيا عجبا والله يميت القلب ويجلب
الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم فقبحا
لكم وترحا ( 4 ) حين صرتم غرضا يرمى يغار عليكم ولا تغيرون .
وتغزون ولا تغزون . ويعصى الله وترضون فإذا أمرتكم بالسير
إليهم في أيام الحر قلتم هذه حمارة القيظ ( 5 ) أمهلنا يسبخ عنا الحر ( 6 )
وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم هذه صبارة القر ( 7 ) أمهلنا
ينسلخ عنا البرد ، كل هذا فرارا من الحر والقر فإذا كنتم من الحر
* ( هامش ) * = بالفتح وهي الثغر . والمرقب حيث يخشى طروق الاعداء ( 1 ) المعاهدة الذمية . والحجل
بالكسر خلخالها . والقلب بالضم سوارها . والرعاث جمع رعثة بالفتح ويحرك بمعنى
القرط ويروى رعثها بضم الراء والعين جمع رعاث جمع رعثة ( 2 ) الاسترجاع ترديد
الصوت بالبكاء . والاسترحام أن تناشده الرحم ( 3 ) وافرين تامين على كثرتهم لم ينقص
عددهم والكلم بالفتح الجرح ( 4 ) ترحا بالتحريك أي هما وحزنا أو فقرا والغرض
ما ينصب ليرمى بالسهام ونحوها فقد صاروا بمنزلة الهدف يرميهم الرامون وهم نصب
لا يدفعون وقوله ويعصى الله يشير إلى ما كان يفعله قواد جيش معاوية من السلب
والنهب والقتل في المسلمين والمعاهدين ثم أهل العراق راضون بذلك إذ لو غضبوا
لهموا بالمدافعة ( 5 ) حمارة القيظ شدة الحر ( 6 ) التسبيخ بالخاء المعجمة التخفيف
والتسكين ( 7 ) صبارة الشتاء شدة برده والقر بالضم البرد ( * )
ـ 70 ـ
والقر تفرون فإذا أنتم والله من السيف أفر . يا أشباه الرجال
ولارجال . حلوم الاطفال . وعقول ربات الحجال ( 1 ) . لوددت أني لم
أركم ولم أعرفكم . معرفة والله جرت ندما وأعقبت سدما ( 2 )
قاتلكم الله لقد ملاتم قلبي قيحا . وشحنتم صدري غيظا . وجرعتموني
نغب التهمام أنفاسا ( 3 ) . وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان حتى لقد
قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب
لله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراسا وأقدم فيها مقاما مني ( 4 )
لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين ( 5 ) .
ولكن لا رأي لمن لا يطاع
28 - ومن خطبة له عليه السلام
أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ( 6 ) وإن الآخرة
* ( هامش ) * ( 1 ) حجال جمع حجلة وهي القبة وموضع يزين بالستور والثياب للعروس . وربات الحجال
النساء ( 2 ) السدم محركة الهم أو مع أسف أو غيظ . والقيح مافي القرحة من الصديد . وشحنتم
صدري ملاتموه ( 3 ) النغب جمع نغبة كجرعة وجرع لفظا ومعنى والتهمام بالفتح الهم وكل
تفعال فهو بالفتح إلا التبيان والتلقاء فإنهما بالكسر . وأنفاسا أي جرعة بعد جرعة
( 4 ) مراسا مصدر مارسه ممارسة ومراسا أي عالجه وزاوله وعاناه ( 5 ) ذرفت على الستين
زدت عليها ويروى نيفت بمعناه . وفي الخطبة روايات أخرى لا تختلف عن رواية الشريف
في المعنى وإن اختلفت عنها في بعض الالفاظ . انظر الكامل للمبرد ( 6 ) آذنت أعلمت ( * ) =
ـ 71 ـ
قد أشرفت باطلاع ألا وإن اليوم المضمار ( 1 ) . وغدا السباق . والسبقة
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 71 سطر 1 الى ص 80 سطر 17
قد أشرفت باطلاع ألا وإن اليوم المضمار ( 1 ) . وغدا السباق . والسبقة
الجنة ( 2 ) والغاية النار . أفلا تائب من خطيئته قبل منيته ؟ ألا عامل
لنفسه قبل يوم بؤسه ( 3 ) ؟ ألا وإنكم في أيام أمل ( 4 ) من ورائه أجل . فمن
عمل في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله . ولم يضرره أجله . ومن
قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله . وضره أجله . ألا
فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة ( 5 ) . ألا وإني لم أر كالجنة
* ( هامش ) * = وإيذانها بالوداع إنما هو بما أودع في طبيعتها من التقلب والتحول ، فأول نظرة من
العاقل إليها تحصل له اليقين بفنائها وانقضائها وليس وراء الدنيا إلا الآخرة فإن كانت
الاولى مودعة فالاخرى مشرفة . والاطلاع من اطلع فلان علينا أتانا فجأة ( 1 ) المضمار
الموضع والزمن الذي تضمر فيه الخيل . وتضمير الخيل أن تربط ويكثر علفها وماؤها
حتى تسمن ثم يقلل علفها وماؤها وتجرى في الميدان حتى تهزل . وقد يطلق التضمير
على العمل الاول أو الثاني وإطلاقه على الاول لانه مقدمة للثاني وإلا فحقيقة التضمير
إحداث الضمور وهو الهزال وخفة اللحم . وإنما يفعل ذلك بالخيل لتخف في الجري يوم
السباق كما أننا نعمل اليوم في الدنيا للحصول على السعادة في الاخرى ( 2 ) السبقة
بالتحريك الغاية التي يحب السابق أن يصل إليها وبالفتح المرة من السبق والشريف
رواها في كلام الامام بالتحريك أو الفتح وفسرها بالغاية المحبوبة أو المرة من السبق
وهو مطلوب لهذا روي الضم بصيغة رواية أخرى . ومن معاني السبقة بالتحريك
الرهن الذي يوضع من المتراهنين في السباق أي الجعل الذي يأخذه السابق إلا أن
الشريف فسرها بما تقدم ( 3 ) البؤس اشتداد الحاجة وسوء الحالة . ويوم البؤس يوم
الجزاء مع الفقر من الاعمال الصالحة . والعامل له هو الذي يعمل الصالح لينجو من
البوس في ذلك اليوم ( 4 ) يريد الامل في البقاء واستمرار الحياة ( 5 ) أي اعملوا لله
في السراء كما تعملون له في الضراء لا تصرفكم النعم عن خشيته والخوف منه ( * )
ـ 72 ـ
نام طالبها . ولا كالنار نام هاربها ( 1 ) . ألا وإنه من لا ينفعه الحق
يضرره الباطل ( 2 ) . ومن لم يستقم به الهدى يجر به الضلال إلى الردى .
ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ( 3 ) . ودللتم على الزاد . وإن أخوف ما
أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الامل . تزودوا من الدنيا ما
تحرزون أنفسكم به غدا ( 4 ) ( أقول ) لو كان كلام يأخذ بالاعناق
إلى الزهد في الدنيا ويضطر إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام .
وكفى به قاطعا لعلائق الآمال . وقادحا زناد الاتعاظ والازدجار . ومن
أعجبه قوله عليه السلام ( ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق .
والسبقة الجنة والغاية النار ) فإن فيه مع فخامة اللفظ وعظم قدر
المعنى وصادق التمثيل وواقع التشبيه سرا عجيبا ومعنى لطيفا وهو
قوله عليه السلام ( والسبقة الجنة والغاية النار ) فخالف بين اللفظين
لاختلاف المعنيين . ولم يقل السبقة النار كما قال : السبقة الجنة لان
* ( هامش ) * ( 1 ) من اعجب العجائب الذي لم ير له مثيل أن ينام طالب الجنة في عظمها واستكمال
أسباب السعادة فيها ، وأن ينام الهارب من النار في هولها واستجماعها أسباب الشقاء
( 2 ) النفع الصحيح كله في الحق . فإن قال قائل إن الحق لم ينفعه فالباطل أشد ضررا
له ، ومن لم يستقم به الهدى المرشد إلى الحق أي لم يصل به إلى مطلوبه من السعادة
جرى به الضلال إلى الردى والهلاك ( 3 ) الظعن الرحيل عن الدنيا وأمرنا به أمر
تكوين أي كما خلقنا الله خلق فينا أن نرحل عن حياتنا الاولى لنستقر في الاخرى .
والزاد الذي دلنا عليه هو عمل الصالحات وترك السيئات ( 4 ) تحرزون أنفسكم تحفظوتها ( * ) =
ـ 73 ـ
الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب وغرض مطلوب وهذه صفة
الجنة وليس هذا المعنى موجودا في النار نعوذ بالله منها فلم يجز أن
يقول والسبقة النار بل قال والغاية النار ، لان الغاية ينتهي إليها من لا
يسره الانتهاء ومن يسره ذلك ، فصلح أن يعبر بها عن الامرين معا فهي
في هذا الموضع كالمصير والمآل قال الله تعالى ( قل تمتعوا فإن
مصيركم إلى النار ) ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال سبقتكم
" بسكون الباء " إلى النار فتأمل ذلك فباطنه عجيب وغوره بعيد .
وكذلك أكثر كلامه عليه السلام . ( وفي بعض النسخ ) وقد جاء
في رواية أخرى ( والسبقة الجنة ) بضم السين . والسبقة عندهم اسم
لما يجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض والمعنيان متقاربان لان
ذلك لايكون جزاء على فعل الامر المذموم وإنما يكون جزاء على
فعل الامر المحمود
29 - ومن خطبة له عليه السلام
أيها الناس المجتمعة أبدانهم . المختلفة أهواؤهم ( 1 ) . كلامكم
يوهي الصم الصلاب ( 2 ) وفعلكم يطمع فيكم الاعداء . تقولون
* ( هامش ) * = من الهلاك الابدي ( 1 ) أهواؤهم آراؤهم وما تميل إليه قلوبهم ( 2 ) الصم جمع أصم ( * ) =
ـ 74 ـ
في المجالس كيت وكيت . فإذا جاء القتال قلتم حيدي حياد ( 1 ) . ما عزت
دعوة من دعاكم ولا استراح قلب من قاساكم ( 2 ) . أعاليل بأضاليل .
دفاع ذي الدين المطول ( 3 ) لا يمنع الضيم الذليل . ولا يدرك الحق إلا
بالجد . أي دار بعد داركم تمنعون . ومع أي إمام بعدي تقاتلون . المغرور
والله من غررتموه . ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الاخيب ( 4 ) .
ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل ( 5 ) أصبحت والله لا أصدق
* ( هامش ) * = وهو من الحجارة الصلب المصمت والصلاب جمع صليب والصليب الشديد وبابه ظريف
وظراف وضعيف وضعاف . ويوهيها يضعفها ويفتتها ، يقال وهي الثوب ووهى يهي وهيا
من باب ضرب وحسب ، تخرق وانشق أي تقولون من الكلام ما يفلق الحجر بشدته
وقوته ثم يكون فعلكم من الضعف والاختلال بحيث يطمع فيكم العدو ( 1 ) حيدى
حياد كلمة يقولها الهارب كأنه يسأل الحرب أن تتنحى عنه من الحيدان وهو الميل
والانحراف عن الشئ . وحياد مبنى على الكسر كما في قولهم فيحي فياح أي اتسعي
وحمي حمام للداهية أي أنهم يقولون في المجلس سنفعل بالاعداء ما نفعل فإذا جاء القتال
فروا وتقاعدوا ( 2 ) أي من دعاهم وحملهم بالترغيب على نصرته لم تعز دعوته لتخاذلهم
فإن قاساهم وقهرهم انتقضوا عليه فاتعبوه والاعاليل إما جمع إعلال جمع علل جمع علة
أو جمع إعلولة كما أن الاضاليل جمع إضلولة والاضاليل متعلقة بالاعاليل أي أنكم تتعللون
بالاباطيل التي لا جدوى لها ( 3 ) أي أنكم تدافعون الحرب اللازمة لكم كما يدافع
المدين المطول غريمه والمطول الكثير المطل وهو تأخير أداء الدين بلا عذر وقوله
لا يمنع الضيم الخ أي أن الذليل الضعيف البأس الذي لا منعة له لا يمنع ضيما وانما يمنع
الضيم القوي العزيز ( 4 ) فاز بكم من فاز بالخير إذا ظفر به أي من ظفر بكم وكنتم
نصيبه فقد ظفر بالسهم الاخيب وهو من سهام البسر الذي لا حظ له ( 5 ) الا فوق من
السهام مكسور الفوق . والفوق موضع الوتر من السهم والناصل العاري عن النصل أي ( * ) =
ـ 75 ـ
قولكم . ولا أطمع في نصركم . ولا أوعد العدو بكم . ما بالكم ؟
ما دواؤكم ؟ ما طبكم ؟ القوم رجال أمثالكم . أقولا بغير عمل
وغفلة من غير ورع . وطمعا في غير حق .
30 - ومن كلام له عليه السلام في معنى قتل عثمان
لو أمرت به لكنت قاتلا . أو نهيت عنه لكنت ناصرا ( 1 ) غير
أن من نصره لا يستطيع أن يقول خذله من أنا خير منه . ومن خذله
لا يستطيع أن يقول نصره من هو خير مني ( 2 ) وأنا جامع لكم أمره :
* ( هامش ) * = من رمى بهم فكأنما رمى بسهم لا يثبت في الوتر حتى يرمى ، وإن رمى به لم يصب مقتلا
إذ لا يصل له . وهذه الخطبة خطبها أمير المؤمنين عند إغارة الضحاك بن قيس فإن
معاوية لما بلغه فساد الجند على أمير المؤمنين دعا الضحاك بن قيس وقال له سر حتى
تمر بناحية الكوفة وترتفع عنها ما استطعت فمن وجدت من الاعراب في طاعة علي
فاغر عليه وإن وجدت له خيلا أو مسلحة فأغر عليها وإذا أصبحت في بلدة فأمس في
أخرى ولا تقيمن لخيل بلغك أنها قد سرحت إليك لتلقاها فتقاتلها ، وسرحه في ثلاثة
آلاف فأقبل الضحاك فنهب الاموال وقتل من لقي من الاعراب ثم لقي بن عمر عميس
بن مسعود الذهلى فقتله وهو ابن أخي عبدالله ابن مسعود ونهب الحاج وقتل منهم
وهم على طريقهم عند القطقطانة فساء ذلك أمير المؤمنين وأخذ يستنهض الناس إلى
الدفاع عن ديارهم وهم يتخاذلون فوبخهم بما تراه في هذه الخطبة ، ثم دعا بحجر بن
عدي فسيره إلى الضحاك في أربعة آلاف فقاتله فانهزم فارا إلى الشام يفتخر بأنه
قتل ونهب قتله ،
ولم ينه عن قتله أي لم يدافع عنه بسيفه ولم يقاتل دونه وإلا كان ناصرا له . أما نهيه عن
قتله بلسانه فهو ثابت وهو الذي أمر الحسن والحسين أن يذابا الناس عنه ( 2 ) أي ( * ) =
ـ 76 ـ
استأثر فأساء الاثرة . وجزعتم فأسأتم الجزع ( 1 ) ولله حكم واقع
في المستأثر والجازع
31 - ومن كلام له عليه السلام
لابن العباس لما أرسله إلى الزبير يستفيئه إلى طاعته قبل
حرب الجمل ( 2 )
لاتلقين طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصا قرنه ( 3 )
يركب الصعب ويقول هو الذلول . ولكن الق الزبير فإنه ألين
عريكة ( 4 ) فقل له يقول لك ابن خالك : عرفتني بالحجاز وأنكرتني
* ( هامش ) * = أن الذين نصروه ليسوا بأفضل من الذين خذلوه لهذا لا يستطيع ناصره أن يقول إني
خير من الذي خذله ولا يستطيع خاذله أن يقول إن الناصر خير مني يريد أن القلوب
متفقة على أن ناصريه لم يكونوا في شئ من الخير الذي يفضلون به على خادليه ( 1 ) أي أنه استبد عليكم فأساء الاستبداد وكان عليه أن يخفف منه حتى لا يزعجكم ،
وجزعتم لاستبداده فأسأتم الجزع أي لم ترفقوا في جزعكم ولم تقفوا عند الحد الاولى
بكم وكان عليكم أن تقتصروا على الشكوى ولا تذهبوا في الاساءة إلى حد القتل ولله
حكمه في المستأثر وهو عثمان وفي الجازع وهو أنتم فما آخذه وآخذكم أو عفا عنه
وعفا عنكم ( 2 ) يستفيئه أي يسترجعه ( 3 ) يروى أن تلقه تلفه الاولى بالقاف والثانية
بالفاء من ألفاه يلفيه وهي بمعنى تحده ، وعاقصا قرنه من عقص الشعر إذا ضفره وفتله
ولواه وهو تمثيل له في تغطرسه وكبره وعدم انقياده ، ويركب الصعب يستهين به
ويزعم أنه ذلول سهل ( 4 ) العريكة الطبيعة وعرفه بالحجاز أطاعه فيه حيث عقد له ( * ) =
ـ 77 ـ
بالعراق فما عدا مما بدا ( 1 ) ( أقول هو أول من سمعت منه هذه الكلمة
أعني " فما عدا مما بدا " )
32 - ومن خطبة له عليه السلام
أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود . وزمن كنود ( 2 ) . يعد
فيه المحسن مسيئا . ويزداد الظالم فيه عتوا . لا ننتفع بما علمنا . ولا
نسال عما جهلنا . ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا ( 3 ) . فالناس على
أربعة أصناف : منهم من لا يمنعه الفساد إلا مهانة نفسه وكلالة حده
ونضيض وفره ( 4 ) . ومنهم المصلت لسيفه . والمعلن بشره . والمجلب
بخيله ورجله . قد أشرط نفسه وأوبق دينه . لحطام ينتهزه . أو مقنب
* ( هامش ) * = البيعة وانكره بالعراق حيث خرج عليه وجمع لقتاله ( 1 ) عداه الامر صرفه وبدا
ظهر ، ومن هنا بمعنى عن ، نقل ابن قتيبة حدثني فلان من فلان أي عنه ، ونهيت من
كذا أي عنه أي ما الذي صرفك عما كان بدا وظهر منك ( 2 ) العنود الجائر من عند
يعند كنصر جار عن الطريق وعدل ، والكنود الكفور . ويروى وزمن شديد أي
بخيل كما في قوله تعالى ( وإنه لحب الخير لشديد ) أي أن الانسان لاجل حبه للمال
بخيل والوصف لاهل الزمن والدهر كما هو ظاهر . وسوء طباع الناس يحملهم على عد
المحسن مسيئا ( 3 ) القارعة الخطب يقرع من ينزل به أي يصيبه . والداهية العظيمة
( 4 ) القسم الاول من يقعد به عن طلب الامارة والسلطان حقارة نفسه فلا يجد معينا
ينصره وكلالة حده أي ضعف سلاحه عن القطع في أعدائه ، يقال كل السيف كلالة
إذا لم يقطع والمراد إعوازه من السلاح أو لضعفه عن استعماله ، ونضيض وفره قلة ماله
وكان مقتضى النسق أن يقول ونضاضة وفره لكنه عدل إلى الوصف تفننا . والنضيض ( * ) =
ـ 78 ـ
يقوده . أو منبر يفرعه ( 1 ) . ولبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمنا
ومما لك عند الله عوضا . ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب
الآخرة بعمل الدنيا قد طامن من شخصه وقارب من خطوه وشمر من
ثوبه وزخرف من نفسه للامانة واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية ( 2 )
ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه ( 3 ) . وانقطاع سببه .
فقصرته الحال عن حاله فتحلى باسم القناعة وتزين بلباس أهل الزهادة
وليس من ذلك في مراح ولا مغدى . وبقي رجال غض أبصارهم
ذكر المرجع ( 4 ) . وأراق دموعهم خوف المحشر . فهم بين شريد
* ( هامش ) * = القليل والوفر المال ( 1 ) القسم الثاني الذي يطلب الامارة وما هي من حقه ويجهر
بذلك فهو مصلت لسيفه أي سال له على اعتاق الذين لا يسمعون لسلطان الباطل
والمعلن المظهر ، والمجلب بخيله من أجلب القوم أي جلبوا وتجمعوا من كل أوب
للحرب . والرجل جمع راجل كالركب جمع راكب ، وأشرط نفسه أي هيأها واعدها
للشر والفساد في الارض أو للعقوبة وسوء العاقبة ، وأوبق دينه أهلكه ، والحطام
المال وأصله ما تكسر من اليبيس ينتهزه يغتنمه أو يختلسه والمقنب طائفة من الخيل
ما بين الثلاثين إلى الاربعين . وإنما يطلب قود المقنب تعززا على الناس وكبرا وفرع
المنبر بالفاء أي علاه وفي علو المنبر والخطبة على الناس من الرفعة ما يبعث على الطلب
فهذا القسم قد أضاع دينه وأفسد الناس في طلب هذه الشهوات المذكورة ( 2 ) الذريعة
الوسيلة وهذا قسم ثالث ( 3 ) الضؤولة بالضم الضعف وهذا هو القسم الرابع وليس
من الزهادة في ذهاب ولا إياب أي لا في فعل ولا ترك ( 4 ) هذا قسم خامس للناس
مطلقا والاقسام الاربعة للناس المعروفين الواقعين تحت نظر العامة فقوله فيما سبق
فالناس أربعة أصناف إنما يريد به الذين يعرفهم النظر الجلي ناسا ، أما الرجال الذين ( * ) =
ـ 79 ـ
ناد ( 1 ) . وخائف مقموع . وساكت مكعوم . وداع مخلص . وثكلان
موجع . قد أخملتهم التقية ( 2 ) وشملتهم الذلة فهم في بحر أجاج .
أفواههم ضامزة ( 3 ) . وقلوبهم قرحة . وقد وعظوا حتى ملوا ( 4 )
وقهروا حتى ذلوا . وقتلوا حتى قلوا . فلتكن الدنيا في أعينكم
أصغر من حثالة القرظ وقراضة الجلم ( 5 ) واتعظوا بمن كان قبلكم .
قبل أن يتعظ بكم من بعدكم . وارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من
كان أشغف بها منكم ( 6 ) . ( أقول ) هذه الخطبة ربما نسبها من لا علم
له إلى معاوية وهي من كلام أمير المؤمنين عليه السلام الذي لا
* ( هامش ) * = غضوا أبصارهم عن مطامع الدنيا خوفا من الآخرة وتذكرهم لمعادهم فهؤلاء لا يعرفون
عند العامة وإنما يتعرف أحوالهم أمثالهم فكأنهم في نظر الناس ليسوا بناس ( 1 ) الناد
الهارب من الجماعة إلى الوحدة ، والمقموع المقهور ، والمكعوم من كعم البعير شد فاه
لئلا يأكل أو يعض وما يشد به . كعام ككتاب . والثكلان الحزين ( 2 ) أخمله أسقط ذكره
حتى لم يعد له بين الناس نباهة . والتقية اتقاء الظلم بإخفاء الحال والاجاج الملح أي أنهم
في الناس كمن وقع في البحر الملح لا يجد ما يطفئ ظمأه ولا ينقع غلته ( 3 ) ضامزة
ساكنة ضمز يضمز بالزاي المعجمة سكت يسكت ، والقرحة بفتح فكسر المجروحة
( 4 ) أي أنهم أكثروا من وعظ الناس حتى ملهم الناس وسئموا من كلامهم ( 5 ) الحثالة
بالضم القشارة وما لا خير فيه ، والقرظ ورق السلم أو ثمر السنط يدبغ به والجلم بالتحريك
مقراض يجز به الصوف وقراضته ما يسقط منه عند القرض والجز ، إنما طالبهم باحتقار
الدنيا بعد التقسيم المتقدم لما ثبت من أن الدنيا لم تصف إلا للاشرار ، أما المتقون
الذين ذكرهم فإنهم لم يصيبوا منها إلا العناء وكل ما كان شأنه أن يأوى إلى الاشرار
ويجافى الاخيار فهو أجدر بالاحتقار ( 6 ) أي من كان أشد تعلقا بها منكم ( * )
ـ 80 ـ
يشك فيه وأين الذهب من الرغام ( 1 ) والعذب من الاجاج . وقد دل
على ذلك الدليل الخريت ( 2 ) ونقده الناقد البصير عمرو بن بحر الجاحظ
فإنه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان والتبيين وذكر من نسبها
إلى معاوية ثم قال هي بكلام علي عليه السلام أشبه ، وبمذهبه في تصنيف
الناس وبالاخبار عما هم عليه من القهر والاذلال ومن التقية والخوف
أليق ( 3 ) قال ومتى وجدنا معاوية في حال من الاحوال يسلك في كلامه
مسلك الزهاد . ومذاهب العباد )
33 - ومن خطبة له عليه السلام عند خروجه لقتال أهل البصرة ( 4 )
قال عبدالله بن العباس دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام
بذي قار ( 5 ) وهو يخصف نعله ( 6 ) فقال لي ما قيمة هذا النعل فقلت لا
قيمة لها ، فقال عليه السلام والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن
أقيم حقا أو أدفع باطلا ثم خرج عليه السلام فخطب الناس فقال :
إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وليس أحد من العرب
* ( هامش ) * ( 1 ) الرغام بالفتح التراب ( 2 ) الخريت الحاذق في الدلالة ( 3 ) تصنيف الناس تقسيمهم
وتبيين أصنافهم ( 4 ) في وقعة الجمل ( 5 ) بلد بين واسط والكوفة وهو قريب من البصرة
وكانت فيه الحرب بين العرب والفرس ونصرت فيه العرب قبل الاسلام ( 6 ) يخصف ( * ) =
ـ 81 ـ
يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة . فساق الناس حتى بوأهم محلتهم
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 81 سطر 1 الى ص 90 سطر 21
يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة . فساق الناس حتى بوأهم محلتهم
وبلغهم منجاتهم ( 1 ) فاستقامت قناتهم ( 2 ) واطمأنت صفاتهم . أما والله
إن كنت لفي ساقتها ( 3 ) حتى تولت بحذافيرها ما ضعفت ولا جبنت
وإن مسيري هذا لمثلها ( 4 ) فلانقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه ( 5 )
مالي ولقريش . والله لقد قاتلتهم كافرين ولاقاتلنهم مفتونين . وإني
* ( هامش ) * = نعله يخرزها ( 1 ) بوأهم محلتهم أي أنزلهم منزلتهم فالناس قبل الاسلام كأنهم كانوا
عرباء مشردين والاسلام هو منزلهم الذي يسكنون فيه ويأمنون من المخاوف ،
فالنبي صلى الله عليه وسلم ساق الناس حتى أوصلهم إلى منزلهم من الاسلام الذي كانوا
قد ضلوا عنه وبلغهم بذلك مكان نجاتهم من المهالك ( 2 ) القناة العود والرمح . والكلام
تمثيل لاستقامة أحوالهم . والصفاة الحجر الصلد الضخم . وأراد به مواطئ أقدامهم .
والكلام تصوير لاستقرارهم على راحة كاملة وخلاصهم مما كان يرجف قلوبهم ويزلزل
أقدامهم ( 3 ) إن كنت الخ إن هذه هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف
والاصل إنه كنت الخ . والمعنى . قد كنت . والساقة مؤخر الجيش السائق لمقدمه . وولت
بحذافيرها بجملتها . والضمائر في ساقتها وولت بحذافيرها عائدة إلى الحادثة المفهومة
من الحديث وهي ما أنعم الله به من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ليخرجهم من
الظلمات إلى النور ومن الذلة للعزة وقال الشارح ابن أبي الحديد الضمائر للجاهلية
المفهومة من الكلام وكونه في ساقتها أنه طارد لها . ويضعفه أن ساقة الجيش منه لا من
مقاتله فلو كان في ساقة الجاهلية لكان من جيشها نعوذ بالله . ويمكن تصحيح كلام
الشارح بجعل الساقة جمع سائق أي كنت في الذين يسوقونها طردا حتى ولت
( 4 ) أي أنه يسير إلى الجهاد في سبيل الحق ( 5 ) الباطل يبادر الاوهام فيشغلها عن
الحق ويقوم حجابا مانعا للبصيرة عن الحقيقة فكأنه شئ اشتمل على الحق فستره ( * ) =
ـ 82 ـ
لصاحبهم بالامس كما أنا صاحبهم اليوم * ( والله ما تنقم منا قريش
إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا فكانوا كما قال الاول ،
- أدمت لعمري شربك المحض صابحا
- وأكلك بالزبد المقشرة البجرا
- ونحن وهبناك العلاء ولم تكن
- عليا وحطنا حولك الجرد والسمرا )
34 - ( ومن خطبة له عليه السلام في استنفار الناس إلى أهل الشام )
أف لكم لقد سئمت عتابكم . أرضيتم بالحياة الدنيا من
الآخرة عوضا . وبالذل من العز خلفا . إذا دعوتكم إلى جهاد
عدوكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة ( 1 ) . ومن
الذهول في سكرة يرتج عليكم حواري فتعمهون ( 2 ) فكأن
* ( هامش ) * = وصار الحق في طيه . والكلام تمثيل لحال الباطل مع الحق وحال الامام في كشف الباطل
وإظهار الحق ( 1 ) دوران الاعين اضطرابها من الجزع . ومن غمرة الموت يدور بصره
فإنهم يريدون من غمرة الموت الشدة التي تنتهي اليه يشير إلى قوله تعالى ( ينظرون
إليك نظر المغشي عليه من الموت ) ( 2 ) الجوار بالفتح في الكلام . ويرتج بمعنى يغلق ( * ) =
* ( هامش ) * ما بين القوسين زيادة في بعض النسخ . ( * )
ـ 83 ـ
قلوبكم مألوسة ( 1 ) فأنتم لا تعقلون . ما أنتم لي بثقة سجيس
الليالي ( 2 ) وما أنتم بركن يمال بكم ولا زوافر عز يفتقر إليكم ( 3 )
ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها . فكلما جمعت من جانب انتشرت
من آخر . لبئس لعمر الله سعر نار الحرب أنتم ( 4 ) تكادون ولا
تكيدون . وتنقص أطرافكم فلا تمتعضون ( 5 ) لا ينام عنكم وأنتم
في غفلة ساهون . غلب والله المتخاذلون وأيم ( 6 ) الله إني لاظن بكم
أن لو حمس الوغى واستحر الموت قد انفرجتم عن ابن أبي طالب
انفراج الرأس ( 7 ) والله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه يعرق لحمه ( 8 )
* ( هامش ) * = أي لا تهتدون لفهمه فتعمهون أي تتحيرون وتترددون ( 1 ) المألوسة المخلوطة بمس
الجنون ( 2 ) سجيس بفتح فكسر كلمة تقال بمعنى أبدا . وسجيس أصله من سجس
الماء بمعنى تغير وكدر . وكان أصل الاستعمال ما دامت الليالي بظلامها أي ما دام الليل
ليلا . ويقال سجيس لا وجس بفتح الجيم وضمها ، وسجيس عجيس كل ذلك بمعنى
أبدا أي أنهم ليسوا بثقات عنده يركن إليهم أبدا ( 3 ) الزافرة من البناء ركنه ومن
الرجل عشيرته . وقوله يمال بكم أي يمال على العدو بعزكم وقوتكم ( 4 ) السعر أصله
مصدر سعر النار من باب نفع أوقدها ، أى لبئس ما توقد به الحرب أنتم . ويقال إن
سعر جمع ساعر كشرب جمع شارب وركب جمع راكب ( 5 ) امتعض غضب ( 6 ) غلب
مبني للمجهول . والمتخاذلون الذين يخذل بعضهم بعضا ولا يتناصرون ( 7 ) حمس كفرح
اشتد . والوغى الحرب . واستحر بلغ في النفوس غاية حدته . وقوله انفراج الرأس أي
انفراجا لا التئام بعده فإن الرأس إذا انفرج عن البدن أو انفرج أحد شقيه عن
الآخر لم يعد للالتئام ( 8 ) يأكل لحمه حتى لا يبقى منه شئ على العظم . وفراه يفريه ( * ) =
ـ 84 ـ
ويهشم عظمه . ويفري جلده لعظيم عجزه ضعيف ما ضمت عليه
جوانح صدره ( 1 ) أنت فكن ذاك إن شئت ( 2 ) فأما أنا فوالله دون أن
أعطي ذلك ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام . وتطيح السواعد
والاقدام ( 3 ) . ويفعل الله بعد ذلك مايشاء
أيها الناس إن لي عليكم حقا ولكم علي حق . فأما حقكم
علي فالنصيحة لكم . وتوفير فيئكم عليكم ( 4 ) وتعليمكم كيلا
تجهلوا وتأديبكم كيما تعلموا . وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة
والنصيحة في المشهد والمغيب . والاجابة حين أدعوكم . والطاعة
حين آمركم
35 - ومن خطبة له عليه السلام بعد التحكيم
الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح ( 5 ) والحدث الجليل .
* ( هامش ) * = مزقه يمزقه ( 1 ) ما ضمت عليه الجوانح هو القلب وما يتبعه من الاوعية الدموية .
والجوانح الضلوع تحت الترائب ، والترائب ما يلي الترقوتين من عظام الصدر أو ما بين
الثديين والترقوتين . يريد ضعيف القلب ( 2 ) يمكن أن يكون خطابا عاما لكل من
يمكن عدوه من نفسه . ويروى أنه خطاب للاشعث بن قيس عند ما قال له هلا فعلت
فعل ابن عفان فأجابه بقوله إن فعل ابن عفان لمخزاة على من لا دين له وإن امرءا الخ
( 3 ) أي لا يمكن عدوه من نفسه حتى يكون دون ذلك ضرب بالمشرفية وهي السيوف
التي تنسب إلى مشارف وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف ، ولا يقال في
النسبة اليها مشارفى . وفراش الهام العظام الرقيقة التي تلي القحف . وتطيح السواعد أي
تسقط ( 4 ) الفئ الخراج وما يحويه بيت المال ( 5 ) من فدحه الدين أي أثقله . والحدث ( * ) =
ـ 85 ـ
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه إله غيره وأن
محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله
أما بعد فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب تورث
الحسرة وتعقب الندامة . وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة
أمري ونخلت لكم مخزون رأيي ( 1 ) لو كان يطاع لقصير أمر ( 2 )
فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة . حتى ارتاب
* ( هامش ) * = بالتحريك الحادث ( 1 ) الحكومة حكومة الحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى
الاشعرى . وذلك بعد ما وقف القتال بين علي أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان في
حرب صفين سنة سبع وثلاثين من الهجرة فان جيش معاوية لما رأى أن الدبرة تكون
عليه رفعوا المصاحف على الرماح يطلبون رد الحكم إلى كتاب الله وكانت الحرب
أكلت من الفريقين ، فانخدع القراء وجماعة تتبعوهم من جيش علي وقالوا : دعينا إلى
كتاب الله ونحن أحق بالاجابة إليه ، فقال لهم أمير المؤمنين إنها كلمة حق يراد بها باطل
إنهم ما رفعوها ليرجعوا إلى حكمها إنهم يعرفونها ولا يعملون بها ولكنها الخديعة
والوهن والمكيدة ، أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه ولم
يبق إلا أن يقطع دابر الذين ظلموا ، فخالفوا واختلفوا ، فوضعت الحرب أوزارها وتكلم
الناس في الصلح وتحكيم حكمين يحكمان بما في كتاب الله فاختار معاوية عمرو بن
العاص واختار بعض أصحاب أمير المؤمنين أبا موسى الاشعري فلم يرض أمير المؤمنين
واختار عبدالله بن عباس فلم يرضوا ثم اختار الاشتر النخعي فلم يطيعوا فوافقهم على
أبي موسى مكرها بعد أن أعذر في النصيحة لهم فلم يذعنوا . فقد نخل لهم أي أخلص
رأيه في الحكومة أولا وآخرا ثم انتهى أمر التحكيم بانخداع أبي موسى لعمرو بن
العاص وخلعه أمير المؤمنين ومعاوية ثم صعود عمرو بعده واثباته معاوية وخلعه أمير
المؤمنين ، وأعقب ذلك ضعف أمير المؤمنين وأصحابه ( 2 ) هو مولى جذيمة المعروف ( * ) =
ـ 86 ـ
الناصح بنصحه
( 1 ) . وضن الزند بقدحه فكنت وإياكم كما قال
أخو هوازن
- أمرتكم أمري بمنعرج اللوى
- فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد
36 - ومن خطبة له عليه السلام في تخويف أهل النهروان ( 2 )
فأنا نذيركم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا
* ( هامش ) * = بالابرش . وكان حاذقا وكان قد أشار على سيده جذيمة أن لا يأمن للزباء ملكة الجزيرة
فخالفه وقصدها إجابة لدعوتها إلى زواجه فقتلته فقال قصير " لا يطاع لقصير أمر " فذهب
مثلا ( 1 ) يريد بالناصح نفسه أي أنهم أجمعوا على مخالفته حتى شك في نصيحته وظن
أن النصح غير نصح وأن الصواب ما أجمعوا عليه . وتلك سنة البشر إذا كثر المخالف
للصواب اتهم المصيب نفسه . وقوله ضن الزند بقدحه أي أنه لم يعن له بعد ذلك رأي
صالح لشدة ما لقي من خلافهم وهكذا المشير الناصح إذا اتهم واستغش عشت بصيرته
وفسد رأيه . وأخو هوازن هو دريد بن الصمة . ومنعرج اللوى اسم مكان وأصل اللوى
من الرمل الجدد بعد الرملة . ومنعرجه منعطفه يمنة ويسرة وفي هذه القصيدة :
- فلما عصوني كنت منهم وقد أرى * غوايتهم أو أنني غير مهتدى
- وما أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد
( 2 ) النهروان اسم لاسفل نهر بين الخافيق وطرفاء على مقربة من الكوفة في
طرف صحراء حروراء . ويقال لا على ذلك النهر تامر ، وكان الذين خرجوا على
أمير المؤمنين وخطأوه في التحكيم قد نقضوا بيعته وجهروا بعداوته وصاروا له حربا واجتمع
معظمهم عند ذلك الموضع . وهؤلاء يلقبون بالحرورية لما تقدم أن الارض التي اجتمعوا ( * ) = وكان رئيس هذه الفئة الضالة حرقوص بن زهير السعدى
ويلقب بذي الثدية ( تصغير ثدية ) خرج إليهم أمير المؤمنين يعظهم في الرجوع عن
مقالتهم والعودة إلى بيعتهم فأجابوا النصيحة برمي السهام وقتال أصحابه كرم الله وجهه
فأمر بقتالهم وتقدم القتال بهذا الانذار الذي تراه ( * )
ـ 87 ـ
الغائط ( 1 ) على غير بينة من ربكم ولا سلطان مبين معكم . قد
طوحت بكم الدار ( 2 ) . واحتبلكم المقدار . وقد كنت نهيتكم عن
هذه الحكومة فأبيتم علي إباء المخالفين المنابذين ( 3 ) . حتى صرفت
رأيي إلى هواكم . وأنتم معاشر أخفاء الهام ( 4 ) . سفهاء الاحلام ولم
آت - لا أبالكم - بجرا ( 5 ) ولا أردت لكم ضرا
* ( هامش ) * = فيها كانت تسمى حروراء ( 1 ) صرعى جمع صريع أي طريح
أي أني أحذركم من اللجاج في العصيان فتصبحوا مقتولين مطروحين بعضكم في أثناء
هذا النهر وبعضكم بأهضام هذا الغائط . والاهضام جمع هضم وهو المطمئن من الوادي .
والغائط ما سفل من الارض والمراد منها المنخفضات ( 2 ) أي صرتم في متاهة ومضلة
لا يدع الضلال لكم سبيلا إلى مستقر من اليقين فأنتم كمن رمت به داره وقذفته
ويقال تطاوحت به النوى أي ترامت . وقد يكون المعنى أهلكتكم دار الدنيا كما أخترناه
في الطبعة الاولى . والمقدار القدر الالهي . واحتبلهم أوقعهم في حبالته فهم مقيدون للهلاك
لا يستطيعون منه خروجا ( 3 ) نهاهم عن إجابة الشام في طلب التحكيم بقوله إنهم
ما رفعوا المصاحف ليرجعوا إلى حكمها إلى آخر ما تقدم في الخطبة السابقة وقد خالفوه
بقولهم دعينا إلى كتاب الله فنحن أحق بالاجابة إليه بل أغلظوا في القول حتى قال
بعضهم لئن لم تجبهم إلى كتاب الله أسلمناك لهم وتخلينا عنك ( 4 ) الهام الرأس . وخفتها
كناية عن قلة العقل ( 5 ) البجر بالضم الشر والامر العظيم والداهية . قال الراجز
* أرمى عليها وهى شئ بجر * أي داهية . ويقال لقيت منه البجاري وهي الدواهي ( * ) =
ـ 88 ـ
7 3 - ومن كلام له عليه السلام يجري مجرى الخطبة ( 1 )
فقمت بالامر حين فشلوا وتطلعت حين تقبعوا ( 2 ) ونطقت
حين تعتعوا . ومضيت بنور الله حين وقفوا . وكنت أخفضهم صوتا ( 3 )
وأعلاهم فوتا ( 4 ) . فطرت بعنانها واستبددت برهانها ( 5 ) . كالجبل
لا تحركه القواصف . ولا تزيله العواصف . لم يكن لاحد في
* ( هامش ) * = واحدها بجرى مثل قمرى وقمارى ( 1 ) هذا الكلام ساقه الرضي كأنه قطعة واحدة
لغرض واحد وليس كذلك ، بل هو قطع غير متجاورة كل قطعة منها في معنى غير
ما للاخرى ، وهو أربعة فصول : الاول من قوله فقمت بالامر إلى قوله واستبددت برهانها .
والفصل الثاني من قوله كالجبل لا تحركه القواصف إلى قوله حتى آخذ الحق منه والفصل
الثالث من قوله رضينا عن الله قضاءه إلى قوله فلا أكون أول من كذب عليه .
والفصل الرابع ما بقي ( 2 ) يصف حاله في خلافة عثمان رضي الله عنه ومقاماته في الامر
بالمعروف والنهي عن المنكر أيام الاحداث أي أنه قام بانكار المنكر حين فشل
القوم أي جبنهم وخورهم . والتقبع الاختباء والتطلع ضده يقال امرأة طلعة قبعة تطلع ثم
تقبع رأسها أي تدخله كما يقبع القنفذ أي يدخل رأسه في قبعة جلده . وقبع الرجل أدخل رأسه
في قميصه أي أنه ظهر في إعزاز الحق والتنبيه على مواقع الصواب حين كان يختبئ
القوم من الرهبة . ويقال تقبع فلان في كلامه إذا تردد من عي أو حصر . فقد كان ينطق
بالحق ويستقيم به لسانه والقوم يترددون ولا يبينون ( 3 ) كناية عن ثبات الجأش فإن
رفع الصوت عند المخاوف إنما هو من الجزع وقد يكون كناية عن التواضع أيضا
( 4 ) الفوت السبق ( 5 ) هذا الضمير وسابقه يعودان إلى الفضيلة المعلومة من الكلام
فضيلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر . وهو يمثل حاله مع القوم بحال خيل الحلبة .
والعنان للفرس معروف . وطار به سبق به . والرهان الجعل الذي وقع التراهن عليه ( * )
ـ 89 ـ
مهمز ( 1 ) ولا لقائل في مغمز . الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق
له . والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه . رضينا عن الله
قضاءه وسلمنا لله أمره ( 2 ) . أتراني أكذب على رسول الله صلى الله عليه
وآله والله لانا أول من صدقه فلا أكون أول من كذب عليه
فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي وإذا الميثاق في عنقي
لغيري ( 3 ) .
38 - ومن خطبة له عليه السلام
وإنما سميت الشبهة شبهة لانها تشبه الحق . فأما أولياء الله
فضياؤهم فيها اليقين . ودليلهم سمت الهدى ( 4 ) . وأما أعداء الله
* ( هامش ) * ( 1 ) الهمز والغمز الوقيعة أي لم يكن في عيب أعاب به . وهذا هو الفصل الثاني يذكر حاله
بعد البيعة أي أنه قام بالخلافة كالجبل والخ وقوله الذليل عندى الخ أي أنني أنصر الذليل
فيعز بنصري حتى إذا أخذ حقه رجع إلى ما كان عليه قبل الانتصار بي . ومثل ذلك يقال
فيما بعده ( 2 ) قوله رضينا الخ كلام قاله عند ما تفرس في قوم من عسكره أنهم يتهمونه
فيما يخبرهم به من أنباء الغيب ( 3 ) قوله فنظرت الخ هذه الجملة قطعة من كلام له في حال
نفسه بعد وفاة رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم بين فيه أنه مأمور بالرفق في طلب حقه
فأطاع الامر في بيعة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فبايعهم امتثالا لما أمره
النبي به من الرفق وإيفاء بما أخذ عليه النبي من الميثاق في ذلك ( 4 ) سمت الهدى
طريقته وقوله فما ينجو من الموت الخ ليس ملتئما مع ما قبله فهو قطعة من كلام آخر ( * ) =
ـ 90 ـ
فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى . فما ينجو من الموت من خافه
ولا يعطى البقاء من أحبه
39 - ومن خطبة له عليه السلام
منيت بمن لا يطيع إذا أمرت ( 1 ) ولا يجيب إذا دعوت .
لا
أبا لكم ما تنتظرون بنصركم ربكم . أما دين يجمعكم ولا حمية
تحمشكم ( 2 ) أقوم فيكم مستصرخا وأناديكم متغوثا فلا تسمعون لي
قولا . ولا تطيعون لي أمرا . حتى تكشف الامور عن عواقب
المساءة ( 3 ) فما يدرك بكم ثار ولا يبلغ بكم مرام . دعوتكم إلى
نصر إخوانكم فجرجرتم جرجرة الجمل الاسر . وتثاقلتم تثاقل
النضو الادبر ( 4 ) ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب ضعيف كأنما
يساقون إلى الموت وهم ينظرون ( 5 ) . ( أقول ) قوله عليه السلام
* ( هامش ) * = ضمه إلى هذا على نحو ماجمع الفصول المتقدمة ( 1 ) منيت بليت ( 2 ) حمشه كنصره
جمعه . وحمش القوم ساقهم بغضب . أو من أحمشه بمعنى أغضبه أي تغضبكم على أعدائكم .
والمستصرخ المستنصر . ومتغوثا أي قائلا واغوثاه ( 3 ) تكشف مضارع حذف زائده
والاصل تتكشف أي تنكشف ، أي أنكم لا تزالون تخالفونني وتخذلونني حتى تنجلي
الامور والاحوال عن العواقب التي تسوءنا ولا تسرنا ( 4 ) الجرجرة صوت يردده البعير
في حنجرته . والاسر المصاب بداء السرر وهو مرمض في الكركرة ينشأ من الدبرة .
والنضو المهزول من الابل . والادبر المدبور أي المجروح المصاب بالدبرة بالتحريك وهي
العقر والجرح من القتب ونحوه ( 5 ) وهذا الكلام خطب به أمير المؤمنين في غارة ( * ) =
ـ 91 ـ
متذائب أي مضطرب من قولهم تذاءبت الريح أي اضطرب
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 91 سطر 1 الى ص 100 سطر 21
متذائب أي مضطرب من قولهم تذاءبت الريح أي اضطرب
هبوبها . ومنه سمي الذئب ذئبا لاضطراب مشيته
40 - ومن كلام له عليه السلام
في الخوارج لما سمع قولهم لا حكم إلا لله قال عليه السلام .
كلمة حق يراد باطل . نعم إنه لا حكم إلا لله . ولكن
هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله : وإنه لا بد للناس من أمير بر أو
فاجر ( 1 ) يعمل في إمرته المؤمن . ويستمتع فيها الكافر . ويبلغ الله
فيها الاجل . ويجمع به الفئ ، ويقاتل به العدو . وتأمن به السبل .
ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح به بر ويستراح من فاجر
( وفي رواية أخرى أنه عليه السلام لما سمع تحكيمهم قال ) حكم .
الله أنتظر فيكم ( وقال ) أما الامرة البرة فيعمل فيها التقي . وأما
الامرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي إلى أن تنقطع مدته وتدركه منيته
* ( هامش ) * = النعمان بن بشير الانصاري على عين النمر من أعمال أمير المؤمنين وعليها إذا ذاك
من قبله مالك بن كعب الارحبي ( 1 ) برهان على بطلان زعمهم أنه لا إمرة إلا لله
بان البداهة قاضية أن الناس لا بد لهم من أمير بر أو فاجر حتى تستقيم أمورهم وولاية
الفاجر لا تمنع المؤمن من عمله لاحراز دينه ودنياه وفيها يستمتع الكافر حتى يوافيه
الاجل ويبلغ الله فيها الامور آجالها المحدودة لها بنظام الخلقة وتجري سائر المصالح
المذكورة ، ويمكن أن يكون المراد بالمؤمن هو الامير البار وبالكافر الامير الفاجر كما ( * ) =
ـ 92 ـ
41 - ومن خطبة له عليه السلام
إن الوفاء توأم الصدق ( 1 ) ولا أعلم جنة أوقى منه . ولا يغدر
من علم كيف المرجع . ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله
الغدر كيسا ( 2 ) ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة . مالهم قاتلهم
الله قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونه مانع من أمر الله ونهيه
فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها ، وينتهز فرصتها من لا حريجة له
في الدين ( 3 )
42 - ومن كلام له عليه السلام
أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان : اتباع الهوى ،
* ( هامش ) * = تدل عليه الرواية الاخرى وقوله أما الامرة البرة الخ ( 1 ) التوأم الذي يولد مع الآخر
في حمل واحد ، فالصدق والوفاء قرينان في المنشأ لا يسبق أحدهما الآخر في الوجود
ولا في المنزلة . والجنة بالضم الوقاية . ومن علم أن مرجعه إلى الله وهو سريع الحساب
لا يمكن أن يعدل عن الوفاء إلى الغدر ( 2 ) الكيس بالفتح العقل وأهل ذلك الزمان
يعدون الغدر من العقل وحسن الحيلة كأنهم أهل السياسة من بني زماننا . وأمير
المؤمنين يعجب من زعمهم ويقول ما لهم قاتلهم الله يزعمون ذلك مع أن الحول
القلب بضم الاول وتشديد الثاني من اللفظين أي البصير بتحويل الامور وتقليبها قد
يرى وجه الحيلة في بلوغ مراده لكنه يجد دون الاخذ به مانعا من أمر الله ونهيه
فيدع الحيلة وهو قادر عليها خوفا من الله ووقوفا عند حدوده ( 3 ) الحريجة التحرج ( * ) =
ـ 93 ـ
وطول الامل ( 1 ) . فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق . وأما طول الامل
فينسي الآخرة . ألا وإن الدنيا قد ولت حذاء ( 2 ) فلم يبق منها إلا
صبابة ( 3 ) كصبابة الاناء اصطبها صابها . ألا وإن الآخرة قد أقبلت
ولكل منهما بنون . فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا أبناء
الدنيا ، فإن كل ولد سيلحق بأمه يوم القيامة . وإن اليوم عمل ولا
حساب وغدا حساب ولا عمل . ( أقول ) الحذاء السريعة . ومن الناس
من يرويه جذاء ( 4 ) .
43 - ومن كلام له عليه السلام
وقد أشار عليه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جرير
ابن عبدالله البجلي إلى معاوية
إن استعدادي لحرب أهل الشام وجرير عندهم إغلاق للشام
وصرف لاهله عن خير إن أرادوه . ولكن قد وقت لجرير وقتا
* ( هامش ) * = أي التحرز من الاثام ( 1 ) طول الامل هو استفساح الاجل والتسويف بالعمل طلبا
للراحة العاجلة وتسلية للنفس بإمكان التدارك في الاوقات المقبلة ، وهذا من أقبح
الصفات . أما قوة الامل في نجاح الاعمال الصالحة ثقة بالله ويقينا بعونه فهي حياة كل
فصيلة وسائقة لكل مجد ، والمحرومون منها آيسون من رحمة الله تحسبهم أحياء وهم
أموات لا يشعرون ( 2 ) الحذاء بالتشديد الماضية السريعة ( 3 ) الصبابة بالضم البقية من
الماء واللبن في الاناء . واصطبها صابها كقولك أبقاها مبقيها أو تركها تاركها ( 4 ) جذاء ( * ) =
ـ 94 ـ
لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا . والرأي عندي مع الاناة ، فأرودوا
ولا أكره لكم الاعداد ( 1 )
ولقد ضربت أنف هذا الامر وعينه ( 2 ) . وقلبت ظهره وبطنه ،
فلم أر لي إلا القتال أو الكفر ، إنه قد كان على الناس وال أحدث
أحداثا وأوجد للناس مقالا فقالوا ثم نقموا فغيروا ( 3 ) .
44 - ومن كلام له عليه السلام
لما هرب مصقلة بن هبيرة الشيباني إلى معاوية وكان قد ابتاع
سبي بني ناجية من عامل أمير المؤمنين عليه السلام
* ( هامش ) * = بالجيم أي مقطوع خيرها ودرها ( 1 ) يقول أمير المؤمنين إنه أرسل جريرا
ليخابر معاوية وأهل الشام في البيعة له والدخول في طاعته ولم ينقطع الامل منهم ،
فاستعداده للحرب وجمعه الجيوش وسوقها إلى أرضهم إغلاق لابواب السلم على أهل
الشام وصرف لهم عن الخير إن كانوا يريدونه ، فالرأي الاناة أي التأني ولكنه
لا يكره الاعداد أي أن يعد كل شخص لنفسه ما يحتاج إليه في الحرب من سلاح ونحوه
ويفرغ نفسه مما يشغله عنها لو قامت حتى إذا دعي إليها لم يبطئ في الاجابة ولم يجد
ما يمنعه عن اقتحامها ، وقوله أرودوا أي سيروا برفق ( 2 ) مثل تقوله العرب في
الاستقصاء في البحث والتأمل والفكر . وانما خص الانف والعين لانهما أظهر شئ في
صورة الوجه وهما مستلفت النظر ، والمراد من الكفر في كلامه الفسق لان ترك
القتال تهاون بالنهي عن المنكر وهو فسق لا كفر ( 3 ) يريد من الوالي الخليفة الذي
كان قبله ، وتلك الاحداث معروفة في التاريخ وهي التي أدت بالقوم إلى التألب على
قتله ، ويروى قال بالقاف بدل وال ولا أظنها إلا تحريفا وإن كنت أتيت على تفسيرها
في الطبعة الاولى ( * )
ـ 95 ـ
وأعتقهم ( 1 ) فلما طالبه بالمال خاس به وهرب إلى الشام ( 2 )
قبح الله مصقلة . فعل فعل السادات وفر فرار العبيد . فما أنطق
مادحه حتى أسكته ، ولا صدق واصفه حتى بكته . ولو أقام لاخذنا
ميسوره ( 3 ) . وانتظرنا بماله وفوره ( 4 )
45 - ( ومن خطبة له عليه السلام )
الحمد لله غير مقنوط من رحمته . ولا مخلو من نعمته . ولا
مأيوس من مغفرته . ولا مستنكف عن عبادته . الذي لا تبرح
منه رحمة . ولا نفقد له نعمة . والدنيا دار مني لها الفناء ( 5 ) ولاهلها
* ( هامش ) * ( 1 ) كان الخريت بن راشد الناجي أحد بني ناجية مع أمير المؤمنين
في صفين ثم نقض عهده بعد صفين ونقم عليه في التحكيم وخرج يفسد الناس
ويدعوهم للخلاف ، فبعث اليه أمير المؤمنين كتيبة مع معقل بن قيس الرياحي لقتاله
هو ومن انضم إليه فأدركته الكتيبة بسيف البحر بفارس ، وبعد دعوته إلى التوبة
وإبائه قبولها شدت عليه فقتل وقتل معه كثير من قومه وسبي من أدرك في رحالهم من
الرجال والنساء والصبيان فكانوا خمسمائة أسير . ولما رجع معقل بالسبي مر على مصقلة بن
هبيرة الشيباني وكان عاملا لعلي على أردشير خره فبكى إليه النساء والصبيان وتصايح
الرجال يستغيثون في فكاكهم فاشتراهم من معقل بخمسمائة ألف درهم ثم امتنع من
أداء المبلغ . ولما ثقلت عليه المطالبة بالحق لحق بمعاوية فرارا تحت أستار الليل ( 2 ) خاس
به خان ( 3 ) ميسوره ما تيسر له ( 4 ) وفوره زيادته ( 5 ) منى لها الفناء الفعل للمجهول ( * ) =
ـ 96 ـ
منها الجلاء . وهي حلوة خضرة ( 1 ) وقد عجلت للطالب ( 2 ) والتبست
بقلب الناظر . فارتحلوا عنها بأحسن ما بحضرتكم من الزاد ( 3 ) . ولا
تسألوا فيها فوق الكفاف ( 4 ) ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ ( 5 )
46 - ومن كلام له عليه السلام
عند عزمه على المسير إلى الشام ( 6 )
اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ( 7 ) وكآبة المنقلب وسوء
المنظر في الاهل والمال . اللهم أنت الصاحب في السفر وأنت الخليفة
في الاهل ولا يجمعهما غيرك لان المستخلف لا يكون مستصحبا
والمستصحب لا يكون مستخلفا
* ( هامش ) * = أي قدر لها ، والجلاء الخروج من الاوطان ( 1 ) تمثيل لها بما يألفه الذوق ويروق
النظر ( 2 ) عجلت للطالب أسرعت إليه ، والتبست بقلب الناظر اختلطت به محبة
وعلقة ( 3 ) أحسن ما بحضرتكم أي أفضل الاشياء الحاضرة عندكم ، وذلك فاضل
الاخلاق وصالح الاعمال ( 4 ) الكفاف ما يكفك أي يمنعك عن سؤال غيرك وهو
مقدار القوت ( 5 ) البلاغ ما يتبلغ به أي يقتات به ( 6 ) وذلك بعد حرب الجمل حيث
اختلف عليه معاوية بن أبي سفيان ولم يدخل في بيعته وقام للمطالبة بدم عثمان واستهوى
أهل الشام واستنصرهم لرأيه فعززوه على الخلاف ، وسار إليه أمير المؤمنين والتقيا
بصفين واقتتلا مدة غير قصيرة وانتهى القتال بتحكيم الحكمين عمرو بن العاص
وأبي موسى الاشعري ( 7 ) الوعثاء المشقة ، والكآبة الحزن ، والمنقلب مصدر بمعنى
الرجوع وأول الكلام مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب الصحيحة ( * ) =
ـ 97 ـ
47 - ومن كلام له عليه السلام في ذكر الكوفة
كأني بك يا كوفة تمدين مد الاديم العكاظي ( 1 ) تعركين
بالنوازل وتركبين بالزلازل . وإني لاعلم أنه ما أراد بك جبار
سوءا إلا ابتلاه الله بشاغل ورماه بقاتل
48 - ( ومن خطبة له عليه السلام عند المسير إلى الشام )
الحمد الله كلما وقب ليل وغسق ( 2 ) والحمد لله كلما لاح نجم
وخفق ( 3 ) . والحمد لله غير مفقود الانعام ولا مكافإ الافضال
أما بعد فقد بعثت مقدمتي ( 4 ) . وأمرتهم بلزوم هذا الملطاط
حتى يأتيهم أمري . وقد أردت أن أقطع هذه النطفة إلى شرذمة
* ( هامش ) * = وأتمه أمير المؤمنين بقوله ولا يجمعهما غيرك الخ . وذات الله تستوي عندها الامكنة
كما تستوي الازمنة ، فالحضر والسفر عندها سواء ، وليس هذا الشأن لغير الذات
الاقدس ( 1 ) العكاظي نسبة إلى عكاظ كغراب وهو سوق كانت تقيمه العرب في
صحراء بين نخلة والطائف يجتمعون إليه من بداية شهر ذي القعدة ليتعاكظوا أي
يتفاخروا كل بما لديه من فضيلة وأدب . ويستمر إلى عشرين عاما وليتبايعوا أيضا .
وأكثر ما كان يباع بتلك السوق الاديم فنسب إليها ، والاديم الجلد المدبوغ ، وجمعه
أدم بفتحتين وضمتين ، وأأ دمة كأرغفة . وقوله تمدين الخ تصوير لما ينالها من العسف
والخبط ، وتعركين من عركتهم الحرب إذا مارستهم ، والنوازل الشدائد ، والزلازل
المزعجات من الخطوب ( 2 ) وقب دخل ، وغسق اشتدت ظلمته ( 3 ) خفق النجم
غاب ، ولاح ظهر ( 4 ) أراد بمقدمته صدر جيشه ، ومقدمة الانسان بفتح الدال ( * ) =
ـ 98 ـ
منكم موطنين أكناف دجلة ( 1 ) فأنهضهم معكم إلى عدوكم
وأجعلهم من أمداد القوة لكم ( 2 ) . ( أقول يعني عليه السلام بالملطاط ها هنا
السمت الذي أمرهم بلزومه وهو شاطئ الفرات . ويقال ذلك أيضا
لشاطئ البحر ، وأصله ما استوى من الارض . ويعني بالنطفة ماء
الفرات . وهو من غريب العبارات وعجيبها )
49 - ومن كلام له عليه السلام
الحمد لله الذي بطن خفيات الامور ( 3 ) . ودلت عليه أعلام
الظهور . وامتنع على عين البصير . فلا عين من لم يره تنكره . ولا قلب
من أثبته يبصره ( 4 ) . سبق في العلو فلا شئ أعلى منه . وقرب في الدنو
* ( هامش ) * = صدره ، والملطاط حافة الوادي وشفيره ، وساحل البحر ، والسمت أي الطريق ، وقول
الشريف يعني بالملطاط السمت تبيين لمراد أمير المؤمنين من لفظ الملطاط في كلامه
لا تفسير اللفظ في نفسه ، وقوله وهو شاطئ الفرات بيان للسمت أي الطريق ،
وقوله ويقال ذلك - أي لفظ الملطاط - تفسير للفظ الملطاط في استعمال اللغويين ، فاندفع بهذا
ما أورده ابن أبي الحديد على عبارته من أنها خالية من المعنى ( 1 ) الشرذمة النفر
القليلون ، والاكناف الجوانب . وموطنين الاكناف أي جعلوها وطنا . يقال أوطنت
البقعة ( 2 ) الامداد جمع مدد وهو ما يمد به الجيش لتقويته . وهذه الخطبة نطق بها
أمير المؤمنين وهو بالنخيلة خارجا من الكوفة إلى صفين لخمس بقين من شوال سنة
سبع وثلاثين ( 3 ) بطن الخفيات علمها ، والاعلام جمع علم بالتحريك وهو المنار يهتدى
به ثم عم في كل ما دل على شئ ، وأعلام الظهور الادلة الظاهرة التي بظهورها يظهر
غيرها ( 4 ) كان الاليق بعد قوله وامتنع على عين البصير ما جاء في رواية أخرى وهو ( * ) =
ـ 99 ـ
فلا شئ أقرب منه ( 1 ) . فلا استعلاؤه باعده عن شئ من خلقه . ولا
قربه ساواهم في المكان به . لم يطلع العقول على تحديد صفته .
ولم يحجبها عن واجب معرفته . فهو الذي تشهد له أعلام الوجود .
على إقرار قلب ذي الجحود ( 2 ) تعالى الله عما يقول المشبهون به
والجاحدون له علوا كبيرا
50 - ومن كلام له عليه السلام
إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع . وأحكام تبتدع . يخالف
فيها كتاب الله . ويتولى عليها رجال رجالا ( 3 ) على غير دين الله . فلو
أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين . ولو أن
الحق خلص من لبس الباطل لانقطعت عنه ألسن المعاندين ( 4 ) ولكن
* ( هامش ) * = فلا قلب من لم يره ينكره ، ولا عين من أثبته تبصره . وما جاء في الكتاب معناه أن
من لم يره لاينكره اعتمادا على عدم رؤيته لظهور الادلة عليه . ومن أثبته لا يستطيع
اكتناء حقيقته ( 1 ) علا كل شئ بذاته وكماله وجلاله وقرب من كل شئ بعلمه وإرادته
وإحاطته وعنايته فلا شئ إلا وهو منه فأي شئ يبعد عنه ( 2 ) إن قلب الجاحد إن
أنكره فما إنكاره إلا افتعال مما عرض عليه من أثر الفواعل الخارجة عن فطرته .
وظهور اعلام الوجود في الدلالة عليه لا يقوى على مدافعة تأثيره قلب الجاحد . فلا
مناص له من الاقرار في الواقع وإن ظهر الجحود في كلامه وبعض أعماله ( 3 ) يستعين
عليها رجال برجال ( 4 ) المرتادين الطالبين للحقيقة أي لو كان الحق خالصا من ممازجة ( * ) =
ـ100ـ
يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث ( 1 ) فيمزجان ، فهنالك يستولي
الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى
1 5 - ومن خطبة له عليه السلام
لما غلب أصحاب معاوية أصحابه عليه السلام على شريعة
الفرات بصفين ومنعوهم من الماء ( 2 )
قد استطعموكم القتال ( 3 ) فقروا على مذلة . وتأخير محلة . أو
رووا السيوف من الدماء ترووا من الماء . فالموت في حياتكم مقهورين .
والحياة في موتكم قاهرين . ألا وإن معاوية قاد لمة من الغواة ( 4 ) .
وعمس عليهم الخبر ( 5 ) حتى جعلوا نحورهم أغراض المنية
* ( هامش ) * = الباطل ومشابهته لكان ظاهرا لا يخلو على من طلبه ( 1 ) الضغث بالكسر قبضة من
حشيش مختلط فيها الرطب باليابس ، يريد أنه إن أخذ الحق من وجه لم يعدم شبيها له
من الباطل يلتبس به . وإن نظر إلى الباطل لاح كأن عليه صورة الحق فاشتبه به ،
فذلك ضغث الحق وهذا ضغث الباطل . ومصادر الاهواء التي ينشأ عنها وقوع الفتن
إنما هي من الا لتباس الواقع بين الحق والباطل ( 2 ) الشريعة مورد الشاربة من
النهر ( 3 ) طلبوا منكم أن تطعموهم القتال كما يقال فلان يستطعمني الحديث أي
يستدعيه مني . وقوله فقروا الخ أي إما أن تثبتوا على الذل وتأخر المنزلة ، وإما أن ترووا
سيوفكم الخ ( 4 ) اللمة بضم اللام وتشديد الميم الاصحاب في السفر ، وبتخفيفها الجملة
القليلة مطلقا ، أو من الثلاثة إلى العشرة . والتقليل مستفاد من الاول بطريق الكناية ،
ومن الثاني على الحقيقه الصريحة ، وفي الاول الاشارة إلى أنهم ليسوا بأهل حرب
( 5 ) عمس الكتاب والخبر كنصر اخفاه . وعمست عليه إذا أريته أنك لا تعرف الامر ( * ) =
ـ101ـ
52 - ومن خطبة له عليه السلام ( * ) )
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 101 سطر 1 الى ص 110 سطر 24
52 - ومن خطبة له عليه السلام ( * ) )
ألا وإن الدنيا قد تصرمت وآذنت بوداع وتنكر معروفها .
وأدبرت حذاء ( 1 ) . فهي تحفز بالفناء سكانها ( 2 ) وتحدر بالموت جيرانها ( 3 )
وقد أمر منها ما كان حلوا . وكدر منها ماكان صفوا ( 4 ) . فلم يبق
منها إلا سملة كسملة الاداوة ( 5 ) . أو جرعة كجرعة المقلة ، لو تمززها
الصديان لم ينقع ( 6 ) . فأزمعوا عباد الله الرحيل عن هذه الدار ، المقدور
على أهلها الزوال ( 7 ) . ولا يغلبنكم فيها الامل ولا يطولن عليكم
* ( هامش ) * = وأنت به عارف ، والاغراض جمع غرض وهو الهدف ( 1 ) حذاء : مسرعة . ورحم حذاء
مقطوعة غير موصولة . وفي رواية جذاء بالجيم أي مقطوعة الدر والخير ( 2 ) تحفزهم
تدفعهم وتسوقهم ، حفزه يحفزه دفعه من خلفه . أو هو بمعنى تطعنهم من حفزه بالرمح
طعنه ( 3 ) تحدر بالراء من باب نصر وضرب أى تحوطهم بالموت . وفي رواية وهي
الصحيحة تحدو بالواو بعد الدال أي تسوقهم بالموت إلى الهلاك فتكون الفقرة في معنى
سابقتها مؤكدة لها ( 4 ) أمر الشئ صار مرا ، وكدر كفرح كدرا وكظرف كدورة
تعكر وتغير لونه واختلط بما لا يساغ هو معه ( 5 ) السملة محركة بقية الماء في الحوض .
والاداوة المطهرة ( اناء الماء الذي يتطهر به ) والمقلة بالفتح حصاة يضعها المسافرون في
اناء ثم يصبون الماء فيه ليغمرها فيتناول كل منهم مقدار ما غمرها لا يزيد أحدهم عن
الآخر في نصيبه ، يفعلون ذلك إذا قل الماء وأرادوا قسمته بالسوية ( 6 ) التمزز الامتصاص
قليلا قليلا ، والصديان العطشان وقوله لم ينقع أي لم يرو ( 7 ) فأزمعوا الرحيل أي
عزموا عليه . يقال أزمع الامر ولا يقال أزمع عليه ، وجوزه الفراء بمعنى عزم عليه وأجمع . ( * ) =
* ( هامش ) * في نسخة زيادة : " قد تقدم مختارها برواية ونذكرها هاهنا برواية أخرى لتغاير الروايتين " ( * )
ـ102ـ
الامد . فوالله لو حننتم حنين الوله العجال ( 1 ) . ودعوتم بهديل الحمام ( 2 )
وجأرتم جؤار متبتل الرهبان ( 3 ) . وخرجتم إلى الله من الاموال والاولاد
التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده أو غفران سيئة أحصتها
كتبه ، وحفظها رسله ( 4 ) ، لكان قليلا فيما أرجو لكم من ثوابه
وأخاف عليكم من عقابه ، والله لو انماثت قلوبكم انمياثا ( 5 ) وسالت
عيونكم من رغبة إليه أو رهبة منه دما ، ثم عمرتم في الدنيا ما الدنيا
باقية ( 6 ) ما جزت أعمالكم - ولو لم تبقوا شيئا من جهدكم - أنعمه
عليكم العظام وهداه إياكم للايمان ( 7 )
53 - في ذكر يوم النحر وصفة الاضحية
ومن كمال الاضحية استشراف أذنها ( 8 ) وسلامة عينها . فإذا سلمت
* ( هامش ) * = والمراد من العزم على الرحيل مراعاته والعمل له ( 1 ) كل انثى فقدت ولدها فهي واله
ووالهة . والعجول من الابل التي فقدت ولدها ( 2 ) هديل الحمام صوته في بكائه لفقد الفه
( 3 ) جأرتم رفعتم أصواتكم . والجؤار الصوت المرتفع ، أي تضرعتم إلى الله بأرفع
أصواتكم كما يفعل الراهب المتبتل . والمتبتل المنقطع للعبادة ( 4 ) المراد من الرسل هنا
الملائكة الموكلون بحفظ أعمال العباد ( 5 ) إنماثت ذابت ( 6 ) ما الدنيا باقية أي مدة
بقائها ( 7 ) قوله ما جزت جواب لو انماثت . وقوله أنعمه عليكم العظام مفعول جزت أي
ما كافأ ذلك أنعمه الكبار عليكم . وقوله ولو لم تبقوا شيئا الخ اعتراض بين الفاعل
والمفعول لبيان غاية النفي في الجواب . وقوله وهداه إياكم عطف على أنعمه عطف
الخاص على العام ، فإن الهداية إلى الايمان من أكبر النعم ( 8 ) الاضحية الشاة التي ( * ) =
ـ103ـ
الاذن والعين سلمت الاضحية وتمت . ولو كانت عضباء القرن ( 1 )
تجر رجلها إلى المنسك ( 2 ) ( قال الرضي والمنسك هنا المذبح )
54 - ومن خطبة له عليه السلام
فتداكوا على تداك الابل الهيم يوم وردها ( 3 ) قد أرسلها راعيها
وخلعت مثانيها ( 4 ) حتى ظننت أنهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لدي .
وقد قلبت هذا الامر بطنه وظهره . فما وجدتني يسعني إلا قتالهم
أو الجحود بما جاءني به محمد صلى الله عليه وآله ( 5 ) فكانت معالجة
القتال أهون علي من معالجة العقاب . وموتات الدنيا أهون علي من
موتات الآخرة
* ( هامش ) * ( = طلب الشارع ذبحها بعد شروق الشمس من عيد الاضحى ، واستشراف الاذن تفقدها
حتى لا تكون مجدوعة أو مشقوقة . وفي الحديث أمرنا أن نستشرف العين والاذن أي
نتفقدها وذلك من كمال الاضحية أي من كمال عملها وتأدية سنتها ، وتكون سلامة
عينها عطفا على أذنها . وقد يراد من استشراف الاذن طولها وانتصابها . أذن شرفاء أي
منتصبة طويلة فسلامة عينها عطف على استشراف والتفسير الاول أمس بقوله فإذا
سلمت الاذن ( 1 ) عضباء القرن مكسورته ( 2 ) تجر رجلها إلى المنسك أي عرجا .
والمنسك المذبح . وفي صفات الاضحية وعيوبها المخلة بها تفصيل وخلافات تطلب من
كتب الفقه ( 3 ) تداكوا تزاحموا عليه ليبايعوه رغبة فيه . والهيم العطاش . ويوم وردها
يوم شربها ( 4 ) جمع المثناة بفتح الميم وكسرها حبل من صوف أو شعر يعقل به
البعير ( 5 ) قتال البغاة من الواجب على الامام ، فإن لم يقاتلهم على قدرة منه كان منابذا ( * ) =
ـ104ـ
55 - ومن كلام له عليه السلام
وقد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين
أما قولكم أكل ذلك كراهية الموت فوالله ما أبالي أدخلت
إلى الموت أو خرج الموت إلي ( 1 ) . وأما قولكم شكا في أهل الشام
فوالله ما دفعت الحرب يوما إلا وأنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي
بي وتعشو إلى ضوئي ، وذلك أحب إلي من أن أقتلها على ضلالها وإن
كانت تبوء بآثامها
56 - ومن كلام له عليه السلام
ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله نقتل آباءنا وأبناءنا
وإخواننا وأعمامنا . ما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيا على اللقم ( 2 )
* ( هامش ) * = لامر الله في ترك ما أوجبه عليه فكأنه جاحد لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 1 ) روي أن أمير المؤمنين بعد ما ملك الماء على أصحاب معاوية ساهمهم فيه رجاء
أن يعطفوا إليه ، ولزوما للمعدلة وحسن السيرة ، ومكث أياما لا يرسل إلى معاوية ولا يأتيه
منه شئ ، واستبطأ الناس إذنه في قتال أهل الشام . واختلفوا في سبب التريث فقال
بعضهم كراهة الموت ، وقال بعضهم الشك في جواز قتال أهل الشام ، فأجابهم : أما الموت لم يكن
ليبالى به ، وأما الشك فلا موضع له وإنما يرجو بدفع الحرب أن يتجاوزوا إليه بلا قتال
فإن ذلك أحب إليه من القتال على الضلال وإن كان الاثم عليهم . وتبوء بآثامها ترجع
بها . وتعشو إلى ضوئه تستدل عليه وإن كان ببصر ضعيف في ظلام الفتن فتهتدي إليه .
عشا إلى النار أبصرها ليلا ببصر ضعيف فقصدها ( 2 ) اللقم بالتحريك معظم الطريق ( * ) =
ـ105ـ
وصبرا على مضض الالم وجدا في جهاد العدو . ولقد كان الرجل منا
والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين . يتخالسان أنفسهما ( 1 )
أيهما يسقي صاحبه كأس المنون . فمرة لنا من عدونا . ومرة لعدونا
منا . فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت ( 2 ) وأنزل علينا النصر
حتى استقر الاسلام ملقيا جرانه ( 3 ) . ومتبوئا أوطانه . ولعمري لو
كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود . ولا اخضر للايمان عود . وايم
الله لتحتلبنها دما ( 4 ) ، ولتتبعنها ندما
57 - ومن كلام له عليه السلام لاصحابه
أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم مندحق
البطن ( 5 )
* ( هامش ) * = أو جادته . ومضض الالم لذعته وبرحاؤه ( 1 ) يتخالسان كل يطلب اختلاس روح الآخر .
والتصاول أن يحمل كل قرن على قرنه ( 2 ) الكبت الذل والخذلان ( 3 ) جران البعير
بالكسر مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره . وإلقاء الجران كناية عن التمكن
( 4 ) الاحتلاب استخراج ما في الضرع من اللبن . والضمير المنصوب يعود إلى أعمالهم
المفهومة من قوله ما أتيتم . واحتلاب الدم تمثيل لاجترارهم على أنفسهم سوء العاقبة من
أعمالهم ، وسيتبعون تلك الاعمال بالندم عند ما تصيبهم دائرة السوء أو تحل قريبا من
دارهم ( 5 ) مندحق البطن عظيم البطن بارزه كأنه لعظمه مندلق من بدنه يكاد يبين
عنه . وأصل اندحق بمعنى اندلق وفي الرحم خاصة ، والدحوق من النوق التي يخرج
رحمها عند الولادة . وزحب البلعوم واسعه . يقال عنى به زيادا . وبعضهم يقول عنى المغيرة ( * ) =
ـ106ـ
يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد . فاقتلوه ولن تقتلوه ( 1 ) . ألا وإنه
سيأمركم بسبي والبراءة مني . فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة
ولكم نجاة . وأما البراءة فلا تتبرأوا مني فإني ولدت على الفطرة ،
وسبقت إلى الايمان والهجرة ( 2 )
58 - ومن كلام له عليه السلام
كلم به الخوارج ( 3 )
أصابكم حاصب ( 4 ) ولا بقي منكم آبر . أبعد إيماني بالله
وجهادي مع رسول الله أشهد على نفسي بالكفر . لقد ضللت إذا وما
أنا من المهتدين . فأوبوا شر مآب . وارجعوا على أثر الاعقاب . أما
إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا . وسيفا قاطعا . وأثرة يتخذها الظالمون
فيكم سنة ( 5 )
* ( هامش ) * = ابن شعبة والبعض يقول معاوية ( 1 ) هذا الامر ( 2 ) قد تسب شخصا وأنت مكره
ولحبه مستبطن فتنجو من شر من أكرهك . وما أكرهك على سبه إلا مستعظم لامره
يريد أن يحط منه وذلك زكاة للمسبوب . أما البراءة من شخص فهي الانسلاخ من
مذهبه ( 3 ) زعم الخوارج خطأ الامام في التحكيم ، وغلوا فشرطوا في العودة إلى طاعته
أن يعترف بأنه كان كفر ثم آمن ، فخاطبهم بما منه هذا الكلام ( 4 ) الحاصب ريح
شديدة تحمل الحصباء والجملة دعاء عليهم بالهلاك ( 5 ) أوبوا شر مآب : انقلبوا شر
منقلب بضلالكم في زعمكم ، وارتدوا على اعقابكم بفساد هواكم فلن يضرني ذلك ( * ) =
ـ107ـ
( قوله عليه السلام ) ولا بقي منكم آبر يروى بالباء والراء من
قولهم رجل آبر للذي يأبر النخل أى يصلحه . ويروى آثر وهو الذي
يأثر الحديث أي يرويه ويحكيه ، وهو أصح الوجوه عندي . كأنه عليه
السلام قال ( لا بقي منكم مخبر . ويروى آبز بالزاي المعجمة وهو
الواثب . والهالك أيضا يقال له آبز )
59 - قال عليه السلام لما عزم على حرب الخوارج
وقيل له إنهم قد عبروا جسر النهروان
مصارعهم دون النطفة . والله لا يفلت منهم عشرة ( 1 ) ولا يهلك
منكم عشرة . ( يعنى بالنطفة ماء النهر وهو أفصح كناية عن الماء
وإن كان كثيرا جما )
60 - ولما قتل الخوارج فقيل له يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم
( قال عليه السلام ) كلا والله إنهم نطف في أصلاب الرجال
وقرارات النساء ( 2 ) . كلما نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم
* ( هامش ) * = شيئا وأنا على بصيرة في أمري . ثم انذرهم بما سيلاقون من سوء المنقلب والاثرة والاستبداد فيهم والاختصاص بفوائد الملك دونهم وحرمانهم من كل حق لهم ( 1 ) أنه
ما نجا منهم إلا تسعة تفرقوا في البلاد ، وما قتل من أصحاب أمير المؤمنين إلا ثمانية
( 2 ) قرارات النساء كناية عن الارحام ، وكلما نجا منهم قرن : أي كلما ظهر وطلع منهم ( * ) =
ـ108ـ
لصوصا سلابين . 61 - ( وقال عليه السلام فيهم ) لا تقتلوا الخوارج بعدي
فليس من طلب الحق فأخطأه كمن الباطل فأدركه . ( يعني
معاوية وأصحابه ( 1 ) )
62 - ومن كلام له عليه السلام
لما خوف من الغيلة ( 2 )
وإن علي من الله جنة حصينة ( 3 ) ، فإذا جاء يومي انفرجت عني
وأسلمتني ، فحينئذ لا يطيش السهم ولا يبرأ الكلم ( 4 )
63 - ومن كلام له عليه السلام
ألا وإن الدنيا دار لا يسلم منها إلا فيها ( 5 ) . ولا ينجى بشئ
* ( هامش ) * = رئيس قتل حتى ينتهي أمرهم إلى أن يكونوا لصوصا سلابين لا يقومون بملك
ولا ينتصرون إلى مذهب ولا يدعون إلى عقيدة شأن الاشرار الصعاليك الجهلة ( 1 ) الخوارج من بعده وإن كانوا قد ضلوا بسوء عقيدتهم فيه إلا أن ضلتهم لشبهة
تمكنت من نفوسهم فاعتقدوا الخروج عن طاعة الامام مما يوجبه الدين عليهم . فقد
طلبوا حقا وتقريره شرعا فاخطأوا الصواب فيه ، لكنهم بعد أمير المؤمنين يخرجون
بزعمهم هذا على من غلب على الامرة بغير حق وهم الملوك الذين طلبوا الخلافة باطلا
فأدركوها وليسوا من أهلها . فالخوارج على مابهم أحسن حالا منهم ( 2 ) الغيلة القتل
على غرة بغير شعور من المقتول كيف يأتيه القاتل ( 3 ) جنة بالضم وقاية ( 4 ) الكلم
بالفتح الجرح ( 5 ) أي من أراد السلامة من محنتها فليهئ وسائل النجاة وهو فيها ( * ) =
ـ109ـ
كان لها ( 1 ) . أبتلي الناس بها فتنة فما أخذوه منها لها أخرجوا منه وحوسبوا
عليه ( 2 ) . وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه وأقاموا فيه . وإنها عند
ذوي العقول كفئ الظل ( 3 ) بينا تراه سابغا حتى قلص ( 4 ) ، وزائدا
حتى نقص
64 - ومن خطبة له عليه السلام
واتقوا الله عباد الله . وبادروا آجالكم بأعمالكم ( 5 ) وابتاعوا
ما يبقى لكم بما يزول عنكم ( 6 ) . وترحلوا فقد جد بكم ( 7 ) . واستعدوا
* ( هامش ) * = إذ بعد الموت لا يمكن التدارك ولا ينفع الندم . فوسائل النجاة إما عمل صالح أو اقلاع
عن خطيئة بتوبة نصوح كلاهما لا يكون إلا في دار التكاليف وهي دار الدنيا ( 1 ) أي لا نجاة بعمل يعمل للدنيا إذ كل عمل يقصد به لذة دنيوية فانية فهو هلكة
لا نجاة ( 2 ) ما أخذوه منها لها كالمال يذخر للذة ويقتنى لقضاء الشهوة . وما أخذوه لغيرها
كالمال ينفق في سبيل الخيرات يقدم صاحبه في الآخرة على ثوابه بالنعيم المقيم ( 3 ) إضافة
الفئ إلى الظل إضافة الخاص للعام لان الفئ لا يكون إلا بعد الزوال ( 4 ) سابغا ممتدا
سائرا للارض . وقلص انقبض ، وحتى هنا لمجرد الغاية بلا تدريج ، أي أن غاية سبوغه
الانقباض وغاية زيادته النقص ( 5 ) بادروا الآجال بالاعمال أي سابقوها وعاجلوها بها
أي استكملوا أعمالكم قبل حلول آجالكم ( 6 ) ابتاعوا اشتروا ما يبقى من النعيم
الابدي بما يفنى من لذة الحياة الدنيا وشهواتها المنقضية ( 7 ) الترحل الانتقال والمراد
منه هنا لازمه وهو إعداد الزاد الذي لا بد منه للراحل ، والزاد في الانتقال عن الدنيا
ليس إلا زادا لتقوى . وقوله فقد جد بكم أي فقد حثثتم وازعجتم إلى الرحيل ، أو فقد ( * ) =
ـ110ـ
للموت فقد أظلكم ( 1 ) . وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا ( 2 ) . وعلموا
أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا . فإن الله سبحانه لم يخلقكم
عبثا ولم يترككم سدى ( 3 ) . وما بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا
الموت أن ينزل به ( 4 ) . وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة
لجديرة بقصر المدة ( 5 ) . وإن غائبا يحدوه الجديدان : - الليل والنهار - لحري
بسرعة الاوبة ( 6 ) . وإن قادما يقدم بالفوز أو الشقوة لمستحق لافضل
* ( هامش ) * = أسرع بكم مسترحلكم وأنتم لا تشعرون ( 1 ) الاستعداد للموت إعداد العدة له
أو طلب العدة ، للقائه ، ولا عدة له إلا الاعمال الصالحة . وقوله فقد أظلكم : أي قرب منكم حتى
كأن له ظلا قد ألقاه عليكم ( 2 ) أي كونوا قوما حذرين إذا استنامتهم الغفلة وقتا
ما ثم صاح بهم صائح الموعظة انتبهوا من نومهم وهبوا لطلب نجاتهم . وقوله وعلموا
أى آخره أي عرفوا الدنيا وأنها ليست بدار بقاء وقرار فاستبدلوها بدار الآخرة
وهي الدار التي ينتقل إليها ( 3 ) تعالى الله أن يفعل شيئا عبثا ، وقد خلق الانسان
وآتاه قوة العقل التي تصغر عندها كل لذة دنيوية ولا تقف رغائبها عند حد منها مهما
علت رتبته فكأنها مفطورة على استصغار كل ما تلاقيه في هذه الحياة وطلب غاية
أعلى مما يمكن أن ينال فيها ، فهذا الباعث الفطري لم يوجده الله تعالى عبثا بل هو
الدليل الوجداني المرشد إلى ما وراء هذه الحياة وسدى . أي مهملين بلا راع يزجركم عما
يضركم ويسوقكم إلى ما ينفعكم . ورعاتنا الانبياء عليهم الصلاة والسلام وخلفاؤهم
( 4 ) أن ينزل به في محل الرفع بدل من الموت أي ليس بين الواحد منا وبين الجنة
إلا نزول الموت به إن كان قد أعد لها عدتها ، ولا بينه وبين النار إلا نزول الموت به إن
كان قد عمل بعمل أهلها ، فما بعد هذه الحياة إلا الحياة الاخرى وهي إما شقاء وإما نعيم
( 5 ) تلك الغاية هي الاجل ، وتنقصها أي تنقص أمد الانتهاء إليها ، وكل لحظة تمر فهي
نقص في الامد بيننا وبين الاجل والساعة تهدم ركنا من ذلك الامد وما كان كذلك
فهو جدير بقصر المدة ( 6 ) ذلك الغائب هو الموت ، ويحدوه يسوقه ، الجديدان الليل ( * ) =
ـ111ـ
العدة . فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا ( 1 )
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 111 سطر 1 الى ص 120 سطر 23
العدة . فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا ( 1 )
فاتقى عبد ربه . نصح نفسه . قدم توبته . وغلب شهوته ( 2 ) فإن أجله
مستور عنه . وأمله خادع له . والشيطان موكل به يزين له المعصية
ليركبها ويمنيه التوبة ليسوفها ( 3 ) حتى تنجم منيته عليه أغفل ما
يكون عنها ( 4 ) فيالها حسرة على ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة ( 5 )
وأن تؤديه أيامه إلى شقوة . نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن
لا تبطره نعمة ( 6 ) ولا تقصر به عن طاعة ربه غاية . ولا تحل به بعد
الموت ندامة ولا كآبة
* ( هامش ) * = والنهار لان الاجل المقسوم لك إن كان بعد ألف سنة فالليل والنهار بكرورهما عليك
يسوقان إليك ذلك المنتظر على رأس الالف وما أسرع مرهما والانتهاء إلى الغاية ، وما أسرع
أوبة لك الغائب الذي يسوقانه إليك . أي رجوعه . والموت هو ذلك القادم إما بفوز
وإما بشقوة . وعدته الاعمال الصالحات والملكات الفاضلة ( 1 ) ما تحرزون به أنفسكم أي
تحفظونها به وذلك هو تقوى الله في السر والنجوى وطاعة الشرع وعصيان الهوى
( 2 ) قوله فاتقى عبد ربه وما بعده أوامر بصيغة الماضي ، ويجوز أن يكون بيانا للتزود
المأمور به في قوله فتزودوا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم ، أو بيانا لما يحرزون به
أنفسهم ( 3 ) يسوفها أن يؤجلها ويؤخرها ( 4 ) قوله أغفل ما يكون حال من الضمير في عليه .
والمنية الموت أي لا يزال الشيطان يزين له المعصية ويمنيه بالتوبة أن تكون في مستقبل
العمر ليسوفها حتى يفاجئه الموت وهو في أشد الغفلة عنه ( 5 ) يكون عمره حجة عليه
لانه إوتي فيه المهلة ومكن فيه من العمل فلم ينشط له ( 6 ) لا تبطره النعمة لا تطغيه ولا تسدل ( * ) =
ـ112ـ
65 - ومن خطبة له عليه السلام
الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالا ( 1 ) . فيكون أولا قبل أن
يكون آخرا . ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا كل مسمى
بالوحدة غيره قليل ( 2 ) . وكل عزيز غيره ذليل . وكل قوي غيره
ضعيف . وكل مالك غيره مملوك . وكل عالم غيره متعلم . وكل
قادر غيره يقدر ويعجز . وكل سميع غيره يصم عن لطيف الاصوات
ويصمه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها ( 3 ) . وكل بصير غيره يعمى عن
* ( هامش ) * = على بصيرته حجاب الغفلة عما هو صائر إليه ( 1 ) ما لله من وصف فهو لذاته يجب بوجوبها ،
فكما أن ذاته سبحانه لا يدنو منها التغير والتبدل ، فكذلك أوصافه هي ثابتة له معا لا يسبق
منها وصف وصفا وإن كان مفهومها قد يشعر بالتعاقب إذا أضيفت إلى غيره ، فهو أول
وآخر أزلا وأبدا ، أي هو السابق بوجوده لكل موجود ، وهو بذلك السبق باق لا يزول
وكل وجود سواه فعلى أصل الزوال مبناه ، ثم هو في ظهوره بأدلة وجوده باطن بكنهه
لا تدركه العقول ولا تحوم عليه الاوهام ( 2 ) الواحد أقل العدد ومن كان واحدا
منفردا عن الشريك محروما من المعين كان محتقرا لضعفه ساقطا لقلة أنصاره . أما
الوحدة في جانب الله فهي علو الذات عن التركيب المشعر بلزوم الانحلال وتفردها
بالعظمة والسلطان وفناء كل ذات سواها إذا اعتبرت منقطعة النسبة إليها فوصف غير
الله بالوحدة تقليل والكمال في عالمه أن يكون كثيرا ، إلا الله فوصفه بالوحدة تقديس
وتنزيه ، وبقية الاوصاف ظاهرة ( 3 ) السامعون من الحيوان والانسان لقوى سمعهم
حد محدود فما خفي من الاصوات لا يصل اليها فهي صماء عنه . فيصم بفتح الصاد
مضارع صم إذا أصيب بالصمم وفقد السمع ، وما عظم من الاصوات حتى فات المألوف ( * ) =
ـ113ـ
خفي الالوان ولطيف الاجسام . وكل ظاهر غيره باطن . وكل
باطن غيره غير ظاهر ( 1 ) . لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان . ولا
تخوف من عواقب زمان . ولا استعانة على ند مثاور ( 2 ) . ولا شريك
مكاثر ولا ضد منافر . ولكن خلائق مربوبون . وعباد داخرون ( 3 )
لم يحلل في الاشياء فيقال هو فيها كائن . ولم ينأ عنها فيقال هو منها
بائن ( 4 ) لم يؤده خلق ما ابتدأ ( 5 ) ولا تدبير ما ذرأ ( 6 ) ولا وقف به عجز
عما خلق . ولا ولجت عليه شبهة فيما وقدر ( 7 ) . بل قضاء متقن
* ( هامش ) * = الذي يستطاع احتماله يحدث فيها الصمم بصدعه لها فيصم بكسر الصاد مضارع أصم
وما بعد من الاصوات عن السامع بحيث لا يصل موج الهواء المتكيف بالصوت إليه ذهب
عن تلك القوى فلا تناله ، كل ذلك في غيره سبحانه ، أما هو جل شأنه فيستوي عنده
الخفي والشديد والقريب والبعيد لان نسبة الاشياء إليه واحدة ومثل ذلك يقال في
البصر والبصراء ( 1 ) الباطن هنا غيره فيما سبق أي كل ما هو ظاهر بوجوده الموهوب
من الله سبحانه فهو باطن بذاته أي لا وجود له في نفسه فهو معدوم بحقيقته وكل
باطن سواه فهو بهذا المعنى فلا يمكن أن يكون ظاهرا بذاته بل هو باطن أبدا
( 2 ) الند النظير والمثل . والمثاور المواثب والمحارب . والشريك المكاثر أي المفاخر
بالكثرة . هذا إذا قرئ بالثاء المثلثة ، ويروى المكابر بالباء الموحدة أي المفاخر بالكبر
والعظمة . والضد المنافر أي المحاكم في الرفعة والحسب ، يقال نافرته في الحسب فنفرته أي
غلبته واثبت رفعتي عليه ( 3 ) مربوبون أي مملوكون . وداخرون أذلاء من دخر ذل
وصغر ( 4 ) لم ينأ عنها أي لم ينفصل انفصال الجسم حتى يقال هو بائن أي منفصل
( 5 ) يؤده أي لم يثقله . آده الامر أثقله وأتعبه ( 6 ) ذرأ أي خلق ( 7 ) ولجت عليه ( * ) =
ـ114ـ
وعلم محكم . وأمر مبرم ( 1 ) المأمول مع النقم والمرهوب مع النعم
66 - ومن كلام له عليه السلام
كان يقوله لاصحابه في بعض أيام صفين
معاشر المسلمين استشعروا الخشية ( 2 ) وتجلببوا السكينة
وعضوا على النواجذ ( 3 ) فإنه أنبى للسيوف عن الهام وأكملوا
اللامة ( 4 ) وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلها ( 5 ) والحظوا الخزر ( 6 )
واطعنوا الشزر ( 7 ) ونافحوا بالظبا ( 8 ) وصلوا السيوف بالخطا ( 9 ) . واعلموا
* ( هامش ) * دخلت ( 1 ) محتوم . وأصله من أبرم الحبل جعله طاقين ثم فتله وبهذا أحكمه ( 2 ) استشعر
لبس الشعار وهو ما يلي البدن من الثياب . وتجلبب لبس الجلباب وهو ما تغطي به
المرأة ثيابها من فوق ، ولكون الخشية أى الخوف من الله غاشية قلبية عبر في جانبها
بالاستشعار ، وعبر بالتجلبب في جانب السكينة لانها عارضة تظهر في البدن كما لا يخفى
( 3 ) النواجذ جمع ناجذ وهو أقصى الاضراس . ولكل إنسان أربعة نواجذ وهي بعد
الارحاء ويسمى الناجذ ضرس العقل لانه ينبت بعد البلوغ . وإذا عضضت على ناجذك
تصلبت أعصابك وعضلاتك المتصلة بدماغك فكانت هامتك أصلب وأقوى على مقاومة
السيف فكان أنبى عنها وأبعد عن التأثير فيها . والهام جمع هامة وهي الرأس ( 4 ) اللامة
الدرع ، وإكمالها أن يزاد عليها البيضة والسواعد ونحوها . وقد يراد من اللامة آلات الحرب
والدفاع استيفاؤها ( 5 ) مخافة أن تستعصى عن الخروج عند السل ( 6 ) الخزر محركة
النظر كأنه من أحد الشقين ، وهو علامة الغضب ( 7 ) اطعنوا بضم العين فإذا كان في
النسب مثلا كان المضارع مفتوحها وقد يفتح فيهما . والشزر بالفتح الطعن في الجوانب
يمينا وشمالا ( 8 ) نافحوا كافحوا وضاربوا . والظبا بالضم جمع ظبة طرف السيف وحده
( 9 ) صلوا من الوصل أي اجعلوا سيوفكم متصلة بخطا أعدائكم جمع خطوة أو إذا ( * ) =
ـ115ـ
أنكم بعين الله ( 1 ) ومع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله .
فعاودوا الكر واستحيوا من الفر ( 2 ) فإنه عار في الاعقاب ونار يوم
الحساب . وطيبوا عن أنفسكم نفسا . وامشوا إلى الموت مشيا سجحا ( 3 )
وعليكم بهذا السواد الاعظم . والرواق المطنب ( 4 ) . فاضربوا ثبجه ( 5 )
فإن الشيطان كامن في كسره ( 6 ) . قد قدم للوثبة يدا وأخر للنكوص
رجلا فصمدا صمدا ( 7 ) . حتى ينجلي لكم عمود الحق ( وأنتم الاعلون
والله معكم ولن يتركم أعمالكم ) ( 8 )
* ( هامش ) * = قصرت سيوفكم عن الوصول إلى أعدائكم فصلوها بخطاكم ( 1 ) بعين الله أي
ملحوظون بها ( 2 ) الفر الفرار ، وهو عار في الاعقاب أي في الاولاد لانهم يعيرون بفرار
آبائهم . وقوله وطيبوا عن أنفسكم نفسا أي ارضوا ببذلها فإنكم تبذلونها اليوم
لتحرزوها غدا ( 3 ) السجح بضمتين السهل ( 4 ) الرواق ككتاب وغراب الفسطاط .
والمطنب المشدود بالاطناب جمع طنب بضمتين حبل يشد به سرادق البيت . وأراد بالسواد
الاعظم جمهور أهل الشام ، والرواق رواق معاوية ( 5 ) الثبج بالتحريك الوسط ( 6 ) كسره
بالكسر شقه الاسفل كناية عن الجوانب التي يفر إليها المنهزمون . والشيطان الكامن
في الكسر مصدر الاوامر بالهجوم والرجوع ، فإن جبنتم مد يده للوثبة وإن شجعتم
أخر للنكوص والهزيمة رجله ( 7 ) الصمد القصد ، أي فاثبتوا على قصدكم ( 8 ) لن ينقصكم ( * ) =
ـ116ـ
67 - ومن كلام له عليه السلام في معنى الانصار
قالوا لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام
أنباء السقيفة ( 1 ) بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله
قال عليه السلام : ما قالت الانصار ؟ قالوا قالت منا أمير ومنكم أمير
قال عليه السلام
فهلا احتجتم عليهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصى
بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسئيهم ( قالوا وما في هذا من
الحجة عليهم ) فقال عليه السلام لو كانت الامارة فيهم لم تكن
الوصية بهم . ثم قال عليه السلام . فما ذا قالت قريش ؟ قالوا احتجت
بأنها شجرة الرسول صلى الله عليه وسلم . فقال عليه السلام احتجوا
بالشجرة وأضاعوا الثمرة ( 2 )
68 - ومن كلام له عليه السلام
لما قلد محمد بن أبي بكر مصر فملكت عليه فقتل
وقد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة ولو وليته إياها لما خلى
لهم العرصة ( 3 )
* ( هامش ) * = شيئا من جزائها ( 1 ) سقيفة بني ساعدة اجتمع فيها الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله
عليه وسلم لاختيار خليفة له ( 2 ) يريد من الثمرة آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم
( 3 ) العرصة كل بقعة واسعة بين الدور ، والمراد ما جعل لهم مجالا للمغالبة . وأراد بالعرصة ( * ) =
ـ117ـ
ولا أنهزهم الفرصة . بلا ذم لمحمد بن أبي بكر ( 1 ) فلقد كان إلي
حبيبا وكان لي ربيبا ( 2 )
69 - ومن كلام له عليه السلام في ذم أصحابه
كم أداريكم كما تدارى البكار العمدة ( 3 ) والثياب المتداعية ( 4 )
كلما حيصت من جانب تهتكت من آخر ( 5 ) أكلما أطل عليكم
منسر من مناسر أهل الشام أغلق كل رجل منكم بابه وانجحر
انجحار الضبة في جحرها والضبع في وجارها ( 6 ) . الذليل والله من
نصرتموه . ومن رمي بكم فقد رمي بأفوق ناصل ( 7 ) . وإنكم والله
* ( هامش ) * = عرصة مصر ، وكان محمد قد فر من عدوه ظنا منه أن ينجو بنفسه فأدركوه وقتلوه ( 1 ) بلا ذم لمحمد الخ لما يتوهم من مدح عتبة ( 2 ) قالوا إن اسماء بنت عميس كانت
تحت جعفر بن أبي طالب فلما قتل تزوجها أبوبكر فولدت منه محمدا ثم تزوجها علي
بعده وتربى محمد في حجره وكان جاريا مجرى أولاده حتى قال علي كرم الله وجهه
محمد ابني من صلب أبي بكر ( 3 ) البكار ككتاب جمع بكر الفتى من الابل ، والعمدة
بفتح فكسر التي انفضح داخل سنامها من الركوب وظاهره سليم ( 4 ) المتداعية
الخلقة المتخرقة . ومداراتها استعمالها بالرفق التام ( 5 ) حيصت خيطت ، وتهتكت تخرقت
( 6 ) المنسر كمجلس ومنبر القطعة من الجيش تمر أمام الجيش الكثير ، واطل أشرف .
وانجحر دخل الجحر ، والوجار بالكسر جحر الضبع وغيرها ( 7 ) الافوق من السهام
ما كسر فوقه أي موضع الوتر منه والناصل العاري من النصل . والسهم إذا كان مكسور
الفوق عاريا عن النصل لم يؤثر في الرمية . فهم في ضعف أثرهم وعجزهم عن النكاية ( * ) =
ـ118ـ
لكثير في الباحات ( 1 ) قليل تحت الرايات . وإني لعالم بما يصلحكم
ويقيم أودكم ( 2 ) ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي . أضرع
الله خدودكم ( 3 ) . وأتعس جدودكم ( 4 ) لا تعرفون الحق كمعرفتكم
الباطل . ولا تبطلون الباطل كإبطالكم الحق
70 - وقال عليه السلام في سحرة اليوم الذي ضرب فيه ( 5 )
ملكتني عيني وأنا جالس ( 6 ) فسنح لي رسول الله صلى الله عليه
وآله فقلت يارسول الله ماذا لقيت من أمتك من الاود واللدد ! فقال
ادع عليهم ، فقلت أبدلني الله بهم خيرا منهم وأبدلهم بي شرا لهم
مني ( يعني بالاود الاعوجاج وباللدد الخصام وهذا من أفصح الكلام )
71 - ومن خطبة له عليه السلام في ذم أهل العراق
أما بعد يا أهل العراق فإنما أنتم كالمرأة الحامل حملت فلما
أتمت أملصت ( 7 ) ومات قيمها وطال تأيمها وورثها أبعدها ( 8 ) أما والله
* ( هامش ) * = بعدوهم أشبه به ( 1 ) الباحات الساحات ( 2 ) أودكم بالتحريك اعوجاجكم ( 3 ) أذل الله
وجوهكم ( 4 ) وأتعس جدودكم وحط من حظوظكم . والتعس الانحطاط والهلاك والعثار
( 5 ) السحرة بالضم السحر على الاعلى من آخر الليل ( 6 ) ملكتني عيني غلبني النوم وسنح
لي رسول الله مربي . تسنح الظباء والطير ( 7 ) أملصت ألقت ولدها ميتا ( 8 ) قيمها ( * ) =
ـ119ـ
ما أتيتكم اختيارا ولكن جئت إليكم سوقا ( 1 ) ولقد بلغني
أنكم تقولون علي يكذب . قاتلكم الله فعلى من أكذب .
أعلى الله ؟ فأنا أول من آمن به . أم على نبيه ؟ فأنا أول من صدقه ( 2 ) . كلا
والله ولكنها لهجة غبتم عنها ( 3 ) ولم تكونوا من أهلها . ويلمه كيلا
بغير ثمن ( 4 ) لو كان له وعاء ، ولتعلمن نبأه بعد حين
* ( هامش ) * = زوجها وتأيمها خلوها من الازواج ، يريد أنهم لما شارفوا استئصال أهل الشام وبدت
لهم علامات الظفر بهم جنحوا إلى السلم إجابة لطلاب التحكيم فكان مثلهم مثل المرأة
الحامل لما أتمت أشهر حملها ألقت ولدها بغير الدافع الطبيعي بالحادث العارضي
كالضربة والسخطة وقلما تلقيه كذلك إلا هالكا . ولم يكتف في تمثيل خيفتهم في ذلك
حتى قال ومات مع هذه الحالة زوجها وطال ذلها بفقدها من يقوم عليها حتى إذا هلكت
عن غير ولد ورثها الاباعد السافلون في درجة القرابة ممن لا يلتفت إلى نسبه ( 1 ) يقسم
أنه لم يأت العراق مستنصرا بأهله اختيارا لتفضيله إياهم على من سواهم . وإنما سيق
إليهم بسائق الضرورة فإنه لولا وقعة الجمل لم يفارق المدينة المنورة . ويروى هذا الكلام
بعبارة أخرى وهي ( ما أتيتكم اختيارا ولا جئت إليكم شوقا ) بالشين المعجمة ( 2 ) كان
كرم الله وجهه كثيرا ما يخبرهم بما لا يعرفون ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون فيقول
المنافقون من أصحابه إنه يكذب كما يقولون مثل ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم ، فهو يرد
عليهم قولهم بأنه أول من آمن بالله وصدق برسوله فكيف يجترئ على الكذب
على الله أو على رسوله مع قوة إيمانه وكمال يقينه ولا يجتمع كذب وايمان صحيح
( 3 ) لهجة غبتم عنها أي ضرب من الكلام أنتم في غيبة عنه أي بعد عن معناه
ونبو طبع عما حواه فلا تفهمونه ولهذا تكذبونه ( 4 ) ويلمه كلمة استعظام تقال في
مقام المدح وإن كان أصل وضعها لضده ومثل ذلك معروف في لسانهم ، يقولون للرجل
يعظمونه ويقرظونه لا أبالك . وفي الحديث فاظفر بذات الدين تربت يداك ، وفي كلام ( * ) =
ـ120ـ
72 - ومن خطبة له عليه السلام
علم فيها الناس الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله
اللهم داحي المدحوات ( 1 ) . وداعم المسموكات . وجابل القلوب
على فطرتها ( 2 ) شقيها وسعيدها . اجعل شرائف صلواتك ونوامي
بركاتك ( 3 ) على محمد عبدك ورسولك الخاتم لما سبق . والفاتح لما
* ( هامش ) * = الحسن يحدث عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه ويعظم أمره : وما لك والتحكيم
والحق في يديك ولا أبالك . وأصل الكلمة ويل أمه . وقوله كيلا مصدر محذوف أي أنا
أكيل لكم العلم والحكمة كيلا بلا ثمن لو أجد وعاء أكيل فيه ، أي لو أجد نفوسا قابلة
وعقولا عاقلة ( 1 ) داحي المدحوات أي باسط المبسوطات وأراد منها الارضين . وبسطها
أن تكون كل قطعة منها صالحة لان تكون مستقرا ومجالا للبشر وسائر الحيوان
تتصرف عليها هذه المخلوقات في الاعمال التي وجهت إليها بهادي الغريزة كما هو المشهود
لنظر الناظر وإن كانت الارض في جملتها كروية الشكل . وداعم المسموكات مقيمها
وحافظها . دعمه كمنعه : أقامه وحفظه . والمسموكات المرفوعات وهي السماوات ، وقد يراد
من هذا الوصف المجعول لها سمكا يفوق كل سمك . والسمك الثخن المعروف في اصطلاح
أهل الكلام بالعمق . ودعمه للسماوات أقامته لها وحفظها من الهوى بقوة معنوية وإن
لم يكن ذلك بدعامة حسية . قال صاحب القاموس المسموكات لحن والصواب مسمكات ،
ولعل هذا في اطلاق اللفظ اسما للسماوات ، أما لو أطلق صفة كما في كلام الامام فهو صحيح
فصيح بل لا يصح غيره فإن الفعل سمك لا أسمك ( 2 ) جابل القلوب خالقها . والفطرة
أول حالات المخلوق التي يكون عليها في بدء وجوده ، وهي للانسان حالته خاليا من الآراء
والاهواء والديانات والعقائد . وقوله شقيها وسعيدها بدل من القلوب ، أي جابل الشقي
والسعيد من القلوب على فطرته الاولى التي هو بها كاسب محض ، فحسن اختياره يهديه
إلى السعادة وسوء تصرفه يضلله في طرق الشقاوة ( 3 ) الشرائف جمع شريفة . والنوامي ( * ) =
ـ121ـ
انغلق . والمعلن الحق بالحق والدافع جيشات الاباطيل . والدامغ
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 121 سطر 1 الى ص 130 سطر 21
انغلق . والمعلن الحق بالحق والدافع جيشات الاباطيل . والدامغ
صولات الاضاليل . كما حمل فاضطلع ( 1 ) قائما بأمرك مستوفزا في
مرضاتك غير ناكل عن قدم . ولا واه في عزم ( 2 ) . واعيا لوحيك
حافظا لعهدك . ماضيا على نفاذ امرك . حتى أورى قبس القابس
وأضاء الطريق للخابط ( 3 ) وهديت به القلوب بعد خوضات الفتن .
* ( هامش ) * = الزوائد . والخاتم لما سبق أي لما تقدمه من النبوات . والفاتح لما انغلق كانت أبواب
القلوب قد أغلقت بأقفال الضلال عن طوارق الهداية فإفتتحها صلى الله عليه وسلم
بآيات نبوته ، وأعلن الحق وأظهره بالحق والبرهان . والاباطيل جمع باطل على غير
قياس ، كما أن الاضاليل جمع ضلال على غير قياس . وجيشاتها جمع جيشة من جاشت
القدر إذا ارتفع غليانها . والصولات جمع صولة وهي السطوة . والدامغ من دمغه إذا
شجه حتى بلغت الشجة دماغه ، والمراد أنه قامع ما نجم من الباطل والكاسر لشوكة
الضلال وسطوته وذلك بسطوع البرهان وظهور الحجة ( 1 ) أي أعلن الحق بالحق
وقمع الباطل وقهر الضلال كما حمل تلك الاعمال الجليلة بتحميله أعباء الرسالة . فاضطلع أي
نهض بها قويا . والضلاعة القوة . والمستوفز المسارع المستعجل ، وقد تكون الكاف
في كما حمل للتعليل كما في قوله .
- فقلت له أبا الملحاة خذها * كما أوسعتنا بغيا وعدوا
( 2 ) الناكل الناكص والمتأخر . أي غير جبان يتأخر عند وجوب الاقدام . والقدم
بضمتين المشي إلى الحرب ، ويقال مضى قدما أي سار ولم يعرج . والواهي الضعيف
واعيا أي حافظا وفاهما . وعيت الحديث حفظته وفهمته . وماضيا على نفاذ أمرك أي
ذاهبا في سيره على ما فيه نفاذ أمر الله سبحانه ( 3 ) يقال ورى الزند كوعى . وولى
يرى وريا وريا ورية فهو وار : خرجت ناره . وأوريته ووريته واستوريته . والقبس
شعلة من النار . والقابس الذي يطلب النار . يقال قبست نارا فاقبسني ، أي طلبت منها
فأعطاني . والكلام تمثيل لنجاح طلاب الحق ببلوغ طلبتهم منه وإشراق النفوس ( * ) =
ـ122ـ
وأقام موضحات الاعلام ونيرات الاحكام . فهو أمينك المأمون
وخازن علمك المخزون ( 1 ) . وشهيدك يوم الدين ( 2 ) وبعيثك بالحق ( 3 ) .
ورسولك إلى الخلق . اللهم افسح له مفسحا في ظلك ( 4 ) واجزه
مضاعفات الخير من فضلك . اللهم أعل على بناء البانين بناءه ( 5 )
وأكرم لديك منزلته ، وأتمم له نوره ، واجزه من ابتعاثك له
مقبول الشهادة ومرضي المقالة ( 6 ) ذا منطق عدل . وخطة فصل . اللهم
* ( هامش ) * = المستعدة لقبوله بما سطع من أنواره . والخابط الذي يسير ليلا على غير جادة واضحة ،
فأضاء الطريق له جعلها مضيئة ظاهرة فاستقام عليها سائرا إلى الغاية وهي السعادة ،
فكان في ذلك أن هديت به القلوب إلى مافيه سعادتها بعد أن خاضت الفتن أطوار
واقتحمتها مرارا . والخوضات جمع خوضة المرة من الخوض كما قال وهديت به
القلوب الخ . والاعلام جمع علم بالتحريك ما يستدل به على الطريق كالمنار ونحوه ،
والاعلام موضحات الطرق لانها تبينها للناس وتكشفها ( 1 ) العلم المخزون ما اختص
الله به من شاء من عباده ولم يبح لغير أهل الحظوة به أن يطلعوا عليه وذلك مما
لا يتعلق بالاحكام الشرعية ( 2 ) شهيدك شاهدك على الناس كما قال الله تعالى ( فكيف
إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) ( 3 ) بعيثك أي مبعوثك
فهو فعيل بمعنى مفعول كجريج وطريح ( 4 ) افسح له وسع له ما شئت أن توسع في
ظلك أي إحسانك وبرك فيكون الظل مجازا . ومضاعفات الخير أطواره ودرجاته
( 5 ) أراد من بنائه ما شيده صلى الله عليه وسلم بأمر ربه من الشريعة العادلة . والهدى
الفاضل مما يلجأ إليه التائهون ويأوى إليه المضطهدون ، فالامام يسأل الله أن يعلى
بناء شريعته على جميع الشرائع ويرفع شأن هديه فوق كل هدى لغيره . وإكرام المنزلة
بإتمام النور ، والمراد من إتمام النور تأييد الدين حتى يعم أهل الارض ويظهر على
الدين كله كما وعده بذلك . إكرام المنزلة في الآخرة ، فقد تقدم في قوله افسح له واجزه
مضاعفات الخير ( 6 ) أي اجزه على بعثتك له إلى الخلق وقيامه بما حملته واجعل ثوابه ( * ) =
ـ123ـ
اجمع بيننا وبينه في برد العيش وقرار النعمة ( 1 ) ، ومنى الشهوات .
وأهواء اللذات ورخاء الدعة . ومنتهى الطمأنينة . وتحف الكرامة ( 2 )
73 - ومن كلام له عليه السلام قاله لمروان بن الحكم بالبصرة
( قالوا أخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل فاستشفع الحسن
والحسين عليهما السلام ( 3 ) إلى أمير المؤمنين عليه السلام
فكلماه فيه فخلى سبيله . فقالا له يبايعك يا أمير المؤمنين فقال عليه
السلام )
أو لم يبايعني بعد ( * ) قتل عثمان لا حاجة لي في بيعته إنها . كف ( 4 )
* ( هامش ) * = على ذلك الشهادة المقبولة والمقالة المرضية يوم القيامة ، وتلك الشهادة والمقالة تصدران
منه وهو ذو منطق عدل وخطة أي أمر فاصل ، ويروى وخطبة بزيادة باء بعد الطاء أي
مقال فاصل ، وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم يقوم ذلك المقام يوم القيامة فيشهد على
أمته وعلى غيرهم من الامم فيكون كلامه الفصل ( 1 ) تقول العرب عيش بارد أي
لا حرب فيه ولا نزاع ، لان البرد والسكون متلازمان تلازم الحرارة والحركة . وقرار النعمة
مستقرها حيث تدوم ولا تفنى ( 2 ) منى جمع منية بالضم ما يتمناه الانسان لنفسه .
والشهوات ما يشتهيه . يدعو بأن يتفق مع النبي صلى الله عليه وسلم في جميع رغباته
وميله . والرخاء من قولهم رجل رخى البال أي واسع الخيال . والدعة سكون النفس
واطمئنانها . والتحف جمع تحفة ما يكرم به الانسان من البر واللطف وقد كان صلى الله
عليه وسلم من أرخى الناس بالا وألزمهم للطمأنينة وأعلاهم منزلة في القلوب ، فالامام
يطلب من الله أن يدنيه منه في جميع هذه الصفات الكريمة ( 3 ) استشفعهما إليه سألهما
أن يشفعا له عنده . وليس من الجيد قولهم استشفعت به ( 4 ) كف يهودية أي غادرة = في نسخة : قبل قتل عثمان ( * )
ـ124ـ
يهودية . لو بايعني بكفه لغدر بسبته ( 1 ) أما إن له إمرة كلعقة
الكلب أنفه ( 2 ) . وهو أبوالاكبش الاربعة ( 3 ) وستلقى الامة منه
ومن ولده يوما أحمر
74 - ومن كلام له عليه السلام لما عزموا على بيعة عثمان
لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري . ووالله لاسلمن ما سلمت
أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة التماسا لاجر ذلك
وفضله ، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه ( 4 )
* ( هامش ) * = ماكرة ( 1 ) السبت بالفتح الاست وهو مما يحرص الانسان على إخفائه . وكنى به عن
الغدر الخفي واختاره لتحقير الغادر . وقد يكون ذلك إشارة إلى ما كانت تفعله سفهاء
العرب عند الغدر بعقد أو عهد من أنهم كانوا يحبقون عند ذكره استهزاء ( 2 ) تصوير
لقصر مدتها وكانت تسعة أشهر ( 3 ) جمع كبش وهو من القوم رئيسهم . وفسروا
الاكبش ببني عبدالملك بن مروان هذا وهم الوليد وسليمان ويزيد وهشام . قالوا ولم
يتول الخلافة أربعة اخوة سوى هؤلاء . ويجوز أن يراد بهم بنو مروان لصلبه وهم
عبدالملك وعبدالعزيز وبشر ومحمد وكانوا كباشا أبطالا : أما عبدالملك فولى الخلافة
وولى محمد الجزيرة وعبدالعزيز مصر وبشر العراق ( 4 ) يقسم بالله ليسلمن الامر في
الخلافة لعثمان ما دام التسليم غير ضار بالمسلمين وحافظا لهم من الفتنة طلبا لثواب الله
على ذلك وزهدا في الامرة التي تنافسوها أي رغبوا فيها وإن كان في ذلك جور عليه
خاصة . وأهل الزخرف الذهب وكذلك الزبرج بكسرتين بينهما سكون ، ثم أطلق على
كل مموه مزور . وأغلب ما يقال الزبرج على الزينة من وشى أو جوهر . ومن زخرفه
ليس للبيان ولكن حرف جر للتعليل أي أن الرغبة إنما كان الباعث عليها الزخرف ( * ) =
ـ125ـ
75 - ومن كلام له عليه السلام
لما بلغه اتهام بني أمية له بالمشاركة في دم عثمان
أو لم ينه أمية علمها بي عن قرفي ( 1 ) . أوما وزع الجهال سابقتي
عن تهمتي . ولما وعظهم الله به أبلغ من لساني ( 2 ) . أنا حجيج المارقين ( 3 )
وخصيم المرتابين . وعلى كتاب الله تعرض الامثال ( 4 ) وبما في الصدور
تجازى العباد
76 - ومن خطبة له عليه السلام
رحم الله امرأ سمع حكما فوعى . ودعي إلى رشاد فدنا ( 5 ) .
* ( هامش ) * = والزبرج ولولا لزوم ذلك للامارة ما كان فيها التنافس ( 1 ) قرفه قرفا بالفتح عابه . وعلمها
فاعل ينه ، وأمية مفعول ، أي ألم يكن في علم بني أمية بحالي ومكاني من الدين والتحرج
من سفك الدماء بغير حق ما ينهاهم عن أن يعيبوني بالاشتراك في دم عثمان خصوصا
وقد علموا أني كنت له لا عليه ، ومن أحسن الناس قولا فيه . وسابقته حاله المعلومة
لهم مما تقدم . ووزع بمعنى كف . والتهمة بفتح الهاء رميه بعيب الاشتراك في دم
عثمان ( 2 ) ولما الخ اللام هي التي للتأكيد وما موصول مبتدأ وأبلغ خبره والله قد وعظهم
في الغيبة بأنها في منزلة أكل لحم الاخ ميتا ( 3 ) حجيج المارقين أي خصيمهم .
والمارقون الخارجون من الدين . والمرتابون الذين لا يقين لهم . وهو كرم الله وجهه
قارعهم بالبرهان الساطع فغالبهم ( 4 ) الامثال متشابهات الاعمال والحوادث تعرض
على القرآن فما وافقه فهو الحق المشروع وما خالفه فهو الباطل الممنوع ، وهو كرم الله
وجهه قد جرى على حكم كتاب الله في أعماله فليس للغامز عليه أن يشير إليه بمطعن
ما دام ملتزما لاحكام الكتاب ( 5 ) الحكم هنا الحكمة قال الله تعالى ( وآتيناه الحكم ( * ) =
ـ126ـ
وأخذ بحجزة هاد فنجا ( 1 ) . راقب ربه . وخاف ذنبه . قدم خالصا
وعمل صالحا . اكتسب مذخورا ( 2 ) . واجتنب محذورا . رمى غرضا
وأحرز عوضا ( 3 ) كابر هواه . وكذب مناه . جعل الصبر مطية نجاته
والتقوى عدة وفاته . ركب الطريقة الغراء ( 4 ) ، ولزم المحجة البيضاء .
إغتنم المهل ( 5 ) وبادر الاجل وتزود من العمل
77 - ومن كلام له عليه السلام
إن بني أمية ليفوقونني تراث محمد صلى الله عليه وآله تفويقا والله لئن
بقيت لهم لانفضنهم اللحام الوذام التربة ( ويروى التراب الوذمة .
وهو على القلب ( 6 ) ) قوله عليه السلام ليفوقونني أي يعطونني من
* ( هامش ) * = صبيا ) ووعى حفظ وفهم المراد واعتبر بما سمع وعمل عليه . ودنا قرب من الرشاد الذي
دعى إليه ( 1 ) الحجرة بالضم معقد الازار ومن السراويل موضع التكة ، والمراد الاقتداء
والتمسك . يقال أخذ فلان بحجزة فلان إذا اعتصم به ولجأ إليه ( 2 ) اكتسب مذخورا
كسب بالعمل الجليل ثوابا يذخره ويعده لوقت حاجته في الآخرة ( 3 ) رمى غرضا قصد
إلى الحق فأصابه . وكابر هواه غالبه ، ويروى كاثر بالمثلثة أي غالبه بكثرة أفكاره الصائبة
فغلبه ( 4 ) الغراء النيرة الواضحة . والمحجة جادة الطريق ومعظمه . والطريقة الغراء
والمحجة البيضاء سبيل الحق ومنهج العدل ( 5 ) المهل هنا مدة الحياة مع العافية فإنه
أمهل فيها دون أن يؤخذ بالموت أو تحل به بائقة عذاب ، فهو يغتنم ذلك ليعمل فيه
لآخرته فيبادر الاجل قبل حلوله بما يتزوده من طيب العمل ( 6 ) على القلب أي أن
الحقيقة الوذام التربة كما في الرواية الاولى لا التراب الوذمة إذ لا معنى له ، فهذه الرواية يراد ( * ) =
ـ127ـ
المال قليلا قليلا كفواق الناقة . وهو الحلبة الواحدة من لبنها .
والوذام جمع وذمة وهي الحزة من الكرش أو الكبد تقع في التراب
فتنفض ( 1 )
78 - ومن كلمات كان يدعو بها عليه السلام
اللهم اغفر لي ما أنت أعلم به مني . فإن عدت فعد علي بالمغفرة .
اللهم اغفر لي ما وأيت من نفسي ولم تجد له وفاء عندي ( 2 ) . اللهم
اغفر لي ما تقربت به إليك بلساني ثم خالفه قلبي ( 3 ) . اللهم اغفر لي
رمزات الالحاظ . وسقطات الالفاظ . وشهوات الجنان . وهفوات
اللسان ( 4 )
* ( هامش ) * = منها مقلوبها ( 1 ) الحزة بالضم القطعة . وفسر صاحب القاموس الوذمة بمجموع المعى
والكرش ( 2 ) وأيت وعدت . وأى كوعى : وعد وضمن ، إذا عزمت على عمل خير
فكأنك وعدت من نفسك بتأدية أمر الله فإن لم توف به فكأن الله لم يجد عندك
وفاء بما وعدته فتكون قد أخلفته ومخلف الوعد مسئ ، فهو يطلب المغفرة على هذا
النوع من الاساءة ( 3 ) تقرب باللسان مع مخالفة القلب كان يقول الحمد الله على كل حال
ويسخط على أغلب الاحوال ، أو يقول إياك نعبد وإياك نستعين وهو يستعين بغير الله
ويعظم أشباها ممن دونه ( 4 ) رمزات الالحاظ الاشارة بها . والالحاظ جمع لحظ وهو
باطن العين ، أما اللحاظ بالفتح وهو مؤخر العين فلا أعرف له جمعا إلا لحظ بضمتين .
وسقطات الالفاظ لغوها . والجنان القلب . وشهواته ما يكون من ميل منه إلى غير الفضيلة ( * ) =
ـ128ـ
79 - ومن كلام له عليه السلام
قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج فقال له
يا أمير المؤمنين إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر
بمرادك من طريق علم النجوم فقال عليه السلام
أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء .
وتخوف من الساعة التي من سار فيها حاق به الضر ( 1 ) ؟ . فمن صدق
بهذا فقد كذب القرآن واستغنى عن الاعانة بالله في نيل المحبوب
ودفع المكروه . وتبتغي في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد
دون ربه لانك بزعمك أنت هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع
وأمن الضر ( ثم أقبل عليه السلام على الناس فقال )
أيها الناس إياكم وتعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر ( 2 )
فإنها تدعو إلى الكهانة والمنجم كالكاهن ( 3 ) والكاهن كالساحر
* ( هامش ) * = وهفوات اللسان زلاته ( 1 ) حاق به الضر أحاط به ( 2 ) طلب لنعلم علم الهيئة الفلكية
وسير النجوم وحركاتها للاهتداء بها ، وإنما ينهى عما يسمى علم التنجيم وهو العلم المبني
على الاعتقاد بروحانية الكواكب ، وأن لتلك الروحانية العلوية سلطانا معنويا على
العوالم العنصرية ، وأن من يتصل بأرواحها بنوع من الاستعداد ومعاونة من الرياضة
تكاشفه بما غيب من أسرار الحال والاستقبال ( 3 ) الكاهن من يدعي كشف الغيب ( * ) =
ـ129ـ
والساحر كالكافر والكافر في النار سيروا على اسم الله
80 - ومن خطبة له عليه السلام بعد حرب الجمل في ذم النساء
معاشر الناس إن النساء نواقص الايمان ( 1 ) نواقص الحظوظ نواقص
العقول . فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام
حيضهن . وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث
الرجال . وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل
الواحد . فاتقوا شرار النساء . وكونوا من خيارهن على حذر ولا
تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر ( 2 )
* ( هامش ) * = وكلام أمير المؤمنين حجة حاسمة لخيالات المعتقدين بالرمل والجفر والتنجيم وما شاكلها .
ودليل واضح على عدم صحتها ومنافاتها للاصول الشرعية والعقلية ( 1 ) خلق الله النساء
وحملهن على ثقل الولادة وتربية الاطفال إلى سن معين لا يكاد ينتهي حتى تستعد لحمل
وولادة وهكذا ، فلا يكدن يفرغن من الولادة والتربية فكأنهن قد خصصن لتدبير أمر
المنزل وملازمته وهو دائرة محدودة يقوم عليهن فيها أزواجهن ، فخلق لهن من العقول
بقدر ما يحتجن إليه في هذا ، وجاء الشرع مطابقا للفطرة فكن في أحكامه غير لاحقات
للرجال لا في العبادة ولا الشهادة ولا الميراث ( 2 ) لا يريد أن يترك المعروف لمجرد أمرهن
به فإن في ترك المعروف مخالفة السنة الصالحة خصوصا إن كان المعروف من الواجبات
بل يريد أن لا يكون فعل المعروف صادرا عن مجرد طاعتهن ، فإذا فعلت معروفا فافعله
لانه معروف ولا تفعله امتثالا لامر المرأة ، ولقد قال الامام قولا صدقته التجارب في
الاحقاب المتطاولة ولا استثناء مما قال إلا بعضا منهن وهبن فطرة تفوق في سموها ما
استوت به الفطن أو تقاربت أو أخذ سلطان من التربية طباعهن على خلاف ما ( * ) =
ـ130ـ
81 - ومن كلام له عليه السلام
أيها الناس الزهادة قصر الامل . والشكر عند النعم . والورع
عند المحارم ( 1 ) . فإن عزب ذلك عنكم فلا يغلب الحرام صبركم ( 2 )
ولا تنسوا عند النعم شكركم فقد أعذر الله إليكم بحجج
مسفرة ، ظاهرة وكتب بارزة العذر واضحة ( 3 )
82 - ومن كلام له عليه السلام في صفة الدنيا
ما أصف من دار أولها عناء . وآخرها فناء . في حلالها حساب . وفي
* ( هامش ) * = غرز فيها وحولها إلى غير ما وجهتها الجبلة إليه ( 1 ) الورع الكف عن الشبهات خوف
الوقوع في المحرمات أي إذا عرض المحرم فمن الزهادة أن تكف عما يشتبه به فضلا عنه .
والشكر عند النعم الاعتراف بأنها من الله والتصرف فيها على وفق ما شرع . وقصر
الامل توجس الموت والاستعداد له بالعمل وليس المراد منه انتظار الموت بالبطالة ( 2 ) عزب
عنكم بعد عنكم وفاتكم . والاشارة إلى ما تقدم من قصر الامل أي فإن عسر عليكم
أن تقصروا آمالكم وتكونوا من الزهادة على الكمال المطلوب لكم فلا يغلب الحرام
صبركم أي فلا يفتكم الركنان الآخران وهما شكر النعم واجتناب المحرم فإن نسيان
الشكر يجر إلى البطر وارتكاب المحرم يفسد نظام الحياة المعاشية والمعادية . والبطر
والفساد مجلبة للنقم في الدنيا والشقاء في الآخرة ( 3 ) أعذر بمعنى أنصف وأصله مما همزته
للسلب فأعذرت فلانا سلبت عذره أي ما جعلت له عذرا يبديه لو خالف ما نصحته به
ويقال أعذرت إلى فلان أى أقمت لنفسي عنده عذرا واضحا فيما أنزله به من العقوبة
حيث حذرته ونصحته . ويصح أن تكون العبارة في الكتاب على هذا المعنى أيضا بل
هو الاقرب من لفظ إليكم ، ويكون الكلام على المجاز ، وتنزيل قيام الحجة له منزلة ( * ) =
ـ131ـ
حرامها عقاب من استغنى فيها فتن . ومن افتقر فيها حزن . ومن
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 131 سطر 1 الى ص 140 سطر 21
حرامها عقاب من استغنى فيها فتن . ومن افتقر فيها حزن . ومن
ساعاها فاتته ( 1 ) . ومن قعد عنها واتته . ومن أبصر بها بصرته ( 2 ) . ومن
أبصر إليها أعمته . ( أقول وإذا تأمل المتأمل قوله عليه السلام
من أبصر بها بصرته وجد تحته من المعنى العجيب والغرض البعيد
ما لا تبلغ غايته ، ولايدرك غوره ، ولاسيما إذا قرن إليه قوله :
ومن أبصر إليها أعمته . فإنه يجد الفرق بين أبصر بها وأبصر إليها
واضحا نيرا وعجيبا باهرا ) .
* ( هامش ) * = قيام العذر لنا . والمسفرة الكاشفة عن نتائجها الصحيحة وبارزة العذر ظاهرته ( 1 ) من
جرى معها في مطالبها ، والقصد اهتم بها وجد في طلبها . وقوله فاتته أي سبقته فإنه
كلما نال شيئا فتحت له أبواب الآمال فيها فلا يكاد يقضي مطلوبا واحدا حتى يهتف به
ألف مطلوب . وقوله ومن قعد عنها واتته يريد به أن من قوم اللذائذ الفانية بقيمتها
الحقيقية وعلم أن الوصول إليها إنما يكون بالعناء وفواتها يعقب الحسرة عليها ، والتمتع
بها لا يكاد يخلو من شوب الالم فقد وافقته هذه الحياة وأراحته فإنه لا يأسف على فائت
منها ولا يبطر لحاضر ولا يعاني ألم الانتظار لمقتبل ( 2 ) أبصر بها أي جعلها مرآة عبرة
تجلو لقلبه آثار الجد في عظائم الاعمال وتمثل له هياكل المجد الباقية مما رفعته أيدي
الكاملين وتكشف له عواقب أهل الجهالة من المترفين فقد صارت الدنيا له بصرا
وحوادثها عبرا . وأما من أبصر إليها واشتغل بها فإنه يعمى عن كل خير فيها ويلهو ( * ) =
ـ132ـ
83 - ومن خطبة له عليه السلام وهي من الخطب العجيبة وتسمى الغراء
الحمد لله الذي على بحوله ( 1 ) . ودنا بطوله ( 2 ) . مانح كل غنيمة
وفضل . وكاشف كل عظيمة وأزل ( 3 ) أحمده على عواطف كرمه .
وسوابغ نعمه ( 4 ) . وأومن به أولا باديا ( 5 ) . وأستهديه قريبا هاديا .
وأستعينه قادرا قاهرا . وأتوكل عليه كافيا ناصرا . وأشهد أن محمدا
صلى الله عليه وآله عبده ورسوله . أرسله لانفاذ أمره وإنهاء عذره ( 6 )
* ( هامش ) * = عن الباقيات بالزائلات وبئس ما اختار لنفسه ( 1 ) علا بحوله أى عز وارتفع عن
جميع ما سواه لقوته المستعلية بسلطة الايجاد على كل قوة ( 2 ) دنا بطوله أي أنه مع
علوه سبحانه وارتفاعه في عظمته فقد دنا وقرب من خلقه بطوله أي عطائه وإحسانه
( 3 ) الازل بالسكون الضيق والشدة . وكاشف الشدة المنقذ منها ، كما أن مانح الغنيمة معطيها
المتفضل بها ( 4 ) العواطف ، ما يعطفك على غيرك ويدنيه من معروفك . وصفة الكرم
في الجناب الالهي وخلقه في البشر مما يعطف الكريم على موضع الاحسان . وسوابغ
النعم كواملها من سبغ الظل إذا عم وشمل ( 5 ) أولا باديا موضعه من سابقه كموضع
قريبا هاديا ، وما جاء به بعده من سوابقها فهي أحوال من الضمائر الراجعة إلى الله
سبحانه وتعالى فيكون أول صفة نصبت على الحال من ضمير به أي أصدق بالله على
أنه سابق كل شئ في الوجود فهو البادي أي الظاهر بذاته المظهر لغيره ومن كان
كذلك لم تخالط التصديق به ريبة . والقريب الهادي جدير بأن تطلب منه الهداية .
والقادر القاهر حقيق بأن يستعان به لانه قوي على المعونة . والكافي الناصر حري بأن
يتوكل عليه ( 6 ) إنهاء عذره إبلاغه . والعذر هنا كناية عن الحجج العقلية والنقلية
التي أقيمت ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم على أن من خالف شريعة الله استحق ( * ) =
ـ133ـ
وتقديم نذره ( 1 ) . أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب لكم الامثال ( 2 )
ووقت لكم الآجال . وألبسكم الرياش وأرفع لكم المعاش ،
وأحاطكم بالاحصاء . وأرصد لكم الجزاء . وآثركم بالنعم
السوابغ والرفد الروافغ . وأنذركم بالحجج البوالغ . وأحصاكم
عددا . ووظف لكم مددا في قرار خبرة ودار عبرة . أنتم مختبرون
فيها ومحاسبون عليها فإن الدنيا رنق مشربها ( 3 ) ردغ مشرعها . يونق
منظرها ( 4 ) ويوبق مخبرها . غرور حائل ( 5 ) . وظل زائل . وسناد
* ( هامش ) * = العقاب ومن جرى عليها استحق جزيل الثواب ( 1 ) النذر جمع نذير أي الاخبار
الالهية المنذرة بالعقاب على سوء الاعمال أو هو مفرد بمعنى الانذار ( 2 ) ضرب الامثال
جاء بها في الكلام لايضاح الحجج وتقريرها في الاذهان . ووقت الآجال جعلها في أوقات
محدودة لا متقدم عنها ولا متأخر . والرياش ما ظهر من اللباس ، ووجه النعمة فيه أنه
ساتر للعورة واق من الحر والبرد ، وقد يراد بالرياش الخصب والغنى فيكون ألبسكم على
المجاز . وأرفغ لكم أي أوسع يقال رفغ عيشه بالضم رفاغة أي اتسع . وأحاطكم بالاحصاء
أي جعل إحصاء أعمالكم والعلم بها عملا كالسور لا تنفذون منه ولا تتعدونه ولا تشذ
عنه شادة . وأرصد لكم الجزاء أعده لكم فلا محيص عنه . والرفد جمع رفدة ككسرة
وكسر وهي العطية والصلة . والروافغ الواسعة . والحجج البوالغ الظاهرة المبينة . ووظف
لكم مددا أي قدر لكم . والمدد جمع مدة أي عين لكم أزمنة تحيون فيها . في قرار
خبرة أي في دار ابتلاء واختبار وهي دار الدنيا وفيها الاعتبار والاتعاظ والحساب
عليها أي على ما يؤتى من خير وشر ( 3 ) رنق كفرح كدر ، وردغ كثير الطين
والوحل . والمشرع مورد الشاربة للشرب ( 4 ) يونق يعجب ، ويوبق يهلك ( 5 ) حائل
اسم فاعل من حال إذا تحول وانتقل أي ان شأنها الغرور الذي لا بقاء له ، وجاء في
بعض الروايات بعد هذه الفقرة ( وضوء آفل ) أي غائب لا يلبث أن يظهر حتى يغيب ( * )
ـ134ـ
مائل ( 1 ) حتى إذا أنس نافرها واطمأن ناكرها قمصت بأرجلها ( 2 ) . وقنصت
بأحبلها . وأقصدت بأسهمها . وأعلقت المرء أوهاق المنية ( 3 ) . قائدة
له إلى ضنك المضجع ( 4 ) ووحشة المرجع . ومعاينة المحل ( 5 ) وثواب
العمل . وكذلك الخلف يعقب السلف . لا تقلع المنية اختراما ( 6 )
ولا يرعوي الباقون اجتراما ( 7 ) . يحتذون مثالا ويمضون أرسالا إلى
غاية الانتهاء . وصيور الفناء ( 8 ) حتى إذا تصرمت الامور وتقضت
* ( هامش ) * ( 1 ) السناد بالكسر ما يستند إليه ودعامة يسند بها السقف ، وناكرها اسم فاعل من
نكر الشئ كعلمه أي جهله فأنكره ( 2 ) قمص الفرس وغيره يقمص من باب ضرب
ونصر قمصا وقماصا أي استن وهو أن يرفع يديه ويطرحهما معا ويعجب ، وفي المثل
المضروب لضعيف لا حراك به وعزيز ذل ( ما بالعير من قماص ) وإنما قال أرجل وليس
للدابة إلا رجلان لانه نزل اليدين لها منزلة الارجل لان المشي على جميعها وروى
بأرحلها بالحاء جمع رحل : الناقة ، وقنصت بأحبلها أي اصطادت وأوقعت من اغتر بها
في شباكها وحبالها ، وأقصدت قتلت مكانها من غير تأخير ( 3 ) علقت به وربطت
بعنقه . أوهاق المنية جمع وهق بالتحريك والتسكين أي حبال الموت ( 4 ) ضنك المضجع
ضيق المرقد والمراد القبر ( 5 ) معاينة المحل مشاهدة مكانه من النعيم والجحيم . وثواب
العمل جزاؤه الاعم من شقاء وسعادة . والخلف المتأخرون والسلف المتقدمون . ويعقب
السلف يروى فعلا أي يتبع . ويروى بعقب بباء الجر فيكون عقب بالسكون بمعنى بعد
وأصله جرى الفرس بعد جريه . يقال لهذا الفرس عقب حسن ( 6 ) لا تقلع أي لا تكف
المنية عن اخترامها أي استئصالها للاحياء ( 7 ) لا يرعوي الباقون أي لا يرجعون
ولا يكفون عن اجترام السيئات ويحتذون مثالا أي يشاكلون بأعمالهم صور أعمال
من سبقهم ويقتدون بهم ، ويمضون أرسالا جمع رسل بالتحريك وهو القطيع من
الابل والغنم والخيل ( 8 ) صيور الامر كتنور مصيره وما يؤول إليه ، يريد الامام من ( * ) =
ـ135ـ
الدهور وأزف النشور ( 1 ) أخرجهم من ضرائح القبور وأوكار
الطيور . وأوجرة السباع . ومطارح المهالك سراعا إلى أمره .
مهطعين إلى معاده ( 2 ) . رعيلا صموتا قياما صفوفا ينفذهم البصر ( 3 )
ويسمعهم الداعي . عليهم لبوس الاستكانة ( 4 ) . وضرع الاستسلام
والذلة . قد ضلت الحيل . وانقطع الامل . وهوت الافئدة كاظمة ( 5 )
وخشعت الاصوات مهينمة . وألجم العرق . وعظم الشفق وأرعدت
* ( هامش ) * = ذلك أن الدنيا لا تزال تغر بنيها ليأنسوا إليها بالارتياح إلى لذائذها واستسهال احتمال
آلامها ثم تنقلب بهم إلى ما لا بد منه وهم في غفلة لاهون ( 1 ) أزف النشور قرب البعث ،
والضمير في أخرجهم إلى البعث على سبيل المجاز أو إلى الله تعالى . والضرائح جمع ضريح
الشق وسط القبر وأصله من ضرحه دفعه وأبعده فان المقبور مدفوع منبوذ وهو أبعد
الاشياء عن الاحياء . والاوكار جمع وكر مسكن الطير . والاوجرة جمع وجار ككتاب
الجحر ، والذين يبعثون من الاوكار والاوجرة هم الذين افترسهم الطيور الصائدة
والسباع الكاسرة ( 2 ) مهطعين أي مسرعين إلى معاده سبحانه الذي وعد أن يعيدهم
فيه ، وقوله الرعيل القطعة من الخيل . شبههم في تلاحق بعضهم ببعض برعيل
الخيل أي الجملة القليلة منها لان الاسراع لا يدع أحدا منهم ينفرد عن الآخر فإن
الانفراد من الابطاء ، ولا يدعهم يجتمعون جما فان التضام والالتفاف إنما يكون من
الاطمئنان ( 3 ) ينفذهم البصر بجاوزهم أي يأتي عليهم ويحيط بهم أي لا يعزب واحد
منهم عن بصر الله ( 4 ) اللبوس بالفتح ما يلبس . والاستكانة الخضوع . والضرع
بالتحريك الوهن والضعف والخشوع ، هذا لو جعلنا عليهم متعلقا بمحذوف خبر عن
لبوس وضرع فإن جعلناه متعلقا بالداعي بمعنى المنادي والصائح عليهم جعلنا لبوس
جملة مبتدأه ، ويكون لبوس جمع لابس ، وضرع محركة اسم جمع للضريع بمعنى الذليل
( 5 ) هوت القلوب خلت من المسرة والامل من النجاة ، كاظمة أي ساكنة كاتمة لما ( * ) =
ـ136ـ
الاسماع لزبرة الداعي إلى فصل الخطاب ( 1 ) ومقابضة الجزاء . ونكال
العقاب . ونوال الثواب . عباد مخلوقون اقتدارا . ومربوبون اقتسارا ( 2 )
ومقبوضون احتضارا . ومضمنون أجداثا . وكائنون رفاتا . ومبعوثون
أفرادا . ومدينون جزاء . ومميزون حسابا . قد أمهلوا في طلب المخرج ( 3 )
* ( هامش ) * = يزعجها من الفزع ومهينمة أي متخافية ، والهينمة الكلام الخفي ، وألجم العرق كثر حتى امتلات به الافواه لغزارته فمنعها من النطق وكان كاللجام . والشفق محركة الخوف ( 1 ) أرعدت عرتها الرعدة . وزبرة الداعي صوته وصيحته ولا يقال زبره إلا إذا
كان فيها زجر وانتهار فإنها واحدة الزبر أي الكلام الشديد ، والمقابضة المعاوضة
أي مبادلة الجزاء الخير بالخير والشر بالشر ( 2 ) مربوبون مملوكون ، والاقتسار الغلبة
والقهر أي أنهم كما خلقوا باقتدار الله سبحانه وقوته فهم مملوكون له بسطوة عزته
لا خيرة لهم في ذلك وإذا جاء الاجل قبضت أرواحهم إليه بما يحضر عند الاجل من
مرهقات الارواح والقوى المسلطة على الفناء . واحتضر فلان حضرته الملائكة تقبض
روحه . وكانت العرب تقول لبن محتضر أي فاسد يعنون أن الجن حضرته ، يقال اللبن
محتضر فغط اناءك . والاجداث جمع جدث وهو القبر واجتدث الرجل اتخذ حدثا . ويقال
جدف بالفاء . ومضمون الاجداث مجعولون في ضمنها . والرفات الحطام ويقال رفته
كنصر وضرب أي كسره ودقه أي فته بيده كما يفت المدر والعظم البالي . ومبعوثون
أفرادا أي كل يسأل عن نفسه لا يلتفت لرابطة تجمعه مع غيره . ومدينون أي مجزيون
والدين الجزاء قال " مالك يوم الدين " ومميزون حسابا كل يحاسب على عمله منفصلا عمن
سواه ( لا تزر وازرة وزر أخرى ) ( 3 ) المخرج المخلص من ربقة المعصية بالتوبة ، والانابة
المخلصة ، والمنهج الطريق الواضحة التي دلت عليها الشريعة المطهرة والمستعتب المسترضى
ويقال أيضا استعتبه أناله العتبى وهي الرضى . وإنما ضرب المثل بمهل المستعتب لانك إذا
استرضيت شخصا وطلبت منه أن يرضى لا ترهقه في المطالبة بل تفسح له حتى يرضى
بقلبه لا بلسانه ، أي أن الله فسح لهم في الآجال حتى يتمكنوا من ارضائه وأوتوا من العمر
مهلة من ينال العتبى أي الرضا لو أحسن العمل . استعتبه أناله العتبى فهو المستعتب والمفعول ( * ) =
ـ137ـ
وهدوا سبيل المنهج . وعمروا مهل المستعتب . وكشفت عنهم سدف
الريب ( 1 ) وخلوا لمضمار الجياد ( 2 ) . وروية الارتياد . وأناة المقتبس
المرتاد ( 3 ) في مدة الاجل ومضطرب المهل . فيالها أمثالا صائبة . ومواعظ
شافية . لو صادفت قلوبا زاكية . وأسماعا واعية . وآراء عازمة . وألبابا
حازمة . فاتقوا الله تقية من سمع فخشع . واقترف فاعترف ( 4 ) ووجل
فعمل ، وحاذر فبادر . وأيقن فأحسن . وعبر فاعتبر . وحذر فازدجر
وأجاب فأناب ( 5 ) . ورجع فتاب . واقتدى فاحتذى . وأري فرأى .
* ( هامش ) * = مستعتب ( 1 ) السدف جمع سدفة بالفتح الظلمة ، والريب جمع ريبة وهي الشبهة وإبهام
الامر ، وكشف ذلك بما أبان من البراهين الواضحة ( 2 ) خلوا تركوا في مجال يتسابقون
فيه إلى الخيرات . والجياد من الخيل كرامها ، والمضمار المكان الذي تضمر فيه الخيل ،
والمدة التي تضمر فيها أيضا . والروية إعمال الفكر في الامر ليأتي على أسلم وجوهه
والارتياد هنا طلب ما يراد ( 3 ) الاناة الانتظار والتؤدة . والمقتبس المرتاد أي الذي أخذ
بيده مصباحا ليرتاد على ضوئه شيئا غاب عنه ، ومثل هذا يتأنى في حركته خوف أن
يطفأ مصباحه وخشية أن يفوته في بعض خطواته ما يفتش عليه لو أسرع فلذا ضرب
المثل به . والمضطرب مدة الاضطراب أي الحركة في العمل ( 4 ) اقترف اكتسب ومثله قرف
يقرف لعياله أي يكسب ، ووجل خاف وجلا وموجلا بفتح الميم والجيم . وبادر سارع .
وعبر مبني للمجهول مشدد الباء أي عرضت عليه العبر مرارا كثيرة فاعتبر أي اتعظ
وحذر مبني للمجهول أيضا أي خوف من عواقب الخطايا ، فازدجر أي امتنع عنها و يروى
وحذر فحذر وزجر فازدجر ( 5 ) أجاب داعي الله إلى طاعته فاناب إليه أي رجع ، واحتذى
شاكل بين عمله وعمل مقتداه أي أحسن القدوة . وأرى بضم الهمزة مبني للمجهول
أي أرته الشريعة ما يجب عليه وما يجب له وما يعقب الطاعة وما يعقب المعصية فرأى ( * ) =
ـ138ـ
فأسرع طالبا . ونجا هاربا . فأفاد ذخيرة ( 1 ) وأطاب سريرة . وعمر معادا .
واستظهر زادا ( 2 ) . ليوم رحيله . ووجه سبيله . وحال حاجته . وموطن فاقته . وقدم أمامه لدار مقامه . فاتقوا الله عباد الله جهة ما خلقكم
له ( 3 ) . واحذروا منه كنه ما حذركم من نفسه ( 4 ) واستحقوا منه ما
أعد لكم بالتنجز لصدق ميعاده ( 5 ) والحذر من هول معاده
" منها " جعل لكم أسماعا لتعي ما عناها . وأبصارا لتجلو عن عشاها ( 6 )
وأشلاء جامعة لاعضائها . ملائمة لاحنائها ( 7 ) . في تركيب صورها ومدد
* ( هامش ) * = ذلك رؤية صحيحة ترتب عليها حسن العمل ( 1 ) أفاد الذخيرة استفادها واقتناها وهو
من الاضداد ( 2 ) استظهر زادا حمل زادا . حمل ظهر راحلته إلى الآخرة والكلام تمثيل ،
ووجه السبيل المقصد الذي يركب السبيل لاجله ( 3 ) الجهة مثلثة الناحية والجانب وهو
ظرف متعلق بحال من ضمير اتقوا أي متوجهين جهة ما خلقكم لاجله من العمل
النافع لكم الباقي أثره لاخلافكم ( 4 ) حذرنا من نفسه سبحانه أن نتعرض لما يغضبه
بمخالفة أوامره ونواهيه . وكنه ذلك غايته ونهايته أي احذروا نهاية ما حذركم ولا تقعوا
في شئ مما يغضبه وقد يكون المراد من كنه ما حذرنا هو البحث عن كنهه وحقيقته
فيأمرنا الامام بالتقوى والبعد عن البحث في حقيقته وكنهه فإن الوصول إلى كنه
ذاته محال ( 5 ) تنجز الوعد طلب وفائه على عجل وتنجز ما وعد الله إنما يكون بالعمل
له وبهذا التنجز العملي يستحق ما أعد الله للصالحين . والحذر معطوف على التنجز
( 6 ) عناها أهمها وتعيه تحفظه وتجلو من جلا عن المكان فارقه أي تخلص من عماها
أي لتبصر ولا تكون مبصرة حقيقة حتى يفيدها الابصار حركة إلى نافع وانقباضا
عن ضار . والاشلاء جمع شلو الجسد أو العضو وعلى الثاني يكون المعنى أن كل عضو فيه
اعضاء باطنة أو صغيرة ( 7 ) الاحناء جمع حنو بالكسر كل ما اعوج من البدن وملائمة ( * ) =
ـ139ـ
عمرها . بأبدان قائمة بأرفاقها ( 1 ) وقلوب رائدة لارزاقها . في مجللات
نعمه ( 2 ) وموجبات مننه . وحواجز عافيته . وقدر لكم أعمارا سترها
عنكم . وخلف لكم عبرا من آثار الماضين قبلكم من مستمتع
خلاقهم ومستفسح خناقهم . أرهقتهم المنايا دون الآمال . وشذ بهم
عنها تخرم الآجال . لم يمهدوا في سلامة الابدان ، ولم يعتبروا في أنف
الاوان ( 3 ) . فهل ينتظر أهل بضاضة الشباب إلا حواني الهرم . وأهل
غضارة الصحة إلا نوازل السقم . وأهل مدة البقاء إلا آونة الفناء ( 4 )
مع قرب الزيال ( 5 ) وأزوف الانتقال وعلز القلق . وألم المضض
وغصص الجرض . وتلفت الاستغاثة بنصرة الحفدة والاقرباء والاعزة
* ( هامش ) * = الاعضاء لها تناسبها معها ، وقد يراد من الاحناء الجهات والجوانب . وملائمة حال من
الاعضاء ، وملاءمة الاعضاء للجهات التي وضعت فيها أن يكون العضو في تلك الجهة أنفع
منه في غيرها ، تكون العين في موضعها المعروف أنفع من كونها في قمة الرأس مثلا ،
وقوله تركيب صورها أي آتية في صورها المركبة كما تقول ركب في سلاحه أي متسلحا ( 1 ) الارفاق جمع رفق بالكسر المنفعة أو ما يستعان به عليها . ورائدة أي طالبة
( 2 ) مجللات على صيغة اسم الفاعل من جلله بمعنى غطاه أي غامرات نعمه من قولهم
سحاب مجلل أي يطبق الارض ( 3 ) الخلاق النصيب الوافر من الخير ، والخناق بالفتح
حبل يخنق به وبالضم داء يمتنع معه نفوذ النفس ، وأرهقتهم أعجلتهم ، وأنف بضمتين
يقال أمر أنف مستأنف لم يسبق به قدر والانف أيضا المشية الحسنة ( 4 ) البضاضة
رخص ورقة الجلد وامتلاؤه والغضارة النعمة والسعة والخصب ( 5 ) الزيال مصدر زايله ( * ) =
ـ140ـ
والقرناء . فهل دفعت الاقارب أو نفعت النواحب ( 1 ) وقد غودر في محلة
الاموات رهينا ( 2 ) وفي ضيق المضجع وحيدا . قد هتكت الهوام
جلدته ( 3 ) وأبلت النواهك جدته . وعفت العواصف آثاره . ومحا
الحدثان معالمه ( 4 ) وصارت الاجساد شحبة بعد بضتها ، والعظام نخرة
بعد قوتها ( 5 ) والارواح مرتهنة بثقل أعبائها ( 6 ) موقنة بغيب أنبائها .
