الجزء الحادي عشر
فيه بعد البحث عن جملة من مواقف معاوية المخزية ومناقبه المختلقة ، ومخاريق امة اخرى ، تراجم جمع من أعلام الطائفة ، ورجالات العلم ، وصاغة القريض ، وصيارفة الادب ، تضمن فوائد تاريخية ، وطرائف ادبية ، وتحوي من الآثار والمآثر نوادر هي الاوضاح والغرر في جبهة الدهر

بسم الله الرحمن الرحيم

حمدا لك يا إله الخلق ! بك أستفتح وبك أستنجح ، أنطقني بالهدى ، والهمني التقوى ، ووفقني للتي هي أزكى ، واستعملني بما هو أرضى ، واسلك بي الطريقة المثلى ، وسيرني في أقرب الطرق للوفود إليك ، واجعلني على ولايتك وولاية نبيك نبي الرحمة وعترته الطاهرة المطهرة صلواتك عليهم أجمعين أموت وأحيى ، وما توفيقى إلا بك عليك توكلت .
الامينى

يتبع الجزء العاشر
مواقف معاوية مع أبي محمد الحسن السبط عليه السلام

إن لابن آكلة الاكباد مع السبط المجتبى مواقف تقشعر منها الجلود ، وتقف منها الشعور ، وتندى منها جبهة الانسانية ، ويلفظها الدين الحفاظ ، وينبذها العدل و الاحسان ، وينكرها كرم الارومة وطيب المحتد ، ارتكبها معاوية مستسهلا كل ذلك ، مستهينا بامر الدين والمروء‌ة .
من هو الحسن عليه السلام ؟
لا أقل من أن يكون هو سلام الله عليه أوحديا من المسلمين ، وأحد حملة القرآن ، وممن أسلم وجهه لله وهو محسن ، يحمل بين أضالعه علوم الشريعة ، ومغازي الكتاب والسنة ، والملكات الفاضلة جمعاء ، وهو القدوة والاسوة في مكارم الاخلاق ، ومعالم الاسلام المقدس ، فمن المحظور في الدين الحنيف النيل منه ، والوقيعة فيه ، وايذائه ، ومحاربته ، على ما جاء لهذا النوع من المسلمين من الحدود في شريعة الله ، فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم .
أضف إلى ذلك : انه صحابي مبجل ليس في أعيان الصحابة بعد أبيه الطاهر من يماثله ويساجله ، ودون مقامه الرفيع ما للصحابة عند القوم من العدالة والشأن الكبير ، وأعظم فضائله : أنه ليس بين لابتي العالم من يستحق الامامة والاقتداء به واحتذاء مثاله يومئذ غيره ، لفضله وقرابته . فهو أولى صحابي ثبت له ما أثبتوه لهم من الاحكام ، فلا يجوز منافرته والصد عنه ، والاعراض عن آرائه وأقواله ، وارتكاب مخالفته ، وما يجلب الاذى اليه من السب له ، والهتك لمقامه ، واستصغار أمره .
زد عليه : أنه سبط رسول الله وبضعته من كريمته سيدة نساء العالمين ، لحمه من لحمه ، ودمه من دمه . فيجب على معتنقي تلك النبوة الخاتمة حفظ صاحب الرسالة فيه ، والحصول على مرضاته ، وهو لا يرضى إلا بالحق الصراح والدين الخالص .
وهو عليه السلام قبل هذه كلها أحد أصحاب الكساء الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .
وهو أحد من أثنى عليهم الله بسورة هل أتى ، الذين يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا .
وهو من ذوي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله الذين أوجب الله مؤدتهم وجعلها أجر الرسالة .
وهو أحد من باهل بهم رسول الله صلى الله عليه وآله نصارى نجران كما جاء في الذكر الحكيم . وهو أحد الثقلين اللذين خلفهما النبى الاعظم صلى الله عليه وآله بين امته ليقتدى بهم و قال : ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا .
وهو من أهل بيت مثلهم في الامة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق .
وهو من الذين أوجب الله الصلاة عليهم في الفرائض ، ومن لم يصل عليهم لا صلاة له .
وهو أحد من خاطبهم النبي صلى الله عليه وآله بقوله : أنا حرب لمن حاربتم ، وسلم لمن سالمتم . وهو أحد أهل خيمة خيمها رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : معشر المسلمين ! أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة ، حرب لمن حاربهم ، ولي لمن والاهم ، لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد ، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردئ الولادة .
وهو أحد ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وآله كان يشمهما ويضمهما اليه .
وهو وأخوه الطاهر سيدا شباب اهل الجنة .
وهو حبيب رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر بحبه قائلا : اللهم اني احبه فاحبه ، واحب من يحبه .
وهو أحد السبطين كان جدهما صلى الله عليه وآله يأخذهما على عاتقه ويقول : من أحبهما فقد أحبني ، ومن أبغضهما فقد أبغضني .
وهو أحد اللذين أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيدهما فقال : من أحبني واحب هذين وأباهما وامهما كان معي في درجتى يوم القيامة .
وهو أحد ابني رسول الله كان يقول صلى الله عليه وآله : الحسن والحسين ابناي من أحبهما أحبنى ، ومن أحبني أحبه الله ، ومن أحبه الله أدخله الجنة ، ومن أبغضهما أبعضني ومن أبغضني أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله النار ( 1 ) هذا هو الامام الحسن المجتبى عليه السلام واما معاوية ابن آكلة الاكباد فهو صاحب تلك الصحيفة السوداء التي مرت عليك في الجزء العاشر ص 178 وأما جنايات معاوية على ذلك الامام المطهر فقد سارت بها الركبان ، وحفظ التاريخ له منها صحائف مشوهة المجلى ، مسودة الهندام . فهو الذي باينه وحاربه وانتزع حقه الثابت له بالنص والجدارة ، وخان عهوده التي اعترف بها عندما تنازل الامام عليه السلام له بالصلح حقنا لدماء شيعته ، وحرسا على كرامة اهل بيته ، وصونا لشرفه الذي هو شرف الدين ، وما كان يرمق اليه معاوية ويعلمه الامام عليه السلام بعلمه الواسع من ان الطاغية ليس بالذي يقتله إن استحوذ عليه ، لكنه يستبقيه ليمن بذلك عليه ، ثم يطلق سراحه ، و هو بين أنيابه ومخالبه ، حق يقابل به ما سبق له ولاسلافه طواغيت قريش يوم الفتح ، فملكهم رسول الله صلى الله عليه وآله أرقاء له ، ثم من عليهم وأطلقهم ، فسموا الطلقاء وبقي ذلك سبة عليهم إلى آخر الدهر ، فراق داهية الامويين أن تكون تلك الشية ملصقة ببني هاشم سبة عليهم ، لكنه أكدت آماله ، وأخفقت ظنونه ، وفشل ما ارتآه بهذا الصلح

هامش
( 1 ) هذه الاحاديث تأتى باسانيدها ومصادرها في مسند المناقب ومرسلها انشاء الله .

الذي كان من ولائده الابقاء على شرف البيت الهاشمي ، ودرأ العار عنهم ، إلى نتايج مهمة ، كل منها كان يلزم الامام عليه السلام بالصلح على كل حال ، وإن كان معاوية هو الخائن المائن في عهوده ومواثيقه ، والكائد الغادر بإله وذمته ، فعهد اليه ان لا يسب أباه على منابر المسلمين ، وقد سبه وجعله سنة متبعة في الحواضر الاسلامية كلها .
وعهد إليه أن لا يتعرض بشيعة أبيه الطاهر بسوء ، وقد قتلهم تقتيلا ، واستقرأهم في البلاد تحت كل حجر ومدر ، فطنب عليهم الخوف في كل النواحي بحيث لو كانيقذف الشيعي باليهودية لكان أسلم له من انتسابه إلى أبي تراب سلام الله عليه .
وعهد إليه أن لا يعهد إلى أحد بعده وكتب اليه سلام الله عليه : إن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت ، وأجريت لك ما شرطت ، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني
قيس :
وإن أحد أسدى اليك أمانة * فأوف بها تدعى إذ امت وافيا
ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى * ولا تجفه إن كان في المال فانيا
ثم الخلافة لك من بعدي ، فأنت أولى الناس بها ( 1 ) ومع هذا عهد إلى جروه ذلك المستهتر الماجن بعد ما قتل الامام السبط ليصفو له الجو .
ولما تصالحا كتب به الحسن كتابا لمعاوية صورته :

هامش
( 1 ) شرح ابن ابى الحديد 4 : 13 .

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما صالح عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما معاوية بن أبي سفيان ، صالحه على أن يسلم اليه ولاية المسلمين ، على أن يعمل فيها بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين ، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا ، بل يكون الامر من بعده شورى بين المسلمين ، وعلى ان الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم ، وعلى ان اصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا ، وعلى معاوية بن ابي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه ، وأن لا يبتغي للحسن بن علي ولا لاخيه الحسين ولا لاحد من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غائلة سرا وجهرا ، ولا يخيف أحدا منهم في افق من الآفاق ، اشهد عليه فلان ابن فلان وكفى بالله شهيدا ( 1 ) فلما استقر له الامر ودخل الكوفة وخطب أهلها فقال : يا أهل الكوفة ! أترانى قاتلتكم على الصلاة والزكاة و الحج ؟ وقد علمت انكم تصلون وتزكون وتحجون ، ولكنني قاتلتكم لاتأمر عليكم وعلى رقابكم ) إلى أن قال ( : وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين ( 2 ) وقال أبواسحاق السبيعي : ان معاوية قال في خطبته بالنخيلة : ألا ان كل شئ أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به ( 3 ) قال ابواسحاق : وكان والله غدارا ( 4 ) .
وكان الرجل ألد خصماء ذلك السبط المفدى ، وقد خفر ذمته ، واستهان بأمره واستصغره ، وهو الامام العظيم ، وقطع رحمه ، وما راعى فيه جده النبي العظيم ، ولا أباء الوصي المقدم ، ولا امه الصديقة الطاهرة ، ولا نفسه الكريمة التي اكتنفتها الفضائل والفواضل من شتى نواحيها ، ولم ينظر فيه ذمة الاسلام ، ولا حرمة الصحابة ، ولا مقتضى القرابة ، ولا نصوص رسول الله صلى الله عليه وآله فيه ، ولعمر الحق لو كان مأمورا بقطعه وبغضه ومباينته لما وسعه أن يأتي بأكثر مما جاء به ، وناء بعبأه ، وباء بإثمه ، فقد قنت بلعنه في صلواته التي تلعن صاحبها قال
ابوالفرج : حدثني أبوعبيد محمد ابن أحمد قال : حدثني الفضل بن الحسن المصري قال : حدثني يحيى بن معين قال : حدثني أبوحفص اللبان عن عبدالرحمن بن شريك عن اسماعيل بن أبي خالد عن حبيب بن أبي ثابت قال : خطب معاوية بالكوفة حين دخلها والحسن والحسين جالسان تحت المنبر فذكر عليا فنال منه ، ثم نال من الحسن ، فقام الحسين ليرد عليه فأخذه الحسن
بيده فأجلسه ثم قام فقال : أيها الذاكر عليا ! أنا الحسن وأبي علي ، وأنت معاوية و

هامش
( 1 ) الصواعق لابن حجر ص 81 .
( 2 ) راجع ما مر في الجزء العاشر ص 329 .
( 3 ) شرح ابن ابى الحديد 4 : 16 .
( 4 ) راجع ما اسلفناه في الجزء العاشر ص 262 .
أبوك صخر ، وامي فاطمة وامك هند ، وجدي رسول الله وجدك عتبة بن ربيعة ، و جدتي خديجة قتيلة ، فلعن الله أخملنا ذكرا ، وألامنا حسبا ، وشرنا قديما وحديثا ، وأقدمنا كفرا ونفاقا . فقال طوائف من أهل المسجد : آمين . قال الفضل : قال يحيى بن معين : وأنا أقول : آمين . قال ابوالفرج : قال أبوعبيد قال الفضل : وأنا أقول : آمين ، ويقول علي بن الحسين الاصفهاني : آمين . قلت : ويقول عبدالحميد بن ابي الحديد مصنف هذا الكتاب :
آمين ( 1 ) قال الاميني : وأنا أقول : آمين .
وآخر ما نفض به كنانة غدر الرجل أن دس إليه عليه السلام السم النقيع ، فلقي ربه شهيدا مكمودا ، وقد قطع السم أحشاؤه .
قال ابن سعد في الطبقات : سمه معاوية مرارا ، لانه كان يقدم عليه الشام هو وأخوه الحسين .
وقال الواقدي : انه سقي سما ثم أفلت ، ثم سقي فأفلت ، ثم كانت الآخرة توفي فيها ، فلما حضرته الوفاة قال الطبيب وهو يختلف اليه : هذا رجل قطع السم امعائه ، فقال الحسين : يا أبا محمد ! أخبرني من سقاك ؟ ! قال . ولم يا أخي ؟ قال : أقتله والله قبل أن أدفنك ، وإن لا أقدر عليه أو يكون بأرض أتكلف الشخوص إليه . فقال : يا أخي ! إنما هذه الدنيا ليال فانية ، دعه حتى ألتقي أنا وهو عند الله ، وأبى أن يسميه .
وقد سمعت بعض من يقول : كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما ( 2 ) .
وقال المسعودي : لما سقي السم فقام لحاجة الانسان ثم رجع فقال : لقد سقيت السم عدة مرار فما سقيت مثل هذه ، لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني اقلبه بعود في يدي ، فقال له الحسين : يا أخي ! من سقاك ؟ قال : وما تريد بذلك ؟ فإن كان الذى أظنه فالله حسيبه ، وإن كان غيره فما احب أن يؤخذ بي برئ ، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثا حتى توفي رضي الله عنه . وذكر : أن امرأته جعدة بنت أشعث بن قيس الكندي سقته السم ، وقد كان معاوية دس اليها انك إن احتلت في قتل الحسن وجهت اليك بمائة ألف درهم ، وزوجتك يزيد فكان ذلك الذي بعثها على سمه ، فلما مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وأرسل اليها : إنا نحب حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه .

هامش
( 1 ) شرح ابن ابى الحديد 4 : 16 .
( 2 ) تاريخ ابن كثير 8 : 43 .

وذكر : ان الحسن قال عند موته : لقد حاقت شربته ، وبلغ امنيته ، والله ما وفى بما وعد ، ولا صدق فيما قال . وفي فعل جعدة يقول النجاشي الشاعر وكان من شيعة علي في شعر طويل :
جعدة بكيه ولا تسأمي * بعد بكاء المعول الثاكل ( 1 )
لم يسبل الستر على مثله * في الارض من حاف ومن ناعل
كان إذا شبت له ناره * يرفعها بالسند الغاتل ( 2 )
كيما يراها بائس مرمل * وفرد قوم ليس بالآهل
يغلي بنئ اللحم حتى إذا * أنضج لم يغل على آكل
أعني الذي أسلمنا هلكه * للزمن المستخرج الماحل ( 3 )
قال أبوالفرج الاصبهاني : كان الحسن شرط على معاوية في شروط الصلح : أن لا يعهد إلى أحد بالخلافة بعده ، وأن تكون الخلافة له من بعده ، وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن شيئ أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص فدس اليهما سما فماتا منه ، ارسل إلى ابنة الاشعث اني مزوجك بيزيد ابني على أن تسم الحسن . وبعث إليها بمائة ألف درهم ، فسوغها المال ولم يزوجها منه . مقاتل الطالبيين ص 29 . وحكاه عنه ابن ابي الحديد في شرح النهج 4 : 11 ، 17 من طرق مغيرة و أبي بكر بن حفص .
وقال ابوالحسن المدائني : كانت وفاته في سنة 49 وكان مريضا أربعين يوما وكان سنه سبعا وأربعين سنة ، دس إليه معاوية سما على يد جعدة بنت الاشعث زوجة

هامش
( 1 ) في تاريخ ابن كثير : بكاء حق ليس بالباطل .
( 2 ) في تاريخ ابن كثير : يرفعها بالنسب الماثل .
( 3 ) مروج الذهب 2 : 50 .

الحسن ، وقال لها : إن قتلتيه بالسم فلك مائة الف ، وازوجك يزيد إبني . فلما مات وفى لها بالمال ولم يزوجها من يزيد ، وقال : أخشى أن تصنعي بابني ما صنعت بابن رسول الله صلى الله عليه وآله ) شرح ابن ابي الحديد 4 : 4 )
وقال : كان الحصين بن المنذر الرقاشي يقول : والله ما وفى معاوية للحسن بشئ مما أعطاه ، قتل حجرا وأصحاب حجر ، وبايع لابنه يزيد ، وسم الحسن . شرح ابن ابي الحديد 4 : 7 .
وقال أبوعمر في الاستيعاب 1 : 141 : قال قتادة وابوبكر بن حفص : سم الحسن بن علي ، سمته امرئته بنت الاشعث بن قيس الكندي . وقالت طائفة : كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك وكان لها ضرائر فالله أعلم . ثم ذكر صدر
ما رواه المسعودي .
وقال سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 121 : قال علماء السير منهم : ابن عبدالبر سمته زوجته جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندي . وقال السدي : دس إليها يزيد بن معاوية أن سمي الحسن وأتزوجك . فسمته فلما مات ارسلت إلى يزيد تسئله الوفاء بالوعد فقال : أنا والله ما أرضاك للحسن ، أفنرضاك لانفسنا ؟ وقال الشعبي : إنما دس اليها معاوية فقال : سمي الحسن وأزوجك يزيد واعطيك مائة الف درهم ، فلما مات الحسن بعثت إلى معاوية تطلب انجاز الوعد ، فبعث إليها بالمال وقال : إني احب يزيد ، وأرجو حياته ، ولولا ذلك لزوجتك إياه .
وقال الشعبي : ومصداق هذا القول : ان الحسن كان يقول عند موته وقد بلغه ما صنع معاوية : لقد عملت شربته وبلغت امنيته ، والله لا يفي بما وعد ، ولا يصدق فيما يقول . ثم حكى عن طبقات ابن سعد : ان معاوية سمه مرارا كما مر .
وقال ابن عساكر في تاريخه 4 : 229 يقال : : إنه سقي السم مرارا كثيرا فافلت منه ثم سقي المرة الاخيرة فلم يفلت منها . ويقال : إن معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما فسقاه فأثر فيه حتى كان يوضع تحته طست ويرفع نحوا من أربعين مرة .
وروى محمد بن المرزبان : ان جعدة بنت الاشعث بن القيس كانت متزوجة بالحسن فدس اليها يزيد أن سمي الحسن وأنا أتزوجك ففعلت ، فلما مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بالوعد فقال لها : إنا والله لم نرضك للحسن فكيف نرضاك لانفسنا ؟ فقال كثير ، ويروى انه للنجاشي : يا جعدة ! ابكي ولا تسأمي * بكاء حق ليس بالباطل
لن تستري البيت على مثله * في الناس من حاف ولا ناعل
أعني الذي أسلمه أهله * للزمن المستخرج الماحل
كان إذا شبت له ناره * يرفعها بالنسب الماثل
كيما يراها بائس مرمل * او وفد قوم ليس بالآهل
يغلي بنئ اللحم حتى إذا * أنضج لم يغل على آكل
وروى المزي في تهذيب الكمال في أسماء الرجال عن ام بكر بنت المسور قالت :
سقي الحسن مرارا وفي الآخرة مات فانه كان يختلف كبده ، فلما مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهرا . وفيه عن عبدالله بن الحسن : قد سمعت من يقول : كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما . وقال أبوعوانة عن مغيرة عن أم موسى : إن جعدة بنت الاشعث سقت الحسن السم فاشتكى منه أربعين يوما .
وفي ) مرئاة العجائب وأحاسن الاخبار الغرائب ) ( 1 ) قيل : كان سبب موت الحسن ابن علي من سم سم به يقال : إن زوجته جعدة بنت الاسود بن قيس الكندي سقته إياه ، ويذكر والله اعلم بحقيقة امورهم : ان معاوية دس اليها بذلك على أن يوجه لها مائة الف درهم ويزوجها من ابنه يزيد ، فلما مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وقال :
إني احب حياة يزيد . وذكروا : ان الحسن قال عند موته : لقد حاقت شربته والله لا وفاء لها بما وعد ولا صدق فيما قال . وفي سمه يقول رجل من الشيعة :
تعرفكم لك من سلوة * تفرج عنك قليل الحزن
بموت النبي وقتل الوصي * وقتل الحسين وسم الحسن

هامش
( 1 ) تأليف الشيخ أبى عبدالله محمد بن عمر زين الدين .

وقال الزمخشري في ) ربيع الابرار ( في الباب الحادي والثمانين : جعل معاوية لجعدة بنت الاشعث امرأة الحسن مائة الف درهم حتى سمته ، ومكث شهرين وانه يرفع من تحته طستا من دم وكان يقول : سقيت السم مرارا ما أصابني فيها ما أصابني في هذه المرة ، لقد لفظت كبدي .
وفي ) حسن السريرة ) ( 1 ) : لما كان سنة سبع وأربعين من الهجرة دس معاوية إلى جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندي زوجة الحسن بن علي أن تسقي الحسن السم ويوجه لها مائة الف ويزوجها من ابنه يزيد . ففعلت ذلك .
كان معاوية يرى أمر الامام السبط عليه السلام حجر عثرة في سبيل امنيته الخبيثة بيعة يزيد ، ويجد نفسه في خطر من ناحيتين : عهده إليه عليه السلام في الصلح معه بأن لا يعهد إلى أحد من جانب ، وجدارة أبي محمد الزكي ونداء الناس به من ناحية اخرى ، فنجى نفسه عن هذه الورطة بسم الامام عليه السلام ، ولما بلغه نعيه غدا مستبشرا ، وأظهر الفرح والسرور وسجد وسجد من كان معه .
قال ابن قتيبة : لما مرض الحسن بن علي مرضه الذي مات فيه ، كتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن ، فكتب اليه معاوية : إن استطعت أن لا يمضي يوم بي يمر إلا يأتيني فيه خبره فأفعل . فلم يزل يكتب اليه بحاله حتى توفي فكتب اليه بذلك ، فلما أتاه الخبر أظهر فرحا وسرورا حتى سجد وسجد من كان معه ، فبلغ ذلك عبدالله ابن عباس وكان بالشام يومئذ فدخل على معاوية فلما جلس قال معاوية : يا ابن عباس هلك الحسن بن علي ؟ فقال ابن عباس : نعم هلك ، إنا لله وإنا إليه راجعون . ترجيعا مكررا ، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته ، أما والله ما سد جسده حفرتك ، ولا زاد نقصان أجله في عمرك ، ولقد مات وهو خير منك ، ولئن اصبنا به لقد اصبنا بمن كان خيرا منه جده رسول الله صلى الله عليه وسلم فجبر الله مصيبته ، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة . ثم شهق ابن عباس وبكى . الحديث ( 2 ) .

هامش
( 1 ) ألفه الشيخ عبدالقادر بن محمد بن الطبرى ابن بنت محب الدين الطبرى مؤلف الرياض النضرة .
( 2 ) الامامة والسياسة 1 : 144 .

وفي العقد الفريد 2 : 298 : لما بلغ معاوية موت الحسن بن علي خر ساجدا لله ، ثم أرسل إلى ابن عباس وكان معه في الشام فعزاه ، وهو مستبشر . وقال له : ابن كم سنة مات أبومحمد ؟ فقال له : سنه كان يسمع في قريش فالعجب من أن يجهله مثلك قال : بلغني انه ترك أطفالا صغارا ، قال : كل ما كان صغيرا يكبر ، وإن طفلنا لكهل وإن صغيرنا لكبير ، ثم قال : مالي أراك يا معاوية ! مستبشرا بموت الحسن بن علي ؟
فوالله لا ينسأ في أجلك ، ولا يسد حفرتك ، وما أقل بقائك وبقائنا بعده ؟ وذكره الراغب في المحاضرات 2 : 224 .
وفي حياة الحيوان 1 : 58 ، وتاريخ الخميس 2 : 294 ، وفي ط : 328 : قال ابن
خلكان : لما مرض الحسن كتب مروان بن الحكم إلى معاوية بذلك وكتب إليه معاوية : أن أقبل المطي إلي بخبر الحسن ، فلما بلغ معاوية موته سمع تكبيرة من الخضراء فكبر أهل الشام لذلك التكبير فقالت فاختة بنت قريظة لمعاوية : أقر الله عينك ، ما الذي كبرت لاجله ؟ فقال : مات الحسن . فقالت : أعلى موت ابن فاطمة تكبر ؟
فقال : ما كبرت شماتة بموته ، ولكن استراح قلبي ( 1 ) . ودخل عليه ابن عباس فقال :
يا ابن عباس ! هل تدري ما حدث في أهل بيتك ؟ قال : لا أدري ما حدث إلا اني أراك مستبشرا وقد بلغني تكبيرك ، فقال : مات الحسن . فقال ابن عباس : رحم الله أبا محمد .
ثلاثا ، والله يا معاوية ! لا تسد حفرته حفرتك ، ولا يزيد عمره في عمرك ، ولئن كنا اصبنا بالحسن فلقد اصبنا بامام المتقين وخاتم النبيين ، فجبر الله تلك الصدعة وسكن تلك العبرة ، وكان الخلف علينا من بعده .
وكان ابن هند جذلانا مستبشرا بموت الامام أميرالمؤمنين عليه السلام قبل ولده الطاهر السبط ، فبلغ الحسن عليه السلام وكتب اليه فيما كتب : قد بلغني انك شمت بما لا يشمت به ذووالحجى ، وإنما مثلك في ذلك كما قال الاول :
وقل للذي يبقى خلاف الذي مضى * : تجهز لاخرى مثلها فكأن قد

هامش
( 1 ) إلى هاهنا ذكره الزمخشرى ايضا في ) ربيع الابرار ( في الباب الحادى والثمانين ، و البدخشى في ) نزل الابرار ( .

وإنا ومن قد مات منا لكالذي * يروح فيمسي في المبيت ليقتدي
ولارضاء معاوية منع ذلك الامام الزكي عن أن يقوم ؟ أخوه الحسين السبط بانجاز وصيته ويدفنه في حجرة أبيه الشريفة التي هي له ، وهو أولى إنسان بالدفن فيها ، قال ابن كثير في تاريخه 8 : 44 : فأبى مروان أن يدعه ، ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية . وقال ابن عساكر 4 : 226 قال ) مروان ( : ما كنت لادع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله ، قد دفن عثمان بالبقيع ، ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية بذلك ، فلم يزل عدوا لبني هاشم حتى مات .
هذه نماذج من جنايات معاوية على ريحانة الرسول صلى الله عليه وآله ولعل فيما أنساه التاريخ أضعافها ، وهل هناك مسائل ابن حرب عما اقترفه السبط المجتبى سلام الله عليه من ذنب استحق من جرائه هذه النكبات والعظائم ؟ وهل يسع ابن آكلة الاكباد أن يعد منه شيئا في الجواب ؟ غير انه عليه السلام كان سبط محمد صلى الله عليه وآله وقد عطل دين آباء الرجل الذي فارقه كرها ولم يعتنق الاسلام إلا فرقا ، وانه شبل علي خليفة الله في أرضه بعد نبيه صلى الله عليه وآله وهو الذي مسح أسلافه الوثنيين بالسيف ، وأثكلت امهات البيت الاموي بأجريتهم ، ولما ينقضي حزن معاوية على اولئك الطغمة حتى تشفى بأنواع الاذى التي صبها على الامام المجتبى إلى أن اغتاله بالسم النقيع ، ولم يملك نفسه حتى استبشر بموته ، وسجد شكرا ، وأنا لا أدري أللاته سجد أم لله سبحانه ؟ وان لسان حاله كان ينشد ما تظاهر به مقول نغله يزيد :
قد قتلت القرم من ساداتهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل
ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل
لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل
وانه بضعة الزهراء فاطمة الصديقة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله ومنها نسله الذين ملاوا الدنيا أوضاحا وغررا من الحسب الوضاء ، والشرف الباذخ ، والدين الحنيف ، كل ذلك ورغبات معاوية على الضد منها ، وما تغنيه الآيات والنذر .
وفي الذكر الحكيم : سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق ، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ، ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين . ( الاعراف : 146 )

معاوية وشيعة أميرالمؤمنين على بن ابي طالب عليه السلام

لم يبرح معاوية مستصغرا كل كبيرة في توطيد سلطانه ، مستسهلا دونه كل صعب ، فكان من الهين عنده في ذلك كل بائقة ، ومن ذلك دؤبه على سفك دماء الشيعة - شيعة الامام الطاهر - في أقطار حكومته ، وفي جميع مناطق نفوذه ، واستباحة أموالهم وأعراضهم ، وقطع اصولهم بقتل ذراريهم وأطفالهم ، ولم يستثن النساء ، وهم المعنيون بثناء صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله عليهم السابقة أحاديثه في الجزء الثالث ص 78 ط 2 .
وهب أن هذا الثناء لم يصدر من مصدر النبوة ، أو أن روايته لم تبلغ ابن آكلة الاكباد ، فهل هم خارجون عن ربقة الاسلام المحرم للنفوس والاموال والحرمات بكتابه وسنة نبيه ؟ وهل اقترفوا إثما لا يغفر أو عثروا عثرة لا تقال غير ولا يتهم لامام أجمع المسلمون على خلافته وحث النبي صلى الله عليه وآله امته على اتباعه وولاء‌ه إثر ما نزل في كتاب الله من ولايته ؟ أو أن ابن صخر حصل على حكم لم يعرفه المسلمون يعارض كل تلكم الاحكام الواردة في الكتاب والسنة ؟ أو انه لا يتحوب بارتكاب الموبقات فيلغ في الدماء ولوغا ؟ ! .
بعث بسر بن أرطاة بعد تحكيم الحكمين ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ حي ، وبعث معه جيشا آخر ، وتوجه برجل من عامر ضم اليه جيشا آخر ، ووجه الضحاك بن قيس الفهري في جيش آخر ، وأمرهم أن يسيروا في البلاد فيقتلوا كل من وجدوه من شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام وأصحابه ، وأن يغيروا على سائر أعماله ، ويقتلوا أصحابه ، ولا يكفوا أيدهم عن النساء والصبيان . فمر بسر لذلك على وجهه حتى انتهى إلى المدينة فقتل بها ناسا من أصحاب علي عليه السلام وأهل هواه ، وهدم بها دورا ، ومضى إلى مكة فقتل نفرا من آل أبي لهب ، ثم أتى السراة فقتل من بها من أصحابه ، وأتى نجران فقتل عبدالله بن عبدالمدان الحارثي وابنه ، وكانا من أصهار بني العباس عامل علي عليه السلام ، ثم أتى اليمن وعليها عبيدالله بن العباس عامل علي بن أبي طالب وكان غائبا ، وقيل : بل هرب لما بلغه خبر بسر فلم يصادفه بسر ووجد ابنين له صبيين فأخذهما بسر لعنه الله ( 1 ) وذبحهما بيده بمدية كانت معه ، ثم انكفأ راجعا إلى معاوية .
وفعل مثل ذلك سائر من بعث به ، فقصد العامري إلى الانبار فقتل ابن حسان البكري وقتل رجالا ونساء من الشيعة قال أبوصادقة ( 2 ) أغارت خيل لمعاوية على الانبار فقتلوا عاملا لعلي عليه السلام يقال له : حسان بن حسان ، وقتلوا رجالا كثيرا ونساء ، فبلغ ذلك علي بن أبى طالب صلوات الله عليه فخرج حتى أتى المنبر فرقيه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال :
إن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فمن تركه ألبسه الله ثوب الذلة ، وشمله البلاء ، وريب بالصغار ، وسيم الخسف ، وقد قلت لكم : أغزوهم قبل أن يغزوكم فانه لم يغز قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا . فتواكلتم وتخاذلتم وتركتم قولي ورائكم ظهريا ، حتى شنت عليكم الغارات ، هذا أخو عامر قد جاء الانبار فقتل عاملها حسان بن حسان وقتل رجالا كثيرا ونساء ، والله بلغني انه كان يأتي المرأة المسلمة والاخرى المعاهدة فينزع حجلها ورعاثها ثم ينصرفون موفورين لم يكلم أحد منهم كلما ، فلو أن امرء‌ا مسلما مات دون هذا أسفا لم يكن عليه ملوما بل كان به جديرا . الحديث .
أصاب ام حكيم بنت قارظ - زوجة عبيدالله وله على ابنيها فكانت لا تعقل ولا تصغي إلا إلى قول من أعلمها انهما قد قتلا ، ولا تزال تطوف في المواسم تنشد الناس ابنيها بهذه الابيات :
يامن أحس بابني اللذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدف
يا من أحس بابني اللذين هما * سمعي وقلبي فقلبي اليوم مردهف
يا من أحس بابني اللذين هما * مخ العظام فمخي اليوم مختطف

هامش
( 1 ) كذا جاء في غير موضع من لفظ الحديث .
( 2 ) أخرجه أبوالفرج مسندا حذفنا إسناده روما للاختصار .

نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا * من قولهم ومن الافك الذي اقترفوا
انحى على ودجي ابني مرهفة * مشحوذة وكذاك الافك يقترف
حتي لقيت رجالا من ارومته * شم الانوف لهم في قومهم شرف
فالآن ألعن بسرا حق لعنته * هذا لعمر أبي بسر هو السرف
من دل والهة حرى مولهة * على صبيين ضلا إذ غدا السلف
قالوا : ولما بلغ على بن أبي طالب عليه السلام قتل بسر الصبيين جزع لذلك جزعا شديدا ، ودعا على بسر لعنه الله فقال : اللهم اسلبه دينه ، ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلبه عقله . فأصابه ذلك وفقد عقله ، وكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه حتى يسأم ( 1 ) .

صورة مفصلة
لقد أشن الغارة معاوية على شيعة اميرالمؤمنين عليه السلام سنة 39 وفرق جيوشه في أصقاع حكومته عليه السلام واختارا ناسا ممن لا خلاق لهم لقتل أولئك الابرياء أينما كانوا وحيثما وجدوا ، فوجه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر .
ووجه سفيان بن عوف في ستة آلاف وأمره أن يأتي ) هيت ( فيقطعها ثم يأتي الانبار والمدائن فيوقع بأهلها فأتى ) هيت ( ثم أتى الانبار وطمع في أصحاب علي عليه السلام لقتلهم فقاتلهم فصبر أصحاب علي ثم قتل صاحبهم أشرس بن حسان البكري وثلاثون رجلا ، واحتملوا ما في الانبار من أموال أهلها ورجعوا إلى معاوية .
ووجه عبدالله بن مسعدة بن حكمة الفزاري ) وكان أشد الناس على على ( في ألف وسبعمائة إلى ثيماء ، وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادى ويقتل من امتنع ، ففعل ذلك وبلغ مكة والمدينة وفعل ذلك .
ووجه الضحاك بن قيس وأمره أن يمر بأسفل واقصة ويغير على كل من مر به ممن هو في طاعة علي عليه السلام من الاعراب ، وأرسل ثلاثة آلاف رجل معه فسار الناس

هامش
( 1 ) الاغانى 15 : 44 - 47 ، تاريخ ابن عساكر 3 : 223 ، الاستيعاب 1 : 65 ، النزاع والتخاصم ص 13 ، تهذيب التهذيب 1 : 435 ، 436 .

وأخذ الاموال ، ومضى إلى الثعلبية وقتل وأغار على مسلحة علي ، وانتهى إلى القطقطانة ، فلما بلغ عليا أرسل إليه حجر بن عدي في أربعة آلاف فلحق الضحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلا ، وقتل من أصحابه رجلان ، وحجز بينهما الليل فهرب الضحاك وأصحابه ورجع حجر ومن معه .
ووجه عبدالرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة وفيها شيب بن عامر جد الكرماني الذي كان بخراسان ، فكتب إلى كميل بن زياد وهو بهيت يعلمه خبرهم ، فقاتله كميل وهزمه وغلب على عسكره ، وأكثر القتل في أهل الشام وأمر أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح .
ووجه الحرث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة ليأتيه بمن كان في طاعة علي ، فأخذ من اهل دارا سبعة نفر من بني تغلب فوقع هناك من المقتلة ما وقع .
ووجه زهير بن مكحول العامري إلى السماوة ، وأمره أن يأخذ صدقات الناس فبلغ ذلك عليا فبعث ثلاثة منهم جعفر بن عبدالله الاشجعي ليصدقوا من في طاعته من كلب وبكر ، فوافوا زهيرا فاقتتلوا فانهزم أصحاب علي وقتل جعفر بن عبدالله .
وبعث سنة 40 بسر بن أرطاة في جيش فسار حتى قدم المدينة وبها أبوأيوب الانصاري عامل علي عليها ، فهرب أبوأيوب فأتى عليا بالكوفة ، ودخل بسر المدينة ولم يقاتله أحد فصعد منبرها فنادى عليه : يا دينار ! ويا نجار ! ويا زريق ! ( 1 ) شيخي شيخي عهدي به بالامس فأين هو ؟ يعني عثمان - ثم قال : يا أهل المدينة ! والله لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته . فأرسل إلى بني سلمة فقال : والله ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبدالله . فانطلق جابر إلى ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله فقال لها : ماذا ترين ؟ ان هذه بيعة ضلالة وقد خشيت أن اقتل . قالت : أرى أن تبايع فاني قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة وختني عبدالله بن زمعة أن يبايعا ، فأتاه جابر فبايعه ، وهدم بسر دورا بالمدينة ، ثم سار إلى مكة فخاف أبوموسى أن يقتله فهرب ، وكتب أبوموسى إلى اليمن : إن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل الناس ، تقتل من أبى أن يقر بالحكومة .

هامش
( 1 ) هذه بطون من الانصار .

ثم مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيدالله بن عباس عاملا لعلي فهرب منه إلى علي بالكوفة ، واستخلف عبدالله بن عبدالمدان الحارثي فأتاه بسر فقلته وقتل ابنه ، ولقي بسر ثقل عبيدالله بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما وهما : عبدالرحمن وقثم ، وقال بعض : إنه وجدهما عند رجل من بني كنانه بالبادية فلما أراد قتلهما قال له الكناني : لم تقتل هذين ولا ذنب لهما ؟ فإن كنت قاتلهما فأقتلني معهما ، قال : أفعل . فبدأ بالكناني فقتله ثم قتلهما . فخرجت نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن : يا هذا ! قتلت الرجال ، فعلام تقتل هذين ؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والاسلام ، والله يابن أرطاة إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير ، والشيخ الكبير ، ونزع الرحمة ، وعقوق الارحام ، لسلطان سوء ، وقتل بسر في مسيره ذلك جماعة من شيعة على باليمن وبلغ عليا الخبر .
تاريخ الطبري 6 : 77 - 81 ، كامل ابن الاثير 3 : 162 - 167 ، تاريخ ابن عساكر 3 : 222 ، 459 ، الاستيعاب 1 : 65 ، 66 ، تاريخ ابن كثير 7 : 319 - 322 ، وفاء الوفاء 1 : 31 . وقال ابن عبدالبر في الاستيعاب 1 : 65 : كان يحيى بن معين يقول : كان بسر بن أرطاة رجل سوء . قال أبوعمر : ذلك لامور عظام ركبها في الاسلام فيما نقل أهل الاخبار وأهل الحديث ايضا منها : ذبحه ابني عبدالله بن العباس وهما صغيران بين يدي امهما . وقال الدارقطني : لم تكن له استقامة بعد النبي عليه الصلاة والسلام وهو الذي قتل طفلين لعبيدالله بن العباس . وقال أبوعمرو الشيباني : لما وجه معاوية بن أبي سفيان بسر بن أرطاة الفهري لقتل شيعة علي رضي الله عنه قام اليه معن أو عمرو بن يزيد السلمي وزياد بن الاشهب الجعدي فقال : يا أميرالمؤمنين ! نسألك بالله والرحم أن تجعل لبسر على قيس سلطانا فيقتل قيسا بما قتلت به بنو سليم من بني فهر وكنانة يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وآله مكة . فقال معاوية : يا بسر لا إمرة لك على قيس فسار حتى أتى المدينة فقتل ابني عبيدالله وفر أهل المدينة ودخلوا الحرة حرة بني سليم . قال أبو عمرو : وفي هذه الخرجة التي ذكر أبوعمرو الشيباني أغار بسر بن أرطاة على همدان
وسبى نسائهم ، فكن اول مسلمات سبين في الاسلام ، وقتل أحياء من بني سعد ) ثم أخرج أبوعمرو باسناده من طريق رجلين عن أبي ذر ( : انه دعا وتعوذ في صلاة صلاها أطال قيامها وركوعها وسجودها قال : فسئلاه مم تعوذت ؟ وفيم دعوت ؟ قال تعوذت بالله من يوم البلاء يدركني ، ويوم العورة أن أدركه . فقالا : وما ذاك ؟ فقال : أما يوم البلاء فتلقى فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضا ، وأما يوم العورة فإن نساء‌ا من المسلمات يسبين فيكشف عن سوقهن فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها ، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان ولعلكما تدركانه . فقتل عثمان ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن فسبى نساء مسلمات فأقمن في السوق .
وفي تاريخ ابن عساكر 3 : 220 - 224 : كان بسر من شيعة معاوية بن أبي سفيان وشهد معه صفين ، وكان معاوية وجهه إلى اليمن والحجاز في أول سنة أربعين ، وأمره أن يستقرأ من كان في طاعة علي فيوقع بهم ، ففعل بمكة والمدينة واليمن أفعالا قبيحة وقد ولي البحر لمعاوية . وقتل باليمن ابني عبيدالله بن العباس . وقال الدارقطني :
ان بسرا كانت له صحبة ولم يكن له استقامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ) يعني : أنه كان من
أهل الردة ( .
قال : وروى البخاري في التاريخ : ان معاوية بعث بسرا سنة سبع وثلاثين فقدم المدينة فبايع ثم انطلق إلى مكة واليمن فقتل عبدالرحمن وقثم ابني عبيدالله بن عباس وفي رواية الزهري : أن معاوية بعثه سنه تسع وثلاثين فقدم المدينة ليبلغ الناس فأحرق دار زرارة ( 1 ) بن خيرون أخي بني عمرو بن عوف بالسوق ، ودار رفاعة ( 2 ) ابن رافع ، ودار عبدالله ( 3 ) بن سعد من بني الاشهل ، ثم استمر إلى مكة واليمن فقتل عبدالرحمن بن عبيد ، وعمرو ( 4 ) بن ام إدراكة الثقفي ، وذلك ان معاوية بعثه

هامش
( 1 ) صحابى توجد ترجمته في معاجم الصحابة .
( 2 ) صحابى مترجم له في المعاجم .
( 3 ) صحابى ترجم له اصحاب فهارس الصحابة .
( 4 ) صحابى مذكور في عد الصحابة .

على ما حكاه ابن سعد ليستعرض الناس فيقتل من كان في طاعة علي بن أبي طالب فأقام في المدينة شهرا فما قيل له في أحد : إن هذا ممن أعان على عثمان إلا قتله ، وقتل قوما من بني كعب على مائهم فيما بين مكة والمدينة وألقاهم في البئر ومضى إلى اليمن .
وقتل من همدان بالجرف من كان مع علي بصفين فقتل أكثر من مأتين ، وقتل من الابناء كثيرا وهذا كله بعد قتل علي بن أبي طالب .
قال ابن يونس : كان عبيدالله بن العباس قد جعل ابنيه عبدالرحمن وقثم عند رجل من بني كنانة وكانا صغيرين فلما انتهى بسر إلى بني كنانة بعث إليهما ليقتلهما ، فلما رأى ذلك الكناني دخل بيته فأخذ السيف واشتد عليهم بسيفه حاسرا وهو يقول :
ألليث من يمنع حافات الدار * ولا يزال مصلتا دون الدار ( 1 )
إلا فتى أروع غير غدار
فقال له بسر : ثكلتك امك والله ما أردنا قتلك فلم عرضت نفسك للقتل ؟ فقال :
اقتل دون جاري فعسى اعذر عند الله وعند الناس . فضرب بسيفه حتى قتل ، وقدم بسر الغلامين فذبحهما ذبحا ، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت قائلة منهن : يا هذا هؤلاء الرجال قتلت فعلام تقتل الولدان ؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية ولا إسلام والله ان سلطانا لا يقوم إلا بقتل الرضع الصغيرة والمدره الكبير ، وبرفع الرحمة وعقوق الارحام لسلطان سوء فقال لها بسر والله لقد هممت أن أضع فيكن السيف . فقالت : تالله انها لاخت التي صنعت ، وما أنا بها منك بآمنة . ثم قالت للنساء اللواتي حولها : ويحكن تفرقن .
وفي الاصابة 3 : 9 : عمرو بن عميس قتله بسر بن ارطاة لما أرسله معاوية للغارة على عمال علي فقتل كثيرا من عماله من أهل الحجاز واليمن .

صورة مفصلة
كان بسر بن أرطاة ( 2 ) قاسي القلب ، فظا سفاكا للدماء ، لا رأفة عنده ولا رحمة ، فأمره معاوية أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة حتى ينتهي إلى اليمن ، وقال له : لا تنزل على بلد أهله على طاعة علي إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنهم لانجاء لهم ، وانك خيط بهم ، ثم اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي ، فمن أبى فاقتله ، واقتل شيعة علي حيث كانوا .

هامش
( 1 ) والصحيح : ولا يزال مصلتا دون الجار .
( 2 ) ويقال ؟ : ابن ابى ارطاة .

وفي راوية إبراهيم الثقفي في ) الغارات ( في حوادث سنة اربعين : بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف وقال : سر حتى تمر بالمدينة فاطرد الناس ، واخف به من مررت به ، وانهب اموال كل من أصبت له مالا ممن لم يكن له دخل في طاعتنا ، فاذا دخلت المدينة فأرهم إنك تريد أنفسهم ، وأخبرهم إنه لا براء‌ة لهم عندك ولا عذر حتى إذا ظنوا انك موقع بهم فاكفف عنهم ، ثم سر حتى تدخل مكة ولا تعرض فيها لاحد ، وأرحب الناس عنك فيما بين المدينة ومكة ، واجعلها شرودات حتى تأتي صنعاء والجند ، فإن لنا بها شيعة وقد جاء في كتابهم .
فخرج بسر في ذلك البعث مع جيشه وكانوا إذا وردوا ماء أخذوا إبل أهل ذلك الماء فركبوها ، وقادوا خيولهم حتى يردوا الماء الآخر ، فيردون تلك الابل ويركبون إبل هؤلاء ، فلم يزل يصنع ذلك حتى قرب إلى المدينة ، فاستقبلتهم قضاعة ينحرون لهم الجزر حتى دخلوا المدينة ، وعامل على عليه السلام عليها أبوأيوب الانصاري صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج عنها هاربا ودخل بسر المدينة ، فخطب الناس وشتمهم وتهددهم يومئذ وتوعدهم وقال : شاهت الوجوه إن الله تعالى ضرب مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا . وقد أوقع الله تعالى ذلك المثل بكم وجعلكم أهله كان بلدكم مهاجر النبي صلى الله عليه وآله ومنزله وفيه قبره ومنازل الخلفاء من بعده ، فلم تشكروا نعمة ربكم ولم ترعوا حق نبيكم ، وقتل خليفة الله بين أظهركم ، فكنتم بين قاتل وخاذل ومتربص وشامت ، إن كانت للمؤمنين قلتم : ألم نكن معكم ؟ وإن كان للكافرين نصيب ، قلتم : ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ؟ ثم شتم الانصار ، فقال : يا معشر اليهود وأبناء العبيد بني زريق وبني النجار وبني سالم وبني عبدالاشهل ! أما
والله لاوقعن بكم وقعة تشفى غليل صدور المؤمنين وآل عثمان ، أما والله لادعنكم أحاديث كالامم السالفة ، فتهددهم حتى خاف الناس أن يوقع بهم ، ففزعوا إلى حويطب بن عبدالعزى ، ويقال : انه زوج امه فصعد إليه المنبر فناشده وقال : عترتك وأنصار رسول الله وليست بقتلة عثمان ، فلم يزل به حتى سكن ودعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه ونزل فأحرق دورا كثيرة منها : دار زرارة بن حرون أحد بني عمرو بن عوف ، ودار رفاعة بن رافع الزرقي ، ودار أبي أيوب الانصاري ، وفقد جابر بن عبدالله الانصاري ، فقال : مالي لا أرى جابرا يا بني سلمة ؟ لا أمان لكم عندي أو تأتوني بجابر . فعاذ جابر بام سلمة رضي الله عنها ، فأرسلت إلى بسرب ن أرطاة فقال : لا أومنه حتى يبايع فقالت له ام سلمة : اذهب فبايع ، وقالت لابنها عمر : اذهب فبايع ، فذهبا فبايعاه .
وروى من طريق وهب بن كيسان قال : سمعت جابر بن عبدالله الانصاري يقول : لما خفت بسرا وتواريت عنه قال لقومي : لا أمان لكم عندي حتى يحضر جابر فأتوني وقالوا : ننشدك الله لما انطلقت معنا فبايعت فحقنت دمك ودماء قومك فانك إن لم تفعل قتلت مقاتلينا وسبيت ذرارينا ، فاستنظرتهم الليل فلما أمسيت دخلت على ام سلمة فاخبرتها الخبر فقالت : يا بني انطلق فبايع احقن دمك ودماء قومك ، فاني قد أمرت ابن أخي أن يذهب فيبايع ، وإني لاعلم انها بيعة ضلالة .
قال إبراهيم : فأقام بسر بالمدينة أياما ثم قال لهم : إني قد عفوت عنكم وإن لم تكونوا لذلك بأهل ، ما قوم قتل امامهم بين ظهرانيهم بأهل أن يكف عنهم العذاب ، ولئن نالكم العفو مني في الدنيا اني لارجو أن لا تنالكم رحمة الله عزوجل في الآخرة ، وقد استخلفت عليكم أبا هريرة فإياكم وخلافه . ثم خرج إلى مكة .
وروى الوليد بن هشام قال : أقبل بسر فدخل المدينه فصعد منبر الرسول صلى الله عليه وآله ثم قال : يا أهل المدينة خضبتم لحاكم وقتلتم عثمان مخضوبا ، والله لا أدع في المسجد مخضوبا إلا قتلته . ثم قال لاصحابه : خذوا بأبواب المسجد وهو يريد أن يستعرضهم فقام إليه عبدالله بن الزبير وأبوقيس أحد بني عامر بن لوي فطلبا إليه حتى كف عنهم وخرج إلى مكة فلما قرب منها هرب قثم بن العباس وكان عامل علي عليه السلام ودخلها بسر فشتم أهل مكة وأنبهم ثم خرج عنها واستعمل عليها شيبة بن عثمان .
وروى عوانة عن الكلبي : ان بسرا لما خرج من المدينة إلى مكة قتل في طريقه رجالا ، وأخذ أموالا ، وبلغ أهل مكة خبره فتنحى عنها عامة أهلها ، وتراضى الناس بشيبة بن عثمان أميرا لما خرج قثم بن العباس عنها ، وخرج إلى بسر قوم من قريش فتلقوه فشتمهم ثم قال : أما والله لو تركت ورأيي فيكم لتركتكم وما فيها روح تمشي على الارض . فقالوا : ننشدك الله في أهلك وعترتك . فسكت ثم دخل وطاف بالبيت وصلى ركعتين ثم خطبهم فقال : الحمد لله الذي أعز دعوتنا ، وجمع الفتنا ، وأذل عدونا بالقتل والتشريد ، هذا ابن ابي طالب بناحية العراق في ضنك وضيق قد ابتلاه الله بخطيئته ، وأسلمه بجريرته ، فتفرق عنه أصحابه ناقمين عليه ، وولي الامر
معاوية الطالب بدم عثمان ، فبايعوا ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا . فبايعوا وفقد سعيد بن العاص فطلبه فلم يجده وأقام أياما ثم خطبهم فقال : يا أهل مكة ! اني قد صفحت عنكم فإياكم والخلاف ، فوالله إن فعلتم لاقصدن منكم إلى التي تبير الاصل ، وتحرب المال ، وتخرب الديار ، ثم خرج إلى الطائف .
قال ) إبراهيم الثقفي ( : ووجه رجلا من قريش إلى نبالة وبها قوم من شيعة علي عليه السلام وأمره بقتلهم فأخذهم وكلم فيهم وقيل له : هؤلاء قومك فكف عنهم حتى نأتيك بكتاب من بسر بأمانهم فحبسهم وخرج منيع الباهلي من عندهم إلى بسر وهو بالطائف يستشفع إليه فيهم ، فتحمل عليه بقوم من الطائف فكلموه فيهم وسألوه الكتاب بإطلاقهم فوعدهم ومطلهم بالكتاب حتى ظن انه قد قتلهم القرشي المبعوث لقتلهم ، وان كتابه لا يصل إليهم حتى يقتلوا ، ثم كتب لهم فأتى منيع منزله وكان قد نزل على امرأة بالطائف ورحله عندها فلم يجدها في منزلها فوطئ على ناقته بردائه وركب فسار يوم الجمعة وليلة السبت لم ينزل عن راحلته قط فأتاهم ضحوة وقد اخرج القوم ليقتلوا واستبطئ كتاب بسر فيهم فقدم رجل منهم فضربه رجل من أهل الشام فانقطع سيفه فقال الشاميون بعضهم لبعض : شمسوا سيوفكم حتى تلين فهزوها وتبصر منيع الباهلي بريق السيوف ، فألمع بثوبه فقال القوم : هذا راكب عنده خبر فكفوا وقام به بعيره ، فنزل عنه وجاء على رجليه يشد فدفع الكتاب اليهم فاطلقوا ، وكان الرجل المقدم الذي ضرب بالسيف فانكسر السيف أخاه .
قال ابراهيم : وروى علي بن مجاهد عن ابن اسحاق : ان اهل مكة لما بلغهم ما صنع بسر خافوه وهربوا ، فخرج ابنا عبيدالله بن العباس وهما : سليمان . وداود . وامهما حورية ابنة خالد بن فارط الكنانية وتكنى ام حكيم ، وهم حلفاء بني زهرة وهما غلامان مع أهل مكة فأضلوهما عند بئر ميمون بن الحضرمي ، وميمون هذا أخو العلاء بن الحضرمي ، وهجم عليهما بسر فأخذهما وذبحهما فقالت امهما :
هامن أحس بابني اللذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدف ( 1 ) وقد روي ان اسمهما : قثم وعبدالرحمن ، وروي : انهما ضلا في أخوالهما من بني كنانة ، وروي : ان بسرا انهما قتلهما باليمن وانهما ذبحا على درج صنعاء وروى عبدالملك بن نوفل عن أبيه : ان بسرا لما دخل الطائف وقد كلمه المغيرة قال له :
لقد صدقتني ونصحتني فبات بها وخرج منها وشيعه المغيرة ساعة ثم ودعه وانصرف عنه فخرج حتى مر ببني كنانة وفيهم ابنا عبيدالله بن العباس وامهما فلما انتهى بسر إليهم طلبهما ، فدخل رجل من بني كنانة ، وكان أبوهما أوصاه بهما ، فأخذ السيف من بيته وخرج فقال له بسر : ثكلتك امك والله ما كنا أردنا قتلك فلم عرضت نفسك للقتل ؟ قال : اقتل دون جاري أعذر لي عند الله والناس . ثم شد على اصحاب بسر بالسيف حاسرا وهو يرتجز :
آليت لا يمنع حافات الدار * ولا يموت مصلتا دون الجار
إلا فتى أروع غير غدار
فضارب بسيفه حتى قتل ، ثم قدم الغلامان فقتلا ، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن : هذه الرجال يقتلها فما بال الولدان ؟ والله ما كانوا يقتلون في جاهلية ولا اسلام ، والله إن سلطانا لا يشتد إلا بقتل الرضع الضعيف ، والشيخ الكبير ورفع الرحمة ، وقطع الارحام ، لسلطان سوء ، فقال بسر : والله لهممت أن أضع فيكن

هامش
( 1 ) إلى اخر الابيات التى مرت في صفحة 17 ، 18 .

السيف ، قالت : والله إنه لاحب إلى إن فعلت .
قال إبراهيم : وخرج بسر من الطائف فأتى نجران فقتل عبدالله بن عبدالمدان وابنه مالكا وكان عبدالله هذا صهرا لعبيدالله بن العباس ثم جمعهم وقام فيهم ، وقال :
يا أهل نجران ! يا معشر النصارى وإخوان القرود ! أما والله إن بلغني عنكم ما أكره لاعودن عليكم بالتي تقطع النسل ، وتهلك الحرث ، وتخرب الديار ، وتهددهم طويلا ثم سار حتى دخل أرحب فقتل أبا كرب وكان يتشيع ويقال : إنه سيد من كان بالبادية من همدان فقدمه فقتله ، وأتى صنعاء قد خرج عنها عبيدالله بن العباس وسعيد بن نمران ، وقد استخلف عبيدالله عليها عمرو بن اراكة الثقفي ، فمنع بسرا من دخولها وقاتله فقتله بسر ودخل صنعاء فقتل منها قوما ، وأتاه وفد مأرب فقتلهم فلم ينج منهم إلا رجل واحد ورجع إلى قومه فقال لهم : أنعي قتلانا ، شيوخا
وشبانا .
قال إبراهيم : وهذه الابيات المشهورة لعبد بن اراكة الثقفى يرثي بها ابنه عمرا :
لعمري لقد أردى ابن أرطاة فارسا * بصنعاء كالليث الهزبر أبي الاجر
تعز فإن كان البكارد هالكا * على أحد فاجهد بكاك على عمرو
ولا تبك ميتا بعد ميت أحبة * علي وعباس وآل أبي بكر
قال : ثم خرج بسر من صنعاء فأتى أهل حبسان وهم شيعة لعلي عليه السلام فقاتلهم وقاتلوه فهزمهم وقتلهم قتلا ذريعا ، ثم رجع إلى صنعاء فقتل بها مائة شيخ من أبناء فارس لان ابني عبيدالله بن العباس كانا مستترين في بيت امرأة من أبنائهم تعرف بابنة بزرج وكان الذي قتل بسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفا ، وحرق قوما بالنار ، فقال يزيد بن مفرغ :
تعلق من أسماء ما قد تعلقا * ومثل الذي لاقى من الشوق أرقا
سقى منفخ الاكناف منبعج الكلى * منازلها من مشرقات فشرقا
إلى الشرف الاعلى إلى رامهرمز * إلى قربات الشيخ من نهر اربقا
إلى دست مارين إلى الشط كله * إلى مجمع السلان من بطن دورقا
إلى حيث يرقى من دجيل سفينه * إلى مجمع النهرين حيث تفرقا
إلى حيث سار المرء بسر بجيشه * فقتل بسر ما استطاع وحرقا
قال : ودعا علي عليه السلام على بسر فقال : أللهم ان بسرا باع دينه بالدنيا ، وانتهك محارمك ، وكانت طاعة مخلوق فاجر ، آثر عنده مما عندك ، أللهم فلا تمته حتى تسلبه عقله ، ولا توجب له رحمتك ، ولا ساعة من نهار ، أللهم العن بسرا وعمرا ومعاوية ، وليحل عليهم غضبك ، ولتنزل بهم نقمتك ، وليصبهم بأسك وزجرك الذي لا ترده عن القوم المجرمين . فلم يلبث بسر بعد ذلك إلا يسيرا حتى وسوس وذهب عقله ، فكان يهذي بالسيف ويقول : اعطوني سيفا أقتل به. لا يزال يردد ذلك حتى اتخذ له سيف من خشب ، وكانوا يدنون منه المرفقة فلا يزال يضربها حتى يغشى عليه فلبث كذلك إلى أن مات ( 1 ) .
وفي شرح ابن أبي الحديد 3 : 15 : روى أبوالحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني من فضل أبي تراب وأهل بيته ، فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرء‌ون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشد الناس بلاء حينئذ اهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لانه كان منهم أيام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم ، وقطع الايدي والارجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشردهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق : أن لا يجيروا لاحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة . وكتب إليهم :
أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم ابيه وعشيرته ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ، ويفيضه في العرب منهم والموالي ، فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس يجئ أحد

هامش
( 1 ) شرح ابى الحديد 1 : 116 - 121 .
مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه فلبثوا بذلك حينا ، ثم كتب إلى عماله : ان الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جائكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاولين ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة مفتعلة ، فإن هذا أحب إلي ، وأقر لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته ، وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضله .
ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا إلى من أقامت عليه البينة انه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطائه ورزقه ، وشفع ذلك بنسخة اخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره .
فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة حتى أن الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سره ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الايمان الغليظة ليكتمن عليه ، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر إلخ .
استخلف زياد على البصرة سمرة بن جندب لما كتب معاوية إلى زياد بعهده على الكوفة والبصرة فكان زياد يقيم ستة أشهر بالكوفة وستة أشهر بالبصرة ، وسمرة من الذين أسرفوا في القتل على علم من معاوية بل بأمر منه ، أخرج الطبري من طريق محمد بن سليم قال : سألت أنس بن سيرين : هل كان سمرة قتل أحدا ؟ قال : وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب ؟ استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس ، فقال له معاوية : هل تخاف أن تكون قد قتلت أحدا بريئا ؟ قال : لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت ، أو كما قال . قال أبوسوار العدوي : قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلا قد جمع القرآن .
وروى باسناده عن عوف قال : أقبل سمرة من المدينة فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من أزقتهم ففجأ أوائل الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة قال : ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحط في دمه فقال : ما هذا
؟ قيل : أصابته أوائل خيل الامير . قال : إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا ( 1 ) .
أعطى معاوية سمرة بن جندب من بيت المال أربعمائة الف درهم على أن يخطب في أهل الشام بأن قوله تعالى : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ، وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد انها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام . وان قوله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله . نزل في ابن ملجم أشقى مراد ( 2 ) .
وأخرج الطبري من طريق عمر بن شبه قال : مات زياد وعلى البصرة سمرة بن جندب خليفة له ، فأقر سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرا . قال عمر : وبلغني عن جعفر الضبعي قال : أقر معاوية سمرة بعد زياد ستة أشهر ثم عزله فقال سمرة : لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا .
وروى من طريق سليمان بن مسلم العجلي قال : سمعت أبي يقول : مررت بالمسجد فجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله ثم دخل فجعل يصلى في المسجد فجاء رجل فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد وبدنه ناحية ، فمر أبوبكرة فقال : يقول الله سبحانه : قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى . قال أبي : فشهدت ذلك فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شر ميتة . قال : وشهدته واتي بناس كثير واناس بين يديه فيقول للرجل : ما دينك ؟ فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وان محمدا عبده ورسوله ، وإني بري من الحرورية . فيقدم فيضرب عنقه حتى مر بضعة وعشرون . تاريخ الطبري 6 : 164 .
وفي مقدم عمال معاوية الحاملين عداء سيد العترة ، المهاجمين على شيعة آل الله بكل قوى متيسرة زياد بن سمية ، ومن الزائد جدا بحثنا عن جرائمه الوبيلة التي حفظها له التاريخ ، وأسودت بها صفحات تاريخه ، ولا بدع وهو وليد البغاء من الادعياء المشهورين ، ربيب حجر سمية البغي ، والاناء إنما يترشح بما فيه ، والشوك لا يثمر العنب ، وقد صدق النبي الكريم في قوله صلى الله عليه وآله في السبطين ووالديهما : لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد ، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردي المولد .

هامش
( 1 ) تاريخ الطبرى 6 : 132 .
( 2 ) شرح ابن ابى الحديدا : 361 .

وكان السلف يبور أولادهم بحب علي عليه السلام فمن كان لا يحبه علموا انه لغير رشدة ( 1 ) . فلا تعجب من الدعي ومن كتابه القارص إلى الامام السبط الحسن الزكي عليه السلام قد شفع إليه في رجل من شيعته . قال ابن عساكر : كان سعد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس من شيعة علي بن أبي طالب ، فلما قدم زياد الكوفة واليا عليها أخافه وطلبه زياد فأتي الحسن بن علي فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته وحبسهم وأخذ ماله وهدم داره ، فكتب الحسن إلى زياد : من الحسن بن علي إلى زياد . أما بعد : فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له مالهم وعليه ما عليهم ، فهدمت داره ، وأخذت ماله وعياله فحبستهم ، فإذا أتاك كتابي هذا فابن له داره ، واردد عليه عياله وماله ، فإني قد أجرته فشفعني فيه . فكتب اليه زياد :
من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة : أما بعد : فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة وأنا سلطان وأنت سوقة كتبت إلي في فاسق لا يؤبه به ، وشر من ذلك توليه أباك وإياك ، وقد علمت أنك أدنيته إقامة منك على سوء الرأي ورضي منك بذلك ، وأيم الله لا تسبقني به ، ولو كان بين جلدك ولحمك ، وإن نلت بعضك فغير رفيق بك ولا مرع عليك ، فإن أحب لحم إلي أن آكل منه أللحم الذي أنت منه ، فسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك ، فإن عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه ، وإن قتلته لم أقتله إلا لحبه أباك الفاسق ، والسلام ( 2 ) ، ولما بلغ موته ابن عمر قال : يا ابن سمية ! لا الآخرة أدركت ولا الدنيا بقيت عليك .
كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرضهم على لعن علي عليه السلام - وفي لفظ البيهقي: يحرضهم على البرائة من علي كرم الله وجهه ، فملا منهم المسجد و

هامش
( 1 ) مرت تلكم الاحاديث وستأتى في مسند المناقب ومرسلها .
( 2 ) تاريخ ابن عساكر 5 : 418 ، شرح ابن الحديد 4 : 7 ، 72 .

الرحبة - فمن أبي ذلك عرضه على السيف . وعن المنتظم لابن الجوزي : ان زيادا لما حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم ، وهم أن يخرب دورهم ، ويحمر نخلهم ، فجمعهم حتى ملا بهم المسجد والرحبة يعرضهم على البرائة من علي عليه السلام وعلم أنهم سيمتنعون فيحتج بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم . فذكر عبدالرحمن بن السائب
قال : احضرت فصرت إلى الرحبة ومعي جماعة من الانصار ، فرأيت شيئا في منامي وأنا جالس في الجماعة وقد خفقت ، وهو اني رأيت شيئا طويلا قد أقبل فقلت : ما هذا ؟ فقال : أنا النقاد ذو الرقبة بعثت إلى صاحب هذا القصر ، فانتبهت فزعا فما كان إلا مقدار ساعة حتى خرج خارج من القصر فقال : انصرفوا فإن الامير عنكم مشغول ، وإذا به قد أصابه ما ذكرنا من البلاء ، وفي ذلك يقول عبدالله بن السائب :
ما كان منتهيا عما أراد بنا * حتى تأتى له النقاد ذوالرقبه
فاسقط الشق منه ضربة ثبتت * لما تناول ظلما صاحب الرحبه ( 1 )
قال الاميني : هلم معي نقرأ هذه الصحائف السوداء المحشوة بالمخازي وشية العار ، المملوة بالموبقات والبوائق ، فننظر هل في الشريعة البيضاء ، أو في نواميس البشرية ، أو في طقوس العدل مساغ لشئ منها ؟ دع ذلك كله هل تجد في عادات الجاهلية مبررا لشئ من تلكم الهمجية ؟ وهل فعل اولئك الاشقياء الاشداء في أيامهم المظلمة فعلا يربو مخاريق ابن هند ؟ لا . وانك لا تسمع عن أحد ممن يحمل عاطفة إنسانية ولا أقول ممن يعتنق الدين الحنيف فحسب يستبيح شيئا من ذلك ، أو يحبذ مخزاتا من تلكم المخازي ، وهل تجد معاوية وهذه جناياته من مصاديق قوله تعالى : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود . الآية ؟ ( 2 ) فهل ترى ابن أبي سفيان خارجا عنهم ؟ فليس هو من رسول الله صلى الله عليه وآله ولا ممن معه ، ولا رحيما بهم ، أو أن من ناواه وعاداه وسبه وآذاه وقتله وهتكه خارجون عن ربقة الاسلام ؟

هامش
( 1 ) مروج الذهب 2 : 69 ، المحاسن والمساوى للبيهقى 1 : 39 ، قال المسعودى والبيهقى : صاحب الرحبة هو على بن أبى طالب ، شرح ابن ابى الحديد 1 : 286 نقلا عن ابن الجوزى .
( 2 ) سورة الفتح 29 .

فهو شديد عليهم وهم خيرة امة محمد المسلمة ، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا. فالحكم للنصفة لا غيرها .
كأن هاهنا نسيت ثارات عثمان وعادت تبعة اولئك المضطهدين محض ولاء علي اميرالمؤمنين عليه السلام وقد قرن الله ولايته بولايته وولاية رسوله ، وحبهم لمن يحبه الله ورسوله ، وطاعتهم لمن فرض الله طاعته ، وودهم من جعل الله وده أجر الرسالة . فلم يقصد معاوية وعماله أحدا بسوء إلا هؤلاء ، فطفق يرتكب منهم ما لا يرتكب إلا من أهل الردة والمحادة لله ولرسوله . فكان الطريد اللعين ابن الطريد اللعين مروان ، وأزنى ثقيف مغيرة بن شعبة ، واغيلمة قريش الفسقة في أمن ودعة ، وكان يولي لاعماله الزعانفة الفجرة أعداء أهل بيت الوحي : بسر بن أرطاة ، ومروان بن الحكم ، ومغيرة بن شعبة ، وزياد بن أبيه ، وعبدالله الفزاري ، وسفيان بن عوف ، والنعمان بن بشير ، والضحاك بن قيس ، وسمرة بن جندب ، ونظرائهم ، يستعملهم على عباد الله وهو يعرفهم حق المعرفة ولا يبالي بقول رسول الله صلى الله عليه وآله : من تولى من أمر المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم بكتاب الله وسنة رسوله فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين ( 1 ) . فكانوا يقترفون السيئات ، ويجترحون المآثم بأمر منه ورغبة ، ولم تكن عنده حريجة من الدين تزعه عن تلكم الجرائم ، فأمر بالاغارة على مكة المكرمة وقد جعلها الله بلدا آمنا يأمن من حل بها وإن كان كافرا ، ولاهلها وطيرها ووحشها ونباتها حرمات عند الله ، وهي التى حقنت دم أبي سفيان ومن على شاكلته من حامل ألوية الكفر والالحاد ، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يرعاها كل الرعاية يوم الفتح وغيره ، فما عامل أهلها هو وجيشه الفاتح إلا بكل جميل ، وكان صلى الله عليه وآله يقول :
إن هذا بلد حرم الله يوم خلق السموات والارض ، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وأنه لم يحل القتال فيه لاحد قبلي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها ( 2 ) .

هامش
( 1 ) مجمع الزوائد 5 : 211 .
( 2 ) صحيح البخارى : باب لا يحل القتال بمكة 3 : 168 ، صحيح مسلم 4 : 109 .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرة ، فان أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله فقولوا له : إن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالامس ، وليبلغ الشاهد الغائب ( 1 ) .
وأمر ابن هند بالاستحواذ على مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وإخافة أهلها والوقيعة فيهم واستقراء من يوجد فيها من شيعة علي أميرالمؤمنين صلوات الله عليه وللمدينة المنورة في الاسلام حرمتها الثابتة ، ولنبيه صلى الله عليه وآله فيها قوله الصادق : ألمدينة حرم ما بين عائر
إلى كذا ، من أحدث فيها حدثا ( 2 ) أو آوى حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل ، ذمة المسلمين واحدة ، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل ( 3 ) .
وقوله صلى الله عليه وآله : لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء ( 4 ) .
وقوله صلى الله عليه وآله : لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص
أو ذوب الملح في الماء ( 5 ) .
وقوله صلى الله عليه وآله : أللهم إن ابراهيم حرم مكة فجعلها حرما وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها ، أن لا يهراق فيها دم ، ولا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف ( 6 ) .
وقوله صلى الله عليه وآله : من أراد أهل هذه البلدة بسوء ) يعني المدينة ( أذابه الله كما


هامش
( 1 ) صحيح البخارى : باب لا يعضد شجر الحرم 3 : 167 .
( 2 ) قال القاضى عياض : معنى قوله : من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا . الخ . من أتى فيها إثما أو آوى من أتاه .
( 3 ) صحيح البخارى 3 : 179 ، صحيح مسلم 4 : 114 ، 115 ، 116 ، مسند أحمد 1 : 81 ، 126 ، 151 ، ج 2 : 450 ، سنن البيهقى 5 : 196 ، سنن أبى داود 1 : 318 .
( 4 ) صحيح البخارى 3 : 181 .
( 5 ) صحيح مسلم 4 : 113
( 6 ) صحيح مسلم 4 : 117 ، سنن ابى داود 1 : 318 ، واللفظ لمسلم .

يذوب الملح في الماء . وفي لفظ سعد : من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله . الخ ( 1 ) . وقوله صلى الله عليه وآله : المدينة حرم من كذا إلى كذا ، لا يقطع شجرها ، ولا يحدث فيها حدث ، من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ( 2 ) .
وقوله صلى الله عليه وآله : أيما جبار أراد المدينه بسوء أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء . وفي لفظ : من أراد أهل هذه البلدة بدهم أو بسوء ( 3 ) .
وقوله صلى الله عليه وآله فيما أخرجه الطبراني برجال الصحيح : أللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل . ( 4 )
وقوله صلى الله عليه وآله : من أخاف اهل المدينة أخافه الله يوم القيامة ، وغضب عليه ، ولم يقبل منه صرفا ولا عدلا ( 5 ) .
وقوله صلى الله عليه وآله فيما أخرجه النسائي : من أخاف اهل المدينة ظالما لهم أخافه الله ، وكانت عليه لعنة الله ( 6 ) . وفي لفظ ابن النجار : من أخاف اهل المدينة ظلما أخافه الله ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .
وقوله صلى الله عليه وآله : من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي . أخرجه أحمد في مسنده 3 : 354 بالاسناد عن جابر بن عبدالله : إن أميرا من امراء الفتنة قدم المدينة وكان قد ذهب بصر جابر فقيل لجابر : لو تنحيت عنه فخرج يمشي بين ابنيه فنكب فقال : تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابناه أو أحدهما : يا أبت ! وكيف أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مات ؟ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أخاف الحديث .

هامش
( 1 ) صحيح مسلم 4 : 121 ، 122 .
( 2 ) صحيح البخارى 3 : 178 ، سنن البيهقى 5 : 197 .
( 3 ) وفاء الوفاء للسمهودى 1 : 31 .
( 4 ) وفاء الوفاء 1 : 31 وصححه .
( 5 ) وفاء الوفاء 1 : 31 ، فيض القدير 6 : 40 .
( 6 ) وفاء الوفاء 1 : 31 .

قلت : الامير المشار اليه هو بسر بن أرطاة كما في وفاء الوفاء للسمهودي 1 : 31 وصحح الحديث .
وقوله صلى الله عليه وآله فيما أخرجه الطبراني في الكبير : من آذى أهل المدينة آذاه الله ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، ولا يقبل منه صرف ولا عدل . وفاء الوفاء 1 : 32 .
نعم : إن بسرا لم يلو إلى شيئ من ذلك وإنما أوتمر بما سول له معاوية من هتك الحرمات بقتل الرجال ، وسبي النساء ، وذبح الاطفال ، وهدم الديار ، وشتم الاعراض ، وما رعي لرسول الله صلى الله عليه وآله إلا ولا ذمة في مجاوري حرم أمنه ، وساكني حماه المنيع فخفر ذمته كما هتك حرمته ، واستخف بجواره ، وآذاه باباحة حرمه حرم الله تعالى ، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ( 1 ) وإن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ( 2 ) فيالها من جرأة تقحم صاحبها في المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله ودينه القويم .
كما أن يزيد كان يحذو حذو أبيه في جرائمه الوبيلة وشن الغارة على أهل المدينة المشرفة ، وبعث مسلم بن عقبة الهاتك الفاتك إلى هتك ذلك الجوار المقدس بوصية من والده الآثم قال السمهودي في وفاء الوفاء 1 : 91 .
وأخرج ابن أبي حيثمة بسند صحيح إلى جويرية بنت أسماء : سمعت أشياخ المدينة يتحدثون : ان معاوية رضي الله عنه لما احتضر دعا يزيد فقال له : إن لك من أهل المدينة يوما فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإني عرفت نصيحته . فلما ولي يزيد وفد عليه عبدالله بن حنظلة وجماعة فأكرمهم وأجازهم فرجع فحرض الناس على يزيد وعابه و دعاهم إلى خلع يزيد فأجابوه فبلغ ذلك يزيد فجهز اليهم مسلم بن عقبة . الخ .
وأخرجه البلاذري في أنساب الاشراف 5 : 43 بلفظ أبسط من لفظ السمهودي .

هامش
( 1 ) سورة التوبة : 61 .
( 2 ) سورة الاحزاب : 57 .

معاوية
وحجر بن عدى واصحابه

إن معاوية استعمل مغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين فلما أمره عليها دعاه وقال
له : أما بعد : فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا . وقد قال المتلمس :
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلما وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم ، وقد أردت ايصاء‌ك بأشياء كثيرة فأنا تاركها إعتمادا على بصرك بما يرضيني ، ويسعد سلطاني ، ويصلح رعيتي ، ولست تارك ايصاء‌ك بخصلة : لا تقهم عن شتم علي وذمه . والترحم على عثمان والاستغفار له ، و العيب على أصحاب علي والاقصاء لهم ، وترك الاستماع منهم ، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والادناء لهم ، والاستماع منهم . فقال المغيرة : قد جربت وجربت و عملت قبلك لغيرك ، فلم يذمم بي رفع ولا وضع ، فستبلو فتحمد أو تذم . ثم قال : بل نحمد إن شاء الله . فأقام المغيرة عاملا على الكوفة سبع سنين وأشهرا وهو من أحسن شئ سيرة وأشده حبا للعافية ، غير أنه لا يدع شتم علي والوقوع فيه والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم ، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لاصحابه ، فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال : بل اياكم فذم الله ولعن ثم قام وقال : إن الله عزوجل يقول : كونوا قوامين بالقسط شهداء الله ، وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لاحق بالفضل ، وأن من تزكون وتطرون أولى بالذم . فيقول له المغيرة : يا حجر ! لقد رمي بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك ، يا حجر ! ويحك اتق السلطان ، اتق غضبه وسطوته ، فإن غضب السلطان أحيانا مما يهلك أمثالك كثيرا ، ثم يكف عنه ويصفح ، فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في علي وعثمان كما كان يقول وكانت مقالته . اللهم ارحم عثمان بن عفان ، وتجاوز عنه واجزه بأحسن عمله ، فانه عمل بكتابك واتبع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم ، وجمع كلمتنا ، وحقن دمائنا ، وقتل مظلوما
( 1 ) ، اللهم فارحم أنصاره وأوليائه ومحبيه والطالبين بدمه .

هامش
( 1 ) هذه كلها تخالف ما هو الثابت المعلوم من سيرة عثمان كما فصلنا القول فيها في الجزء الثامن والتاسع .

ونال من علي بن أبي طالب عليه السلام ولعنه ولعن شيعته ، فوثب حجر فنعر نعرة أسمعت كل من كان في المسجد وخارجه وقال : إنك لا تدري بمن تولع من هرمك أيها الانسان !
مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنك قد حبستها عنا ولم يكن ذلك لك ، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك ، وقد أصبحت مولعا بذم أميرالمؤمنين ، وتقريظ المجرمين . فقام معه أكثر من ثلثي الناس يقولون : صدق والله حجر وبر ، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنا لا ننتفع بقولك هذا ولا يجدي علينا شيئا . وأكثروا في مثل هذا القول ، فنزل المغيرة فدخل القصر فاستأذن عليه قومه فأذن لهم فقالوا : علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة و يجتري عليك في سلطانك هذه الجرأة ؟ فيوهن سلطانك ، ويسخط عليك أميرالمؤمنين معاوية ، وكان أشدهم له قولا في أمر حجر والتعظيم عليه عبدالله بن أبي عقيل الثقفي ، فقال لهم المغيرة : إني قد قتلته إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي ، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة ، انه قد اقترب أجلي ، وضعف عملي ، ولا احب أن ابتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم ، فيسعدوا بذلك و أشقى ، ويعز في الدنيا معاوية ، ويذل يوم القيامة المغيرة .
ثم هلك المغيرة سنة 51 فجمعت الكوفة والبصرة لزياد ) ابن سمية ( فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة ووجه إلى حجر فجاء‌ه ، وكان له قبل ذلك صديقا فقال له :
قد بلغني ما كنت تفعله بالمغيرة فيحتمله منك وإني والله لا أحتملك على مثل ذلك أبدا ، أرأيت ما كنت تعرفني به من حب علي ووده ، فإن الله قد سلخه من صدري فصيره بغضا وعداوة ، وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعداوته فان الله قد سلخه من صدري وحوله حبا ومؤدة ، واني أخوك الذي تعهد ، إذا أتيتني وأنا جالس للناس فاجلس معي على مجلسي ، وإذا أتيت ولم اجلس للناس فاجلس حتى أخرج إليك ، ولك عندي في كل يوم حاجتان : حاجة غدوة ، وحاجة عشية ، انك إن تستقم تسلم لك دنياك ودينك ، وإن تأخذ يمينا وشمالا تهلك نفسك ، وتشط عندي دمك ، اني لا احب التنكيل قبل التقدمة ، ولا آخذ بغير حجة ، اللهم اشهد . فقال حجر : لن يرى الامير مني إلا ما يحب وقد نصح وأنا قابل نصيحته . ثم خرج من عنده .
ولما ولي زياد جمع أهل الكوفة فملا منهم المسجد والرحبة والقصر ليعرضهم على البراء‌ة من علي ( 1 ) فقام في الناس وخطبهم ثم ترحم على عثمان وأثنى على أصحابه ولعن قاتليه ، فقام حجر ففعل مثل الذي كان يفعل بالمغيرة ، وكان زياد يقيم ستة أشهر في الكوفة وستة أشهر في البصرة فرجع إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث فبلغه ان حجرا يجتمع إليه شيعة علي ويظهرون لعن معاوية والبرائة منه ، وانهم حصبوا عمرو بن حريث فشخص إلى الكوفة حتى دخلها فأتى القصر فدخله ثم خرج فصعد المنبر وعليه قباء سندس ومطرف خز أخضر قد فرق شعره وحجر جالس في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا فصعد المنبر وخطب وحذر الناس وقال : أما بعد : فإن غب البغي والغي وخيم ، إن هؤلاء جموا فأشروا ، وامنوني فاجترؤا على الله لئن لم تستقيموا لاداوينكم بدوائكم ، ولست بشئ إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر ، وأدعه نكالا لمن بعده ، ويل امك يا حجر ! سقط العشاء بك على سرحان .
ثم قال لشداد بن الهيثم الهلالي أمير الشرط : اذهب فأتني بحجر فذهب إليه فدعاه فقال أصحابه : لا يأتيه ولا كرامة فسبوا الشرط فرجعوا إلى زياد فأخبروه ، فقال : يا أشراف أهل الكوفة أتشجون بيد وتأسون باخرى ؟ أبدانكم عندي وأهواء‌كم مع هذا الهجاجة المذبوب ( 2 ) . وفي الكامل : أبدانكم معي وقلوبكم مع حجر الاحمق . و الله ليظهرن لي براء‌تكم أو لاتينكم بقوم اقيم بهم أودكم وصعركم . فقالوا : معاذ الله أن يكون لنا رأي إلا طاعتك وما فيه رضاك . قال : فليقم كل رجل منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله ففعلوا وأقاموا أكثر أصحابه عنه ، وقال زياد لصاحب شرطته :
انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به وإلا فشدوا عليهم بالسيوف حتى تأتوني به . فأتاه صاحب الشرطة يدعوه فمنعه أصحابه من إجابته فحمل عليهم فقال أبوالعمرطة الكندي لحجر : انه ليس معك رجل معه سيف غيري فما يغني سيفي ؟ قم فألحق بأهلك يمنعك قومك .
هامش
( 1 ) تاريخ ابن عساكره : 421 .
( 2 ) في لفظ الطبرى : الهجهاجة الاحمق المذبوب .

فقام وزياد ينظر إليهم وهو على المنبر وغشيهم أصحاب زياد فضرب رجل من الحمراء يقال
له : بكر بن عبيد رأس عمرو بن الحمق بعمود فوقع وحمله رجلان من الازد وأتيا به دار رجل يقال له : عبيدالله بن موعد الازدي ، وضرب بعض الشرطة يدعا ئذ بن حملة التميمي وكسر نابه ، وأخذ عمودا من بعض الشرط فقاتل به وحمى حجرا وأصحابه حتى خرجوا من أبواب
كندة .
مضى حجر وأبوالعمرطة إلى دار حجر واجتمع إليهما ناس كثير ولم يأته من كندة كثير أحد فأرسل زياد وهو على المنبر مذحج وهمدان إلى جبانة كندة وأمرهم أن يأتوه بحجر ، وأرسل سائر أهل اليمن إلى جبانة الصائدين وأمرهم أن يمضوا إلى صاحبهم حجر فيأتوه به ، ففعلوا فدخل مذحج وهمدان إلى جبانة كندة فأخذوا كل من وجدوا ، فأثنى عليهم زياد فلما رأى حجر قلة من معه أمرهم بالانصراف وقال لهم ؟
لا طاقة لكم بمن قد اجتمع عليكم وما احب أن تهلكوا ، فخرجوا فأدركهم مذحج و همدان فقاتلوهم وأسروا قيس بن يزيد ونجا الباقون فأخذ حجر طريقا إلى بني حوت فدخل دار رجل منهم يقال : له سليم بن يزيد ، وأدركه الطلب فأخذ سليم سيفه ليقاتل فبكى بناته فقال حجر : بئسما أدخلت على بناتك إذا قال : والله لا تؤخذ من داري أسيرا ولا قتيلا وأنا حي ، فخرج حجر من خوخة في داره فأتى النخع فنزل دار عبدالله بن الحرث أخي الاشتر فأحسن لقاء‌ه فبينما هو عنده إذ قيل له : إن الشرط تسأل عنك في النخع .
وسبب ذلك ان أمة سوداء لقيتهم فقالت : من تطلبون ؟ فقالوا : حجر بن عدي . فقالت :
هو في النخع . فخرج حجر من عنده فأتى الازد فاختفى عند ربيعة بن ناجد فلما أعياهم طلبه دعا زياد محمد بن الاشعث وقال له : والله لتأتيني به أو لاقطعن كل نخلة لك وأهدم دورك ، ثم لا تسلم مني حتى اقطعك إربا إربا . فاستمهله فأمهله ثلاثا واحضر قيس بن يزيد أسيرا فقال له زياد : لا بأس عليك قد عرفت رأيك في عثمان وبلاء‌ك مع معاوية بصفين وإنك إنما قاتلت مع حجر حمية وقد غفرتها لك ولكني ائتني بأخيك عمير . فاستأمن له منه على ماله ودمه فأمنه فأتاه به وهو جريح فأثقله حديدا وأمر الرجال أن يرفعوه ويلقوه ففعلوا به ذلك مرارا فقال قيس بن يزيد لزياد : ألم تؤمنه ؟ قال : بلى قد أمنته على دمه ولست اهريق له دما ، ثم ضمنه وخلى سبيله .
مكث حجر بن عدي في بيت ربيعة يوما وليلة فأرسل إلى محمد بن الاشعث يقول له ليأخذ له من زياد أمانا حتى يبعث به إلى معاوية فجمع محمد جماعة منهم جرير بن عبدالله ، وحجر بن يزيد ، وعبدالله بن الحارث أخو الاشتر ، فدخلوا على زياد فاستأمنوا له على أن يرسله إلى معاوية فأجابهم فأرسلوا إلى حجر بن عدي فحضر عند زياد فلما رآه قال :
مرحبا بك أبا عبدالرحمن ! حرب في ايام الحرب ، وحرب وقد سالم الناس . على أهلها تجنى براقش . فقال حجر : ما خلعت طاعة ولا فارقت جماعة واني لعلى بيعتي . فقال : هيهات هيهات يا حجر ! أتشج بيد وتأسو باخرى ؟ وتريد إذا أمكننا الله منك أن نرضى ؟
كلا والله لاحرصن على قطع خيط رقبتك . فقال : ألم تؤمني حتى أتى معاوية فيرى في رأيه ؟ قال : بلى ، إنطلقوا به إلى السجن ، فلما مضى به قال : أما والله لولا أمانه ما برح حتى يلقط عصبه . فاخرج وعليه برنس في غداة باردة فحبس عشر ليال ، وزياد ماله غير الطلب لرؤس أصحاب حجر .
عمرو بن الحمق
خرج عمرو بن الحمق ورفاعة بن شداد حتى نزلا المدائن ثم ارتحلا حتى أتيا الموصل فأتيا جبلا فكمنا فيه وبلغ عامل ذلك الرستاق يقال له : عبيدالله بن أبي بلتعة خبرهما فسار إليهما في الخيل فخرجا إليه ، فأما عمرو فكان بطنه قد استسقى فلم يكن عنده إمتناع . وأما رفاعة فكان شابا قويا فوثب على فرس له جواد وقال لعمرو :
اقاتل عنك ؟ قال : وما ينفعني أن تقتل ؟ ! انج بنفسك . فحمل عليهم فأفرجوا له حتى أخرجه فرسه وخرجت الخيل في طلبه وكان راميا فلم يلحقه فارس إلا رماه فجرحه أو عقره فانصرفوا عنه ، وأخذ عمرو بن الحمق فسألوه من أنت ؟ فقال : من إن تركتموه كان أسلم لكم ، وإن قتلموه كان أضر عليكم . فسألوه فأبى أن يخبرهم فبعث به إبن أبي بلتعة إلى عامل الموصل وهو عبدالرحمن بن عبدالله بن عثمان الثقفي فلما رأى عمرا عرفه وكتب إلى معاوية بخبره فكتب إليه معاوية : انه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص كانت معه وإنا لا نريد أن نعتدي عليه فأطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان .
فاخرج فطعن تسع طعنات فمات في الاولى منهن أو في الثانية وبعث برأسه إلى معاوية فكان رأسه أول رأس حمل في الاسلام .
قال الاميني : هذا الصحابي العظيم ) عمرو بن الحمق ( الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة ( 1 ) محكوم عليه عند القوم وغيرهم بالعدالة وكون أقواله وأفعاله حجة لولا أن عدالة الصحابة تمطط إلى اناس معلومين بالخلاعة والمجون كمغيرة بن شعبة ، والحكم بن أبي العاص ، والوليد بن عقبة ، وعبدالله بن أبي سرح ، وزياد بن أبيه ، واغيلمة قريش من الشباب الزائف ممن جرت المخازي إليهم الويلات ، وتتقلص عن آخرين أنهكتهم العبادة ، وحنكتهم الشريعة ، وأبلتهم الطاعة كعمرو بن الحمق ، وحجر بن عدي ، وعدي بن حاتم ، وزيد وصعصعة ابنى صوحان ، ولداتهم .
أنا لا أدري ما كان المبرر للنيل من عمرو وقتله ؟ وأي جريمة أوجبت أن يطعن بالطعنات التسع اللاتي أجهزت عليه اولاهن أو ثانيتها ؟ أما واقعة عثمان فكانت الصحابة مجمعين عليها بين سبب ومباشر كما قدمناه لك في الجزء التاسع ص 69 - 169 فلم لم يؤاخذوا عليها واختصت المقاصة اناسا انقطعوا إلى ولاء مولانا أميرالمؤمنين ولاء الله وولاء رسوله صلى الله عليه وآله ؟ ولم يجهز معاوية الجيوش ولا بعث البعوث على طلحة والزبير وهما أشد الناس في أمر عثمان وأوغلهم في دمه ؟ ! ومن ذا الذي أودي بعثمان غير معاوية نفسه في تثبطه عن نصره وتربصه به حتى بلغ السيف منه المحز ( 2 ) ؟ ولماذا كان يندد ويهدد ويؤاخذ أهل المدينة وغيرهم بأنهم تخاذلوا عن نصرته ولا يفعل شيئا عن ذلك بنفسه المتهاونة عن أمر الرجل ؟ نعم : كانت تلكم الافاعيل على من يوالي عليا صلوات الله عليه ، فهي منكمشة عمن يعاديه ويقدمهم إبن آكلة الاكباد .
هل لمعاوية أن يثبت ان هلاك عثمان كان بطعنات عمرو ؟ وهؤلاء المؤرخون ينصون على أن المهجز عليه هو كنانة بن بشر التجيبي ، وقد جاء في شعر الوليد بن عقبة :
ألا إن خير الناس بعد ثلاثة * قتيل التجيبي الذي جاء من مصر وقال هو أو غيره :
علاه بالعمود أخو تجيب * فأوهى الرأس منه والجبينا ( 3 )

هامش
( 1 ) كذا وصفه الامام السبط الحسين عليه السلام فيما مر من كتاب له إلى معاوية .
( 2 ) راجع الجزء التاسع ص 150 - 153 .
( 3 ) الانساب للبلاذرى 5 : 98 ، تاريخ الطبرى 5 : 132 .

وأخرج الحاكم في المستدرك 3 : 106 باسناده عن كنانة العدوي قال : كنت فيمن حاصر عثمان قال : قلت : محمد بن أبي بكر قتله ؟ قال : لا ، قتله جبلة بن الايهم رجل من أهل مصر . قال : وقيل : قتله كبيرة السكوني فقتل في الوقت . وقيل : قتله كنانة بن بشر التجيبي ، ولعلهم اشتركوا في قتله لعنهم الله ، وقال الوليد بن عقبة :
ألا إن خير الناس بعد نبيهم * قتيل التجيبي الذي جاء من مصر وفي الاستيعاب 2 : 477 ، 478 : كان أول من دخل الدار عليه محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته فقال : دعها يابن أخي والله لقد كان أبوك يكرمها . فاستحى وخرج ، ثم دخل رومان به سرحان رجل أزرق قصير محدود عداده في مراد وهو من ذي أصبح معه خنجر فاستقبله به وقال : على أى دين أنت يا نعثل ؟ ! فقال عثمان : لست بنعثل ولكنى عثمان ابن عفان وأنا على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين قال : كذبت وضربه على صدغه الايسر فقتله فخر .
وقال : اختلف فيمن باشر قتله بنفسه فقيل : محمد بن أبي بكر ضربه بمشقص . وقيل بل حبسه محمد بن أبي بكر وأسعده غيره ، وكان الذي قتله سودان بن حمران وقيل : بل ولي قتله رومان اليمامي . وقيل : بل رومان رجل من بني أسد بن خزيمة . وقيل : بل ان محمد بن أبي بكر أخذ بلحيته فهزها وقال : ما أغنى عنك معاوية ، وما أغنى عنك ابن أبي سرح ، وما أغنى عنك ابن عامر فقال له : يا ابن أخي ! أرسل لحيتي فوالله انك لتجبذ لحية كانت تعز على أبيك وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا مني . فيقال : انه حينئذ تركه وخرج عنه . ويقال : إنه حينئذ أشار إلى من كان معه فطعنه أحدهم وقتلوه . والله أعلم .
وأخرج أيضا ما رويناه عن المستدرك بلفظ : فقال محمد بن طلحة فقلت لكنانة :
هل ندى محمد بن أبي بكر بشئ من دمه ؟ قال : معاذ الله دخل عليه فقال له عثمان : يا ابن اخي لست بصاحبي وكلمه بكلام فخرج ولم يند بشئ من دمه . قال : فقلت لكنانة : من قتله ؟ قال : قتله رجل من أهل مصر يقال له : جبلة بن الايهم ثم طاف بالمدينة ثلاثا يقول : أنا قاتل نعثل .
وذكر المحب الطبري في رياضه 2 : 130 ما أخرجه أبوعمر في ) الاستيعاب ( من استحياء محمد بن أبي بكر وخروجه من الدار ودخول رومان بن سرحان وقتله عثمان .
فقال : وقيل : قتله جبلة بن الايهم . وقيل : الاسود التجيبي وقيل : يسار بن غلياض . وأخرج ابن عساكر في حديث ذكره ابن كثير في تاريخه 7 : 175 : وجاء رجل من كندة من أهل مصر يلقب حمارا ويكنى بأبي رومان . وقال قتادة : اسمه رومان . وقال غيره : كان أزرق أشقر . وقيل : كان إسمه سودان بن رومان المرادي . وعن ابن عمر قال : كان اسم الذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة وبيده السيف صلتا . إلخ .
وقال ابن كثير في تاريخه 7 : 198 : أما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله فهذا لا يصح ( 1 ) عن أحد من الصحابة انه رضي بقتل عثمان رضي الله عنه بل كلهم كرهه ومقته وسب من فعله لكن بعضهم كان يود لو خلع نفسه من الامر كعمار بن ياسر ، ومحمد بن أبي بكر ، وعمرو بن الحمق وغيرهم .
ثم أي مبرر لابن هند في أمره باتمام الطعنات التسع بعد الطعنة المودية به ؟ وهل في الشريعة تعبد بأن يفعل بالمقتص منه مثل ما فعله بمن يقتص له ؟ أو يكتفى بما هو المقصود من القصاص من إعدام القاتل ؟ ولعل عند فقيه بني امية مسوغا لا نعرفه أضف إلى ذلك حمل رأسه من بلد إلى بلد ، وهو أول رأس مطاف به في الاسلام ( 2 ) .
قال النسابة أبوجعفر محمد بن حبيب في كتاب ) المحبر ( ص 490 : ونصب معاوية رأس عمرو بن الحمق الخزاعي وكان شيعيا ودير به في السوق . وكان عبدالرحمن بن ام الحكم أخذه بالجزيرة . وقال ابن كثير : فطيف به في الشام وغيرها ، فكان أول رأس طيف به ثم بعث معاوية برأسه إلى زوجته آمنة بنت الشريد - وكانت في سجنه - فالقي في حجرها . فوضعت كفها على جبينه ولثمت فمه وقالت : غيبتموه عني طويلا ثم أهديتموه إلى قتيلا ، فأهلا بها من هدية غير قالية ولا مقلية .

هامش
( 1 ) راجع ما أسلفناه في الجزء التاسع فتعرف الصحيح من السقيم وتقف على جلية الحال في القضية .
( 2 ) معارف ابن قتيبة 127 ، الاستيعاب 2 : 404 ، الاصابة 2 : 533 وقال : ذكره ابن حبان بسند جيد ، تاريخ ابن كثير 8 : 48

نعم : هذه الافاعيل إلى أمثالها من نماذج فقه امه آكلة الاكباد الذي سوغ لها ما فعلت بعم النبي الاعظم سيد الشهداء حمزة سلام الله عليه ، واقتص أثر أبيه يزيد بن معاوية فيما ارتكبه من سيد شباب أهل الجنة الحسين السبط صلوات الله عليه ، فقتله و آله وصحبه الاكرمين أشنع قتلة وطيف برؤسهم الكريمة في الامصار على سمر القنا فأعقبهما خزاية لا يغسلها مر الدهور ، وشية قورن ذكرها بالخلود .
على انه لو كان هناك قصاص فهو لاولياء الدم وهم ولد عثمان ، وإن لم يكن هناك ولي أو انه عجز عن تنفيذ الحكم فيقوم به خليفة الوقت فإنه ولي الدم وأولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وهو يومئذ وقبله مولانا أميرالمؤمنين علي عليه السلام فهو موكول إليه ، وكان عمرو ابن الحمق في كنفه يراه ويبصر موقفه وخضوعه له ، فلو كان عليه قصاص أجراه عليه و هو الذي لم تأخذه في الله لومة لائم ، وساوى عدله القريب والبعيد ، وكانت يده مبسوطة عند ذاك ، وعمرو أخضع له من الظل لذيه ، ومعاوية عندئذ أحد أفراد الامة - إن صدق انه أحد أفرادها - لا يحويه عير ولا نفير ، ولا يناط به حكم من أحكام الشريعة ، غير أنه قحمه في الورطات حب الوقيعة في محبي علي أميرالمؤمنين عليه السلام والله من ورائه حسيب .
صيفى بن فسيل
وجد زياد في طلب أصحاب حجر وهم يهربون منه ويأخذ من قدر عليه منهم فجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له : إن امرء‌ا منا يقال له : صيفي بن فسيل من رؤس أصحاب حجر وهو أشد الناس عليه فبعث إليه فأتى به فقال له زياد : يا عدو الله ! ما تقول في أبي تراب ؟ فقال : ما أعرف أبا تراب . قال : ما أعرفك به ؟ أما تعرف علي بن أبي طالب ؟ قال : بلى . قال : فذلك أبوتراب . قال : كلا ذاك أبوالحسن والحسين . فقال له صاحب الشرطة : أيقول لك الامير : هو أبوتراب ، وتقول أنت : لا ؟ قال : أفإن كذب الامير أردت أن أكذب ، وأشهد له بالباطل كما شهد ؟ قال له زياد : وهذا أيضا مع ذنبك ، علي بالعصا فاتي بها فقال : ما قولك في علي ؟ قال : أحسن قول أنا قائله في عبد من عبيدالله أقوله في أميرالمؤمنين .
قال : إضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالارض . فضرب حتى لصق بالارض ثم قال : أقلعوا عنه ، ايه ما قولك في علي ؟ ! قال : والله لو شرحتني
بالمواسى والمدى ما قلت إلا ما سمعت مني . قال : لتلعننه أو لاضربن عنقك . قال : إذا والله تضربها قبل ذلك ، فأسعد وتشقى . قال : ادفعوا في رقبته . ثم قال : أوقروه حديدا واطرحوه في السجن ، ثم قتل مع من قتل من حجر وأصحابه .
قال الاميني : ما أكبرها من جناية على رجل يقول : ربي الله ويدين بالرسالة ويوالي إمام الحق ، وليس عليه ما يجلب التنكيل به كما فعله ابن سمية بايعاز من ابن آكلة الاكباد إلا الخضوع لولاية أمر الكتاب بها والرضوخ لها ، وقد أكدته السنة في نصوصها المتواترة .
وهل الامتناع عن لعن من أمر الله باتباعه وطهره وقدسه يسوغ الضرب والحبس والقتل ؟ أنا لا أدري . وإن إبن الزانية ومن ركزه على ولاية الامصار لعليمان بما ارتئاه ، لكن احتدام بغضهما لصاحب الولاية الكبرى حداهما إلى أن يلغا دم من أسلم وجهه لله وهو محسن . وإلى الله المنتهى .
قبيصة بن ضبيعة
بعث زياد إلى قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي صاحب شرطته شداد بن الهيثم فدعا قبيصة في قومه وأخذ سيفه فأتاه ربعي بن حراش بن جحش العبسي ورجال من قومه ليسوا بالكثير فأراد أن يقاتل فقال صاحب الشرطة : أنت آمن على دمك و مالك ، فلم تقتل نفسك ؟ فقال له أصحابه : قد اومنت فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك ؟
قال : ويحكم إن هذا الدعي ابن العاهرة والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدا أو يقتلني . قالوا : كلا فوضع يده في أيديهم فأقبلوا به إلى زياد فلما دخلوا عليه قال زياد : وحي عسى تعزون على الدين ، أما والله لاجعلن لك شاغلا عن تلقيح الفتن والتوثب على الامراء . قال : إني لم آتك إلا على الامان . قال : فانطلقوا به إلى السجن وقتل مع من قتل من أصحاب
حجر .
عبدالله بن خليفة
بعث زياد بكير بن حمران الاحمري إلي عبدالله بن خليفة الطائي وكان شهد مع حجر فبعثه في اناس من أصحابه فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عدي بن حاتم أخرجوه فلما أرادوا أن يذهبوا به وكان عزيز النفس إمتنع منهم فحاربهم وقاتلهم فشجوه ورموه بالحجارة حتى سقط فنادت ميثاء اخته : يا معشر طئ ! أتسلمون إبن خليفة لسانكم وسنانكم ؟ فلما سمع الاحمري نداء‌ها خشي أن تجتمع طئ فيهلك فهرب فخرج نسوة من طئ فأدخلنه دارا وانطلق الاحمري حتى أتى زيادا
فقال : إن طيئا إجتمعت إلي فلم أطقهم فأتيتك ، فبعث زياد إلى عدي وكان في المسجد فحبسه وقال : جئني به وقد اخبر عدي بخبر عبدالله ، فقال عدي : كيف آتيك برجل قد قتله القوم ؟ قال : جئني حتى أن قد قتلوه ، فاعتل له وقال : لا أدري أين هو ولا ما فعل فحبسه فلم يبق رجل من أهل المصر من أهل اليمن وربيعة ومضر إلا فزع لعدي فأتوا
زيادا فكلموه فيه وأخرج عبدالله فتغيب في بحتر فأرسل إلى عدي إن شئت أن أخرج حتى أضع يدي في يدك فعلت ، فبعث إليه عدي : والله لو كنت تحت قدمي ما رفعتهما عنك . فدعا زياد عديا فقال له : إني اخلي سبيلك على أن تجعل لي لتنفيه من الكوفة ولتسير به إلى جبلي طئ
قال : نعم فرجع وأرسل إلى عبدالله بن خليفة : اخرج فلو قد سكن غضبه لكلمته فيك حتى ترجع إن شاء الله . فخرج إلى الجبلين ومات بهما قبل
موت زياد
الشهادة المزورة على حجر
جمع زياد من أصحاب حجر بن عدي أثنى عشر رجلا في السجن ثم دعا رؤساء الارباع وهم : عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة . وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان . وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة . وأبوبردة بن أبي موسى على ربع مذحج وأسد ، فشهد هؤلاء ان حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلى حرب أميرالمؤمنين ، وزعم ان هذا الامر لا يصلح إلا في آل أبي طالب ، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه والبراء‌ة من عدوه وأهل حربه ، وان هؤلاء الذين معه هم رؤس أصحابه وعلى مثل رأيه . ونظر زياد في شهادة الشهود وقال : ما أظن هذه شهادة قاطعة وأحب أن يكون الشهود أكثر من أربعة فدعا الناس ليشهدوا عليه وقال زياد :
على مثل هذه الشهادة فاشهدوا ، أما والله لاجهدن على قطع خيط عنق الخائن الاحمق فقام عثمان بن شرحبيل التيمي أول الناس فقال : اكتبوا اسمي فقال زياد : ابدؤا بقريش ثم اكتبوا إسم من نعرفه ويعرفه أميرالمؤمنين بالصحة والاستقامة ( 1 ) فشهد عليه سبعون رجلا فقال زياد : ألقوهم إلا من عرف بحسب وصلاح في دينه فألقوا حتى صيروا إلى هذه العدة وهم أربع وأربعون فيهم : عمر بن سعد بن أبي وقاص . شمر بن ذي الجوشن شبث بن ربعي . زجر بن قيس .
وممن شهد شداد بن المنذر أخو الحضين وكان يدعى : إبن بزيعة . فكتب : شهادة إبن بزيعة. فقال زياد : أما لهذا أب ينسب إليه ؟ ألغوا من الشهود فقيل له : انه أخو الحضين بن المنذر ؟ فقال : أنسبوه إلى أبيه فنسب ، فبلغ ذلك شدادا فقال : والهفاه على إبن الزانية أو ليست امه أعرف من أبيه ؟ فوالله ما ينسب إلا إلى امه سمية .
وكتب في الشهود شريح بن الحرث ، وشريح بن هانئ . فأما شريح بن الحرث فقال : سألني عنه فقلت : أما انه كان صواما قواما . وأما شريح بن هانئ فقال :
بلغني ان شهادتي كتبت فأكذبته ولمته ، وكتب كتابا إلى معاوية وبعثه اليه بيد وائل بن حجر وفي الكتاب : بلغني ان زيادا كتب شهادتي ، وان شهادتي على حجر انه ممن يقيم الصلاة ، ويؤتي الزكاة ، ويديم الحج والعمرة ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، حرام الدم والمال ، فإن شئت فاقتله ، وإن شئت فدعه . فلما قرأ معاوية الكتاب قال :
ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم .
وكتب شهادة السري بن وقاص الحارثي وهو غائب في عمله .
قال الاميني : هذه شهادة زور لفقها إبن أبيه أو ابن امه على أصناف من الناس منهم الصلحاء والاخيار الذين أكذبوا ذلك العز والمختلق كشريح بن الحرث وشريح بن هانئ ومن حذا حذوهما ، وشهدوا بخلاف ما كتب عنهما ومنهم من كانوا غائبين عن ساعة الشهادة وساحتها ، لكن يد الافك أثبتتها عليهم كابن وقاص الحارثي ومن يشاكله .
ومنهم رجرجة من الناس يستسهلون شهادة الزور ويستسوغون من جرائها إراقة هامش ( 1 ) يعنى المعروفين بالاستقامة في عداء أميرالمؤمنين على عليه السلام واهل بيته .
الدماء ليس لهم من الدين موضع قدم ولا قدم كعمر بن سعد ، وشمر بن ذي الجوشن ، وشبث بن ربعي ، وزجر بن قيس ، فتناعقوا بشهادة باطلة لاجلها وصفهم الدعي بانهم خيار أهل المصر وأشرافهم ، وذوو النهى والدين . وإن معاوية جد عليم بحقيقة الحال لكن شهوة الوقيعة في كل ترابي حبذت له قبول الشهادة المزورة والتنكيل بحجر وأصحابه الصلحاء الاخيار ، فصرم بهم اصول الصلاح وقطع أواصرهم يوم أودى بهم ، ولم يكترث لمغبة ما ناء به من عمل غير مبرور فإلى الله المشتكى .

