تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 -2
ـ 1 ـ
تاريخ اليعقوبى 1
ـ 3 ـ
تاريخ اليعقوبي
وهو تاريخ أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب
ابن واضح الكاتب العباسي المعروف باليعقوبي
المجلد الاول

ـ 5 ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
على آدم ،
فلم يطاوعه شئ مما خلق الله عزوجل إلا الجنة ، فلما رأى آدم ما في الجنة
من النعيم قال : لو كان سبيل إلى الخلود ؟ فطمع فيه إبليس لما سمع ذلك منه ،
فبكى ونظر إليه آدم وحواء يبكي ، فقالا له : ما يبكيك ؟ قال : لانكما
تفارقان هذا ، وما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة ، إلا أن تكونا ملكين ،
أو تكونا من الخالدين ، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين .
وكان لباس آدم وحواء ثيابا من نور ، فلما ذاقا من الشجرة ، بدت لهما
سوآتهما ، فزعم أهل الكتاب أن مكث آدم في الارض ، قبل أن يدخل الجنة ،
كان ثلاث ساعات ، ومكث هو وحواء في النعيم والكرامة ، قبل أن يأكلا من
الشجرة فتبدو لهما سوآتهما ، ثلاث ساعات ، فلما بدت لآدم سوأته أخذ ورقة
من الشجرة ، فوضعها على نفسه ، ثم صاح : ها أنا يا رب عريان قد أكلت من
الشجرة التي نهيتني عنها ، فقال الله : ارجع إلى الارض التي منها خلقت ،
فإني مسخر لك ولولدك طير السماء ، ونون البحار .
وأخرج الله آدم وحواء مما كانا فيه ، فيما يقول أهل الكتاب ، في تسع
ساعات من يوم الجمعة ، وهبطا إلى الارض ، وهما حزينان باكيان ، وكان
هبوطهما على أدنى جبل من جبال الارض إلى الجنة ، وكان ببلاد الهند ، وقال
ـ 6 ـ
قوم : على أبي قبيس ، جبل بمكة ، ونزل آدم في مغارة في ذلك الجبل سماها
مغارة الكنز ، ودعا الله أن يقدسها .
وروى بعضهم أن آدم لما هبط كثر بكاؤه ، ودام حزنه على مفارقة الجنة ،
ثم ألهمه الله سبحانه أن قال : لا إله إلا أنت ، سبحانك ، وبحمدك ، عملت سوءا
وظلمت نفسي ، فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم ! فتلقى آدم من ربه كلمات
فتاب عليه واجتباه ، وأنزل له من الجنة ، التي كان فيها ، الحجر الاسود ،
وأمره أن يصيره إلى مكة ، فيبني له بيتا ، فصار إلى مكة وبنى البيت ، وطاف
به ، ثم أمره الله أن يضحي له ، فيدعوه ويقدسه ، فخرج معه جبريل حتى
وقف بعرفات ، فقال له جبريل : هذا الموضع أمرك ربك أن تقف له به .
ثم مضى به إلى مكة ، فاعترض له إبليس ، فقال : ارمه ! فرماه بالحصى ،
ثم صار إلى الابطح ، فتلقته الملائكة ، فقالت له : بر حجك يا آدم ! لقد حججنا
هذا البيت قبلك ألفي عام .
وأنزل الله ، عزوجل ، الحنطة على آدم ، وأمره أن يأكل من كده ،
فحرث وزرع ، ثم حصد ، ثم داس ، ثم طحن ، ثم عجن ، ثم خبز ، فلما
فرغ عرق جبينه ، ثم أكل ، فلما امتلا ثقل ما في بطنه ، فنزل إليه جبريل ،
ففجه ، فلما خرج ما في بطنه وجد رائحة تكره ، فقال : ما هذا ؟ قال له
جبريل : رائحة الحنطة .
ووقع آدم على حواء ، فحملت ، وولدت غلاما وجارية ، فسمى الغلام
قابيل ، والجارية لوبذا ، ثم حملت فولدت غلاما وجارية ، فسمى الغلام هابيل
والجارية اقليما . فلما كبر ولده وبلغوا النكاح ، قال آدم لحواء : مري قابيل ،
فليتزوج اقليما التي ولدت مع هابيل ، ومري هابيل فليتزوج لوبذا التي ولدت
مع قابيل ، فحسده قابيل أن يتزوج بأخته التي ولدت معه .
وقد روى بعضهم أن الله عزوجل أنزل لهابيل حوراء من الجنة ، فزوجه
بها ، وأخرج لقابيل جنية ، فزوجه بها ، فحسد قابيل أخاه على الحوراء ،
ـ 7 ـ
فقال لهما آدم : قربا قربانا ! فقرب هابيل من تين زرعه ، وقرب قابيل أفضل
كبش في غنمه لله ، فقبل الله قربان هابيل ، ولم يقبل قربان قابيل ، فازداد نفاسة
وحسدا ، وزين له الشيطان قتل أخيه ، فشدخه بالحجارة ، حتى قتله ، فسخط
الله على قابيل ولعنه ، وأنزله من الجبل المقدس إلى أرض يقال لها نود .
ومكث آدم وحواء ينوحان على هابيل دهرا طويلا ، حتى يقال إنه خرج
من دموعهما كالنهر . ووقع آدم على حواء ، فحملت ، فولدت غلاما ، بعد
أن أتى له مائة وثلاثون سنة ، فسماه شيثا ، فكان أشبه ولد آدم بآدم ، ثم زوج
آدم شيثا ، فولد له غلام بعد أن أتت عليه مائة وخمس وستون سنة ، فسماه
انوش ، ثم ولد لانوش غلام ، فسماه قينان ، ثم ولد لقينان غلام ، فسماه
مهلائيل ، فهؤلاء ولدوا في حياة آدم وعلى عهده .
ولما حضرت آدم الوفاة جاءه شيث ابنه وولده وولد ولده ، فصلى عليهم
ودعا لهم بالبركة ، وجعل وصيته إلى شيث وأمره أن يحفظ جسده ويجعله ،
إذا مات ، في مغارة الكنز ، وأن يوصي بنيه وبني بنيه ، ويوصي بعضهم بعضا
عند وفاتهم ، إذا كان هبوطهم من جبلهم ، أن يأخذوا جسده حشمة ، فيجعلوه
وسط الارض ، وأمر شيثا ابنه أن يقوم بعده في ولدهم ، فيأمرهم بتقوى الله
وحسن عبادته ، وينهاهم أن يخالطوا قابيل اللعين وولده ، ثم صلى على بنيه أولئك
وأولادهم ونسائهم ، ثم مات لست خلون من نيسان ، يوم الجمعة ، في الساعة التي
خلق فيها ، وكانت حياته تسعمائة سنة وثلاثين سنة اتفاقا .
ـ 8 ـ
شيث بن آدم
وقام بعد موت آدم ابنه شيث ، وكان يأمر قومه بتقوى الله ، سبحانه
والعمل الصالح ، وكانوا يسبحون الله ويقدسونه ، وأبناؤهم ونساؤهم ليس
بينهم عداوة ، ولاتحاسد ، ولاتباغض ، ولاتهمة ، ولا كذب ، ولاخلف ،
وكان أحدهم إذا أراد أن يحلف قال : لا ودم هابيل .
فلما حضرت وفاة شيث أتاه بنوه وبنو بنيه ، وهم يومئذ أنوش ، وقينان ،
ومهلائيل ، ويرد ، واخنوخ ، ونساؤهم وأبناؤهم ، فصلى عليهم ، ودعا لهم
بالبركة ، وتقدم إليهم ، وحلفهم بدم هابيل ألا يهبط أحد منهم من هذا الجبل
المقدس ، ولايتركوا أحدا من أولادهم يهبط منه ، ولا يختلطوا بأولاد قابيل
الملعون ، وأوصلى إلى انوش ابنه ، وأمره أن يحتفظ بجسد آدم ، وأن يتقي الله ،
ويأمر قومه بتقوى الله وحسن العبادة ، ثم توفي يوم الثلاثاء لسبع وعشرين ليلة
خلت من آب على ثلاث ساعات من النهار ، وكانت حياته تسعمائة واثنتي عشرة
سنة .
انوش بن شيث
وقام انوش بن شيث ، بعد أبيه ، بحفظ وصية أبيه وجده ، وأحسن عبادة
الله ، وأمر قومه بحسن العبادة ، وفي أيامه قتل قابيل الملعون ، رماه لمك الاعمى
بحجر ، فشدخ رأسه ، فمات . وكان قد ولد لانوش قينان بعد أن أتت له تسعون سنة .
ـ 9 ـ
ولما حضرت أنوش الوفاة اجتمع إليه بنوه وبنو بنيه : قينان ، مهلائيل ، ويرد ،
واخنوخ ، ومتوشلح ، ونساؤهم وأبناؤهم ، فصلى عليهم ، ودعا لهم بالبركة ،
ونهاهم أن يهبطوا من جبلهم المقدس ، أو يدعوا أحدا من بنيهم أن يختلطوا
بولد قابيل اللعين ، وأوصى قينان بجسد آدم ، وأمرهم أن يصلوا عنده ويقدسوا
الله كثيرا ، وتوفي لثلاث خلون من تشرين الاول ، حين غابت الشمس ، وكانت
حياته تسعمائة وخمسا وستين سنة .
قينان بن انوش
وقام قينان بن أنوش ، وكان رجلا لطيفا ، تقيا ، مقدسا ، فقام في قومه
بطاعة الله وحسن عبادته ، واتباع وصية آدم وشيث ، وكان قد ولد له مهلائيل
بعد أن أتت عليه سبعون سنة .
فلما دنا موته اجتمع إليه بنوه وبنو بنيه مهلائيل ، ويرد ، ومتوشلح ،
ولمك ، ونساؤهم وأبناؤهم ، فصلى عليهم ، ودعا لهم بالبركة ، فأقسم عليهم
بدم هابيل أن لايهبط أحد منهم من جبلهم المقدس إلى ولد الملعون قابيل ، وجعل
وصيته إلى مهلائيل ، وأمره أن يحتفظ بجسد آدم . ومات قينان وكانت حياته
تسعمائة سنة وعشرين سنة .
ـ 10 ـ
مهلائيل بن قينان
ثم قام بعد قينان مهلائيل بن قينان ، فقام في قومه بطاعة الله تعالى ، واتباع
وصية أبيه ، وكان قد ولد له يرد ، بعد أن أتت عليه خمس وستون سنة .
فلما دنا موت مهلائيل أوصى إلى ابنه يرد وأوصاه بجسد آدم ، ثم توفي
مهلائيل لليلتين خلتا من نيسان ، يوم الاحد ، على ثلاث ساعات من النهار ،
وكانت حياته ثمانمائة سنة وخمسا وتسعين سنة .
يرد به مهلائيل
ثم قام بعد مهلائيل يرد ، وكان رجلا مؤمنا ، كامل العمل لله ، سبحانه ،
والعبادة له ، كثير الصلاة بالليل والنهار ، فزاد الله في حياته ، وكان قد ولد له
اخنوخ ، بعد أن أتت عليه اثنتان وستون سنة ، وفي الاربعين ليرد تم الالف
الاول .
ولما مضى من حياة يرد خمسمائة سنة نقض بنو شيث العهود والمواثيق التي
كانت بينهم ، فجعلوا ينزلون إلى الارض التي فيها بنو قابيل ، وكان أول نزولهم
أن الشيطان اتخذ شيطانين من الانس اسم أحدهما يوبل ، والآخر توبلقين ،
فعلمهما أصناف الغناء والزمر ، فصنع يوبل المزامير والطنابير والبرابط والصور .
وصنع توبلقين الطبول والدفوف والصنوج ، ولم يكن لبني قابيل عمل يشغلهم ،
ولا ذكر لهم إلا أمام الشيطان ، وكانوا يركبون المحارم والمآثم ، ويجتمعون
ـ 11 ـ
على الفسق ، وكان ذوو السن من رجالهم ونسائهم أشد في ذلك من شبانهم ،
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 11 سطر 1 الى ص 20 سطر 21
على الفسق ، وكان ذوو السن من رجالهم ونسائهم أشد في ذلك من شبانهم ،
فكانوا يجتمعون ، فيزمرون ويضربون بالطبول والدفوف والبرابط والصنوج ،
ويصيحون ، ويضحكون ، حتى سمع أهل الجبل من بني شيث أصواتهم ، فاجتمع
منهم مائة رجل على أن يهبطوا إلى بني قابيل ، فينظروا ما تلك الاصوات ، فلما
بلغ ذلك يرد أتاهم ، فناشدهم الله ، وذكرهم وصية آبائهم ، وحلف عليهم
بدم هابيل ، وقام فيهم اخنوخ بن يرد ، فقال : اعلموا أنه من عصى منكم
أبانا يرد ، ونقض عهود آبائنا ، وهبط من جبلنا لم ندعه يصعد أبدأ ، فأبوا
إلا أن يهبطوا ، فلما هبطوا اختلطوا ببنات قابيل . بعد أن ركبوا الفواحش .
فلما دنا موت يرد اجتمع إليه بنوه وبنو بنيه اخنوخ ، ومتوشلح ، ولمك ،
ونوح ، فصلى عليهم ، ودعا لهم بالبركة ، ونهاهم أن يهبطوا من الجبل المقدس ،
وقال : إنكم لامحالة تهبطون إلى الارض السفلى ، فأيكم كان آخر هبوطا
فليهبط بجسد أبينا آدم ، ثم ليجعله وسط الارض ، كما أوصانا ، وأمر اخنوخ
ابنه ألا يزال يصلي في مغارة الكنز ، ثم توفي يوم الجمعة لليلة خلت من آذار ،
حين غابت الشمس ، وكانت حياته تسعمائة سنة واثنتين وستين سنة .
اخنوخ بن يرد
ثم قام بعد يرد اخنوخ بن يرد ، فقام بعبادة الله ، سبحانه ، ولما أتت له خمس
وستون سنة ولد له متوشلح ، وأخذ بنو شيث ونساؤهم وأبناؤهم في الهبوط ،
فعظم ذلك على اخنوخ ، فدعا ولده متوشلح ولمكا ونوحا ، فقال لهم : إني أعلم
أن الله معذب هذه الامة عذابا عظيما ليس فيه رحمة .
وكان اخنوخ أول من خط بالقلم ، وهو ادريس النبي ، فأوصى ولده أن
يخلصوا عبادة الله ، ويستعملوا الصدق واليقين ، ثم رفعه الله بعد أن أتت له
ثلاثمائة سنة .
ـ 12 ـ
متوشلح بن اخنوخ
ثم قام متوشلح بن اخنوخ بعبادة الله تعالى وطاعته ، وكان لما أتت عليه مائة
وسبع وثمانون سنة ، ولد له لمك ، فأوحى الله إلى نوح في عصره ، وأعلمه أنه
باعث الطوفان على الناس ، وأمره أن يعمل السفينة من الخشب ، ولما كملت لنوح
ثلاثمائة سنة وأربع وأربعون سنة تم الالف الثاني .
وتوفي متوشلح في إحدى وعشرين من أيلول ، يوم الخميس ، وكانت حياته
تسعمائة وستين سنة .
لملك بن متوشلح
فقام لمك بعد أبيه بعبادة الله وطاعته ، وكان قد ولد له بعد أن أتت عليه
مائة واثنتان وثمانون سنة ، وكثرت الجبابرة في عصره ، وذلك أنه كان لما وقع
بنو شيث في بنات قابيل ولدت منهم الجبابرة .
ثم دنا موت لمك ، فدعا نوحا ، وساما ، وحاما ، ويافثا ، ونساءهم ، ولم
يكن بقي من أولاد شيث في الجبل أحد غيرهم إلا هبطوا إلى بني قابيل ، فكانوا
ثمانية أنفس ، ولم يكن لهم أولاد قبل الطوفان ، فصلى عليهم ودعا لهم بالبركة ، ثم
بكى ، وقال لهم : إنه لم يبق من جنسنا أحد إلا هؤلاء الثمانية الانفس ، وأسأل
الله الذي خلق آدم وحواء وحدهما ، ثم كثر ولدهما ، أن ينجيكم من هذا
الرجز الذي أعد للامة السوء ، ويكثر ولدكم ، حتى يملاوا الارض ، ويعطيكم
ـ 13 ـ
بركة أبينا آدم ، ويجعل في ولدكم الملك ، وأنا متوفى ، ولن يفلت من أهل
الرجز غيرك يا نوح ، فإذا أنا مت فاحملني ، واجعلني في مغارة الكنز ، فإذا
أراد الله أن تركب السفينة ، فاحمل جسد أبينا آدم ، فاهبط به معك ، ثم اجعله
وسط البيت الاعلى من السفينة ، ثم كن أنت وبنوك في طرف السفينة الشرقي ،
ولتكن امرأتك وكنائنك في طرف السفينة الغربي ، وليكن جسد آدم بينكم ،
فلا تجوزوا إلى نسائكم ولا تجز نساؤكم إليكم ، ولاتأكلوا ولاتشربوا معهن ،
ولا تقربوهن ، حتى تخرجوا من السفينة ، فإذا ذهب الطوفان وخرجتم من
السفينة إلى الارض ، فصل أنت عند جسد آدم ، ثم أوص ساما أكبر بنيك ،
فليذهب بجسد آدم ، حتى يجعله في وسط الارض ، وليجعل معه رجلا من
أولاده يقوم عليه ، وليكن حبرا لله حياته لاينكح امرأة ، ولا يبني بيتا ،
ولايهريق دما ، ولا يقرب قربانا من الدواب ، ولا الطير ، فإن الله مرسل
معه ملكا من الملائكة يدله على وسط الارض ويؤنسه .
وتوفي لمك لسبع عشرة ليلة خلت من آذار يوم الاحد ، على تسع ساعات
من النهار ، وكانت حياته سبعمائة وسبعا وسبعين سنة .
نوح
وأوحى الله عزوجل إلى نوح في أيام جده اخنوخ ، وهو ادريس النبي ،
وقبل أن يرفع الله ادريس ، وأمره أن ينذر قومه ، وينهاهم عن المعاصي التي كانوا
يركبونها ، ويحذرهم العذاب ، فأقام على عبادة الله تعالى والدعاء لقومه ، وحبس
نفسه على عبادة الله تعالى والدعاء لقومه ، لاينكح النساء خمسمائة عام ، ثم أوحى
الله إليه أن ينكح هيكل بنت ناموسا بن اخنوخ ، وأعلمه أنه باعث الطوفان على
ـ 14 ـ
الارض ، وأمره أن يعمل السفينة التي نجاه الله وأهله فيها ، وأن يجعلها ثلاثة
بيوت سفلا ووسطا وعلوا ، وأمره أن يجعل طولها ثلاثمائة ذراع بذراع نوح ،
وعرضها خمسين ذراعا ، وسمكها ثلاثين ذراعا ، ويصير حواليها رفوف
الخشب ، ويكون البيت الاسفل للدواب والوحش والسباع ، ويكون الاوسط
للطير ، ويكون الاعلى لنوح وأهل بيته ، ويجعل في الاعلى صهاريج الماء ، وموضعا
للطعام . فولد له بعد أن أتت عليه خمسمائة سنة .
ولما فرغ نوح من عمل السفينة ، وكان ولد قابيل ، ومن اختلط بهم من ولد
شيث ، إذا رأوه يعمل الفلك سخروا منه ، فلما فرغ دعاهم إلى الركوب فيها ،
وأعلمهم أن الله باعث الطوفان على الارض كلها حتى يطهرها من أهل المعاصي ،
فلم يجبه أحد منهم ، فصعد هو وولده إلى مغارة الكنز ، فاحتملوا جسد آدم ،
فوضعوه في وسط البيت الاعلى من السفينة ، يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت
من آذار ، وأدخل الطير البيت الاوسط ، وأدخل الدواب والسباع البيت الاسفل ،
وأطبقها حين غابت الشمس .
وأرسل الله الماء من السماء ، وفجر عيون الارض ، فالتقى الماء على أمر قد
قدر ، وأخذ الارض كلها والجبال ، وأظلمت الدنيا ، وذهب ضوء الشمس
والقمر ، حتى كان الليل والنهار سواء ، وكان الطالع في ذلك الوقت الذي أرسل
الله تعالى فيه الماء ، فيما يقول أصحاب الحساب : السرطان ، والشمس ، والقمر ،
وزحل ، وعطارد ، والرأس ، مجتمعة في آخر دقيقة من الحوت ، فاتصل الماء من
السماء والارض أربعين يوما ، حتى علا فوق كل جبل خمس عشرة ذراعا ،
ثم وقف بعد ان لم تبق بقعة من الارض إلا غمرها الماء وعلاها .
ودارت السفينة الارض كلها حتى صارت إلى مكة ، فطافت حول البيت
أسبوعا ، ثم انكشف الماء بعد خمسة أشهر ، فكان ابتداؤه لسبع عشرة ليلة خلت
من أيار إلى ثلاث عشرة ليلة خلت من تشرين الاول .
وروى بعضهم أن نوحا ركب السفينة أول يوم من رجب ، واستوت على
ـ 15 ـ
الجودي في المحرم ، فصار أول الشهور يعده ، وأهل الكتاب يخالفون في هذا .
ولما استوت على الجودي ، وهو جبل بناحية الموصل ، أمرالله تعالى ماء السماء
فرجع من حيث جاء ، وأمر الارض فبلعت ماءها ، فأقام نوح بعد وقوف السفينة
أربعة أشهر ، ثم بعث الغراب ليعرف خبر الماء ، فوجد الجيف طافية على الماء ،
فوقع عليها ولم يرجع ، ثم أرسل الحمامة ، فجاءت بورقة زيتون ، فعلم أن الماء
قد ذهب ، فخرج لسبع وعشرين من أيار ، فكان ، بين دخوله السفينة وخروجه ،
سنة كاملة وعشرة أيام ، فلما صار إلى الارض هو وأهله بنوا مدينة ، فسموها
ثمانين .
ولما خرج نوح من السفينة ورأى عظام الناس تلوح غمه ذلك وأحزنه ، وأوحى
الله إليه : إني لن أرسل الطوفان على الارض بعدها أبدا . ولما خرج نوح من
السفينة أقفلها بقفل ودفع المفتاح إلى سام ابنه ، ثم زرع نوح ، وغرس كرما ،
وعمر الارض .
وإن نوحا يوما لنائم إذ انكشف ثوبه ، فرأى حام ابنه سوأته ، فضحك ،
وخبر أخويه ساما ويافثا ، فأخذا ثوبا حتى أتياه به ، ووجوههما مصروفة عنه ،
فألقيا الثوب عليه ، فلما انتبه نوح من نومه ، وعلم الخبر ، دعا على كنعان بن
حام ، ولم يدع على حام ، فمن ولده القبط والحبشة والهند .
وكان كنعان أول من رجع من ولد نوح إلى عمل بني قابيل ، فعمل الملاهي
والغناء والمزامير والطبول والبرابط والصنوج ، وأطاع الشيطان في اللعب والباطل .
وقسم نوح الارض بين ولده ، فجعل لسام وسط الارض ، والحرم وما
حوله ، واليمن وحضرموت ، إلى عمان ، إلى البحرين ، إلى عالج ويبرين ،
ووبار ، والدو والدهناء ، وجعل لحام أرض المغرب والسواحل ، فولد كوش
ابن حام ، وكنعان بن حام النوبة والزنج والحبشة .
ونزل يافث بن نوح ما بين المشرق والمغرب ، فولد له جومر ، وتوبل ، وماش ،
وماشج ، ومأجوج ، فولد جومر الصقالبة ، وولد توبل برجان ، وولد ماش
ـ 16 ـ
الترك والخزر ، وولد ماشج الاشبان ، وولد مأجوج يأجوج ومأجوج ، وهم
في شرقي الارض من جهة الترك ، وكانت منازل الصقالبة وبرجان أرض الروم ،
قبل أن يكون الروم ، فهؤلاء ولد يافث .
وعاش نوح ، بعد خروجه من السفينة ، ثلاثمائة وستين سنة ، ولما حضرت
وفاة نوح اجتمع إليه بنوه الثلاثة سام وحام ويافث وبنوهم ، فأوصاهم ، وأمرهم
بعبادة الله تعالى ، وأمر ساما أن يدخل السفينة ، إذا مات ، ولايشعر به أحد ،
فيستخرج جسد آدم ، ويذهب معه بملكيزدق بن لمك بن سام ، فإن الله اختاره
ليكون مع جسد آدم في وسط الارض ، في المكان المقدس ، وقال له : يا سام !
إنك إذا خرجت أنت وملكيزدق بعث الله معكما ملكا من الملائكة يدلكما على
الطريق ، ويريكما وسط الارض ، فلا تعلمن أحدا ما تصنع ، فإن هذا الامر
وصية آدم التي أوصى بها بنيه ، وأوصى بها بعضهم بعضا ، حتى انتهى ذلك
إليك ، فإذا بلغتما المكان الذي يريكما الملك ، فضع فيه جسد آدم ، ثم مر
ملكيزدق ألا يفارقه ، ولا يكون له عمل إلا عبادة الله ، سبحانه وتعالى ، وأمره
أن لا ينكح امرأة ، ولايبني بنيانا ، ولا يهريق دما ، ولا يلبس ثوبا ، إلا من
جلود الوحش ، ولا يقص شعرا ولا ظفرا ، وليجلس وحده ، وليكثر حمد الله ،
ثم مات في أيار يوم الاربعاء ، وكانت حياته تسعمائة سنة وخمسين ، كما حكى الله
تعالى ألف سنة إلا خمسين عاما .
ـ 17 ـ
سام بن نوح
وقام سام بن نوح ، بعد أبيه ، بعبادة الله تعالى وطاعته ، وكان قد ولد له
رفخشد ، بعد أن أتت عليه مائة سنة وسنتان ، ثم انطلق ، وفتح السفينة ، فأخذ
جسد آدم ، فهبط به سرا من أخويه وأهله ، ودعا أخويه يافثا وحاما ، فقال لهما :
إن أبي أوصى إلي وأمرني أن آتي البحر ، فأنظر في الارض ثم أرجع ، فلا
تتحركوا حتى آتيكم ، واستوصوا بامر أتي وبني خيرا ، فقال له أخواه : اذهب
في حفظ الله ، فإنك قد علمت أن الارض خربة ونخاف عليك السباع . قال سام :
إن الله تعالى يبعث ملكا من الملائكة ، فلا أخاف ، إن شاء الله تعالى ، شيئا .
ودعا سام ابنه لمكا فقال له ولامرأته : يا وزدق ! ارسلا معي ابنكما ملكيزدق
يؤنسني في الطريق . فقالا له : اذهب راشدا ! فقال سام لاخويه وأهله وولده :
قد علمتم أن أبانا نوحا قد أوصى إلي ، وأمرني أن أختم السفينة ، فلا أدخلها أنا ،
ولا أحد من الناس ، فلا يقربن السفينة منكم أحد .
ثم إن ساما خرج ومعه ابنه ، فعرض لهما الملك ، فلم يزل معهما حتى صار
بهما إلى الموضع الذي أمروا أن يضعوا جسد آدم فيه ، فيقال إنه بمسجد منى
عند المنارة ، ويقول أهل الكتاب : بالشأم في الارض المقدسة ، فانفتحت
الارضون ، فوضعوا الجسد فيها ، ثم انطبقت عليه . وقال سام لملكيزدق
ابن لمك بن سام : اجلس هاهنا ، وأحسن عبادة الله ، فإن الله يرسل إليك
في كل يوم ملكا من الملائكة يؤنسك ، ثم سلم عليه ، وانصرف ، فأتى أهله ،
فسأله ابنه لمك عن ملكيزدق ، فقال : إنه قد مات في الطريق ، فدفنته ، فحزن
عليه أبوه وأمه .
ثم حضرت ساما الوفاة فأوصى إلى ابنه أرفخشد ، ومات سام يوم الخميس
لسبع خلون من أيلول ، وكانت حياته ستمائة سنة .
ـ 18 ـ
أرفخشد بن سام
ثم قام ارفخشد بن سام بعبادة الله تعالى وطاعته ، وكان قد ولد له شالح بعد
أن أتت عليه مائة وخمس وثمانون سنة ، وقد تفرق ولد نوح في البلاد ، وكثرت
الجبابرة والعتاة منهم ، وأفسد ولد كنعان بن حام ، وأظهروا المعاصي .
ولما حضرت ارفخشد الوفاة جمع إليه ولده وأهله وأوصاهم بعبادة الله تعالى
ومجانبة المعاصي ، وقال لشالح ابنه : اقبل وصيتي ، وقم في أهلك بعدي عاملا
بطاعة الله تعالى . ومات يوم الاحد لسبع بقين من نيسان ، وكانت حياته أربعمائة
وخمسا وستين سنة .
شالح بن أرفخشد
ثم قام شالح بن أرفخشد في قومه يأمرهم بطاعة الله تعالى ، وينهاهم عن
معاصيه ، ويحذرهم ما نال أهل المعاصي من الرجز والعذاب . وكان قد ولد
له عابر بعد أن أتت عليه مائة وثلاثون سنة ، ثم حضرته الوفاة ، فأوصى إلى ابنه
عابر بن شالح ، وأمره أن يتجنب فعل بني قابيل اللعين ، ومات يوم الاثنين
لثلاث عشرة ليلة خلت من آذار ، وكانت حياته أربعمائة وثلاثين سنة .
ـ 19 ـ
عابر بن شالح
ثم قام عابر بن شالح يدعو قومه إلى طاعة الله تعالى ، ويحذر بني سام بن
نوح أن يختلطوا بولد كنعان بن حام ، المغير دين آبائه ، والمرتكب للمعاصي .
وكان قد ولد له فالغ ، بعد أن أتت عليه مائة وأربع وثلاثون سنة ، ثم حضرته
الوفاة ، فأوصى إلى ابنه فالغ ، فقال له : يا بني ! إن ولد قابيل اللعين ، لما
أكثروا العمل بمعاصي الله ، سبحانه وتعالى ، ودخل معهم ولد شيث بعث الله
عليهم الرجز ، فلا تدخل أنت ولا أهلك في ملة بني كنعان .
ومات عابر يوم الخميس لثلاث وعشرين من تشرين الاول ، وكانت حياته
ثلاثمائة وأربعين سنة ، وقيل مائة وأربعا وستين سنة .
فالغ بن عابر
ثم قام بعد عابر فالغ ابنه يدعو الناس إلى طاعة الله تعالى ، فكان في زمانه
اجتماع ولد نوح ببابل ، وذلك أن ماش بن ارم بن سام بن نوح صار إلى أرض
بابل ، فولد نمرود الجبار ، ونبيط ، وهو أبوالنبط ، وهو أول من استنبط
الانهار ، وغرس الاشجار ، وعمر الارض ، وكان لسانهم جميعا السرياني ،
وهو لسان آدم ، فلما اجتمعوا ببابل قال بعضهم لبعض : لنبنين بنيانا أسفله
الارض وأعلاه السماء ! فلما أخذوا في البنيان قالوا : نتخذه حصنا يحرزنا من
الطوفان ، فهدم الله حصنهم ، وفرق الله ألسنهم على اثنين وسبعين لسانا ،
ـ 20 ـ
وتفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة من موضعهم ذلك ، فكان في ولد سام تسعة
عشر لسانا ، وفي ولد حام ستة عشر لسانا ، وفي ولد يافث سبعة وثلاثون لسانا ،
فلما رأوا ما هم فيه اجتمعوا إلى فالغ بن عابر فقال لهم : إنه لايسعكم أرض
واحدة مع افتراق ألسنتكم ، فقالوا : اقسموا الارض بيننا ، فقسم لهم فصار
لولد يافث بن نوح الصين والهند والسند والترك والخزر والتبت والبلغر والديلم
وما والى أرض خراسان ، وكان ملك بني يافث في ذلك الزمان جم شاذ .
وصار لولد حام أرض المغرب وما وراء الفرات إلى مسقط الشمس .
وصار لولد سام الحجاز واليمن وباقي الارض .
وكان قد ولد له أرغو بعد أن أتت عليه ثلاثون سنة ، وحضرت فالغ الوفاة ،
فأوصى إلى ابنه ارغو ، ومات فالغ يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من أيلول ،
وكانت حياته مائتي سنة وتسعا وثلاثين سنة .
أرغو بن فالغ
ثم قام ارغو بن فالغ بعد أبيه ، وقد تفرقت الالسن على اثنتين وسبعين فرقة ،
لبني سام تسع عشرة فرقة ، ولولد حام ست عشرة فرقة ، ولولد يافث سبع
وثلاثون ، وكان في زمانه نمرود الجبار ، وكان مسكنه ببابل ، وكان الذي ابتدأ
بناء الصرح ، وأول من عمل التاج ، وملك سبعا وستين سنة .
وكان قد ولد لارغو ساروغ ، بعد أن أتت عليه اثنتان وثلاثون سنة ، ولما
أتت لارغو أربع وسبعون سنة من عمره كمل الالف الثالث .
وحضرت أرغو الوفاة ، فأوصى ابنه ساروغ ، وتوفي أرغو يوم الاربعا
لاربع عشرة ليلة خلت من نيسان ، وكانت حياته مائتي سنة .
ـ 21 ـ
ساروغ بن أرغو
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 21 سطر 1 الى ص 30 سطر 19
ساروغ بن أرغو
وقام ساروغ بن أرغو في ولد سام ، بعد موت أبيه ، وقد كثرت الجبابرة ،
وعتت في الارض . وكان في زمن ساروغ أول ما عبدت الاصنام ، وكان أول
شأن الاصنام أن الناس كان إذا مات لاحدهم الميت الذي يعز عليهم من أب أو
أخ أو ولد صنع صنما على صورته ، وسماه باسمه ، فلما أدرك الخلف الذي
بعدهم ظنوا ، وحدثهم الشيطان ، أنه إنما صنعت هذه لتعبد ، فعبدوها ،
ثم فرق الله دينهم ، فمنهم من عبد الاصنام ، ومنهم من عبد الشمس ، ومنهم
من عبدالقمر ، ومنهم من عبدالطير ، ومنهم من عبد الحجارة ، ومنهم من عبد
الشجر ، ومنهم من عبد الماء ، ومنهم من عبدالريح ، وفتنهم الشيطان وأضلهم
وأطغاهم .
وكان قد ولد له ناحور ، بعد أن أتت عليه مائة وثلاثون سنة ، ولما حضرت
ساروغ اوفاة أوصى ابنه ناحور ، وأمره بعبادة الله تعالى ، ومات ساروغ لثلاث
بقين من آب يوم الاحد ، وكانت حياته مائتين وثلاثين سنة .
ناحور بن ساروغ
وكان ناحور مكان أبيه ، فكثرت عبادة الاصنام في زمانه ، فأمر الله سبحانه
الارض ، فزلزلت عليهم زلزلة شديدة ، حتى سقطت تلك الاصنام ، فلم يكترثوا
بذلك ، وأعادوا أصناما مكانها .
ـ 22 ـ
وفي زمانه ظهر السحر ، والكهانة ، والطيرة ، وذبح الناس أولادهم
للشياطين ، وجعلت المكاييل والموازين .
وكانت حياة ناحور مائة وثمانيا وأربعين سنة ، وكانت جبابرة ذلك العصر
عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح ، وكانوا قد انتشروا في البلاد ، وكانت
منازلهم بين أعالي حضرموت إلى أودية نجران ، فلما عاثوا وعتوا بعث الله تبارك
وتعالى هود بن عبدالله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن
نوح ، فدعاهم إلى عبادة الله تعالى ، والعمل بطاعته ، واجتناب المحارم ،
فكذبوه ، فقطع الله عنهم المطر ثلاث سنين ، فوجهوا وفدا لهم إلى البيت
الحرام يستسقي لهم ، فأقاموا يطوفون بالبيت ويسعون أربعين صباحا .
ثم رفعت لهم سحابتان : إحداهما بيضاء فيها غيث ورحمة ، والاخرى
سوداء فيها عذاب ونقمة ، وسمعوا صوتا يناديهم : اختاروا أيتهما شئتم !
فقالوا : اخترنا السوداء ! فمرت ، وهي على رؤوسهم ، فلما قربت من البلاد
قال لهم هود : إن هذه السحابة فيها عذاب قد أظلكم ! فقالوا : بل هو عارض
ممطرنا ، فأقبلت ريح سوداء لاتمر بشئ إلا أحرقته ، فما نجا منهم إلا هود ،
ويقال إنه نجا لقمان بن عاد ، وعاش حتى عمر عمر سبعة نسور .
ولما مضت عاد صار في ديارهم بنو ثمود بن جازر بن ثمود بن ارم بن سام
ابن نوح ، وكانت ملوكهم تنزل الحجر ، فلما عتوا بعث الله إليهم صالح بن
تالح بن صادوق بن هود نبيا ، فسألوه أن يأتيهم بآية ، فأخرج الله لهم ناقة من
الارض معها فصيلها ، فقال لهم صالح : إن لهذه الناقة يوما ترد فيه الماء ، ولكم
يوما ، فاحذروا أن تصدوها عن الماء ! فكذبوه ، فقام رجل منهم يقال له
قدار ، فعقرها وضرب عرقوبها بالسيف ، فارتفع فصيلها على نشز من الارض ،
ثم رغا ، فبعث الله عليهم العذاب ، فما فلت منهم إلا امرأة يقال لها الذريعة ،
وضرب العرب بقدار المثل .
ـ 23 ـ
تارخ بن ناحور
وكان تارخ بن ناحور ، هو أ بوإبراهيم خليل الله ، في عصر نمرود الجبار ،
وكان نمرود أول من عبدالنار وسجد لها ، وذلك أنه خرجت نار من الارض ،
فأتاها ، فسجد لها ، وكلمه منها شيطان ، فبنى عليها بنية ، وجعل لها سدنة .
وفي ذلك العصر تعاطى الناس علم النجوم ، وحسبوا الكسوف للشمس والقمر
والكواكب السائرة والراتبة ، وتكلموا في الفلك والبروج .
وكان الذي علم نمرود ذلك رجلا يقال له ينطق ( 1 ) ، وكان تارخ ، وهو
آزر أ بوابراهيم ، مع نمرود الجبار ، فحسب المنجمون لنمرود ، فقالوا له :
إنه يولد في مملكته مولود يعيب دينه ، ويزري عليه ، ويهدم أصنامه ، ويفرق
جمعه ، فجعل لايولد في مملكته مولود إلا شق بطنه ، حتى ولد ابراهيم ،
فستره أبواه ، وأخفيا أمره ، وصيراه في مغارة حيث لايعلم به أحد ، وكان
مولده بكوثا ربا ، وكان مولد ابراهيم بعد أن أتت لتارخ مائة وسبعون سنة ،
وعاش تارخ أبوه مائتي سنة وخمس سنين .
* ( هامش ) * 1 ) بلا نقط في الاصل ( * ) .
ـ 24 ـ
إبراهيم
ونشأ ابراهيم في زمان نمرود الجبار ، فلما خرج من المغارة التي كان فيها
قلب طرفه في السماء ، فنظر إلى الزهرة ، فرأى كوكبا مضيئا ، فقال : هذا
ربي ، فإن له علوا وارتفاعا ، ثم غاب الكوكب ، فقال : إن ربي لايغيب ،
ثم رأى القمر لما طلع ، فقال : هذا ربي ، فلم يلبث أن غاب القمر ، فقال :
لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين ، فلما جاء النهار طلعت الشمس ،
فقال : هذا ربي ، هذا أنور وأضوأ ، فلما غابت الشمس قال : غابت ، وربي
لايغيب ، كما قص الله خبره وأمره ، فلما كملت سنه جعل يعجب إذ رأى
قومه يعبدون الاصنام ، ويقول : أتعبدون ما تنحتون ؟ فيقولون : أبوك علمنا
هذا . فيقول : إن أبي لمن الضالين ! فظهر قوله في قومه ، وتحدث الناس به ،
وأرسله الله نبيا ، وبعث إليه جبريل ، فعلمه دينه ، فجعل يقول لقومه : إني
برئ مما تشركون .
وبلغ خبره نمرود ، فأرسل إليه فيها ، ثم جعل ابراهيم يكسر أصنامهم ،
فيقول : ادفعي عن نفسك ، فألهب نمرود نارا ووضعه في منجنيق ورمى به فيها ،
فأوحى الله إليها : أن كوني بردا وسلاما على إبراهيم ، فجلس وسط النار
ما تضره ، فقال نمرود : من اتخذ إلها ، فليتخذه مثل إله إبراهيم ، فأمن معه
لوط ، وكان لوط ابن أخيه خاران بن تارخ .
وأمر الله ، عزوجل ، إبراهيم أن يخرج من بلاد نمرود إلى الشأم الارض
المقدسة ، فخرج إبراهيم وامرأته سارة بنت خاران بن ناحور عمه ، ولوط
ابن خاران ، مهاجرين حيث أمرهم الله ، فنزلوا أرض فلسطين ، وكثر ماله
ومال لوط ، فقال إبراهيم للوط : إن الله قد كثر لنا مالنا وماشيتنا ، فانتقل منا
ـ 25 ـ
حتى تنزل مديني سدوم وعمورة ، بالقرب من الموضع الذي كان فيه إبراهيم .
فلما صار لوط إلى مدينة سدوم وعمورة ونزلها أتاه ملك تلك الناحية ، فقاتله ،
وأخذ ماله ، فمضى ابراهيم حتى استنقذ ماله .
ووسع الله ، عزوجل ، على إبراهيم في كثرة المال ، فقال : رب ما أصنع
بالمال ، ولا ولد لي ؟ فأوحى الله ، عزوجل ، إليه : اني مكثر ولدك ، حتى
يكونوا عدد النجوم .
وكان لسارة جارية يقال لها هاجر ، فوهبتها لابراهيم ، فوقع عليها ،
فحملت ، وولدت إسماعيل ، وإبراهيم يومئذ ابن ست وثمانين سنة ، وقال الله :
إني مكثر ولدك وجاعل فيهم الملك الباقي مدى الدهر ، حتى لايدري أحد ما
عددهم .
فلما ولدت هاجر غارت سارة ، وقالت : اخرجها عني وولدها !
فأخرجها ، ومعها اسماعيل ، حتى صار بهما إلى مكة ، فأنزلهما عند البيت الحرام ،
وفارقهما ، فقالت له هاجر : على من تدعنا ؟ قال : على رب هذه البنية !
فقال : اللهم إني أسكنت ابني بواد غير ذي زرع ، عند بيتك المحرم .
ونفد الماء الذي كان مع هاجر ، فاشتد باسماعيل العطش ، فخرجت هاجر
تطلب الماء ، ثم صعدت إلى الصفا ، فرأت بقربه طائرا واقفا ، فرجعت ، فإذا
بالطائر قد فحص برجله الارض ، فخرج الماء ، فجمعته لئلا يذهب ، فهي
بئر زمزم .
وعمل قوم لوط المعاصي ، وكانوا يأتون الذكران من العالمين ، وذلك أن
إبليس ، لعنه الله تعالى ، تراءى لهم في صورة غلام أمرد ، ثم أمرهم أن ينكحوه ،
فاشتهوا ذلك حتى تركوا نكاح النساء ، وأقبلوا على نكاح الذكران ، فنهاهم لوط ،
فلم ينتهوا ، وجاروا في الاحكام حتى ضرب بهم في الجور المثل ، وقالوا :
أجور من حكم سدوم ! وكان الرجل منهم ، إذا نال أحدا بمكروه ، فضربه ،
أو سحه ، قال له : أعطنى أجرا على فعلي بك . وكان لهم حاكمان يقال لهما
ـ 26 ـ
شقرى وشقروني يحكمان بالجور والظلم والعدوان .
ولما كثر عمل قوم لوط وجورهم بعث الله ، عزوجل ، ملائكة لهلاكهم ،
فنزلوا بإبراهيم ، وكان يضيف الاضياف ، ويعمل القرى ، فلما نزلوا به
قرب إليهم عجلا مشويا ، فلما رآهم لايأكلون نكرهم ، فعرفوه بأنفسهم ،
وقالوا : إنا رسل ربك لهلاك أهل هذه القرية ، يعنون سدوم القرية التي كان فيها
قوم لوط ، فقال لهم إبراهيم : إن فيها لوطا ، قالوا : نحن أعلم بمن فيها ،
لننجينه وأهله ، إلا امرأته .
وكانت سارة امرأة إبراهيم واقفة ، فعجبت من قولهم ، فبشروها بإسحاق
فقالت : أألد وأنا عجوز ، وهذا بعلي شيخ كبير ؟ وكان ابراهيم ابن مائة سنة ،
وهي بنت تسعين ، فلما أتوا إلى لوط ، ورأتهم امرأته دخنت لقومها ، فجاءوا
إلى لوط ، فقالوا : ادفع إلينا أضيافك ! فقال : لاتفضحون في ضيفي ! فلما
أكثروا صدهم جبريل ، فأعماهم ، فقالوا له : إنا مهلكوهم . قال : فمتى ؟
قالوا : الصبح . قال : تؤخرونهم إلى الصبح ؟ قال له جبريل : أليس الصبح
بقريب ؟ فلما كان السحر قال له جبريل : اخرج ، ثم قلبها عليهم . ويقال
نزلت عليهم نار ، فلم ينج منهم أحد ، وكانت امرأة لوط فيهم فمسخت ملحا ،
فما بقي منهم مخبر .
ووهب الله لابراهيم اسحاق بن سارة ، فعجب الناس من ذلك ، وقالوا :
شيخ ابن مائة سنة ، وعجوز بنت تسعين سنة ! فخرج إسحاق أشبه شئ بإبراهيم .
وكان إبراهيم يزور اسماعيل وأمه في كل وقت . وبلغ اسماعيل حتى صار
رجلا ، ثم تزوج امرأة من جرهم ، فزاره ابراهيم مرة ، فلم يلقه ، وكانت
أمه قد ماتت ، فكلم امرأته فلم يرض عقلها ، وسألها عن اسماعيل ، فقالت :
في الرعي ! فقال : إذا جاء فقولي له غير عتبة بابك ! فلما انصرف اسماعيل من
رعيه قالت له امرأته : قد جاء هنا شيخ يسأل عنك . فقال اسماعيل : فما قال
لك ؟ قالت قال لي : قولي له غير عتبة بابك . قال : أنت خلية ! فطلقها ،
ـ 27 ـ
وتزوج الحيفاء بنت مضاض الجرهمية ، فعاد إليهم إبراهيم من الحول ، فوقف
ببيت اسماعيل ، فلم يجده ، ووجد امرأته ، فقال : كيف حالكم ؟ قالت :
بخير ! قال : هكذا فليكن ! أين زوجك ؟ قالت : ليس بحاضر ، انزل !
قال : لايمكنني . قالت : فأعطني رأسك أقبله ! ففعل ذلك ، وقال : إذا جاء
زوجك فأقرئيه السلام ، وقولي له : تمسك بعتبة بابك . فلما انصرف جاء
اسماعيل ، فأخبرته امرأته بخبر ابراهيم ، فوقع على موضع قدمه يقبلها .
ثم إن الله تعالى أمر ابراهيم أن يبني الكعبة ، ويرفع قواعدها ، ويؤذن في
الناس بالحج ، ويريهم مناسكهم ، فبنى ابراهيم واسماعيل القواعد حتى انتهى
إلى موضع الحجر ، فنادى إبراهيم أبوقبيس : ان لك عندي وديعة ! فأعطاه
الحجر ، فوضعه ، وأذن إبراهيم في الناس بالحج ، فلما كان يوم التروية
قال له جبريل : ترو من الماء ، فسميت التروية ، ثم أتى منى ، فقال له : بت
بها ، ثم أتى عرفات ، فبنى بها مسجدا بحجارة بيض ، ثم صلى به الظهر والعصر ،
ثم عمد به إلى عرفات ، فقال له : هذه عرفات فاعرفها ، فسميت عرفات .
ثم أفاض به من عرفات ، فلما حاذى المأزمين قال له : ازدلف ، فسميت
المزدلفة ، وقال له : اجمع الصلاتين ، فسميت جمع ، وصار إلى المشعر ،
فنام عليه ، فأمره الله أن يذبح ابنه ، فالرواية تختلف في اسماعيل وإسحاق ،
فيقول قوم : إنه اسماعيل لانه الذي وضع داره وبيته وإسحاق بالشأم ، ويقول
قوم : إنه إسحاق لانه أخرجه وأخرج أمه معه ، وكان يومئذ غلاما ، واسماعيل
رجل قد ولد له .
وقد كثرت الروايات في هذا وهذا ، واختلف الناس فيهما ، فلما أصبح
ابراهيم صار إلى منى وقال للغلام : زورني بالبيت ، وقال لابنه : إن الله أمرني
أن أذبحك ! فقال : يا أبت افعل ما تؤمر ! فأخذ السكين ، وأضجعه على
جمرة العقبة ، وطرح تحته قرطان حمار ، ثم وضع الشفرة على حلقه ، وحول
وجهه عنه ، فقلب جبريل الشفرة ، فنظر إبراهيم ، فإذا الشفرة مقلوبة ، ففعل
ـ 28 ـ
ذلك ثلاث مرات ، ثم نودي : يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا .
وأخذ جبريل الغلام ، وانحط الكبش من قلة ثبير ، فوضعه تحته ، فذبحه ،
فأهل الكتاب يقولون : إنه كان إسحاق ، وإنه فعل به هذا في برية الاموريين
بالشأم ، فلما فرغ إبراهيم من حجه وأراد أن يرتحل أوصى إلى ابنه اسماعيل
أن يقيم عند البيت الحرام ، وأن يقيم للناس حجهم ومناسكهم ، وقال له :
إن الله مكثر عدده ، ومثمر نسله ، وجاعل في ولده البركة والخير .
وتوفيت سارة عند مصيرهم إلى الشأم ، فتزوج إبراهيم قطورة ، فولدت
له أولادا كثيرا ، وهم : زمرن ، ويقشن ، ومدن ، ومدين ، ويشباق ، وشوح .
وتوفي إبراهيم ، وكانت وفاته يوم الثلاثاء لعشر خلون من آب ، وكانت حياته
مائة وخمسا وتسعين سنة .
إسحاق بن إبراهيم
ولما توفي ابراهيم بالشأم قام اسحاق بعده وتزوج رفقا بنت بتوئيل ، فحملت
فثقل حملها ، فأوحى الله ، عزوجل ، إلى إسحاق : اني مخرج من بطنها شعبين
وأمتين ، فأجعل الاصغر أعظم من الاكبر ! فولدت رفقا عيصو ويعقوب
توأمين ، وخرج عيصو أولا ، وخرج يعقوب بعده ، وعقبه مع عقب عيصو ،
فسمي يعقوب .
وكان اسحاق يوم ولد له ابن ستين سنة ، وكان إسحاق يحب عيصو ،
ورفقا تحب يعقوب ، وسكن إسحاق وادي جارر ، وكان قد ذهب بصره ،
فقال لابنه عيصو : خذ سيفك وقوسك ، واخرج ، فصد لي صيدا حتى آكل
وأبارك عليك قبل أن أموت ، فسمعت رفقا أمه ذلك ، فقالت ليعقوب : اصنع
ـ 29 ـ
لابيك طعاما ! اذهب إلى الغنم ، فخذ جديين ، فاصنع طعاما ، وقربه لابيك ،
حتى تقع عليك البركة . فقال : أخاف أن يلعنني . فقالت : إن لعنك كانت
لعنتك علي . فمضى يعقوب ، وأخذ جديين ، فذبحهما ، وطبخهما ، وقربهما
إليه .
وكان عيصو مشعر الذراع ، فأخذ يعقوب جلد الجديين ، فوضعهما على
ساعديه ، فلما قرب الطعام من أبيه قال : النغمة نغمة يعقوب ، والمسحة مسحة
عيصو . ثم بارك عليه ، ودعا له ، وقال له : كن رأسا على إخوتك .
وجاء عيصو بصيده ، فقال له اسحاق : من قدم إلي الطعام ، فباركته ،
ومباركا يكون ؟ قال : خدعني أخي يعقوب ! قال له إسحاق : قد جعلته رأسا
عليك ، وعلى إخوته . ثم دعا له ، وقال : على سمية الارض تنزل .
وأمر إسحاق يعقوب أن يصير إلى حران ، فيكون عند لابان بن بتوئيل بن
ناحور ، أخي إبراهيم ، وخاف اسحاق عيصو عليه ، وأمره أن لايتزوج
من نساء ا لكنعانيين ، فصار إلى حران إلى خاله لابان ، فكانت حياة اسحاق مائة
وخمسا وثمانين سنة .
يعقوب بن إسحاق
ثم إن إسحاق قال ليعقوب : إن الله قد جعلك نبيا ، وجعل ولدك أنبياء ،
وجعل فيك الخير والبركة ، وأمره أن يسير إلى الفدان ، وهو موضع بالشأم ،
فسار إلى الفدان ، فلما دخلها رأى امرأة معها غنم على البئر تريد أن تسقي غنمها ،
وعلى رأس البئر حجر لايرفعه إلا عدة رجال ، فسألها : من هي ؟ فقالت :
أنا بنت لابان ، وكان لابان خال يعقوب ، فزحزح يعقوب الحجر ، وسقى لها ،
ـ 30 ـ
وسار إلى خاله ، فزوجه إياها ، فقال يعقوب : إن التي كانت مسماة لي راحيل
أختها . فقال : هذه أكبر ، وأنا أزوجك أيضا راحيل ، فتزوجهما جميعا .
ودخل بليا أولا ، فأولدها روبيل ، وشمعون ، ولاوي ، ويهوذا ، ويشاجر ،
وزفولون ، وجارية يقال لها دينا ، ثم زوجه خاله بابنته الاخرى ، وهي راحيل ،
فأبطأ عليها الولد ، حتى عظم ذلك عليها ، ثم وهب الله ، سبحانه وتعالى ،
يوسف ، وبنيامين .
ووقع يعقوب بزلفا جارية كانت لليا ، فولدت منه كاذ ، وآشر ، ونفتالي .
ووقع بوليدة راحيل ، فولدت دان ، وقال قوم إن يعقوب تزوج راحيل
قبل ليا ، وقال أهل الكتاب تزوجهما جميعا في وقت واحد ، فماتت راحيل ،
وبقيت ليا .
وكان يوسف أحب ولد يعقوب إلى يعقوب لانه كان أجملهم وجها ،
وكانت أمه أحب نسائه إليه ، فحسده إخوته ذلك ، فأخرجوه معهم ، وكان من
خبرهم ما قصه الله ، عزوجل ، في كتابه العزيز ، حتى بيع ، واستعبد ، وغاب
عن أبيه أربعين سنة ، ثم رده الله ، سبحانه ، عليه ، وجمعهم ويوسف بمصر
على ماقد قصه الله في كتابه .
وولد ليوسف بمصر عدة أولاد ، فأقام يعقوب بمصر سبع عشرة سنة ،
ولما حضرته الوفاة أوصى يوسف ولده ألا يدفنه بمصر ، وتوفي وله مائة
وأربعون سنة .
ـ 31 ـ
ولد يعقوب
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 31 سطر 1 الى ص 40 سطر 25
ولد يعقوب
وكان ليعقوب من الولد اثنا عشر ذكرا : روبيل ، وشمعون ، ولاوي ،
ويهوذا ، ويشاجر ، وزفولون ، ويوسف ، وبنيامين ، وكاذ ، وآشر ، ودان ،
ونفتالي ، فهؤلاء بنو يعقوب ، وهم بنو إسرائيل ، وهم الاسباط .
وكان لروبيل من الولد : خنوخ ، وفلو ، وحصران ، وكرمي .
وكان لشمعون من الولد : نموئيل ، ويامين ، وشاوول .
وكان للاوي من الولد : جرشون ، وقهث ، ومراري .
وكان ليهوذا من الولد : عار ، وأونان ، وشيلا ، وفارص ، وزارح .
وكان ليشاجر من الولد : تولع ، وفوا ، ويوب ، وشمرون .
وكان لآشر من الولد : يمنا ، واشوا ، وأشوي ، وبريعا ، وسارح .
وكان لزفولون من الولد : سارد ، وايلون ، ويحلائيل .
وولد ليوسف بأرض مصر : افرائيم ، ومنشى .
وكان لبنيامين : بالع ، وبخر ، واشبال ، ونعمان ، واوخي ، ومقيم ،
وحفيم ، وارد .
وكان لكاذ من الولد : صفيان ، وشوني ، واصبون ، وعاري ، وارودي ،
وارايلي .
وكان لنفتالي من الولد : يحصيل ، وغوني ، ويبصر ، وشاليم .
فهؤلاء أولاة يعقوب وولد ولده ، الذين اجتمعوا بمصر عند يوسف ،
مع ولدي يوسف اللذين ولدا بمصر ، وأعطاهم أرضا ، وقال : ازرعوا ،
فما خرج فلفرعون الخمس .
ولما حضرت يعقوب الوفاة جمع ولده وولد ولده ، فبارك عليهم ، ودعا
ـ 32 ـ
لهم ، وقال لكل واحد منهم قولا ، وأعطى ليوسف سيفه وفوسه .
وقرب إليه يوسف ابنيه منشى وافرائيم . فصير منشى عن يمينه وافرائيم
عن شماله ، لان منشى كان أكبر ، فقلب يده اليمنى على افرائيم ، وأوصى
يوسف أن يحمله ويدفنه إلى جنب قبر إبراهيم وإسحاق .
ولما توفي يعقوب قاموا يبكون عليه سبعين يوما ، ثم حمله يوسف ، وأخرج
معه غلمانا من أهل مصر ، وصار به إلى أرض فلسطين ، فدفنه إلى جنب قبر
إبراهيم وإسحاق .
ولما فرغوا من دفن يعقوب قال لاخوته : ارجعوا معي إلى أرض مصر !
فخافوه ، فقالوا له : قد أوصاك أبوك يعقوب أن تغفر خطيئتنا . قال : لاتخشوني !
فإني أخشي الله . فاطمأنت قلوبهم ، فرجعوا إلى أرض مصر ، فأقاموا بها .
وعاش يوسف بمصر دهرا ، ثم حضرته الوفاة ، فجمع بني إسرائيل ،
وقال : إنكم تخرجون بعد حين من أرض مصر ، إذا بعث الله رجلا يقال له
موسى بن عمران من ولد لاوي بن يعقوب ، وسيذكركم الله ، ويرفعكم ،
فأخرجوا بدني من هذه الارض ، حتى تدفنوني عند قبور آبائي .
ومات يوسف وله مائة وعشر سنين ، فصير في تابوت حجارة ، وصير
في النيل .
وكان في ذلك العصر أيوب النبي ابن أموص بن زارح بن رعوئيل بن عيصو
ابن إسحاق بن ابراهيم ، وكان كثير المال ، فابتلاه الله تعالى بخطيئة أخطأها ،
فشكر الله وصبر ، ثم رفع الله عنه البلاء ، ورد إليه ماله وأضعف له .
ـ 33 ـ
موسى بن عمران
وولد موسى بن عمران بن قهث بن لاوي بن يعقوب بمصر في زمان فرعون
الجبار ، وهو الوليد بن معصب ، ويقال : كان اسمه ظلمي ، وبنو إسرائيل يومئذ
بمصر قد أقاموا من زمان يوسف في الرق والعبودية .
وكان سحرة فرعون وكهنته قد قالوا له : يولد في هذا الوقت مولود من بني
إسرائيل يفسد عليك ملكك ، ويكون بن هلاكك . وكان فرعون قد ملك مصر
دهرا طويلا ممتعا بالسلامة ، حتى قال : أنا ربكم الاعلى ، فأمر فرعون ،
فوضع على كل امرأة حامل من بني إسرائيل حرسا ، فكانت لاتلد منهن امرأة
غلاما إلا قتل ولدها ، فلما جاء أم موسى المخاض قالت لها القابلة : إني أكتم
عليك ! فلما ولدت قالت للحرس : إنما خرج منها دم .
وأوحى الله إلى أم موسى أن اعملي تابوتا ، ثم ضعيه فيه ، وأخرجيه ليلا ،
فاطرحيه في نيل مصر ! ففعلت ذلك ، وضربته الريح ، فطرحته إلى الساحل ،
فرأته امرأة فرعون ، فدنت منه حتى أخذته ، فلما فتحت التابوت ورأت موسى
وقع عليه منها محبة ، فقالت لفرعون : نتخذه ولدا ، وطلبت له من ترضعه ،
فلم يأخذ من المرضعات ، حتى جاءت أمه ، فأخذ منها ، وشب أحسن شباب ،
وبلغ في أسرع وقت ما لايبلغ الصبيان .
وكان يوسف قد قال لبني إسرائيل : إنكم لن تزالوا في العذاب حتى يأتي
غلام جعد ، من ولد لاوي بن يعقوب ، يقال له موسى بن عمران . فلما طال
الامر على بني إسرائيل ضجوا وأتوا شيخا منهم ، فقال لهم : كأنكم به !
فبيناهم في ذلك إذ وقف عليهم موسى ، فلما رآه الشيخ عرفه بالصفة ، فقال له :
ما اسمك فقال : موسى . قال : ابن من ؟ قال : ابن عمران . فقام هو والقوم
ـ 34 ـ
وقبلوا يديه ورجليه ، واتخذهم شيعة .
ودخل يوما مدينة من مدائن مصر ، فإذا رجل من شيعته ينازع رجلا من آل
فرعون ، فوكزه موسى ، فقتله ، ونذر به فرعون وآل فرعون وأرادوا قتله ،
فلما علم ذلك خرج وحيدا على وجهه ، حتى صار إلى مدين ، وأجر نفسه من
شعيب النبي ابن نويب بن عيا بن مدين بن ابراهيم على أن ينكحه إحدى ابنتيه .
فلما قضى موسى الاجل سار بامرأته يريد بيت المقدس ، على ما قص الله ،
عزوجل ، من خبره في كتابه العزيز ، فبينا موسى يسير في طريقه إذ رأى نارا ،
فقصد نحوها ، وخلف أهله ، فلما دنا منها إذا شجرة تضطرم من أسفلها إلى
أعلاها نارا ، فلما دنا منها تأخرت نفسه ، ووجل واشتد رعبه ، فناداه الله
جل وعلا : يا موسى أقبل لاتخف ! إنك من الآمنين . فسكن عنه رعبه ،
وأمره الله أن يلقي عصاه ، فألقاها ، فإذا هي حية كالجذع ، فأمره الله أن
يأخذها ، فصارت عصا .
وبعثه الله تعالى إلى فرعون ، وأمره أن يأتيه ، ويدعوه إلى عبادة الله ، فعظم ذلك
في قلب موسى ، فقال الله : إني آمرك إلى عبد من عبيدي بطر نعمتي وأمن
مكري ، وزعم أنه لايعرفني ، وإني أقسم بعزتي لولا العدل والحجة التي وضعتها
بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار تغضب لغضبه السموات والارض .
فقال : اللهم اشدد عضدي بأخي هارون ، وإني قتلت منهم نفسا ، فأخاف أن
يقتلون ( 1 ) ! فقال له الله : قد فعلت ذلك ، فاذهب أنت وأخوك بآياتي ، فأخرجا
بني إسرائيل ! هذا أوان إخراجي إياهم من الرق والعبودية . فرد موسى
امرأته إلى أبيها ، وصار إلى فرعون هو وأخوه هارون ، وأعلمه ما بعثه الله به ،
وخبر بني إسرائيل ، فعظم سرورهم ، وعلموا أن يوسف صدقهم .
ثم ساروا إلى باب فرعون ، وعليه مدرعة صوف ، وفي وسطه حبل ليف ،
وفي يده عصا ، فمنع من الدخول ، فضرب الباب بالعصا ، فانفتحت الابواب ،
* ( هامش ) * 1 ان يقتلون : أراد ان يقتلوني ، فوقف على النون ( * ) .
ـ 35 ـ
ثم دخل ، فقال لفرعون : أنا رسول رب العالمين ، بعثني إليك لتؤمن به ،
وتبعث معي بني إسرائيل . فأعظم فرعون ذلك ، فقال له : إيت بآية نعلم بها
صدقك ! فألقى عصاه ، فإذا هي ثعبان عظيم قد فتح فاه ، وأهوى نحو فرعون ،
فسأل موسى أن ينحيه عنه ، ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها بيضاء من غير
سوء برص .
وكان فرعون أراد أن يصدقه ، فقال له هامان : أما في عبيدك ، أيها الملك ،
من يعمل مثل هذا ؟ فأحضر السحرة من جميع البلاد ، وخبروا بخبر موسى ،
فأقاموا حينا يعملون من جلود البقر حبالا مجوفة وعصيا مجوفة ، ويزوقونها ،
ويصيرون فيها الزيبق ، ثم أحموا المواضع التي أرادوا أن يلقوا فيها الحبال
والعصي ، ثم جلس فرعون ، وأحضره ، فألقى السحرة حبالهم وعصيهم ،
فلما حمي الزيبق تحرك ، ومشت الحبال والعصي ، فألقى موسى عصاه ، فأكلت
ذلك كله ، حتى لم يبق منه شئ ، ونكص السحرة ، فقتل فرعون من قتل منهم .
وبعث الله موسى بآيات إلى فرعون : العصا ، ثم اليد التي خرجت من
جيبه بيضاء ، ثم الجراد ، ثم القمل ، ثم الضفادع ، ثم الدم وموت الابكار ،
فلما اتصل بهم هذا قال له فرعون : إن كشفت عنا الرجز آمنا وأخرجنا معك
بني إسرائيل . فكشف الله عنهم ، ولم يؤمنوا .
وأمر الله موسى أن يخرج بني إسرائيل ، فلما أرادوا الخروج طلب جسد
يوسف بن يعقوب ليحمله معه ، كما أوصى يوسف بني إسرائيل ، فأتته شارح
بنت آشر بن يعقوب ، فقالت : تضمن لي البقاء حتى أدلك عليه ؟ حتى ضمن ذلك
لها فصارت به إلى موضع من النيل ، فقالت له : هو هاهنا ! فأخذ موسى أربع
صفائح ذهب ، فصور في واحدة صورة نسر ، وأخرى صورة سبع ، وأخرى
صورة إنسان ، وأخرى صورة ثور ، وكتب في كل صفيحة اسم الله الاعظم ،
وألقاها في الماء ، فطفا تابوت الحجارة الذي كان فيه جسد يوسف ، وبقيت
في يد موسى صفيحة واحدة فيها صورة ثور ، فوهبها لشارح بنت آشر ،
ـ 36 ـ
وحمل التابوت .
وقفل موسى ببني إسرائيل ، وهم ستمائة ألف إنسان بالغ ، واتبعه فرعون
وجنوده ، فغرقهم الله جميعا ، وكانوا ألف ألف فارس ، وقيل هبط جبريل ،
وفرعون وأصحابه يحاولون الدخول اثرهم ، وإذ قد نزل جبريل بعد أن لم يجزع
من خيل فرعون فرس واحد ، وكان تحت جبريل مهرة ، وكان تحت فرعون
فرس طويل الذنب ، فدخل جبريل البحر ، فنظر فرس فرعون إلى مهرة جبريل ،
فاقتحم اثرها البحر ، وتبعه أصحابه فغرقوا كلهم ، أعني فرعون وجميع
أصحابه ، وانطبق البحر عليهم ، وصار موسى إلى التيه .
وجعل بنو إسرائيل يستعجلونه ليدخل إلى الارض المقدسة ، فأوحى الله إلى
موسى أنها محرمة عليهم أربعين سنة ، فأقاموا في التيه ، واشتد بهم العطش ،
فأوحى الله إلى موسى أن يضرب بعصاه الحجر ، فقام موسى مغضبا ، فضرب
الحجر ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين يشربون منها ، فأوحى
الله إلى موسى أنك ضربت الحجر قبل أن تقدسني ، ولم تذكر اسمي ، وأنت
أيضا فلا تخرج من التيه ، وأمره أن يبني فيه قبة الزمان ، ويجعل فيها الهيكل ،
ويجعل في الهيكل تابوت السكينة ، ويكون هارون كاهن ذلك الهيكل الذي
لايدخله غيره ، فجمع غزول نساء بني إسرائيل ، فنسجت ، وجمع الحلي ،
وعمل سرادقا طوله مائة ذراع في صدره الهيكل وفي صدر الهيكل تابوت السكينة .
وكان عمله ذلك في السنة الثانية من خروجه من مصر ، وجعل فيها مائدة من
ذهب ، وجعل للقبة أجراس ذهب ، وكلل القبة بالجوهر ، وجعل فيها مجمرة
ذهب للدخنة ، وجعل فيها منارة ذهب مكللة بالجوهر ، فكان هارون وحده
يدخل القبة ويقدس الله ، وموسى على الستر ، وسائر بني اسرائيل في السرادق .
وكانت غمامة تجلل القبة ، ولا تبرحها ، وأمرهم الله أن يقربوا قربانهم ،
وقال لموسى : قل لبني إسرائيل يقربون قربانا سليما من العيوب من البقر والغنم ،
ويجعلون شحم القربان على المذبح ، وينضحون الدم أيضا عليه ، وما كان من
ـ 37 ـ
القربان فهو حل لبني هارون خاصة ، حرام على غيرهم ، ومن أذنب منهم ذنبا ،
فليقرب قربانا لله عند المذبح على قدر ما يجد بقرا ، أو غنما ، أو شفنينين ،
أو فرخي حمام .
فأوحى الله عزوجل إلى موسى أن يكتب العشر الآيات في لوحي زمرد ،
فكتبها على ما أمره الله ، وهذه العشر الآيات :
قال الله : إني أنا الرب الذي أخرجتك من أرض بيت الرق والعبودية ، ولا
يكون لك إله آخر دوني ، ولاتتخذ تمثالا ، ولا صنما مشبها بي من فوق السماء ،
ولاتحت الارض ، ولاتسجد لها ، ولا تعبدها من أجل أنا الرب الملك القاهر قاضي
ديون الآباء عن الابناء ، نقمي على الثلاث والرباع لمبغضي ، وأصنع نعمي لمحبي
وحافظ وصيتي إلى ألوف الآلاف من المحبين لي ، الحافظين لوصيتي .
لاتحلف باسم الرب كاذبا لان الله لايزكي من حلف باسمه كاذبا .
واذكر يوم السبت لتطهره ، اعمل ستة أيام ، واسع في أعمالك كلها ، واليوم
السابع سبت الرب إلهك لاتعمل فيه شيئا من الاعمال أنت وابنك وابنتك وعبدك
وأمتك ونعمك وبهائمك والساكن في قراك ، لانه في ستة أيام خلق الله السماء
والارض والنجوم وجميع ما فرع في السماء ، فلهذا بارك الله اليوم السابع
وطهره .
وأكرم أباك وأمك لتطول أيامك في الارض التي أعطاكها الرب إلهك .
ولاتقتل .
ولاتزن .
ولاتسرق .
ولاتشهد على صاحبك شهادة كاذبة .
ولاتشته بيت صاحبك ولا زوجة صاحبك ، ولا عبده ، ولا أمته ، ولا
ثوره ، ولاحماره ، ولا شيئا من مال صاحبك .
وصعد موسى طور سيناء فأقام أربعين يوما ، فكتب التوراة ، فاستبطأه بنو
ـ 38 ـ
إسرائيل ، فقالوا لهارون : إن موسى قد ذهب ، ولا نظنه يرجع . ثم عمدوا
إلى حلي نسائهم ، فعملوا منها عجلا مجوفا ، وكانت الريح تدخله فتخور فيه ،
فقال الله لموسى : إن بني إسرائيل قد اتخذوا عجلا وعبدوه من دوني ، فدعني
أهلكهم . فدعا لهم موسى ، وقال : يا رب ! احفظ فيهم ابراهيم وإسحاق
ويعقوب ، ولاتشمت بهم أهل مصر .
وهبط موسى من الجبل بعد أربعين يوما ، فلما رأى العجل ورآهم عكوفا
عليه ، اشتد غضبه ، فألقى الالواح ، فكسرها ، وأخذ برأس أخيه هارون ،
فنظر إلى العجل يخور ، فكسره وسحقه ، حتى صيره كالتراب ، وذراه في الماء ،
وقال لبني لاوي : جردوا سيوفكم واقتلوا من قدرتم عليه ممن عبد العجل !
فجرد بنو لاوي سيوفهم ، وقتلوا في ساعة واحدة خلقا عظيما ، وقال الله لهم :
أبيدوا من اتخذ إلها غيري .
وأمر الله موسى أن يعد بني إسرائيل ، ويجعل على كل سبط رجلا خيرا ،
فاضلا ، وكان عددهم ممن بلغ العشرين سنة ، فما فوقها إلى الستين ، ممن
يحمل السلاح : ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين رجلا ، وكان
عده إياهم بعد خروجهم من مصر بسنتين ، فكان رئيس بني يهوذا نحشون بن
عمينذاب ، وعدد من معه من سبطه أربعة وسبعون ألفا وستمائة رجل .