لا تستزاد من صالح عملها ، ولا تستعتب من سئ زللها ( 7 ) أولستم
أبناء القوم والآباء ، وإخوانهم والاقرباء . تحتذون أمثلتهم . وتركبون
قدتهم ( 8 ) وتطأون جادتهم . فالقلوب قاسية عن حظها . لاهية عن
* ( هامش ) * = مزايلة وزيالا فارقه ( 1 ) الازوف الدنو والقرب والعلز قلق وخفة وهلع يصيب المريض
والمحتضر . والمضض بلوغ الحزن من القلب ، والجرض الريق ، والحفدة البنات وأولاد
الاولاد والاصهار ( 2 ) غودر ترك وبقي ، ورهينا حبيسا ( 3 ) هتكت جذبت جلدته
فقطعتها . والهوام الحيات وكل ذي سم يقتل ( 4 ) النواهك من قولهم نهكه السلطان
إذا بالغ في عقوبته . وعفت أي محت ، والعواصف الرياح الشديدة ، والمعالم جمع معلم
وهو ما يستدل به ( 5 ) الشحبة بفتح فكسر الهالكة . البضة هنا الواحدة من البض
وهو مصدر بض الماء إذا ترشح قليلا قليلا أي بعد امتلائها حتى كان الماء يترشح منها .
ونخرة بالية ( 6 ) الاعباء الاثقال جمع عبء أي حمل . وموقنة بغيب أنبائها أي منكشفا
لها ما كان غائبا عنها من أخبارها وما أعد لها في الآخرة ( 7 ) لا تستزاد الخ أي لا يطلب
منها زيادة العمل فإنه لا عمل بعد الموت . ولا تستعتب مبني للمفعول أي لا يطلب منها
تقديم العتبى أي التوبة من العمل القبيح أو مبني للفاعل أي لا يمكنها أن تطلب الرضاء
والاقالة من خطئها السئ ( 8 ) القدة بكسر فتشديد الطريقة . وتطأون جادتهم تسيرون ( * ) =
ـ141ـ
رشدها سالكة في غير مضمارها . كأن المعني سواها ( 1 ) وكأن الرشد
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 141 سطر 1 الى ص 150 سطر 18
رشدها سالكة في غير مضمارها . كأن المعني سواها ( 1 ) وكأن الرشد
في إحراز دنياها . واعلموا أن مجازكم على الصراط ومزالق دحضه
وأهاويل زلله وتارات أهواله ( 2 ) فاتقوا الله تقية ذي لب شغل التفكر
قلبه . وأنصب الخوف بدنه ( 3 ) ، وأسهر التهجد غرار نومه وأظمأ
الرجاء هواجر يومه وظلف الزهد شهواته ، وأرجف الذكر بلسانه
وقدم الخوف لابانه ، وتنكب المخالج عن وضح السبيل ، وسلك أقصد
المسالك إلى النهج المطلوب ، ولم تفتله فاتلات الغرور ( 4 ) ، ولم تعم
* ( هامش ) * = على سبيلهم بلا انحراف عنهم في شئ أي يصيبكم ما أصابهم بلا أقل تفاوت ( 1 ) كأن
المعنى أي المقصود بالتكاليف الشرعية والموجه إليه التحذير والتبشير غيرها ، وقوله
وكأن الرشد الخ أي مع أن الرشد لم ينحصر في هذا بل الرشد كل الرشد إحراز الآخرة
لا الدنيا ( 2 ) أن مجازكم الخ أنكم تجوزون على الصراط مع ما فيه من مزالق الدحض .
والدحض هو انقلاب الرجل بغتة فيسقط المار . والزلل هو انزلاق القدم والتارات النوب
والدفعات ( 3 ) أنصب الخوف بدنه أتعبه ( 4 ) والغرار بالكسر القليل من النوم وغيره
وأسهره التهجد أي أزال قيام الليل نومه القليل فأذهبه بالمرة . وأظمأ الرجاء الخ أي
أظمأ نفسه في هاجرة اليوم . والمعنى صام رجاء الثواب . وظلف الزهد الخ أي منعها . وظلف
منع . وأرجف الذكر أرجف به أي حركه ويروى أوجف بالواو أي أسرع كأن الذكر
لشدة تحريكه اللسان موجف به كما توجف الناقة براكبها ، وإبان الشئ بكسر فتشديد
وقته الذي يلزم ظهوره فيه أي أنه خاف في الوقت الذي ينفع فيه الخوف ، ويروى
لامانه أي خاف في الدنيا ليأمن في الآخرة . وتنكب الشئ مال عنه ، والمخالج الشعوب
من الطريق المائلة عن وضحه والوضح محركة الجادة . وعن وضح متعلق بالمخالج أي
تنكب المائلات عن الجادة . وأقصد المسالك أقومها ولم تفتله الخ أي لم ترده ولم تصرفه
ولم تعم عليه أي لم تخف عليه الامور المشتبهة حتى يقع فيها تحذر على غير ( * ) =
ـ142ـ
عليه مشتبهات الامور . ظافرا بفرحة البشرى وراحة النعمى ( 1 ) في
أنعم نومه وآمن يومه . قد عبر معبر العاجلة حميدا ( 2 ) . وقدم زاد
الآجلة سعيدا . وبادر من وجل . وأكمش في مهل ورغب في طلب
وذهب عن هرب ( 3 ) وراقب في يومه غده . ونظر قدما أمامه ( 4 ) فكفى
بالجنة ثوابا ونوالا . وكفى بالنار عقابا ووبالا . وكفى بالله منتقما
ونصيرا . وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما ( 5 ) أوصيكم بتقوى الله
الذي أعذر بما أنذر . واحتج بما نهج ( 6 ) . وحذركم عدوا نفذ في
الصدور خفيا ونفث في الآذان تجيا ( 7 ) ، فأضل وأردى ، ووعد فمنى ،
* ( هامش ) * = بصيرة ( 1 ) النعمى بالضم سعة العيش ونعيمه ، ظافرا حال من الضمائر السابقة العائدة
على ذي لب وفي أنعم متعلق براحة النعمى وجعل اتصافه بتلك الاوصاف في حال الظفر
تمثيلا لالتصاق السعادة بالفضيلة وملازمتها إياها ( 2 ) العاجلة الدنيا . وسميت معبرا لانها
طريق يعبر منها إلى الآخرة وهي الآجلة . بادر من وجل أي سبق إلى خير الاعمال خوفا
من لقاء الاهوال . وأكمش أسرع ومثله انكمش وكمشته تكميشا اعجلته . والمراد
جد السير في مهلة الحياة ( 3 ) أي رغب فيما ينبغي طلبه وذهب وانصرف عما يجب
الهروب منه ( 4 ) القدم بفتحتين السابق أي نظر إلى ما يتقدم أمامه من الاعمال ويروى
قدما بضمتين وهو المضي أمام أي مضى متقدما ( 5 ) الكتاب القرآن . وحجيجا
وخصيما أي مقنعا لمن خالفه بأنه جلب الهلاك على نفسه ، وقد يراد من الكتاب
ما أحصى من الاعمال على العامل إذا عرض عليه يوم الحساب ( 6 ) أعذر بما أنذر
ما مصدرية أعذر أي سلب عذر المعتذر بإنذاره إياه بعواقب العمل وقامت له
الحجة على الضالين بما نهج وأوضح من طرق الخير والفضيلة ( 7 ) ذلك العدو هو
الشيطان ونفذ في الصدور الخ تمثيل لدقة مجاري وسوسته في الانفس فهو فيما يسوله ( * ) =
ـ143ـ
وزين سيئات الجرائم . وهون موبقات العظائم . حتى إذا استدرج
قرينته ( 1 ) واستغلق رهينته أنكر ما زين ( 2 ) واستعظم ما هون وحذر
ما أمن .
ومنها في صفة خلق الانسان أم هذا الذي أنشأه في ظلمات
الارحام ( 3 ) وشغف الاستار نطفة دهاقا وعلقة محاقا . وجنينا وراضعا ، ووليدا
ويافعا ( 4 ) . ثم منحه قلبا حافظا ولسانا لافظا وبصرا لاحظا . ليفهم معتبرا .
ويقصر مزدجرا . حتى إذا قام اعتداله واستوى مثاله ( 5 ) نفر مستكبرا
وخبط سادرا ( 6 ) . ماتحا في غرب هواه ( 7 ) ، كادحا سعيا لدنياه . في لذات
* ( هامش ) * = يجري مجرى الانفاس ويسلك بما يأتي من مسالك الاصدقاء كأنه نجى يسارك وينفث
في أذنك بما تظنه خيرا لك . واردى أهلك . ووعد فمنى أي صور الاماني كذبا ( 1 ) القرينة
النفس التي يقارنها بالوسوسة . واستدرجها أنزلها من درجة الرشد إلى درجته من
الضلالة ، واستغلق الرهن جعله بحيث لا يمكن تخليصه ( 2 ) أنكر الخ بيان لعمل الشيطان
وبراءته ممن أغواه عند ما تحق كلمة العذاب ( 3 ) أم بمعنى بل الانتقالية بعد ما بين وصف
الشيطان انتقل لبيان صفة الانسان ، وشغف الاستار جمع شغاف هو في الاصل غلاف
القلب استعاره للمشيمة ( 4 ) دهاقا متتابعا دهقها أي صبها بقوة وقد تفسر الدهاق
بالممتلئة أي ممتلئة من جراثيم الحياة وعلقة محاقا أي خفي فيها ومحق كل شكل وصورة .
والجنين الولد بعد تصويره ما دام في بطن أمه ، واليافع الغلام راهق العشرين
ويقصر يكف عن الرذائل ممتنعا عنها بالعقل والروية ( 5 ) استوى مثاله أي بلغت
قامته حد ما قدر لها من النمو ( 6 ) خبط البعير إذا ضرب بيديه الارض لا يتوقى شيئا
والسادر المتحير والذي لا يهتم ولا يبالي ما صنع ( 7 ) متح الماء نزعه وهو في أعلى البئر
والماتح الذي ينزل البئر إذا قل ماؤها فيملا الدلو . والغرب الدلو العظيمة أي لا يستقي ( * ) =
ـ144ـ
طربه ، وبدوات أربه لا يحتسب رزية ( 1 ) ولا يخشع تقية . فمات في
فتنته غريرا ، وعاش في هفوته يسيرا . لم يفد ( 2 ) عوضا ولم يقض مفترضا .
دهمته فجعات المنية في غبر جماحه ، وسنن مراحه ( 3 ) ، فظل سادرا ( 4 ) وبات
ساهرا . في غمرات الآلام . وطوارق الاوجاع والاسقام . بين أخ
شقيق ووالد شفيق . وداعية بالويل جزعا . والادمة للصدر قلقا ( 5 ) .
والمرء في سكرة ملهية . وغمرة كارثة ( 6 ) وأنة موجعة . وجذبة
مكربة . وسوقة متعبة . ثم أدرج في أكفانه مبلسا ( 7 ) وجذب منقادا
* ( هامش ) * = إلا من الهوى . والكدح شدة السعى ، والبدوات جمع بدأة وهي ما بدا من الرأي أي
ذاهبا فيما يبدو له من رغائبه غير متقيد بشريعة ولا ملتزم صدور فضيلة ( 1 ) لا يحتسب
رزية أي لا يظنها ولا يفكر في وقوعها ولا يخاشع من التقية والخوف من الله تعالى
وغريرا براءين مهملتين أي مغرورا ، ويروى عزيزا بمعجمتين أي شابا وهي رواية
ضعيفة غير ملائمة سياق النظم وعاش في هفوته الخ عاش في خطآته وخطيئاته الناشئة
عن الخطأ في تقدير العواقب زمنا يسيرا وهو مدة الاجل ويروى أسيرا ( 2 ) لم يفد أي
لم يستفد ثوابا ( 3 ) دهمته غشيته وغبر بضم فتشديد جمع غابر أي باقى أي في بقايا تعنته
على الحق وعدم انقياده له . والسنن الطريقة ، والمرح شدة الفرح والبطر ( 4 ) ظل
سادرا أي حائرا وذلك بعد ما غشيته فجعات المنية وهي عوارض الامراض المهلكة
التي تفضي إلى الموت ( 5 ) اللادمة الضاربة ( 6 ) الغمرة الشدة تحيط بالعقل والحواس .
والكارثة القاطعة للآمال أو من كربه الغم إذا اشتد عليه ، والانة بفتح فتشديد
الواحدة من الان أي التوجع . وجذبة مكربة أي جذبات الانفاس عند الاحتضار ،
والسوقة من ساق المريض نفسه عند الموت سوقا وسياقا وسيق على المجهول شرع في نزع
للروح ( 7 ) أبلس يبلس يئس فهو مبلس . وسلسا أي سهلا لعدم قدرته على الممانعة ( * )
ـ145ـ
سلسا . ثم ألقي على الاعواد . رجيع وصب ( 1 ) ونضو سقم تحمله حفدة
الولدان ( 2 ) وحشدة الاخوان ، إلى دار غربته . ومنقطع زورته ( 3 ) حتى
إذا انصرف المشيع . ورجع المتفجع أقعد في حفرته نجيا لبهتة السؤال
وعثرة الامتحان ( 4 ) . وأعظم ما هنالك بلية نزول الحميم ( 5 ) وتصلية
الجحيم وفورات السعير وسورات الزفير . لا فترة مريحة ( 6 ) . ولا دعة
مزيحة . ولا قوة حاجزة . ولا موتة ناجزة . ولا سنة مسلية بين
أطوار الموتات ( 7 ) وعذاب الساعات إنا بالله عائذون
عباد الله أين الذين عمروا فنعموا ( 8 ) وعلموا ففهموا وأنظروا
فلهوا ( 9 )
* ( هامش ) * ( 1 ) الرجيع من الدواب ما رجع به من سفر إلى سفر فكل . والوصب التعب ، ونضو
بالكسر مهزول ( 2 ) الحفدة الاعوان ، والحشدة المسارعون في التعاون ( 3 ) منقطع
الزورة حيث لا يزار ( 4 ) النجى من تحادثه سرا والميت لا يسمع كلامه سوى الملائكة
المكلمين له . وبهتة السؤال حيرته ( 5 ) الحميم في الاصل الماء الحار ، والتصلية الاحراق
والمراد هنا دخول جهنم . والسورة الشدة . والزفير صوت النار عند توقدها ( 6 ) الفترة
السكون أي لا يفتر العذاب حتى يستريح المعذب من الالم ، ولا تكون دعة أي راحة
حتى تزيح ما أصابه من التعب ، وليست له قوة تحجز عنه وترد غواشي العذاب
ولا بموته يجد موتة حاضرة تذهب بإحساسه عن الشعور بتلك الآلام . والناجز الحاضر
والسنة بالكسر والتخفيف أوائل النوم ، مسلية ملهية عن الالم ( 7 ) أطوار الموتات الخ
كل نوبة من نوب العذاب كأنها موت لشدتها . وأطوار هذا الموتات ألوانها وأنواعها
( 8 ) عمروا الخ عاشوا فتنعموا ( 9 ) أمهلوا فألهاهم المهل عن العمل وذلك بعد أن ( * ) =
ـ146ـ
وسلموا فنسوا ( 1 ) . أمهلوا طويلا . ومنحوا جميلا . وحذروا أليما .
ووعدوا جسيما . احذروا الذنوب المورطة والعيوب المسخطة ( 2 )
أولي الابصار والاسماع . والعافية والمتاع . هل من مناص أو
خلاص . أو معاذ أو ملاذ . أو فرار أو محار ( 3 ) أم لا فأنى تؤفكون ( 4 )
أم أين تصرفون . أم بما ذا تغترون وإنما حظ أحدكم من الارض ذات
الطول والعرض . قيد قده ( 5 ) متعفرا على خده الآن . عباد الله والخناق
مهمل ( 6 ) والروح مرسل . في فينة الارشاد ( 7 ) وراحة الاجساد وباحة
الاحتشاد ( 8 ) . ومهل البقية . وأنف المشية ( 9 ) . وإنظار التوبة وانفساح
الحوبة ( 10 ) قبل الضنك والمضيق . والروع والزهوق ( 11 ) وقبل قدوم
الغائب المنتظر ( 12 ) وأخذة العزيز المقتدر
* ( هامش ) * = علموا ففهموا وكان مقتضى الفهم أن لا يغتروا بالمهلة ويضيعوا الفرصة ( 1 ) سلمت
عاقباتهم وأرزاقهم فنسوا نعمة الله في السلامة ( 2 ) المورطة المهلكة ( 3 ) محار أي
مرجع إلى الدنيا بعد فراقها ( 4 ) تؤفكون تقلبون أي تنقلبون ( 5 ) قيد قده بكسر
القاف وفتحها من اللفظ الاول وفتحها من الثاني مقدار طوله يريد مضجعه من القبر
( 6 ) الخناق الحبل الذي يخنق به وإهماله عدم شده على العنق مدى الحياة ، أي وأنتم
في قدرة من العمل وسعة من الامل ( 7 ) الفينة بالفتح الحال والساعة والوقت ويروى
فينة الارتياد بمعنى الطلب ( 8 ) باحة الدار ساحتها . والاحتشاد الاجتماع أي أنتم في ساحة
يسهل عليكم فيها التعاون على البر باجتماع بعضكم على بعض ( 9 ) أنف بضمتين
مستأنف المشيئة لو أردتم استئناف مشيئة وإرادة حسنة لامكنكم ( 10 ) الحوبة الحالة
أو الحاجة ( 11 ) الروع الخوف . والزهوق الاضمحلال ( 12 ) الغائب المنتظر الموت ( * )
ـ147ـ
وفي الخبر أنه عليه السلام لما خطب بهذه الخطبة اقشعرت لها
الجلود . وبكت العيون ورجفت القلوب . ومن الناس من يسمى
هذه الخطبة الغراء
84 - ومن خطبة له عليه السلام في ذكر عمرو بن العاص
عجبا لابن النابغة ( 1 ) يزعم لاهل الشام أن في دعابة ( 2 ) وأني امرؤ
تلعابة أعافس وأمارس ( 3 ) لقد قال باطلا ونطق آثما . أما وشر القول
الكذب إنه ليقول فيكذب . ويعد فيخلف . ويسأل فيلحف ( 4 )
ويسأل فيبخل . ويخون العهد . ويقطع الال ( 5 ) فإذا كان عند الحرب
فأي زاجر وآمر هو . ما لم تأخذ السيوف مآخذها ( 6 ) فإذا كان ذلك
كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبته ( 7 ) أما والله إني ليمنعني
من اللعب ذكر الموت . وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة .
* ( هامش ) * ( 1 ) النابغة المشهورة فيما لا يليق بالنساء من نبغ إذا ظهر ( 2 ) الدعابة بالضم المزاح
واللعب . وتلعابة بالكسر كثير اللعب ( 3 ) اعافس أعالج الناس وأضاربهم مزاحا . ويقال
المعافسة معالجة النساء بالمغازلة . والممارسة كالمعافسة ( 4 ) فيلحف أي يلح . ويسأل ههنا
مبني للفاعل . ويسأل في الجملة بعدها للمفعول ( 5 ) الال بالكسر القرابة والمراد أنه
يقطع الرحم ( 6 ) أي أنه في الحرب زاجر وآمر عظيم أي محرض حاث ما لم تأخذ
السيوف مأخذها فعند ذلك يجبن كما قال فإذا كان ذلك الخ ( 7 ) السبة بالضم الاست
تقريع له بفعلته عندما نازل أمير المؤمنين في واقعة صفين فصال عليه وكاد يضرب ( * ) =
ـ148ـ
إنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتية ويرضخ له على ترك
الدين رضيخة ( 1 )
85 - ومن خطبة له عليه السلام
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . الاول لا شئ قبله .
والآخر لا غاية له . لا تقع الاوهام له على صفة ولا تقعد القلوب
منه على كيفية ( 2 ) ولا تناله التجزئة والتبعيض . ولا تحيط به الابصار
والقلوب ( منها ) فاتعظوا عباد الله بالعبر النوافع . واعتبروا بالآي
السواطع ( 3 ) وازدجروا بالنذر البوالغ ( 4 ) وانتفعوا بالذكر
والمواعظ . فكأن قد علقتكم مخالب المنية . وانقطعت منكم
علائق الامنية . ودهمتكم مفظعات الامور ( 5 ) والسياقة إلى الورد
المورود ( 6 ) وكل نفس معها سائق وشهيد . سائق يسوقها إلى محشرها
* ( هامش ) * = عنقه فكشف عورته فالتفت أمير المؤمنين عنه وتركه ( 1 ) الاتية العطية ورضخ له
أعطاه قليلا والمراد بالاتيه والرضيخة ولاية مصر ( 2 ) تقعد مجاز عن استقرار حكمها
أي ليست له كيفية فتحكم بها ( 3 ) الآى جمع آية وهي الدليل . والسواطع الظاهرة
الدلالة ( 4 ) البوالغ جمع البالغة غاية البيان لكشف عواقب التفريط . والنذر جمع نذير
بمعنى الانذار أو المخوف والمراد إنذار المنذرين ( 5 ) المفظعات من أفظع الامر إذا
اشتد ويقال أفظع الرجل للمجهول إذا نزلت به الشدة ( 6 ) الورد بالكسر الاصل فيه ( * ) =
ـ149ـ
وشاهد يشهد عليها بعملها
( ومنها في صفة الجنة ) درجات متفاضلات . ومنازل متفاوتات .
لا ينقطع نعيمها ولا يظعن مقيمها . ولا يهرم خالدها . ولا يبأس
ساكنها ( 1 ) .
86 - ومن خطبة له عليه السلام
قد علم السرائر . وخبر الضمائر . له الاحاطة بكل شئ . والغلبة
لكل شئ والقوة على كل شئ . فليعمل العامل منكم في أيام مهله
قبل إرهاق أجله ( 2 ) وفي فراغة قبل أوان شغله . وفي متنفسه قبل أن
يؤخذ بكظمه ( 3 ) وليمهد لنفسه وقدومه . وليتزود من دار ظعنه لدار
إقامته . فالله الله أيها الناس فيما استحفظكم من كتابه واستودعكم
من حقوقه . فإن الله سبحانه لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى
ولم يدعكم في جهالة ولا عمى . قد سمى آثاركم ( 4 ) وعلم أعمالكم
وكتب آجالكم . وأنزل عليكم الكتاب تبيانا لكل شئ
* ( هامش ) * = الماء يورد للري والمراد به الموت أو المحشر ( 1 ) بئس كسمع اشتدت حاجته ( 2 ) إرهاق
الاجل أن يعجل المفرط عن تدارك ما فاته من العمل أي يحول بينه وبينه ( 3 ) الكظم
بالتحريك الحلق أو مخرج النفس ، والاخذ بالكظم كناية عن التضييق عند مداركة
الاجل ( 4 ) بين لكم أعمالكم وحددها ( * )
ـ150ـ
وعمر فيكم نبيه أزمانا ( 1 ) حتى أكمل له ولكم فيما أنزل من
كتابه دينه الذي رضي لنفسه وأنهى إليكم على لسانه محابه من
الاعمال ومكارهه ( 2 ) ونواهيه وأوامره . فألقى إليكم المعذرة واتخذ
عليكم الحجة . وقدم إليكم بالوعيد . وأنذركم بين يدي عذاب
شديد . فاستدركوا بقية أيامكم . واصبروا لها أنفسكم ( 3 ) فإنها قليل
في كثير الايام التي تكون منكم فيها الغفلة والتشاغل عن الموعظة .
ولا ترخصوا لانفسكم فتذهب بكم الرخص فيها مذاهب الظلمة ( 4 ) ولا
تداهنوا فيهجم بكم ( 5 ) الادهان على المصيبة . عباد الله إن أنصح الناس
لنفسه أطوعهم لربه . وإن أغشهم لنفسه أعصاهم لربه والمغبون من
غبن نفسه ( 6 ) والمغبوط من سلم له دينه ( 7 ) . والسعيد من وعظ بغيره
والشقي من انخدع لهواه . واعلموا أن يسير الرياء شرك ( 8 ) ومجالسة أهل
الهوى منساة للايمان ( 9 ) . ومحضرة للشيطان . جانبوا الكذب فإنه مجانب
للايمان . الصادق على شرف منجاة وكرامة . والكاذب على شفا مهواة
* ( هامش ) * ( 1 ) عمر نبيه مد في أجله ( 2 ) محابه مواضع حبه وهي الاعمال الصالحة ( 3 ) اصبروا أنفسكم
اجعلوا لانفسكم صبرا فيها ( 4 ) الظلمة جمع ظالم ( 5 ) المداهنة إظهار خلاف ما في الطوية
والادهان مثله ( 6 ) المغبون المخدوع ( 7 ) والمغبوط المستحق لتطلع النفوس إليه والرغبة
في نيل مثل نعمته ( 8 ) الرياء أن تعمل ليراك الناس وقلبك غير راغب فيه ( 9 ) منساة ( * ) =
ـ151ـ
ومهانة ولا تحاسدوا فإن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 151 سطر 1 الى ص 160 سطر 17
ومهانة ولا تحاسدوا فإن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار
الحطب . ولا تباغضوا فإنها الحالقة ( 1 ) . واعلموا أن الامل يسهي العقل
وينسي الذكر ( 2 ) فأكذبوا الامل فإنه غرور . وصاحبه مغرور
87 - ومن خطبة له عليه السلام
عباد الله إن من أحب عباد الله إليه عبدا أعانه الله على نفسه فاستشعر
الحزن وتجلبب الخوف ( 3 ) فزهر مصباح الهدى في قلبه وأعد القرى
ليومه النازل به ( 4 ) فقرب على نفسه البعيد وهون الشديد ( 5 ) . نظر
فأبصر . وذكر فاستكثر ( 6 ) وارتوى من عذب فرات . سهلت له
* ( هامش ) * = للايمان موضع لنسيانه وداعية للذهول عنه ، ومحضرة للشيطان مكان لحضوره وداع له ( 1 ) فإنها
أي المباغضة الحالقة أي الماحية لكل خير وبركة ( 2 ) الامل الذي يذهل العقل وينسي ذكر
الله وأوامره ونواهيه هو استقرار النفس على ما وصلت إليه غير ناظرة إلى تغير الاحوال ولا
آخذة بالحزم في الاعمال ( 3 ) استشعر لبس الشعار وهو ما يلي البدن من اللباس ، وتجلبب
لبس الجلباب وهو ما يكون فوق جميع الثياب ، والحزن العجز عن الوفاء بالواجب
وهو قلبي لا يظهر له أثر في العمل الظاهر ، أما الخوف فيظهر أثره في البعد عما يغضب الله
والمسارعة للعمل فيما يرضيه وذلك أثر ظاهر . وزهر مصباح الهدى تلالا وأضاء ( 4 ) القرى
بالكسر ما يهيأ للضيف وهو هنا العمل الصالح يهيؤه للقاء الموت وحلول الاجل ( 5 ) جعل
الموت على بعده قريبا منه فعمل له ولذلك هان عليه الصبر عن اللذائذ الفانية والاخذ
بالجد في إحراز الفضائل السامية وذلك هو الشديد ( 6 ) ذكر الله فاستكثر من العمل في ( * ) =
ـ152ـ
موارده فشرب نهلا ( 1 ) وسلك سبيلا جددا ( 2 ) قد خلع سرابيل الشهوات
وتخلى من الهموم إلا هما واحدا انفرد به ( 3 ) فخرج من صفة العمى
ومشاركة أهل الهوى ، وصار من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق
أبواب الردى . قد أبصر طريقه . وسلك سبيله . وعرف مناره . وقطع
غماره ( 4 ) استمسك من العرى بأوثقها . ومن الحبال بأمتنها . فهو من
اليقين على مثل ضوء الشمس . قد نصب نفسه لله سبحانه في أرفع
ألامور من إصدار كل وارد عليه . وتصيير كل فرع إلى أصله ( 5 )
مصباح ظلمات . كشاف عشاوات . مفتاح مبهمات . دفاع معضلات ( 6 )
دليل فلوات ( 7 ) . يقول فيفهم ويسكت فيسلم . قد أخلص لله
فاستخلصه . فهو من معادن دينه . وأوتاد أرضه . قد ألزم نفسه العدل
* ( هامش ) * = رضاه والعذب والفرات مترادفان ( 1 ) النهل أول الشرب والمراد أخذ حظا لا يحتاج
معه إلى العلل وهو الشرب الثاني ( 2 ) الجدد بالتحريك الارض الغليظة أي الصلبة
المستوية ومثلها يسهل السير فيه ( 3 ) الهم الواحد هو هم الوقوف عند حدود الشريعة
( 4 ) جمع غمر بالفتح معظم البحر والمراد أنه عبر بحار المهالك إلى سواحل النجاة
( 5 ) لان من كان همه التزام حدود الله في أوامره ونواهيه نفذت بصيرته إلى حقائق
سر الله في ذلك فصار من درجات العرفان بحيث لا يرد عليه أمر إلا أصدره على وجهه
ولا يعرض له فرع إلا رده إلى أصله ( 6 ) عشاوات جمع عشاوة سوء البصر أو العمى
أي أنه يكشف عن ذوي العشاوات عشاواتهم ، ويروى عشاوات جمع عشوة بتثليث
الاول وهي الامر الملتمس . والمعضلات الشدائد والامور لا يهتدى لوجهها ( 7 ) الفلوات ( * ) =
ـ153ـ
فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه . يصف الحق ويعمل به . لا يدع
للخير غاية إلا أمها ( 1 ) ولا مظنة إلا قصدها ( 2 ) . قد أمكن الكتاب من
زمامه ( 3 ) فهو قائده وإمامه . يحل حيث حل ثقله ( 4 ) وينزل حيث كان
منزله . وآخر قد تسمى عالما وليس به ( 5 ) . فاقتبس جهائل من جهال ،
وأضاليل من ضلال . ونصب للناس شركا من حبائل غرور وقول زور .
قد حمل الكتاب على آرائه . وعطف الحق على أهوائه ( 6 ) يؤمن من
العظائم ويهون كبير الجرائم . يقول أقف عند الشبهات وفيها وقع .
وأعتزل البدع وبينها اضطجع . فالصورة صورة إنسان . والقلب قلب
حيوان . لا يعرف باب الهدى فيتبعه . ولا باب العمى فيصد عنه .
فذلك ميت الاحياء فأين تذهبون . وأنى تؤفكون ( 7 ) . والاعلام
* ( هامش ) * = جمع فلاة الصحراء الواسعة مجاز عن مجالات العقول في الوصول إلى الحقائق ( 1 ) أمها
قصدها ( 2 ) مظنة أي موضع ظن لوجود الفائدة ( 3 ) الكتاب القرآن . وأمكنه من
زمامه تمثيل لانقياده لاحكامه كأنه مطية والكتاب يقوده إلى حيث شاء ( 4 ) ثقل
المسافر محركة متاعه وحشمه ، وثقل الكتاب ما يحمل من أوامر ونواه ( 5 ) وآخر الخ
هذا عبد آخر غير العبد الذي وصفه بالاوصاف السابقة يخالف في وصفه وصفه ،
واقتبس استفاد ، جهائل جمع جهالة ويراد منها هنا تصور الشئ على غير حقيقته
ولا يستفاد من الجهال إلا ذلك ، والاضاليل الضلالة جمع أضلولة ويقال لا واحد لها من
لفظها وهو الاشهر ، والضلال بضم فتشديد جمع ضال ( 6 ) عطف الحق الخ حمل الحق
على رغباته أي لا يعرف حقا إلا إياها ( 7 ) تؤفكون تقلبون وتصرفون بالبناء للمجهول . والاعلام الدلائل على الحق من معجزات ونحوها ، والمنار جمع منارة والمراد هنا ( * ) =
ـ154ـ
قائمة ، والآيات واضحة ، والمنار منصوبة فأين يتاه بكم ( 1 ) . بل كيف
تعمهون وبينكم عترة نبيكم وهم أزمة الحق وأعلام الدين
وألسنة الصدق . فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن ( 2 ) وردوهم ورود
الهيم العطاش ( 3 )
أيها الناس خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه وآله
إنه يموت من مات منا وليس بميت ( 4 ) ويبلى من بلي منا وليس ببال
فلا تقولوا بما لا تعرفون . فإن أكثر الحق فيما تنكرون ( 5 )
واعذروا من لا حجة لكم عليه . وأنا هو . ألم أعمل فيكم بالثقل
الاكبر ( 6 ) وأترك فيكم الثقل الاصغر . وركزت فيكم راية
الايمان ووقفتكم على حدود الحلال والحرام . وألبستكم العافية من
* ( هامش ) * = ما أقيم علامة على الخير والشر ( 1 ) يتاه بكم من التيه بمعنى الضلال والحيرة . وتعمهون
تتحيرون ، وعترة الرجل نسله ورهطه ( 2 ) أي أحلوا عترة النبي من قلوبكم محل القرآن
من التعظيم والاحترام . وإن القلب هو أحسن منازل القرآن ( 3 ) هلموا إلى بحار علومهم
مسرعين كما تسرع الهيم أي الابل العطشى إلى الماء ( 4 ) خذوا هذه القضية عنه وهي
أنه يموت الميت من أهل البيت وهو في الحقيقة غير ميت لبقاء روحه ساطع النور في
عالم الظهور ( 5 ) الجاهل يستغمض الحقيقة فينكرها وأكثر الحقائق دقائق ( 6 ) الثقل
هنا بمعنى النفيس من كل شئ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله قال تركت فيكم الثقلين كتاب الله
وعترتي أي النفيسين . وأمير المؤمنين قد عمل بالثقل الاكبر وهو القرآن ويترك الثقل ( * ) =
ـ155ـ
عدلي وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي ( 1 ) وأريتكم كرائم
الاخلاق من نفسي . فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر
ولا تتغلغل إليه الفكر ( منها ) حتى يظن الظان أن الدنيا معقولة على
بني أمية ( 2 ) تمنحهم درها . وتوردهم صفوها . ولا يرفع عن هذه
الامة سوطها ولا سيفها . وكذب الظان لذلك ، بل هي مجة من لذيذ
العيش ( 3 ) يتطعمونها برهة ثم يلفظونها جملة
88 - ومن خطبة له عليه السلام
أما بعد فإن الله لم يقصم جباري دهر قط ( 4 ) إلا بعد تميل ورخاء .
ولم يجبر عظم أحد من الامم إلا بعد أزل وبلاء ( 5 ) وفي دون ما
استقبلتم من عتب وما استدبرتم من خطب معتبر ( 6 ) . وما كل ذي
* ( هامش ) * = الاصغر وهو ولداه ويقال عترته قدوة للناس ( 1 ) فرشتكم بسطت لكم ( 2 ) مقصورة
عليهم مسخرة لهم كأنهم شدوها بعقال كالناقة تمنحهم درها أي لبنها ( 3 ) مجة بضم الميم
واحدة المج بضمها أيضا نقط العسل أي قطرة عسل تكون في أفواههم كما تكون في فم
النحلة يذوقونها زمانا تم يقذفونها . وهذا التفسير أفضل من تفسير المجة بالفتح بالواحدة
من مصدر مج التراب من فيه إذا رمى به ( 4 ) يقصم يهلك . القصم الكسر
( 5 ) جبر العظم طبه بعد الكسر حتى يعود صحيحا ، والازل بالفتح الشدة ( 6 ) العتب
بسكون التاء يريد منه عتب الزمان مصدر عتب عليه إذا وجد عليه ، وإذا وجد الزمان
على شخص اشتد عليه وقره ، والاصح أنه بتحريك التاء اما مفرد بمعنى الامر الكريه ( * ) =
ـ156ـ
قلب بلبيب . ولا كل ذي سمع بسميع . ولا كل ناظر ببصير . فيا عجبي
- ومالي لا أعجب - من خطإ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها .
لا يقتصون أثر نبي . ولا يقتدون بعمل وصي . ولا يؤمنون بغيب . ولا
يعفون عن عيبب ( 1 ) . يعملون في الشبهات ويسيرون في الشهوات . المعروف
عندهم ما عرفوا . والمنكر عندهم ما أنكروا ( 2 ) . مفزعهم في المعضلات
إلى أنفسهم . وتعويلهم في المبهمات على آرائهم كأن كل امرئ منهم
إمام نفسه قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات وأسباب محكمات
89 - ومن خطبة له عليه السلام
أرسله على حين فترة من الرسل . وطول هجعة من
الامم واعتزام من الفتن ( 3 ) وانتشار من الامور . وتلظ من
* ( هامش ) * = والفساد أو جمع عتبة بالتحريك بمعنى الشدة يقال ما في هذا الامر رتبة ولا عتبة .
أي شدة أي أنكم لجديرون أن تعتبروا بأقل من الشدة المقبلة عليكم بعد ضعف
أمركم وأقل من الخطب العظيم الذي مر بكم فكيف بمثل هذه الامور الجسام فأنتم
أجدر أن تعتبروا بها ( 1 ) ولا يعفون بكسر العين وتشديد الفاء من عففت عن الشئ
إذا كففت عنه ( 2 ) أي يستحسنون ما بدالهم استحبابه ويستقبحون ما خطر لهم
قبحه بدون رجوع إلى دليل بين أو شريعة واضحة ، يثق كل منهم بخواطر نفسه
كأنه أخذ منها بالعروة الوثقى على ما بها من جهل ونقص ( 3 ) اعتزام من قولهم
اعتزم الفرس إذا مر جامحا أي وغلبة من الفتن ، ويروى اعترام بالراء المهملة يقال ( * ) =
ـ157ـ
الحروب ( 1 ) والدنيا كاسفة النور ظاهرة الغرور . على حين اصفرار من
ورقها ( 2 ) وإياس من ثمرها . واغورار من مائها . قد درست منار الهدى .
وظهرت أعلام الردى . فهي متجهمة لاهلها ( 3 ) عابسة في وجه طالبها
ثمرها الفتنة . وطعامها الجيفة . وشعارها الخوف ودثارها السيف ( 4 )
فاعتبروا عباد الله . واذكروا تيك التي آباؤكم وإخوانكم بها
مرتهنون ( 5 ) . وعليها محاسبون . ولعمري ما تقادمت بكم ولا بهم
العهود . ولا خلت فيما بينكم وبينهم الاحقاب والقرون ( 6 ) وما أنتم
اليوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيد والله ما أسمعهم الرسول شيئا
إلا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه . وما أسماعكم اليوم بدون أسماعهم
بالامس . ولا شقت لهم الابصار ولا جعلت لهم الافئدة في ذلك
* ( هامش ) * = اعترم الفرس سطا ومال ( 1 ) وتلظ أي تلهب ( 2 ) هذا وما بعده تمثيل لتغيير
الدنيا وإشرافها على الزوال ويأس الناس من التمتع بها أيام الجاهلية ، واغورار الماء
ذهابه ويروى اعوار مائها بالمهملة من قوله فلاة عوراء لا ماء بها ( 3 ) من تجهمه أي
استقبله بوجه كريه ( 4 ) ثمرها الفتنة أي ليست لها نتيجة سوى الفتن ، والجيفة إشارة
إلى أكل العرب للميتة من شدة الاضطرار . والشعار من الثياب ما يلي البدن ، والدثار
فوق الشعار . ولما كان الخوف يتقدم السيف كان الخوف شعارا والسيف دثارا وأيضا
فالخوف باطن والسيف ظاهر ( 5 ) تيك اشارة إلى سيئات الاعمال وبواطل العقائد
وقبائح العوائد . وهم بها مرتهنون أي محبوسون على عواقبها في الدنيا من الذل
والضعف ( 6 ) الاحقاب جمع حقب بالضم وبضمتين قيل ثمانون سنة وقيل أكثر وقيل ( * ) =
ـ158ـ
الاوان إلا وقد أعطيتم مثلها في هذا الزمان . والله ما بصرتم بعدهم شيئا جهلوه . ولا أصفيتم به وحرموه ( 1 ) ولقد نزلت بكم البلية
جائلا خطامها ( 2 ) رخوا بطانها . فلا يغرنكم ما أصبح فيه أهل الغرور .
فإنما هو ظل ممدود إلى أجل معدود
90 - ومن خطبة له عليه السلام
الحمد لله المعروف من غير رؤية . والخالق من غير روية ( 3 )
الذي لم يزل قائما دائما إذ لا سماء ذات أبراج . ولا حجب ذات
أرتاج ( 4 ) ولا ليل داج . ولا بحر ساج . ولا جبل ذو فجاج . ولا فج ذو
اعوجاج . ولا أرض ذات مهاد . ولا خلق ذو اعتماد . ذلك مبتدع الخلق
* ( هامش ) * = هو الدهر ( 1 ) يريد أن حالهم كحال من سبقهم وأن من السابقين من اهتدى بهدى
الرسول فنجا من سوء عاقبة ما كان فيه . ومنهم من جهل فحل به من النكال ما حل .
والامام اليوم مع هؤلاء كما كان الرسول مع أولئك . وحال السامعين في المدارك كحال
السابقين وليس هؤلاء مختصين بشئ حرمه أولئك ولا عالمين بأمر جهلوه . فأصفيتم
أي خصصتم مبني للمجهول ( 2 ) الخطام ما جعل في أنف البعير لينقاد به . وجولان
الخطام حركته وعدم استقراره لانه غير مشدود . والعبارة تصوير لانطلاق الفتنة
تأخذ فيهم مآخذها لا مانع لها ولا مقاوم . وبطان البعير حزام يجعل تحت بطنه ومتى
استرخى كان الراكب على خطر السقوط ( 3 ) روية فكر وإمعان نظر ( 4 ) الارتاج
جمع رتج بالتحريك الباب العظيم . والداجي المظلم . والساجي الساكن . والفجاج جمع فج
بمعنى الطريق الواسع بين جبلين ، والمهاد الفراش والخلق بمعنى المخلوق ، وذو اعتماد ( * ) =
ـ159ـ
ووارثه ( 1 ) وإ له الخلق ورازقه . والشمس والقمر دائبان في
مرضاته ( 2 ) يبليان كل جديد ويقربان كل بعيد . قسم أرزاقهم .
وأحصى آثارهم وأعمالهم وعدد أنفاسهم وخائنة أعينهم . وما تخفي
صدورهم من الضمير ( 3 ) . ومستقرهم ومستودعهم من الارحام
والظهور . إلى أن تتناهى بهم الغايات . هو الذي اشتدت نقمته .
على أعدائه في سعة رحمته . واتسعت رحمته لاوليائه في شدة نقمته
قاهر من عازه ( 4 ) ومدمر من شاقه ومذل من ناواه وغالب من عاداه .
ومن توكل عليه كفاه . ومن سأله أعطاه ومن أقرضه قضاه ( 5 ) .
ومن شكره جزاه
عباد الله زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا . وحاسبوها من قبل أن
تحاسبوا . وتنفسوا قبل ضيق الخناق . وانقادوا قبل أنف السياق ( 6 )
* ( هامش ) * = أي بطش وتصرف بقصد وإرادة ( 1 ) مبتدع الخلق منشئه من العدم المحض ووارثه
الباقي بعده ( 2 ) دائبان تثنية دائب وهو المجد المجتهد ، وصفهما بذلك لتعاقبهما على
حال واحدة لا يفتران ولا يسكنان وذلك كما أراد سبحانه ( 3 ) من الضمير بيان لما
تخفي الصدور وذلك أخفى من خائنة الاعين وهي ما يسارق من النظر إلى ما لا يحل
وتلك أخفى مما قبلها . من الارحام والظهور أي فيها ، أو تكون من للتبعيض أي
الجزء الذي كانوا فيه من أرحام الامهات وظهور الآباء ( 4 ) عازه رام مشاركته في
شئ من عزته . وشاقه نازعه . وناواه خالفه ( 5 ) جعل تقديم العمل الصالح بمنزلة القرض
والثواب عليه بمنزلة قضاء الدين إظهارا لتحقق الجزاء على العمل قال تعالى " من
ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة " ( 6 ) العنف ضد الرفق أي ( * ) =
ـ160ـ
واعلموا أنه من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ وزاجر
لم يكن له من غيرها زاجر ولا واعظ ( 1 )
91 - ومن خطبة له عليه السلام
تعرف بخطبة الاشباح وهي من جلائل خطبه عليه السلام
وكان سأله سائل أن يصف الله حتى كأنه يراه عيانا
فغضب عليه السلام لذلك
الحمد لله الذي لا يفره المنع والجمود ( 2 ) ولا يكديه الاعطاء
والجود . إذ كل معط منتقص سواه . وكل مانع مذموم ما خلاه .
وهو المنان بفوائد النعم . وعوائد المزيد والقسم . عياله الخلق .
ضمن أرزاقهم وقدر أقواتهم . ونهج سبيل الراغبين إليه . والطالبين
ما لديه . وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل . الاول الذي لم
يكن له قبل فيكون شئ قبله . والآخر الذي ليس له بعد
* ( هامش ) * = انقادوا إلى ما يطلب منكم بالحث الرفيق قبل أن تساقوا إليه بالعنف الشديد ( 1 ) من
لم يعن مبني للمجهول أي من لم يساعده الله على نفسه حتى يكون لها من وجدانها
منبه لم ينفعه تنبيه غيره ، ويجوز أن يكون للفاعل أي من لم يعن الزواجر على نفسه
بالتذكير والاعتبار لم تؤثر فيه ( 2 ) لا يفره لا يزيد ما عنده من البخل والجمود وهو ( * ) =
ـ161ـ
فيكون شئ بعده . والرادع أناسي الابصار عن أن تناله أو
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 161 سطر 1 الى ص 170 سطر 19
فيكون شئ بعده . والرادع أناسي الابصار عن أن تناله أو
تدركه ( 1 ) . ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال . ولا كان في
مكان فيجوز عليه الانتقال ولو وهب ما تنفست عنه معادن الجبال ( 2 )
وضحكت عنه أصداف البحار من فلز اللجين والعقيان ( 3 ) ونثارة
الدر وحصيد المرجان ما أثر ذلك في جوده . ولا أنفد سعة ما عنده
ولكان عنده من ذخائر الانعام ما لا تنفده مطالب الانام ( 4 ) لانه
الجواد الذي لا يغيضه سؤال السائلين ولا يبخله إلحاح الملحين ( 5 )
فانظر أيها السائل فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به ( 6 ) .
* ( هامش ) * = أشد البخل ، ولا يكديه أي لا يفقره ( 1 ) أناسى جمع إنسان ، وإنسان البصر هو
ما يرى وسط الحدقة ممتازا عنها في لونها ( 2 ) أبدع الامام في تسمية انفلاق المعادن
عن الجواهر تنفسا فإن أغلب ما يكون من ذلك بل كله عن تحرك المواد الملتهبة في
جوف الارض إلى الخارج وهى في تبخرها أشبه بالنفس ، كما أبدع في تسمية انفتاح
الصدف عن الدر ضحكا ( 3 ) الفلز بكسر الفاء واللام الجوهر النفيس ، واللجين
الفضة الخالصة ، والعقيان ذهب ينمو في معدنه ، ونثارة الدر بالضم منثوره ، وفعالة
بالضم فاش للجيد المختار كالخلاصة ، وللساقط المتروك كالقلامة ، وحصيد المرجان
محصوده يشير إلى أن المرجان نبات وقد حققته كاشفات الفنون جديدها وقديمها
( 4 ) أنفده بمعنى أفناه ، ونفد كفرح أي فنى ( 5 ) يغيض بفتح حرف المضارعة من
غاض المتعدى : يقال غاض الماء لازما وغاضه الله متعديا ، ويقال أغاضه أيضا وكلاهما
بمعنى أنقصه وأذهب ما عنده . ويبخله بالتخفيف من أبخلت فلانا وجدته بخيلا ، أما بخله
بالتشديد فمعناه رماه بالبخل ( 6 ) ائتم به أي اتبعه فصفه كما وصفه اقتداء به ( * )
ـ162ـ
واستضئ بنور هدايته . وما كلفك الشيطان علمه مما ليس في
الكتاب عليك فرضه ولا في سنة النبي صلى الله عليه وآله وأئمة
الهدى أثره فكل علمه إلى الله سبحانه . فإن ذلك منتهى حق الله
عليك . واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام
السدد المضروبة دون الغيوب الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من
الغيب المحجوب ( 1 ) ، فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول مالم يحيطوا
به علما . وسمي تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه
رسوخا . فاقتصر على ذلك ولا تقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك
فتكون من الهالكين . هو القادر الذي إذا ارتمت الاوهام لتدرك
منقطع قدرته ( 2 ) وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس
أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته ( 3 ) وتولهت القلوب إليه ( 4 )
لتجري في كيفية صفاته ( 5 ) وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه
الصفات لتناول علم ذاته ( 6 ) ردعها وهي تجوب مهاوي سدف
* ( هامش ) * ( 1 ) السدد جمع سدة باب الدار ، والاقرار فاعل أغناهم ( 2 ) ارتمت الاوهام ذهبت أمام الافكار
كالطليعة لها . ومنقطع الشئ ما إليه ينتهى ( 3 ) المبرأ الخ أما الملابس لهذه الخطرات
فمعلوم أنه لا يصل إلى شئ لوقوفه عند وساوسه ( 4 ) تولهت القلوب إليه اشتد عشقها
وميلها لمعرفة كنهه ( 5 ) لتجري الخ لتجول ببصائرها في تحقيق كيف قامت صفاته
بذاته أو كيف اتصف سبحانه بها ( 6 ) وغمضت الخ أي خفيت طرق الفكر ودقت ( * ) =
ـ163ـ
الغيوب متخلصة إليه سبحانه فرجعت إذ جبهت ( 1 ) معترفة بأنه
لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ( 2 ) ولا تخطر ببال أولي الرويات
خاطرة من تقدير جلال عزته ( 3 ) الذي ابتدع الخلق على غير مثال
امتثله ( 4 ) ولا مقدار احتذى عليه من خالق معهود كان قبله . وأرانا
من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف
الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قدرته ما دلنا باضطرار قيام الحجة
له على معرفته ( 5 ) وظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته وأعلام
* ( هامش ) = وبلغت في الخفاء والدقة إلى حد لا يبلغه الوصف * ( 1 ) ردعها الخ جواب للشرط في
قوله إذا ارتمت الخ . وردعها كفها وردها ، والمهاوي المهالك ، والسدف بضم ففتح
جمع سدفة وهي القطعة من الليل المظلم ، وجبهت من جبهه إذا ضرب جبهته والمراد
ردت بالخيبة ( 2 ) الجور العدول عن الطريق ، والاعتساف سلوك على غير جادة وسلوك
العقول في أي طريق طلبا لاكتناه ذاته وللوقوف على ما لم تكلف الوقوف عليه من
كيفية صفاته يعد جورا وعدولا عن الجادة ، فإن العقول الحادثة ليس في طبيعتها
ما يؤهلها للاحاطة بالحقائق الازلية ، اللهم إلا مادلت عليه الآثار وذلك هو الوصف الذي
جاء في الكتاب والسنة ، وكنه معرفته نائب فاعل ينال ( 3 ) الرويات جمع روية
الفكر ( 4 ) ابتدع الخلق أوجده من العدم المحض على غير مثال سابق امتثله أي
حاذاه ، ولا مقدار سابق احتذى عليه أي قاس وطبق عليه ، وكان ذلك المثال أو المقدار
من خالق معروف سبقه بالخلقة أي لم يقتد بخالق آخر في شئ من الخلقة إذ لا خالق
سواه ( 5 ) المساك كسحاب - ويكسر - ما به يمسك الشئ كالملاك ما به يملك " إن الله
يمسك السموات والارض أن تزولا " وقد جعل الحاجة الظاهرة من المخلوقات إلى
إقامة وجودها بما يمسكها من قوته بمنزلة الناطق بذلك المعترف به ، وقوله باضطرار ( * ) =
ـ164ـ
حكمته . فصار كل ما خلق حجة له ودليلا عليه ، وإن كان خلقا
صامتا فحجته بالتدبير ناطقة . ودلالته على المبدع قائمة . وأشهد
أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك . وتلاحم حقاق مفاصلهم ( 1 )
المحتجبة لتدبير حكمتك . لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ( 2 ) .
ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ند لك وكأنه لم يسمع تبرأ التابعين
من المتبوعين إذ يقولون " تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم
برب العالمين " كذب العادلون بك ( 3 ) إذ شبهوك بأصنامهم ونحلوك
حلية المخلوقين بأوهامهم ( 4 ) . وجزءوك تجزئة المجسمات بخواطرهم
وقدروك على الخلقة المختلفة القوى ( 5 ) بقرائح عقولهم . وأشهد
* ( هامش ) * = متعلق بدلنا ، وعلى معرفته متعلق به أيضا ، أي دلنا على معرفته بسبب أن قيام الحجة
اضطرنا لذلك . وما دلنا مفعول لارانا . وظهرت في البدائع الخ معطوف على أرانا ( 1 ) الحقاق جمع حق بضم الحاء رأس العظم عند المفصل ، واحتجاب المفاصل استتارها
باللحم والجلد وذلك الاستتار مما له دخل في تقوية المفاصل على تأدية وظائفها التي هي
الغاية من وضعها في تدبير حكمة الله في خلقة الابدان ، والمراد من شبهه بالانسان ونحوه
( 2 ) غيب الضمير باطنه ، والمراد منه هنا العلم واليقين ، أي لم يحكم بيقينه في معرفتك بما
أنت أهل له ( 3 ) العادلون بك الذين عدلوا بك غيرك أي سووه بك وشبهوك به
( 4 ) نحلوك أعطوك ، وحلية المخلوقين صفاتهم الخاصة بهم من الجسمانية وما يتبعها ،
أي وصفوك بصفات المخلوقين ، وذلك انما يكون من الوهم الذي لا يصل إلى غير
الاجسام ولواحقها دون العقل الذي يحكم فيما وراء ذلك ( 5 ) قدروك قاسوك ( * )
ـ165ـ
أن من ساواك بشئ من خلقك فقد عدل بك . والعادل بك كافر
بما تنزلت به محكمات آياتك . ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك .
وأنك أنت الله الذي لم تتناه في العقول فتكون في مهب فكرها
مكيفا ( 1 ) ولا في رويات خواطرها فتكون محدودا مصرفا ( 2 ) .
( ومنها ) قدر ما خلق فأحكم تقديره . ودبره فألطف تدبيره
ووجهه لوجهته فلم يتعد حدود منزلته . ولم يقصر دون الانتهاء
إلى غايته ولم يستصعب إذ أمر بالمضي على إرادته ( 3 ) . وكيف وإنما
صدرت الامور عن مشيئته . المنشئ أصناف الاشياء بلا روية فكر
آل إليها ولا قريحة غريزة أضمر عليها ( 4 ) ولا تجربة أفادها من حوادث
الدهور ( 5 ) ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الامور فتم خلقه
وأذعن لطاعته . وأجاب إلى دعوته ولم يعترض دونه ريث المبطئ ( 6 )
* ( هامش ) * ( 1 ) أي لم تكن متناهيا محدود الاطراف حتى تحيط بك العقول فتكيفك بكيفية مخصوصة
( 2 ) مصرفا أي تصرفك العقول بأفهامها في حدودك ( 3 ) استصعب المركوب لم ينقد في السير
لراكبه . وكل مخلوق خلقه الله لامر أراده بلغ الغاية مما أراد الله منه ولم يقصر دون
ذلك منقادا غير مسستصعب ( 4 ) غريزة : طبيعة ومزاج ، أي ليس له مزاج كما للمخلوقات
الحساسة فينبعث عنه إلى الفعل ، بل هو انفعال بماله بمقتضى ذاته لا بأمر عارض
( 5 ) أفادها استفادها ( 6 ) لم يعترض دونه أي دون الخلق واجابة دعوة الله . والريث
التثاقل عن الامر أي أجاب الخلق دعوة الخالق فيما وجهت إليه فطرته بدون مهل ( * )
ـ166ـ
ولا أناة المتلكئ ( 1 ) فأقام من الاشياء أودها ( 2 ) . ونهج حدودها ( 3 )
ولاءم بقدرته بين متضادها . ووصل أسباب قرائنها ( 4 ) . وفرقها أجناسا
مختلفات في الحدود والاقدار والغرائز والهيئات ( 5 ) . بدايا خلائق
أحكم صنعها ( 6 ) وفطرها على ما أراد وابتدعها ( منها في صفة السماء )
ونظم بلا تعليق رهوات فرجها ( 7 ) . ولاحم صدوع انفراجها ( 8 )
ووشج بينها وبين أزواجها ( 9 ) . وذلل للهابطين بأمره والصاعدين
بأعمال خلقه حزونة معراجها ( 10 ) . ناداها بعد إذ هي دخان . فالتحمت
* ( هامش ) * ( 1 ) الاناة تؤدة تمازجها روية في اختيار العمل وتركه ، والملتكئ المتعلل ، يقول أجاب
الخلق ربه طائعا مقهورا بلا تلكؤ ( 2 ) أودها إعوجاجها ( 3 ) نهج عين ورسم
( 4 ) قرائنها جمع قرينة وهي النفس ، أي وصل حبال النفوس وهي من عالم النور
بالابدان وهي من عالم الظلمة ( 5 ) الغرائز الطبائع ( 6 ) بدايا جمع بدئ أي مصنوع
( 7 ) رهوات جمع رهوة أي المكان المرتفع ويقال للمنخفض أيضا ، والفرج جمع
فرجة . يقول قد فرج الله ما بين جرم وآخر من الاجرام السماوية ونظمها على ذلك
بدون تعليق أحدها بالآخر وربطه به بآلة حسية ( 8 ) لاحم الخ ما كان في الجرم
الواحد منها من صدع لحمه سبحانه وأصلحه فسواه ، وذلك كما كان في بدء خلقة الارض
وانفصالها عن الاجرام السماوية وانفراج الاجرام عنها ، فما تصدع بذلك أصلحه الله
" أو لم ير الذين كفروا أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما " ( 9 ) من وشج
محمله إذا شبكه بالاربطة حتى لا يسقط منه شئ ، أي أنه سبحانه شبك بين كل سماء
وأجرامها وبين أزواجها أي أمثالها وقرنائها من الاجرام الاخرى في الطبقات العليا
والسفلى عنها بروابط الماسكة المعنوية العامة ، وهي من أعظم المظاهر لقدرته ( 10 ) الهابطين
والصاعدين الارواح العلوية والسفلية . والحزونة الصعوبة . وقوله ناداها الخ
رجوع إلى بيان بعض ما كانت عليه قبل النظم . يقول كانت السماوات هباء مائرا ( * ) =
ـ167ـ
عرى أشراجها . وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها ( 1 ) . وأقام رصدا
من الشهب الثواقب على نقابها ( 2 ) وأمسكها من أن تمور في خراق
الهواء بأيده ( 3 ) . وأمرها أن تقف مستسلمة لامره . وجعل شمسها
آية مبصرة لنهارها ( 4 ) وقمرها آية ممحوة من ليلها ( 5 ) فأجراهما في
مناقل مجراهما . وقدر سيرهما في مدارج درجهما . ليميز بين الليل
والنهار بهما . وليعلم عدد السنين والحساب بمقاديرهما . ثم علق في
* ( هامش ) * = أشبه بالدخان منظرا وبالبخار مادة فتجلى من الله فيها سر التكوين فالتحمت عرى
أشراجها ، والاشراج جمع شرج بالتحريك هو العروة وهي مقبض الكوز والدلو
وغيرهما . وأشار بإضافة العرى للاشراج إلى أن كل جزء من مادتها عروة للآخر يجذبه
إليه ليتماسك به ، فكل ماسك وممسوك ، وكل عروة وله عروة ( 1 ) بعد أن كانت
جسما واحدا فتق الله رتقه ، وفصلها إلى أجرام بينها فرج وأبواب ، وأفرغ ما بينها
بعد ما كانت صوامت أي لا فراغ فيها ( 2 ) النقاب جمع نقب وهو الخرق . والشهب
الثواقب أي الشديدة الضياء . والرصد القوم يرصدون كالحرس ، وكون الرصد من
الشهب في أصل تكوين الخلقة كما قال الامام دليل على ما أثبته العلم من أن الشهب
مقذيان لبعض أجرام الكواكب ( * ) ما نظمه لها من التفاتق فما نقب وخرق من جرم
عوض بالشهاب ، وذلك أمر آخر غير ما جاء في الكتاب العزيز فما جاء في الكتاب بمعنى
آخر ( 3 ) وأمسكها عن أن تمور أي تضطرب في الهواء بأيده أي بقوته ، وأمرها أن
تقف أي تلزم مراكزها لا تفارق مداراتها ، لا بمعنى أن تسكن ( 4 ) مبصرة أي جعل
شمس هذه الاجرام السماوية مضيئة يبصر بضوئها مدة النهار كله دائما ( 5 ) ممحوة
يمحى ضؤها في بعض اطراف الليل في أوقات من الشهر ، وفي جميع الليل أياما منه .
ومناقل مجراهما الاوضاع التي ينقلان فيها من مداريهما
( * ) العبارة فيها تحريف في الاصل ، والمعنى أن كلام الامام دليل على ما أثبته العلم الحديث من أن
الشهب جعلت لتسد مايحصل في بعض أجرام الكواكب من خروق ، كما يدل عليه آخر العبارة ( * )
ـ168ـ
جوها فلكها ( 1 ) . وناط بها زينتها من خفيات دراريها ومصابيح كواكبها ( 2 )
ورمى مسترقي السمع بثواقب شهبها وأجراها على إذلال تسخيرها من ثبات
ثابتها ومسير سائرها وهبوطها وصعودها . ونحوسها وسعودها ( 3 ) ( منها في
صفة الملائكة عليهم السلام ) ثم خلق سبحانه لاسكان سماواته .
وعمارة الصفيح الاعلى ( 4 ) من ملكوته خلقا بديعا من ملائكته
ملا بهم فروج فجاجها . وحشى بهم فتوق أجوائها ( 5 ) . وبين فجوات
تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حظائر القدس وسترات الحجب
وسرادقات المجد ( 6 ) . ووراء ذلك الرجيج الذي تستك منه الاسماع
سبحات نور تردع الابصار عن بلوغها ( 7 ) . فتقف خاسئة على حدودها ( 8 ) .
أنشأهم على صور مختلفات وأقدار متفاوتات . أولي أجنحة تسبح جلال
* ( هامش ) * ( 1 ) فلكها هو الجسم الذي ارتكزت فيه وأحاط بها وفيه مدارها . وناط بها أى علق بها وأحاطها .
ودراريها كواكبها وأقمارها . والاذلال جمع ذل بالكسر وهو محجة الطريق أي على الطرق
التي سخرها فيها ( 2 ) نجومها الصغار ( 3 ) نحوسها وسعودها من أقفار بعضها في علله
وريع بعضها على كونه ( * ) ( 4 ) الصفيح السماء ( 5 ) الاجواء جمع جو ( 6 ) الزجل رفع
الصوت . والحظائر جمع حظيرة موضع يحاط عليه لتأوى إليه الغنم والابل توقيا من
البرد والريح ، وهو مجاز هنا عن المقامات المقدسة للارواح الطاهرة . والسترات جمع
سترة ما يستتر به . والسرادقات جمع سرادق وهو ما يمد على صحن البيت فيغطيه
( 7 ) الرجيج الزلزلة والاضطراب . وتستك منه أي تصم منه الآذان لشدته . وسبحات نور أي
طبقات نور وأصل السبحات الانوار نفسها ( 8 ) خاسئة مدفوعة مطرودة عن الترامي إليها
( * ) هذه العبارة طبق الاصل ، وهي غير واضحة . وفي شرح ابن أبي الحديد ما يفيد أن النجوم تدل
بنحسها وسعدها على أمور عامة مما لاتخص أحدا بعينه كأن تدل على قحط عام أو مرض عام أو نحو ذلك ( * )
ـ169ـ
عزته لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعته . ولا يدعون أنهم
يخلقون شيئا مما انفرد به . بل عباد مكرمون " لا يسبقونه بالقول
وهم بأمره يعملون " جعلهم فيما هنالك أهل الامانة على وحيه . وحملهم
إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه . وعصمهم من ريب الشبهات فما
منهم زائغ عن سبيل مرضاته . وأمدهم بفوائد المعونة . وأشعر
قلوبهم تواضع إخبات السكينة ( 1 ) وفتح لهم أبوابا ذللا ( 2 ) إلى
تماجيده . ونصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده ( 3 ) . لم تثقلهم
موصرات الآثام ( 4 ) . ولم ترتحلهم عقب الليالي والايام ( 5 ) . ولم ترم
الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم ( 6 ) . ولم تعترك الظنون على معاقد
يقينهم ( 7 ) ولا قدحت قادحة الاحن فيما بينهم ( 8 ) . ولا سلبتهم
* ( هامش ) * ( 1 ) الاخبات الخضوع والخشوع ( 2 ) جمع ذلول خلاف الصعب ( 3 ) قال بعض أهل
اللغة إن منارة تجمع على منار وإن لم يذكره صاحب القاموس . وأرى أن منارا ههنا
جمع منارة بمعنى المسرجة وهي ما يوضع فيه المصباح . والاعلام ما يقام للاهتداء على
أفواه الطرق ومرتفعات الارض والكلام تمثيل لما أنار به مداركهم حتى انكشف لهم
سر توحيده ( 4 ) مثقلاتها ( 5 ) ارتحله وضع عليه الرحل ليركبه . والعقب جمع عقبة هي
النوبة . والليل والنهار ـ عقيبان ـ لتعاقبهما ، أي لم يتسلط عليهم تعاقب الليل والنهار فيفنيهم
أو يغيرهم ( 6 ) النوازع جمع نازعة وهي النجم أو القوس ، وعلى الاول المراد منها الشهب
وعلى الثاني تكون الباء في بنوازعها بمعنى من ( 7 ) جمع معقد محل العقد بمعنى
الاعتقاد ( 8 ) الاحن جمع إحنة حي الحقد والضغينة ( * )
ـ170ـ
الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم ( 1 ) . وما سكن من عظمته
وهيبة جلالته في أثناء صدورهم . ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع
برينها على فكرهم ( 2 ) منهم من هو في خلق الغمام الدلح ( 3 ) وفي
عظم الجبال الشمخ وفي فترة الظلام الابهم ( 4 ) ومنهم من خرقت
أقدامهم تخوم الارض السفلى . فهي كرايات بيض قد نفذت في
مخارق الهواء ( 5 ) . وتحتها ريح هفافة تحبسها على حيث انتهت من
الحدود المتناهية . قد استفرغتهم أشغال عبادته ( 6 ) ووصلت حقائق
الايمان بينهم وبين معرفته . وقطعهم الايقان به إلى الوله إليه ( 7 )
ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره . قد ذاقوا حلاوة معرفته
وشربوا بالكأس الروية من محبته ( 8 ) وتمكنت من سويداء
قلوبهم ( 9 ) وشيجة خيفته ( 10 ) فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم .
* ( هامش ) * ( 1 ) لاق لصق ( 2 ) تقترع من الاقتراع بمعنى ضرب القرعة . والرين بفتح الراء الدنس وما يطبع
على القلب من حجب الجهالة ( 3 ) جمع دالح وهو الثقيل بالماء من السحاب ( 4 ) القترة هنا الخفاء
والبطون . ومنها قالوا أخذه على فترة أي من حيث لا يدري . والابهم بباء موحدة بعد الهمزة
أصله من لا يعقل ولا يفهم ، وصف به الليل وصفا للشئ بما ينشأ عنه ، فإن الظلام الحالك يوقع
في الحيرة ويأخذ بالفهم عن رشاده ( 5 ) مواضع ما خرقت أقدامهم ( 6 ) جعلتهم فارغين
من الاشتغال بغيرها ( 7 ) شدة الشوق إليه ( 8 ) الروية التي تروى وتطفئ العطش ( 9 ) محل
الروح الحيواني من مضغة القلب ( 10 ) الوشيجة أصلها عروق الشجرة أراد منها ( * ) =
ـ171ـ
ولم ينفد طول الرغبة إليه مادة تضرعهم ( 1 ) ولا أطلق عنهم عظيم
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 171 سطر 1 الى ص 180 سطر 19
ولم ينفد طول الرغبة إليه مادة تضرعهم ( 1 ) ولا أطلق عنهم عظيم
الزلفة ربق خشوعهم ( 2 ) ولم يتولهم الاعجاب فيستكثروا ما سلف
منهم . ولا تركت لهم استكانة الاجلال ( 3 ) نصيبا في تعظيم
حسناتهم . ولم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم ولم تغض رغباتهم ( 4 )
فيخالفوا عن رجاء ربهم ولم تجف لطول المناجاة أسلات ألسنتهم ( 5 )
ولا ملكتهم الاشغال فتنقطع بهمس الجؤار إليه أصواتهم ( 6 ) ولم
تختلف في مقاوم الطاعة مناكبهم ( 7 ) . ولم يثنوا إلى راحة التقصير
في أمره رقابهم . ولا تعدو ( 8 ) على عزيمة جدهم بلادة الغفلات ولا
تنتضل في هممهم خدائع الشهوات ( 9 ) . قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة
ليوم فاقتهم ( 10 ) . ويمموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم ( 11 )
* ( هامش ) * = هنا بواعث الخوف من الله ( 1 ) أي أن شدة رجائهم لم تفن مادة خوفهم وتذللهم
( 2 ) جمع ربقة بالكسر والفتح وهي العروة من عرى الربق بكسر الراء وهو حبل فيه عدة
عرى تربط فيه البهم ( 3 ) الاستكانة ميل للسكون من شدة الخوف ثم استعملت في
الخضوع ( 4 ) دأب في العمل بالغ في مداومته حتى أجهده ( 5 ) لم تنقص . وأسلة اللسان
طرفه أي لم تيبس أطراف ألسنتهم فتقف عن ذكره ( 6 ) الهمس الخفي من الصوت .
والجؤار رفع الصوت بالتضرع أي لم يكن لهم عن الله شاغل يضطرهم للهمس والاخفاء
وخفض جؤارهم بالدعاء إليه ( 7 ) المقاوم جمع مقام ، والمراد الصفوف ( 8 ) لا تسطو ( 9 ) انتتضلت
الابل رمت بأيديها في السير بسرعة . وخذائع الشهوات للنفس ـ بما تزينه لها . ـ أي لم تسلك
خدائع الشهوات طريقا في هممهم ( 10 ) حاجتهم ( 11 ) يمموه قصدوه بالرغبة والرجاء عند ما ( * ) =
ـ172ـ
لا يقطعون أمد غاية عبادته . ولايرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته ( 1 )
إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته ( 2 ) . لم تنقطع
أسباب الشفقة منهم ( 3 ) فينوا في جدهم ( 4 ) ولم تأسرهم الاطماع
فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم ( 5 ) . ولم يستعظموا ما مضى من
أعمالهم . ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم ( 6 ) .
ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم . ولم يفرقهم سوء
التقاطع . ولا تولاهم غل التحاسد . ولا شعبتهم مصارف الريب ( 7 )
ولا اقتسمتهم أخياف الهمم ( 8 ) . فهم أسراء إيمان . لم يفكهم من
ربقته زيغ ولا عدول ولا ونى ولا فتور ( 9 ) . وليس في أطباق السماوات
* ( هامش ) * = انقطعت الخلق سواهم إلى المخلوقين ( 1 ) الاستهتار التولع ( 2 ) مواد جمع مادة : أصلها
من مد البحر إذا زاد ، وكل ما أعنت به غيرك فهو مادة ، ويريد بها البواعث المعينة على
الاعمال ، أى كلما تولعوا بطاعته زادت بهم البواعث عليها من الرغبة والرهبة ( 3 ) الشفقة
الخوف ( 4 ) ونى ينى تأنى ( 5 ) وشيك السعى مقاربه وهينه ، أي أنه لا طمع لهم
في غيره فيختاروا هين السعى على الاجتهاد الكامل ( 6 ) الشفقات تارات الخوف
وأطواره ، وهو فاعل نسخ والرجاء مفعول . والوجل الخوف أيضا ( 7 ) شعبتهم فرقتهم
صروف الريب جمع ريبة وهي ما لا تكون النفس على ثقة من موافقته للحق
( 8 ) جمع خيف بالفتح هو في الاصل ما انحدر عن سفح الجبل ، والمراد هنا سواقط الهمم ،
فإن التفرق والاختلاف كثيرا ما يكون من انحطاط الهمة بل أعظم ما يكون منه ينشأ
عن ذلك . وقد يكون الخيف بمعنى الناحة أي متطرفات الهمم ( 9 ) ونى مصدر ونى ( * ) =
ـ173ـ
موضع إهاب ( 1 ) إلا وعليه ملك ساجد . أو ساع حافد ( 2 ) . يزدادون
على طول الطاعة بربهم علما . وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما .
( ومنها ) في صفة الارض ودحوها على الماء ( 3 ) . كبس الارض ( 4 ) على
مور أمواج مستفحلة . ولجج بحار زاخرة ( 5 ) . تلتطم أواذي أمواجها ( 6 )
وتصطفق متقاذفات أثباجها ( 7 ) وترغو زبدا كالفحول عند هياجها .
فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها . وسكن هيج ارتمائه إذ
وطئته بكلكلها ( 8 ) . وذل مستخذيا ( 9 ) إذ تمعكت عليه بكواهلها ( 10 )
فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ( 11 ) ساجيا مقهورا ( 12 ) . وفي حكمة الذل
منقادا أسيرا ( 13 ) . وسكنت الارض مدحوة في لجة تياره . وردت
من نخوة بأوه واعتلائه ( 14 ) وشموخ أنفه وسمو
* ( هامش ) * = كتعب أي تأنى ( 1 ) جلد حيوان ( 2 ) خفيف سريع ( 3 ) دحوها بسطها ( 4 ) كبس
النهر والبئر أي طمهما بالتراب وعلى هذا كان حق التعبير كبس بها مور أمواج لكنه
أقام الآلة مقام المفعول لانها المقصود بالعمل . والمور التحرك الشديد . والمستفحلة الهائجة
يصعب التغلب عليها ( 5 ) ممتلئة ( 6 ) جمع آذى أعلى الموج ( 7 ) اصطفقت الاشجار
اهتزت بالريح . والاثباج جمع ثبج بالتحريك هو في الاصل ما بين الكاهل والظهر أو
صدر القطاة استعاره لاعالي الموج والمتقاذفات التي يقذف بعضها بعضا ( 8 ) هو في الاصل الصدر
استعاره لما لاقى الماء من الارض ( 9 ) منكسرا مسترخيا ( 10 ) من تمعكت الدابة أي تمرغت
في التراب ( 11 ) اصطخاب افتعال من الصخب بمعنى ارتفاع الصوت ( 12 ) ساجيا ساكنا
( 13 ) الحكمة محركة ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه وفيها العذاران ( 14 ) البأ والكبر والزهو ( * )
ـ174ـ
غلوائه ( 1 ) وكعمته ( 2 ) على كظة جريته ( 3 ) فهمد بعد نزقانه ( 4 ) . ولبد
بعد زيفان وثباته ( 5 ) . فلما سكن هياج الماء من تحت أكنافها ( 6 )
وحمل شواهق الجبال الشمخ البذخ على أكتافها ( 7 ) فجر ينابيع العيون
من عرانين أنوفها ( 8 ) . وفرقها في سهوب بيدها وأخاديدها ( 9 ) وعدل
حركاتها بالراسيات من جلاميدها ( 10 ) وذوات الشناخيب الشم ( 11 ) .
من صياخيدها ( 12 ) . فسكنت من الميدان ( 13 ) لرسوب الجبال في قطع
أديمها ( 14 ) ، وتغلغلها متسربة في جوبات خياشيمها ( 15 ) ، وركوبها أعناق
* ( هامش ) * ( 1 ) بضم الغين وفتح اللام النشاط وتجاوز الحد ( 2 ) كعم البعير كمنع شد فاه لئلا يعض أو
يأكل ، وما يشد به كعام ككتاب ( 3 ) الكظة بالكسر ما يعرض من امتلاء البطن
بالطعام ، ويراد بها هنا ما يشاهد في جري الماء من ثقل الاندفاع ( 4 ) النزق والنزقان
الطيش ( 5 ) الزيفان التبختر في المشية . ولبد كفرح ونصر . أي قام وثبت
( 6 ) نواحيها ( 7 ) البذخ بمعنى الشمخ جمع شامخ وباذخ أي عال ورفيع . غير أني أجد من
لفظ الباذخ معنى أخص وهو الضخامة مع الارتفاع . وحمل عطف على أكناف
( 8 ) عرانين جمع عرنين بالكسر ما صلب من عظم الانف والمراد أعالي الجبال ، غير أن
الاستعارة من ألطف أنواعها في هذا المقام ( 9 ) السهوب جمع سهب بالفتح أي الفلاة .
والبيد جمع بيداء . والاخاديد جمع أخدود الحفر المستطيلة في الارض . والمراد منها
مجاري الانهار ( 10 ) الضمير للارض كما يظهر من بقية الكلام . والجلاميد جمع جلمود
الحجر القاسي ( 11 ) الشناخيب جمع شنخوب وهو رأس الجبل . والشم الرفيعة
( 12 ) جمع صيخود وهو الصخرة الشديدة ( 13 ) بالتحريك الاضطراب ( 14 ) سطحها
( 15 ) التغلغل المبالغة في الدخول ومتسربة أي داخلة . والجوبات جمع جوبة بمعنى الحفرة .
والخياشيم جمع خيشوم هو منفذ الانف إلى الرأس أو مارق من العضاريف الكائنة ( * ) =
ـ175ـ
سهول الارضين وجراثيمها ( 1 ) وفسح بين الجو وبينها . وأعد الهواء
متنسما لساكنها . وأخرج إليها أهلها على تمام مرافقها ( 2 ) ثم لم يدع
جرز الارض ( 3 ) التي تقصر مياه العيون عن روابيها ( 4 ) ولا تجد
جداول الانهار ذريعة إلى بلوغها ( 5 ) حتى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيي
مواتها ( 6 ) وتستخرج نباتها . ألف غمامها بعد افتراق لمعه ( 7 ) وتباين
قزعه ( 8 ) ، حتى إذا تمخضت لجة المزن فيه ( 9 ) . والتمع برقه في كففه ( 10 )
ولم ينم وميضه في كنهور ربابه ( 11 ) ومتراكم سحابه أرسله سحا
* ( هامش ) * = فوق قصبة الانف متصلة بالرأس ، وضمير تغلغلها للجبال . وخياشيمها للارض والمجاز
ظاهر ( 1 ) ركوب الجبال أعناق السهول استعلاؤها عليها . وأعناقها سطوحها
وجراثيمها ما سفل عن السطوح من الطبقات الترابية ، واستعلاء الجبال عليها ظاهر
( 2 ) مرافق البيت ما يستعان به فيه وما يحتاج إليه في النعيش خصوصا ما يكون
من الاماكن ، أو هو ما يتم به الانتفاع بالسكنى كمصاب المياه والطرق الموصلة إليه
والاماكن التي لا بد منها للساكنين فيه لقضاء حاجاتهم وما يشبه ذلك ( 3 ) الارض
الجرز بضمتين التي تمر عليها مياه العيون فتنبت ( 4 ) مرتفعاتها ( 5 ) ذريعة وسيلة
( 6 ) الموات من الارض ما لا يزرع ( 7 ) جمع لمعة بضم اللام : في الاصل القطعة من
النبات مالت لليبس استعارها لقطع السحاب ، والمشابهة في لونها وذهابها إلى الاضمحلال
لو لا تأليف الله إياها مع غيرها ( 8 ) جمع قزعة محركة وهي القطعة من الغيم ( 9 ) تمخضت
تحركت تحركا شديدا كما يتحرك اللبن في السقاء بالمخض . والضمير في فيه راجع إلى
المزن أي تحركت اللجة التي يحملها المزن فيه . ويصح أن يرجع للغمام في أول العبارة
( 10 ) جمع كفة بضم الكاف وهي الحاشية والطرف لكل شئ أي جوانبه ( 11 ) نامت
النار همدت . والوميض اللمعان . والكنهور كسفرجل القطع العظيمة من السحاب ( * ) =
ـ176ـ
متداركا . قد أسف هيدبه ، تمريه الجنوب درر أهاضيبه ( 2 ) ودفع
شآبيبه ( 3 ) فلما ألقت السحاب برك بوانيها ( 4 ) ، وبعاع ما استقلت به ( 5 )
من العبء المحمول عليها ( 6 ) أخرج به من هوامد الارض النبات ( 7 )
ومن زعر الجبال الاعشاب ( 8 ) ، فهي تبهج بزينة رياضها ( 9 ) وتزدهي ( 10 )
بما ألبسته من ريط ( 11 ) أزاهيرها ( 12 ) وحلية ما سمطت به ( 13 ) من ناضر
* ( هامش ) * = أو المتراكم منه . والرباب كسحاب الابيض المتلاحق منه ، أي لم يمهد لمعان البرق في ركام
هذا الغمام ( 1 ) صبا متلاحقا متواصلا ( 2 ) أسف الطائر دنا من الارض ، والهيدب
كجعفر السحاب المتدلى أو ذيله ، وقوله تمريه من مرى الناقة أى مسح على ضرعها
ليحلب لبنها . والدرر كغلل جمع درة بالكسر اللبن . والاهاضيب جمع هضاب وهو
جمع هضبة كضربة وهي المطرة ، أي دنا السحاب من الارض لثقله بالماء وريح الجنوب
تستدره الماء كما يستدر الحالب لبن الناقة ، فإن الريح تحركه فيصب ما فيه ( 3 ) جمع
شؤبوب ما ينزل من المطر بشدة ( 4 ) البرك بالفتح في الاصل ما يلي الارض من جلد
صدر البعير كالبركة . والبواني هي أضلاع الزور . وشبه السحاب بالناقة إذا بركت
وضربت بعنقها على الارض ولاطمتها بأضلاع زورها . واشتبه ابن أبي الحديد في معنى
المبرك والبواني فأخرج الكلام عن بلاغته ( 5 ) بعاع عطف على برك . والبعاع
بالفتح ثقل السحاب من الماء . وألقى السحاب بعاعه أمطر كل ما فيه ( 6 ) العب ء
الحمل ( 7 ) الهوامد من الارض ما لم يكن بها نبات ( 8 ) زعر جمع زاعر وهو من
المواضع القليل النبات ( 9 ) بهج كمنع سر وأفرح ( 10 ) تعجب ( 11 ) جمع
ريطة بالفتح وهي كل ثوب رقيق لين ( 12 ) جمع زهار الذي هو جمع زهرة بمعنى النبات
( 13 ) سمط من سمط الشئ علق عليه السموط وهي الخيوط تنظم فيها القلادة ( * )
ـ177ـ
أنوارها ( 1 ) وجعل ذلك بلاغا للانام ( 2 ) ورزقا للانعام . وخرق
الفجاج في آفاقها وأقام المنار للسالكين على جواد طرقها . فلما مهد
أرضه وأنفذ أمره اختار آدم عليه السلام خيرة من خلقه . وجعله
أول جبلته ( 3 ) وأسكنه جنته وأرغد فيها أكله ، وأوعز إليه فيما نهاه
عنه . وأعلمه أن في الاقدام عليه التعرض لمعصيته والمخاطرة
بمنزلته . فأقدم على ما نهاه عنه موافاة لسابق علمه ، فأهبطه بعد التوبة
ليعمر أرضه بنسله وليقيم الحجة به على عباده . ولم يخلهم بعد أن قبضه
مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته ، ويصل بينهم وبين معرفته ، بل
تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه ، ومتحملي ودائع
رسالاته ، قرنا فقرنا حتى تمت بنبينا محمد صلى الله عليه وآله حجته ،
وبلغ المقطع عذره ونذره ( 4 ) . وقدر الارزاق فكثرها وقللها . وقسمها
على الضيق والسعة فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها .
وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها . ثم قرن بسعتها
* ( هامش ) * ( 1 ) الانوار جمع نور بفتح النون وهو الزهر بالمعنى المعروف أي حلية القلائد التي
علقت عليها من أزهار نباتها . وفي رواية شمطت بالشين وتخفيف الميم من شمطه
إذا خلط لونه بلون آخر . والشميط من النبات ما كان فيه لون الخضرة مختلطا بلون
الزهر ( 2 ) البلاغ ما يتبلغ به من القوت ( 3 ) خلقته ( 4 ) المقطع النهاية التي ليس وراءها ( * ) =
ـ178ـ
عقابيل فاقتها ( 1 ) ، وبسلامتها طوارق آفاتها ، وبفرج أفراحها ( 2 ) غصص
أتراحها ( 3 ) ، وخلق الآجال فأطالها وقصرها . وقدمها وأخرها . ووصل
بالموت أسبابها ( 4 ) . وجعله خالجا لاشطانها ( 5 ) وقاطعا لمرائر أقرانها ( 6 ) .
عالم السر من ضمائر المضمرين . ونجوى المتخافتين ( 7 ) . وخواطر رجم
الظنون ( 8 ) ، وعقد عزيمات اليقين ( 9 ) . ومسارق إيماض الجفون ( 10 ) . وما
ضمنته أكنان القلوب وغيابات الغيوب ( 11 ) ، وما أصغت لاستراقه
مصائخ الاسماع ( 12 ) ، ومصائف الذر ( 13 ) ومشاتي الهوام ( 14 ) ورجع الحنين
* ( هامش ) * = غاية ( 1 ) العقابيل الشدائد جمع عقبولة بضم العين . والفاقة الفقر ( 2 ) الفرج جمع
فرجة وهي التفصى من الهم ( 3 ) جمع ترح بالتحريك الغم والهلاك ( 4 ) حبالها
( 5 ) خالجا جاذبا لاشطانها جمع شطن كسبب : الحبل الطويل ، شبه به الاعمار الطويلة
( 6 ) المرائر جمع مريرة الحبل يفتل على أكثر من طاق أو الشديد الفتل . والاقران
جمع قرن بالتحريك وهو الحبل يجمع به بعيران ، وذكره لقوته أيضا . وإضافة المرائر
للاقران بعد استعمالها في الشديدة بلا قيد أن تكون حبالا ( 7 ) التخافت المكالمة
سرا ( 8 ) رجم الظنون ما يخطر على القلب أنه وقع أو يصح أن يقع بلا برهان
( 9 ) العقد جمع عقدة ما يرتبط القلب بتصديقه لا يصدق نقيضه ولا يتوهمه . والعزيمات
جمع عزيمة ما يوجب البرهان الشرعي أو العقلي تصديقه والعمل به ( 10 ) جمع مسرق
مكان مسارقة النظر أو زمانها أو البواعث عليها أو فلان يسارق فلانا النظر أي ينتظر
منه غفلة فينظر إليه . والايماض اللمعان وهو أحق أن ينسب إلى العيون لا إلى
الجفون ، ونسبته إلى الجفون لانه ينبعث من بينها ( 11 ) ضمنته حوته . والاكنان جمع كن
كل ما يستتر فيه . وغيابات الغيوب أعماقها ( 12 ) استراق الكلام استماعه خفية . والمصائخ
جمع مصاخ مكان الاصاخة وهو ثقبة الاذن ( 13 ) صغار النمل ، ومصائفها محل إقامتها في
الصيف ، وهو وما بعده عطف على ضمائر المضمرين ( 14 ) مشاتيها محل إقامتها في الشتاء ( * )
ـ179ـ
من المولهات ( 1 ) وهمس الاقدام ( 2 ) . ومنفسح الثمرة من ولائج غلف
الاكمام ( 3 ) ، ومنقمع الوحوش من غيران الجبال وأوديتها ( 4 ) . ومختبإ
البعوض بين سوق الاشجار وألحيتها ( 5 ) ، ومغرز الاوراق من الافنان ( 6 ) ،
ومحط الامشاج من مسارب الاصلاب ( 7 ) ، وناشئة الغيوم ومتلاحمها .
ودرور قطر السحاب في متراكمها . وما تسفي الاعاصير بذيولها ( 8 ) وتعفو
الامطار بسيولها ( 9 ) . وعوم نبات الارض في كثبان الرمال ( 10 ) ، ومستقر
ذوات الاجنحة بذرى شناخيب الجبال ( 11 ) ، وتغريد ذوات المنطق في
دياجير الاوكار ( 12 ) ، وما أوعبته الاصداف ( 13 ) ، وحضنت عليه أمواج
البحار ( 14 )
* ( هامش ) * ( 1 ) الحزينات ، ورجع الحنين ترديده ( 2 ) الهمس أخفى ما يكون من صوت القدم
على الارض ( 3 ) منفسخ الثمرة مكان نموها من الولائج جمع وليجة بمعنى البطانة
الداخلية . والغلف جمع غلاف . والاكمام جمع كم بالكسر وهو غطاء النوار ووعاء
الطلع ( 4 ) منقمع الوحوش موضع انقماعها أي اختفائها . والغيران جمع غار ( 5 ) سوق
جمع ساق أسفل الشجرة تقوم عليه فروعها . والالحية جمع لحاء قشرة الشجرة
( 6 ) الغصون ( 7 ) الامشاج النطف . سميت أمشاجا - جمع مشيج - من مشج إذا
خلط ، لانها مختلطة من جراثيم مختلفة كل منها يصلح لتكوين عضو من أعضاء البدن .
ومسارب الاصلاب ما يتسرب المني فيها عند نزوله أو عند تكونه ( 8 ) سفت الريح
التراب ذرته أو حملته . والاعاصير جمع أعصار ريح تثير السحاب أو تقوم على الارض
كالعمود ( 9 ) تعفو تمحو ( 10 ) الكثبان جمع كثيب : التل ( 11 ) الذرى جمع ذروة
أعلى الشئ . والشناخيب رؤوس الجبال ( 12 ) تغريد الطائر رفع صوته بالغناء وهو نطقه .
والدياجير المظلمة ( 13 ) أو عبته جمعته ( 14 ) حضنت عليه ربته فتولد في حضنها كالعنبر ( * ) =
ـ180ـ
وما غشيته سدفة ليل ( 1 ) أو ذر عليه شارق نهار ( 2 ) . وما اعتقبت عليه
أطباق الدياجير ( 3 ) وسبحات النور . وأثر كل خطوة . وحس كل حركة
ورجع كل كلمة . وتحريك كل شفة ، ومستقر كل نسمة ، ومثقال كل
( ذرة ) ، وهماهم كل نفس هامة ( 4 ) . وما عليها من ثمر شجرة ( 5 ) ، أو ساقط
ورقة أو قرارة نطفة ( 6 ) أو نقاعة دم ومضغة ( 7 ) . أو ناشئة خلق وسلالة .
لم تلحقه في ذلك كلفة . ولا اعترضته في حفظ ما ابتدعه من خلقه
عارضة ( 8 ) . ولا اعتورته في تنفيذ الامور وتدابير المخلوقين ملالة
ولا فترة ( 9 ) . بل نفذ فيهم علمه ، وأحصاهم عده ، ووسعهم عدله ، وغمرهم
فضله مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله .
اللهم أنت أهل الوصف الجميل والتعداد الكثير ( 10 ) . إن تؤمل
فخير مؤمل : وإن ترج فأكرم مرجو . اللهم وقد بسطت لي فيما
لا أمدح به غيرك ، ولا أثني به على أحد سواك ، ولا أوجهه إلى معادن
* ( هامش ) * = ونحوه ( 1 ) سدفة ظلمة ( 2 ) ذر طلع ( 3 ) اعتقبت تعاقبت : وتوالت . والاطباق الاغطية .
والدياجير الظلمات . وسبحات النور درجاته وأطواره ( 4 ) هماهم : هموم مجاز من الهمهمة
ترديد الصوت في الصدر من الهم ( 5 ) عليها أي على الارض ( 6 ) قرارتها مقرها
( 7 ) نقاعة عطف على نطفة . ونقاعة الدم ما ينقع منه في أجزاء البدن . والمضغة عطف
على نقاعة أي يعلم مقر جميع ذلك ( 8 ) هي ما يعترض العامل فيمنعه عن عمله
( 9 ) اعتورته تداولته وتناولته ( 10 ) المبالغة في عد كمالاتك إلى ما لا ينتهى ( * )
ـ181ـ
الخيبة ومواضع الريبة ( 1 ) . وعدلت بلساني عن مدائح الآدميين .
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 181 سطر 1 الى ص 190 سطر 19
الخيبة ومواضع الريبة ( 1 ) . وعدلت بلساني عن مدائح الآدميين .
والثناء على المربوبين المخلوقين . اللهم ولكل مثن على من أثنى عليه
مثوبة ( 2 ) من جزاء أو عارفة من عطاء ، وقد رجوتك دليلا على ذخائر
الرحمة وكنوز المغفرة . اللهم وهذا مقام من أفردك بالتوحيد الذي
هو لك ولم ير مستحقا لهذه المحامد والممادح غيرك . وبي فاقة إليك
لا يجبر مسكنتها إلا فضلك ولا ينعش من خلتها إلا منك وجودك ( 3 ) ،
فهب لنا في هذا المقام رضاك ، وأغننا عن مد الايدي إلى سواك إنك
على كل شي ء قدير .
92 - ومن خطبة له عليه السلام
لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان رضي الله عنه
دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان .
لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول ( 4 ) . وإن الآفاق قد أغامت
والمحجة ( 5 ) قد تنكرت . واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم
* ( هامش ) * ( 1 ) هم المخلوفون ( 2 ) ثواب وجزاء ( 3 ) الخلة بالفتح الفقر . والمن الاحسان ( 4 ) لا تصبر
له ولا تطيق احتماله ( 5 ) غطيت بالغيم . والمحجة الطريق المستقيمة . تنكرت أي تغيرت
علائمها فصارت مجهولة ، وذلك أن الاطماع كانت قد تنبهت في كثير من الناس على عهد ( * ) =
ـ182ـ
ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب . وإن تركتموني فأنا كأحدكم
و لعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم . وأنا لكم وزيرا
خير لكم مني أمير
3 9 - ومن خطبة له عليه السلام
أما بعد أيها الناس . فأنا فقأت عين الفتنة ( 1 ) ، ولم تكن ليجرأ
عليها أحد غيري بعد أن ماج غيهبها ( 2 ) واشتد كلبها ( 3 ) . فاسألوني قبل
أن تفقدوني . فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شئ فيما بينكم
وبين الساعة ، ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة إلا أنبأتكم بناعقها ( 4 )
وقائدها وسائقها ، ومناخ ركابها ومحط رحالها ، ومن يقتل من أهلها قتلا ،
* ( هامش ) * = عثمان رضي الله عنه بما نالوا من تفضيلهم بالعطاء فلا يسهل عليهم فيما بعد أن يكونوا
في مساواة مع غيرهم ، فلو تناولهم العدل انفلتوا منه وطلبوا طائشة الفتنة طمعا في
نيل رغباتهم ، وأولئك هم أغلب الرؤساء في القوم ، فان أقرهم الامام على ما كانوا عليه
من الامتياز فقد أتى ظلما وخالف شرعا ، والناقمون على عثمان قائمون على المطالبة
بالنصفة ان لم ينالوها تحرشوا للفتنة ، فأين اتحجه للوصول إلى الحق على أمن من الفتن .
وقد كان بعد بيعته ما تفرس به قبلها ( 1 ) شققتها وقلعتها تمثيل لتغلبه عليها ، وذلك
كان بعد انقضاء أمر النهروان وتغلبه على الخوارج ( 2 ) الغيهب الظلمة . وموجها
شمولها وامتدادها ( 3 ) الكلب محركة : داء معروف يصيب الكلاب ، فكل من عضته
أصيب به فجن ومات ، شبه به اشتداد الفتنة حتى لا تصيب أحدا إلا اهلكته ( 4 ) الداعي ( * ) =
ـ183ـ
ويموت منهم موتا . ولو قد فقدتموني ونزلت بكم كرائه الامور ( 1 )
وحوازب الخطوب ( 2 ) لاطرق كثير من السائلين وفشل كثير من
المسئولين . وذلك إذا قلصت حربكم ( 3 ) وشمرت عن ساق ، وضاقت
الدنيا عليكم ضيقا تستطيلون معه أيام البلاء عليكم حتى يفتح
الله لبقية الابرار منكم . إن الفتن إذا أقبلت شبهت ( 4 ) وإذا أدبرت
نبهت ( 5 ) . ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات . يحمن حول الرياح يصبن
بلدا ويخطئن بلدا . ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني
أمية ، فإنها فتنة عمياء مظلمة عمت خطتها ( 6 ) وخصت بليتها ، وأصاب
البلاء من أبصر فيها ( 7 ) ، وأخطأ البلاء من عمي عنها . وايم الله لتجدن
بنى أمية لكم أرباب سوء بعدي . كالناب الضروس ( 8 ) تعذم بفيها
وتخبط بيدها ، وتزبن برجلها ، وتمنع درها . لا يزالون بكم حتى لا
يتركوا منكم إلا نافعا لهم أو غير ضائر بهم . ولا يزال بلاؤهم حتى
* ( هامش ) * = إليها ، من نعق بغنمه صاح بها لتجتمع ( 1 ) الكرائه جمع كريهة ( 2 ) الحوازب جمع
حازب وهو الامر الشديد ، حزبه الامر إذا اشتد عليه ( 3 ) قلصت بتشديد اللام تمادت
واستمرت . وبتخفيفها وثبت ( 4 ) اشتبه فيها الحق بالباطل ( 5 ) لانها تعرف بعد
انقضائها وتنكشف حقيقتها فتكون عبرة ( 6 ) الخطة بالضم الامر أي شمل أمرها
لانها رئاسة عامة . وخصت بليتها آل البيت لانها اغتصاب لحقهم ( 7 ) من عرف الحق
فيها نزل به بلاء الانتقام من بنى أمية ( 8 ) الناب الناقة المسنة . والضروس السيئة ( * ) =
ـ184ـ
لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربه . والصاحب
من مستصحبه ( 1 ) . ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية ( 2 ) وقطعا جاهلية .
ليس فيها منار هدى ، ولا علم يرى ( 3 ) نحن أهل البيت منها بمنجاة ( 4 )
ولسنا فيها بدعاة . ثم يفرجها الله عنكم كتفريج الاديم ( 5 ) بمن
يسومهم خسفا ( 6 ) ويسوقهم عنفا ، ويسقيهم بكأس مصبرة ( 7 ) لا يعطيهم
إلا السيف . ولا يحلسهم إلا الخوف ( 8 ) . فعند ذلك تود قريش بالدنيا
وما فيها لو يرونني مقاما واحدا ولو قدر جزر جزور ( 9 ) لاقبل منهم
ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني
94 - ومن خطبة له عليه السلام
فتبارك الله الذي لا يبلغه بعد الهمم . ولا يناله حسن الفطن .
الاول الذى لا غاية له فينتهي . ولا آخر له فينقضي ( منها في وصف
* ( هامش ) * = الخلق تعض حالبا . وتعذم من عذم الفرس إذا أكل بجفاء أوعض . وتزبن أي تضرب .
ودرها لبنها . والمراد خيرها ( 1 ) التابع من متبوعه ، أي انتصار الاذلاء وما هو بانتصار
( 2 ) شوهاء قبيحة المنظر . ومخشية مخوفة مرعبة ( 3 ) دليل يهتدى به ( 4 ) بمكان
النجاة من إثمها ( 5 ) كما يسلخ الجلد عن اللحم ( 6 ) يلزمهم ذلا . وقوله بمن متعلق
بيفرجها ( 7 ) مملوءة إلى أصبارها جمع صبر بالضم والكسر بمعنى الحرف أي إلى
رأسها ( 8 ) من أحلس البعير إذا ألبسه الحلس بكسر الحاء وهو كساء يوضع على
ظهره تحت البرذعة ، أي لا يكسوهم إلا خوفا ( 9 ) الجزور الناقة المجزورة ، أو هو البعير ( * ) =
ـ185ـ
الانبياء ) فاستودعهم في أفضل مستودع ، وأقرهم في خير مستقر .
تناسختهم كرائم الاصلاب ( 1 ) إلى مطهرات الارحام . كلما مضى منهم
سلف قام منهم بدين الله خلف . حتى أفضت كرامة الله سبحانه
إلى محمد صلى الله عليه وآله ، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا ( 2 ) وأعز
الارومات مغرسا ( 3 ) . من الشجرة التي صدع منها أنبياءه ( 4 ) وانتخب
منها أمناءه ( 5 ) . عترته خير العتر ( 6 ) ، وأسرته خير الاسر ، وشجرته خير
الشجر . نبتت في حرم وبسقت في كرم ( 7 ) ، لها فروع طوال وثمرة
لا تنال . فهو إمام من اتقى وبصيرة من اهتدى . سراج لمع ضوءه .
وشهاب سطع نوره ، وزند برق لمعه . سيرته القصد ( 8 ) وسنته
الرشد . وكلامه الفصل . وحكمه العدل . أرسله على حين فترة
من الرسل ( 9 ) ، وهفوة عن العمل ( 10 ) ، وغباوة من الامم . اعملوا رحمكم
* ( هامش ) * = مطلقا ، أو الشاة المذبوحة ، أي ولو مدة ذبح البعير أو الشاة ( 1 ) تناسختهم تناقلتهم
( 2 ) كمجلس موضع النبات ينبت فيه ( 3 ) الارومات جمع أرومة الاصل . والمغرس
موضع الغرس ( 4 ) صدع فلانا قصده لكرمه ، أي اختصهم بالنبوة من بين فروعها
وهي شجرة إبراهيم عليه السلام ( 5 ) انتخب اختار ( 6 ) عترته آل بيته . وأسرة الرجل
رهطه الادنون ( 7 ) بسقت ارتفعت ( 8 ) الاستقامة ( 9 ) الفترة الزمان بين الرسولين
( 10 ) هفوة زلة وانحراف من الناس عن العمل بما أمر الله على ألسنة الانبياء السابقين ( * )
ـ186ـ
الله على أعلام بينة . فالطريق نهج ( 1 ) يدعو إلى دار السلام . وأنتم
في دار مستعتب على مهل وفراغ ( 2 ) . والصحف منشورة . والاقلام
جارية . والابدان صحيحة . والالسن مطلقة . والتوبة مسموعة .
والاعمال مقبولة
95 - ومن خطبة له عليه السلام
بعثه والناس ضلال في حيرة . وخابطون في فتنة . قد استهوتهم
الاهواء ، واستزلتهم الكبرياء ( 3 ) ، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء ( 4 ) .
حيارى في زلزال من الامر ، وبلاء من الجهل . فبالغ صلى الله عليه وآله
في النصيحة ، ومضى على الطريقة ، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة
96 - ومن خطبة أخرى
الحمد لله الاول فلا شئ قبله . والآخر فلا شئ بعده . والظاهر
فلا شئ فوقه . والباطن فلا شئ دونه ( منها في ذكر الرسول صلى الله
* ( هامش ) * ( 1 ) واضح قويم . ويدعو إلى دار السلام يوصل إليها ( 2 ) مستعتب بفتح التاءين
طلب العتبى . أي الرضا من الله بالاعمال النافعة ( 3 ) استزلتهم أدت بهم للزلل والسقوط
في المضار ، وتأنيث الفعل على تأويل أن الكبرياء صفة . وفي رواية واستزلهم الكبراء
أي أضلهم كبراؤهم وسادتهم ( 4 ) استخفتهم طيشتهم . والجاهلية حالة العرب قبل نور ( * ) =
ـ187ـ
عليه وآله ) مستقره خير مستقر . ومنبته أشرف منبت . في معادن
الكرامة ، ومماهد السلامة ( 1 ) . قد صرفت نحوه أفئدة الابرار ، وثنيت
إليه أزمة الابصار ( 2 ) . دفن به الضغائن ( 3 ) . وأطفا به الثوائر ( 4 ) . ألف به
إخوانا ، وفرق به أقرانا ( 5 ) . أعز به الذلة ( 6 ) ، وأذل به العزة . كلامه
بيان وصمته لسان
97 - ومن خطبة له عليه السلام
ولئن أمهل الظالم فلن يفوت أخذه ( 7 ) . وهو له بالمرصاد على مجاز
طريقه . وبموضع الشجى من مساغ ريقه ( 8 ) . أما والذي نفسي بيده
ليظهرن هؤلاء القوم عليكم ، ليس لانهم أولى بالحق منكم ، ولكن
لاسراعهم إلى باطل صاحبهم وإبطائكم عن حقي . ولقد أصبحت
* ( هامش ) * = العلم الاسلامي . والجهلاء وصف لها للمبالغة ( 1 ) المماهد جمع ممهد كمقعد ما يمهد أي يبسط
فيه الفراش ونحوه ، أي أنه ولد في أسلم موضع وأنقاه من دنس السفاح ( 2 ) الازمة
كائمة جمع زمام . وانثناء الازمة إليه عبارة عن تحولها نحوه ( 3 ) الاحقاد ، فهو رسول
الالفة ، وأهل دينة المتآلفون المتعاونون على الخير . ومن لم يكن في عروة الالفة منهم
فهو - والله أعلم - خارج عنهم ( 4 ) جمع ثائرة وهي العداوة الواثبة بصاحبها على أخيه
ليضره ان لم يقتله ( 5 ) وفرق به أقران الالفة على الشرك ( 6 ) ذلة الضعفاء من أهل
الفضل المستترين بحجب الخمول ، وأذل به عزة الشرك والظلم والعدوان ( 7 ) لا يذهب
عنه أن يأخذه ( 8 ) الشجى ما يعترض في الحلق من عظم وغيره . ومساغ الريق ممره ( * ) =
ـ188ـ
الامم تخاف ظلم رعاتها . وأصبحت أخاف ظلم رعيتي . استنفرتكم
للجهاد فلم تنفروا . وأسمعتكم فلم تسمعوا ، ودعوتكم سرا وجهرا
فلم تستجيبوا ، ونصحت لكم فلم تقبلوا . أشهود كغياب ( 1 ) وعبيد
كأرباب ؟ أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها . وأعظكم بالموعظة
البالغة فتتفرقون عنها . وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر
القول حتى أراكم متفرقين أيادي سبا ( 2 ) ترجعون إلى مجالسكم
وتتخادعون عن مواعظكم . أقومكم غدوة وترجعون إلي عشية
كظهر الحية ( 3 ) ، عجز المقوم وأعضل المقوم ( 4 )
أيها الشاهدة ابدانهم . الغائبة عقولهم . المختلفة أهواؤهم .
المبتلى بهم أمراؤهم . صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه . وصاحب
أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه . لوددت والله أن معاوية صارفني
بكم صرف الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا
منهم . يا أهل الكوفة منيت بكم بثلاث واثنتين : صم ذوو أسماع ،
* ( هامش ) * = من الحلق . والكلام تمثيل لقرب السطوة الالهية من الظالمين ( 1 ) شهود جمع شاهد
بمعنى الحاضر . وغياب جمع غائب ( 2 ) قالوا إن سبأ هو أبوعرب اليمن كان له
عشرة أولاد جعل منهم ستة يمينا له وأربعة شمالا تشبيها لهم باليدين ، ثم تفرق أولئك
الاولاد أشد التفرق ( 3 ) القوس ( 4 ) أعضل استعصى واستصعب ( * )
ـ189ـ
وبكم ذوو كلام ، وعمى ذوو أبصار . لا أحرار صدق عند اللقاء ( 1 ) ولا
إخوان ثقة عند البلاء . تربت أيديكم . يا أشباه الابل غاب عنها رعاتها
كلما جمعت من جانب تفرقت من جانب آخر . والله لكأني بكم فيما
إخال ( 2 ) أن لو حمس الوغى وحمي الضراب وقد انفرجتم عن ابن
أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها ( 3 ) . وإني لعلى بينة من ربي ، ومنهاج
من نبيي . وإني لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطا ( 4 ) . انظروا أهل
بيت نبيكم فالزموا سمتهم ( 5 ) واتبعوا أثرهم فلن يخرجوكم من هدى ،
ولن يعيدوكم في ردى . فإن لبدوا فالبدوا ( 6 ) وإن نهضوا فانهضوا .
ولا تسبقوهم فتضلوا ، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا . لقد رأيت
أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فما أرى أحدا يشبههم ، ( * ) لقد
كانوا يصبحون شعثا غبرا ( 7 ) وقد باتوا سجدا وقياما يراوحون بين
* ( هامش ) * ( 1 ) هاته وما بعدها هما الثنتان ، وما قبلها هي الثلاثة ( 2 ) إخال أظن . وحمس كفرح اشتد .
والوغى الحرب ( 3 ) انفراج المرأة عن قبلها عند الولادة أو عند ما يشرع عليها سلاح . والمشابهة
في العجز والدناءة في العمل ( 4 ) اللقط أخذ الشئ من الارض . وإنما سمي اتباعه لمنهاج
الحق لقطا لان الحق واحد والباطل ألوان مختلفة ، فهو يلتقط الحق من بين ضروب
الباطل ( 5 ) السمت بالفتح طريقهم أو حالهم أو قصدهم ( 6 ) لبد كنصر أقام ، أي أن
أقاموا فأقيموا ( 7 ) شعثا جمع أشعث هو المغبر الرأس ، والغبر جمع أغبر ، والمراد أنهم ( * ) = في بعض النسخ " فما أرى أحدا منهم يشبهه " ( * )
ـ190ـ
جباههم وخدودهم ( 1 ) ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم . كأن
بين أعينهم ركب المعزى ( 2 ) من طول سجودهم . إذا ذكر الله
هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم . ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح
العاصف خوفا ( 3 ) من العقاب ورجاء الثواب
98 - ومن كلام له عليه السلام
والله لا يزالون حتى لا يدعوا لله محرما إلا استحلوه ( 4 ) ولا
عقدا إلا حلوه . وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله
ظلمهم ( 5 ) ونبا به سوء رعيهم ( 6 ) وحتى يقوم الباكيان يبكيان
باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه . وحتى تكون نصرة أحدكم
* ( هامش ) * = كانوا متقشفين ( 1 ) المراوحة بين العملين أن يعمل هذا مرة ، وهذا مرة . وبين الرجلين أن
يقوم بالعمل كل منهما مرة ، وبين جباهم وخدودهم أن يضعوا الخدود مرة والجباه أخرى
على الارض خضوعا لله وسجودا ( 2 ) ركب جمع ركبة موصل الساق من الرجل
بالفخذ . وإنما خص ركب المعزى ليبوستها واضطرابها من كثرة الحركة ، أي أنهم لطول
سجودهم يطول سهودهم ، وكأن بين أعينهم جسم خشن يدور فيها فيمنعهم عن
النوم والاستراحة ( 3 ) مادوا اضطربوا وارتعدوا ( 4 ) الكلام في بني أمية . والمحرم
ما حرمه الله . واستحلاله استباحته ( 5 ) بيوت المدر المبنية من طوب وحجر ونحوها ،
وبيوت الوبر الخيام ( 6 ) أصله من نبابه المنزل إذا لم يوافقه فارتحل عنه ، وأن البيوت
تستو بل سوء الحكومة فتأخذ عنه منجاة فيخسر العمران ، ولا تتبوأ الحكومة الظالمة ( * ) =
ـ191ـ
من أحدهم كنصرة العبد من سيده . إذا شهد أطاعه ، وإذا غاب
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 191 سطر 1 الى ص 200 سطر 19
من أحدهم كنصرة العبد من سيده . إذا شهد أطاعه ، وإذا غاب
اغتابه . وحتى يكون أعظمكم فيها غناء أحسنكم بالله ظنا . فإن
أتاكم الله بعافية فأقبلوا . وإن ابتليتم فاصبروا . فإن العاقبة للمتقين
99 - ومن خطبة له عليه السلام
نحمده على ما كان ونستعينه من أمرنا على ما يكون . ونسأله
المعافاة في الاديان كما نسأله المعافاة في الابدان
عباد الله أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم وإن لم
تحبوا تركها . والمبلية لاجسامكم وإن كنتم تحبون تجديدها .
فإنما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه ( 1 )
وأموا علما ( 2 ) فكأنهم قد بلغوه . وكم عسى المجرى إلى الغاية أن
يجري إليها ( 3 ) حتى يبلغها . وما عسى أن يكون بقاء من له يوم
لا يعدوه وطالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها ( 4 ) فلا تنافسوا
* ( هامش ) * = إلا خرابا تنعق فيه فلا يجيبها إلا صدى نعيقها ( 1 ) السفر بفتح فسكون جماعة
المسافرين ، أي انكم في مسافة العمر كالمسافرين في مسافة الطريق فلا يلبثون أن
ياتوا على نهايتها لانها محدودة ( 2 ) أموا قصدوا ( 3 ) الذي يجرى فرسه إلى غاية
معلومة أي مقدار من الجري يلزمه حتى يصل لغايته ( 4 ) يحدوه يتبعه ويسوقه ( * )
ـ192ـ
في عز الدنيا وفخرها . ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها . ولا تجزعوا
من ضرائها وبؤسها . فإن عزها وفخرها إلى انقطاع . وإن زينتها
ونعيمها إلى زوال ، وضراءها وبؤسها إلى نفاد ( 1 ) . وكل مدة فيها إلى
انتهاء . وكل حي فيها إلى فناء . أو ليس لكم في آثار الاولين
مزدجر ( 2 ) وفي آبائكم الماضين تبصرة ومعتبر إن كنتم تعقلون .
أو لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون . وإلى الخلف الباقين
لا يبقون . أولستم ترون أهل الدنيا يصبحون ويمسون على أحوال
شتى ، فميت يبكى وآخر يعزى ، وصريع مبتلى . وعائد يعود وآخر
بنفسه يجود ( 3 ) . وطالب للدنيا والموت يطلبه . وغافل وليس بمغفول
عنه . وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي
ألا فاذكروا هادم اللذات ، ومنغص الشهوات ، وقاطع
الامنيات . عند المساورة للاعمال القبيحة ( 4 ) . واستعينوا الله على أداء
* ( هامش ) * ( 1 ) فناء ( 2 ) مكان للانزجار والارتداع ( 3 ) من جاد بنفسه إذا قارب أن يقضى نحبه كأنه
يسخو بها ويسلمها إلى خالقها ( 4 ) عند متعلق باذكروا . والمساورة المواثبة كأن العمل
القبيح لبعده عن ملاءمة الطبع الانساني بالفطرة الالهية ينفر من مقترفه كما ينفر
الوحش فلا يصل إليه المغبون إلا بالوثبة عليه وهو في غائلته على مجترمه كالضاريات
من الوحوش فهو يثب على مواثبه ليهلكه فما ألطف التعبير بالمساورة في هذا الموضع ( * )
ـ193ـ
واجب حقه . وما لا يحصى من أعداد نعمه وإحسانه
100 - ومن خطبة له أخرى
الحمد لله الناشر في الخلق فضله . والباسط فيهم بالجود يده .
نحمده في جميع أموره . ونستعينه على رعاية حقوقه . ونشهد أن لا إله
غيره وأن محمدا عبده ورسوله . أرسله بأمره صادعا ( 1 ) ، وبذكره
ناطقا . فأدى أمينا ومضى رشيدا . وخلف فينا راية الحق من تقدمها
مرق ( 2 ) ، ومن تخلف عنها زهق ( 3 ) . ومن لزمها لحق دليلها مكيث
الكلام ( 4 ) . بطئ القيام ، سريع إذا قام . فإذ أنتم ألنتم له رقابكم
وأشرتم إليه بأصابعكم ، جاءه الموت فذهب به ، فلبثتم بعده
ما شاء الله ، حتى يطلع الله لكم من يجمعكم ويضم نشركم ( 5 ) .
فلا تطمعوا في غير مقبل ( 6 ) ، ولا تيأسوا من مدبر . فإن المدبر
* ( هامش ) * ( 1 ) فالقا به جدران الباطل فهادمها ( 2 ) خرج عن الدين . والذي يتقدم راية الحق هو
من يزيد على ما شرع الله أعمالا وعقائد يظنها مزينة للدين ومتممة له ويسميها
بدعة حسنة ( 3 ) اضمحل وهلك ( 4 ) رزين في قوله لا يبادر به عن غير روية ،
بطئ القيام لا ينبعث للعمل بالطيش وإنما يأخذ له عدة إتمامه ، فإذا أبصر منه وجه
الفوز قام فمضى إليه مسرعا ، وكأنه يصف بذلك حال نفسه كرم الله وجهه ( 5 ) يصل
متفرقكم ( 6 ) الاقبال والادبار في الجملتين لا يتواردان على جهة واحدة ، فالمقبل بمعنى
المتوجه إلى الامر الطالب له الساعي إليه ، والمدبر بمعنى من أدبرت حاله واعترضته الخيبة ( * ) =
ـ194ـ
عسى أن تزل إحدى قائمتيه ( 1 ) ، وتثبت الاخرى وترجعا حتى تثبتا
جميعا . ألا إن مثل آل محمد صلى الله عليه وآله كمثل نجوم
السماء إذا خوى نجم طلع نجم ( 2 ) ، فكأنكم قد تكاملت من الله
فيكم الصنائع ، وأراكم ما كنتم تأملون
101 - ومن خطبة له أخرى
الاول قبل كل أول . والآخر بعد كل آخر . بأوليته وجب
أن لا أول له . وبآخريته وجب أن لا آخر له . وأشهد أن لا إله إلا الله
شهادة يوافق فيها السر الاعلان والقلب اللسان
أيها الناس لا يجرمنكم شقاقي ( 3 ) ، ولا يستهوينكم عصياني ،
ولا تتراموا بالابصار عندما تسمعونه مني ( 4 ) . فوالذي فلق الحبة
وبرأ النسمة إن الذي أنبئكم به عن النبي الامي صلى الله عليه وآله .
ما كذب المبلغ ولا جهل السامع . ولكأني أنظر إلى ضليل ( 5 ) قد
* ( هامش ) * = في عمله وإن كان لم يزل طالبا ( 1 ) رجليه ( 2 ) خوى غاب ( 3 ) لا يكسبنكم ،
والمفعول محذوف أي خسرانا ، أي لا تشاقوني فيكسبكم الشقاق خسرانا ، ولا تعصوني
فيتيه بكم عصياني في ضلال وحيرة ( 4 ) لا ينظر بعضكم إلى بعض تغامزا بالانكار لما
أقول ( 5 ) ضليل كشرير : شديد الضلال مبالغ في الضلال ( * )
ـ195ـ
نعق بالشام ، وفحص براياته ( 1 ) في ضواحي كوفان ( 2 ) . فإذا فغرت
فاغرته ( 3 ) ، واشتدت شكيمته ( 4 ) ، وثقلت في الارض وطأته عضت
الفتنة أبناءها بأنيابها ، وماجت الحرب بأمواجها . وبدا من الايام
كلوحها ( 5 ) ، ومن الليالي كدوحها ( 6 ) . فإذا أينع زرعه ( 7 ) ، وقام على
ينعه ( 8 ) . وهدرت شقاشقه ، وبرقت بوارقه ، عقدت رايات الفتن
المعضلة ، وأقبلن كالليل المظلم ، والبحر الملتطم . هذا وكم
يخرق الكوفة من قاصف ( 9 ) ، ويمر عليها من عاصف . وعن قليل
تلتف القرون بالقرون ( 10 ) ، ويحصد القائم ويحطم المحصود
* ( هامش ) * ( 1 ) من فحص القطا التراب إذا اتخذ فيه أفحوصا بالضم وهو مجثمه ، أي المكان الذي يقيم
فيه عند ما يكون على الارض ، يريد أنه نصب له رايات بحثت لها في الارض مراكز
( 2 ) هي الكوفة ، أي أنه كاد يصل الكوفة حيث أن راياته انتشرت على بعض
بلدان من حدودها وهو ما أشار إليه بالضواحي ( 3 ) فغر الفم كمنع انفتح ، وفغرته ،
فهو لازم ومتعد ، أي إذا انفتحت فاغرته وهي فمه ( 4 ) الشكيمة الحديدة المعترضة في
اللجام في فم الدابة ويعبر بقوتها عن شدة البأس وصعوبة الانقياد
( 5 ) عبوسها ( 6 ) جمع كدح بالفتح وهو الخدش وأثر الجراحات ( 7 ) نضج وحان
قطافه ( 8 ) حالة نضجه ( 9 ) هو ما اشتد صوته من الرعد والريح وغيرهما . والعاصف
ما اشتد من الريح ، والمراد مزعجات الفتن ( 10 ) يكون الاشتباك بين قواد الفتنة وبين
أهل الحق كما تشتبك الكباش بقرونها عند النطاح . وما بقي من الصلاح قائما يحصد ،
وما كان قد حصد يحطم ويهشم ، فلا يبقى إلا شر عام وبلاء تام ان لم يقم للحق أنصار ( * )
ـ196ـ
102 - ومن كلام له يجري مجرى الخطبة
وذلك يوم يجمع الله فيه الاولين والآخرين لنقاش الحساب ( 1 )
وجزاء الاعمال ، خضوعا قياما قد ألجمهم العرق ، ورجفت بهم الارض .
فأحسنهم حالا من وجد لقدميه موضعا ولنفسه متسعا ( منه ) فتن
كقطع الليل المظلم . لا تقوم لها قائمة ( 2 ) ، ولا ترد لها راية ،
تأتيكم مزمومة مرحولة ، يحفزها قائدها ويجهدها راكبها . أهلها
قوم شديد كلبهم ، قليل سلبهم ( 3 ) . يجاهدهم في سبيل الله قوم أذلة
عند المتكبرين . في الارض مجهولون ، وفي السماء معروفون . فويل
لك يابصرة عند ذلك من جيش من نقم الله لا رهج له ولا حس ( 4 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) نقاش الحساب الاستقصاء فيه ( 2 ) لا تثب لمعارضتها قائمة خيل ، وقوائم الفرس
رجلاه أو أنه لا يتمكن أحد من القيام لها وصدها . وقوله مزمومة مرحولة قادها وزمها
وركبها برحلها أقوام زحفوا بها عليكم ، يحفزونها أي يحثونها ليقروا بها في دياركم
وفيكم يحطون الرحال ( 3 ) السلب محركة ما يأخذه القاتل من ثياب المقتول وسلاحه
في الحرب ، أي ليسوا من أهل الثروة ( 4 ) الرهج بسكون الهاء ، ويحرك : الغبار ، والحس
بفتح الحاء الجلبة والاصوات المختلطة . قالوا يشير إلى فتنة صاحب الزنج وهو علي بن محمد
ابن عبدالرحيم من بني عبدالقيس ادعى أنه علوي من أبناء محمد بن أحمد بن عيسى
ابن زيد بن علي بن الحسين ، وجمع الزنوج الذين كانوا يسكنون السباخ في نواحي
البصرة وخرج بهم على المهتدي العباسي في سنة خمس وخمسين ومائتين ، واستفحل
أمره وانتشرت أصحابه في أطراف البلاد للسلب والنهب ، وملك إبلة عنوة وفتك بأهلها ، ( * ) =
= واستولى على عبادان والاهواز ، ثم كانت بينه وبين الموفق في زمن المعتمد حروب
انجلى فيها عن الاهواز وسلم عاصمة ملكه ، وكان سماها المختارة - بعد محاصرة شديدة - وقتله
الموفق أخو الخليفة المعتمد سنة سبعين ومائتين ، وفرح الناس بقتله لانكشاف رزئه عنهم ( * )
ـ197ـ
وسيبتلى أهلك بالموت الاحمر والجوع الاغبر
103 - ومن خطبة له عليه السلام
انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها ، الصادفين عنها ( 1 ) . فإنها
والله عما قليل تزيل الثاوي الساكن ( 2 ) ، وتفجع المترف الآمن ( 3 ) .
لا يرجع ما تولى منها فأدبر ، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر .
سرورها مشوب بالحزن . وجلد الرجال فيها إلى الضعف والوهن . فلا
يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها ، لقلة ما يصحبكم منها
رحم الله امرأ تفكر فاعتبر . واعتبر فأبصر . فكأن ما هو
كائن من الدنيا عن قليل لم يكن ( 4 ) ، وكأن ما هو كائن من الآخرة
عما قليل لم يزل . وكل معدود منقض ، وكل متوقع آت ، وكل
آت قريب دان ( منها ) العالم من عرف قدره . وكفى بالمرء جهلا
* ( هامش ) * ( 1 ) الصادفين المعرضين ( 2 ) الثاوي المقيم ( 3 ) المترف بفتح الراء المتروك يصنع ما يشاء
لا يمنع ( 4 ) فإن الذي هو موجود في الدنيا بعد قليل كأنه لم يكن ، وإن الذي هو
كائن في الآخرة بعد قليل كأنه كان لم يزل ، فكأنه وهو في الدنيا من سكان الآخرة ( * )
ـ198ـ
ألا يعرف قدره . وإن من أبغض الرجال إلى الله لعبدا وكله الله إلى نفسه .
جائرا عن قصد السبيل ، سائرا بغير دليل . إن دعي إلى حرث
الدنيا عمل ، وإن دعي إلى حرث الآخرة كسل ، كأن ما عمل له واجب
عليه ( 1 ) ، وكأن ما ونى فيه ساقط عنه ( 2 )
( منها ) وذلك زمان لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نومة ( 3 ) إن شهد
لم يعرف وإن غاب لم يفتقد . أولئك مصابيح الهدى ، وأعلام السرى ( 4 ) .
ليسوا بالمساييح ولا المذاييع البذر أولئك يفتح الله لهم أبواب
رحمته . ويكشف عنهم ضراء نقمته
أيها الناس سيأتي عليكم زمان يكفأ فيه الاسلام كما يكفأ
الاناء بما فيه . أيها الناس إن الله قد أعاذكم من أن يجور عليكم ، ولم
يعذكم من أن يبتليكم ( 5 ) وقد قال جل من قائل " إن في ذلك لآيات وإن
كنا لمبتلين " . أما قوله عليه السلام ( كل مؤمن نومة ) فإنما أراد به
الخامل الذكر القليل الشر . والمساييح جمع مسياح وهو الذي يسيح
* ( هامش ) * ( 1 ) ما عمل له هو حرث الدنيا ( 2 ) ونى فيه : تراخى فيه ، وهو حرث الآخرة ( 3 ) نومة
بضم ففتح كثير النوم ، يريد به البعيد عن مشاركة الاشرار في شرورهم ، فإذا رأوه
لا يعرفونه منهم وإذا غاب لا يفتقدونه ( 4 ) السرى كالهدى السير في ليالي المشاكل .
وبقية الالفاظ يأتي شرحها بعد أسطر لصاحب الكتاب ( 5 ) ليتبين الصادق من ( * ) =
ـ199ـ
بين الناس بالفساد والنمائم . والمذاييع جمع مذياع : وهو الذي
إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها ونوه بها . والبذر جمع بذور : وهو الذي
يكثر سفهه ويلغو منطقه ( 1 )
104 - ومن خطبة له عليه السلام
وقد تقدم مختارها بخلاف هذه الرواية
أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله وليس
أحد من العرب يقرأ كتابا ، ولا يدعي نبوة ولا وحيا . فقاتل بمن
أطاعه من عصاه . يسوقهم إلى منجاتهم ، ويبادر بهم الساعة أن تنزل
بهم . يحسر الحسير ( 2 ) ويقف الكسير فيقيم عليه حتى يلحقه غايته
إلا هالكا لا خير فيه . حتى أراهم منجاتهم ، وبوأهم محلتهم
فاستدارت رحاهم ( 3 ) ، واستقامت قناتهم . وايم الله لقد كنت من
* ( هامش ) * = الكاذب والمخلص من المريب ، فتكون لله الحجة على خلقه ( 1 ) الذي في القاموس أن
البذور بالفتح كالبذير هو النمام ( 2 ) من حسر البعير كضرب إذا أعيا وكل ، والكسير
المكسور ، أي أن من ضعف اعتقاده أو كلت عزيمته فتراخى في السير على سبيل
المؤمنين ، أو طرقته الوساوس فهشمت قوائم همته بزلزال في عقيدته فإن النبي صلى الله
عليه وسلم كان يقيم على ملاحظته وعلاجه حتى ينصل من مرضه هذا ويلحق بالمخلصين
إلا من كان ناقص الاستعداد خبيث العنصر فلا ينجع فيه الدواء فيهلك ( 3 ) كناية
عن وفرة أرزاقهم ، فإن الرحا إنما تدور على ما تطحنه من الحب . أو كناية عن قوة ( * ) =
ـ200ـ
ساقتها حتى تولت بحذافيرها ، واستوسقت في قيادها ، ما ضعفت ولا
جبنت ، ولا خنت ولا وهنت . وايم الله لابقرن الباطل ( 1 ) حتى أخرج
الحق من خاصرته
105 - ومن خطبة له عليه السلام
حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله شهيدا وبشيرا ونذيرا : خير البرية طفلا ، وأنجبها كهلا . أطهر المطهرين شيمة ، وأجود
المستمطرين ديمة ( 2 ) . فما احلولت لكم الدنيا ، في لذتها ولا تمكنتم
من رضاع أخلافها ( 3 ) ، إلا من بعد ما صادفتموها جائلا خطامها ( 4 ) ،
قلقا وضينها . قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود ( 5 ) ،
* ( هامش ) * = سلطانهم على غيرهم . والرحا رحا الحرب يطحنون بها . والقناة الرمح . واستقامتها
كناية عن صحة الاحوال وصلاحها 1 ) البقر بالفتح الشق أى لشقن جوف الباطل
بقهر أهله فأنترع الحق من أيدى المبطلين . والتمثيل في غاية من اللطف ( 2 ) الديمة
بالكسر المطر يدوم في سكون . والمستمطر بفتح الطاء من يطلب منه المطر . والمراد
هنا النجدة والمعونة . فالنبي صلى الله عليه وسلم أغزر الناس فيضا للخير على طلابه ( 3 ) جمع خلف
بالكسر حلمة ضرع الناقة ( 4 ) الخطام ككتاب ما يوضع في أنف البعير ليقاد به .
والوضين بطان عريض منسوج من سيور أو شعر يكون للرحل كالحزام للسرج .
وجولان الخطام وقلق الوضين إما كناية عن الهزال ، وإما كناية عن صعوبة القياد . فإن
الخطام الجائل لا يشتد على البعير فيجذبه ، وعن قلق الراكب وعدم اطمئنانه لاضطراب
الرحل بقلق الوضين ( 5 ) السدر بالكسر شجر النبق والمخضود المقطوع الشوك أو ( * ) =
ـ201ـ
وحلالها بعيدا غير موجود . وصادفتموها والله ظلا ممدودا إلى أجل
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 201 سطر 1 الى ص 210 سطر 17
وحلالها بعيدا غير موجود . وصادفتموها والله ظلا ممدودا إلى أجل
معدود . فالارض لكم شاغرة ( 1 ) ، وأيديكم فيها مبسوطة ، وأيدي
القادة عنكم مكفوفة ، و سيوفكم عليهم مسلطة ، وسيوفهم
عنكم مقبوضة . ألا إن لكل دم ثائرا ( 2 ) ، ولكل حق طالبا . وإن
الثائر في دمائنا كالحاكم في حق نفسه ( 3 ) . وهو الله الذي لا يعجزه
من طلب ، ولا يفوته من هرب . فأقسم بالله يا بني أمية عما قليل
لتعرفنها في أيدي غيركم وفي دار عدوكم . ألا وإن أبصر الابصار
مانفذ في الخير طرفه . ألا إن أسمع الاسماع ما وعى التذكير وقبله
أيها الناس استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متعظ . وامتاحوا
من صفو عين قد روقت من الكدر ( 4 )
عباد الله لا تركنوا إلى جهالتكم ، ولا تنقادوا لاهوائكم ،
فإن النازل بهذا المنزل ( 5 ) نازل بشفا جرف هار ، ينقل الردى على
* ( هامش ) * = منثنى الاغصان من ثقل الحمل . والتشبيه في اللذة ( 1 ) أي بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم شغرت لكم
الارض ، أي لم يبق فيها من يحميها دونكم ويمنعكم عن خيرها ( 2 ) ثأره طلب بدمه
وقتل قاتله ( 3 ) الطالب بدمائنا ينال ثأره حتما كأنه هو القاضي بنفسه لنفسه ليس
هناك من يحكم عليه فيمانعه عن حقه ( 4 ) امتاحوا : استقوا وانزعوا الماء لري عطشكم
من عين صافية صفت من الكدر وهي عين علومه عليه السلام ( 5 ) منزل الركون
إلى الجهالة والانقياد للهوى . وشفا الشئ حرفه . والجرف بضمتين ما جرفته السيول ( * ) =
ـ202ـ
ظهره من موضع إلى موضع ( 1 ) لرأي يحد ثه بعد رأي ، يريد أن يلصق
ما لا يلتصق ويقرب ما لا يتقارب . فالله ألله أن تشكوا إلى من لا
يشكي شجوكم ( 2 ) ، ولا ينقض برأيه ما قد أبرم لكم . إنه ليس
على الامام إلا ما حمل من أمر ربه . الابلاغ في الموعظة ، والاجتهاد
في النصيحة ، والاحياء للسنة ، وإقامة الحدود على مستحقيها ، وإصدار
السهمان على أهلها ( 3 ) . فبادروا العلم من قبل تصويح نبته ( 4 ) ، ومن قبل
أن تشغلوا بأنفسكم عن مستثار العلم من عند أهله ( 5 ) . وانهوا عن
المنكر وتناهوا عنه ، فإنما أمرتم بالنهي بعد التناهي
* ( هامش ) * = وأكلته من الارض . والهاري كالهائر : المنهدم أو المشرف على الانهدام ، أي انه بمكان
التهور في الهلكة ( 1 ) اي أنه إذا نقل حمل المهلكات فإنما ينقله من موضع من ظهره
إلى موضع آخر منه ، فهو حامل لها دائما ، وإنما يتعب في نقلها من أعلاه لوسطه أو أسفله
بآرائه وبدعه ، فهو في كل رأى يتنقل من ضلالة إلى ضلالة حيث أن مبنى الكل على
الجهالة والهوى ( 2 ) يقال أشكاه إذا أزال مشتكاه ، والشجو الحاجة . يقول إن ما تسوله
لكم الجهالات والاهواء من الحاجات يلزمكم أن تنصرفوا عن خيالها ولا تشكوها
إلي ، فإني لا أتبع أهواءكم ولا أقضي هذه الرغبات الفاسدة ولا استطيع أن أنقض برأيي
ما أبرم لكم في الشريعة الغراء ( 3 ) السهمان بالضم جمع سهم بمعنى الحظ والنصيب ،
وإصدار السهمان إعادتها إلى أهلها المستحقين لها لا ينقصهم منها شيئا . وسماه إصدارا
لانها كانت منعتها أربابها بالظلم في بعض الازمان ثم ردت إليهم ، كالصدور وهو رجوع
الشاربة من الماء إلى أعطانها ( 4 ) التصويح التجفيف ، أي سابقوا إلى العلم وهو في
غضارته قبل أن يجف فلا تستطيعون إحياءه بعد يبسه ( 5 ) مستثار اسم مفعول ( * ) =
ـ203ـ
106 - ( ومن خطبة له عليه السلام )
الحمد لله الذي شرع الاسلام فسهل شرائعه لمن ورده ، وأعز
أركانه على من غالبه فجعله أمنا لمن علقه ( 1 ) ، وسلما لمن دخله ( 2 ) ،
وبرهانا لمن تكلم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، ونورا لمن استضاء
به ، وفهما لمن عقل ، ولبا لمن تدبر ، وآية لمن توسم ، وتبصرة
لمن عزم ، وعبرة لمن اتعظ ، ونجاة لمن صدق ، وثقة لمن توكل ،
وراحة لمن فوض ، وجنة لمن صبر ( 3 ) . فهو أبلج المناهج ( 4 ) واضح
الولائج ( 5 ) ، مشرف المنار ( 6 ) ، مشرق الجواد ( 7 ) ، مضئ المصابيح
كريم المضمار ( 8 ) ، رفيع الغاية ، جامع الحلبة ( 9 ) ، متنافس السبقة ( 10 )
شريف الفرسان . التصديق منهاجه ، والصالحات مناره ، والموت
* ( هامش ) * = بمعنى المصدر . والاستتارة طلب الثور وهو السطوع والظهور ( 1 ) علقه كعلمه : تعلق به
( 2 ) من دخله لا يحارب ( 3 ) جنة بالضم أي وقاية وصونا ( 4 ) أشد الطرق وضوحا
وأنورها ( 5 ) الولائج جمع وليجة هي الدخيلة وهي المذهب ( 6 ) مشرف بفتح الراء هو
المكان ترتفع عليه فتطلع من فوقه على شئ . ومنار الدين هي دلائله من العمل الصالح
يطلع منها البصير على حقائق العقائد ومكارم الاخلاق ( 7 ) جمع جادة : الطريق الواضح
( 8 ) كريم المضمار أي إذا سوبق سبق ( 9 ) الحلبة خيل تجمع من كل صوب للنصرة .
والاسلام جامعها يأتي إليه الكرائم والعتاق ( 10 ) السبقة بالضم جزاء السابقين ( * )
ـ204ـ
غايته ( 1 ) . والدنيا مضماره ( 2 ) ، والقيامة حلبته ، والجنة سبقته ( 3 )
( منها في ذكر النبي صلى الله عليه وآله ) حتى أورى قبسا
لقابس ( 4 ) ، وأنار علما لحابس ( 5 ) ، فهو أمينك المأمون ، وشهيدك يوم
الدين وبعيثك نعمة ( 6 ) . ورسولك بالحق رحمة . اللهم اقسم له مقسما
من عدلك ( 7 ) ، واجزه مضاعفات الخير من فضلك . اللهم أعل على بناء
البانين بناءه ، وأكرم لديك نزله ( 8 ) ، وشرف لديك منزلته . وآته
الوسيلة وأعطه السناء والفضيلة ( 9 ) ، واحشرنا في زمرته غير خزايا ( 10 )
ولا نادمين ولا ناكبين ( 11 ) ، ولا ناكثين ( 12 ) ، ولا ضالين ، ولا
مضلين ، ولا مفتونين ( وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم إلا أننا
* ( هامش ) * ( 1 ) يريد الموت عن الشهوات البهيمية والحياة بالسعادة الابدية كما يعلم من قوله
رفيع الغاية ، وإلا فالموت المعروف غاية كل حي ( 2 ) لانها مزرعة الآخرة من سبق فيها
سبق في الاخرى ( 3 ) سبقته : جزاء السابقين به ( 4 ) أورى أوقد . والقبس بالتحريك
الشعلة من النار تقتبس من معظم النار . والقابس آخذ النار من النار . والمراد ان
النبي أفاد طلاب الحق ما به يستضيئون لاكتشافه ( 5 ) الحابس من حبس ناقته وعقلها
حيرة منه لا يدري كيف يهتدي فيقف عن السير . وأنار له علما أي وضع له نارا في
رأس جبل ليستنقذه من حيرته ( 6 ) بعيثك مبعوثك ( 7 ) المقسم كمقعد ومنبر : النصيب
والحظ ( 8 ) النزل بضمتين ما هئ للضيف لان ينزل عليه ( 9 ) السناء كسحاب الرفعة
( 10 ) خزايا جمع خزيان من خزى إذا خجل من قبيح ارتكبه ( 11 ) عادلين عن
طريق الحق ( 12 ) ناكثين ناقضين للعهد ( * )
ـ205ـ
كررناه ههنا لما في الروايتين من الاختلاف ) ( منها في خطاب أصحابه )
وقد بلغتم من كرامة الله لكم منزلة تكرم بها إماؤكم ، وتوصل
بها جيرانكم ، ويعظمكم من لا فضل لكم عليه ، ولا يد لكم
عنده ، ويهابكم من لا يخاف لكم سطوة ، ولا لكم عليه إمرة .
وقد ترون عهود الله منفوضة فلا تغضبون ، وأنتم لنقض ذمم آبائكم
تأنفون . وكانت أمور الله عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم
ترجع . فمكنتم الظلمة من منزلتكم ، وألقيتم إليهم أزمتكم
وأسلمتم أمور الله في أيديهم . يعملون في الشبهات ، ويسيرون في
الشهوات . وايم الله لو فرقوكم تحت كل كوكب لجمعكم الله
لشر يوم لهم ( 1 )
107 - ومن خطبة له عليه السلام في بعض أيام صفين
وقد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم ، تحوزكم
الجفاة الطغام ( 2 ) ، وأعراب أهل الشام ، وأنتم لهاميم العرب ( 3 ) ويآفيخ
* ( هامش ) * ( 1 ) أي أنكم ستجتمعون لقهر الظالمين ولن يكون في طاقتهم أن يفرقوكم ،
حتى لو شتتوكم تشتيت الكواكب في السماء لاجتمعتم لقتالهم . وقيل إنه يريد أن البلاء
سيعم حتى لو فرقكم بنو أمية تحت كل كوكب طلبا لخلاصكم من البلاء لجمعكم الله لشر
يوم لهم حتى يأخذكم البلاء كما يأخذهم ( 2 ) الطغام كجراد : أوغاد الناس ( 3 ) لهاميم جمع
لهميم بالكسر وهو السابق الجواد من الخيل والناس ( * )
ـ206ـ
الشرف ( 1 ) والانف المقدم ، والسنام الاعظم . ولقد شفى وحاوح صدري ( 2 )
أن رأيتكم بأخرة ( 3 ) تحوزونهم كما حازوكم ، وتزيلونهم عن مواقفهم
كما أزالوكم . حسا بالنضال ( 4 ) ، وشجرا بالرماح ( 5 ) . تركب أولاهم
أخراهم ، كالابل الهيم المطرودة ( 6 ) ترمى عن حياضها . وتذاد عن
مواردها .
108 - ومن خطبة له عليه السلام
وهي من خطب الملاحم
الحمد لله المتجلى لخلقه بخلقه ، والظاهر لقلوبهم بحجته . خلق
الخلق من غير روية ، إذ كانت الرويات لا تليق إلا بذوي الضمائر
وليس بذي ضمير في نفسه . خرق علمه باطن غيب السترات ( 7 ) ،
وأحاط بغموض عقائد السريرات ( منها في ذكر النبي صلى الله عليه
وآله ) اختاره من شجرة الانبياء ومشكاة الضياء ( 8 ) ، وذؤابة
* ( هامش ) * اليآفيخ جمع يأفوخ : هو من الرأس حيث يلتقي عظم مقدمه مع مؤخره
( 2 ) الوحاوح جمع وحوحة صوت معه بحح يصدر عن المتألم . والمراد حرقة الغيظ ( 3 ) الاخرة
محركة : آخر الامر . وجملة أن رأيتكم فاعل شفى ( 4 ) الحس بالفتح القتل . والنضال
المباراة في الرمي . وفي رواية النصال بالصاد ( 5 ) الشجر كالضرب : الطعن ( 6 ) الهيم
بالكسر العطاش . وتذاد : تمنع ( 7 ) جمع سترة ما يستر به أيا كان ( 8 ) المشكاة كل كوة ( * ) =
ـ207ـ
العلياء ( 1 ) وسرة البطحاء ( 2 ) . ومصابيح الظلمة ، وينابيع الحكمة ( منها )
طبيب دوار بطبه قد أحكم مراهمه ، وأحمى مواسمه ( 3 ) . يضع
ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمي ، وآذان صم ، وألسنة بكم .
متبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة . لم يستضيئوا بأضواء
الحكمة ( 4 ) ، ولم يقدحوا بزناد العلوم الثاقبة . فهم في ذلك كالانعام
السائمة ، والصخور القاسية . قد انجابت السرائر لاهل البصائر ( 5 ) . ووضحت
محجة الحق لخابطها ( 6 ) ، وأسفرت الساعة عن وجهها ، وظهرت العلامة
لمتوسمها . مالي أراكم أشباحا بلا أرواح ، وأرواحا بلا أشباح ، ونساكا بلا
صلاح ، وتجارا بلا أرباح . وأيقاظا نوما ، وشهودا غيبا ، وناظرة
عميا ، وسامعة صما ، وناطقة بكما . رأيت ضلالة قد قامت على قطبها ( 7 ) ،
* ( هامش ) * = غير نافذة ومن العادة أن يوضع فيها المصباح ( 1 ) الذؤابة الناصية أو منبتها من
الرأس ( 2 ) ما بين أخشبي مكة كانت تسكنه قبائل من قريش ، ويقال لهم قريش
البطاح ( 3 ) مواسمه جمع ميسم بالكسر وهو المكواة ، يجمع على مواسم ومياسم
( 4 ) قوله لم يستضيئوا ، يحكي حال من لم ينجع فيهم الدواء ممن صار الفساد من مقومات
أمزجتهم ( 5 ) انجابت من قولهم انجابت الناقة إذا مدت عنقها للحلب ، أي أن السرائر
خضعت لنور البصائر فهو يكشفها ويملكها . وأهل البصائر يصرفون السرائر
إلى ما يريدون ( 6 ) خابطها : السائر عليها ( 7 ) قامت على قطبها تمثيل لانتظام أمرها ( * ) =
ـ208ـ
وتفرقت بشعبها ( 1 ) ، تكيلكم بصاعها ( 2 ) ، وتخبطكم بباعها ( 3 ) .
قائدها خارج من الملة ، قائم على الضلة . فلا يبقى يومئذ منكم إلا
ثفالة كثفالة القدر ( 4 ) ، أو نفاضة كنفاضة العكم ( 5 ) . تعرككم
عرك الاديم ( 6 ) ، وتدوسكم دوس الحصيد ( 7 ) ، وتستخلص المؤمن
من بينكم استخلاص الطير الحبة البطينة ( 8 ) من بين هزيل الحب . أين
تذهب بكم المذاهب ، وتتيه بكم الغياهب ، وتخدعكم الكواذب .
ومن أين تؤتون وأنى تؤفكون . فلكل أجل كتاب ، ولكل غيبة ،
إياب . فاستمعوا من ربانيكم ( 9 ) ، وأحضروا قلوبكم ، واستيقظوا
إن هتف بكم ( 10 ) . وليصدق رائد أهله ( 11 ) ، وليجمع شمله ، وليحضر ذهنه .
* ( هامش ) * = واستحكام قوتها ( 1 ) جمع شعبة ، أي انتشرت بفروعها ( 2 ) تكيلكم أي تأخذكم
للهلاك جملة كما يأخذ الكيال ما يكيله من الحب ( 3 ) تخبطكم ، من خبط الشجرة ضربها
بالعصى ليتناثر ورقها ، أو من خبط البعير بيده الارض أي ضربها . وعبر بالباع ليفيد
استطالتها عليهم وتناولها لقريبهم وبعيدهم ( 4 ) الثفالة بالضم كالثفل . والثافل
ما استقر تحت الشئئ من كدرة . وثفالة القدر ما يبقى في قعره من عكارة . والمراد
الارذال والسفلة ( 5 ) النفاضة ما يسقط بالنفض . والعكم بالكسر العدل بالكسر أيضا ،
ونمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها . والمراد ما يبقى بعد تفريغه في خلال نسيجه فينفض
لينظف ( 6 ) العرك كالنصر : شديد الدلك . وعركه حكه حتى عفاه . والاديم الجلد
( 7 ) المحصود ( 8 ) البطينة السمينة ( 9 ) الرباني بتشديد الباء المتأله العارف بالله عزوجل
( 10 ) صاح بكم ( 11 ) الرائد من يتقدم القوم ليكشف لهم مواضع الكلا ويتعرف
سهولة الوصول إليها من صعوبته . وفي المثل " لايكذب الرائد أهله " . يأمر الهداة ( * ) =
ـ209ـ
فلقد فلق لكم الامر فلق الخرزة ، وقرفه قرف الصمغة ( 1 ) . فعند
ذلك أخذ الباطل مآخذه ، وركب الجهل مراكبه ، وعظمت الطاغية ،
وقلت الداعية . وصال الدهر صيال السبع العقور . وهدر فنيق الباطل
بعد كظوم ( 2 ) . وتواخى الناس على الفجور . وتهاجروا على الدين . وتحابوا
على الكذب . وتباغضوا على الصدق . فإذا كان ذلك كان الولد غيظا ( 3 ) ،
والمطر قيظا ، وتفيض اللئام فيضا ، وتغيض الكرام غيضا ( 4 ) . وكان
أهل ذلك الزمان ذئابا ، وسلاطينه سباعا ، وأوساطه أكالا ، وفقراؤه
أمواتا . وغار الصدق ، وفاض الكذب : واستعملت المودة باللسان .
وتشاجر الناس بالقلوب . وصار الفسوق نسبا ، والعفاف عجبا .
ولبس الاسلام لبس الفرو مقلوبا
109 - ومن خطبة له عليه السلام
كل شئ خاشع له . وكل شئ قائم به . غني كل فقير . وعز كل
* ( هامش ) * = والدعاة الذين يتلقون عنه ويوصيهم بالصدق في النصيحة ( 1 ) قرف الصمغة قشرها ،
وخص هذا بالذكر لان الصمغة إذا قشرت لا يبقى لها أثر كذا قالوا
( 2 ) الفنيق الفحل من الابل . وبعد كظوم أي إمساك وسكون ( 3 ) يغيظ والده
لشبوبه على العقوق ، ويكون المطر قيظا لعدم فائدته فإن الناس منصرفون عن
فوائدهم والانتقاع بما يفيض الله عليهم من خير إلى إضرار بعضهم ببعض ، ما أشبه
هذه الحال بحال هذا الزمان ( 4 ) تغيض : من غاض الماء إذا غار في الارض وجفت ( * ) =
ـ210ـ
ذليل ، وقوة كل ضعيف ، ومفزع كل ملهوف . من
تكلم سمع نطقه ، ومن سكت علم سره ، ومن عاش فعليه
رزقه . ومن مات فإليه منقلبه . لم ترك العيون فتخبر عنك . بل
كنت قبل الواصفين من خلقك لم تخلق الخلق لوحشة ، ولا
استعملتهم لمنفعة . ولا يسبقك من طلبت ، ولا يفلتك من أخذت ( 1 ) .
ولا ينقص سلطانك من عصاك ، ولا يزيد في ملكك من أطاعك ،
ولا يرد أمرك من سخط قضاءك ، ولا يستغني عنك من تولى عن
أمرك . كل سر عندك علانية ، وكل غيب عندك شهادة . أنت
الابد لا أمد لك ، وأنت المنتهى لا محيص عنك ، وأنت الموعد
لا منجا منك إلا إليك . بيدك ناصية كل دابة ، وإليك مصير كل
نسمة . سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك وما أصغر عظيمه في جنب
قدرتك ، وما أهول ما نرى من ملكوتك ، وما أحقر ذلك فيما غاب
عنا من سلطانك ، وما أسبغ نعمك في الدنيا . وما أصغرها في نعم
الآخرة .
( منها ) من ملائكة أسكنتهم سمواتك ورفعتهم عن أرضك ،
* ( هامش ) * = ينابيعه ( 1 ) لا يفلتك : لا ينفلت منك ( * )
ـ211ـ
هم أعلم خلقك بك ، وأخوفهم لك ، وأقربهم منك . لم يسكنوا
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 211 سطر 1 الى ص 220 سطر 20
هم أعلم خلقك بك ، وأخوفهم لك ، وأقربهم منك . لم يسكنوا
الاصلاب ، ولم يضمنوا الارحام ، ولم يخلقوا من ماء مهين ( 1 ) ، ولم
يشعبهم ريب المنون ( 2 ) . وإنهم على مكانهم منك ، ومنزلتهم عندك ،
واستجماع أهوائهم فيك ، وكثرة طاعتهم لك ، وقلة غفلتهم عن أمرك ،
لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك لحقروا أعمالهم ، ولزروا على
أنفسهم ( 3 ) . ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك ، ولم يطيعوك حق
طاعتك . سبحانك خالقا ومعبودا بحسن بلائك عند خلقك ( 4 ) . خلقت
دارا وجعلت فيها مأدبة ( 5 ) : مشربا ومطعما وأزواجا وخدما وقصورا
وأنهارا وزروعا وثمارا . ثم أرسلت داعيا يدعو إليها . فلا الداعي
أجابوا ، ولا فيما رغبت رغبوا ، ولا إلى ما شوقت إليه اشتاقوا .
أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها ، واصطلحوا على حبها ، ومن عشق
شيئا أعشى بصره ( 6 ) ، وأمرض قلبه . فهو ينظر بعين غير صحيحة ،
* ( هامش ) * ( 1 ) المهين : الحقير ، يريد النطفة ( 2 ) المنون الدهر . والريب صرفه . أي لم تفرقهم صروف
الزمان ( 3 ) زرى عليه كرمى : عابه ( 4 ) البلاء يكون نعمة ويكون نقمة ، ويتعين الاول
بإضافة الحسن إليه ، أي ما عبدوك إلا شكرا لنعمك عليهم ( 5 ) المأدبة بفتح الدال
وضمها ما يصنع من الطعام للمدعوين في عرس ونحوه ، والمراد منها نعيم الجنة
( 6 ) أعشاه أعماه ( * )
ـ212ـ
ويسمع بأذن غير سميعة . قد خرقت الشهوات عقله ، وأماتت الدنيا قلبه ،
وولهت عليها نفسه . فهو عبد لها ، ولمن في يده شئ منها . حيثما زالت زال إليها
وحيثما أقبلت أقبل عليها . ولا يزدجر من الله بزاجر ، ولا يتعظ منه بواعظ .