تسيير حجر واصحابه إلى معاوية ومقتلهم
دفع زياد حجر بن عدي وأصحابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب وأمرهما أى يسيرا بهم إلى الشام فخرجوا عشية وسار معهم صاحب الشرطة حتى أخرجهم من الكوفة فلما انتهوا إلى جبانة عرزم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي إلى داره وهي في جبانة عرزم فإذا بناته مشرفات فقال لوائل وكثير : ائذنا لي فاوصي أهلي . فأذنا له ، فلما دنا منهن وهن يبكين سكت عنهن ساعة ثم قال : اسكن فسكتن . فقال : اتقين الله عزوجل واصبرن فاني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنيين : إما الشهادة وهي السعادة ، وإما الانصراف إليكن في عافية ، وإن الذي يرزقكن ويكفيني مؤنتكن هو الله تعالى وهو حي لا يموت ، أرجو أن لا يضيعكن وأن يحفظني فيكن . ثم انصرف فمر بقومه فجعل القوم يدعون الله له بالعافية .
فساروا حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء عند دمشق وهم اثنى عشر رجلا :
حجر بن عدي ، الارقم بن عبدالله ، شريك بن شداد ، صيفي بن فسيل ، قبيصة بن ضبيعة ، كريم بن عفيف ، عاصم بن عوف ، ورقاء بن سمي ، كدام بن حيان ، عبدالرحمن بن حسان ، محرز بن شهاب ، عبدالله بن حوية . وأتبعهم زياد برجلين مع عامر بن الاسود فتموا أربعة عشر رجلا فحبسوا بمرج عذراء فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما وأخذ كتابهما فقرأه على أهل الشام فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم لعبدالله معاوية بن أبي سفيان أميرالمؤمنين من زياد بن أبي سفيان أما
بعد : فإن الله قد أحسن عند أميرالمؤمنين البلاء ، فأدا له من عدوه وكفاه مؤنة من بغى عليه ، إن طواغيت الترابية الصبائية رأسهم حجر بن عدي خالفوا أميرالمؤمنين ، وفارقوا جماعة المسلمين ، ونصبوا لنا الحرب ، فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي النهى والدين فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا ، وقد بعثت بهم إلى أميرالمؤمنين وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا .
فلما قرأ معاوية الكتاب وشهادة الشهود عليهم قال : ماذا ترون في هؤلاء النفر الذين شهد عليهم قومهم بما تسمعون ؟ فقال له يزيد بن أسد البجلي : أرى أن تفرقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواغيتها وكتب معاوية إلى زياد : أما بعد : فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه وشهادة من قبلك عليهم فنظرت في ذلك فأحيانا أرى قتلهم أفضل من تركهم ، وأحيانا أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم ، والسلام .
فكتب إليه زياد مع يزيد بن حجية التميمي : أما بعد : فقد قرأت كتابك وفهمت رأيك في حجر وأصحابه فعجبت لاشتباه الامر عليك فيهم وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هو أعلم بهم ، فإن كانت لك حاجة في هذا المصر فلا تردن حجرا وأصحابه إلي .
فأقبل يزيد بن حجية حتى مر بهم بعذراء ، فقال : يا هؤلاء ! أما والله ما أرى براء‌تكم ولقد جئت بكتاب فيه الذبح فمروني بما أحببتم مما ترون انه لكم نافع أعمل به لكم وأنطق به . فقال حجر أبلغ معاوية : أنا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها ، وإنما شهد علينا الاعداء والاظناء فقدم يزيد بالكتاب إلى معاوية وأخبره بقول حجر فقال معاوية .
زياد أصدق عندنا من حجر . فقال عبدالرحمن بن ام الحكم الثقفي . ويقال : عثمان بن عمير الثقفي : جذاذها جذاذها . فقال له معاوية : لا تعن أبرا . فخرج أهل الشام ولا يدرون ما قال معاوية وعبدالرحمن فأتوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابن ام الحكم فقال النعمان : قتل القوم .
أقبل عامر بن الاسود العجلي وهو بعذراء يريد معاوية ليعلمه بالرجلين اللذين بعث بهما زياد ولحقا بحجر وأصحابه فلما ولى ليمضي قام إليه حجر بن عدي يرسف في القيود فقال : يا عامر ! اسمع مني أبلغ معاوية : إن دماء‌نا عليه حرام . وأخبره أنا قد اومنا وصالحناه فليتق الله ولينظر في أمرنا . فقال له نحوا من هذا الكلام فأعاد عليه حجر مرارا . فدخل عامر على معاوية فأخبره بأمر الرجلين فقام يزيد بن أسد البجلي فاستوهب الرجلين وكان جرير بن عبدالله كتب في أمر الرجلين انهما من قومي من أهل الجماعة و الرأى الحسن سعى بهما ساع ظنين إلى زياد وهما ممن لا يحدث حدثا في الاسلام ولا بغيا على الخليفة فلينفعهما ذلك عند اميرالمؤمنين . فوهبهما له وليزيد بن اسد .
وطلب وائل بن حجر في الارقم الكندي فتركه .
وطلب أبوالاعور في عتبة بن الاخنس فوهبه له .
وطلب حمزة بن مالك الهمداني في سعيد بن نمران فوهبه له .
وطلب حبيب بن مسلمة في عبدالله بن حوية التميمي فخلى سبيله .
فقام مالك بن هبيرة فسأله في حجر فلم يشفعه فغضب وجلس في بيته ، فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي من بني سلامان بن سعد والتحصين بن عبدالله الكلابي وأبا شريف البدي - في الاغاني : أبا حريف البدري - فأتوهم عند المساء فقال الخثعمي حين رأى الاعور مقبلا : يقتل نصفنا وينجو نصفنا . فقال سعيد بن نمران : أللهم اجعلني ممن ينجو وأنت عني راض . فقال عبدالرحمن بن حسان العنزي : أللهم اجعلني ممن تكرم بهوانهم وأنت عني راض فطالما عرضت نفسي للقتل فأبى الله إلا ما أراد . فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية ، فقال لهم رسل معاوية : إنا قد امرنا أن نعرض عليكم البراء‌ة من علي واللعن له فإن فعلتم هذا تركناكم وإن أبيتم قتلناكم ، وان أميرالمؤمنين يزعم ان دماء‌كم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم غير انه قد عفا عن ذلك فابرؤا من هذا الرجل نخل سبيلكم قالوا : لسنا فاعلين فامروا بقيودهم فحلت ، وبقبورهم فحفرت ، وادنيت أكفانهم ، فقاموا الليل كله يصلون فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية : يا هؤلاء !
قد رأيناكم البارحة أطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان ؟ قالوا : هو أول من جار في الحكم ، وعمل بغير الحق . فقال : أصحاب معاوية أميرالمؤمنين كان أعلم بكم ، ثم قاموا إليهم وقالوا : تبرؤن من هذا الرجل ؟ قالوا : بل نتولاه فأخذ كل رجل منهم رجلا ليقتله فوقع قبيصة بن ضبيعة في يدي أبي شريف البدي فقال له قبيصة :
إن الشر بين قومي وقومك أمن - أي : آمن - فليقتلني غيرك فقال له : برتك رحم فأخذ الحضرمي فقتله . وقتل القضاعي صاحبه .
قال لهم حجر : دعوني اصلي ركعتين ، فأيمن الله ما توضات قط إلا صليت ركعتين .
فقالوا له : صل . فصلى ثم انصرف فقال : والله ما صليت صلاة قط أقصر منها ولو لا أن تروا ان ما بي جزع من الموت لاحببت أن أستكثر منها . ثم قال : أللهم إنا نستعديك على امتنا فإن أهل الكوفة شهدوا علينا ، وإن أهل الشام يقتلوننا ، أما والله لئن قتلتموني بها اني لاول فارس من المسلمين سلك في واديها ، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها . فمشى إليه هدبة الاعور بالسيف فارعدت فصائله فقال : كلا زعمت انك لا تجزع من الموت فأنا أدعك فابرأ من صاحبك . فقال : مالي لا أجزع ؟ وأنا أرى قبرا محفورا ، وكفنا منشورا ، وسيفا مشهورا ، واني والله إن جزعت لا أقول ما يسخط الرب فقيل له : مد عنقك . فقال : إن ذلك لدم ما كنت لاعين عليه ، فقدم فضربت عنقه وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتى قتلوا ستة .
الخثعمى والعنزى من أصحاب حجر
قال عبدالرحمن بن حسان العنزي ، وكريم بن عفيف الخثعمي : إبعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته . فبعثوا إلى معاوية فأخبروه فبعث ائتوني بهما فالتفتا إلى حجر فقال له العنزي : لا تبعد يا حجر ! ولا يبعد مثواك ، فنعم أخو الاسلام كنت . وقال الخثعمي نحو ذلك ثم مضى بهما فالتفت العنزي فقال متمثلا .
كفى بشفاة القبر بعدا لهالك * وبالموت قطاعا لحبل القرائن
فلما دخل عليه الخثعمي قال له : ألله ألله يا معاوية ! إنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ومسئول عما أردت بقتلنا وفيم سفكت دماء‌نا ؟ فقال معاوية : ما تقول في علي ؟ قال أقول فيه قولك ، أتتبرأ من دين علي الذي كان يدين الله به ؟ فسكت وكره معاوية أن يجيبه فقام شمر بن عبدالله الخثعمي فاستوهبه . فقال : هو لك غير اني جالسه شهرا فحبسه فكان يرسل إليه بين كل يومين فيكلمه ، ثم أطلقه على أن لا يدخل الكوفة ما دام له سلطان فنزل الموصل فكان يقول : لو قد مات معاوية قدمت المصر فمات قبل معاوية بشهر .
ثم أقبل على عبدالرحمن بن حسان فقال له : ايه يا أخا ربيعة ! ما قولك في على ؟
قال : دعني ولا تسألني فإنه خير لك قال : والله لا أدعك حتى تخبرني عنه . قال : أشهد انه كان من الذاكرين الله كثيرا ، ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ( 1 ) والعافين عن الناس . قال : فما قولك في عثمان ؟ قال : هو أول من فتح باب الظلم وارتج أبواب الحق . قال : قتلت نفسك . قال بل إياك قتلت لا ربيعة بالوادي - يعني انه ليس ثم أحد من قومه فيتكلم فيه - فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه : أما بعد : فإن هذا العنزي شر من بعثت به فعاقبه بالعقوبة التي هو أهلها واقتله شر قتلة . فلما قدم به على زياد بعث به إلي قس الناطف ( 2 ) فدفن به حيا .
فقتل من أصحاب حجر معه .
شريك بن شداد الحضرمي * صيفي بن فسيل الشيباني * قبيصة بن ضبيعة العبسي
محرز بن شهاب المنقري * كدام بن حيان العنزي * عبدالرحمن بن حسان العنزي
ونجا منهم :
كريم بن عفيف الخثعمي * عبدالله بن حوية التميمي * عاصم بن عوف البجلي
ورقاء بن سمي البجلي * أرقم بن عبدالله الكندي * عتبة بن الاخنس السعدي
سعد بن نمران الهمداني .
أخذنا ما في هذا الفصل ( 3 ) من الاغانى 16 : 2 - 11 ، عيون الاخبار لابن قتيبة 1 : تاريخ الطبرى 6 : 141 - 156 ، مستدرك الحاكم 3 : 468 ، تأريخ ابن عساكر 4 : 84 ، ج 6 : 459 ، الكامل لابن الاثير 3 : 202 - 208 ، تاريخ ابن كثير 8 : 49 - 55 .
قال الاميني : من حجر بن عدي ؟ ومن الذين كانوا معه ؟ وما الذي كانت غايتهم في تلكم المواقف الهائلة ؟ وماذا اقترفوه من ذنب حتى قتلوا تقتيلا ؟ ولماذا هتكت حرمانهم ، وقطعت أوصال حياتهم وهم فئة مسلمة ! ؟
حجر بن عدي من عدول الصحابة ، أو أحد الصحابة العدول ، راهب أصحاب محمد صلى الله عليه وآله كما قاله الحاكم ( 4 ) من أفاضل الصحابة وكبارهم مع صغر سنه مستجاب

هامش
( 1 ) في الاغانى : من الامرين بالحق والقائمين بالقسط .
( 2 ) موضع قرب الكوفة على شاطئ الفرات الشرقى .
( 3 ) المذكور تحت عنوان [ معاوية وحجر بن عدى وأصحابه ] ص 37 .
( 4 ) مستدرك الحاكم 3 : 468 .

الدعوة كما في الاستيعاب ( 1 ) وكان ثقة معروفا كما قاله ابن سعد ( 2 ) وقال المرزباني : إنه وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من عباد الله وزهادهم وكان بارا بامه ، وكان كثير الصلاة والصيام ( 3 ) وقال أبومعشر : كان عابدا وما أحدث الا توضأ وما توضأ إلا
صلى ( 4 )
وكان له صحبة ووفادة وجهاد وعبادة كما في الشذرات ( 5 ) وكان صاحب كرامة واستجابة دعاء مع التسليم إلى الله ، روى ابن الجنيد في كتاب الاولياء : إن حجر بن عدي أصابته جنابة فقال للموكل به : اعطني شرابي أتطهر به ولا تعطني غدا شيئا . فقال : أخاف أن تموت عطشا فيقتلني معاوية قال : فدعا الله فانسكبت له صحابة بالماء فأخذ منها الذي احتاج إليه ، فقال له أصحابه : ادع الله أن يخلصنا . فقال : أللهم خر لنا ( 6 ) .
وقالت عائشة : أما والله إن كان ما علمت لمسلما حجاجا معتمرا ( 7 ) وقالت لمعاوية : قتلت حجرا وأصحابه ، أما والله لقد بلغني انه سيقتل بعذراء سبعة رجال - وفي لفظ : اناس - يغضب الله وأهل السماء لهم ( 8 ) .
وقال مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام : يا أهل الكوفة ! سيقتل فيكم سبعة نفرهم من خياركم بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الاخدود . وفي لفظ : حجر بن عدي واصحابه كأصحاب الاخدود ، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ( 9 ) .
وفيما كتب ( 10 ( الامام السبط الحسين عليه السلام إلى معاوية : ألست قاتل حجر وأصحابه

هامش
( 1 ) ج 1 : 135 .
( 2 ) طبقات ابن سعد ، تاريخ ابن عساكر 4 : 85 ، تاريخ ابن كثير 8 : 50 .
( 3 ) تاريخ ابن كثير : 8 : 50 .
( 4 ) تاريخ ابن عساكر 4 : 85 ، 420 ، ج 5 ، تاريخ ابن كثير 8 : 50 .
( 5 ) 1 : 57 .
( 6 ) الاصابة 1 : 315 .
( 7 ) الاغانى 16 : 11 ، تاريخ الطبرى 6 : 156 ، الكامل 4 : 209 .
( 8 ) تاريخ ابن عساكر 4 : 86 ، تاريخ ابن كثير 8 : 55 ، الاصابة 1 : 315 .
( 9 ) تاريخ ابن عساكر 4 : 66 ، تاريخ ابن كثير 8 : 55 ، شذرات الذهب 1 : 57 .
( 10 ) مر تمام الكتاب في الجزء العاشر ص 160 ، 161 .

العابدين المخبتين ؟ الذين كانوا يستفظعون البدع ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، فقتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكدة جرأة على الله واستخفافا بعهده ؟
أو لست بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة ، فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم نزلت من سقف الجبال ؟
أو لست قاتل الحضرمي ( 1 ) الذي كتب إليك فيه زياد : انه على دين علي كرم الله وجهه ، ودين علي هو دين ابن عمه صلى الله عليه وسلم الذي اجلسك مجلسك الذي أنت فيه ، ولو لا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين : رحلة الشتاء والصيف ، فوضعها الله عنكم بنا ، منة عليكم .
هذا حجر وأصحابه ، وأما غاية ذلك العبد الصالح والتابعين له باحسان في مواقفهم كلها فهي النهي عن المنكر الموبق من لعن مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام على صهوات المنابر فكانوا يغبرون في وجه من يرتكب تلكم الجريمة من عمال معاوية وزبانيته الاشداء على إمام الحق وأوليائه ، ولم ينقم القوم منهم غير ذلك من عيث في المجتمع ، أو إفساد على السلطان ، أو شق لعصا المسلمين وكان حجر وهو سيد قومه يقول : ألا إني على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها سماع الله والناس . ويقول ليزيد بن حجية : ابلغ معاوية انا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها ، وانه انما شهد علينا الاعداء والاظناء . ويقول : ما خلعت يدا عن طاعة ولا فارقت جماعة وإني على بيعتي . ولما ادخل على معاوية سلم عليه بإمرة المؤمنين ( 2 ) .
لم يكن صلاح الرجل وأصحابه يخفى على أي أحد حتى على مثل المغيرة الذي كان من زعانف معاوية الخصماء الالداء على شيعة أميرالمؤمنين علي عليه السلام فإنه لما اشير إليه بالتنكيل بحجر وأصحابه قال : لا احب أن أبتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دماء‌هم ، فيسعدوا بذلك وأشقى ، ويعز في الدنيا معاوية ويذل يوم القيامة المغيرة ، ورأى أصحاب معاوية منهم آخر ليلة حياتهم بعذراء حسن صلاة ودعاء فأعجبهم نسكهم وأكبروا موقفهم من طاعة الله غير أنهم ألقوا عليهم البراء‌ة من علي أميرالمؤمنين عليه السلام بأمر من معاوية برائة يتبعها الامان والسلام فلم يفعلوا ، فقتلوا في موالاة علي عليه السلام كما قاله الحاكم في المستدرك 3 : 470 ، وسمعت في كلمة الامام السبط عليه السلام قوله : أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد : أنه على دين علي كرم الله وجهه . فلم يك ذنبهم إلا موالاة من قرن الله ولايته بولايته وولاية رسوله .

هامش
( 1 ) يعنى شريك بن شداد الحضرمي ، كان من أصحاب حجر الذين بعث بهم زياد إلى معاوية وقتل مع حجر .
( 2 ) الاغانى 16 : 6 ، تاريخ الطبرى 6 : 153 ، الكامل لابن الاثير : 4 : 210 ، مستدرك الحاكم 3 : 469 ، 470 ، الاستيعاب 1 : 357 ، الاصابة : 1 : 315 .
ونحن لا ندري هل ثبت في الشريعة أن البراء‌ة من إمام الهدى ولعنه مجلبة للامان على حين أن الرجل مستحق للاعدام ؟ أو أن ذلك نفسه فريضة ثابتة قامت بها الضرورة من الدين فيهدر به دم تاركها ، ويكون قتله من احب ما يكون إلى معاوية كما جاء فيما رواه ابن كثير في تاريخه 8 : 54 من أن عبدالرحمن بن الحارث قال لمعاوية :
أقتلت حجر بن الادبر ؟ فقال معاوية : قتله أحب إلي من أن أقتل معه مائة ألف .
نعم : نحن لا ندري ، لكن فقه معاوية وشهواته يستسيغان ذلك ، فلا يصيخ إلى نصح أي ناصح ، فإنه لما استشار أصحابه في أمر حجر وهو في سجن عذراء قال له عبدالله بن زيد بن أسد البجلي : يا أميرالمؤمنين ! أنت رأعينا ونحن رعيتك ، وأنت ركننا ونحن عمادك ، إن عاقبت قلنا : أصبت . وإن عفوت قلنا : أحسنت . والعفو أقرب للتقوى ، وكل راع مسؤول عن رعيته ( 1 ) وما ذنب حجر وأصحابه الصلحاء ومن شاكلهم من أهل الصلاح وحملة الاسلام الصحيح إذ عبسوا على إمارة السفهاء ؟ إمارة الوزع ابن الوزغ ، إلى أزنى ثقيف مغيرة ، إلى طليق إسته بسر بن أرطاة ، إلى ابن أبيه زياد ، إلى خليفتهم الغاشم ابن هند . و حجر وأصحابه هم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وأخبتوا إلى ما جاء به نبي الاسلام ، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله انه قال لجابر بن عبدالله : أعاذك الله من إمارة السفهاء . قال : وما إمارة السفهاء ؟ قال : امراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي ، ولا يستنون بسنتي ، فمن صدقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم فاولئك ليسوا مني ولست منهم ، ولا يردوا علي

هامش
( 1 ) مستدرك الحاكم 3 : 469 .

حوضي ، ومن لم يصدقهم بكذبهم ، ولم يعنهم على ظلمهم فاولئك مني وأنا منهم ، و سيردوا علي حوضي ( 1 )
وقال صلى الله عليه وآله : إن هلاك امتي أو فسادا امتي رؤس امراء اغيلمة سفهاء من
قريش ( 2 )
وعن كعب بن عجرة مرفوعا : سيكون امراء يكذبون ويظلمون ، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على طلمهم ، فليس مني ولا أنا منه ، ولا يرد علي الحوض يوم القيامة ، ومن لم يصدقهم بكذبهم ، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه ، ولا يرد علي الحوض يوم القيامة ( 3 )
وقال صلى الله عليه وآله : ستكون عليكم امراء تشغلهم أشياء عن الصلاة حتى يؤخروها عن وقتها ، فصلوها لوقتها ( 4 ) وابن سمية من اولئك الامراء الذين أخروا الصلاة وأنكره عليه ذلك حجر بن عدي كما مر حديثه في الجزء العاشر ص 120 .
ولم يكن لمعاوية عذر في قتل اولئك الصفوة إلا التشبث بالتافهات فكان يتلون في الجواب بمثل قوله : إني رأيت في قتلهم صلاحا للامة ، وفي مقامهم فسادا للامة .
وقوله : إني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خيرا من استحيائه في فسادهم ( 5 ) وهل صلاح الناس في الالتزام بلعن علي أميرالمؤمنين عليه السلام والبرائة منه والتحامل على شيعته ، وفسادهم في تركها أو النهي عنها ؟ انظر لعلك تجد له وجها في غير شريعة الاسلام .
وبمثل قوله : لست أنا قتلتهم إنما قتلهم من شهد عليهم ( 6 ) ولقد عرفت حال تلك الشهادة المزورة ، أو انها من قوم لا خلاق لهم ، وكان معاوية أعرف بها وبهم ، ومع ذلك استباح دماء القوم ، وتترس بقيله عن مراشق العتاب ، والانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره .

هامش
( 1 ) مسند أحمد 3 : 321 .
( 2 ) مسند أحمد 2 : 299 ، 304 ، 328 ، 520 .
( 3 ) مسند أحمد 4 : 243 ، تاريخ الخطيب 5 : 362 .
( 4 ) مسند أحمد 5 : 315 ، تاريخ الخطيب 13 : 185 .
( 5 ) تاريخ ابن كثير 8 : 55 .
( 6 ) تاريخ الطبرى 6 : 156 ، الاستيعاب 1 : 135 .

وبمثل قوله : فما أصنع كتب إلي فيهم زياد يشدد أمرهم ويذكر انهم سيفتقون علي فتقا لا يرقع
( 1 ) وقوله : حملني ابن سمية فاحتملت ( 2 ) قبح الله الصلف والوقاحة أكان زياد عاملا له أو هو عامل لزياد ؟ ! حتى يحتمل الموبقات بإشارته . وهل يهدر دماء الصالحين - وبذلك عرفهم المجتمع الديني - بقول فاسق مستهتر ؟ ! والله يقول : يا أيها الذين آمنوا إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ( 3 ) لكن معاوية بعد أن استلحق زيادا بأبي سفيان راقه أن لا ينحرف عن مرضاته وفيها شفاء غلته وإن زحزحته عن زمرة اناس خوطبوا بالآية الشريفة .
وبمثل قوله لعائشة لما عاتبته على قتله حجرا وأصحابه : فدعيني وحجرا نلتقي عند ربنا عزوجل . وقوله لها حين قالت له : أين عزب عنه حلم أبي سفيان في حجر وأصحابه ؟ : حين غاب عني مثلك من حلماء قومي ( 4 ) إن هو إلا الهزء بالله و بلقاء‌ه ، أو لم يكف من آمن بالله واليوم الآخر نصح القرآن وحده وشرعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم معه في حرمة دماء المؤمنين الابرياء ؟ هل يسع معاوية أو يغنيه يوم لقاء الله التمسك بالترهات تجاه قوله تعالى : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ( 5 ) وقوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ . ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ( 6 ) وقوله تعالى : إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ( 7 ) وقوله تعالى : وعباد الرحمن الذين يمشون في الارض هونا - إلى قوله - ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك

هامش
( 1 ) الاستيعاب 1 : 134 ، اسد الغابة 1 : 386 .
( 2 ) الاغانى 16 : 11 ، تاريخ الطبرى 6 : 156 ، كامل ابن الاثير 4 : 209 .
( 3 ) سورة الحجرات : 6 .
( 4 ) الاغاني 16 : 11 ، الاستيعاب 1 : 134 ، اسد الغابة 1 : 386 ، تاريخ ابن كثير 8 : 55 .
( 5 ) سورة الاسراء : 33 .
( 6 ) سورة النساء : 92 ، 93 .
( 7 ) سورة آل عمران : 21 .

يلق أثاما ؟ ! ( 1 ) .
أو لم يكف معاوية ما رواه هو نفسه عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله : كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا ؟ مسند أحمد 4 : 96 .
أو ما كتبه بيده الاثيمة إلى مولانا أميرالمؤمنين من كتاب : واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : لو تمالا أهل صنعاء وعدن على قتل رجل واحد من المسلمين لاكبهم الله على مناخرهم في النار ؟ .
أو ما رواه ابن عمر مرفوعا : لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ؟ .
أوما جاء به البراء بن عازب مرفوعا : زوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق . رواه ابن ماجة والبيهقي ، وزاد فيه الاصبهاني : ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لادخلهم النار .
وفي رواية لبريدة مرفوعا : قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا .
وفي حديث لابي هريرة مرفوعا : لو أن أهل السماء وأهل الارض اشتركوا في دم مؤمن لاكبهم الله في النار .
ومن حديث لابن عباس مرفوعا : لو اجتمع أهل السماء والارض على قتل امرئ لعذبهم الله إلا أن يفعل ما يشاء .
ومن حديث لابي بكرة مرفوعا : لو ان أهل السماوات والارض اجتمعوا على قتل مسلم لكبهم الله جميعا على وجوههم في النار .
ومن طريق ابن عباس مرفوعا : أبغض الناس إلى الله ملحد في الحرم . ومبتغ في الاسلام سنة الجاهلية ، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه ، صحيح البخاري ،
سنن البيهقي 8 : 27 .
ومن طريق أبي هريرة مرفوعا : من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه : آيس من رحمة الله .

هامش
( 1 ) سورة الفرقان : 68 .

ومن حديث أبي موسى مرفوعا : أصبح أبليس بث جنوده فيقول : من أخذل اليوم مسلما ألبسه التاج . فيجئ هذا فيقول : لم أزل به حتى طلق امرأته . فيقول : أوشك أن يتزوج . ويجئ هذا فيقول : لم أزل به حتى عق والديه . فيقول : يوشك أن يبرهما ويجئ هذا فيقول : لم أزل به حتى أشرك . فيقول : أنت أنت ويجئ هذا فيقول : لم أزل به حتى قتل فيقول : أنت أنت ويلبسه التاج .
ومن حديث عبدالله بن عمرو مرفوعا : من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما . وفي لفظ أحمد : من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم الله تبارك وتعالى عليه الجنة لم يشم ريحها .
إلى أحاديث جمة اخرى أخرجها الحفاظ وأئمة الحديث في الصحاح والمسانيد وجمع شطرا منها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 3 : 120 - 123 .
ما أحوج معاوية مع هذه كلها إلى نصح ضرائب عائشة في هذه الموبقة الكبيرة و هي نفسها لم تكترث لسفك دماء آلاف مؤلفة ممن حسبتهم أبنائها على حد قول الشاعر :
جاء‌ت مع الاشقين في هودج * تزجي إلى البصرة أجنادها
كأنها في فعلها هرة * تريد أن تأكل أولادها
نعم : مضى حجر سلام الله عليه إلى ربه سجيح الوجه ، وضئ الجبين ، حميدا سعيدا مظلوما مهتضما ، مضرجا بدمه ، مصفدا بقيود الظلم والجور ، خاتما حياته الحميدة بالصلاة ، قائلا : لا تطلقوا عني حديدا ، ولا تغسلوا عني دما ، وادفنوني في ثيابي فإني مخاصم . وفي لفظ : فإنا نلتقي معاوية على الجادة . ( 1 ) وأبقت تلك الموبقة على معاوية خزي الابد ، وعد الحسن من أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة : قلته حجرا
، وقال : ويلا له من حجر و أصحاب حجر ( 2 ) .
ونحن على يقين من أن الله تعالى سيأخذ ابن آكلة الاكباد بما خطته يده

هامش
( 1 ) مستدرك الحاكم 3 : 469 ، 470 ، الاستيعاب 1 : 135 ، كامل ابن الاثير 4 : 210 ، اسد الغابة 1 : 386 ، الاصابة 1 : 315 .
( 2 ) مرح تمام حديث الحسن في ص 225 من الجزء العاشر .

الاثيمة إلى أهل البصرة من قوله : إن سفك الدماء بغير حلها ، وقتل النفوس التي حرم الله قتلها ، هلاك موبق ، وخسران مبين ، لا يقبل الله ممن سفكها صرفا ولا عدلا ( 1 ) الحضرميان وقتلهما على التشيع قال النسابة أبوجعفر محمد بن حبيب البغدادي المتوفى 245 في كتابه )المحبر ) ص 479 : صلب زياد بن أبيه مسلم بن زيمر وعبدالله بن نجي الحضرميين ، على أبوابهما اياما بالكوفة وكانا شيعيين وذلك بأمر معاوية . وقد عدهما الحسين بن علي رضي الله عنهما على معاوية في كتابه اليه : الست صاحب حجر والحضرميين اللذين كتب اليك ابن سمية أنهما على دين علي ورأيه ، فكتبت إليه من كان على دين علي ورأيه فاقتله وامثل به ، فقتلهما ومثل بأمرك بهما ؟ ودين علي وابن عم علي الذي كان يضرب عليه أباك - يضربه عليه أبوك - أجلسك مجلسك الذي أنت فيه . ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين ( 2 ) اللتين بنا من الله عليك بوضعها عنكم .
قال الاميني : هلموا معي يا أهل دين الله ! هل اعتناق دين علي عليه السلام مما يستباح به دم مسلم ، وتستحل المثلة والتنكيل المحظورة في الشريعة المطهرة ، الممنوع عنها ولو بالكلب العقور ؟ أليس دين علي هو دين محمد صلى الله عليه وآله الذي صدع به عن الله تعالى ؟ نعم هو كذلك لكن معاوية حايد عن الدين القويم ولا يقيم له وزنا ما ، ولا يكترث لمغبة هتكه ، ولا يتريث عن الوقيعة فيه .
مالك الاشتر
ومن الصلحاء الذين قتلهم معاوية بغير ذنب أتاه مالك بن الحارث الاشتر النخعي لله در مالك وما مالك ؟ لو كان من جبل لكان فندا ، ولو كان من حجر لكان صلدا ، على مثل مالك فليبك البواكي ، وهل موجود كمالك ؟ أشد عباد الله بأسا ، وأكرمهم حسبا ، كان أضر على الفجار من حريق النار ، وأبعد الناس من دنس أو عار ، حسام صارم ، لا نابي الضريبة ، ولا كليل الحد ، حكيم في السلم ، رزين في الحرب ذو رأي أصيل ، وصبر جميل .

هامش
( 1 ) شرح ابن أبى الحديد 1 : 350 .
( 2 ) كان المقريش في الجاهلية رحلتان كل عام : رحلة في الشتاء إلى اليمن ، ورحلة في الصيف إلى الشام . وكان ابوسفيان يرء‌س العير التى تردد بين مكة والشام .

كان ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته ، ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم ، ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل ، كان يجمع بين اللين والعنف ، فيسطو في موضع السطوة ، ويرفق في موضع الرفق ، كان فارسا شديد البأس شجاعا رئيسا حليما جوادا فصيحا شاعرا ( 1 ) .
كتب علي عليه السلام إلى مالك وهو يومئذ بنصيبين : أما بعد : فإنك ممن استظهرته على إقامة الدين ، وأقمع به نخوة الاثيم ، وأشد الثغر المخوف ، وكنت وليت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج وهو غلام حدث ليس بذي تجربة للحرب ولا بمجرب للاشياء ، فأقدم علي لننظر في ذلك فيما ينبغي ، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك . والسلام .
فأقبل مالك إلى علي حتى دخل عليه فحدثه حديث أهل مصر وخبره خبر أهلها وقال : ليس لها غيرك ، اخرج رحمك الله ، فإني لم اوصك ، اكتفيت برأيك ، واستعن بالله على ما أهمك ، فاخلط الشدة باللين ، وارفق ما كان الرفق أبلغ ، واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة . فخرج الاشتر من عند علي فأتى رحله فتهيأ للخروج إلى مصر وأتت معاوية عيونه فاخبروه بولاية علي الاشتر ، فعظم ذلك عليه وقد كان طمع في مصر فعلم أن الاشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر ، فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم وقال له : إن الاشتر قد ولي مصر فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت فاحتل له بما قدرت عليه . فخرج الرجل حتى أتى القلزم وأقام به ، وخرج الاشتر من العراق إلى مصر فلما انتهى إلى القلزم إستقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول فقال : هذا منزل وهذا طعام وعلف وأنا رجل من أهل الخراج .
فتزل عنده فأتاه بطعام فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما فسقاه إياها ، فلما شربها مات ، وأقبل معاوية يقول لاهل الشام : إن عليا وجه الاشتر إلى مصر فادعوا الله أن
يكفيكموه فكانوا كل يوم يدعون الله على الاشتر ، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الاشتر فقام معاوية خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد : فإنه كانت لعلي يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعني عمار بن ياسر ، وقطعت

هامش
( 1 ) راجع في بيان هذه الجمل كلها إلى ما اسلفناه في الجزء التاسع ص 37 - 41 ط 1 .
الاخرى اليوم يعني الاشتر ( 1 ) .
وفي لفظ ابن قتيبة في العيون 1 : 201 : فقال معاوية لما بلغه الخبر : يا بردها على الكبد ! إن لله جنودا منها العسل . وقال علي : لليدين وللفم .
وفي لفظ المسعودي في المروج 2 : 39 : ولى علي الاشتر مصر وأنفذه إليها في جيش فلما بلغ ذلك معاوية دس إلى دهقان وكان بالعريش ( 2 ) فأرغبه وقال : أترك خراجك عشرين سنة فاحتل للاشتر بالسم في طعامه . فلما نزل الاشتر العريش سأل الدهقان :
أي الطعام والشراب أحب إليه ؟ قيل : ألعسل . فأهدى له عسلا وقال : إن من أمره وشأنه كذا وكذا ، ووصفه للاشتر وكان الاشتر صائما فتناول منه شربة فما استقرت في جوفه حتى تلف ، وأتى من كان معه على الدهقان ومن كان معه . وقيل : كان ذلك بالقلزم والاول أثبت . فبلغ ذلك عليا فقال : لليدين وللفم . وبلغ ذلك معاوية فقال : إن لله جندا من العسل .
قال الاميني : هاهنا تجد معاوية كيف لا يتحوب من ذلك الحوب الكبير قتل العبد الصالح الممدوح بلسان رسول الله وخليفته مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام ( 3 ) . وإنه واهل الشام فرحوا فرحا شديدا ، بموت ذلك البطل المجاهد ( 4 ) لمحض انه كان يناصر إمام وقته المنصوص عليه والمجمع على خلافته ، ولا غرو فإنه كان يسر ابن هند كل ما ساء ملة الحق وأئمة الهدى وأولياء الصلاح ، وما كان يسعه أن يأتي بطامة أكبر من هذه لو لم يكن في الاسلام للنفوس القادسة أي حرمة ، وللائمة عليهم السلام ومناصريهم أي مكانة ، حتى لو كان معاوية مستمرا على ما دؤب عليه إلى أخريات عهد النبوة من الكفر المخزي فلم يحده الفرق من بارقة الاسلام إلى الاستسلام ، فما جاء زبانيته الكفرة يومئذ بأفظع من هذه وأمثالها يوم قتلوا خيار أصحاب محمد صلى الله عليه وآله لمناصرتهم إياه ، وحبهم ذوي قرباه ، ودفاعهم عن ناموس أهل بيته الاكرمين .

هامش
( 1 ) تاريخ الطبرى 6 : 54 ، كامل ابن الاثير : 3 : 152 .
( 2 ) هى مدينة كانت أول عمل مصر من ناحية الشام على ساحل بحر الروم .
( 3 ) راجع ما أسلفناه في الجزء التاسع ص 37 - 41 .
( 4 ) تاريخ ابن كثير : 7 : 312 .

محمد بن أبى بكر
ومن صخايا ملك معاوية العضوض ، وذبايح حكومته الغاشمة ، وليد حرم أمن الله ، وربيب بيت العصمة والقداسة : محمد بن أبي بكر .
بعث معاوية عمرو بن العاص إلى مصر في ستة آلاف رجل ، ومحمد بن أبي بكر عامل أمير المؤمنين عليها ، فخرج عمرو وسار حتى نزل أداني أرض مصر فاجتمعت العثمانية إليه فأقام بهم وكتب إلى محمد بن أبي بكر :
أما بعد : فتنح عني بدمك يا ابن أبي بكر فإني لا احب أن يصيبك منى ظفر إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك ، وندموا على اتباعك ، فهم مسلموك لو قد إلتقت حلقتا البطان ، فاخرج منها فإني لك من الناصحين ، والسلام .
وبعث إليه عمرو بكتاب كتبه معاوية إليه ايضا وفيه :
أما بعد : فإن غب البغي والظلم عظيم الوبال ، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا ومن التبعة الموبقة في الآخرة ، وإنا لا نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا ، ولا أسوأ له عيبا ، ولا أشد عليه خلافا منك ، سعيت عليه في الساعين ، وسفكت دمه في السافكين ، ثم أنت تظن اني عنك نائم أو ناس لك ، حتى تأتي فتأمر على بلاد أنت فيها جاري ، وجل أهلها أنصاري ، يرون رأيى ، ويرقبون قولي ، ويستصرخوني عليك ، وقد بعثت إليك قوما حناقا عليك تستسقون دمك ، ويتقربون إلى الله بجهادك ، وقد أعطوا الله عهدا ليمثلن بك ، ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذرتك ولا أنذرتك ، ولاحببت أن يقتلوك بظلمك وقطيعتك وعدوك على عثمان يوم يطعن بمشاقصك بين خششائه وأوداجه ، ولكن أكره أن امثل بقرشي ، ولن يسلمك الله من القصاص أبدا أينما كنت والسلام .
فطوى محمد كتابيهما وبعث بهما إلى علي ، وكتب إلى معاوية جواب كتابه :
أما بعد : فقد أتاني كتابك تذكرني من أمر عثمان أمرا لا اعتذر إليك منه ، وتأمرنى بالتنحي عنك كأنك لي ناصح ، وتخوفني المثلة كأنك شفيق ، وأنا أرجو أن تكون لي الدائرة عليكم فأجتاحكم في الوقيعة ، وإن تؤتوا النصر ويكن لكم الامر في الدنيا فكم لعمري من ظالم قد نصرتم ، ومن مؤمن قد قتلتم ومثلتم به ؟ وإلى الله مصيركم ومصيرهم ، وإلى الله مرد الامور وهو أرحم الراحمين ، والله المستعان على ما تصفون ، والسلام .
وكتب إلى عمرو بن العاص :
أما بعد : فقد فهمت ما ذكرت في كتابك يا ابن العاص ! زعمت انك تكره أن يصيبني منك طفر وأشهد أنك من المبطلين ، وتزعم انك لي نصيح واقسم انك عندي ظنين ، وتزعم أن أهل البلد قد رفضوا رأيي وأمري وندموا على اتباعي فاولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء ، فحسبنا الله رب العالمين ، وتوكلنا على الله رب العرش العظيم والسلام .
فأقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر فقام محمد بن أبي بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال :
أما بعد : معاشر المسلمين والمؤمنين ! فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة ، وينعشون الضلالة ، ويشبون نار الفتنة ، ويتسلطون بالجبرية قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بالجنود ، عباد الله ! فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله ، انتدبوا إلى هؤلاء رحمكم الله مع كنانة بن بشر .
فانتدب مع كنانة نحو من ألفي رجل وخرج محمد في ألفي رجل ، واستقبل عمرو ابن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد ، فأقبل عمرو نحو كنانة ، فلما دنا من كنانة شرح الكتائب كتيبة بعد كتيبة ، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يقر بها بعمرو بن العاص ، ففعل ذلك مرارا فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن حديج السكوني فأتاه في مثل الدهم ( 1 ) فأحاط بكنانة وأصحابه ، واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب ، فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه ونزل أصحابه وكنانة يقول : وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ، وسنجزي الشاكرين ، فضاربهم بسيفه حتى استشهد رحمه الله .
وأقبل عمرو بن العاص نحو محمد بن أبي بكر وقد تفرق عنه أصحابه لما بلغهم قتل

هامش
( 1 ) الدهم : العدد الكثير . وجيش دهم . اى : كثير .

كنانة حتى بقي وما معه أحد من أصحابه ، فلما رأى ذلك محمد خرج يمشى في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها ، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط ، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد حتى انتهي إلى علوج في قارعة الطريق فسألهم هل مر بكم أحد تنكرونه ؟ فقال أحدهم : لا والله إلا اني دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل فيها جالس . فقال إبن حديج : هو هو ورب الكعبة . فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشا فأقبلوا به نحو فسطاط مصر ، ووثب أخوه عبدالرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص وكان في جنده فقال : أتقتل أخي صبرا ؟ ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه . فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر ، فقال معاوية : أكذاك قتلتم كنانة بن بشروا خلي أنا عن محمد بن أبي بكر ؟ هيهات أكفاركم خير من اولئكم أم لكم براء‌ة في الزبر ؟ فقال لهم محمد :
اسقوني من الماء ؟ قال له معاوية بن حديج : لا سقاه الله إن سقاك قطرة أبدا ، انكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما فتلقاه الله بالرحيق المختوم ، والله لاقتلنك ياابن أبي بكر فيسقيك الله الحميم والغساق . قال له محمد : يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك إليك وإلى من ذكرت إنما ذلك إلى الله عزوجل يسقي أولياء‌ه ويظمئ أعداء‌ه أنت وضرباؤك ومن تولاه ، أما والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني هذا ، قال له معاوية : أتدري ما أصنع بك ؟ أدخلك في جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار . فقال له محمد : إن فعلتم بي ذلك فطال ما فعل ذلك بأولياء الله ، وإني لارجو هذه النار التي تحرقني بها أن يجعلها الله علي بردا وسلاما كما جعلها على خليله إبراهيم ، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وأوليائه ، إن الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامك يعني معاوية وهذا - وأشار إلى عمرو بن العاص - بنار تلظى عليكم كلما خبت زادها الله سعيرا .
قال له معاوية : إني إنما أقتلك بعثمان . قال له محمد : وما أنت وعثمان ؟ إن عثمان عمل بالجور ونبذ حكم القرآن وقد قال الله تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون . فنقمنا ذلك عليه فقتلناه وحسنت أنت له ذلك ونظراؤك ، فقد برأنا الله إن شاء الله من ذنبه وأنت شريكه في إثمه وعظم ذنبه وجاعلك على مثاله . قال : فغضب معاوية فقدمه فقتله ثم ألقاه في جيفة حمار ثم أحرقه بالنار . فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو ( 1 ) .
وفي النجوم الزاهرة 1 : 110 : وقيل : إنه قطع رأسه وأرسله إلى معاوية بن أبي سفيان بدمشق وطيف به وهو اول رأس طيف به في الاسلام .
صورة اخرى
وجه معاوية عمرو بن العاص في سنة ثمان وثلاثين إلى مصر في أربعة آلاف ، ومعه معاوية بن حديج ، وأبوالاعور السلمي ، واستعمل عمرا عليها حياته فالتقوا هم ومحمد بن أبي بكر وكان عامل علي عليها بالموضع المعروف بالمسناة فاقتتلوا حتى قتل كنانة بن بشر ، وهرب عند ذلك محمد لاسلام أصحابه إياه وتركهم له ، فاختبأ عند رجل يقال له : جبلة بن مسروق ، فدل عليه ، فجاء معاوية بن حديج وأصحابه فأحاطوا به ، فخرج إليهم محمد بن أبي بكر فقاتل حتى قتل ، فأخذه معاوية بن حديج وعمرو بن العاص فجعلوه في جلد حمار وأضرموه بالنار ، وذلك بموضع في مصر يقال له : كوم شريك .
وقيل : انه فعل به ذلك وبه شيئ من الحياة ، وبلغ معاوية قتل محمد وأصحابه فأظهر الفرح والسرور . وبلغ عليا قتل محمد وسرور معاوية فقال : جزعنا عليه على قدر سرورهم ، فما جزعت على هالك منذ دخلت هذه الحرب جزعي عليه ، كان لي ربيبا وكنت أعده ولدا ، كان بي برا ، وكان إبن أخي ( 2 ) فعلى مثل هذا نحزن وعند الله نحتسبه ( 3 ) .
قدم عبدالرحمن الفزاري على علي عليه السلام من الشام وكان عينه بها وحدثه : انه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشراء من قبل عمرو بن العاص تترى يتبع بعضها بعضا بفتح مصر وقتل محمد وحتى أذن بقتله على المنبر ، وقال : يا أميرالمؤمنين ! قلما رأيت

هامش
( 1 ) تاريخ الطبرى 6 : 58 - 61 ، الكامل لابن الاثير 3 : 154 ، تاريخ ابن كثير 7 : 313 ، 314 ، النجوم الزاهرة 1 : 110 .
( 2 ) كان محمد بن ابى بكر اخا عبدالله بن جعفر بن أبى طالب لامته .
( 3 ) مروج الذهب 2 : 39 ، تاريخ ابن كثير 7 : 314 .

قوما قط أسر ، ولا سرورا قط أظهر من سرور رأيته بالشام حين أتاهم هلاك محمد بن أبي بكر فقال علي : أما إن حزننا عليه قدر سرورهم به بل يزيد أضعافا ، وحزن علي على محمد بن أبي بكر حتى رؤي ذلك في وجهه وتبين فيه ، وقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم وقال : ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة اولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الاسلام عوجا ، ألا وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمه الله فعند الله نحتسبه ، أما والله إن كان ما علمت لممن ينتظر القضاء ، ويعمل للجزاء ، ويبغض شكل الفاجر ، ويحب هدى المؤمن . الخطبة ( 1 )
وقال أبوعمر : يقال : إن محمد بن أبي بكر أتي به عمرو بن العاص فقتله صبرا .
وروى شعبة وابن عيينة عن عمرو بن دينار قال : اتي عمرو بن العاص بمحمد بن أبي بكر أسيرا فقال : هل معك عهد ؟ ! هل معك عقد من أحد ؟ ! قال : لا فأمر به فقتل ، وكان علي بن ابي طالب يثني على محمد بن أبي بكر ويفضله لانه كانت له عبادة واجتهاد ( 2 ) .
وقال ابن حجر : قيل : انه اختفي في بيت امرأة من غافق آواه فيه أخوها ، وكان الذي يطلبه معاوية بن حديج ، فلقيتهم أخت الرجل الذي كان آواه وكانت ناقصة العقل فظنت انهم يطلبون أخاها فقالت : أدلكم على محمد بن أبي بكر على أن لا تقتلوا أخي ؟ قالوا : نعم . فدلتهم عليه ، فقال : احفظوني لابي بكر . فقال معاوية : قتلت ثمانين من قومي في دم عثمان وأتركك وأنت صاحبه ؟ ! تهذيب التهذيب 9 : 80 .
قال الاميني : إن أمثال هذه الفظايع والفجايع لبمقربة من مغازي إبن العاصي وأذنابه ، ومن مرضات إبن آكلة الاكباد الذين لم يبالوا بإراقة الدماء الزاكية منذ بلغوا أشدهم ، ولا سيما من لدن مباشرتهم الحرب في صفين إلى أن إصطلوا نار الحطمة فلم يفتأوا والغين في دماء الاخيار الابرار دون شهواتهم المخزية .
وهب أن محمدا نال من عثمان ما حسبوه ، فعجيب أن ينهض بثاره مثل معاوية

هامش
( 1 ) تاريخ الطبرى 6 : 62 ، كامل ابن الاثير 3 : 155 .
( 2 ) الاستيعاب 2 : 235 ، تهذيب التهذيب 9 : 81 .

المتثبط عنه يوم استنهضه عثمان حتى قتل ، وعمرو بن العاصي القائل المبتهج بقتله بقوله : أنا أبوعبدالله قتلته وأنا بوادي السباع . وقوله : أنا أبوعبدالله إذا حككت قرحة نكأتها . وقوله : أنا أبوعبدالله قد يضرط العير والمكواة في النار .
وكان يألب عليه حتى الراعي في غنمه في رأس الجبل ( 1 ) وهلا ساق معاوية ذلك الحشد اللهام إلى عائشة الرافعة عقيرتها بين جماهير الصحابة : اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر . وأمثالها من الكلم القارصة ( 2 ) وإلى طلحة والزبير وكانا أشد الناس عليه ، وطلحة هو الذي منع عنه الماء في حصاره ، ومنع الناس عن تجهيزه ، ومنعه أن يدفن إلا في حش كوكب جبانة اليهود . إلى فظايع مر تفصيلها في الجزء التاسع 92 - 111 ، وقال الشهرستاني في الملل والنحل ص 25 : كان امراء جنوده : معاوية عامل الشام ، وسعد بن أبي وقاص عامل الكوفة ، وبعده الوليد بن عقبة ، وعبدالله بن عامر عامل البصرة ، وعبدالله بن أبي سرح عامل مصر ، وكلهم خذلوه ورفضوه حتى أتى قدره عليه .
نعم : هؤلاء قتلوه لكن معاوية لا يريد المقاصة إلا من أولياء علي عليه السلام فيستأصل شأفتهم تحت كل حجر ومدر ، ويستسهل فيهم كل شقوة وقسوة ، وليس له مع أضداد علي عليه السلام أى مقصد صحيح ، وإلا فأي حرمة لدم أجمعت الصحابة على سفكه ؟
واحتجت عليه بآي الذكر الحكيم كما مر تفصيله في الجزء التاسع ص 164 - 168 ، 205 لو لم يكن اتباع القوم بالصحابة والاحتجاج بما قالوا وعملوا واعتبارهم فيهم العدالة جميعا تسري مع الميول والشهوات ، فيحتجون بدعوى إجماعهم على خلافة أبي بكر ) ولم يكن هنالك إجماع ( ولا يحتجون به في قتل عثمان ) وقد ثبت فيه الاجماع ) .
وهب أن محمد بن أبي بكر هو قاتل عثمان الوحيد من دون أي حجة ولا مبرر له وهو المحكوم عليه بالقصاص ، وفي القصاص حياة ، فهل جاء في شريعة الاسلام قصاص
هامش
( 1 ) راجع ما اسلفناه في الجزء التاسع ص 136 - 140 .
( 2 ) راجع ما مر في الجزء التاسع ص 78 - 86 .

كهذا بأن يلقى المقتص به في جيفة حمار ثم يحرق بالنار ، ويطاف برأسه في البلاد ؟ هل هذا دين الله الذي كان يدين به محمد بن أبي بكر ؟ أو دين هبل إله معاوية وإله آباء‌ه الشجرة المنعوتة في القرآن ؟
نحن نقص عليك نبأهم بالحق ، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ، إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين .

نظرة في مناقب ابن هند
لعلك إلى هاهنا عرفت معاوية ، وأنه أي رجل هو ، وانه كيف كانت نفسياته وملكاته ، وان رجلا كمثله لا يتبوأ مقعده إلا حيث تنيخ شية العار ، وفي مستوى السوء‌ة والبوائق ، وان أي فضيلة تلصقه به رواة السوء وتخط عنه الاقلام المستأجرة فهو حديث إفك نمقتة الاهواء والشهوات ، ولا يقام له في سوق الاعتبار وزن ، ولا في مبوأ الحق مقيل ، فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر .
أليس معاوية هو صاحب تلكم الموبقات والجرء‌ة على الله وعلى الاسلام ونبيه و كتابه وسنته . سنة الله التي لا تبديل لها ؟ !
أليس هو الهاتك حرمات الله والمصغر قدر أوليائه ، والمريق دمائهم الزكية ، و الدؤوب على الظلم والجور بإزهاق النفوس البريئة من غير جرم ؟ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ( 1 ) .
أليس هو من آذى الله ورسوله في الصالحين من رجالات الامة وعدول الصحابة الاولين والتابعين لهم باحسان ، المحرمة دماؤهم وأقدارهم وحرماتهم بزجهم إلى أعماق السجون ، وإبعادهم عن عقر دورهم وإخافتهم ؟ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ( 2 ) .
أليس هو من آذى رسول الله في أهل بيته بإثارة الحرب على صنوه ونفسه وخليفته حقا ؟ وكان من واجبه أن يخضع له ويتحرى مرضاته ، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ( 3 ) .

هامش
( 1 ) سورة النساء : 96 .
( 2 ) سورة الاحزاب : 58 ، 59 .
( 3 ) سورة التوبة : 63 .

أليس هو الذي لم يراقب حرمة الرسول الاعظم في ذوي قرباه وصغرها بسب أبي ولده ، وأمر الملا الديني بتلك الجريمة الموبقة ، واتخذها سنة متبعة ، وقذف من طهره الجليل بالافائك والمفتريات ؟
أليس هو السباق الاول في المآثم الجمة المخزية ؟ أول من باع الخمر وشربها من الخلفاء ؟ والخمر وشاربها وبايعها ومشتريها ملعون ملعون .
أول من اشاع الفاحشة في الملا الاسلامي ؟ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون . ) سور النور : 20 )
أول من أحل الربا وأكله ؟ وأحل الله البيع وحرم الربا ، والذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ، وآكل الربا وموكله ملعون بلسان النبي صلى الله عليه وآله
أول من أتم الصلاة في السفر تقديسا لا حدوثة ابن عمه ؟ ! .
أول من أحدث الاذان في صلاة العيدين ؟ ! .
أول من رأى الجمع بين الاختين إحياء لما ذهب إليه عثمان ؟ !
أول من غير السنة في الديات وأدخل فيها ما ليس منها ؟ ! .
أول من ترك التكبير في الصلوات عند كل هوي وانتصاب وهي سنة ثابتة ؟ !
أول من ترك التلبية وأمر به خلافا لعلي أميرالمؤمنين عليه السلام العامل بسنة الله و رسوله ؟ !
أول من قدم الخطبة على الصلاة في العيد لاسماع الناس سب علي عليه السلام ؟ وقد صح عن نبى الاسلام : من سب عليا فقد سبه ، ومن سبه فقد سب الله .
اول من عصى ربه بترك حدوده وإقامة سنته ؟ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) سورة النساء : 19 ( .
أول من نقض حكم العاهر ، وأحيى طقوس الجاهلية ، وخالف دين محمد صلى الله عليه وآله والولد للفراش وللعاهر الحجر ؟ ! .
أول من تختم باليسار ؟ فأخذ المراونة بذلك إلى أن نقله السفاح إلى اليمين فبقي إلى أيام الرشيد فنقله إلى اليسار ( 1 ) .
أول من سن سب علي عليه السلام وقنت به وجعله سنة جارية في خلفه الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وشوه خطب المنابر بذلك الحادث المخزي ؟ ! .
أول من بغى على إمام وقته وحاربه وقاتله وقتل امة كبيرة من صلحاء الصحابة البدريين وأهل بيعة الشجرة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ؟ ! .
أول من أعطى المال لوضع الحديث وتحريف كتاب الله وكلمته الطيبة عن مواضعها ؟ !
أول من اشترط البرائة عن علي عليه السلام على من بايعه في خلافته الغاشمة أو في ملكه العضوض ؟ !
أول من حمل إليه رأس الصحابي العادل عمرو بن الحمق وادير به في البلاد ؟ !
أول من قتل عدول الصحابة الاولين والتابعين لهم باحسان من عيون الامة و عبادها ونساكها لمحض ولائهم سيد العترة ، وقد جعله الله أجر رسالة نبيه الخاتم صلى الله عليه وآله ؟ !
أول من قتل نساء كل من والى أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وذبح صبيانهم ، ونهب أموالهم ، ومثل قتلاهم وشتت شملهم ، وفرق جمعهم ، واستأصل شأفتهم ، ونفاهم عن عقر دورهم ، وأبادهم تحت كل حجر ومدر ؟ !
أول من عبثت به رعيته ، وسن العمل بالشهادات المزورة ، وسلط رجال الشر والغي والجور على صلحاء امة محمد صلى الله عليه وآله ؟ !
أول من هم بنقل منبر رسول الله صلى الله عليه وآله عن المدينة المشرفة إلى الشام ؟ ! ولما حرك المنبر خسفت الشمس فترك ( 2 ) .
أول من بدل الخلافة الاسلامية إلى شر ملك وسلطة سوء ؟ !
أول من ملك وتجبر في الاسلام بلبس الحرير والديباج ، وشرب في آنية الذهب والفضة ، وركب السروج المحلاة بهما ؟ !

هامش
( 1 ) ربيع الابرار للزمخشرى باب 75 .
( 2 ) تاريخ ابن كثير 8 : 45 .

أول من سمع الغناء وطرب عليه وأعطى ووصل إليه وهو يرى نفسه أميرالمؤمنين ؟ !
أول من هتك دين الله باستخلاف جروه الفاجر المستهتر التارك للصلاة ؟ !
أول من أشن الغارة على مدينة الرسول صلى الله عليه وآله حرم أمن الله ، وأخاف أهليها ، وما رعى حرمة ذلك الجوار المقدس ؟ !
إلى جرائم وبوائق تجد الرجل فيها هو السابق الاول إليها ؟ ! ( 1 )
أصحيح أن مثل هذا الطاغية تصدر فيه كلمة إطراء من مصدر النبوة ؟ أو يأتي عن نبي العدل والحق والصدق ما يوهم الثناء عليه ؟ لا . لا يمكن ذلك . بل نبي العظمة أكبر من يبغض هذا الانسان وجرائمه ، والرجل اشد أعداؤه صلى الله عليه وآله في جاهليته و إسلامه ، ولو كان صلى الله عليه وآله ينطق بشئ من ذلك - وحاشاه - لكان أكبر ترويج للباطل و أهله ، وأوضح ترخيص في المعصية ، وأبين استهانة بالحق .
قال عبدالله بن أحمد بن حنبل : سألت أبي عن علي ومعاوية ؟ فقال : اعلم أن عليا كان كثير الاعداء ففتش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا فجاؤا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيدا منهم
لعلي ( 2 )
وقال الحاكم : سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب بن يوسف يقول : سمعت أبي يقول :
سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول : لا يصح في فضل معاوية حديث ( 3 ) ولما لم يجد البخاري حديثا يصح من مناقب معاوية فقال عند عد مناقب الصحابة من صحيحه : باب ذكر معاوية رضي الله عنه . فقال ابن حجر في فتح الباري 7 : 83 : أشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل مما لا أصل له ، وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصح من طريق الاسناد ، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما .
وأما مسلم وابن ماجة فلما لم يريا حديثا يعبأ به في فضائل معاوية ضربا عن اسمه في الصحيح والسنن صفحا عند عد مناقب الصحابة . والترمذي لم يذكر له إلا حديث :

هامش
( 1 ) راجع اوائل السيوطى ، وتاريخ الخلفاء له ، ومحاضرة الاوائل للسكتوارى .
( 2 ) تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 133 ، فتح البارى 7 : 83 ، الصواعق ص 76 .
( 3 ) اللئالى للسيوطى 1 ص 220 ، فتح البارى 7 : 83 .

أللهم اجعله هاديا مهديا واهد به . فقال : حسن غريب . ونحن أوقفناك على بطلانه في الجزء العاشر ص 373 . وذكر حديث : أللهم اهد به وزيفه هو بنفسه لمكان عمرو بن واقد ، وعمرو أحد الكذابين ذكرناه في الجزء الخامس ص 249 ط 2 فالصحاح والسنن خالية عما لفقتها رواة السوء في فضل الرجل .
ودخل الحافظ النسائي صاحب السنن إلى دمشق فسأله أهلها أن يحدثهم بشئ من فضائل معاوية فقال : أما يكفي معاوية أن يذهب رأسا برأس حتى يروى له فضائل ؟ فقاموا إليه فجعلوا يطعنون في خصيتيه حتى اخرج من المسجد الجامع فقال : أخرجوني إلى مكة فأخرجوه وهو عليل فتوفي بمكة مقتولا شهيدا ( 1 )
وقال ابن تيمية في منهاجه 2 : 207 : طائفة وضعوا لمعاوية فضائل ورووا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كلها كذب .
وقال الفيروزآبادي في خاتمة كتابه ) سفر السعادة ( والعجلوني في كشف الخفاء ص 420 : باب فضائل معاوية ليس فيه حديث صحيح .
وقال العيني في عمدة القاري : فإن قلت : قد ورد في فضله يعني معاوية أحاديث كثيرة . قلت : نعم ، ولكن ليس فيها حديث صحيح يصح من طرق الاسناد ، نص عليه إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما ، فلذلك قال يعني البخاري : ) باب ذكر معاوية ( ولم يقل : فضيلة ولا منقبة .
وقال الشوكاني في ) الفوائد المجموعة ( : اتفق الحفاظ على انه لم يصح في فضل معاوية حديث .
نعم : إن الغلو في حب الرجل خلق له فضائل مفتراة تبعد جدا عن ساحة النبي الاقدس صلى الله عليه وآله أن يبوح بشئ منها ، وإنما يد الافتعال نسجت له على نول ما نسجته لبقية الخلفاء مناقب تندى منها جبهة الانسانية ، والف محمد بن عبدالواحد أبوعمر غلام ثعلب جزء‌ا في فضائل هذا الانسان المحشو رداؤه بالرذائل . قال ابن حجر في لسان الميزان 1 :
374 : اسحاق بن محمد السوسي ذاك الجاهل الذي أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية رواها عبيدالله السقطي عنه فهو المتهم بها أو شيخه .

هامش
( 1 ) تاريخ ابن كثير 11 : ، 124 ، سيوافيك تفصيل قصة النسائى .

فنحن نجمع هاهنا شتات جملة من تلكم الاكاذيب التي خلقتها أو اختلقتها يد الوضع الاثيمة في مناقب الرجل مما مر الايعاز إليه ، وما لم نذكره بعد ، ونجعلها بين يدي القارئ النابه الحر ، وله القضاء بالحق ، والله المستعان ، ألا وهي :
1- عن أنس مرفوعا : لا أفتقد أحدا من أصحابي غير معاوية بن أبي سفيان لا أراه ثمانين عاما ، فإذا كان بعد ثمانين عاما يقبل إلي على ناقة من المسك الاذفر حشوها من رحمة الله ، قوائمها من الزبرجد فأقول : معاوية ؟ فيقول : لبيك يا محمد ! فأقول : أين كنت من ثمانين عاما ؟ فيقول : كنت في روضة تحت عرش ربي يناجيني واناجيه . ويحييني واحييه ويقول : هذا عوض مما كنت تشتم في دار الدنيا . راجع الجزء الخامس ص 254 ط 1 ، 298 ط 2 .
2- عن أنس مرفوعا : هبط علي جبريل ومعه قلم من ذهب إبريز فقال : إن العلي الاعلى يقرئك السلام ويقول لك : حبيبي قد أهديت هذا القلم من فوق عرشي إلى معاوية ابن أبي سفيان فأوصله إليه ومره أن يكتب آية الكرسي بخطه بهذا القلم ويشكله و يعجمه ويعرضه عليك ، فإني قد كتبت له من الثواب بعدد كل من قرأ آية الكرسى من ساعة يكتبها إلى يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يأتيني بأبي عبدالرحمن ؟ فقام أبوبكر الصديق ومضى حتى أخذ بيده وجاء اجميعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه فرد عليهم السلام ثم قال لمعاوية : ادن مني يا أبا عبدالرحمن ! ادن مني يا أبا عبدالرحمن ! فدنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع إليه القلم ثم قال له : يا معاوية ؟ هذا قلم أهداه إليك ربك من فوق العرش لتكتب به آية الكرسي بخطك وتشكله وتعجمه وتعرضه علي فاحمد الله و اشكره على ما أعطاك ، فإن الله قد كتب لك من الثواب بعدد من قرأ آية الكرسي من ساعة تكتبها إلى يوم القيامة . فأخذ القلم من يد النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه فوق اذنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أللهم إنك تعلم أني قد أوصلته إليه . ثلاثا . فجثا معاوية بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزل يحمد الله على ما أعطاه من الكرامة ويشكره حتى أتى بطرس ومحبرة فأخذ القلم ولم يزل يخط به آية الكرسى أحسن ما يكون من الخط حتى كتبها وشكلها و عرضها على النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معاوية ! إن الله قد كتب لك من الثواب بعدد كل من يقرأ آية الكرسي من كتبتها إلى يوم القيامة . راجع الجزء الخامس ص 259 ط 1 ، 304 ط 2 .
3- عن جابر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار جبريل في استكتاب معاوية فقال :
استكتبه فإنه أمين راجع الجزء الخامس ص 260 ط 1 ، 305 ط 2 .
4- عن عبادة بن الصامت : أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم : استكتب معاوية فإنه
أمين مأمون . راجع الجزء الخامس ص 261 ط 1 ، 305 ط 2 .
5- عن أنس مرفوعا : الامناء سبعة : اللوح والقلم واسرافيل وميكائيل وجبريل ومحمد ومعاوية . راجع الجزء الخامس ص 262 ط 1 ، 308 ط 2 .
6- عن أبي هريرة مرفوعا : الامناء عند الله ثلاثة : أنا وجبريل ومعاوية . راجع الجزء الخامس ص 261 ط 1 ، 306 ط 2 .
7- أخبر رجل عن رجل قال : اجتمع عشرة من بني هاشم فغدوا علي النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى الصلاة قالوا : يا رسول الله ! غدونا ليك لنذكر لك بعض امورنا ، إن الله قد تفضل بهذه الرسالة فشرفك ، بها وشرفنا لشرفك وهذا معاوية بن أبي سفيان
يكتب الوحي فقد رأينا ان غيره من اهل بيتك أولى به لك منه قال : نعم . انظروا في رجل غيره قال : وكان الوحي ينزل في كل أربعة أيام من عند الله إلى محمد فأقام جبريل أربعين يوما لا ينزل ، فلما كان يوم أربعين هبط جبريل بصحيفة فيها مكتوب : يا محمد ! ليس لك أن تغير من اختاره الله لكتابة وحيه فاقره فإنه أمين ، فأقره . راجع الجزء الخامس ص 262 ط 1 ، 307 ط 2 .
8- عن واثلة مرفوعا : إن الله ائتمن على وحيه جبريل وأنا ومعاوية ، وكاد أن يبعث معاوية نبيا من كثرة علمه وائتمانه على كلام ربي ، يغفر الله معاوية ذنوبه ، ووقاه حسابه ، وعلمه كتابه، وجعله هاديا مهديا وهدى به . راجع الجزء الخامس ص 262 ط ، 1 308 ط 2 .
9- عن سعد : إن النبي صلى الله عليه وآله قال لمعاوية : إنه يحشر وعليه حلة من نور ظاهرها من الرحمة ، وباطنها من الرضا ، يفتخر بها في الجمع . لكتابة الوحي . راجع الجزء الخامس ص 276 ط 1 ، 324 ط 2 .
10- عن عبدالله بن عمر : إن جعفر بن أبي طالب أهدى إلى النبي صلى الله عليه وآله سفرجلا فأعطى معاوية ثلاث سفرجلات وقال : تلقاني بهن في الجنة . راجع الجزء الخامس ص 281 ط 1 ، 329 ط 2 .
قال ابن حبان : موضوع . وقال الخطيب : حديث غير ثابت . وقال ابن عساكر : لا أصل له . راجع اللئالي المصنوعة 1 : 422 ، 423 .
11- عن عبدالله بن عمر مرفوعا : الآن يطلع عليكم رجل من أهل الجنة ، فطلع معاوية فقال : أنت يا معاوية ! مني وأنا منك ، لتزاحمني على باب الجنة كهاتين وأشار بإصبعيه .
ذكره الذهبي في الميزان 2 : 133 وقال : خبر باطل .
12- أخرج البخاري في تاريخه 4 قسم ص 180 عن إسحاق بن يزيد عن محمد بن مبارك الصوري عن صدقة بن خالد عن وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده قال : كان معاوية ردف النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا معاوية ! ما يليني منك ؟ قال : بطني قال صلى الله عليه وسلم : اللهم املاه علما وحلما . وذكره الذهبي في الميزان 3 : 268 .
قال الاميني : لو كان لهذه الرواية اعتبار ولو قليلا عند البخاري لاخرجه في صحيحه ، ولم يجعل باب ذكر معاوية خاليا عن كل فضيلة ومنقبة ، وهو يعلم أن معاوية بكله فارغ عن العلم والحلم فكيف يصدقها من يعرف الرجل بالجهل والغضب المرديين ؟
ولو كان رسول الله صلى الله عليه وآله دعا على رجل بأن يخلو بطنه من العلم والحلم فهل كان هو غير باطن معاوية ؟ أي عمل الرجل في ورده وصدره ينبأ عن الخلتين ؟ واي فرق فيهما بين جاهليته الممقوتة وبين اسلامه المظلم ؟ فتلك وهذا سواسية ، وهو بينهما رهين جهله المبير وغضبه المهلك ، فإذا سألت عبادة بن الصامت ) الصحابي العظيم ( عن علمه فعلى الخبير سقطت يقول لك : إن امه هند أعلم منه ( 1 ) وإذا سألت شريكا عن حلمه

هامش
( 1 ) تاريخ ابن عساكر 7 : 210 .

فتسمع منه قوله : ليس بحليم من سفه الحق وقاتل عليا ( 1 ) وتقول ام المؤمنين عائشة ( 2 ) : اين كان حلمه حين قتل حجرا واصحابه ؟ ويل له من حجر وأصحابه .
وقال شريك حين ذكر معاوية عنده بالحلم : هل كان معاوية إلا معدن السفه ؟
والله لقد أتاه قتل أميرالمؤمنين وكان متكيا فاستوى جالسا ثم قال : يا جارية غنيني
فاليوم قرت عيني فأنشأت تقول :
ألا أبلغ معاوية بن حرب * فلا قرت عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا * بخير الناس طرا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا * وأفضلهم ومن ركب السفينا
فرفع معاوية عمودا كان بين يديه فضرب رأسها ونثر دماغها ، أين كان حلمه ذلك اليوم ؟ ( 3 ) والذي جاء في بطن معاوية من الحديث المتسالم عليه انما هو انه صلى الله عليه وآله دعا عليه وقال : لا أشبع الله بطنه . وأما غيره فحديث إفك لا يؤبه به .
13- عن جابر : إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى معاوية سهما وقال : هاك حتى تلقاني به
في الجنة . وفي لفظ عن أبي هريرة : حتى توافيني به في الجنة .
رواه قاسم بن بهران . قال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به بحال . وقال ابن عدي : انه كذاب . وقال الذهبي : موضوع ( 4 ) .
14- عن خارجة بن زيد عن أبيه مرفوعا : ياأم حبيبة ! لله أشد حبا لمعاوية منك كأني أراه على رفارف الجنة . ميزان الاعتدال 3 : 56 ، قال الذهبي : خبر باطل اتهم بوضعه محمد بن رجاء .
قال الاميني : وفي الاسناد : عبدالرحمن بن أبي الزناد قال يحيى بن معين : ليس

هامش
( 1 ) تاريخ ابن كثير 8 : 130 .
( 2 ) مر حديثه في هذا الجزء .
( 3 ) هذه القضية ذكرها الراغب في محاضراته المخطوطة الموجودة ، وهكذا نقلت عنها في تشييد المطاعن في ج 2 : 409 غير ان يد الطبع الامبنة ؟ حرفتها من الكتاب مع احاديث ترجع إلى معاوية راجع ج 2 : 214 من المحاضرات وقابلها بالمخطوطة منها .
( 4 ) راجع ميزان الاعتدال 2 : 38 ، لسان الميزان 4 : 414 ، 459 ، ج 6 : 219 .

ممن يحتج به أصحاب الحديث ، ليس بشئ ، ضعيف . وقال صالح بن احمد عن أبيه : مضطرب الحديث . وعن ابن المديني : كان عند أصحابنا ضعيفا . وقال النسائي : لا يحتج بحديثه ، وكان يضعف لروايته عن أبيه . تهذيب التهذيب 6 : 170 .
15- قال أبوعمرو الزاهد : أخبرني علي بن محمد ابن الصائغ عن أبيه انه قال :
رأيت الحسين وقد وفد على معاوية زائرا فأتاه في يوم جمعة وهو قائم على المنبر خطيبا فقال له رجل من القوم : يا أميرالمؤمنين ! ايذن للحسين يصعد المنبر ، فقال له معاوية : ويلك دعني افتخر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : سألتك بالله يا أبا عبدالله ! أليس أنا ابن بطحاء مكة ؟ فقال : اي والذي بعث جدي بالحق بشيرا ، ثم قال : سألتك بالله يا أبا عبدالله !
أليس أنا خال المؤمنين ؟ فقال : اي والذي بعث جدي نبيا ، ثم قال : سألتك بالله يا أبا عبدالله ! أليس أنا كاتب الوحى ؟ فقال : اي والذي بعث جدي نذيرا . ثم نزل معاوية وصعد الحسين بن علي فحمد الله بمحامد لم يحمده الاولون والآخرون بمثلها ثم قال :
حدثني أبي عن جدي عن جبريل عن الله تعالى : ان تحت قائمة كرسي العرش ورقة آس خضراء مكتوب عليها : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، ياشيعة آل محمد ! لا يأتي أحدكم يوم القيامة يقول لا إله االا الله إلا أدخله الله الجنة فقال له معاوية : سألتك بالله يا أبا عبدالله ! من شيعة آل محمد ؟ فقال : الذين لا يشتمون الشيخين أبابكر وعمر ، ولا يشتمون عثمان ، ولا يشتمون أبي ، ولا يشتمونك يا معاوية ! .
أخرجه ابن عساكر في تاريخه 4 : ، 312 ، 313 وقال : هذا حديث منكر ولا أرى اسناده متصلا إلى الحسين .
قال الاميني : ألا تعجب من حافظ يروي مثل هذا الحديث ويراه منكرا غير مسند ؟ أليس في اسناده أبوعمر الزاهد محمد بن عبدالواحد الذي الف من الاكاذيب جزء‌ا في فضائل معاوية ومنها هذه الاكذوبة الفاحشة ؟ أليس فيه علي بن محمد الصائغ ؟ ي قال الخطيب في تاريخه 3 : 222: ضعيف جدا ؟ ألا يقول الحافظ ؟ : ان علي بن محمد الصائغ الذي يروي عنه أبوأحمد الجرجاني المتوفى 374 الذي يروي عن مالك المتوفى 179 بواسطة كيف يروي أبوه عن الحسين السبط عليه السلام الشهيد سنة 60 ؟ ! وكيف يعقل إدراكه معاوية وحضوره في
خطبته ؟ !
وهلا يأبى لفظ الرواية صحتها ؟ هل تجتمع هي مع ما أسلفناه من حديث رسول الله الثابت الصحيح ، ومن حديث أميرالمؤمنين والحسن السبط ومن حديث الحسين السبط نفسه ، ومع ما ثبت عنهم من كتاب أو مقال في الرجل ؟ وهل يساعدها ما كان من سيرة معاوية في علي أميرالمؤمنين طيلة حياته ؟ اقرأ واحكم .
16- مرفوعا : يبعث معاوية عليه رداء من نور .
أخرجه ابن حبان من طريق جعفر بن محمد الانطاكي وقال : خبر باطل ميزان الاعتدال 1 : 193 ، لسان الميزان 2 : 124 أقر الذهبي وابن حجر بطلان الحديث وعدم ثقة الانطاكي .
17- أخرج أبونعيم في الحلية 10 : 393 عن عبدالله بن محمد بن جعفر عن أحمد بن محمد البزاز المدني عن ابراهيم بن عيسى الزاهد عن احمد الدينوري عن عبدالعزيز بن يحيى عن اسماعيل بن عياش عن عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يطلع عليكم رجل من أهل الجنة . فطلع معاوية ، ثم قال من الغد مثل ذلك فطلع معاوية ، ثم قال من الغد مثل ذلك فطلع معاوية . قال الذهبي : انه ليس بصحيح . راجع لسان الميزان 2 : 213 .
قال الاميني : أحمد بن مروان - الدينوري مالكي صاحب المجالسة ، صرح الدار قطني في غرائب مالك بانه يضع الحديث . وذكر حديث : سبقت رحمتي غضبي فقال : لا يصح بهذا الاسناد ، والمتهم به أحمد بن مروان ، وهو عندي ممن كان يضع الحديث . لسان الميزان 1 : 309 .
وفي الاسناد : عبدالعزيز بن يحيى ، قال ابن ابي حاتم سمع منه أبي ثم تركه وقال : لا احدث عنه ضعيف . وقال أبوزرعة : ليس بثقة وذكرته لابراهيم بن المنذر فكذبه ، وذكرته لابي مصعب فقلت : يحدث عن سليمان بن بلال ، فقال : كذاب أنا
أكبر منه وما أدركته . وقال العقيلي : يحدث عن الثقات بالبواطيل ، ويدعي من
الحديث ما لا يعرف به غيره من المتقدمين عن مالك وغيره . وقال ابن عدي : ضعيف جدا
وهو يسرق حديث الناس . ميزان الاعتدال 2 : 140 ، تهذيب التهذيب 6 : 363 .
وفيه : اسماعيل بن عياش ، قال يحيى بن معين : ليس به في أهل الشام بأس ، والعراقيون يكرهون حديثه . وقال الاسدي : إذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خلط ما شئت وقال الجوزجاني : أروى الناس عن الكذابين وقال ابن خزيمة : لا يحتج به . وقال ابن المبارك : لا استحلي حديثه ، وضعف روايته عن غير الشاميين ايضا النسائي وأبوأحمد الحاكم والبرقي والساجى وقال الحاكم : إذا انفرد بحديث لم يقبل منه لسوء حفظه . وقال ابن حبان : كان من الحفاظ المتقنين في حديثهم فلما كبر تغير حفظه ، فما حفظ في صباه وحداثته أتى به على جهته ، وما حفظ على الكبر من حديث الغرباء خلط فيه ، وأدخل الاسناد في الاسناد ، وألزق المتن بالمتن وهو لا يعلم ، فمن كان هذا نعته حتى صار الخطأ في حديثه يكثر خرج عن حد الاحتجاج به ميزان الاعتدال 1 : 112 ، تهذيب التهذيب 1 ص 324 - 326 .
وفيه : عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار ، ضعفه ابن معين . وقال أبوحاتم : فيه لين يكتب حديثه ولا يحتج به وقال ابن عدي : وبعض ما يرويه منكر لا يتابع عليه وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء . ميزان 2 : 109 ، تهذيب التهذيب 6 : 206 .
18- أخرج الذهبي في الميزان وابن كثير في تاريخه 8 ص 121 من طريق نصير عن أبي هلال محمد بن سليم حدثنا جبلة عن رجل عن مسلمة بن مخلد ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : اللهم علم معاوية الكتاب ، ومكن له في البلاد .
قال الذهبي : جبلة لا يعرف والخبر منكر بمرة . وقال ابن حجر في اللسان 2 : 96 : ولعل الآفة في الحديث من الرجل المجهول . قال الامينى : لم لا تكن الآفة من الرجل المعلوم ( محمد بن سليم ( الكذاب ، وقد ترجمه الذهبي في الميزان وابن حجر في لسانه عن يحيى بن معين بانه كان يكذب في الحديث ، راجع الميزان 3 : 62 ولسان الميزان 5 : 192 .
19- أخرج العقيلى من طريق بشر بن بشار السمسار عن عبدالله بن بكار المقري من ولد أبي موسى الاشعري عن أبيه عن جده عن أبي موسى رضي الله عنه قال : دخل النبي صلى الله عليه وآله على ام حبيبة ورأس معاوية في حجرها فقال لها : أتحبينه ؟ قالت : وما لي لا أحب ؟ أخي ، قال : فإن الله ورسوله يحبانه .
قال العقيلي : عبدالله بن بكار مجهول النسب وروايته غير محفوظة . وقال الذهبي في الميزان : غير صحيح . راجع ميزان الاعتدال 2 : 26 ، لسان الميزان 3 : 263 . وبشر السمسار ليس في الجهالة والنكارة أقل من نسب ابن بكار .
20- عن أنس مرفوعا : ائتمن الله على وحيه جبرئيل ومحمدا ومعاوية .
زيفه الذهبي لمكان محمد بن أحمد البلخي الضعيف سارق الحديث الذي لم يكن من أهل الحديث . راجع ميزان الاعتدال 3 : 15 ، لسان الميزان 5 : 34 .
21- مرفوعا : ان معاوية يبعث نبيا من علمه وائتمانه على كلام ربي .
ذكره الذهبي من طريق محمد بن الحسن وقال : روى عنه اسحاق بن محمد السوسي أحاديث مختلقة في فضل معاوية ، ولعله النقاش صاحب التفسير فانه كذاب ، أو هو آخر من الدجاجلة . راجع ميزان الاعتدال 3 : 43 ، لسان الميزان 5 : 125 .
وفي اللسان 1 : 374 : إسحاق بن محمد السوسي ذاك الجاهل الذى أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية رواها عبيدالله بن محمد بن أحمد السقطي عنه ، فهو المتهم بها أو شيوخه المجهولون .
22- أخرج البخاري في تاريخه 4 قسم 1 ص 328 من طريق عمرو بن واقد الدمشقي ، عن يونس الدمشقي ، عن أبي ادريس الدمشقي ، عن عمير بن سعد نزيل دمشق قال : لا تذكروا معاوية إلا بخير فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم اهده قال الاميني : عمرو بن واقد الدمشقي كان ممن لا يشك شيوخ الحديث انه يكذب ، وانه ليس بشئ ، وانه ضعيف منكر الحديث ، وانه يقلب الاسانيد ، وان أحاديثه معضلة منكرة ، استحق الترك ( 1 ) . ألم يك في الحواضر الاسلامية من رجال الحديث من قرع سمعه نبأ هذه الافيكة ؟ فلماذا خصت بالشام ، وسلسلت حلقة اسنادها بالشاميين فحسب ؟ أنت تدري لماذا .
23- أخرج ابن كثير في تاريخه 8 : 120 من طريق المسيب بن واضح عن ابن عباس قال : أتى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا محمد ! اقرأ معاوية السلام واستوص

هامش
( 1 ) راجع ميزان الاعتدال 2 : 302 ، تهذيب التهذيب 8 : 115 .

به خيرا ، فإنه أمين الله على كتابه ووحيه ونعم الامين .
قال الامينى . قال الدارقطني : المسيب بن واضح ضعيف ، قال ابن عدي :
قلت لعبدان : أيهما أحب اليك : عبدالوهاب بن الضحاك أو المسيب بن واضح ؟ فقال :
كلاهما سواء وعبدالوهاب من الكذابين الوضاعين المعروفين ، متروك ضعيف جدا كثير الخطأ والوهم . ( 1 )
وأخرجه الطبراني في الاوسط قال : حدثنا علي بن سعيد الرازي ، حدثنا محمد بن فطر الراملي ، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، عن عبدالملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ابن أبي رباح عن ابن عباس .
وذكره الهيثمي في المجمع 9 : 357 وقال : فيه محمد بن فطر ولم أعرفه ، وعلي بن سعيد الرازى فيه لين . وحكاه السيوطي باسناده في اللئالي المصنوعة 1 : 419 وقال : أما مروان والراوى عنه فلم أر من ترجمهما لا في الثقات ولا في الضعفاء .
قال الاميني : علي بن سعيد الرازي هو الذي قال الدارقطني لما سئل عنه : ليس في حديثه بذاك وسمعت بمصر : انه كان والي قرية وكان يطالبهم بالخراج فما يعطونه فيجمع الخنازير في المسجد . فقيل : كيف هو في الحديث ؟ قال : حدث بأحاديث لم يتابع عليها . ثم قال : في نفسي منه ، وقد تكلم فيه اصحابنا بمصر ، وأشار بيده وقال هو كذا وكذا ونقض بيده يقول : ليس بثقة . لسان الميزان 4 : 231 .
لقد أوقفناك فيما سلف ج 5 : 309 ، على أمانة الرجل على كل ما تحسب انه أمين عليه ، ونزيدك هنا إحفاء السؤال عن معنى الامانة على كتاب الله ووحيه ، أليست هي كلائتهما عن التحريف والعمل بمؤداهما والجري على مفادهما والاخذ بحدودهما ، وقطع الايدي الاثيمة عن التلاعب بهما ؟ وهل كان معاوية إلا ردئا بهذه كلها وقد قلب على الكتاب والوحي ظهر المجن في كل وروده وصدوره ، ووجه إليهما نظرته الشزراء في حله ومرتحله ؟ وهل هو إلا عدوهما الالد ؟ وصحائف تاريخه المظلم تطفح بهذه كلها ، وإن ما ذكرناه في هذا الكتاب من نماذج ما أثبتته له الحقيقة وخلده الدهر مع ذكره الشائن وحديثه المائن .

هامش
( 1 ) راجع الجزء الخامس من الغدير ص 242 ط 2 ، ولسان الميزان 6 : 41 .

24- أخرج الطبراني عن أحمد بن محمد الصيدلاني عن السري عن ( 1 ) عاصم عن عبدالله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه ( 2 ) هشام بن عروة عن عائشة قالت : لما كان يوم ام حبيبة من النبي صلى الله عليه وسلم دق الباب داق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : انظروا من هذا ؟ قالوا : معاوية . قال : أئذنوا له ، فدخل وعلى اذنه قلم يخط به فقال : ما هذا القلم على اذنك
يا معاوية ؟ ! قال : قلم أعددته لله ولرسوله ، فقال له : جزاك الله عن نبيك خيرا ، والله ما استكتبتك إلا بوحي من الله ، وما أفعل من صغيرة ولا كبيرة إلا بوحي من الله ، كيف بك لو قمصك الله قميصا ؟ ! - يعني من الخلافة - فقامت ام حبيبة فجلست بين يديه وقالت : يا رسول الله ! وإن الله مقمصة قميصا ؟ قال : نعم . ولكن فيه هنات وهنات فقالت : يا رسول الله ! فادع الله له . فقال اللهم اهده بالهدى ، وجنبه الردى ، واغفر له في الآخرة والاولى .
قال الطبراني : تفرد به السري بن عاصم ( 3 ) قال الاميني : المتفرد بهذه الاكذوبة الفاحشة على رسول الله صلى الله عليه وآله هو أحد الكذابين الوضاعين ، راجع ما أسلفناه في الجزء الخامس ص 231 ، وج 8 ص 143 .
ليت شعري هل بهذا القلم الذي يزعم معاوية انه أعده لله ولرسوله كان يكتب تلكم القوارص والقذائف إلى مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام ؟ ! ويكتب إلى عماله أوامره الباتة بلعن سيد الوصيين صلوات الله عليه ولعن من يمت به من شبليه الامامين السبطين وعظماء المؤمنين ؟ ! ويكتب إلى امراء‌ه الجائرين بهدر دماء صلحاء الامة وشيعة أهل بيت الوحي عليهم السلام ؟ ! وهل كان يكتب به أحكامه الجائرة ، وفتاواه النائية عن الحق المبين ، وآراء‌ه الشاذة عن الكتاب والسنة ، وكلما يلفظه بفم ويخطه بقلم من جرائر وجرائم ؟ !
ثم هل استجيبت هذه الدعوه المعزوة إلى صاحب الرسالة حتى نعتقد في ابن هند اعتناق الهدى ، والتجنب عن الردى ، والمغفرة في الآخرة والاولى ؟ ! لكن موبقات

هامش
( 1 ) الصحيح : السرى بن عاصم .
( 2 ) كذا والصحيح : عن أبيه عن هشام .
( 3 ) تاريخ ابن كثير 8 : 120 .

معاوية وإصرارها عليها تنبأنا عن انها لم تكن ، إذلو كانت لما عداها الاجابة ، وكأن تلك الدعوة المزعومة المختلقة ذهبت ادراج الرياح ، وكأنه صلى الله عليه وآله دعا عليه بضد ما هو مذكور واستجيبت دعوته .
على ان معاوية لو كان على الهدى متجنبا عن الردى للزم أن يكون صاحب الخلافة الكبرى مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام على قدسه وطهارته خلوا من ذلك كله ، لانه كان يناوئه ويناجزه القتال ، وكذلك حجر وأصحابه وكل صالح صحابي أو تابعي قتل تحت نير ظلم معاوية ، هل يسع لمسلم أن يدعي ذلك ؟ غفرانك اللهم وإليك المصير .
25- أخرج الطبراني عن يحيى بن عثمان بن صالح عن نعيم بن حماد عن محمد بن شعيب بن سابور عن مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن عبدالله بن بسر : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار ابابكر وعمر في أمر فقال : أشيروا علي . فقالا : الله ورسوله أعلم ، فقال : ادعوا معاوية . فقال أبوبكر وعمر : أما في رسول الله ورجلين من رجال قريش ما يتقنون أمرهم حتى يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غلام من غلمان قريش ؟
فقال : ادعوا لي معاوية فدعي له فلما وقف بين يديه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احضروه أمركم ، وأشهدوه أمركم فانه قوي أمين . وزاد نعيم : وحملوه أمركم ( 1 )
رجال اسناده :
1. يحيى بن عثمان . كان يتشيع وكان صاحب وراقة يحدث من غير كتبه فطعن فيه لاجل ذلك ، تهذيب التهذيب 11 : 257 .
2. نعيم بن حماد ، كذاب وضاع . راجع الجزء الخامس ص 269 ط 2 .
3. محمد بن شعيب . شامي أموي
4. مروان بن جناح ، شامي أموي ، قال أبوحاتم : لا يحتج به وبأخيه روح .
5. يونس بن ميسرة ، شامي أعمي .
6. عبدالله بن بسر ، يعد في الشاميين وهو آخر من مات بالشام من الصحابة .

هامش
( 1 ) تاريخ ابن كثير 8 : 122 ، مجمع الزوايد 9 : 356 .

هلم معي إلى تعمية الجاهلين وتغرير بسطاء الامة بالتمويه على الحقائق ، قال إبن كثير في تاريخه بعد ذكر هذا الحديث وعدة مما ذكرناه من الاباطيل في فضائل معاوية : ثم ساق ابن عساكر أحاديث كثيرة موضوعة بلا شك في فضل معاوية ، أضربنا عنها صفحا ، واكتفينا بما أوردناه من الاحاديث الصحاح والحسان والمستجادات عما سواها من الموضوعات والمنكرات . وقال بعد ذكر الحديث السادس والعشرين الذي تفرد به السري الكذاب الوضاع : وقد أورد ابن عساكر بعد هذا أحاديث كثيرة موضوعة ، والعجب منه مع حفظه واطلاعه كيف لا ينبه عليها وعلى نكارتها وضعف رجالها ؟ والله الموفق للصواب .
ترى ابن كثيرها هنا يتحامل على ابن عساكر رجاء أن ينطلي بذلك للاغرار ما سرده من الاكاذيب الموضوعة ويزيف جملة منها لاثبات بعضها الآخر . ذاهلا عن أن يد التنقيب تكشف عما غطاه دجله غلوا منه في الفضائل .
26- أخرج ابن عساكر من طريق نعيم بن حماد عن محمد بن حرب عن أبي بكر بن أبي مريم عن محمد بن زياد عن عوف بن مالك الاشجعي قال : بينما أنا راقد في كنيسة يوحنا - وهي يومئذ مسجد يصلى فيها - إذ انتبهت من نومي فإذا أنا بأسد يمشي بين يدي ، فوثبت إلى سلاحي ، فقال الاسد : مه . إنما ارسلت إليك برسالة لتبلغها ، قلت : و من أرسلك ؟ قال : الله ارسلني إليك لتبلغ معاوية السلام وتعلمه انه من أهل الجنة .
فقلت له : ومن معاوية ؟ قال : معاوية بن أبي سفيان . ( 1 )
في الاسناد :
1- نعيم بن حماد ، مر القول بأنه كذاب وضاع .
2- محمد بن زياد هو الحمصي ، شامي ناصبي من ألداء أعداء أميرالمؤمنين ، وثقه ابن معين ، وقال : ثقة مأمون ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال : لا يعتد بروايته إلا ما كان من رواية الثقات عنه . وقال الحاكم : اشتهر عنه النصب كحريز ( 2 ) بن عثمان . تهذيب
التهذيب 9 : 170 .

هامش
( 1 ) تاريخ ابن كثير 8 : 123 ، مجمع الزوائد 9 : 357 .
( 2 ) كان يلعن عليا كل يوم سبعين مرة ، أحد رجال صحيح البخارى .

3- أبوبكر بن أبي مريم ، شامي عثماني ، قال أحمد والنسائي والدارقطني وابن سعد : ضعيف وضعفه ابن معين . وقال أبوزرعة : ضعيف منكر الحديث . وقال أبوحاتم : ضعيف الحديث طرقه لصوص فأخذوا متاعه فاختلط . وقال الجوزجاني : ليس بالقوي وقال الدارقطني : متروك . تهذيب التهذيب 12 : 29 .
قال ابن كثير بعد ذكر الحديث : وفيه ضعف وهذا غريب جدا ولعل الجميع مناما ويكون قوله : إذا انتبهت من نومي مدرجا لم يضبطه ابن أبي مريم . والله أعلم قال الاميني : أنا حائر سادر بين رسالة هذا الاسد الضاري وبشارته معاوية بالجنة ، وبين رسالة النبي المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ، وبشارته معاوية بالنار ولعنه إياه .
وكذا بين رسالة الاسد وبين تلكم الصحاح التي جاء‌ت عن الامام المعصوم اميرالمؤمنين وعن عدول الصحابة أو الصحابة العدول في معاوية الخؤن مما أسلفناه في الجزء العاشر .
وكذا بين رسالة الاسد وبين ما جاء في الكتاب الكريم من عذاب كل آثم اقترف سيئة وأحاطت به خطيئته ، ووعيد من حاد عن حدود الاسلام بالنار ، ومن يتعد حدود الله فاولئك هم الظالمون ، ولا يستوي الحسنة ولا السيئة ولا المحسن ولا المسيئ .
وكذا بين رسالة الاسد وبين ما جاء عن نبي الاسلام في تلكم البوائق الموبقة التي كان معاوية قد اقترفها وشوه بها صحيفة تاريخه .
فماذا الذي خص معاوية برسالة الاسد إليه خاصة في كنيسة يوحنا بعد رسالة محمد صلى الله عليه وآله الخاتمة ، بعد تلكم الانباء الصادقة الواردة في الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة ، بعد تلكم البشائر السارة الجمة العامة لاهل الصلاح والفلاح ؟
27- أخرج أحمد ومسلم والحاكم وغيرهم من طريق ابن عباس قال : كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء فقلت : ما جاء إلا إلي فاختبأت على باب فجاء‌ني فخطاني خطى أو خطاتين ثم قال : اذهب فادع لي معاوية قال : فذهبت فدعوته له فقيل : إنه يأكل ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : : إنه يأكل ، فقال : إذهب فادعه ، فأتيته الثانية فقيل : إنه يأكل فأخبرته ، فقال في الثالثة : لا أشبع الله بطنه قال : فما شبع بعدها
( 1 ) .
هذا الحديث ذكره ابن كثير في عد مناقب معاوية فقال : قد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه واخراه ، أما في دنياه فانه لما صار إلى الشام أميرا ، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها ، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم ، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا ويقول : والله ما أشبع وإنما أعياه ، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك . وأما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال : أللهم إنما أنا بشر فايما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة . فركب مسلم من الحديث الاول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية ، ولم يورد له غير ذلك .
قال الاميني : هنا يرتج علي القول في مسائلة هذا المدافع عن ابن هند والناحت له فضيلة مركبة من رذيلة ثابتة لمعاوية ، وأفيكة مفتراة على قدس صاحب الرسالة ، انه هل عرف النافع من الضار ، فحكم بانتفاع معاوية بالدعوة المذكورة في دنياه واخراه ؟
وانه هل عرف حدود الانسانية وكمال النفس ؟ ولا أظنه ، وإلا لما حكم بان الذي كان يرغب فيه معاوية وحسب انه يرغب فيه الملوك من كثرة الاكل وقوة المعدة إلى ذلك الحد الممقوت المساوق حد البهائم نعمة من نعم الله أتت ابن آكلة الاكباد ببركة دعوة النبي المعصوم صلى الله عليه وآله ولم يعرف من سعادة الحياة إلا أن يملا أكراشا جوفا وأجربة سغبا ، وما ملا آدمي وعاء شرا من بطنه ، يحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلت لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه ( 2 ) .
ثم إن الذي يتبين من تضاعيف الروايات وخصوصيات المقام ان المورد مورد نقمة لا مورد رحمة ، وإنما الدعاء عليه لا له كيفما تمحل ابن كثير ، فقد طعن على الرجل

هامش
( 1 ) صحيح مسلم 8 : 27 ، تاريخ ابن كثير 8 : 119 .
( 2 ) من قولنا : وما ملا آدمى إلى آخره حديث اخرجه احمد والترمذى وابن ماجه والحاكم مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما في الجامع الصغير .
أبوذر الغفاري بقوله : لعنك رسول الله ودعا عليك مرات أن لا تشبع ( 1 ) واشتهرت عليه هذه المنقصة حتى جرت مجرى المثل وقيل فيها .
وصاحب لي بطنه كالهاويه * كأن في أحشائه معاويه وحديث مسلم ( 2 ) الذي يلوح عليه لوائح الافتعال إنما اختلق لمثل هذه الغاية وتأويل ما اليها مما صدر عن النبي الاقدس صلى الله عليه وآله من طعن ولعن وسب وجلد ودعوة على من يستحق كلها ، وللدفاع عن أولياء الشيطان وفي الطليعة منهم إبن أبي سفيان والمنع عن الوقيعة فيهم وغمزهم تأسيا برسول الله صلى الله عليه وآله لفقوا مكابرات عجيبة في دلالة الالفاظ والنصوص وأن ذلك صدر منه صلى الله عليه وآله لا عن قصد ، أو أنه صدر عن نزعات نفسية تقتضيها فطرة البشر ، وقد ذهب على المغفلين انه صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وإنه لعلى خلق عظيم ، وان في كتابه الذي جاء به من ربه قوله تعالى : الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) الاحزاب : 58 )
وقد صح عنه قوله صلى الله عليه وآله : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ( 3 ) .

هامش
( 1 ) راجع الغدير ج 8 : 312 .
( 2 ) اللهم انما أنا بشر فايما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة. أللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه ، فانما أنا بشر فأى المومنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة . للهم إن محمدا بشر يغضب كما يغضب البشر وانى قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه ، فايما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة . إنما انا بشر وإني اشترطت على ربى عزوجل أى عبد من المسلمين سببته أو شتمته أن يكون ذلك له زكاة وأجرا . إنى اشترطت على ربى فقلت : إنما أنا بشر ارضى كما يرضى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر ، فايما أحد دعوت عليه من امتى بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة . هذه الفاظ حديث مسلم في صحيحه ج 8 : 24 - 27 .
( 3 ) اخرجه البخارى ومسلم واحمد والترمذى والنسائى والطبرانى وابن حبان وابن داود

وقاله : صلى الله عليه وآله : المؤمن لا يكون لعانا ( 1 ) .
وقوله صلى الله عليه وآله : سباب المسلم فسوق ( 2 ) .
وقوله صلى الله عليه وآله : إني لم ابعث لعانا وإنما بعثت رحمة ( 3 ) .
وقوله صلى الله عليه وآله : المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان ( 4 ) .
وقوله صلى الله عليه وآله : من ذكر امرء‌ا بشئ ليس فيه ليعيبه به حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاد ما قال فيه ( 5 )
هل هؤلاء القوم يصفون نبيا صح عندهم من حديث مسلم : انه غضبت عائشة رضي الله عنها مرة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله : مالك جاء‌ك شيطانك ؟ فقالت : ومالك شيطان ؟ قال : بلى ولكني : دعوت الله فأعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير ( 6 ) وهل يتكلمون عن نبي قال لعبدالله بن عمرو بن العاص : اكتب عني في الغضب والرضا ، فوالذي بعثني بالحق نبيا ما يخرج منه إلا حق . واشار إلى لسانه ( 7 ) وقال عبدالله بن عمرو : أكتب كل شيئ أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم اريد حفظه فنهتني قريش وقالوا : تكتب كل شيئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال : اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق ( 8 ) .
وكان صلى الله عليه وآله كما وصفه أميرالمؤمنين عليه السلام لا يغضب للدنيا فإذا أغضبه الحق لم

هامش
( 1 ) مستدرك الحاكم 1 : 12 ، 47 .
( 2 ) متفق عليه اخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة والطبرانى والحاكم والدارقطنى .
( 3 ) صحيح مسلم : 8 : 24 .
( 4 ) عن أحمد والطيالسى .
( 5 ) الترغيب والترهيب 3 : 197 ، رواه الطبرانى باسناد جيد .
( 6 ) احياء العلوم 3 : 167 .
( 7 ) احياء العلوم 3 : 167 . أخرجه ابوداود .
( 8 ) سنن الدارمى 1 : 125 .

يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شئ حتى ينتصر له ( 1 ) .
وهل يدنسون بهذا العز والمختلق - لتبرير ذيل أمثال ابن هند - ساحة نبي
صح عنه صلى الله عليه وآله قوله : إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ، ثم تهبط إلى الارض فتغلق أبوابها دونها ، ثم تأخذ يمينا وشمالا ، فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن ، فإن كان أهلا وإلا رجعت إلى قائلها ( 2 ) .
وهل يشوهون بها سمعة قداسة نبي كان يؤدب امته بآداب الله وينهى اصحابه عن لعن كل شيئ حتى الدواب والبهائم والديك والبرغوث والريح ؟ وكان يقول : من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه ( 3 ) وقال لرجل كان يسير معه فلعن بعيره : يا عبدالله ! لا تسر معنا على بعير ملعون ( 4 ) وقال لما لعنت جارية ناقتها : لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة . وفي حديث المعمر : أيم الله لا تصاحبنا راحلة عليها لعنة من الله ( 5 ) . وكان صلى الله عليه وآله يبالغ في الامر ويحذر الناس عنه حتى قال سلمة بن الاكوع : كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه رأينا أن قد أتى بابا من الكبائر ( 6 ) .
دع الاباطيل ولا تشطط في القول فمن لعنه صلى الله عليه وآله فهو ملعون ، ومن سبه فهو مستأهل لذلك ، ومن جلده فإن ذلك من شرعه المبين ، ومن دعى عليه أخذته الدعوة ، وهل يجد ذوخبرة مصداقا لتلك المزعمة المخزية ويسع له أن يستشهد بسب رسول الله صلى الله عليه وآله أحدا من صلحاء امته كائنا من كان ممن لا يستحق السب أو بلعنه وجلده إياه ودعوته عليه ؟ حاشا النبي المبعوث لتميم مكارم الاخلاق من هذه الفرية الشاينة .
وإن صحت هذه المزعمة لتطرق الوهن في أفعاله وأقواله وفي قضاء‌ه وحدوده ، فلا يعلم الانسان انها بحافز إلهي ، أو اندفاع إلى شهوة وإطفاء ثورة الغضب ، وأي
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذى في الشمائل .
( 2 ) الترغيب والترهيب 3 : 196 .
( 3 ) الترغيب والترهيب 3 : 197 وصححه .
( 4 ) الترغيب والترهيب 3 : 196 فقال : اسناده جيد .
( 5 ) صحيح مسلم 8 : 23 .
( 6 ) الترغيب والترهيب 3 : 195 قال : سند جيد .

نبي معصوم هذا ؟ وكيف تتبع سنته ؟ ويقتفى أثره عندئذ ؟ وفي أي من حالتيه هو مقتدى البشر وحجة الخلق وقدوة الامم ؟ وما المائز بينه وبين امته وكل يستحوذ عليه الغضب ، ويقوده الهوى ، وكان لاي أحد اسوة برسول الله صلى الله عليه وآله أن يقول مثل ذلك حين يقع في المسلمين بالسباب وينال منهم باللعن فتنقلب المعصية بتلك الدعوة اللاحقة طاعة وبرا وكفارة وقربة .
ومن هنا بلغت القحة والصلف من ابن حجر إلى أن تمسك بذيل حديث مسلم المثبت ما لا يقبله العقل والمنطق وتأباه الاصول الدينية المسلمة ، فمنع بذلك عن لعن الحكم لعين رسول الله وطريده وابنه الوزغ ابن الوزغ ( 1 ) وللقوم في هذا المقام تصعيدات وتصويبات أو قل : خرافات ومخازي مثل ما حكي عن بعضهم ( 2 ) ان ظاهر هذا الحديث يعطينا إباحة تلكم المحظورات للنبي صلى الله عليه وآله فحسب ، وعد السيوطي ( 3 ) من خصايص رسول الله صلى الله عليه وآله ) باب اختصاصه صلى الله عليه وسلم بجواز لعن من شاء بغير سبب ( وقال القسطلاني في المواهب 1 : 395 : كان له صلى الله عليه وسلم أن يقتل بعد الامان ، وأن يلعن من شاء بغير سبب ، وجعل الله شتمه ولعنه قربة للمشتوم والملعون لدعائه عليه السلام . ألا يضحك ضاحك على عقلية هذا الارعن ؟ وانه كيف يكون ذلك وقد فرض ان مصب هاتيك الطعون مستوجب للرحمة والحنان بالدعوة اللاحقة إياها ؟ فما المجوز لنبي الرحمة هتك ستار اولئك وتفضيحهم بملا من الاشهاد من غير استحقاق على مر الدهور ؟ وهل الدعاء الاخير يرفع عنهم شية العار الملحقة بهم من الدعوة الاولى ؟ وهل لاباحة تلكم الفواحش التي هي بذاتها فاحشة وقبايح عقلية لا تقبل التخصيص لصاحب الرسالة معنى معقول ؟ وهل هتك حرمات المؤمنين مع حفظ الوصف لهم والمبدأ فيهم مما يستباح لاحد نبيا كان أو غيره ؟ ! أما أنا فلا أعرفه وأحسب أن من ذهب إلي ذلك ايضا مثلي في الجهل . وهلا كان لرسول الله والحالة هذه أن ينص بعد ما سب من لا يستحق أو لعنه

هامش
( 1 ) الصواعق المحرقة ص 108 .
( 2 ) الخصايص الكبرى للسيوطى 2 : 244 ، المواهب اللدنية 1 : 395 .
( 3 ) راجع الخصايص الكبرى 2 : 244 .

أو جلده أو دعى عليه ، وبعد ما هدأت ثورة غضبه وأطفأ نيران سخطه على أن ذلك وقع في غير محله ، حتى لا يدنس ساحة الابرياء طيلة حياتهم بشية العار ووسمة الشنار ، ولا يشوه سمعة اناس نزهين في الملا الديني أبد الدهر ؟
وهلا كان للصحابة أن يستفهموا رسول الله صلى الله عليه وآله جلية الحال في كل تلكم الموارد ليعرفوا وجه ما أتى به من الهتيكة : هل وقع في أهله ومحله ؟ حتى لا يتخذوا فعله مدركا مطردا في الوقيعة والتحامل ، ولا يزري أحد أحدا جهلا منه بالموضوع اقتفاء لاثره صلى الله عليه وآله ؟ !
وهلا كان لمثل أبي سفيان ومعاوية والحكم ومروان وبقية ثمرات الشجرة الملعونة في القرآن ونظرائهم الملعونين بلسان النبي الاقدس أن يحتجوا برواية مسلم على من يعيرهم بلعن رسول الله صلى الله عليه وآله أياهم كعايشة ام المؤمنين وأميرالمؤمنين وأبي ذر ووجوه الصحابة غيرهم ؟
وها هنا دقيقة اخرى وهي : أن اللعنات والطعون المتوجهة في القرآن الكريم إلى اناس عناهم الذكر الحكيم ونوه بذلك الصادع الكريم صلى الله عليه وآله هل هي من الله تعالى كما زعموه في النبي الاقدس ومؤولة بمدايح ورحمات وقرب ؟ ! فهي إلى جلالة اولئك القوم وقداستهم أدل من كونهم ملعونين مطرودين من ساحة رحمة الله تعالى ، وهل الله سبحانه أعطى عهدا بذلك وآلى على نفسه أن يجعلها رحمة وزكاة وقربة ؟
أم أنها باقية على مداليلها التي هي ناصة عليها ؟ ! لا أدري ماذا يقول القوم ، هل يسلبون الحقايق عن الالفاظ القرآنية كما سلبوها عن الالفاظ النبوية ؟ ! وفي ذلك ارتاج لباب التفاهم وسد لطريق المحاورة ، غير أن أحمال الكلام لم تراقب عليها دائرة المكوس ، فللمتحذلق أن يقول ما شاء ، وللثرثار أن يلهج بما يحبذه الهوى ولا يكترث . نعوذ بالله من التقول بلا تعقل .
28- عن مسرة بن عبدالله الخادم قال : حدثنا كردوس بن محمد الباقلاني عن يزيد بن محمد المروزي عن أبيه عن جده قال : سمعت أميرالمؤمنين عليا رضي الله عنه يقول فذكر خبرا
فيه : بينا أنا جالس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله إذ جاء معاوية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله القلم من يدي فدفعه إلى معاوية ، فما وجدت في نفسي إذ علمت أن الله أمره بذلك . ذكره إبن حجر في لسان الميزان 6 : 20 وعده من موضوعات مسره بن الخادم فقال : متن باطل واسناد مختلق .
وأخرج الخطيب في تاريخه من طريق مسرة منقبة لابي بكر وعمر فقال :
هذا الحديث كذب موضوع والرجال المذكورون في إسناده كلهم ثقات ائمة سوى مسرة والحمل عليه فيه ، على انه ذكر سماعه من أبي زرعة بعد موته بأربع سنين . ( 1 )
29- عن أنس مرفوعا : أنا مدينة العلم وعلي بابها ، ومعاوية حلقتها .
زيفه صاحب المقاصد ، وابن حجر في الفتاوى الحديثية ص 197 ، والعجلوني في كشف
الخفاء 1 : 46 . 2 .
وأكبر ظني أن مختلق هذه الخرافات لا يبتغي إلا الاستهزاء بما جاء عن النبي الاعظم من الفضائل في رجال لهم الكفائة لها وحيا من الله العزيز ، ولا يذهب على أي جاهل ان ابن هند لا يقدس ساحة رجاسته ألف تمحل ، واختلاق ألف حديث مثل هذه ، وهو بعد معاوية ، وهو بعد ابن هند ، وهو بعد هوهو .
30- أخرج الطبراني من طريق عبدالرحمن بن أبي عميرة المزني ان النبي صلى الله عليه وآله قال لمعاوية : اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب .
وفي لفظ الترمذي : أللهم اجعله هاديا مهديا واهد به . وبهذا اللفظ أخرجه ابن عساكر في تاريخه 2 ص 106 .
زيفه ابن عبدالبر في الاستيعاب وقال : لا يثبت . راجع ما اسلفناه في الجزء العاشر ص 376
31- عن عبدالرحمن بن أبي عميرة مرفوعا : يكون في بيت المقدس بيعة هدى .
أخرجه ابن سعد عن الوليد بن مسلم عن شيخ من أهل دمشق عن يونس بن ميسرة بن جليس عن عبدالرحمن ( 2 )
هامش
( 1 ) راجع الجزء الخامس من ) الغدير ( ص 259 ط 1 .
( 2 ) الاصابة 2 : 414 .