ورئيس بني يشاجر نثنيل بن صوعر ، وعدد من معه أربعة وخمسون ألفا
وأربعمائة رجل .
ورئيس سبط زبلون الياب بن حيلون ، وعدد من معه سبعة وخمسون ألفا
وأربعمائة رجل .
ورئيس سبط بني روبيل اليصور بن شذياور ، وعدد من معه سبعة وأربعون
ألفا وخمسمائة رجل .
ورأس بني شمعون شلوميال بن صوري شذاي ، وعدد من معه تسعة
وخمسون ألف رجل وثلاثمائة رجل .
ـ 39 ـ
ورأس بني كاذ اليسف بن دعوال ، وعدد من معه خمسة وأربعون ألفا
وستمائة وخمسون رجلا .
ورأس بني افرائيم اليشمع بن عميهوذ ، وعدد من معه أربعون ألفا وخمسمائة
رجل .
ورأس بني منشا جمليال بن فداصور ، وعدد من معه اثنان وثلاثون ألفا
ومائتا رجل .
ورأس بني بنيامين ابيذان بن جذعوني ، وعدد من معه خمسة وستون ألفا
وأربعمائة رجل .
ورأس بني دان اخيعازر بن عميشذاي ، وعدد من معه اثنان وثلاثون ألفا
وسبعمائة رجل .
ورأس بني آشر فجعيال بن عنحرن ، وعدد من معه أحد وأربعون ألفا
وخمسمائة رجل .
ورأس سبط نفتالي اخيرع بن عينان ، وعدد من معه ثلاثة وخمسون ألفا
وأربعمائة رجل .
وكان بنو لاوي خدام قبة الزمان وحرسها ، فلم يدخلوا معهم ، وكانوا
مخصوصين بالكرامة والقدس ، وخدمة قبة الزمان والتطهير ، فهذا عدد بني
إسرائيل واسم رئيس كل سبط منهم ، وما كان معه من سبط على ما في السفر
الرابع من التوراة .
وأمر الله ، سبحانه ، موسى أن يقول لرؤساء أسباط بني إسرائيل أن
يقرب كل عظيم منهم قربانا ، فكان قربان كل رجل منهم صحفة فضة من
مائة وثلاثين مثقالا ، ومصفاة فضة من سبعين مثقالا ، وملء الصحفة سميذ
ملتوت بدهن ، ومدهن ذهب من عشرة مثاقيل مملوءا طيبا ، وثورا ، وكبشا ، وحملا
حوليا ، وحولية من المعزى . وكان الذبح الكامل ثورين وخمسة أكبش وخمسة
جداء وخمسة حملان حولية .
ـ 40 ـ
وأمر الله ، عزوجل ، موسى أن يقول لبني إسرائيل أن يذبحوا بقرة صفراء
مسلمة لا عيب فيها ، ثم يأخذ دمها فيرشه على حبال قبة الزمان ، ثم يحرقها
وجلدها ، ثم ليأت رجل آخر ، فليجمع الرماد ، وليصيره في موضع ، فإذا
أراد أحد أن يطهر ، فليجعل في الماء من ذلك الرماد ، فيكون طهورا .
وأقام موسى وبنو إسرائيل في التيه دهرا ، وكان طعامهم المن ، وكان المن
مثل حب الكسبرة يطحنونه بالارحاء ويجعلونه أرغفة ، فيكون طعامهم طيبا
أطيب من كل شئ ، وكان ينزل عليهم بالليل ، ويجمعونه بالنهار ، فضجوا
وبكوا ، وجعلوا يقولون : من يطعمنا لحما ؟ أما تذكرون ما كنا نأكل بمصر
من النون ، والقثاء ، والبطيخ ، والكراث ، والبصل ، والفوم ؟ فاشتد غم
موسى لذلك ، وجعلوا يقولون : أطعمنا لحما ! فقال موسى : اللهم إني
لا أقوى على بني إسرائيل ! فأوحى الله إليه إني مطعمكم لحما ، فبعث لهم
السلوى ، وأعلمهم الله أنه يخرجهم إلى الشأم ، فبعث موسى إلى الشأم بيوشع
ابن نون وغيره إلى أرض بني كنعان ليأتوه بخبرها ، فقالت بنو إسرائيل : لاطاقة
لنا بحرب الجبابرة .
وأذن الله لموسى أن ينتقم من أهل مدين ، فوجه باثني عشر ألف رجل من
بني إسرائيل ، فقتلوا جميع أهل مدين ، وقتلوا ملوكهم ، وكانوا خمسة ملوك :
أوي ، ورقم ، وصور ، وحور ، وربع ، وقتل بلعام بن باعور في الحرب ،
وكان نبيا ، فأشار على ملك مدين أن يوجه بالنساء على عسكر بني إسرائيل ،
حتى يفسدوهم ، فغضب موسى من ذلك ، فأمر الله موسى أن يقسم تلك الغنائم
بين بني إسرائيل ، ويأخذ منهم من كل خمسين واحدا ، فيجعله لله يدفعه إلى
ولد هارون ، ثم أمره الله أن يوجه بني إسرائيل إلى الشام يقاتلون من بها ، فوجه
جيشا عظيما ، فجعلوا يسيرون قليلا قليلا ، وينزلون ، ويقولون : إنا نخاف
الجبارين ! فأقاموا بجبل ساعير ، فقال الله تعالى لموسى : إن بني إسرائيل
عصوا أمري ، فليشتروا الطعام بالثمن ، وليخضعوا الآن لمن كان يخضع لهم .
ـ 41 ـ
وكان ذلك بعد أن قتل موسى سيحون ملك الاموري واستباح أرضه .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 41 سطر 1 الى ص 50 سطر 25
وكان ذلك بعد أن قتل موسى سيحون ملك الاموري واستباح أرضه .
ولما كان في سنة الاربعين من مقامهم في التيه ، وهي برية سينا ، أوحى
الله إلى موسى : إني قابض هارون إلي ، فاصعد به الجبل لتأتي ملائكتي فتقبض
روحه ! فأخذ موسى بيد هارون أخيه ، فلما صعد به الجبل لم يكن معه إلا
اليعازر بن هارون ، فلما صار على الجبل إذ سرير عليه ثياب ، فقال له موسى :
البس يا أخي هذه الثياب المطهرة ، التي أعدها الله لك ، لتلقاه فيها ، فلبسها
هارون ، ثم تمدد على السرير فمات ، وصلى عليه موسى . فلما لم ير بنو
إسرائيل هارون ، ضجوا ، وقالوا : أين هارون ؟ قال لهم موسى : قبضه الله
إليه ، فاضطربوا .
وكان هارون محببا فيهم ، لين الجانب لهم ، فرفعه الله لهم على السرير ،
حتى رأوا وجهه ، فعلموا أنه قد مات ، وكانت سنو هارون يومئذ مائة وثلاثا
وعشرين سنة ، وكان له من الولد أربعة : نادب ، واليهو ، واليعازر ، وايتمر ،
وتوفي في حياته نادب ، واليهو ، وبقي اليعازر ، وايتمر .
وصار اليعازر مكان هارون يقدس في قبة الزمان ، ودعا موسى يوشع
ابن نون ، وقال له : بين يدي بني إسرائيل سر ، وشد قلبك ، فإنك تدخل
ببني إسرائيل إلى أرض بني كنعان التي ورثهم الله ، وهذه التوراة ادفعها
إلى كهنة بني لاوي ، الذين كانوا يقومون بتابوت السكينة ، ووقروا مقام الله ،
واحفظوا وصاياه ، التط بينها لكم في التوراة ، وأوصاهم أن يتبعوا ما فيها ،
وبرك عليهم .
وكان مما أوصى الله عزوجل به لبني إسرائيل على لسان موسى أن قال لهم :
اذكروا اليوم الذي قمتم فيه قدام الله إذ قال الله لي : اجمع هذا الشعب قدامي ،
فأسمعهم كلامي ليخشوني أيام حياتهم ، فقمتم في أسفل الجبل ، والجبل
يتوقد نارا إلى قلب السماء ، وكلمني الله من جوف النار ، فسمعتم الصوت ،
ولم تروا الشبه ، وأوصاكم الله أن تتعلموا العشر الآيات ، وأوصاني أن أعلمكم
ـ 42 ـ
السنن والقضاء ، فتعملوا بذلك في الارض التي تصيرون إليها ، فاحتفظوا بأنفسكم
ولاتصنعوا أصناما مما يشبه ذكرا ، ولا أنثى ، ولا شيئا مما يدب على الارض ،
ولا مما يكون في البحر ، ولا ترفعوا رؤوسكم إلى السماء فتعبدوا النجوم !
إن الله قد أقسم لا أدخل الارض الصالحة ، فأنا ميت بهذه الارض ، ولست
أعبر الاردن ، ولكنكم ستعبرون وتصيرون إلى الارض الصالحة ، التي جعلها
الله لكم ميراثا ، فلا تضلوا ميثاق الله ربكم الذي واثقكم به ، فتصنعوا الاصنام ،
ولاتعملوا أعمال السوء قدام إلهكم لو قد صرتم إلى الارض الصالحة ، فتوشكوا ،
إن عصيتم ، أن تهلكوا ، وتفرقوا بين الشعوب ، وإن عبدتم ما تعمله أيدي البشر
من خشب وحجارة لايبصرون ، وتدعون ، فلا يسمع لكم دعاء ، إن الله
الرحيم بكم يسمع أصواتكم ، وإن من سمع من الله مثل الذي سمعتم ، ورأى
مثل الذي رأيتم ، لاينبغي أن يعصي الله ، قد رأيتم ما صنع الله بأهل مصر ،
وأنتم تنظرون ، فإن الله هو الرب الذي ليس غيره ، الذي بصركم ناره ،
وأسمعكم صوته ، وأحب آباءكم فاجتبى خلوفهم ، وأهلك لكم قوما كانوا
أعظم وأشد منكم ، وإن الله سيدخلكم الارض الصالحة ، ويجعلها ميراثا لكم ،
فاحفظوا سننه التي أوصاكم بها وأمركم بها ليحسن إليكم وإلى خلفكم من
بعدكم ، ويكثر أيامكم في الارض ، اقبلوا وصية الله التي أمركم بها لاتزيغوا
عنها يمينا ولا شمالا ، واسلكوا كل طريق أوصاكم بها ربكم ليحسن إليكم .
أحبوا الله من كل قلوبكم ومن همكم ومالكم ، وقصوهن على أولادكم ،
وأتموها ، واتلوها في بيوتكم ، اجعلوها علامة بين أعينكم ، واكتبوها في
منازلكم ، إن الله سيعطيكم قرى عظاما لم تبنوها ، وبيوتا مملوءة من الخير لم
تملاوها ، وآبارا مطوية لم تحفروها ، وكروما ، وزيتونا لم تغرسوها ، فلا تنسوا
الله ، واخشوه ، واعبدوه ، واحلفوا باسمه ، ولا تتبعوا إلها آخر .
احذروا غضب الله الذي يبيدكم عن وجه الارض ، ولا تخونوا الله ، واقبلوا
أمره ، واعملوا خيرا وصدقا .
ـ 43 ـ
اذكروا إذ كنتم عببدا لفرعون ، فأخرجكم الله بيد شديدة ، وآيات
معجزات عظام ساقت فرعون وأصحابه إلى الهلكة ، وأنتم تنظرون .
إن الله يقول لكم سأعطيكم البلاد الصالحة وأقدركم على الامم التي بين
أيديكم ، وأظفركم بالجبارين ، والجرشيين ، والاموريين ، وا لكنعانيين ،
و الفرازيين ، والحوبيين ، وا لنابلسيين ، هؤلاء السبع الامم الذين هم أكثر
منكم وأشد ، فإذا ظفركم الله بهم ، فاضربوهم ، وارجموهم ، ولاترحموهم ،
ولاتعطوهم ميثاقا ، ولا تنكحوهم بناتكم لكيلا يكونوا لكم عثرة ، فيزيغون
أولادكم عني ، فيعبدون إلها غيري ، فيشتد عليكم غضبي ، فأبيدكم عاجلا ،
ولكن اكسروا أصنامهم ، واعقروا مذابحهم ، واهدموا أنساكهم ، وأوقدوها !
إنكم إن سمعتم وصيتي ، وعملتم بقضاياي ، فسأحفظ لكم نعمكم والميثاق
الذي واثقت آباءكم ، وأكثركم ، وأثمر زرعكم وماشيتكم .
اجعلوا لله نصيبا في أموالكم ، فواسوا منه اليتيم ، والارملة ، والمسكين ،
والضعيف ، والساكن معكم الذي لازرع له .
إذا قضيتم بين اثنين ، فاعدلوا ، ولا تأخذوا الرشا ، فإن الرشوة تعمي
عيون الحكام ، ولا تغرسوا شجرة عند مذبح ، ولاتذبحوا قربانا فيه عيب من ثور
ولاكبش ، واقتلوا من يعمل الاصنام التي تعبد من دون الله ، وإذا بلغكم أن أحدا
يسجد للشمس والقمر والنجوم ، أو شئ من الانوار ، فافحصوا عنه ، فإذا
علمتم صحته ، فارجموه بالحجارة حتى يموت .
ولاتقبلوا في الاحكام الموجبة للقتل شهادة واحد ، ولكن شهادة شاهدين ،
أو ثلاثة ، وإذا شهد الشهود على من يجب عليه القتل ، فليبد الشهود ، فليبسطوا
أيديهم إلى الذي يقتل ، فإذا أشكل عليكم الحكم ، فارجعوا إلى الاحبار والكهان .
ومن قتل رجلا خطأ ، ولم يرده ، فليفر من ولي الدم حتى لايدركه .
ولاتسفكوا دم برئ ، أيما رجل قتل رجلا بريئا تعمدا ، فليقتل ، ولا
تقتلوا أحدا حتى تقوم عليه شهادة عند الحبر ، والقاضي ، فإن وقف القاضي على
ـ 44 ـ
أن أحدا شهد بزور فعل بالشاهد ما أراد أن يفعله بالمشهود عليه ، والنفس بالنفس ،
والعين بالعين ، واليد باليد ، والرجل بالرجل .
وإذا أردتم قتال قوم فأتيتم قريتهم ، فادعوهم إلى السلم ، فإن أجابوكم ،
فاجعلوا عليهم ضريبة ، فإن لم يسلموا قتلتم كل من يحمل السلاح ، ولاتفسدوا
شجرها .
وقال الله عزوجل لموسى : إذا خرجت لقتال عدوك ، فأمكنك الله منهم ،
فرأيت في السبي امرأة ، وأحببت أن تتخذها لنفسك ، فأدخلها إلى بيتك ،
واكشف عن رأسها ، وقص أظفارها ، وانزع عنها ثيابها التي سبيت فيها ،
وأقعدها في بيتك ثلاثة أشهر تبكي على أبيها وأمها ، ثم استحلها ، فإن كرهتها
بعد أن تمسها ، فأخرجها ، ولا تبعها ، ولا تأخذ لها ثمنا بعد أن وقعت عليها .
وأيما ابن عصى أباه ، ولم يطعه ، ولم يقبل أمره ، فليخرجه أبوه إلى
شيوخ سبعة ، فيرجموه حتى يذهب الشر والفظيعة منكم ، ويحذر أمثاله من
بني إسرائيل .
وإذا وجد أحد منكم ضالة قد ضلت من صاحبها من نعجة ، أو ثور ،
أو حمار ، فليردها على صاحبها ، فإن لم يجده ، فليحبسها في بيته حتى يحضر
صاحبها .
ولا تلبسوا ثوبا منسوجا بقطن وصوف جميعا ، واصنعوا خيوطا في أطراف
أكسيتكم .
وأيما رجل قذف امرأته ورماها بفجور ، فلم يصح عليها ، فليغرم مائة
درهم ، وتكون امرأته آخر الدهر ، وإن كان ما قذفها به حقا ، فلترجم .
وأيما رجل وجد يزني بامرأة لها زوج ، فليقتلا كلاهما .
وأيما رجل غلب امرأة على نفسها ، فليقتل الرجل ، وأي رجل وقع على
جارية تكون في حجر أبيها ، فافتضها ، وأحبها ، فليعط أباها خمسين مثقالا
فضة ، ولتكن امرأته آخر الدهر ، ولايخل سبيلها .
ـ 45 ـ
ولايحل لرجل أن يمس امرأة قد مسها أبوه ، ولا ينظر إلى عورتها ،
ولا يدخل الرجل الجنب مسجدا من مساجد الله ، ولا تأكلوا ربا لفضة ،
ولا ذهب ، وإذا نذرتم نذرا ، فلا تؤخروا قضاءه ، وأوفوا بالعهد ، إذا
عاهدتم ، ولاتنقضوا العهد ، فإن الله يحب من وفى بعهده .
اعتزلوا من كان به برص ، وتباعدوا منه ، ولاتحبسوا أجر الاجير ،
ولاتأخذوا أبا بذنب ابنه ، ولا ابنا بذنب أبيه ، وأدوا زكاة أموالكم وثمراتكم
إلى الحبر قربانا ، وأعطوا الفقراء ، والارامل ، واليتامى ، والمساكين ، وبني
السبيل .
وإذا دخلتم الارض الصالحة ، فاعملوا مذبحا للقدس من حجارة مستوية ،
فليقل أحبار بني إسرائيل : ملعون من يضل الاعمى عن الطريق .
ملعون من يحيف في القضاء على المساكين ، واليتيم ، والارملة .
ملعون من يضاجع امرأة أبيه .
ملعون من يضاجع دابة .
ملعون من يضاجع أخته وأمه .
ملعون من يضاجع أم امرأته .
ملعون من يأكل لحم أخيه سرا .
ملعون من يأخذ رشوة في قتل نفس زكية ظلما .
ملعون كل من لم يعمل بوصية الله .
ثم قال لهم موسى : قد بلغتكم وصايا الله ، وعرفتكم أمره ، فاتبعوا ذلك ،
واعملوا به ، فقد أتت لي مائة وعشرون سنة ، وقد حانت وفاتي ، وهذا يوشع
ابن نون القيم فيكم بعدي ، فاسمعوا له وأطيعوا أمره ، فإنه يقضي بينكم بالحق ،
وملعون من خالفه وعصاه .
وكانت بين وفاة هارون إلى أن حضرت موسى الوفاة سبعة أشهر ، ثم صعد
موسى إلى جبل نابون ، فنظر إلى الشأم ، وقال الله له : هذه الارض التي ضمنت
ـ 46 ـ
لابراهيم وإسحاق ويعقوب أن أعطيها خلفهم ، وقد أريتكها بعينك ، ولكنك
لن تدخلها ! فمات موسى في ذلك الموضع ، فقبره يوشع بن نون ، ولم يدر أين
قبره .
انبياء بني إسرائيل وملوكهم بعد موسى
وكان موسى لما حضرته وفاته أمره الله ، عزوجل ، أن يدخل يوشع بن
نون ، وكان يوشع بن نون من شعب يوسف بن يعقوب ، إلى قبة الزمان ،
فيقدس عليه ، ويضع يده على جسده لتتحول فيه بركته ، ويوصيه أن يقوم
بعده في بني إسرائيل ، ففعل موسى ذلك ، فلما مات موسى قام يوشع بعده في
بني إسرائيل ، ثم خرج من التيه بعد وفاة موسى بيوم ، وقال بعض أهل الكتاب :
ثلاثين يوما ، وصار إلى الشأم ، وفيها الجبابرة ، ولد عمليق بن لاود بن سام بن
نوح ، وكان أول من ملك منهم السميدع بن هوبر ، فصار من أرض تهامة إلى
الشأم يريد غزو بني إسرائيل ، فوجه إليه يوشع بن نون من قتله ، ثم قام بعده
من بني أبيه جماعة ، فقتلهم يوشع .
وسار يوشع حتى انتهى إلى البلقاء ، فلقي رجلا يقال له بالق ، وبه سميت
البلقاء ، فجعلوا يخرجون يقاتلونه ، فلا يقتل منهم رجلا واحدا ، فسأل عن ذلك ،
فقيل له : إن في مدينته امرأة منجمة تستقبل الشمس بفرجها ، ثم تحسب ، فإذا
فرغت عرضت عليها الحيل ، فلا يخرج يومئذ من حضر أجله ، فصلى يوشع
ركعتين ، ثم دعا أن يؤخر الله الشمس ساعة ، فأخرت له ساعة ، فاختلط عليها
حسابها ، فقالت لبالق : انظر ما كانوا يسألونك ، فأعطهم ، فإن حسابي قد
اختلط علي ! قال : تصفحي آلتك ، وأخرجي منها ، فإنه لايكون صلح إلا
بقتال ! فتصفحت الحيل على غير علم منها لاختلاط الامر عليها ، فقتلوا قتلة
ـ 47 ـ
لم يقتلها قوم ، فسألوا يوشع الصلح ، فأبى عليهم ، حتى يدفعوا إليه المرأة ،
فقال بالق : لا أدفعها ! فقالت : ادفعني إليه ! فدفعها إليه ، وصالح ، فقالت له :
هل تجد فيما أنزل على صاحبك قتل النساء ؟ قال : لا ! قالت : فإني قد دخلت
في دينك . قال : فاسكني في مدينة أخرى ! فأنزلها مدينة أخرى .
ولما افتتح يوشع بن نون البلقاء أكثر بنو إسرائيل الزناء ، وشرب الخمور ،
ووقعوا على النساء ، وكثرت فيهم الفاحشة ، فعظم ذلك على يوشع بن نون ،
وخوفهم الله ، وحذرهم سطوته ، فلم يحذروا ، فأوحى الله ، عزوجل ، إلى
يوشع بن نون : إن شئت سلطت عليهم عدوهم ، وإن شئت أهلكتهم بالسنين ،
وإن شئت بموت حثيث عجلان . فقال : هم بنو إسرائيل ، ولا أحب أن تسلط
عليهم عدوهم ، ولايهلكوا بالسنين ، ولكن بموت حثيث ، فوقع فيهم الطاعون
فمات في وقت واحد سبعون ألفا .
وكانت أيام يوشع في بني إسرائيل ، بعد موسى بن عمران ، سبعا وعشرين
سنة .
ثم كان على بني إسرائيل بعد يوشع بن نون دوشان الكفري ، فلبث فيهم
ثماني سنين ، ثم كان بعد دوشان عثانيل بن قنز ، أخي كالب ، من سبط يهوذا
ابن يعقوب ، أربعين سنة ، وقد كان كثر ظلم بني إسرائيل وعتوهم ، فسلط
الله عليهم كوشان جبار مؤاب ، فلما ملك عثنايل قتل كوش ، وملك أربعين
سنة .
ثم ارتدت بنو إسرائيل إلى الكفر ، فسلط الله عليهم عقلون ملك مؤاب ،
خمس عشرة سنة ، ثم تابوا ، فبعث الله لهم رجلا يقال له اهود به جيرا ،
من سبط افرائيم ، فقتل عقلون ملك مؤاب ، وكان يقاتل بشماله ويمينه ،
فلسموه ذا اليمينين ، وهو أول من طبع السيوف ذوات الحدين ، وكانت قبله
ذوات أقفية ، وفي زمانه بنيت البنية بالشأم ، وفي خمس وعشرين سنة من ملك
اهود تم الالف الرابع .
ـ 48 ـ
ثم ارتدت بنو إسرائيل بعد اهود ، فسلط الله عليهم يابين ملك كنعان ،
عشرين سنة ، وكان سمحر بن عانات قد ملك على بني إسرائيل قبل ، فقتل من
أهل فلسطين ستمائة رجل ، ثم إن الله رحمهم ، فبعث إليهم رجلا يقال له
بارق بن أبينعم ، من سبط نفتالي ، فملكهم أربعين سنة .
ثم ارتدت بنو إسرائيل إلى الكفر ، فسلط الله عليهم أهل مدين سبع سنين ،
ثم إن الله تعالى رحمهم ، فبعث إليهم رجلا يقال له جدعان بن يواس ،
بن سبط منشى ، وكان صالحا ، وهو الذي بيت أهل مدين ، فقتل منهم مائتي
ألف وخمسة وثمانين ألفا ، وملكهم أربعين سنة ، ثم ملك بعده ابنه ابيملك بن
جدعون ، وكان ابن سوء ، وهو الذي قتل سبعين أخا كانوا له ، فقتلته امرأة ،
ورمته بحجر من فوق باب المدينة ، فشدخته ، وكان ملكه ثلاث سنين .
ثم ملك تالع بن فواي ، من سبط يشاجر ، فأقام ثلاثا وعشرين سنة ،
ثم ملك جلعاد من سبط منشى ، وكان له ثلاثون ابنا يركبون معه على ثلاثين
مهرا ، وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة ، ثم ارتدت بنو إسرائيل إلى الكفر ،
فسلط الله عليهم بني عمون ، سبع عشرة سنة ، وفي زمانه بنيت مدينة صور
بالشأم ، وسامهم سوء العذاب .
ثم إن الله تعالى رحمهم ، فبعث لهم رجلا من أهل جلعاد اسمه يفتح ،
فقتل من بني اسرائيل من آل افرائيم اثنين وأربعين ألفا ، وكان من سبط منشى ،
وكان ملكه ست سنين ، ثم كان عليهم ابيصان الذي يدعى نخشون ، سبع سنين ،
ثم كان عليهم ايلان ، من سبط زبولون ، عشرين سنة ، ثم كان عليهم عكران
ثماني سنين ، ثم كان عليهم الانكساس ، فسامهم سوء العذاب ، وسلط عليهم
أشد التسليط ، أربعين سنة ، ثم كان عليهم شمسون عشرين سنة ، ثم لبثوا ليس
عليهم أحد اثنتي عشرة سنة ، ثم كان عليهم عالي الاحباري أربعين سنة .
ثم كان عليهم شمويل النبي ، وهو الذي ذكره الله تعالى إذ قالوا لنبي
لهم : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ، فلما قالوا لشمويل النبي : سل الله أن
ـ 49 ـ
يبعث لنا ملكا حتى يقاتل عدوه ، وقال : إنه لا وفاء لكم ، ولا صدق نية ،
وقالوا : بلى ! قال : فإن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ، واسمه شاول ، قالوا :
والله ما هو من سبط الملك والنبوة ، ما هو من ولد لاوي ، ولا يهوذا ، وإنما
هو من سبط بنيامين . قال شمويل : فليس لكم أن تختاروا على الله ، فدعا شمويل
شاول ، وهو طالوت ، فقال له : إن الرب أمرني أن أبعثك ملكا على بني
إسرائيل ، والله يأمرك أن تنتقم من عمليق ، فأهلك عمليق وكل ما له ، ولا
تبق له شيئا من رجل ، ولا امرأة ، ولاصبي رضيع ، ولاعجل ، ولاشاة ،
ولابعير ، ولاحمار .
وأوصى الجماعة كلها بهذا ، وكان عددهم أربعمائة ألف مقاتل ، فأقبل
شاول إلى عمليق ، فقتل أصحاب عمليق ، وأسر اغاغ ملك العمالقة ، فأخذه
حيا ، فاستبقاه ، وامتنعوا من إتلاف شئ من البقر ، والغنم ، وأبقوا لانفسهم ،
فأوحى الله تعالى إلى شمويل : إن شاول عصاني ، ولم يهلك عمليق ، وكل ماحواه
ملكه . فقال شمويل لشاول : إن الله قد غضب من فعلك ! فدعا شاول باغاغ ،
فقال : ما أمر الموت ؟ قال : الذبح ! فذبحه ، ثم قال شاول لشمويل : امض
معي لنسجد بين يدي الله تعالى ، فامتنع ، فأمسك رداء شمويل فخرقه ، فقال
شمويل : كذا ينخرق ملكك .
وارتفعت النصرة عن شاول ، ودخلته ريح سوء ، وكان يضطرب ، ويتغير
لونه ، فقال له أصحابه : لو أتيت بإنسان حسن الصوت ، من الشعارير ، يقرأ
عليك ، إذا دخلتك هذه الريح السوء ! فأرسل إلى إيشا : ابعث إلي داود ابنك ،
فبعث به إليه ، فكان إذا خنق شاول أخذ داود قيثاره بيده ، وتكلم عليها ،
فيذهب عنه الريح السوء .
ثم اجتمع الحنفاء الذين كانوا في وقت شاول ، فقاتلهم ، وهم عبدة النجوم ،
وخرج إليهم شاول في جموعه ، فخرج منهم رجل طوله خمس أذرع يقال له
غلياث ، وهو جالوت ، فقال : يبرز لي منكم رجل واحد ، فقال داود لشاول :
ـ 50 ـ
أنا أبرز إليه ! فقال لداود : انطلق ، والرب يكون معك فأخذ عصا وخمسة
أحجار ، وخرج إلى غلياث ، فلما رآه احتقره ، فقال له : إلى كلب خرجت
بعصا وحجر ؟ فقال له : إلى أشد من الكلب ، ثم أخذ حجرا من مخلاته
ورماه به حتى غاب الحجر في جبهة جالوت ، وسقط ، فسعى إليه داود ، فأخذ
سيفه ، وحز رأسه ، وأخذ راجعا ، فانهزم عسكر غلياث ، واشتد سرور بني
يهوذا ، فاغتم شاول وحسد داود ، فطرده عنه ، وصيره رئيسا على ألف ، ونفاه
بمكان بني يهوذا ، وتزوج ميخل بنت شاول .
وكان شاول يريد قتل داود ، فكان يوجهه يقاتل الحنفاء عبدة النجوم ،
فيفتح الله عليه ، فهم أن يقتله بغير حيلة ، فهرب داود ، فجاء إلى شمويل النبي ،
فخبره بخبر شاول ، ولم يزل شاول يحاول قتل داود حتى هرب ، فمر باخيش
ملك جات ، فلما رآه عرفه ، فتحيل عليه داود حتى أطلقه ، فصار إلى سارع ، فنزلها .
ولما علم شاول أنه قد فاته قتل الكهنة الذين كانوا يقدسون ، وقال : قد
علمتم به ولم تخبروني ، ثم خرج شاول في طلب داود ، حتى أدركه ، فدخل
داود مغارة ، فلما صار شاول عند المغارة نزل لحاجته ، فدخل المغارة ، وهو
لايعلم أن داود فيها ، فقام داود ، فتوارى ، فقال له أصحابه : يا داود اقتله !
فقد أمكنك الله منه . قال : ما كنت لافعل .
وتوفي شمويل النبي ، فاجتمعت بنو إسرائيل ، وأعظموا ذلك ، وناحوا
عليه ثلاثين يوما .
وخرج شاول يقاتل الحنفاء ، والتحم القتال بينهم ، فهزموا بني إسرائيل ،
وقتل منهم خلق عظيم ، وكان داود بن إيشا يقاتل العماليق مع قومه من ولد
يهوذا ، فلما انهزم عن شاول جميع بني إسرائيل ، قام هو وولده يحارب ، ثم
قال لصاحبه الذي يحمل سلاحه : خذ سيفك فاقتلني به لئلا يقتلني هؤلاء القلف ،
ويلعبوا بي ، فلم يفعل ، فأخذ شاول سيفه ، فأقامه ، ثم ألقى نفسه عليه ، فمات ،
وقتل أولاده الثلاثة ، وكان ملك شاول أربعين سنة .
ـ 51 ـ
داود
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 51 سطر 1 الى ص 60 سطر 9
داود
ولما مات شاول ، وهو طالوت ، انصرف داود من قتال عمليق إلى سقلاغ ،
فأقام بها يومين ، ثم أتاه الخبر بموت شاول ، فحزن لذلك ، وأظهر جزعا ،
وملك داود على بني يهوذا ، وكان لداود عدة نسوة قد ولدن منه أولادا ،
فكان أكبر أولاده : أمنون ، وأمه شيتموم ، والثاني دالويا بن اربيخايل ،
والثالث أباشلوم بن موخا ، والرابع ارنيا بن دحات ، والخامس سفاطيا بن
ابيطال ، والسادس ناتان بن اغلا ، فهؤلاء الستة من ست نسوة ، ولم تلد ميخل
بنت شاول ، فهربت من داود إلى أصحاب شاول .
واجتمعت بنو اسرائيل من الاسباط على تمليك داود ، فملكوه بعد
سبع سنين ملكها على بني يهوذا خاصة ، إلى أن ملكته جميع أسباط بني إسرائيل .
ونزل داود مدينة صيون ، وهي بيت المقدس ، وبنى بها منزلا ، وتزوج
النساء ، فولد له بعد أن ملك : سمون ، وسوباب ، ونوتان ، وسلامان ، ويابار ،
واليشوس ، ونافاق ، ويافيا ، واليشماس ، والسنانا ( 1 ) ، واليفلات ، فكثر أولاد
داود ، وعز ملكه ، وأعظمته بنو اسرائيل .
وسمع الحنفاء أن داود قد ملك على بني إسرائيل ، واجتمعوا لقتاله ،
فقاتلهم داود ، فقتل فيهم قتلا كثيرا ، حتى أبادهم ، فلما فرغ من قتالهم
حمل تابوت السكينة على عجل ، حتى أدخله مدينة بيت المقدس ، وصنع طعاما
لبني اسرائيل ، لرجالهم ونسائهم .
وكان في ذلك العصر ناتان النبي ، فأوحى الله إلى ناتان : قل لعبدي داود :
ابن لي بيتا ، فقد ملكتك على بني اسرائيل ، بعد أن كنت في صيرة الغنم ،
* ( هامش ) * 1 ) بدون فقط في الاصل ( * ) .
ـ 52 ـ
وقتلت أعداءك . فقال ناتان النبي لداود ، فعظم في قلب داود ، ويقال :
إن ناتان كان ابن داود .
وقاتل داود الحنفاء فهزمهم ، وقاتل أهل مؤاب وهزمهم ، وقاتل اددازار
ملك سوبا فهزمه ، وأخذ له ألف مركب وسبعة آلاف من الخيل .
واجتمع أهل الشأم ودمشق مع اددازار ليقاتلوا داود ، فقتل منهم اثنين
وعشرين ألفا ، واستحوذ على الارض ، فكان أهل الشأم جميعا عبيدا له ،
ثم اجتمعوا جميعا على محاربة داود ، فوجه إليهم يواب ابن أخته ، وابيشا
أخاه ، ثم خرج داود حتى عبر نهر الاردن ، فقتل من القوم أربعين ألفا ، وقتل
اشان رأس القوم ، ثم وجه يؤاب ابن أخته لقتال بني عمون إلى أسافل الشأم ،
ورجع إلى بيت المقدس ، فقام يمشي على سطح له إذ نظر إلى برسبا بنت اليات ،
امرأة اوريا بن حنان الشطي ، فسأل عنها ، فأخبر بحالها ، وانها امرأة اوريا بن
حنان ، فوقعت في قلبه ، فأرسل إلى أوريا بن حنان ، فأقدمه عليه ، ثم كتب إلى
يؤاب ابن أخته أن قدم اوريا أمام الخيل يحارب ، فقدمه يؤاب ، فقاتل ، فقتل .
وأرسل داود إلى امرأته ، فتزوجها وأحبلها ، فأرسل الله إليه الملكين ،
على ما قص في كتابه عزوجل ، وأرسل إليه ناتان النبي فقال له : يا داود ،
ألم يأمرك الله أن تعدل في القضاء ، وتحكم بالحق ، ولاتتبع الهوى ؟ قال : بلى !
قال : فهذان رجلان يسكنان مدينة واحدة أحدهما غني والآخر فقير ، وكان
للغني مواش وبقر كثيرة ، ولم يكن للفقير شئ إلا رخلة واحدة صغيرة رباها ،
فشبت معه ومع أولاده ، فكانت تأكل من طعامه ، وتشرب من كأسه ، وتنام
في حجره . ونزل بالغني ضيف ، فلم يأخذ من بقره وغنمه شيئا ، وأخذ رخلة
الفقير ، فهيأها لضيفه ، فغضب داود ، وقال : أهل أن يموت ، ويغرم بتلك
الرخلة سبعة أضعاف . فقال ناتان النبي لداود : أنت الرجل الذي فعلت هذا !
إن الرب إلهك يقول لك : أنا الذي جعلتك ملكا على بني إسرائيل ، بعد أن كنت
راعي غنم ، وأنقذتك من يدي شاول ، وأعطيتك بيت إسرائيل ، وبيت يهوذا ،
ـ 53 ـ
ففعلت هذا ، فلانتقمن منك بشر ولدك ، ولاسلطنه عليك وعلى نسائك !
فعظم ذلك على داود ، فقال له ناتان : إن الله قد تجاوز عن سبيلك ، فلن تموت ،
ولكنه ينتقم منك بشر بنيك ، وأعلمه الله أن ولده الذي ولدته المرأة يموت ،
فجزع داود ، واشتد جزعه ، واشتكى الصبي ، فلما اشتدت علته صام وقام
ليصلي ويبكي ، ويتمرغ بالشعر على الارض ، فلما توفي الصبي أعظم خول
داود أن يخبروه بذلك ، حتى سمع بوشوشتهم ، فعلم ، فغسل وجهه ، ولبس
ثيابه ، وجلس في مجلسه ، ودعا بطعامه ، وقال : إنما كنت أحزن قبل أن يهلك ،
فأما الساعة ، فإن حزني لايرده إلي بل أنا أذهب إليه . ثم واقع برسبا ، فحملت
غلاما ، فسماه سليمان .
ثم إن أبيشالوم بن داود قتل أخاه امنون ، وذلك أنه اتهمه بأخت له من
أمه ، فقتله ، وخرج على داود . وكان أبيشالوم عظيم الجسم ، كثير الشعر ،
فبعث إليه داود من رده حتى رجع ، ثم خرج عليه ثانية ، فهرب منه داود
ماشيا على رجليه ، حتى صعد عقبة طور سينا ، وبلغ منه الجوع حتى لحقه رجل
معه خبز وزيت ، فأكل منه ، ودخل أبيشالوم مدينة أبيه ، وصار إلى داره
وأخذ سراري أبيه ، فوطئهن ، وقال : ملكني الله على بني إسرائيل ، وخرج
ومعه اثنا عشر ألفا ، فطلب داود ليقتله ، فهرب داود حتى جاز نهر الاردن ،
فلما جاز اجتمع إليه جماعة من أصحابه ولفيف من القرى ، فوجه يؤاب ولده
ليحارب أبيشالوم ، وقال له : خذه لي حيا صحيحا ! فخرجوا ، فحاربوه ،
وكان أبيشالوم على بغل ، فدخل تحت شجرة بطم ، فتعلق بها ، فاندقت عنقه ،
ورماه يؤاب بثلاثة أسهم ، وطرحه في جب ، فلما أتى داود الخبر جزع عليه
جزعا شديدا ، ورجع داود إلى موضعه .
وخرج على داود بعد ذلك ازلا ، ومعه جبابرة ، فحاربهم ، فقتلهم ،
فلما قتلهم ، وأنقذه الله منهم ، قام يقدس الله ويسبحه ، فقال في تقديسه :
إياك يا رب أعبد ، ولك أخلص محبتي ، فإنك قوتي وعدتي ، وملجأي
ـ 54 ـ
ومخلصي ، بعد أن أحاطت بي سكرات الموت ، وقربت مني ، واحتوت
علي أحداث الهلكة ، فدعوتك في ضيقي واستعنت بك يا إلهي ، فسمعت صوتي
ف استنقذتني من الذين اعتوروني واضطهدوني ، وكنت ناصري ، فأخرجتني من
الضيق إلى الفرج ، فما أعد لك يا رب ، وأنصرك للمتوكلين عليك ، لانه
لارب غيرك ، فألهمني القوة ، وبصرني طريق الرشد ، وثبت قدمي بين
يديك ، وشدد ساعدي ، ولاتقدر علي أعدائي ، وهب لي طاعة بني إسرائيل ،
وصيرهم خولا خاضعين ، وألهمني شكرك .
وكان داود إذا سبح الله بهذا الكلام رفع صوتا حسنا لم يسمع مثله ، وكان
إذا قرأ الزبور قال : طوبى لرجل . . ( 1 ) في سبيل الاثمة لم يسلك ، وفي مجالس
ا لمستهزئين لم يجلس ، ولكن هواه سنة الله ، وبسننه تعلم الليل والنهار ، يكون
كشجرة غرست على شط الماء ، تؤتي أكلها كل حين ، ولا يتناثر ورقها ،
وليس كذلك المنافقون في القضاء ، ولا الخاطئون في مجمع الابرار ، من أجل أن
الله يعلم سبيل الابرار وسبيل الاثمة يبطل .
ثم يقول : سبح لله من في السماء ، وليسبحه من في العلى ، ولتسبحه
ملائكته كلها ، ولتسبحه جنوده كلها ، ولتسبح له الشمس والقمر ، ولتسبح
له الكواكب والنور ، وليسبح لاسم ربنا الماء الذي فوق السماء ، وذلك بأنه
قال لكل شئ : كن فكان ، وهو خلق كل شئ وبرأه ، وجعلهن دائمات
الابد ، وقدر كل شئ منهن تقديرا ، وجعل لهن حدا ومنتهى لايجاوزنه ،
فليسبح الله من في الارض ، والنار ، والبرد ، والثلج ، والجليد ، فإنه خلق
الريح العاصف بكلمته .
سبحوا الله تسبيحا حديثا في مسجد الصديقين ، وليفرح اسرائيل بخالقه ،
وإن بني صيون يكبرون ربكم ، ويسبحون اسمه بالدف ، والطبل ، والكبر ،
يكبرونه من أجل أن يسر الله بشريعته ، ويعطي المساكين النصر ، ليشيد الصديقون
* ( هامش ) * ( 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ 55 ـ
بالكرامة ، ويسبحون على أسرتهم ، ويكبرون الله على حناجرهم ، وسيف ذو
شفيرتين بأيديهم ، لينتصروا على الشعوب ويتعظ الامم فيوثقوا ملوكهم في
القيود ، وذوي الكرامة بسلاسل من حديد ، ليفعل بهم القضاء الذي كتب ،
والحمدلله لكل الصديقين .
سبحوه في مقدسه ، سبحوه في سماء عزته ، سبحوه بحوله وقوته ،
سبحوه بعظمته ، سبحوه بصوت العزف ، سبحوه بالقيتار والكبر ، سبحوه
بالبرابط والزمر ، سبحوه بالاوتار والكبر الطويل الخليلات ، سبحوه في صلاصل
السمع ، سبحوه بالاصوات العلى والنداء ، سبحوا ربنا تسبيحا خالصا ، كل
نفس بنفس .
ثم يقول داود في آخر الزبور : إني كنت آخر إخوتي وعبد بيت أبي ،
وكنت راعي غنم أبي ، ويدي تعمل الكبر ، وأصابعي تقص المزامير ، فمن ذا
الذي حدث ربي عني ؟ هو ربي ، وهو الذي سمع مني وأرسل إلي ملائكته ،
فأنزعني من غنم إخوتي ، هم أكبر مني وأحسن ، فلم يرضهم ربي ، فبعثني
للقاء جنود جالوت ، فلما رأيته يعبد أصنامه أعطاني النصر عليه ، فأخذت سيفه ،
فقطعت رأسه .
ثم إن بني إسرائيل وقعوا في داود ، فاشتد غضب الله عليهم ، فأمر الله
داود أن يحصي عدد بني إسرائيل ، فأحصاهم ، فوجدهم ثماني مائة ألف رجل
بطل ، وعدد بني يهوذا خمسمائة ألف رجل ، فبعث الله حيرام النبي إلى داود ،
وقال له : قل لداود اختر واحدة من ثلاث : إما أن يكون جوع سبع سنين ،
وإما أن تدفع إلى أعدائك فيعزونك ثلاثة أشهر ، ويطرحونك من سلطانك ،
وإما أن يكون موت شديد ثلاثة أيام ؟ فضاق داود لذلك ، وقال : ربنا أولى
بنا من خلقه ! فسلط الله عليهم الموت ، فمات في ساعة واحدة سبعون ألف
رجل ، فقال داود : يا رب ! إني أنا أسأت ، فما ذنب هؤلاء الذين يشبهون
البهائم ؟ فأوحى الله إليه : أن ابن لي هيكلا في بيدر اليبوساني ، فصعد داود
ـ 56 ـ
الجبل ، حتى اشترى البيدر بخمسين استارا ، وابتنى هناك مذبحا ، فكف الموت
عن بني إسرائيل .
وكان داود قد أسن وضعف بدنه ، وكان له ابن يقال له ادونياس ، فاستمال
يؤاب صاحب حروب داود وقوما من قواد داود ، وقال لهم : قد كبر الملك
داود ، وأنا أولى أن أقوم مقامه ، فلما بلغ داود ذلك أرسل إلى سادوق الكاهن
وناتان النبي ، وقال لهم : اجمعوا أهل المملكة ، واحم لواسليمان ابني على
بغلتي ، وأجلسوه على منبري ، فقد جعله الله رأسا على بني إسرائيل ، والله
يعظم ملكه ، ويرفع شأنه ! فمضوا مع سليمان حتى علا منبر داود ، واجتمع
عليه أهل المملكة ، فقال داود : هكذا أعلمني الله أن يملك سليمان ابني ، وعيناي
تنظران إليه ، وكان سليمان يومئذ ابن اثنتي عشرة سنة .
ثم اشتدت على داود علته ، فأوصى سليمان ، وقال : أنا ماض في سبيل
كل أهل الارض . لاتمأن ، فاعمل بوصايا الرب إلهك ، واحفظ مواثيقه
وعهوده ووصاياه التي في التوراة المنزلة على موسى بن عمران . ومات داود
وله مائة وعشرون سنة ، وكان ملكه أربعين سنة .
ـ 57 ـ
سليمان بن داود
ولما قبض الله ، عزوجل ، داود قام مكانه سليمان نبيا ، وملكا ، فسخر
الله له الجن والانس ، والرياح والسحاب ، والطير والسباع ، وآتاه ملكا عظيما ،
كما قص في كتابه العزيز .
ومال يؤاب صاحب حروب داود ، وقوم من أصحابه ، مع إخوة سليمان ،
ليفسدوا على سليمان ملكه ، فقتلهم سليمان من عند آخرهم ، وقتل ادونياس
أخاه ، فصلح الملك لسليمان ، وثبت سلطانه ، وتزوج بنت فرعون ملك مصر ،
ودخل بها في بيت داود .
وجمع سليمان بني إسرائيل ليقرب قربانا ، فقرب ألف ذبيحة ، فرأى
سليمان في ليلة كأن الرب يقول له : سل ما أحببت لاعطيك ! فقال سليمان :
أنت يا رب أنعمت على داود النعمة العظيمة ، وصيرت عبدك سليمان ملكا
بعده ، فأعطني قلبا حكيما لاحكم بين عبادك بالعدل ، وأفهم الخير والشر .
فقال الله : لانك طلبت هذا الامر ، ولم تطلب مالا ، ولم تطلب أنفس أعدائك ،
ولم تطلب طول العمر لكنك طلبت حكمة تفهم بها الحكم والقضاء ، فقد استجبت
لك ، وأعطيتك قلبا فهيما ، بصيرا إلى الامر الذي لم يكن لاحد قبلك ، ولايكون
بعدك مثلك ، وأعطيتك ما لم تطلب من الاموال ، والعتاق ، والكرامة ، وأنت
إن سلكت في طريقي ، وحفظت شرائعي ووصاياي ، كما حفظ داود أبوك ،
أطيل عمرك ، وأعظم أمرك .
فكان سليمان يجلس للقضاء ، ويحكم بين بني إسرائيل ، فيعجبون لحكمه ،
وعدل قضائه ، وقوله ، وحسن لفظه ، وكان لسليمان قواد ، ووزراء ، وكتاب ،
ووكلاء ، فكان وزيره زابود بن ناتان ، وعلى حروبه بنايا بن بويادع ، وخازنه
ـ 58 ـ
أبيشار ، وعلى الخراج ادونيرام بن عبدا ، وكان له اثنا عشر وكيلا على نفقاته
يقوم كل وكيل بنفقة شهر ، وكانت نفقاته على أسباط بني إسرائيل ، وكانت
وظيفته كل يوم ثلاثين كرا من الدقيق السميذ ، وستين كرا من دقيق الخشكار ،
وعشرة ثيران معلوفة ، وعشرين ثورا ، ومائة كبش ، وكان له أربعون ألف
أري معلق عليها دوابه ، وكان معجبا بالخيل ، وقد قص الله من خبره فيها ماقص .
وابتدأ سليمان في بناء بيت المقدس ، وقال : إن الله أمر أبي داود أن يبني
بيتا ، وإن داود شغل بالحروب ، فأوحى الله إليه أن ابنك سليمان يبني البيت
باسمي ، فأرسل سليمان في حمل خشب الصنوبر وخشب السرو ، ثم بنى بيت
المقدس بالحجارة ، فأحكمه ، ولبسه الخشب من داخل ، وجعل الخشب منقوشا ،
وجعل له هيكلا مذهبا ، وفيه آلة الذهب ، ثم أصعد تابوت السكينة ، فجعله في
الهيكل ، وكان في التابوت اللوحان اللذان وضعهما موسى .
ولما وضع سليمان تابوت السكينة قام بين يدي الهيكل ، وقد اجتمعت
جموع بني إسرائيل ، فسبح الله ، وقدسه ، وأثنى عليه بآلائه إذ ملكه على
بني إسرائيل ، وأجرى بناء بيت المقدس على يده ، وكان يجتمع إليه بنو إسرائيل ،
ويقول : تبارك وتعالى الرب الذي وهب الراحة لاسرائيل ، وتمت كلماته
الصالحة ، فلم يسقط شئ منها مما قاله لعبده موسى ، ونسأل الله ربنا أن
يكون معنا كما كان مع آبائنا ، ولايرفضنا ، ولايخذلنا ، بل يقبل بقلوبنا
إليه لنسلك الطريق التي يرضاها ، ونحفظ سننه ، وعهوده ، ووصاياه ، وأحكامه
التي أمر آباءنا بها ، ويجعل قولنا قريبا منه ، ورضيا عنده ، وقلوبنا سالمة له ،
حافظة لامره .
ولما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس عمل عيدا ، وقرب فيه الذبائح فأقام
أربعة عشر يوما يفعل ذلك ، وقد جمع إليه بني إسرائيل ، فإذا فرغ من اطعامهم
قام ، فقدس الله ، وسبحه ، فلما فرغ أوحى الله إليه : إني قد سمعت صلاتك ،
ورأيت قربانك ، فإن دمت على طاعتي وصلت لك ملكك ولولدك بعدك ،
ـ 59 ـ
فقدست هذا البيت آخر الدهر ، وإن حدتم عن أمري ، أو نقض أحد منكم
عهودي سلبته ملكه ، وخربت هذا البيت إلى آخر الابد .
وقدمت بلقيس ملكة سبإ على سليمان ، وكان من أمرها ما قد قصه الله في
كتابه العزيز ، ولما قدمت عليه جاءته بجمال موقرة ذهبا وعنبرا ، وقالت له :
لقد بلغني من أمرك ما لم أصدق به حتى رأيته ، ثم انصرفت إلى بلدها .
وكان سليمان معجبا بالنساء ، فتزوج ، فيما يقال ، سبعمائة امرأة ، فيهن
بنت فرعون ملك مصر ، وعدة من نساء بني عمون ، وعدة من نساء أهل
مؤاب جبابرة الشأم ، ومن أدوم ، ومن الجثانيين ، وهم ا لصيدانيون ، ومن
الشعوب التي قد كان الله نهى عن مخالطتهم ، وكان له سبعمائة ، فاتخذت امرأة
من نساء سليمان تمثالا على صورة أبيها ، فلما رأى ذلك غيرها من نسائه فعلن
كفعلها ، فعاتب الله سليمان ، وقال له : تعبد الاصنام في بيتك ، ولا تغضبك ؟
لاسلبنك ملكك ، ولانزعن العز من يدك ، ولافرقن الاسباط من ولدك ،
ولكني أحفظ أباك داود فيك ، فلا أسلبك الملك بقية عمرك ، ولا أسلب جميع
الاسباط ، ولكني أدع في يدك سبطين لئلا يذهب ذكرك .
وإن سليمان لجالس على كرسية المعمول من الذهب ، المكلل بالجوهر ،
إذ انتزع خاتمه من يده ، فأخذه شيطان من الشياطين ، فوضعه في يده ، ونحى
سليمان عن كرسيه ، وجلس عليه الشيطان ، ونزع ثياب سليمان ولبسها ،
فمر سليمان على وجهه وعليه جبة صوف ، وفي يده قصبة ، فكان يستطعم ،
ويقول : أنا ملك بني إسرائيل ، سلبني الله ملكي ! فيسخر منه من يسمعه ،
وينكرون قوله ، فكان يقف على الصيادين الذين على البحر ، فيطلب منهم
ما يطعمونه .
وأنكر آصف صاحب سليمان وغيره أمر ذلك الشيطان ، ولم يروه يذكر
الله ، فهرب الشيطان ، وطرح الخاتم في البحر ، وأقام سليمان مسلوب الملك
أربعين يوما ، فإنه بعد أن كملت له الاربعون يمشي على شط البحر حائرا ،
ـ 60 ـ
إذ قال له بعض الصيادين : تعال يا مجنون ، فخذ هذا الحوت ! فأعطاه حوتا قد
تغيرت رائحته ، فصار به إلى البحر ، فغسله ، وشق بطنه ، وإذا في داخله حوت
آخر ، فشق بطن الحوت الآخر ، فإذا خاتمه في جوفه ، فلبسه ، وحمدالله ،
ورد الله عليه ملكه .
وأقام ملكا على بني إسرائيل ، وعلى ما وصف الله ، جل وعز ، من ملكه ،
وتسخيره له الطير والجن والانس يعملون له أعاجيب الصنعة ، ويشيدون له
البنيان ، ويطيعونه في كل أمره ، أربعين سنة ، ثم توفي ، ودفن إلى جانب قبر
داود ، وكان لسليمان يوم ملك اثنتا عشرة سنة ، فمات وله اثنتان وخمسون سنة .
ـ 61 ـ
رحبعم بن سليمان والملوك بعده
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 61 سطر 1 الى ص 70 سطر 25
رحبعم بن سليمان والملوك بعده
ولما مات سليمان بن داود ملك رحبعم بن سليمان ، فاجتمع إليه أسباط
بني إسرائيل ، وقالوا له : إن أباك قد كان غلظ علينا ، واستعبدنا استعبادا
شديدا ، فخفف أنت الآن عنا ! فقال لهم رحبعم : انصرفوا عني اليوم وجيئوني
بعد ثلاثة أيام ، فانصرفوا عنه ، فاستشار المشيخة من أصحاب أبيه ، فقال : ما
ترون ؟ قالوا : نرى أن تحسن إجابة بني إسرائيل ، وتلين لهم القول ، حتى
تملكهم بعد اليوم . فترك قول مشيخة بني إسرائيل ، واستشار أحداثا نشأوا معه ،
فقالوا له : نرى أن تغلظ القول لهم ليستقيم لك أمرهم ، كما استقام لابيك .
فلما كان اليوم الثالث اجتمعوا إليه ليسألوه عما ذكروا له ، فقال لهم :
إن خنصري أثقل من إبهام أبي . فلما قال لهم هذا انصرفوا عنه ، وتفرقوا في
قراهم ، فلم يبق معه من أسباط بني إسرائيل إلا سبط يهوذا وسبط بنيامين .
وملكت الاسباط العشرة عليهم يوربعم بن ناباط ، وكان قد هرب من سليمان
إلى مصر ، فلما اختلفت بنو إسرائيل على رحبعم بن سليمان قدم ، وجمع رحبعم
ابن سليمان من سبط يهوذا ، وسبط بنيامين ، ألف رجل يطلب محاربة يوربعم
ابن ناباط ومن معه .
وأوحى الله إلى سمعيا النبي أن قل لرحبعم ومن معه : لاتحاربوا بني
اسرائيل ! فسمعوا قوله ، وانصرفوا ، وكان ملك رحبعم سبع عشرة سنة .
وملك يوربعم بن ناباط على العشرة الاسباط من جبل فاران ، فقالت بنو
إسرائيل : إنا نريد أن نقرب قرابيننا إلى الله ، فكره يوربعم أن يصعدوا إلى
بيت المقدس ، فيستميلهم آل يهوذا ، فيدخلوا في ملكهم ، فقال : ليست
بكم حاجة إلى الصعود ، وأنا أعمل لكم مذبحا ، فعمل لهم مذبحا ، وصير فيه
ـ 62 ـ
عجلا من ذهب ، وقال : هذه آلهتكم التي أصعدتكم من أرض مصر ، واتخذ
للعجل أحبارا ، وعمل عيدا ، وقرب الذبائح للعجل ، فأتاه نبي بني إسرائيل ،
فوعظه ، فمد يده إليه فيبست ، فقال له : ادع الله أن يرد يدي ! فدعا له
النبي ، فرجعت يد يوربعم ، وأقام يوربعم على طريقه لم يرجع عنها ، وأهلك
الله يوربعم ، وكل من كان معه ، وقتله ، ودمر عليه ، وكان ملكه عشرين سنة .
ثم ملك ابيام بن رحبعم ، فسلك سبيل أبيه ، وأظهر الفواحش ، وارتكب
القبيح ، فبتر الله عمره ، وكان ملكه ثلاث سنين ، ثم ملك اسا ، فأظهر العمل
بطاعة الله تعالى ، ومنع الزنا ، وعاقب عليه وعلى الريب ، وأخرج من كان
يعبد الاصنام من مملكته ، حتى طرد أمه لما بلغه أنها تعبد الاصنام .
وفي زمانه صار زارح ملك الحبشة ، وأقبل ملك الهند إلى بيت المقدس ،
فبعث الله عذابا ، فأهلك زارح وملك الهند . وكان ملك اسا أربعين سنة ، ويقال
إن بني إسرائيل أوقدوا من خشب أسلحة أصحاب الهند ، لما قتلهم اسا ، سبع
سنين .
ثم ملك بعده ابنه يهوشافط ، فسلك سبيل أبيه ، وكان ناسكا صديقا ،
فملك العشرة الاسباط ، وكان مرضيا في جميع بني إسرائيل ، وكان ملكه
خمسا وعشرين سنة .
ثم ملك بعده يورام ابنه ، فكفر ، ورجع قومه إلى عبادة الاصنام ، وتزوج
امرأة أطغته وأضلته ، وكان ملكه أربعين سنة .
ثم ملك أحزيا ، بعد أبيه ، فسلك سبيله ، وكان العشرة الاسباط قد اعتزلت ،
وملكت منهم ملكا يقال له يهو ، فحارب احزيا ، حتى قتل من قومه مقتلة
عظيمة ، ثم سلط الله عليهم ملك سورية ، ففعل بهم مثل ذلك ، وكان ملك
احزيا سنة واحدة .
ثم ملكت عتلايا بنت عمري ، فقتلت ولد داود ، حتى لم يبق من نسل داود
أحد إلا غلام يقال له يواش ، وأخذته امرأة من بني عمه يقال لها يوشبع
ـ 63 ـ
عمته ، وكان يرضع .
وأفسدت عتلايا ، وأظهرت الفواحش ، وأفسدت البلاد ، واجتمعت بنو
إسرائيل إلى يويدع الاحباري ، فاشتكوا إليه الذي تفعل بهم ، فاجتمعوا ،
فقتلوها ، وكان ملكها سبع سنين .
وملك بعد عتلايا الغلام الذي كان بقي من بني داود ، وهو يواش ، وكان
يوم ملك له سبع سنين ، فصلحت أمور بني إسرائيل ، وظهر فيهم العدل ،
وارتفعت الفواحش ، وتركوا عبادة الاصنام ، ثم ظلم في آخر عمره ، واستعمل
القتل ، حتى قتل أولاد الاحبار ، وقتل ولد يويدع الاحباري الذي ملكه ،
ثم مات وكان ملكه أربعين سنة ، وهدم من سور بيت المقدس أربعين ذراعا ،
وانتهب كل ما كان فيه .
ثم ملك بعده أمصيا ، وكان يشبه مذهب يواش في أول أمره ، ثم ظلم وجار ،
وكان ملكه سبعا وعشرين سنة .
ثم ملك عزيا بن امصيا ، وكان في زمانه أشعيا النبي ، فأحسن عبادة الله ،
والعمل بطاعته ، غير أنه أخذ المجمر ودخل الهيكل ، ولم يكن ذلك يصلح
لاحد إلا للاحبار ، فعاقبه الله فبرص ، وعاقب أشعيا النبي لانه لم ينهه عن ذلك ،
فنزع الله منه النبوة ، حتى مات عزيا ، وكان ملكه اثنتين وخمسين سنة .
ثم ملك يوتام لما برص أبوه ، وكان ملكه ست عشرة سنة .
ثم ملك احاز ابنه ، فكفر ، فعبد الاصنام ، فسلط الله عليه تغلتفلسر
ملك بابل ، فسباه ، واستعبده ، وضرب عليه الجزية ، وأخرب مدينة العشرة
الاسباط بفلسطين ، وهي سبسطية ، وسبى أهلها ، فدخل بهم إلى ارض بابل ،
ثم أرسل إلى المدينة قوما من قبله ، فعمروها وبنوها ، فهم الذين يدعون السامرة
بفلسطين والاردن ، فلما سكنوها سلط الله عليهم الاسد ، ثم بعث إليهم رجلا
من أحبار بني إسرائيل ، من ولد هارون ، يعلمهم دين بني إسرائيل ، فلما
دخلوا في دينهم تركهم الاسد ، وصاروا سامرة فقالوا : لانؤمن بنبي إلا
ـ 64 ـ
بموسى ، ولانعرف إلا ما في التوراة ، وجحدوا نبوة داود ، وأنكروا البعث
والنشور ، وامتنعوا من مجالسة الناس والاختلاط بهم ، ومن تناول شئ منهم ،
ومن حمل الموتى ، ومن حمل ميتا اعتزل سبعة أيام ، يعتزل في الصحراء
لايختلط بهم ، ثم يغتسل ، وكذلك من تناول شيئا لايحل له ، ولايؤون الحائض
منازلهم ، وجعلوا رئيسهم من ولد هارون يسمونه الرئيس ، ويتوارثون على
التوراة ، فليس هم في بقعة من بقاع الارض إلا بجند فلسطين ، وكان ملك احاز
ست عشرة سنة .
ثم ملك بعد احاز حزقيل ابنه ، فأحسن عبادة الله تعالى ، وكسر الاصنام ،
وهدم بيوتها ، وكان في زمانه سنحاريب بن سراطم ملك بابل ، فسار إلى بيت
المقدس ، فسبى بقية الاسباط ، فرشاه حزقيل بثلاثمائة قنطار فضة ، وثلاثين
قنطار ذهب ، على أن ينصرف ، فأخذها ، ثم غدر ، فلما فعل ذلك دعا الله
أشعيا النبي وحزقيل على سنحاريب ، فأجاب الله دعاءهما ، فسلط الله على
أصحاب سنحاريب القتل ، فقتل منهم في ساعة واحدة مائة ألف وخمسة وثمانين
ألفا ، فرجع سنحاريب مهزوما ، حتى صار إلى بابل ، وقتله ولده شر قتلة .
وأمر الله سبحانه أشعيا النبي أن يعلم حزقيل أنه ميت ، فليوص ، فلما
أعلمه الله ذلك دعا الله أن يزيد في حياته ، حتى يهب له ولدا يملك بعده ، فزاد
الله في حياته خمس عشرة سنة ، حتى ولد له ولد .
وفي أيام حزقيل رجعت الشمس نحو مطلعها خمس درجات ، وكان ملك
حزقيل سبعا وعشرين سنة .
ثم ملك بعد حزقيل منشا بن حزقيل ، فكفرت بنو إسرائيل في أيامه ، وكفر ،
و عبدالاصنام ، وكان شر ملك في بني إسرائيل ، وبنى للاصنام مسجدا ، واتخذ
صنما له اربعة أوجه ، فنهاه أشعيا ، فأمر به فنشر بالمنشار من رأسه إلى رجليه ،
فسلط الله على منشا قسطنطين ملك الروم ، فحاربه ، وأسره ، فأقام في الاسر
زمانا ، ثم تاب إلى ربه ، فرده الله إلى ملكه ، فكسر الصنم ، وهدم بيوت
ـ 65 ـ
الاصنام ، وكان ملكه خمسا وخمسين سنة ، وأيام أسره عشرين سنة .
ثم ملك أمون بن منشا ، فأعاد الاصنام حتى كثرت ، وكان ملكه ست
عشرة سنة .
ثم ملك بعده يوشيا ابنه ، فأحسن عبادة الله ، وكسر الاصنام ، وهدم بيوتها
وقتل سدنتها ، وأحرقهم ، وكان في العدل وحسن عبادة الله تعالى وجميل مذهبه
يشبه داود وسليمان ، وكان ملكه ثلاثين سنة .
ثم ملك يهواخز ابنه ثلاثة أشهر ، ثم أسره فرعون الاعرج ملك مصر ،
ووضع على بلاده الخراج ، وصير عليها ملكا من قبله ، وأخذ يهواخز ، فذهب
به إلى مصر فمات هناك .
ثم ملك بعده يويقيم أخوه ، وهو أبودانيال النبي ، وفي عصره سار بخت
نصر ملك بابل إلى بيت المقدس ، فقتل في بني إسرائيل ، وسباهم ، وحملهم
إلى أرض بابل ، ثم صار إلى أرض مصر ، فقتل فرعون الاعرج ملكها .
وأخذ بخت نصر التوراة ، وما كان في الهيكل من كتب الانبياء ، فصيرها
في بئر وطرح عليها النار ، وكبسها . وكان في ذلك العصر ارميا النبي ، فلما
علم بقدوم بخت نصر ، أخذ تابوت السكينة ، فخبأه في مغارة حيث لم يعلم به
أحد ، ولم ينج من بخت نصر إلا أرميا .
وكان عدة من حمل بخت نصر إلى أرض بابل ثمانية عشر ألفا ، فيهم
ألف نبي ، وملكهم يحنيا بن يهوياقيم ، فمنهم اليهود الذين بالعراق ، ويقال
إن ارميا النبي قال : اللهم ! إني لاعلم من عدلك ما لايعلمه غيري ، فعلام
سلطت بخت نصر على بني إسرائيل ؟ فأوحى الله إليه : إني إنما أنتقم من عبادي ،
إذا عصوني ، بشرار خلقي .
ولم يزل بنو إسرائيل في الاسر تحت يد بخت نصر حتى تزوج امرأة منهم
يقال لها ملحات أخت زربابل ، بنت سلتائيل ، فسألته أن يرد قومها إلى بلدهم ،
فلما رجع بنو إسرائيل إلى بلدهم ملكوا عليهم زربابل ، بن سلتائيل ، فبنى مدينة
ـ 66 ـ
بيت المقدس ، وبنى الهيكل ، وأقام على بنائه ستا وأربعين سنة ، وفي زمانه
مسخ الله بخت نصر بهيمة أنثى ، فلم يزل ينتقل في أجناس البهائم سبع سنين ،
ثم يقال إنه تاب إلى الله ، عزوجل ، فأحياه بشرا ، ثم مات .
وكان زربابل الذي أخرج التوراة وكتب الانبياء من البئر التي دفنها فيها
بخت نصر ، فوجدها بجالها لم تحترق ، فأعاد نسخ التوراة وكتب الانبياء وسننهم
وشرائعهم ، وكان أول من رسم هذه الكتب .
وكانت شريعة بني إسرائيل توحيد الله ، والاقرار بنبوة موسى وهارون
ابني عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم خليل الله ،
وكان صيامهم في كل سنة ستة أيام أولها في رأس السنة ، وهم يعدون رأس
السنة أول يوم من تشرين ، فإذا مضى من تشرين عشرة أيام صاموا يوما واحدا ،
وهو اليوم الذي نزلت فيه الالواح الثانية على موسى بن عمران .
ويصومون لعشر خلون من كانون الآخر يوما واحدا ، وهو يوم نجى
الله بني إسرائيل من هامان .
ويصومون لسبعة عشر يوما من تموز يوما واحدا ، وهو اليوم الذي نزل فيه
موسى من الطور .
ويصومون لتسعة أيام من آب يوما واحدا ، وهو اليوم الذي كان فيه خراب
بيت المقدس .
ويصومون لثلاثة أيام من تشرين ، وهو الذي قتل فيه قدريا بن اخيقام .
ولهم أربعة أعياد في السنة : عيد الفطير ، وهو اليوم الذي خرج فيه موسى
ببني إسرائيل من مصر ، فحملوا عجينهم ، ولم يختمر ، فأكلوه فطيرا ، وهو
لخمسة عشر يوما من نيسان ، وأيامه سبعة أيام ، ثم عيد لستة عشر يوما يمضي
من حزيران ، وهو يوم أنزلت التوراة على موسى ، فذلك يوم عيد عندهم معظم ،
ثم عيد أول يوم من تشرين ، وهو رأس السنة عندهم ، ثم عيد في خمسة عشر
يوما من تشرين ، وهو عيد المظلة ، ومعناها أن الله ، عزوجل ، أمر موسى أن
ـ 67 ـ
يأمر بني إسرائيل أن يبنوا عريشا بالسعف والجريد ، فهم يقيمون ثمانية أيام
يتخذون في كنائسهم ظلالات من السعف والجريد .
وصلواتهم ثلاث صلوات : صلاة بالغداة ، وصلاة عند غروب الشمس ،
وصلاة بعد الغروب ، فإذا وقف أحدهم للصلاة جمع عقبيه ، وجعل يده اليمنى
على كتفه اليسرى ، ويده اليسرى على كتفه اليمنى ، وهو مطرق ، يركع خمس
ركعات لايسجد فيهن ، ثم يسجد في الآخرة سجدة واحدة ، ويسبح بمزامير
داود في أول الصلوات ، ويقرأ في صلاة المغيب من التوراة ، ومعتمدهم في
سننهم وشرائعهم على كتب علمائهم ، وهي الكتب التي يقال لها . . ( 1 ) ب العبرانية ،
وهي اللغة التي صارت لهم لما عبروا البحر .
وسنتهم في مناكحهم ألا يتزوجوا إلا بولي وشاهدين ، وأقل مهورهم
للبكر مائتا درهم ، وللثيب مائة درهم بهذا الوزن لايكون أقل منه ، والطلاق
مباح متى كرهوا ، ولايكون إلا بشهود .
وسنتهم في ذبائحهم ألا يأكلوا ما ذبحه غيرهم ، وأن يكون الذي يتولى
الذبائح عالما بالشرائع ، ثم يأتي بالسكين ، كلما أراد أن يذبح بها ، إلى
الكاهن ، فإذا رضي حدها أطلق له الذبح بها ، وإلا أمره أن يحدها ، أو يأتي
بغيرها ، فإذا ذبح لم يقربها من حائط تضطرب عليه ، فإذا فرغ منها نظر إلى
الحلقوم ، فإن وجده لم يرغ الغلصمة ، ووجد الذبح مستويا لم يؤكل حتى
ينظر إلى الرئة ، فإن وجد بها عيبا ، أو علة ، أو شقا ، أو بثرة ، أو ورما ،
لم تؤكل الذبيحة ، فإن سلمت الرئة نظر إلى الدماغ ، فإن وجد فيه علة لم تؤكل ،
وإن سلم الدماغ نظر إلى القلب ، فإن وجد فيه علة لم يأكله ، وإن سلم ما في
البطون والثرب من الشحم ، فلا يأكله ، ولا العروق ، وأكل ما سوى ذلك .
وتاريخهم ، على حسابهم ، من خراب بيت المقدس ، فعلى هذا يحسبون ، ولا بد لهم
في كل يوم أن يذكروا اليوم الذي خرب فيه بيت المقدس ، وكم له إلى يومه ذلك .
* ( هامش ) * ( 1 ) بياض في الاصل . ( * )
ـ 68 ـ
المسيح عيسى بن مريم
وكانت حنة امرأة عمران قد نذرت إن وهب الله لها ولدا أن تجعله لله ،
فلما ولدت مريم دفعتها إلى زكرياء بن برخيا بن ؟ لشوا ( 1 ) بن نحرائيل بن سهلون بن
ارسو بن شويل بن ؟ لعود ( 2 ) بن موسى بن عمران ، وكان كاهن المذبح ، فلم يزل
كذلك حتى إذا كملت سبع عشرة سنة بعث الله إليها الملك ليهب لها ولدا زكيا ،
فكان من خبرها ما قد قصه الله ، عزوجل ، حتى اشتملت على الحمل ، فلما
كملت أيامها طرقها المخاض ، على ما قال الله ، عزوجل ، ووصف من حالها
وحاله ، وكلامه من تحتها ، وكلامه في المهد .