وهو يرى المأخوذين على الغرة ( 1 ) - حيث لا إقالة ولا رجعة كيف
نزل بهم ما كانوا يجهلون ، وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون ،
وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون . فغير موصوف ما نزل بهم ،
اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت . ففترت لها أطرافهم ،
وتغيرت لها ألوانهم . ثم ازداد الموت فيهم ولوجا ( 2 ) . فحيل بين
أحدهم وبين منطقه ، وإنه لبين أهله ينظر ببصره ويسمع بأذنه ،
على صحة من عقله ، وبقاء من لبه . يفكر فيم أفنى عمره ، وفيم أذهب
دهره . ويتذكر أموالا جمعها أغمض في مطالبها ( 3 ) ، وأخذها من
مصرحاتها ومشتبهاتها . قد لزمته تبعات جمعها ( 4 ) ، وأشرف على فراقها ،
تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ويتمتعون بها . فيكون المهنأ لغيره ( 5 ) ،
* ( هامش ) * ( 1 ) على الغرة بالكسر : بغتة وعلى غفلة ( 2 ) ولوجا : دخولا ( 3 ) أغمض لم يفرق بين
حلال وحرام ، كأنه أغمض عينيه فلا يميز . أو أغمض أي طلبها من أدق الوجوه
وأخفاها فضلا عن أظهرها وأجلاها ( 4 ) تبعاتها بفتح فكسر ما يطالبه به الناس من
حقوقهم فيها ، وما يحاسبه به الله من منع حقه منها وتخطي حدود شرعه في جمعها
( 5 ) المهنأ ما أتاك من خير بلا مشقة ( * )
ـ213ـ
والعبء على ظهره ( 1 ) . والمرء قد غلقت رهونه بها ( 2 ) . فهو يعض
يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره ( 3 ) ، ويزهد فيما كان
يرغب فيه أيام عمره . ويتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها
قد حازها دونه . فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه
سمعه . ( 4 ) . فصار بين أهله لا ينطق بلسانه ، ولا يسمع بسمعه ، يردد
طرفه بالنظر في وجوههم ، يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع
كلامهم . ثم ازداد الموت التياطا به ( 5 ) . فقبض بصره كما قبض سمعه .
وخرجت الروح من جسده ، فصار جيفة بين أهله قد أوحشوا من
جانبه ، وتباعدوا من قربه . لا يسعد باكيا ، ولا يجيب داعيا . ثم
حملوه إلى مخط في الارض ، وأسلموه فيه إلى عمله ، وانقطعوا عن زورته ( 6 ) .
حتى إذا بلغ الكتاب أجله ، والامر مقاديره وألحق آخر الخلق
بأوله ، وجاء من أمر الله ما يريده من تجديد خلقه ، أماد السماء وفطرها ( 7 )
وأرج الارض وأرجفها ، وقلع جبالها ونسفها . ودك بعضها بعضا من
* ( هامش ) * ( 1 ) العبء : الحمل والثقل ( 2 ) غلقت رهونه : استحقها مرتهنها ، وأعوزته القدرة على تخليصها
كناية عن تعذر الخلاص ( 3 ) أصحر له : من أصحر إذا برز في الصحراء ، أي على ما ظهر له
وانكشف من أمره ( 4 ) خالط لسانه سمعه : شارك السمع اللسان في العجز عن أداء
وظيفته ( 5 ) التياطا أي التصاقا به ( 6 ) زيارته ( 7 ) أماد : جواب إذا بلغ الكتاب الخ . ( * ) =
ـ214ـ
هيبة جلالته ومخوف سطوته . وأخرج من فيها . فجددهم بعد أخلاقهم ( 1 )
وجمعهم بعد تفرقهم ثم ميزهم لما يريد من مسألتهم عن خفايا الاعمال
وخبايا الافعال . وجعلهم فريقين أنعم على هؤلاء وانتقم من هؤلاء .
فأما أهل طاعته فأثابهم بجواره ، وخلدهم في داره ، حيث لا يظعن النزال ،
ولا تتغير بهم الحال . ولا تنوبهم الافزاع ( 2 ) ، ولا تنالهم الاسقام ،
ولا تعرض لهم الاخطار ، ولا تشخصهم الاسفار ( 3 ) . وأما أهل
المعصية فأنزلهم شر دار ، وغل الايدي إلى الاعناق ، وقرن النواصي
بالاقدام ، وألبسهم سرابيل القطران ( 4 ) ، ومقطعات النيران ( 5 ) . في عذاب
قد اشتد حره ، وباب قد أطبق على أهله في نار لها كلب ولجب ( 6 ) ،
ولهب ساطع وقصيف هائل ( 7 ) ، لا يظعن مقيمها ، ولا يفادى أسيرها
ولا تفصم كبولها ( 8 ) . لا مدة للدار فتفنى ، ولا أجل للقوم فيقضى ،
( منها في ذكر النبي صلى الله عليه وآله ) قد حقر الدنيا وصغرها
* ( هامش ) * = وأمادها حركها على غير انتظام . وفطرها صدعها ( 1 ) أخلاقهم بالفتح : من قولهم
ثوب أخلاق إذا كانت الخلوقة شاملة له كله . والخلوقة البلى ( 2 ) لا تنوبهم الافزاع :
جمع فزع بمعنى الخوف ( 3 ) أشخصه : أزعجه ( 4 ) السربال : القميص . والقطران
معروف ( 5 ) المقطعات كل ثوب يقطع كالقميص والجبة ونحوها ، بخلاف ما لا يقطع
كالازار والرداء . والمقطعات أشمل للبدن وأشد استحكاما في احتوائه ( 6 ) عبر بالكلب محركا عن هيجانها . واللجب الصوت المرتفع ( 7 ) القصيف أشد الصوت ( 8 ) جمع كبل ( * ) =
ـ215ـ
وأهون بها وهونها . وعلم أن الله زواها عنه اختيارا ( 1 ) ، وبسطها لغيره
احتقارا . فأعرض عنها بقلبه ، وأمات ذكرها عن نفسه ، وأحب أن
تغيب زينتها عن عينه لكيلا يتخذ منها رياشا ( 2 ) ، أو يرجو فيها مقاما .
بلغ عن ربه معذرا ( 3 ) ، ونصح لامته منذرا ، ودعا إلى الجنة مبشرا
نحن شجرة النبوة ، ومحط الرسالة ، ومختلف الملائكة ( 4 ) ،
ومعادن العلم ، وينابيع الحكم . ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة ، وعدونا
ومبغضنا ينتظر السطوة
110 - ومن خطبة له عليه السلام
إن أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله سبحانه الايمان به
وبرسوله والجهاد في سبيله ، فإنه ذروة الاسلام ، وكلمة الاخلاص
فإنها الفطرة . وإقام الصلاة فإنها الملة . وإيتاء الزكاة فإنها فريضة
واجبة . وصوم شهر رمضان فإنه جنة من العقاب . وحج البيت
واعتماره فإنهما ينفيان الفقر ويرحضان الذنب ( 5 ) . وصلة الرحم ،
* ( هامش ) * = بفتح فسكون : القيد . وتفصم تنقطع ( 1 ) زواها : قبضها ( 2 ) الرياش : اللباس الفاخر
( 3 ) معذرا : مبنيا لله حجة تقوم مقام العذر في عقابهم إن خالفوا أمره ( 4 ) مختلف
الملائكة بفتح اللام محل اختلافهم أي ورود واحد منهم بعد آخر ، فيكون الثاني كأنه
خلف للاول وهكذا ( 5 ) رحضه - كمنعه - غسله ( * )
ـ216ـ
فإنها مثراة في المال ، ومنسأة في الاجل ( 1 ) . وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة . وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء . وصنائع المعروف
فإنها تقي مصارع الهوان
أفيضوا في ذكر الله فإنه أحسن الذكر . وارغبوا فيما وعد
المتقين فإن وعده أصدق الوعد . واقتدوا بهدى نبيكم فإنه أفضل الهدى .
واستنوا بسنته فإنها أهدى السنن . وتعلموا القرآن فإنه أحسن
الحديث ، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره فإنه
شفاء الصدور . وأحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص ، فإن العالم العامل
بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله ، بل الحجة عليه
أعظم ، والحسرة له ألزم ، وهو عند الله ألوم ( 2 )
111 - ومن خطبة له عليه السلام
أما بعد فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة حفت بالشهوات
وتحببت بالعاجلة ، وراقت بالقليل ، وتحلت بالآمال ، وتزينت
* ( هامش ) * ( 1 ) منسأة : مطال فيه ومزيد ( 2 ) ألوم : أشد لوما لنفسه بين أيدي الله لانه لا يجد منها
عذرا يقبل أو يرد ( * )
ـ217ـ
بالغرور . لا تدوم حبرتها ( 1 ) ، ولا تؤمن فجعتها . غرارة ضرارة . حائلة
زائلة ( 2 ) نافدة بائدة ( 3 ) ، أكالة غوالة ( 4 ) . لا تعدو - إذا تناهت
إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضاء بها ( 5 ) - أن تكون كما قال الله تعالى
سبحانه " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما
تذروه الرياح ( 6 ) وكان الله على كل شئ مقتدرا " لم يكن امرؤ
منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة ( 7 ) ، ولم يلق في سرائها بطنا ( 8 ) إلا
منحته من ضرائها ظهرا . ولم تطله فيها ديمة رخاء ( 9 ) إلا هتنت عليه
مزنة بلاء . وحرى إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكرة
وإن جانب منها اعذوذب واحلولى أمر منها جانب فأوبى ( 10 ) . لا ينال
امرؤ من غضارتها رغبا ( 11 ) إلا أرهقته من نوائبها تعبا ( 12 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) الحبرة بالفتح السرور والنعمة ( 2 ) حائلة : متغيرة ( 3 ) نافدة : فانية . بائدة أي هالكة ( 4 ) غوالة :
مهلكة ( 5 ) أي أنها إذا وصلت بأهل الرغبة فيها إلى أمانيهم فلا تتجاوز الوصف الذي ذكره
الله في قوله كماء الخ . فقوله أن تكون مفعول لتعدو ( 6 ) الهشيم : النبت اليابس المكسر
( 7 ) بالفتح : الدمعة قبل أن تفيض ، أو تردد البكاء في الصدر ، أو الحزن بلا بكاء
( 8 ) كنى بالبطن والظهر عن الاقبال والادبار ( 9 ) الطل : المطر الضعيف . وطلت السماء
أمطرته . والديمة مطر يدوم في سكون لا رعد ولا برق معه . والرخاء السعة . وهتنت
المزن : انصبت ( 10 ) أوبى صار كثير الوباء . والوباء : هو المعروف بالريح الاصفر ( 11 ) الغضارة
النعمة والسعة . والرغب - بالتحريك - الرغبة والمرغوب ( 12 ) أرهقته التعب : الحقته به ( * )
ـ218ـ
ولا يمسي منها في جناح أمن إلا أصبح على قوادم خوف ( 1 ) . غرارة
غرور ما فيها ، فانية فان من عليها . لا خير في شئ من أزوادها إلا
التقوى . من أقل منها استكثر مما يؤمنه . ومن استكثر منها
استكثر مما يوبقه ( 2 ) ، وزال عما قليل عنه . كم من واثق بها فجعته ( 3 ) ،
وذي طمأنينة إليها قد صرعته . وذي أبهة قد جعلته حقيرا ( 4 ) وذي نخوة
قد ردته ذليلا ( 5 ) . سلطانها دول ( 6 ) ، وعيشها رنق ( 7 ) ، وعذبها أجاج ( 8 )
وحلوها صبر ( 9 ) ، وغذاؤها سمام ( 10 ) ، وأسبابها رمام ( 11 ) . حيها بعرض
موت . وصحيحها بعرض ( * ) سقم . ملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب
وموفورها منكوب ( 12 ) . وجارها محروب ( 13 ) . ألستم في مساكن
من كان قبلكم أطول أعمارا ، وأبقى آثارا وأبعد آمالا ، وأعد
عديدا ، وأكثف جنودا . تعبدوا للدنيا أي تعبد ، وآثروها أي إيثار .
* ( هامش ) * ( 1 ) القوادم - جمع قادمة - الواحدة من أربع أو عشر ريشات في مقدم جناح الطائر ، وهي
القوادم ( 2 ) يهلكه ( 3 ) أوجعته بفقد ما يعز عليه ( 4 ) أبهة بضم فتشديد : عظمة
( 5 ) النخوة بالفتح : الافتخار ( 6 ) جمع دولة : هي انقلاب الزمان ( 7 ) رنق - بفتح
فكسر - كدر ( 8 ) مالح شديد الملوحة ( 9 ) الصبر - ككتف - عصارة شجر مر ( 10 ) جمع رسم
مثلث السين ، وهو من المواد ما إذا حالط المزاج أفسده فقتل صاحبه ( 11 ) جمع رمة بالضم
وهي القطعة البالية من الحبل ، أي ما يتمسك به منها فهو بال منقطع ( 12 ) موفورها
ما كثر منها مصاب بالنكبة ، وهي المصيبة ، أي في معرض لذلك ( 13 ) من حربه حربا ( * ) = في نسخه : بضم العين وسكون الراء ( * )
ـ219ـ
ثم ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ ولا ظهر قاطع ( 1 ) فهل بلغكم أن الدنيا
سخت لهم نفسا بفدية ( 2 ) ، أو أعانتهم بمعونة أو أحسنت لهم صحبة .
بل أرهقتهم بالقوادح ( 3 ) ، وأوهنتهم بالقوارع ، وضعضعتهم بالنوائب ( 4 )
وعفرتهم للمناخر ( 5 ) ، ووطئتهم بالمناسم ( 6 ) ، وأعانت عليهم ريب
المنون . فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها ( 7 ) ، وآثرها وأخلد لها ( 8 ) ،
حتى ظعنوا عنها لفراق الابد ( 9 ) . وهل زودتهم إلا السغب ( 10 ) ، أو
أحلتهم إلا الضنك ( 11 ) ، أو نورت لهم إلا الظلمة ( 12 ) ، أو أعقبتهم
إلا الندامة . أفهذه تؤثرون أم إليها تطمئنون ؟ أم عليها تحرصون ؟ .
فبئست الدار لمن لم يتهمها ولم يكن فيها على وجل منها فاعلموا - وأنتم
تعلمون - بأنكم تاركوها وظاعنون عنها . واتعظوا فيها بالذين قالوا
" من أشد منا قوة " . حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ( 13 ) ،
* ( هامش ) * = بالتحريك إذا سلب ماله
( 1 ) ظهر قاطع : راحلة تركب لقطع الطريق ( 2 ) أي سخت
نفسها لهم بفداء ( 3 ) أرهقتهم : غشيتهم بالقوادح بالقاف جمع قادح وهو أكال يقع
في الشجر والاسنان ، أي بما ينهكهم ويمزق أجسادهم . وفي نسخة الفوادح بالفاء من
فدحه الامر إذا أثقله ( 4 ) ضعضعتهم : ذللتهم ( 5 ) كبتهم على مناخرهم في العفر وهو
التراب ( 6 ) جمع منسم وهو مقدم خف البعير أو الخف نفسه ( 7 ) دان لها : خضع
( 8 ) ركن إليها ( 9 ) أي فراق مدته لا نهاية لها ( 10 ) السغب - محركة - الجوع ( 11 ) الضنك
الضيق ( 12 ) أو نورت لهم الخ لم يكن لهم مما ظنوه نورا لها إلا الظلام ( 13 ) لا يقال لهم ( * ) =
ـ220ـ
وأنزلوا الاجداث ( 1 ) . فلا يدعون ضيفانا . وجعل لهم من الصفيح
أجنان ( 2 ) ، ومن التراب أكفان ( 3 ) ، ومن الرفات جيران ( 4 ) ، فهم
جيرة لا يجيبون داعيا ، ولا يمنعون ضيما ، ولا يبالون مندبة . إن جيدوا
لم يفرحوا ( 5 ) ، وإن قحطوا لم يقنطوا . جميع وهم آحاد ، وجيرة
وهم أبعاد . متدانون لا يتزاورون ( 6 ) ، وقريبون لا يتقاربون . حلماء قد
ذهبت أضغانهم ، وجهلاء قد ماتت أحقادهم . لا يخشى فجعهم ( 7 ) ، ولا
يرجى دفعهم استبدلوا بظهر الارض بطنا ، وبالسعة ضيقا ، وبالاهل
غربة ، وبالنور ظلمة . فجاءوها كما فارقوها ( 8 ) ، حفاة عراة . قد ظعنوا
عنها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة والدار الباقية ، كما قال سبحانه " كما
بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين "
* ( هامش ) * = ركبان جمع راكب لان الراكب من يكون مختارا وله التصرف في مركوبه ( 1 ) القبور
( 2 ) الصفيح : وجه كل شئ عريض ، والمراد وجه الارض . والاجنان جمع جنن محركة
وهو القبر ( 3 ) لان أكفانهم تبلى ولا يغشى أبدانهم سوى التراب ( 4 ) الرفات
العظام المندقة المحطومة ( 5 ) جيدوا : مطروا ( 6 ) متقاربون لا يزور بعضهم بعضا
( 7 ) لا تخاف منهم أن يفجعوك بضرر ( 8 ) جاءوا إلى الارض واتصلوا بها بعد ما
فارقوها وانفصلوا عنها في بدء خلقتهم ، فانهم خلقوا منها كما قال تعالى " منها خلقناكم
وفيها نعيدكم " وقوله قد ظعنوا عنها يشير إلى أنهم بعد الموت يذهبون بأرواحهم
إما إلى نعيم وإما إلى شقاء ، أو الظعن عنها هو البعث منها يوم القيامة ومفارقتها
إما إلى الجنة وإما إلى النار كما يرشد إليه الاستشهاد بالآية ( * )
ـ221ـ
112 - ومن خطبة له عليه السلام
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 221 سطر 1 الى ص 230 سطر 20
112 - ومن خطبة له عليه السلام
ذكر فيها ملك الموت وتوفية النفس
هل تحس به إذا دخل منزلا ؟ ، أم هل تراه إذا توفى أحدا ؟ ، بل كيف
يتوفى الجنين في بطن أمه . أيلج عليه من بعض جوارحها ( 1 ) ؟ ، أم
الروح أجابته بإذن ربها ؟ أم هو ساكن معه في أحشائها ؟ . كيف يصف
إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله
113 - ومن خطبة له عليه السلام
وأحذركم الدنيا فإنها منزل قلعة ( 2 ) ، وليست بدار نجعة ( 3 ) . قد
تزينت بغرورها ، وغرت بزينتها . دار هانت على ربها ، فخلط حلالها بحرامها
وخيرها بشرها ، وحياتها بموتها ، وحلوها بمرها . لم يصفها الله تعالى
لاوليائه ، ولم يضن بها على أعدائه . خيرها زهيد ، وشرها عتيد ( 4 ) .
وجمعها ينفد ، وملكها يسلب ، وعامرها يخرب . فما خير دار تنقض
* ( هامش ) * ( 1 ) يلج : يدخل ( 2 ) القلعة كهمزة وطرفة ودجنة : من لا يثبت على السرج ، أو من
يزل قدمه عند الصراع ، أي هي منزل من لا يستقر ( 3 ) النجعة بالضم طلب الكلا
في موضعه ، أي ليست محط الرحال ولا مبلغ الآمال ( 4 ) حاضر ( * )
ـ222ـ
نقض البناء ، وعمر يفنى فناء الزاد ، ومدة تنقطع انقطاع السير .
اجعلوا ما افترض الله عليكم من طلبكم ( 1 ) ، واسألوه من أداء حقه
ما سألكم . وأسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم . إن
الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم وإن ضحكوا ، ويشتد حزنهم وإن
فرحوا ، ويكثر مقتهم أنفسهم وإن اغتبطوا بما رزقوا ( 2 ) . قد غاب
عن قلوبكم ذكر الآجال ، وحضرتكم كواذب الآمال . فصارت
الدنيا أملك بكم من الآخرة ، والعاجلة أذهب بكم من الآجلة ،
وإنما أنتم إخوان على دين الله ما فرق بينكم إلا خبث السرائر ،
وسوء الضمائر . فلا توازرون ولا تناصحون ، ولا تباذلون ولا توادون .
ما بالكم تفرحون باليسير من الدنيا تدركونه ولا يحزنكم
الكثير من الآخرة تحرمونه . ويقلقكم اليسير من الدنيا يفوتكم
حتى يتبين ذلك في وجوهكم وقلة صبركم عما زوي منها عنكم ( 3 )
كأنها دار مقامكم . وكأن متاعها باق عليكم . وما يمنع أحدكم
* ( هامش ) * ( 1 ) مطلوبكم ، أي اجعلوا الفرائض من مطالبكم التي تسعون لنيلها ، واسألوا الله أن
يمنحكم ما سألكم من أداء حقه ، أي أن يمن عليكم بالتوفيق لاداء حقه ( 2 ) اغتبطوا :
غبطهم غيرهم بما آتاهم الله من الرزق ( 3 ) قلة صبركم عطف على وجوهكم . وزوي من
زواه إذا نحاه ( * )
ـ223ـ
أن يستقبل أخاه بما يخاف من عيبه إلا مخافة أن يستقبله بمثله . قد
تصافيتم على رفض الآجل وحب العاجل ، وصار دين أحدكم لعقة
على لسانه ( 1 ) . صنيع من قد فرغ من عمله وأحرز رضا سيده
114 - ومن خطبة له عليه السلام
الحمد لله الواصل الحمد بالنعم والنعم بالشكر . نحمده على
آلائه كما نحمده على بلائه . ونستعينه على هذه النفوس البطاء عما أمرت
به ( 2 ) ، السراع إلى ما نهيت عنه . ونستغفره مما أحاط به علمه وأحصاه
كتابه : علم غير قاصر وكتاب غير مغادر ( 3 ) . ونؤمن به إيمان من
عاين الغيوب ووقف على الموعود ، إيمانا نفى إخلاصه الشرك ويقينه
الشك . ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا
عبده ورسوله صلى الله عليه وآله شهادتين تصعدان القول
وترفعان العمل . لا يخف ميزان توضعان فيه ، ولا يثقل ميزان
ترفعان عنه
أوصيكم عباد الله بتقوى الله التي هي الزاد وبها المعاد : زاد
* ( هامش ) * ( 1 ) عبر باللعقة عن الاقرار باللسان مع ركون القلب إلى مخالفته ( 2 ) البطاء بالكسر
جمع بطيئة . والسراع جمع سريعة ( 3 ) غير تارك شيئا إلا أحاط به ( * )
ـ224ـ
مبلغ ومعاد منجح . دعا إليها أسمع داع واع ( 1 ) . فأسمع
داعيها وفاز واعيها
عباد الله إن تقوى الله حمت أولياء الله محارمه ( 2 ) . وألزمت قلوبهم
مخافته ، حتى أسهرت لياليهم ، وأظمأت هواجرهم ( 3 ) . فأخذوا الراحة
بالنصب ( 4 ) ، والري بالظمإ . واستقربوا الاجل فبادروا العمل ، وكذبوا
الامل فلاحظوا الاجل . ثم إن الدنيا دار فناء وعناء وغير وعبر فمن
الفناء أن الدهر موتر قوسه ( 5 ) ، لا تخطئ سهامه ، ولا توسى جراحه ( 6 ) . يرمي الحي بالموت ، والصحيح بالسقم ، والناجي بالعطب . آكل
لا يشبع ، وشارب لا ينقع ( 7 ) . ومن العناء أن المرء يجمع ما لا يأكل
ويبني ما لا يسكن . ثم يخرج إلى الله لا مالا حمل ، ولا بناء نقل .
ومن غيرها ( 8 ) أنك ترى المرحوم مغبوطا والمغبوط مرحوما ليس
ذلك إلا نعيما زل ( 9 ) ، وبؤسا نزل . ومن عبرها أن المرء يشرف على
* ( هامش ) * ( 1 ) وعاها فهمها وحفظها ( 2 ) حمى الشئ منعه أي منعتهم ارتكاب محرماته
( 3 ) أظمأتها بالصيام ( 4 ) التعب ( 5 ) فمن أسباب الفناء كون الدهر قد أوتر قوسه
ليرمي بها أبناءه ( 6 ) توسى تداوى من أسوت الجرح داويته ( 7 ) لا ينقع - كينفع -
لا يشتفى من العطش بالشرب ( 8 ) غيرها بكسر ففتح تقلبها . والمرحوم الذي ترق
له وترحمه لسوء حاله يصبح مغبوطا على ما تجدد له من نعمة ( 9 ) من زل فلان
زليلا وزلولا إذا مر سريعا . والمراد انتقل . أو هو الفعل اللازم من أزل إليه نعمة أسداها ( * )
ـ225ـ
أمله فيقطعه حضور أجله . فلا أمل يدرك ولا مؤمل يترك ، فسبحان
الله ما أغر سرورها وأظمأ ريها وأضحى فيئها ( 1 ) . لاجاء يرد ( 2 ) ، ولا
ماض يرتد . فسبحان الله ما أقرب الحي من الميت للحاقه به ، وأبعد
الميت من الحي لانقطاعه عنه
إنه ليس شئ بشر من الشر إلا عقابه ، وليس شئ بخير من
الخير إلا ثوابه . وكل شئ من الدنيا سماعه أعظم من عيانه . وكل
شئ من الآخرة عيانه أعظم من سماعه . فليكفكم من العيان
السماع ، ومن الغيب الخبر . واعلموا أن ما نقص من الدنيا وزاد في
الآخرة خير مما نقص من الآخرة وزاد في الدنيا . فكم من
منقوص رابح ومزيد خاسر . إن الذي أمرتم به أوسع من الذي
نهيتم عنه . وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم . فذروا ما قل
لما كثر ، وما ضاق لما اتسع . قد تكفل لكم بالرزق وأمرتم بالعمل ،
فلا يكونن المضمون لكم طلبه أولى ( 3 ) بكم من المفروض
عليكم عمله ، مع أنه والله لقد اعترض الشك ودخل اليقين ( 4 ) ،
* ( هامش ) * ( 1 ) أضحى كضحى كدعى : برز للشمس . والفئ الظل بعد الزوال أو مطلقا ( 2 ) الجائي
يريد به الموت ( 3 ) طلبه مبتدأ خبره أولى وجملتهما خبر يكون ( 4 ) دخل - ( * ) =
ـ226ـ
حتى كأن الذي ضمن لكم قد فرض عليكم ، وكأن الذي قد فرض
عليكم قد وضع عنكم . فبادروا العمل وخافوا بغتة الاجل ،
فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق ( 1 ) . ما فات
من الرزق رجي غدا زيادته . وما فات أمس من العمر لم يرج اليوم
رجعته . الرجاء مع الجائي ، واليأس مع الماضي . فاتقوا الله حق تقاته
ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون
115 - ( ومن خطبة له عليه السلام )
في الاستسقاء
اللهم قد انصاحت جبالنا ( 2 ) ، واغبرت أرضنا ، وهامت دوابنا .
وتحيرت في مرابضها ، وعجت عجيج الثكالى على أولادها ، وملت
التردد في مراتعها ، والحنين إلى مواردها . اللهم فارحم أنين الآنة ،
وحنين الحانة . اللهم فارحم حيرتها في مذاهبها ، وأنينها في موالجها ( 3 ) .
* ( هامش ) * = كفرح - خالطه فساد الاوهام ( 1 ) الذي يفوت من العمر لا يرجى رجوعه
بخلاف الذي يفوت من الرزق فإنه يمكن تعويضه ( 2 ) انصاحت جفت أعالي بقولها
ويبست من الجدب . وليس من المناسب تفسير انصاحت بانشقت إلا أن يراد المبالغة
في الحرارة التي اشتدت لتأخر المطر حتى اتقد باطن الارض نارا وتنفست في الجبال
فانشقت . وتفسير بقية الالفاظ يأتي في آخر الدعاء لصاحب الكتاب ( 3 ) مداخلها في ( * ) =
ـ227ـ
اللهم خرجنا إليك حين اعتكرت علينا حدابير السنين ، وأخلفتنا
مخائل الجود ( 1 ) . فكنت الرجاء للمبتئس ( 2 ) ، والبلاغ للملتمس .
ندعوك حين قنط الانام ، ومنع الغمام ، وهلك السوام ( 3 ) ، أن
لا تؤاخذنا بأعمالنا ، ولا تأخذنا بذنوبنا . وانشر علينا رحمتك بالسحاب
المنبعق ( 4 ) ، والربيع المغدق ( 5 ) ، والنبات المونق ( 6 ) . سحا وابلا ( 7 )
تحيي به ما قد مات ، وترد به ما قد فات . اللهم سقيا منك محيية
مروية ، تامة عامة ، طيبة مباركة ، هنيئة مريعة ( 8 ) . زاكيا
نبتها ( 9 ) ، ثامرا فرعها ، ناظرا ورقها ، تنعش بها الضعيف من عبادك ،
وتحيي بها الميت من بلادك . اللهم سقيا منك تعشب بها نجادنا ( 10 ) ،
وتجري بها وهادنا ، ويخصب بها جنابنا ( 11 ) ، وتقبل بها ثمارنا ،
وتعيش بها مواشينا ، وتندى بها أقاصينا ( 12 ) ،
* ( هامش ) * = المرابض ( 1 ) مخايل جمع مخيلة - كمصيبة - هي السحابة تظهر كأنها ماطرة ثم لا تمطر .
والجود بالفتح : المطر ( 2 ) الذي مسته البأساء والضراء . والبلاغ الكفاية ( 3 ) جمع سائمة
البهيمة الراعية من الابل ونحوها ( 4 ) انبعق المزن انفرج عن المطر كأنما هو حي
انشقت بطنه فنزل ما فيها ( 5 ) أغدق المطر كثر ماؤه ( 6 ) من آنقني إذا أعجبني . أو من
آنقه إذا سره وأفرحه ( 7 ) سحا : صبا . والوابل الشديد من المطر الضخم القطر
( 8 ) المريعة بفتح الميم : الخصيئة ( 9 ) زاكيا ناميا . وثامرا مثمرا آتيا بالثمر
( 10 ) جمع نجد ما ارتفع من الارض . والوهاد جمع وهدة ما انخفض منها ( 11 ) الجناب
الناحية ( 12 ) القاصية الناحية أيضا ، أو هي بمعنى البعيدة عنا من أطراف بلادنا في ( * ) =
ـ228ـ
وتستعين بها ضواحينا ( 1 ) . من بركاتك الواسعة ، وعطاياك الجزيلة
على بريتك المرملة ( 2 ) ، ووحشك المهملة . وأنزل علينا سماء مخضلة ( 3 )
مدرارا هاطلة . يدافع الودق منها الودق ( 4 ) ، ويحفز القطر منها القطر ( 5 )
غير خلب برقها ( 6 ) ، ولا جهام عارضها ( 7 ) ، ولا قزع ربابها ( 8 ) ، ولا
شفان ذهابها ( 9 ) ، حتى يخصب لامراعها المجدبون ، ويحيى ببركتها
المسنتون ( 10 ) ، فإنك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا ، وتنشر رحمتك
وأنت الولي الحميد
تفسير ما في هذه الخطبة من الغريب
قوله عليه السلام : ( انصاحت جبالنا ) أي تشققت من المحول ،
يقال : انصاح الثوب إذا انشق . ويقال أيضا : انصاح النبت وصاح
وصوح إذ جف ويبس . وقوله : ( وهامت دوابنا ) أي عطشت ،
والهيام العطش . وقوله :
( حدابير السنين ) - جمع حدبار - وهي
* ( هامش ) * = مقابلة جنابنا ( 1 ) ضاحية المال التي تشرب ضحى . والضواحي جمعها ( 2 ) بصيغة
الفاعل : الفقيرة ( 3 ) مخضلة من أخضله إذا بله ( 4 ) الودق المطر ( 5 ) يحفز : يدفع
( 6 ) البرق الخلب ما يطمعك في المطر ولا مطر معه ( 7 ) الجهام بالفتح السحاب الذي
لا مطر فيه . والعارض ما يعرض في الافق من السحاب ( 8 ) الرباب السحاب الابيض
( 9 ) جمع ذهبة بكسر الذال المطرة القليلة وهو المراد باللينة في تفسير صاحب الكتاب
( 10 ) المقحطون ( * )
ـ229ـ
الناقة التي أنضاها السير ، فشبه بها السنة التي فشا فيها الجدب ،
قال ذو الرمة :
- حدابيرما تنفك إلا مناخة * على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا
وقوله : ( ولا قزع ربابها ) القزع القطع الصغار المتفرقة من
السحاب . وقوله : ( ولا شفان ذهابها ) فإن تقديره ولا ذات شفان
ذهابها . والشفان الريح الباردة ، والذهاب الامطار اللينة . فحذف
ذات لعلم السامع به
116 - ومن خطبة له عليه السلام
أرسله داعيا إلى الحق وشاهدا على الخلق . فبلغ رسالات ربه
غير وان ولا مقصر ( 1 ) ، وجاهد في الله أعداءه غير واهن ولا معذر ( 2 ) .
إمام من اتقى ، وبصر من اهتدى ( منها ) لو تعلمون ما أعلم مما طوي
عنكم غيبه ، إذا لخرجتم إلى الصعدات ( 3 ) تبكون على أعمالكم ،
وتلتدمون على أنفسكم ( 4 ) . ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا
* ( هامش ) * ( 1 ) وان : متباطئ متثاقل ( 2 ) واهن ضعيف . والمعذر من يعتذر ولا يثبت
له عذر ( 3 ) الصعدات بضمتين جمع صعيد بمعنى الطريق ، أي لتركتم منازلكم
وهمتم في الطرق من شدة الخوف ( 4 ) الالتدام ضرب النساء صدورهن أو وجوههن ( * ) =
ـ230ـ
خالف عليها ( 1 ) ، ولهمت كل أمرئ نفسه ( 2 ) لا يلتفت إلى غيرها .
ولكنكم نسيتم ما ذكرتم ، وأمنتم ما حذرتم ، فتاه عنكم
رأيكم ، وتشتت عليكم أمركم . ولوددت أن الله فرق بيني
وبينكم وألحقنى بمن هو أحق بي منكم . قوم والله ميامين
الرأي ( 3 ) ، مراجيح الحلم ، مقاويل بالحق ، متاريك للبغي . مضوا قدما ( 4 ) ،
على الطريقة وأوجفوا على المحجة ( 5 ) ، فظهروا بالعقبى الدائمة والكرامة
الباردة ( 6 ) . أما والله ليسلطن عليكم غلام ثقيف الذيال الميال ( 7 ) .
يأكل خضرتكم ويذيب شحمتكم إيه أبا وذحة . ( أقول :
الوذحة الخنفساء . وهذا القول يومئ به إلى الحجاج ، وله مع الوذحة
حديث ( 8 ) ليس هذا موضع ذكره )
* ( هامش ) * = للنياحة ( 1 ) الخالف من تتركه في أهلك ومالك إذا خرجت لسفر أو حرب ( 2 ) همته :
حزنته وشغلته ( 3 ) ميامين - جمع ميمون - المبارك . ومراجيح أي حلماء ، من رجح إذا
ثقل ومال بغيره . والمراد الرزانة أي رزناء الحلم بكسر الحاء وهو العقل . ومقاويل - جمع
مقوال - من يحسن القول . ومتاريك - جمع متراك - المبالغ في الترك ( 4 ) القدم بضمتين
المضي أمام ، أي سابقين ( 5 ) الوجيف ضرب من سير الخيل والابل . وأوجف خيله
سيرها بهذا النوع ، أي اسرعوا على الطريق المستقيمة ( 6 ) من قولهم عيش بارد أي
هني ء ( 7 ) الذيال الطويل القد الطويل الذيل المتبختر في مشيته ( 8 ) قالوا ان الحجاج
رأى خنفساءا تدب إلى مصلاه فطردها فعادت ثم طردها فعادت فأخذها بيده فلسعته
فورمت يده وأخذته حمى من اللسعة فأهلكته ، قتله الله بأضعف مخلوقانه وأهونها ( * )
ـ231ـ
117 - ( ومن كلام له عليه السلام )
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 1 من ص 231 سطر 1 الى ص 236 سطر 18
117 - ( ومن كلام له عليه السلام )
فلا أموال بذلتموها للذي رزقها ، ولا أنفس خاطرتم بها للذي خلقها .
تكرمون بالله على عباده ( 1 ) ، ولا تكرمون الله في عباده . فاعتبروا
بنزولكم منازل من كان قبلكم ، وانقطاعكم عن أوصل إخوانكم
118 - ومن كلام له عليه السلام
أنتم الانصار على الحق ، والاخوان في الدين ، والجنن يوم البأس ( 2 ) ،
والبطانة دون الناس ( 3 ) . بكم أضرب المدبر ، وأرجو طاعة المقبل .
فأعينوني بمناصحة خلية من الغش سليمة من الريب . فوالله إني
لاولى الناس بالناس
119 - ومن كلام له عليه السلام
وقد جمع الناس وحضهم على الجهاد فسكتوا مليا ( 4 )
فقال عليه السلام : ما بالكم أمخرسون أنتم ؟ ( فقال قوم منهم : يا أمير
* ( هامش ) * ( 1 ) كرم الشئ - كحسن يحسن - أي عز ونفس ، أي أنكم تصيرون اعزاء بنسبتكم
للايمان بالله ثم لا تبجلون الله ولا تعظمونه بالاحسان إلى عباده ( 2 ) الجنن - بضم ففتح -
جمع جنة بالضم وهي الوقاية . والبأس الشدة ( 3 ) بطانة الرجل خواصه وأصحاب سره
( 4 ) قال بعضهم إن أمير المؤمنين قال هذا الكلام عند ما كان يغير أهل الشام على ( * ) =
ـ232ـ
المؤمنين إن سرت سرنا معك ، فقال عليه السلام : ما بالكم :
لا سددتم لرشد ( 1 ) ، ولا هديتم لقصد ، أفي مثل هذا ينبغي لي أن أخرج ؟
إنما يخرج في مثل هذا رجل ممن أرضاه من شجعانكم وذوي بأسكم ،
ولا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الارض والقضاء
بين المسلمين والنظر في حقوق المطالبين ، ثم أخرج في كتيبة أتبع
أخرى أتقلقل تقلقل القدح في الجفير الفارغ ( 2 ) ، وإنما أنا قطب الرحى
تدور علي وأنا بمكاني ، فإذا فارقته استحار ( 3 ) مدارها واضطرب ثفالها ( 4 )
هذا لعمر الله الرأي السوء . والله لولا رجائي الشهادة عند لقائي العدو
- لو قد حم لي لقاؤه - ( 5 ) لقربت ركابي ( 6 ) ، ثم شخصت عنكم فلا
أطلبكم ما اختلف جنوب وشمال . إنه لا غناء في كثرة عددكم ( 7 )
مع قلة اجتماع قلوبكم . لقد حملتكم على الطريق الواضح التي لا
* ( هامش ) * = أطراف أعماله بعد واقعة صفين
( 1 ) سدده : وفقه للسداد ( 2 ) القدح بالكسر السهم
قبل أن يراش وينصل . والجفير الكنانة توضع فيها السهام . وإنما خص القدح لانه
يكون أشد قلقلة من السهم المراش حيث أن حد الريش قد يمنعه من القلقلة أو يخففها
( 3 ) استحار : تردد واضطرب ( 4 ) الثفال كغراب وكتاب : الحجر الاسفل من الرحى
وككتاب ما وقيت به الرحى من الارض ( 5 ) حم : قدر ( 6 ) حزمت إبلي وأحضرتها
للركوب . وشخصت أي بعدت عنكم وتخليت عن أمر الخلافة ( 7 ) الغناء - بالفتح
والمد - النفع ( * )
ـ233ـ
يهلك عليها إلا هالك ( 1 ) ، من استقام فإلى الجنة ومن زل فإلى النار
120 - ( ومن كلام له عليه السلام )
تالله لقد علمت تبليغ الرسالات ، وإتمام العدات ( 2 ) ، وتمام
الكلمات . وعندنا أهل البيت أبواب الحكم وضياء الامر . ألا وإن
شرائع الدين واحدة ، وسبله قاصدة ( 3 ) . من أخذ بها لحق وغنم ،
ومن وقف عنها ضل وندم . اعملوا ليوم تذخر له الذخائر ، وتبلى فيه
السرائر . ومن لا ينفعه حاضر لبه فعازبه عنه أعجز ( 4 ) ، وغائبه أعوز ( 5 ) .
واتقوا نارا حرها شديد ، وقعرها بعيد ، وحليتها حديد ، وشرابها
صديد ( 6 ) . ألا وإن اللسان الصالح يجعله الله للمرء في الناس خير له
من المال يورثه من لا يحمده ( 7 )
121 - ( ومن كلام له عليه السلام )
وقد قام إليه رجل من أصحابه فقال : نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا
* ( هامش ) * ( 1 ) الذي حتم هلاكه لتمكن الفساد من طبعه وجبلته ( 2 ) جمع عدة
بمعنى الوعد ( 3 ) مستقيمة ( 4 ) عازبه : غائبه ، أي من لم ينتفع بعقله الموهب له الحاضر في
نفسه فأولى به أن لا ينتفع بعقل غيره الذي هو غائب عن نفسه . أي ليس من صفاتها
بل من صفات الغير ( 5 ) عوز الشئ كفرح : أي لم يوجد ( 6 ) الصديد ماء الجرح
الرقيق والحميم ( 7 ) اللسان الصالح : الذكر الحسن ( * )
ـ234ـ
بها فما ندري أي الامرين أرشد ؟ فصفق عليه السلام إحدى يديه على
الاخرى ثم قال :
هذا جزاء من ترك العقدة ( 1 ) . أما والله لو أني حين أمرتكم بما
أمرتكم به حملتكم على المكروه الذي يجعل الله فيه خيرا ، فإن
استقمتم هديتكم ، وإن اعوججتم قومتكم ، وإن أبيتم
تداركتكم ، لكانت الوثقى ، ولكن بمن وإلى من ؟ . أريد أن
أداوي بكم وأنتم دائي ، كناقش الشوكة بالشوكة وهو يعلم أن
ضلعها معها ( 2 ) . اللهم قد ملت أطباء هذا الداء الدوي ( 3 ) ، وكلت النزعة
بأشطان الركي ( 4 ) . أين القوم الذين دعوا إلى الاسلام فقبلوه ،
وقرأوا القرآن فأحكموه . وهيجوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى
أولادها ( 5 ) ، وسلبوا السيوف أغمادها . وأخذوا بأطراف الارض زحفا
زحفا وصفا صفا . بعض هلك وبعض نجا . لا يبشرون بالاحياء ( 6 ) ، ولا
* ( هامش ) * ( 1 ) ما حصل عليه التعاقد من حرب الخارجين عن البيعة حتى يكون الظفر أو الهزيمة ( 2 ) الضلع
بتسكين اللام الميل . وأصل المثل " لا تنقش الشوكة بالشوكة فإن ضلعها معها " يضرب للرجل يخاصم
آخر ويستعين عليه بمن هو من قرابته أو أهل مشربه . ونقش الشوكة إخراجها من العضو تدخل
فيه ( 3 ) الدوي بفتح فكسر : المؤلم ( 4 ) كلت : ضعفت . والنزعة جمع نازع . والاشطان جمع شطن
وهو الحبل . والركي جمع ركية وهي البئر ، أي ضعفت قوة النازعين لمياه المعونة من آبار هذه الهمم
الغائضة الغائرة ( 5 ) اللقاح جمع لقوح وهي الناقة . وولهها إلى أولادها فزعها إليها إذا فارقتها .
( 6 ) إذا قيل لهم نجا فلان فبقي حيا لا يفرحون لان أفضل الحياة عندهم الموت في سبيل الحق .
ولا يحزنون إذا قيل لهم مات فلان فإن الموت عندهم حياة السعادة الابدية . ( * )
ـ235ـ
يعزون عن الموتى . مره العيون من البكاء ( 1 ) . خمص البطون ( 2 ) من
الصيام . ذبل الشفاه من الدعاء ( 3 ) . صفر الالوان من السهر . على
وجوههم غبرة الخاشعين . أولئك إخواني الذاهبون . فحق لنا أن نظمأ
إليهم ونعض الايدي على فراقهم . إن الشيطان يسني لكم طرقه ( 4 ) ،
ويريد أن يحل دينكم عقدة عقدة ، ويعطيكم بالجماعة الفرقة ( 5 ) .
فاصدفوا عن نزغاته ونفثاته ( 6 ) . واقبلوا النصيحة ممن أهداها إليكم ،
واعقلوها على أنفسكم ( 7 ) .
122 - ومن كلام له عليه السلام قاله للخوارج وقد خرج إلى معسكرهم
وهم مقيمون على إنكار الحكومة ، فقال عليه السلام :
أكلكم شهد معنا صفين ؟ فقالوا : منا من شهد ومنا من لم يشهد .
قال : فامتازوا فرقتين ، فليكن من شهد صفين فرقة ، ومن لم يشهدها
فرقة حتى أكلم كلا بكلامه . ونادى الناس فقال : أمسكوا عن
الكلام وانصتوا لقولي ، وأقبلوا بأفئدتكم إلي ، فمن نشدناه شهادة
فليقل بعلمه فيها . ثم كلمهم عليه السلام بكلام طويل ( منه ) :
* ( هامش ) * ( 1 ) مره بضم فسكون جمع أمره من مرهت عينه إذا فسدت أو أبيضت حماليقها ( 2 ) خمص البطون
ضوامرها ( 3 ) ذبلت شفته جفت ويبست لذهاب الريق ( 4 ) يسني يسهل ( 5 ) يعطيكم الفرقة بدل
الجماعة كأنه يبيعهم الثانية بالاولى ( 6 ) فاصدفوا ، أي فاعرضوا عن وساوسه ( 7 ) اعقلوها :
احبسوها على أنفسهم لا تتركوها فتضيع منكم فتخسرون . ( * )
ـ236ـ
ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلة وغيلة ، ومكرا وخديعة :
إخواننا وأهل دعوتنا ، استقالونا واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه ،
فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم . فقلت لكم : هذا أمر ظاهره
إيمان وباطنه عدوان ، وأوله رحمة وآخره ندامة . فأقيموا على شأنكم ،
والزموا طريقتكم ، وعضوا على الجهاد بنواجذكم . ولا تلتفتوا إلى
ناعق نعق : إن أجيب أضل ، وإن ترك ذل . وقد كانت هذه الفعلة ،
وقد رأيتكم أعطيتموها ( 1 ) ، والله لئن أبيتها ما وجبت علي فريضتها ،
ولا حملني الله ذنبها . ووالله إن جئتها إني للمحق الذي يتبع . وإن
الكتاب لمعي . ما فارقته مذ صحبته . فلقد كنا مع رسول الله صلى
الله عليه وآله وإن القتل ليدور على الآباء والابناء والاخوان والقرابات ،
فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلا إيمانا ، ومضيا على الحق ، وتسليما
للامر ، وصبرا على مضض الجراح . ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا
في الاسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل .
فإذا طمعنا في خصلة ( 2 ) يلم الله بها شعثنا ونتدانى بها إلى البقية فيما
بيننا رغبنا فيها وأمسكنا عما سواها .
* ( هامش ) * ( 1 ) أنتم الذين اعطيتم لها صورتها هذه التي صارت عليها برأيكم ( 2 ) المراد من الخصلة بالفتح هنا
الوسيلة . ولم شعثه : جمع أمره . ونتدانى : نتقارب إلى ما بقي بيننا من علائق الارتباط . ( * )
............................................................................
نهج البلاغة مجلد: 2
ـ 1 ـ

الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم
123 - ومن كلام له عليه السلام
قاله لاصحابه في ساحة الحرب
وأي امرئ منكم أحس من نفسه رباطة جأش عند اللقاء ( 1 ) ،
ورأى من أحد من إخوانه فشلا فليذب عن أخيه ( 2 ) بفضل نجدته التي
فضل بها عليه كما يذب عن نفسه . فلو شاء الله لجعله مثله . إن
الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب . إن أكرم
الموت القتل ( 3 ) . والذى نفس ابن أبي طالب بيده لالف ضربة بالسيف
أهون علي من ميتة على الفراش ( منه ) وكأني أنظر إليكم تكشون
كشيش الضباب ( 4 ) . لا تأخذون حقا ولا تمنعون ضيما . قد خليتم
والطريق ( 5 ) . فالنجاة للمقتحم والهلكة للمتلوم 124 - ( منه ) فقدموا
* ( هامش ) * ( 1 ) رباطة الجأش : قوة القلب عند لقاء الاعداء ( 2 ) الفشل : الضعف وقوله فليذب أي فليدفع
والنجدة بالفتح : الشجاعة ( 3 ) في سبيل الحماية عن الحق ورد كيد الباطل عنه
( 4 ) كشيش الضباب صوت احتكاك جلودها عند ازدحامها ، والمراد حكاية حالهم
عند الهزيمة ( 5 ) قد خلى بينكم وبين طريق الآخرة . فمن اقتحم أخطار القتال ورمى ( * ) =
ـ 3 ـ
الدارع ( 1 ) وأخروا الحاسر ، وعضوا على الاضراس ، فإنه أنبى للسيوف
عن الهام ( 2 ) . والتووا في أطراف الرماح ( 3 ) فإنه أمور للاسنة . وغضوا
الابصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب . وأميتوا الاصوات فإنه
أطرد للفشل . ورايتكم فلا تميلوها ولا تخلوها ، ولا تجعلوها إلا
بأيدي شجعانكم والمانعين الذمار منكم ( 4 ) ، فإن الصابرين على
نزول الحقائق ( 5 ) هم الذين يحفون براياتهم ، ويكتنفون حفافيها :
وراءها وأمامها . ولا يتأخرون عنها فيسلموها ، ولا يتقدمون عليها
فيفردوها . أجزأ امرؤ قرنه ( 6 ) ، وآسى أخاه بنفسه ، ولم يكل قرنه
إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه . وأيم الله لئن فررتم من
سيف العاجلة لا تسلموا من سيف الآخرة . وأنتم لهاميم العرب ( 7 )
* ( هامش ) * = بنفسه إليها فقد نجا ، ومن تلوم أي توقف وتباطأ فقد هلك ( 1 ) الدارع لابس الدرع ،
والحاسر من لا درع له ( 2 ) أنبى : من نبا السيف إذا دفعته الصلابة من موقعه فلم يقطع
( 3 ) إذا وصلت إليكم أطراف الرماح فانعطفوا وأميلوا جانبكم فتزلق ولاتنفذ فيكم أسنتها ،
وأمور أي أشد فعلا للمور وهو الاضطراب الموجب للانزلاق وعدم النفوذ ( 4 ) الذمار
بالكسر ما يلزم الرجل حفظه وحمايته من ماله وعرضه ( 5 ) جمع حاقة وهي النازلة الثابتة ،
ويحفون بالرايات أي يستديرون حولها ، ويكتنفونها : يحيطون بها ، وحفافيها : جانبيها
( 6 ) أجزأ وما بعده أفعال ماضية في معنى الامر أي فليكف كل منكم قرنه أي كفؤه
وخصمه فيقتله وليواس أخاه . آساه يؤاسيه : قواه ، رباعي ثلاثيه أسى البناء إذا قوي ، ومنه
الاسية للمحكم من البناء والدعامة ولا يترك خصمه إلى أخيه فيجتمع على أخيه خصمان فيغلبانه ثم
ينقلبان عليه فيهلكانه ( 7 ) لهاميم جمع لهميم بالكسر : الجواد السابق من الانسان والخيل ( * )
ـ 4 ـ
والسنام الاعظم . إن في الفرار موجدة الله ( 1 ) ، والذل اللازم والعار
الباقي . وإن الفار لغير مزيد في عمره ولا محجوز بينه وبين يومه .
الرائح ( * ) إلى الله كالظمآن يرد الماء . الجنة تحت أطراف العوالي ( 2 ) .
اليوم تبلى الاخبار ( 3 ) . والله لانا أشوق إلى لقائهم منهم إلى ديارهم .
اللهم فإن ردوا الحق فافضض جماعتهم ، وشتت كلمتهم ، وأبسلهم
بخطاياهم ( 4 ) . إنهم لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دراك ( 5 ) . يخرج
منه النسيم ، وضرب يفلق الهام ، ويطيح العظام ، ويندر السواعد
والاقدام ( 6 ) . وحتى يرموا بالمناسر تتبعها المناسر ( 7 ) ، ويرجموا بالكتائب
تقفوها الحلائب ( 8 ) ، وحتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس ، وحتى
تدعق الخيول في نواحر أرضهم ( 9 ) ، وبأعنان مساربهم ومسارحهم ( 10 )
* ( هامش ) * ( 1 ) موجدته : غضبه ( 2 ) الرماح ( 3 ) تبلى : تمتحن أخبار كل امرئ عما في قلبه من
دعوى الشجاعة والصدق في الايمان فيتبين الصادق من الكاذب ( 4 ) أبسله : أسلمه
للهلكة ( 5 ) دراك ككتاب متتابع متوال يفتح في أبدانهم أبوابا يمر منها النسيم
( 6 ) يندرها كيهلكها أي يسقطها ( 7 ) المناسر جمع منسر كمجلس القطعة من الجيش
تكون أمام الجيش الاعظم ( 8 ) الكتائب جمع كتيبة من المائة إلى الالف : والحلائب
جمع حلبة على ما في القاموس الجماعة من الخيل تجتمع من كل صوب للنصرة ، والخميس
الجيش العظيم وقيل من أربعة آلاف إلى إثنى عشر ألفا ( 9 ) دعق الطريق كمنع وطئه
وطئا شديدا . ودعق الغارة بثها ( 10 ) أعنان الشئ أطرافه ، والمسارب المذاهب للرعي
( * ) في نسخة : من رائح . ( * )
ـ 5 ـ
( أقول : الدعق : الدق ، أي تدق الخيول بحوافرها أرضهم . ونواحر
أرضهم متقابلاتهما . يقال : منازل بني فلان تتناحر ، أي تتقابل )
125 - ومن كلام له عليه السلام
في التحكيم
إنا لم نحكم الرجال وإنما حكمنا القرآن . وهذا القرآن
إنما هو خط مستور بين الدفتين ( 1 ) لا ينطق بلسان ، ولابد له من
ترجمان . وإنما ينطق عنه الرجال . ولما دعانا القوم إلى أن نحكم
بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله تعالى . وقد
قال الله سبحانه " فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول " .
فرده إلى الله أن نحكم بكتابه ، ورده إلى الرسول أن نأخذ بسنته ،
فإذا حكم بالصدق في كتاب الله فنحن أحق الناس به ، وإن حكم
بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فنحن أولاهم به . وأما قولكم
لم جعلت بينك وبينهم أجلا في التحكيم ، فإنما فعلت ذلك
ليتبين الجاهل ويتثبت العالم . ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة
أمر هذه الامة ، ولا تؤخذ بأكظامها ( 2 ) فتعجل عن تبين الحق
* ( هامش ) * ( 1 ) الدفتان صفحتان من جلد تحويان ورق المصحف ( 2 ) الاكظام جمع كظم محركة ( * ) =
ـ 6 ـ
وتنقاد لاول الغي . إن أفضل الناس عند الله من كان العمل بالحق أحب
إليه - وإن نقصه وكرثه ( 1 ) - من الباطل وإن جر إليه فائدة وزاده .
فأين يتاه بكم ! . ومن أين أتيتم ! . استعدوا للمسير إلى قوم حيارى
عن الحق لا يبصرونه ، وموزعين بالجور ( 2 ) لا يعدلون به . جفاة عن
الكتاب . نكب عن الطريق ( 3 ) . ما أنتم بوثيقة يعلق بها ( 4 ) ،
ولا زوافر عز يعتصم إليها ( 5 ) . لبئس حشاش نار الحرب أنتم ( 6 ) . أف
لكم لقد لقيت منكم برحا ( 7 ) ، يوما أناديكم ويوما أناجيكم ، فلا
أحرار عند النداء ، ولا إخوان ثقة عند النجاء ( 8 )
126 - ومن كلام له عليه السلام
لما عوتب على التسوية في العطاء
أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ، والله
* ( هامش ) * = مخرج النفس . والاخذ بالاكظام المضايقة والاشتداد بسلب المهلة ( 1 ) كرثه كنصره
وضربه اشتد عليه الغم بحكم الحق فإن الحزن بالحق مسرة لديه . والمسرة بالباطل زهرة
ثمرتها الغم الدائم ، وقوله من الباطل متعلق بأحب ( 2 ) موزعين من أوزعه أي أغراه
وقوله لا يعدلون به أي لا يستبدلونه بالعدل ( 3 ) نكب جمع ناكب الحائد عن الطريق
( 4 ) أي بعروة وثيقة يستمسك بها ( 5 ) زافرة الرجل أنصاره وأعوانه ( 6 ) الحشاش
جمع حاش من حش النار أي أوقدها ، أي لبئس الموقدون لنار الحرب أنتم ( 7 ) برحا
بالفتح شر أو شدة ( 8 ) النجاء الافضاء بالسر والتكلم مع شخص بحيث لا يسمع الآخر ( * )
ـ 7 ـ
ما أطور به ما سمر سمير ( 1 ) ، وما أم نجم في السماء نجما ( 2 ) . لو كان المال لي
لسويت بينهم فكيف وإنما المال مال الله . ألا وإن إعطاء المال في
غير حقه تبذير وإسراف ، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في
الآخرة ، ويكرمه في الناس ويهينه عند الله . ولم يضع امرؤ ماله
في غير حقه ولا عند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم ، وكان لغيره
ودهم . فإن زلت به النعل يوما فاحتاج إلى معونتهم فشر خدين ( 3 ) ،
وألام خليل
127 - ومن كلام له عليه السلام للخوارج أيضا
فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت ، فلم تضللون عامة
أمة محمد صلى الله عليه وآله بضلالي ، وتأخذونهم بخطإي ،
وتكفرونهم بذنوبي . سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء
والسقم ، وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب . وقد علمتم أن رسول الله
صلى الله عليه وآله رجم الزاني المحصن ثم صلى عليه ثم ورثه أهله . وقتل
القاتل وورث ميراثه أهله . وقطع السارق وجلد الزاني غير المحصن .
* ( هامش ) * ( 1 ) ماأطور به من طار يطور : حام حول الشئ ، أي ما أمر به ولا أقار به مبالغة في الابتعاد
عن العمل بما يقولون . وما سمر سمير أي مدى الدهر ( 2 ) أي ما قصد نجم نجما ( 3 ) صديق ( * )
ـ 8 ـ
ثم قسم عليهما من الفئ ونكحا المسلمات ، فأخذهم رسول الله
صلى الله عليه وآله بذنوبهم ، وأقام حق الله فيهم ، ولم يمنعهم
سهمهم من الاسلام ، ولم يخرج أسماءهم من بين أهله ( 1 ) . ثم أنتم
شرار الناس ، ومن رمى به الشيطان مراميه ، وضرب به تيهه ( 2 ) .
وسيهلك في صنفان : محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق ، ومبغض
مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق ، وخير الناس في حالا النمط الاوسط ،
فالزموه والزموا السواد الاعظم فإن يد الله على الجماعة . وإياكم والفرقة
فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب ألا من دعا
إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه ( 3 ) وإنما حكم الحكمان
ليحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن . وإحياؤه الاجتماع عليه ،
وإماتته الافتراق عنه . فإن جرنا القرآن إليهم اتبعناهم ، وإن جرهم
إلينا اتبعونا . فلم آت - لا أبالكم - بجرا ( 4 ) ، ولا ختلتكم عن أمركم ( 5 )
* ( هامش ) * ( 1 ) كان من زعم الخوارج أن من أخطأ وأذنب فقد كفر ، فأراد الامام
أن يقيم الحجة على بطلان زعمهم بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم
( 2 ) سلك به في بادية ضلاله ( 3 ) الشعار علامة القوم في الحرب والسفر ، وهو ما يتنادون
به ليعرف بعضهم بعضا . قيل كان شعار الخوارج " لاحكم إلا لله " وقيل المراد بهذا
الشعار هو ما امتازوا به من الخروج عن الجماعة ، فيريد الامام أن كل خارج عن رأي
الجماعة مستبد برأيه عامل على التصرف بهواه فهو واجب القتل وإلا كان أمره فتنة
وتفريقا بين المؤمنين ( 4 ) البجر بالضم الشر والامر العظيم ( 5 ) ختلتكم : خدعتكم . ( * ) =
ـ 9 ـ
ولا لبسته عليكم ، إنما اجتمع رأي ملاكم على اختيار رجلين
أخذنا عليهما أن لا يتعديا القرآن فتاها عنه ، وتركا الحق وهما يبصرانه ،
وكان الجور هواهما فمضيا عليه . وقد سبق استثناؤنا عليهما - في
الحكومة بالعدل والصمد للحق - سوء رأيهما ( 1 ) وجور حكمهما
128 - ومن كلام له عليه السلام
فيما يخبر به من الملاحم بالبصرة ( 2 )
يا أحنف كأني به وقد سار بالجيش الذي لايكون له غبار ولا
لجب ( 3 ) ، ولا قعقعة لجم ، ولا حمحمة خيل ( 4 ) . يثيرون الارض بأقدامهم
كأنها أقدام النعام ( يومي بذلك إلى صاحب الزنج . ثم قال عليه السلام ) : ويل
لسكككم العامرة ( 5 ) ، والدور المزخرفة التي لها أجنحة كأجنحة
النسور ( 6 ) ، وخراطيم كخراطيم الفيلة ، من أولئك الذين لا يندب
* ( هامش ) * = والتلبيس خلط الامر وتشبيهه حتى لا يعرف وجه الحق فيه ( 1 ) الصمد : القصد . وسوء
مفعول لاستثناؤنا ( 2 ) الملاحم جمع ملحمة وهي الواقعة العظيمة ( 3 ) اللجب الصياح .
واللجم جمع لجام . وقعقعتها ما يسمع من صوت اضطرابها بين أسنان الخيل ( 4 ) الحمحمة
صوت البرذون عند الشعير وعر الفرس ( أي صوته ) عند ما يقصر في الصهيل ويستعين
بنفسه ( 5 ) جمع سكة : الطريق المستوي وهو إخبار عما يصيب تلك الطرق من تخريب
ما حواليها من البنيان على يد صاحب الزنج ، وقد تقدم خبره في قيامه وسقوطه
فراجعه ( 6 ) أجنحة الدور رواشنها . وقيل إن الجناح والروشن يشتركان في إخراج ( * ) =
ـ 10 ـ
قتلهم ( 1 ) ، ولا يفتقد غائبهم . أنا كاب الدنيا لوجهها ، وقادرها بقدرها ،
وناظرها بعينها
( منه ، ويومي به إلى وصف الاتراك ) كأني أراهم قوما كأن
وجوههم المجان المطرقة ( 2 ) ، يلبسون السرق والديباج ( 3 ) ، ويعتقبون
الخيل العتاق ( 4 ) . ويكون هناك استحرار قتل حتى ( 5 ) يمشي المجروح على
المقتول ، ويكون المفلت أقل من المأسور ( فقال له بعض أصحابه :
لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ، فضحك عليه السلام ، وقال
للرجل وكان كلبيا ) : يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب ، وإنما هو
تعلم من ذي علم . وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدد الله سبحانه بقوله
" إن الله عنده علم الساعة " الآية ، فيعلم سبحانه ما في الارحام من ذكر
* ( هامش ) * ( = الخشب من حائط الدار إلى الطريق بحيث لا يصل إلى جدار آخر يقابله وألا فهو الساباط ،
ويختلفان في أن الجناح توضع له أعمدة من الطريق بخلاف الروشن ، وخراطيمها
ما يعمل من الاخشاب والبواري بارزة عن السقوف لوقاية الغرف عن الامطار وشعاع
الشمس . أو الخراطيم هي الميازيب تطلى بالقار على طول نحو خمسة أذرع أو أزيد ( 1 ) اولئك أصحاب الزنجي لانهم عبيد ( 2 ) في القاموس أي التي يطرق بعضها على
بعض كالنعل المطرقة أي المخصوفة ، وهو عجز عن التعبير ، والاحسن أن يقال أي التي
ألزق بها الطراق ككتاب - وهو جلد يقور على مقدار الترس ثم يلزق به ( 3 ) السرق
بالتحريك شقق الحرير الابيض أو هو الحرير عامة ( 4 ) يعتقبون : يحتبسون كرائم
الخيل ويمنعونها غيرهم ( 5 ) استحرار القتل : اشتداده ( * )
ـ 11 ـ
أو أنثى ، وقبيح أو جميل ، وسخي أو بخيل ، وشقي أو سعيد ، ومن
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 11 سطر 1 الى ص 20 سطر 21
أو أنثى ، وقبيح أو جميل ، وسخي أو بخيل ، وشقي أو سعيد ، ومن
يكون في النار حطبا ، أو في الجنان للنبيين مرافقا . فهذا علم الغيب
الذي لا يعلمه أحد إلا الله ، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه
فعلمنيه ، ودعا لي بأن يعيه صدري ، وتضطم عليه جوانحي ( 1 )
129 - ومن خطبة له عليه السلام
في ذكر المكاييل والموازين
عباد الله ، إنكم - وما تأملون من هذه الدنيا أثوياء .
مؤجلون ( 2 ) ومدينون مقتضون . أجل منقوص وعمل محفوظ . فرب
دائب مضيع ( 3 ) ، ورب كادح خاسر . وقد أصبحتم في زمن لا يزداد
الخير فيه إلا إدبارا ، ولا الشر إلا إقبالا ، ولا الشيطان في هلاك الناس إلا
طمعا . فهذا أوان قويت عدته ( 4 ) ، وعمت مكيدته ، وأمكنت
فريسته ( 5 ) . اضرب بطرفك حيث شئت من الناس فهل تبصر إلا فقيرا
* ( هامش ) * ( 1 ) تضطم : هو افتعال من الضم ، أي وتنضم عليه جوانحي . والجوانح الاضلاع تحت
الترائب مما يلي الصدر . وانضمامها عليه اشتمالها على قلب يعيها ( 2 ) أثوياء جمع ثوي
كغني وهو الضيف ( 3 ) الدائب المداوم في العمل . والكادح الساعي لنفسه بجهد
ومشقة ، والمراد من يقصر سعيه على جمع حطام الدنيا ( 4 ) الضمير للشيطان ( 5 ) امكنت
الفريسة : أي سهلت وتيسرت ( * )
ـ 12 ـ
يكابد فقرا ، أو غنيا بدل نعمة الله كفرا ، أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله
وفرا ، أو متمردا كأن بأذنه عن سمع المواعظ وقرا . أين خياركم وصلحاؤكم
وأين أحراركم وسمحاؤكم وأين المتورعون في مكاسبهم ، والمتنزهون
في مذاهبهم . أليس قد ظعنوا جميعا عن هذه الدنيا الدنية والعاجلة المنغصة .
وهل خلقتم إلا في حثالة ( 1 ) لا تلتقي بذمهم الشفتان ، استصغارا لقدرهم ،
وذهابا عن ذكرهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ظهر الفساد فلا منكر
مغير ، ولا زاجر مزدجر . أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله في دار
قدسه ، وتكونوا أعز أوليائه عنده ؟ هيهات لا يخدع الله عن جنته ،
ولا تنال مرضاته إلا بطاعته . لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له ،
والناهين عن المنكر العاملين به
130 - ومن كلام له عليه السلام
لابي ذر رحمه الله لما خرج إلى الربذة ( 2 )
يا أباذر ، إنك غضبت لله فارج من غضبت له . إن القوم خافوك
على دنياهم وخفتهم على دينك ، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه ،
* ( هامش ) * ( 1 ) الحثالة بالضم الردئ من كل شئ . والمراد قزم الناس وصغراء النفوس
( 2 ) محركة : موضع على قرب من المدينة المنورة فيه قبر أبي ذر الغفاري رضي الله عنه
والذي أخرجه إليه الخليفه الثالث رضي الله عنه ( * )
ـ 13 ـ
واهرب منهم بما خفتهم عليه . فما أحوجهم إلى ما منعتهم وما أغناك عما
منعوك . وستعلم من الرابح غدا ، والاكثر حسدا . ولو أن السماوات
والارضين كانتا على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا ، ولا
يؤنسنك إلا الحق ، ولا يوحشنك إلا الباطل . فلو قبلت دنياهم
لاحبوك ، ولو قرضت منها لامنوك ( 1 ) .
131 - ومن كلام له عليه السلام
أيتها النفوس المختلفة والقلوب المتشتتة . الشاهدة أبدانهم ،
والغائبة عنهم عقولهم ، أظأركم على الحق ( 2 ) وأنتم تنفرونه عنه نفور
المعزى من وعوعة الاسد ، هيهات أن أطلع بكم سرار العدل ( 3 ) ، أو
أقيم اعوجاج الحق . اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة
في سلطان ولا التماس شئ من فضول الحطام ، ولكن لنرد المعالم
من دينك ، ونظهر الاصلاح في بلادك . فيأمن المظلومون من
عبادك ، وتقام المعطلة من حدودك . اللهم إني أول من أناب وسمع
* ( هامش ) * ( 1 ) لو قرضت منها : لو قطعت منها جزءا واختصصت به نفسك أي لو رضيت أن تنال منها
( 2 ) أظأركم : أعطفكم ( 3 ) السرار كسحاب في الاصل : آخر ليلة من الشهر ، والمراد الظلمة أي
أن أطلع بكم شارفا يكشف عما عرض على العدل من الظلمة ، كما يدل على هذا قوله : أو
أقيم اعواج الحق ، فإن الحق لا اعوجاج فيه ، ولكن قوما خلطوه بالباطل ، فهذا ما أصابه ( * ) =
ـ 14 ـ
وأجاب ، لم يسبقني إلا رسول الله صلى الله عليه وآله بالصلاة
وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء
والمغانم والاحكام وإمامة المسلمين البخيل فتكون في أموالهم
نهمته ( 1 ) ، ولا الجاهل فيضلهم بجهله ، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ، ولا
الحائف للدول ( 2 ) فيتخذ قوما دون قوم ، ولا المرتشي في الحكم
فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع ( 3 ) ، ولا المعطل للسنة
فيهلك الامة
132 - ومن خطبة له عليه السلام
نحمده على ما أخذ وأعطى ، وعلى ما أبلى وابتلى ( 4 ) . الباطن لكل
خفية . الحاضر لكل سريرة . العالم بما تكن الصدور وما تخون
العيون . ونشهد أن لا إله غيره ، وأن محمدا نجيبه وبعيثه ( 5 ) شهادة
يوافق فيها السر الاعلان والقلب اللسان ( منها ) فإنه والله الجد لا
* ( هامش ) * = من اعوجاج ( 1 ) النهمة بالفتح إفراط الشهوة والمبالغة في الحرص ( 2 ) الحائف من
الحيف أي الجور والظلم . والدول : جمع دولة بالضم هي المال لانه يتداول أي ينتقل
من يد ليد . والمراد من يحيف في قسم الاموال فيفضل قوما في العطاء على قوم بلا
موجب للتفضيل ( 3 ) المقاطع : الحدود التي عينها الله لها ( 4 ) الابلاء : الاحسان .
والانعام . والابتلاء الامتحان ( 5 ) مصطفاه ومبعوثه ( * )
ـ 15 ـ
اللعب ، والحق لا الكذب . وما هو إلا الموت أسمع داعيه ( 1 )
وأعجل حاديه . فلا يغرنك سواد الناس من نفسك ( 2 ) ، فقد رأيت من
كان قبلك ممن جمع المال . وحذر الاقلال وأمن العواقب ، طول أمل ( 3 )
واستبعاد أجل ، كيف نزل به الموت فأزعجه عن وطنه ، وأخذه من
مأمنه ، محمولا على أعواد المنايا ، يتعاطى به الرجال الرجال ، حملا على
المناكب وإمساكا بالانامل . أما رأيتم الذين يأملون بعيدا ويبنون
مشيدا ويجمعون كثيرا ، أصبحت بيوتهم قبورا ، وما جمعوا بورا .
وصارت أموالهم للوارثين ، وأزواجهم لقوم آخرين ، لا في حسنة
يزيدون ، ولا من سيئة يستعتبون . فمن أشعر التقوى قلبه برز مهله ( 4 )
وفاز عمله . فاهتبلوا هبلها ، واعملوا للجنة عملها ( 5 ) . فإن الدنيا لم تخلق
لكم دار مقام ، بل خلقت لكم مجازا لتزودوا منها الاعمال إلى
دار القرار . فكونوا منها على أوفاز ( 6 ) . وقربوا الظهور للزيال
* ( هامش ) * ( 1 ) أي أن الداعي إلى الموت قد أسمع بصوته كل حي ، فلا حي إلا وهو يعلم أنه يموت . وأعجل حاديه
أي أن الحادي لسير المنايا إلى منازل الاجسام لاخلائها من سكنة الارواح قد اعجل المدبرين عن
تدبيرهم وأخذهم قبل الاستعداد لرحيلهم ( 2 ) لا تغتر بكثرة الاحياء فكلما رايت حيا زعمت
أنك باق مثله ( 3 ) طول مفعول لاجله ، أي كان منه ذلك لطول الامل الخ ( 4 ) برز الرجل
على أقرانه أي فاقهم . والمهل : التقدم في الخير ، أي فاق تقدمه إلى الخير على تقدم
غيره ( 5 ) اهتبل الصيد : طلبه ، وكلمة الحكمة : اغتنمها ، والضمير في هبلها للتقوى
لا للدنيا ، أي اغنموا خير التقوى ( 6 ) الوفز ويحرك : العجلة ، وجمعه أوفاز ، أي كونوا ( * ) =
ـ 16 ـ
133 - ومن خطبة له عليه السلام
وانقادت له الدنيا والآخرة بأزمتها ، وقذفت إليه السماوات
والارضون مقاليدها ( 1 ) ، وسجدت له بالغدو والآصال الاشجار الناضرة .
وقدحت له من قضبانها النيران المضيئة ( 2 ) ، وآتت أكلها بكلماته
الثمار اليانعة ( منها ) وكتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعيى لسانه ،
وبيت لا تهدم أركانه ، وعز لاتهزم أعوانه ( منها ) أرسله على حين
فترة من الرسل وتنازع من الالسن ، فقفى به الرسل ، وختم به الوحي ،
فجاهد في الله المدبرين عنه والعادلين به ( منها ) وإنما الدنيا منتهى بصر
الاعمى ( 3 ) ، لا يبصر مما وراءها شيئا ، والبصير ينفذها بصره ويعلم أن
الدار وراءها . فالبصير منها شاخص ، والاعمى إليها شاخص . والبصير
منها متزود ، والاعمى لها متزود . ( منها ) واعلموا أنه ليس من شئ إلا
ويكاد صاحبه يشبع منه ويمله إلا الحياة فإنه لا يجد له في الموت
راحة ( 4 ) . وإنما ذلك بمنزلة الحكمة التى هي حياة للقلب الميت ،
* ( هامش ) * = منها على استعجال ، والظهور : ظهور المطايا ، أي أحضروها للزيال أي فراق الدنيا ( 1 ) مقاليدها جمع مقلاد وهو المفتاح ( 2 ) أي أن الاشجار أشعلت النيران المضيئة
من قضبانها أي أغصانها . وقوله بكلماته أي بأوامره التكوينية ، والضمائر لله سبحانه
( 3 ) يشير إلى أن من يقصر نظره على الدنيا فكأنه لم يبصر شيئا فهو بمنزلة الاعمى ( 4 ) لا يجد ( * ) =
ـ 17 ـ
وبصر للعين العمياء ، وسمع للاذن الصماء وري للظمآن وفيها الغنى
كله والسلامة . كتاب الله تبصرون به ، وتنطقون به ، وتسمعون به
وينطق بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض . لا يختلف في الله ، ولا
يخالف بصاحبه عن الله . قد اصطلحتم على الغل فيما بينكم ( 1 ) ، ونبت
المرعى على دمنكم . وتصافيتم على حب الآمال ، وتعاديتم في كسب
الاموال . لقد استهان بكم الخبيث ( 2 ) ، وتاه بكم الغرور ، والله
المستعان على نفسي وأنفسكم
* ( هامش ) * = في الموت راحة حيث لم يهيئ من العمل الصالح الباقي ما يكسبه السعادة بعد
الموت . قال وإنما ذلك أي شعور الانسان بخيفة ما بعد الموت بمنزلة حكمة واعظة
تنبهه من غفلة الغرور وتبعثه إلى خير العمل ، ثم بعد بيانه لما يجده الانسان في نفسه
من خيفة ما وراء الموت ولما يرشد إليه ذلك الوجدان أخذ يبين الوسيلة الموصلة إلى
منجاة مما يخشاه القلب وتتوجس منه النفس ، وأنها التمسك بكتاب الله الذى بين
أوصافه ، وبهذا التفسير التأم الكلام واندفعت حيرة الشارحين في هذا المقام . وقوله
كتاب الله جملة مستأنفة أي هذا كتاب الله فيه ما تحتاجون إليه مما هدتكم الفطرة
إلى طلبه ( 1 ) الغل : الحقد . والاصطلاح عليه : الاتفاق على تمكينه في النفوس .
وقوله نبت المرعى على دمنكم تأكيد وتوضيح للجملة قبلها . والدمن بكسر ففتح :
جمع دمنة بالكسر وهي الحقد القديم . ونبت المرعى عليه استتاره بظواهر النفاق
وزينة الخداع ، وأصل الدمن السرقين وما يكون من أرواث الماشية وأبوالها ، وسميت
بها الاحقاد لانها أشبه شئ بها ، قد تنبت عليها الخضر وهي على ما فيها من قذر . وهذا
كلام ينعى به حالهم مع وجود كتاب الله ومرشد الالهام ( 2 ) استهام أصله من هام على
وجهه إذا خرج لا يدري أين يذهب أى أخرجكم الشيطان من نور الفطرة وضياء ( * ) =
ـ 18 ـ
134 - ومن كلام له عليه السلام
وقد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم بنفسه
وقد توكل الله لاهل هذا الدين بإعزاز الحوزة ( 1 ) ، وستر العورة .
والذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون ، ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون :
حي لا يموت
إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم بشخصك فتنكب لا تكن
للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم ( 2 ) . ليس بعدك مرجع يرجعون
إليه . فابعث إليهم رجلا محربا ، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة ( 3 ) ،
فإن أظهر الله فذاك ما تحب ، وإن تكن الاخرى كنت ردءا للناس ( 4 )
ومثابة للمسلمين .
135 - ومن كلام له عليه السلام ( 5 )
وقد وقعت مشاجرة بينه وبين عثمان فقال المغيرة بن الاخنس
لعثمان أنا أكفيكه فقال علي كرم الله وجهه للمغيرة :
يابن اللعين الابتر ، والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع ، أنت
* ( هامش ) * = الشريعة إلى ظلمات الضلال والحيرة ( 1 ) الحوزة : ما يحوزه المالك ويتولى حفظه .
وإعزاز حوزة الدين : حمايتها من تغلب أعدائه ( 2 ) كانفة : عاصمة يلجأون إليها ، من
كنفه إذا صانه وستره ( 3 ) احفز من حفزته كضربته إذا دفعته وسقته سوقا شديدا
وأهل البلاء : أهل المهارة في الحرب مع الصدق في القصد والجراءة في الاقدام . والبلاء :
هو الاجادة في العمل وإحسانه ( 4 ) الردء - بالكسر الملجأ . والمثابة : المرجع ( 5 ) قالوا ( * ) =
ـ 19 ـ
تكفيني ؟ والله ما أعز الله من أنت ناصره ، ولا قام من أنت منهضه . اخرج
عنا أبعد الله نواك ( 1 ) ، ثم أبلغ جهدك فلا أبقى الله عليك إن أبقيت
136 - ومن كلام له عليه السلام
لم تكن بيعتكم إياي فلتة ، وليس أمري وأمركم واحدا . إني
أريدكم لله وأنتم تريدونني لانفسكم . أيها الناس ، أعينوني على
أنفسكم ، وأيم الله لانصفن المظلوم من ظالمه ، ولاقودن الظالم
بخزامته ( 2 ) ، حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها
137 - ومن كلام له عليه السلام
في معنى طلحة والزبير
والله ما أنكروا علي منكرا ، ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا ( 3 ) .
وإنهم ليطلبون حقا هم تركوه ، ودما هم سفكوه . فإن كنت
شريكهم فيه فإن لهم نصيبهم منه ، وإن كانوا ولوه دوني فما الطلبة
* ( هامش ) * = كان نزاع بين أمير المؤمنين وبين عثمان ، فقال المغيرة بن الاخنس بن شريق
لعثمان أنا أكفيكه ، فقال علي يابن اللعين الخ . وإنما قال ذلك لان أباه كان من
رؤوس المنافقين ، ووصفه بالابتر وهو من لا عقب له لان ولده هذا كلا ولد ( 1 ) النوى
ههنا بمعنى الدار ( 2 ) الخزامة بالكسر حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير
ليشد فيها الزمام ويسهل قياده ( 3 ) النصف محركة إسم من الانصاف ( * )
ـ 20 ـ
إلا قبلهم ( 1 ) . وإن أول عدلهم للحكم على أنفسهم . إن معي لبصيرتي
ما لبست ولا لبس علي . وإنها للفئة الباغية فيها الحما والحمة ( 2 ) ، والشبهة
المغدفة ( 3 ) . وإن الامر لواضح . وقد زاح الباطل عن نصابه ( 4 ) ،
وانقطع لسانه عن شغبه ( 5 ) وأيم الله لافرطن لهم حوضا ( 6 ) أنا ماتحه لا
يصدرون عنه بري ، ولا يعبون بعده في حسي ( 7 )
( منه ) فأقبلتم إلي إقبال العوذ المطافيل على أولادها ( 8 ) ، تقولون
البيعة البيعة . قبضت كفي فبسطتموها ، ونازعتكم يدي فحاذبتموها
* ( هامش ) * ( 1 ) الطلبة بالكسر ما يطالب به من الثأر ( 2 ) المراد بالحما هنا مطلق القريب والنسيب وهو
كناية عن الزبير فإنه من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمته . قالوا وكان النبي أخبر عليا أنه
ستبغي عليه فئة فيها بعض أحمائه وإحدى زوجاته . والحمة بضم ففتح كناية عنها .
وأصلها الحية أو إبرة اللاسعة من الهوام . والله أعلم ( 3 ) أغدفت المرأة قناعها : أرسلته
على وجهها . وأغدف الليل : أرخى سدوله . يعني أن شبهة الطلب بدم عثمان شبهة ساترة
للحق ( 4 ) زاح يزيح زيحا وزيحانا : بعد وذهب ، كانزاح . والنصاب الاصل . أي قد انقلع
الباطل عن مغرسه ( 5 ) الشغب بالفتح تهيج الشر ( 6 ) أفرط الحوض : ملاءه حتى
فاض . والمراد حوض المنية . وماتحه : أي نازع مائه لاسقيهم ( 7 ) عب : شرب بلا
تنفس . والحسى بفتح الحاء ويكسر سهل من الارض يستنقع فيه الماء أو يكون
غليظ من الارض فوقه رمل يجمع ماء المطر فتحفر فيه حفرة لتنزح منها ماء وكلما
نزحت دلوا جمعت أخرى ، فتلك الحفرة حسى ، يريد أنه يسقيهم كأسا لا يتجرعون
سواها ( 8 ) العوذ بالضم جمع عائذة وهي الحديثة النتاج من الظباء والابل ، أو كل
أنثى . والمطافيل : جمع مطفل بضم الميم وكسر الفاء ذات الطفل من الانس والوحش ( * )
ـ 21 ـ
اللهم إنهما قطعاني وظلماني ، ونكثا بيعتي ، وألبا الناس علي ( 1 ) . فاحلل
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 21 سطر 1 الى ص 30 سطر 17
اللهم إنهما قطعاني وظلماني ، ونكثا بيعتي ، وألبا الناس علي ( 1 ) . فاحلل
ما عقدا ، ولا تحكم لهما ما أبرما ، وأرهما المساءة فيما أملا وعملا .
ولقد استثبتهما قبل القتال ( 2 ) ، واستأنيت بهما أمام الوقاع ، فغمطا النعمة
وردا العافية ( 3 )
138 - ومن خطبة له عليه السلام
يومي فيها إلى ذكر الملاحم
يعطف الهوى على الهدى ( 4 ) إذا عطفوا الهدى على الهوى ، ويعطف
الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي
( منها ) حتى تقوم الحرب بكم على ساق باديا نواجذها ( 5 ) ، مملوءة
أخلافها ، حلوا رضاعها ، علقما عاقبتها . ألا وفي غد - وسيأتي غد بما
لا تعرفون - يأخذ الوالي من غيرها عمالها على مساوي أعمالها ( 6 )
* ( هامش ) * ( 1 ) التأليب : الافساد ( 2 ) استثبتهما من ثاب بالثاء إذا رجع ، أي استرجعتهما
( 3 ) أمام الوقاع ككتاب قبل المواقعة بالحرب . وغمط النعمة : جحدها ( 4 ) يعطف
الخ خبر عن قائم ينادي بالقرآن ويطالب الناس باتباعه ورد كل رأي إليه ( 5 ) النواجذ :
أقصى الاضراس أو الانياب . والاخلاف : جمع خلف بالكسر وهو الضرع . وبدو
النواجذ كناية عن شدة الاحتدام ، فإنما تبدو من الاسد إذا اشتد غضبه ، وامتلاء
الاخلاف غزارة ما فيها من الشر . وحلاوة الرضاع استطابة أهل النجدة واستعذابهم
لما ينالهم منها . ومرارة العاقبة بما يصير إليه الظالمون وبئس المصير ( 6 ) إذا انتهت ( * ) =
ـ 22 ـ
وتخرج له الارض أفاليذ ( 1 ) كبدها ، وتلقي إليه سلما مقاليدها .
فيريكم كيف عدل السيرة . ويحيي ميت الكتاب والسنة .
( منها ) كأني به قد نعق بالشام وفحص براياته في ضواحي كوفان ،
فعطف عليها عطف الضروس ( 2 ) ، وفرش الارض بالرءوس . قد فغرت
فاغرته ، وثقلت في الارض وطأته . بعيد الجولة ، عظيم الصولة . والله
ليشردنكم في أطراف الارض ( 3 ) حتى لا يبقى منكم إلا قليل
كالكحل في العين ، فلا تزالون كذلك حتى تؤوب إلى العرب
عوازب أحلامها ( 4 ) . فالزموا السنن القائمة والآثار البينة والعهد
القريب الذي عليه باقي النبوة . واعلموا أن الشيطان إنما يسني لكم
طرقه لتتبعوا عقبه ( 5 ) .
139 - ومن كلام له عليه السلام في وقت الشورى
لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق ، وصلة رحم ، وعائدة كرم
* ( هامش ) * = الحرب حاسب الوالي القائم كل عامل من عمال السوء على مساوي أعمالهم ، وإنما كان
الوالي من غيرها لانه برئ من جرمها ( 1 ) أفاليذ : جمع أفلاذ ، جمع فلذة : وهي القطعة
من الذهب والفضة ( 2 ) انتقال إلى الكلام في قائم الفتنة . وفحص : بحث . وكوفان :
الكوفة . والضروس : الناقة السيئة الخلق تعض حالبها ( 3 ) ليشردنكم ، أي ليفرقنكم
( 4 ) عوازب أحلامها : غائبات عقولها ( 5 ) يسنى : يسهل ( * )
ـ 23 ـ
فاسمعوا قولي ، وعوا منطقي . عسى أن تروا ( 1 ) هذا الامر من بعد هذا
اليوم تنتضى فيه السيوف ، وتخان فيه العهود ، حتى يكون بعضكم
أئمة لاهل الضلالة ، وشيعة لاهل الجهالة .
140 - ومن كلام له عليه السلام
في النهي عن عيب الناس
وإنما ينبغي لاهل العصمة والمصنوع إليهم في السلامة ( 2 ) أن يرحموا
أهل الذنوب والمعصية ، ويكون الشكر هو الغالب عليهم والحاجز
لهم عنهم ، فكيف بالعائب الذي عاب أخا وعيره ببلواه . أما ذكر
موضع ستر الله عليه من ذنوبه مما هو أعظم ( 3 ) من الذنب الذي عابه به .
وكيف يذمه بذنب قد ركب مثله ، فإن لم يكن ركب ذلك الذنب
بعينه فقد عصى الله فيما سواه مما هو أعظم منه . وأيم الله لئن لم يكن
عصاه في الكبير وعصاه في الصغير لجرأته على عيب الناس أكبر
يا عبدالله ، لا تعجل في عيب أحد بذنبه فلعله مغفور له ، ولا
تأمن على نفسك صغير معصية فلعلك معذب عليه . فليكفف من
* ( هامش ) * ( 1 ) قوله عسى أن تروا الخ . ابتداء كلام ينذرهم به من عاقبة الامر . وتنتضى : تسل
( 2 ) الذين أنعم الله عليهم وأحسن صنعه إليهم بالسلامة من الآثام ( 3 ) مما هو أعظم
الخ . بيان للذنوب التي سترها الله عليه . ( * )
ـ 24 ـ
علم منكم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه ، وليكن الشكر
شاغلا له على معافاته مما ابتلى به غيره
141 - ومن كلام له عليه السلام
أيها الناس ، من عرف من أخيه وثيقة دين وسداد طريق فلا يسمعن
فيه أقاويل الرجال . أما إنه قد يرمى الرامي وتخطئ السهام ويحيل
الكلام ( 1 ) ، وباطل ذلك يبور والله سميع وشهيد . أما إنه ليس بين
الحق والباطل إلا أربع أصابع ( فسئل عليه السلام عن معنى قوله
هذا ، فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثم قال ) : الباطل أن تقول
سمعت والحق أن تقول رأيت
142 - ومن كلام له عليه السلام
وليس لواضع المعروف في غير حقه وعند غير أهله من الحظ فيما أتى
إلا محمدة اللئام ، وثناء الاشرار ، ومقالة الجهال ، مادام منعما عليهم . ما أجود
يده وهو عن ذات الله بخيل ! . فمن آتاه الله مالا فليصل به القرابة ،
وليحسن منه الضيافة ، وليفك به الاسير والعاني ، وليعط منه الفقير
* ( هامش ) * ( 1 ) يحيل كيميل يتغير عن وجه الحق . وفي نسخة يحيك بالكاف من حاك
القول في القلب أخذ ، والسيف : أثر ( * )
ـ 25 ـ
والغارم ، وليصبر نفسه على الحقوق والنوائب ابتغاء الثواب ، فإن
فوزا بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الآخرة
إن شاء الله
143 - ومن خطبة له عليه السلام
في الاستسقاء
ألا وإن الارض التي تحملكم والسماء التي تظلكم مطيعتان
لربكم ، وما أصبحتا تجودان لكم ببركتهما توجعا لكم ولا زلفة
إليكم ولا لخير ترجوانه منكم ، ولكن أمرتا بمنافعكم فأطاعتا ،
وأقيمتا على حدود مصالحكم فقامتا
إن الله يبتلي عباده عند الاعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس
البركات ، وإغلاق خزائن الخيرات ، ليتوب تائب ويقلع مقلع ،
ويتذكر متذكر ، ويزدجر مزدجر . وقد جعل الله سبحانه الاستغفار
سببا لدرور الرزق ورحمة الخلق فقال : " استغفروا ربكم إنه كان
غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمدد كم بأموال وبنين " فرحم
الله امرأ استقبل توبته ، واستقال خطيئته ، وبادر منيته
ـ 26 ـ
اللهم إنا خرجنا إليك من تحت الاستار والاكنان ، وبعد عجيج
البهائم والولدان ، راغبين في رحمتك ، وراجين فضل نعمتك ، وخائفين
من عذابك ونقمتك . اللهم فاسقنا غيثك ولا تجعلنا من القانطين ،
ولا تهلكنا بالسنين ( 1 ) ، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ياأرحم
الراحمين . اللهم إنا خرجنا إليك نشكو إليك مالا يخفى عليك حين
ألجأتنا المضايق الوعرة ، وأجاءتنا المقاحط المجدبة ( 2 ) ، وأعيتنا
المطالب المتعسرة ، وتلاحمت علينا الفتن المستصعبة . اللهم إنا نسألك
أن لا تردنا خائبين ، ولا تقلبنا واجمين ( 3 ) . ولا تخاطبنا بذنوبنا ( 4 ) ،
ولا تقايسنا بأعمالنا . اللهم انشر علينا غيثك ، وبركتك ، ورزقك
ورحمتك . واسقنا سقيا نافعة مروية معشبة تنبت بها ما قد فات ، وتحيي
بها ما قد مات . نافعة الحيا ( 5 ) ، كثيرة المجتنى ، تروي بها القيعان ( 6 ) ، وتسيل
البطنان ( 7 ) . وتستورق الاشجار ، وترخص الاسعار إنك على ما تشاء قدير
* ( هامش ) * ( 1 ) جمع سنة محركة - بمعنى الجدب والقحط ( 2 ) أجاءته إليه : ألجأته ( 3 ) واجمين : كاسفين
حزنين ( 4 ) لا تخاطبنا ، أي لا تدعنا باسم المذنبين ولا تجعل فعلك بنا مناسبا لاعمالنا
( 5 ) الحيا : الخصب والمطر ( 6 ) جمع قاع : الارض السهلة المطمئنة قد انفرجت عنها
الجبال والآكام ( 7 ) جمع بطن : بمعنى ما انخفض من الارض في ضيق ( * )
ـ 27 ـ
144 - ومن خطبة له عليه السلام
بعث الله رسله بما خصهم به من وحيه ، وجعلهم حجة له على
خلقه ، لئلا تجب الحجة لهم بترك الاعذار إليهم . فدعاهم بلسان الصدق إلى سبيل الحق . ألا إن الله قد كشف الخلق كشفة ( 1 ) ، لا
أنه جهل ما أخفوه من مصون أسرارهم ومكنون ضمائرهم ، ولكن
ليبلوهم أيهم أحسن عملا ، فيكون الثواب جزاء والعقاب بواء ( 2 ) .
أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا ، كذبا وبغيا علينا أن
رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم . بنا يستعطى
الهدى ويستجلى العمى . إن الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن
من هاشم . لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم ( منها )
آثروا عاجلا وأخروا آجلا ، وتركوا صافبا وشربوا آجنا ( 3 ) . كأني أنظر
إلى فاسقهم وقد صحب المنكر فألفه ، وبسئ به ووافقه ( 4 ) ، حتى
شابت عليه مفارقه ، وصبغت به خلائقه ( 5 ) . ثم أقبل مزبدا كالتيار
* ( هامش ) * ( 1 ) كشف الخلق : علم حالهم في جميع أطوارهم ( 2 ) بواء مصدر باء فلان بفلان
أي قتل به ، والعقاب قصاص ( 3 ) الآجن : الماء المتغير اللون والطعم ( 4 ) بسئ به
كفرح استأنس به ( 5 ) ملكاته الراسخة في نفسه ( * )
ـ 28 ـ
لا يبالي ما غرق . أو كوقع النار في الهشيم لا يحفل ما حرق ( 1 ) . أين
العقول المستصبحة بمصابيح الهدى ، والابصار اللامحة إلى منار
التقوى . أين القلوب التي وهبت لله وعوقدت على طاعة الله . ازدحموا
على الحطام وتشاحوا على الحرام . ورفع لهم علم الجنة والنار فصرفوا
عن الجنة وجوههم ، وأقبلوا إلى النار بأعمالهم . دعاهم ربهم فنفروا
وولوا . ودعاهم الشيطان فاستجابوا وأقبلوا
145 - ومن كلام له عليه السلام
أيها الناس ، إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيه
المنايا ( 2 ) ، مع كل جرعة شرق ، وفي كل أكلة غصص . لا تنالون منها
نعمة إلا بفراق أخرى ، ولا يعمر معمر منكم يوما من عمره إلا بهدم
آخر من أجله . ولا تجدد له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبلها من رزقه .
ولا يحيى له أثر إلا مات له أثر . ولا يتجدد له جديد إلا بعد أن يخلق
له جديد ( 3 ) . ولا تقوم له نابتة إلا وتسقط منه محصودة . وقد مضت
أصول نحن فروعها فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله ( منها ) وما أحدثت
بدعة إلا ترك بها سنة . فاتقوا البدع والزموا المهيع ( 4 ) . إن
* ( هامش ) * ( 1 ) لا يحفل كيضرب لا يبالي ( 2 ) تنتضل فيه : تترامى إليه المنايا ( 3 ) يخلق كيسمع
وينصر ويكرم يبلي ( 4 ) المهيع كالمقعد الطريق الواضح ( * )
ـ 29 ـ
عوازم الامور أفضلها ( 1 ) . وإن محدثاتها شرارها
146 - ومن كلام له عليه السلام
( وقد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه )
إن هذا الامر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة . وهو
دين الله الذي أظهره ، وجنده الذي أعده وأمده ، حتى بلغ ما بلغ وطلع
حيث طلع . ونحن على موعود من الله . والله منجز وعده وناصر جنده .
ومكان القيم بالامر ( 2 ) مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه . فإن
انقطع النظام تفرق وذهب ، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا .
والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالاسلام وعزيزون
بالاجتماع . فكن قطبا ، واستدر الرحى بالعرب ، وأصلهم دونك نار
الحرب ، فإنك إن شخصت ( 3 ) من هذه الارض انتقضت عليك العرب من
أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم
إليك مما بين يديك
* ( هامش ) * ( 1 ) عوازم الامور : ما تقادم منها وكانت عليه ناشئة الدين ، من قولهم ناقة عوزم
كجعفر أي عجوز فيها بقية شباب ( 2 ) القائم به يريد الخليفة . والنظام : السلك ينظم
فيه الخرز ( 3 ) شخصت : خرجت ( * )
ـ 30 ـ
إن الاعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا هذا أصل العرب فإذا
قطعتموه استرحتم ، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك .
فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه
هو أكره لمسيرهم منك ، وهو أقدر على تغيير ما يكره . وأما ما
ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، وإنما
كنا نقاتل بالنصر والمعونة
147 - ومن خطبة له عليه السلام
فبعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق ليخرج عباده من عبادة
الاوثان إلى عبادته ، ومن طاعة الشيطان إلى طاعته ، بقرآن قد بينه
وأحكمه ، ليعلم العباد ربهم إذ جهلوه ، وليقروا به إذ جحدوه ،
وليثبتوه بعد إذ أنكروه . فتجلى سبحانه لهم في كتابه من غير أن
يكونوا رأوه بما أراهم من قدرته ، وخوفهم من سطوته . وكيف محق
من محق بالمثلات ( 1 ) ، واحتصد من احتصد بالنقمات . وإنه سيأتي
عليكم من بعدي زمان ليس فيه شئ أخفى من الحق ولا أظهر من
الباطل ، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله . وليس عند أهل
* ( هامش ) * ( 1 ) المثلات - بفتح فضم العقوبات ( * )
ـ 31 ـ
ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ، ولا أنفق منه ( 1 )
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 31 سطر 1 الى ص 40 سطر 18
ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ، ولا أنفق منه ( 1 )
إذا حرف عن مواضعه . ولا في البلاد شئ أنكر من المعروف ،
ولا أعرف من المنكر . فقد نبذ الكتاب حملته ، وتناساه حفظته .
فالكتاب يومئذ وأهله منفيان طريدان ( 2 ) ، وصاحبان مصطحبان في
طريق واحد لا يؤويهما مؤو . فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس
وليسا فيهم ، ومعهم وليسا معهم ، لان الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا .
فاجتمع القوم على الفرقة . وافترقوا عن الجماعة . كأنهم أئمة الكتاب وليس
الكتاب إمامهم . فلم يبق عندهم منه إلا اسمه ، ولا يعرفون إلا خطه
وزبره ( 3 ) . ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة ( 4 ) ، وسموا صدقهم
على الله فرية ( 5 ) ، وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة
وإنما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم وتغيب آجالهم ، حتى
نزل بهم الموعود ( 6 ) الذي ترد عنه المعذره ، وترفع عنه التوبة ، وتحل
معه القارعة والنقمة ( 7 )
* ( هامش ) * ( 1 ) أنفق منه : أروج منه ( 2 ) يطردهما وينفيهما أهل الباطل وأعداء الكتاب
( 3 ) الزبر بالفتح الكتب مصدر كتب ( 4 ) ما مثلوا : أي شنعوا ، وما مصدرية
( 5 ) فرية بالكسر أي كذبا ( 6 ) الموت الذي لا يقبل فيه عذر ولا تفيد بعده توبة
( 7 ) القارعة : الداهية المهلكة ( * )
ـ 32 ـ
أيها الناس إنه من استنصح الله وفق ، ومن اتخذ قوله دليلا هدي
للتي هي أقوم فإن جار الله آمن ، وعدوه خائف . وإنه لا ينبغي لمن
عرف عظمة الله أن يتعظم ، فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته أن
يتواضعوا له ، وسلامة الذين يعلمون ما قدرته أن يستسلموا له . فلا
تنفروا من الحق نفار الصحيح من الاجرب ، والباري من ذي السقم ( 1 ) .
واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه ، ولن
تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه ، ولن تمسكوا به
حتى تعرفوا الذي نبذه . فالتمسوا ذلك من عند أهله فإنهم عيش العلم
وموت الجهل . هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم ، وصمتهم عن
منطقهم ، وظاهرهم عن باطنهم . لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه ،
فهو بينهم شاهد صادق ، وصامت ناطق
148 - ( ومن خطبة له عليه السلام في ذكر أهل البصرة )
كل واحد منهما يرجوا الامر له ويعطفه عليه دون صاحبه ، لا يمتان
إلى الله بحبل ، ولا يمدان إليه بسبب ( 2 ) . كل واحد منهما حامل ضب
* ( هامش ) * ( 1 ) الباري : المعافى من المرض ( 2 ) الضمير لطلحة والزبير . وقوله لا يمتان : أي لا يمدان ،
والسبب الحبل أيضا ( * )
ـ 33 ـ
لصاحبه ( 1 ) . وعما قليل يكشف قناعه به . والله لئن أصابوا الذي
يريدون لينتزعن هذا نفس هذا ، وليأتين هذا على هذا . قد قامت
الفئة الباغية فأين المحتسبون ( 2 ) . فقد سنت لهم السنن وقدم لهم
الخبر . ولكل ضلة علة ، ولكل ناكث شبهة . والله لا أكون
كمستمع اللدم ( 3 ) يسمع الناعي ويحضر الباكي ثم لا يعتبر
149 - ومن كلام له عليه السلام
قبل موته
أيها الناس كل امرئ لاق ما يفر منه في فراره . والاجل مساق
النفس ( 4 ) . والهرب منه موافاته . كم اطردت الايام أبحثها عن مكنون
هذا الامر فأبى الله إلا إخفاءه . هيهات . علم مخزون . أما وصيتي : فالله
لا تشركوا به شيئا . ومحمد صلى الله عليه وآله فلا تضيعوا سنته .
أقيموا هذين العمودين ، وأوقدوا هذين المصباحين . وخلا كم ذم مالم
تشردوا ( 5 ) . حمل كل امرئ منكم مجهوده ( 6 ) . وخفف عن الجهلة .
* ( هامش ) * ( 1 ) الضب بالفتح ويكسر الحقد ( 2 ) الذين يجاهدون حسبة لله ( 3 ) اللدم :
الضرب على الصدر والوجه عند النياحة ( 4 ) مساق النفس تسوقها إليه أطوار الحياة حتى
توافيه ( 5 ) برئتم من الذم ما لم تشردوا كتنصروا أي تنفروا وتميلوا عن الحق ( 6 ) حمل كل ( * ) =
ـ 34 ـ
رب رحيم ، ودين قويم ، وإمام عليم . أنا بالامس صاحبكم . وأنا
اليوم عبرة لكم . وغدا مفارقكم . غفر الله لي ولكم
إن تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك . وإن تدحض القدم ( 1 )
فإنما كنا في أفياء أغصان ، ومهب رياح . وتحت ظل غمام اضمحل في
الجو متلفقها ( 2 ) ، وعفا في الارض مخطها . وإنما كنت جارا جاوركم بدني
أياما ، وستعقبون مني جثة خلاء ( 3 ) : ساكنة بعد حراك ، وصامتة بعد
نطق . ليعظكم هدوي ، وخفوت أطرافي ( 4 ) ، وسكون أطرافي ،
فإنه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ والقول المسموع . وداعيكم
وداع امرئ مرصد للتلاقي ( 5 ) ، غدا ترون أيامي ويكشف لكم
عن سرائري ، وتعرفونني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي
* ( هامش ) * = امرء الخ . هذا وما بعده ماض قصد به الامر ( 1 ) قوله إن تثبت ، يريد
بثبات الوطأة معافاته من جراحه . والمزلة : محل الزلل . ودحضت القدم : زلت وزلقت
( 2 ) الافياء : جمع فئ ، وهو الظل ينسخ ضوء الشمس عن بعض الامكنة . والمتلفق :
المنضم بعضه على بعض . وعفا : اندرس وذهب . ومخطها : مكان ماخطت في الارض .
وضمير متلفقها للغمام . وضمير مخطها للرياح . يريد أنه كان في حال شأنها الزوال فزالت
وما هو بالعجيب ( 3 ) خالية من الروح ( 4 ) الخفوت : السكون ، وأطرافه في الاول عيناه
وفي الثاني يداه ورأسه ورجلاه ( 5 ) وداعيكم أي وداعي لكم ، ومرصد أي منتظر ( * )
ـ 35 ـ
150 - ومن خطبة له عليه السلام
يومي فيها إلى ذكر الملاحم
وأخذوا يمينا وشمالا طعنا في مسالك الغي ، وتركا لمذاهب
الرشد . فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد . ولا تستبطئوا ما يجئ به
الغد . فكم من مستعجل بما إن أدركه ود أنه لم يدركه . وما أقرب
اليوم من تباشير غد ( 1 ) . يا قوم هذا إبان ورود كل موعود ( 2 ) . ودنو
من طلعة ما لا تعرفون . ألا ومن أدركها منا يسري فيها بسراج منير ،
ويحذو فيها على مثال الصالحين ليحل فيها ربقا ( 3 ) ، ويعتق رقا ، ويصدع
شعبا ، ويشعب صدعا ( 4 ) ، في سترة عن الناس لا يبصر القائف أثره ( 5 )
ولو تابع نظره . ثم ليشحذن فيها قوم شحذ القين النصل ( 6 ) . تجلى
بالتنزيل أبصارهم ( 7 ) . ويرمى بالتفسير في مسامعهم
* ( هامش ) * ( 1 ) تباشيره : أوائله ( 2 ) إبان بكسر فتشديد وقت . والدنو : القرب ( 3 ) الربق بكسر
فسكون حبل فيه عدة عرى كل عروة ربقة بفتح الراء تشد فيه البهم ( 4 ) يفرق
جمع ضلال ويجمع متفرق الحق ( 5 ) القائف الذي يعرف الآثار فيتبعها ( 6 ) يشحذن ،
من شحذ السكين : أي حددها . والقين : الحداد والنصل : حديدة السيف والسكين
ونحوها ( 7 ) تجلى بالتنزيل يعودون إلى القرآن وتدبره فينكشف الغطاء عن أبصارهم ( * ) =
ـ 36 ـ
ويغبقون كأس الحكمة بعد الصبوح ( 1 ) . ( منها ) وطال الامد بهم ( 2 )
ليستكملوا الخزي ، ويستوجبوا الغير ( 3 ) ، حتى إذا اخلولق
الاجل ( 4 ) ، واستراح قوم إلى الفتن ، وأشالوا عن لقاح حربهم ( 5 ) . ولم
يمنوا على الله بالصبر ( 6 ) . ولم يستعظموا بذل أنفسهم في الحق . حتى
إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدة البلاء حملوا بصائرهم على أسيافهم ( 7 ) ،
ودانوا لربهم بأمر واعظهم . حتى إذا قبض الله رسوله صلى الله عليه
وآله رجع قوم على الاعقاب . وغالتهم السبل ، واتكلوا على الولائج ( 8 )
ووصلوا غير الرحم ، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته ، ونقلوا
البناء عن رص أساسه ، فبنوه في غير موضعه . معادن كل خطيئة ،
وأبواب كل ضارب في غمرة ( 9 ) .
* ( هامش ) * = فينهضون إلى الحق كما نهض أهل القرآن عند نزوله ( 1 ) يغبقون مبني للمجهول
يسقون كأس الحكمة بالمساء بعد ما شربوه بالصباح . والصبوح ما يشرب وقت الصباح .
والمراد أنها تفاض عليهم الحكم الالهية في حركاتهم وسكونهم وسرهم وإعلانهم
( 2 ) قوله وطال الخ انتقال لحكاية أهل الجاهلية . وطول الامد فيها ليزيد الله لهم في
العقوبة ( 3 ) الغير بكسر ففتح أحداث الدهر ونوائبه ( 4 ) من قولهم اخلولق
السحاب إذا استوى وصار خليقا أن يمطر : أي يشرف الاجل على الانقضاء
( 5 ) أشالت الناقة ذنبها : رفعته ، أي رفعوا أيديهم بسيوفهم ليلقحوا حروبهم على
غيرهم ، أي يسعروها عليهم ( 6 ) الضمير فيه للمؤمنين المفهومين من سياق الخطاب
والجملة جواب إذا ( 7 ) من ألطف أنواع التمثيل ، يريد أشهروا عقيدتهم داعين إليها
غيرهم ( 8 ) دخائل المكر والخديعة ( 9 ) الغمرة : الشدة . والمزدحم ، يريد مزدحم الفتن ( * )
ـ 37 ـ
قد ماروا في الحيرة ( 1 ) ، وذهلوا في السكرة على سنة من آل فرعون :
من منقطع إلى الدنيا راكن ، أو مفارق للدين مباين
151 - ومن خطبة له عليه السلام
وأحمد الله وأستعينه على مداحر الشيطان ومزاجره ( 2 ) ، والاعتصام من
حبائله ومخاتله . وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ونجيبه
وصفوته . لا يوازى فضله ، ولا يجبر فقده . أضاءت به البلاد بعد الضلالة
المظلمة ، والجهالة الغالبة ، والجفوة الجافية . والناس يستحلون الحريم ،
ويستذلون الحكيم . يحيون على فترة ( 3 ) ، ويموتون على كفرة . ثم إنكم
معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت . فاتقوا سكرات النعمة ، واحذروا
بوائق النقمة ( 4 ) وتثبتوا في قتام العشوة ( 5 ) ، واعوجاج الفتنة عند
طلوع جنينها ، وظهور كمينها ، وانتصاب قطبها ومدار رحاها . تبدأ
في مدارج خفية ، وتؤول إلى فظاعة جلية . شبابها كشباب الغلام ( 6 )
* ( هامش ) * ( 1 ) ماروا تحركوا واضطربوا ( 2 ) الدحر بالفتح الطرد . والمداحر والمزاجر ما بها
يدحر ويزجر : وهي الاعمال الفاضلة . ومخاتل الشيطان : مكائده ( 3 ) خلو من الشرائع
الالهية لا يعرفون منها شيئا لعدم الرسول المبلغ ثم يغيرون ويبدلون ويتخذون الاصنام
آلهة والاهواء شريعة فيموتون كفارا ( 4 ) البوائق جمع بائقة وهي الداهية ( 5 ) القتام
كسحاب الغبار . والعشوة بالضم ويكسر ويفتح ركوب الامر على غير بيان ( 6 ) شباب ( * ) =
ـ 38 ـ
وآثارها كآثار السلام . تتوارثها الظلمة بالعهود . أولهم قائد لآخرهم
وآخرهم مقتد بأولهم . يتنافسون في دنيا دنية . ويتكالبون على
جيفة مريحة ( 1 ) عن قليل يتبرأ التابع من المتبوع ، والقائد من
المقود . فيتزايلون بالبغضاء ( 2 ) ، ويتلاعنون عند اللقاء . ثم يأتي
بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف ( 3 ) ، والقاصمة الزحوف . فتزيغ
قلوب بعد استقامة ، وتضل رجال بعد سلامة . وتختلف الاهواء
عند هجومها ، وتلتبس الآراء عند نجومها ( 4 ) . من أشرف لها قصمته
ومن سعى فيها حطمته . يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة ( 5 ) .
قد اضطرب معقود الحبل ، وعمي وجه الامر . تغيض فيها الحكمة ( 6 ) ،
وتنطق فيها الظلمة . وتدق أهل البدو بمسحلها ( 7 ) ، وترضهم
بكلكلها . يضيع في غبارها الوحدان ( 8 ) ، ويهلك في طريقها
( هامش ) * = كل شئ أوله أي بداياتها في عنفوان وشدة كشباب الغلام وفتوته . والسلام
بكسر السين الحجارة . وآثارها في الابدان الرض والحطم ( 1 ) أراح اللحم :
أنتن ( 2 ) يتزايلون : يتفارقون ( 3 ) شديدة الرجفان والاضطراب ، أو شديد إرجافها
وزلزالها للناس . والقاصمة : الكاسرة . والزحوف : الشديدة الزحف ( 4 ) ظهورها
( 5 ) يتكادمون يعض بعضهم بعضا كما تكون الحمر في العانة أي الجماعة منها وهي
خاصة بحمر الوحش ( 6 ) تغيض بالغين المعجمة تنقص وتغور ( 7 ) المسحل كمنبر
المبرد أو المنحت . والمراد بالدق التفتيت ، والرض التهشيم . والكلكل الصدر ( 8 ) جمع واحد ( * ) =
ـ 39 ـ
الركبان . ترد بمر القضاء . وتحلب عبيط الدماء ( 1 ) . وتثلم منار
الدين ( 2 ) ، ( وتنقض عقد اليقين . تهرب منها الاكياس ( 3 ) ، وتدبرها
الارجاس ( 4 ) . مرعاد مبراق ، كاشفة عن ساق . تقطع فيها الارحام ،
ويفارق عليها الاسلام . بريها سقيم وظاعنها مقيم
( منها ) بين قتيل مطلول ( 5 ) وخائف مستجير . يختلون بعقد
الايمان بغرور الايمان ( 6 ) . فلا تكونوا أنصاب الفتن ( 7 ) وأعلام البدع .
والزموا ماعقد عليه حبل الجماعة ، وبنيت عليه أركان الطاعة .
واقدموا على الله مظلومين ولا تقدموا عليه ظالمين . واتقوا مدارج
الشيطان ومهابط العدوان . ولا تدخلوا بطونكم لعق الحرام ( 8 )
فإنكم بعين من حرم عليكم المعصية ( 9 ) ، وسهل لكم سبيل الطاعة
152 - ومن خطبة له عليه السلام
الحمد لله الدال على وجوده بخلقه . وبمحدث خلقه على أزليته .
* ( هامش ) * = أي المتفردون ( 1 ) عبيط الدماء : الطري الخالص منها ( 2 ) ثلم الاناء والسيف
أو نحوه كسر حرفه ( 3 ) جمع كيس : الحاذق العاقل ( 4 ) جمع رجس وهو القذر
والنجس ، والمراد الاشرار ( 5 ) طللت دمه : هدرته ( 6 ) يختلون أي يخدعهم الظالمون
بحلف الايمان ، ويغرونهم بظاهر الايمان وأنهم مؤمنون مثلهم ( 7 ) الانصاب كل ما ينصب
ليقصد ( 8 ) اللعق جمع لعقة بضم اللام وهي ما تأخذه في الملعقة ( 9 ) إنكم بعين الخ ( * ) =
ـ 40 ـ
وباشتباههم على أن لا شبه له . لا تستلمه المشاعر ( 1 ) ، ولا تحجبه
السواتر ، لافتراق الصانع والمصنوع ، والحاد والمحدود ، والرب
والمربوب . الاحد لا بتأويل عدد ، والخالق لا بمعنى حركة ونصب ( 2 ) ،
والسميع لا بأداة ( 3 ) ، والبصير لا بتفريق آلة ( 4 ) ، والشاهد لا بمماسة
والبائن لا بتراخي مسافة ( 5 ) ، والظاهر لا برؤية ، والباطن لا بلطافة .
بان من الاشياء بالقهر لها والقدرة عليها . وبانت الاشياء منه بالخضوع
له والرجوع إليه . من وصفه فقد حده ( 6 ) ومن حده فقد عده ، ومن
عده فقد أبطل أزله ، ومن قال كيف فقد استوصفه ، ومن قال أين
فقد حيزه . وعالم إذ لا معلوم . ورب إذ لا مربوب . وقادر إذ لا مقدور
( منها ) قد طلع طالع ولمع لامع ، ولاح لائح ( 7 ) واعتدل
مائل . واستبدل الله بقوم قوما ، وبيوم يوما . وانتظرنا الغير انتظار
المجدب المطر ( 8 ) . وإنما الائمة قوام الله على خلقه ، وعرفاؤه على عباده ،
لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ، ولا يدخل النار إلا من
* ( هامش ) * = أي أنه يراكم ( 1 ) لا تستلمه المشاعر أي لا تصل إليه الحواس ( 2 ) النصب محركة
التعب ( 3 ) الاداة : الآلة ( 4 ) تفريق الآلة : تفريق الاجفان وفتح بعضها عن بعض
( 5 ) البائن : المنفصل عن خلقه ( 6 ) من وصفه أي من كيفه بكيفات المحدثين
( 7 ) لاح : بدا . قالوا هذه خطبة خطبها بعد قتل عثمان ( 8 ) الغير بكسر ففتح صروف ( * ) =
ـ 41 ـ
أنكرهم وأنكروه . إن الله تعالى خصكم بالاسلام واستخصكم
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 41 سطر 1 الى ص 50 سطر 19
أنكرهم وأنكروه . إن الله تعالى خصكم بالاسلام واستخصكم
له ، وذلك لانه إسم سلامة وجماع كرامة ( 1 ) . اصطفى الله تعالى منهجه
وبين حججه من ظاهر علم وباطن حكم . لا تفنى غرائبه ، ولا تنقضي
عجائبه . فيه مرابيع النعم ( 2 ) ، ومصابيح الظلم . لا تفتح الخيرات
إلا بمفاتيحه ، ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه . قد أحمى حماه ( 3 )
وأرعى مرعاه . فيه شفاء المشتفى ، وكفاية المكتفى
153 - ومن خطبة له عليه السلام
وهو في مهلة من الله يهوي مع الغافلين ( 4 ) ، ويغدو مع
المذنبين . بلا سبيل قاصد ، ولا إمام قائد ( منها ) حتى إذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم . واستخرجهم من
جلابيب غفلتهم ، استقبلوا مدبرا ، واستدبروا مقبلا . فلم ينتفعوا
بما أدركوا من طلبتهم ، ولا بما قضوا من وطرهم . إني أحذركم
ونفسي هذه المنزلة . فينتفع امرؤ بنفسه ، فإنما البصير من سمع
فتفكر ، ونظر فأبصر ، وانتفع بالعبر ثم سلك جددا واضحا يتجنب
* ( هامش ) * = الحوادث وتقلباتها : انتظرها لعلما يقوم حق وينتكس باطل ( 1 ) جماع الشئ مجمعه
( 2 ) مرابيع جمع مرباع بكسر الميم المكان ينبت نبته في أول الربيع ، أو هو المطر
أول الربيع ( 3 ) أحمى المكان : جعله حمى لايقرب ، أي أعز الله الاسلام ومنعه
من الاعداء ، ومن دخل فيه وصار من أهله متعه الله بخيراته واباحه رعي ما تنبته أرضه
الطيبة من الفوائد ( 4 ) قوله وهو في مهلة ، كلام في ضال غير معين ( * )
ـ 42 ـ
فيه الصرعة في المهاوي ، والضلال في المغاوي ( 1 ) . ولا يعين على
نفسه الغواة بتعسف في حق ، أو تحريف في نطق ، أو تخوف من
صدق . فأفق أيها السامع من سكرتك ، واستيقظ من غفلتك
واختصر من عجلتك ، وأنعم الفكر فيما جاءك على لسان النبي الامي
صلى الله عليه وآله مما لا بد منه ولا محيص عنه ، وخالف من
خالف ذلك إلى غيره ، ودعه وما رضي لنفسه . وضع فخرك واحطط
كبرك ، واذكر قبرك فإن عليه ممرك ، وكما تدين تدان . وكما
تزرع تحصد . وما قدمت اليوم تقدم عليه غدا ، فامهد لقدمك ( 2 )
وقدم ليومك . فالحذر الحذر أيها المستمع . والجد الجد أيها الغافل
" ولا ينبئك مثل خبير "
إن من عزائم الله في الذكر الحكيم التى عليها يثيب ويعاقب
ولها يرضى ويسخط ، أنه لا ينفع عبدا - وإن أجهد نفسه وأخلص
فعله - أن يخرج من الدنيا لاقيا ربه بخصلة من هذه الخصال لم يتب
منها : أن يشرك بالله فيما افترض عليه من عبادته ، أو يشفي غيظه
* ( هامش ) * ( 1 ) جمع مغواة ، وهي الشبهة يذهب معها الانسان إلى ما يخالف الحق ( 2 ) مهد
كمنع بسط ( * )
ـ 43 ـ
بهلاك نفس ، أو يقر بأمر فعله غيره ، أو يستنجح حاجة إلى الناس
بإظهار بدعة في دينه ( 1 ) ، أو يلقى الناس بوجهين ، أو يمشي فيهم
بلسانين . اعقل ذلك فإن المثل دليل على شبهه
إن البهائم همها بطونها . وإن السباع همها العدوان على غيرها .
وإن النساء همهن زينة الحياة الدنيا والفساد فيها . إن المؤمنين
مستكينون ( 2 ) . إن المؤمنين مشفقون . إن المؤمنين خائفون
154 - ومن خطبة له عليه السلام
وناظر قلب اللبيب به يبصر أمده ( 3 ) ، ويعرف غوره ونجده .
داع دعا ، وراع رعى ، فاستجيبوا للداعي واتبعوا الراعي
قد خاضوا بحار الفتن ، وأخذوا بالبدع دون السنن . وأرز
المؤمنون ( 4 ) . ونطق الضالون المكذبون . نحن الشعار ( 5 ) والاصحاب
* ( هامش ) * ( 1 ) يستنجح أي يطلب نجاح حاجته من الناس بالابتداع في الدين ( 2 ) خاضعون
لله عزوجل ( 3 ) ناظر القلب ، استعاره من ناظر العين : وهو النقطة السوداء منها ،
والمراد بصيرة القلب بها يدرك اللبيب أمده أي غايته ومنتهاه . والغور ما انخفض
من الارض . والنجد ما ارتفع منها ، أي يدرك باطن أمره وظاهره ( 4 ) أرز يأرز
بكسر الراء في المضارع أي انقبض وثبت . وأرزت الحية لاذت بجحرها ورجعت
إليه ( 5 ) مايلي البدن من الثياب والمراد بطانة النبي صلى الله عليه وسلم ( * )
ـ 44 ـ
والخزنة والابواب . لا تؤتى البيوت إلا من أبوابها فمن أتاها من
غير أبوابها سمي سارقا
( منها ) فيهم كرائم القرآن ( 1 ) ، وهم كنوز الرحمن . إن نطقوا
صدقوا ، وإن صمتوا لم يسبقوا ( 2 ) . فليصدق رائد أهله ، وليحضر
عقله ، وليكن من أبناء الآخرة ، فإنه منها قدم وإليها ينقلب .
فالناظر بالقلب العامل بالبصر يكون مبتدأ عمله أن يعلم أعمله
عليه أم له . فإن كان له مضى فيه ، وإن كان عليه وقف عنه .
فإن العامل بغير علم كالسائر على غير طريق . فلا يزيده بعده عن
الطريق إلا بعدا من حاجته . والعامل بالعلم كالسائر على الطريق
الواضح ، فلينظر ناظر أسائر هو أم راجع . واعلم أن لكل ظاهر
باطنا على مثاله ، فما طاب ظاهره طاب باطنه . وما خبث ظاهره خبث
باطنه . وقد قال الرسول الصادق صلى الله عليه وآله " إن الله يحب
العبد ( 3 ) ، ويبغض عمله ، ويحب العمل ويبغض بدنه ( * ) " واعلم أن لكل
* ( هامش ) * ( 1 ) الضمير لآل النبي . والكرائم : جمع كريمة ، والمراد أنزلت في مدحهم آيات كريمات .
والقرآن كريم كله وهذه كرائم من كرائم ( 2 ) لم يسبقهم أحد إلى الكلام وهم سكوت أي يهاب
سكوتهم فلم يجرؤ أحد على الكلام فيما سكتوا عنه ( 3 ) إن الله يحب الخ أي يحب
من المؤمن إيمانه ويبغض ما يأتيه من سيئات الاعمال ولا يفيده ذلك الحب مع هذا ( * ) =
ـ 45 ـ
عمل نباتا . وكل نبات لا غنى به عن الماء ، والمياه مختلفة . فما طاب
سقيه طاب غرسه وحلت ثمرته ، وما خبث سقيه خبث غرسه
وأمرت ثمرته
155 - ومن خطبة له عليه السلام
يذكر فيها بديع خلقة الخفاش
الحمد لله الذي انحسرت الاوصاف عن كنه معرفته ( 1 ) وردعت
عظمته العقول فلم تجد مساغا إلى بلوغ غاية ملكوته . هو الله
الحق المبين أحق وأبين مما ترى العيون ، لم تبلغه العقول
بتحديد فيكون مشبها . ولم تقع عليه الاوهام بتقدير فيكون
ممثلا ، خلق الخلق على غير تمثيل ولا مشورة مشير ، ولا معونة
معين . فتم خلقه بأمره ، وأذعن لطاعته ، فأجاب ولم يدافع ، وانقاد
ولم ينازع . ومن لطائف صنعته وعجائب خلقته ما أرانا من غوامض
* ( هامش ) * = البغض إلا عذابا يتطهر به من خبث أعماله . ويحب من الكافر عمله إن كان حسنا ،
ويبغض ذاته لا لتياثها بدنس الكفر ، ولا ينتفع بالعمل المحبوب إلا نفعا موقتا في الدنيا
وله في الآخرة عذاب عظيم ، فلا يكمل للانسان حظه من السعادة إلا إذا كان مؤمنا
طيب العمل
يوجد بهامش الاصل : ( المؤمن إذا صدرت منه صغيرة فالله يحبه ويبغض عمله ، والكافر
إذا أحسن فالله يحب عمله ولا يحبه ) ( 1 ) انحسرت : انقطعت ( * )
ـ 46 ـ
الحكمة في هذه الخفافيش التي يقبضها الضياء الباسط لكل شئ .
ويبسطها الظلام القابض لكل حي . وكيف عشيت أعينها ( 1 ) عن أن
تستمد من الشمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها ، وتتصل بعلانية
برهان الشمس إلى معارفها . وردعها بتلالؤ ضيائها عن المضي في سبحات
إشراقها ( 2 ) وأكنها في مكامنها عن الذهاب في بلج ائتلاقها ( 3 ) ،
فهي مسدلة الجفون بالنهار على أحداقها . وجاعلة الليل سراجا تستدل
به في التماس أرزاقها . فلا يرد أبصارها إسداف ظلمته ( 4 ) . ولا تمتنع
من المضي فيه لغسق دجنته . فإذا ألقت الشمس قناعها ، وبدت أوضاح
نهارها ( 5 ) ، ودخل من إشراق نورها على الضباب في وجارها ( 6 ) أطبقت
الاجفان على مآقيها ( 7 ) وتبلغت بما اكتسبت من فئ ظلم لياليها ( 8 ) .
فسبحان من جعل الليل لها نهارا ومعاشا . والنهار سكنا وقرارا .
وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران
* ( هامش ) * ( 1 ) العشا مقصورا سوء البصر وضعفه ( 2 ) سبحات النور : درجاته وأطواره
( 3 ) الائتلاق : اللمعان . والبلج بالتحريك الضوء ووضوحه ( 4 ) أسدف الليل : أظلم .
والدجنة الظلمة ، وغسق الدجنة شدتها ( 5 ) أوضاح جمع وضح بالتحريك وهو هنا
بياض الصبح ( 6 ) الضباب ككتاب جمع ضب الحيوان المعروف . والوجار ككتاب
الجحر ( 7 ) جمع ماق ، وهو طرف العين مما يلي الانف ( 8 ) تبلغت : اكتفت أو اقتاتت ( * )
ـ 47 ـ
كأنها شظايا الآذان ( 1 ) ، غير ذوات ريش ولا قصب ( 2 ) . إلا أنك ترى
مواضع العروق بينة أعلاما ( 3 ) . لها جناحان لما يرقا فينشقا ( 4 ) . ولم
يغلظا فيثقلا . تطير وولدها لاصق بها لاجئ إليها يقع إذا وقعت .
ويرتفع إذا ارتفعت . لا يفارقها حتى تشتد أركانه . ويحمله للنهوض
جناحه . ويعرف مذاهب عيشه ومصالح نفسه . فسبحان الباري لكل
شئ على غير مثال خلا من غيره ( 5 ) .
156 - ومن كلام له عليه السلام
خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم
فمن استطاع عند ذلك أن يعتقل نفسه على الله عزوجل فليفعل . فإن
أطعتموني فإني حاملكم إن شاء الله على سبيل الجنة ، وإن كان
ذا مشقة شديدة ومذاقة مريرة
* ( هامش ) * ( 1 ) شظايا : جمع شظية - كعطية وهي الفلقة من الشئ ، أي كأنها مؤلفة من شقق
الآذان ( 2 ) القصبة : عمود الريشة أو أسفلها المتصل بالجناح ، وقد يكون مجردا عن
الزغب في بعض الحيوانات مما ليس بطائر كبعض أنواع القنفد أو الفيران له قصب محدد
الاطراف يرمي به صائده كما يرمي النابل ، ويعرف بالفأر الامريكي ( 3 ) أي رسوما ظاهرة
( 4 ) لما يرقا ، عبر بلما إشارة إلى أنهما مارقا في الماضى ولاهما رقيقان ، فهو نفي مستمر
إلى وقت الكلام في أي زمن كان ( 5 ) خلا تقدمه من سواه فحاذاه ( * )
ـ 48 ـ
وأما فلانة فأدركها رأي النساء ، وضغن غلا في صدرها
كمرجل القين ( 1 ) ، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلي لم تفعل ،
ولها بعد حرمتها الاولى والحساب على الله تعالى
( منه ) سبيل أبلج المنهاج أنور السراج . فبالايمان يستدل على
الصالحات . وبالصالحات يستدل على الايمان . وبالايمان يعمر العلم .
وبالعلم يرهب الموت وبالموت تختم الدنيا . وبالدنيا تحرز الآخرة ( 2 ) .
وإن الخلق لامقصر لهم عن القيامة ( 3 ) . مرقلين في مضمارها إلى
الغاية القصوى
( منه ) قد شخصوا من مستقر الاجداث ( 4 ) ، وصاروا إلى مصائر
الغايات . لكل دار أهلها ، لا يستبدلون بها ولا ينقلون عنها . وإن
الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله سبحانه .
* ( هامش ) * ( 1 ) المرجل : القدر . والقين بالفتح الحداد ، أي أن ضغينتها وحقدها كانا
دائمي الغليان كقدر الحداد فإنه يغلي مادام يصنع . ولو دعاها أحد لتصيب من
غيري غرضا من الاساءة والعدوان مثل ما أنت إلي أي فعلت بي لم تفعل ، لان حقدها
كان علي خاصة ( 2 ) وبالدنيا الخ : أي أنه إذا رهب الموت وهو ختام الدنيا كانت
الرهبة سببا في حرص الانسان على الفائدة من حياته فلا يضيع عمره بالباطل ، وبهذا
يحرز الآخرة ( 3 ) المقصر كمقعد المحبس ، أي لا مستقر لهم دون القيامة فهم
ذاهبون إليها مرقلين أي مسرعين في ميدان هي غايته ومنتهاه
( 4 ) شخصوا : ذهبوا ( * ) =
ـ 49 ـ
وإنهما لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق . وعليكم بكتاب الله
فإنه الحبل المتين والنور المبين . والشفاء النافع ، والري الناقع ( 1 )
والعصمة للمتمسك والنجاة للمتعلق . لا يعوج فيقام ولا يزيغ
فيستعتب ( 2 ) . ولا تخلقه كثرة الرد وولوج السمع ( 3 ) . من قال به
صدق ومن عمل به سبق .
( وقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الفتنة وهل
سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عنها فقال عليه السلام )
لما أنزل الله سبحانه قوله ( الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا
آمنا وهم لا يفتنون ) علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله صلى الله عليه
وآله بين أظهرنا . فقلت يارسول الله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله تعالى
بها ( 4 ) فقال : " يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي " فقلت يا رسول الله :
أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين
* ( هامش ) * = والاجداث القبور والمصائر الغايات جمع مصير - مايصير إليه الانسان من شقاء
وسعادة . والكلام في القيامة ( * ) ( 1 ) نقع العطش إذا أزاله ( 2 ) يستعتب من أعتب ،
إذا انصرف . والسين والتاء للطلب أو زائدتان ، أي لا يميل عن الحق فيصرف ، أو يطلب
منه الانصراف عنه ( 3 ) أخلقه : ألبسه ثوبا خلقا أي باليا ، وكثرة الرد : كثرة ترديده
على الالسنة بالقراءة ، أي أن القرآن دائما في أثوابه الجدد رائق لنظر العقل وإن كثرت
تلاوته لانطباقه على الاحوال المختلفة في الازمنة المتعددة وليس كسائر الكلام كلما
تكرر ابتذل وملته النفس ( 4 ) فقلت يارسول الله الخ أشكل على الشارحين العطف
بالفاء مع كون الآية مكية والسؤال كان بعد أحد ، ووقعته كانت بعد الهجرة ، ( * ) =
ـ 50 ـ
وحيزت عني الشهادة ( 1 ) فشق ذلك علي فقلت لي : " أبشر فإن الشهادة
من ورائك " فقال لي : " إن ذلك لكذلك فكيف صبرك إذا ( 2 ) "
فقلت : يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر ، ولكن من مواطن
البشرى والشكر ( 3 ) . فقال : " يا علي إن القوم سيفتنون بأموالهم ،
ويمنون بدينهم على ربهم ، ويتمنون رحمته ، ويأمنون سطوته .
ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والاهواء الساهية . فيستحلون
الخمر بالنبيذ ، والسحت بالهدية . والربا بالبيع " قلت يا رسول الله :
بأي المنازل أنزلهم عند ذلك ؟ أبمنزلة ردة أم بمنزلة فتنة ؟ فقال :
" بمنزلة فتنة "
* ( هامش ) * = وصعب عليهم التوفيق بين كلام الامام وبين ما أجمع عليه المفسرون من كون العنكبوت
مكية بجميع آياتها ، والذي أراه أن علمه بكون الفتنة لا تنزل والنبي بين أظهرهم كان
عند نزول الآية في مكة ، ثم شغله عن استخبار الغيب اشتداد المشركين على الموحدين
واهتمام هؤلاء برد كيد أولئك ، ثم بعد ما خفت الوطأة وصفا الوقت لاستكمال العلم سأل
هذا السؤال فالفاء لترتيب السؤال على العلم ، والعلم كان ممتدا إلى يوم السؤال فهي
لتعقيب قوله لعلمه ، والتعقيب يصدق بأن يكون ما بعد الفاء غير منقطع عما قبلها
وإن امتد زمن ما قبلها سنين ، تقول تزوج فولد له وحملت فولدت ( * ) ( 1 ) حيزت حازها الله
عني فلم أنلها ( 2 ) على أية حالة يكون صبرك إذا هيئت لك الشهادة ( 3 ) قوله من مواطن
البشرى ، هذا شأن أهل الحق يستبشرون بالموت في سبيل الحق فإنه الحياة الابدية ( * )
ـ 51 ـ
157 - ومن خطبة له عليه السلام
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 51 سطر 1 الى ص 60 سطر 18
157 - ومن خطبة له عليه السلام
الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحا لذكره . وسببا للمزيد من فضله
ودليلا على آلائه وعظمته . عباد الله إن الدهر يجري بالباقين كجريه
بالماضين . لا يعود ما قد ولى منه ، ولا يبقى سرمدا ما فيه . آخر فعاله كأوله . متسابقة أموره ( 1 ) ، متظاهرة أعلامه . فكأنكم بالساعة
تحدوكم حدو الزاجر بشوله . فمن شغل نفسه بغير نفسه تحير في
الظلمات ، وارتبك في الهلكات . ومدت به شياطينه في طغيانه ،
وزينت له سيئ أعماله . فالجنة غاية السابقين . والنار غاية المفرطين
اعلموا عباد الله أن التقوى دار حصن عزيز . والفجور دار حصن
ذليل لايمنع أهله ولايحرز من لجأ إليه ( 2 ) . ألا وبالتقوى تقطع
حمة الخطايا ( 3 ) . وباليقين تدرك الغاية القصوى
* ( هامش ) * ( 1 ) تتسابق أمور الدهر ، أي مصائبه كأن كلا منها يطلب النزول قبل الآخر
فالسابق منها مهلك . والمتأخر لاحق له في مثل أثره . والاعلام هي الرايات كنى بها
عن الجيوش وتظاهرها : تعاونها . والساعة : القيامة . وحدوها : سوقها وحثها لاهل
الدنيا على المسير للوصول إليها . وزاجر الابل : سائقها . والشول بالفتح جمع
شائلة ، وهي من الابل ما مضى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر ( 2 ) لا يحرز ،
أي لا يحفظ ( 3 ) الحمة بضم ففتح في الاصل إبرة الزنبور والعقرب ونحوها تلسع ( * ) =
ـ 52 ـ
عباد الله ، الله الله في أعز الانفس عليكم ، وأحبها إليكم .
فإن الله قد أوضح لكم سبيل الحق وأنار طرقه . فشقوة لازمة أو
سعادة دائمة . فتزودوا في أيام الفناء ( 1 ) لايام البقاء . فقد دللتم على الزاد
وأمرتم بالظعن ( 2 ) . وحثثتم على المسير . فإنما أنتم كركب وقوف
لا يدرون متى يؤمرون بالمسير . ألا فما يصنع بالدنيا من خلق
للآخرة وما يصنع بالمال من عما قليل يسلبه ، وتبقى عليه تبعته
وحسابه ( 3 )
عباد الله ، إنه ليس لما وعد الله من الخير مترك ، ولا فيما نهى
عنه من الشر مرغب . عباد الله ، احذروا يوما تفحص فيه الاعمال .
ويكثر فيه الزلزال . وتشيب فيه الاطفال
اعلموا عباد الله أن عليكم رصدا من أنفسكم ( 4 ) ، وعيونا من
* ( هامش ) * = بها . والمراد هنا سطوة الخطايا على النفس ( 1 ) يريد أيام الدنيا ( 2 ) المراد بالظعن
المأمور به ههنا السير إلى السعادة بالاعمال الصالحة ، وهذا ما حثنا الله عليه . والمراد
بالمسير الذي لا ندري متى نؤمر به هو مفارقة الدنيا . والامر في الاول خطابي شرعي
وفي الثاني فعلي تكويني ( 3 ) تبعته ما يتعلق به من حق الغير فيه ( 4 ) الرصد : يريد به
رقيب الذمة وواعظ السر الروحي الذي لا يغفل عن التنبيه ولا يخطئ في الانذار
والتحذير حتى لاتكون من مخطئ خطيئة ألا ويناديه من سره مناد يعنفه
على ما ارتكب ، ويعيبه على ما اقترف ، ويبين له وجه الحق فيما فعل . ولا تعارضه علل ( * ) =
ـ 53 ـ
جوارحكم ، وحفاظ صدق يحفظون أعمالكم . وعدد أنفاسكم .
لا تستركم منهم ظلمة ليل داج ، ولا يكنكم منهم باب ذو رتاج ( 1 )
وإن غدا من اليوم قريب
يذهب اليوم بما فيه ، ويجئ الغد لاحقا به ، فكأن كل امرئ
منكم قد بلغ من الارض منزل وحدته ( 2 ) ، ومخط حفرته . فيا له
من بيت وحدة ، ومنزل وحشة ، ومفرد غربة . وكأن الصيحة قد
أتتكم ، والساعة قد غشيتكم ، وبرزتم لفصل القضاء . قد زاحت
عنكم الاباطيل ( 3 ) . واضمحلت عنكم العلل . واستحقت بكم
الحقائق . وصدرت بكم الامور مصادرها . فاتعظوا بالعبر ، واعتبروا
بالغير ، وانتفعوا بالنذر
158 - ومن خطبة له عليه السلام
أرسله على حين فترة من الرسل ، وطول هجعة من الامم ( 4 ) ،
* ( هامش ) * = الهوى ولا يخفف مرارة نصحه تلاعب الاوهام . وأي حجاب يحجب الانسان عن سره ( 1 ) الرتاج ككتاب الباب العظيم إذا كان محكم الغلق ( 2 ) منزل وحدته
هو القبر ( 3 ) زاحت : بعدت وانكشفت ( 4 ) الهجعة : المرة من الهجوع وهو النوم
ليلا ، نوم الغفلة في ظلمات الجهالة وانتقاض الاحكام الالهية التي أبرمت على ألسنة ( * ) =
ـ 54 ـ
وانتقاض من المبرم . فجاءهم بتصديق الذي بين يديه ، والنور
المقتدى به . ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ولكن أخبركم
عنه . ألا إن فيه علم ما يأتي ، والحديث عن الماضي ، ودواء دائكم ،
ونظم ما بينكم
( منها ) فعند ذلك لا يبقى بيت مدر ولا وبر ( 1 ) إلا وأدخله
الظلمة ترحة ، وأولجوا فيه نقمة . فيومئذ لا يبقى لكم في السماء
ولا في الارض ناصر . أصفيتم بالامر غير أهله ( 2 ) ، وأوردتموه غير
مورده . وسينتقم الله ممن ظلم مأكلا بمأكل ومشربا بمشرب ،
من مطاعم العلقم ومشارب الصبر والمقر ( 3 ) . ولباس شعار الخوف
ودثار السيف ( 4 ) . وإنما هم مطايا الخطيئات وزوامل الآثام ( 5 ) .
فأقسم ثم أقسم ، لتنخمنها أمية من بعدي كما تلفظ النخامة ( 6 ) ثم
* ( هامش ) * = الانبياء السابقين نقضها الناس بمخالفتها ( 1 ) الاشارة بذلك لحالة الاختلاف ومخالفة
القرآن بالتأويل . والترحة ضد الفرحة ( 2 ) أصفيته بالشئ ، آثرته به واختصصته
( 3 ) الصبر - ككتف عصارة شجر مر . والمقر على وزانه السم ( 4 ) الدثار
ككتاب من اللباس أعلاه فوق الملابس . والسيف يكون أشبه بالدثار إذا عمت
إباحة الدم بأحكام الهوى فلا يكون لبدن ولا لعضو منه انفلات عنه ( 5 ) الزوامل :
جمع زاملة ، وهي ما يحمل عليها الطعام من الابل ونحوها ( 6 ) نخم كفرح أخرج
النخامة من صدره فألقاها . والنخامة بالضم ما يدفعه الصدر أو الدماغ من المواد ( * ) =
ـ 55 ـ
لا تذوقها ولا تتطعم بطعمها أبدا ما كر الجديدان
159 - ومن خطبة له عليه السلام
ولقد أحسنت جواركم ، وأحطت بجهدي من وارئكم .
وأعتقتكم من ربق الذل . وحلق الضيم ( 1 ) شكرا مني للبر القليل ،
وإطراقا عما أدركه البصر وشهده البدن من المنكر الكثير
160 - ومن خطبة له عليه السلام
أمره قضاء وحكمة ، ورضاه أمان ورحمة . يقضي بعلم ، ويعفو
بحلم . اللهم لك الحمد على ما تأخذ وتعطي ، وعلى ما تعافي وتبتلي :
حمدا يكون أرضى الحمد لك ، وأحب الحمد إليك ، وأفضل الحمد
عندك . حمدا يملا ما خلقت ، ويبلغ ما أردت . حمدا لا يحجب عنك
ولا يقصر دونك . حمدا لا ينقطع عدده ، ولا يفنى مدده . فلسنا
نعلم كنه عظمتك ، إلا أنا نعلم أنك حي قيوم لا تأخذك سنة ولا
نوم . لم ينته إليك نظر ، ولم يدركك بصر . أدركت الابصار ،
وأحصيت الاعمال ، وأخذت بالنواصي والاقدام . وما الذي نرى
* ( هامش ) * = المخاطية ( 1 ) حلق محركة جمع حلقة ( * )
ـ 56 ـ
من خلقك ونعجب له من قدرتك ونصقه من عظيم سلطانك ،
وما تغيب عنا منه ، وقصرت أبصارنا عنه ، وانتهت عقولنا دونه ،
وحالت سواتر الغيوب بيننا وبينه أعظم . فمن فرغ قلبه وأعمل
فكره ليعلم كيف أقمت عرشك ، وكيف ذرأت خلقك ( 1 ) ، وكيف
علقت في الهواء سمواتك ، وكيف مددت على مور الماء أرضك ( 2 )
رجع طرفه حسيرا ، وعقله مبهورا ، وسمعه والها ، وفكره حائرا ( 3 )
( منها ) يدعي بزعمه أنه يرجو الله . كذب والعظيم ، ما باله لا يتبين
رجاؤه في عمله ؟ فكل من رجا عرف رجاؤه في عمله . وكل رجاء إلا رجاء
الله تعالى فإنه مدخول ( 4 ) وكل خوف محقق إلا خوف الله فإنه معلول
* ( هامش ) * ( 1 ) ذرأت : خلقت ( 2 ) المور - بالفتح - الموج ( 3 ) كليلا . والمبهور المغلوب
والمنقطع نفسه من الاعياء . والواله من الوله وهو ذهاب الشعور ( 4 ) المدخول :
المغشوش غير الخالص أو هو المعيب الناقص لا يترتب عليه عمل . والخوف
المحقق هو الثابت الذي يبعث على البعد عن المخوف والهرب منه وهو في جانب
الله ما يمنع عن إتيان نواهيه ويحمل على إتيان أوامره هربا من عقابه
وخشية من جلاله . والخوف المعلول هو ما لم يثبت في النفس ولم يخالط القلب ، وإنما هو
عارض في الخيال يزيله أدنى الشواغل ويغلب عليه أقل الرغائب ، فهو يرد على الوهم
ثم يفارقه ثم يعود إليه ، شان الاوهام التي لا قرار لها ، فهو معلول : من عله يعله إذا شربه
مرة بعد أخرى ، ومراد الامام أن الراجي لعبد من العبيد يظهر رجاؤه في سعيه واهتمامه
بشأن من رجاه وموافقته على أهوائه ، وكذلك الخائف من أمير أو سلطان يرى أثر
خوفه في تهيبه والامتناع من كل ما يحرك غضبه ، بل ما يتوهم فيه أنه غير حسن عنده ، ( * ) =
ـ 57 ـ
يرجو الله في الكبير ، ويرجو العباد في الصغير ، فيعطي العبد
مالا يعطي الرب . فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع لعباده ؟
أتخاف أن تكون في رجائك له كاذبا ؟ أو تكون لا تراه للرجاء
موضعا ؟ وكذلك إن هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه ما لا
يعطي ربه ، فجعل خوفه من العباد نقدا ، وخوفه من خالقهم ضمارا
ووعدا ( 1 ) . وكذلك من عظمت الدنيا في عينه ، وكبر موقعها في قبله
آثرها على الله تعالى فانقطع إليها وصار عبدا لها . ولقد كان في رسول الله
صلى الله عليه وآله كاف لك في الاسوة ( 2 ) . ودليل لك على ذم
الدنيا وعيبها ، وكثرة مخازيها ومساويها ، إذ قبضت عنه أطرافها ،
ووطئت لغيره أكنافها ( 3 ) ، وفطم عن رضاعها ، وزوي عن زخارفها .
وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول
" رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " والله ما سأله إلا خبزا
يأكله لانه كان يأكل بقلة الارض . ولقد كانت خضرة البقل
* ( هامش ) * = لكنهم في رجاء الله وخوفه يقولون بألسنتهم ماليس في قلوبهم ، مع أنهم يرجون الله
في سعادة الدارين ويخافونه في شقاء الابد ، فيعطون للعبيد ما لا يعطون لله ( 1 ) الضمار
ككتاب من الوعود ما كان مسوفا به ( 2 ) الاسوة : القدوة ( 3 ) الاكناف : الجوانب . ( * ) =
ـ 58 ـ
ترى من شفيف صفاق بطنه ، لهزاله وتشذب لحمه ( 1 ) . وإن شئت
ثلثت بداود صلى الله عليه صاحب المزامير وقارئ أهل الجنة ،
فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ( 2 ) ، ويقول لجلسائه
أيكم يكفيني بيعها . ويأكل قرص الشعير من ثمنها . وإن شئت قلت
في عيسى بن مريم عليه السلام ، فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن
ويأكل الجشب . وكان إدامه الجوع ، وسراجه بالليل القمر . وظلاله
في الشتاء مشارق الارض ومغاربها ( 3 ) ، وفاكهته وريحانه ما تنبت
الارض للبهائم . ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا
مال يلفته ، ولا طمع يذله . دابته رجلاه ، وخادمه يداه . فتأس ( 4 )
بنبيك الاطيب الاطهر صلى الله عليه وآله ، فإن فيه أسوة لمن
تأسى ، وعزاء لمن تعزى وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه والمقتص
لاثره . قضم الدنيا قضما ( 5 ) ، ولم يعرها طرفا . أهضم أهل الدنيا
* ( هامش ) * = وزوي أى قبض ( 1 ) الصفاق ككتاب هو الجلد الاسفل تحت الجلد
الذي عليه الشعر ، أو هو ما بين الجلد والمصران أو جلد البطن كله . والتشذب : التفرق .
وانهضام اللحم : تحلل الاجزاء وتفرقها ( 2 ) السفائف جمع سفيفة وصف ، من سف
الخوص إذا نسجه ، أي منسوجات الخوص ( 3 ) ظلاله جمع ظل بمعنى السكن والمأوى
ومن كان كنه المشرق والمغرب فلا كن له ( 4 ) تأس : أي اقتد ( 5 ) القضم : الاكل
بأطراف الاسنان ، كأنه لم يتناول منها إلا على أطراف أسنانه ولم يملاء منها فمه ، أو بمعنى ( * ) =
ـ 59 ـ
كشحا ( 1 ) ، وأخمصهم من الدنيا بطنا . عرضت عليه الدنيا فأبى أن
يقبلها . وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئا فأبغضه ، وحقر شيئا فحقره ،
وصغر شيئا فصغره . ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله ورسوله
وتعظيمنا ما صغر الله ورسوله لكفى به شقاقا لله ومحادة عن أمر الله ( 2 ) .
ولقد كان صلى الله عليه وآله يأكل على الارض ، ويجلس جلسة
العبد ، ويخصف بيده نعله ( 3 ) ، ويرقع بيده ثوبه ، ويركب الحمار
العاري ويردف خلفه . ويكون الستر على باب بيته فتكون فيه
التصاوير فيقول يا فلانة - لاحدى أزواجه - غيبيه عني فإني إذا
نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها ( 4 ) . فأعرض عن الدنيا بقلبه ،
وأمات ذكرها من نفسه ، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه ، لكيلا
يتخذ منها رياشا ( 5 ) ، ولا يعتقدها قرارا ولا يرجو فيها مقاما ، فأخرجها
* ( هامش ) * = أكل اليابس ( 1 ) أهضم من الهضم : وهو خمص البطن أي خلوها وانطباقها من الجوع .
والكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف . وأخمصهم : أخلاهم ( 2 ) المحادة المخالفة
في عناد ( 3 ) خصف النعل : خرزها . والحمار العاري ماليس عليه برذعة ولا إكاف .