انظر إلى سلسلة الشاميين في اسناد هذه المفتعلة : يروي الوليد مولى بني امية عالم الشام الذي كان كثير الخطأ ، يروي عن الكذابين ثم يدسها عنهم ، روى الاوزاعي عن ضعفاء أحاديث مناكير فأسقطهم الوليد وصيرها من رواية الاوزاعي ، و كان رفاعا اختلط عليه ما سمع وما لم يسمع وكانت له منكرات ( 1 ) عن شيخ من أهل الشام لا يعرفه إنس ولا جان ، عن يونس الاعمى الشامي الذي ادرك معاوية وروى عنه واستمرأ رضائخه ، عن عبدالرحمن الذي لا نتبت أحاديثه ولا تصح صحبته كما قاله ابن عبدالبر .
أفهل يروي مثل هذه الاضحوكة إلا أمثال هؤلاء ؟ وهل تروى إلا بمثل هذا الاسناد الوعر ؟ وهل تدري أي بيعة غاشمة يراها النبي صلى الله عليه وآله - العياذ بالله - بيعة هدى ؟ هي ذلك الملك العضوض الذي كان ينبأ عنه الصادع الكريم ، ويحض أصحابه على قتال صاحبه ، بيعة الطليق ابن الطليق التي كانت قوامها البرائة عن ولاية الله الكبرى ولاية أميرالمؤمنين التي جاء بها الكتاب الكريم ، وأكمل الله بها الدين ، وأتم بها النعمة ، وقرنها بولايته وولاية رسوله صلى الله عليه وآله ، بيعة عمت شؤمها الاسلام ، وزرعت في قلوب أهلها الآثام ، و خلطت الحلال بالحرام ، وأباحت الاموال والدماء للطلقاء واللعناء ، وجرت الويلات على عترة محمد صلى الله عليه وآله وعلى امته حتى اليوم
32- أخرج ابن عساكر قال : أنبأنا أبوبكر محمد بن محمد ، أنبأنا أبوبكر محمد بن علي ، أنبأنا أبوالحسين أحمد بن عبدالله ، أنبأنا أحمد بن أبي طالب ، حدثني أبي ، حدثني أبوعمرو السعيدي ، حدثنا علي بن روح ، حدثنا علي بن عبيد العامري ، حدثنا جعفر بن محمد وهو الانطاكي ، حدثنا اسماعيل بن عياش عن تمام بن نجيح الاسدي عن عطاء عن ابن عمر قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وآله ورجلان من أصحابه فقال :
لو كان عندنا معاوية لشاورناه في بعض أمرنا ، فكأنهما دخلهما من ذلك شيئ ، فقال : انه اوحي إلي أن اشاور ابن أبي سفيان في بعض أمري ، والله أعلم ( 2 ) .
قال الاميني : في الاسناد جمع من المجاهيل ، وفيه جعفر بن محمد الانطاكي ليس

هامش
( 1 ) تهذيب التهذيب 11 : 151 - 155 .
( 2 ) اللئالى المصنوعة للسيوطى 1 : 421 .

بثقة ( 1 ) واسماعيل بن عياش الحمصي وثقه جماعة غير ان الجوزجاني قال : أما اسماعيل فما أشبه حديثه بثياب نيسابور يرقم على الثوب المائة وأقل وشراء‌ه دون عشرة ، وكان أروى الناس عن الكذابين .
وقال ابواسحاق الفزاري : لا تكتب عن اسماعيل ماروى عن المعروفين ولا غيرهم وقال : ذاك رجل لا يدري ما يخرج من رأسه . وقال ابن المبارك : لا استحلي حديثه .
وقال ابن خزيمة : لا يحتج به . وقال الحاكم : هو مع جلالته إذا انفرد بحديث لم يقبل منه لسوء حفظه وقال علي بن حجر : ابن عياش حجه لولا كثرة وهمه . إلى آخر ما مر في هذا الجزء صفحة 82 .
وفيه : تمام بن نجيح الدمشقي قال أحمد : ما أعرفه . قال حرب : يعني ما أعرف حقيقة حاله . وقال ابوزرعة : ضعيف . وقال أبوحاتم : منكر الحديث ذاهب . وقال البخاري : فيه نظر . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات وهو غير ثقة . وقال ابن حبان : روى اشياء موضوعة عن الثقات كأنه المعتمد لها وقال البزار : ليس بقوي وقال العقيلي : يحدث بمناكير . وقال الآجري عن أبي داود : له أحاديث مناكير ( 2 ) .
33- أخرج ابن عساكر بالاسناد قال : أنبأنا أبوالحسن القرضي : حدثنا ابوالقاسم بن العلاء : أنبأنا أبوبكر عبدالله بن أحمد بن عثمان بن خلف : حدثنا أبوزرعة محمد بن أحمد بن أبي عصمة : حدثنا أحمد بن علي : حدثنا علي بن محمد الفقيه : حدثنا محرز بن عون : حدثنا شبابة عن محمد بن راشد عن مكحول قال : دفع النبي صلى الله عليه وآله إلى معاوية سهمين فقال : خذ هاذين السهمين سهمي الاسلام فتلقني بهما في الجنة ، فلما مات معاوية جعلا معه في قبره ، ولما حلق النبي رأسه بمنى دفع إلى معاوية من شعره فصانه
فلما مات معاوية جعل شعر النبي صلى الله عليه وسلم على عينيه والله أعلم ( 3 ) .
قال الاميني : هذا الاسناد باطل مزيف ، وهو مع ذلك غير مسند الاخير إذ

هامش
( 1 ) لسان الميزان 2 : 124 .
( 2 ) تهذيب التهذيب 1 : 510 .
( 3 ) اللئالى المصنوعة 1 : 422 .

مكحول الدمشقي حديثه مرسل والرجل ليس بصحابي ، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام ، وهو قدري ضعيف يدلس .
وفي الاسناد محمد بن راشد الدمشقي ، وهو قدري من أهل الورع والنسك ولم يكن الحديث من صنعته ، وكثر المناكير في روايته فاستحق الترك . وقال الدارقطني : يعتبر به . وقال ابن خراش : ضعيف الحديث ( 1 ) .
وفيه شبابة الفزاري كان يدعو إلى الارجاء ويقول به ، تركه أحمد ولم يكتب عنه وكان يحمل عليه ولا يرضاء ، وقال أبوحاتم : يكتب حديثه ولا تحج به . وقال أبوبكر الاثرم عن احمد بن حنبل : كان يدعو إلى الارجاء وحكي عنه قول أخبث من هذه الاقاويل قال : إذا قال فقد عمل بجارحته وهذا قول خبيث ما سمعت أحدا يقوله ، قيل له : كيف كتبت عنه ؟ قال : كتبت عنه شيئا يسيرا قبل أن أعلم انه يقول بهذا . وقبل كل هذا كان الرجل يبغض أهل البيت الطاهر ، ومات بإصابة الدعوة عليه فلجا ( 2 ) .
وفي الاسناد مجاهيل لا يعرفون ولا يوجد لهم ذكر في المعاجم .
34- أخرج اسحاق بن محمد السوسي من طريق محمد بن الحسن بالاسناد مرفوعا : إن معاوية يبعث نبيا من حلمه وائتمانه على كلام ربي .
زيفه ابن حجر في لسان الميزان 5 : 125 وقال : محمد بن الحسن لعله النقاش صاحب التفسير فإنه كذاب أو هو آخر من الدجاجلة .
35- قال سعيد بن المسيب : من مات محبا لابي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وشهد العشرة بالجنة ، وترحم على معاوية ، كان حقا على الله أن لا يناقشه الحساب ) تاريخ ابن كثير : 8 : 139 )
قال الاميني : فأول من يناقشه الله الحساب إن صدق هذا الحلم هو النبي الاعظم صلى الله عليه وآله ووصيه اميرالمؤمنين عليه السلام للعنهما معاوية كما عرفت حديثه ، ويلحقهما في ذلك عيون الصحابة العدول المتقربين إلى الله بالوقيعة في هذا الانسان ، بل يحق على الله

هامش
( 1 ) تهذيب التهذيب 9 : 159 .
( 2 ) تهذيب التهذيب 4 : 301 .

أن يناقش الحساب مع كل مؤمن صالح مرضي عنده لنقمتهم على ابن آكلة الاكباد وأفعاله وتروكه ، وذكرهم إياه بكل مخزاة وبائقة بكرة وعشيا .
وهل على الله أن لا يناقش ابن أبي سفيان الحساب أخذا بهذا الحكم البات التافه ؟ وهل قنوت الرجل بلعن علي أميرالمؤمنين وسبه إياه ووقيعته فيه وتحامله عليه ودعوته الناس إلى مقته وعداه وخروجه عليه بالسيف وقتاله إياه ، إلى تلكم الفواحش المبثوثة في صحيفة تاريخ الرجل السوداء من بوائقه وموبقاته مع شيعة أميرالمؤمنين عليه السلام كانت كلها آية حبه إياه ورمز شهادته له بالجنة ؟ وبذلك استوجب الترحم عليه ؟
وهل كان تقاعسه عن نصرة عثمان ، وتثبطه عن الدفاع عنه ، وايصائه بذلك قائد جيوشه عن آيات حبه إياه ، وشهادته له بالجنة ، وموجبات الترحم عليه ؟ نعوذ بالله من التقول بلا تدبر .
36- قال سعيد بن يعقوب الطالقاني : سمعت عبدالله بن المبارك يقول : تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبدالعزيز . وفي لفظ : لتراب في منخري معاوية مع رسول الله خير وأفضل من عمر بن عبدالعزيز . تاريخ ابن كثير 8 : 139 .
وسئل احمد بن حنبل امام الحنابلة : ايما افضل معاوية أو عمر بن عبدالعزيز ؟
فقال : لغبار لحق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله خير من عمر بن
عبدالعزيز . ) شذرات الذهب 1 : 65 ( .
قال الاميني : إن الحري بعرفان معاوية ومكانته من الفضيلة هم اولئك الذين عاصروه وشاهدوه من كثب ، والذين رأوا بوائقه وتطلعوا على مخازيه بين ثنايا المشاهدة ، والذين أدركوا أصله ومحتده وعرفوا نفسياته وملكاته ، ولن تجد فيهم رجل صدق يقيم له وزنا أو يرى له كرامة ، ويحق أن تسألهم عنه لا ابني حنبل ومبارك اللذين أوفر حظهما من أخبار معاوية السماع أو ركوب العصبية العمياء ، وأنت إذا أمعنت النظرة فيما أسلفناه مما قيل فيه وذكر عنه ظهرت لك جلية الحال وعرفت البون الشاسع بين كلمة الرجلين وبين هاتيك الكلم الجوامع المعربة عن حقيقة الرجل وعجره وبجره .
37- قال بعض السلف : بينا أنا على جبل بالشام إذ سمعت هاتفا يقول : من أبغض الصديق فذاك زنديق ، ومن أبغض عمر فإلى جهنم زمرا ، ومن أبغض عثمان فذاك خصمه الرحمن ، ومن أبغض عليا فذاك خصمه النبي ، ومن أبغض معاوية سحبته الزبانية إلى جهنم الحامية يرمى به في الحامية الهاوية . تاريخ ابن كثير 8 : 140 .
عجبا لبيئة دمشق التي لا تربي إلا روح الاموية الممقوتة هى وأهلها وضواحيها وجبالها ، ومن يهتف بها من شيطان مريد أو إنسان عنيد ، أو مشاغب عن الحق والصلاح بعيد ، وبعدا لمن يحتج في امور الدين بالهاتف المجهول ، وطيف الخيال الممجوج ، ويضرب عن الحقايق الراهنة صفحا ، ويطوي عن البرهنة الصادقة كشحا .
38- قال بعضهم : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبوبكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية إذ جاء رجل فقال عمر : يا رسول الله ! هذا يتنقصنا فكأنه انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! اني لا أتنقص هؤلاء ولكن هذا - يعني معاوية - فقال :
ويلك أو ليس هو من أصحابي ؟ قالها ثلاثا . ثم أخذ رسول الله حربة فناولها معاوية فقال : جأ بها في لبته ، فضربه بها وانتبهت فبكرت إلى منزلي فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات ، وهو راشد الكندي . تاريخ ابن كثير 8 : 140 .
قال الاميني : عجبا من حفاظ قوم وأئمة مذهب يغرون بسطاء الامة بالاضغاث الاحلام ، ويموهون على الحقايق الراهنة بالترهات ، ويسودون صحائف التاريخ بالتافه الواهي ، ويشوهون سمعة الصحابة ويدنسون ساحة قدس صلحائهم بعد ابن هند الخمار الرباء من زمرتهم ، وجعله وإياهم عكمي بعير ، قاتل الله الجهل .
ليتني أدري ان الذي شهده هذا الرجل في طيف الخيال هل هو ذلك النبي الاقدس صلى الله عليه وآله الذي كان ينتقص هو معاوية ويلعنه في يقظته وانتباهته ، وقد تطابق في ابن هند لسان حاله والمقال ، أم هو غيره ؟ انتظر ها هنا حتى يوافيك الجواب عن صاحب الرؤيا ولا أظن .
وليتني عرفت ما مصير عدول الصحابة مناوئي معاوية ومنتقصيه بألسنة حداد ، والداعين عليه في صلواتهم جهارا ، والمتحاملين عليه في كل ندوة ومجتمع ؟ هل انتهرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وناول معاوية حربة جاء بها في لبتهم ؟ ! .
39- وجد أبوالفتح يوسف القواس في كتبه جزء‌ا له فيه فضايل معاوية وقد قرضته الفأرة ، فدعا الله تعالى على الفأرة التي قرضته ، فسقطت من السقف ولم تزل تضطرب حتى ماتت ، تاريخ بغداد للخطيب الحافظ 14 : 327 .
هلم واضحك على عقلية هذا الحافظ المعتوه الذي يرى من كرامة معاوية على الله أن أهلك لاجله فأرة قرضت جزء‌ا فيه فضائل معاوية ، وقد أصفق ائمة الحديث كما أسلفناه على انه لا يصح منها شيئ ، وهل الفئران كلفت بولاء ابن آكلة الاكباد ، والفأرة التي أصابته الدعوة قد شذت وخالفت امتها وعادت معاوية فحقت عليها كلمة العذاب ؟ وهل المسكينة كانت عارفة بما في ذلك الجزء فانكرته وسخطت عليه وقرضته وهي على بصيرة من أمرها ؟ وهل كانت لابي الفتح القواس سابقة معرفة بتلك الفأرة فلما سقطت وماتت عرف أنها هي هي ؟ إني أعظك أن تكون من الجاهلين
قال الكلواذي في قصيدة له :
ولابن هند في الفؤاد محبة * مغروسة فلير غمن مفندي رد عليه العلامة شهاب الدين احمد الحفظي الشافعي بقوله :
قل لابن كلواذي وخيم المورد * أوقعت نفسك في الحضيض الاوهد
أفأنت تطمع يا سخيف العقل ! في * ارغام طه والوصي المهتدي ؟
والمسلمين الصادقي ايمانهم * بالله جل وبالنبي محمد ؟
أو لست أنت القائل البيت الذي * تصلى به وهج السعير المؤصد
ولابن هند في الفواد محبة * مغروسة فليرغمن مفندي ]
أرأيت ويلك ذا يقين لا يفند * ما يفوه به لسان الابعد ؟
أو هل ترى إلا بقلب منافق * غرست محبة عجلك المتمرد ؟
أو ما علمت بأن من أحببته * رأس البغاة وخصم كل موحد ؟
لعن الوصي وبدل الاحكام وار * تكب الكبائر باللسان وباليد
إن المحب مع الحبيب مقره * ولسوف تعلم مستقرك في غد
فعليكما سخط الاله ومقته * وعلى الذى بك في العقيدة يقتدي ( 1 )
توجد جملة ضافية من الآراء والاقوال الساقطة والاحلام الخيالية التافهة في الثناء على ابن هند في تاريخ إبن كثير 8 : 139 ، 140 ، وتطهير الجنان واللسان عن الخطور والتفوه بثلب معاوية بن أبي سفيان لابن حجر الهيتمي ( 2 ) وغيرهما وفي المذكور غنى وكفاية .
فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون

هامش
( 1 ) تقوية الايمان ص 107 .
( 2 ) طبع في هامش الصواعق المحرقة له .

الغلو الفاحش
هاهنا ننهي البحث عن المغالاة في مناقب الخلفاء ، ويهمنا عندئذ أن نوقف القارئ على شرذمة قليلة من الكثير الوافي مما نسجته يد الغلو من قصص الخرافة ، وما لفقته الاهواء والشهوات من فضائل اناس من القوم منذ عهد الصحابة وهلم جرا ، ونلمسك باليد الغلو الفاحش :

زيد بن خارجة يتكلم بعد الموت
أخرج البيهقي باسناده عن سعيد بن المسيب : ان زيد بن خارجة الانصاري توفي زمن عثمان بن عفان فسجي بثوبه ، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره ثم تكلم ثم قال :
أحمد أحمد في الكتاب الاول ، صدق صدق أبوبكر الصديق ، الضعيف في نفسه ، القوي في أمر الله في الكتاب الاول ، صدق صدق عمر بن الخطاب القوي الامين في الكتاب الاول ، صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجهم مضت أربع وبقيت ثنتان أتت بالفتن وأكل الشديد الضعيف ، وقامت الساعة ، وسيأتيكم عن جيشكم خبر بئر أريس ، وما بئر أريس ؟ .
وفي لفظ آخر من طريق النعمان بن بشير قال : الاوسط أجلد الثلاثة الذي كان لا يبالي في الله لومة لائم ، كان يأمر الناس أن يأكل قويهم ضعيفهم ، عبدالله أميرالمؤمنين صدق صدق كان ذلك في الكتاب الاول . ثم قال : عثمان أميرالمؤمنين وهو يعافي الناس من ذنوب كثيرة ، خلت اثنتان وبقي أربع ، ثم اختلف الناس وأكل بعضهم بعضا ، فلا نظام وانتجت الاكما ، ثم ارعوى المؤمنين وقال : كتاب الله وقدره ، أيها الناس : أقبلوا على أميركم واسمعوا وأطيعوا ، فمن تولى فلا يعهدن دما وكان أمر الله قدرا مقدورا ، الله اكبر هذه الجنة وهذه النار ، ويقول النبيون والصديقون : سلام عليكم ، يا عبدالله إبن رواحة ! هل أحسست لي خارجة لابيه وسعدا اللذين قتلا يوم احد ؟ كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى . ثم خفت
صوته فسألت الرهط عما سبقني من كلامه فقالوا : سمعناه يقول : أنصتوا أنصتوا . هذا أحمد رسول الله ، سلام عليك يا رسول الله ! ورحمة الله وبركاته . أبوبكر الصديق الامين ، خليفة رسول الله كان ضعيفا في جسمه قويا في أمر الله صدق صدق ، وكان في الكتاب الاول إلخ
وفي لفظ القاضي في الشفا : قال : انصتوا انصتوا . محمد رسول الله النبي الامي و خاتم النبيين كان ذلك في الكتاب الاول . الخ
راجع الاستيعاب 1 : 192 ، تاريخ إبن كثير 6 : 156 ، الشفا للقاضي عياض ، الروض الانف 2 : 370 ، الاصابة 1 : 565 ، ج 2 ، 24 ، تهذيب التهذيب 3 : 410 ، الخصائص الكبرى 2 : 85 ، شرح الشفا للخفاجى 3 : 108 فقال : هذا مما روته الطبرانى وأبونعيم وابن مندة و رواه ابن ابى الدنيا عن انس . وحكاه ص 105 عن ابن عبدالبر وابن سيد الناس وابن الاثير والذهبي وابن الجوزى وابن ابى الدنيا .
قال الاميني : نعمت الدعاية إلى مبادئ إعتنقها القوم ولم يقتنعوا بابتداعها حتى دعموها بأمثال هذه ، وللمنقب أن يسهب في القول هاهنا لكنا نحيله إلى روية القارئ ولنا أن نسائل صاحب هذا المهزأة : هل القيامة قد قامت يوم مات فيه ابن خارجة فكلم الله فيه الموتى ؟ أو كان ذلك جوابا عن مسائلة البرزخ قد سمعه الملا الحضور ؟ أو أن عقيدة الامامية في مسألة الرجعة قد تحققت فرجع ابن خارجة - ولم يكن رجوعه في الحسبان - لتحقيق الحقايق ، غير أن تحقيقه إياها لم يعد التافهات ؟ وهل كان ابن خارجة متأثرا من عدم إشادته بأمر خلافة الخلفاء إبان حياته وكان ذلك حسرة في قلبه حتى تداركه بعد الموت ، وكان من كرامته على الله سبحانه أن منحه بما دار في خلده وهو ميت ؟ أو أن الله تعالى كلمه لاقامة الحجة على الامة وأراه من الكتاب الاول ما لم يره نبيه الرسول الامين ، وأرجأ هذا البلاغ لابن خارجة ومنحه ما لم يمنحه صاحب الرسالة الخاتمة ؟ وليت شعري لو كان إبن خارجة كشفت له عن الحقايق الراهنة الثابتة في الكتاب الاول ، وأذن له ربه أن يبلغ امة محمد صلى الله عليه وآله ما فيه نجاحها ونجاتها ، فلما ذا أخفى عليها اسم رابع الخلفاء الراشدين - أو الخليفة الحق - ولم يذكره ؟ ! أو من الذى أنساه إياه فجاء بلاغا مبتورا ؟ أفتراه لم يأت ذكره في الكتاب الاول وما صدق وما صدق ، وهو نفس النبي الاعظم في الكتاب الثاني ، والمطهر بآية التطهير ، وقد قرنت ولايته بولاية الله وولاية رسوله ؟ إن هذا لشئ
عجاب .
ولعلك لا تعجب من هذه الهضيمة بعد ما علمت أن سلسلة هذه الرواية تنتهي إلى سعيد بن المسيب ونعمان بن بشير وهما هما ، وقد أسلفنا البحث عنهما وأنهما في طليعة مناوئي أميرالمؤمنين عليه السلام :
وهنا مشكلة اخرى لا تنحل ألا وهي : ان ابن خارجة توفي في عهد عثمان و أيام خلافته ، فهل الصحابة العدول أو عدول الصحابة رأوا هذه المكرمة من كثب و صدقوها واذعنوا بنبأ إبن خارجة العظيم ، ثم نسوها مع قرب عهدهم بها كما نسوا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم في مائة الف أو يزيدون ، وأصفقوا على بكرة أبيهم المهاجر منهم والانصار على قتل عثمان بعد تلك الحجة البالغة وما شذ منهم محتجا على المتجمهرين عليه بنبأ ابن خارجة ، كأن لم يكن شيئا مذكورا ؟
وأنت تعرف مقدار عقلية اولئك الحفاظ ومكانتهم من العلم والدين والثقة بروايتهم أمثال هذه المخازي وعدهم إياها من الصحاح والمسانيد ، قاتل الله الحب المعمي والمصم .
أنصارى يتكلم بعد القتل
أخرج البيهقي في عد من تكلم بعد الموت قال : أنا أبوسعيد بن أبي عمر : ثنا ابوالعباس محمد بن يعقوب : ثنا يحيى بن أبي طالب : أنا علي بن عاصم : أنا حصين بن عبدالرحمن ، عن عبدالله بن عبيد الانصاري قال : بينما هو يوارون القتلى يوم صفين أو يوم جمل إذ تلكم رجل من الانصار من القتلى فقال : محمد رسول الله . ابوبكر الصديق عمر الشهيد ، عثمان الرحيم . ثم سكت . ( 1 )
قال الاميني : في الاسناد يحيى بن أبي طالب ، قال موسى بن هارون : أشهد أنه يكذب عني في كلامه ( 2 ) وعلي بن عاصم قال خالد الحذاء : كذاب فاحذروه .

هامش
( 1 ) تاريخ ابن كثير 6 : 158 .
( 2 ) لسان الميزان 6 : 262 .

وعن شعبة أنه قال : لا تكتبوا عنه . وعن يحيى بن معين : كذاب ليس بشئ : وعنه : ليس بشئ ولا يحتج به ، ليس ممن يكتب حديثه ، وقال يزيد بن هارون : ما زلنا نعرفه بالكذب
وقال البخاري : ليس بالقوى عندهم . ( 1 )
والنظر في المتن لدة النظر في سابقه فيأتي هاهنا جميع ما ذكر هنالك فليس القتيل الانصاري عن ابن خارجة ببعيد .
شيبان يحيى حماره
عن الشعبي قال : خرج رجل من النخع يقال له : شيبان في جيش على حمار له في زمن عمر، فوقع الحمار ميتا ، فدعاه أصحابه ليحملوه ومتاعه فامتنع ، فقام فتوضأ ثم قام عند رأسه فقال : أللهم إني أسلمت لك طائعا ، وهاجرت مختارا في سبيلك ابتغاء مرضاتك ، وإن حماري كان يعينني ويكفيني عن الناس ، فقوني به ، وأحيه لي ، ولا تجعل لاحد علي منة غيرك . فنفض الحمار رأسه وقام فشد عليه ولحق بأصحابه .
وذكر ابن أبي الدنيا من طريق مسلم بن عبدالله النخعي قصة مثل هذه وسمى صاحب الحمار نباتة بن يزيد . وأخرج الحسن بن عروة قصة حمار عن أبي سبرة النخعي وقال :
أقبل رجل من اليمن . الخ . تاريخ ابن كثير 6 : 153 ، 292 ، الاصابة 2 : 169 .
قال الاميني : ليس عزيز على الله أن يخلق في مجاهيل امة محمد صلى الله عليه وآله في عسكر
عمر من يضاهي روح الله عيسى بن مريم يحيي الموتى باذنه ولو كان المحيى حمارا ، غير ان هذه وأمثالها تخص برجال زمان أبي بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم بمن يحبهم و يعتنق ولائهم ، وإن جاء حديث في كرامة غيرهم فمن الصعب المستصعب قبوله ، والعقل والشرع والمنطق والبرهنة تأباه ، وهنالك يحق كل جبلة ولغط ، ويجري كل ما يتصور من المناقشة في الحساب لماذا هي كلها ؟ أنا لا أدري وإن كان المحاسب يدري .
وللقوم قصة حمار عدوها من دلائل النبوة ذكرها ابن كثير بالاسناد المتصل في تاريخه 6 : 150 ونحن نذكرها محذوف السند ونحيل البحث عنها إلى اولي الالباب من الامة المسلمة .
هامش
( 1 ) تهذيب التهذيب 7 : 345 - 348 .

عن أبي منظور قال : لما فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خيبر أصابه من سهمه اربعة أزواج بغال ، وأربعة أزواج خفاف ، وعشر اواق ذهب وفضة ، وحمار اسود ومكتل ، قال : فكلم النبي صلى الله عليه وسلم الحمار ، فكلمه الحمار فقال له : ما اسمك ؟ قال : يزيد بن شهاب ، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارا كلهم لم يركبهم إلا نبي ، لم يبق من نسل جدي غيري ، ولا من الانبياء غيرك ، وقد كنت أتوقعك أن تركبني ، قد كنت قبلك لرجل يهودي ، وكنت أعثر به عمدا ، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سميتك يعفور ، يا يعفور ! قال : لبيك . قال : تشتهي الاناث ؟ قال : لا .
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يركبه لحاجته فإذا نزل عنه بعث به إلى باب الرجل فيأتي الباب فيقرعه برأسه فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بئر كان لابي الهيثم بن التيهان فتردى فيها فصارت قبره جزعا منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عصا اسيد وعباد
عن أنس : كان اسيد بن حضير ، وعباد بن بشر عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة ظلماء حندس ، فلما خرجا أضاء‌ت عصا أحدهما فمشيا في ضوئها ، فلما افترقت بهما الطريق أضاء‌ت عصا الآخر .
صحيح البخاري 6 : 3 ، إرشاد السارى 6 : 154 ، طرح التثريب 1 : 35 ، اسد الغابة 3 : 101 ، تاريخ ابن كثير 6 : 152 .
قال الاميني : أتصدق ان أحدا لم يكن من علية الصحابة كانت له هذه الكرامة الباهرة في اوليات الاسلام على عهد الصادع الكريم ، وتخفى على كل الناس وينحصر علمها بأنس ولم يروها غيره ، ولم تشتهر عنه في الملا الديني ؟ ! ؟ !
أتصدق أن يكون الرجلان لهذه المكانة الرابية من الفضيلة وهما من متأخري المسلمين أسلما بالمدينة ، ولم يذكرهما نبي العظمة بتلك الكرامة ولو هما ، ولميعرفهما امته ولو ركزا ، ولم يعرفهما رجال الدين تبلكم المكرمة طيلة حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟
لعلك لا يعزب عنك لماذا استحق اسيد هذه المنقبة ، وانها انما اختلقت بعد رسول الله للرجل لتقدمه على المهاجرين والانصار يوم السقيفة ببيعة أبي بكر ، وهو أول رجل من الانصار بايع يوم ذاك وشق عصا المسلمين ، قال ابن الاثير ( 1 ) له في بيعة أبي بكر أثر عظيم . وقال : كان ابوبكر الصديق يكرمه ولا يقدم عليه أحدا . فهو حري بتلك البيعة أن يشرف بوسام من محبذي ذلك الانتخاب الدستوري الذي لم يكن عن جدارة ، كما استحق بها أبوعبيدة الجراح - حفار القبور - أن يقبل رجله عمر بن الخطاب ( 2 ) ومن هنا تجد عائشة تثني على اسيد بقولها : كان من أفاضل الناس وقولها : ثلاثة من الانصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلا بعد رسول الله : سعد بن معاذ ، واسيد بن حضير ، وعباد بن بشر ( 3 ) ، تقوله ام المؤمنين وهي تعلم أن من الانصار بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بقية صالحة بدريون عقمت أم الدهور أن تأتي بمثلها كأبي أيوب الانصاري ، وخزيمة ذي الشهادتين ، وجابر بن عبدالله ، وقيس بن سعد ، إلى اناس
آخرين . نعم : هؤلاء لا يروق ام المؤمنين ذكرهم لانهم علويون في ولائهم ، وأما اسيد فهو جدير بهذه المدحة البالغة من ام المؤمنين لنقضه عهد المصطفى في أخيه علم الهدى ، وتسرعه إلى بيعة أبيها وتدعيمه خلافته ، فهو تيمي المبدأ والمنتهى . وعباد بن بشر لا تقصر خطواته في تلك الخلافة عن اسيد ، وقد قتل تحت راية أبي بكر يوم اليمامة ، ولعائشة ثناء جميل عليه .
خمر صارت عسلا بدعاء خالد
عن الاعمش عن خيثمة قال : أتى خالد بن وليد برجل معه زق خمر فقال له خالد : ما هذا ؟ فقال : عسل . فقال : أللهم اجعله خلا فلما رجع إلى أصحابه قال : جئتكم بخمر لم يشرب خمر مثله .

هامش
( 1 ) اسد الغاية : 1 : 92 .
( 2 ) تاريخ ابن كثير 7 : 55 .
( 3 ) اسد الغابة 3 : 100 ، مجمع الزوايد 9 : 310 .

ثم فتحه فإذا هو خل . فقال : أصابته والله دعوة خالد رضي الله عنه . وفي لفظ : اللهم اجعله عسلا فصار عسلا . تاريخ ابن كثير 7 : 114 ، الاصابة 1 : 414 .
قال الاميني : إقرأ صحيفة حياة خالد السوداء مما مر في الجزء السابع ص 156 - 168 ط 1 وسل عنه بني جذيمة ومالك بن نويرة وامرأته ، وسل عنه عمر الخليفة ، حتى تعرفه بعجره وبجره ، ثم احكم بما تجد الرجل أهلا له .
أبومسلم لا تحرقه النار
دعا الاسود العنسي - المتنبي - أبا مسلم الخولاني عبدالله بن ثوب اليمني التابعي المتوفى
60 / 62 فأجج الاسود نارا عظيمة وألقى فيها أبا مسلم فلم تضره ، وأنجاه الله منها ، فكان يشبه بإبراهيم الخليل ، فوفد على أبي بكر مسلما فقال : ألحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من امة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به ما فعل بابراهيم خليل الله .
وفي لفظ ابن كثير : فقدم على الصديق فاجلسه بينه وبين عمر وقال له عمر : ألحمد لله الذي لم يمتني حتى اري في امة محمد من فعل به كما فعل بابراهيم الخليل وقبله بين عينيه .
الاستيعاب 2 : 666 ، صفة الصفوة 4 : 181 ، تاريخ ابن عساكر 7 : 318 ، تذكرة الحفاظ للذهبي 1 : 46 ، تاريخ ابن كثير 8 : 146 ، شذرات الذهب 1 : 70 ، تهذيب التهذيب 12 : 236 ، وذكره السيد محمد أمين ابن عابدين في العقود الدرية 2 : 393 عن جده العمادي في رسالته ) الروضة الريا فيمن دفن في داريا ( نقلا عن أبي نعيم وابن عساكر وابن الزملكاني وابن كثير .
أبومسلم يقطع دجلة بدعاء‌ه
أتى أبومسلم الخولاني يوما على دجلة وهي ترمي بالخشب من مدها فوقف عليها ثم حمد الله تبارك وتعالى وأثنى عليه ، وذكر مسير بني إسرائيل في البحر ، ثم نهر دابته فخاضت الماء وتبعه الناس حتى قطعوا . أخرجه ابن عساكر في تاريخه 7 : 317
سبحة أبى مسلم تسبح بيده
كان أبومسلم الخولاني بيده سبحة يسبح بها فنام والسبحة بيده فاستدارت والتفت على ذراعه وجعلت تسبح فالتفت إليها وهي تدور في ذراعه وهي تقول : سبحانك يا منبت النبات ، ويا دائم الثبات . فقال لزوجته : هلمي يا ام مسلم ! وانظري أعجب الاعاجيب ، فجاء‌ت والسبحة تدور تسبح فلما جلست سكتت أخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخ الشام 7 : 318 .
وفد يسافر بلا زاد ولا مزاد
كان أبومسلم الخولاني أتاه جماعة من قومه فقالوا له : أما تشتاق إلى الحج ؟ قال : بلى لو أصبت لي أصحابا فقالوا : نحن أصحابك ، فقال : لستم لي بأصحاب أنا أصحابي قوم لا يريدون الزاد ولا المزاد قالوا : سبحان الله وكيف يسافر قوم بلا زاد و لا مزاد ؟ فقال لهم : ألا ترون إلى الطير تغدو وتروح بلا زاد ولا مزاد والله يرزقها وهي لا تبيع ولا تشتري ولا تحرث ولا تزرع ؟ قالوا : فإنا نسافر معك فقال لهم : تهيأوا على بركة الله . فغدوا من غوطة دمشق ليس معهم زاد ولا مزاد ، فلما انتهوا إلى المنزل قالوا : يا أبا مسلم ! طعام لنا وعلف لد وابنا فقال لهم : نعم فتنحى بعيدا فتسنم أحجارا فصلى فيه ركعتين ، ثم جثى على ركبتيه فقال : آلهي قد تعلم ما أخرجني من منزلي ، و إنما خرجت زائرا لك ، وقد رأيت البخيل من أولاد آدم تنزل به العصابة من الناس فيوسعهم قرى وإنا أضيافك وزوارك فأطعمنا واسقنا واعلف دوابنا ، فاتي بسفرة فمدت بين أيديهم ، وجئ بجفنة من ثريد تنجر ، وجئ بقلتين من ماء ، وجئ بالعلف لا يدرون من يأتي به ، فلم تزل هذه حالهم منذ خرجوا من عند أهاليهم حتى رجعوا لا يتكلفون زادا ولا مزادا . أخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخ الشام 7 : 318 .
قال الاميني : أنا لم أفض في المقام بذأمة ، وإنما اوجه نظر الباحث شطر كلمة طاش كبرى زادة قال في مفتاح السعادة 3 : 345 : من يخوض في البراري من غير زاد لتصحيح التوكل ذلك بدعة إذالسلف كانوا يأخذون الزاد ويتوكلون .
دعاء أبى مسلم لمرأة وعليها
كان أبومسلم الخولاني إذا دخل داره فكان في وسطها كبر فيدخل فينزع ردائه وحذاء‌ه وتأتيه إمرأته بطعام فيأكل فجاء ذات ليلة فكبر فلم تجبه ، ثم أتى باب البيت فكبر وسلم وكبر فلم تجبه ، وإذا البيت ليس فيه سراج وإذا هي جالسة بيدها ود ( كذا ( تنكت به الارض فقال لها : مالك ؟ فقالت : الناس بخير وأنت أبومسلم لو انك أتيت معاوية فيأمر لك بخادم ويعطيك شيئا تعيش به ؟ فقال : أللهم من أفسد علي أهلي فاعم بصره . وكانت أتتها امرأة فقالت : أنت امرأة أبي مسلم الخولاني فلو كلمت زوجك يكلم معاوية ليخدمكم ويعطيكم . فبينا هذه المرأة في منزلها إذا أنكرت بصرها فقالت :
سراجكم طفئ ؟ فقالوا : لا . فقالت : إنا لله ، ذهب بصري ، فأتت إلي أبي مسلم فلم تزل تناشده الله وتطلب إليه حتى دعا الله فرد بصرها ورجعت امرأته إلى حالها التي كانت عليها . أخرجه إبن عساكر في تاريخه 7 : 317 .
قال الاميني : ما أقسى صاحب هذه المعاجز حيث أعمى امرأة مسلمة من غير ذنب تستحق لاجله مثل هذه العقوبة ؟ فإن مراجعة معاوية كبقية المسلمين وهو أميرهم فيما حسبوه - والرجل في الرعيل الاول من شيعته - للتوسيع عليه ليس فيها إقتراف مأثم ولا اجتراح سيئة تستحق المسكينة عليها التنكيل بها ، فهلا دعا الله سبحانه أن يهديها وامرأته أن يثبت قلبيهما على الصبر والتقوى إن كان يعلم من نفسه إجابة دعوته ؟ لكنه أبى إلا القسوة ، أو أن المغالي في فضله إفتعل له ذلك ذاهلا عن ان ما افتعله يمس كرامة الرجل ، ونحن نجل ساحة قدس المولى سبحانه عن أن تكون عنده إجابة لمثل هذه الدعوة الصادرة عن الجهل .
ألظبى يحبس بدعاء ابى مسلم
أخرج إبن عساكر في تاريخه 7 : 317 عن بلال بن كعب قال : ربما قال الصبيان لابي مسلم الخولاني : ادع الله يحبس علينا هذا الظبي فيدعو الله فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم .
قال الاميني : لقد راق القوم أن لا يدعوا للانبياء والرسل معجزة أو آية إلا و سحبوها إلى من أحبوه من رجال عاديين ، بل راقهم أن يثبتوا لاوليائهم كل شئ أباحه العقل أو أحاله ، أنا لا أدري أيريدون بذلك تخفيضا من مقام الرسل ؟ أو ترفيعا لهؤلاء ؟ ! وأياما أرادوا فحسب رواة السوء رواية غير المعقول ، وخلط الحابل بالنابل .
أتعرف أبا مسلم الخولاني صاحب هذه الخزعبلات ؟ أتدري لماذا استحق الرجل بنسج هذه الكرامات له على نول الافتعال ؟ أتصدق أن يكون تحت راية ابن هند في الفئة الباغية رجل إلهي يؤمن به وبايمانه ، ويصدق زلفاه إلى ربه ، فضلا عن
أن يكون صاحب حفاوة وكرامة ؟ ! ؟ ! أتزعم أن تربي قاعة الشام في عصر معاوية إنسانا يعرف ربه ، ويكون من أمره على بصيرة ، ولا تزحزحه عن سبيل الحق والرشاد رضايخ ذلك الملك العضوض ؟ ! نعم إنما نسجت يد الاختلاق هذه المفتعلات كوسام لابي مسلم شكرا على تقدمه في ولاء أبناء بيت امية ، وعداء‌ه المحتدم لاهل بيت الوحي ، كان الرجل عثمانيا اموي النزعة ، خارجا على إمام زمانه تحت راية القاسطين ، وهو القائل :
يا أهل المدينة ! كنتم بين قاتل وخاذل ، فكلا جزى الله شرا ، ياأهل المدينة ! لانتم شر من ثمود إن ثمود قتلوا ناقة الله ، وأنتم قتلتم خليفة الله ، وخليفة الله اكرم عليه من ناقته .
وهو الذي كان سفير معاوية إلى علي في حرب صفين ، وقد أتى ببعض كتبه إلى
الامام عليه السلام ولما أقام عليه السلام عليه الحجة وأفحمه فخرج وهو يقول : الآن طاب الضراب وهو الذي كان يرتجز يوم صفين ويقول :
ما علتي ما علتي وقد لبست درعتي أموت عند طاعتي ؟ ! ( 1 )
أترى من يموت في طاعة ابن هند ، ويركض وراء أهوائه وشهواته ، ويتخذه إماما متبعا في أفعاله وتروكه ، ويحارب إمام زمانه المطهر بلسان الله تعالى ولم يعرفه ، ويضرب الصفح عما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حرب علي عليه السلام وسلمه عامة ، وفي
هامش
( 1 ) صفين نصر بن مزاحم 95 - 98 ، تاريخ ابن عساكر 7 : 319 ، شرح ابن ابى الحديد 3 : 408 .
قتاله يوم صفين خاصة ، وتكون له خطوات واسعة وأشواط بعيدة في تلكم البوائق المدلهمة ، والمواقف الموبقة ، توهب له من المولى سبحانه وتعالى تلك المنزلة الرفيعة من الكرامة التي تضاهي منازل الانبياء ، ويقصر عنها مقام كل ولى صادق ؟ ! لا ها الله ، إن هي إلا اختلاق ، لا تساعدها البرهنة الصادقة ، ولا يسوغها الاسلام ومبانيه ومباديه ، ولا يقبلها العقل والمنطق .
قاتل الله العصبية العمياء ، إلى أي هوة من التعاسة والانحطاط تحدو البشر ؟
تجعل أبا مسلم الشامي الخارجي الباغي المحارب إمام وقته زاهدا عابدا ناسكا ذا كرامات ومقامات ، وتعرف سيد غفار أشبه الناس بعيسى بن مريم زهدا وهديا وبرا ونسكا ، الممدوح بلسان النبي الاعظم ( 1 ) شيوعيا اشتراكيا يموت في المعتقل غفرانك اللهم وإليك المصير .
الربيع يتكلم بعد الموت
عن ربعي بن خراش ( 2 ) العبسي قال : مرض أخي الربيع بن خراش فمرضته ثم مات فذهبنا نجهزه ، فلما جئنا رفع الثوب عن وجهه ثم قال : السلام عليكم ، قلنا : وعليك السلام ، قدمت ؟ قال : بلى ولكن لقيت بعدكم ربي ولقيني بروح وريحان ورب غير غضبان ، ثم كساني ثيابا من سندس أخضر ، وإني سألته أن يأذن لي أن ابشركم فأذن لي ، وإن الامر كما ترون ، فسددوا وقاربوا ، وبشروا و لا تنفروا ( 3 ) .
وفي لفظ أبي نعيم : انه توفي أخي - ربيع بن حراش - فبينا نحن حوله وقد بعثنا من يبتاع له كفنا إذ كشف عن وجهه فقال : السلام عليكم . فقال القوم : وعليك السلام يا أخاه ! عيشا بعد الموت ؟ يعني حياة . قال : نعم إني لقيت ربي بعدكم فلقيت

هامش
( 1 ) راجع الجزء الثامن ص 315 - 324 ط 1 .
( 2 ) كذا بالمعجمة في غير واحد من المصادر والصحيح كما في تهذيب التهذيب : حراش . مهملة الاول .
( 2 ) تاريخ ابن كثير 6 : 158 ، الروض الانف 2 : 370 ، صفة الصفوة 3 : 19 .

ربا غير غضبان ، واستقبلني بروح وبريحان واستبرق ، ألا وإن أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ينتظر الصلاة علي ، فعجلوا بي ولا تؤخروني ، ثم كان بمنزلة حصاة رمي بها في
الطست ( 1 ) .
وفي لفظ : مات أخي الربيع فسجيته فضحك فقلت : يا أخى ! أحياة بعد الموت ؟
قال : لا ، ولكني لقيت ربي فلقيني بروح وريحان ووجه غير غضبان ، فقلت : كيف رأيت الامر ؟ قال : أيسر مما تظنون ، فذكر لعائشة فقالت : صدق ربعي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من امتي من يتكلم بعد الموت ( 2 ) .
قال الاميني : لست أدري لماذا استحال القوم القول بالرجعة ، وليست هي إلا رجوع الحياة للميت بعد زهوق النفس ، وهم يروون أمثال هذه الرواية وما مر في ص 103 مخبتين إليها من دون أي غمز بها ، وإن مغزاها إلا من مصاديق الرجعة . نعم لهم أن يناقشوننا الحساب باقترابها من الموت وبعدها عنه ، أو بطول أمدها وقصره ، أو بقصر جوازها على تأييد المذهب فحسب ، أو بحصر نطاقها بغير العترة الطاهرة فقط ، غير ان هذه كلها لا تؤثر في جوهرية الامكان ، ولا تصيره محظورا غير سائغ عقلا أو شرعا .
وشتان بين قصة ابن حراش هذه وبين ما جاء به ابن سعد في طبقاته 3 : 273 عن سالم بن عبدالله بن عمر قال : سمعت رجلا من الانصار يقول : دعوت الله أن يريني عمر في النوم فرأيته بعد عشر سنين وهو يمسح العرق عن جبهته فقلت : يا أميرالمؤمنين !
ما فعلت ؟ فقال : الآن فرغت ، ولولا رحمة ربي لهلكت . وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء ص 99 .
وأخرج ابن الجوزي في سيرة عمر ص 205 عن عبدالله بن عمر قال : رأى عمر في المنام فقال : كيف صنعت ؟ قال : خيرا . كاد عرشي يهوى لو لا إني لقيت ربا غفورا .
فقال : منذ كم فارقتكم ؟ فقلت : منذ أثنتي عشر سنة . فقال : إنما انفلت الآن من الحساب وروى نحوه الحافظ المحب الطبري في الرياض 2 : 80 .
هذا عمر الخليفة وحراجة موقفه في الحساب ، لا يستقبله ربه بروح وريحان ، ولا يكسوه ثيابا من استبرق أخضر ، ولا انتظر رسول الله صلى الله عليه وآله أن يصلي عليه ، وقد انفلت

هامش
( 1 ) حلية الاولياء 3 : 212 .
( 2 ) الخصايص الكبرى 2 : 149 .

من الحساب بعد اثنتي عشرة سنة ، ولولا رحمة ربه لهلك . وذاك ابن حراش ( 1 ) وأمره الامر السريع ، فانظر مآل الرجلين واحكم .
أربعة آلاف تعبر الماء
عن أبي هريرة وأنس قالا : جهز عمر بن الخطاب جيشا واستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي ، وكنت في غزاته فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفوا آثار الماء والحر شديد ، فجهدنا العطش ودوابنا وذلك يوم الجمعة ، فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين ، ثم مد يده إلى السماء ، وما نرى في السماء شيئا ، قال : فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحا وأنشأ سحابا ، وأفرغت حتى ملات الغدر والشعاب ، فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا ، ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة ، فوقف على الخليج وقال : يا علي يا عظيم يا حليم يا كريم . ثم قال : أجيزوا بسم الله . قال : فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا ، فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو عليه فقتلنا وأسرنا وسبينا ، ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته ، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا . وفي لفظ الصفوري : وكان الجيش أربعة الآف .
فلم نلبث إلا يسيرا حتى رمي في جنازته . قال : فحفرنا له وغسلناه ودفناه ، فأتى رجل بعد فراغنا من دفنه فقال : من هذا ؟ فقلنا : هذا خير البشر ، هذا ابن الحضرمي فقال : إن هذه الارض تلفظ الموتى ، فلو نقلتموه إلى ميل أو ميلين إلى أرض تقبل الموتى ، فقلنا : ما جزاء صاحبنا أن نعرضه للسباع تأكله ، قال : فاجتمعنا على نبشه فلما وصلنا إلى اللحد إذا صاحبنا ليس فيه ، وإذا اللحد مد البصر نور يتلالا ، قال : فأعدنا التراب إلى اللحد ثم ارتحلنا ( 2 ) .
قال الاميني : نحن لا ننبس هاهنا ببنت شفة ولا نحوم حول إسناده الباطل ، ولا نؤاخذ رواة القصة بقولهم في الحضرمي : هذا خير البشر . وانه كذب فاحش يخالف

هامش
( 1 ) لا يوجد له ذكر في معاجم التراجم .
( 2 ) تاريخ ابن كثير 6 : 155 ، نزهة المجالس 2 : 191 ، واوعز اليها ابنا الاثير وحجر في اسد الغابة 4 : 7 ، والاصابة 2 : 498 فقالا : خاض البحر بكلمات قالها ودعا بها .
ما أجمعت عليه الامة ، وليس على الله بعزيز أن يجعل أفراد جيش جهزه عمر كلها صاحب كرامة ، لكنا لا نعرف معنى قولهم : إن هذه الارض تلفظ الموتى ، أى أرض هذه ؟ وفي أي قطر هي ؟ وهل هي تعرف بهذه الصفة عند الملا ؟ وهل هي شاعرة بخاصتها هذه أولا تشعر ؟ وهل هي باقية عليها إلى يومنا هذا ؟ وكيف شذت عن بقاع الارض بهذه الخاصة ؟ ولماذا هي ؟ وكيف تخلفت عن ذاتيها في خصوص هذا المقبور ؟
وهل كان الرجل في القبر لما نبشوه مجللا بالانوار وقد أعشتهم عن رؤيته فحسبوه مفقودا ، أو انه غادر القبر إلى جهة لا تعرف ، وترك فيه أنواره ؟ أنا لا أدري ، وهل في منة الراوي أو مدرن القصة أو مفتعلها أو من قاصها الجواب عن هذه الاسؤلة ؟
جيش تعبر الماء بدعاء سعد
أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيشا إلى مدائن كسرى ، فلما بلغوا شاطئ الدجلة لم يجدوا سفينة فقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو أمير السرية ، وخالد بن الوليد رضي الله عنه : يا بحر ! انك تجري بأمر الله ، فبحرمة محمد صلى الله عليه وسلم وعدل عمر رضي الله عنه إلا ما خليتنا والعبور . فعبروا هم وخيلهم وجمالهم فلم تبتل حوافرها . ( 1 ) قال الاميني : ليس في إمكان حوافر الخيل والجمال أن تبتل بعد دعاء ذلك الرجل الالهي العظيم - سعد - المتخلف عن بيعة الامام المعصوم ، والخارق لاجماع الامة وهي لا تجتمع على الخطاء ، ولا سبما إذا شفعته بزميله خالد بن الوليد الزاني الفاتك الهاتك صاحب المخازي والمخاريق ، وإلى الغاية لم يتضح لنا ان الله تعالى بماذا أبر قسم الرجل أبمجموع المقسم به من حرمة محمد وعدل عمر ؟ بحيث كان إبرار القسم منبسطا عليهما معا على حد سواء . أم أنه وليد القسم بحرمة محمد صلى الله عليه وآله فحسب ؟ لما نرتأيه من عدم قيام وزن لعدل عمر عند من أمعن النظرة في أفعاله وتروكه ، وقد أسلفنا نبذا من ذلك في نوادر الاثر في الجزء السادس .

هامش
( 1 ) نزهة المجالس للصفورى 2 : 191 .

دعاء سعد يؤخر أجله
اخرج ابن الجوزي في صفة الصفوة 1 : 140 من طريق لبيبة قال : دعا سعد فقال : يا رب إن لي بنين صغارا فأخر عني الموت حتى يبلغوا ، فأخر عنه الموت عشرين سنة .
قال الاميني : ما أكرم أولاد سعد على الله وفيهم عمر بن سعد قاتل الامام السبط الشهيد ؟ فحقا كان على الله أن يستجيب دعوة سعد ويؤخر أجله حتى يربي من له قدم وأي قدم في قتل ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإبادة أهله .
وليتني أدري من الذي أخبر سعدا أو لبيبة أو من روى القصة ومن حفظها بأن سعدا قد أتاه أجله المحتوم الذي إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ( 1 ) و ما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله كتابا مؤجلا ( 2 ) فأخره الله عنه ببركة دعاء‌ه عشرين عاما مدة معينة ؟ هل تجد مثل هذا العلم عند العاديين من البشر أمثال سعد ولبيبة ؟
وهل لكل ابن انثى طريق إلى الكشف عن تلكم المغيبات ؟ نعم ليس على الله بمستنكر أن يطلع على غيبه أي إنسان خلق جهولا سعيدا أو شقيا ، عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا . ( 3 )
سحابة تروى وتنبت
عن الحسن البصري قال : مات هرم بن حيان - في خلافة عثمان - في يوم صائف شديد الحر فلما نفضوا أيديهم عن قبره جاء‌ت سحابة تسير حتى قامت على قبره فلم تكن أطول منه ولا أقصر فرشته حتى روته ثم انصرفت .
وفي لفظ قتادة : امطر قبر هرم بن حيان من يومه ، وأنبت العشب من يومه . ( 4 ) نحن لا نستعظم هذه الكرامة لهرم بن حيان في مماته ، فإن بقائه في بطن امه اربع سنين ( 1 ) أعظم وأعجب ، سبحان الخالق القادر .

هامش
( 1 ) سورة يونس 49 .
( 2 ) سورة آل عمران : 145 .
( 3 ) سورة الجن : 26 ، 27 .
( 4 ) حلية الاولياء 2 : 122 ، صفة الصفوة 3 : 139 ، الاصابة 3 : 601 .

ابراهيم التيمى يواصل اربعين
عن الاعمش قال : قلت لابراهيم التيمي المتوفى 92 : بلغني انك تمكث شهرا لا تأكل شيئا . فقال : نعم وشهرين ، وما أكلت منذ أربعين ليلة إلا حبة عنب ناولينها أهلي فأكلتها ثم لفظتها في الحال . كذا في طبقات الشعراني 1 : 36 ، وفي إحياء العلوم للغزالي 1 : 309 : انه كان يمكث أربعة أشهر لم يطعم ولم يشرب .
لعل النطس وعلماء الطب يضحكون على هذه العقلية السخيفة ، غير ان قصة الطوي عند القوم مشكلة لا تنحل ، يحار دونها العقل ، ولا يسمع فيها قضاء الطبيعة ، ولا يتخذ فيها الناموس المطرد مما خلق الله عليه البشر ، ولا يصححها إلا المغالاة في الفضائل ، وهناك فئة تضاهي إبراهيم التيمي في هذه الدعوى المجردة ، أو تربو عليه في الفضيلة ، وسيوافيك ذكر بعضها .
حافظ دعا على رجل فمات
روى غيلان بن جرير البصري : إن رجلا كذب على مطرف بن عبدالله الحافظ البصري المتوفى سنة 95 فقال مطرف ، اللهم إن كان كاذبا فأمته فخر مكانه ميتا ( 2 ) .
قال الاميني : ليس هذا المستجاب دعوته ببعيد في القسوة عن أبي مسلم الخولاني الذي أعمى المرأة من غير ذنب ، والكذب وإن كان محرما لكن ليس الجزاء عليه إعدام صاحبه ، وليس من السهل السائغ أن تستجاب دعوة كل غير معصوم على من عادى عليه وفيهم من رجال الغضب الثائر مثل أبي مسلم الخولاني ومطرف البصري ، وإلا لوجب على الامة المستجابة دعوتهم أن تدعو على الكذبة ، وعلى الله أن يجيبهم بقتل رواة هذه

هامش
( 1 ) راجع تفسير روح البيان 4 : 347 .
( 2 ) طبقات الحفاظ الذهبى 1 : 60 ، دول الاسلام 1 : 47 ، الاصابة 3 : 479 ، تهذيب التهذيب 1 : 173 .

القصص فتشاد وتعمر بقاع بأجداث كثيرين من الحفاظ وأئمة الحديث ورماة القول على عواهنه ، حتى تستريح امة محمد صلى الله عليه وآله من هذه السفاسف التي لا مقيل لها من الاعتبار ، ولا لها نهاية .
سحابة تظل كرز بن وبرة
عن أبي سليمان المكتب : قال صحبت كرز بن وبرة إلى مكة فكان إذا نزل أخرج ثيابه فألقاها في الرحل ثم تنحى للصلاة فإذا سمع رغاء الابل أقبل ، فاحتبس يوما عن الوقت ، فانبث أصحابه في طلبه فكنت فيمن طلبه قال : فأصبته في وهدة يصلي في ساعة حارة وإذا سحابة تظله فلما رآني أقبل نحوي فقال : يا أبا سليمان ! لي إليك حاجة ، قال : قلت : وما حاجتك يا أبا عبدالله ؟ ! قال : احب أن تكتم ما رأيت . قال : قلت ذلك لك يا أبا عبدالله ! فقال : أوثق لي فحلفت ألا اخبر به أحدا حتى يموت .
حلية الاولياء للحافظ أبي نعيم 5 : 80 ، الاصابة 3 : 321 .
فقير يجعل الارض ذهبا
عن الحسن البصري رحمة الله عليه قال : كان بعبادان رجل فقير أسود يأوي إلى الخرابات فحصل معي شيئ فطلبته فلما وقعت عينه علي تبسم وأشار بيده إلى الارض فصارت الارض كلها ذهبا تلمع ثم قال : هات ما معك . فناولته وهالنى أمره فهربت . الروض الفائق ص 126 . إقرأ وتعجب . اضحك أو ابك .
- 21 -
الغطفانى ميت يتبسم
عن الحارث الغنوي قال : آلى ربعي بن حراش الغطفاني المتوفى 101 / 4 ، أن لا يضحك حتى يعلم في الجنة هو أو في النار ، فلقد أخبرني غاسله انه لم يزل متبسما على سريره ونحن نغسله حتى فرغنا منه . صفة الصفوة لابن الجوزي 3 : 19 ، طبقات الشعراني 1 : 37 ، تاريخ ابن عساكر 5 : 298 .
عمر بن عبدالعزيز في التوراة
عن خالد الربعي قال : مكتوب في التوراة : ان السماء والارض لتبكي على عمر بن عبدالعزيز أربعين صباحا . الروض الفائق للحريفيش ص 255 .
لعل هذه الخاصة لعمر بن عبدالعزيز خاصة بتوراة الربعي فإن توراة موسى عليه السلام ما كانت موجودة في تلكم العصور ، فلا يقف عليها الربعي وغيره ، وأما التوراة المحرفة فأي حجة لما فيها من أساطير ، على ان نسخ التوراة الموجودة الآن على اختلاف طبعاتها خالية عن هذا العز والمختلق .
وحسبك في عرفان خطر عمر بن عبدالعزيز قول الامام أحمد بن حنبل لما سئل :
ايما أفضل معاوية أو عمر بن عبدالعزيز : فقال : لغبار لحق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبدالعزيز ( 1 )
وقال عبدالله بن المبارك : تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبدالعزيز . و في لفظ : لتراب في منخري معاوية مع رسول الله خير وافضل من عمر بن عبدالعزيز . ( 2 ) فما خطر رجل يكون تراب منخر ابن هند أو منخر جواده أفضل منه حتى يذكر في التوراة ؟ أو تبكي عليه السماء والارض اربعين يوما ؟ فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين .
رعاء الشاة في خلافة عمر بن عبدالعزيز
قال اليافعي في - روض الرياحين - ص 165 : حكي انه لما ولي عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه الخلافة قال رعاء الشاة في رأس الجبال : من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس ؟ فقيل لهم : وما أعلمكم بذلك ؟ قالوا : إنه إذا قام خليفة صالح كف الذئاب والاسد عن شياهنا .
هامش
( 1 ) شذرات الذهب 1 : 65 .
( 2 ) تاريخ ابن كثير 8 : 139 ، الصواعق ص 127 .

قال الاميني ما أعرف السباع المفترسة في القرون الخالية بصالح الخلفاء من طالحهم ، حتى كفت عن الفرس والعدوان جريا على الصالح العام ؟ وما أجهل به الانسان الظلوم الجهول حتى حاد عنه وخاصمه وعانده وحاربه وقاتله ؟ ولو كانت هذه السيرة مطردة في السباع في كل أدوار الحياة ، ولم يكن هذا الشعور الحى من خاصة سباع عصر عمر بن عبدالعزيز ورعاء‌ه ؟ لكانت لها أن تفني شياه الدنيا ولم تبق منها شيئا يوم معاوية ويزيد وهلم جرا ، أو ارجع إلى الوراء القهقرى .
كتاب براء‌ة لعمر بن عبدالعزيز
كان عمر بن عبدالعزيز يأتي المساجد المهجورة في الليل فيصلي فيها ما يسر الله عزوجل ، فإذا كان وقت السحر وضع جبهته على الارض ، ومرغ خده على التراب ، ولم يزل ييكي إلى طلوع الفجر ، فلما كان في بعض الليالي فعل ذلك على العادة ، فلما فرغ ورفع رأسه من صلاته وتضرعه وجد رقعة خضراء قد اتصل نورها بالسماء مكتوب فيها : هذه برائة من النار من الملك العزيز لعبده عمر بن عبدالعزيز .
وأخرج ابن أبي شيبة باسناده عن عبدالعزيز بن أبي سلمة : ان عمر بن عبدالعزيز لما وضع عند قبره هبت ريح شديدة فسقطت صحيفة بأحسن كتاب فقرأوها فإذا فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ، براء‌ة من الله لعمر بن عبدالعزيز من النار . فأدخلوها بين أكفانه ودفنوها معه .
تاريخ ابن كثير 9 : 210 ، الروض الفائق للحريفيش ص 256 .
وروى ابن عساكر في ترجمة يوسف بن ماهك قال : بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبدالعزيز إذ سقط علينا من السماء كتاب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، أمان من الله لعمر بن عبدالعزيز من النار .
قال الاميني : سوف يتبين الرشد من الغي يوم العرض الاكبر .
امرأة تلد بدعاء مالك ابن اربع سنين
أخرج البيهقي في السنن الكبرى 7 : 443 بإسناده عن هاشم المجاشعي قال : بينما مالك بن دينار - المتوفى 123 وقيل غير ذلك - يوما جالس إذ جاء‌ه رجل فقال : يا أبا يحيى ! ادع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد ، فغضب مالك و أطبق المصحف ثم
قال : ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء ، ثم دعا فقال : أللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجها عنها الساعة ، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاما ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت ، وعندك ام الكتاب ، ثم رفع مالك يده ورفع الناس أيديهم ، وجاء الرسول إلى الرجل فقال : أدرك امرأتك ، فذهب الرجل ، فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين قد استوت اسنانه ما قطعت أسراره .
قال الاميني : ليس من المستحيل التلفظ بالمحال ، لكن التقوى أو الحياء يزع كل منهما إلانسان عن أن يلهج بما هو خارج عن مستوى المعقول . ألا من مسائل هذا الراوي عن ان رحم المرأة هل فيها تمطط فتبلغ من السعة ما يقل ابن أربع سنين وقد استوت أسنانه ونبت شعره ويركب الرقاب ؟ وهب ان فيها تمططا فهل ما يحويها من بنية البدن له مثل ذلك التمطط ؟ فيجب عليه أن يكون في هيئة الحامل إذن تضخما أكثر من النساء العاديات ، فهل كانت ام الغلام هكذا ؟ أو أنها بقيت على حالتها وهي كرامة اخرى لاحد من عباد الله ؟ سبحان الذي تولى كلائة هذه المرأة المسكينة عن أن تنكسر عظامها ، وتنقطع عروقها ، وينفتق جلدها ولحمها ، وقد فعل سبحانه ما أراد في الزمن من الماضي .
ورحم الله مالك بن دينار لولا دعائه للمرأة المسكينة لكان يبقى جنينها في بطن امه أربعين عاما أو إلى ما شاء الله .
ثم هل كان المولود في بطن امه اثنى فأبد له دعاء ابن دينار ذكرا ؟ أو أنه كان ذكرا ولا صلة للدعاء المذكور به ، وان الله هو الذي يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور ؟ وإن من المقطوع به ان في تلك الساعة كان قد افرزت خلقة المولود وصور مثاله فلم يبق فيه بعد مجال للتغير والتأثر وإنه إما ذكر أو انثى ، فلا محل من الاعراب لدعاء ابن دينار : ) وان كان في بطنها جارية فأبدلها بها غلاما ( غير أنه دعا ، وهل كانت له هذه الدعوة المستجابة بعد الولادة أخذا بقوله : إنك تمحو ما تشاء وتثبت ؟ لعلها له وليس على الله بعزيز ، ولا يسئل عما يفعل ، وهو على كل شئ قدير .

ناصبى مستجاب الدعوة
قال الجريري سعيد بن اياس المتوفى 144 : كان عبدالله بن شقيق العقيلي أبو عبدالرحمن البصري مجاب الدعوة كانت تمر به السحابة فيقول : أللهم لا تجوز كذا و كذا حتى تمطر . فلا تجوز ذلك الموضع حتى تمطر . حكاه ابن أبي خيثمة في تاريخه ( تهذيب التهذيب 5 : 254 ) .
قال الاميني : لعلك لا تستبعد إجابة دعوة ولي من أولياء الله وتراها غير عزيز على المولى سبحانه كرامة لصالحي عباده ، بيد ان هذه النسبة تبعد من العقيلي بعد المشرقين بعد ما عرفه الملا ممن نصب العداء لسيد العترة قال ابن خراش : كان عثمانيا يبغض عليا ، وقال أحمد بن حنبل : كان يحمل على علي ( 1 ) فأي كرامة لابن اثنى لا يوالي سيد العرب اميرالمؤمنين فضلا عن أن يعاديه بعد ما ثبت عن النبي الاقدس من الدعوة المستجابة بقوله في علي عليه السلام : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، ( 2 ) وبعد عهد النبي صلى الله عليه وآله إليه سلام الله عليه انه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق ( 3 ) وبعد قوله صلى الله عليه وآله : ياعلي لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق ( 4 ) وبعد قوله صلى الله عليه وآله : لا يحب عليا المنافق ، ولا يبغضه مؤمن ( 5 ) وبعد قوله صلى الله عليه وآله : لولاك ياعلي ! ما عرف المؤمنون بعدي ( 6 ) وبعد قوله صلى الله عليه وآله : والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الايمان ( 7 ) وبعد قوله صلى الله عليه وآله :

هامش
( 1 ) تهذيب التهذيب 5 : 254 .
( 2 ) راجع حديث الغدير في الجزء الاول من كتابنا هذا .
( 3 ) راجع ما اسلفناه في الجزء الثالث ص 161 .
( 4 ) راجع ما مر في الجزء الثالث 162 .
( 5 ) راجع ص 163 من الجزء الثالث .
( 6 ) راجع ص 164 من الجزء الثالث .
( 7 ) يأتى في مسند المناقب بمصادره .

يا علي أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة ، حبيبك حبيبي وحبيبى حبيب الله ، وعدوك عدوي وعدوي عدو الله ، والويل لمن أبغضك بعدي . ( 1 ) وبعد قوله صلى الله عليه وآله : يا علي طوبى لمن احبك وصدق فيك ، وويل لمن أبغضك وكذب فيك ( 2 ) وبعد قوله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : من أحبك أحبني ، ومن أبغضك أبغضني ( 3 ) إلى أحاديث جمة .
فكيف يسع لمسلم يصدق رسول الله صلى الله عليه وآله في أقواله هذه أن يذعن بكرامة ابن شقيق مبغض علي عليه السلام والمتحامل عليه بالوقيعة فيه ، ويراه مستجاب الدعوة ، نافذ المشيئة في السحاب . نعم يسوغه الغلو في الفضائل لا عن دراية وأما الجريري راوي هذه المهزأة فقد عرفت في ما مر في هذا الجزء : انه اختلط قبل موته بثلاث سنين ، وهذه الرواية من آيات اختلاطه .
السختيانى ينبع الماء
أخرج أبونعيم في ) حلية الاولياء ) 3 : 5 بالاسناد عن عبدالواحد بن زيد قال :
كنت مع أيوب السختياني ( 4 ) على حراء فعطشت عطشا شديدا حتى رأى ذلك في وجهي
فقال . ما الذي أرى بك ؟ قلت : العطش ، وقد خفت على نفسي ، قال : تستر علي ؟ قلت : نعم . قال : فاستحلفني فحلفت له أن لا اخبر عنه ما دام حيا ، قال : فغمز برجله على حراء فنبع الماء فشربت حتى رويت وحملت معى من الماء قال : فما حدثت به أحدا حتى مات .
وفي ) الروض الفائق ( ص 126 : كان جماعة مع أيوب السختياني في سفر فأعياهم طلب الماء فقال أيوب : أتسترون علي ما عشت ؟ فقالوا : نعم . فدور دائرة فنبع الماء قال : فشربنا فلمما قدموا البصرة أخبر به حماد بن زيد . قال عبدالواحد بن زيد : شهدت معه ذلك اليوم .
هامش
( 1 ) مستدرك الحاكم 3 ص 128 وصححه ووثق الذهبى رواته .
( 2 ) مستدرك الحاكم 3 ص 135 وصححه .
( 3 ) مستدرك الحاكم 3 ص 142 صححه الحاكم والذهبى .
( 4 ) توفى سنة 121 توجد ترجمته في حلية الاولياء 3 : 3 - 14

شيخ يبيع القصر في الجنة
أتى رجل من أهل خراسان حبيب بن محمد العجمي البصري يريد مكة وقال له :
يا شيخ ! اشتر لي دارا ودفع إليه مالا وخرج إلى مكة فأخذ حبيب المال فتصدق به فلما قدم الرجل قال له : إذهب بي إلى الدار التي إشتريتها فأرنيها فقال له : إنك لا تراها اليوم ولكن إذا مت تراها فقال له الخراساني : اكتب إلي عهدتها حتى اذهب بها إلى خراسان فكتب له حبيب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما اشترى حبيب قصرا في الجنة كذا وكذا ، وارتفاعه كذا كذا في
الجنة . ثم ختم الكتاب ودفعه إليه فأخذه الرجل فذهب به إلى خراسان إلى أهله فقالوا له : أنت مجنون لولا انك ضيعت مالك لذهب بك إلى الدار ، ولكن هذا شأن مجنون ، فبقي الرجل ما شاء الله ، فلما حضره النزع قال لاهله : إجعلوا هذا الكتاب في كفنى ، فلما مات وضعوه في أكفانه وحملوه إلى القبر فأصبح حبيب بالبصرة وإذا الكتاب عنده في بيته وفي ذيله : يا أبا محمد ! إن الله قد سلم إليه القصر الذي اشتريته له فذهب إلى أهل الرجل وقال لهم : إن الله قد سلم إلى أبيكم القصر ، وهذه العهدة فبصروا بها فإذا هي الكتاب الذي وضعوه معه في القبر .
أخرجه ابن عساكر في تاريخه 4 : 32 وقال مهذبه : قد روى الحافظ هذه القصة باسناده من طريقين مطول ومختصر والمعنى واحد ، وهذه القصة كانت لحبيب ، وأرجو أن ؟ لا يحوم حولها المدعون فيجعلونها سلما لاكل مال الناس بالباطل ، فإن أحوال امثال حبيب لايقاس عليها ولا تكون قاعدة للعمل .
حضور غائب بدعاء معروف
ذكر الامام أبومحمد ضياء الدين الشيخ احمد الوتري الشافعي المتوفى بمصر في عشر الثمانين والتسعمائة في كتابه ) روضة الناظرين ( ص 8 نقلا عن خليل بن محمد الصياد انه قال : غاب أبي فتألمت فجئت إلى معروف - الكرخي المتوفى 200 / 1 / 4 - فقلت : غاب أبي فقال : ما تريد ؟ قلت : رجوعه . قال : أللهم إن السماء سماؤك ، والارض أرضك وما بينهما لك ائت بمحمد ، فأتيت باب الشام فإذا هو واقف فقلت : أين كنت ؟
قال : كنت الساعة بالانبار ( 1 ) ولا أعلم ما صار . عجبا العقول تسوغ مثل هذا لكل معروف ومنكر ، ولا تسوغه في أميرالمؤمنين
علي صلوات الله عليه يوم حضر تغسيل سلمان بالمدائن وكان سلام الله عليه بالمدينة . راجع الجزء الخامس ص 15 - 21 ط 2 .
رجل متربع في الهواء
أخرج إبن الجوزي في صفة الصفوة 4 : 245 عن حذيفة بن قتادة المرعشي المتوفى 207
قال : قال : كنت في المركب فكسر بنا فوقعت أنا وامرأة على لوح من ألواح المركب فمكثنا سبعة ايام فقالت المرأة : أنا عطشى . فسألت الله تعالى أن يسقينا فنزلت علينا من السماء سلسلة فيها كوز معلق فيه ماء فشربت ، فرفعت رأسي أنظر إلى السلسلة فرأيت رجلا في الهواء متربعا فقلت : من أنت ؟ قال : من الانس . قلت : فما الذي بلغك هذه المنزلة ؟ قال : أثرت مراد الله عزوجل على هواي فأجلسني كما تراني .
وإن تعجب فعجب من أقوام يقبلون هذا ويبهظهم حديث البساط لمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام

جنية تكلم الخزاعى
أخرج ابن الجوزي في صفة الصفوة 2 : 205 عن أحمد بن نصر الخزاعي ( 2 ) أحد ائمة السنة الامام الشهير المتوفى 231 ، قال : رأيت مصابا قد وقع فقرأت في اذنه فكلمتني الجنية من جوفه : يا أبا عبدالله ! بالله دعني أخنقه ، فإنه يقول : القرآن مخلوق .
ما ألطفها من دعاية إلى المبدأ الباطل ؟ ولله در الجنية العالمة التي بلغ من علمها انها قالت بعدم خلق القرآن . ونحن نشكر الله سبحانه على ابطال هذه السخافة القديمة على ممر الايام فلم تجد اليوم جانحا إليها ولا محبذا إياها .

هامش
( 1 ) الانبار ، مدينة قرب بلخ . ومدينة على الفرات في غربى بغداد بينهما عشرة فراسخ .
( 2 ) قتل في خلافة الواثق لامتناعه عن القول بخلق القرآن ونفى التشبيه فعلقت على اذنه رقعة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم هذا رأس احمد بن نصر بن مالك دعاه عبدالله الامام هارون وهو الواثق بالله اميرالمؤمنين إلى القول بخلق القرآن ونفى التشبيه فابى الا المعاندة فعجله الله إلى ناره .
رأس احمد الخزاعى يتكلم
ذكر الخطيب وابن الجوزي بالاسناد عن إبراهيم بن إسماعيل بن خلف قال : كان أحمد بن نصر خلي ، فلما قتل في المحنة وصلب رأسه اخبرت : أن الرأس يقرأ القرآن ، فمضيت فبت بقرب من الرأس مشرفا عليه ، وكان عنده رجالة وفرسان يحفظونه ، فلما هدئت العيون سمعت الرأس تقرأ : الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون فاقشعر جلدي .
وعن أحمد بن كامل القاضي عن أبيه انه قال : وكل برأس أحمد من يحفظه بعد أن نصب برأس الجسر ، وإن الموكل به ذكر : انه يراه بالليل يستدير إلى القبلة بوجهه فيقرأ سورة يس بلسان طلق ، وإنه لما أخبر بذلك طلب فخاف على نفسه فهرب .
وعن خلف بن سالم انه قال : عندما قتل أحمد بن نصر وقيل له : ألا تسمع ما الناس فيه يا أبا محمد ؟ قال : وما ذلك ؟ قال : يقولون إن رأس أحمد بن نصر يقرأ القرآن ، قال : كان رأس يحيى بن زكريا يقرأ ( 1 ) .
لا تبهظ الخطيب وابن الجوزي هذه الاضحوكة ، ولا احسب انهما يصدقانها ولكن لما كان يبهظهما وأمثالهما ما يؤثر ( 2 ) من أن رأس مولانا أبي عبدالله السبط الشهيد صلوات الله عليه كان يقرأ القرآن الكريم على عامل السنان ، ولقد كانت هذه الا كرومة متسالما عليها في العصور الخالية ، فنحتوا هذه الافائك تجاهها تخفيفا لتلك المنزلة الكريمة الخاصة ببضعة المصطفى صلى الله عليه وآله .
النبى يفتخر بابى حنيفة
عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال : إن سائر الانبياء تفتخر بي ، وأنا افتخر بأبي حنيفة ، وهو رجل تقي عند ربي ، وكأنه جبل من العلم ، وكأنه نبي من أنبياء بني إسرائيل ، فمن أحبه فقد أحبني ، ومن أبغضه فقد ابغضني .

هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 5 : 179 ، صفة الصفوة 2 : 205 .
( 2 ) سيوافيك حديثه في مسند المناقب ومرسلها انشاء الله تعالى .

وعنه صلى الله عليه وآله : إن آدم افتخر بي ، وأنا أفتخر برجل من امتي اسمه نعمان ، وكنيته
أبوحنيفة ، هو سراج امتي . أسلفنا الروايتين مع جملة مما اختلقته يد الغلو في الفضائل لابي حنيفة في الجزء الخامس ص 239 - 241 وذكرنا هنالك ان امة من الحنفية بلغت مغالاتها فيه حدا ذهبت إلى أعلميته من رسول الله صلى الله عليه وآله في القضاء .
وذكر الحريفيش في الروض الفائق ص 215 : ان من ورع أبي حنيفة رضي الله عنه ان شاة سرقت في عهده فلم يأكل لحم شاة مدة تعيش الشاة فيها .
لا أدري لاي خرافة أضحك ؟ ألفخر النبي صلى الله عليه وآله برجل استتيب من الكفر
مرتين ( 1 ) والنبي مفخرة العالمين جميعا صلى الله عليه وآله وفي امته من باهى به الله كمولانا
اميرالمؤمنين عليه السلام ليلة مبيته على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله ( 2 ) ؟
أم لكون الرجل أعلم من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقضاء ؟ أنا لا أدري من أين جاء أبوحنيفة بهذا العلم والفقه ؟ أهو فقه إسلامي والنبي صلى الله عليه وآله مستقاه ومنبثق أنواره ؟
أم هو مما اتخذه من غير المسلمين من رجال كابل أو بابل أو ترمذ ( 3 ) فأحر به أن يضرب عرض الجدار ، وأي حاجة للمسلمين إلى فقه غيرهم وقد أنعم الله عليهم بقضاء الاسلام وفقهه ؟ وفيهما القول الحاسم وفصل الخطاب .
أم لورع الرجل الموصول بفقهه الناجع في قصة الشاة المسروقة الذي لا يصافقه عليه فيه أي فقيه متورع ، وقد أباح الاسلام أكل لحم الشياه في جميع الاحيان ، وفي كلها أفراد منها مسروقة في الحواضر الاسلامية وأوساطها ، لكن هذا الفقيه لا يعرف

هامش
( 1 ) راجع الجزء الخامس ص 280 ط 2 .
( 2 ) اسلفنا حديثه في الجزء الثانى 48 ط 2 .
( 3 ) ايعاز إلى محتد ابى حنيفة ، ، قال الحافظ ابونعيم الفضل بن دكين وغيره : اصله من كابل . وقال ابوعبدالرحمن المقرى : انه من أهل بابل وقال الحارث بن ادريس : اصله من ترمذ .

عدم تنجز الحكم في الشبهات إذا كانت غير محصورة خارجا أكثر أطرافها من محل الابتلاء ، ولعله كان يعلم ذلك لكن عمله هذا من حيله التي هو أخبر بها عن نفسه ، قال أبوعاصم النبيل : رأيت أبا حنيفة في المسجد الحرام يفتي ، وقد اجتمع الناس عليه وآذوه ، فقال : ما هاهنا أحد يأتينا بشرطي ؟ فقلت : يا أبا حنيفة ! تريد شرطيا ؟ قال : نعم .
فقلت : اقرأ علي هذه الاحاديث التي معي ، فقرأها فقمت عنه ووقفت بحذاء‌ه فقال لي : أين الشرطي ؟ فقلت له : إنما قلت : تريد . لم أقل لك : أجئ به فقال : انظروا أنا أحتال للناس منذ كذا وكذا وقد احتال علي هذا الصبي ( 1 ) .
أراد الامام الاعظم بالقصة التظاهر بالورع ونصبها فخا لاصطياد الدهماء كقصته الاخرى المحرابية التي حكاها حفص بن عبدالرحمن قال : صليت خلفه فلما صلى وجلس في المحراب فقال له رجل : أيحل أن تصلي وفيه تصاوير ؟ قال : اصلي فيه منذ خمس وأربعين سنة فما علمت ان فيه تصاوير ، ثم أمر بالصور فطمست . وقال له رجل : ما أحسن سقف هذا المسجد ؟ قال : ما رأيته وأنا فيه أكثر من أربعين سنة ( 2 ) .
ولعل رأيه في الشاة مما يوقف القارئ على سر عدم دخول آرائه مدينة الرسول صلى الله عليه وآله قال محمد بن مسلمة المديني وقيل له : إن رأي أبي حنيفة دخل هذه الامصار كلها ولم يدخل المدينة . قال : لان رسول الله صلى الله عليه وآله قال : على كل ثقب من أثقابها ملك يمنع الدجال من دخولها . وكلام هذا من كلام الدجالين ، فمن ثم لم يدخلها ( 3 ) .
وفي فقه أبي حنيفة شذوذ تقصر عنها قصة الشاة ، قد خالف فيها السنة الثابتة حتى قال وكيع بن الجراح ( 4 ) : وجدت أبا حنيفة خالف مائتي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 5 ) غير أن عبدالله بن داود الحريبي المغالى في حب امامه يقول : ينبغي للناس

هامش
( 1 ) اخبار الظراف لابن الجوزى ص 103 .
( 2 ) مناقب ابى حنيفة تأليف الحافظ الكردرى 1 : 251 .
( 3 ) أخبار الظراف لابن الجوزى ص 35 .
( 4 ) ابوسفيان الكوفى الحافظ كان ثقة حافظا متقنا مأمونا عاليا رفيع القدر كثير الحديث وكان يفتى ، توفى سنة مائة وست وتسعين .
( 5 ) الانتقاء لابن عبدالبر صاحب الاستيعاب ص 150 .

أن يدعو في صلاتهم لابي حنيفة لحفظه الفقه والسنن عليهم . ( 1 )
وقال صاحب ) مفتاح السعادة ) 2 : 70 : سمعت من أثق به يروي عن بعض الكتب إن ثابتا - والد ابي حنيفة - توفي وتزوج ام الامام أبي حنيفة رحمه الله الامام جعفر الصادق ، وكان أبوحنيفة رحمه الله صغيرا ، وتربى في حجر جعفر الصادق ، وأخذ علومه منه ، وهذه إن ثبتت فمنقبة عظيمة لابي حنيفة .
عقبه الحسن النعماني في تعليق ) المفتاح ( فقال : كيف يتجه ان الامام كان صغيرا و تربى في حجر الامام الصادق لان جعفر الصادق توفي سنة ثمان وأربعين ومائة عن ثمان وستين سنة ، والامام أبوحنيفة توفي سنة خمسين ومائة وولد على قول الاكثر ( 2 ) سنة ثمانين ، فتكون سنة ولادتهما واحدة ، وبين وفاتيهما سنتان ، فثبت انهما من الاقران لا ان الامام صغير ، والامام جعفر الصادق كبير .
وفي غضون ما الفه الموفق بن احمد ، والحافظ الكردري في مناقب أبي حنيفة ، وما ذكره بعض الحنفية في معاجم التراجم لدى ترجمته حرافات وسفاسف جمة تشوه سمعة الاسلام المقدس ، ولا يسوغه العقل والمنطق إن لم يشفعهما الغلو في الفضائل ، ومن أعجب ما رأيت ما ذكره الامام ابوالحسين الهمداني في آخر ) خزانة المفتين ( من ان الامام ابوحنيفة لما حج حجة الوداع أعطى بسدنة الكعبة مالا عظيما حتى أخلوا له البيت ، فدخل وشرع للصلاة ، وافتتح القرائة كما هو دأبه على رجله اليمنى حتى قرأ نصف القرآن ، ثم ركع ، وقام في الثانية على رجله اليسرى حتى ختم القرآن ثم قال : إلهى عرفتك حق المعرفة لكن ما قمت بكمال الطاعة ، فهب نقصان الخدمة بكمال المعرفة ، فنودي من زاوية البيت : عرفت فأحسنت المعرفة ، وخدمت فأخلصت الخدمة ، غفرنا لك ولمن اتبعك ، ولمن كان على مذهبك إلى قيام الساعة ( 3 ) قال الاميني : ليت شعر أي كمية من الزمن استوعبها الامام حتى ختم الكتاب العزيز في ركعتيه ، وقد اخلي له البيت في يوم من ايام الموسم والناس عندئذ مزدلفون

هامش
( 1 ) تاريخ ابن كثير 10 : 107 .
( 2 ) وقال بعض : انه ولد سنة احدى وستين .
( 3 ) مفتاح السعادة 2 : 82 .

حول البيت ، يتحرون التبرك بالدخول فيه ؟ ! وكيف وسع السدنه منع اولئك الجماهير عن قصدهم ، وكبح رغباتهم الاكيده طيلة تلك البرهة الطويلة ؟ !
ثم ما هذا الدؤب من الامام على قرائة نصف القرآن الاول على رجله اليمنى ، ونصفه الآخر على رجله اليسرى ؟ أهو حكم متخذ من الكتاب ؟ أم سنة متبعة صدع بها النبي الاعظم ؟ ام بدعة لم نسمعها من غير الامام ؟ وهل في الالعاب الرياضية المجعولة لحفظ الصحة والابقاء على قوة البدن ونشاطه مثل ذلك ؟ أنا لا أدري .
ثم كيف وسعت الامام تلك الدعوى الباهظة العظيمة أمام رب العالمين سبحانه ، وهو الواقف على السرائر والضمائر ؟ وما أجرأه على دعوى لم يدعها نبي من الانبياء حتى خاتمهم صلى الله عليه وآله وعليهم على سعة معرفتهم ؟ ولا شك ان معرفته صلى الله عليه وآله أوسع ، وقد أغرق فيها نزعا ، ومع ذلك لم يؤثر عنه صلى الله عليه وآله تقحم الامام في مناجات أو دعاء ، ولا يصدر مثل هذا إلا عن إنسان معجب بنفسه ، مغتر بعلمه ، غير عارف بالله حق المعرفة .
والمغفل صاحب الرواية يحسب ان الامام ادعاها في عالم الشهود فصدقه عليها هاتف عالم الغيب ، وليس هذا الهتاف المنسوج بيد الاختلاق الاثيمة إلا دعاية على الامام وعلى مذهبه الذي هو أتفه المذاهب الاسلامية فقها ، ولو كانت الامة تصدق هذه البشارة لمعتنقي ذلك المذهب ، ويراها من رب البيت لا من الاساطير المزورة لوجب عليها أن يكونوا حنفيين جمعاء ، غير ان الامة لا تصافق على صحتها ، رضي بذلك الامام أم لم يرض .
وأعجب من هذا ما ذكره العلامة البرزنجي قال :
ذهب بعض الحنفية إلى ان كلا من عيسى والمهدي يقلدان مذهب الامام أبي حنيفة رضي الله عنه ، وذكره بعض مشايخ الطريقة ببلاد الهند في تصنيف له بالفارسية شاع في تلك الديار ، وكان بعض من يتوسم بالعلم من الحنفية ، ويتصدر للتدريس يشهر هذا القول ويفتخر به ويقرره في مجلس درسه بالروضة النبوية .
وحكى الشيخ علي القاري عن بعضهم انه قال : إعلم أن الله قد خص أبا حنيفة بالشريعة والكرامة ، ومن كراماته : ان الخضر عليه السلام كان يجئ إليه كل يوم وقت الصبح ويتعلم منه أحكام الشريعة إلى خمس سنين ، فلما توفي أبوحنيفة ناجى الخضر ربه قال : إلهي إن كان لي عندك منزلة فائذن لابي حنيفة حتى يعلمنى من القبر على حسب عادته حتى أعلم شرع محمد صلى الله عليه وسلم على الكمال ليحصل لي الطريقة والحقيقة ، فنودي : أن اذهب إلى قبره وتعلم منه ما شئت فجاء الخضر وتعلم منه ما شاء كذلك إلى خمس وعشرين سنة اخرى حتى اتم الدلائل والاقاويل ، ثم ناجى الخضر ربه وقال :
ياإلهى ماذا أصنع فنودي : أن اذهب إلى صعالك واشتغل بالعبادة إلى أن يأتيك أمري إلى أن قال له : اذهب إلى البقعة الفلانية وعلم فلانا علم الشريعة ففعل الخضر عليه السلام ما امر ، ثم بعد مدة ظهر في مدينة ما وراء النهر شاب وكان اسمه أبا القاسم القشيري وكان يخدم امه ويحترمها إلى أن قال : فأمر الله الخضر أن اذهب إلى القشيري وعلمه ما تعلمت من أبي حنيفة رضي الله عنه لانه أرضى امه فجاء الخضر إلى أبي القاسم وقال :
أنت أردت السفر لاجل طلب العلم وقد تركته لرضا امك وقد أمرني الله تعالى أن أجئ اليك كل يوم على الدوام واعلمك فكل يوم يجئ إليه الخضر حتى ثلاث سنين و علمه العلوم التى تعلم من أبي حنيفة في ثلاثين سنة ، حتى علمه علم الحقايق والدقايق ودلائل العلم وصار مشهور دهره وفريد عصره حتى صنف ألف كتاب وصار صاحب كرامة وكثر مريدوه وتلاميذه ، فكان له مريد كبير متدين لا يفارق الشيخ فعد له الشيخ ألف كتاب من مصنفاته ووضعه في الصندوق وأعطى لذلك المريد وقال : قد بدا لي أمر فاذهب وارم هذا الصندوق في جيحون ، فحمل المريد الصندوق وخرج من عند الشيخ وقال في نفسه : كيف أرى مصنفات الشيخ في الماء ؟ لكن أذهب وأحفظ الكتب و أقول للشيخ : رميتها . وحفظ الكتب وجاء وقال للشيخ : رميت الصندوق في الماء : قال الشيخ : وما رأيت في تلك الساعة من العلامات ؟ قال : ما رأيت شيئا قال الشيخ : اذهب وارم الصندوق . فذهب المريد إلى الصندوق وأراد أن يرميه فلم يهن عليه ورجع إلى الشيخ مثل الاول وقال : رميته ؟ قال : نعم قال : وما رأيت ؟ قال : لم أر شيئا . قال الشيخ : ما رميته فاذهب وارمه فإن لي فيها سرا مع الله ولا ترد أمري . فذهب المريد ورمى الصندوق فخرج من الماء يد وأخذ الصندوق قال المريد له من أنت ؟ فنادى في الماء : اني وكلت أن احفظ أمانة الشيخ ، فرجع المريد وجاء إلى الشيخ فقال : رميت ؟
قال : نعم .
قال : وما رأيت ؟ قال : رأيت الماء قد انشق وخرج منه يد وأخذ الصندوق وقد صرت متحيرا وما السر في ذلك ؟ قال الشيخ : السر في ذلك انه اذا قربت القيامة وخرج الدجال ونزل عيسى ببيت المقدس فيضع الانجيل بجنبه ويقول : أين الكتاب المحمدي ؟
أو قد أمرني الله أن أحكم بينكم بكتابه ولا أحكم بالانجيل فيطلبون الدنيا ويطوفون البلاد فلم يوجد كتاب من كتب الشرع المحمدي فيتحير عيسى ويقول : إلهي : بماذا أحكم بين عبادك ولم يوجد غير الانجيل فينزل جبريل ويقول : قد أمر الله أن تذهب إلى نهر جيحون وتصلي ركعتين بجنبه وتنادي : يا أمين صندوق أبى القاسم القشيري ! سلم إلى الصندوق وأنا عيسى بن مريم وقد قتلت الدجال فيذهب عيسى إلى جيحون ويصلي ركعتين ويقول مثل ما أمره جبريل ، فيشق الماء ويخرج الصندوق ويأخذه ويفتحه ويجد فيه ختمه والف كتاب فيحيي الشرع بذلك الكتاب ، ثم سأل عيسى جبريل :
بم نال أبوالقاسم هذه المرتبة ؟ فقال : برضاء والدته . نقل من كتاب أنيس الجلساء . ( 1 )
وقد أطنب الشيخ علي القاري في رد هذه الاسطورة بعدة صحائف إلى أن قال في ص 230 : ثم ان مثل هولاء لفرط تعصبهم وعنادهم ليس مطمح نظرهم إلا تفضيل أبي حنيفة ولو بما لا أصل له ، ولو بما يؤدي إلى الكفر وليس عندهم علم بفضائله الجمة التي الفت فيها الكتب ( 2 ) فيرضون بالاكاذيب والافترائات التي لا يرضاها الله ورسوله ولا ابوحنيفة نفسه ، ولو سمعها أبوحنيفة رضي الله عنه لافتى بكفر قائلها وفي فضائل أبي حنيفة المقرره المحررة كفاية لمحبيه ولا يحتاج في إثبات فضله إلى الاقوال الكاذبة المفتراة المؤدية إلى تنقيص الانبياء ، ومن العجائب انه وقع للقهستاني مع فضله وجلالته شئ من ذلك فقال في شرح خطبة النقابة : ان عيسى إذا نزل عمل بمذهب أبي حنيفة كما ذكره في الفصول الستة . وليت شعرى ما الفصول الستة ؟ وما الدليل على هذا القول ؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون . الخ .

هامش
( 1 ) الاشاعة في اشراط الساعة تأليف السيد محمد البرزنجى المدنى 221 - 225 .
( 2 ) الكتب المؤلفة في فضائل أبى حنيفة حوت بين دفتيها لدة هذه الترهات والاكاذيب المزخرفة وما أكثرها ؟ ولو لم يكن الباطل الذى لا اصل له مأخوذا به فيها اذا لم تلق منها باقية .

وفي مفتاح السعادة 1 : 275 ، وج 2 : 82 : إن أبا حنيفة رحمه الله تعالى رأى كأنه ينبش قبر النبي صلى الله عليه وآله ويجمع عظامه إلى صدره فهالته الرؤياا فقال إبن سيرين : هذه رؤيا أبي حنيفة فقال : أنا أبوحنيفة فقال إبن سيرين : اكشف عن ظهرك فكشف فرأى خالا بين كتفيه فقال : أنت الذي قال عليه الصلاة والسلام : يخرج في امتي رجل يقال له : أبوحنيفة بين كتفيه خال يحيي الله تعالى ديني على يديه ، ثم قال ابن سيرين : لا تخف انه صلى الله عليه وآله مدينة العلم وأنت تصل إليها فكان كما قال .
إقرأ وابك على امة محمد المرحومة بأي اناس بليت ، وباي خلق منيت ؟ ! ما حيلة الجاهل الغر وما ينجيه عن هذه السخائف والاساطير ؟ !
أبوزرعة يجعل الحصاة تبرا
روى الذهبي في تذكرة الحفاظ 1 : 174 عن خالد بن الفزر قال : كان حياة بن شريح - أبوزرعة المصري شيخ الديار المصرية المتوفى 158 - من البكائين : وكان ضيق الحال جدا ، فجلست وهو متخل يدعو فقلت : لو دعوت أن يوسع الله عليك فالتفت يمينا وشمالا فلم ير أحدا فأخذ حصاة فرمى إلي بها فإذا هي تبرة ما رأيت أحسن منها . وقال : ما خير في الدنيا إلا للآخرة ، ثم قال : هو أعلم بما يصلح عباده فقلت : وما أصنع بهذا ؟ قال : استنفقها . فهبته والله أن أرده .
وضوء ابراهيم الخراسانى
ذكر اليافعي في ) رياض الرياحين ( عن ابراهيم الخراساني المتوفى 163 قال :
قال : احتجت يوما إلى الوضوء فاذا أنا بكوز من جوهر ، وسواك من فضة ألين من الخز فاستكت وتوضأت وتركتها وانصرفت ، قال : وبقيت في بعض سياحاتي أياما لم أر فيها أحدا من الناس ولا طيرا ولا ذا روح ، وإذا بشخص لا أدري من أين خرج فقال لي : قل لهذه الشجرة تحمل دنانير . فقلت : احملي دنانير . فلم تحمل ، ثم قال لها : احملي وإذا بشماريخ الشجرة دنانير معلقة ، فاشتغلت انظر اليها ، ثم التفت فلم أر الشخص وذهبت الدنانير من
الشجرة .
قال الاميني : إقرأ وابك على الاسلام وعلى تاريخه ، وانظر كيف شوهت صفحاته .
الماجشون يموت ويحيى
أخرج الحافظ يعقوب بن أبي شيبة في ترجمة أبي يوسف يعقوب بن أبي سلمة القرشي الشهير بالماجشون المتوفى 164 بالاسناد عن إبن الماجشون قال : قال عرج بروح الماجشون فوضعناه على سرير الغسل فدخل غاسل إليه يغسله فرأى عرقا يتحرك في أسفل قدمه ، فأقبل علينا وقال : أرى عرقا يتحرك ولا أرى أن اعجل عليه فاعتللنا على الناس بالامر الذي رأيناه ، وفي الغد جاء الناس وغدا الغاسل عليه فرأى العرق على حاله فاعتذرنا إلى الناس ، فمكث ثلاثا على حاله والناس يترددون إليه ليصلوا عليه ثم استوى جالسا وقال : ايتوني بسويق فاتي به فشربه فقلنا له : خبرنا ما رأيت ؟ فقال : نعم عرج بروحي فصعد بي الملك حتى أتى سماء الدنيا فاستفتح ففتح له ، ثم عرج هكذا في السموات حتى انتهى إلى السماء السابعة فقيل له : من معك ؟ قال : الماجشون .
فقيل له : لم يأن له بعد بقي من عمره كذا وكذا سنة ، وكذا وكذا شهرا ، وكذا وكذا يوما ، وكذا وكذا ساعة ، ثم حبط بي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبابكر عن يمينه ، وعمر عن يساره ، وعمر بن عبدالعزيز بين يديه ، فقلت للملك الذي معي : من هذا ؟ قال : عمر بن عبدالعزيز . قلت : إنه لقريب من رسول الله فقال : إنه عمل بالحق في زمن الجور وأنهما عملا بالحق في زمن الحق .
وأخرجه إبن عساكر في تاريخ الشام ، وذكره ابن خلكان في تاريخه 2 : 461 ، واليافعي في مرآة الجنان 1 : 351 ، وإبن حجر في تهذيب التهذيب 11 : 389 ، وأبوالفلاح الحنبلي في شذرات الذهب 1 : 259 .
قال الاميني : ما كنت أحسب أن يوجد في الامة الاسلامية من يتهم الملك الموكل بقبض الارواح بالجهل بآونة الوفيات ، وقد وكل به من عند العزيز العليم فقال سبحانه : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ( 1 ) أو من يقذفه بالاستبداد في نزع روح أحد قبل إرادة المولى سبحانه وتعالى وفي الكتاب المنزل قوله : الله يتوفى الانفس حين

هامش
( 1 ) سورة السجدة : 11 .

موتها ( 1 ) وهو الذي يحيي ويميت ( 2 ) وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا
( 3 ) لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الاولين ( 4 ) هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا واجل مسمى ( 5 ) ولكل امة أجل فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ( 6 ) ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ( 7 ) ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ( 8 ) فيمسك التي قضى عليها الموت و يرسل الاخرى إلى أجل
( 9 ) إن اجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ( 10 ( . فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ( 11 ) .
كما إني ما كنت أشعر إمكان حركة جارحة من جوارح الميت بعد نزع روحه ، فلم أدر بأي صلة بالروح المقبوضة كان يتحرك العرق الماجشوني خلال ثلاثة أيام ، والي أي مركز حساس كانت صلة ذلك العرق النابض وما كنت أدري ان السموات العلى لها أبواب مغلقة يقف عندها ملك الموت في كل عروجه بروح من الارواح فيستفتح فتفتح له .
وليتني أدري هل هذا السير البطئ - ثلاثة أيام - لملك الموت في استصحابه روح الماجشون يخص بالماجشون فحسب أو هو الشأن المطرد في عامة الارواح ؟
نعم كل هذه تسوغها الدعاية إلى السلطات الاموية الغاشمة التي كانت تحكم

هامش
( 1 ) سورة الزمر : 42 .
( 2 ) سورة المؤمنون : 80 .
( 3 ) سورة آل عمران : 145 .
( 4 ) سورة الدخان : 8 .
( 5 ) سورة الانعام : 3 .
( 6 ) سورة الاعراف : 34 .
( 7 ) سورة النحل : 61 .
( 8 ) سورة فاطر : 45 .
( 9 ) سورة الزمر : 42 .
( 10 ) سورة نوح : 54 .
( 11 ) سورة فاطر : 45 .
على الامة في تلكم الايام .
رقعة من الله إلى أحمد امام الحنابلة
مرض بشر بن الحارث وعادته آمنة الرملية فبينما هي عنده إذ دخل الامام أحمد ابن حنبل يعوده كذلك فنظر إلى آمنة فقال لبشر : فاسألها تدعو لنا فقال لها بشر : ادعي الله لنا ، فقالت : أللهم إن بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل يستجيران بك من النار فأجرهما يا أرحم الراحمين . قال الامام أحمد رضي الله عنه : فلما كان من الليل طرحت إلى رقعة من الهواء مكتوب فيها : بسم الله الرحمن الرحيم قد فعلنا ذلك ولدينا مزيد .
أخرجه ابن عساكر في تاريخه 2 : 48 ، وابن الجوزي في صفة الصفوة 4 : 278 .
رسول الياس وملك إلى أحمد
ذكر ابن الجوزي في مناقب أحمد ص 143 بالاسناد عن أبي حفص القاضي قال : قدم على أبي عبدالله أحمد بن حنبل رجل من بحر الهند فقال : إني رجل من بحر الهند خرجت اريد الصين فاصيب مركن فأتاني راكبان على موجة من أمواج البحر فقال لي أحدهما : أتحب أن يخلصك الله على أن تقرئ أحمد بن حنبل منا السلام ؟ قلت :
ومن أحمد ؟ ومن أنتما يرحمكما الله ؟ قال : أنا إلياس وهذا الملك الموكل بجزاير البحر ، وأحمد بن حنبل بالعراق . قلت : نعم . فنفضني البحر نفضة فإذا أنا بساحل الابلة فقد جئتك ابلغك منهما السلام .
النخلة تحمل بقلم أحمد
قال أبوطالب علي بن أحمد : دخلت يوما على أبي عبدالله وهو يملي وأنا أكتب فاندق قلمي فأخذ قلما فاعطانيه فجئت بالقلم إلى أبي علي الجعفري فقلت : هذا قلم أبي عبدالله أعطانيه فقال لغلامه : خذ القلم فضعه في النخلة عسى تحمل . فوضعه فيها فحملت . مختصر طبقات الحنابلة ص 11 .
تكة سراويل أحمد
قال ابن كثير في تاريخه 10 : 335 : يروى أنه لما اقيم - أحمد بن حنبل - ليضرب - لما ضربه المعتصم - إنقطعت تكة سراويله فحنشي أن يسقط سراويله فتكشف عورته فحرك شفتيه فدعا الله فعاد سراويله كما كان ، ويروى أنه قال : ياغياث المستغيثين ، يا إله العالمين ، إن كنت تعلم أني قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة .
الحريق والغريق وكرامة أحمد
روى ابن الجوزي في مناقب أحمد ص 297 باسناده عن فاطمة بنت أحمد قالت : وقع الحريق في أخي صالح وكان قد تزوج إلى قوم مياسير فحملوا إليه جهازا شبيها بأربعة آلاف دينار فأكلته النار فجعل صالح يقول : ما غمني ما ذهب مني إلا ثوب لابي كان يصلي فيه أتبرك به واصلي فيه قالت : فطفى الحريق ودخلوا فوجدوا الثوب على سرير قد أكلت النار ما حواليه والثوب سليم .
قال ابن الجوزي : قلت : وهكذا بلغني عن قاضي القضاة علي بن الحسين الزينبي انه وقع الحريق في دارهم فاحترق ما فيها إلا كتابا كان فيه شيئ بخط أحمد .
وقال : قلت : ولما وقع الغرق ببغداد في سنة أربع وخمسين وخمسمأته وغرقت كتبي سلم لي مجلد فيه ورقتان بخط الامام أحمد .
وقال الذهبي في ذيل العبر عند ذكر ما وقع سنة 725 ، واليافعي في المرآة : ومن الآيات أن مقبرة الامام أحمد بن حنبل غرقت سوى البيت الذي فيه ضريحه فإن الماء دخل في الدهليز علو ذراع ووقف بإذن الله وبقيت البواري عليها غبار حول القبر ، صح هذا عندنا ، وجر السيل أخشابا كبارا وحيات غريبة الشكل .
مرآت الجنان 4 : 273 ، شذرات الذهب 6 : 66 ، صلح الاخوان للخالدي ص 98 .
قال الاميني : وكفى شاهدا على صدق هذه الكرامة عدم وجود أي أثر من ذلك
المرقد المعظم اليوم ، وقد جرفته السيول ، وعفت رسمه ، كأن لم يكن ، وغدا حديث أمس الدابر.
ألله يزور احمد كل عام
روى إبن الجوزي في مناقب أحمد ص 454 قال : حدثني أبوبكر بن مكارم بن أبي يعلى الحربي وكان شيخا صالحا قال : كان قد جاء في بعض السنين مطر كثير جدا قبل دخول رمضان بأيام فنمت ليلة في رمضان فأريت في منامي كأني قد جئت على عادتي إلى قبر الامام أحمد بن حنبل ازوره فرأيت قبره قد إلتصق بالارض حتى بقي بينه وبين الارض مقدار ساف
( 1 ) أو سافين فقلت : إنما تم هذا على قبر الامام أحمد بن كثرة الغيث فسمعته من القبر وهو يقول : لا بل هذا من هيبة الحق عزوجل لانه عزوجل قد زارني ، فسألته عن سر زيارته إياي في كل عام فقال عزوجل : يا أحمد ! لانك نصرت كلامي فهو ينشر ويتلى في المحاريب . فأقبلت على لحده اقبله ثم قلت : ياسيدي ما السر في انه لا يقبل قبر إلا قبرك ؟ فقال لي : يا بني ليس هذا كرامة لي ، ولكن هذا كرامه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لان معي شعرات من شعره صلى الله عليه وسلم ألا ومن يحبني يزورني في شهر رمضان قال ذلك مرتين .
مرت في زيارة إمام الحنابلة أحمد في الجزء الخامس ص 175 - 178 لدة هذه من آيات الغلو . فراجع وياحبذا لو صدقت الاحلام .
أحمد والملكان النكيران
ذكر إبن الجوزي في مناقب أحمد ص 454 عن عبدالله بن أحمد يقول : رأيت أبي في المنام فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي . قلت : جاء‌ك منكر ونكير ؟ قال : نعم ، قالا
لي : من ربك ؟ قلت : سبحان الله أما تستحيان مني ؟ فقالا لي : يا أبا عبدالله ! أعذرنا بهذا امرنا .
قال الاميني : ما أجرأ الامام على الملكين الكريمين في ذلك المأزق الحرج ؟

هامش
( 1 ) الساف والسافة : الصف من الطين أو اللين ج آسف وسافات .