وكان مولده بقرية يقال لها بيت لحم من قرى فلسطين ، وكان ذلك يوم
الثلاثاء لاربعة وعشرين يوما خلت من كانون الاول .
قال ما شاءالله المنجم : كان الطالع للسنة التي ولد فيها المسيح في الميزان
ثماني عشرة درجة ، والمشتري في السنبلة إحدى وثلاثين دقيقة راجعا ، وزحل في
الجدي ست عشرة درجة وثمانيا وعشرين دقيقة ، والشمس في الحمل دقيقة ،
والزهرة في الثور أربع عشرة درجة ، والمريخ في الجوزاء إحدى وعشرين درجة
وأربعا وأربعين دقيقة ، وعطارد في الحمل أربع درجات وسبع عشرة دقيقة .
وأما أصحاب الانجيل فلا يقولون إنه تكلم في المهد ، ويقولون : إن مريم
كانت مسماة برجل يقال له يوسف من ولد داود ، وإنها حملت ، فلما قرب
وضع حملها سار بها إلى بيت لحم ، فلما ولدت ردها إلى ناصرة من جبل الجليل ،
فلما كان في اليوم الثامن ختنه على سنة موسى بن عمران ، وقد وصف الحواريون
أخبار المسيح ، وذكروا حاله ، فأثبتنا مقالة واحد واحد منهم ، وما وصفوه به .
وكان الحواريون اثني عشر من أسباط يعقوب وهم : شمعون بن كنعان
* ( هااامش ) * ( 1 ) و ( 2 ) بلا نقط في الاصل ( * ) .
ـ 69 ـ
من سبط . . ( 1 ) ويعقوب بن زبدى . . ( 2 ) ويحيى بن حابر بن فالي من سبط
زبلون ، وفيلفوس من سبط اشر ، ومتى من سبط اشجر بن يعقوب ، وسمعي
من سبط هرام بن يعقوب ، ويهودا من سبط يهوذا بن يعقوب ، ويعقوب من سبط
يوسف بن يعقوب ، ومنشي من سبط روبيل بن يعقوب ، وكان دون هؤلاء
سبعون رجلا ، وكان الاربعة الذين كتبوا الانجيل : متى ومرقس ولوقا ويوحنا ،
اثنان من هؤلاء الاثني عشر ، واثنان من غيرهم .
فأما متى فإنه قال في الانجيل في نسب المسيح ايسوع بن داود بن ابراهيم
إلى أسفل ، حتى انتهى إلى يوسف بن يعقوب بن ماثن بعد اثنين وأربعين أبا ،
ثم قال : وكان يوسف بعل مريم ، وإن المسيح ولد في بيت لحم من قرى فلسطين ،
وملك فلسطين يومئذ هيرودس ، وإن قوما من المجوس ساروا إلى بيت لحم ،
وعلى رؤوسهم نجم يهتدون به ، حتى رأوه ، فسجدوا له ، وإن هيرودس ملك
فلسطين أراد أن يقتل المسيح ، وان يوسف أخرجه وأخرج أمه إلى أرض مصر ،
فلما مات هيرودس رده ، فأنزله ناصرة جبل الجليل ، وانه لما كمل المسيح
وبلغ تسعا وعشرين سنة صار إلى يحيى بن زكرياء ليصطنعه ، فقال له يحيى بن
زكرياء : أنا أحوج إليك منك إلي ! فقال له المسيح : اترك هذا القول ، فإن
هكذا ينبغي أن يتم البر ، فتركه يحيى ، وإن ايسوع خرج بتأييد روح الله إلى
البرية فصام أربعين يوما ، فاقترب إليه الشيطان ، فقال : إن كنت الآن ابن الله
فمر هذه الحجارة أن تصير خبزا ! فقال ايسوع : إنه ليس بالخبز وحده يحيا
البشر ، ولكن بكلمة الله ، فحمله ، فصيره على جناح الهيكل ، ثم قال له
الشيطان : فألق نفسك إلى الارض ، فإنك إن كنت ابن الله تكنفتك ملائكته .
فقال المسيح : إنه مكتوب : لاتجرب الله بك ، ثم قال للشيطان : اذهب فأنا لله أسجد
وإياه أعبد . فتركه الشيطان وذهب ، ثم إن ملائكة الله ، عزوجل ، اقتربت منه ،
فجعلوا يخدمونه ، ثم إن تلامذته اقتربوا إليه ، فجعل يكلمهم بأمثال ووحي ،
* ( هامش ) * 1 ) و 2 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ 70 ـ
وبغير أمثال .
وكان أول ماتكلم به من الانجيل ، على ما في إنجيل متى : طوبى للمساكين
القانعة قلوبهم بما عند ربهم ، بحق إن لهم ملكوت السماء ، طوبى للجياع
العطاش في طاعة الله ، طوبى للصادقين في قولهم ، التاركين للكذب ، الذين
هم ملح الارض ونور العالم . لاتقتلوا ، ولاتسخطوا أحدا ، وأرضوا من
سخط عليكم ، وصالحوا خصمكم ، ولاتزنوا ، ولاتنظروا إلى غير نسائكم ،
فإن كانت عينكم اليمنى تدعوكم إلى الخيانة ، فاقلعوها حتى تنجوا بأبدانكم ،
ولا تطلقوا نساءكم من غير زنية ( 1 ) ، ولاتحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين ، ولا
بسمائه ، ولابأرضه ، ولاتقاوموا الشر ، ولكن من لطمك على عارضك الايمن ،
فأقبل إليه بعارضك الايسر ، ومن أراد أن ينزع قميصك ، فأعطه أيضا
رداءك ، ومن سخرك ميلا ، فانطلق معه ميلين ، ومن سألك فأعطه ، ومن
استقرضك فأقرضه ولاتحرمه .
قد سمعتم أنه قد قيل : أحبب قريبك وابغض عدوك ! أما أنا فإني أقول
لكم : أحبوا أعداءكم وصلوا من قطعكم ، وافعلوا الخير إلى من بغضكم . إن كنتم
تحبون الذين يحبونكم فأي أجر لكم ؟ لاتظهروا صدقاتكم بين أيدي البشر ،
لاتعلم شمائلكم بما عملت أيمانكم ، لاتراؤوا الناس بصلاتكم ، وإذا صليتم
فادخلوا بيوتكم ، وأغلقوا أبوابكم ، ولايسمعكم أحد ، وإذا صليتم فقولوا :
أبانا الذي في السموات يقدس اسمك ، ويأتي ملكوتك ، تكون مشيئتك كما
في السماء وعلى الارض ، خبزنا كفافنا أعطنا اليوم ، واترك لنا الذي علينا كمثل
ما نترك نحن لغرمائنا ، ولا تدخلنا في تجربة يا رب ! ولكن نجنا من الشرير .
ولا تظهروا صيامكم للبشر ، إذا صمتم لله ربكم ، ولاتغيروا وجوهكم
ليراكم الناس ، فإن ربكم يعلم بحالكم .
لاتدخروا الذخائر حيث السوس والارضة الاكلة يفسدن ، وحيث اللصوص
* ( هامش ) * 1 ) قوله زنية هكذا في الاصل ( * ) .
ـ 71 ـ
يحفرون ، ولكي تكون ذخائركم عند ربكم الذي في السماء حيث لاسوس
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 71 سطر 1 الى ص 80 سطر 16
يحفرون ، ولكي تكون ذخائركم عند ربكم الذي في السماء حيث لاسوس
يعدو ، ولا لص يسرق .
ولاتهتموا بمعاشكم ، ولا ما تأكلون ، ولا ما تشربون ، ولا ما تلبسون ،
وانظروا إلى طير السماء لايزرعن ، ولا يحصدن ، ولايجمعن في البيوت ، فإن
الله يرزقهن ، وأنتم أكرم على الله من الطير .
لاتهتموا لاولادكم ، فإنهم مثلكم كما خلقتم خلقوا ، وكما رزقتم رزقوا .
ولا تقل لاخيك أخرج القذى من عينك ، وفي عينك أنت جذع ، لاتنظروا
في عيوب الناس وتدعوا عيوبكم ، لاتعطوا القدس ولا اللؤلؤ للخنازير ،
فتدوسه بأرجلها ! سلوا ربكم يعطكم وابتغوا إليه ، فأنكم تجدونه رحيما بكم ،
واقرعوا بابه يفتح لكم ، أما الباب فإنه معرض ، والطريق بين ، وهو يبلغ
الناس التلف ، وما أصغر الباب ، وأضيق الطريق التي تبلغ الناس النجاة .
تحفظوا من أهل الكذب الذين يشبهون الذئاب الضارية ، كما لا تستطيعون
وتقطفون العنبة من الشوك ، ولا التين من الحنظل ، هكذا لاتجدون شجرة
سوء تخرج نباتا صالحا ، ولا شجرة صالحة تخرج ثمرة سوء .
كل من يسمع كلامي ثم يفهمه ، فإنه يشبه رجلا حليما بنى بيته في
مكان صلب شديد ، فجاء المطر ودرت الانهار ، وارتفعت الرياح . . ( 1 )
فسقط البيت .
وفي ذلك الزمان كان الملك هيرودس قد أخذ يوحنا فسجنه ، وذلك أنه كان
يأتي امرأة أخيه فيلفوس ، فنهاه يوحنا أن يأتي ذلك ، وكان يريد أن يقتله ،
ويتقي لانهم كانوا يعظمون يوحنا ، فقالت له امرأة أخيه : اقتل يوحنا !
فوجه إلى السجن ، فقطع رأس يوحنا ووضعه على طبق ، واقترب تلاميذه ،
وأخذوا جثته فقبروها ، وجاءوا المسيح فأخبروه ، فخرج إلى أرض قفر ،
وجعل يأمر أصحابه : لاتخبروا أحدا .
* ( هامش ) * ( 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ 72 ـ
انجيل مرقس : فأما مرقس فإنه قال في أول إنجيله : ايسوع المسيح
ابن الله ، كما هو مكتوب في أشعيا النبي : إني مرسل ملاكي قدام وجهك
لاصلح سبيلك ، وان يحيى بن زكرياء كان يعمد المعمودية للتوبة ، وكان لباسه
وبر الابل ، وكان يشد حقوته بغرفة من جلود ، وإن المسيح جاءه من ناصرة
الجليل يعمده في الاردن ، فلما عمده خرجت روح القدس على الماء كالحمامة ،
وصوت من السماء ينادي : أنت ابني خليلي الذي بك سررت .
وانصرف إلى جبل الجليل ، فإذا قوم يصطادون السمك ، فيهم شمعون
واندراوس ، فقال لهما : الحقاني أجعلكما تصطادان البشر ! فمضيا معه ،
فدخل قرية فأبرأ مرضاها وبرصها ، وفتح أعين عميان بها ، فاجتمع إليه قوم
وجعل يكلمهم بأمثال ووحي ، ويقول : بحق أقول لكم ، لاتذهب القبيلة
حتى يذهب السماء والارض ، وكلامي لايذهب .
انجيل لوقا : فأما لوقا فإنه يقول في أول الانجيل : من أجل أن كثيرا
من الناس أحبوا أن يكتبوا القصص والامور التي عرفناها رأيته يحق علي أن
أكتب شيئا علمته بحقه .
إنه كان في أيام هيرودس الملك كاهن يسمى زكرياء من خدام آل ابيا
وامرأته من بنات هارون تسمى اليسبع ، وكانا جميعا بارين قدام الله ، عاملين
بوصاياه ، غير مقصرين في طاعته ، ولم يكن لهما ولد ، وكانت اليسبع عاقرا
وزكرياء عاقرا ، قد كبرت سنهما ، فبينا زكرياء يكهن الدخنة ، فدخل الهيكل ،
وجماعة خارج الهيكل ، فتراءى لزكرياء ملك الرب قائما عن يمين المذبح ،
فارتعد زكرياء حين أبصره ، وحلت عليه الخشية ، فقال له الملك : لاترهبن
يا زكرياء ! فإن الله قد سمع صلواتك ، وأجاب دعاءك ، فيهب لك ابنا تسميه
يحيى ، ويكون لك فيه الخير والفرح ، ويكون عظيما عندالله ، ولا يشرب
خمرا ، ولا سكرا ، ويمتلئ من روح القدس ، إذ هو في بطن أمه ، ويقبل
إلى الله بكثير من آل إسرائيل ، ويحل عليه الروح الذي حل على الياء النبي
ـ 73 ـ
ليقبل بقلوب الآباء على أبنائهم ، ويكونوا لله شعبا كاملا .
فقال زكرياء للملك : كيف لي أن أعلم هذا ، وأنا شيخ ، وامرأتي كبيرة
السن ؟ فقال له الملك : إني أنا جبريل القائم بين يدي الله ، عزوجل ، أرسلني
لابشرك بهذا ، فمن الآن ، فكن صامتا لاتتكلم حتى اليوم الذي يكون فيه
هذا لانك لم تصدق ، ولم تؤمن بقولي الذي يتم في حينه .
وكان الشعب قياما ينتظرون زكرياء ، ويتعجبون من لبثه في الهيكل ، فلما
أن خرج لم يقدر أن يكلمهم ، فعرفوا ، وأيقنوا أنه قد رأى رؤيا في الهيكل ،
فكان يومئ إليهم إيماء ، ولايتكلم .
فلما تمت أيام خدمته انصرف إلى بيته ، وحبلت اليسبع امرأته ، وأقامت
تخفي نفسها أشهرا خمسة ، وتقول : هذا الذي صنع إلي الرب في أيام نظره
إلي ليمحو عني عاري في البشر .
ولما كان في الشهر السادس من حمل امرأة زكرياء أرسل الله جبريل الملك
إلى جبل الجليل إلى مدينة تدعى ناصرة ، إلى فتاة عذراء مملكة برجل يسمى
يوسف من آل داود ، اسمها مريم ، فدخل إليها الملك ، وقال لها : السلام عليك
أيتها المملوءة من النعمة ، أيتها المباركة في النساء ! فلما رأته فزعت من كلامه ،
وجعلت تفكر ، وتقول : ما هذا السلام ؟ فقال لها الملك : لاترهبي يا مريم !
قد لاقيت ووافيت عندالله نعمة ، بحق إنك تقبلين حبلى ، وتلدين ابنا ، وسميه
ايسوع ، ويكون عظيما ، وابن الاعلى يدعى ، ويعطيه الرب إلهه كرسي داود
أبيه ، ويملك على آل يعقوب إلى الدهر ، ولايكون لملكه فناء ، ولا انقطاع .
فقالت مريم للملك : كيف يكون هذا ، ولم يمسسني رجل ؟ قال لها الملك :
روح القدس يحل عليك ، وهذا الذي يولد منك قدوس ، وابن الله يدعى ، وهذه
اليسبع نسيبتك ، فهي أيضا حبلى بابن ، على كبرها ، وهذا الشهر هو السادس
لتلك التي تدعى عاقرا ، لانه لايعجز الله شئ ! فقالت مريم : إني أمة الله ،
فليكن لي كما قلت .
ـ 74 ـ
ودخلت مريم إلى بيت زكرياء ، وسألت عن سلامة اليسبع ، فلما سمعت
امرأة زكرياء كلام مريم ارتكض الجنين في بطنها ، وامتلات من روح القدس ،
قالت لمريم : مباركة أنت في النساء ! بحق إنه لما وقع صوت سلامك في
مسمعي ، بفرح عظيم ارتكض الجنين في بطني .
وولدت اليسبع امرأة زكرياء ابنا ، وختنوه يوم الثامن ، وسموه يوحنا ،
ومن ساعته انفتح فوه ، وتكلم وبرك الله تعالى ، وامتلا زكرياء من روح القدس ،
وقال : تبارك الرب إله إسرائيل ، الذي أبلى شعبه ، وأطلقهم بالخلاص ، وأقام
لنا قرن الخلاص من آل داود ، كالذي تكلم على ألسنة أنبيائه الطاهرين .
ولما كملت لمريم أيامها صعد بها يوسف إلى جبل الجليل ، فولدت ابنها البكر ،
فلفته في الخرق ، وأضجعته في الاري من أجل أنه لم يكن لها مكان حيث كانا
نازلين . . ( 1 ) فأتاهم ملك الرب ، ومجد الله أشرق عليهم ، فخافوه خوفا شديدا ،
وقال لهم ملك الرب : لاتخافوا ، ولاتحزنوا ! بحق إني أبشركم بفرح عظيم
يعم العالم .
ثم نسب المسيح من يوسف إلى آدم ، وإنه لما تمت له ثمانية أيام أتوا به
ليختنوه كسنة موسى ، وسموه ايسوع ، وختنوة ، وأتوا به إلى الهيكل ،
وأتوا بذبيحة زوج يمام وفرخي حمام ليقرب عنه ، وكان هناك رجل يقال له
شمعان من الانبياء ، فلما دنوا من المذبح ليقربوا عنه احتمله شمعان ، وقال :
قد أبصرت عيناي حنانك ، يا رب ، فمن الآن فتوفني .
وكان أهله يصعدونه في كل سنة إلى أورشليم في عيد الفصح ، وكان يخدم
العظماء ، ويعجبون به لما يرون من حكمته .
وإن المسيح لما كملت له ثلاثون سنة دخل إلى الهيكل يوم السبت ، وقام
ليقرأ كعادته ، وأعطي سفر أشعيا النبي ، ففتح السفر ، فوجد فيه مكتوبا :
روح الرب علي من أجل ذلك اصطفاني ، ومسحني لابشر المساكين ، وأرسلني
* ( هامش ) * ( 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ 75 ـ
لاشفي المنكسرة قلوبهم ، ولابشر المسبيين بالخلاص ، والعميان بالبصر ، وأن
أجبر المنكسر ، وأبشر المسئ بالعفو والمغفرة ، وأن أبشر بالسنة المتقبلة للرب ،
وطوى السفر ودفعه إلى الخادم ، وتنحى ، فجلس ، فعجب الناس لفعله ،
وقالوا : أليس هذا ابن يوسف ؟
انجيل يوحنا : وأما يوحنا السليح ، فإنه يقول في أول إنجيله في نسبة
المسيح : قبل كل شئ كانت الكلمة ، وتلك الكلمة عندالله ، والله كان هو الكلمة ،
هذه كانت قبل كل شئ وكان بها ، كانت الحياة ، والحياة هو نور البشر ،
وذلك الضياء في الظلام ، والظلام لم يدركه .
كان إنسان ، كان أرسله الله ، اسمه يوحنا ، أتى للشهادة ليشهد على النور
ليهتدي الناس ، ويؤمنوا على يده ، ولم يكن هو النور ، فإن نور الحق لم يزل
يضئ ويبين في العالم ، والعالم كان في يده ، والعالم لم يعرفه ، إلى خاصته أتى
وخاصته لم تقبله ، فأما الذين قبلوه ، وآمنوا به ، فأعطاهم الله سلطانا ليكونوا
يدعون أبناء الله ، أولئك الذين يؤمنون باسمه الذي لا من الدم ، ولا هو من
هوى اللحم ، ولا من شهوة المرء ولد ، ولكن من الله ولد ، والكلمة صارت
لحما وحلت فينا ، ورأينا مجدها مجدا كالوحيد الذي من الاب المملوء من النعمة
والقسط .
ويوحنا شهد عليه ونادى وقال : هذا قلت إنه يأتي من بعدي ، وقد كان
قبلي من أجل أنه أقدم مني ، ومن تمامه كلما نلنا نعمة فاضلة بدل النعمة الاولى ،
لان التوراة على يد موسى أنزلت ، فأما الحق والنعمة فبايسوع المسيح . . ( 1 )
الكلمة التي لم تزل في حضن أبيها .
فهذا قول الاربعة التلاميذ ، أصحاب الانجيل ، في نسبة المسيح ، ثم وصفوا
بعد ذلك ما كان من أخباره ، وأنه أبرأ المرضى والبرص ، وأقام المقعد ، وفتح
عيون العميان ، وأنه كان له صاحب يقال له العازر في قرية تدعى بيت عنيا ،
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل . ( * )
ـ 76 ـ
في ناحية بيت المقدس ، وأنه مات ، فصير في مغارة ، فأقام أربعة أيام ، ثم
جاء المسيح إلى تلك القرية ، فخرجت أختان للعازر ، فقالتا له : يا سيدنا إن
خليلك العازر قد مات ، فحزن المسيح عليه ، وقال : أين قبره ؟ فأتوا به إلى
المغارة وعليها حجر ، فقال : نحوا الحجر ! فقالوا : قد نتن منذ أربعة أيام !
فدنا من المغارة ، فقال : رب لك الحمد ! إني أعلم أنك تعطي كل شئ ،
ولكني أقول من أجل الجماعة الواقفة ليؤمنوا ويصدقوا أنك أنت أرسلتني ،
ثم قال للعازر : قم ! فقام يجر خمارا عليه ، ويداه ورجلاه مشدودة ،
وقد كان معهم قوم من اليهود ، فآمنوا به ، وأقبلوا ينظرون إلى العازر
ويتعجبون منه .
فاجتمع عظماء اليهود وأحبارهم ، فقالوا : إنا نخاف أن يفسد علينا ديننا
ويتبعه الناس ، فقال لهم قيافا ، رئيس الكهنة : لان يموت رجل واحد خير من أن
يذهب الشعب بأسره ! فأجمعوا على قتله .
ودخل المسيح إلى أورشليم على حمار ، وتلقاه أصحابه بقلوب النخل ،
وكان يهوذا بن شمعان من أصحاب المسيح ، فقال المسيح لاصحابه : إن بعضكم
يسلمني ممن يأكل ويشرب معي ، يعني يهوذا بن شمعان ، ثم جعل يوصي
أصحابه ، ويقول لهم : قد بلغت الساعة التي يتحول ابن البشر إلى أبيه ، وأنا
أذهب إلى حيث لا يمكنكم أن تجيئوا معي ، فاحفظوا وصيتي ، فسيأتيكم
الفارقليط يكون معكم نبيا ، فإذا أتاكم الفارقليط بروح الحق والصدق ، فهو
الذي يشهد علي ، وإنما كلمتكم بهذا كيما تذكروه إذا أتى حينه ، فإني
قد قلته لكم ، فأما أنا فإني ذاهب إلى من أرسلني ، فإذا ما أتى روح الحق
يهديكم إلى الحق كله ، وينبئكم بالامور البعيدة ، ويمدحني ، وعن قليل
لاتروني .
ثم رفع المسيح عينه إلى السماء ، وقال : حضرت الساعة ! إني قد مجدتك
في الارض ، والعمل الذى أمرتني أن أعمله فقد تمته ، ثم قال : اللهم إن كان
ـ 77 ـ
لابد لي من شرب هذه الكأس ، فهونها علي ، وليس كما أريد يكون ، ولكن
ما تريد يا رب .
ثم مضى المسيح مع تلاميذه إلى المكان الذي يجتمع هو وأصحابه فيه ، وكان
يهوذا أحد الحواريين يعرف ذلك الموضع ، فلما رأى الشرط يطلبون المسيح
ساقهم والذين معهم من رسل الكهنة ، حتى وقف بهم على الموضع ، فخرج إليهم
المسيح ، فقال لهم : من تريدون ؟ فقالوا : أيسوع الناصري ! فقال لهم
ايسوع : أنا هو ! فرجعوا ، ثم عادوا ، فقال لهم المسيح : أنا ايسوع الناصري ،
فإن كنتم تريدوني ، فانطلقوا بي لتتم الكلمة .
وكان مع شمعان الصفا سيف فاخترطه ، ثم ضرب عبد سيد الكهنة ،
فقطع يده اليمنى ، فقال المسيح : يا شمعان ! رد السيف إلى غمده ، فإني
لاأمتنع من شرب الكأس التي أعطاني ربي . فأخذ الشرط المسيح ، وأوثقوه ،
وجاءوا به إلى قيافا رئيس اليهود ، الذي كان أشار بقتله .
وكان شمعان الصفا يمشي خلفه ، فدخل مع الاعوان ، فقيل له : أنت من
تلاميذ هذا الناصري ؟ قال : لا ! ولما أدخل المسيح على رئيس اليهود جعل
يكلمه ، والمسيح يجيبه بما لا يفهمه ، فضربه بعض الشرط على فكيه ، ثم
أخرجوا المسيح من عند قيافا إلى فرطورين ، فقال له : أنت ملك اليهود ؟ فقال
له المسيح : أمن نفسك قلت هذا أم أخبرك آخرون عني ؟ وجعل يكلمه ،
ويقول : إن ملكي ليس من هذا العالم .
ثم ان الشرط أخذوا إكليلا من أرجوان ، فوضعوه على رأسه ، وجعلوا
يضربونه ، ثم أخرجوه وعليه ذلك الاكليل ، فقال له رؤساء الكهنة : اصلبه !
فقال لهم فيلاطوس : خذوه أنتم فاصلبوه ، فأما أنا ، فلم أجد عليه علة !
فقالوا : قد وجب عليه الصلب والقتل من اجل انه قال : انه ابن الله ، ثم
أخرجه ، فقال لهم : خذوه أنتم فاصلبوه ! فأخذوا المسيح ، وأخرجوه ، وحملوه
الخشبة التي صلبوه عليها .
ـ 78 ـ
هذا في إنجيل يوحنا ، فأما متى ومرقس ولوقا فيقولون : وضعوا الخشبة
التي صلب عليها المسيح على عنق رجل قرناني ، وصاروا به إلى موضع يدعى
الجمجمة ، ويسمى ب العبرانية ايماخاله ، وهو الموضع الذي صلب فيه ، وصلب
معه اثنان آخران : واحد من هذا الجانب ، والآخر من هذا الجانب ، وكتب
فيلاطوس في لوح : هذا ايسوع الناصري ، ملك اليهود ، فقال له رؤساء الكهنة :
اكتب الذي قال انه ملك اليهود ! فقال لهم : ما كتبت ، وقد كتبت .
ثم إن الشرط اقتسموا ثياب المسيح ، وكانت أمه مريم ، ومريم بنت
قلوفا ، ومريم المجدلانية قياما ينظرن إليه ، فكلم أمه من فوق الخشبة .
وجعل أولئك الشرط يأخذون اسفنجة فيها خل يقربونها إلى أنفه ، فيتكرهها ،
ثم أسلم روحه ، فجاءوا إلى ذينك المصلوبين معه ، وكسروا سوقهما ، وأخذ
واحد من الشرط حربة ، فطعنه في جنبه ، فخرج دم وماء ، ثم كلم فيه أحد
التلاميذ لفيلاطوس ، حتى أنزله ، وأخذ حنوطا من مر وصبر ، ولفه في ثياب
كتان وطيب ، فكان في ذلك الموضع جنان ، وفيه قبر جديد ، فوضعوا المسيح
فيه ، وكان ذلك يوم الجمعة .
فلما كان يوم الاحد ، فيما يقول النصارى ، بكرت مريم المجدلانية
إلى القبر ، فلم تجده ، فجاءت شمعان الصفا وأصحابه ، فأخبرتهم انه ليس في
القبر ، فمضوا فلم يجدوه ، وجاءت مريم ثانية إلى القبر ، فرأت في القبر رجلين
عليهما ثياب بياض ، فقالا لها : لاتبكي ! ثم التفتت خلفها ، فرأت المسيح ،
وكلمها وقال لها : لاتدنين إلي لاني لم أصعد إلى أبي ، ولكن انطلقي إلى اخوتي
وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ، وانه لما كان عشية الاحد
جاءهم وقال لهم : السلام معكم ! كما أرسلني أبي كذلك أرسلكم ، وان
غفرتم ذنوب أحد ، فهي مغفورة ، فقالوا : هذا الذي يكلمنا روح وخيال !
قال لهم : انظروا إلى آثار المسامير بإصبعي وإلى جانبي الايمن ، ثم قال لهم :
طوبى للذين لم يروني وصدقوا بي .
ـ 79 ـ
وجاءوه بقطعة سمك ، فأكل ، وقال لهم : ان أنتم صدقتم بي ، وفعلتم
فعلي ، يحق ألا تضعوا أيديكم على مريض إلا برئ ، ولا يضره الموت . ثم
ارتفع عنهم ، وكان له ثلاث وثلاثون سنة .
هذا ما يقول أصحاب الانجيل وهم يختلفون في كل المعاني . قال الله ،
عزوجل ، ما قتلوه ، وما صلبوه ، ولكن شبه لهم ، وان الذين اختلفوا فيه
لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ، وما قتلوه يقينا بل رفعه
الله إليه .
ولما رفع عيسى المسيح اجتمع الحواريون إلى أورشليم ، في جبل طور
الزيتون ، وصاروا إلى علية كان فيها بطرس ، ويعقوب ، ويوحنا ، واندراوس ،
وفيلبس ، وتوما ، وبرتلموس ، ومتاوس ، ويعقوب . . . ( 1 ) فقام شمعان
على الحجر ، فقال : يا معشر الاخوة ! قد كان ينبغي أن يتم الكتاب الذي سبق
فيه روح القدس ، وأرادوا أن يجعلوا رجلا يتم به الاثنا عشر ، فقدموا متى
وبرسبا ، وقالوا : اللهم اظهر لنا من نختاره ! فوقع على متى ، فأصابتهم ريح
شديدة ، امتلات الغرفة التي كانوا فيها ، ورأوا مثل لسان النار ، فتكلموا
بألسن شتى ، ثم قالوا لبطرس : ماذا تصنع ؟ فقال لهم بطرس : قوموا واعمدوا
كل انسان منكم باسم المسيح ، وتنحوا عن هذه القبيلة المعوجة .
وأقام بطرس ويوحنا كلما دخلا الكنيسة ذكرا أمر المسيح ، ووصفا فعله ،
ودعوا الناس إلى عبادته ، فأنكر ذلك عليهم اليهود ، وأخذوهم ، فحبسوهم ،
ثم أطلقوهم ، وقالوا : نختار سبعة رجال يقدسون الله ، ويذكرون حكمته
ومسيحه ، فاختاروا اصطفانس ، وفيلبس ، وابر حورس ، ونيقانور ، وطيمون ،
وبرمنا ، ونيقولاوس الانطاكي ، وأقاموهم ، فصلوا عليهم ، وقدسوهم ،
فجعلوا يصفون أمر المسيح ، ويدعون الناس إلى دينهم .
وكان بولس أشد الناس عليهم ، وأعظمهم ايذاء لهم ، وكان يقتل من
* ( هامش ) * ( 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ 80 ـ
يقدر عليه منهم ، ويطلبهم في كل موضع ، فخرج يريد دمشق ليجمع قوما
كانوا بها ، فسمع صوتا يناديه : يا بولس ، كم تضطهدني ! ففزع حتى لم
يبصر ، ثم جاءه حنانيا ، فقدس عليه حتى انصرف ، وبرأت عينه ، فصار
يقوم في الكنائس ، فيذكر المسيح ، ويقدسه ، فأرادت اليهود قتله ، فهرب
منهم ، وصار مع التلامذة يدعو الناس ، ويتكلم بمثل ما يتكلمون به ، ويظهر
الزهد في الدنيا ، والتقليل منها ، حتى قدمه الحواريون جميعا على أنفسهم ،
وصيروه رأسهم .
وكان يقوم فيتكلم ، ويذكر أمر بني إسرائيل والانبياء ، ويذكر حال
المسيح ، ويقول : ميلوا بنا إلى الامم ، كما قال الله للمسيح : اني وضعتك
نورا للامم ، فتصير إخلاصا إلى أقطار الارض ، فتكلم كل رجل منهم
برأيه ، وقالوا : ينبغي أن يحتفظ بناموس ، وان يرسل إلى كل بلد من يدعو
إلى هذا الدين ، وينهاهم عن الذبائح للاوثان ، وعن الزنا ، وعن أكل الدم .
وخرج بولس ومعه رجلان إلى انطاكية ليقيموا دين المعمودية ، ثم رجع
بولس ، وأخذ ، فحمل إلى ملك رومية فقام فتكلم ، وذكر حال المسيح ،
فتحالف قوم على قتله لافساده دينهم ، وذكره المسيح وتقديسه عليه .
ـ 81 ـ
ملوك ا لسريانيين
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 81 سطر 1 الى ص 90 سطر 25
ملوك ا لسريانيين
وكان أول الملوك بعد الطوفان بارض بابل ملوك ا لسريانيين ، فأول من ملك
منهم ، وعقد التاج على رأسه : شوسان ، وكان ملكه ست عشرة سنة ، ثم
ملك بعده بوير ابنه عشرين سنة ، ثم ملك اسماشير بن الول سبع سنين ، ثم
ملك بعده عمر قيم ابنه عشر سنين ، ثم ملك اهريمون ابنه عشر سنين ، ثم ملك
سمادان ابنه عشر سنين ، ثم ملك سبير ابنه ثماني سنين ، ثم ملك هريمون ثماني
عشرة سنة ، وملك ابنه هوريا اثنتين وعشرين سنة ، ثم ملك ارود وحلحابيس
كلاهما اثنتي عشرة سنة .
ملوك الموصل ونينوى
وكان أول من ملك منهم بالوس اثنتين وثلاثين سنة ، وملك نينوس بن
بالوس اثنتين وخمسين سنة ، وبنى مدينة نينوى ، ثم ملكت امرأة يقال لها
شميرم أربعين سنة ، ثم ملك لاوسنسر خمسا وأربعين سنة ، ثم ملك خمسة
عشر ملكا لاتأريخ لهم ، ولاقصص .
ـ 82 ـ
ملوك بابل
فكان أول ملوك بابل ، بعد ا لسريانيين ، نمرود الجبار ، فملك تسعا وستين
سنة ، وملك كودس ثلاثا وأربعين سنة ، وملك ارقو عشر سنين ، وملك
؟ ولس ( 1 ) اثنتين وستين سنة ، ثم ملك سميرم اثنتين وأربعين سنة ، وملك قوسميس
تسعا وستين سنة ، وملك انيوس ثلاثين سنة ، وملك ليلاوس اثنتي عشرة سنة ،
وملك اطلوس اثنتين وثلاثين سنة ، وملك سفردس ثلاثين سنة ، ثم ملك حازم
بودس ثلاثين سنة ، ثم ملك سعالوس ثلاثين سنة ، وملك سبطاس أربعين سنة ،
وملك اسنطرس أربعين سنة ، وملك دمنوطوس خمسا وأربعين سنة ، وملك
العروس ثلاثين سنة ، وملك ا لمقرندوس اثنتين وخمسين سنة ، وملك قارنوس ( 2 )
ثلاثين سنة ، وملك باباوس خمسا وأربعين سنة ، وملك شرسبا ادوموس
اربعين سنة ، وملك دارافوس ثمانيا وثلاثين سنة ، وملك لاوبس ( 3 ) خمسا وأربعين
سنة ، وملك قطريس ( 4 ) ثلاثين سنة ، وملك فرطاوس عشرين سنة ، وملك
اقرطا ( 5 ) ستين سنة ، وملك قولا خمسا وثلاثين سنة ، وملك بعنطس خمسا
وثلاثين سنة ، وملك اسعلو سرقم ( 6 ) أربع عشرة سنة ، وملك اسرعون سبع
سنين ، وملك قيم حدوم ثلاث سنين ، وملك فردوح ( 7 ) سبعا وأربعين سنة ،
وملك سنحاريب إحدى وثلاثين سنة ، وملك معرسا ثلاثا وثلاثين سنة ، وملك
بخت نصر خمسا وأربعين سنة ، وملك فرمورج ( 8 ) سنة واحدة ، وملك سط ( 9 ) سفر
ستين سنة ، وملك ماسوسا ثماني سنين ، وملك معوسا سبعة أشهر ، وملك
داريوش إحدى وثلاثين سنة ، وملك كسر حوش عشرين سنة ، وملك قرطنان ( 10 )
* ( هامش ) * ( 1 - 10 ) بلا نقط في الاصل ( * ) .
ـ 83 ـ
سبعة أشهر ، وملك منحسمت إحدى وأربعين سنة ، وملك سعلس سبعة أشهر ،
وملك داريوش ، وهو الذي قتله الاسكندر ، تسع عشرة سنة ، وملك ارطحشاست
سبعا وعشرين سنة .
هؤلاء الملوك ملوك الدنيا ، وهم الذين شيدوا البنيان ، واتخذوا المدن ،
وعملوا الحصون ، وشرفوا القصور ، وحفروا الانهار ، وغرسوا الاشجار ،
واستنبطوا المياه ، وأثاروا الارضين ، واستخرجوا المعادن ، وضربوا الدنانير ،
وصاغوا وكللوا التيجان ، وطبعوا السيوف ، واتخذوا السلام ، وعملوا آلات
الحديد ، وصنعوا النحاس والرصاص ، واتخذوا المكاييل والموازين ، واختطوا
البلدان ، وقلموا الاقاليم ، وأسروا الاعداء ، واستعبدوا الاسراء ، واتخذوا
السجون ، ووصفوا الازمنة ، وسموا الشهور ، وتكلموا في الافلاك والبروج
والكواكب ، وحسبوا ، وقضوا بما يدل عليه الاجتماع والافتراق ، والتثليث
والتربيع ، وا لمجاسدات .
ـ 84 ـ
ملوك الهند
قال أهل العلم : إن أول ملوك الهند الذي اجتمعت عليه كلمتهم : برهمن
الملك الذي في زمانه كان البدء الاول ، وهو أول من تكلم في النجوم ، وأخذ
عنه علمها ، والكتاب الاول ، الذي تسميه الهند : السند هند ، وتفسيره دهر
الدهور ، ومنه اختصر الارجبهر والمجسسطي ، ثم اختصروا من الارجبهر
الاركند ، ومن المجسطي كتاب بطليموس ، ثم عملوا من ذلك ا لمختصرات
والزيجات وما أشبهها من الحساب ، ووضع التسعة الاحرف الهندية التي يخرج
منها جميع الحساب والتي لاتدرك معرفتها ، وهي : 1 2 3 4 5 6 7 8 9 ، فالاول
منها واحد ، وهو عشرة ومائة ، وهو ألف ، وهو مائة ألف ، وهو ألف ألف ،
وهو عشرة آلاف ألف ، وهو مائة ألف ألف ، وعلى هذا الحساب ابدأ فصاعدا ،
والثاني ، وهو اثنان ، وهو عشرون ، وهو مائتان ، وهو ألفان ، وهو عشرون
ألفا ، وهو مائتا ألف ، وهو ألفا ألف ، وعلى هذا الحساب يجري التسعة الاحرف ،
فصاعدا ، غير أن بيت الواحد معروف من العشرة ، وكذلك بيت العشرة معروف
من المائة ، وكذلك كل بيت ، وإذا خلا بيت منها يجعل فيه صفر ، ويكون
الصفر دارة صغيرة .
وجعلوا الدنيا سبعة أقاليم : فالاقليم الاول الهند ، وحده مما يلي المشرق :
البحر ، وناحية الصين إلى الديبل مما يلي أرض العراق ، إلى خليج البحر مما
يلي أرض الهند ، إلى أرض الحجاز .
والاقليم الثاني : الحجاز ، حده : هذا الخليج إلى عدن إلى أرض الحبشة
مما يلي أرض مصر ، إلى الثعلبية مما يلي أرض العراق .
والاقليم الثالث : مصر ، حده : مما يلي أرض الحبشة إلى أرض الحجاز ،
ـ 85 ـ
إلى البحر الاخضر مما يلي الجنوب ، إلى المغرب ، إلى الخليج الذي يلي الروم ،
إلى نصيبين مما يلي أرض العراق .
والاقليم الرابع : وهو العراق ، حده مما يلي الهند : الديبل ، ومما يلي
الحجاز : الثعلبية ، ومما يلي أرض مصر والروم : نصيبين ، ومما يلي أرض
خراسان : نهر بلخ .
والاقليم الخامس : الروم ، حده مما يلي أرض مصر : الخليج ، ومما
يلي المغرب : البحر ، ومما يلي الترك : يأجوج ومأجوج ، ومما يلي أرض
العراق : نصيبين .
والاقليم السادس : يأجوج ومأجوج ، حده مما يلي أرض المغرب :
الترك ، ومما يلي الخزر : البحر ، ومفاوز بينه وبين بحور الشمال ، ومما يلي
المشرق : أرض نصيبين ، ومما يلي خراسان : نهر بلخ .
والاقليم السابع : الصين ، حده مما يلي المغرب : يأجوج مأجوج ،
ومما يلي المشرق : البحر ، ومما يلي الهند : أرض قشمير ، ومما يلي خراسان :
نهر بلخ ، وقالوا كل اقليم من هذه الاقاليم يسع مائة فرسخ في مثلها .
وذكروا أن قطر الارض ألفان ومائة فرسخ ، ومدها ستة آلاف وثلاثمائة
فرسخ ، وأنهم قدروا هذا الفرسخ على ستة عشر ألف ذراع .
وذكروا أن الذراع الذي يحيط بأسفل دائرة النجوم ، وهو فلك القمر ،
مائة ألف فرسخ وخمسة وعشرون ألفا وستمائة وأربعة وستون فرسخا ،
وان قطره من حد رأس الحمل إلى حد رأس الميزان أربعون ألف فرسخ ،
بتقدير هذه الفراسخ التي قدروا بها الارض ، فساعات طول النهار في الاقليم
الاول : ثلاث عشرة ساعة ، وفي الثاني : ثلاث عشرة ساعة ونصف ، وفي
الثالث : أربع عشرة ساعة ، وفي الرابع : أربع عشرة ساعة ونصف ، وفي
الخامس : خمس عشرة ساعة ، وفي السادس : خمس عشرة ساعة ونصف ،
وفي السابع : ست عشرة ساعة .
ـ 86 ـ
وكل مدينة كانت في مقادير طول نهارها في هذا القدر ، فهي متوسطة
الاقليم الذي هي فيه ، وما كان فيما بين هذه الاقدار ، فهي من الاقليم الذي
هي إليه أقرب في مقدار الساعات ، فصار وسط الاقليم الاول ، على مسيرة
نحو من ثلاثين ليلة من خط الاستواء ، بأرض اليمن مدينة سبإ وما والاها إلى
المشرق والمغرب ، وذلك ، فيما دون عدن ، أبين بقدر عشرة أيام ، ووسط
الاقليم الثاني مكة وما والاها من المشرق إلى المغرب ، ووسط الاقليم الثالث
الاسكندرية وما والاها من ناحية الكوفة والبصرة من المشرق والمغرب ، ووسط
الاقليم الرابع أصفهان وما والاها مما هو في مثل عرضها من المشرق إلى المغرب ،
ووسط الاقليم الخامس في اداني أرض مرو وما والاها مما هو في مثل عرضها
من المشرق إلى المغرب ، ووسط الاقليم السادس برذعة وما والاها مما هو في مثل
عرضها ما بين المشرق إلى المغرب ، ووسط الاقليم السابع بجبال الترك وما والاها
مما هو في مثل عرضها مما بين المشرق والمغرب .
وقالت الهند إن الله ، عزوجل ، خلق الكواكب في أول دقيقة من الحمل ،
وهو أول يوم من الدنيا ، ثم سيرها من ذلك الموضع في أسرع من طرفة العين ،
فجعل لكل كوكب منها سيرا معلوما حتى يوافي جميعها ، في عدة أيام السند
هند ، إلى ذلك الموضع الذي خلقت فيه كما كانت كهيئتها الاولى ، ثم يقضي
الله ، تبارك وتعالى ، ما أحب ، فقالوا : ان جميع أيام الدنيا من السند هند ،
منذ أول ما دارت الكواكب إلى أن تجتمع جميعا في دقيقة الحمل ، كما كانت
يوم خلقت : ألف ألف ألف ألف ، وخمسمائة ألف ألف ألف ، وسبعة
وسبعون ألف ألف ألف ، وسبعمائة ألف ألف ، وستة عشر ألف ألف ،
وأربعمائة ألف ، وخمسون ألف يوم ، يكون ذلك شهورا ستين ألف ألف
ألف ، وثماني مائة ألف ألف ، وأربعين ألف ألف شهر ، ويكون من السنين
أربعة آلاف ألف ألف ، وثلاثمائة ألف ألف ، وعشرين ألف ألف سنة كاملة
بسني الشمس على مدارها ، والسنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم
ـ 87 ـ
وخمس ساعات ، وجزء من أربعمائة جزء من ساعة .
ثم اضطرب أمر الملك بالهند ، فأقام زمانا طويلا وهو ممالك مفترقة
في البلاد ، لكل طائفة مملكة ، حتى غزتهم الملوك ، فخافوا أن يدخل عليهم
الوهن ، وكانوا أهل حكمة ومعرفة وعقول مجاوزين بها مقدار غيرهم من الامم ،
فأجمعوا على تمليك رجل واحد ، فملكوا زارح ، وكان عظيم الشأن ، جليل
القدر ، فعظم ملكه ، وجل سلطانه ، حتى سار إلى أرض بابل ، ثم تجاوزها
إلى ملوك بني إسرائيل ، وهو الذي غزا بني إسرائيل ، بعد أن مات سليمان
ابن داود بعشرين سنة ، وملك إسرائيل يومئذ رحبعم بن سليمان ، فضجت بنو
إسرائيل إلى الله تعالى ، فسلط الله على زارح وجيشه الموت ، فانصرف إلى
بلاده .
ومن ملوكهم فور ، وهو الذي غزا بلاده الاسكندر لما قتل ملك الفرس ،
وغلب على أرض العراق وما والاها مما كان في مملكة داريوش ، وذلك أنه
كتب إليه يأمره بالدخول في طاعته ، وكتب إليه فور انه يزحف إليه بالجيوش ،
فبدر الاسكندر ، فصار إلى بلاده ، وخرج إليه فور ، فحاربه ، وأخرج فور
الفيلة وكان العلو على الاسكندر ، فكانت لايقف لها شئ ، فعمل الاسكندر
تماثيل من نحاس ، ثم حشاها بالنفط والكبريت ، وأشعل النار في داخلها ،
ثم صيرها على عجل ، وألبسها السلاح ، ثم قدمها أما الصفوف ، فلما
تلاقوا دفعتها الرجال إلى الفيلة ، فلما قربت حملت عليها الفيلة بخراطيمها ،
فكانت تلف الخراطيم على ذلك النحاس وهو يلهب فتشتوي ، وتنصرف
منهزمة ، فتفل كراديس الهند ، وتهلكهم ، ثم دعا الاسكندر فور ملك الهند
إلى أن يبارزه ، فبرز له ، فقتله الاسكندر مبارزة بعدله ، واستباح عسكره .
ومن ملوكهم كيهن ، وكان رجلا حكيما ، ذكيا ، أديبا ، فملكه
الاسكندر بعد فور على جميع أرض الهند ، وكان كيهن قد استعمل الفكر ،
فكان أول من قال بالتوهم ، وان الطبيعة تنصرف إلى ما تتوهمه ، فما توهمت
ـ 88 ـ
انه ينفعها نفعها وإن كان ضارا ، وكان كيهن يأكل البيش ، وهو السم
القاتل ، ثم يتوهم أن على قلبه احمال ثلج ، فلا يضره ذلك البيش ، حتى
احترقت رطوبته ، وكان من أصح خلق الله ذهنا ، وأحفظه وأذكاه .
ومن ملوكهم دبشليم ، وهو الذي وضع في عصره كتاب كليلة ودمنة ،
وكان الذي وضعه بيدبا حكيم من حكمائهم ، وجعله أمثالا يعتبر بها ، ويتفهمها
ذوو العقول ، ويتأدبون بها ، فكان أول باب منها باب السلطان الذي سعى إليه
البغاة بخاصته وأصحابه المقدمين عنده ، وكيف ينبغي أن يستعمل الاناة والتثبيت ،
ولايعجل بقول السعاية ، وهو باب الاسد والثور .
الباب الثاني باب الفحس عن الامور ، وكيف تكون العواقب فيها ،
وما يؤدي إليه البغي والتهور والكيد من سوء العاقبة ، وهو باب الفحص عن
خبر دمنة .
الباب الثالث باب الاعداء والتحرز منهم والحيلة لهم ، والكلام الذي يكسب
العداوة ، وما يجب من مداراة الاعداء ، وانتهاز الفرصة فيهم عند امكان الامر ،
والتضرع لهم حتى يمكن الانتقام منهم ، وهو باب البوم والغربان .
الباب الرابع باب المشاورة للعلماء والاستعانة بأهل الحزم والامانة ، وافشاء
الامور إلى أهل العقل ، وهو باب بلاذ .
الباب الخامس باب المعروف وإلى من ينبغي أن يصطنع وكيف يفسده سوء
الشكر إذا وضع غير موضعه ، وحمله من لايستحقه ، وكيف يعرف موضعه
عند أهله الذين يشكرونه ، وهو باب السلحفاة والببر والقرد والنجار .
الباب السادس باب الظفر بالامر ، واضاعته بعد امكانه ، والعجز عن حفظه
بعد القدرة عليه ، وهو باب القدر والغيلم .
الباب السابع باب المداراة ومصانعة أهل الشأن ، واحتراز مودتهم ، واستمالة
أهل الانحراف حتى يتخلص من السوء ، وهو باب السنور والجرذ .
الباب الثامن باب معرفة السلطان بأعوانه وأقربائه وأهل دخلته ، واستصلاحه
ـ 89 ـ
من نالته جفوته منهم ، واجتلاب ردئه ، والاستعانة على اموره بأهل العفاف
والمودة ، وتفقد أحوال أعوانه وحاشيته ، ومكافأة المحسن ، ومعاقبة المسئ
على الاساءة ، وهو باب الاسد وابن آوى .
الباب التاسع باب الاخوان وا لمتصادقين على صحة موداتهم ، ومقدار
الاخوان ، وعظم النفع بهم ، ومعاونتهم على أمور الشدة والرخاء ، وهو باب
الحمامة المطوقة .
الباب العاشر باب طلب نفع الناس بضر النفس ، والتفكر في العاقبة ،
وهو باب اللبؤة والاسوار .
وقال بعض علماء الهند ان أهل بلاد الهند تواتر عليهم الموت ، حتى ذهب
علماؤهم ، وضعف الملك ، وانه لما ملك هشران طلب من يحيي له شرائع
دين آبائه ، فأتاه قفلان ، وكان داهية ، فقال له : ان الناس جزء من الحيوان ،
وان الحيوان جزء من النامي ، وان النامي من الطبائع الاربع التي هي : النار
والهواء والارض والماء ، وان النامي ينقسم على ثلاثة أقسام : أحدها النبات ،
وله النمو فقط ، والثاني ما يكون في البحر من الاصداف وما أشبهها ، وله نمو
وحس ، والثالث الحيوان البري ، وله نمو وحس وحركة ، وان الحيوان
أقل وأحقر من أن يدبرهم الخالق ، وإنما يدبرهم ويصرفهم الفلك .
فقال له الملك : أرني صورة ما تقول وبرهانه ! فوضع النرد ، وقال :
اتفق الناس على أن دور الزمان سنة ، ومعناها اثنا عشر شهرا ، ومعناها البروج
الاثنا عشر ، وعلى أن أيام الشهر ثلاثون يوما ، ومعناها لكل برج ثلاثون درجة ،
وعلى أن الايام سبعة ، ومعناها الكواكب السبعة السيارة ، ثم جعل تشبيها لذلك ،
فوضع عرصة شبيهة بالسنة ، وصير فيها أربعة وعشرين بيتا عدد ساعات الليل
والنهار ، في كل ناحية اثنا عشر بيتا تشبيها بشهور السنة والبروج ، وصير لها
ثلاثين كلبا تشبيها بأيام الشهر ودرج البروج ، وصير الفصين تشبيها بالليل
والنهار ، وفي كل فص ست جهات لانه عدد تام له نصف وثلث وسدس ،
ـ 90 ـ
في كل فص ، إذا سقط من أعلاه وأسفله ، سبع نقط : تحت الست واحدة ،
وتحت الخمس اثنتان ، وتحت الاربع ثلاث ، تشبيها بعدد الايام والكواكب
السبعة السيارة ، وهي : الشمس ، والقمر ، وزحل ، والمشتري ، والمريخ ،
وعطارد ، والزهرة ، ثم جعلها محنة بين رجلين ، وأعطى كل واحد فصا ،
وقال : من أعطيته هذه السبع النقط من أعلاها أكثر من صاحبه بدأ ، فاجتمع
له الفصان ، فضرب ، وما ظهر من الفصين تقلب الكلاب عليه ، وجعل ذلك
تمثيلا للحظ الذي يناله العاجز بما جرى له الفلك ، والحرمان الذي يبتلى به الحازم ،
على حسب ما يجري له الفلك ، فلما ظهر ذلك قبله الملك ، وفشا في أهل
المملكة ، وصار أهل الهند تجري أمورها بما تدبره الكواكب السبعة السيارة .
وملك بلهيت وقد غلب على أهل المملكة هذا الدين ، وكان له عقل ومعرفة ،
فلما رأى ما عليه أهل مملكته ساءه ذلك ، وبلغ منه ، ثم سأل : هل بقي رجل
على دين البرهمية ؟ فدل على رجل له عقل ودين ، فأرسل إليه ، فلما أتاه
أكرمه ، ورفع درجته ، ثم ذكر له ما قد فشا في أهل مملكته ، فقال : أيها
الملك ! أنا أقيم برهانا اضطربه ، ويعرف به فضل الحازم ، وموضع تقصير
العاجز ، واجعلها صورة بين اثنين ليبين فضل الحازم على العاجز ، والمجتهد
على المقصر ، والمحتاط على المضيع ، والعالم على الجاهل ، فوضع الشطرنج ،
وتفسيرها بالفارسية هشت رنج ، وهشت ثمانية ، ورنج صفح ، وصيرها
ثمانية في ثمانية ، فصارت أربعة وستين بيتا ، وصيرها اثنين وثلاثين كلبا ،
مقسومة بين لونين ، كل لون ستة عشر كلبا ، وقسم الستة عشر على ست
صور : فالشاه صورة ، والفرز صورة ، والفيلان صورة ، والرخان صورة ،
والفرسان صورة ، والبيادق صورة ، فاشتق ذلك من زوج الزوج ، وهو أحسن
ما يكون من الحساب لان الاربعة والستين ، إذا قسمتها ، كان لها نصف ، وهو
اثنان وثلاثون ، وهي عدة جميع الكلام ، وإذا نصفت الاثنين والثلاثين كان
لها نصف ، وهو ستة عشر ، وهو ما لكل واحد من الكلاب ، وإذا نصفت
ـ 91 ـ
الستة عشر كان لها نصف ، وهو ثمانية ، وهي عدة بيادق كل واحد ، فإذا
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 91 سطر 1 الى ص 100 سطر 25
الستة عشر كان لها نصف ، وهو ثمانية ، وهي عدة بيادق كل واحد ، فإذا
نصفت الثمانية كان لها نصف ، وهو أربعة ، وهو الرخان والفرسان من كل
واحد ، فإذا نصفت الاربعة كان لها نصف ، وهو اثنان ، فقد انقسمت أزواجا
ولم يبق في القسم بعد الازواج إلا الواحد الذي يقسمها كلها آحادا ، وهو ليس
بعدد ، ولا معدود ، ولازوج ، ولافرد ، لان أول أعداد الفرد ثلاثة .
ثم قال الحكيم : ليس شئ أجل من الحرب ، لانه يبين فيها فضل
التدبير ، وفضل الرأي ، وفضل الحزم ، وفضل الاحتياط ، وفضل التعبية ،
وفضل المكيدة ، وفضل الاحبراس ، وفضل النجدة ، وفضل البأس ، وفضل
القوة ، وفضل الجلد ، وفضل الشجاعة ، فمن عدم منه شئ من هذا عرف
موضع تقصيره لان خطأها لايستقال ، والعجز فيها متلف للمهج ، والجهل
مبيح للحمى ، وترك الحزم ذهاب الملك ، وضعف الرأي جلب للعطب ، والتقصير
سبب للهزيمة ، وقلة العلم بالتعبية داعية الانكشاف ، وقلة المعرفة بالمكيدة تهور
إلى الهلكة ، وترك الاحتراس نهزة للعدو ، وجعلها على مثال الحرب ، فإن
أصاب ظفر وإن أخطأ هلك .
فلما رأى الملك صحة البرهان ، وتبين فضل حكمة الحكيم ، وعلم أن
قد أصاب وأحسن التمثيل ، وأبان عما قد عمي عنه ، جمع أهل مملكته ،
فعرفهم ما كشف الله عنهم من الغم ، وأمرهم أن يقيموها ويتأملوها ، وقال
لهم : قد علمنا أن ليس في العالم حي ناطق ، مفكر ، ضاحك ، عاقل ، إلا
الانسان ، فالانسان عليه مدار جميع ما في العالم ، لان الفلك بجميع ما فيه خلقه
الخالق للانسان ليعرف به ما يحتاج إليه من زمانه وأوقاته ، وكذلك ذلك له جميع
ما في الارض ، وكل ما خلق الله مما في قعر البحر ، وجوه السماء ورؤوس
الجبال ، فلما ملك الانسان جميع ما خلق قسم ذلك الانسان ثلاثة أقسام فأكل
ثلاثا ، وسخر ثلاثا ، وقتل ثلاثا : فأكل الطير والسمك وما شاء من النعم
والابل ، وسخر البقر والحمير والدواب ، وقتل السباع والحيات والهوام ،
ـ 92 ـ
ثم جعل فيه آلات يعلم بها ، ويعقل بها ، ويدرك بها ، ويفهم ، ففضل الناس
بعضهم بعضا بالعلم والعقل والفهم .
وقد زعم علماء من علماء الهند انه لما ملكت حوسر بنت بلهيت خرج عليها
خارجي ، وكانت جارية عاقلة ، فوجهت ابنا لها ، وكان لها أربعة أولاد ،
فقتل ذلك الخارجي ابنها ، فعظم ذلك أهل مملكتها ، واشفقوا من إخبارها ،
فاجتمعوا على حكيم من حكمائهم يقال له قفلان ، وكان ذا حكمة وفطنة
ورأي ، فذكروا ذلك له ، فقال : أنظروني ثلاثا ! ففعلوا ذلك ، وخلا مفكرا ،
ثم قال لتلميذ له : احضرني نجارا وخشبا من لونين مختلفين ، أبيض وأسود ،
فأحضره نجارا فارها ، وخشبا من لونين مختلفين ، أبيض وأسود ، فصور
صورة الشطرنج ، وأمر النجار ، فنجرها ، ثم قال له : احضرني جلدا مدبوغا !
فأمره أن يخط فيه أربعة وستين بيتا ، ففعل ذلك ، فنصب ناحية ، ثم تجاولا
حتى فهماها وأحكماها ، ثم قال لتلميذه : هذه حرب بلا ذهاب أنفس .
ثم حضره أهل المملكة ، فأخرجها لهم ، فلما رأوها علموا أنها حكمة
لايهتدي لها أحد ، وجعل يجاول تلميذه ، فيقع شاه مات ، وشاه غلب ،
فأخبرت الملكة بخبر قفلان ، فأحضرته ، وأمرته أن يريها حكمته ، فأحضر
تلميذه ، ومعه الشطرنج ، فنصبها بينه وبينه ، فلعبا فغلب أحدهما صاحبه ،
فقال : شاه مات ! فانتبهت ، وعلمت ما أراداه ، وقالت لقفلان : أقتل
ابني ؟ قال : أنت قلت ! فقالت لحاجبها : ادخل الناس يعزوني . فلما فرغت
أحضرت قفلان وقالت له : سل حاجتك ! فقال : اسأل أن أعطى قمحا بعدد
بيوت الشطرنج ، أعطى في البيت الاول حبة وفي الثاني اثنتين ، ثم يضعف
ذلك لي في البيت الثالث على الثاني ، ثم على هذا الحساب إلى آخرها .
قالت : وما مقدار هذا ؟ ثم أمرت بالحنطة أن تحضر ، فلم يقم لذلك شئ
حتى أنفدت قموح البلد ، ثم قوم القمح بالمال حتى فني المال ، فلما كثير
ذلك قال : لاحاجة لي به ! ان قليل الدنيا يكفيني .
ـ 93 ـ
ثم سألته عن عدد الحب الذي سأل ، فقال لها : يكون ذلك عددا ، وهذا
ما في الشطرنج من العدد : السطر الاول مائتان وخمسة وخمسون .
الثاني اثنان وثلاثون ألفا وسبعمائة وثمانية وستون .
الثالث ثمانية آلاف ألف وثلاثمائة وثمانية وثمانون ألفا وستمائة وثمانية .
الرابع ألفا ألف ألف ، ومائة وسبعة وأربعون ألف ألف ، وأربعمائة
وثلاثة وثمانون ألفا ، وستمائة وثمانية وأربعون .
الخامس خمسمائة وتسعة وأربعون ألف ألف ألف ، وسبعمائة وخمسة
وخمسون ألف ألف ، وثماني مائة ألف ، وثلاثة عشر ألفا ، وثماني مائة وثمانية
وثمانون .
السادس مائة وأربعون ألف ألف ألف ، وسبعمائة وسبعة وثلاثون ألف
ألف ألف ، وأربعمائة وثمانية وثمانون ألف ألف ، وثلاثمائة وخمسة وخمسون
ألفا ، وثلاثمائة وثمانية وعشرون .
السابع ستة وثلاثون ألف ألف ألف ألف ألف ، وثمانية وعشرون ألف
ألف ألف ألف ، وسبعمائة وسبعة وتسعون ألف ألف ألف ، وثمانية عشر
ألف ألف ، وتسعمائة وثلاثة وستون ألفا ، وتسعمائة وثمانية وستون .
الثامن تسعة آلاف ألف ألف ألف ألف ألف ، ومائتان وثلاثة وعشرون
ألف ألف ألف ألف ألف ، وثلاثمائة واثنان وسبعون ألف ألف ألف ألف ،
وستة وثلاثون ألف ألف ألف ، وثماني مائة وأربعة وخمسون ألف ألف ،
وسبعمائة وخمسة وسبعون ألفا ، وثماني مائة وثمانية ، يكون جميع ذلك في
الشطرنج الثمانية ثمانية عشر ألف ألف ألف ألف ألف ألف ، وأربعمائة وستة
وأربعين ألف ألف ألف ألف ألف ، وسبعمائة وأربعة وأربعين ألف ألف ألف
ألف ، وثلاثة وسبعين ألف ألف ألف ، وسبعمائة وتسعة آلاف ألف وخمسمائة
وواحدا وخمسين ألفا وستمائة وخمسة عشر .
ومنهم كوش الملك الذي كان في زمان سندباذ الحكيم ، وكوش هذا وضع
ـ 94 ـ
كتاب مكر النساء .
والهند أصحاب حكمة ونظر ، وهم يفوقون الناس في كل حكمة ،
فقولهم في النجوم أصح الاقاويل ، وكتابهم فيه كتاب السند هند الذي منه اشتق
كل علم من العلوم مما تكلم فيه ا ليونانيون والفرس وغيرهم ، وقولهم في
الطب المقدم ، ولهم فيه الكتاب الذي يسمى سسرد فيه علامات الادواء ،
ومعرفة علاجها وأدويتها ، وكتاب شرك ، وكتاب ندان في علامات أربعمائة
وأربعة أدواء ومعرفتها بغير علاج ، وكتاب سند هشان ، وتفسيره صورة النجح ،
وكتاب فيما اختلفت فيه الهند والروم من الحار والبارد وقوى الادوية ، وتفصيل
السنة ، وكتاب أسماء العقاقير كل عقار بأسماء عشرة ، ولهم غير ذلك من
الكتب في الطب ، ولهم في المنطق والفلسفة كتب كثيرة في أصول العلم منها :
كتاب طوفا في علم حدود المنطق ، وكتاب ما تفاوت فيه فلاسفة الهند والروم ،
ولهم كتب كثيرة يطول ذكرها ويبعد عرضها .
ودين أهل الهند البرهمية ، وفيهم عبدة الاصنام ، ولهم ممالك مختلفة
وملوك متفرقة لسعة البلد في طوله وعرضه ، فأول ملوكهم ، مما يتاخم البلاد
التي هي اليوم في دار الاسلام : دانق ، وهو ملك عظيم القدر ، واسع المملكة ،
كثير العدة ، ثم من بعده رهمى ، وهو أعظم قدرا وأعز بلادا ، وهو على
بحر من البحور ، وفي بلده الذهب وما أشبهه ، ثم مملكة بلهري ، ثم الكمكم
ومن عندهم يأتي الساج ، ولهم اتساع في البلاد ، ثم مملكة الطافن ، وهم قوم
بيض الوجوه ، ثم مملكة كنبايه ، ومملكة الطرسول ، ومملكة الموشه ،
ومملكة المايد ، وهذه الممالك تتاخم الصين ، وهم يحاربون الصين ، ثم مملكة
سرنديب ، ثم مملكة قمار ، وهي مملكة جليلة القدر ، عظيمة الامر ، يتقدم
لملكهم الملوك ، ثم مملكة الديبل ، ثم الفاريط ( 1 ) ، ثم مملكة الصيلمان ، ولهم
بعض ممالك يليها النساء .
* ( هامش ) * 1 ) هكذا بدون نقط في الاصل .
ـ 95 ـ
ا ليونانيون
وكان ل ليونانيين حكماء متفلسفون ، وفلاسفة متكورون ، ومنهم من
تكلم في الطب ، ومنهم من تكلم في حقائق الامور ، ومنهم من تكلم في الحساب
والاعداد ، ومنهم من تكلم في الافلاك والنجوم ، ومنهم من تكلم في الحساب
والقسمة ، ومنهم من قال في الهندسة والفلاحة ، ومنهم من قال في الصنعة
و الاكسيرات ، ومنهم من قال في الفراسة ، ومنهم من قال في الطلسمات والآلات
فيقال إن أول حكيم وضع كتابا ، ودون علما ، ابقراط مقليدس بن ابقراط ،
فبفلسفته يتفلسف الحكماء في الطب ، وإليه يرجعون في المعرفة ، وله من الكتب :
كتاب الفصول ، وكتاب البلدان والمياه والاهوية ، وكتاب ماء الشعير ، وكتاب
تقدمة المعرفة ، وكتاب الجنين ، وكتاب الاركان ، وكتاب الغذاء ، وكتاب
الاسابيع ، وكتاب أوجاع النساء ، وكتاب ابيذيميا ، فهذه مشهورات من كتبه ،
وله بعد ذلك كتب كثيرة ، فالكتب التي لابد للمتطببين من معرفتها من كتب
ابقراط أربعة ، وهي : كتاب الفصول ، وكتاب تقدمة المعرفة ، وكتاب الاهوية
والازمنة ، وكتاب ماء الشعير .
فأما كتاب الفصول ، فإنه قال في كل وجه من العلم قولا جامعا ، في
سبعة وخمسين بابا ، وهي التي تسمى ا لتعليمات : فالتعليم الاول في الصنعة
وصنفها قال ابقراط : العمر قصير ، والصناعة طويلة ، والزمان حديد ، والتجربة
خطرة ، والقضاء عسر .
التعليم الثاني في أصناف الطعام للمرضى وتقديره قال ابقراط : الاطعمة
اللطيفة دقيقة جدا ليست في الامراض المزمنة ، ولا في الحادة ، والاطعمة أيضا
التي على أقصى حد اللطافة ردية مثلما أن الماء الذي على الحد الاقصى ردي .
ـ 96 ـ
التعليم الثالث في اهتياج الحمى قال ابقراط : ينبغي أن يتحفظ في الطعام ،
وإن الزيادة منه مضرة ، وكل ما يعرض من الامراض في الحين بعد الحين ،
فينبغي التحفظ عند اهتياجها .
التعليم الرابع في علامات الامراض قال ابقراط : الدليل على حال الامراض
ما يظهر من لفظ الجسد فيها : مثل من به ذات الجنب ، إن ظهر منه نفث عاجل
من أول المرض قصر مرضه ، وان ظهر ذلك متأخرا طال مرضه ، وفي مثل
البول والبراز والعرق ، إذا ظهر على الوجه الذي يجري عليه القضاء بالفرج ،
أو على خلاف ذلك على قصر الامراض وطولها .
التعليم الخامس قال ابقراط : كلما نشت ، يعني ذوات الارواح ، فهو
كثير الحرارة الغريزية ، ولذلك يحتاج إلى كثرة الطعام وإلا بلي جسده .
التعليم السادس فيما ينبغي ان يطعم للمحمومين من الطعام ، قال ابقراط :
ا لتدبيرات الرطبة بجميع المحمومين امثل ، ولاسيما للصبيان ولغيرهم من الذين
اعتادوا ذلك التدبير ، لبعض مرة ، ولبعض اثنتين وأكثر وأقل ، ومرة بعد
مرة ، وأعطوا الساعة والعادة والبلاد والسن حقها .
التعليم السابع في معرفة الموقت قال ابقراط فيما يتفرج وما قد تفرج : ينبغي
أن لا يحرك ، ولا يحدث به حدث لا بأدوية ، ولابغيرها ، مما يهيج ذلك .
التعليم الثامن في النوم قال ابقراط : في أي مرض كان إن جاءه النوم بوجع ،
فذلك يموت ، وإن نفع النوم ، فليس بميت ، وإن رد النوم ذهاب العقل ،
فذلك صالح .
التعليم التاسع في سقي الدواء قال ابقراط : ينبغي لمن أراد تنقية الاجساد
أن ينقيها قبل ذلك أي بإذابة ما فيها من الكيميوس الغليظ .
التعليم العاشر في البراز قال ابقراط : ان وقع في الجسد وجع ، أو خرجت
في الجسد خراجات ، فعند ذلك ينبغي أن ينظر في البراز ، فإن كانت مرة
صفراء ، فالجسد كله مريض ، وإن كان شبيها ببراز الاصحاء فالطعام الحشد .
ـ 97 ـ
التعليم الحادي عشر قال ابقراط في الامراض الحادة : . . . . . ( 1 )
لانها ربما أسرعت إلى الدماغ ، أو إلى القلب ، أو الكبد ، فتهلك ، وربما
اسرع انحطاطها فتبرأ .
التعليم الثاني عشر في القضاء في الفرج قال ابقراط : الامراض الحادة
يقضى عليها بالفرج في أربعة عشر يوما .
التعليم الثالث عشر قال ابقراط : عند ابتداء الامراض إن رأيت أن تحرك
شيئا ، فحرك ، وإن صعدت العلة ، فلزوم الكف أفضل ، أي ان رأيت موضعا
للعلاج ، فقبل أن تصعد العلة .
التعليم الرابع عشر في معرفة صالح الامراض وطالحها قال ابقراط : في
كل مرض صحة عقل المريض حسن ، وقبوله ما يقضي خير ، وخلاف ذلك
شر أي ما يجد العليل في الدماغ والمعدة .
التعليم الخامس عشر في المخنوقين قال ابقراط : الذين يخنقون ويخلون
قبل أن يموتوا إن ظهر في أفواههم زبد لم يسلموا .
التعليم السادس عشر في إضمار الجسد والعناء قال ابقراط : في كل تحريك
الجسد ، إذا بدأ بتعب ، ثم ودعته مكانك لم يضر التعب .
التعليم السابع عشر في انقلاب الساعات قال ابقراط : انقلاب الساعات . . . ( 2 )
عن عظم البرد والحر وغير ذلك مما يجري مجراه أي انقلاب ساعات الزمان
من أجزاء السنة .
التعليم الثامن عشر في العرق قال ابقراط : إذا كان الزمان شبيها بالصيف
يعني الربيع فعند ذلك ينبغي أن يتوقع كثرة العرق مع كل حمى تعرض .
التعليم التاسع عشر في الساعات قال ابقراط : ان كان الشتاء يابسا بلا رطوبة ،
وكانت رياحا شمالا ، كان الصيف ، يعني الربيع ، ممطورا ، وكانت رياحه
يمانية ، فلا بد أن يكون في القيظ حميات حادة ، ووجع العين واختلاف
* ( هامش ) * ( 1 - 2 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ 98 ـ
من الاعفاج ، وعامة ذلك في النساء والذين في طبيعتهم رطوبة .
التعليم العشرون في تدبير السنين قال ابقراط : السنة اليابسة أوبأ من الممطورة
الرطبة ، عامتها حميات طويلة ، وسيلان البطون ، وخروج متماشية ، وجنون ،
وفالج ، وذبحة ، وأما أمراض السنة اليابسة ، فقرح في الرئة ، ووجع العيون
والمفاصل ، وتقطير البول ، واختلاف من خراج الاعفاج .
التعليم الواحد والعشرون في أمراض الساعات والاسنان قال ابقراط :
في الساعات على ما يكون من الامراض في الصيف وأول القيظ : الغلمان والذين
يتلونهم في السن أصحاء ، وحسن حالهم أفضل من غيرهم ، وفي القيظ ،
وبعض الربيع : الشيوخ أحسن حالا ، وفي سائر الربيع والشتاء : أهل النصفة
في السن أفضل حالا .