وأردف خلفه : أركب معه شخصا آخر على حمار واحد أو جمل أو فرس أو نحوها
وجعله خلفه ( 4 ) في هذا دليل على أن الرسم على الورق والاثواب ونحوها لا يمنع
استعماله ، وإنما يتجافى عنه بالنظر تزهدا وتورعا ( 5 ) الرياش : اللباس الفاخر ( * )
ـ 60 ـ
من النفس ، وأشخصها عن القلب ( 1 ) ، وغيبها عن البصر . وكذا من
أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده
ولقد كان في رسول الله صلى الله عليه وآله ما يدلك على مساوي
الدنيا وعيوبها . إذ جاع فيها مع خاصته ( 2 ) ، وزويت عنه زخارفها مع
عظيم زلفته . فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمدا بذلك أم أهانه ؟
فإن قال أهانه فقد كذب والعظيم ، وإن قال أكرمه فليعلم
أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب
الناس منه . فتأسى متأس بنبيه ( 3 ) ، واقتص أثره ، وولج مولجه ،
وإلا فلا يأمن الهلكة فإن الله جعل محمدا صلى الله عليه وآله
علما للساعة ( 4 ) ، ومبشرا بالجنة ، ومنذرا بالعقوبة . خرج من الدنيا
خميصا ( 5 ) ، وورد الآخرة سليما . لم يضع حجرا على حجر حتى مضى
لسبيله ، وأجاب داعي ربه . فما أعظم منة الله عندنا حين أنعم
علينا به سلفا نتبعه ، وقائدا نطأ عقبه ( 6 ) . والله لقد رقعت
* ( هامش ) * ( 1 ) أشخصها : أبعدها ( 2 ) خاصته إسم فاعل في معنى المصدر أي مع خصوصيته وتفضله
عند ربه . وعظيم الزلفة : منزلته العليا من القرب إلى الله . وزوى الدنيا عنه قبضها
وأبعدها ( 3 ) فتأسى خبر يريد به الطلب أي فليقتد مقتد بنبيه ( 4 ) العلم بالتحريك العلامة أي أن بعثته دليل على قرب الساعة حيث لانبي بعده ( 5 ) خميصا : أي خالي
البطن كناية عن عدم التمتع بالدنيا ( 6 ) العقب بفتح فكسر مؤخر القدم . ( * ) =
ـ 61 ـ
مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ( 1 ) . ولقد قال لي قائل ألا
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 61 سطر 1 الى ص 70 سطر 19
مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ( 1 ) . ولقد قال لي قائل ألا
تنبذها ؟ فقلت اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى ( 2 )
161 - ومن خطبة له عليه السلام
بعثه بالنور المضئ والبرهان الجلي ، والمنهاج البادى ( 3 ) والكتاب
الهادي . أسرته خير أسرة ( 4 ) ، وشجرته خير شجرة . أغصانها معتدلة
وثمارها متهدلة ( 5 ) . مولده بمكة وهجرته بطيبة ( 6 ) . علا بها ذكره
وامتد بها صوته . أرسله بحجة كافية ، وموعظة شافية ، ودعوة
متلافية ( 7 ) . أظهر به الشرائع المجهولة ، وقمع به البدع المدخولة ،
وبين به الاحكام المفصولة ( 8 . فمن يتبع غير الاسلام دينا تتحقق
* ( هامش ) * = ووطوء العقب مبالغة في الاتباع والسلوك على طريقه نقفوه خطوة خطوة حتى كأننا
نطأ مؤخر قدمه ( 1 ) المدرعة بالكسر ثوب من صوف ( 2 ) اغرب عني : اذهب
وابعد . والمثل معناه إذا أصبح النائمون وقد رأو السارين واصلين إلى مقاصدهم حمدوا
سراهم وندموا على نوم أنفسهم ، أو إذا أصبح السارون وقد وصلوا إلى ما ساروا إليه
حمدوا سراهم وإن كان شاقا حيث أبلغهم إلى ما قصدوا . والسرى بضم ففتح
السير ليلا ( 3 ) أي الظاهر ( 4 ) الاسرة كغرفة - رهط الرجل الادنون ( 5 ) متدلية :
دانية للاقتطاف ( 6 ) المدينة المنورة ( 7 ) من تلافاء : تداركه بالاصلاح قبل أن يهلكه
الفساد ، فدعوة النبي تلافت أمور الناس قبل هلاكهم ( 8 ) المفصولة التي فصلها الله ( * ) =
ـ 62 ـ
شقوته ، وتنفصم عروته ، وتعظم كبوته ( 1 ) . ويكون مآبه إلى
الحزن الطويل والعذاب الوبيل . وأتوكل على الله توكل الانابة
إليه . وأسترشده السبيل المؤدي إلى جنته ، القاصدة إلى محل رغبته ( * ) .
أوصيكم عباد الله بتقوى الله وطاعته فإنها النجاة غدا والمنجاة
أبدا . رهب فأبلغ ، ورغب فأسبغ ( 2 ) . ووصف لكم الدنيا
وانقطاعها ، وزوالها وانتقالها . فأعرضوا عما يعجبكم فيها لقلة
ما يصحبكم منها . أقرب دار من سخط الله ، وأبعدها من رضوان
الله . فغضوا عنكم - عباد الله - غمومها وأشغالها لما قد أيقنتم به
من فراقها وتصرف حالاتها . فاحذروها حذر الشفيق الناصح ( 3 ) والمجد
الكادح . واعتبروا بما قد رأيتم من مصارع القرون قبلكم .
قد تزايلت أوصالهم ( 4 ) ، وزالت أبصارهم وأسماعهم ، وذهب شرفهم
وعزهم ، وانقطع سرورهم ونعيمهم . فبدلوا بقرب الاولاد فقدها ،
وبصحبة الازواج مفارقتها . لا يتفاخرون ، ولا يتناسلون ، ولا
* ( هامش ) * = أي قضى بها على عباده ( 1 ) الكبوة : السقطة ( 2 ) أسبغ أي أحاط بجميع وجوه
الترغيب ( 3 ) الشفيق : الخائف . والناصح : الخالص . والمجد : المجتهد . والكادح :
المبالغ في سعيه ( 4 ) تزايلت : تفرقت . والاوصال : المفاصل أو مجتمع العظام وتفرقها ( * ) =
ـ 63 ـ
يتزاورون ، ولا يتجاورون . فاحذروا عباد الله حذر الغالب لنفسه ،
المانع لشهوته ، الناظر بعقله . فإن الامر واضح ، والعلم قائم ،
والطريق جدد ، والسبيل قصد ( 1 )
162 - ومن خطبة له عليه السلام
لبعض أصحابه وقد سأله : كيف دفعكم قومكم
عن هذا المقام وأنتم أحق به ؟ فقال :
يا أخا بنى أسد أنك لقلق الوضين ( 2 ) ترسل في غير سدد ، ولك
بعد ذمامة الصهر وحق المسألة ، وقد استعلمت فاعلم . أما الاستبداد
علينا بهذا المقام ونحن الاعلون نسبا ، والاشدون برسول الله
صلى الله عليه وآله نوطا ( 3 ) ، فإنها كانت أثرة شحت عليها نفوس
* ( هامش ) * = كناية عن تبددهم وفنائهم من أول الخطبة إلى هنا زيادة في بعض النسخ ( 1 ) الجدد بالتحريك المستوي المسلوك والقصد القويم
( 2 ) الوضين : بطان يشد به الرحل على البعير كالحزام للسرج ، فاذا قلق واضطرب
الرحل فكثر تململ الجمل وقل ثباته في سيره . والارسال : الاطلاق والاهمال .
والسدد محركا الاستقامة ، أي تطلق لسانك بالكلام في غير موضعه كحركة الجمل المضطرب
في مشيته . والذمامة : الحماية والكفاية . والصهر : الصلة بين أقارب الزوجة وأقارب
الزوج ، وإنما كان للاسدي حماية الصهر لان زينب بنت جحش زوجة رسول الله
كانت أسدية ( 3 ) النوط بالفتح التعلق . والاثرة : الاختصاص بالشئ دون مستحقه . ( * ) =
ـ 64 ـ
قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين . والحكم ، الله والمعود إليه القيامة
ودع عنك نهبا صيح في حجراته ( 1 )
وهلم الخطب في ابن أبي سفيان ( 2 ) ، فلقد أضحكني الدهر بعد
إبكائه . ولا غرو والله فيا له خطبا . يستفرغ العجب ، ويكثر
الاود . حاول القوم إطفاء نور الله من مصباحه ، وسد فواره من
ينبوعه ( 3 ) ، وجدحوا بيني وبينهم شربا وبيئا ( 4 ) . فإن ترتفع عنا وعنهم
محن البلوى أحملهم من الحق على محضه ( 5 ) ، وإن تكن الاخرى ( 6 )
" فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون "
* ( هامش ) * = والمراد بمن سخت نفوسهم عن الامر أهل البيت ( 1 ) البيت لامرئ القيس . وتتمته :
وهات حديثا ما حديث الرواحل
قاله عند ما كان جارا لخالد بن سدوس فاغار عليه بنو جديلة فذهبوا بأهله فشكا
لمجيره خالد فقال له أعطني رواحلك الحق بها القوم فأرد إبلك وأهلك ، فأعطاه ،
وأدرك خالد القوم فقال لهم ردوا ما أخذتم من جاري ، فقالوا ماهو لك بجار ، فقال
والله إنه جاري وهذه رواحله ، فقالوا رواحله ؟ فقال نعم . فرجعوا إليه وأنزلوه عنهن
وذهبوا بهن . والنهب بالفتح الغنيمة . وصيح أي صاحوا للغارة . في حجراته جمع حجرة
بفتح الحاء الناحية . ووجه التمثيل ظاهر ( 2 ) هلم : أذكر . والخطب عظيم الامر وعجيبه
الذي أدى لقيام من ذكره لمنازعته في الخلافة . والاود الاعوجاج ( 3 ) الفوار والفوارة
من الينبوع : الثقب الذى يفور الماء منه بشدة ( 4 ) جدحوا : خلطوا . والشرب بالكسر
النصيب من الماء . والوبئ : ما يوجب شربه الوباء ، يريد به الفتنة التي يردونها نزاعا
له في حقه كأنها ماء خلط بالمواد السامة القاتلة ( 5 ) محض الحق : خالصه ( 6 ) وإن لا يزالوا ( * ) =
ـ 65 ـ
163 - ومن خطبة له عليه السلام
الحمد لله خالق العباد ، وساطح المهاد ، ومسيل الوهاد ، ومخصب
النجاد ( 1 ) . ليس لاوليته ابتداء ، ولا لازليته انقضاء . هو الاول لم
يزل ، والباقي بلا أجل . خرت له الجباه ، ووحدته الشفاه . حد الاشياء
عند خلقه لها إبانة له من شبهها ( 2 ) . لا تقدره الاوهام بالحدود
والحركات ، ولا بالجوارح والادوات . لا يقال له متى ، ولا يضرب
له أمد بحتى . الظاهر لايقال مما ( 3 ) ، والباطن لايقال فيما . لا شبح
فيتقضى ( 4 ) ، ولا محجوب فيحوى . لم يقرب من الاشياء بالتصاق ،
ولم يبعد عنها بافتراق . لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة ( 5 ) ،
ولا كرور لفظة ، ولا ازدلاف ربوة ( 6 ) ، ولا انبساط خطوة في ليل
* ( هامش ) * = مفتونين فلا تمت نفسك غما عليهم ( 1 ) المهاد : الارض . والوهاد - جمع وهدة -
ما انخفض من الارض . والنجاد - جمع نجد - ما ارتفع منها ، وتسييل الوهاد بمياه
الامطار ، وتخصيب النجاد بأنواع النبات ( 2 ) الابانة ههنا التمييز والفصل ، والضمير في
له يرجع اليه سبحانه أى تمييزا لذاته تعالى عن شبهها أى مشابهتها . وإبانة مفعول لاجله
يتعلق بحد ، أى حد الاشياء تنزيها لذاته عن مماثلتها ( 3 ) ظاهر بآثار قدرته ولا يقال
من أى شئ ظهر ( 4 ) ليس بجسم فيفنى بالانحلال ( 5 ) شخوص لحظة : امتداد بصر
( 6 ) ازدلاف الربوة : تقربها من النظر وظهورها له لانه يقع عليها قبل المنخفضات ( * )
ـ 66 ـ
داج ( 1 ) ، ولا غسق ساج ، يتفيأ عليه القمر المنير ( 2 ) ، وتعقبه الشمس
ذات النور في الافول والكرور ( 3 ) ، وتقلب الازمنة والدهور .
من إقبال ليل مقبل وإدبار نهار مدبر . قبل كل غاية ومدة ( 4 ) ، وكل
إحصاء وعدة . تعالى عما ينحله ( 5 ) المحددون من صفات الاقدار ،
ونهايات الاقطار . وتأثل المساكن ( 6 ) ، وتمكن الاماكن . فالحد
لخلقه مضروب ، وإلى غيره منسوب . لم يخلق الاشياء من أصول
أزلية ، ولا أوائل أبدية ، بل خلق ما خلق فأقام حده ، وصور
ما صور فأحسن صورته ( 7 ) ليس لشئ منه امتناع ( 8 ) ، ولا له بطاعة
* ( هامش ) * ( 1 ) الداجى : المظلم . والغسق : الليل . وساج أى ساكن لا حركة فيه ( 2 ) أصل التفيؤ
للظل نسخ نور الشمس . ولما كان الظلام بالليل عاما كالضياء بالنهار عبر عن نسخ
نور القمر له بالتفيؤ تشبيها له بنسخ الظل لضياء الشمس ، وهو من لطيف التشبيه
ودقيقه ( 3 ) الافول : المغيب . والكرور : الرجوع بالشروق ( 4 ) قوله قبل كل غاية
متعلق بيخفى على معنى السلب ، أى لا يخفى عليه شئ من ذلك قبل كل غاية ، أى يعلمه
قبل الخ . ويصح أن يكون خبرا عن ضمير الذات العلية ، أى هو موجود قبل كل غاية
الخ ( 5 ) نحله القول - كمنعه - نسبه اليه أى عما ينسبه المحددون لذاته تعالى والمعرفون لها .
من صفات الاقدار جمع قدر - بسكون الدال - وهو حال الشئ من الطول والعرض والعمق
ومن الصغر والكبر . ونهايات الاقطار هى نهايات الابعاد الثلاثة المتقدمة ( 6 ) التأثل : التأصل
( 7 ) لم تكن مواد متساوية في القدم والازلية وكان له فيها أثر التصوير والتشكيل
فقط ، بل خلق المادة بجوهرها ، وأقام لها حدها ، أى ما به امتازت عن سائر الموجودات
وصور منها ما صور من أنواع النباتات والحيوانات وغيرها ( 8 ) أى لا يمتنع عليه ( * ) =
ـ 67 ـ
شئ انتفاع . علمه بالاموات الماضين كعلمه بالاحياء الباقين ،
وعلمه بما في السماوات العلى كعلمه بما في الارضين السفلى
( منها ) أيها المخلوق السوى ( 1 ) ، والمنشأ المرعى في ظلمات
الارحام ، ومضاعفات الاستار . بدئت من سلالة من طين ( 2 ) ، ووضعت
في قرار مكين ، إلى قدر معلوم ، وأجل مقسوم . تمور في بطن أمك
جنينا لا تحير دعاء ولا تسمع نداء . ثم أخرجت من مقرك إلى دار
لم تشهدها ، ولم تعرف سبل منافعها . فمن هداك لاجترار الغذاء من
ثدى أمك ، وعرفك عند الحاجة مواضع طلبك وإرادتك . هيهات ،
إن من يعجز عن صفات ذى الهيئة والادوات فهو عن صفات خالقه
أعجز . ومن تناوله بحدود المخلوقين أبعد
* ( هامش ) * = ممكن إذا قال للشئ كن فيكون ( 1 ) مستوى الخلقة لا نقص فيه . والمنشأ المبتدع .
والمرعى المحفوظ ( 2 ) السلالة من الشئ : ما انسل منه . والنطفة : مزيج ينسل من البدن
المؤلف من عناصر الارض المخلوطة بالمواد السائلة ، فالمزاج البدنى أشبه بالمزاج الطينى
بل هو ( منه ) بنوع اتقان واحكام . والقرار المكين : محل الجنين من الرحم . والقدر المعلوم :
مبلغ المدة المحددة للحمل . وتمور : تتحرك . ولا تحير ، من قولهم ما أحار جوابا مارد
أى لا تستطيع دعاء ( * )
ـ 68 ـ
164 - ومن كلام له عليه السلام
لما اجتمع الناس عليه وشكوا ما نقموه على عثمان
وسألوه مخاطبته عنهم واستعتابه لهم ، فدخل عليه فقال
إن الناس ورائى وقد استسفروني بينك وبينهم ( 1 ) ووالله ما أدري
ما أقول لك ؟ ما أعرف شيئا تجهله ، ولا أدلك على أمر لا تعرفه . إنك
لتعلم ما نعلم . ما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه ، ولا خلونا بشئ فنبلغكه .
وقد رأيت كما رأينا ، وسمعت كما سمعنا ، وصحبت رسول الله صلى الله
عليه وآله كما صحبنا . وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب أولى بعمل
الحق منك ، وأنت أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
وشيجة رحم منهما ( 2 ) . وقد نلت من صهره ما لم ينالا . فالله الله في
نفسك ، فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل ، وإن الطرق
* ( هامش ) * ( 1 ) استسفروني : جعلوني سفيرا ( 2 ) الوشيجة : اشتباك القرابة ، وإنما كان
عثمان أقرب وشيجه لرسول الله لانه من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف
رابع أجداد النبي صلى الله عليه وآله ، أما أبوبكر فهو من بني تيم بن مرة سابع
أجداد النبي ، وعمر من بني عدي بن كعب ثامن أجداده صلى الله عليه وآله وسلم . وأما
أفضليته عليهما في الصهر فلانه تزوج ببنتي رسول الله رقية وأم كلثوم ، توفيت الاولى
فزوجه النبي بالثانية ولذا سمي ذا النورين . وغاية مانال الخليفتان أن النبي تزوج ( * ) =
ـ 69 ـ
لواضحة ، وإن أعلام الدين لقائمة . فاعلم أن أفضل عباد الله عند الله
إمام عادل هدي وهدى ، فأقام سنة معلومة ، وأمات بدعة مجهولة .
وإن السنن لنيرة لها أعلام ، وإن البدع لظاهرة لها أعلام . وإن
شر الناس عند الله إمام جائر ضل وضل به ، فأمات سنة مأخوذة ،
وأحيى بدعة متروكة . وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
يقول " يؤتى يوم القيامة بالامام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر
فيلقى في جهنم فيدور فيها كما تدور الرحى ثم يرتبط في قعرها ( 1 ) "
وإني أنشدك الله أن لا تكون إمام هذه الامة المقتول ، فإنه كان
يقال : يقتل في هذه الامة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم
القيامة ، ويلبس أمورها عليها ، ويبث الفتن عليها ، فلا يبصرون
الحق من الباطل . يموجون فيها موجا ، ويمرجون فيها مرجا ( 2 ) . فلا
تكونن لمروان سيقة ( 3 ) يسوقك حيث شاء بعد جلال السن وتقضي
العمر . فقال له عثمان رضي الله عنه : " كلم الناس في أن يؤجلونى
حتى أخرج إليهم من مظالمهم " فقال عليه السلام : ما كان بالمدينة
فلا أجل فيه ، وما غاب فأجله وصول أمرك إليه
* ( هامش ) * = من بناتهما ( 1 ) ربطه فارتبط ، أي شده وحبسه ( 2 ) المرج : الخلط ( 3 ) السيقة - ككيسة -
ما استاقه العدو من الدواب ، وكان مروان كاتبا ومشيرا لعثمان . ( * )
ـ 70 ـ
165 - ومن خطبة له عليه السلام
يذكر فيها عجيب خلقة الطاووس
ابتدعهم خلقا عجيبا من حيوان وموات ، وساكن وذي حركات .
فأقام من شواهد البينات على لطيف صنعته وعظيم قدرته ما انقادت
له العقول معترفة به ومسلمة له . ونعقت في أسماعنا دلائله على
وحدانيته ( 1 ) ، وما ذرأ من مختلف صور الاطيار ( 2 ) التي أسكنها أخاديد
الارض وخروق فجاجها ، ورواسي أعلامها . من ذات أجنحة مختلفة ،
وهيئات متباينة ، مصرفة في زمان التسخير ( 3 ) ومرفرفة بأجنحتها في
مخارق الجو المنفسح ، والفضاء المنفرج . كونها بعد أن لم تكن في
عجائب صور ظاهرة ، وركبها في حقاق مفاصل محتجبة ( 4 ) . ومنع
* ( هامش ) * ( 1 ) نعقت من نعق بغنمه - كمنع - صاح ( 2 ) ذرأ : خلق . والاخاديد - جمع أخدود الشق في
الارض والخروق جمع خرق - : الارض الواسعة تتخرق فيها الرياح . والفجاج - جمع فج -
الطريق الواسع وقد يستعمل في متسع الفلا . والاعلام جمع علم بالتحريك ، وهو الجبل
( 3 ) يصرفها الله في أطوار مختلفة تنتقل فيها بزمام تسخيره واستخدامه لها فيما خلقها
لاجله . ومرفرفة من رفرف الطائر بسط جناحيه . والمخارق - جمع مخرق - الفلاة . وشبه
الجو بالفلاة للسعة فيهما ( 4 ) الحقاق - ككتاب - : جمع حق بالضم - مجتمع المفصلين
واحتجاب المفاصل : استتارها باللحم والجلد والعبالة : الضخامة . ويسمو يرتفع وخفوفا
سرعة وخفة . ودفيف الطائر : مروره فويق الارض ، أو أن يحرك جناحيه ورجلاه ( * ) =
ـ 71 ـ
بعضها بعبالة خلقة أن يسمو في السماء خفوفا ، وجعله يدف دفيفا .
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 71 سطر 1 الى ص 80 سطر 18
بعضها بعبالة خلقة أن يسمو في السماء خفوفا ، وجعله يدف دفيفا .
ونسقها على اختلافها في الاصابيغ ( 1 ) بلطيف قدرته ودقيق صنعته .
فمنها مغموس في قالب ( 2 ) لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه . ومنها
مغموس في لون صبغ قد طوق بخلاف ما صبغ به ومن أعجبها خلقا
الطاووس الذي أقامه في أحكم تعديل ، ونضد ألوانه في أحسن
تنضيد ( 3 ) ، بجناح أشرج قصبه ، وذنب أطال مسحبه . إذا درج إلى
الانثى نشره من طيه ، وسما به مطلا على رأسه ( 4 ) كأنه قلع داري
عنجه نوتيه . يختال بألوانه ، ويميس بزيفانه . يفضي كإفضاء الديكة ،
ويؤر بملاقحة أر الفحول المغتلمة ( 5 ) في الضراب . أحيلك من ذلك
* ( هامش ) * = في الارض . ويدف بضم الدال
( 1 ) نسقها : رتبها . والاصابيغ : جمع أصباغ - بفتح الهمزة -
جمع صبغ بالكسر وهو اللون أو ما يصبغ به ( 2 ) القالب مثال تفرغ فيه الجواهر
لتأتى على قدره . والطائر ذو اللون الواحد كأنما أفرغ في قالب من اللون . وقوله
قد طوق أي جميع بدنه بلون واحد إلا لون عنقه فأنه يخالف سائر بدنه كأنه طوق
صيغ لحليته ( 3 ) التنضيد : النظم والترتيب . وقوله أشرج قصبه : أي داخل بين آحاده
ونظمها على اختلافها في الطول والقصر وإذا مشى إلى أنثاه ليسافدها نشر ذلك الذنب
بعد طيه ( 4 ) سما به أي ارتفع به ، أي رفعه مطلا على رأسه ، أي مشرفا عليه كأنه
يظلله . والقلع - بكسر فسكون - شراع السفينة . وعنجه : جذبه فرفعه ، من عنجت
البعير إذا جذبته بخطامه فرددته على رجليه . ويختال : يعجب . ويميس : يتبختر
بزيفان ذنبه . وأصل الزيفان التبختر أيضا ويريد به هنا حركة ذنب الطاووس يمينا
وشمالا ( 5 ) يفضي : أي يسافد أنثاه كما تسافد الديكة جمع ديك . ويؤر - كيشد - أي يأتي ( * ) =
ـ 72 ـ
على معاينة ( 1 ) ، لا كمن يحيل على ضعيف إسناده . ولو كان كزعم من
يزعم أنه يلقح بدمعة تسفحها مدامعه ( 2 ) ، فتقف في ضفتي جفونه
وأن أنثاه تطعم ذلك ، ثم تبيض لا من لقاح فحل سوى الدمع المنبجس
لما كان ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب ( 3 ) . تخال قصبه مداري من
فضة وما أنبت عليها من عجيب داراته وشموسه خالص العقيان
وفلذ الزبرجد ( 4 ) فإن شبهته بما أنبتت الارض قلت
* ( هامش ) * = أنثاه . بملاقحة أي مسافدة يفرز فيها مادة تناسلية من عضو التناسل يدفعها في رحم
قابل . والمغتلمة . على صيغة اسم الفاعل . من اغتلم إذا غلب للشهوة . والضراب :
لقاح الفحل لانثاه
( * ) في المنجد بكسر الدال ( 1 ) أي إن لم يكفك الخبر فإني أحولك عنه إلى المعاينة فاذهب
وعاين تجد صدق ما أقول ( 2 ) تسفحها أي ترسلها أوعية الدمع . وضفة الجفن :
استعارة من ضفتي النهر بمعنى جانبيه . وتطعم ذلك - كتعلم - أي تذوقه كأنها تترشقه .
ولقاح الفحل - كسحاب - ماء التناسل يلقح به الانثى . والمنبجس النابع من العين
( 3 ) لما كان ذلك بأعجب أي لو صح ذلك الزعم في الطاووس لكان له نظير فيما
زعموا في مطاعمة الغراب وتلقيحه لانثاه حيث قالوا إن مطاعمة الغراب بانتقال جزء
من الماء المستقر في قانصة الذكر إلى الانثى تتناوله من منقاره . والمماثلة بين الزعمين
في عدم الصحة . ومنشأ الزعم في الغراب إخفاؤه لسفاده حتى ضرب المثل بقولهم : أخفى من سفاد
الغراب ( 4 ) القصب - جمع قصبة - هي عمود الريش . والمدارى - جمع مدرى بكسر
الميم - قال ابن الاثير المدرى والمدراة مصنوع من حديد أو خشب على شكل سن من
أسنان المشط وأطول منه يسرح به الشعر المتلبد ويستعمله من لا مشط له . والدارات :
هالات القمر . والعقيان : الذهب الخالص أو ما ينمو منه في معدنه . وفلذ - كعنب -
جمع فلذة بمعنى القطعة . وما أنبت معطوف على قصبه . والتشبيه في بياض القصب والصفرة ( * ) =
ـ 73 ـ
جني جني من زهرة كل ربيع ( 1 ) . وإن ضاهيته بالملابس فهو كموشي
الحلل ( 2 ) ، أو مونق عصب اليمن . وإن شاكلته بالحلي فهو كفصوص ذات
ألوان قد نطقت باللجين المكلل ( 3 ) . يمشي مشي المرح المختال ( 4 )
ويتصفح ذنبه وجناحيه فيقهقه ضاحكا لجمال سرباله وأصابيغ وشاحه ( 5 )
فإذا رمى ببصره إلى قوائمه زقا معولا بصوت يكاد يبين عن استغاثته ،
ويشهد بصادق توجعه ، لان قوائمه حمش كقوائم الديكة الخلاسية ( 6 )
وقد نجمت من ظنبوب ساقه صيصية خفية ( 7 ) . وله في موضع العرف
قنزعة خضراء موشاة ( 8 ) . ومخرج عنقه كالابريق . ومغرزها إلى حيث
* ( هامش ) * = والخضرة في الريش ( 1 ) جنى أى مجتنى جمع كل زهر لانه جمع كل لون ( 2 ) الموشى :
المنقوش المنمنم على صيغة اسم الفاعل . والعصب - بالفتح - ضرب من البرود منقوش
( 3 ) جعل اللجين - وهو الفضة - منطقة لها . والمكلل : المزين بالجواهر . فكما تمنطقت
الفصوص باللجين كذلك زين اللجين بها ( 4 ) المرح - ككتف - المعجب والمختال الزاهي
بحسنه ( 5 ) السربال : اللباس مطلقا أو هو الدرع خاصة والوشاح نظامان من لؤلؤ
وجوهر يخالف بينهما ويعطف أحدهما على الآخر بعد عقد طرفه به حتى يكونا
كدائرتين إحداهما داخل الاخرى كل جزء من الواحدة يقابل جزءا من قرينتها
ثم تلبسه المرأة على هيئة حمالة السيف ، وأديم عريض مرصع بالجواهر يلبس كذلك ما بين
العاتق والكشح ( 6 ) زقا يزقو : صاح ، وأعول فهو معول رفع صوته بالبكاء يكاد يبين أي يفصح
عن استغاثته من كراهة قوائمه أي ساقيه . حمش - جمع أحمش - أي دقيق . والديك
الخلاسى - بكسر الخاء - هو المتولد بين دجاجتين هندية وفارسية ( 7 ) وقد نجمت
أي نبتت من ظنبوب ساقه أي من حرف عظمه الاسفل صيصية وهي شوكة تكون
في رجل الديك . والظنبوب - بالضم - كعرقوب عظم حرف الساق ( 8 ) القنزعة - بضم ( * ) =
ـ 74 ـ
بطنه كصبغ الوسمة اليمانية ( 1 ) ، أو كحريرة ملبسة مرءاة ذات صقال ( 2 )
وكأنه متلفع بمعجر أسحم ( 3 ) . إلا أنه يخيل لكثرة مائه وشدة
بريقه أن الخضرة الناضرة ممتزجة به . ومع فتق سمعه خط كمستدق
القلم في لون الاقحوان ( 4 ) أبيض يقق . فهو ببياضه في سواد ما هنالك
يأتلق ( 5 ) . وقل صبغ إلا وقد أخذ منه بقسط ( 6 ) ، وعلاه بكثرة صقاله
وبريقه وبصيص ديباجه ورونقه ( 7 ) . فهو كالازاهير المبثوثة ( 8 ) لم تربها
أمطار ربيع ( 9 ) ولا شموس قيظ . وقد يتحسر من ريشه ( 10 ) ، ويعرى من
لباسه ، فبسقط تترى ، وينبت تباعا ، فينحت من قصبه انحتات أوراق
* ( هامش ) * = القاف والزاي - بينهما سكون - الخصلة من الشعر تترك على رأس الصبي وموشاة :
منقوشة ( 1 ) مغرزها : الموضع الذي غرز فيه العنق منتهيا إلى مكان البطن لونه
كلون الوسمة وهي نبات يخضب به ، أو هي نبات النيل الذي منه صبغ النيلج المعروف
بالنيلة ( 2 ) الصقال : الجلاء ( 3 ) المعجر - كمنبر - : ثوب تعتجر به المراة فتضع طرفه
على رأسها ثم تمر الطرف الآخر من تحت ذقنها حتى ترده إلى الطرف الاول فيغطى
رأسها وعنقها وعاتقها وبعض صدرها وهو معنى التلفع ههنا . والاسجم الاسود
( 4 ) الاقحوان : البابونج . واليقق - محركا - شديد البياض ( 5 ) يلمع ( 6 ) نصيب
( 7 ) علاه أي فاق اللون الذي أخذه نصيبا منه بكثرة جلائه . والبصيص : اللمعان .
والرونق : الحسن ( 8 ) الازاهير : جمع أزهار جمع زهر ( 9 ) لم تربها ، فعل من التربية .
والقيظ : الحر ( 10 ) يتحسر هو من حسرة أي كشفه ، أي وقد يكشف من ريشه . ( * ) =
ـ 75 ـ
الاغصان ( 1 ) ، ثم يتلاحق ناميا حتى يعود كهيئته قبل سقوطه . لا يخالف
سالف ألوانه ، ولا يقع لون في غير مكانه . وإذا تصفحت شعرة
من شعرات قصبه أرتك حمرة وردية ، وتارة خضرة زبرجدية ، وأحيانا
صفرة عسجدية ( 2 ) . فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن ( 3 ) ، أو
تبلغه قرائح العقول ، أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين . وأقل
أجزائه قد أعجز الاوهام أن تدركه ، والالسنة أن تصفه . فسبحان
الذي بهر العقول ( 4 ) عن وصف خلق جلاه للعيون فأدركته محدودا
مكونا ، ومؤلفا ملونا . وأعجز الالسن عن تلخيص صفته ، وقعد بها
عن تأدية نعته . وسبحان من أدمج قوائم الذرة ( 5 ) والهمجة إلى ما فوقهما
من خلق الحيتان والافيلة . ووأى على نفسه أن لا يضطرب شبح مما
أولج فيه الروح إلا وجعل الحمام موعده ، والفناء غايته ( 6 )
( منها في صفة الجنة ) فلو رميت ببصر قلبك نحو ما يوصف لك
منها لعزفت نفسك ( 7 ) عن بدائع ما أخرج إلى الدنيا من شهواتها
* ( هامش ) * = وتترى أي شيئا بعد شئ ( 1 ) ينحت : يسقط وينقشر ( 2 ) ذهبية ( 3 ) عمائق جمع
عميقة ( 4 ) بهر العقول : قهرها فردها . وجلاه - كحلاه - كشفه ( 5 ) الذرة : واحدة الذر :
صغار النمل . والهمجة - محركة - واحدة الهمج : ذباب صغير يسقط على وجوه الغنم .
وقوائمها : أرجلها . وأدمجها : أودعها فيها ( 6 ) وأى : وعد . والحمام : الموت ( 7 ) عزفت
الابل - كفرح - اشتكت بطونها من أكل العزف : وهو الثمان ، أي لكرهت بدائع ( * ) =
ـ 76 ـ
ولذاتها وزخارف مناظرها ، ولذهلت بالفكر في اصطفاق أشجار ( 1 )
غيبت عروقها في كثبان المسك على سواحل أنهارها ، وفي تعليق كبائس
اللؤلؤ الرطب في عساليجها وأفنانها ( 2 ) ، وطلوع تلك الثمار مختلفة في
غلف أكمامها ( 3 ) . تحنى من غير تكلف ( 4 ) فتأتي على منية مجتنيها ،
ويطاف على نزالها في أفنية قصورها بالاعسال المصفقة ( 5 ) ، والخمور
المروقة . قوم لم تزل الكرامة تتمادى بهم حتى حلوا دار القرار ( 6 ) ،
وأمنوا نقلة الاسفار . فلو شغلت قبلك أيها المستمع بالوصول إلى
ما يهجم عليك من تلك المناظر المونقة ( 7 ) لزهقت نفسك شوقا إليها ،
ولتحملت من مجلسي هذا إلى مجاورة أهل القبور استعجالا بها . جعلنا
الله وإياكم ممن سعى بقلبه إلى منازل الابرار برحمته .
( تفسير بعض ما في هذه الخطبة من الغريب ( * )
قوله عليه السلام ويؤر بملاقحة الار كناية عن النكاح ، يقال أر المرأة
* ( هامش ) * = الدنيا كما تكره الابل الثمام أو لتألمت نفسك من النظر والتناول لما تراه من بدائع
الدنيا كما تألم بطون الابل من أكل الثمام ( 1 ) اصطفاق الاشجار : تضارب أوراقها
بالنسيم بحيث يسمع لها صوت . والكثبان - جمع كثيب - وهو التل ( 2 ) جمع فنن
- بالتحريك - وهو الغصن ( 3 ) غلف بضمتين - جمع غلاف - والاكمام جمع كم بكسر
الكاف - وهو وعاء الطلع وغطاء النوار ( 4 ) تحنى من حناه حنوا عطفه ( 5 ) المصفاة
( 6 ) قوله قوم الخ أي هم قوم أي نزال الجنة قوم شأنهم ما ذكره ( 7 ) المونقة : المعجبة
( * ) هذا التفسير غير موجود في بعض النسخ ( * )
ـ 77 ـ
يؤرها أي نكحها ، وقوله كأنه قلع داري عنجه نوتيه : القلع شراع
السفينة ، وداري : منسوب إلى دارين ، وهي بلدة على البحر يجلب منها
الطيب . وعنجه أى عطفه . يقال عنجت الناقة - كنصرت - أعنجها عنجا
إذا عطفتها . والنوتى الملاح . وقوله ضفتى جفونه ، أراد جانبي جفونه .
والضفتان الجانبان . وقوله وفلذ الزبرجد ، الفلذ : جمع فلذة ، وهى
القطعة . وقوله كبائس اللؤلؤ الرطب ، الكباسة : العذق ( 1 ) .
والعساليج الغصون ، واحدها عسلوج ) .
166 - ومن خطبة له عليه السلام
ليتأس صغيركم بكبيركم ( 2 ) ، وليرأف كبيركم بصغيركم .
ولا تكونوا كجفاة الجاهلية لا في الدين يتفقهون ، ولا عن الله
يعقلون . كقيض بيض في أداح ( 3 ) يكون كسرها وزرا . ويخرج
حضانها شرا
* ( هامش ) * ( 1 ) العذق للنخلة كالعنقود للعنب مجموع الشماريخ وما قامت عليه من العرجون
( 2 ) ليتأس : أي ليقتد ( 3 ) القيض : القشرة العليا اليابسة على البيضة . والاداحى
- جمع أدحى - كلجى وهو مبيض النعام في الرمل تدحوه برجلها لتبيض فيه فإذا
مر مار بالاداحي فرأى فيها بيضا أرقط ظن أنه بيض القطا لكثرته وإلفه للافاحيص
مطلقا يبيض فيها ، فلا يسوغ للمار أن يكسر البيض ، وربما كان في الحقيقة بيض ثعبان
فينتج حضان الطير له شرا . وكذلك الانسان الجاهل الجافي صورته الانسانية تمنع ( * ) =
ـ 78 ـ
( منها ) افترقوا بعد ألفتهم ، وتشتتوا عن أصلهم . فمنهم آخذ
بغصن أينما مال مال معه . على أن الله تعالى سيجمعهم لشر يوم لبني أمية
كما تجتمع قزع الخريف ( 1 ) يؤلف الله بينهم ، ثم يجعلهم ركاما
كركام السحاب . ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم
كسيل الجنتين ، حيث لم تسلم عليه قارة ، ولم تثبت عليه أكمة ،
ولم يرد سننه رص طود ، ولا حداب أرض . يزعزعهم الله في بطون
أوديته ( 2 ) ، ثم يسلكهم ينابيع في الارض يأخذ بهم من قوم حقوق
قوم ، ويمكن لقوم في ديار قوم . وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد
* ( هامش ) * = من إتلافه ولا ينتج الابقاء عليه إلا شرا ، فإنه بجهله يكون أشد ضررا على الناس
من الثعبان بسمه ( 1 ) القزع - محركا - : القطع المتفرقة من السحاب واحدته قزعة
بالتحريك والركام : السحاب المتراكم . والمستثار : موضع انبعاثهم ثائرين . وسيل
الجنتين هو الذي سماه الله سيل العرم الذي عاقب الله به سبأ على ما بطروا نعمته
فدمر جناتهم وحول نعيمهم شقاء . والقارة - كالقرارة - ما اطمأن من الارض . والاكمة
- محركة - غليظ من الارض يرتفع عما حواليه . والسنن يريد به الجرى . والطود : الجبل
العظيم والمقصود الجمع . والرص يراد به الارتصاص أي الانضمام والتلاصق ، أي لم يمنع
جريته تلاصق الجبال . والحداب - جمع حدب بالتحريك - ما غلظ من الارض في ارتفاع
( 2 ) يزعزعهم : يفرقهم . وبطون الاودية كناية عن مسالك الاختفاء ، ثم يسلكهم
ينابيع في الارض أي أنهم يسرون دعوتهم وينفثونها في الصدر حتى تثور ثائرتها
في القلوب كما تفور الينابيع من عيونها . وقد كان ذلك في قيام الهاشميين على الامويين ( * ) =
ـ 79 ـ
العلو والتمكين ( 1 ) كما تذوب الالية على النار
أيها الناس لو لم تتخاذلوا عن نصر الحق ، ولم تهنوا عن توهين
الباطل . لم يطمع فيكم من ليس مثلكم ، ولم يقو من قوي
عليكم . لكنكم تهتم متاه بنى إسرائيل . ولعمري ليضعفن لكم
التيه من بعدي أضعافا ( 2 ) بما خلفتم الحق وراء ظهوركم ، وقطعتم
الادنى ووصلتم الابعد . واعلموا أنكم إن اتبعتم الداعي لكم
سلك بكم منهاج الرسول ، وكفيتم مؤونة الاعتساف ، ونبذتم
الثقل الفادح عن الاعناق ( 3 )
167 - ومن خطبة له عليه السلام
في أول خلافته
إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر . فخذوا نهج
الخير تهتدوا ، واصدفوا عن سمت الشر تقصدوا ( 4 ) . الفرائض الفرائض ،
أدوها إلى الله تؤدكم إلى الجنة . إن الله حرم حراما غير مجهول ، وأحل
حلالا غير مدخول ( 5 ) ، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها ، وشد
* ( هامش ) * = في زمن مروان الحمار ( 1 ) الضمير في أيديهم لبني أمية . والالية الشحمة ( 2 ) ليضعفن
لكم التيه : لتزدان لكم الحيرة أضعاف ماهي لكم الآن ( 3 ) الفادح - من فدحه
الدين إذا أثقله ( 4 ) صدف : أعرض . والسمت : الجهة . وتقصدوا تستقيموا ( 5 ) معيب ( * )
ـ 80 ـ
بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها ( 1 ) . فالمسلم من
سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق . ولا يحل أذى المسلم إلا بما
يجب . بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم وهو الموت ( 2 ) فإن الناس
أمامكم ، وإن الساعة تحدوكم من خلفكم . تخففوا تلحقوا ، فإنما
ينتظر بأولكم آخركم . اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسئولون
حتى عن البقاع والبهائم ، أطيعوا الله ولا تعصوه ، وإذا رأيتم الخير
فخذوا به ، وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه
168 - ومن كلام له عليه السلام
بعد ما بويع بالخلافة ، وقد قال له قوم من الصحابة
لو عاقبت قوما ممن أجلب على عثمان ؟ فقال عليه السلام :
يا إخوتاه إنى لست أجهل ما تعلمون ، ولكن كيف لى بقوة
والقوم المجلبون على حد شوكتهم ، يملكوننا ولا نملكهم .
* ( هامش ) * ( 1 ) أي جعل الحقوق مرتبطة بالاخلاص والتوحيد لا تنفك عنه . ومعاقد الحقوق :
مواضعها من الذمم ( 2 ) بادره : عاجله ، أي عاجلوا أمر العامة بالاصلاح لئلا يغلبكم الفساد
فتهلكوا ، فإذا انقضى عملكم في شؤون العامة فبادروا الموت بالعمل الصالح كيلا
يأخذكم على غفلة فلا تكونوا منه على أهبة . وفي تقديم الامام أمر العامة على أمر
الخاصة دليل على أن الاول أهم ولا يتم الثاني إلا به . وهذا ما تضافرت عليه الادلة الشرعية ( * ) =
ـ 81 ـ
وهاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم ، والتفت إليهم أعرابكم ،
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 81 سطر 1 الى ص 90 سطر 18
وهاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم ، والتفت إليهم أعرابكم ،
وهم خلالكم ( 1 ) ( يسومونكم ما شاؤا . وهل ترون موضعا لقدرة
على شئ تريدونه . إن هذا الامر أمر جاهلية . وإن لهؤلاء القوم
مادة ( 2 ) . إن الناس من هذا الامر - إذا حرك - على أمور : فرقة ترى
ما ترون ، وفرقة ترى ما لا ترون ، وفرقة لا ترى هذا ولا ذاك ، فاصبروا
حتى يهدأ الناس ، وتقع القلوب مواقعها ، وتؤخذ الحقوق مسمحة ( 3 )
فاهدأوا عنى ، وانظروا ماذا يأنيكم به أمرى . ولا تفعلوا فعلة
تضعضع قوة ، وتسقط منة ، وتورث وهنا وذلة ( 4 ) . وسأمسك الامر
ما استمسك . وإذا لم أجد بدا فآخر الدواء الكي ( 5 )
169 - ومن خطبة له عليه السلام
عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة
إن الله بعث رسولا هاديا بكتاب ناطق وأمر قائم ، لا يهلك عنه
إلا هالك ( 6 ) . وإن المبتدعات المشبهات هن المهلكات ( 7 ) إلا ما حفظ
* ( هامش ) * = وإن غفل عنه الناس في أزماننا هذه ( 1 ) خلالكم : فيما بينكم ( 2 ) مادة أي عونا ومددا
( 3 ) مسمحة : اسم فاعل ، من أسمح إذا جاد وكرم ، كأنها لتيسرها عند القدرة
تجود عليه بنفسها فيأخذها ( 4 ) ضعضعه : هدمه حتى الارض . والمنة - بالضم - القدرة .
والوهن : الضعف ( 5 ) الكي كناية عن القتل ( 6 ) الامن كان في طبعه عوج جبلى
فحتم عليه الشقاء الابدي ( 7 ) البدع الملبسة ثوب الدين المشبهة به هي المهلكة إلا أن يحفظ ( * ) =
ـ 82 ـ
الله منها . وإن في سلطان الله عصمة لامركم . فأعطوه طاعتكم غير
ملومة ولا مستكره بها ( 1 ) . والله لتفعلن أو لينقلن الله عنكم سلطان
الاسلام ، ثم لا ينقله إليكم أبدا حتى يأرز الامر إلى غيركم ( 2 )
إن هؤلاء قد تمالاوا على سخطة إمارتى ( 3 ) وسأصبر ما لم أخف
على جماعتكم . فإنهم إن تمموا على فيالة هذا الرأي ( 4 ) انقطع نظام
المسلمين ، وإنما طلبوا هذه الدنيا حسدا لمن أفاءها الله عليه ، فأرادوا
رد الامور على أدبارها . ولكم علينا العمل بكتاب الله تعالى وسيرة
رسول الله صلى الله عليه وآله والقيام بحقه والنعش لسنته ( 5 )
170 - ومن كلام له عليه السلام
كلم به بعض العرب وقد أرسله قوم من أهل البصرة لما قرب
عليه السلام منها ليعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول
الشبهة من نفوسهم فبين له عليه السلام من أمره معهم ما علم به
أنه على الحق ، ثم قال له بايع ، فقال إنى رسول قوم ولا أحدث حدثا
* ( هامش ) * = الله منها بالتوبة ( 1 ) ملومة - من لومه - مبالغة في لامه أي غير ملوم عليها بالنفاق
( 2 ) يأرز : يرجع ( 3 ) تمالاوا اتفقوا وتعاونوا . والسخطة - بالفتح - الكراهة وعدم
الرضاء . والمراد من هؤلاء من انتقض عليه من طلحة والزبير رضي الله عنهما والمنضمين
إليهما ( 4 ) فيالة الرأي - بالفتح - ضعفه . وأفاءها عليه : أرجعها إليه ( 5 ) النعش مصدر ( * ) =
ـ 83 ـ
حتى أرجع إليهم . فقال عليه السلام :
أرأيت لو أن الذين وراءك بعثوك رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث
فرجعت إليهم وأخبرتهم عن الكلا والماء فخالفوا إلى المعاطش
والمجادب ما كنت صانعا ؟ قال كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلا
والماء . فقال عليه السلام فامدد إذا يدك . فقال الرجل فو الله ما
استطعت أن أمتنع عند قيام الحجة علي ، فبايعته عليه السلام . والرجل
يعرف بكليب الجرمي
171 - ومن كلام له عليه السلام
لما عزم على لقاء القوم بصفين
اللهم رب السققف المرفوع ، والجو المكفوف ( 1 ) ، الذي جعلته
مغيضا لليل والنهار ، ومجرى للشمس والقمر ، ومختلفا للنجوم السيارة .
وجعلت سكانه سبطا من ملائكتك لا يسأمون من عبادتك . ورب
هذه الارض التي جعلتها قرارا للانام ومدرجا للهوام والانعام ، وما
* ( هامش ) * = نعشه إذا رفعه ( 1 ) الجو : ما بين الارض والاجرام العالية . وفيه من مصنوعات الله
ما لا يحصى نوعه ولا يعد جنسه . وهو بحر تسبح فيه الكائنات الجوية ولكنها مكفوفة
عن الارض لا تسقط عليها حتى يريد الله إحداث أمر فيها . وجعلته مغيضا من غاض الماء
إذا نقص ، كأن هذا الجو منبع الضياء والظلام وهو مغيضها كما يغيض الماء في البئر ( * ) =
ـ 84 ـ
لا يحصى مما يرى ومما لا يرى . ورب الجبال الرواسي التي جعلتها
للارض أوتادا ، وللخلق اعتمادا ( 1 ) ، إن أظهرتنا على عدونا فجنبا البغي
وسددنا للحق . وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة واعصمنا من الفتنة .
أين المانع للذمار ( 2 ) والغائر عند نزول الحقائق من أهل الحفاظ . العار
وراءكم والجنة أمامكم
172 - ومن خطبة له عليه السلام
الحمد لله الذي لا تواري عنه سماء سماء ( 3 ) ولا أرض أرضا
( منها ) وقال قائل : إنك على هذا الامر يا ابن أبي طالب لحريص ،
فقلت بل أنتم والله لاحرص وأبعد ، وأنا أخص وأقرب ، وإنما طلبت
حقا لى وأنتم تحولون بينى وبينه ، وتضربون وجهى دونه ( 4 ) . فلما
* ( هامش ) * = والكلام الآتي صريح في أن الكواكب السيارة كالشمس والقمر تختلف أي
يختلف بعضها بعضا في الجو فهو مجال سيرها وميدان حركاتها . والسبط - بالكسر - الامة ( 1 ) اعتمادا أي معتمدا أي ملجأ يعتصمون بها إذا طردتهم الغارات من السهول ،
وكما هي كذلك للانسان هي أيضا كذلك للحيوانات تعتصم بها ( 2 ) الذمار - ككتاب -
ما يلزم الرجل حفظه من أهله وعشيرته . والغائر : من غار على امرأته أو قريبته أن يمسها
أجنبي . والحقائق : وصف لا اسم ، يريد النوازل الثابتة التي لا تدفع بل لا تقلع إلا بعازمات
الهمم ومن أهل الحفاظ بيان للمانع والغائر ، والحفاظ : الوفاء ورعاية الذمم ( 3 ) لا تواري :
لا تحجب ( 4 ) ضرب الوجه كناية عن الرد والمنع . وقرعته بالحجة من قرعه بالعصا
ضربه بها . وهب ، من هبيب التيس أي صياحه ، أى كان يتكلم بالمهمل مع سرعة ( * ) =
= حمل عليها الغضب كأنه مخبول لا يدري ما يقول ( * )
ـ 85 ـ
قرعته بالحجة في الملا الحاضرين هب لا يدري ما يجيبني به
اللهم إني أستعينك على قريش ومن أعانهم ( 1 ) ، فإنهم قطعوا رحمي ،
وصغروا عظيم منزلتي ، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي . ثم قالوا إلا
أن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تتركه ( 2 )
( منها في ذكر أصحاب الجمل ) فخرجوا يجرون حرمة رسول الله
صلى الله عليه وآله كما تجر الامة عند شرائها ، متوجهين بها إلى
البصرة ، فحبسا نساءهما في بيوتهما ، وأبرزا حبيس رسول الله صلى الله
عليه وآله لهما ولغيرهما ( 3 ) في جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطاني
الطاعة وسمح لي بالبيعة طائعا غير مكره فقدموا على عاملي بها وخزان
بيت مال المسلمين ( 4 ) وغيرهم من أهلها . فقتلوا طائفة صبرا ( 5 ) ،
وطائفة غدرا . فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلا واحدا
معتمدين لقتله ( 6 ) بلا جرم جره ، لحل لي قتل ذلك الجيش كله
* ( هامش ) * ( 1 ) أستعينك : أستنصرك وأطلب منك
المعونة ( 2 ) ثم قالوا الخ أي أنهم اعترفوا بفضله وأنه أجدرهم بالقيام به ، ففي الحق أن يأخذه
ثم لما اختار المقدم في الشورى غيره عقدوا له الامر وقالوا للامام في الحق أن تتركه
فتناقض حكمهم بالحقية في القضيتين ، ولا يكون الحق في الاخذ إلا لمن توفرت فيه شروطه
( 3 ) حبيس فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وأم المؤمنين كانت محبوسة
لرسول الله لا يجوز لاحد أن يمسها بعده كانها في حياته ( 4 ) خزان جمع خازن
( 5 ) القتل صبرا أن تحبس الشخص ثم ترميه حتى يموت ( 6 ) معتمدين : قاصدين ( * )
ـ 86 ـ
إذ حضروه فلم ينكروا ولم يدفعوا عنه بلسان ولا يد . دع ما
أنهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدة التي دخلوا بها عليهم ( 1 )
173 - ومن خطبة له عليه السلام
أمين وحيه ، وخاتم رسله ، وبشير رحمته ، ونذير نقمته
أيها الناس إن أحق الناس بهذا الامر أقواهم عليه ، وأعلمهم بأمر
الله فيه . فإن شغب شاغب استعتب ( 2 ) فإن أبى قوتل . ولعمري لئن
كانت الامامة لا تنعقد حتى يحضرها عامة الناس فما إلى ذلك سبيل ،
ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس للشاهد أن يرجع
ولا للغائب أن يختار
ألا وإني أقاتل رجلين : رجلا ادعى ما ليس له ، وآخر منع الذي
عليه . أوصيكم بتقوى الله فإنها خير ما تواصى العباد به ،
وخير عواقب الامور عند الله . وقد فتح باب الحرب بينكم وبين
* ( هامش ) * ( 1 ) قوله دع ما أنهم أي يحل لي قتلهم بقتل مسلم واحد عمدا فدع من أعمالهم ما زاد
على ذلك وهو أنهم قتلوا من المسلمين عدد جيشهم فذلك مما يستحقون عليه عقابا
فوق حل دمائهم ، وما في قوله ما أنهم مثل لو في قولهم يعجبني لو أن فلانا يتكلم ، ومثلها
في قوله تعالى " إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " فهي زائدة أو مساعدة على سبك
الجملة بالمصدر ( 2 ) الشغب : تهييج الفساد . واستعتب : طلب منه الرضاء بالحق ( * )
ـ 87 ـ
أهل القبلة ( 1 ) ، ولا يحمل هذا العلم إلا أهل البصر والصبر ( 2 ) والعلم
بمواضع الحق . فامضوا لما تؤمرون به ، وقفوا عندما تنهون عنه . ولا
تعجلوا في أمر حتى تتبينوا ، فإن لنا مع كل أمر تنكرونه غيرا ( 3 )
ألا وإن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها ، وأصبحت
تغضبكم وترضيكم ليست بداركم ، ولا منزلكم الذي خلقتم له
ولا الذي دعيتم إليه . ألا وإنها ليست بباقية لكم ولا تبقون عليها .
وهي وإن غرتكم منها فقد حذرتكم شرها . فدعوا غرورها
لتحذيرها ، وإطماعها لتخويفها . وسابقوا فيها إلى الدار التي دعيتم إليها
وانصرفوا بقلوبكم عنها . ولا يخنن أحدكم خنين الامة على ما زوي
عنه منها ( 4 ) . واستتموا نعمة الله عليكم بالصبر على طاعة الله والمحافظة
على ما استحفظكم من كتابه . ألا وإنه لا يضركم تضييع شئ
من دنياكم بعد حفظكم قائمة دينكم . ألا وإنه لا ينفعكم بعد
تضييع دينكم شئ حافظتم عليه من أمر دنياكم . أخذ الله
* ( هامش ) * ( 1 ) أهل القبلة من يعتقد بالله وصدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ويصلي معنا إلى قبلة
واحدة ( 2 ) أي لا يحمل علم الحرب ورايتها لقتال أهل القبلة إلا أهل العقل والمعرفة بالشرع
وهم الامام ومن معه ، أي ليس حملنا لهذا العلم عن جهل أو غفلة عن أحكام الله ( 3 ) أي إذا
اتفق أهل الحل والعقد من المسلمين على إنكار شئ عدلنا إلى حكمهم وغيرنا حكمنا
متى كان اتفاقهم لا يخالف نصا شرعيا . فالغير بكسر ففتح اسم للتغيير أو التغير ( 4 ) الخنين - ( * ) =
ـ 88 ـ
بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق . وألهمنا وإياكم الصبر
174 - ومن كلام له عليه السلام
في معنى طلحة بن عبيد الله
قد كنت وما أهدد بالحرب ، ولا أرهب بالضرب . وأنا على ما قد
وعدني ربي من النصر . والله ما استعجل متجردا للطلب بدم عثمان ( 1 )
إلا خوفا من أن يطالب بدمه لانه مظنته ، ولم يكن في القوم أحرص
عليه منه ( 2 ) ، فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلبس الامر ( 3 ) ويقع
الشك . ووالله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث : لئن كان ابن عفان
ظالما - كما كان يزعم - لقد كان ينبغي له أن يوازر قاتليه ( 4 ) أو ينابذ
ناصريه . ولئن كان مظلوما لقد كان ينبغي له أن يكون من
المنهنهين عنه ( 5 ) ، والمعذرين فيه ( 6 ) . ولئن كان في شك من
الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله ويركد جانبا ( 7 ) ويدع
* ( هامش ) * = بالخاء المعجمة - ضرب من البكاء يردد به الصوت في الانف . وزوى : أي قبض ( 1 ) متجردا كأنه سيف تجرد من غمده ( 2 ) أحرص عليه أي على دم عثمان بمعنى سفكه
( 3 ) يلبس رباعي من قولهم أمر ملبس أي مشتبه ( 4 ) يوازر : ينصر ويعين . والمنابذة
المراماة والمراد المعارضة والمدافعة ( 5 ) نهنهه عن الامر : كفه وزجره عن إتيانه
( 6 ) المعذرين فيه : المعتذرين عنه فيما نقم منه ( 7 ) ويركد جانبا يسكن في جانب ( * ) =
ـ 89 ـ
الناس معه ، فما فعل واحدة من الثلاث ، وجاء بأمر لم يعرف بابه ، ولم
تسلم معاذيره
175 - ومن خطبة له عليه السلام
أيها الغافلون غير المغفول عنهم ، والتاركون المأخوذ منهم ( 1 ) .
ما لي أراكم عن الله ذاهبين ، وإلى غيره راغبين . كأنكم نعم أراح
بها سائم إلى مرعى وبي ومشرب دوي ( 2 ) . إنما هي كالمعلوفة للمدى
لا تعرف ماذا يراد بها ، إذا أحسن إليها تحسب يومها دهرها ( 3 ) ، وشبعها
أمرها . والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه
وجميع شأنه لفعلت ( 4 ) ، ولكن أخاف أن تكفروا في برسول الله
صلى الله عليه وآله . ألا وإني مفضيه إلى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه ( 5 ) .
* ( هامش ) * = عن القاتلين والناصرين ( 1 ) التاركون الخ أي أن التاركين لما أمروا به المأخوذة منهم
أعمارهم تطويها عنهم يد القدرة ساعة بعد ساعة . فالمأخوذ منهم صفة للتاركين ( 2 ) النعم
- محركة - الابل أو هي والغنم . وأراح بها ذهب بها . وأصل الاراحة الانطلاق في الريح فاستعمله
في مطلق الانطلاق ، والسائق : الراعي . والوبى : الردى يجلب الوباء . والدوى : الوبيل
يفسد الصحة ، أصله من الدوا بالقصر أي المرض . والمدى - جمع مدية - السكين أي
معلوفة للذبح ( 3 ) تحسب يومها دهرها أي لا تنظر إلى عواقب أمورها فلا تعد شيئا
لما بعد يومها ، ومتى شبعت ظنت أنه لا شأن لها بعد هذا الشبع . هذا كلام كأنه ثوب
فصل على أقدار أهل هذا الزمان ( 4 ) بمخرجه الخ أي من أين يخرج . وأين يلج
أي يدخل ( 5 ) مفضيه أصله من أفضى اليه خلا به وإلى الارض مسها . والمراد أني موصله ( * ) =
ـ 90 ـ
والذي بعثه بالحق واصطفاه على الخلق ما أنطق إلا صادقا . وقد عهد
إلي بذلك كله ، وبمهلك من يهلك ومنجى من ينجو ، ومآل هذا
الامر . وما أبقى شيئا يمر على رأسي إلا أفرغه في أذني وأفضى به إلي .
أيها الناس إني والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها ، ولا
أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها
176 - ومن خطبة له عليه السلام
انتفعوا ببيان الله ، واتعظوا بمواعظ الله ، واقبلوا نصيحة الله . فإن
الله قد أعذر إليكم بالجلية ( 1 ) . واتخذ عليكم الحجة . وبين لكم
محابه من الاعمال ومكارهه منها لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه ، فإن
رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول " إن الجنة حفت بالمكاره
وإن النار حفت بالشهوات " وأعلموا أنه ما من طاعة الله شئ إلا يأتي في
كره ( 2 ) . وما من معصية الله شئ إلا يأتي في شهوة . فرحم الله رجلا
نزع عن شهوته ( 3 ) . وقمع هوى نفسه ، فإن هذه النفس أبعد شئ
* ( هامش ) * = إلى أهل اليقين ممن لا تخشى عليهم الفتنة ( 1 ) أعذر إليكم بالجلية أي بالاعذار الجلية .
والعذر هنا مجاز عن سبب العقاب في المؤاخذة عند مخالفة الاوامر الالهية ( 2 ) أي لا شئ
من طاعة الله إلا وفيه مخالفة لهوى النفس البهيمية فتكره إتيانه ، ولا شئ من معصية
الله إلا وهو موافق لميل حيواني فتشتهي النفوس إتيانه ( 3 ) نزع عنه : انتهى وأقلع ، ( * ) =
ـ 91 ـ
منزعا . وإنها لا تزال تنزع إلى معصية في هوى . واعلموا عباد الله أن
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 91 سطر 1 الى ص 100 سطر 17
منزعا . وإنها لا تزال تنزع إلى معصية في هوى . واعلموا عباد الله أن
المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلا ونفسه ظنون عنده ( 1 ) ، فلا يزال زاريا
عليها ومستزيدا لها . فكونوا كالسابقين قبلكم والماضين أمامكم
قوضوا من الدنيا تقويض الراحل ( 2 ) وطووها طي المنازل . واعلموا أن
هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش ، والهادى الذي لا يضل ،
والمحدث الذي لا يكذب . وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه
بزيادة أو نقصان : زيادة في هدى ، أو نقصان في عمى . واعلموا أنه
ليس على أحد بعد القرآن من فاقة ( 3 ) ، ولا لاحد قبل القرآن من غنى
فاستشفوه من أدوائكم واستعينوا به على لاوائكم ( 4 ) ، فإن فيه شفاء
من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغي والضلال . فاسألوا الله به ( 5 ) ،
* ( هامش ) * = فإن عدي بإلى كان بمعنى اشتاق ، وأبعد منزعا أي نزوعا بمعنى الانتهاء والكف عن
المعاصى ( 1 ) ظنون - كصبور - الضعيف والقليل الحيلة ، فيريد أن المؤمن يظن في نفسه
النقص والتقصير في الطاعة أو هو من البئر الظنون التي لا يدري أفيها ماء أم لا
فتكون هنا بمعنى متهمة فهو لا يثق بنفسه إذا وسوست له بأنها أدت حق ما فرض
عليها . وزاريا عليها : أي عائبا . ومستزيدا طالبا لها الزيادة من طيبات الاعمال
( 2 ) التقويض نزع أعمدة الخيمة وأطنابها والمراد أنهم ذهبوا بمساكنهم وطووا مدة
الحياة كما يطوي المسافر منازل سفره أي مراحله ومسافاته ( 3 ) أي فقر وحاجة إلى هاد
سواه يرشد إلى مكارم الاخلاق وفضائل الاعمال ، وسائق إلى شرف المنازل وغايات المجد
والرفعة ( 4 ) اللاواء : الشدة ( 5 ) فاطلبوا من الله ما تحبون من سعادة الدنيا والآخرة ( * ) =
ـ 92 ـ
وتوجهوا إليه بحبه ، ولا تسألوا به خلقه إنه ما توجه العباد إلى الله
بمثله . واعلموا أنه شافع مشفع ، وقائل مصدق . وأنه من شفع
له القرآن يوم القيامة شفع فيه ( 1 ) ، ومن محل به القرآن يوم القيامة
صدق عليه ، فإنه ينادي مناد يوم القيامة : " ألا إن كل حارث مبتلى
في حرثه وعاقبة عمله غير حرثة القرآن " فكونوا من حرثته وأتباعه
واستدلوه على ربكم ، واستنصحوه على أنفسكم ، واتهموا عليه
آراءكم ( 2 ) ، واستغشوا فيه أهواءكم . العمل العمل ، ثم النهاية النهاية .
والاستقامة الاستقامة ، ثم الصبر الصبر ، والورع الورع . إن لكم
نهاية فانتهوا إلى نهايتكم . وإن لكم علما فاهتدوا بعلمكم ( 3 ) .
وإن للاسلام غاية فانتهوا إلى غايته . واخرجوا إلى الله بما افترض
عليكم من حقه ( 4 ) ، وبين لكم من وظائفه . أنا شاهد لكم
* ( هامش ) * = باتباعه وأقبلوا على الله بالرغبة في اقتفاء هديه وهو المراد من حبه ، ولا تجعلوه آلة
لنيل الرغبات من الخلق لانه ما تقرب العباد إلى الله بمثل احترامه والاخذ به كما أنزل
الله ( 1 ) شفاعة القرآن : نطق آياته بانطباقها على عمل العامل . ومحل به مثلث الحاء
كاده بتبيين سيئاته عند السلطان ، كناية عن مباينة أحكامه لما أتاه العبد من أعماله
( 2 ) إذا خالفت آراؤكم القرآن فاتهموها بالخطأ واستغشوا أهواءكم أي ظنوا فيها
الغش وارجعوا إلى القرآن ( 3 ) العلم محركا يريد به القرآن ( 4 ) خرج إلى فلان من حقه
أداه فكأنه كان حبيسا في مؤاخذته فانطلق ، إلا أن من حقه في العبارة بيان لما افترض
ومعمول اخرجوا مقدر مثله . والوظائف ما قدر الله لنا من الاعمال المخصصة بالاوقات ( * ) =
ـ 93 ـ
وحجيج يوم القيامة عنكم ( 1 )
ألا وإن القدر السابق قد وقع ، والقضاء الماضي قد تورد ( 2 ) .
وإني متكلم بعدة الله وحجته ، قال الله تعالى : " إن الذين قالوا
ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا
تخزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون " وقد قلتم ربنا الله
فاستقيموا على كتابه ، وعلى منهاج أمره ، وعلى الطريقة الصالحة من
عبادته . ثم لا تمرقوا منها ولا تبتدعوا فيها ولا تخالفوا عنها . فإن
أهل المروق منقطع بهم عند الله يوم القيامة . ثم إياكم وتهزيع
الاخلاق وتصريفها ( 3 ) . واجعلوا اللسان واحدا . وليخزن الرجل
لسانه ( 4 ) . فإن هذا اللسان جموح بصاحبه . والله ما أرى عبدا يتقي
* ( هامش ) * = والاحوال كالصوم والصلاة والزكاة ( 1 ) حجيج - من حج - إذا أقنع بحجته . والامام
كرم الله وجهه بعلو منزلته من الله يشهد للمحسنين ويقوم بالحجة عن المخلصين :
( 2 ) تورد : هو تفعل كتنزل ، أي ورد شيئا بعد شئ . والمراد من القضاء الماضي ما قدر
حدوثه من حادثة الخليفة الثالث وما تبعها من الحوادث . وعدة الله بكسر ففتح مخفف
هي وعده ، أي لا تخرجوا منها ( 3 ) تهزيع الشئ : تكسيره ، والصادق إذا كذب فقد
انكسر صدقه والكريم إذا لؤم فقد انثلم كرمه ، فهو نهى عن حطم الكمال بمعول
النقص . وتصريف الاخلاق من صرفته إذا قلبته ، نهى عن النفاق والتلون في الاخلاق
وهو معنى الامر بجعل اللسان واحدا ( 4 ) ليخزن - كينصر - أي ليحفظ لسانه .
والجموح : من جمح الفرس إذا غلب فارسه فيوشك أن يطرح به في مهلكة فيرديه ( * )
ـ 94 ـ
تقوى تنفعه حتى يختزن لسانه . وإن لسان المؤمن من وراء قلبه ( 1 ) .
وإن قلب المنافق من وراء لسانه . لان المؤمن إذا أراد أن يتكلم
بكلام تدبره في نفسه ، فإن كان خيرا أبداه ، وإن كان شرا واراه .
وإن المنافق يتكلم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له وما ذا عليه . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " لا يستقيم إيمان عبد حتى
يستقيم قلبه . ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه " فمن استطاع
منكم أن يلقى الله تعالى وهو نقي الراحة من دماء المسلمين وأموالهم ،
سليم اللسان من أعراضهم فليفعل . واعلموا عباد الله أن المؤمن يستحل
العام ما استحل عاما أول ، ويحرم العام ما حرم عاما أول . وإن ما أحدث
الناس لا يحل لكم شيئا مما حرم عليكم ( 2 ) ، ولكن الحلال ما أحل
الله والحرام ما حرم الله . فقد جربتم الامور وضرستموها ( 3 ) ،
ووعظتم بمن كان قبلكم وضربت الامثال لكم ودعيتم إلى
الامر الواضح . فلا يصم عن ذلك إلا أصم ، ولا يعمى عن ذلك إلا أعمى
ومن لم ينفعه الله بالبلاء والتجارب لم ينتفع بشئ من العظة .
* ( هامش ) * ( 1 ) لسان المؤمن تابع لاعتقاده لا يقول إلا ما يعتقد ، والمنافق يقول ما ينال به غايته
الخبيثة ، فإذا قال شيئا أخطره على قلبه حتى لا ينساه فيناقضه مرة أخرى فيكون قلبه
تابعا للسانه ( 2 ) البدع التي أحدثها الناس لا تغير شيئا من حكم الله ( 3 ) ضرسته الحرب : ( * ) =
ـ 95 ـ
وأتاه التقصير من أمامه ( 1 ) حتى يعرف ما أنكر ، وينكر ما عرف .
وإنما الناس رجلان : متبع شرعة ، ومبتدع بدعة ليس معه من الله
سبحانه برهان سنة ولا ضياء حجة . وإن الله سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا
القرآن ، فإنه حبل الله المتين وسببه الامين ، وفيه ربيع القلب
وينابيع العلم ، وما للقلب جلاء غيره ، مع أنه قد ذهب المتذكرون
وبقي الناسون والمتناسون . فإذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه ، وإذا
رأيتم شرا فاذهبوا عنه فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول :
" يا ابن آدم اعمل الخير ودع الشر فإذا أنت جواد قاصد ( 2 ) "
ألا وإن الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر ، وظلم لا يترك ، وظلم
مغفور لا يطلب . فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله ، قال الله تعالى :
" إن الله لا يغفر أن يشرك به " وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد
نفسه عند بعض الهنات ( 3 ) . وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد
بعضهم بعضا . القصاص هناك شديد ، ليس هو جرحا بالمدى ( 4 ) ولا
* ( هامش ) * = جربته أي جربتموها ( 1 ) الاتيان من الامام كناية عن الظهور ، كأن التقصير عدو
قوي يأتي مجاهرة لا يخدع ولا يفر فيأخذه أخذ العزيز المقتدر ، عند ذلك يعرف من الحق
ما كان أنكر وينكر من الباطل ما كان عرف ( 2 ) مستقيم أو قريب من الله والسعادة
( 3 ) بفتح الهاء جمع هنة محركة : الشئ اليسير والعمل الحقير . والمراد به صغائر الذنوب ( 4 ) جمع ( * ) =
ـ 96 ـ
ضربا بالسياط ، ولكنه ما يستصغر ذلك معه ( 1 ) . فإياكم والتلون
في دين الله ، فإن جماعة فيما تكرهون من الحق خير من فرقة فيما
تحبون من الباطل ( 2 ) . وإن الله سبحانه لم يعط أحدا بفرقة خيرا ممن
مضى ولا ممن بقي
يا أيها الناس طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، وطوبى
لمن لزم بيته ، وأكل قوته ، واشتغل بطاعة ربه ، وبكى على
خطيئته ( 3 ) ، فكان من نفسه في شغل ، والناس منه في راحة
177 - ومن كلام له عليه السلام
في معنى الحكمين
فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين فأخذنا عليهما أن
* ( هامش ) * = مدية : وهي السكين . والسياط جمع سوط ( 1 ) ولكنه العذاب الذي يعد الجرح والضرب
صغيرا بالنسبة إليه ( 2 ) من يحافظ على نظام الالفة والاجتماع وإن ثقل عليه أداء بعض
حقوق الجماعة وشق عليه ما تكلفه به من الحق فذلك الجدير بالسعادة دون من يسعى
للشقاق وهدم نظام الجماعة وإن نال بذلك حقا باطلا وشهوة وقتية ، فقد يكون في حظه
الوقتي شقاؤه الابدي . ومتى كانت الفرقة عم الشقاق وأحاطت العداوات وأصبح كل واحد
عرضة لشرور سواه ، فمحيت الراحة وفسدت حال المعيشة ( 3 ) قوله لمن لزم بيته : ترغيب
في العزلة عن إثارة الفتن واجتناب الفساد ، وليس ترغيبا في الكسالة وترك العامة
وشأنهم ، فقد حث أمير المؤمنين في غير هذا الموضع على مقاومة المفاسد والامر بالمعروف ( * ) =
ـ 97 ـ
يجعجعا عند القرآن ( 1 ) ، ولا يجاوزاه ، وتكون ألسنتهما معه وقلوبهما
تبعه . فتاها عنه وتركا الحق وهما يبصرانه . وكان الجور هواهما ،
والاعوجاج دأبهما . وقد سبق استثناؤنا عليهما في الحكم بالعدل
والعمل بالحق سوء رأيهما ( 2 ) وجور حكمهما ، والثقة في أيدينا لانفسنا ( 3 )
حين خالفا سبيل الحق ، وأتيا بما لا يعرف من معكوس الحكم
178 - ومن خطبة له عليه السلام
لا يشغله شأن . ولا يغيره زمان ، ولا يحويه مكان . ولا يصفه
لسان . ولا يعزب عنه عدد قطر الماء ( 4 ) ، ولا نجوم السماء ، ولا
سوافي الريح في الهواء ، ولا دبيب النمل على الصفا ، ولا مقيل الذر
* ( هامش ) * = والنهي عن المنكر ( 1 ) يجعجعا : من جعجع البعير إذا برك ولزم الجعجاع أي
الارض . أي أن يقيما عند القرآن . والتبع - محركا - التابع للواحد والجمع . وتاها أي ضلا
( 2 ) سوء مفعول سبق ، أي أن استثناءنا وقت التحكيم حيث قلنا لا تحكموا إلا بالعدل
كان سابقا على سوء الراي وجور الحكم فهما المخالفان لما شرط عليهما لا نحن . ويصح
أن يكون مفعول استثناؤنا ، والمعنى أننا استثنينا عليهم فيما سبق أن لا يسيئا رأيا ولا يجورا
حكما ، فيقبل حكمهما إلا أن يجورا ويسيئا ( 3 ) عبر بالثقة عن الحجة القوية والسبب
المتين في رفض حكمهما ( 4 ) لا يعزب : لا يخفى . وسوافي الريح جميع سافية من سفت
الريح التراب والورق أي حملته . والصفا مقصورا - جمع صفاة - الحجر الاملس
الضخم . ودبيب النمل أي حركته عليه في غاية الخفاء لا يسمع لها حس . والذر : صغار ( * ) =
ـ 98 ـ
في الليلة الظلماء . يعلم مساقط الاوراق وخفي طرف الاحداق ( 1 ) .
وأشهد أن لا إله إلا الله غير معدول به ( 2 ) ، ولا مشكوك فيه ،
ولا مكفور دينه ولا مجحود تكوينه ( 3 ) . شهادة من صدقت نيته
وصفت دخلته ( 4 ) ، وخلص يقينه ، وثقلت موازينه . وأشهد أن
محمدا عبده ورسوله المجتبى من خلائقه ، والمعتام لشرح حقائقه ( 5 )
والمختص بعقائل كراماته . والمصطفى لكرائم رسالاته .
والموضحة به أشراط الهدى ( 6 ) . والمجلو به غربيب العمى
أيها الناس إن الدنيا تغر المؤمل لها والمخلد إليها ( 7 ) ، ولا تنفس بمن
نافس فيها ، وتغلب من غلب عليها . وأيم الله ما كان قوم قط في غض
نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها ( 8 ) ، لان الله ليس
بظلام للعبيد . ولو أن الناس حين تنزل بهم النقم وتزول عنهم النعم
* ( هامش ) * = النمل . ومقيلها محل استراحتها ومبيتها ( 1 ) طرف الحدقة : تحريك جفنيها . والحدقة هنا
العين ( 2 ) عدل بالله : جعل له مثلا وعديلا ( 3 ) خلقه للخلق جميعا ( 4 ) دخلته بالكسر :
باطنه ( 5 ) المجتبى : المصطفى . والعيمة - بكسر العين - المختار من المال . واعتام : أخذها
فالمعتام المختار لبيان حقائق توحيده وتنزيهه . والعقائل الكرائم والكرامات ما أكرم
الله به نبيه من معجزات ومنازل في النفوس عاليات ( 6 ) أشراط الهدى علاماته ودلائله .
وغربيب الشئ - كعفريت - أشده سوادا فغربيب العمى أشد الضلال ظلمة ( 7 ) المخلد :
الراكن المائل ونفس - كفرح - ضن ، أي لا تضن الدنيا بمن يباري غيره في اقتنائها
وعدها من نفائسه ولا تحرص عليه بل تهلكه ( 8 ) الغض الناضر . واجترح الذنب ( * ) =
ـ 99 ـ
فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم ووله من قلوبهم لرد عليهم كل
شارد ، وأصلح لهم كل فاسد . وإني لاخشى عليكم أن تكونوا
في فترة ( 1 ) . وقد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كنتم فيها
عندي غير محمودين ، ولئن رد عليكم أمركم إنكم لسعداء .
وما على إلا الجهد ، ولو أشاء أن أقول لقلت . عفا الله عما سلف .
179 - ومن كلام له عليه السلام
وقد سأله ذعلب اليمانى ، فقال : هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟
فقال عليه السلام : أفأعبد ما لا أرى ؟ فقال : وكيف تراه ؟ فقال :
لا تراه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب
بحقائق الايمان . قريب من الاشياء غير ملامس ( 2 ) . بعيد منها غير
مباين . متكلم لا بروية ، مريد لا بهمة . صانع لا بجارحة . لطيف
* ( هامش ) * = اكتسبه وارتكبه ( 1 ) كنى بالفترة عن جهالة الغرور ، أو أراد في فترة من عذاب ينتظر
بكم عقابا على انحطاط هممكم وتباطئكم عن جهاد عدوكم ( 2 ) الملامسة والمباينة على معنى
البعد المكاني من خواص المواد . وذات الله مبرأة من المادة وخواصها . فنسبة الاشياء
إليها سواء وهي في تعاليها ، فهي مع كل شئ وهي أعلى من كل شئ ، فالبعد بعد المكانة
من التنزيه . والروية التفكر . والهمة الاهتمام بالامر بحيث لو لم يفعل لجر نقصا وأوجب ( * ) =
ـ100ـ
لا يوصف بالخفاء . كبير لا يوصف بالجفاء ( 1 ) بصير لا يوصف
بالحاسة . رحيم لا يوصف بالرقة . تعنو الوجوه لعظمته ( 2 ) ، وتجب
القلوب من مخافته
180 - ( ومن خطبة له عليه السلام في ذم أصحابه )
أحمد الله على ما قضى من أمر وقدر من فعل ، وعلى ابتلائي بكم
أيها الفرقة التي إذا أمرت لم تطع ، وإذا دعوت لم تجب . إن أمهلتم
خضتم ( 3 ) ، وإن حوربتم خرتم . وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم .
وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم . لا أبا لغيركم ( 4 ) . ما تنتظرون
نصركم والجهاد على حقكم ؟ . الموت أو الذل لكم . فو الله
لئن جاء يومي - وليأتيني - ليفرقن بيني وبينكم وأنا لصحبتكم
قال ( 5 ) ، وبكم غير كثير . لله أنتم . أما دين يجمعكم ؟ ولا حمية
* ( هامش ) * = هما وحزنا . والجارحة العضو البدني ( 1 ) الجفاء : الغلظ والخشونة ( 2 ) تعنو : تذل . ووجب
القلب يجب وجيبا ووجبانا : خفق واضطرب ( 3 ) أي في الكلام الباطل . وخرتم أي ضعفتم
وجبنتم . والمشاقة المراد بها الحرب ونكصتم رجعتم القهقهرى ( 4 ) المعروف في التقريع
لا أبالكم ، ولا أبالك . وهو دعاء بفقد الاب أو تعيير بجهله ، فتلطف الامام بتوجيه الدعاء
أو الذم لغيرهم ( 5 ) قال أي كاره . وغير كثير بكم ، أى أني أفارق الدنيا وأنا في قلة من الاعوان ( * ) =
ـ101ـ
تشحذكم ( 1 ) ؟ أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه ( 2 )
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 101 سطر 1 الى ص 110 سطر 18
تشحذكم ( 1 ) ؟ أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه ( 2 )
على غير معونة ولا عطاء . وأنا أدعوكم - وأنتم تريكة الاسلام ( 3 )
وبقية الناس - إلى المعونة وطائفة من العطاء فتفرقون عني وتختلفون
علي . إنه لا يخرج إليكم من أمري رضى فترضونه ( 4 ) ، ولا سخط
فتجتمعون عليه وإن أحب ما أنا لاق إلى الموت . قد دارستكم
الكتاب ( 5 ) ، وفاتحتكم الحجاج ، وعرفتكم ما أنكرتم ،
وسوغتكم ما مجعتم ، لو كان الاعمى يلحط ( 6 ) ، أو النائم يستيقظ .
وأقرب بقوم من الجهل بالله قائدهم معاوية ، ومؤدبهم ابن النابغة ( 7 )
* ( هامش ) * = وإن كنتم حولي كثيرين ويدل عليه قوله فيما بعد لله أنتم ( 1 ) من شحذ السكين
كمنع أي حددها ( 2 ) الجفاة - جمع جاف - أي غليظ . والطغام بالفتح أرذال الناس .
والمعونة : مايعطى للجند لاصلاح السلاح وعلف الدواب زائدا على العطاء المفروض
والارزاق المعينة لكل منهم ( 3 ) التريكة - كسفينة - بيضة النعامة بعد أن يخرج
منها الفرخ تتركها في مجثمها والمراد أنتم خلف الاسلام وعوض السلف ( 4 ) يريد
أنه لا يوافقكم مني شئ لا ما يرضى ولا ما يسخط ( 5 ) أي قرأت عليكم القرآن تعليما وتفهيما .
وفاتحتكم ، مجرده فتح بمعنى قضى ، فهو بمعنى قاضيتكم أي حاكمتكم . والحجاج : المحاجة
أي قاضيتكم عند الحجة حتى قضت عليكم بالعجز عن الخصام وعرفتكم الحق الذي كنتم تجهلونه
وسوغت لاذواقكم من مشرب الصدق ما كنتم تمجونه وتطرحونه ( 6 ) لو للتمني كأنه
يقول ليت الاعمى الخ ( 7 ) أقرب بهم . ما أقربهم من الجهل : وابن النابغة عمرو بن العاص ( * )
ـ102ـ
181 - ومن كلام له عليه السلام
وقد أرسل رجلا من أصحابه يعلم له علم أحوال قوم من
جند الكوفة قد هموا باللحاق بالخوارج وكانوا على خوف
منه عليه السلام ، فلما عاد إليه الرجل قال له : " أأمنوا
فقطنوا أم جبنوا فظعنوا ؟ " ( 1 ) . فقال الرجل : بل ظعنوا
يا أمير المؤمنين . فقال عليه السلام :
بعدا لهم كما بعدت ثمود . أما لو أشرعت الاسنة إليهم ( 2 ) ،
وصبت السيوف على هاماتهم . لقد ندموا على ما كان منهم . إن الشيطان
اليوم قد استفلهم ( 3 ) ، وهو غدا متبرئ منهم ومتخل عنهم .
فحسبهم بخروجهم من الهدى ( 4 ) ، وارتكاسهم في الضلال والعمى ،
وصدهم عن الحق ، وجماحهم في التيه ( 5 )
* ( هامش ) * ( 1 ) أمنوا : اطمأنوا . وقطنوا أقاموا ، وظعنوا رحلوا ( 2 ) أشرعت : سددت وصوبت
نحوهم . والهامات الرموس ( 3 ) استفلهم : دعاهم للتفلل وهو الانهزام عن الجماعة
( 4 ) حسبهم : كافيهم من الشر خروجهم الخ . والباء زائدة وإن جعل حسب اسم
فعل بمعنى اكتف كانت الباء في موضعها أي فليكتفوا من الشر والخطيئة بذلك
فهو كفيل لهم بكل شقاء . والارتكاس : الانقلاب والانتكاس ( 5 ) صدهم : إعراضهم .
والجماح : الجموح وهو أن يغلب الفرس راكبه . والمراد تعاصيهم في التيه أي الضلال ( * )
ـ103ـ
182 - ومن خطبة له عليه السلام
روي عن نوف البكالي ( 1 ) قال خطبنا هذه الخطبة بالكوفة
أمير المؤمنين عليه السلام وهو قائم على حجارة نصبها له
جعدة بن هبيرة المخزومي ، وعليه مدرعة من صوف ( 2 )
وحمائل سيفه ليف ، وفي رجليه نعلان من ليف ، وكأن
جبينه ثفنة بعير ( 3 ) . فقال عليه السلام
الحمد الله الذي إليه مصائر الخلق ، وعواقب الامر . نحمده على
عظيم إحسانه ونير برهانه ، ونوامي فضله وامتنانه ( 4 ) ، حمدا يكون
لحقه قضاء ولشكره أداء ، وإلى ثوابه مقربا ولحسن مزيده موجبا .
ونستعين به استعانة راج لفضله ، مؤمل لنفعه ، واثق بدفعه ، معترف
* ( هامش ) * ( 1 ) هو نوف بن فضالة التابعي البكالي نسبة إلى بني بكال - ككتاب - بطن
من حمير ضبطه بعضهم بتشديد الكاف كشداد . وجعدة بن هبيرة هو ابن أخت أمير
المؤمنين وأمه أم هانئ بنت أبي طالب كان فارسا مقداما فقيها ( 2 ) المدرعة : ثوب يعرف
عند بعض العامة بالدراعية قميص ضيق الاكمام ، قال في القاموس ولا يكون إلا من صوف
( 3 ) الثفنة بكسر بعد فتح - ما يمس الارض من البعير عند البروك ويكون فيه غلظ
من ملاطمة الارض ، وكذلك كان في جبين أمير المؤمنين من كثرة السجود ( 4 ) النوامي
جمع نام بمعنى زائد ( * )
ـ104ـ
له بالطول ( 1 ) ، مذعن له بالعمل والقول . ونؤمن به إيمان من رجاه
موقنا ، وأناب إليه مؤمنا ، وخنع له مذعنا ( 2 ) ، وأخلص له موحدا ،
وعظمه ممجدا ، ولاذ به راغبا مجتهدا . لم يولد سبحانه فيكون في
العز مشاركا ( 3 ) . ولم يلد فيكون موروثا هالكا . ولم يتقدمه وقت
ولا زمان . ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان ( 4 ) بل ظهر للعقول بما أرانا
من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم . فمن شواهد خلقه
خلق السموات موطدات بلا عمد ( 5 ) ، قائمات بلا سند . دعاهن فأجبن
طائعات مذعنات ، غير متلكئات ولا مبطئات ( 6 ) . ولولا إقرارهن له
بالربوبية وإذعانهن بالطواعية لما جعلهن موضعا لعرشه ، ولا مسكنا
لملائكته ، ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه .
جعل نجومها أعلاما يستدل بها الحيران في مختلف فجاج الاقطار . لم
يمنع ضوء نورها ادلهمام سجف الليل المظلم ( 7 ) . ولا استطاعت
* ( هامش ) * ( 1 ) الطول - بالفتح - الفضل ( 2 ) خنع : ذل وخضع ( 3 ) لان أباه
يكون شريكه في العز بل أعز منه لانه علة وجوده . وسر الولادة حفظ النوع فلو صح
لله أن يلد لكان فانيا يبقى نوعه في أشخاص أولاده فيكون موروثا هالكا تعالى الله
عن ذلك علوا كبيرا ( 4 ) يتعاوره : يتداوله ويتبادل عليه ( 5 ) موطدات : مثبتات
في مداراتها على ثقل أجرامها ( 6 ) التلكؤ : التوقف والتباطؤ ( 7 ) ادلهمام الظلمة :
كثافتها وشدتها . والسجف - بالكسر والفتح - وككتاب الستر . والجلابيب - جمع
جلباب - ثوب واسع تلبسه المرأة فوق ثيابها كأنه ملحفة . ووجه الاستعارة فيها ظاهر . ( * ) =
ـ105ـ
جلابيب سواد الحنادس أن ترد ما شاع في السموات من تلالؤ نور
القمر . فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج ولا ليل ساج ( 1 ) في
بقاع الارضين المتطأطئات ، ولا في يفاع السفع المتجاورات . وما
يتجلجل به الرعد في أفق السماء ، وما تلاشت عنه بروق الغمام ، وما
تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الانواء وانهطال السماء ( 2 )
ويعلم مسقط القطرة ومقرها ، ومسحب الذرة ومجرها ، وما يكفي
البعوضة من قواتها ، وما تحمل الانثى في بطنها . الحمد لله الكائن
قبل أن يكون كرسي أو عرش ، أو سماء أو أرض أو جان أو إنس
لا يدرك بوهم . ولا يقدر بفهم . ولا يشغله سائل ، ولا ينقصه نائل ( 3 )
* ( هامش ) * = والحنادس : جمع حندس - بكسر الحاء - الليل المظلم ( 1 ) الساجي : الساكن . ووصف
الليل بالسكون وصف له بصفة المشمولين به فإن الحيوانات تسكن بالليل وتطلب أرزاقها
بالنهار . والمتطأطئات : المنخفضات . واليفاع : التل أو المرتفع مطلقا من الارض .
والسفع - جمع سفعاء - السوداء يضرب إلى الحمرة ، والمراد منها الجبال عبر عنها بلونها
فيما يظهر للنظر على بعد . وما يجلجل به الرعد : صوته . والجلجلة : صوت الرعد . وتلاشت :
اضمحلت وأصله من لشئ بمعنى خس بعد رفعة . وما يضمحل عنه البرق هو الاشياء
التى ترى عند لمعانه . والعواصف : الرياح الشديدة وإضافتها للانواء من إضافة الشئ
لمصاحبه عادة . والانواء - جمع نوء - أحد منازل القمر يعدها العرب ثمانية وعشرين
يغيب منها عن الافق في كل ثلاث عشرة ليلة منزلة ويظهر عليه أخرى . والمغيب والظهور
عند طلوع الفجر وكانوا ينسبون المطر لهذه الانواء فيقولون مطرنا بنوء كذا لمصادفة
هبوب الرياح وهطول الامطار في أوقات ظهور بعضها حتى جاء الاسلام فأبطل الاعتقاد
بتأثير الكواكب في الحوادث الارضية تأثيرا روحانيا ( 2 ) السماء هنا : المطر ( 3 ) النائل : ( * ) =
ـ106ـ
ولا يبصر بعين . ولا يحد بأين . ولا يوصف بالازواج ، ولا يخلق بعلاج .
ولا يدرك بالحواس . ولا يقاس بالناس . الذي كلم موسى تكليما ،
وأراه من آياته عظيما . بلا جوارح ولا أدوات ، ولا نطق ولا لهوات ( 1 ) .
بل إن كنت صادقا أيها المتكلف لوصف ربك ( 2 ) فصف جبرائيل
وميكائيل وجنود الملائكة المقربين في حجرات القدس مرجحنين ( 3 ) ،
متولهة عقولهم أن يحدوا أحسن الخالقين . فإنما يدرك بالصفات
ذوو الهيئات والادوات ، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حده بالفناء ، فلا إله
إلا هو أضاء بنوره كل ظلام ، وأظلم بظلمته كل نور
أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش ( 4 ) وأسبغ
عليكم المعاش . ولو أن أحدا يجد إلى البقاء سلما ، أو إلى دفع الموت
* ( هامش ) * = العطاء . والاين : المكان . والازواج : القرناء والامثال ، أي لا يقال ذو قرناء
ولا هو قرين لشئ . والعلاج لا يكون إلا بين شيئين أحدهما يقاوم الآخر فيتغلب
الآخر عليه ، والله لا يعالج شيئا بل يقول له كن فيكون ( 1 ) اللهوات - جمع لهاة -
اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم ( 2 ) المتكلف : هو شديد التعرض لما لا يعنيه ،
أي إن كنت أيها المتعرض لما لا يعنيك من وصف ربك صادقا في دعوى القدرة
على وصفه فصف أحد مخلوقاته فإذا عجزت فأنت عن وصف الخالق أشد عجزا
( 3 ) الحجرات : جمع حجرة - بضم الحاء الغرفة . والمرجحن - كالمقشعر - المائل
لثقله والمتحرك يمينا وشمالا كناية عن انحنائهم لعظمة الله واهتزازهم لهيبته . ومتولهة :
أي حائرة أو متخوفة ( 4 ) الرياش : اللباس الفاخر ( * )
ـ107ـ
سبيلا ، لكان ذلك سليمان بن داود عليه السلام الذي سخر له ملك
الجن والانس مع النبوة وعظيم الزلفة . فلما استوفى طعمته ( 1 ) ،
واستكمل مدته ، رمته قسي الفناء بنبال الموت . وأصبحت الديار
منه خالية ، والمساكين معطلة ، وورثها قوم آخرون ، وإن لكم في
القرون السالفة لعبرة . أين العمالقة وأبناء العمالقة . أين الفراعنة وأبناء
الفراعنة . أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين وأطفأوا
سنن المرسلين . وأحيوا سنن الجبارين ( 2 ) . وأين الذين ساروا بالجيوش
وهزموا الالوف . وعسكروا العساكر ومدنوا المدائن
* ( هامش ) * ( 1 ) الطعمة - بالضم - المأكلة أي ما يؤكل . والمراد رزقه المقسوم ( 2 ) سئل أمير المؤمنين
عن أصحاب مدائن الرس فيما رواه الرضي عن آبائه إلى جده الحسين فقال . إنهم كانوا يسكنون
في مدائن لهم على نهر يسمى الرس من بلاد المشرق ( هو نهر أرس في بلاد أذربيجان )
وكانوا يعبدون شجرة صنوبر مغروسة على شفير عين تسمى دوشاب ( يقال غرسها يافث
بن نوح ) وكان اسم الصنوبرة شاه درخت وعدة مدائنهم اثنتا عشرة مدينة اسم الاولى
أبان ، والثانية آذر ، والثالثة دي ، والرابعة بهمن ، والخامسة اسفندارمز ، والسادسة
فروردين ، والسابعة أردي بهشت ، والثامنة خرداد ، والتاسعة مرداد ، والعاشرة تير ،
والحادية عشرة مهر ، والثانية عشرة شهريور ، فبعث الله لهم نبيا ينهاهم عن عبادة
الشجرة ويأمرهم بعبادة الله فبغوا عليه وقتلوه أشنع قتل حيث أقاموا في العين أنابيب
من رصاص بعضها فوق بعض كالبرابخ ثم نزعوا منها الماء واحتفروا حفرة في قعرها
وألقوا نبيهم فيها حيا واجتمعوا يسمعون أنينه وشكواه حتى مات فعاقبهم الله بإرسال
ريح عاصفة ملتهبة سلقت أبدانهم وقذفت عليهم الارض مواد كبريتية متقدة فذابت ( * ) =
ـ108ـ
( منها ) قد لبس للحكمة جنتها ( 1 ) . وأخذها بجميع أدبها من
الاقبال عليها والمعرفة بها والتفرغ لها . وهي عند نفسه ضالته التي
يطلبها ، وحاجته التي يسأل عنها . فهو مغترب إذا اغترب الاسلام ( 2 ) ،
وضرب بعسيب ذنبه ، وألصق الارض بجرانه . بقية من بقايا حجته ( 3 ) ،
خليفة من خلائف أنبيائه ( ثم قال عليه السلام ) :
أيها الناس إني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الانبياء بها
أممهم . وأديت إليكم ما أدت الاوصياء إلى من بعدهم . وأدبتكم
بسوطي فلم تستقيموا . وحدوتكم بالزواجر فلم تستوثقوا ( 4 ) . لله أنتم !
أتتوقعون إماما غيرى يطأ بكم الطريق ، ويرشدكم السبيل ؟
ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا ، وأقبل منها ما كان
مدبرا ، وأزمع الترحال عباد الله الاخيار ، وباعوا قليلا من الدنيا
* ( هامش ) * = أجسادهم وهلكو وانقلبت مدائنهم ( 1 ) جنة الحكمة : ما يحفظها على صاحبها
من الزهد والورع . والكلام في العارف مطلقا ( 2 ) هو مع الاسلام فإذا صار الاسلام
غريبا اغترب معه لا يضل عنه . وعسيب الذنب : أصله . والضمير في ضرب للاسلام .
وهذا كناية عن التعب والاعياء ، يريد ضعف . والجران - ككتاب - مقدم عنق البعير
من المذبح إلى المنحر ، والبعير أقل ما يكون نفعه عند بروكه . وإلصاق جرانه بالارض
كناية عن الضعف كسابقه ( 3 ) بقية : تابع لمغترب : وضمير حجته وأنبيائه لله المعلوم
من الكلام ( 4 ) استوسقت الابل : اجتمعت وانضم بعضها إلى بعض ( * )
ـ109ـ
لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى . ما ضر إخواننا الذين سفكت
دماؤهم وهم بصفين أن لا يكونوا اليوم أحياء ؟ يسيغون الغصص
ويشربون الرنق ( 1 ) . قد والله لقوا الله فوفاهم أجورهم ، وأحلهم
دار الامن بعد خوفهم . أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا
على الحق ؟ أين عمار ( 2 ) ؟ وأين ابن التيهان ؟ وأين ذو الشهادتين ؟
وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية ، وأبرد برءوسهم
إلى الفجرة . ( قال ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة
فأطال البكاء ، ثم قال عليه السلام ) :
أوه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه ( 3 ) ، وتدبروا
الفرض فأقاموه ، أحيوا السنة وأماتوا البدعة . دعوا للجهاد فأجابوا ،
ووثقوا بالقائد فاتبعوه ( ثم نادى بأعلى صوته ) : الجهاد الجهاد عباد
الله . ألا وإني معسكر في يومي هذا فمن أراد الرواح إلى الله
فليخرج
* ( هامش ) * ( 1 ) الرنق - بكسر النون وفتحها وسكونها - الكدر ( 2 ) عمار بن ياسر من السابقين
الاولين . وأبو الهيثم مالك بن التيهان بتشديد الياء وكسرها من أكابر الصحابة . وذو الشهادتين
خزيمة بن ثابت قبل النبي شهادته بشهادة رجلين في قصة مشهورة كلهم قتلوا في صفين .
وأبرد برءوسهم أي أرسلت مع البريد بعد قتلهم إلى البغاة للتشفي منهم رضي الله عنهم
( 3 ) أوه بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر الهاء - كلمة توجع ( * )
ـ110ـ
قال نوف : وعقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف ، ولقيس
ابن سعد رحمه الله في عشرة آلاف ، ولابي أيوب الانصاري في عشرة
آلاف ، ولغيرهم على أعداد أخر وهو يريد الرجعة إلى صفين ، فما
دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله ، فتراجعت
العساكر فكنا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كل مكان
3 18 - ومن خطبة له عليه السلام
الحمد الله المعروف من غير رؤية ، والخالق من غير منصبة ( 1 ) . خلق
الخلائق بقدرته ، واستعبد الارباب بعزته ، وساد العظماء بجوده .
وهو الذي أسكن الدنيا خلقه ، وبعث إلى الجن والانس رسله
ليكشفوا لهم عن غطائها ، وليحذروهم من ضرائها ، وليضربوا لهم
أمثالها ، وليبصروهم عيوبها ، وليهجموا عليهم بمعتبر من تصرف
مصاحها وأسقامها ( 2 ) ، وحلالها وحرامها . وما أعد الله للمطيعين منهم
* ( هامش ) * ( 1 ) المنصبة - كمصطبة - التعب ( 2 ) هجم عليه - كنصر - دخل غفلة . والمعتبر مصدر ميمي
الاعتبار والاتعاظ بمعنى . والتصرف : التبدل . والمصاح - جمع مصحة بكسر الصاد وفتحها -
بمعنى الصحة والعافية ، كأن الناس في غفلة عن سر تعاقب الصحة والمرض على بدن
الانسان حتى نبهتهم رسل الله إلى أن هذا ابتلاء منه سبحانه ليعرف الانسان عجزه
وأن أمره بيد خالقه ( * )
ـ111ـ
والعصاة من جنة ونار وكرامة وهوان . أحمده إلى نفسه كما استحمد
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 111 سطر 1 الى ص 120 سطر 21
والعصاة من جنة ونار وكرامة وهوان . أحمده إلى نفسه كما استحمد
إلى خلقه ( 1 ) جعل لكل شئ قدرا ، ولكل قدر أجلا ، ولكل أجل
كتابا .
( منها ) فالقرآن آمر زاجر ، وصامت ناطق . حجة الله على خلقه .
أخذ عليهم ميثاقه . وارتهن عليه أنفسهم ( 2 ) . أتم نوره ، وأكمل به
دينه ، وقبض نبيه صلى الله عليه وآله وقد فرغ إلى الخلق من أحكام
الهدى به . فعظموا منه سبحانه ما عظم من نفسه . فإنه لم يخف
عنكم شيئا من دينه . ولم يترك شيئا رضيه أو كرهه إلا وجعل له
علما باديا وآية محكمة تزجر عنه أو تدعو إليه . فرضاه فيما بقي
واحد ، وسخطه فيما بقي واحد . واعلموا أنه لن يرضى عنكم بشئ
سخطه على من كان قبلكم ، ولن يسخط عليكم بشئ رضيه ممن
كان قبلكم ، وإنما تسيرون في أثر بين ، وتتكلمون برجع قول قد
قاله الرجال من قبلكم . قد كفاكم مؤونة دنياكم ، وحثكم
على الشكر ، وافترض من ألسنتكم الذكر . وأوصاكم بالتقوى
* ( هامش ) * ( 1 ) أي كما طلب من خلقه أن يحمدوه ( 2 ) حبس نفوسهم في ضنك المؤاخذة حتى
يؤدوا حق القرآن من العمل به فإن لم يفعلوا لم يخلصوا بل يهلكوا ( * )
ـ112ـ
وجعلها منتهى رضاه وحاجته من خلقه . فاتقوا الله الذي أنتم بعينه ( 1 )
ونواصيكم بيده ، وتقلبكم في قبضته . وإن أسررتم علمه ، وإن
أعلنتم كتبه . قد وكل بذلك حفظة كراما لا يسقطون حقا ، ولا
يثبتون باطلا . واعلموا أنه من يتق الله يجعل له مخرجا من الفتن ونورا
من الظلم ، ويخلده فيما اشتهت نفسه ، وينزله منزل الكرامة
عنده . في دار اصطنعها لنفسه . ظلها عرشه . ونورها بهجته . وزوارها
ملائكته . ورفقاؤها رسله . فبادروا المعاد . وسابقوا الآجال . فإن
الناس يوشك أن ينقطع بهم الامل ، ويرهقهم الاجل ( 2 ) ، ويسد
عنهم باب التوبة . فقد أصبحتم في مثل ما سأل إليه الرجعة من كان
قبلكم ( 3 ) . وأنتم بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم ، وقد
أوذنتم منها بالارتحال ، وأمرتم فيها بالزاد . واعلموا أنه ليس لهذا
الجلد الرقيق صبر على النار ، فارحموا نفوسكم فإنكم قد جربتموها
في مصائب الدنيا . أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه ،
* ( هامش ) * ( 1 ) يقال فلان بعين فلان إذا كان بحيث لا يخفى عليه منه شئ ( 2 ) أي يغشاهم بالمنية ( 3 ) أي
أنكم في حالة يمكنكم فيها العمل لآخرتكم وهي الحالة التي ندم المهملون على فواتها وسألوا الرجعة
إليها كما حكى الله عنهم إذ يقول الواحد منهم " رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت " ( * )
ـ113ـ
والعثرة تدميه ، والرمضاة تحرقه ؟ فكيف إذا كان بين طابقين من
نار ، ضجيع حجر وقرين شيطان . أعلمتم أن مالكا إذا غضب على
النار حطم بعضها بعضا لغضبه ( 1 ) ، وإذا زجرها توثبت بين أبوابها
جزعا من زجرته
أيها اليفن الكبير ( 2 ) الذي قد لهزه القتير ، كيف أنت إذا
التحمت أطواق النار بعظام الاعناق ! ونشبت الجوامع ( 3 ) حتى أكلت
لحوم السواعد . فالله الله معشر العباد وأنتم سالمون في الصحة قبل
السقم . وفي الفسحة قبل الضيق ، فاسعوا في فكاك رقابكم من
قبل أن تغلق رهائنها ( 4 ) . أسهروا عيونكم ، وأضمروا بطونكم
واستعملوا أقدامكم ، وأنفقوا أموالكم ، وخذوا من أجسادكم
وجودوا بها على أنفسكم ، ولا تبخلوا بها عنها فقد قال الله سبحانه
" إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " وقال تعالى " من ذا
الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم " فلم
يستنصركم من ذل ، ولم يستقرضكم من قل ، استنصركم وله
* ( هامش ) * ( 1 ) مالك هو الموكل بالجحيم ( 2 ) اليفن - بالتحريك - الشيخ المسن . ولهزه :
أي خالطه . والقتير : الشيب ( 3 ) نشبت - كفرحت - علقت . والجوامع - جمع جامعة -
الغل لانها تجمع اليدين إلى العنق ( 4 ) غلق الرهن - كفرح - استحقه صاحب الحق ( * ) =
ـ114ـ
جنود السموات والارض وهو العزيز الحكيم . واستقرضكم وله
خزائن السموات والارض وهو الغني الحميد . أراد أن يبلوكم ( 1 )
أيكم أحسن عملا . فبادروا بأعمالكم تكونوا مع جيران الله في
داره . رافق بهم رسله ، وأزارهم ملائكته ، وأكرم أسماعهم أن
تسمع حسيس نار أبدا ( 2 ) ، وصان أجسادهم أن تلقى لغوبا ونصبا ( 3 )
" ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " أقول
ما تسمعون والله المستعان على نفسي وأنفسكم ، وهو حسبي
ونعم الوكيل .
184 - ومن كلام له عليه السلام
قاله للبرج بن مسهر الطائي ( 4 ) ، وقد قال له بحيث يسمعه :
لا حكم إلا لله ، وكان من الخوارج
أسكت قبحك الله يا أثرم ( 5 ) ، فو الله لقد ظهر الحق فكنت
فيه ضئيلا شخصك ، خفيا صوتك ، حتى إذا نعر الباطل نجمت
* ( هامش ) * = وذلك إذا لم يمكن فكاكه في الوقت المشروط ( 1 ) يختبركم ( 2 ) الحسيس : الصوت
الخفي ( 3 ) لغب - كسمع ومنع وكرم - لغبا ولغوبا أعيى أشد الاعياء . والنصب :
التعب أيضا ( 4 ) أحد شعراء الخوارج ( 5 ) الثرم : محركا سقوط الثنية من الاسنان .
والضئيل : النحيف المهزول ، كناية عن الضعف . ونعر : أي صاح . ونجمت : ظهرت ( * ) =
ـ115ـ
نجوم قرن الماعز
185 - ومن خطبة له عليه السلام
الحمد الله الذي لا تدركه الشواهد ، ولا تحويه المشاهد ، ولا
تراه النواظر ، ولا تحجبه السواتر ، الدال على قدمه بحدوث خلقه ،
وبحدوث خلقه على وجوده ، وباشتباههم على أن لا شبه له . الذي
صدق في ميعاده ، وارتفع عن ظلم عباده . وقام بالقسط في خلقه ،
وعدل عليهم في حكمه . مستشهد بحدوث الاشياء على أزليته ،
وبما وسمها به من العجز على قدرته ، وبما اصطرها إليه من الفناء
على دوامه . واحد لا بعدد ، ودائم لا بأمد ( 1 ) وقائم لا بعمد .
تتلقاه الاذهان لا بمشاعرة ( 2 ) . وتشهد له المرائي لا بمحاضرة . لم
تحط به الاوهام ، بل تجلى لها بها ، وبها امتنع منها ، وإليها حاكمها ( 3 )
ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما ، ولا بذي عظم
* ( هامش ) * = وبرزت والتشبيه بقرن الماعز في الظهور على غير شور ( 1 ) الامد : الغاية
( 2 ) المشاعرة : انفعال إحدى الحواس بما تحسه من جهة عروض شئ منه عليها .
والمرائي - جمع مرآة بالفتح - وهي المنظر أي تشهد له مناظر الاشياء لا بحضوره فيها
شاخصا للابصار ( 3 ) أي أنه بعد ما تجلى للاوهام بآثاره فعرفته امتنع عليها بكنه ذاته
وحاكمها إلى نفسها حيث رجعت بعد البحث خاسئة حسيرة معترفة بالعجز عن الوصول إليه ( * )
ـ116ـ
تناهت به الغايات فعظمته تجسيدا . بل كبر شأنا ، وعظم سلطانا .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصفي ، وأمينه الرضي ، صلى الله
عليه وآله . أرسله بوجوب الحجج ( 1 ) ، وظهور الفلج وإيضاح
المنهج ، فبلغ الرسالة صادعا بها ، وحمل على المحجة دالا عليها .
وأقام أعلام الاهتداء ومنار الضياء . وجعل أمراس الاسلام متينة ( 2 )
وعرى الايمان وثيقة
( منها في صفة خلق أصناف من الحيوان ) : ولو فكروا في
عظيم القدرة وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق
ولكن القلوب عليلة ، والبصائر مدخولة . ألا تنظرون إلى صغير
ما خلق كيف أحكم خلقه ، وأتقن تركيبه ، وفلق له السمع
والبصر ، وسوى له العظم والبشر ( 3 ) . انظروا إلى النملة في صغر
جثتها ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ،
كيف دبت على أرضها ، وصبت على رزقها ، تنقل الحبة إلى جحرها ،
وتعدها في مستقرها . تجمع في حرها لبردها ، وفي ورودها لصدرها ( 4 ) ،
* ( هامش ) * ( 1 ) أي ليلزم العباد بالحجج البينة على ما دعاهم إليه من الحق . والفلج : الظفر
وظهوره : علو كلمة الدين ( 2 ) الامراس جمع مرس بالتحريك وهو جمع مرسة بالتحريك
وهو الحبل ( 3 ) جمع بشرة وهي ظاهر الجلد الانساني ( 4 ) الصدر - محركا - الرجوع بعد ( * ) =
ـ117ـ
مكفولة برزقها مرزوقة بوفقها . لا يغفلها المنان ، ولا يحرمها
الديان ولو في الصفا اليابس والحجر الجامس ( 1 ) ولو فكرت في
مجاري أكلها في علوها وسفلها وما في الجوف من شراسيف بطنها ( 2 )
وما في الرأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقها عجبا ، ولقيت من
وصفها تعبا . فتعالى الذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها ، لم
يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه في خلقها قادر . ولو ضربت في
مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ، ما دلتك الدلالة إلا على أن فاطر
النملة هو فاطر النخلة ، لدقيق تفصيل كل شئ ( 3 ) ، وغامض اختلاف
كل حي ، وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف
في خلقه إلا سواء ، وكذلك السماء والهواء والرياح والماء . فانظر
إلى الشمس والقمر والنبات والشجر والماء والحجر واختلاف هذا
الليل والنهار ، وتفجر هذه البحار ، وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه
القلال ( 4 ) وتفرق هذه اللغات ، والالسن المختلفات . فالويل لمن
* ( هامش ) * = الورود . وقوله بوفقها بكسر الواو أي بما يوافقها من الرزق ويلائم طبعها ( 1 ) الجامس
الجامد ( 2 ) الشراسيف : مقاط الاضلاع وهي أطرافها التي تشرف على البطن ( 3 ) أي
أن دقة التفصيل في النملة على صغرها والنخلة على طولها تدلك على أن الصانع واحد
( 4 ) القلال - جمع قلة بالضم - وهي رأس الجبل ( * )
ـ118ـ
جحد المقدر وأنكر المدبر . زعموا أنهم كالنبات ما لهم زارع ،
ولا لاختلاف صورهم صانع . ولم يلجأوا إلى حجة فيما ادعوا ( 1 ) ،
ولا تحقيق لما أوعوا . وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من
غير جان . وإن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين .
وأسرج لها حدقتين قمراوين ( 2 ) . وجعل لها السمع الخفي ، وفتح لها
الفم السوي ، وجعل لها الحس القوي ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين
بهما تقبض ( 3 ) يرهبها الزراع في زرعهم ، ولا يستطيعون ذبها ( 4 ) .
ولو أجلبوا بجمعهم ، حتى ترد الحرث في نزواتها ( 5 ) ، وتقضي منه
شهواتها . وخلقها كله لا يكون إصبعا مستدقة
فتبارك الله الذي يسجد له من في السموات والارض طوعا وكرها ،
ويعنو له خدا ووجها ، ويلقي إليه بالطاعة سلما وضعفا ، ويعطي له
القياد رهبة وخوفا . فالطير مسخرة لامره . أحصى عدد الريش منها
والنفس ، وأرسى قوائمها على الندى واليبس ( 6 ) . وقدر أقواتها ، وأحصى
* ( هامش ) * ( 1 ) لم يلجاؤا : لم يستندوا . وأوعاه - كوعاه - بمعنى حفظه ( 2 ) أي مضيئتين كأن كلا منهما ليلة
قمراء أضاءها القمر ( 3 ) المنجل - كمنبر - آلة من حديد معروفة يقضب بها الزرع . قالوا
أراد بهما هنا رجليها لاعوجاجهما وخشونتهما ( 4 ) دفعها ( 5 ) وثباتها ، نزا عليه :
وثب ( 6 ) المراد من الندى هنا مقابل اليبس بالتحريك فيعم الماء ، كأنه يريد أن ( * ) =
ـ119ـ
أجناسها . فهذا غراب وهذا عقاب . وهذا حمام وهذا نعام . دعا
كل طائر باسمه ، وكفل له برزقه . وأنشأ السحاب الثقال فأهطل
ديمها ( 1 ) وعدد قسمها ، فبل الارض بعد جفوفها ، وأخرج نبتها بعد
جدوبها .
186 - ومن خطبة له عليه السلام في التوحيد
وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة
ما وحده من كيفه ، ولا حقيقته أصاب من مثله . ولا إياه عنى
من شبهه . ولا صمده من أشار إليه وتوهمه ( 2 ) . كل معروف بنفسه
مصنوع ( 3 ) . وكل قائم في سواه معلول . فاعل لا باضطراب آلة .
مقدر لا بجول فكرة . غني لا باستفادة . لا تصحبه الاوقات ، ولا
* ( هامش ) * = الله جعل من الطير ما تثبت أرجله في الماء . ومنه ما لا يمشي إلا في الارض اليابسة ( 1 ) الهطل - بالفتح - تتابع المطر والدمع . والديم - كالهمم - جمع ديمة : مطر
يدوم في سكون بلا رعد ولا برق . وتعديد القسم إحصاء ما قدر منها لكل بقعة .
وجدوب الارض : يبسها لاحتجاب المطر عنها ( 2 ) صمده : قصده ( 3 ) أي كل
معروف الذات بالكنه مصنوع لان معرفة الكنه إنما تكون بمعرفة أجزاء الحقيقة
فمعروف الكنه مركب والمركب مفتقر في الوجود لغيره فهو مصنوع ( * )
ـ120ـ
ترفده الادوات ( 1 ) سبق الاوقات كونه . والعدم وجوده والابتداء
أزله . بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له ( 2 ) . وبمضادته بين
الامور عرف أن لا ضد له . وبمقارنته بين الاشياء عرف أن لا قرين
له . ضاد النور بالظلمة ، والوضوح بالبهمة والجمود بالبلل ،
والحرور بالصرد ( 3 ) . مؤلف بين متعادياتها ( 4 ) . مقارن بين متبايناتها
مقرب بين متباعداتها . مفرق بين متدانياتها ( 5 ) لا يشمل بحد ،
ولا يحسب بعد ، وإنما تحد الادوات أنفسها ، وتشير الآلة إلى نظائرها .
منعتها منذ القدمية ، وحمتها قد الازلية . وجنبتها لولا التكملة ( 6 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) ترفده - كتنصره - أي تعينه ( 2 ) المشعر - كمقعد - محل الشعور أي الاحساس
فهو الحاسة . وتشعيرها : إعدادها للانفعال المخصوص الذي يعرض لها من المواد وهو
ما يسمى بالاحساس ، فالمشعر من حيث هو مشعر منفعل دائما ولو كان لله مشعر
لكان منفعلا ، والمنفعل لا يكون فاعلا ، وقد قلنا إنه هو الفاعل بتشعير المشاعر . وهذا
بمنزلة أن يقال إن الله فاعل في خلقه فلا يكون منفعلا عنهم كما يأتي التصريح به . وإنما
خص باب الشعور بالذكر ردا على من زعم أن لله مشاعر . وعقده التضاد بين الاشياء
دليل على استواء نسبتها إليه فلا ضد له إذ لو كانت له طبيعة تضاد شيئا لاختص إيجاده
بما يلائمها لا ما يضادها فلم تكن أضداد ، والمقارنة بين الاشياء في نظام الخلقة دليل
أن صانعها واحد إذ لو كان له ، شريك لخالفه في النظام الايجادي فلم تكن مقارنة .
والمقارنة هنا : المشابهة ( 3 ) الصرد - محركا - البرد أصلها فارسية ( 4 ) متعاديانها كالعناصر
( 5 ) كالجزئين من عنصر واحد في جسمين مختلفي المزاج ( 6 ) منذ ، وقد ، ولولا ،
فواعل للافعال قبلها . ومنذ لابتداء الزمان ، وقد لتقريبه ولا يكون الابتداء والتقريب ( * ) =
ـ121ـ
بها تجلى صانعها للعقول ، وبها امتنع عن نظر العيون . لا يجري عليه
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 121 سطر 1 الى ص 130 سطر 20
بها تجلى صانعها للعقول ، وبها امتنع عن نظر العيون . لا يجري عليه
السكون والحركة . وكيف يجري عليه ما هو أجراه ، ويعود فيه ما هو
أبداه ، ويحدث فيه ما هو أحدثه . إذا لتفاوتت ذاته ( 1 ) ، ولتجزأ كنهه ،
ولامتنع من الازل معناه . ولكان له وراء إذ وجد له أمام . ولالتمس
التمام إذ لزمه النقصان . وإذا لقامت آية المصنوع فيه ، ولتحول دليلا
بعد أن كان مدلولا عليه . وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر
فيه ما يؤثر في غيره ( 2 ) الذي لا يحول ولا يزول ، ولا يجوز عليه
الافول ( 3 ) . ولم يلد فيكون مولودا ( 4 ) ، ولم يولد فيصير محدودا ( 5 ) .
* ( هامش ) * = إلا في الزمان المتناهي . وكل مخلوق يقال فيه قد وجد ووجد منذ كذا ، وهذا مانع للقدم
والازلية ، وكل مخلوق يقال فيه لولا خالقه ما وجد فهو ناقص لذاته محتاج للتكملة بغيره ،
والادوات أي آلات الادراك التي هي حادثة ناقصة كيف يمكن لها أن تحد الازلي
المتعالي عن النهاية في الكمال . وقوله بها أي بتلك الادوات أي بواسطة ما أدركته
من شؤون الحوادث عرف الصانع فتجلى للعقول ، وبها أي بمقتضى طبيعة تلك
الادوات من أنها لا تدرك إلا ماديا محدودا امتنع سبحانه عن إدراك العيون التي هي
نوع من تلك الادوات ( * ) ( 1 ) أي لاختلفت ذاته باختلاف الاعراض عليها ولتجزأت
حقيقته ، فإن الحركة والسكون من خواص الجسم وهو منقسم ، ولصار حادثا فإن الجسم
بتركبه مفتقر لغيره ( 2 ) وخرج عطف على قوله لا يجري عليه السكون . وسلطان الامتناع
هو سلطان العزة الازلية ( 3 ) من أفل النجم إذا غاب ( 4 ) المراد بالمولود المتولد
عن غيره سواء كان بطريق التناسل المعروف أو كان بطريق النشوء كتولد النبات
عن العناصر ومن ولد له كان متولدا بإحدى الطريقتين ( 5 ) تكون بداية وجوده ( * ) =
ـ122ـ
جل عن اتخاذ الابناء ، وطهر عن ملامسة النساء . لا تناله الاوهام
فتقدره ، ولا تتوهمه الفطن فتصوره . ولا تدركه الحواس فتحسه
ولا تلمسه الايدي فتمسه . لا يتغير بحال ، ولا يتبدل بالاحوال .
ولا تبليه الليالي والايام ، ولا يغيره الضياء والظلام . ولا يوصف
بشئ من الاجزاء ( 1 ) ، ولا بالجوارح والاعضاء . ولا بعرض من
الاعراض ، ولا بالغيرية والابعاض . ولا يقال له حد ولا نهاية ،
ولا انقطاع ولا غاية . ولا أن الاشياء تحويه ، فتقله أو تهويه ( 2 ) ، أو أن
شيئا يحمله فيميله أو يعدله . ليس في الاشياء بوالج ( 3 ) ، ولا عنها بخارج .
يخبر لا بلسان ولهوات ( 4 ) ، ويسمع لا بخروق وأدوات . يقول ولا يلفظ ،
ويحفظ ولا يتحفظ ( 5 ) ، ويريد ولا يضمر . يحب ويرضى من غير رقة ،
ويبغض ويغضب من غير مشقة . يقول لمن أراد كونه كن فيكون .
لا بصوت يقرع ، ولا بنداء يسمع . وإنما كلامه سبحانه فعل منه ( 6 )
* ( هامش ) * = يوم ولادته ( 1 ) أي لا يقال ذو جزء كذا ولا ذو عضو كذا ( 2 ) تقله : أي ترفعه . وتهويه :
أي تحطه وتسقطه ( 3 ) أي داخل ( 4 ) جمع لهاة اللحمة في سقف أقصى الفم ( 5 ) أي
لا يتكلف الحفظ " ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم " ( 6 ) كلامه أي الالفاظ
والحروف التي يطلق عليها كلام الله باعتبار ما دلت عليه وهي حادثة عند عموم الفرق
ما خلا جماعة من الحنابلة . أو المراد بالكلام هنا ما أريد في قوله تعالى " قل لو كان
البحر مدادا لكلمات ربي لنفد " الآية ، وهو على ما قال بعض المفسرين أعيان الموجودات ( * )
ـ123ـ
أنشأه . ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكان
إلها ثانيا .
لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات ،
ولا يكون بينها وبينه فصل ( 1 ) ، ولا له عليها فضل ، فيستوي الصانع
والمصنوع ، ويتكافأ المبتدئ والبديع . خلق الخلائق على غير مثال
خلا من غيره ، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه . وأنشأ الارض
فأمسكها من غير اشتغال . وأرساها على غير قرار . وأقامها بغير
قوائم . ورفعها بغير دعائم . وحصنها من الاود والاعوجاج ( 2 ) . ومنعها
من التهافت والانفراج ( 3 ) . أرسى أوتادها ، وضرب أسدادها ، واستفاض
عيونها وخد أوديتها ( 4 ) . فلم يهن ما بناه ( 5 ) ، ولا ضعف ما قواه . هو
الظاهر عليها بسلطانه وعظمته ، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته ،
والعالي عل كل شئ منها بجلاله وعزته . لا يعجزه شئ منها طلبه ،
ولا يمتنع عليه فيغلبه ، ولا يفوته السريع منها فيسبقه ، ولا يحتاج
إلى ذي مال فيرزقه . خضعت الاشياء له ، وذلت مستكينة لعظمته ،
* ( هامش ) * ( 1 ) ولا يكون عطف على تجري ( 2 ) عطف تفسير على الاود ( 3 ) التهافت : التساقط
قطعة قطعة . والانفراج : الانشقاق ( 4 ) الاوتاد : جمع وتد . والاسداد : جمع سد والمراد
بها الجبال . وخد أي شق ( 5 ) يهن - من الوهن - بمعنى الضعف . ( * )
ـ124ـ
لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضره ،
ولا كفؤ له فيكافئه ، ولا نظير له فيساويه . هو المفني لها بعد
وجودها ، حتى يصير موجودها كمفقودها .
وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها .
وكيف لو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها ، وما كان من
مراحها وسائمها ( 1 ) ، وأصناف أسناخها وأجناسها ( 2 ) ، ومتبلدة أممها
وأكياسها على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت
كيف السبيل إلى إيجادها . ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت ،
وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة ( 3 ) عارفة بأنها مقهورة
مقرة بالعجز عن إنشائها . مذعنة بالضعف عن إفنائها .
وإن الله سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه . كما
كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها . بلا وقت ولا مكان ،
ولا حين ولا زمان . عدمت عند ذلك الآجال والاوقات ، وزالت السنون
* ( هامش ) * ( 1 ) مراحها - بضم الميم - اسم مفعول من أراح الابل ردها إلى المراح بالضم أي المأوى .
والسائم : الراعي يريد ما كان في مأواه وما كان في مرعاه ( 2 ) الاسناخ : الاصول . والمراد
منها الانواع أي الاصناف الداخلة في أنواعها . والمتبلدة أي الغبية . والاكياس :
جمع كيس - بالتشديد - العاقل الحاذق ( 3 ) الخاسئ : الذليل . والحسبر : الكال المعيى ( * )
ـ125ـ
والساعات . فلا شئ إلا الواحد القهار الذي إليه مصير جميع
الامور . بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، وبغير امتناع منها كان
فناؤها . ولو قدرت على الامتناع دام بقاؤها . لم يتكاءده صنع شئ
منها إذ صنعه ( 1 ) ، ولم يؤده منها خلق ما خلقه وبرأه . ولم يكونها
لتشديد سلطان . ولا خوف من زوال ونقصان ، ولا للاستعانة بها
على ند مكاثر ( 2 ) ، ولا للاحتراز بها من ضد مثاور . ولا للازدياد
بها في ملكه ، ولا لمكاثرة شريك في شركه . ولا لوحشة
كانت منه فأراد أن يستأنس إليها . ثم هو يفنيها بعد تكوينها
لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها ، ولا لراحة واصلة إليه .
ولا لثقل شئ منها عليه . لم يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة
إفنائها . لكنه سبحانه دبرها بلطفه ، وأمسكها بأمره ، وأتقنها
بقدرته ، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها ، ولا استعانة
بشئ منها عليها ، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس ،
ولا من حال جهل وعمى إلى حال علم والتماس . ولا من فقر وحاجة
* ( هامش ) * ( 1 ) لم يتكاءده : لم يشق عليه . ولم يؤده : لم يثقله . وبرأه مرادف لخلقه ( 2 ) الند
- بالكسر - المثل . والمكاثرة : المغالبة بالكثرة يقال كاثره فكثره أي غلبه . والمثاور ( * ) =
ـ126ـ
إلى غنى وكثرة . ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة
187 - ومن خطبة له عليه السلام
ألا بأبي وأمي هم من عدة أسماؤهم في السماء معروفة ، وفي
الارض مجهولة ( 1 ) ، ألا فتوقعوا ما يكون من إدبار أموركم ،
وانقطاع وصلكم ، واستعمال صغاركم . ذاك حيث تكون ضربة
السيف على المؤمن أهون من الدرهم من حله ( 2 ) . ذاك حيث يكون
المعطى أعظم أجرا من المعطي ( 3 ) . ذاك حيث تسكرون من غير
شراب ، بل من النعمة والنعيم ، وتحلفون من غير اضطرار ،
وتكذبون من غير إحراج ( 4 ) . ذلك إذا عضكم البلاء كما يعض
القتب غارب البعير ( 5 ) . ما أطول هذا العناء وأبعد هذا الرجاء
* ( هامش ) * = المواثب المهاجم ( 1 ) يريد أهل الحق الذين سترتهم ظلمة الباطل في الارض فجهلهم
أهلها وأشرقت بواطنهم فأضاءت بها السموات العلى فعرفهم سكانها ( 2 ) لفساد المكاسب
واختلاط الحرام بالحلال ( 3 ) أي حيث يكون الخير في الفقراء ويعم الشر جميع الاغنياء
فيعطى الغني سرفا وتبذيرا ، وينفق الفقير ما يأخذ من مال الغني في وجهه الشرعي
( 4 ) الاحراج : التضييق ( 5 ) القتب : محركا - الاكاف . والغارب : ما بين العنق والسنام ( * )
ـ127ـ
أيها الناس ألقوا هذه الازمة التي تحمل ظهورها الاثقال من
أيديكم ( 1 ) ، ولا تصدعوا على سلطانكم فتذموا غب فعالكم .
ولا تقتحموا ما استقبلتم من فور نار الفتنة ( 2 ) . وأميطوا عن
سننها ( 3 ) ، وخلوا قصد السبيل لها . فقد لعمري يهلك في لهبها المؤمن
ويسلم فيها غير المسلم .
إنما مثلي بينكم مثل السراج في الظلمة يستضئ به من
ولجها . فاسمعوا أيها الناس وعوا ، وأحضروا آذان قلوبكم تفهموا
188 - ومن خطبة له عليه السلام
أوصيكم أيها الناس بتقوى الله وكثرة حمده على آلائه إليكم ،
ونعمائه عليكم ، وبلائه لديكم ( 4 ) . فكم خصكم بنعمة ،
وتدارككم برحمة : أعورتم له فستركم ( 5 ) ، وتعرضتم لاخذه
* ( هامش ) * ( 1 ) الازمة - كأئمة - جمع زمام . والمراد بظهورها ظهور المزمومات بها . والكلام
تجوز عن ترك الآراء الفاسدة التي يقاد بها قوم يحملون أثقالا من الاوزار . ولا تصدعوا
أي لا تفرقوا ولا تختلفوا على إمامكم فتقبح عاقبتكم فتذموها ( 2 ) فور النار :
ارتفاع لهبها ، أي لا ترموا بأنفسكم في الفتنة التي تقبلون عليها ( 3 ) أميطوا أي تنحوا
عن طريقها وميلوا عن وجهة سيرها وخلو لها سبيلها التي استقامت عليه ( 4 ) البلاء :
الاحسان ( 5 ) أعورتم له أي ظهرت له عوراتكم وعيوبكم . ولاخذه ، أي أن يأخذكم ( * ) =
ـ128ـ
فأمهلكم . وأوصيكم بذكر الموت وإقلال الغفلة عنه . وكيف
غفلتكم عما ليس يغفلكم ( 1 ) ، وطمعكم فيمن ليس يمهلكم .
فكفى واعظا بموتى عاينتموهم . حملوا إلى قبورهم غير راكبين ( 2 ) ،
وأنزلوا فيها غير نازلين . فكأنهم لم يكونوا للدنيا عمارا ، وكأن
الآخرة لم تزل لهم دارا . أوحشوا ما كانوا يوطنون ( 3 ) ، وأوطنوا
ما كانوا يوحشون . واشتغلوا بما فارقوا ، وأضاعوا ما إليه انتقلوا .
لا عن قبيح يستطيعون انتقالا ، ولا في حسن يستطيعون ازديادا .
أنسوا بالدنيا فغرتهم ، ووثقوا بها فصرعتهم . فسابقوا - رحمكم
الله - إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمروها ، والتي رغبتم فيها ودعيتم
إليها . واستتموا نعم الله عليكم بالصبر على طاعته ، والمجانبة
لمعصيته فإن غدا من اليوم قريب . ما أسرع الساعات في اليوم ،
وأسرع الايام في الشهر ، وأسرع الشهور في السنة ، وأسرع السنين
في العمر
189 - ومن كلام له عليه السلام
فمن الايمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب . ومنه ما يكون
* ( هامش ) * = بالعقاب ( 1 ) أغفله : سها عنه وتركه ( 2 ) إنما يقال ركب ونزل حقيقة لمن فعل بإرادته
( 3 ) أوطن المكان : اتخذه وطنا . وأوحشه : هجره حتى لا أنيس منه به . وقوله واشتغلوا . ( * ) =
ـ129ـ
عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم ( 1 ) . فإذا كانت
لكم براءة من أحد فقفوه حتى يحضره الموت ( 2 ) ، فعند ذلك يقع
حد البراءة . والهجرة قائمة على حدها الاول ( 3 ) . ما كان لله في أهل
الارض حاجة من مستسر الامة ومعلنها ( 4 ) . لا يقع اسم الهجرة على
أحد إلا بمعرفة الحجة في الارض . فمن عرفها وأقر بها فهو مهاجر .
ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجة فسمعتها أذنه
ووعاها قلبه
إن أمرنا صعب مستصعب ، لا يحمله إلا عبد مؤمن امتحن
الله قلبه للايمان ، ولا يعى حديثنا إلا صدور أمينة وأحلام رزينة ( 5 )
* ( هامش ) * = أي وكانوا اشتغلوا بالدنيا التي فارقوها وأضاعوا العاقبة التي انتقلوا إليها ( 1 ) عواري
الخ . كناية عن كونه زعما بغير فهم ( 2 ) إذا ارتبتم في أحد وأردتم البراءة فلا تسارعوا
لذلك وانتظروا به الموت عسى أن تدركه التوبة ( 3 ) أي لم يزل حكمها الوجوب
على من بلغته دعوة الاسلام ورضي الاسلام دينا وهو المراد بمعرفة الحجة الآتي في الكلام .
فلا يجوز لمسلم أن يقيم في بلاد حرب على المسلمين ولا أن يقبل سلطان غير المسلم
بل تجب عليه الهجرة إلا إذا تعذر عليه ذلك لمرض أو عدم نفقة فيكون من المستضعفين
المعفو عنهم . وقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد الفتح " محمول على الهجرة
من مكة ( 4 ) استسر الامر : كتمه . والامة - بكسر الهمزة - الحالة ، وبضمها الطاعة .
أي أن الهجرة فرضت على المكلفين لمصلحتهم وإلا فالله لا حاجة به إلى مضمر إيمانه
في بلاد الكفر ، ولا إلى معلنه في ديار الاسلام ( 5 ) أحلام : عقول ( * )
ـ130ـ
أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني ، فلانا بطرق السماء أعلم مني
بطرق الارض ، قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ في خطامها ( 1 ) ، وتذهب
بأحلام قومها
190 - ومن خطبة له عليه السلام
أحمده شكرا لانعامه ، وأستعينه على وظائف حقوقه . عزيز الجند
عظيم المجد . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله دعا إلى طاعته ، وقاهر
أعداءه جهادا على دينه . لا يثنيه عن ذلك اجتماع على تكذيبه والتماس
لاطفاء نوره . فاعتصموا بتقوى الله فإن لها حبلا وثيقا عروته ، ومعقلا
منيعا ذروته ( 2 ) . وبادروا الموت في غمراته . وامهدوا له قبل حلوله ، وأعدوا
له قبل نزوله . فإن الغاية القيامة . وكفى بذلك واعظا لمن عقل ، ومعتبرا لمن
جهل . وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الارماس ( 3 ) ، وشدة الابلاس .
* ( هامش ) * ( 1 ) شغر برجله : رفعها . ثم الجملة كناية عن كثرة مداخل الفساد فيها . من قولهم بلدة شاغرة
برجلها أي معرضة للغارة لا تمتنع عنها . وتطأ في خطامها أي تتعثر فيه ، كناية عن إرسالها
وطيشها وعدم قائد لها . أما قوله عليه السلام فلانا بطرق السماء أعلم الخ ، فالقصد به أنه في العلوم
الملكوتية والمعارف الالهية أوسع إحاطة منه بالعلوم الصناعية . وفي تلك تظهر مزية
العقول العالية والنفوس الرفيعة . وبها ينال الرشد ويستضئ الفكر ( 2 ) المعقل
- كمسجد - الملجأ . وذروة كل شئ : أعلاه . ومبادرة الموت : سبقه بالاعمال الصالحة ،
وفي غمراته حال من الموت . والغمرات : الشدائد . ومهد - كمنع - معناه هنا عمل
( 3 ) الارماس : القبور - القبور جمع رمس وأصله اسم للتراب والابلاس حزن في خذلان ويأس . ( * )
ـ131ـ
وهول المطلع ، وروعات الفزع . واختلاف الاضلاع واستكاك
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 131 سطر 1 الى ص 140 سطر 21
وهول المطلع ، وروعات الفزع . واختلاف الاضلاع واستكاك
الاسماع . وظلمة اللحد ، وخيفة الوعد . وغم الضريح ، وردم
الصفيح
فالله الله عباد الله فإن الدنيا ماضية بكم على سنن ، وأنتم والساعة
في فرن ( 1 ) . وكأنها قد جاءت بأشراطها ، وأزقت بأفراطها ، ووقفت بكم
على صراطها . وكأنها قد أشرفت بزلازلها ، وأناخت بكلاكلها ( 2 ) .
وانصرمت الدنيا بأهلها ، وأخرجتهم من حضنها . فكانت كيوم
مضى أو شهر انقضى . وصار جديدها رثا ( 3 ) وسمينها غثا . في موقف
ضنك المقام ، وأمور مشتبهة عظام . ونار شديد كلبها ( 4 ) ، عال لجبها
ساطع لهبها ، متغيظ زفيرها ، متأجج سعيرها ، بعيد خمودها ، ذاك
* ( هامش ) * والمطلع بضم فتشديد مع فتح : المنزلة التي منها يشرف الانسان على أمور الآخرة
وهي منزلة البرزخ . وأصل المطلع موضع الاطلاع من ارتفاع إلى انحدار . واختلاف الاضلاع
دخول بعضها في موضع الآخر من شدة الضغط . واستكاك الاسماع : صممها من التراب
أو الاصوات الهائلة . والضريح : اللحد . والردم : السد . والصفيح : الحجر العريض .
والمراد ما يسد به القبر
( 1 ) طريق معروف تفعل بكم فعلها بمن سبقكم . والقرن
- محركا - الحبل يقرن به البعيران ، كناية عن القرب وأن لا بد منها . والاشراط : العلامات .
وأزفت : قربت . والافراط - جمع فرط - بسكون الراء وهو العلم المستقيم يهتدى به
أي بدلائلها ( 2 ) الكلاكل : الصدور كناية عن الاثقال ( 3 ) الرث : البالي . والغث :
المهزول ( 4 ) الكلب - محركا - أكل بلا شبع . واللجب : الصياح أو الاضطراب . والتغيظ : ( * ) =
ـ132ـ
وقودها ، مخيف وعيدها ، غم قرارها ( 1 ) مظلمة أقطارها . حامية
قدورها ، فظيعة أمورها " وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا "
قد أمن العذاب ، وانقطع العتاب . وزحزحوا عن النار ، واطمأنت بهم
الدار ، ورضوا المثوى والقرار . الذين كانت أعمالهم في الدنيا زاكية ،
وأعينهم باكية . وكان ليلهم في دنياهم نهارا ، تخشعا واستغفارا . وكان
نهارهم ليلا توحشا وانقطاعا ( 2 ) . فجعل الله لهم الجنة مآبا ، والجزاء
ثوابا . وكانوا أحق بها وأهلها . في ملك دائم ، ونعيم قائم
فارعوا عباد الله ما برعايته يفوز فائزكم . وبإضاعته يخسر
مبطلكم . وبادروا آجالكم بأعمالكم . فإنكم مرتهنون بما
أسلفتم ، ومدينون بما قدمتم . وكأن قد نزل بكم المخوف . فلا
رجعة تنالون ، ولا عثرة تقالون ، إستعملنا الله وإياكم بطاعته وطاعة
رسوله ، وعفا عنا وعنكم بفضل رحمته
الزموا الارض ( 3 ) ، واصبروا على البلاء . ولا تحركوا بأيديكم
* ( هامش ) * = الهيجان . والزفير صوت توقد النار . وذكت النار : اشتد لهيبها ( 1 ) غم : صفة من غمه
إذا غطاه ، أي مستور قرارها المستقر فيه أهلها ( 2 ) لا يريد من التوحش النفرة
من الناس والجفوة في معاملتهم بل يريد عدم الاستئناس بشؤون الدنيا والركون إليها
( 3 ) لزوم الارض كناية عن السكون ، ينصحهم به عند عدم توفر أسباب المغالبة ، وينهاهم ( * ) =
ـ133ـ
وسيوفكم في هوى ألسنتكم ، ولا تستعجلوا بما لم يعجله الله
لكم . فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه
وحق رسوله وأهل بيته مات شهيدا ووقع أجره على الله ، واستوجب
ثواب ما نوى من صالح عمله . وقامت النية مقام إصلاته لسيفه .
وإن لكل شئ مدة وأجلا
191 - ومن خطبة له عليه السلام
الحمد الله الفاشى حمده ، والغالب جنده ، والمتعالي جده ( 1 ) .
أحمده على نعمه التؤام ( 2 ) ، وآلائه العظام . الذي عظم حلمه فعفا ،
وعدل في كل ما قضى ، وعلم ما يمضي وما مضى . مبتدع الخلائق
بعلمه . ومنشئهم بحكمه ، بلا اقتداء ولا تعليم ، ولا احتذاء
لمثال صانع حكيم . ولا إصابة خطإ ولا حضرة ملا وأشهد أن
محمدا عبده ورسوله . ابتعثه والناس يضربون في غمرة ( 3 ) ، ويموجون
في حيرة . قد قادتهم أزمة الحين ، واستغلقت على أفئدتهم أقفال الرين .
* ( هامش ) * = عن التعجل بحمل السلاح تثبيتا لقول يقوله أحدهم في غير وقته ، ويأمرهم بالحكمة
في العمل لا يأتونه إلا عند رجحان نجحه . واصلات السيف : سله ( 1 ) الفاشي : المنتشر .
والجد - بالفتح - العظمة ( 2 ) جمع تؤام - كجعفر - وهو المولود مع غيره في بطن ،
وهو مجاز عن الكثير أو المتواصل ( 3 ) ضرب في الماء : سبح . وضرب في الارض : سار بسرعة ( * ) =
ـ134ـ
أوصيكم عباد اله بتقوى الله فإنها حق الله عليكم ، والموجبة
على الله حقكم ( 1 ) . وأن تستعينوا عليها بالله وتستعينوا بها على الله .
فإن التقوى في اليوم الحرز والجنة ، وفي غد الطريق إلى الجنة .
مسلكها واضح ، وسالكها رابح ، ومستودعها حافظ ( 2 ) . لم تبرح
عارضة نفسها على الامم الماضين والغابرين لحاجتهم إليها غدا إذا أعاد
الله ما أبدى ، وأخذ ما أعطى ، وسأل ما أسدى ( 3 ) . فما أقل من
قبلها وحملها حق حملها . أولئك الاقلون عددا . وهم أهل صفة الله
سبحانه إذ يقول : " وقليل من عبادي الشكور " . فأهطعوا
بأسماعكم إليها ( 4 ) ، وكظوا بجدكم عليها . واعتاضوها من كل
سلف خلفا ، ومن كل مخالف موافقا . أيقظوا بها نومكم ،
* ( هامش ) * = وأبعد . والغمرة : الماء الكثير والشدة . والمراد هنا إما شدة الفتن وبلاياها أو شدة
الجهل ورزاياه . والازمة - جمع زمام - ما تقاد به الدابة . والحين بفتح الحاء - الهلاك .
والرين - بفتح الراء - التغطية والحجاب وهو هنا حجاب الضلال
سببا لاستحقاق ثوابه ومعينة على رضائه . والجنة بضم الجيم - الوقاية وبفتحها
دار الثواب ( 2 ) مستودع التقوى هو الذي تكون التقوى وديعة عنده وهو الله
( 3 ) أسدى : منح وأعطى ( 4 ) الاهطاع : الاسراع ، أهطع البعير : مد عنقه وصوب رأسه . ( * ) =
ـ135ـ
واقطعوا بها يومكم ، وأشعروها قلوبكم ، وارحضوا بها
ذنوبكم ( 1 ) ، وداووا بها الاسقام ، وبادروا بها الحمام . واعتبروا بمن
أضاعها ، ولا يعتبرن بكم من أطاعها ( 2 ) . ألا فصونوها وتصونوا
بها ( 3 ) ، وكونوا عن الدنيا نزاها ، وإلى الآخرة ولاها . ولا تضعوا
من رفعته التقوى ، ولا ترفعوا من رفعته الدنيا . ولا تشيموا بارقها ( 4 )
ولا تستمعوا ناطقها ، ولا تجيبوا ناعقها . ولا تستضيئوا بإشراقها ، ولا
تفتنوا بأعلاقها ، فإن برقها خالب ( 5 ) ونطقها كاذب . وأموالها محروبة ،
وأعلاقها مسلوبة . ألا وهي المتصدية العنون ( 6 ) ، والجامحة الحرون
* ( هامش ) * = والكظاظ - ككتاب - الممارسة وطول الملازمة ، وفعله ككتب ( 1 ) رحض - كمنع -
غسل . والحمام - ككتاب - الموت ( 2 ) أي لا تكونوا عبرة يتعظ بسوء مصيركم من أطاع
التقوى وأدى حقوقها ( 3 ) تصونوا : تحفظوا . والنزاه - جمع نازه - العفيف النفس .
والولاه - جمع واله - الحزين على الشئ حتى يناله أي المشتاق ( 4 ) شام البرق : نظر
إليه أين يمطر . والبارق : السحاب ، أي لا تنظروا لما يغركم من مطامعها . والاعلاق
- جمع علق - بالكسر بمعنى النفيس ( 5 ) خالب : خادع . والمحروبة : المنهوبة ( 6 ) المتصدية :
المرأة تتعرض للرجال تميلهم إليها ، ومن الدواب ما تمشي معترضة خابطة . - والعنون -
بفتح فضم - مبالغة من عن إذا ظهر ، ومن الدواب المتقدمة في السير ، شبه الدنيا بالمرأة
المتبرجة المستميلة ، أو بالدابة تسبق الدواب وإن لم يدم تقدمها ، أو الخابطة على غير
طريق . والجامحة : الصعبة على راكبها . والحرون التي إذا طلب بها السير وقفت
والمائنة : الكاذبة . والخؤون : مبالغة في الخائنة . والكنود - من كند - كنصر :
كفر النعمة . وجحد الحق : أنكره وهو به عالم . والعنود : شديدة العناد . والصدود :
كثيرة الصد والهجر . والحيود مبالغة في الحيد : بمعنى الميل . والميود - من ماد -
إذا اضطرب يريد بهذه الاوصاف أن الدنيا في طبيعتها لؤم فمن سالمها حاربته ، ومن ( * ) = = حاربها سالمته
ـ136ـ
والمائنة الخؤون . والجحود الكنود ، والعنود الصدود ، والحيود
الميود . حالها انتقال ، ووطأتها زلزال ، وعزها ذل ، وجدها هزل ،
وعلوها سفل . دار حرب وسلب ( 1 ) ، ونهب وعطب . أهلها على
ساق وسياق ، ولحاق وفراق ( 2 ) . قد تحيرت مذاهبها ، وأعجزت
مهاربها ( 3 ) ، وخابت مطالبها . فأسلمتهم المعاقل ، ولفظتهم المنازل ،
وأعيتهم المحاول ( 4 ) . فمن ناج معقور ( 5 ) ، ولحم مجزور ، وشلو
مذبوح ، ودم مسفوح . وعاض على يديه ، وصافق بكفيه ،
ومرتفق بخديه ( 6 ) ، وزار على رأيه ، وراجع عن هرمه . وقد أدبرت
* ( هامش ) * = حاربها سالمته ( 1 ) الحرب - بالتحريك - سلب المال . والعطب : الهلاك ( 2 ) أي قائمون
على ساق استعدادا لما ينتظرون من آجالهم . والسياق مصدر ساق فلانا إذا أصاب ساقه ،
أي ولا يلبثون أن يضربوا على سوقهم فينكبوا للموت على وجوههم ، أو هو السياق
بمعنى الشروع في نزع الروح من ساق المريض سياقا . واللحاق للماضين ، والفراق
عن الباقين ( 3 ) تحير المذاهب : حيرة الناس فيها . والمهارب أعجزت الناس عن الهروب
لانها ليست كما يرونها مهارب بل هي مهالك ( 4 ) المحاول - جمع محال بفتح الميم -
أو محالة بمعنى الحذق وجودة النظر ، أي لم يفدهم ذلك خلاصا ( 5 ) أي فمنهم ناج من الموت
معقور أي مجروح ، أو هو من عقر الشاة والبعير إذا ضرب ساقه بالسيف وهو قائم ،
والمجزور : المسلوخ أخذ عنه جلده . والشلو - بالكسر - هنا البدن كله . والمسفوح
المسفوك ( 6 ) المرتفق بخديه : واضع خديه على مرفقيه ومرفقيه على ركبتيه منصوبتين
وهو جالس على أليتيه . وهذه الاوصاف كناية عن الندم على التفريط والافراط . والزاري ( * ) =
ـ137ـ
الحيلة وأقبلت الغيلة ( 1 ) ، ولات حين مناص . وهيهات هيهات قد فات
ما فات وذهب ما ذهب ، ومضت الدنيا لحال بالها ( 2 ) " فما بكت عليهم
السماء والارض وما كانوا منظرين "
192 - ومن خطبة له عليه السلام تسمى القاصعة ( 3 )
وهي تتضمن ذم إبليس على استكباره وتركه السجود
لآدم عليه السلام ، وأنه أول من أظهر العصبية ( 4 ) وتبع الحمية
وتحذير الناس من سلوك طريقته
الحمد لله الذي لبس العز والكبرياء وأختارهما لنفسه دون
خلقه ، وجعلهما حمى وحرما على غيره ( 5 ) ، واصطفاهما لجلاله ، وجعل
اللعنة على من نازعه فيهما من عباده . ثم اختبر بذلك ملائكته
* ( هامش ) * = على رأيه المقبح له اللائم لنفسه عليه ( 1 ) الغيلة : الشر الذي أضمرته الدنيا في خداعها .
ولات حين مناص أي ليس الوقت وقت التملص والفرار ( 2 ) البال : القلب والخاطر .
والمراد ذهبت على ما تهواه لا على ما يريد أهلها ( 3 ) من قصع فلان فلانا : أي حقره
لانه عليه السلام حقر فيها حال المتكبرين ، أو من قصع الماء عطشه إذا أزاله ، لان سامعها
لو كان متكبرا ذهب تأثيرها بكبره كما يذهب الماء بالعطش ( 4 ) الاعتزاز بالعصبة وهي
قوم الرجل الذين يدافعون عنه ، واستعمال قوتهم في الباطل والفساد فهي هنا عصبية
الجهل ، كما أن الحمية حمية الجاهلية . أما التناصر في الحق والحمية عليه فهو أمر محمود في جميع
أحواله ، والكبر على الباطل تواضع للحق ( 5 ) الحمى : ما حميته عن وصول الغير إليه ( * ) =
ـ138ـ
المقربين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين ، فقال سبحانه
وهو العالم بمضمرات القلوب ، ومحجوبات الغيوب : " إني خالق
بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس " اعترضته الحمية فافتخر
على آدم بخلقه ، وتعصب عليه لاصله . فعدو الله إمام المتعصبين ،
وسلف المستكبرين ، الذي وضع أساس العصبية ، ونازع الله رداء
الجبرية . وادرع لباس التعزز ، وخلع قناع التذلل
ألا ترون كيف صغره الله بتكبره ، ووضعه بترفعه . فجعله في
الدنيا مدحورا ، وأعد له في الآخرة سعيرا
ولو أراد الله أن يخلق آدم من نور يخطف الابصار ضياؤه ،
ويبهر العقول رواؤه ( 1 ) ، وطيب يأخذ الانفاس عرفه لفعل . ولو فعل
لظلت له الاعناق خاضعة ، ولخفت البلوى فيه على الملائكة . ولكن
الله سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم
ونفيا للاستكبار عنهم ، وإبعادا للخيلاء منهم
فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذا أحبط عمله الطويل
* ( هامش ) * = والتصرف فيه ( 1 ) الرواء - بضم ففتح - حسن المنظر . والعرف - بالفتح - الرائحة ( * )
ـ139ـ
وجهده الجهيد ، وكان قد عبدالله ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سنى
الدنيا أم سنى الآخرة عن كبر ساعة واحدة ( 1 ) . فمن ذا بعد إبليس يسلم
على الله بمثل معصية ( 2 ) ؟ كلا ، ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشرا
بأمر أخرج به منها ملكا إن حكمه في أهل السماء وأهل الارض
لواحد . وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه
على العالمين ( 3 )
فاحذروا عباد الله أن يعديكم بدائه ( 4 ) ، وأن يستفزكم بندائه ،
وأن يجلب عليكم بخيله ورجله . فلعمري لقد فوق لكم سهم
الوعيد ، وأغرق لكم بالنزع الشديد ( 5 ) ، ورماكم من مكان قريب ( 6 ) .