وما أجهله بالناموس المطرد من سؤال القبر وانه بأمر من الله العلي العزيز ؟ حتى جابه الملكين بذلك القول الخشن ، ما أحمد وما خطره ؟ وقد جاء في الرواية : ان عمر ارتعد منهما لما دخلا عليه ( 1 ) وكان عمر بمحل من المهابة على حد قول عكرمة : انه دعا حجاما فتنحنح عمرو كان مهيبا فأحدث الحجام ، فأعطاه عمر أربعين درهما ( 2 ) .
وعلى الملكين أن يشكرا الله سبحانه على أن كف الامام عن أن يصفعهما فيفقأ عينهما كما فعل موسى بملك الموت في مزعمة أبي هريرة ( 3 ) فرجع إلى ربه فقال :
أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، فرد الله إليه عينه . كما في سنن النسائي 4 : 118 .
وفي لفظ الطبري في تاريخه 1 : 224 : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ان ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه قال : فرجع فقال : يا رب ! إن عبدك موسى فقأ عيني ، ولولا كرامته عليك لشققت عليه . فقال : ائت عبدي موسى فقل له : فليضع كفه على متن ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة ، وخيره بين ذلك وبين أن يموت الآن . قال : فأتاه فخيره فقال له موسى : فما بعد ذلك ؟ قال : الموت . قال : فالآن إذا . قال : فشمه شمة قبض روحه ، قال : فجاء بعد ذلك إلى الناس خفيا .
وأخرج الحكيم الترمذي مرفوعا : ان ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى جاء موسى فلطمه ففقأ عينه فصار يأتي الناس بعد ذلك خفية . ذكره الشعراني في مختصر تذكرة القرطبي ص 29 .

هامش
( 1 ) قال السيد الجردانى في مصباح الظلام ج 2 ص 56 : ان الله تعالى أعطى عليا علم البرزخ فلما مات عمر بن الخطاب رضى الله عنه جلس على على قبره ليسمع قوله للملكين ، فلما دخلا عليه ارتعد منهما ثم اجاب فقالا له : نم . فقال : كيف أنام وقد أصابنى منكما هذه الرعدة ؟ وقد صحبت النبى صلى الله عليه وسلم ولكن اشهد عليكما الله وملائكته ان لا تدخلا على مؤمن إلا في أحسن صورة ففعلا . فقال له على بن ابى طالب : نم يا ابن الخطاب ! فجزاك الله من المسلمين خيرا لقد نفعت الناس في حياتك ومماتك . اقرأ واضحك .
( 2 ) طبقات ابن سعد 3 : 206 ، تاريخ بغداد 14 : 215 ، تاريخ عمر لابن الجوزى ص 99 ، كنز العمال 6 : 331 .
( 3 ) راجع صحيح البخارى 1 : 158 في ابواب الجنائز ، وج 2 : 163 باب وفاة موسى ، صحيح مسلم 2 : 309 باب فضائل موسى ، مسند احمد 1 : 315 ، العرائس للثعلبى ص 139 .
ما أعيى هذا الملك ) المأخوذ فيه البأس والشدة من الله شديد البطش ( حتى تمكن منه إنسان فصفعه وفقأ عينه ؟ ثم لم يزل الخوف مزيج نفسيته حتى تخفى عن الذين هم في قبضته ، ورهن تصرفه ، حيث وكل بهم وبقبض أرواحهم ، ولا كرامة لهم على الله ككرامة موسى النبي عليه السلام فيحاذر الصفعة منهم .
وإن تعجب فعجب ان مرسل ملك الموت وهو الله سبحانه لم لم يعطه بأسا يفوق كل بأس وهو يعلم من خلق ، وان فيهم من يجرأ على رسوله فيصفعه فيفقأ عينه ، وفيهم من يخافه الرسول فيخفي نفسه عنه ؟ أكان ذلك غفلة ؟ أم أن خزانة القدرة قد نفدت ؟ أم لم يكن يعلم ما يقع - وهو علام الغيوب - حتى وقعت الواقعة ؟ أم لم يكن في صفوف الموظفين بعالم الملكوت أي تدريب حتى يتمكنوا مقابلة الشدايد إلى عهد موسى ، ثم اطرد التدريب بإخفاء الموظف نفسه عند تنفيذ وظيفته ؟ ! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا .
وهلم معي إلى النبي المعصوم موسى على نبينا وآله وعليه السلام ونراه كيف يتجرأ على ملك الموت ، وهو يعلم انه رسول من الله العظيم ، وانه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، وانه لا تجديه الصفعة والفقأة ، وعلى فرض أن يهرب عنه هذا الرسول أو ينسحب عنه بانتظام فإنه يأتيه غيره أشد منه بأسا ، لان الله سبحانه مميته لا محالة ، ولا مرد لمجري قضائه ، وهب انه تخلص من بأس هذا الملك فهل يتخلص من بأس مرسله المنتقم القهار ، وقد أثار غضبه بمجابهة ممثله ؟ أبعد الله الافك والزور عليه سبحانه وعلى رسوله وملائكته ، وانتقم من كل أفاك أثيم .
أضف إلى ذلك كله ما قاله سيدنا الحجة شرف الدين العاملي في كتاب أبي هريرة ص 86 مما لفظه :
ونحن لم برئنا من أصحاب الرس وفرعون موسى وأبي جهل وأمثالهم ولعناهم بكرة وأصيلا ؟ أليس ذلك لانهم آذوا رسل الله حين جاؤوهم بأوامره ؟ فكيف نجوز مثل فعلهم على أنبياء الله وصفوته من عباده ؟ حاشا لله ان هذا لبهتان عظيم .
ثم إن من المعلوم ان قوة البشر بأسرهم ، بل قوة جميع الحيوانات منذ خلقها الله تعالى إلى يوم القيامة لا تثبت أمام قوة ملك الموت فكيف ) والحال هذه ( تمكن موسى عليه السلام من الوقيعة فيه ؟ وهلا دفعه الملك عن نفسه ، مع قدرته على ازهاق روحه ، وكونه مأمورا من الله تعالى بذلك ؟
ومتى كان للملك عين يجوز أن تفقأ ؟ !
ولا تنس تضييع حق الملك وذهاب عينه ولطمته هدرا إذ لم يؤمر الملك من الله بأن يقتص من موسى صاحب التوراة التي كتب الله فيها : إن النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والانف بالانف ، والاذن بالاذن ، والسن بالسن والجروح قصاص ( 1 ) ولم يعاتب الله موسى على فعله هذا بل أكرمه إذ خيره بسببه بين الموت والحياة سنين كثيرة بقدر ما تواريه يده من شعر الثور .
وما أدري ما الحكمة في ذكر شعر الثور بالخصوص ؟ ! الخ .
هذه جملة مما وجدنا من كرامات الامام أحمد ، وكم وكم لها من نظير ؟ وأنت حدث العاقل بما لا تقبله عقله فإن صافقك عليه فهو معتوه ، لكن القوم عقلاء وقبلوها ، ونحن إذا عزونا ما هو أخف وأخف وطئة من هذه مما يساعده العقل والمنطق والاعتبار إلى أئمة أهل بيت الوحي عليهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فهنالك الجلبة واللغط ، والتركاض والصخب ، وهتاف من شتى الجوانب : هذا لا يكون ، هذا غير معقول ، حديث واه ، هذا قول غلاة الشيعة ، هذا قول الرافضة ، هذا لا يصح وإن صح إسناده ، إسناده صحيح غير ان في قلبي منه شيئا ، هذا لا يصح وإن جاء بألف طريق . إلى أمثال هذه التهجمات الفارغة .

هامش
( 1 ) إشارة إلى الآية 45 من سورة المائدة وقد وجدنا في الفقرة ال‍ 23 من الاصحاح 21 من اصحاحات الخروج من التوراة الموجودة في أيدى اليهود والنصارى في هذه الايام ما هذا لفظه : ان حصلت أذية تعطى نفسا بنفس ، وعينا بعين ، وسنا بسن ، ويدا بيد ، ورجلا برجل ، وكيا بكى ، وجرحا بجرح ، ورضا برض .

امام المالكية يرى النبى صلى الله عليه وآله كل ليلة
ذكر الحريفيش في ) الروض الفائق ( ص 270 قال : قال المثنى بن سعيد القصير :
سمعت مالكا - إمام المالكية - يقول : ما بت ليلة إلا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيها .
قال الاميني : هل يكذب الامام في دعواه الذي لا يعلم إلا من قبله ؟ أو يرمى ابن سعيد بالافك وإن كان قصيرا ؟ أو يعاتب الحريفيش في نقله وإن كان مصغرا ؟ وللامام مالك موقف خطر مع الملكين العظيمين : منكر ونكير ، لا يقل عن موقف الامام أحمد معهما ذكره الشعراني في الميزان 1 : 46 قال : لما مات شيخنا شيخ الاسلام الشيخ ناصر الدين اللقاني رآه بعض الصالحين في المنام فقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال : لما أجلسني الملكان في القبر ليسألاني أتاهم الامام مالك فقال : مثل هذا يحتاج إلى سؤال في إيمانه بالله ورسوله ؟ تنحيا عنه ، فتنحيا عني .
قال الاميني : آلا من معبر يعبر هذه الاحلام ؟ ولعل كل فرد من المعبرين يقول : أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين . وإن اتخذها الحفاظ كأصل مسلم استندوا إليها عند المغالاة في الفضائل . كأن الملكين لم يكن عندهما عرفان بمن يحتاج إلى سؤال في إيمانه ، ولم يكن هنالك ناموس مطرد من المولى سبحانه يتبعانه ، أعوذ بالله من ضئولة العقل .
الملكان وابوالعلاء الهمدانى
قال ابن الجوزي في المنتظم 10 : 248 : رأى شخص ان يدين خرجتا من محراب مسجد فقال : ما هذه اليدان ؟ فقيل : هذه يد آدم بسطها ليعانق أبا العلاء الحافظ - الحسن بن أحمد المتوفى 569 - وإذا بأبى العلاء قد أقبل ، قال : فسلمت عليه فرد علي السلام وقال : يا فلان ! رأيت ابني احمد حين قام على قبري يلقنني ؟ أما سمعت صوتي حين صبحت ؟ على الملكين ؟ فما قدرا أن يقولا شيئا فرجعا .
نظرا إلى هذه المزعمة يجب أن يكون أبوالعلاء أشجع من عمر الذي خاف النكيرين وارتعد منهما ، ثم لما قالا له : نم . قال : كيف أنام وقد أصابني منكما هذه الرعدة وقد صحبت النبي صلى الله عليه وآله ( 1 ) ولعلهما قبلا وصية عمر لما انشدهما أن لا يأتيا مؤمنا إلا بصورة جميلة ففعلا ، فلم يهبهما أبوالعلاء فصاح عليهما ، وخاشنهما الامام أحمد ، وطردهما مالك عن ناصر الدين اللقاني ، أو أنهما أتى عليهما الشيخوخة والهرم منذ عهد الخليفة إلى هذه العصور المتأخرة ، وبلغ منهما الضعف فأخفق بسالتهما ، فلم يهب جانبهما ، وإلى الغاية لم ينكشف لنا سر تسليط المولى سبحانه هؤلاء الاعلام على الملكين الكريمين ، وفيه اختلال النظام المقرر المطرد الالهي ، نعوذ بالله من هذه المزاعم التافهة كلها .
هامش
( 1 ) مر تمام القصة في ص 140 من هذا الجزء .


غمامة تظل على جنازة
قال الحافظ الجزري في طبقات القراء 2 : 271 : توفي ابن الاخرم محمد بن النضر الدمشقي سنة 241 / 2 بدمشق قال عبدالباقي : وصليت عليه في المصلى بعد صلاة الظهر وكان يوما صائفا وصعدت غمامة على جنازة من المصلى إلى قبره فكانت شبه الآية .
قال الاميني :
وفي كل شيئ له آية * تدل على انه واحد .
شاب ينظر الاذن من ربه
ذكر الحريفيش في الروض الفائق ص 126 عن ذي النون المصري انه قال :
رأيت شابا عند الكعبة يكثر الركوع والسجود فدنوت منه وقلت له : إنك لتكثر الصلاة ، فقال : أنتظر الاذن من ربي في الانصراف ، قال : فرأيت رقعة سقطت فيها مكتوب :
من العزيز الغفور إلى عبدي الصادق : إنصرف مغفورا لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر .
قال الاميني : لقد جنى من نزلت إليهم هذه الرقاع ( 1 ) حيث لم يوصوا بالتحفظ عليها لتستفيد بها الامة وتتبرك بها في أجيالها المتأخرة وتتخذها معتبرا عوضا عن أن تكون خبرا ، وتزد ان بها متاحف الآثار ، لكن لهم عذرا وهو انهم لم يشاهدوها فلم يوصوا بها ، وإنما هي شباك طنبت لافتناص الاغرار من امة محمد صلى الله عليه وآله .

هامش
( 1 ) وما أكثرها وألطفها ؟ راجع ما مر في هذا الجزء ص 121 ، 125 ، 137 ، وما يأتي .
شجرة ام غيلان تثمر رطبا
قال بكر بن عبدالرحمن رحمه الله : كنا مع ذي النون المصري - المتوفى 245 - في البادية فنزلنا تحت شجرة ام غيلان فقلنا : ما أطيب هذا الموضع لو كان فيه رطب ؟ فتبسم ذوالنون وقال : تشتهون رطبا ؟ وحرك الشجرة وقال : أقسمت عليك بالذي أنبتك وخلقك شجرة إلا ما نثرت علينا رطبا جنيا ، ثم حركها فنثرت رطبا فأكلنا وشبعنا ، ثم نمنا وانتبهنا وحركنا الشجرة فنثرث علينا شوكا .
الروض الفائق ص 126 ، مرآت الجنان لليافعي 2 : 151 وقال : ذكره خلائق من الصالحين ، ورواه عنهم كثير من العلماء العاملين .
قال الاميني : إلى المولى سبحانه نبتهل في أن يهب لاولئك الصالحين والعلماء العاملين عقلا وافيا يزعهم عن الخضوع للخرافات .

ابن ابى الجوارى في التنور
روى ابنا عساكر وكثير : ان أحمد بن أبي الحواري ( 1 ) كان قد عاهد أبا سليمان الداراني ألا يغضبه ولا يخالفه فجاء‌ه يوما وهو يحدث الناس فقال : ياسيدي ! هذا قد سجروا التنور ، فماذا تأمر ؟ فلم يرد عليه أبوسليمان لشغله بالناس ، ثم أعادها أحمد ثانية وقال له في الثالثة : إذهب فاقعد فيه . ثم اشتغل أبوسليمان في حديث الناس ، ثم استفاق فقال لمن حضره : إني قلت لاحمد : إذهب فاقعد في التنور وإني أحسب أن يكون قد فعل ذلك ، فقوموا بنا إليه فذهبوا فوجدوه جالسا في التنور ولم يحترق منه شئ ولا شعرة واحدة . تاريخ ابن كثير 10 : 348 .
ألا تعجب من ابن كثير يسجل أمثال هذه الاسطورة كحقايق ثابتة ثم لما يبلغ به السير والبحث إلى فضيلة معقولة من فضائل أهل بيت الوحي عليهم السلام أربد وجهه ، وأزبد فمه ، وعاد صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ، وأطلق لسانه البذي على من جاء بذلك الذكر الشذي ؟ كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون

هامش
( 1 ) احد الاعلام يروى عنه أبوداود وابن ماجة وابوحاتم توفى 246 .

كتاب من الله إلى ابن الموفق
عن أبي الحسن علي بن الموفق المتوفى 265 قال : خرجت يوما لاؤذن فأصبت قرطاسا فأخذته ووضعته في كمي فأذنت وأقمت وصليت فلما صليت قرأته فإذا فيه مكتوب : بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن الموفق ! تخاف الفقر وأنا ربك ؟ .
تاريخ الخطيب البغدادي 12 : 112 ، صفة الصفوة لابن الجوزي 2 : 218 . كان حقا على الحافظين الخطيب وابن الجوزي أن يذكرا شطرا من حياة هذا الرجل بعد الكتاب المذكور المغمورة باليسار والنعمة لتكون تصديقا للخبر وشاهدا على صحة المزعمة ، لكنهما أغفلا عن ذلك فلم يقم لنا شاهد ولا حجة .
الحوراء تكلم أبا يحيى
قال أبويحيى زكريا بن يحيى الناقد ( 1 ) : إشتريت من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة ، فلما كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء وهي تقول : وفيت بعهدك فها أنا التي قد إشتريتني.
تاريخ بغداد للخطيب 8 : 462 ، المنتظم لابن الجوزي 6 : 8 ، مناقب أحمد لابن الجوزي ص 510 .
ليس لك أن تناقش في المدة التي ختم أبويحيى فيها الاربعة آلاف ختمة ، فإن من الممكن عند القوم أن يختمها في بضع دقايق فإن أبا مدين المغربي كان يختم في اليوم والليلة سبعين ألف ختمة . راجع الجزء الخامس ص 35 .
دعاوى سهل بن عبدالله التسترى
ذكر الشعراني في طبقات الاخيار 1 : 158 نقلا عن كتاب ) الجواهر ( لسهل بن عبدالله التسترى المتوفى 283 انه قال : أشهدني الله تعالى ما في العلى وأنا ابن ست سنين ، ونظرت في اللوح المحفوظ وأنا ابن ثمان سنين ، وفككت طلسم السماء وأنا

هامش
( 1 ) أحد الاعلام المجتهدين وأئمة الحديث من تلمذة احمد بن حنبل إمام الحنابلة توفى سنة 285 .
إبن تسع سنين ، ورأيت في السبع المثاني حرفا معجما حار فيه الجن والانس ففهمته ، وحمدت الله على معرفته ، وحركت ما سكن وسكنت ما تحرك بإذن الله تعالى وأنا ابن اربع عشرة سنة .
قال الاميني : ليت شعري متى ما أشهد الله ما في العلى نبيه الاعظم صاحب الرسالة الخاتمة ؟ ومتى ما نظر صلى الله عليه وآله في اللوح المحفوظ وفك طلسم السماء ؟ وهل رأى ذلك الحرف المعجم الذي حار فيه الجن والانس وفهمه ، وهل حرك وسكن باذن الله ؟
أيم الله ان هذه الاساطير المشمرجة لا يبوح بها إلا من يتخبطه الشيطان من المس وإن هي إلا سم ناقع على روح الاسلام ، تمس كرامة الاولياء ، وتشوه سمعة الامة المسلمة ، وتسود صحيفة تاريخها عند الامم ، وتضحك الملا على عقلية اولئك المؤلفين الذين جمعت بيراعهم أشتات التاريخ الاسلامي .
سهل وجبل قاف
عن سهل بن عبدالله قال : صعدت جبل قاف فرأيت سفينة نوح مطروحه فوقه . و قيل لابي يزيد رضي الله عنه : هل بلغت جبل قاف ؟ فقال : جبل قاف أمره قريب بل جبل كاف وجبل صاد وجبل عين وهي محيطة بالارض حول كل أرض جبل بمنزلة حائطها ، وجبل قاف بهذه الارض وهي أصغر الارضين ، وهو أيضا أصغر الجبال ، وهو جبل من زمردة خضراء
وقيل : إن خضرة السماء من خضرته . وروى : ان الدنيا كلها خطوة للولي . وحكي : إن وليا من أولياء الله تعالى احتاج إلى النار فرفع يده إلى القمر فاقتبس منه جذوة في خرقة كانت معه . ( 1 )
قال الاميني : حقا قيل : الجنون فنون : وأيم الله يميت القلب ويجلب الهم ضياع التاريخ الاسلامى بيد هؤلاء المعشوذين الذين شوهوا صحائفه بأمثال هذه الترهات التي لم يخلق مثلها في أساطير الاولين .

هامش
( 1 ) روض الرياحين لليافعى 172 .

وحشى أتى بماء الوضوء
قال سهل بن عبدالله رضي الله عنه : أول ما رأيت من العجائب والكرامات إني خرجت يوما إلى موضع خال فطاب لي المقام فيه فوجدت من قلبي قربا إلى الله تعالى وحضرت الصلاة وأردت الوضوء وكانت عادتي من صباي تجديد الوضوء لكل صلاة ، فكأني اغتممت لفقد الماء ، فبينما أنا كذلك وإذا دب يمشي على رجليه كأنه إنسان معه جرة خضراء قد أمسك بيديه عليها ، فلما رأيته من بعيد توهمت انه آدمي حتى دنا مني وسلم علي ووضع الجرة بين يدي ، فجاء‌ني إعتراض العلم فقلت : هذه الجرة والماء من أين هو ؟ فنطق الدب وقال : يا سهل ! إنا قوم من الوحوش قد انقطعنا إلى الله تعالى بعزم المحبة والتوكل ، فبينما نحن نتكلم مع أصحابنا في مسألة إذ نودينا : ألا إن سهلا يريد ماء ليجدد الوضوء . فوضعت هذه الجرة بيدي وإذا بجنبي ملكان فدنوت منهما فصبا فيها الماء من الهواء وأنا أسمع خرير الماء . إلى آخر القصة . روض الرياحين ص 104 ، 105 .
قال الاميني : سل عن هذه العجائب الدب الطلق الذلق صاحب الجرة الخضراء ، أو بقية الوحوش المنقطعة إلى الله بعزم المحبة والتوكل ، أو سل الملكين إن سهل لك السبيل إليهما ، وإن لم تجدهما فسل عقلك واتخذه حكما ، واستعذ بالله من هذه الاوهام المخزية .
قصة فيها كرامتان
قال عبدالله بن حنيف رحمه الله : دخلت بغداد قاصدا الحج ولم آكل الخبز أربعين يوما ولم أدخل على الجنيد وكنت على طهارة فرأيت ظبيا على رأس البئر وهو يشرب وكنت عطشانا ، فلما دنوت إلى البئر ولى الظبي فإذا الماء في أسفل البئر فمشيت وقلت : يا سيدي مالي محل هذا الظبي ؟ فنوديت من خلفي : جربناك فلم تصبر فارجع وخذ فرجعت فإذا البئر ملآنة ماء فملات ركوتي فكنت أشرب منه وأتطهر إلى المدينة ولم أنفد ، ولما استقيت سمعت هاتفا يقول : إن الظبي جاء بلا ركوة ولا حبل ، وأنت جئت معك الركوة . فلما رجعت من الحج دخلت الجامع فلما وقع بصر الجنيد علي قال : لو صبرت ولو ساعة لنبع الماء من تحت رجليك . الروض الفائق ص 127 .
قال الاميني : أوهام متراكمة بعضها فوق بعض ، وهل ترك الجنيد للانبياء والرسل علما بالمغيب لم يبح به ، وهل أتي البئر العميقة ولي من الاولياء بلا ركوة ولا حبل كالظباء اللاتي يفقدنهما ولا يسعهن التأهب بأمثالهما ، وأما الانسان العادي فليس له وهو سار في عالم الاسباب إلا أن يحمل معه أدوات حاجته ، هكذا خلق الله البشر ، وهو ظاهر كثير من الاحاديث الشريفة . وحسبك سيرة النبي الاعظم والمرسلين من الانبياء صلوات الله عليهم اجمعين . وكلهم لله أولياء ، وجميعهم أفضل من ابن حنيف .
حلق اللحية لله
أخرج الحافظ أبونعيم في حلية الاولياء 10 : 370 قال : سمعت أبا نصر يقول :
سمعت أحمد بن محمد النهاوندي يقول : مات للشبلي ( 1 ) إبن كان إسمه غالبا ، فجزت امه شعرها عليه ، وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلق الجميع ، فقيل له : يا استاذ !
ما حملك على هذا ؟ فقال : جزت هذه شعرها على مفقود ، فكيف لا أحلق لحيتي أنا على
موجود ؟
قال الاميني : أهلا بالناسك الفقيه ، ومرحبا بالاولياء أمثال هذا المتخلع الجاهل بحكم الشريعة ، وزه بمدون أخبارهم ، ومنتفي آثار الاوحديين منهم كأبي نعيم ، كيف خفي على هذا الفقيه البارع في مذهب مالك فتوى مالك وحرمة حلق اللحية ، وإصفاق بقية الائمة معه على ذلك ؟ كيف خفي عليه الحكم ؟ وهو ذلك الفقيه المتضلع الذي أجاب في دم الحيض المشتبه بدم الاستحاضة بثمانية عشر جوابا للعلماء ، وقد جالس الفقهاء عشرين سنة ( 2 ) ؟ وهلا وقف وهو مدرس الحديث عشرين عاما على المأثورات النبوية الدالة على حرمة حلق اللحية المروية من عدة طرق ؟
منها :

هامش
( 1 ) ابوبكر دلف بن جحدر فقيه عالم محدث توفى 334 / 5 .
( 2 ) راجع تهذيب التهذيب .

1- عن عائشة مرفوعا : عشر من الفطرة فذكر منها : اعفاء اللحية . وجاء من طريق أبي هريرة أيضا .
صحيح مسلم 1 : 153 ، سنن البيهقى : 149 ، سنن ابى داود 1 : 9 ، 10 ، صحيح الترمذى 10 : 216 ، مشكل الاثار 1 : 297 ، المعتصر من المختصر 2 : 220 ، طرح التثريب 1 : 73 ، نيل الاوطار 1 : 135 عن احمد ومسلم والنسائى والترمذى .
2- عن ابن عمر مرفوعا : اعفوا اللحى ، واحفوا الشوارب ، خالفوا المشركين .
صحيح مسلم 1 : 153 ، سنن النسائى 1 : 16 ، جامع الترمذى 10 : 221 بلفظ : احفوا الشوارب واعفوا اللحى ، سنن البيهقى 1 : 149 عن الصحيحين ، المحلى لابن حزم 2 : 222 ، تاريخ الخطيب 4 : 345 .
3- عن ابن عمر مرفوعا : خالفوا المشركين ، وفروا اللحى ، واحفوا الشوارب .
أخرجه البخارى في صحيحه ، ومسلم في الصحيح 1 : 153 بلفظ : خالفوا المشركين ، وحفوا الشوارب واوقوا اللحى . سنن البيهقى 1 : 150 ، نيل الاوطار 1 : 141 قال : متفق عليه .
4- عن ابي هريرة مرفوعا : جزو الشوارب ، وارخو اللحى ، وخالفوا المجوس صحيح مسلم 1 : 153 ، سنن البيهقى 1 : 150 ، تاريخ الخطيب 5 : 317 بلفظ : احفوا الشوارب واعفوا اللحى ، زاد المعاد لابن القيم 1 : 63 بلفظ : قصوا الشوارب . وفي ص 64 بلفظ : جزوا الشوارب . نيل الاوطار 1 : 141 عن احمد ومسلم .
5- عن ابن عمر قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باحفاء الشوارب واعفاء اللحى . صحيح مسلم 1 : 153 ، صحيح الترمذى 10 : 221 ، سنن ابى داود 2 : 195 ، سنن البيهقى 1 : 151 .
6- عن أبي امامة قال : قلنا : يا رسول الله ! إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ( 1 ) ويوفرون سبالهم فقال : قصوا سبالكم ، ووفروا عثانينكم ، وخالفوا أهل الكتاب .
أخرجه احمد في المسند 5 : 264 .
7- من حديث ابن عمر في المجوس : إنهم يوفرون سبالهم ، ويحلقون لحاهم ، فخالفوهم .
أخرجه ابن حبان في صحيحه كما ذكره العراقى في تخريج الاحياء للغزالى المطبوع في ذيله ج 1 ص 146 .
8- عن أنس : احفوا الشوارب ، واعفوا اللحى ، ولا تشبهوا باليهود . أخرجه الطحاوى كما في شرح راموز الحديث : 1 : 141 .
9- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها . صحيح الترمذى 10 : 220 .

هامش
( 1 ) جمع العثنون : اللحية .

وكيف عزب عن الشبلي ما ذهب إليه القوم من أن حلق اللحية من تغيير خلق الله الوارد في قوله تعالى : ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ( 1 ) . وقد أفرط جمع في الاخذ به فقال بحرمة حلق اللحية والشارب للمرأة ايضا .
قال الطبري : لا يجوز للمرأة تغيير شيئ من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص التماس الحسن لا للزوج ولا لغيره ، كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه ، ومن تكون لها سن زائدة فتقلعها ، أو طويلة فتقطع منها ، أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنتف ، ومن يكون شعرها قصيرا أو حقيرا فتطوله أو تغزره بشعر غيرها ، فكل ذلك داخل في النهي ، وهو من تغيير خلق الله تعالى . قال : ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والاذية كمن يكون لها سن زائدة أو طويلة تعيقها في الاكل ، أو إصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها فيجوز ذلك ، والرجل في هذا الاخير كالمرأة ( 2 ) .
وقال القرطبي في تفسيره 5 : 393 في تفسير الآية : لا يجوز لها ) للمرأة ( حلق لحية أو شارب أو عنفقة إن نبتت لها ، لان كل ذلك تغيير خلق الله .
وكيف خفي على الشبلي ما انتهى إلى ابن حزم الظاهري من الاجماع الذي
نقله في كتابه ) مراتب الاجماع ( ص 157 على ان حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز ، ولا سيما للخليفة ، والفاضل ، والعالم ، وعد في ص 52 ناتف اللحية ممن لا تقبل شهادته .
وهلم إلى كلمات أعلام الفقه :
1- قال الحافظ العراقي في طرح التثريب 1 : 83 : من خصال الفطرة إعفاء اللحية ، وهو توفير شعرها وتكثيره ، وإنه لا يؤخذ منه كالشارب . من عفا الشيئ إذا كثر وزاد . وفي الصحيحين من حديث ابن عمر الامر بذلك ) اعفوا اللحى ( وفي رواية :
اوفوا . وفي رواية : وفروا . وفي رواية : ارخوا وهي بالخاء المعجمة على المشهور وقيل بالجيم . من الترك والتأخير ، وأصله الهمزة فحذف تخفيفا كقوله : ترجي من تشاء منهن .
هامش
( 1 ) سورة النساء : 119 .
( 2 ) فتح البارى 10 : 310 .

واستدل به الجمهور على أن الاولى ترك اللحية على حالها ، وأن لا يقطع منها شيئ وهو قول الشافعي وأصحابه ، وقال القاضي عياض : يكره حلقها وقصها وتحريقها . وقال القرطبي في المفهم : لا يجوز حلقها ولا نتفها ولا قص الكثير منها قال القاضي عياض : وأما الاخذ من طولها فحسن . قال : وتكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في قصها ، وجزها قال : وقد اختلف السلف هل لذلك حد : فمنهم من لم يحدد شيئا في ذلك إلا أنه لا يتركها لحد الشهرة ويأخذ منها ، وكره مالك طولها جدا ، ومنهم من حدد بمازاد على القبضة فيزال ، ومنهم من كره الاخذ منها إلا في حج أو عمرة .
2- قال الغزالي في الاحياء 1 : 146 : قوله صلى الله عليه وسلم : اعفوا اللحى . أي كثروها وفي الخبر : إن اليهود يعفون شواربهم ، ويقصون لحاهم ، فخالفوهم وكره بعض العلماء الحلق ورآه بدعة . وقال في ص 148 : وقد اختلفوا فيما طال منها فقيل : إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبضة فلا بأس ، فقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين ، واستحسنه الشعبى وابن سيرين ، وكرهه الحسن وقتادة وقالا : تركها عافية احب لقوله صلى الله عليه وسلم : اعفوا اللحى . والامر في هذا قريب إن لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب ، فإن الطول المفرط قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنبز إليه ، فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية .
3- قال ابن حجر في فتح الباري 10 : 288 عند ذكر حديث نافع : كان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه : الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك ، بل كان يحمل الامر بالاعفاء على غير الحالة التي تشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه ، فقد قال الطبري : ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيئ من اللحية من طولها ومن عرضها ، وقال قوم : إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد ، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر انه فعل ذلك ، وإلى عمر انه فعل ذلك برجل ، ومن طريق أبي هريرة انه فعله ، وأخرج ابوداود من حديث جابر بسند حسن قال : كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة . وقوله : نعفي . بضم اوله وتشديد الفاء أي نتركه وافرا ، وهذا يؤيد ما نقل عن ابن عمر فإن السبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سبلة بفتحتين وهي ما طال من شعر اللحية فأشار جابر إلى أنهم يقصرون منها في النسك ثم حكى الطبري اختلافا فيما يؤخذ من اللحية ، هل له حد أم لا ؟ فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف ، وعن الحسن البصري : انه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش ، وعن عطاء نحوه قال : وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الاعاجم تفعله من قصها وتخفيفها ، قال : وكره آخرون التعرض لها إلا في حج أو عمرة ، وأسنده عن جماعة واختار قول عطاء ، وقال : إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به ، واستدل بحدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها ، وهذا أخرجه الترمذي ، ونقل عن البخاري انه قال في رواية عمر بن هارون : لا أعلم له حديثا منكرا إلا هذا ، وقد ضعف عمر بن هارون مطلقا جماعة .
وقال عياض : يكره حلق اللحية وقصها وتجذيفها ، وأما الاخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن ، بل تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في تقصيرها كذا قال : وتعقبه النووي بانه خلاف ظاهر الخبر في الامر بتوفيرها قال : والمختار تركها على حالها وأن لا يتعرض لها بتقصير ولا غيره . وكان مراده بذلك في غير النسك لان الشافعي نقص على استحبابه فيه .
وقال في ص 289 : أنكر ابن التين ظاهر ما نقل عن ابن عمر فقال : ليس المراد أنه كان يقتصر على قدر القبضة من لحيته بل كان يمسك عليها فيزيل ما شذ منها فيمسك من أسفل ذقنه بأصابعه الاربعة ملتصقة فيأخذ ما سفل عن ذلك ليتساوى طول لحيته ،
قال أبوشامة : وقد حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نقل عن المجوس انهم كانوا يقصونها . وقال النووي : يستثنى من الامر باعفاء اللحى ما لو نبتت للمرأة لحية فانه يستحب لها حلقها ، وكذا لو نبت لها شارب أو عنفقة .
4- قال المناوي في ) فيض القدير ) 1 : 198 : اعفوا اللحى وفروها ، فلا يجوز حلقها ولا نتفها ، ولا قص الكثير منها ، كذا في التنقيح ، ثم زاد الامر تأكيدا مشيرا إلى العلة بقوله : ولا تشبهوا باليهود في زيهم الذي هو عكس ذلك ، وفي خبر ابن حبان بدل اليهود : المجوس . وفي آخر : المشركين . وفي آخر : آل كسرى . قال الحافظ العراقي :
والمشهور أنه من فعل المجوس فيكره الاخذ من اللحية ، واختلف السلف فيما طال منها فقيل : لا بأس أن يقبص عليها ويقص ما تحت القبضة كما فعله إبن عمر ، ثم جمع من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين ، وكرهه الحسن وقتادة ، والاصح كراهة أخذ مالم يتشعث ويخرج عن السمت مطلقا .
5- قال السيد علي القاري في شرح الشفا للقاضي ( 1 ) : حلق اللحية منهي عنه ، وأما إذا طالت زيادة على القبضة فله أخذها .
6- في شرح الخفاجي على الشفا 1 : 343 : وتقصير اللحية حسن كما مر ، و هيئته تحصل بقص ما زاد على القبضة ، ويؤخذ من طولها ايضا ، وأما حلقها فمهني عنه لانه عادة المشركين.
7- قال الشوكاني في [ نيل الاوطار ] 1 : 136 : اعفاء اللحية توفيرها كما في القاموس ، وفي رواية للبخاري : وفروا اللحى . وفي رواية اخرى لمسلم : اوفوا اللحى . وهو بمعناه ، وكان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشارع عن ذلك وأمر باعفائها . قال القاضي عياض : يكره حلق اللحية وقصها وتحريقها ، وأما الاخذ من طولها وعرضها فحسن . ثم نقل الاقوال في حد ما زاد .
وقال في ص 142 : قد حصل من مجموع الاحاديث خمس روايات : اعفوا . واوقوا . وأرخوا . وارجوا . ووفروا . ومعناها كلها تركها على حالها . قوله : خالفوا المجوس . قد سبق انه كان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشرع عن ذلك .
8- في شرح راموز الحديث 1 : 141 : أشار إلى العلة في خبر ابن حبان : المجوس بدل اليهود ، وفي آخر : المشركين . وفي اخرى : كسرى . قال العراقي : المشهور : انه فعل المجوس ، فكره الاخذ من اللحية ، واختلف السلف فيما طال . ثم نقل الاقوال التي ذكرناها.
9- أحسن كلمة تجمع شتات الفتاوى وآراء ائمة المذاهب في المسألة ما أفاده الاستاذ محفوظ في
( الابداع في مضار الابتداع ) ( 2 ) ص 405 قال : ومن أقبح العادات ما اعتاده الناس اليوم من حلق اللحية وتوقير الشارب ، وهذه البدعة كالتي قبلها سرت إلى المصريين من مخالطة الاجانب واستحسان عوائدهم حتي استقبحوا محاسن دينهم وهجروا سنة نبيهم محمد صلى الله عليه وآله فعن إبن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله قال : خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب . وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه . رواه البخاري وروى مسلم عن ابن عمر إيضا عن النبي صلى الله عليه وآله قال : احفوا الشوارب واعفوا اللحى ) إلى أن قال بعد ذكر عدة من أحاديث الباب ( : والاحاديث في ذلك كثيرة وكلها نص في وجوب توقير اللحية وحرمة حلقها والاخذ منها على ما سيأتي .

هامش
( 1 ) هامش شرح الخفاجى 1 : 343 .
( 2 ) تأليف الاستاذ الكبير الشيخ على محفوظ أحد مدرسى الازهر الشريف ) الطبعة الرابعة (

ولا يخفى أن قوله : خالفوا المشركين وقوله : خالفوا المجوس . يؤيدان الحرمة فقد أخرج أبوداود وابن حبان وصححه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من تشبه بقوم فهو منهم . وهو غاية في الزجر عن التشبه بالفساق أو بالكفار في أي شئ مما يختصون به من ملبوس أو هيأة ، وفي ذلك خلاف العلماء منهم من قال بكفره وهو ظاهر الحديث . ومنهم من قال : لا يكفر ولكن يؤدب . فهذان الحديثان بعد كونهما أمرين دالان على أن هذا الصنع من هيآت الكفار الخاصة بهم إذ النهي إنما يكون عما يختصون به . فقد نهانا صلى الله عليه وآله عن التشبه بهم عاما في قوله : من تشبه . ومن افراد هذا العام حلق اللحية . وخاصا في
قوله : وفروا اللحى خالفوا المجوس ، خالفوا المشركين .
ثم ما تقدم من الاحاديث ليس على اطلاقه فقد روى الترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص
قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأخذ من لحيته من عرضها وطولها . وروى ابوداود والنسائي : ان ابن عمر كان يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف . وفي لفظ : ثم يقص ما تحت القبضة . وذكره البخاري تعليقا . فهذه الاحاديث تقيد ما رويناه آنفا .
فيحمل الاعفاء على إعفائها من أن يأخذ غالبها أو كلها . وقد اتفقت المذاهب الاربعة على وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها والاخذ القريب منه .
الاول : مذهب الحنفية قال في ) الدر المختار ( : ويحرم على الرجل قطع لحيته وصرح في النهاية بوجوب قطع ما زاد على القبضة ) بالضم ( وأما الاخذ منها وهي دون ذلك كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد . وأخذ كلها فعل يهود الهند ومجوس الاعاجم اه‍ وقوله : وما وراء ذلك يجب قطعه . هكذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه كان يأخذ من اللحية من طولها وعرضها ، كما رواه الامام الترمذي في جامعه ، ومثل ذلك في أكثر كتب الحنفية .
الثاني : مذهب السادة المالكية حرمة حلق اللحية وكذا قصها إذا كان يحصل به مثلة . وأما إذا طالت قليلا وكان القص لا يحصل به مثلة فهو خلاف الاولى أو مكروه كما يؤخذ من شرح الرسالة لابي الحسن وحاشيته للعلامة العدوي رحمهم الله .
الثالث : مذهب السادة الشافعية ، قال في شرح العباب : فائدة قال الشيخان : يكره حلق اللحية. واعترضه ابن الرفعة بأن الشافعي رضي الله عنه نص في الام على التحريم . وقال الاذرعي : الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها . اه‍ ومثله في حاشية ابن قاسم العبادي على الكتاب المذكور .
الرابع : مذهب السادة الحنابلة نص في تحريم حلق اللحية . فمنهم من صرح بأن المعتمد حرمة حلقها . ومنهم من صرح بالحرمة ولم يحك خلافا كصاحب الانصاف ، كما يعلم ذلك بالوقوف على شرح المنتهى وشرح منظومة الآداب وغيرهما .
ومما تقدم تعلم أن حرمة حلق اللحية هي دين الله وشرعه الذي لم يشرع لخلقه سواه ، وأن العمل على غير ذلك سفه وضلالة ، أو فسق وجهالة ، أو غفلة عن هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وآله
نعم : لم يكن الشبلي ولا الحافظ الذي يثني عليه بحلق لحيته في حب الله ، ولا الحفاظ الآخرون الذين أطنبوا القول حول لحية أبي بكر الصديق محتاجين إلى اللحية ، بل كانوا يفتقرون إلى عقل تام كما جاء فيما ذكره السمعاني في الانساب في ) الرستمي ) عن مطين بن احمد قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت له : يا نبي الله ! أشتهي لحية كبيرة . فقال : لحيتك جيدة وأنت محتاج إلى عقل تام .
عمود نور من السماء إلى قبر الحنبلى
ذكر ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب 3 : 46 في ترجمة أبي بكر عبدالعزيز بن جعفر الحنبلي المعروف بغلام الخلال المتوفى سنة 363 قال : حكى أبوالعباس ابن أبي عمرو الشرابي قال : كان لنا ذات ليلة خدمة أمسيت لاجلها ، ثم إني خرجت منها نوبة الناس وتوجهت إلى داري بباب الازج ، فرأيت عمود نور من جوف السماء إلى جوف المقبرة فجعلت أنظر إليه ولا ألتفت خوفا أن يغيب عني إلى أن وصلت إلى قبر أبي بكر عبدالعزيز فإذا أنا بالعمود من جوف السماء إلى القبر : فبقيت متحيرا ومضيت وهو على حاله .
قال الاميني : أبوبكر الحنبلي هذا هو شيخ الحنابلة وعالمهم في عصره صاحب التصانيف وهو الراوي عن الخلال عن الحمصي عن إمام الحنابلة أحمد : انه سئل عن التفضيل فقال : من قدم عليا على أبي بكر فقد طعن على رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومن قدمه على عمر فقد طعن على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى أبي بكر ، ومن قدمه على عثمان فقد طعن على أبي بكر وعمر وعثمان وعلى أهل الشوري والمهاجرين والانصار .
وليت مثقال ذرة من ذلك النور الخيالي الممتد من قبر الرجل سطع على مكمن بصيرته ابان حياته ، فلا يخضع لكلمة شيخه التافهة هذه التي تخالف الكتاب والسنة وإن مقدار الرجل ينبو عن التدخل في هذا الشأن العظيم الذي ليس هو من رجاله لكن ) حن قدح ليس منها ( أنى يقع قوله في التفضيل مع آيتي المباهلة والتطهير ؟
ومقتضى الاولى اتحاد مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام مع صنوه النبي الاعظم صلى الله عليه وآله فيما يمكن اتحاد شخصين فيه ، وليست هي إلا الفضائل والفواضل والمكارم والمآثر ما خلا النبوة فما ظنك برجل يوازنه صلى الله عليه وآله فيما ذكرناه من الفضل ؟ أليس من السخف أن يقال : من قدم عليا . إلخ ؟ ومقتضى الثانية عصمته صلوات الله عليه عن جميع الذنوب والمعاصي ، وهل يوازي المعصوم من يجتحر السيئات ويقترف الآثام ؟ لكن صاحب النور يروي : من قدم عليا . إلخ . ولا يبالي بما يروي .
فمقتضى المقام أن يقال : من قدم أحدا على مولانا أميرالمؤمنين فقد طعن على الكتاب الكريم ومن صدع به صلى الله عليه وآله ومن أنزله جلت عظمته .
وأنى يقع قول صاحب النور المروي عن إمامه أحمد أمام السنة المتواترة الواردة من شتى النواحي في فضل الامام صلوات الله عليه المتقدمة في الاجزاء السابقة من هذا الكتاب ( 1 ) ؟ فمن قدمه سلام الله عليه على أبي بكر وصاحبيه فقد جاء بالحجة البالغة ، والنور الساطع ، وأخذ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها .
تمر ينقلب رطبا لابن سمعون
أخرج الخطيب في تاريخه 1 : 275 قال : حدثنا أبوبكر محمد بن محمد الطاهري قال : سمعت أبا الحسين ابن سمعون ( 2 ) يذكر أنه خرج من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم قاصدا بيت المقدس ، وحمل في صحبته تمرا صيحانيا ، فلما وصل إلى بيت المقدس
ترك التمر مع غيره من الطعام في الموضع الذي كان يأوي إليه ، ثم طالبته نفسه بأكل
الرطب فأقبل عليها باللائمة وقال : من أين لنا في هذا الموضع رطب ؟ فلما كان وقت
الافطار عمد إلى التمر ليأكل منه فوجده رطبا صيحانيا ! فلم يأكل منه شيئا ، ثم عاد
إليه من الغد عشية فوجده تمرا على حالته الاولى فأكل منه .
وذكره ابن العماد في الشذرات 3 : 126 .
ابن سمعون يخبر عما يراه النائم
أخرج ابن الجوزي في المنتظم 7 : 199 من طريق أبي بكر الخطيب البغدادي عن أبي طاهر محمد بن علي بن العلاف قال : حضرت أباالحسين ابن سمعون يوما في مجلس الوعظ وهو جالس على كرسيه يتكلم ، وكان أبوالفتح القواس جالسا إلى جنب الكرسي فغشيه النعاس ونام ، فأمسك أبوالحسين عن الكلام ساعة حتى استيقظ

هامش
( 1 ) وسيوافيك قول احمد وجمع آخرين من ائمة الحديث : لم يرد في حق أحد من الصحابة بالاسانيد الحسان أكثر مما جاء في حق على بن أبى طالب . وقول حبر الامة ابن
عباس : ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في على .
( 2 ) الواعظ الشهير الامام القدوة الناطق بالحكمة كما في المنتظم والشذرات توفى 387 .
أبوالفتح ورفع رأسه فقال له أبوالحسين : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومك ؟
قال : نعم ، فقال أبوالحسين : لذلك أمسكت عن الكلام خوفا أن تنزعج وتنقطع عما كنت فيه . ابن سمعون وصبية الرصاص
قال إبن الجوزي في المنتظم 7 : 198 : حكي أن الرصاص الزاهد كان يقبل رجل ابن سمعون دائما فلا يمنعه فقيل له في ذلك فقال : كان في داري صبية خرج في رجلها الشوكة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي : قل لابن سمعون : يضع رجله عليها فإنها تبرأ ، فلما كان من الغد بكرت إليه فرأيته قد لبس ثيابه فسلمت عليه فقال : بسم الله فقلت : لعل له حاجة أمضي معه وأعرض عليه في الطريق حديث الصبية فجاء إلى داري فقال : بسم الله . فدخلت وأخرجت الصبية إليه وقد طرحت عليها شيئا فترك رجله عليها ، وانصرف وقامت الجارية معافاة فأنا اقبل رجله أبدا .
ملك ينزل لابى المعالى
كان أبوالمعالي البغدادي المتوفى 496 من الصلحاء الزهاد ، ذكر انه أصابته فاقة شديدة في شهر رمضان فعزم على الذهاب إلى بعض الاصحاب ليستقرض منه شيئا قال : فبينما أنا اريده إذا بطائر قد سقط على كتفى وقال : يا أبا المعالي ! أنا الملك الفلاني لا تمض إليه نحن نأتيك به . قال : فبكر إلي الرجل .
رواه ابن الجوزي في المنتظم 9 : 136 ، وابن كثير في تاريخه 12 : 163 . ألا تعجب من ابن الجوزي لا يمر على منقبة من مناقب آل الرسول صلى الله عليه وآله إلا وحكم عليها بالوضع أو الضعف أو الوهن ، لكنه يرسل هذه الخزعبلات إرسال المسلم ، ولا ينبس في اسنادها ببنت شفة ، ولا في متونها بما يقتضيه المقام من التنفيذ والاحالة ؟ كل ذلك لانه غال فيمن يحبهم ، وقال لمن يشنأهم .

ألله يكلم أبا حامد الغزالى
قال صاحب مفتاح السعادة 2 : 194 : قال - أبوحامد الغزالي ( 1 ) - في بعض

هامش
( 1 ) أبوحامد محمد بن محمد الطوسى الشافعى حجة الاسلام الغزالى صاحب كتاب ) إحياء العلوم ( ولد بطوس 450 وتوفى 505 .

مؤلفاته : كنت في بدايتي منكرا لاحوال الصالحين ومقامات العارفين حتى حظيت بالواردات ، فرأيت الله تعالى في المنام فقال لي يا أبا حامد ! قلت : أو الشيطان يكلمني ؟
قال : لا . بل أنا الله المحيط بجهاتك الست ثم قال : يا أبا حامد ! ذر أساطيرك وعليك بصحبة أقوام جعلتهم في أرضي محل نظري ، وهم أقوام باعوا الدارين بحبي . فقلت : بعزتك إلا أذقتني برد حسن الظن بهم . فقال : قد فعلت ذلك والقاطع بينك وبينهم تشاغلك بحب الدنيا ، فاخرج منها مختارا قبل أن تخرج منها صاغرا ، فقد أمضيت عليك نورا من أنوار قدسي ، فقم وقل . قال : فاستيفظت فرحا مسرورا وجئت إلى شيخي يوسف النساج فقصصت عليه المنام فتبسم وقال : يا أبا حامد ! هذا ألواحنا في البداية فمحوناها ، بلى إن صحبتني سأكحل بصر بصيرتك بأثمد التأييد حتى ترى العرش ومن حوله ، ثم لا ترضى بذلك حتى تشاهد ما لا تدركه الابصار ، فتصفو من كدر طبيعتك ، وترتقى على طور عقلك ، وتسمع الخطاب من الله تعالى - كما كان لموسى عليه السلام :أنا الله رب العالمين .
قال الاميني : مادح نفسه يقرء‌ك السلام . ليت شعري هل كان يضيق فم الشيطان عن أن
يقول : أنا الله المحيط بجهاتك الست ، كما لم تضق أفواه المدعين للربوبية في سالف الدهر ؟ فمن اين عرف الغزالي بصرف الدعوى انه هو الله ؟ ولماذا لم يحتمل بعد انه هو الشيطان ؟ وإن كان قد صدق الرؤيا وأذعن بان الله هو الذي خاطبه فلماذا لم يدع الاساطير وقد خوطب ب‍ : ذر الاساطير . ولم ينسج على نول النساج شيخه إلا التافهات ؟
وليته كان يوجد في صيدلية النساج كحل آخر تحد بصر الغزالي وبصيرته حتى لا يبوء بإثم كبير مما في إحيائه من رياضيات غير مشروعة محبذة من قبله كقصة لص الحمام وغيرها ، وحديث منعه عن لعن يزيد اللعين في باب آفات اللسان إلى أمثاله الكثير الباطل .
وما أحد أثمد النساج الذي يترك من اكتحل به لا يرضى بعد رؤيته العرش ومن حوله ، حتى يشاهد ما لا تدركه الابصار ، ويسمع الخطاب - كما سمعه موسى - : أنا الله رب العالمين ؟ وأنا إلى الغاية لا أدري ان موسى عليه السلام المشارك له في السماع هل شاركه في الرؤية ؟ ولعل صاحب الهذيان يجد نفسه مربية على نبي الله موسى الذي هو من اولي العزم من الرسل ، وخوطب بقول الله العزيز : لن تراني ياموسى ! هكذا فليكن السالك المجاهد الغزال .
يد الغزالى في يد سيد المرسلين
قال الشيخ الامام الزاهد شمس الدين أبوعبدالله محمد بن محمد الجلالي النسائي الشافعي : رأيت في بعض تصانيف الشيخ الامام مسعود الطرازي : ان الامام أبا حامد الغزالي رحمه الله كان قد أوصى أن يلحده الشيخ أبوبكر النساج الطوسي تلميذ الشيخ الامام أبي القاسم الكرساني قال : فلما ألحده وخرج من اللحد خرج متغيرا منتقع اللون فقيل له في ذلك فلم يخبر بشيئ ، فأقسموا عليه بالله إلا ما أخبرتهم فقال : إني لما وضعته في اللحد شاهدت يدا يمنى قد خرجت من تجاه القبلة وسمعت هاتفا يقول : ضع يد محمد الغزالي في يد سيد المرسلين محمد المصطفى العربي صلى الله عليه وآله فوضعتها فيها ثم خرجت كما ترون أو كما قال قدس الله روحه العزيز ( 1 ).
لقد علم الغزالي أن للنساج عليه يدا واجبة بتكحيله بأثمده المتقدم ذكره ، فكان منه بدء هدايته ، فأحب أن يكون هو المجهز له في الغاية ، وعرف ان الرجل نسيج وحده في وشي الخرافات ، فأوصى إليه ما أوصى ، وأحسب ان يد الغزالي التي وضعها في يد النبي محمد صلى الله عليه وآله غير التي حمل القلم الذي خط به كتاب ) الاحياء ( المشحون بالاباطيل والاضاليل أو غيره من كتبه التى تحوي أمثال قصة الرؤية والاثمد .
إحياء العلوم للغزالى
عن الامام أبي الحسن المعروف بابن حرازم - ويقال : ابن حرزم - وكان مطاعا في بلاد المغرب انه لما وقف على ) إحياء العلوم ( للغزالي أمر باحراقه . وقال : هذا بدعة مخالف للسنة ، فأمر باحضار ما في تلك البلاد من نسخ الاحياء ، فجمعوا وأجمعوا على إحراقها يوم الجمعة ، وكان إجماعهم يوم الخميس ، فلما كان ليلة الجمعة رأى

هامش
( 1 ) مفتاح السعادة 2 : 207 .

ابوالحسن في المنام كأنه دخل من باب الجامع ، ورأى في ركن المسجد نورا وإذا بالنبي صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر جلوس والامام الغزالي قائم وبيده ) الاحياء ( وقال :
يا رسول الله ! هذا خصمي ثم جثا على ركبتيه وزحف عليهما إلى أن وصل إلى النبي صلى الله عليه وآله فناوله ) كتاب الاحياء ( وقال : يا رسول الله ! انظر فيه فإن كان فيه بدعة مخالفة لسنتك كما زعم تبت إلى الله ، وإن كان شيئا تستحسنه حصل لي من بركتك فأنصفني من خصمي، فنظر فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ورقة ورقة إلى آخره ثم قال : والله إن هذا شيئ حسن ، ثم ناوله أبابكر رضي الله عنه فنظر فيه كذلك ، ثم قال : نعم ، والذي بعثك بالحق يارسول الله ! إنه لحسن . ثم ناوله عمر رضي الله عنه فنظر فيه كذلك ثم قال كما قال أبوبكر رضي الله عنه . فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بتجريد أبي الحسن وضربه حد المفتري فجرد وضرب ثم شفع فيه أبوبكر بعد خمسة أسواط وقال : يا رسول الله !
إنما فعل ذلك إجتهادا في سنتك وتعظيما . فعفا عنه أبوحامد عند ذلك ، فلما استيقظ أبوالحسن من منامه وأصبح أعلم أصحابه بما جرى ومكث قريبا من الشهر متألما من الضرب ثم سكن عنه الالم ومكث إلى أن مات وأثر السياط على ظهره وصار ينظر كتاب ) الاحياء ( ويعظمه وينتحله أصلا أصيلا .
وفي لفظ اليافعي : وبقيت متوجعا لذلك خمسا وعشرين ليلة ، ثم رأيت النبي صلى الله عليه وآله جاء ومسح علي وتوبني فشفيت ونظرت في ) الاحياء ( ففهمته غير الفهم الاول . و ذكره السبكي في طبقاته 4 : 132 وقال : هذه حكاية صحيحة حكاها لنا جماعة من ثقات مشيختنا عن الشيخ العارف ولي الله سيدي ياقوت الشاذلي ، عن شيخنا السيد الكبير ولي الله أبي العباس المرسي ، عن شيخه الشيخ الكبير ولي الله أبي الحسن الشاذلي قدس الله تعالى اسرارهم ( 1 ) وذكره المولى احمد طاش كبرى زاده في مفتاح السعادة 2 : 209 ، واليافعي في مرآت
الجنان 3 : 322 :
وقال السبكي في طبقاته : 4 : 113 : كان في زماننا شخص يكره الغزالي ويذمه

هامش
( 1 ) كذا حكى عن السبكى والمطبوع من طبقاته يخالفه في بعض الالفاظ .

ويستعيبه في الديار المصريه فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وأبابكر وعمر رضي الله عنهما بجانبه والغزالي جالس بين يديه وهو يقول : يا رسول الله ! هذا يتكلم في ، وان النبي صلى الله عليه وسلم قال : هاتوا السياط ، وأمر به فضرب لاجل الغزالي ، وقام هذا الرجل من النوم وأثر السياط على ظهره ، ولم يزل كان يبكي ويحكيه للناس . وسنحكي منام أبي الحسن ابن حرزم المغربي المتعلق بكتاب ) الاحياء ( وهو نظير هذا .
قال الاميني : نعما هي لو صدقت الاحلام ؟ إنا نحن نربأ صاحب الرسالة عن الاصفاق على تصديق مثل هذا الكتاب الذي هو في كثير من مواضيعه على الطرف النقيض لما صدع به من شريعته المقدسة ، وليست أباطيل الغزالي بألغاز لا يحلها إلا الفني فيها ، وإنما هي سرد متعارف يعرفها كل من وقف عليها من أهل العلم ، وليس فهمها قصرا على قوم دون آخرين ، فهي فتق لا يرتق ، وصدع لا يرأب .
قال ابن الجوزي في المنتظم 9 : 169 : أخذ في تصنيف كتاب ) الاحياء ( في القدس ثم أتمه بدمشق إلا انه وضعه على مذهب الصوفية وترك فيه قانون الفقه مثل انه ذكر في محو الجاه ومجاهدة النفس : ان رجلا أراد محو جاهه فدخل الحمام فلبس ثياب غيره ، ثم لبس ثيابه فوقها ، ثم خرج يمشي على محل حتى لحقوه فأخذوها منه وسمي سارق الحمام ، وذكر مثل هذا على سبيل التعليم للمريدين قبيح ، لان الفقه يحكم بقبح هذا فإنه متى كان للحمام حافظ وسرق سارق قطع ، ثم لا يحل لمسلم أن يتعرض بأمر يأثم الناس به في حقه . وذكر ان رجلا اشترى لحما فرأى نفسه تستحيي من حمله إلى بيته فعلقه في عنقه ومشى ، وهذا في غاية القبح ، ومثله كثير ليس هذا موضعه ، وقد جمعت أغلاط الكتاب وسميته ) إعلام الاحياء بأغلاط الاحياء ( وأشرت إلى بعض ذلك في كتابي المسمى ) بتلبيس ابليس ( مثل ما ذكر في كتاب النكاح : ان عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : أنت الذي تزعم انك رسول الله . وهذا محال .
إلى أن قال :
وذكر في كتاب ) الاحياء ( من الاحاديث الموضوعة وما لا يصح غير قليل ، وسبب ذلك قلة معرفته بالنقل ، فليته عرض تلك الاحاديث على من يعرف ، وإنما نقل نقل حاطب ليل . وكان قد صنف للمستظهر كتابا في الرد على الباطنية ، وذكر في آخر مواعظ الخلفاء فقال : روي ان سليمان بن عبدالملك بعث إلى أبي حازم : ابعث إلي من إفطارك . فبعث إليه نخالة مقلوة فبقي سليمان ثلاثة أيام لا يأكل ، ثم أفطر عليها وجامع زوجته ، فجاء‌ت بعبد العزيز ، فلما بلغ ولد له عمر بن عبدالعزيز . وهذا من أقبح الاشياء لان عمر ابن عم سليمان وهو الذي ولاه ، فقد جعله ابن ابنه ، فما هذا حديث من يعرف من النقل شيئا أصلا . الخ .
وقال ابن الجوزي في ) تلبيس ابليس ( ص 352 : قد حكى أبوحامد الغزالي في كتاب
( الاحياء ( قال : كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع . قال : وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورماه في البحر إذا خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود ورياء البذل .
قال : وكان بعضهم يستأجر من يشتمه على ملا من الناس ليعود نفسه الحلم . قال : وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الموج ليصير شجاعا . ثم قال : قال المصنف رحمه الله : أعجب من جميع هؤلاء عندي أبوحامد كيف حكى هذه الاشياء ولم ينكرها ؟ وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم ؟ وقال قبل أن يورد هذه الحكايات : ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته أخذه وصرفه في الخير ، وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه . وإن رأى الكبرياء قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه السؤال والمواظبة على ذلك . وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان . وإن رأى شره الطعام غالبا عليه الزم الصوم ، وإن رآه عزبا ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا . فقال :
قلت : وإني لاتعجب من ) أبي حامد ( كيف يأمر بهذه الاشياء التي تخالف الشريعة ؟ وكيف يحل القيام على الرأس طول الليل فينعكس الدم إلى وجهه ويورثه ذلك مرضا شديدا ؟ وكيف يحل رمي المال في البحر ؟ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال . وهل يحل سب مسلم بلا سبب ؟ وهل يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه ؟ وذاك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحج ، وكيف يحل السؤال لمن يقدر أن يكتسب ؟ فما أرخص ما باع أبوحامد الغزالي الفقه بالتصوف ؟ .
وقال : وحكى أبوحامد : ان أبا تراب النخشبي قال لمريد له : لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة . فقال : قلت : وهذا فوق الجنون بدرجات .
هذه جملة من كلمات ابن الجوزي حول ) إحياء العلوم ( ومن أمعن النظر في أبحاث هذا الكتاب يجده أشنع مما قاله ابن الجوزي ، وحسبك ما جاء به من حلية الغناء والملاهي وسماع صوت المغنية الاجنبية والرقص واللعب بالدرق والحراب ، ونسبة كل ذلك إلى نبي القداسة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ( 1 ) بعد سرد جملة من الموضوعات تدعيما لرأيه السخيف : فيدل هذا على ان صوت النساء غير محرم تحريم صوت المزامير ، بل إنما يحرم عند خوف الفتنة ، فهذه المقاييس والنصوص تدل على إباحة الغناء ، والرقص ، والضرب بالدف ، واللعب بالدرق والحراب ، والنظر إلى رقص الحبشية والزنوج في أوقات السرور كلها قياسا على يوم العيد فانه وقت سرور ، وفي معناه يوم العرس ، والوليمة ، والعقيقة ، والختان ، ويوم القدوم من السفر ، وسائر أسباب الفرح وهو كل ما يجوز به الفرح شرعا ، ويجوز الفرح بزيارة الاخوان ولقائهم واجتماعهم في موضع واحد على طعام أو كلام فهو ايضا مظنة السماع . ثم ذكر سماع العشاق تحريكا للشوق وتهييجا للعشق وتسلية للنفس . وفصل القول في ذلك بما لا طائل تحته ، وخلط الحابل بالنابل ، وجمع فيه بين الفقه المزيف وبين السلوك بلا فقاهة .
ومن طامات كتاب ) الاحياء ( أو من شواهد جهل مؤلفه المبير ومبلغه من الدين والورع رأيه الساقط في اللعن قال في ج 3 : 121 : وعلى الجملة ففي لعن الاشخاص خطر فليجتنب ، ولا خطر في السكوت عن لعن ابليس مثلا فضلا عن غيره ، فإن قيل :
هل يجوز لعن يزيد لانه قاتل الحسين أو أمره به ؟ قلنا : هذا لم يثبت أصلا ، فلا يجوز

هامش
( 1 ) راجع احياء العلوم 2 : 276 .
أن يقال : إنه قتله ، أو أمر به ما لم يثبت فضلا عن اللعنة ، لانه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق ثم ذكر أحاديث في النهي عن لعن الاموات فقال : فإن قيل : فهل يجوز أن يقال : قاتل الحسين لعنه الله ، أو الآمر بقتله لعنه الله ؟
قلنا : الصواب أن يقال : قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله لانه يحتمل أن يموت بعد التوبة ، فإن وحشيا قاتل حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله وهو كافر ، ثم تاب عن الكفر والقتل جميعا ، ولا يجوز أن يلعن والقتل كبيرة ، ولا تنتهي إلى رتبة الكفر ، فاذا لم يقيد بالتوبة واطلق كان فيه خطر ، وليس في السكوت خطر فهو أولى .
فهلم معي أيها القارئ الكريم إلى هذه التافهات المودوعة في غضون ) إحياء العلوم ( هل يراها النبي الاعظم صلى الله عليه وآله شيئا حسنا ، وحلف بذلك ؟ وهل سره دفاع الرجل عن ابليس اللعين أو عن جروه يزيد الطاغية الذي أبكى عيون آل الله وعيون صلحاء امة محمد صلى الله عليه وآله في ريحانته إلى الابد ؟ !
وهل يحق لمسلم صحيح ينزه عن النزعة الاموية الممقوتة ، ويطلع على فقه الاسلام وطقوسه ، ويعلم تاريخ الامة ، ويعرف نفسيات أبناء بيت امية الساقط ، ولا يجهل أو لا يتجاهل بما أتت به يد يزيد الطاغية الاثيمة ، وما نطق به ذلك الفاحش المتفحش وما أحدثه في الاسلام من الفحشاء والمنكر ، وما ثبت عنه من أفعاله وتروكه ، وما صدر عنه من بوائق وجرائم وجرائر ، أن يدافع عنه بمثل ما أتى به هذا المتصوف الثرثار البعيد عن العلوم الدينية وحياتها ؟ وهو لا يبالي بما يقول ، ولا يكترث لمغبة ما خطته يمناه الخاطئة ، والله من وراء‌ه حسيب ، وهو نعم الحكم العدل ، والنبي الاعظم ، ووصيه الصديق ، والشهيد السبط المفدى هم خصماء الرجل يوم يحشر للحساب مع يزيد الخمور والفجور - ومن أحب حجرا حشره الله معه - وسيذوق وبال مقاله ويرى
جزاء محاماته .
ولست أدري إلى الغاية ان حد المفتري الذي أقامه رسول الله صلى الله عليه وآله على أبي الحسن ابن حرازم إن كان بحق - ولابد أن يكون ما يفعله النبي حقا - فلما ذا درأته عنه شفاعة الشيخ أبي بكر ؟ ولا شفاعة في الحدود . وإن لم يكن أبوالحسن مستحقا له فبماذا أقامه رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ولماذا أرجأ الشيخ رأيه في اجتهاد ابن حرازم إلى أن جرد وضرب خمسة أسواط ؟ وكيف خفي على رسول الله صلى الله عليه وآله ما يدرأ به الحد من شبهة الاجتهاد ؟ ومن سنته الثابته درألحدود بالشبهات . وهل تقام الحدود في عالم الطيف ؟
اللامشى يسجد على أرض النهر
قال السمعاني : سمعت أبابكر الزاهد السمرقندي يقول : بت ليلة مع الامام اللامشي - الحسين بن علي أبي علي الحنفي المتوفى 522 - في بعض بساتينه فخرج من باب البستان نصف الليل ومر على وجهه فقمت أنا وتبعته من حيث لا يعلم ، فوصل إلى نهر كبير عميق ، وخلع ثيابه ، واتزر بميرز وغاض في الماء ، وبقي زمانا لا يرفع رأسه فظننت أنه غرق فصحت وقلت : يا مسلمون ! غرق الشيخ فإذا بعد ساعة قد ظهر وقال :
يا بني لا نغرق . فقلت :
يا سيدي ! ظننت أنك غرقت ، فقال : ما غرقت ولكن أردت أن أسجد لله سجدة على ارض النهر فإن هذه أرض أظن أن أحدا ما سجد لله عليها سجدة ) الجواهر المضية في طبقات
الحنفية ) 1 : 215 .
مرحى بالسخافه وزه بمستسخف الناس الذين يخضعون لامثال هذه السفاسف ، وحيا الله هذه النفس التي لم يأخذ بخناقها إنقطاع النفس طيلة تلك المدة تحت الماء ، وليس ذلك من خرافة القصاصين بعجيب ، ولا عجب فإن المغالاة في الحب يستسهل وقوع ما يحيله العقل .
الطلحى يستر سوأته بعد موته
أخرج ابن الجوزي وإبن كثير بالاسناد عن أحمد الاسواري وكان ثقة وهو تولى غسل إسماعيل بن محمد الحافظ ( 1 ) انه قال : أراد أن ينحي الخرقة عن سوأته وقت الغسل
هامش
( 1 ) أبوالقاسم الطلحى الشافعى من اهل اصبهان قال ابن الجوزى : إمام في الحديث والتفسير و اللغة حافظ متقن دين ولد 459 وتوفى باصبهان سنة 535 .

فجذبها الشيخ اسماعيل من يده وغطى فرجه ، فقال الغاسل : أحياة بعد الموت ؟
المنتظم 10 : 90 ، تاريخ ابن كثير 12 : 217 .
قال الاميني : لا حياة بعد الموت لامثال الطلحي ، إلى يوم الوقت المعلوم ، لكن الغلو في الحب يحيى ويميت ويميت ويحيي .
طاعة الحيوانات والجمادات للمنبجى
قال الامام أبومحمد ضياء الدين الوتري في ) روضة الناظرين ( ص 36 : قال الشيخ عقيل بن شهاب الدين أحمد المنبجي العمري أحد أحفاد عمر بن الخطاب ، وكان يلقب بالغواص : أعطاني الله الكلمة النافذة في كل شئ ، ثم داخله وجد فقام : وقال : يا هوام ! يا حجارة ! يا شجر ! صدقوني ، فإني ما ادعيت باطلا ، فوفدت الوحوش من الجبل وقد ملا زئيرها وصراخها البقاع ودارت به ، ورقصت الحجارة ، فهذه صاعدة وهذه نازلة ، واشتبكت الاغصان بعضها ببعضها ، ثم حضر فسكت وعاد كل لما كان عليه .
وقال الوتري : كان يلقب بالغواص ، وذلك لانه مر بجماعة من تلامذة شيخه السروجي بالفرات ، ففرش سجادته على الماء وجلس عليها وغاص بالماء إلى الجانب الآخر ، ثم ظهر من الماء ، ولا بلل بثيابه ، فذكر ذلك إخوانه لشيخه مسلمة السروجي فقال : عقيل غواص . فاشتهر
بذلك ( 1 )
قال الاميني : حقا إن تأثير هذا الرجل في المواليد الثلاث أقوى من تأثير الله سبحانه في تصديقها إياه إن حققت المزاعم والتافهات ، فقد جاء في الذكر الحكيم : و إن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم . ( 2 ) وسبح لله ما في السموات والارض ( 5 ) ولله يسجد ما في السموات والارض ( 4 ) والنجم والشجر يسجدان ( 5 )

هامش
( 1 ) روضة الناظرين ص 35 .
( 2 ) سورة الاسراء : 47 .
( 3 ) سورة الصف : 2 .
( 4 ) سورة النحل : 52 .
( 5 ) سورة الرحمن : 7 .

ألم تر ان الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ( 1 ) ومع ذلك لم يسمع أحد للوحوش والدواب نعيقا ، وللشجر هفيفا ، وللاحجار صعودا وحبوطا ، بعنوان السجدة و التسبيح ، فهو لا محالة إما بلسان ملكوتي ، أو بعنوان جعل الاستعداد ، أو الشهادة التكوينية التي لا تفارق كل موجود على حد قول القائل :
وفي كل شئ له آية * تدل على انه واحد
وعليه ينزل قوله تعالى : شهد الله انه لا إله إلا هو . أي خلق ما يشهد له بأحد الوجوه المذكورة ، وإلا فهي دعوى لا شهادة لها إن اريد بها ظاهرها .
أو ان للموجودات في تسبيحها وسجودها لغة وأطوارا لا يحسها البشر ، إلا من اصطفاه الله من عباده المنتجبين ، وعلمه منطق الطير ، وعرفه لغة الحجر والشجر والهوام ، لكن الشيخ الغواص أعطاء الله الكلمة النافذة في كل شئ حتى زارت وصرخت له الوحوش ، ورقصت الحجارة ، واشتبكت اغصان الاشجار ، فحظيت بسماعها ورؤيتها آذان اولئك الغالين في فضائله ومقلهم ، فحيى الله منحة المولى سبحانه لعبده أكثر مما عنده ، ولك إمعان النظر وتدقيق البحث حول السجادة والغوص ، وهذه كلها سهلة غير مستصعب على الشيخ مهما كان حفيد عمر الخلفية ، وقد سمعت كراماته الظاهرة في العناصر الاربعة في الجزء الثامن ص 83 - 87 ط 1 ، هكذا يخلق أو يختلق الغلو الفضائل ، وافقت العقل أم لم توافق .
كرامة لابن مسافر الاموى
قال عمر بن محمد : خدمت الشيخ عدي - ابن مسافر الشامي الاموي المتوفى 557 / 8 - سبع سنين شهدت له فيها خارقات أحدها : أني صببت على يديه ماء فقال لي :
ما تريد ؟ قلت اريد تلاوة القرآن ولا أحفظ منه غير الفاتحة وسورة الاخلاص ، فضرب بيده في صدري فحفظت القرآن كله في وقتي ، وخرجت من عنده وأنا أتلوه بكماله . ( شذرات الذهب ( لابن العماد الحنبلي 4 : 180 ،

هامش
( 1 ) سورة الحج : 19 .

قال الاميني : ليت هذا الاموي أدرك عهد الخليفة الثاني فيضرب بيده في صدره فلا يتجشم بمقاساة الشدة لحفظ سورة البقرة في أثني عشر عاما . لكنه لم يدرك .
وليت شعري هل كان يرضخ راوي هذه الاسطورة لها لو كان صاحبها علويا ؟ أو ان رضوخه قصر على الاموي فحسب ؟
وذكر ابن العماد إيضا في شذرات ذهبه نقلا عن اليونيني - الآتي ذكره . قال قال لي عدي بن مسافر يوما : إذهب إلى الجزيرة السادسة بالبحر المحيط تجد بها مسجدا فادخله ترى فيه شيخا فقل له : يقول لك الشيخ عدي بن مسافر : احذر الاعتراض و لا تختر لنفسك أمرا ليست لك فيه إرادة . فقلت : يا سيدي ! وأنى لي بالبحر المحيط ؟
فدفعني بين كتفي فإذا أنا بجزيرة والبحر محيط بها وثم مسجد فدخلته فرأيت شيخا مهيبا يفكر فسلمت عليه وبلغته الرسالة فبكى وقال : جزاه الله خيرا ، فقلت : يا سيدي ! ما الخبر ؟
فقال : اعلم أن أحد السبعة الخواص في النزع وطمحت نفسي و إرادتي أن أكون مكانه ، ولم تكمل خطرتي حتى اتيتني فقلت : يا سيدى ! وأنى لي بالوصول إلى جبل هكار ؟ فدفعني بين كتفي فإذا أنا بزاوية الشيخ عدي فقال لي : هو من العشرة الخواص .
قال الاميني : الجنون فنون ، وأرقها جنون الحب والمغالاة في الفضائل .
عبدالقادر يحيى دجاجة
قال اليافعي في مرآة الجنان 3 : 356 : روى الشيخ الامام الفقيه العالم المقري ابوالحسن علي بن يوسف بن جرير بن معضاد الشافعي اللخمي في مناقب الشيخ عبدالقادر ( 1 ) بسنده من خمس طرق ، وعن جماعة من الشيوخ الجلة أعلام الهدى العارفين المقتنين للاقتداء ، قالوا : جاء‌ت امرأة بولدها إلى الشيخ عبدالقادر فقالت له :
يا سيدي ! إني رأيت قلب ابني هذا شديد التعلق بك ، وقد خرجت عن حقي فيه لله

هامش
( 1 ) الشيخ السيد عبدالقادر بن أبى صالح موسى الحسنى الجيلانى ، مؤسس الطريقة القادرية.

من كبار المتصوفين ، ولد في 491 بجيلان [ وراء طبرستان ] وانتقل إلى بغداد شابا ، وتوفى سنة 561 ودفن ببغداد وقبره مشهور يزار .
عزوجل ولك ، فقبله الشيخ وأمره بالمجاهدة وسلوك الطريق ، فدخلت امه عليه يوما فوجدته نحيلا مصفرا من آثار الجوع والسهر ، ووجدته يأكل قرصا من الشعير فدخلت إلى الشيخ فوجدت بين يديه إناء فيه عظام دجاجة مسلوقة قد أكلها ، فقالت :
يا سيدي ! تأكل لحم الدجاج ويأكل ابني خبز الشعير ؟ فوضع يده على تلك العظام وقال : قومي بإذن الله تعالى الذي يحيي العظام وهي رميم . فقامت الدجاجة سوية وصاحت ، فقال الشيخ : إذا صار ابنك هكذا فليأكل ما شاء .
وذكرها الشيخ عبدالقادر القادري في ) تفريح الخاطر ( ص 32 .
قال الاميني : إن خاصة الانبياء وفي الطليعة منها إحياء الموتى هل تتأتى لكل مرتاض ، فلا يبقى بينه وبين النبي المرسل أي مائز ؟ وهب ان الباحث تصور لصدورها من الاولياء اعتبارا آخر فتكون كرامة للولي ومعجزة للنبي الذي ينتحل شرعته ، إلا أنه اعتبار اهتدى إليه الفكر بعد روية طويلة ، لكنه لا خارج له تصل إليه العامة ، فاطرادها بل وظهورها من غير اطراد يحط عندها من مقام النبوة لمحض المشاكلة الصورية ، وكلما كان كذلك لا يمكن وقوعه .
ثم هل لاكل خبز الشعير وما جشب من الطعام بمحضه أن يوصل السالك إلى مرتبة يحيى فيها الموتى ، وإن كان المولى سبحانه يعلم انه متى بلغ إلى هذه المرتبة ألهاه أكل الدجاجة المسلوقة أكلا لما ؟ !
وهل الرياضة شرط في حدوث القوة في النفس والملكات الفاضلة وليست شرطا في بقائها ؟ !
أو ليس التلهي باللذايذ مزيحة لتلكم الاحوال النفسية كما كانت الرياضة مجتذبة لها ؟ فاحف القول السؤال عن هذه المشكلات ، فإن أجابوك فأخبرني .
عبدالقادر يحتلم في ليلة أربعين مرة ذكر الشعراني في الطبقات الكبرى 1 : 110 قال : كان الشيخ عبدالقادر ) الجيلاني ( رضي الله عنه يقول : أقمت في صحراء العراق وخرائبه خمسا وعشرين سنة مجردا سائحا لا أعرف الخلق ولا يعرفوني ، يأتيني طوائف من رجال الغيب والجان اعلمهم الطريق إلى الله عزوجل ، ورافقني الخضر عليه السلام في أول دخولي العراق ، وما كنت عرفته وشرط أن لا اخالفه وقال لي : اقعد هنا . فجلست في الموضع الذي أقعدني فيه ثلاث سنين ، يأتيني كل سنة مرة ويقول لي : مكانك حتى آتيك . قال : ومكثت سنة في خرائب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات فآكل المنبوذ ولا أشرب الماء ، ومكثت فيها سنة أشرب الماء ولا آكل المنبوذ ، وسنة لا أكل ولا أشرب ولا أنام ، ونمت مرة بايوان كسرى في ليلة باردة فاحتلمت فقمت وذهبت إلى الشط واغتسلت ، ثم نمت فاحتلمت فذهبت إلى الشط واغتسلت فوقع لي ذلك في تلك الليلة أربعين مرة وأنا أغتسل ، ثم صعدت إلى الايوان خوف
النوم .
قال الاميني : اقرأه مع إمعان وتبصر في شأن هذا العارف معلم طوائف من رجال الغيب والجان الذي اتخذوه الطريق إلى الله ، وكان رفيق الخضر عليه السلام ، وأعجب من انسان لم يأكل سنة ، ولم يشرب اخرى ، ويتركهما ثالثة ، ولم تخر قواه حتى يحتلم في ليلة شاتية أربعين مرة ، ويعبث به الشيطان بهذا العدد الجم وهو فان في الله ولو كان اتفق له ذلك خلال تلكم الايام التي كان يأكل فيها الدجاجة المسلوقة ويحيي عظامها كما مر لكان يعد بعيدا عن الطبيعة
البشرية .
وما أطول تلك الليلة حتى وسعت أربعين نومة ذات احتلام ، وأغسالا بعدها على عدد الاحلام المتخللة بالذهاب إلى الشط والاياب إلى مقره ومنامه ، وبعد ذلك كله تبقى منها برهة يصعد الشيخ إلى الايوان خوفا من النوم ، ولعله لو نام بعد نومته المتممة للاربعين لبلغ العدد الاربعمائة أو أكثر ، ولم يكن الشيطان يفارق ذلك الهيكل القدسي واللعب به مهما امتدت ليلته ، وليس إحيائه عظام الدجاجة بأعظم من هذه الكرامة ، وإن هي إلا أحلام نائم نسجتها أيدي العرونة غلوا في الفضائل .
قدم النبى صلى الله عليه وآله على رقبة عبدالقادر
قال الشيخ السيد عبدالقادر الكيلاني : لما عرج بجدي صلى الله عليه وسلم ليلة المرصاد ، وبلغ سدرة المنتهى بقي جبريل الامين عليه السلام متخلفا وقال : يا محمد ! لو دنوت أنملة لاحترقت فارسل الله تعالى روحى إليه في ذلك المقام ، لاستفادتي من سيد الانام عليه وعلى آله
الصلاة والسلام ، فتشرفت به ، واستصحلت على النعمة العظمى والوراثة والخلافة الكبرى ، وحضرت وأوجدت بمنزلة البراق حتى ركب علي جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعناني بيده حتى وصل ، فكان قاب قوسين أو أدنى وقال لي : يا ولدي وحدقة عيني ! قدمي هذه على رقبتك ، وقدماك على رقاب كل أولياء الله تعالى . وقال رضي الله عنه :
وصلت إلى العرش المجيد بحضرتي * فلاحت لي الانوار والحق أعطاني
نظرت لعرش الله قبل تخلقي * فلاحت لي الاملاك والله سماني
وتوجني تاج الوصال بنظرة * ومن خلقه التشريف والقرب أكساني
عبدالقادر وملك الموت
عن السيد الشيخ الكبير أبي العباس أحمد الرفاعي قال : توفي أحد خدام الشيخ عبدالقادر الكيلاني وجاء‌ت زوجته إليه فتضرعت والتجأت إليه وطلبت حياة زوجها فتوجه الشيخ إلى المراقبة فرأى في عالم الباطن ان ملك الموت عليه السلام يصعد إلى السماء ومعه الارواح المقبوضة في ذلك اليوم فقال : يا ملك الموت ! قف واعطني روح خادمي فلان ، وسماه باسمه ، فقال ملك الموت : إني أقبض الارواح بأمر إلهي واوديها إلى باب عظمته ، كيف يمكنني أن أعطيك روح الذى قبضته بأمر ربي ؟ فكرر الشيخ عليه اعطاء روح خادمه إليه ، فامتنع من اعطائه ، وفي يده ظرف معنوي كهيئة الزنبيل فيه الارواح المقبوضة في ذلك اليوم ، فبقوة المحبوبية جر الزنبيل وأخذه من يده ، فتفرقت الارواح ورجعت إلى أبدانها ، فناجى ملك الموت عليه السلام ربه وقال : يا رب ! أنت أعلم بما جرى بيني و بين محبوبك ووليك عبدالقادر ، فبقوة السلطنة والصولة أخذ مني ما قبضته من الارواح في هذا اليوم فخاطبه الحق جل جلاله : ياملك الموت ! إن الغوث الاعظم محبوبي ومطلوبى لم لا أعطيته روح خادمه ؟ وقد راحت الارواح الكثيرة من قبضتك بسبب روح واحد ، فتندم هذا الوقت ( 2 ) .

هامش
( 1 ) نفس المصدر الاتى في الخرافة التالية .
( 2 ) تفريح الخاطر في ترجمة عبدالقادر ص 5 ، 12 ط مصر مطبعة عيسى البابى الحلبى و شركاؤه سنة 1339 .

وفاة الشيخ عبدالقادر
ذكروا : انه لما قربت وفاة الشيخ عبدالقادر الجيلاني جاء سيدنا عزرائيل عليه السلام بمكتوب ملفوف من الرب الجليل في وقت غروب الشمس وأعطاه ولده الشيخ عبدالوهاب وكان مكتوب ، على ظهره : يصل هذا المكتوب من المحب إلى المحبوب .
فلما رآه ولده بكى وتحسر ودخل بالمكتوب مع سيدنا عزرائيل عليه السلام على حضرة الشيخ ، وقبل هذا بسبعة أيام كان معلوما لدى الشيخ انتقاله إلى العالم العلوي ، وكان مسرورا ودعا الله لمحبيه ومخلصيه بالمغفرة ، وتعهد أن يكون لهم شفيعا يوم القيامة ، وسجد لله تعالى وجاء
النداء : يا أيتها النفس المطمأنة ! ارجعي إلى ربك راضية مرضية . وضج عالم الناسوت بالبكاء ، وابتهج عالم الملكوت باللقاء ( 1 ) .
هذه نماذج من أوهام جاء بها الغلو في مناقب الشيخ عبدالقادر الجيلاني ، ونحن لو ذهبنا لنجمع ما عزوه إلى الشيخ من الكرامات وإن شئت قلت : من الخرافات . مما لا يوافقه العقل ، ولا يصافق عليه المنطق ، ولا يساعده الشرع الاسلامي الاقدس ، ولا يدعم بحجة ، ولا تصدقه البرهنة لاريناك موسوعة ضخمة تبعثك إلى الضحك تارة وإلى البكاء اخرى .
الرفاعى يقبل يد النبى صلى الله عليه وآله
قال أبومحمد ضياء الدين الوتري في ) روضة الناظر ( ص 54 : وفي هذه السنة ) يعني (555 حج السيد أحمد الرفاعي ( 1 ) رضي الله عنه باشارة معنوية ، وزار قبر جده عليه الصلاة والسلام ، وأنشد تجاه القبر الطاهر .
في حالة البعد روحي كنت ارسلها * تقبل الارض عني وهي نائبتي

هامش
( 1 ) تفريح الخاطر ص 38 .
( 2 ) ولد 512 بقرية حسن من أعمال واسط وتوفى 578 توجد ترجمته في غير واحد من معاجم التراجم وأفرد فيها أحمد عزت پاشا العمرى الموصلى كتابا أسماه ) العقود الجوهرية في مدائح الحضرة الرفاعية ( طبع بمصر في المطبعة البهية سنة 1306 في 139 صفحة .

وهذه دولة الاشباح قد حضرت * فامدد يمينك كي يحظى بها شفتي ( 1 )
فظهرت له يد جده عليه الصلاة والسلام فقبلها والناس ينظرون . وهذه القصة تواتر خبرها ، وعلا ذكرها ، وصحت أسانيدها ، وكتبها الحفاظ والمحدثون ، وكثير من أهل الطبقات والمؤرخين ، لا ينكرها إلا جاهل قليل الرواية ، حاسد لسلطان النبوة ، وظهور المعجزة المحمدية ، أو معذور من غير هذه الامة الاحمدية ، على ان ظهور هذه المعجزة النبوية في تلك الاعصار التي ظهرت بها البدع ، وكثرت بها الفتن ، وتفرقت بها الاهواء ، وذهب بها أهل الباطل إلى مذاهب كثيرة كالالحاد والزندقة وغير ذلك مما سلكه الفرق الضالة من طرق الضلالة ما كان إلا لاعلاء كلمة الحق والشريعة والدين على يد هذا السيد الجليل الذي إختصه الله ورسوله بهذه النعمة وأبرزه لهذه الخدمة ، لعدم وجود من يماثله أو يشاكله في ذلك القرن من الاولياء والسادات وصالحي الوقت نفعنا الله بهم .
وقال في ص 62 : إذا عدت كرامات الرجال كفاه ( يعني السيد أحمد الرفاعي )فخرا وشرفا تقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم بين جم غفير من المسلمين حتى سارت بها الركبان ، وتواتر خبرها في البلدان ، وقصر عندها باع أكابر الانس والجان ، وغبطه عليها الملا الاعلى ، كما قال ذلك في شأنه الشيخ عبدالقادر الجيلي عليه الرحمة والرضوان .
وفي العقود الجوهرية ص 5 عن العبد الصالح العارف بالله عبدالملك بن حماد انه قال : قدر الله لي الحج سنة خمسمائة وخمسة وخمسين ، وجئت إلى المدينة وتشرفت بزيارة النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك الاسبوع جاء لزيارة قبره عليه الصلاة والسلام شيخنا سيد العارفين إمام الامة السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه وقد دخل البلدة بقافلة عظيمة من الزوار فلما دخل الحرم الشريف النبوي وقف تجاه القبر الافضل ، والوقت بعد العصر وقد غص الحرم المبارك بالناس وأنشد غائبا عن نفسه حاضرا بمحبوبه :
في حالة البعد روحي كنت ارسلها * تقبل الارض عني وهي نائبتي

هامش
( 1 ) نسبهما والقصة برمتها صاحب ( تفريح الخاطر ( إلى الشيخ عبدالقادر الجيلانى ، ولا ضير في كل عز ومختلق مهما كانت الغاية تفريح الخاطر غلوا في الفضائل ، بعد الغض عن حكم العقل والشرع والمنطق .

وهذه دولة الاشباح قد حضرت * فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
فظهرت له يد النبي عليه الصلاة والسلام تتلمع بيضاء سوية كأنها زند البرق ، فقبلها والناس ينظرونه ، وقد من الله تعالى تفضلا علي فرأيتها ورأيت كيف استلمها ، وانى اعد هذا الشهود الباهر ذخيرة المعاد ، وزاد القدوم على الله تعالى .
ثم قال : وكان في القافلة المذكورة الشيخ أحمد الزعفراني ، والشيخ عدي بن مسافر الاموي ، والسيد عبدالرزاق الحسيني الواسطي ، والشيخ عبدالقادر الجيلاني ، والشيخ أحمد الزاهد ، والشيخ حيوة بن قيس الحراني ، والشيخ عقيل المنبجي العمري ، و جماعة من مشاهير أولياء العصر وقد تشرفت الكل برؤيا اليد النبوية الطاهرة الزكية واندرجوا تحت بيعة مشيخته رضي الله عنه وعنهم اجمعين ، وخبر هذه القصة متواتر مشهور ، وقد ساقه كثير من أعيان الرجال بوجه التفصيل فليراجع .
قال الشيخ تقي الدين الفقيه النهروندي المتوفى 594 في قصيدة أولها :
اي سر جاء‌ت به الانبياء * وحديث رواته الاولياء ؟
سلسلته السادات أهل المعالي * وحكته الائمة الاتقياء
فروى نشره الصديرين ريا * وأضاء‌ت بنوره البطحاء
مد طه يمينه للرفاعي * فانجلت عندها له الاشياء
إلى أن قال :
لا تقل كيف تم هذا ؟ وأيقن * يفعل الله ربنا ما يشاء
واهجر المارقين واعذر إذا ما * أنكر الشمس مقلة عمياء
أيكون النبي ميتا ؟ وفي القرآن أحياء ربها الشهداء
وبمد اليمين لابن الرفاعي * حجة في مقامها سمحاء
شهدتها المساء آلاف قوم * ورآها الاقران والاكفاء
صار ذاك المساء صبحا فما أعج‍ * - ب يوما فيه الصباح مساء ؟
وقال صاحب العقود الجوهرية يمدحه في قصيدة له :
ذاك الرفاعي الذي فعله * يعز في النقد على الناقد
كم ركب الليث ؟ وكم راكب * ذلل من صولة مستأسد ؟
كف رسول الله في لثمها * حاز بها الفخر على الجاحد
قد مدها من قبره نحوه * لاحت إلى الحاضر والشاهد
وقال الحافظ الحاج ملا عثمان الموصلي في قصيدة يمدح بها السيد الرفاعي :
له الافاعي وأسد الغاب طائعة * والجن تبصر من آياته العجبا
ألا ترى ان من ينمى إليه فلا * يخشى من النار مهما أوقدت لهبا ؟
كفاه تقبيل يمنى الهاشمي أبي * الزهراء فخرا وعنها الغير قد حجبا
وقال السيد محمد أبوالهدى الرفاعي في تخميس قصيدة سراج الدين المخزومي :
اكرمت من طه بكف جنابه * بين القفول مذ التجأت ببابه
فلثمته وعرفت في أحبابه * نورا أراد الله أن تحيى به
رغما لمن فتكت به الظلمات وقال من قصيدة يمدحه بها :
كفى شرفا تكليم خير الورى له * وامداده إذ مد جهرا له اليدا
وليس عجيبا حين صح انتسابه * إليه إذا أبدى إليه توددا
كرامة حق وهي ثابتة له * ومعجزة للمصطفى خير من هدى
وقال بهاء الدين السيد محمد الرواس في قصيدة له يمدحه بها .
كفاه ان رسول الله مد له * يد القبول وزهر العصر نضار
وقال من جده خير الورى خلقا * له انطوى فيه اعزاز واظهار
وقال عبدالحميد افندي الطرابلسي في قصيدة له يمدحه بها :
هو الحجة الكبرى على كل قائم * لذاك يد المختار مدت له جهرا
ومن هذه والله حجة فضله * أجل غيره في القوم حجته صغرى
وقال السيد عبدالغفار الاخرس في قصيدة يمدحه بها :
تولد من رسول الله شبل * به دانت له كل السباع
وقبل كف والده جهارا * غدت بالنور بادية الشعاع
وشاهدها الثقات وكل فرد * رآها بانفراد واجتماع
فتلك مزية لم يحظ فيها * سواه من مطيع أو مطاع

وقال ابوالفرج السيد احمد شاكر الآلوسي من قصيدة يمدحه بها :
هو قطب الوجود غوث البرايا * غيثها المرتجى على الاطلاق
كم له من مناقب سائرات * كمسير البدور في الآفاق ؟
حاز من جده الرسول مقاما * لم يزل ذكره مدى الدهر باقي
حيثما زاره وقبل كفا * منه قد آذنت له بالتلاقي
وقال الفقيه يحيى بن عبدالله الواسطي في قصيدة يمدحه بها :
مدت له يد طه ثم قبلها * يهنيه مجدا نأى أن يقبل الشركا
والمصطفى بكتاب العتق أكرمه * والله أحيا له لما دعا السمكا
وقال صفي الدين يحيى بن المظفر البغدادي الحنبلي في قصيدة يمدحه بها :
وله إمام الرسل مد يدا لها * فتحت كنوز حقائق القرآن
وقوافل الحجاج سكرى عندها * ما بين مبهوت وذي أشجان
وقال السيد عبدالحي الحسيني مفتي ( غزة هاشم ) من قصيدة يمدحه بها :
علم الشرق أحمد من إليه * مد طه يمينه إجلالا
مد راحا إلى النبي بها كل * محال لو رامه ما استحالا
يالراح قد صافحتها المعالي * وشفاة لقد لثمن الهلالا
وقال السيد إبراهيم الراوي الرفاعي الشافعي من قصيدة يمدحه بها :
وهو باب النبي لاثم يمنا - ه جهارا وقد تجلى تعالى
حين أبدى محمد معجزات * معجزات لاحمد اجلالا
كيف ؟ وهو شبله وكذا الآ - باء تعلو إن أنجبت أشبالا
وقال السيد سراج الدين المخزومي في كتابه ( صحاح الاخبار ) من قصيدة يمدح بها الرفاعي : يا ابن من كان في الثبوت نبيا * قبل كون القوالب الطينيه
لك جمع في مشهد الوجد بانت * منه للقوم حكمة الفرقيه
لك قرب أقام في حالة البع‍ * - د منارا في الروضة الحرميه
حين مدت يد الرسول جهارا * لك يا حسن خلعة علنيه
شاهدتها الالوف من كل أرض * فروى نشرها البقاع القصيه
وبآذاننا تواتر هذا المج‍ - - د أقراط فخره جوهريه
وذكر القصة القاضي الخفاجي الحنفي في شرح الشفا 3 : 489 ، والعدوي الحمزاوي في كنز المطالب ص 188 وفيه : فمد يده الشريفة من الشباك فقبلها . وابن درويش الحوت في اسنى المطالب ص 299 وقال : إذا أكرم الله عبدا برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظه يمثل له نوره الشريف بصورة جسمه الكريم وربما ظنه الرائي انه الجسم الشريف لغلبة الحال ، ومن ذلك ما وقع لسيدنا الرفاعي رضي الله عنه . الخ .
قال الاميني : لا تهمنا رؤية السيد الرفاعي يد النبي الشريفة وتقبيله إياها وقد جاء القوم بأعظم وأعظم منها ، هذا الشيخ عبدالقادر الجيلاني استصحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ( 1 ) وهذا جلال الدين السيوطي وقد رأى نفس النبي الاقدس في اليقظة بضعا وسبعين مرة ، وروى آخر عنه صلى الله عليه وآله أحاديث ، وكان آخر يشاوره في اموره قال الشيخ حسن العدوي الحمزاوي في مشارق الانوار ، وكنز المطالب ص 197 نقلا عن ( بهجة النفوس والاسماع ) للشعراني عند نقله لمزايا الكمال : منها شدة قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم كل وقت فلا يكاد يحجب عنهم في ليل أو نهار حتى أن بعضهم صحح عنده أحاديث عنه صلى الله عليه وسلم قال بعض الحفاظ بضعفها من طريق النقل الظاهر فتقوت بذلك عنده .
قال : وقد أدركت جماعة ممن لهم هذا المقام منهم سيدي علي الخواص ( 2 ) والسيد علي المرصفي وأخي أفضل الدين ، والشيخ جلال الدين السيوطي ، والشيخ نور الدين الشوتي ، والشيخ محمد الصوفي ببلاد الفيوم رضي الله عنهم اجمعين .
قال : وكان الشيخ نور الدين الشوتي يشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم في اموره ، وهي
ومن جملة ما شاوره فيه حفر البئر التي في زاويتنا فاننا حفرنا ثلاثة آبار وهي تطلع فاسدة وماؤها منتن . فقال له صلى الله عليه وسلم : قال لهم : يحفروا في باب الحوش ففعلنا فطلعت بئرا عظيمة وماؤها حلو ، فالحمد لله رب العالمين .
إقرأ واسأل العقل السليم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده .

هامش
( 1 ) راجع كتاب تفريح الخاطر في ترجمته .
( 2 ) ترجمه الشعرانى في طبقاته الكبرى 2 135 - 153 وبدء ترجمته بقوله : كان رضى الله عنه يتكلم عن معانى القران العظيم والسنة الشريفة كلاما نفيسا تحير فيه العلماء وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والاثبات . وقد أكثر في تلكم الصفحات من هذه المخاريق فراجع .

الغزلانى يكشف عما في الخواطر
قال أبومحمد ضياء الدين الوتري في روضة الناظرين ص 133 في ترجمة الشيخ محمد الغزالي الموصلي الشهير بالغزلاني ( 1 ) المتوفى 605 نقلا عن الشيخ محمد أبي عبدالله بن تاج ابن القاضي يونس الموصلي انه قال : كنا مع جماعة من ثقات علماء الموصليين بزيارة الشيخ محمد الغزلاني قدس الله سره وكان الوقت وقت المغرب ، وقد أظلم الغار الذي هو فيه فثقل ذلك على الجماعة فكشف ما في خواطرهم وتبسم وقال : ما عندنا زيت ولا لنا سراج ، ثم أشار إلى شجرة أمام الغار ، فلمعت أغصانها نورا أضاء منه الجبل ، فوالله ما بتنا ليلة أبهج وأكثر انسا عندنا من تلك الليلة .
قال الاميني : إقرأ وتعقل واحكم

الشاطبى يعلم جنابة الجنب
قال الجزري : أخبرني بعض شيوخنا الثقات عن شيوخهم : ان الشاطبي القاسم بن فيرة الضرير ( 2 ) كان يصلي الصبح بالفاضلية بغلس ثم يجلس للاقراء فكان الناس يتسابقون السرى إليه ليلا ، وكان إذا قعد لا يزيد على قوله : من جاء أولا فليقرأ : ثم يأخذ على الاسبق فأسبق ، فاتفق أن قال يوما : من جاء ثانيا فليقرأ وبقي الاول وكان من أصحابه لا يدري ما الذنب الذي أوجب حرمانه ففطن انه أجنب تلك الليلة ولشدة حرصه على النوبة نسي ذلك ، فبادر إلى حمام جوار المدرسة فاغتسل ورجع قبل فراغ الثاني والشيخ

هامش
( 1 ) وذلك لان الغزلان لا زالت كانت تزوره وتأنس به . روضة الناظرين 133 .
( 2 ) ابومحمد الضرير المقرئ صاحب القصيدة التى أسماها - حرز الامانى ووجه التهانى - في القرء‌ات عدتها الف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا ، ولد سنة 538 ، وتوفى سنة 590 ودفن بالقرافة وقبره مشهور مزور . شذرات الذهب 4 : 302 .

قاعد أعمى ، فلما فرغ الثاني قال الشيخ : من جاء أولا فليقرأ . وهذا من أحسن ما وقع لشيوخ هذه الطائفة بل لا أعلم مثله وقع في الدنيا . مفتاح السعادة 1 : 388 .
قال الاميني : ليس الامر كما حسبه الجزري من أن هذه الحالة من خاصة الشاطبي وما وقع مثلها في الدنيا ، وقد أسلفنا ذكر جماعة حسبوا انهم كانوا يخبرون عن الضمائر ويعلمون المغيب ، وكأن القوم إتخذوا المغيبات العوبة يطل عليها كل أعمى أو بصير أو ان الغلو في الفضائل أسف بهم إلى هذه الهوة .

الحشرات تنحدر في الوادى
قال عمر بن علي السرخسي : كنت مراهقا وقت موت الوخشي ( 1 ) الحافظ أبي علي الحسن بن علي البلخي فحضرته فلما وضع في القبر سمعنا صيحة فقيل : خرجت الحشرات من المقبرة وكان في طرقها وإذا انحدرت إليه وأبصرت العقارب والخنافس وهى منحدرة في الوادي والناس ما يتعرضون لها .
ذكره الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ 3 : 344 .
قال الاميني : دع الحشرات تنحدر ، وانظر إلى عقل هذا الحافظ راوي هذه المهزأة فإنه يخبت إلى مثل هذه الاسطورة ويراها مدحا لرجال قومه ، فما بال العقارب و الخنافس لم تغادر مقبرة المدينة الطيبة وبقيعها الغرقد ومسجدها الاعظم ولم تنحدر إلى الوادي وكأنها أنست بها ، غير ان حشرات مقبرة الوخشي تفر عنه ؟ ! هذا عقل الذهبي وروايته وتراه لما يقف على منقبة من مناقب مولانا اميرالمؤمنين ولم ترقه ولا يجد في سندها ومتنها غمزا يتخلص منها بقوله : إن في نفسي منها شيئا . راجع تلخيص المستدرك .

اليونينى يمشى في الهواء
قال الحافظ ابن كثير في تاريخه 13 : 94 : ذكروا ان - الشيخ عبدالله اليونيني المتوفى 617 - كان يحج في بعض السنين في الهواء ، وقد وقع هذا لطائفة كبيرة من

هامش
( 1 ) نسبة إلى وخش : قرية من أعمال بلخ .

الزهاد وصالحي العباد ، ولم يبلغنا هذا عن أحد من أكابر العلماء ، واول من يذكر عنه هذا حبيب العجمي ، وكان من أصحاب الحسن البصري ثم من بعده من الصالحين رحمهم الله اجمعين .
قال الاميني : ليس بعجيب من ابن كثير أن يخبت إلى أمثال هذه الاعاجيب ، و يشوه بها صحيفة تاريخه ، ويرتفع صخبه متى وقف على منقبة من مناقب اهل البيت عليم السلام هي أدنى من هذه الموهومات التي يمجها الاعتبار ، ويحيلها العقل ، لكن الحب والبغض يعميان كما انهما
يصمان .

الحضرمى يعلم النحو بالاجازة
قال ابن العلماء الحنبلي في شدزات الذهب 5 : 361 : للشيخ اسماعيل الحضرمي المتوفى 678 كرامات ، قال المطري : كادت تبلغ التواتر منها . ان ابن المعطي قيل له في النوم : إذهب إلى الفقيه اسماعيل الحضرمي واقرأ عليه النحو فلما انتبه تعجب لكون الحضرمي لا يحسنه ثم قال : لابد من الامتثال فدخل عليه وعنده جمع يقرؤن الفقه فبمجرد رؤياه قال : أجزتك بكتب النحو فصار لا يطالع فيه شيئا إلا عرفه بغير شيخ .
قال الاميني : خذ العلم من أفواه الرجال أو من إجازاتهم ، ما أكثر ما سمعنا التعلم بالدراسة ، ولكن هل سمعت اذناك تعلما باجازة أو تزريقا للعلم بكلمة واحدة ؟ وهل سمعت اكرومة متلها عن أحد من الرسل ؟ أو أنها فضيلة اختص بها الحضرمي ؟ ولم يتح مثله لاي أحد حتى ان النبي الاعظم لم يعلم عمر بن الخطاب الكلالة بالاجازة وكان يقول : أراك لم تعلمها . ويقول لبنته حفصة : أرى أباك لم يعلمها . إلى مئات من مجهولات الخليفة التي لم يتوفق لاستكناهها باشراق ، أو اجازة ، أو دراسة ، مع حاجته الماسة إليها يوم تسنم عرش الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان غير عازب عن علمه صلى الله عليه وآله وحاجة الامة إليها ، ولم تكن تلكم المجهولات كعلم النحو الذي لا تقوم به دعامة الاسلام و القضاء والفتيا ، أضف إليه أخاه يوم المؤاخاة الخليفة الاول ، وما أكثر مجهولاته وما خفي عليه من معالم الدين وأحكام الشريعة ؟ وليت باب التعليم بالاجازة كان مفتوحا منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ويعلم صلى الله عليه وآله وسلم ثالث الخلفاء الراشدين عثمان معالم دينه ، ولم تك تشوه صفحات الفقه الاسلامى بآراء‌ه الشاذة عن الكتاب والسنة .

الحضرمى وأصحاب القبور
ذكر السبكي في طبقاته 5 : 51 ، واليافعي في رياضه ص 96 عن اسماعيل الحضرمي المذكور : انه مر على بعض المقابر في بلاد اليمن فبكى بكاء‌ا شديدا ، وعلاه حزن وترح ، ثم ضحك ضحكا حميدا ، وعلاه في الحال سرور وفرح ، فتعجب الناس الحاضرون هنالك وسألوه عن ذلك فقال رضي الله عنه : كشف لي عن أهل هذه المقبرة فرأيتهم يعذبون فحزنت وبكيت لذلك ، ثم تضرعت إلى الله سبحانه وتعالى فيهم فقيل لي : قد شفعناك فيهم فقالت صاحبة هذا القبر : وأنا معهم يا فقيه اسماعيل ! أنا فلانة المغنية . فضحكت وقلت : و أنت معهم . ثم انه أرسل إلى الحفار وقال : من في هذا القبر القريب العهد ؟ قال : فلانة المغنية التي تشفع لها الشيخ نفع الله تعالى بها .
قال الاميني : أنا لا أدري بايها أعجب ؟ أبدعوى الحضرمي إطلاعه على عالم البرزخ وقبول شفاعته في أهل تلك الجبانة حتى في المغنية ؟ أم باطلاع الحفار على ذلك السر المصون ؟ أم بوقوف المغنية على تلك الشفاعة والتشفع في الحين ، ومفاوضتها مع الفقيه في أمرها وهي في قبرها ، من دون أي سابقة تعارف بينهما ؟ وإذا كان الكل لم يقع فلا تمايز بين الاعدام ، وإنما العجب من بخوع الاعلام بمثل هذه الاوهام .

رد الشمس لاسماعيل الحضرمى
أسلفنا في الجزء الخامس صفحة 21 وقوف الشمس لاسماعيل الحضرمي يوم قال لخادمه وهو في سفر : قل للشمس تقف حتى نصل إلى المنزل . فوقفت حتى بلغ مقصده ثم قال للخادم : أما تطلق ذلك المحبوس ؟ فأمرها الخادم بالغروب فغربت وأظلم الليل في الحال .
ذكرها كما مر السبكي في طبقاته 5 : 51 ، واليافعي في مرآته 4 : 178 ، وابن العماد في شذراته 5 ، 362 ، وابن حجر في الفتاوي الحديثية ص 232 .
لعل شرع الهوى يسوغ للانسان زخرف القول ، وأن يفوه بما شاء وأراد ، وأن ينسلب عن عقله ويكيل كيل المعتوهين ، أعوذ بالله من الغلو في الفضائل .

الدلاوى يرضع طفلا
قال اليافعي في مرآت الجنان 4 ص 265 : كان عند السيد أبي محمد عبدالله الدلاوي المتوفى 721 - طفل غابت امه عفه فبكى فدر ثديه باللبن فأرضع ذلك الطفل حتى سكت .
لست أدري ما قيمة أمثال هذه الكتب التاريخية المشحونة بأمثال هذه الاضحوكة ، وهي السائرة الدائرة في الملا العلمي يعول عليها ويؤخذ منها .

شمس الدين الكردى يواصل اسبوعا
قال ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب 7 : 893 : كان شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبدالله الكردي القدسي نزيل القاهرة الشافعي المتوفى 811 يواصل الاسبوع كاملا ، وذكر ان السبب فيه أن تعشى مع أبويه قديما فأصبح لا يشتهي أكلا ، فتمادى على ذلك ثلاثة أيام ، فلما رأى أنه له قدرة على الطي تمادى فيه أربعينا ، ثم اقتصر على سبع ، وكان فقيها ، وكان يذكر أنه يقيم أربعة أيام لا يحتاج إلى تجديد وضوء .
قال الاميني : الطبع البشري لا يطيق المثابرة على الجوع أربعين يوما ولا اسبوعا ، كما انه لا يطيق على السهر أربعا ، ولعل الفقيه الكردي كانت له نظرية خاصة في مبطلات الوضوء ، أو المغالاة في الفضائل كانت تخلق له هذه كلها .