التعليم الثاني والعشرون في الامراض التي تصيب الانسان فيبدأ بالولدان
قال ابقراط : الامراض التي تصيب الولدان الصغار قرح وسعال ، وسهر وفزع ،
وورم في السرر ، ورطوبات الاذنين .
التعليم الثالث والعشرون قال ابقراط : والامراض التي تصيب الصبيان ،
إذا كبروا : وجع الوزتين ، وبهر ، وحصاة ، ودود عراض ، ودود طوال ،
ودود مثل دود الخل ، وتآليل ، وغلظ في أبشارهم ، وخنازير وخراجات
أخر ، والذين أكبر منهم ممن قد راهق الاحتلام : يصيبهم أمر آخر ، ويقضي
عليهم بالفرج إلى أربعين يوما ، بعضها إلى سبعة أشهر ، ومنها إلى سبعين يوما ،
ومنها إذا راهقوا الاحتلام . وكل أمراض لاتنجلي عن الصبيان إلى الاحتلام ،
وعن الجواري إلى أن يطمئن ، فتلك أمراض تثوي زمانا طويلا .
التعليم الرابع والعشرون في معرفة ما تداوى به النساء الحوامل ، قال ابقراط :
النساء الحوامل يداوين لاربعة أشهر فما دون ذلك من صغر الولد ، وأما ما زاد
من كبره ، فينبغي أن يحذر علاجهن .
التعليم الخامس والعشرون قال ابقراط : ينبغي أن يداوى ما فوق في الصيف .
ـ 99 ـ
وما أسفل في الشتاء ، يعني ما كان فوق الراس والمعدة ، وما كان أسفل من
المرة الصفراء ، وما أسفل من الخام وما أشبهه .
التعليم السادس والعشرون في ذي المشي قال ابقراط : عند شرب الادوية
والخربق ينبغي أن يرطب أجساد الذين لاتخف التنقية عليهم من فوق قبل الدواء
بكثرة الطعام .
التعليم السابع والعشرون في الاختلاف طوعا قال ابقراط : إذا جاء الاختلاف
طوعا كأنه دم أسود مع حمى ، أو غير حمى ، فذلك اختلاف سوء ، وان
كان اختلاف كثير الالوان منتقل من ألوان صالحة إلى ألوان ردية ، فذلك
اختلاف سوء أيضا ، وان جاء الاول بدواء ، فهو أمثل ، والكثير الالوان
فلا بأس به .
التعليم الثامن والعشرون في الفراغ من حيث كان قال ابقراط : كل محموم
يعرض له اختلاف لان كثرة افراغ الدم ترخي الكبد ثم تسقم النضج .
التعليم التاسع والعشرون في العرق قال ابقراط : العرق في المحمومين خير
ان جاء في اليوم الثالث ، أو الخامس . . . . ( 1 ) ، أو السابع عشر ، أو الواحد
والعشرين ، أو الواحد والثلاثين ، أو الرابع والثلاثين ، لان هذا يفرج عن
المريض ، فأما الذي يكون في غير هذه الايام ، فذلك عرق مؤذن بوجع وطول
مرض ونكسة .
التعليم الثلاثون في الحميات اللازمة قال ابقراط : الحميات اللازمة التي
لاتقلع بل تشتد في اليوم الثالث ، فتلك أقرب إلى الهلاك ، والتي تقلع إلى أي
وجه كان من الاقلاع ، فتلك أبعد إلى الهلاك .
التعليم الحادي والثلاثون في علامات الموت قال ابقراط : الحميات اللازمة
التي لاتقلع ، ان كان ظاهر الجسد باردا وداخله يحترق ، وكان بصاحبه عطش ،
فتلك علامات موت .
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ100ـ
التعليم الثاني والثلاثون في الانقباض والكزاز قال ابقراط : من أصابه
انقباض ، أو كزاز ، فتبعت ذلك الحمى انحل مرضه .
التعليم الثالث والثلاثون قال ابقراط : من كانت به حمى ، فأصابه حر
شديد في جوفه ووجع في قلبه فذلك شر .
التعليم الرابع والثلاثون قال ابقراط : من كانت به حمى ، فورمت
شراسيفه ، وأشرفت وظهرت به قرقرة في جوفه ، فأصابه مغ ذلك وجع
صلبه ، فلم يتفرج بأرواح تخرج منه ، أو ببول كثير ، أو يتفرج باختلاف
هلك .
التعليم الخامس والثلاثون في شرب الخربق قال ابقراط : من أصابه
انقباض من كثرة الاختلاف على شرب الخربق فذلك ميت .
التعليم السادس والثلاثون في القروح في الرئة ، والضمر في الرئة ، يكون
ذلك في ثمانية عشر إلى خمسة وثلاثين .
التعليم السابع والثلاثون في الماء الحار والبارد قال ابقراط : الماء الحار ،
إذا أدمنت عليه يرخي اللحم ، ويذهب بشدة العصب ، ويخدر العضل ، ويهيج
الرعاف ، ويضعف النفس ، وإن دام ذلك مات ، والبارد يأتي بكزاز وتسود ،
ويأتي بنافض وحمى .
التعليم الثامن والثلاثون في معرفة المياه قال ابقراط : الماء الحار ينضج
المدة ، وليس في كل جرح ، ولنضج المدة علامات كثيرة ، وهي لين الجلد ،
وضم الورم ، وإذا كان الماء الحار يفعل ذلك يذهب الوجع ، ويسكن النافض
والانقباض والكزاز ، ويحل وجع الرأس .
التعليم التاسع والثلاثون في أمور النساء قال ابقراط : البخور بالطيب جلاب
لطمث النساء ، نافع لذلك ، ولاشياء كثيرة غير ذلك ، إلا أنه يهيج وجعا في
الرأس وصداعا .
التعليم الاربعون قال ابقراط : ايمان امرأة ليست بحبلى ، ولا مرضعة ، وتجد
ـ101ـ
في ثدييها لبنا ، فذلك دليل على أن دم طمثها قد انقطع .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 101 سطر 1 الى ص 110 سطر 25
في ثدييها لبنا ، فذلك دليل على أن دم طمثها قد انقطع .
التعليم الحادي والاربعون قال ابقراط : ان الاولاد الذكور أكثر ما يكونون
في يمين الارحام ، والاناث في يسراها .
التعليم الثاني والاربعون قال ابقراط : النساء الحبالى اللاتي تصيبهن الحمى ،
فتصلب عليهن فأولئك من غير علة معروفة تبين ، فإن ذلك دال على هلاك ،
ويسقطن ، فيهلكن .
التعليم الثالث والاربعون قال ابقراط : أعط اللبن لمن يشتكي رأسه ولمن
به عطش ، وأيضا لمن به اختلاف من مرة صفراء وحمى حادة ، ولمن اختلف
دما كثيرا ، وهو موافق أن يعطى لمن به ضمر وقرح في رئته ، إذا لم يكن
محموما جدا ، ويعطى لمن كانت حماه لينة ، فاترة ، مزمنة ، من غير أن
يكون به شئ من العلامات التي ذكرنا ويكون جسده ناحلا جدا .
التعليم الرابع والاربعون في ازلاق الامعاء قال ابقراط : من أصابه زلق
الامعاء وطال به ، ثم تبع ذلك جشاء حامض لم يكن به قبل ذلك ، فذلك علامة
خير ، وهو مرض يكون له ثلاثة أسباب : من قبل ضعف المعدة ، أو من قبل
بلغم بل المعدة ، أو من قبل قرح يكون في المعدة .
التعليم الخامس والاربعون قال ابقراط : من أصابه وجع في رأسه وضربان
شديد ، فذلك إن سال من أنفه ، أو من أذنيه ، أو من فمه قيح ، أو ماء ،
حل وجعه .
التعليم السادس والاربعون قال ابقراط : من أصابه انقطاع في مثانة ،
أو دماغ ، أو قلب ، أو صفاق ، أو شئ من الامعاء الدقاق ، أو في معدة ،
أو في كبد ، فذلك كله مميت .
التعليم السابع والاربعون قال ابقراط : من أصابه فزع ، أو خبث نفس
زمانا كثيرا دائما ، فذلك يصير إلى المرة السوداء .
التعليم الثامن والاربعون قال ابقراط : شرب الخمر صرفا ، والكماد
ـ102ـ
الحار ، وقطع العروق ، وشرب الدواء يحل وجمع العينين .
التعليم التاسع والاربعون قال ابقراط : ترك كل خراج سرطاني لايعالج
أفضل ، فإن أصحابه إن عولجوا هلكوا سريعا ، فإن لم يعالجوا بقوا زمانا .
التعليم الخمسون قال ابقراط : الخراج الذي ينتأ سنة ، وأكثر من ذلك ،
فلابد من أن يقلع منه عظام ، ويبقى آثارها كالجرب .
التعليم الحادي والخمسون قال ابقراط : ذهاب العقل الذي يأتي الضحك
معه يؤثر به ، وذهاب العقل مع الحزن والعبوس لايؤثر به .
التعليم الثاني والخمسون قال ابقراط : في الامراض الحادة ، إذا بردت
الاطراف ، فذلك شر .
التعليم الثالث والخمسون قال ابقراط : من خرج في كبده خراج ، ثم
تبعه فواق ، فذلك شر .
التعليم الرابع والخمسون قال ابقراط : من كانت به حمى ، وكان ببوله
ثفل غليظ شبيه بدشيش الطحين ، فذلك دليل على أن مرضه يطول .
التعليم الخامس والخمسون قال ابقراط : من قاء دما من غير أن تصيبه غلبة ،
فهو يتخلص ، فإن أخذته غلبة حمى ، فهو خبيث ، وينبغي أن يعالج بكل
دبوغ ، أي من الادوية الدابغة .
التعليم السادس والخمسون قال ابقراط : من كان يتقيأ القيح ، فكوي ،
وخرج القيح أبيض نقيا سلم صاحبه ، وإن خرج منتنا وسخا هلك صاحبه ،
وإن كان بكبده خراج قد قيح ، وكوي ، وخرج القيح نقيا أبيض سلم
لان القيح في صفاق الكبد ، وان خرج القيح شبه ماء الزيتون هلك صاحبه .
التعليم السابع والخمسون قال ابقراط : العطاس يكون من قبل الرأس ،
إذا سخن الدماغ ، أو برد ، أو ترطب ما بين الدماغ وصفاقه ، وامتلا فيفرغ
ذلك الهواء ، ويكون له نغنغة لان مخرجه من ضيق ، فهذه أبواب كتاب
الفصول .
ـ103ـ
وأما كتابه في تقدمة المعرفة فهو ثلاثة فصول وعشرون تعليما :
الاول يخبر ابقراط كيف ينبغي للطبيب أن ينتحل تقدمة المعرفة ، فإنه
الذي يخبر المرضى بما بهم ، وما أصابهم قبل ذلك ، وما هو آت مما يصيبهم ،
وما أغفل المرضى ذكره ، وأن قوتها وأسبابها ، وإن كانت من اختلاط الجسد ،
أو غيره ، ونحو هذا .
التعليم الثاني يخبر فيه كيف ينبغي للطبيب أن يحسن النظر في الامراض
الحادة ، وكيف ينظر في وجوه المرضى إن كانت تشبه وجوه الاصحاء ،
وعلامات الوجوه الدالة على الموت ونحو هذا .
التعليم الثالث يقول فيه : إن كان للمرضى ثلاثة أيام وأربعة ، والوجوه
على حال وجوه الاصحاء ، وغير ذلك ، ينبغي أن يحسن الفكر في الآيات
والعلامات على ما تقدم ذكره ، وفي علامات العينين وأشفارهما ، والانف ،
وانضجاع المريض ، وكيف ينبغي أن يعمل ، وما المهلك من علاماته .
التعليم الرابع يصف رجلي المريض وأحوالهما ، وانضجاعه ، وحك الاسنان
بعضها ببعض مع الحمى ، والدلائل في ذلك ، وان كان بالمريض خراج أصابه
في مرضه ، أو قبل مرضه ، وما يدل عليه ، ويصف اليدين و اضطرابهما ،
وما تدلان في ذلك .
التعليم الخامس يذكر النفس الكثير السريع ، وما يدل عليه ، ويذكر أفضل
العرق في الامراض الحادة ، والعرق الفاضل ، والعرق البارد ، والعرق المتخبث ،
ويذكر أن العرق يكون إما من ضعف الاجساد ، وإما من دوام خراج .
التعليم السادس يذكر صحة الشراسيف ، وإذا لم تكن صحيحة ، وضربان
عروقها ، وما يدل في ذلك ، والاورام التي بجنب الشراسيف ، ويخبر عن
الاورام وما يصيبها .
التعليم السابع يذكر فيه الخراجات ، وإذا أزمنت كيف ينبغي أن ينظر
فيها ، وينعت مقاديرها وما يخرج منها ، وكيف ينبغي أن يخرج .
ـ104ـ
التعليم الثامن يذكر فيه الحبن الذي يكون مع الامراض الحادة ، والذي
يكون من البزاق ، والذي من الكبد ، وما يصيب أصحاب الحبن من الاعراض
اللاحقة بهم من أجله ، وعلامات تدل على الموت من اسوداد الاصابع والارجل
ونحو هذا .
التعليم التاسع يذكر فيه تقابض الخصيتين والذكر ، ويذكر السبات والنوم
وكيف ينبغي أن يكون ، والبراز وكيف ينبغي أن يكون .
التعليم العاشر يذكر فيه البراز كيف يجب خروجه وأسبابه ، وكيف ينبغي
أن يكون البطن في كل مرض ، وألوان البراز الدالة على الموت وغير ذلك ،
ويصف الرياح والقراقر ونحو ذلك .
التعليم الحادي عشر يخبر عن البول الصحيح ثم عن البول إذا تغير وأصناف
اثفال الابوال من جهة المثانة .
التعليم الثاني عشر يذكر فيه القئ وأسبابه ، والنخمة ، وكيف تنفث ،
ومما تختلط ، ولونها ، ويذكر العطاس في جميع الامراض التي تلي الرئة ،
وما الميمت في ذلك ، وما المؤذن بانحلال المرض .
التعليم الثالث عشر يصف فيه النخامة في أمراض الرئة ولونها وألوان النخامات ،
ويذكر فيه البول والبراز والعرق وما يدل كل واحد من هذا عليه .
التعليم الرابع عشر يذكر الخراجات المقيحة وأوقاتها التي تنفجر فيها ،
ويصف كل ما يخرج منها ، وكونها في كل إنسان .
التعليم الخامس عشر يذكر الخراجات الثابتة فيما يلي الآذان وما يحدث
ذلك في الذين بهم أمراض الرئة ، وكيف الدلائل على ذلك ، و الخراجات التي
في سوق الذين بهم أمراض وما يلحقهم في ذلك .
التعليم السادس عشر يذكر الاوجاع الردية الذاهبة بالعقل ، ويذكر الحميات
وأسبابها في أيامها .
التعليم السابع عشر يذكر تقدمة المعرفة في الامراض الحادة العسرة المزمنة ،
ـ105ـ
ويذكر حميات الربع ، وما يلحق أصحابها من أجلها ، والايام التي تكون
فيها ، ويذكر أوجاعا تكون في الصدغين والجبهة ، ووجع الآذان وما يلحق
المرضى .
التعليم الثامن عشر يذكر أوجاع الحلق المخنقة ، والحمرة في الرقبة والصدر ،
والثقب ، وما يلحق المريض من علامات الهلاك في ذلك ، ويذكر أسباب الغرغرة
وخراجات تكون . . . . ( 1 ) ووجع مؤلم في المفاصل ، وذكر الخراجات الثابتة
في الشباب ، وشيئا من أسباب الحمى .
التعليم التاسع عشر يذكر فيه الحمى ووجع الفؤاد والايام التي تطول فيها
الحمى مع أوجاع تكون في الحمى .
التعليم العشرون يخبر كيف ينبغي لمن أراد أن يحكم تقدمة المعرفة أن يعرف
ما ينجلب من الامراض التي لا تزال مؤلمة ، وكيف يعلم ، وخبر الاركان
والعلامات ، وأجزاء السنة وأسباب البلدان ، فهذه تعليمات كتاب تقدمة المعرفة
لابقراط .
فأما كتابه في الاهوية والازمنة والمياه والامصار ، فإنه يخبر بما يعتري
أهلها من الامراض الخاصة والعامة ، والمؤتلفة والمختلفة ، بحدود ثابتة ومعالم
بينة : فالباب الاول يقول : انه ينبغي لمن أراد طلب الطلب طلبا صادقا أن
يفحص أولا عن أزمنة السنة ، وما يحدث فيها ، لان بعضها لايشبه بعضا بل
بعضها مخالف لبعض ، وقد تختلف أيضا في انقلابها بذاتها .
الباب الثاني يقول : ان السنين اللاتي تحفظ أزمنتها على اعتدالها ومراجعها ،
فإن الامراض التي تحدث فيها تكون شبيها وعلى استوائها ، غير مخالفة ولا
مشبهة ، أما الازمنة الكثيرة الانتقال ، فإن الامراض تعرض غير مستوية ،
ولا متواتية ، وانحلالها عسر شاق .
الباب الثالث يقول : إن الرياح الحارة والباردة العامة فيها تغير الابدان .
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ106ـ
الباب الرابع يقول : ينبغي للطبيب أن يفكر في قوى المياه لانها متخالفة
في المذاقة والوزن ، وكذلك تختلف في القوة اختلافا شديدا .
الباب الخامس يقول في المياه : كيف هي ؟ أراكدة أو لينة ، أو خاشنة
سايلة أم . . . . ( 1 ) نواحي مشرفة صخرية أم صالحة رطبة النضج .
الباب السادس يقول : انه ينبغي للطبيب أن يفكر في الارضين ان كانت
جرداء ، عديمة الماء ، أو شعراء ، كثيرة الماء ، أو عامرة ، أو غامرة ، أو
مشرفة باردة .
الباب السابع قال : ينبغي أن يذكر غذاء الناس في أي شئ لذاتهم أفي كثرة
الشرب والاكل وحب الدعة أم حب العمل والاكل ؟ وان يفحص عن كل
واحد من هذه الاشياء في كل بلد .
الباب الثامن قال : ان مضى شئ من الزمان والسنة ، فإن الطبيب سيخبر
بكل مرض عام يعرض لكل واحد من أهلها من قبل تغير أغذيتهم .
الباب التاسع قال : إذا لم تكن الامراض من فساد الهواء فإنه لاينزل بأهل
المدينة عامة ، ولكنه يكون متفرقا ، فإذا فكر الطبيب في هذا النوع وفي هذه
الاشياء ، فعلم علما شافيا كيف تكون الازمنة ، كان حريا أن يكون علمه
صوابا ، فإن علم النجوم ليس بجزء صغير من علم الطب .
وأما كتابه في الاهوية والبلدان ، فإنه وصف البلدان ومياهها وخواصها :
فالقول الاول في المدن ، وهي أربع مدائن : فالاولى على سمت الاستواء ،
والثانية على سمت الفرقدين ، والثالثة بإزاء المشرق ، والرابعة بإزاء المغرب .
فالاولى قال : كل مدينة موضوعة بإزاء الرياح الحارة هي التي وسط شرق
الشمس الشتوي وغربه ، فإنها تهب إليها هبوبا دائما ، وتكون في كن من
إزاء الفرقدين ، ومياه هذه المدينة كثيرة حارة تسخن في القيظ وتبرد في الشتاء ،
ورؤوس سكان هذه المدينة رطبة بلغمية ، وبطونهم كثيرة الاختلاف دائمة ،
* ( هامش ) * ( 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ107ـ
ونساء هؤلاء الناس مرضى ، ذوات أسقام أبدا بكثرة طمثهن ، ولا يسقطن ،
وليس ذلك من طبيعتهن ، ولكن من قبل أمراضهن ، فإن حبلن أسقطن أكثر
ذلك ، وأما الصبيان فيصيبهم الكزاز ، والربو ، والسقم ، ورجالهم يعرض
لهم البطن ، واختلاف الدم ، والسقم الذي يدعى ابيالوس ، وحمى طويلة شتوية
وليلية ، وبواسير في المقاعد ، وتعرض لهم الحمى المتلهبة ، والامراض الحادة ،
والرمد الطويل ، فإذا أتت لهم خمسون سنة عرضت لهم النزلات من الدماغ ،
فهيج بهم الفالج العارض في جميع البلدان .
والمدينة التي ناحية الشمال قال : إن كل مدينة موضوعة بإزاء ناحية الرياح
الباردة مما يلي ناحية المغرب والمشرق والقطبين ، فإن هذه الرياح رياحها
البلادية ، وتكون مستورة من الرياح الحارة ، ومياهها يابسة بطيئة النضح حلوة
أكثر ما تكون ، وسكان هذه المدينة أكثرهم أشداء أقوياء ، سوقهم إلى الدقة
اضطرارا ، وبطونهم خاشنة ، ورؤوسهم صلبة يابسة شديدة ، وينالهم الفتق ،
وأسقامهم ذات الجنب ، والعلل الحادة ، وكثرة القيح ، وعروقهم تنقطع ،
ويأكلون كثيرا ، ولايعرض الرمد سريعا ، فإذا مرضوا تصدعت أعينهم ،
ويصيبهم إذا بلغوا ثلاثين سنة رعاف كثير ، ولاتعرض لهم الاسقام الكاهنية ،
فإن عرضت كانت شديدة وتطول أعمارهم ، وأخلاقهم وحشية غير ساكنة
ولا هادنة ، ونساؤهم يكن عواقر لبرد الماء ويبسه ، وذلك ان الطمث ربما
لم يكن على ما ينبغي ، فإذا حبلن اشتد عليهن الولاد ، ولا يسقطن ، ويقل
غذاء أولادهن لبرد الالبان ، ويعرض لهن الكزاز ، ووجع الرئة ، ويعرض
للصبيان الماء الاصفر في الانثيين ، فإذا كبروا ذهب ، ويبطئ احتلامهم .
والمدينة الموضوعة سمت الرياح التي من المطلع القيظي والشتوي قال ابقراط :
كل مدينة موضوعة ناحية شرق الشمس تكون أصح من المدينة الموضوعة
ناحية الفرقدين ومن الموضوعة ناحية الرياح الحارة ، والحرارة والبرودة فيها
أقل وأيسر ، وأمراض أهلها قليلة ، والمياه الكائنة سمت طلوع الشمس نيرة
ـ108ـ
مضيئة ، صافية ، طيبة المشم ، لينة ، لان الهواء لايكون فيها غليظا ، فالشمس
تحول بينه وبين أن يغلظ ، وصورة سكان هذه المدينة حسنة الالوان ، نيرة
ضوية ، وأصوات رجالهم صافية حديدة ، يغضبون سريعا ، ونباتها وأعشابها
اقوى وأصح ، وهي في ذاتها وهيئتها تشبه فصل الربيع في قلة الحر والبرد ،
وأسقامها قليلة ضعيفة ، ونساؤها يعلقن كثيرا ، ويلدن بغير مشقة .
والمدينة الرابعة سمت المغرب هي في كن من الرياح الشرقية ، وتهب إليها
الرياح الحارة والباردة من ناحية الفرقدين ، فتكون كثيرة الامراض ، ومياهها
غير نقية ، ولا صافية ، وان علتها الهواء الكائن عند الاسحار ، وذلك ان
أسحار هذه المدينة تطول جدا ، والشمس لا تشرق فيها أول ما تشرق ، حتى
ترتفع وتعلو ، وتهب فيها رياح باردة في القيظ ، ويكون رجالها مصفارين ،
مرضى تضيرهم الامراض كلها ، وأصواتهم بح ونهارهم ردي في أيام الخريف
لكثرة تغيره ، فهذا الباب الاول في المدن الاربع .
والقول الثاني في المياه ، وهي أربعة أصناف : أولها المياه الراكدة ، مثل
البطائح التي لاتجري ، والثاني العيون النابعة ، والثالث المياه التي تكون من الامطار ،
والرابع المياه التي تكون من الثلوج .
قال ابقراط : المياه الظاهرة المستوية على وجه الارض ، التي لاتجري ،
والامطار تمطر عليها ، وتقوم معها ولاتنزع ، والشمس دائمة الاشراق عليها ،
والاحتراق بها ، فتكون ردية لالون لها ، تولد المرة ، وتكون في الشتاء باردة
جامدة ، كدرة بلغمية ، تورث من يشرب منها البحوحة والطحال . . . . ( 1 )
وتكون بطونهم خاشنة ، وتهزل التراقي والوجوه وتنقحها ، ويكثر أهلها الطعم ،
ويدفع ظمأهم وعطشهم ، ويلزمهم المرض في الشتاء والصيف ، ويعرض لهم
الماء الاصفر ، ويعرض لهم في القيظ اختلاف الاغراس ، وحمى ربع طويلة
مزمنة .
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ109ـ
وشباب هؤلاء القوم تعرض لهم أوجاع الرئة وأسقام تخثر عقولهم ، وأما
الشيوخ ، فإنه تعرض لهم حمى اللهبية يدل على تحرقهم يبس بطونهم ، وأما
نساؤهم ، فيعرض لهن أنواع الورم من قبل بلغم أبيض ، فلا يحبلن إلا بعد
عسر ، ولا بلدن إلا بمشقة ، ويكون أولادهن عظاما ، وكلما عزلوا هزلوا
ودقوا ، ويعرض للصبيان أدرة ، وللرجال سقم وقروح في سوقهم ، ولا تكون
الاعمار فيها طويلة ، ويدخل عليهم الكبر سريعا في ضمن الازمان ، وربما
أصاب النساء ما يتوهمن انه حبل ثم يبطل .
ومياه العيون النابعة من بعض الصخور ردية لانها خاشنة ، والعيون النابعة
من أرض حارة ، ومن أرض معادن الحديد والنحاس والفضة والذهب والكبريت
والشب والزفت والنطرون ، فإن هذه كلها إنما تكون من شدة الحرارة ،
فلا تكون من هذه الارضين مياه نافعة مصلحة بل تكون عامتها خاشنة ، يعرض
منها ومن شربها عسر البول ، وشدة الاختلاف .
والمياه التي تنصب عن مواضع مشرفة ، ومن تلال ترابية ، أفضل المياه
وأصحها ، وهي حلوة لاتحتاج لكثرة مزاج الشراب ، وتكون في الشتاء حارة ،
وفي الصيف باردة ، فهذه حالة المياه النابعة من العيون الغائرة .
وخير هذه المياه السائلة من أفق الشمس ، ولا سيما الشرق الصيفي ، لانها
بيضاء براقة ، طيبة الريح ، وكل ما كان من المياه مالحا ، بطئ النضح ،
خاشنا ، فإن الذين يشربون منه بلا حاجة إليه ليس بنافع لهم ، وان بعض الطبائع
والاسقام ربما انتفعت به ، وكلما كان طعم المياه إلى الملوحة ، فكلها ردية
مفسدة ، وكل عين تكون سمت شرق الشمس ، فماؤها خير المياه .
ثم بعدها العيون التي بين افق الشمس القيظي والغرب القيظي ، وأفضلها
المائلة إلى الشرق ثم التي بين مغرب الشمس الشتوي والقيظي ، وأرادها العيون
التي في ناحية الجنوب ، فأما العيون التي تنزل افق الشرق الشتوي والغرب الشتوي ،
فما كان منها ناحية الجنوب ، فهي ردية جدا ، وما كان منها ناحية الشمال ،
ـ110ـ
فهو خير ، فمن كان خاشن البطن ، فإن المياه الخفيفة الصافية له نافعة ، ولمن
كان بطنه لينا لدنا بلغميا ضارة ، فإن المياه المالحة تسهل البطن ، فقد أخطأ . . ( 1 )
ومياه الامطار خفيفة عذبة ، والشمس تخطف من الماء رقيقه وخفيفه ،
وتصعد الماء من الانهار والبحور والمواضع الرطبة ، ولذلك صارت مياه الامطار
تعفن وتنشر رائحة ردية لانها اجتمعت من رياح شتى ، صارت أسرع عفنا
وتغيرا ، فإن الرطوبة التي تنشفها الشمس متفرقة لاتزال معلقة في الهواء ،
فإذا اجتمعت كلها ، والتفت بالرياح المتضادة اللاقية بعضها بعضا ، انصبت
حينئذ ، ولاسيما إذا كانت المقايسة كما ينبغي ، وأكثر ما يكون هذا إذا
استحكم اجتماع السحاب ، واستقبلته ريح أخرى ، فمزقته ، وإذا تزاحمت
سحابة أخرى على السحابة الاولى ، وقطعتها ، انحدرت حينئذ الرطوبة من
ثقلها ، وتمزقها الرياح ، فتكون الامطار السابغة ، فهذه المياه أفضل المياه ،
إلا أنه ينبغي أن تكون رائحتها ردية ، ويعرض لمن شرب منها البحة والسعال ،
وثقل الصوت ، وإذا طبخت لم يغن عنها الطبخ شيئا .
وأما المياه التي تكون من الثلوج والجليد ، فكلها ردية لانها ، إذا جمدت
مرة ، لم ترجع إلى طبيعتها الاولى لان ما كان من الماء خفيفا ، عذبا ، صافيا ،
نقيا ، افلت من الجمود ، وطار ، وما كان من الماء كدرا بقي على حاله ،
ويعرف ذلك بأنه لو صير في إناء في أيام الشتاء ، وكيل بكيل معلوم ، ووضع
تحت السماء جمد ، فإن وضع في الشمس حتى ينحل ثم كيل ذلك الماء ، وجد
وقد نقص نقصانا بينا ، فذلك العلامة ان لطيف الماء يتنفس ، ولايقع عليه
الجمود ، ولايتنفس ، ولايبرح . . . . . ( 2 ) ، وماء الثلوج أردأ المياه ، وإذا
شرب الناس المياه المختلفة عرض لهم الاسر والحصاة في المثانة ، ووجع الخاصرة ،
ووجع الوركين ، وفي الانثيين أدرة ، ولاسيما إذا شربوا من مياه أنهار تنصب
* ( هامش ) * ( 1 ) هنا يوجد كلام ساقط .
( 2 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ111ـ
من أنهار واسعة ، أو من بحيرة ينصب فيها من سيول شتى مختلفة ، لان منها
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 111 سطر 1 الى ص 120 سطر 25
من أنهار واسعة ، أو من بحيرة ينصب فيها من سيول شتى مختلفة ، لان منها
العذب ، والمالح ، والشبي ، ومنها ماء السيل من مواضع حارة ، فإذا شربت
عرضت الاسقام ، واللبن الردي يولد الحجارة في مثانات المرضعين ، والنساء
لاتصيبهن الحصاة لان مبالهن واسع .
والقول الثالث في الازمنة ، إذا كانت سقيمة ، أو سليمة قال ابقراط :
انه ان كان طلوع الكواكب وغيرها على ما ينبغي ، وكانت مياه كثيرة في
الخريف ، وفي الشتاء يسيرة ، ولايكون الصحو كثيرا ، ولا البرد فوق المقدار ،
فكانت مياهها متعدلة في الربيع وفي القيظ ، كانت سليمة صحيحة ،
ويصح الهواء .
وإذا كان الشتاء يابسا شماليا ، والربيع كثير الامطار جنوبيا ، عرض
للناس في الصيف الحمى والرمد ، واختلاف الاغراس لكل ذي طبيعة رطبة ،
وإذا كان في وقت طلوع الكوكب الذي يدعى الكلب ، وهو الشعرى ، مطر
كثير ، وشتاء ، وهبت الرياح على أنوائها ، كفت الاسقام ، ورجي أن يكون
الخريف صحيحا ، فإن لم يكن ذلك كان الموت في الصبيان وفي النساء ، وقل
في المشيخة ، فمن نجا عرضت له الحمى الربع ، وربما آل إلى مع الماء الاصفر .
وإذا كان الشتاء جنوبيا كثير الامطار ، والربيع يابسا شماليا ، فإن
النساء الحوامل يسقطن في فصل الربيع فإن ولدن كان أولادهن مسقومين ، إما
يموتون من ساعتهم ، وإما يعيشون مهازيل ، وأما سائر الناس ، فمنهم من
يعرض له الاختلاف ورمد يابس ، ومنهم من يعرض له النزلات من رأسه إلى
رئته ، فأما المبلغمون والنساء فيعرض لهم اختلاف الاغراس ، وأما أصحاب
المرة الصفراء . . . . ( 1 ) فتعرض لهم النوازل لسخافة جلودهم ، وذبولة عصبهم ،
وربما ماتوا فجأة ، وربما يبس جانبهم الايمن .
وما كان من الامصار يقابل شرق الشمس ، ورياحه سليمة ، ومياهه غائرة ،
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ112ـ
فقل ما يضيره تغير الهواء ، وكل مدينة يشرب أهلها ماء ساخنا ، بطاحيا ،
وليست موضوعة سمت الشرق ، وليست رياحها سليمة ، ضير بأهلها تغير
الهواء ، وإن كان الصيف يابسا عاما ذهبت الامراض سريعا ، وإن كان كثير
الامطار طالت الامراض ، وان عرض لاحد من الناس قرحة في هذه الاسقام ،
أو البطن ، أو الماء الاصفر ، هلك .
وإذا كان الصيف كثير الامطار ، وكان جنوبيا ، والخريف ، كمثل ما
كان الشتاء ، يابسا سقيما ، فتعرض للمبلغمين والشيوخ أبناء أربعين سنة حمى
تسمى القوسوس ، وأما أصحاب المرة الصفراء ، فيعرض لهم ذات الجنب ،
ووجع الرئة .
وإذا كان الصيف يابسا جنوبيا ، وكان الخريف كثير الامطار شماليا ،
عرض للناس وجع الرأس ، وسعال ، وبحوحة ، وزكام ، وعرض لبعضهم
السل .
وإذا كان الصيف يابسا شماليا ولم يمطر عند طلوع الشعرى نفع أصحاب
البلغم و الرطوبات ، وأضر بأصحاب المرة الصفراء ، وربما نقلهم إلى المرة
السوداء ، والتغير الكثير يكون في تصرف الشمس ، والتصرف الصيفي أكثر
تغيرا من الشتوي ، والخريفي أكثر تغيرا من الربيعي ، وكل بلد يكثر تغير
زمانه لايكون مستويا ، ويكون فيه جبال طوال ، سامية شامخة ، وكل بلد يقل
تغير زمانه فهو مستو .
ثم يذكر ابقراط اختلاف صور الناس في أحوالهم واعتدال خلقهم ،
والسبب الذي أشبه بعضهم بعضا ، وان ذلك باتفاق الزمان والمطالع ، ويذكر
حال الرجال والنساء في كثرة الاولاد وقلتهم ، وما يوجب النسل ويقطعه ،
ويقولون : إن سكان البلاد الشاهقة ، المستوية ، الكثيرة المياه ، تكون صورهم
حسنة وأجسامهم جسيمة ، وتكون غرائزهم إلى اللين والتؤدة ، وليسوا بأهل
بأس وشجاعة ، ومن سكن أرضا رقيقة قليلة المياه ، جرداء ، وكان مزاج
ـ113ـ
هوائها غير معتدل ، كانت صورهم خاشنة ، وألوانهم إلى الصفرة ، أو إلى
السواد ، وأخلاقهم ردية ، وغضبهم شديد ، وطباعهم مخالفة بعضها بعضا ،
لان باختلاف الازمان يكون اختلاف الطبائع ، ثم بعد الازمان والبلاد الغذاء
بالمياه لان غذاء الانسان ، من بعد البلاد ، بالمياه .
ثم يتكلم ابقراط بعد ذلك في الرياح وهبوبها ، والتي تهب من موضع إلى
موضع ، وقسمها أربعة أقسام ، ويقول : ان الريح من تخلل الهواء ، وإنما
نشوءها من اصطكاك أجرام الهواء . فهذه أغراض كتاب ابقراط في الاهوية
والازمنة ، الذي فسره جالينوس ، وشرح ما ذهب إليه ابقراط في فصل فصل
ومعنى معنى .
فهذه كتب ابقراط التي عليها يعتمد وإليها يرجع ، وهذه أغراضها ،
وقد فسرها جالينوس وشرح كل ما فصله له ، وذهب إليه ، وابان عن قوله ،
وترجم معانيه وأوضحها .
فأما كتاب ماء الشعير ، فإنه يذكر فيه الامراض الحادة التي تسمى :
وجع الجنب والرئة ، والبرسام ، والحمى المحرقة ، وأخبر كيف يشرب ماء
الشعير ، والايام التي يكون شربه فيها ، وكيف يدبر ، ومتى الاوقات التي
ينبغي أن يشرب فيها ، والاوقات التي يمنع منها ، وما يكون الطعام عليه ،
وذكر صنوفا من العلل الحادة والامراض المحرقة ، وقال في كل صنف منها .
وأما كتابه الذي يسميه كتاب الاركان فإن معنى الاركان ، أي الطبائع
الاربع : الحرارة والرطوبة ، والبرودة واليبوسة ، وأركان البدن وهي العصب
والعروق ، والعظام ، والجلد ، والدم ، فهذه أركان بها قوام العالم .
قال ابقراط : إن الاجسام لو كانت شيئا واحدا لم تصل الاوجاع إليها أبدا ،
ولكنها من أشياء مختلفة وطبائع متباعدة ، مضر بعضها ببعض ، وطبيعة الانسان
وسائر الحيوان ، إذا صارت على هذه الصفة ، فمن الضرورة ألا يكون الانسان
شيئا واحدا بعينه ، وكذلك سائر الطبائع ، إنما قوامها بالرطوبة واليبس ، والحر
ـ114ـ
والبرد ، ويتكلم في هذا بكلام واضح .
وكان لابقراط تلاميذ ترجموا كتبه ، وبعضهم عمل كتبا ونسبها إليه اقرارا
له بالعلم والفضل ، فمنهم دي اسقوريدس صاحب كتاب الاشجار والعقاقير ،
فإنه وضع كتابا في منافع الاشجار ، وصور كل شجرة بصورتها ، وذكر
ما تنفع له تلك الشجرة ، ومنهم ارسجانس صاحب الكناش الذي فيه صفة
البدن .
فكان أحكم حكيم بعده ، وأهم عالم بالطب ، وأفهمه ، لما فسر من
كتاب ابقراط ، هو جالينوس ، على تباعد ما بينهما من السنين ، فإن بينهما
زمانا طويلا ، غير أنه كالذي تلا ابقراط في الحكمة ، ولحق به في العلم ،
وفسر كتبه ، وعمل كتبا كثيرة من كتب الطب التي عليها المعول ، وإليها
يرجع ، وكان رجلا فيلسوفا ، منطقيا ، حكيما .
فأول كتب جالينوس : كتاب في فرق الطب المخالفة بعضها بعضا في
الجنس ، وهي فرقة الرأي والفكر والقياس ، والفرقة الثانية فرقة التجارب ،
والثالثة فرقة الحيل .
وكتاب في الطعام .
وكتاب في نبض العروق .
وكتاب في تشريح العصب .
وكتاب في تشريح العروق والاوراد .
ومقالتان في علل النفس .
وأربع مقالات في الصوت .
وكتاب في منافع الاعضاء سبع عشرة مقالة .
وكتاب في تشريح الرحم .
وكتاب في علامات العين .
وكتاب في طب أصحاب التجارب .
ـ115ـ
وثلاث مقالات في حركة الرئة والصدر .
وكتاب التشريح الكبير في خمس عشرة مقالة : فالمقالة الاولى في العضل
و الرطوبات التي في اليدين .
والثانية في العضل الذي في الرجلين .
والثالثة في العصب والعروق والاوراد التي في اليدين والرجلين .
والرابعة في العضل الذي يحرك الخدين والشفتين ، والعضل الذي يحرك
اللحي الاسفل إلى ناحية الرأس ، وإلى ناحية الرقبة ، وإلى ناحية الكتفين .
والمقالة الخامسة في عضل الصدر ، والعضل الذي على المتنين ، وعضل عظم
الصلب .
والمقالة السادسة في آلات الغذاء ، وهي الامعاء ، والبطن ، والكبد ،
والطحال ، والكلى ، والمثانة ، والمرارة ، وما أشبه ذلك .
والمقالة السابعة في تشريح الفؤاد .
المقالة الثامنة في أجزاء الصدر .
المقالة التاسعة في تشريح الفؤاد .
المقالة العاشرة في تشريح العينين واللسان والمرئ وما يتصل به .
المقالة الحادية عشرة في الحنجرة والعظم الذي يتصل بها ، والعصب الذي
تحتها .
المقالة الثانية عشرة في تشريح آلات التوليد يعني آلات المني ، والرحم ،
والمذاكير .
المقالة الثالثة عشرة في تشريح العروق النابضة ، وهي الشريانان والعروق
التي لاتنبض .
المقالة الرابعة عشرة في العصب المنبت من الدماغ .
المقالة الخامسة عشرة في العصب المنبت في الصلب .
وله كتاب التشريح غير هذا في عدة مقالات قد ذكر فيها الجلد ، والشعر ،
ـ116ـ
والاظفار ، واللحم ، والشحم ، ولحم الوجه ، والاغشية ، التي تغشي بعض
الاعضاء مثل غشاء القلب ، والمعدة ، والكلى ، والكبد ، و الصفاقات ، والعضلة الفاصلة
بين الصدر والبطن ، والمجاري ، والعروق النابضة ، وفصد العروق ، ومن أين تبتدئ
العروق ، ومجاري البول فيما بين الكليتين ، والمثانة إلى الذكر ، ومجراه من المثانة إلى
السرة في الطفل ، وأوعية المرة الصفراء والمسام ، والمنخرين والمجاري الخارجة من
الاذنين ، وقصبة الرئة ، وما ينبت فيها وينبت في الرئة والاوعية التي في الثديين ،
التي فيها اللبن ، وباقي الاشياء المفرعة التي في البدن ، التي تحويها الاوعية من أي
شئ من الرطوبات ، والاشياء المفرعة في أي شئ من الاوعية ، وما في الرأس
من الشؤون والالتحام ، وغير ذلك ، والشؤون التي في الوجه واللحي الاسفل ، وما
فيه من النقب والالتحام ، والاسنان ، والعظم الذي على رأس قصبة الرئة ، وما يتصل
به من جنبتي الموضع ، والعظم العريض الذي في البطن ، والورك ، والاضلاع ،
والكتفين ، والمنكبين ، وعظم الترقوتين ، والعضد ، وعظم الساق ، وعظام
الكف والاصابع ، وعظم الفخذ ، والقصر ، والذي على الركبة ، وعظم الساق ،
وعظام القدم ، واشتراك قحف الرأس بالاغشية التي على الدماغ ، والعصب الذي
ينبت في الوجه كله ، والعضل الذي في الصدغين ، والعضل الذي به يكون
المضغ ، والعضل الذي يحرك الخدين والشفتين واللسان ، وما يحركه من العضل ،
والعضل الذي يحرك العينين ، ويذكر الفم والشفتين ، واللسان ، واللئة ، واللهاة ،
وطبق الحلقوم ، والنغانغ ، والانف ، والمنخرين ، والاذنين ، والرقبة ،
والعضل الذي فيها ، والعضلة التي على الاصابع ، والعضلة التي تحت الترقوة ،
وطبيعة الرقبة ، وعضل الحجاب والساعد ، ويقول في التشريح قولا هذا غرضه فيه .
ومقالتان في علل النفس .
وكتاب القوى الطبيعية في الافعال النفسانية .
ومقالة في البول من الدم .
ومقالة في الادوية المسهلة .
ـ117ـ
وكتاب يسميه آراء أبقراط وأفلاطون في قوى النفس الناطقة وهي التخيل ،
والفكر ، والحفظ ، ويقول : إن الدماغ مبتدأ العصب ، والقلب مبتدأ العروق
النابضة ، والكبد مبتدأ العروق التي لاتنبض ، والقوى التي يقوم بها البدن في عشر
مقالات ، ومنافع الاعضاء في سبع عشرة مقالة .
كتاب العناصر يخبر فيه أن الحار والبارد ، والرطب واليابس ، عناصر عامية
لجميع الاجسام التي تقبل الكون ، والفساد ، والعناصر : الارض والنار والهواء
والماء ، وعناصر بدن الانسان : دم وبلغم ، والمرتان الصفراء والسوداء ،
والعنصر هو أقصى جزء في الشئ الذي هو له عنصر .
وكتاب الامزجة ، وهو ثلاث مقالات في تصنيف أمزجة أبدان الناس ،
وتركيب البدن الفاضل ، وخصب البدن ، والمزاج الردي الذي ليس يستوي ،
وقوى الادوية المركبة والادوية التي يسهل وجودها .
وكتاب حفظ الاصحاء .
وكتاب في الاطعمة .
وكتاب في الكيموس الجيد والردي .
وكتاب في التدبير الملطف .
ومقالة في تصنيف الامراض .
ومقالة في علل الامراض .
ومقالة في تصنيف الامراض .
ومقالة في الغلظ الخارج من الطبيعة .
ومقالة في الامتلاء .
ومقالتان في تصنيف الحميات والامراض الباطنة .
وكتاب في أزمان الامراض .
وكتاب في عسر النفس .
وكتاب في ا لبحرانات .
ـ118ـ
وكتاب في نبض العروق ومعرفة كل واحد من أجناس النبض . والاسباب
الفاعلة لاصناف النبض . وتقدمة معرفة في ست عشرة مقالة .
وكتاب حيلة البرء ، وهو كتاب بين فيه طريق شفاء جميع الامراض ،
وأتبع ذلك في هذا الفن .
ومقالة في العلل الواصلة ، وهي العلل القريبة التي تصل ما بين العلة البعيدة
والمريض .
ومقالة في البول من الدم في البدن .
وكتاب في فرقة أصحاب الحيل .
ومقالة في السل .
ومقالة في علاج صبي يرضع .
ومقالة في تدبير أبقراط للامراض الحادة .
ومقالة في فصد العروق ، وفسر كتب أبقراط ، في فصل فصل ، وقول
قول وبين الحال الحال فيه .
والذي تلا أبقراط من رؤساء الحكماء سقراط ، رأس الحكماء ، وأول
من لفظ بحكمته ما حفظ عنه وسمع منه .
وحكي أن طيماوس قال له : أيها المعلم ! لم لاتدون لنا حكمتك في
المصاحف ؟ قال له : يا طيماوس ، ما أوثقك بجلود البهائم الميتة ، وأشد تهمتك
للجواهر الحية الخالدة ، وكيف وجود العلم من معدن الجهل ، والسبب منه
من عنصر العقل ؟ فقال له ايعطبطش تلميذه : لو أمليت علي كتابا يخلد عنك ؟
فقال : الحكمة لاتحتاج إلى جلود الضأن .
وقال بعض تلامذته : لو زودتنا كتابا من حكمتك تسبر به عقولنا ؟ قال
له سقراط : لاترغبن في تدوين حكمة في جلود الشاء ، حتى يكون ذلك أبلغ
عندك من حلمك ولسانك .
فلما حضرته الوفاة سأله تلاميذه أن يزودهم حكمة يرجعون إليها ، فتكلم
ـ119ـ
في أخلاق النفس ، ثم تكلم في الفلك ، وقال : إنه كري ، وكان قد سقي
سما فمات .
وبعده فيثاغورس ، وهو أول من نطق في الاعداد والحساب والهندسة ،
ووضع الالحان ، وعمل العود ، وكان في زمن ملك يقال له اغسطس ، فهرب
منه ، فتبعه ، وركب فيثاغورس البحر حتى صار إلى هيكل في جزيرة ، فأحرقه
الملك عليه بالنار .
وكان ل فيثاغورس تلميذ يقال له ارشميدس ، فعمل المرايا المحرقة ، فأحرقت
مراكب العدو في البحر .
ومنهم بلينوس النجار الذي يقال له اليتيم ، وهو صاحب الطلسمات ،
الذي جعل لكل شئ طلسما .
ومنهم اوجانس صاحب الهندسة والقسمة ، وأنواع الفلسفة ، وكان يقال له
ديوجانس الكلب ، وقيل له : لاي شئ سميت الكلب ؟ قال : لاني أهر
على الاشرار ، وأبصبص للاخيار ، وآوي الاسواق .
ومنهم افليمون صاحب مخانيقا ، وهي الحركات التي تكون بالماء مثل الصورة
تعمل ، فيحركها الماء من غير أن يحرك شئ منها ، ويخرجها ، من موضع ،
ويحطها في موضع ، والآلات التي تحرك بالماء من غير أن تحرك ، فتخرج
فيبتلعها ، وتخرج أيضا ، وترتحل محققة ، وله أشكال في ذلك تعمل فتصح .
ومنهم افليمون صاحب الفراسة ، وكتاب بين فيه ما تدل عليه الفراسة في
الخلقة والاصوات ، والشمائل ، وبرهن ذلك .
ومنهم د يمقراطيس ، وهو الي يزعم أن العالم مركب من هباء ، وله كتاب
في طبائع الحيوان ، وما يوافق منها طبائع الانسان .
ومنهم افلاطون ، وكان تلميذا لسقراط ، وهو الذي تكلم في النفس
وصفاتها مثل ما تكلم به أبقراط في الجسد وصفاته فقال : إن للنفس ثلاث قوى :
إحداها في الدماغ ، وبه يكون الفكر والروية ، والثاني في القلب ، وبه يكون
ـ120ـ
الغضب والشجاعة ، والثالث في الكبد ، وبه تكون الشهوة والمحبة ، ثم اطرد
الكلام في الروح النفسانية حتى وصف الاعضاء كلها ، ثم ذكر ما يصلح النفس
وما يفسدها ، فقال : إن كل عيب مضاد خلاص النفس ، فلا ينبغي أن نعد
الحياة صالحة فقط ، ولكن موتا صالحا ، وينبغي أن نعد الحياة والموت صالحين .
ومنهم اقليدس صاحب كتاب اقليدس في الحساب ، وتفسير اقليدس :
المفتاح ، على ما قال بطليموس ، إنه تقدمة لمعرفة الحساب ، ومفتاح علم كتاب
المجسطي في النجوم ، ومعرفة الاوتار التي تقع على قسي قطع الدوائر التي هي
أفلاك الكواكب ، التي يسميها المنجمون الكردجات ، لتعديل مسير الكواكب
في الطول والعرض ، وسرعتها ، وإبطائها ، و استقامتها ، ورجوعها ، وتشريقها ،
وتغريبها ، ومساقط شعاعها ، وعلم ساعات الليل والنهار ، ومطالع البروج ،
واختلاف ذلك في أقاليم الارض ، وحساب القران والاستقبال ، وكسوف
الشمس والقمر ، واختلاف النظر من آفاق الارض في جميع نواحي السماء .
وكتاب اقليدس ثلاث عشرة مقالة ، ولها من الاشكال في هذه الثلاث عشرة
مقالة أربعمائة واثنان وخمسون شكلا بالبرهان والشرح الذي ، إذا فهمه من
يطلب علم الحساب ، سهل عليه كل باب من الحساب ، وانفتح له . فيبتدئ
بذكر الاسباب التي منها يزلف العلم ، وبمعرفتها يحاط المعلوم ، وهي : الخبر ،
والمثال ، والخلف ، والترتيب ، والفصل ، والبرهان ، والتمام ، فأما الخبر ،
فهو خبر المقدم على الجملة ، قبل التفسير ، وأما المثال ، فهو صورة الاشكال
المخبر عنها ، المدلول بصفتها على معنى الخبر ، وأما الخلف ، فهو خلاف المثال ،
وصرف الخبر إلى ما لا يمكن ، وأما الترتيب ، فهو تأليف العمل المتفق على
مراتبه في العلم ، وأما الفصل ، فهو الفصل بين الخبر الممكن وغير الممكن ،
وأما البرهان ، فهو الحجة على تحقيق الخبر ، وأما التمام ، فهو تمام العلم بالمعلوم .
والمقالة الاولى في النقطة التي لاجزء لها ، والخط الذي هو طول بلا عرض ،
وهو سبعة وأربعون شكلا .
ـ121ـ
المقالة الثانية في كل سطح متوازي الاضلاع ، قائم الزوايا ، يحيط به
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 121 سطر 1 الى ص 130 سطر 24
المقالة الثانية في كل سطح متوازي الاضلاع ، قائم الزوايا ، يحيط به
الخطان المحيطان بالزاوية القائمة ، وهي أربعة وأربعون شكلا .
المقالة الثالثة في الدوائر المتساوية التي أقطارها متساوية ، والخطوط التي تخرج
من مراكزها إلى الخطوط المحيطة بها ، والخط المماس الدائرة الذي يجوزها ،
ولا يقطعها ، وهي خمسة وثلاثون شكلا .
المقالة الرابعة إذا كان شكل في شكل ، وكانت زوايا الشكل الداخل تماس
أضلاع الشكل الخارج وهي ستة عشر شكلا .
المقالة الخامسة في الجزء الذي هو مقدار الاكبر من المقدار الاصغر من
الاعظم ، إذا كان يعده ، وهي خمسة وعشرون شكلا .
المقالة السادسة في السطوح المتساوية التي زوايا كل سطح منها مساوية لزوايا
السطح الآخر ، والاضلاع التي تكون تحيط بالزوايا المتساوية متناسبة ، والسطوح
المتكافية الاضلاع التي تكون أضلاعها متناسبة ، وهي اثنان وثلاثون شكلا .
المقالة السابعة في الواحد والعدد الزوج الذي ينقسم بقسمين متساويين .
والعدد الفرد الذي لاينقسم بقسمين متساويين ، ويزيد على الزوج بواحد .
والعدد الذي يسمى زوج الزوج ، وهو الذي كل زوج يعده بعدة مرات
عددها زوج .
والعدد الذي يسمى زوج الفرد ، وهو الذي كل زوج يعده بعدة مرات
عددها فرد .
والعدد الذي يسمى فرد الفرد ، وهو الذي كل فرد يعده بعدة مرات
عددها فرد .
والعدد الذي يسمى أول هو الذي يعده بعدة الواحد فقط .
والاعداد التي كل واحد منها أول عند الآخر ، هي التي ليس بها عدد
مشترك يعدها جميعا إلا الواحد فقط .
والعدد المركب هو الذي يعده عدد آخر .
ـ122ـ
والاعداد التي كل واحد منها مركب عند الآخر هي التي يعدها عدد آخر
مشترك لها .
والعدد المضروب في عدد آخر هو الذي يضاعف بعدة ما في المضروب فيه
من الآحاد ، ويكون ما اجتمع عددا آخر .
والعدد المربع هو المجتمع من ضرب عدد في نفسه ، ويحيط به عددان
متساويان .
والعدد المكعب هو المجتمع من ضرب عدد في نفسه ، ثم في نفسه ، ويحيط
به ثلاثة أعداد متساوية .
والعدد المسطح هو الذي يحيط به عددان .
والعدد المصمت هو الذي يحيط به ثلاثة أعداد .
والعدد التام هو المساوي لجميع أجزائه .
والاعداد المتناسبة هي التي يكون في الاول منها من أضعاف الثاني مثل
ما في الثالث من أضعاف الرابع :
والاعداد المسطحة والمصمتة المتشابهة هي التي أضلاعها متناسبة ، وهذه
المقالة تسعة وثلاثون شكلا .
المقالة الثامنة في الاعداد التي تلي بعضها بعضا والطرفين اللذين كل واحد
منهما أول عند الآخر ، وهي خمسة وعشرون شكلا .
المقالة التاسعة في ضرب الاعداد المسطحة المتشابهة ، وما يكون من ضرب
العدد في العدد المربع .
والاعداد التي يعد بعضها بعضا .
والعدد المكعب في العدد المكعب ، وما يكون من ضرب المكعب في عدد
غير مكعب ، وما يكون من الاعداد المؤلفة على نسب يتلو بعضها بعضا من
المربع ، وكيف يكون المكعب وما يكون في الاعداد ال متناسبات من المصمت
المكعب والمسطح .
ـ123ـ
والاعداد التي يعد بعضها بعضا وكيف تنتقض الازواج من الازواج ،
والافراد من الافراد ، والازواج من الافراد ، والافراد من الازواج ، وهي
ثمانية وثلاثون شكلا .
المقالة العاشرة في الخطوط التي يكون لها مقدار واحد مشترك يقدرها جميعا ،
يقال لها ال متقادرات ، والخطوط ال متباينات التي ليس لها مقدار واحد مشترك
يقدرها جميعا ، والخطوط ال متقادرات التي يكون لمربعاتها ، سطح واحد يكون
مقدارا لها يقدرها ، وهي مائة وأربعة أشكال .
المقالة الحادية عشرة في المصمت الذي له طول وسمك وسطح ، وهي أحد
وأربعون شكلا .
المقالة الثانية عشرة في السطح الكثير الزوايا المتشابهة التي قدر بعضها عند
بعض في الدوائر ، كعدد المربعات التي تكون من أقطار الدوائر ، وهي خمسة
عشر شكلا .
المقالة الثالثة عشرة وهي آخر مقالات إقليدس في خط يقسم على ذات وسط
وطرفين ، وهي واحد وعشرون شكلا .
ولاقليدس هذا كتاب في المناظر ، واختلافها من مخارج العيون والشعاع ،
يقول فيه : إن الشعاع يخرج من العين على خطوط مستقيمة ، وتحدث بعد سموت
لانهاية لكثرتها ، فإن الاشياء التي يقع عليها الشعاع تبصر ، والتي لايقع عليها
الشعاع لاتبصر ، ويمثل في ذلك أشكالا مختلفة يبين بها مخرج النظر ، وكيف
تختلف عدة الاشكال التي يبين بها ذلك وهي أربعة وستون شكلا .
ومنهم نيقوماخس الحكيم ا لفيثاغوري ، وهو الذي يسمى القاهر عند
المفاضلة ، وهو أبوار سطاطاليس ، وله كتاب ا لارثماطيقي الذي قصد فيه لابانة
الاعداد ، وذكر ما تقدمت به الفلاسفة . فيقال نيقوماخس : إن القدماء الاولين
الذين أظهروا العلم ونفذوا فيه ، وكان أولهم فيثاغورس ، حدوا بأن قالوا :
إن الفلسفة معناها الحكمة ، وإن اسمها مشتق منها ، فقالوا : الحكمة حقيقة
ـ124ـ
العلم بالاشياء الدائمة ، وافتن في صدر الكتاب في ذكر الحكمة وفضلها ، وما
قالته الحكماء في فضيلة العلم ، ثم افتتح كتابه فقال :
إن جميع ما في الدنيا من الاشياء المحكم في الطبيعة تقديرها ، إنما هو
بالعدد ، وقد يحقق القياس قولنا : إن العدد بمنزلة المثال الذي يحتذى عليه ،
وهو كله بكماله معقول ، وهذه الاشياء التي تلحقها كلمة الكمية ، وهي أشياء
مختلفة ، فمن الاضطرار أن يكون هذا العدد اللازم بهذه الاشياء مؤلفا مقدرا
على حدته لا من أجل غيره ، فإن كل مؤلف إنما هو من أشياء مختلفة لا
محالة ، ومن أشياء موجودة ، فإن التي ليست بموجودة لايقدر على تأليفها ،
وما كان منها موجودا ، إلا أنها غير متشاكلة ، يمكن تأليفها ، والاشياء المؤتلفة
إنما تألفت من أشياء موجودة مختلفة متشاكلة ، لانه إن لم يكن مختلفا ، فهو
واحد لايحتاج إلى ائتلاف ، فإن لم يكن متشاكلا فليس بمتجانس ، وإن ليس
متجانسا ، فإنما هو متضاد لايقع به ائتلاف .
والعدد هو من هذه الاشياء ، فإن فيه نوعين مختلفين ، متشاكلين ،
متجانسين ، وهو الزوج والفرد فإن ائتلافهما على حسب اختلافهما يعد تألفا
مشتبكا لا انقضاء له .
فالقول الاول من ا لارثماطيقي في أبواب أحدها حدود العدد ، وهو ينقسم
قسمين يقال لاحدهما الفرد ، والآخر الزوج ، فالفرد ينقسم ثلاثة أقسام :
منه أول غير مركب ، وهو الذي لايعده عدد مثل سبعة ، وأحد عشر .
ومنه ثان مركب ، وهو الذي له عدد مثل : تسعة ، وخمسة عشر .
ومنه ثالث مركب بطبعه ، وعند الاضافة إلى مركب آخر أول ، وهما
اللذان لكل واحد منهما عدد يعده ، وليس لهما عند المقايسة عدد مشترك مثل :
تسعة إلى خمسة وعشرين .
والزوج ينقسم ثلاثة أقسام منه زوج الزوج ، وهو المنقسم أزواجا إلى
الوحدانية ، مثل : أربعة وستين .
ـ125ـ
ومنه زوج الفرد ، وهو المنقسم مرة واحدة بنصفين ، ثم يقف مثل : أربع
عشرة وثماني عشرة .
ومنه زوج الزوج والفرد ، وهو الذي لاينقسم نصفين أكثر من مرة ،
ولاينتهي إلى الوحدانية ، وتكلم في هذا بكلام مشروح .
والقول الثاني في الكمية المفردة ، وهو العدد الزائد والعدد المعتدل والناقص ،
فأما الزائد ، فهو الذي تزيد جملة أجزائه على جملته إذا اجتمعت الاجزاء مثل :
اثني عشر ، وأربعة وعشرين ، فإن الاثني عشر لها نصف وثلث وربع وسدس ،
وجزء من اثني عشر ، فإذا جمعتها زاد العدد والمعتدل الذي تعادل جملة أجزائه
جملته مثل : ستة ، وثمانية وعشرين ، فإن لستة نصفا وثلثا وسدسا ، فيكون
مبلغه ، إذا جمع ، ستة سواء ، والناقص الذي تنقص جملة أجزائه من جملته
مثل ثمانية ، وأربعة وعشرين ، فإن الثمانية لها نصف وربع وثمن ، فإذا اجتمع
كان سبعة ونقص واحدا وجعل في ذلك أشكالا .
وأصح القول القول الثالث في الكمية المضافة ، وهي تنقسم قسمين : أحدهما
المعادلة لما أضيف إليها مثل المائة المعادلة للمائة ، والعشرة المعادلة للعشرة ،
ومنه الخروج عن الاعتدال ، وينقسم قسمين : أحدهما كبير والآخر صغير ،
فالكبير ينقسم خمسة أقسام ، فمنه : المتضاعف مثل اثنين من أربعة ، وأربعة من ثمانية ،
ومنه الزائد جزءا مثل ثلاثة عند أربعة ، فإن الاربعة مثلها ومثل ثلثها ، ومنه
الزائد جزءين مثل ثلاثة ، وهي أول الافراد ، إلى الخمسة ، وهي الثانية من
الافراد ، فتحدث زيادة جزءين ، ثم على هذا الترتيب تحدث زيادة أجزاء ، ومنه
المضاعف الزائد جزءا ، وهو يظهر بين عددين : أحدهما مثل الآخر ومثل جزء
منه كالخمسة ، إذا أضيفت إلى الاثنين ، فإنه مثل مضاعف الاثنين وزيادة جزء ،
ومنه المضاعف الزائد جزءين مثل أربعة عند واحد ، والصغير ينقسم على خمسة
أقسام : منه تحت المضاعف ، ومنه تحت الزائد جزء ، ومنه تحت الزائد أجزاء ،
ومنه تحت المضاعف أجزاء .
ـ126ـ
ثم يقول في الاعداد الثلاثة التي أحدها كبير والآخر وسط والثالث صغير ،
فإذا طلب اعتدالها ألقي من الاوسط مثل الاصغر ، ومن الاعظم مثل ما بقي من
الاوسط ، ومثل الاصغر ، فإذا تعادلت الاعداد فقد تمت إضافتها .
ثم يقول فيما يزيد من الاعداد وينقص في ا لمضاعفات ، ويجعل لذلك شكلا
مثليا بركنين ، وفي الشكل واحد وعشرون بيتا : فالاول ستة أبيات ، وأوله
واحد ، ثم يضعفه إلى اثنين وثلاثين ، والثاني خمسة أبيات ، وأوله ثلاثة ،
ثم يضعفه إلى ثمانية وأربعين ، والثالث أربعة أبيات ، وأوله تسعة ، ثم يضعفه
إلى اثنين وسبعين ، والرابع ثلاثة أبيات ، وأوله سبعة وعشرون ، ثم يضعفه
إلى مائة وثمانية ، والخامس بيتان أوله واحد وثمانون ، ويضعفه فيصير مائة
واثنين وستين ، والسادس بيت ، وهو آخره ، مائتان ، وثلاثة وأربعون .
ثم يقول في العدد المربع الذي يزيد عليه ضعفه ، ثم يتكلم في السطوح
والخطوط والنقط ، ويصف السطوح المثلثة والمربعة والمسدسة ، والاضلاع
التي يقوم بها السطوح ومسائحها .
ثم يقول في العدد المخمس ذي الاضلاع المعتدلة المخمسة ، وكيف نموها ،
ثم المسدسة ، ثم المسبعة ، ثم المثمنة ، ثم يصف كيف تركيبها ، ويضرب
لها جدولا خمسة في تسعة ، ويتكلم في أجزاء من المثلثات و المربعات و المخمسات
و المسدسات مما له جرم بلا سطح ، وما له جرم وسطح .
ثم يقول في تركيب الاشياء التي تركب من أخلاط شتى .
ثم يقول في الوسائط التي هي ثلاثة أنواع : واحد للحساب ، والثاني للمساحة ،
والثالث لتأليف اللحون ، ويقول إن بعض الاولين جعلوها عشرا ، وبين
وسائط الحساب ، ووسائط المساحة ، ووسائط اللحون ، ويتكلم في كل نوع
منها بكلام مشروح وبرهان بين .
ومنهم ارطس الذي عمل صورة الفلك كهيئة البيضة ، فحكى بها الفلك ،
وصور فيها البروج .
ـ127ـ
ومنهم أر سطاطاليس بن نيقوماخس ا لجهراسيني ، وكان تلميذا لافلاطون ،
فتكلم في العالم العلوي والسفلي ، في صلاح العالم وفساده ، وفي أخلاق النفس ،
وفي حقيقة المنطق ، ووضع أصول الحكمة وانقسامها وتشعبها ، فأول كتبه :
كتاب المدخل إلى علم الفلسفة ، وهو الذي يسمى ب اليونانية ايساغوجي ، فأوله
ذكر الحد ، وما قوام الحد ، ومن أين اشتق اسم الحد ، وما فضيلة الحد ،
وما فيه فساد الحد ، والفرقة بين الحد والمحدود .
والثاني ذكر الفلسفة ، وكيف اشتقت .
والثالث كتاب قوى النفس التي هي بالفكر والغضب والشهوة ، فما خرج
عن هذا الاعتدال كان فاسدا .
والكتاب الرابع في المنطق الذي هو أصل الفلسفة .
والكتاب الخامس يذكر فيه انقسام الاشياء ضربين : ما لابد منه ، كالغذاء ،
وما منه بد ، كتنظيف الثوب .
والكتاب السادس في الامور ، وهي ثلاثة : واجبة كقولك : النار حارة ،
وممكنة كقولك : زيد كاتب ، وممتنعة كقولك : النار باردة .
والكتاب السابع في الجنس ، وهو ثلاثة أقسام : جنس العادة ، وجنس
الطبيعة . . . . ( 1 )
والكتاب الثامن يذكر فيه ما لا يتجزأ ، وهو ينقسم على أربعة : إما لانه
لا أجزاء له كالنقطة ، وإما لصغره كحبة الخردل ، وإما لصلابته كالحجر ،
وإما انه لاعلى أجزاء .
والكتاب التاس في المناسبة ، وهو على أربعة : إما طبيعة كمناسبة الاب
لابنه ، وإما مهنة كمناسبة التلميذ معلمه ، وإما مشيئة كمناسبة الصديق
صديقه ، وإما عرضية كمناسبة العبد سيده .
ثم كتبه بعد ذلك في أربعة أنواع : أحدها ا لمنطقيات ، والثاني في الطبائع ،
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ128ـ
والثالث فيما يوجد مع الاجسام ويواصلها ، والرابع فيما لايوجد مع الاجسام
ولا يواصلها .
وكتبه في المنطق ثمانية : فالاول سمي بقا طيغورياس ، وغرضه فيه القول
على المقولات المفردة العشر ، ورسمها بما يميز به كل واحد منها من غيره ،
وما يعمها ويعم العدة منها ، وما يخص كل واحد منها ، فحد الاشياء التي
تقدمها في الوصف والشبه منها : ان جوهرا محمولا ، وجوهرا حاملا ليس
بجوهري فيه بل عرضي ، وان عرضا حاملا وعرضا محمولا عليه أي منقولا
عليه . . . . ( 1 ) ليبين أن جواهر محسوسة ، واعراضا ثواني غير محسوسة مقولة
على المحسوسة ، واعراضا محسوسة ، واعراضا ثواني غير محسوسة مقولة على
المحسوسة ، ويبين عن العشرة بأعيانها ، وبرسومها ، وعوامها ، وخواصها ،
وهذه العشرة : الجوهر ، ثم الكمية ثم الكيفية ، ثم المضاف ، ثم الاين ،
ثم المتى ، ثم الفاعل ، ثم المفعول ، ثم الوضع ، ثم الجد .
وإنما سمي كتاب المقولات لان هذه الاسماء أجناس ، وهي مقولة من
الانواع ، والواحد بمنزلة الجوهر ، فإنه مقول على الجسم ، والجسم مقول على
المتنفس وغير المتنفس ، والمتنفس مقول على الحيوان والنبات ، والحيوان
مقول على الانسان والفرس والاسد ، والانسان مقول على زيد وعمرو وخالد
التي هي غير متجزئة ، والفرس على هذا الفرس بالاشارة ، وذلك الفرس بالشبه
والكمية مقولة على المتصلة والمنفصلة وسائر أجزائها ، وكذلك سائر الاجناس .
والثاني هو المسمى بكتاب التفسير ، وغرضه فيه القول على التفسير للقضايا
المقدمات للمقاييس العلمية ، أعني الجوامع التي هي أخبار موجبة أو سالبة
أو . . . . ( 2 ) ما في أوله ، فبين عما منه تكون القضايا من الاسم ، والحرف ،
والقول ، والتصريف ، والمخبر عن القول ، وعن القضايا المؤلفة من اسم
وحرف ، وثالث ورابع كقولنا : النار هى حارة ، وما يعرض في ذلك ، وفي
* ( هامش ) * ( 1 و 2 ) بياض في الاصل . ( * )
ـ129ـ
الفحص عن أي القضايا أشد تناس با الموجبة لسالبها أم الموجبة للموجبة المضادة لها .
وإنما سماه كتاب التفسير لانه أراد المقالة على الجزم ، والبسيط المقول ،
الذي ليس فيه اشتراك اسم ، وأراد أن يفصل بينه وبين القول الذي ليس بجازم ،
الذي يكذب ولا يصدق ، وهو تسعة : الاستخبار كقولك : من أين جئت ؟
والدعاء كقولك : يا فلان اقبل ! والراغب كقولك في الامر : إني أطلب إليك
أن تفعل كذا وكذا ، والتعجب كقولك في الامر : ما الذي يكون من هذا ؟
والقسم كقولك : أقسمت بالله لتذهبن ، والشك كقولك لعل الامر على ما
قيل ، والوضع كقولك : تكون هذه الضيعة وقفا على المساكين ، والمجازي
كقولك : ان فعلت كذا وكذا أجزتك بكذا .
والمقالة قد تلق ؟ ، ألقابا شتى في جهات مختلفة ، فإذا كان القول يوجب
شيئا لشئ سمي موجبة ، وإذا كان يفلت شيئا من شئ سمي سالبة ، وإذا
كان مقدما ليستخرج منه شئ سمي مقدمة ، فإذا كان مستخرجا من مقدمات
قبله سمي نتيجة ، وإذا كانت مقدمات ونتيجتها معها سمي صيغة .
والثالث المسمى انوليطيقا ومعناه النقائض ، وغرضه فيه الابانة عن الجوامع
المرسلة ، أعني ما هي ، وكيف هي ، ولم هي ، وغرضه النوع الجامع للمعاني
الثلاثة ، وما قيل على الجامعة المرسلة ، ووجود الجامعة ، وكيف تركيب الجوامع ،
ولكم نوع يكون ، وما الذي يظهر من صوادقها بذاته ، وما الذي يظهر من
الحركة ،
والكتاب الرابع المسمى ابودقطيقا ومعناه الاصلاح ، وغرضه فيه الابانة
عن الامور المتضحة البرهانية ، وكيف هي ، وماذا ينبغي أن يؤلف ، ويسمى
هذا الكتاب البيان والبرهان ، لانه يصف فيه التمييز الذي يميز به الحق من
الباطل ، والصدق من الكذب ، فيقول : ان المقدمات على جهة المقدمة المجتمعة
عليها ، المعروفة عند العامة ، المركبة من الجزئين السابقين في العلم ، بمنزلة قول
القائل : كل انسان حي .