وقال : " رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين "
قذفا بغيب بعيد ، ورجما بظن مصيب . صدقه به أبناء الحمية ( 7 ) ،
* ( هامش ) * ( 1 ) عن متعلق بأحبط ، أي أضاع عمله بسبب كبر ساعة ( 2 ) أي يسلم من عقابه ، وكأنه
استعمل سلم بمعنى ذهب أو فات فأتى بعلى ( 3 ) الهوادة - بالفتح - اللين والرخصة
( 4 ) أن يصيبكم بشئ من دائه بالمخالطة كما يعدي الاجرب السليم ، والضمير لابليس
ويستفزكم : يستنهضكم لما يريد فإن تباطأتم عليه أجلب عليكم بخيله أي ركبانه ،
ورجله أي مشاته . والمراد أعوان السوء ( 5 ) النزع في القوس : مدها . وأغرق النازع
إذا استوفى مد قوسه ( 6 ) لانه يجري من ابن آدم مجرى الدم ( 7 ) صدق ابليس ( * ) =
ـ140ـ
وإخوان العصبية ، وفرسان الكبر والجاهلية . حتى إذا انقادت له
الجامحة منكم ( 1 ) ، واستحكمت الطماعية منه فيكم ، فنجمت الحال
من السر الخفي إلى الامر الجلي . استفحل سلطانه عليكم ، ودلف
بجنوده نحوكم . فأقحموكم ولجات الذل ، وأحلوكم ورطات القتل ،
وأوطأوكم إثخان الجراحة طعنا في عيونكم ، وحزا في حلوقكم ،
ودقا لمناخركم ، وقصد لمقاتلكم ، وسوقا بخزائم القهر إلى النار
المعدة . فأصبح أعظم في دينكم جرحا ( 2 ) ، وأورى في دنياكم
قدحا من الذين أصبحتم لهم مناصبين وعليهم متألبين . فاجعلوا عليه
حدكم ( 3 ) ، وله جدكم ، فلعمر الله لقد فخر على أصلكم ، ووقع
* ( هامش ) * = في توعد بني آدم بالاغواء أولئك الغشماء أبناء الحمية الجاهلية ( 1 ) أي استعان ببعضكم
على من لم يطعه منكم وهو المراد بالجامحة . والطماعية : الطمع . وقوله فنجمت الخ
أي بعد أن كانت وسوسة في الصدور وهمسا في القول ظهرت إلى المجاهرة بالنداء
ورفع الايدي بالسلاح . ودلفت الكتيبة في الحرب : تقدمت . وأقحموكم : أدخلوكم
بغتة . والولجات - جمع ولجة - بالتحريك . كهف يستتر فيه المارة من مطر ونحوه . أوطأه :
أركبه . وإثخان الجراحة المبالغة فيها ، أي أركبوكم الجراحات البالغة كناية عن أشعال
الفتنة بينهم حتى يتقاتلوا . والخزائم - جمع خزامة ككتابة - وهي حلقة توضع في وترة
أنف البعير فيشد فيها الزمام ( 2 ) فأصبح أي ابليس . وقوله وأورى الخ أي أشد قدحا
للنار في دنياكم لاتلافها ، وبالجملة فهو أضر عليكم بوساوسه من إخوانكم في الانسانية
الذين أصبحتم لهم مناصبين أي مجاهرين لهم بالعداوة ومتألبين أي مجتمعين ( 3 ) أي
غضبكم وحدتكم . وله جدكم بفتح الجيم أي قطعكم ، يريد قطع الوصلة بينكم وبينه ( * )
ـ141ـ
في حسبكم ، ودفع في نسبكم ، وأجلب بخيله عليكم ، وقصد
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 141 سطر 1 الى ص 150 سطر 19
في حسبكم ، ودفع في نسبكم ، وأجلب بخيله عليكم ، وقصد
برجله سبيلكم . يقتنصونكم بكل مكان ، ويضربون منكم كل
بنان ( 1 ) . لا تمتنعون بحيلة ، ولا تدفعون بعزيمة . في حومة ذل . وحلقة
ضيق . وعرصة موت . وجولة بلاء . فأطفئوا ما كمن في قلوبكم من
نيران العصبية وأحقاد الجاهلية ، فإنما تلك الحمية تكون في المسلم
من خطرات الشيطان ونخواته ، ونزغاته ونفثاته ( 2 ) . واعتمدوا وضع
التذلل على رءوسكم ، وإلقاء التعزز تحت أقدامكم ، وخلع التكبر
من أعناقكم . واتخذوا التواضع مسلحة ( 3 ) بينكم وبين عدوكم
إبليس وجنوده ، فإن له من كل أمة جنودا وأعوانا ، ورجلا وفرسانا .
ولا تكونوا كالمتكبر على ابن أمه من غير ما فضل جعله الله فيه
سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد ، وقدحت الحمية في
قلبه من نار الغضب ، ونفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر الذي
أعقبه الله به الندامة ، وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة
* ( هامش ) * ( 1 ) البنان : الاصابع ( 2 ) النخوة : التكبر والتعاظم . والنزغة : المرة من النزغ
بمعنى الافساد . والنفثة : النفخة ( 3 ) المسلحة : الثغر يدافع العدو عنده والقوم ذوو
السلاح ( * )
ـ142ـ
ألا وقد أمعنتم في البغي ( 1 ) ، وأفسدتم في الارض مصارحة لله
بالمناصبة ، ومبارزة للمؤمنين بالمحاربة . فالله الله في كبر الحمية وفخر
الجاهلية . فإنه ملاقح الشنآن ( 2 ) ومنافخ الشيطان التي خدع بها
الامم الماضية ، والقرون الخالية . حتى أعنقوا في حنادس جهالته ( 3 ) ،
ومهاوي ضلالته ، ذللا على سياقه ، سلسا في قياده . أمرا تشابهت القلوب
فيه ، وتتابعت القرون عليه . وكبرا تضايقت الصدور به
ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم الذين تكبروا
عن حسبهم ، وترفعوا فوق نسبهم ، وألقو الهجينة على ربهم ( 4 ) ،
وجاحدوا الله ما صنع بهم . مكابرة لقضائه ، ومغالبة لآلائه ( 5 ) .
فإنهم قواعد أساس العصبية . ودعائم أركان الفتنة ، وسيوف اعتزاء
الجاهلية ( 6 ) . فاتقوا الله ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا ، ولا لفضله
* ( هامش ) * ( 1 ) أمعنتم : بالغتم . والمصارحة : التظاهر ( 2 ) الملاقح - جمع ملقح كمكرم -
الفحول التي تلقح الاناث وتستولد الاولاد . والشنآن البغض ( 3 ) أعنقوا : من أعنقت
الثريا غابت ، أي غابوا واختفوا . والحنادس - جمع حندس - بكسر الحاء الظلام الشديد .
والمهاوي - جمع مهواة - الهوة التي يتردى فيها الصيد . والذلل - جمع ذلول - من الذل
بالضم ضد الصعوبة . والسياق هنا السوق . والسلس - بضمتين - جمع سلس - ككتف -
السهل . والقياد من أمام كالسوق من خلف ( 4 ) الهجينة : الفعلة القبيحة . والتهجين :
التقبيح أي أنهم باحتقار غيرهم من الناس قبحوا خلق الله لهم ( 5 ) الآلاء : النعم
( 6 ) اعتزاء الجاهلية : تفاخرهم بأنسابهم كل منهم يعتزى أي ينتسب إلى أبيه وما فوقه ( * ) =
ـ143ـ
عندكم حسادا . ولا تطيعوا الادعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم ،
وخلطتم بصحتكم مرضهم ( 1 ) ، وأدخلتم في حقكم باطلهم ، وهم
أساس الفسوق وأحلاس العقوق . اتخذهم إبليس مطايا ضلال . وجندا
بهم يصول على الناس . وتراجمة ينطق على ألسنتهم . إستراقا لعقولكم
ودخولا في عيونكم ، ونفثا في أسماعكم . فجعلكم مرمى نبله ( 2 ) ،
وموطئ قدمه ، ومأخذ يده . فاعتبروا بما أصاب الامم المستكبرين
من قبلكم من بأس الله وصولاته ، ووقائعه ومثلاته ( 3 ) ، واتعظوا
بمثاوي خدودهم ( 4 ) ، ومصارع جنوبهم ، واستعيذوا بالله من لواقح
الكبر ( 5 ) كما تستعيذونه من طوارق الدهر . فلو رخص الله في الكبر
لاحد من عباده لرخص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه . ولكنه سبحانه
* ( هامش ) * = من أجداده ، وكثيرا ما يجر التفاخر إلى الحرب ، وإنما تكون بدعوة الرؤساء فهم
سيوفها ( 1 ) الادعياء - جمع دعى - وهو من ينتسب إلى غير أبيه ، والمراد منهم
الاخساء المنتسبون إلى الاشراف والاشرار المنتسبون إلى الاخيار . وشربتم بصفوكم
كدرهم أي خلطوا صافي إخلاصكم بكدر نفاقهم . وبسلامة أخلاقكم مرض أخلاقهم .
والاحلاس - جمع حلس بالكسر - كساء رقيق يكون على ظهر البعير ملازما له فقيل
لكل ملازم لشئ هو حلسه . والعقوق : العصيان ( 2 ) النبل - بالفتح - : السهام
( 3 ) المثلات - بفتح فضم - العقوبات ( 4 ) مثاوى - جمع مثوى - بمعنى المنزل .
ومنازل الخدود : مواضعها من الارض بعد الموت . ومصارع الجنوب : مطارحها
على التراب ( 5 ) لواقح الكبر : محدثاته في النفوس . ( * )
ـ144ـ
كره إليهم التكابر ورضي لهم التواضع . فألصقوا بالارض خدودهم ،
وعفروا في التراب وجوههم . وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين ، وكانوا
أقواما مستضعفين . وقد أختبرهم الله بالمخمصة ( 1 ) ، وابتلاهم
بالمجهدة . وامتحنهم بالمخاوف ، ومخضهم بالمكاره . فلا تعتبروا
الرضا والسخط بالمال والولد ( 2 ) جهلا بمواقع الفتنة والاختبار في
مواضع الغنى والاقتدار ، وقد قال سبحانه وتعالى : " أيحسبون أنما
نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون " فإن
الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين
في أعينهم
ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون عليهما السلام على
فرعون وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصى فشرطا له إن أسلم
بقاء ملكه ودوام عزه فقال :
" ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك وهما
* ( هامش ) * ( 1 ) المخمصة : الجوع . والمجهدة : المشقة . ومخض اللبن : تحريكه ليخرج زبده .
والمكاره تستخلص إيمان الصادقين وتظهر مزاياهم العقلية والنفسية ( 2 ) لا تجعلوا
كثرة الاولاد ووفرة الاموال دليلا على رضاء الله ، والنقص فيهما دليلا على سخطه ،
فقد يكون الاول فتنة واستدراجا ، والثاني نعمة وابتلاء ( * )
ـ145ـ
بما ترون من حال الفقر والذل ، فهلا ألقي عليهما أساورة من ذهب "
إعظاما للذهب وجمعه ، واحتقارا للصوف ولبسه . ولو أراد الله سبحانه
بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ( 1 ) ، ومعادن العقيان ،
ومغارس الجنان ، وأن يحشر معهم طيور السماء ووحوش الارض لفعل ،
ولو فعل لسقط البلاء ( 2 ) ، وبطل الجزاء ، واضمحلت الانباء ، ولما وجب
للقابلين أجور المبتلين ، ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين ،
ولا لزمت الاسماء معانيها ( 3 ) . ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة
في عزائمهم ، وضعفة فيما ترى الاعين من حالاتهم ، مع قناعة تملا
القلوب والعيون غنى ، وخصاصة تملا الابصار والاسماع أذى ( 4 )
ولو كانت الانبياء أهل قوة لا ترام وعزة لا تضام ، وملك تمتد
نحوه أعناق الرجال ، وتشد إليه عقد الرحال لكان ذلك أهون على الخلق
* ( هامش ) * ( 1 ) الذهبان - بضم الذال - : جمع ذهب . والعقيان : نوع من الذهب ينمو
في معدنه ( 2 ) لو كان الانبياء بهذه السلطة لخضع لهم الناس كافة بحكم الاضطرار
فسقط البلاء أي ما به يتميز الخبيث من الطيب ، ولم يبق محل للجزاء على خير أو شر ،
فإن الفعل اضطراري وبذلك تضمحل أخبار السماء بالوعد والوعيد لعدم الحاجة ،
ثم لا يكون للقابلين دعوة الانبياء أجور المبتلين أي الممتحنين بالشدائد الصابرين
على المكاره لاستهوائهم مع من قبل بالسطوة ( 3 ) فإن الخضوع بالرهبة يسمى إذا ذاك
إيمانا مع أن الايمان في الحقيقة هو الاذعان والتصديق ، فلا يكون معنى الاسم لازما له
( 4 ) خصاصة : فقر وحاجة ( * )
ـ146ـ
في الاعتبار ( 1 ) وأبعد لهم في الاستكبار ، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم
أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النيات مشتركة والحسنات مقتسمة .
ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله والتصديق بكتبه
والخشوع لوجهه والاستكانة لامره والاستسلام لطاعته أمورا له
خاصة لا تشوبها من غيرها شائبة . وكلما كانت البلوى والاختبار
أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل
ألا ترون أن الله سبحانه أختبر الاولين من لدن آدم صلوات
الله عليه إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع ( 2 ) ،
ولا تبصر ولا تسمع . فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياما . ثم
وضعه بأوعر بقاع الارض حجرا ، وأقل نتائق الارض مدرا . وأضيق
بطون الاودية قطرا . بين جبال خشنة ، ورمال دمثة ( 3 ) ، وعيون وشلة ،
وقرى منقطعة . لا يزكو بها خف ، ولا حافر ولا ظلف ( 4 ) . ثم أمر
* ( هامش ) * ( 1 ) أي أضعف تأثيرا في القلوب من جهة اعتبارها واتعاظها . وأبعد للناس
أي أشد توغلا بهم في الاستكبار لان الانبياء يكونون قدوة في العظمة
والكبرياء حينئذ . وقوله فكانت النيات مشتركة ، أي لان الايمان لم يكن خالصا لله بل
أعظم الباعث عليه الرغبة والرهبة ( 2 ) الاحجار هي الكعبة . والنتائق - جمع نتيقة - :
البقاع المرتفعة . ومكة مرتفعة بالنسبة لما انحط عنها من البلدان . والمدر قطع الطين اليابس
أو العلك الذي لا رمل فيه . وأقل الارض مدرا لا ينبت إلا قليلا ( 3 ) لينة يصعب السير
فيها والاستنبات منها . والوشلة - كفرجة - قليلة الماء ( 4 ) لا يزكو : لا ينمو . والخف ( * ) =
ـ147ـ
آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه ( 1 ) ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ،
وغاية لملقى رحالهم . تهوي إليه ثمار الافئدة ( 2 ) من مفاوز قفار سحيقة
ومهاوي فجاج عميقة ، وجزائر بحار منقطعة ، حتى يهزوا مناكبهم
ذللا يهلون لله حوله ( 3 ) . ويرملون على أقدامهم شعثا غبرا له . قد نبذوا
السرابيل وراء ظهورهم ( 4 ) ، وشوهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم ،
إبتلاء عظيما وامتحانا شديدا واختبارا مبينا . وتمحيصا بليغا جعله الله
سببا لرحمته ، ووصلة إلى جنته . ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام
ومشاعره العظام بين جنات وأنهار ، وسهل وقرار ( 5 ) ، جم الاشجار ،
داني الثمار ، ملتف البنا ، متصل القرى ، بين برة سمراء ( 6 ) ، وروضة
* ( هامش ) * = عبارة عن الجمال . والحافر عبارة عن الخيل وما شاكلها . والظلف عبارة عن البقر
والغنم ، تعبير عن الحيوان بما ركبت عليه قوائمه ( 1 ) ثنى عطفه إليه : مال وتوجه إليه . ومنتجع
الاسفار : محل الفائدة منها ومكة صارت بفريضة الحج دارا للمنافع التجارية كما هي
دار لكسب المنفعة الاخروية . وملقى مصدر ميمي من ألقى أي نهاية حصر حالهم عن ظهور
إبلهم ( 2 ) تهوى . تسرع سيرا إليه والثمار - جمع ثمرة - والمراد هنا الارواح . والمفاوز
- جمع مفازة - الفلاة لا ماء بها . والسحيقة : البعيدة . والمهاوي - كالهوات - منخفضات
الاراضي . والفجاج : الطرق الواسعة بين الجبال ( 3 ) يهزوا أي يحركوا مناكبهم
أي رؤس أكتفاهم لله يرفعون أصواتهم بالتلبية وذلك في السعي والطواف . والرمل
ضرب من السير فوق المشي ودون الجري . والاشعث المنتشر : الشعر مع تلبد فيه .
والاغبر : من علا بدنه الغبار ( 4 ) السرابيل : الثياب . وإعفاء الشعور : تركها بلا حلق
ولا قص ( 5 ) القرار المطمئن من الارض . وجم الاشجار كثيرها والبنى - جمع بنية بضم
الباء وكسرها - ما ابتنيته . وملتف البنى كثير العمران ( 6 ) البرة : الحنطة . والسمراء : ( * ) =
ـ148ـ
خضراء ، وأرياف محدقة ، وعراص مغدقة ، ورياض ناضرة ، وطرق
عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء . ولو كان
الاساس المحمول عليها ( 1 ) ، والاحجار المرفوع بها بين زمردة خضراء ،
وياقوتة حمراء ، ونور وضياء لخفف ذلك مسارعة الشك في الصدور ،
ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، ولنفى معتلج الريب من
الناس ( 2 ) ، ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد ، ويتعبدهم بأنواع
المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره إخراجا للتكبر من قلوبهم ،
وإسكانا للتذلل في نفوسهم . وليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله ( 3 ) ،
وأسبابا ذللا لعفوه
فالله الله في عاجل البغي ، وآجل وخامة الظلم ، وسوء عاقبة الكبر
فإنها مصيدة إبليس العظمى ، ومكيدته الكبرى التي تساور قلوب
الرجال مساورة السموم القاتلة ( 4 ) . فما تكدي أبدا ( 5 ) ، ولا تشوي
* ( هامش ) * = أجودها . والارياف : الارضي الخصبة والعراص - جمع عرصة - الساحة ليس بها بناء
والمحدقة : من أحدقت الروضة صارت ذات شجر . والمغدقة : من أغدق المطر كثر ماؤه ( * ) ( 1 ) الاساس - بكسر الهمزة جمع اس - مثلثها أو أساس ( 2 ) الاعتلاج : الالتطام .
اعتلجت الامواج التطمت ، أي زال تلاطم الريب والشك من صدور الناس ( 3 ) فتحا
بضمتين أي مفتوحة واسعة ( 4 ) تساور القلوب أي تواثبها وتقاتلها ( 5 ) أكدى الحافر ( * ) =
ـ149ـ
أحدا ، لا عالما لعلمه ، ولا مقلا في طمره ( 1 ) . وعن ذلك ما حرس الله
عباده المؤمنين ( 2 ) بالصلوات والزكوات ، ومجاهدة الصيام في الايام
المفروضات تسكينا لاطرافهم ( 3 ) ، وتخشيعا لابصارهم ، وتذليلا
لنفوسهم ، وتخفيضا لقلوبهم ، وإذهابا للخيلاء عنهم لما في ذلك من
تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعا ( 4 ) ، والتصاق كرائم الجوارح
بالارض تصاغرا ، ولحوق البطون بالمتون من الصيام تذللا . مع ما في
الزكاة من صرف ثمرات الارض وغير ذلك إلى أهل المسكنة والفقر ( 5 )
انظروا إلى ما في هذه الافعال من قمع نواجم الفخر ( 6 ) ، وقدع
طوالع الكبر . ولقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصب
لشئ من الاشياء إلا عن علة تحتمل تمويه الجهلاء ، أو حجة تليط
بعقول السفهاء غيركم ( 7 ) . فإنكم تتعصبون لامر لا يعرف له سبب
* ( هامش ) * = إذا عجز عن التأثير في الارض . وأشوت الضربة أخطأت المقتل ( 1 ) الطمر - بالكسر -
الثوب الخلق أو الكساء البالي من غير الصوف ، أي أن البغي والظلم والكبر هي آلات
إبليس وأسلحته المهلكة لا ينجو منها العالم فضلا عن الجاهل ولا الفقير فضلا عن الغني
( 2 ) ما حرس أي حراسة الله للمؤمنين بالصلوات الخ ناشئة عن ذلك ، فهذه الفرائض
لتلخيص النفوس من تلك الرذائل ( 3 ) الاطراف : الايدي والارجل ( 4 ) عتاق
الوجوه : كرامها وهو جمع عتيق من عتق إذا رقت بشرته . والمتون الظهور
( 5 ) هذا نوع من تحكيم الفقراء في أموال الاغنياء وتسليط لهم عليهم ، وفيه إضعاف
لكبر الاغنياء ( 6 ) القمع : القهر . والنواجم من نجم إذا طلع وظهر . والقدع الكف والمنع
( 7 ) تليط وتلوط أي تلصق : وقوله غيركم أي لا أنتم فإنكم تتعصبون لا عن حجة ( * ) =
ـ150ـ
ولا علة . أما إبليس فتعصب على آدم لاصله . وطعن عله في خلقته
فقال : أنا ناري وأنت طيني
وأما الاغنياء من مترفة الامم ( 1 ) فتعصبوا لآثار مواقع النعم .
فقالوا : " نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين " فإن كان
لا بد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ، ومحامد
الافعال ، ومحاسن الامور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من
بيوتات العرب ويعاسيب القبائل ( 2 ) بالاخلاق الرغيبة ، والاحلام
العظيمة ، والاخطار الجليلة ، والآثار المحمودة . فتعصبوا لخلال
الحمد من الحفظ للجوار ( 3 ) ، والوفاء بالذمام ، والطاعة للبر ،
والمعصية للكبر ، والاخذ بالفضل ، والكف عن البغي ، والاعظام
للقتل ، والانصاف للخلق ، والكظم للغيظ ، واجتناب الفساد في
الارض . واحذروا ما نزل بالامم قبلكم من المثلات ( 4 ) بسوء
* ( هامش ) * = يقبلها السفيه ولا عن علة تحتمل التمويه ( 1 ) المترف - على صيغة اسم المفعول - الموسع
له في النعم يتمتع بما شاء من اللذات . وآثار مواقع النعم ما ينشأ عنها من التعالي والتكبر .
وعلة إبليس والامم المترفة وإن كانت فاسدة إلا أنها شئ في جانب ما تتعلل به القبائل
في مقاتلة بعضها بعضا ( 2 ) اليعاسيب - جمع يعسوب - وهو أمير النحل ، ويستعمل
مجازا في رئيس القوم كما هنا . والاخلاق الرغيبة : المرضية المرغوبة . والاحلام : العقول
( 3 ) الجوار - بالكسر - المجاورة بمعنى الاحتماء بالغير من الظلم . والذمام : العهد ( 4 ) العقوبات ( * )
ـ151ـ
الافعال وذميم الاعمال . فتذكروا في الخير والشر أحوالهم .
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 151 سطر 1 الى ص 160 سطر 16
الافعال وذميم الاعمال . فتذكروا في الخير والشر أحوالهم .
وأحذروا أن تكونوا أمثالهم . فإذا تفكرتم في تفاوت حاليهم ( 1 )
فالزموا كل أمر لزمت العزة به شأنهم ( 2 ) ، وزاحت الاعداء له عنهم ،
ومدت العافية فيه عليهم ، وانقادت النعمة له معهم ، ووصلت
الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة ( 3 ) ، واللزوم للالفة ،
والتحاض عليها والتواصي بها ، واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم ( 4 ) ،
وأوهن منتهم . من تضاغن القلو ب ، وتشاحن الصدور ، وتدابر
النفوس ، وتخاذل الايدي ، وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين
قبلكم كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء ( 5 ) . ألم يكونوا
أثقل الخلائق أعباء ، وأجهد العباد بلاء ، وأضيق أهل الدنيا حالا .
اتخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب ، وجرعوهم المرار ( 6 )
فلم تبرح الحال بهم في ذل الهلكة وقهر الغلبة . لا يجدون حيلة
* ( هامش ) * ( 1 ) من سعادة وشقاء ( 2 ) لزمت العزة به شأنهم أي كان سببا في عزتهم وما يتبعها
من الاحوال الآتية . ومدت أي انبسطت ( 3 ) من الاجتناب بيان لاسباب العزة وبعد
الاعداء وانبساط العافية وانقياد النعمة والصلة بحبل الكرامة ( 4 ) الفقرة - بالكسر
والفتح - كالفقارة بالفتح - ما انتظم من عظم الصلب من الكاهل إلى عجب الذنب .
وأوهن أي أضعف . والمنة - بضم الميم - القوة ( 5 ) التمحيص : الابتلاء والاختبار
( 6 ) المرار - بضم ففتح - شجر شديد المرارة تتقلص منه شفاه الابل إذا أكلته ، ( * ) =
ـ152ـ
في امتناع ، ولا سبيلا إلى دفاع . حتى إذا رأى الله جد الصبر منهم
على الاذى في محبته ، والاحتمال للمكروه من خوفه جعل لهم من
مضايق البلاء فرجا ، فأبدلهم العز مكان الذل ، والامن مكان
الخوف فصاروا ملوكا حكاما . وأئمة أعلاما ، وبلغت الكرامة
من الله لهم ما لم تبلغ الآمال إليه بهم
فانظروا كيف كانوا حيث كانت الاملاء مجتمعة ( 1 ) ،
والاهواء متفقة ، والقلوب معتدلة ، والايدي مترادفة ، والسيوف
متناصرة ، والبصائر نافذة ، والعزائم واحدة . ألم يكونوا أربابا في
أقطار الارضين ( 2 ) ، وملوكا على رقاب العالمين . فانظروا إلى
ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفرقة ، وتشتتت الالفة
واختلفت الكلمة والافئدة ، وتشعبوا مختلفين ، وتفرقوا متحازبين
قد خلع الله عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته ( 3 ) . وبقي
قصص أخبارهم فيكم عبرا للمعتبرين
فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل
* ( هامش ) * = أي جرعوهم عصارته ( 1 ) الاملاء - جمع ملا - بمعنى الجماعة والقوم . والايدي المترادفة
المتعاونة ( 2 ) أربابا : سادات ( 3 ) غضارة النعمة : سعتها . وقصص الاخبار : حكايتها ( * ) =
ـ153ـ
عليهم السلام . فما أشد اعتدال الاحوال ( 1 ) ، وأقرب اشتباه
الامثال .
تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم ليالي كانت الاكاسرة
والقياصرة أربابا لهم ، يحتازونهم عن ريف الآفاق ( 2 ) ، وبحر العراق
وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح ، ومهافي الريح ( 3 ) ، ونكد المعاش .
فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر ( 4 ) ، أذل الامم دارا ،
وأجدبهم قرارا . لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ( 5 ) ، ولا إلى
ظل ألفة يعتمدون على عزها . فالاحوال مضطربة ، والايدي مختلفة ،
والكثرة متفرقة . في بلاء أزل ( 6 ) ، وإطباق جهل ! من بنات
موءودة ( 7 ) ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة
فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولا ( 8 ) ،
* ( هامش ) * = وروايتها ( 1 ) الاعتدال هنا التناسب . والاشتباه التشابه ( 2 ) يحتازونهم : يقبضونهم
عن الاراضي الخصبة ( 3 ) المهافي : المواضع التي تهفو فيها الرياح أى تهب . والنكد
- بالتحريك - أي الشدة والعسر ( 4 ) الدبر - بالتحريك - القرحة في ظهر الدابة .
والوبر : شعر الجمال . والمراد أنهم رعاة ( 5 ) لا يأوون : لم يكن فيهم داع إلى الحق
فيأوون إليه ويعتصمون بمناصرة دعوته ( 6 ) بلاء أزل : على الاضافة . والازل
- بالفتح ( * ) - الشدة ( 7 ) من وأد بنته - كوعد - أي دفنها وهي حية . وكان بنو إسماعيل
من العرب يفعلون ذلك ببناتهم . وشن الغارة عليهم : صبها من كل وجه ( 8 ) هو نبينا
( * ) أى بفتح الهمزة مع سكون الزاى ( * ) =
ـ154ـ
فعقد بملته طاعتهم ، وجمع على دعوته ألفتهم . كيف نشرت النعمة
عليهم جناح كرامتها ، وأسالت لهم جداول نعيمها ، والتفت الملة
بهم في عوائد بركتها ( 1 ) . فأصبحوا في نعمتها غرقين ، وعن خضرة
عيشها فكهين ( 2 ) . قد تربعت الامور بهم ( 3 ) ، في ظل سلطان قاهر
وآوتهم الحال إلى كنف عز غالب . وتعطفت الامور عليهم في
ذرى ملك ثابت . فهم حكام على العالمين ، وملوك في أطراف
الارضين . يملكون الامور على من كان يملكها عليهم . ويمضون
الاحكام فيمن كان يمضيها فيهم . لا تغمز لهم قناة ( 4 ) ، ولا تقرع
لهم صفاة
ألا وإنكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة . وثلمتم
حصن الله المضروب عليكم بأحكام الجاهلية ( 5 ) . فإن الله سبحانه
قد امتن على جماعة هذه الامة فيما عقد بينهم من حبل هذه الالفة
* ( هامش ) * = صلى الله عليه وسلم ( 1 ) يقال التف الحبل بالحطب إذا جمعه ، فملة محمد صلى الله عليه وسلم
جمعتهم بعد تفرقهم ، وجعلتهم جميعا في بركاتها العائدة إليهم ( 2 ) راضين طيبة نفوسهم
( 3 ) تربعت : أقامت ( 4 ) هذا وما بعده كناية عن القوة والامتناع من الضيم . والقناة
الرمح . وغمزها : جسها باليد لينظر هل هي محتاجة للتقويم والتعديل فيفعل بها ذلك .
والصفاة الحجر الصلد . وقرعها : صدمها لتكسر ( 5 ) ثلمتم : خرقتم . وقوله بأحكام ( * ) =
ـ155ـ
التي ينتقلون في ظلها ، ويأوون إلى كنفها ، بنعمة لا يعرف أحد من
المخلوقين لها قيمة لانها أرجح من كل ثمن وأجل من كل خطر
واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعرابا ( 1 ) ، وبعد الموالاة
أحزابا . ما تتعلقون من الاسلام إلا باسمه . ولا تعرفون من
الايمان إلا رسمه
تقولون النار ولا العار ، كأنكم تريدون أن تكفئوا
الاسلام على وجهه ، انتهاكا لحريمه ، ونقضا لميثاقه ( 2 ) الذي وضعه
الله لكم حرما في أرضه وأمنا بين خلقه . وإنم إن لجأتم إلى
غيره حاربكم أهل الكفر ، ثم لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا
مهاجرون ولا أنصار ينصرونكم إلا المقارعة بالسيف حتى يحكم
الله بينكم
وإن عندكم الامثال من بأس الله وقوارعه ، وأيامه ووقائعه .
فلا تستبطئوا وعيده جهلا بأحده ، وتهاونا ببطشه ، ويأسا من
* ( هامش ) * = الجاهلية متعلق بثلمتم ( 1 ) أي صرتم من أعراب البادية الذين يكتفى في إسلامهم
بذكر الشهادتين وإن لم يخالط الايمان قلوبهم ، بعد أن كنتم من المهاجرين الصادقين .
والموالاة : المحبة . والاحزاب : المتفرقون المتقاطعون ( 2 ) هو ميثاق الاخوة الدينية ( * )
ـ156ـ
بأسه . فإن الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلا
لتركهم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر . فلعن الله السفهاء
لركوب المعاصي ، والحلماء لترك التناهي
ألا وقد قطعتم قيد الاسلام وعطلتم حدوده وأمتم أحكامه
ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي والنكث ( 1 ) والفساد في الارض
فأما الناكثون فقد قاتلت ، وأما القاسطون فقد جاهدت ( 2 ) . وأما
المارقة فقد دوخت . وأما شيطان الردهة فقد كفيته بصعقة سمعت
لها وجبة قلبه ورجة صدره ( 3 ) . وبقيت بقية من أهل البغي . ولئن
أذن الله في الكرة عليهم لاديلن منهم ( 4 ) إلا ما يتشذر في أطراف
البلاد تشذرا
أنا وضعت في الصغر بكلا كل العرب ( 5 ) ، وكسرت نواجم
* ( هامش ) * ( 1 ) نقض العهد ( 2 ) القاسطون : الجائرون عن الحق . والمارقة الذين مرقوا من الدين
أي خرجوا منه . ودوخهم أي أضعفهم وأذلهم ( 3 ) الردهة - بالفتح - النقرة في الجبل
قد يجتمع فيها الماء . وشيطانها ذو الثدية من رؤساء الخوارج وجد مقتولا في ردهة .
والصعقة : الغشية تصيب الانسان من الهول . ووجبة القلب اضطرابه وخفقانه .
ورجة الصدر اهتزازه وارتعاده ( 4 ) لاديلن منهم : لامحقنهم . ثم أجعل الدولة لغيرهم .
وما يتشذر أي يتفرق ، أي لا يفلت مني إلا من يتفرق في أطراف البلاد ( 5 ) الكلاكل :
الصدور عبر بها عن الاكابر . والنواجم من القرون : الظاهرة الرفيعة ، يريد بها ( * ) =
ـ157ـ
قرون ربيعة ومضر . وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله
عليه وآله بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة . وضعني في
حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره ، ويكنفني إلى فراشه ، ويمسني
جسده ويشمني عرفه ( 1 ) . وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه . وما وجد
لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل ( 2 ) . ولقد قرن الله به صلى
الله عليه وآله من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته
يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره .
ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه ( 3 ) يرفع لي في كل يوم من
أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به . ولقد كان يجاور في كل سنة
بحراء ( 4 ) فأراه ولا يراه غيري . ولم يجمع بيت واحد يومئذ في
الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما .
أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة
ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه
* ( هامش ) * = أشراف القبائل . قرون مضاف وربيعة مضاف إليه ( 1 ) عرفه - بالفتح - رائحته الذكية
( 2 ) الخطلة : واحدة الخطل ، كالفرحة واحدة الفرح . والخطل : الخطأ ينشأ عن عدم
الروية ( 3 ) الفصيل ولد الناقة ( 4 ) حراء بكسر الحاء جبل على القرب من مكة ( * )
ـ158ـ
وآله ، فقلت يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال هذا الشيطان أيس
من عبادته . إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي .
ولكنك وزير وإنك لعلى خير . ولقد كنت معه صلى الله عليه
وآله لما أتاه الملا من قريش ، فقالوا له : يا محمد إنك قد ادعيت
عظيما لم يدعه آباؤك ولا أحد من بيتك ، ونحن نسألك أمرا إن أجبتنا
إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول ، وإن لم تفعل علمنا أنك ساحر
كذاب . فقال صلى الله عليه وآله : وما تسألون ؟ قالوا تدعو لنا هذه
الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك ، فقال صلى الله عليه
وآله : إن الله على كل شئ قدير ، فإن فعل الله لكم ذلك أتؤمنون
وتشهدون بالحق ؟ قالوا نعم ، قال فإني سأريكم ما تطلبون ، وإني
لاعلم أنكم لا تفيئون إلى خير ( 1 ) ، وإن فيكم من يطرح في
القليب ( 2 ) ، ومن يحزب الاحزاب . ثم قال صلى الله عليه وآله :
يا أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني
رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن الله . فو الذي بعثه
* ( هامش ) * ( 1 ) لا تفيئون : لا ترجعون ( 2 ) القليب - كأمير - البئر . والمراد منه قليب بدر طرح فيه
نيف وعشرون من أكابر قريش ، والاحزاب متفرقة من القبائل اجتمعوا على حربه ( * ) =
ـ159ـ
بالحق لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد وقصف كقصف
أجنحة الطير ( 1 ) حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله
مرفرفة ، وألقت بغصنها الاعلى على رسول الله صلى الله عليه وآله ،
وببعض أغصانها على منكبي ، وكنت عن يمينه صلى الله عليه وآله
فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا - علوا واستكبارا - : فمرها فليأتك
نصفها ويبقي نصفها فأمرها بذلك ، فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال
وأشده دويا ، فكادت تلتف برسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا
- كفرا وعتوا - فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان فأمره
صلى الله عليه وآله فرجع . فقلت أنا : لا إله إلا الله فإني أول مؤمن
بك يا رسول الله ، وأول من أقر بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله
تعالى تصديقا بنبوتك وإجلالا لكلمتك . فقال القوم كلهم : بل
ساحر كذاب ، عجيب السحر خفيف فيه ، وهل يصدقك في أمرك
إلا مثل هذا ( يعنوني ) وإني لمن قوم لا تأخذهم في الله لومة لائم
سيماهم سيما الصديقين ، وكلامهم كلام الابرار . عمار الليل ومنار
النهار ( 2 ) . متمسكون بحبل القرآن . يحيون سنن الله وسنن رسوله .
* ( هامش ) * = صلى الله عليه وسلم في وقعة الخندق ( 1 ) القصف . الصوت الشديد ( 2 ) عمار - جمع عامر - ( * ) =
ـ160ـ
لا يستكبرون ولا يعلون ، ولا يغلون ( 1 ) ولا يفسدون . قلوبهم في
الجنان وأجسادهم في العمل
193 - ومن خطبة له عليه السلام
روي أن صاحبا لامير المؤمنين عليه السلام يقال له همام
كان رجلا عابدا ، فقال يا أمير المؤمنين صف لي المتقين
حتى كأني أنظر إليهم . فتثاقل عليه السلام عن جوابه ثم
قال : يا همام اتق الله وأحسن فإن الله مع الذين اتقوا والذين
هم محسنون ، فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم عليه ،
فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله
ثم قال :
أما بعد ، فإن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيا
عن طاعتهم ، آمنا من معصيتهم ، لانه لا تضره معصية من عصاه ولا
تنفعه طاعة من أطاعه . فقسم بينهم معيشتهم ، ووضعهم من الدنيا
مواضعهم . فالمتقون فيها هم أهل الفضائل . منطقهم الصواب ،
* ( هامش ) * = أي يعمرونه بالسهر للفكر والعبادة ( 1 ) يغلون : يخونون ( * )
ـ161ـ
وملبسهم الاقتصاد ( 1 ) ومشيهم التواضع . غضوا أبصارهم عما حرم
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 161 سطر 1 الى ص 170 سطر 20
وملبسهم الاقتصاد ( 1 ) ومشيهم التواضع . غضوا أبصارهم عما حرم
الله عليهم ، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم . نزلت أنفسهم
منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء ( 2 ) . ولولا الاجل الذي كتب
لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب ،
وخوفا من العقاب . عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ،
فهم والجنة كمن قد
رآها ( 3 ) فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد
رآها فهم فيها معذبون . قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة . وأجسادهم
نحيفة ( 4 ) ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة . صبروا أياما قصيرة
أعقبتهم راحة طويلة . تجارة مربحة ( 5 ) يسرها لهم ربهم . أرادتهم
الدنيا فلم يريدوها . وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أما الليل فصافون
أقدامهم تالين لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا . يحزنون به أنفسهم
* ( هامش ) * ( 1 ) ملبسهم الخ ، أي أنهم لا يأتون من شهواتهم إلا بقدر حاجاتهم في تقويم حياتهم ،
فكان الانفاق كثوب لهم على قدر أبدانهم لكنهم يتوسعون في الخيرات ( 2 ) نزلت
الخ ، أي أنهم إذا كانوا في بلاء كانوا بالامل في الله كأنهم كانوا في رخاء لا يجزعون
ولا يهنون ، وإذا كانوا في رخاء كانوا من خوف الله وحذر النقمة كأنهم في بلاء لا
يبطرون ولا يتجبرون ( 3 ) أي هم على يقين من الجنة والنار كيقين من رآهما ، فكأنهم
في نعيم الاولى وعذاب الثانية رجاء وخوفا ( 4 ) نحافة أجسادهم من الفكر في صلاح
دينهم والقيام بما يجب عليهم له ( 5 ) يقال أربحت التجارة إذا أفادت ربحا ( * )
ـ162ـ
ويستثيرون به دواء دائهم ( 1 ) . فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها
طمعا ، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنوا أنها نصب أعينهم . وإذا
مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير
جهنم وشهيقها في أصول آذانهم ( 2 ) فهم حانون على أوساطهم ،
مفترشون لجبابهم ، وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، يطلبون
إلى الله تعالى في فكاك رقابهم . وأما النهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء .
قد براهم الخوف بري القداح ( 3 ) ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى
وما بالقوم من مرض ويقول قد خولطوا ( 4 )
ولقد خالطهم أمر عظيم . لا يرضون من أعمالهم القليل . ولا
يستكثرون الكثير . فهم لانفسهم متهمون . ومن أعمالهم
مشفقون ( 5 ) إذا زكي أحدهم ( 6 ) خاف مما يقال له فيقول : أنا أعلم
* ( هامش ) * ( 1 ) استثار الساكن هيجه ، وقارئ القرآن يستثير به الفكر الماحي للجهل فهو دواؤه
( 2 ) زفير النار : صوت توقدها . وشهيقها الشديد من زفيرها كأنه تردد البكاء أو نهيق الحمار ،
أي أنهم من كمال يقينهم بالنار يتخيلون صوتها تحت جدران آذانهم فهم من شدة الخوف
قد حنوا ظهورهم وسلطوا الانحناء على أوساطهم . وفكاك الرقاب خلاصها ( 3 ) القداح - جمع
قدح بالكسر - وهو السهم قبل أن يراش . وبراه : نحته ، أي رقق الخوف أجسامهم كما ترقق
السهام بالنحت ( 4 ) خولط في عقله أي مازجه خلل فيه ، والامر العظيم الذي خالط عقولهم
هو الخوف الشديد من الله ( 5 ) مشفقون : خائفون من التقصير فيها ( 6 ) زكى مدحه ( * ) =
ـ163ـ
بنفسي من غيري ، وربي أعلم بي من نفسي . اللهم لا تؤاخذني بما
يقولون ، واجعلنى أفضل مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون
فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين ، وحزما في لين ،
وإيمانا في يقين . وحرصا في علم ، وعلما في حلم . وقصدا في غنى ( 1 )
وخشوعا في عبادة . وتجملا في فاقة . وصبرا في شدة . وطلبا في حلال
ونشاطا في هدى . وتحرجا عن طمع ( 2 ) . يعمل الاعمال الصالحة وهو
على وجل . يمسي وهمه الشكر ، ويصبح وهمه الذكر . يبيت حذرا
ويصبح فرحا . حذرا لما حذر من الغفلة . وفرجا بما أصاب من
الفضل والرحمة . إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره ( 3 ) لم يعطها
سؤلها فيما تحب . قرة عينه فيما لا يزول . وزهادته فيما لا يبقى ( 4 ) .
يمزج الحلم بالعلم . والقول بالعمل . تراه قريبا أمله . قليلا زلله .
خاشعا قلبه . قانعة نفسه . منزورا أكله . سهلا أمره . حريزا دينه ( 5 )
ميتة شهوته . مكظوما غيظه . الخير منه مأمول ، والشر منه مأمون .
* ( هامش ) * = أحد ( 1 ) قصدا أي اقتصادا . والتجمل : التظاهر باليسر عند الفاقة أي الفقر
( 2 ) التحرج عد الشئ حرجا أي إثما أي تباعدا عن طمع ( 3 ) إن استصعبت
أي إذا لم تطاوعه نفسه فيما يشق عليها من الطاعة عاقبها بعدم إعطائها ما ترغبه من الشهوة
( 4 ) ما لا يزول هو الآخرة وما لا يبقى هو الدنيا ( 5 ) منزورا : قليلا . وحريزا أي حصينا ( * )
ـ164ـ
إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين . وإن كان في الذاكرين
لم يكتب من الغافلين ( 1 ) . يعفو عمن ظلمه ، ويعطي من حرمه ،
ويصل من قطعه . بعيدا فحشه ( 2 ) . لينا قوله . غائبا منكره . حاضرا
معروفه . مقبلا خيره مدبرا شره . في الزلازل وقور ( 3 ) ، وفي
المكاره صبور . وفي الرخاء شكور . لا يحيف على من يبغض . ولا
يأثم فيمن يحب ( 4 ) . يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه . لا يضيع ما
استحفظ . ولا ينسى ما ذكر . ولا ينابز بالالقاب ( 5 ) . ولا يضار بالجار
ولا يشمت بالمصائب . ولا يدخل في الباطل . ولا يخرج من الحق .
إن صمت لم يغمه صمته ، وإن ضحك لم يعل صوته . وإن بغي عليه
صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له . نفسه منه في عناء . والناس
منه في راحة . أتعب نفسه لآخرته ، وأراح الناس من نفسه . بعده
عمن تباعد عنه زهد ونزاهة . ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة . ليس
تباعده بكبر وعظمة ، ولا دنوه بمكر وخديعة
* ( هامش ) * ( 1 ) أي إن كان بين الساكتين عن ذكر الله فهو ذاكر له بقلبه وإن كان بين الذاكرين
بلسانهم لم يكن مقتصرا على تحريك اللسان مع غفلة القلب ( 2 ) الفحش : القبيح
من القول ( 3 ) في الزلازل أي الشدائد المرعدة . والوقور الذي لا يضطرب ( 4 ) لا يأثم
الخ أي لا تحمله المحبة على أن يرتكب إثما لارضاء حبيبه ( 5 ) أي لا يدعو غيره باللقب ( * ) =
= الذي يكره ويشمئز منه ( * )
ـ165ـ
( قال ) فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها ( 1 ) . فقال أمير المؤمنين
عليه السلام : أما والله لقد كنت أخافها عليه . ثم قال : أهكذا تصنع
المواعظ البالغة بأهلها . فقال له قائل فما بالك يا أمير المؤمنين ( 2 ) ؟
فقال : ويحك إن لكل أجل وقتا لا يعدوه وسببا لا يتحاوزه . فمهلا
لا تعد لمثلها فإنما نفث الشيطان على لسانك
194 - ومن خطبة له عليه السلام
يصف فيها المنافقين
نحمده على ما وفق له من الطاعة ، وذاد عنه من المعصية ( 3 ) .
ونسأله لمنته تماما وبحبله اعتصاما . ونشهد أن محمدا عبده ورسوله
خاض إلى رضوان الله كل غمرة ( 4 ) ، وتجرع فيه كل غصة . وقد تلون
له الادنون ( 5 ) ، وتألب عليه الاقصون . وخلعت إليه العرب أعنتها ،
* ( هامش ) * ( 1 ) صعق : غشى عليه ( 2 ) فما بالك لا تموت مع انطواء سرك
على هذه المواعظ البالغة ، وهذا سؤال الوقح البارد ( 3 ) ذاد عنه : حمى عنه ( 4 ) الغمرة :
الشدة ( 5 ) تلون أي تقلب له الادنون أي الاقربون فلم يثبتوا معه . وتألب أي اجتمع
على عداوته الاقصون أي الابعدون . وخلعت العرب أعنتها - جمع عنان - وهو حبل
اللجام أي خرجت عن طاعته فلم تنقد له بزمام أو المراد أنها خلعت الاعنة سرعة
إلى حربه فإن ما لا يمسكه عنان يكون أسرع جريا . والرواحل - جمع راحلة - وهي ( * ) =
ـ166ـ
وضربت لمحاربته بطون رواحلها ، حتى أنزلت بساحته عداوتها من
أبعد الدار وأسحق المزار ( 1 )
أوصيكم عباد الله بتقوى الله . وأحذركم أهل النفاق فإنهم
الضالون المضلون ، والزالون المزلون ( 2 ) . يتلونون ألوانا ، ويفتنون
أفتنانا ( 3 ) ، ويعمدونكم بكل عماد ، ويرصدونكم بكل مرصاد .
قلوبهم دوية ( 4 ) . وصفاحهم نقية . يمشون الخفاء ( 5 ) ، ويدبون الضراء
وصفهم دواء ، وقولهم شفاء ، وفعلهم الداء العياء ( 6 ) . حسدة الرخاء ( 7 ) ،
ومؤكدوا البلاء ، ومقنطوا الرجاء . لهم بكل طريق صريع ( 8 ) وإلى
* ( هامش ) * = الناقة أي ساقوا ركائبهم إسراعا لمحاربته ( 1 ) أسحق : أقصى ( 2 ) الزالون من زل أي
أخطأ . والمزلون من أزله إذا أوقعه في الخطأ ( 3 ) يفتنون أي يأخذون في فنون من القول
لا يذهبون مذهبا واحدا . ويعمدونكم أي يقيمونكم بكل عماد . والعماد ما يقام
عليه البناء أي إذا ملتم عن أهوائهم أقاموكم عليها بأعمدة من الخديعة حتى توافقوهم .
والمرصاد : محل الارتقاب ويرصدونكم يقعدون لكم بكل طريق ليحولوكم عن الاستقامة
( 4 ) دوية أي مريضة من الدوى بالقصر وهو المرض . والصفاح : جمع صفحة ، والمراد
منها صفاح وجوههم ونقاوتها صفاؤها من علامات العداوة وقلوبهم ملتهبة بنارها
( 5 ) يمشون مشى التستر ويدبون أي يمشون على هينة دبيب الضراء أي يسرون
سريان المرض في الجسم أو سريان النقص في الاموال والانفس والثمرات ( 6 ) الداء :
العياء بالفتح - الذي أعيى الاطباء ولا يمكن منه الشفاء ( 7 ) حسدة : جمع حاسد ،
أي يحسدون على السعة وإذا نزل بلاء بأحد أكدوه وزادوه وإذا رجى أحد شيئا
أوقعوه في القنوط واليأس ( 8 ) الصريع : المطروح على الارض ، أي أنهم كثيرا
ما خدعوا أشخاصا حتى أوقعوهم في الهلكة ( * )
ـ167ـ
كل قلب شفيع ، ولكل شجو دموع ( 1 ) . يتقارضون الثناء ( 2 ) ،
ويتراقبون الجزاء . إن سألوا ألحفوا ( 3 ) ، وإن عدلوا كشفوا ، وإن
حكموا أسرفوا . قد أعدوا لكل حق باطلا ، ولكل قائم مائلا ،
ولكل حي قاتلا ، ولكل باب مفتاحا ، ولكل ليل مصباحا . يتوصلون
إلى الطمع باليأس ليقيموا به أسواقهم ، وينفقوا به أعلاقهم ( 4 ) .
يقولون فيشبهون ( 5 ) ، ويصفون فيموهون . قد هونوا الطريق ( 6 ) ،
وأضلعوا المضيق . فهم لمة الشيطان ( 7 ) وحمة النيران " أولئك حزب
الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون "
195 - ومن خطبة له عليه السلام
الحمد لله الذي أظهر من آثار سلطانه وجلال كبريائه ما حير
* ( هامش ) * ( 1 ) الشجو : الحزن أى يبكون تصنعا متى أرادوا ( 2 ) يتقارضون كل واحد منهم
يثني على الآخر ليثني الآخر عليه كأن كلا منهم يسلف الآخر دينا ليؤديه إليه وكل يعمل
للآخر عملا يرتقب جزاءه عليه ( 3 ) بالغوا في السؤال وألحوا . وإن عذلوا أي لاموا
كشفوا أي فضحوا من يلومونه ( 4 ) ينفقون أي يروجون من النفاق بالفتح -
ضد الكساد . والاعلاق : جمع علق ، الشئ النفيس ، والمراد ما يزينونه من خدائعهم
( 5 ) أي يشبهون الحق بالباطل ( 6 ) يهونون على الناس طرق السير معهم على أهوائهم
الفاسدة ثم بعد أن ينقادوا لهم يضلعون عليهم المضائق أي يجعلونها معوجة يصعب
تجاوزها فيهلكون ( 7 ) اللمة - بضم ففتح - الجماعة من الثلاثة إلى العشرة والمراد
هنا مطلق الجماعة . والحمة بالتخفيف الابرة تلسع بها العقرب ونحوها . والمراد لهيب النيران ( * )
ـ168ـ
مقل العيون من عجائب قدرته ( 1 ) ، وردع خطرات هماهم النفوس عن
عرفان كنه صفته ( 2 ) . وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة إيمان وإيقان ،
وإخلاص وإذعان . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله وأعلام الهدى دارسة ، ومناهج الدين طامسة ( 3 ) . فصدع بالحق ، ونصح
للخلق . وهدى إلى الرشد ، وأمر بالقصد . صلى الله عليه وآله
واعلموا عباد الله أنه لم يخلقكم عبثا . ولم يرسلكم هملا .
علم مبلغ نعمه عليكم ، وأحصى إحسانه إليكم . فاستفتحوه
واستنجحوه ( 4 ) ، واطلبوا إليه واستمنحوه . فما قطعكم عنه حجاب ،
ولا أغلق عنكم دونه باب . وإنه لبكل مكان ، وفي كل حين
وأوان ، ومع كل إنس وجان . لا يثلمه العطاء ( 5 ) ، ولا ينقصه الحباء
* ( هامش ) * ( 1 ) المقل بضم ففتح جمع مقلة وهي شحمة العين التي تجمع البياض والسواد
( 2 ) هماهم النفوس : همومها في طلب العلم ( 3 ) من طمس بفتحات أي انمحى واندرس .
وصدع أي شق بناء الباطل بصدمة الحق . والقصد الاعتدال في كل شئ ( 4 ) استفتحوه
اسألوه الفتح على أعدائكم واستنجحوه اسألوه النجاح في أعمالكم . واستمنحوه
التمسوا منه العطاء ( 5 ) ثلم السيف كسر جانبه مجاز عن عدم انتقاص خزائنه بالعطاء
والحباء - ككتاب - العطية لا مكافاة . واستنفده جعله نافد المال لا شئ عنده . واستقصاه
أتى على آخر ما عنده . والله سبحانه لا نهاية لما لديه من المواهب . ولا يلويه أي لا يميله .
وتولهه تذهله . ويجنه كيظنه يستره . وكأنه يريد رضى الله عنه أن صور الموجودات
حجاب بين الوهم وسبحات وجهه وعلو ذاته مانع للعقل عن اكتناهه فهو بهذا باطل ( * ) =
ـ169ـ
ولا يستنفده سائل ، ولا يستقصيه نائل . ولا يلويه شخص عن شخص ،
ولا يلهيه صوت عن صوت . ولا تحجزه هبة عن سلب . ولا يشغله
غضب عن رحمة . ولا تولهه رحمة عن عقاب . ولا يجنه البطون عن
الظهور . ولا يقطعه الظهور عن البطون . قرب فنأى ، وعلا فدنا .
وظهر فبطن ، وبطن فعلن . ودان ولم يدن ( 1 ) . لم يذرإ الخلق باحتيال ( 2 ) ،
ولا استعان بهم لكلال
أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها الزمام والقوام ( 3 ) . فتمسكوا
بوثائقها ، واعتصموا بحقائقها تؤل بكم إلى أكنان الدعة ( 4 ) ، وأوطان
السعة ، ومعاقل الحرز ومنازل العز في يوم تشخص فيه الابصار ،
وتظلم له الاقطار . ويعطل فيه صروم العشار ( 5 ) . وينفخ في الصور .
* ( هامش ) * = ومع ذلك فالاشياء بذاتها لا وجود لها وإنما وجودها نسبتها إليه فالوجود الحقيقى البرئ
من شوائب العدم وجوده فالوجودات أشعة ضياء الوجود الحق فهو الظاهر على كل
شئ وبهذا تتبين الاوصاف الآتية ( 1 ) دان : جازى وحاسب ولم يحاسبه أحد ( 2 ) ذرأ
أي خلق ، والاحتيال : التفكر في العمل وطلب التمكن من إبرازه ولا يكون إلا من
العجز . والكلال الملل من التعب ( 3 ) التقوى زمام يقود للسعادة . وقوام بالفتح أي عيش
يحيا به الابرار ( 4 ) الاكنان جمع كن بالكسر ما يستكن به . والدعة خفض العيش
وسعته . والمعاقل : الحصون . والحرز : الحفظ ( 5 ) الصروم جمع صرمة بالكسر
وهي قطعة من الابل فوق العشرة إلى تسعة عشر أو فوق العشرين إلى الثلاثين
أو الاربعين أو الخمسين . والعشار - جمع عشراء - بضم ففتح - كنفساء - وهي الناقة
مضى لحملها عشرة أشهر . وتعطيل جماعات الابل إهمالها من الرعي . والمراد أن يوم ( * ) =
ـ170ـ
فتزهق كل مهجة ، وتبكم كل لهجة . وتدك الشم الشوامخ ( 1 ) ،
والصم الرواسخ . فيصير صلدها سرابا رقرقا ( 2 ) ، ومعهدها قاعا سملقا .
فلا شفيع يشفع ولا حميم يدفع ، ولا معذرة تنفع
196 - ومن خطبة له عليه السلام
بعثه حين لا علم قائم ( 3 ) . ولا منار ساطع . ولا منهج واضح .
أوصيكم عباد الله بتقوى الله . وأحذركم الدنيا فإنها دار شخوص ( 4 ) ،
ومحلة تنغيص . ساكنها ظاعن . وقاطنها بائن ( 5 ) . تميد بأهلها ميدان
السفينة تقصفها العواصف في لجج البحار ( 6 ) . فمنهم الغرق الوبق ( 7 ) .
* ( هامش ) * = القيامة تهمل فيه نفائس الاموال لاشتغال كل شخص بنجاة نفسه ( 1 ) الشم - جمع
أشم - أي رفيع . والشامخ : المتسامى في الارتفاع . والصم - جمع أصم - وهو الصلب
المصمت أي الذي لا تجويف فيه . والراسخ : الثابت ( 2 ) الصلد : الصلب الاملس .
والسراب : ما يخيله ضوء الشمس كالماء خصوصا في الاراضي السبخة وليس بماء .
والرقرق - كجعفر - المضطرب ومعهدها المحل الذي كان يعهد وجودها فيه . والقاع :
ما اطمأن من الارض . والسملق - كجعفر - المستوي أن تنسف تلك الجبال ويصير
مكانها قاعا صفصفا أي مستويا ( 3 ) الضمير في بعثه للنبي صلى الله عليه وسلم ( 4 ) الشخوص
الذهاب والانتقال إلى بعيد ( 5 ) بائن : مبتعد منفصل ( 6 ) تميد أي تضطرب اضطراب
السفينة . تقصفها أي تكسرها الرياح الشديدة ( 7 ) الوبق - بكسر الباء - الهالك
أي منهم من هلك عند تكسر السفينة ومنهم من بقيت فيه الحياة فخلص محمولا
على بطون الامواج كأن الامواج في انتفاخها كالحيوان المنقلب على ظهره وبطنه ( * ) =
ـ171ـ
ومنهم الناجي على بطون الامواج تحفزه الرياح بأذيالها ، وتحمله على
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 171 سطر 1 الى ص 180 سطر 16
ومنهم الناجي على بطون الامواج تحفزه الرياح بأذيالها ، وتحمله على
أهوالها . فما غرق منها فليس بمستدرك ، وما نجا منها فإلى مهلك
عباد الله الآن فاعلموا والالسن مطلقة ، والابدان صحيحة ،
والاعضاء لدنة ( 1 ) ، والمنقلب فسيح ، والمجال عريض ، قبل إرهاق
الفوت ( 2 ) ، وحلول الموت . فحققوا عليكم نزوله ، ولا تنتظروا
قدومه .
197 - ومن كلام له عليه السلام
ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ( 3 )
أني لم أرد على الله ولا على رسوله ساعة قط . ولقد واسيته بنفسي في
المواطن التي تنكص فيها الابطال ( 4 ) ، وتتأخر فيها الاقدام
* ( هامش ) * = لاعلى : وتحفزه أي تدفعه . ومصير هذا الناجي أيضا إلى الهلاك بعد طول العناء ( 1 ) اللدن -
بالفتح - اللين أي والاعضاء في لين الحياة يمكن استعمالها في العمل . والمنقلب - بفتح
اللام - مكان الانقلاب من الضلال إلى الهدى في هذه الحياة ( 2 ) أرهقه الشئ : أعجله
فلم يتمكن من فعله . والفوت ذهاب الفرصة بحلول الاجل ( 3 ) المستحفظون - بفتح
الفاء - اسم مفعول أي الذين أودعهم النبي صلى الله عليه وسلم أمانة سره وطالبهم
بحفظها . ولم يرد على الله ورسوله : لم يعارضهما في أحكامهما ( 4 ) المواساة بالشئ
الاشراك فيه فقد أشرك النبي في نفسه ولا تكون بالمال إلا أن يكون كفافا فان أعطيت
عن فضل فليس بمواساة قالوا والفصيح في الفعل آسيته ولكن نطق الامام حجة ( * )
ـ172ـ
نجدة أكرمني الله بها ( 1 )
ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وإن رأسه لعلى صدري .
ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي ( 2 ) . ولقد وليت غسله
صلى الله عليه وآله والملائكة أعواني ، فضجت الدار والافنية ( 3 )
ملا يهبط وملا يعرج وما فارقت سمعي هينمة منهم ( 4 ) . يصلون عليه
حتى واريناه في ضريحه . فمن ذا أحق به مني حيا وميتا ؟ فانفذوا على
بصائركم ( 5 ) ، ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم . فوالذي لاإله إلا هو
إني لعلى جادة الحق وإنهم لعلى مزلة الباطل ( 6 ) . أقول ما تسمعون
وأستغفر الله لي ولكم
198 - ومن خطبة له عليه السلام
يعلم عجيج الوحوش في الفلوات ، ومعاصي العباد في الخلوات ،
واختلاف النينان في البحار الغامرات ( 7 ) ، وتلاطم الماء بالرياح العاصفات
* ( هامش ) * ( 1 ) النجدة بالفتح - الشجاعة . ونصبها هنا على المصدرية لفعل محذوف ( 2 ) نفسه
دمه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء في مرضه فتلقى قيأه أمير المؤمنين في يده
ومسح به وجهه ( 3 ) ضجيج الدار كان بالملائكة النازلين والعارجين . والافنية جمع
فناء - بكسر الفاء - ما اتسع أمام الدار ( 4 ) الهينمة الصوت الخفي ( 5 ) البصيرة : ضياء
العقل كأنه يقول فاذهبوا إلى عدوكم محمولين على اليقين الذي لا ريبة فيه ( 6 ) المزلة :
مكان الزلل الموجب للسقوط في الهلكة ( 7 ) النينان - جمع نون - وهو الحوت ( * )
ـ173ـ
وأشهد أن محمدا نجيب الله ( 1 ) وسفير وحيه ورسول رحمته
أما بعد ، فإني أوصيكم بتقوى الله الذي ابتدأ خلقكم ، وإليه
يكون معادكم ، وبه نجاح طلبتكم ، وإليه منتهى رغبتكم ،
ونحوه قصد سبيلكم ، وإليه مرامي مفزعكم ( 2 ) . فإن تقوى الله
دواء داء قلوبكم ، وبصر عمى أفئدتكم ، وشفاء مرض أجسادكم ،
وصلاح فساد صدوركم ، وطهور دنس أنفسكم ، وجلاء عشا أبصاركم
وأمن فزع جأشكم ( 3 ) ، وضياء سواد ظلمتكم . فاجعلوا طاعة الله
شعارا دون دثاركم ( 4 ) ، ودخيلا دون شعاركم ، ولطيفا بين أضلاعكم
وأميرا فوق أموركم ، ومنهلا لحين ورودكم ( 5 ) ، وشفيعا لدرك طلبتكم
وجنة ليوم فزعكم ، ومصابيح لبطون قبوركم ، وسكنا لطول
وحشتكم ، ونفسا لكرب مواطنكم . فإن طاعة الله حرز من
متالف مكتنفة ، ومخاوف متوقعة ، وأوار نيران موقدة ( 6 ) . فمن
* ( هامش ) * ( 1 ) النجيب المختار المصطفى ( 2 ) مرمى المفزع ما يدفع إليه الخوف وهو الملجأ أي وإليه
ملاجئ خوفكم ( 3 ) الجأش : ما يضطرب في القلب عند الفزع أو التهيب أو توقع
المكروه ( 4 ) الشعار : ما يلي البدن من الثياب . والدثار : ما فوقه ( 5 ) المنهل ما ترده
الشاربة من الماء للشرب . والدرك - بالتحريك - اللحاق . والطلبة - بالكسر -
المطلوب . والجنة - بالضم - الوقاية ( 6 ) الاوار - بالضم - حرارة النار ولهيبها ( * )
ـ174ـ
أخذ بالتقوى عزبت عنه الشدائد بعد دنوها ( 1 ) ، وأحلولت له الامور
بعد مرارتها ، وانفرجت عنه الامواج بعد تراكمها ، وأسهلت له
الصعاب بعد إنصابها ( 2 ) ، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها ،
وتحدبت عليه الرحمة بعد نفورها ( 3 ) ، وتفجرت عليه النعم بعد
نضوبها ، ووبلت عليه البركة بعد إرذاذها
فاتقوا الله الذي نفعكم بموعظته ، ووعظكم برسالته ، وامتن
عليكم بنعمته . فعبدوا أنفسكم لعبادته ( 4 ) ، وأخرجوا إليه من
حق طاعته .
ثم إن هذا الاسلام دين الله الذي اصطفاه لنفسه ، واصطنعه على
عينه ، وأصفاه ( 5 ) خيرة خلقه ، وأقام دعائمه على محبته أذل الاديان
بعزته ، ووضع الملل برفعه ، وأهان أعداءه بكرامته ، وخذل
* ( هامش ) * ( 1 ) عزبت بالزاي غابت وبعدت ( 2 ) الانصاب مصدر بمعنى الاتعاب ( 3 ) تحدب عليه :
عطف . ونضب الماء نضوبا غار وذهب في الارض . ونضوب النعمة : قلتها أو زوالها . ووبلت
السماء : أمطرت مطرا شديدا . وأرذت - بتشديد الذال - إرذإذا مطرت مطرا ضعيفا
في سكون كأنه الغبار المتطاير ( 4 ) فعبدوا أي فذللوا ( 5 ) اصطناع الشئ على العين :
الامر بصنعته تحت النظر خوف المخالفة في المطلوب من صنعته ، والمراد هنا تشريع
الدين وتكميله على حسب علم الله الاعلى وتحت عنايته بحفظه . ووجه التجوز
ظاهر ، وأصفاه العطاء وبه أخلص له وآثره به ، وخيرة - بفتح الياء - أفضل ما يضاف ( * ) =
ـ175ـ
محاديه بنصره ( 1 ) ، وهدم أركان الضلالة بركنه . وسقى من عطش
من حياضه ، وأتأق الحياض بمواتحه ( 2 ) . ثم جعله لا انفصام لعروته ،
ولا فك لحلقته ، ولا انهدام لاساسه ، ولا زوال لدعائمه ، ولا انقلاع
لشجرته ، ولا انقطاع لمدته ، ولا عفاء لشرائعه ( 3 ) ، ولا جذ لفروعه ،
ولا ضنك لطرقه ، ولا وعوثة لسهولته ، ولا سواد لوضحه ، ولا عوج
لانتصابه ، ولا عصل في عوده ، ولا وعث لفجه ، ولا انطفاء لمصباحه ،
ولا مرارة لحلاوته ، فهو دعائم أساخ في الحق أسناخها ( 4 ) ، وثبت لها
أساسها وينابيع غزرت عيونها ، ومصابيح شبت نيرانها ، ومنار
اقتدى بها سفارها ( 5 ) ، وأعلام قصد بها فجاجها ، ومناهل روي بها
ورادها . جعل فيه منتهى رضوانه ، وذروة دعائمه ، وسنام طاعته .
* ( هامش ) * = إليه أى وآثر هذا الدين بأفضل الخلق ليبلغه للناس ( 1 ) محاديه - جمع محاد - الشديد
المخالفة . والركن : العز والمنعة ( 2 ) تئق الحوض - كفرح - امتلا . وأتأقه ملاه .
والمواتح - جمع ماتح - نازع الماء من الحوض ( 3 ) العفاء - كسحاب - الدروس
والاضمحلال . والجذ : القطع . والضنك : الضيق . والوعوثة : رخاوة في السهل تغوص
بها الاقدام عند السير فيعسر المشي فيه . والوضح : محركة بياض الصبح . والعصل -
بفتح الصاد - الاعوجاج يصعب تقويمه . ووعث الطريق : تعسر المشي فيه . والفج :
الطريق الواسع بين جبلين ( 4 ) أساخ : أثبت . وأصل ساخ غاص في لين وخاض فيه .
والاسناخ : الاصول . وغزرت : كثرت . وشبت النار : ارتفعت من الايقاد ( 5 ) المنار :
ما ارتفع لتوضع عليه نار يهتدى إليها . والسفار - بضم فتشديد - ذوو السفر أي يهتدى ( * ) =
ـ176ـ
فهو عند الله وثيق الاركان ، رفيع البنيان ، منير البرهان ، مضئ
النيران ، عزيز السلطان ، مشرف المنار ( 1 ) معوز المثار . فشرفوه
واتبعوه ، وأدوا إليه حقه ، وضعوه مواضعه . ثم إن الله بعث محمدا
صلى الله عليه وآله بالحق حين دنا من الدنيا الانقطاع ، وأقبل من
الآخرة الاطلاع ( 2 ) . وأظلمت بهجتها بعد إشراق ( 3 ) ، وقامت بأهلها
على ساق . وخشن منها مهاد ، وأزف منها قياد . في انقطاع من مدتها ،
واقتراب من أشراطها ( 4 ) ، وتصرم من أهلها ، وانفصام من حلقتها ،
وانتشار من سببها ، وعفاء من أعلامها ، وتكشف من عوراتها ،
وقصر من طولها . جعله الله بلاغا لرسالته ، وكرامة لامته ،
وربيعا لاهل زمانه ، ورفعة لاعوانه ، وشرفا لانصاره
* ( هامش ) * = إليه المسافرون في طريق الحق . والاعلام . ما يوضع على أوليات الطرق أو أوساطها
ليدل عليها فهو هدايات بسببها قصد السالكون طرقها ( 1 ) مشرف المنار : مرتفعه
وأعوزه الشئ : احتاج إليه فلم ينله . والمثار مصدر من ثار الغبار إذا هاج أي لو طلب
أحد إثارة هذا الدين لما استطاع لثباته ( 2 ) الاطلاع : الاتيان اطلع فلان علينا أي
أتانا ( 3 ) الضمير في بهجتها للدنيا . وقامت بأهلها على ساق أي أفزعتهم . وخشونة
المهاد : كناية عن شدة آلامها . وأزف - كفرح - أي قرب ، والمراد من القياد انقيادها
للزوال ( 4 ) الاشراط جمع شرط - كسبب - أي علامات انقضائها . والتصرم : التقطع .
والانفصام : الانقطاع . وإذا انفصمت الحلقة انقطعت الرابطة . وانتشار الاسباب تبددها ( * ) =
= حتى لا تضبط . وعفاء الاعلام اندراسها ( * )
ـ177ـ
ثم أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه ، وسراجا لا يخبو
توقده ( 1 ) ، وبحرا لا يدرك قعره ، ومنهاجا لا يضل نهجه ( 2 ) ، وشعاعا
لا يظلم ضوءه ، وفرقانا لا يخمد برهانه ، وتبيانا لا تهدم أركانه
وشفاء لا تخشى أسقامه ، وعزا لا تهزم أنصاره ، وحقا لا تخذل
أعوانه . فهو معدن الايمان وبحبوحته ( 3 ) ، وينابيع العلم وبحوره ،
ورياض العدل وغدرانه ( 4 ) ، وأثافي الاسلام وبنيانه ، وأودية الحق
وغيطانه ( 5 ) . وبحر لا ينزفه المستنزفون ( 6 ) ، وعيون لا ينضبها الماتحون
ومناهل لا يغيضها الواردون ، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون ،
وأعلام لا يعمى عنها السائرون وآكام لا يجوز عنها ( 7 ) القاصدون .
* ( هامش ) * ( 1 ) خبت النار : طفئت ( 2 ) المنهاج : الطريق
الواسع . والنهج هنا السلوك . ويضل رباعي أي لا يكون من سلوكه إضلال ( 3 ) بحبوحة
المكان : وسطه ( 4 ) الرياض جمع روضة وهي مستنقع الماء في رمل أو عشب .
والغدران جمع غدير وهو القطعة من الماء يغادرها السيل ، والمراد أن الكتاب
مجمع العدالة تلتقي فيه متفرقاتها . والاثافي جمع أثفية الحجر يوضع عليه القدر
أي عليه قام الاسلام ( 5 ) غيطان الحق - جمع غاط أو غوط - وهو المطمئن من الارض
أي أن هذا الكتاب منابت طيبة يزكو بها الحق وينمو ( 6 ) لا ينزفه أي لا يفنى ماؤه
ولا يستفرغه المغترفون ولا ينضبها - كيكرمها - أي ينقصها . والماتحون - جمع ماتح
نازع الماء من الحوض . والمناهل : مواضع الشرب من النهر . ولا يغيضها من أغاض
الماء نقصه ( 7 ) آكام - جمع أكمة - وهو الموضع يكون أشد ارتفاعا مما حوله وهو
دون الجبل في غلظ لا يبلغ أن يكون حجرا . فطرق الحق تنتهي إلى أعالي هذا الكتاب ( * ) =
ـ178ـ
جعله الله ريا لعطش العلماء ، وربيعا لقلوب الفقهاء ، ومحاج لطرق
الصلحاء ، ودواء ليس بعده داء ، ونورا ليس معه ظلمة وحبلا وثيقا
عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وعزا لمن تولاه ، وسلما لمن دخله ،
وهدى لمن ائتم به ، وعذرا لمن انتحله ، وبرهانا لمن تكلم به ،
وشاهدا لمن خاصم به ، وفلجا لمن حاج به ( 1 ) ، وحاملا لمن حمله ،
ومطية لمن أعمله ، وآية لمن توسم ، وجنة لمن استلام ( 2 ) . وعلما
لمن وعى ، وحديثا لمن روى ، وحكما لمن قضى
199 - ومن كلام له عليه السلام يوصي به أصحابه
تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها ، واستكثروا منها ، وتقربوا
بها ، فإنها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا . ألا تسمعون إلى جواب
أهل النار حين سئلوا : " ما سلككم في سقر ؟ قالوا لم نك من
المصلين " وإنها لتحت الذنوب حت الورق ( 3 ) ، وتطلقها إطلاق الربق ( 4 )
* ( هامش ) * = وعندها ينقطع سير السائرين إليه لا يتجاوزنها والمتجاوز هالك . والمحاج - جمع
محجة - وهي الجادة من الطريق ( 1 ) الفلج - بالفتح ( * ) - الظفر والفوز ( 2 ) الجنة -
بالضم - ما به يتقى الضرر . واستلام أي لبس اللامة وهي الدرع أو جميع أدوات الحرب
أي أن من جعل القرآن لامة حربه لمدافعة الشبه والتوقي من الضلالة كان القرآن
وقاية له ( 3 ) حت الورق عن الشجرة : قشره ( 4 ) الربق - بالكسر - حبل فيه عدة
( * ) أى بفتح الفاء مع سكون اللام ( * ) =
ـ179ـ
وشبهها رسول الله صلى الله عليه وآله بالحمة ( 1 ) تكون على باب
الرجل فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات فما عسى أن يبقى
عليه من الدرن . وقد عرف حقها رجال من المؤمنين الذين لا تشغلهم
عنها زينة متاع ولا قرة عين من ولد ولا مال . يقول الله سبحانه " رجال
لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة "
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله نصبا بالصلاة ( 2 ) بعد التبشير له
بالجنة لقول الله سبحانه " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها "
فكان يأمر أهله ويصبر عليها نفسه
ثم إن الزكاة جعلت مع الصلاة قربانا لاهل الاسلام فمن أعطاها
طيب النفس بها فإنها تجعل له كفارة ، ومن النار حجازا ووقاية .
فلا يتبعنها أحد نفسه ( 3 ) ، ولا يكثرن عليها لهفه . فإن من أعطاها
غير طيب النفس بها يرجو بها ما هو أفضل منها فهو جاهل بالسنة
مغبون الاجر . ضال العمل . طويل الندم
* ( هامش ) * = عرى كل منها ربقة أي اطلاق الحبل ممن ربط به فكأن الذنوب ربق في الاعناق والصلاة
تفكها منه ( 1 ) الحمة - بالفتح - كل عين تنبع بالماء الحار يستشفى بها من العلل .
والدرن : الوسخ . روي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيسر أحدكم
أن يكون على بابه حمة يغتسل منها كل يوم خمس مرات فلا يبقى من درنه شئ ؟
قالوا نعم ، قال إنها الصلوات الخمس ( 2 ) نصبا - بفتح فكسر - أي تعبا ( 3 ) أي من ( * ) =
ـ180ـ
ثم أداء الامانة ، فقد خاب من ليس من أهلها . إنها عرضت على
السموات المبنية ، والارضين المدحوة ( 1 ) ، والجبال ذات الطول
المنصوبة ، فلا أطول ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم منها . ولو امتنع
شئ بطول أو عرض أو قوة أو عز لامتنعن ، ولكن أشفقن من
العقوبة ، وعقلن ما جهل من هو أضعف منهن وهو الانسان " إنه كان
ظلوما جهولا "
إن الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه ما العباد مقترفون في ليلهم
ونهارهم ( 2 ) . لطف به خبرا ، وأحاط به علما ، أعضاؤكم شهود ،
وجوارحكم جنود ، وضمائركم عيونه ، وخلواتكم عيانه
200 - ومن كلام له عليه السلام
والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر . ولولا كراهية
الغدر لكنت من أدهى الناس ، ولكن كل غدرة فجرة ، وكل
فجرة كفرة . ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة . والله ما أستغفل
* ( هامش ) * = أعطى الزكاة فلا تذهب نفسه مع ما أعطى تعلقا به ولهفا عليه . ومغبون الاجر : منقوصه ( 1 ) المدحوة : المبسوطة ( 2 ) مقترفون أي مكتسبون . والخبر بضم الخاء العلم والله لطيف
العلم بما يكسبه الناس أي دقيقه كأنه ينفذ في سرائرهم كما ينفذ لطيف الجواهر في مسام ( * ) =
ـ181ـ
بالمكيدة ، ولا أستغمز بالشديدة ( 1 )
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 181 سطر 1 الى ص 190 سطر 17
بالمكيدة ، ولا أستغمز بالشديدة ( 1 )
201 - ومن كلام له عليه السلام
أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله ، فإن الناس
قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير ( 2 ) ، وجوعها طويل
أيها الناس إنما يجمع الناس الرضاء والسخط ( 3 ) . وإنما عقر ناقة
ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا فقال سبحانه :
" فعقروها فأصبحوا نادمين " فما كان إلا أن خارت أرضهم بالخسفة ( 4 )
خوار السكة المحماة في الارض الخوارة
أيها الناس من سلك الطريق الواضح ورد الماء ، ومن خالف
وقع في التية
* ( هامش ) * = الاجسام بل هو أعظم من ذلك . والعيان - بكسر العين - المعاينة والمشاهدة ( 1 ) لا أستغمز
مبني للمجهول أي لا أستضعف بالقوة الشديدة . والمعنى لا يستضعفني شديد القوة .
والغمز : محركة - الرجل الضعيف ( 2 ) المائدة هي مائدة الدنيا فلا تغرنكم رغباتها فتنضم
بكم مع الضالين في محبتها فذلك متاع قليل ( 3 ) أي يجمعهم في استحقاق العقاب
فإن الراضي بالمنكر كفاعله ومن لم ينه عنه فهو به راض ( 4 ) خارت : صوتت كخوار
الثور . والسكة المحماة حديدة المحراث إذا أحميت في النار فهي أسرع غورا في الارض
الخوارة أي السهلة اللينة ، وقد يكون لها صوت شديد إذا كان في الارض شئ من جذور ( * ) =
ـ182ـ
202 - ومن كلام له عليه السلام
عند دفن سيدة النساء فاطمة عليها السلام
السلام عليك يارسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك
والسريعة اللحاق بك . قل يارسول الله عن صفيتك صبرى ، ورق عنها
تجلدي . إلا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك ( 1 ) ، وفادح مصيبتك
موضع تعز . فلقد وسدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري
وصدري نفسك . إنا لله وإنا إليه راجعون . فلقد استرجعت الوديعة ،
وأخذت الرهينة . أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمسهد ( 2 ) إلى أن
يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم . وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك
على هضمها ( 3 ) فأحفها السؤال واستخبرها الحال . هذا ولم يطل العهد .
ولم يخل منك الذكر . والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا
سئم ( 4 ) . فإن أنصرف فلا عن ملالة . وإن أقم فلا عن سوء ظن بما
وعد الله الصابرين
* ( هامش ) * = النبات ، يشتد الصوت كلما اشتدت السرعة ( 1 ) يريد بالتأسي الاعتبار بالمثال المتقدم .
والفادح : المثقل . والتعزي : التصبر . وملحودة القبر : الجهة المشقوفة منه ( 2 ) ينقضي
بالسهاد وهو السهر ( 3 ) هضمها : ظلمها . وإحفاء السؤال : الاستقصاء فيه ( 4 ) القالي : ( * ) =
ـ183ـ
203 - ومن كلام له عليه السلام
أيها الناس إنما الدنيا دار مجاز ( 1 ) والآخرة دار قرار ، فخذوا من
ممركم لمقركم . ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم .
وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم . ففيها
اختبرتم ، ولغيرها خلقتم . إن المرء إذا هلك قال الناس ما ترك
وقالت الملائكة ما قدم . لله آباؤكم فقدموا بعضا يكن لكم
قرضا ولا تخلفوا كلا فيكون عليكم
204 - ومن كلام له عليه السلام
كان كثيرا ما ينادي به أصحابه
تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل . وأقلوا العرجة
على الدنيا ( 2 ) . وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فإن أمامكم
عقبة كؤودا ، ومنازل مخوفة مهولة لابد من الورود عليها والوقوف
عندها . واعلموا أن ملاحظ المنية نحوكم دانية ( 3 ) . وكأنكم
* ( هامش ) * = المبغض . والسئم من السآمة ( 1 ) أي ممر إلى الآخرة ( 2 ) العرجة - بالضم - اسم من التعريج
بمعنى حبس المطية على المنزل أي اجعلوا ركونكم إليها قليلا . والكؤود : الصعبة
المرتقى ( 3 ) ملاحظ المنية : منبعث نظرها . ودانية : قريبة . ونشبت : علقت بكم . ( * )
ـ184ـ
بمخالبها وقد نشبت فيكم ، وقد دهمتكم فيها مفظعات الامور
ومعضلات المحذور . فقطعوا علائق الدنيا ، واستظهروا بزاد التقوى ( 1 )
( وقد مضى شئ من هذا الكلام فيما تقدم بخلاف هذه الرواية )
205 - ومن كلام له عليه السلام
كلم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة
وقد عتبا من ترك مشورتهما والاستعانة في الامور بهما
لقد نقمتما يسيرا ( 2 ) وأرجأتما كثيرا . ألا تخبراني أي شئ لكما
فيه حق دفعتكما عنه ، وأي قسم استأثرت عليكما به ، أم أي
حق رفعه إلى أحد من المسلمين ضعفت عنه أم جهلته ، أم أخطأت بابه
والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ، ولا في الولاية إربة ( 3 ) .
ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها . فلما أفضت إلي نظرت
إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته ، وما استسن
النبي صلى الله عليه وآله فاقتديته . فلم أحتج في ذلك إلى
رأيكما ولا رأي غيركما ، ولا وقع حكم جهلته فأستشيركما
* ( هامش ) * ( 1 ) استظهروا : استعينوا ( 2 ) نقمتما أي غصبتما ليسير ، وأخرتما مما يرضيكما كثيرا
لم تنظرا إليه ( 3 ) الاربة - بكسر - الغرض والطلبة ( * )
ـ185ـ
وإخواني المسلمين ، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ولا عن غيركما .
وأما ما ذكرتما من أمر الاسوة ( 1 ) فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه
برأيي ولا وليته هوى مني . بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله
صلى الله عليه وآله قد فرغ منه ، فلم أحتج إليكما فيما فرغ
الله من قسمه وأمضى فيه حكمه . فليس لكما والله عندي ولا
لغيركما في هذا عتبى . أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق ، وألهمنا
وإياكم الصبر
( ثم قال عليه السلام ) رحم الله امرأ رأى حقا فأعان عليه ، أو
رأى جورا فرده وكان عونا بالحق على صاحبه
206 - ومن كلام له عليه السلام
وقد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين
إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ، ولكنكم لو وصفتم
أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر ،
وقلتم مكان سبكم إياهم . اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح
* ( هامش ) * ( 1 ) الاسوة ههنا التسوية بين المسلمين في قسمة الاموال ، وكان ذلك قد أغضبهما
على ما روي ( * )
ـ186ـ
ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله
ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به ( 1 )
207 - وقال عليه السلام في بعض أيام صفين
وقد رأى الحسن عليه السلام يتشرع إلى الحرب
املكوا عني هذا الغلام لا يهدني ( 2 ) ، فإنني أنفس بهذين ( يعني
الحسن والحسين عليهما السلام ) على الموت لئلا ينقطع بهما نسل
رسول الله صلى الله عليه وآله ( وقوله عليه السلام املكوا عني
هذا الغلام من أعلى الكلام وأفصحه )
208 - ومن كلام له عليه السلام
قاله لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة
أيها الناس إنه لم يزل أمري معكم على ما أحب حتى نهكتكم
الحرب ( 3 ) ، وقد والله أخذت منكم وتركت ، وهي لعدوكم أنهك .
* ( هامش ) * ( 1 ) الارعواء : النزوع عن الغي والرجوع عن وجه الخطأ . ولهج به أي أولع به
( 2 ) املكوا عني أي خذوه بالشدة وأمسكوه لئلا يهدني أي يهدمني ويقوض أركان قوتي بموته
في الحرب . ونفس به - كفرح - أي ضن به ، أي أبخل بالحسن والحسين على الموت ( 3 ) نهكته
الحمى : أضعفته وأضنته ، أي كنتم مطيعين حتى أضعفتكم الحرب فجبنتم مع أنها في غيركم
أشد تأثيرا . وقد ألزمه قومه بقبول التحكيم فالتزم بإجابتهم فكأنهم أمروه ونهوه فامتثل لهم . ( * )
ـ187ـ
لقد كنت أمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا . وكنت أمس
ناهيا فأصبحت اليوم منهيا . وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم
على ما تكرهون
209 - ومن كلام له عليه السلام
بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي
وهو من أصحابه يعوده فلما رأى سعة داره قال
ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا . أما أنت إليها في
الآخرة كنت أحوج ، وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة تقري فيها
الضيف وتصل فيها الرحم ، وتطلع منها الحقوق مطالعها ( 1 ) ، فإذا
أنت قد بلغت بها الآخرة
فقال له العلاء يا أمير المؤمنين أشكوا إليك أخي عاصم بن زياد ، قال
وماله ؟ قال لبس العباءة وتخلى عن الدنيا . قال علي به . فلما جاء قال :
يا عدي نفسه ( 2 ) لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك .
* ( هامش ) * ( 1 ) أطلع الحق مطلعه : أظهره حيث يجب أن يظهر ( 2 ) عدي - تصغير عدو -
وفي هذا الكلام بيان أن لذائذ الدنيا لاتبعد العبد عن الله لطبيعتها ولكن لسوء
القصد فيها ( * )
ـ188ـ
أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها ؟ أنت أهون على
الله من ذلك . قال : يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك
وجشوبة مأكلك . قال :
ويحك إني لست كأنت ، إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا
أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره ( 1 )
0 21 - ومن كلام له عليه السلام
وقد سأله سائل عن أحاديث البدع وعما في أيدي الناس
من اختلاف الخبر ( 2 ) ، فقال عليه السلام
إن في أيدي الناس حقا وباطلا . وصدقا وكذبا . وناسخا ومنسوخا
وعاما وخاصا . ومحكما ومتشابها . وحفظا ووهما . ولقد كذب على
رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيبا فقال :
* ( هامش ) * ( 1 ) يقدروا أنفسهم أي يقيسوا أنفسهم بالضعفاء ليكونوا قدوة للغنى في
الاقتصاد وصرف الاموال في وجوه الخير ومنافع العامة وتسلية للفقير على فقره
حتى لا يتبيغ أي يهيج به ألم الفقر فيهلكه . وقد روي المعنى بتمامه بل بأكثر تفصيلا
عنه كرم الله وجهه في عبارة أخرى ( 2 ) الخبر الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( * )
ـ189ـ
" من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "
وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس :
رجل منافق مظهر للايمان ، متصنع بالاسلام لا يتأثم ولا
يتحرج ( 1 ) ، يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدا ، فلو
علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله ،
ولكنهم قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله رأى وسمع منه
ولقف عنه ( 2 ) فيأخذون بقوله ، وقد أخبرك الله عن المنافقين بما
أخبرك ، ووصفهم بما وصفهم به لك ، ثم بقوا بعده عليه وآله السلام
فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والبهتان ، فولوهم
الاعمال وجعلوهم حكاما على رقاب الناس ، وأكلوا بهم الدنيا .
وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله فهو ( * ) أحد الاربعة ( 3 )
ورجل سمع من رسول الله شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم فيه ( 4 )
ولم يتعمد كذبا فهو في يديه ويرويه ويعمل به ويقول أنا سمعته من
رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم
* ( هامش ) * ( 1 ) لا يتأثم أي لا يخاف الاثم ، ولا يتحرج لا يخشى الوقوع في الحرج وهو الجرم
( 2 ) تناول وأخذ عنه ( 3 ) فهو أي من عصم الله أحد الاربعة وهو خيرهم الرابع
( 4 ) وهم : غلط وأخطأ
( * ) في نسخة : فهذا أحد الاربعة ( * )
ـ190ـ
يقبلوه منه ، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه
ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا يأمر
به ثم نهى عنه وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو
لا يعلم ، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ ، فلو علم أنه منسوخ
لرفضه ، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه
وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله ، مبغض للكذب
خوفا من الله وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وآله ولم يهم ( 1 ) ، بل
حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به على ما سمعه لم يزد فيه ولم ينقص
منه ، فحفظ الناسخ فعمل به ، وحفظ المنسوخ فجنب عنه ( 2 ) ،
وعرف الخاص والعام فوضع كل شئ موضعه ، وعرف المتشابه
ومحكمه ( 3 ) .
وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام له
وجهان : فكلام خاص وكلام عام ، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله
به ولا ما عنى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فيحمله السامع
* ( هامش ) * ( 1 ) لم يهم أي لم يخطئ ولم يظن خلاف الواقع ( 2 ) جنب أي تجنب ( 3 ) أي
عرف المتشابه من الكلام وهو ما لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم . ومحكم الكلام ( * ) =
ـ191ـ
ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله . وليس
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 191 سطر 1 الى ص 200 سطر 19
ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله . وليس
كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يسأله ويستفهمه
حتى أن كانوا ليحبون أن يجئ الاعرابي والطارئ فيسأله عليه
السلام حتى يسمعوا . وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلا سألت عنه
وحفظته . فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم
211 - ومن خطبة له عليه السلام
وكان من اقتدار جبروته وبديع لطائف صنعته أن جعل من ماء
البحر الزاخر المتراكم المتقاصف يبسا جامدا ( 1 ) . ثم فطر منه
أطباقا ( 2 ) ففتقها سبع سموات بعد ارتتاقها فاستمسك بأمره ، وقامت
على حده . وأرسى أرضا يحملها الاخضر المثعنجر والقمقام المسخر ( 3 ) .
* ( هامش ) * = أي صريحه الذي لم ينسخ ( 1 ) زخر البحر - كمنع - وزخورا ، وتزخر :
طمى وامتلا . والمتقاصف : المتزاحم كان أمواجه في تزاحمها يقصف بعضها
بعضا أي يكسره . واليبس - بالتحريك - اليابس ( 2 ) فطر منه أي من اليبس . والاطباق
طبقات مختلفة في تركيبها إلا أنها كانت رتقا يتصل بعضها ببعض ففتقها سبعا وهي
السموات وقف كل منها حيث مكنه الله على حسب ماأودع فيه من السر الحافظ له
فاستمسكت بأمر الله التكويني ، وقامت على حده أي حد الامر الالهي ، وليس المراد
من البحر هذا الذي نعرفه ولكن مادة الاجرام قبل تكاثفها فإنما كانت مائرة مائجة
أشبه بالبحر بل هي البحر الاعظم ( 3 ) المراد من الاخضر الحامل للارض هو البحر . ( * ) =
ـ192ـ
قد ذل لامره ، وأذعن لهيبته ، ووقف الجاري منه لخشيته . وجبل
جلاميدها ( 1 ) ونشوز متونها وأطوادها . فأرساها في مراسيها . وألزمها
قرارتها فمضت رؤوسها في الهواء ، ورست أصولها في الماء . فأنهد
جبالها عن سهولها ( 2 ) ، وأساخ قواعدها في متون أقطارها ومواضع
أنصابها . فأشهق قلالها ( 3 ) ، وأطال أنشازها ( 4 ) . وجعلها للارض عمادا ،
وأرزها فيها أوتادا فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها ( 5 ) أو
* ( هامش ) * = والمثعنجر بفتح الجيم - معظم البحر وأكثر مواضعه ماء ، وبكسر الجيم هو السائل
مطلقا . من ماء أو دمع . والقمقام - بفتح القاف وتضم - البحر أيضا ، وهو مسخر
لقدرة الله تعالى . وحمله للارض إحاطته بها كأنها قارة فيه ( 1 ) جبل : خلق . والجلاميد
الصخور الصلبة . والنشوز : جمع نشز - بسكون الشين وفتحها وفتح النون - ما ارتفع
من الارض . والمتون : جمع متن : ما صلب منها وارتفع . والاطواد عطف على المتون
وهي عظام الناتئات . وقرارتها ما استقرت فيه . كمراسيها ما رست أي رسخت فيه ( 2 ) قوله
فانهد الخ كأن النشوز والمتون والاطواد كانت في بداية أمرها على ضخامتها غير
ظاهرة الامتياز ولا شامخة الارتفاع عن السهول حتى إذا ارتجت الارض بما أحدثت
يد القدرة الالهية في بطونها نهدت الجبال عن السهول فانفصلت كل الانفصال وامتازت
بقواعد سائخة أي غائصة في المتون من أقطار الارض . ومواضع الانصاب : جمع نصب
- بضمتين - وهو ما جعل علما يشهد فيقصد ، فإن الجبال إنما تشامخت من مرتفع الارض
وصلبها ( 3 ) قلة الجبل أعلاه . وأشهقها جعلها شاهقة أي بعيدة الارتفاع ( 4 ) أطال
أنشازها أي مد متونها المرتفعة في جوانب الارض . وأرزها - بالتشديد : ثبتها ( 5 ) أي
أن الارض على حركتها المخصوصة بها سكنت عن أن تميد أي تضطرب بأهلها وتتزلزل
بهم إلا ما يشاء الله في بعض مواضعها لبعض الاسباب . وتسيخ - كتسوخ - أي تغوص ( * ) =
ـ193ـ
تسيخ بحملها أو تزول عن مواضعها . فسبحان من أمسكها بعد موجان
مياهها ، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها . فجعلها لخلقه مهادا ( 1 ) ، وبسطها
لهم فراشا فوق بحر لجي راكد لا يجري ( 2 ) ، وقائم لا يسري .
تكر كره الرياح العواصف ( 3 ) . وتمخضه الغمام الذوارف " إن في
ذلك لعبرة لمن يخشى "
212 - ومن خطبة له عليه السلام
اللهم أيما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة غير الجائرة ،
والمصلحة في الدين والدنيا غير المفسدة فأبى بعد سمعه لها إلا
النكوص عن نصرتك ، والابطاء عن إعزاز دينك ، فإنا نستشهدك
عليه بأكبر الشاهدين شهادة ( 4 ) . ونستشهد عليه جميع من أسكنته
أرضك وسمواتك ، ثم أنت بعد المغني عن نصره والآخذ له بذنبه
* ( هامش ) * = في الهواء فتنخسف . وزوالها عن مواضعها : تحولها عن مركزها المعين لها ( 1 ) المهاد الفراش
وما تهيئه لنوم الصبي ( 2 ) لايسيل في الهواء ( 3 ) تكركره : تذهب به وتعود . وشبه
اشتمال السحاب على خلاصة ماء البحر وهو بخاره بمخضها له كأنه لبن تخرج زبده .
والذوارف : جمع ذارفة ، من ذرف الدمع إذا سال ( 4 ) أكبر الشاهدين هو النبي
صلى الله عليه وسلم أو القرآن ( * )
ـ194ـ
213 - ومن خطبة له عليه السلام
الحمد لله العلي عن شبه المخلوقين ( 1 ) ، الغالب لمقال الواصفين .
الظاهر بعجائب تدبيره للناظرين ، الباطن بجلال عزته عن فكر
المتوهمين . العالم بلا اكتساب ولا ازدياد ولا علم مستفاد ، المقدر
لجميع الامور بلا روية ولا ضمير . الذي لا تغشاه الظلم ولا يستضئ
بالانوار ، ولا يرهقه ليل ( 2 ) ولا يجري عليه نهار . ليس إدراكه
بالابصار ولا علمه بالاخبار
( منها في ذكر النبي صلى الله عليه وآله ) : أرسله بالضياء
وقدمه في الاصطفاء فرتق به المفاتق ( 3 ) ، وساور به المغالب . وذلل
به الصعوبة ، وسهل به الحزونة حتى سرح الضلال عن يمين وشمال .
* ( هامش ) * ( 1 ) شبه - بالتحريك - أي مشابهة ( 2 ) رهقه - كفرح - غشيه ( 3 ) الرتق :
سد الفتق ، والمفاتق مواضع الفتق وهي ما كان بين الناس من فساد وفي مصالحهم من
اختلال . وساور به المغالب أي واثب بالنبي صلى الله عليه وسلم كل من يغالب الحق .
والحزونة غلظ في الارض . والمراد سهل به خشونة الاخلاق الرديئة والعقائد الفاسدة
بتهذيب الطباع وتنوير العقول حتى سرح به الضلال أي أبعده عن يمين السالكين
نهج الاعتدال وشمالهم ، وكأنه يريد جانبي الافراط والتفريط . والابعاد تجنبهما . ولزوم
العدل الوسط ( * )
ـ195ـ
214 - ومن كلام له عليه السلام
وأشهد أنه عدل عدل وحكم فصل . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
وسيد عباده كلما نسخ الله الخلق فرقتين ( 1 ) جعله في خيرهما . لم يسهم
فيه عاهر ( 2 ) ولا ضرب فيه فاجر
ألا وإن الله جعل للخير أهلا وللحق دعائم ، وللطاعة عصما ( 3 )
وإن لكم عند كل طاعة عونا من الله يقول على الالسنة ويثبت
الافئدة . فيه كفاء لمكتف ( 4 ) وشفاء لمشتف
واعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه ( 5 ) يصونون مصونه ،
ويفجرون عيونه . يتواصلون بالولاية ( 6 ) . ويتلاقون بالمحبة .
ويتساقون بكأس روية ( 7 ) . ويصدرون برية . لا تشوبهم الريبة ( 8 )
* ( هامش ) * ( 1 ) نسخ الخلق نقلهم بالتناسل عن أصولهم فجعلهم بعد الوحدة في الاصول
فرقا ( 2 ) أي لم يكن لعاهر سهم في أصوله . والعاهر من يأتي غير حله كالفاجر . وضرب
في الشئ صار له نصيب منه ( 3 ) العصم - بكسر ففتح - : جمع عصمة وهي ما يعتصم
به . وعصم الطاعات الاخلاص لله وحده ( 4 ) الكفاء - بالفتح - : الكافي أو الكفاية
( 5 ) المستحفظين بصيغة اسم المفعول الذين أودعوا العلم ليحفظوه ( 6 ) الولاية : الموالاة
والمصافاة ( 7 ) الروية فعيلة بمعنى فاعلة أى يروى شرابها من ظمإ التباعد والنفرة .
ورية - بكسر الراء وتشديد الياء - الواحدة من الري : زوال العطش ( 8 ) لا يخالطهم
الريب والشك في عقائدهم ولا تسرع الغيبة فيهم بالافساد لامتناعهم عن الاغتياب ( * ) =
ـ196ـ
ولا تسرع فيهم الغيبة . على ذلك عقد خلقهم وأخلاقهم ( 1 ) . فعليه
يتحابون وبه يتواصلون . فكانوا كتفاضل البذر ينتقى ( 2 ) ، فيؤخذ
منه ويلقى . قد ميزه التخليص ، وهذبه التمحيص ( 3 ) . فليقبل امرو
كرامة بقبولها ( 4 ) . وليحذر قارعة قبل حلولها . ولينظر امرو في قصير
أيامه ، وقليل مقامه في منزل حتى يستبدل به منزلا ( 5 ) . فليصنع
لمتحوله ومعارف منتقله ( 6 ) . فطوبى لذي قلب سليم أطاع من
يهديه ، وتجنب من يرديه ، وأصاب سبيل السلامة ببصر من بصره ( 7 )
وطاعة هاد أمره . وبادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه وتقطع أسبابه .
واستفتح التوبة وأماط الحوبة فقد أقيم على الطريق وهدى نهج السبيل
* ( هامش ) * = وعدم إصغائهم إليه ( 1 ) عقد خلقهم أي أنه وصل خلقهم الجسماني وأخلاقهم النفسية
بهذه الصفات وأحكم صلتهما بها حتى كأنهما معقودان بها ( 2 ) أي كانوا إذا نسبتهم
إلى سائر الناس رأيتهم يفضلونهم ويمتازون عليهم كتفاضل البذر فإن البذر يعتني
بتنقيته ليخلص النبات من الزوان ويكون النوع صافيا لا يخالطه غيره ، وبعد التنقية
يؤخذ منه ويلقى في الارض فالبذر يكون أفضل الحبوب وأخلصها ( 3 ) التهذيب : التنقية .
والتمحيص الاختبار ( 4 ) الكرامة هنا النصيحة أي اقبلوا نصيحة لا أبتغي عليها
أجرا إلا قبولها . والقارعة : داعية الموت أو القيامة تأتي بغتة ( 5 ) حتى غاية للقصر
والقلة فقصير الايام وما بعده ينتهي باستبدال المنزل بمنزل آخر ( 6 ) المتحول - بفتح
الواو مشددة - ما يتحول إليه . ومعارف المنتقل المواضع التي يعرف الانتقال إليها
( 7 ) أي باستنارته بإرشاد من أرشده وطاعة الهادي الذي أمره قبل أن تغلق أبواب الهدى ( * ) =
ـ197ـ
215 - ومن دعاء كان يدعو به عليه السلام كثيرا
الحمد الله الذي لم يصبح بي ميتا ولا سقيما ( 1 ) ، ولا مضروبا على
عروقي بسوء ، ولا مأخوذا بأسوإ عملي ، ولا مقطوعا دابري ، ولا
مرتدا عن ديني ، ولا منكرا لربي ، ولا مستوحشا من إيماني ، ولا
ملتبسا عقلي ، ولا معذبا بعذاب الامم من قبلي . أصبحت عبدا
مملوكا ظالما لنفسي ، لك الحجة علي ولا حجة لي . لا أستطيع أن آخذ
إلا ما أعطيتني ، ولا أتقي إلا ما وقيتني
اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك ، أو أضل في هداك ، أو
أضام في سلطانك ، أو أضطهد والامر لك
اللهم اجعل نفسي أول كريمة تنتزعها من كرائمي ، وأول وديعة
ترتجعها من ودائع نعمك عندي
اللهم إنا نعوذ بك أن نذهب عن قولك ، أو نفتتن عن دينك .
أو تتابع بنا أهواؤنا ( 2 ) دون الهدى الذي جاء من عندك
* ( هامش ) * = بالموت . والحوبة - بفتح الحاء - الاثم وإماطتها تنحيتها ( 1 ) ميتا حال من المجرور
وأصبح تامة ( 2 ) التتابع : ركوب الامر على خلاف الناس والاسراع إلى الشر واللجاجة
يستعيذ من لجاجة الهوى به فيما دون الهدى ( * )
ـ198ـ
216 - ومن خطبة له عليه السلام بصفين
أما بعد فقد جعل الله لي عليكم حقا بولاية أمركم ، ولكم
علي من الحق مثل الذي لي عليكم . فالحق أوسع الاشياء في
التواصف ( 1 ) ، وأضيقها في التناصف . لا يجري لاحد إلا جرى عليه ،
ولا يجري عليه إلا جرى له ، ولو كان لاحد أن يجري له ولا
يجري عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه لقدرته
على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه . ولكنه جعل
حقه على العباد أن يطيعوه ، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب
تفضلا منه وتوسعا بما هو من المزيد أهله . ثم جعل سبحانه من
حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض ، فجعلها تتكافأ في
وجوهها ويوجب بعضها بعضا . ولا يستوجب بعضها إلا ببعض ( 2 ) .
وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية
وحق الرعية على الوالي . فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل ،
فجعلها نظاما لالفتهم وعزا لدينهم . فليست تصلح الرعية إلا
* ( هامش ) * ( 1 ) يتسع القول في وصفه حتى إذا وجب على الانسان الواصف له فر من أدائه ولم
ينتصف من نفسه كما ينتصف لها ( 2 ) فحقوق العباد التي يكافئ بعضها بعضا ولا
يستحق أحد منها شيئا إلا بأدائه مكافأة ما يستحقه هي من حقوقه تعالى أيضا . ( * )
ـ199ـ
بصلاح الولاة ، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية . فإذا أدت
الرعية إلى الوالي حقه ، وأدى الوالي إليها حقها ، عز الحق بينهم ،
وقامت ، مناهج الدين ، واعتدلت معالم العدل ، وجرت على أذلالها
السنن ( 1 ) فصلح بذلك الزمان ، وطمع في بقاء الدولة ، ويئست مطامع
الاعداء . وإذا غلبت الرعية واليها ، وأجحف الوالي برعيته اختلفت
هنالك الكلمة . وظهرت معالم الجور . وكثر الادغال في الدين ( 2 )
وتركت محاج السنن . فعمل بالهوى . وعطلت الاحكام . وكثرت
علل النفوس . فلا يستوحش لعظيم حق عطل ( 3 ) . ولا لعظيم باطل
فعل . فهنالك تذل الابرار وتعز الاشرار ، وتعظم تبعات الله عند
العباد . فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه ، فليس أحد
وإن اشتد على رضاء الله حرصه وطال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة
ما الله أهله من الطاعة له . ولكن من واجب حقوق الله على العباد
النصيحة بمبلغ جهدهم ، والتعاون على إقامة الحق بينهم . وليس
* ( هامش ) * ( 1 ) ذل الطريق - بكسر الذال - محجته وجرت أمور الله أذلالها وعلى
أذلالها أي وجوهها . والسنن : جمع سنة . وطمع مبني للمجهول ( 2 ) الادغال
في الامر : إدخال ما يفسده فيه . ومحاج السنن : أوساط طرقها ( 3 ) أي إذا عطل
الحق لا تأخذ النفوس وحشة أو استغراب لتعودها على تعطيل الحقوق وأفعال ( * ) =
ـ200ـ
امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته ، وتقدمت في الدين فضيلته بفوق
أن يعاون على ما حمله الله من حقه ( 1 ) ، ولا امرؤ وإن صغرته النفوس
واقتحمته العيون ( 2 ) بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه
( فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر
فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته له ) فقال عليه السلام :
إن من حق من عظم جلال الله في نفسه ، وجل موضعه من
قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه ( 3 ) . وإن أحق من كان
كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه ( 4 ) ولطف إحسانه إليه . فإنه لم
تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظما ، وإن من أسخف
حالات الولات عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ( 5 ) ، ويوضع
أمرهم على الكبر . وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب
الاطراء واستماع الثناء ( 6 ) . ولست بحمد الله كذلك . ولو كنت أحب
* ( هامش ) * = الباطل ( 1 ) بفوق أن يعاون الخ أي بأعلى من أن يحتاج إلى الاعانة أن يستغني عن
المساعدة ( 2 ) اقتحمته : احتقرته . بدون أن يعين أي بأعجز أن يساعد غيره
( 3 ) كل فاعل يصغر ، أى يصغر عنده كل ما سوى الله لعظم ذلك الجلال الالهي ( 4 ) وأحق
المعظمين لله بتصغير ما سواه هو الذي عظمت نعمة الله عليه ( 5 ) أصل السخف : رقة
العقل وغيره أي ضعفه ، والمراد أدنى حالة للولاة أن يظن بهم الصالحون أنهم يحبون الفخر
ويبنون أمورهم على أساس الكبر ( 6 ) كره الامام أن يخطر ببال قومه كونه يجب ( * ) =
ـ201ـ
أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 201 سطر 1 الى ص 210 سطر 18
أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به
من العظمة والكبرياء . وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء ( 1 ) . فلا
تثنوا علي بجميل ثناء لاخراجي نفسي إلى الله وإليكم من التقية في
حقوق لم أفرغ من أدائها ( 2 ) ، وفرائض لابد من إمضائها ، فلا
تكلموني بما تكلم به الجبابرة ( 3 ) ، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به
عند أهل البادرة . ولا تخالطوني بالمصانعة . ولا تظنوا بي استثقالا في
حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي . فإنه من استثقل الحق أن
يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه . فلا
تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل ، فإني لست في نفسي بفوق
أن أخطئ ، ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو
أملك به مني ( 4 ) . فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره .
* ( هامش ) * = الاطراء أي المبالغة في الثناء عليه فإن حق الثناء لله وحده فهو رب العظمة والكبرياء ( 1 ) البلاء : إجهاد النفس في إحسان العمل ( 2 ) لاخراجي متعلق بتثنوا . والتقية :
الخوف والمراد لازمه وهو العقاب ومن متعلق بإخراجي أي إذا أخرجت نفسي من عقاب
الله في حق من الحقوق أو قضاء فريضة من الفرائض فلا تثنوا علي لذلك فانما وقيت
نفسي وعملت لسعادتي على أني ما أديت الواجب على في ذلك ، وما أجزل هذا القول
وأجمعه ( 3 ) ينهاهم عن مخاطبتهم له بألقاب العظمة كما يلقبون الجبابرة وعن التحفظ
منه بالتزام الذلة والموافقة على الرأي صوابا أو خطأ كما يفعل مع أهل البادرة أي الغضب .
وصانعه إذا أتى ما يرضيه وإن كان غير راض عنه . والمصانعة المداراة ( 4 ) يقول لا آمن ( * ) = . والله ما أستغفل
* ( هامش ) * = الخطأ في أفعالي إلا إذا كان يسر الله لنفسي فعلا هو أشد ملكا له مني فقد كفانى الله ذلك الفعل فأكون على أمن من الخطإ فيه . ( 1 ) المدحوة : المبسوطة ( 2 ) مقترفون أي مكتسبون . والخبر بضم الخاء العلم والله لطيف
العلم بما يكسبه الناس أي دقيقه كأنه ينفذ في
ـ202ـ
يملك منا ما لا نملك من أنفسنا ، وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا
عليه ، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى ، وأعطانا البصيرة بعد العمى
217 - ومن كلام له عليه السلام
اللهم إني أستعديك على قريش ( 1 ) فإنهم قد قطعوا رحمي ، وأكفأوا
إنائي ، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري ، وقالوا :
ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه ، فاصبر مغموما أو مت
متأسفا ، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد ( 2 ) إلا أهل
بيتي ، فضننت بهم عن المنية فأغضيت على القذى ، وجرعت ريقي
على الشجى ، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم ، وآلم
للقلب من حز الشفار ( 3 ) ( وقد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة
إلا أني كررته ههنا لاختلاف الروايتين )
218 - ( ومنه في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه عليه السلام )
* ( هامش ) * ( 1 ) أستعديك : أستعينك . وإكفاء
الاناء أي قلبه مجاز عن تضييعهم لحقه ( 2 ) الرافد : المعين . والذاب : المدافع . وضننت
أي بخلت . والقذى : مايقع في العين . والشجى : ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه
يريد به غصة الحزن ( 3 ) الشفار : جمع شفرة : حد السيف ونحوه ( * )
ـ203ـ
فقدموا على عمالي وخزان بيت مال المسلمين الذي في يدي ، وعلى
أهل مصر كلهم في طاعتي وعلى بيعتي ، فشتتوا كلمتهم ، وأفسدوا
علي جماعتهم . ووثبوا على شيعتي فقتلوا طائفة منهم غدرا ، وطائفة
عضوا على أسيافهم ( 1 ) فضاربوا بها حتى لقوا الله صادقين
219 - ومن كلام له عليه السلام
لما مر بطلحة وعبدالرحمن بن عتاب بن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل
لقد أصبح أبومحمد بهذا المكان غريبا . أما والله لقد كنت
أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب . أدركت
وتري من بني عبد مناف ( 2 ) وأفلتتني أعيان بني جمح ، لقد أتلعوا
أعناقهم إلى أمر لم يكونوا أهله ( 3 ) فوقصوا دونه
* ( هامش ) * ( 1 ) العض على السيوف مجاز عن ملازمة العمل بها ( 2 ) الوتر : الثأر ، وطلحة كان من بني
عبد مناف كالزبير وقاتله مروان بن الحكم وهما في عسكر واحد في حرب الجمل رماه بسهم على
غرة انتقاما لعثمان رضي الله عنه . وأفلته الشئ خلص منه فجأة . وجمح قبيلة عربية كان
من أعيانها أي عظمائها جماعة مع أم المؤمنين في واقعة الجمل ولم يصبهم ما أصاب غيرهم .
ومن هذه القبيلة صفوان ابن أمية بن خلف واسمه عبدالله ، وعبدالرحمن بن صفوان
( 3 ) أتلعوا أي رفعوا أعناقهم ومدوها لتناول أمر وهو مناوأة أمير المؤمنين على الخلافة ( * ) =
ـ204ـ
220 - ومن كلام له عليه السلام
قد أحيى عقله ( 1 ) وأمات نفسه ، حتى دق جليله ولطف غليظه ،
وبرق له لامع كثير البرق فأبان له الطريق وسلك به السبيل ،
وتدافعته الابواب إلى باب السلامة ودار الاقامة ، وثبتت رجلاه
بطمأنينة بدنه في قرار الامن والراحة بما استعمل قلبه وأرضى ربه
221 - ومن كلام له عليه السلام
بعد تلاوته " ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر " ( 2 )
يا له مراما ما أبعده ( 3 ) ، وزورا ما أغفله ، وخطرا ما أفظعه . لقد
استخلوا منهم أي مدكر ( 4 ) ، وتناوشوهم من مكان بعيد أفبمصارع
* ( هامش ) * = فوقصوا أي كسرت أعناقهم دون الوصول إليه ( 1 ) حكاية عن صاحب التقوى . وإحياء
العقل بالعلم والفكر والنفوذ في الاسرار الالهية . وإماتة النفس بكفها عن شهواتها .
والجليل العظيم . ودق أي صغر حتى خفي أو كاد . وبروق اللامع من نور المقام
الالهي يوضح طريق السعادة فلا يزال السالك يتنقل من مقام عرفان وفضل إلى مقام
آخر من مقامات الكمال ، وهذا هو التدافع من باب إلى باب حتى يصل إلى أعلى ما يمكن
له وهناك سعادته ومقر نعيمه الابدي ( 2 ) ألهاه عن الشئ : صرفه عنه باللهو أي
صرفكم عن الله اللهو بمكاثرة بعضكم لبعض وتعديد كل منكم مزايا أسلافه حتى
بعد زيارتكم المقابر ( 3 ) المرام الطلب بمعنى المطلوب . والزور بالفتح الزائرون وهم يرومون
نيل الشرف بمن تقدمهم وتلك غفلة ، فإنما ينالون الشرف بما يكون من موجباته في ذواتهم
فما أبعد ما يرومون بغفلتهم ( 4 ) استخلوهم أي وجدوهم خالين . والمدكر : الادكار بمعنى ( * ) =
ـ205ـ
آبائهم يفخرون ؟ أم بعديد الهلكى يتكاثرون ؟ يرتجعون منهم
أجسادا خوت ( 1 ) ، وحركات سكنت . ولان يكونوا عبرا أحق من
أن يكونوا مفتخرا ، ولان يهبطوا بهم جناب ذلة أحجى من أن
يقوموا بهم مقام عزة ( 2 ) . لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة ( 3 ) . وضربوا
منهم في غمرة جهالة . ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار
الخاوية ( 4 ) والربوع الخالية لقالت ذهبوا في الارض ضلالا ، وذهبتم
في أعقابهم جهالا . تطأون في هامهم ( 5 ) ، وتستثبتون في أجسادهم ،
وترتعون فيما لفظوا ، وتسكنون فيما خربوا ، وإنما الايام بينكم
وبينهم بواك وتوائح عليكم ( 6 )
* ( هامش ) * = الاعتبار أي أخلوا أسلافهم من الاعتبار ثم قلب المعنى في عبارة الامام فكان أخلوا
الادكار من آبائهم مبالغة في تقريعهم حيث أخلوهم منه وهو محيط بهم ، وأي صفة
لمحذوف تقديره مدكرا . وتناوشوهم تناولوهم بالمفاخرة من مكان بعيد عنها ( 1 ) خوت :
سقط بناؤها وخلت من أرواحها ( 2 ) أحجى : أقرب للحجى أي العقل فإن موت
الآباء دليل الفناء ، ومن عاقبته فناء كيف يفتخر ؟ ( 3 ) العشوة : ضعف البصر ( 4 ) الخاوية :
المنهدمة . والربوع : المساكن والضلال - كعشاق - جمع ضال ( 5 ) جمع هامة أعلى الرأس .
وتستثبتون أي تحاولون إثبات ما تثبتون من الاعمدة والاوتاد والجدران في أجسادهم
لذهابها ترابا وامتزاجها بالارض التي تقيمون فيها ما تقيمون . ترتعون : تاكلون
وتتلذذون بما لفظوه أي طرحوه وتركوه ( 6 ) بواك : جمع باكية . ونوائح : جمع
نائحة . وبكاء الايام على السابقين واللاحقين حفظها لما يكون من مصابهم ( * )
ـ206ـ
أولئكم سلف غايتكم ( 1 ) ، وفراط مناهلكم الذين كانت
لهم مقاوم العز وحلبات الفخر ملوكا وسوقا . سلكوا في بطون
البرزخ سبيلا ( 2 ) سلطت الارض عليهم فيه ، فأكلت من لحومهم
وشربت من دمائهم . فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لاينمون ،
وضمارا لا يوجدون . لا يفزعهم ورود الاهوال ، ولا يحزنهم تنكر
الاحوال ، ولا يحفلون بالرواجف ، ولا يأذنون للقواصف . غيبا لا
ينتظرون ، وشهودا لا يحضرون . وإنما كانوا جميعا فتشتتوا ، وآلافا
فافترقوا ( 3 ) . وما عن طول عهدهم ولا بعد محلهم عميت أخبارهم
وصمت ديارهم ( 4 ) ، ولكنهم سقوا كأسا بدلتهم بالنطق خرسا ،
* ( هامش ) * ( 1 ) سلف الغاية : السابق إليها ، وغايتهم حد ما ينتهون إليه وهو الموت . والفراط : جمع فارط ،
وهو كالفرط - بالتحريك - متقدم القوم إلى الماء ليهئ لهم موضع الشرب . والمناهل مواضع
ما تشرب الشاربة من النهر مثلا . ومقاوم : جمع مقام . والحلبات : جمع حلبة - بالفتح - وهي
الدفعة من الخيل في الرهان أو هي الخيل تجتمع للنصرة من كل أوب . والسوق : بضم ففتح
- جمع سوقة بالضم - بمعنى الرعية ( 2 ) البرزخ : القبر . والفجوات : جمع فجوة ، وهي
الفرجة والمراد منها شق القبر . ولا ينمون من النمو وهو الزيادة من الغذاء . والضمار
- ككتاب - المال لا يرجى رجوعه وخلاف العيان . ولا يحفلون - بكسر الفاء - لا يبالون .
والرواجف : جمع راجفة : الزلزلة توجب الاضطراب . والقواصف من قصف الرعد
اشتدت هدهدته . وأذن له : استمع ( 3 ) آلافا : جمع أليف ، أي مؤتلف مع غيره ( 4 ) صم
بصم - بالفتح فيهما - خرس عن الكلام . وخرس الديار عدم صعود الصوت من سكانها . ( * )
ـ207ـ
وبالسمع صمما ، وبالحركات سكونا . فكأنهم في ارتجال الصفة
صرعى سبات ( 1 ) . جيران لا يتأنسون ، وأحباء لا يتزاورون . بليت
بينهم عرى التعارف ( 2 ) وانقطعت منهم أسباب الاخاء . فكلهم وحيد
وهم جميع . وبجانب الهجر وهم أخلاء . لا يتعارفون لليل صباحا ولا
لنهار مساء . أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا ( 3 ) . شاهدوا
من أخطار دارهم أفظع مما خافوا ، ورأوا من آياتها أعظم مما قدروا .
فكلتا الغايتين مدت لهم إلى مباءة ( 4 ) فاتت مبالغ الخوف والرجاء .
فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا ( 5 ) ولئن
عميت آثارهم وانقطعت أخبارهم
لقد رجعت فيهم أبصار العبر ( 6 ) ، وسمعت عنهم آذان العقول ،
وتكلموا من غير جهات النطق . فقالوا كلحت الوجوه النواضر ( 7 )
* ( هامش ) * ( 1 ) ارتجال الصفة وصف الحال بلا تأمل ، فالواصف لهم بأول النظر يظنهم صرعوا من
السبات بالضم أي النوم ( 2 ) العرى : جمع عروة ، وهي مقبض الدلو والكوز مثلا ،
وبليت رثت وفنيت . والمراد زوال نسبة التعارف بينهم ( 3 ) الجديدان : الليل والنهار
فإن ذهبوا في نهار فلا يعرفون له ليلا أو في ليل فلا يعرفون له نهارا ( 4 ) الغايتان :
الجنة والنار . والمباءة : مكان التبوء والاستقرار والمراد منها ما يرجعون إليه في الآخرة
وقد مدت الغاية أي أخرت عنه في الدنيا إلى مرجع يفوق في سعادته أو شقائه كل
غاية سما إليها الخوف والرجاء ( 5 ) عيوا : عجزوا ( 6 ) رجعت فيهم أبصار العبر نظرت
إليهم بعد الموت نظرة ثانية . والعبر جمع عبرة ( 7 ) كلح : كمنع - كلوحا - تكشر في عبوس ( * ) =
ـ208ـ
وخوت الاجساد النواعم . ولبسنا أهدام البلى ( 1 ) . وتكاءدنا ضيق
المضجع . وتوارثنا الوحشة . وتهكمت علينا الربوع الصموت
فانمحت محاسن أجسادنا ، وتنكرت معارف صورنا ، وطالت في
مساكن الوحشة إقامتنا . ولم نجد من كرب فرجا ، ولا من ضيق
متسعا . فلو مثلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك وقد
ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت ( 2 ) ، واكتحلت أبصارهم
بالتراب فخسفت ، وتقطعت الالسنة في أفواههم بعد ذلاقتها ، وهمدت
القلوب في صدورهم بعد يقظتها . وعاث في كل جارحة منهم جديد
بلى سمجها ( 3 ) ، وسهل طرق الآفة إليها ، مستسلمات فلا أيد تدفع ،
ولا قلوب تجزع لرأيت أشجان قلوب ( 4 ) ، وأقذاء عيون . لهم في كل
* ( هامش ) * = والنواظر الحسنة البواسم . وخوت : تهدمت بنيتها وتفرقت أعضاؤها . ( 1 ) الاهدام :
جمع هدم - بكسر الهاء - الثوب البالي أو المرقع . وتكاءد الامر أي شق عليه . وتهكمت :
تهدمت . والربوع : أماكن الاقامة . والصموت التي لا تنطق والمراد بها القبور ( 2 ) ارتسخ
مبالغة في رسخ ، ورسخ الغدير : نش ماؤه أي أخذ في النقصان ونضب ، أي نضب
مستودع قوة السماع وذهبت مادته بامتصاص الهوام وهي الديدان هنا . واستكت الاذن
صمت . وخسف عين فلان فقأها . وذلاقة الالسن حدتها في النطق ( 3 ) عاث : أفسد .
والبلى : التحلل والفناء . وسمج الصورة تسميجا قبحها أي أفسد الفناء في كل عضو
منهم فقبحه ( 4 ) لرأيت جواب لو مثلتهم . وأشجان القلوب : همومها . وإقذاء العيون ( * ) =
ـ209ـ
فظاعة صفة حال لا تنتقل ، وغمرة لا تنجلي ( 1 ) . وكم أكلت الارض
من عزيز جسد وأنيق لون كان في الدنيا غذي ترف ( 2 ) وربيب شرف .
يتعلل بالسرور في ساعة حزنه ( 3 ) ، ويفزع إلى السلوة إن مصيبة
نزلت به ضنا بغضارة عيشه وشحاحة بلهوه ولعبه . فبينا هو يضحك
إلى الدنيا وتضحك إليه في ظل عيش غفول ( 4 ) إذ وطئ الدهر به
حسكه ، ونقضت الايام قواه ، ونظرت إليه الحتوف من كثب ( 5 ) .
فخالطه بث لا يعرفه ، ونجي هم ما كان يجده . وتولدت فيه فترات
علل آنس ما كان بصحته ( 6 ) . ففزع إلى ما كان عوده الاطباء من
تسكين الحار بالقار ( 7 ) ، وتحريك البارد بالحار ، فلم يطفئ ببارد إلا
ثور حرارة ، ولا حرك بحار إلا هيج برودة ، ولا اعتدل بممازج
* ( هامش ) * = ما يسقط فيها فيؤلمها ( 1 ) الغمرة : الشدة ( 2 ) الانيق : رائق الحسن . والغذى اسم بمعنى
المفعول أي مغذى بالنعيم ، والربيب بمعنى المربي ، ربه يربه أى رباه ( 3 ) يتشاغل بأسباب
السرور ليتلهى بها عن حزنه . والسلوة : انصراف النفس عن الالم بتخيل اللذة .
ضنا أي بخلا . وغضارة العيش : طيبه ( 4 ) وصف العيش بالغفلة لانه إذا كان هنيئا
يوجبها . والحسك : نبات تعلق قشرته بصوف الغنم ورقه كورق الرجلة أو أدق ، وعند
ورقه شوك ملزز صلب ذو ثلاث شعب تمثيل لمس الآلام ( 5 ) الحتوف : المهلكات . وأصل
الحتف الموت . من كثب - بالتحريك - أي قرب ، أي توجهت إليه المهلكات على قرب
منه . والبث : الحزن . والنجي : المناجي : وخالطه الحزن : مازج خواطره ( 6 ) آنس
حال من ضمير فيه . والفترات : جمع فترة : انحطاط القوة أي تولد فيه الضعف بسبب
العلل حال كونه أشد أنسا بصحته من جميع الاوقات السابقة ( 7 ) القار هنا البارد ( * )
ـ210ـ
لتلك الطبائع إلا أمد منها كل ذات داء ( 1 ) حتى فتر معلله ( 2 ) ،
وذهل ممرضه . وتعايا أهله بصفة دائه ( 3 ) ، وخرسوا عن جواب
السائلين عنه . وتنازعوا دونه شجي خبر يكتمونه ، فقائل يقول هو
لما به ( 4 ) ، وممن لهم إياب عافيته ، ومصبر لهم على فقده ، يذكرهم أسى
الماضين من قبله ( 5 ) . فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا وترك
الاحبة ، إذ عرض له عارض من غصصه فتحيرت نوافذ فطنته ( 6 ) ،
ويبست رطوبة لسانه . فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن
رده ( 7 ) ، ودعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصام عنه من كبير كان يعظمه أو صغير
كان يرحمه . وإن للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة أو
تعتدل على قلوب أهل الدنيا ( 8 )
* ( هامش ) * ( 1 ) أي ما طلب تعديل مزاجه بدواء يمازج ما فيه من الطبائع ليعدلها إلا وساعد كل
طبيعة على تولد الداء ( 2 ) معلل المريض من يسليه عن مرضه بترجية الشفاء كما أن ممرضه من
يتولى خدمته في مرضه لمرضه ( 3 ) تعايا أهله أي اشتركوا في العجز عن وصف دائه .
واختلف الحاضرون بين يدي المريض في الخبر المحزن يكتمونه عنه ( 4 ) هو لما به أى
هو مملوك لعلته فهو هالك . والممنى مخيل الامنية . والاياب الرجوع ( 5 ) أسى جمع أسوة
( 6 ) نوافذ الفطنة ما كان من أفكار نافذة أي مصيبة للحقيقة ( 7 ) عي عجز لضعف
القوة المحركة للسان ( 8 ) تعتدل أي تستقيم عليها بالقبول والادراك ، أي لغفلتهم عنها ( * ) =
ـ211ـ
222 - ( ومن كلام له عليه السلام )
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 211 سطر 1 الى ص 220 سطر 21
222 - ( ومن كلام له عليه السلام )
قاله عند تلاوته " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله "
إن الله سبحانه جعل الذكر جلاء للقلوب ( 1 ) تسمع به بعد الوقرة ،
وتبصر به بعد العشوة ، وتنقاد به بعد المعاندة . وما برح لله - عزت
آلاؤه - في البرهة بعد البرهة وفي أزمان الفترات ( 2 ) عباد ناجاهم
في فكرهم ، وكلمهم في ذات عقولهم ، فاستصبحوا بنور يقظة في
الاسماع والابصار والافئدة ( 3 ) . يذكرون بأيام الله ، ويخوفون مقامه
بمنزلة الادلة في الفلوات ( 4 ) . من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه ( 5 )
وبشروه بالنجاة . ومن أخذ يمينا وشمالا ذموا إليه الطريق ، وحذروه
من الهلكة ، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات وأدلة تلك الشبهات
وإن للذكر لاهلا أخذوه من الدنيا بدلا فلم تشغلهم تجارة ولا بيع
عنه ، يقطعون به أيام الحياة ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع
* ( هامش ) * = لا تتناسب عند عقولهم فيدركوها ( 1 ) الذكر : استحضار الصفات الالهية . والوقرة
ثقل في السمع . والعشوة ضعف البصر ( 2 ) الفترة بين العملين زمان بينهما يخلو منهما ،
والمراد أزمنة الخلو من الانبياء مطلقا . وناجاهم أي خاطبهم بالالهام ( 3 ) استصبح : أضاء
مصباحه أي أضاء مصباح الهدى لهم بنور اليقظة في أبصارهم الخ ( 4 ) الفلوات : المفازات
والقفار ( 5 ) أخذ القصد أي ركب الاعتدال في سلوكه ( * )
ـ212ـ
الغافلين ( 1 ) . ويأمرون بالقسط ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر
ويتناهون عنه . فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها فشاهدوا
ما وراء ذلك ، فكأنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الاقامة
فيه ( 2 ) ، وحققت القيامة عليهم عداتها . فكشفوا غطاء ذلك لاهل
الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ، ويسمعون ما لا يسمعون .
فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة ( 3 ) ، ومجالسهم المشهودة
وقد نشروا دواوين أعمالهم ، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم عن كل صغيرة
وكبيرة أمروا بها فقصروا عنها ، أو نهوا عنها ففرطوا فيها ، وحملوا
ثقل أوزارهم ظهورهم ( 4 ) فضعفوا عن الاستقلال بها فنشجوا نشيجا
وتجاوبوا نحيبا . يعجون إلى ربهم من مقاوم ندم واعتراف لرأيت
* ( هامش ) * ( 1 ) هتف به - كضرب - صاح ودعا . وهتفت الحمامة صاتت ( 2 ) في طول الاقامة حال
من أهل البرزخ . والعدات : جمع عدة - بكسر ففتح مخفف - أي كأنما القيامة كشفت
لهم عن الوعود التي وعد بها الاخيار والاشرار ( 3 ) مقاوم : جمع مقام ، مقاماتهم في
خطاب الوعظ . والدواوين : جمع ديوان - وهو مجتمع الصحف . والدفتر ما يكتب فيه
أسماء الجيش وأهل الاعطيات ( 4 ) أي نسبوا ما صدر عنهم إلى تقصير هممهم عن أداء
الواجب عليهم ولم يحولوه على ربهم فجعلوا الاوزار حملا على ظهورهم فأحسوا بالضعف
عن الاستقلال بها أي القيام بحملها . ونشج الباكي ينشج - كضرب يضرب - نشيجا غص
بالبكاء في حلقه . والنحيب أشد البكاء . وتجاوبوا به أجاب بعضهم بعضا يتناحبون . وعج
يعج - كضرب ومل - صاح ورفع صوته فهم يصيحون من مواقف الندم والاعتراف بالخطأ ( * )
ـ213ـ
أعلام هدى ، ومصابيح دجى . قد حفت بهم الملائكة ، وتنزلت
عليهم السكينة ، وفتحت لهم أبواب السماء وأعدت لهم مقاعد
الكرامات في مقام أطلع الله عليهم فيه فرضي سعيهم وحمد مقامهم
يتنسمون بدعائه روح التجاوز ( 1 ) . رهائن فاقة إلى فضله ، وأسارى ذلة
لعظمته . جرح طول الاسى قلوبهم ( 2 ) ، وطول البكاء عيونهم . لكل
باب رغبة إلى الله منهم يد قارعة يسألون من لا تضيق لديه المنادح ( 3 )
ولا يخيب عليه الراغبون . فحاسب نفسك لنفسك فإن غيرها من
الانفس لها حسيب غيرك
223 - ومن كلام له عليه السلام
قاله عند تلاوته " يأيها الانسان ما غرك بربك الكريم "
أدحض مسئول حجة ( 4 ) ، وأقطع مغتر معذرة . لقد أبرح
جهالة بنفسه
يأيها الانسان ما جرأك على ذنبك ، وما غرك بربك ، وما آنسك
* ( هامش ) * ( 1 ) تنسم النسيم : تشممه . والروح - بالفتح - النسيم أي يتوقعون التجاوز بدعائهم له
( 2 ) الاسى : الحزن ( 3 ) المنادح : جمع مندوحة ، وهي كالندحة بالضم والفتح . والمنتدح - بفتح
الدال - المتسع من الارض ( 4 ) أدحض خبر عن محذوف هو الانسان ودحضت الحجة - كمنع - ( * ) =
ـ214ـ
بهلكة نفسك . أما من دائك بلول ( 1 ) . أم ليس من نومتك يقظة .
أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك . فربما ترى الضاحي لحر
الشمس فتظله ( 2 ) ، أو ترى المبتلي بألم يمض جسده ( 3 ) فتبكي رحمة
له ، فما صبرك على دائك ، وجلدك على مصابك ، وعزاك عن البكاء على
نفسك . وهي أعز الانفس عليك . وكيف لا يوقظك خوف بيات
نقمة ( 4 ) وقد تورطت بمعاصيه مدارج سطواته . فتداو من داء الفترة
في قلبك بعزيمة ، ومن كرى الغفلة في ناظرك بيقظة ( 5 ) . وكن لله
مطيعا ، وبذكره آنسا . وتمثل في حال توليك عنه إقباله عليك ( 6 ) .
يدعوك إلى عفوه ويتغمدك بفضله وأنت متول عنه إلى غيره . فتعالى
من قوي ما أكرمه ( 7 ) ، وتواضعت من ضعيف ما أجرأك على معصيته
وأنت في كنف ستره مقيم ، وفي سعة فضله متقلب . فلم يمنعك فضله
* ( هامش ) * = بطلت . وأبرح بنفسه أي أعجبته نفسه بجهالتها ( 1 ) بل مرضه يبل كقل يقل بلولا حسنت
حاله بعد هزال ( 2 ) ضحا ضحوا وضحوا : برز في الشمس ( 3 ) يمض جسده يبالغ في نهكه
( 4 ) أي خوف أن تبيت بنقمة من الله ورزية تذهب بنعيمك وقد وقعت بمعاصيه في طرق
سطواته وتعرضت لانتقامه ( 5 ) الكرى - بالفتح والقصر - النوم ( 6 ) تمثل تصور واذكر
عند إعراضك عن الله إلى لهوك أنه مقبل عليك بنعمه ويتغمدك أي يغمرك ( 7 ) الضمير
في تعالى لله ( * )
ـ215ـ
ولم يهتك عنك ستره ، بل لم تخل من لطفه مطرف عين ، في نعمة
يحدثها لك ( 1 ) ، أو سيئة يسترها عليك ، أو بلية يصرفها عنك . فما
ظنك به لو أطعته ؟ وأيم الله لو أن هذه الصفة كانت في متفقين في
القوة ، متوازيين في القدرة لكنت أول حاكم على نفسك بذميم
الاخلاق ومساوي الاعمال . وحقا أقول ما الدنيا غرتك ( 2 ) ولكن
بها اغتررت . ولقد كاشفتك العظات وآذنتك على سواء . ولهي بما
تعدك من نزول البلاء بجسمك والنقص في قوتك أصدق وأوفى من أن
تكذبك أو تغرك . ولرب ناصح لها عندك متهم ( 3 ) ، وصادق من
خبرها مكذب . ولئن تعرفتها في الديار الخاوية ( 4 ) والربوع الخالية
لتجدنها من حسن تذكيرك وبلاغ موعظتك بمحلة الشفيق عليك
والشحيح بك ( 5 ) . ولنعم دار من لم يرض بها دارا ، ومحل من لم يوطنها
محلا ( 6 ) . وإن السعداء بالدنيا غدا هم الهاربون منها اليوم
* ( هامش ) * ( 1 ) طرف عينه - كضرب - أطبق جفنيها والمراد من المطرف اللحظة
يتحرك فيها الجفن في نعمة يتعلق بلطفه ( 2 ) إن الدنيا ما خبأت عن بصرك شيئا
من تقلباتها المفزعة ولكن غفلت عما ترى ولقد كاشفتك وأظهرت لك العظات أي
المواعظ ، وآذنتك أعلمتك على عدل ( 3 ) رب حادث من حوادثها يلقى اليك النصيحة
بالعبرة فتتهمه وهو مخلص ( 4 ) تعرفتها طلبت معرفتها وعاقبة الركون إليها ( 5 ) البخيل
بك على الشقاء والهلكة ( 6 ) وطنه - بالتشديد - اتخذه وطنا ( * )
ـ216ـ
إذا رجفت الراجفة ( 1 ) . وحقت بجلائلها القيامة . ولحق بكل
منسك أهله ، وبكل معبود عبدته ، وبكل مطاع أهل طاعته ، فلم
يجز في عدله وقسطه يومئذ خرق بصر في الهواء ( 2 ) ، ولا همس قدم في
الارض إلا بحقه . فكم حجة يوم ذاك داحضة ، وعلائق عذر
منقطعة . فتحر من أمرك ما يقوم به عذرك ( 3 ) ، وتثبت به حجتك .
وخذ ما يبقى لك مما لا تبقى له ( 4 ) . وتيسر لسفرك . وشم برق النجاة .
وارحل مطايا التشمير
224 - ومن كلام له عليه السلام
والله لان أبيت على حسك السعدان مسهدا ( 5 ) ، وأجر في الاغلال
مصفدا ، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض
* ( هامش ) * ( 1 ) الراجفة النفخة الاولى حين تهب ريح الفناء فتنسف الارض نسفا . وحقت القيامة وقعت
وثبتت بعظائمها . والمنسك - بفتح الميم والسين - العبادة أو مكانها ( 2 ) يجز - من الجزاء - مبني
للمجهول ونائب فاعله خرق بصر وهمس قدم ، أي لا تجازى لمحة البصر تنفذ في الهواء ولا همسة
القدم في الارض إلا بحق وذلك بعدل الله ( 3 ) تحر من التحري أى اطلب ما هو
أحرى وأليق لان يقوم به عذرك ( 4 ) ما يبقى لك هو العمل الصالح فخذه من الدنيا
التي لا تبقى لها . وتيسر : تأهب . وشام البرق : لمحه . ورحل المطية : وضع عليها رحلها
للسفر ( 5 ) كأنه يريد من الحسك الشوك . والسعدان نبت ترعاه الابل له شوك تشبه
به حلمة الثدى . والمسهد - من سهده - إذا أسهره . والمصفد : المقيد ( * )
ـ217ـ
العباد ، وغاصبا لشئ من الحطام . وكيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى
البلى قفولها ( 1 ) ، ويطول في الثرى حلولها
والله لقد رأيت عقيلا ( 2 ) ، وقد أملق حتى استماحني من بركم
صاعا ، ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الالوان من فقرهم كأنما
سودت وجوههم بالعظلم ، وعاودني مؤكدا ( 3 ) وكرر علي القول
مرددا فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده ( 4 ) مفارقا
طريقي ، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضج
ضجيج ذي دنف من ألمها ( 5 ) ، وكاد أن يحترق من ميسمها . فقلت له
ثكلتك الثواكل يا عقيل ( 6 ) ، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه ،
وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه . أتئن من الاذى ولا أئن من
* ( هامش ) * ( 1 ) يريد من النفس نفسه كرم الله وجهه أي كيف أظلم لاجل منفعة نفس يسرع إلى الفناء
رجوعها . والثرى التراب ( 2 ) عقيل أخوه . وأملق : افتقر أشد الفقر . واستماحني : استعطاني .
والبر القمح ( 3 ) شعث جمع أشعث - وهو من الشعر المتلبد بالوسخ . والغبر - بضم
الغين - : جمع أغبر متغير اللون شاحبه . والعظلم - كزبرج - سواد يصبغ به قيل هو
النيلج أي النيلة ( 4 ) القياد : ما يقاد به كالزمام ( 5 ) الدنف - بالتحريك - المرض .
والميسم - بكسر الميم وفتح السين - المكواة ( 6 ) ثكل - كفرح - أصاب ثكلا
بالضم وهو فقدان الحبيب أو خاص بالولد . والثواكل النساء ، دعاء عليه بالموت لتألمه
من نار ضعيفة الحرارة وطلبه عملا وهو تناول شئ من بيت المال زيادة عن المفروض
له يوجب الوقوع في نار سجرها أي أضرمها الجبار وهو الله للانتقام ممن عصاه . ( * ) =
ـ218ـ
لظى . وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ( 1 ) ، ومعجونة
شنئتها كأنما عجنت بريق حية أو قيئها ، فقلت أصلة أم زكاة أم
صدقة فذلك محرم علينا أهل البيت . فقال لا ذا ولا ذاك ولكنها
هدية . فقلت هبلتك الهبول ( 2 ) ، أعن دين الله أتيتني لتخدعني ،
أمختبط أنت أم ذو جنة أم تهجر ( 3 ) . والله لو أعطيت الاقاليم السبعة بما
تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ( 4 ) ما
فعلت وإن دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ( 5 )
ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى . نعوذ بالله من سبات العقل ( 6 )
وقبح الزلل وبه نستعين
225 - ( ومن دعاء له عليه السلام )
اللهم صن وجهي باليسار ( 7 ) ، ولا تبذل جاهي بالاقتار فأسترزق
* ( هامش ) * ولظى اسم جهنم
( 1 ) الملفوفة نوع من الحلواء أهداها إليه الاشعث بن قيس . وشنئتها
أي كرهتها . والصلة العطية ( 2 ) هبلتك - بكسر الباء - ثكلتك والهبول - بفتح الهاء -
المرأة لا يعيش لها ولد . عن دين الله متعلق بتخدعني ( 3 ) أمختبط في رأسك فاختل
نظام إدراكك ، أم أصابك جنون ، أم تهجر أي تهذو بما لا معنى له ( 4 ) جلب الشعيرة
بكسر الجيم - قشرتها . وأصل الجلب غطاء الرحل فتجوز في إطلاقه على غطاء الحبة
( 5 ) قضمت الدابة الشعير - من باب علم - : كسرته بأطراف أسنانها ( 6 ) سبات العقل نومه . والزلل :
السقوط في الخطإ ( 7 ) صيانة الوجه حفظه من التعرض للسؤال . وبذل الجاه . إسقاط المنزلة
من القلوب . واليسار : الغنى . والاقتار : الفقر . وقوله فأسترزق ترتيب على البذل ( * ) =
ـ219ـ
طالبي رزقك ، وأستعطف شرار خلقك ، وابتلى بحمد من أعطاني ،
وأفتتن بذم من منعني ، وأنت من وراء ذلك كله ولي الاعطاء والمنع
" إنك على كل شئ قدير "
226 - ومن خطبة له عليه السلام
دار بالبلاء محفوفة ، وبالغدر معروفة . لا تدوم أحوالها ، ولا
تسلم نزالها ( 1 ) أحوال مختلفة ، وتارات متصرفة . العيش فيها مذموم
والامان فيها معدوم . وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم
بسهامها وتفنيهم بحمامها ( 2 )
وأعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل
من قد مضى قبلكم ( 3 ) ممن كان أطول منكم أعمارا ، وأعمر ديارا ،
وأبعد آثارا . أصبحت أصواتهم هامدة ، ورياحهم راكدة ( 4 ) ،
وأجسادهم بالية ، وديارهم خالية وآثارهم عافية . فاستبدلوا بالقصور
* ( هامش ) * = بالاقتار فإنه لو افتقر لطلب الرزق من طلاب رزق الله وهم الناس ( 1 ) النزال بالضم
وتشديد الزاي جمع نازل ( 2 ) الحمام - بالكسر - الموت ( 3 ) أنتم وما تتمتعون به قيام
على سبيل الماضين تنتهون إلى نهايته وهو الفناء . وبعد آلاثار طول بقائها بعد ذويها
( 4 ) راكدة : ساكنة . وركود الريح كناية عن انقطاع العمل وبطلان الحركة .
آثارهم عافية أي مندرسة ( * )
ـ220ـ
المشيدة والنمارق الممهدة ( 1 ) الصخور والاحجار المسندة ، والقبور
اللاطئة الملحدة ( 2 ) . التي قد بني بالخراب فناؤها ( 3 ) ، وشيد بالتراب
بناؤها . فمحلها مقترب ، وساكنها مغترب . بين أهل محلة موحشين
وأهل فراغ متشاغلين ( 4 ) لا يستأنسون بالاوطان ، ولا يتواصلون
تواصل الجيران على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار . وكيف
يكون بينهم تزاور وقد طحنهم بكلكله البلى ( 5 ) ، وأكلتهم الجنادل
والثرى . وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه ( 6 ) ، وارتهنكم ذلك
المضجع ، وصمكم ذلك المستودع . فكيف بكم لو تناهت بكم
الامور ( 7 ) ، وبعثرت القبور " هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت ( 8 ) ،
وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون "
* ( هامش ) * ( 1 ) النمارق - جمع نمرقة - : تطلق على الوسادة الصغيرة وعلى الطنفسة أي البساط ولعله
المراد هنا . والممهدة المفروشة والصخور مفعول استبدلوا ( 2 ) لطأ بالارض - كمنع وفرح - :
لصق . الملحدة من ألحد القبر جعل له لحدا أي شقا في وسطه أو جانبه ( 3 ) فناء الدار
- بالكسر - : ساحتها وما اتسع أمامها . وبناء الفناء بالخراب تمثيل لما يتخيله الفكر في ديار
الموتى من الفناء الدائم إلى نهاية العالم ( 4 ) متشاغلين بما شاهدوا من عقبى أعمالهم
( 5 ) الكلكل هو صدر البعير كأن البلى بكسر الباء أي الفناء جمل ترك عليهم فطحنهم .
والجنادل : الحجارة . والثرى : التراب ( 6 ) ولقرب آجالكم كأنكم قد صرتم إلى مصيرهم
وحبستم في ذلك المضجع كما يحبس الرهن في يد المرتهن ( 7 ) تناهى به الامر : وصل
إلى غايته . والمراد انتهاء مدة البرزخ . وبعثرت القبور قلب ثراها وأخرج موتاها
( 8 ) تبلوه أي تخبره فتقف على خيره وشره ( * )
ـ221ـ
227 - ( ومن دعائه عليه السلام )
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 221 سطر 1 الى ص 230 سطر 21
227 - ( ومن دعائه عليه السلام )
اللهم إنك آنس الآنسين لاوليائك ( 1 ) . وأحضرهم بالكفاية
للمتوكلين عليك . تشاهدهم في سرائرهم ، وتطلع عليهم في ضمائرهم
وتعلم مبلغ بصائرهم . فأسرارهم لك مكشوفة ، وقلوبهم إليك
ملهوفة ( 2 ) . إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك ، وإن صبت عليهم
المصائب لجأوا إلى الاستجارة بك ، علما بأن أزمة الامور بيدك ،
ومصادرها عن قضائك
اللهم إن فههت عن مسألتي ( 3 ) أو عميت عن طلبتي فدلني على
مصالحي ، وخذ بقلبي إلى مراشدي ، فليس ذلك بنكر من
هداياتك ( 4 ) ولا ببدع من كفاياتك
اللهم احملني على عفوك ( 5 ) ولا تحملني على عدلك
* ( هامش ) * ( 1 ) آنس أشد أنسا ، فقلوب الاولياء أشد أنسا بالله من كل أليف فالله آنس الموجودات
عندها وهو أشد النصراء حضورا بما يكفي المعتمدين عليه ( 2 ) الملهوف : المضطر
يستغيث ويتحسر ( 3 ) فهه - كفرح - عيى فلم يستطع البيان . والطلبة - بكسر الطاء -
المطلوب . والمراشد : مواضع الرشد ( 4 ) النكر - بالضم - : المنكر . والبدع بالكسر - :
الامر يكون أولا ، أي الغريب غير المعهود ( 5 ) اعتراف منه بالتقصير فلو عامله الله بالعدل
لاشتد عليه الهول فالتجأ إلى العفو ( * )
ـ222ـ
228 - ومن كلام له عليه السلام
لله بلاء فلان ( 1 ) فقد قوم الاود وداوى العمد . خلف الفتنة وأقام
السنة . ذهب نقي الثوب ، قليل العيب . أصاب خيرها وسبق شرها .
أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه . رحل وتركهم في طرق متشعبة ( 2 )
لا يهتدي فيها الضال ولا يستيقن المهتدي
229 - ومن كلام له عليه السلام
في وصف بيعته بالخلافة وقد تقدم مثله بألفاظ مختلفة
وبسطتم يدي فكففتها ، ومددتموها فقبضتها ، ثم تداككتم
علي ( 3 ) تداك الابل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى انقطعت النعل
وسقطت الرداء ووطئ الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي
أن ابتهج بها الصغير وهدج إليها الكبير ( 4 ) وتحامل نحوها العليل ،
وحسرت إليها الكعاب
* ( هامش ) * ( 1 ) هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وقوم الاود عدل الاعوجاج . والعمد
- بالتحريك - : العلة . وخلف الفتنة تركها خلفا لا هو أدركها ولا هي أدركته ( 2 ) عبارة عن
الاختلاف ( 3 ) التداك : الازدحام كأن كل واحد يدك الآخر أي يدقه . والهيم أي العطاش
جمع هيماء ، كعيناء وعين ( 4 ) هدج : مشى مشية الضعيف ، وهدج الظليم إذا مشى في ارتعاش
والكعاب - كسحاب - : الجارية حين يبدو ثديها للنهود وهي الكاعبة . وحسرت ( * ) =
ـ223ـ
230 - ومن خطبة له عليه السلام
فإن تقوى الله مفتاح سداد ، وذخيرة معاد . وعتق من كل
ملكة ( 1 ) ، ونجاة من كل هلكة . بها ينجح الطالب ، وينجو
الهارب ، وتنال الرغائب . فاعملوا والعمل يرفع ( 2 ) ، والتوبة تنفع ،
والدعاء يسمع . والحال هادئة ، والاقلام جارية : وبادروا بالاعمال عمرا
ناكسا ، ومرضا حابسا أو موتا خالسا . فإن الموت هادم لذاتكم ،
ومكدر شهواتكم ، ومباعد طياتكم ( 3 ) . زائر غير محبوب ، وقرن
غير مغلوب ، وواتر غير مطلوب . قد أعلقتكم حبائله
وتكنفتكم غوائله ، وأقصدتكم معابله . وعظمت فيكم سطوته
* ( هامش ) * = أي كشفت عن وجهها متوجهة إلى البيعة لتعقدها بلا استحياء لشدة الرغبة والحرص
على إتمام الامر لامير المؤمنين . والغرض من الكلام الاحتجاج على المخالفين بأن الامة
بايعته مختارة ( 1 ) الملكة - بالتحريك - الرق أي عتق من رق الشهوات والاهواء .
والهلكة - بالتحريك - : الهلاك ( 2 ) والعمل الخ الواو واو الحال . وبادروا أي اسبقوا
بأعمالكم حلول آجالكم التي تنكسكم أي تقلبكم من الحياة إلى الموت . والحابس
المانع من العمل . والخالس : الخاطف ( 3 ) طياتكم جمع طية - بالكسر - : القصد أي
يحول بينكم وبين مقاصدكم فيبعدها والقرن - بالكسر - : الكفؤ في الشجاعة . والتسمية
تبكيت لمن يظن مغالبة الموت فلا يستعد له بالصالحات كأنه يقول إذا كنتم أقوياء
فالموت كفؤ لكم غير مغلوب ، والواتر : الجاني والموت لا يطالب بالقصاص على جنايته .