الشاوى يستمهل للميت
ذكر المناوي في طبقاته قال : كان أحمد بن يحيى الشاوي اليمني المتوفى 841 كبير القدر سريا ، رفيع الذكر سنيا ، صاحب أحوال وكرامات منها : انه قصده جمع من الزيدية ممن لا يثبت الكرامات ، وقصدوا امتحانه وكان عنده جب فيه ماء ، فجعل يغرف منه تارة لبنا ، وتارة سمنا ، واخرى عسلا ، وغير ذلك بحسب ما اقترحوا عليه .
ودخل على القاضي عثمان بن محمد الناشري وقد أرجف بموته ، ثم خرج وعاد إليه وقال
لاهله : قد استمهلت له ثلاث سنين ، فأقام القاضي بعدها ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص . شذرات الذهب 7 : 240 .
قال الاميني : أنا لا ادري ان الشاوي هل رد أجلا جاء‌كما هو ظاهر قوله :
وقد أرجف بموته . وفي الذكر الحكيم : إذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون ؟
أو أنه موه على آل القاضي بازوف أجله وأنه استمهل له إلى منتهى ثلاثة أعوام ؟
وحسبه الافك الشائن عندئد ، ومن ذا أعلمه انه يرجأ إلى منصرم سنين الثلاث ؟ و لعل علمه بذلك كان مدخرا في الجب الذي كان يغرف منه العسل طورا ، واللبن تارة ، والسمن مرة ، والماء اخرى ، وهذه المخازي خامسة ، ولا بأس عليه فإن البئر بئره والماء ماء‌ه ، يغترف منها ما
يشاء .
فإن الماء ماء أبي وجدي * وبئري ذو حفرت وذو طويت .

امام يعلم حوائج زائريه وهو في قبره
قال إبن العماد في شذرات الذهب 7 : 292 : توفي أبوالقاسم محمد بن ابراهيم من بيت بني جمعمان سنة 857 وكان إماما مجتهدا وانتهت اليه الرياسة في العلم والصلاح في اليمن وله كرامات منها :
انه كان يخاطبه الفقيه أحمد بن موسى عجيل من قبره ، وإذا قصده أحد في حاجة توجه إلى قبره فيقرأ عنده ما تيسر من القرآن ثم يعلمه فيجيبه .
قال الاميني : زلة العالم يضرب بها الطبل ، وزلة الجاهل يخفيها الجهل .
حكي ان السيد يحيى بن السيد بهاء الدين الشرواني الحنفي المتوفى 768 كان لم يأكل طعاما في آخر عمره مقدار ستة أشهر . ( 1 )

هامش
( 1 ) شذرات الذهب : 7 : 309 .

قال الاميني : حبذا لو قبلته الطبيعة البشرية ، وخضع له العقل السليم ، لكنك تعلم .

شيخ يأكل بقرة
قال المناوي في طبقاته في ترجمة ابراهيم بن عبد ربه المتوفى 878 : أخذ عن الشيخ محمد الغمري ، والشيخ مدين ، قال : دخل مرة بيت الشيخ مدين في مولده فأكل طعام المولد كله . وأكل مرة لحم بقرة كاملة ثم طوى بعدها سنة ، و من كراماته ما حكاه الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري انه قال له : بعدك نسائل في مهماتنا من ؟ قال : من بينه وبين أخيه ذراع من تراب ، فاسألني اجيبك ، فمرضت بنته فالتمسوا لها بطيخة فما وجدت فجاء إلى قبره وقال : الوعد ثم رجع بعد العشاء فوجد في سلم بيته بطيخة لم يعلم من أين جاء‌ت . شذرات الذهب 7 : 323 .
قال الاميني :
وصاحب لي بطنه كالهاويه * كأن في أحشاء‌ه معاويه
أنا في حيرة بين محالات ثلاث : أكل الشيخ البقرة كاملة ، وانطوائه على الجوع سنة ، وإعطائه البطيخ وهو تحت أطباق الثرى ، ولعله كان بينه وبين إبن أبي سفيان آصرة رحم فأتاه ناموس الوراثة عند أكل البقرة من هنالك ، ولكني لا أدري من أين أتته الوراثة في الصبر على الطوي سنة ، ولم يكن يطيقه معاوية ، ولا يطيقه أي انسان و إن أكل عشرات من البقرة ، فانه يهلك قبل عشر من معشار هذه المدة ، ولعلك تقول :
إن من المحتمل إنه كان مصابا بدعوتين له وعليه فاجيبتا ، وأكل الشيخ وصبر ، لكن حديث البطيخة أنا لا أعرف منشأه ومبتداه كما أني أجهل خبره .

خمر بلدة صارت خلا
نشأ داود بن بدر الحسيني المتوفى 881 بشرافات من أعمال الفدس ، وكان أهلها كلهم نصارى ليس فيهم مسلم إلا الشيخ وأهل بيته ، وكانت حرفة أهل القرية عصر العنب وبيعه فشق ذلك عليه ، فتوجه بسببهم فصار كل شئ عملوه خلا وماء وعجزوا فارتحلوا منها ، ولم يبق فيها إلا الشيخ وجماعته . ( 1 )
قال الاميني : ما ظنك ببيئة لم تكن فيها حرفة إلا عصر العنب وبيعه ؟ وكيف كانت تغني هذه الحرفة أهل تلك القرية عن ساير المكاسب ؟ وهل تنحصر حرفة النصارى بعصر العنب وبيعه ، ولايوجد منهم ذو حرفة آخرى ؟ وهل كان الشيخ واهل بيته يديرون كل تلكم المكاسب والمهن التي تحتاج اليها كل جامعة بشرية ؟

أبوالمعالى يحيى ويميت
قال الامام أبومحمد ضياء الدين الوتري في ( روضة الناظرين ) ص 112 في ترجمة السيد محمد أبي المعالي سراج الدين الرفاعي المتوفى 885 : انه مس بيده المباركة ظهر رجل أحدب فقوم الله تعالى إحديدابه ، وصار على أحسن تقويم كأن لم يكن به إحد يداب قبل ذلك أبدا .
وقال : مر في الشام بغلام ذباح ذبح شاة ووضع السكين في فيه وكان الغلام على طائفة من الحسن والجمال فلما رآه وقف عنده والشاة تختبط مذبوحة وقد قرب خروج روحها فقال للذباح : يا واضع السكين بعد ذبيحه * في فيه يسقيها رحيق لهاته
ضعها بجرح الذبح ثاني مرة * وأنا الضمين له برد حياته
فأشار إلى الذباح اتباع سيدنا السيد السراج قدس سره بإعادة السكين إلى الجرح ، فأعادها ، فانتفضت الشاة سليمة لا جراحة فيها ولا ذبح بإذن الله .
وقال : ومما حدثنا به الجم الغفير من الثقات أن رجلا ممن ينتمي إلى السيادة ببلدة هيت اسمه كبش اشتهرت به في هيت خرقة الطريقة القادرية ، وكان من الادب مع أهل الله بمعزل ، فكان كثيرا ما يسئ فقراء الطرق السائرة وبالخاصة الاحمدية ( 2 ) فعاتبه بالواسطة سيدنا السيد سراج الدين ونصحه فأغلظ الجواب فكتب له السيد السراج كتابا وأرسله مع جماعة من أهل هيت كتب فيه مصرحا بغوثية عصره ما هو بحروفه :

هامش
( 1 ) شذرات الذهب ج 7 .
( 2 ) أراد بها الرفاعية أتباع السيد أحمد الرفاعى .

لله في هذا الورى خاتم * تجري المقادير على نقشه
في نوعه من سره حالة * تستنزل الجبار عن عرشه
يفيض من فيض إله الورى * وبطشه يظهر من بطشه
وإن طغا بالكبش لحم الكلا * يدخل رأس الكبش في كرشه
فلما وصله الكتاب ضحك وقرأه لاصحابه علنا فلما قرأ البيت الاخير وأتمه سقط في الحال ميتا . قال الاميني : كلام شعري حسن ، والشعراء يتبعهم الغاون ، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ؟ انهم يقولون ما لا يفعلون ، كبرت كلمة تخرج من أفواهم إن يقولون إلا كذبا .

تطور أبى على ليلا ونهارا
قال المناوي في طبقاته في ترجمة أبي على حسين الصوفي المتوفى 861 : كان كثير التطور يدخل عليه إنسان فيجده سبعا ، ثم يدخل عليه آخر فيجده جنديا ، ثم يدخل عليه آخر فيجده فلاحا ، أو فيلا وهكذا . وقال آخرون : كان التطور دأبه ليلا ونهارا حتى في صورة السباع والبهائم ، ودخل عليه أعداؤه ليقتلوه فقتلوه فقطعوه بالسيوف ليلا ، ورموه على كوم بعيد ، فأصبحوا فوجدوه قائما يصلي بزاويته ، ومكث بخلوة في غيط خارج باب البحر أربعين سنة لا يأكل ولا يشرب . شذرات الذهب 7 : 250 .
قال الاميني : من لي بمعتوه يصدق هذه الافائك ؟ متى سمعت بإنسان يتطور بصور الكواسر والبهائم كالشياطين التي تتشكل بأشكال مختلفة حتى الكلب والخنزير ؟
أو رجل حي بعدما قطع بالسيوف إربا إربا ؟ أو بشر عاش على الطوي أربعين عاما ؟ هذه هي الحقيقة الراهنة لكن علماء الامة قالوا قولا في أوليائها ولا سبيل إلى رده ، لانه قول عالم في ولي.

السيوطى رأى النبى صلى الله عليه وآله يقظة
قال ابن العماد في شذرات الذهب 8 : 54 : ذكر الشيخ عبدالقادر الشاذلي في كتاب ترجمته : أن جلال الدين السيوطي كان يقول رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقظة فقال لي :
يا شيخ الحديث ! فقلت له : يا رسول الله ! أمن أهل الجنة أنا ؟ قال : نعم . فقلت : من غير
عذاب يسبق ؟ فقال : لك ذلك .
وقال الشيخ عبدالقادر : قلت له : كم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقظة ؟ فقال : بضعا وسبعين مرة .
قال الاميني : لا يحل هذه المشكلة إلا راء آخر له صلى الله عليه وآله يقظة كما رآه السيوطي فيسأله عن هذه الدعوي ، فيخبره ان السيوطي كذب عليه صلى الله عليه وآله وسلم بضعا وسبعين
كذبة . أو يوافي رجلا من المتنعمين في الجنة فيسأل عن مبوء السيوطي منها فيقول :
أنا قط ما رأيته . وأما إذ لم يتأتيا فإنا نحيل الحكم في هذه القصة إلى العقل السليم لى إلى الغلاة في الفضائل ، هذه رؤية القوم النبي يقظظة ، وأما رؤيتهم في المنام فتربو على المئات ، قال ابوعبدالله بن خفيف : سألت أبا جعفر الكتاني كم مرة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم
في المنام ؟ فقال : كثيرا . فقلت : يكون الف مرة ؟ فقال : لا . فقلت : فتسعمائة ؟ فقال
لا . قلت : فثمانمائة مرة ؟ فقال : لا ؟ قلت : فسبعمائة ؟ مرة ؟ فقال : بيده هكذا أي قريبا منه ( حلية الاولياء 10 : 343 ) .
وجمع محمد بن محمد الزواوي البجائي مناماته في جزء وفيها أزيد من مائتي رؤيا رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وفيها عجائب وغرائب ( نيل الابتهاج ص 322 ) وإن تعجب فعجب ما جاء به الزواوي في مناقب مالك ص 17 قال قال المثنى بن سعيد القصيري : سمعت مالكا يقول : ما بت ليلة إلا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

السيوطى وطى الارض
ذكر محمد بن علي الحباك خادم الشيخ جلال الدين السيوطي المتوفى 911 : إن الشيخ قال له يوما وقت القيلولة : وهو عند زاوية الشيخ عبدالله الجيوشي بمصر بالقرافة : أتريد أن تصلي العصر بمكة بشرط أن تكتم ذلك علي حتى أموت ؟ قال :
فقلت : نعم . قال : فأخذ بيدي وقال : غمض عينيك فغمضها فرحل بي نحو سبع وعشرين
خطوة ثم قال لي : افتح عينيك فإذا نحن بباب المعلاة فزرنا امنا خديجة ، والفضل بن عياض ، وسفيان بن عيينة ، وغيرهم ، ودخلت الحرم فطفنا وشربنا من ماء زمزم ، وجلسنا خلف المقام حتى صلينا العصر ، وطفنا وشربنا من ماء زمزم ثم قال لي : يا فلان !
ليس العجب من طي الارض لنا ، وإنما العجب من كون أحد من أهل مصر المجاورين لم يعرفنا ، ثم قال لي : إن شئت تمضي معي ، وإن شئت تقيم حتى يأتي الحاج ؟ قال :
فقلت : أذهب مع سيدي ، فمشينا إلى باب المعلاة وقال لي : غمض عينيك فغمضتها فهرول بي سبع خطوات ثم قال لي : افتح : عينيك فإذا نحن بالقرب من الجيوشي ، فنزلنا إلى سيدي عمر بن الفارض .
أسلفنا هذه القصة وجملة من لداتها في الجزء الخامس ص 17 - 21 وفصلنا القول هنالك تفصيلا.

أبوبكر باعلوى يحيى الميت
لما رجع أبوبكر بن عبدالله باعلوي المتوفى 914 من الحج دخل زيلع وكان الحاكم بها يومئذ محمد بن عتيق فاتفق انه ماتت ام ولد للحاكم المذكور وكان مشغوفا بها فكاد عقله يذهب لموتها ، فدخل عليه السيد - باعلوي - لما بلغه عنه من شدة الجزع ليعزيه ويأمره بالصبر وهي مسجاة بين يديه بثوب فعزاه وصبره فلم يفد فيه ذلك ، وأكب على قدمي الشيخ يقبلهما وقال : لا سيدي ! إن لم يحي الله هذه مت أنا ايضا ، ولم يبق لي عقيدة في أحد ، فكشف السيد عن وجهها وناداها باسمها فأجابته : لبيك ورد الله روحها ، وخرج الحاضرون ولم يخرج السيد حتى أكلت مع سيدها الهريسة وعاشت مدة طويلة .
شذرات الذهب 8 : 63 ، النور السافر ص 84 .
قال الاميني : فليذهب مسيح بن مريم بخاصته من إحياء الموتى باذن الله حيث شاء ، فقد جاء باعلوي ونظراء‌ه امة كبيرة يشاركونه في المعجز ، نعم : الفاصل بين المسيح وهؤلاء أربعة أصابع ( 1 ) وإنا وإن لم نر معجز المسيح عليه السلام لكن أخذنا خبره مما هو

هامش
( 1 ) اشارة إلى الحديث المعروف المروى عن مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام : بين الحق و الباطل اربعة أصابع . الفاصلة بين العين والاذن .

أثبت من الرؤية ألا وهو القرآن الكريم ، على حين انه معتضد بالاعتبار والبرهنة الصادقة من لزوم نوع المعجز لمثل المسيح من الانبياء والحجج من الذين عصمهم الله من كل هوى سائد وطهرهم تطهيرا .
ونحن إلى الغاية لم نعرف سر إحياء السيد باعلوي ام ولد الحاكم ، هل كان للتحفظ على حياة الرجل وقد قال : إن لم يحي الله هذه مت أنا إيضا ؟ . والرائد لا يكذب . وكان المجتمع في حاجة ماسة إلى حياته ، أو كان لابقاء‌ه في عقيدته . وكان في نزوعه عنها خسارة امة محمد صلى الله عليه وآله ؟ أو كان لكلا الامرين مزدوجا ؟ وهل يعمان هما كل من يدعيهما في موت من يحبه ؟ أو يخصان بالحاكم ؟ أو يقصران على من شاء السيد باعلوى إحياء‌ه ؟ مشكلات لا تنحل .

ابوبكر باعلوى ينجى المستغيث
ذكر شمس الدين العيدروسي في ) النور السافر ( ص 84 عن الامير مرجان انه قال : كنت في نفر من أصحاب لي في محطة صنعاء الاولى فحمل علينا العدو فتفرق عني أصحابي وسقط بي فرسي لكثرة ما أثخن من الجراحات فدار بي العدو حينئذ من كل جانب فهتفت بالصالحين ، ثم ذكرت الشيخ أبابكر رضي الله عنه ، وهتفت به فإذا هو قائم ، فوالله العظيم لقد رأيته نهارا ، وعاينته جهارا ، أخذ بناصيتي وناصية فرسي ، وشالني من بينهم حتى أوصلني المحطة ، فحينئذ مات الفرس ونجوت أنا ببركته رضي الله عنه ونفع به .

السروى يطير ويرسم للفأر
قال ابن العماد في شذرات الذهب 8 : 187 : توفي شمس الدين محمد السروي الشهير بابن الحمائل سنة 932 ، وكان كثير الطيران من بلد لآخر ، وكان يغلب عليه الحال ليلا ، فيتكلم بألسنة غير عربية من عجم وهند ونوبة وغيرها . إلى أن قال :
ومن كراماته : انه شكى له أهل بلد كبير الفأر في مقات البطيخ فقال لرجل :
ناد في الغيط : رسم لكم محمد بن أبي الحمائل أن ترحلوا ، فلم يبق فيها فأر ، فسألة أهل بلد آخر في ذلك فقال : الاصل الاذن ولم يفعل .
قال الاميني : تصك الآذان مكرمة الطيران من بلد إلى آخر ، ولم تجدها في الامم السالفة حتى في معاجز الانبياء ، مرحبا بامة محمد صلى الله عليه وآله يوجد فيها من يطير بلا جناح موهوب لجعفر بن أبي طالب عليهما السلام الذي يطير به في الجنة ، أو يتجول به في ذلك العالم اللطيف ، ولابدع إذ الامة للرقي والتقدم ، ويوم جعفر غير يوم أبي الحمائل ، واكتشافات القرن العشرين غير القرون الاولى وعصور الامم الغابرة .
ومن غلبة الحال على أهل الحال ليلا يتأتى التوسع في اللغات ، ويمكن للرجل التكلم بأي لغة ، إذا الليل له شأن من الشأن ، ولغاتها غير لغات النهار ، وهناك جزر ومد ، ولف ونشر على قسميه : مرتبا ومشوشا ، نعوذ بالله من هذيان الليل ، وسفه النهار .
ولو كان في تلك البلدة لفيف من الهر لاحتمل تصديق هجرة الفئران ، ولاغنوا الناس عن معجزة السروى ، لكن كفيت الهررة القتال بابن الحمائل ، فمرحبا به وبرسمه .

ذويب يمشى على الماء
قال في شذرات الذهب 8 ص 269 : توفي الشيخ علي ذويب سنة 947 وكان يمشي كثيرا على الماء فإذا أبصره أحد اختفى ، وكان يرى كل سنة بعرفة ويختفي من الناس إذا عرفوه .

فتح الحجرة الشريفة للعبادى
كان سراج الدين عمر العبادي المصري الشافعي الامام صاحب شرح قواعد الزركشي في مجلدين المتوفى سنة 947 لما حج وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحت له الحجرة الشريفة والناس نيام من غير فاتح فدخلها وزار ثم خرج فعادت الاقفال كما كانت رحمه الله
تعالى . ( 1 )

هامش
( 1 ) شذرات الذهب 8 : 269 .

زيادة النيل بأمر الصديقى
توفي الشيخ محمد بن أبي الحسن محمد - حفيد أبي بكر الصديق البكري الصديقي الشافعي المصري سنة 993 ، ومؤلفاته تنيف على أربعمائة تأليف ، ومن كراماته انه لما نقص بحر النيل في بعض السنين قال لعبده الحبشي مندل : انزل يا مندل ! قل للبحر يقول لك الشيخ ابوالحسن البكري : زد . أو نحو هذه العبارة ، فقال العبد كما أمره ، فما مضت ساعية يسيرة إلا وقد ظهر فيه زيادة كثيرة . ( 1 )
مرت لدة هذه الكرامة في بحر النيل للخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، راجع الجزء السابع ص 83 ، 84 ط 1 .

كرامات وخوارق
قال صاحب ) النور السافر ( ص 313 : كان الشيخ علوي بن الشيخ محمد بن علي من آيات الله الكبرى وهو من أمثال الشيخ ، ومن مناقبه : انه كان يعرف الشقي من السعيد ، ويحيي ويميت بإذن الله تعالى ، ويقول للشئ : كن ، فيكون بإذن الله . إلى غير ذلك من الكرامات العظيمة والخوارق العجيبة التي لا يشاركه فيها غيره .

عجائب وغرائب
قال العيدروسي في ) النور السافر ( ص 85 : اعلم أن كرامات الاولياء حق .
والدليل على وقوعها موجود من المنقول والمعقول . أما المنقول فهو ما ثبت في القرآن العزيز فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قصة مريم وجريح وغيرهم الذين ليسوا أنبياء ووقعت على أيديهم .
وما روي عن الصديق رضي الله عنه وكان أخبر عند موته أمرأته تلد بنتا ، وكانت إذا ذاك
حاملا .
وعن الفاروق رضي الله عنه في قصة سارية المشهورة .

هامش
( 1 ) النور السافر ص 429 .

وعن ذي النورين رضي الله عنه في الرجل الذي دخل عليه وقد نظر إلى امرأة اجنبية فكاشفه بذلك .
وعن المرتضي رضي الله عنه في الاسود الذي قطع يده ثم ردها مكانها فعادت كما كانت .
وأما ما نقل من ذلك عن أولياء الله تعالى فكثير جدا ، من ذلك ما وقع لبعض الاولياء وهو على جبل فقال : إن من أولياء الله من إذا قال لهذا الجبل : تحرك ، لتحرك . فتحرك الجبل من قوله ، فقال له : اسكن إنما ضربت بك مثلا .
وكما قال ذو النون المصري للسرير : طف بالبيت . فطاف ثم عاد إلى مكانه و كان هناك شاب فصاح الشاب حتى مات . الكلام هذه مائة كرامة أو اسطورة أو اكذوبة أو قصص خرافة إلى مئات لداتها من الخوارق والقصص المبثوتة في حلية الاولياء لابي نعيم ، وتاريخ بغداد للخطيب ، و صفة الصفوة لابن الجوزي ، والمنتظم له ، ومناقب أحمد بن حنبل له ، وتاريخ الشام
لابن عساكر ، وتاريخ إبن خلكان ، والبداية والنهاية لابن كثير ، وطبقات الشافعية للسبكي ، ومناقب أبي حنيفة للخوارزمي ، ومناقب أبي حنيفة للكردري ، وشذرات الذهب ، ومرآة الجنان ، وروض الرياحين ، والكواكب الدرية ، والروض الفائق ، والطبقات الكبرى للشعراني ، وتنبيه المغترين له ، والفتح الرباني والفيض الرحماني ، وأنيس الجليس للسيوطي ، وشرح الصدور له ، ولطائف المنن والاخلاق ، وبهجة الاسرار للشيخ نورالدين الشافعي ، وقلائد الجواهر للشيخ محمد الحنبلي ، ومشارق الانوار ، والنور السافر ، وتفريح الخاطر ، وعمدة التحقيق . إلى تآليف كثيرة من كتب التاريخ ومعاجم التراجم المشحونة بالمخاريق والطامات .

خاتمة البحث
فذلكة المقام والقول الحاسم بعد هذه الابحاث المطنبة المفصلة في غضون الجزء السادس وهلم جرا إلى هذه الصحيفة ، في ذكريات الخلفاء الثلاثة ، ومن بعدهم رابعهم :
معاوية بن أبي سفيان ، ومن اقتص أثرهم من الصحابة ومن بعدهم من الذين سموهم بالاولياء والائمة والعلماء ، من شتى نواحيها ، ان الغاية الوحيدة هو تعريف الملا الديني بالغلاة في الفضائل ، ومن ذا الذي يحق له هذا الاسم ) الغالي ( ؟ هل هو في اولئك الذين تمسكوا بحجزة أهل بيت الوحي الرافلين في حلل الفضائل والفواضل ، الممدوحين بلسان الوحي ، ومنطق الذكر الحكيم ، ونصوص نبي الاسلام عند فرق المسلمين جمعاء ، ولقد طأطأت لهم المفارق ، وخضعت لهم الرقاب ، ولم يبقوا في مستوى المآثر و
المفاخر مرتقى إلا وتسنموه ، ولا مبوأ كرامة إلا وحلوا فيه ؟ !
أو هل تجد الغالي في هؤلاء الذين ذكرناهم أم في المقتصين أثر قوم ليس لهم نصيب من الفضل إلا أحاديث مفتعلة ، وفخفخات كاذبة ، وتمحلات باردة ، وأساطير مسطرة ، ولهم تاريخ حشوه المخازي تمضي معه الهفوات أينما سلك ؟ ! .
ومن هو ان الدهر ان المربي بهؤلاء عن حدودهم ، والمثبت لهم ما لا يثبته لهم العقل والمنطق ، وما هو خارج عن طورهم ، ومبائن لنفسياتهم لا يعد غاليا ، ولكنما الغلاة هم المتحيزون إلى فئة الوحي ، واسرة النبوة ، ومنبسق أنوار الهدى ، الذين لا يطيش سهمك في أي مأثرة من مآثرهم ؟ ولا يخفق ظنك في أي من تقدمهم ورقيهم ونبوغهم ، وهم المخولون من المولى سبحانه بأكثر من ذلك النزر اليسير الذي ذكرته لهم الرواة ، ولهجت به أئمة الحديث ، وحفاظ الاثر في المستفيض والمتواتر من الصحاح والمسانيد .
وإنما عقدنا هذه الابحاث الضافية لتنوير البصائر وتنبيه الافكار ، حتى يميز القارئ الغالي من القالي ، وما دعمته البرهنة الصحيحة الصادقة ، مما أثبتته التافهات ، ونسجته يد الافتعال والاختلاق . ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ، أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ، ما نزل الله بها من سلطان ، فانتظروا إني معكم من المنتظرين .

بقية الشعراء في القرن التاسع

ضياء الدين الهادى المولود 758 المتوفى 822

الحمد لله باري الروح والنسم * وخالق الخلق والمختص بالقدم
ثم الصلاة على أعلى الورى شرفا * وأكرم الناس من عرب ومن عجم
محمد المصطفى المختار من مضر * وخاتم الرسل والمحمود في الشيم
دع ما يقول النصارى في نبيهم * من الغلو وقل ما شئت واحتكم
وبعد : فالعلم منجاة لصاحبه * فاشدد بعروته كفيك واعتصم
وأفضل العلم عند العارفين به * علم الكلام لما فيه من الحكم
علم أناف على كل العلوم له * فضل التقدم فارغب فيه واغتنم
عليك بالنظر الفكري فهو طري‍ - - ق العلم بالله فانظر ثم واستقم
ومن هنا استرسل شاعرنا الهادي في مباحث علم الكلام ، وأدلى ما عنده من
الحجج في مسائل ، ومما أفاضه في باب الامامة قوله :
هذا ومذهبنا ان الامام عقيب المصطفى حيدر الابطال والبهم
أعني عليا أميرالمؤمنين ومن * بالعطف خص من الرحمان ذي القسم
ألله أنزل آيات مباركة * في فضله عدها لي غير منتظم
وقال فيه رسول الله سيدنا * يوم ) الغدير ( بخم يوم حجهم
من كنت مولاه أي أولى به فعلي * أولى به وهو مولاهم بكلهم
قام النبي خطيبا في معسكره * بهذه الخطبة الغرا لجمعهم
وشال ضبعا كريما من أبي حسن * في يوم حر شديد اللفح مضطرم
كى لا يقال : بأن النص مكتتم * ما كان إلا صريحا غير مكتتم
فهو الخليفة بعد المصطفى وله * فضل التقدم لم يسجد إلى صنم
وكان سابقهم في كل مكرمة * وكان في كل حرب ثابت القدم
وكان أول من صلى لقبلتهم * وأعلم الناس بالقرآن والحكم
وكان أقربهم قربى وأفضلهم * رغبى وأضربهم بالسيف في القمم
وكان أشرفهم هما وأرفعهم * في همه فهو عالي الهم والهمم
وكان أعبدهم ليلا وأكثرهم * صوما إذا الفاجر المسكين لم يصم
وكان أفصحهم قولا وأبلغهم * نطقا وأعدلهم حكما لمحتكم
وكان أحسنهم وجها وأوسعهم * صدرا وأطهرهم كفا لمسلتم
وكان أغزرهم جودا وأدونهم * مالا فطال على الاطواد والادم
فكيف تقدمه من لا يماثله * في العلم والحلم والاخلاق والشيم
وفي الشجاعة والفضل العظيم وفي الت‍ - - دبير والورع المشهور والكرم

ما يتبع الشعر
وقفنا على نسخة مخطوطة من هذه المنظومة في طهران عاصمة البلاد الفارسية ومعقد لوائها الملكي ، وهي تحتوي على سبعة ومأتين بيتا نظم بها الخلاصة ، للشيخ حسن الرصاص ، كتبت في 25 صفر عام ألف وإثنين وستين ، وعليها خط العلامة السيد محمد بن اسماعيل اليماني الصنعاني الحسيني المتوفى 1182 ، وهو أحد شعراء الغدير يأتى ذكره إنشاء الله تعالى .

الشاعر
السيد جمال ضياء الدين الهادي بن إبراهيم بن على المتوفى 784 ، ابن المرتضى المتوفى 785 ، ابن الهادي بن يحيى بن الحسين بن القسم بن إبراهيم بن اسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ( 1 ) اليمني الصنعاني الزيدي .
أحد رجالات اليمن وأعلامها المتضلعين من فنون العلم والادب ، ترجمه صاحب ( 2 )
( مطلع البدور ( قال : قال العلامة إبن الوزير في تاريخهم : إنه لم تسمح بمثله الاعصار في أولاد الامام الهادي ، كان جامع شتات العلوم ، وشاطرها في المنثور والمنظوم ، ولد في
) شظب ( ولما قرأ القرآن أخذه والده مع ابن عمه محمد بن أحمد المرتضى إلى ( صعدة ( وكان يحملهما قليلا متى تعيا من السير لصغرهما حتى وصلوا ) صعدة ( فقرء مدة في أنواع العلوم العربية وغيرها على عميه : المرتضى بن علي وأحمد بن علي ، وقرأ التفسير على الشيخ العلامة ترجمان أهل عصره إسماعيل بن إبراهيم بن عطية البحراني ، وعلوم الادب على الفقيه العلامة محمد بن علي بن ناجي العالم المشهور ، قرأ عليه ديوان المتنبي وغيره . والاصولين ، والفروع على القاضي العلامة ملك العلماء عبدالله بن الحسن الدواري ، وعلى عمه المرتضى بن علي الذي كان إماما في علم الكلام ، وكذا على عمه أحمد بن علي ، وحصلت له اجازات وطرق سماعية ، منها :
سماعه لجامع الاصول بمكة المشرفة على قاضي الحرم محمد بن عبدالله بن ظهيرة القرشي المخزومي في سنة حجه ، ولد رسائل ومسائل وأشعار ومنظومات لا تحصى ، حتى قال شيخه الفقيه محمد بن علي بن ناجي : إنه المراد بقول النبي صلى الله عليه وآله يكون رجل من ولد الحسن ينفث بالشعر كما ينفث الافعى بالسم .
ومن تصانيفه : كفاية القانع في معرفة الصانع ، نظم الخلاصة ( 3 ) شرحها ، الطرازين المعلمين في المفاخرة بين الحرمين ، التفصيل في التفضيل ، الرد على ابن

هامش
( 1 ) كذا سرد نسبه شمس الدين السخاوى في ( الضوء اللامع ) 6 ص 272 في ترجمة أخيه محمد .
( 2 ) أحمد بن صالح بن محمد بن أبى الرحال اليمنى المتوفى بصنعاء سنة 1092 .
( 3 ) تأليف العلامة الشيخ حسن الرصاص .

العربي ، هداية الراغبين إلى مذهب أهل البيت الطاهرين ، الرد على الفقيه علي بن سليمان في العارضة والناقضة ، وكلها موجودة ومن أحسنها : كاشفة الغمة عن حسن سيرة إمام الامة ، وكريمة العناصر في الذب عن سيرة الامام الناصر ، والسيوف المرهفات على من ألحد في الصفات ، ونهاية التنويه في إزهاق التمويه في الرد على نشوان ، ومن شعره قصيدته ) المنسك ( أولها :
بعث الهوى شوقي إلى ام القرى
وله مراجعات ومراسلات ومشاعرات بينه وبين علماء اليمن الاسفل كاسماعيل المقري ، والنظاري ، وابن الخياط ، الذي استجاز منه ، وبين أهل تهامة مثل بني الناشري ، والنفيس العلوي الحنفي المذهب ، العتكي النسب ، بين علماء المخاليف والحواز مثل الفقيه محمد بن الحسن بن سود العابد المشهور أحد الواصلين في علم الطريقة وغيرهم ، وكان منتشر الذكر عند جميع الاكابر في جميع البلاد حتى في مصر مع غلظة أهلها ، وقد ذكره وذكر أخاه محمد الحافظ العلامة ابن حجر العسقلاني المصري في تاريخه وأثنى عليهما .
توفي بذمار تاسع عشر ذيحجة سنة 822 ومولده يوم الجمعة السابع والعشرين من المحرم سنة 758 وموته كان عظيما على أهل البيت حيث منعوا بعده عما كان معتاد أهل الاموال في المدائن والامصار ، ورثاه عدة من الناس وأحسن مراثيه ما رثاه الفقيه الاديب عبدالله بن عتيق المعروف بالمزاح المروعي . انتهى ما في ( مطلع البدور ) ملخصا .
وذكره شمس الدين السخاوي في ( الضوء اللامع ) ج 10 ص 206 وقال : ذكره شيخنا في أنبائه فقال : عني بالادب ففاق فيه ، ومدح المنصور صاحب صنعاء ، مات يوم عرفة سنة اثنتين وعشرين ، وذكره ابن فهد في معجمه فقال : إنه حدث سمع منه الفضلاء قال : وله مؤلفات منها : الطرازين المعلمين في فضائل الحرمين ، والقصيدة البديعية في الكعبة اليمنية الثمينة أولها :
سرى طيف ليلي فابتهجت به وجدا * وتوح قلبي من لطائفه مجدا ( 1 )

هامش
( 1 ) مر ذكر بديعيته في الجزء السادس ص 45 ط 2 عن ايضاح المكنون .

وترجم السخاوي لاخي المترجم له محمد بن إبراهيم بن علي وقال : ولد تقريبا سنة 765 ، وتعانى النظم فبرع فيه ، وصنف في الرد علي الزيدية ) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم ( واختصره في ( الروض الباسم عن سنة أبي القاسم ) و غيره ، ذكره التقي بن فهد في معجمه وله قوله ؟
العلم ميراث النبي كذا أتى * في النص والعلماء هم وراثه
فإذا أردت حقيقة تدري لمن * وراثه فكيف ما ميراثه ؟
ما ورث المختار غير حديثه * فيناو ذاك متاعه وأثاثه
قلنا : الحديث وراثه نبوية * ولكل محدث بدعة أحداثه
مات بصنعاء في المحرم سنة 840 وأرخه بعضهم في التي قبلها ( 1 )

هامش
( 1 ) الضوء اللامع 6 : 272 .

القرن التاسع
الحسن آل أبى عبدالكريم

فروع قريضي في البديع اصول * بها في المعاني والبيان أصول
وصارم فكري لا يفل غراره * ومن دونه العضب الصقيل كليل
سجية نفسي انها لسخية * تميل إلى العلياء حيث تميل
ويقتادني صدق الولاء ولي هوى * قبول له القلب السليم قبول
انظم درا في سلوك من العلى * بحسن سلوك هذبته فصول
فشيدت من فكري مباني غريزة * مثابي لها عند الجليل جليل
مراثي محب لامراء وإنها * نصول بها في الملحدين نصول
بضائع ليس المدح فيها بضائع * لعلمي بها أن الجزاء جزيل
أحل بها أوج السعود فإن أحل * سيبقى بها ذكري وليس يحول
وأحيي بها ليلي وأجني ثمارها * لعل إلى نيل المراد وصول
أقول لنفسي مسعفا ومسددا * وأنشد قلبى مرشدا وأفول
فلا تعدلي يا نفس ! عن طلب العلى * ويا قلب ! لا يثنيك عنه عذول
ففي ذروة العلياء فخر وسودد * وعز ومجد في الانام وصول
خليلي ظهر المجد صعب ركوبه * ولكنه للعارفين ذلول
جميل صفات المرء زهد وعفة * وأجمل منها ان يقال : فضيل
فلا رتبة إلا وللفضل فوقها * مقام منيف في الفخار أثيل
فلله عمر ينقضي وقرينه * علوم وذكر في الزمان جميل
زول بنو الدنيا وإن طال مكثها * وحسن ثناء الذكر ليس يزول
فيا راقدا في صفو عيش ولذة * عن القدر الجاري عليه غفول
إذا خالط الشيب الشباب وأقبلت * عساكره في العارضين تجول *
عليك بزاد المتقين لانه * أتاك بشير منذر ورسول
فلا تذمم الدنيا إذا هي أدبرت * وإن أقبلت فالحالتان تزول
ولا تتركن النفس تتبع الهوى * تميل وعن ؟ جبل ؟ الرشاد تميل
وبالصبر مرها ثم عظها فإنها * لامارة بالسوء وهي عجول
وخذ من يد الدنيا الكفاف وصاحب * العفاف فلا مثل العفاف خليل
وأقلل من الحرص الذميم تعففا * بصبر جميل فالمقام قليل ؟
ألم تر ان الدائرات دوائر * وليس إلى سبل النجاة سبيل ؟
وللدهر سلب سآء بعد مسرة * وللخلق إن طال الزمان رحيل
دع القدر المحتوم يجري بما قضى * به الله والصبر الجميل جميل
وخل عنان الهم إن كنت عاقلا * فليس يفيد الثاكلات عويل
فكم أفنت الايام ملكا ومالكا * فزال ؟ وملك الله ليس يزول
لمن وفت الدنيا ؟ وما زال خطبها * علينا بخيل الحادثات تجول
ومن بات منها سالما من مصابها * وما كف منه الكف وهو طويل ؟
مفرقة الاخيار بعد اجتماعهم * وإن طاب منها العيش فهي ملول
بها النفع ضر والصفاء مكدر * بها الحلو مر والعزيز ذليل
لهاجرها منها الهنا وهو آهل * ويهلك مهتم بها وأهيل
جعلت فدا من لارضوا بنعيمها * ولا دنست فيها لهن ذيول
ولا علقت كف لهم بحبالها * ولاغرهم فيها خنا ووغول
لقد صحبوا فيها كفافا وعفة * وزهدا وتقوى والجزاء جزيل
فهم أهل بيت شرف الله قدرهم * على الخلق طرا ماجد ورذيل ( 1 )
هم الصابرون المؤثرون بقوتهم * هم في الندا قبل النداء سيول
هم الحامدون الشاكرون لربهم * هم للورى يوم النجاة سبيل
هم العالمون العاملون بلا مرا * علومهم في العالمين اصول
هم الراكعون الساجدون إذا بدا * ظلام وليل العابدين يطول
هم التائبون العابدون اولو النهى * هم لقلوب العارفين عقول

هامش
( 1 ) بيان للخلق طرا ، فهم بين ما جد ورذيل .

هم الزاهدون الخاشعون ولم يكن * لهم في جميع العالمين مثيل
هم العترة الاطهار آل محمد * نبي لسان الوحي عنه يقول
بشير نذير طاهر علم سما * حبيب نجيب شاهد ورسول
ومدثر مزمل متوكل * على الله لا يثنيه عنه عذول
سراج منير فاضل فاصل أتى * بدين له الذكر المبين دليل
له معجزات أعجزت كل واصف * بها دحض الاشراك وهو مهول
وأشرق منها الكون واتضح الهدى * وعز بها الاسلام وهو ذليل
فيا خير مبعوث لاعظم ملة * وأكرم منعوت نمته اصول !
تقاصر عنه المدح عن كل مادح * فماذا عسى فيما أقول أقول
لقد قال فيك الله جل جلاله * من الحمد مدحا لم ينله رسول
لانت على خلق عظيم كفى بها * فماذا عسى بعد الاله نقول ؟
مدينة علم بابها الصنو حيدر ( 1 ) * ومن غير ذاك الباب ليس دخول
إمام برى زند الضلال وقد روى * زناد الهدى والمشركون ذهول
ومولى له من فوق غارب أحمد ( 2 ) * صعود له للحاسدين نزول
تصدق بالقرص الشعير لسائل ( 3 ) ورد عليه القرص وهو أفول ( 4 )
وبايعه في يوم احد وخيبر * لها في حدود الحادثات فلول
وبيعة ) خم ( والنبي خطيبها * لها في قلوب المشركين نصول
وأحمد من فوق الحدائج راقع * يمين علي المرتضى ويقول
ألا فاسمعوا ثم ارشدوا كل غائب * ويصغي عزيز منكم وذليل
فمن كنت مولاه فمولاه حيدر * علي وعن رب السماء أقول
علي أميرالمؤمنين ومن دعا * سواه بهذا مبطل وجهول

هامش
( 1 ) تقدم ذكر هذه المآثرة في الجزء السادس صفحة 61 - 81 ط 2 .
( 2 ) مر حديث هذه الفضيلة في الجزء السابع ص 9 - 13 ط 1 .
( 3 ) مر حديثه في الجزء الثالث صفحة 106 - 111 ط 2 .
( 4 ) اسلفنا حديث رد الشمس عليه صلوات الله عليه في الجزء الثالث صفحة 126 - 144 ط2

فقالوا جميعا : يا علي بخ بخ * وللقوم داء في القلوب دخيل
فمن مثل مولانا علي الذي له * محمد خير المرسلين خليل
فيا رافع الاسلام من بعد خفضه * وناصب دين الله حيت يميل !
ويا أسد الله الذي مر بأسه * لاعدائه مر المذاق وبيل !
ويا من له قلب الحوادث خافق * ويا من له صعب الامور ذلول !
نعزيك بالسبط الشهيد فرزؤه * عظيم على أهل السماء جليل
دعته إلى كوفان شر عصابة * عصاة وعن نهج الصواب عدول
فلما أتاهم واثقا بعهودهم * فمالوا وطبع الغادرين يميل
وأحقاد بدر أظهروا ثم أشهروا * كتائب غدر بالطفوف تجول
أحاطوا وحطوا بالفرات فلم يكن * لآل رسول الله منه نهول
فلما رأى المولى الحسين ضلالهم * وقد حان حال لا يكاد يحول
فقام إلى أصحابه الغر في الدجا * يخاطبهم رفقا بهم ويقول
ألا فاذهبوا فالليل قد مد سجفه * ومدت له فوق البسيط ذيول
كفيتم ووقيتم بأن تردوا الردى * فما قصدهم إلا إلي يؤل
فقام إليه كل ليث غضنفر * كريم جواد بالوفاء فعول
فضجوا جميعا ثم قالوا : نفوسنا * فداك وبذل النفس فيك قليل
إذا نحن أسلمناك فردا إلى العدى * وأنت لنا يوم النجاة سبيل
فما عذرنا عند النبي وصنوه * علي ؟ وما ذا للبتول نقول ؟
فقال : جزيتم كل خير وإنني * غدا لكم عند الاله وسيل
فبادر أصحاب الحسين كأنهم * جبال ولكن في العطاء سيول
اسود الوغى غاباتهم اجم الفنا * لهم في متون الصافنات مقيل
كرام لهم بذل النفوس مواهب * سهام لهم زرق الرماح نصول
ليوث لها بيض الصفاح مخالب * غيوث لها حمر الدماء سيول
ثقال على الاعداء في حومة الوغى * إذا جل خطب في الزمان ثقيل
فجالوا جلوا كرب الحسين وجاهدوا * بعزم له فوق السماك حلول
وسمر القنا في الدارعين شوارع * وللبيض في بيض الكماة صليل
وجادوا فجد الضرب والطعن في العدى * بفتك له شم الجبال تزول
للبيض شكل في الشواكل مشكل * وللسمر نفذ في الصدور مهول
كأن غمام النقع غيم وبرقه * بريق المواضي والدماء سيول
وأنصار مولاى الحسين كأنهم * اسود لهم دون العرين شبول
يجودون بالارواح وهي عزيزة * وكل بخيل بالحياة ذليل
جنوا ثمر العلياء من دوحة المنى * فتم لهم قصد بذاك وسؤل
وفازوا وحازوا سبق كل فضيلة * وفضل منيل لم ينله منيل
رأوا الحور كشفا أيقنوا ان وصلهم * بدون المنايا ما إليه وصول
فجادوا بأرواح لها الموت راحة * وظل عليها في الجنان ظليل
قضوا إذ قضوا حق الحسين عليهم * وفاء وإخوان الوفاء قليل
فلهفي لهم صرعى أمام إمامهم * تجر عليهم للرياح ذيول
وأكفانهم نسج العجاج وغسلهم * دم النحر عن ماء الفرات بديل
ولم يبق إلا السبط فردا ورهطه * لديه وزين العابدين عليل
ومنجدل من حوله وهو عافر * ومن جدل القوم اللئام ملول
وصال عليهم صولة حيدرية * لهيبتها شم الجبال تزول
بأدهم من صوب الدماء مجلل * له قمم الشوش الكماة نعول
وسابغة تحكي الغدير وأبيض * يباريه مرهوب السنان طويل
فجدل من فوق الجياد جيادها * فخيل وقوم جفل وقتيل
فكم جافل في ظهره صدر ذابل * وكم قاتل بالمشرفي قتيل ؟
فجاشت جيوش المشركين وفوقت * إليهم نصول ما لهن نصول
ويممهم يمنى ويسرى وقلبه * صبور وللخطب الجليل حمول
وكر وفر القوم خيفة بأسه * كأن عليا في الصفوف يجول
فلما تناهى الامر واقترب الردى * وذل عزيز واستعز ذليل
فمال عليه الجيش حملة واحد * فبيض وسمر ذبل ونصول
ففرقهم حتى تولت جموعهم * كسرب قطاة غار فيه صليل
رموه بسهم من سهام كثيرة * فلم يبق إلا من قواه قليل
فخر صريعا ظاميا عن جواده * فأضحت ربوع الخصب وهي محول
وراح إلى نحو الخيام جواده * خليا من الندب الجواد يجول
برزن إليه الطاهرات حواسرا * لهن على المولى الحسين عويل
فلهفي وقد جاء‌ت إليه سكينة * تقبل منه النحر وهي تقول
: أبي كنت بدرا يرشد الناس نوره * فوافاه في بدر الكمال افول
وكنت منارا للهدى غاله الردى * فلم يبق للدين الحنيف كفيل
أبي أنت نور الله اطفئ نوره * ولكن إلى الله الامور تؤل
فيادوحة المجد الذي عندما ذوت * تصوح نبت العز وهو محيل
يعز على الاسلام رزؤك سيدي * وذلك رزؤ في الانام جليل
ووافت إليه زينب وهي حاسر * ودمعتها فوق الخدود تسيل
فلاقته من فوق الرمال مرملا * سليب الردى تسفى عليه رمول
فقبلت الوجه التريب وأنشدت * ومن حولها للطاهرات عويل
أخي ! ضيعت فينا وصايا محمد * وأرداك بغضا للنبي جهول
أخي ! ظفرت فينا علوج امية * وسادت علينا أعبد ونغول
فلو كان حيا أحمد ووصيه * فأي يد كانت عليك تطول ؟
فدافعها الشمر اللعين وقد جثا * بقلب قسى والكفر فيه أصيل
وحز وريدا ظاميا دون ورده * فحزت فروع للعلى واصول
وحل عرى الاسلام وانهدم الهدى * وطرف المعالي والفخار كليل
وناحت له الاملاك والجن والملا * وكادت له السبع الشداد تميل
وزلزلت الارض البسيط لفقده * ومالت جبال فوقها وسهول
ومزقت الدنيا جلابيب عزها * عليه وقلب الكائنات ملول
فلهفي له بالطف ملقى ورأسه * سنان به فوق السنان يجول
فلله امر فادح شمل الورى * ورزؤ على الاسلام منه خمول
وخطب جليل جل في الارض وقعه * عظيم على أهل السمآء ثقيل
بنو الوحي في أرض الطفوف حواسر * وأبناء حرب في القصور نزول
ويصبح في تخت الخلافة جالسا * يزيد وفي الطف الحسين قتيل
ويقتل ظلما ظاميا سبط أحمد * إمام لخير الانبياء سليل
حبيب النبي المصطفى وابن فاطم * وأين لذين الوالدين مثيل ؟
لقد صدق الشيخ السعيد أخو العلى * علي وحاز الفضل حيث يقول
( : فما كل جد في الرجال محمد * ولا كل ام في النساء بتول ) ( 1 )
كفى السبط فخرا والداه وجده * وهم لمعالي والفخار اصول
أمولاي ! دمعي لا يجف مسيله * وحزني مقيم لا يخف ثقيل
فلا مدمعي يابن الوصي مبرد * عليلا ولا حزني المقيم يزول
جميل بنا الصبر الجميل وإنما * عليك جميل الصبر ليس جميل
أعزي بك الاسلام والمجد والعلى * وحزنهم باق عليك طويل
قفوا يا حداة العيس بالطف في حمى * الحسين وطوفوا بالطفوف وقولوا
أريحانة الهادي النبي محمد * ومن لعلي والبتول سليل !
عليك سلام الله يا سيد الورى ! ويا خير من سارت إليه قفول !
لئن جهلت يوما عليك امية * فقدر كم عند الاله جليل
وإن حال منك الحال في دار غربة * فإنك في دار الفخار أهيل
وإن بت مسلوب الرداء ففي غد * من السندس العالي رداك جميل
وإن مسكم حرالهجير فإنما * لكم في جنان العاليات مقيل
وإن منعت ماء الفرات نفوسكم * لها من رحيق السلسبيل نهول
أمولاي ! آمالي تؤمل نصركم * وقلبي اليكم بالولاء يميل
وقد طال دور الصبر في أخذ ثاركم * أما آن للظلم المقيم رحيل ؟

هامش
( 1 ) هذا البيت من لامية الشيخ علاء الدين على الحلى المترجم له في الجزء السادس وقد اسلفنا القصيدة هنالك برمتها ص 395 - 401 ط 2 .

متى ينطفي حر الغليل ويسشتفي * فؤاد بآلام المصاب عليل ؟
ويجبر هذا الكسر في ظل دولة * لها النصر جند والامان دليل ؟
وينشر للمهدي عدل وينطوي * به الظلم حتما والعناد يزول ؟
هنالك يضحى دين آل محمد * عزيزا ويمسى الكفر وهو ذليل
ويطوى بساط الحزن بعد كآبة * وينشر نشر للهنا وذيول
فيا آل طه الطاهرين رجوتكم * ليوم به فصل الخطاب طويل
أقيلوا عثاري يوم فقري وفاقتي * فظهري بأعباء الذنوب ثقيل
مدحتكم أرجو النجاة بمدحكم * لعلمي بكم أن الجزاء جزيل
وقد قيل في المعروف : أما مذاقه * فحلو وأما وجهه فجميل
فدونكم من عبدكم ووليكم * عروسا ولكن في الزفاف ثكول
أتت فوق أعواد المنابر باديا * لها أنة محزونة وعويل
لسبع سنين بعد سبعين قد خلت * وعامين ايضاح لها ودليل
لها حسن المخزوم عبدكم أب * لآل أبي عبدالكريم سليل
بها منكم نال القبول ولم يقل * : ( عسى موعد إن صح منك قبول ) ( 1 )
عليكم سلام الله ما ذكر اسمكم * وذاك مدى الايام ليس يزول

الشاعر
الشيخ حسن آل أبي عبدالكريم المخزومي ، أحد شعراء الشيعة في القرن الثامن جارى بقصيدته المذكورة معاصره العلامه الشيخ علي الشفهيني السالف ذكره في لاميته التي أسلفناها وأشار اليها بقوله :
له النسب الوضاح كالشمس في الضحى * ومجد على هام السماء يطول
لقد صدق الشيخ السعيد أبوعلي * علي ونال الفخر حيث يقول
: ( فما كل جد في الرجال محمد * ولا كل ام في النساء بتول )
وهذه المجاراة تنم عن شهرة الرجل في القريض ، وجريه في مضمار الشعر ،

هامش
( 1 ) هذا الشطر من مطلع قصيدة الشيخ علاء‌الدين الحلى راجع الجزء السادس ص 395 ط 2
وتركاضه في حلبة السباق ، وقد رأى الشيخ السماوي في الطليعة انه هو الشيخ الحسن بن راشد الحلي العلامة المتضلع من العلوم ، صاحب التآليف القيمة ، والاراجيز الممتعة ، وحسب سيدنا الامين العاملي في الاعيان انه غيره ، وله هناك نظرات لا يخلو بعضها عن النظر ، فعلى الباحث الوقوف على الجزء الحادي والعشرين منه ) أعيان الشيعة ( ص 256 - 278 ، والجزء الثاني والعشرين ص 89 .
وعمدة ما يستأنس منه الاتحاد ان اللامية هذه مذكورة في غير واحد من المجاميع في خلال قصائد الشيخ حسن بن راشد الحلي منسوبة إليه مع بعد شاسع في خطة النظم ، وتفاوت في النفس ، بحيث يكاد بمفرده أن يميزها عن شعر ابن راشد الحلي الفحل ، فإنه عال الطبقة ، باد السلاسة ، ظاهر الانسجام ، متحل بالقوة ، واللامية دونه في كل ذلك .
وعلى أي فناظمها من شعراء القرن الثامن نظمها في سنة سبعمائة واثنتين وسبعين كما نص عليه في اخريات القصيدة ، ولما لم يعلم تاريخ وفاته واحتملنا الاتحاد بينه وبين ابن راشد المتوفى في القرن التاسع بعد سنة 830 أرجأنا ترجمته إلى القرن التاسع ، والله العالم .

شعراء الغدير في القرن العاشر الشيخ الكفعمى المتوفى 905

هنيئا هنيئا ليوم الغدير * ويوم الحبور ويوم السرور
ويوم الكمال لدين الاله * وإتمام نعمة رب غفور
ويوم الفلاح ويوم النجاح * ويوم الصلاح لكل الامور
ويوم الامارة للمرتضى * ابي الحسنين الامام الامير
ويوم الخطابة من جبرئيل * بتقدير رب عليم قدير
ويوم السلام على المصطفى * وعترته الاطهرين البدور
ويوم اشتراط ولاء الوصي * على المؤمنين بيوم الغدير
ويوم الولاية في عرضها * على كل خلق السميع البصير
علي الوصى وصي النبي * وغوث الولي وحتف الكفور
وغيث المحول وزوج البتول * وصنو الرسول السراج المنير
أمان البلاد وساقي العباد * بيوم المعاد بعذب نمير
همام الصفوف ومقري الضيوف * وعند الزحوف كليث هصور
ومن قد هوى النجم في داره * ومن قاتل الجن في قعر بئر
وسل عنه بدرا واحدا ترى * له سطوات شجاع جسور
وسل عنه عمروا وسل مرحبا * وفي يوم صفين ليل الهرير
وكم نصر الدين في معرك * بسيف صقيل وعزم مرير
وستا وعشرين حربا رأى * مع الهاشمي البشير النذير
أمير السرايا بأمر النبي * وليس عليه بها من أمير

ما يتبع الشعر
اقتطفنا هذه الابيات من قصيدة ) الكفعمي ( المذكورة في كتابه ) المصباح ) المطبوع السائر الدائر ص 701 تناهز 190 بيتا يمدح بها اميرالمؤمنين عليه السلام ويصف يوم الغدير ويذكر أسمائه ، نظمها في الحاير المقدس كربلاء المشرفة ، وكان يوم ذلك شيخا قد بلغ من الكبر عتيا ، وأشار إلى ذلك كله فيها بقوله :
وشيخ كبير له لمة * كساها التعمر ثوب القتير ( 1 )
أتاه النذير فأضحى يقول : * اعيذ نذيري بسبط النذير
أتيت الامام الحسين الشهيد * بقلب حزين ودمع غزير
أتيت ضريحا شريفا به * يعود الضرير كمثل البصير
أتيت امام الهدى سيدي * إلى الحاير الجار للمستجير
ارجي الممات ودفن العظام * بأرض الطفوف بتلك القبور
لعلي أفوز بسكنى الجنان * وحور محجلة في القصور
أتيت إلى صاحب المعجزات * قتيل الطغاة ودامي النحور
وله ارجوزة تنوف على 120 بيتا يذكر فيها ما يستحب صومه من الايام ، توجد في مصباحه أولها :
ألحمد لله الذي هداني * إلى طريق الرشد والايمان
ثم صلاة الله ذي الجلال * على النبي المصطفى والآل
ومنها :
وبعده التاسع من ذي الحجه * فصمه والرم بعده المحجه
إلا مع الضعف عن الدعاء * أو أن يشك في الحلال الرائي
ومنها :
وبعده يوم غدير خم * ثامن عشر منه فاتبع نظمي
فيه أتى النص عن النبي * على الامام المرتضى علي
حقا وفيه كمل الاسلام * وفصله لم تحصه الاقلام

هامش
( 1 ) القتير : الشيب .

فصومه يعدل صوم الدهر * فهذه السبعة صم عن أمر

الشاعر
الشيخ تقي الدين ابراهيم بن الشيخ زين الدين علي بن الشيخ بدرالدين حسن بن الشيخ محمد بن الشيخ صالح بن الشيخ اسماعيل الحارثي الهمداني الخارفي العاملي الكفعمي اللويزي الجبعي .
أحد أعيان القرن التاسع الجامعين بين العلم والادب ، الناشرين لالوية الحديث والمستخرجين كنوز الفوايد والنوادر ، وقد استفاد الناس بمؤلفاته الجمة ، وأحاديثه المخرجة ، وفضله الكثير ، كل ذلك مشفوع منه بورع موصوف ، وتقوى في ذات الله ، إلى ملكات فاضلة ، ونفسيات كريمة ، حلى جيد زمنه بقلائدها الذهبية ، وزين معصمه بأسورتها ، وجلل هيكله بأبرادها القشيبة ، وقبل ذلك كله نسبه الزاهي بأنوار الولاية المنتهي ( 1 ) إلى التابعي العظيم : الحارث بن عبدالله الاعور الهمداني ، ذلك العلوي المذهب ، العلي شأنه ، الجلي برهانه ، الذي هو من فقهاء الشيعة، سيوافيك ذكره في ترجمة أحد أحفاد أخي المترجم له الشيخ حسين والد شيخنا البهائي قدس أسرارهم .
وقد توافقت المعاجم على سرد ألفاظ الثناء البالغ على المترجم له ) الكفعمي (تجد ترجمته في أمل الآمل . رياض العلماء . نفح الطيب 4 : 395 وأكثر من ذكر بدايعه وطرفه وخطبه وأشعاره . رياض الجنة في الروضة الرابعة . روضات الجنات ص 6 .
تكملة أمل الآمل لسيدنا أبي محمد الحسن الصدر الكاظمي اعيان الشيعة ج 5 : 336 - 358 الكنى والالقاب 3 : 95 . سفينة البحار 1 : 77 الفوائد الرضوية 1 : 7 . المشيخة لشيخنا الرازي ص 42 .

تآليفه القيمة
1- المصباح المؤلف 895 2
2- البلد الامين .
3 - شرح الصحيفة .
4 - المقصد الاسنى في شرح الاسماء الحسنى

هامش
( 1 ) نص صاحب ) الرياض ( بانتهاء نسب المترجم له إلى الحارث الهمدانى في ترجمة والده الشيخ زين الدين على . وفى ) تكملة الامل ( لسيدنا الحجة صدرالدين : انه ذكر في آخر كتاب ( الدروس ( الذى عندى بخطه : انه الكفعمى مولدا ، اللوذى محتدا ، الجبعى أبا ، الحارثى نسبا ، التقى لقبا .

5 - رسالة في محاسبة النفس .
6 - كفاية الادب ( 1 ) في أمثال العرب في مجلدين .
7 - قراضة النضير في التفسير ( 2 )
8 - صفوة الصفات في شرح دعاء السمات .
9 - فروق اللغة
10 - المنتقى في العوذ والرقى .
11 - الحديقة الناضرة .
12 - نور حدقة البديع في شرح بعض القصائد المشهورة .
13 - النحلة ( 3 )
14- فرج الكرب .
15 - الرسالة الواضحة في شرح سورة الفاتحة .
16 - العين المبصرة
17- الكوكب الدري
18 - زهر الربيع في شواهد البديع
19 - حياة الارواح في اللطايف والاخبار والآثار فرغ منه سنة 843 .
20 - التلخيص في الفقه 21 - أرجوزة في مقتل الحسين عليه السلام واصحابه .
22 - مقاليد الكنوز في أقفال اللغوز .
23 - رسالة في وفيات العلماء .
24 - ملحقات الدروع الواقية .
25 - مجموع الغرائب .
26 - اللفظ الوجيز في قرائة الكتاب العزيز .
27 - مجموعة كبيرة مشتملة على رسائل وكتابات .
28- مختصر نزهة الالباء في طبقات الادباء
29 - اختصار لسان الحاضر والنديم .
إلى تآليف اخرى أنهاها السيد صاحب ) الاعيان ( إلى 49 .
يروي شيخنا الكفعمي عن والده المقدس الشيخ زين الدين علي .
والسيد حسين بن مساعد الحسيني الحايري صاحب ) تحفة الابرار في مناقب الائمة الاطهار ( . والسيد علي بن عبدالحسين الموسوي صاحب رفع الملامة عن علي عليه السلام في ترك الامامة .
والشيخ علي بن يونس زين الدين النباطي البياضي صاحب ) الصراط المستقيم ( .
ووالد المترجم له الشيخ زين الدين علي جد جد شيخنا البهائي ، أحد أعلام الطائفة وفقهائها البارعين ، يروي عنه ولده المترجم له ، ويعبر عنه بالفقيه الاعظم الورع ، وأثنى عليه الشيخ علي بن محمد بن علي بن محلى شيخ أخي المترجم له شمس الدين محمد في إجازته : بالشيخ العلامة ، زين الدنيا والدين ، وشرف الاسلام

هامش
( 1 ) في تكملة السيد الصدر : نهاية الادب .
( 2 ) تلخيص من مجمع البيان للطبرسى .
( 3 ) في التكملة : النخبة .

والمسلمين ( 1 ) توفي قدس سره سنة 861 .
وخلف الشيخ زين الدين علي خمس بنين وهم :
1 - تقي الدين إبراهيم شيخنا الكفعمي المترجم له .
2- رضي الدين
3 - شرف الدين .
4- جمال الدين أحمد صاحب ( زبدة البيان ) في عمل شهر رمضان ينقل عنه أخوه شاعرنا في تآليفه .
5- شمس الدين محمد جد والد شيخنا البهائي ، كان في الرعيل الاول من أعلام الامة يعبر عنه شيخنا الشهيد الثاني بالشيخ الامام . في إجازته لحفيده الشيخ حسين بن عبدالصمد والد شيخنا البهائي ( 2 ) ويصفه المحقق الكركي بقدوة الاجلاء في العالمين . في إجازته لحفيده الشيخ علي بن عبدالصمد بن شمس الدين محمد المذكورة في ) رياض العلماء ( . وذكره بالامامة السيد حيدر البيروي في إجازته للسيد حسين الكركي . وأثنى عليه العلامة المجلسي في إجازاته بقوله : صاحب الكرامات .
قرأ شمس الدين كثيرا على الشيخ عز الدين الحسن بن أحمد بن يوسف بن العشرة العاملي المتوفى بكرك نوح سنة 862 ، وله إجازة من الشيخ علي بن محمد بن علي بن المحلى المتوفى سنة 855 ، تذكر في إجازات البحار ص 44 ، ولد رحمه الله سنة 822 وتوفى سنة 886 .
توفي شيخنا الكفعمي شاعرنا العظيم في كربلاء المشرفة سنة 905 كما في كشف الظنون ( 3 ) وكان يوصي أهله بدفنه في الحائر المقدس بأرض تسمى ) عقيرا ( ومن ذلك قوله :
سألتكم بالله أن تدفنونني * إذا مت في قبر بأرض عقير ( 4 )

هامش
( 1 ) راجع إجازات البحار ص 45 .
( 2 ) راجع إجازات البحار ص 85 .
( 3 ) راجع ج 2 : 617 وفى طبع ص 1982 .
( 4 ) لعل العقر اسم لبعض نواحى كربلاء المشرفة كالغاضرية وشاطى الفرات ولذا لما سئل سيدنا الحسين السبط سلام الله عليه عن اسم المحل كان من جواب القوم له انه يسمى ) العقر ( فقال عليه السلام : أعوذ بالله من العقر أو ان التسمية مأخوذة مما جاء في اللغة من ان ) العقير ( : الشريف القتيل .

فاني به جار الشهيد بكربلا * سليل رسول الله خير مجير
فإني به في حفرتي غير خائف * بلا مرية من منكر ونكير
أمنت به في موقفي وقيامتي * إذ الناس خافوا من لظى وسعير
فاني رأيت العرب يحمى نزيلها * ويمنعه من أن ينال بضير
فكيف بسبط المصطفى أن يذود من * بحائره ثاو بغير نصير ؟
( وعار على حامى الحمى وهو في الحمى * إذا ضل في البيدا عقال بعير )
لفت نظر :
ذكر السيد الامين صاحب ) الاعيان ( في ص 336 ج 5 : ان المترجم له ولد سنة 840 مستفيدا من ارجوزة له في علم البديع وهذا التاريخ بعيد عن الصواب جدا ، وذهول عما ذكره السيد نفسه من امور تفنده وتضاده ، قال في ص 340 :
وجد بخطه كتاب ) دروس ( الشهيد فرغ من كتابته سنة 850 وعليه قراء‌ته وبعض الحواشي الدالة على فضله .
وعد من تآليفه ص 343 ( حياة الارواح ) فقال : فرغ من تأليفه سنة 843 .
وذكر له مجموعة كبيرة فقال : قال صاحب الرياض : رأيته بخطه في بلدة ايروان من بلاد آذربيجان ، وكان تاريخ اتمام كتابة بعضها سنة 848 ، وبعضها سنة 849 ، وبعضها 852 .
وقال في ص 336 : تاريخ وفاته مجهول ، وفي بعض المواضع : انه توفى سنة 900 ولم يذكر مأخذه ، فهو إلى الحدس أقرب منه إلى الحس لكنه كان حيا سنة 895 فإنه فرغ من تأليف
) المصباح ( في ذلك التاريخ ، وليس في تواريخ مؤلفاته ما هو أزيد من هذا . فعلى ما استفاده سيد الاعيان من تاريخ ولادته 840 يكون عند تأليفه ) المصباح ( ابن خمس وخمسين سنة ، وله في رائيته في ) المصباح ( قوله :
بشيخ كبير له لمة * كساها التعمر ثوب القتير
فمجموع ما ذكرناه يعطينا خبرا بان شاعرنا المترجم له ولد في اوليات القرن التاسع ، وإنه كان في سنة 843 مؤلفا صاحب رأي ونظر ، يثني على تآليفه الاساتذة الفطاحل ، وكان حينما
الف ) المصباح ( سنة 894 شيخا هرما كبيرا .

القرن العاشر عز الدين العاملى المولود 918 المتوفى 984
إلى م الام وأمري شهير * واشفق من كل نذل حقير
وحبي النبي وآل النبي * وقولي بالعدل نعم الخفير
ولي رحم تقتضي حرمة * ولي نسبة بولائي الخطير
فلي في المعاد عماد بهم * ولي في القيام مقام نضير
لاني انادي لدى النائبات * والخوف من أن ذنبي كبير
أخا المصطفى وأبا السيدين * وزوج البتول ونجل الظهير
ومحبوب رب حميد مجيد * وخير نبي بشير نذير
ونور الظلام وكافي العظام * ومولى الانام بنص الغدير
مجلي الكروب عليم الغيوب * نقي الجيوب بقول الخبير
وأقضى الانام وأقصى المرام * وسيف السلام السميع البصير
القصيدة 45 بيتا

ما يتبع الشعر
هذه الابيات مستهل قصيدة للشيخ الحسين بن عبدالصمد العاملي والد شيخنا ( البهائي ( وشرحها بعد مدة من نظمها بشرح كبير ، وأثبت كلما ذكر فيها من فضائل اميرالمؤمنين عليه السلام بطريق الجمهور وقال فيه : قولي ) ومولى الانام بنص الغدير ( إشارة إلى خبر غدير خم .
وقال بعد ذكر حديث الغدير ما ملخصه : رواه أحمد بن حنبل بست عشر طريقا والثعلبي بأربع طرق في تفسير قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك ورواه ابن المغازلي بثلث طرق ، ورواه في الجمع بين الصحاح الست ، قال ابن المغازلي :
وقد روى حديث غدير خم عن رسول الله صلى الله عليه وآله نحو من مائة نفس ، وذكر محمد بن جرير الطبري المورخ لحديث الغدير خمسا وسبعين طريقا ، وأفرد له كتابا سماه كتاب الولاية وذكر الحافظ أبوالعباس أحمد بن عقدة له خمسا ومائة طريقا ، وأفرد له كتابا ، فهذا قد تجاوز حد التواتر ، ومن العجب تأويل هذا الحديث وهو نص في الامامة ووجوب الطاعة ، ويشهد العقل السليم بفساد ذلك التأويل كما يأباه الحال والمقام ، وقوله صلى الله عليه وآله :
ألست أولى منكم بأنفسكم . بعد نزول قوله تعالى : يا أيها الرسول . وأمثال ذلك فغفل أصحاب التأويل من معنى قول أبي الطيب :
وهبني قلت : هذا الصبح ليل * أيغشى العالمون عن الضياء ؟

الشاعر
عز الدين الشيخ حسسين بن عبدالصمد بن شمس الدين محمد بن زين الدين علي بن بدرالدين حسن بن صالح بن إسماعيل الحارثي الهمداني العاملي الجبعي .
هو من بيت عرق فيه المجد والشرف بولاء العترة الطاهرة منذ العهد العلوي ، فمن هنا بشر أميرالمؤمنين عليه السلام جده الاعلى الحارث بن عبدالله الاعور الهمداني الخارفي ( 1 ) عند وفاته بنتيجة عقيدته الصحيحة به ، وولائه الخالص له ، والمترجم له صرح بانتسابه إلى هذالموالي العلوي ) الهمداني ( في كتاب كتبه إلى السلطان شاه طهماسب في سنة 968 رأيته بخطه ، وذكره في إجازته لتلميذه الشيخ رشيد الدين ابن الشيخ إبراهيم الاصبهاني تاريخها تاسع عشر جمادى الاولى سنة 971 ، وفي إجازته لملك علي كما في مستدرك الاجازات ( 2 ) لشخينا الحجة ميرزا محمد الرازى نزيل سامراء المشرفة .

هامش
( 1 ) الخارفى بكسر الراء نسبة إلى ) خارف ( بطن من همدان نزل الكوفة . ويقال : الحوتى بضم الحاء نسبة إلى ) الحوت ( بطن من همدان أيضا .
( 2 ) أحد اجزاء ) مستدرك البحار ( لشيخنا الاجل الرازى : كتاب كريم قيم ضخم فخم استدرك به .

ونص بهذه النسبة ولده شيخنا البهائي في إجازته سنة 1015 للمولى صفي الدين محمد القمي ، وقال في كشكوله ص 279 طبع مصر سنة 1305 : من ) نهج البلاغة ( من كتاب كتبه أميرالمؤمنين عليه السلام إلى الحارث الهمداني جد جامع الكتاب .
وصرح بها لفيف من أساطين الطائفة ومشايخ الامة ممن عاصر المترجم له أو من قارب عصره ، وإليك أسماء جمع منهم غير المعاجم التي ذكرت فيها ترجمة المترجم له أو ولده البهائي .
1- شيخنا الشهيد الثاني في إجازته للمترجم له سنة 941 .
2- الشيخ حسن صاحب ) المعالم ( في استجازته من المترجم له سنة 983 كما في المستدرك .
3- الشيخ أبومحمد ابن عناية الله الشهير ببا يزيد البسطامي الثاني في إجازته للسيد حسين الكركي سنة 1004 .
4- السيد ماجد بن هاشم البحراني في إجازته للسيد أمير فضل الله دست غيب سنة 1023 .
5- المولى حسنعلي بن المولى عبدالله التستري في إجازته للمولى محمد تقي المجلسي سنة 1534 . الامير شرف الدين علي الشولستاني النجفى في إجازته للمولى محمد تقي المجلسي سنة 1036
6- السيد نورالدين العاملي أخ السيد محمد صاحب ) المدارك ( في إجازته سنة 1051 للمولى محمد محسن بن محمد مؤمن .

هامش
ما فات مولانا العلامة المجلسى قدس سره ، أتى في عدة مجلدات ، تربو صحائف مستدرك اجازاته فحسب على ألفى صحيفة ، وقس عليها غيرها من أجزاء البحار ، ومن سرح النظر في هذا السفر الحافل يجد العلم طافحا من جوانبه ، وتترائى له الفضيلة المتدفقة في طياته ، ويشاهد همة قعساء يقصر دونها البيان ، وتفشل عن ادراكها الهمم ، ولا تبلغ مداها جمل الاطراء والثناء ابقى له ذكرا خالدا مع الابد يذكر ويشكر ، قدس الله روحه وطيب رمسه .

7- الامير السيد أحمد العاملي صهر سيدنا الامير محمد باقر داماد الراوي عنه في صورة طرق روايته .
8- المولى محمد تقي المجلسي في طرق روايته ( الصحيفة السجادية ) في مواضع ثلاثة توجد في إجازات البحار ص 145 ، 146 ، 149 ، وفي إجازته للميرزا إبراهيم ابن المولى كاشف الدين محمد اليزدي سنة 1063 ، وفي إجازته للمولى محمد صادق الكرباسي الاصفهاني الهمداني سنة 1068 ، وفي إجازته لبعض تلاميذه ، وفي إجازته لولده العلامة المجلسي .
9- آقا حسين بن اقا جمال الخونساري في إجازته للامير ذي الفقار سنة 1064 .
10- المحقق السبزواري المولى محمد باقر في إجازته للمولى محمد الكيلاني سنة 1081 وفي إجازته للمولى محمد شفيع سنة 85 1 .
11- الشيخ قاسم بن محمد الكاظمي في إجازته للشيخ نور الدين محمد بن شاه مرتضى الكاشاني سنة 1095 كما في مستدرك الاجازات .
12- العلامة المجلسي في موضعين من فائدة أوردها في إجازات البحار ص 134 وفى غير واحد من إجازاته لتلامذته .
13- الشيخ حسام الدين بن جمال الدين الطريحي في إجازته للشيخ محمد جواد الكاظمي سنة نيف وتسعين وألف .
14- السيد الامير حيدر بن السيد علاء الدين الحسيني البيروني في موضعين من إجازته للسيد حسين المجتهد ابن السيد حيدر الكركي .
15- بعض تلمذة البهائي في بيان روايته عنه ، قال العلامة المجلسي : لعله السيد حسين بن حيدر الكركي .
16- الشيخ محمد حسين الميسي العاملي في إجازته للشيخ أبي الحسن الشريف العاملي سنة 1100 . الشيخ عبدالواحد بن محمد البوراني في إجازته للشيخ ابي الحسن الشريف الفتوني العاملي سنة 1103 .
17- الامير محمد صالح بن عبدالواسع في إجازته للشيخ أبي الحسن الشريف الفتوني سنة 1107 .
18- الشيخ صفي الدين بن فخر الدين الطريحي في إجازته للشيخ أبي الحسن الشريف الفتوني سنة 1111 وفي غير واحد من إجازاته . وأشار إلى هذا النسب الذهبي الشيخ جعفر الخطي البحراني ( 1 ) المتوفى سنة 1028 في قصيدته التي جارا بها رائية شيخنا البهائي ومدحه فيها ، وكتب الشيخ تقريضا عليها ، يقول فيها :
فيابن الاولى أثنى الوصي عليهم * بما ليس تثني وجهه يد إنكار
بصفين إذ لم يلف من أوليائه * وقد عض ناب للوغى غير فرار
وأبصر منهم جند حرب تهافتوا * على الموت إسراع الفراش على النار
سراعا إلى داعي الحروب يرونها * على شربها الاعمار مورد اعمار
أطاروا غمود البيض واتكلوا على * مفارق قوم فارقوا الحق فجار
وأرسوا وقد لاثوا على الركب الحبا * بروكا كهدي أبركوه لجزار
فقال وقد طابت هنالك نفسه * رضى وأقروا عينه أى إقرار
: فلو كنت بوابا على باب جنة * كما أفصحت عنه صحيحات آثار
أشار إلى ما كان عليه قبيلة همدان يوم صفين وكان فيهم البطل المجاهد جد المترجم له ) الحارث) فأثنى عليهم أميرالمؤمنين عليه السلام وقال : يا معشر همدان ! أنتم درعي و رمحي ما نصرتم إلا الله وما أجبتم غيره .
دعوت فلباني من القوم عصبة * فوارس من همدان غير لئام
فوارس من همدان ليسوا بعزل * غداة الوغا من شاكر وشبام
بكل رديني وعضب تخا له * اذا اختلف الاقوام شعل ضرام
لهمدان أخلاق ودين يزينهم * وبأس إذا لاقوا وجد خصام
وجد وصدق في الحروب ونجدة * وقول إذا قالوا بغير أثام
متى تأتهم في دارهم تستضيفهم * تبت ناعما في خدمة وطعام
جزى الله همدان الجنان فانها * سمام العدى في كل يوم زحام

هامش
( 1 ) توجد ترجمته في ) سلافة العصر ( و ) انوار البدرين ( .

فلو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان : ادخلي بسلام ( 1 )
ومؤسس شرف هذا البيت الرفيع ) الحارث الهمداني ( كان صاحب أميرالمؤمنين عليه السلام والمتفاني في ولائه ، والفقيه الاكبر في شيعته ، وأحد أعلام العالم ، أثنى عليه جمع من رجال العامة ( 2 ) ذكره السمعاني في ) الخارفي ( من ) الانساب ( وقال : كان غاليا في التشيع . وعده ابن قتيبة في المعارف ص 306 من الشيعة في عداد صعصعة بن صوحان وأصبغ بن نباته وأمثالهما ، وترجم له الذهبي في ) ميزان الاعتدال ( ج 1 ص 202 وقال :
من كبار علماء التابعين . ونقل هو ابن حجر في تهذيب التهذيب ص 145 عن أبي بكر ابن أبي داود انه قال : كان الحارث أفقه الناس ، وأحسب الناس ، وأفرض الناس ، تعلم الفرائض من علي عليه السلام . وفي ) خلاصة تهذيب الكمال ( ص 58 : انه أحد كبار الشيعة .
وروى الكشي في رجاله ص 59 باسناده عن أبي عمير البزاز عن الشعبي قال :
سمعت الحرث الاعور وهو يقول : أتيت أميرالمؤمنين عليا عليه السلام ذات ليلة فقال : ياأعور !
ماجاء بك ؟ قال : فقلت : يا أميرالمؤمنين ! جاء بي والله حبك . قال : فقال : أما إني ساحدثك لتشكرها ، أما انه لا يموت عبد يحبني فيخرج نفسه حتى يراني حيث يحب ، ولا يموت عبد يبغضني فخرج نفسه حتى يراني حيث يكره . قال : ثم قال لي الشعبي بعد : أما إن حبه لا ينفعك وبغضه لا يضرك ( 3 )
وحدث الشيخ أبوعلي ابن شيخ الطايفة أبوجعفر الطوسي في أماليه ص 42 باسناده عن جميل بن صالح عن أبي خالد الكاملي ( 4 ) عن الاصبغ بن نباته قال : دخل لحارث الهمداني على أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في نفر من الشيعة وكنت

هامش
( 1 ) كتاب صفين لابن مزاحم ص 310 ، 496 ط مصر ، شرح ابن ابى الحديد 1 : 492 ، ج 2 : 294 .
( 2 ) خلا اناس منهم حناق على العترة الطاهرة ، يتحرون الوقيعة في شيعتهم ، فخلقوا له إفكا ، و نبزوه بالسفاسف مما لا يقام له عند المنقب وزن .
( 3 ) قول الشعبى هذا مناقض لما جاء به النبى الاعظم في حب اميرالمؤمنين عليه السلام وبغضه من الكثير الطيب ، راجع ما مر في اجزاء كتابنا هذا وما يأتى .
( 4 ) كذا والصحيح : الكابلى .

فيهم فجعل يعني الحارث يتأود في مشيته ويخبط الارض بمحجنه وكان مريضا فأقبل عليه أميرالمؤمنين عليه السلام وكانت له منه منزلة فقال : كيف تجدك يا حارث ؟ ! قال : نال الدهر مني يا أميرالمؤمنين ! وزادني اوارا وغليلا اختصام أصحابك ببائك قال : و فيهم خصومتهم ؟ قال : في شأنك والبلية من قبلك ، فمن مفرط غال ، ومقتصد قال ، ومن متردد مرتاب ، لا يدري أيقدم أو يحجم . قال : فحسبك يا أخا همدان ؟ ألا إن خير شيعتي النمط الاوسط ، إليهم يرجع الغالي وبهم يلحق التالي قال : لو كشفت فداك أبي وامي الرين عن قلوبنا وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا ، قال : قدك فإنك امرو ملبوس عليك ، إن دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحق ، فاعرف الحق تعرف أهله ، يا حار ! إن الحق أحسن الحديث والصادع به مجاهد ، وبالحق اخبرك فأعرني سمعك ثم خبر به من كانت له حصانة من أصحابك ألا إني عبدالله وأخو رسوله وصديقه الاول ، قد صدقته وآدم بين الروح والجسد ، ثم إني صديقه الاول في امتكم حقا ، فنحن الاولون ونحن الآخرون ، ألا وأنا خاصته يا حار ! وخالصته و صنوه ووصيه ووليه صاحب نجواه وسره ، اوتيت فيهم الكتاب وفصل الخطاب و علم القرون والاسباب ، واستودعت ألف مفتاح يفتح كل مفتاح ألف باب يفضي كل باب إلى ألف ألف عهد وايدت . أو قال : امددت بليلة القدر نفلا ، وإن ذلك ليجري لي ومن استحفظ من ذريتي ما جرى الليل والنهار حتى يرث الله الارض ومن عليها ، وابشرك يا حارث ! ليعرفني والذي فلق الحبة وبرء النسمة وليي وعدوي في مواطن شتى ، ليعرفني عند الممات وعند الصراط وعند المقاسمة قال : وما المقاسمة يا مولاي ؟ ! قال : مقاسمة النار اقاسمها قسمة صحاحا أقول : هذا وليي وهذا عدوي .
ثم أخذ أميرالمؤمنين عليه السلام بيد الحارث وقال : يا حارث ! أخذت بيدك كما أخذ رسول الله
صلى الله عليه وآله بيدي فقال لي واشتكيت إليه حسدة قريش والمنافقين لي : انه اذا كان يوم القيمة أخذت بحبل أو بحجزة يعني عصمة من ذي العرش تعالى وأخذت يا علي ! بحجزتي وأخذ ذريتك بحجزتك وأخذ شيعتكم بحجزتكم ، فماذا يصنع الله بنبيه ؟ وما يصنع نبيه بوصيه ؟ خذها إليك يا حارث ! قصيرة من طويلة أنت مع من أحببت ، ولك ما احتسبت ، أو قال : ما أكتسبت. قالها ثلثا فقال الحارث وقام يجر ردائه جذلا : ما ابالي ربي بعد هذا متى لقيت الموت أو لقيني . قال جميل بن صالح فانشدني السيد بن محمد في كتابه :
قول ) علي ( لحارث عجب * كم ثم اعجوبة له حملا ؟
: يا حار همدان من يمت يرني * من مؤمن أو منافق قبلا
يعرفني طرفه وأعرفه * بنعته واسمه وما فعلا
وأنت عند الصراط تعرفني * فلا تخف عثرة ولا زللا
أسقيك من بارد على ظمأ * تخاله في الحلاوة العسلا
أقول للنارحين تعرض للعرض * : دعيه لا تقبلي الرجلا
دعيه لا تقربيه إن له * حبلا بحبل الوصى متصلا
توفي الحارث الهمداني سنة 65 كما ذكره الذهبي في ( ميزان الاعتدال ) ، وابن حجر نقلا عن ابن حبان في ( تهذيب التهذيب ) ج 2 ص 147 ، والمورخ عبدالحي في ( شذرات الذهب ) ج 1 ص 73 ، فما في ( خلاصة تذهيب الكمال ) ص 58 من أنها سنة 165 ليس بصحيح .
والمترجم له شيخنا ) الحسين ( أحد أعلام الطايفة ، وفقهائها البارعين في الفقه و اصوله والكلام والفنون الرياضية والادب ، وكان إحدى حسنات هذا القرن ، والالق المتبلج في جبهته ، والعبق المتأرج بين أعطافه ، أذعن بتقدمه في العلوم علماء عصره ومن بعدهم ، قال شيخه الشهيد الثاني في إجازته له المورخة ب‍ 941 المذكورة في كشكول شيخنا البحراني صاحب ) الحدائق ( : ثم إن الاخ في الله المصطفى في الاخوة المختار في الدين ، المرتقى عن حضيض التقليد إلى أوج اليقين ، الشيخ الامام العالم الاوحد ، ذا النفس الطاهرة الزكية ، والهمة الباهرة العلية ، والاخلاق الزاهرة الانسية ، عضد الاسلام والمسلمين ، عز الدنيا والدين حسين بن الشيخ الصالح العالم العامل المتقن المتفنن خلاصة الاخيار الشيخ عبدالصمد بن الشيخ الامام شمس الدين محمد الشهير بالجبعي أسعد الله جده ، وجدد سعده ، وكبت عدوه وضده ، ممن انقطع بكليته إلى طلب المعالي ، ووصل يقظة الايام بإحياء الليالي ، حتى أحرز السبق في مجاري ميدانه ، وحصل بفضله السبق على سائر أترابه وأقرانه ، وصرف برهة من زمانه في تحصيل هذا العلم ، وحصل منه على أكمل نصيب وأوفر سهم فقرأ على هذا الضعيف . إلخ .
وأثنى عليه معاصره السيد الامير حيدر بن السيد علاء الدين الحسيني البيروي في إجازته للسيد حسين المجتهد الكركي بقوله : الشيخ الامام الزاهد العابد العامل العالم ، زبدة فضلاء الانام ، وخلاصة الفقهاء العظام ، فقيه أهل البيت عليهم السلام ، عضد الاسلام ، والمسلمين ، عز الدنيا والدين حسين بن الشيخ العالم . إلخ .
وفي ( رياض العلماء ) : كان فاضلا عالما جليلا اصوليا متكلما فقيها محدثا شاعرا ماهرا في صنعة اللغز وله ألغاز مشهورة خاطب بها ولده البهائي فأجابه هو بأحسن منها وهما مشهوران وفي المجاميع مسطوران .
وقال المولى مظفر علي أحد تلاميذ ولده البهائي في رسالة له في أحوال شيخه :
وكان والد هذا الشيخ في زمانه من مشاهير فحول العلماء الاعلام والفقهاء الكرام ، وكان في تحصيل العلوم والمعارف وتحقيق مطالب الاصول والفروع مشاركا ومعاصرا للشهيد الثاني ، بل لم يكن له قدس الله سره في علم الحديث والتفسير والفقه والرياضى عديل في عصره وله فيها مصنفات .
وقال المولى نظام الدين محمد تلميذ ولده البهائي في ) نظام الاقوال في أحوال الرجال ( : الحسين بن عبدالصمد بن محمد الجبعي الحارثي الهمداني الشيخ العالم الاوحد ، صاحب النفس الطاهرة الزكية ، والهمة الباهرة العلية ، والد شيخنا واستاذنا ومن إليه في العلوم استنادنا أدام الله ظله البهي من أجلة مشايخنا قدس الله روحه الشريفة ، كان عالما فاضلا مطلعا على التواريخ ماهرا في اللغات ، مستحضرا للنوادر والامثال ، وكان ممن جدد قراء‌ة كتب الاحاديث ، ببلاد العجم ، له مؤلفات جليلة ، ورسالات جميلة .
وفي ) أمل الآمل ( : كان عالما ماهرا محققا مدققا متبحرا جامعا أديبا منشئا شاعرا عظيم الشأن ، جليل القدر ، ثقة من فضلاء تلامذة شيخنا الشهيد الثاني . الخ .
إلى كلمات اخرى مبثوثة في الاجازات ومعاجم التراجم . وعرف فضله عاهل ايران بوقته السلطان شاه طهماسب الصفوي ، فسامه تقديرا وتبجيلا ، وقلده شيخوخة الاسلام بقزوين ، ثم بخراسان المقدسة ثم بهراة ، وفوض إليه أمر التدريس والافادة ، وكان يقدمه على كثير من معاصريه بعد استاده المحقق الكركي ، فنهض المترجم له بعب‌ء العلم والدين ونشر أعلامهما بما لا مزيد عليه ، فخلد له التاريخ بذلك كله ذكرا جميلا تضيئ به صحايفه ، وتزدهي سطوره ، ومما خصه المولى سبحانه به وفضله بذلك على كثير من عباده ، وحري بأن يعد من أكبر فضايله الجمة ، وأفضل أعماله المشكورة مع الدهر ، إنه نشر ألوية التشيع في هرات ومناحيها ، وأدرك خلق كثير بارشاده الناجع سعادة الرشد ، وسبيل السداد ، واتبعوا الصراط السوي المستقيم .

مشايخه والرواة عنه
يروي شيخنا المترجم له عن لفيف من أعلام الطايفة وأساتذة العلم . منهم :
1- شيخنا الاكبر زين الدين الشهيد الثاني وأخذ منه العلم .
2- السيد بدرالدين الحسن بن السيد جعفر الاعرجي الكركي العاملي .
3- الشيخ حسن صاحب ) المعالم ( ابن الشهيد الثاني .
4- السيد حسن بن علي بن شدقم الحسيني المدني .
ويروي عنه .
1- السيد الامير محمد باقر الاسترابادي الشهير ) داماد ( .
2- الشيخ رشيد الدين بن إبراهيم الاصفهاني بالاجازة المؤرخة بسنة 971 .
3- السيد شمس الدين محمد بن علي الحسيني الشهير بابن أبي الحسن ، كما في إجازة العلامة المجلسي للسيد نعمة الله الجزائري المؤرخة بسنة 1075 .
4- السيد حيدر بن علاء الدين البيروي كما في إجازته للسيد حسين الكركي .
5- الشيخ أبومحمد بن عناية الله البسطامي كما في إجازته للسيد حسين الكركي .
6- المولى معاني التبريزي كما في إجازات البحار ص 134 ، 135 .
7- الميرزا تاج الدين حسين الصاعدي كما في الاجازات ص 135 .
8- الشيخ حسن صاحب ) المعالم ( كما في إجازة الامير شرف الدين الشولستاني للمولي محمد تقي المجلسي .
9- وملك علي يروي عنه بالاجازة المذكورة في ( أعيان الشيعة ) 26 ص 260 . 10 ، 11 - ولداه العلمان : شيخنا البهائي وأبوتراب الشيخ عبدالصمد . وقرأ عليه السيد علاء الدين محمد بن هداية الله الحسني الخيروي سنة 967 .

آثاره أو مآثره
ومن آثاره أو مآثره تآليف قيمة منها :
شرح على القواعد شرحان على ألفية الشهيد الرسالة الطهماسية في الفقه .
الرسالة الوسواسية رسالة في وجوب الجمعة وصول الاخيار إلى اصول الاخبار .
الرسالة الرضاعية حاشية على الارشاد رسالة مناظرة مع علماء حلب ( 1 ) .
رسالة في الرحلة ( 2 ) رسالة في العقايد رسالة الطهارة الظاهرية والقلبية .
رسالة في المواريث كتاب الغرر والدرر رسالة في تقديم الشياع على اليد .
رسالة في الواجبات تعليقات على الصحيفة رسالة في القبلة ديوان شعره دراية الحديث كتاب الاربعين تعليقة على خلاصة العلامة رسالة في جواز استرقاق الحربي البالغ حال الغيبة .
رسالة تحفة أهل الايمان في قبلة عراق العجم وخراسان .
رسالة في وجوب صرف مال الامام عليه السلام في ايام الغيبة .
جواب عما اورد على حديث نبوي ( 3 ) رسالة في عدم طهر البواري بالشمس .

ولادته ووفاته
ولد شيخنا المترجم له اول محرم الحرام سنة 918 ، وتوفي سنة 984 في ثامن ربيع الاول في قرية المصلى من أرباض ) هجر ( من بلاد البحرين وكان عمره ستا وستين سنة وشهرين وسبعة أيام ورثاه ولده الاكبر شيخنا البهائي بقوله :

هامش
( 1 ) للمترجم له رحلات فيها خطوات محمودة ومواقف تذكر وتشكر وراء صالح الامة والسعى دون مناهج الدين والمذهب ، ورسالته هذه تجمع شتات تلكم المساعى ، راجع اعيان الشيعة لسيدنا الامين .
( 2 ) رسالة قيمة في الامامة تجد جملة ضافية في أعيان الشيعة 26 : 248 .
( 3 ) من قوله صلى الله عليه وآله : انى احب من دنياكم ثلاثا : النساء . والطيب . وقرة عينى الصلاة .

قف بالطلول وسلها أين سلماها ؟ * ورو من جرع الاجفان جرعاها
وردد الطرف في أطراف ساحتها * وروح الروح من أرواح أرجاها
وإن يفتك من الاطلال مخبرها * فلا يفوتك مرآها ورياها
ربوع فضل تباهي التبر تربتها * ودار انس يحاكي الدر حصباها
عدا علي جيرة حلوا بساحتها * صرف الزمان فأبلاهم وأبلاها
بدور تم غمام الموت جللها * شموس فضل سحاب الترب غشاها
فالمجد يبكي عليها جازعا اسفا * والدين يندبها والفضل ينعاها
يا حبذا أزمن في ظلهم سلفت * ما كان أقصرها عمرا وأحلاها ؟
أوقات انس قضيناها فما ذكرت * إلا وقطع قلب الصب ذكراها
يا سادة هجروا واستوطنوا هجرا * واها لقبلي المعنى بعدكم واها
رعيا لليلات وصل بالحمى سلفت * سقيا لايامنا بالخيف سقناها
لفقدكم شق جيب المجد وانصدعت * أركانه وبكم ما كان أقواها
وخر من شامخات العلم أرفعها * وانهد من باذخات الحلم أرساها
يا ثاويا بالمصلى من قرى حجر * كسيت من حلل الرضوان أرضاها
أقمت يا بحر ! بالبحرين فاجتمعت * ثلاثة كن أمثالا وأشباها
ثلاثة أنت أنداها وأغزرها * جودا وأعذبها طعما وأحلاها
حويت من درر العلياء ما حويا * لكن درك أعلاها وأغلاها
يا أخمصا وطأت هام السهى شرفا ( 1 ) * سقاك ؟ من ديم الوسمي أسماها
ويا ضريحا علا فوق السماك علا * عليك من صلوات الله أزكاها
فيك انطوى من شموس الفضل أزهرها * ومن معالم دين الله أسناها
ومن شوامخ أطواد الفتوة أرسا * ها وأرفعها قدرا وأبهاها
فاسحب على الفلك الاعلى ذيول علا * فقد حويت من العلياء أعلاها

هامش
( 1 ) أخمص القدم : ما لا يصيب الارض من باطنها ، ويراد به القدم كلها . السهى : كوكب خفى من بنات نعش الصغرى . ومنه المثل : اريها السهى وترينى القمر . يضرب للذى يسأل عن شئ فيجيب جوابا بعيدا .

عليك مني سلام الله ما صدحت * على غصون إراك الدوح ورقاها
قال صاحب ) رياض العلماء ( : ورثاه جماعة من الشعراء .
وللمترجم له قصيدة جارى بها البردة للبوصيري يمدح بها الرسول الاعظم و خليفته الصديق الاكبر أولها :
ألؤلؤ نظم ثغر منك مبتسم ؟ * أم نرجس ؟ أم أقاح في صفى بشم ؟ !
والقصيدة طويلة تناهز 129 بيتا وقد وقف سيد الاعيان منها على 69 بيتا فحسب أنها تمام القصيدة فقال : تبلغ 69 بيتا ثم ذكر جملة منها ، ومن شعر المترجم له قوله :
ما شممت الورد إلا * زادني شوقا اليك
وإذا ما مال غصن * خلته يحنو عليك
لست تدري ما الذي قد * حل بي من مقلتيك
إن يكن جسمي تناء‌ى * فالحشى باق لديك
كل حسن في البرايا * فهو منسوب إليك
رشق القلب بسهم * قوسه من حاجبيك
إن ذاتي وذواتي * يا منايا في يديك
آه لو اسقى لاشفى * خمرة من شفتيك
وله قوله وهو المخترع لهذا الروي :
فاح عرف الصبا وصاح الديك * وانثنى البان يشتكي التحريك
قم بنا نجتلى مشعشعة * تاه من وجده بها النسيك
لو رآها المجوس عاكفة * وحدوها وجانبوا التشريك
إن تسر نحونا نسر وإن * مت في السير دوننا نحييك
وذكر شيخنا البهائي في كشكوله ص 65 لوالده على هذا الروي ثمانية عشر بيتا اولها :
فاح ريح الصبا وصاح الديك * فانتبه وانف عنك ما ينفيك
وعارضها ولده الشيخ بهاء الدين بقصيدة كافية مطلعها :
يا نديمي بهمجتي أفديك * قم وهات الكؤس من هاتيك
خمرة إن ضللت ساحتها * فسنا نور كأسها يهديك
يا كليم الفؤاد ! داو بها * قلبك المبتلى لكي تشفيك
هي نار الكليم فاجتلها * واخلع النعل واترك التشكيك
صاح ناهيك بالمدام فدم * في احتساها مخالفا ناهيك ( 1 )
وخلف المترجم على علمه الجم وفضله المتدفق ولداه العلمان : شيخ الطايفة بهاء الملة والدين الآتي ذكره وهو أكبر ولديه ولد سنة 953 ، والشيخ أبوتراب عبد الصمد بن الحسين المولود بقزوين ليلة الاحد وقد بقي من الليل نحو ساعة ثالث شهر صفر سنة 966 كما في ) الرياض ( نقلا عن خط والده المترجم له ) الشيخ حسين ( وصرح والدهما المترجم له في اجازته لهما ان البهائي اكبر ولديه ، وللشيخ عبدالصمد حاشية على أربعين أخيه شيخنا البهائي وفوائده على الفرئض النصيرية ، وكتب الشيخ البهائي باسمه فوائده الصمدية ، يروي بالاجازة عن والده المقدس الشيخ حسين ، ويروي عنه العلامة السيد حسين بن حيدر بن قمر الكركي توفي سنة 1020 ، ترجمه صاحبا ( الامل ( و ) الرياض ( وغيرهما ، وورثه على علمه الغزير ولداه العالمان : الشيخ أحمد بن عبدالصمد نزيل هرات ، يروي عنه بالاجازة السيد حسين بن حيدر بن قمر الكركي الراوي عن والده ايضا .
وأخوه الشيخ حسين بن عبدالصمد كان قاضي هرات ، قال صاحب ( رياض العلماء ) :
كان شاعرا ماهرا في العلوم الرياضية له منظومة بالفارسية في الجبر والمقابلة . يروي عن عمه شيخنا البهائي بالاجازة توجد بعض تعاليقه على بعض الكتب مورخا بسنة 1060 .
وأما سائر رجالات هذه الاسرة الكريمة فوالد المترجم له الشيخ عبدالصمد من نوابع الطايفة ، وعلمائها البارعين ، وصفه شيخ الطايفة الشهيد الثاني في إجازته لولد المترجم له بالشيخ الصالح العامل العالم المتقن ، وأثنى عليه السيد حيدر البيروي في

هامش
( 1 ) إلى اخر الابيات المذكورة في ( خلاصة الاثر ) 3 : 449 ، وريحانة الالباء للخفاجي ، و كشكول ناظمها ص 65 .
إجازته للسيد حسين المجتهد الكركي ، بالشيخ العالم العامل ، خلاصة الاخيار ، وزين الابرار الشيخ عبدالصمد ، ولد سنة 855 في 21 محرم وتوفي سنة 935 في منتصف ربيع الثاني ترجمه صاحبا ) الرياض ( و ) أمل الآمل ( وغيرهما .
واخو المترجم الاكبر الشيخ نورالدين أبوالقاسم علي بن عبدالصمد الحارثي المولود سنة 898 من تلمذة الشهيد الثاني قال صاحب ) رياض العلماء ( : فاضل عالم جليل فقيه شاعر له منظومة في ألفية الشهيد تسمى بالدرة الصفية في نظم الالفية ، يروي عن المحقق الكركي بالاجازة سنة 935 وقرء عليه جملة من كتب الفقه .
وأخوه : الشيخ محمد بن عبدالصمد ولد سنة 903 وتوفى سنة 952 .
وأخوه الثالث : الحاج زين العابدين المولود سنة 909 والمتوفى سنة 965 . وأوعزنا في ترجمة عم والد المترجم له الشيخ ابراهيم الكفعمي ص 215 إلى ترجمة جد المترجم الشيخ شمس الدين محمد ، وجد والده الشيخ زين الدين علي .
توجد ترجمة شيخنا عزالدين الحسين ، وسرد جمل الثناء عليه في كشكول الشيخ يوسف البحراني ، لؤلؤة البحرين ص 18 ، رياض العلماء ، أمل الآمل ص 13 ، نظام الاقوال في أحوال الرجال ( 1 ) تاريخ عالم آراي عباسي ، روضات الجنات ص 193 ، مستدرك الوسائل 3 : 421 ، تنقيح المقال 1 : 332 ، الاعلام للزركلي 1 : 250 ، أعيان الشيعة 26 : 226 - 270 وفيها فوائد جمة ، سفينة البحار 1 : 174 ، الكنى والالقاب 2 : 91 ، الفوائد الرضوية 1 : 138 ، منن الرحمان 1 ص 8 .
هامش
( 1 ) تاليف المولى نظام الدين محمد القرشى تلميذ شيخنا البهائى ولد المترجم له .

شعراء الغدير في القرن الحادي عشر
ابن أبى شافين البحراني المتوفى بعد 1001

أجل مصابي في الحياة وأكبر * مصاب له كل المصائب تصغر
مصاب به الآفاق أظلم نورها * ووجه التقى والدين أشعث أغبر
مصاب به أطواد علم تدكدكت * وأصبح نورالدين وهو مغبر
إلى أن قال فيها :
وسار النبي الطهر من أرض مكة * وقد ضاق ذرعا بالذي فيه أضمروا
ولما أتى نحو ) الغدير ( برحله * تلقاه جبريل الامين يبشر
بنصب ) علي ( واليا وخليفة * فذلك وحي الله لا يتأخر
فرد من القوم الذين تقدموا * وحط اناس رحلهم قد تأخروا
ولم يك تلك الارض منزل راكب * بحر هجير ناره تتسعر
رقى منبر الاكوار طهر مطهر * ويصدع بالامر العظيم وينذر
فأثنى على الله الكريم مقدسا * وثنى بمدح المرتضى وهو مخبر :
بأن جاء‌ني فيه من الله عزمة * وإن أنا لم أصدع فإني مقصر
وإني على اسم الله قمت مبلغا * رسالته والله للحق ينصر
علي أخي في امتي وخليفتي * وناصر دين الله والحق ينصر
وطاعته فرض على كل مؤمن * وعصيانه الذنب الذي ليس يغفر
ألا فاسمعوا قولي وكونوا لامره * مطيعين في جنب الاله فتوجروا
ألست بأولى منكم بنفوسكم ؟ * فقالوا : نعم نص من الله يذكر
فقال : ألا من كنت مولاه منكم * فمولاه بعدي والخليفة حيدر
إلتقطنا هذه الابيات من قصيدة كبيرة لشاعرنا ( ابن أبي شافين ) تبلغ خمسمائة
وثمانين بيتا توجد في المجاميع المخطوطة العتيقة .

الشاعر
الشيخ داود بن محمد بن أبي طالب الشهير بابن أبي شافين الجد حفصي البحراني ، من حسنات القرن العاشر ، ومن مآثر ذلك العصر المحلى بالمفاخر ، شعره مبثوث في
مدونات الادب ، والموسوعات العربية ، ومجاميع الشعر ، إن ذكر العلم فهو أبوعذره أو حدث عن القريض فهو ابن بجدته ، ذكره السيد علي خان في ) السلافة ( ص 529 و أطراه بقوله : البحر العجاج إلا أنه العذب لا الاجاج ، والبدر الوهاج إلا انه الاسد المهاج ، رتبته في الاباء‌ة شهيرة ، ورفعته أسمى من شمس الظهيرة ، ولم يكن في مصره وعصره من يدانيه في مده وقصره ، وهو في العلم فاضل لا يسامى ، وفي الادب فاصل لم يكل الدهر له حساما ، إن شهر طبق ، وإن نشر عبق ، وشعره أبهي من شف البرود ، وأشهى من رشف الثغر البرود ، وموشحاته الوشاح المفصل ، بل التي فرع حسنها و أصل ، ومن شعره قوله :
أنا والله المعانى * بالهوى شوقي أعرب
كل آن مرحالي * في الهوى يا صاح أغرب
كل ما غنى الهوى لي * أرقص القلب وأطرب
وغدا يسقيه كاسا - ت صبابات فيشرب
فالذي يطمع في سل‍ - - ب هوى قلبي أشعب
قلت للمحبوب : حتا - م الهوى للقلب ينهب ؟
وبميدان الصبا وال‍ - - لهو ساه أنت تلعب ؟
قال : ما ذنبي إذا شا - هدت نار الخد تلهب ؟
فهوى قلبك فيها * ذاهبا في كل مذهب
قلت : هب إن الهوى ه‍ - - ب فألقاه بهب هب
أفلا تنقذ من يه‍ - - واك من نار تلهب ؟
ثم ذكر له لامية وموشحة دالية تناهز 42 بيتا مطلعها :
قل لاهل العذل : لو وجدوا * من رسيس الحب ما نجد
أوقدوا في كل جارحة * زفرة في القلب تتقد
فاسعد الهايم ايها اللايم * فالهوى حاكم . إن عصى أحد وذكره المحبي في خلاصة الاثر 2 : 88 وقال : من العلماء الاجلاء الادباء ، استاد السيد أبي محمد الحسين بن الحسن بن أحمد بن سليمان الحسيني الغريفي البحراني ولما توفي تلميذه السيد العلامة الغريفي في سنة 1001 وبلغ نعيه إلى شيخه الشيخ داود ابن أبي شافير البحراني استرجع الشيخ وأنشد بديهة .
هلك القصر ياهمام فغني * طربا منك في أعالي الغصون ( 1 )
وأثنى عليه الشيخ سليمان الماحوزي في رسالته في علماء البحرين بقوله : واحد عصره في الفنون كلها ، وشعره في غاية الجزالة ، وكان جدليا حاذقا في علم المناظرة و آداب البحث ، ما ناظر أحدا إلا وأفحمه . إلخ .
وقال الشيخ صاحب ) انوار البدرين ( : كان هذا الشيخ من أكابر العلماء وأساطين الحكماء .
وذكره العلامة المجلسي في ( إجازات البحار ) ص 129 وأطراه بما مر عن سلافة العصر ، وجمل الثناء عليه منضدة في ) انوار البدرين ( و ) وفيات الاعلام ( لشيخنا الرازي ، و
( الطليعة ( للمرحوم السماوي ، وتتميم أمل الآمل للسيد ابن أبي شبانة البحراني .
لشاعرنا ( ابن أبي شافين ) رسائل منها رسالة في علم المنطق ، وشرح على الفصول النصيرية في التوحيد . وشعره مبثوت في مجاميع الادب ذكر له شيخنا الطريحي في المنتخب 1 : 127 قصيدة يرثي بها الامام السبط عليه السلام تناهز 37 بيتا مستهلها :

هامش
( 1 ) وذكره السيد صاحب ) السلافة ( ص 504 .

هلموا نبك أصحاب العباء * ونرثي سبط خير الانبياء
هلموا نبك مقتولا بكته * ملائكة الاله من السماء
وذكر له العلامة السيد أحمد العطار في الجزء الثاني من موسوعه ) الرائق )
قوله في رثاء الامام السبط سلام الله عليه :
يا واقفا بطفوف الغاضريات * دعني أسح الدموع العندميات
من أعين بسيوف الحزن قاتلة * طيب الكرى لقتيل السمهريات
وسادة جاوزوا بيد الفلات بها * وقادة قددوا بالمشرفيات
القصيدة تناهز 62 بيتا يقول في آخرها :
لا يبتغي بن أبي شافين من عوض * إلا نجاة وإسكانا بجنات
وذكر السيد قدس سره في ) الرائق ( ايضا له قوله في رثاء الامام الشهيد
صلوات الله عليه :
مصائب يوم الطف أدهى المصائب * وأعظم من ضرب السيوف القواضب
تذوب لها صم الجلاميد حسرة * وتنهد منها شامخات الشناخب
بها لبس الدين الحنيف ملابسا * غرابيب سودا مثل لون الغياهب
القصيدة 50 بيتا وفي آخرها قوله :
ودونكم غراء كالبدر في الدجي * من بن أبي شافين ذات غرائب .
وذكر الشيخ لطف الله بن علي بن لطف الله الجد حفصي البحراني في مجموعته ( 1 )
الشعرية له قصيدة تبلغ 71 بيتا في رثاء الامام السبط الطاهر عليه السلام أولها :
قفا بالرسوم الخاليات الدواثر * تنوح على فقد البدور الزواهر
بدور لآل المصطفى قد تجللت * بعارض جون فاختفت بدياجر
ففي كل قصر منهم قمر ثوى * وجلل من غيم الغموم بساتر

هامش
( 1 ) هذه المجموعة تتضمن على ما قاله اربع وعشرون شاعرا من فحول الشعراء في رثاء الامام السبط عليه السلام اولهم سيدنا الشريف الرضى ، وقفت منها بخط جامعها على عدة نسخ في النجف الاشرف والكاظمية المشرفة ، وطهران عاصمة ايران .