ـ130ـ
والثانية الموجبة للمجادلة ، فإنها ، وإن كانت صحيحة في نفسها ، مجهولة
عند العامة ، وهي تحتاج إلى وساطة يعرف بها صحتها ، بمنزلة قولنا : كل
إنسان جوهر .
فأما كتابه الخامس المسمى طوبيقا فغرضه فيه الابانة عن الاسماء الخمسة
التي هي : الجنس ، والنوع ، والفصل ، والخاصة ، والعرض ، عن الحد ،
فتعرف ماهية الجنس ، وماهية النوع ، لئلا يذهب عن أحدها الجنس والنوع ،
فإنما يعرف هذا بالفصل الذي يفصل بين النوع والجنس ، وما خاصية كل
واحد منهما ، أو ما الاعراض من الجواهر .
وأما كتابه السادس ، وهو المسمى سوفسطيقا ، فغرضه فيه القول على
المغالطة ، ويقول كم نوعا تكون المغالطة ، ويخبر كيف الاحتراس من قبول
تلك الاغاليط ، وهو الذي رد فيه على ال سوفسطائية .
وأما كتابه السابع ، وهو المسمى ريطوريقا ، ومعناه البلاغة ، فغرضه فيه
القول في الانواع الثلاثة : في الحكومة ، وفي المشورة ، وفي الحمد ، وفي الذم ،
والجامع لها التقريظ .
وأما كتابه الثامن ، وهو المسمى فوايطيقا ، فغرضه فيه القول على صناعة
الشعر ، وما يجوز فيه الشعر ، وما يستعمل من الاوزان ، وكل نوع . . . ( 1 ) ،
فهذه أغراضه في كتبه ا لمنطقيات الاربعة المقدمة ، والاربعة الثانية .
فأما كتبه الطبيعية فالاول كتاب سمع الكيان ، وهو الخبر الطبيعي بين
فيه عن الاشياء الطبيعية ، وهي خمسة ، المشتملة على الطبائع كلها التي لاوجود
لشئ من الطبائع دونها ، وهي : العنصر ، والصورة ، والمكان ، والحركة ،
والزمان ، فإنه لاوجود لزمان إلا بحركة ، ولا وجود لحركة إلا بمكان ،
ولا وجود لمكان إلا بصورة ، ولا وجود لصورة إلا بعنصر ، وهذه الخمسة
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ131ـ
منها اثنان جوهران ، وهما : العنصر والصورة ، وثلاثة أعراض جوهرية .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 131 سطر 1 الى ص 140 سطر 25
منها اثنان جوهران ، وهما : العنصر والصورة ، وثلاثة أعراض جوهرية .
والثاني هو المسمى كتاب السماء والعالم ، وغرضه فيه الابانة عن الاشياء
الفلكية غير ذوات الفساد ، وهي صنفان : أحدهما صنف مستدير الصنعة ،
وحركته الاستدارة ، وهو الفلك المحيط بالاشياء ، وهو ركن خامس لايلزمه
الكون ، ولا الفساد ، والصنف الثاني الفلكي المستدير بالتكوين ، وإن لم يكن
مستديرا بالحركة ، وهي الاربعة الاركان : النار والهواء والارض والماء ، فإن
هذه ليست بمستديرة الحركة بل مستقيمة الحركة ، مستديرة بالكون ، و المستديرة
الكون هي التي يكون بعضها من بعض ، بالانقلاب ، بمنزلة الشئ الذي يستدير
وينقلب ، بمنزلة النار التي تستدير وتنقلب فتكون من الهواء ، والهواء من
الماء ، والماء من الارض ، وكل واحد من هذه الاركان يستدير بالكون بعضه
على بعض ، فالنار والهواء إلى فوق ، والماء والارض إلى أسفل .
وكتابه الثالث هو المسمى كتاب الكون والفساد ، وغرضه فيه الابانة عن
ماهية الكون والفساد ، ككون الماء هواء ، والهواء ماء ، وكيف يكون ، وكيف
يفسد بالطبيعة .
والكتاب الرابع في الشرائع ، وهو كتاب المنطق في الآثار العلوية ، وغرضه
فيه الابانة عن عرض الكون والفساد ، وكون كل كائن وفساده ، مما بين
نهاية فلك القمر إلى مركز الارض ، فيما بين الجو وما على الارض ، وما في
بطنها ، وعن الآثار العارضة فيها : كالسحاب ، والضباب ، والرعد ، والبرق ،
والريح ، والثلج ، والمطر ، وغير ذلك .
وكتاب في المعادن ، وهو الخامس ، وغرضه فيه الابانة عن كون الاجرام
المتكونة في باطن الارض ، وكيفياتها ، وخواصها ، وعوامها ، والمواضع
الخاصة بها .
والكتاب السادس في الابانة عن علل النبات ، وكيفياته ، وخواصه ،
وعوامه ، وعلل أعضائه ، والمواضع الخاصة به ، وحركاته ، فهذه أغراضه
ـ132ـ
في كتبه الطبيعية .
فأما كتبه النفسانية ، فهما كتابان : فكتابه الاول منهما كتاب النفس ،
وغرضه فيه الابانة عن ماهية النفس ، وقوامها ، وفصولها ، وتفصيل الحس ،
وتعديد أنواعه ، وفضائل النفس وعاداتها ، والامور المحمودة منها ، والامور
المذمومة منها ، فالمحمودة : المنطق ، والعدل ، والحكمة ، والحكم ، والحلم ،
والشجاعة ، والقوة ، والجرأة ، وشرف النفس ، والتحرج ، والامور المذمومة
منها : الجور ، والفسق ، والنفاق ، والغش ، والكذب ، والنميمة ،
والخيانة .
والكتاب الثاني في الحس والمحسوس والابانة عن علل الحس للمحسوس ،
وغرضه فيه أن يخبر ما الحسن والمحسوس ، وكيف يقبل الحس الاشياء المحسوسة ،
وكيف يكون الحس والمحسوس شيئا واحدا ، وهما مختلفان في الادوات ،
وهل الاشياء بذواتها وأجرامها أم بذواتها دون أجرامها .
ثم كتابه في الكلام الروحاني ، وغرضه فيه ذكر الصورة المجردة من
الهيولى ، التي في العالم الاعلى ، والقوى الروحانية ، ومعرفة اتصال قوى تلك
الصور بالقوى الطبيعية ، وهل هي بحركة ، أو بلا حركة ، وكيف تدير تلك
القوى هذه القوى ، وان كل واحد من القوى الجرمية الغليظة جزء من تلك
الاشياء الشريفة ، وبين ما العقل ، وما المعقول ، وما النفس الكلية ، وما
هبوطها وطلوعها .
ثم كتابه في التوحيد ، فقال : ان العلية الثانية علة العلل ، والدهر تحتها ،
وهي مبدعة الاشياء ، والابداع لها ، وقال في هذا قولا بين فيه التوحيد .
فأما كتبه في الخلق . . . . ( 1 ) والابانة عن أخلاق النفس ، والسعادة في
النفس والبدن ، وتدبير العامة والخاصة ، وتدبير الرجل امرأته ، والسياسة ،
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ133ـ
وتدبير المدن ، وقصص أهل التدبير للمدن ، فهذه أغراض كتب أر سطاطاليس
الحكيم المذكورة الشريفة ، وما بعدها من الكتب فتبع لها .
ومن حكماء ا ليونانيين بطليموس وهو الذي وضع كتاب المجسطي ،
وكتاب ذات الحلق ، وذات الصفائح ، وهي الاسطرلاب والقانون ، فأما
كتاب المجسطي ، ففي علم النجوم ، والحركات ، وتفسير المجسطي الكتاب
الاكبر ، وهو ثلاث عشرة مقالة ، فابتدأ المقالة الاولى من المجسطي بذكر
الشمس ، لانها الاس لا يوصل إلى علم شئ من حركات الفلك إلا بها ،
فقال في الباب الاول : إن الشمس فلك خارج المركز عن مركز العالم قد سمت
ناحية منه ، مصعدة نحو ما يحاذي بها من فلك البروج ، متباعدة عما مركز
الارض ، ودنت الناحية الاخرى منه ، منحدرة نحو الارض ، متباعدة عما يحاذي
بها من فلك البروج ، فموضع السمو هو الموضع الذي فيه تبطئ الشمس ، وموضع
الدنو هو الذي فيه تسرع ، ثم تكلم في ذلك بقول واضح .
والباب الثاني في قدر كلية الارض عند كلية السماء . . . . ( 1 ) ووضعت
وضع الفلك المائل ، وموضع عمران الارض ، ومقادير ساعاتها فيما بين خط
الاستواء إلى القطب الشمالي ، واختلاف ما بين هذين الموضعين ، وقدر ذلك
الاختلاف في نواحي الافق من قبل اختلاف مواضع أهل الارض ، وحركة
الشمس والقمر .
والباب الثالث في الكرة المستقيمة مع قسي فلك البروج المفروضة .
والمقالة الثانية ثلاثة عشر بابا : الباب الاول في المواضع المسكونة من
الارض .
الباب الثاني في معرفة مقدار ما بين الفلك المستقيم وبين مطلع الفلك المائل
من تقويس دائر أفق المطلع ، ومقادير النهار في كل يوم في طوله وقصره .
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ134ـ
الباب الثالث في معرفة ارتفاع القطب وانخفاض . . . . ( 1 ) الاخرى التي
هي مقابلته ، وهو عرض الاقليم من الصفة والرسوم قبل ارتفاع القطب ، وما
بقي إلى منتهى سمت الرؤوس التي في تدوير وسط السماء .
الباب الرابع في معرفة مر الشمس في سمت رؤوس أهل البلاد أين يكون
ذلك ، ومتى يكون ، وفي أي موضع من أجزاء البروج تكون الشمس يومئذ
فوق رؤوسهم .
الباب الخامس في مقدار الظل نصف النهار في برجي الاستواء ، وبرجي
التغير .
الباب السادس في خواص المواضع من طريق ما بين المشرق والمغرب ،
والخطوط التي يوازي بعضها بعضا في استواء مابينها من العرض .
الباب السابع في اختلاف مطالع الفلك المائل عن طلوع الفلك المستقيم .
الباب الثامن في جدولة مطالع خطوط أقاليم الارض ومطلع طريقه
خطا خطا .
الباب التاسع في معرفة طول الليل والنهار من ازمان ساعات الاقاليم ،
ومعرفة مطالع أجزاء البروج ، والجزء الطالع ، والجزء المتوسط السماء .
الباب العاشر في الزوايا التي تقع فيما بين الفلك المائل ، وبين تدوير منتصف
النهار الذي في وسط السماء .
الباب الحادي عشر في الزوايا التي تقع بين الفلك المائل ، وتدوير أفق المطلع
إلى حد الجنوب من ربع الدوائر في كل اقليم من الاقاليم .
الباب الثاني عشر في الزوايا و التقاويس التي تكون في دائرة الافق التي تدور
على قطب دائرة الافق ، في مواضع الاقاليم .
الباب الثالث عشر في وضع جداول القسي والزوايا التي في أقاليم الارض ،
فهذه أبواب المقالة الثانية .
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ135ـ
المقالة الثالثة من المجسطي عشرة أبواب ، فالباب الاول في معرفة مقدار
طول السنة ، وعدد أيامها .
الباب الثاني في وضع الجداول لحركة الشمس الوسطى .
الباب الثالث في معرفة جهات الحركة المستديرة المتفقة .
الباب الرابع في معرفة ما يظهر من اختلاف حركة الشمس في المنظر والرؤية .
الباب الخامس في الابحاث الجزئية عن الاختلاف .
الباب السادس في صنعة فصول جداول القطع الجزئية الاختلاف .
الباب السابع في وضع جداول اختلاف حركة الشمس .
الباب الثامن في معرفة موضع الشمس في مسيرها الاوسط .
الباب التاسع في حساب الشمس ومعرفة حقيقة موضعها .
الباب العاشر في معرفة اختلاف الايام ما بين نهار يوم وليلته وبين نهار يوم
آخر وليلته .
المقالة الرابعة من المجسطي أحد عشر بابا ، فالباب الاول : من أي الارصاد
ينبغي أن يكون البحث عن القمر .
الباب الثاني في معرفة أزمان أدوار القمر .
الباب الثالث في معرفة تقسيم حركات القمر الوسطى .
الباب الرابع في وضع جداول تكون فيها حركات القمر الوسطى .
الباب الخامس في ان الجهتين جهة مركز الخارج وجهة فلك التدوير ، في
حركات القمر ، تدلان على أمر واحد .
الباب السادس في برهان اختلاف حركة القمر الاولى المفردة .
الباب السابع في تقويم مسير القمر في الطول والاختلاف .
الباب الثامن في معرفة موضع حركات القمر الوسطى في الطول والاختلاف .
الباب التاسع في تقويم مسير القمر الاوسط في العرض وفي ابتدائه .
الباب العاشر في وضع جداول اختلاف القمر المفرد .
ـ136ـ
الباب الحادي عشر في أي مقدار يكون اختلاف القمر .
فهذه الاربع المقالات تجزي عن جميع ما يحتاج إليه من كتاب المجسطي ،
وتسع مقالات بعدها في صفة المراكز ، وتقديم حركة التدوير ، وصنعة جداول
الحركة ، وجداول طول الكواكب .
وأما كتاب : في ذات الحلق ، فإنه ابتدأ بذكر عمل ذات الحلق ، وهي
تسع حلقات ، بعضها في جوف بعض ، احداهن ذات علاقة ، والثانية المعترضة
فيها من المشرق والمغرب ، والثالثة الحلقة التي تدور بهاتين الحلقتين على ما بين
أسفلها إلى أعلاها ، والرابعة الجارية تحت الحلقة ذات العلاقة ، والخامسة حاملة
نطاق البروج ، وفيها تركيب المحور ، والسادسة حاملة نطاق البروج الاثني
عشر ، والسابعة تحت حلقتي الفلك ، وهي حلقة مركبة في المحور ليؤخذ بها
عرض الكواكب الثابتة ، الجارية فيما بين أرباع الفلك ، والحلقة الثامنة جارية
في حجري المحور ، والحلقة التاسعة مركبة في الحلقة الثانية لمجرى الفلك
المستقيم . . . . ( 1 ) يحط في الجنوب ، ويرفع السماء على قدر انتقال الفلك
المستقيم ، ويذكر فيه كيف يبتدأ بعملها ، وكيف يكتب عليها ، وكيف تركب
كل واحدة في الاخرى ، وكيف تجزى وتخطط وتسمر حتى لاتزول ، وكيف
تنصب .
ثم يذكر العمل بها في تسعة وثلاثين بابا ، فالباب الاول من أبواب مواضع
العمل في ذات الحلق والتداوير التي فيها .
الباب الثاني في امتحانها .
الباب الثالث في أخذ ظل الشمس بها .
الباب الرابع إذا أردت أن تأخذ بها عرض اقليم ، أو مدينة ، أو موضع .
الباب الخامس إذا أردت أن تأخذ بها عرض كل اقليم ما هو .
الباب السادس إذا أردت أن تعرف النهار كيف يقصر ويطول في السرطان .
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ137ـ
الباب السابع إذا أردت معرفة مقدار كل يوم من أيام السنة .
الباب الثامن إذا أردت معرفة استواء الليل والنهار في الاقليم الاول .
الباب التاسع إذا أردت أن تعلم كيف تطلع البروج في الاقاليم بأقل من
ثلاثين جزءا أو أكثر .
الباب العاشر علم رد أجزاء البروج إلى جزء الفلك المستقيم .
الباب الحادي عشر في معرفة كل برج ، وكيف يغيب بمطلع نظيره ،
ويطلع بمغيبة في الاجزاء .
الباب الثاني عشر إذا أردت أن تعلم كيف تطلع البروج وسط السماء على
اختلاف من أجزائها .
الباب الثالث عشر إذا أردت معرفة كل برج منها .
الباب الرابع عشر إذا أردت معرفة الطالع والاوتاد الاربعة بالنهار من قبل
الشمس .
الباب الخامس عشر إذا أردت معرفة الطالع بالليل من القمر والكواكب .
الباب السادس عشر إذا أردت أن تعلم كم ساعة مضت من النهار .
الباب السابع عشر إذا أردت أن تعلم أي ساعة يظهر القمر ، أو كوكب
من الكواكب الثابتة .
الباب الثامن عشر إذا أردت أن تعلم ساعات القرانات .
الباب التاسع عشر إذا أردت أن تعرف مقدار المشرقين والمغربين في كل بلد .
الباب العشرون إذا أردت أن تعلم لكل برج مقدار مطلعه من المشرق ،
ومغربه من المغرب
الباب الحادي والعشرون إذا أردت أن تعلم الكواكب التي تغيب في كل بلد .
الباب الثاني والعشرون إذا أردت أن تعلم الطرائق الخمس التي ذكرها
الحكماء في الفلك في كل بلد .
الباب الثالث والعشرون إذا أردت أن تعرف الاقاليم السبعة .
ـ138ـ
الباب الرابع والعشرون إذا أردت معرفة كل اقليم منها .
الباب الخامس والعشرون إذا أردت أن تعرف كيف يكون النهار الاقصر ،
إذا صارت الشمس في الجدي ، في الموضع الذي يكون عرضه ثلاثة وستين
جزءا ، وذلك أقصى ما يسكن من ناحية الشمال ، ويكون النهار أربع ساعات
ونحوها ، وليلة عشرين ساعة ، ويكون النهار الاطول فيه عشرين ساعة ، وليله أربع
ساعات ، وهي جزيرة يقال لها جزيرة تولي من أرض اوريبا ، وهي شمالي أرض الروم .
الباب السادس والعشرون إذا أردت أن تعرف المواضع التي تغيب عنها
الشمس ستة أشهر ، فيكون ظلمة راتبة ، وتطلع عليه الشمس ستة أشهر ،
فيكون ضوءا راتبا ، وهو الموضع الذي يحاذي محور الشمال .
الباب السابع والعشرون إذا أردت أن تعلم كل كوكب من الكواكب
الثابتة من أي جزء من أجزاء البروج التي تطلع في كل موضع تريد من الارض .
الباب الثامن والعشرون إذا أردت أن تعلم كم جزءا بين رأس الحمل والطالع
من أجزاء المطالع في كل بلد .
الباب التاسع والعشرون إذا أردت أن تعلم لكل مدينة وبلد من أي
الاقاليم هي .
الباب الثلاثون إذا أردت أن تعلم عرض القمر ، أو كوكب من الكواكب .
الباب الحادي والثلاثون إذا أردت أن تقوم خط وسط السماء في موضعه
من سمت كل بلد .
الباب الثاني والثلاثون إذا أردت أن تعرف طول الكواكب وعرضها بعد
معرفتك بجري وسط السماء .
الباب الثالث والثلاثون إذا أردت أن تعرف موضع رأس التنين وذنبه ،
وهل تلتقي بفلكي الشمس والقمر .
الباب الرابع والثلاثون إذا أردت أن تعرف المطالع من قبل ساعات الما ( 1 ) .
* ( هامش ) * 1 ) قوله : الما ، هكذا في الاصل ( * ) .
ـ139ـ
الباب الخامس والثلاثون إذا أردت أن تعرف مجرى الفلك الذي فيه الكواكب
الثابتة .
الباب السادس والثلاثون إذا أردت أن تعرف تشريق الكواكب وتغريبها .
الباب السابع والثلاثون إذا أردت أن تعرف طول مدينة من المدن .
الباب الثامن والثلاثون في معرفة أجزاء طول المدن .
الباب التاسع والثلاثون في استخراج القوس من حساب الجبر ، فهذه أبواب
ذات الحلق .
وأما كتاب في ذات الصفائح ، وهي الاصطرلاب ، فإنه يبتدئ بذكر
عملها وكيف تعمل ، وحدودها ، ومقاديرها ، وتركيب حجرها ، وصفائحها ،
وعنكبوتها ، وعضادتها ، وكيف تجزأ وتقسم وتحفظ على قسمة أجزائها ،
و مقنطراتها ، وميلها ، ويشرح ذلك ، ويصفه صفيحة إقليم إقليم ، وطول كل
إقليم وعرضه ، ومواضع الكواكب والساعات فيها ، والطالع والغارب والمائل ،
والجنوبي والشمالي ، ورأس الجدي ، ورأس السرطان ، ورأس الحمل ،
ورأس الميزان ، ثم يذكر العمل بها .
فالباب الاول امتحانها حتى تصح .
الباب الثاني في امتحان طرفي العضادة .
الباب الثالث في علم ما مضى من النهار من ساعة وأي برج ودرجة الطالع .
الباب الرابع في علم ما مضى من ساعات الليل ، وما الطالع من البروج
والدرج .
الباب الخامس في معرفة موضع الشمس من البروج والدرج .
الباب السادس في علم مواضع القمر في أي برج ودرجة هو ، وأين الكواكب
السبعة .
الباب السابع في علم عرض القمر .
الباب الثامن في علم مطالع البروج الاثني عشر في الاقاليم السبعة ، ومعرفة
ـ140ـ
كل برج منها .
الباب التاسع في قطع المطالع للفلك المستقيم ، وما يصيب كل درجة من
درج السواء .
الباب العاشر في علم ساعات الليل والنهار كم تكون في كل زمان ، في
كل اقليم .
الباب الحادي عشر في علم مقدار نهار كل كوكب من الكواكب الثابتة ،
وما يجري في الفلك من حين طلوع الكواكب إلى حين غروبها .
الباب الثاني عشر في معرفة طول الكواكب وعرضها .
الباب الثالث عشر في معرفة زوال الكواكب الثابتة ، فإنها تزول في كل
سنة من سني القمر درجة .
الباب الرابع عشر في معرفة ميل البروج عن خط الاستواء الذي هو مدار
الحمل والميزان .
الباب الخامس عشر في معرفة المدائن أيها أقرب إلى الشمال وإلى الجنوب .
الباب السادس عشر في معرفة أقرب المدائن من المشرق وأقربها إلى المغرب .
الباب السابع عشر في معرفة عرض كل إقليم .
الباب الثامن عشر في علم أي إقليم أنت فيه .
الباب التاسع عشر في علم عرض الاقليم وأي المدائن أردت .
الباب العشرون في علم تقدير الطرائق ، وهي خمس ، وكيف مجاريها ،
ويشرح في كل باب من هذه الابواب شرحا طويلا بين فيه ما يحتاج إليه وإلى
معرفته .
فهذه أغراضه في ذات الصفائح .
وأما كتابه القانون في علم النجوم وحسابها ، وقسمة أجزائها ، وتعديلها ،
فمن أتم كتب النجوم وأوضحها ، وكان أول ما ابتدأ به في ذكر دور السماء
التي تدور فيها هذه الكواكب .
ـ141ـ
باب في علم مسير الكواكب في كل يوم ، فيقول : إن مسير الشمس في
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 141 سطر 1 الى ص 150 سطر 25
باب في علم مسير الكواكب في كل يوم ، فيقول : إن مسير الشمس في
كل يوم يكون تسعا وخمسين دقيقة ، ومسير أوج القمر سبع دقائق ، ومسير
رأس التنين ، وهو الجوزهر ، ثلاث دقائق ، ومسير زحل دقيقتان ، ومسير
المشتري خمس دقائق ، ومسير المريخ إحدى وثلاثون دقيقة ، ومسير الزهرة
درجة وست وثلاثون دقيقة ، ومسير عطارد أربع درج وخمس دقائق ، ومسير
قلب الاسد ست ثوان .
باب في علم أوساط الكواكب ، وتقويمها ، وتعديلها ، إذا كانت لاتمكن
أن تقوم إلا بأوساطها .
باب في تحريك أرباع الفلك على ما ذكر أصحاب الطلسمات ، ان ارباع
الفلك تتحرك ثمانية أجزاء مقبلة ، وثمانية أجزاء مدبرة ، والجزء درجة فتقبل
في كل ثمانين سنة ، وتدبر على كل ثمانين سنة جزءا .
باب في ميل الشمس وعرض الكواكب الستة ، وتباعدها من خط الاستواء
إلى الشمال ، وإلى الجنوب ، ووضع لكل كوكب منها في ذلك جدولا ،
أما ميل الشمس ، فميلها عن خط الاستواء ، وأما ميل عرض الكواكب
فتباعدها من مسير الشمس .
باب في مقام الكواكب السبعة ورجوعها ، وكيف يلتمس على ذلك من
زحل والمشتري والمريخ ، إذا كان بين كل واحد منها وبين الشمس مائة
وعشرون ، أو مائتان وأربعون درجة ، ومن الزهرة وعطارد إذا تباعدا من
الشمس تباعدهما الاكبر ، فكان بين الزهرة وبينها ست وأربعون درجة ،
وبين عطارد ثلاث وعشرون درجة .
باب في طلوع الكواكب السبعة من تحت شعاع الشمس ، ومغيبها من بين
يديها ومن خلفها .
باب في تقويم الساعات وتعديلها ، وإخراجها من الساعات المعوجة إلى
الساعات المستوية .
ـ142ـ
باب في علم عرض المدائن وطولها ، وقسم مدائن العالم بين الاقاليم السبعة ،
فجعل لكل مدينة طولا وعرضا ، وجعلها في جدول سماه جدول المدائن ،
ووضعه على ثلاثة أبواب : فالباب الاول فيه تسمية المدائن .
والباب الثاني طول كل مدينة .
والباب الثالث عرض كل مدينة ، وهو انحرافها عن حد رأس الجدي ،
والميزان إلى الشمال ، ووضع لكل إقليم عرضه ، وهو انحراف وسطه عن
رأس الحمل ، والميزان إلى الشمال ، وأثبته على رأس جدول مطالعه ، فإذا
أردت عرض مدينة من مدائن العالم ، وكانت مما قد أثبته في تسمية المدائن ،
وإلا نظر إلى عرض أي إقليم هي أقرب ، فأي إقليم وجد عرض تلك المدينة
أقرب إلى عرضه ، فتلك المدينة من ذلك الاقليم .
باب فيه عرض كل إقليم ، فقال الاول : ست عشرة درجة ودقيقة ،
والثاني ثلاث وعشرون درجة وإحدى عشرة دقيقة ، والثالث ثلاثون درجة
واثنتان وعشرون دقيقة ، والرابع ست وثلاثون درجة ، والخامس أربعون درجة
وست وخمسون دقيقة ، والسادس خمس وأربعون درجة واثنتان وثلاثون دقيقة ،
والسابع ثمان وأربعون درجة واثنتان وثلاثون دقيقة .
وباب ذكر فيه انحراف القمر ، وهو الذي يسمى ا لبراكفيس ، وأخبر
انه رؤية القمر ، وذلك ان للقمر موضعين مختلفين : أحدهما موضع رؤيته ،
والآخر منزلته المعتدلة .
وباب في اجتماع الشمس والقمر والاستقبال ، وكيف يحسب لذلك حتى
يصح .
وباب في كسوف القمر ونواحيه .
وباب في كسوف الشمس ، وكيف يحسب في وقت الاجتماع .
وباب في تعديل ما يوجد بجداول الكواكب والطالع وغير ذلك .
وباب من التعديل في استخراج الطالع وفيه مائة وثمانون جدولا ، وبين
ـ143ـ
كل قول بالاشكال .
وتسمية ملوك ا ليونانيين والروم وما ملك كل ملك على ما بينا من أسمائهم
آخر هذا الفصل .
ملوك ا ليونانيين والروم
وكان أول ملوك ا ليونانيين ، وهم أولاد يونان بن يافث بن نوح ، وهو أول
من سماه بطليموس في القانون من ملوكهم : فيلفوس ، وكان جبارا عاتيا ،
وكان ملكه سبع سنين .
ثم ملك ابنه الاسكندر ، وهو الذي يقال له ذو القرنين ، واسم أمه الو مفيدا ،
وكان معلمه أر سطاطاليس الحكيم ، فجل قدر الاسكندر ، وعظم ملكه ،
واشتد سلطانه ، وأعانته الحكمة والعقل والمعرفة ، وكان معه نجدة وبأس ،
وهمة عالية ، دعته إلى أن كتب إلى ملوك الاقاليم والآفاق يدعوهم إلى طاعته ،
وكان من كان قبله من ملوك ا ليونانيين يؤدي إلى ملوك أرض بابل من الفرس
خرجا ، لجلالة تلك المملكة ، وعظم قدرها ، وصغر الممالك في جنبها ، فلما
كتب إلى ملك فارس يدعوه إلى طاعته عظم عليه ، فسار الاسكندر حتى أتى
أرض بابل ، وملك الفرس يومئذ دار بن دارا ، فحاربه حتى قتله ، وحوى
خزائن ملكه ، وتزوج ابنته .
ثم صار إلى أرض فارس ، وقتل من بها من المرازبة والرؤساء ، وافتتح
البلاد .
ثم صار إلى أرض الهند ، فزحف إليه فور ملك الهند ، فحاربه حتى قتله ،
ثم صير الاسكندر على الهند ملكا من قبله من أهل الهند يقال له كيهن ،
ـ144ـ
وانصرف ، فشرق ، وغرب ، ثم رجع إلى أرض بابل بعد أن دوخ الارض .
فلما صار في اداني العراق ، مما يلي الجزيرة ، اعتل ، فاشتدت علته ،
فلما يئس من نفسه ، وعلم أن الموت قد نزل به ، كتب إلى أمه كتابا يعزيها
عن نفسه ، وقال لها في آخره : اصنعي طعاما ، واجمعي من قدرت عليه من
نساء أهل المملكة ، ولايأكل من طعامك من أصيب بمصيبة قط ! فعملت طعاما ،
وجمعت الناس ، ثم أمرتهم ألا يأكل من أصيب بمصيبة قط ، فلم يأكل أحد ،
فعلمت ما أراد .
ومات الاسكندر بموضعه الذي كاتب منه ، فاجتمع أصحابه ، فكفنوه ،
وحنطوه ، وصيروه في تابوت من ذهب ، ثم وقف عليه عظيم من الفلاسفة ،
فقال : هذا يوم عظيم كشف الملك عنه ، وأقبل من شره ما كان مدبرا ، وأدبر
من خيره ما كان مقبلا ، فمن كان باكيا على ملك ، فعلى ها الملك فليبك ،
ومن كان متعجبا من حادث ، فمن مثل هذا الحادث فليتعجب .
ثم أقبل على من حضره من الفلاسفة ، فقال : يا معاشر الحكماء ! ليقل
كل امرئ منكم قولا يكون للخاصة معزيا ، وللعامة واعظا . فقام كل واحد
من تلامذه أر سطاطاليس ، فضرب بيده على التابوت ، ثم قال : أيها المنطيق
ما أخرسك ! أيها العزيز ما أذلك ! أيها القانص أنى وقعت موضع الصيد
في الشرك من هذا الذي يقنصك ؟
ثم قام آخر فقال : هذا القوي الذي أصبح اليوم ضعيفا ، والعزيز الذي
أصبح اليوم ذليلا .
وقام آخر فقال : قد كانت سيوفك لاتجف ، ونقماتك لاتؤمن ، وكانت
مدائنك لاترام ، وكانت عطاياك لاتبرح ، وكان ضياؤك لايكسف ، فأصبح
ضوءك قد خمد ، ونقماتك لاتخشى ، وأصبحت عطاياك لاترجى ، وأصبحت
سيوفك لاتنتضى ، وأصبحت مدائنك لاتمنع .
ثم قام آخر فقال : هذا الذي كان للملوك قاهرا ، فقد أصبح اليوم
ـ145ـ
للسوقة مقهورا .
وقام آخر فقال : قد كان صوتك مرهوبا ، وكان ملكك غالبا ، فأصبح
الصوت قد انقطع ، والملك قد اتضع .
وقام آخر فقال : لا امتنعت من الموت إذ كنت من الملوك ممتنعا ، وهلا
ملكت عليه إذ كنت عليهم مملكا .
وقام آخر فقال : حركنا الاسكندر بسكونه ، وأنطقنا بصمته .
وتكلموا بنحو هذا الكلام ، ثم أطبق التابوت ، وحمل إلى الاسكندرية ،
فتلقته أمه بعظماء أهل المملكة ، فلما رأته قالت : يا ذا الذي بلغت السماء
حكمته ، وحاز أقطار الارض ملكه ، ودانت الملوك عنوة له ! ما لك اليوم
نائما لاتستيقظ ، وساكتا لاتتكلم ؟ من يبلغك عني أنك قد وعظتني فاتعظت ،
وعزيتني فتعزيت ؟ فعليك السلام حيا وهالكا ، فنعم الحي كنت ، ونعم
الهالك أنت .
ثم أمرت به ، فدفن ، وكان ملك الاسكندر مع ما نال من الدنيا اثنتي
عشرة سنة .
ثم ملك بعد ذي القرنين بطليموس خليفة الاسكندر ، وكان حكيما عالما ،
وكان ملكه عشرين سنة ، ثم ملك فيلفوس ، وكان جبارا ، فاشتد سلطانه ،
وعتا في ملكه ، وفي أيامه عملت الطلسمات ، وكان ملكه ثمانيا وثلاثين سنة ،
ثم ملك هور حيطوب الاول خمسا وعشرين سنة ، ثم ملك فيلوبطور سبع
عشرة سنة ، ثم ملك فيفانس أربعا وعشرين سنة ، ثم ملك فيلوبطور الثاني
خمسا وعشرين سنة ، ثم ملك هور حيطوب الثاني سبعا وعشرين سنة .
ـ146ـ
ملوك الروم
ثم صار الملك من بعد ا ليونانيين ، أولاد يونان بن يافث بن نوح ، إلى الروم ،
وهم ولد روم بن سماحير بن هوبا بن علقا بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ،
فغلبوا على البلد ، وتكلموا بلغة القوم ، وانتسبوا إلى الرومية ، ودرست اليونانية
إلا ما بقي في أيدي هؤلاء من فضل حكمهم ، وكان أول من ملك من الروم
بعد ا ليونانيين فهاساطق ، وهو جاليوس الاصغر ، ابن روم ، وكان ملكه
اثنتين وعشرين سنة .
ثم ملك أغسطس ، فلما أتى لملكه سنة ، ولد المسيح ، واتصل ملك
أغسطس ثلاثا وأربعين سنة .
ثم ملك طباريس اثنتين وعشرين سنة .
ثم ملك جايس أربع سنين .
ثم ملك قلوديس أربع عشرة سنة . . . . ( 1 )
ثم ملك ا سفسيانوس عشر سنين ، وكان أهل مملكته يسمونه الاله ،
ووجه ابنا له يقال له ططوس إلى بيت المقدس ، فحصرها أربعة أشهر ، وكان
قد اجتمع إليها في عيد من أعياد اليهود خلق عظيم ، فاشتد عليهم الحصار ،
حتى أكلوا الصبيان ، ومات أكثرهم من الجوع ، ثم افتتحها ، فقتل وسبى
وأحرق الهيكل بالنار .
ثم ملك ططوس ثلاث سنين ، وانشق في زمانه جبل يقال له أبرمور ،
وخرجت منه نار أحرقت مدنا كثيرة .
ثم ملك د ومطيانوس خمس عشرة سنة ، وفي زمانه ظهر أبولوس صاحب
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ147ـ
الطلسمات من أهل طوانة ، ووثب بد ومطيانوس أهل مملكته ، فقتلوه .
ثم ملك يهودس سنة واحدة .
ثم ملك طريانوس تسع عشرة سنة .
ثم ملك ادريانوس إحدى وعشرين سنة ، ووثب به يهود بيت المقدس ،
فامتنعوا أن يؤدوا إليه الخراج ، فوجه إليهم من قتلهم ، وأمر بقتل من بقي
منهم ببيت المقدس .
ثم ملك هيلوس ا نطونينوس ثلاثا وثلاثين سنة .
ثم ملك مرقس ا نطونينوس خمسا وعشرين سنة .
ثم ملك الاسكندر بن ماميا ثلاث عشرة سنة .
ثم ملك مك سيميانوس ثلاث سنين .
ثم ملك ج ورديانوس ثلاث سنين .
ثم ملك فيلفوس سنتين .
ثم ملك ديقيوس سنة واحدة .
ثم ملك جالوس ثلاث سنين .
ثم ملك ولريانوس ست سنين . . . . ( 1 )
ثم ملك قروس سبع سنين .
ثم ملك دق ليطيانوس عشرين سنة .
ثم ملك قسطنطين ومكنيوس عشر سنين .
وكانت ملوك ا ليونانيين ، ومن ملك بعدهم من الروم ، مختلفة ، فطائفة
منهم على دين الطبائين ، وكانوا يسمون الحنفاء ، وهم الذين يقرون ويعترفون
بخالق ، ويزعمون أن لهم نبيا مثل اوراني ، و عابيديمون ، وهرمس ، وهو
المثلث بالنعمة ، ويقال إنه إدريس النبي ، وهو أول من خط بالقلم ، وعلم
علم النجوم ، ويقولون في الخالق ، عزوجل ، على قول هرمس : اما أن يعقل
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * )
ـ148ـ
الله ، فعسر ، وان ينطق به ، فلا يمكن ، وان الله علة العلل ، والمكون للعالم
جملة واحدة .
وطائفة منهم أصحاب زينون ، وهم ال سوفسطائية ، وتفسير هذا الاسم
ب اليونانية المغالطة ، وبالعربية التناقضية ، يقولون : لاعلم ولامعلوم ،
واحتجوا باختلاف الناس وانتصاف بعضهم من بعض ، وقالوا : نظرنا في قول
الناس المختلفين ، فوجدناها مختلفة غير متفقة ، وأصبناهم في اختلافهم مجتمعين
على أن الحق مؤتلف غير مختلف ، وان الباطل مختلف غير مؤتلف ، وكان
في اجتماعهم شاهد لهم أنهم لم يعملوا بالصواب ، فلما أقروا بهذا لم يبق للحق
موضع يطمع في إصابته إلا في الخاصة منهم ، فعلمنا أن ذلك لايوجد إلا بأحد
وجهين : إما بالتسليم للمدعي ، وإما بالكشف لدعواه ، فنظرنا في الدعوى
فأصبنا بما يعمهم ، فلم نجز تصديقهم لخلتين : احداهما أن يكذب بعضهم
بعضا ، والاخرى إجماعهم على أنهم لم يعلموا بالصواب . فلم يبق إلا كشف
الدعوى ، ففعلنا ، فأصبناهم أهل تكافؤ وتجار بدور الغلبة عليهم جميعا بالاستواء
بينهم ، تقوى هذه مرة ، ومخالفتها أخرى ، فلم نصب عند طائفة منهم
فضلا ، ولاتشارك فيه ، ولا حجة ، ولا تساوي بها ، ولا تجاري فيها ،
فلما أعوز وجود الحق في عامتها وخاصتها بالدعوى بالمناظرة لم يبق للعلم
موضع يوجد فيه ، ولا للحق مذهب يصاب منه ، فقضينا انه لاعلم ، ولامعرفة ،
لان الشئ إذا كان ثابتا لامحالة ، فلا بد من الاحاطة في الاتفاق ، أو في
الاختلاف ، فلا يذكر ذاكر ، وهو غائب ، فقال : فلان غائب ، فأصابه ،
فلو قال هو أو غيره : فلان حاضر ، وليس بحاضر ، فخرج من الصدق ،
ثم خالفه مخالف ، فقال : بل هو غائب ، فكان أحدهما صادقا لامحالة ، لانه
لايعدو إذا كان الشئ ثابتا حقا أن يكون حاضرا أو غائبا ، فإذا لم يكن شيئا ،
فكلاهما كاذب فيما قال من أنه حاضر أو غائب ، لان الحاضر شئ ، والغائب
شئ ، فإن لم يكن شيئا ، فليس بحاضر ولا غائب .
ـ149ـ
واحتجوا بنحو هذا . . . . ( 1 ) آخر فقالوا : ان كانت الاشياء كلها تدرك
بالعلم والعلم بالعلم فإلى نهاية أو إلى لا نهاية ، فإن تناهى ، فإلى غير معلوم ،
وما لم يكن معلوما ، فهو مجهول ، فأنى تعلم الاشياء بمجهول ، فإن لم تتناه ،
ولم تكن لذلك غاية ، فلا احاطة به ، وما لم يحط به ، فمجهول أيضا ، فكان
الوجهان في هذا القياس مجهولين غير معلومين ، فأنى يعلم شئ مجهول دون
أن يعلم جميع الاشياء ، وذلك أبعد .
وشققوا في هذين النوعين ، وكثر سعيهم ، وعظمت مؤنتهم ، وقالت طائفة
تسمى الدهرية : لا دين ، ولا رب ، ولا رسول ، ولا كتاب ، ولا معاد ،
ولا جزاء بخير ، ولا بشر ، ولا ابتداء لشئ ، ولا انقضاء له ، ولا حدوث ،
ولا عطب ، وإنما حدوث ما سمي حدثا تركيبه بعد الافتراق ، وعطبه تفريقه
بعد الاجتماع ، وجميع الوجهين في الحقيقة حضور غائب ومغيب حاضر .
وإنما سميت الدهرية لزعمها ان الانسان لم يزل ، ولن يزول ، وان
الدهر دائر لا اول له ، ولا آخر ، واحتجوا فيما ادعوا بأن قالوا : إنما
يعرف في وجود الشئ وفقده حالان لا ثالث لهما : حال الشئ فيها موجود ،
فأنى يحدث ما قد كان ووجد ، وحال لاشئ فيها ، فأنى يكون الشئ في
حال لا تشبيه لها ، وذلك أبعد .
وكذلك القول في المدعي العطب فهو لايعرف غير حالين : حال الشئ
فيها قائم ، فمحال قول من ادعى العطب للشئ ، في حال كونه وقيامه ، وحال
لاشئ فيها ، فأنى يكون العطب الادنى ، وذلك محال ، فإن أقر مخالفونا
بصدقنا دخلوا في قولنا ونقضوا قولهم ، وإن أنكروا قولنا ادعوا حالا ثالثة
لاعدم فيها ولا وجود ، فذلك أقبح الثلاثة حالة .
وقالت فرقة منهم : ان أصل الاشياء في الازلية حبة كانت ، فانفلقت ،
فبدا منها العالم على ما ترى من اختلافه في ألوانه واحساسه ، وزعم بعضهم انه
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ150ـ
غير مختلف في معانيه ، وإنما تختلف معانيه من جهة إحساسه ، وأنكر بعضهم
ذلك ، وأثبتوا له اختلافا في معانيه وتحقيقه ، وقالت المنكرة لتحقيق الاختلاف :
الاشياء إنما تختلف باختلاف الاحساس لها ، وانه لاحقيقة لشئ منها
تبين بها دون غيرها .
وادعوا من الدلالات في ذلك ان أهل المرض الحادث من الصفراء مثل
أصحاب اليرقان ، إذا ذاق أحد منهم العسل وجده مرا ، وأهل السلامة من هذا
الداء يجدونه حلوا ، وإن الخفاش يغشيه ضوء النهار ، ويذكي بصره الليل ،
فإن كان النور يزيد الابصار نورا ، والظلمة مغشية لها ، وجب أن يكون نور
النهار الظلمة للخفاش وغيره ، تغشي بصره النار ، وقد يوجد ذلك في بعض
الناس وغيرهم من الحيوان والطير وغيره ، وإن الليل إذا كان مذكيا للابصار
على ما وصفنا ، فليلها نور ، كما ان النهار نور لمن خالفها ، والليل ظلمة لها ،
فإن قلتم : إن ذلك لآفة دخلت على هذه الاصناف ، قلنا لكم : عند من خالفهم أو
عند من وافقهم ؟ فإن قلتم : عند من خالفهم ، قلنا : بل الآفة دخلت على من
وافقهم ، فإن قلتم : عند من وافقهم ، قلنا : بل الآفة دخلت على من خالفهم
عندهم ، فلا فضل لاحد الصنفين على أحد .
وقالوا : ألا ترون الكاتب يكتب الكتاب عدلا مستقيما ، فيراه كذلك من
قبل وجهه ، فإن نظر إليه من خلفه رآه بخلاف ما كان يعرف ، وان ازور عنه
معوجا أو خالفه رآه مخالفا ، كما تكتب الالف في صورة تميز من جميع
الحروف ، فإذا استقبلتها رأيتها ألفا ، وإذا استدبرتها رأيتها كالباء ، وإذا
انحرفت عنها رأيتها كالنون ، أو كالباء ، وان الغائب عن موضعه حاضر
موضعا آخر .
وكذلك القول في الالوان والاصوات والطعوم والاعيان والملابس ، كما
ترى الشخص من قرب كبيرا ، وصغيرا من بعد ، كلما قرب الداني منه
ازداد كبرا ، وكلما بعد منه ازداد صغرا في عينه .
ـ151ـ
وكذلك الصوت يسمع من قريب قويا ومن بعيد خفيا .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 151 سطر 1 الى ص 160 سطر 25
وكذلك الصوت يسمع من قريب قويا ومن بعيد خفيا .
وكذلك الطعم تذوق الشئ قليلا ، فتجده قليل الحلاوة ، فإذا زدت منه
كان طعمه كثير الحلاوة .
وكذلك اللمس تحس الشئ قليلا ، فتجده فاترا ، وتلمسه شديدا ، فتجده
حارا ، وترى الصورة من قريب ثابتة مختلفة ، فيزداد الرائي لها بعدا ، فيرى
انها مستوية غير مختلفة .
وزعموا أن جميع الاشياء تدور على التكافؤ والتجاري ، وكادوا أن
يحلفوا بال سوفسطائية .
وقالت طائفة أخرى : إن الاشياء فروع لاصول أربعة لم تزل ولاتزول ،
فولدت وظهر العالم منها ، وهي : الافراد السواذج : الحر والبرد ، والرطوبة
واليبس ، تنبت بأنفسها لاباعتماد ، ولا إرادة ، ولا مشيئة .
وقالت طائفة أخرى : ان الاصول أربعة ، وهي أمهات ما في العالم ،
ومعها خامس لم يزل ولا يزول يدبرها ويؤلف بينها بارادة ، ومشيئة ، وحكمة ،
ويؤلف بين زوجاتها وتتولد نتائجها عنه ، لايمنع أضدادها من القرب بعضها
من بعض ، وهو العلم .
وقالت طائفة ، وهم أصحاب الجوهر ، وهم الارس طاطاليسية : ان
الاشياء شيئان : جوهر وعرض ، والجوهر ينقسم قسمين : حي ولا حي ، وحده :
القائم بنفسه ، وافتراقه في الخاصة لافي الحد ، والعرض تسعة فمنها : الكمية ،
وهو العدد ، وصورها أربع : الكيل ، والمساحة ، والوزن ، والقول .
ثم الكيفية ، وصورها ثمان : الكون ، والفساد ، والهيئة ، والحيلة ،
والقوة ، والضعف ، والآلف ، والمألوف .
ثم الاضافة ، وصورها أربع : طبيعي ، وصناعي ، واستحسان ، ومودة .
ثم متى ، وهي الواقعة على الوقت ، يعنى بالوقت الزمان ، وصور الزمان
ثلاث : الماضي ، والمستقبل ، والدائم .
ـ152ـ
ثم أنى ، وهي الواقعة على المكان وهو الست جهات يعني : أمام ، وخلف ،
وأعلى ، وأسفل ، ويمين ، ويسار .
ثم الجدة ، وهي الملك ، وصورة الملك قسمان : اما خارج ، واما داخل ،
فمعنى خارج مثل المملوك والدار والاثاث ونحوه ، ومعنى داخل مثل العلم
والحكمة .
ثم النصبة ، ومعنى النصبة هيئة الشئ كقول القائل : فلان قائم ، وفلان
قاعد ، وفلان ذاهب ، وفلان جاء .
ثم الفاعل وهو قسمان : إما أن يفعل بالاختيار ، وإما أن يفعل بالطبع ،
فالمختار مثل الحي ، الباقي ، الآكل ، الشارب ، والفاعل بالطبع كحركة العناصر
الاربعة مثل النار تسمو من الوسط إلى العلو تكرر ( 1 ) وان كان دون النار ، وكالارض .
من العلو إلى الوسط ، إلى مركزها الاخص بها ، والماء من العلو إلى دون الارض .
ثم المنفعل ، وهو القابل للتأثير الفاعل فيه حال طينته المحتملة لان يديرها
ويربعها في جميع الاشكال ، فهذه مقالات ا ليونانيين ومن تلاهم من الروم ،
ومذاهب متكلميهم وفلاسفتهم وحكمائهم وأهل النظر منهم .
* ( هامش ) * 1 ) قوله : تكرر هكذا في الاصل ( * ) .
ـ153ـ
ملوك الروم المتنصرة
وكان أول من ملك من ملوك الروم ، فخرج من مقالة اليونانية إلى النصرانية :
قسطنطين ، وكان سبب ذلك انه كان يحارب قوما ، فرأى في منامه كأن رماحا
نزل بها من السماء عليها صلبان ، فلما أصبح حمل على رماحه الصلبان ، ثم
حارب ، فظفر ، وكان ذلك سبب تنصره ، فقام بدين النصرانية ، وبنى
الكنائس ، وجمع الاساقفة من كل بلد لاقامة دين النصرانية ، فكان أول
اجتماع لهم واجتمع بنيقية ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا ، وأربعة بطارخة : بطرخ
الاسكندرية ، وبطرخ رومية ، وبطرخ أنطاكية ، وبطرخ ال قسطنطينية .
وكان سبب جمع قسطنطين هؤلاء انه لما تنصر ، وحلت النصرانية بقلبه ،
أراد أن يستقصى علمها ، فأحصى مقالات أهلها ، فوجد ثلاث عشرة مقالة ،
فمنها قول من قال إن المسيح وأمه كانا إلهين ، ومنها قول من قال انه من
الاب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار ، فلم ينقص الاولى انفصال الثانية ،
ومنها مقالة من قال بتألهه ، ومنها مقالة من قال بتعبيده ، ومنها مقالة من قال :
ان جسده كان خيالا مثل متى وأصحابه ، ومنها مقالة من قال : هو الكلمة ،
ومنها قول من قال : هو الابن ، ومنها مقالة من قال : هو روح قديمة ، ومنها
مقالة من قال : هو ابن يوسف ، ومنها مقالة من قال : هو نبي من الانبياء ،
ومنها مقالة من قال : هو لاهوتي وناسوتي ، فجمع قسطنطين ثلاثمائة وثمانية
عشر أسقفا وأربعة بطارخة ولم يكن في ذلك العصر غيرهم .
وكان بطرخ الاسكندرية يقول : ان المسيح مألوه مخلوق ، فلما اجتمعوا
ناظروه في ذلك ، فأجمع مقالة القوم جميعا ان قالوا : ان المسيح ولد من الاب
قبل كون الخلائق ، وهو من طبيعة الاب ، ولم يذكروا روح القدس ، ولا اثبتوه
ـ154ـ
خالقا ولا مخلوقا ، ولكن وافقوا على أن الاب الاله والابن إله منه ، وخرجوا
من نيقية ، وكان ملك قسطنطين خمسا وخمسين سنة .
ثم ملك يوليانوس سنة واحدة ، ثم ملك دسيوس سنة واحدة ، وفي أيامه
ظهر أصحاب الكهف بعد أن كانوا قد ماتوا بعد دهر طويل ، وكانوا عدة
نفر وراع ، ومعهم كلب الراعي ، وأسماؤهم : مكسلمينا ، ومراطوس ،
وشاه بولبوش ، وبطربوش ، ودواس ، وبوالس ، وكنيفرطو ، وبوطر ، ( 1 )
والراعي مليخا ، وهو صاحب الكلب ، واسم الكلب قطمير ، فخرجوا بعد
مائة سنة ، ويقال : ثلاثمائة سنة وتسع سنين ، وبعثوا بعضهم ومعه دراهم
يمتار لهم طعاما ، فأنكرت السوقة ضرب دراهمه ، ثم اتبعوه حتى صاروا إلى
المغارة ، فعمي أمرهم على القوم ، وبني على المغارة مسجد يصلى فيه .
ثم ملك وا لنطيانوس أربع سنين ، ثم ملك تيدوسوس الاكبر ، وكان في
عصره الاجتماع الثاني للنصرانية ، فاجتمع له بال قسطنطينية مائة وخمسون أسقفا
وثلاثة بطارخة ، ولم يحضرها بطرخ رومية ، فوضعوا صحيفة الامانة ، وأثبتوا
روح القدس ، وكانت صحيفة الامانة التي وضعوها : اومن بالله الواحد الاب ،
ملك كل شئ ، خالق السماوات والارض ، وما يرى وما لايرى ، وبالرب
المسيح ابن الله الذي ولد قبل الدهر ، نور من نور ، إله حق من إله حق ،
مولود ليس بمخلوق ، ومن سوس الاب ، به كان كل شئ ، من أجلنا البشر ،
ومن أجل خلاصنا ، نزل من السماء وتجسد بروح القدس ومن مريم العذراء ،
فصار بشرا ، وصلب من أجلنا على عهد بلاطس البنطي ، وأصيب ، وقبر ،
وقام لثلاثة أيام ، كما هو في الكتب ، وصعد إلى السماء ، وجلس عن يمين
الاب الذي ليس لملكه فناء ، وبروح القدس الرب الذي من الاب اشتق الذي
تكلم فيه الانبياء ، وبواحدة القدسية الكنيسة السليحية للحواريين ، اومن
* ( هامش ) * 1 ) ورد بعض هذه الاسماء بلا نقط في الاصل ( * ) .
ـ155ـ
بمعمودية واحدة ، بمغفرة الخطايا وقيام الاموات ، وحرموا من قال بعد هذا
شيئا ، وافترقوا من ال قسطنطينية ، وكان ملك تيدوسوس سبع عشرة سنة .
ثم ملك بعده ابن أخيه تيدوسوس الاصغر وا لنطيانوس ، وكان الجمع الثالث
للنصرانية ، فاجتمع بافسس ، وحضر مائتا أسقف ، وخالف نسطور على القوم
جميعا ، وقال : ان المسيح جوهران وكيانان ، إله تام بجوهره وكيانه ، فالاب
ولد الاله ، ولم يلد إنسانا ، والام ولدت إنسانا ، ولم تلد الاله ، فقال له قريلس :
إن كان الامر كما قلت ، فمن عبد المسيح ، فهو مسئ ، لانه قد يكون عبد
قديما ومحدثا ، ومن ترك عبادته ، فقد كفر ، لانه يكون قد ترك عبادة القديم
كما ترك عبادة المحدث ، ومن عبد الاله دون الانسان ، فلم يعبد المسيح ،
إذ كان لايستحق أن يقال مسيحا من إحدى جهتيه دون الاخرى ، فأوجب
ذلك على من حضر ، وخالفه بطرخ أنطاكية ، فقال نسطور : بطرخ أنطاكية
يقول بمثل قولي .
وهرب نسطور إلى أرض العراق ، فصارت النسطورية بالعراق ، وصيروا
رئيسهم ، مكان البطرخ ، جاثليق ، فافترقوا على هذا ، وكان ملك تيدوسوس
الاصغر سبعا وعشرين سنة .
ثم ملك مرقيانوس ، وكان في عهده الاجتماع الرابع ، وكان سبب ذلك
ان طرسيوس ، صاحب اليعقوبية ، قال : ان المسيح جوهر واحد وطبيعة
واحدة ، فأنكرته النصارى ، فاجتمع ستمائة وثلاثون أسقفا بال قسطنطينية ،
وناظروا طرسيوس ، فقالوا له : ان كان المسيح ، كما زعمت ، طبيعة واحدة ،
فالطبيعة القديمة هي الطبيعة المحدثة ، وإن كان القديم من المحدث ، فالذي لم
يزل هو الذي لم يكن ، فلم يرجع عن مقالته ، فحرموه ، فصار إلى أرض مصر
و الاسكندرية ، وكان طبيبا ، فأقام بها . وكان ملك مرقيانوس خمس سنين .
ثم ملك بعده اليون واليموس ( 1 ) سبع عشرة سنة ، ثم ملك زينون ثماني عشرة
* ( هامش ) * 1 ) بلا فقط في الاصل ( * ) .
ـ156ـ
سنة ، ثم ملك ا نسطاسيوس ، وكان الجمع الخامس للنصرانية في عصره ، وذلك
ان قوما من رؤساء النصارى قالوا : ان جسد المسيح كان خيالا على غير حقيقة ،
فاجتمعوا لذلك وقالوا : ان كان جسده خيالا ، فيجب أن يكون فعله خيالا
على غير حقيقة ، وهذا بقول ال سوفسطائية أشبه منه بقول النصارى ، ولعن
أولئك الذين قالوا هذا ، وبرئت النصارى منهم . وكان ملك ا نسطاسيوس سبعا
وعشرين سنة .
ثم ملك يوسطوس الثاني تسعا وعشرين سنة ، وفي عصره ولد محمد رسول
الله ، ثم ملك يوسطوس الثالث عشرين سنة ، ثم ملك طيبريوس أربع سنين ،
ثم ملك هرقل وقسطنطين ابنه ، وكان في أيامه الجمع السادس للنصرانية ، وذلك
ان قورس ا لاسكندراني زعم أن المسيح مشيئة واحدة وفعل واحد فقال : وهذا
شبيه بقول اليعقوبية ، فاجتمعوا لذلك ، ورضوا ببطرخ رومية ، وكتب كتابا
ولم يحضر ، ولم يكن للنصرانية جمع بعدها . وكان ملك هرقل وقسطنطين ابنه
اثنتين وثلاثين سنة .
ثم ملك ق سطنطينوس ثماني عشرة سنة ، ثم ملك بطرخ رومية ثلاث سنين ،
ثم ملك ؟ فلسعررنى أربع سنين ، ثم ملك اليون وقسطنطين ابنه تسعا وعشرين سنة .
وكانت شهور الروم التي يجرون عليها حسابهم و تأريخاتهم اثني عشر شهرا ،
أولها : كانون الآخر ، وهو الشهر الذي يسمونه بالرومية ينوارس ، وهو
رأس السنة عندهم . وهذه أسماء شهورهم : ينوارس ، وهو كانون الآخر ،
وبلياس ( 2 ) ، وهو شباط ، ونرلس وهو آذار ، وابرلس ، وهو نسيان ، ومايس ،
وهو أيار ، ويولس ، وهو حزيران ، وأغسطس ، وهو تموز ، وستنبرس ،
وهو آب ، واقطبرس ، وهو أيلول ، ونونبرس ، وهو تشرين الاول ، واكبرس
وهو تشرين الآخر ، ومورس ، وهو كانون الاول ( 3 ) .
* ( هامش ) * ( 1 و 2 ) بلا نقط في الاصل .
3 ) الاسماء الرومية مذكورة هنا بصورة مغايرة لما هو معروف اليوم ( * ) .
ـ157ـ
وكانت مملكتهم من حد الفرات إلى حد الاسكندرية ، مما صار في
أرض الاسلام ، سوى ما بأرض الروم ، مما هو في أيديهم إلى هذه الغاية .
وكانت أعظم مدائنهم : الرها من أرض الجزيرة ، وهي من ديار مضر ،
ثم أنطاكية ، وبها كرسي بطرس وكف يحيى بن زكرياء في كنيسة القسيان ،
وهي الكرسي الرابع ، والبطرك الكبير . فما كان في مملكة الروم ، وصار في
الاسلام : أرض الجزيرة من حران والرها وسائر كورها ، وبالس ، وسميساط ،
وملطية ، وأذنة ، وطرسوس ، وجند قنسرين ، والعواصم وسائر كورها ،
وجند حمص ، ومدينة حمص إحدى المدن المعدودة في مملكة الروم ، ثم
اللاذقية ، وهي من حمص أيضا ، وجند دمشق ، وكان عمال ملك الروم بها
آل جفنة من غسان ، وجند الاردن ، وكانت إليهم أيضا ، وعمالها من قبل
ملك الروم من آل جفنة الغسانيين ، وجند فلسطين بكوره ، وتنيس ، ودمياط ،
و الاسكندرية ، فهذه مملكة الروم الخالصة مما صارت في أرض الاسلام .
ثم لهم ما خلف الدرب إلى بلاد الصقالبة والالان والافرنج ، ومن المدن
التي في بلاد الروم المشهورة المعروفة مثل : رومية ، ونيقية ، و قسطنطينية ،
واماسية ، وخرشنة ، وقره ، وعمورية ، وصمله ، والقلمة ، وسلندوا ،
وهرقلة ، وصقلية ، وقلطينه ( 1 ) ، وانطاكية المحترقة ، ودهبرناطه ، وملوية ،
وسلوقية ، وامريه ( 2 ) ، وقونية ، وجيوس ( 3 ) ، وبلوس ، وبراوعس 4 ، وسلنيقة .
* ( هامش ) * ( 1 و 2 و 3 و 4 ) بلا نقط في الاصل ( * ) .
ـ158ـ
ملوك فارس
فارس تدعي لملوكها أمورا كثيرة ، مما لايقبل مثلها ، من الزيادة في
الخلقة ، حتى يكون للواحد عدة أفواه وعيون ، ويكون للآخر وجه من نحاس ،
ويكون على كتفي آخر حيتان تطعمان أدمغة الرجال ، وطول المدة في العمر ،
ودفع الموت عن الناس ، وأشباه ذلك مما تدفعه العقول ويجرى فيه مجرى اللعبات
والهزل ، ومما لاحقيقة له . ولم يزل أهل العقول والمعرفة من العجم ، ومن له
شرف ، والبيت الرفيع من أبناء ملوكهم ودهاقينهم ، وذوي الرواية والادب ،
لايحققون هذا ، ولايصححونه ، ولايقولونه .
ووجدناهم إنما يحسبون ملك فارس من لدن اردشير بابكان ، فمن كان
عندهم من أول ملوكهم والمملكة الاولى قبل اردشير : شيومرث سبعين سنة ،
اوشهنج فيشداد أربعين سنة ، طهمورث ثلاثين سنة ، جم شاد سبعمائة سنة ،
الضحاك ألف سنة ، افريدون خمسمائة سنة ، منوجهر مائة وعشرين سنة ،
افراسياب ، ملك الترك ، مائة وعشرين سنة ، زوطهماسب خمس سنين ،
كيقباذ مائة سنة ، كي كاووس مائة وعشرين سنة ، كي خسرو ستين سنة ،
كي لهراسب مائة وعشرين سنة ، كي بشتاسب مائة واثنتي عشرة سنة ، كي
اردشير مائة واثنتي عشرة سنة ، خماني بنت جهرزاد ثلاثين سنة ، دارا بن
جهرزاد اثنتي عشرة سنة ، ثم قتله الاسكندر الذي يقال له ذو القرنين ،
فافترق ملك فارس ، وملك ملوك يسمون ملوك الطوائف ، وهؤلاء كان
ملكهم ببلخ .
ويزعم النسابون انهم من ولد عامورا بن يافث بن نوح ، وكانوا على دين
الصابئين ، يعظمون الشمس والقمر والنار والنجوم السبعة ، ولم يكونوا مجوسا ،
ـ159ـ
ولكنهم كانوا على شرائع الصابئين ، وكان كلامهم السرياني ، به يتكلمون ،
وبه يكتبون ، وهذا رسم خط السرياني ( 1 ) ، ولهم أخبار قد أثبتت رأينا أكثر الناس
ينكرونها وي ستبشعونها ، فتركناها ، لان مذهبنا حذف كل مستبشع .
المملكة الثانية من اردشير بابكان
وملك اردشير ، وهو أول ملوك الفرس المتمجسة ، وكان ملكه باصطخر ،
وامتنع عليه بعض كور فارس ، فحاربهم حتى فتحها ، ثم صار إلى أصبهان ،
ثم صار إلى الاهواز ، ثم إلى ميسان ، ثم رجع إلى فارس ، فحارب ملكا
يقال له اردوان ، فقتله ، وسمي اردشير شاهنشاه ، وبنى بيت نار بأردشير
خره ، ثم صار إلى الجزيرة وأرمينية واذربيجان ، ثم صار إلى سواد العراق ،
فسكنه ، وصار إلى خراسان ، فافتتح كورا منها ، ولما دوخ البلاد عقد لابنه
سابور الملك بعده ، وتوجه ، وسماه الملك . وتوفي اردشير ، وكان ملكه أربع
عشرة سنة .
وملك سابور بن أردشير ، فغزا بلاد الروم ، وفتح منها عدة بلدان ،
وأسر خلقا من الروم ، فبنى مدينة جنديسابور ، وأسكنها سبي الروم ، وهندس
له رئيس الروم القنطرة التي على نهر تستر ، وعرضه أل ذراع .
وفي أيام سابور بن أردشير ظهر ماني بن حماد الزنديق ، فدعا سابور
إلى الثنوية ، وعاب مذهبه ، فمال سابور إليه ، وقال ماني : ان مدبر العالم
اثنان ، وهما شيئان قديمان : نور وظلمة ، خالقان ، فخالق خير ، وخالق شر ،
فالظلمة والنور كل واحد منهما في نفسه اسم لخمسة معان : اللون ، والطعم ،
* ( هامش ) * 1 ) لم يثبت هذا الرسم في الاصل ( * ) .
ـ160ـ
والرائحة ، والمجسة ، والصوت ، وانهما سميعان بصيران عالمان ، وانه ما
كان من خير ومنفعة ، فهو من قبل النور ، وما كان من ضرر وبلاء ، فهو
من قبل الظلمة ، وانهما كانا غير ممتزجين ، ثم امتزجا ، والدليل على ذلك
انه لم تكن صورة ثم حدثت ، وان الظلمة هي بدأت للنور بالممازجة ، وانهما
كانا متماسين على مثال الظل والشمس ، والدليل على ذلك استحالة كون شئ
لامن شئ ، الدليل على أن الظلمة بدأت للنور بالممازجة ، انه لما كانت مخالطة
الظلام للنور مفسدة له كان محالا أن يكون النور بدأها لان النور من شأنه الخير .
والدليل على أنهما اثنان قديمان خير وشر انه لما وجدت المادة الواحدة لايكون
منها فعلان مختلفان مثل النار الحارة المحرقة لايكون منها التبريد ، والذي يكون
منه التبريد لايكون منه التسخين ، فذلك الذي يكون منه الخير لايكون منه
الشر ، والذي يكون منه الشر لايكون منه الخير .
والدليل على أنهما حيان فاعلان ان الخير تثبت له فعلا ، والشر تثبت
له فعلا .
فأجابه سابور إلى هذه المقالة ، وأخذ بها أهل مملكته ، فعظم ذلك عليهم ،
فاجتمع حكماء أهل مملكته ليصدوه عن ذلك ، فلم يفعل .
ووضع ماني كتبا يثبت بها الاثنين ، ومما وضع كتابه الذي يسميه كنز
الاحياء يصف ما في النفس من الخلاص النوري والفساد الظلمي ، وينسب الافعال
الردية إلى الظلمة .
وكتاب يسميه الشابرقان يصف فيه النفس الخالصة والمختلطة بالشياطين ،
والعلل ، ويجعل الفلك مسطوحا ، ويقول : ان العلم على جبل مائل يدور عليه
الفلك العلوي .
وكتاب يسميه كتاب الهدى والتدبير ، واثنا عشر انجيلا يسمي كل
انجيل منها بحرف من الحروف ، ويذكر الصلاة وما ينبغي أن يستعمل لخلاص
الروح .
ـ161ـ
وكتاب سفر الاسرار الذي يطعن فيه على آيات الانبياء .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 161 سطر 1 الى ص 170 سطر 25
وكتاب سفر الاسرار الذي يطعن فيه على آيات الانبياء .
وكتاب سفر الجبابرة ، وله كتب كثيرة ورسائل .
فأقام سابور على هذه المقالة بضع عشرة سنة ، ثم أتاه الموبذ ، فقال : ان
هذا قد أفسد عليك دينك ، فاجمع بيني وبينه لاناظره ! فجمع بينهما ، فظهر
عليه الموبذ بالحجة ، فرجع سابور عن الثنوية إلى المجوسية ، وهم بقتل ماني ،
فهرب ، فأتى إلى بلاد الهند ، فأقام بها حتى مات سابور .
ثم ملك بعد سابور هرمز بن سابور ، وكان رجلا شجاعا ، وهو الذي
بنى مدينة رامهرمز ، ولم تطل أيامه ، وكان ملكه سنة واحدة .
ثم ملك بهرام بن هرمز وكان مشغوفا بالعبيد والملاهي ، وكتب تلاميذ ماني
إليه : ان قد ملك ملك حديث السن ، كثير التشاغل ، فقدم إلى أرض فارس ،
واشتهر أمره ، وظهر موضعه ، فأحضره بهرام ، فسأله عن أمره ، فذكر له
حاله ، فجمع بينه وبين الموبذ ، فناظره ، ثم قال له الموبذ : يذاب لي ولك
رصاص يصب على معدتي ومعدتك ، فأينا لم يضره ذلك ، فهو على الحق .
فقال : هذا فعل الظلمة ! فأمر به بهرام فحبس ، وقال له : إذا أصبحت دعوت
بك ، فقتلتك قتلة ما قتل بها أحد قبلك ، فلم يزل ماني ليله يسلح حتى خرجت
نفسه ، وأصبح بهرام ، فدعا به ، فوجدوه قد مات ، فأمر بجز رأسه ، وحشا
جسده بالتبن ، وتتبع أصحابه ، فقتل منهم خلقا عظيما . وكان ملك بهرام بن
هرمز ثلاث سنين .
ثم ملك بهرام بن بهرام ، وكان ملكه سبع عشرة سنة ، ثم ملك بعده ابنه
بهرام بن بهرام بن بهرام ، فكان ملكه أربع سنين ، ثم ملك أخوه نرسي بن بهرام
تسع سنين .
ثم ملك هرمز بن نرسي تسع سنين ، وولد له ابن سماه سابور ، وعقد
له الملك ، ومات هرمز وسابور صبي في المهد ، فأقام أهل مملكته متلومين عليه ،
حتى ترعرع وشب ، ثم ظهر منه عتو وجبرية ، فغزا بلاد العرب ، وغور
ـ162ـ
عليهم المياه ، وغزاه ملك الروم ، وهو إليانوس ، فأعانته العرب من جميع
القبائل ، ثم تسرعت قبائل العرب إلى سابور ، فاوقعت به في دار ملكه ، حتى
هرب ، وخلا ملكه فانتهبت مدينته وخزائنه ، ثم جاء سهم غرب فقتل
إليانوس ملك الروم ، فملكت الروم ي وبنيانوس ، فصالح سابور .
وأقام سابور على معاداة العرب لايظفر بأحد منهم إلا خلع كتفه ، فلذلك
سمي سابور ذا الاكتاف . وكان ملكه اثنتين وسبعين سنة .
ثم ملك أردشير بن هرمز أخو سابور ، فساءت سيرته ، وقتل الاشراف
والعظماء منهم ، فخلع بعد أن ملك أربع سنين .
وملكت الفرس سابور بن سابور ، فخضع له أردشير المخلوع ومنحه
الطاعة ، وسقط على سابور فسطاط فقتله ، وكان ملكه خمس سنين .
وملك بعد سابور بهرام بن سابور ، وكتب إلى الآفاق يعدهم العدل ،
والنصفة ، والاحسان ، وأقام على ملكه إحدى عشرة سنة ، ثم ثار عليه قوم
فقتلوه .
ثم ملك يزدجرد بن سابور ، وكان فظا ، غليظا ، مستطيلا ، سئ
السيرة ، قليل الخير ، كثير الشر ، فسامهم سوء العذاب ، ثم رمحه فرس ،
فقتله . وكان ملكه إحدى وعشرين سنة .
ثم ملك بهرام جور بن يزدجرد ، وكان قد نشأ بأرض العرب ، وكان أبوه
قد دفعه إلى النعمان ، فأرضعته نساء العرب ، ونشأ على أخلاق جميلة .
وقد كان لما مات يزدجرد كرهت الفرس ان تولي ابنا له لسوء مذهبه ،
وقالوا : بهرام ابنه قد نشأ بأرض العرب ، لا علم له بالملك ! وأجمعوا على أن
يملكوا رجلا غيره ، فسار بهرام في العرب ، فلما لقي الفرس هابته ، فأخذوا
تاج الملك والزينة التي تلبسها الملوك ، فوضعوهما بين أسدين ، وقالوا لبهرام
ولكسرى : أيكما أخذ التاج والزينة من بين هذين الاسدين ، فهو الملك .
فقالوا لبهرام ، فأخذ جرزا ، وتقدم ، فضرب الاسدين حتى قتلهما ، وأخذ
ـ163ـ
التاج والزينة ، فأذعنوا له ، وأعطوه الطاعة ، فوعدهم من نفسه خيرا ، وكتب
إلى الآفاق يعدهم بذلك ، ويعلمهم ما هو عليه من العدل ، وتوخى عمارة
البلاد ، وقدم المنذر بن النعمان عليه ، فرفع منزلته .