أعلقتكم الحبائل أوقعتكم فيها فاقتنصتكم وهي جمع حبالة : المصيدة من الحبال . وتكنفتكم ( * ) =
ـ224ـ
وتتابعت عليكم عدوته ( 1 ) ، وقلت عنكم نبوته . فيوشك أن
تغشاكم دواجي ظلله ، واحتدام علله . وحنادس غمراته ، وغواشي
سكراته ، وأليم إزهاقه ، ودجو إطباقه ، وجشوبة مذاقه . فكأن
قد أتاكم بغتة فأسكت نجيكم ( 2 ) ، وفرق نديكم ، وعفى آثاركم ،
وعطل دياركم ، وبعث وراثكم يقتسمون تراثكم بين حميم خاص
لم ينفع ، وقريب محزون لم يمنع ، وآخر شامت لم يجزع . فعليكم
بالجد والاجتهاد ، والتأهب والاستعداد ، والتزود في منزل الزاد . ولا
تغرنكم الدنيا كما غرت من كان قبلكم من الامم الماضية
والقرون الخالية الذين احتلبوا درتها ( 3 ) ، وأصابوا غرتها ، وأفنوا
عدتها ، وأخلقوا جدتها . أصبحت مساكنهم أجداثا ( 4 ) ، وأموالهم
* ( هامش ) * = إحاطتكم . أقصده : رماه بسهم فأصاب مقتله والمعابل - جمع معبلة كمكنسة بكسر الميم -
وهي النصل الطويل العريض ( 1 ) العدوة - بالفتح - العدوان . والنبوة - بالفتح -
أن يخطئ في الضربة فلا يصيب . والدواجي - جمع داجية - أي مظلمة . والظلل - جمع
الظلة - أي السحابة . والاحتدام : الاشتداد . والحنادس : جمع حندس - بكسر الحاء
والدال - الظلمة الشديدة . والغمرات : الشدائد . والدجو : الاظلام . والجشوبة :
الخشونة ( 2 ) النجى القوم يتناجون . والندى : الجماعة يجتمعون للمشاورة . وعفى الآثار
محاها . والتراث : الميراث . والحميم : الصديق ( 3 ) الدرة - بالكسر - : اللبن . والغرة
- بالكسر - : الغفلة أي أصابوا منها غفلة فتمتعوا بلذاتها وأفنوا العدد الكثير من أيامها
وجعلوا جديدها خلقا قديما بطول أعمارهم ( 4 ) الاجداث : القبور ( * )
ـ225ـ
ميراثا . لا يعرفون من أتاهم ، ولا يحفلون من بكاهم ( 1 ) ، ولا يجيبون من
دعاهم فاحذروا الدنيا فإنها غدارة ، غرارة خدوع ، معطية منوع ، ملبسة
نزوع ( 2 ) . ولا يدوم رخاؤها ، ولا ينقضي عناؤها ، ولا يركد بلاؤها
( منها في صفة الزهاد ) كانوا قوما من أهل الدنيا وليسوا من أهلها
فكانوا فيها كمن ليس منها . عملوا فيها بما يبصرون ، وبادروا فيها ما
يحذرون ( 3 ) . تقلب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة ( 4 ) ، يرون أهل
الدنيا يعظمون موت أجسادهم وهم أشد إعظاما لموت قلوب أحيائهم
231 - ومن خطبة له عليه السلام
خطبها بذي قار وهو متوجه إلى البصرة
ذكرها الواقدي في كتاب الجمل
فصدع بما أمر به ( 5 ) ، وبلغ رسالات ربه فلم الله به الصدع . ورتق
* ( هامش ) * ( 1 ) يحفلون : يبالون ( 2 ) ما ألبست إلا نزعت لباسها عمن ألبسته . ولا يركد أي لا يسكن
( 3 ) بادر المحذور : سبقه فلم يصبه ( 4 ) تقلب أبدانهم أي تتقلب ، أي أن أبدانهم وهي في
الدنيا تتقلب بين أظهر أهل الآخرة وهو بين ظهرانيهم أي بينهم حاضرا ظاهرا ( 5 ) الضمير
في صدع للنبي صلى الله عليه وسلم . ولم الصدع لحم المنشق فأعاده إلى القيام بعد الاشراف
على الانهدام . والفتق نقض خياطة الثوب فينفصل بعض أجزائه عن بعض . والرتق خياطتها ( * ) =
ـ226ـ
به الفتق . وألف به ذوي الارحام بعد العداوة الواغرة في الصدور ،
والضغائن القادحة في القلوب
232 - ومن كلام له عليه السلام
كلم به عبدالله بن زمعة وهو من شيعته وذلك أنه قدم
عليه في خلافته يطلب منه مالا فقال عليه السلام :
إن هذا المال ليس لي ولا لك وإنما هو فئ للمسلمين ( 1 ) وجلب
أسيافهم ، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم ، وإلا فجناة
أيديهم لا تكون لغير أفواههم
233 - ومن كلام له عليه السلام
ألا إن اللسان لضعة من الانسان ( 2 ) فلا يسعده القول إذا امتنع
ولا يمهله النطق إذا اتسع . وإنا لامراء الكلام ، وفينا تنشبت عروقه
وعلينا تهدلت غصونه
* ( هامش ) * = ليعود ثوبا . أي جمع الله به متفرق القلوب ومتشتت الاحوال . والواغرة : الداخلة . والقادحة
المشتعلة ( 1 ) الفئ الخراج والغنيمة . وشركه - كعلمه - : شاركه . والجناة بفتح الجيم - : ما يجنى
من الشجر أي يقطف ( 2 ) أي أن اللسان آلة تحركها سلطة النفس فلا يسعد بالنطق
ناطق امتنع عليه ذهنه من المعاني فلم يستحضرها ولا يمهله النطق إذا هو اتسع في فكره
بل تنحدر المعاني إلى الالفاظ جارية على اللسان قهرا عنه ، فسعة الكلام تابعة لسعة
العلم وتنشبت الاصول علقت وثبتت . والمراد من العروق الافكار العالية والعلوم السامية . ( * ) =
ـ227ـ
واعلموا رحمكم الله أنكم في زمان القاتل فيه بالحق قليل ، واللسان
عن الصدق كليل ( 1 ) ، واللازم للحق ذليل . أهله معتكفون على العصيان .
مصطلحون على الادهان فتاهم عارم ( 2 ) ، وشائبهم آثم ، وعالمهم منافق ،
وقارئهم مماذق . لا يعظم صغيرهم كبيرهم ، ولا يعول غنيهم فقيرهم
234 - ومن كلام له عليه السلام
( روى اليماني عن أحمد بن قتيبة عن عبدالله بن يزيد عن
مالك بن دحية قال : كنا عند أمير المؤمنين عليه
السلام وقد ذكر عنده اختلاف الناس فقال ) :
إنما فرق بينهم مبادئ طينهم ( 3 ) وذلك أنهم كانوا فلقة
من سبخ أرض وعذبها ، وحزن تربة وسهلها . فهم على حسب
قرب أرضهم يتقاربون ، وعلى قدر اختلافها يتفاوتون . فتام الرواء ( 4 )
ناقص العقل ، وماد القامة قصير الهمة ، وزاكي العمل قبيح المنظر ،
* ( هامش ) * = والغصون : وجوه القول في فصاحته وصفاته الفاعلة في النفوس . وتهدلت أي تدلت علينا
فأظلتنا ( 1 ) كل لسانه نبا عن الغرض ، وإذا مرنت الاسماع على سماع الكذب نبا عنها
لسان الصدق فلم يصب منها حظا ( 2 ) شرس : سئ الخلق . والمماذق من يمزج وده بالغش
وهو من صنف المنافقين ( 3 ) جمع طينة يريد عناصر تركيبهم . والفلقة - بكسر الفاء - :
القطعة من الشئ . وسبخ الارض : مالحها . والحزن - بفتح الحاء - : الخشن ضد السهل
فتقارب الناس حسب تقارب العناصر المؤلفة لبناهم وكذلك تباعدهم بتباعدها ( 4 ) الرواء -
بالضم والمد - : حسن المنظر . وماد القامة طويلها . والقعر يريد به قعر البدن أي أنه قصير ( * ) =
ـ228ـ
وقريب القعر بعيد السبر ، ومعروف الضريبة منكر الجليبة ، وتائه
القلب متفرق اللب ، وطليق اللسان حديد الجنان
235 - ومن كلام له عليه السلام
قاله وهو يلي غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وتجهيزه
بأبي أنت وأمي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من
النبوة والانباء وأخبار السماء . خصصت ( 1 ) حتى صرت مسليا عمن سواك
وعممت حتى صار الناس فيك سواء . ولولا أنك أمرت بالصبر
ونهيت عن الجزع لانفدنا عليك ماء الشئون ( 2 ) ، ولكان الداء مماطلا
والكمد محالفا وقلا لك ( 3 ) ، ولكنه ما لا يملك رده ( 4 ) ولا يستطاع
دفعه . بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك
* ( هامش ) * = الجسم لكنه داهي الفؤاد . والضريبة الطبيعة . والجليبة ما يتصنعه الانسان على خلاف
طبعه ( 1 ) النبي صلى الله عليه وسلم خص أقاربه وأهل بيته حتى كان فيه الغنى والسلوة
لهم عن جميع من سواه . وهو برسالته عام للخلق فالناس في النسبة إلى دينه سواء ( 2 ) لانفدنا
أي لافنينا على فراقك ماء عيوننا الجاري من شؤونه وهي منابع الدمع من الرأس
( 3 ) مماطلا بالشفاء . والكمد : الحزن . ومحالفته ملازمته . وقلا فعل ماض متصل
بألف التثنية ، أي مماطلة الداء ومحالفة الكمد قليلتان لك ( 4 ) ما خبر لكن أي لكنه
الموت الذي لا يملك رده الخ . وما حتم وقعه فلا يفيد الاسف عليه لان الاسف وضع في النفوس ( * ) =
ـ229ـ
236 - ومن كلام له عليه السلام
اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة
النبي صلى الله عليه وآله ثم لحاقه به
فجعلت أتبع مأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله فأطأ ذكره
حتى انتهيت إلى العرج ( 1 ) ( في كلام طويل )
( قوله عليه السلام : فأطأ ذكره . من الكلام الذي رمى به
إلى غايتي الايجاز والفصاحة ، أراد أني كنت أعطى خبره ( 2 ) صلى الله
عليه وآله من بدء خروجي إلى أن انتهيت إلى هذا الموضع فكنى
عن ذلك بهذه الكناية العجيبة )
237 - ومن خطبة له عليه السلام
فاعملوا وأنتم في نفس البقاء ( 3 ) والصحف منشورة ، والتوبة
مبسوطة . والمدبر يدعى ، والمسئ يرجى . قبل أن يخمد العمل ،
وينقطع المهل ، وينقضي الاجل ، ويسد باب التوبة وتصعد الملائكة ( 4 )
* ( هامش ) * = لمداركة الفائت والحذر من الآتي ( 1 ) العرج - بالتحريك - موضع بين مكة والمدينة
( 2 ) أعطى بالبناء للمجهول ( 3 ) نفس - بالتحريك - أي سعة البقاع . وصحف الاعمال
منشورة لكتابة الصحالحات والسيئات . وبسط التوبة : قبولها . والمدبر أي
المعرض عن الطاعة يدعى إليها . والمسئ يرجى إحسانه ورجوعه عن إساءته .
وخمود العمل : انقطاعه بحلول الموت ( 4 ) صعود الملائكة لعرض أعمال العبد إذا انتهى ( * ) =
ـ230ـ
فأخذ امرؤ من نفسه لنفسه ( 1 ) . وأخذ من حي لميت ، ومن فان
لباق ، ومن ذاهب لدائم . امرؤ خاف الله ( 2 ) وهو معمر إلى أجله ،
ومنظور إلى عمله ، أمرؤ ألجم نفسه بلجامها وزمها بزمامها ( 3 ) ،
فأمسكها بلجامها عن معاصي الله وقادها بزمامها إلى طاعة الله
238 - ومن كلام له عليه السلام
في شأن الحكمين وذم أهل الشام
جفاة طغام ( 4 ) ، وعبيد أقزام . جمعوا من كل أوب ، وتلقطوا من
كل شوب ممن ينبغي أن يفقه ويؤدب ( 5 ) ، ويعلم ويدرب ، ويولى
* ( هامش ) * = أجله ليس بعده توبة ( 1 ) أخذ أمر بصيغة الماضي أي فليأخذ ، أو هو على حقيقته
مرتب على قوله فاعملوا ، أي لو عملتم لاخذ امرؤ ، وأخذه من نفسه تعاطي الاعمال الجليلة
لنفسه أي لتسعد بها نفسه . والحي والميت هو المرء نفسه ولكنه في حياته قادر على العمل
فإذا مات فليس له إلا ما أخذه من حياته . ومن فان أي حياة فانية وهي الدنيا لباق وهو
الآخرة ، وهكذا الذاهب والدائم ( 2 ) امرؤ خاف الخ أي الناجي هو امرؤ خاف الله فأدى
الواجب عليه له وللناس وهو في مهلة الحياة تمتد به إلى أجله . ومنظور أي ممهل من الله
لا يأخذه بالعقاب إلى أن يعمل فيعفو عن تقصيره ويثيبه على عمله ( 3 ) زمها أي قادها
بقيادها ( 4 ) الجفاة - بضم الجيم - : جمع جاف ، أي غليظ فظ . والطغام - كسحاب - : أوغاد
الناس . والعبيد كناية عن رديئى الاخلاق . والاقزام : جمع قزم - بالتحريك - أرذال الناس
جمعوا من كل أوب أي ناحية . والشوب الخلط كناية عن كونهم أخلاطا ليسوا من صراحة
النسب في شئ ( 5 ) ممن ينبغي أي أنهم على جهل فينبغي أن يفقهوا ويؤدبوا ويعلموا
فرائضهم ويمرنوا على العمل بها ، وهم سفهاء الاحلام فينبغي أن يولى عليهم أي يقام ( * ) =
ـ231ـ
عليه ويؤخذ على يديه . ليسوا من المهاجرين والانصار ، ولا من
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 2 من ص 231 سطر 1 الى ص 234 سطر 13
عليه ويؤخذ على يديه . ليسوا من المهاجرين والانصار ، ولا من
الذين تبوأوا الدار
ألا وإن القوم اختاروا لانفسهم أقرب القوم مما تكرهون ( 1 ) ،
وإنما عهدكم بعبد الله بن قيس بالامس يقول : " إنها فتنة فقطعوا
أوتاركم وشيموا سيوفكم " فإن كان صادقا ( 2 ) فقد أخطأ بمسيره
غير مستكره ، وإن كان كاذبا فقد لزمته التهمة . فادفعوا في صدر
عمرو بن العاص بعبد الله ابن العباس ، وخذوا مهل الايام وحوطوا
قواصي الاسلام . ألا ترون إلى بلادكم تغزى ، وإلى صفاتكم ترمى
* ( هامش ) * = لهم الاولياء ليلزموهم بمصالحهم ويعملوا لهم ويأخذوا على أيديهم فلا يبيحون لهم التصرف
من أنفسهم وإلا جرتهم إلى الضرر بالجهل والسفه . تبوأوا الدار أي نزلوا المدينة المنورة ،
كناية عن الانصار الاولين ( 1 ) أقرب القوم يريد به أبا موسى الاشعري وهو عبدالله
ابن قيس ، وهو لعدم وقوفه على وجوه الحيل يؤخذ بالخديعة فيكون أقرب إلى موافقة
الاعداء على أغراضهم وهو ما يكرهه ، أصحاب أمير المؤمنين خصوصا وقد عهدوه بالامس
- أي عند إعداد الجيش للحرب - يقول : ان الحادثة فتنة فقطعوا أوتار القسى وشيموا أي
أغمدوا السيوف ولا تقاتلوا . يثبط بذلك أصحاب علي عن الحرب ( 2 ) إن صح قول
أبي موسى أنها فتنة ولم يكرهه أحد على الدخول فيها فقد أخطأ بمسيره إليها وكان عمله
خلاف عقيدته ، ومن كان شأنه ذلك فلا يصلح للحكم ، وإن كان كاذبا فيما يقول فقد
كان عارفا بالحق ونطق بالباطل فهو منهم ويخشى أن يكون منه مثل ذلك في الحكم .
وقوله فادفعوا الخ أي اختاروا ابن عباس حكما فإنه كفؤ لعمرو بن العاص . وخذوا مهل
الايام في فسحتها فاستعدوا فيها بجمع قواكم وتوفير عددكم وتجنيد جيوشكم . وحوطوا ( * ) =
ـ232ـ
239 - ومن خطبة له عليه السلام
يذكر فيها آل محمد صلى الله عليه وآله
هم عيش العلم وموت الجهل . يخبركم حلمهم عن علمهم .
وصمتهم عن حكم منطقهم . لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه . هم
دعائم الاسلام وولائج الاعتصام ( 1 ) بهم عاد الحق في نصابه ( 2 ) ،
وانزاح الباطل عن مقامه ، وانقطع لسانه عن منبته . عقلوا الدين
عقل وعاية ورعاية ( 3 ) ، لا عقل سماع ورواية . فإن رواة العلم كثير
ورعاته قليل
240 - ومن كلام له عليه السلام
قاله لعبد الله بن عباس وقد جاءه برسالة من عثمان وهو محصور
* = قواصي الاسلام أي احفظوها من غارة أهل الفتنة عليها ، واجعلوا كل قاصية لكم لا عليكم .
وقواصي الاسلام أطرافه . ورمى الصفاة - بفتح الصاد - كناية عن طمع العدو فيما باليد .
وأصل الصفاة الحجر الصلد يراد منها القوة وما يحميه الانسان ( هامش ) * ( 1 ) ولائج : جمع وليجة ،
وهي ما يدخل فيه السائر اعتصاما من مطر أو برد أو توقيا من مفترس ( 2 ) نصاب الحق :
أصله ، والاصل في معنى النصاب مقبض السكين ، فكأن الحق نصل ينفصل عن مقبضه ويعود
إليه . وانزاح زال . وانقطاع لسان الباطل عن منبته - بكسر الباء - أي عن أصله مجاز
عن بطلان حجته وانخذاله عند هجوم جيش الحق عليه ( 3 ) عقل الوعاية حفظ في فهم .
والرعاية ملاحظة أحكام الدين وتطبيق الاعمال عليها وهذا هو العلم بالدين حقيقة . أما السماع ( * ) =
ـ233ـ
يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع ليقل هتف الناس باسمه للخلافة ( 1 )
بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل ، فقال عليه السلام :
يا ابن عباس ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملا ناضحا بالغرب ( 2 )
أقبل وأدبر ، بعث إلي أن أخرج ، ثم بعث إلي أن أقدم ، ثم هو الآن
يبعث إلي أن أخرج . والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن
أكون آثما
241 - ومن خطبة له عليه السلام
( ومن كلام له عليه السلام يحث فيه أصحابه على الجهاد )
والله مستأديكم شكره ( 3 ) ومورثكم أمره ، وممهلكم في
مضمار محدود ( 4 )
* ( هامش ) * = والرواية مجردين عن الفهم والرعاية فمنزلتهما لا تخالف منزلة الجهل إلا في الاسم ( 1 ) كان
الناس يهتفون باسم أمير المؤمنين للخلافة أي ينادون به وعثمان رضي الله عنه محصور ،
فأرسل إليه عثمان يأمره أن يخرج إلى ينبع وكان فيها رزق لامير المؤمنين فخرج
ثم استدعاه لينصره فحضر ، ثم عاود الامر بالخروج مرة ثانية ( 2 ) نضح الجمل الماء حمله
من بئر أو نهر ليسقى به الزرع فهو ناضح . والغرب - بفتح فسكون : - الدلو العظيمة ،
والكلام تمثيل للتسخير ( 3 ) مستأديكم : طالب منكم أداء شكره . وأمره : سلطانه في الارض
يورثه الصالحين المحافظين على رعاية أوامره ونواهيه ( 4 ) ممهلكم أي معطيكم مهلة في
مضمار الحياة المحدود بالاجل . وأصل المضمار المكان تضمر فيه الخيل أي تحضر للسباق
لتتنازعوا أي تتنافسوا في سبقه . والسبق - بالتحريك - : الخطر يوضع بين المتسابقين ( * ) =
ـ234ـ
لتتنازعوا سبقه . فشدوا عقد المآزر ( 1 ) ، واطووا فضول الخواصر ،
ولا تجتمع عزيمة ووليمة ( 2 ) . ما أنقض النوم لعزائم اليوم ( 3 ) ،
وأمحى الظلم لتذاكير الهمم
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الامي وعلى آله مصابيح الدجى
والعروة الوثقى وسلم تسليما كثيرا
* ( هامش ) * = يأخذه السابق منهم وهو هنا الجنة ( 1 ) العقد : جمع عقدة . والمآزر : جمع مئزر .
وشد عقد المآزر كناية عن الجد والتشمير فإن من شد العقدة أمن من انحلالها فيمضي
في عمله غير خائف . واطووا فضول الخواصر أي ما فضل من مآزركم يلتف على أقدامكم
فاطووه حتى تخفوا في العمل ولا يعوقكم شئ عن الاسراع في عملكم ( 2 ) أي لا يجتمع
طلب المعالي مع الركون إلى اللذائذ ( 3 ) ما : تعجبية أي ماأشد النوم نقضا لعزيمة النهار
بعزم السائر على قطع جزء من الليل في السير ، فاذا جاء الليل غلبه النوم فنقض عزيمته .
والظلم : جمع ظلمة ، متى دخلت محت تذكار الهمة التي كانت في النهار . والله أعلم . ( * )
............................................................................
نهج البلاغة مجلد: 3
ـ 1 ـ

الجزء الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم
باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام
ورسائله إلى أعدائه وأمراء بلاده ، ويدخل في ذلك ما اختير
من عهوده إلى عماله ووصاياه لاهله وأصحابه
وإن كان كل كلامه رضي الله عنه مختارا
1 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة
عند مسيره من المدينة إلى البصرة )
من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة
الانصار ( 1 ) . وسنام العرب
أما بعد فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سمعه كعيانه
إن الناس طعنوا عليه ، فكنت رجلا من المهاجرين أكثر
استعتابه ( 2 ) وأقل عتابه ، وكان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه
* ( هامش ) *
( 1 ) شبههم بالجبهة من حيث الكرم ، وبالسنام من حيث الرفعة ( 2 ) استعتابه : استرضاؤه .
والوجيف : ضرب من سير الخيل والابل سريع . وجملة أهون سيرهما الوجيف خبر كان ، ( * ) =
ـ 3 ـ
الو جيف ، وأرفق حدائهما العنيف ، وكان من عائشة فيه فلتة غضب ( 1 )
فأتيح له قوم فقتلوه ، وبايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين
بل طائعين مخيرين
واعلموا أن دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها ( 2 ) ، وجاشت
جيش المرجل وقامت الفتنة على القطب ، فأسرعوا إلى أميركم وبادروا
جهاد عدوكم إن شاء الله
2 - ( ومن كتاب له عليه السلام إليهم بعد فتح البصرة )
وجزاكم الله من أهل مصر عن أهل بيت نبيكم أحسن ما يجزي
العاملين بطاعته والشاكرين لنعمته ، فقد سمعتم وأطعتم ،
ودعيتم فأجبتم
* ( هامش ) * = أي أنهما سارعا لاثارة الفتنة عليه . والحداء زجر الابل وسوقها ( 1 ) قيل إن أم المؤمنين
أخرجت نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقميصه من تحت ستارها وعثمان رضي الله
عنه على المنبر وقالت هذان نعلا رسول الله وقميصه لم تبل ، وقد بدلت من دينه وغيرت
من سنته ، وجرى بينهما كلام المخاشنة ، فقالت اقتلوا نعثلا ، تشبهه برجل معروف .
فأتيح أي قدر له قوم فقتلوه ( 2 ) دار الهجرة المدينة . وقلع المكان بأهله نبذهم فلم يصلح
لاستيطانهم . وجاشت غلت . والجيش الغليان . والمرجل كمنبر : القدر أي فعليكم أن تقتدوا
بأهل دار الهجرة فقد خرجوا جميعا لقتال أهل الفتنة . والقطب هو نفس الامام قامت ( * ) =
ـ 4 ـ
3 - ( ومن كتاب له عليه السلام كتبه لشريح بن الحارث قاضيه )
روي أن شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين عليه السلام
اشترى على عهده دارا بثمانين دينارا فبلغه ذلك فاستدعاه وقال له :
بلغني أنك ابتعت دارا بثمانين دينارا وكتبت كتابا وأشهدت فيه
شهودا ، فقال شريح : قد كان ذلك يا أمير المؤمنين . قال فنظر إليه نظر
مغضب ثم قال له : يا شريح أما إنه سيأتيك من لا ينظر في كتابك ،
ولا يسألك عن بينتك حتى يخرجك منها شاخصا ( 1 ) ، ويسلمك إلى
قبرك خالصا . فانظر يا شريح لا تكون ابتعت هذه الدار من غير
مالك ، أو نقدت الثمن من غير حلالك فإذا أنت قد خسرت دار
الدنيا ودار الآخرة . أما إنك لو أتيتني عند شرائك ما اشتريت
لكتبت لك كتابا على هذه النسخة فلم ترغب في شراء هذه الدار
بدرهم فما فوق . والنسخة : " هذا ما اشترى عبد ذليل من عبد قد
أزعج للرحيل ، اشترى منه دارا من دار الغرور من جانب الفانين ،
وخطة الهالكين ، ويجمع هذه الدار حدود أربعة : الحد الاول
* ( هامش ) * = عليه فتنة أصحاب الجمل ( 1 ) ذاهبا مبعدا ( * )
ـ 5 ـ
ينتهي إلى دواعي الآفات ، والحد الثاني ينتهي إلى دواعي المصيبات ، والحد
الثالث ينتهي إلى الهوى المردي ، والحد الرابع ينتهي إلى الشيطان
المغوي ، وفيه يشرع باب هذه الدار ( 1 ) . اشترى هذا المغتر بالامل
من هذا المزعج بالاجل هذه الدار بالخروج من عز القناعة والدخول
في ذل الطلب والضراعة ( 2 ) ، فما أدرك هذا المشتري فيما اشترى
من درك فعلى مبلبل أجسام الملوك ، وسالب نفوس الجبابرة ،
ومزيل ملك الفراعنة ، مثل كسرى وقيصر ، وتبع وحمير ، ومن جمع
المال على المال فأكثر ، وبنى وشيد وزخرف ، ونجد وادخر ، واعتقد
ونظر بزعمه للولد إشخاصهم جميعا ( 3 ) إلى موقف العرض والحساب ،
وموضع الثواب والعقاب . إذا وقع الامر بفصل القضاء " وخسر هنالك
المبطلون " شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى وسلم من
علائق الدنيا "
* ( هامش ) * ( 1 ) يشرع أي يفتح في الحد الرابع ( 2 ) الضراعة الذلة . والدرك بالتحريك : التبعة ، والمراد
منه ما يضر بملكية المشترى أو منفعته بما اشترى ويكون الضمان فيه على البائع . ومبلبل
الاجسام مهيج داآتها المهلكة لها . ونجد بتشديد الجيم أي زين . واعتقد المال اقتناه
( 3 ) أشخاصهم مبتدأ مؤخر خبره على مبلبل الاجسام الخ أي إذا لحق المشتري ما يوجب
الضمان فعلى مبلبل الاجسام إرساله هو والبائع إلى موقف الحساب الخ ( * )
ـ 6 ـ
4 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض أمراء جيشه )
فإن عادوا إلى ظل الطاعة فذاك الذي نحب ، وإن توافت الامور
بالقوم إلى الشقاق والعصيان ( 1 ) فانهد بمن أطاعك إلى من عصاك ،
واستغن بمن انقاد معك عمن تقاعس عنك فإن المتكاره ( 2 ) مغيبه خير
من شهوده ، وقعوده أغنى من نهوضه
5 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى الاشعث بن قيس )
( عامل أذربيجان )
وإن عملك ليس لك بطمعة ( 3 ) ولكنه في عنقك أمانة ، وأنت
مسترعى لمن فوقك . ليس لك أن تفتات في رعية ( 4 ) ولا تخاطر إلا
بوثيقة ، وفي يديك مال من مال الله عزوجل وأنت من خزانه حتى
تسلمه إلي ، ولعلي أن لا أكون شر ولاتك لك والسلام ( 5 )
* ( هامش ) * ( 1 ) توافى القوم وافى بعضهم بعضا حتى تم اجتماعهم ، أى وإن اجتمعت
أهواؤهم إلى الشقاق فانهد أي أنهض ( 2 ) المتكاره المتثاقل بكراهة الحرب وجوده في
الجيش يضر أكثر مما ينفع ( 3 ) عملك أي ما وليت لتعمله في شؤون الامة . ومسترعى
يرعاك من فوقك وهو الخليفة ( 4 ) تفتات أي تستبد ، وهو افتعال من الفوت كأنه
يفوت آمره فيسبقه إلى الفعل قبل أن يأمره . والخزان بضم فتشديد : جمع خازن ( 5 ) الولاة :
جمع وال من ولى عليه إذا تسلط ، يرجو أن لا يكون شر المتسلطين عليه ولا يحق الرجاء ( * ) =
ـ 7 ـ
6 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية )
إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما
بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد ، وإنما
الشورى للمهاجرين والانصار ، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما
كان ذلك لله رضى ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى
ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على أتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه
الله ما تولى
ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ
الناس من دم عثمان ، ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا ان تتجنى ( 1 )
فتجن ما بدالك والسلام
7 - ( ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضا )
أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة ( 2 ) ، ورسالة محبرة
نمقتها بضلالك ، وأمضيتها بسوء رأيك ، وكتاب امرئ ليس له بصر
* ( هامش ) * = إلا إذا استقام ( 1 ) تجنى كتولى ادعى الجناية على من لم يفعلها . وتجن ما بدالك أي تستره
وتخفيه ( 2 ) موصلة بصيغة المفعول ملفقة من كلام مختلف وصل بعضه ببعض على التباين ،
كالثوب المرقع ، ومحبرة أي مزينة . ونمقتها حسنت كتابتها . وأمضيتها أنفذتها وبعثتها . وكتاب ( * ) =
ـ 8 ـ
يهديه ولا قائد يرشده ، قد دعاه الهوى فأجابه ، وقاده الضلال فاتبعه
فهجر لاغطا ( 1 ) وضل خابطا
( منه ) لانها بيعة واحدة لا يثنى فيها النظر ( 2 ) ولا يستأنف
فيها الخيار . الخارج منها طاعن ، والمروي فيها مداهن
8 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى جرير بن عبدالله البجلي
لما أرسله إلى معاوية )
أما بعد فإذا أتاك كتابي فاحمل معاوية على الفصل ( 3 ) ، وخذه
بالامر الجزم ، ثم خيره بين حرب مجلية أو سلم مخزية ، فإن اختار
الحرب فانبذ إليه ، وإن اختار السلم فخذ بيعته والسلام
9 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية )
فأراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا ( 4 ) ، وهموا بنا الهموم وفعلوا
* ( هامش ) * = عطف على موعظة ( 1 ) هجر : هذى في كلامه ولغا . واللغط الجلبة بلا معنى ( 2 ) لا ينظر
فيها ثانيا بعد النظر الاول ، ولاخيار لاحد فيها يستأنفه بعد عقدها . والمروي هو المتفكر
هل يقبلها أو ينبذها . والمداهن المنافق ( 3 ) الفصل الحكم القطعي . وحرب مجلية أي
مخرجة له من وطنه . والسلم المخزية الصلح الدال على العجز . والخطل في الرأي الموجب
للخزي . فانبذ إليه أي اطرح إليه عهد الامان وأعلنه بالحرب . والفعل من باب ضرب
( 4 ) يحكي معاملة قريش للنبي صلى الله عليه وسلم في أول البعثة . والاجتياح الاستئصال
والاهلاك . وهموا الهموم : قصدوا نزولها . والافاعيل : جمع أفعولة : الفعلة الرديئة والعذب هنئ ( * ) =
ـ 9 ـ
بنا الافاعيل ، ومنعونا العذب ، وأحلسونا الخوف ، واضطرونا إلى جبل
وعر ، وأوقدوا لنا نار الحرب ، فعزم الله لنا على الذب عن حوزته ( 1 ) ،
والرمي من وراء حرمته . مؤمننا يبغي بذلك الاجر ، وكافرنا يحامي
عن الاصل . ومن أسلم من قريش خلو مما نحن فيه بحلف يمنعه أو
عشيرة تقوم دونه ، فهو من القتل بمكان أمن ( 2 )
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أحمر البأس ( 3 ) وأحجم
الناس قدم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر السيوف والاسنة . فقتل
عبيدة بن الحارث يوم بدر ( 4 ) ، وقتل حمزة يوم أحد ، وقتل جعفر يوم
مؤتة . وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من
الشهادة ( 5 ) ، ولكن آجالهم عجلت ومنيته أجلت . فيا عجبا للدهر إذ
* ( هامش ) * = العيش . وأحلسونا : ألزمونا . واضطرونا : الجأونا . والجبل الوعر الصعب الذي لا يرقى إليه كناية
عن مضايقة قريش لشعب أبي طالب حيث جاهروهم بالعداوة وحلفوا لا يزوجونهم
ولا يكلمونهم ولا يبايعونهم ، وكتبوا على ذلك عهدهم عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ( 1 ) عزم الله : أراد لنا أن نذب عن حوزته ، والمراد من الحوزة هنا الشريعة الحقة . ورمى
من وراء الحرمة : جعل نفسه وقاية لها يدافع السوء عنها فهو من ورائها أو هى من ورائه
( 2 ) كان المسلمون من غير آل البيت آمنين على أنفسهم إما بتحالفهم مع بعض القبائل
أو بالاستناد إلى عشائرهم ( 3 ) احمرار البأس اشتداد القتال ، والوصف لما يسيل فيه من
الدماء . وحر الاسنة بفتح الحاء : شدة وقعها ( 4 ) عبيدة ابن عمه وحمزة عمه وجعفر أخو
الامام . ومؤتة بضم الميم بلد في حدود الشام ( 5 ) من لو شئت يريد نفسه ( * )
ـ 10 ـ
صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي ( 1 ) ، ولم تكن له كسابقتي التي
لا يدلي أحد بمثلها إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه ، ولا أظن الله يعرفه
والحمد لله على كل حال
وأما ما سألت من دفع قتلة عثمان إليك فإني نظرت في هذا
الامر فلم أره يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك ، ولعمري لئن لم
تنزع عن غيك وشقاقك ( 2 ) لتعرفنهم عن قليل يطلبونك ، لا
يكلفونك طلبهم في بر ولا بحر ولا جبل ولا سهل ، إلا أنه طلب
يسوءك وجدانه ، وزور لا يسرك لقيانه ( 3 ) والسلام لاهله
0 1 - ( ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضا )
وكيف أنت صانع إذا تكشفت عنك جلابيب ما أنت فيه
من دنيا قد تبهجت بزينتها ( 4 ) وخدعت بلذتها . دعتك فأجبتها ، وقادتك
فاتبعتها ، وأمرتك فأطعتها . وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا
ينجيك منه مجن ( 5 ) . فاقعس عن هذا الامر ، وخذ أهبة الحساب ، وشمر
* ( هامش ) * ( 1 ) بقدم مثل قدمي جرت وثبتت في الدفاع عن الدين . والسابقة : فضله السابق في الجهاد . وأدلى
إليه برحمه : توسل ، وبمال دفعه إليه وكلا المعنيين صحيح ( 2 ) تنزع كتصرب أي تنته ( 3 ) الزور
بفتح فسكون : الزائرون . وإفراد الضمير في لقيانه باعتبار اللفظ ( 4 ) الجلابيب جمع جلباب
وهو الثوب فوق جميع الثياب كالملحفة . وتبهجت : تحسنت . والضمير فيه وفيما بعده للدنيا
( 5 ) المجن : الترس ، أي يوشك أن يطلعك الله على مهلكة لك لا تتقي منها بترس . واقعس ( * ) =
ـ 11 ـ
لما قد نزل بك ، ولا تمكن الغواة من سمعك ، وإلا تفعل أعلمك ما
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 3 من ص 11 سطر 1 الى ص 20 سطر 16
لما قد نزل بك ، ولا تمكن الغواة من سمعك ، وإلا تفعل أعلمك ما
أغفلت من نفسك ( 1 ) ، فإنك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه
وبلغ فيك أمله ، وجرى منك مجرى الروح والدم
ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية ( 2 ) وولاة أمر الامة ؟ بغير
قدم سابق ولا شرف باسق ، ونعوذ بالله من لزوم سوابق الشقاء
وأحذرك أن تكون متماديا في غرة الامنية ( 3 ) مختلف العلانية
والسريرة
وقد دعوت إلى الحرب فدع الناس جانبا وأخرج إلي وأعف
الفريقين من القتال ليعلم أينا المرين على قلبه ( 4 ) والمغطى على بصره .
فأنا أبوحسن قاتل جدك ( 5 ) وخالك وأخيك شدخا يوم بدر ، وذلك
السيف معي ، وبذلك القلب ألقى عدوي ، ما استبدلت دينا ، ولا
* ( هامش ) * = تأخر . والاهبة كالعدة وزنا ومعنى . والغواة : قرناء السوء يزينون الباطل ويحملون
على الفساد ( 1 ) أي أنبهك بصدمة القوة إلى ما لم تنتبه إليه من نفسك فتعرف الحق
وتقلع عن الباطل . والمترف من أطغته النعمة ( 2 ) ساسة : جمع سائس . والباسق العالي الرفيع
( 3 ) الغرة بالكسر : الغرور . والامنية بضم الهمزة : ما يتمناه الانسان ويؤمل إدراكه
( 4 ) المرين بفتح فكسر : اسم مفعول من ران ذنبه على قلبه غلب عليه فغطى بصيرته
( 5 ) جد معاوية لامه عتبة بن أبي ربيعة ، وخاله الوليد بن عتبة ، وأخوه حنظلة بن أبي
سفيان . وشدخا أي كسرا . قالوا هو الكسر في الرطب ، وقيل في اليابس ( * )
ـ 12 ـ
استحدثت نبيا . وإني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين ( 1 )
ودخلتم فيه مكرهين
وزعمت أنك جئت ثائرا بعثمان ( 2 ) . ولقد علمت حيث وقع دم
عثمان فاطلبه من هناك إن كنت طالبا ، فكأني قد رأيتك تضج من
الحرب إذا عضتك ضجيج الجمال بالاثقال ( 3 ) وكأني بجماعتك تدعوني
- جزعا من الضرب المتتابع والقضاء الواقع ومصارع بعد مصارع -
إلى كتاب الله ، وهي كافرة جاحدة ، أو مبايعة حائدة
11 - ( ومن وصية له عليه السلام وصى بها جيشا بعثه إلى العدو )
فإذا نزلتم بعدو أونزل بكم فليكن معسكركم في قبيل
الاشراف ( 4 ) أو سفاح الجبال ، أو أثناء الانهار كيما يكون لكم ردءا
ودونكم مردا . ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين .
* ( هامش ) * ( 1 ) المنهاج هو طريق الدين الحق لم يدخل فيه أبوسفيان ومعاوية رضي الله عنهما إلا بعد
الفتح كرها ( 2 ) ثأر به طلب بدمه ، ويشير بحيث وقع دم عثمان إلى طلحة والزبير ( 3 ) تفرس
فيما سيكون من معاوية وجنده وكان الامر كما تفرس الامام . والحائدة : العادلة عن البيعة
بعد الدخول فيها ( 4 ) قدام الجبال . والاشراف جمع شرف محركة العلو والعالي وسفاح
الجبال أسافلها . والاثناء : منعطفات الانهار . والردء بكسر فسكون : العون . والمرد بتشديد ( * ) =
ـ 13 ـ
واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ( 1 ) ومناكب الهضاب لئلا
يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن . وأعلموا أن مقدمة القوم
عيونهم ، وعيون القدمة طلائعهم . وإياكم والتفرق ، فإذا نزلتم
فانزلوا جميعا ، وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعا ، وإذا غشيكم الليل
فاجعلوا الرماح كفة ( 2 ) ، ولا تذوقوا النوم إلا غرارا أو مضمضة
12 - ( ومن وصية له عليه السلام لمعقل بن قيس الرياحي
حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف مقدمة له )
اتق الله الذي لابد لك من لقائه ولا منتهى لك دونه . ولا
تقاتلن إلا من قاتلك . وسر البردين ( 3 ) . وغور بالناس . ورفه بالسير .
ولا تسر أول الليل ( 4 ) فإن الله جعله سكنا وقدره مقاما لا ظعنا . فأرح
فيه بدنك وروح ظهرك . فإذا وقفت حين ينبطح السحر ( 5 ) أو حين
* ( هامش ) * = الدال - : مكان الرد والدفع . ( 1 ) صياصي : أعالي . والمناكب : المرتفعات . والهضاب : جمع هضبة
بفتح فسكون : الجبل لا يرتفع عن الارض كثيرا مع انبساط في أعلاه ( 2 ) مثل كفة الميزان
فانصبوها مستديرة حولكم محيطة بكم كأنها كفة الميزان . والغرار بكسر الغين :
النوم الخفيف . والمضمضة أن ينام ثم يستيقظ ثم ينام تشبيها بمضمضة الماء في الفم يأخذه
ثم يمجه ( 3 ) الغداة والعشي ( 4 ) وغور أي أنزل بهم في الغائرة وهي القائلة . ونصف النهار أي
وقت شدة الحر . ورفه أي هون ولا تتعب نفسك ولا دابتك . والظعن السفر ( 3 ) ينبطح ينبسط . ( * ) =
ـ 14 ـ
ينفجر الفجر فسر على بركة الله . فإذا لقيت العدو فقف من أصحابك
وسطا ، ولا تدن من القوم دنو من يريد أن ينشب الحرب ، ولا تباعد
عنهم تباعد من يهاب البأس حتى يأتيك أمري ، ولا يحملنكم
شنآنهم ( 1 ) على قتالهم قبل دعائهم والاعذار إليهم
13 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى أميرين من أمراء جيشه )
وقد أمرت عليكما وعلى من في حيزكما ( 2 ) مالك بن الحارث
الاشتر فاسمعا له وأطيعا ، واجعلاه درعا ومجنا ( 3 ) ، فإنه ممن لا يخاف
وهنه ولا سقطته ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم ، ولا إسراعه إلى
ما البطي عنه أمثل
14 - ( ومن وصية له عليه السلام لعسكره قبل لقاء العدو بصفين )
لا تقاتلوهم حتى يبدأوكم فإنكم بحمد الله على حجة ،
وترككم إياهم حتى يبدأوكم حجة أخرى لكم عليهم . فإذا
* ( هامش ) * = محاز عن استحكام الوقت بعد مضي مدة منه وبقاء مدة ( 1 ) الشنآن : البغضاء .
والاعذار إليهم : تقديم ما يعذرون به في قتالهم ( 2 ) الحيز ما يتحيز فيه الجسم أى يتمكن ،
والمراد منه مقر سلطتهما ( 3 ) الدرع ما يلبس من مصنوع الحديد للوقاية من الضرب
والطعن . والمجن الترس أي اجعلاه حاميا لكما . والوهن : الضعف . والسقطة : الغلطة وأحزم ( * ) =
ـ 15 ـ
كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبرا ، ولا تصببوا معورا ( 1 ) ، ولا
تجهزوا على جريح . ولا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم
وسببن أمراءكم ، فإنهن ضعيفات القوى والانفس والعقول . إن كنا
لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات ( 2 ) . وإن كان الرجل ليتناول
المرأة في الجاهلية بالفهر أو الهراوة ( 3 ) فيعير بها وعقبه من بعده
15 - ( وكان عليه السلام يقول إذا لقي العدو محاربا )
اللهم إليك أفضت القلوب ( 4 ) . ومدت الاعناق . وشخصت الابصار ،
ونقلت الاقدام ، وأنضيت الابدان . اللهم قد صرح مكتوم الشنآن ( 5 ) .
وجاشت مراجل الاضغان . اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا .
وكثرة عدونا ، وتشتت أهوائنا . " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق
وأنت خير الفاتحين "
* ( هامش ) * = أقرب للحرم . وأمثل أولى وأحسن ( 1 ) المعور كمجرم الذي أمكن من نفسه وعجز عن
حمايتها . وأصله أعور أبدى عورته . وأجهز على الجريح : تمم أسباب موته ( 2 ) هذا
حكم الشريعة الاسلامية لا ما يتوهمه جاهلوها من إباحتها التعرض لاعراض الاعداء نعوذ
بالله ( 3 ) الفهر بالكسر الحجر على مقدار ما يدق به الحور أو يملا الكف . والهراوة
بالكسر : العصا أو شبه الدبوس من الخشب وعقبه عطف على ضمير يعير ( 4 ) أفضت
انتهت ووصلت . وأنضيت : أبليت بالهزال والضعف في طاعتك ( 5 ) صرح القوم بما كانوا
يكتمون من البغضاء . وجاشت : غلت . والمراجل : القدور . والاضغان : جمع ضغن ، هو الحقد ( * )
ـ 16 ـ
16 - ( وكان يقول عليه السلام لاصحابه عند الحرب )
لا تشتدن عليكم فرة بعدها كرة ( 1 ) ، ولا جولة بعدها حملة
وأعطوا السيوف حقوقها . ووطئوا للجنوب مصارعها ( 2 ) واذمروا
أنفسكم على الطعن الدعسي ( 3 ) والضرب الطلحفى . وأميتوا الاصوات
فإنه أطرد للفشل . فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن
استسلموا وأسروا الكفر ، فلما وجدوا أعوانا عليه أظهروه
17 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية )
جوابا عن كتاب منه إليه
فأما طلبك إلي الشام ( 4 ) فإني لم أكن لاعطيك اليوم ما منعتك
أمس . وأما قولك إن الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشات أنفس
* ( هامش ) * ( 1 ) لا يشق عليكم الامر إذا انهزمتم متى عدتم للكرة ، ولا تثقل عليكم الدورة من وجه
العدو إذا كانت بعدها حملة وهجوم عليه ( 2 ) وطئوا مهدوا للجنوب : جمع جنب ، مصارعها
أماكن سقوطها ، أي إذا ضربتم فأحكموا الضرب ليصيب فكأنكم مهدتم للمضروب
مصرعه . واذمروا على وزن اكتبوا أي حرصوا ( 3 ) الدعسي اسم من الدعس أي
الطعن الشديد . والطلحفى بفتحتين فسكون ففتح : أشد الضرب . وإماتة الاصوات :
انقطاعها بالسكوت ( 4 ) كتب معاوية إلى علي يطلب منه أن يترك له الشام ويدعوه
للشفقة على العرب الذين أكلتهم الحرب ولم يبق منهم إلا حشاشات أنفس : جمع حشاشة
بالضم ، يقية الروح ويخوفه باستواء العدد في رحال الفريقين ويفتخر بأنه من أمية ( * ) =
ـ 17 ـ
بقيت ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة ومن أكله الباطل فإلى النار .
وأما استواؤنا في الحرب والرجال فلست بأمضى على الشك مني على
اليقين . وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على
الآخرة . وأما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن . ولكن ليس
أمية كهاشم . ولا حرب كعبد المطلب . ولا أبوسفيان كأبي طالب .
ولا المهاجر كالطليق ( 1 ) ، ولا الصريح كاللصيق . ولا المحق كالمبطل
ولا المؤمن كالمدغل . ولبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنم
وفي أيدينا بعد فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز ونعشنا بها
الذليل ( 2 ) . ولما أدخل الله العرب في دينه أفواجا وأسلمت له هذه
الامة طوعا وكرها كنتم ممن دخل في الدين إما رغبة وإما رهبة
على حين فاز أهل السبق بسبقهم ، وذهب المهاجرون الاولون بفضلهم .
فلا تجعلن للشيطان فيك نصيبا ، ولا على نفسك سبيلا
* ( هامش ) * = وهو وهاشم من شجرة واحدة فأجابه أمير المؤمنين بما ترى ( 1 ) الطليق الذي أسر
فأطلق بالمن عليه أو الفدية ، وأبوسفيان ومعاوية كانوا من الطلقاء يوم الفتح .
والمهاجر من آمن في المخافة وهاجر تخلصا منها . والصريح صحيح النسب في ذوي الحسب .
واللصيق من ينتمي إليهم وهو أجنبي عنهم . والصراحة والالتصاق بالنسبة إلى الدين .
والمدغل المفسد ( 2 ) نعشنا : رفعنا ( * )
ـ 18 ـ
18 - ( ومن كتاب له عليه السلام )
( إلى عبد الله بن عباس وهو عامله على البصرة ( 1 ) )
اعلم أن البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن ، فحادث أهلها
بالاحسان إليهم ، واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم
وقد بلغني تنمرك لبني تميم ( 2 ) وغلظتك عليهم ، وإن بني
تميم لم يغب لهم نجم إلا طلع لهم آخر ( 3 ) ، وإنهم لم يسبقوا بوغم
في جاهلية ولا إسلام . وإن لهم بنا رحما ماسة وقرابة خاصة نحن
مأجورون على صلتها ومأزورون على قطيعتها . فاربع ( 4 ) أبا العباس رحمك
الله فيما جرى على لسانك ويدك من خير وشر فإنا شريكان في ذلك ،
وكن عند صالح ظني بك ، ولا يفيلن رأيي فيك . والسلام
9 1 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله )
أما بعد فإن دهاقين أهل بلدك شكوا منك غلظة وقسوة ( 5 ) ،
* ( هامش ) * ( 1 ) كان عبدالله بن عباس قد اشتد على بني تميم لانهم كانوا مع طلحة والزبير
يوم الجمل فأقصى كثيرا منهم فعظم على بعضهم من شيعة الامام فشكى له ( 2 )
تنمرك أي تنكر أخلاقك ( 3 ) غيبوبة النجم : كناية عن الضعف . وطلوعه كناية عن القوة
والوغم بفتح فسكون : الحرب . والحقد أي لم يسبقهم أحد في البأس وكان بين بني
تميم وهاشم مصاهرة وهي تستلزم القرابة بالنسل ( 4 ) اربع : أرفق وقف عند حد ما تعرف .
وفال رأيه : ضعف ( 5 ) الدهاقين : الاكابر يأمرون من دونهم ولا يأتمرون ( * )
ـ 19 ـ
واحتقارا وجفوة ، ونظرت فلم أرهم أهلا لان يدنوا لشركهم ( 1 )
ولا أن يقصوا ويجفوا لعهدهم ، فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه
بطرف من الشدة ( 2 ) ، وداول لهم بين القسوة والرأفة ، وامزج لهم
بين التقريب والادناء ، والابعاد والاقصاء إن شاء الله
20 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه وهو خليفة
عامله عبدالله بن عباس على البصرة . وعبدالله عامل أمير المؤمنين
يومئذ عليها وعلى كور الاهواز وفارس وكرمان ( 3 ) )
وإني أقسم بالله قسما صادقا لئن بلغني أنك خنت من فئ
المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا ( 4 ) لاشدن عليك شدة تدعك قليل
الوفر ثقيل الظهر ضئيل الامر . والسلام
21 - ( ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضا )
فدع الاسراف مقتصدا ، واذكر في اليوم غدا ، وأمسك من
المال بقدر ضرورتك ، وقدم الفضل ليوم حاجتك ( 5 )
* ( هامش ) * ( 1 ) لان يقربوا فإنهم مشركون ولا لان يبعدوا فإنهم معاهدون
( 2 ) تشوبه : تخلطه ( 3 ) كور : جمع كورة ، وهي الناحية المضافة إلى أعمال بلد من
البلدان . والاهواز : تسع كور بين البصرة وفارس ( 4 ) فيئهم : مالهم من غنيمة أو
خراج . والوفر المال . والضئيل : الضعيف النحيف ( 5 ) ما يفضل من المال فقدمه ليوم ( * ) =
ـ 20 ـ
أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبرين .
وتطمع وأنت متمرغ في النعيم تمنعه الضعيف والارملة أن
يوجب لك ثواب المتصدفين . وإنما المرء مجزي بما أسلف ( 1 ) ، وقادم
على ما قدم . والسلام
2 2 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى عبدالله بن العباس )
وكان يقول ما انتفعت بكلام بعد كلام
رسول الله كانتفاعي بهذا الكلام
أما بعد فإن المرء ، قد يسره درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوءه
فوت ما لم يكن ليدركه ( 2 ) . فليكن سرورك بما نلت من آخرتك .
وليكن أسفك على ما فاتك منها . وما نلت من دنياك فلا تكثر فيه
فرحا . وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا . وليكن همك فيما بعد الموت
* ( هامش ) * = الحاجة كالاعداد ليوم الحرب مثلا ، أو قدم فضل الاستقامة للحاجة يوم القيامة ( 1 ) أسلف :
قدم في سالف أيامه ( 2 ) قد يسر الانسان لشئ وقد حتم في قضاء الله أنه له ، ويحزن
بفوات شئ ومحتوم عليه أن يفوته . والمقطوع بحصوله لا يصح الفرح به كالمقطوع
بفواته لا يصح الحزن له لعدم الفائدة في الثاني ونفي الغائلة في الاول . ولا تأس أي لا تحزن ( * )
ـ 21 ـ
3 2 - ( ومن كلام له عليه السلام )
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 3 من ص 21 سطر 1 الى ص 30 سطر 20
3 2 - ( ومن كلام له عليه السلام )
قاله قبيل موته على سبيل الوصية لما ضربه ابن ملجم لعنه الله
وصيتي لكم أن لا تشركوا بالله شيئا . ومحمد صلى الله عليه
وآله ( 1 ) فلا تضيعوا سنته . أقيموا هذين العمودين وخلاكم ذم ( 2 )
أنا بالامس صاحبكم ، واليوم عبرة لكم ، وغدا مفارقكم .
إن أبق فأنا ولي دمي ، وإن أفن فالفناء ميعادي . وإن أعف فالعفو لي
قربة وهو لكم حسنة ، فاعفوا " ألا تحبون أن يغفر الله لكم "
والله ما فجئني من الموت وارد كرهته ، ولا طالع أنكرته .
وما كنت إلا كقارب ورد ( 3 ) وطالب وجد " وما عند الله خير
للابرار "
( أقول : وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدم من الخطب إلا
أن فيه ههنا زيادة أوجبت تكريره
* ( هامش ) * ( 1 ) ومحمد عطف على أن لا تشركوا مرفوع ( 2 ) عداكم الذم وجاوزكم اللوم بعد قيامكم
بالوصية ( 3 ) القارب : طالب الماء ليلا كما قال الخليل ولا يقال لطالبه نهارا يريد أنه عليه
السلام مستعد للموت راغب في لقاء الله وليس يكره ما يقبل عليه منه ( * )
ـ 22 ـ
24 - ( ومن وصية له عليه السلام )
بما يعمل في أمواله كتبها بعد منصرفه من صفين
هذا ما أمر به عبدالله علي بن أبي طالب في ماله ابتغاء وجه الله
ليولجه به الجنة ( 1 ) ويعطيه به الامنة
( منها ) وإنه يقوم بذلك الحسن بن علي يأكل منه بالمعروف
وينفق في المعروف ، فان حدث بحسن حدث ( 2 ) وحسين حي قام
بالامر بعده وأصدره مصدره
وإن لابني فاطمة من صدقة علي مثل الذي لبني علي ، وإني إنما
جعلت القيام بذلك إلى ابني فاطمة ابتغاء وجه الله وقربة إلى رسول الله ،
وتكريما لحرمته وتشريفا لوصلته ( 3 )
ويشترط ( 4 ) على الذي يجعله إليه أن يترك المال على أصوله ،
وينفق من ثمره حيث أمر به وهدي له ، وأن لا يبيع من أولاد
نخل هذه القرى ودية ( 5 ) حتى تشكل أرضها غراسا
* ( هامش ) * ( 1 ) يولجه : يدخله . والامنة بالتحريك : الامن ( 2 ) الحدث بالتحريك : الحادث أي الموت
وأصدره أجراه كما كان يجري على يد الحسن ( 3 ) الوصلة بالضم : الصلة وهي هنا القرابة
( 4 ) ضمير الفعل إلى علي أو الحسن . والذي يجعله إليه هو من يتولى المال بعد علي أو
الحسن بوصيته . وترك المال على أصوله أن لا يباع منه شئ ولا يقطع منه غرس ( 5 ) الودية
كهدية : واحدة الودى أي صغار النخل وهو هنا الفسيل . والسر في النهي أن النخلة ( * ) =
ـ 23 ـ
ومن كان من إمائي اللاتي أطوف عليهن لها ولد أو هي حامل
فتمسك على ولدها وهي من حظه ، فإن مات ولدها وهي حية فهي
عتيقة قد أفرج عنها الرق وحررها العتق
( قوله عليه السلام في هذه الوصية : أن لا يبيع من نخلها
ودية . الودية الفسيلة وجمعها ودي . قوله عليه السلام حتى تشكل
أرضها غراسا هو من أفصح الكلام . والمراد به أن الارض يكثر
فيها غراس النخل حتى يراها الناظر على غير تلك الصفة التي عرفها
بها فيشكل عليه أمرها ويحسبها غيرها )
25 - ( ومن وصية له عليه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات
وإنما ذكرنا هنا جملا ليعلم بها أنه كان يقيم عماد الحق
ويشرع أمثلة العدل في صغير الامور وكبيرها ودقيقها وجليلها )
انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له . ولا تروعن مسلما ( 1 ) ولا تجتازن عليه كارها ، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله ،
فإذا قدمت على الحي فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ، ثم امض
* ( هامش ) * ( 1 ) روعه ترويعا خوفه . ( * ) =
ـ 24 ـ
إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم ، ولا تخدج
بالتحية لهم ( 1 ) ثم تقول : عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته
لآخد منكم حق الله في أموالكم ، فهل لله في أموالكم من حق
فتؤدوه إلى وليه ؟ فإن قال قائل لا ، فلا تراجعه ، وإن أنعم لك منعم ( 2 )
فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه ، فخذ ما
أعطاك من ذهب أو فضة . فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا
بإذنه ، فإن أكثرها له ، فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلط
عليه ولا ة عنيف به ، ولا تنفرن بهيمة ولا تفزعنها ولا تسوءن صاحبها فيها ،
واصدع المال صدعين ( 3 ) ثم خيره ، فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره .
ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره ، فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره .
فلا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله فاقبض حق الله
منه . فإن استقالك فأقله ( 4 ) ثم اخلطهما ثم اصنع مثل الذي صنعت
أولا حتى تأخذ حق الله في ماله . ولا تأخذن عودا ( 5 ) ولا هرمة ولا
* ( هامش ) * = والاجتياز : المرور ، أي لا تمر عليه وهو كاره لك لغلظة فيك ( 1 ) أخدجت السحابة
قل مطرها أي لا تبخل ( 2 ) قال لك نعم . أو تعسفه تأخذه بشدة . وترهقه تكلفه ما يصعب
عليه ( 3 ) اقسمه قسمين ثم خير صاحب المال في أيهما ( 4 ) أي فان ظن في نفسه سوء
الاختيار وأن ما أخذت منه الزكاة أكرم مما في يده وطلب الاعفاء من هذه القسمة
فأعفه منها واخلظ وأعد القسمة ( 5 ) العود بفتح فسكون : السنة من الابل . والهرمة ( * ) =
ـ 25 ـ
مكسورة ولا مهلوسة ولا ذات عوار ، ولا تأمنن عليها إلا من تثق
بدينه رافقا بمال المسلمين حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم ، ولا
توكل بها إلا ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا ، غير معنف ولا مجحف ( 1 ) ،
ولا ملغب ولا متعب ، ثم احدر إلينا ما اجتمع عندك ( 2 ) نصيره حيث
أمر الله به . فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه ألا يحول بين ناقة وبين
فصيلها ( 3 ) ولا يمصر لبنها فيضر ذلك بوليدها ، ولا يجهدنها ركوبا .
وليعدل بين صواحباتها في ذلك وبينها ، وليرفه على اللاغب ( 4 ) .
وليستأن بالنقب والظالع . وليوردها ما تمر به من الغدر ( 5 ) ولا يعدل
بها عن نبت الارض إلى جواد الطريق ، وليروحها في الساعات
وليمهلها عند النطاف ( 6 ) والاعشاب حتى تأتينا بإذن الله بدنا منقيات
غير متعبات ولا مجهودات ( 7 ) ، لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه صلى
* ( هامش ) * = أسن من العود . والمهلوسة : الضعيفة . هلسه المرض أضعفه . والعوار بفتح العين ،
وتضم : العيب ( 1 ) المجحف من يشتد في سوقها حتى تهزل . والملغب المعيى من التعب
( 2 ) حدر يحدر كينصر ويضرب أسرع ، والمراد سق إلينا سريعا ( 3 ) فصيل الناقة :
ولدها وهو رضيع . ومصر اللبن تمصيرا قلله ، أي لا يبالغ في حلبها حتى يقل اللبن في ضرعها
( 4 ) أي ليرح ما لغب أي أعياه التعب ، وليستأن أي يرفق من الاناة بمعنى الرفق .
والنقب بفتح فكسر : ما نقب خفه كفرح ، أي تخرق . وظلع البعير غمز في
مشيته ( 5 ) جمع غدير ما غادره السيل من المياه ( 6 ) النطاف جمع نطفة : المياه القليلة ،
أى يجعل لها مهلة لتشرب وتأكل ( 7 ) البدن بضمتين : جمع بادنة أي سمينة . ( * ) =
ـ 26 ـ
الله عليه وآله ، فإن ذلك أعظم لاجرك وأقرب لرشدك إن شاء الله
26 - ( ومن كتاب له عليه السلام )
إلى بعض عماله وقد بعثه على الصدقة آمره بتقوى الله في سرائر أمره وخفيات عمله ، حيث لا شهيد
غيره ولا وكيل دونه . وآمره أن لا يعمل بشئ من طاعة الله فيما ظهر
فيخالف إلى غيره فيما أسر ( 1 ) ، ومن لم يختلف سره وعلانيته وفعله
ومقالته فقد أدى الامانة وأخلص العبادة
وآمره أن لا يجبههم ( 2 ) ولا يعضههم ، ولا يرغب عنهم تفضلا
بالامارة عليهم ، فإنهم الاخوان في الدين والاعوان على استخراج
الحقوق .
وإن لك في هذه الصدقة نصيبا مفروضا وحقا معلوما ، وشركاء
أهل مسكنة وضعفاء ذوي فاقة ، وإنا موفوك حقك فوفهم حقوقهم ، وإلا
تفعل فإنك من أكثر الناس خصوما يوم القيامة ، وبؤسا لمن خصمه
عند الله الفقراء والمساكين ( 3 ) والسائلون والمدفوعون والغارم
* ( هامش ) * = والمنقيات اسم فاعل من أنقت الابل إذا سمنت ، وأصله صارت ذات نقى بكسر
فسكون أي مخ ( 1 ) فيخالف هو مصب النهي ( 2 ) جبهه كمنعه : ضرب جبهته . وعضه
فلانا كفرح بهته . نهى عن المخاشنة والتقريع . ولا يرغب عنهم لا يتجافى ( 3 ) بئس
كسمع بؤسا اشتدت حاجته ، ومن كان خصمه الفقراء فلا بد أن يبأس لانهم لا يعفون ( * ) =
ـ 27 ـ
وابن السبيل . ومن استهان بالامانة ورتع في الخيانة ولم ينزه نفسه
ودينه عنها فقد أحل بنفسه في الدنيا الخزي ( 1 ) وهو في الآخرة أذل
وأخزى . وإن أعظم الخيانة خيانة الامة ، وأفظع الغش غش الائمة .
والسلام .
27 - ( ومن عهده عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر حين قلده مصر )
فاخفض لهم جناحك ، وألن لهم جانبك ، وأبسط لهم وجهك ،
وآس ( 2 ) بينهم في اللحظة والنظرة حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم
ولا ييأس الضعفاء من عدلك بهم ، فإن الله تعالى يسائلكم معشر
عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة ، والظاهرة والمستورة ،
فإن يعذب فأنتم أظلم ، وإن يعف فهو أكرم
واعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة ،
فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم ، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم .
سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت ، وأكلوها بأفضل ما أكلت ، فحظوا
* ( هامش ) * = ولا يتسامحون في حقهم لتقرح قلوبهم من المنع عند الحاجة ( 1 ) جمع خزية بفتح الخاء
أي بلية ، الجمع بضم ففتح كنونه ونوب ( 2 ) آس أمر من آسى بمد الهمزة أي سوى .
يريد اجعل بعضهم أسوة بعض أي مستوين . وحيفك لهم أي ظلمك لانهم يطمعون ( * ) =
ـ 28 ـ
من الدنيا بما حظي به المترفون ( 1 ) ، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة
المتكبرون . ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح . أصابوا
لذة زهد الدنيا في دنياهم ، وتيقنوا أنهم جيران الله غدا في آخرتهم .
لا ترد لهم دعوة ، ولا ينقص لهم نصيب من لذة . فاحذروا عباد الله
الموت وقربه ، وأعدوا له عدته ، فإنه يأتي بأمر عظيم وخطب
جليل ، بخير لا يكون معه شر أبدا ، أو شر لا يكون معه خير
أبدا . فمن أقرب إلى الجنة من عاملها ( 2 ) ؟ ومن أقرب إلى النار من عاملها ؟ .
وأنتم طرداء الموت إن أقمتم له أخذكم ، وإن فررتم منه أدرككم ،
وهو ألزم لكم من ظلكم . الموت معقود بنواصيكم ( 3 ) والدنيا
تطوى من خلفكم . فاحذروا نارا قعرها بعيد ، وحرها شديد ،
وعذابها جديد . دار ليس فيها رحمة ، ولا تسمع فيها دعوة ، ولا تفرج
فيها كربة . وإن استطعتم أن يشتد خوفكم من الله وأن يحسن
* ( هامش ) * = في ذلك إذا خصصتهم بشئ من الرعاية ( 1 ) المنعمون فإن المتقي يؤدي حق الله وحقوق
العباد ويتلذذ بما آتاه الله من النعمة وينفق ماله فيما يرفع شأنه ويعلى كلمته فيعيش
سعيدا مترفا كما عاش الجبابرة ثم ينقلب بالزاد وهو الاجر الذي يبلغه سعادة الآخرة
جزاء على رعاية حق نفسه ومنفعتها الصحيحة فيما أوتي من الدنيا ، وهو بهذا يكون
زاهدا في الدنيا وهي مغدقة عليه ( 2 ) استفهام بمعنى النفي ، أي لا أقرب إلى الجنة ممن
يعمل لما الخ ( 3 ) النواصي جمع ناصية : مقدم شعر الراس ( * )
ـ 29 ـ
ظنكم به فأجمعوا بينهما ، فإن العبد إنما يكون حسن ظنه بربه على قدر
خوفه من ربه ( 1 ) ، وإن أحسن الناس ظنا بالله أشدهم خوفا لله
واعلم يا محمد بن أبي بكر أني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي
أهل مصر ، فأنت محقوق أن تخالف على نفسك ( 2 ) ، وأن تنافح عن
دينك ولو لم يكن لك إلا ساعة من الدهر ، ولا تسخط الله برضا
أحد من خلقه فإن في الله خلفا من غيره ( 3 ) وليس من الله خلف في غيره
صل الصلاة لوقتها الموقت لها ، ولا تعجل وقتها لفراغ ، ولا
تؤخرها عن وقتها لاشتغال . واعلم أن كل شئ من عملك تبع لصلاتك
( ومنه ) فإنه لا سواء إمام الهدى وإمام الردى ، وولي النبي
وعدو النبي . ولقد قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : إني لا أخاف
على أمتي مؤمنا ولا مشركا . أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه ، وأما
المشرك فيقمعه الله بشركه ( 4 ) ، ولكني أخاف عليكم كل
منافق ( 5 ) الجنان عالم اللسان ، يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون
* ( هامش ) * ( 1 ) فإن من خاف ربه عمل لطاعته وانتهى عن معصيته فرجا ثوابه بخلاف من لم يخفه فإن
رجاءه يكون طمعا في غير مطمع نعوذ بالله منه ( 2 ) أي مطالب بحق بمخالفتك شهوة نفسك .
والمنافحة : المدافعة ( 3 ) إذا فقدت مخلوقا ففي فضل الله عوض عنه ، وليس في خلق الله عوض عن
الله ( 4 ) يقمعه : يقهره لعلم الناس أنه مشرك فيحذرونه ( 5 ) منافق الجنان : من أسر
النفاق في قلبه . وعالم اللسان : من يعرف أحكام الشريعة ويسهل عليه بيانها فيقول ( * ) =
ـ 30 ـ
28 - ( ومن كتاب له عليه السلام )
إلى معاوية جوابا ، وهو من محاسن الكتب
أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله محمدا صلى الله
عليه وآله لدينه وتأييده إياه بمن أيده من أصحابه ، فلقد خبأ لنا
الدهر منك عجبا ( 1 ) إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله عندنا ونعمته علينا في
نبينا ، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر ( 2 ) أو داعي مسدده إلى
النضال . وزعمت أن أفضل الناس في الاسلام فلان وفلان ، فذكرت أمرا
إن تم اعتزلك كله ( 3 ) ، وإن نقص لم تلحقك ثلمته . وما أنت والفاضل
والمفضول ( 4 ) ، والسائس والمسوس ؟ وما للطلقاء وأبناء الطلقاء
والتمييز بين المهاجرين الاولين وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم .
هيهات لقد حن قدح ليس منها ( 5 ) ، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم
* ( هامش ) * = حقا يعرفه المؤمنون ويفعل منكرا ينكرونه ( 1 ) أخفى أمرا عجيبا ثم أظهره :
وطفقت بفتح فكسر أخذت . وعطف النعمة على البلاء تفسير وليبلي المؤمنين منه
بلاء حسنا ( 2 ) هجر مدينة بالبحرين كثيرة النخيل . والمسدد : معلم رمي السهام .
والنضال : المراماة أي كمن يدعو أستاذه في فن الرمي إلى المناضلة . وهما مثلان لناقل
الشئ إلى معدنه والمتعالم على معلميه ( 3 ) إن صح ما ادعيت من فضلهم لم يكن لك حظ
منه فأنت عنه بمعزل . وثلمته : عيبه ( 4 ) يريد أي حقيقة تكون لك مع هؤلاء ، أي ليست
لك ماهية تذكر بينهم . والطلقاء الذين أسروا بالحرب ثم أطلقوا ، وكان منهم أبو سفيان
ومعاوية . والمهاجرون من نصروا الدين في ضعفه ولم يحاربوه ( 5 ) حن : صوت . ( * ) =
ـ 31 ـ
لها . ألا تربع أيها الانسان على ظلعك ( 1 ) وتعرف قصور ذرعك ؟
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 3 من ص 31 سطر 1 الى ص 40 سطر 19
لها . ألا تربع أيها الانسان على ظلعك ( 1 ) وتعرف قصور ذرعك ؟
وتتأخر حيث أخرك القدر ، فما عليك غلبة المغلوب ولا لك ظفر الظافر
وإنك لذهاب في التيه ( 2 ) رواغ عن القصد . ألا ترى غير مخبر
لك ولكن بنعمة الله أحدث أن قوما ( 3 ) استشهدوا في سبيل الله من
المهاجرين ولكل فضل ، حتى إذا استشهد شهيدنا ( 4 ) قيل سيد الشهداء ،
وخصه رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين تكبيرة عند صلاته
عليه . أولا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل
حتى إذا فعل بواحدنا ما فعل بواحدهم ( 5 ) قيل الطيار في الجنة
وذو الجناحين ، ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر
ذاكر فضائل جمة ( 6 ) تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجها آذان السامعين
* ( هامش ) * = والقدح بالكسر : السهم . وإذا كان سهم يخالف السهام كان له عند الرمي صو ت
يخالف أصواتها ، مثل يضرب لمن يفتخر بقوم ليس منهم . وأصل المثل لعمر بن الخطاب
رضي الله عنه قال له عقبة بن أبي معيط أأقتل من بين قريش ؟ فأجابه " حن قدح ليس
منها " ( 1 ) يقال اربع على ظلعك أي قف عند حدك . والذرع بالفتح : بسط اليد ويقال
للمقدار ( 2 ) ذهاب بتشديد الهاء : كثير الذهاب . والتيه : الضلال . والرواغ : الميال .
والقصد : الاعتدال ( 3 ) مفعول لترى وقوله غير مخبر خبر لمبتدأ محذوف أي أنا والجملة
اعتراضية ( 4 ) هو حمزة بن عبد المطلب استشهد في أحد والقائل رسول الله صلى الله
عليه وسلم ( 5 ) واحدنا هو جعفر بن أبي طالب أخو الامام ( 6 ) ذاكر هو الامام نفسه ( * )
ـ 32 ـ
فدع عنك من مالت به الرمية ( 1 ) فإنا صنائع ربنا ( 2 ) والناس بعد
صنائع لنا . لم يمنعنا قديم عزنا ( 3 ) ولا عادي طولنا على قومك أن
خلطناكم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا فعل الاكفاء ولستم هناك .
وأنى يكون ذلك كذلك ومنا النبي ومنكم المكذب ( 4 ) ، ومنا
أسد الله ومنكم أسد الاحلاف ، ومنا سيد شباب أهل الجنة ومنكم
صبية النار ، ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب في كثير
مما لنا وعليكم ( 5 )
فإسلامنا قد سمع ، وجاهليتنا لا تدفع ( 6 ) ، وكتاب الله يجمع
لنا ما شذ عنا وهو قوله " وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله
* ( هامش ) * ( 1 ) الرمية : الصيد يرميه الصائد . ومالت به : خالفت قصده فاتبعها ، مثل يضرب لمن أعوج
غرضه فمال عن الاستقامة لطلبه ( 2 ) آل النبي أسراء إحسان الله عليهم والناس أسراء
فضلهم بعد ذلك . وأصل الصنيع من تصنعه لنفسك بالاحسان حتى خصصته بك كأنه عمل يدك
( 3 ) قديم مفعول يمنع . والعادي : الاعتيادي المعروف . والطول بفتح فسكون :
الفضل . وأن خلطناكم فاعل يمنع . والاكفاء : جمع كفؤ بالضم النظير في الشرف .
( 4 ) المكذب أبوجهل . وأسد الله حمزة . وأسد الاحلاف أبوسفيان لانه حزب الاحزاب
وحالفهم على قتال النبي في غزوة الخندق . وسيد شباب أهل الجنة : الحسن والحسين
بنص قول الرسول . وصبية النار قيل هم أولاد مروان بن الحكم أخبر النبي عنهم
وهم صبيان بأنهم من أهل النار ، ومرقوا عن الدين في كبرهم . وخير النساء فاطمة ،
وحمالة الحطب أم جميل بنت حرب عمة معاوية وزوجة أبي لهب ( 5 ) أي هذه الفضائل
المعدودة لنا وأضدادها المسروردة لكم قليل في كثير مما لنا وعليكم ( 6 ) شرفنا في الجاهلية ( * ) =
ـ 33 ـ
وقوله تعالى " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا
النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " فنحن مرة أولى بالقرابة ،
وتارة أولى بالطاعة . ولما احتج المهاجرون على الانصار يوم السقيفة
برسول الله صلى الله عليه وآله فلجوا عليهم ( 1 ) ، فإن يكن الفلج به
فالحق لنا دونكم ، وإن يكن بغيره فالانصار على دعواهم
وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت وعلى كلهم بغيت ، فإن يكن
ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك ،
* وتلك شكاة ظاهر عنك عارها ( 2 ) *
وقلت إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع ( 3 )
ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت ، وأن تفضح فافتضحت . وما
* ( هامش ) * = لا ينكره أحد ( 1 ) يوم السقيفة عندما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة بعد موت النبي
صلى الله عليه وسلم ليختاروا خليفة له وطلب الانصار أن يكون لهم نصيب في الخلافة ،
فاحتج المهاجرون عليهم بأنهم شجرة الرسول ففلجوا أي ظفروا بهم ، فظفر المهاجرين
بهذه الحجة ظفر لامير المؤمنين على معاوية ، لان الامام من ثمرة شجرة الرسول ، فإن لم
تكن حجة المهاجرين بالنبي صحيحة فالانصار قائمون على دعواهم من حق الخلافة ،
فليس لمثل معاوية حق فيها لانه أجنبي منهم ( 2 ) شكاة بالفتح أي نقيصة وأصلها
المرض . وظاهر من ظهر إذا صار ظهرا أى خلفا أى بعيد . والشطرة لابي ذؤيب . وأول
البيت * وعيرها الواشون أني أحبها * ( 3 ) الخشاش كتاب ما يدخل في عظم أنف
البعير من خشب لينقاد . وخششت البعير : جعلت في أنفه الخشاش ، طعن معاوية =
= على الامام بأنه كان يجبر على مبايعة السابقين من الخلفاء ( * )
ـ 34 ـ
على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ( 1 ) ما لم يكن شاكا
في دينه ولا مرتابا بيقينه . وهذه حجتي إلى غيرك قصدها ( 2 ) ، ولكني
أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها
ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان فلك أن تجاب عن هذه
لرحمك منه ( 3 ) فأينا كان أعدى له ( 4 ) وأهدى إلى مقاتله . أمن بذل
له نصرته فاستقعده واستكفه ( 5 ) ، أمن استنصره فتراخى عنه وبث
المنون إليه ( 6 ) حتى أتى قدره عليه . كلا والله لقد علم الله المعوقين
منكم ( 7 ) والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا
وما كنت لاعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثا ( 8 ) ، فإن كان
الذنب إليه إرشادي وهدايتي له فرب ملوم لا ذنب له
* وقد يستفيد الظنة المتنصح ( 9 ) * وما أردت إلا الاصلاح ما استطعت
* ( هامش ) * ( 1 ) الغضاضة : النقص
( 2 ) يحتج الامام على حقه لغير معاوية لانه مظنة الاستحقاق ، أما معاوية فهو منقطع
عن جرثومة الامر فلا حاجة للاحتجاج عليه . وسنح أي ظهر وعرض ( 3 ) لقرابتك
منه يصح الجدال معك فيه ( 4 ) أعدى : أشد عدوانا . والمقاتل : وجوه القتل ( 5 ) من
بذل النصرة هو الامام واستقعده عثمان أي طلب قعوده ولم يقبل نصره ( 6 ) استنصر
عثمان بعشيرته من بني أمية كمعاوية فخلوه وخلوا بينه وبين الموت فكأنما بثوا المنون
أي أفضوا بها إليه ( 7 ) المعوقون : المانعون من النصرة ( 8 ) نقم عليه كضرب
عاب عليه . والاحداث : جمع حدث ، البدعة ( 9 ) الظنة بالكسر التهمة . والمتنصح ( * ) =
ـ 35 ـ
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
وذكرت أنه ليس لي ولاصحابي إلا السيف فلقد أضحكت
بعد استعبار ( 1 ) ، متى ألفيت بني عبدالمطلب عن الاعداء ناكلين ( 2 )
وبالسيوف مخوفين * لبث قليلا يلحق الهيجا حمل ( 3 ) * فسيطلبك
من تطلب ، ويقرب منك ما تستبعد ، وأنا مرقل نحوك ( 4 ) في جحفل
من المهاجرين والانصار والتابعين لهم بإحسان شديد زحامهم ( 5 ) ، ساطع
قتامهم ، متسربلين سرابيل الموت ( 6 ) أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم ، قد
صحبتهم ذرية بدرية ( 7 ) وسيوف هاشمية ، قد عرفت مواقع نصالها
في أخيك وخالك وجدك وأهلك ( 8 ) " وما هي من الظالمين ببعيد "
* ( هامش ) * = المبالغ في النصح لمن لا ينتصح أي ربما تنشأ التهمة من إخلاص النصيحة عند من
لا يقبلها . وصدر البيت
* وكم سقت في آثاركم من نصيحة * ( 1 ) الاستعبار البكاء فقوله يبكي من جهة أنه
إصرار على غير الحق وتفريق في الدين ، ويضحك لتهديد من لا يهدد ( 2 ) ألفيت : وجدت .
وناكلين : متأخرين ( 3 ) لبث بتشديد الباء فعل أمر من لبثه إذا استزاد لبثه .
أي مكثه ، يريد أمهل . والهيجاء : الحرب . وحمل بالتحريك هو ابن بدر رجل
من قشير أغير على إبله في الجاهلية فاستنقذها وقال :
- لبث قليلا يلحق الهيجا حمل * لا بأس بالموت إذا الموت نزل
فصار مثلا يضرب للتهديد بالحرب ( 4 ) مرقل : مسرع . والجحفل : الجيش العظيم
( 5 ) صفة لجحفل . والساطع : المنتشر . والقتام بالفتح : الغبار ( 6 ) متسربلين :
لابسين لباس الموت كأنهم في أكفانهم ( 7 ) من ذراري أهل بدر ( 8 ) أخوه حنظلة ( * ) =
ـ 36 ـ
29 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل البصرة )
وقد كان من انتشار حبلكم وشقاقكم ما لم تغبوا عنه ( 1 )
فعفوت عن مجرمكم ، ورفعت السيف عن مدبركم ، وقبلت من
مقبلكم . فإن خطت بكم الامور المردية ( 2 ) وسفه الآراء الجائرة
إلى منابذتي وخلافي فها أنا ذا قد قربت جيادي ( 3 ) ورحلت ركابي ، ولئن
ألجأتموني إلى المسير إليكم لاوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل
إليها إلا كلعقة لاعق ( 4 ) ، مع أني عارف لذي الطاعة منكم فضله
ولذي النصيحة حقه ، غير متجاوز متهما إلى برئ ، ولا ناكثا إلى
وفي ( 5 )
30 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية )
فاتق الله فيما لديك ، وانظر في حقه عليك ، وارجع إلى معرفة مالا
تعذر بجهالته ، فإن للطاعة أعلاما واضحة ، وسبلا نيرة ، ومحجة نهجة ( 6 )
* ( هامش ) * = وخاله الوليد بن عقبة وجده عتبة بن ربيعة ( 1 ) انتشار الحبل : تفرق طاقاته وانحلال
فتله مجاز عن التفرق . وغبا عنه : جهله ( 2 ) خطت : تجاوزت . والمردية : المهلكة .
وسفه الآراء : ضعفها . والجائرة : المائلة عن الحق . والمنابذة : المخالفة ( 3 ) قرب خيله
أدناها منه ليركبها . ورحل ركابه : شد الرحال عليها . والركاب : الابل ( 4 ) في السهولة
وسرعة الانتهاء . واللعقة اللحسة ( 5 ) الناكث : ناقض عهده ( 6 ) المحجة : الطريق ( * ) =
= الواضحة . والنهجة : الواضحة كذلك ( * )
ـ 37 ـ
وغاية مطلبوة يردها الاكياس ( 1 ) ويخالفها الانكاس . من نكب
عنها جار عن الحق وخبط في التيه ( 2 ) ، وغير الله نعمته ، وأحل به نقمته .
فنفسك نفسك فقد بين الله لك سبيلك . وحيث تناهت بك أمورك
فقد أجريت إلى غاية خسر ومحلة كفر ( 3 ) ، وإن نفسك قد أولجتك شرا ،
وأقحمتك غيا ( 4 ) ، وأوردتك المهالك ، وأوعرت عليك المسالك ( 5 )
31 - ( ومن وصية له للحسن بن علي عليهما السلام )
كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفين ( 6 )
من الوالد الفان . المقر للزمان ( 7 ) ، المدبر العمر ، المستسلم
للدهر . الذام للدنيا ، الساكن مساكن الموتى . والظاعن عنها غدا . إلى
المولود المؤمل مالا يدرك ( 8 ) السالك سبيل من قد هلك ، غرض
الاسقام ورهينة الايام . ورمية المصائب ( 9 ) . وعبد الدنيا . وتاجر
الغرور . وغريم المنايا . وأسير الموت . وحليف الهموم . وقرين
* ( هامش ) * ( 1 ) الاكياس العقلاء : جمع كيس ، كسيد
والانكاس : جمع نكس : بكسر النون الدنئ الخسيس ( 2 ) نكب : عدل . وجار :
مال . وخبط : مشى على غير هداية . والتيه : الضلال ( 3 ) أجريت مطيتك مسرعا إلى
غاية خسران ( 4 ) أولجتك : أدخلتك . وأقحمتك : رمت بك في الغي ضد الرشاد
( 5 ) أوعرت : أخشنت وصعبت ( 6 ) حاضرين اسم بلدة في نواحي صفين ( 7 ) المعترف
له بالشدة ( 8 ) يؤمل البقاء وهو مما لا يدركه أحد ( 9 ) هدفها ترمى إليه سهامها . والرهينة ( * ) =
ـ 38 ـ
الاحزان . ونصب الآفات ( 1 ) . وصريع الشهوات ، وخليفة الاموات
أما بعد فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني وجموح الدهر علي ( 2 )
وإقبال الآخرة إلى ما يزعني عن ذكر من سواى ( 3 ) ، والاهتمام بما
ورائي ( 4 ) ، غير أني حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي ، فصدفني
رأيي وصرفني عن هواي ( 5 ) ، وصرح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد
لا يكون فيه لعب ، وصدق لا يشوبه كذب . ووجدتك بعضي بل
وجدتك كلي حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني ، وكأن الموت لو أتاك
أتاني ، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي فكتبت إليك ( 6 )
مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت
فإني أوصيك بتقوى الله أي بني ولزوم أمره ، وعمارة قلبك
بذكره ، والاعتصام بحبله . وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله
إن أنت أخذت به ؟
أحي قلبك بالموعظة ، وأمته بالزهادة ، وقوه باليقين ، ونوره
* ( هامش ) * = المرهونة أي أنه في قبضتها وحكمها . والرمية ما أصابه السهم 1 ) من قولهم فلان نصب
عيني بالضم أي لا يفارقني . والصريع : الطريح ( 2 ) جموح الدهر : استعصاؤه وتغلبه
( 3 ) ما مفعول تبينت ( 4 ) من أمر الآخرة ( 5 ) صدفه : صرفه ، والضمير في صرفني
للرأي . ومحض الامر : خالصه ( 6 ) مفعول كتب هو قوله فإني أوصيك الخ . وقوله ( * ) =
ـ 39 ـ
بالحكمة ، وذلله بذكر الموت ، وقرره بالفناء ( 1 ) ، وبصره فجائع
الدنيا ، وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي والايام ، واعرض
عليه أخبار الماضين ، وذكره بما أصاب من كان قبلك من الاولين ،
وسر في ديارهم وآثارهم فانظر فيما فعلوا وعما انتقلوا وأين حلوا
ونزلوا ، فإنك تجدهم قد انتقلوا عن الاحبة ، وحلوا ديار الغربة ،
وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم . فاصلح مثواك ، ولا تبع
آخرتك بدنياك . ودع القول فيما لا تعرف والخطاب فيما لم تكلف .
وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته فإن الكف عند حيرة الضلال
خير من ركوب الاهوال . وأمر بالمعروف تكن من أهله ، وأنكر
المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله بجهدك ( 2 ) . وجاهد في الله حق
جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم . وخض الغمرات للحق حيث
كان ( 3 ) ، وتفقه في الدين ، وعود نفسك التصبر على المكروه ونعم
الخلق التصبر . وألجئ نفسك في الامور كلها إلى إلهك فإنك تلجئها
إلى كهف حريز ( 4 ) ، ومانع عزيز . وأخلص في المسألة لربك فإن
* ( هامش ) * = مستظهرا به أي مستعينا بما أكتب إليك على ميل قلبك وهوى نفسك ( 1 ) اطلب
منه الاقرار بالفناء . وبصره أي اجعله بصيرا بالفجائع جمع فجيعة وهي المصيبة تفزع
بحلولها ( 2 ) باين أي باعد وجانب الذي يفعل المنكر ( 3 ) الغمرات الشدائد ( 4 ) الكهف ( * ) =
ـ 40 ـ
بيده العطاء والحرمان ، وأكثر الاستخارة ( 1 ) وتفهم وصيتى ولا
تذهبن عنها صفحا ( 2 ) فإن خير القول ما نفع . واعلم أنه لا خير في علم
لا ينفع ، ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه ( 3 )
أي بني إني لما رأيتني قد بلغت سنا ( 4 ) ، ورأيتني أزداد وهنا
بادرت بوصيتي إليك ، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي
دون أن أفضي إليك بما في نفسي ( 5 ) ، وأن أنقص في رأيي كما نقصت
في جسمي ( 6 ) ، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا ( 7 ) ،
فتكون كالصعب النفور . وإنما قلب الحدث كالارض الخالية ما
ألقي فيها من شئ قبلته . فبادرتك بالادب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل
لبك لتستقبل بجد رأيك من الامر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته
وتجربته ( 8 ) ، فتكون قد كفيت مؤونة الطلب ، وعوفيت من
* ( هامش ) * = الملجأ . والحريز : الحافظ ( 1 ) الاستخارة إجالة الرأي في الامر قبل فعله لاختيار أفضل
وجوهه ( 2 ) صفحا أي جانبا أي لا تعرض عنها ( 3 ) لا يحق بكسر الحاء وضمها أي
لا يكون من الحق كالسخر ونحوه ( 4 ) أي وصلت النهاية من جهة السن . والوهن : الضعف
( 5 ) أفضى : ألقى إليك ( 6 ) وأن أنقص عطف على أن يعجل ( 7 ) أي يسبقني بالاستيلاء
على قلبك غلبات الاهواء فلا تتمكن نصيحتي من النفوذ إلى فؤادك فتكون كالفرس
الصعب غير المذلل . والنفور ضد الآنس ( 8 ) ليكون جد رأيك أي محققه وثابته مستعدا
لقبول الحقائق التي وقف عليها أهل التجارب وكفوك طلبها . والبغية بالكسر : الطلب ( * )
ـ 41 ـ
علاج التجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه ، واستبان لك ما ربما
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 3 من ص 41 سطر 1 الى ص 50 سطر 21
علاج التجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه ، واستبان لك ما ربما
أظلم علينا منه ( 1 )
أي بني إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت
في أعمالهم ، وفكرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم حتى عدت
كأحدهم . بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم
إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، ونفعه من ضرره ،
فاستخلصت لك من كل أمر نخيله ( 2 ) وتوخيت لك جميله ، وصرفت
عنك مجهوله ، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق
وأجمعت عليه من أدبك ( 3 ) أن يكون ( 4 ) ذلك وأنت مقبل العمر
ومقتبل الدهر ، ذو نية سليمة ونفس صافية ، وأن أبتدئك بتعليم
كتاب الله وتأويله ، وشرائع الاسلام وأحكامه ، وحلاله وحرامه ،
لا أجاوز ذلك بك إلى غيره ( 5 ) . ثم أشفقت ( 6 ) أن يلتبس عليك ما اختلف
الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم ( 7 ) ، فكان
* ( هامش ) * ( 1 ) استبان : ظهر إذا انضم رأيه إلى آراء أهل التجارب فربما يظهر له ما لم يكن ظهر
لهم فان رأيه يأتي بأمر جديد لم يكونوا أتوا به ( 2 ) النخيل : المختار المصفى . وتوخيت أى تحريت ( 3 ) أجمعت : عزمت عطف على يعني الوالد ( 4 ) أن يكون مفعول رأيت
( 5 ) لا أتعدى بك كتاب الله إلى غيره بل أقف بك عنده ( 6 ) أشفقت أي خشيت
وخفت ( 7 ) مثل صفة لمفعول مطلق محذوف أي التباسا مثل الذي كان لهم
ـ 42 ـ
إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلي من إسلامك
إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة ( 1 ) . ورجوت أن يوفقك الله فيه
لرشدك ، وأن يهديك لقصدك ، فعهدت إليك وصيتي هذه
واعلم يا بني أن أحب ما أنت آخذ به إلي من وصيتي تقوى الله
والاقتصار على ما فرضه الله عليك ، والاخذ بما مضى عليه الاولون
من آبائك ، والصالحون من أهل بيتك ، فإنهم لم يدعوا أن نظروا
لانفسهم كما أنت ناظر ( 2 ) ، وفكروا كما أنت مفكر ، ثم ردهم
آخر ذلك إلى الاخذ بما عرفوا والامساك عما لم يكلفوا . فإن أبت
نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك
بتفهم وتعلم ، لا بتورط الشبهات وعلو الخصومات . وابدأ قبل
نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك والرغبة إليه في توفيقك وترك كل
شائبة أولجتك في شبهة ( 3 ) ، أو أسلمتك إلى ضلالة . فإذا أيقنت أن
* ( هامش ) * ( 1 ) أي أنك وإن كنت تكره أن ينبهك أحد لما ذكرت لك فإني أعد إتقان التنبيه على
كراهتك له أحب إلي من اسلامك أي إلقائك إلى أمر تخشى عليك به الهلكة
( 2 ) لم يتركوا النظر لانفسهم في أول أمرهم بعين لا ترى نقصا ولا تحذر خطرا ثم ردتهم
آلام التجربة إلى الاخذ بما عرفوا حسن عاقبته وإمساك أنفسهم عن عمل لم يكلفهم
الله إتيانه ( 3 ) الشائبة ما يشوب الفكر من شك وحيرة . وأولجتك : أدخلتك ( * )
ـ 43 ـ
قد صفا قلبك فخشع ، وتم رأيك فاجتمع ، وكان همك في ذلك هما
واحدا فانظر فيما فسرت لك . وإن أنت لم يجتمع لك ما تحب من
نفسك ، وفراغ نظرك وفكرك فاعلم أنك إنما تخبط العشواء ( 1 ) ،
وتتورط الظلماء . وليس طالب الدين من خبط أو خلط ، والامساك عن
ذلك أمثل ( 2 )
فتفهم يا بني وصيتي ، وأعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة ،
وأن الخالق هو المميت ، وأن المفني هو المعيد ، وأن المبتلي هو
المعافي ، وأن الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها الله عليه من
النعماء ( 3 ) ، والابتلاء ، والجزاء في المعاد أو ما شاء مما لا نعلم ، فإن
أشكل عليك شئ من ذلك فاحمله على جهالتك به فإنك أول
ما خلقت خلقت جاهلا ثم علمت . وما أكثر ما تجهل من الامر ويتحير
فيه رأيك ويضل فيه بصرك ، ثم تبصره بعد ذلك . فاعتصم بالذي خلقك
* ( هامش ) * ( 1 ) العشواء الضعيفة البصر أي تخبط خبط الناقة العشواء لا تأمن أن تسقط فيما لا خلاص
منه . وتورط الامر : دخل فيه على صعوبة في التخلص منه ( 2 ) حبس النفس عن الخلط
والخبط في الدين أحسن ( 3 ) لا تثبت الدنيا إلا على ما أودع الله في طبيعتها من التلون
بالنعماء تارة والاختبار بالبلاء تارة وأعقابها للجزاء في المعاد يوم القيامة على الخير
خيرا وعلى الشر شرا ( * )
ـ 44 ـ
ورزقك وسواك ، وليكن له تعبدك وإليه رغبتك ومنه شفقتك ( 1 )
واعلم يا بني أن أحدا لم ينبئ عن الله كما أنبأ عنه الرسول
صلى الله عليه وآله ، فارض به رائدا ( 2 ) ، وإلى النجاة قائدا ، فإني لم
آلك نصيحة ( 3 ) . وإنك لم تبلغ في النظر لنفسك وإن اجتهدت
مبلغ نظري لك
واعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لاتتك رسله ، ولرأيت
آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ، ولكنه إله واحد
كما وصف نفسه . لا يضاده في ملكه أحد ، ولا يزول أبدا . ولم يزل
أول قبل الاشياء بلا أولية ( 4 ) ، وآخر بعد الاشياء بلا نهاية . عظم عن
أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر . فإذا عرفت ذلك فافعل كما
ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره ( 5 ) ، وقلة مقدرته ، وكثرة
عجزه ، وعظيم حاجته إلى ربه في طلب طاعتك ، والرهبة من عقوبته ،
والشفقة من سخطه . فإنه لم يأمرك إلا بحسن ولم ينهك إلا عن قبيح
* ( هامش ) * ( 1 ) شفقتك أي خوفك ( 2 ) الرائد من ترسله في طلب الكلا ليتعرف موقعه . والرسول
قد عرف عن الله وأخبرنا فهو رائد سعادتنا ( 3 ) لم أقصر في نصيحتك ( 4 ) فهو أول
بالنسبة إلى الاشياء لكونه قبلها إلا أنه لا أولية أي لا ابتداء له ( 5 ) خطره أي قدره ( * )
ـ 45 ـ
يا بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها ، وأنبأتك
عن الآخرة وما أعد لاهلها فيها ، وضربت لك فيهما الامثال لتعتبر
بها وتحذو عليها . إنما مثل من خبر الدنيا ( 1 ) كمثل قوم سفر نبا بهم
منزل جديب فأموا منزلا خصيبا وجنابا مريعا ، فاحتملوا وعثاء
الطريق ( 2 ) وفراق الصديق ، وخشونة السفر ، وجشوبة المطعم ليأتوا
سعة دارهم ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشئ من ذلك ألما ، ولا يرون
نفقة مغرما ، ولا شئ ، أحب إليهم مما قربهم من منزلهم ، وأدناهم من محلهم
ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى
منزل جديب ، فليس شئ أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة
ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه ( 3 ) ويصيرون إليه
يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك
ما تحب لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحب
أن تظلم ، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك . واستقبح من نفسك
* ( هامش ) * ( 1 ) خبر الدنيا : عرفها كما هي بامتحان أحوالها . والسفر بفتح فسكون : المسافرون .
ونبا المنزل بأهله : لم يوافقهم المقام فيه لوخامته . والجديب : المقحط لا خير فيه . وأموا :
قصدوا . والجناب : الناحية . والمريع بفتح فكسر : كثير العشب ( 2 ) وعثاء
السفر : مشقته . والجشوبة بضم الجيم : الغلظ ، أو كون الطعام بلا أدم ( 3 ) هجم
عليه : انتهى إليه بغتة ( * )
ـ 46 ـ
ما تستقبح من غيرك ، وأرض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك ( 1 ) .
ولا تقل مالا تعلم وإن قل ما تعلم ، ولا تقل ما لاتحب أن يقال لك
واعلم أن الاعجاب ضد الصواب وآفة الالباب ( 2 ) . فاسع في
كدحك ( 3 ) ولا تكن خازنا لغيرك ( 4 ) . وإذا أنت هديت لقصدك
فكن أخشع ما تكون لربك
واعلم أن أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة ( 5 ) ومشقة شديدة . وأنه
لا غنى لك فيه عن حسن الارتياد ( 6 ) . قدر بلاغك من الزاد مع خفة
الظهر . فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك فيكون ثقل ذلك وبالا
عليك . وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة
فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحمله إياه ( 7 ) . وأكثر من
تزويده وأنت قادر عليه فلعلك تطلبه فلا تجده . واغتنم من استقرضك
* ( هامش ) * ( 1 ) إذا عاملوك بمثل ما تعاملهم فارض بذلك ولا تطلب منهم أزيد مما تقدم لهم ( 2 ) الاعجاب :
استحسان ما يصدر عن النفس مطلقا وهو خلق من أعظم الاخلاق مصيبة على صاحبه ، ومن أشد
الآفات ضررا لقلبه ( 3 ) الكدح : أشد السعي ( 4 ) لا تحرص على جمع المال ليأخذه الوارثون بعدك
بل أنفق فيما يجلب رضاء الله عنك ( 5 ) هو طريق السعادة الابدية ( 6 ) الارتياد : الطلب . وحسنه :
إتيانه من وجهه . والبلاغ بالفتح : الكفاية ( 7 ) الفاقة : الفقر ، وإذا أسعفت الفقراء
بالمال كان أجر الاسعاف وثوابه ذخيرة تنالها في القيامة ، فكأنهم حملوا عنك زادا يبلغك
موطن سعادتك يؤدونه إليك وقت الحاجة . وهذا الكلام من أفصح ما قيل في الحث ( * ) =
ـ 47 ـ
في حال غناك ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك
واعلم أن أمامك عقبة كؤودا ( 1 ) ، المخف فيها أحسن حالا من
المثقل ، والمبطئ عليها أقبح حالا من المسرع ، وأن مهبطك بها لا محالة
على جنة أو على نار . فارتد لنفسك قبل نزولك ( 2 ) ووطئ المنزل قبل
حلولك ، فليس بعد الموت مستعتب ( 3 ) ، ولا إلى الدنيا منصرف .
واعلم أن الذي بيده خزائن السموات والارض قد أذن لك في الدعاء
وتكفل لك بالاجابة ، وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك ،
ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك ، ولم يلجئك إلى من يشفع
لك إليه ، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ، ولم يعاجلك بالنقمة ، ولم
يعيرك بالانابة ( 4 ) ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى ، ولم يشدد عليك
في قبول الانابة ، ولم يناقشك بالجريمة ، ولم يؤيسك من الرحمة . بل
جعل نزوعك عن الذنب حسنة ( 5 ) ، وحسب سيئتك واحدة ، وحسب
* ( هامش ) * = على الصدقة ( 1 ) صعبة المرتقى . واالمخف بضم فكسر : الذي خفف حمله ، والمثقل
بعكسه ، وهو من أثقل ظهره بالاوزار ( 2 ) ابعث رائدا من طيبات الاعمال توقفك
الثقة به على جودة المنزل ( 3 ) المستعتب والمنصرف مصدران ، والاستعتاب : الاسترضاء ،
ولا انصراف إلى الدنيا بعد الموت حتى يمكن استرضاء الله بعد إغضابه باستئناف العمل
( 4 ) الانابة : الرجوع إلى الله ، والله لا يعير الراجع إليه برجوعه ( 5 ) نزوعك : رجوعك ( * )
ـ 48 ـ
حسنتك عشرا ، وفتح لك باب المتاب . فإذا ناديته سمع نداءك ، وإذا ناجيته
علم نجواك ( 1 ) فأفضيت إليه بحاجتك ( 2 ) ، وأبثثته ذات نفسك ، وشكوت
إليه همومك ، وأستكشفته كروبك ( 3 ) ، واستعنته على أمورك ،
وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطاء غيره من زيادة الاعمار
وصحة الابدان وسعة الارزاق . ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه
بما أذن لك من مسألته ، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته
واستمطرت شآبيب رحمته ( 4 ) . فلا يقنطنك إبطاء إجابته ( 5 ) فإن العطية
على قدر النية . وربما أخرت عنك الاجابة ليكون ذلك أعظم لاجر
السائل وأجزل لعطاء الآمل . وربما سألت الشئ فلا تؤتاه وأوتيت
خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أوصرف عنك لما هو خير لك . فلرب
أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته . فلتكن مسألتك فيما
يبقى لك جماله وينفى عنك وباله . فالمال لا يبقى لك ولا تبقى له
واعلم أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا ، وللفناء لا للبقاء ،
* ( هامش ) * ( 1 ) المناجاة : المكالمة سرا . والله يعلم السر كما يعلم العلن ( 2 ) أفضيت : ألقيت .
وأبثثته : كاشفته . وذات النفس : حالتها ( 3 ) طلبت كشفها ( 4 ) الشؤبوب بالضم :
الدفعة من المطر ، وما أشبه رحمة الله بالمطر ينزل على الارض الموات فيحييها ، وما
أشبه نوباتها بدفعات المطر ( 5 ) القنوط : اليأس ( * )
ـ 49 ـ
وللموت لا للحياة ، وأنك في منزل قلعة ( 1 ) ودار بلغة ، وطريق إلى
الآخرة ، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه ، ولا بد أنه
مدركه ، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيئة قد
كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت
قد أهلكت نفسك
يا بني أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي
بعد الموت إليه حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ( 2 ) ، وشددت له
أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك ( 3 ) . وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد
أهل الدنيا إليها ( 4 ) ، وتكالبهم عليها ، فقد نبأك الله عنها ، ونعت لك
نفسها ( 5 ) ، وتكشفت لك عن مساويها ، فإنما أهلها كلاب عاوية ،
وسباع ضارية ، يهر ببعضها بعضا ( 6 ) ، ويأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر
* ( هامش ) * ( 1 ) قلعة بضم القاف وسكون اللام ، وبضمتين ، وبضم ففتح ، يقال منزل قلعة أي لا يملك
لنازله ، أو لا يدري متى ينتقل عنه . والبلغة : الكفاية أي دار تؤخذ منها الكفاية للآخرة
( 2 ) الحذر بالكسر الاحتراز والاحتراس . والازر بالفتح : القوة ( 3 ) بهر كمنع :
غلب ، أي يغلبك على أمرك ( 4 ) إخلاد أهل الدنيا : سكونهم إليها . والتكالب : التواثب
( 5 ) نعاه : أخبر بموته . والدنيا تخبر بحالها عن فنائها ( 6 ) ضارية : مولعة بالافتراس . يهر
بكسر الهاء وضمها : أي يمقت ويكره بعضها بعضا ( * )
ـ 50 ـ
كبيرها صغيرها . نعم معقلة ( 1 ) ، وأخرى مهملة قد أضلت عقولها ( 2 )
وركبت مجهولها ، سروح عاهة ( 3 ) بواد وعث . ليس لها راع يقيمها ،
ولا مقيم يسيمها ( 4 ) . سلكت بهم الدنيا طريق العمى ، وأخذت
بأبصارهم عن منار الهدى ، فتاهوا في حيرتها ، وغرقوا في نعمتها ،
واتخذوها ربا فلعبت بهم ولعبوا بها ونسوا ما وراءها
رويدا يسفر الظلام ( 5 ) . كأن قد وردت الاظعان ( 6 ) . يوشك من
أسرع أن يلحق . واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار
به وإن كان واقفا ، ويقطع المسافة وإن كان مقيما وادعا ( 7 )
واعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك ، وأنك في سبيل
من كان قبلك . فخفض في الطلب ( 8 ) ، وأجمل في المكتسب فإنه
* ( هامش ) * ( 1 ) عقل البعير بالتشديد : شد وظيفه إلى ذراعه . والنعم بالتحريك : الابل ، أي إبل
منعها عن الشر عقالها وهم الضعفاء ، وأخرى مهملة تأتي من السوء ما تشاء وهم الاقوياء
( 2 ) أضلت : أضاعت عقولها وركبت طريقها المجهول لها ( 3 ) السروح بالضم : جمع
سرح بفتح فسكون وهو المال السائم من إبل ونحوها . والعاهة : الآفة ، أي أنهم يسرحون
لرعي الآفات وادي المتاعب . والوعث : الرخو يصعب السير فيه ( 4 ) أسام الدابة : سرحها
إلى المرعى ( 5 ) يسفر أي يكشف ظلام الجهل عما خفي من الحقيقة عند انجلاء الغفلة بحلول
المنية ( 6 ) الاظعان جمع ظعينة : وهو الهودج تركب فيه المرأة ، عبر به عن المسافرين
في طريق الدنيا إلى الآخرة كأن حالهم أن وردوا على غاية سيرهم ( 7 ) الوادع : الساكن
المستريح ( 8 ) خفض : أمر من خفض بالتشديد أي رفق . وأجمل في كسبه ، أي سعى سعيا
جميلا لا يحرص فيمنع الحق ولا يطمع فيتناول ما ليس بحق ( * )
ـ 51 ـ
رب طلب قد جر إلى حرب ( 1 ) . فليس كل طالب بمرزوق ، ولا كل
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 3 من ص 51 سطر 1 الى ص 60 سطر 17
رب طلب قد جر إلى حرب ( 1 ) . فليس كل طالب بمرزوق ، ولا كل
مجمل بمحروم . وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب
فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا ( 2 ) ، ولا تكن عبد غيرك
وقد جعلك الله حرا . وما خير خير لا ينال إلا بشر ( 3 ) ، ويسر لا ينال
إلا بعسر ( 4 )
وإياك أن توجف بك مطايا الطمع ( 5 ) فتوردك مناهل الهلكة .
وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل . فإنك
مدرك قسمك وآخذ سهمك . وإن اليسير من الله سبحانه أعظم
وأكرم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه
وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من
منطقك ( 6 ) ، وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء . وحفظ ما في يديك أحب
* ( هامش ) * ( 1 ) الحرب بالتحريك : سلب المال ( 2 ) إن رغائب المال إنما تطلب لصون
النفس عن الابتذال ، فلو بذل باذل نفسه لتحصيل المال فقد ضيع ما هو المقصود من
المال فكان جمع المال عبثا ولا عوض لما ضيع ( 3 ) يريد أي خير في شئ سماه الناس خيرا
وهو مما لا يناله الانسان إلا بالشر ، فإن كان طريقه شرا فكيف يكون هو خيرا
( 4 ) إن العسر الذي يخشاه الانسان هو ما يضطره لرذيل الفعال فهو يسعى كل جهده
ليتحامى الوقوع فيه فإن جعل الرذائل وسيلة لكسب اليسر أي السعة فقد وقع أول
الامر فيما يهرب منه فما الفائدة في يسره وهو لا يحميه من النقيصة ( 5 ) توجف : تسرع .
والمناهل ما ترده الابل ونحوها للشرب ( 6 ) التلافي : التدارك لاصلاح ما فسد أو كاد . ( * ) =
ـ 52 ـ
إلى من طلب ما في يد غيرك ( 1 ) . ومرارة اليأس خير من الطلب إلى
الناس . والحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور . والمرء أحفظ
لسره ( 2 ) . ورب ساع فيما يضره ( 3 ) . من أكثر أهجر ( 4 ) . ومن تفكر
أبصر . قارن أهل الخير تكن منهم . وباين أهل الشر تبن عنهم .
بئس الطعام الحرام . وظلم الضعيف أفحش الظلم . إذا كان الرفق
خرقا كان الخرق رفقا ( 5 ) . ربما كان الدواء داء والداء دواء . وربما
نصح غير الناصح وغش المستنصح ( 6 ) . وإياك واتكالك على المنى
فإنها بضائع الموتى ( 7 ) ، والعقل حفظ التجارب . وخير ما جريت
* ( هامش ) * = وما فرط أي قصر عن إفادة الغرض أو إنالة الوطر . وإدراك ما فات هو اللحاق به لاجل
استرجاعه ، وفات أي سبق إلى غير صواب وسابق الكلام لا يدرك فيسترجع بخلاف مقصر
السكوت فسهل تداركه ، وإنما يحفظ الماء في القربة مثلا بشد وكائها أي رباطها ، وإن
لم يشد الوكاء صب ما في الوعاء ولم يمكن إرجاعه فكذلك اللسان ( 1 ) إرشاد للاقتصاد
في المال ( 2 ) فالاولى عدم إباحته لشخص آخر وإلا فشا ( 3 ) قد يسعى الانسان بقصد
فائدته فينقلب سعيه بالضرر عليه لجهله أو سوء قصده ( 4 ) أهجر إهجارا وهجرا
بالضم : هذا في كلامه . وكثير الكلام لا يخلو من الاهجار ( 5 ) إذا كان المقام يلزمه
العنف فيكون إبداله بالرفق عنفا ويكون العنف من الرفق ، وذلك كمقام التأديب
وإجراء الحدود مثلا . والخرق بالضم : العنف ( 6 ) المستنصح اسم مفعول : المطلوب منه
النصح فيلزم التفكر والتروي في جميع الاحوال لئلا يروج غش أو تنبذ نصيحة
( 7 ) المنى : جمع منية بضم فسكون ما يتمناه الشخص لنفسه ويعلل نفسه باحتمال الوصول
إليه ، وهي بضائع الموتى لان المتجر بها يموت ولا يصل إلى شئ ، فإن تمنيت فاعمل ( * ) =
ـ 53 ـ
ما وعظك ( 1 ) . بادر الفرصة قبل أن تكون غصة . ليس كطالب
يصيب ، ولا كل غائب يؤوب . ومن الفساد إضاعة الزاد ( 2 )
ومفسدة المعاد . ولكل أمر عاقبة . سوف يأتيك ما قدر لك .
التاجر مخاطر . ورب يسير أنمى من كثير . لا خير في معين مهين ( 3 )
ولا في صديق ظنين . ساهل الدهر ما ذل لك قعوده ( 4 ) . ولا تخاطر
بشئ رجاء أكثر منه . وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج ( 5 ) . أحمل
نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة ( 6 ) ، وعند صدوده على اللطف
والمقاربة ، وعند جموده على البذل ( 7 ) ، وعند تباعده على الدنو ، وعند
شدته على اللين ، وعند جرمه على العذر حتى كأنك له عبد وكأنه
ذو نعمة عليك . وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه أو أن تفعله بغير
* ( هامش ) * = لامنيتك ( 1 ) أفضل التجربة ما زجرت عن سيئة وحملت على حسنة وذلك الموعظة
( 2 ) زاد الصالحات والتقوى ، أو المراد إضاعة المال مع مفسدة المعاد بالاسراف في
الشهوات وهو أظهر ( 3 ) مهين إما بفتح الميم بمعنى حقير فإن الحقير لا يصلح لان
يكون معينا ، أو بضمها بمعنى فاعل الاهانة فيعينك ويهينك فيفسد ما يصلح . والظنين
بالظاء . المتهم : وبالضاد البخيل ( 4 ) القعود بالفتح من الابل ما يقتعده الراعي في كل
حاجته ، ويقال للبكر إلى أن يثنى وللفصيل ، أي ساهل الدهر مادام منقادا وخذ حظك
من قياده ( 5 ) اللجاج بالفتح : الخصومة أي أحذرك من أن تغلبك الخصومات فلا تملك
نفسك من الوقوع في مضارها ( 6 ) صرمه : قطيعته ، أي ألزم نفسك بصلة صديقك إذا
قطعك الخ ( 7 ) جموده : بخله ( * )
ـ 54 ـ
أهله . لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك . وامحض أخاك
النصيحة حسنة كانت أو قبيحة . وتجرع الغيظ فإني لم أر جرعة
أحلى منها عاقبة ولا ألذ مغبة ( 1 ) . ولن لمن غالظك ( 2 ) فإنه يوشك
أن يلين لك . وخذ على عدوك بالفضل فإنه أحلى الظفرين ( 3 ) وإن
أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية ترجع إليها إن بدا
له ذلك يوما ما ( 4 ) . ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه ( 5 ) . ولا تضيعن
حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه فإنه ليس لك بأخ من أضعت
حقه . ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك . ولا ترغبن فيمن زهد فيك .
ولا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته ( 6 ) ولا تكونن
على الاساءة أقوى منك على الاحسان ، ولا يكبرن عليك ظلم من
ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك . وليس جزاء من سرك أن تسوءه
* ( هامش ) * ( 1 ) المغبة بفتحتين ثم باء مشددة : بمعنى العاقبة ، وكظم الغيظ وإن
صعب على النفس في وقته إلا أنها تجد لذته عند الافاقة من الغيظ ، فللعفو
لذة إن كان في محله ، وللخلاص من الضرر المعقب لفعل الغضب لذة أخرى ( 2 ) لن
أمر من اللين ضد الغلظ والخشونة ( 3 ) ظفر الانتقام وظفر التملك بالاحسان ، والثاني
أحلى وأربح فائدة ( 4 ) بقية من الصلة يسهل لك معها الرجوع إليه إذا ظهر له حسن
العودة ( 5 ) صدقه بلزوم ما ظن بك من الخبر ( 6 ) مراده إذا أتى أخوك بأسباب
القطيعة فقابلها بموجبات الصلة حتى تغلبه ولا يصح أن يكون أقدر على ما يوجب
القطيعة منك على ما يوجب الصلة ، وهذا أبلغ قول في لزوم حفظ الصداقة ( * )
ـ 55 ـ
واعلم يا بني أن الرزق رزقان : رزق تطلبه ، ورزق يطلبك
فإن أنت لم تأته أتاك . ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى ؟
إن لك من دنياك ما أصلحت به مثواك ( 1 ) . وإن جزعت على ما تفلت
من يديك ( 2 ) فاجزع على كل ما لم يصل إليك . استدل على ما لم يكن
بما قد كان . فإن الامور أشباه . ولا تكونن ممن لا تنفعه العظة إلا إذا
بالغت في إيلامه ، فإن العاقل يتعظ بالآداب والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب .
اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين . من ترك القصد
جار ( 3 ) والصاحب مناسب ( 4 ) والصديق من صدق غيبه ( 5 ) والهوى شريك
العناء ( 6 ) * رب قريب أبعد من بعيد ، ورب بعيد أقرب من قريب .
والغريب من لم يكن له حبيب . من تعدى الحق ضاق مذهبه . ومن
اقتصر على قدره كان أبقى له . وأوثق سبب أخذت به سبب بينك
وبين الله . ومن لم يبالك فهو عدوك ( 7 ) قد يكون اليأس إدراكا إذا
* ( هامش ) * ( 1 ) منزلتك من الكرامة في الدنيا والآخرة ( 2 ) تفلت بتشديد اللام أي تملص من اليد فلم
تحفظه ، فالذي يجزع على مافاته كالذي يجزع على ما لم يصله ، والثاني لا يحصر فينال فالجزع
عليه غير لائق فكذا الاول ( 3 ) القصد : الاعتدال . وجار : مال عن الصواب ( 4 ) يراعى
فيه ما يراعى في قرابة النسب ( 5 ) الغيب : صد الحضور أي من حفظ لك حقك وهو
غائب عنك ( 6 ) الهوى شهوة غير منضبطة ولا مملوكة بسلطان الشرع والادب .
والعناء الشقاء ( 7 ) لم يبالك أي لم يهتم بأمرك . باليته وباليت به أي راعيت واعتنيت به
( * ) وفي نسخة : والهوى شريك العمى ( * )
ـ 56 ـ
كان الطمع هلاكا . ليس كل عورة تظهر ولا كل فرصة تصاب .
وربما أخطأ البصير قصده وأصاب الاعمى رشده . أخر الشر فإنك
إذا شئت تعجلته ( 1 ) . وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل . من أمن
الزمان خانه ، ومن أعظمه أهانه ( 2 ) . ليس كل من رمى أصاب . إذا
تغير السلطان تغير الزمان . سل عن الرفيق قبل الطريق ، وعن الجار
قبل الدار . إياك أن تذكر في الكلام ما يكون مضحكا وإن حكيت
ذلك عن غيرك . وإياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن
إلى وهن ( 3 ) . واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن فإن شدة
الحجاب أبقى عليهن ، وليس خروجهن بأشد من إدخالك من لا يوثق
به عليهن ( 4 ) ، وإن اسطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل . ولا تملك
المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ( 5 )
ولا تعد بكرامتها نفسها ، ولا تطمعها في أن تشفع بغيرها . وإياك
* ( هامش ) * ( 1 ) لان فرص الشر لا تنقضي لكثرة طرقه ، وطريق الخير واحد وهو الحق
( 2 ) من هاب شيئا سلطه على نفسه ( 3 ) الافن بالتحريك : ضعف الرأي
والوهن : الضعف ( 4 ) أي إذا أدخلت على النساء من لا يوثق بأمانته فكأنك
أخرجتهن إلى مختلط العامة فأي فرق بينهما ؟ ( 5 ) القهرمان الذي يحكم في الامور
ويتصرف فيها بأمره . ولا تعد بفتح فسكون أي لا تجاوز بإكرامها نفسها فتكرم
غيرها بشفاعتها . أين هذه الوصية من حال الذين يصرفون النساء في مصالح الامة ، ( * ) =
ـ 57 ـ
والتغاير في غير موضع غيرة ( 1 ) فإن ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم
والبريئة إلى الريب . واجعل لكل إنسان من خدمك عملا تأخذه به
فإنه أحرى أن لا يتواكلوا في خدمتك ( 2 ) . وأكرم عشيرتك فإنهم
جناحك الذي به تطير ، وأصلك الذي إليه تصير ، ويدك التي بها
تصول . أستودع الله دينك ودنياك . وأساله خير القضاء لك في
العاجلة والآجلة والدنيا والآخرة . والسلام
32 - ( ومن كلام له عليه السلام إلى معاوية )
وأرديت جيلا ( 3 ) من الناس كثيرا خدعتهم بغيك ( 4 ) ، وألقيتهم
في موج بحرك ، تغشاهم الظلمات وتتلاطم بهم الشبهات ، فجازوا عن
وجهتهم ( 5 ) ونكصوا على أعقابهم ، وتولوا على أدبارهم ، وعولوا على
أحسابهم ( 6 ) إلا من فاء من أهل البصائر فإنهم فارقوك بعد معرفتك ،
* ( هامش ) * = بل ومن يختص بخدمتهن كرامة لهن ( 1 ) التغاير : إظهار الغيرة على المرأة بسوء الظن
في حالها من غير موجب ( 2 ) يتواكلوا : يتكل بعضهم على بعض ( 3 ) أرديت : أهلكت
جيلا أي قبيلا وصفا ( 4 ) الغي : الضلال ضد الرشاد ( 5 ) تعدوا عن وجهتهم بكسر
الواو أي جهة قصدهم ، كانوا يقصدون حقا فمالوا إلى باطل . ونكصوا : رجعوا
( 6 ) عولوا أي اعتمدوا على شرف قبائلهم فتعصبوا تعصب الجاهلية ونبذوا نصرة
الحق إلا من فاء أي رجع إلى الحق ( * )
ـ 58 ـ
وهربوا إلى الله من موازرتك ( 1 ) إذ حملتهم على الصعب وعدلت بهم
عن القصد . فاتق الله يا معاوية في نفسك وجاذب الشيطان قيادك ( 2 ) ،
فإن الدنيا منقطعة عنك والآخرة قريبة منك . والسلام
33 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة )
أما بعد فإن عيني بالمغرب ( 3 ) كتب إلي يعلمني أنه وجه على الموسم
أناس من أهل الشام ( 4 ) العمي القلوب ، الصم الاسماع ، الكمه
الابصار ( 5 ) ، الذين يلتمسون الحق بالباطل ، ويطيعون المخلوق في
معصية الخالق ، ويحتلبون الدنيا درها بالدين ( 6 ) ، ويشترون عاجلها
بآجل الابرار والمتقين . ولن يفوز بالخير إلا عامله ، ولا يجزى جزاء
الشر إلا فاعله . فأقم على ما في يديك قيام الحازم الصليب ( 7 ) والناصح
اللبيب ، والتابع لسلطانه المطيع لامامه . وإياك وما يعتذر منه ( 8 ) .
ولا تكن عند النعماء بطرا ( 9 ) ولا عند الباساء فشلا . والسلام
* ( هامش ) * ( 1 ) الموازرة : المعاضدة ( 2 ) القياد ما تقاد به الدابة ، أي إذا جذبك الشيطان بهواك فجاذبه
أي امنع نفسك من متابعته ( 3 ) عينى أي رقيبي في البلاد الغربية ( 4 ) وجه مبني للمجهول
أي وجههم معاوية . والموسم : الحج ( 5 ) الكمه : جمع أكمه وهو من ولد أعمى ( 6 ) يحتلبون
الدنيا : يستخلصون خيرها . والدر بالفتح : اللبن ، ويجعلون الدين وسيلة لما ينالون من
حطامها ( 7 ) الصليب : الشديد ( 8 ) احذر أن تفعل شيئا يحتاج إلى الاعتذار منه
( 9 ) البطر : شدة الفرح مع ثقة بدوام النعمة . والبأساء : الشدة ، كما أن النعماء ( * ) =
ـ 59 ـ
34 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر لما
بلغه توجده من عزله ( 1 ) بالاشتر عن مصر ، ثم توفى الاشتر
في توجهه إلى مصر قبل وصوله إليها )
أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريح الاشتر إلى عملك ( 2 )
وإني لم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهد ولا ازديادا في الجد ( 3 ) . ولو
نزعت ما تحت يدك من سلطانك . لوليتك ما هو أيسر عليك مؤونة
وأعجب إليك ولاية
إن الرجل الذي كنت وليته أمر مصر كان لنا رجلا ناصحا
وعلى عدونا شديدا ناقما ( 4 ) . فرحمه الله فلقد استكمل أيامه ولاقى
حمامه ( 5 ) ونحن عنه راضون . أولاه الله رضوانه وضاعف الثواب له ،
فأصحر لعدوك ، وامض على بصيرتك ( 6 ) ، وشمر لحرب من حاربك ،
وادع إلى سبيل ربك ، وأكثر الاستعانة بالله يكفك ما أهمك
ويعنك على ما نزل بك إن شاء الله
* ( هامش ) * = الرخاء والسعة ( 1 ) توجده : تكدره ( 2 ) موجدتك : أي غيظك . والتسريح :
الارسال . والعمل : الولاية ( 3 ) أي ما رأيت منك تقصيرا فأردت أن أعاقبك بعزلك
لتزداد جدا ( 4 ) ناقما أي كارها ( 5 ) الحمام - بالكسر - : الموت ( 6 ) أصحر له أي
أبرز له ، من أصحر إذا برز للصحراء ( * )
ـ 60 ـ
35 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى عبدالله بن العباس )
بعد مقتل محمد بن أبي بكر
أما بعد فإن مصر قد افتتحت ومحمد بن أبي بكر رحمه الله قد
استشهد . فعند الله نحتسبه ولدا ناصحا ( 1 ) وعاملا كادحا وسيفا قاطعا
وركنا دافعا . وقد كنت حثثت الناس على لحاقه وأمرتهم بغياثه قبل
الوقعة ، ودعوتهم سرا وجهرا وعودا وبدءا ، فمنهم الآتي كارها ،
ومنهم المعتل كاذبا ، ومنهم القاعد خاذلا ، أسأل الله أن يجعل لي
منهم فرجا عاجلا ، فو الله لولا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة
وتوطيني نفسي على المنية لاحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا
ولا ألتقي بهم أبدا
36 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى عقيل بن أبي طالب في ذكر
جيش أنفذه إلى بعض الاعداء ، وهو جواب كتاب كتبه إليه عقيل )
فسرحت إليه جيشا كثيفا من المسلمين ، فلما بلغه ذلك شمر
* ( هامش ) * ( 1 ) أحتسبه عند الله : سأل الاجر على الرزية فيه . وسماه ولدا لانه كان
ربيبا له ، وأمه أسماء بنت عميس كانت مع جعفر بن أبي طالب وولدت له محمدا وعونا
وعبدالله بالحبشة أيام هجرتها معه إليها . وبعد قتله تزوجها أبوبكر فولدت له محمدا ( * ) =
ـ 61 ـ
هاربا ونكص نادما ، فلحقوه ببعض الطريق وقد طفلت الشمس
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 3 من ص 61 سطر 1 الى ص 70 سطر 19
هاربا ونكص نادما ، فلحقوه ببعض الطريق وقد طفلت الشمس
للاياب ( 1 ) فاقتتلوا شيئا كلا ولا ( 2 ) ، فما كان إلا كموقف ساعة حتى
نجا جريضا ( 3 ) بعد ما أخذ منه بالمخنق ولم يبق منه غير الرمق ( 4 ) .
فلايا بلاي ما نجا ( 5 ) . فدع عنك قريشا وتركاضهم في الضلال ،
وتجوالهم في الشقاق ( 6 ) ، وجماحهم في التيه . فإنهم قد أجمعوا على حربي
كإجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله قبلي ، فجزت قريشا
عني الجوازي ( 7 ) ، فقد قطعوا رحمي ، وسلبوني سلطان ابن أمي ( 8 ) . وأما ما
سألت عنه من رأيي في القتال فإن رأيي في قتال المحلين حتى ألقى الله ( 9 )
* ( هامش ) * = هذا . وبعد وفاته تزوجها علي فولدت له يحيى . والكادح المبالغ في سعيه ( 1 ) طفلت
تطفيلا أي دنت وقرنت . والاياب : الرجوع إلى مغربها ( 2 ) كناية عن السرعة التامة ،
فإن حرفين ثانيهما حرف لين سريعا الانقضاء عند السمع . قال أبوبرهان المغربي :
- وأسرع في العين من لحظة * وأقصر في السمع من لا ولا
( 3 ) الجريض بالجيم : المعموم ، وبالحاء : الساقط لا يستطيع النهوض ( 4 ) المخنق
بضم ففتح فنون مشددة : الحلق محل ما يوضع الخناق . والرمق بالتحريك :
بقية النفس ( 5 ) لايا : مصدر محذوف العامل ، ومعناه الشدة والعسر . وما بعده مصدرية ،
ونجا في معنى المصدر أي عسرت نجاته عسرا لعسر ( 6 ) التركاض : مبالغة في الركض ،
واستعاره لسرعة خواطرهم في الضلال . وكذلك التجوال من الجول والجولان .
والشقاق : الخلاف : وجماحهم استعصاؤهم على سابق الحق . والتيه : الضلال والغواية
( 7 ) الجوازي : جمع جازية بمعنى المكافأة ، دعاء عليهم بالجزاء على أعمالهم ( 8 ) يريد
رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين ربت رسول الله
في حجرها فقال النبي في شأنها : فاطمة أمي بعد أمي ( 9 ) المحلون : الذين يحللون ( * ) =
ـ 62 ـ
لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة ، ولا تفرقهم عني وحشة . ولا تحسبن
ابن أبيك ولو أسلمه الناس متضرعا متخشعا ، ولا مقرا للضيم واهنا ،
ولا سلس الزمام للقائد ( 1 ) ، ولا وطئ الظهر للراكب المتقعد ،
ولكنه كما قال أخو بني سليم
- فإن تسأليني كيف أنت فإنني * صبور على ريب الزمان صليب ( 2 )
- يعز علي أن ترى بي كآبة ( 3 ) * فيشمت عاد أو يساء حبيب
37 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية )
فسبحان الله ما أشد لزومك للاهواء المبتدعة والحيرة المتعبة ،
مع تضييع الحقائق واطراح الوثائق التي هي لله طلبة ( 4 ) ، وعلى عباده
حجة . فأما إكثارك الحجاج في عثمان وقتلته ( 5 ) فإنك إنما نصرت
عثمان حيث كان النصر لك ( 6 ) ، وخذلته حيث كان النصر له . والسلام
* ( هامش ) * = القتال ويجوزونه ( 1 ) السلس بفتح فكسر : السهل . والوطئ : اللين .
والمتقعد الذي يتخذ الظهر قعودا يستعمله للركوب في كل حاجاته ( 2 ) شديد ( 3 ) يعز
علي : يشق علي . والكآبة ما يظهر على الوجه من أثر الحزن . وعاد أي عدو
( 4 ) طلبة بالكسر : مطلوبة ( 5 ) الحجاج بالكسر : الجدال ( 6 ) حيث كان
للانتصار له فائدة لك تتخذه ذريعة لجمع الناس إلى غرضك . أما وهو حي وكان النصر ( * ) =
ـ 63 ـ
38 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر
لما ولي عليهم الاشتر رحمه الله )
من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى القوم الذين غضبوا لله حين
عصي في أرضه وذهب بحقه ، فضرب الجور سرادقه على البر والفاجر ( 1 )
والمقيم والظاعن ، فلا معروف يستراح إليه ( 2 ) ، ولا منكر يتناهى عنه
أما بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف ،
ولا ينكل عن الاعداء ساعات الروع ( 3 ) . أشد على الفجار من حريق
النار ، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج ( 4 ) ، فاسمعوا له وأطيعوا
أمره فيما طابق الحق فإنه سيف من سيوف الله لا كليل الظبة ( 5 ) ولا
نابي الضريبة ( 6 ) ، فإن أمركم أن تنفروا فانفروا ، وإن أمركم أن تقيموا
فأقيموا ، فإنه لا يقدم ولا يحجم ولا يؤخر ولا يقدم إلا عن أمري ، وقد
* ( هامش ) * = يفيده فقد خذلته وأبطأت عنه ( 1 ) السرادق بضم السين : الغطاء الذي يمد فوق
صحن البيت ، والغبار والدخان . والبر بفتح الباء : التقى . والظاعن : المسافر
( 2 ) يعمل به ، وأصله استراح إليه بمعنى سكن واطمأن . والسكون إلى المعروف
يستلزم العمل به ( 3 ) نكل عنه كضرب ونصر وعلم : نكص وجبن . والروع :
الخوف ( 4 ) مذحج كمجلس : قبيلة مالك ، وأصله اسم أكمة ولد عندها أبو
القبيلتين طئ ومالك فسميت قبيلتاهما به ( 5 ) الظبة بضم ففتح مخفف : حد
السيف والسنان ونحوهما . والكليل : الذي لا يقطع ( 6 ) الضريبة : المضروب بالسيف .
ونبا عنها السيف : لم يؤثر فيها . وإنما دخلت التاء في ضريبة وهي بمعنى المفعول ( * ) =
ـ 64 ـ
آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوكم ( 1 )
39 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى عمرو بن العاص )
فإنك جعلت دينك تبعا لدنيا امرئ ظاهر غيه مهتوك ستره ،
يشين الكريم بمجلسه ويسفه الحليم بخلطته ، فاتبعت أثره وطلبت
فضله اتباع الكلب للضرغام ( 2 ) يلوذ إلى مخالبه وينتظر ما يلقى إليه
من فضل فريسته ، فأذهبت دنياك وآخرتك ، ولو بالحق أخذت
أدركت ما طلبت . فإن يمكني الله منك ومن ابن أبي سفيان أجزكما
بما قدمتما ، وإن تعجزا وتبقيا فما أمامكما شر لكما ( 3 )
40 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله )
أما بعد فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت
ربك وعصيت إمامك وأخزيت أمانتك ( 4 )
بلغني أنك جردت الارض فأخذت ما تحت قدميك وأكلت
* ( هامش ) * = لذهابها مذهب الاسماء كالنطيحة والذبيحة ( 1 ) خصصتكم به وأنا في حاجة إليه تقديما
لنفعكم على نفعي . والشكيمة في اللجام : الحديدة المعترضة في فم الفرس التي فيها الفأس ،
ويعبر بشدتها عن قوة النفس وشدة اليأس ( 2 ) الضرغام : الاسد ( 3 ) وإن تعجزاني
عن الايقاع بكما وتبقيا في الدنيا بعدي فأمامكما حساب الله على أعمالكما ( 4 ) ألصقت
بأمانتك خزية بالفتح أي رزية أفسدتها . وكأن هذا العامل أخذ ما عنده من ( * ) =
ـ 65 ـ
ما تحت يديك ، فارفع إلي حسابك ، واعلم أن حساب الله أعظم من
حساب الناس
41 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله ( 1 ) )
أما بعد فإني كنت أشركتك في أمانتي ، وجعلتك شعاري
وبطانتي ، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي لمواساتي
وموازرتي ( 2 ) ، واداء الامانة إلي . فلما رايت الزمان على ابن عمك قد
كلب ، والعدو قد حرب ، وأمانة الناس قد خزيت ( 3 ) ، وهذه الامة
قد فنكت وشغرت ( 4 ) قلبت لابن عمك ظهر المجن ( 5 ) ففارقته مع
المفارقين ، وخذلته مع الخاذلين ، وخنته مع الخائنين . فلا ابن عمك
آسيت ( 6 ) ، ولا الامانة أديت . وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك .
وكأنك لم تكن على بينة من ربك . وكأنك إنما كنت تكيد هذه
الامة عن دنياهم ( 7 ) وتنوي غرتهم عن فيئهم . فلما أمكنتك الشدة
* ( هامش ) * = مخزون بيت المال ( 1 ) هو العامل السابق بعينه ( 2 ) المواساة من آساه أناله من ماله
عن كفاف لا عن فضل أو مطلقا . وقالوا ليست مصدرا لواساه فإنه غير فصيح وتقدم
للامام استعماله وهو حجة . والموازرة : المناصرة ( 3 ) كلب كفرح : اشتد وخشن
والكلبة بالضم : الشدة والضيق . وحرب كفرح : اشتد غضبه ، أو كطلب
بمعنى سلب مالنا وخزيت كرضيت : وقعت في بلية الفساد الفاضح ( 4 ) من فنكت
الجارية إذا صارت ماجنة . ومجون الامة أخذها بغير الحزم في أمرها كأنها هازلة .
وشغرت : لم يبق فيها من يحميها ( 5 ) المجن : الترس وهذا مثل يضرب لمن يخالف
ما عهد فيه ( 6 ) ساعدت وشاركت في الملمات ( 7 ) كاده عن الامر خدعه حتى ناله منه ( * ) =
ـ 66 ـ
في خيانة الامة أسرعت الكرة ، وعاجلت الوثبة ، واختطفت
ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لاراملهم وأيتامهم اختطاف
الذئب الازل دامية المعزى الكسيرة ( 1 ) ، فحملته إلى الحجاز رحيب
الصدر بحمله غير متأثم من أخذه ( 2 ) كأنك لا أبا لغيرك حدرت
إلى أهلك تراثا من أبيك وأمك . فسبحان الله ! أما تؤمن بالمعاد ؟
أو ما تخاف نقاش الحساب ( 3 ) ؟ أيها المعدود كان عندنا من ذوي الالباب ( 4 )
كيف تسيغ شرابا وطعاما وأنت تعلم أنك تأكل حراما وتشرب
حراما ؟ وتبتاع الاماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين
والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الاموال وأحرز
بهم هذه البلاد . فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم ، فإنك
إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لاعذرن إلى الله فيك ( 5 ) ، ولاضربنك
* ( هامش ) * = والغرة : الغفلة . والفئ : مال الغنيمة والخراج ( 1 ) الازل : السريع الجري أو الخفيف
لحم الوركين . والدامية : المجروحة . والكسيرة : المكسورة . والمعزى : أخت الضأن
اسم جنس كالمعز والمعيز ( 2 ) التأثم التحرز من الاثم بمعنى الذنب . ولا أبا لغيرك ،
تقال للتوبيخ مع التحامي من الدعاء عليه . وحدرت : أسرعت إليهم بتراث أي ميراث ،
أو هو من حدره بمعنى حطه من أعلى لاسفل ( 3 ) النقاش بالكسر : المناقشة
بمعنى الاستقصاء في الحساب ( 4 ) كان ههنا زائدة لافادة معنى المضي فقط لا تامة ولا ناقصة .
وسغت الشراب أسيغه كبعته أبيعه : بلعته بسهولة ( 5 ) لاعاقبنك عقابا يكون لي ( * ) =
ـ 67 ـ
بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلا دخل النار . ووالله لو أن الحسن
والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ( 1 ) ولا
ظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحق منهما وأزيح الباطل من مظلمتهما .
وأقسم بالله رب العالمين ما يسرني أن ما أخذت من أموالهم حلال لي ( 2 )
أتركه ميراثا لمن بعدي . فضح رويدا فكأنك قد بلغت المدى ( 3 )
ودفنت تحت الثرى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي الظالم
فيه بالحسرة ، ويتمنى المضيع الرجعة ولات حين مناص ( 4 ) .
42 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي وكان
عامله على البحرين فعزله واستعمل النعمان بن عجلان الزرقي مكانه )
أما بعد فإني قد وليت النعمان بن عجلان الزرقي على البحرين ،
ونزعت يدك بلا ذم لك ولا تثريب عليك ( 5 ) . فلقد أحسنت الولاية
وأديت الامانة . فأقبل غير ظنين ( 6 ) ولا ملوم ولا متهم ولا مأثوم .
* ( هامش ) * = عذرا عند الله في فعلتك هذه ( 1 ) الهوادة بالفتح : الصلح والاختصاص بالميل ( 2 ) أي
لا تعتمد على قرابتك مني فإني لا أسر بأن يكون لي فضلا عن ذوي قرابتي ( 3 ) فضح
من ضحيت الغنم إذا رعيتها في الضحى ، أي فارع نفسك على مهل فإنما أنت على
شرف الموت ، وكأنك قد بلغت المدى بالفتح مفرد بمعنى الغاية أو بالضم جمع مدية
بالضم أيضا بمعنى الغاية . والثرى : التراب ( 4 ) ليس الوقت وقت فرار ( 5 ) التثريب
اللوم ( 6 ) الظنين : المتهم ( * )
ـ 68 ـ
فقد أردت المسير إلى ظلمة أهل الشام ( 1 ) وأحببت أن تشهد معي فإنك
ممن استظهر به على جهاد العدو ( 2 ) وإقامة عمود الدين إن شاء الله
43 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن
هبيرة الشيباني وهو عامله على أردشير خره ( 3 ) )
بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك وأغضبت
إمامك : أنك تقسم ( 4 ) فئ المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم
وأريقت عليه دماؤهم فيمن اعتامك من أعراب قومك ( 5 ) . فوالذي
فلق الحبة وبرأ النسمة لئن كان ذلك حقا لتجدن بك علي هوانا ،
ولتخفن عندي ميزانا . فلا تستهن بحق ربك ، ولا تصلح دنياك بمحق
دينك فتكون من الاخسرين أعمالا
ألا وإن حق من قبلك وقبلنا ( 6 ) من المسلمين في قسمة هذا الفئ
سواء يردون عندي عليه ويصدرون عنه
* ( هامش ) * ( 1 ) الظلمة بالتحريك : جمع ظالم ( 2 ) أستظهر به : أستعين ( 3 ) أردشير خره بضم
الخاء وتشديد الراء : بلدة من بلاد العجم ( 4 ) أنك الخ بدل من أمر ( 5 ) اعتامك :
اختارك ، وأصله أخذ العيمة بالكسر وهي خيار المال ( 6 ) قبل بكسر ففتح : ظرف
بمعنى عند ( * )
ـ 69 ـ
44 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه وقد بلغه
أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه )
وقد عرفت أن معاوية كتب إليك يستزل لبك ويستفل
غربك ( 1 ) ، فاحذره فإنما هو الشيطان يأتي المؤمن من بين يديه ومن
خلفه وعن يمينه وعن شماله ليقتحم غفلته ( 2 ) ويستلب غرته
وقد كان من أبي سفيان في زمن عمر فلتة من حديث النفس ( 3 )
ونزغة من نزغات الشيطان لا يثبت بها نسب ولا يستحق بها إرث ،
والمتعلق بها كالواغل المدفع والنوط المذبذب
( فلما قرأ زياد الكتاب قال شهد بها ورب الكعبة ، ولم يزل
في نفسه حتى ادعاه معاوية )
قوله عليه السلام : الواغل ، هو الذي يهجم على الشرب ليشرب
معهم وليس منهم فلا يزال مدفعا محاجزا . والنوط المذبذب هو ما يناط
برحل الراكب من قعب أو قدح أو ما أشبه ذلك ، فهو أبدا يتقلقل
إذا حث ظهره واستعجل سيره )
* ( هامش ) * ( 1 ) يستزل أي يطلب به الزلل وهو الخطأ . واللب : القلب . ويستفل بالفاء أي
يطلب فل غر بك أي ثلم حدك ( 2 ) يدخل غفلته بغتة فيأخذه فيها . وتشبيه الغفلة
بالبيت يسكن فيه الغافل من أحسن أنواع التشبيه . والغرة بالكسر : خلو العقل عن
مضارب الحيل ، والمراد منها العقل الغر ، أي يسلب العقل الساذج ( 3 ) فلتة أبي سفيان ( * ) =
ـ 70 ـ
45 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف
الانصاري وهو عامله على البصرة وقد بلغه أنه دعي
إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها )
أما بعد يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة
دعاك إلى مأدبة ( 1 ) فأسرعت إليها تستطاب لك الالوان ( 2 ) وتنقل إليك
الجفان ، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو ( 3 ) .
وغنيهم مدعو . فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم ( 4 ) ، فما اشتبه
عليك علمه فالفظه ( 5 ) ، وما أيقنت بطيب وجوهه ( 6 ) فنل منه
ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدى به ويستضئ بنور علمه ، ألا
وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ( 7 ) ، ومن طعمه بقرصيه .
ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد ،
وعقة وسداد ( 8 ) . فوالله ما كنزت من دنياكم تبرا ، ولا أدخرت من غنائمها
* ( هامش ) * = قوله في شأن زياد إني أعلم من وضعه في رحم أمه يريد نفسه ( 1 ) المأدبة بفتح الدال
وضمها : الطعام يصنع لدعوة أو عرس ( 2 ) تستطاب يطلب لك طيبها . والالوان : أصناف الطعام
والجفان بكسر الجيم : جمع جفنة القصعة ( 3 ) سائلهم : محتاجهم ، مجفو أي مطرود من
الجفاء ( 4 ) قضم كسمع أكل بطرف أسنانه والمراد الاكل مطلقا ، والمقضم كمقعد المأكل
( 5 ) اطرحه حيث اشتبه عليك حله من حرمته ( 6 ) بطيب وجوهه بالحل في طرق كسبه ( 7 ) الطمر
بالكسر : الثوب الخلق ( 8 ) إن ورع الولاة وعفتهم يعين الخليفة على إصلاح شؤون ( * ) =
ـ 71 ـ
وفرا ( 1 ) ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا ( 2 ) . بلى كانت في أيدينا فدك
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 3 من ص 71 سطر 1 الى ص 80 سطر 18
وفرا ( 1 ) ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا ( 2 ) . بلى كانت في أيدينا فدك
من كل ما أظلته السماء ، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها
نفوس آخرين . ونعم الحكم الله . وما أصنع بفدك وغير فدك
والنفس مظانها في غد جدث ( 3 ) تنقطع في ظلمته آثارها ، وتغيب
أخبارها ، وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لاضغطها
الحجر والمدر ( 4 ) ، وسد فرجها التراب المتراكم ، وإنما هي نفسي
أروضها بالتقوى ( 5 ) لتأتي آمنة يوم الخوف الاكبر ، وتثبت على
جوانب المزلق ( 6 ) . ولو شئت لاهتديت الطريق ( 7 ) إلى مصفى هذا
العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز ، ولكن هيهات أن
* ( هامش ) * = الرعية ( 1 ) التبر بكسر فسكون : فتات الذهب والفضة قبل أن يصاغ . والوفر المال
( 2 ) أي ما كان يهئ لنفسه طمرا آخر بدلا عن الثوب الذي يبلى ، بل كان ينتظر
حتى يبلى ثم يعمل الطمر ، والثوب هنا عبارة عن الطمرين فإن مجموع الرداء والازار
يعد ثوبا واحدا فبهما يكسو البدن لا بأحدهما ( 3 ) فدك بالتحريك : قرية
لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالح أهلها على النصف من نخيلها بعد فتح خيبر ،
وإجماع الشيعة على أنه كان أعطاها فاطمة رضي الله عنها قبل وفاته إلا أن أبا بكر
رضي الله عنه ردها لبيت المال قائلا إنها كانت مالا في يد النبي يحمل به الرجال وينفقه
في سبيل الله وإنا إليه كما كان عليه . والقوم الآخرون الذين سخت نفوسهم عنها هم بنو هاشم . المظان : جمع مظنة وهو المكان الذي يظن فيه وجود الشئ . وموضع
النفس الذي يظن وجودها فيه في غد جدث بالتحريك أي قبر ( 4 ) أضغطها جعلها
من الضيق بحيث تضغط وتعصر الحال فيها ( 5 ) أروضها : أذللها ( 6 ) موضع ما تخشى
الزلة وهو الصراط ( 7 ) كان كرم الله وجهه إماما عالي السلطان واسع الامكان فلو أراد ( * ) =
ـ 72 ـ
يغلبني هواي ويقودني جشعي ( 1 ) إلى تخير الاطعمة . ولعل بالحجاز
أو اليمامة ( 2 ) من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت
مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى ؟ أو أكون كما قال القائل
- وحسبك داء أن تبيت ببطنة ( 3 ) * وحولك أكباد تحن إلى القد
أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره
الدهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ( 4 ) . فما خلقت ليشغلني
أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها ، أو المرسلة شغلها
تقممها ( 5 ) ، تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها . أو أترك سدى
أو أهمل عابثا ، أو أجر حبل الضلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة ( 6 ) .
وكأني بقائلكم يقول إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به
الضعف عن قتال الاقران ومنازلة الشجعان . ألا وإن الشجرة البرية
* ( هامش ) * = التمتع بأي اللذائذ شاء لم يمنعه مانع ، وهو قوله لو شئت لاهتديت الخ . والقز : الحرير ( 1 ) الجشع : شدة الحرص ( 2 ) جملة ولعل الخ حالية عمل فيها تخير الاطعمة أي هيهات
أن يتخير الاطعمة لنفسه والحال أنه قد يكون بالحجاز أو اليمامة من لا يجد القرص
أي الرغيف ولا طمع له في وجوده لشدة الفقر ولا يعرف الشبع ، وهيهات أن يبيت
مبطانا أي ممتلئ البطن والحال أن حوله بطونا غرثى أي جائعة وأكبادا حرى مؤنث
حران أي عطشان ( 3 ) البطنة بكسر الباء البطر والاشر والكظة . والقد بالكسر :
سير من جلد غير مدبوغ أي أنها تطلب أكله ولا تجده ( 4 ) الجشوبة : الخشونة
( 5 ) التقاطها للقمامة أي الكناسة وتكترش أي تملا كرشها ( 6 ) اعتسف : ركب ( * ) =
ـ 73 ـ
أصلب عودا ، والروائع الخضرة أرق جلودا ( 1 ) ، والنباتات البدوية
أقوى وقودا ( 2 ) وأبطأ خمودا ، وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو
والذراع من العضد ( 3 ) . والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت
عنها ، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها ، وسأجهد في أن
أطهر الارض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس ( 4 )
حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد ( 5 )
إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك ( 6 ) ، قد انسللت من مخالبك ،
وأفلت من حبائلك ، واجتنبت الذهاب في مداحضك . أين القرون
الذين غررتهم بمداعبك ( 7 ) أين الامم الذين فتنتهم بزخارفك . هاهم
* ( هامش ) * = الطريق على غير قصد . والمتاهة : موضع الحيرة ( 1 ) الروائع الخضرة : الاشجار
والاعشاب الغضة الناعمة الحسنة ( 2 ) الوقود : اشتعال النار أي إذا وقدت بها النار
تكون أقوى اشتعالا من النباتات غير البدوية وأبطأ منها خمودا ( 3 ) الصنوان :
النخلتان يجمعهما أصل واحد فهو من جرثومة الرسول يكون في حاله كما كان شديد
البأس وإن كان خشن المعيشة ( 4 ) جهد كمنع : جسد والمركوس من الركس وهو
رد الشئ مقلوبا وقلب آخره على أوله ، والمراد مقلوب الفكر ( 5 ) المدرة
بالتحريك : قطعة الطين اليابس . وحب الحصيد : حب النبات المحصود كالقمح
ونحوه ، أي حتى يطهر المؤمنين من المخالفين ( 6 ) إليك عني : اذهبي عني . والغارب :
الكاهل وما بين السنام والعنق . والجملة تمثيل لتسريحها تذهب حيث شاءت . وانسل
من مخالبها : لم يعلق به شئ من شهواتها . والحبائل : جمع حبالة شبكة الصياد . وأفلت
منها : خلص . والمداحض : المساقط ( 7 ) والمداعب : جمع مدعبة من الدعابة ( * ) =
ـ 74 ـ
رهائن القبور ومضامين اللحود . والله لو كنت شخصا مرئيا وقالبا
حسيا لاقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالاماني وأمم ألقيتهم
في المهاوي ، وملوك أسلمتهم إلى التلف وأوردتهم موارد البلاء إذ لا
ورد ولا صدر ( 1 ) . هيهات من وطئ دحضك زلق ( 2 ) ، ومن ركب
لججك غرق ، ومن ازور عن حبائلك وفق ( 3 ) . والسالم منك لا يبالي
إن ضاق به مناخه والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه ( 4 ) . اعزبي عني ( 5 ) .
فوالله لا أذل لك فتستذليني ، ولا أسلس لك فتقوديني . وأيم الله يمينا
أستثني فيها بمشيئة الله لاروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص ( 6 )
إذا قدرت عليه مطعوما ، وتقنع بالملح مأدوما ، ولادعن مقلتي كعين
ماء نضب معينها ( 7 ) مستفرغة دموعها . أتمتلئ السائمة من رعيها
فتبرك ، وتشبع الربيضة من عشبها فتربض ( 8 ) ويأكل علي من زاده
* ( هامش ) * = وهي المزاح . والتاآت والكافات كلها بالكسر خطابا للدنيا ( 1 ) الورد بكسر الواو :
ورود الماء . والصدر بالتحريك : الصدور عنه بعد الشرب ( 2 ) مكان دحض
بفتح فسكون : أي زلق لا تثبت فيه الارجل ( 3 ) ازور أي مال وتنكب ( 4 ) حان :
حضر . وانسلاخه : زواله ( 5 ) عزب يعزب أي بعد . ولا أسلس أي لا أنقاد ( 6 ) تهش
أي تنبسط إلى الرغيف وتفرح به من شدة ما حرمها ، ومطعوما حال من القرص كما
أن مأدوما حال من الملح أي مأدوما به الطعام ( 7 ) أي لاتركن مقلتي أي عيني وهي
كعين ماء نضب أي غار معينها بفتح فكسر أي ماؤها الجاري ، أي أبكي حتى
لا يبقى دمع ( 8 ) الربيضة : الغنم مع رعاتها إذا كانت في مرابضها . والربوض للغنم ( * ) =
ـ 75 ـ
فيهجع ( 1 ) ؟ . قرت إذا عينه ( 2 ) إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة
الهاملة ( 3 ) والسائمة المرعية
طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها ، وعركت بجنبها بؤسها ( 4 ) .
وهجرت في الليل غمضها ( 5 ) حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت
أرضها وتوسدت كفها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ،
وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم . وهمهمت بذكر ربهم شفاههم ( 6 ) ،
وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم " أولئك حزب الله ألا إن حزب
الله هم المفلحون "
فاتق الله يا ابن حنيف ولتكفك أقراصك ليكون من النار خلاصك
46 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله )
أما بعد فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين ( 7 ) وأقمع به نخوة
* ( هامش ) * كالبروك للابل ( 1 ) يهجع أي يسكن كما سكنت الحيوانات بعد طعامها ( 2 ) دعاء على
نفسه ببرود العين أي جمودها من فقد الحياة تعبير باللازم ( 3 ) الهاملة : المسترسلة .
والهمل من الغنم : ترعى نهارا بلا راع ( 4 ) البؤس : الضر . وعركه بالجنب : الصبر
عليه كأنه محرك فيسحقه بجنبه . ويقال فلان يعرك بجنبه الاذى إذا كان صابرا
عليه ( 5 ) والغمض بالضم : النوم . والكرى بالفتح : كذلك ( 6 ) الهمهمة :
الصوت يردد في الصدر وأراد منه الاعم . وتقشع الغمام : انجلى ( 7 ) أستظهر : أستعين ( * ) =
ـ 76 ـ
الاثيم ، وأسد به لهاة الثغر المخوف ( 1 ) . فاستعن بالله على ما أهمك ،
واخلط الشدة بضغث من اللين ( 2 ) . وارفق ما كان الرفق أرفق .
واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة . واخفض للرعية جناحك ،
وألن لهم جانبك . وآس بينهم في اللحظة والنظرة ( 3 ) ، والاشارة والتحية ،
حتى لا يطمع العظماء في حيفك ، ولا ييأس الضعفاء من عدلك . والسلام
47 - ( ومن وصية له عليه السلام للحسن والحسين
عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنه الله )
أوصيكما بتقوى الله وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ( 4 ) ، ولا
تأسفا على شئ منها زوي عنكما ( 5 ) . وقولا بالحق . واعملا للاجر .
وكونا للظالم خصما وللمظلوم عونا
أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله
ونظم أمركم ، وصلاح ذات بينكم ، فإني سمعت جدكما صلى الله
عليه وآله يقول : " صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام "
* ( هامش ) * = به وأقمع أي أكسر . والنخوة بالفتح : الكبر . والاثيم : فاعل الخطايا ( 1 ) الثغر :
مظنة طروق الاعداء في حدود الممالك . واللهاة : قطعة لحم مدلاة في سقف الفم على باب
الحلق ، قرنها بالثغر تشبيها له بفم الانسان ( 2 ) بضغث : بخلط ، أي شئ من اللين
تخلط به الشدة ( 3 ) آس أي شارك وسو بينهم ( 4 ) لا تطلباها وإن طلبتكما ( 5 ) زوي ( * ) =
ـ 77 ـ
والله الله في الايتام فلا تغبوا أفواههم ( 1 ) ولا يضيعوا بحضرتكم .
والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ما زال يوصي بهم حتى
ظننا أنه سيورثهم ( 2 ) . والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به
غيركم . والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم . والله الله في بيت
ربكم لا تخلوه ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا ( 3 ) . والله الله في
الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله . وعليكم
بالتواصل والتباذل ( 4 ) . وإياكم والتدابر والتقاطع . لا تتركوا الامر
بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون
فلا يستجاب لكم . يا بني عبدالمطلب لا ألفينكم ( 5 ) تخوضون دماء
المسلمين خوضا تقولون قتل أمير المؤمنين ، ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي
انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ، ولا
يمثل بالرجل ( 6 ) فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول :
* ( هامش ) * = أي قبض ونحى عنكما ( 1 ) أغب القوم : جاءهم يوما وترك يوما ، أي صلوا أفواههم
بالاطعام ولا تقطعوه عنها ( 2 ) يجعل لهم حقا في الميراث ( 3 ) لم تناظروا مبني للمجهول
أي لا ينظر إليكم بالكرامة لا من الله ولا من الناس لاهمالكم فرض دينكم ( 4 ) مداولة
البذل أي العطاء ( 5 ) لا أجدنكم : نفي في معنى النهي ، أي لا تخوضوا دماء المسلمين
بالسفك انتقاما منهم بقتلي ( 6 ) أي لا تمثلوا به . والتمثيل التنكيل والتعذيب ، أو هو ( * ) =
ـ 78 ـ
" إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور "
48 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية )
وإن البغي والزور يذيعان بالمرء في دينه ودنياه ( 1 ) ، ويبديان خلله
عند من يعيبه . وقد علمت أنك غير مدرك ما قضي فواته ( 2 ) . وقد
رام أقوام أمرا بغير الحق فتأولوا على الله فأكذبهم ( 3 ) . فاحذر يوما
يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله ( 4 ) ، ويندم من أمكن الشيطان من
قياده فلم يجاذبه . وقد دعوتنا إلى حكم القرآن ولست من أهله .
ولسنا إياك أجبنا ، ولكنا أجبنا القرآن في حكمه . والسلام
49 - ( ومن كتاب له عليه السلام إليه )
أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها ، ولم يصب صاحبها منها
شيئا إلا فتحت له حرصا عليها ولهجا بها ( 5 ) ، ولن يستغني صاحبها بما
* ( هامش ) * = التشويه بعد القتل أو قبله بقطع الاطراف مثلا ( 1 ) يذيعان بالمرء : يشهرانه ويفضحانه
( 2 ) ما قضى فواته : هو دم عثمان والانتصار له . ومعاوية يعلم أنه لا يدركه لانقضاء
الامر بموت عثمان رضي الله عنه ( 3 ) أولئك الذين فتحوا الفتنة بطلب دم عثمان
يريد بهم أصحاب الجمل . وتأولوا على الله أي تطاولوا على أحكامه بالتأويل فأكذبهم
حكم بكذبهم ( 4 ) يغتبط : يفرح من جعل عاقبة عمله محمودة بإحسان العمل أو من
وجد العاقبة حميدة . وأمكن الشيطان ، أي مكنه من زمامه ولم ينازعه ( 5 ) لهجا أي
ولوعا وشدة حرص ( * )
ـ 79 ـ
نال فيها عما لم يبلغه منها . ومن وراء ذلك فراق ما جمع ونقض ما أبرم
ولو اعتبرت بما مضى حفظت ما بقي . والسلام
50 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى أمرائه على الجيوش )
من عبدالله على أمير المؤمنين إلى أصحاب المسالح ( 1 )
أما بعد فإن حقا على الوالي أن لا يغيره على رعيته فضل ناله ولا
طول خص به ( 2 ) ، وأن يزيده ما قسم الله له من نعمه دنوا من عباده
وعطفا على إخوانه . ألا وإن لكم عندي أن لا أحتجز دونكم سرا
إلا في حرب ( 3 ) ، ولا أطوي دونكم أمرا إلا في حكم ( 4 ) . ولا
أؤخر لكم حقا عن محله ، ولا أقف به دون مقطعه ( 5 ) ، وأن تكونوا
عندي في الحق سواء ، فإذا فعلت ذلك وجبت لله عليكم النعمة ولي
عليكم الطاعة ، وأن لا تنكصوا عن دعوة ( 6 ) ، ولا تفرطوا في صلاح ،
* ( هامش ) * ( 1 ) جمع مسلحة أي الثغور لانها مواضع السلاح . وأصل المسلحة قوم ذوو سلاح
( 2 ) الطول بفتح الطاء : عظيم الفضل ، أي من الواجب على الوالي إذا خصه الله بفضل
أن يزيده فضله قربا من العباد وعطفا على الاخوان ، وليس من حقه أن يتغير ( 3 ) لا أكتم
عنكم سرا إلا في الحرب فإنه خدعة . وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد حربا ورى
بغيرها ( 4 ) طواه عنه : لم يجعل له نصيبا فيه ، أي لا أدع مشاورتكم في أمر إلا في حكم صرح
به الشرع في حد من الحدود مثلا فحكم الله النافذ دون مشورتكم ( 5 ) دون الحد الذي قطع
به أن يكون لكم ( 6 ) أن لا تتأخروا إذا دعوتكم ( * )
ـ 80 ـ
وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق ( 1 ) . فإن أنتم لم تستقيموا على ذلك
لم يكن أحد أهون علي ممن اعوج منكم ، ثم أعظم له العقوبة ،
ولا يجد فيها عندي رخصة . فخذوا هذا من أمرائكم ، وأعطوهم
من أنفسكم ما يصلح الله به أمركم ( 2 )
51 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى عماله على الخراج )
من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى أصحاب الخراج
أما بعد فإن من لم يحذر ما هو صائر إليه ( 3 ) لم يقدم لنفسه
ما يحرزها . وأعلموا أن ما كلفتم يسير وأن ثوابه كثير . ولو لم
يكن فيما نهى الله عنه من البغي والعدوان عقاب يخاف لكان في
ثواب اجتنابه ما لا عذر في ترك طلبه . فأنصفوا الناس من أنفسكم .
واصبروا لحوائجهم فإنكم خزان الرعية ( 4 ) ووكلاء الامة وسفراء
الائمة . ولا تحسموا أحدا عن حاجته ( 5 ) ، ولا تحبسوه عن طلبته ،
* ( هامش ) * ( 1 ) الغمرات : الشدائد ( 2 ) أي خذوا حقكم من أمرائكم ، وأعطوهم من أنفسكم
الحق الواجب عليكم وهو ما يصلح الله به أمركم ( 3 ) من لم يحذر العاقبة التي يصير إليها
لم يعمل عملا لنفسه يحفظها من سوء المصير ( 4 ) الخزان بضم فزاي مشددة : جمع
خازن . والولاة يخزنون أموال الرعية في بيت المال لتنفق في مصالحها ( 5 ) لا تحسموا :
لا تقطعوا . والطلبة بالكسر : المطلوب ( * )
ـ 81 ـ
ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف ، ولا دابة يعتملون
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 3 من ص 81 سطر 1 الى ص 90 سطر 19
ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف ، ولا دابة يعتملون
عليها ( 1 ) ولا عبدا ، ولا تضربن أحدا سوطا لمكان درهم ، ولا تمسن
مال أحد من الناس مصل ولا معاهد ، إلا أن تجدوا فرسا أو سلاحا
يعدى به على أهل الاسلام فإنه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك في
أيدي أعداء الاسلام فيكون شوكة عليه . ولا تدخروا أنفسكم
نصيحة ( 2 ) ، ولا الجند حسن سيرة ، ولا الرعية معونة ، ولا دين الله
قوة . وأبلوا في سبيل الله ما استوجب عليكم ( 3 ) ، فإن الله سبحانه
قد اصطنع عندنا وعندكم أن نشكره بجهدنا ( 4 ) ، وأن ننصره بما
بلغت قوتنا ، ولا قوة إلا بالله
* ( هامش ) * ( 1 ) أي لا تضطروا الناس لان يبيعوا لاجل أداء الخراج شيئا من كسوتهم
ولا من الدواب اللازمة لاعمالهم في الزرع والحمل مثلا ، ولا تضربوهم لاجل الدراهم ،
ولا تمسوا مال أحد من المصلين أي المسلمين أو المعاهدين بالمصادرة ، إلا ما كان عدة
للخارجين على الاسلام يصولون بها على أهله ( 2 ) ادخر الشئ : استبقاه لا يبذل منه
لوقت الحاجة . وضمن ادخر ههنا معنى منع فعداه بنفسه لمفعولين ، أي لا تمنعوا أنفسكم
شيئا من النصيحة بدعوى تأخيره لوقت الحاجة ، بل حاسبوا أنفسكم على أعمالها كل
وقت . ومثل هذا يقال في المعطوفات ( 3 ) وأبلوا أي أدوا ، يقال أبليته عذرا ، أي
أديته إليه ( 4 ) يقال اصطنعت عنده ، أي طلبت منه أي ( أن ) يصنع لي شيئا ، فالله سبحانه
طلب منا أن نصنع له الشكر بطاعتنا له ورعاية حقوق عباده وفاء بحق ماله علينا من
النعمة ( * )
ـ 82 ـ
52 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة )
أما بعد فصلوا بالناس الظهر حتى تفئ الشمس من مربض العنز ( 1 )
وصلوا بهم العصر والشمس بيضاء حية في عضو من النهار حين يسار
فيها فرسخان ( 2 ) . وصلوا بهم المغرب حين يفطر الصائم ويدفع
الحاج ( 3 ) وصلوا بهم العشاء حين يتوارى الشفق إلى ثلث الليل .
وصلوا بهم الغداة والرجل يعرف وجه صاحبه . وصلوا بهم صلاة
أضعفهم ولا تكونوا فتانين ( 4 )
53 - ( ومن عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعى لما
ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب محمد بن أبي بكر
وهو أطول عهد وأجمع كتبه للمحاسن )
( بسم الله الرحمن الرحيم )
هذا ما أمر به عبدالله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الاشتر
* ( هامش ) * ( 1 ) تفئ ، أي تصل في ميلها جهة الغرب إلى أن يكون لها فئ أي ظل من
حائط المربض على قدر طوله ، وذلك حيث يكون ظل كل شئ مثله ( 2 ) أي لا تزالوا
تصلون بهم العصر من نهاية وقت الظهر ما دامت الشمس بيضاء حية لم تصفر ، وذلك
في جزء من النهار يسع السير فرسخين . والضمير في فيها للعضو باعتبار كونه مدة
( 3 ) يدفع الحاج ، أي يفيض من عرفات ( 4 ) أي لا يكون الامام موجبا لفتنة المأمومين ( * ) =
ـ 83 ـ
في عهده إليه حين ولاه مصر : جباية خراجها ، وجهاد عدوها ،
واستصلاح أهلها ، وعمارة بلادها
أمره بتقوى الله وإيثار طاعته ، واتباع ما أمر به في كتابه : من
فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها ، ولا يشقى إلا مع
جحودها وإضاعتها ، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه ، فإنه
جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره وإعزاز من أعزه
وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ويزعها عند الجمحات ( 1 ) ،
فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله
ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول
قبلك من عدل وجور . وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما
كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ، ويقولون فيك ما كنت
تقول فيهم . وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن
عباده . فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح . فأملك
هواك ، وشح بنفسك عما لا يحل لك ( 2 ) ، فإن الشح بالنفس الانصاف
* ( هامش ) * = ونفرتهم من الصلاة بالتطويل ( 1 ) ويزعها أي يكفها عن مطامعها إذا جمحت عليه
فلم تنقد لقائد العقل الصحيح والشرع الصريح ( 2 ) شح : أبخل بنفسك عن الوقوع
في غير الحل ، فليس الحرص على النفس إيفاءها كل ماتحب ، بل من الحرص عليها ( * ) =
ـ 84 ـ
منها فيما أحبت أو كرهت . وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة
لهم واللطف بهم . ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم ،
فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم
الزلل ( 1 ) ، وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطإ ( 2 )
فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من
عفوه وصفحه ، فإنك فوقهم ، ووالي الامر عليك فوقك ، والله فوق
من ولاك . وقد استكفاك أمرهم ( 3 ) وابتلاك بهم . ولا تنصبن
نفسك لحرب الله ( 4 ) فإنه لا يدي لك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه
ورحمته . ولا تندمن على عفو ، ولا تبجحن بعقوبة ( 5 ) ، ولا تسرعن إلى
بادرة وجدت منها مندوحة ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع ( 6 ) فإن
ذلك إدغال في القلب ، ومنهكة للدين ، وتقرب من الغير . وإذا
* ( هامش ) * = أن تحمل على ما تكره إن كان ذلك في الحق ، فرب محبوب يعقب هلاكا ومكروه
يحمد عاقبة ( 1 ) يفرط : يسبق . والزلل : الخطأ ( 2 ) يؤتى مبني للمجهول نائب فاعله
على أيديهم . وأصله تأتي السئيات على أيديهم الخ ( 3 ) استكفاك : طلب منك كفاية
أمرهم والقيام بتدبير مصالحهم ( 4 ) أراد بحرب الله مخالفة شريعته بالظلم والجور ،
ولا يدي لك بنقمته أي ليس لك يد أن تدفع نقمته ، أي لا طاقة لك بها ( 5 ) بجح به :
كفرح لفظا ومعنى . والبادرة : ما يبدر من الحدة عند الغضب في قول أو فعل .
والمندوحة : المتسع أي المخلص ( 6 ) مؤمر : كمعظم أي مسلط . والادغال : إدخال الفساد .
ومنهكة : مضعفة ، نهكه : أضعفه . والغير بكسر ففتح : حادثات الدهر بتبدل ( * ) =
ـ 85 ـ
أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة ( 1 ) فانظر إلى عظم
ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك ، فإن
ذلك يطامن إليك من طماحك ( 2 ) ، ويكف عنك من غربك ، ويفئ
إليك بما عزب عنك من عقلك
إياك ومساماة الله في عظمته ( 3 ) والتشبه به في جبروته ، فإن الله
يذل كل جبار ويهين كل مختال
أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك
فيه هوى من رعيتك ( 4 ) ، فإنك إلا تفعل تظلم ، ومن ظلم عباد الله كان
الله خصمه دون عباده ، ومن خاصمه الله أدحض حجته ( 5 ) وكان لله
حربا حتى ينزع ويتوب . وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله
وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم ، فإن الله سميع دعوة المضطهدين
وهو للظالمين بالمرصاد
* ( هامش ) * = الدول . والاغترار بالسلطة تقرب منها أي تعرض للوقوع فيها ( 1 ) الابهة بضم الهمزه
وتشديد الباء مفتوحة : العظمة والكبرياء . والمخيلة بفتح فكسر : الخيلاء
والعجب ( 2 ) الطماح ككتاب : النشوز والجماح . ويطامن أي يخفض منه .
والغرب بفتح فسكون : الحدة . ويفئ : يرجع إليك بما عزب أي غاب من عقلك
( 3 ) المساماة : المباراة في السمو أي العلو ( 4 ) من لك فيه هوى أي لك إليه ميل خاص
( 5 ) أدحض : أبطل . وحربا أي محاربا . وينزع كيضرب أي يقلع عن ظلمه ( * )
ـ 86 ـ
وليكن أحب الامور إليك أوسطها في الحق ، وأعمها في العدل
وأجمعها لرضى الرعية ، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة ( 1 ) ،
وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة . وليس أحد من الرعية أثقل
على الوالي مؤونة في الرخاء ، وأقل معونة له في البلاء ، وأكره
للانصاف ، وأسأل بالالحاف ( 2 ) ، وأقل شكرا عند الاعطاء . وأبطأ
عذرا عند المنع ، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة ( 3 )
وإنما عماد الدين وجماع المسلمين ( 4 ) والعدة للاعداء العامة من الامة ،
فليكن صغوك لهم وميلك معهم
وليكن أبعد رعيتك منك وأشنؤهم عندك أطلبهم لمعائب
الناس ( 5 ) ، فإن في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها ( 6 ) . فلا تكشفن
عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك ، والله يحكم على
ماغاب عنك . فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ماتحب ستره
* ( هامش ) * ( 1 ) يجحف أي يذهب برضى الخاصة فلا ينفع الثاني معه ، أما لو سخط الخاصة ورضي
العامة فلا أثر لسخط الخاصة فهو مغتفر ( 2 ) الالحاف : الالحاح والشدة في السؤال
( 3 ) من أهل الخاصة متعلق بأثقل وما بعده من أفعال التفضيل ( 4 ) جماع الشئ
بالكسر : جمعه أي جماعة الاسلام . والعامة خبر عماد وما بعده ( 5 ) أشنؤهم : أبغضهم .
والا طلب للمعائب : الاشد طلبا لها ( 6 ) ستر فعل ماض صلة من ، أي أحق الساترين ( * ) =
ـ 87 ـ
من رعيتك . أطلق عن الناس عقدة كل حقد ( 1 ) . واقطع عنك سبب
كل وتر . وتغاب عن كل ما لا يضح لك ، ولا تعجلن إلى تصديق
ساع فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين
ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ( 2 ) ويعدك
الفقر ، ولا جبانا يضعفك عن الامور ، ولا حريصا يزين لك الشره
بالجور ، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى ( 3 ) يجمعها سوء الظن بالله .
إن شر وزرائك من كان للاشرار قبلك وزيرا ومن شركهم في الآثام
فلا يكونن لك بطانة ( 4 ) فإنهم أعوان الاثمة وإخوان الظلمة ، وأنت
واجد منهم خير الخلف ( 5 ) ممن له مثل آرائهم ونفاذهم ، وليس عليه
مثل آصارهم وأوزارهم ( 6 ) ممن لم يعاون ظالما على ظلمه ولا آثما على
إثمه . أولئك أخف عليك مؤونة ، وأحسن لك معونة ، وأحنى
* ( هامش ) * = لها بالستر ( 1 ) أي أحلل عقد الاحقاد من قلوب النا س بحسن السيرة معهم . واقطع
عنك أسباب الاوتار أي العدوات بترك الاساءة إلى الرعية . والوتر بالكسر :
العداوة . وتغاب أي تغافل . والساعي هو النمام بمعائب الناس ( 2 ) الفضل هنا الاحسان
بالبذل . ويعدك : يخوفك من الفقر لو بذلت . والشره بالتحريك : أشد الحرص
( 3 ) غرائز : طبائع متفرفة تجتمع في سوء ظن بكرم الله وفضله ( 4 ) بطانة الرجل
بالكسر : خاصته ، وهو من بطانة الثوب خلاف ظهارته . والاثمة : جمع آثم ، فاعل
الاثم أي الذنب . والظلمة : جمع ظالم ( 5 ) منهم متعلق بالخلف أو متعلق بواجد ، ومن
مستعملة في المعنى الاسمي بمعنى بدل ( 6 ) الآصار : جمع إصر بالكسر وهو الذنب والاثم ( * ) =
ـ 88 ـ
عليك عطفا ، وأقل لغيرك إلفا ( 1 ) فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك
وحفلاتك ، ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك ( 2 ) ، وأقلهم
مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لاوليائه واقعا ذلك من هواك
حيث وقع ( 3 ) ، والصق بأهل الورع والصدق ، ثم رضهم على أن لا يطروك ( 4 )
ولا يبجحوك بباطل لم تفعله ، فإن كثرة الاطراء تحدث الزهو
وتدني من العزة
ولا يكون المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء ، فإن في ذلك
تزهيدا لاهل الاحسان في الاحسان ، وتدريبا لاهل الاساءة على
الاساءة . وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه ( 5 ) . واعلم أنه ليس شئ
بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم ( 6 ) ، وتخفيفه
* ( هامش ) * = وكذلك الاوزار ( 1 ) الالف بالكسر : الالفة والمحبة ( 2 ) ليكن أفضلهم
لديك أكثرهم قولا بالحق المر . ومرارة الحق : صعوبته على نفس الوالي ( 3 ) واقعا
حال مما كره الله ، أي لا يساعدك على ما كره الله حال كونه نازلا من ميلك إليه أي
منزلة ، أي وإن كان من أشد مرغوباتك ( 4 ) رضهم ، أي عودهم على أن لا يطروك
أي يزيدوا في مدحك ، ولا يبجحوك أي يفرحوك بنسبة عمل عظيم إليك ولم تكن
فعلته . والزهو بالفتح : العجب وتدني . أي تقرب من العزة أي الكبر ( 5 ) فإن
المسئ ألزم نفسه استحقاق العقاب ، والمحسن ألزمها استحقاق الكرامة ( 6 ) إذا أحسن
الوالي إلى رعيته وثق من قلوبهم بالطاعة له ، فان الاحسان قياد الانسان فيحسن ظنه
بهم ، بخلاف ما لو أساء إليهم فإن الاساءة تحدث العداوة في نفوسهم فينتهزون الفرصة ( * ) =
ـ 89 ـ
المؤونات عليهم ، وترك استكراهه إياهم على ماليس قبلهم ( 1 )
فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك ، فإن
حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا ( 2 ) ، وإن أحق من حسن ظنك به
لمن حسن بلاؤك عنده . وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك
عنده ( 3 )
ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الامة ، واجتمعت بها
الالفة ، وصلحت عليها الرعية . ولا تحدثن سنة تضر بشئ من ماضي
تلك السنن فيكون الاجر لمن سنها . والوزر عليك بما نقضت منها
وأكثر مدارسة العلماء ومنافثة الحكماء ( 4 ) في تثبيت ماصلح
عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك
واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ، ولا غنى
ببعضها عن بعض . فمنها جنود الله . ومنها كتاب العامة والخاصة ( 5 ) .
* ( هامش ) * = لعصيانه فيسوء ظنه بهم ( 1 ) قبلهم بكسر ففتح أي عندهم ( 2 ) النصب
بالتحريك : التعب ( 3 ) البلاء هنا : الصنع مطلقا حسنا أو سيئا ، وتفسير العبارة
واضح مما قدمنا ( 4 ) المنافثة : المحادثة ( 5 ) كتاب كرمان : جمع كاتب . والكتبة
منهم عاملون للعامة كالمحاسبين والمحررين في المعتاد من شؤون العامة ، كالخراج
والمظالم ، ومنهم مختصون بالحاكم يفضي إليهم بأسراره ويوليهم النظر فيما يكتب لاوليائه ( * ) =
ـ 90 ـ
ومنها قضاة العدل . ومنها عمال الانصاف والرفق . ومنها أهل الجزية
والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس . ومنها التجار وأهل الصناعات .
ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكلا قد سمى الله
سهمه ( 1 ) ، ووضع على حده فريضته في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه
وآله عهدا منه عندنا محفوظا
فالجنود بإذن الله حصون الرعية ، وزين الولاة ، وعز الدين ، وسبل
الامن ، وليس تقوم الرعية إلا بهم . ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج
الله لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم ، ويعتمدون عليه
فيما يصلحهم ، ويكون من وراء حاجتهم ( 2 ) . ثم لا قوام لهذين
الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما
يحكمون من المعاقد ( 3 ) ، ويجمعون من المنافع ، ويؤتمنون عليه من
خواص الامور وعوامها . ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي
الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ( 4 ) ، ويقيمونه من أسواقهم ،
* ( هامش ) * = وأعدائه وما يقرر في شؤون حربه وسلمه مثلا ( 1 ) سهمه : نصيبه من الحق ( 2 ) أي
يكون محيطا بجميع حاجاتهم دافعا لها ( 3 ) هو وما بعده نشر على ترتيب اللف . والمعاقد :
العقود في البيع والشراء وما شابهها مما هو من شأن القضاة . وجمع المنافع من حفظ
الامن وجباية الخراج وتصريف الناس في منافعهم العامة ذلك شأن العمال . والمؤتمنون
هم الكتاب ( 4 ) الضمير للتجار وذوي الصناعات ، أي أنهم قوام لمن قبلهم بسبب ( * ) =
ـ 91 ـ
ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم . ثم الطبقة
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 3 من ص 91 سطر 1 الى ص 100 سطر 21
ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم . ثم الطبقة
السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم ( 1 ) .
وفي الله لكل سعة ، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه ، وليس
يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة
بالله ، وتوطين نفسه على لزوم الحق ، والصبر عليه فيما خف عليه أو
ثقل . فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولامامك ، وأنقاهم
جيبا ( 2 ) ، وأفضلهم حلما ممن يبطئ عن الغضب ، ويستريح إلى العذر ،
ويرأف بالضعفاء وينبو على الاقوياء ( 3 ) . وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به
الضعف . ثم ألصق بذوي الاحساب ( 4 ) وأهل البيوتات الصالحة والسوابق
الحسنة . ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة ، فإنهم جماع من
الكرم ، وشعب من العرف . ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان
* ( هامش ) * = المرافق أي المنافع التي يجتمعون لاجلها ، ولها يقيمون الاسواق ويكفون سائر الطبقات
من الترفق أي التكسب بأيديهم ما لايبلغه كسب غيرهم من سائر الطبقات ( 1 ) رفدهم :
مساعدتهم وصلتهم ( 2 ) جيب القميص : طوقه ، ويقال نقى الجيب أي طاهر الصدر
والقلب . والحلم : العقل ( 3 ) ينبو : يشتد ويعلو عليهم ليكف أيديهم عن ظلم الضعفاء
( 4 ) ثم ألصق الخ تبيين للقبيل الذي يؤخذ منه الجند ويكون منه رؤساؤه وشرح
لاوصافهم . وجماع من الكرم : مجموع منه . وشعب بضم ففتح : جمع شعبة . ( * ) =
ـ 92 ـ
من ولدهما ، ولا يتفاقمن في نفسك شئ قويتهم به ( 1 ) . ولا تحقرن
لطفا تعاهدتهم به ( 2 ) وإن قل فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك
وحسن الظن بك . ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها
فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به . وللجسيم موقعا لا
يستغنون عنه
وليكن آثر رؤوس جندك عندك ( 3 ) من واساهم في معونته ،
وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف
أهليهم حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو . فإن عطفك
عليهم ( 4 ) يعطف قلوبهم عليك . وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة
العدل في البلاد ، وظهور مودة الرعية . وإنه لا تظهر مودتهم إلا
* ( هامش ) * = والعرف : المعروف ( 1 ) تفاقم الامر : عظم أي لاتعد شيئا قويتهم به غاية في العظم
زائدا عما يستحقون ، فكل شئ قويتهم به واجب عليك إتيانه وهم مستحقون
لنيله ( 2 ) أي لاتعد شيئا من تلطفك معهم حقيرا فتتركه لحقارته ، بل كل تلطف وإن
قل فله موقع من قلوبهم ( 3 ) آثر أي أفضل وأعلى منزلة ، فليكن أفضل رؤساء
الجند من واسى الجند أي ساعدهم بمعونته لهم . وأفضل عليهم أي أفاض وجاد من
جدته . والجدة بكسر ففتح : الغنى ، والمراد ما بيده من أرزاق الجند وما سلم
إليه من وظائف المجاهدين لا يقتر عليهم في الفرض ولا ينقصهم شيئا مما فرض لهم ،
بل يجعل العطاء شاملا لمن تركوهم في الديار . من خلوف الاهلين : جمع خلف بفتح
فسكون من يبقى في الحي من النساء والعجزة بعد سفر الرجال ( 4 ) عليهم أي على ( * ) =
ـ 93 ـ
بسلامة صدورهم ، ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة
أمورهم ( 1 ) . وقلة استثقال دولهم ، وترك استبطاء انقطاع مدتهم .
فافسح في آمالهم ، وواصل في حسن الثناء عليهم ، وتعديد ما أبلى
ذوو البلاء منهم ( 2 ) . فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع
وتحرض الناكل إن شاء الله . ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى ،
ولا تضيفن بلاء امرئ إلى غيره ( 3 ) ، ولا تقصرن به دون غاية بلائه ،
ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا ، ولا
ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما
واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ( 4 ) ويشتبه عليك
من الامور فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم " يا أيها الذين
آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم
* ( هامش ) * = الرؤساء ( 1 ) حيطة بكسر الحاء : من مصادر حاطه بمعنى حفظه وصانه ، أي
بمحافظتهم على ولاة أمورهم وحرصهم على بقائهم ، وأن لا يستثقلوا دولتهم ولا يستبطئوا
انقطاع مدتهم ، بل يعدون زمنهم قصيرا يطلبون طوله ( 2 ) ما صنع أهل الاعمال العظيمة
منهم ، فتعديد ذلك يهز الشجاع أي يحركه للاقدام ، ويحرض الناكل أي المتأخر
القاعد ( 3 ) لاتنسبن عمل امرئ إلى غيره ولا تقصر به في الجزاء دون ما يبلغ منتهى
عمله الجميل ( 4 ) ضلع فلانا كمنع : ضربه في ضلعه . والمراد ما يشكل عليك ( * )
ـ 94 ـ
في شئ فردوه إلى الله والرسول " فالرد إلى الله الاخذ بمحكم
كتابه ( 1 ) ، والرد إلى الرسول الاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة ( 2 )
ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك ( 3 ) في نفسك ممن لا
تضيق به الامور ، ولا تمحكه الخصوم ( 4 ) ، ولا يتمادى في الزلة ، ولا
يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه ( 5 ) ، ولا تشرف نفسه على طمع ( 6 ) ،
ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ( 7 ) ، وأوقفهم في الشبهات ( 8 ) ،
وآخذهم بالحجج ، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم ، وأصبرهم على
تكشف الامور ، وأصرمهم عند اتضاح الحكم . ممن لا يزدهيه
إطراء ( 9 ) ولا يستميله إغراء . وأولئك قليل . ثم أكثر تعاهد قضائه ( 10 ) ،
* ( هامش ) * ( 1 ) محكم الكتاب : نصه الصريح ( 2 ) سنة الرسول كلها جامعة ولكن رويت عنه
سنن افترقت بها الآراء ، فإدا أخذت فخذ بما أجمع عليه مما لا يختلف في نسبته إليه
( 3 ) ثم اختر الخ انتقال من الكلام في الجند إلى الكلام في القضاة ( 4 ) أمحكه جعله
محكان أي عسر الخلق ، أو أغضبه أي لا تحمله مخاصمة الخصوم على اللجاج والاصرار
على رأيه . والزلة بالفتح : السقطة في الخطأ ( 5 ) حصر كفرح : ضاق صدره ،
أي لا يضيق صدره من الرجوع إلى الحق ( 6 ) الاشراف على الشئ : الاطلاع عليه
من فوق . فالطمع من سافلات الامور من نظر إليه وهو في أعلى منزلة النزاهة لحقته
وصمة النقيصة فما ظنك بمن هبط إليه وتناوله ( 7 ) لا يكتفي في الحكم بما يبدو له بأول
فهم وأقر به دون أن يأتي على أقصى الفهم بعد التأمل ( 8 ) هذا وما بعده أتباع لافضل
رعيتك . والشبهات : مالا يتضح الحكم فيها بالنص ، فينبغي الوقوف على القضاء
حتى يرد الحادثة إلى أصل صحيح . والتبرم الملل والضجر . وأصرمهم : أقطعهم للخصومة
( 9 ) لا يزدهيه : لا يستخفه زيادة الثناء عليه ( 10 ) تعاهده : تتبعه بالاستكشاف والتعرف . ( * ) =
ـ 95 ـ
وافسح له في البذل مايزيل علته ( 1 ) وتقل معه حاجته إلى الناس ، وأعطه
من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ( 2 ) ليأمن بذلك
اغتيال الرجال له عندك . فانظر في ذلك نظرا بليغا ، فإن هذا الدين قد
كان أسيرا في أيدي الاشرار يعمل فيه بالهوى ، وتطلب به الدنيا
ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا ( 3 ) ، ولا تولهم محاباة
وأثرة ، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة ، وتوخ منهم أهل
التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام ( 4 )
المتقدمة ، فإنهم أكرم أخلاقا ، وأصح أعراضا ، وأقل في المطامع
إشرافا ، وأبلغ في عواقب الامور نظرا . ثم أسبغ عليهم الارزاق ( 5 )
فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول
* ( هامش ) * = وضمير قضائه لافضل الرعية الموصوف بالاوصاف السابقة ( 1 ) البذل : العطاء أي أوسع
له حتى يكون ما يأخذه كافيا لمعيشة مثله وحفظ منزلته ( 2 ) إذا رفعت منزلته عندك هابته
الخاصة كما تهابه العامة فلا يجرؤ أحد على الوشاية به عندك خوفا منك وإجلالا لمن
أجللته ( 3 ) ولهم الاعمال بالامتحان لا محاباة أي اختصاصا وميلا منك لمعاونتهم . وأثرة
بالتحريك أي استبدادا بلا مشورة ، فإنهما أي المحاباة والاثرة يجمعان
الجور والخيانة ( 4 ) توخ اي أطلب وتحر أهل التجربة الخ . والقدم بالتحريك :
واحدة الاقدام ، أي الخطوة السابقة . وأهلها هم الاولون ( 5 ) أسبغ عليه الرزق :
أكمله وأوسع له فيه ( * )
ـ 96 ـ
ما تحت أيديهم ، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك ( 1 ) .
ثم تفقد أعمالهم ، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ( 2 ) ،
فإن تعاهدك في السر لامورهم حدوة لهم ( 3 ) على استعمال الامانة
والرفق بالرعية . وتحفظ من الاعوان ، فإن أحد منهم بسط يده
إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك ( 4 ) اكتفيت بذلك
شاهدا ، فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله ،
ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة ، وقلدته عار التهمة
وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم
صلاحا لمن سواهم ، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لان الناس كلهم
عيال على الخراج وأهله . وليكن نظرك في عمارة الارض أبلغ من
نظرك في استجلاب الخراج لان ذلك لا يدرك إلا بالعمارة . ومن
طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ، ولم يستقم أمره
إلا قليلا ، فإن شكوا ثقلا ( 5 ) أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة
* ( هامش ) * ( 1 ) نقصوا في أدائها أو خانوا ( 2 ) العيون : الرقباء ( 3 ) حدوة أي سوق
لهم وحث ( 4 ) اجتمعت الخ أي اتفقت عليها أخبار الرقباء ( 5 ) إذا شكوا ثقل
المضروب من مال الخراج أو نزول علة سماوية بزرعهم أضرت بثمراته ، أو انقطاع
شرب بالكسر أي ماء في بلاد تسقى بالانهار . أو انقطاع بالة أي ما يبل الارض من ندى ( * ) =
ـ 97 ـ
أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو أن
يصلح به أمرهم . ولا يثقلن عليك شئ خففت به المؤونة عنهم ،
فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك ، مع
استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك باستفاضة العدل فيهم ( 1 ) معتمدا
فضل قوتهم ( 2 ) بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما
عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم . فربما حدث من الامور ما
إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به ( 3 ) ، فإن
العمران محتمل ما حملته ، وإنما يؤتى خراب الارض من إعواز أهلها
وإنما يعوز أهلها لاشراف أنفس الولاة على الجمع ( 4 ) ، وسوء ظنهم
بالبقاء ، وقلة انتفاعهم بالعبر
* ( هامش ) * = ومطر فيما يسقى بالمطر ، أو إحالة أرض بكسر همزة إحالة ، أي تحويلها البذر إلى فساد
بالتعفن لما اغتمرها أي عمها من الغرق فصارت غمقة كفرحة أي غلب عليها
الندى والرطوبة حتى صار البذر فيها غمقا ككتف أي له رائحة خمة وفساد ،
وونقصت لذلك غلاتهم . أو أجحف العطش أي ذهب بمادة الغذاء من الارض فلم تنبت ،
فعليك عند الشكوى أن تخفف عنهم ( 1 ) التبجح : السرور بما يرى من حسن
عمله في العدل ( 2 ) أي متخذا زيادة قوتهم عمادا لك تستند إليه عند الحاجة ، وأنهم
يكونون سندا بما ذخرت عندهم من إجمامك أي إراحتك لهم . والثقة منصوب بالعطف
على فضل ( 3 ) طيبة بكسر الطاء مصدر طاب وهو علة لاحتملوه أي لطيب أنفسهم
باحتماله ، فإن العمران مادام قائما وناميا فكل ما حملت أهله سهل عليهم أن يحتملوا ،
والاعواز الفقر والحاجة ( 4 ) لتطلع أنفسهم إلى جمع المال إدخارا لما بعد زمن الولاية ( * ) =
ـ 98 ـ
ثم انظر في حال كتابك ( 1 ) فول على أمورك خيرهم ، واخصص
رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجود صالح
الاخلاق ( 2 ) ، ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف
لك بحضرة ملا ، ولا تقصربه الغفلة ( 3 ) عن إيراد مكاتبات عمالك
عليك ، وإصدار جواباتها على الصواب عنك وفيما يأخذ لك ويعطي
منك . ولا يضعف عقدا اعتقده لك ، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد
عليك ( 4 ) ، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الامور ، فإن الجاهل بقدر
نفسه يكون بقدر غيره أجهل . ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك
استنامتك ( 5 ) وحسن الظن منك ، فإن الرجال يتعرفون لفراسات
* ( هامش ) * = إذا عزلوا
( 1 ) ثم انظر الخ انتقال من الكلام في أهل الخراج إلى الكلام في الكتاب
جمع كاتب ( 2 ) بأجمعهم متعلق باخصص ، أي ما يكون من رسائلك حاويا لشئ من
المكائد للاعداء وما يشبه ذلك من أسرارك فاخصصه بمن فاق غيره في جميع الاخلاق
الصالحة . ولا تبطره أي لا تطغيه الكرامة فيجرأ على مخالفتك في حضور ملاء وجماعة
من الناس فيضر ذلك بمنزلتك منهم ( 3 ) لا تكون غفلته موجبة لتقصيره في اطلاعك
على ما يرد من أعمالك ، ولا في إصدار الاجوبة عنه على وجه الصواب ، بل يكون من
النباهة والحذق بحيث لا يفوته شئ من ذلك ( 4 ) أي يكون خبيرا بطرق المعاملات
بحيث إذا عقد لك عقدا في أي نوع منها لايكون ضعيفا ، بل يكون محكما جزيل
الفائدة لك ، وإذا وقعت مع أحد في عقد كان ضرره عليك لا يعجز عن حل ذلك
العقد ( 5 ) الفراسة بالكسر : قوة الظن وحسن النظر في الامور . والاستنامة : ( * ) =
ـ 99 ـ
الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم ( 1 ) ، وليس وراء ذلك من النصيحة
والامانة شئ ، ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد
لاحسنهم كان في العامة أثرا ، وأعرفهم بالامانة وجها ، فإن ذلك
دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره ، واجعل لرأس كل أمر من
أمورك رأسا منهم ( 2 ) لا يقهره كبيرها ، ولا يتشتت عليه كثيرها
ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته ( 3 )
ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات ( 4 ) وأوص بهم خيرا : المقيم
منهم ، والمضطرب بماله ( 5 ) ، والمترفق ببدنه ، فإنهم مواد المنافع
وأسباب المرافق ، وجلابها من المباعد والمطارح ، في برك وبحرك ،
وسهلك وجبلك ، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ( 6 ) ، ولا يجترئون
* ( هامش ) * = السكون والثقة ، أي لا يكون انتخاب الكتاب تابعا لميلك الخاص ( 1 ) يتعرفون
للفراسات أي يتوسلون إليها لتعرفهم ( 2 ) أي اجعل لرئاسة كل دائرة من دوائر
الاعمال رئيسا من الكتاب مقتدرا على ضبطها ، لا يقهره عظيم تلك الاعمال ولا يخرج
عن ضبطه كثيرها ( 3 ) إذا تغابيت أي تغافلت عن عيب في كتابك كان ذلك العيب
لاصقا بك ( 4 ) ثم استوص ، انتقال من الكلام في الكتاب إلى الكلام في التجار
والصناع ( 5 ) المتردد بأمواله بين البلدان . والمترفق : المكتسب . والمرافق تقدم تفسيرها
بالمنافع . وحقيقتها وهي المراد هنا : ما به يتم الانتفاع كالآنية والادوات وما يشبه
ذلك ( 6 ) أي ويجلبونها من أمكنة بحيث لا يمكن التئام الناس واجتماعهم في مواضع ( * ) =
ـ100ـ
عليها . فإنهم سلم لا تخاف بائقته ( 1 ) ، وصلح لا تخشى غائلته .
وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك . واعلم مع ذلك أن
في كثير منهم ضيقا فاحشا وشحا قبيحا ( 2 ) ، واحتكارا للمنافع ، وتحكما
في البياعات ، وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة . فامنع من
الاحتكار فإن رسول الله صلى الله عليه وآله منع منه ، وليكن البيع
بيعا سمحا ، بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع
والمبتاع ( 3 ) . فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه ( 4 ) فنكل به ، وعاقب
في غير إسراف . ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم
والمساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى ( 5 ) ، فإن في هذه
الطبقة قانعا ومعترا ( 6 ) . واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم ،
* ( هامش ) * = تلك المرافق من تلك الامكنة ( 1 ) فإنهم : علة لاستوص وأوص . والبائقة : الداهية .
والتجار والصناع مسالمون لاتخشى منهم داهية العصيان ( 2 ) الضيق : عسر المعاملة .
والشح : البخل . والاحتكار : حبس المطعوم ونحوه عن الناس لا يسمحون به
إلا بأثمان فاحشة ( 3 ) المبتاع : المشتري ( 4 ) قارف أي خالط . والحكرة بالضم :
الاحتكار ، فمن أتى عمل الاحتكار بعد النهي عنه فنكل به ، أي أوقع به النكال
والعذاب عقوبة له لكن من غير إسراف في العقوبة ، ولا تجاوز عن حد العدل فيها
( 5 ) البؤسى بضم أوله : شدة الفقر . والزمنى بفتح أوله : جمع زمن وهو
المصاب بالزمانة بفتح الزاي أي العاهة ، يريد أرباب العاهات المانعة لهم عن الاكتساب
( 6 ) القانع : السائل من قنع كمنع أي سأل وخضع وذل . وقد تبدل القاف كافا فيقال
كنع . والمعتر بتشديد الراء : المتعرض للعطاء بلا سؤال . واستحفظك : طلب ( * ) =
ـ101ـ
واجعل لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الاسلام
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 3 من ص 101 سطر 1 الى ص 110 سطر 19
واجعل لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الاسلام
في كل بلد ( 1 ) ، فإن للاقصى منهم مثل الذي للادنى . وكل قد
استرعيت حقه فلا يشغلنك عنهم بطر ( 2 ) ، فإنك لا تعذر بتضييعك
التافه ( 3 ) لاحكامك الكثير المهم ، فلا تشخص همك عنهم ( 4 ) ، ولا
تصعر خدك لهم ، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه
العيون ( 5 ) وتحقره الرجال ، ففرغ لاولئك ثقتك ( 6 ) من أهل الخشية
والتواضع ، فليرفع إليك أمورهم ، ثم اعمل فيهم بالاعذار إلى الله
يوم تلقاه ( 7 ) ، فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الانصاف من
غيرهم ، وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه . وتعهد أهل اليتم ( 8 )
وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه ،
وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل . وقد يخففه الله على أقوام
طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم
* ( هامش ) * = منك حفظه ( 1 ) صوافي الاسلام جمع صافية وهي أرض الغنيمة . وغلاتها : ثمراتها
( 2 ) طغيان بالنعمة ( 3 ) التافه : القليل لاتعذر بتضييعه إذا أحكمت وأتقنت الكثير
المهم ( 4 ) لا تشخص أي لا تصرف همك أي اهتمامك عن ملاحظة شؤونهم . وصعر
خده : أماله إعجابا وكبرا ( 5 ) تقتحمه العين : تكره أن تنظر إليه احتقارا ( 6 ) فرغ
أي اجعل للبحث عنهم أشخاصا يتفرغون لمعرفة أحوالهم يكونون ممن تثق بهم ،
يخافون الله ويتواضعون لعظمته ، لا يأنفون من تعرف حال الفقراء ليرفعوها إليك
( 7 ) بالاعذار إلى الله أي بما يقدم لك عذرا عنده ( 8 ) الايتام . وذوو الرقة في السن : ( * ) =
ـ102ـ
واجعل لذوي الحاجات منك قسما ( 1 ) تفرغ لهم فيه شخصك ،
وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك ، وتقعد عنهم
جندك وأعوانك ( 2 ) من أحراسك وشرطك ، حتى يكلمك متكلمهم
غير متتعتع ( 3 ) ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في
غير موطن ( 4 ) : " لن تقدس أمة ( 5 ) لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من
القوي غير متتعتع " . ثم احتمل الخرق منهم والعي ( 6 ) ، ونح عنك
الضيق والانف ( 7 ) يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته ، ويوجب
لك ثواب طاعته . وأعط ما أعطيت هنيئا ( 8 ) ، وامنع في إجمال وإعذار .
ثم أمور من أمورك لابد لك من مباشرتها . منها إجابة عمالك بما
يعيى عنه كتابك ( 9 ) . ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك
* ( هامش ) * = المتقدمون فيه ( 1 ) لذوي الحاجات أي المتظلمين تتفرغ لهم فيه بشخصك للنظر في
مظالهم ( 2 ) تأمر بأن يقعد عنهم ولا يتعرض لهم جندك الخ . والاحراس : جمع حرس
بالتحريك من يحرس الحاكم من وصول المكروه . والشرط بضم ففتح :
طائفة من أعوان الحاكم ، وهم المعروفون الآن بالضابطة ، واحده شرطة بضم فسكون
( 3 ) التعتعة في الكلام : التردد فيه من عجز أو عي ، والمراد غير خائف ، تعبيرا باللازم
( 4 ) أي في مواطن كثيرة ( 5 ) التقديس : التطهير أي لا يطهر الله أمة الخ ( 6 ) الخرق
بالضم : العنف ضد الرفق . والعي بالكسر : العجز عن النطق ، أي لا تضجر
من هذا ولا تغضب لذاك ( 7 ) الضيق : ضيق الصدر بسوء الخلق . والانف محركة :
الاستنكاف والاستكبار . وأكناف الرحمة : أطرافها ( 8 ) سهلا لا تخشنه باستكثاره
والمن به ، وإذا منعت فامنع بلطف وتقديم عذر ( 9 ) يعيى : يعجز ( * )
ـ103ـ
مما تحرج به صدور أعوانك ( 1 ) . وأمض لكل يوم عمله فإن
لكل يوم ما فيه ، واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك
المواقيت وأجزل تلك الاقسام ( 2 ) وإن كانت كلها لله إذا صلحت
فيها النية وسلمت منها الرعية
وليكن في خاصة ما تخلص به لله دينك إقامة فرائضه التي هي له
خاصة ، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ، ووف ما تقربت به إلى
الله من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص ( 3 ) بالغا من بدنك مابلغ . وإذا
أقمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفرا ولا مضيعا ( 4 ) ، فإن في
الناس من به العلة وله الحاجة . وقد سألت رسول الله صلى الله عليه
وآله حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم فقال : " صل بهم كصلاة
أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيما "
وأما بعد فلا تطولن احتجابك عن رعيتك ، فإن احتجاب الولاة
عن الرعية شعبة من الضيق ، وقلة علم بالامور . والاحتجاب منهم
* ( هامش ) * ( 1 ) حرج يحرج من باب تعب : ضاق . والاعوان تضيق صدورهم بتعجيل الحاجات
ويحبون المماطلة في قضائها استجلابا للمنفعة أو إظهارا للجبروت ( 2 ) أجزلها : أعظمها ( 3 ) غير
مثلوم أي غير مخدوش بشئ من التقصير ولا مخروق بالرياء . وبالغا حال بعد الاحوال السابقة ،
أي وإن بلغ من إتعاب بدنك أي مبلغ ( 4 ) التنفير بالتطويل ، والتضييع بالنقص في ( * ) =
ـ104ـ
يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه ، فيصغر عندهم الكبير ، ويعظم
الصغير ، ويقبح الحسن ويحسن القبيح ، ويشاب الحق الحق بالباطل ، وإنما
الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الامور ، وليست
على الحق سمات ( 1 ) تعرف بها ضروب الصدق من الكذب ، وإنما
أنت أحد رجلين : إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم
احتجابك ( 2 ) من واجب حق تعطية ، أو فعل كريم تسدية ، أو مبتلى
بالمنع ، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك ( 3 ) ،
مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لامؤونة فيه عليك ، من شكاة
مظلمة ( 4 ) ، أو طلب إنصاف في معاملة
ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول ، وقلة إنصاف
في معاملة ، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الاحوال ( 5 ) . ولا
تقطعن لاحد من حاشيتك وحامتك قطيعة ( 6 ) . ولا يطمعن منك في
* ( هامش ) * الاركان ، والمطلوب التوسط ( 1 ) سمات : جمع سمة بكسر ففتح العلامة ، أي ليس
للحق علامات ظاهرة يتميز بها الصدق من الكذب ، وإنما يعرف ذلك بالامتحان ،
ولا يكون إلا بالمحافظة ( 2 ) فلاي سبب تحتجب عن الناس في أداء حقهم أو في عمل
تمنحه إياهم ( 3 ) البذل : العطاء ، فإن قنط الناس من قضاء مطالبهم منك أسرعوا
إلى البعد عنك فلا حاجة للاحتجاب ( 4 ) شكاة بالفتح : شكاية ( 5 ) فاحسم أي
اقطع مادة شرورهم عن الناس بقطع أسباب تعديهم ، وإنما يكون بالاخذ على أيديهم
ومنعهم من التصرف في شؤون العامة ( 6 ) الاقطاع : المنحة من الارض . والقطيعة ( * ) =
ـ105ـ
اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من النا س في شرب أو عمل مشترك يحملون
مؤونته على غيرهم ، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك ( 1 ) ، وعيبه عليك
في الدنيا والآخرة
وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد ، وكن في ذلك صابرا
محتسبا ، واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع . وابتغ عاقبته بما
يثقل عليك منه فإن مغبة ذلك محمودة ( 2 )
وإن ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك ، واعدل عنك
ظنونهم بإصحارك ، فإن في ذلك رياضة منك لنفسك ( 3 ) ، ورفقا
برعيتك ، وإعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق
ولا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك ولله فيه رضى ، فإن في الصلح
* ( هامش ) * = الممنوح منها : والحامة كالطامة : الخاصة والقرابة . والاعتقاد : الامتلاك
والعقدة بالضم : الضيعة . واعتقاد الضيعة : اقتناؤها . وإذا اقتنوا ضيعة فربما
أضروا بمن يليها أي يقرب منها من الناس في شرب بالكسر وهو النصيب في الماء ( 1 ) مهنؤه : منفعته الهنيئة ( 2 ) المغبة كمحبة : العاقبة . وإلزام الحق لمن لزمهم
وإن ثقل على الوالي وعليهم فهو محمود العاقبة بحفظ الدولة في الدنيا ونيل السعادة
في الاخرة ( 3 ) وإن فعلت فعلا ظنت الرعية أن فيه حيفا أي ظلما فأصحر أي أبرز
لهم وبين عذرك فيه . وعدل عنه كذا : نحاه عنه . والاصحار : الظهور ، من أصحر إذا
برز في الصحراء . ورياضة : تعويدا لنفسك على العدل . والاعذار : تقديم العذر أو أبداؤه ( * )
ـ106ـ
دعة لجنودك ( 1 ) وراحة من همومك وأمنا لبلادك . ولكن الحذر
كل الحذر من عدوك بعد صلحه ، فإن العدو ربما قارب ليتغفل ( 2 ) ،
فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن . وإن عقدت بينك وبين
عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة ( 3 ) فحط عهدك بالوفاء ، وارع ذمتك
بالامانة ، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت ( 4 ) فإنه ليس من فرائض
الله شئ الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم
من تعظيم الوفاء بالعهود ( 5 ) . وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون
المسلمين ( 6 ) لما استوبلوا من عواقب الغدر ( 7 ) . فلا تغدرن بذمتك ،
ولا تخيسن بعهدك ( 8 ) ، ولا تختلن عدوك ، فإنه لا يجترئ على الله إلا
* ( هامش ) * ( 1 ) الدعة محركة : الراحة ( 2 ) قارب أي تقرب منك بالصلح ليلقى عليك
غفلة عنه فيغدرك فيها ( 3 ) أصل معنى الذمة وجدان مودع في جبلة الانسان ينبهه
لرعاية حق ذوي الحقوق عليه ، ويدفعه لاداء ما يجب عليه منها ، ثم أطلقت على معنى
العهد . وجعل العهد لباسا لمشابهته له في الوقاية من الضرر . وحاطه : حفظه ( 4 ) الجنة
بالضم : الوقاية أي حافظ على ما أعطيت من العهد بروحك ( 5 ) الناس مبتدأ وأشد
خبر والجملة خبر ليس ، يعني أن الناس لم يجتمعوا على فريضة من فرائض الله أشد
من اجتماعهم على تعظيم الوفاء بالعهود مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم ، حتى أن
المشركين التزموا الوفاء فيما بينهم فأولى أن يلتزمه المسلمون ( 6 ) أي حال كونهم دون
المسلمين في الاخلاق والعقائد ( 7 ) لانهم وجدوا عواقب الغدر وبيلة أي مهلكة ، وما
والفعل بعدها في تأويل مصدر ، أي استيبالهم ( 8 ) خاس بعهده : خان ونقضه . والختل :
الخداع ( * )
ـ107ـ
جاهل شقي . وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته ( 1 )
وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره ( 2 ) . فلا إدغال
ولا مدالسة ( 3 ) ولا خداع فيه . ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل ( 4 ) ،
ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة ، ولا يدعونك ضيق
أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق ، فإن صبرك على
ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته وأن
تحيط بك من الله فيه طلبة ( 5 ) فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك
إياك والدماء وسفكها بغير حلها ، فإنه ليس شئ أدعى لنقمة
ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء
* ( هامش ) * ( 1 ) الامن : الامان . وأفضاه هنا بمعنى أفشاه ، وأصله المزيد ، من فضا فضوا
من باب قعد أى اتسع ، فالرباعي بمعنى وسعه ، والسعة مجازية يراد بها الافشاء والانتشار .
والحريم ما حرم عليك أن تمسه . والمنعة بالتحريك : ما تمتنع به من القوة
( 2 ) يستفيضون أي يفزعون إليه بسرعة ( 3 ) الادغال : الافساد . والمدالسة : الخيانة
( 4 ) العلل : جمع علة وهي في العقد والكلام بمعنى ما يصرفه عن وجهه ويحوله إلى
غير المراد ، وذلك يطرأ على الكلام عند إبهامه وعدم صراحته ، ولحن القول ما يقبل
التوجيه كالتورية والتعريض ، فإذا تعلل بهذا المعاقد لك وطلب شيئا لا يوافق
ما أكدته وأخذت عليه الميثاق فلا تعول عليه ، وكذلك لو رأيت ثقلا من التزام
العهد فلا تركن إلى لحن القول لتتملص منه ، فخذ بأصرح الوجوه لك وعليك
( 5 ) وأن تحيط : عطف على تبعة ، أي وتخاف أن تتوجه عليك من الله مطالبة بحقه
في الوفاء الذي غدرته وياخذ الطلب بجميع أطرافك فلا يمكنك التخلص منه ، ويصعب ( * ) =
ـ108ـ
بغير حقها . والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا
من الدماء يوم القيامة . فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فإن
ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله . ولا عذر لك عند الله ولا
عندي في قتل العمد لان فيه قود البدن ( 1 ) . وإن ابتليت بخطإ وأفرط
عليك سوطك ( 2 ) أو سيفك أو يدك بعقوبة فإن في الوكزة فما فوقها
مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء
المقتول حقهم
وإياك والاعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء ( 3 )
فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من
إحسان المحسنين
* ( هامش ) * = عليك أن تسأل الله أن يقيلك من هذه المطالبة بعفو عنك في دنيا أو أخرة بعد ما تجرأت
على عهده بالنقض ( 1 ) القود بالتحريك : القصاص . وإضافته للبدن لانه يقع
عليه ( 2 ) أفرط عليك : عجل بما لم تكن تريده . أردت تأديبا فأعقب قتلا . وقوله
فإن في الوكزة تعليل لافرط . والوكزة بفتح فسكون : الضربة بجمع الكف
بضم الجيم أي قبضته ، وهي المعروفة باللكمة . وقوله فلا تطمحن أي لا يرتفعن
بك كبرياء السلطان عن تأدية الدية إليهم في القتل الخطأ : جواب الشرط ( 3 ) الاطراء :
المبالغة في الثناء . والفرصة بالضم : حادث يمكنك لو سعيت من الوصول لمقصدك .
والعجب في الانسان من أشد الفرص لتمكين الشيطان من قصده ، وهو محق الاحسان ( * ) =
ـ109ـ
وإياك والمن على رعيتك بإحسانك ، أو التزيد فيما كان من فعلك ( 1 )
أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك ، فإن المن يبطل الاحسان ،
والتزيد يذهب بنور الحق ، والخلف يوجب المقت عند الله والناس ( 2 ) ،
قال الله تعالى " كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون "
وإياك والعجلة بالامور قبل أوانها ، أو التسقط فيها عند
إمكانها ( 3 ) ، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت ( 4 ) ، أو الوهن عنها إذا
استوضحت . فضع كل أمر موضعه ، وأوقع كل عمل موقعه
وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة ( 5 ) والتغابي عما يعنى به
مما قد وضح للعيون فإنه مأخوذ منك لغيرك . وعما قليل تنكشف
عنك أغطية الامور وينتصف منك للمظلوم . أملك حمية أنفك ( 6 ) ،
* ( هامش ) * = بما يتبعه من الغرور والتعالي بالفعل على من وصل إليه أثره ( 1 ) التزيد كالتقيد :
إظهار الزيادة في الاعمال عن الواقع منها في معرض الافتخار ( 2 ) المقت : البغض والسخط
( 3 ) التسقط : من قولهم تسقط في الخبر يتسقط إذا أخذه قليلا قليلا ، يريد به هنا
التهاون . وفي نسخة التساقط بمد السين من ساقط الفرس عدوه إذا جاء مسترخيا
( 4 ) تنكرت لم يعرف وجه الصواب فيها . واللجاجة : الاصرار على منازعة الامر
ليتم على عسر فيه . والوهن : الضعف ( 5 ) احذر أن تخص نفسك بشئ تزيد به
عن الناس وهو مما تجب فيه المساواة من الحقوق العامة . والتغابي : التغافل . وما يعنى
به مبني للمجهول أي يهتم به ( 6 ) يقال فلان حي الانف إذا كان أبيا يأنف الضيم ،
أي أملك نفسك عند الغضب . والسورة بفتح السين وسكون الواو : الحدة . ( * ) =
ـ110ـ
وسورة حدك ، وسطوة يدك ، وغرب لسانك . واحترس من كل
ذلك بكف البادرة ( 1 ) وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك
الاختيار ، ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر
المعاد إلى ربك
والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة
عادلة ، أو سنة فاضلة ، أو أثر عن نبينا صلى الله عليه وآله ، أو فريضة
في كتاب الله فتقتدي بما شاهدته مما عملنا به فيها ( 2 ) ، وتجتهد لنفسك
في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا واستوثقت به من الحجة
لنفسي عليك لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها .
وأنا أسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة ( 3 )
أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه من الاقامة على العذر الواضح إليه
وإلى خلقه ( 4 ) ، مع حسن الثناء في العباد وجميل الاثر في البلاد ، وتمام
* ( هامش ) * = والحد بالفتح : البأس . والغرب بفتح فسكون - : الحد ، تشبيها له بحد
السيف ونحوه ( 1 ) البادرة : ما يبدر من اللسان عند الغضب من سباب ونحوه . وإطلاق
اللسان يزيد الغضب إتقادا والسكوت يطفئ من لهبه ( 2 ) ضمير فيها يعود إلى جميع
ما تقدم ، أي تذكر كل ذلك واعمل فيه مثل ما رأيتنا نعمل ، واحذر التأويل حسب
الهوى ( 3 ) على متعلقة بقدرة ( 4 ) يريد من العذر الواضح العدل ، فإنه عذر لك عند
من قضيت عليه ، وعذر عند الله فيمن أجريت عليه عقوبة أو حرمته من منفعة ( * )
ـ111ـ
النعمة وتضعيف الكرامة ( 1 ) ، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 3 من ص 111 سطر 1 الى ص 120 سطر 21
النعمة وتضعيف الكرامة ( 1 ) ، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة
وإنا إليه راغبون . والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله الطيبين
الطاهرين وسلم تسليما كثيرا . والسلام
54 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى طلحة والزبير
ذكره أبوجعفر الاسكافي في كتاب المقدمات
في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام )
أما بعد فقد علمتما - وإن كتمتما - أني لم أرد الناس حتى أرادوني ،
ولم أبايعهم حتى بايعوني ، وإنكما ممن أرادني وبايعني ، وإن العامة
لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر ( 2 ) ، فإن كنتما بايعتماني
طائعين فارجعا وتوبا إلى الله من قريب ، وإن كنتما بايعتماني كارهين
فقد جعلتما لي عليكما السبيل ( 3 ) بإظهاركما الطاعة وإسراركما
المعصية ، ولعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية والكتمان .
وإن دفعكما هذا الامر من قبل إن تدخلا فيه ( 4 ) كان أوسع عليكما
من خروجكما منه بعد إقراركما به
* ( هامش ) * ( 1 ) أي زيادة الكرامة أضعافا ( 2 ) العرض بفتح فسكون ، أو التحريك
هو المتاع ، وما سوى النقدين من المال ، أي ولا لطمع في مال حاضر . وفي نسخة
ولا لحرص حاضر ( 3 ) السبيل : الحجة ( 4 ) الامر هو خلافته ( * )
ـ112ـ
وقد زعمتما أني قتلت عثمان ، فبيني وبينكما من تخلف عني
وعنكما من أهل المدينة ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل ( 1 ) .
فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما فإن الآن أعظم أمركما العار من قبل
أن يجتمع العار والنار . والسلام ( 2 )
55 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية )
أما بعد فإن الله سبحانه قد جعل الدنيا لما بعدها ( 3 ) ، وابتلى فيها
أهلها ليعلم أيهم أحسن عملا . ولسنا للدنيا خلقنا ، ولا بالسعي فيها
أمرنا ، وإنما وضعنا فيها لنبتلى بها ، وقد ابتلاني الله بك وابتلاك بي
فجعل أحدنا حجة على الآخر ، فعدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن ( 4 )
فطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني ، وعصبته أنت وأهل الشام بي ( 5 )
وألب عالمكم جاهلكم ، وقائمكم قاعدكم . فاتق الله في نفسك .
* ( هامش ) * ( 1 ) أي نرجع في الحكم لمن تقاعد عن نصري ونصركما من أهل المدينة ، فإن حكموا قبلنا
حكمهم ، ثم ألزمت الشريعة كل واحد منا بقدر مداخلته في قتل عثمان ( 2 ) قوله من قبل أن
يجتمع متعلق بفعل محذوف أي ارجعا من قبل الخ ( 3 ) وهو الآخرة ( 4 ) فعدوت أي وثبت .
وتأويل القرآن : صرف قوله تعالى . " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص * ولكم
في القصاص حياة " وتحويله إلى غير معناه حيث أقنع أهل الشام أن هذا النص
يخول معاوية الحق في الطلب بدم عثمان من أمير المؤمنين ( 5 ) أي أنك وأهل الشام
عصبتم أي ربطتم دم عثمان بي وألزمتموني ثأره . وألب بفتح الهمزة وتشديد اللام .
أي حرض . قالوا يريد بالعالم أبا هريرة رضي الله عنه ، وبالقائم عمرو بن العاص ( * )
ـ113ـ
ونازع الشيطان قيادك ( 1 ) . واصرف إلى الآخرة وجهك فهي طريقنا وطريقك . واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة تمس الاصل ( 2 )
وتقطع الدابر ، فإني أولى لك بالله ألية غير فاجرة ( 3 ) لئن جمعتني
وإياك جوامع الاقدار لا أزال بباحتك " حتى يحكم الله بيننا وهو
خير الحاكمين "
56 - ( ومن وصيته له عليه السلام وصى بها شريح بن هانئ
لما جعله على مقدمته إلى الشام )
اتق الله في كل صباح ومساء ، وخف على نفسك الدنيا الغرور
ولا تأمنها على حال . واعلم أنك إن لم تردع نفسك عن كثير مما تحب
مخافة مكروهه سمت بك الاهواء إلى كثير من الضرر ( 4 ) ، فكن
لنفسك مانعا رادعا ولنزوتك عند الحفيظة واقما قامعا ( 5 )
* ( هامش ) * ( 1 ) القياد بالكسر : الزمام . ونازعه القياد إذا لم يسترسل معه ( 2 ) القارعة :
البلية والمصيبة تمس الاصل أي تصيبه فتقلعه . والدابر هو الآخر ، ويقال للاصل أيضا ،
أي لا تبقى لك أصلا ولا فرعا ( 3 ) أولى أي احلف بالله حلفة غير حانثة . والباحة :
كالساحة وزنا ومعنى ( 4 ) سمت أي ارتفعت . والاهواء : جمع هوى وهو الميل مع
الشهوة حيث مالت ( 5 ) النزوة من نزا ينزو نزوا أي وثب . والحفيظة : الغضب . ( * ) =
ـ114ـ
57 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة
عند مسيره من المدينة إلى البصرة )
أما بعد فإني خرجت من حيي هذا ( 1 ) إما ظالما وإما مظلوما ، وإما
باغيا وإما مبغيا عليه ، وإني أذكر الله من بلغه كتابي هذا ( 2 ) لما نفر
إلي فإن كنت محسنا أعانني وإن كنت مسيئا استعتبني
58 - ( ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى أهل الامصار
يقتص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين )
وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام . والظاهر أن ربنا
واحد ( 3 ) ونبينا واحد ، ودعوتنا في الاسلام واحدة . لا نستزيدهم في
الايمان بالله والتصديق برسوله صلى الله عليه وآله ولا يستزيدوننا . الامر
واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء ، فقلنا تعالوا نداو مالا
* ( هامش ) * = ووقمه فهو واقم أي قهره . وقمعه : رده وكسره . ( 1 ) الحي : موطن القبيلة أو منزلها
( 2 ) من بلغه مفعول اذكر . وقوله لما نفر إلي إن كانت مشددة فلما بمعنى إلا ، وإن
كانت مخففة فهي زائدة ، واللام للتأكيد . واستعتبني طلب مني العتبى أي الرضاء ،
أي طلب مني أن أرضيه بالخروج عن إساءتي ( 3 ) والظاهر الخ الواو للحال أي كان
التقاؤنا في حال يظهر فيها أننا متحدون في العقيدة لا اختلاف بيننا إلا في دم عثمان .
ولا نستزيدهم أي لا نطلب منهم زيادة في الايمان لانهم كانوا مؤمنين . وقوله الامر ( * ) =
ـ115ـ
يدرك اليوم بإطفاء النائرة ( 1 ) وتسكين العامة ، حتى يشتد الامر
ويستجمع ، فنقوى على وضع الحق مواضعه ، فقالوا بل نداويه
بالمكابرة ، فأبوا حتى جنحت الحرب وركدت ووقدت نيرانها وحمست .
فلما ضرستنا وإياهم ( 2 ) ، ووضعت مخالبها فينا وفيهم ، أجابوا عند ذلك
إلى الذي دعوناهم إليه ، فأجبناهم إلى مادعوا ، وسارعناهم إلى ما
طلبوا حتى استبانت عليهم الحجة ، وانقطعت منهم المعذرة . فمن
تم على ذلك منهم فهو الذي أنقذه الله من الهلكة ، ومن لج وتمادى
فهو الراكس ( 3 ) الذي ران الله على قلبه ، وصارت دائرة السوء على رأسه
59 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى الاسود بن قطيبة صاحب حلوان ( 4 ) )
أما بعد فإن الوالي إذا اختلف هواه ( 5 ) منعه ذلك كثيرا من
* ( هامش ) * = واحد : جملة مستأنفة لبيان الاتحاد في كل شئ إلا دم عثمان ( 1 ) النائرة : اسم فاعل
من نارت الفتنة تنور إذا انتشرت . والنائرة أيضا العداوة والشحناء . والمكابرة :
المعاندة ، أي دعاهم للصلح حتى يسكن الاضطراب ثم يوفيهم طلبهم فأبوا إلا الاصرار
على دعواهم . وجنحت الحرب : مالت أي مال رجالها لايقادها . وركدت : استقرت .
وثبتت . ووقدت كوعدت أي اتقدت والتهبت . وحمس كفرح : اشتد وصلب
( 2 ) ضرستنا : عضتنا بأضراسها ( 3 ) الراكس : الناكث الذي قلب عهده ونكثه .
والراكس أيضا الثور الذي يكون في وسط البيدر حين يداس والثيران حواليه ،
وهو يرتكس أي يدور مكانه ، وران على قلبه : غطى ( 4 ) ايالة من ايالات فارس
( 5 ) اختلاف الهوى : جريانه مع الاغراض النفسية حيث تذهب ، ووحدة الهوى : ( * ) =
ـ116ـ
العدل . فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء فإنه ليس في الجور
عوض من العدل . فاجتنب ماتنكر أمثاله ( 1 ) ، وابتذل نفسك فيما
افترض الله عليك راجيا ثوابه ومتخوفا عقابه
واعلم أن الدنيا دار بلية لم يفرغ صاحبها فيها قط ساعة إلا كانت
فرغته عليه حسرة يوم القيامة ( 2 ) . وأنه لن يغنيك عن الحق شئ أبدا .
ومن الحق عليك حفظ نفسك والاحتساب على الرعية بجهدك ( 3 ) ،
فإن الذي يصل إليك من ذلك أفضل من الذي يصل بك . والسلام
60 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى العمال الذين يطأ الجيش عملهم ( 4 ) )
من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى من مر به الجيش من جباة
الخراج وعمال البلاد
أما بعد فإني قد سيرت جنودا هي مارة بكم إن شاء الله ، وقد
* ( هامش ) * = توجهه إلى أمر واحد وهو تنفيذ الشريعة العادلة على من يصيب حكمها ( 1 ) أي ما لا
تستحسن مثله لو صدر من غيرك ( 2 ) الفراغ الذي يعقب حسرة يوم القيامة هو خلو
الوقت من عمل يرجع بالنفع على الامة ، فعلى الانسان أن يكون عاملا دائما فيما ينفع
أمته ويصلح رعيته إن كان راعيا ( 3 ) الاحتساب على الرعية : مراقبة أعمالها وتقويم
ما أعوج منها وإصلاح مافسد ، والاجر الذي يصل إليه العامل من الله والكرامة التي
ينالها من الخليفة هما أفضل وأعظم من الصلاح الذي يصل إلى الرعية بسببه ( 4 ) أي
يمر بأراضيهم ( * )
ـ117ـ
أوصيتهم بما يجب لله عليهم من كف الاذى وصرف الشذى ( 1 ) . وأنا
أبرأ إليكم وإلى ذمتكم من معرة الجيش ( 2 ) إلا من جوعة المضطر
لا يجد عنها مذهبا إلى شبعه . فنكلوا من تناول منهم شيئا ظلما عن
ظلمهم ( 3 ) . وكفوا أيدي سفهائكم عن مضادتهم والتعرض لهم فيما
استثنيناه منهم ( 4 ) . وأنا بين أظهر الجيش ( 5 ) فادفعوا إلي مظالمكم . وما
عراكم مما يغلبكم من أمرهم ولا تطيقون دفعه إلا بالله وبي فأنا
أغيره بمعونة الله إن شاء الله
61 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى كميل بن زياد النخعي
وهو عامله على هيت ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به
من جيش العدو طالبا الغارة )
أما بعد فإن تضييع المرء ما ولي وتكلفه ما كفي ( 6 ) لعجز حاضر
* ( هامش ) * ( 1 ) الشذى : الشر ( 2 ) معرة الجيش : أذاه . والامام يتبرأ منها لانها
من غير رضاه . وجوعة - بفتح الجيم : الواحدة من مصدر جاع ، يستثنى حالة الجوع
المهلك فإن للجيش فيها حقا أن يتناول سد رمقه ( 3 ) نكلوا أي أوقعوا النكال والعقاب
بمن تناول شيئا من أموال الناس غير مضطر . وافعلوا ذلك جزاء بظلم عن ظلمهم ،
وتسمية الجزاء ظلما نوع من المشاكلة ( 4 ) الذي استثناه هو حالة الاضطرار ( 5 ) أي
أنني موجود فيه فما عجزتم عن دفعه فردوه إلي أكفكم ضره وشره ( 6 ) تضييع
الانسان الشأن الذي تولى حفظه وتجشمه الامر الذي لم يطلب منه وكفاه الغير ثقله ( * ) =
ـ118ـ
ورأي متبر . وإن تعاطيك الغارة على أهل قرقيسيا ( 1 ) وتعطيلك
مسالحك التي وليناك ليس بها من يمنعها ولا يرد الجيش عنها لرأي
شعاع . فقد صرت جسرا لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك ،
غير شديد المنكب ( 2 ) ، ولا مهيب الجانب ، ولاساد ثغرة ، ولا
كاسر شوكة ، ولا مغن عن أهل مصره ( 3 ) ، ولامجز عن أميره
62 - ( ومن كتاب له عليه السلام )
إلى أهل مصر مع مالك الاشتر لما ولاه إمارتها
أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله نذيرا
للعالمين ومهيمنا على المرسلين ( 4 ) ، فلما مضى عليه السلام تنازع
المسلمون الامر من بعده ، فوالله ماكان يلقى في روعي ( 5 )
* ( هامش ) * = عجر عن القيام بما تولاه ، ورأى متبر كمعظم من تبره تتبيرا إذا أهلكه ،
أي هالك صاحبه ( 1 ) قرقيسيا بكسر القافين بينهما ساكن : بلد على الفرات .
والمسالح جمع مسلحة - : مواضع الحامية على الحدود . ورأى شعاع كسحاب
أي متفرق ، اما الرأي المجتمع على صلاح فهو تقوية المسالح ومنع العدو من دخول
البلاد ( 2 ) المنكب كمسجد : مجتمع الكتف والعضد . وشدته كناية عن القوة
والمنعة . والثغرة : الفرجة يدخل منها العدو ( 3 ) أغنى عنه : ناب منابه ، وقائد المسالح
ينبغي أن ينوب عن أهل المصر في كفايتهم غارة عدوهم . وأجزى عنه : قام مقامه
وكفى عنه ( 4 ) المهيمن : الشاهد ، والنبي شاهد برسالة المرسلين الاولين ( 5 ) الروع
بضم الراء : القلب أو موضع الروع منه بفتح الراء أي الفزع ، أي ما كان ( * ) =
ـ119ـ
ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الامر من بعده صلى الله عليه
وآله عن أهل بيته ، ولا أنهم منحوه عني من بعده ، فما راعني إلا
انثيال الناس على فلان ( 1 ) يبايعونه ، فأمسكت يدي ( 2 ) حتى رأيت
راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى
الله عليه وآله ، فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه
ثلما ( 3 ) أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم
التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب ،
أو كما يتقشع السحاب ، فنهضت في تلك الاحداث حتى زاح الباطل
وزهق ، واطمأن الدين وتنهنه
* ( هامش ) * = يقذف في قلبي هذا الخاطر وهو أن العرب تزعج أي تنقل هذا الامر أي الخلافة عن
آل بيت النبي عموما ، ولا أنهم ينحونه أي يبعدونه عني خصوصا ( * ) ( 1 ) راعني : أفزعني .
وانثيال الناس : انصبابهم ( 2 ) كففتها عن العمل وتركت الناس وشأنهم حتى رايت
الراجعين من الناس قد رجعوا عن دين محمد بارتكابهم خلاف ما أمر الله وإهمالهم
حدوده وعدولهم عن شريعته ، يريد بهم عمال عثمان وولاته على البلاد ، ومحق الدين :
محوه وإزالته ( 3 ) ثلما أى خرقا ، ولو لم ينصر الاسلام بإزالة أولئك الولاة وكشف
بدعهم لكانت المصيبة على أمير المؤمنين بالعقاب على التفريط أعظم من حرمانه
الولاية في الامصار . فالولاية يتمتع بها أياما قلائل ثم تزول كما يزول السراب . فنهض
الامام بين تلك البدع فبددها حتى زاح أى ذهب الباطل وزهق ، أي خرجت روحه
ومات ، مجاز عن الزوال التام . ونهنهه عن الشئ : كفه ، فتنهنه أي كف . وكان
الدين منزعجا من تصرف هؤلاء نازعا إلى الزوال فكفه أمير المؤمنين ومنعه فاطمأن ( * ) =
ـ120ـ
( ومنه ) إني والله لو لقيتهم واحدا وهم طلاع الارض كلها ( 1 ) ما
باليت ولا استوحشت . وإني من ظلالهم الذي هم فيه ، والهدى
الذي أنا عليه ، لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي . وإني إلى لقاء
الله وحسن ثوابه لمنتظر راج . ولكنني آسى أن يلي أمر هذه الامة
سفهاؤها وفجارها ( 2 ) ، فيتخذوا مال الله دولا ، وعباده خولا ، والصالحين
حربا ، والفاسقين حزبا ، فإن منهم الذي قد شرب فيكم الحرام ( 3 ) ،
وجلد حدا في الاسلام وإن منهم من لم يسلم حتى رضخت له على
الاسلام الرضائخ ( 4 ) ، فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم ( 5 ) وتأنيبكم ،
وجمعكم وتحريضكم ، ولتركتكم إذ أبيتم وونيتم
ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت ( 6 ) ، وإلى أمصاركم قد
* ( هامش ) * = وثبت ( 1 ) وهم طلاع الخ حال من مفعول لقيتهم ، والطلاع ككتاب : ملء الشئ ،
أي لو كنت واحدا وهم يملاون الارض للقيتهم غير مبال بهم ( 2 ) آسى : مضارع
أسيت عليه كرضيت أي حزنت ، أي أنه يحزن لان يتولى أمر الامة سفهاؤها
الخ . والدول بضم ففتح : جمع دولة بالضم أي شيئا يتداولونه بينهم يتصرفون فيه
بغير حق الله . والخول محركة - : العبيد . وحربا أي محاربين ( 3 ) يريد الخمر ،
والشارب قالوا عتبة بن أبي سفيان حده خالد بن عبدالله في الطائف ، وذكروا
رجلا آخر لا أذكره ( 4 ) الرضائخ : العطايا . ورضخت له : أعطيت له . وقالوا إن
عمرو بن العاص لم يسلم حتى طلب عطاء من النبي فلما أعطاه أسلم ( 5 ) تأليبكم :
تحريضكم وتحويل قلوبكم عنهم . والتأنيب : اللوم . وونيتم أي أبطأتم عن إجابتي
( 6 ) أطراف البلاد جوانبها قد حصل فيها النقص باستيلاء العدو عليها . وتزوى مبني ( * ) =
ـ121ـ
افتتحت ، وإلى ممالككم تزوى ، وإلى بلادكم تغزى . انفروا
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 3 من ص 121 سطر 1 الى ص 130 سطر 20
افتتحت ، وإلى ممالككم تزوى ، وإلى بلادكم تغزى . انفروا
رحمكم الله إلى قتال عدوكم ، ولا تثاقلوا إلى الارض فتقروا بالخسف
وتبوءوا بالذل ( 1 ) ، ويكون نصيبكم الاخس . وإن أخا الحرب
الارق ( 2 ) . ومن نام لم ينم عنه . والسلام
63 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى أبي موسى الاشعري
وهو عامله على الكوفة ، وقد بلغه عنه تثبيطه الناس
عن الخروج إليه ( 3 ) لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل )
من عبدالله أمير المؤمنين إلى عبدالله بن قيس
أما بعد فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك ، فإذا قدم رسولي
عليك فارفع ذيلك ( 4 ) ، واشدد مئزرك ، واخرج من حجرك ، واندب
من معك ، فإن حققت فانفذ ، وإن تفشلت فابعد . وأيم الله لتؤتين
حيث أنت ، ولا تترك حتى يخلط زبدك بخاثرك ( 5 ) ، وذائبك بجامدك ،
* ( هامش ) * = للمجهول من زواه إذا قبضه عنه ( 1 ) قر من باب منع أو ضرب سكن أي فتقيموا
بالخسف أي الضيم وتبوءوا أي تعودوا بالذل ( 2 ) الارق بفتح فكسر أي الساهر ،
وصاحب الحرب لا ينام ، والذي ينام لا ينام الناس عنه ( 3 ) التثبيط : الترغيب في القعود
والتخلف ( 4 ) رفع الذيل وشد المئزر كناية عن التشمير للجهاد ، وكنى بحجره عن مقره . واندب أي ادع من معك فإن حققت أي أخذت بالحق والعزيمة فانفذ أي امض
إلينا ، وإن تفشلت أي جبنت فابعد عنا ( 5 ) الخاثر : الغليظ . والكلام تمثيل لاختلاط ( * ) =
ـ122ـ
وحتى تعجل عن قعدتك ( 1 ) ، وتحذر من أمامك كحذرك من خلفك .
وما هي بالهوينى التي ترجو ( 2 ) ، ولكنها الداهية الكبرى ، يركب
جملها ويذل صعبها ، ويسهل جبلها . فاعقل عقلك ( 3 ) ، واملك أمرك
وخذ نصيبك وحظك ، فإن كرهت فتنح إلى غير رحب ، ولا في نجاة ،
فبالحري لتكفين وأنت نائم ( 4 ) حتى لا يقال أين فلان . والله إنه
لحق مع محق وما نبالي ما صنع الملحدون . والسلام
64 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا )
أما بعد فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الالفة والجماعة ،
ففرق بيننا وبينكم أمس أنا آمنا وكفرتم ، واليوم أنا استقمنا
وفتنتم . وما أسلم مسلمكم إلا كرها ( 5 ) ، وبعد أن كان أنف
الاسلام كله لرسول الله صلى الله عليه وآله حزبا
* ( هامش ) * ( = الامر عليه من الحيرة وأصل المثل لا يدري أيخثر أم يذيب . قالوا إن المرأة تسلا السمن
فيختلط خاثره برقيقه فتقع في حيرة أن أوقدت النار حتى يصفو احترق وإن تركته
بقي كدرا ( 1 ) القعدة بالكسر : هيئة القعود . وأعجله عن الامر حال دون
إدراكه أي يحال بينك وبين جلستك في الولاية ويحيط الخوف بك حتى تخشاه من
أمام كما تخشاه من خلف ( 2 ) الهوينى : تصغير الهونى بالضم مؤنث أهون ( 3 ) قيده
بالعزيمة ولا تدعه يذهب مذاهب التردد من الخوف ( 4 ) لتكفين بلام التأكيد ونونه
أي أنا لنكفيك القتال ونظفر فيه وأنت نائم خامل لا اسم لم ولا يسأل عنك ، نفعل
ذلك بالوجه الحري أي الجدير بنا أن نفعله ( 5 ) فإن أبا سفيان إنما أسلم قبل فتح مكة ( * ) =
ـ123ـ
وذكرت أني قتلت طلحة والزبير ، وشردت بعائشة ( 1 )
ونزلت بين المصرين ، وذلك أمر غبت عنه فلا عليك ولا العذر فيه إليك
وذكرت أنك زائري في المهاجرين والانصار وقد انقطعت
الهجرة يوم أسر أخوك ( 2 ) ، فإن كان فيك عجل فاسترفه ( 3 ) ، فإني إن
أزرك فذلك جدير أن يكون الله إنما بعثني للنقمة منك ، وإن تزرني
فكما قال أخو بني أسد :
- مستقبلين رياح الصيف تضربهم * بحاصب بين أغوار وجلمود ( 4 )
وعندي السيف الذي أعضضته بجدك ( 5 ) وخالك وأخيك في مقام
واحد . وإنك والله ما علمت ( 6 ) . لاغلف القلب المقارب العقل ،
والاولى أن يقال لك إنك رقيت سلما أطلعك مطلع سوء عليك لا لك ،
* ( هامش ) * = بليلة خوف القتل وخشية من جيش النبي صلى الله عليه وسلم البالغ عشرة آلاف
ونيفا . وأنف الاسلام : أشراف العرب الذين دخلوا فيه قبل الفتح ( 1 ) شرد به :
سمع الناس بعيويه ، أو طرده وفرق أمره . والمصران : كوفة والبصرة ( 2 ) أخوه
عمرو بن أبى سفيان أسر يوم بدر ( 3 ) فاسترفه فعل أمر أي استرح ولا تستعجل
( 4 ) الجلمود بالضم : الصخر . والاغوار : جمع غور بالفتح وهو الغبار
والحاصب ريح تحمل التراب والحصى ( 5 ) جده عتبة بن ربيعة ، وخاله الوليد بن عتبة ،
وأخوه حنظلة قتلهم أمير المؤمنين يوم بدر . وأعضضته به : جعلته يعضه . والباء
زائدة ( 6 ) ما خبر ان ، أي انت الذى أعرفه . والاغلف خبر بعد خبر . وأغلف القلب
الذي لا يدرك كأن قلبه في غلاف لا تنفذ إليه المعالي . ومقارب العقل ناقصه ضعيفه ( * ) =
ـ124ـ
لانك نشدت غير ضالتك ( 1 ) ، ورعيت غير سائمتك ، وطلبت أمرا
لست من أهله ولا في معدنه ، فما أبعد قولك من فعلك . وقريب ما
أشبهت ( 2 ) من أعمام وأخوال حملتهم الشقاوة وتمني الباطل على
الجحود بمحمد صلى الله عليه وآله ، فصرعوا مصارعهم حيث علمت ،
لم يدفعوا عظيما ، ولم يمنعوا حريما بوقع سيوف ما خلا منها الوغى ( 3 )
ولم تماشها الهوينى
وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس ( 4 ) ثم
حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله تعالى . وأما تلك التي
تريد ( 5 ) فإنها خدعة الصبي عن اللبن في أول الفصال والسلام لاهله
65 - ( ومن كتاب له عليه السلام إليه أيضا )
أما بعد فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الامور ( 6 ) ،
* ( هامش ) * = كأنه يكاد أن يكون عاقلا وليس به ( 1 ) الضالة ما فقدته من مال ونحوه . ونشد الضالة
طلبها ليردها مثل يضرب لطالب غير حقه . والسائمة الماشية من الحيوان ( 2 ) ما وما بعدها
في معنى المصدر أي شبهك قريب من أعمامك وأخوالك . وصرعوا مصارعهم : سقطوا
قتلى في مطارحهم حيث تعلم أي في بدر وحنين وغيرهما من المواطن ( 3 ) الوغى :
الحرب ، أي لم تزل تلك السيوف تلمع في الحروب ما خلت منها ، ولم تصحبها الهوينى
أي لم ترافقها المساهلة ( 4 ) وهو البيعة ( 5 ) من إبقائك واليا في الشام وتسليمك قتلة
عثمان . والخدعة مثلثة الخاء ما تصرف به الصبي عن اللبن وطلبه أول فطامه . وما تصرف
به عدوك عن قصدك به في الحروب ونحوها ( 6 ) يقال لارينك لمحا باصرا أي أمرا ( * ) =
ـ125ـ
فقد سلكت مدارج أسلافك بادعائك الاباطيل ، وإقحامك غرور
المين والاكاذيب ( 1 ) وبانتحالك ما قد علا عنك ( 2 ) ، وابتزازك لما
اختزن دونك ، فرارا من الحق وجحودا لما هو ألزم لك من لحمك
ودمك ( 3 ) ، مما قد وعاه سمعك ، وملئ به صدرك ، فما ذا بعد الحق إلا
الضلال المبين ، وبعد البيان إلا اللبس ( 4 ) . فاحذر الشبهة واشتمالها على
لبستها ، فإن الفتنة طالما أغدفت جلابيبها ( 5 ) وأعشت الابصار ظلمتها .
وقد أتاني كتاب منك ذو أفانين من القول ( 6 ) ضعفت قواها عن
السلم وأساطير لم يحكها منك علم ولا حلم ، أصبحت منها كالخائض
* ( هامش ) * = واضحا ، أي ظهر الحق فلك أن تنتفع بوضوحه من مشاهدة الامور ( 1 ) إقحامك :
إدخالك في أذهان العامة غرور المين أي الكذب وعطف الاكاذيب للتأكيد
( 2 ) انتحالك : ادعاؤك لنفسك ما هو أرفع من مقامك . وابتزازك أي سلبك أمرا
اختزن أي منع دون الوصول إليك وذلك أمر الطلب بدم عثمان والاستبداد بولاية
الشام فإنهما من حقوق الامام لا من حقوق معاوية ( 3 ) الذي هو ألزم له من لحمه
ودمه البيعة بالخلافة لامير المؤمنين ( 4 ) اللبس بالفتح : مصدر لبس عليه الامر
يلبس كضرب يضرب خلطه . واللبسة بالضم الاشكال كاللبس بالضم
( 5 ) أغدفت المرأة قناعها : أرسلته على وجهها فسترته . وأغدف الليل : أرخى سدوله
أي أغطيته من الظلام . والجلابيب : جمع جلباب وهو الثوب الاعلى يغطي ماتحته ،
أي طالما أسدلت الفتنة أغطية الباطل فأخفت الحقيقة . وأعشت الابصار : أضعفتها
ومنعتها النفوذ إلى المرئيات الحقيقية ( 6 ) أفانين القول : ضروبه وطرائقه . والسلم
ضد الحرب . والاساطير : جمع أسطورة بمعنى الخرافة لا يعرف لها منشأ . وحاكه ( * ) =
ـ126ـ
في الدهاس ( 1 ) والخابط في الديماس وترقيت إلى مرقبة بعيدة المرام ( 2 ) ،
نازحة الاعلام تقصر دونها الانوق ( 3 ) ، ويحاذى بها العيوق
وحاش لله أن تلي للمسلمين بعدي صدرا أو وردا ( 4 ) ، أو أجري
لك على أحد منهم عقدا أو عهدا ، فمن الآن فتدارك نفسك وانظر لها ،
فإنك إن فرطت حتى ينهد إليك عباد الله ( 5 ) أرتجت عليك الامور
ومنعت أمرا هو منك اليوم مقبول . والسلام ( 6 )
* ( هامش ) * = يحوكه : نسجه ونسج الكلام : تأليفه . والحلم بالكسر : العقل ( 1 ) الدهاس
كسحاب : أرض رخوة لا هي تراب ولا رمل ولكن منهما يعسر فيها السير والديماس
بفتح فسكون : المكان المظلم . وخبط في سيره : لم يهتد ( 2 ) المرقبة بفتح فسكون :
مكان الارتقاب وهو العلو والاشراف ، أي رفعت نفسك إلى منزلة بعيد عنك مطلبها ،
ونازحة أي بعيدة . والاعلام : جمع علم ما ينصب ليهتدى به ، أي خفية المسالك ( 3 ) الانوق
كصبور : طير أصلع الرأس أصفر المنقار ، يقال أعز من بيض الانوق ، لانها
تحرزه فلا تكاد تظفر به لان أوكارها في القلل الصعبة ، ولهذا الطائر خصال عدها صاحب
القاموس . والعيوق بفتح فضم مشدد - : نجم أحمر مضئ في طرف المجرة الايمن
يتلو الثريا لا يتقدمها ( 4 ) الورد بالكسر : الاشراف على الماء ، والصدر
بالتحريك : الرجوع بعد الشرب ، أي لا يتولاهم في جلب منفعة ولا ركون
إلى راحة ( 5 ) ينهد : ينهض عباد الله لحربك . وأرتجت : أغلقت . أرتج الباب
كرتجه أي أغلقه ( 6 ) ذلك الامر هو حقن دمه بإظهار الطاعة ( * )
ـ127ـ
66 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى عبدالله بن العباس )
وقد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية
أما بعد فإن المرء ليفرح بالشي الذي لم يكن ليفوته ( 1 )
ويحزن على الشئ الذي لم يكن ليصيبه . فلا يكن أفضل ما نلت في
نفسك من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ ، ولكن إطفاء باطل أو إحياء
حق . وليكن سرورك بما قدمت ، وأسفك على ما خلفت ، وهمك فيما
بعد الموت
67 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكة )
أما بعد فأقم للناس الحج وذكرهم بأيام الله ( 2 ) ، واجلس لهم
العصرين فأفت المستفتي وعلم الجاهل وذاكر العالم . ولا يكن لك
إلى الناس سفير إلا لسانك ، ولا حاجب إلا وجهك . ولا تحجبن
* ( هامش ) * ( 1 ) قد يفرح الانسان بنيل مقدور له لا يفوته ، ويحزن لحرمانه ما قدر له الحرمان منه
فلا يصيبه ، فإذا وصل إليك شئ مما كتب لك في علم الله فلا تفرح به إن كان لذة أو
شفاء غيظ بل عد ذلك في عداد الحرمان ، وإنما تفرح بما كان إحياء حق وإبطال باطل ،
وعليك الاسف والحزن بما خلفت أي تركت من أعمال الخير والفرح بما قدمت منها
لآخرتك ( 2 ) أيام الله : التي عاقب فيها الماضين على سوء أعمالهم . والعصران : الغداة
والعشي تغليب ( * )
ـ128ـ
ذا حاجة عن لقائك بها ، فإنها إن ذيدت عن أبوابك في أول وردها ( 1 )
لم تحمد فيما بعد على قضائها
وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك ( 2 )
من ذوي العيال والمجاعة مصيبا به مواضع الفاقة والخلات ، وما فضل
عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا
ومر أهل مكة أن لا يأخذوا من ساكن أجرا فإن الله سبحانه
يقول : " سواء العاكف فيه والباد " فالعاكف المقيم به والبادي
الذي يحج إليه من غير أهله . وفقنا الله وإياكم لمحابه ( 3 ) . والسلام
68 - ( ومن كتاب له عليه السلام )
إلى سلمان الفارسي رحمه الله قبل أيام خلافته
أما بعد فإنما مثل الدنيا مثل الحية لين مسها ، قاتل سمها ،
فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها ، وضع عنك همومها لما
أيقنت من فراقها . وكن آنس ما تكون بها ( 4 ) أحذر ماتكون منها .
* ( هامش ) * ( 1 ) فإنها أي الحاجة إن ذيدت أي دفعت ومنعت مبني للمجهول من ذاده يذوده إذا
طرده ودفعه . ووردها بالكسر : ورودها وعدم الحمد على قضائها بعد الذود
لان حسنة القضاء لا تذكر في جانب سيئة المنع ( 2 ) قبلك بكسر ففتح أي عندك .
ومصيبا حال . والفاقة : الفقر الشديد . والخلة بالفتح : الحاجة ( 3 ) محابه
بفتح الميم : مواضع محبته من الاعمال الصالحة ( 4 ) آنس حال من اسم كن أو من ( * ) =
ـ129ـ
فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخصته عنه إلى مجذور ( 1 )
69 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى الحارث الهمداني )
وتمسك بحبل القرآن وانتصحه . وأحل حلاله وحرم حرامه ،
وصدق بما سلف من الحق . واعتبر بما مضى من الدنيا مابقي منها ( 2 )
فإن بعضها يشبه بعضا ، وآخرها لاحق بأولها ، وكلها حائل مفارق ( 3 )
وعظم اسم الله أن تذكره إلا على حق ( 4 ) ، وأكثر ذكر الموت
وما بعد الموت . ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق ( 5 ) . واحذر كل
عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويكره لعامة المسلمين . واحذر كل
عمل يعمل به في السر ويستحى منه في العلانية . واحذر كل عمل إذا
سئل عنه صاحبه أنكره أو اعتذر منه . ولا تجعل عرضك غرضا
لنبال القول ، ولا تحدث الناس بكل ما سمعت فكفى بذلك كذبا ،
ولا ترد على الناس كل ما حدثوك به فكفى بذلك جهلا . واكظم
الغيظ وتجاوز عند المقدرة ، واحلم عند الغضب ، واصفح مع الدولة ( 6 )
* ( هامش ) * = الضمير في أحذر ، وأحذر خبر ، أي فليكن أشد حذرك منها في حال شدة أنسك بها ( 1 ) أشخصته أي أذهبته ( 2 ) مابقي : مفعول اعتبر بمعنى قس ، أي قس الباقي بالماضي
( 3 ) حائل أي زائل ( 4 ) لا تحلف به إلا على الحق تعظيما له وإجلالا لعظمته ( 5 ) أي
لا تقدم الموت رغبه فيه إلا إذا علمت أن الغاية أشرف من بذل الروح . والمعنى
لا تخاطر بنفسك فيما لا يفيد من سفاسف الامور ( 6 ) أي عندما تكون لك السلطة ( * )
ـ130ـ
تكن لك العاقبة . واستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك . ولا تضيعن
نعمة من نعم الله عندك ، ولير عليك أثر ما أنعم الله به عليك
واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه ( 1 ) وأهله
وماله ، فإنك ما تقدم من خير يبق لك ذخره وما تؤخر يكن لغيرك
خيره . واحذر صحابة من يفيل رأيه ( 2 ) وينكر عمله فإن الصاحب
معتبر بصاحبه . اسكن الامصار العظام فإنها جماع المسلمين . واحذر
منازل الغفلة والجفاء وقلة الاعوان على طاعة الله . واقصر رأيك على
ما يعنيك ، وإياك ومقاعد الاسواق فإنها محاضر الشيطان ومعاريض
الفتن ( 3 ) . وأكثر أن تنظر إلى من فضلت عليه ( 4 ) . فإن ذلك من
أبواب الشكر . ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلا
فاصلا في سبيل الله ( 5 ) ، أو في أمر تعذر به . وأطع الله في جميع
أمورك فإن طاعة الله فاضلة على ما سواها . وخادع نفسك في العبادة ،
وارفق بها ولا تقهرها . وخذ عفوها ونشاطها ( 6 ) إلا ما كان مكتوبا
* ( هامش ) * ( 1 ) تقدمة كتجربة مصدر قدم بالتشديد أي بذلا وإنفاقا ( 2 ) فال الرأي يفيل
أي ضعف ( 3 ) المعاريض : جمع معراض كمحراب سهم بلا ريش رقيق الطرفين
غليظ الوسط يصيب بعرضه دون حده . والاسواق كذلك لكثرة ما يمر على النظر فيها
من مثيرات اللذات والشهوات
( 4 ) أي إلى من دونك ممن فضلك الله عليه ( 5 ) فاصلا
أي خارجا ذاهبا ( 6 ) خذ عفوها أي وقت فراغها وارتياحها إلى الطاعة . وأصله العفو ( * ) =
ـ131ـ
عليك من الفريضة فإنه لابد من قضائها وتعاهدها عند محلها . وإياك
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 3 من ص 131 سطر 1 الى ص 138 سطر 8
عليك من الفريضة فإنه لابد من قضائها وتعاهدها عند محلها . وإياك
إن ينزل بك الموت وأنت آبق من ربك في طلب الدنيا ( 1 ) . وإياك
ومصاحبة الفساق فإن الشر بالشر ملحق . ووقر الله وأحبب أحباءه .
واحذر الغضب فإنه جند عظيم من جنود إبليس . والسلام ( 2 )
70 - ( ومن كتاب له عليه السلام )
( إلى سهل بن حنيف الانصاري وهو عاملة على المدينة )
( في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية )
أما بعد فقد بلغني أن رجالا ممن قبلك ( 3 ) يتسللون إلى معاوية فلا
تأسف على ما يفوتك من عددهم ويذهب عنك من مددهم . فكفى
لهم غيا ولك منهم شافيا ( 4 ) فرارهم من الهدى والحق وإيضاعهم إلى
العمى والجهل ( 5 ) ، وإنما هم أهل دنيا مقبلون عليها ومهطعون إليها ( 6 ) ،
* ( هامش ) * = بمعنى ما لا أثر فيه لاحد يملك ، عبر به عن الوقت الذي لا شاغل للنفس فيه ( 1 ) آبق
أي هارب منه متحول عنه إلى طلب الدنيا ( 2 ) إن الغضب يوجب الاضطراب في ميزان
العقل ويدفع النفس للانتقام أيا كان طريقه ، وهذا أكبر عون للمضل على إضلاله
( 3 ) قبلك بكسر ففتح أي عندك ويتسللون : يذهبون واحدا بعد واحد ( 4 ) غيا :
ضلالا . وفرارهم كاف في الدلالة على ضلالهم . والضالون مرض شديد في بنية الجماعة
ربما يسري ضرره فيفسدها ، ففرارهم كاف في شفاها من مرضهم . ورئيس الجماعة
كأنه كلها لهذا نسب الشفاء إليه ( 5 ) الايضاع : الاسراع ( 6 ) مهطعون : مسرعون ( * )
ـ132ـ
قد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه ، وعلموا أن الناس عنده في
الحق أسوة فهربوا إلى الاثرة ( 1 ) فبعدا لهم وسحقا
إنهم والله لم ينفروا من جور ولم يلحقوا بعدل . وإنا لنطمع في
هذا الامر أن يذلل الله لنا صعبه ويسهل لنا حزنه ( 2 ) إن شاء الله . والسلام
71 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى المنذر بن الجارود العبدي )
( وقد خان في بعض ما ولاه من أعماله )
أما بعد فإن صلاح أبيك غرني منك ، وظننت أنك تتبع هديه
وتسلك سبيله ( 3 ) ، فإذا أنت فيما رقي إلي عنك ( 4 ) لاتدع لهواك
انقيادا ، ولا تبقي لآخرتك عتادا ( 5 ) ، تعمر دنياك بخراب آخرتك ،
وتصل عشيرتك بقطيعة دينك . ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل
أهلك وشسع نعلك خير منك ( 6 ) . ومن كان بصفتك فليس بأهل
أن يسد به ثغر ، أو ينفذ به أمر ، أو يعلى له قدر أو يشرك في أمانة ،
* ( هامش ) * ( 1 ) الاثرة بالتحريك : اختصاص النفس بالمنفعة وتفضيلها على غيرها بالفائدة .
والسحق بضم السين : البعد أيضا ( 2 ) حزنه بفتح فسكون أي خشنه
( 3 ) الهدى بفتح فسكون : الطريقة والسيرة ( 4 ) رقى إلي : رفع وانهى إلي
( 5 ) العتاد بالفتح : الذخيرة المعدة لوقت الحاجة ( 6 ) الجمل يضرب به المثل
في الذلة والجهل . والشسع بالكسر : سير بين الاصبع الوسطى والتي تليها في النعل ( * ) =
= العربي كأنه زمام . ويسمى قبالا ككتاب ( * )
ـ133ـ
أو يؤمن على خيانة ( 1 ) فأقبل إلي حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله
( والمنذر هذا هو الذي قال فيه أمير المؤمنين عليه السلام :
" إنه لنظار في عطفيه مختال في برديه ( 2 ) تفال في شراكيه " )
72 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى عبدالله بن العباس )
أما بعد فإنك لست بسابق أجلك ولا مرزوق ما ليس لك . واعلم
بأن الدهر يومان : يوم لك ويوم عليك ، وأن الدنيا دار دول ( 3 ) ،
فما كان منها لك أتاك على ضعفك ، وما كان منها عليك لم تدفعه
بقوتك
73 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية )
أما بعد فإني على التردد في جوابك ( 4 ) والاستماع إلى كتابك
لموهن رأيي ومخطئ فراستي . وإنك إذ تحاولني الامور ( 5 ) وتراجعني
* ( هامش ) * ( 1 ) أي على دفع خيانة ( 2 ) العطف
بالكسر : الجانب أي كثير النظر في جانبيه عجبا وخيلاء . والبردان : تنثية
برد بضم الباء وهو ثوب مخطط . والمختال : المعجب . والشراكان : تثنية شراك ككتاب
وهو سير النعل كله . وتفال : كثير التفل أي النفخ فيهما لينفضهما من التراب
( 3 ) جمع دولة بالضم ما يتداول من السعادة في الدنيا ينتقل من يد إلى يد ( 4 ) من قولك
ترددت إلى فلان رجعت إليه مرة بعد أخرى ، أي أني في ارتكابي للرجوع إلى
مجاوبتك واستماع ما تكتبه موهن أي مضعف رأيي ومخطئ فراستي بالكسر أي صدق
ظني ، وكان الاجدر بي السكوت عن إجابتك ( 5 ) حاول الامر : طلبه ورامه أي تطالبني ( * ) =
ـ134ـ
السطور كالمستثقل النائم تكذبه أحلامه . أو المتحير القائم يبهظه
مقامه . لا يدري أله ما يأتي أم عليه . ولست به ، غير أنه بك شبيه .
وأقسم بالله إنه لولا بعض الاستبقاء ( 1 ) لوصلت إليك مني قوارع
تقرع العظم وتهلس اللحم . واعلم أن الشيطان قد ثبطك عن أن تراجع
أحسن أمورك ( 2 ) وتأذن لمقال نصيحتك
74 - ( ومن حلف له عليه السلام كتبه بين ربيعة واليمن )
( نقل من خط هشام بن الكلبي )
هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن : حاضرها وباديها ، وربيعة : حاضرها
وباديها ( 3 ) ، أنهم على كتاب الله يدعون إليه ويأمرون به ويجيبون من
* ( هامش ) * = ببعض غاياتك كولاية الشام ونحوها ، وتراجعني أي تطلب مني أن أرجع إلى جوابك
بالسطور . يقول أنت في محاولتك كالنائم الثقيل نومه يحلم أنه نال شيئا فإذا انتبه
وجد الرؤيا كذبته أي كذبت عليه ، فأمانيك فيما تطلب شبيهة بالاحلام إن هي إلا
خيالات باطلة . وأنت أيضا كالمتحير في أمره القائم في شكه لا يخطو إلى قصده .
يبهظه أي يثقله ويشق عليه مقامه من الحيرة . وإنك لست بالمتحير لمعرفتك الحق
معنا ، ولكن المتحير شبيه بك فأنت أشد منه عناء وتعبا ( 1 ) الاستبقاء : الابقاء ، أي
لولا إبقائي لك وعدم إرادتي لاهلاكك لاوصلت إليك قوارع أي دواهي تقرع
العظم تصدمه فتكسره ، وتهلس اللحم أي تذيبه وتنهكه ( 2 ) ثبطك أي أقعدك عن
مراجعة أحسن الامور لك وهو الطاعة لنا وعن أن تأذن أي تسمع لمقالنا في نصيحتك
( 3 ) الحاضر : ساكن المدينة ، والبادي : المتردد في البادية ( * )
ـ135ـ
دعا إليه وأمر به . لا يشترون به ثمنا ولا يرضون به بدلا ، وأنهم
يد واحدة على من خالف ذلك وتركه . أنصار بعضهم لبعض ، دعوتهم
واحدة . لا ينقضون عهدهم لمعتبة عاتب ولا لغضب غاضب ( 1 ) ، ولا
لاستذلال قوم قوما ولا لمسبة قوم قوما . على ذلك شاهدهم وغائبهم ،
وحليمهم وسفيههم وعالمهم ، وجاهلهم . ثم إن عليهم بذلك عهد الله
وميثاقه إن عهد الله كان مسئولا . وكتب علي بن أبي طالب
75 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية في أول )
( ما بويع له ، ذكره الواقدي في كتاب الجمل )
من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان
أما بعد فقد علمت إعذاري فيكم وإعراضي عنكم ( 2 ) حتى كان
ما لابد منه ولا دفع له . والحديث طويل ، والكلام كثير ، وقد أدبر
ما أدبر وأقبل ما أقبل ، فبايع من قبلك ( 3 ) وأقبل إلي في وفد من أصحابك
* ( هامش ) * ( 1 ) المعتبة كالمصطبة : الغيظ . والعاتب : المغتاظ ، أي لا يعودون للتقاتل عند غضب بعضهم
من بعض ، أو استذلال بعضهم لبعض ، أو سب بعضهم لبعض . وعلى المعتدي أن يؤدي الحق
للمظلوم بلا قتال ( 2 ) إعذاري أي إقامتي على العذر في أمر عثمان صاحبكم ، وإعراضي
عنه بعدم التعرض له بسوء حتى كان قتله ( 3 ) ذهب ما ذهب من أمر عثمان وأقبل علينا من
أمر الخلافة ما استقبلناه فبايع الذين قبلك أي عندك . والوفد بفتح فسكون : الجماعة ( * ) =
ـ136ـ
76 - ( ومن وصية له عليه السلام لعبد الله بن العباس )
( عند استخلافه إياه على البصرة )
سع الناس بوجهك ومجلسك وحكمك ، وإياك والغضب فإنه
طيرة من الشيطان ( 1 ) . واعلم أن ما قربك من الله يباعدك من النار ، وما
باعدك من الله يقربك من النار
77 - ( ومن وصية له عليه السلام لعبد الله بن العباس )
( لما بعثه للاحتجاج على الخوارج )
لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال ( 2 ) ذو وجوه تقول
ويقولون ، ولكن حاججهم بالسنة فإنهم لن يجدوا عنها محيصا ( 3 )
78 - ( ومن كتاب له عليه السلام إلى أبي موسى الاشعري )
( جوابا في أمر الحكمين ذكره سعيد بن يحيى الاموي )
( في كتاب المغازي )
فإن الناس قد تغير كثير منهم عن كثير من حظهم ( 4 ) فمالوا
* ( هامش ) * = الوافدون أي القادمون ( 1 ) الطيرة كعنبة وفجلة : الفأل الشؤم . والغضب يتفاءل
به الشيطان في نيل مأربه من الغضبان ( 2 ) حمال أي يحمل معاني كثيرة إن أخذت
بأحدها احتج الخصم بالآخر ( 3 ) محيصا أي مهربا ( 4 ) أي أن كثيرا من الناس ( * ) =
ـ137ـ
مع الدنيا ونطقوا بالهوى ، وإني نزلت من هذا الامر منزلا معجبا ( 1 )
اجتمع به أقوام أعجبتهم أنفسهم ، فإني أداوي منهم قرحا أخاف أن
يكون علقا ( 2 ) ، وليس رجل - فاعلم - أحرص على جماعة أمة محمد صلى
الله عليه وآله وألفتها مني ( 3 ) أبتغي بذلك حسن الثواب وكرم المآب ( 4 )
وسأوفي بالذي وأيت على نفسي ( 5 ) وإن تغيرت عن صالح ما فارقتني
عليه ( 6 ) فإن الشقي من حرم نفع ما أوتي من العقل والتجربة ، وإني
لاعبد أن يقول قائل بباطل ( 7 ) ، وأن أفسد أمرا قد أصلحه الله ، فدع
ما لا تعرف ( 8 ) فإن شرار الناس طائرون إليك بأقاويل السوء . والسلام
* ( هامش ) * = قد انقلبوا عن حظوظهم الحقيقية وهي حظوظ السعادة الابدية بنصرة الحق ( 1 ) أي
موجبا للتعجب . والامر هو الخلافة . ومنزله من الخلافة : بيعة الناس له ثم خروج
طائفة منهم عليه ( 2 ) القرح : الجرح مجاز عن فساد بواطنهم . والعلق بالتحريك :
الدم الغليظ الجامد ، ومتى صار في الجرح الدم الغليظ الجامد صعبت مداواته وضرب
فساده في البدن كله ( 3 ) أحرص : خبر ليس . وجملة فاعلم معترضة ( 4 ) المآب : المرجع
إلى الله ( 5 ) سأوفي بما وأيت أي وعدت وأخذت على نفسي ( 6 ) تغيرت خطاب لابي
موسى ، يقول إذا انقلبت عن الرأي الصالح الذي تفارقنا عليه وهو الاخذ بالحذر والوقوف
عند الحق الصريح فإنك تكون شقيا لان الشقي من حرمه الله نفع التجربة فأخذه
الناس بالخديعة ( 7 ) عبد يعبد : كغضب يغضب عبدا كغضبا وزنا ومعنى ، أن يغضبني
قول الباطل وإفسادى لامر الخلافة الذي أصلحه الله بالبيعة ، ونسبة الافساد لنفسه
لان أبا موسى نائب عنه ، وما يقع عن النائب كما يقع عن الاصيل
( 8 ) أي ما فيه ( * ) =
ـ138ـ
79 - ( ومن كتاب له عليه السلام لما استخلف إلى أمراء الاجناد )
أما بعد فإنما أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الناس الحق
فاشتروه ( 1 ) ، وأخذوهم بالباطل فاقتدوه ( 2 )
( تم باب الكتب بحمد الله )
* ( هامش ) * = الريبة والشبهة فاتركه ( 1 ) أي حجبوا عن الناس حقهم فاضطر الناس لشراء الحق
منهم بالرشوة ، فانقلبت الدولة عن أولئك المانعين فهلكوا ، وأنهم منعوا فاعل أهلك
( 2 ) أي كلفوهم بإتيان الباطل فأتوه وصار قدوة يتبعها الابناء بعد الآباء ( * )
............................................................................
نهج البلاغة مجلد: 4
ـ 1 ـ

الجزء الرابع

ـ 3 ـ
( باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السلام )
( ومواعظه ويدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله )
( والكلام القصير الخارج في سائر أغراضه )
1 - قال عليه السلام : كن في الفتنة كابن اللبون ( 1 ) : لاظهر
فيركب ، ولا ضرع فيحلب
2 - وقال عليه السلام : أزرى بنفسه من استشعر الطمع ( 2 ) ، ورضي بالذل من
كشف عن ضره ، وهانت عليه نفسه من أمر عليها لسانه
3 - وقال عليه السلام : البخل عار . والجبن منقصة . والفقر يخرس الفطن
عن حجته . والمقل غريب في بلدته ( 3 ) . 4 - والعجز آفة ، والصبر
شجاعة . والزهد ثروة . والورع جنة
وقال عليه السلام : نعم القرين الرضى . 5 - والعلم وراثة كريمة . والآداب
حلل مجددة . والفكر مرآة صافية
* ( هامش ) ( 1 ) ابن اللبون بفتح اللام وضم الباء : ابن الناقة إذا استكمل سنتين لا له ظهر قوي
فيركبونه ولا له ضرع فيحلبونه ، يريد تجنب الظالمين في الفتنة لا ينتفعوا بك ( 2 ) أزرى بها :
حقرها . واستشعره تبطنه وتخلق به ، ومن كشف ضره للناس دعاهم للتهاون به . فقد
رضي بالذل . وأمر لسانه : جعله أميرا ( 3 ) المقل - بضم فكسر : الفقير . والجنة
بالضم : الوقاية ( * )
ـ 4 ـ
6 - وقال عليه السلام : صدر العاقل صندوق سره ( 1 ) . والبشاشة حبالة المودة .
والاحتمال قبر العيوب ( أو ) والمسالمة خباء العيوب . ومن رضي عن
نفسه كثر الساخط عليه
7 - وقال عليه السلام : الصدقة دواء منجح . وأعمال العباد في عاجلهم
نصب أعينهم في آجلهم
8 - وقال عليه السلام : اعجبوا لهذا الانسان ينظر بشحم ، ويتكلم بلحم ( 2 )
ويسمع بعظم ، ويتنفس من خرم
9 - وقال عليه السلام : إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره . وإذا
أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه
10 - وقال عليه السلام : خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم ،
وإن عشتم حنوا إليكم
11 - وقال عليه السلام : إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه
12 - وقال عليه السلام : أعجز الناس من عجز عن اكتساب الاخوان ،
وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم
* ( هامش ) * ( 1 ) لا يفتح الصندوق فيطلع الغير على ما فيه . والحبالة بالضم : شبكة الصيد .
والبشوش يصيد مودات القلوب . والاحتمال : تحمل الاذى ، ومن تحمل الاذى خفيت
عيوبه كأنما دفنت في قبر ( 2 ) الشحم : شحم الحدقة . واللحم : اللسان . والعظم : ( * ) =
ـ 5 ـ
13 - وقال عليه السلام : إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها
بقلة الشكر ( 1 )
14 - وقال عليه السلام : من ضيعه الاقرب أتيح له الابعد ( 2 )
15 - وقال عليه السلام : ماكل مفتون يعاتب ( 3 )
6 1 - وقال عليه السلام : تذل الامور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير ( 4 )
7 1 - وسئل عليه السلام عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم " غيروا
الشيب ( 5 ) ولا تشبهوا باليهود " فقال عليه السلام : إنما قال صلى الله
عليه وآله ذلك والدين قل ، فأما الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه
فامرؤ وما اختار
18 - ( وقال عليه السلام : في الذين اعتزلوا القتال معه ) : خذلوا الحق ولم
ينصروا الباطل
* ( هامش ) * = عظام في الاذن يضربها الهواء فتقرع عصب الصماخ فيكون السماع ( 1 ) أطراف
النعم : أوائلها ، فإذا بطرتم ولم تشكروها بأداء الحقوق منها نفرت عنكم أقاصيها أي
أواخرها فحرمتموها ( 2 ) أتيح له : قدر له ، وكم من شخص أضاعه أقاربه فقدر الله
له من الاباعد من يحفظه ويساعده ( 3 ) أي لا يتوجه العتاب واللوم على كل داخل في
فتنة ، فقد يدخل فيها من لا محيص له عنها لامر اضطره فلا لوم عليه ( 4 ) الحتف
بفتح فسكون : الهلاك ( 5 ) غيروا الشيب بالخضاب ليراكم الاعداء كهولا أقوياء ،
ذلك والدين قل بضم القاف أي قليل أهله . والنطاق ككتاب : الحزام
العريض ، واتساعه كناية عن العظم والانتشار . والجران على وزن النطاق : ( * ) =
ـ 6 ـ
19 - وقال عليه السلام : من جرى في عنان أمله عثر بأجله ( 1 )
20 - وقال عليه السلام : أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم ( 2 ) فما يعثر منهم عاثر
إلا ويد الله بيده يرفعه .
21 - وقال عليه السلام : قرنت الهيبة بالخيبة ( 3 ) ، والحياء بالحرمان . والفرصة
تمر مر السحاب فانتهزوا فرص الخير
22 - وقال عليه السلام : لنا حق فإن أعطيناه وإلا ركبنا أعجاز الابل وإن طال
السرى ( وهذا من لطيف الكلام وفصيحه . ومعناه أنا إن لم نعط
حقنا كنا أذلاء ( 4 ) وذلك أن الرديف يركب عجز البعير كالعبد
والاسير ومن يجري مجراهما )
23 - وقال عليه السلام : من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه
* ( هامش ) * = مقدم عنق البعير يضرب به على الارض إذا استراح وتمكن ، أي بعد قوة الاسلام
الانسان مع اختياره إن شاء خضب وإن شاء ترك ( 1 ) أي من كان جريه إلى سعادته
بعنان الامل يمني نفسه بلوغ مطلبه بلا عمل سقط في أجله بالموت قبل أن يبلغ شيئا
مما يريد . والعنان ككتاب : سير اللجام تمسك به الدابة ( 2 ) العثرة : السقطة .
وإقاله عثرته : رفعه من سقطته . والمروءة بضم الميم : صفة للنفس تحملها على
فعل الخير لانه خير . وقوله يرفعه جملة حالية من لفظ الجلالة وإن كان مضافا إليه لوجود
شرطه ( 3 ) أي من تهيب أمرا خاب من إدراكه ، ومن أفرط به الخجل من طلب
شئ حرم منه ، والافراط في الحياء مذموم ، كطرح الحياء . والمحمود الوسط ( 4 ) وقد
يكون المعنى إن لم نعط حقنا تحملنا المشقة في طلبه وإن طالت الشقة . وركوب ( * ) =
ـ 7 ـ
24 - وقال عليه السلام : من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس
عن المكروب
25 - وقال عليه السلام : يا ابن آدم إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه
وأنت تعصيه فاحذره
26 - وقال عليه السلام : ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات
وجهه
27 - وقال عليه السلام : امش بدائك ما مشى بك ( 1 )
28 - وقال عليه السلام : أفضل الزهد إخفاء الزهد
29 - وقال عليه السلام : إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما ( 2 ) أسرع الملتقى
30 - وقال عليه السلام : ألحذر الحذر ، فو الله لقد ستر حتى كأنه قد غفر ( 3 )
31 - ( وسئل عن الايمان فقال ) الايمان على أربع دعائم : على الصبر
واليقين والعدل والجهاد . والصبر منها على أربع شعب : على الشوق
والشفق ( 4 ) والزهد والترقب . فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ،
* ( هامش ) * = مؤخرات الابل مما يشق احتماله والصبر عليه ( 1 ) أي مادام الداء سهل الاحتمال يمكنك
معه العمل في شؤونك فاعمل ، فإن أعياك فاسترح له ( 2 ) يطلبك الموت من خلفك
ليلحقك وأنت مدبر إليه تقرب عليه المسافة ( 3 ) الضمير لله ، ستر مخازي عباده حتى
ظن أنه غفرها لهم ويوشك أن ياخذهم بمكره ( 4 ) الشفق بالتحريك : الخوف ( * )
ـ 8 ـ
ومن أشفق من النار اجتنب المحرمات ، ومن زهد في الدنيا استهان
بالمصيبات ، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات . واليقين منها
على أربع شعب : على تبصرة الفطنة ، وتأول الحكمة ( 1 ) ، وموعظة
العبرة ، وسنة الاولين . فمن تبصر في الفطنة تبينت له الحكمة ،
ومن تبينت له الحكمة عرف العبرة ، ومن عرف العبرة فكأنما
كان في الاولين . والعدل منها على أربع شعب : على غائص الفهم ،
وغور العلم ، وزهرة الحكم ( 2 ) ، ورساخة الحلم . فمن فهم علم غور
العلم ، ومن علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم ( 3 ) ، ومن
حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميدا . والجهاد منها على أربع
شعب : على الامر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والصدق في
المواطن ( 4 ) ، وشنآن الفاسقين ، فمن أمر بالمعروف شد ظهور
المؤمنين ، ومن نهى عن المنكر أرغم أنوف المنافقين ، ومن صدق
* ( هامش ) * ( 1 ) تأول الحكمة : الوصول إلى دقائقها . والعبرة : الاعتبار والاتعاظ بأحوال الاولين
وما رزئوا به عن الغفلة وما حظوا به عند الانتباه ( 2 ) غور العلم : سره وباطنه . وزهرة
الحكم بضم الزاي أي حسنه ( 3 ) الشرائع : جمع شريعة وهي الظاهر المستقيم
من المذاهب ومورد الشاربة . وصدر عنها أي رجع عنها بعد ما اغترف ليفيض على الناس
مما اغترف فيحسن حكمه ( 4 ) مواطن القتال في سبيل الحق . والشنآن بالتحريك البغض ( * )
ـ 9 ـ
في المواطن قضى ما عليه ، ومن شنئ الفاسقين وغضب لله غضب
الله له وأرضاه يوم القيامة
وقال عليه السلام : الكفر على أربع دعائم : على التعمق والتنازع
والزيغ ( 1 ) والشقاق ، فمن تعمق لم ينب إلى الحق ( 2 ) ومن كثر نزاعه
بالجهل دام عماه عن الحق ، ومن زاغ ساءت عنده الحسنة وحسنت
عنده السيئة وسكر سكر الضلالة ، ومن شاق وعرت عليه طرقه
وأعضل عليه أمره ( 3 ) ، وضاق عليه مخرجه . والشك على أربع شعب :
على التماري والهول والتردد والاستسلام ( 4 ) ، فمن جعل المراء ديدنا لم
يصبح ليله . ومن هاله ما بين يديه نكص على عقيبه ، ومن تردد
في الريب وطئته سنابك الشياطين ( 5 ) ، ومن استسلم لهلكة الدنيا
* ( هامش ) * ( 1 ) التعمق : الذهاب خلف الاوهام على زعم طلب الاسرار . والزيغ :
الحيدان عن مذاهب الحق والميل مع الهوى الحيواني . والشقاق : العناد
( 2 ) لم ينب أي لم يرجع ، أناب ينيب رجع ( 3 ) وعر الطريق ككرم ووعد وولع :
خشن ولم يسهل السير فيه . وأعضل : اشتد وأعجزت صعوبته ( 4 ) التماري : التجادل
لاظهار قوة الجدل لا لاحقاق الحق . والهول بفتح فسكون : مخافتك من الامر لا تدري
ماهجم عليك منه فتندهش . والتردد انتقاض العزيمة وانفساخها ثم عودها ثم انفساخها .
والاستسلام : إلقاء النفس في تيار الحادثات ، أي ما أتى عليها يأتي . والمراء بكسر
الميم : الجدل . والديدن : العادة . وقوله لم يصبح ليله أي لم يخرج من ظلام الشك
إلى نهار اليقين ( 5 ) الريب : الظن أي الذي يتردد في ظنه ولا يعقد العزيمة في أمره ( * ) =
ـ 10 ـ
والآخرة هلك فيهما ( وبعد هذا كلام تركنا ذكره خوف الاطالة
والخروج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب )
32 - وقال عليه السلام : فاعل الخير خير منه ، وفاعل الشر شر منه
33 - وقال عليه السلام : كن سمحا ولا تكن مبذرا . وكن مقدرا ولا تكن
مقترا ( 1 )
34 - وقال عليه السلام : أشرف الغنى ترك المنى ( 2 )
35 - وقال عليه السلام : من أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه بما لا يعلمون
36 - وقال عليه السلام : من أطال الامل أساء العمل ( 3 )
37 - ( وقال عليه السلام : وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الانبار ( 4 ) فترجلو
له واشتدوا بين يديه ) : ما هذا الذي صنعتموه ؟ فقالوا : خلق منا
نعظم به أمراءنا . فقال : والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم . وإنكم
* ( هامش ) * = تطؤه سنابك الشياطين : جمع سنبك بالضم طرف الحافر ، أي تستزله شياطين
الهوى فتطرحه في الهلكة ( 1 ) المقدر : المقتصد كأنه يقدر كل شئ بقيمته فينفق على
قدره . والمقتر : المضيق في النفقة كأنه لا يعطي إلا القتر أي الرمقة من العيش ( 2 ) المنى :
جمع منية ما يتمناه الانسان لنفسه ، وفي تركها غنى كامل لان من زهد شيئا استغنى
عنه ( 3 ) طول الامل : الثقة بحصول الاماني بدون عمل لها أو استطالة العمر والتسويف
بأعمال الخير ( 4 ) جمع دهقان زعيم الفلاحين في العجم . والانبار من بلاد العراق .
وترجلوا أي نزلوا عن خيولهم مشاة . واشتدوا : أسرعوا ( * )
ـ 11 ـ
لتشقون به على أنفسكم في دنياكم ( 1 ) وتشقون به في آخرتكم ، وما
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 4 من ص 11 سطر 1 الى ص 20 سطر 18
لتشقون به على أنفسكم في دنياكم ( 1 ) وتشقون به في آخرتكم ، وما
أخسر المشقة وراءها العقاب ، وأربح الدعة معها الامان من النار
38 - ( وقال عليه السلام لابنه الحسن ) : يا بني احفظ عني أربعا
وأربعا لا يضرك ما عملت معهن : أغنى الغنى العقل . وأكبر الفقر
الحمق . وأوحش الوحشة العجب ( 2 ) . وأكرم الحسب حسن الخلق
يا بني إياك ومصادقة الاحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك . وإياك
ومصادقة البخيل فإنه يبعد عنك أحوج ما تكون إليه ( 3 ) ، وإياك
ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه ( 4 ) . وإياك ومصادقة الكذاب
فإنه كالسراب يقرب عليك البعيد ويبعد عليك القريب
39 - وقال عليه السلام : لا قربة بالنوافل إذا أضرت بالفرائض ( 5 )
40 - وقال عليه السلام : لسان العاقل وراء قلبه ، وقلب الاحمق وراء لسانه ( وهذا
من المعاني العجيبة الشريفة . والمراد به أن العاقل لا يطلق لسانه
إلا بعد مشاورة الروية وموأمرة الفكرة ، والاحمق تسبق حذفات
* ( هامش ) * ( 1 ) تشقون بضم الشين وتشديد القاف : من المشقة . وتشقون الثانية بسكون الشين :
من الشقاوة . والدعة بفتحات : الراحة ( 2 ) العجب : بضم فسكون . ومن أعجب بنفسه
مقته الناس فلا يوجد له أنيس فهو في وحشة دائما ( 3 ) أحوج حال من الكاف في عنك
( 4 ) التافه : القليل ( 5 ) كمن ينقطع للصلاة والذكر ويفر من الجهاد ( * )
ـ 12 ـ
لسانه وفلتات كلامه مراجعة فكره ( 1 ) ومماخضة رأيه . فكأن لسان
العاقل تابع لقلبه ، وكأن قلب الاحمق تابع للسانه )
41 - وقد روي عنه عليه السلام هذا المعنى بلفظ آخر وهو قوله :
قلب الاحمق في فيه ، ولسان العاقل في قلبه ، ومعناهما واحد 42 - ( وقال
لبعض أصحابه في علة اعتلها ) : جعل الله ما كان من شكواك حظا
لسيئاتك ، فإن المرض لا أجر فيه ولكنه يحط السيئات ، ويحتها
حت الاوراق ( 2 ) . وإنما الاجر في القول باللسان والعمل بالايدي
والاقدام . وإن الله سبحانه يدخل بصدق النية والسريرة الصالحة
من يشاء من عباده الجنة
( وأقول : صدق عليه السلام إن المرض لا أجر فيه ، لانه من
قبيل ما يستحق عليه العوض ( 3 ) ، لان العوض يستحق على ما كان في
مقابلة فعل الله تعالى بالعبد من الآلام والامراض وما يجري مجرى ذلك ،
* ( هامش ) * ( 1 ) مراجعة وما بعده مفعول تسبق . وحذفات فاعله . ومماخضة الرأي : تحريكه حتى يظهر
زبده وهو الصواب ( 2 ) حت الورق عن الشجرة : قشره . والصبر على العلة رجوع إلى
الله واستسلام لقدره . وفي ذلك خروج إليه من جميع السيئات وتوبة منها ، لهذا كان يحت
الذنوب . أما الاجر فلا يكون إلا على عمل بعد التوبة ( 3 ) الضمير في لانه للمرض ،
أي أن المرض ليس من أفعال العبد لله حتى يؤجر عليها ، وإنما هو من أفعال الله
بالعبد التي ينبغي أن الله يعوضه عن آلامها والذي قلناه في المعنى أظهر من كلام ( * ) =
ـ 13 ـ
والاجر والثواب يستحقان على ما كان في مقابلة فعل العبد ، فبينهما فرق
قد بينه عليه السلام كما يقتضيه علمه الثاقب ورأيه الصائب )
43 - ( وقال عليه السلام في ذكر خباب )
يرحم الله خباب بن الارت فلقد أسلم راغبا ، وهاجر طائعا ، وقنع
بالكفاف ، ورضي عن الله وعاش مجاهدا
44 - وقال عليه السلام : طوبى لمن ذكر المعاد ، وعمل للحساب ، وقنع
بالكفاف ، ورضي عن الله
45 - وقال عليه السلام : لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني
ما أبغضني ( 1 ) . ولو صببت الدنيا بجماتها على المنافق على أن يحبني ما
أحبني . وذلك أنه قضى فانقضى على لسان النبي الامي صلى الله عليه
وآله أنه قال : " يا علي لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق
46 - وقال عليه السلام : سيئة تسوءك خير عند الله من حسنة تعجبك ( 2 )
47 - وقال عليه السلام : قدر الرجل على قدر همته . وصدقه على قدر مروءته
وشجاعته على قدر أنفته وعفته على قدر غيرته
* ( هامش ) * = الرضي ( 1 ) الخيشوم : أصل الانف . والجمات : جمع جمة بفتح الجيم هو من السفينة
مجتمع الماء المترشح من ألواحها ، أي لو كفأت عليهم الدنيا بجليلها وحقيرها ( 2 ) لان
الحسنة المعجبة ربما جر الاعجاب بها إلى سيئات . والسيئة المسيئة ربما بعث الكدر منها ( * ) =
ـ 14 ـ
48 - وقال عليه السلام : الظفر بالحزم . والحزم بإجالة الرأي . والرأي
بتحصين الاسرار
49 - وقال عليه السلام : احذروا صولة الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع
50 - وقال عليه السلام : قلوب الرجال وحشية فمن تألفها أقبلت عليه
51 - وقال عليه السلام : عيبك مستور ما أسعدك جدك ( 1 )
52 - وقال عليه السلام : أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة
53 - وقال عليه السلام : السخاء ما كان ابتداء ، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتذمم ( 2 )
54 - وقال عليه السلام : لا غنى كالعقل . ولا فقر كالجهل . ولا ميراث كالادب
ولا ظهير كالمشاورة
55 - وقال عليه السلام : الصبر صبران : صبر على ماتكره ، وصبر عما تحب
56 - وقال عليه السلام : الغنى في الغربة وطن . والفقر في الوطن غربة
57 - وقال عليه السلام : القناعة مال لا ينفد
62 - وقال عليه السلام : إذا حييت بتحية فحي بأحسن منها ، وإذا أسديت إليك
يد فكافئها بما يربي عليها ، والفضل مع ذلك للبادئ
58 - وقال عليه السلام : المال مادة الشهوات
59 - وقال عليه السلام : من حذرك كمن بشرك
* ( هامش ) * = إلى حسنات ( 1 ) الجد بالفتح : الحظ أي ما دامت الدنيا مقبلة عليك ( 2 ) التذمم : الفرار ( * ) =
ـ 15 ـ
60 - وقال عليه السلام : اللسان سبع إن خلي عنه عقر
61 - وقال عليه السلام : المرأة عقرب حلوة اللبسة ( 1 )
63 - وقال عليه السلام : الشفيع جناح الطالب
64 - وقال عليه السلام : أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام
65 - وقال عليه السلام : فقد الاحبة غربة
66 - وقال عليه السلام : فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها
67 - وقال عليه السلام : لا تستح من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه
68 - وقال عليه السلام : العفاف زينة الفقر .
69 - وقال عليه السلام : إذا لم يكن ما تريد فلا تبل ماكنت ( 2 )
0 7 - وقال عليه السلام : لا ترى الجاهل إلا مفرطا أو مفرطا
71 - وقال عليه السلام : إذا تم العقل نقص الكلام
* ( هامش ) * = من الذم ، كالتأثم والتحرج ( 1 ) اللبسة بالكسر حالة من حالات اللبس بالضم ،
يقال لبست فلانة أي عاشرتها زمنا طويلا . والعقرب لا تحلو لبستها . أما المرأة فهي
هي في الايذاء لكنها حلوة اللبسة ( 2 ) إذا كان لك مرام لم تنله فاذهب في طلبه كل
مذهب ولا تبال أن حقروك أو عظموك ، فإن محط السير الغاية وما دونها فداء لها .
وقد يكون المعنى إذا عجزت عن مرادك فارض بأي حال ، على رأي القائل .
- إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع
( * )
ـ 16 ـ
72 - وقال عليه السلام : الدهر يخلق الابدان ( 1 ) ، ويحدد الآمال ، ويقرب
المنية ، ويباعد الامنية ، من ظفر به نصب ، ومن فاته تعب
73 - وقال عليه السلام : من نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل
تعليم غيره . وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه . ومعلم
نفسه ومؤدبها أحق بالاجلال من معلم الناس ومؤدبهم
74 - وقال عليه السلام : نفس المرء خطاه إلى أجله ( 2 )
75 - وقال عليه السلام : كل معدود منقض وكل متوقع آت
76 - وقال عليه السلام : إن الامور إذا اشتبهت اعتبر آخرها بأولها ( 3 )
77 - ( ومن خبر ضرار بن ضمرة الضبابي عند دخوله على معاوية ومسألته )
( له عن أمير المؤمنين ، قال : فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه )
( وقد أرخى الليل سدوله ، وهو قائم في محرابه ( 4 ) قابض على لحيته ، )
( يتململ تململ السليم ( 5 ) ، ويبكي بكاء الحزين ويقول ) :
يا دنيا يا دنيا إليك عني ، أبي تعرضت ، أم إلي تشوقت : لا حان حينك ( 6 )
* ( هامش ) * ( 1 ) أي يبليها . ونصب من باب تعب : أعيى . ومن ظفر بالدهر لزمته حقوق وحفت به
شؤون يعييه ويعجزه مراعتها وأداؤها ، هذا إلى ما يتجدد له من الامال التي لا نهاية
لها وكلها تحتاج إلى طلب ونصب ( 2 ) كأن كل نفس يتنفسه الانسان خطوة يقطعها
إلى الاجل ( 3 ) أي يقاس آخرها على أولها فعلى حسب البدايات تكون النهايات
( 4 ) سدوله : حجب ظلامه ( 5 ) السليم : الملدوغ من حية ونحوها ( 6 ) تعرض به ( * ) =
ـ 17 ـ
هيهات غري غيري . لا حاجة لي فيك . قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها .
فعيشك قصير ، وخطرك يسير ، وأملك حقير . آه من قلة الزاد ، وطول
الطريق ، وبعد السفر ، وعظيم المورد ( 1 )
78 - ( ومن كلام له عليه السلام للسائل لما سأله أكان مسيرنا )
( إلى الشام بقضاء من الله وقدر بعد كلام طويل هذا مختاره )
ويحك لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما . ولو كان كذلك
لبطل الثواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد ( 2 ) . وإن الله سبحانه أمر
عباده تخييرا ، ونهاهم تحذيرا ، وكلف يسيرا ولم يكلف عسيرا ،
وأعطى على القليل كثيرا . ولم يعص مغلوبا ، ولم يطع مكرها ، ولم
يرسل الانبياء لعبا ، ولم ينزل الكتب للعباد عبثا ، ولا خلق
السموات والارض وما بينهما باطلا " ذلك ظن الذين كفروا فويل
للذين كفروا من النار "
* ( هامش ) * = كتعرضه : تصداه وطلبه . ولا حان حينك : لا جاء وقت وصولك لقلبي وتمكن
حبك منه ( 1 ) المورد : موقف الورود على الله في الحساب ( 2 ) القضاء : علم الله
السابق بحصول الاشياء على أحوالها في أوضاعها . والقدر إيجاده لها عند وجود
أسبابها ، ولا شئ منهما يضطر العبد لفعل من أفعاله فالعبد وما يجد من نفسه من باعث =
ـ 18 ـ
79 - وقال عليه السلام : خذ الحكمة أنى كانت ، فإن الحكمة تكون في
صدر المنافق فتلجلج في صدره ( 1 ) حتى تخرج فتسكن إلى صواحبها
في صدر المؤمن - وقال عليه السلام : الحكمة ضالة المؤمن ، فخذ الحكمة ولو من أهل
النفاق .
81 - وقال عليه السلام : قيمة كل امرئ ما يحسنه ( وهذه الكلمة التي لا
تصاب لها قيمة ، ولا توزن بها حكمة ، ولا تقرن إليها كلمة )
82 - وقال عليه السلام : أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الابل ( 2 ) لكانت
لذلك أهلا . لا يرجون أحد منكم إلا ربه ، ولا يخافن إلا ذنبه
ولا يستحين أحد إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم . ولا يستحين
أحد إذا لم يعلم الشئ أن يتعلمه . وعليكم بالصبر فإن الصبر من
الايمان كالرأس من الجسد ، ولا خير في جسد لا رأس معه ، ولا في
إيمان لا صبر معه
* ( هامش ) * = على الخير والشر ، ولا يجد شخص إلا أن اختياره دافعه إلى ما يعمل ، والله يعلمه
فاعلا باختياره إما شقيا به وإما سعيدا . والدليل ما ذكره الامام ( 1 ) تلجلج أي تتحرك
( 2 ) الآباط : جمع إبط . وضرب الآباط كناية عن شد الرحال وحث المسير ( * )
ـ 19 ـ
83 - وقال عليه السلام : لرجل أفرط في الثناء عليه وكان له متهما : أنا دون ما
تقول وفوق ما في نفسك
84 - وقال عليه السلام : بقية السيف أبقى عددا وأكثر ولدا ( 1 )
85 - وقال عليه السلام : من ترك قول لا أدري أصيبت مقاتله ( 2 )
86 - وقال عليه السلام : رأي الشيخ أحب إلي من جلد الغلام ( 3 ) ( وروي )
من مشهد الغلام
87 - وقال عليه السلام : عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار ( 4 )
88 - ( وحكى عنه أبوجعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام أنه قال ) :
كان في الارض أمانان من عذاب الله وقد رفع أحدهما فدونكم
الآخر فتمسكوا به . أما الامان الذي رفع فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأما الامان الباقي فالاستغفار قال الله تعالى : " وما كان الله ليعذبهم
* ( هامش ) * ( 1 ) بقية السيف هم الذين يبقون بعد الدين قتلوا في حفظ شرفهم ودفع الضيم عنهم ،
وفضلوا الموت على الذل ، فيكون الباقون شرفاء نجداء ، فعددهم أبقى وولدهم يكون
أكثر ، بخلاف الاذلاء فإن مصيرهم إلى المحو والفناء ( 2 ) مواضع قتله ، لان من قال ما لا يعلم
عرف بالجهل ، ومن عرفه الناس بالجهل مقتوه فحرم خيره كله فهلك ( 3 ) جلد الغلام :
صبره على القتال . ومشهده : إيقاعه بالاعداء . والرأي في الحرب أشد فعلا في الاقدام
( 4 ) أي التوبة ( * )
ـ 20 ـ
وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " . ( وهذا من محاسن
الاستخراج ولطائف الاستنباط )
89 - وقال عليه السلام : من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس
ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله له أمر دنياه . ومن كان له من نفسه
واعظ كان عليه من الله حافظ
90 - وقال عليه السلام : الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ،
ولم يؤيسهم من روح الله ( 1 ) ، ولم يؤمنهم من مكر الله
91 - وقال عليه السلام : إن هذه القلوب تمل كما تمل الابدان ، فابتغوا لها
طرائف الحكم ( 2 )
92 - وقال عليه السلام : أوضع العلم ما وقف على اللسان ( 3 ) ، وأرفعه ما ظهر في
الجوارح والاركان
93 - وقال عليه السلام : لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة لانه
ليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة ، ولكن من استعاذ فليستعذ من
* ( هامش ) * ( 1 ) روح الله : لطفه ورأفته ، وهو بالفتح . ومكر الله : أخذه للعبد بالعقاب
من حيث لا يشعر . فالفقيه هو الفاتح للقلوب بابى الخوف والرجاء ( 2 ) طرائف
الحكم : غرائبها لتنبسط إليها القلوب كما تنبسط الابدان لغرائب المناظر ( 3 ) أوضع
العلم أي أدناه ما وقف على اللسان ولم يظهر أثره في الاخلاق والاعمال . وأركان البدن ( * ) =
ـ 21 ـ
مضلات الفتن ، فإن الله سبحانه : يقول : " واعلموا أنما أموالكم
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 4 من ص 21 سطر 1 الى ص 30 سطر 18
مضلات الفتن ، فإن الله سبحانه : يقول : " واعلموا أنما أموالكم
وأولادكم فتنة " . ومعنى ذلك أنه يختبرهم بالاموال والاولاد
ليتبين الساخط لرزقه والراضي بقسمه ، وإن كان سبحانه أعلم بهم
من أنفسهم ، ولكن لتظهر الافعال التي بها يستحق الثواب والعقاب ،
لان بعضهم يحب الذكور ويكره الاناث ، وبعضهم يحب تثمير
المال ( 1 ) ويكره انثلام الحال ( وهذا من غريب ما سمع منه في التفسير )
94 - ( وسئل عن الخير ما هو ؟ فقال ) : ليس الخير أن يكثر مالك وولدك
ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك ، وأن تباهي الناس بعبادة
ربك ، فإن أحسنت حمدت الله ، وإن أسأت استغفرت الله . ولا خير
في الدنيا إلا لرجلين : رجل أذنب ذنوبا فهو يتداركها بالتوبة ،
ورجل يسارع في الخيرات
95 - وقال عليه السلام : لا يقل عمل مع التقوى . وكيف يقل ما يتقبل
96 - وقال عليه السلام : إن أولى الناس بالانبياء أعلمهم بما جاءوا به . ثم تلا
" إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا "
* ( هامش ) * = أعضاؤه الرئيسة كالقلب والمخ ( 1 ) تثمير المال : إنماؤه بالربح . وانثلام الحال : نقصه ( * )
ـ 22 ـ
( ثم قال ) : إن ولي محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته ( 1 ) ، وإن
عدو محمد من عصى الله وإن قربت قرابته
97 - ( وقد سمع رجلا من الحرورية ( 2 ) يتهجد ويقرأ فقال ) : نوم على
يقين خير من صلاة في شك
98 - وقال عليه السلام : إعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية
فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل
99 - ( وسمع رجلا يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال عليه السلام ) :
إن قولنا : إنا لله إقرار على أنفسنا بالملك . وقولنا : وإنا إليه راجعون
إقرار على أنفسنا بالهلك ( 3 )
100 - ( ومدحه قوم في وجهه فقال ) : اللهم إنك أعلم بي من نفسي وأنا
أعلم بنفسي منهم ، اللهم اجعلنا خيرا مما يظنون ، واغفر لنا ما لا يعلمون
101 - وقال عليه السلام : لا يستقيم قضاء الحوائج إلا بثلاث : باستصغارها
لتعظم ( 4 ) ، وباستكتامها لتظهر ، وبتعجيلها لتهنؤ
* ( هامش ) * ( 1 ) لحمته بالضم أي نسبه ( 2 ) الحرورية بفتح الحاء : الخوارج الذين
خرجوا عليه بحروراء . ويتهجد أي يصلي بالليل ( 3 ) الهلك بالضم : الهلاك
( 4 ) استصغارها في الطلب لتعظم بالقضاء . وكتمانها عند محاولتها لتظهر بعد قضائها
فلا تعلم إلا مقضية ، وتعجيلها للتمكن من التمتع بها فتكون هنيئة ، ولو عظمت عند ( * ) =
ـ 23 ـ
102 - وقال عليه السلام : يأتى على الناس زمان لا يقرب فيه إلا الماحل ( 1 ) ، ولا
يظرف فيه إلا الفاجر ، ولا يضعف فيه إلا المنصف . يعدون الصدقة
فيه غرما . وصلة الرحم منا . والعبادة استطالة على الناس . فعند ذلك
يكون السلطان بمشورة النساء وإمارة الصبيان وتدبير الخصيان
103 - ( ورؤي عليه إزار خلق مرقوع فقيل له في ذلك فقال ) : يخشع له
القلب ، وتذل به النفس ، ويقتدي به المؤمنون
وقال عليه السلام : إن الدنيا والآخرة عدوان متفاوتان وسبيلان مختلفان ، فمن
أحب الدنيا وتولاها أبغض الآخرة وعاداها . وهما بمنزلة المشرق والمغرب
وماش بينهما ، كلما قرب من واحد بعد من الاخر ، وهما بعد ضرتان
104 - ( وعن نوف البكالي قال رأيت أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة
وقد خرج من فراشه فنظر في النجوم ، فقال لي يا نوف : أراقد أنت أم
رامق ؟ فقلت بل رامق يا أمير المؤمنين ( 2 ) ، قال يا نوف ) : طوبى للزاهدين
* ( هامش ) * = الطلب أو ظهرت قبل القضاء خيف الحرمان منها ، ولو أخرت خيف النقصان ( 1 ) الماحل :
الساعي في الناس بالوشاية عند السلطان . ولا يظرف أي لا يعد ظريفا ، ولا يضعف
أي لا يعد ضعيفا . والغرم بالضم : الغرامة . والمن : ذكرك النعمة على غيرك
مظهرا بها الكرامة عليه . والاستطالة على الناس : التفوق عليهم والتزيد عليهم في
الفضل ( 2 ) أراد بالرامق منتبه العين في مقابلة الراقد بمعنى النائم ، يقال رمقه إذا لحظه ( * ) =
ـ 24 ـ
في الدنيا الراغبين في الآخرة . أولئك قوم اتخذوا الارض بساطا ،
وترابها فراشا ، وماءها طيبا ، والقرآن شعارا ( 1 ) ، والدعاء دثارا . ثم
قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح
يا نوف إن داود عليه السلام قام في مثل هذه الساعة من الليل
فقال : إنها ساعة لا يدعو فيها عبد إلا استجيب له إلا أن يكون
عشارا ( 2 ) أو عريفا أو شرطيا أو صاحب عرطبة وهي الطنبور أو
صاحب كوبة وهي الطبل . ( وقد قيل أيضا : إن العرطبة الطبل ،
والكوبة الطنبور ( 3 ) )
105 - وقال عليه السلام : إن الله افترض عليكم الفرائض فلا تضيعوها ، وحد
لكم حدودا فلا تعتدوها ، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها ( 4 )
وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسيانا فلا تتكلفوها
* ( هامش ) * = لحظا خفيفا ( 1 ) شعارا يقرأونه سرا للاعتبار بمواعظه والتفكر في دقائقه . والدعاء
دثارا يجهرون به إظهارا للذلة والخضوع لله . وأصل الشعار ما يلي البدن من الثياب .
والدثار ما علا منها . وقرضوا الدنيا : مزقوها كما يمزق الثوب بالمقراض على طريقة
المسيح في الزهادة ( 2 ) العشار من يتولى أخذ أعشار الاموال وهو المكاس . والعريف
من يتجسس على أحوال الناس وأسرارهم فيكشفها لاميرهم مثلا . والشرطي
بضم فسكون نسبة إلى الشرطة واحد الشرط كرطب وهم أعوان الحاكم ( 3 ) لم نر
هذا فيما وقفنا عليه من كتب اللغة . والمنقول أن الكوبة بالضم الطبل الصغير ،
وهو المعروف بالدربكة ( 4 ) أي لا تنتهكوا نهيه عنها بإتيانها . والانتهاك : الاهانة ( * ) =
ـ 25 ـ
106 - وقال عليه السلام : لا يترك الناس شيئا من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم
إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه
107 - وقال عليه السلام : رب عالم قد قتله جهله ( 1 ) وعلمه معه لا ينفعه
108 - وقال عليه السلام : لقد علق بنياط هذا الانسان بضعة هي أعجب ما فيه ( 2 )
وذلك القلب . وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها . فإن سنح
له الرجاء ( 3 ) اذله الطمع . وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص . وإن
ملكه اليأس قتله الاسف . وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ
وإن أسعده الرضى نسي التحفظ ( 4 ) . وإن ناله الخوف شغله الحذر .
وإن اتسع له الامن استلبته الغرة ( 5 ) . وإن أفاد مالا أطغاه الغنى . وإن
أصابته مصيبة فضحه الجزع . وإن عضته الفاقة شغله البلاء . وإن
جهده الجوع قعد به الضعف . وإن أفرط به الشبع كظته البطنة ( 6 )
فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد
* ( هامش ) * = والاضعاف . ولا تتكلفوا أي لا تكلفوا أنفسكم بها بعد ما سكت الله عنها ( 1 ) وهذا
هو العالم الذي يحفظ ولا يدري ، أو يعلم ولا يعمل ، أو ينقل ولا بصيرة له ( 2 ) النياط
ككتاب : عرق معلق به القلب ( 3 ) سنح له : بدا وظهر ( 4 ) التحفظ هو التوقي
والتحرز من المضرات ( 5 ) الغرة بالكسر الغفلة . واستلبته أي سلبته وذهبت به عن
رشده . وأفاد المال : استفاده . الفاقة الفقر ( 6 ) كظته أي كربته وآلمته . والبطنة ( * ) =
= بالكسر : امتلاء البطن حتى يضيق النفس : التخمة ( * )
ـ 26 ـ
109 - وقال عليه السلام : نحن النمرقة الوسطى ( 1 ) بها يلحق التالي ، وإليها يرجع
الغالي .
110 - وقال عليه السلام : لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع ( 2 ) ولا يضارع
ولا يتبع المطامع
111 - وقال عليه السلام : ( وقد توفي سهل بن حنيف الانصاري بالكوفة بعد
مرجعه معه من صفين وكان من أحب الناس إليه ) لو أحبني جبل لتهافت ( 3 )
( معنى ذلك أن المحنة تغلظ عليه فتسرع المصائب إليه ، ولا يفعل
ذلك إلا بالاتقياء الابرار والمصطفين الاخيار ، وهذا مثل قوله
عليه السلام : 112 - من أحبنا أهل البيت فليستعد للفقر جلبابا وقد يؤول
ذلك على معنى آخر ( 4 ) ليس هذا موضع ذكره )
113 - وقال عليه السلام : لا مال أعود من العقل ( 5 ) . ولا وحدة أوحش من
* ( هامش ) * ( 1 ) النمرقة بضم فسكون
فضم ففتح : الوسادة ، وآل البيت أشبه بها للاستناد إليهم في أمور الدين كما يستند
إلى الوسادة لراحة الظهر واطمئنان الاعضاء . ووصفها بالوسطى لاتصال سائر النمارق
بها ، فكأن الكل يعتمد عليها إما مباشرة أو بواسطة ما بجانبه . وآل البيت على
الصراط الوسط العدل ، يلحق بهم من قصر ويرجع إليهم من غلا وتجاوز ( 2 ) لا يصانع
أي لا يداري في الحق . والمضارعة : المشابهة . والمعنى أنه لا يشتبه في عمله بالمبطلين .