وفي تلك المجموعة له في رثاء الامام السبط عليه السلام تناهز 42 بيتا مطلعها :
قف بالطفوف بتذكار وتزفار * وذب من الحزن ذوب التبر في النار
واسحب ذيول الاسى فيها ونح أسفا * نوح القماري على فقدان أقمار
وانثر على ذهب الخدين من درر * الدمع الهتون وياقوت الدم الجاري
ونح هناك بليعات الاسى جزعا * فما على الواله المحزون من عار
وعز نفسك عن أثواب سلوتها * على القتيل الذبيح المفرد العاري
لهفي وقد مات عطشانا بغصته * يسقى النجيع ببتار وخطار
كأنما مهره في جريه فلك * ووجهه قمر في افقه ساري
وله قصيدة يمدح بها النبي الاعظم ووصيه الطاهر وآلهما صلوات الله عليهم أولها :
بدا يختال في ثوب الحرير * فعم الكون من شر العبير
فقلنا : نور فجر مستطير * جبينك ؟ أم سنا القمر المنير ؟
وقد مائل أم غصن بان * تثنى ؟ أم قضيب خيزراني ؟
عليه بدر تم شعشعاني * بنور في الدياجي مستطير ؟
ألا يايوسفي الحسن كم كم * فؤادي من لهيب الشوق يضرم ؟
وكم يافتنة العشاق اظلم * ومالي في البرايا من نصير ؟
يقول فيها :
فإن ضيعت شيئا من ودادي * فحسبي حب أحمد خير هادي
ومبعوث إلى كل العباد * شفيع الخلق والهادي البشير
وهل اصلى لظى نار توقد * وعندي حب خير الخلق أحمد
وحب المرتضى الطهر المسدد * وحب الآل باق في ضميرى ؟
به داود يجزي في المعاد * نجاة من لظى ذات اتقاد
وينجو كل عبد ذي وداد * بحب الآل والهادي البشير
ابن أبى شافين
قد وقع الخلاف في ضبط كنية شاعرنا هذه ، ففي ) سلوة الغريب ( للسيد علي خان المدني : ابن أبي شافيز ، وكذلك ضبطها سيد الاعيان . وفي ) سلافة العصر ( للسيد المدني ايضا : ابن أبي شافير . بالراء المهملة تارة وبالنون اخرى . وفي ) خلاصة الاثر ( للمحبي : ابن أبي شاقين : بالقاف والنون . وفي ) البحار ( ابن أبي شافير مهملة الآخر .
والذي نجده في شعره بلا خلاف فيه : ابن ابي شافين . بالفاء والنون .

القرن الحادي عشر زين الدين الحميدى المتوفى 1005

صاح ! عرج على قباب قباء * وارتقب خلوة عن الرقباء
لا تكن لاهيا بسعدى وسلمى * لا ولا معجبا بجر قباء
وتدلل لسادة في فؤادي * لهم مسكن حصين البناء
وتلطف وارو حديثا قديما * عن غرام نام حشا أحشائي
وتعطف وانشر لهم طي وجدي * وهيامي بهم وطول بكائي
قل : تركنا صباصبا في هواكم * وتباريح الهجر في برحائي
قد وهى في الهوى تجلده وال‍ * نوم كالصبر عنه قاص ونائي
بين واش وشى بافتراء * وعذول يعزى إلى العواء
وجنان عن التسلي جبان * ودموع ممزوجة بدماء
وزفير لولا المدامع تهمى * لشواه قد صار خلف عناء
شاقه نشق طيب مأوى الف‍ - - خر والمجد والعلى والهناء
مهبط الوحي منزل العز مثوى ال‍ - - فضل دار الثنا محل البهاء
تربة تربها على التبر يسمو * وضياها يفوق ضوء ذكاء
بقعة فضلت على العرش والكر - سي فضلا عن سائر البطحاء
موطن حل فيه خير نبى * متحل بأشرف الاسماء
أحمد الحامدين محمود فعل * خص بالحوض واللوا والولاء
حسن محسن رؤف رحيم * خاتم الرسل صفوة الاصفياء
أعبد العابدين بر كريم * منه كانت مكارم الكرماء
رحمة الله للخلائق طرا * فبه منه رحمة الرحماء
أعذب الخلق منطقا أصدق ال‍ - - ناس مقالا ما فاه بالفحشاء
أعرف العارفين أخوف خلق - الله منه في جهره والخفاء
كل ما في الوجود من أجله او - جد لا تفتقر إلى استثناء
أكمل الكاملين كل كمال * منه فضلا سرى إلى الفضلاء
فبه آدم تعلم ما لم * يدره غيره من الاسماء
وبه في السفين نجي نوح * ونجا يونس من الغماء
حر نار الخليل قد صار بردا * إذ به كان حالة الالقاء
أي حر يقوى بمن كانت ال‍ - سحب له في الهجير أقوى وقاء
كشف الضر منه عن جسم أيو - ب واوتى ضعفا من الآلاء
وبه قد علا لادريس شأن * والذبيحان أنقذا بالفداء
منه سر سرى لعيسى فأحيا * دارسا مذ دعاه بعد البلاء
وكذا أكمها وأبرص أبرا * فشفاذا وذاك أوفى شفاء
هو من قبل كل خلق نبي * لا تقف عند حد طين وماء
كان نور الاله إذ ذاك فاستو - دع ضمنا بمبدأ الآباء
فتلقاه من شريف شريف * من لدن آدم ومن حواء
مودع في كرائم من كرام * عن سفاح تنزهوا وخناء
فأتى الفخر منه آمنة إذ * كان منها له أجل وعاء
حملته فلم تجد منه ثقلا * حال حمل كما يرى بالنساء
فهنيئا به لها إذ بخير ال‍ - - خلق جاء‌ت وسيد الانبياء
وضعته فكان في الوضع رفع * وارتفاع للحق والاهواء
أبرزته شمسا محا غيهب الشر - ك ومنها استضاء كل ضياء
وبميلاده بدت معجزات * فرأى المشركون هول المرائي
أطفئت نارهم ليعلم أن قد * جاء من كفرهم به في انطفاء
أي نار ترى وبالنور لاحت * دور بصرى لمن بمكة رائي ؟
وبكسر الايوان قد آن جبر * وانكسار للدين والاعداء
وأكبت أوثانهم فأحسوا * بمبادى الوبال والاوباء
وعيون سيلت بساوة ساوت * حيث غيصت مقعرا الغبراء
يالها ليلة لنا اسفرت عن * بدر تم محا دجى الظلماء
ليلة شرفت على كل يوم * إذ هبطنا مشرف الشرفاء
إلى أن قال فيها :
وبصديقك الصدوق الذي حا - ز بسبق التصديق فضل ابتداء ( 1 )
الرفيق الرفيق بالغار والوا - قيك فيه من حية رقطاء ( 2 )
المواسيك بالذي ملكت يمنا - ه صدر الائمة الخلفاء ( 3 )
الامام الذي حمى بيضة الد - ين بإحياء سنة بيضاء ( 4 )
قام بالرفق في الخليفة من بعد - ك رفق الآباء بالابناء ( 5 )
وبفاروقك المفرق بالبأ - س جموع الاضلال والاغواء ( 6 )
السديد الشديد بالمسخط الله * الرحيم الشفيق بالاتقياء ( 7 )
هامش
( 1 ) مر في الجزء الثانى ص 312 ان الصديق حقا هو سيدنا امير المؤمنين بتلقيب من النبى الاعظم وحيا من الله تعالى . وبينا في الجزء الثالث ص 240 ان أبابكر لم يحز فضل السبق إلى الايمان .
( 2 ) اسلفنا في الجزء الثامن ص 41 - 46 ط 1 : ان حديث الحية مكذوب مفترى وان حياة الفضائل لا تثبت بالحيات .
( 3 ) سبق منا القول الفصل حول ما ملكت يمنى ابى بكر وما أنفقه في سبيل الدعوه الاسلامية راجع الجزء الثامن ص 50 - 60 ط 1 .
( 4 ) عرفت في الجزء السابع ص 108 - 120 ط 1 مبلغا من عرفانه السنة ، وكيف كان يحيى ما لا يعرف وفي لسانه قوله : لئن أخذتمونى بسنة نبيكم لا اطيقها ؟
( 5 ) سل العترة النبوية الطاهرة عن رفق الخليفة وخص بالسؤال الصديقة بضعة النبى الاقدس .
( 6 ) أنى واين كان هذا البأس المزعوم عن مغازى رسول الله صلى الله عليه وآله وحروبه ؟ ولعله يريد يوما فر عن الزحف وولى الدبر .
( 7 ) استحف السؤال عن الشطر الاول ام جميل الزانية أو المغيرة الزانى ، وسل عن الرحيم الشفيق بضعة المصطفى الصديقة وبعلها الصديق .
عمر فاتح الفتوح الذي مهد * طرق الهدى بحسن ولاء
سالب الفرس ملكهم وكذا الرو - م ومبدي الصلاة بعد الخفاء
الامير الذي برحمته ما - ر عفاة الارامل الضعفاء ( 1 )
فرقا فر من مهابته الشي‍ - - طان عن فجه فرار فراء ( 2 )
وبتاليهما ابن عفان من جهز * لله الجيش في اللاواء
الموفى في يوم بدر وقد خل‍ - - ف الاذن أوفر الانصباء
جامع الذكر في المصاحف ذي النو - رين شيخ الاحسان كهف الحياء
فاسح المسجد المؤسس بالتقو - ى وملقى الاملاك باستحياء ( 3 )
وبباب العلوم صنوك مردي * في الردى كل مبطل بالرداء
أسد الله في الحروب مجلي * أزمان الكروب والغماء
جعل الباب معجز القوم نقلا * ترسه يوم خيبر بنجاء
لم يمله عن التقى زخرف اللهو * ولا مال قط للاهواء
بت زهدا طلاق دنياه * ما غر بام الغرور بالاغراء
الحسيب النسيب أول لاق * من ثنيات نسبة الاقرباء
الوزير المشير بالصوب في الحر - ب الذي قد علا على الجوزاء ( 4 )
وكفاه حديث من كنت مولاه * فخارا ناهيك ذا من ثناء
أخذنا هذه الابيات من قصيده شاعرنا ) الحميدى ( البالغة 337 بيتا يمدح بها النبي الاقدس صلى الله عليه وآله أسماها ) الدر المنظم في مدح النبي الاعظم ( طبع ببولاق سنة 1313 ضمن ديوانه في 149 صحيفة توجد من ص 5 - 22 .

هامش
( 1 ) مار عياله : اتاهم بالطعام والمؤنة .
( 2 ) حديث فرار الشيطان فرقا من عمر من الاكاذيب المضحكة تمس كرامة النبى الاقدس راجع الجزء الثامن ص 65 ط 1 .
( 3 ) استوفينا البحث عما لفقه الشاعر من مناقب عثمان ، وفصلنا القول حول حيائه في الجزء التاسع ص 273 ط 1 .
( 4 ) الصوب : الصواب .

الشاعر
زين الدين عبدالرحمن بن أحمد ( 1 ) بن علي الحميدي ، شيخ أهل الوراقة بمصر ، أثنى عليه الشهاب الخفاجي في ( ريحانة الادب ( ص 270 بقوله : كان اديبا تفتحت بصبا اللطف أنوار شمائله ، ورقت على منابر الآداب خطباء بلا بله ، إذا صدحت بلابل معانيه ، وتبرجت حدائق معاليه ، جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري ، نظم في جيد الدهر جمانه ، وسلم إلى يد الشرف عنانه ، خاطرا في رداء مجد ذي حواش وبطانه ، ناثرا فرائد بيان وينثرها اللسان فتودع حقاق الآذان ، وله في الطب يد مسيحية تحيي ميت الامراض ، وتبدل جواهر الجواهر بالاعراض .
مبارك الطلعة ميمونها * لكن على الحفار والغاسل
وديوان شعره شائع ، ذائع ، ولما نظم بديعيته أرسلها إلي فنظرت فيها في أوائل الصبا تنافس على أرجه وقد فاح مسك الليل وكافور الصباح .
ولا مقرب إلا بصدغ مليحة * ولا جور إلا في ولاية ساق إلخ
وترجمه المحبي في ) خلاصة الاثر ) 2 ص 376 وذكر كلمة الخفاجي مع زيادة .
له الدر المنظم ، وبديعية وشرحها طبعت مع ديوانه كما مر في ترجمة صفي الدين الحلي ، توفي سنة الف وخمس ، وللقارئ عرفان مذهبه مما ذكرناه من شعره ، وميزانه في الشعر قوة وضعفا كما ترى ، وله قصيدة يمدح بها النبي الاعظم صلى الله عليه وآله مستهلها :
مالي أراك أهمت هامه ؟ * أذكرت إفك في تهامه ؟
أم رام قلبك ريم رامه * للقا فلم يبلغ مرامه ؟
أم فوق أفنان الريا - ض شجاك تفنين الحمامه ؟
إلى أن قال في المديح :
ختم الاله ببعثه - بعثا وفض به ختامه
فهو البداية والنها - ية والكفاية في القيامة

هامش
( 1 ) في ريحانة الادب وخلاصة الاثر : محمد بدل أحمد .

وبه الوقاية والهدا - ية والعناية والزعامه
فببابه لذ خاضعا * متذلللا تلق الكرامه
وأفض دموعك سائلا * متوسلا تكف الملامه
وأنخ قلوصك في حما * ه ترى النجاة من المضامه
وبذا الجناب فقم وقل : يا من حوى كل الفخامه
أنت الذي بالجود أخجل‍ * - ت الزواخر والغمامه
أنت الذي في الحشر يقب‍ * - ل ربنا فينا كلامه
أنت الذي لولاك ما * ذكر العقيق ولا تهامه
أنت الذي لولاك ما اش‍ * - تاق المشوق لارض رامه
أنت الذي لولاك ما * ركب الحجاز سرى وسامه
أنت الذي من لمس كفك * قد كفى العافي سقامه
فيما حويت من الجمال * بوجهك الحاوي قسامه
القصيدة 66 بيتا

القرن الحادي عشر
بهاء الملة والدين المولود 953 المتوفى 1031

رعى الله ليلة بتنا سهارى ( 1 ) * خلعنا بحب العذارى العذارا
ولما سرى النجم والبدر حارا * أماطت ذات الخمار الخمارا
وصيرت الليل منها النهارا
وكنا بجنح الدجى أدعج * وبعض إلى بعضنا ملتجي
فقامت لساق لها مدلج * وجاء‌ت تشمر من أبلج
كما طلع البدر حين استنارا
تبدت بنور لها لائح * ووجه لبدر الدجا فاضح
وخد بماء الحيا ناضح * وتبسم عن أشنب واضح
كزهر الاقاح إذا ما استنارا
شربنا لداء الهموم الدوا * وشبنا نسيم الهوى بالهوى
حللنا على النيرين السوى * وقد حلك الليل عنا انطوى
ونور الصباح لدينا استنارا
هوينا رداحا حجازية * فبحنا ضمائر مخفية
فمدت إلينا سراحية * تناول صهباء قانية
كأنا نقابل منها شرارا
سقينا مداما مجوسية * كما التبر حمراء مصرية

هامش
( 1 ) توجد القصيدة وتخميسها في مجموعة العلامة الاوحد شيخنا المرحوم الشيخ على الشيخ محمد رضا آل كاشف الغطا ، الاصل لشيخنا البهائي والتخميس للشيخ على المقرى .

قديمة عهد رمانية * مشعشة ارجوانية
تدب النفوس اليها افتقارا
فقم إنما الديك قد نبها * إلى خمرة فاز من حبها
جلت حين ساقي الهوى صبها * كأن النديم إذا عبها
يقبل في طخية الليل نارا
وبي غارة رنحت قدها * حميا الصبا والفت ضدها
وقد جعلت مقلتي خدها * ولم أنس مجلسنا عندها
جلسنا صحاوى وقمنا سكارى
نعمنا أخلاء دون الانام * بتلك الربوع وتلك الخيام
ألم ترنا إذ هجرنا المنام * تميل بنا عذبات المدام
ونحن نميس كلانا حيارى ؟
فلله مجلسنا باللوى * لكل المنى والهنا قد حوى
إذا نزعت من نزيل الجوى * فقامت وقد عاث فيها الهوى
تستر بالغيم الجلنارا
لها وجه سعد يزيل الشقا * وقد حكى غصنا مورقا
وتشفي عليل الهوى منطقا * تريع كما ريع ظبي النقا
توجهه خيفة واستنارا
هلال السما من سناها يغيب * ومن قدها الغصن مضنى كئيب
ألا إن هذا لشيئ عجيب * إذ البدر أبصرها والقضيب
تلبس هذا وهذا توارى
أضاء الدجا نورها حين لاح * بوجه سبى حسن كل الملاح
أزلنا الهموم بذات الوضاح * سقتنا إلى حين بان الصباح
وفر الدجا من ضياها فرارا
فيا ظبية طال يا للرجال ؟ ! * نقمنا بها في لذيد الوصال
ففر وقد صح فيه المثال * كما فر جيش العدا بالنزال
عن الطهر حيدرة حين غارا
إمام البرية أصل الاصول * شفيع الانام بيوم مهول
فتى حبه الله ثم الرسول * وصي النبي وزوج البتول
حوى في الزمان الندى والفخارا
فياويح من لم ينل مرة * لمن فاق بدر السما غرة
فطوبى لمن زاره مرة * فياراكبا يمتطي حرة
تبيد السهول وتفري القفارا
إذا شئت ترضي إله السما * وتهدى إلى الرشد بعد العمى
وتسقى من الحوض يوم الظما * إذا ما انتهى السير نحو الحمى
وجئت من البعد تلك الديارا
وقابلت مثوى علي الولي * وأظهرت حب الصراط السوي
وشاهدت حبل الاله القوي * وواجهت بعد سراك الغري
فلا تذق النوم إلا غرارا
فحط الرحال بذاك المحل * وعن أرضه قدما لا تزل
وكن لسما قبره مستهل * وقف وقفة البائس المستذل
وسر في الغمار وشم الغبارا
فإن طعت رب السما فارضه * فحب الائمة من فرضه
وضاعف ثوابك من فرضه * وعفر خدودك في أرضه
وقل : يا رعى الله مغناك دارا
إذا جئت ذاك الحمى سلما * وكن والها بالفنا مغرما
وزر قبر من بالمعالي سما * فثم ترى النور ملؤ السما
يعم الشعاع ويغشى الديارا
إذا لم تكن حاضرا عصره * فكن بالبكا مدركا نصره
فقف عنده وامتثل امره * وقل سائلا : كيف يا قبره !
حويت الزمان وحزت الفخارا ؟
وقف والها وابر من ضده * وبث إليه الهوى وابده
ولا تبرح الارض من عنده * وأبلغه يا صاح ! من عبده
سلام محب تنائا ديارا
ألا زره ثم احظ في قربه * لتكسب أجرا وتنجو به
وقم والتثم ترب أعتابه * وأظهر عناك بأبوابه
معفر خديك فيه احتقارا
ويامن أتى بعد قطع الفلا * إمام الهدى وشفيع الملا !
تمسك به فهو عفد الولا * فمن كان مستأثرا في البلا
سوى حيدر لا يفك الاسارى
وكثر بكاك بذاك المكان * وقل : يا قسيم اللظى والجنان
عبيدك يرجو لديك الامان * دعاه البلا وجفاه الزمان
وفيك من الحادثات استجارا
مواليك مستأثر في يديك * ولم يكل الفك إلا عليك
أتاك من الذنب يشكو اليك * أبت نفسه الذل إلا لديك
وبعد المهيمن فيك استجارا
إليك التجى يا سفين النجاة ! * وعن حبكم ماله في الحياة
فقه محنة القبر عند المماة * فأنت وإن حلت النازلات
فتى لا يضيم له الدهر جارا
إمام له خص رب السما * وفي يده الحوض يوم الظما
ومأوى الطريد وحامي الحما * أبى أن يباح حماه كما
أبى أن يرى في الحروب الضرارا
إمام تحن المطايا إليه * وتزوى ذنوب البرايا لديه
غدا أرتجي شربة من يديه * وليس المعول إلا عليه
ولا غيره كان لي مستجارا
فما خاب من يشتكي حاله * لمن في الوصية أوحى له
إله السما وارتضى ماله * فان الذي ناط اثقاله
به كلها ووقاه العثارا
إمام به الشرك عني خفى * وللظلم والفسق عنا نفى
وواخاه واختاره المصطفى * خلاصة أهل التقى والوفا
وركن الهدى ودليل الحيارى
لنا أظهر الدين لما خفي * ومن ذكره كم عليل شفي ؟
ولي الاله التقي الوفي * علي الذي شهد الله في
فضيلته وارتضاه جهارا
فكم في الوغى بطلا قد أذل * وآوى كريما وكهفا أظل
نعم : هو رب العطاء الاجل * يحل الندي به حيث حل
ويرحل في إثره حيث سارا
به انتصر الدين لما فشا * وأخضبت الارض لما مشى
له مفخر في البرايا فشى * فتى قل بتعظيمه ماتشا
سوى ما ادعته بعيسى النصارى
إمام لدى الحوض يسقي العطاش * بيوم ترى الخلق مثل الفراش
علي الذي قدره لا يناش * فدى أحمدا بمبيت الفراش
وصاحبه حيث جاء المغارا
علي أميري ونعم الامير * مجيرى غدا من لهيب السعير
وكان لاحمد نعم النصير * وواخاه أمرا غداة ) الغدير (
من الله نصا به واختيارا
علي إمامي وإلا فلا * ومن خصه الله رب العلا
توليته وهو عقد الولا * أعز الورى وأجل الملا
محلا وأزكى قريش نجارا
هدى الخلق في دينه المستقيم * كما انتصروا فيه أهل الرقيم
ونال الرضا من إله كريم * ويا فلك نوح ونار الكليم !
وسر البساط الذي فيه سارا
أيا سيدى ! يا أخا المصطفي ! * ومن لك بعد النبي الصفا !
عليك سلامي لوقت الوفا * متى ما أصا بارق واختفى
بليل وما حادي العيس سارا
( القصيدة وتخميسها ) ( 1 )

الشاعر
الشيخ محمد بن الحسين بن عبدالصمد الحارثي العاملي الجبعي ، شيخ الاسلام ، بهاء الملة والدين ، واستاذ الاساتذة والمجتهدين ، وفي شهرته الطائلة ، وصيته الطائر .
في التضلع من العلوم ، ومكانته الراسية من الفضل والدين ، غنى عن تسطير ألفاظ الثناء عليه ، وسرد جمل الاطراء له ، فقد عرفه من عرفه ، ذلك الفقيه المحقق . والحكيم المتأله ، والعارف البارع ، والمؤلف المبدع ، والبحاثة المكثر المجيد ، والاديب الشاعر والضليع من الفنون بأسرها ، فهو أحد نوابغ الامة الاسلامية ، والاوحدي من عباقرتها الاماثل ، بطل العلم والدين الفذ على حد قول المحبي في خلاصته 3 : 440 : صاحب التصانيف والتحقيقات ، وهو أحق من كل حقيق بذكر أخباره ، ونشر مزاياه ، وإتحاف العالم بفضائله وبدائعه ، وكان امة مستقلة في الاخذ بأطراف العلوم ، والتضلع بدقائق الفنون ، وما أظن الزمان سمح بمثله ، ولا جاد بنده ، وبالجملة فلم تتشنف الاسماع بأعجب من أخباره ، 1 ه‍ ، ينتهي نسبه إلى التابعي العلوي - مذهبا - الكبير
الحارث الهمداني ، وقد أسلفنا القول فيه عند ترجمة والده الطاهر الشيخ حسين .
تجد ترجمته والثناء عليه بما هو أهله في غضون كثير من معاجم التراجم أمثال :
سلافة العصر ص 289 ، أمل الامل ص 26 . تذكرة نصر آبادى ص 150 . الروضة البهية لسيدنا الشفيع ريحانة الالباء لشهاب الدين الخفاجى ص 103 - 107 .
هامش
( 1 ) ولشيخنا البهائى قصيدة آخرى ذكر فيها ) الغدير ( توجد في ) الانوار النعمانية ( ص 43، و روضات الجنات ص 637 .

خلاصة الاثر للمحبى 3 : 440 455 . جامع الرواة للاردبيلى . اجازات البحار ص 123 نقد الرجال ص 303 . محبوب القلوب للاشكورى . لؤلؤة البحرين ص 15 . رياض الجنة للزنوزى في الروضة الرابعة في حرف الباء بعنوان البهائى . الاجازة الكبيرة للشيخ عبدالله السماهيجى . الاجازة الكبيرة للشيخ ميرزا حيدر على بن عزيز الله النظرى الاصبهانى . تاريخ عالم آراج 1 ص 115 . الاعلام للزركلى 3 ص 889 .
نسمة السحر فيمن تشيع وشعر . روضات الجنات ص 632 . مستدرك الوسائل 3 ص 417 رياض العارفين ص 45 مجمع الفصحاء 2 ص 8 . روضة الصفاء ج 8 في ذكر معاصرى الصفوية من العلماء نجوم السماء ص 26 . طرائق الحقايق 1 ص 137 ، مطلع الشمس 2 ص 157 ، 386 ، تتميم أمل الامل لابن ابى شبانة . تكملة الرجال للشيخ عبدالنبى الكاظمى . شرح قصيدته : وسيلة الفوز والامان لاحمد المنينى . قصص العلماء ص 169 . تكملة أمل الامل لسيدنا ابى محمد الحسن صدر الدين الكاظمى . تنقيح المقال 3 ص 107 . هدية الاحباب ص 109 . الكنى والالقاب 2 ص 89 سفينة البحار 1 ص 113 . الفوائد الرضوية 2 ص 502 - 521 . مفتاح التواريخ ص 332 . منن الرحمان 1 ص 6 . دائرة المعارف للبستانى 11 ص 462 - 464 . تاريخ آداب اللغة العربية 3 ص 328 .
وفيات الاعلام لشيخنا الرازى . معجم المطبوعات ص 1262 . مجلة العرفان ، الجزء الثامن
والتاسع من المجلد الثانى الصادر سنة 1328 ص 383 ، 407 - 413 ، 472 - 476 ، 521
وألف تلميذه العلامة المولى مظفر الدين علي رسالة في ترجمة استاذه المترجم له ، وكذلك أفرد الشيخ ابوالمعالى ابن الحاج محمد الكلباسي في ترجمته رسالة ، وطبع أخيرا كتاب في تاريخ حياته ألفه الكاتب الشهير ( نفيسي ) الطهراني ، وستقف على كلمتنا في آخر الترجمة حول الكتاب.

أساتذته ومشايخه
إن رحلات شيخنا الاكبر ) البهائي ( لاقتناء العلوم ردحا من عمره ، واسفاره البعيدة إلى أصقاع العالم دون ضالته المنشودة ، وتجوله دهرا في المدن والامصار وراء أمنيته الوحيدة ، واجتماعه في الحواضر الاسلامية مع أساطين الدين ، وعباقرة المذهب ، وأعلام الامة ، وأساتذة كل علم وفن ، ونوابغ الفواضل والفضايل ، تستدعي كثرة مشايخه في الاخذ والقرائة والرواية غير ان المذكور منهم في غضون المعاجم :
1- الشيخ والده المقدس الحسين بن عبدالصمد ، أخذ منه ويروي عنه .
2- الشيخ عبدالعالي الكركي المتوفى 993 ابن المحقق الكركي المتوفى 940 .
3- الشيخ محمد بن محمد بن أبي اللطيف المقدسي الشافعي ، يروي عنه شيخنا البهائي وله منه إجازة توجد في اجازات البحار ص 110 مؤرخة بسنة 992 .
4- الشيخ المولى عبدالله اليزدي المتوفى 981 صاحب الحاشية ، أخذ منه كما في ( خلاصة الاثر ) وغيرها .
5- المولى علي المذهب المدرس تلمذ له في العلوم الرياضية .
6- القاضي المولى أفضل القايني .
7- الشيخ أحمد الكجائي ( 1 ) الكهدمي المعروف بپير أحمد ، قرأ عليه في قزوين .
8- النطاسي المحنك عماد الدين محمود ، قرأ عليه في الطب .
قال المولى المحبى في ( خلاصة الاثر ) 3 : 441 : كان يجتمع مدة إقامته بمصر بالاستاذ محمد بن أبي الحسن البكري ، وكان الاستاذ يبالغ في تعظيمه ، فقال له مرة :
يا مولانا ! أنا درويش فقير كيف تعظمني هذا التعظيم ؟ قال : شممت منك رائحة الفضل ، وامتدح الاستاذ بقصيدته المشهورة التي مطلعها :
يا مصر سقيا لك من جنة * قطوفها يانعة ؟ دانيه
ثرابها كالتبر في لطفه * وماؤها كالفضة الصافيه
قد أخجل المسك نسيم لها * وزهرها قد أرخص الغاليه
دقيقة أصناف أوصافها * ومالها في حسنها ثانيه
منذ أنخت الركب في أرضها * نسيت أصحابي وأحبابيه
فيا حماها الله من روضة * بهجتها كافية شافيه
فيها شفاء القلب أطيارها * بنغمة القانون كالداريه
ويقول فيها :
من شاء أن يحيا سعيدا بها * منعما في عيشة راضيه
فليدع العلم وأصحابه * وليجعل الجهل له غاشيه
والطب والمنطق في جانب * والنحو والتفسير في زاويه
وليترك الدرس وتدريسه * والمتن والشرح مع الحاشيه
إلام يادهر وحتى متى * تشقى بأيامك أياميه ؟

هامش
( 1 ) قرية من كهدم من بلاد كيلان .

وهكذا تفعل في كل ذي * فضيلة أو همة عاليه
تحقق الآمال مستعطفا * وتوقع النقص بآماليه
فإن تكن تحسبني منهم * فهي لعمري ظنة واهيه
دع عنك تعذيبي وإلا فأشك‍ * وك إلى ذي الحضرة العاليه ( 1 )
وقال في الخلاصة ص 440 ، 441 : زار النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم أخذ في السياحة ، فساح ثلاثين سنة ، واجتمع في اثناء ذلك بكثير من أهل الفضل ، ثم عاد وقطن بأرض العجم إلى أن قال : وصل إلى اصفهان فوصل خبره إلى سلطانها شاه عباس فطلبه لرياسة علمائها فوليها وعظم قدره ، وارتفع شأنه ، إلا أنه لم يكن على مذهب الشاه في زندقته لانتشار صيته في سداد دينه ، إلا انه غالى في حب آل البيت .
قال الاميني : ما أجرأ الرجل على الوقيعة في مؤمن يقول : ربي الله ؟ وبذاء‌ه اللسان على العلوي الطاهر عاهل البلاد في يومه ، ورميه إياه بالزندقة ، ومن المعلوم نزاهة هذا الملك السعيد في دينه ومذهبه وأعمال وأفعاله وتروكه ، ولم يكن إلا على مذهب أعلام امته وفي مقدمهم شيخنا البهائي ، ولم يؤثر عنه إلا ما هو حسنة وقته ، وزينة عصره - وزينة كل عصر - من موالاة العترة الطاهرة صلوات الله عليهم ، وتأييد مذهبهم الحق ، لكن الرجل مندفع بدافع البغضاء فيقذف ولا يكترث ، ويقول ولا يبالي ، شنشنة أعرفها من أخزم .
وليت شعري أي غلو وقف عليه في حب الشيخ الاجل آل بيت نبيه الاطهر ؟
نعم : لم يجد شيئا من الغلو لكنه يحسب كل فضيلة رابية جعلها الله سبحانه لآل الرسول صلى الله عليه وآله وكل عظمة اختصهم بها غلوا ، وهذا من عادة القوم سلفا وخلفا ، وإلى الله المشتكى.

تلامذته ومن يروى عنه
أخذ عن شيخنا ) البهائي ( علوم الدين والفلسفة والادب زرافات لا يستهان بعدتهم من العلماء الافذاذ ، كما يروي عنه بالاجازة جمع من الفطاحل الاعلام ، فإليك

هامش
( 1 ) وذكرها الخفاجى في ريحانة الالباء .

أسماء الفريقين مرتبة على الحروف :
حرف الالف
الشيخ إبراهيم بن فخر الدين العاملي البازوري ، أمل الآمل ص 5 .
السيد نظام الدين أحمد بن زين العابدين العلوي ، له اجازات ثلث من المترجم له كتبها سنة 1018 توجد في ( إجازات البحار )
الشيخ ابوطالب التبريزي ، تلمذ لشيخنا البهائي وله منه إجازة كما في ( رياض العلماء ) .
السيد ظهير الدين ابراهيم بن قوام الدين الهمداني المتوفى سنة 1025 له اجازة من المترجم له (جامع الرواة . سلافة . نجوم السماء ) .
السيد ابوالقاسم الرازي الغروي ، له اجازة من الترجم له ) وفيات الاعلام ( .
السيد أحمد بن عبدالصمد الحسيني البحراني ، سلافة العصر . أمل الآملالسيد معين الدين محمد أشرف الشيرازي ، كتب المترجم له إجازة له على كتابه مفتاح الفلاح سنة 1021 .
السيد أحمد بن الحسين بن الحسن الموسوي العاملي الكركي ، توجد إجازة شيخنا البهائي له المؤرخة سنة 1012 في ( إجازات البحار ) ص 132 .
حرف الباء
السيد بدرالدين بن أحمد العاملي الانصاري نزيل طوس ، شارح الاثنى عشرية الصومية والصلاتية لاستاذه المترجم له ) أمل الآمل ( .
كمال الدين الحاج بابابن ميرزا جان القزويني ، كتب المترجم له اجازته سنة 1007 على ظهر ( الحبل المتين ) الذي كتبه المجاز له ) الذريعة 1 : 237 ، مستدرك الاجازات )
الامير محمد باقر الاسترآبادي المشهور بطالبان ) أمل الآمل 60 ( .
المولى محمد باقر بن زين العابدين اليزدي ) تتميم أمل الآمل للقزويني ، نجوم السماء ( .
المولى بديع الزمان القهپاني له اجازة كتبها المترجم له على كتابه الاثنى عشرية الصلاتية
( الذريعة ) 1 : 237 .
ج ح خ
الشيخ جعفر بن الشيخ لطف الله بن عبدالكريم الميسي العاملي الاصفهاني ، أجاز له ولوالده سنة 1020 ، توجد في ( إجازات البحار ) ص 130 .
الشيخ جواد بن سعد بن جواد البغدادي المعروف بالفاضل الجواد يروي عن المترجم له
) المستدرك ج 3 : 406 )
الشيخ جعفر بن محمد بن الحسن الخطي البحراني ) أمل الآمل ، سلافة العصر ( وفي السلافة انه توفي سنة 1028
المولى حسنعلي بن المولى عبدالله التستري المتوفى سنة 1069 كما في ) السلافة )أو 1075 ، كتب المترجم له اجازته إياه سنة 1030 ، توجد في ( إجازات البحار ) ص 140 .
الحاج المولى حسين اليزدي الاردكاني ، له شرح خلاصة الحساب لاستاذه المترجم له ولاستاذه تقريظ عليه ) رياض العلماء ( .
السيد حسين بن السيد كمال الدين الابزر الحسيني الحلي ، يروي عن المترجم له كما في اجازة الشيخ عبد علي الخمايسي الراوى عن السيد حسين المذكور للشيخ ناجي الحصيناوي الصادرة سنة 172 وغيرها من اجازاته .
الشيخ حسين بن الحسن العاملي المشغري نزيل مشهد الرضا والمدفون بها يروى بالاجازة عن المترجم له ، توجد على كتاب النكاح من التذكرة ) أمل الآمل )
الشيخ حسين بن علي بن محمد الحر العاملي نزيل اصفهان ) أمل الآمل )
السيد حسين بن محمد علي بن الحسين العاملي الجبعي المتوفى 1069 ) أمل الآمل ( .
السيد حسين بن حيدر الكركي المتوفى سنة 1076 ، يروي عن المترجم له بالاجازات الثلث المورخة بسنة 1003 ، و 1010 و 1020 ) المستدرك 3 : 417 (
السيد الامير شرف الدين حسين كتب المترجم له اجازة له سنة 1030 على إجازة الشهيد الثاني لوالد المجيز ، توجد في ( إجازات البحار )
ميرزا حاتم بيك اعتماد الدولة الاورد بادي ، أخذ الاسطرلاب من المترجم له 25 وكتب استاذه
( البهائي ( له رسالته ) الحاتمية ( بالفارسية 1319 .
المولى خليل بن الغازي القزويني المتوفى سنة 1089 ، يروي عن المترجم له سلافة العصر . أمل الآمل ، المستدرك " 3 : 412 .
المولى خليل بن محمد أشرف القايني الاصفهاني يروي غير المترجم له .
ر ز
رضي الدين ابن أبي اللطيف القدسي ) خلاصة الاثر ) : 3 : 443 .
الشيخ زين الدين بن محمد حفيد شيخنا الشهيد الثاني المتوفى سنة 1064 ( الدر المنثور ( .
س ش ص
المولى سعيد بن عبدالله النصيري يوجد بعض تآليف استاذه بخطه وعليه خط استاذه المولى سلطان حسين بن المولى سلطان محمد الاسترآبادي مؤلف ) تحفة المؤمنين )استشهد سنة 1078 ( رياض العلماء ) .
الشيخ سليمان بن علي بن راشد البحراني الشاخوري المتوفى سنة 1101 روضات الجنات
ص 539
كمال الدين السيد شاهمير الحسيني كتب المترجم له إجازة له على نسخة من أربعينه سنة 1008 ( الذريعة 1 : 238 )
المولى صالح بن احمد المازندراني المتوفى سنة 1081 - 1086 يروي عن المترجم له
) المستدرك 4133 : ) المولى محمد صادق بن محمد علي التويسركاني شارح لغز استاذه
) الذريعة ) .
المولى محمد صالح الجيلاني نزيل اليمن المتوفى سنة 1088 ) نسمة السحر ( الشيخ صالح بن الحسن الجزائري له أسؤلة عن المترجم له أجاز له في جوابها ( أمل الآمل (
ع
الشيخ نجيب الدين علي بن محمد بن مكي العاملي الجبعي ) أمل الآمل ( .
الشيخ زين الدين علي بن سليمان البحراني المتوفى سنة 1064 ، حكى شيخنا
الشيخ سليمان الماحوزي البحراني اجازة المترجم له اياه في تراجم علماء البحرين ( لؤلؤة البحرين ، المستدرك 3 : 388 ) .
المولي عبدالوحيد بن نعمة الله الديلمي الاسترابادي صاحب التآليف الكثيرة ، ( رياض العلماء (
الشيخ علي بن محمود العاملي ) أمل الآمل ( الشيخ علي بن نصر الله الجزايري مؤلف الحاشية على الروضة البهية ) رسالة الشيخ سليمان الماحوزي في علماء البحرين )المولى عز الدين علي النقي بن أبي العلا محمد هاشم الكمرئي المتوفى سنة 1060 ، يروي عن المترجم له ) مستدرك النوري 3 : 405 )الشيخ عبدالعلي بن ناصر بن رحمة الله الحويزي ، صاحب تآليف كثيرة
( أمل الآمل )
الشيخ عبداللطيف بن علي العاملي الحويزي ) أمل الآمل ، مستدرك الوسايل ( السيد عبدالعظيم بن السيد عباس الاسترابادي ) رياض العلماء ( .
السيد شمس الدين علي بن محمد بن علي الحسيني الخلخالي شارح خلاصة الحساب ، وتشريح الافلاك لاستاذه سنة 1008 ) رياض العلماء ) .
السيد بهاء الدين علي الحسيني التفرشي ، أجاز له المترجم له سنة 1013 سابع شهر رمضان مستدرك الاجازات السيد شرف الدين علي الطباطبائي الشولستاني الغروي المتوفى 1060 يروي عن المترجم له ) المستدرك 3 : 409 )الشيخ نور الدين علي بن عبدالعزيز البحراني ، أجاز له المترجم له في شوال سنة 998 .
القاضي علاء الدين عبدالخالق المعروف بالقاضي زاده الكرهرودي ) رياض العلماء ( .
المولى مظفر الدين علي له رسالة في ترجمة استاذه المترجم له وتعاليق على أربعينه .
الشيخ علي بن أحمد النباطي العاملي شارح الاثنى عشرية الصلاتية لاستاذه
المترجم له ، أجاز له بالاجازات الثلث سنة 1011 و 1012 ، توجد بعض تآليف استاذه بخطه وعليه إجازاته له .
الشيخ زكي الدين عنايت الله بن شرف الدين علي القهپاني النجفي مؤلف ) مجمع الرجال ( .
المولى غياث الدين علي الاصفهاني ، يروي عن المترجم له كما في إجازات البحار ص 136 . السيد علي العلوي البعلبكي العاملي ، ولعله السيد علي بن علوان الحسيني .
ق ك ل
ميرزا قاضي بن كاشف الدين محمد اليزدي نزيل مشهد الرضا عليه السلام ، صاحب ) التحفة الرضوية في شرح الصحيفة السجادية ( .
المولى محمد قاسم الجيلاني ) نجوم السماء ( السيد الامير سراج الدين قاسم بن المير محمد الطباطبائي القهپانى ، يروي عن المترجم له ) جامع الرواة ، المستدرك 3 : 409 ( المولى محمد كاظم بن عبد علي الجيلاني التنكابني شارح تشريح الافلاك بأمر استاذه ( رياض العلماء )
الشيخ لطف الله بن عبدالكريم الميسي العاملي الاصفهاني ، أجاز له المترجم له سنة 1020
( إجازات البحار ( ص 130 ، توفي سنة 1032 باصبهان ترجمه شيخنا الحر في أمل الآمل ، والكشميرى في نجوم السماء .
م
السيد أبوعلي الماجد بن هاشم البحراني المتوفى 1028 له إجازتان من المترجم له .
المولى محمد المحسن الفيض الكاشاني المتوفى سنة 1091 يروي عن المترجم له ( المستدرك 3 : 421 ( .
نظام الدين محمد بن الحسين القرشي الساوجي متمم الجامع العباسي لاستاذه بعد وفاته .
السيد ميرزا رفيع الدين محمد النائيني المتوفى سنة 1081 ، يروي عن المترجم له ( جامع الرواة ، سلافة العصر ، المستدرك 3 : 409 )
الشيخ محمد بن علي العاملي التبنيني ) أمل الآمل ( .
الشيخ محمود بن حسام الدين الجزايري ، يروي عن المترجم له ) لؤلؤة البحرين ، المستدرك 3 : 390 ( .
المولى محمد صدرالدين بن محب علي التبريزي ، مترجم الاثنى عشريات ومفتاح الفلاح لاستاذه.
السيد محمد تقي بن أبي الحسن الحسيني الاستر آبادي ) أمل الآمل ( المولى علاء الدين محمد بن بدر الدين محمد القمي المولى محمد رضا البسطامي أجازه المترجم له سنة 1030 ، وكتبها على نسخة من كتابه ( الحبل المتين )
المولى محمد تقي المجلسي المتوفى سنه 1070 ، يروي عن المترجم له ) إجازات البحار ص 150 ، ومستدرك الاجازات ) الشيخ حسام الدين ؟ مود بن درويشعلي الحلي النجفي ، يروي عن المترجم له ( رياض العلماء المستدرك 424 ( وإجازة الشيخ عبدالواحد البوراني للشيخ أبي الحسن الشريف المولى صدرالدين محمد الشيرازي الشهير بالمولى صدرا المتوفى سنة 1050 يروي عن المترجم له ) المستدرك 3 : 44 (
المولى صفي الدين محمد القمي يروي عنه باجازته له سنة 1015 ) إجازات البحار ص 130 (
المولى محمد باقر بن محمد مؤمن السبزواري المتوفى سنة 1090 ( 1 )
المولى محمد أمين القاري الراوي ، يروي بالاجازة عن المترجم له .
الشيخ بهاء الدين محمد العاملي ، يروي عن سميه المترجم له بالاجازة .

هامش
( 1 ) ذكره صاحب الروضات ص 117 ولعله اشتباه حيث ولد المولى السبزوارى هذا سنة 1017 فكان له عند وفاة الشيخ 13 عاما .

الامير شمس الدين محمد الگيلاني ، شارح خلاصة الحساب .
المولى ملك حسين بن ملك علي التبريزي ، أجاز له المترجم له سنة 998 ) نجوم السماء ( .
السيد محمد علي بن ولي الاصفهاني ، أجاز له المترجم له ولوالده ) الذريعة 1 : 238 )
القاضي مجد الدين العباسى القثمي الدزفولي ، يروي عن المترجم له ويذكره من مشايخه في إجازته لولده القاضي فصيح الدين ) وفيات الاعلام ) المولى معز الدين محمد ، يروي عن المترجم له ) أمل الآمل )
الشيخ محمد بن سليمان ( 1 ) المقابي البحراني ( لؤلؤة البحرين ) وله من المترجم له ( إحازة تاريخها شهر شعبان 998 توجد في المستدرك ( ؟
الشيخ محمد بن محمد بن الحسين الحر العاملي المشغري المتوفى سنة 1098 ( أمل الآمل ( .
الشيخ محمد بن نصار الحويزي ) أمل الآمل ( .
الشيخ ابوالحسن محمد بن الشيخ يوسف البحراني العسكري يروي بالاجازات الثلث المورخة بسنة . 998 و 999 و 1000 ) الذريعة ، ومستدرك الاجازات ( الشيخ محمود بن حسام الدين المشرفي الجزائري ) وفيات الاعلام )
المولى مراد بن علي خان التفرشي المتوفى سنة 1051 ) جامع الرواة (
المولى محمد الشهير بالتقي الصوفى الزيابادي القزويني ، صاحب ملحقات الصحيفة الكاملة المؤلفة سنة 1023 تلمذ للمترجم له واجيز منه المولى محمد بن الشاه مرتضى بن الشاه محمود الكاشي أخو مولانا محمد المحسن الفيض يروي عن المترجم له بتصريح ولده الشاه مرتضى في إجازته لولده نور الدين محمد بن المرتضى سنة 1088 ) الذريعة 1 : 250 ، مستدرك الاجازات ) المولى مقصود بن زين العابدين الاسترابادي ) رياض العلماء ) .

هامش
( 1 ) في اجازة المترجم له إياه : محمد بن يوسف .

الشيخ محمد شمس الدين بن علي بن خاتون العاملي مترجم شرح أربعين استاذه ، أجاز له سنة 1029 ) أمل الآمل ، الذريعة 1 : 239 )
المولى شريف الدين محمد الرويدشتي المعروف بشريفا الاصفهاني المتوفى سنة 1087 ، تاريخ إجازته له سنة 1022 ) المستدرك 3 : 409 ، إجازات البحار ص 131 )
المولى شمسا شمس الدين محمد الكشميري ، يروي بالاجازة عن المترجم له كما صرح به في إجازته لتلميذه المولى هداية الله بن المولى عبدالصمد الجيلاني في سنة 1040 ( وفيات الاعلام (
ه‍ ى
الشيخ هاشم بن أحمد بن عصام الدين الاتكاني ، أجاز له المترجم له سنة 1030 ، وكتب إجازته له على نسخة الاثنى عشريات المكتوبة بخط المجاز له ( الذريعة ) 1 : 239 .
الشيخ يحيى اللاهجي ، له اجازة من المترجم له كتبها سنة 1025 .

تآليفه القيمة
إن يكن شيخنا المترجم له ) البهائي ( قد طوته طوارق القدر ، فغيبه عن العيون حمامه ، فقد أبقى له علمه الجم وآثاره القيمة حياة خالدة مع الدهر ، وإليك أسماء كتبه الثمينة في شتى العلوم :
1- العروة الوثقى في التفسير ط
2- الجامع العباسي في الفقه ط
3- رسالة فارسية في الاسطرلاب
4- رسالة عربية في الاسطرلاب
5- حاشية على تفسير البيضاوي ط
6- حاشية على خلاصة الاقوال
7- لاثنى عشريات الخمس
8- رسالة الحساب بالفارسية
9- عين الحياة في التفسير
10- حاشية على مختلف الشيعة
11- حاشية علي رجال النجاشي
12- رياض الارواح ) منظومة )
13- شرح تفسير البيضاوي
14- حاشية على الفقيه
15- سوانح سفر الحجاز
16- حواشي شرح التذكرة
17- تشريح الافلاك ط
18- حل حروف القرآن
19- توضيح المقاصد
20- رسالة في المواريث ط
21- حاشية على القواعد
22- حاشية على المطول
23- حواش على الكشاف
24- شرح على شرح الچغميني
25- حاشية ارشاد الاذهان
26- رسالة تضاريس الارض
27- شرح الحق المبين
28- شرح دعاء الصباح
29- الحبل المتين ط
30- شرح الاربعين ط
31- زبدة الاصول ط
32- الرسالة الهلالية
33- اسرار البلاغة
34- دراية الحديث ط
35- الكشكول ط
36- لغز الزبدة
37- بحر الحساب
38- لغز النحو
39- رسالة في السورة
40- تنبيه الغافلين
41- الصراط المستقيم
42- الرسالة الاعتقادية
43- مشرق الشمسين ط
44- مفتاح الفلاح ط
45- خلاصة الحساب ط 46 - المخلاة ط
46- الجوهر الفرد
47- الفوائد الصمدية ط
48- تهذيب النحو ط
49- الجبر والمقابلة
50- رسالتان كريتان ط
51- رسالة في القبلة
52- ديوان شعره
53- رسالة في الصلاة
54- رسالة في الحج
55- كربه وموش ط
56- لغز القانون
57- لغز الكشاف
58- شرح الصحيفة السجادية المسمى بحدائق الصالحين .
59- رسالة في ان أنوار الكواكب مستفادة من الشمس .
60- جواب اسؤلة الشيخ صالح الجزائري 22 مسألة .
61- شرح الفرايض النصيرية للمحقق الطوسي .
62- حاشية شرح العضدي على مختصر الاصول .
63- رسالة في حل أشكال العطارد والقمر .
64- رسالة نسبة أعظم الجبال إلى قطر الارض
65- رسالة في القصر والتخيير في التفسير .
66- حاشية الاثنى عشرية للشيخ حسن .
67- رسالة في ذبايح أهل الكتاب .
68- حاشية على معالم لعلماء لابن شهر آشوب ينقل عنه في الرياض
69- رسالة في ترجمة ما الفه الامام رضا عليه السلام ؟ إلى مأمون
70- وسيلة الفوز والامان منظومة في مدح صاحب الزمان
71- شرح على شرح الرومي على الملخس ؟
72- كتاب في اثبات وجود الامام القائم .
73- رسالة في حل عبارة من القواعد .
74- رسالة في احكام سجود التلاوة
75- جواب المسائل المدنيات
76- رسالة في طبقات الرجال
وغير ذلك من المثنويات والقصايد والاراجيز والحواشي والشروح على بعض تآليفه وغيرها ، ولجملة من هذه التآليف شروح وتعاليق ونظم للعلماء من معاصريه ومن بعده ، تنم عن شدة اعتنائهم بها واكبارهم محل مؤلفها من العلم والدين و إليك أسمائها .
الاثنى عشريات
تعاليق السيد ماجد بن هاشم البحراني المتوفى 1028 تلميذ المترجم له على الاثنى عشرية الصلاتية .
شرح حسام الدين بن جمال الدين الطريحي النجفي .
شرح الشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي البحراني المتوفى سنة 1121 .
شرح السيد فيض الله بن عبدالقاهر الحسيني التفريشي .
شرح الاثنى عشريات الصلاتية للشيخ علي بن أحمد بن موسى العاملي النباطي .
شرح الاثنى عشريات الصومية للشيخ حسين بن موسى الاردبيلي نزيل استراباد معاصر المترجم له .
شرح الاثني عشريات الحجية للشيخ زين الدين الحسين العاملى المتوفى 1078 أخي صاحب الامل .
شرح الاثنى عشريات الصلاتية للسيد نور الدين علي بن الحسين الموسوي العاملي المتوفى 1048 أخي صاحب المدارك .
شرح الاثنى عشريات الصلاتية للشيخ عبدالله بن الحاج صالح السماهيجي البحراني المتوفى 1135 ، وله نظمها .
حاشية الاثنى عشريات الصلاتية للشيخ حسن بن الشهيد الثاني صاحب المعالم علقها عليها سنة 1012 سنة تأليف أصل الرسالة .
ترجمه الاثنى عشريات الصلاتية والزكاتية لتلميذه المولى صدر الدين محمد بن محب علي التبريزي .
الاربعين
حاشية الاربعين للشيخ عبدالصمد بن الحسين أخ المترجم له .
حاشية الاربعين للسيد عبدالله بن نور الدين بن نعمة الله الجزايري المتوفى سنة 1173 .
حاشية الاربعين للمولى اسماعيل بن محمد حسيني الخواجوئي الاصفهاني المتوفى سنة 1173 . حاشية الاربعين لتلميذ المترجم له المولى مظفر الدين علي .
ترجمة شرح الاربعين للشيخ محمد بن علي بن خاتون العاملي وعليها تقريظ المترجم له سنة 1027 .
تشريح الافلاك
شرح تشريح الافلاك للشيخ فرج الله بن محمد بن درويش الحويزي الرجالي .
شرح تشريح الافلاك للامير صدرالدين محمد بن محمد صادق القزويني معاصر صاحب ) أمل الآمل ( .
شرح تشريح الافلاك لامام الدين اللاهوري .
شرح تشريح الافلاك للشيخ أبي الحسن الشريف الاصطهباناتي ابن الحاج اسماعيل اللاري المتوفى سنة 1338 ط .
شرح تشريح الافلاك للسيد محمد الشرموطي من أعلام القرن الثالث عشر .
شرح تشريح الافلاك للسيد عبدالله بن عبدالكريم القنوي .
شرح تشريح الافلاك للسيد علي حيدر الطباطبائي ط .
شرح تشريح الافلاك للمولى محمد صادق التنكابني .
شرح تشريح الافلاك للشيخ محمد بن الشيخ عبد علي آل عبدالجبار القطيفي البحراني .
شرح تشريح الافلاك للقاضي السيد نور الله المرعشي الشهيد سنة 1019 .
شرح تشريح الافلاك عباس قلي خان الكرمانشاهي المتوفى سنة 1273 ذكره صاحب ) مجمع الفصحاء ( .
شرح تشريح الافلاك للمولى محمد كاظم بن عبدالعلي الجيلاني التنكابني شرحه بأمر استاذه وسماه ) نهاية الادراك ( .
حواش على تشريح الافلاك بالفارسية وترجمته بها للمولى محمد بن أحمد الاردبيلي .
حاشية تشريح الافلاك للسيد مصطفى بن السيد محمد هادي حفيد السيد دلدار علي النقوي الهندي المتوفى سنة 1323 .
حاشية تشريح الافلاك للحاج المولى علي العلياري التبريزي المتوفى سنة 1327 .
الجامع العباسى
شرح الجامع العباسي لشمس الدين محمد بن علي العاملي المعروف بابن خاتون تلميذ المترجم له.
حاشية على الجامع العباسي للشيخ محمد بن علي بن خاتون العاملي دونها سنة 1054 ولعلها عين الشرح .
حاشية على الجامع للحاج المولى حسين علي بن نوروز علي التويسركاني المتوفى سنة 1286 .
حاشية على الجامع للحاج الشيخ عبدالله المازندراني المتوفى سنة 1330 .
حاشية على الجامع لشيخنا ميرزا أبي القاسم بن محمد تقي الاوردبادي المتوفي سنة 1333 .
حاشية على الجامع لسيدنا محمد الكاظم اليزدي الطباطبائي المتوفى سنة 1338 .
حاشية على الجامع لسيدنا السيد اسمعيل الصدر العاملي الاصبهاني المتوفى سنة 1338 .
حاشية على الجامع للحاج الشيخ عبدالله المامقاني النجفي المتوفى سنة 1351 .
حاشية على الجامع لسيدنا أبي محمد الحسن صدرالدين الكاظمي المتوفى سنة 1354 .
حاشية على الجامع للمولى محمد علي النخجواني النجفي المتوفى سنة 13 .
خلاصة الحساب شرح خلاصة الحساب للسيد حيدر بن علي العاملي .
شرح الخلاصة للحاج ميرزا أبي القاسم بن ميرزا كاظم الموسوي الزنجاني المتوفى سنة 1292.
شرح خلاصة الحساب للمولى رمضان .
شرح الخلاصة للشيخ محمد بن الحاج المولى علي الساوجي الحايري
شرح الخلاصة للسيد محمد الشرموطي الحلي شارح تشريح الافلاك .
شرح الخلاصة للشيخ جواد بن سعد الكاظمي تلميذ المترجم له ، مطبوع .
شرح الخلاصة لصاحب قصص العلماء ميرزا محمد التنكابني .
شرح الخلاصة للمولى وحيد الدين .
شرح الخلاصة لآغا فتحعلي الزنجاني المتوفى بالنجف سنة 1338 .
شرح الخلاصة للشيخ محمد النادري فارسيا .
شرح الخلاصة لمعتمد الدولة فرهاد ميرزا القاجاري المتوفى سنة 1305 بالفارسية .
شرح الخلاصة للسيد محمد مهدي بن السيد جعفر الحسيني الحايري المعروف بحكيم زاده المتوفى سنة 1331 فارسي .
شرح الخلاصة للمولى محسن بن محمد طاهر القزويني المعروف بالنحوي شارح ( العوامل ) . شرح الخلاصة للشيخ هاشم بن زين العابدين التبريزي النجفي المتوفى سنة 1323
شرح الخلاصة للمولى محمد طالب بن حيدر الجيلي الاصفهاني فارسبا عاش إلى سنة 1042 .
شرح الخلاصة للميرزا محمد علي بن محمد نصير الرشتي النجفي المتوفى 1334 ألفه سنة 1314 .
شرح الخلاصة للسيد أمير شمس الدين علي الخلخالي تلميذ المترجم له .
شرح الخلاصة للسيد محمد أشرف الحسيني الطباطبائي .
شرح الخلاصة للحاج ميرزا عبدالغفار نجم الدولة ، مطبوع .
شرح الخلاصة للمولى محمد امين القمي تلميذ المترجم له .
شرح الخلاصة للشيد عبدالعلي آل عبدالجبار القطيفي البحراني .
شرح الخلاصة للسيد علي الفورجاني الخوانسارى المعاصر للسيد المجاهد الحايري الطباطبائي .
شرح الخلاصة للمولى حسين النيشابوري .
شرح الخلاصة للامير ابي طالب الفندرسكي سبط الامير الفندرسكي الشهير .
شرح الخلاصة للحاج المولى محمد جعفر الاسترابادي المتوفى سنة 1263 .
شرح الخلاصة للمولى محمد حسين اليزدي الاردكاني .
شرح الخلاصة للميرزا زين العابدين بن أبي القاسم الخوانساري .
شرح الخلاصة للمولى فرج الله بن محمد بن درويش الحويزي العاملي معاصر صاحب ) الامل ( شرح الخلاصة للسيد عبدالله بن نورالدين بن السيد نعمة الله الجزايري .
شرح الخلاصة للميرزا محمد رضا ) الذريعة (
شرح الخلاصة للحاج محمد بن الحاج محمد ابراهيم الكلباسي
شرح الخلاصة للامير شمس الدين محمد الكيلاني .
شرح الخلاصة للسيد آغا ابن الميرزا إسماعيل الحسيني المرعشي الاصفهاني من آل خليفة سلطان من أعلام القرن 13 .
حواش على خلاصة الحساب للمولى محمد تقي بن حسن الهروي الاصبهاني المتوفى 1299 .
حاشية خلاصة الحساب للسيد صدرالدين محمد بن مجد الدين اسمعيل بن الامير علي اكبر شاهمير الطباطبائي التبريزى .
حاشية الخلاصة للسيد هبة الدين الشهرستاني المعاصر ، ذكرها هو في عد تآليفه نظم خلاصة الحساب للسيد ميرزا قوام الدين محمد بن محمد مهدي الحسيني السيفي القزويني سماه ب‍ ) نظم الحساب ( نظمه سنة 1118 في 661 بيتا وأشار إلى ذلك كله بقوله .
ومستأرخ قال : ما اسم الكتاب ؟ * فقلت له : هاك نظم الحساب ( 1118 ) ورام اعتبار حساب الكتاب * فقلت : عيون كتاب الحساب ( 661 )
زبدة الاصول
شرح زبدة الاصول للشيخ جواد بن سعد الكاظمي تلميذ المترجم له .
شرح زبدة الاصول للمولى محمد صالح المازندراني المتوفى سنة 1086
شرح زبدة الاصول للميرزا محمد هاشم چهار سوقي .
شرح زبدة الاصول للمولى محمد تقي بن محمد بن المولى علي الطبسي ، فرغ منه سنة 1054 .
شرح زبدة الاصول للمولى محمد زمان بن المولى كلبعلي التبريزي .
شرح زبدة الاصول لاقا حسين الخوانساري المتوفى 1099 .
شرح زبدة الاصول للسيد أمير محمد باقر الاسترآبادي المعروف بطالبان تلميذ المترجم له .
شرح زبدة الاصول للمولى يعقوب بن إبراهيم البختيارى الحويزي المتوفى حدود سنة 1150 . شرح زبدة الاصول للشيخ مهدي بن الحسين بن محمد ملا كتاب النجفي .
شرح زبدة الاصول للسيد علي بن محمد الموسوي الخوانساري من أعلام القرن ال‍ 13 .
شرح زبدة الاصول للشيخ نور الدين علي بن هلال الجزايري .
شرح زبدة الاصول للشيخ محمد بن علي الحرفوشي العاملي المتوفى سنة 1059 على ما في
( سلافة العصر ) .
شرح زبدة الاصول للمولى محمد علي الكربلائي فارسيا ، فرغ منه ثامن محرم سنة 1196 .
شرح زبدة الاصول للمولى مهدي السبزواري الحكيم المتوفى 1289 .
شرح زبدة الاصول للميرزا أبي القاسم بن المولى حسن القمي المتوفى 1231 .
شرح زبدة الاصول للسيد علاء الدين حسين بن رفيع الدين محمد الحسيني الآملي المعروف بخليفة سلطان المتوفى سنة 1064 .
شرح زبدة الاصول للسيد محمد حسين بن السيد بنده حسين حفيد سيدنا دلدار علي النقوي الهندي المتوفى سنة 1325 ط .
شرح زبدة الاصول للسيد علي النقي بن السيد جواد أخي سيد الطايفة بحر العلوم المتوفى سنة 1249 .
شرح زبدة الاصول للشيخ محمد بن خلف التستري البلادي البحراني .
شرح زبدة الاصول للسيد مصطفى بن السيد محمد هادي حفيد سيدنا دلدار علي النقوي الهندي المتوفى سنة 1323 .
شرح زبدة الاصول للمولى محمد باقر بن محمد مؤمن الخراساني السبزواري صاحب
( الذخيرة ( المتوفى سنة 1090 .
شرح زبدة الاصول للسيد بدرالدين العاملى من تلمذة المترجم له .
شرح زبدة الاصول لآقا محمد تقي بن آقا محمد جعفر بن آقا محمد علي الكرمانشاهي المتوفى في النجف الاشرف سنة 1299 .
شرح زبدة الاصول للسيد محمد جواد بن السيد هاشم التوبلي البحراني .
شرح زبدة الاصول للشيخ حبيب بن الشيخ محمد حسن آل محبوبة النجفي المتوفى سنة 1336 .
شرح زبدة الاصول للمولوي حمد الله بن فضل الله بن شكر الله السنديلوي .
شرح زبدة الاصول للميرزا زين العابدين بن أبي القاسم جعفر الموسوي الخوانساري الاصفهاني والد صاحب ) روضات الجنات ( المتوفى حدود سنة 1272 .
شرح زبدة الاصول للشيخ عبدالعلي بن محمد حسين .
شرح زبدة الاصول للمولى علي الآراني من معاصري شيخ الطايفة الانصاري .
شرح زبدة الاصول للسيد محمد بن سيدنا دلدار علي النقوي الهندي المتوفى سنة 1284 .
شرح زبدة الاصول للسيد علي محمد بن السيد محمد حفيد سيدنا دلدار علي الهندي المتوفى سنة 1312 .
شرح زبدة الاصول لميرزا ابراهيم بن أبي الفتح الزنجاني المتوفى 1350 فارسيا .
شرح زبدة الاصول لميرزا محمد بن سليمان التنكابني صاحب ) قصص العلماء ( المتوفى حدود سنة 1310 .
نظم زبدة الاصول للشيخ اسد الله البغدادي بن الحاج اسماعيل الدزفولي المتوفى سنة 1237 .
نظم زبدة الاصول للسيد ميرزا قوام الدين محمد الحسيني السيفي نظمه سنة 1104 وأرخه بقوله.
في مائة وأربع والالف في * ألف وواحد بمعناها يفي
نظم زبدة الاصول للشيخ أحمد بن صالح البحراني المتوفى سنة 1315 سماه بالعمدة قال الحاج مفضل بن الحاج حسب الله يثني على زبدة شيخنا البهائي :
فيادرة قد ساد فيها محمد * وزبدة ألفاظ صفت وفصول
حوت من قوانين العلوم وجيزها * معان وأضحت للاصول اصول
يوجد على الزبدة الموجودة بخطه المؤرخ ب‍ 1098 في مكتبة الامام اميرالمؤمنين بالنجف الاشرف .

الفوائد الصمدية
شرح الفوايد الصمدية للسيد علي خان المدني صاحب ) سلافة العصر ( كبيرا و صغيرا .
شرح الفوايد للمولى أحمد بن محمد علي الاصفهاني البهبهائي .
شرح الفوايد للشيخ محمد بن علي الحرفوشي العاملي المتوفى سنة 1059 .
شرح الفوايد للسيد بهاء الدين محمد بن محمد باقر الحسيني النائيني المختاريمعاصر شيخنا الحر العاملي .
شرح الفوايد للشيخ محمد مؤمن بن محمد قاسم الجزايري الشيرازي ، يسمى بالفوائد البهية .
شرح الفوايد للميرزا محمد بن سليمان التنكابني صاحب ) قصص العلماء ) .
شرح الفوايد للسيد حسين بن السيد علي الحسيني الهمداني المعاصر .
شرح الفوايد للحاج الشيخ جواد بن المولى محرم علي بن كلب قاسم الطارمي المتوفى بزنجان سنة 1325 فارسيا .
شرح الفوايد لميرزا محمد بن عبدالوهاب الهمداني .
مفتاح الفلاح
شرح مفتاح الفلاح للشيخ سليمان بن عبدالله بن علي البحراني المتوفى سنة 1121 .
شرح مفتاح الفلاح محمد بن سليمان التنكابني مؤلف ) قصص العلماء ( .
شرح مفتاح لآغا جمال الدين محمد بن آغا حسين الخوانساري المتوفى سنة 1125 .
ترجمة مفتاح الفلاح بالفارسية للمولى صدر الدين محمد التبريزي تلميذ المترجم له .
ترجمة مفتاح الفلاح للسيد أبي المظفر محمد جعفر الحسيني .
ترجمة مفتاح لآغا جمال الدين الخوانساري المتوفي سنة 1125 .
حاشية على مفتاح الفلاح للمولى اسماعيل بن محمد حسين الخواجوئي الاصفهاني المتوفى سنة 1173 .
وللسيد علي خان المدني المترجم له في هذا الجزء فيما يأتي ، على ظهر نسخة من مفتاح
الفلاح :
عليك بمفتاح الفلاح فإنه * لابواب طاعات المهيمن مفتاح
يضيئ به نور الهدى فكأنه * لقارئه في ظلمة الليل مصباح
فلا برحت تغشى من الله رحمة * مؤلفه ماح في الافق إصباح ( 1 )
ألغاز البهائى
شرح لغز زبدة الاصول يسمى بمشكاة العقول للشيخ محمد مؤمن الجزايري المتوفى عند نادر شاه الافشار المترجم له في القرن ال‍ 12 من شعراء الغدير .
شرح لغز الزبدة لميرزا ابراهيم بن أبي الفتح الزنجاني المتوفى سنة 1350 فارسيا .
شرح لعز الزبدة لميرزا محمد بن سليمان صاحب ) قصص العلماء ( .
شرح لغز الكشاف للمولى محمد مهدي بن علي اصغر القزويني .
شرح لغز النحو للشيخ محمد صادق التويسركاني .
شرح لغز القانون للحاج محمد تقي الشيرازي الشهير بالحاج آقا بابا الطبيب .
شرح لغز القانون للمولى محمد سليم الرازي ألفه سنة 1060 .
الوجيزة
شرح الوجيزة للمولى محمد بن سليمان مؤلف ) قصص العلماء (
شرح الوجيزة لسيدنا أبي محمد الحسن صدرالدين الكاظمي المتوفى سنة 1354
وسيلة الفوز
شرح قصيدة وسيلة الفوز والامان للشيخ أحمد بن علي المنيني من أعلام العامة ، مطبوع
شرح قصيدة الوسيلة للشيخ جعفر بن الحاج محمد النقدي الموسوم بمنن الرحمان طبع في مجلدين
تهذيب البيان
شرح تهذيب البيان للشيخ محمد بن على بن محمد الحرفوشي العاملي المتوفى سنة 1059 .

هامش
( 1 ) كذا أفاده الاستاذ حسين على محفوظ الكاظمى .

شرح تهذيب البيان للسيد نعمة الله الجزايري المتوفى سنة 1112 .
تعليقة على حاشية البيضاوي للشيخ ميرزا محمد بن محمد رضا القمي ، من تلامذة العلامة المجلسي وقد أثنى عليه شيخه .
تعليقة تهذيب الاصول لصاحب القوانين الميرزا ابوالقاسم القمي المتوفى سنة 1231 .
تعليقة الحبل المتين للشيخ خيرالدين بن عبدالرزاق نزيل شيراز من أحفاد شيخنا الشهيد الثاني من معاصري المترجم له علقها عليه حين أرسله إياه الشيخ ليطالعه .
نظم رسالة الاسطرلاب للسيد ميرزا قوام الدين محمد الحسيني السيفي القزويني ترجمة الكشكول للشيخ أحمد العاملي .
أدبه الرائق
كان المترجم له شيخنا ( البهائي ) رحمه الله على توغله في العلوم ، وأنظاره العميقه
فيها ، غير تارك لمحاولة الادب ، ونضد القريض باللغتين : العربية والفارسية ، وانك تجد
كثيرا من شعره مبثوثا في المعاجم ومن ذلك قوله :
يا كراما صبرنا عنهم محال * إن حالي بعدكم في شر حال
إن أتى من حيكم ريح الشمال * صرت لا أدري يميني من شمال
حبذا ريح سرى من ذي سلم * عن ربا نجد وسلع والعلم
أذهب الاحزان عنا والالم * والاماني أدركت والهم زال
يا أخلائي بحزوى والعقيق ! * لا يطيق الهجر قلبي لا يطيق
هل لمشتاق إليكم من طريق * أم سددتم عنه أبواب الوصال ؟ !
لا تلوموني على فرط الضجر * ليس قلبي من حديد أو حجر
فات مطلوبي ومحبوبي هجر * والحشا في كل آن باشتعال
من رأى وجدي لسكان الحجون * قال : ما هذي هوى هذا جنون
أيها اللوام ماذا تبتغون * قلبي المضنى وعقلي ذو اعتقال ؟
يا نزولا بين سلع والصفا ! * يا كرام الحي يا أهل الوفا !
كان لي قلب حمول للجفا * ضاع مني بين هاتيك التلال
يا رعاك الله يا ريح الصبا ! * إن تجز يوما على وادي قبا
سل اهيل الحي في تلك الربا * هجرهم هذا دلال أم ملال ؟
جيرة في هجرنا قد أسرفوا * حالنا من بعدهم لا يوصف
إن جفوا أو واصلوا أو أتلفوا * حبهم في القلب باق لا يزال
هم كرام ما عليهم من مزيد * من يمت في حبهم يمضي شهيد
مثل مقتول لدى المولى الحميد * أحمدي الخلق محمود الفعال
صاحب العصر الامام المنتظر * من بما يأباه لا يجري القدر
حجة الله على كل البشر * خير أهل الارض في كل الخصال
من إليه الكون قد ألقى القياد * مجريا أحكامه فيما أراد
إن تزل عن طوعه السبع الشداد * خر منها كل سامي السمك عال
شمس أوج المجد مصباح الظلام * صفوة الرحمان من بين الانام
الامام بن الامام بن الامام * قطب أفلاك المعالي والكمال
فاق أهل الارض في عز وجاه * وارتقى في المجد أعلى مرتقاه
لو ملوك الارض حلوا في ذراه * كان أعلى صفهم صف النعال
ذو اقتدار إن يشأ قلب الطباع * صير الاضلام طبعا للشعاع
وارتدى الامكان برد الامتناع * قدرة موهوبة من ذي الجلال
يا أمين الله يا شمس الهدى ! يا إمام الخلق يا بحر الندى !
عجلن عجل فقد طال المدى * واضمحل الدين واستولى الضلال
هاكها مولاي يا نعم المجير * من مواليك البهائي الفقير
مدحة يعنو لمعناها جرير * نظمها يزري على عقد اللآل
وله حينما يمم مشهد الامامين العسكريين بسر من رأى :
أسرع السير أيها الحادي * إن قلبى إلى الحمى صادي
وإذا ما رأيت من كثب * مشهد العسكري والهادي
فالثم الارض خاضعا فلقد * نلت والله خير اسعاد
وإذا ما حللت ناديهم * يا سقاه الاله من نادي
فاغضض الطرف خاضعا ولها * واخلع النعل انه الوادي ( 1 )
وثورين حاطا بهذا الورى * فثور الثريا ونو الثرى
وهم تحت هذا ومن فوق ذا * حمير مسرجة في قرى
نظم بهذين البيتين ما في شعرالحكيم عمر الخيام ( 2 ) من قوله بالفارسية :
يك گاو در آسمان ونامش پروين * يك گاو دگر نهفته در زير زمين
چشم خردت گشاي چون أهل يقين * زير وزبر دو گاو مشتي خربين
وله مما كتب إلى والده سنة 989 وهو في هراة :
يا ساكني أرض الهراة ! أما كفى * هذا الفراق ؟ بلى وحق المصطفى
عودوا فربع صبري قد عفا * والجفن من بعد التباعد ما عفا

هامش
( 1 ) اشارة إلى ما خوطب به موسى الكليم عليه السلام من قوله تعالى : واخلع نعليك انك بالوادى المقدس طوى .
( 2 ) ابوالفتح النيسابورى من معاصرى أبى حامد الغزالى توفى سنة 517 طبعت رباعياته في أرجاء الدنيا عدة مرات .

خيالكم في بالي * والقلب في بلبال
إن أقبلت من نحوكم ريح الصبا * قلنا لها : أهلا وسهلا مرحبا
وإليكم قلب المتيم قد صبا * وفراقكم للروح منه قد سبا
والقلب ليس بخالي * من حب ذات الخال
يا حبذا ربع الحمى من مربع * فغزاله شب الغضى في اضلعي
لم انسه يوم الفراق مودعي * بمدامع تجري وقلب موجع
والصب ليس بسال * عن ثغره السلسال
وذكر الخفاجي في ريحانة الالباء من رباعياته قوله :
أغتص بريقتي كحسي الحاسي * إذ أذكره وهو لعهدي ناسي
إن مت وجمرة الهوى في كبدي * فالويل إذا لساكني الارماس وقوله :
كم بت من المسا إلى لاشراق * من فرقتكم ومطربي أشواقي
والهم منادمي ونقلي سهري * والد مع مدامتي وجفني الساقي ؟
وقوله :
لا تبك معاشرا نأى أو ألفا * القوم مضوا ونحن نأتي خلفا
بالمهلة أو تعاقب نتبعهم * كالعطف بثم او كعطف بالفا
وقوله :
من أربعة وعشرة أمدادي * في ست بقاع سكنوا يا حادي
في طيبة والغري وسامراء * في طوس وكربلا وفي بغداد
وقوله :
للشوق إلى طيبة جفني باكي * لو صار مقامي فلك الافلاك
أستنكف إن مشيت في روضتها * فالمشي على أجنحة الاملاك
وقوله :
هذا النبأ العظيم ما فيه كلام * هذا لملائك السماوات إمام
من يمم بابه ينل مطلبه * من طاف به فهو على النار حرام
وقوله :
هذا حرم بفضله العقل أقر * فيه لملائك السماوات مقر
كل منهم يقول : يا زائر * أبشر فلقد نجوت من نار سقر
وقوله :
يا ريح إذا أتيت دار الاحباب * قبل عني تراب تلك الاعتاب
إن هم سألوا عن البهاء‌ي فقل : * قد ذاب من الشوق اليكم قد ذاب
وقوله :
يا ريح أقص قصة الشوق إليك * إن جئت إلى طوس ( 1 ) فبالله عليك
قبل عني ضريح مولاي وقل : * قد مات بهاء‌يك من الشوق اليك
وقوله :
أهوى رشأ عرضني للبلوى * ما عنه لقلبي المعنى سلوى
كم جئت لاشتكي فمذ أبصرني * من لذتقربه نسيت الشكوى
وقوله :
يا غائب عن عيني لا عن بالي * القرب إليك منتهى آمالي
أيام نواك لا تسل كيف مضت * والله مضت بأسواء الاحوال
في السلافة هكذا :
يابدر دجى خياله في بالي * مذ فارقني وزاد في بلبالي
أيام نواك لا تسل كيف مضت * والله مضت بأسوء الاحوال
وذكر له السيد في السلافة قوله :
يابدر دجى بوصله أحياني * إذ زار وكم بهجره أفناني ؟
بالله عليك عجلن سفك دمي * لا طاقة لي بليلة الهجران
وقوله :
لما نظر الجسم نحيفا نهكا * من فرقته رق لضعفي وبكى
وارتاح وقال لي أما : قلت لكا * ما يمكنك الفراق ما يمكنكا ؟

هامش
( 1 ) في النسخة : طرسو . اعده من جنايات يد الطباعة والنشر .

وقوله :
يابدر دجى فراقه الجسم أذاب * قدود عني فغاب صبري إذ غاب
بالله عليك أي شئ قالت * عيناك لقلبي المعنى فأجاب ؟
وذكر له السيد العطار قدس سره في ) الرائق ( قوله يمدح به النبي الاعظم صلى الله عليه وآله
إليك جميع الكائنات تشير * بانك هاد منذر وبشير
وإنك من نور الاله مكون * على كل نور من جلالك نور
وروحك روح القدس فيها منزل * وقلبك في قلب الوجود ضمير
وشخصك قطب الكائنات فسرها * على سره في العالمين تدير
نزلت من الله العزيز بمنزل * يسير إليه الطرف وهو حسير
وذكر له السيد المدني في السلافة قوله :
خلياني ولوعتي وغرامي * يا خليلي واذهبا بسلامي
قد دعاني الهوى فلباه لبي * فدعاني ولا تطيلا ملامي
إن من ذاق نشوة الحب يوما * لا يبالي بكثرة اللوام
خامرت خمرة المحبة عقلي * وجرت في مفاصلي وعظامي
فعلى الحلم والوقار صلاة * وعلى العقل ألف ألف سلام
هل سبيل إلى وقوف بوادي * الجزع يا صاحبي أو إلمام ؟
أيها السائر الملح إذا ما * جئت نجدا فعج بوادي الخزام
وتجاوز عن ذي المجاز وعرج * عادلا عن يمين ذاك المقام
وإذا ما بلغت حزوى فبلغ * جيرة الحي يا اخي سلامي
وانشدن قلبي المعنى لديهم * فلقد ضاع بين تلك الخيام
وإذا ما رقوا لحالي فسلهم * أن يمنوا ولو بطيف منام
يا نزولا بذي الاراك إلى كم * تنقضي في فراقكم أعوامي ؟
ما سرت نسمة ولا ناح في الد - وح حمام إلا وحان حمامي
أين أيامنا بشرقي نجد ؟ * يا رعاها الاله من أيام
حيث غصن الشباب غض وروض * العيش قد طرزته أيدي الغمام
وزماني مساعد وأيادي الله‍ * - وونحو المنى تجر زمامي
أيها المرتقى ذرى المجد فردا * والمرجى للفادحات العظام !
يا حليف الندى الذي جمعت ف‍ * - يه مزايا تفرقت في الانام !
نلت في ذروة الفخار محلا * عسر المرتقى عزيز المرام
نسب طاهر ومجد أثيل * وفخار عال وفضل سام
قد قرنا مقالكم بمقال * وشفعنا كلامكم بكلام
ونظمنا الحصى مع الدر في س‍ * - مط وقلنا : العبير مثل الرغام
لم أكن مقدما على ذا ولكن * كان طوعا لامركم اقدامي
عمرك الله يا ندمي انشد * جارتي كيف تحسنين ملامي ؟
وله وقد رأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه قوله :
وليلة كان بها طالعي * في ذروة السعد وأوج الكمال
قصر طيب الوصل من عمرها * فلم تكن إلا كحل العقال
واتصل الفجر بها بالعشا * وهكذا عمر ليالي الوصال
إذ أخذت عيني في نومها * وانتبه الطالع بعد الوبال
فزرته في الليل مستعطفا * أفديه بالنفس وأهلي ومال
وأشتكي ما أنا فيه البلى * وما الاقي اليوم من سوء حال
فأظهر العطف على عبده * بمنطق يزري بنظم اللآل
فيالها من ليلة نلت في * ظلامها ما لم يكن في خيال ؟
أمست خفيفات مطايا الرجا * بها وأضحت بالعطايا ثقال
سقيت في ظلمائها خمرة * صافية صرفا طهورا حلال
وابتهج القلب بأهل الحمى * وقرت العين بذاك الجمال
ونلت مانلت على أنني * ما كنت استوجب ذاك النوال
ولشيخنا البهائي في مدح الكاظمية مشهد الامامين الكاظم وحفيده الجواد عليهما السلام قوله :
أيا قاصد الزوراء ! عرج * على الغربي من تلك المغاني
ونعليك اخلعن واسجد خضوعا * إذا لاحت لديك القبتان
فتحتهما لعمرك نار موسى * ونور محمد متقارنان
ومن شعره رائيته المشهورة في الامام المنتظر صلوات الله عليه تناهز 49 بيتا شرحها العلامة المرحوم الشيخ جعفر النقدي بكتابه الموسوم ب‍ ) منن الرحمان ( في مجلدين طبع في النجف الاشرف سنة 1344 ومستهل القصيدة :
سرى البرق من نجد فهيج تذكاري * وأجج في أحشائنا لاهب النار
هذه القصيدة المهدوية جاراها جمع من الاعلام الشعراء منهم : العلامة الامير السيد علي بن خلف المشعشعي الحويزي بقصيدة مهدوية مطلعها :
هي الدارما بين العذيب وذي قار * عنت غير سحم ما ثلاث وأحجار
ومنهم : العلامة الشيخ جعفر بن محمد الخطي معاصر شيخنا المترجم له اجتمع معه في اصفهان فأنشده الشيخ رائيته وطلب منه معارضتها وأجل مدة فاستأجل ثلثا ثم لم يقبل لنفسه إلا في المجلس فارتجل قصيدة أولها :
هي الدار تستسقيك مد معك الجاري * فسقيا فخير الدمع ما كان للدار
وهي مذكورة بتمامها في الجزء الثاني من ) الرائق ( للعلامة السيد أحمد العطار وذكرها الشيخ جعفر النقدي في ) منن الرحمان ( ج 1 : 41 .
ومنهم : الشاعر الفاضل علي بن زيدان العاملي المتوفى 1260 بمعركة وله عقب هنالك جارى قصيدة شيخنا البهائي بقصيدة أولها :
حنانيك هل في وقفة ايها الساري * على الدار في حكم الصبابة من عار ؟
لفت نظر
قد يعزى في غير واحد من معاجم الادب ( 1 ) إلى شيخنا البهائي :
لا يغرنك من المرء * قميص رقعه
أو إزار فوق كعب إل‍ * - ساق منه رفعه
أو جبين لاح فيه * أثر قد قلعه
ولدى الدرهم فانظر * غيه أو ورعه

هامش
( 1 ) راجع سلافة العصر ص 300 وغيره .

وهذا العز ولا يتم وإنما الابيات لبعض الشعراء المتقدمين ذكرها الغزالي المتوفى قبل ولادة شيخنا البهائي بأربعمائة وسبع وأربعين سنة في ) إحياء العلوم ) 2 : 73 .
وذكر السيد في السلافة لشيخنا البهائي :
بالذي ألهم تعذيبى * ثناياك العذايا
ما الذي قالته عيناك * لقلبي فأجابا ؟
وهما من أبيات للصوري السابق ذكره ، وقد نسبهما البهائي نفسه إلى الصنوبري ، راجع ما أسلفناه في ج 4 : 229 ط 2 .

ولادته
ذكر شيخنا البحراني في ( لؤلؤة البحرين ) ص 20 ، والشيخ ميرزا حيدر علي الاصبهاني في إجازته الكبيرة ، وغير واحد من أصحابنا : انه ولد ببعلبك غروب يوم الخميس لثلث عشر بقين من شهر المحرم سنة 953 ، وقال سيدنا المدني في ( سلافة العصر ) : مولده بعلبك عند غروب الشمس يوم الاربعاء لثلث عشر بقين من ذي الحجة سنة 953 ، وحكاه عنه المحبي في
( خلاصة الاثر ) ، لكن المعتمد عليه في تاريخ ولادته ما وجده صاحب ( رياض العلماء ) من المنقول عن خط والده المقدس الشيخ حسين من كتاب له ذكره في ترجمته وفيه ما نصه : ولدت المولودة الميمونة بنتي ليلة الاثنين ثالث شهر صفر سنة خمسين وتسعمائة ، وأخوها أبوالفضايل محمد بهاء الدين أصلحه الله وأرشده عند غروب الشمس يوم الابعاء سابع عشرين ذي الحجة سنة ثلث وخمسين و تسعمائة .

وفاته
قال السيدان صاحبا ) السلافة ( و ) الروضة البهية ( والشيخ صاحب الحدايق في ) لؤلؤة
البحرين ( : انه توفي لاثنتي عشرة خلون من شوال 1031 وقيل 1030 و عن العلامة المجلسي الاول المتوفى سنة 1070 في ) شرح الفقيه ( : أنه مات في شوال سنة 1030 . ويقويه ما في ( أمل الآمل ) : قد سمعنا من المشايخ انه مات سنة 1030 ،
فكأن القول بوفاته سنة 1030 كان هو المعتمد عليه عند المشايخ ، وأرخها بثلاثين تلميذه العلامة الشيخ هاشم الاتكاني في ظهر اثنى عشريات استاذه المترجم له قرأها عليه سنة 1030 واجاز له استاذه في شهر رجب وكتب اجازته عليه ، وقال صاحب ) مفتاح التواريخ ( ما معناه : إنه توفي يوم الثلثا 12 شوال سنة 1030 . توفي باصبهان ونقل جسمانه قبل الدفن إلى مشهد الرضا عملا بوصيته ودفن بها في داره قريبا من الحضرة المشرفة ، وقدا تيحت لي زيارته سنة 1348 ، رثاه تلميذه العلامة الشيخ إبراهيم العاملي البازروني بقوله :
شيخ الانام بهاء الدين لابرحت * سحائب العفو ينشيها له الباري
مولى به اتضحت سبل الهدى وغدا * لفقده الدين في ثوب من القار
والمجد أقسم لا تبدو نواجده * حزنا وشق عليه فضل أطمار
والعلم قد درست آياته وعفت * عنه رسوم أحاديث وأخبار
كم بكر فكر غدت للكون فاقدة * ما دنستها الورى يوما بأنظار ؟
كم خر لما قضى للعلم طود علا * ما كنت أحسبه يوما بمنهار ؟
وكم بكته محاريب المساجد إذ * كانت تضيئ دجى منه بأنوار ؟
فاق الكرام ولم تبرح سجيته * إطعام ذي سغب مع كسوة العاري
جل الذي اختار في طوس له جدثا * في ظل حامي حماها نجل أطهار
الثامن الضامن الجنات أجمعها * يوم القيامة من جود لزوار عثرة لا تقال
لقد جاء الكاتب الفارسي ) سعيد النفيسي ( فيما ألفه من ترجمة حياة شيخنا بهاء الملة والدين كحاطب ليل ، فضم إلى الدرة بعرة ، وأتى بأشياء لا شاهد لها من التاريخ ، وخفيت عليه حقايق ناصعة ، فطفق يثبت التافهات بالاوهام ، ويؤيد مزاعمه بالمضحكات ، فمما باء بخزايته ما حسبه من أن الشيخ عبدالصمد أخا الشيخ البهائي أكبر منه سنا ، ودعم هذه الدعوى بأن الشيخ عبدالصمد توفي قبل أخيه بعشر سنين ، فكأنه يزعم أن ترتيب الموت كترتيب الولادة ، فكما ان المولود أولا هو أكبر الاخوة فكذلك المتوفى أولا .
وبأن الشيخ عبدالصمد كان يسمى باسم جده فلو كان البهائي أكبر الاخوة لاختص هو باسم جده وكان لاخيه اسم جده الاعلى . فكأنه يرى ذلك مطردا في الاسماء ولكن متى اطرد ذلك ؟ وممن جاء النص ؟ ولماذا هذا الاصرار والدؤب عليه ؟ أنا لا أدري ، والنفيسي ايضا لا يدري ، ووالد الشيخين وما ولد ايضا لا يدرون .
وبأن الشيخ عبدالصمد ما غادر عاملة مع أبيه لما سافر أبوه إلى البلاد الفارسية سنة 966 وإنما صحبه الشيخ البهائي ، ويظن انه هرب إلى المدينة المنورة ، فلو لم يكن أكبر من الشيخ البهائي لم يسعه أن يفارق أباه يوم فر من الفتنة الواقعة بعاملة إلى ايران . وقد خفي على المسكين أن الشيخ عبدالصمد صحب أباه في بطن امه يوم غادر بلاده ، وهو وليد ايران بقزوين بنص من أبيه الشيخ الحسين في سنة الفتنة المذكورة 966 ، ولم نعرف من اين أتى الرجل بفرار الشيخ عبدالصمد إلى المدينة سنة 966 .
وبأن الشيخ البهائي ألف كتابه ) الفوائد الصمدية ( في النحو باسم أخيه الشيخ عبدالصمد ، وبطبع الحال ان الصغير يسم تأليفه باسم الكبير ويندر خلاف ذلك إلا من اناس حنكهم ترويض النفس . هكذا لفق الرجل السفاسف في إثبات مزعمته ، فسود صحيفة تاريخه بما لا يقبله العقل والمنطق ، وقد خفي على المغفل ان الشيخ حسين والد الشيخين : البهائي وأخيه أرخ ولادتهما في كتاب محكي عنه في ( رياض العلماء ) في ترجمته ولفظه : ولدت المولودة الميمونة بنتي ليلة الاثنين ، ثالث شهر صفر سنة خمسين وتسعمائة . وأخوها أبوالفضائل محمد بهاء الدين أصلحه الله وأرشده عند غروب الشمس يوم الاربعاء سابع عشرين ذي الحجة سنة ثلث وخمسين وتسعمائة . واختها ام أيمن سلمى بعد نصف الليل سادس عشر محرم سنة خمس وخمسين وتسعمائة . وأخوهم أبوتراب عبدالصمد ليلة الاحد وقد بقي من الليل نحو ساعة ثالث شهر صفر سنة ست وستين وتسعمائة في قزوين . وابن اخته السيد محمد ليلة السبت ثامن عشرين صفر من السنة المذكورة في قزوين . 1 ه‍
فالشيخ البهائي أكبر من أخيه الشيخ عبدالصمد رغم تلكم التلفيقات اثنى عشر عاما وستة وثلثين يوما . وكان للرجل أن يستفيد كبر الشيخ البهائي من إجازة والده الشيخ حسين له ولاخيه من تقديمه إياه بالذكر على أخيه قال : فقد أجزت لولدي بهاء الدين محمد وأبي رجب عبدالصمد حفظهم الله تعالى بعد أن قرأ علي ولدي الاكبر جملة كافية جميلة من العلوم العقلية والنقلية . إلخ
وكذلك تقديم مشايخ الاجازة ذكر الشيخ البهائي مهما ذكروه وأخاه في إجازاتهم والاستدلال بمثل هذه كان خيرا له من أساطيره التي تحذلق بها .
ونحن في هذا المقام نضرب صفحا عن كل ما هو من هذا القبيل في صفحات كتابه التي شوه بها سمعة التاريخ ، والذي يهمنا الآن التعرض لما تورط به من التجري على علماء الدين وأساطين المذهب ، وهو لا يزال يحاول ذلك في حله وترحاله ، غير أنه حسب انه وجد فسحة لابانة ما يدور في خلده على لسان شيخنا بهاء الملة والدين ، وإن كان خاب في ذلك وفشل ، قال ما
معناه : أما الاشارات التي توجد للبهائي في مثنوية ( نان وحلوا ( في حق المتشرعين المرائين فلم يرد بها السيد الداماد وإنما أراد بها الفقهاء القشريين الجامدين ، المعجبين بالظواهر ، المنكرين للتصوف والذوق ، أمثال المولى أحمد الاردبيلي ، وكانوا كثيرين في عصره ، وكان على الضد منهم السيد الداماد الذي كان حكيما مفكرا ولم يكن فيه شيئ مما ذكر . 1 ه‍ .
كبرت كلمة تخرج من أفواهم ، وإني لمستعظم جهل هذا الرجل المركب ، فإنه لا يعرف شيئا ولا يدري انه لا يعرف ، فطفق يقع في عمد المذهب حسبان انه علم ما فاتهم ، وحفظ ما أضاعوه ، فذكر عداد مثل المحقق الاردبيلي في القشريين والفقهاء الظاهرية ، وهو ذلك الانسان الكامل ، في علمه ودينه ، في آرائه الناضجة وأفكاره العميقة ، في نفسياته الكريمة وملكاته الفاضلة ، في دعوته الالهية وخدماته للمذهب الحق ، في عرفانه الصحيح وحكمته البالغة ، وقصارى القول : انه جماع الفضائل ، ومختبأ المآثر كلها ، ضع يدك على أي من المناقب تجده شاهد صدق على شموخ رتبته ، وهاتفا بسمو مقامه ، وتأليفاته الجليلة هى البرهنة الصادقة لعلو كعبه في العلوم كلها معقولها ومنقولها ، والمأثور من غرائزه الكريمة أدلاء حق على تقدمه في المحاسن ومحامد الشيم نفسية وكسبية ، وإنك لا تجد إنسانا يشك في شيئ من ذلك بالرغم من هلجة هذا المؤرخ القشري الجامد ، وكأني بروحية المحقق الاوحد ) الاردبيلي )
يخاطبه بقوله :
ما شير شكاران فضاي ملكوتيم * سيمرغ بدهشت نكرد بر مكس ما
أو بقوله :
غنينا بنا عن كل من لا يريدنا * وإن كثرت أوصافه ونعوته
ومن صدعنا حسبه الصد والقلا * ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته
ثم أي تصوف يريد الرجل فيما عابه من شيخنا العارف الالهي ؟ أيريد ذلك المذهب الباطل الملازم للعقائد الالحادية كالحلول ووحدة الوجود بمعناهما الكفري ، وأمثالهما والتنصل عن الطاعات بتحريف الكلم من مواضعها ، وتأويل قوله تعالى : واعبد ؟ ربك حتى يأتيك اليقين . بالرأي الفطير ؟ فحاشا شيخنا الاحمد الاوحد وكل عالم رباني من ذلك ، وإنما هو مذهب يروق كل شقي تعيس .
وإن كان يريد العرفان الحق والذوق السليم الذي كان يعتنقه الاوحديون من العلماء لدة شيخنا البهائي ، وجمال الدين أحمد بن فهد الحلي ، وزرافات من الاعاظم قبلهما وبعدهما ؟ فإنا نجل شيخنا الاردبيلي عن التنكب عنه ، بل يحق علينا أن نعده من مشيخة الطريقة والعرفاء بها ، وما يوجد في كتابه حديقة الشيعة من التنديد بالصوفية فإنما هو موجه إليهم بما ذكرناه أولا . ولكن من أين عرف ) النفيسي ( الحق والباطل من قسمي التصوف والعرفان ؟ والكمية التي كانت عند شيخنا الاردبيلي ؟ وهل هو من حقه أو باطله ؟ أنا لا أدري لكن الله عالم بما تكنه الصدور وإن الرجل تقحم غير مستواه ، وتطلع إلى ما قصر عنه .
رحم الله امرء‌ا عرف قدره ولم يتعد طوره .

القرن الحادي عشر
الحرفوشي العاملى المتوفى 1059

يا وردة من فوق بانه * سر المحبة من أبانه ؟
أخفيته جهدي وقد * غلغلت في قلبي مكانه
وكتمت أمر صبابتي * وسدلت أستار الصيانه
ما كنت أحسب أن يكون * الدمع يوما ترجمانه
لولا وضوح الامر ما * أغرى بنا الواشي لسانه
ولوى عنانك عن شج * شوقا اليك لوى عنانه
يا ظبية البان التي * عند القلوب لها مكانه !
قد أسكرتني مقلتاك * كأن في الاجفان حانه ( 1 )
وكرعت في ماء الصبا * ففضحت لين الخيزرانه
أجريت ذكرك في الحمى * وقد اجتلى طرفي جنانه
فلوى القضيب معاطفا * نظم الندى فيها جمانه ( 2 )
واحمر خد شقيقها * وافتر ثغر الاقحوانه ( 3 )
فكأنني أجريت ذكر * ( المرتضى ) لذوي الديانه
غيث الاله وغوثه * حيث الزمان يرى الزمانه ( 4 )

هامش
( 1 ) الحان والحانة : موضع بيع الخمر .
( 2 ) الجمان : اللؤلؤ ، والواحدة : جمانة .
( 3 ) الاقحوان : نبات اوراق زهره . واحدته : اقحوانة
( 4 ) الزمانة : العاهة . تعطيل القوى .

كم أودع اللاجي إليه * من مخاوفه أمانه ؟
وأسال فوق المرتجي * سيل الحيا الساري بنانه ؟
أعطاه باريه التقرب * منه زلفى والمكانه
فغدا القسيم بأمره * يعطى الورى كلا وشانه
يوري معاديه لظى * ويرى مواليه جنانه
سل عنه إن حمي الوطيس * وأصعد الحامي دخانه
من يلتوي قرصا به ( 1 ) * فيه التواء الافعوانه ؟
حتى يرويه ويروي * من دم الجاني سنانه
وينكص الرايات تعثر * بالجماجم من جبانه
واسأل ) بخم ( كم له * المختار من فضل أبانه ؟
واها له لو اطلقت * أعدائه شوطا عنانه
الشاعر
الشيخ محمد بن علي بن أحمد الحرفوشي ( 2 ) الحريري الشامي العاملي .
عبقري مقدم من عباقرة العلم والادب ، وأوحدي من أساطين الفضيلة ، لم يتحل بمأثرة إلا وأتبعها بالنزوع إلى مثلها ، وما اختص باكرومة إلا وراقه أن يتطلع إلى ما هو أرفع منها ، حتى عادت الفضائل والاحساب عنده كأسنان المشط ، أو خطوط الدائرة المنتهية إلى مركزها ، ورأيت أن أوسط من وصفه هو سيدنا المدني الشيرازي في سلافة العصر ص 315 قال : منار العلم السامي ، وملتزم كعبة الفضل وركنها الشامي .
ومشكاة الفضائل ومصباحها ، المنبر به مساؤها وصباحها . خاتمة أئمة العربية شرفا عربا ، والمرهف من كهام الكلام شبا وغربا . أماط عن المشكلات نقابها ، وذلل

هامش
( 1 ) قرضاب : السيف القطاع .
( 2 ) نسبة إلى آل حرفوش المنسوبين إلى جدهم الاعلى الامير حرفوش الخزاعى الذى عقدت له راية بقيادة فرقة في حملة أبى عبيدة الجراح على بعلبك . أصلهم من خزاعة العراق . راجع اعيان الشيعة 5 : 448 .

صعابها وملك رقابها . وحل للعقول عقالها ، وأوضح للفهوم قيلها وقالها . فتدفق بحر فوائده وفاض ، وملا بفرائده الوطاب والوفاض . وألف بتآليفه شتات الفنون ، وصنف بتصانيفه الدر المكنون . إلى زهد فاق به خشوعا وإخباتا ، ووقار لا توازيه الرواسي ثباتا . وتأله ليس لابن أدهم غرره وأوضاحه ، وتقدس ليس للسري سره وايضاحه . وهو شيخ شيوخنا الذي عادت علينا بركات أنفاسه ، واستضأنا بواسطة من ضيا نبراسه . وكان قد انتقل من الشام إلى بلاد العجم ، وقطن بها إلى أن وفد عليه المنون وهجم . فتوفي بها في شهر ربيع الثاني سنة تسع وخمسين وألف .
وترجم له شيخنا الحر العاملي في ) أمل الآمل ) ( 1 ) وأثنى عليه بقوله : كان عالما فاضلا أريبا ماهرا محققا مدققا شاعرا أديبا منشيا حافظا أعرف اهل عصره بالعلوم العربية . قرأ على السيد نور الدين علي بن علي بن ابي الحسن الموسوي العاملي في مكة جملة من كتب الخاصة والعامة له كتب كثير الفوايد .
وأطراه شيخنا العلامة المجلسي في ( بحار الانوار ) ( 2 ) بكلمة سيدنا صاحب السلافة المذكورة. وعقود جمل الثناء عليه منضدة في صفحات المعاجم وكتب التراجم حتى اليوم ، وقد فصلنا القول في ترجمته في كتابنا ( شهداء الفضيلة ) ص 118 وذكرنا هنالك في ص 160 : ان المترجم له قرأ عليه الشيخ علي زين الدين حفيد الشهيد الثاني ، ويروي عنه السيد هاشم الاحسائي كما في ) المستدرك ) 3 ص 406 .
آثاره القيمة
1. طرائف النظام ولطائف الانسجام في محاسن الاشعار .
2. اللآلي السنية في شرح الاجرومية ، مجلدان .
3. شرح شرح الكافيجي على قواعد ابن هشام .
4. شرح شرح الفاكهي على القطر .
5. شرح قواعد الشهيد قدس سره .
6. شرح الصمدية في النحو .
7. شرح التهذيب في النحو .
8. شرح الزبدة في الاصول .
9. مختلف النحاة في النحو .
10. رسالة الخال .
11. ديوان شعره .

هامش
( 1 ) المطبوع في آخر منهج المقال ص 452 .
( 2 ) ج 25 ص 124 .

وقال صاحب ( الامل ) بعد عد كتبه : ورسائل متعددة ، رأيته في بلادنا مدة ثم سافر إلى اصفهان ، ولما توفي رثيته بقصيدة طويلة منها :
أقم ماتما للمجد قد ذهب المجد * وجد بقلبي السوء والحزن والوجد
وبانت عن الدنيا المحاسن كلها * وحل بها لون الضحى فهو مسود
وسائلة ما الخطب راعك وقعه * وكادت له الشم الشوامخ تنهد ؟
وما للبحار الزاخرات تلاطمت * وأمواجها أيد وساحلها خد ؟
فقلت : نعى الناعي إلينا ) محمدا ( * فذاب أسى من نعيه الحجر الصلد
مضى فائق الاوصاف مكتمل العلى * ومن هو في طرق السرى العلم الفرد
فكم قلم ملقى من الحزن صامت * فما عنده للصامتين له رد ؟
وطالب علم كان مغتبطا به * كمغتنم للوصل فاجأه الصد
لقد أظلمت طرق المباحث بعده * وكان كبدر التم قارنه السعد
فأهل المعالي يلطمون خدودهم * وقد قل في ذا الرزء أن يلطم الخد
لرزء ) الحريري ( استبان على العلى * أسى لم تكن لولا المصاب به يبدو
وشاعرنا ) الحريري ( مع أنه وليد مهد العروبة ، ورضيع ثدي مجدها الموثل له في الادب والقريض يد ناصعة ، وفي علوم لغة الضاد تضلع وتقدم ، قال سيدنا المدني و ) السلافة ( : له الادب الذي اينعت ثمار رياضه ، وتبسمت أزهار حدائقه وغياضه فحلا جناها لاذواق الافهام ، وتنشق عرفها كل ذي فهم فهام . فمن مطرب كلامه الذي سجعت به على أغصان أنامله عنادل أقلامه قوله مادحا شيخه الشيخ شرف الدين الدمشقى سنة ست وعشرين وألف :
إذا ما منحت جفوني القرارا * فمر طارق الطيف يدني المزارا
فعلك تثلج قلبا به * تأجج وجدا وزاد استعارا
وأنى يزور فتى قد براه * سقام يمض ولو زار حارا ؟
خليلي عرج على رامة * لانظر سلعا وتلك الديارا
وعج بي على ربع من قد نأى * لاسكب فيه الدموع الغزارا
فقلبي من منذ زم المطي * ترحل عني إلى حيث سارا
فهل ناشد لي وادي العقيق * عنه فإني عدمت القرارا ؟
بروحي رشا فاتن فاتك * إذا ما انثنى هام فيه العذارا
ولما رنا باللحاظ انبرت * قلوب الانام لديه حيارا
ومن عجب انها لم تزل * تعاقب بالحد وهي السكارا
وأعجب من ذا رأينا بها * انكسارا يقود اليها انتصارا
ولم أر من قبله سافكا * دماء ولم يخش في القتل ثارا
يعير الغزالة من وجهه * ضياء ويسلب منها النفارا
ويحمي بمرهف أجفانه * جنيا من الورد والجلنارا
تملكني عنوة والهوى * إذا ما أغار الحذار الحذارا
يرق العذول إذا ما رأى * غرامي ويمنحني الاعتذارا
ومن رشقته سهام اللحاظ * فقد عز برء وناء اصطبارا
حنانيك لست بأول من * دعاه الغرام فلبى جهارا
ولا أنت أول صب جنى * على نفسه حين أضحى جبارا
ترفق بقلبك واستبقه * فقد حكم الوجد فيه وجارا
وعج عن حديث الهوى واقر عن * إلى مدح من في العلى لا يجارا
إمام توحد في المكرمات * ونال المعالي والافتخارا
وأدرك شأو العلى يافعا * وألبس شانيه منه الصغارا
سما في الكلام إلى غاية * وناهيك من غاية لا تبارا
مناقبه لا يطيق الذكي * بيانا لمعشارها وانحصارا
غدا كعبة لاقتداء الورى * وأضحى لباغي الكمال المنارا
إليه المفاخر منقادة * أبت غيره أن يكون الوجارا
هو البحر لا ينقضي وصفه * فحدث عن البحر تلق اليسارا
إذا أظلم البحر عن فكرة * توقد عاد لديه نهارا
يفيد لراجي المعالي على * ويمنح عافي نداه النضارا
وبكر تجرر أذيالها * إليك دلالا وتسعى بدارا
أتتك من الحسن في مطرف * تثنى قواما أبى الاهتصارا
تضوع عبيرا وتختال في * ملابس وشي أبت أن تعارا
تشكى إليك زمانا جنى * عليها بنوه وخانوا الذمارا
وهموا بإطفاء مقباسها * فلم يجدوا حين راموا اقتدارا
فباؤا بخفي حنين وقد * علاهم خسار ونالوا بوارا
وكيف وأنت الذي قد قدحت * زنادا ذكاها وأوريت نارا
فهاك عروسا ترجى بأن * يكون القبول لديها نثارا
ومنك إليك أتت إذ غدت * لها منشأ واضحا والنجارا
ودم واحد الدهر فرد الورى * تنال سموا وتحوي وقارا
مدى الدهر ما لاح شمس الضحى * وناوح بلبل روض هزارا
وواصل صبا حبيب وما * تذكر نجدا فحن ادكارا
وتوجد في ) السلافة ( من شعره مائة واثنان وعشرون بيتا غير ما ذكرناه ،
وورث فضائله ومكارمه ولده الفاضل الصالح الشيخ إبراهيم بن محمد الحرفوشي نزيل طوس
( مشهد الامام الرضا عليه السلام ( والمتوفى بها سنة 1080 كما ذكره شيخنا الحرفي ) الامل ( وقد قرأ على أبيه وغيره .

القرن الحادي عشر
ابن أبى الحسن العاملى المتوفى 1086

علي تعالى بالمكارم والفضل * واصحابكم قدما عكوف على العجل
أباه ذووا الشورى لما في صدورهم * تغلغل من حقد عليه ومن غل
وماذا عسى يا مرو أن ينفع الابا * وقد قال فيه المصطفى خاتم الرسل ؟ !
ونص عليه في ( الغدير ) بأنه * إمام الورى بالمنطق الصادع الفصل
فأودعتموها غير أهل بظلمكم * وأبعدتموها أي بعد عن الاهل
فآذوا رسول الله في منع بنته * تراثا لها يا ساء ذلك من فعل
وكم ركبوا غيا وجاؤا بمنكر ؟ * وكم عدلوا عن جانب الرشد والعدل ؟
مثالب لا تحصى عدادا وكثرة * أبى عدها عن أن يحيط به مثلي
كفرتم ولفقتم أحاديث جمة * بمدح أناس ساقطين ذوي جهل
ولم يكفكم حتى وضعتم مثالبا * لصنو رسول الله والمرتضى العدل
فقلتم ضلالا : ساء حيدر أحمدا * بخطبته بنت اللعين أبي جهل ( 1 )
على انه لو كان حقا وثابتا * فحاشاه أن يأبى ويغضب من حل
نسبتم إلى الهادي متابعة الهوى * وكذبتم فيه الاله بذا النقل
القصيدة ذكرها العلامة السيد أحمد العطار في الجزء الثاني من كتابه ) الرائق )
الشاعر
السيد نور الدين علي ) الثاني ( بن السيد نور الدين علي ) الكبير ( بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي الجبعي .

هامش
( 1 ) حديث هذه الخطبة يوجد في صحاح القوم ومسانيدهم .