وكان بهرام رجلا مؤثرا للهو ، متشاغلا عن الرعية ، ثم صار لطلب
الصيد واللهو ، واستخلف أخاه نرسي على المملكة ، فلما بلغ خاقان ملك الترك
حال بهرام طمع فيه ، فأراد أن يسير نحوه ، فبلغ بهرام ذلك ، فسار إليه حتى
قتله ، وكتب إلى عيته بالفتح ، ثم خرج يوما يتصيد ، فأمعن في طلب عير ،
ثم طرحه فرسه في موضع حمأة ، فمات ، فكان ملكه تسع عشرة سنة .
ثم ملك يزدجرد بن بهرام ، وكان ملكه سبع عشرة سنة ، وكان ليزدجرد
هذا ابنان يقال لاحدهما هرمز والآخر فيروز ، فغلب هرمز على الملك بعد
أبيه ، فهرب فيروز ، ولحق ببلاد الهياطلة ، وأخبر ملكها بقصته ، وبمذاهب
أخيه وجوره ، فأمده بجيش ، فأقبل بهم ، وقاتل أخاه فقتله ، وشتت جمعه .
وملك فيروز ، فنال الناس في أيامه جدب وقحط ، ومجاعة شديدة ،
وغاضت الانهار والعيون ، فلم يزل على تلك حالهم ثلاث سنين ، ثم خصبت البلاد .
وسار فيروز إلى بلاد الترك ليحارب ملكها ، وقد كان الصلح وقع بين
الفرس والترك ، فلما قرب من البلاد أرسل إليه ملك الترك يسأله الرجوع ،
ويعظم عليه ترك الوفاء ، فلم يقبل ، فحفر له خندقا عميقا ، ثم عماه ، فلما
قرب منه عبأ عسكره واقتحمه ، فسقط وجميع جنده في ذلك الخندق ، فمات ،
وحوى ملك الترك أمواله ، وأخذ أختا له . وكان ملكه سبعا وعشرين سنة .
فلما بلغ الفرس مقتل فيروز اعظموه ، فسار رئيس من رؤسائهم يقال له
سوخرا في جمع وعدة ، حتى لقي ملك الترك ، فحاربه ، ونال منه ، فدعاه
ملك الترك إلى الصلح على أن يدفع إليه كل ما حواه من خزائن فيروز ، ويرد
أخته ، ومن في يده من أصحابه ، ففعل ذلك ، وانصرف عنه .
وملك بلاش بن فيروز ، وكانت مدته أربع سنين ، ثم ملك أخوه قباذ
ـ164ـ
ابن فيروز ، وكان صغير السن ، فترك لسوخرا تدبير المملكة ، فلما بلغ
وصار في حد الرجال لم يرض بتدبير سوخرا ، فقتله ، وقدم مهران ، ثم
ان الفرس أزالت قباذ عن ملكه ، وحبسته ، وملكت أخاه جامسب بن فيروز ،
فأقام قباذ في الحبس ، وأخوه الملك .
ثم ان أختا لقباذ دخلت الحبس ، فتعرض لها صاحب الحبس ، وأطمعته
في نفسها ، وقالت انها طامث ، ثم دخلت ، فأقامت عند قباذ يوما ، ثم
لفته في بساط ، وأخرجته على عنق غلام جلد ، فهرب قباذ يريد ملك الهياطلة ،
فلما صار بأبرشهر نزل برجل ، فأقام عنده ، ثم سأله أن يطلب له امرأة ،
فأتاه بجارية ، فوقع عليها ، وأعجبه حسنها وجمالها ، ثم مضى إلى ملك الهياطلة ،
فأقام عنده سنة ، ثم بعث معه جيشا ، فلما رجع بأبرشهر قال للرجل الذي نزل
عنده : ما فعلت تلك الجارية ؟ فأتي بها ، وقد ولدت صبيا كأحسن ما يكون
من الصبيان ، فسماه كسرى أنوشروان .
وزحف قباذ إلى بلاده ، فغلب على الملك ، وقوي أمره ، واشتدت شوكته ،
وغزا بلاد الروم ، وكور الكور والطساسيج ، وعقد لابنه أنوشروان الملك ،
ودعاه ، فأوصاه بأحسن الوصية وعرفه كل مايحتاج إليه . وكان ملك قباذ
ثلاثا وأربعين سنة .
ثم ملك أنوشروان بن قباذ ، فكتب إلى أهل مملكته يذكر لهم وفاة قباذ ،
ويعدهم من نفسه خيرا ، ويأمرهم بما لهم فيه الحظ ، ويوعز إليهم في الطاعة
والمناصحة ، وعفا عن قوم كانوا يتحملون عليه ، وقتل مزدق الذي كان أمر
الناس بأن يتساووا في الاموال والحرم ، وقتل زراذشت بن خركان لما ابتدع
في المجوسية ، وقتل أصحابهما ، وقدم أهل المملكة والشرف ، وغزا بلدانا
عدة مما لم يكن في مملكة الفرس ، فضمها إلى ملكه .
وجرى بينه وبين يخطيانوس ملك الروم . . . . ( 1 ) ، فغزا أنوشروان بلاد
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ165ـ
الروم ، فقتل وسبى ، وغلب على مدن كثيرة من الجزيرة والشأم منها : الرها ،
ومنبج ، وقنسرين ، والعواصم ، وحلب ، وأنطاكية ، وافامية ، وحمص
وغيرها ، وأعجبته أنطاكية ، فبنى مدينة مثلها لم يخرم منها شيئا ، ثم جاء
بسبي أنطاكية ، فأرسلهم فيها ، فلم ينكروا شيئا .
ومسح أنوشروان البلاد ، ووضع عليها الخراج ، والزم كل جريب من
الغلات بقدر احتماله ، فلم تزل السنة جارية على ذلك ، والبلاد عامرة .
ورتب لديوان المقاتلة رجلا رضي حزمه وعزمه ، وأخذ مقاتلته مما يحتاج
إليه من السلاح ، وجعل ديوان العطاء ، ودفاتر الاسماء والحلى ، وسمات
الدواب ، وديوان العرض على مثل ذلك .
وكان أنوشروان نبيلا ، كريما ، ظاهر العدل ، لايسأله إنسان شيئا إلا
أجابه ، فسار إليه سيف بن ذي يزن ، فأعلمه أن الحبشة قدمت بلاد
اليمن ، وغلبت عليها ، وانه صار إلى هرقل ملك الروم ، فلم يجد عنده ما يحب ،
فبعث معه بأهل السجون في البحر ، وقود عليهم رجلا من مشيخة قواده شجاعا
مجربا يقال له وهرز ، فصار إلى بلاد اليمن ، حتى قتل الحبشة ، وأفناهم ،
ورمى ملكهم ابرهة فقتله ، وأقام في البلد وملك سيف بن ذي يزن .
وعقد أنوشروان لابنه هرمز الملك من بعده ، وكانت أم هرمز بنت خاقان
ملك الترك ، وكتب له في ذلك كتابا بالعهد ، وأمره فيه بما يأمر به مثله ، وأوصاه
أحسن الوصايا ، وامتحنه ، فوجده بحيث يحب ، وأجابه على كل ما قال له
بجواب سديد ، وتنكر ( 1 ) ، ولا يأتيه إلا بقول حسن لطيف ، وهلك أنوشروان ،
وكان ملكه ثمانيا وأربعين سنة .
ثم ملك هرمز بن أنوشروان ، فقرأ على الناس كتابا عاما يعد فيه بالعدل
والانصاف ، والعفو والاحسان ، ويأمرهم بما فيه الصالح ، ونال ظفرا وعزا ،
ففتح عدة مدائن ، ثم اجترأ أعاديه عليه ، وغزوا بلاده ، وكان أغلظ الاعداء
* ( هامش ) * 1 ) قوله : وتنكر هكذا في الاصل ( * ) .
ـ166ـ
عليه شابه ملك الترك ، فإنه زحف في خلق عظيم حتى دخل بلاد خراسان ،
وكاد أن يحتوي عليها .
وأقبل ملك الخزر في جموع حتى نزل اذربيجان ، فعظم ذلك عليه ،
وخاف ألا يكون له طاقة بصاحب الترك ، فأتاه رجل من قواده يقال له بهزاد ،
فأعلمه أن عنده رجلا يقال له مهران ستاد عالما . . . . ( 1 ) ، وان خاتون
امرأته سألت عما قبلهم ، فأخبرها أن ابنتها تلد من ملك الفرس ابنا يلي الملك
بعد أبيه ، وانه يزحف إليه ملك الترك في خلق عظيم ، فيوجه إليه بإنسان ليس
بالنبيه يقال له : بهرام شوبين ، في شرذمة من الجند ، ويقتل ذلك الملك ،
ويصطلم ملكه .
فلما سمع هرمز ذلك سره ، ثم طلب بهرام شوبين ، فقيل له : ما نعرف
هذا إلا رجلا من أهل الري هو باذربيجان ! فوجه إليه ، فأقدمه ، ثم وجهه
إلى شابه ملك الترك في اثني عشر ألف مقاتل ، فقال موبذان موبذ لهرمز :
ما أخلقه أن ينال ظفرا ، غير أن في قرنة حاجبه دليلا على ثلمة يثلمها في ملكك .
وقال له زاجر ، كان له ، مثل ذلك ، فكتب هرمز إلى بهرام أن يرجع ، فلم
يرجع ، ووافاه بهرام بهراة ، وشابه مغتر ، وكان عند شابه رجل وجه به هرمز
ليخدعه يقال له هرمز جرابزين ، حتى فر منه ، ثم ارتحل عنه ، فأرسل شابه من
عرف خبر بهرام ، فانصرف إليه ، فأعلمه حاله ، فأرسل إليه شابه في الرجوع ،
فأجابه بهرام بجواب غليظ شديد ، ثم لقيه وقد عبأ جنده ، وقد كان مع
شابه قوم عرافون وسحرة ، وكانوا يلبسون على أصحاب بهرام ، ثم التحمت
الحرب ، فاستحر القتل في أصحاب شابه ، حتى قتل منهم خلق عظيم ، فولوا
منهزمين ، وقتل بهرام منهم مقتلة عظيمة ، ولحق شابه ، فرماه بحربة طويلة ،
فقتله ، وأخذ ساحرا كان مع صاحب الترك ، فأراد بهرام أن يستبقيه ، فيكون
عدة له في حروبه ، ثم رأى أن قتله أصلح ، فكتب بالفتح إلى هرمز ، فسر به ،
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل . ( * )
ـ167ـ
وكتب به إلى الآفاق .
ثم خرج برموذه بن شابه ، فلقي بهرام ، فحاربه وبيته ، وكانت بينهما
حرب شديدة ، ثم بيته بهرام ، فهزمه ، ولحقه ، فحصره في حصن ، فطلب
برموذه بن شابه الامان على أن يكون ذلك من هرمز الملك ، فكتب بهرام إلى
هرمز ، فأجابه ، وكتب له كتاب أمان ، وكتب إلى بهرام أن يسرحه إليه ،
فخرج برموذه بن شابه من الحصن ، وكان هرمز قد وجه ناسا إلى بهرام شوبين ،
فصار برموذه إلى هرمز ، فأكرمه هرمز ، وبره ، وأجلسه معه على السرير ،
وأخبره برموذه بما صار إلى بهرام من الاموال العظام والكنوز ، وانه قد كتم
ذلك عن أمنائه ، وأخبر أمناؤه بمثل ذلك ، وان الذي بعث به قليل من كثير ،
فكتب هرمز إلى بهرام يأمره أن يحمل إليه ما في يده من الاموال ، فغلظ ذلك
على بهرام ، وأخبره به جنده ، فذكروا هرمز أقبح ذكر ، وخلعه هو وجميع
جنده . فلما بلغ ذلك هرمز اغتم له ، وكتب إلى بهرام يعتذر إليه وإلى جنده
من مثل ذلك ، فلم يقبل بهرام ولاجنده قول هرمز ، وبعث بهرام إلى هرمز
بسفط فيه سكاكين معوجة الرؤوس ، فلما رآها هرمز علم انه قد عصى ،
فقطع أطراف السكاكين ، وردها إليه ، فعلم بهرام ما أراد ، فأرسل إلى خاقان
ملك الترك يطلب صلحه على أن يرد عليه كل أرض حازها من بلاده .
وسار بهرام حتى صار إلى الري ، ثم دبر أن يوقع بين هرمز وبين ابنه
كسرى أبرويز شرا ، وكان هرمز متهما لابنه ، وكان قد بلغه أن قوما قد
حملوه على أن يثب بأبيه ، فضرب دراهم كثيرة ، وصير عليها اسم كسرى
ابرويز ، وبعث بها إلى مدينة هرمز ، فكثرت في أيدي الناس ، ولما بلغ هرمز
خبرها اشتد غمه ، فأراد أن يحبس ابنه كسرى ابرويز ، فلما بلغ ابرويز
الخبر هرب إلى اذربيجان ، فاجتمع إليه من بها من مرازبتها ورؤسائها ، وعاقدوه ،
وبايعوه .
ووجه هرمز إلى بهرام بجيش مع رجل يقال له آذينجشنس ، فلما صار
ـ168ـ
في بعض الطريق قتله رجل حواري كان آذينجشنس أخرجه من الحبس ، وضمه
إلى نفسه ، وافترق أصحابه ، فلما قتل آذينجشنس ضعف أمر هرمز ، واجترأ
عليه جنده ، وكانوا متغضبين له كارهين لولايته ، فكتبوا إلى ابنه ابرويز ،
فقدم بجيش من اذربيجان ، فخلعوا هرمز ، وملكوا ابرويز ، وأخذ هرمز
فحبس ، وسملت عيناه ، فأقام في الحبس أياما ، ثم دخل إليه ابنه ، فكلمه
فقال له هرمز : اقتل من صنع بي هذا . وكان قد احتوى على تدبير الملك
بندي وبسطام خالا ابرويز ، وكان ملك هرمز اثنتي عشرة سنة .
فلما استقام أمر أبرويز ، وبلغه مسير بهرام شوبين إليه ، خرج في جيشه ،
ومعه بندي وبسطام ، حتى وقف على بهرام بالنهروان ، وكلمه وعظم عليه
الامر ، فأجابه بهرام بجواب غليظ شديد ، وكان كردويه أخو بهرام مع كسرى
ابرويز ، وألحقه بهرام ، وانكشف عن كسرى جنده ، وأسلمه أصحابه ،
فمر هاربا ، فلما كان في بعض الطريق ، رجع بندي وبسطام خالاه ، فقتلا
هرمز أباه ، ولحقاه في بعض الطريق ، واستمر به الهرب حتى ساءت حالته ،
واشتد بؤسه وجزعه ، فطلب طعاما فلم يجد إلا خبز شعير .
ولحقته خيل بهرام ، فاحتال له خاله بندي حتى نجاه ، فمضى حتى صار
إلى الرها ، فأخذ بندي ، فأتي به بهرام ، فحبسه ، ثم أفلت من الحبس ،
فصار إلى اذربيجان ، وصار كسرى إلى الرها يريد مورق ملك الروم ، فحبسه
صاحب الرها ، وكتب إلى مورق ملك الروم يخبره انه أتاه لينصره ، فاستشار
ملك الروم أصحابه في أمره ، فأشار بعضهم بأن لايجاب ، وأشار بعضهم بأن
يجاب ، فأجابه ملك الروم ، وزوجه ابنته ، ووجه معه بجيش عظيم ، وشرط
عليه الشروط ، إذا تم له نصره ، ووجه إليه كسرى بثلاثة نفر من أصحابه ،
فشرط عليهم كل ما أراد ، ووجه بابنته وبالجيش وعليهم أخ له يقال له
ثيادوس ، ومعه رجل يجري مجرى ألف رجل ، فسار كسرى بجيشه ، بعد
ابتنائه بابنة ملك الروم ، إلى ناحية اذربيجان ، وكان بندي خاله قد صار إليها ،
ـ169ـ
فلما علم بمكانه لقيه في جيش عظيم .
ولما علم بهرام شوبين بما اجتمع لكسرى كتب إلى وجوه أصحابه يخبرهم
بسوء مذهب آل ساسان ، ويصف سيرة ملك ملك ، ويدعوهم إلى نفسه ،
ووقعت الكتب في يد كسرى قبل أن تصل إلى القوم ، فكتب إليه بأغلظ الجواب
عن القوم ، ورد إليه الرسول ، فزحف إليهم بهرام حتى صار إلى اذربيجان ،
فحاربه محاربة شديدة ، وأخذت الحرب من الفريقين ، وخرج الرومي الذي
كان يجري مجرى ألف رجل ، فقال لكسرى : أين عبدك هذا الذي غصبك
ملكك ، حتى اقتله ؟ فقال : هو صاحب الابلق ، فحمل عليه وتراجع بهرام
إلى ورائه ، ثم تراجع عليه ، فضربه بسيفه فقده نصفين ، فضحك كسرى ،
وقال : زه ، فغضب أخو ملك الروم ، وقال : سررت ان قتل رجلنا وصاحبنا ؟
فقال : لا ولكن صاحبكم قال لي : أين العبد الذي غصبك وغلبك ملكك ،
فأردت أن تعلم أن العبد يضرب في كل يوم عدة ضربات كلا مثل هذه .
واشتدت الحرب حتى انهزم كسرى ، وصعد في جبل ، فكاد يهلك ،
ثم تاب جند كسرى ، وانهزم بهرام شوبين ، فمضى منصرفا لايلوي على شئ ،
متوجها إلى ملك الترك .
واستقام الامر لكسرى ابرويز ، فكتب إلى صاحب الروم بذلك ، واهدى
له ملك الروم ثوبين فيهما الصلب ، فلبسهما ، فقال الفرس : قد تنصر ،
ثم كتب في النصارى أن يكرموا ، ويقدموا ، ويبرزوا ، ويخبر بما قد جرى
بينه وبين الرومي من العصمة ، واللحمة ، والموادعة ، وانه لم يقل هذا ملك
من الملوك قبله .
ووثب بندي خال كسرى بثيادوس أخي ملك الروم ، فصمه ، فوقع
الشر ، وقال أخو ملك الروم : إما أن تدفع إلي بندي ، وإما أن يعود الشر ،
فسكنه كسرى .
وورد بهرام شوبين بلاد الترك ، فأكرمه خاقان وبره ، وكان لخاقان أخ
ـ170ـ
يقال له بقارس ( 1 ) يداريه خاقان ، فرآه بهرام ، فقال لخاقان : كيف اجترأ
هذا عليك هذه الجرأة ؟ فسمع أخو خاقان الكلام ، فتوعده ، فقال بهرام :
متى شئت فابرز ، فدفع خاقان ملك الترك إلى أخيه نشابة وإلى بهرام نشابة ،
ثم أخرجهما إلى الصحراء ، فرمى أخو خاقان بهرام ، فأصابه ، فشك سلاحه ،
ورماه بهرام ، فقلته ، فسر خاقان بقتل أخيه لمعاندته له ، ولما كان يخافه منه .
وكان كسرى يرهب مكان بهرام شوبين مع خاقان ، ولا يأمن أن يجري
عليه شرا ، فوجه برجل من وجوه الفرس يقال له بهرام جرابزين ، وكان
كبيرا في الفرس ، ووجه معه إلى خاقان بهدايا ويسأله أن يبعث إليه بهرام شوبين ،
وأمر جرابزين أن يتلطف في أمره ، فقدم على خاقان بالهدايا ، وذكر له أمر
بهرام ، فلم يجد عنده الذي يحب ، فتلطف بخاتون امرأة خاقان ، وأهدى لها
جوهرا ومتاعا ، وسألها في أمر بهرام ، فوجهت برجل من أصحابها له إقدام
وجرأة قلب ، وقالت له : ادخل إلى بهرام شوبين فاقتله ! فانطلق حتى
استأذن عليه ، وكان نوم بهرام ، فلم يأذن له ، فقال : ان الملك خاقان وجهني
في أمر مهم ، فأذن له ، فلما دخل عليه قال : إن الملك حملني رسالة أخبرك
بها سرا من غير حضور أحد . فقام من مجلسه ، ودنا منه كأنه يساره ، ووجأه
بخنجر معه تحت إبطه ، وخرج التركي مسرعا ، فركب دابته .
ودخل أصحاب بهرام ، فرأوه بتلك الحال ، فقالوا : أيها الليث الضرغام !
من أقصدك ؟ وأيها الجبل المنيف ! من هدك ؟ فقص عليهم القصة ، وكتب
إلى خاقان يعلمه انه لاوفاء له ، ولاشكر ، ومات بهرام ، فحمل إلى الناووس ،
ولما علم جرابزين بموته ارتحل إلى كسرى ، فأخبره ، فسر به ، وأظهره في
مملكته ، وكتب به إلى آفاقه .
ولما مات بهرام بعث ملك الترك إلى كردية امرأة بهرام وأصحابه يخبرهم
بغمه ، وانه قد قتل كل من شرك في قتله ، ووجه بأخيه نطرا إليهم ، وكتب
* ( هامش ) * 1 ) بلا نقط في الاصل ( * ) .
ـ171ـ
إلى كردية امرأة بهرام شوبين انه يرغب فيها ، ويأمرها أن تتزوج نطرا ،
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 171 سطر 1 الى ص 180 سطر 22
إلى كردية امرأة بهرام شوبين انه يرغب فيها ، ويأمرها أن تتزوج نطرا ،
فحملت كردية امرأة بهرام جند أخيها ، وارتحلت بأصحابها ومن معها تريد
بلاد الفرس ، فلحقها نطرا أخو خاقان ، فبرزت إليه في السلاح ، وقالت :
لا أتزوج إلا منكان في الشجاعة والقوة مثل بهرام ، فابرز إلي ! فبرز إليها
أخو خاقان ، فقتلته ، ومضت لوجهها .
وكان كسرى قد غضب على خاله بندي ، فسمل عينيه ، وقطع يديه ورجليه
وصلبه حيا لما فعل بأبيه ، فلما علم بسطام أخو بندي ما فعل كسرى بأخيه
خلع كسرى ، وصار إلى الري وجمع ، وبلغه ان كردية أخت بهرام وامرأته
قد أقبلت من بلاد الترك ، فتلقاها ومن معها ، فذم إليها كسرى ، وخبرها
بغدره وفجوره ، وسألها أن تقيم عنده بمن معها ، وأن تزوجه نفسها ، ففعلت ،
وكتبت إلى أخيها كردي تعلمه ذلك ، وتسأله أن يأخذ لها ولمن معها أمانا من
كسرى ، فأخبر كسرى بمصير كردية ، بمن معها من جند بهرام وأصحابه ،
إلى الري ، وتزوج بسطام خاله بها ، ومقامها معه ، فعلم ذلك كسرى ، ودعا كردي
أخاها ، فسأله أن يتلطف بها حتى تقتل بسطام ، وتقدم فيتزوجها . فوجه كردي
أبرخه امرأته إلى كردية أخته بما ذكر له الملك ، وأنفذ إليها كتب الامانات لها ولمن
معها بأوثق ما يكون من العهود ، فقبل أصحابها ، ووثبوا على بسطام فقتلوه .
وقدمت كردية على كسرى ، فتزوجها ، وأحلها محلا رفيعا ، فاستقامت
لكسرى أموره ، ودانت له بلاده .
ثم وثبت الروم بمورق ملكها ، فقتلوه ، وملكوا غيره ، وصار إليه ابن
مورق ، فوجه معه جيشا ، ثم قتل ابن مورق ، وملك هرقل ، فغزا أصحاب
كسرى ، فقتلهم وشردهم ، وزحف إليهم حتى هزم شهربراز صاحب كسرى .
وكان كسرى لما اشتد ملكه قد طغى ، وبغى ، وعتا ، وظلم ، وجار ،
وأخذ أموال الناس ، وسفك الدم ، فمقته الناس لما نال منهم ولاحتقاره إياهم ،
وان عظماء الفرس لما رأوا ما هم فيه من الذل والبلاء والمكروه من كسرى
ـ172ـ
خلعوه ، وجاءوا بابن له يقال له شيرويه ، فملكوه وأدخلوه المدينة ،
ونادوا شيرويه شاهنشاه ، وأخرجوا من في السجون ممن كان كسرى يريد
قتلهم ، فهرب كسرى ، حتى دخل بستانا له ، فأخذوه ، فحبسوه ، ثم قالوا
لشيرويه : انه لا يستقيم الملك ، وان يكون ابرويز حيا ، فاقتله وإلا خلعناك !
فوجه شيرويه إلى أبيه برسالة غليظة يعنفه فيها على فعله ، ويذكر له ما نال من
أهل مملكته ، وما كان من سوء سيرته ، فأجابه بجواب تفنيد وتجهيل له ،
فوجه إليه برجل كان كسرى ابرويز قطع يد أبيه بغير سبب ولا جرم ، إلا
انه قيل له ان ابن هذا يقتلك ، فقطع يده ، وكان من خاصته ، فلما دخل
عليه سأله عن اسمه . . . . ( 1 ) قال له : شأنك وما أمرت به ، فضربه ، حتى
قتله ، ثم ان شيرويه حمل أباه إلى الناووس ، وقتل قاتله ، وكان ملك كسرى
ابرويز ثمانيا وثلاثين سنة .
ولما ملك شيرويه بن ابرويز أطلق من في المحابس ، وتزوج بنساء أبيه ،
وقتل سبعة عشر أخا له ظلما واعتداء ، فلم يستقم ملكه ، ولم يصلح حاله ،
فاشتد سقمه ، ومات بعد ثمانية أشهر ، وملكت الفرس ابنا لشيرويه طفلا
يقال له اردشير ، واختاروا له رجلا يقال له مه آذرجشنس ، فحضنوه
إياه ليقوم بتدبير الملك ، فأحسن التدبير ، وقام بالامر قياما محمودا ، وجرت
أمور المملكة .
وكان شهربراز الموجه لحرب الروم ، قد عظم أمره ، فكره موضع
مه آذرجشنس ، وكتب إلى الفرس أن يوجهوا إليه برجال سماهم ، وإلا أقبل
إليهم حتى يحاربهم ، فلم يفعلوا ، فأقبل شهربراز في ستة آلاف إلى جانب مدينة
المملكة ، وحاصر من فيها ، وقاتلهم ، ثم فكر ، فاحتال حتى دخل المدينة ،
فأخذ عظماء الفرس ، فقتلهم ، وفضح نساءهم ، وقتل اردشير الملك ، وكان
ملك اردشير سنة وستة أشهر .
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ173ـ
وجلس شهربراز على سرير الملك ، ودعا نفسه ملكا ، فلما رأت الفرس
فعل شهربراز أعظمته ، وقالت : مثل هذا لا يملك علينا ! فوثبوا به ، وقتلوه ،
وجروا برجله .
ولما قتلت الفرس شهربراز طلبوا رجلا من أهل الملك ، فلم يجدوه ،
فملكوا بوران بنت كسرى ، فأحسنت السيرة ، وبسطت العدل والاحسان ،
وكتبت إلى آفاقها كتابا تعد فيه بالعدل والاحسان ، وتأمرهم بجميل المذهب
والقصد والسداد ، ووادعت ملك الروم . وكان ملكها سنة وأربعة أشهر .
ثم ملكت آزرميدخت بنت كسرى ، واستقام أمرها ، فقال فرخهرمزد
اصبهبذ خراسان : أنا اليوم قريع الناس ، وعماد مملكة فارس ، فزوجيني
نفسك ! فقالت : لايجوز لملكة أن تزوج نفسها ، ولكن إذا أردت أن تصل إلي ،
فأتني بالليل ! فرضي بذلك ، فأمرت صاحب حرسها أن يرصده حتى يدخل ،
ثم يقتله ، فلما كان الليل أتى ، فدخل وبصر به صاحب الحرس ، فقال :
من أنت ؟ فقال : أنا فرخهرمزد ! فقال : وما تصنع في مثل هذا الوقت في
موضع لايدخله مثلك ؟ فضربه حتى قتله ، وطرحه في الرحبة ، فلما غدا
الناس رأوه قتيلا ، فرفعوا خبره ، وكان ابنه رستم ، الذي لقي سعد بن أبي
وقاص بالقادسية ، بخراسان ، فقدم ، فقتل آزرميدخت ، وكان ملكها
ستة أشهر .
ثم ملك رجل من عقب اردشير بن بابك يقال له كسرى بن مهرجشنس ،
وقد كان دعي إلى الملك قبل ذلك ، فامتنع منه ، وكان مقامه بالاهواز ، فلما
ملك لبس التاج ، وجلس على السرير ، فقتلوه بعد أيام ، فلم يتم له شهر ،
فأعوز عظماء الفرس من يملكونه من أهل بيت المملكة ، ثم وجدوا رجلا
يقال له فيروز قد أولده أنوشروان من قبل أمة فملكوه ضرورة ، فلما أجلس
ليتوج ، وكان ضخم الرأس ، قال : ما أضيق هذا التاج ! فتطيرت عظماء
الفرس من قوله ، فقتلوه .
ـ174ـ
وأقبل ابن لكسرى كان قد هرب إلى نصيبين لما قتل شيرويه يقال له فرخزاد
خسرو ، فتوج وملك ، وكان نبيلا ، فملك سنة ، ثم وجدوا يزدجرد بن
كسرى ، وكانت أمه حجامة وقع عليها كسرى ، فجاءت بيزدجرد ، فتطيروا
منه ، فغيبوه ، ثم اضطروا إليه ، فجاءوا به وأمورهم مضطربة ، وأهل
مملكته مجترئون عليه ، ولما أتى لملكه أربع سنين قدم سعد بن أبي وقاص
القادسية ، فبعث إليه برستم ، ثم صار المسلمون إلى المدائن ، وهي مدينة الملك ،
يوم النوروز ، وقد استعدت الفرس بصنوف الاطعمة ، واستعدت أحسن
الزينة ، فانهزمت الفرس ، وهرب يزدجرد ، فلم يزل المسلمون يتبعونه ، حتى
صاروا إلى مرو ، فدخل طاحونة ، وقتله صاحب الطاحونة ، وكان ملكه إلى
أن قتل عشرين سنة .
وكانت الفرس تعظم النيران ، ولاتستنجي بالماء ، إنما تستنجي بالدهن ،
ولاتتخذ لقصورها أبوابا ، إنما كانت أبوابها عليها الستور ، يحفظها الحرس
من الرجال ، ولا تأكل إلا بزمزمة ، وهو الكلام الخفي ، وتنكح الامهات
والاخوات والبنات ، وتذهب إلى انها صلة لهن ، وبر بهن ، وتقرب إلى
الله فيهن .
ولم تكن لها حمامات ولا كنف ، وكانت تعظم الماء والنار والشمس
والقمر والانوار كلها .
وكانت تعد الازمنة على شهورها وأيام أعيادها ، وكان الخريف عندهم
شهريور ماه ، ومهرماه ، وآبان ماه ، والشتاء آذرماه ، ودي ماه ، وبهمن ماه ،
والربيع اسف ندارمذماه ، وفروردين ماه ، و ارديبشهت ماه ، والقيظ خرداذ ماه ،
وتير ماه ، ومرداذ ماه ، وكانت تزيد في الخريف خمسة أيام تسميها أيام
الاندركاه ، فتكون السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما ، وشهورهم ثلاثين
يوما ، ورأس سنتهم يوم النوروز ، وهو أول يوم من فروردين ، ويكون ذلك
في نيسان وآذار ، وقد مرت الشمس في الحمل ، وهو يوم عيدهم المعظم
ـ175ـ
عندهم ، ويوم المهرجان ، وهو لستة عشر يوما يمضي من مهرماه ، ثم يكون
بين النوروز والمهرجان مائة وخمسة وسبعون يوما ، وذلك خمسة أشهر وخمسة
وعشرون يوما ، والمهرجان في تشرين الآخر .
وكانت الفرس تسمي كل يوم من أيام شهورهم باسم ، وهي : الروزات ،
فأولها هرمز ، بهمن ، ارديبهشت ، شهريور ، اسفندارمذ ، خرداذ ، مرداذ ،
دي بآذر ، آذر آبان ، خور ماه ، تير ، جوش ، دي بهمر ، مهر سروش ،
رشن ، فروردين ، بهرام ، رام باذ ، دي بدين ، دين ، ارد ، اشتاذ ، اسمان ،
زامياذ ، مارسفند ، انيران .
وكان من قول الجماعة منهم فيما يقولونه من زراذشت الذي يدعون انه
نبيهم : ان يكون النور قديما لم يزل ، وهم يسمونه زروان ، وانه فكر في
الشر لهفوة كانت منه علمهم منها لان الحسن مستحيل إلى قبح ، والطيب الريح
إلى نتن ، وان القديم عندهم غير ممتنع من أن يلزمه التغيير والفساد في بعضه
لا في كله . فلما فكر القديم في الشر ، تنفس الصعداء ، فخرج ذلك الغم
من جوفه ، فامتثل بين يديه ، ويسمون ذلك الغم الممتثل بين يدي القديم :
اهرمن ، ويسمونه أيضا : زروان هرمز .
قالوا : فأراد اهرمن محاربة هرمز ، فكره ذلك هرمز لئلا يفعل شرا ،
فصالحه على أن يصير إليه خلق كل ضار فاسد .
وزعموا أنهما جسمان وروحان ، وبينهما فرجة للحنق لانهما ليسا بملتقيين ،
وقالوا : ان هرمز النور الفاعل الاجرام وأزواجها ، وان اهرمن إنما يفعل
المضار في هذه الجواهر ، كالسم في الهوام ، والغيظ ، والغضب ، والضجر ،
والشرور ، والتعادي ، والحنق ، والخوف في الحيوان ، فإن الله هو فاعل
لاعيان وأعراضها الراتبة .
وكانت منازل ملوك الفرس في أول ملك اردشير بن بابكان بإصطخر من
كور فارس ، ثم لم تزل الملوك تنتقل ، حتى ملك انوشروان بن قباذ ، فنزل
ـ176ـ
المدائن من أرض العراق ، فصارت دار الملك ، واجمع العلماء من المنجمين
و المتطببين انه ليس في المملكة بلد أصح ، ولا أفضل ، ولا أعدل من تلك
البقعة ، وما قرب منها من اقليم بابل .
وكانت البلاد التي تملكها الفرس ، ويجوز سلطانها فيها ، من كور خراسان :
نيسابور ، وهراة ، ومرو ، ومرو الروذ ، و الفارياب ، والطالقان ، وبلخ ،
وبخارى ، وباذغيس ، وباورد ، وغرشستان ، وطوس ، وسرخس ، وجرجان ،
كان على هذه الكور عامل تسميه اصبهبذ خراسان .
ومن كور الجبل : طبرستان ، والري ، وقزوين ، وزنجان ، وقم ، وأصبهان ،
وهمذان ، ونهاوند ، والدينور ، وحلوان ، وماسبذان ، ومهر جانقذق ،
وشهرزور ، والصامغان ، واذربيجان ، وكان لهذه الكور اصبهبذ يقال له
اصبهبذ اذربيجان ، وكرمان .
وفارس ، وكورها : اصطخر ، وشيراز ، والرجان ، وا لنوبندجان ،
وجور ، وكازرون ، وفسا ، ودارابجرد ، واردشير خره ، وسابور .
والاهواز ، وكورها : جنديسابور ، والسوس ، ونهر تيرى ، ومناذر ،
وتستر ، وايذج ، ورام هرمز ، وعلى هذه اصبهبذ يقال له اصبهبذ فارس .
وكور العراق ، ولها ثمانية وأربعون طسوجا على الفرات ودجلة ، فسقي
الفرات : بادوريا ، والانبار ، وبهرسير ، والرومقان ، والزاب الاعلى ،
والزاب الاسفل ، والزاب الاوسط ، وزندورد ، وميسان ، وكوثى ،
ونهر درقيط ، وهر جوبر ، والفلوجة العليا ، والفلوجة السفلى ، وبابل ،
وخطونية ، والجبة ، والبداة ، والسيلحين ، وفرات بادقلى ، وسورا ،
وبربسما ، ونهر الملك ، وباروسما ، ونستر .
وسقي دجلة : نهر بوق ، ونهر بين ، و بزرجسابور ، والراذان الاعلى ،
والراذان الاسفل ، والزابيين ، والدسكرة ، وبرازروز ، وسلسل ، ومهروذ ،
وجلولاء ، والنهروان الاعلى ، والنهروان الاوسط ، والنهروان الاسفل ،
ـ177ـ
وجازر ، والمدائن ، و البندنجين ، ورستقباذ ، وابزقباذ ، والمبارك ، وبادرايا ،
وباكسايا ، ولهم أصبهبذ رابع يسمى أصبهبذ المغرب .
وكانت آخر مسالح الفرس مما يلي الفرات : الانبار ، ثم تصير إلى مسالح
الروم ، ومما يلي دجلة . . . . ثم تصير إلى مسالح الروم ، الا أن يتعاور
القوم ، فيدخل الفرس بلاد الروم على المخالبة ، وربما دخل الروم بلاد الفرس .
وكل الاسم الواقع على كل ملك للفرس : كسرى ، وكانوا إن سموه
وذكروه قالوا : كسرى شاهنشاه ، معناه ملك الملوك ، وكانت تسمي الوزير :
بزرجفر مذار ، معناه متقلد الامور ، وكانت تسمي العالم القيم بشرائع دينهم :
موبذ موبذان ، ومعناه عالم العلماء ، وأول من رفع عليه منها الاسم : زراذشت ،
وكانت تسمي قيم النار : الهربذ ، وكانت تسمي الكاتب : دبيربذ ، وكانت
تسمي العظيم منهم : الاصبهبذ ، ومعناه الرئيس ، والذي دونه : ا لفادوسبان ،
ومعناه دافع الاعداء ، وتسمي رئيس البلد : المرزبان ، وتسمي رئيس الكور :
الشهريج ، وتسمي أصحاب الحروب وقواد الجيوش : الاساورة ، وتسمي
صاحب المظالم : شاهريشت ، وتسمي صاحب الديوان : المرد ما رعد .
ـ178ـ
ممالك الجربى
وكان ولد عامور بن توبل بن يافث بن نوح لما قسم فالغ بن عابر بن
ارفخشد بن سام بن نوح الارض بين ولد نوح خرجوا في يسرة المشرق ، فقطع
قوم منهم ولد ناعوما ناحية الجربى على سمت الشمال ، فانتشروا في البلاد ،
فصاروا عدة ممالك ، وهم : البرجان ، والديلم ، والتبر ، والطيلسان ،
وجيلان ، وفيلان ، واللان ، والخزر ، و الدودانية ، والارمن ، وكانت الخزر
المتغلبة على عامة بلاد ارمينية ، وعليها ملك يقال له خاقان ، وله خليفة يقال
له يزيد بلاش على الران ، وجرزان ، و البسفرجان ، والسيسجان ، وكانت
هذه الكور تسمى ارمينية الرابعة التي افتتحها قباذ ملك الفرس ، فصارت إلى
انوشروان ، إلى باب اللان ، مائة فرسخ ، وفيها ثلاثمائة وستون مدينة .
وغلب ملك الفرس على الباب والابواب ، وطبرسران ، والبلنجر ،
وبنى مدينة قاليقلا ، ومدنا كثيرة ، فأسكنها قوما من أهل فارس ، ثم غلبت
الخزر على ما كانت فارس غلبتهم عليه ، فأقام في أيديهم حينا ، ثم غلبتهم
الروم ، فملكت على ارمينية الرابعة ملكا يقال له الموريان ، وافترقوا عدة
رياسات كل رئيس منهم في قلعته وحصنه ، فهي لهم ممالك معروفة .
وقطع قوم من ولد عامور ما وراء النهر ، ثم افترقوا في البلاد ، فصارت
ممالك مفترقة وأمم كثيرة ، فمنهم : الختل ، و القواديان ، والاشر وسنة ،
والسغد ، والفرغانة ، والشاش ، والترك ، والخرلخية ، والتغزغز ، والترك
الكيماكية ، والتبت ، وفي الترك قوم أصحاب مدر ومدن وحصون ، وفيهم
قوم في رؤوس الجبال والصحارى كالبدو ، ولهم شعور طوال ، ومنازلهم
خيام اللبود ، فإذا غزوا كان في الخيمة الواحدة عشرون مقاتلا ، ويرمون
ـ179ـ
فلا يخطئون ، وبيوتهم متصلة من أول كور خراسان إلى جبال التبت وجبال
الصين .
وأما التبت ، فبلد واسع أعظم من الصين ، ومملكتهم جليلة ، وهم
أصحاب منعة وحكمة يضاهون صنعة الصين ، وفي بلادهم غزلان سررها
المسك ، وهم عبدة أصنام ، ولهم بيوت نيران ، وشوكتهم شديدة ، فليس
يحاربهم أحد .
ـ180ـ
ملوك الصين
ذكرت الرواة وأهل العلم ومن صار إلى بلاد الصين ، فأقام بها الدهر
الطويل ، حتى فهم أمرهم ، وقرأ كتبهم ، وعرف أخبار المتقدمين منهم ،
ورأوه في كتبهم ، وسمعوه من أخبارهم ، ومكتوب على ابواب مدنهم وبيوت
أصنامهم ، ومنقور في الحجارة قد أجري فيه الذهب : ان أول من ملك الصين
صاين بن باعور بن يرج بن عامور بن يافث بن نوح بن لمك ، فإنه كان عمل
فلكا حكى به فلك نوح ، فركب فيه ، ومعه جماعة من ولده وأهله ، حتى قطع
البحر ، فصار إلى موضع استحسنه ، وأقام به ، فسمي ذلك الموضع الصين
باسمه ، فكثر ولده ، وتناسلت ذريته ، فكانت ذريته على دين قومه ، واتصل
هلكه ثلاثمائة سنة .
ومنهم عرون الذي شيد البنيان ، وعمل الصنعة ، واتخذ الهياكل المذهبة ،
وعمل فيها صورة أبيه ، وجعلها في صدر الهيكل ، فكان إذا دخل سجد لتلك
الصورة تعظيما لصورة أبيه ، وكان لصاين اسم تفسيره بالعربية ابن السماء ،
فمن ذلك الزمان صارت الاوثان تعبد في بلاد الصين ، وكان ملك عرون مائة
وأربعين سنة .
ومنهم عير الذي سار في بلاد الصين طولا وعرضا ، وبنى المدن العظام ،
وشيد القباب من الجزلان والنحاس المذهب ، وعمل صورة أبيه من ذهب
مكلل بالجوهر والرصاص والنحاس المزوق ، فاتخذها أهل مملكته جميعا في
مدنهم وبلدانهم ، وقالوا : ينبغي للرعية أن تعمل صورة ملك قد ملكها من
السماء ، وعدل فيها . واتصل ملك عير مائة وثلاثين سنة .
ومنهم عينان الذي سام أهل مملكته سوء العذاب ، ونفاهم إلى جزائر
ـ181ـ
البحر ، فكانوا يصيرون من تلك الجزائر إلى مواضع فيها الثمار ليأكلوا منها ،
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 181 سطر 1 الى ص 190 سطر 22
البحر ، فكانوا يصيرون من تلك الجزائر إلى مواضع فيها الثمار ليأكلوا منها ،
فيجدون بها الوحوش ، ولم يزالوا كذلك حتى انسوا بالوحوش ، وانست بهم ،
وكانوا ينزون عليها ، وربما نزت تلك على نسائهم فتأتي بينهم الخلق المشوهة .
وباد القرن الاول وأتى قرن بعد قرن ، فذهبت عنهم لغاتهم ، وصاروا يتكلمون
ما لا يفهم ، ففي الجزائر التي تجتاز منها إلى أرض الصين أمر عظيم من هذا
الضرب ، وأمم كثيرة ، وكان يسمى عينان اسما تفسيره بالعربية خلقه الشر .
وكان ملكه مائة سنة .
ومنهم خرابات الذي ملك وهو حدث السن ، ثم احتنكت سنة ،
فعلا أمره ، وحسن تدبيره ، ووجه بوفد من قبله إلى أرض بابل وما اتصل
بها من بلاد الروم يتعرفون ما فيها من الحكمة والصنعة ، وحمل معهم من صنعة
الصين وما يعمل بها من ثياب الحرير وغيره ، وما يؤتى به من تلك البلاد من
الآلات وغيرها ، وأمرهم أن يحملوا إليه كل صنعة وظريفة من أرض بابل
وبلاد الروم ، وان يتعرفوا شرائع دين القوم ، فكان ذلك أول ما دخل من متاع
الصين إلى أرض العراق وما اتصل بها . وركب التجار بحر الصين للتجارة ،
وذلك ان الملوك استظرفت ما أتاهم من متاع الصين ، فعملوا المراكب ، وحملوا
فيها التجارة ، فكان ذلك أول دخول التجار إلى الصين . وكان ملك خرابات
ستين سنة .
ومنهم توتال ، وأهل الصين يقولون انهم وجدوا مكتوبا على أبواب مدنهم :
انه لم يملكهم ملك قط مثله ، ورضوا به رضا لم يرضوا مثله بأحد قط ، وهو
الذي سن لهم كل سنة هم عليها في أديانهم ، وأفعالهم ، وصناعاتهم ، وشرائعهم
وأحكامهم . وكان ملكه ثمانيا وسبعين سنة ، فلما مات أقاموا يبكون عليه زمانا
طويلا ، ويحملونه على أسرة الذهب وعجل الفضة ، ثم جمعوا له العود والعنبر
والصندل وسائر الطيب ، وألهبوه بالنار ، وطرحوه فيها ، وجعل خاصته يلقون
أنفسهم في تلك النار أسفا عليه ووفاء له ، وصار هذا سنة فيهم ، وجعلوا
ـ182ـ
صورته على دنانيرهم ، وهم يسمون الدنانير الكونح ، وعلى أبواب منازلهم
الصور .
وبلاد الصين بلاد واسعة ، فمن أراد الصين في البحر قطع سبعة أبحر ،
كل بحر منها له لون وريح وسمك ونسيم ليس هو في البحر الذي يليه ، فأولها
بحر فارس الذي يركب فيه من سيراف ، وآخره رأس الجمحة ، وهو ضيق
فيه مغائص اللؤلؤ .
والبحر الثاني الذي مبتدأه من رأس الجمحة يقال له لاروى ، وهو
بحر عظيم ، وفيه جزائر الوقواق ، وغيره من الزنج ، وفي تلك الجزائر ملوك ،
وإنما يسار في هذا البحر بالنجوم ، وله سمك عظيم ، وفه عجائب كثيرة
وأمور لاتوصف .
ثم البحر الثالث الذي يقال له هركند ، وفيه جزيرة سرنديب ، وفيه
الجوهر والياقوت وغيره ، ولها جزائر فيها ملوك ، ولهم ملك عليهم ، وفي
جزائر هذا البحر الخيزران والقنا .
والبحر الرابع يقال له كلاه بار ، وهو بحر قليل الماء ، وفيه حيات عظام ،
وربما ركبت الريح فيه ، فقطعت المراكب ، وفيه جزائر فيها شجر الكافور .
والبحر الخامس يقال له سلاهط ، وهو بحر عظيم كثير العجائب .
والبحر السادس يقال له كردنج ، وهو كثير الامطار .
والبحر السابع يقال له بحر صنجي ، ويقال له أيضا كنجلي ، وهو بحر
الصين ، وإنما يسار فيه بريح الجنوب ، حتى يصيروا إلى بحر عذب عليه
المسالح والعمران ، حتى ينتهوا إلى مدينة خانفو .
ومن أراد الصين على البر سار في نهر بلخ ، وقطع بلاد السغد ،
وفرغانة ، والشاش ، والتبت ، حتى يصير إليها ، والملك في حصن له منفرد ،
وصاحب شرطته خادم ، وصاحب خراجه خادم ، وصاحب حرسه خادم ،
وصاحب أخباره خادم ، وأكثر أعوانه الخدم ، وهم ثقاته ، وخراجهم من
ـ183ـ
رؤوس الرجال يوجبون على كل رجل بالغ جزية ، لانهم لايدعون رجلا
بغير صناعة ، فإذا تعطل عن العمل بعلة ، أو هرم ، أنفقوا عليه من مال
الملك .
وهم يعظمون أمواتهم ، ويطول حزنهم عليهم ، وأكثر عقوباتهم القتل ،
فهم يقتلون على الكذب ، ويقتلون على السرقة ، ويقتلون على الزنا إلا قوما
معروفين ، ومن تظلم من عامل الاعمال ، فصحت مظلمته ، قتل ذلك العامل ،
وإلا قتل المتظلم منه إن كان كاذبا مبطلا
وحدود الصين من البر ثلاثة حدود ، ومن البحر حد واحد ، فالحد الاول :
الترك ، والتغزغز ، ولم تزل بينهم حروب متصلة ، ثم اصطلحوا ، وتصاهروا .
والحد الثاني : التبت ، وبين التبت والصين جبل عليه مسالح للصين
يحترسون من التبت ، ومسالح للتبت يحترسون من الصين ، وهم ما بين حد
البلدين .
والحد الثالث : إلى قوم يقال لهم المانساس ، لهم مملكة منفردة ، وهم
في بلاد واسعة ، ويقال ان سعة بلادهم طول عدة سنين في عرض مثل ذلك
لايعرف أحد من وراءهم ، وهم قوم يقاربون أهل الصين .
والحد الواحد الذي يلي البحر ، فمنه يأتي المسلمون ، على ما ذكرنا من
عدد البحور
وديانتهم عبادة الاوثان والشمس والقمر ، ولهم أعياد لاصنامهم ، أعظمها
عيد في أول السنة يقال له الزارار ، يخرجون إلى مجمع ، ويعدون فيه الاطعمة
والاشربة ، ثم يأتون برجل قد حبس نفسه على ذلك الصنم العظيم ، وعلى جميع
شهواته ، وتمكن من كل ما يريد ، فتقدم إلى ذلك الصنم ، وقد صير على
أصابع يده شيئا يشعل بالنار ، ثم يحرق أصابعه بالنار ويسرجها بين يدي ذلك
الصنم ، حتى يحترق ، ويقع منها ميتا ، فيقطع ، فمن نال منه شظية ، أو
خرقة من ثيابه ، فقد فاز ، ثم يأتون برجل آخر يريد أن يحبس نفسه للصنم للسنة
ـ184ـ
المجدودة ، فيقف موضعه ، ويلبس الثياب ، ويضرب عليه بالصنوج ، ثم
يفترقون ، فيأكلون ويشربون ، ويقيمون أسبوعا ، ينصرفون .
وهذا الشهر الذي هذا العيد فيه تسميه جناح ، وهو أول يوم من حزيران ،
وللصين حساب أيضا ، وتسمى الشهور بأسماء مختلفة على حساب قد فهموه ،
فأولها : جناح ، ورداح ، ورائح ، ومالح ، وكسران ، ونارد ، ونمرود ،
وكنعان ، وزاغ ، وهراه ، وهرهر ، وباهر ( 1 ) .
* ( هامش ) * 1 ) بعض اسماء هذه الشهور تنقصه النقط ( * ) .
ـ185ـ
ملوك مصر من القبط وغيرهم
وكان بيصر بن حام بن نوح ، لما خرج من بابل بولده وأهل بيته ، وكانوا
ثلاثين نفسا ، أربعة أولاد له ، وهم : مصر ، وفارق ، وماح ، وياح ،
ونساؤهم ، وأولادهم قد سار بهم إلى منف ، وكان بيصر قد كبر وضعف ،
وكان مصر أكبر ولده وأحبهم إليه ، فاستخلفه ، وأوصاه بإخوته ، واقتطع
مصر لنفسه وولده ، مسيرة شهرين من أربعة أوجه ، وكان منتهى ذلك من
الشجرتين بين رفح والعريش إلى اسوان طولا ، ومن برقة إلى ايلة عرضا .
وأقام مصر متملكا بعد أبيه دهرا ، وكان له أربعة أولاد ، وهم : قفط ،
واشمن ، واتريب ، وصا ، فقسم لهم شط النيل ، وقطع لكل واحد قطيعة
يحوزها هو وولده .
ثم ملك بعد مصر قفط بن مصر ، ثم ملك اشمن بن مصر ، ثم ملك اتريب
ابن مصر ، ثم ملك صا بن مصر ، ثم ملك تدارس بن صا ، ثم ملك ماليق
ابن تدارس ، ثم مالك حرايا بن ماليق ، ثم ملك أخوه ماليا بن حرايا ، ثم ملك
لوطس بن ماليا ، فلما حضرت لوطس الوفاة ملكت ابنته حوريا ، فلما حضرت
حوريا الوفاة ملكت بنت عم لها يقال لها زالفا بنت ماموم .
وكان أولاد بيصر قد كثروا وامتلات البلاد منهم ، فلما ملكوا النساء
طمعت فيهم العمالقة ملوك الشأم ، فغزاهم ملك العمالقة ، وهو يومئذ الوليد
ابن دومع ، ووطئ البلاد ، فرضوا أن يملكوه عليهم ، فأقام دهرا طويلا .
ثم ملك بعده آخر من العمالقة يقال له الريان بن الوليد ، وهو فرعون
يوسف .
ثم ملك آخر من العمالقة يقال له دارم بن الريان .
ـ186ـ
ثم ملك بعده كاسم بن معدان .
ثم ملك فرعون موسى ، وهو الوليد بن مصعب ، فاختلفت الرواة في
نسبه ، فقالوا : هو رجل من لخم ، وقالوا من غيرها من قبائل اليمن ، وقالوا
من العمالقة ، وقالوا من قبط مصر يقال له ظلما ، وهو الذي كان من أمره
مع موسى ما قد قصه الله عزوجل ، فعاش عمرا طويلا ، وعتا وبغى ، حتى
قال : انا ربكم الاعلى ، ثم غرقه الله وجنوده في بحر القلزم ، فلما غرق الله
فرعون ومن معه لم يبق في البلد إلا الذرية والعبيد والنساء ، فاجتمع رأيهم على
أن يملكوا امراة يقال لها دلوكة ، فخافت أن يتخطى إليها ملوك الارض ،
فبنت حائطا يحيط بأرض مصر من القرى والمزارع والمدن ، وعملت أعمالا
كثيرة ، وكان ملكها عشرين سنة .
ثم ملكت دركون بن بلوطس .
ثم ملك بودس بن دركون .
ثم ملك لقاس بن بودس .
ثم ملك دنيا بن بودس .
ثم نمادس بن مرينا ، فطغى وعتا ، فقتلوه .
ثم ملك بلوطس بن مناكيل .
ثم ملك ماليس بن بلوطس .
ثم ملك نوله بن مناكيل ، وهو فرعون الاعرج الذي سبى ملك بيت المقدس ،
وصنع ببني إسرائيل ما لم يصنعه أحد ، وعتا ، وبلغ مبلغا لم يبلغه أحد قبله بعد
فرعون ، فصرعته دابته ، فدقت عنقه .
ثم ملك مرينوس .
ثم ملك نقاس بن مرينوس .
ثم ملك قومس بن نقاس .
ـ187ـ
ثم ملك مناكيل اددامه ( 1 ) الاعرج ، وه ولخسائرسر ( 2 ) الذي غزاه بخت نصر ،
فهزمه ، وخرب مصر ، وسبى أهلها ، فأقاموا بعد ذلك يملكهم الروم ،
فتنصروا في ذلك الوقت .
ثم غلبت فارس على الشأم في أيام انوشروان ، فملكوهم عشر سنين ،
ثم ظهرت الروم ، فكان أهل مصر يؤدون إلى الروم خراجا وإلى فارس خراجا ،
يدفعون شر الفريقين .
ثم خرجت فارس عن الشأم ، وصار أمرهم إلى الروم ، فدانوا بدين
النصرانية .
وكان حكيم القبط هرمس القبطي ، وهم أصحاب البرابي الذين يكتبون
بخط البرابي ، وهو ذا الخط الموجود . . . . ( 3 ) وفي دهرنا قد عدم الناس معرفة
قراءته ، والسبب في ذلك أنه لم يكن يكتب به منهم إلا الخواص ، وكانوا
يمنعون العوام ، والذين يقومون به منهم حكماؤهم وكهانهم ، وكانت فيه أسرار
دينهم وأصول مقالتهم التي لايطلعون عليها إلا كهانهم ، ولايعلمون بها
أحدا إلا أن يأمر الملك بتعليمه .
فلما قهرتهم الروم ، وملكتهم بسطوة شديدة وسلطان ، أبطلوا ما كانوا
يقومون به من سعيهم وأعمالهم ، وحملوهم في بدء أمورهم على شرائع ا ليونانيين ،
حتى فسدت لغتهم ، ومازج كلامهم كلام الروم ، ثم تنصرت الروم ،
فحملوهم على التنصر ، فدرس جميع ما كانوا فيه من أمر دينهم وسنتهم ،
وقتل الروم كهانهم وعلمائهم ، فهلك من كان يفهم ذلك الكتاب ، ومنع
من بقي منهم من تعليمه والنظر فيه ، فلذلك ليس يوجد أحد يقرأه منهم ولا
غيرهم . وكانت ديانتهم عبادة الكواكب ، والقول بأنها مدبرة مختارة ، وهم
أصحاب القضايا بالنجوم ، وانها تسعد وتنحس ، لانهم زعموا أنها آلهتهم
* ( هامش ) * 1 و 2 ) بلا فقط في الاصل .
3 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ188ـ
إالتي تحييهم ، وتميتهم ، وترزقهم ، وتسقيهم .
وكان من قولهم : ان الارواح قديمة كانت في الفردوس الاعلى ، وانه في
كل ستة وثلاثين ألف سنة يفنى جميع ما في العالم إما من تراب ، يريدون
الارض وزلزلتها وخسوفها ، أو من نار وإحراق ، وسموم مهلك ، وإما من
ريح هواء ردي فاسد ، غليظ عام ، يسد الانفاس لغلظه ، فيهلك الحيوان ،
ويتلف الحرث والنسل ، ثم يحيي الطبيعة من كل جنس من أجناس الحرث
والنسل ، ويرجع العالم بعد فساده .
وكانت عندهم من هذه الارواح آلهة تنزل ، فتصير في الاصنام ، فتتكلم
الاصنام لذلك ، وإنما كانوا يخدعون عوامهم بذلك ، ويسترون العلة التي
بها كانت تتكلم أصنامهم ، وهي بصنعة كان كهانهم يصنعونها ، وعقاقير
ي ستعملونها ، وحيل يحتالونها ، حتى تصفر ، وتصيح بصنعة يحكون بها من
خلقة الصنم كخلقة الطير ، أو البهيمة ، فيكون صوت ذلك الصنم مثل صوت
جنسه من الحيوان ، ثم يترجم كهانهم ذلك الصوت من الصنم على ما يريدون
القضاء به ، مما قد اتفقوا به من حساب النجوم ، وعلم الفراسة .
ويخبرون أن الارواح ، إذا خرجت ، صارت إلى هذه الآلهة ، التي هي
الكواكب ، فتغسلها ، وتطهرها ان كانت لها ذنوب ، ثم تصعد إلى الفردوس
حيث كانت .
ويقولون ان أنبياءهم كانت تكلمهم الكواكب وتعلمهم أن الارواح
تنزل إلى الاصنام ، فتسكن فيها ، وتخبر بالحادث قبل أن يحدث .
وكانت لهم فطنة عجيبة دقيقة يوهمون بها العوام انهم يكلمون الكواكب ،
وانها تنبئهم بما يحدث ، ولم يكن ذلك إلا لجوذة علمهم بالاسرار التي للطوالع ،
وصحة الفراسة ، فلم يكونوا يخطئون إلا القليل ، وادعوا علم ذلك عن
الكواكب ، وانها تنبئهم بما يحدث ، وهذا باطل غير معقول ، ثم ملكهم
ا ليونانيون ، فدخلوا في ملتهم ، ثم ملكهم الروم ، فتنصروا .
ـ189ـ
وكانت مملكة القبط أرض مصر من كور الصعيد : منف ، ووسيم ،
والشرقية ، والقيس ، والبهنسا ، وأهناس ، ودلاص ، والفيوم ،
وأشمون ، وطحا ، وأبشاية ، وهو ، وقفط ، والاقصر ، وأرمنت ،
ومن كور أسفل الارض : أتريب ، وعين شمس ، وتنوا ، وتمي ، وبنا ،
وبوصير ، وسمنود ، ونوسا ، والاوسية ، والبجوم ، وبسطة ،
وطرابية ، وقربيط ، وصان ، وإبليل ، وسخا ، وتيدة ، والافراحون ،
ونقيزة ، والبشرود ، وطوة ، ومنوف العليا ، ومنوف السفلى ، ودمسيس ،
وصا ، وشباس ، والبذقون ، وإخنا ، ورشيد ، وقرطسا ، وخربتا ،
وترنوط ، ومصيل ، ومليدش .
والقبط تحسب سنيها على ثلاثمائة وخمسة وستين يوما ، وشهورها اثنا
عشر شهرا ، كل شهر ثلاثون يوما ، ولها خمسة أيام تسميها النسئ ، فأول
شهور القبط الذي يجعلونه رأس سنتهم : توت ، ويسمون أول يوم منه نيروز ،
ويقولون إن فيه ابتداء عمارة الارض ، وهذه أسماء شهورهم : توت ، بابه
هتور ، كيهك ، طوبه ، امشير ، برمهات ، برموذه ، بشنش ، بونه ،
ابيب ، مصرى ، وكانت الخمسة الايام التي ينسئونها بين مسرى وتوت . والخط
الذي تكتب به القبط بين اليوناني والرومي ، وهو على هذا الرسم ( 1 ) .
* ( هامش ) * 1 ) لم يثبت رسم الخط في الاصل ( * ) .
ـ190ـ
ممالك البربر والافارقة
وكانت البربر والافارقة ، وهم أولاد فارق بن بيصر بن حام بن نوح ،
لما ملك اخوتهم بأرض مصر ، فأخذوا من العريش إلى اسوان طولا ، ومن
أيله إلى برقة عرضا ، خرجوا نحو المغرب ، فلما جازوا أرض برقة أخذوا البلاد ،
فغلب كل قوم منهم على بلد ، حتى انتشروا بأرض المغرب .
فأول من ملك منهم : لواته في أرض يقال لها أجدابية من جبال برقة ،
وملكت مزاته في أرض يقال لها ودان ، فنسب هؤلاء القوم إلى أبيهم ،
وجاز قوم منهم إلى بلد يقال له تورغة ، فملكوا هناك ، وهم هواره ،
وسار آخرون إلى بلاد ارميك ، وهم بذرعه ، وسار قوم إلى طرابلس يقال لهم
المصالين ، وجاز قوم إلى غربي طرابلس يقال لهم وهيله .
ثم استعلت بهم الطريق ، فأخذ قوم إلى القيروان يقال لهم برقشانه ،
وأخذ آخرون ذات الشمال ، فصاروا إلى تاهرت ، وهم الذين يقال لهم
كتامه وعجيسه ، وأخذ قوم آخرون إلى سجلماسة ، وهم الذين يقال لهم
نفوسه ولمايه ، وأخذ قوم إلى جبال هكان ، وهم الذين يقال لهم لمطه
ويسمون العبالات ( 1 ) ، وهم في بادية ، في غير مساكن ، وأخذ قوم إلى طنجة
يقال لهم مكناسه ، وأخذ قوم إلى السوس الاقصى ، وهم الذين يقال لهم
مداسه .
وقد ذكر قوم من البربر والافارقة أنهم من ولد بربر بن عيلان بن نزار ،
وقال آخرون : انهم من جذام ولحم ، وكانت مساكنهم فلسطين ، فأخرجهم
بعض الملوك ، ولما صاروا إلى مصر منعتهم ملوك مصر النزول ، فعبروا النيل ،
* ( هامش ) * 1 ) بلا نقط في الاصل ( * ) .
ـ191ـ
ثم غربوا ، فانتشروا في البلاد ، وقال آخرون : انهم من اليمن نفاهم بعض
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 191 سطر 1 الى ص 200 سطر 24
ثم غربوا ، فانتشروا في البلاد ، وقال آخرون : انهم من اليمن نفاهم بعض
الملوك من بلد اليمن إلى أقاصي المغرب ، وكل قوم ينصرون رواياتهم ، والله
أعلم بالحق في ذلك .
ممالك الحبشة والسودان
وكان ولد حام بن نوح قصدوا عند تفرق ولد نوح من أرض بابل إلى
المغرب ، فجازوا من عبر الفرات إلى مسقط الشمس ، وافترق ولد كوش بن
حام ، وهم الحبشة والسودان ، لما عبروا نيل مصر فرقتين ، فقصدت فرقة
منهم التيمن بين المشرق والمغرب ، وهم النوبة ، والبجة ، والحبشة ، والزنج ،
وقصدت فرقة الغرب ، وهم زغاوه ، والحبس ( 1 ) ، والقاقو ، والمرويون ،
ومرندة ، والكوكو ، وغانه .
فأما النوبة فإنها لما صارت في الجانب الغربي من النيل جاورت مملكة
القبط ، وهم ولد بيصر بن حام بن نوح تملكوا هناك ، فصارت النوبة
مملكتين ، فإحداهما : مملكة الذين يقال لهم مقرة ، وهم في شرق النيل
وغربه ، ومدينة مملكتهم دنقلة ، وهم الذين سالموا المسلمين ، وأدوا إليهم
البقط ، وبلادهم بلاد نخل وكرم وزرع ، واتساع المملكة شبيه بشهرين .
والمملكة الثانية من النوبة الذين يقال لهم علوة ، أعظم خطرا من مقرة ،
ومدينة مملكتهم يقال لها سوبة ، ولهم بلاد واسعة شبيهة بثلاثة أشهر ، والنيل
متشعب عندهم في عدة خلجان .
* ( هامش ) * 1 ) بلا نقط في الاصل . ( * )
ـ192ـ
مملكة البجة
وهم بين النيل والبحر ، ولهم عدة ممالك ، في كل بلد ملك منفرد .
فأول مملكة البجة من حد أسوان ، وهي آخر عمل المسلمين من التيمن بين
المشرق والمغرب إلى حد بركات ، وهم الجنس الذي يقال له : نقيس ، ومدينة
المملكة يقال لها : هجر ، ولهم قبائل وبطون كما تكون للعرب ، فمنهم :
الحدرات ، وحجاب ( 1 ) ، والعماعر ، وكوير ، مناسه ، ورسفه ، وعريريعه ،
والزنافج ، وفي بلادهم المعادن من التبر ، والجوهر ، والزمرد ، وهم مسالمون
للمسلمين ، والمسلمون يعملون في بلادهم في المعادن .
والمملكة الثانية من البجة ، مملكة يقال لها : بقلين ، كثيرة المدن ، واسعه
يضارعون في دينهم المجوس والثنوية ، فيسمون الله ، عزوجل ، الزنجير
الاعلى ، ويسمون الشيطان صحى حراقه ، وهم الذين ينتفون لحاهم ، ويقلعون
ثناياهم ، ويختتنون ، وبلادهم بلاد مطر .
ثم المملكة الثالثة يقال لها : بازين ، وهم يتاخمون مملكة علوة من النوبة ،
ويتاخمون بقلين من البجة ، ويحاربون هؤلاء ، وزعهم الذي يأكلونه . . . ( 2 ) ،
وهو طعامهم واللبن .
والمملكة الرابعة يقال لها : جارين ، ولهم ملك خطير ، وملكه ما بين بلد
يقال له : باضع ، وهو ساحل البحر الاعظم إلى حد بركات من مملكة بقلين ،
إلى موضع يقال له : حل الدجاج ، وهم قوم يقلعون ثناياهم من فوق وأسفل ،
ويقولون : لايكون لنا أسنان كأسنان الحمير ، وينتفون لحاهم .
* ( هامش ) * 1 ) أكثر أسماء هذه القبائل تنقصه النقط .
2 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ193ـ
والمملكة الخامسة يقال لها : قطعة ، وهي آخر ممالك البجة ، ومملكتهم
واسعة من حد موضع يقال له : باضع ، إلى موضع يقال له : فيكون ، ولهم
حد شديد ، وشوكة صعبة ، ولهم دار مقاتلة يقال لها دار السوا ، فيها احداث
شباب ، جلد ، مستعدون للحرب والقتال .
ثم المملكة السادسة ، وهي مملكة النجاشي ، وهو بلد واسع ، عظيم الشأن ،
ومدينة المملكة كعبر ، ولم تزل العرب تأتي إليها للتجارات ، ولهم مدن عظام ،
وساحلهم دهلك ، ومن في بلاد الحبشة من الملوك ، فهم من تحت يد الملك
الاعظم يعطونه الطاعة ، ويؤدون إليه الخراج ، والنجاشي على دين النصرانية
اليعقوبية ، وآخر مملكة الحبشة الزنج ، وهم يتصلون بالسند وما ضارع هذه
البلدان ، ويتصل أيضا بما دون الزنج مما يتاخم السند والكرك ، وهم قوم
لهم حساب ، واجتماع قلوب .
وأما السودان الذين غربوا وسلكوا نحو المغرب فإنهم قطعوا البلاد ، فصارت
لهم عدة ممالك ، فأول مالكهم : الزغاوه ، وهم النازلون بالموضع الذي
يقال له : كانم ، ومنازلهم اخصاص القصب ، وليسوا بأصحاب مدن ، ويسمى
ملكهم كاكره . ومن الزغاوه صنف يقال لهم : الحوضن ، ولهم ملك هو
من الزغاوه .
ثم مملكة أخرى يقال لهم : ملل ، وهم يبادون صاحب كانم ، ويسمى
ملكهم : ميوسى .
ثم مملكة الحبشة ( 1 ) ، ولهم مدينة يقال لها : ثبير ، ويسمى ملك هذه المدينة
مرح ، ويتصل بهم القاقو ، إلا أنهم معولون ، وملكهم ملك ثبير .
ثم مملكة الكوكو ، وهي أعظم ممالك السودان ، وأجلها قدرا ، وأعظمها أمرا ،
وكل الممالك تعطي لملكها الطاعة ، والكوكو اسم المدينة ، ودون هذا عدة
ممالك يعطونه الطاعة ، ويقرون له بالرئاسة على أنهم ملوك بلدانهم ، فمنهم
* ( هامش ) * 1 ) بلا نقطة بعد الحاء ( * ) .
ـ194ـ
مملكة المرو ، وهي مملكة واسعة ، وللملك مدينة يقال لها : الحيا ، ومملكة
مردنه ( 1 ) ، ومملكة الهربر ، ومملكة صنهاجه ، ومملكة تذكرير ، ومملكة
الزيانير ، ومملكة ارور ، ومملكة بقاروت ، فهذه كلها تنسب إلى مملكة
الكوكو .
ثم مملكة غانه ، وملكها أيضا عظيم الشأن ، وفي بلاده معادن الذهب ،
وتحت يده عدة ملوك ، فمنهم مملكة : عام ، ومملكة : سامه ، وفي هذه
البلاد كلها الذهب .
* ( هامش ) * 1 ) بعض اسماء هذه الممالك تنقصه النقط ( * ) .
ـ195ـ
ملوك اليمن
ذكرت الرواة ، ومن يدعي العلم بالاخبار وأحوال الامم والقبائل :
ان أول من ملك من ولد قحطان بن هود النبي : ابن عابر بن شالح بن ارفخشد
ابن سام بن نوح سبا بن يعرب بن قحطان ، وكان اسم سبا عبد شمس ، لانه كان
أول من ملك من ملوك العرب ، وسار في الارض ، وسبى السبايا ، وكان يعرب
ابن قحطان أول من حيي : بانعم صباحا وأبيت اللعن .
ثم ملك بعد سبا حمير بن سبا ، واسم حمير زيد ، وكان أول ملك لبس
التاج من الذهب مفصصا بالياقوت الاحمر .
ثم ملك بعد حمير أخوه كهلان بن سبا ، فطال عمره حتى هرم .
ثم ملك بعد كهلان أبومالك بن عميكرب بن سبا ، فدام ملكه ثلاثمائة سنة .
ثم ملك بعد أبي مالك حنادة بن غالب بن زيد بن كهلان ، وكان أول من
صنع السيوف المشرفية ، وكان يصنع الطعام للجن بالليل ، وملك مائة وعشرين
سنة .
وملك بعد حنادة الحارث بن مالك بن افريقيس بن صيفي بن يشجب بن
سبا مائة وأربعين سنة .
ثم ملك بعد الحارث بن مالك الرائش ، وهو الحارث بن شداد بن ملطاط
ابن عمرو بن ذي ابين بن ذي يقدم بن الصوار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث
ابن حيدان بن قطن بن عريب بن ايمن بن الهميسع بن حمير بن سبا ، وهو أول
من غزا وأصاب الاموال وأدخل اليمن الغنائم من غيرها فسمى الرائش فغلب
اسمه ، وكان ملكه مائة وخمسا وعشرين سنة .