واتباع المطامع الميل معها وإن ضاع الحق ( 3 ) تهافت : تساقط بعد ما تصدع ( 4 ) هو
أن من أحبهم فليخلص لله حبهم فليست الدنيا تطلب عندهم ( 5 ) أعود : أنفع ( * )
ـ 27 ـ
العجب . ولا عقل كالتدبير . ولا كرم كالتقوى . ولا قرين كحسن
الخلق . ولا ميراث كالادب . ولا قائد كالتوفيق . ولا تجارة كالعمل
الصالح . ولا ربح كالثواب . ولا ورع كالوقوف عند الشبهة . ولا
زهد كالزهد في الحرام . ولا علم كالتفكر . ولا عبادة كأداء
الفرائض . ولا إيمان كالحياء والصبر . ولا حسب كالتواضع . ولا
شرف كالعلم ولا مظاهرة أوثق من المشاورة
114 - وقال عليه السلام : إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله ثم أساء رجل
الظن برجل لم تظهر منه خزية ( 1 ) فقد ظلم . وإذا استولى الفساد على
الزمان وأهله فأحسن رجل الظن برجل فقد غرر
115 - ( وقيل له عليه السلام : كيف نجدك يا أمير المؤمنين ، فقال عليه السلام ) :
كيف يكون من يفنى ببقائه ( 2 ) ، ويسقم بصحته ، ويؤتى من مأمنه
116 - وقال عليه السلام : كم من مستدرج بالاحسان إليه ( 3 ) ، ومغرور بالستر
* ( هامش ) * ( 1 ) الخزية بفتح فسكون : البلية تصيب الانسان فتذله وتفضحه . وغرر أي
أوقع بنفسه في الغرر أي الخطر ( 2 ) كلما طال عمره وهو البقاء تقدم إلى الفناء ، وكلما
مدت عليه الصحة تقرب من مرض الهرم . وسقم كفرح : مرض . ويأتيه
الموت من مأمنه أي الجهة التي يأمن إتيانه منها ، فإن أسبابه كامنة في نفس البدن
( 3 ) استدرجه الله تابع نعمته عليه وهو مقيم في عصيانه إبلاغا للحجة وإقامة للمعذرة ( * ) =
ـ 28 ـ
عليه . ومفتون بحسن القول فيه وما ابتلى الله أحدا بمثل الاملاء له
117 - وقال عليه السلام : هلك في رجلان محب غال ( 1 ) ومبغض قال
118 - وقال عليه السلام : إضاعة الفرصة غصة
119 - وقال عليه السلام : مثل الدنيا كمثل الحية لين مسها والسم الناقع في
جوفها . يهوي إليها الغر الجاهل ويحذرها ذو اللب العاقل
120 - ( وسئل عليه السلام : عن قريش فقال ) : أما بنو مخزوم فريحانة قريش
نحب حديث رجالهم والنكاح في نسائهم . وأما بنو عبد شمس ( 2 )
فأبعدها رأيا وأمنعها لما وراء ظهورها . وأما نحن فأبذل لما في أيدينا ،
وأسمح عند الموت بنفوسنا . وهم أكثر وأمكر وأنكر . ونحن
أفصح وأنصح وأصبح
121 - وقال عليه السلام : شتان ما بين عملين ( 3 ) : عمل تذهب لذته وتبقى تبعته ،
وعمل تذهب مؤونته ويبقى أجره
122 - ( وتبع جنازة فسمع رجلا يضحك فقال عليه السلام ) كأن الموت فيها
* ( هامش ) * = في أخذه . والاملاء له : الامهال ( 1 ) الغالي : المتجاوز الحد في حبه بسب غيره أو دعوى
حلول اللاهوت فيه أو نحو ذلك . والقالي : المبغض الشديد البغض ( 2 ) ومنهم بنو أمية
أي وهم أي بنو عبد شمس أكثر الخ ونحن أي بنو هاشم ( 3 ) الاول عمل ( * ) =
ـ 29 ـ
على غيرنا كتب . وكأن الحق فيها على غيرنا وجب . وكأن الذي نرى من
الاموات سفر ( 1 ) عما قليل إلينا راجعون ، نبوئهم أجداثهم ونأكل
تراثهم ثم قد نسينا كل واعظ وواعظة ورمينا بكل جائحة ( 2 )
123 - وقال عليه السلام : طوبى لمن ذل في نفسه وطاب كسبه وصلحت سريرته
وحسنت خليقته ( 3 ) وأنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من
لسانه ، وعزل عن الناس شره ، ووسعته السنة ، ولم ينسب إلى البدعة ،
" أقول ومن الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله
عليه وآله وكذلك الذي قبله "
124 - وقال عليه السلام : غيرة المرأة كفر ( 4 ) وغيرة الرجل إيمان
125 - وقال عليه السلام : لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي . الاسلام
هو التسليم . والتسليم هو اليقين . واليقين هو التصديق . والتصديق
هو الاقرار . والاقرار هو الاداء . والاداء هو العمل الصالح
126 - وقال عليه السلام : عجبت للبخيل يستعجل الفقر ( 5 ) الذي منه هرب ،
* ( هامش ) * = في شهوات النفس والثاني عمل في طاعة الله ( 1 ) سفر أي مسافرون . ونبوئهم أي
ننزلهم في أجداثهم أي قبورهم . والتراث أي الميراث ( 2 ) الجائحة : الآفة تهلك الاصل
والفرع ( 3 ) الخليقة : الخلق والطبيعة ( 4 ) أي تؤدي إلى الكفر فإنها تحرم على الرجل
ما أحل الله له من زواج متعددات ، أما غيرة الرجل فتحريم لما حرمه الله وهو الزنا
( 5 ) الفقر ما قصر بك عن درك حاجاتك . والبخيل تكون له الحاجة فلا يقضيها ( * ) =
ـ 30 ـ
ويفوته الغنى الذي إياه طلب . فيعيش في الدنيا عيش الفقراء .
ويحاسب في الآخرة حساب الاغنياء . وعجبت للمتكبر الذي كان
بالامس نطفة ويكون غدا جيفة . وعجبت لمن شك في الله وهو
يرى خلق الله . وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى الموتى . وعجبت
لمن أنكر النشأة الاخرى وهو يرى النشأة الاولى . وعجبت لعامر
دار الفناء وتارك دار البقاء
127 - وقال عليه السلام : من قصر في العمل ابتلي بالهم ( 1 ) ( ولا حاجة لله فيمن
ليس لله في ماله ونفسه نصيب
128 - وقال عليه السلام : توقوا البرد في أوله ، وتلقوه في آخره فإنه يفعل في
الابدان كفعله في الاشجار . أوله يحرق وآخره يورق ( 2 )
129 - وقال عليه السلام : عظم الخالق عندك يصغر المخلوق في عينك
130 - وقال عليه السلام : وقد رجع من صفين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة )
* ( هامش ) * = ويكون عليه الحق فلا يؤديه ، فحاله حال الفقراء يحتمل ما يحتملون ، فقد استعجل
بالفقر وهو يهرب منه بجمع المال ( 1 ) الهم هم الحسرة على فوات ثمراته ، ومن لم يجعل
لله نصيبه في ماله بالبذل في سبيله ولا روحه باحتمال التعب في إعزاز دينه فلا يكون له
رجاء في فضل الله فإنه لا يكون في الحقيقة عبدالله بل عبد نفسه والشيطان ( 2 ) ولانه
في أوله يأتي على عهد من الابدان بالحر فيؤذيها ، أما في آخره فيمسها بعد تعودها ( * ) =
ـ 31 ـ
يا أهل الديار الموحشة ( 1 ) والمحال المقفرة ، والقبور المظلمة . يا أهل
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 4 من ص 31 سطر 1 الى ص 40 سطر 19
يا أهل الديار الموحشة ( 1 ) والمحال المقفرة ، والقبور المظلمة . يا أهل
التربة . يا أهل الغربة ، يا أهل الوحدة يا أهل الوحشة أنتم لنا فرط سابق ( 2 )
ونحن لكم تبع لاحق . أما الدور فقد سكنت ( 3 ) . وأما الازواج فقد
نكحت . وأما الاموال فقد قسمت . هذا خبر ما عندنا فما خبر
ما عندكم ؟ ( ثم التفت إلى أصحابه فقال ) : أما لو أذن لهم في الكلام
لاخبروكم أن خير الزاد التقوى
131 - ( وقال عليه السلام وقد سمع رجلا يذم الدنيا ) : أيها الذام
للدنيا المغتر بغرورها ، المخدوع بأباطيلها ثم تذمها . أتغتر بالدنيا
ثم تذمها . أنت المتجرم عليها ( 4 ) أم هي المتجرمة عليك ؟ متى
استهوتك ( 5 ) أم متى غرتك ؟ أبمصارع آبائك من البلى ( 6 ) ؟ أم بمضاجع
أمهاتك تحت الثرى ؟ كم عللت بكفيك ( 7 ) . وكم مرضت بيديك .
* ( هامش ) * = عليه وهو إذ ذاك أخف ( 1 ) الموحشة : الموجبة للوحشة ضد الانس . والمحال : جمع
محل أي الاماكن المقفرة من أقفر المكان إذا لم يكن به ساكن ولا نابت ( 2 ) الفرط
بالتحريك : المتقدم إلى الماء للواحد والجمع . والكلام هنا على الاطلاق أي
المتقدمون . والتبع بالتحريك أيضا التابع ( 3 ) أي أن دياركم سكنها غيركم ،
ونساؤكم تزوجت ، وأموالكم قسمت ، فهذه أخبارنا إليكم ( 4 ) تجرم عليه : ادعى
عليه الجرم بالضم أي الذنب ( 5 ) استهواه ذهب بعقله وأذله فحيره ( 6 ) البلى بكسر
الباء : الفناء بالتحلل . والمصرع : مكان الانصراع أي السقوط أي أماكن سقوط
آبائك من الفناء . والثرى : التراب ( 7 ) علل المريض : خدمه في علته . كمرضه : ( * ) =
ـ 32 ـ
تبغي لهم الشفاء ( 1 ) وتستوضف لهم الاطباء . لم ينفع أحدهم إشفاقك ( 2 )
ولم تسعف فيه بطلبتك . ولم تدفع عنهم بقوتك . قد مثلت لك به الدنيا
نفسك ( 3 ) وبمصرعه مصرعك . إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار
عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها ( 4 ) ، ودار موعظة لمن
اتعظ بها . مسجد أحباء الله ، ومصلى ملائكة الله ، ومهبط وحي الله
ومتجر أولياء الله . اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا فيها الجنة . فمن ذا
يذمها وقد آذنت ببينها ( 5 ) ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها
فمثلت لهم ببلائها البلاء ، وشوقتهم بسرورها إلى السرور راحت
بعافية ( 6 ) وابتكرت بفجيعة . ترغيبا وترهيبا ، وتخويفا وتحذيرا ،
فذمها رجال غداة الندامة ( 7 ) ، وحمدها آخرون يوم القيامة . ذكرتهم
الدنيا فتذكروا ، وحدثتهم فصدقوا ، ووعظتهم فاتعظوا
* ( هامش ) * = خدمه في مرضه ( 1 ) الضمير في لهم يعود على الكثير المفهوم من كم . واستوصف
الطبيب : طلب منه وصف الدواء بعد تشخيص الداء ( 2 ) إشفاقك : خوفك . والطلبة
بالكسر : المطلوب . وأسعفه بمطلوبة : أعطاه إياه على ضرورة إليه ( 3 ) أي
أن الدنيا جعلت الهالك قبلك مثالا لنفسك تقيسها عليه ( 4 ) أي أخذ منها زاده للآخرة
( 5 ) آذنت بمد الهمزة أي أعلمت أهلها ببينها أي ببعدها وزوالها عنهم . ونعاه
إذا أخبر بفقده . والدنيا أخبرت بفنائها وفناء أهلها بما ظهر من أحوالها ( 6 ) راح
إليه : وافاه وقت العشي ، أي أنها تمشي بعافية وتبتكر أي تصبح بفجيعة أي بمصيبة
فاجعة ( 7 ) أي ذموها عندما أصبحوا نادمين على ما فرطوا فيها أما الذين حمدوها فهم ( * ) = )
ـ 33 ـ
132 - وقال عليه السلام : إن لله ملكا ينادي في كل يوم : لدوا للموت ( 1 ) ،
واجمعوا للفناء ، وابنوا للخراب
133 - وقال عليه السلام الدنيا دار ممر إلى دار مقر . والناس فيها رجلان : رجل
باع فيها نفسه فأوبقها ( 2 ) ، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها
134 - وقال عليه السلام : لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث ( 3 )
في نكبته ، وغيبته ووفاته
135 - وقال عليه السلام : من أعطي أربعا لم يحرم أربعا : من أعطي
الدعاء لم يحرم الاجابة ( 4 ) ومن أعطي التوبة لم يحرم القبول ، ومن
أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة ، ومن أعطي الشكر لم يحرم الزيادة
وتصديق ذلك كتاب الله تعالى قال الله عزوجل في الدعاء " ادعوني أستجب
لكم " وقال في الاستغفار " ومن يعمل سوءا أويظلم نفسه ثم يستغفر
الله يجد الله غفورا رحيما " وقال في الشكر " لئن شكرتم
* ( هامش ) * = الذين عملوا فجنوا ثمرة أعمالهم ذكرتهم بحوادثها فانتبهوا لما يجب عليهم . وكأنها
بتقلبها تحدثهم بما فيه العبرة وتحكي لهم ما به العظة ( 1 ) أمر من الولادة ( 2 ) باع نفسه
لهواه وشهواته فأوبقها أي أهلكها . وابتاع نفسه أي اشتراها وخلصها من أسر الشهوات
( 3 ) أي لا يضيع شيئا من حقوقه في الاحوال الثلاثة ( 4 ) المراد بالدعاء المجاب ما كان
مقرونا باستعداد بأن يصحبه العمل لنيل المطلوب . والتوبة والاستغفار ما كانا ندما
على الذنب يمنع من العود إليه . والشكر تصريف النعم في وجوهها المشروعة ( * )
ـ 34 ـ
لازيدنكم " وقال في التوبة " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء
بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله
عليما حكيما "
136 - وقال عليه السلام : الصلاة قربان كل تقي . والحج جهاد كل
ضعيف ، ولكل شئ زكاة ، وزكاة البدن الصيام ، وجهاد المرأة
حسن التبعل ( 1 )
137 - وقال عليه السلام : استنزلوا الرزق بالصدقة
138 - وقال عليه السلام : من أيقن بالخلف جاد بالعطية
139 - وقال عليه السلام : تنزل المعونة على قدر المؤونة
140 - وقال عليه السلام : ما أعال من اقتصد ( 2 )
141 - وقال عليه السلام : قلة العيال أحد اليسارين 142 - والتودد نصف العقل
143 - وقال عليه السلام : الهم نصف الهرم
144 - وقال عليه السلام : ينزل الصبر على قدر المصيبة . ومن ضرب يده على
فخذه عند مصيبته حبط عمله ( 3 )
* ( هامش ) * ( 1 ) التبعل إطاعة الزوج ( 2 ) من إقتصد أي أنفق في غير إسراف ، فلا يعول على
وزن يكرم أي لا يفتقر . وفي نسخة عال بلا همز ، ومعناه ماجار عن الحق من أخذ
بالاقتصاد ( 3 ) أي حرم من ثواب أعماله فكأنها بطلت ( * )
ـ 35 ـ
145 - وقال عليه السلام : كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ . وكم من
قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء . حبذا نوم الاكياس
وإفطارهم ( 1 )
146 - وقال عليه السلام : سوسوا إيمانكم بالصدقة ( 2 ) ، وحصنوا أموالكم
بالزكاة وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء
147 - ( ومن كلام له عليه السلام لكميل بن زياد النخعي )
( قال كميل بن زياد : أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
عليه السلام فأخرجني إلى الجبان ( 3 ) ، فلما أصحر تنفس الصعداء ثم
قال ) : يا كميل إن هذه القلوب أوعية ( 4 ) فخيرها أوعاها . فاحفظ
عني ما أقول لك
الناس ثلاثة : فعالم رباني ( 5 ) ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع
* ( هامش ) * ( 1 ) الاكياس : جمع كيس بتشديد الياء أي العقلاء العارفون يكون نومهم وفطرهم
أفضل من صوم الحمقى وقيامهم ( 2 ) السياسة حفظ الشئ بما يحوطه من غيره ، فسياسة الرعية
حفظ نظامها بقوة الرأي والاخذ بالحدود ، والصدقة تستحفظ الشفقة ، والشفقة تستزيد
الايمان وتذكر الله . والزكاة أداء حق الله من المال ، وأداء الحق حصن النعمة ( 3 ) الجبان
- كالجبانة : المقبرة . وأصحر أي صار في الصحراء ( 4 ) أوعية : جمع وعاء . وأوعاها أحفظها
( 5 ) العالم الرباني هو المتأله العارف بالله . والمتعلم على طريق النجاة إذا أتم علمه
نجا . والهمج محركة : الحمقى من الناس . والرعاع كسحاب : الاحداث ( * ) =
ـ 36 ـ
أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم
يلجأوا إلى ركن وثيق
يا كميل العلم خير من المال . والعلم يحرسك وأنت تحرس المال .
المال تنقصه النفقة والعلم يزكوا على الانفاق ، وصنيع المال يزول
بزواله ( 1 ) .
يا كميل العلم دين يدان به . به يكسب الانسان الطاعة في
حياته ، وجميل الاحدوثة بعد وفاته . والعلم حاكم والمال محكوم عليه
يا كميل هلك خزان الاموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي
الدهر . أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة . ها ، إن ههنا
لعلما جما ( وأشار إلى صدره ) لو أصبت له حملة ( 2 ) ، بلى أصبت لقنا
غير مأمون عليه ( 3 ) ، مستعملا آلة الدين للدنيا ، ومستظهرا بنعم الله
* ( هامش ) * = الطغام الذين لا منزلة لهم في الناس . والناعق مجاز عن الداعي إلى باطل أو حق ( 1 ) من كان صنيعا لك متحببا إليك لما لك زال ما تراه منه بزوال مالك ، أما صنيع
العلم فيبقى ما بقي العلم ، فإنما العالم في قومه كالنبي في إمته ، فالعلم أشبه شئ بالدين بكسر
الدال يوجب على المتدينين طاعة صاحبه في حياته والثناء عليه بعد موته ( 2 ) الحملة
بالتحريك : جمع حامل . وأصبت بمعنى وجدت ، أي لو وجدت له حاملين لابرزته
وبثثته ( 3 ) اللقن بفتح فكسر : من يفهم بسرعة ، إلا أن العلم لا يطبع أخلاقه
على الفضائل ، فهو يستعمل وسائل الدين لجلب الدنيا ، ويستعين بنعم الله على إيذاء ( * ) =
ـ 37 ـ
على عباده ، وبحججه على أوليائه ، أو منقادا لحملة الحق ( 1 ) لا بصيرة له
في أحنائه ، ينقدح الشك في قلبه لاول عارض من شبهة . ألا لا ذا ولا
ذاك ( 2 ) ، أو منهوما باللذة ( 3 ) سلس القياد للشهوة ، أو مغرما بالجمع
والادخار ليسا من رعاة الدين في شئ . أقرب شئ شبها بهما الانعام
السائمة ، كذلك يموت العلم بموت حامليه
اللهم بلى ، لا تخلو الارض من قائم لله بحجة . إما ظاهرا مشهورا
أو خائفا مغمورا ( 4 ) لئلا تبطل حجج الله وبيناته . وكم ذا ( 5 ) ؟ وأين
أولئك ؟ أولئك والله الاقلون عددا والاعظمون قدرا . يحفظ الله بهم
حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم
هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ، وباشروا روح اليقين ، واستلانوا
ما استوعره المترفون ( 6 ) ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا
* ( هامش ) * = عباده ( 1 ) المنقاد لحاملي الحق هو المقلد في القول والعمل ولا بصيرة له في دقائق الحق
وخفاياه ، فذاك يسرع الشك إلى قلبه لاقل شبهة ( 2 ) لا يصلح لحمل العلم واحد منهما
( 3 ) المنهوم : المفرط في شهوة الطعام . وسلس القياد : سهله . والمغرم بالجمع : المولع
بكسب المال واكتنازه ، وهذان ليسا ممن يرعى الدين في شئ . والانعام أي البهائم
السائمة أقرب شبها بهذين ، فهما أحط درجة من راعية البهائم لانها لم تسقط عن منزلة
أعدتها لها الفطرة ، أما هما فقد سقطا واختارا الادنى على الاعلى ( 4 ) غمره الظلم حتى
غطاه فهو لا يظهر ( 5 ) استفهام عن عدد القائمين لله بحجته ، واستقلال له . وقوله
وأين أولئك : استفهام عن أمكنتهم وتنبيه على خفائها ( 6 ) عدوا ما استخشنه المنعمون ( * ) =
ـ 38 ـ
الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الاعلى . أولئك خلفاء الله في أرضه
والدعاة إلى دينه . آه آه شوقا إلى رؤيتهم . انصرف إذا شئت .
148 - وقال عليه السلام : المرء مخبوء تحت لسانه ( 1 ) .
149 - وقال عليه السلام : هلك امرؤ لم يعرف قدره .
150 - وقال عليه السلام : ( لرجل سأله أن يعظه ) : لا تكن ممن يرجوا الآخرة
بغير العمل ، ويرجي التوبة ( 2 ) بطول الامل . يقول في الدنيا بقول
الزاهدين ، ويعمل فيها بعمل الراغبين . إن أعطي منها لم يشبع ، وإن
منع منها لم يقنع . يعجز عن شكر ما أوتي ، ويبتغي الزيادة فيما بقي
ينهى ولا ينتهي ويأمر بما لا يأتي . يحب الصالحين ولا يعمل عملهم ،
ويبغض المذنبين وهو أحدهم . يكره الموت لكثرة ذنوبه ، ويقيم
على ما يكره الموت له ( 3 ) إن سقم ظل نادما ( 4 ) ، وإن صح أمن لاهيا .
يعجب بنفسه إذا عوفي ويقنط إذا ابتلي . إن أصابه بلاء دعا مضطرا
وإن ناله رخاء اعترض مغترا . تغلبه نفسه على ما تظن ولا يغلبها
* ( هامش ) * = لينا وهو الزهد ( 1 ) إنما يظهر عقل المرء وفضله بما يصدر عن لسانه فكأنه قد خبئ
تحت لسانه فإذا تحرك اللسان انكشف ( 2 ) يرجى بالتشديد أي يؤخر التوبة
( 3 ) الذي يكره الموت لاجله هو الذنوب . وأقام عليها : داوم على إتيانها ( 4 ) إن
أصابه السقم لازم الندم على التفريط أيام الصحة ، فإذا عادت له الصحة غره الامن ( * ) =
ـ 39 ـ
على ما يستيقن ( 1 ) . يخاف على غيره بأدنى من ذنبه . ويرجو لنفسه
بأكثر من عمله . إن استغنى بطر وفتن ( 2 ) ، وإن افتقر قنط ووهن .
يقصر إذا عمل ، ويبالغ إذا سأل . إن عرضت له شهوة أسلف المعصية ( 3 )
وسوف التوبة . وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة ( 4 ) . يصف
العبرة ولا يعتبر ( 5 ) ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ . فهو بالقول مدل ( 6 )
ومن العمل مقل . ينافس فيما يفنى ، ويسامح فيما يبقى . يرى الغنم
مغرما ( 7 ) ، والغرم مغنما . يخشى الموت ولا يبادر الفوت ( 8 ) . يستعظم
من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه ، ويستكثر من
طاعته ما يحقر من طاعة غيره . فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن .
اللغو مع الاغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء . يحكم على غيره
لنفسه ولا يحكم عليها لغيره ، ويرشد غيره ويغوي نفسه . فهو
* ( هامش ) * = وغرق في اللهو ( 1 ) هو على يقين من أن السعادة في الزهادة والشرف في الفضيلة ،
ثم لا يقهر نفسه على اكتسابهما ، وإذا ظن بل توهم لذة حاضرة أو منفعة عاجلة
دفعته نفسه إليها وإن هلك ( 2 ) بطر كفرح : اغتر بالنعمة ، والغرور فتنة ،
والقنوط : اليأس . والوهن : الضعف ( 3 ) أسلف : قدم . وسوف : أخر ( 4 ) شرائط
الملة : الثبات والصبر واستعانة الله على الخلاص عند عرو المحن أي طروق البلايا .
وانفرج عنها أي انخلع وبعد ( 5 ) العبرة بالكسر : تنبه النفس لما يصيب غيرها
فتحترس من إتيان أسبابه ( 6 ) أدل على أقرانه : استعلى عليهم ( 7 ) الغنم بالضم :
الغنيمة . والمغرم : الغرامة . والاعمال العظيمة غنيمة العقلاء . والشهوات خسارة
الاعمار ( 8 ) الفوت فوات الفرصة وانقضاؤها . وبادره : عاجله قبل أن يذهب ( * )
ـ 40 ـ
يطاع ويعصى ، ويستوفي ولا يوفي ، ويخشى الخلق في غير ربه ( 1 ) ولا
يخشى ربه في خلقه
( ولو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام لكفى به موعظة
ناجعة وحكمة بالغة وبصيرة لمبصر وعبرة لناظر مفكر )
151 - وقال عليه السلام : لكل امري عاقبة حلوة أو مرة
152 - وقال عليه السلام : لكل مقبل إدبار وما أدبر كأن لم يكن
153 - وقال عليه السلام : لا يعدم الصبور الظفر وإن طال به الزمان
154 - وقال عليه السلام : الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم ، وعلى
كل داخل في باطل إثمان إثم العمل به وإثم الرضى به
155 - وقال عليه السلام : اعتصموا بالذمم في أوتادها ( 2 )
156 - وقال عليه السلام : عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته ( 3 )
157 - وقال عليه السلام : قد بصرتم إن ابصرتم ( 4 ) ، وقد هديتم إن اهتديتم
وأسمعتم إن استمتعتم
* ( هامش ) * ( 1 ) أي يخشى الخلق فيعمل لغير الله خوفا منه ، ولكنه لا يخاف الله فيضر عباده
ولا ينفع خلقه ( 2 ) تحصنوا بالذمم أي العهود واعقدوها بأوتادها أي الرجال أهل
النجدة الذين يوفون بها ، وإياكم والركون لعهد من لا عهد له ( 3 ) أي عليكم
بطاعة عاقل لا تكون له جهالة تعتذرون بها عند البراءة من عيب السقوط في مخاطر
أعماله فيقل عذركم في اتباعه ( 4 ) كشف الله لكم عن الخير والشر فإن كانت لكم ( * ) =
ـ 41 ـ
158 - وقال عليه السلام : عاتب أخاك بالاحسان إليه ، وأردد شره بالانعام عليه
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 4 من ص 41 سطر 1 الى ص 50 سطر 19
158 - وقال عليه السلام : عاتب أخاك بالاحسان إليه ، وأردد شره بالانعام عليه
159 - وقال عليه السلام : من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن
160 - وقال عليه السلام : من ملك استأثر ( 1 )
161 - وقال عليه السلام : من استبد برأيه هلك ، ومن شاور الرجال شاركها
في عقولها .
162 - وقال عليه السلام : من كتم سره كانت الخيرة بيده ( 2 )
163 - وقال عليه السلام : الفقر الموت الاكبر
164 - وقال عليه السلام : من قضى حق من لا يقضي حقه فقد عبده ( 3 )
165 - وقال عليه السلام : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
166 - وقال عليه السلام : لا يعاب المرء بتأخير حقه ( 4 ) إنما يعاب من أخذ ما ليس له
167 - وقال عليه السلام : الاعجاب يمنع من الازدياد ( 5 )
168 - وقال عليه السلام : الامر قريب ( 6 ) ، والاصطحاب قليل
* ( هامش ) * = أبصار فأبصروا ، وكذا يقال فيما بعده ( 1 ) استبد ( 2 ) مثلا لو أسر عزيمة فله الخيار
في إنفاذها أو فسخها ، بخلاف ما لو أفشاها فربما ألزمته البواعث على فعلها أو أجبرته
العوائق التي تعرض له من إفشائها على فسخها ، وعلى هذا القياس ( 3 ) لان العبادة
خضوع لمن لا تطالبه بجزائه اعترافا بعظمته ( 4 ) المتسامح في حقه لا يعاب وإنما يعاب
سالب حق غيره ( 5 ) من أعجب بنفسه وثق بكمالها فلم يطلب لها الزيادة في الكمال
فلا يزيد بل ينقص ( 6 ) أمر الآخرة قريب ، والاصطحاب في الدنيا قصير الزمن قليل ( * )
ـ 42 ـ
169 - وقال عليه السلام : قد أضاء الصبح لذي عينين
170 - وقال عليه السلام : ترك الذنب أهون من طلب التوبة
171 - وقال عليه السلام : كم من أكلة منعت أكلات ( 1 )
172 - وقال عليه السلام : الناس أعداء ما جهلوا
173 - وقال عليه السلام : من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ ( 2 )
174 - وقال عليه السلام : من أحد سنان الغضب لله قوي على قتل أشداء الباطل ( 3 )
175 - وقال عليه السلام : إذا هبت أمرا فقع فيه ( 4 ) فإن شدة توقيه أعظم مما تخاف منه
176 - وقال عليه السلام : آلة الرياسة سعة الصدر
177 - وقال عليه السلام : ازجر المسئ بثواب المحسن ( 5 )
178 وقال عليه السلام : احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك
179 - وقال عليه السلام : اللجاجة تسل الرأي ( 6 )
180 - وقال عليه السلام : الطمع رق مؤبد
* ( هامش ) * ( 1 ) رب شخص أكل مرة فأفرط فابتلى بالتخمة ومرض المعدة وامتنع عليه الاكل
أياما ( 2 ) من طلب الآراء من وجوهها الصحيحة انكشف له موقع الخطأ فاحترس
منه ( 3 ) أحد بفتح الهمزة والحاء وتشديد الدال أي شحذ . والسنان نصل الرمح ،
أي من اشتد غضبه لله اقتدر على قهر أهل الباطل وإن كانوا أشداء ( 4 ) إذا تخوفت
من أمر فادخل فيه فإن ألم الخوف منه أشد من مصيبة الوقوع فيه ( 5 ) إذا كافأت
المحسن على إحسانه اقلع المسئ عن إساءته طلبا للمكافأة ( 6 ) اللجاجة : شدة ( * ) =
ـ 43 ـ
181 - وقال عليه السلام : ثمرة التفريط الندامة ، وثمرة الحزم السلامة
182 - وقال عليه السلام : لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل
183 - وقال عليه السلام : ما اختلفت دعوتان إلا كانت إحداهما ضلالة ( 1 )
184 - وقال عليه السلام : ما شككت في الحق مذ أريته
185 - وقال عليه السلام : ما كذبت ولا كذبت ولا ضللت ولا ضل بي
186 - وقال عليه السلام : للظالم البادي غدا بكفه عضة ( 2 )
187 - وقال عليه السلام : الرحيل وشيك ( 3 )
188 - وقال عليه السلام : من أبدى صفحته للحق هلك ( 4 )
189 - وقال عليه السلام : من لم ينجه الصبر أهلكه الجزع
190 - وقال عليه السلام : واعجباه أتكون الخلافة بالصحابة والقرابة . وروي
له شعر في هذا المعنى :
- فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم *
فكيف بهذا والمشيرون غيب ( 5 )
* ( هامش ) * = الخصام تعصبا لا للحق ، وهي تسل الرأي أي تذهب به وتنزعه ( 1 ) لان الحق واحد
( 2 ) يعض الظالم على يده ندما يوم القيامة ( 3 ) الرحيل من الدنيا إلى الآخرة قريب
( 4 ) من ظهر بمقاومة الحق هلك . وإبداء الصفحة : إظهار الوجه . وقد يكون المعنى
من أعرض عن الحق ، والصفحة تظهر عند الاعراض بالجانب ( 5 ) جمع غائب ، يريد ( * ) =
ـ 44 ـ
- وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم ( 1 ) *
فغيرك أولى بالنبي وأقرب
191 - وقال عليه السلام : إنما المرء في الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا ( 2 ) ، ونهب
تبادره المصائب . ومع كل جرعة شرق ( 3 ) ، وفي كل أكله غصص
ولا ينال العبد نعمة إلا بفراق أخرى ، ولا يستقبل يوما من عمره إلا
بفراق آخر من أجله . فنحن أعوان المنون ( 4 ) ، وأنفسنا نصب الحتوف
فمن أين نرجو البقاء وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شئ شرفا ( 5 ) إلا
أسرعا الكرة في هدم ما بنيا وتفريق ما جمعا
192 - وقال عليه السلام : يا ابن آدم ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك
193 - وقال عليه السلام : إن للقلوب شهوة وإقبالا وإدبارا فأتوها من قبل شهوتها
وإقبالها فإن القلب إذا أكره عمي
* ( هامش ) * = بالمشيرين أصحاب الرأي في الامر وهم علي وأصحابه من بني هاشم ( 1 ) يريد احتجاج
أبي بكر رضي الله عنه على الانصار بأن المهاجرين شجرة النبي صلى الله عليه وسلم
( 2 ) الغرض بالتحريك : ما ينصب ليصيبه الرامي ، وتنتضل فيه أي تصيبه .
وتثبت فيه المنايا جمع منية وهي الموت . والنهب بفتح فسكون : ما ينهب ( 3 ) الشرق
بالتحريك وقوف الماء في الحلق ، أي مع كل لذة ألم ( 4 ) المنون بفتح الميم :
الموت وكلما تقدمنا في العمر تقربنا منه ، فنحن بمعيشتنا أعوانه على أنفسنا ، وأنفسنا
نصب الحتوف أي تجاهها . والحتوف : جمع حتف أي هلاك ( 5 ) الشرف المكان ( * ) =
ـ 45 ـ
194 - ( وكان عليه السلام يقول ) : متى أشفي غيطي إذا غضبت . أحين
أعجز عن الانتقام فيقال لي لصبرت ، أم حين أقدر عليه فيقال لي
لو عفوت ( 1 )
195 - وقال عليه السلام ( وقد مر بقذر على مزبلة ) : هذا ما بخل به الباخلون ( 2 ) ( وروي في خبر آخر أنه قال ) : هذا ما كنتم تتنافسون فيه بالامس
196 - وقال عليه السلام : لم يذهب من مالك ما وعظك ( 3 )
197 - وقال عليه السلام : إن هذه القلوب تمل كما تمل الابدان ، فابتغوا لها
طرائف الحكمة
198 - وقال عليه السلام ( لما سمع قول الخوارج لا حكم إلا لله ) : كلمة حق
يراد بها باطل ( 4 )
199 - وقال عليه السلام ( في صفة الغوغاء ) : ( 5 ) هم الذين إذا اجتمعوا غلبوا ،
وإذا تفرقوا لم يعرفوا ( وقيل بل ما قال عليه السلام ) : هم الذين إذا
* ( هامش ) * = العالي . والمراد به هنا كل ما علا من مكان وغيره ( 1 ) لا يصح التشفي على أي حال ،
أما في حال العجز فالصبر أشفى وأما عند القدرة فالعفو أجمل ( 2 ) تلك الاقذار هي
لذائذ الاطعمة التي كان يبخل ببذلها البخلاء ، وهي ما كان الناس يتنافسون فيه
كل يطلبه ( 3 ) إذا أحدث فيك ضياع المال بصيرة وحذرا فما اكتسبته خير مما ضاع
( 4 ) فإنهم قصدوا بها الاحتجاج على خروجهم من طاعة الخليفة ( 5 ) الغوغاء بغينين
معجمتين : أوباش الناس يجتمعون على غير ترتيب ، وهم يغلبون على ما اجتمعوا ( * ) =
ـ 46 ـ
اجتمعوا ضروا ، وإذا تفرقوا نفعوا ( فقيل قد عرفنا مضرة اجتماعهم
فما منفعة افتراقهم ؟ فقال ) : يرجع أصحاب المهن إلى مهنتهم فينتفع
الناس بهم ، كرجوع البناء إلى بنائه ، والنساج إلى منسجه ، والخباز إلى
مخبزه 200 - ( وأتي بجان ومعه غوغاء فقال ) : لا مرحبا بوجوه لا ترى إلا
عند كل سوأة
201 - وقال عليه السلام : إن مع كل إنسان ملكين يحفظانه ، فإذا جاء القدر
خليا بينه وبينه ، وإن الاجل جنة حصينة ( 1 )
202 - وقال عليه السلام ( وقد قال له طلحة والزبير نبايعك على أنا شركاؤك
في هذا الامر ) : لا ولكنكما شريكان في القوة والاستعانة ، وعونان
على العجز والاود ( 2 )
203 - وقال عليه السلام : أيها الناس اتقوا الله الذي إن قلتم سمع ، وإن أضمرتم
علم . وبادروا الموت الذي إن هربتم أدرككم ، وإن أقمتم
أخذكم ، وإن نسيتموه ذكركم
204 - وقال عليه السلام : لا يزهدنك في المعروف من لا يشكر لك ، فقد
* ( هامش ) * = عليه ، ولكنهم إذا تفرقوا لا يعرفهم أحد لانحطاط درجة كل منهم ( 1 ) الاجل ما قدره
الله للحي من مدة العمر ، وهو وقاية منيعة من الهلكة ( 2 ) الاود بفتح فسكون : ( * ) =
ـ 47 ـ
يشكرك عليه من لا يستمتع منه ، وقد تدرك من شكر الشاكر
أكثر مما أضاع الكافر والله يحب المحسنين
205 - وقال عليه السلام : كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع ( 1 )
206 - وقال عليه السلام : أول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل
207 - وقال عليه السلام : إن لم تكن حليما فتحلم فإنه قل من تشبه بقوم إلا
أوشك أن يكون منهم
208 - وقال عليه السلام : من حاسب نفسه ربح ، ومن غفل عنها خسر ، ومن
خاف أمن ، ومن اعتبر أبصر ، ومن أبصر فهم ، ومن فهم علم
209 - وقال عليه السلام : لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على
ولدها ( 2 ) . وتلا عقيب ذلك " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في
الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين "
210 - وقال عليه السلام : اتقوا الله تقية من شمر تجريدا ، وجد تشميرا ، وكمش
في مهل ( 3 ) ، وبادر عن وجل ، ونظر في كرة الموئل وعاقبة المصدر
* ( هامش ) * = بلوغ الامر من الانسان مجهوده لشدته وصعوبة احتماله ( 1 ) وعاء العلم هو العقل ،
وهو يتسع بكثرة العلم ( 2 ) الشماس بالكسر : امتناع ظهر الفرس من الركوب .
والضروس بفتح فضم : الناقة السيئة الخلق تعض حالبها ، أي أن الدنيا ستنقاد
لنا بعد جموحها وتلين بعد خشونتها كما تنعطف الناقة على ولدها وإن أبت على الحالب
( 3 ) كمش بتشديد الميم : جد في السوق أي وبالغ في حث نفسه على المسير ( * ) =
ـ 48 ـ
ومغبة المرجع
211 - وقال عليه السلام : الجود حارس الاعراض . والحلم فدام السفيه ( 1 ) . والعفو
زكاة الظفر . والسلو عوضك ممن غدر ( 2 ) . والاستشارة عين الهداية .
وقد خاطر من استغنى برأيه . والصبر يناضل الحدثان ( 3 ) . والجزع من
أعوان الزمان . وأشرف الغنى ترك المنى ( 4 ) . وكم من عقل أسير تحت
هوى أمير ( 5 ) ومن التوفيق حفظ التجربة . والمودة قرابة مستفادة .
ولا تأمنن ملولا ( 6 )
* ( هامش ) * = إلى الله لكن مع تمهل البصيرة . والوجل : الخوف . والموئل : مستقر السير ، يريد
به هنا ما ينتهي إليه الانسان من سعادة وشقا . وكرته : حملته وإقباله . والمغبة
بفتح الميم والغين وتشديد الباء : العاقبة أيضا ، إلا أنه يلاحظ فيها مجرد كونها
بعد الامر . أما العاقبة ففيها أنها مسببة عنه . والمصدر عملك الذي يكون عنه ثوابك
وعقابك . والمرجع ما ترجع إليه بعد الموت ويتبعه إما السعادة أو الشقاء ( 1 ) الفدام
ككتاب وسحاب ، وتشدد الدال أيضا مع الفتح : شئ تشده العجم على أفواهها
عند السقي ، وإذا حلمت فكأنك ربطت فم السفيه بالفدام فمنعته عن الكلام
( 2 ) أي من غدرك فلك خلف عنه وهو أن تسلوه وتهجره كأنه لم يكن ( 3 ) الحدثان
بكسر فسكون : نوائب الدهر . والصبر يناضلها أي يدافعها . والجزع وهو شدة
الفزع يعين الزمان على الاضرار بصاحبه ( 4 ) المنى بضم ففتح : جمع منية وهي
ما يتمناه الانسان ، وإذا لم تتمن شيئا فقد استغنيت عنه ( 5 ) كثير من الناس جعلوا
أهواءهم مسلطة على عقولهم ، فعقولهم أسرى تحت حكمها ( 6 ) الملول بفتح الميم :
السريع الملل والسآمة ، وهو لا يؤمن ، إذ قد يمل عند حاجتك إليه فيفسد عليك عملك ( * )
ـ 49 ـ
212 - وقال عليه السلام : عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله ( 1 ) .
213 - وقال عليه السلام : أغض على القذى والالم ترض أبدا ( 2 )
214 - وقال عليه السلام : من لان عوده كثفت أغصانه ( 3 )
215 - وقال عليه السلام : الخلاف يهدم الرأي
216 - وقال عليه السلام : من نال استطال ( 4 )
217 - وقال عليه السلام : في تقلب الاحوال علم جواهر الرجال
218 - وقال عليه السلام : حسد الصديق من سقم المودة ( 5 )
219 - وقال عليه السلام : أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع
220 - وقال عليه السلام : ليس من العدل القضاء على الثقة بالظن ( 6 )
221 - وقال عليه السلام : بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد
* ( هامش ) * ( 1 ) العجب حجاب بين العقل وعيوب النفس ، فإذا لم يدركها سقط بل أوغل فيها
فيعود عليه بالنقص ، فكأن العجب حاسد يحول بين العقل ونعمة الكمال ( 2 ) القذى :
الشئ يسقط في العين . والاغضاء عليه كناية عن تحمل الاذى ، ومن لم يتحمل يعش
ساخطا لان الحياة لا تخلو من أذى ( 3 ) يريد من لين العود طراوة الجثمان الانساني
ونضارته بحياة الفضل وماء الهمة . وكثافة الاغصان كثرة الآثار التي تصدر عنه كأنها
فروعه ، أو يريد بها كثرة الاعوان ( 4 ) نال أي أعطى ، يقال نلته على وزن قلته :
أعطيته ، وهذا مثل قولهم من جاد ساد فإن الاستطالة الاستعلاء بالفضل ( 5 ) لولا ضعف
المودة ما كان الحسد ، وأول الصداقة انصراف النظر عن رؤية التفاوت ( 6 ) الواثق
بظنه واهم فلا بد لمريد العدل من طلب اليقين بموجب الحكم ( * )
ـ 50 ـ
222 - وقال عليه السلام : من أشرف أعمال الكريم غفلته عما يعلم ( 1 )
223 - وقال عليه السلام : من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه
224 - وقال عليه السلام : بكثرة الصمت تكون الهيبة ، وبالنصفة يكثر
المواصلون ( 2 ) ، وبالافضال تعظم الاقدار ، وبالتواضع تتم النعمة ،
وبإحتمال المؤن يجب السودد ( 3 ) ، وبالسيرة العادلة يقهر المناوي ( 4 ) ،
وبالحلم عن السفيه تكثر الانصار عليه
225 - وقال عليه السلام : العجب لغفلة الحساد عن سلامة الاجساد ( 5 )
226 - وقال عليه السلام : الطامع في وثاق الذل
227 - ( وسئل عن الايمان فقال ) : الايمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان
وعمل بالاركان
228 - وقال عليه السلام : من أصبح على الدنيا حزينا فقد أصبح لقضاء الله ساخطا .
ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فقد أصبح يشكو ربه . ومن
أتى غنيا فتواضع لغناه ذهب ثلثا دينه ( 6 ) . ومن قرأ القرآن فمات
* ( هامش ) * ( 1 ) أي عدم التفاته لعيوب الناس وإشاعتها وإن علمها ( 2 ) النصفة بالتحريك الانصاف ،
ومتى أنصف الانسان كثر مواصلوه أي محبوه ( 3 ) المؤن بضم ففتح جمع مؤونة وهي القوت
أي أن السودد والشرف باحتمال المؤنات عن الناس ( 4 ) المناوي المخالف المعاند ( 5 ) أي
من العجيب أن يحسد الحاسدون على المال والجاه مثلا ولا يحسدون الناس على سلامة
أجسادهم مع أنها من أجل النعم ( 6 ) لان استعظام المال ضعف في اليقين بالله ، والخضوع ( * ) =
ـ 51 ـ
فدخل النار فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزوا . ومن لهج قلبه بحب
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 4 من ص 51 سطر 1 الى ص 60 سطر 19
فدخل النار فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزوا . ومن لهج قلبه بحب
الدنيا التاط قلبه منها بثلاث ( 1 ) : هم لا يغبه ، وحرص لا يتركه ،
وأمل لا يدركه
229 - وقال عليه السلام : كفى بالقناعة ملكا ، وبحسن الخلق نعيما .
( وسئل عليه السلام عن قوله تعالى " فلنحيينه حياة طيبة " فقال ) :
هي القناعة
230 - وقال عليه السلام : شاركوا الذي قد أقبل عليه الرزق فإنه أخلق للغنى
وأجدر بإقبال الحظ عليه ( 2 )
231 - ( وقال عليه السلام : في قوله تعالى " إن الله يأمر بالعدل والاحسان " ) :
العدل الانصاف ، والاحسان التفضل
232 - وقال عليه السلام : من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة ( أقول :
ومعنى ذلك أن ما ينفقه المرء من ماله في سبيل الخير والبر وإن كان
يسيرا فإن الله تعالى يجعل الجزاء عليه عظيما كثيرا ، واليدان ههنا
عبارتان عن النعمتين ، ففرق عليه السلام بين نعمة العبد ونعمة الرب
* ( هامش ) * = أداء عمل لغير الله فلم يبق إلا الاقرار باللسان ( 1 ) التاط : التصق ( 2 ) أي إذا رأيتم
شخصا أقبل عليه الرزق فاشتركوا معه في عمله من تجارة أو زراعة أو غيرهما فإنه ( * ) =
ـ 52 ـ
فجعل تلك قصيرة وهذه طويلة لان نعم الله أبدا تضعف ( 1 ) على نعم
المخلوق أضعافا كثيرة إذ كانت نعم الله أصل النعم كلها . فكل
نعمة إليها ترجع ومنها تنزع )
233 - وقال لابنه الحسن عليهما السلام : لا تدعون إلى مبارزة ( 2 )
وإن دعيت إليها فأجب فإن الداعي باغ والباغي مصروع
234 - وقال عليه السلام : خيار خصال النساء شرار خصال الرجال : الزهو والجبن
والبخل ( 3 ) فإذا كانت المرأة مزهوة لم تمكن من نفسها . وإذا
كانت بخيلة حفظت مالها ومال بعلها . وإذا كانت جبانة فرقت ( 4 ) من
كل شئ يعرض لها
235 - ( وقيل له عليه السلام : صف لنا العاقل ) فقال عليه السلام : هو الذي يضع الشئ
مواضعه ( فقيل فصف لنا الجاهل فقال ) : قد فعلت ( يعني أن الجاهل
هو الذي لا يضع الشئ مواضعه فكأن ترك صفته صفة له إذ كان
بخلاف وصف العاقل ) .
236 - وقال عليه السلام : والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير
* ( هامش ) * = مظنة الربح ( 1 ) تضعف مجهول من اضعفه إذا جعله ضعفين ( 2 ) المبارزة : بروز كل
للآخر ليقتتلا ، ومصروع : مغلوب مطروح ( 3 ) الزهو بالفتح : الكبر . وزهى
كعنى : مبني للمجهول ، أي تكبر ، ومنه مزهوة أي متكبرة ( 4 ) فرقت كفرحت ( * ) =
ـ 53 ـ
في يد مجذوم ( 1 )
237 - وقال عليه السلام : إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار ( 2 ) ، وإن
قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ( 3 ) ، وإن قوما عبدوا الله
شكرا فتلك عبادة الاحرار ( 4 )
238 - وقال عليه السلام : المرأة شر كلها وشر ما فيها أنه لا بد منها
239 - وقال عليه السلام : من أطاع التواني ضيع الحقوق ، ومن أطاع الواشي
ضيع الصديق
240 - وقال عليه السلام : الحجر الغصيب في الدار رهن على خرابها ( 5 ) ( ويروى
هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عجب أن يشتبه الكلامان لان
مستقاهما من قليب ومفرغهما من ذنوب ( 6 ) )
241 - وقال عليه السلام : يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على
المظلوم
* ( هامش ) * = أي فزعت ( 1 ) العراق بكسر العين هو من الحشا ما فوق السرة معترضا البطن ،
والمجذوم المصاب بمرض الجذام ، وما أقذر كرش الخنزير وأمعاءه إذا كانت في يد شوهها
الجذام ( 2 ) لانهم يعبدون لطلب عوض ( 3 ) لانهم دلوا للخوف ( 4 ) لانهم عرفوا حقا
عليهم فأدوه وتلك شيمة الاحرار ( 5 ) الغصيب أي المغصوب ، أي أن الاغتصاب قاض
بالخراب كما يقضي الرهن بأداء الدين المرهون عليه ( 6 ) القليب بفتح فكسر :
البئر . والذنوب بفتح فضم الدلو الكبيرة ، فإن الامام يستقي من بئر النبوة ويفرع ( * ) =
ـ 54 ـ
242 - وقال عليه السلام : اتق الله بعض التقى وإن قل ، واجعل بينك وبين الله سترا وإن رق
243 - وقال عليه السلام : إذا ازدحم الجواب خفي الصواب ( 1 )
244 - وقال عليه السلام : إن لله في كل نعمة حقا فمن أداه زاده منها ، ومن قصر
عنه خاطر بزوال نعمته
245 - وقال عليه السلام : إذا كثرت المقدرة قلت الشهوة ( 2 )
246 - وقال عليه السلام : احذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود ( 3 )
247 - وقال عليه السلام : الكرم أعطف من الرحم ( 4 )
248 - وقال عليه السلام : من ظن بك خيرا فصدق ظنه ( 5 )
249 - وقال عليه السلام : أفضل الاعمال ما أكرهت نفسك عليه ( 6 )
250 - وقال عليه السلام : عرفت الله سبحانه بفسخ العزائم وحل العقود ( 7 )
* ( هامش ) * = من دلوها ( 1 ) ازدحام الجواب تشابه المعاني حتى لا يدري أيها أوفق بالسؤال ، وهو مما
يوجب خفاء الصواب ( 2 ) فإن من ملك زهد ( 3 ) نفار النعم : نفورها ، ونفورها
بعدم أداء الحق منها فتزول ( 4 ) إن الكريم ينعطف للاحسان بكرمه أكثر مما ينعطف
القريب لقرابته ، وهي كلمة من أعلى الكلام ( 5 ) بعمل الخير الذي ظنه بك ( 6 ) وهو
ما خالفت فيه الشهوة ( 7 ) العقود جمع عقد بمعنى النية تنعقد على فعل أمر . والعزائم
جمع عزيمة ، وفسخها نقضها . ولولا أن هناك قدرة سامية فوق إرادة البشر وهي قدرة ( * ) =
ـ 55 ـ
251 - وقال عليه السلام : مرارة الدنيا حلاوة الآخرة ، وحلاوة الدنيا مرارة
الآخرة ( 1 )
252 - وقال عليه السلام : فرض الله الايمان تطهيرا من الشرك ، والصلاة تنزيها
عن الكبر ، والزكاة تسبيبا للرزق ، والصيام ابتلاء لاخلاص الخلق ،
والحج تقربة للدين ( 2 ) ، والجهاد عزا للاسلام ، والامر بالمعروف
مصلحة للعوام ، والنهي عن المنكر ردعا للسفهاء ، وصلة الرحم
منماة للعدد ( 3 ) ، والقصاص حقنا للدماء ، وإقامة الحدود إعظاما للمحارم
وترك شرب الخمر تحصينا للعقل ، ومجانبة السرقة إيجابا للعفة ، وترك
الزنا تحصينا للنسب ، وترك اللواط تكثيرا للنسل ، والشهادة استظهارا
على المجاحدات ( 4 ) ، وترك الكذب تشريفا للصدق ، والسلام أمانا
من المخاوف ، والامانة نظاما للامة ( 5 ) ، والطاعة تعظيما للامامة
* ( هامش ) * = الله لكان الانسان كلما عزم على شئ أمضاه لكنه قد يعزم والله يفسخ ( 1 ) حلاوة
الدنيا باستيفاء اللذات ، ومرارتها بالعفاف عنها . وفي الاول مرارة العذاب في الآخرة ،
وفي الثاني حلاوة الثواب فيها ( 2 ) أي سببا لتقرب أهل الدين بعضهم من بعض إذ
يجتمعون من جميع الاقطار في مقام واحد لغرض واحد ، وفي نسخة تقوية فإن تجديد
الالفة بين المسلمين في كل عام بالاجتماع والتعارف مما يقوى الاسلام ( 3 ) فإنه إذا تواصل
الاقرباء على كثرتهم كثر بهم عدد الانصار ( 4 ) إنما فرضت الشهادة وهي الموت في نصر
الحق ليستعان بذلك على قهر الجاحدين له فيبطل جحوده ( 5 ) لانه إذا روعيت
الامانة في الاعمال أدى كل عامل ما يجب عليه فتنتظم شؤون الامة ، أما لو كثرت ( * ) =
ـ 56 ـ
253 - ( وكان عليه السلام يقول ) أحلفوا الظالم إذا أردتم يمينه بأنه
برئ من حول الله وقوته ، فإنه إذا حلف بها كاذبا عوجل العقوبة ،
وإذا حلف بالله الذي لا إله إلا هو لم يعاجل لانه قد وحد الله تعالى
254 - وقال عليه السلام : ياابن آدم كن وصي نفسك في مالك واعمل فيه ما
تؤثر أن يعمل فيه من بعدك ( 1 )
255 - وقال عليه السلام : الحدة ضرب من الجنون لان صاحبها يندم ، فإن لم
يندم فجنونه مستحكم
256 - وقال عليه السلام : صحة الجسد من قلة الحسد
257 - وقال عليه السلام : يا كميل مر أهلك أن يروحوا في كسب المكارم .
ويدلجوا في حاجة من هو نائم ( 2 ) فوالذي وسع سمعه الاصوات ما من
أحد أودع قلبا سرورا إلا وخلق الله له من ذلك السرور لطفا ، فإذا
نزلت به نائبة جرى إليها ( 3 ) كالماء في انحداره حتى يطردها عنه كما
تطرد غريبة الابل
* ( هامش ) * = الخيانات فقد فسدت الاعمال وكثر الاهمال فاختل النظام ( 1 ) أي اعمل في مالك وأنت
حي ماتؤثر أي تحب أن يعمل فيه خلفاؤك ، ولا حاجة أن تدخر ثم توصي ورثتك أن يعملوا
خيرا بعدك ( 2 ) الرواح السير من بعد الظهر ، والادلاج السير من أول الليل ، والمراد
من المكارم المحامد ، وكسبها بعمل المعروف ، وكأنه يقول أوص أهلك أن يواصلوا
أعمال الخير فرواحهم في الاحسان وإدلاجهم في قضاء الحوائج وإن نام عنها أربابها
( 3 ) الضمير في جرى للطف ، وفي إليها للنائبة ، وغريبة الابل لا تكون من مال صاحب ( * ) =
ـ 57 ـ
258 - وقال عليه السلام : إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة ( 1 )
259 - وقال عليه السلام : الوفاء لاهل الغدر غدر عند الله ، والغدر بأهل الغدر
وفاء عند الله
260 - وقال عليه السلام : كم من مستدرج بالاحسان إليه ، ومغرور بالستر عليه ،
ومفتون بحسن القول فيه . وما ابتلى الله سبحانه أحدا بمثل الاملاء له
( وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم إلا أن فيه ههنا زيادة مفيدة )
( فصل نذكر فيه شيوا عن اختيار غريب كلامه المحتاج إلى التفسير )
1 - في حديثه عليه السلام : فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين
بذنبه فيجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف
( اليعسوب : السيد العظيم المالك لامور الناس يومئذ ، والقزع :
قطع الغيم التي لا ماء فيها )
2 - وفي حديثه عليه السلام : هذا الخطيب الشحشح ( يريد الماهر
في الخطبة الماضي فيها ، وكل ماض في كلام أو سير فهو شحشح ،
والشحشح في غير هذا الموضع البخيل الممسك )
3 - وفى حديثه عليه السلام : إن للخصومة قحما ( يريد بالقحم
* ( هامش ) * = المرعى فيطردها من بين ماله ( 1 ) أي إذا افتقرتم فتصدقوا فإن الله يعطف الرزق ( * ) =
ـ 58 ـ
المهالك لانها تقحم أصحابها في المهالك والمتالف في الاكثر ، ومن
ذلك قحمة الاعراب وهو أن تصيبهم السنة فتتعرق أموالهم ( 1 )
فذلك تقحمها فيهم . وقيل فيه وجه آخر وهو أنها تقحمهم بلاد
الريف أي تحوجهم إلى دخول الحضر عند محول البدو )
4 - وفي حديثه عليه السلام : إذا بلغ النساء نص الحقاق فالعصبة
أولى ( والنص منتهى الاشياء ومبلغ أقصاها كالنص في السير لانه
أقصى ما تقدر عليه الدابة ، وتقول نصصت الرجل عن الامر إذا
استقصيت مسألته عنه لتستخرج ما عنده فيه . فنص الحقاق يريد به
الادراك لانه منتهى الصغر والوقت الذي يخرج منه الصغير إلى حد
الكبير . وهو من أفصح الكنايات عن هذا الامر ، فإذا بلغ النساء
ذلك فالعصبة أولى بالمرأة من أمها إذا كانوا محرما مثل الاخوة
والاعمام وبتزويجها إن أرادوا ذلك . والحقاق محاقة الام للعصبة في
المرأة وهو الجدال والخصومة وقول كل واحد منهما للآخر أنا أحق
منك بهذا ، يقال منه حاققته حقاقا مثل جادلته جدالا . وقد قيل
إن نص الحقاق بلوغ العقل وهو الادراك لانه عليه السلام أراد
* ( هامش ) * = عليكم بالصدقة ، فكأنكم عاملتم الله بالتجارة . وههنا سر لا يعلم ( 1 ) تتعرق أموالهم :
من قولهم تعرق فلان العظم أكل جميع ما عليه من اللحم ( * )
ـ 59 ـ
منتهى الامر الذي تجب فيه الحقوق والاحكام . ومن رواه نص
الحقائق فإنما أراد جمع حقيقة .
هذا معنى ما ذكره أبوعبيد . والذي عندي أن المراد بنص
الحقاق ههنا بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز فيه تزويجها وتصرفها في
حقوقها ، تشبيها بالحقاق من الابل وهي جمع حقة وحق ( 1 ) وهو الذي
استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة ، وعند ذلك يبلغ إلى الحد
الذي يتمكن فيه من ركوب ظهره ونصه في السير . والحقائق أيضا
جمع حقة . فالروايتان جميعا ترجعان إلى معنى واحد ، وهذا أشبه بطريقة
العرب من المعنى المذكور )
5 - وفي حديثه عليه السلام : إن الايمان يبدو لمظة في القلب كلما
ازداد الايمان ازدادت اللمظة ( 2 ) ( واللمظة مثل النكتة أو نحوها من
البياض . ومنه قيل فرس المظ إذا كان بجحفلته شئ من البياض ( 3 ) )
6 - وفي حديثه عليه السلام : إن الرجل إذا كان له الدين الظنون
يجب عليه أن يزكيه لما مضى إذا قبضه ( فالظنون الذي لا يعلم
* ( هامش ) * ( 1 ) بكسر الحاء فيهما ( 2 ) اللمظة بضم اللام وسكون الميم ( 3 ) الجحفلة بتقديم
الجيم المفتوحة على الحاء الساكنة للخيل والبغال والحمير بمنزلة الشفة للانسان ( * )
ـ 60 ـ
صاحبه أيقبضه من الذي هو عليه أم لا ، فكأنه الذي يظن به
فمرة يرجوه ومرة لا يرجوه . وهذا من أفصح الكلام . وكذلك
كل أمر تطلبه ولا تدري على أي شئ أنت منه فهو ظنون ( 1 ) . وعلى
ذلك قول الاعشى
- مايجعل الجد الظنون الذي * جنب صوب اللجب الماطر
- مثل الفراتي إذا ما طما * يقذف بالبوصي والماهر
والجد : البئر ( 2 ) . والظنون التي لا يعلم هل فيها ماء أم لا )
7 - وفي حديثه عليه السلام : ( أنه شيع جيشا يغزيه فقال ) : أعذبوا
عن النساء ما استطعتم ( ومعناه اصدفوا عن ذكر النساء ( 3 ) وشغل
القلب بهن ، وامتنعوا من المقاربة لهن لان ذلك يفت في عضد الحمية ( 4 )
ويقدح في معاقد العزيمة ، ويكسر عن العدو ، ويلفت عن الابعاد في
الغزو . وكل من امتنع من شئ فقد أعذب عنه . والعاذب والعذوب
الممتنع من الاكل والشرب )
* ( هامش ) * ( 1 ) هو بفتح الظاء ( 2 ) الجد بضم الجيم وتقدم تفسير الابيات في الخطبة الشقشقية
فراجعه ( 3 ) أعذبوا واصدفوا بكسر عين الفعل ، أي أعرضوا واتركوا ( 4 ) الفت : الدق
والكسر . وفت في ساعده من باب نصر أي أضعفه كأنه كسره . ومعاقد العزيمة :
مواضع انعقادها وهي القلوب . وقدح فيها بمعنى خرقها كناية عن أوهنها . والعدو بفتح
فسكون : الجري ، ويكسر عنه أي يقعد عنه ( * )
ـ 61 ـ
8 - وفي حديثه عليه السلام : كالياسر الفالج ينتظر أول فوزة من
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 4 من ص 61 سطر 1 الى ص 70 سطر 17
8 - وفي حديثه عليه السلام : كالياسر الفالج ينتظر أول فوزة من
قداحه ( الياسرون هم الذين يتضاربون بالقداح على الجزور ( 1 ) . والفالج
القاهر الغالب ، يقال قد فلج عليهم وفلجهم . وقال الراجز :
* لما رأيت فالجا قد فلجا
9 - وفي حديثه عليه السلام : كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله
صلى الله عليه وآله فلم يكن منا أقرب إلى العدو منه ( ومعنى ذلك
أنه إذا عظم الخوف من العدو واشتد عضاض الحرب ( 2 ) فزع المسلمون
إلى قتال رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه ( 3 ) فينزل الله عليهم
النصر به ويأمنون مما كانوا يخافونه بمكانه )
وقوله عليه السلام : إذا احمر البأس ( كناية عن اشتداد الامر . وقد قيل
في ذلك أقوال أحسنها أنه شبه حمى الحرب بالنار ( 4 ) التي تجمع الحرارة
والحمرة بفعلها ولونها ، ومما يقوي ذلك قول الرسول صلى الله عليه
وآله وقد رأى مجتلد الناس يوم حنين ( 5 ) وهي حرب هوازن
* ( هامش ) * ( 1 ) الجزور بفتح الجيم : الناقة المجزورة أي المنحورة . والمضاربة بالسهام
المقامرة على النصيب من الناقة . وفلج من باب ضرب ونصر ( 2 ) العضاض بكسر
العين أصله عض الفرس مجاز عن إهلاكها للمتحاربين ( 3 ) فزع المسلمون لجأوا إلى
طلب رسول الله ليقاتل بنفسه
( 4 ) الحمى بفتح فسكون مصدر حميت النار .
اشتد حرها ( 5 ) مجتلد مصدر ميمي من الاجتلاد أي الاقتتال ( * )
ـ 62 ـ
" حمي الوطيس " فالوطيس مستوقد النار ، فشبه رسول الله صلى الله
عليه وآله ما استحر من جلاد القوم ( 1 ) باحتدام النار وشدة التهابها )
انقضى هذا الفصل ورجعنا إلى سنن الغرض الاول في هذا الباب
261 - وقال عليه السلام ( لما بلغه إغارة أصحاب معاوية على الانبار فخرج بنفسه
ماشيا حتى أتى النخيلة ( 2 ) فأدركه الناس وقالوا يا أمير المؤمنين
نحن نكفيكهم )
فقال عليه السلام : والله ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفونني غيركم .
إن كانت الرعايا قبلي لتشكو حيف رعاتها ، وإنني اليوم لاشكو حيف
رعيتي ، كأنني المقود وهم القادة ، إو الموزوع وهم الوزعة ( 3 ) ( فلما
قال عليه السلام هذا القول ، في كلام طويل قد ذكرنا مختاره في جملة الخطب ،
تقدم إليه رجلان من أصحابه فقال أحدهما : إني لا أملك إلا نفسي
وأخي فمرنا بأمرك يا أمير المؤمنين ننفذ له )
قال عليه السلام : وأين تقعان مما أريد ( 4 ) ؟
* ( هامش ) * ( 1 ) استحر : اشتد . والجلاد القتال ( 2 ) النحيلة بضم ففتح : موضع بالعراق
اقتتل فيه الامام مع الخوارج بعد صفين ( 3 ) المقود اسم مفعول . والقادة : جمع قائد .
والوزعة محركة : جمع وازع بمعنى الحاكم . والموزوع المحكوم ( 4 ) أي أين أنتما
وما هي منزلتكما من الامر الذي أريده وهو يحتاج إلى قوة عظيمة فلا موقع لكما منه ( * )
ـ 63 ـ
262 - ( وقيل إن الحارث بن حوت أتاه فقال : أتراني أظن أصحاب الجمل
كانوا على ضلالة ( 1 ) )
فقال عليه السلام : يا حارث إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك فحرت ( 2 )
إنك لم تعرف الحق فتعرف أهله ، ولم تعرف الباطل فتعرف من
أتاه . فقال الحارث : فإني أعتزل مع سعيد بن مالك وعبدالله بن عمر
فقال عليه السلام : إن سعيدا وعبدالله بن عمر لم ينصرا الحق ولم
يخذلا الباطل
263 - وقال عليه السلام : صاحب السلطان كراكب الاسد يغبط بموقعه وهو
أعلم بموضعه ( 3 )
264 - وقال عليه السلام : أحسنوا في عقب غيركم تحفظوا في عقبكم ( 4 )
265 - وقال عليه السلام : إن كلام الحكماء إذا كان صوابا كان دواء ، وإذا كان
خطأ كان داء ( 5 )
* ( هامش ) * ( 1 ) تراني بضم التاء مبني للمجهول ، أي أتظنني ( 2 ) نظرت الخ أي أصاب فكرك
أدنى الرأي ولم يصب أعلاه ، وحار أي تحير . وأتى الحق : أخذ به ( 3 ) يغبط مبني للمجهول
أي يغبطه الناس ويتمنون منزلته لعزته ، ولكنه أعلم بموضعه من الخوف والحذر
فهو وإن أخاف بمركوبه إلا أنه يخشى أن يغتاله ( 4 ) أي كونوا رحماء بأبناء غيركم
يرحم غيركم أبناءكم ( 5 ) لشدة لصوقه بالعقول في الحالين ( * )
ـ 64 ـ
266 - ( وسأله رجل أن يعرفه الايمان ) فقال عليه السلام :
إذا كان الغد فأتني حتى أخبرك على أسماع الناس ، فإن نسيت مقالتي
حفظها عليك غيرك ، فإن الكلام كالشاردة ينقفها هذا ( 1 ) ويخطئها هذا
( وقد ذكرنا ما أجابه به فيما تقدم من هذا الباب وهو قوله
الايمان على أربع شعب )
267 - وقال عليه السلام : يا ابن آدم لا تحمل هم يومك الذي لم يأتك على يومك
الذي قد أتاك ، فإنه إن يك من عمرك يأت الله فيه برزقك
268 - وقال عليه السلام : أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما
وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما ( 2 )
269 - وقال عليه السلام : الناس للدنيا عاملان : عامل عمل للدنيا قد شغلته دنياه
عن آخرته يخشى على من يخلفه الفقر ويأمنه على نفسه فيفني عمره
في منفعة غيره ، وعامل عمل في الدنيا لما بعدها فجاءه الذي له من الدنيا
بغير عمل ، فأحرز الحظين معا ، وملك الزادين جميعا ، فأصبح وجيها
* ( هامش ) * ( 1 ) نقفه : ضربه ، أي يصيبها واحد فيصيدها ، ويخطئها الآخر فتنفلت منه
( 2 ) الهون بالفتح الحقير ، والمراد منه هنا الخفيف لا مبالغة فيه ، أي لا تبالغ
في الحب ولا في البغض فعسى أن ينقلب كل إلى ضده فلا تعظم ندامتك على ما قدمت منه ( * )
ـ 65 ـ
عند الله ( 1 ) لا يسأل الله حاجة فيمنعه
270 - ( وروي أنه ذكر عند عمر بن الخطاب في أيامه حلى الكعبة
وكثرته ، فقال قوم لو أخذته فجهزت به جيوش المسلمين كان
أعظم للاجر ، وما تصنع الكعبة بالحلى ؟ فهم عمر بذلك ، وسأل أمير
المؤمنين عليه السلام . فقال عليه السلام :
إن القرآن أنزل على النبى صلى الله عليه وآله والاموال أربعة :
أموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفرائض ، والفئ فقسمه على
مستحقيه ، والخمس فوضعه الله حيث وضعه ، والصدقات فجعلها الله
حيث جعلها . وكان حلى الكعبة فيها يومئذ ، فتركه الله على حاله
ولم يتركه نسيانا ، ولم يخف عليه مكانا ( 2 ) فأقره حيث أقره الله
ورسوله . فقال له عمر : لولاك لافتضحنا ، وترك الحلي بحاله
271 - ( وروي أنه عليه السلام رفع إليه رجلان سرقا من مال الله :
أحدهما عبد من مال الله ، والآخر من عروض الناس ( 3 )
* ( هامش ) * ( 1 ) وجيها أي ذا منزلة علية من القرب إليه سبحانه ( 2 ) أي لم يكن مكان حلي الكعبة
خافيا على الله ، فمكانا تمييز نسبة الخفاء إلى الحلي ( 3 ) أي أن السارقين كانا عبدين :
أحدهما عبد لبيت المال ، والآخر عبد لاحد الناس من عروضهم جمع عرض بفتح فسكون
هو المتاع غير الذهب والفضة ، وكلاهما سرق من بيت المال ( * )
ـ 66 ـ
فقال عليه السلام : أما هذا فهو من مال الله ولا حد عليه . مال الله أكل
بعضه بعضا ، وأما الآخر فعليه الحد فقطع يده
272 - وقال عليه السلام : لو قد استوت قدماي من هذه المداحض لغيرت أشياء ( 1 )
273 - وقال عليه السلام : اعلموا علما يقينا أن الله لم يجعل للعبد وإن
عظمت حيلته واشتدت طلبته وقويت مكيدته أكثر مما سمى له
في الذكر الحكيم ( 2 ) ، ولم يحل بين العبد في ضعفه وقلة حيلته
وبين أن يبلغ ما سمى له في الذكر الحكيم . والعارف لهذا العامل
به أعظم الناس راحة في منفعة . والتارك له الشاك فيه أعظم الناس شغلا
في مضرة ورب منعم عليه مستدرج بالنعمى ( 3 ) ، ورب مبتلى مصنوع
له بالبلوى . فزد أيها المستمع في شكرك ، وقصر من عجلتك ( 4 ) ،
وقف عند منتهى رزقك
* ( هامش ) * ( 1 ) المداحض : المزالق يريد بها الفتن التي ثارت عليه ، ويقول إنه لو ثبتت قدماه في
الامر وتفرغ لغير أشياء من عادات الناس وأفكارهم التي تبعد عن الشرع الصحيح
( 2 ) الذكر الحكيم : القرآن ، وليس لانسان أن ينال من الكرامة عند الله فوق
ما نص عليه القرآن ، ولن يحول الله بين أحد وبين ما عين في القرآن وإن اشتد طلب
الاول وقويت مكيدته الخ وضعف حال الثاني ، فكل مكلف مستطيع أن يؤدي
ما فرض الله في كتابه وينال الكرامة المحدودة له ، وقد يراد من الذكر الحكيم علم
الله ، أي ما قدر لك فلن تعدوه ولن تقصر عنه ( 3 ) أي لا يغتر المنعم عليه بالنعمة فربما
تكون استدراجا من الله له يمتحن بها قلبه ثم يأخذه من حيث لا يشعر ، ولا يقنط
مبتلى فقد تكون البلوى صنعا من الله له يرفع بها منزلته عنده ( 4 ) أى قصر ( * ) =
ـ 67 ـ
274 - وقال عليه السلام : لا تجعلوا علمكم جهلا ويقينكم شكا ( 1 ) إذا علمتم
فاعملوا ، وإذا تيقنتم فأقدموا
275 - وقال عليه السلام : إن الطمع مورد غير مصدر ( 2 ) ، وضامن غير وفي ،
وربما شرق شارب الماء قبل ريه ( 3 ) ، وكلما عظم قدر الشئ المتنافس
فيه عظمت الرزية لفقده . والاماني تعمي أعين البصائر . والحظ يأتي
من لا يأتيه
276 - وقال عليه السلام : اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لامعة العيون علانيتي
وتقبح فيما أبطن لك سريرتي ، محافظا على رئاء الناس من نفسي بجميع
ما أنت مطلع عليه مني ، فأبدئ للناس حسن ظاهري وأفضي إليك
بسوء عملي تقربا إلى عبادك ، وتباعدا من مرضاتك ( 4 )
277 - وقال عليه السلام : لا والذي أمسينا منه في غبر ليلة دهماء تكشر عن
* ( هامش ) * = من العجلة في طلب الدنيا ( 1 ) من لم يظهر أثر علمه في عمله فكأنه جاهل
وعلمه لم يزد على الجهل ، ومن لم يظهر أثر يقينه في عزيمته وفعله فكأنه شاك
متردد ، إذ لو صح اليقين ما مرض العزم ( 2 ) أي من ورده هلك فيه ولم يصدر عنه
( 3 ) شرق كتعب أي غص تمثيل لحالة الطامع بحال الظمآن فربما يشرق بالماء
عند الشرب قبل أن يرتوي به ، وربما هلك الطامع في الطلب قبل الانتفاع بالمطلوب
( 4 ) يستعيذ بالله من حسن ما يظهر منه للناس وقبح ما يبطنه لله من السريرة . وقوله
محافظا حال من الياء في سريرتي . ورئاء الناس بهمزتين أو بياء بعد الراء إظهار ( * ) =
ـ 68 ـ
يوم أغر ما كان كذا وكذا ( 1 )
278 - وقال عليه السلام : قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول ( 2 )
279 - وقال عليه السلام : إذا أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها
280 - وقال عليه السلام : من تذكر بعد السفر استعد
281 - وقال عليه السلام : ليست الروية كالمعاينة مع الابصار ( 3 ) . فقد تكذب
العيون أهلها ولا يغش العقل من استنصحه
282 - وقال عليه السلام : بينكم وبين الموعظة حجاب من الغرة ( 4 )
3 28 - وقال عليه السلام : جاهلكم مزداد وعالمكم مسوف ( 5 )
284 - وقال عليه السلام : قطع العلم عذر المتعللين
* ( هامش ) * = العمل لهم ليحمدوه . وقوله بجميع متعلق برئاء ( 1 ) غبر الليلة بضم الغين وسكون
الباء : بقيتها . والدهماء : السوداء . وكشر عن أسنانه كضرب أبداها في الضحك
ونحوه . والاغر أبيض الوجه . يحلف بالله الذي أمسى بتقديره في بقية ليلة سوداء
تنفجر عن فجر ساطع الضياء . ووجه التشبيه ظاهر ( 2 ) اعمل قليلا وداوم عليه فهو
أفضل من كثير تسأم منه فتتركه ( 3 ) الروية بفتح فكسر فتشديد : أعمال العقل
في طلب الصواب ، وهي أهدى إليه من المعاينة بالبصر ، فإن البصر قد يكذب صاحبه
فيريه العظيم البعيد صغيرا ، وقد يريه المستقيم معوجا كما في الماء ، أما العقل فلا يغش
من طلب نصيحته . وفي نسخة ليست الرؤية ( بضم فهمز ) مع الابصار ، أي أن الرؤية
الصحيحة ليست هي رؤية البصر ، وليس العلم قاصرا على شهود المحسوس ، فإن البصر
قد يغش ، وإنما البصر بصر العقل فهو الذي لا يكذب ناصحه ( 4 ) الغرة - بالكسر :
الغفلة ( 5 ) أي جاهلكم يغالي ويزداد في العمل على غير بصيرة ، وعالمكم يسوف بعمله ، ( * ) =
ـ 69 ـ
285 - وقال عليه السلام : كل معاجل يسأل الانظار وكل مؤجل يتعلل
بالتسويف ( 1 )
286 - وقال عليه السلام : ماقال الناس لشئ طوبى له إلا وقد خبأ له الدهر
يوم سوء
287 - ( وسئل عن القدر فقال ) : طريق مظلم فلا تسلكوه ، وبحر
عميق فلا تلجوه ، وسر الله فلا تتكلفوه ( 2 )
288 - وقال عليه السلام : إذا أرذل الله عبدا حظر عليه العلم ( 3 )
289 - وقال عليه السلام : كان لي فيما مضى أخ في الله ، وكان يعظمه في عيني
صغر الدنيا في عينه ، وكان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا
يجد ، ولا يكثر إذا وجد ، وكان أكثر دهره صامتا . فإن قال بد
القائلين ( 4 ) ونقع غليل السائلين . وكان ضعيفا مستضعفا . فإن جاء
* ( هامش ) * = أي يؤخره عن أوقاته وبئست الحال هذه ( 1 ) كل بالتنوين في الموضعين مبتدأ خبره
معاجل بفتح الجيم في الاول ومؤجل بفتحها كذلك في الثاني ، أي كل واحد من
الناس يستعجله أجله ولكنه يطلب الانظار أي التاخير ، وكل منهم قد أجل الله عمره
وهو لا يعمل تعللا بتأخير الاجل والفسحة في مدته وتمكنه من تدارك الفائت في المستقبل
( 2 ) فليعمل كل عمله المفروض عليه ولا يتكل في الاهمال على القدر
( 3 ) أرذله : جعله رذيلا ، وحظره عليه أي حرمه منه ( 4 ) بدهم أي كفهم عن القول
ومنعهم . ونقع الغليل : أزال العطش ( * )
ـ 70 ـ
الجد فهو ليث غاب وصل واد ( 1 ) ، لا يدلي بحجة حتى يأتي قاضيا ( 2 ) .
وكان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره ( 3 ) ،
وكان لا يشكو وجعا إلا عند برئه . وكان يفعل ما يقول ولا يقول
ما لا يفعل . وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت .
وكان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلم . وكان إذا بدهه أمران ( 4 )
نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه . فعليكم بهذه الخلائق فالزموها
وتنافسوا فيها ، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أن أخذ القليل خير من ترك الكثير
290 - وقال عليه السلام : لو لم يتوعد الله على معصيته ( 5 ) لكان يجب أن لا يعصى
شكرا لنعمه
291 - ( وقال عليه السلام وقد عزى الاشعث بن قيس عن ابن له ) :
يا أشعث إن تحزن على ابنك فقد استحقت ذلك منك الرحم .
* ( هامش ) * ( 1 ) الليث : الاسد . والغاب : جمع غابة وهي الشجر الكثير الملتف يستوكر فيه الاسد .
والصل بالكسر : الحية . والوادي معروف . والجد بالكسر : ضد الهزل
( 2 ) أدلى بحجته : أحضرها ( 3 ) أي كان لا يلوم في فعل يصح في مثله الاعتذار الا
بعد سماع العذر ( 4 ) بدهه الامر : فجأه وبغته ( 5 ) التوعد : الوعيد ، أي لو لم
يوعد على معصيته بالعقاب ( * )
ـ 71 ـ
وإن تصبر ففي الله من كل مصيبة خلف . يا أشعث إن صبرت جرى
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 4 من ص 71 سطر 1 الى ص 80 سطر 20
وإن تصبر ففي الله من كل مصيبة خلف . يا أشعث إن صبرت جرى
عليك القدر وأنت مأجور . وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت
مأزور ( 1 ) . إبنك سرك وهو بلاء وفتنة ( 2 ) ، وحزنك وهو ثواب ورحمة
292 - ( وقال عليه السلام على قبر رسول الله )
( صلى الله عليه وآله ساعة دفن ) :
إن الصبر لجميل إلا عنك ، وإن الجزع لقبيح إلا عليك ، وإن
المصاب بك لجليل ، وإنه قبلك وبعدك لجلل ( 3 )
293 - وقال عليه السلام : لا تصحب المائق ( 4 ) فإنه يزين لك فعله ويود أن
تكون مثله
4 29 - ( وقد سئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب ) فقال عليه السلام :
مسيرة يوم للشمس
295 - وقال عليه السلام : أصدقاؤك ثلاثة ، وأعداؤك ثلاثة ، فأصدقاؤك صديقك
* ( هامش ) * ( 1 ) أي مقترف للوزر وهو الذنب ( 2 ) سرك أي أكسبك سرورا ، وذلك عند
ولادته وهو إذ ذاك بلاء بتكاليف تربيته وفتنة بشاغل محبته . وحزنك : أكسبك
الحزن وذلك عند الموت ( 3 ) أي أن المصائب قبل مصيبتك وبعدها هينة حقيرة .
والجلل بالتحريك : الهين الصغير ، وقد يطلق على العظيم وليس مرادا هنا
( 4 ) المائق : الاحمق ( * )
ـ 72 ـ
وصديق صديقك وعدو عدوك . وأعداؤك عدوك وعدو صديقك
وصديق عدوك
296 - ( وقال عليه السلام لرجل رآه يسعى على عدو له بما فيه إضرار بنفسه ) :
إنما أنت كالطاعن نفسه ليقتل ردفه ( 1 )
297 - وقال عليه السلام : ما أكثر العبر وأقل الاعتبار
298 - ( وقال عليه السلام : من بالغ في الخصومة أثم ، ومن قصر فيها ظلم ( 2 )
ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم
299 - وقال عليه السلام : ما أهمني ذنب أمهلت بعده حتى أصلي ركعتين ( 3 )
300 - وسئل عليه السلام : ( كيف يحاسب الله الخلق على كثرتهم ) فقال : كما
يرزقهم على كثرتهم
( فقيل كيف يحاسبهم ولا يرونه )
قال عليه السلام : كما يرزقهم ولا يرونه
301 - وقال عليه السلام : رسولك ترجمان عقلك ، وكتابك أبلغ ما ينطق عنك
* ( هامش ) * ( 1 ) الردف بالكسر : الراكب خلف الراكب ( 2 ) قد يصيب الظلم من يقف
عند حقه في المخاصمة فيحتاج للمبالغة حتى يرد إلى الحق ، وفي ذلك إثم الباطل وإن
كان لنيل أحق ( 3 ) كان إذا كسب ذنبا فأحزنه وأعطى مهلة من الاجل بعده صلى
ركعتين تحقيقا للتوبة ( * )
ـ 73 ـ
302 - وقال عليه السلام : ما المبتلى الذي قد اشتد به البلاء بأحوج إلى الدعاء
من المعافى الذي لا يأمن البلاء
303 - وقال عليه السلام : الناس أبناء الدنيا ، ولا يلام الرجل على حب أمه
304 - وقال عليه السلام : إن المسكين رسو ل الله ( 1 ) فمن منعه فقد منع الله ، ومن
أعطاه فقد أعطى الله
305 - وقال عليه السلام : ما زنى غيور قط
306 - وقال عليه السلام : كفى بالاجل حارسا
307 - وقال عليه السلام : ينام الرجل على الثكل ولا ينام على الحرب ( 2 ) ( ومعنى
ذلك أنه يصبر على قتل الاولاد ولا يصبر على سلب الاموال )
308 - وقال عليه السلام : مودة الآباء قرابة بين الابناء ( 3 ) والقرابة إلى المودة
أحوج من المودة إلى القرابة
309 - وقال عليه السلام : اتقوا ظنون المؤمنين فإن الله تعالى جعل الحق على
ألسنتهم
* ( هامش ) * ( 1 ) لان الله هو الذي حرمه الرزق فكأنه أرسله إلى الغني ليمتحنه به
( 2 ) الثكل بالضم : فقد الاولاد . والحرب بالتحريك : سلب المال ( 3 ) إذا
كان بين الآباء مودة كان أثرها في الابناء أثر القرابة من التعاون والمرافدة . والمودة
أصل في المعاونة ، والقرابة من أسبابها ، وقد لا تكون مع القرابة معاونة إذا فقدت ( * ) =
ـ 74 ـ
310 - وقال عليه السلام : لا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله أوثق منه
بما في يده ( 1 )
311 - وقال عليه السلام : لانس بن مالك وقد كان بعثه إلى طلحة والزبير لما جاء
إلى البصرة يذكرهما شيئا سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله
في معناهما فلوى عن ذلك فرجع إليه فقال ( 2 ) : ( إني أنسيت ذلك الامر )
فقال عليه السلام : إن كنت كاذبا فضربك الله بها بيضاء لامعة لا تواريها
العمامة ( يعني البرص ، فأصاب أنسا هذا الداء فيما بعد في وجهه
فكان لا يرى إلا مبرقعا )
312 - وقال عليه السلام : إن للقلوب إقبالا وإدبارا ( 3 ) فإذا أقبلت فاحملوها على
النوافل ، وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض
313 - وقال عليه السلام : وفي القرآن نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم
ما بينكم ( 4 )
* ( هامش ) * = المحبة ، فالاقرباء في حاجة إلى المودة . أما الاوداء فلا حاجة بهم إلى القرابة ( 1 ) أي حتى
تكون ثقته بما عند الله من ثواب وفضل أشد من ثقته بما في يده ( 2 ) الضمير في قال
ورجع ولوى لانس . روي أن أنسا كان في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وهو
يقول لطلحة والزبير إنكما تحاربان عليا وأنتما له ظالمان ( 3 ) إقبال القلوب : رغبتها
في العمل . وإدبارها : مللها منه ( 4 ) نبأ ما قبلنا أي خبرهم في قصص القرآن ، ونبأ
ما بعدنا : الخبر عن مصير أمورهم ، وهو يعلم من سنة الله فيمن قبلنا . وحكم ما بيننا ( * ) =
ـ 75 ـ
314 - وقال عليه السلام : ردوا الحجر من حيث جاء فإن الشر لا يدفعه إلا الشر ( 1 )
315 - وقال عليه السلام لكاتبه عبيد الله بن رافع : ألق دواتك ، وأطل جلفة
قلمك ( 2 ) ، وفرج بين السطور وقرمط بين الحروف فإن ذلك أجدر
بصباحة الخط
316 - وقال عليه السلام : أنا يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الفجار ( ومعنى
ذلك أن المؤمنين يتبعونني والفجار يتبعون المال كما تتبع النحل
يعسوبها وهو رئيسها )
317 - ( وقال له بعض اليهود : ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه )
فقال عليه السلام له : إنما اختلفنا عنه لا فيه ( 3 ) ولكنكم ماجفت
أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة
قال إنكم قوم تجهلون "
318 - ( وقيل له بأي شئ غلبت الاقران ؟ )
فقال عليه السلام : ما لقيت رجلا إلا أعانني على نفسه ( يؤمي
* ( هامش ) * = في الاحكام التي نص عليها ( 1 ) رد الحجر كناية عن مقابلة الشر بالدفع على فاعله
ليرتدع عنه ، وهذا إذا لم يمكن دفعه بالاحسن ( 2 ) جلفة القلم بكسر الجيم : مابين
مبراه وسنته . وإلاقة الدواة : وضع الليقة فيها . والقرمطة بين الحروف : المقاربة بينها
وتضييق فواصلها ( 3 ) أي في أخبار وردت عنه لا في صدقه وأصول الاعتقاد بدينه ( * )
ـ 76 ـ
بذلك إلى تمكن هيبته في القلوب )
319 - وقال عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية : يا بني إني أخاف عليك الفقر فاستعذ
بالله منه فإن الفقر منقصة للدين ( 1 ) مدهشة للعقل ، داعية للمقت
320 - ( وقال عليه السلام لسائل سأله عن معضلة ( 2 ) : سل تفقها ولا تسأل تعنتا ،
فإن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم ، وإن العالم المتعسف شبيه
بالجاهل المتعنت
321 - ( وقال عليه السلام لعبد الله بن العباس وقد أشار عليه في شئ لم
يوافق رأيه عليه السلام ) : لك أن تشير علي وأرى ، فإن عصيتك فأطعني ( 3 )
322 - وروي أنه عليه السلام لما ورد الكوفة قادما من صفين مر
بالشباميين ( 4 ) فسمع بكاء النساء على قتلى صفين ، وخرج إليه حرب
ابن شرحبيل الشبامي وكان من وجوه قومه )
فقال عليه السلام له : تغلبكم نساؤكم على ما أسمع ( 5 ) ، ألا تنهونهن عن
* ( هامش ) * ( 1 ) إذا اشتد الفقر فربما يحمل على الخيانة أو الكذب أو احتمال الذل أو القعود عن
نصرة الحق ، وكلها نقص في الدين ( 2 ) أي أحجية بقصد المعاياة لا بقصد الاستفادة
( 3 ) وذلك عند ما أشار عليه أن يكتب لابن طلحة بولاية البصرة ولابن الزبير بولاية
الكوفة ولمعاوية بإقراره في ولاية الشام حتى تسكن القلوب وتتم بيعة الناس وتلقى
الخلافة بوانيها ، فقال أمير المؤمنين لا أفسد ديني بدنيا غيري ، ولك أن تشير الخ
( 4 ) شبام ككتاب : اسم حي ( 5 ) على ما أسمع إي من البكاء ، وتغلبكم عليه ( * ) =
ـ 77 ـ
هذا الرنين ( وأقبل يمشي معه وهو عليه السلام راكب فقال عليه
السلام له ) : ارجع فإن مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلة
للمؤمن ( 1 )
323 - ( وقال عليه السلام وقد مر بقتلى الخوارج يوم النهروان ) : بؤسا لكم ،
لقد ضركم من غركم ( فقيل له من غرهم يا أمير المؤمنين ؟ فقال ) :
الشيطان المضل والانفس الامارة بالسوء غرتهم بالاماني وفسحت
لهم بالمعاصي ، ووعدتهم الاظهار فاقتحمت بهم النار
324 - وقال عليه السلام : اتقوا معاصي الله في الخلوات فإن الشاهد هو الحاكم
325 - ( وقال عليه السلام لما بلغه قتل محمد بن أبي بكر ) : إن حزننا عليه على
قدر سرورهم به ، إلا أنهم نقصوا بغيضا ونقصنا حبيبا
326 - وقال عليه السلام : العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون
سنة ( 2 )
* ( هامش ) * = أي يأنينه قهرا عنكم . والرنين صوت البكاء ( 1 ) أي مشيك وأنت من وجوه القوم
معي وأنا راكب فتنة للحاكم تنفخ فيه روح الكبر ، ومذلة أي موجبة لذل المؤمن
ينزلونه منزلة العبد والخادم ( 2 ) إن كان يعتذر ابن آدم فيما قبل الستين بغلبة الهوى
عليه وتملك القوى الجسمانية لعقله فلا عذر له بعد الستين إذا اتبع الهوى ومال إلى الشهوة ( * ) =
ـ 78 ـ
327 - وقال عليه السلام : ما ظفر من ظفر الاثم به ، والغالب بالشر مغلوب ( 1 )
328 - وقال عليه السلام : إن الله سبحانه فرض في أموال الاغنياء أقوات الفقراء
فما جاع فقير إلا بما متع به غني والله تعالى سائلهم عن ذلك
329 - وقال عليه السلام : الاستغناء عن العذر أعز من الصدق به ( 2 )
330 - وقال عليه السلام : أقل ما يلزمكم لله أن لا تستعينوا بنعمه على
معاصيه
331 - وقال عليه السلام : إن الله سبحانه جعل الطاعة غنيمة الاكياس عند
تفريط العجزة ( 3 )
332 - وقال عليه السلام : السلطان وزعة الله في أرضه ( 4 )
333 - ( وقال عليه السلام في صفة المؤمن ) : المؤمن بشره في وجهه ( 5 ) ، وحزنه
* ( هامش ) * = لضعف القوى وقرب الاجل ( 1 ) إذا كانت الوسيلة لظفرك بخصمك ركوب إثم واقتراف
معصية فإنك لم تظفر حيث ظفرت بك المعصية فألقت بك إلى النار ، وعلى هذا قوله :
الغالب بالشر مغلوب ( 2 ) العذر وإن صدق لا يخلو من تصاغر عند الموجه إليه ، فإنه
اعتراف بالتقصير في حقه ، فالعبد عما يوجب الاعتذار أعز ( 3 ) العجزة جمع عاجز :
المقصرون في أعمالهم لغلبة شهواتهم على عقولهم ، والاكياس جمع كيس وهم العقلاء
فإذا منع الضعيف إحسانه على فقير مثلا كان ذلك غنيمة للعاقل في الاحسان إليه ،
وعلى ذلك بقية الاعمال الخيرية ( 4 ) الوزعة بالتحريك : جمع وازع وهو الحاكم
يمنع من مخالفة الشريعة ، والاخبار بالجمع لان أل في السلطان للجنس ( 5 ) البشر
بالكسر : البشاشة والطلاقة ، أي لا يظهر عليه إلا السرور وإن كان في قلبه ( * ) =
ـ 79 ـ
في قلبه . أوسع شئ صدرا ، وأذل شئ نفسا ( 1 ) . يكره الرفعة ، ويشنو
السمعة . طويل غمه . بعيد همه . كثير صمته . مشغول وقته .
شكور صبور . مغمور بفكرته ( 2 ) . ضنين بخلته ( 3 ) سهل الخليقة .
لين العريكة . نفسه أصلب من الصلد ( 4 ) وهو أذل من العبد
334 - وقال عليه السلام : لو رأى العبد الاجل ومصيره لابغض الامل وغروره
335 - وقال عليه السلام : لكل امرئ في ماله شريكان : الوارث والحوادث
337 - وقال عليه السلام : الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر ( 5 )
338 - وقال عليه السلام : العلم علمان : مطبوع ومسموع ، ولا ينفع المسموع إذا
لم يكن المطبوع ( 6 )
339 - وقال عليه السلام : صواب الرأي بالدول يقبل بإقبالها ويذهب بذهابها ( 7 )
* ( هامش ) * = حزينا كناية عن الصبر والتحمل ( 1 ) ذل نفسه لعظمة ربه وللمتضعين من خلقه
وللحق إذا جرى عليه . وكراهته للرفعة : بغضه للتكبر على الضعفاء ، ولا يحب أن
يسمع أحد بما يعمل لله فهو يشنؤ أي يبغض السمعة ، وطول غمه خوفا مما بعد الموت .
وبعد همه لانه لا يطلب إلا معالي الامور ( 2 ) مغمور أي غريق في فكرته لاداء
الواجب عليه لنفسه وملته ( 3 ) الخلة بالفتح : الحاجة أي بخيل بإظهار فقره للناس
والخليقة الطبيعة . والعريكة : النفس ( 4 ) الصلد : الحجر الصلب . ونفس المؤمن أصلب
منه في الحق ، وإن كان في تواضعه أذل من العبد ( 5 ) الرامي من قوس بلا وتر
يسقط سهمه ولا يصيب ، والذي يدعو الله ولا يعمل لا يجيب الله دعاءه ( 6 ) مطبوع العلم :
ما رسخ في النفس وظهر أثره في أعماها ، ومسموعه : منقوله ومحفوظه . والاول
هو العلم حقا ( 7 ) إقبال الدولة : كناية عن سلامتها وعلوها كأنها مقبلة على صاحبها ( * ) =
ـ 80 ـ
340 - وقال عليه السلام : العفاف زينة الفقر ، والشكر زينة الغنى
341 - وقال عليه السلام : يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم
343 - وقال عليه السلام : الاقاويل محفوظة ، والسرائر مبلوة ( 1 ) و " كل نفس
بما كسبت رهينة " . والناس منقوصون مدخولون ( 2 ) إلا من عصم
الله . سائلهم متعنت ، ومجيبهم متكلف . يكاد أفضلهم رأيا يرده
عن فضل رأيه الرضى والسخط ( 3 ) ، ويكاد أصلبهم عودا تنكؤه
اللحظة وتستحيله الكلمة الواحدة ( 4 ) . 344 - معاشر الناس اتقوا الله فكم
من مؤمل ما لا يبلغه ، وبان ما لا يسكنه ، وجامع ما سوف يتركه .
ولعله من باطل جمعه ، ومن حق منعه . أصابه حراما ، واحتمل به آثاما ،
فناء بوزره ، وقدم على ربه آسفا لاهفا قد " خسر الدنيا والآخرة ذلك
هو الخسران المبين "
* ( هامش ) * = تطلبه للاخذ بزمامها وإن لم يطلبها . وعلو الدولة يعطي العقل مكنة الفكر ، ويفتح
له باب الرشاد . وإدبارها يقع بالعقل في الحيرة والارتباك فيذهب عنه صائب الرأي ( 1 ) بلاها
الله واختبرها وعلمها يريد أن ظاهر الاعمال وخفيها معلوم لله ، والانفس مرهونة
بأعمالها فإن كانت خيرا خلصتها وإن كانت شرا حبستها ( 2 ) المدخول : المغشوش مصاب
بالدخل بالتحريك : وهو مرض العقل والقلب . والمنقوص : المأخوذ عن رشده
وكماله كأنه نقص منه بعض جوهره ( 3 ) لو كان فيهم ذو رأي غلب على رأيه رضاه
وسخطه فإذا رضي حكم لمن استرضاه بغير حق ، وإذا سخط حكم على من أسخطه
بباطل ( 4 ) أصلبهم عودا : أشدهم بدينه تمسكا ، واللحظة النظرة إلى مشتهى . وتنكؤه ( * ) =
ـ 81 ـ
345 - وقال عليه السلام : من العصمة تعذر المعاصي ( 1 )
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 4 من ص 81 سطر 1 الى ص 90 سطر 18
345 - وقال عليه السلام : من العصمة تعذر المعاصي ( 1 )
6 34 - وقال عليه السلام : ماء وجهك جامد يقطره السؤال فانظر عند من تقطره
347 - وقال عليه السلام : الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق ( 2 ) والتقصير عن
الاستحقاق عي وحسد
348 - وقال عليه السلام : أشد الذنوب ما استهان به صاحبه
349 - وقال عليه السلام : من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره . ومن
رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته . ومن سل سيف البغي قتل به .
ومن كابد الامور عطب ( 3 ) . ومن اقتحم اللجج غرق . ومن دخل
مداخل السوء اتهم . ومن كثر كلامه كثر خطؤه . ومن كثر
خطؤه قل حياؤه . ومن قل حياؤه قل ورعه . ومن قل ورعه مات قلبه . ومن
مات قلبه دخل النار . ومن نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه
فذاك الاحمق بعينه ( 4 ) والقناعة مال لا ينفد ، ومن أكثر من ذكر الموت
* ( هامش ) * = كتمنعه أي تسيل جرحه وتأخذ بقلبه . وتستحيله : تحوله عما هو عليه ، أي
نظرة إلى مرغوب تجذبه إلى مواقعة الشهوة ، وكلمة من عظيم تميله إلى موافقة الباطل ( 1 ) هو من قبيل قولهم : " إن من العصمة أن لا تجد " وروي حديثا ( 2 ) ملق
بالتحريك : تملق . والعي بالكسر : العجز ( 3 ) كابدها : قاساها بلا إعداد
أسبابها ، فكانه يجاذبها وتطارده ( 4 ) لانه قد أقام الحجة لغيره على نفسه ورضي ( * ) =
ـ 82 ـ
رضي من الدنيا باليسير . ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه
إلا فيما يعنيه
350 - وقال عليه السلام : للظالم من الرجال ثلاث علامات : يظلم من فوقه
بالمعصية ( 1 ) ، ومن دونه بالغلبة ، ويظاهر القوم الظلمة .
351 - وقال عليه السلام : عند تناهي الشدة تكون الفرجة . وعند تضايق حلق
البلاء يكون الرخاء
352 - وقال عليه السلام لبعض أصحابه : لا تجعلن أكثر شغلك بأهلك وولدك
فإن يكن أهلك وولدك أولياء الله فإن الله لا يضيع أولياءه . وإن
يكونوا أعداء الله فما همك وشغلك بأعداء الله
353 - وقال عليه السلام : أكبر العيب أن تعيب ما فيك مثله
354 - ( وهنأ بحضرته رجل رجلا بغلام ولد له فقال له ليهنك الفارس )
فقال عليه السلام : لا تقل ذلك ، ولكن قل : شكرت الواهب
وبورك لك في الموهوب ، وبلغ أشده ، ورزقت بره
355 - ( وبنى رجل من عماله بناء فخما ( 2 ) ) فقال عليه السلام :
* ( هامش ) * = برجوع عيبه على ذاته ( 1 ) معصية أوامره ونواهيه أو خروجه عليه ورفضه لسلطته
وذلك ظلم ، لانه عدوان على الحق . والغلبة : القهر . ويظاهر أي يعاون . والظلمة :
جمع ظالم ( 2 ) أي عظيما ضخما ( * )
ـ 83 ـ
أطلعت الورق رءوسها ( 1 ) إن البناء يصف لك الغنى
356 - ( وقيل له عليه السلام لو سد على رجل باب بيته وترك فيه من
أين كان يأتيه رزقه ؟ )
فقال عليه السلام : من حيث يأتيه أجله
357 - ( وعزى قوما عن ميت مات لهم ) فقال عليه السلام :
إن هذا الامر ليس بكم بدأ ولا إليكم انتهى ( 2 ) . وقد كان
صاحبكم هذا يسافر فعدوه في بعض أسفاره ، فإن قدم عليكم وإلا
قدمتم عليه
358 - وقال عليه السلام : أيها الناس ليركم الله من النعمة وجلين كما يراكم
من النقمة فرقين ( 3 ) ، إنه من وسع عليه في ذات يده فلم ير ذلك
* ( هامش ) * ( 1 ) الورق بفتح فكسر : الفضة أي ظهرت الفضة فأطلعت رءوسها
كناية عن الظهور ، ووضح هذا بقوله البناء يصف لك الغنى ، أي يدل
عليه ( 2 ) هذا الامر أي الموت لم يكن تناوله لصاحبكم أول فعل له ولا آخر
فعل له ، بل سبقه ميتون وسيكون بعده ، وقد كان ميتكم هذا يسافر لبعض حاجاته
فاحسبوه مسافرا ، فإذا طال زمن سفره فإنكم ستتلاقون معه وتقدمون عليه عند
موتكم ( 3 ) وجلين : خائفين . وفرقين : فزعين . كونوا بحيث يراكم الله خائفين
من مكره عند النعمة كما يراكم فزعين من بلائه عند النقمة ، فإن صاحب النعمة
إذا لم يظن نعمته استدراجا من الله فقد أمن من مكر الله ، ومن كان في ضيق فلم
يحسب ذلك امتحانا من الله فقد أيس من رحمة الله وضيع أجرا مأمولا ( * )
ـ 84 ـ
استدراجا فقد أمن مخوفا . ومن ضيق عليه في ذات يده فلم ير ذلك
اختبارا فقد ضيع مأمولا
359 - وقال عليه السلام : يا أسرى الرغبة أقصروا ( 1 ) فإن المعرج على الدنيا لا
يروعه منها إلا صريف أنياب الحدثان ( 2 ) . أيها الناس تولوا من أنفسكم
تأديبها واعدلوا بها عن ضراوة عاداتها ( 3 )
360 - وقال عليه السلام : لا تظنن بكلمة خرجت من أحد سوءا وأنت تجد لها
في الخير محتملا
361 - وقال عليه السلام : إذا كانت لك إلى الله سبحانه حاجة فابدأ بمسألة
الصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله ثم سل حاجتك فإن الله أكرم
من أن يسأل حاجتين ( 4 ) فيقضي إحداهما ويمنع الاخرى
2 36 - وقال عليه السلام : من ضن بعرضه فليدع المراء ( 5 )
363 - وقال عليه السلام : من الخرق المعاجلة قبل الامكان والاناة بعد الفرصة ( 6 )
* ( هامش ) * ( 1 ) أسرى : جمع أسير . والرغبة الطمع . وأقصروا كفوا ( 2 ) المعرج المائل إليها أو المعول
عليها أو المقيم بها . ويروعه : يفزعه . والصريف : صوت الاسنان ونحوها عند الاصطكاك .
والحدثان بالكسر : النوائب ( 3 ) الضراوة : اللهج بالشئ والولوع به ، أي كفوا
أنفسكم عن اتباع ما تدفع إليه عاداتها ( 4 ) الحاجتان الصلاة على النبي وحاجتك ،
والاولى مقبولة مجابة قطعا ( 5 ) ضن : بخل . والمراء الجدال في غير حق . وفي تركه صون
للعرض عن الطعن ( 6 ) الخرق بالضم : الحمق وضد الرفق . والاناة التأني . والفرصة ( * ) =
ـ 85 ـ
364 - وقال عليه السلام : لا تسأل عما لم يكن ففي الذي قد كان لك شغل ( 1 )
365 - وقال عليه السلام : الفكر مرآة صافية والاعتبار منذر ناصح ( 2 )
وكفى أدبا لنفسك تجنبك ما كرهته لغيرك
366 - وقال عليه السلام : العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل . والعلم يهتف
بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه ( 3 )
367 - وقال عليه السلام : يا أيها الناس متاع الدنيا حطام موبئ فتجنبوا مرعاه ( 4 ) .
قلعتها أحظى من طمأنينتها ( 5 ) وبلغتها أزكى من ثروتها ( 6 ) . حكم
على مكثر بها بالفاقة ( 7 ) وأعين من غني عنها بالراحة ( 8 ) . ومن راقه
زبرجها أعقبت ناظريه كمها ( 9 ) .
* ( هامش ) * = ما يمكنك من مطلوبك ، ومن الحكم أن لا تتعجل حتى تتمكن ، وإذا تمكنت فلا تمهل ( 1 ) لا تتمن من الامور بعيدها فكفاك من قريبها ما يشغلك ( 2 ) الاعتبار الاتعاظ
بما يحصل للغير ويترتب على أعماله ( 3 ) العلم يطلب العمل ويناديه فإن وافق العمل
العلم وإلا ذهب العلم فحافظ العلم العمل ( 4 ) الحطام كغراب : ما تكسر من يبيس
النبات . وموبئ أي ذو وباء مهلك . ومرعاه محل رعيه والتناول منه ( 5 ) القلعة
بالضم : عدم سكونك للتوطن . وأحظى أي أسعد ( 6 ) البلغة بالضم : مقدار
ما يتبلغ به من القوت ( 7 ) المكثر بالدنيا حكم الله عليه بالفقر ، لانه كلما أكثر زاد
طمعه وطلبه فهو في فقر دائم إلى ما يطمع فيه ( 8 ) غنى كرضى : استغنى ، وغني
القلب عن الدنيا في راحة تامة ( 9 ) الزبرج بكسر فسكون فكسر : الزينة .
وراقه : أعجبه وحسن في عينه . والكمه محركة العمى ، فمن نظر لزينتها بعين ( * ) =
ـ 86 ـ
ومن استشعر الشعف بها ملات ضميره أشجانا ( 1 ) لهن رقص على
سويداء قلبه ( 2 ) هم يشغله وهم يحزنه ، كذلك حتى يوخذ بكظمه
فيلقى بالقضاء ( 3 ) . منقطعا أبهراه هينا على الله فناؤه وعلى الاخوان
إلقاؤه ( 4 ) ، وإنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار . ويقتات منها
ببطن الاضطرار ( 5 ) . ويسمع فيها بأذن المقت والابغاض . إن قيل أثرى
قيل أكدى ( 6 ) . وإن فرح له بالبقاء حزن له بالفناء . هذا ولم
يأتهم يوم فيه يبلسون ( 7 )
368 - وقال عليه السلام : إن الله سبحانه وضع الثواب على طاعته والعقاب على
معصيته ذيادة لعباده عن نقمته ( 8 ) وحياشة لهم إلى جنته ( 9 )
* ( هامش ) * = الاستحسان أعمت عينيه عن الحق ( 1 ) الشعف بالعين محركة : الولوع وشدة
التعلق . والاشجان : الاحزان ( 2 ) رقص بالفتح وبالتحريك : حركة واثب .
وسويداء القلب : حبته . ولهن أي للاشجان ، فهي تلعب بقلبه ( 3 ) الكظم
محركة : مخرج النفس ، أي حتى يخنقه الموت فيطرح بالقضاء . والابهران :
وريدا العنق . وانقطاعهما كناية عن الهلاك ( 4 ) إلقاؤه : طرحه في قبره ( 5 ) أي
يأخذ من القوت ما يكفي بطن المضطر وهو مايزيل الضرورة ( 6 ) بيان لحال الانسان
في الدنيا فلا يقال فلان أثرى أي استغنى حتى يسمع بعد مدة بأنه أكدى أي افتقر
وصف لقلب الحال ( 7 ) أبلس : يئس وتحير . يوم الحيرة : يوم القيامة ( 8 ) ذيادة
بالذال أي منعا لهم عن المعاصي الجالبة للنقم ( 9 ) حياشة : من حاش الصيد جاءه
من حواليه ليصرفه إلى الحبالة ويسوقه إليها ليصيده أي سوقا إلى جنته ( * )
ـ 87 ـ
370 - ( وروي أنه عليه السلام قلما اعتدل به المنبر إلا قال أمام خطبته ) : أيها
الناس اتقوا الله فما خلق امرؤ عبثا فيلهو ، ولا ترك سدى فيلغو ( 1 ) .
وما دنياه التي تحسنت له بخلف من الآخرة التي قبحها سوء النظر
عنده . وما المغرر الذي ظفر من الدنيا بأعلى همته كالآخر الذي
ظفر من الآخرة بأدنى سهمته ( 2 )
371 - وقال عليه السلام : لا شرف أعلى من الاسلام . ولا عز أعز من التقوى
ولا معقل أحصن من الورع . ولا شفيع أنجح من التوبة . ولا كنز
أغنى من القناعة . ولا مال أذهب للفاقة من الرضى بالقوت . ومن
اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة ( 3 ) وتبوأ خفض الدعة .
والرغبة مفتاح النصب ( 4 ) ومطية التعب . والحرص والكبر والحسد
دواع إلى التقحم في الذنوب . والشر جامع مساوي العيوب
369 - وقال عليه السلام : يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه من القرآن
* ( هامش ) * ( 1 ) لها : تلهى بلذاته . ولغا : أتى باللغو وهو مالا فائدة فيه ( 2 ) السهمة بالضم :
النصيب . وأدنى حظ من الآخرة أفضل من أعلاه في الدنيا والفرق بين الباقي والفاني وإن
كان الاول قليلا والثاني كثيرا لا يخفى ( 3 ) من قولك انتطمه بالرمح أي أنفذه فيه
كأنه ظفر بالراحة . وتبوأ : نزل الخفض أي السعة . والدعة بالتحريك : كالخفض .
والاضافة على حد كرى النوم ( 4 ) الرغبة : الطمع . والنصب بالتحريك : أشد التعب ( * )
ـ 88 ـ
إلا رسمه ومن الاسلام إلا اسمه . مساجدهم يومئذ عامرة من البنى
خراب من الهدى . سكانها وعمارها شر أهل الارض ، منهم تخرج
الفتنة وإليهم تأوي الخطيئة يردون من شذ عنها فيها . ويسوقون من
تأخر عنها إليها يقول الله تعالى " فبي حلفت لابعثن على أولئك فتنة
أترك الحليم فيها حيران ، وقد فعل . ونحن نستقيل الله عثرة الغفلة
372 - ( وقال عليه السلام لجابر بن عبدالله الانصاري ) يا جابر قوام الدنيا
بأربعة : عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وجواد
لا يبخل بمعروفه ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه . فإذا ضيع العالم
علمه استنكف الجاهل أن يتعلم ( 1 ) ، وإذا بخل الغني بمعروفه باع
الفقير آخرته بدنياه ( 2 ) يا جابر من كثرت نعم الله عليه كثرت
حوائج الناس إليه ، فمن قام لله فيها بما يجب عرضها للدوام والبقاء ( 3 ) ،
ومن لم يقم فيها بما يجب عرضها للزوال والفناء
373 - ( وروى ابن جرير الطبري في تاريخه عن عبدالرحمن بن أبي ليلى
الفقيه - وكان ممن خرج لقتال الحجاج مع ابن الاشعث - أنه قال فيما
كان يحض به الناس على الجهاد : إنى سمعت عليا عليه السلام يقول
* ( هامش ) * ( 1 ) لاستواء العلم والجهل في نظره ( 2 ) لانه يضطر للخيانة أو الكذب حتى ينال بهما
من الغنى شيئا ( 3 ) عرضها أى جعلها عرضة أى نصبها له ( * )
ـ 89 ـ
يوم لقينا أهل الشام ) :
أيها المؤمنون إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه
فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ ( 1 ) ، ومن أنكره بلسانه فقد أجر
وهو أفضل من صاحبه . ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هى
العليا وكلمة الظالمين هى السفلى فذلك الذى أصاب سبيل الهدى
وقام على الطريق ونور في قلبه اليقين
374 - ( وفى كلام آخر له يجرى هذا المجرى ) فمنهم المنكر للمنكر
بيده ولسانه وقلبه فذلك المستكمل لخصال الخير ، ومنهم المنكر
بلسانه وقلبه والتارك بيده ، فذلك متمسك بخصلتين من خصال
الخير ومضيع خصلة ، ومنهم المنكر بقلبه والتارك بيده ولسانه
فذلك الذى ضيع أشرف الخصلتين من الثلاث وتمسك بواحدة ( 2 ) ،
ومنهم تارك لانكار المنكر بلسانه وقلبه ويده فذلك ميت الاحياء
وما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله عند الامر بالمعروف والنهى
عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجى ( 3 ) ، وإن الامر بالمعروف
* ( هامش ) * ( 1 ) برئ من الاثم وسلم من العقاب ان كان عاجزا ( 2 ) أشرف الخصلتين من إضافة
الصفة للموصوف ، أى الخصلتين الفائقتين في الشرف عن الثالثة ، وليس من قبيل إضافة
اسم التفضيل إلى متعدد ( 3 ) النفثة - كالنفخة - يراد ما يمازج النفس من الريق عند النفخ ( * )
ـ 90 ـ
والنهى عن المنكر لا يقربان من أجل ، ولا ينقصان من رزق .
وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند إمام جائر
375 - ( وعن أبى جحيفة قال سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول ) :
أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ثم بألسنتكم ثم
بقلوبكم فمن لم يعرف بقلبه معروفا ولم ينكر منكرا قلب فجعل
أعلاه أسفله وأسفله أعلاه
376 - وقال عليه السلام : إن الحق ثقيل مرئ ، وإن الباطل خفيف
وبئ ( 1 ) .
377 - وقال عليه السلام : لا تأمنن على خير هذه الامة عذاب الله لقوله تعالى
" فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " ولا تيأسن لشر هذه
الامة من روح الله ( 2 ) لقوله تعالى " إنه لا ييأس من روح الله إلا
القوم الكافرون "
378 - وقال عليه السلام : البخل جامع لمساوي العيوب ، وهو زمام يقاد به إلى
كل سوء
* ( هامش ) * ( 1 ) مرئ من مرأ الطعام مثلثة الراء مراءة فهو مرئ أي هنئ حميد العاقبة ،
والحق وإن ثقل إلا أنه حميد العاقبة ، والباطل وإن خف فهو وبئ وخيم العاقبة ،
أرض وبيئة كثيرة الوباء وهو المرض العام ( 2 ) روح الله بالفتح : رحمته ( * )
ـ 91 ـ
379 - وقال عليه السلام : الرزق رزقان : رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن لم تأته
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 4 من ص 91 سطر 1 الى ص 100 سطر 19
379 - وقال عليه السلام : الرزق رزقان : رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن لم تأته
أتاك فلا تحمل هم سنتك على هم يومك ، كفاك كل يوم ما فيه .
فإن تكن السنة من عمرك فإن الله تعالى سيؤتيك في كل غد جديد
ما قسم لك ، وإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بالهم لما ليس
لك ؟ ولن يسبقك إلى رزقك طالب ، ولن يغلبك عليه غالب . ولن
يبطئ عنك ما قد قدر لك
( وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم من هذا الباب إلا أنه ههنا
أوضح وأشرح فلذلك كررناه على القاعدة المقررة في أول الكتاب )
380 - وقال عليه السلام : رب مستقبل يوما ليس بمستدبره ، ومغبوط في أول
ليله قامت بواكيه في آخره ( 1 )
381 - وقال عليه السلام : الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به ( 2 ) ، فإذا تكلمت به
صرت في وثاقه ، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك . فرب
كلمة سلبت نعمة وجلبت نقمة
382 - وقال عليه السلام : لا تقل ما لا تعلم ، بل لا تقل كل ما تعلم ، فإن الله
* ( هامش ) * ( 1 ) ربما يستقبل شخص يوما فيموت ولا يستدبره أي لا يعيش بعده فيخلفه وراءه .
والمغبوط : المنظور إلى نعمته ، وقد يكون المرء كذلك في أول الليل فيموت في آخره فتقوم
بواكيه جمع باكية ( 2 ) الوثاق كسحاب : مايشد به ويربط ، أي أنت مالك لكلامك قبل ( * ) =
ـ 92 ـ
فرض على جوارحك فرائض يحتج بها عليك يوم القيامة
383 - وقال عليه السلام : إحذر أن يراك الله عند معصيته ويفقدك عند طاعته ( 1 )
فتكون من الخاسرين ، وإذا قويت فاقو على طاعة الله ، وإذا ضعفت
فاضعف عن معصية الله
384 - وقال عليه السلام : الركون إلى الدنيا مع ما تعاين منها جهل ( 2 ) . والتقصير
في حسن العمل إذا وثقت بالثواب عليه غبن . والطمأنينة إلى كل
أحد قبل الاختبار عجز
385 - وقال عليه السلام : من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها ولا ينال ما
عنده إلا بتركها
386 - وقال عليه السلام : من طلب شيئا ناله أو بعضه ( 3 )
387 - وقال عليه السلام : ما خير بخير بعده النار . وما شر بشر بعده الجنة ( 4 ) .
* ( هامش ) * = أن يصدر عنك ، فإذا تكلمت به صرت مملوكا له ، فإما نفعك أو ضرك ، وخزن كنصر :
حفظ ومنع الغير من الوصول إلى مخزونه . والورق بفتح فكسر : الفضة ( 1 ) فقده
يفقده أي عدمه فلم يجده . والكلام من الكناية ، أي أن الله يراك في الحالين فاحذر
أن تعصيه ولا تطيعه ( 2 ) تعاين من الدنيا تقلبا وتحولا لا ينقطع ولا يختص بخير
ولا شرير ، فالثقة بها عمى عما تشاهد منها . والغبن بالفتح : الخسارة الفاحشة .
وعند اليقين بثواب الله لا خسارة أفحش من الحرمان بالتقصير في العمل مع القدرة
عليه ( 3 ) أي أن الذي يطلب ويعمل لما يطلبه ويداوم على ذلك لابد أن يناله أو ينال
بعضا منه ( 4 ) ما استفهامية انكارية ، أي لا خير فيما يسميه أهل الشهوة خيرا من الكسب ( * ) =
ـ 93 ـ
وكل نعيم دون الجنة محقور ، وكل بلاء دون النار عافية
388 - وقال عليه السلام : ألا وإن من البلاء الفاقة . وأشد من الفاقة مرض البدن .
وأشد من مرض البدن مرض القلب . ألا وإن من النعم سعة المال ،
وأفضل من سعة المال صحة البدن ، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب
390 - وقال عليه السلام : للمؤمن ثلاث ساعات : فساعة يناجي فيها ربه ، وساعة
يرم معاشه ( 1 ) ، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذتها فيما يحل ويجمل .
وليس للعاقل أن يكون شاخصا إلا في ثلاث : مرمة لمعاش ، أو خطوة
في معاد ، أو لذة في غير محرم
391 - وقال عليه السلام : أزهد في الدنيا يبصرك الله عوراتها ، ولا تغفل فلست
بمغفول عنك
392 - وقال عليه السلام : تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه
393 - وقال عليه السلام : خذ من الدنيا ما أتاك ، وتول عما تولى عنك ، فإن أنت
لم تفعل فأجمل في الطلب ( 2 )
* ( هامش ) * = بغير الحق والتغلب بغير شرع حيث أن وراء ذلك النار . ولا شر فيما يدعوه الجهلة
شرا من الفقر أو الحرمان مع الوقوف عند الاستقامة فوراء ذلك الجنة . والمحقور :
الحقير المحقر ( 1 ) يرم بكسر الراء وفتحها أي يصلح . والمرمة بالفتح
الاصلاح . والمعاد ما تعود إليه في القيامة ( 2 ) أي فإن رغبت في طلب ماتولى وذهب ( * ) =
ـ 94 ـ
394 - وقال عليه السلام : رب قول أنفذ من صول ( 1 )
395 - وقال عليه السلام : كل مقتصر عليه كاف ( 2 )
396 - وقال عليه السلام : المنية ولا الدنية . والتقلل ولا التوسل ( 3 ) . ومن لم
يعط قاعدا لم يعط قائما ( 4 ) . والدهر يومان يوم لك ويوم عليك ، فإذا
كان لك فلا تبطر ، وإذا كان عليك فاصبر
401 - وقال عليه السلام : مقاربة الناس في أخلاقهم أمن من غوائلهم ( 5 )
402 - وقال عليه السلام لبعض مخاطبيه ( وقد تكلم بكلمة يستصغر مثله عن
قول مثلها ( 6 ) :
لقد طرت شكيرا ، وهدرت سقبا ( والشكير ههنا أول ما ينبت
من ريش الطائر قبل أن يقوى ويستحصف ( 7 ) ، والسقب الصغير من
الابل ، ولا يهدر إلا بعد أن يستفحل )
* ( هامش ) * = عنك منها فليكن طلبك جميلا واقفا بك عند الحق ( 1 ) الصول بالفتح : السطوة
( 2 ) مقتصر بفتح الصاد : اسم مفعول ، وإذا اقتصرت على شئ فقنعت به
فقد كفاك ( 3 ) المنية أي الموت يكون ولا يكون ارتكاب الدنية كالتذلل والنفاق .
والتقلل أي الاكتفاء بالقليل يرضى به الشريف ولا يرضى بالتوسل إلى الناس
( 4 ) كنى بالقعود عن سهولة الطلب وبالقيام عن التعسف فيه ( 5 ) المنافرة في الاخلاق
والمباعدة فيها مجلبة للعداوات ، ومن عاداه الناس وقع في غوائلهم . فالمقاربة لهم في
أخلاقهم حافظة لمودتهم لكن لا تجوز الموافقة في غير حق ( 6 ) كلمة عظيمة مثله في صغره
قاصر عن قول مثلها ( 7 ) كأنه قال لقد طرت وأنت فرخ لم تنهض ( * )
ـ 95 ـ
403 - وقال عليه السلام : من أومأ إلى متفاوت خذلته الحيل ( 1 )
404 - وقال عليه السلام ( وقد سئل عن معنى قولهم لا حول ولا قوة إلا بالله )
إنا لا نملك مع الله شيئا ، ولا نملك إلا ما ملكنا ، فمتى ما ملكنا ما
هو أملك به منا كلفنا ( 2 ) ، ومتى أخذه منا وضع تكليفه عنا
405 - وقال عليه السلام : لعمار بن ياسر ( وقد سمعه يراجع المغيرة بن شعبة
كلاما ) : دعه يا عمار فإنه لم يأخذ من الدين إلا ما قاربه من الدنيا ،
وعلى عمد لبس على نفسه ( 3 ) ليجعل الشبهات عاذرا لسقطاته
406 - وقال عليه السلام : ما أحسن تواضع الاغنياء للفقراء طلبا لما عند الله ،
وأحسن منه تيه الفقراء على الاغنياء اتكالا على الله ( 4 )
407 - وقال عليه السلام : ما استودع الله امرأ عقلا إلا استنقذه به يوما ما ( 5 )
408 - وقال عليه السلام : من صارع الحق صرعه
* ( هامش ) * ( 1 ) أومأ : أشار ، والمراد طلب وأراد . والمتفاوت : المتباعد ، أي من طلب تحصيل
المتباعدات وضم بعضها إلى بعض خذلته الحيل فيما يريد فلم ينجح فيه ( 2 ) أي متى ملكنا
القوة على العمل وهي في قبضته أكثر مما هي في قبضتنا فرض علينا العمل ( 3 ) على عمد
متعلق بلبس ، أي أوقع نفسه في الشبهة عامدا لتكون الشبهة عذرا له في زلاته ( 4 ) لان
تيه الفقير وأنفته على الغنى أدل على كمال اليقين بالله ، فإنه بذلك قد أمات طمعا ومحا
خسوفا وصابر في يأس شديد ، ولا شئ من هذا في تواضع الغنى ( 5 ) أي أن الله
لا يهب العقل إلا حيث يريد النجاة ، فمتى أعطى شخصا عقلا خلصه به من شقاء ( * ) =
ـ 96 ـ
409 - وقال عليه السلام : القلب مصحف البصر ( 1 )
410 - وقال عليه السلام : التقى رئيس الاخلاق
411 - وقال عليه السلام : لا تجعلن ذرب لسانك على من أنطقك ، وبلاغة قولك
على من سددك ( 2 )
412 - وقال عليه السلام : كفاك أدبا لنفسك اجتناب ما تكرهه من غيرك
413 - وقال عليه السلام : من صبر صبر الاحرار وإلا سلا سلو الاغمار ( 3 )
414 - ( وفي خبر آخر أنه عليه السلام قال للاشعث بن قيس معزيا )
إن صبرت صبر الاكارم وإلا سلوت سلو البهائم
415 - وقال عليه السلام في صفة الدنيا : تغر وتضر وتمر . إن الله تعالى لم يرضها
ثوابا لاوليائه ولا عقابا لاعدائه ، وإن أهل الدنيا كركب بيناهم
حلوا إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا ( 4 )
416 - وقال لابنه الحسن ( ع ) : يا بني لا تخلفن وراءك شيئا من الدنيا ، فإنك
* ( هامش ) * = الدارين ( 1 ) أي ما يتناوله البصر يحفظ في القلب كأنه يكتب فيه ( 2 ) الذرب : الحدة .
والتسديد : التقويم والتثقيف ، أي لا تطل لسانك على من علمك النطق ، ولا تظهر
بلاغتك على من ثقفك وقوم عقلك ( 3 ) الاغمار جمع غمر مثلث الاول وهو الجاهل
لم يجرب الامور ، ومن فاته شرف الجلد والصبر فلابد يوما أن يسلو بطول المدة ،
فالصبر أولى ( 4 ) أي بينما هم قد حلوا يفاجئهم صائح الاجل وهو سائقهم بالرحيل فارتحلوا ( * )
ـ 97 ـ
تخلفه لاحد رجلين : إما رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما شقيت
به ، وإما رجل عمل فيه بمعصية الله فكنت عونا له على معصيته .
وليس أحد هذين حقيقا أن تؤثره على نفسك
( ويروى هذا الكلام على وجه آخر وهو ) :
أما بعد فإن الذي في يدك من الدنيا قد كان له أهل قبلك ،
وهو صائر إلى أهل بعدك ، وإنما أنت جامع لاحد رجلين : رجل
عمل فيما جمعته بطاعة الله فسعد بما شقيت به ، أو رجل عمل فيه
بمعصية الله فشقي بما جمعت له ، وليس أحد هذين أهلا أن تؤثره
على نفسك ولا أن تحمل له على ظهرك ، فارج لمن مضى رحمة الله
ولمن بقي رزق الله
417 - وقال عليه السلام ( لقائل قال بحضرته أستغفر الله ) : ثكلتك أمك أتدري
ما الاستغفار ؟ الاستغفار درجة العليين . وهو اسم واقع على ستة
معان : أولها الندم على ما مضى . والثاني العزم على ترك العود إليه
أبدا . والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله
أملس ليس عليك تبعة . والرابع أن تعمد إلى كل فريضة
عليك ضيعتها فتؤدي حقها . والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت
ـ 98 ـ
على السحت ( 1 ) فتذيبه بالاحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ
بينهما لحم جديد . والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته
حلاوة المعصية فعند ذلك تقول أستغفر الله
418 - وقال عليه السلام : الحلم عشيرة ( 2 )
419 - وقال عليه السلام : مسكين ابن آدم مكتوم الاجل ، مكنون العلل ،
محفوظ العمل ، تؤلمه البقة ، وتقتله الشرقة ، وتنتنه العرقة ( 3 )
420 - ( وروي أنه عليه السلام كان جالسا في أصحابه فمرت بهم امرأة
جميلة فرمقها القوم بأبصارهم ) فقال عليه السلام :
إن أبصار هذه الفحول طوامح ( 4 ) ، وإن ذلك سبب هبابها ، فإذا
نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله فإنما هي امرأة كامرأة
( فقال رجل من الخوارج : قاتله الله كافرا ما أفقهه ! فوثب القوم
ليقتلوه ) فقال :
* ( هامش ) * ( 1 ) السحت بالضم : المال من كسب حرام ( 2 ) خلق الحلم يجمع إليك من معاونة
الناس لك ما يجتمع لك بالعشيرة ، لانه يوليك محبة الناس فكأنه عشيرة ( 3 ) مكنون
أي مستور العلل والامراض لا يعلم من أين تأتيه ، إذا عضته بقة تألم ، وقد يموت بجرعة
ماء إذا شرق بها ، وتنتن ريحه إذا عرق عرقة ( 4 ) جمع طامح أو طامحة ، طمح البصر
إذا ارتفع ، وطمح أبعد في الطلب ، وأن ذلك أي طموح الابصار سبب هبابها بالفتح ( * ) =
ـ 99 ـ
رويدا إنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب ( 1 )
421 - وقال عليه السلام : كفاك من عقلك أوضح لك سبيل غيك من رشدك .
422 - وقال عليه السلام : افعلوا الخير ولا تحقروا منه شيئا ، فإن صغيره كبير ،
وقليله كثير ، ولا يقولن أحدكم إن أحدا أولى بفعل الخير مني
فيكون والله كذلك . إن للخير والشر أهلا فما تركتموه منهما
كفاكموه أهله ( 2 )
423 - وقال عليه السلام : من أصلح سريرته أصلح الله علانيته . ومن عمل لدينه
كفاه أمر دنياه ، ومن أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله مابينه
وبين الناس
424 - وقال عليه السلام : الحلم غطاء ساتر ، والعقل حسام قاطع ، فاستر خلل
خلقك بحلمك ، وقاتل هواك بعقلك
425 - وقال عليه السلام : إن لله عبادا يختصهم الله بالنعم لمنافع العباد فيقرها
في أيديهم ما بذلوها ( 3 ) ، فإذا منعوها نزعها منعم ثم حولها إلى غيرهم
* ( هامش ) * = أي هيجان هذه الفحول لملامسة الانثى ( 1 ) إن الخارجي سب أمير المؤمنين بالكفر
في الكلمة السابقة ، فأمير المؤمنين لم يسمح بقتله ، ويقول إما أن أسبه أو أعفو عن
ذنبه ( 2 ) ما تركتموه من الخير يقوم أهله بفعله بدلكم ، وما تركتموه من الشر يؤديه
عنكم أهله ، فلا تختاروا أن تكونوا للشر أهلا ، ولا أن يكون عنكم في الخير
بدل ( 3 ) يقرها أي يبقيها ويحفظها مدة بذلهم لها ( * )
ـ100ـ
426 - وقال عليه السلام : لا ينبغي للعبد أن يثق بخصلتين : العافية والغنى ، بينا
تراه معافى إذ سقم ، وبينا تراه غنيا إذ افتقر
427 - وقال عليه السلام : من شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنما شكاها إلى الله
ومن شكاها إلى كافر فكأنما شكا الله
428 - وقال عليه السلام في بعض الاعياد : إنما هو عيد لمن قبل الله من صيامه
وشكر قيامه ، وكل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد
429 - وقال عليه السلام : إن أعظم الحسرات يوم القيامة حسرة رجل كسب مالا
في غير طاعة الله ، فورثه رجل فأنفقه في طاعة الله سبحانه ، فدخل به
الجنة ودخل الاول به النار
430 - وقال عليه السلام : إن أخسر الناس صفقة ( 1 ) وأخيبهم سعيا رجل أخلق
بدنه في طلب ماله ولم تساعده المقادير على إرادته ، فخرج من الدنيا
بحسرته وقدم على الآخرة بتبعته .
431 - وقال عليه السلام : الرزق رزقان : طالب ومطلوب ، فمن طلب الدنيا
طلبه الموت حتى يخرجه عنها ، ومن طلب الاخرة طلبته الدنيا
حتى يستوفي رزقه منها
* ( هامش ) * ( 1 ) الصفقة أي البيعة ، أي أخسرهم بيعا وأشدهم خيبة في سعيه ذلك الرجل الذي أخلق
بدنه أي أبلاه ونهكه في طلب المال ولم يحصله . والتبعة بفتح فكسر : حق الله
وحق الناس عنده يطالب به ( * )
ـ101ـ
432 - وقال عليه السلام : إن أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 4 من ص 101 سطر 1 الى ص 110 سطر 17
432 - وقال عليه السلام : إن أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر
الناس إلى ظاهرها ، واشتغلوا بآجلها ( 1 ) إذا اشتغل الناس بعاجلها ،
فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم ( 2 ) ، وتركوا منها ما علموا أنه
سيتركهم ، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالا . ودركهم لها فوتا .
أعداء ما سالم الناس ، وسلم ما عادى الناس ( 3 ) . بهم علم الكتاب وبه
علموا . وبهم قام الكتاب وبه قاموا . لا يرون مرجوا فوق ما يرجون ،
ولا مخوفا فوق ما يخافون ( 4 )
433 - وقال عليه السلام : اذكروا انقطاع اللذات وبقاء التبعات
434 - وقال عليه السلام : اخبر تقله ( 5 ) ( ومن الناس من يروي هذا للرسول صلى
الله عليه وآله . ومما يقوي أنه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ما حكاه
ثعلب عن ابن الاعرابي : قال المأمون : لولا أن عليا قال " اخبر تقله "
لقلت : إقله تخبر )
* ( هامش ) * ( 1 ) إضافة الآجل إلى الدنيا لانه ياتي بعدها أو لانه عاقبة الاعمال فيها والمراد منه
ما بعد الموت ( 2 ) أماتوا قوة الشهوة والغضب التي يخشون أن تميت فضائلهم ، وتركوا
للذات العاجلة التي ستتركهم ، ورأوا أن الكثير من هذه اللذات قليل في جانب الاجر
على تركه وإدراكه فوات لانه يعقب حسرات العقاب ( 3 ) الناس يسالمون الشهوات
وأولياء الله يحاربونها ، والناس يحاربون العفة والعدالة وأولياء الله يسالمونهما
وينصرونهما ( 4 ) أي مرجو فوق ثواب الله وأي مخوف أعظم من غضب الله
( 5 ) اخبر بضم الباء : أمر من خبرته من باب قتل ، أي علمته . وتقله مضارع ( * ) =
ـ102ـ
435 - وقال عليه السلام : ما كان الله ليفتح على عبد باب الشكر ويغلق عنه
باب الزيادة . ولا ليفتح على عبد الدعاء ويغلق عنه باب الاجابة ( 1 ) .
ولا ليفتح لعبد باب التوبة ويغلق عنه باب المغفرة
437 - ( وسئل عليه السلام أيما أفضل العدل أو الجود ) فقال عليه السلام :
العدل يضع الامور مواضعها ، والجود يخرجها من جهتها . والعدل
سائس عام ، والجود عارض خاص . فالعدل أشرفهما وأفضلهما
438 - وقال عليه السلام : الناس أعداء ما جهلوا
439 - وقال عليه السلام : الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال الله سبحانه
" لكيلا تاسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " ومن لم
يأس على الماضي ( 2 ) ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه
440 - وقال عليه السلام : ما أنقض النوم لعزائم اليوم ( 3 )
441 - وقال عليه السلام : الولايات مضامير الرجال ( 4 )
* ( هامش ) * = مجزوم بعد الامر ، وهاؤه للوقوف ، من قلاه يقليه كرماه يرميه بمعنى أبغضه ،
أي إذا أعجبك ظاهر الشخص فاختبره فربما وجدت فيه ما لا يسرك فتبغضه . ووجه
ما اختاره المأمون أن المحبة ستر للعيوب فإذا أبغضت شخصا أمكنك أن تعلم حاله كما هو ( 1 ) تكرر الكلام في أن الدعاء والاجابة والاستغفار والمغفرة إذا صدقت النيات وطابق
الرجاء العمل وإلا فليست من جانب الله في شئ إلا أن تخرق سعة فضله سوابق سنته
( 2 ) أي لم يحزن على مانفذ به القضاء ( 3 ) تقدمت هذه الجملة بنصها ، ومعناها قد يجمع
العازم على أمر فإذا نام وقام وجد انحلال في عزيمته ، أو ثم يغلبه النوم عن إمضاء
عزيمته ( 4 ) المضامير جمع مضمار وهو المكان الذي تضمر فيه الخيل للسباق ، والولايات ( * ) =
ـ103ـ
442 - وقال عليه السلام : ليس بلد بأحق بك من بلد ( 1 ) ، خير البلاد ما حملك
443 - وقال عليه السلام ( وقد جاءه نعي الاشتر رحمه الله ) : مالك وما مالك ! ( 2 )
لو كان جبلا لكان فندا ، لا يرتقيه الحافر ولا يوفي عليه الطائر
( والفند المنفرد من الجبال )
444 - وقال عليه السلام : قليل مدوم عليه خير من كثير مملول منه
445 - وقال عليه السلام : إذا كان في رجل خلة ذائعة فانتظروا أخواتها ( 3 )
446 - ( وقال عليه السلام لغالب بن صعصعة أبي الفرزدق في كلام دار بينهما ) :
ما فعلت إبلك الكثيرة ؟ قال ذعذعتها الحقوق ( 4 ) يا أمير المؤمنين
فقال عليه السلام : ذلك أحمد سبلها
447 - وقال عليه السلام : من اتجر بغير فقه فقد ارتطم في الربا ( 5 )
* ( هامش ) * = أشبه بالمضامير إذ يتبين فيها الجواد من البردون ( 1 ) يقول كل البلاد تصلح سكنا ،
وإنما أفضلها ما حملك أي كنت فيه على راحة فكأنك محمول عليه ( 2 ) مالك هو
الاشتر النخعي . والفند بكسر الفاء : الجبل العظيم ، والجملتان بعده كناية عن
رفعته وامتناع همته . وأوفى عليه : وصل إليه ( 3 ) الخلة بالفتح : الخصلة أي إذا أعجبك
خلق من شخص فلا تعجل بالركون إليه وانتظر سائر الخلال ( 4 ) ذعذع المال : فرقه
وبدده ، أي فرق إبلى حقوق الزكاة والصدقات ، وذلك أحمد سبلها جمع سبيل -
أي أفضل طرق إفنائها ( 5 ) ارتطم وقع في الورطة فلم يمكنه الخلاص . والتاجر إذا
لم يكن على علم بالفقه لا يأمن الوقوع في الربا جهلا ( * )
ـ104ـ
448 - وقال عليه السلام : من عظم صغار المصائب ابتلاه الله بكبارها ( 1 )
449 - وقال عليه السلام : من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته
450 - وقال عليه السلام : ما مزح امرو مزحة إلا مج من عقله مجة ( 2 )
451 - وقال عليه السلام : زهدك في راغب فيك نقصان حظ ( 3 ) ، ورغبتك في زاهد
فيك ذل نفس .
452 - وقال عليه السلام : الغنى والفقر بعد العرض على الله ( 4 )
454 - وقال عليه السلام : ما لابن آدم والفخر ، أوله نطفة ، وآخره جيفة ، لا
يرزق نفسه ، ولا يدفع حتفه
455 - ( وسئل من أشعر الشعراء ) فقال عليه السلام
إن القوم لم يجروا في حلبة تعرف الغاية عند قصبتها ( 5 ) ، فإن
كان ولابد فالملك الضليل ( يريد امرأ القيس )
* ( هامش ) * ( 1 ) من تفاقم به الجزع ولم يجمل منه الصبر عند المصائب الخفيفة حمله الهم إلى ما
هو أعظم منها ( 2 ) المزح والمزاحة والمزاح بمعنى واحد وهو المضاحكة بقول أو فعل ،
وأغلبه لا يخلو عن سخرية . ومج الماء من فيه رماه ، وكأن المازح يرمي بعقله ويقذف
به في مطارح الضياع ( 3 ) بعدك عمن يتقرب منك ويلتمس مودتك تضييع لحظ
من الخير يصادفك وأنت تلوي عنه ، وتقربك لمن يبتعد عنك ذل ظاهر ( 4 ) العرض
على الله يوم القيامة ، وهناك يظهر الغنى بالسعادة الحقيقية والفقر بالشقاء الحقيقي
( 5 ) الحلبة بالفتح : القطعة من الخيل تجتمع للسباق عبر بها عن الطريقة الواحدة . ( * ) =
ـ105ـ
456 - وقال عليه السلام : ألا حر يدع هذه اللماظة لاهلها ( 1 ) ؟ إنه ليس لانفسكم
ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها
457 - وقال عليه السلام : منهومان لا يشبعان ( 2 ) : طالب علم وطالب دنيا
458 - وقال عليه السلام : الايمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب
حيث ينفعك ، وأن لا يكون في حديثك فضل عن عملك ( 3 ) ، وأن
تتقي الله في حديث غيرك
459 - وقال عليه السلام : يغلب المقدار على التقدير ( 4 ) حتى تكون الآفة في
التدبير ( وقد مضى هذا المعنى فيما تقدم برواية تخالف هذه الالفاظ )
460 - وقال عليه السلام : الحلم والاناة توأمان ينتجهما علو الهمة ( 5 )
* ( هامش ) * = والقصبة ما ينصبه طلبة السباق حتى إذا سبق سابق أخذه ليعلم أنه السابق بلا نزاع .
وكانوا يجعلون هذا من قصب ، أي لم يكن كلامهم في مقصد واحد ، بل ذهب بعضهم
مذهب الترغيب ، وآخر مذهب الترهيب ، وثالث مذهب الغزل والتشبيب ، والضليل من
الضلال لانه كان فاسقا ( 1 ) اللماظة بالضم : بقية الطعام في الفم يريد بها الدنيا ،
أي ألا يوجد حر يترك هذا الشئ الدنئ لاهله ( 2 ) المنهوم : المفرط في الشهوة ، وأصله
في شهوة الطعام ( 3 ) أي أن لا تقول أزيد مما تفعل . وحديث الغير : الرواية عنه . والتقوى
فيه : عدم الافتراء ، أو حديث الغير التكلم في صفاته نهى عن الغيبة ( 4 ) المقدار القدر
الالهي . والتقدير القياس ( 5 ) الحلم بالكسر : حبس النفس عند الغضب ، والاناة يريد
بها التأني . والتوأمان المولودان في بطن واحد . والتشبيه الاقتران والتولد من أصل واحد ( * )
ـ106ـ
461 - وقال عليه السلام : الغيبة جهد العاجز ( 1 )
462 - وقال عليه السلام : رب مفتون بحسن القول فيه ( زيادة من نسخة
كتبت في عهد المصنف )
463 - وقال عليه السلام : الدنيا خلقت لغيرها ولم تخلق لنفسها ( 2 )
464 - وقال عليه السلام : إن لبني أمية مرودا يجرون فيه ، ولو قد اختلفوا فيما
بينهم ثم كادتهم الضباع لغلبتهم ( 3 )
( والمرود هنا مفعل من الارواد وهو الامهال والانظار . وهذا
من أفصح الكلام وأغربه ، فكأنه عليه السلام شبه المهلة التي هم فيها
بالمضمار الذي يجرون فيه إلى الغاية فإذا بلغوا منقطعها انتقض نظامهم
بعدها )
465 - وقال عليه السلام ( في مدح الانصار ) : هم والله ربوا الاسلام كما يربى
الفلو مع غنائهم بأيديهم السباط وألسنتهم السلاط ( 4 )
* ( هامش ) * ( 1 ) الغيبة بالكسر : ذكرك الآخر بما يكره وهو غائب ، وهي سلاح العاجز ينتقم به
من عدوه ، وهي جهده أي غاية ما يمكنه ( 2 ) خلقت الدنيا سبيلا إلى الآخرة ، ولو خلقت
لنفسها لكانت دار خلد ( 3 ) مرود بضم فسكون ففتح فسره صاحب الكتاب بالمهلة
وهي مدة اتحادهم فلو اختلفوا ثم كادتهم أي مكرت بهم أو حاربتهم الضباع دون الاسود
لقهرتهم ( 4 ) ربوا من التربية والانماء . والفلو بالكسر ، أو بفتح فضم فتشديد ،
أو بضمتين فتشديد : المهر إذا فطم أو بلغ السنة . والغناء بالفتح ممدودا : الغنى ( * ) =
ـ107ـ
466 - وقال عليه السلام : العين وكاء السه ( 1 )
( وهذا من الاستعارات العجيبة كأنه شبه السه بالوعاء والعين
بالوكاء ، فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء . وهذا القول في الاشهر
الاظهر من كلام النبي عليه السلام ، وقد رواه قوم لامير المؤمنين
عليه السلام . وذكر ذلك المبرد في كتاب المقتضب في باب اللفظ
بالحروف . وقد تكلمنا على هذه الاستعارة في كتابنا الموسوم
بمجازات الآثار النبوية )
467 - وقال عليه السلام ( في كلام له ) : ووليهم وال فأقام واستقام حتى ضرب
الدين بجرانه ( 2 )
* ( هامش ) * = أى مع استغنائهم . وبأيديهم متعلق بربوا . ويقال رجل سبط اليدين بالفتح أي
سخى . والسباط ككتاب : جمعه . والسلاط جمع سليط : الشديد . واللسان الطويل ( 1 ) السه بفتح السين وتخفيف الهاء : العجز ومؤخر الانسان ، والعين الباصرة .
وإنما جعل العجز وعاء لان الشخص إذا حفظ من خلفه لم يصب من أمامه في الاغلب ،
فكأنه وعاء الحياة والسلامة إذا حفظ حفظتا . والباصرة وكاء ذلك الوعاء أي رباطه
لانها تلحظ ما عساه يصل إليه فتنبه العزيمة لدفعه والتوقي منه ، فإذا أهمل الانسان
النظر إلى مؤخرات أحواله أدركه العطب . والكلام تمثيل لفائدة العين في حفظ الشخص
مما قد يعرض عليه من خلفه ، وأنها لا تختلف عن فائدتها في حفظه مما يستقبله من أمامه ،
وإرشاد إلى وجوب التبصر في مظنات الغفلة . وهذا هو المحمل اللائق بمقام النبي صلى
الله عليه وسلم أو مقام أمير المؤمنين ( 2 ) الجران ككتاب : مقدم عنق البعير
يضرب على الارض عند الاستراحة كناية عن التمكن . والوالي يريد به النبي صلى ( * ) =
ـ108ـ
468 - وقال عليه السلام : يأتي على الناس زمان عضوض ( 1 ) يعض الموسر فيه على
ما في يديه ولم يؤمر بذلك قال الله سبحانه " ولا تنسوا الفضل
بينكم " تنهد فيه الاشرار ( 2 ) وتستذل الاخيار . ويبايع المضطرون ،
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيع المضطرين ( 3 )
469 - وقال عليه السلام : يهلك في رجلان : محب مفرط وباهت مفتر ( 4 ) ( وهذا
مثل قوله عليه السلام ) : هلك في رجلان : محب غال ، ومبغض قال
470 - ( وسئل عن التوحيد والعدل ) فقال عليه السلام :
التوحيد أن لا تتوهمه ، والعدل أن لا تتهمه ( 5 )
471 - وقال عليه السلام : لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول
بالجهل
472 - وقال عليه السلام ( في دعاء استسقى به ) اللهم اسقنا ذلل السحاب دون
صعابها ( وهذا من الكلام العجيب الفصاحة وذلك أنه عليه السلام شبه
* ( هامش ) * = الله عليه وسلم ، ووليهم أي تولى أمورهم وسياسة الشريعة فيهم . وقال قائل يريد
به عمر بن الخطاب ( 1 ) العضوض بالفتح : الشديد . والموسر : الغني ، ويعض
على ما في يده : يمسكه بخلا على خلاف ما أمره الله في قوله " ولا تنسوا الفضل بينكم "
أي الاحسان ( 2 ) تنهد أي ترتفع ( 3 ) بيع بكسر ففتح : جمع بيعة بالكسر هيئة
البيع كالجلسة لهيئة الجلوس ( 4 ) بهته كمنعه : قال عليه ما لم يفعل . ومفتر : اسم
فاعل من الافتراء ( 5 ) الضمير المنصوب لله فمن توحيده أن لا تتوهمه أي لا تصوره ( * ) =
ـ109ـ
السحاب ذوات الرعود والبوارق والرياح والصواعق بالابل الصعاب
التي تقمص برحالها ( 1 ) وتقص بركبانها ، وشبه السحاب خالية من
تلك الروائع ( 2 ) بالابل الذلل التي تحتلب طيعة وتقتعد مسمحة ( 3 ) .
473 - وقيل له عليه السلام ( لو غيرت شيبك يا أمير المؤمنين ) ؟ فقال عليه السلام :
الخضاب زينة ونحن قوم في مصيبة ( يريد وفاة رسول الله صلى
الله عليه وآله )
475 - وقال عليه السلام : القناعة مال لا ينفد ( وقد روى بعضهم هذا الكلام
لرسول الله صلى الله عليه وآله )
476 - وقال عليه السلام : ( لزياد بن أبيه ، وقد استخلفه لعبد الله بن العباس على
فارس وأعمالها في كلام طويل كان بينهما نهاه فيه عن تقدم الخراج ( 4 ) )
استعمل العدل واحذر العسف والحيف ، فإن العسف يعود بالجلاء ( 5 )
* ( هامش ) * = بوهمك ، فكل موهوم محدود ، والله لا يحد بوهم . واعتقادك بعدله أن لا تتهمه في
أفعاله بظن عدم الحكمة فيها ( 1 ) قمص الفرس وغيره كضرب ونصر : رفع يديه
وطرحهما معا وعجن برجليه ، والرحال جمع رحل ، أي أنها تمتنع حتى على رحالها
فتقمص لتلقيها ، ووقصت به راحلته تقص كوعد يعد تقحمت به فكسرت عنقه
( 2 ) جمع رائعة أي مفزعة ( 3 ) طيعة بتشديد الياء : شديدة الطاعة . والاحتلاب استخراج
اللبن من الضرع . وتقتعد : مبني للمجهول ، اقتعده اتخذه قعدة بالضم يركبه في جميع
حاجاته . ومسمحة اسم فاعل أسمح ، أي سمح ككرم بمعنى جاد ، وسماحها مجاز عن
إتيان ما يريده الراكب من حسن السير ( 4 ) تقدم الخراج : الزيادة فيه ( 5 ) العسف ( * ) =
ـ110ـ
والحيف يدعو إلى السيف
477 - وقال عليه السلام : أشد الذنوب ما استخف به صاحبه
478 - وقال عليه السلام : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على
أهل العلم أن يعلموا ( 1 )
479 - وقال عليه السلام : شر الاخوان من تكلف له ( لان التكليف مستلزم
للمشقة وهو شر لازم عن الاخ المتكلف له فهو شر الاخوان )
480 - وقال عليه السلام : إذا احتشم المؤمن أخاه فقد فارقه ( يقال حشمه وأحشمه
إذا أغضبه ، وقيل أخجله واحتشمه طلب ذلك له وهو مظنة مفارقته
وهذا حين انتهاء الغاية بنا إلى قطع المختار من كلام أمير
المؤمنين عليه السلام ، حامدين لله سبحانه على ما من به من توفيقنا
لضم ما انتشر من أطرافه ، وتقريب ما بعد من أقطاره . وتقرر العزم
كما شرطنا أولا على تفضيل أوراق من البياض في آخر كل باب من
الابواب ليكون لاقتناص الشارد . واستلحاق الوارد . وما عسى أن
* ( هامش ) * = بالفتح : الشدة في غير حق . والجلاء بالفتح : التفرق والتشتت . والحيف : الميل عن العدل
إلى الظلم وهو ينزع بالمظلومين إلى القتال لانقاذ أنفسهم ( 1 ) كما أوجب الله على الجاهل
أن يتعلم أوجب على العالم أن يعلم ( * )
ـ111ـ
يظهر لنا بعد الغموض ويقع إلينا بعد الشذوذ . وما توفيقنا إلا بالله
............................................................................
- نهج البلاغة مجلد: 4 من ص 111 سطر 1 الى ص 111 سطر 14
يظهر لنا بعد الغموض ويقع إلينا بعد الشذوذ . وما توفيقنا إلا بالله
عليه توكلنا وهو حسبنا ونعم الوكيل .
وذلك في رجب سنة أربعمائة من الهجرة ( 1 ) . وصلى الله عليه سيدنا
محمد خاتم الرسل ، والهادي إلى خير السبل ، وآله الطاهرين ، وأصحابه
يوم اليقين .
* ( هامش ) * ( 1 ) انتهى من جمعه في سنة أربعمائة ، وأبقى أوراقا بيضا في آخر كل باب رجاء أن يقف
على شئ يناسب ذلك الباب فيدرجه فيه
وجامع الكتاب هو الشريف الحسيني الملقب بالرضي . وذكر في تاريخ أبي الفدا أنه
محمد بن الحسين بن موسى بن إبراهيم المرتضى بن موسى الكاظم . وقد يلقب بالمرتضى تعريفا
له بلقب جده إبراهيم . ويعرف أيضا بالموسوي . وهو صاحب ديوان الشعر المشهور .
ولد سنة تسع وخمسين وثلاثمائة وتوفي سنة ست وأربعمائة . رحمه الله رحمة واسعة .
والحمد لله في البداية والانتهاء ، والشكر له في السراء والضراء . والصلاة والسلام على
خاتم الانبياء ، وعلى آله وصحبه أصول الكرم وفروع العلاء . آمين . ( * )