من أعيان الطائفة ووجوه أعلامها ، وفي الطليعة من عباقرتها ، جمع بين العلم والادب ، وتحلى بأبراد الزهد والورع ، كما كان أبوه أوحديا من أعلام بيت الوحي وفذا من أفذاذ العلم والفضيلة ، وعلما من تلامذة شيخنا الشهيد الثاني .
قرأ سيدنا المترجم له على أبيه السيد الشريف الطاهر ، وعلى العلمين الحجتين صاحب
( المدارك ( أخيه لابيه ، والشيخ حسن بن الشيخ الشهيد الثانى أخيه لامه ويروي عنهما .
ويروي بالاجازة عن الشيخين : العرضي الحلبي ( 1 ) والبوريني الشامي ( 2 ) قال في إجازته للمولى محمد محسن : إني أروي جانبا من مؤلفات العامة في المعقول والفقه والحديث عن الشيخين الجليلين المحدثين ، أعلمي زمانهما ، ورئيسي أوانهما :
عمر العرضي الحلبي ، وحسن البوريني الشامي ، بالاجازه منهما بالطرق المفصلة عنهما في إجازتيهما إلي .
ويروى عن السيد بالاجازة المولى محمد طاهر القمي المتوفى 1098 الآتي ذكره في هذا الجزء انشاء الله تعالى .
والشيخ هاشم بن الحسين بن عبدالرؤف الاحسائي ( 3 ) .
والشيخ أبوعبدالله الحسين بن الحسن بن يونس العاملي العيناثي الجبعي ( 4 )
والمولى محمد حسن بن محمد مؤمن ، باجازة مؤرخة بسنة 1051 ( 5 ) .
والسيد محمد مؤمن بن دوست محمد الحسيني الاستر آبادي نزيل مكة المشرفة

هامش
( 1 ) عمر بن عبدالوهاب العرضى الحلبى الشافعى القادرى ، المحدث الفقيه الكبير ، مفتى حلب وواعظها ، ولد بحلب سنة 950 وتوفى في شعبان سنة 1024 . توجد ترجمته في خلاصة الاثر 3 : 215 .
( 2 ) الشيخ حسن بن محمد بدرالدين البورينى الشافعى ، له تآليف بديعة ورسائل كثيرة ، وديوان شعر ، ولد سنة 963 ، وتوفى في جمادى الاولى سنة 1024 . ترجم له المحبى في الخلاصة 2 : 51 - 62 .
( 3 ) راجع مستدرك الوسائل 3 : 407 .
( 4 ) راجع اجازات البحار ص 159 ، 160 .
( 5 ) توجد في اجازات البحار ص 141 .

والشهيد بها سنة 1088 كان من تلمذة السيد المترجم له . ( 1 ) توجد ترجمة هذا الشريف المؤمن في كتابنا ( شهداء الفضيلة ) .
والمولى محمد باقر بن محمد مؤمن الخراساني السبزواري المتوفى سنة 1090 يروي عن شاعرنا الشريف كما في إجازته للمولى محمد شفيع ( 2 ) .
والشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني المتوفى 1091 ( 3 ) .
والسيد أحمد نظام الدين المتوفى سنة 1086 والد السيد على خان المدني صاحب ) السلافة ( كما في ( روضات الجنات ) ص 413 .
وأنت مهما اطلعت على ذكر شاعرنا ) نورالدين ( في المعاجم تجدها مزدانة بجمل الاطراء له ، مشحونة بغرر ودرر في الثناء عليه ، منضدة بأيدي أعلام العلم والدين ، قال سيدنا صدرالدين المدني في ( سلافة العصر ) ص 302 : طود العلم المنيف ، وعضد الدين الحنيف ، ومالك أذمة التأليف والتصنيف ، الباهر بالرواية والدراية ، والرافع لخميس المكارم أعظم راية ، فضل يعثر في مداه مقتفيه ، ومحل يتمنى البدر لو أشرق فيه ، وكرم يخجل المزن الهاطل ، وشيم يتحلى بها جيد الزمن العاطل ، وصيت من حسن السمعة بين السحر والنحر .
فسار مسير الشمس في كل بلدة * وهب هبوب الريح في البر والبحر
حتى كان رائد المجد لم ينتجع سوى جنابه ، وبريد الفضل لم يقعقع سوى حلقة بابه ، وكان له في مبدأ بالشام مجال لا يكذبه بارق العز إذا شام ، بين إعزاز وتمكين ، ومكان في جانب صاحبها مكين ، ثم انثنى عاطفا عنانه وثانيه ، فقطن بمكة شرفها الله تعالى وهو كعبتها الثانية ، تستلم أركانه كما تستلم أركان البيت العتيق ، وتستسنم أخلاقه كما يستسنم المسك العبيق ، يعتقد الحجيج قصده من غفران الخطايا ، وينشد بحضرته :
تمام الحج أن تقف المطايا . وقد رأيته بها وقد أناف على التسعين ، والناس تستعين به ولا يستعين ، والنور يسطع من أسارير جبهته ، والعز يرتع في ميادين جدهته ، ولم يزل بها إلى أن دعي فأجاب ، وكأنه الغمام أمرع البلاد فانجاب ، وكانت وفاته لثلاث عشرة بقين من ذي الحجة الحرام سنة ثمان وستين وألف رحمه الله تعالى ، وله شعر يدل على علو محله ، وابلاغه هدي القول إلى محله ، فمنه قوله متغزلا :
هامش
( 1 ) راجع اجازات البحار ص 164 .
( 2 ) راجع اجازات البحار ص 156 .
( 3 ) راجع مستدرك الوسائل 3 : 389 .

يا من مضوا بفؤادي عندما رحلوا * من بعد ما في سويد القلب قد نزلوا !
جاروا على مهجتي ظلما بلا سبب * فليت شعري إلى من في الهوى عدلوا ؟
وأطلقوا عبرتي من بعد بعدهم * والعين أجفانها بالسهد قد كحلوا
يامن تعذب من تسويفهم كبدي * ما آن يوما لقطع الحبل أن تصلوا ؟
جادوا على غيرنا بالوصل متصلا * وفي الزمان علينا مرة بخلوا
كيف السبيل إلى من في هواه مضى * عمري وماصدني عن ذكره شغل ؟
واحيرتي ضاع ما أوليت من زمن * إذ خاب في وصل من أهواهم الامل
في أي شرع دماء العاشقين غدت * هدرى وليس لهم نار إذا قتلوا ؟
يا للرجال من البيض الرشاق أما * كفاهم ما الذي بالناس قد فعلوا ؟
من منصفي من غزال ما له شغل * عني ولا عاقني عن حبه عمل ؟
نصبت أشراك صيدي في مراتعه * الصيد فني ولى في طرقه حيل
فصاح بي صائح : خفض عليك فقد * صادوا الغزال الذي تبغيه يا رجل !
فصرت كالواله الساهي وفارقني * عقلي وضاقت علي الارض والسبل
وقلت : بالله قل لي : أين سار به * من صاده ؟ علهم في السير ما عجلوا
فقال لي : كيف تلقاهم وقد رحلوا * من وقتهم واستجدت سيرها الابل ؟
وقوله مادحا بعض الامراء وهي من غرر كلامه :
لك الفخر بالعليا لك السعد راتب * لك العز والاقبال والنصر غالب
لك المجد والاجلال والجود والعطا * لك الفضل والنعما لك الشكر واجب
سموت على هام المجرة رفعة * ودارت على قطبي علاك الكواكب
فيا رتبة لو شئت أن تبلغ السهى * بها أقبلت طوعا إليك المطالب
بلغت العلا والمجد طفلا ويافعا * ولا عجب فالشبل في المهد كاسب
سموت على قب السراحين صائلا * فكلت بكفيك القنا والقواضب
وحزت رهان السبق في حلبة العلا * فأنت لها دون البرية صاحب
وجلت بحومات الوغى جول باسل * فردت على أعقابهن الكتائب
فلا الذارعات المعتمات تكنها * ملابسها لما تحن المضارب
ولا كثرة الاعداء تغني جموعها * إذا لمعت منك النجوم الثواقب
خض الحتف لا تخش الردى واقهر العدى * فليس سوى الاقدام في الرأي صائب
وشمر ذيول الحزم عن ساق عزمها * فما ازدحمت إلا عليك المراتب
إذا صدقت للناظرين دلائل * فدع عنك ما تبدي الظنون الكواذب
ببيض المواضي يدرك المرء شاؤه * وبالسمر إن ضاقت تهون المصاعب
لاسلافك الغر الكرام قواعد * على مثلها تبنى العلى والمناصب
زكوت وحزت المجد فرعا ومحتدا * فآباؤك الصيد الكرام الاطايب
ومن يزك أصلا فالمعالي سمت به * ذرى المجد وانقادت إليه الرغائب
القصيدة
وتوجد ترجمته في ) البحار ) 25 ص 124 ، ورياض العلماء ، وخلاصة الاثر 3 : 132 - 134 ، وروضات الجنات ص 530 ، والفوائد الرضوية 1 : 313 ، والكنى والالقاب 3 : 223 ، وقال صاحب ) أمل الآمل ( : وقد رأيته في بلادنا وحضرت درسه بالشام أياما يسيرة وكنت صغير السن ورأيته بمكة ايضا أياما ، وكان ساكنا بها أكثر من عشرين سنة ، ولما مات رثيته بقصيدة طويلة ستة وسبعين بيتا أولها :
على مثلها شقت حشا وقلوب * إذا شققت عند المصاب جيوب
لحى الله قلبا لا يذوب لفادح * نكاد له صم الصخور تذوب
جرى كل دمع يوم ذاك مرخما * وضاق فضاء الارض وهو رحيب
على السيد المولى الجليل المعظم * النبيل بعيد قد بكا وقريب
خبا نور دين الله فارتد ظلمة * إذا اغتاله بعد الطلوع مغيب
فكل جليل بعد ذاك محقر * وكل جميل بعد ذاك معيب
فمن ذا يمير السائلين وقد قضى ؟ * ومن لسؤال السائلين يجيب ؟
ومن ذا يحل المشكلات بفكره * يبين خفي العلم وهو غيوب ؟
ومن ذا يقوم الليل لله داعيا * إذا عز داع في الظلام منيب ؟
ومن ذا الذي يستغفر الله في الدجى * ويبكي دما إن قارفته ذنوب ؟
ومن يجمع الدنيا مع الدين والتقى * مع الجاه ؟ إن المكرمات ضروب
لتبك عليه للهداية أعين * ومدمعها منها عليه صبيب
وتبك عليه للتصانيف مقلة * تقاطر منها مهجة وقلوب
القصيدة
وقال : كان عالما فاضلا أديبا شاعرا منشيا جليل القدر عظيم الشأن ، وله كتاب شرح مختصر النافع لم يتم ، وكتاب الفوائد المكية ، وشرح الاثنى عشرية ( 1 ) الصلاتية للشيخ البهائي ، وغير ذلك من الرسائل 1 ه‍ وله رسالة في تفسير آية مودة ذي القربى ، ورسالة غنية المسافر عن المنادم والمسامر .
وورثه على فضائله وفواضله ولده السيد جمال الدين بن نور الدين علي بن الحسين بن أبي الحسن الحسيني الدمشقي ، قرأ بدمشق على العلامة السيد محمد بن حمزة نقيب الاشراف ، ثم هاجر إلى مكة وأبوه ثمة في الاحياء فجاور بها مدة ، ثم دخل اليمن أيام الامام أحمد بن الحسن فعرف حقه من الفضل ، ومدحه بقصيدة مطلعها :
خليلي عودا لي فياحبذا المطل * إذا كان يرجى في عواقبه الوصل ( 2 )
ثم فارق اليمن ، ودخل الهند ، فوصل إلى حيدر آباد وصاحبها يومئذ الملك ابوالحسن ، فاتخذه نديم مجلسه ، وأقبل عليه بكليته ، ولما طرقت النكباء أبا الحسن من سلطان الهند الاعظم وحبس ، انقلب الدهر على السيد جمال الدين فبقي مدة في حيدرآباد إلى أن مات بها في سنة ثمان وتسعين وألف ، كما أخبرني بذلك أخوه روح الادب السيد علي بمكة المشرفة .
كذا ترجمه المحبي في ( خلاصة الاثر ) 1 : 494 ، وأثنى عليه صاحب ( أمل الآمل ) ص 7 وقال : عالم فاضل محقق مدقق ماهر أديب شاعر ، كان شريكنا في الدروس عند
هامش
( 1 ) أسماه في اجازته للمولى محمد محسن بالانوار البهية .
( 2 ) ذكر منها المحبى في ) الخلاصة ( خمسة عشر بيتا .

جماعة من مشايخنا ، سافر إلى مكة وجاور بها ، ثم إلى مشهد الرضا عليه السلام ثم إلى حيدر آباد ، وهو الآن ساكن بها ، مرجع فضلائها وأكابرها ، وله شعر كثير من معميات و غيرها ، وله حواش وفوائد كثيرة ، ومن شعره قوله :
قد نالني فرط التعب * وحالني من العجب
فمن أليم الوجد * في جوانحي نار تشب
ودمع عيني قد جرى * على الخدود وانسكب
وبان عن عيني الحمى * وحكمت يد النوب
ياليت شعري هل ترى * يعود ما كان ذهب ؟
يفدي فؤادي شادنا * مهفهفا عذب الشنب
بقامة كأسمر * بها النفوس قد سلب
ووجنة كأنها * جمر الغضا إذا التهب
فذكر شطرا من شعره فقال : وقد كتبت إليه مكاتبة منظومة اثنين وأربعين بيتا أذكر منها
أبياتا :
سلام وإكرام وأزكى تحية * تعطر أسماع بهن وأفواه
وأثنيته مستحسنات بليغة * تطابق فيها اللفظ حسنا ومعناه
وأشرف تعظيم يليق بأشرف * الكرام وأحلى الوصف منه وأعلاه
اقبل ارضا شرفتها نعاله * وابدي بجهدي كل ما قد ذكرناه
من المشهد الاقصى الذي من ثوى به * ينل في حماه كل ما تيمناه
إلى ما جد تعنو الانام ببابه * فتدرك أدنى العز منه وأقصاه
وأضحى ملاذا للانام وملجأ * يخوضون في تعريفه كلما فاهوا
فتى في يديه اليمن واليسر للورى * فلليمن يمناه ولليسر يسراه
جناب الامير الامجد الندب سيدي * جمال العلى والدين أيده الله
وبعد : فإن العبد ينهي صبابة * تناهت ووجدا ليس يدرك أدناه
ويشكو فراقا أحرق القلب ناره * وقد دك طود الصبر منه وأفناه
وإنا وإن شطت بكم غربة النوى * لنحفظ عهد الود منكم ونرعاه
وقد جائني منكم كتاب مهذب * فبدل همي بالمسرة مرآه
فلا تقطعوا أخباركم عن محبكم * فإن كتابا من حبيب كلقياه
وإني بخير عن ان فراقكم * أذاب فؤادي بالغرام وأصماه ( 1 )
واهدي سلامي والتحية والثنا * وألطف مدح مع دعاء تلوناه
إلى الاخوة الامجاد قرة مقلتي * أحبه قلبي خير ما يتمناه
إلى أن قال :
إليكم تحيات أتت من عبيدكم * محمد الحر الذي أنت مولاه
وفي صفر تاريخه عام ستة * وسبعين بعد الالف بالخير عقباه
وأوعز إلى ذكره الجميل صاحب ( روضات الجنات ) ص 155 في ذيل ترجمة لسيد جمال الدين الجرجاني ، وذكره ابن أخيه السيد عباس بن علي في ( نزهة الجليس ) وتوجد ترجمته في ( بغية الراغبين ) وفيه : انه قرأ على أبيه وجماعة ، وروى عن أبيه وعن جده لامه الشيخ نجيب الدين. وذكره القمي في ( الفوائد الرضوية ) 1 : 84 ، وجمع شتات ترجمته سيد الاعيان في الجزء السادس عشر ص 383 - 390

هامش
( 1 ) أصمى الصيد : رماه فقتله مكانه .

القرن الحادي عشر
الشيخ حسين الكركى المتوفى 1076

فخاض ( أميرالمؤمنين ) بسيفه * لظاها وأملاك السماء له جند
وصاح عليهم صيحة هاشمية * تكاد لها الشم الشوامخ تنهد
غمام من الاعناق تهطل بالدما * ومن سيفه برق ومن صوته رعد
وصي رسول الله وارث علمه * ومن كان في خم له الحل والعقد
لقد ضل من قاس الوصي بضده * وذوالعرش يأبى أن يكون له ند
القصيدة ( 1 )
الشاعر
الشيخ حسين بن شهاب الدين بن حسين بن خاندار ( 2 ) الشامي الكركي العاملي ، هو من حسنات عاملة ، ومن العلماء المشاركين في العلوم المتضلعين منها ، أما حظه من الادب فوافر ، ولعلك لا تدري إذا سرد القريض أنه هل نظم درا ، أوصاغ تبرا .
ذكره معاصره في ) الامل ( وقال : كان عالما فاضلا ماهرا أديبا شاعرا منشيا ؟
من المعاصرين له كتب منها : شرح نهج البلاغة ، وعقود الدرر في حل أبيات المطول والمختصر ، وحاشية المطول ، وكتاب كبير في الطب ، وكتاب مختصر فيه ، وحاشية البيضاوي ، ورسائل في الطب وغيره ، وهداية الابرار في اصول الدين ، ومختصر الاغاني ، وكتاب الاسعاف ورسالة في طريقه ، وديوان شعره ، وأرجوزة في النحو ، أرجوزة في المنطق ، وغير ذلك وشعره حسن جيد خصوصا مدائحه لاهل البيت عليهم السلام ، سكن

هامش
( 1 ) اخذناها من ( أمل الامل ) نقلها عن خط ناظمها .
( 2 ) في خلاصة الاثر : جاندار .

اصفهان مدة ثم حيدرآباد سنين ومات بها ، وكان فصيح اللسان ، حاضر الجواب ، متكلما حكيما ، حسن الفكر ، عظيم الحفظ والاستحضار ، توفي في سنة 1076 وكان عمره 68 سنة . ا ه‍
وبالغ في الثناء عليه السيد المدني في ) السلافة ( ص 355 ومما قال : طود رسى في مقر العلم ورسخ ، ونسخ خطة الجهل بما خط ونسخ . علا به من حديث الفضل اسناده ، وأقوى به من الادب أقواؤه ؟ وسناده . رأيته فرأيت منه فردا في الفضائل وحيدا ، وكاملا لا يجد الكمال عنه محيدا . تحل له الحبى وتعقد عليه الخناصر ، أو في على من قبله وبفضله اعترف المعاصر . يستوعب قماطر العلم حفظا بين مقروء ومسموع ، ويجمع شوارد الفضل جمعا هو في الحقيقة منتهى الجموع ، حتى لم ير مثله في الجد على نشر العلم وإحياء مواته ، وحرصه على جميع أسبابه وتحصيل أدواته . كتب بخطه ما يكل لسان القلم عن ضبطه ، واشتغل بعلم الطب في أواخر عمره ، فتحكم في الارواح و الاجساد بنهيه وأمره .
ثم ذكر انتقاله وتجوله في البلاد ، وقدومه على والده سنة اربع وسبعين ، ووفاته يوم الاثنين لاحدى عشرة بقيت من صفر سنة ست وسبعين وألف عن أربع وستين سنة تقريبا . وذكر من شعره مائتين وواحدا وعشرين بيتا . ومنها قوله :
يا شقيق البدر ! أخفى * فرعك المسدول بدرك
فارحم العشاق واكشف * يا جميل الستر سترك
وقوله :
جودي بوصل أو ببين * فاليأس إحدى الراحتين
أيحل في شرع الهوى * أن تذهبي بدم الحسين ؟
وقوله :
ولقد تاملت الزمان وأهله * فرأيت نار الفضل فيهم خامده
فتن تجوش ودولة قد حازها * أهل الرذالة والعقول الفاسده
فقلوبهم مثل الحديد صلابة * وأكفهم مثل الصخور الجامده
فرأيت أن الاعتزال سلامة * وجعلت نفسي واو عمر والزائده
ومن شعره المذكور في ) أمل الآمل ( قوله .
رضيت لنفسي حب آل محمد * طريقة حق لم يضع من يدينها
وحب علي منقذي حين يحتوي * لدى الحشر نفس لا يفادى رهينها
وقوله من قصيدة :
أبا حسن ! هذا الذي استطيعه * بمدحك وهو المنهل السائغ العذب
فكن شافعي يوم المعاد ومونسي * لدى ظلمات اللحد إذ ضمني الترب
ومن شعره قوله ( 1 ) :
ما لاح برق من ربى حاجر * إلا استهل الدمع من ناظري
ولا تذكرت عهود الحمى * إلا وسار القلب عن سائري
أواه كم أحمل جور الهوى ؟ * ما أشبه الاول بالآخر ؟
يا هل ترى يدري نؤوم الضحى * بحال ساه في الدجى ساهر ؟
تهب إن هبت يمانية * أشواقه للرشأ النافر
يضرب في الآفاق لا يأتلي * في جوبها كالمثل السائر
طورا تهاميا وطورا له * شوق إلى من حل في الحائر
كأن مما رابه قلبه * علق في قادمتي طائر
ومنها :
يطيب عيشي في ربى ظبية * بقرب ذاك القمر الزاهر
( محمد ( البدر الذي أشرق ال‍ * - كون بباهي نوره الباهر
كونه الرحمن من نوره * من قبل كون الفلك الدائر
حتى إذا أرسله للهدى * كالشمس يغشي ناظر الناظر
أيده بالمرتضى حيدر * ليث الحروب الاروع الكاسر
فكان مذ كان نصيرا له * بورك في المنصور والناصر
يجندل الابطال يوم الوغى * بذي الفقار الصارم الباتر
توجد ترجمة شاعرنا ( الحسين ) في خلاصة الاثر 2 : 90 - 94 ، ورياض الجنة

هامش
( 1 ) أخذنا أبياتا منه من ) أمل الامل ( وعدة أبيات من ) خلاصة الاثر ( .

في الروضة الرابعة لسيدنا الزنوزي ، وإجازات البحار ص 125 لشيخنا العلامة المجلسي ، وروضات الجنات ص 193 ، 557 ، وتتميم أمل الآمل لابن أبي شبانة ، ونجوم السماء ص 93 ، وسفينة البحار 1 : 273 ، وأعيان الشيعة 26 : 138 - 156 ، والفوائد الرضوية 1 : 135 ، وشهداء الفضيلة ص 123 ، وذكره صاحب ) معجم الاطباء ( ص 171 وأثنى عليه وقال : وذكره البديعي في كتابه ) ذكرى حبيب ( وقال فيه : هو ثاني أبي الفضل البديع الهمداني ، وثالث ابن الحجاج والواساني ، وقد دون مدايحه وسماها ( كنز اللآلي ( وجمع أهاجيه ووسمها ب‍ ) السلاسل والاغلال ( اشتغل بعلم الطب في آخر عمره . إلخ رحم الله معشر السلف .

القرن الحادي
عشر القاضى شرف الدين المتوفى 1079

لو كان يعلم أنها الاحداق * يوم النقا ما خاطر المشتاق
جهل الهوى حتى غدا في اسره * والحب ما لاسيره إطلاق
يا صاحبي وما الرفيق بصاحب * إن لم يكن من دأبه الاشفاق
هذا لنقا حيث النفوس تباح و * الالباب تشرق والدماء تراق
حيث الظباء لهن شوق في الهوى * فيه لارباب العقول نفاق
وحذار من تلك الظباء فمالها * في الحب لا عهد ولا ميثاق
كالبدر إلا أنه في تمه * لا يختشى أن يعتريه محاق
كالغصن لكن حسنه في ذاته * والغصن زانت قده الاوراق
مهما شكوت له الجفاء يقول لي * : ما الحب إلا جفوة وفراق
أو أشتكي سهري عليه يقل : متى * نامت لمن حل الهوى آماق ؟
أو قلت : قد أشرقتني بدامعي * قال : الاهلة شأنها الاشراق
كنت الخلي فعرضتني للهوى * يوم النوى الوجنات والاحداق
إلى أن قال :
ولقد أقول لعصبة زيدية * وخدت بهم نحو العراق نياق
بأبي وبي وبطارفي وبتالدي * من يمموه ومن إليه تساق
: هل منة في حمل جسم حل في * أرض الغري فؤاده الخفاق ؟
أسمعتهم ذكر الغري وقد سرت * بعقولهم خمر السرى فأفاقوا
حبا لمن يسقي الانام غدا ومن * تشفى بترب نعاله الاحداق
لمن استقامت علة الباري به * وعلت وقامت للعلا أسواق
ولمن إليه حديث كل فضيلة * من بعد خبر المرسلين يساق
لمحطم اللدن الرماح وقد غدا * للنقع من فوق الرماح رواق
لفتى تحيته لعظم جلاله * من زايريه الصمت والاطراق
صنو النبي وصهره يا حبذا * الصنوان قد وشجتهما الاعراق
وأبوالاولى فاقوا وراقوا والاولى * بمديحهم تتزين الاوراق
انظر إلى غايات كل فضيلة * أسواه كان جوادها السباق ؟
وامدحه لا متحرجا في مدحه * إذ لا مبالغة ولا إغراق
ولاه أحمد في ) الغدير ( ولاية * أضحت مطوقة بها الاعناق
حتى إذا أجرى إليها طرفه * حادوه عن سنن الطريق وعاقوا
ما كان أسرع ما تناسوا عهده * ظلما وحلت تلكم الاطواق ؟
شهدوا بها يوم ) الغدير ( لحيدر * إذ عم من أنوارها الاشراق
القصيدة ( 1 )

الشاعر
القاضي شرف الدين الحسن بن القاضي جمال الدين علي بن جابر بن صلاح بن أحمد بن صلاح بن أحمد بن ناحي بن أحمد بن عمر بن حنظل بن المطهر بن علي الهبلي ( 2 ) الخولاني اليمني الصنعاني ، أحد أعلام اليمن وأعيانها الادباء ، كان عالما كاتبا شاعرا ، له ديوان تسمى بقلائد الجواهر ، وفي ( نسمة السحر ) : ان اليمن لم تلد أشعر منه من أول الدهر إلى وقته ، ومن منثور كتاباته تقريظ على ( سمط اللئالي ) تأليف السيد أبي الحسن ( 3 ) إسماعيل بن محمد ومن شعره :
مشروطة خطرت ترنح قامة * يخزي الذوابل لينها وشطاطها
قامت قيامة عاشقيها في الهوى * مذ أسفرت وبدت لهم أشراطها

هامش
( 1 ) تجدها في نسمة السحر فيمن تشيع وشعر ج 1 .
( 2 ) بفتح الهاء والموحدة بعدها ، بيت كبير من خولان .
( 3 ) احد ائمة اليمن له شهرة طايلة بها ، توفى سنة 1079 ، توجد ترجمته في خلاصة الاثر للمولى المحبى ج 1 ص 416 .

توفي بصنعاء وهو شاب في صفر سنة 1079 ورثاه والده وغيره .
وذكره صاحب ( خلاصة الاثر ) وأطراه وأثنى عليه في الكتاب ج 2 ص 30 و ذكر كثيرا من شعره ومما رواه قوله :
أين استقر السفر الاول * عما قريب بهم ننزل ؟
مروا سراعا نحو دار البقا * ونحن في آثارهم نرحل
ما هذه الدنيا لنا منزلا * وإنما الآخرة المنزل
قد حذرتنا من تصاريفها * لو أننا نسمع أو نعقل
يطيل فيها المرء آماله * والموت من دون الذي يأمل
يحلو له ما مر من عيشها * ودونه لو عقل الحنظل
ألهته عن طاعة خلاقه * والله لا يلهو ولا يغفل
يا صاح ! ما لذة عيش بها * والموت ما تدري متى ينزل ؟
يدعو لي الاحباب من بيننا * يجيبه الاول فالاول
يا جاهلا يجهد في كسبها * أغرك المشرب والمأكل ؟
ويا أخا الحرص على جمعها ! * مهلا فعنها في غد تسأل
لا تتعبن فيها ولا تأسفن * لما مضى فالامر مستقبل
ما قولنا بين يدي حاكم * يعدل في الحكم ولا يعزل ؟
ما قولنا لله في موقف * يخرس فيه المصقع المقول ؟
وإن سألنا فيه عن كل ما * نقول في الدنيا وما نفعل
ما الفوز للعالم في علمه * وإنما الفوز لمن يعمل
وقوله وفيه الجناس الكامل :
رويدك من كسب الذنوب فأنت لا * تطيق على نار الجحيم ولا تقوى
أترضى بأن تلقى المهيمن في غد * وأنت بلا علم لديك ولا تقوى ؟

القرن الحادى عشر
السيد ابوعلى الانسى المتوفى 1079

أمر الله في التنازع بالرد * إليه سبحانه وتعالى ( 1 )
وإلى خير خلقه سيد الرسل * وأزكاهم فعالا مقالا
فلماذا غدا التنازع في أمر * عظيم قد خالفوه ضلالا ؟
حكمت في مقام خير البرايا * حين ولى تيها رجال رجالا
فأبن لي ما حال من خالف الله * ومن صير الحرام حلالا ؟ !
واعرض القول في الجواب على * ما أنزل الله واطرح الاقوالا
زعم النص في الوصي خفيا * من رمى النصب أصغريه وغالا
وحديث ) الغدير ( يكفيه مما * قال فيه ) محمد ( واستقالا
غير أن الضغاين القرشيات * بها كانت الليالي حبالا ( 2 )
الشاعر
السيد أبوعلي أحمد بن محمد الحسني اليمني الانسي ( 3 ) أحد أعيان اليمن ومؤلفيها الافاضل من الجارودية ، ذكره صاحب ( نسمة السحر ) ج 1 وأطراه ، وله شعر كثير في العقايد ، وكان المتوكل يتقي لسانه حتى أنه دخل إليه يوما بالسودة فجعل يعاتبه على تقصيره في حقه فقضى له جميع حوائجه ، وقال : أنا لا استحل أن أرد حاجة واحدة من حوائجك . فقال السيد : وأحتاج إلى هذه الوسادة الهندية التي تحتك . فقام المتوكل عنها وأخذها السيد ومدحه بشعره ، توفي سنة 1079 وورث أدبه الباهر ولده السيد أحمد الآتي ذكره في القرن الآتي .

هامش
( 1 ) أشار إلى قوله تعالى : فان تنازعتم في شيئ فردوه إلى الله والرسول . النساء 59 .
( 2 ) ذكرها صاحب نسمة السحر في ج 1 .
( 3 ) بفتح الهمزة وكسر النون نسبة إلى مخلاق انس وهى مدينة معروفة باليمن .

القرن الحادي عشر
السيد شهاب الموسوى المولود 1025 المتوفى 1087

خلط الغرام الشجو في أمشاجه * فبكى فخلت بكاه من أوداجه
إلى أن قال :
نور مبين قد أنار دجى الهدى * ظلم الضلالة في ضياء سراجه
و ( غدير خم ) بعد ما لعبت به * ريح الشكوك وآض من لجلاجه
أمطرته بسحابة سميتها * ( خير المقال ) وضاق في أمواجه
وأبنت في نكت البيان عن الهدى * فأريتنا المطموس من منهاجه
وكذلك منتخب من التفسير لم * تنسج يدا أحد على منساجه
هذه الابيات توجد في ديوانه ص 140 من قصيدة تبلغ 40 بيتا قالها سنة 1087 يمدح بها السيد علي خان المشعشعي ( 1 ) ويذكر كتابه ) خير المقال ( في الامامة وفيه ذكر حديث غدير خم ، والمقرظ كما تراه يثبت في شعره حديث الغدير ويسمي ورطات القالة حول دلالته شكوكا ، ولذلك ذكرناه في عداد شعراء الغدير .
الشاعر
السيد شهاب بن أحمد بن ناصر بن حوزي بن لاوي بن حيدر بن المحسن بن محمد مهدي المتوفى في شهر شعبان سنة 844 - ابن فلاح ( 2 ) بن مهدي بن محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن الرضا بن إبراهيم بن هبة الله بن الطيب بن أحمد بن محمد ابن القاسم بن محمد أبي الفخار ابن أبي علي نعمة الله بن عبدالله بن أبي عبدالله جعفر

هامش
( 1 ) تاتى ترجمته بعد هذه الترجمة .
( 2 ) وفى نسخة ان فلاحا ابن لاحمد من غير واسطة ، وفي نسخة السيد ناجى : ان فلاحا ابن
محمد بن أحمد ) تحفة الازهار (

الاسود الملقب بارتفاح ابن موسى بن محمد بن موسى ابن أبي جعفر عبدالله العولكاني ابن الامام موسى الكاظم عليه السلام الحويزي .
كان المترجم له من عباقرة شعراء أهل البيت عليهم السلام فخم اللفظ ، جزل المعنى ، قال السيد ضامن بن شدقم في ( تحفة الازهار ج 3 ) : كان سيدا جليلا ، حسن الاخلاق ، كريم الاعراق ، فصيحا أديبا شاعرا ثم ذكر نبذا من شعره ، وذكره صاحب ( تاريخ آداب اللغة العربية ) ج 3 ص 280 وقال : إنه مشهور برقته . وقال البستاني في دائرة المعارف ج 10 ص 589 : إنه من أعيان القرن الحادي عشر توفي سنة 1082 ، وكان له شعر رقيق ، وسجع منسجم ومن شعره قوله :
ولي قمر منير ضاع مني * بنقطة خاله المسكي نسكي
تقبأ بالظلام لاجل خذلي * وعمم بالصباح لاجل هتكي
وله من قصيدة تقرأ طولا وعرضا وطردا وعكسا على أنحاء شتى :
فخر الورى حيدري عم نائله * فخر الهدى ذوالمعالي الباهرات علي
نجم السهى فلكيات مراتبه * مأوى السنانير يسمو على زحل
ليث الشرى قبس تهمى أنامله * غيث الندى مورد أشهى من العسل
بدر البها افق تبدو كواكبه * شمس الدنا صبح ليل الحادث الجلل
طود النهى عند بيت المال صاحبه * سمط الثنا زينة الاجيال والدول
وله ديوان معروف مطبوع في مصر سنة 1221 مرة ، وسنة 1290 ثانية ، و 1302 اخرى و 1320 رابعة ، وقد جمعه ولده السيد معتوق فسمى باسمه وترجم في أوله والده وذكر إنه ولد سنة 1025 وتوفي يوم الاحد 14 شوال 1087 وهو أعرف بشؤن والده وحياته ووفاته من
( البستاني ( الذي وهم فأرخ وفاته بسنة 1082 وأرخها النبهاني في المجموعة النبهانية ج 4 ص 15 بسنة 1087 .
وترجمه الاسكندري في ) الوسيط ( ص 315 وقال : شاعر العراق في عصره .
وسابق حلبته في رقة شعره ، ولد سنة 1025 ونشأ بالبصرة ، وبها تعلم وتأدب ، وقال الشعر وأجاده ، وكان في نشأته فقيرا ، فاتصل بالسيد علي خان أحد امراء البصرة من قبل الدولة الصفوية الايرانية ، وكانت وقتئذ تملك العراق والبحرين ، ومدحه مدحا
رقيقة ، وأكثر شعره مقصور عليه وعلى آل بيته فغمره بإحسانه .
وابن معتوق من كبار الشيعة لنشوه في دولة شيعية غالية ، فأفرط في التشيع في شعره ، وجاء في مدح علي والشهيدين بما يخرج عن حد الشرع والعقل ، ويمتاز شعره بالرقة وكثرة الاستعارات والتشبيهات حتى لتكاد الحقيقة تهمل فيه جملة 10 ه‍ .
قال الاميني : لم يكن شاعرنا أبومعتوق العلوي نسبا ومذهبا ، العلوي نزعة وأدبا ، ببدع من بقية موالي أهل بيت الوحي صلوات الله عليهم وشعرائهم المقتصدين البعيدين عن كل إفراط وغلو، المتقصين أثر الشرع والعقل في ولاء آل الله ، ومديح فئة النبوة ، وحملة أعباء الخلافة ، وكذلك الدولة الصفوية العلوية لم تكن كما حسبه الاسكندري غالية في التشيع ، وكلما أثبته الشاعر واعتقدت به دولة المجد الصفوى من فضائل لسروات المكارم من أئمة الهدى صلوات الله عليهم هي حقايق راهنة يخضع لها العقل ، ولا يأباه المنطق ، وهي غيره مستعصية على الاصول المسلمة من الدين ، وأما هذا الذي قذفه وإياهم من الغلو والافراط والخروج عن حد الشرع والعقل فإنما هو من وغر الصدر الذي لم يفتأ تغلي به مراجل الحقد منذ أمد بعيد ، ومنذ تشظى عن الحزب العلوي خصمائهم الالداء ، فهملجوا مع الافك ، وارتكضوا مع هلجات الباطل ، وإلا فهذا ديوان أبي معتوق بمطلع الاكمة من القارئ ، وتلك صحيفة تاريخ الصفوية البيضاء في مقربة من مناظر الطالبين ، وكل منهما على ما وصفناه ، لكن الاسكندري راقه القذف فقال ، وليست هذه بأول قارورة كسرت في الاسلام ، ونحن عرفناك الفئة الغالية ، وانها غير الشيعة ، والله هو الحكم العدل .

القرن الحادي عشر
السيد على خان المشعشعي المتوفى 1088

أرجو من الدهر الخؤون ودادا * وأرى الخليفة يخلف الاوعادا
يا دولة ما كنت أحسب انني * أشقى بها وغدا الشريف عمادا
ولعله مع لطفه لم ينو لي * خلفا ولكن دهرنا ما جادا
وإذا هبطت عن العلا بفضائلي * فتعجبوا ثم انظروا من سادا ؟ !
يا درة بيعت بأبخس قيمة * قد صادقت في ذا الزمان كسادا
دهر يحط الكاملين ويرفع * الانذال والاوباش والاوغادا
لو كان في ذا الدهر خير ما علا * التيمي بعد المصطفى أعوادا
ويذاد عنها حيدر مع أن خير * الخلق صرح ) في الغدير ( ونادا
: من كنت مولاه فذا مولاه من * بعدي وأسمع بالندا الاشهادا
وإذا نظرت إلى البتول وقد غدت * مغصوبة بعد النبي تلادا
ومصيبة الحسن الزكي وعزله * تبكي العيون وتقرح الاكبادا
والمحنة العظمى التي ما مثلها * قتل الحسين خديعة وعنادا
من بعدما أن صرعوا بالطف أنصا * را له بل قتلوا الاولادا
ونساء آل محمد مسبية * تسري بها حمر النياق وخادا
ويؤمهم بقيوده السجاد و * الرأس الكريم يشيع السجادا
والتسعة الاطهار ما قاسوا من * الاضداد لما عاشروا الاضدادا ؟
ما بين مطرود ومسموم ومحبوس * يعالج دهره الاقيادا
حققت ما أحد من الاشراف حاز * المكرمات ونال منه مرادا
وله :
ألا حي طلعتها من مهى * وحيا الحيا دارها بالحمى
رأينا المهى فدعانا الغرام * فيامن رأى ماشيا للشقا
حللنا الحبا إذ دعانا الهوى * ولولا الهوى ما حللنا الحبا
طلعن فأطلعن سر الدموع * فقلت لسعد : ترى ما أرى ؟
فقال وقد مال فوق الرحال * : أتخفي على العين شمس الضحى ؟
مشين الغداة برمل العقيق * فعطرن ذاك الثرى بالمشا
يقول بعد 26 بيتا تشبيبا :
وإن غلاما نماه الوصي * وفيه عروق من المصطفى
وفيه خصال إذا ما نظرت * أتته تراث من المرتضى
جدير بأن يصطفيه الزمان * عمى بعيون زماني عمى
ولكن زمان بآل الرسول * أساء وعن ضيمهم ما نبا
وقد جار في حكمه بالولي * فماذا تقول بأهل الولا ؟
هم حجة الله في خلقه * هم صفوة الله من ذي الورى
هم دوحة فرعها في السما * ومركزها بيت رب السما
فسل هل أتى هل أتت مدحة * لغيرهم ؟ حبذا هل أتى ؟
وفي إنما جاء نص الولاء * لهم وسيعرفه من تلا
من الرجس طهرهم ربهم * ودلت عليهم بذاك العبا
وكان الكساء لتخصيصهم * فطاب الكسا والذي في الكسا
لقد خط في اللوح أسماء‌هم * وفي العرش قبل بدو الضيا
بهم باهل الطهر أعداء‌ه * فما باهلوه وخافوا التو
إلي أن قال :
وشاركه بالذي اختصه * أخوه الذي خصه بالاخا
فقسمة طوبى ونار العذاب * إليه بلا شبهة أو مرا
فإن كنت في مرية من علاه * يخبرك عنه حديث الشوى
وفي خصفه النعل قد بينت * فضيلته وتجلا العمى
وفي أنت مني وضوح الهدى * وتزويجه الطهر خير النساء
وبعث براء‌ة نص عليه * وإن سواه فلا يصطفى
وفي يوم ) خم ( أبان النبي * موالاته برفيع الندا
فأولهم كان سلما له * وفاديه بالنفس ليل الفدا
وناصره يوم فر الصحاب * عنه فرارا كسرب القطا
هذه القصيدة الغراء تناهز مائة وعشرين بيتا قد جمع سيدنا الحويزي فيها جملة من مناقب مولانا اميرالمومنين عليه السلام كنزول هل أتى ، وآية إنما وليكم الله ، وآية التطهير ، وحديث الكساء ، والمباهلة ، والمؤاخاة ، والطائر المشوي ، وخصف النعل ، وتزويج السيدة الطاهرة الصديقة ، وبعث سورة البرائة ، وغدير خم ، إلى غير ذلك ، ونحن أوقفناك في أجزاء كتابنا هذا على صحة تلكم الاحاديث ، وانها صحيحة جاء‌ت في الصحاح والمسانيد .

الشاعر
السيد علي خان بن السيد خلف بن السيد عبدالمطلب بن حيدر بن محسن بن محمد الملقب بالمهدي بن فلاح بن محمد بن أحمد بن علي بن أحمد بن رضا بن إبراهيم ابن هبة الله بن الطبيب بن أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي الطحان بن غياث بن أحمد ابن الامام موسى بن جعفر صلوات الله عليهما المشعشعي الحويزي ( 1 ) .
أحد حكام حويزة وأرباضها ، تحلى بقشائب أبراد العلم كما رف عليه العلم في ميادين السباق ، وحلبات الملك ، وازدان بعقود من الادب الزاهي وقلائد من القريض الرائق ، وقبل ذلك كله نسبه الوضاح المتألق بأواصر النبوة ، وعنصره الفائح عن وشائج الامامة ، فهو بين ألق وعبق يضوع مع الصبانده ، ويضيئ في الصباح حده ، كل ذلك مشفوع بفضل متدفق ، ونوايا صالحة ، وعقايد حقة ، بوأته في الغارب والسنام في مستوى المآثر ومعقد العظمة ، فلا يوجد في عقيدته إلا دين الله

هامش
( 1 ) كذا سرد نسبه صاحب رياض ) العلماء ( .

الذي ارتضاه لعباده في كل من التوحيد والنبوة والامامة ، وبقية العقايد الصادقة وقد امتاز بها عن بعض رجال بيته الذين اعتنقوا مقالات زائفة ، وانحرفوا عن سوي الصراط بالاباطيل .
ذكره شيخنا الحر في ) أمل الآمل ( وقال : كان فاضلا عالما شاعرا أديبا جليل القدر له مؤلفات في الاصول والامامة وغيرها .
وأثنى عليه صاحب ( رياض العلماء ) وقال : كان من تلامذة الشيخ عبداللطيف بن علي ابن أبي جامع تلميذ الشيخ البهائي ، توفي في عصرنا وخلف أولادا ذكورا واناثا كثيرة وقد أخذ حكومة تلك البلاد من أولاده واحدا بعد واحد إلى هذا اليوم وهو عام سبعة عشر ومائة بعد الالف ، وكان بعض أولاده ايضا مشتغلا بتحصيل العلوم في الجملة ، وقد استشهد طائفة غزيرة من أولاده وأحفاده وأقربائه في قضية محاربة صارت بين أعراب تلك البلاد وبين بعض أولاده الذي هو الآن حاكم بها . اه‍
وذكره بجمل الثناء عليه السيد الجزائري في ( الانوار النعمانية ) .
يروي عن المترجم له الشيخ حسين بن محيي الدين بن عبداللطيف بن أبي جامع ويروي هو عن الشيخ علي زين الدين سبط الشهيد الثاني كما في ) المستدرك ) 3 :408 .
آثاره في العلم والدين والادب :
1- النور المبين في الحديث أربع مجلدات . في اثبات النص على أميرالمؤمنين عليه السلام ألفه سنة 1083 .
2- تفسير القرآن الكريم أربع مجلدات ، بلغ إلى سورة الرحمن أسماء ب‍ ) منتخب التفاسير ( .
3- خير المقال شرح قصيدته المقصورة أربع مجلدات ، في الادب والنبوة و الامامة .
4- نكت البيان في مجلد .
5- مجموعة مشتملة على طرائف المطالب التي أوردها في مؤلفاته الاربعة المذكورة ، وقد انتخبها منها مع ضم ساير لطائف المقاصد وأرسلها هدية للشيخ علي سبط الشهيد الثاني إلى اصبهان . قال صاحب ( الرياض ) : وقد رأيتها في جملة كتبه .
6- رسالة اخرى قد أرسلها إلى الشيخ علي المذكور وقد صدرها بالبحث عن حديث الغدير .
7- رسالة اخرى أرسلها إلى الشيخ علي أيضا في شرح حديث الاسماء . قال في ) الرياض ( هي حسنة الفوائد جليلة المطالب .
8- ديوان شعره الموسوم ) خير جليس ونعم أنيس ( .
ومن شعره قوله من قصيدة :
ولولا حسام المرتضى أصبح الورى * وما فيهم من يعبد الله مسلما
وأبناؤه الغر الكرام الاولى بهم * أنار من الاسلام ما كان مظلما
واقسم لو قال الانام بحبهم * لما خلق الرب الكريم جهنما ( 1 )
وما منهم إلا إمام مسود * حسام سطا بحر طما عارض هما
وقوله من قصيدة :
فافزع إلى مدح الامين فإنما * لامانه البلد الامين أمين
وأخيه وارث علمه ووزيره * ونصيره في الحرب وهو زبون ( 2 )
وبنيه أقمار الهدى لولاهم * لم يعرف المفروض والمسنون
وقوله من قصيدة :
وصيرت خير المرسلين وسيلتي * وألزمت نفسي صمتها ووقارها
وعترته خير الانام وفخرهم * أبت أن يشق العالمون غبارها
وقوله من قصيدة :
وصير وسيلتك المصطفى * الامين أبا القاسم المؤتمن
وصنو الرسول ومن قد علا * على كتفه يوم كسر الوثن
وبضعته وإمامي الشهيد * من بعد ذكر إمامي الحسن
وبالعترة الغر أرجو النجاة * فحبهم لي أو في الجنن

هامش
( 1 ) مأخوذ من حديث نبوى يأتى في مسند المناقب ومرسلها ان شاء الله تعالى .
( 2 ) الحرب الزبون : شديدة تدفع بعضها بعضا من الكثرة .

ووالده السيد خلف بن عبدالمطلب كان كما في أمل الآمل ، وروضات الجنات ص 265 : عالما فاضلا ، ومتكلما كاملا ، وأديبا ماهرا ، ولبيبا عارفا ، وشاعرا مجيدا ومحدثا مفيدا ، محققا جليل المنزلة والمقدار .
ومن تآليفه القيمة :
1. مظهر الغرائب ، في شرح دعاء عرفة للامام السبط الشهيد عليه السلام ، عشرة آلاف بيت . قال شيخنا النوري في ) المستدرك ( : هو شاهد صدق على ما قالوا فيه من العلم والفضل والتبحر بل وحسن السليقة .
2. النهج القويم في كلام أميرالمؤمنين عليه السلام جمع فيه ما فات نهج البلاغة .
3. المودة في القربي في فضائل الزهراء الصديقة والائمة ، كبير جدا
4. الحجة البالغة ، في الكلام وإثبات الامامة بالآيات ونصوص الفريقين .
5. سبيل الرشاد في النحو والصرف والاصول وأحكام العبادات .
6. خير الكلام في المنطق والكلام واثبات امامة كل إمام إمام .
7. رسالة الاثنى عشرية في الطهارة والصلاة .
8. فخر الشيعة في فضائل أميرالمؤمنين عليه السلام .
9. الحق اليقين ، كتاب في المنطق والكلام كبير .
10. سيف الشيعة في الحديث . كتاب كبير .
11. سفينة النجاة في فضائل الائمة الهداة .
12. البلاغ المبين في الاحاديث القدسية .
13. رسالة دليل النجاح في الدعاء .
14. ديوان شعر عربي ، وآخر فارسي .
15. كتاب آخر ، في الدعاء ايضا .
16. برهان الشيعة ، في الامامة .
17. حق اليقين ، في الكلام .
18. منظومة في النحو .
19. رسالة في النحو .
ومن شعره قوله يمدح أميرالمؤمنين عليه السلام :
أبا حسن يا حمى المستجير * إذا الخطب وافى علينا وجارا
لانت أبر الورى ذمة * وأكبر قدرا وأمنع جارا
فلا فخر للمرء ما لم يمت * إليك انتسابا فينمي النجارا
توفي سنة 1074 ورثاه الشهاب الحويزي بقصيدة توجد في ديوانه مستهلها :
مضى خلف الابرار والسيد الطهر * فصدر العلى من قلبه بعده صفر
بسط القول في ترجمته سيدنا الامين في ( أعيان الشيعة ) ج 30 : 20 - 37 .

القرن الحادي عشر
السيد ضياء الدين اليمني المتوفى 1096

خليلي اما سرتما فازجرا بنا * المطي وسيرا حيث سار الجنائب ( 1 )
ولا يشعر الواشون اني فيكما * حليف جوا قد أضمرتني الحقايب ( 2 )
إلى الحي لا مستأنسين بقاطن * بريب وأهل الحي آت وذاهب
فإن شمتما برقا من الحي لائحا * متى يبد منه حاجب يخف حاجب
فلا تحسباه بارقأ لاح بالحمى * متى طلعت بين البيوت السحائب
ولكنه ثغر تألق جوه * من الدر سمط لم يثقبه ثاقب
( إلى أن قال ) :
وعيشكما لو شئتما ذلك السنا * وغالتكما ألحاظها والحواجب
لشاركتماني بالصبابة والاسى * وجارت بأعناق المطي المذاهب
اعلل فيك النفس يالبن ذاكرا * خليلي ومالي غير حبك صاحب
وبي منك ما لو كان بالنجم ماسرا * وبالبدر ما التفت عليه الغياهب
هوى دونه ضرب الرقاب وعزمة * تشاكل عزمات الضبا وتصاقب ( 3 )
( ويقول فيها ) :
إمام براه الله من طينة العلا * همام له نهج من المجد لازب ( 4 )
له الشرف الاعلا له نقطة السما * هو البدر والآل الكرام الكواكب
بهم قام دين الله في الارض واعتلت * لامة خير المرسلين المذاهب

هامش
( 1 ) الريح التى تهب من القبلة ، ج الجنوب .
( 2 ) جمع الحقيبة : ما يحل على الفرس خلف الراكب . الخريطة التى يضع المسافر فيها الزاد ونحوه .
( 3 ) تصاقب : تقارب وتدنو .
( 4 ) اللازب : الثابت ، يقال : ) صار الامر ضربة لازب ( اى صار لازما ثابتا .

ليهنك ذا العيد ( 1 ) الذي أنت عيده * وعيدي ومن تحنو عليه الاقارب
ويوما أقام الله للآل حقهم * به ورسول الله في القوم خاطب
به قلد الله الخلافة أهلها * وزحزح عنها الابعدون الاجانب
فكان أميرالمؤمنين علي ن الوصي * بنص الله فالامر واجب
وحسبك نفس المصطفى ووليه * وهارونه الندب الهمام المحارب ( 2 )
الشاعر
السيد ضياء الدين جعفر بن المطهر ( 3 ) بن محمد الحسين الجرموزي الحسني اليمني ، أحد زعماء اليمن ، كان أديبا كاتب شاعرا استعمله المتوكل ابن المنصور على بلاد ) العدين ( لما أخذها بعد وفاة أبي الحسن إسماعيل بن محمد ، ولم يزل بها حتى تغلب عليها الامير السيد فخر الدين عبدالله بن يحيى بن محمد في أوايل دولة المؤيد بن المتوكل ، وله شعر كثير ، ومن منثور آثاره تقريظه على كتاب ( سمط اللئالي ) تأليف السيد اسماعيل ابن محمد اليمني توفي سنة 1096 ببلد ( العدين ) أخذناه ملخصا من ( نسمة السحر ) ج 1 .

هامش
( 1 ) يعنى عيدالغدير
( 2 ) توجد في ) نسمة السحر ( ج 1 يهنئ بها السيد ضياء الدين أبا محمد زيد بن محمد بن الحسن اليمنى بعيد الغدير .
( 3 ) كان من اعيان دهره وافراد عصره علما واديا توفى 1077 توجد ترجمته في خلاصة الاثر ج 4 ص 406 وفيه ان له اولاد عظماء ادباء كرماء : محمد ، والحسن ، وجعفر ، وقد ذكرتهم في كتابي النفحة .

القرن الحادي عشر
المولى محمد طاهر القمي المتوفى 1098

سلامة القلب نحتني عن الزلل * وشعلة العلم دلتني على العمل
طهارة الاصل قادتني إلى كرم * كرامتي ثبتت في اللوح في الازل
قلبى يحب ( عليا ) ذا العلى فلذا * أدعو لامي في الابكار والاصل
محبة ( المرتضى ) نور لصاحبها * يمشي بها آمنا من آفة الزلل
لزمت حب ( علي ) لا افارقه * وداده من جناني قط لم يزل
أخو النبي ( 1 ) إمامي قوله سندي * لقوله تابع ما كان من عملي
أطعت حيدرة ذا كل مكرمة * إمام كل تقي قاصر الامل
صرفت في حب آل المصطفى عمري * من مال عنهم إليه قط لم أمل
باب المدينة ( 2 ) منجانا وملجأنا * ما انحل مشكلنا إلا بحل علي
لولا محبة طه للوصي لما * أتى شاركه في طيب الاكل ( 3 )
ولاية المرتضى في ( خم ) قد ثبتت * بنص أفضل خلق الله والرسل
نص النبي عليه فوق منبره * عليه أشهد أهل الدين والدول
قد نص في الدار عند الاقربين على * خلافة ( المرتضى ) جدا بلا هزل ( 4 )
إن الامامة عهد لم تنل أحدا * سوى المصون من الزلات والخطل
هامش
( 1 ) مر الكلام حول حديث المواخاة في الجزء الثالث ص 112 - 125 ط 2 .
( 2 ) أشار إلى حديث ) أنا مدينة العلم وعلى بابها ( وقد فصلنا القول حوله في الجزء السادس ص 61 - 81 ط 2 .
( 3 ) اشار إلى حديث الطائر المشوى الثابت المتسالم عليه ، وسيوافيك بطرقه في مسند المناقب ومرسلها .
( 4 ) راجع في قصة الدار واستحلاف رسول الله صلى الله عليه وآله عليا يوم ذاك الجزء الثانى ص 278 - 289 ط 2

أطعت من ثبتت في الكون عصمته * وعفت كل جهول سيئ العمل
قد ردت الشمس للمولى أبي حسن ( 1 ) * روحي فدا المرتضى ذي المعجز الجلل
طوبى له كان بيت الله مولده ( 2 ) * كمثل مولده ما كان للرسل
الشاعر
المولى محمد طاهر بن محمد حسين الشيرازي ثم النجفي ثم القمي أحد الاوحديين المشاركين في العلوم ، وفذ من مشايخ الاجازات الذين اتصلت بهم حلقات الاسانيد ضم إلى فقهه المتدفق فلسفة صحيحة عالية ، وإلى حديثه الموثوق به أدبه الجم ، وفضله الكثار ، إلى عظات بالغة ، ونصايح كافية ، وحكم راقية ، وشعر كثر يزري بعقود الدرر ومنتثر الدراري ، تدفقت المعاجم باطرائه والثناء الجميل عليه ، قال صاحب ( أمل الآمل ) : من أعيان فضلاء المعاصرين ، عالم محقق مدقق ثقة ثقة فقيه متكلم ، محدث جليل القدر ، عظيم الشأن . وأطراه شيخنا النوري في المستدرك بقوله : العالم الجليل النبيل ، عين الطائفة ووجهها ، صاحب المؤلفات الرشيقة النافعة.
يروي مولانا محمد الطاهر عن السيد نور الدين علي ( 3 ) الآنف ذكره ص 291 و يروي عنه شيخنا العلامة المجلسي باجازة مؤرخة بسنة 1086 ( 4 ) وشيخنا الحر العاملي كما في أمل الآمل ، والشيخ نور الدين الاخباري توجد إجازته له بخطه ظهر كتاب الوافي كما ذكره شيخنا الرازي ، ويروي عنه المولى محمد محسن الفيض الكاشاني . ( 5 )
له تآليف قيمة في شتى المواضيع منها :
1- عطيه‌ء رباني وهديه‌ء سليماني ، شرح لاميته التي التقطنا منها الابيات المذكورة ، ذكر في هذا الشرح عدة من مؤلفاته ومنه أخذنا غير واحد مما ذكرناه ومفتتح الشرح :

هامش
( 1 ) مر حديث رد الشمس في الجزء الثالث ص 126 - 141 ط 2 .
( 2 ) حديث مولده الشريف أسلفناه في الجزء السادس ص 21 - 38 ط 2 .
( 3 ) راجع بحار الانوار 25 : 264 ، مستدرك الوسائل 3 : 409 .
( 4 ) توجد في اجازات البحار ص 164 .
( 5 ) المستدرك 3 : 421 .

اى كلام از انتظام نام ذاتت در نظام * وى زشهد شكرين شكرت زبان شيرين بكام
رحمت عام وسلامت بر روان أنبيا * خاصة بر روح محمد باد بر آل عبا
2- تحفة الاخيار وكشف الاسرار في شرح رائية له فارسية في مدح اميرالمؤمنين عليه السلام تسمى بمونس الابرار .
3- بهجة الدارين في الحكمة قال صاحب الروضات : شاهدتها في هذه الاواخر .
4- رسالة السلامية في ترك ( السلام عليك أيها النبي ) في التشهد .
5- الاربعين في فضائل أميرالمؤمنين وإمامة الائمة المعصومين .
6- الجامع في اصول الفقه والدين أسماه حجة الاسلام .
7- الفوائد الدينية في الرد على الحكماء والصوفية .
8- حكمة العارفين في رد شبه المخالفين .
9- تنبيه الراقدين في الموعظة ، مطبوع .
10- رسالة في خلل الصلاة ، فارسية .
11- حق اليقين في معرفة اصول الدين .
12- منهاج العارفين شرح رباعياته .
13- فرحة الدارين في العدالة .
14- رسالة في صلاة الليل .
15- رسالة في صلاة الاذكار .
16- شرح تهذيب الحديث .
17- رسالة في الفرائض .
18- رسالة في الرضاع .
19- مفتاح العدالة .
20- رسالة الجمعة .
21- سفينة النجاة .
كان شيخنا المترجم له شيخ الاسلام وإمام الجمعة والجماعة بقم المشرفة إلى أن توفي بها سنة 1098 ودفن خلف مرقد زكريا بن آدم القمي طاب ثراه من قريب .
ومن شعره الفارسي قوله :
از گفته‌ء مصطفى إمام است سه چار * از روي چه گوئي كه امام است چهار
نشناسي اگر سه چار حق را ناچار * خواهى بعذاب ايزدى گشت دو چار
دليل رفعت شأن علي اگر خواهي * باين كلام دمى گوش خويشتن ميدار
چو خواست مادرش از بهر زادنش جائي * درون خانه خاصش بداد جا ستار
پس آن مطهرة با احترام داخل شد * در آن مقام مقدس بزاد مريم وار
برون چو خواست كه آيد پس از چهارم روز * ندا شنيد كه ( نامش برو على بگذار )
فداى نام چنين زاده‌ء بود جانم * چنين امام گزينيد يااولى الانصار
ومن رباعياته :
أى مانده ز كعبه‌ء محبت مهجور * افتاده ز راه مهر صد منزل دور
با حب عمر دم مزن از مهر نبي * كي جمع توان نمود با ظلمت نور ؟
وله :
بما رسيده حديث صحيح مصطفوى * كه هست بعد پيمبر امام هشت وچهار
كسى نكرده زامت بدين حديث عمل * بغير پيرو آل وأئمه‌ء أطهار
وله :
أى طالب علم دين ز من گير خبر * تا چند دوى در بدر اى خسته جگر
خود را برسان بشهر علم اى غافل * شو داخل آن شهر وليكن أز در
وله :
نبي چو وارد ) خم ( گشت بر سر منبر * خليفه كرد علي را بكفته‌ء جبار
نهاد بر سر او تاج وال من والاه * زامتش بكرفت از براى وي اقرار
وليك آنكه به بخبخ نمود تهنيتش * بكرد از پى اقرار خويشتن انكار
فتاد بر سر حارث زغيب سنك قضا * چو گشت منكر نص غدير آن غدار
ومن رباعياته :
از دورى راه خويشتن يادى كن * آماده ز بهر سفرت زادى كن
از بى كسى مردن خود ياد آور * در ماتم خود نشين وفريادى كن
وله :
از دورى راه خويشتن كن يادى * آماده ز بهر سفرت كن زادي
در راه طلب چو خفته‌ء‌اى غافل * بر خيز كه از قافله دور افتادى
وله :
بر خيز چه خفته‌ء رفيقان رفتند * غافل چه نشسته‌ء عزيزان رفتند
خندان منشين كه جمله ياران عزيز * با سوز دل وديده‌ء گريان رفتند
وله :
إي بنده‌ء طول أمل وحرص وحسد * فردا است كه أعضاى تو از هم ريزد
اين سر كه زباد نخوت امروز پر است * تا چشم زني بود پر از خاك لحد
وله :
تا چشم زنى رسيده وقت سفرت * فردا است كه در جهان نماند أثرت
بر روى زمين خرام وغفلت تاكي * از زير زمين مگر نباشد خبرت
وله :
از وادى معصيت بيا زود گذر * كين مرحله راهست بسى خوف وخطر
گوئى كه كنم توبه پس از پيريها * از مرك جوانان مگرت نيست خبر ؟
وله :
سالك هوس عالم بالا نكند * پابند ألم ز پاى دل وا نكند
هر دل كه زياد مرك معمور شود * حقد وحسد وحرص در اوجا نكند
وله :
خواهى نشود گلشن دل چون بيشه * بركن تو نهال حرص را از ريشه
بر پاى درخت أمل وحرص وحسد * پيوسته زياد مرك ميزن تيشه
وله :
أي طالب سيم وكيمياى اصغر * آموز زمن تو كيمياى أكبر
در بوته ياد مرك خود را بگداز * تا خاك دلت شود طلاى احمر
وله في تقريظ الكتب الاربعة ( 1 )
دين را كتب أربعه چون جان باشد * اينچار چهار ركن ايمان باشد
هنگام جهاد نفس اينچار كتاب * چار آينه‌ء صاحب عرفان باشد
وله في تقريظها :
اى آنكه ترا غلط روى عادت وخوست * روكن برهى كه منزل رحمت اوست
ميخوان كتب أربعه كز وى هر سطر * راهى است كه راست ميرود تادر دوست

هامش
( 1 ) الكافى لشيخنا ابى جعفر الكلينى - من لا يحضره الفقيه لشيخنا ابى جعفر القمى - التهذيب والاستبصار لشيخ الطائفة ابى جعفر الطوسى .

القرن الحادي عشر
القاضي جمال الدين المكي المتوفى بعد 1012

أنت نعم النصير في كل زاد * أنت نعم المولى لكل العباد
ذوالايادي والايد أنت لعمري * سيد الناس أوحد العباد
ولك الارث في الولاء بحق * في رقاب الورى ليوم التناد
لمقال النبي في ( ماء خم ) * أنت مولى للمؤمن المنقاد
فتهادى بالطوع قوم ففازوا * وتمادى الغبي في الانتقاد ( 1 )
ثم قال النبي : وال عليا * يا إلهي ومن يعاديه عاد
وتفضل برحمة للموالي * وبلعن ونقمة للمعادي ( 2 )
شرف شامخ ومجد رفيع * وافتخار يزيل غلب الهوادي
كنت في الصلب إذ دنا فتدلى * وعلى الصف في مقر الجلاد
ثم من قبل ذا أجبت نداء‌ا * لالست الاله في كل واد ( 3 )
من يباريك في السيادة غر * بمزايا تنير منها الدآدي ( 4 )
أو يجاريك في العلوم جهول * ما له في الفهوم من مستفاد ( 5 )
أنت أنت المعروف في كل فضل * أنت صدر الاصدار والايراد
وسوى بيتك المنكر جهلا * وسواك الضنين بالامداد
فابق واسلم لك السلامة وقف * والمثاني من الثنا في ازدياد
سلافة العصر ص 117 ، سلوة الغريب ، كلاهما للسيد علي خان المدني .

هامش
( 1 ) كذا في سلافة العصر ، وفى سلوة الغريب : وتمادى بكرهه المتمادى .
( 2 ) كذا في صلوة الغريب ، وفى سلافة العصر :
خصن باللعن من تولى عتوا * وحشاه مقطع بالعناد
( 3 ) في سلوة الغريب : وأطعت الآله في كل ناد .
( 4 ) الدأدأ والدأداء من الليالى : الشديدة الظلمة .
( 5 ) في السلوة : عاد في خيبة بلا مستفاد .

ما يتبع الشعر
صدر شاعرنا جمال الدين بهذه الابيات كتابا كتبه إلى الشريف الاجل الامير نصير الدين حسين بن إبراهيم بن سلام المتوفى سنة 1023 بالطائف والمدفون بمكة المشرفة ، والكتاب بديع في بابه ، وبليغ في إنشائه ، درر كلم منضدة ، ولئالي الفاظ منثورة ، مذكور بطوله في سلافة العصر صفحة 117 - 119 ، والامير نصيرالدين هو عم جد صاحب السلافة السيد على خان المدني ، أخو جده الشريف السيد أحمد نظام الدين ، قال صاحب السلافة في سلوة الغريب : كان إماما فاضلا مجتهدا مبرزا في العربية ، غالبا عليه الزهد والصلاح ، يقال : إنه لم يمس درهما بيده ولا دينارا قط تورعا وعزفا من نفسه عن الدنيا ، وكان يكتب جميع ما يعمله في اليوم فإذا كان الليل نظر فيه ، فإن كان صالحا حمد الله ، وإن كان غير ذلك استغفر الله منه ، وكان لا يؤدب أحدا من خدمه في الحرم .

الشاعر
القاضي جمال الدين ( 1 ) محمد بن حسن بن دراز المكي ، من مقاول الادب ، وألسنة الفضيلة ، ومداره القول ، وصيارفة القريض ، وعباقرة القضاة ، ذكره السيد في سلافة العصر ص 107 وأثنى عليه بقوله :
جمال العلوم والمعارف ، المتفئ ظل ظليلها الوارف . أشرقت بالفضل أقماره و شموسه ، وزخر بالعلم عبابه وقاموسه . فدوخ صيته الاقطار ، وطار ذكره في منابت الارض واستطار. وتهادت أخباره الركبان ، وظهر فضله في كل صقع وبان . وله الادب الذي ما قام به مضطلع ، ولا ظهر على مكنونه مطلع . استنزل عصم البلاغة من صياصيها ، واستذل صعاب البراعة فسفع بنواصيها . إن نثر فما اللؤلؤ المنثور انفصم نظامه ؟ أو نظم فما الدر المشهور نسقه نظامه ؟ بخط يزدري بخد العذار إذا بقل ، وتحسبه سائر الجوارح على مشاهدة حسنه المقل . ولما رحل إلى اليمن في دولة الروم ، قام

هامش
( 1 ) كذا في الخلاصة . وفى سلافة العصر : جمال الدين بن محمد .

له رئيسها بما يحب ويروم . فولاه منصب القضاء ، وسطع نور أمله هناك وأضاء . ولم يزل مجتليا به وجوه أمانيه الحسان ، ومجتنيا من رياضه أزاهر المحاسن والاحسان . إلى أن انقضت مدة ذلك الامير ، ومني اليمن بعده بالافساد والتدمير . فانقلب إلى وطنه وأهله ، فكابد حزن العيش بعد سهله . كما أنبأ بذلك قوله في بعض كتبه : ولما حصلت عائدا من اليمن بعد وفاة المرحوم سنان باشا ، وانقضاء ذلك الزمن ، اخترت الاقامة في الوطن بعد التشرف بمجلس القضاء في ذلك العطن ، إلا أنه لم يحل لي التحلي عن تذكر ما كان في خزانة الخيال مرسوما ، وتفكر ما كان في لوح المفكرة موسوما . فاخترت أن أكون مدرسا في البلد الحرام ، وممارسا لما أذن غب الحصول بالانصرام . ولم يكن في البلد الامين كفاية ، ولا ما يقوم به الاتمام والوفاية . إنتهى وما زال مقيما في وطنه وبلده ، متدرعا جلباب صبره وجلده . حتى انصرمت من العيش مدته ، وتمت من الحياة عدته .
ثم ذكر جملة وافية من منثور كلمه في ثلاث عشرة صحيفة فقال : ومن شعره قوله في صدر كتاب :
هذا نظامك أم در بمنتسق ؟ * أم الدراري التي لاحت على الافق ؟
وذا كلامك أم سحر به سلبت * نهى العقول فتتلو سورة الفلق ؟
وذا بيانك أم صهباء شعشعها * أغن ذو مقلة مكحولة الحدق ؟
بتاج كل مليك منه لامعة * وجيد كل مجيد منه في أنق
روض من الزهر والانوار زاهية * كأنجم الافق في اللالاء والنمق
وذي حمائم ألفاظ سجعن ضحى * على الخمائل غب العارض الغدق
رسالة كفراديس الجنان بها * من كل مؤتلق يلفى ومنتشق
كأنما الالفات المائلات بها * غصون بان على أيد من الورق
تعلو منابرها الهمزات صادحة * كالورق ناحت على الافنان من حرق
ميماتها كثغور يبتسمن بها * يزري على الدر إذ يزهي على العنق
فطرسها كبياض الصبح من يقق * ونقسها ( 1 ) كسواد لليل في غسق

هامش
( 1 ) اليقق : القطن . نقس : المداد الذى يكتب به .

يا ذا الرسالة قد أرسلت معجزة * ودت بلاغتها الدعوى من الفرق !
ويا مليك ذوي الآداب قاطبة ! * ويا إماما هدانا أوضح الطرق !
من ذا يعارض ما قد صاغ فكرك من * حلى البيان ومن يقفوك في السبق ؟ !
أنت المجلي بمضمار العلوم إذا * أضحى قروم اولي التحقيق في قلق
صلي أئمة أهل الفضل خلفك يا * مولى الموالي ورب المنطق الذلق !
مسلمين لما قد حزت من أدب * مصدقين بما شرفت من خلق
مهلا فباعي من التقصير في قصر * وأنت في الطول والاحسان ذو عمق
سبحان بارئ هذي الذات من همم * سبحان فاطر ذا الانسان من علق !
يا ليت شعري هل شبه يرى لكم ؟ * كلا وربي ولا الاملاك في الخلق
عذرا فما فكرتي صواغة دررا * حتى أصوغ لك الاسلاك في نسق
واسلم ودم وتعالى في مشيد علا * تستنزل الشهب للانشا فلم تعق
وقوله مخاطبا بعض أكابر عصره لامر اقتضى ذلك :
حصل القصد والمنى والمراد * واستكانت لمجدك الاضداد
أسجد الله في عتابك شوسا * تتقى الاسد بأسها والجلاد
وأذلت لك الجدود اناسا * شيد للمجد في رباهم عماد
ثم جاء‌ت اليك طوعا وكرها * تتهادى حينا وحينا تقاد
أنت في الشهب ثاقب لا تسامى * في معاليك حين تثنى الوساد
لا تبالي بنازل وملم * ولو أن الملم سبع شداد
ساهرا في طلاب كل منيع * عز نيلا فلم ينله العباد
مهره النفس إن يسمه كمي * والطريق السهاد والجسم زاد
من يجد بالجنان نال مناه * والشحيح الجنان عنه يذاد
لا تنال العلى بغير العوالي * لا ولا الحمد يكتسيه الجماد
أحمد الناس أنت قولا وفعلا * والوفي الذمام والمستجاد
يا شهابا بجده حاز جدا * ومقاما ؟ لغيره لا يشاد
ماز بيني وبين خدني فدم * ذو سبال يدب فيه القراد
ولو أن الذي تحكم فينا * ألمعي لقر مني الفؤاد
أنكر المارقون فضل ) علي ( * ورماهم إلى الجحيم العناد
وحقيق أن البلاء قديم * وأهالي الفهوم منه تكاد
ويولي الامي حكم البرايا * والبليغ المقال لا يستفاد
وولاة الامور فينا حيارى * وذوو النقص لا تزال تزاد
عادة الدهر أن يؤخر مثلي * وعلى الاصل جاء هذا المفاد
قال لمن يبتغي التفاضل بيني * ثم بين القضاة : هذا الزناد ؟
فاقتبس من زنادهم لك نارا * أو فدعهم إن لاح منه الرماد
ويح دهر لا يعرف الفرق فيه * بين عي وقائل يستجاد
هين ما لقيت ما دمت فينا * ذا عفاف وصح منك الوداد
وقوله أيضا :
سلام على الدار التي قد تباعدت * ودمعي على طول الزمان سفوح
يعز علينا أن تشط بنا النوى * ولي عندكم دون البرية روح
إذا نسمت من جانب الرمل نفحة * وفيها عرار للغوير وشيح
تذكرتكم والدمع يستر مقلتي * وقلبي مشوق بالبعاد جريح
فقلت ولي من لاعج الوجد زفرة * لها لوعة تغدو بها وتروح
: ألاهل بعيد الدهر ايامنا التي * نعمنا بها والكاشحون نزوح ؟
وتوجد ترجمة شاعرنا جمال الدين في ) خلاصة الاثر ( للمحبي ج 3 : 420 427 وذكر ما في السلافة وقال : لقد فحصت عن وفاة صاحب الترجمة فلم أظفر بها وقد علم أنه كان في سنة اثنتي عشرة وألف موجودا ، وما عاش بعدها كثيرا رحمه الله تعالى .

القرن الحادي عشر
أبومحمد ابن الشيخ صنعان

نهج البلاغة روضة ممطورة * بالنور من سبحات وجه الباري
أو حكمة قدسية جليت بها * مرآة ذات الله للنظار
أو نور عرفان تلالا هاديا * للعالمين مناهج الابرار
أو لجة من رحمة قد أشرقت * بالعلم فهي تموج بالانوار
خطب روت ألفاظها عن لؤلؤ * من مائه بحر المعارف جاري
وتهللت كلماتها عن جنة * حفت من التوحيد بالنوار
وكأنها عين اليقين تفجرت * من فوق عرش الله بالانهار
حكم كأمثال النجوم تبلجت * من ضوء ما ضمنت من الاسرار
كشف الغطاء بيانها فكأنها * للسامعين بصائر الابصار
وترى من الكلم القصار جوامعا * يغنيك عن سفر من الاسفار
لفظ يمد من الفؤاد سواده * والقلب منه بياض وجه نهار
وجلى عن المعنى السواد كأنه * صبح تبلج صادق الاسفار
من كل عاقلة الكمال عقيلة * تشتاف فوق مدارك الافكار
عن مثلها عجز البليغ وأعجزت * ببلاغة هي حجة الاقرار
وإذا تأملت الكلام رأيته * نطقت به كلمات علم الباري
ورأيت بحرا بالحقايق طاميا * من موجه سفن العلوم جواري
ورأيت أن هناك برا شاملا * وسع الانام كديمة مدرار
ورأيت أن هناك عفو سماحة * في قدرة تعلو على الاقدار
ورأيت أن هناك قدرا ماشيا * عن كبرياء الواحد القهار
قدر الذي بصفاته وسماته * ممسوس ذات الله في الآثار ( 1 )
مصباح نور الله مشكاة الهدى * فتاح باب خزائن الاسرار
صنو الرسول وكان أول مؤمن * عبد الاله كصنوه المختار
وبه أقام الله دين نبيه * وأتم نعمته على الاخيار ( 2 )

الشاعر
أبومحمد ابن الشيخ صنعان توجد بخطه نسخة من ) نهج البلاغة ( للسيد الشريف الرضي في مكتبة مدرسة سپهسالار بطهران تحت رقم 3085 كتبها سنة 1072 وعليها هذا التقريظ ، بخط ناظمه أبي محمد ، ولم أقف من تاريخ حياته على شئ غير أن شعره هذا يعرب عن قوته في القريض ، وجودته في السرد ، وتقدمه في مضمار الادب ، كما أنه آية في ولائه الخالص للامام الطاهر أميرالمؤمنين عليه السلام .

هامش
( 1 ) اشار إلى ما أخرجه ابونعيم في ( حلية الاولياء ) 1 : 68 مرفوعا : لا تسبوا عليا فانه ممسوس في ذات الله .
( 2 ) اشار إلى قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى . النازل يوم الغدير في على اميرالمؤمنين كما فصلنا القول فيه في الجزء الاول ص 230 - 238 ط 2 .

شعراء الغدير في القرن الثاني عشر
شيخنا الحر العاملي المولود 1033 والمتوفى 1104

كيف تحظا بمجدك الاوصياء ؟ * وبه قد توسل الانبياء
ما لخلق سوى النبي وسبطيه * السعيدين هذه العلياء
فبكم آدم استغاث وقد مس‍ * - ته بعد المسرة الضراء
يوم أمسى في الارض فردا غريبا * ونأت عنه عرسه حواء
وبكا نادما على ما بدا منه * وجهد الصب الكئيب البكاء
فتلقى من ربه كلمات ( 1 ) * شرفتها من ذكر كم أسماء
فاستجيب الدعاء منه ولولا * ذكركم ما استجيب منه الدعاء
ثم يعقوب قد دعا مستجيرا * من بلاء بكم فزال البلاء
وأتاه بكم قميص يوسف وارتد * بصيرا وتمت النعماء
وبكم كان للخليل ابتهال * ودعاء لربه واشتكاء
حين ألقاه عصبة الكفر في النا * ر فما ضر جسمه الالقاء
ايضام الخليل من بعد ما كا * ن إليكم له هوى التجاء ؟
وبكم يونس استغاث ونوح * إذ طغا الماء واستجد العناء
وبأسماء‌كم توسل أيوب * فزالت عنه بها الاسواء
ياله سوددا منيعا رفيعا * قد رواه الاعداء والاولياء
لعلي مجد غدا دون أد * ناه الثريا في البعد والجوزاء
هو فضل وعصمة ووفاء * وكمال ورأفة وحياء

هامش
( 1 ) إشارة إلى ما جاء في قوله تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه من ان الكلمات المتلقاة هى اسماء الاشباح الخمسة راجع ما مر في الجزء السابع ص 299 ط

ولكم نال سوددا لم يبن كنه * علاه الانشاد والانشاء ؟
والحروف التى تركبت العليا * منها عين ولام وياء
كان نورا محمد وعلي * في سنا آدم له لالاء
أخذ الله كل عهد وميثاق * له إذ بدا سنا وسناء
أي فخر كفخره والنبيون * عليهم عهد له وولاء ؟
وبه يعرف المنافق إذ كا * نت له في فؤاده بغضاء
ولعمري من أول الامر لا تخفى * على ذي البصيرة السعداء
ولدته منزها امه ما * شانه في الولادة الاقذاء
داخل الكعبة الشريفة لم يدن * إليها من الانام النساء
لاح منه نور فأشرقت الارض * وأرجاؤها به والسماء
كان للدين في ولادته مثل * أخيه مسرة وازدهاء
يا له مولدا سعيدا تجلت * عن محياه بهجة غراء
فهنيئا له لفاطمة السعد * الذي ما له مدى وانتهاء
بل لدين الاسلام من غير شك * وارتياب قد كان ذاك الهناء
إلى أن قال :
وأتت منه في علي نصوص * لم يحم حول ربعها الاحصاء
قال فيه : هذا وليي وصيي * وارثي هكذا روى العلماء
وزعمتم بأن كل نبي * لم يرث منه ماله الاقرباء
هو مولى من كان مولاه نصا * منه فليترك الهوى والمراء
ودعا بعدها دعاء مجابا * وبه قد تواتر الانباء
ويقول فيها :
للمعالي بين الورى يا علي بن * أبي طالب إليك انتهاء
وكذا للكمال منك وللسودد * والمجد والفخار ابتداء
للورى لودرى الورى بك من * بعد أخيك الطهر الامين اهتداء
واجب بالنصوص منه عن الله * وأين المصغي بك الاقتداء
ثم يوم ( الغدير ) هل كان إلا * لك دون الانام ذاك الولاء ؟
يوم مات النبي كنت إماما * في العلا لم يساوك النظراء
وله يمدح بها ) القصيدة 453 بيتا (
أميرالمؤمنين عليه السلام وهى من قصايده المحبوكات الطرفين على حروف الهجاء تسع و عشرين قصيدة ، كل واحدة منها 29 بيتا ، أسماها ( مهور الحور ) كلها في مدح أميرالمؤمنين هو الحب لا فيه معين ترجاه * ولا منقذ من جوره تتوخاه
هو الحتف لا يفني المحبين غيره * ولولاه ما ذاق الورى الحتف لولاه
إلى أن قال :
هداية رب العالمين قلوبنا * إلى حب من لم يخلق الخلق لولاه
هو الجوهر الفرد الذي ليس يرتقي * لاعلى مقامات النبيين إلا هو
هلال نما فارتد بدرا فأشرقت * جوانب آفاق العلا بمحياه
هما علة للخلق أعني محمدا * وأول من لما دعا الخلق لباه
هوى النجم يبغي داره لا بل ارتقى * إليها فمثوى النجم من دون مثواه
هل أختار خير المرسلين مواخيا * سواه فأولا الكمال وآخاه ؟
هل اختار في يوم ( الغدير ) خليفة * سواه له حتى على الخلق ولاه ؟
هدى لاح من قول النبي وليكم * علي ومولى كل من كنت مولاه
هناك أتاه الوحي بلغ ولا تخف * ومن كل ما تخشاه يعصمك الله
هنا لك أبدى المصطفى بعض فضله * وباح بما قد كان للخوف أخفاه
وله من المحبوكات الطرفين :
كتمت الهوى والحب بالقلب أملك * وأجمل من كتم الغرام التهتك
كواعب أتراب قصدن بحربنا * ولسنا بتوحيد المحبة نشرك
كتائب أبطال بهن دماؤنا * جزاء على حفظ المودة تسفك
يقول فيها :
كرامات مولاي الوصي وولده * أنارت فلا يخفي سناها المشكك
كلام النبي المصطفى حجة فهل * أجل وأعلى منه في الشرع مدرك ؟
كفى قوله يوم ( الغدير ) بانه * لكل الورى مولى فينسى ويترك
335
كما جاء في التنزيل ليس وليكم * سواه ومن ذا بعد ذاك يشكك ؟
كواكب فضل المرتضى حين أشرقت * لها المجد افق فيه تسري وتسلك
وله من المحبوكات الطرفين :
عدني ودعني من زيارة بلقع * يا أيها الحادي لهن بمرجع
عذبن جسمي بالنحول ومهجتي * بالهجر واستمطرن صيب مدمعي
إلى قوله :
عدم المجاري في الكمال لسيدي * ذي السودد الاسنا البطين الانزع
عم الفضايل حين خص برفعة * من ذروة العليا أجل وأرفع
عجبا لمن فيه يشك وقد أتى * خبر ( الغدير ) ونصه لم يدفع
عهد النبي إلى الانام بفضله * ويل لمنكر فضله ومضيع
عدت فضايله فأعيى حصرها * وغدا حسيرا عنه فكر الالمعي
الشاعر
محمد بن الحسن بن علي بن محمد الحسين بن عبدالسلام بن عبدالمطلب بن علي ابن عبدالرسول بن جعفر بن عبد ربه بن عبدالله بن مرتضى بن صدرالدين بن نورالدين ابن صادق بن حجازي بن عبدالواحد بن الميرزا شمس الدين بن الميرزا حبيب الله بن علي بن معصوم بن موسى ابن جعفر بن الحسن بن فخر الدين بن عبدالسلام بن الحسين بن نورالدين بن محمد بن علي بن يوسف بن مرتضى بن حجازي بن محمد بن باكير بن الحر الرياحي المستشهد أمام الامام السبط الشهيد يوم الطف سلام الله عليه وعلى أصحابه .
هذا الحر الشهيد في الطف يوم الامام السبط الطاهر هو مؤسس الشرف الباذخ لآله الاكارم ، الذين فيهم أعلام الدين ، وأساطين المذهب ، وصيارفة الكلام ، وقادة الفكر ، ونوابغ الخطابة والكتابة ، ومهرة الفقه ، وأئمة الحديث ، وحملة الفضل والادب ، وصاغة القريض ، وأشهرهم في تلكم الفضائل كلها شيخنا المترجم له الذي لا تنسى مآثره ، ولا يأتي الزمان على حلقات فضله الكثار ، فلا تزال متواصلة العرى ما دام لاياديه المشكورة عند الامة جمعاء أثر خالد ، وإن من أعظمها كتاب وسائل الشيعة

هامش
( 1 ) أخذنا هذه كلها من ديوانه المخطوط بخط يده الشريفة قدس الله روحه .

في مجلداتها الضخمة التي تدور عليها رحى الشريعة ، وهو المصدر الفذ لفتاوي علماء الطايفة ، وإذا ضم إليه مستدركه الضخم الفخم لشيخنا الحجة النوري ( 1 ) المناهز لاصله كما وكيفا فمرج البحرين يلتقيان ، وكان غير واحد من المحققين لا يصدر الفتيا إلا بعد مراجعة الكتابين معا . نعم : لاهل الاستنباط النظر في أسانيد ما حواه الكتابان من الاحاديث ، وأنت لا تقرأ في المعاجم ترجمة لشيخنا الحر إلا وتجد جمل الثناء على كتابه الحافل ) وسائل الشيعة ( مبثوثة فيها ، وقد أحسن وأجاد أخوه العلامة
الصالح في تقريظه بقوله :
هذا كتاب علا في الدين رتبته * قد قصرت دونها الاخبار والكتب
ينير كالشمس في جو القلوب هدى * فتنتحي ؟ منه عن أبصارنا الحجب
هذا صراط الهدى ما ضل سالكه * إلى المقامة بل تسمو به الرتب
إن كان ذا الدين حقا فهو متبع * حقا إلى درجات المنتهى سبب
فشيخنا المترجم له درة على تاج الزمن ، وغرة على جبهة الفضيلة ، متى استكنهته تجد له في كل قدر مغرفة ، وبكل فن معرفة ، ولقد تقاصرت عنه جمل المدح ، وزمر الثناء ، فكأنه عاد جثمان العلم ، وهيكل الادب ، وشخصية الكمال البارزة ، وإن من آثاره أو من مآثره تدوينه لاحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام في مجلدات كثيرة ، وتأليفه لهم بإثبات إمامتهم ، ونشر فضائلهم ، والاشادة بذكرهم ، وجمع شتات أحكامهم وحكمهم ، ونظم عقود القريض في إطرائهم ، وإفراغ سبائك المدح في بوتقة الثناء عل‍ ؟ ولقد أ ؟ قت له الذكر الخالد كتبه القيمة ، منها :
1- ديوان شعره يناهز عشرين ألف بيت في مدح النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام
2- كشف التعمية في حكم التسمية ، في تسمية الامام المنتظر .
3- نزهة الاسماع في حكم الاجماع ، في صلاة الجمعة .
4- بداية الهداية في الواجب والمحرم المنصوص عليهما .
5- رسالة فيها نحو من ألف حديث رد على الصوفية .
6- أمل الآمل في علماء جبل عامل وجملة من غيرهم

هامش
( 1 ) راجع ما مر في هذا الجزء صفحة .

7- إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات مجلد ان يشتمل على أكثر من عشرين ألف حديث .
8- تحرير وسائل الشيعة وتحبير وسائل الشريعة . شرح كتابه الوسائل .
9- هداية الامة إلى أحكام الائمة ثلث مجلدات منتخبة من الوسائل .
10- منظومة في تواريخ النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام .
11- فهرست وسائل الشيعة الموسوم ب‍ : من لا يحضره الامام .
12- الصحيفة الثانية من أدعية الامام علي بن الحسين عليه السلام .
13- الفصول المهمة في اصول الائمة عليهم السلام .
14- الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة .
15- الجواهر السنية في الاحاديث القدسية .
16- تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان .
17- الفوايد الطوسية : نحو عشر رسالة .
18- العربية العلوية واللغة المروية .
19- رسالة في أحوال الصحابة .
20- رسالة في تواتر القرآن .
21- رسالة في خلق الكافر .
22- منظومة في المواريث .
23- منظومة في الزكاة .
24- منظومة في الهندسة .
25- رسالة في الرجال .
قرأ شيخنا الحر على أبيه الشيخ حسن بن علي المتوفى 1062 وعلى عمه الشيخ محمد بن علي المتوفى 1081 وعلى جده لامه : الشيخ عبدالسلام بن محمد الحر وعلى خال أبيه :
الشيخ علي بن محمود العاملي . وعلى الشيخ زين الدين بن محمد بن الحسن صاحب المعالم ، وعلى الشيخ حسين الظهيري . وغيرهم .
يروي بالاجازة ( 1 ) عن أبى عبدالله الحسين بن الحسن بن يونس العاملي وعن العلامة المجلسي ، وهو آخر من أجاز له كما ينص عليه هو في إجازة له .
ويروي عنه بالاجازة ( 2 ) العلامة المجلسي ، و الشيخ محمد فاضل ( 3 ) بن محمد مهدي المشهدي و السيد نورالدين بن السيد نعمة الله الجزائري بالاجازة المورخة ب‍ 1098 و الشيخ محمود بن عبدالسلام البحراني كما في المستدرك 3 : 390 .
ولد في قرية مشغر ( 4 ) ليلة الجمعة ثامن رجب 1033 وأقام في بيئة محتده أربعين عاما ، وحج فيها مرتين ، ثم سافر إلى العراق فزار الائمة عليهم السلام ثم اتيحت له زيارة الامام أبي الحسن الرضا عليه السلام ، وقطن ذلك المشهد الطاهر ، وحج في خلال إقامته به مرتين ، وزار أئمة العراق ايضا مرتين ، واعطي شيخوخة الاسلام وحاز منصب القضاء ، إلى أن توفي في يوم الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة 1104 ودفن في الصحن العتيق الشريف إلى جنب مدرسة ميرزا جعفر ، وقبره معروف يزار قدس الله سره ونور ضريحه .
ومن شعره قوله من قصيدة محبوكة الاطراف الاربعة :
فإن تخف في الوصف من إسراف * فلذ بمدح السادة الاشراف
فخر لهاشمي أو منافي * فضل سمى مراتب الآلاف
فعلمهم للجهل شاف كاف * وفضلهم على الانام واف
فاقوا الورى منتعلا وحاف * فضلا به العدو ذو اعتراف
فهاكه محبوكة الاطراف * فمن غريب ما قفاه قاف
وله :
كم حازم ليس له مطمع * إلا من الله كما قد يجب

هامش
( 1 ) اجاز له سنة 1051 وهو اول من اجاز له كما في اجازات البحار ص 160 .
( 2 ) اجازته له توجد في البحار 25 : 159 ، مؤرخة بسنة 1085 .
( 3 ) مؤرخة ب‍ 1085 ، توجد في اجازات البحار ص 158 .
( 4 ) إحدى قرى عاملة .

لاجل هذا قد غدا رزقه * جميعه من حيث لا يحتسب
وله :
ذوات خال خدها مشرق * نورا كركن الحجر الاسود
كعبة حسن ولها برقع * من الحرير المحض والعسجد
قد أكسبت كل امرئ فتنة * حتى إمام الحي والمسجد
كم هام إذ شاهدها جاهل * بل هام فيها عالم المشهد
وله :
لا تكن قانعا من الدين بالدون * وخذ في عبادة المعبود
واجتهد في جهاد نفسك وابذل * في رضى الله غاية المجهود
وله في مديح العترة الطاهرة :
قلما فاخروا سواهم وحاشا * ذهبا أن يفاخر الفخارا
وأرى قولنا : الائمة خير * من فلان ومن فلان عارا
إنما سبقهم لبكر وعمرو * مثل ما يسبق الجواد الحمارا
إنني ذو براعة وإقتدار * جاوز الحد في الانام اشتهارا
وإذا رمت وصف أدنى علاهم * لا أرى لي براعة واقتدارا
وله من قصيدة ثمانين بيتا خالية من الالف في مدح العترة عليهم السلام :
وليي علي حيث كنت وليه * ومخلصه بل عبد عبد لعبده
لعمرك قلبي مغرم بمحبتي * له طول عمري ثم بعد لولده
وهم مهجتي هم منيتي هم ذخيرتي * وقلبي بحبيهم مصيب لرشده
وكل كبير منهم شمس منبر * وكل صغير منهم شمس مهده
وكل كمي منهم ليث حربه * وكل كريم منهم غيث وهده
بذلت له جهدي بمدح مهذب * بليغ ومثلي حسبه بذل جهده
وكلفت فكري حذف حرف مقدم * على كل حرف عند مدحي لمجده
وله من قصيدة :

هامش
( 1 ) الفخار : الخزف .

أنا حر لكن كرق لخود ( 1 ) * سلبتني سكينة ووقارا
كل حسن من الحرائر لا * بل من إماء يستعبد الاحرارا
وهوى المجد والملاح وأهل ال‍ * بيت في القلب لم يدع لي قرارا
راجع أمل الآمل 448 ، إجازات البحار 126 ، 158 ، 159 ، سلافة العصر 367 ، لؤلؤة البحرين ، روضات الجنات ص 544 ، مستدرك الوسائل 3 : 390 ، سفينة البحار 1 ص 242 ، الفوائد الرضوية 2 : 473 ، شهداء الفضيلة 210 وفيه تراجم جمع من رجالات هذه الاسرة الكريمة وأعلام بيت الحر الفطاحل .

هامش
( 2 ) الخود : المرأة الشابة .

القرن الثاني عشر
الشيخ أحمد البلادى

ناد الاحبة إن مررت بدورها * واشهد مطالع نيرات بدورها
كم قد بدت وبها انجلت ظلم الدجى * ولطالما بزغت بوازغ نورها ؟
أنست بها أرض الطفوف وأقفرت * منها الديار وليس غير يسيرها
غربت بعرصة كربلا فانهض لها * واقر السلام على جناب مزورها
وانثر بتربتها الدموع تفجعا * لقتيلها فوق الثرى وعفيرها
أكرم بها من تربة قدسية * قد بالغ الجبار في تطهيرها
يا تربة من حولها الاملاك ما * زالت تشم لمسكها وعبيرها ؟
يا تربة حفت بها القوم الاولى * فازوا بلثمهم لترب قبورها ؟
قد ضمنت جسد الحسين ومن به * فتكت امية بعد أمر أميرها
فأزالت الاسلام عن برحائها * وأطاعت الشيطان في تدبيرها
وتسرجت خيل الضلال فأخرت * غير الاخير وقدمت لاخيرها
ونست عهودا بالحمى سلفت ولن * تعبأ بنص نبيها ونذيرها
يا للرجال لامة ملعونة * لم يكفها ما كان يوم غديرها
بئس العصابة من بغت وتنكبت * عن دينها وتسارعت لفجورها
القصيدة وهي 68 بيتا
الشاعر
الشيخ أحمد بن حاجي البلادي ، عالم فاضل أديب ، من شعراء أهل البيت ومادحيهم ، له مراثي كثيرة وقد يقال : إن له ألف قصيدة في رثاء الامام السبط الشهيد الحسين عليه السلام دونها في مجلدين ، قد ذكر الشيخ لطف الله الجد حفصي عدة قصايد من حسينياته في مجموعة له وقفنا على نسخ منها بخطه ، وأخذنا منها ما ذكرناه ، وله في التاريخ يد غير قصيرة وكان من أجداد صاحب ( أنوار البدرين ) وتوجد في الانوار ترجمته ويظهر منه انه توفي في أوائل القرن الثاني عشر .
القرن الثاني عشر
شمس الادب اليمنى المتوفى 1119

سلا إن جزتما بالركب طيا * فؤادا قد طواه الحب طيا
وإلا فاسألا اين استقلت * حداة العيس إذ رحلوا عشيا ؟
فلولا تلكم الاهداب نبل * لما كانت حواجبها قسيا
لعمر أبيك ما شغفي بهند * ولا ما قلت من غزل بميا
ولن اهدى قويم النهد إلا * إذا ما كان نهدا أعوجيا
وأسمر ذابل الاعطاف لدنا * وأسمو مشبها عزمي مضيا
ولن أصببو إلى أوقات لهو * وقد أصبحت عن لهوي نحيا
وما زهر الرياض أمال طرفي * وإن قد صار مطلوبا نديا
إلى أن قال :
إذا ما الربق سل عليه سيفا * رأيت له الغدير السابريا
على ذاك الغدير غدير دمعي * جرا من أجلهم بحرا أذيا
غدير طاب لي ذكراه شوقا * إلى من ذكره يروي الصديا
غدير قد قضى المختار فيه * ولايته وألبسها عليا
وقام على الانام بذا خطيبا * وذاك اليوم سماه الوصيا
وإني تارك فيكم حديثا * لقد تركوه ظهريا نسيا
فمن أهل السقيفة ليس يلقى * فتى عن قتل أبناه بريا
فهم سبب لسفك دماء زيد * ويحيى والذي حل الغريا
فلو لا سل سيف البغي منهم * ونكث العهد لا تلقى عصيا
ابا الحسنين أرجو منك نهلا * من الحوض الذي يروى الظميا
إذا ما جئت يوم الحشر في من * غدا بالبعث بعد الموت حيا ( 1 )
سلافة العصر ص 117 ، سلوة الغريب ، كلاهما للسيد علي خان المدني .
ألسيد شمس الادب أحمد بن أحمد بن محمد الحسني الانسي ( 2 ) أحد أعيان اليمن و ادبائها الافاضل ، ولم يبرح لها كذلك ، إلى أن غضب عليه الامام المهدي لدين الله وأمر بتسييره إلى
( زيلع ( وهي جزيرة في أول الحبشة ، فحبس بها حتى توفي سنة 1119 .

هامش
( 1 ) اخدناها من نسمة السحر ج 1 يمدح بها المؤيد بالله محمد بن المتوكل اليمنى .
( 2 ) مر بيانها في ترجمة والد المترجم له السيد احمد .

القرن الثاني عشر
السيد على خان المدنى المولود 1052 المتوفى 1120

سفرت اميمة ليلة النفر * كالبدر أو أبهى من البدر
نزلت منى ترمي الجمار وقد * رمت القلوب هناك بالجمر
وتنسكت تبغي الثواب وهل * في قتل ضيف الله من أجر
إن حاولت أجرا فقد كسبت * بالحج أصنافا من الوزر ؟
نحرت لواحظها الحجيج كما * نحر الحجيج بهيمة النحر
ترمي وما تدري بما سفكت * منها اللواحظ من دم هدر
الله لي من حب غانية * ترمي الحشا من حيث لا تدري
بيضاء من كعب وكم منعت * كعب لها من كاعب بكر ؟
زعمت سلوي وهي سالية * كلا ورب البيت والحجر
ما قلبها قلبي فأسلوها * يوما ولا من أمرها أمرى
أبكي وتضحك إن شكوت لها * حر الصدود ولوعة الهجر
وعلى وفور ثراي لي ولها * ذل الفقير وعزة المثري
لم يبق مني حبها جلدا * إلا الحنين ولاعج الذكر
ويزيد غلي الماء ما ذكرت * والماء يثلج غلة الصدر
قد ضل طالب غادة حميت * في قومها بالبيض والسمر
ومؤنب في حبها سفها * نهنهته عن منطق الهجر
يزداد وجدي عن سلامته * فكأنه بملامه يغري
لا يكذبن الحب أليق بي * وبشيمتي من سبة الغدر
هيهات يأبى الغدر لي نسب * اعزى به لعلي الطهر
خير الورى بعد الرسول ومن * حاز العلا بمجامع الفخر
صنو النبي وزوج بضعته * وأمينه في السر والجهر
إن تنكر الاعداء رتبته * شهدت بها الآيات في الذكر
شكرت حنين له مساعيه * فيها وفي احد وفي بدر
سل عنه خيبر يوم نازلها * تنبيك عن خبر وعن خبر
من هد منها بابها بيد * ورمى بها في مهمه قفر ؟
واسئل برائة حين رتلها * من رد حاملها أبابكر ؟
والطير إذ يدعو النبي له * من جائه يسعى بلا نذر ؟
والشمس إذا أفلت لمن رجعت * كيما يقيم فريضة العصر ؟
وفراش أحمد حين هم به * جمع الطغاة وعصبة الكفر
من بات فيه يقيه محتسبا * من غير ما خوف ولا ذعر ؟
والكعبة الغراء حين رمى * من فوقها الاصنام بالكسر
من راح يرفعه ليصدعها * خير الورى منه على الظهر ؟
والقوم من أروى غليلهم * إذ يجأرون بمهمه قفر ؟
والصخرة الصماء حولها * عن نهر ماء تحتها يجري
والناكثين غداة أمهم * من رد امهم بلا نكر
والقاسطين وقد أضلهم * غي ابن هند وخدنه عمرو
من فل جيشهم علا مضض * حتى نجوا بخدايع المكر ؟
والمارقين من استباحهم * قتلا فلم يفلت سوى عشر ؟
و ( غدير خم ) وهو أعظمها * من نال فيه ولاية الامر ؟
واذكر مباهلة النبي به * وبزوجه وابنيه للنفر
وقرأ وأنفسنا وأنفسكم ( 1 ) * فكفى بها فخرا مدى الدهر
هذي المفاخر والمكارم لا * قعبان من لبن ولا خمر ؟ ( 2 )

هامش
( 1 ) سورة آل عمران آية 61 .
( 2 ) أخذناها من ديوانه المخطوط تناهز 61 بيتا .

وله في مدح الامام أميرالمؤمنين عليه السلام قوله في ديوانه المخطوط :
أميرالمؤمنين فدتك نفسي * لنا من شأنك العجب العجاب
تولاك الاولى سعدوا ففازوا * وناواك الذين شقوا فخابوا
ولو علم الورى ما أنت أضحوا * لوجهك ساجدين ولم يحابوا
يمين الله لو كشف المغطى * ووجه الله لو رفع الحجاب
خفيت عن العيون وأنت شمس * سمت عن أن يجللها سحاب
وليس على الصباح إذا تجلى * ولم يبصره أعمى العين عاب
لسر ما دعاك أبا تراب * محمد ن النبي المستطاب
فكان لكل من هو من تراب * إليك وأنت علته انتساب
فلولا أنت لم يخلق سماء * ولو لا أنت لم يخلق تراب
وفيك وفي ولائك يوم حشر * يعاقب من يعاقب أو يثاب
بفضلك أفصحت تورية موسى * وإنجيل بن مريم والكتاب
فيا عجبا لمن ناواك قدما * ومن قوم لدعوتهم أجابوا
أزاغوا عن صراط الحق عمدا * فضلوا عنك أم خفي الصواب ؟
أم أرتابوا بما لا ريب فيه * وهل في الحق إذ صدع ارتياب ؟
وهل لسواك بعد ) غدير خم ( * نصيب في الخلافة أو نصاب ؟
ألم يجعلك مولاهم فذلت * على رغم هناك لك الرقاب ؟
فلم يطمح إليها هاشمي * وإن أضحى له الحسب اللباب ؟
فمن تيم بن مرة أو عدي * وهم سيان إن حضروا وغابوا
لئن جحدوك حقك عن شقاء ؟ * فبالاشقين ما حل العقاب ؟
فكم سفهت عليك حلوم قوم * فكنت البدر تنبحه الكلاب ؟
الشاعر
صدرالدين السيد علي خان المدني الشيرازي ابن نظام الدين أحمد بن محمد معصوم بن أحمد نظام الدين ابن إبراهيم بن سلام بن مسعود عماد الدين بن محمد صدرالدين بن منصور غياث الدين بن محمد صدرالدين بن إبراهيم شرف الله بن محمد صدرالدين بن اسحاق عزالدين بن علي ضياء الدين بن عربشاه فخرالدين ابن الامير عزالدين أبي المكارم ابن الامير خطير الدين بن الحسن شرف الدين أبي علي ابن الحسين أبي جعفر العزيزي ابن علي أبي سعيد النصيبيني ابن زيد الاعشم ( 1 ) أبي إبراهيم بن علي بن الحسين ( أبي شجاع الزاهد ) بن ( محمد ) أبي جعفر ابن علي بن الحسين بن جعفر أبي عبدالله ابن احمد نصيرالدين السكين النقيب ابن جعفر أبي عبدالله الشاعر ابن محمد أبي جعفر ابن محمد بن زيد الشهيد ابن الامام السجاد زين العابدين عليه السلام . ( 2 ) من اسرة كريمة طنب سرادقها بالعلم والشرف والسودد ، ومن شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين ، اعترقت شجونها في أقطار الدنيا من الحجاز إلى العراق إلى ايران ، وهي مثمرة يانعة حتى اليوم ، يستبهج الناظر إليها بثمرها وينعه ، وأول من انتقل من رجال هذه العائلة إلى شيراز علي أبوسعيد النصيبيني وأول من غادر شيراز إلى مكة المعظمة السيد محمد معصوم ، وذلك بعد انتقال عمه ختنه الامير نصيرالدين حسين إليها كما في ( سلوة الغريب ) لصاحب الترجمة .
وشاعرنا صدرالدين من ذخاير الدهر ، وحسنات العالم كله ، ومن عباقرة الدنيا ، فني كل فن ، والعلم الهادي لكل فضيلة ، يحق للامة جمعاء أن تتباهي بمثله ويخص الشيعة الابتهاج بفضله الباهر ، وسودده الطاهر ، وشرفه المعلى ، ومجده الاثيل ، والواقف على آيات براعته ، وسور نبوغه - ألا وهو كل كتاب خطه قلمه ، أو قريض نطق به فمه - لا يجد ملتحدا عن الاذعان بإمامته في كل تلكم المناحي ، ضع يدك على أي سفر قيم من نفثات يراعه ، تجده حافلا ببرهان هذه الدعوى ، كافلا لاثباتها بالزبر والبينات وإليك أسمائها :


هامش
( 1 ) في شرح الصحيفة ص 17 : الاغشم . بالمعجمتين .
( 2 ) أخذنا النسب من كتاب ) سلوة الغريب ( للمترجم له وأضفنا إليه أخذا من المصادر الوثيقة كلمتين جعلناهما بين القويسين . ففى حلقات السلسلة المذكورة في شرح الصحيفة للسيد سقط كما لا يخفى .

1. ياض السالكين في شرح الصحيفة الكاملة السجادية ، كتاب قيم يطفح العلم من جوانبه ، وتتدفق الفضيلة بين دفتيه ، فإذا أسمت فيه سرح اللحظ فلا يقف .
2. إلا على خزائن من العلم والادب موصدة أبوابها ، أو مخابئ من دقائق ورقائق لم يهتد إليها أي ألمعي غير مؤلفه الشريف المبجل .
3. نغمة الاغان في عشرة الاخوان . ارجوزة ذكرت برمتها في كشكول شيخنا صاحب
( الحدايق ( المطبوع بالهند .
4. رسالة في المسلسلة بالآباء ، شرح فيها الاحاديث الخمسة المسلسلة بآبائه فرغ منها سنة 1109 .
5. سلوة الغريب واسوة الاديب ، في رحلته إلى حيدرآباد .
6. أنوار الربيع في أنواع البديع في شرح قصيدته البديعية .
7. الكلم الطيب والغيث الصيب في الادعية المأثورة .
8. الحدايق الندية في شرح الصمدية لشيخنا البهائي .
9. ملحقات السلافة مشحونة بكل ادب وظرافة .
10. شرحان ايضا على الصمدية : المتوسط والصغير .
11. رسالة في أغاليط الفيروزآبادي في القاموس .
12. موضع الرشاد في شرح الارشاد ، في النحو .
13. سلافة العصر في محاسن أعيان عصره .
14. الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة .
15. التذكرة في الفوائد النادرة .
16. المخلاة في المحاضرات .
17. الزهرة في النحو .
18. الطراز في اللغة .
ديوان شعره
وله شعر كثير لا يوجد في ديوانه السائر الدائر ، منه تخميسه ميمية شرف الدين البوصيري
( 1 ) الشهيرة بالبردة أولها مخمسا :
يا ساهر الليل يرعى النجم في الظلم * وناحل الجسم من وجد ومن ألم
ما بال جفنك يذرو الدمع كالغيم ؟ * أمن تذكر جيران بذي سلم

هامش
( 1 ) ابوعبدالله محمد بن سعيد المولود سنة 608 والمتوفى 4 / 6 / 697 .

مزجت دمعا جرى من مقلة بدم ؟ !
أخذ العلم عن لفيف من أعلام الدين وأساطين الفضيلة ، وتضلعه من العلوم يومي إلى كثرة مشايخه في الاخذ والقرائة ، يروي عن استاده الشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني المتوفى 1091 ( 1 ) وعن السيد والده المقدس نظام الدين أحمد ، والعلامة المجلسي صاحب البحار بالاجازة ، كما أن العلامة المجلسي روى عنه ، ويروي عن الشيخ علي بن فخر الدين محمد بن الشيخ حسن صاحب ) المعالم ( ابن الشهيد الثاني المتوفى 1104 .
ويروي عنه السيد الامير محمد حسين بن الامير محمد صالح الخاتون آبادي المتوفى 1151 ، والشيخ باقر بن المولى محمد حسين المكي كما في الاجازة الكبيرة للسيد الجزائري .