ثم ملك بعد الرائش ابنه ابرهة بن الرائش ، وهو ابرهة ذو منار ، وذلك
ـ196ـ
انه صار إلى ناحية المغرب ، وكان إذا غلب على بلد ضرب عليها النار ، وكان
ملكه مائة وثمانين سنة .
ثم ملك بعد ابرهة ابنه افريقيس بن ابرهة ، فسلك سبيل أبيه ، وكان ملكه
مائة وأربعا وستين سنة .
ثم ملك بعد افريقيس أخوه العبد بن ابرهة ، وكان يسمى ذا الاذعار لانه
ذعر العدو ، وكان يأتي بقوم عجيبة خلقهم ، وكان ملكه خمسا وعشرين سنة .
ثم ملك بعد ذي الاذعار الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش ، وكان
ملكه سنة واحدة .
ثم ملك بعد الهدهاد زيد ، وهو تبع الاول بن نيكف ، فطال عمره ،
وطغى ، وبغى ، وعتا ، فيزعم الرواة انه ملك أربعمائة سنة ، ثم قتلته بلقيس .
وملكت بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل ، فكان ملكها مائة وعشرين سنة ،
ثم كان من أمرها مع سليمان ما كان ، فصار ملك اليمن لسليمان بن داود
ثلاثمائة وعشرين سنة ، ثم ملك رحبعم بن سليمان بن داود عشر سنين ، ثم
رجع الامر إلى حمير ، فملك ياسر ينعم بن عمرو بن يعفر بن عمرو بن
شرحبيل ، واشتد سلطانه ، فكان ملكه خمسا وثمانين سنة .
ثم ملك شمر بن افريقيس بن ابرهة ثلاثا وخمسين سنة .
ثم ملك تبع الاقرن بن شمر بن عميد ، فغزا الهند ، وأراد أن يغزو
الصين ، وكان ملكه مائة وثلاثا وستين سنة .
ثم ملك ملكيكرب بن تبع ، فغزا البلاد ، ففرق قومه في أقاصي الارض ،
ونقلهم إلى سجستان وخراسان ، واجتمعوا عليه ، فقتلوه ، وكان ملكه ثلاثمائة
وعشرين سنة .
ثم ملك حسان بن تبع ، فأقام زمانا لايغزو ، ثم وقع بين طسم وجديس
ما وقع ، فسار إليهم تبع ، فلما قرب منهم قال له رجل من طسم كان معه :
إن معهم امرأة يقال لها اليمامة تنظر فلا تخطئ ، فأخاف أن تنذرهم ، فأمر
ـ197ـ
أصحابه ، فقطعوا من شجر الزيتون وقال : ليحمل كل واحد منكم غصنا
عظيما من الزيتون خلفه ! فحمل كل رجل غصنا عظيما ، فلما نظرت قالت :
أرى شجرا تمشي ! قالوا : وهل تمشي الشجر ؟ قالت : نعم ورب كل حجر
ومدر ، وانها لخلف رجال حمير ! فكذبوها ، وصبحهم حسان ، فقتلهم .
ومله قومه ، وثقلت عليهم وطأته ، فواطأوا أخاه عمرو بن تبع على قتله خلا
ذا رعين ، فإنه نهى عن ذلك ، فقتله ، وكان ملكه خمسا وعشرين سنة .
ثم ملك عمرو بن تبع بعد أن قتل أخاه ، فذهب عنه النوم ، وتنغص
عيشه ، فقتل كل من أشار بقتل أخيه ، حتى بلغ إلى ذي رعين ، فقال : قد
أشرت عليك أن لاتفعل ، فكتبت بيتي شعر هما عندك . وكان قد دفع إليه
رقعة فيها :
ألا من يشتري سهرا بنوم ، * سعيد من يبيت قرير عين
فإما حمير غدرت وخانت ، * فمعذرة الاله لذي رعين
وكان ملك عمرو أربعا وستين سنة .
ثم ملك تبع بن حسان بن بحيلة ( 1 ) بن ملكيكرب بن تبع الاقرن ، وهو
أسعد أبوكرب ، وهو الذي سار من اليمن إلى يثرب ، وكان الفطيون قد
تملك على الاوس والخزرج ، فسامهم سوء العذاب ، فخرج مالك بن العجلان
الخزرجي ، فشكا ذلك إلى تبع ، فأعلمه غلبة قريظة والنضير عليهم ، فسار تبع
إليهم ، فقتل قوما من اليهود ، وكان تبع خلف ابنا له بين اظهرهم ، فقتلوه ،
فزحف إليهم ، وحاربهم .
وكان رئيس الانصار عمرو بن طلحة الخزرجي من بني النجار ، وكانوا
يحاربونه بالنهار ، ويقرونه بالليل ، فيقول : ان قومنا لكرام . وجمع عظماء
* ( هامش ) * 1 ) لعلها بجيلة ( * ) .
ـ198ـ
اليهود وقال : اني مخرب هذه البلدة ، يعني المدينة ، فقالت الاحبار وعظماء
اليهود : إنك لاتقدر على ذلك ! قال : ولم ؟ قالوا : لانها لنبي من بني
إسماعيل يكون مخرجه من عند البيت المحرم ، فخرج ، وأخرج معه قوما من
أحبار اليهود ، فلما قرب من مكة أتاه نفر من هذيل ، فقالوا له : ان هذا
البيت الذي بمكة فيه أموال وكنوز وجوهر ، فلو أتيته فأخذت ما فيه . وإنما
أرادوا أن يفعل ، فيهلكه الله . وقيل : إنما أشار عليه قوم أن يهدمه ، ويحول
حجارته إلى اليمن ، فيبني بها هناك بيتا تعظمه العرب ، فدعا تبع أحبار اليهود ،
فذكر ذلك لهم ، فقالوا : ما نعلم لله بيتا في الارض غير هذا البيت ، وما أراده
أحد بسوء إلا أهلكه الله .
واعترضته علة في ليلته ، فقال له الاحبار : ان كنت أضمرت لهذا البيت
مكروها ، فارجع عنه ، وعظمه ، فرجع عما كان أضمر ، فأذهب الله عنه
العلة ، فقتل من أشار عليه بهدمه ، وطاف به وعظمه ، ونحر ، وحلق رأسه ،
ورأى في النوم ان اكسه ، فكساه الخصف ، فتجافى ، فرأى في نومه ان
اكسه ، فكساه الملاء المعضد ، وقال شعرا فيه :
وكسونا البيت الذي حرم الل * - ه ملاء معضدا ، وبرودا
ونحرنا بالشعب ستة آلا * ف ترى الناس نحوهن ورودا
وأمرنا أن لا تقرب للكع * - بة ميتا ، ولا دما مصفودا
ثم طفنا بالبيت سبعا وسبعا ، وسجدنا عند المقام سجودا
وأقمنا فيه من الشهر سبعا ، وجعلنا لبابه إقليدا
ثم رجع إلى اليمن ومعه الاحبار من اليهود ، فتهود هو وقومه ، وكان
ملكه ثمانيا وسبعين سنة . ثم تفرقت ملوك قحطان ، وملكوا أقواما متفرقين منهم : عمرو بن تبع ،
ثم نزعوه ، وملكوا مرثد بن عبد كلال أخا تبع لامه ، فأقام أربعين سنة .
ـ199ـ
ثم ملك وليعة بن مرثد تسعا وثلاثين سنة .
ثم ملك ابرهة بن الصباح ، وكان من أحكم ملوك اليمن وأغلظهم ،
وكان ملكه ثلاثا وتسعين سنة .
ثم ملك عمرو بن ذي قيقان .
ثم ملك ذو الكلاع .
ثم ملك لخيعة ذو شناتر ، فكان من أخبث ملوك حمير وأرداها ، وكان
يعمل عمل قوم لوط ، يبعث إلى الغلام من أبناء الملوك ، فيلعب به ، ثم يتطلع
في غرفة له ، وفي فمه السواك ، حتى بعث إلى ذي نواس بن أسعد ليلعب به ،
فدخل ، ومعه سكين ، فلما خلا به ، وثب عليه ذو نواس ، وقتله ، وحز
رأسه ، وصيره في الموضع الذي يتطلع منه ، فلما خرج صاح به من بالباب
من الجيش : يا ذا نواس ، لا بأس ! فقال : البأس على صاحب الرأس !
فنظروا ، فإذا به قد قتله ، فملكوا ذا نواس . وكان ملك ذي شناتر سبعا
وعشرين سنة .
وملك ذو نواس بن أسعد ، وكان اسمه زرعة ، فعتا ، وهو صاحب الاخدود ،
وذلك انه كان على دين اليهودية ، وقدم اليمن رجل يقال له عبدالله بن الثامر ،
وكان على دين المسيح ، فأظهر دينه باليمن ، وكان إذا رأى العليل والسقيم قال :
أدعو الله لك حتى يشفيك ، وترجع عن دين قومك ! فيفعل ذلك ، فكثر من
اتبعه .
وبلغ ذانواس ، فجعل يطلب من قال بهذا الدين ، ويحفر لهم في الارض
الاخدود ، ويحرق بالنار ، ويقتل بالسيف ، حتى أتى عليهم ، فسار رجل
منهم إلى النجاشي ، وهو على دين النصرانية ، فوجه النجاشي إلى اليمن بجيش
عليهم رجل يقال له ارياط ، وهم في سبعين ألفا ، ومع ارياط في جيشه
ابرهة الاشرم ، فسار إليه ذو نواس ، فلما التقوا انهزم ذو نواس ، فلما رأى
ذو نوس افتراق قومه وانهزامهم ضرب فرسه ، واقتحم به البحر ، فكان آخر
ـ200ـ
العهد به . وكان ملك ذي نواس ثمانيا وستين سنة .
ودخل ارياط الحبشي اليمن ، فأقام بها عدة سنين ، ثم نازعه ابرهة الاشرم
الامر ، فافترقت الحبشة مع ارياط طائفة ، ومع ابرهة طائفة ، وخرجا للحرب ،
وسار كل واحد إلى صاحبه ، فلما التقوا قال ابرهة لارياط : ما نصنع يا ارياط
بأن نقتل الناس بيني وبينك ؟ ابرز إلي وأبرز إليك ، فأينا أصاب صاحبه
انصرف إليه جنده عنه ! فبرز كل واحد إلى صاحبه ، فضربه ارياط بالحربة ،
فشرم عينيه ، وضربه غلام لابرهة ، فقتله ، واجتمعت الحبشة باليمن على ابرهة ،
فلما بلغ النجاشي غضب ، وحلف ليطأن أرضه برجله ، أو ليجزن ناصيته !
فحلق ابرهة رأسه ، وبعث بها إليه ، وبجراب من تراب أرضه ، وقال : إنما
أنا عبدك ، وارياط عبدك ، اختلفنا في أمرك ، وكل طاعته لك ، فرضي عنه .
وخرج سيف بن ذي يزن إلى قيصر يستجيش على الحبشة ، فأقام قبله سبع
سنين ، ثم رده ، وقال : هم قوم على دين النصرانية لا أحاربهم ! فسار إلى
كسرى ، فوجه بأهل السجون ، ووجه معهم رئيسا يقال له وهرز ، فلما
قدم البلد حارب الحبشة ، فقتل ابرهة الحبشي ، وغلب على البلد ، ثم ملك
سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح ، وسيف الذي يقول فيه امية بن أبي الصلت :
لايطلب الثأر إلا ابن ذي يزن ، * أقام في البحر للاعداء أحوالا
أتى هرقل ، وقد شالت نعامته ، * فلم يجد عنده الامر الذي قالا
ثم انتحى نحو كسرى بعد سابعة * من السنين ، لقد أبعدت ايغالا
حتى أتى ببني الاحرار يقدمهم ، * اذهب إليك ، لقد أسرعت قلقالا
وكانت ملوك اليمن يدينون بعبادة الاصنام في صدر من ملكهم ، ثم دانوا بدين
اليهود ، وتلوا التوراة ، وذلك ان أحبارا من اليهود صاروا إليهم ، فعلموهم
دين اليهودية ، ولم يكونوا ينجاوزون اليمن إلا ان يغيروا على البلاد ، ثم
يرجعون إلى دار ملكهم .
ـ201ـ
وكور بلاد اليمن تسمى مخاليف ، وهي أربعة وثمانون مخلافا ، وهذه
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 201 سطر 1 الى ص 210 سطر 22
وكور بلاد اليمن تسمى مخاليف ، وهي أربعة وثمانون مخلافا ، وهذه
أسماؤها : اليحضبين ، ويكلا ، وذمار ، وطمؤ ، وعيان ، وطمام ،
وهمل ، وقدم ، وخيوان ، وسنحان ، وريحان ، وجرش ، وصعدة ،
والاخروج ، ومجيح ، وحراز ، وهوزن ، وقفاعة ، والوزيرة ، والحجر ،
والمعافر ، وعنة ، والشوافي ، وجبلان ، ووصاب ، والسكون ، وشرعب ،
والجند ، ومسور ، والثجة ، والمزدرع ، وحيران ، ومأرب ، وحضور ،
وعلقان ، وريشان ، وجيشان ، والنهم ، وبيش ، وضنكان ، وقربى ،
وقنونا ، ورنية ، وزنيف ، والعرش ، والخصوف ، والساعد ، وبلجة ،
والمهجم ، والكدراء ، والمعقر ، وزبيد ، ورمع ، والركب ، وبني
مجيد ، ولحج ، وأبين ، والواديين ، وألهان ، وحضرموت ، ومقرى ،
وحيس ، وحرض ، والحقلين ، وعنس ، وبني عامر ، ومأذن ،
وحملان ، وذي جرة ، وخولان ، والسرو ، والدثينة ، وكبيبة ،
وتبالة .
ومن السواحل : عدن ، وهي : ساحل صنعاء ، والمندب ، وغلافقة ،
والحردة ، والشرجة ، وعثر ، والحمضة ، والسرين ، وجدة .
هذه بلاد مملكة اليمن وبلدانها ، وكانوا ربما أغاروا على البلدان ، فيرجعون
إلى بلادهم .
واليمن قبائل كثيرة ، إذا دخلت فيهم قضاعة ، فقد روي ان رجلا
سأل رسول الله ، فقال : يا رسول الله ! أيما أكثر نزار أو قحطان ؟ قال :
ما شاب قضاعة ، وقضاعة في هذا الوقت مقيمة على أنها ولد ملك بن حمير .
وهذه جماهير قبائل اليمن مع ما دخل فيهم من نزار من قضاعة ، وجذام ،
ولخم ، وبجيلة ، وخثعم . وكان أول من ذكر اسمه وعرف قدره : سبا بن
نشجب بن يعرب بن قحطان ، فمن ولده كهلان بن سبا ، وحمير بن سبا .
فمن قبائل كهلان طئ بن أدد بن زيد بن عريب بن كهلان ، والاشعر بن
ـ202ـ
أدد بن زيد ، وعنس بن قيس بن الحارث بن مرة بن أدد ، وجذام ، ولخم ،
وعاملة ، وهم بنو عمرو بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد ، ومذحج
ابن أدد بن زيد بن عريب بن كهلان .
فمن قبائل مذحج سعد العشيرة بن مذحج ، ومراد بن مذحج ، والنخع
ابن عمرو بن علة بن جلد بن مذحج ، وحكم وجعفى ابنا سعد العشيرة بن
مذحج ، وخولان بن عمرو بن سعد العشيرة بن مذحج ، وزبيد بن الصعب بن
سعد العشيرة بن مذحج .
وهمدان ، واسمه أوسلة بن خيار بن ربيعة بن مالك بن زيد بن كهلان .
وخثعم وبجيلة ابنا انمار بن نزار بن عمرو بن الحبار بن الغوث بن نبت
ابن مالك بن زيد بن كهلان .
والازد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان . فمن قبائل الازد :
عك بن عدنان بن الذنب بن عبدالله بن الازد ، على ان عكا تنسب إلى عدنان
ابن أدد ، والعتيك بن أسد بن عمرو بن الازد ، وغسان ، وهو مازن
ابن الازد .
فمن قبائل غسان خزاعة ، وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن
حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن غسان . . . . ( 1 ) بن وادعة بن عمران بن
عامر بن حارثة بن امرئ القيس ، والاوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن
غسان ، قال حسان بن ثابت الانصاري :
ونحن بنو الغوث بن نبت بن مالك ب * - ن زيد بن كهلان وأهل المفاخر
ومن قبائل حمير قضاعة ، وقضاعة ، فيما يزعم النسابون ، ابن نزار بن
معد بن عدنان ، وكان نزار يكنى أبا قضاعة .
فمن قبائل قضاعة : نهد بن زيد بن ليث بن سود بن اسلم بن الحاف بن
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ203ـ
قضاعة ، وجهينة بن زيد بن ليث بن سود بن اسلم بن الحاف بن قضاعة ،
وعذرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة ، وسليح
ابن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ، وكلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان
ابن عمران بن الحاف بن قضاعة ، والقين بن جسر بن الاسد بن وبرة بن تغلب
ابن حلوان ، وتنوخ ، وهو مالك بن فهم بن تيم الله بن الاسد بن وبرة بن
تغلب بن حلوان ، فهذه جماهير قضاعة .
ومن حمير بن سبا : الصدف بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن
جشم بن وائل بن عبد شمس بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن الهميسع
ابن حمير بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان .
والناس في حضرموت مختلفون ، وقد ذكر قوم انهم من الامم الخالية التي
تقطعت مثل طسم ، وجديس ، وعملاق ، وعاد ، وثمود ، وعبس الاولى ،
واوبار ، وجرهم .
وكان تفرق أهل اليمن في البلاد وخروجهم عن ديارهم بسبب سيل العرم ،
وكان أول ذلك ، على ما حملته الرواة : ان عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ
القيس بن ثعلبة بن مازن بن الازد كان رئيس القوم ، وكان كاهنا ، فرأى ان
بلاد اليمن تغرق ، فأظهر غضبه على بعض ولده ، وباع مرباعه ، وخرج هو
وأهل بيته ، فصار إلى بلاد عك ، ثم ارتحلوا إلى نجران ، فحاربتهم مذحج ،
ثم ارتحلوا عن نجران ، فمروا بمكة ، وبها يومئذ جرهم ، فحاربوهم حتى
أخرجوهم عن البلد ، فصاروا إلى الجحفة ، ثم ارتحلوا إلى يثرب ، فتخلف
بها الاوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر ، ولحق بهم جماعة
من الازد غير ابني حارثة ، فصار بعضهم حلفاء ، ودخل بعضهم معهم .
وتفرقت الازد بيثرب ، وكانت يثرب منازل اليهود ، فنازعتهم ، وغلبتهم
اليهود بكثرتهم ، وقهروهم ، حتى كان الرجل من اليهود ليأتي منزل الانصاري ،
فلا يمكنه دفعه عن أهله وماله ، حتى دخل رجل منهم يقال له الفطيون إلى
ـ204ـ
دار مالك بن العجلان ، فوثب عليه ، فقتله ، ثم صار إلى بعض ملوك اليمن ،
فشكا إليه ما يلقون من اليهود ، فسار ذلك الملك إليهم بجيشه حتى قتل من اليهود
مقتلة عظيمة ، فصلحت حال الاوس والخزرج وغرس النخل ، وأنشأوا المنازل .
وسار باقي القوم يؤمون الشأم ، حتى صاروا إلى أرض السراة ، فأقام ازد
شنوءة بالسراة وما حولها ، وخرج منهم قبائل إلى عمان ، فكان أول من صار
منهم إلى عمان : مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبدالله بن زهران
ابن كعب بن الحارث بن كعب بن عبدالله بن مالك بن نصر بن الازد ، وتزوج
مالك بامرأة من عبدالقيس ، فولدت له عدة أولاد ، فيقال ان أصغر ولده
قتله إذ كان معه في ابل له ، فقام مالك بن فهم يطوف في الابل ، فرفع رأسه ،
فتوهمه ابنه سارقا ، فرماه فقتله ، وكان يقال لامه سليمة ، فيقال ان مالك
ابن فهم قال :
أعلمه الرماية كل يوم ، * فلما استد ساعده رماني
ثم لحق بعد مالك بن فهم جماعة من بطون الازد منهم : الربيعة وعمران
بنو عمرو بن عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر ، وهم : بارق ، وغالب ،
ويشكر بن قيس بن صعب بن دهمان ، وقوم من عامر ، وقوم من حوالة
بعمان ، فلما صاروا بعمان انتشروا بالبحرين وهجر .
وكان بأرض تهامة من الازد الجدرة وهم من ولد عمرو بن خزيمة بن
جعثمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب
ابن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الازد ، وذلك ان عمرا بنى جدار
الكعبة ، فسمي الجادر ، وسار منهم نفر إلى هراة من أرض خراسان .
وسارت غسان إلى الشأم ، حتى نزلت بأرض البلقاء ، وكان بالشأم قوم
من سليح قد دخلوا ذمة الروم ، وتنصروا ، فسألتهم غسان أن تدخل معهم
في ذلك ، فكتبوا إلى ملك الروم ، فأجابهم ملك الروم إلى ذلك ، ثم ساء مجاورتهم
ـ205ـ
عامله على دمشق ، فحمل عليهم صاحب الروم ( 1 ) بجماعة من العرب من قضاعة
من قبل ملك الروم ، ثم ان غسان طلبت الصلح ، فأجابهم ملك الروم ، وكان
رئيس غسان يومئذ جفنة بن علية بن عمرو بن عامر ، فتنصرت غسان ،
فأقامت بالشأم مملكة من قبل صاحب الروم ، وسار ولد حوالة بن الهنو بن الازد
إلى الموصل ، فنزلوها ، وكان أهل اليمن يرون ان بلدهم يغرق من سد مأرب ،
فحصنوه ، وحرسوه ، فلما بعث الله عليهم سيل العرم دخل عليهم الماء من
جحر لجرذ كان يحفر في السد ، فغرقهم .
* ( هامش ) * 1 ) قوله : صاحب الروم ، لامعنى لها هنا ولعلها محرفة ( * ) .
ـ206ـ
ملوك الشأم
وكانت الشأم دار ملك بني إسرائيل ، فيقال ان أول من ملك بدمشق
بالغ بن بعور .
ثم ملك يوباب ، وهو أيوب بن زارح الصديق ، وكان من خبره ما قد
قصه الله ، عزوجل .
ثم ملك مينسوس ، وكانت بنو إسرائيل تحاربهم .
ثم ملك هوسير من أهل لد .
ثم انقطعت الممالك ، فكانت ملوك بني إسرائيل ، حتى انقرضوا .
وغلبت الروم على ملكها ، فخرج القوم عن البلاد ، فكانت قضاعة أول
من قدم الشأم من العرب ، فصارت إلى ملوك الروم ، فملكوهم ، فكان أول
الملك لتنوخ بن مالك بن فهم بن تيم الله بن الاسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان
ابن عمران بن الحاف بن قضاعة ، فدخلوا في دين النصرانية ، فملكهم ملك
الروم على من ببلاد الشأم من العرب ، فكان أول من ملك منهم : النعمان بن
عمرو بن مالك .
ثم غلبت بنو سليح ، وهم بنو سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن
قضاعة ، وأقامت بنو سليح زمانا على ذلك ، فلما تفرقت الازد ، وصار من
صار منهم إلى تهامة ، ومن صار إلى يثرب ، ومن صار إلى عمان وغير ذلك من
البلدان ، فصارت غسان إلى الشأم ، فقدموا أرض البلقاء ، فسألوا سليحا أن
يدخلوا معهم فيما دخلوا فيه من طاعة ملك الروم ، وان يقيموا في البلاد ،
لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ، فكتب رئيس سليح ، وهو يومئذ دهمان بن
العملق ، إلى ملك الروم ، وهو يومئذ نوشر ، وكان منزله انطاكية ، فأجابهم
ـ207ـ
إلى ذلك ، وشرط عليهم شروطا ، فأقاموا .
ثم جرى بينهم وبين ملك الروم مشاجرة بسبب الاتاوة التي يقبضها ملك
الروم ، حتى ان رجلا من غسان يقال له جذع ضرب رجلا من أصحاب
ملك الروم بسيفه ، فقتله ، فقال بعضهم : خذ من جذع ما أعطاك ! فذهب
مثلا ، فحاربهم صاحب الروم ، فأقاموا مليا يحاربونه ببصرى من أرض دمشق ،
ثم صاروا إلى المخفف ، فلما رأى ملك الروم صبرهم على الحرب ، ومقاومتهم
جيوشه ، كره أن تكون ثلمة عليهم ، وطلب القوم الصلح على أن لايكون
عليهم ملك من غيرهم ، فأجابهم ملك الروم إلى ذلك ، فملك عليهم جفنة
ابن علية بن عمرو بن عامر ، واستقام الذي بينهم وبين الروم ، وصارت
أمورهم واحدة .
وكان أول ملك جل قدره وعلا ذكره من غسان ، بعد جفنة بن علية :
الحارث بن مالك بن الحارث بن غضب بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة
ابن عمرو بن عامر بن ثعلبة بن حارثة بن عدي بن امرئ القيس بن مازن بن الازد .
وملك بعده الحارث الاكبر بن كعب بن علية بن عمرو بن عامر وكعب
هو جفنة ، وهو ابن مارية ، وأمه مارية بنت عاديا بن عامر .
ثم ملك أخوه الحارث الاعرج ، فنزل الجولان .
ثم ملك أخوه الحارث الاصغر .
ثم ملك جبلة بن المنذر .
ثم ملك الحارث بن جبلة .
ثم ملك الايهم بن جبلة .
ثم جبلة بن الايهم .
وكان الحارث بن أبي شمر بن الايهم مملكا بالاردن ، وكان منزل جبلة
دمشق ، وفي جبلة بن الايهم وأهله يقول حسان بن ثابت :
لله در عصابة نادمتهم * يوما بجلق ، في الزمان الاول
ـ208ـ
بيض الوجوه كريمة أحسابهم * شم الانوف من الطراز الاول
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ، * قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتى ما تهر كلابهم ، * لايسألون عن السواد المقبل
يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل
ملوك الحيرة من اليمن
قالت الرواة ، وأهل العلم : انه لما تفرق أهل اليمن قدم مالك بن فهم
ابن غنم بن دوس ، حتى نزل أرض العراق في أيام ملوك الطوائف ، فأصاب
قوما من العرب من معد وغيرهم بالجزيرة فملكوه عشرين سنة
ثم أقبل جذيمة الابرش ، فتكهن ، وعمل صنمين يقال لهما الضيزنان ،
فاستهوى احياء من احياء العرب ، حتى صار بهم إلى أرض العراق ، وبها دار
اياد بن نزار ، وكانت ديارهم بين أرض الجزيرة إلى أرض البصرة ، فحاربوه ،
حتى إذا صار إلى ناحية يقال لها بقة على شط الفرات ، بالرب من الانبار ،
وكان يملك الناحية امرأة يقال لها الزباء ، وكانت شديدة الزهادة في الرجال ،
فلما صار جذيمة إلى أرض الانبار ، واجتمع له من أجناده ما اجتمع ، قال
لاصحابه : اني قد عزمت على أن أرسل إلى الزباء ، فأتزوجها ، وأجمع ملكها
إلى ملكي ! فقال غلام له يقال له قصير : ان الزباء لو كانت ممن تنكح
الرجال لسبقت إليها ! فكتب إليها ، فكتبت إليه : ان أقبل إلي أزوجك نفسي !
فارتحل إليها ، فقال له قصير : لم أر رجلا يزف إلى امرأة قبلك ، وهذه فرسك
العصا قد صنعتها ، فاركبها ، وانج بنفسك ! فلم يفعل ، فلما دخل عليها
ـ209ـ
كشفت عن فخذها ، فقالت : اداب عروس ترى ؟ قال : دأب فاجرة ،
بظراء ، غادرة . فقطعته الزباء ، وركب قصير الفرس العصا ونجا .
ولما قتل جذيمة ملك مكانه ابن أخته عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن
عمرو بن الحارث بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم ، فقال قصير لعمرو :
لاتعصني أنت ! قال : قل ما بدا لك ! قال : اجدع أنفي ، واقطع أذني ،
وخلني ! ففعل ذلك ، فصار إلى الزباء ، وقال : اني كنت من النصح لجذيمة
على ما رأيت ، ولعمرو ابن أخته ، حتى ملكته ، فكان جزائي عنده أن فعل
بي ما ترين ، فجئتك لاكون في خدمتك ، ولعل الله أن يجري قتل عمرو على
يدك .
ولم يزل يحتال لها حتى وجهته في تجارة فأتاها بأموال كثيرة مرة بعد مرة ،
فأعجبها ذلك ، فوثقت به ، فلما استحكمت ثقتها به صار إلى عمرو ، فقال :
اقعد الرجال في الصناديق ! فحمل أربعة آلاف رجل على ألفي جمل ، معهم
السيوف ، ثم أدخلهم مدينتها ، وفيهم عمرو ، وفرق الصناديق في منازل
أصحابها ، وأدخل عدة منها دارها ، فلما كان الليل خرجوا ، وقتلوا الزباء
وخلقا من أهل مملكتها . وملك عمرو بن عدي خمسا وخمسين سنة .
ثم ملك امرؤ القيس بن عمرو خمسا وثلاثين سنة .
ثم ملك أخوه الحارث بن عمرو سبعا وثمانين سنة .
ثم ملك عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي أربعين سنة .
ثم ملك المنذر بن امرئ القيس ، وهو محرق ، وإنما سمي محرقا لانه
أخذ قوما حاربوه ، فحرقهم ، فسمي لذلك محرقا .
ثم ملك النعمان ، وهو الذي بنى الخورنق ، فبينما هو جالس ينظر منه
إلى ما بين يديه من الفرات وما عليه من النخل والاجنة والاشجار ، إذ ذكر
الموت ، فقال : وما ينفع هذا مع نزول الموت وفراق الدنيا ! فتنسك ، واعتزل
الملك ، وإياه عنى عدي بن زيد حيث يقول :
ـ210ـ
وتفكر رب الخورنق إذ أش * - رف يوما وللهدى تفكير
سره حاله ، وكثرة ما يم * - لك ، والبحر معرض ، والسدير
فارعوى قلبه ، وقال : وما غب * طة حي إلى الممات يصير ؟
وملك بعده المنذر بن النعمان ثلاثين سنة .
ثم ملك عمرو بن المنذر ، وهو الذي قتل الحارث بن ظالم عنده خالد بن
جعفر بن كلاب ، فنذر دمه ، وطلبه ، فطلب الحارث ابنه ، وكان مسترضعا
في آل سنان ، فقتله .
ثم ملك عمرو بن المنذر الثاني ، وهو ابن هند ، وكان يلقب مضرط الحجارة ،
وكان قد جعل الدهر يومين : يوما يصيد فيه ، ويوما يشرب ، فإذا جلس لشربه
أخذ الناس بالوقوف على بابه ، حتى يرتفع مجلس شرابه ، فقال فيه طرفة بن
العبد :
فليت لنا مكان الملك عمرو * رغوثا ، حول حجرتنا تخور
قسمت الدهر في زمن رخي ، * كذاك الدهر يعدل ، أو يجور
من الزمرات أسبل قادماها ، * فضرتها مركنة درور
لعمرك ! إن قابوس بن هند * ليخلط ملكه نوك كثير
لنا يوم ، وللكروان يوم ، تطير البائسات ، ولا نطير
فأما يومهن ، فيوم سوء ، * تطاردهن بالخسف الصقور
وأما يومنا ، فنظل ركبا ، * وقوفا لانحل ، ولا نسير
ولم يزل طرفة يهجوه ويهجو أخاه قابوسا ، ويذكرهما بالقبيح ، ويشبب
بأخت عمرو ، ويذكرها بالعظيم ، فكان مما قال فيه :
إن شرار الملوك قد علموا * طرا ، وأدناهم من الدنس
ـ211ـ
عمرو ، وقابوس ، وابن أمهما ، * من يأتهم للخنا بمحتبس
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 211 سطر 1 الى ص 220 سطر 19
عمرو ، وقابوس ، وابن أمهما ، * من يأتهم للخنا بمحتبس
يأت الذي لاتخاف سبته ، * عمرو وقابوس قينتا عرس
يصبح عمرو على الامور ، وقد * خضخض ما للرجال كالفرس
وكان المتلمس حليفا لطرفة ، فكان يساعده على هجائه ، فقال لهما عمرو :
قد طال ثواكما ، ولا مال قبلي ، ولكن قد كتبت لكما إلى عاملي بالبحرين
يدفع لكل واحد منكما مائة ألف درهم ، فأخذ كل واحد منهما صحيفة ،
فاستراب المتلمس بأمره ، فلما صارا عند نهر الحيرة لقيا غلاما عباديا فقال له
المتلمس : أتحسن أن تقرأ ؟ قال : نعم ! قال : اقرأ هذه الصحيفة ! فإذا فيها :
إذا أتاك المتلمس ، فاقطع يديه ورجليه ، فطرح الصحيفة ، وقال لطرفة :
في صحيفتك مثل هذا ، قال : ليس يجترئ على قومي بهذا ، وأنا بذلك البلد
أعز منه . فمضى طرفة إلى عامل البحرين ، فلما قرأ صحيفته قطع يديه
ورجليه ، وصلبه .
ثم ملك أخوه قابوس بن المنذر .
ثم ملك المنذر بن المنذر أربع سنين ، وكان هؤلاء الملوك من قبل الاكاسرة
يؤدون إليهم الطاعة ، ويحملون الخراج .
وكانت قبائل معد مجتمعة عليهم ، وكان أشدها امتناعا غطفان وأسد بن
خزيمة ، وكان يأتيهم الرجل من معد على جهة الزيارة ، فيحيونه ، ويكرمونه ،
وكان ضمن اياهم من رؤساء القبائل الربيع بن زياد العبسي ، والحارث بن ظالم
المري ، وسنان بن أبي حارثة ، والنابغة الذبياني الشاعر ، وكانت الملوك تعظم
الشعراء ، وترفع أقدارهم لما يبقون لهم من المدح والذكر ، فكان النابغة مقدما
عند ملوكهم ، ثم شبب بامرأة المنذر في قصيدته التي يقول فيها :
سقط النصيف ، ولم ترد إسقاطه ، * فتناولته واتقتنا باليد
ـ212ـ
فنذر المنذر دمه ، فهرب إلى الشأم إلى ملوك غسان ، ثم اعتذر إلى المنذر
يعشره الذي يقول فيه :
فإنك كالليل الذي هو مدركي ، * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
ويقول :
نبئت أن أبا قابوس أوعدني ، * ولا قرار على زأر من الاسد
وكان مع المنذر أهل بيت من بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم ، وكان
من أهل ذلك البيت عدي بن زيد العبادي ، وكان خطيبا شاعرا قد كتب العربية
والفارسية ، وكان المنذر قد جعل عندهم ابنه النعمان ، فأرضعوه ، وكان في
حجورهم ، فكتب كسرى إلى المنذر أن يبعث له بقوم من العرب يترجمون
الكتب له ، فبعث بعدي بن زيد وأخوين له ، فكانوا في كتابه يترجمون له ،
فلما مات المنذر قال كسرى لعدي بن زيد : هل بقي أحد من أهل هذا البيت
يصلح للملك ؟ قال : نعم ! ان للمنذر ثلاثة عشر ولدا ، كلهم يصلح لما
يريد الملك ، فبعث ، فأقدمهم ، وكانوا من أجمل أهل بيت المنذر ، إلا ما
كان من النعمان ، فإنه كان أحمر ابرش قصيرا ، فكان أهل بيت عدي بن
زيد الذين ربوه ، وأمه سبية يقال لها سلمى ، يقال انها من كلب ،
فأنزلهم عدي بن زيد كل واحد على حدته ، وكان يفضل اخوة النعمان عليه
في النزل ، ويريهم انه لايرجوه ، ويخلو بهم رجلا رجلا ، ويقول لهم :
ان سألكم الملك هل تكفوني العرب ؟ فقولوا له : لن نكفيكهم ، إلا النعمان .
وقال للنعمان : ان سألك الملك عن إخوتك ، فقل : ان عجزت عنهم ، فأنا
عن العرب أعجز .
وكان من بني المنذر رجل يقال له الاسود ، وكانت أمه من بني الرباب ،
وكان من الرجال ، وكان يحضنه أهل بيت من الحيرة يقال لهم بنو مرينا ،
ـ213ـ
كانوا أشرافا ، وكان منهم رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا ، كان ماردا
شاعرا ، وكان يقول للاسود بن المنذر : أخي النعمان ، إنك قد عرفت اني لك
راج ، وان طلبتي إليك ورغبتي ان تخالف عدي بن زيد ، فإنه والله ما ينصحك
أبدا ! فلم يلتفت إلى قوله ، فلما أمر كسرى عدي بن زيد ان يدخلهم عليه ،
جعل يدخلهم رجلا رجلا ، فكان يرى رجالا ما رأى مثلهم ، فإذا سألهم : هل
تكفوني ما كنتم تكفون ؟ قالوا : لن نكفيك العرب ، إلا النعمان . فلما دخل
عليه النعمان رأى رجلا وسيما ، فكلمه فقال : هل تستطيع أن تكفيني العرب ؟
قال : نعم ! قال : فكيف تصنع بإخوتك ؟ قال : ان عجزت عنهم ، فأنا عن
غيرهم أعجز ! فملكه ، وكساه وألبسه اللؤلؤ ، فلما خرج وقد ملك
قال عدي بن أوس بن مرينا للاسود : دونك قد خالفت الرأي .
ومضى النعمان مملكا على عدي بن مرينا ، فأمر قوما من خاصة النعمان
وأصحابه أن يذكروا عدي بن زيد عنده ، ويقولوا : انه يزعم ان الملك
عامله ، وانه هو ولاه ، ولولاه ما ولي ، وكلاما نحو هذا ، فلم يزالوا يتكلمون
بحضرة النعمان ، حتى احفظوه وأغضبوه على عدي بن زيد ، فكتب النعمان
إلى عدي : عزمت عليك إلا زرتني ! فاستأذن كسرى ، وقدم عليه ، فلما
صار إلى النعمان أمر بحبسه في حبس لايصل إليه فيه أحد .
وكان له مع كسرى أخوان يقال لاحدهما أبي والآخر سمي ، وكانا
عند كسرى ، وكان أحدهما يسره هلاكه ، والآخر يحب صلاحه ، فجعل
عدي يقول الشعر في محبسه ، ويستعطف النعمان ، ويذكر له حرمته ، ويغظه
بذكر الملوك المتقدمين ، فلم ينفعه ذلك ، وجعل أعداؤه من آل مرينا يحملون
عليه النعمان ، ويقولون له : ان افلت قتلك ، وكان سبب هلاكك ، فلما يئس
عدي أن يجد عند النعمان خيرا كتب إلى أخيه :
أبلغ أبيا على نأيه ، * وهل ينفع المرء ما قد علم
ـ214ـ
بأن أخاك شقيق الفؤا * د وكنت به والها ما سلم
لدى ملك موثق بالحدي * د ، إما بحق ، وإما ظلم
فلا تلفين كذاك الغلا * م الا تجد عارما يعتزم
فأرضك أرضك إن تأتنا * تنم نومة ليس فيها حلم
وكتب إلى ابنه عمرو بن عدي ، وكانت له ناحية من كسرى :
لمن ليل بذي حبس طويل ، عظيم شقه ، حزن ، دخيل
وما ظلم امرئ في الجيد غل ، * وفي الساقين ذو حلق طويل
ألا هبلتك أمك ، عمرو بعدي ! * أتقعد لا أفك ، ولا تصول
ألم يحزنك أن أباك عان ، * وأنت مغيب غالتك غول
تغنيك ابنة القين ابن جسر ، * وفي كلب فيصحبك الشمول
فلو كنت الاسير ، ولا تكنه ، إذا علمت معد ما أقول
وإن أهلك ، فقد أبليت قومي * بلاء كله حسن جميل
وما قصرت في طلب المعالي ، * فتقصرني المنية ، أو تطول
فقام أخوه وابنه ومن معهما إلى كسرى فكلماه في أمره ، فكتب كسرى
إلى النعمان يأمره بتخلية سبيله ، ووجه في ذلك رسولا قال : فسأل أبي بن زيد
الرسول أن يبتدئ بعدي ، فابتدأ الرسول به ، فقال عدي : انك ان فارقتني
قتلت ! قال : كلا ! انه لايجترئ النعمان على الملك ! فبلغ النعمان مصير
رسول كسرى إلى عدي ، فلما خرج من عنده ، وجه إليه النعمان من قتله ،
ووضع على وجهه وسادة ، حتى مات ، ثم قال للرسول : ان عديا قد مات ،
وأعطاه وأجازه ، وتوثق منه ألا يخبر كسرى إلا انه وجده ميتا ، وكتب إلى
كسرى انه مات .
وكان عمرو بن عدي يترجم الكتب لكسرى ، وطلب كسرى جارية ،
ـ215ـ
ووصف صفتها ، فلم توجد له ، فقال له عمرو بن عدي بن زيد : أيها الملك !
عند عبدك النعمان بنات له وقرابات على أكثر مما يطلب الملك ، ولكنه يرغب
بنفسه عن الملك ، ويزعم انه خير منه ، فوجه كسرى إلى النعمان يأمره أن
يبعث إليه ابنته ليتزوجها ، فقال النعمان : اما في عين السواد وفارس ما بلغ
الملك حاجته ؟ فلما انصرف الرسول خبر كسرى بقول النعمان ، فقال كسرى :
وما يعني بالعين ؟ قال عمرو بن عدي بن زيد : أراد البقر ، ذهابا بابنته عن
الملك ، فغضب كسرى ، وقال : رب عبد قد صار إلى أكبر من هذا ، ثم
صار أمره إلى تباب ! فبلغت النعمان ، فاستعد .
وأمسك عنه كسرى شهرا ، ثم كتب إليه بالقدوم عليه ، فعلم النعمان
ما أراد ، فحمل سلاحه وما قوي عليه ، ولحق بجبلي طي ، وكانت سعدى
بنت حارثة عنده ، فسأل طيئا أن يمنعوه من كسرى ، فقالوا : لا قوة لنا به !
فانصرف عنهم ، وجعلت العرب تمتنع من قبوله ، حتى نزل في بطن ذي قار ،
في بني شيبان ، فلقي هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن
شيبان ، فدفع إليه سلاحه ، وأودعه بنته وحرمته ، ومضى إلى كسرى ، فنزل
ببابه ، فأمر به ققيد ، ثم وجه به إلى خانقين ، فلقيه عمرو بن عدي بن زيد ،
فقال : يا نعيم ! تصغيرا به ، لقد شددت لك أواخي لايقلعها إلا المهر الارن !
فقال : أرجو أن تكون قد قرنتها بقارح ! فلما مضى به إلى خانقين طرح به
تحت الفيلة ، فداسته ، حتى قتلته ، وقرب للاسود فأكلته .
ووجه كسرى إلى هانئ بن مسعود : ان ابعث إلي مال عبدي الذي عندك
وسلاحه وبناته ، فلم يفعل هانئ ، فوجه إليه كسرى بجيش ، فاجتمعت
ربيعة ، وكانت وقعة ذي قار ، فمزقت العرب العجم ، وكان أول يوم ظفرت
فيه العرب بالعجم .
ويروى عن رسول الله أنه قال : هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من
العجم ، وبي نصروا .
ـ216ـ
حرب كندة
وكان بين كندة وحضرموت حروب أفنت عامتهم ، وكانت كندة قد
اجتمعت على رجلين أحدهما سعيد بن عمرو بن النعمان بن وهب ، وكان
على بني الحارث بن معاوية عمرو بن زيد ، وشرحبيل بن الحارث على السكون ،
واجتمعت حضرموت على عدة رؤساء منهم : مسعر بن مستعر ، وسلامة
ابن حجر ، وشراحيل بن مرة ، وعدة بعد هؤلاء ، فزال هؤلاء كلهم . وطالت
الحرب بينهم ، وفتنت رجالهم ، ودامت حتى ضرستهم ، وكثر القتل في كندة .
وملكث حضرموت علقمة بن ثعلب ، وهو يومئذ غلام ، فلانت كندة
بعض اللين وكرهت محاربة حضرموت ، ودخل أهل اليمن التشتيت والتفريق ،
فلما افترق أهل اليمن وانتشروا في البلاد ملك كل قوم عظيمهم ، وصارت
كندة إلى أرض معد ، فجاورتهم ، ثم ملكوا رجلا منهم كان أول ملوكهم
يقال له مرتع بن معاوية بن ثور ، فملك عشرين سنة .
ثم ملك ابنه ثور بن مرتع ، فلم يقم إلا يسيرا حتى مات ، فملك بعده
معاوية بن ثور .
ثم ملك الحارث بن معاوية ، فكان ملكه أربعين سنة .
ثم ملك وهب بن الحارث عشرين سنة .
ثم ملك بعده حجر بن عمرو ، آكل المرار ، ثلاثا وعشرين سنة ،
وهو الذي حالف بين كندة وربيعة ، وكان تحالفهم بالذنائب .
ثم ملك بعده عمرو بن حجر أربعين سنة ، وغزا الشأم ، ومعه ربيعة ،
فلقيه الحارث بن أبي شمر ، فقتله ، فملك بعده الحارث بن عمرو ، وأمه ابنة
عوف بن محلم الشيباني ، ونزل بالحيرة ، وفرق ملكه على ولده .
ـ217ـ
وكان له أربعة أولاد : حجر ، وشرحبيل ، وسلمة الغلفاء ، ومعديكرب ،
فملك حجرا في أسد وكنانة ، وملك شرحبيل على غنم وطئ والرباب ، وملك
سلمة الغلفاء على تغلب والنمر بن قاسط ، وملك معديكرب على قيس بن
عيلان ، وكانوا يحاورون ملوك الحيرة ، فقتل الحارث ، وقام ولده بما كان في
أيديهم ، وصبروا على قتال المنذر ، حتى كافأوه .
فلما رأى المنذر تغلبهم على أرض العرب نفسهم ذلك ، وأوقع بينهم
الشرور ، فوجه إلى سلمة الغلفاء بهدايا ، ثم دس إلى شرحبيل من قال له :
ان سلمة أكبر منك ، وهذه الهدايا تأتيه من المنذر ، فقطع الهدايا ، فأخذها ،
ثم أغرى بينهما ، حتى تحاربا ، فقتل شرحبيل ، فكانت معه تميم وضبة ،
فلما قتل خاف الناس أن يقولوا لاخيه سلمة : ان أخاك قد قتل ، وجعل يسمع
قولهم ، فجزع لقتل أخيه ، وندم على ان المنذر إنما أراد أن يقتل بعضهم
بعضا ، فقال :
إن جنبي عن الفراش لناب ، * كتجافي الاسر فوق الظراب
من حديث نمى إلي ، فما ير * قأ دمعي ، ولا أسبغ شرابي
وتنكرت بنو أسد بحجر بن عمرو ، وساءت سيرته فيهم ، وكانت عنده
فاطمة بنت ربيعة ، أخت كليب ومهلهل ، فولدت له هندا ، فلما خاف على
نفسه حملها ، فاجتمعت بنو أسد على قتله ، فقتلوه ، وادعى قبائل من بني أسد
قتل حجر ، وكان القائم بأمر بني أسد علباء بن الحارث أحد بني ثعلبة .
وكان امرؤ القيس بن حجر غائبا ، فلما بلغه مقتل أبيه جمع جمعا ،
وقصد لبني أسد ، فلما كان في الليلة التي أراد أن يغير عليهم في صبيحتها نزل
بجمعه ذلك ، فذعر القطا ، فطار عن مجاثمه ، فمر ببني أسد ، فقالت بنت علباء :
ما رأيت كالليلة قطا أكثر ! فقال علباء : لو ترك القطا لغفا ونام ،
فارسلها مثلا .
ـ218ـ
وعرف أن جيشا قد قرب منه ، فارتحل ، وأصبح امرؤ القيس ، فأوقع
بكنانة ، فأصاب فيهم وجعل يقول : يا للثارات ! فقالوا : والله ما نحن إلا من
كنانة ! فقال :
ألا يا لهف نفسي ، بعد قوم ، * هم كانوا الشفاء ، فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم ، * وبالاشقين ما كان العقاب
وأفلتهن علباء جريضا ، * ولو أدركنه صفر الوطاب
وفي هذا الوقت يقول عبيد بن الابرص الاسدي لامرئ القيس بن حجر
في قصيدة طويلة :
يا هذا المعيرنا بقت * ل أبيه إذلالا وحينا
أزعمت أنك قد قتل * ت سراتنا كذبا ومينا
هلا على حجر بن أ * م قطام تبكي لا علينا
إنا إذا عض الثقا * ف برأس صعدتنا لوينا
نحمي حقيقتنا ، وبع * ض القوم يسقط بين بينا
وفي هذا يقول أيضا عبيد في قصيدة له طويلة :
يا أيها السائل عن مجدنا ! * إنك مستغبى بنا جاهل
إن كنت لم تأتك أنباؤنا * فاسأل بنا يا أيها السائل
سائل بنا حجرا ، غداة الوغى ، * يوم يؤتى جمعه الحافل
يوم لقوا سعدا على مأقط ، * وحاولت من خلفه كاهل
فأوردوا سربا له ذبلا ، * كأنهن اللهب الشاعل
ومضى امرؤ القيس إلى اليمن لما لم يكن به قوة على بني أسد ومن معهم من
ـ219ـ
قيس ، فأقام زمانا ، وكان يد من مع ندامى له ، فأشرف يوما ، فإذا براكب
مقبل ، فسأله : من أين أقبلت ؟ قال : من نجد ! فسقاه مما كان يشرب ،
فلما أخذت منه الخمرة رفع عقيرته ، وقال :
سقينا امرأ القيس بن حجر بن حارث * كؤوس الشجا حتى تعود بالقهر
وألهاه شرب ناعم وقراقر ، * وأعياه ثأر كان يطلب في حجر
وذاك لعمري كان اسهل مشرعا * عليه من البيض الصوارم والسمر
ففزع امرؤ القيس لذلك ، ثم قال : يا أخا أهل الحجاز ! من قائل هذا
الشعر ؟ قال : عبيد بن الابرص . قال : صدقت ! ثم ركب ، واستنجد قومه ،
فأمدوه بخمسمائة من مذحج ، فخرج إلى أرض معد ، فأوقع بقبائل من معد ،
وقتل الاشقر بن عمرو ، وهو سيد بني أسد ، وشرب في قحف رأسه ، وقال
امرؤ القيس في شعر له :
قولا لدودان : عبيد العصا ، * ما غركم بالاسد الباسل
يا أيها السائل عن شأننا ، * ليس الذي يعلم كالجاهل
حلت لي الخمر ، وكنت امرا * عن شربها في شغل شاغل
وطلب قبائل معد امرأ القيس ، وذهب من كان معه ، وبلغه ان المنذر ملك
الحيرة قد نذر دمه ، فأراد الرجوع إلى اليمن ، فخاف حضرموت ، وطلبته
بنو أسد وقبائل معد ، فلما علم أنه لاقوة به على طلب المنذر واجتماع قبائل
معد على طلبه ، ولم يمكنه الرجوع ، سار إلى سعد بن الضباب الايادي ، وكان
عاملا لكسرى على بعض كور العراق ، فاستتر عنده حينا ، حتى مات سعد
ابن الضباب ، فلما مات سعد خرج امرؤ القيس إلى جبلي طي ، فلقي طريف
ابن . . . . ( 1 ) الطائي ، فسأله أن يجيره ، فقال : والله ما لي من الجبلين إلا
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ220ـ
ضع ناري ! فنزل بقوم من طئ ثم لم يزل ينتقل في طئ مرة ، وفي جديلة
مرة وفي نبهان مرة ، حتى صار إلى تيماء ، فنزل بالسموأل بن عادياء ،
فسأله أن يجيره ، فقال له : أنا لا أجير على الملوك ، ولا أطيق حربهم ،
فأودعه ادراعا ، وانصرف عنه يريد ملك الروم ، حتى صار إلى قيصر ملك
الروم ، فاستنصره ، فوجه معه تسعمائة من أبناء البطارقة .
وكان امرؤ القيس قد مدح قيصر فسار الطماح الاسدي إلى قيصر فقال له :
ان امرأ القيس شتمك في شعره وزعم انك علج اغلف . فوجه قيصر إلى امرئ
القيس بحلة قد نضح فيها السم ، فلما ألبسها تقطع جلده وأيقن بالموت فقال :
تأوبني دائي القديم فغلسا ، * أحاذر أن يزداد دائي ، فأنكسا
لقد طمح الطماح ، من بعد أرضه * ليلبسني من دائه ما تلبسا
فلو أنها نفس تموت جميعة ، ولكنها نفس تساقط أنفسها
وهذه الابيات في قصيدة له طويلة . وقال أيضا في حاله تلك :
ألا أبلغ بني حجر بن عمرو * وأبلغ ذلك الحي الحريدا
بأني قد بقيت بقاء نفس ، * ولم أخلق سلاما أو حديدا
ولو أني هلكت بأرض قومي * لقلت الموت حق لاخلودا
ولكني هلكت بأرض قوم ، * سحيقا ، من دياركم ، بعيدا
بأرض الشأم لانسب قريب ، * ولا شاف فيسعف أو يجودا
ومات امرؤ القيس بأنقره من أرض الروم .
ـ221ـ
ولد إسماعيل بن إبراهيم
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 221 سطر 1 الى ص 230 سطر 22
ولد إسماعيل بن إبراهيم
وإنما أخرنا خبر إسماعيل وولده ، وختمنا بهم أخبار الامم ، لان الله ،
عزوجل ، ختم بهم النبوة والملك ، واتصل خبرهم بخبر رسول الله والخلفاء .
ذكرت الرواة والعلماء : ان إسماعيل بن إبراهيم أول من نطق بالعربية ،
وعمر بيت الله الحرام بعد أبيه إبراهيم ، وقام بالمناسك ، وانه كان أول من
ركب الخيل العتاق ، وكانت قبل ذلك وحوشا لاتركب .
وقال بعضهم : ان إسماعيل أول من شق الله فاه باللسان العربي ، فلما
شب أعطاه الله القوس العربية ، فرمى عنها ، وكان لايرمي شيئا إلا أصابه ،
فلما بلغ أخرج الله من البحر مائة فرس ، فأقامت ترعى بمكة ما شاءالله ، ثم
ساقها الله إليه ، فأصبح وهي على بابه ، فرسنها وركبها ، وأنتجها ، وكانت
دواب الناس البراذين ، وركبها إسماعيل وبنوه وولده ، وفي إسماعيل يقول
بعض شعراء معد :
أبونا الذي لم تركب الخيل قبله ، * ولم يدر شيخ قبله كيف تركب
ويقال إنما سميت أجياد مكة لان الخيل كانت فيها ، فأوحى الله ،
عزوجل ، إلى إسماعيل أن يأتي الخيل ، فأتاها ، فلم تبق فرس إلا أمكنته
من ناصيتها ، فركبها وركبها ولده ، فكان إسماعيل أول من ركب الخيل ،
وأول من اتخذها ، وأول من نفى أهل المعاصي عن الحرم ، فقال : أعربه !
فسميت العربة بذلك .
وكان ولد جرهم بن عامر ، لما صار إخوتهم من بني قحطان بن عامر إلى
اليمن ، فملكوا ، صاروا هم إلى أرض تهامة ، فجاوروا إسماعيل بن إبراهيم ،
ـ222ـ
فتزوج إسماعيل الحنفاء بنت الحارث بن مضاض الجرهمي ، فولدت له اثني
عشر ذكرا ، وهم : قيدار ، ونابت ، وادبيل ، ومبشام ، ومسمع ، ودوما ،
ومسا ، وحداد ، وتيما ، ويطور ، ونافس ، وقيدما ، وهذه الاسماء تختلف
في الهجاء واللغة لانها مترجمة من العبرانية ، فلما كملت لاسماعيل مائة وثلاثون
سنة توفي ، فدفن في الحجر ، فلما توفي إسماعيل ولي البيت بعده نابت بن
إسماعيل ، ويقال وليه قيدار ، وبعد قيدار نابت بن إسماعيل .
وافترق ولد إسماعيل يطلبون السعة في البلاد ، وحبس قوم أنفسهم على
الحرم ، فقالوا : لانبرح من حرم الله . ولما توفي نابت ، وقد تفرق ولد
إسماعيل ، ولي البيت المضاض بن عمرو الجرهمي ، جد ولد إسماعيل ،
وذلك ان من بقي في الحرم من ولد إسماعيل كانوا صغارا ، فلما ولي المضاض
نازعه السميدع بن هوبر ، ثم ظهر عليه المضاض ، فمضى السميدع إلى الشأم ،
وهو أحد ملوك العمالقة ، واستقام الامر لمضاض حتى توفي .
ثم ملك بعده الحارث بن مضاض ، ثم ملك عمرو بن الحارث بن مضاض ،
ثم ملك المعتسم بن الظليم ، ثم ملك الحواس بن جحش بن مضاض ، ثم ملك
عداد بن صداد بن جندل بن مضاض ، ثم ملك ؟ فنحص ( 1 ) بن عداد بن صداد ،
ثم ملك الحارث بن مضاض بن عمرو ، وكان آخر من ملك من جرهم .
وطغت جرهم ، وبغت ، وظلمت ، وفسقت في الحرم ، فسلط الله عليهم
الذر ، فأهلكوا به عن آخرهم ، وكان ولد إسماعيل منتشرين في البلاد يقهرون
من ناوأهم ، غيرانهم كانوا يسلمون الملك لجرهم للخؤولة ، وكانت جرهم
تطيعهم في أيامهم ، ولم يكن أحد يقوم بأمر الكعبة في أيام جرهم غير ولد
إسماعيل تعظيما منهم لهم ، ومعرفة بقدرهم ، فقام بأمر الكعبة بعد نابت أمين ،
ثم يشجب بن أمين ، ثم الهميسع ، ثم أدد ، فعظم شأنه في قومه ، وجل قدره ،
وأنكر على جرهم أفعالها ، وهلكت جرهم في عصره ، ثم عدنان بن أدد ،
* ( هامش ) * 1 ) هكذا بدون نقط في الاصل ( * ) .
ـ223ـ
ثم معد بن عدنان ، ثم افترق ولد عدنان في البلاد ، ولحق قوم منهم باليمن ،
منهم : عك ، والديث ، والنعمان ، فولد لعك من بنت ارغم بن جماهر
الاشعري ، ثم هلك ، وبقي ولده بعده ، فانتموا إلى الاخوال والدار .
وكان عدنان أول من وضع الانصاب وكسا الكعبة ، وكان معد بن عدنان
أشرف ولد إسماعيل في عصره ، وكانت أمه من جرهم ، ولم يبرح الحرم ،
فكان له من الولد عشرة أولاد ، وهم : نزار ، وقضاعة ، وعبيد الرماح ،
وقنص ، وقناصة ، وجنادة ، وعوف ، وأود ، وسلهم ، وجنب ، وكان
معد يكنى أبا قضاعة ، فانتسب عامة ولد معد في اليمن ، وكان لهم عدد
كثير ، وانتمت قضاعة إلى ملك حمير ، وقضاعة ، فيما يقال ، ولد على فراش
معد ، وكان معد أول من وضع رحلا على جمل وناقة ، وأول من زمها
بالنسع .
وكان نزار بن معد سيد بني أبيه وعظيمهم ، ومقامه بمكة ، وأمه ناعمة
بنت جوشم بن عدي بن دب الجرهمية ، وكان له من الولد أربعة : مضر ،
واياد ، وربيعة ، وأنمار ، وأمهم سودة بنت عك بن عدنان ، ويقال ان
أم مضر واياد حيية بنت عك بن عدنان ، وأم ربيعة وانمار جدالة بنت وعلان
ابن جوشم الجرهمي .
ولما حضرت نزار الوفاة قسم ميراثه على ولده الاربعة ، فأعطى مضر
وإيادا وربيعة وانمارا ماله ، فمضر وربيعة : الصريحان من ولد إسماعيل ،
فأعطى مضر ناقته الحمراء وما أشبهها من الحمرة ، فسمي مضر الحمراء ،
وأعطى ربيعة الفرس وما أشبهها ، فسمي ربيعة الفرس ، وأعطى إيادا غنمه
وعصاه ، وكانت الغنم برقاء ، فسمي إياد البرقاء ويقال إياد العصا ، وأعطى
انمارا جارية له تسمى بجيلة فسمي بها ، وامرهم إن تخالفوا ان يتحاكموا إلى
الافعى بن الافعى الجرهمي ، فكان منزله بنجران ، فتحاكموا إليه .
فأما انمار بن نزار ، فإنه تزوج في اليمن ، فانتسب ولده إلى الخوؤلة ،
ـ224ـ
فمنهم : بجيلة وخثعم لم يخرج من ولد نزار غيرهم .
وأما ربيعة بن نزار ، فإنه فارق إخوته ، فصار مما يلي بطن عرق إلى
بطن الفرات ، فولد له أولاد منهم : أسد ، وضبيعة ، وأكلب ، وتسعة
بعدها ، ولا ينسبون في اليمن .
وانتشر ولد ربيعة بن نزار وولد ولده حتى كثروا ، وامتلات منهم البلاد ،
فجماهير قبائل ربيعة : بهثة بن وهب بن جلي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة ،
وعنزة بن أسد بن ربيعة ، و عبدالقيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد
ابن ربيعة ، ويشكر بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى ، وحنيفة
ابن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط ، وعجل بن لجيم
ابن صعب بن علي بن بكر ، وقيس بن ثعلبة بن عكابة بن علي بن بكر ،
وتيم اللات بن ثعلبة بن عكابة .
وكانت الحكومة والرئاسة من ربيعة في بني ضبيعة ولد بهثة بن وهب بن
جلي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة ، ثم تحولت الحكومة والرئاسة في ولد
عنزة بن أسد بن ربيعة ، ثم تحولت في عبدالقيس بن أفصى بن دعمي بن
جديلة بن أسد بن ربيعة ، ثم سارت عبدالقيس ، حتى نزلت اليمامة بسبب
حرب كانت بينهم وبين بني النمر بن قاسط ، وكانت إياد باليمامة ، فأجلوهم ،
ثم صارت الرئاسة في النمر بن قاسط ، ثم تحولت من النمر بن قاسط ، فصارت
في بني يشكر بن صعب بن علي بن بكر ، ثم تحولت الرئاسة من يشكر بن صعب ،
فصارت في بني تغلب ، ثم صارت في بني شيبان .
وكانت لربيعة أيام مشهورة وحروب معروفة ، فمن مشهور أيامهم :
يوم السلان ، فإن مذحج أقبلت تريد غزو أهل تهامة ومن بها من أولاد معد ،
فاجتمع ولد معد لحرب مذحج ، وكان أكثرهم ربيعة ، فرأسوا عليهم ربيعة
ابن الحارث بن مرة بن زهير بن جشم بن بكر ، فالتقوا ومذحج بالسلان ،
فهزموا مذحجا ، وكان لهم الظفر .
ـ225ـ
وأما يوم خزاز ، فإن اليمن أقبلت ، وعليهم سلمة بن الحارث بن عمرو
الكندي ، فرأست ولد معد كليب بن ربيعة بن الحارث بن مرة ، فلما رأى
سلمة كثرة القوم استجار ببعض الملوك ، فأمده ، فالتقوا بخزاز ، وعلى ولد
معد كليب ، ففضت جموع اليمن .
وأما يوم الكلاب ، فإن سلمة وشرحبيل ابني الحارث بن عمرو الكندي
تحاربا ، فكان مع سلمة ربيعة ومع شرحبيل قيس ، فكثرت ربيعة قيسا ، فقتلت
شرحبيل بن الحارث بن عمرو ، وكان لهم العلو .
وأما أيام البسوس فإنها بين بني شيبان وتغلب بسبب قتل جساس بن مرة
ابن ذهل بن شيبان كليب بن ربيعة بن الحارث بن مرة بن زهير بن جشم
التغلبي ، فاشتبكت الحرب ، واتصلت حتى أفنتهم ، ودامت أربعين سنة .
وأما يوم ذي قار ، فإنه لما قتل كسرى ابرويز النعمان بن المنذر بعث
إلى هانئ بن مسعود الشيباني : ابن ابعث إلي ما كان عبدي النعمان استودعك
من أهله وماله وسلاحه ، وكان النعمان أودعه ابنته وأربعة آلاف درع ، فأبى
هانئ وقومه أن يفعلوا ، فوجه كسرى بالجيوش من العرب والعجم ، فالتقوا
بذي قار ، فأتاهم حنظلة بن ثعلبة العجلي ، فقلدوه أمرهم ، فقالوا لهانئ :
ذمتك ذمتنا ، ولانخفر ذمتنا ، فحاربوا الفرس ، فهزموهم ومن معهم من
العرب ، وكان مع الفرس إياس بن قبيصة الطائي وغيره من إخوة معد ، وقحطان ،
فأتى عمرو بن عدي بن زيد كسرى ، وأخبره الخبر ، فخلع كتفه ، فمات ،
فكان أول يوم انتصرت فيه العرب من العجم .
وأما إياد بن نزار ، فإنه نزل اليمامة ، فولد له أولاد انتسبوا في القبائل ،
فيقول النسابون : ان ثقيفا قسي بن النبت بن منبه بن منصور بن يقدم
ابن أفصى بن دعمي بن إياد ، وإنهم انتسبوا إلى قيس .
وكانت ديار إياد ، بعد اليمامة ، الحيرة ، ومنازلهم الخورنق والسدير
وبارق ، ثم أجلاهم كسرى عن ديارهم ، فأنزلهم تكريت ، مدينة قديمة على
ـ226ـ
شط دجلة ، ثم أخرجهم عن تكريت إلى بلاد الروم ، فنزلوا بأنقرة من أرض
الروم ، ورئيسهم يومئذ كعب بن مامة ، ثم خرجوا بعد ذلك ، فجماهير
قبائل إياد أربعة : مالك ، وحذاقة ، ويقدم ، ونزار ، فهذه بطون إياد ،
وفيهم يقول الاسود بن يعفر التميمي :
أهل الخورنق والسدير وبارق ، * والقصر ذي الشرفات من سنداد
الواطئون على صدور نعالهم ، * يمشون في الدفني والابراد
عفت الرياح على محل ديارهم ، * فكأنما كانوا على ميعاد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم * ماء الفرات يجئ من أطواد
بلد تخيرها ، لطول مقيلها ، * كعب بن مامة وابن أم دؤاد
وذكر أبودؤاد الايادي بعض ذلك ، وكان أبودؤاد أشعر شعرائهم ،
وبعده لقيط بالعراق ، فلما بلغه أن كسرى آلى على نفسه أن ينفي آيادا من
تكريت ، وهي من أرض الموصل ، كتب صحيفة بعث بها إليهم ، وفيها :
سلام في الصحيفة من لقيط * إلى من بالجزيرة من إياد
فإن الليث يأتيكم بياتا ، * فلا يشغلكم سوق النقاد
أتاكم منهم سبعون ألفا ، * يزجون الكتائب كالجراد
وأما مضر بن نزار ، فسيد ولد أبيه ، وكان كريما حكيما ، ويروى عنه
انه قال لولده : من يزرع شرا يحصد ندامة ، وخير الخير أعلجه ، فاحملوا
أنفسكم على مكروهها ، فيما أصلحكم ، واصرفوها عن هواها ، فيما أفسدكم ،
فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر ووقاية .
وروي أن رسول الله قال : لاتسبوا مضر وربيعة ، فإنهما كانا مسلمين ،
وفي حديث آخر : فإنهما كانا على دين إبراهيم ، فولد مضر بن نزار الياس
ـ227ـ
ابن مضر وعيلان بن مضر ، وأمهما الحنفاء بنت إياد بن معد ، فولد عيلان
ابن مضر قيس بن عيلان ، فانتشر ولده وكثروا ، وصار فيه العدد والمنعة ،
فجماهير قبائل قيس بن عيلان : عدوان بن عمرو بن قيس ، وفهم بن عمرو
ابن قيس ، ومحارب بن خصفة بن قيس ، وباهلة بن اعصر بن سعد بن قيس ،
وفزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس ، وسليم بن
منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس ، وعامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر
ابن هوازن ، ومازن بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن
عكرمة بن خصفة بن قيس ، وسلول بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ،
وثقيف ، وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوازن ، وثقيف ينسب إلى إياد بن
نزار ، وكلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ، وعقيل بن كعب بن ربيعة بن
عامر بن صعصعة ، وقشير بن كعب بن ربيعة ، والحريش بن كعب بن ربيعة
ابن عامر ، وعوف بن عامر بن ربيعة بن عامر ، والبكاء بن عامر بن ربيعة .
وكانت الرئاسة والحكومة في قيس ، وانتقلت في عدوان ، وكان أول من
حكم منهم ورأس : عامر بن الضرب ، ثم صارت في فزارة ، ثم صارت
في عبس ، ثم صارت في بني عامر بن صعصعة ، ولم تزل فيهم .
وكانت لقيس أيام مشهورة وحروب متصلة منها : يوم البيداء ، ويوم
شعب جبلة ، ويوم الهباءة ، ويوم الرقم ، ويوم فيف الريح ، ويوم
الملبط ، ويوم رحرحان ، ويوم العرى ، ويوم حرب داحس والغبراء
بين عبس وفزارة .
وكان الياس بن مضر قد شرف وبان فضله ، وكان أول من أنكر على بني
إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم ، وظهرت منه أمور جميلة ، حتى رضوا
به رضا لم يرضوه بأحد من ولد إسماعيل بعد أدد ، فردهم إلى سنن آبائهم حتى
رجعت سنتهم تامة على أولها ، وهو أول من أهدى البدن إلى البيت ، وأول
من وضع الركن بعد هلاك إبراهيم ، فكانت العرب تعظم الياس تعظيم أهل
ـ228ـ
الحكمة ، وكان لالياس من الولد : مدركة ، واسمه عامر ، وطابخة ، واسمه
عمرو ، وقمعة ، واسمه عمير ، وأمهم جميعا خندف ، واسمها ليلى بنت
حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة .
وكان إلياس قد أصابه السل ، فقالت خندف امرأته : لئن هلك لا أقمت
ببلد مات به ! وحلفت الا يظلها بيت ، وأن تسيح في الارض . فلما مات
خرجت سائحة في الارض حتى هلكت حزنا . وكانت وفاته يوم الخميس ،
فكانت تبكيه ، وإذا طلعت شمس ذلك اليوم بكت حتى تغيب ، فصارت مثلا .
وقيل لرجل من إياد هلكت امرأته : ألا تبكيها ؟ فقال :
لو انه أغنى بكيت كخندف * على الياس ، حتى ملها السر تندب
إذا مؤنس لاحت خراطيم شمسه * بكت غدوة حتى ترى الشمس تغرب
يعني بقوله مؤنس : يوم الخميس ، لان العرب كانت تسمي الايام بغير
أسمائها في هذا الوقت ، فكانت تسمي الاحد الاول ، والاثنين اهون ، والثلاثاء
جبار ، والاربعاء دبار ، والخميس مؤنسا ، والجمعة عروبة ، والسبت شيار ،
وكانوا يسمون أيام الشهر عشرة أسماء كل ثلاث ليال اسم ، فالثلاث التي
أول الهلال الغرر ، ثم النفل ، ثم التسع ، ثم العشر ، ثم البيض ، ثم الظلم ،
ثم الخنس ، ثم الحنادس ، ثم المحاق ، والآخر ليلة السرار ، إذا استسر
الهلال ، وكانوا يسمون المحرم مؤتمرا ، وصفرا ناجرا ، وربيعا الاول خوان ،
وربيعا الآخر وبصان ، وجمادى الاولى حنين ، وجمادى الآخرة ربى ،
ورجبا الاصم ، وشعبان العاذل ، ورمضان ناتقا ، وشوالا وعلا ، وذا
القعدة ورنة ، وذا الحجة بركا ، وكان آخرون من العرب يسمون الثلاث
ليال من أول الشهر هلالا ، ثم ثلاث قمر حين يقمر ، ثم ثلاث بهر حين يضئ
ويبهر لونه ، وثلاث نقل ، وثلاث بيض ، وثلاث درع ، وثلاث ظلم ،
وثلاث حنادس ، وثلاث دآدي ، وليلتان محاق ، وليلة سرار .