ولادته ونشأته
ولد سيدنا المدني بالمدينة المنورة ليلة السبت 15 جمادى الاولى سنة 1052 ، واشتغل بالعلم إلى أن هاجر إلى حيدرآباد الهند سنة 1068 ، وشرع بها في تأليف ( سلافة العصر ) سنة 1081 ، وأقام بالهند ثمان وأربعين سنة كما ذكره معاصره في ( نسمة السحر ) وكان في حضانة والده الطاهر إلى أن توفي أبوه سنة 1086 ( 2 ) فانتقل إلى ( برهان پور ) عند السلطان اورنك زيب ، وجعله رئيسا على ألف وثلاثمائة فارس ، وأعطاه لقب ) خان ( ولما ذهب السلطان إلى بلد
( أحمد نكر ) جعله حارسا ( لاورنك آباد ) فأقام فيه مدة ، ثم جعله واليا على ) لاهور ( وتوابعه ، ثم ولي ديوان ( برهانپور ) واشغل هناك منصة الزعامة مدة سنين ، وكان بعسكر ملك الهند سنة 1114 ، ثم استعفى وحج وزار مشهد الرضا عليه السلام وورد إصفهان في عهد السلطان حسين سنة 1117 ، وأقام بها سنين ثم عادها إلى شيراز ، وحط بها عصى السير زعيما مدرسا مفيدا ، وتوفي بها في ذيقعدة الحرام سنة 1120 ، ودفن بحرم الشاه چراغ أحمد بن الامام موسى بن جعفر سلام الله عليه عند جده غياث الدين المنصور صاحب المدرسة المنصورية .

هامش
( 1 ) ذكر شيخنا البحرانى صاحب ( الحدائق ) في تاريخ وفاته ( 1088 ( .
( 2 ) ذكر شيخنا النورى في ( المستدرك ، 1066 وفيه تصحيف .

قال صاحب ) رياض العلماء ( : انه توفي سنة 1118 ، وفي ( سفينة البحار ) 1119 ، وفي
( آداب اللغة ) 1104 ، والذي اختاره مشايخنا من سنة 1120 هو المعتضد بأن المترجم له نفسه نص على قدومه إلى اصبهان سنة 1117 ، وقال الشيخ علي الحزين في ) التذكرة ( : إني أدركته بها سنين .
توجد ترجمته في أمل الآمل ، رياض العلماء ، نسمة السحر ج 2 ، تذكرة الشيخ علي الحزين ، السوانح له أيضا ، نشوة السلافة لابن بشارة ، رياض الجنة للزنوزي ، تتميم أمل الآمل للسيد ابن شبانة ، نجوم السماء ص 176 ، روضات الجنات ص 412 ، المستدرك 3 : 386 ، سفينة البحار 2 : 245 ، معجم المطبوعات ص 244 ، آداب اللغة العربية 3 : 285 ، مجلة المرشد العراقي 1 : 197 ، وفي غير واحد من أعداد ( المرشد ( نشر شطر من شعره .
ومن غرر شعر شاعرنا المدني قوله يمدح به أميرالمؤمنين عليه السلام لما ورد إلى النجف الاشرف مع جمع من حجاج بيت الله :
يا صاح ! هذا المشهد الاقدس * قرت به الاعين والانفس
والنجف الاشرف بانت لنا * أعلامه والمعهد الانفس
والقبة البيضاء قد أشرقت * ينجاب عن لالائها الحندس
حضرة قدس لم ينل فضلها * لا المسجد الاقصى ولا المقدس
حلت بمن حل بها رتبة * يقصر عنها الفلك الاطلس
تود لو كانت حصا أرضها * شهب الدجى والكنس الخنس ( 1 )
وتحسد الاقدام منا على * السعي إلى أعتابها الارؤس
فقف بها والثم ثرى تربها * فهي المقام الاطهر الاقدس
وقل : صلاة وسلام على * من طاب منها الاصل والمغرس
خليفة الله العظيم الذي * من ضوئه نور الهدى يقبس
نفس النبي المصطفى أحمد * وصنوه والسيد الارؤس
العلم العيلم بحر الندا * وبره والعالم النقرس ( 2 )

هامش
( 1 ) النجوم كلها والسيارات منها ( 2 ) النقرس : الطبيب الماهر المدقق

فلينا من نوره مقمر * ويومنا من ضوء‌ه مشمس
اقسم بالله وآياته * ألية تنجي ولا تغمس
إن علي بن أبي طالب * منار دين الله لا يطمس
ومن حباه الله أنباء ما * في كتبه فهو لها فهرس
أحاط بالعلم الذي لم يحط * بمثله بليا ولا هرمس ( 1 )
لولاه لم تخلق سماء ولا * أرض ولا نعمى ولا ابؤس
ولا عفى الرحمن عن آدم * ولا نجا من حوته يونس
هذا أميرالمؤمنين الذي * شرايع الله به تحرس
وحجة الله التي نورها * كالصبح لا يخفى ولا يبلس
تالله لا يجحدها جاحد * إلا امرء في غيه مركس
المعلن الحق بلا خشية * حيث خطيب القوم لا ينبس
والمقحم الخيل وطيس الوغى * إذا تناهى البطل الاحرس
جلبابه يوم الفخار التقى * لا الطيلسان الخز والبرنس ( 2 )
يرفل من تقواه في حلة * يحسدها الديباج والسندس
يا خيرة الله الذي خيره * يشكره الناطق والاخرس
عبدك قد أمك مستوحشا * من ذنبه للعفو يستأنس
يطوي إليك البحر والبر لا * يوحشه شئ ولا يونس
طورا على فلك به سابح * وتارة تسري به عرمس ( 3 )
في كل هيماء يرى شوكها * كأنه الريحان والنرجس
حتى أتى بابك مستبشرا * ومن أتى بابك لا ييأس
أدعوك يا مولى الورى موقنا * ان دعائي عنك لا يحبس


هامش
( 1 ) الهرامسة ثلاثة : هرمس الاول وهو عند العرب ادريس ، وعند العبرانيين اخنوخ وهو اول من درس الكتب ونظر في العلوم وانزل الله عليه صحائف . هرمس الثانى كان بعد الطوفان ، كان بارعا في علم الطب والفلسفة . هرمس الثالث . سكن مصر وكان بعد الطوفان ، وكان طبيبا فيلسوفا عالما .
( 2 ) البرنس : قلنسوة طويلة كانت تلبس في صدر الاسلام .
( 3 ) العرمس : الناقة الصلبة الشديدة .

فنجني من خطب دهر غدا * للجسم مني أبدا ينهس ( 1 )
هذا ولولا أملي فيك لم * يقر بي مثوى ولا مجلس
صلى عليك الله من سيد * مولاه في الدارين لا يوكس
ما غردت ورقاء في روضة * وما زهت أغصانها الميس
كلمة المترجم له حول نسبه قال في ) سلوة الغريب ( : فائدة سنية تتعلق بنسبنا أحببت التنبيه عليها بأنجز الكلام اليها ، وهي اني قرأت على ظهر كتاب من كتب الوالد بخط السيد صدرالدين
محمد الواعظ بن منصور غياث الدين بن محمد صدرالدين بن منصور غياث الدين جدنا المذكور في عمود النسب : إن أبا الحسن وأبا زيد علي بن محمد الخطيب الحماني ( 3 ) ابن جعفر أبي عبدالله الشاعر أحد أجدادنا قال : وهو جدي . وأدخله في النسب هكذا قال :
فأنا صدرالدين محمد الواعظ بن ناصر الشريعة منصور بن محمد صدرالدين بن منصور غياث الدين بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إسحاق بن علي بن عربشاه بن أمير أنبه بن أميرى بن الحسن بن الحسين العزيزي بن علي النصيبيني بن زيد الاعثم بن علي هذا المحكي عنه يعني الحماني ابن محمد بن جعفر بن محمد بن محمد بن زيد الشهيد بن علي بن أبي طالب عليهم السلام .
هذا كلامه وأقول : ليس علي بن محمد الحماني هذا داخلا في عمود نسبنا بل ينتهي نسبه إلى زيد الشهيد هكذا ، هو علي بن محمد الخطيب بن جعفر بن عبدالله الشاعر الذي هو أحد أجدادنا بن محمد بن محمد بن زيد الشهيد .
وانما أوقع السيد صدرالدين في هذا الغلط تشابه الاسماء فإن جعفرا جد السيد علي الحماني المذكور الذي توهم صدرالدين انه ابن أحمد السكين هو أبوأحمد السكين لكن اشتبه عليه بابنه فإن ابنه ايضا اسمه جعفر كما مر في النسب ، ويتضح ذلك بان محمد بن زيد الشهيد وهو أصغر بني أبيه له عدة بنين منهم محمد ابنه والعقب

هامش
( 1 ) نهس : اخذ بمقدم اسنانه : نهست الحية . نهشت . نهس الكلب : قبض بالفم .
( 2 ) وكس : نقص . ووكس وأوكس : خسر .
( 3 ) اسلفنا ترجمته في الجزء الثالث ص 57 - 69 ط 2

منه في أبي عبدالله جعفر الشاعر وحده ، فأعقب أبوعبدالله جعفر هذا من ثلاثة بنين : محمد الخطيب الذي هو أبوالسيد الحماني . وأحمد السكين الذي هو جدنا . والقاسم ، فيكون السيد علي الحماني ابن أخي أحمد السكين لا ابن إبنه ، فأحمد السكين عمه لا جده ، و ايضا ماتم للسيد صدرالدين إدخال السيد علي الحماني في النسب حتى أسقط منه أبا الحسن عليا الذي هو بين أبي جعفر محمد وبين جعفر بن أحمد السكين ، وهو غلط فاحش ، ولقد مر على ذلك برحة من الزمن ولم ينبه له أحد من أجدادنا .


القرن الثاني عشر
الشيخ عبدالرضا المقرى الكاظمى المتوفى حدود 1120
- 1 -
وقفت دون سعيك الانبياء * فلتطل مفخرا بك الاوصياء
وعن الانبياء فضلا عليك * الله أثنى فحبذا الاثناء
وإذا لم يكن سوى آية التط * - هير فيكم لكان فيها اكتفاء
كنت نورا وليس كون ولا * آدم بل ليس كان طين وماء
أنت عين اليقين سلطان موسى * والعصى منه واليد البيضاء
وسنا النار حين آنسها من * جانب الطور إذ بدا اللالاء
روح قدس به تأيد عيسى * ولامواته به إحياء
أنت لو لم تكن لما عبدالله * ولا للانام كان اهتداء
إلى أن يقول :
فأضاعوا وصية ) يوم خم ( * بعلي وصى وهم شهداء
عن لسان الروح الامين عن الله * تعالى ألا له الآلاء
بعلي بلغ وإلا فما بلغ‍ * - ت والله من عداك وقاء
بعد ما بخبخوا وقالوا لقد أصبح‍ * - ت مولا لنا وصح الولاء
وأتى النص فيه : اليوم اكملت * لكم دينكم وحق الهناء
ثم قالوا : بأن أحمد لم يو * ص وهذا منهم عليه افتراء
وروى من يمت ولم يوص قد ما * ت موتة جاهلية العلماء
ويلهم جهلوا النبي وقالوا * عنه ما لم يقل وبالافك جاؤا
ما نجيب اليهود يوما إذا احتجوا * علينا ؟ أليس فيكم حياء ؟
355
إن موسى في القوم وصى وقد غا * ب وطاها يقضي ولا ايصاء
حيث قال اخلفني لهرون في القو * م وبالاهل تسعد الخلفاء
والنبي الكريم قد ترك القو * م سدا بعده وهذا هذاء
وهو بالمؤمنين كان رؤفا * وعلى كلهم له اسداء
ما عليه أن لو على واحد نص * وفيما يختاره الارتضاء ؟
وهو أدرى بمن لها كان أهلا * وله في نصح الانام اعتناء
وإذا ما قد مات راعي غنيما * ت فترك الايصاء عنه عياء ( 1 )
هذه القصيدة توجد في ديوان شاعرنا وهي تبلغ ثلثمائة وأربعة وثمانين بيتا ، أخذنا منها ما ذكرناه ، يمدح بها أميرالمؤمنين عليه السلام ويستدل فيها على إمامته بحجج قوية ، و يتخلص إلى رثاء الامام السبط الشهيد صلوات الله عليه ، وله من قصيدة يمدح بها أميرالمؤمنين سلام الله عليه .
- 2 -
در حقيقي حباب العقار * فلا تخاطر في المجازي البحار
فقم ففي مجلسنا قد سعى * ساق صغير بكؤس كبار
تقول عيناه لعشاقه : * من سيف اجفاني الحذار الحذار
واخفض جناح العيش في قهوة * للهم عمن قد حساها نفار
للروح روح فإذا قربت * من حجر حدث صم الحجار
تطفئ نار الهم منا وفي * الكاسات منها مستطيرا شرار
إن قتلت منا عقولا فعن * والدها كان لها أخذ ثار
من كف ألمى ( 2 ) ماجلا حسنه * إلا وبان العقل واللب طار
حمراء أعدا لونها كأسها * تخالها من غير كاس تدار
قوامه يطعن طعن القنا * وفتك ماضي لحظه واقتدار
وردفه يشرح لي ثقله * وخصره يسند لي الاختصار

هامش
( 1 ) إلى هذه البرهنة العقلية استند القوم في استخلاف عمر كما فصلنا القول فيه في الجزء السابع ص 132 ، 133 .
( 2 ) الالمى : الذى بشفته لمى . غلام ألمى : بارد الريق .

قد علم الفتك اسود الشرى * وعلم الغزلان كيف النفار
عجبت من حمرة خديه إن * بدت لعيني علا في اصفرار
كأنما قد صيغ من فضة * سالفة ( 1 ) والخد مني نضار
لي روضة غناء من وجهه * ولحظه ساق وفيه عقار
خد وثغر مقلة وجنة * ورد اقاح نرجس جلنار
له على عشاقه نصرة * بفاتر منه أرى الانكسار
في خده ماء ونار وما * بالمآء للنار عهدنا استعار
تثبت عيناي به لم تزل * فلم تحل عنه يمينا يسار
كأنما تلك له قربة * قد عبدت ماء وهاتيك نار
يزري إذا ماس بغصن النقا * وإن بدا فالبدر منه يغار
فلو ترى يا لائمي حسنه * أقمت فيه حجج الاعتذار
دعني برب الفرط لي شاغل * يشغلني عن حب ذات الخمار
خلع عذاري واضح إذ على * شهد لماه دار نمل العذار
كم من فقار سيف ألحاظه * قد كسيف المرتضى ذي الفقار
من آية التطهير فية أتت * نصا من الله له واختيار
إلى أن يقول :
آخاه طاها يوم ) خم ( وقد * انزل فيه فيه آي جهار ( 2 )
اليوم أكملت لكم دينكم * ناهيك من منقبة لا تعار
ياراكبا كالقوس حرفا حكى * الاوتار أو كالسهم ترمي القفار
عج بالغريين وأحرم وطف * في ذلك القدس وقف باحتقار
إلى الذي من كل أوب إلى * بيت عطاياه المطايا تثار
بيت به طال عمادا فلا * مقصر فيه ورامي جمار

هامش
( 1 ) السالفة : صفحة العنق عند معلق القرط .
( 2 ) مرجع الضمير الاول في فيه هو يوم الغدير ، وفى الثانى هو مولانا اميرالمؤمنين . يريد انه نزلت فيه عليه السلام آيات يوم ذاك . راجع الجزء الاول من كتابنا هذا تجد هنالك تفصيل تلكم الآيات النازلة .

وأذن الناس ونادي الوحا * لكعبة الله البدار البدار
وزمزم والحجر والركن ثم * الحجر الاسود سامي المنار
ألا بها حجوا فما في سوى * تلك الثرى حجا أرى واعتمار
واستأذن الله ومنه وفي * سكينة فادخل عليك الوقار
وقبل الارض له عزة * وكحل الجفن بذلك الغبار
وامش على الاجفان فضلا عن * الاقدام إجلالا بذاك المزار
والثم ضريحا ضم بدرا ومن * حلم جبالا وعطايا بحار
فثم وجه الله والعين وال‍ * - جنب وسيف الله ماضي الغرار
أمير كل المؤمنين الذي * غدا له فيما يشاء الخيار
فمن يزره عارفا حقه * فهو كمن لله في العرش زار
كان بعرش الله نورا ولا * آدم أو حوى به يستنار
لو أجمع الناس على حبه * من قدم لم يخلق الله نار
فالفضل فيه كله شيمة * ومنه كل فضله مستعار
( القصيدة 71 بيتا )
- 3 -
وله من قصيدة اخرى يمدح بها اميرالمؤمنين عليه السلام قوله :
ياإماما علا على سائر الخلق * بخلق مهذب وبخلق
حزت كلا من العلوم إلى أن * قد جرى الكل منك في كل عرق
بمقال يقيم عذر المغالي * إنك الله حيث للشك يبق
أنت حلف الهدى وحلف نزال * دره العذب ساغ في كل خلق
قد عبدت الاله طفلا مع المخت‍ * - ار والكل مشرك بالحق
وببدر بذلت نفسك في الله * وبادرتها ضحى غير طرق
وبخم بويعت إذ ليس إلا * أنت دون الورى لها من محق
فأتى النص فيك اليوم اكملت * لكم دينكم وأثبت حقي
يالها من إمامة قد تسامت * بإمام مؤيد بالصدق
358
صاحب النص والدلالة بالاجما * ع والاتفاق من غير مذق ( 1 )
نفس طاها النبي والصهر وابن * العم والصنو والاخ المشتق
القصيدة 56 بيتا
- 4 -
وله من قصيدة يمدح بها اميرالمؤمنين عليه السلام وهي تبلغ ستين بيتا قوله :
بالعتب طال لطيفك الترداد * لو زار جفن العاشقين رقاد
بدر بليل الشعر متسق ولا * كالبدر نقص شأنه وسواد
سلطان حسن والبهاء وزيره * جيش الجلال أمامه يقتاد
إلى أن يقول :
والله أكمل دينه بولائه * أنى يطاول مجده ويساد ؟
بالطائف المشهور كلم ربه * ناهيك فخرا ما عليه يزاد
ولطال ما من جبرئيل لخدمة * قد طال في أعتابه الترداد
وببابل ردت له شمس الضحى * والليل قد مدت له ابراد
وبيوم ) خم ( خبر الغياب عن * تأميره في البيعة الاشهاد
إذ قام يخطب أحمد مسترسلا * عن ربه والقول منه يعاد
: من كنت مولاه فحيدرة له * مولى ومن كاد الوصي يكاد
فإذا هنالك بخبخوا قوم به * من رغبة في حكمه زهاد
لا تدرك الافهام كنه صفاته * أنى وهل يحصي الحصى التعداد ؟
- 5 -
وله من قصيدة 118 بيتا يمدح بها أميرالمؤمنين عليه السلام قوله :
لك نصب عينى اين كنت امثل * وطريقتي المثلى بحبك أمثل
أرجو الحياة وأنت عني معرض * والموت من إعراض وجهك أجمل
إلى أن يقول :
والله أكمل دينه بولائه * هل فوق هذا في المفاخر منزل ؟
هامش
( 1 ) من غير مذق : اى من غير شوب .

ولقول جبريل الامين بحقه * علنا وتلك محلة لا تنزل
: لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى * إلا علي الفاضل المتفضل
وتعجب الاملاك من حملاته * في الحرب وهو على الكتائب يحمل
ولفتح أحمد بابه ولسده * باب الصحاب على الجميع يفضل
ولقول أحمد : أنت هاد للورى * وأنا النذير وذاك فخر أطول
ولانت مني مثلما هارون من * موسى ولا بعدي نبي يرسل
وكفاه ممن لم يصل عليه في * فرض الصلاة صلاته لا تقبل
والله زوجه البتول وأشهد * الاملاك والروح الامين موكل
والشمس من بعد الغروب ببابل * ردت له والليل داج مسبل
والله خاطبه غداة الطائف * المشهور وهي فضيلة لا تنحل
وبليلة القدر الملائك عزة * والروح قد كانت عليه تنزل
وغدا موازين العباد بكفه * طوعا تخف بمن تشاء وتثقل
والنار والجنات طايعة له * من شاء نارا أو جنانا يدخل
وفدى النبي على الفراش وانها * لهي المواساة التي لا تعقل
والوحي يهبط عنده وببيته * للفصل آيات الكتاب تفصل
وله وللاصنام كسر عزة * وضعت على أكتاف أحمد أرجل
إلى أن يقول :
عج بالغري فثم سر مودع * ليست تكيف ذاته وتمثل
واخلع نعالك غير ما متكبر * فيه وأنت مكبر ومهلل
وقل : السلام عليك يا من حبه * للدين فيه تتمة وتكمل
فهناك عين الله والسر الذي * قد دق معنى والاخير الاول
الحاكم العدل الذي حقا يرى * ما العبد من خير وشر يعمل
والآخذ التراك أفضل مسلم * من بعد أحمد يحتفي أو ينعل
ويل امرء قد حاد عنه ضلة * وعلى النبي بجهله يتقول
جعل الامامة غير موضعها عمى * والله أعلم حيث كانت تجعل
وكفى عليا في ) الغدير ( فضيلة * يأتي اليها غيره يتوصل
حيث الامين أتى الامين مبلغا * يقرى السلام من السلام ويعجل
بلغ وإلا لم تبلغ ما أتى * في حق حيدر ايها المزمل
فهناك بين الصحب قام لربه * يثني بعالي صوته ويفضل
ويسار حيدرة بيمناه وقد * نادى ومنه فيه يفصح مقول
: من كنت مولاه فحيدرة له * مولا فإياكم به أن تبدلوا
والطائر المشوي هل مع أحمد * أحد سواه كان منه يأكل ؟
والنجم لما أن هوى في داره * جهرا وأشرق منه ليل أليل
في العرش قدما كان نورا محدقا * طورا يكبر ربه ويهلل
متقلب في الساجدين وكان من * صلب إلى صلب طهور ينقل
- 6 -
وله من قصيدة 42 بيتا يمدح بها أميرالمؤمنين عليه السلام قوله :
هل بي حر إلى رشف رشا * حبذا لو يقبل الروح رشا
بابلي الطرف لكن ما رأى * سحره هاروت إلا اندهشا
جائر في الحكم لكن عادل ال‍ * - قد عبيل الردف مهضوم الحشا ( 1 )
لم أزل أخفي هواه في الحشا * غير مني الدمع بالسر فشا
خلته لما تجلى سلطه * تحت ليل الشعر صبحا أبرشا
فضح الشهد بريق ريق * غيره لم يرو مني العطشا
أحمد النعمان في وجنته * وعلى الخدين آس عرشا
عاذلي أصبح فيه عاذري * وانثنى يحمده واش وشا
فإذا ماس دلالا قده * يغتدي غصن النقا مرتعشا
كوكب المريخ في وجنته * ساطع والبدر منه قد عشا
مطلق اللحظ فؤادي قد غدا * منه في اسر الهوى مندهشا

هامش
( 1 ) العبيل : الضخم . الردف : العجز .

جرحت عيناه خدي مهجتي * حيث لحظي خده قد خدشا
صادني في شرك من شعره * عجبا للاسد هل صاد رشا ؟
إلى أن قال :
حيدر الكرار أزكى ناعل * من بني آدم أو حاف مشا
ما غشى الليل نهارا نصحه * مذهب شكا على القلب غشا
نور عين الدين قد رد وقد * رد طرف الشرك منه أعمشا
قتل الكفار في صارمه * ولربع الانس منهم أوحشا
لم يدن للات يوما قط بل * عبدالله وبالتقوى نشا
قد شفى الاسلام من داء به * وجلا من أعين الدين الغشا
ولقد أصبح في خم له * شاهد عدل أبى أن يرتشا
جاد بالقرص وصلى العصر إذ * رده لما له غشى العشا
وله قد كلم الثعبان إذ * ظنه الناس أتى كي ينهشا ( 1 )

الشاعر
الشيخ عبدالرضا بن أحمد بن خليفة ابوالحسن المقري الكاظمي ، من أفذاذ القرن الثاني عشر وعلمائه وأفاضله الجامعين لفضيلتي العلم والادب ، ترجمه سيدنا أبومحمد الحسن في ( تكملة الامل ) وأطراه بالعلم والفضل ، وقال : توفي حدود سنة ألف ومائة و عشرين ، وعزى إليه ديوانه المرتب على الحروف في مدح الائمة عليهم السلام ، وقد وقفنا عليه ونقلنا عنه ما أثبتناه وهو يربو على الثلاثة آلاف والخمسمائة بيتا .

هامش
( 1 ) نظم شاعرنا المقرى في قصائده هذه جملة ضافية من مناقب اميرالمؤمنين مما صدع به النبى الامين ، يوجد تفصيلها فيما يأتى من مسند المناقب ومرسلها ، وإن أسلفنا بعضها في طيات الاجزاء الماضية .

القرن الثاني عشر
علم الهدى محمد

لك الحمد ذا المجد والكبرياء * لك الحمد في البدء والانتهاء
لك الحمد يامن علا في الدنو * لك الحمد يا من دنى في العلو
إلى أن قال من قصيدة تبلغ 151 بيتا :
مننت على الخلق في كل حين * لاتمام نعماك نور اليقين
ببعث نبي بشير نذير * إلى نهج جنات عدن يشير
ونصب وصي من الاصفياء * لتشييد ما اسس الانبياء
فها نحن جئنا نحن اليك * بحق الهداة الكرام عليك
إلهي بحق الرسول الامين * جسيم الايادي على العالمين
بحق الوصي أخيه السري * بمجد سني وعز علي
وصي الرسول بأمر حكيم * أتى من لدنك بلطف عميم
سليل الخليل وليد الحرم * عديل النبي في معالي الشيم
ضياء الرشاد بهاء الهدى * امام العباد رواء الندى
ولي الانام نبص الغدير * أمير الكرام ونعم الامير
القصيدة
الشاعر
علم الهدى محمد بن المولى محمد محسن بن مرتضى الكاشاني ، نيقد تبرز علما وأدبا وتقدم فضلا وحسبا ، وجمع الفضايل موروثا ومكتسبا ، هو ابن المحقق الفيض علم الفقه وراية الحديث ، ومنار الفلسفة ، ومعدن العرفان ، وطود الاخلاق ، وعباب العلوم والمعارف ، هو ابن ذلك الفذ الذي قل ما أنتج شكل الدهر بمثيله ، وعقمت الايام عن أن تأتي بمشبهه .
والمترجم له مقتف أثر والده المقدس ، وتشف عن تضلعه من العلوم آثار الباقية ، منها كتاب المواعظ البالغ عشرين ألف بيت ، وفهرس الوافي لوالده الفيض ، وحواش على الوافي ، وتعاليق على مفاتيح الشرايع لوالده ، كتاب تحفة الابرار الفارسي في الاصول الخمسة ، والاعمال الحسنة والسيئة ألفه سنة 1100 ، كتاب العلماء في فضائلهم وانهم خلفاء الائمة عليهم السلام ، مرآت الجنان في الادعية ، رموز الهي فارسي في الادعية والاعمال اليومية والاحراز والعوذات ، كتاب سرور صدور الاولياء في كيفية الصلاة على المصطفى وآله ، وفيه قصيدته التي أخذنا منها ما ذكرناه ، وقال صاحب الروضات ص 543 : ان له كتاب لطيف بالفارسية جمع فيه بين الاصول والفروع والاخلاق ، وينسب اليه ايضا خطب ورسائل منيفة اه‍ . وترجمه سيدنا صدرالدين الكاظمي في ( تكملة الامل ) وقال : عالم فاضل محدث فقيه رجالي جيد الطريقة حسن الخط فاضل في الادب خبير بالحكمة ، جامع لفضائل رأيت من مصنفاته نضد الايضاح ، وكتاب معادن الحكم في مكاتيب الائمة عليهم السلام ) إنتهى ملخصا ( وترجمه صاحب ) نجوم السماء ( في ص 225 وقال : تلمذ على والده له كتاب نضد الايضاح ، رتب كتاب ايضاح الاشتباه للعلامة الحلي على أحسن نمط وطبع مع فهرست الشيخ ( 1 )
لم نقف علي تاريخي ولادة المترجم له ووفاته غير انه استنسخ نخبة والده سنة 1055 وبطبع الحال انه كان في ذلك التاريخ بالغا مبالغ الرجال ولا أقل من أن يكون مراهقا وذكر ولده الشيخ جمال الدين اسحاق على ظهر بعض كتبه ودعا له بدوام الظل في سنة 1112 ، فكان حيا بين التاريخين لكنه يظهر مما كتبه ولده الآخر المولى نصيرالدين سليمان سنة 1123 على مفاتيح الشرايع لجده وترحمه على والده أنه توفي قبل السنة المذكورة ، فتكون وفاته بين التاريخين الاخيرين ، ويقدر عمره بما يتراوح بين السبعين والثمانين .

هامش
( 1 ) في ليدن سنة 1271 .

القرن الثاني عشر
الشيخ على العاملي

أجل حديث الصبا والخرد الغيد * لمستهام كئيب القلب معمود
واستمطر الدمع من جفني القريح على * شرخ الشباب وعصر غير مردود
وامنح أبثك حزنا عن رسيس هوى * وعن فؤاد بنار البين موقود
إلى أن يتخلص إلى مدح اميرالمؤمنين عليه السلام ويقول :
المنهل العذب للنظامي أبا حسن * ومن لكل مضام خير مورود
والطاهر النسب السامي من امتنعت * صفاته الغر عن حصر وتحديد
مولى إذا عد ذو مجد وذوشرف * يوم الفخار تجده خير معدود
وكل محمود أوصاف يقاس به * يغدو لديه ذميما غير محمود
يمم إليه ونكب كل مقتصد * من الانام تجده خير مقصود
هو الجواد ومن ساواه ممتنع * الوجود في كل عصر غير موجود
مجيب كل مضام عند نازلة * ملبيا وكفى عونا إذا نودي
مولى البرية والمعني في سور * الذكر الحكيم بمدح غير محدود
من قد أعاد الهدى من بعد ما درست * أعلامه أبدا من بعد تشييد
ومهد الحق والاسلام حين عفت * رسومه وتوارى أي تمهيد
ففي المكارم يدعى بابن بجدتها * وفي الملاحم مقدام الصناديد
لذاك ألقى رسول الله حيث طما * بحر الهياج إليه بالمقاليد
وقال في يوم ) خم ( حين قال له * جبريل : بلغ مقالا غير مردود
: من كنت مولاه حقا فالوصي له * مولى على شاهد منهم ومشهود
القائد الخيل في الهيجاء مقرنة * من النجائب بالمهرية القود
( القصيدة وهي كبيرة جدا )

الشاعر
الشيخ علي بن أحمد الفقيه العادلي العاملي الغروي . من رجال عاملة القاطنين بالعراق ، موصوف بالعلم والادب والفضيلة ، وقفت على ديوانه وقد كتب على ظهره هذا ديوان الشيخ الامام العلامة ، فريد دهره ، ووحيد عصره ، وقدوة الادباء ، وقبلة الشعراء ، الشاعر الاديب الاريب النبيه علي بن أحمد الفقيه العاملي نسبا والغروي مولدا ومسكنا .
قرأ على المدرس الشريف الاوحد السيد نصرالله الحايري ، وبأمره دون شعره وقال في اول ديوانه ما ملخصه : اجتمعت مع السيد نصرالله بن حسين بن إسماعيل الحسيني فأمرنى بأن أجمع شمل ما نظمت من القوافي بعد الشتات ، واؤلف بينهن مدونا ، ولعمري ان أمره لمطاع ، ومخالفته لا تستطاع ، فامتثلت لما أشار إليه ، وأجبت ملبيا لما دعاني بالحث عليه .
ولاستاذه السيد المدرس ثناه على ديوانه بقوله :
ديوان مولانا علي ذي الندى * كالروض إذ قد جاده سحابه
قد ضمن اللؤلؤ إلا أنه * ( عذب فرات سائغ شرابه ) ( 1 )
رتب المترجم له ديوانه على مقدمة وأبواب وخاتمة ، كان رحمه الله رحالة تجول في بلاد ايران ونزل بشيراز واصفهان ، وغادرها إلى النجف الاشرف سنة 1120 ، وله في الباب الخامس من ديوانه قصيدة يمدح بها السيد المدرس الحائري سنة 1122 مجيبا قصيدة السيد التي مدحه بها وهي تعرب عن مقامه الشامخ في الفضائل ، ونبوغه في الادب ، وتحليه بالنفسيات الكريمة ، ألا وهي :
قم فاجل شمس الراح للندماء * كي تنجلي فيها دجى الغماء
فمجامر الازهار فاح أريجها * عبقا بنار البرق ذي الالاء
والطل فوق الورد أضحى حاكيا * صدغا أحاط بوجنة حمراء
ولئالئ الانداء قد لاحت ضحى * بشقائق راقت لعين الرائي

هامش
( 1 ) يوجد في ديوانه ص 246 .

فكأنها نطف الدموع تدافعت * في حرف جفن المقلة الرمداء
فانشط وأسرج لى كميتا روضت * بعد الشماس بمزجها بالماء
تجري بمضمار اللهى لكن غدا * عوض القتام لها دخان كباء
شمطاء ترقص في الزجاج وإنما * برد الوقار يرى على الشمطاء
يا حبذا وقد اجتلاها أهيف * نشوان من غنج ومن صهباء
ما لاح لي ظبي سواه مقرطا * ومقلدا بالنجم والجوزاء
وسوى ) علي ( ذي المعالي ما انجلى * قمر يمد الشمس بالاضواء
رب المفاخر من سما أوج السما * بمكارم جلت عن الاحصاء
ندب يرى بدل الرغائب واجبا * للمجتدي والدهر ذو أكداء
ذو هيبة بالبشر شيبت مثلما * يبدي السحاب النار ضمن الماء
راحاته الراحات تولي والعنا * للاولياء له وللاعداء
الثاقب الآراء نجل الثاقب الآ * راء نجل الثاقب الآراء
يهتز عند الحمد إلا إنه * عند النوائب ثابت الارجاء
مولى إذا اسود الزمان وأمه * عاف حباه باليد البيضاء
وإذا عتا فرعون فقر مؤمل * ألقاه من جدواه في دأماء
لم تسمع العوراء منه وطالما * اطفى توقد فتنة عمياء
من معشر حازوا النهى بفخارهم * قد حبرت ديباجة العلياء
لا ينصتون إلى الغنا ولطالما * نال الغني بهم ذوو استجداء
ما أشرعوا الارماح إلا أشرقوه‍ * - ا من دم الاقران في الهيجاء
تهديهم بدجى القتام غرائم * لهم غدت تحكي نجوم سماء
غارت رماح الخط من أقلامهم * فلذلك ارتعدت لدى الهيجاء
فلكم زها فوق الطروس بطلها * زهر له كم من الاحشاء ؟
زهر يلوح الدهر غضا ناضرا * والزهر يذبل عند فقد الماء
ولكم سبت عقلا بسحر بيانها * وبحكمة من شعرها غراء
يا صاحب الفضل الذي من فضله * يجنى جني بلاغة البلغاء
خذ روض مدح لم يجده القطر بل * قد جاد منبته ولي ولاء
يبدي الشذى منه قبول قبولكم * لوحب في أسحار حسن رجائي
فأعوذ بالرحمن من أن يغتدي * بهجير هجرك شاحب الارجاء
لازال قدرك كاسمك السامي الذي * قد سار في الآفاق سير ذكاء
ماخاط أجفان الورى وسن وما * شق الصباح غلاله الظلماء
ولشاعرنا العاملي قصائد طوال في مدح الامام اميرالمؤمنين ورثاء ولده الامام السبط الشهيد سلام الله عليهما ، ومن مديحه أميرالمؤمنين قصيدة أولها :
الدهر أصبح لي معاند * وسطى علي وصال عامد
وأشارت الايام نحوي * بالمكاره والمكائد
إلى أن يقول :
يا سعد وقيت النوى * وكفيت منها ما أكابد
بالله إن جزت الغري * فعج على خير المشاهد
وقف الركاب ونادها * هنيت في نيل المقاصد
واخلع بها نعليك ملتثم * الثرى لله ساجد
واعمد إلى تقبيل أعتاب * الامام البر عامد
مولى البرية ذي التقى * علم الهدى حاوي المحامد
نجل الغطارفة الكرام * الاريحيين الاماجد
كالبحر إلا إنه * عذب المصادر والموارد
وقل : السلام عليك يا * كهف النجاة لكل وافد !
ومحط رحل المستضام * المستجير وكل وارد
يا آية الله التى * ظهرت فأعيت كل جاحد !
والحجة الكبرى المناطة * بالاقارب والاباعد
لولاك ما اتضح الرشاد * ولا اهتدى فيه المعاند
كلا ونيران الضلالة لم * تكن أبدا خوامد
والدين كان بناؤه * لولاك منهد القواعد
حارت بك الاوهام و * اختلفت بمعناك العقايد
فمن اقتدى بك اهتدى * وهوى ضلالا عنك حايد
يامن نعوذ باسمه * من كل شيطان ومارد !
وبه نلوذ من الزمان * وحين نودع في الملاحد
أنت المرجى في الفوادح * والمؤمل في الشدايد
مولاي معتقدي بإنك * علة الاشياء واحد
ومعاد أجسام الورى * يوم المعاد عليك عايد
فلذلك الله العلي * براك في الكونين قائد
تدعو الانام إلى الهدى * وعليهم في ذاك شاهد
خذها أبا حسن ! إلى * علياك أبكارا خرائد

القرن الثاني عشر
المولى مسيحا الفسوى المولود 1037 المتوفى 1127

ما ارتحت مذ ركبت للبين جيراني * يا صاحبي ! باتلافي أجيراني
يقول فيها :
فضلي ومجدي وإتقاني ومعرفتي * عادت بأجمعها أسباب حرماني
لو قلب الدهر أوراقي لصادفها * آيات لقمان في أشعار حسان
دنياى قد ثكلتني فهي باكية * نجومها الدمع والعينان عيناني
واسوء بسط يد غلت إلى عنقي * حتى بدى المزن بالامطار باراني
وقوست ألفي كالنون من نصب * فكاد ينقلب ايران نيراني
فيما ارتقابي سحبا غير ماطرة ؟ * إلى م أرضى بأرض ليس ترعاني ؟ !
من لي بعاصف شملال يبلغني * إلى الغري فيلقيني وينساني ؟ !
إلى الذي فرض الرحمان طاعته * على البرية من جن وإنسان
علي المرتضى الحاوي مدائحه * أسفار توراة بل آيات فرقان
ما أستعين بشملال ولا قدم * من ترب ساحته طوبى لاجفاني
تنزه الرب عن مثل يخبرنا * بأنه ورسول الله سيان
كأن رحمته في طي سطوته * آرام وجرة في آساد خفان
عم الورى كرما فاق الذرى شمما * روى الثرى عنما من نحر فرسان
فالدين منتظم والشمل ملتئم * والكفر منهدم من سيفه القاني
كالبرق في بسم والنار في ضرم * والماء في سجم من نهر افنان
فقاره وهي في غمد تجللها * آي الوعيد حواها جلد قرآن
قد اقتدى برسول الله في ظلم * والناس طرا عكوف عند أوثان
تعسا لهم كيف ضلوا بعدما ظهرت * لهم بوارق آيات وبرهان ؟
فهل اريد سواه حيث قيل لهم * : هذا علي فمن والاه والاني ؟
هل ردت الشمس يوما لابن حنتمة ؟ * أو هل هوى كوكب في بيت عثمان ؟
هل جاد يوما أبوبكر بخاتمه * مناجيا بين تحريم وأركان ؟
وهل تظن تعالوا ندع أنفسنا * في غيره نزلت ؟ عن ذاك حاشاني
أخص بالسطل والمنديل واحدهم ؟ * أم استحبوا بتفاح ورمان ؟
أم ريثما صال عمرو بين أظهرهم * سواه صبغ منه السيف بالقاني ؟
أم خيبر كان وافى قبله بطلا ؟ * سل المصاريع من مرصوص بنيان
أشالها لجميع الجند قنطرة * يجيزها الكل من رجل وركبان ؟
أم ريثما انهزم الاصحاب في احد * وظل خير الورى فردا بلا ثان
من عصبة الشرك صفت حوله فئة * ذات المخالب في أرياش عقبان
سواه حامى رسول الله يطعنهم * بسمهري يحاكي لدغ ثعبان ؟
بالسيف والرمح والانصال دافعهم * عن الرسول باخلاص وايقان
حتى تبدد أهل الشرك وانهزموا * شبه الحنادس إذ تمحى بنيران
والقوم بشرهم إبليس من كذب * بقتل ) أحمد ( مصروعا بميدان
فارتاح أنفسهم سرا وقد ستروا * أسرارهم خوف أبصار وآذان
وهل تصدق للنجوى سواه فتى * وقد مضى قبل نسخ الحكم يومان ؟
هل في فراش رسول الله بات فتى * سواه إذ حف من نصل بنيران ؟
لولاه لم يجدوا كفوا لفاطمة * لولاه لم يفهموا أسرار فرقان
لولاه كان رسول الله ذا عقم * لولاه ما اتقدت مشكاة ايمان
لولاه لم يك سقف الدين ذا عمد * لولاه لانهدمت أركانه الواني ( 1 )
لولاه ما خلقت أرض ولا فلك * لولاه لم يقترن بالاول الثاني
هو الذي كان بيت الله مولده * فطهر البيت من أرجاس أوثان

هامش
( 1 ) الواني : الضعيف البدن . يقال : نسيم وان : ضعيف الهبوب .

هو الذي من رسول الله كان له * مقام هارون من موسى بن عمران
هو الذي صار عرش الرب ذا شنف * إذ صار قرطيه إبناه الكريمان
أقدامه مسحت ظهرا به مسحت * يد الاله لتبريد وإحسان
يا واضعا قدميه حيثما وضعت * يد الاله عليه عز من شان
رحب الاكف إذا فاضت أنامله * لو لم يقل حسب ثنى يوم طوفان
لو ظل تحت لواه في الوغا علم * تراه ترتج حنوا نحو ميدان
ما تستقر الرواسي تحت صارمه * كالطود تندك من اس وبنيان
لولا الوصية فالشيخان أربعة * يوم السقيفة بل عثمان إثنان
فياعجيبا من الدنيا وعادتها * أن لا يساعد غير الوغد والداني
من كان نص رسول الله عينه * لامرة الشرع تبليغا باعلان
يوم الجماهير في بيداء قد ملات * بكل من كان من أعقاب عدنان
وقال صحب رسول الله قاطبة * : بخ لذاك وكان الاول الثاني ( 1 )
من بعد ماشدد الرحمان إمرته * على الرسول بإحكام وإتقان
فقال : بلغ وإلا فادر انك ما * بلغت حق رسالاتي وتبياني
تقدمته اناس ليس عينهم * نص الاله ولا منطوق برهان
لا أضحك الله سن الدهر إن له * قواعد عدلت عن كل ميزان
بصفو حبك قد أحييت مهتديا * فدتك نفسي يا ديني وايماني
ودر فيضك ما دار السما وجرى * ودام ظلك ما كر الجديدان

ما يتبع الشعر
القصيدة توجد برمتها 91 بيتا في الجزء الثاني من كتاب ) الرائق ( للعلامة السيد أحمد العطار ، وتذكر منها 89 بيتا في ) نجوم السماء ( ص 197 ، وجملة منها مذكورة في ( فارسنامه‌ء ناصري ( ج 2 : 230 ، وعدة منها توجد في هامش ) نهج البلاغة ( المطبوع في ايران سنة 1310 ، وخمس العلامة الاوحد السيد محمد حسين الشهرستاني المتوفى

هامش
( 1 ) كان اول من خاطب الامام عليه السلام يوم غدير خم مبخبخا عمر بن الخطاب وهو ثانى من تقمص الخلافة .

1315 ( 1 ) من هذه القصيدة واحدا وأربعين بيتا ، وبدأ بالبيت الحادي عشر أوله :
أمسيت والهم في ايران يطرقني * والكرب طول الليالي ما يفارقني
وذكر من حل في كوفان يقلقني * من لي بعاصف شملال يبلغني
إلى الغري فيلقيني وينساني ؟
إلى الذي طهر الجبار طينته * إلى الذى بشر المختار شيعته
إلى الذي أوجب القربى مودته * إلى الذي فرض الرحمان طاعئه
على البرية من جن وإنسان

الشاعر
المولى محمد مسيح الشهير بمسيحا ابن المولى اسماعيل فدشكوئي الفسوي المتخلص ( بمعنى ( في شعره الفارسي ، وبمسيح في العربي منه ، عالم فيلسوف ، وحكيم بارع ، و فقيه متضلع ، وأديب شاعر ، وخطيب كاتب ، مذكور بالثناء الجميل في سوانح تلميذه الشيخ علي الحزين ، ونجوم السماء ص 195 ، وفارسنامه‌ء ناصري 2 : 230 ، وغيرها أخذ العلم عن استاد الكل آقا حسين الخوانساري ، وأخذ عنه كثيرون من العلماء ، تقلد شيخوخة الاسلام بشيراز على عهد السلطان شاه سليمان ، وشاه السلطان حسين ، وله يوم تسنما عرش الملك خطب بليغة ، توفي سنة 1127 عن عمر يقدر بالتسعين ، وخلف آثارا قيمة لا يستهان بها منها : إثبات الواجب ، ورسالة فارسية في القصر والاتمام ، وحواشي على حاشية الخفري على شرح التجريه ، ذكرها له شيخنا القمي في الفوائد الرضوية 1 ص 643 وقال : رآها في كرمانشاه .

هامش
( 1 ) أحد شعراء الغدير يأتى ذكره في شعراء القرن الرابع عشر .

القرن الثاني عشر
ابن بشارة الغروى المتوفى بعد 1138

تلك الديار تغيرت آثارها * وتغيبت تحت الثرى أقمارها
دار لقد أخفى البلى أضوائها * ومن السحائب جادها مدرارها
إلى أن قال :
أنا سيد الشعراء غير مدافع * وإذا نثرت فانني نثارها
وأقودهم نحو الجنان ورايتي * بيضاء تلمع فوقهم أنوارها
إذ كنت مادح حيدر رب التقى * فخر البرية حصنهم كرارها
ليث إذا حمي الوطيس وزمجرت * فرسانها والحرب طار شرارها ( 1 )
يسطو بأعظم صولة رواعة * منها الكمات تصرمت أعمارها ( 2 )
وإذا الخيول الصافنات تسابقت * يوم البراز فسبقه نحارها
صهر النبي أبو الائمة خيرهم * وبه الخلافة قد سما مقدارها
بغدير خم للولاية حازها * حقا وليس بممكن إنكارها
وإذا رقى للوعظ صهوة منبر * يصغي لزاجر وعظه جبارها
وبراحتيه تفجرت عين الندى * فالواردون جميعهم يمتارها
وله العلوم الفايضات على الورى * فيض الغمايم إذهما مهمارها
( نهج البلاغة ( من جواهر لفظه * فيه العلوم تبينت أسرارها
لولاه ما عبد الاله بأرضه * يوما ولا بخعت له كفارها ( 3 )

هامش
( 1 ) زمجرت : اكثرت الصياح والصخب . تزمجر الاسد : ردد الزئير .
( 2 ) الكمات ج الكمى : الشجاع أو لابس السلاح .
( 3 ) ذكرها في كتابه ) نشوة السلافة ( وهى تناهز الخمسين بيتا .

الشاعر
أبوالرضا الشيخ محمد علي بن بشارة من آل موحي الخيقاني النجفي ، أوحدي حقت له العبقرية والنبوغ ، وفذ من أفذاذ الفضيلة ، برع في فنون الشعر والادب ، ورث فضله الكثار وأدبه الموصوف عن أبيه العلامة الشاعر المفلق الشيخ بشاره ، وعاصر نوابغ العلم وأساتذة البيان وأخذ منهم ، ونال من الفضل حظه الوافر ، ونصيبه المقدر ، فأطروه و وأثنوا عليه ، وعد من رجال تلك الحلقة ، وأبقى شعره وأدبه له ذكرى خالدة ، وسجلت آثاره القيمة العلمية والادبية في صفحة التاريخ له غررا ودررا تذكر وتشكر ، منها ( نشوة السلافة ومحل الاضافة ) قرظها السيد حسين بن الامير رشيد الآتي ذكره ، وقال الشيخ أحمد النحوي الحلي مقرظا إياها :
يا أخا الفضل والمكارم والسؤ * دد والمجد والعلى والشرافه
والاديب الاريب المصقع المد * ره رب الكمال رب الظرافه
أي در أودعت في صدف الطر * س غدا الدر حاسدا أوصافه ؟
لو رأى هذه الرياض زهير * لتمنى من زهرهن اقتطافه
لودرى عرفهن صاحب عرف الطي‍ * - ب أبدى لطيبهن اعترافه
لو رأى جمعها علي ( 1 ) رأى الفض‍ * - ل على جمعه لكم والانافه
قال : جمعي صبابة في إناء * من سلاف وذا حباب السلافه
أي مستمتع لذي الفضل فيها * وبشتى نكاتها واللطافه ؟
جئتها طاوي الحشا فأضافت‍ * - ني وقالت : هذا محل الاضافه
ومنها : نتائج الافكار . قرظها المدرس الاوحد السيد نصر الله الحائري بقوله :
حير عقلي ذا الكتاب الانيق * فليس للوصف إليه طريق
رقيق لفظ جزل معنى له * كل مجاميع البرايا رقيق
ما هو إلا روضة غضة * شقيقها ليس له من شقيق
صاداتها الغدران همزاتها * حمايم تشدو بلحن أنيق

هامش
( 1 ) يعنى السيد على خان المدنى صاحب ) سلافة العصر ( التى ألف ابن بشارة نشوته تتميما لها .

كم نشق العشاق من نفحها * نسيم أخبار اللوي والعقيق ؟
كم قد جلت أكؤس الفاظها * معانيا يخجل منها الرحيق ؟
رصعها صوب يراع الذي * أصبح دوح الفضل فيه وريق
مولى جليل القدر في شانه * قد اغتدى صاحب فكر دقيق
لازال ) نصر الله ( طول المدى * له رفيقا فهو نعم الرفيق
ومنها : شرح نهج البلاغة ، وريحانة النحو . ذكرهما الشيخ أحمد النحوي الحلي
في قصيدته التي مدحه بها أولها :
برزت فيا شمس النهار تستري * خجلا ويا زهر النجوم تكدري
فهي التي فاقت محاسن وجهها * حسن الغزالة والغزال الاحور
يقول فيها :
من آل موح شهب أفلاك العلى * وبدور هالات الندى والمفخر
وهم الغطارفة الذين لبأسهم * ذهل الورى عن سطوة الاسكندر
وهم البرامكة الذين بجودهم * نسي الورى فضل الربيع وجعفر
لم يخل عصر منهم أبدا فهم * مثل الاهلة في جباه الاعصر
لاسيما العلم الذي دانت له ال‍ * - أعلام ذوالفضل الذي لم ينكر
ولقد كسا ) نهج البلاغة ( فكره * شرحا فأظهر كل خاف مضمر
وعجبت من ( ريحانة النحو ) التي * لم يذو ناصرها مرور الاعصر
فذروا ( السلافة ) ( 1 ) ان في ديوانه * في كل بيت منه حانة مسكر
ودعوا ( اليتيمة ) ( 2 ) ان بحر قريضه * قذفت سواحله صنوف الجوهر
ما ( دمية القصر ) التي جمع الاولى * كخرائد برزت بأحسن منظر ؟
يا صاحب الشرف الاثيل ومعدن ال‍ * - كرم الجزيل وآية المستبصر
خذها إليك عروس فكرزفها * صدق الوداد لكم وعذر مقصر

هامش
( 1 ) هى ) سلافة القصر ( للسيد على خان المدنى شارح الصحيفة الشريفة الآنف ذكره في هذا الجزء ص 344 .
( 2 ) هى ) يتيمة الدهر ( للثعالبى كتاب أدبى ضخم فخم مطبوع في اربع مجلدات .
( 3 ) ( دمية القصر ( تأليف الباخرزى مطبوع سائر دائر .

فاسلك على رغم العدى سبل العلى * واسحب على كيوان ذيل المفخر
ومنها : ديوان شعره الذي وصفه السيد المدرس الحائري بقوله :
ديوان نجل المقتدى بشاره * لسائر الشعر غدا إكليلا
ما هو إلا جنة قد أزهرت * ( وذللت قطوفها تذليلا )
وقوله فيه :
ألا قد غدا ديوان نجل بشارة * طراز دواوين الانام بلا ريب
مهذبة أبياته كخلائقي * فليس به عيب سوى عدم العيب
وللسيد العلامة المدرس الحائري عدة قواف في الثناء على شاعرنا ابن بشارة منها :
سلام يسحب الاذيال تيها * على هام الدراري الثاقبات
أخص به شقيق الصبح بشرا * سليل بشارة ذي المنقبات
فتى أضحت بغيث نداه تزهو * أزاهير الاماني للعفاة
وراحت في صباح الرأي منه * تجابات دياجي المشكلات
شأى قسا بلفظ راق رصفا * ومعنا بالهبات الوافرات
له فكر بأدنى الارض لكن * له عزم بأعلى النيرات
ونظم يشبه الازهار لو لم * تعد بعد النضارة ذابلات
وبعد فإن روض العيش أضحى * هشيما ذا نواح شاحبات
وقد كانت نواحيه قديما * بطل البشر منكم زاهيات
وأمسى يا شهاب سما المعالي * مريد الوجد مخترقا جهاتي
فعوذني بكتبك من أذاه * فمالي غيرها من راقيات
ولا زالت جلابيب المعالي * بمجدكم المبجل معلمات
ومنها قوله :
سلام كزهر الروض إذ جاده القطر * وكالدر في اللالاء إذ حازه البحر
أخص به المولى سليل بشارة * أخي الفضل من في مدحه يزدهي الشعر
سحاب الندى السهم الذى فاقت السها * عزائمه وانقاد قنا له الدهر
فتى فاز بالقدح المعلى من العلى * وحاز علوما لا يحيط بها الحصر
فما ) القطب ( ما ) الرازي ( وما جوهريهم * إذا مابه قيسوا وما العضد ما الصدر ؟
مناقبه غر مواهبه حيا * منازله خضر مناصله حمر
طوى سبل العلياء في متن سابق * لهمته القعساء عثيره الفخر
وبعد : فإن الحال من بعد بعدكم * كحال رياض الحزن فارقها القطر
فلله ليلات تقضت بقربكم * ولم يندمن روضات وصلكم الزهر
وإذ مورد اللذات صاف وناظري * يزيل قذاه منظر منكم نضر
فلا تقطعوا يوما عن الصب كتبكم * ففي نشرها للميت من بعدكم نشر
ولا برحت تبدو بافق جبينكم * نجوم السعود الزهر ما نجم الزهر
ومنها قوله مهنئا له بعيد النحر :
نشر الربيع مطارف الازهار * في طيها نفحات مسك دارى ( 1 )
وخرائد الاغصان بالاكمام قد * رقصت بتشبيب النسيم الساري
وصوادح الاوراق في الاوراق قد * غنت بأعواد بلا أوتار
والظل ظل محاكيا بدبيبه * خط العذار بوجنة الانهار
فبدار نجلو خمره تجلو العنا * عنا ولا تركن إلى الاعذار
بكر إذا ما قلدت بحبابها * حلت يمين مديرها بسوار
شمس يطوف بافق مجلسنا بها * قمر تقلد نحره بدراري
سلب السلاف مذاقها وفعالها * برضابه وبطرفه السحار
ساق تخال الثغر منه لئالئا * أو اقحوانا لاح غب قطار
أو أحرفا رقمت بكف المجتبى * أعني سليل بشارة المغوار
ماء الطلاقة في أسرة وجهه * يجري ونار سطاه ذلت شرار
مولى بافق سما المناقب قد بدا * قمرا ولكن لم يرع بسرار
فبذاك يثمر قصد كل مؤمل * وبهذه تصلى منى الفخار
شهم لبيب لم تلد ام العلى * ندا له في سائر الاعصار

هامش
( 1 ) الداري : العطار . نسبة إلى دارين بالبحرين كان يحمل إليها المسك من الهند .

ندس بديع بنانه قد راح عن * وجه المعاني كاشف الاستار
ولقد غدا صرف الزمان يصد عن * من نحوه أضحى مريد جوار
نعم تعم عموم هطال الحيا * لكنها جلت عن الاضرار
وشمائل كالروض لولا انه * يذوي لفقد العارض المدرار
أقلامه قد قلمت ما طال للاخ‍ * - طاب والاخطار من أظفار
ودواته أدوت وداوت كاشحا * ومؤملا جدواه ذا اعسار
من آل خاقان الذين وجوههم * عند اسوداد النقع كالاقمار
قوم إذا شاموا الصوارم اغمدت * في جيد كل مملك كرار
وإذاهم اعتقلوا الذوابل في الوغي * آبت نواضر بالنجيع الجاري
أخبارهم بسواد كل دجنة * حررن فوق بياض كل نهار
يا من له بأس يحاكي الصخر في * خلق أرق من النسيم الساري
وعلا تناسق كابرا عن كابر * يحكي أنابيب القنا الخطار
وافاك عيد النحر طلقا وجهه * يحكي رقيق نسيمه أشعاري
عبد يعود عليكم بمسرة * محمودة الايراد والاصدار
لازالت الايدى تشير إليكم * شبه الهلال عشية الافطار
وبقيت ترفل من علاك بحلة * فضفاضة قد طرزت بفخار
وله مراسلا إياه لازما الجناس المذيل قوله :
لعمرك إن دمع العين جار * لاني حنظل التفريق جارع
ومالي غير شهد الوصل شاف * فهل لي في اجتناء منه شافع ؟
وقلبي للوصول إليك صاد * ونظمي بالثناء عليك صادع
وهمي ليثه الفتاك ضار * ولولاه لما أمسيت ضارع
ولوني أصغر والد مع قان * وطرفي منكم بالطيف قانع
ومذ غبتم فصبحي شبه قار * لدي وإصبعي للسن قارع
وإني للتواصل منك راج * فهل ذاك الزمان العذب راجع ؟
وإني بالذي تهواه راض * ايا مولى لدر الفضل راضع !
فيالك من كريم الاصل سام * لهمس المجتدين نداه سامع
هزبر عنه سيف الضد ناب * وينبوع الفضائل منه نابع
وطرف الخائف المذعور ساج * بمغناه وطير المدح ساجع
وبحر علومه للناس طام * فكل منهم بالري طامع
وغيث نداه طول الدهر هام * وغيث الافق بعض العام هامع
ومعشره اولو سلم وضال ( 1 ) لديهم سابق الكرماء ضالع
له سيف غداة الحرب دام * وطرف خشية الجبار دامع
ونسك من رياء الخدع خال * وطبع للخلاعة راح خالع
وشعر رائق كشراب جام * لحسن نفائس الاشعار جامع
وقلب قلب في الحرب ساط * ووجه في ظلام الخطب ساطع
واحسان لحر المدح شار * ورمح عزيمة ما زال شارع
حليم للعدى بالصفح جاز * ومن هول الحوادث غير جازع
وزاك علمه للجهل ناف * وطب إن يضرك فهو نافع
وشهم ماله في الناس زار * للحب هواه في الاحشاء زارع
لما لا يرتضيه الله قال * ألم تره لضرس هواه قالع ؟
وقاه الله نظرة كل راء * فإن جماله للعقل رائع
ومنها قوله حينما اهدى إليه ماء ورد :
ياأيها المولى الذي * هو من ) أياس ( اليوم أذكى
وجهت نحوك ماء ور * د من أريج المسك أذكى
فاقبله من حب جوا * ه في حشاه النار أذكى
ومنها قوله مراسلا إياه .
سلام لا لاوله بدايه * ولا يلفى لآخره نهايه
علي ابن بشارة المولى الذي قد * تجاوز في المعالي كل غايه
فتى برق البشاشة في المحيا * على طيب الارومة منه آيه

هامش
( 1 ) السلم والضال : نوعان من الشجر .

جليل القدر محمود السجايا * على كل القلوب له الولايه
روى الاحسان عن جد فجد * وقد صحت له تلك الروايه
فلو وافاه يوم الجدب عاف * أباح له حمى روض الرعايه
إذا ما جن للاشكال ليل * ترى مثل الصباح الطلق رأيه
وإن حسرت لثاما حرب بحث * فليس لها بكف سواه رايه
له وجه حكاه البدر حسنا * وما من ريبه في ذي الحكايه
وفي العهد زاكي الجد مولى * سلامة ذاته أقصى منايه
ولما كان في ذا العصر فردا * مدحناه بعنوان الكنايه
وأنى يمكن التصريح باسم * بأعلى العرش خطته العنايه ؟
فسدد رأيه يا رب لطفا * وجنبه الضلالة والغوايه
وألبسه من الانعام بردا * موشى بالكلائة والحمايه
إلى غيرها من قصائد توجد في ديوان الشريف السيد المدرس في ثناء المترجم له ، وهي تعرب عن مكانته العالية في الفضائل والفواضل ، وتحليه بنفسيات كريمة و ملكات فاضلة .
ومن شعر شاعرنا ) ابن بشارة ( قوله في كتابه ) نشوة السلافة ( يمدح به مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام ، جارى به قصيدة السيد علي خان المدني المذكورة ص 350 :
من ظلمة الليل لي المأنس * إذ فيه تبدو الشهب الكنس
والطيف يأتيني به زائرا * وتارة صاحبه بغلس
ولم نراقب من رقيب الهوى * خوفا ولا تبصرنا الحرس
ومن رياض الوصل كم نجتني * زواهرا تحيى بها الانفس
كم ليلة بت بظلمائها * معانقا للحب لا أدنس ( 2 )
حتى هوت للغرب شهب الدجا * والنجم في اسرائه ينعس ( 3 )

هامش
( 1 ) الغلس : ظلمة آخر الليل أغلس : صار يغلس
( 2 ) دنس : تلطخ بمكروه أو قبيح
( 3 ) من تناعس البرق : فتر .

وانتشر الصبح بأنواره * وانجاب عن أضواء الحندس ( 1 )
فارقني خشية أعداؤه * وقد خلا من جمعنا المعرس ( 2 )
لا أقبل الصبح باسفاره * لانه الفضاح والاوكس
والليل لو جن به جنتي * وجنتى طاب بها المأنس
موسى رأى النار به سابقا * من جانب الطور لها غرنس
وقد أتاها طالبا جذوة * حتى دنا من قربها يقبس
نودي بالشاطي غربيها * : أنا الاله الخالق الاقدس
ونار موسى سرها حيدر * العالم الخنذيذ والدهرس ( 3 )
والاسد المغوار يوم الوغى * تفرق من صولته الاشوس ( 4 )
لو قامت الحرب على ساقها * قال إليها وهو لا ينكس
كم قد في صارمه فارسا * وصير السيد له ينهس ؟ ( 5 )
هو ابن عم المصطفى والذي * قد طاب من دوحته المغرس
عيبة علم الله شمس الهدى * ونوره الزاهر لا يطمس
مهبط وحي لم ينل فضله * وكنهه في الوهم لا يحدس
قد طلق الدنيا ولم يرضها * ما همه المطعم والملبس
يقطع الليل بتقديسه * يزهو به المحراب والمجلس
وفي الندى بحر بلا ساحل * وفي المعالي الاصيد الارء‌س
إذا رقى يوما ذرى منبر * وألسن الخلق له خرس
يريك من ألفاظه حكمة * يحتار فيها العالم الكيس
فيالها من رتب نالها * من دونها كيوان والاطلس ؟

هامش
( 1 ) الحندس : الظلمة جمع حنادس .
( 2 ) المعرس : الموضع الذى يعرس فيه القوم أى نزلوا فيه للاستراحة .
( 3 ) الخنذيذ : الخطيب البليغ . العالم بايام العرب اشعارهم السيد الحليم . الشجاع البهمة الدهرس : الداهية .
( 4 ) الاشوس : الجرى على القتال الشديد .
( 5 ) السيد : الذئب ، الاسد ، والسيد تخفيف السيد . نهس : أخذ بمقدم اسنانه ونتفه .

قد شرفت كوفان في قبره * ولم تكن أعلامها تدرس
إن أنكر الجاحد قولي أقل * : يا صاح هذا المشهد الاقدس ( 1 )
أما ترى النور به مشرقا * قرت به الاعين والانفس
والله لولا حيدر لم يكن * في الارض ديار ولا مكنس
فليس يحصي فضله ناثر * أو ناظم في شعره منبس
لو كان ما في الارض أقلامه * والابحر السبع له مغمس
سمعا أبا السبطين منظومة * غراء من غصن النقا أميس
تختال من مدحك في حلة * لم يحكها في نسجها السندس
أرجو بها منك الجزا في غد * فإن من والاك لا يبخس
صلى عليك الله ما أشرقت شمس الصحى وانكشف الحندس
ومن شعره في تقريظ ) المطول ( للتفتازاني قوله :
إن المطول بحر فاض ساحله * فلا يحيط به وصفي وانجازي
فرقان أهل المعاني في بلاغته * وفي الدلائل منه أي إعجاز

هامش
( 1 ) هذا مستهل قصيدة السيد على خان .

القرن الثاني عشر
الشيخ ابراهيم البلادى

بدأت محمد من خلق الاناما * وأشكره على النعما دواما
هو الموجود خالقنا وجوبا * ولم أثبت لموجدنا انعداما
لقد خلق الورى إطهار كنز * تستر فاستفض له الختاما ( 1 )
اصول خمسة للدين منها * له العدل الذي في الحكم داما
وثاني الخمسة التوحيد فيه * ونفي شريكه أبدا دواما
وثالثها النبوة وهي لطف * عظيم دائم عم الاناما
ورابعها الامامة وهي لطف * من الباري به الدين استقاما
وخامسها المعاد لكل جسم * وروح والدليل عليه قاما
وإن إلهنا في الحكم عدل * يخاصم كل من ظلم الاناما
وإن النار والجنات حق * على رغم الذي جحد القياما
وإن المؤمنين لهم جنان * ونار الكافرين علت ضراما
وإن الرسل أولهم أبوهم * وذلك آدم خصوا السلاما
وأفضلهم اولو العزم الاجلا * ومن عرفوا لربهم المقاما
وهم نوح وإبراهيم موسى * وعيسى والامين أتى ختاما
محمدهم وأحمدهم تعالا * وأعلاهم وقارا واحتشاما
فأشهد مخلصا أن لا إله * سوا الله الذي خلق الاناما
وإن محمدا للناس منه * نبي مرسل بالامر قاما
وأشهد انه ولى عليا * ولي الله للدين اهتماما
وصيره الخليفة يوم ) خم ( * بأمر الله عهدا والتزاما

هامش
( 1 ) اشارة إلى الحديث القدسى الدائر على الالسن : كنت كنزا مخفيا فاحببت أن اعرف فخلقت الخلق لكى اعرف .

ونص على الائمة من بنيه * هناك على المنابر حين قاما
فواخاه النبي وفي البرايا * بحكم الله صيره إماما
وعظمه ولقبه بوحي * أميرالمؤمنين فلن يراما
وزوجه البتول لها سلام * من الله الوصول ولا انصراما
فكان لها الفتى كفوا كريما * فأولدها أئمتنا الكراما
إلى آخر القصيدة ( 1 )

الشاعر
أبوالرياض الشيخ إبراهيم بن الشيخ علي بن الشيخ الحسن بن الشيخ يوسف ابن الشيخ حسن بن الشيخ علي البلادي البحراني أحد أعلام البحرين وفضلائها ، كان موصوفا بالادب وصياغة الشعر ، من أجداد مؤلف ( أنوار البدرين ) العالية كما ذكره في بعض التراجم ، له منظومة الاقتباس والتضمين من كتاب الله المبين في إثبات عقايد الدين ، استدلاليا ، وجامع الرياض يمدح فيه كلا من المعصومين عليهم السلام بروضة ، ومن هنا يكنى بأبي الرياض ، وديوان شعره يوجد بخط تلميذه الشيخ أبي محمد الشويكي الآتي ذكره ، صححه سنة 1150 ، يحتوي على قصائد على عدد الحروف بترتيبها ، و 132 دو بيتا في أبواب خمسة في التوحيد ، والنبوة ، والامامة والائمة ، و العدل ، والمعاد ، وميمية 108 بيتا في الاصول الخمسة .
ووالد المترجم له الشيخ علي أحد أعلام عصره ذكره صاحب الحدايق في ( لؤلؤة البحرين )
وقال : كان فاضلا ولا سيما في العربية والمعقولات ، مدرسا إماما في الجمعة والجماعة معاصرا للشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي اه‍ وترجم له صاحب ( رياض الجنة ) في الروضة الرابعة ، وكان الشيخ حسن جد المترجم له أيضا من الفضلاء و كذلك جده الاعلى الشيخ يوسف بن الحسن ، ذكره الشيخ الحر في ( أمل الآمل ) وقال : فاضل متبحر شاعر أديب من المعاصرين . وحكى صاحب الحدايق في ( لؤلؤة البحرين ) عن والده العلامة إنه لما توفي الشيخ يوسف بن الحسن البحراني ودفن في

هامش
( 1 ) أخذناها من ديوانه المخطوط وله فيه شعر آخر في الغدير ايضا .

مقبرة المشهد مسجد في بحرين - إتفق انهدام إحدى منارتيه وسقوطها على قبره فمر الشيخ عيسى ( 1 ) بامرأة جالسة عند المنارة تتعجب من سقوطها فقال الشيخ عيسى في ذلك :
مررت بامرأة قاعده * تحولق في هيئة العابده
وتسترجع الله في ذا المنار * فما بالها في الثرى راقده ؟
فقلت له : يا بنة الاكرمين * رأيت امورا بلا فائده ؟
ثوى تحتها يوسفي الكمال * فخرت لهيبته ساجده

هامش
( 1 ) أوحدى من اعلام ) آل عصفور ( اسرة شيخنا الفقيه المتضلع الشيخ يوسف
صاحب ) الحدايق ) شاعر مفلق ، واديب بارع .

القرن الثاني عشر
الشيخ أبومحمد الشوبكي
- 1 -
زار حبي فانجلت سود الليالي * حين أبدا منه ثغرا كاللئالي
وتبدت لمع من وجهه * فحكى في لمعه لمع الهلال
إلى أن قال :
حيدر الكرار مقدام الورى * شامخ القدر علي ذي المعالي
عالم الغيب فلا عيب به * طاهر الجيب فتى زاكي الخصال
هاشمي نبوي جوده * يخجل الغيث لدى سكب النوال
أحمدي الخلق والخلق فتى * عنتري الحرب في يوم النزال
صايم الصيف وقوام الدجا * مكرم الضيف بمال من حلال
معدن العلم الذي سؤاله * تبلغ الآمال من قبل السؤال
ثابت النص من الله ومن * أحمد المختار محمود الفعال
والد السبطين من ست النسا * بنت خير الانبيا ذات الحجال
من له المختار واخى في الورى * مرغما أعدائه أهل الضلال
وهو في القرآن نصا نفسه * خير من باهل بعد الابتهال
فله الشأن علي كاسمه * صاحب الاحسان غوثي في مآلي
حجة الله بنص ثابت * يوم ) خم ( فهو من والاه والي
وأميرالمؤمنين المرتضى * من إله العرش ربي ذي الجلال
في فراش المصطفى بات ولم * يخش من أعدائه أهل النكال
أخذناها من مختصر ديوانه الذي كتبه إلى شيخه بخطه وهي قصيدة طويلة قالها سنة 1149 يمدح بها اميرالمؤمنين عليه السلام .
- 2 -
وله قصيدة أنشدها سنة 1149 وجدناها بخطه يذكر بها العقايد الدينية مستهلها :
إسمع هداك الله حسن العقايد * وخذ من معاني الفكر در الفوايد
له الحمد ربي كم حبانا بنعمة * تقاصر عن إدراكها حمد حامد ؟
إلى أن قال :
وألطاف ربي في البرية جمة * لها الغيث عذب في جميع الموارد
وأعظم ألطاف الاله نبينا * وعترته أزكى كرام أماجد
حبانا بخير المرسلين محمد * نبي هدى لله أكرم عابد
ويقول فيها :
ومعجزة القرآن لازال باقيا * له بثبات الامر أعظم شاهد
وقد نسخت كل الشرايع في الورا * شريعته الغرا على رغم مارد
فصلى وزكا ثم صام نبينا * وحج وكان الطهر أي مجاهد
له الله قد صفا من العيب فاغتدا * نبيا صفيا صادقا في المواعد
وكان له المولى الجليل وحسبه * علي على الاعداء اي مساعد
فكان له كفا قويا وساعدا * وسيفا لهام القوم أعظم حاصد
فواخاه عن أمر الاله وخصه * بفاطمة ام الهداة الفراقد
وصيره عن أمر خالقه له * إماما بخم مرغما أنف حاسد
وقال له فوق الحدائج خاطبا * وأضحى له أمر الورى أي عاقد
ونص عليه بالامامة مجهرا * وأبنائه يا خير ولد لوالد ؟
- 3 -
وله من قصيدته الغديرية الطويلة :
يوم الغدير به كمال الدين * ومتم نعمة خالقي ومعيني
لله من يوم عظيم عيده * للمؤمنين بدين خير أمين
يوم به رضي الاله لخلقه الا * سلام بالتأييد والتمكين
يوم شريف عظمت بركاته * من قبل كون الكون في التكوين
يوم به نصب المهيمن حيدرا * علما إماما للورى بيقين
فهو الغدير وفضله متظاهر * كالشمس لم يحتج إلى التبيين
وله الرواية يافتى تروي الظما * فكأنها من عذب خير معين
روت الرواة عن النبي محمد * خير الورى بالنص والتعيين
فأتاه جبريل الامين مبلغا * عن ربه التسليم بالتبيين
فالآن بلغ عنه نصبك حيدرا * فوجوب طاعته وجوب عيني
قم ناصبا للطهر حيدرة التقى * قبل افتراق مصاحب وقرين
قال النبي الطهر سمعا للذي * قد قال من هو للورى يكفيني
ودعا بخم وهو أوعر منزل * : يا قوم حطوا الرحل في ذا الحين
ومن الحدائج قد ترقا منبرا * ودعا عليا والد السبطين
وإليه شال فبان من إبطيهما * ذاك البياض ففاق للقمرين
ولصحبه قد قال : يا قوم اسمعوا * مني مقالة ناصح وأمين
هل كنت يا أصحاب أولى منكم * بنفوسكم ؟ قالوا : نعم بيقين
من كنت مولاه فمولاه أخي * ووصي بعدي كفه بيميني
( إلى آخر القصيدة )
- 4 -
وله من قصيدة طويلة تسمى بالغزالة يمدح بها النبي الاعظم صلى الله عليه وآله أولها :
أقبلت تقنص الاسود الغزاله * ذات نور يفوق نور الغزاله
وانثنت تسلب العقول وثنت * غلة في الحشا بلبس الغلاله
إلى أن يقول :
فولاء النبي للعبد درع * عن نبال الردى وللنصر آله
وولائي من بعده لعلي * حيث أن قبل موته أوصى له
وارتضاه الامام في يوم خم * فهو للخصم قاطع أوصاله
ويوجد ذكرى الغدير في ساير قصايده اقتصرنا منها على ما ذكرناه .

الشاعر
أبومحمد عبدالله بن محمد بن الحسين بن محمد الشويكي الخطي ، من تلمذة الشيخ إبراهيم ابن الشيخ علي البلادي الآنف ذكره ، والشيخ ناصر بن الحاج عبدالحسن البحراني ، له في فن الادب وقرض الشعر والاكثار منه والتفنن فيه أشواط بعيدة ، غير أن شعره من النمط الاوسط ، له كتاب في أحوال المعصومين ، وديوان مدايح النبي وآله يسمى ب‍ ( جواهر النظام ) وديوان مراثيهم الموسوم ب‍ ( مسبل العبرات ورثاء السادات ) استخرج من الديوانين قصايدة كثيرة في أربعة ايام وألفها ديوانا أهداه لشيخه العلامة آقا محمد بن آقا عبدالرحيم النجفي في سنة 1149 وهذا الديوان المنتخب من شعره يحتوي على خمسين قصيدة في أوزان وقواف مختلفة في مدايح النبي وآله صلوات الله عليه و عليهم ورثائهم ، ويرثي العباس بن أميرالمؤمنين عليه السلام والقاسم بن الامام الحسن وعبدالله ابنه ، وعلي بن الامام السبط الشهيد عليه السلام وولده عبدالله الرضيع ، كلا منهم بقصيدة .

القرن الثاني عشر
السيد حسين الرضوى المتوفى بعد 1156

حي الحيا عهد أحباب بذي سلم * وملعب الحي بين البان والعلم
وجاد أعلام جمع والعقيق فكم * فرقن جمع هموم باجتماعهم ؟
يا صاح عج بي قليلا في معاهدهم * تشفي عليل محب ذاب من ألم
هذه بديعية ذات 143 بيتا يمدح بها النبي الاعظم صلى الله عليه وآله إلى أن يقول فيها :
صنو النبي أميرالمؤمنين أبوالسبطين * باب العلوم المرتضى الشيم
في السر والجهر ساواه وكان له * ردء‌ا يصدقه في الحكم والحكم
وفيه جاء عن المختار منقبة * : من كنت مولاه فهو الحق فاعتصم

الشاعر
السيد حسين بن الامير رشيد بن القاسم الرضوي الهندي النجفي ثم الحائري . أوحدي ثنى علمه الفائق بأدبه الرائق ، وعبقري زان حسبه الزكي بفضله الجم وقريضه المزري بعقود الدرر ومنثور الدراري ، فهو عالم بارع ، وأديب ناقد ، لم تشغله فضيلة عن فضيلة ، ولا ثنته مأثرة عن مفخرة .
جاء به أبوه من الهند إلى النجف الاشرف فاشتغل بها وبعد لاي غادرها إلى جوار الامام السبط الشهيد ( الحاير المقدس ) وتخرج بها على السيد المدرس الاوحد السيد نصرالله الحائري وله قصائد عدة يمدح بها استاذه المدرس ، ولاستاده يمدحه قوله :
يا أيها الشهم الذي * غيث الندى منه وكف !
يا ذا الذي في جوده * قد طال لي باع وكف !
يا ماجدا طول المدى * صد الاذى عنا وكف !
حياك رب العرش ما * برق تبدى في السدف
ومن أساتذته السيد صدرالدين القمي شارح الوافية ، والشيخ عبدالواحد الكعبي النجفي المتوفى 1150 ، والشيخ أحمد النحوي ، وكان جيد الخط وقفت على ديوان استاذه السيد المدرس الحائري بخطه . توفي بكربلاء المشرفة بعد سنة 1156 وقبل الستين برد الله مضجعه ، فما عن بعض المجاميع انه توفي 1170 لم أقف على ما يعاضده .
خلف شاعرنا الرضوي ديوانا مفعما بالغرر والدرر ومن شعره في المديح :
جيرة الحي أين ذاك الوفاء ؟ * ليت شعري وكيف هذا الجفاء ؟
لي فواد أذابه لاعج الشو * ق وجفن تفيض منه الدماء
كلما لاح بارق من حماكم * أو تغنت في دوحها الورقاء
فاض دمعي وحن قلبي لعصر * قد تقضى وعز عنه العزاء
يا عذولي دعنى ووجدي وكربي * إن لومي في حبهم إغراء
هم رجائي إن واصلوا أو تناء‌وا * وموالي أحسنوا أم أساؤا
هم جلو الي من حضرة القدس قدما * راح عشق كؤوسها الاهواء
خمرة في الكؤوس كانت ولا كر * م ولا نشوة ولا صهباء
ما تجلت في الكاس إلا ودانت * سجدا باحتسائها الندماء
ثم مالوا قبل المذاق سكارى * من شذاها فنطقهم ايماء
ثم باتوا وقد فنوا في فناها * إن عين البقاء ذاك الفناء
سادتي سادتي وهل ينفع الصب * على نازح المزار النداء ؟
كنت جارا لهم فأبعدني الده‍ * - ر فمن لي وهل يرد القضاء ؟
أتروني نأيت عنكم ملالا ؟ * لا ، ومن شرفت به البطحاء
سر خلق الافلاك آية مجد * صدرت من وجوده الاشياء
من مزاياه غالبت انجم الاف‍ * - ق فكان السنا لها والسناء
رتب دونها العقول حيارى * حيث أدنى غاياتها الاسراء
محتد طاهر وخلق عظيم * ومقام دانت له الاصفياء
خص بالوحي والكتاب وناهي‍ * - ك كتابا فيه الهدى والضياء
يا أبا القاسم المؤمل يامن * خضعت لاقتداره العظماء
قاب قوسين قد رقيت علاء * ( كيف ترقى رقيك الانبياء ) ؟ ( 1 )
ولك البدر شق نصفين جهرا * ( يا سماء ما طاولتها سماء ) ؟
ودعوت الشمس المنيرة ردت * لعلي تمدها الاضواء
أنت نور علا على كل نور * ذي شروق بهديه يستضاء
لم تزل في بواطن الحجب تسر * ي حيث لا آدم ولا حواء
فاصطفاك الاله خير نبي * شأنه النصح والتقى والوفاء
داعيا قومه إلى الشرعة السم‍ * - حاء يا للاله ذاك الدعاء
وغزا المعتدين بالبيض الس‍ * - مر فردت بغيضها الاعداء
وله الآل خير آل كرام * علماء أئمة أتقياء
هم رياض الندى وروح فخار * وسماح ثمارها العلياء
يبتغى الخير عندهم والعطايا * كل حين ويستجاب الدعاء
سادتي أنتم هداتي وأنتم * عدتي إن ألمت البأساء
وإلى مجدكم رفعت نظاما * كلئال قد تم منها الصفاء
خاطري بحرها وغواصها الفك‍ * - ر ونظام عقدهن الولاء
وعليكم صلى المهيمن ما لاح * صباح وانجابت الظلماء
أوشدا مغرم بلحن أنيق : * جيرة الحي أين ذاك الوفاء ؟
وله يمدح أميرالمؤمنين عليه السلام :
ألم وقد هجع السامر * وعطل عن سيره السائر
خيال لعلوى أتى زائرا * وقيت الردى أيها الزائر
طرقت فجليت ليل العفا * وقربك القلب والناظر
نشدتك بالله كيف اهتد * يت إلى مضجعي والدجى ساتر ؟

هامش
( 1 ) هذا الشطر والمصرع الثانى من البيت الآتى مستهل الهمزية الشهيرة التى خمسها الشاعر المفلق عبدالباقى العمرى .
وكيف عثرت بجفني وقد * غدا وهو طول المدى ساهر ؟
فقال : هداني إليك الحنين * ونار جوى شبهها الهاجر
سقى ربع علوى وذاك الخيال * ولبل الوصال حيا هامر
ملث يحاكي نوال الامير * ومن روض ألطافه زاهر
علي أبوالحسن المرتضى * علي الذرى الطيب الطاهر
إمام هدى فضله كامل * وبحر ندى بذله وافر
وصي النبي بنص الاله * عليه وبرهانه الباهر
فتى راجح الحلم لا وجهه * قطوب ولا صدره واغر
له الشرف الضخم والسؤدد الم‍ * - فخم والنسب الطاهر
وبيت على شاد أركانه * قنا الخط والابلج الباتر
إلى حيث لا ملك سابق * هناك ولا فلك دائر
إذا ساجل الناس في رتبة * فكل لدى عزه صاغر
وإن صال فالحتف من جنده * ورب السماء له ناصر
كأن قلوب العدا إن بدا * من الرعب يهفو بها طائر
أيا جد ! إن لسان البل‍ * - يغ عن حصر أوصافكم قاصر
كفاكم على أن رب السما * ء في الذكر سعيكم شاكر
فجاد ربوعك من لطفه * سحاب برضوانه ماطر
مدى الدهر ما قد طوى سبسبا * لتقبيل أعتابكم زائر
ومن شعره قوله :
يا مخجلا حدق المها * أوقعت قلبي بالمهالك
ومعيد صبحي كالمسا * ضاقت علي به المسالك
يا منيتي دون الملا * أنحلت جسمي في ملالك
هب لي رقادي انه * مذ بنت أبخل من خيالك
لله كم لك هالك * بشبا اللواحظ إثر هالك ؟
يا موقف التوديع كم * دمع نثرت على رمالك ؟
هل لي مقيل من ضلا * لي أم مقيل في ضلالك ؟
لهفى على عصر مضى * لي بالحبيب على تلالك
بالله أين غزالك ال‍ * - فتان ؟ ويلي من غزالك
لم أنسه ويد النوى * تستل أنفسنا هنالك
أومى يسائل : كيف حالك * ؟ قلت : داجي اللون حالك
فافتر من عجب وقال * : بنو الهدى طرا كذلك
فأجبته : لو كنت تعلم * قدر من أصبحت مالك
لعلمت أني عاشق * ما إن يقصر عن منالك
أنا كاتب أظهرت أس‍ * - رار الكتابة من جمالك
ألف حلت فكأنها * من حسن قدك واعتدالك
ميم كمبسمك الشهي * ختامه من مسك خالك
صاد كغدران جرت * من أدمعي يوم ارتحالك
سين كطرتك التي * ألقت فؤادي في حبالك
دال كصدغك شوشت * بيد الدلال وغير ذلك
ومقطعات قد حكت * قلبي المروع من ذيالك
ومركبات كالعقو * د تزين أجياد الممالك
وإذا تناسقت السطو * ر سوافرا كنا كمالك
ياقوت أصبح قائلا * في الجمع : ما أنا من رجالك
قسما بها لولا الهوى * ما كنت من جرحى نبالك
ومن شعره في عقد كلام لاميرالمؤمنين عليه السلام :
أنعم على من شئت كن أميره * واستغن عمن شئت كن نظيره
إن كنت ذا عز ورمت أن تهن * فاحتج لمن شئت تكن أسيره
جمعت شتات تاريخ حياته ، وعقود جمل الثناء عليه المبثوثة في المعاجم ، من النشوة والطليعة وغيرهما صفحات أعيان الشيعة 46 - 57 من الجزء السادس والعشرين

القرن الثاني عشر
السيد بدرالدين المولود 1062

بالله ياورق إن شدوت على * سفوح سلع فدونها السجف
وإن رأيت السحاب هامية * فقل : مرام المولع النجف
ففيه رمس مطهر هبطت * عليه أملاك من له الصحف
فيه الامام الوصي حيدرة * مولى البرايا ومن له الشرف
فيه شقيق الرسول شافعنا * ونفسه إن توسط الطرف
فيه أخوه ومن فداه على * فراشه إن رووا وإن حرفوا
فيه الذي في ) الغدير ( عينه * وبخبخ القوم فيه واعترفوا

الشاعر
بدرالدين محمد بن الحسين بن الحسن بن المنصور بالله القاسم بن محمد الحسني الصنعائي ، أحد حسنات اليمن ، وعلمائها الاعلام . مشارك في العلوم ، له في الكلام و الطب والادب وقرض الشعر يد غير قصيرة ، وله تآليف قيمة منها رسالة في الكلام ، تلمذ لاساتذته في الفنون منهم : العلامة الشيخ صالح البحراني نزيل الهند ، والفاضل الحكيم محمد بن صالح الجيلاني نزيل اليمن ، ولد سنة 1062 في شهر صفر . أخذنا الترجمة والشعر ملخصا من ) نسمة السحر ( ج 2 .

إنهى الجزء الحادي عشر من ( الغدير ) ويتلوه
الجزء الثاني عشر ويبدء ببقية شعراء الغدير
في القرن الثاني عشر والحمد لله أولا وآخرا

الغدير
في الكتاب والسنة والادب
كتاب دينى . علمى . فنى . تاريخى . أدبى . أخلاقى مبتكر في موضوعه فريد في بابه يبحث فيه عن حديث الغدير كتابا وسنة وادبا ويتضمن تراجم امة كبيرة من رجالات العلم والدين والادب من الذين نظموانده الاثارة من العلم وغيرهم
تأليف الجبر العلم الحجة المجاهد شيخنا الاكبر الشيخ
عبدالحسين احمد الامينى النجفى

كتاب كريم تفضل به الشريف العلامة الحجة ، حسنة الوقت ، ومفخرة علماء العصر ، السيد علي الفانى الاصفهانى ، أحد اساتذة النجف الاشرف الفطاحل ، دام فضله ومعاليه :
بسم الله الرحمن الرحيم
شيخنا العلامة المجاهد الكبير الحجة الاميني دام بقاء‌ه وبعد : فإن من أجلى ما تسالمت عليه العقول السليمة ، ان لله تعالى حجج بالغة على خلقه في معارفه وأحكامه ، كي لا يكون للناس على الله حجة بعدها ، وغير خفي على من سبر هذا السفر المبارك الكريم الذى تقله يمناك الغدير من أوضح مصاديق تلكم الحجج ، كيف لا ؟ وقدر بيتم في مهد العلم العلوي ، ودرستم في مستوى الثقافة الدينية لدى باب مدينة علم الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله فلم تزل ابن بجدتها وأباعذرها ، من الله على المسلمين عامة وعلى شيعة آل الله خاصة بأن وفقكم للاحتجاج للحق الصراح ، وتنفيدها لفقته الاقلام المستأجرة والمناطق البذية مما تضمنته مدونات القوم بين دفتيها في القرون الماضية .
وطويتم الكشح عما وصل إليكم وإلينا من سدنة الوحي ، ومعادن أهل بيت النبي الطاهر ومقتفي آثارهم ، حرصا على الارشاد الناجع ، والحجاج السليم ، وتحفظا على الوحدة الاسلامية ، وتجنبا على إثارة الضعائن ، وخدش العواطف .
فسبحان من جللكم بتلك الخلعة الالهية التي اختصصتم بهابين الاعلام الفطاحل الذين سبقوكم إلى النضال والحجاج دون الحق وبالغوا ، وجدوا واجتهدوا ، وأتعبوا أنفسهم في البحث والتنقيب ، وكافحوا الباطل ، وأتموا الحجة وبينوا المحجة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
نعم : لكم يا صاحب ( الغدير ) الفياض قدم السبق ، فهنيئا لمن فازبه ، واستقى من منهله ، وبوركت لكم هذه الرتبة السامية والمنحة الراقية الخالدة التي تذكر مع الابد وتشكر .
أضف إلى ما ذكرنا ذلك الجمع الحافل للشوارد المنتثرة في الخبايا والخفايا ، وترصيفها بهذا النسق الرائع ، والبيان البديع ، والنظم المنضد ، والاسلوب المنسجم يعرف بذلك كله ما قاسيتم خلال أعوال متمادية دون الاطلاع على تلكم الدروس الراقية والاستدلال بها بوحدتك وانفرادك من دون أي عدة ولا عدد ، متوكلا على الله الفرد الصمد ، ومتوسلا بحجزة من عكفتم ببابه ، مستمدا من قدسية جنابه ( مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام ).
نسأل الله أن ينصرك وينتصربك ، ويجعل صنيعك هذا علما باهرا ونورا زاهرا لمناهج الحق ومهيع الصراط المستقيم ، أخذ المولى سبحانه بيدك ، وشد أزرك ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
15 شعبان المعظم 1357 الاحقر السيد على الفانى الاصفهانى
صحيفة بيضاء تلقيناها من الشريف الاوحد ، العلامة الحجة السيد ميرزا محمد على القاضى الطباطبائى ، لا زال مقباسا للعلم والادب ، ونبراسا للفضيلة والحسب .
بسم الله خير الاسماء سماحة علامتنا الاكبر ، مفخرة الطائفة ، حجة الاسلام والمسلمين ، آية الله الشيخ عبدالحسين الاميني المحترم ، أدام الله ظله الوارف على رؤس المسلمين .
أمامي الجزء العاشر من الاثر الخالد ( الغدير ) الطبعة الثانية ذلك الكتاب القيم الذي جاء‌ت به يراعة شيخنا العلامة ، ولم يؤلف نظيره في الاسلام حتى اليوم وبعد ما لفت نظري اليه وسبرته بنظرة التقدير والاعجاب اندفعت اندفاعا لايشوبه سوى حب الحق وأهله ، وإكبار حماة الدين وذادته ، ولا يحدوني إليه إلا أداء الواجب الديني بأن أرفع إلى سماحتكم كلمتي هذه التي تعرب عن مبلغ ابتهاجي به ، وعن بعض ما يكنه ضميري ، ويطويه مكنوني من إبداء شعوري تجاه هذا الكتاب الكريم ، مع اعترافي بعجزي عن أداء قليل من الشكر المحتم ، غيرأن مالا يدرك كله لا يترك كله ، فعملا بقاعدة الميسورا قدم إلى سماحتكم نزرا مما يعرب عن شعوري تجاه هذا الجهاد الدائب والنضال المتواصل مع علم متدفق ، وفكر صائب ، ورأي حصيف ، وبيان رصين ، واسلوب رائع ، ونظام فائق ، وحجة قوية ، وأدلة قويمة ، وآيات واضحة ، وحجج دامغة ، وبراهين مفحمة ، وثقافة عالية ، ونزعة دينية بنقدنزيه ، وسرد معجز ، وتضلع من العلم .
وإنما تخط بيمينك عن ولاء خالص لاهل البيت الطاهر الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وأوجب مودتهم على الناس جمعاء ، وجعلها أجر الرسالة الخاتمة تخط وتؤلف مجاهرا بالدليل المقنع ، صادعا بالحق الصراع ، ولكم قوة الحجة ، وجرأة الجنان ، وربط الجاش ، وسداد القول ، ويد ناصعة في دحض الباطل ، وإرحاض الشبهات ، وإعلاء كلمة الحق .
لقد اتحفتم الامة المسلمة ، والملا العلمي المذهبي بهذه الصفحات الغراء ، والسطور النيرة ، والكلم الجامعة مع تأليف الامة والدعوة إلى توحيد صفوفها بالتمسك بحبل ولاء العترة ، والعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، ولاتؤخذكم في الله لومة لائم .
وقد أظهرتم في هذا الجزء الممتع مخازي ابن آكلة الاكباد ، عدو الاسلام ومبغضه ، الذي عادت الخلافة الاسلامية بيده الاثيمة ملكا عضوضا ، وقيصرية وكسروية ، وكشفتم الستر عن خبيئة جرائمه ، وأبنتم ما في صحيفة تاريخه السوداء من ضلال وبدع وأحداث وجرائر وموبقات ، وأيم الله ما فضل الاسلام إلا برياسته ، وماراج الجور والعدوان إلا بإمارته ، وما ذلت رقاب الامة الصالحة إلا بسلطته ، وما انكفئ الدين إلا بهذا الماجن المهتوك ، رجل البدع والاهواء .
لقد أوضحتم سفاسف الرجل وبوائقه ونفاقه وتهاونه بأمرالله ونهيه ، واحتقاره نواميس الدين وشرائعه وطقوسه وتعاليمه ، وخدمتم أي خدمة لاهل بيت النبوة بالدفاع عنهم ، والذب عن ناموسهم ، وإفضاح عدوهم النابذ كتاب الله وراء ظهره ، قاتل جدي الاعلى الامام الزكي المجتبى ريحانة الرسول وسبطه المفدى ، ولكم الحق العظيم على الامة عامة وعلى البيت الحسني وأنا من أبنائه خاصة ، جزاكم الله عن النبي وأهله خيرا .
وأنى لنا يا شيخنا الاجل أداء حق هذه الموسوعة الكريمة وهي من حسنات جامعة العلم والدين الكبرى النجف الاشرف وقد صدرت بعناية صاحبها الاعظم وحامي حماها مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام ، ولاغرو إذن أيها العلامة الكبيراني منذ أن تلقيت مجلدات هذا الكتاب القيم ، وسبرت صفحاته بتفكير وإمعان ، ما عثرت على اشتباه أو سهو طفيف في سر التاريخ والشعر والترجمة والاثر ، وهذا أمر لا يستهان به ، وقلما يتفق هذا في الكتب الضخمة المشتملة على عدة مجلدات ، وليس ذلك إلا بتأييد وعناية خاصة من الله تعالى بكم في هذا العمل البار الناجع ، وقد عرفكم من عرفكم بهما ، حفظكم الله علما للعلم والدين ، وأحيى بكم الاسلام والمسلمين .
15 شعبان 1375 محمد على القاضى الطباطبائى
خطاب تفضل به فضيلة الاستاذ الكبير علاء الدين خروفة خريج الازهر بمصر ، والحاكم في بعض المحاكم الشرعية في العراق :
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة العلامة الجليل الشيخ عبدالحسين الاميني حفظه الله وأطال بقاء‌ه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وبعد : فأسأل الله سبحانه أن يصل إليكم كتابي هذا وأنتم في صحة جيدة وراحة تامة .
أيها الاستاذ الاجل في غفلة من تحكم سلطان الدروس الازهرية ، وفي وقت لست أدري كيف سمح ؟ وكيف استطعت أن أتغلب عليه ؟ قرأت ستة أجزاء من كتابكم ( الغدير ) فاعترتني دهشة لم تزل آثارها بادية علي ولن تزال . إذ ما كنت أظن ان عصرنا هذا يجود بمحقق علامة يستطيع أن يجرد همة قعساء ، وعزيمة لها مضاء السيف ، فيدفع عن مذهبه سهاما مقرية وتهما متتابعة وجهت إليه منذ القدم أجل : ما كنت أظن ان هذا العصر الذي طفت عليه المادة ، واتسم بالسرعة في التأليف ، والسطحية في البحث والتنقيب ، ينهض فيه رجل كأنه امة في نفسه ، فيأتي بهذا السفر الجليل الذي لا تأتي بمثله عصبة مجتمعة من الاعلام الراسخين في العلم .
حقا ان الاعجاب بالمجهود الذي بذلتموه في هذا الكتاب الفريد ، وما حوى من تحقيق علمي رائع ، وبحث في بطون الكتب ، لا يزال آخذا من نفسي كل مأخذ ، وان هذا الاعجاب نفسه هو الذي يحدوني إلى أن ابدي لسماحتكم بعض الملاحظات ، ولن ينقص ذلك من قيمة كتابكم ومن ألف فقد استهدف كما اني لا اريد أن أبخسه حقه ، فصوت القرآن الكريم دائما يرن في اذنى هاتفا (ولا تبخسوا الناس أشياء‌هم ) ولقد سجلت تلك الملاحظات حين كنت أقرأ الكتاب في القاهرة على قصاصة من الورق ، غير أني لا أدري أين نسيتها ، إلا أنني ابادر فاذكر لكم انها ليس لها كبير أثر ، أو عظيم خطر ، ماعدا واحدة لازالت عالقة في ذهني ، وهي : انكم قد عنونتم في الجزء السادس لوقائع كثيرة ب‍ ( جهل عمر ) والقصص التي رويتموها صحيحة غاية الصحة ، وهي مدونة في كتب السنة ، وقد مر علينا كثير منها ، إلا أنني أرى ان العنوان كان فيه قسوة بالنسبة لشخصية تكون لها ملايين المسلمين إحتراما وإجلالا .
ولقد كان بي ظمأ شديد ، وشغف زائد ، وشوق لا يوصف لمعرفة فقه الشيعة واصول مذهبهم ، فلما قرأت تلك الاجزاء الستة من كتابكم ساعدتني على معرفة الحقائق التي كانت محورة في الكتب التي رددتم عليها في الجزء الثالث ، وكانت تلك الاجزاء خير عون لي على كتابة مقالات انتصرت فيها للشيعة ورددت فيها على مجلة الازهر ، وقد نشرت في مجلة السعد التي تصدر بالقاهرة ، وفي صحيفة الاهرام كبرى الصحف المصرية ( 1 ) وقد لقيت بعد نشرها بعض ما يلقاه كل منصف ، وكل مدافع عن الحق ، أو عامل على وحدة المسلمين .
هذا ومنذ كان بودي أن اكتب اليكم من القاهرة مبديا إعجابي وتقديري غير ان زحمة الدروس حالت بينى وبين ذلك ولعل الايام تسمح لنا بلقائكم والتعرف على شخصكم بعد أن استفدنا من علمكم الغزير . أدامكم الله سبحانه ذخرا للعلم ، ووفقكم لما فيه خير المسلمين أجمعين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
13 ربع الاول 1357 المخلص علاء الدين خروفة من علماء الازهر
* (هامش ) * (1 ) تعرف هذه الجمل الملا العلمى الدينى كاتبها علاء الدين بنفسيئاته الكريمة ، وملكاته الفاضلة ، وحريته في الرأى ، وفكرته الصالحة في الدفاع عن الحق ، وسعيه وراء الصالصح العام ، وراء العلم الناجع ، وراء الدعوة إلى التوحيد الصدق والوحدة الحقة ، ضد فئة من كتاب محدثين تسرعين .
مقال أسداه الينا فضيلة الاستاذ الخطيب البارع الشيخ محمد تيسير الشامى امام الجماعة بدمشق في جامع سيد تنارقية سلام الله عليها وعلى ابيها الطاهر .
بسم الله الرحمن الرحيم
ألحمد لله الذي من علينا إذ بعث فينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آياته ، ويعلمنا الكتاب والحكمة ، ويزكينا وإن كنا من قبل لفي ضلال مبين . وأشكره أن جعلنا من الذين استجابوا الله بالايمان به ، وللرسول باجابة دعوته واتباع سنته ، وجعلنا من امة نبيه تدور مع الحق حيث مادار ، ووهب لنا من فضله علما ومعرفة واطلاعا لتصح شهادتنا على الناس ، وحبانا بالتزكية ليكون الرسول شاهدا علينا .
والصلاة والسلام الاتمان الاكملان على سيدنا ومولانا محمد وآله الذي جعله مولاه حريصا علينا ، وصيره رؤوفا رحيما بنا ، فجزاه الله تعالى بأفضل ما جازى نبيا عن امته ، الذي ترك فينا كتاب الله وعترته وأخبر بنجاة من تمسك بهما من أمته . ورضي الله تعالى عن الاصحاب والاحباب الذين نالواشرف رؤيته واقتفاء سيرته ، وعلى من اقتدى بهديهم وسار على نهجهم . آمين .
وبعد : لما كان العلم خير ما يؤتاه المرء ، وجل ما تصبوا إليه النفس ، وكان التطلع والارتقاء لعلياه صعبا مضنيا ، والاكتراع من مناهله خطرا مغريا ، ويحتاج وارده لتوفيق إلهي اولا ، وموافقة وأخذا بالاسباب ثانيا ، ليميز بين الغث والثمين ، والمستقيم والملتوي ويعرف الحق من غيره ليصح الاخذ ويسلم .
لذلك كان المحتم على طالبه أن يبحث ويدقق ويميز ويقارن جميع ما رصل إليه ، ويتشوق لمالم يصل إليه ( منهومان لا يشببعان ) ففي يوم من الايام زارني أحدهم وأجال طرفه بمكتبتي الصغيرة فسئلني : هل يوجد لديك كتاب ( الغدير ) ؟ فأجبته بالسلب ، وقد وقع في نفسي اقتناء هذا الكتاب بعد ما سمعت عنه من الاطناب وهو جدير إلى أن اتحفني المؤلف حفظه الله تعالى بنسخة منه ، فنظرت الكتاب وتصفحته وسبرت غور مافيه بقدرما اتسع ذلك عندي وإذا بي أرى كتابا لا كالكتب ، وعقل مؤلفه لا كالعقول ، وأيم الله لقد أكبرت فيه كل شيئ : من سعة الاطلاع ، وترتيب الابواب لحسن الانتقاء ، وفصل الخطاب . من قول متزن ، وقلم سيال للتدقيق ، ووضوح في العبارة ، وصدق في المقال . من إصابة الكشف عن الحق بأوضح دليل لقوة في رد الخصم وإنارة السبيل .
فإذا بي اردد قول الله تعالى : ( ماشاء‌الله لاقوه إلا بالله ) ورأيت لولا التيمن والبركة بتسمية الغدير لكان خليقا أن يسمى بالابحر السبعة وهو جدير ، لاني رأيت ان من أناه يحسبه غديرا فيرغب في وروده فإذذا خاضه يجده بحرا زاخرا فيستخرج منه لحما طريا وحلية يتحلى بها ، ولكن لا يأمن سالكه على نفسه إلا إذا تمسك بسفينة النجاة لتقوده لشاطئ السلامة ، ألاوهي : آل المصطفى وعترته ، وهم أحد الثقلين المنشودين .
فهنيئا لك يا من نالتك عناية الله وتوفيقه ، فحباك هذا العلم الزاخر لتبز به المعاند والمكابر . وبارك في مجهودك ، ونصبك وكلل مسعاك بالاجر والثواب ، وجعلني وإياك ومن احب من خدام سيدنا أبي تراب عليه السلام ونفع الله بغديرك قاريه ، وكان الله تعالى لك ولمن آزرك فيه ، والحمدلله أولا وآخرا .
20 ربيع الثاني 1375 محمد تيسير المخزومى
كتاب تلقيناه من الاستاذ البحاثة صاحب التآليف الفخمة الناجعة ، المسيحى المفضال يوسف أسعد داغر البيروتى سيدي الاستاذ الفاضل المجتهد الكبير والحبر العلامة الحجة المجاهد عبدالحسين
أحمد الاميني المحترم .
تحية واحتراما وتجلة ، وبعد :
إنها لنعمة هبطت علي من علياء يوم جاء‌تني رسالتكم الكريمة تحدثني بنعمة الله فيكم ، وقد كنت أعربت لفريق كريم من الاخوان في النجف الاشرف عما أحمله من تقدير لسيدي الامام ، ومن شوق شديد للتعرف إلليه ، فإذا بهم يبلغون الرسالة لسيدي الاستاذ وقد حملوها من أوصافهم ومكارم أخلاقهم ما جعل سيدي يتلطف بتوجيه رقيمه الكريم ، مضيفا منة جديدة فوق ماله من منن سابغات .
ولم يمضي سوى القليل على وصول كتابكم حتى جاء في البريد يحمل إلي ما تكرمتم من رسالة من نمير غديركم الصافي ، فوصلني منه الاجزاء الستة الاولى 1 6 فتقبلتها بشئ من الاعجاب والاكبار لما يتمثل فيها من علم وجهد وتحقيق وتدقيق ، واني لارجو أن تتموا عارفتكم هذه بالايعاز لمن يلزم بإرسال الاجزاء الباقية مما ظهر من هذه الموسوعة التي تمثل أصلا من اصول البحث في تراثنا العلمي وثقافتنا الغالية .
لا أستطيع هنا إلا أن أقول كلمة موجزة في هذا السفر العظيم مع انه لم يتح لي بعد الوقت الكافي للنظر فيه مليا ، ويقتضي تصفحه والتمضي فيه أكثر من نظرة عابرة ليخرج منه المرء برأي مركز مؤصل .
ان كتابك ( الغدير ) يا سيدى جياش العباب ، متلاطم الامواج ، جعلت منه موسوعة تدور حول الشعراء والكتاب الذين ذكروا في قصيدهم ونثرهم ( الغدير ) و قد استعرضتموهم قرنا فقرنا من قرون الاسلام حتى يومنا هذا ، وعقدتم لهم تراجم فيها من شدة الاسر والربط ما لا يستغني عنه باحث أو مؤرخ أو أديب ، مؤيدين ايرادكم لهم بالوافر من المصادر ، بحيث يقع القارئ منها على ذخيرة قل أن اتيح مثلها لباحث من باحثي رجال العصر .
وكنت قبل اطلاعي على كتابك هذا ، ياسيدي وعلى ما فيه من وفرة المصادر وكثرة المراجع والاصول ، أعتقد بشئ من الغرور بانه قل بين المتأخرين من خدمة التاريخ الاسلامي والثقافة العربية من قاربني بكثرة الاستشهاد بمصادرهما ، فإذا ابي بعد أن وقع نظري على ما في سفينتكم من بحر علمكم أطرق بنظري إلى الارض جسيا خجلا مأخوذا بماوجدت في ( الغدير ) من خصب وغنى وافر .
نعم : هي لمحة أجلتها لماحا في ( الغدير ) ارتسمت معها على صفحات العين ما في غديركم من صفاء ورواء ، وما في جنباته من نور ونور ، فإذا به بهجة للعين ، ومتعة للقلب ، وغذاء للروح ، يمثل كله في هذا الاثر الطيب الخالد ، تتحفون به الثقافة العربية درة من دررها الغوالي .
فوالله لو لم يكن للشيعة في القرن الرابع عشر الهجري غير السيد ( الاميني ) في ( غديره ) والمغفور له محسن ( الامين ) في ( أعلامه ) والعلامة الكبير الشيخ آغا بزرك في ( ذريعته ) لكفى من رجال الملة خدمة وهديا لقوم يعقلون .
وهذا الكتاب فيما ظهر من أجزائه المتتالية لا يزال ينتظر من صبركم الجميل وبحر علمكم الزاخر ما يمضي به إلى الغاية ، فتخرجون بالكتاب على الوجه الذي يرضى عنه موزع الاقدار ، وطلاب التاريخ ، والعلم الصحيح .
فقد جددت في كتابك هذا وراء الحقيقة الناصعة ، وبحثت في شعابه عما يكشف النقاب للراغب فيها لتبدو صبيحة الوجه ، واضحة المعالم .
هي كلمة سقتها على الطبيعة من لمحة خاطفة أجلتها في ( الغدير ) على أمل أن أتمكن فيما بعد أن أنظر فيه مليا بعد وصول الاجزاء الباقية التي أتوقع وصولها قريبا ، وسأبحث لكم اعترافا بالفضل بما تيسر من مؤلفاتي ، وهي لاتذكر بالنسبة لهذه المفخرة التي قلدتم بها جيد العربيه . هذا وفيما أدعو لكم بالتوفيق ودوام نعمة الله فيكم ، اقبلوا سيدي مع شكري الجزيل فائق احترامي . (يوسف أسعد داغر ).