وولد لطابخة بن إلياس اد بن طابخة ، فتفرقت من ولد اد بن طباخة أربع
ـ229ـ
قبائل ، وهي : تميم بن مر بن اد ، والرباب ، وهو عبد مناة بن اد ، وضبة بن
أد ، ومزينة بن أد ، وكان العدد في تميم بن مر بن أد ، حتى امتلات منهم
البلاد ، وافترقت قبائل تميم ، فمن جماهير قبائل تميم : كعب بن سعد بن
زيد مناة ، وحنظلة بن مالك بن زيد مناة ، وهم يسمون البراجم ، وبنو دارم ،
وبنو زرارة بن عدس ، وبنو أسد ، وعمرو بن تميم ، فهؤلاء ولد أد بن
طابخة بن إلياس بن مضر ، وفيهم العدد والمنعة والبأس والنجدة والشعر والفصاحة ،
وكانت الرئاسة في تميم ، وكان أول رئيس فيهم : سعد بن زيد مناة بن تميم ،
ثم حنظلة بن مالك بن زيد مناة ، وكانت لهم أيام مشهورة وحروب معروفة ،
فمنها يوم الكلاب ، ويوم المروت ، ويوم جدود ، ويوم النسار .
وكان مدركة بن إلياس سيد ولد نزار قد بان فضله ، وظهر مجده ، وخرج
أخوه قمعة إلى خزاعة ، فتزوج فيهم ، وصار ينسب ولده معهم ، وكان ولده
فيهم ، وكان من ولده عمرو بن لحي بن قمعة ، وهو أول من غير دين إبراهيم ،
وولد مدركة بن إلياس خزيمة ، وهذيلا ، وحارثة ، وغالبا ، وأمهم سلمى
ابنة الاسود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة ، ويقال : بنت أسد بن ربيعة بن
نزار ، وأما حارثة فدرج صغيرا ، وأما غالب فانتسبوا في بني خزيمة ، وأما
هذيل بن مدركة ، فإن العدد منهم في بني سعد بن هذيل ، ثم تميم بن سعد ،
ثم في معاوية بن تميم ، والحارث بن تميم وهذيل شجعان أصحاب حروب
وغارات ونجدة وفصاحة وشعر .
وكان خزيمة أحد حكام العرب ، ومن يعد له الفضل والسؤدد ، فولد
خزيمة بن مدركة كنانة ، وأمه عوانة بنت قيس بن عيلان ، واسد والهون ،
وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة أخت تميم بن مر ، فأما أسد بن خزيمة ،
فإن ولده انتشروا في اليمن ، وهم : جذام ، ولخم ، وعاملة بنو عمرو بن
أسد ، وكانت مضر تدعي جذاما خاصة ، وبنو أسد مقيمون على أنهم منهم
يواصلونهم على ذلك ، ويعدونهم منهم ، قال امرؤ القيس بن حجر الكندي :
ـ230ـ
صبرنا عن عشيرتنا ، فبانوا ، * كما صبرت خزيمة عن جذام
وقال ع بدالمطلب بن هاشم في شعر له :
فقل لجذام إن أتيت بلادهم ، * وخص بني سعد بها ثم وائل
أنيلوا ، وأدنوا من وسائل قومكم * فيعطف منكم قبل قطع الوسائل
وقال عبيد بن الابرص في شعر له طويل :
أبلغ جذاما ولخما ان عرضت لهم ، * والقوم ينفعهم علم إذا علموا
بأنكم في كتاب الله إخوتنا ، إذا تقسمت الارحام والنسم
ويقال ان هذا الشعر لشمعان بن هبيرة الاسدي ، فأما جذام بن عدي
ابن الحارث ، فإنها مقيمة على نسبها في اليمن ، فتقول : جذام بن عدي بن
الحارث بن مرة بن أدد بن يشجب بن عريب بن مالك بن كهلان ، وكان لاسد
ابن خزيمة من الولد : دودان ، وكاهل ، وعمرو ، وهند ، والعصب ،
وتغلب ، وكان العدد في دودان ، ومنه افترقت قبائل بني أسد .
وقبائل بني اسد قعين ، وفقعس ، ومنقذ ، ودبان ، ووالبة ، ولاحق ،
وحرثان ، ورئاب ، وبنو الصيداء ، وكانت اسد منتشرة من لدن قصور
الحيرة إلى تهامة ، وكانت الطئ محالفة متفقة معها ، ودارهما تكاد ان تكون
واحدة ، وكانت محاربة لكندة ، حتى قتلت حجر بن الحارث بن عمرو الكندي ،
وهرب امرؤ القيس ، وذلت كندة ، ثم حاربت بني فزارة ، حتى قتلت بدر
ابن عمرو ، ثم اختلف الذي بينها وبين طئ ، فتحارب الحيان أسد وطئ
حتى قتلوا لام بن عمرو الطائي ، وأسروا زيد بن مهلهل ، وهو زيد الخيل ،
وأخذوا السبايا ، وقال زيد الخيل :
ألا أبلغ الاقياس : قيس بن نوفل * وقيس بن اهبان وقيس بن جابر
ـ231ـ
بني أسد ردوا علينا نساءنا ، * وأبناءنا ، واستمتعوا بالاباعر
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 231 سطر 1 الى ص 240 سطر 23
بني أسد ردوا علينا نساءنا ، * وأبناءنا ، واستمتعوا بالاباعر
وبالمال ، إن المال أهون هالك ، * إذا طرقت إحدى الليالي الغوابر
ولا تجعلوها سنة يقتدي بها * بنو أسد ، واعفوا بأيد قوادر
فأطلقوه وردوا ظعائنهم لما سمعوا هذا الشعر ، وبقي بفرس لزيد ، وكان
زيد يحب الخيل ، فقال زيد :
يا بني الصيداء ردوا فرسي ، * إنما يفعل هذا بالذليل
عودوا مهري الذي عودته * دلج الليل ، وايطاء القتيل
فردوا عليه فرسه ، وكانت بنو أسد تقول : قتلنا أربعة كلهم بنو عمرو ،
وكل سيد قومه ، قتلنا حجر بن عمرو ملك كندة ، ولام بن عمرو الطائي ،
وصخر بن عمرو السلمي ، وبدر بن عمرو الفزاري .
والهون بن خزيمة ، وهو القارة ، وإنما سموا القارة لان بني كنانة لما
خرجت بنو أسد بن خزيمة من تهامة ، وخالفوا كنانة ، وضموا القليل إلى الكثير ،
جعلوا بني الهون بن خزيمة قارة بينهم لاحد دون أحد .
ويقال ان بني الهون نزلوا أرضا منخفضة ، والعرب يسمون الارض
المنخفضة القارة ، فقيل لهم : أصحاب القارة ، والقارة المرامي ، فقال بعضهم :
قد أنصف القارة من راماها ، ويقال ان حربا جرت بين الهون بن خزيمة
وبين بكر بن كنانة ، فقال رجل من بني بكر : أيما أحب إليكم ، المراماة ،
أو المسابقة ؟ فقال رجل منهم :
قد علمت سلم ، ومن والاها ، * أنا نصد الخيل عن هواها
قد أنصف القارة من راماها ، * أما إذا ما فئة نلقاها
نردها دامية كلاها
ـ232ـ
وقبائل بني الهون بن خزيمة عضل وديش ابنا ييثع بن الهون بن خزيمة ،
فأما الحكم بن الهون بن خزيمة ، فإنه صار إلى اليمن ، فحل بلاد مذحج ،
فولد له بها أولاد ، ومات ، فانتسب ولده إلى حكم بن سعد العشيرة .
وظهر في كنانة بن خزيمة فضائل لايحصى شرفها ، وعظمته العرب ،
فروي ان كنانة أتي ، وهو نائم في الحجر ، فقيل له : تخير يا أبا النضر بين
الهضيل أو الهدر ، أو عمارة الجدر ، أو عز الدهر ! فقال : كل هذا يارب !
فأعطيه ، فولد كنانة بن خزيمة النضر ، وحدال ، وسعدا ، ومالكا ، وعوفا ،
ومخرمة ، وأمهم هالة بنت سويد بن الغطريف ، وهو حارثة بن امرئ القيس
ابن ثعلبة بن مازن بن الغوث ، وعليا ، وغزوان ، وأمهما برة بنت مر ،
وجرولا ، والحارث ، وأمهما من ازد شنوءة ، وعبد مناة ، وأمه الذفراء ،
واسمها فكيهة بنت هني بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة ، فأما مخرمة ،
فيقال انهم بنو ساعدة ، رهط سعد بن عبادة ، وبنو عبد مناة بن كنانة ،
فهم عدد كنانة ، فمنهم : بنو ليث بن بكر بن عبد مناة ، وبنو الدئل بن بكر ،
وبنو ضمرة بن بكر منهم : بنو غفار بن مليك بن ضمرة ، وبنو جذيمة بن
عامر بن عبد مناة الذين أصابهم خالد بن الوليد بالغميصاء ، وبنو مدلج بن
مرة بن عبد مناة .
ومن بني مالك بن كنانة بن خزيمة : بنو فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة
ابن الحارث بن مالك بن كنانة ، ومن بني فقيم كان النسأة ، وهم القلامس ،
كانوا ينسئون ويحلون ويحرمون ، وكان أولهم حذيفة بن عبد فقيم الذي يسمى
القلمس ، ثم صار ذلك في ولده ، فقام بعده عباد بن حذيفة ابنه ، ثم بعد عباد
قلع بن عباد ، ثم أمية بن قلع ، ثم عوف بن أمية ، ثم جنادة بن عوف ، وهو أبو
ثمامة ، ومنهم فراس بن غنم بن مالك بن كنانة ، فهذه جماهير قبائل كنانة .
وأما النضر بن كنانة ، فكان أول من سمي القرشي ، يقال انه سمي
القرشي لتقرشه وارتفاع همته ، وقيل لتجارته وبساره ، ويقال لدابة في
ـ233ـ
البحر تسمى القرش ، سمته أمه قريشا تصغير قرش ، فمن لم يكن من ولد
النضر بن كنانة ، فليس بقرشي ، فولد النضر بن كنانة مالكا ، ويخلد ،
والصلت ، وكان النضر أبا الصلت ، وأم ولد النضر عكرشة بنت عدوان
ابن عمرو بن قيس بن عيلان ، وأما يخلد فلم يبق منهم أحد يعرف ، وأما
ولد الصلت ، فصاروا في خزاعة ، وكان من ولده كثير بن عبدالرحمن
الشاعر ، وهو الذي يقول في النسب :
أليس أبي بالصلت أم ليس إخوتي * بكل هجان من بني النضر أزهرا
وكان مالك بن النضر عظيم الشأن ، وكان له من الولد : فهر ، والحارث ،
وشيبان ، وأمهم جندلة بنت الحارث بن مضاض بن عمرو بن الحارث الجرهمي ،
ويقال ان اسم فهر بن مالك : قريش ، وإنما فهر لقب ، والاسم قريش .
وظهر في فهر بن مالك علامات فضل في حياة أبيه ، فلما هلك أبوه قام
مقامه ، وكان لفهر بن مالك بن الولد : غالب ، والحارث ، ومحارب ،
وجندلة ، وأمهم ليلى بنت الارث بن تميم بن سعد بن هذيل ، فمن ولد الحارث
ابن فهر ضبة بن الحارث رهط أبي عبيدة بن الجراح ، ومن ولد محارب بن
فهر شيبان بن محارب : رهط الضحاك بن قيس ، وكان غالب بن فهر أفضلهم
وأظهرهم مجدا ، فيروى أن فهر بن مالك قال لابنه غالب ، حين حضرته
الوفاة : اي بني ! ان في الحذر انغلاق النفس ، وإنما الجزع قبل المصائب ،
فإذا وقعت مصيبة برد حرها ، وإنما القلق في غليانها ، فإذا قامت ، فبرد حر
مصيبتك بما ترى من وقع المنية أمامك وخلفك ، وعن يمينك وعن شمالك ،
وما ترى في آثارها من محق الحياة ، ثم اقتصر على قليلك ، وإن قلت منفعته ،
فقليل ما في يدك أغنى لك من كثير مما أخلق وجهك إن صار إليك ، فلما
مات فهر شرف غالب بن فهر وعلاه أمره ، وكان له من الولد لؤي ، وتيم
الادرم ، وأمهما عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة ، وتغلب ، ووهب ،
ـ234ـ
وكثير ، وحراق ، هؤلاء لابقية لهم ، فأما تيم الادرم ، فإنه أعقب .
وكان لؤي بن غالب سيدا شريفا بين الفضل ، يروى انه قال لابيه غالب
ابن فهر ، وهو غلام حدث : يا ابه ! رب معروف قل إخلافه ، ونصر ،
يا ابه ، من أخلفه اخمله ، وإذا أخمل الشئ لم يذكر ، وعلى المولى تكبير
صغيره ونشره ، وعلى المولى تصغير كبيره وستره . فقال له أبوه : يا بني اني
أستدل بما أسمع من قولك على فضلك ، واستدعي بن الطول لك في قومك ،
فإن ظفرت بطول ، فعد على قومك ، واكف غرب جهلهم بحلمك ، والمم
شعثهم برفقك ، فإنما يفضل الرجال الرجال بأفعالهم ، فإنها على أوزانها ( 1 ) ،
وأسقط الفضل ، ومن لم تعل له درجة على آخر لم يكن له فضل ، وللعليا أبدا
على السفلى فضل . فلما مات غالب بن فهر قام لؤي بن غالب مقامه .
وكان للؤي من الولد : كعب ، وعامر ، وسامة ، وخزيمة ، وأمهم
عائذة ، وعوف ، والحارث ، وجشم ، وأمهم ماوية بنت كعب بن القين ،
وسعد بن لؤي ، وأمه يسرة بنت غالب بن الهون بن خزيمة ، فأما سامة بن
لؤي ، فإنه هرب من أخيه عامر بن لؤي ، وذلك انه كان بينهما شر ، فوثب
سامة على عامر ففقأ عينه ، فأخافه عامر ، فهرب منه ، فصار إلى عمان ، فيقال
انه مر ذات يوم على ناقة له ، فوضعت الناقة مشفرها في الارض ، فعلقتها
أفعى ونفضتها ، فوقعت على سامة ، فنهشت الافعى ساقه ، فقتلته ، فقال فيما
يزعمون ، حين أحس بالموت :
عين فابكي لسامة بن لؤي ، * علقت ما بساقه العلاقه
لم يروا مثل سامة بن لؤي ، * يوم حلوا به ، قتيلا لناقه
بلغا عامرا وكعبا رسولا * أن نفسي إليهما مشتاقه
إن تكن في عمان داري ، فإني * ماجد قد خرجت من غير فاقه
* ( هامش ) * 1 ) سقط بعض الكلام هنا ( * ) .
ـ235ـ
رب كأس هرقت يابن لؤي * حذر الموت لم تكن مهراقه
رمت دفع الحتوف ، يابن لؤي ، * ما لمن رام ذاك بالحتف طاقه
فأما خزيمة بن لؤي ، وهو عائذة ، فإنه نزل في شيبان ، فانتسب ولده
في ربيعة ، وأما الحارث ، وهو جشم وسعد ، فإنهم نزلوا في هزان فانتسبوا
فيهم ، وفيهم يقول جرير بن الخطفى :
بني جشم لستم لهزان ، فانتموا * لاعلى الروابي من لؤي بن غالب
وأما عوف بن لؤي ، فإنه خرج فيما يزعمون في ركب من قريش ،
حتى إذا كان في أرض غطفان أبطأ به بعيره ، فانطلق من كان معه من قومه ،
فأتاه ثعلبة بن سعد بن ذبيان ، فاحتبسه ، وجعله له أخا ، فصار نسبه في عوف
ابن سعد بن ذبيان ، قال الحارث بن ظالم ، وهو من بني مرة بن عوف :
وما قومي بثعلبة بن سعد ، * ولا بفزارة الشعر الرقابا
وقومي إن سألت بني لؤي ، * بمكة علموا مضر الضرابا
سفهنا باتباع بني بغيض ، * وترك الاقربين لنا انتسابا
وقال الحارث بن ظالم في ذلك أيضا :
إذا فارقت ثعلبة بن سعد * وإخوتهم نسبت إلى لؤي
إلى نسب كريم غير . . . ( 1 ) ، * وحي هم أكارم كل حي
فإن يبعد بهم نسبي ، فمنهم * قرابين الاله بنو قصي
وللحارث بن ظالم في هذا شعر كثير ، وقد كان عمر بن الخطاب دعا بني
عوف إلى أن يردهم إلى نسبهم في قريش ، فشاوروا علي بن أبي طالب ،
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ236ـ
فقال لهم : أنتم أشراف في قومكم ، فلا تكونوا مستلحقين في قريش ، فأما
عامر بن لؤي فإنه كان له من الولد حسل بن عامر ، ومعيص بن عامر ،
وعويص بن عامر ، وأمهم امرأة من قرن ، وليس لعويص بن عامر بقية ،
والبقية في حسل ومعيص .
فأما كعب بن لؤي ، فكان أعظم ولد أبيه قدرا ، وأعظمهم شرفا ،
وكان أول من سمى يوم الجمعة بالجمعة ، وكانت العرب تسميه عروبة ،
فجمعهم فيه ، وكان يخطب عليهم ، فيقول : اسمعوا ، وتعلموا ، وافهموا ،
واعلموا أن الليل ساج ، والنهار ضاح ، والارض مهاد ، والسماء عماد ،
والجبال أوتاد ، والنجوم أعلام ، والاولون كالآخرين ، والابناء ذكر ، فصلوا
أرحامكم ، واحفظوا أصهاركم ، وثمروا أموالكم ، فهل رأيتم من هالك
رجع ، أو ميت نشر الدار أمامكم ، والظن غير ما تقولون ، وحرمكم زينوه
وعظموه ، وتمسكوا به ، فسيأتي نبأ عظيم ، وسيخرج منه نبي كريم ، ثم
يقول :
نهار وليل كل يؤوب بحادث ، * سواء علينا ليلها ونهارها
يؤوبان بالاحداث حين يؤوبا ، * وبالنعم الضافي علينا ستورها
صروف ، وأنباء تغلب أهلها ، * لها عقد ما يستحل مريرها
على غفلة يأتي النبي محمد ، فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها
ثم يقول : يا ليتني شاهد نجوى دعوته ، لو كنت ذا سمع ،
وذا بصر ويد ورجل تنصبت له تنصب العجل ، وارقلت ارقام الجمل ، فرحا
بدعوته ، جذلا بصرخته ، فلما مات كعب أرخت قريش من موت كعب .
وكان لكعب من الولد : مرة ، وهصيص ، وأمهما وحشية ابنة شيبان
ابن محارب بن فهر بن مالك ، وعدي بن كعب ، وأمه حبيبة بنت بجالة بن
سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان ، فعدي بن كعب رهط عمر بن
ـ237ـ
الخطاب ، وولد هصيص بن كعب سهما وجمحا .
وكان مرة بن كعب سيدا هماما ، فتزوج هند بنت سرير بن ثعلبة بن
الحارث بن مالك بن كنانة ، وكان سرير أول من نسأ الشهور ، فولدت هند
لمرة كلابا ، ثم تزوج مرة . . . . ( 1 ) بنت سعد بن بارق ، فولدت له تيما
ويقظة ، فتيم بن مرة رهط أبي بكر ، ومخزوم بن يقظة بن مرة رهطه أيضا .
وشرف كلاب بن مرة ، وجل قدره ، واجتمع له شرف الاب والجد
من قبل الام لانهم كانوا يجيزون الحج ، ويحرمون الشهور ، ويحللونها ،
فكانوا يسمون النسأة والقلامس ، وكان لكلاب بن مرة من الولد : قصي ،
وزهرة ، وفيهما قال رسول الله : صريحا قريش بن كلاب ، وأمهما فاطمة
بنت سعد بن سيل الازدي ، وكان سعد بن سيل أول من حليت له السيوف
بالذهب والفضة ، وله يقول الشاعر :
لاأرى في الناس شخصا واحدا ، * فاعلموا ذاك ، كسعد بن سيل
فلما مات كلاب تزوجت فاطمة بنت سعد بن سيل ربيعة بن حرام العذري ،
فخرج بها إلى بلاد قومه ، فحملت قصيا معها ، وكان اسمه زيدا ، فلما بعد
من دار قومه سمته قصيا ، فلما شب قصي ، وهو في حجر ربيعة ، قال له
رجل من بني عذرة : الحق بقومك ، فإنك لست منا ! فقال : ممن أنا ؟
فقال : سل أمك ! فسألها ، فقالت : أنت أكرم منه نفسا ، وولدا ، ونسبا !
أنت ابن كلاب بن مرة ، وقومك آل الله ، وفي حرمه .
وكانت قريش لم تفارق مكة ، إلا أنهم لما كثروا قلت المياه عليهم ،
فتفرقوا في الشعاب ، فكره قصي الغربة ، وأحب أن يخرج إلى قومه ، فقالت
له أمه : لاتعجل حتى يدخل الشهر الحرام ، فتخرج في حجاج قضاعة ،
فإني أخاف عليك ! فلما دخل الشهر الحرام شخص معهم حتى قدم مكة ،
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ238ـ
وأقام قصي بمكة ، حتى شرف وعز وولد له الاولاد .
وكانت حجابة البيت إلى خزاعة ، وذلك ان الحجابة كانت إلى إياد ، فلما
أرادوا الرحيل عن مكة حملوا الركن على جمل ، فلم ينهض الجمل ، فدفنوه ،
وخرجوا ، وبصرت بهم امرأة من خزاعة حين دفنوه ، فلما بعدت إياد اشتد
ذلك على مضر ، وأعظمته قريش وسائر مضر ، فقالت الخزاعية لقومها :
اشرطوا على قريش وسائر مضر أن يصيروا إليكم حجابة البيت ، حتى أدلكم
على الركن ، ففعلوا ذلك ، فلما أظهروا الركن صيروا إليهم الحجابة ، فقدم
قصي بن كلاب مكة ، والحجابة إلى خزاعة ، والاجازة إلى صوفة ، وهو
الغوث بن مر أخي تميم ، وكان الحج واجازة الناس من عرفات إليه ، ثم صارت
إلى عقبه من بعده ، وبنو القيس بن كنانة ينسئون الشهور ، ويحلون ، ويحرمون ،
فلما رأى قصي ذلك جمع إليه قومه من بني فهر بن مالك ، وحازهم إليه ،
فلما حضر الحج حال بين صوفة وبين الاجازة ، وقامت معه خزاعة وبنو بكر ،
وعلموا أن قصيا سيصنع بهم كما صنع بصوفة ، وانه سيحول بينهم وبين
أمر مكة وحجابة البيت ، وانحازوا عنه ، وصاروا عليه ، فلما رأى ذلك أجمع
لحربهم ، وبعث إلى أخيه من أمه دراج بن ربيعة العذري ، فأتاه أخوه بمن
قدر عليه من قضاعة ، وقيل : وافى دراج ، وقصي قد نصب لحرب القوم ،
ودراج يريد البيت ، فأعان أخاه بنفسه وقومه ، فاقتتلوا قتالا شديدا بالابطح ،
حتى كثرت القتلى في الفريقين ، ثم تداعوا إلى الصلح ، وان يحكم ما بينهم رجل
من العرب فيما اختلفوا فيه ، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن ليث
ابن بكر بن كنانة ، فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالبيت وأمر مكة من خزاعة ،
وان كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر موضوع يشدخه تحت قدميه ،
وان ما أصابت خزاعة وبنوبكر من قريش ففيه الدية ، فودوا خمسا وعشرين
بدنة وثلاثين حرجا ، وان يخلوا بين قصي وبين البيت ومكة ، فسمي يعمر
الشداخ .
ـ239ـ
ولم يكن بمكة بيت في الحرم ، إنما كانوا يكونون بها نهارا ، فإذا أمسوا
خرجوا ، فلما جمع قصي قريشا ، وكان أدهى من رئي من العرب ، انزل
قريشا الحرم ، وجمعهم ليلا ، وأصبح بهم حول الكعبة ، فمشت إليه أشراف
بني كنانة ، وقالوا : ان هذا عظيم عند العرب ، ولو تركناك ما تركتك العرب .
فقال : والله لا أخرج منه ، فثبت .
وحضر الحج ، فقال لقريش : قد حضر الحج ، وقد سمعت العرب ما
صنعتم ، وهم لكم معظمون ، ولا أعلم مكرمة عند الرب أعظم من الطعام ،
فليخرج كل إنسان منكم من ماله خرجا ! ففعلوا ، فجمع من ذلك شيئا كثيرا ،
فلما جاء أوائل الحج نحر على كل طريق من طرق مكة جزورا ، ونحر بمكة ،
وجعل حظيرة ، فجعل فيها الطعام من الخبز واللحم ، وسقى الماء واللبن ، وغدا
على البيت ، فجعل له مفتاحا وحجبة ، وحال بين خزاعة وبينه ، فثبت البيت
في يد قصي ، ثم بنى داره بمكة ، وهي أول دار بنيت بمكة ، وهي دار
الندوة .
وروى بعضهم انه لما تزوج قصي إلى حليل بن حبشية الخزاعي حبى
ابنته ، وولدت له ، أوصى حليلا عند موته بولاية البيت إلى قصي ، وقال :
إنما ولدك ولدي ، وأنت أحق بالبيت . وكانت حبى بنت حليل بن حبشية
قد ولدت لقصي بن كلاب ، عبد مناف ، وعبد الدار ، وعبدالعزى ، وعبد
قصي ، وقال آخرون : دفع حليل بن حبشية المفتاح إلى أبي غبشان ، وهو
سليمان بن عمرو بن بوي بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر ،
فاشتراه قصي منه وولاية البيت بزق خمر وقعود ، فقيل : اخس من صفقة
أبي غبشان ، ووثبت خزاعة ، فقالت : لانرضى بما صنع أبوغبشان ، فوقعت
بينهم الحرب ، فقال بعضهم :
أبوغبشان أظلم من قصي ، * وأظلم من بني فهر خزاعه
ـ240ـ
فلا تلحوا قصيا في شراه ، * ولوموا شيخكم إذ كان باعه
فولي قصي البيت وأمر مكة والحكم ، وجمع قبائل قريش ، فأمر لهم
بأبطح مكة ، وكان بعضهم في الشعاب ورؤوس الجبال ، فقسم منازلهم بينهم ،
فسمي مجمعا ، وفيهم يقول الشاعر :
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا ، * به جمع الله القبائل من فهر
وملكه قومه عليهم ، فكان قصي أول من أصاب الملك من ولد كعب
ابن لؤي ، فلما قسم أبطح مكة أرباعا بين قريش ، هابوا أن يقطعوا شجر
الحرم ليبنوا منازلهم ، فقطعها قصي بيده ، ثم استمروا على ذلك .
وكان قصي أول من أعز قريشا ، وظهر به فخرها ، ومجدها ، وسناها ،
وتقرشها ، فجمعها ، وأسكنها مكة ، وكانت قبل متفرقة الدار ، قليلة العز ،
ذليلة البقاع ، حتى جمع الله الفتها ، وأكرم دارها ، وأعز مثواها .
وكانت قريش كلها بالابطح خلا بني محارب والحارث ابني فهر ، ومن
بني تيم بن غالب ، وهو الادرم ، وبني عامر بن لؤي ، فإنهم نزلوا الظواهر ،
ولما حاز قصي شرف مكة كلها ، وقسمها بين قريش ، واستقامت له الامور ،
ونفى خزاعة ، هدم البيت ، ثم بناه بنيانا لم يبنه أحد ، وكان طول جدرانه
تسع أذرع ، فجعله ثماني عشرة ذراعا ، وسقفها بخشب الدوم وجريد النخل ،
وبنى دار الندوة . وكان لاينكح رجل من قريش ، ولا يتشاورون في أمر ،
ولا يعقدون لواء بالحرب ، ولايعذرون غلاما ، إلا في دار الندوة ، وكانت
قريش في حياته ، وبعد وفاته ، يرون أمره كالدين المتبع ، وكان أول من حفر
بمكة بعد إسماعيل بن إبراهيم ، فحفر العجول في أيام حياته ، وبعد وفاته ،
ويقال انها في دار أم هانئ بنت أبي طالب .
وكان قصي أول من سمى الدابة الفرس ، وكانت له دابة يقال لها
ـ241ـ
العقاب السوداء ، وكان لقصي من الولد عبد مناف ، وكان يدعى القمر ،
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 241 سطر 1 الى ص 250 سطر 24
العقاب السوداء ، وكان لقصي من الولد عبد مناف ، وكان يدعى القمر ،
وهو السيد النهر ، واسمه المغيرة ، وعبدالدار ، وعبدالعزى ، وعبد
قصي ، ويقال ان قصيا قال : سميت اثنين بإلهي ، وآخر بداري ،
وآخر بنفسي .
وقسم قصي بين ولده ، فجعل السقاية والرئاسة لعبد مناف ، والدار لعبد
الدار ، والرفادة لعبد العزى ، وحافتي الوادي لعبد قصي ، وقال قصي لولده :
من عظم لئيما شاركه في لؤمه ، ومن استحسن مستقبحا شركه فيه ، ومن لم
تصلحه كرامتكم ، فدلوه بهوانه ، فالدواء يحسم الداء .
ومات قصي ، فدفن بالحجون ، ورأس عبد مناف بن قصي ، وجل قدره ،
وعظم شرفه . ولما كبر أمر عبد مناف ابنه جاءته خزاعة وبنو الحارث بن
عبد مناة بن كنانة يسألونه الحلف ليعزوا به ، فعقد بينهم الحلف الذي يقال له
حلف الاحابيش ، وكان مدبر بني كنانة الذي سأل عبد مناف عقد الحلف :
عمرو بن هلل بن معيص بن عامر ، وكان تحالف الاحابيش على الركن : يقوم
رجل من قريش وآخر من الاحابيش ، فيضعان أيديهما على الركن ، فيحلفان
بالله القاتل ، وحرمة هذا البيت ، والمقام ، والركن ، والشهر الحرام على النصر
على الخلق جميعا ، حتى يرث الله الارض ومن عليها ، وعلى التعاقد ، وعلى
التعاون على كل من كادهم من الناس جميعا ما بل بحر صوفة ، وما قام حرى
وثبير ، وما طلعت شمس من مشرقها إلى يوم القيامة ، فسمي حلف الاحابيش .
فولد عبد مناف بن قصي هاشما ، واسمه عمرو ، وكان يقال له عمرو
العلى ، وسمي هاشما ، لانه كان يهشم الخبز ، ويصب عليه المرق واللحم في
سنة شديدة نالت قريشا ، وعبد شمس ، والمطلب ، ونوفلا ، وأبا عمرو ،
وحنة ، وتماضر ، وأم الاخثم ، وأم سفيان ، وهالة ، وقلابة ، وأمهم
جميعا ، إلا نوفلا وأبا عمرو : عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان
ابن ثعلبة بن بهثة بن سليم ، فولدت له هؤلاء ، وهي التي جرت حلف
ـ242ـ
الاحابيش . . . . ( 1 ) وأم نوفل وأبي عمرو : واقدة بنت أبي عدي ، وهو
عامر بن عبد نهم من بني عامر بن صعصعة ، ويقال ان هاشما وعبد شمس
كانا توأمين ، فخرج هاشم ، وتلاه عبد شمس ، وعقبه ملتصق بعقبه ، فقطع
بينهما بموسى ، فقيل : ليخرجن بين ولد هذين من التقاطع ما لم يكن بين أحد .
وشرف هاشم بعد أبيه ، وجل أمره ، واصطلحت قريش على أن يولى
هاشم بن عبد مناف الرئاسة والسقاية والرفادة ، فكان إذا حضر الحج قام في
قريش خطيبا ، فقال : يا معشر قريش ! انكم جيران الله وأهل بيته الحرام ،
وانه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله يعظمون حرمة بيته ، فهم أضياف الله ،
وأحق الضيف بالكرامة ضيفه ، وقد خيركم الله بذلك ، وأكرمكم به ، تم
حفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره ، فأكرموا ضيفه وزواره ، فإنهم
يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح ، وقد أعيوا وتفلوا ،
وقملوا ، وارملوا ، فاقروهم ، واغنوهم ! فكانت قريش ترافد على ذلك .
وكان هاشم يخرج مالا كثيرا ، ويأمر بحياض من أدم ، فتجعل في موضع
زمزم ، ثم يسقى فيها من الآبار التي بمكة ، فيشرب منها الحاج ، وكان يطعمهم
بمكة ومنى وعرفة وجمع ، وكان يثرد لهم الخبز واللحم والسمن والسويق ،
ويحمل لهم المياه ، حتى يتفرق الناس إلى بلادهم ، فسمي هاشما .
وكان أول من سن الرحلتين : رحلة الشتاء إلى الشأم ورحلة الصيف إلى الحبشة
إلى النجاشي ، وذلك ان تجارة قريش لاتعدو مكة ، فكانوا في ضيق ، حتى
ركب هاشم إلى الشأم ، فنزل بقيصر ، فكان يذبح في كل يوم شاة ، ويضع
جفنة بين يديه ، ويدعو من حواليه .
وكان من أحسن الناس وأجملهم ، فذكر لقيصر ، فأرسل إليه ، فلما رآه ،
وسمع كلامه ، أعجبه ، وجعل يرسل إليه ، فقال هاشم : أيها الملك إن لي
قوما ، وهم تجار العرب ، فتكتب لهم كتابا يؤمنهم ويؤمن تجاراتهم ، حتى
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ243ـ
يأتوا بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه ، ففعل قيصر ذلك ، وانصرف هاشم ،
فجعل كلما مر بحي من العرب أخذ من أشرافهم الايلاف أن يأمنوا عندهم
وفي أرضهم ، فأخذوا الايلاف من مكة والشام .
قال الاسود بن شعر الكلبي : كنت عسيفا لعقيلة من عقائل الحي اركب
الصعبة والذلول ، لا اليق مطرحا من البلاد أرتجي فيه ربحا من الاموال ، إلا
يرغب إليه من الشأم ( 1 ) بخرثيه ، وأثاثه ، أريد كبة العرب ، فعدت ، ودهم
الموسم فدفعت إليها مسدفا ، فحبست الركاب ، حتى انجلى عني قميص الليل ،
فإذا قباب سامية مضروبة من أدم الطائف ، وإذا جزر تنحر وأخرى تساق
وإكلة وجبنة على الظهار . . . ( 2 ) ألا عجلوا ! فبهرني ما رأيت ،
فتقدمت أريد عميدهم ، وعرف رجل شأني ، فقال : أمامك ! فدنوت ،
فإذا رجل على عرش سام تحته نمرقة قد كار عمامة سوداء ، وأخرج من ملاثمها
جمة فينانة ، كأن الشعرى تطلع من جبينه ، وفي يده مخصرة ، وحوله
مشيخة جلة منكسو الاذقان ، ما منهم أحد يفيض بكلمة ، ودونهم خدم
مشمرون إلى انصاف ، وإذا برجل مجهر على نشز من الارض ينادي :
يا وفد الله ، هلموا الغداء ! وانسيان على طريق من طعم يناديان : يا وفد الله !
من تغدى فليرجع إلى العشاء ! وقد كان نمي إلي من حبر من أحبار اليهود :
ان النبي الامي هذا أوان توكفه ، فقلت : لاعرف ما عنده ، يا نبي الله ! فقال :
مه ، وكأن قد له ، فقلت لرجل كان إلى جانبي : من هذا ؟ فقال : أبونضلة
هاشم بن عبذ مناف ، فخرجت ، وأنا أقول : هذا والله المجد لا مجد آل جفنة ،
ومر مطرود بن كعب الخزاعي برجل مجاور في بني هاشم ، وبنات له وامرأة
في سنة شديدة ، فخرج يحمل متاعه ورحله هو وولده وامرأته لايؤويه أحد ،
فقال مطرود الخزاعي :
* ( هامش ) * 1 ) يوجد هنا سقط في الكلام .
2 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ244ـ
يا أيها الرجل المحول رحله ! * هلا نزلت بآل عبد مناف ؟
هبلتك أمك لو حللت بدارهم ، * ضمنوك من جوع ومن اقراف
عمرو العلى هشم الثريد لقومه ، * ورجال مكة مسنتون عجاف ( 1 )
نسبوا إليه الرحتين كليهما * عند الشتاء ورحلة الاصياف
الآخذون العهد في آفاقها ، * والراحلون لرحلة الايلاف
وخرج هاشم بتجارات عظيمة يريد الشأم ، فجعل يمر بأشراف العرب ،
فيحمل لهم التجارات ، ولايلزمهم لها مؤونة ، حتى صار إلى غزة ، فتوفي بها .
ولما هلك هاشم بن عبد مناف جزعت قريش ، وخافت أن تغلبها العرب ،
فخرج عبد شمس إلى النجاشي ملك الحبشة ، فجدد بينه وبينه العهد ، ثم
انصرف ، فلم يلبث أن مات بمكة ، ودفن بالحجون ، وخرج نوفل إلى العراق ،
وأخذ عهدا من كسرى ، ثم أقبل ، فمات بموضع يقال له سلمان ، وقام
بأمر مكة المطلب بن عبد مناف .
وكان لهاشم من الولد ع بدالمطلب ، والشفاء ، وأمهما سلمى بنت عمرو
ابن زيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار ، واسم النجار تيم الله
ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج ، ونضلة بن هاشم وأمه أميمة بنت عدي بن عبد
الله ، وأسد أبوفاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب ، وأمه قيلة بنت عامر
ابن مالك بن المطلب ، وأبوصيفي انقرض نسله ، إلا من رقيقة بنت أبي
صيفي ، وصيفي درج صغيرا ، وأمهما هند بنت عمرو بن ثعلبة بن الخزرج ،
وضعيفة ، وخالدة ، وأمهما واقدة بنت أبي عدي ، وحنة بنت هاشم ، وأمها
أم عدي بنت حبيب بن الحارث الثقفية .
وكان هاشم لما أراد الخروج إلى الشأم حمل امرأته سلمى بنت عمرو إلى
* ( هامش ) * 1 ) في هذا البيت إقواء ( * ) .
ـ245ـ
المدينة لتكون عند أبيها وأهلها ، ومعه ابنه ع بدالمطلب ، فلما توفي أقامت
بالمدينة .
وكان المطلب بن عبد مناف قد قام بأمر مكة بعد أخيه هاشم ، فلما كبر
ع بدالمطلب بلغ المطلب مكانه ووصف له حاله ، ومر رجل من تهامة بالمدينة ،
فإذا غلمان يتناضلون ، وإذا غلام فيهم إذا أصاب قال : أنا ابن هاشم ،
أنا ابن سيد البطحاء ! فقال له الرجل : من أنت يا غلام ؟ قال : أنا شيبة بن
هاشم بن عبد مناف . فانصرف الرجل ، حتى قدم مكة فوجد المطلب بن
عبد مناف جالسا في الحجر ، فقال : يا أبا الحارث ، علمت اني جئت من
يثرب ، فوجدت غلمانا يتناضلون . وقص عليه ما رأى من ع بدالمطلب قال :
وإذا اظرف غلام ما رأيته قط . قال المطلب : اغفلته ، أما والله لا أرجع إلى
أهلي حتى آتيه ! فخرج المطلب حتى أتى المدينة عشاء ، ثم خرج على راحلته
حتى أتى بني عدي بن النجار ، فلما نظر إلى ابن أخيه قال : هذا ابن هاشم ؟
قال القوم : نعم ! وعرف القوم المطلب ، قالوا : هذا ابن أخيك ، فإن أردت
أخذه الساعة لاتعلم أمه ، فإنها ان علمت حلنا بينك وبينه . فأناخ راحلته ،
ثم دعاه : يا ابن أخي ! أنا عمك وقد أردت الذهاب بك إلى قومك ، فاركب !
فما كذب ع بدالمطلب ان جلس على عجز الراحلة ، وجلس المطلب على
الرحل ، ثم بعثها ، فانطلقت ، فلما علمت أمه علقت تدعو حربها ، فأخبرت
ان عمه ذهب به .
ودخل المطلب مكة ، وهو خلفه ، والناس في أسواقهم ومجالسهم ،
فقاموا يرحبون به ، ويحيونه ، ويقولون : من هذا معك ؟ فيقول : عبدي
ابتعته بيثرب ، ثم خرج حتى أتى الحزورة ، فابتاع له حلة ، ثم أدخله على
امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم ، فلما كان العشي ألبسه ، ثم جلس في مجلس
بني عبد مناف ، وأخبرهم خبره ، وجعل بعد ذلك يخرج في تلك الحلة ،
فيطوف في سكك مكة ، وكان أحسن الناس ، فتقول قريش : هذا ع بدالمطلب !
ـ246ـ
فلج اسمه ع بدالمطلب ، وترك شيبة .
ولما حضر رحيل المطلب إلى اليمن قال لعبد المطلب : أنت يا ابن أخي
أولى بموضع أبيك ، فقم بأمر مكة . فقام مقام المطلب ، فتوفي المطلب في
سفره ذلك بردمان ، فقام ع بدالمطلب بأمر مكة ، وشرف وسا ، وأطعم
الطعام ، وسقى اللبن والعسل ، حتى علا اسمه ، وظهر فضله ، وأقرت له
قريش بالشرف ، فلم يزل كذلك .
قال محمد بن حسن : لما تكامل لعبد المطلب مجده وأقرت له قريش بالفضل ،
رأى ، وهو نائم في الحجر ، آتيا أتاه ، فقال له : قم يا أبا البطحاء ، واحفر
زمزم حفيرة الشيخ الاعظم . فاستيقظ ، فقال : اللهم بين لي في المنام مرة
أخرى ، فرآه يقول : قم فاحفر برة ! قال : وما برة ؟ قال : مضنة ضن
بها على العالمين ، وأعطيتها ، ثم رأى قائلا يقول له : قم يا أبا الحارث ،
فاحفر زمزم لاتنزف ولاتذم ، تروي الحج الاعظم ، ثم رأى ثالثة : قم
فاحفر ! قال : وما أحفر ؟ قال : احفر بين الفرث والدم عند مبحث الغراب
الاعصم وقرية النمل ، فإذا أبصرت الماء ، فقل : ( هلم إلى الماء الروا ، اعطيته
على رغم العدا . ) فلما استيقن ع بدالمطلب انه قد صدق جلس عند البيت
مفكرا في أمره ، وذبحت بقرة بالحزورة ، فأفلتت ، وأقبلت تسعى ، حتى
طرحت نفسها موضع زمزم ، فسلخت هناك ، وقسم لحمها ، وبقي الفرث
والدم ، فقال ع بدالمطلب : الله أكبر ! ثم سعى لينظر ، فإذا قرية نمل مجتمع
في الارض ، فانطلق ، فأتى بمعول ، وابنه الحارث وحيده ، فاجتمعت إليه
قريش فقالوا : ما هذه ؟ قال : أمرني ربي أن أحفر ما يروي الحجيج الاعظم !
فقالوا له : أمر ربك بالجهل ، لم لاتحفر في مسجدنا ؟ قال : بذلك أمرني ربي .
فلم يحفر إلا قليلا ، حتى بدا الطي ، فكبر ، واجتمعت قريش ، فعلمت لما
رأت الطي انه قد صدق ، وليس له من الولد يومئذ إلا الحارث ، فلما رأى
وحدته قال : اللهم ! ان لك علي نذرا ، إن وهبت لي عشرة ذكورا ، أن
ـ247ـ
أنحر لك أحدهم . وحفر حتى وجد سيوفا ، وسلاحا ، وغزالا من ذهب
مقرطا ، مجزعا ، ذهبا وفضة ، فلما رأت قريش ذلك قالوا : يا أبا الحارث . . . ( 1 )
من فوق الارض ومن تحتها ، فأعطنا هذا المال الذي أعطاك الله ، فإنها بئر
أبينا إسماعيل ، فأشركنا معك ! فقال : اني لم أؤمر بالمال إنما أمرت بالماء ،
فأمهلوني ! فلم يزل يحفر حتى بدا الماء ، فكثر ، ثم قال : بحرها لاتنزف ،
وبنى عليها حوضا وملاه ماء ، ونادى : ( هلم إلى الماء الروا ، أعطيته على رغم
العدا . ) وكانت قريش تفسد ذلك الحوض وتكسره ، فرأى في المنام : ان قم ،
فقل : اللهم ! اني لا أحله لمغتسل ، ولكن لشارب حل ، فقام ع بدالمطلب ،
فقال ذلك ، فلم يكن يفسد ذلك الحوض أحد إلا رمي بداء من ساعته ،
فتركوه .
ولما استقام له الماء دعا ستة قداح ، فجعل لله قدحين أسودين ، وجعل
للكعبة قدحين أبيضين ، وجعل لقريش قدحين أحمرين ، ثم أخذها بيده ،
واستقبل الكعبة ، ثم أفاض ، وهو يقول :
يا رب أنت الاحد الفرد الصمد ، * إن شئت ألهمت الصواب والرشد
وزدت في المال ، وأكثرت الولد ، * إني مولاك على رغم معد
ثم ضرب فخرج الاسودان لله ، فقال قال ربكم : هو مالي ، ثم
أفاض ، وهو يقول :
لهم أنت الملك المحمود ، * وأنت ربي المبدئ المعيد
من عندك الطارف والتليد ، * إن شئت ألهمت بما تريد
فخرج الابيضان للكعبة ، فقال : أخبرني ربي أن المال كله له ، فحلى
به الكعبة ، وجعله صفائح على باب الكعبة ، وكان أول من حلى الكعبة .
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ248ـ
ولما رأت قريش ما أعطيه نفست ذلك عليه ، فقالت : انا لشركاء معك
لانها بئر أبينا إسماعيل ، فقال : هذا شئ خصصت به دونكم ، فنافروه
إلى كاهنة بني سعد ، فقضت له عليهم .
وروى بعضهم أن ماء ع بدالمطلب نفد في الطريق ومياه القوم ، فخافوا
الهلكة ، فقال ع بدالمطلب : ليحفر كل رجل منا لنفسه حفيرا ، ثم ليقعد
فيه ، حتى يأتيه الموت ، ففعلوا ، ثم قال : ان إلقاءنا بأيدينا لعجز ، فلو ركبنا
وطلبنا الماء ! فلما استوى على راحلته انفجرت تحت صدرها عين ماء ، فقال :
ردوا الماء ! فقالوا : لقد قضى لك الله علينا ، ولاحاجة في أن نناوئك ، فانصرفوا .
ولما رأت قريش أن ع بدالمطلب قد حاز الفخر طلبت أن يحالف بعضها
بعضا ليعزوا ، وكان أول من طلب ذلك بنو عبدالدار لما رأت حال ع بدالمطلب ،
فمشت بنو عبدالدار إلى بني سهم ، فقالوا : امنعونا من بني عبد مناف ! فلما
رأى ذلك بنو عبد مناف اجتمعوا ، خلا بني عبد شمس ، فإن الزبيري قال :
لم يكن ولد عبد شمس في حلف المطيبين ، ولا ولد عبد مناف ، وإنما كان
فيهم هاشم ، وبنو المطلب ، وبنو نوفل ، وقال آخرون : كانت بنو عبد شمس
معهم ، فأخرجت لهم أم حكيم البيضاء بنت ع بدالمطلب طيبا في جفنة ، ثم
وضعتها في الحجر ، فتطيب بنو عبد مناف ، وأسد ، وزهرة ، وبنو تيم ،
وبنو الحارث بن فهر ، فسموا حلف المطيبين ، فلما سمعت بذلك بنو سهم
ذبحوا بقرة ، وقالوا : من أدخل يده في دمها ولعق منه ، فهو منا ! فأدخلت
أيديها بنو سهم ، وبنو عبدالدار ، وبنو جمح ، وبنو عدي ، وبنو مخزوم ،
فسموا اللعقة ، وكان تحالف المطيبين ألا يتخاذلوا ، ولايسلم بعضهم بعضا ،
وقالت اللعقة : قد أعتدنا لكل قبيلة قبيلة .
وكان ع بدالمطلب لما حفر زمزم صار إلى الطائف فاحتفر بها بئرا يقال لها
ذوالهرم ، فكان يأتي أحيانا ، فيقيم بذلك الماء ، فأتى مرة ، فوجد به حيين
من قيس عيلان ، وهم بنو كلاب ، وبنو الرباب ، فقال ع بدالمطلب : الماء
ـ249ـ
مائي ، وأنا أحق به ، وقال القيسيون : الماء ماؤنا ، ونحن أحق به . قال :
فإني أنافركم إلى من شئتم يحكم بيني وبينكم ، فنافروه إلى سطيح الغساني ،
وكان كاهن العرب يتنافرون إليه ، فتعاهد القوم وتعاقدوا على أن سطيحا إن
قضى بالماء لعبد المطلب ، فعلى كلاب وبني الرباب مائة من الابل لعبد المطلب ،
وعشرون لسطيح ، وإن قضى سطيح بالماء للحيين ، فعلى ع بدالمطلب مائة من
الابل للقوم ، وعشرون لسطيح ، فانطلقوا ، وانطلق ع بدالمطلب بعشرة نفر
من قريش ، فيهم حرب بن أمية ، فجعل ع بدالمطلب لاينزل منزلا إلا نحر
جزورا وأطعم الناس ، فقال القيسيون : إن هذا الرجل عظيم الشأن ، جليل
القدر ، شريف الفعل ، وإنا نخشى أن يطمع حاكمنا بهذا ، فيقضي له بالماء ،
فانظروا لانرضى بقول سطيح حتى نخبئ له خبأ ، فإن أخبرنا ما هو رضينا
بحكمه ، وإلا لم نرض به .
فبينا ع بدالمطلب في بعض الطريق إذ فني ماؤه وماء أصحابه ، فاستسقى
القيسيين من فضل مائهم ، فأبوا أن يسقوهم ، وقالوا : أنتم الذين تخاصموننا
و تنازعوننا في مائنا ، والله لانسقيكم ! فقال ع بدالمطلب : أيهلك عشرة من
قريش ، وأنا حي ؟ لاطلبن لهم الماء ، حتى ينقطع خيط عنقي ، وأبلي عذرا ،
فركب راحلته ، وأخذ الفلاة ، فبينا هو فيها ، إذ بركت راحلته وبصر به القوم ،
فقالوا : هلك ع بدالمطلب ! فقال القرشيون : كلا والله لهو أكرم على الله من
أن يهلكه ، وإنما مضى لصلة الرحم ، فانتهوا إليه ، وراحلته تفحص بكركرتها
على ماء عذب ، روى ، قد ساح على ظهر الارض ، فلما رأى القيسيون ذلك
أهرقوا أسقيتهم ، وأقبلوا نحوهم ليأخذوا من الماء ، فقال القرشيون : كلا
والله ، ألستم الذين منعتمونا فضل ماءكم ؟ فقال ع بدالمطلب : خلوا القوم ،
فإن الماء لايمنع ! فقال القيسيون : هذا رجل شريف سيد ، وقد خشينا أن
يقضى له علينا ، فلما وصلوا إلى سطيح قالوا : إنا قد خبأنا لك خبأ ، وأخذ
إنسان منهم تمرة في يده فقال : فأخبرنا ما هو ؟ فقال : خبأتم لي ما طال ، فسمك ،
ـ250ـ
ثم أينع ، فما هلك ، ألق التمرة من يدك ! فقالوا : قاتله الله ! أخبئوا له
خبأ هو أخفى منه . فأخذ إنسان جرادة ، فقالوا له : إنا قد خبأنا لك خبأ ،
فأخبرنا ما هو ؟ قال : خبأتم لي ما رجله كالمنشار ، وعينه كالدينار ، قالوا :
إي . قال : ما طار ، فسطع ، ثم قبض ، فوقع ، فترك الصيد أنفع . قالوا :
ما له ، قاتله الله ؟ أخبئوا له خبأ هو أخفى من هذا ! فأخذوا رأس جرادة ،
فجعلوه في خرز مزادة ، ثم علقوه في عنق كلب لهم يقال له سوار ، ثم ضربوه
حتى ذهب ، ثم رجع على الطريق ، فقالوا : قد خبأنا لك خبأ ، فأخبرنا ما هو ؟
قال : خبأتم لي رأس جراده ، في خرز مزاده ، بين عنق سوار والقلاده . قالوا :
اقض بيننا ! قال : قد قضيت . اختصمتم أنتم وع بدالمطلب في ماء بالطائف
يقال له ذو الهرم ، فالماء ماء ع بدالمطلب ، ولا حق لكم فيه ، فأدوا إلى عبد
المطلب مائة من الابل ، وإلى سطيح عشرين ، ففعلوا .
وانطلق ع بدالمطلب ينحر ويطعم ، حتى دخل مكة ، فنادى مناديه :
يا معشر أهل مكة ! إن ع بدالمطلب يسألكم بالرحم ، لما قام كل رجل
منكم حدثته نفسه أن يغنيني عن هذا الغرم ، فأخذ مثل ما حدثته نفسه . فقاموا ،
وأخذوا من بعير واثنين وثلاثة على قدر ما حدثت كل امرئ منهم نفسه ،
وفضلت بعد ذلك جزائر ، فقال ع بدالمطلب لابنه أبي طالب : اي بني !
قد أطعمت الناس ، فانطلق بهذه الجزائر ، فانحرها على أبي قبيس ، حتى
يأكلها الطير والسباع ، ففعل أبوطالب ذلك ، فأصابها الطير والسباع . قال أبو
طالب :
ونطعم حتى يأكل الطير فضلنا ، * إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد
قال أبوإسحاق وغيره من أهل العلم : تزوج ع بدالمطلب النساء ، فولد
له الاولاد ، ولما كمل عشرة رهط قال : اللهم اني قد كنت نذرت لك نحر
أحدهم ، واني أقرع بينهم ، فأصب بذلك من شئت . فأقرع فصارت القرعة على
ـ251ـ
عبدالله بن ع بدالمطلب ، وكان أحب ولده إليه ، وكان ولده العشرة الحارث ،
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 251 سطر 1 الى ص 260 سطر 25
عبدالله بن ع بدالمطلب ، وكان أحب ولده إليه ، وكان ولده العشرة الحارث ،
وبه يكنى ، وقثم وأمهما صفية بنت جندب من ولد عامر بن صعصعة ،
والزبير ، وأبوطالب ، وعبدالله ، والمقوم ، وهو عبدالكعبة ، وأم الاربعة
فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ، وحمزة وأمه هالة بنت أهيب
ابن عبد مناف بن زهرة ، والعباس ، وضرار وأمهما نتيلة بنت جناب بن
كليب بن النمر بن قاسط ، وأبولهب ، وهو عبدالعزى ، وأمه لبنى بنت
هاجر بن عبد مناف بن ضاطر الخزاعي ، والغيداق ، وهو جحل ، وأمه
ممنعة بنت عمرو بن مالك بن نوفل الخزاعي ، وكانت بناته ستا : أم حكيم
البيضاء ، وعاتكة ، وبرة ، وأروا ، وأميمة وأمهن جميعا فاطمة بنت عمرو
ابن عائذ بن عمران بن مخزوم ، وصفية وأمها هالة بنت أهيب ، فانطلق عبد
المطلب بعبدالله ليذبحه ، وأخذ الشفرة ، واتبعه ابنه الحارث ، فلما سمعت
ذلك قريش لحقته ، وقالت : يا أبا الحارث ! إنك إن فعلت ذلك صارت سنة
في قومك ، ولم يزل الرجل يأتي بولده إلى ههنا ليذبحه ، فقال : إني عاهدت
ربي ، وإني موف له بما عاهدته . فقال له بعضهم : افده ! فقام ، وهو
يقول :
عاهدت ربي ، وانا موف عهده ، * أخاف ربي إن تركت وعده
والله لايحمد شئ حمده
ثم أحضر مائة من الابل ، فضرب بالقداح عليها ، وعلى عبدالله ، فخرجت
على الابل ، فكبر الناس ، وقالوا : قد رضي ربك ! فقال ع بدالمطلب :
لهم رب البلد المحرم ، * الطيب ، المبارك ، المعظم
أنت الذي أعنتني في زمزم
ثم قال : اني معيد القداح ، فأعادها ، فخرجت على الابل ، فقال :
ـ252ـ
لهم قد أعطيتني سؤالي ، * أكثرت بعد قلة عيالي
فاجعل فداه اليوم جل مالي
ثم ضرب بالقداح ثالثة ، فخرجت على الابل ، فنحرها ، ونادى مناديه :
الا فخذوا لحمها ! وانصرف عنها ، ووثب الناس يأخذونها ، فلذلك يقول
مرة بن خلف الفهمي :
كما قسمت نهبا ديات ابن هاشم * ببطحاء بسل حيث يعتصب البرك
وصارت الدية من الابل على ما سن ع بدالمطلب .
ولما قدم أبرهة ملك الحبشة صاحب الفيل مكة ليهدم الكعبة تهاربت قريش
في رؤوس الجبال ، فقال ع بدالمطلب : لو اجتمعنا ، فدفعنا هذا الجيش عن
بيت الله ؟ فقالت قريش : لابد لنا به ! فأقام ع بدالمطلب في الحرم ، وقال :
لاأبرح من حرم الله ، ولاأعوذ بغير الله ، فأخذ أصحاب ابرهة إبلا لعبد
المطلب ، وصار ع بدالمطلب إلى ابرهة ، فلما استأذن عليه قيل له : قد أتاك
سيد العرب ، وعظيم قريش ، وشريف الناس ، فلما دخل عليه أعظمه ابرهة ،
وجل في قلبه لما رأى من جماله ، وكماله ، ونبله ، فقال لترجمانه : قل له :
سل ما بدا لك ! فقال : إبلا لي أخذها أصحابك ، فقال : لقد رأيتك ،
فأجللتك ، وأعظمتك ، وقد تراني حيث نهدم مكرمتك وشرفك ، فلم تسألني
الانصراف ، وتكلمني في إبلك ؟ فقال ع بدالمطلب : أنا رب هذه الابل ،
ولهذا البيت الذي زعمت انك تريد هدمه رب يمنعك منه . فرد الابل ، وداخله
ذعر لكلام ع بدالمطلب ، فلما انصرف جمع ولده ومن معه ، ثم جاء إلى باب
الكعبة ، فتعلق به وقال :
لهم ! إن تعف فإنهم عيالك . . . . ( 1 ) إلا فشئ ما بدا لك
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل . وبيت الشعر مختل الوزن ( * ) .
ـ253ـ
ثم انصرف وهو يقول :
لهم ! إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك
لايغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك
ولئن فعلت ، فإنه أمر تتم به فعالك
وأقام بموضعه ، فلما كان من غد بعث ابنه عبدالله ليأتيه بالخبر ، ودنا ،
وقد اجتمعت إليه من قريش جماعة ليقاتلوا معه ان أمكنهم ذلك ، فأتى عبد
الله على فرس شقراء يركض ، وقد جردت ركبته ، فقال ع بدالمطلب : قد
جاءكم عبدالله بشيرا ونذيرا ، والله ما رأيت ركبته قط قبل اليوم ، فأخبرهم
ما صنع الله بأصحاب الفيل ، وقال ع بدالمطلب لما كان من أصحاب الفيل
ما كان :
أيها الداعي لقد أسمعتني ، * ثم ناد ، عن نداكم ، من صمم
هل يدالله أمر ، أم له * سنة في القوم ليست في الامم
قلت ، والاشرم تردي خيله : * إن ذا الاشرم غر بالحرم
إن للبيت لربا مانعا ، * من يرده بأثام يصطلم
رامه تبع ، فيما قد مضى ، * وكذا حمير ، والحي قدم
فانثنى عنه ، وفي أوداجه * حارج أمسك منه بالكظم
هلكت بالبغي فيه جرهم ، * بعد طسم ، وجديس ، وجمم
وكذا الامر بمن كاده بحر * ب ، فأمر الله بالامر اللمم
نعرف الله ، وفينا سنة ، * صلة الرحم ، وإيفاء الذمم
لم يزل لله فينا حجة ، * يدفع الله بها عنا النقم
نحن أهل الله في بلدته ، * لم يزل ذاك على عهد ابرهم
ـ254ـ
أديان العرب
وكانت أديان العرب مختلفة با لمجاورات لاهل الملل ، والانتقال إلى البلدان ،
وا لانتجاعات ، فكانت قريش ، وعامة ولد معد بن عدنان ، على بعض دين
إبراهيم ، يحجون البيت ، ويقيمون المناسك ، ويقرون الضيف ، ويعظمون
الاشهر الحرم ، وينكرون الفواحش والتقاطع والتظالم ، ويعاقبون على الجرائم ،
فلم يزالوا على ذلك ما كانوا ولاة البيت .
وكان آخر من قام بولاية البيت الحرام من ولد معد : ثعلبة بن إياد بن نزار
ابن معد ، فلما خرجت إياد وليت خزاعة حجابة البيت ، فغيروا ما كان عليه
الامر في المناسك ، حتى كانوا يفيضون من عرفات قبل الغروب ، ومن جمع
بعد أن تطلع الشمس .
وخرج عمرو بن لحي ، واسم لحي ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر ،
إلى أرض الشأم ، وبها قوم من العمالقة يعبدون الاصنام ، فقال لهم : ما هذه
الاوثان التي أراكم تعبدون ؟ قالوا : هذه أصنام نعبدها ، نستنصرها ، فننصر ،
ونستسقي بها ، فنسقى ، فقال : ألا تعطونني منها صنما ، فأسير به إلى أرض
العرب ، عند بيت الله الذي تفد إليه العرب ؟ فأعطوه صنما يقال له هبل ،
فقدم به مكة ، فوضعه عند الكعبة ، فكان أول صنم وضع بمكة ، ثم وضعوا
به إساف ونائلة كل واحد منهما على ركن من أركان البيت ، فكان الطائف ،
إذا طاف ، بدأ بإساف ، فقبله ، وختم به ، ونصبوا على الصفا صنما يقال له
مجاور الريح ، وعلى المروة صنما يقال له مطعم الطير ، فكانت العرب إذا
حجت البيت ، فرأت تلك الاصنام ، سألت قريشا وخزاعة ، فيقولون : نعبدها
لتقربنا إلى الله زلفى ، فلما رأت العرب ذلك اتخذت أصناما ، فجعلت كل
ـ255ـ
قبيلة لها صنما يصلون له تقربا إلى الله ، فيما يقولون ، فكان لكلب بن وبرة
واحياء قضاعة ود منصوبا بدومة الجندل ، بجرش ، وكان لحمير وهمدان نسر
منصوبا بصنعاء ، وكان لكنانة سواع ، وكان لغطفان العزى ، وكان لهند
وبجيلة وخثعم ذو الخلصة ، وكان لطئ الفلس منصوبا بالحبس ، وكان
لربيعة وإياد ذو الكعبات بسنداد ، من أرض العراق ، وكان لثقيف اللات
منصوبا بالطائف ، وكان للاوس والخزرج مناة منصوبا بفدك ، مما يلي ساحل
البحر ، وكان لدوس صنم يقال له ذو الكفين ، ولبني بكر بن كنانة صنم
يقال له سعد ، وكان لقوم من عذرة صنم يقال له شمس ، وكان للازد
صنم يقال له رئام ، فكانت العرب ، إذا أرادت حج البيت الحرام ، وقفت
كل قبيلة عند صنمها ، وصلوا عنده ، ثم تلبوا حتى تقدموا مكة ، فكانت
تلبياتهم مختلفة .
وكانت تلبية قريش : لبيك ، اللهم ، لبيك ! لبيك لاشريك لك ،
تملكه ، وما ملك .
وكانت تلبية كنانة : لبيك اللهم لبيك ! اليوم يوم التعريف ، يوم الدعاء
والوقوف .
وكانت تلبية بني أسد : لبيك اللهم لبيك ! يا رب أقبلت بنو أسد أهل
التواني والوفاء والجلد إليك .
وكانت تلبية بني تميم : لبيك اللهم لبيك ! لبيك لبيك عن تميم قد تراها
قد أخلقت أثوابها وأثواب من وراءها ، وأخلصت لربها دعاءها .
وكانت تلبية قيس عيلان : لبيك اللهم لبيك ! لبيك أنت الرحمن ،
أتتك قيس عيلان راجلها والركبان .
وكانت تلبية ثقيف : لبيك اللهم ! ان ثقيفا قد أتوك وأخلفوا المال ،
وقد رجوك .
وكانت تلبية هذيل : لبيك عن هذيل قد ادلجوا بليل في ابل وخيل .
ـ256ـ
وكانت تلبية ربيعة : لبيك ربنا لبيك لبيك ! إن قصدنا إليك ، وبعضهم
يقول : لبيك عن ربيعة ، سامعة لربها مطيعة .
وكانت حمير وهمدان يقولون : لبيك عن حمير وهمدان ، والحليفين
من حاشد وألهان .
وكانت تلبية الازد : لبيك رب الارباب ! تعلم فصل الخطاب ، لملك كل
مثاب .
وكانت تلبية مذحج : لبيك رب الشعرى ، ورب اللات والعزى
وكانت تلبية كندة وحضرموت : لبيك لاشريك لك ! تملكه ، أو تهلكه ،
أنت حكيم فاتركه .
وكانت تلبية غسان : لبيك رب غسان راجلها والفرسان .
وكانت تلبية بجيلة : لبيك عن بجيلة في بارق ومخيلة .
وكانت تلبية قضاعة : لبيك عن قضاعة ، لربها دفاعة ، سمعا له وطاعة .
وكانت تلبية جذام : لبيك عن جذام ذي النهى والاحلام .
وكانت تلبية عك والاشعريين : نحج للرحمن بيتا عجبا ، مستترا ، مضببا ،
محجبا .
وكانت العرب في أديانهم على صنفين : الحمس والحلة ، فأما الحمس ،
فقريش كلها ، وأما الحلة ، فخزاعة لنزولها مكة ومجاورتها قريشا ، وكانوا
يشددون على أنفسهم في دينهم ، فإذا نسكوا لم يسلاوا سمنا ، ولم يدخروا
لبنا ، ولم يحولوا بين مرضعة ورضاعها ، حتى يعافه ، ولم يحزوا شعرا ، ولا
ظفرا ، ولا يدهنوا ، ولم يمسوا النساء ولا الطيب ، ولم يأكلوا لحما ، ولم يلبسوا
في حجهم وبرا ولا صوفا ولا شعرا ، ويلبسون جديدا ، ويطوفون بالبيت في
نعالهم لايطأون أرض المسجد تعظيما له ، ولايدخلون البيوت من أبوابها ،
ولايخرجون إلى عرفات ، ويلزمون مزدلفة ، ويسكنون في حال نسكهم قباب
الادم .
ـ257ـ
وكان الحلة ، وهي تميم ، وضبة ، ومزينة ، والرباب ، وعكل ، وثور ،
وقيس عيلان ، كلها ، ما خلا عدوان وثقيفا ، وعامر بن صعصعة ، وربيعة
ابن نزار كلها ، وقضاعة ، وحضرموت ، وعك ، وقبائل من الازد لا
يحرمون الصيد في النسك ، ويلبسون كل الثباب ، ويسلاون السمن ، ولا يدخلون
من باب بيت ولا دار ، ولا يؤويهم ما داموا محرمين ، وكانوا يدهنون ويتطيبون ،
ويأكلون اللحم ، فإذا دخلوا مكة ، بعد فراغهم ، نزعوا ثيابهم التي كانت
عليهم ، فإن قدروا على أن يلبسوا ثياب الحمس كراء أو عارية فعلوا وإلا
طافوا بالبيت عراة ، وكانوا لايشترون في حجهم ، ولايبيعون ، فهاتان
الشريعتان اللتان كانت العرب عليهما .
ثم دخل قوم من العرب في دين اليهود ، وفارقوا هذا الدين ، ودخل آخرون
في النصرانية ، وتزندق منهم قوم ، فقالوا بالثنوية ، فأما من تهود منهم ،
فاليمن بأسرها ، كان تبع حمل حبرين من أحبار اليهود إلى اليمن ، فأبطل
الاوثان ، وتهود من باليمن ، وتهود قوم من الاوس والخزرج ، بعد خروجهم
من اليمن ، لمجاورتهم يهود خيبر ، وقريظة ، والنضير ، وتهود قوم من بني
الحارث بن كعب ، وقوم من غسان ، وقوم من جذام .
وأما من تنصر من أحياء العرب ، فقوم من قريش من بني أسد بن عبد
العزى ، منهم : عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبدالعزى ، وورقة بن نوفل
ابن أسد ، ومن بني تميم بنو امرئ القيس بن زيد مناة ، ومن ربيعة بنو تغلب ،
ومن اليمن طئ ، ومذحج ، وبهراء ، وسليح ، وتنوخ ، وغسان ، ولخم ،
وتزندق حجر بن عمرو الكندي .
ـ258ـ
حكام للعرب
وكان للعرب حكام ترجع إليها في أمورها ، وتتحاكم في منافراتها ،
ومواريثها ، ومياهها ، ودمائها ، لانه لم يكن دين يرجع إلى شرائعه ، فكانوا
يحكمون أهل الشرف ، والصدق ، والامانة ، والرئاسة ، والسن ، والمجد ،
والتجربة .
وكان أول من استقضي إليه ، فحكم : الافعى بن الافعى الجرهمي ،
وهو الذي حكم بين بني نزار في ميراثهم ، ثم سليمان بن نوفل ، ثم معاوية بن
عروة ، ثم سخر بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الدئل ، ثم الشداخ ، وهو يعمر
ابن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وسويد بن
ربيعة بن حذار بن مرة بن الحارث بن سعد ، ومخاشن بن معاوية بن شريف
ابن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم ، وكان يجلس على سرير من خشب ،
فسمي ذا الاعواد ، وأكثم بن صيفي بن رباح بن الحارث بن مخاشن ، وعامر
ابن الظرب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس ، وهرم
ابن قطبة بن سيار الفزاري ، وغيلان بن سلمة بن معتب الثقفي ، وسنان
ابن أبي حارثة المري ، والحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ، وعامر
الضحيان بن الضحاك بن النمر بن قاسط ، والجعد بن صبرة الشيباني ، ووكيع
ابن سلمة بن زهير الايادي ، وهو صاحب الصرح بالحزورة ، وقس بن ساعدة
الايادي ، وحنظلة بن نهد القضاعي ، وعمرو بن حممة الدوسي .
وكان في قريش حكام منهم : ع بدالمطلب ، وحرب بن أمية ، والزبير
ابن ع بدالمطلب ، وعبدالله بن جدعان ، والوليد بن المغيرة المخزومي .
ـ259ـ
ازلام العرب
وكانت العرب تستقسم بالازلام في كل أمورها ، وهي القداح ، ولايكون
لها سفر ولا مقام ، ولا نكاح ، ولا معرفة حال ، إلا رجعت إلى القداح ،
وكانت القداح سبعة : فواحد عليه : الله عزوجل ، والآخر : لكم ، والآخر :
عليكم ، والآخر : نعم ، والآخر : منكم ، والآخر : من غيركم ، والآخر :
الوعد ، فكانوا إذا أرادوا أمرا رجعوا إلى القداح ، فضربوا بها ، ثم عملوا
بما يخرج من القداح لايتعدونه ، ولايجوزونه ، وكان لهم أمناء على القداح
لايثقون بغيرهم .
وكانت العرب ، إذا كان الشتاء ونالهم القحط ، وقلت ألبان الابل ، استعملوا
الميسر ، وهي الازلام ، وتقامروا عليها ، وضربوا بالقداح ، وكانت قداح الميسر
عشرة : سبعة منها لها أنصب ، وثلاثة لا أنصب لها ، فالسبعة التي لها أنصب
يقال لاولها الفذ ، وله جزء ، والتوأم ، وله جزآن ، والرقيب ، وله ثلاثة
أجزاء ، والحلس ، وله أربعة أجزاء ، والنافس ، وله خمسة أجزاء ، والمسبل ،
وله ستة أجزاء ، والمعلى ، وله سبعة أجزاء ، والثلاثة التي لا أنصب لها اغفال ليس
عليها اسم يقال لها : المنيح ، والسفيح ، والوغد .
وكانت الجزور تشترى بما بلغت ، ولا ينقد الثمن ، ثم يدعى الجزار ،
فيقسمها عشرة أجزاء ، فإذا قسمت أجزاؤها على السواء أخذ الجزار أجزاءه ،
وهي الرأس والارجل ، وأحضرت القداح العشرة ، واجتمع فتيان الحي ،
فأخذ كل فرقة على قدر حالهم ويسارهم ، وقد احتمالهم ، فيأخذ الاول الفذ ،
وهو الذي فيه نصيب واحد من العشرة أجزاء ، فإذا خرج له جزء واحد أخذ من
الجزور جزءا ، وإن لم يكن يخرج له غرم ثمن جزء من الجزور ، ويأخذ الثاني
ـ260ـ
التوأم ، وله نصيبان من أجزاء الجزور ، فإن خرج أخذ جزئين من الجزور ،
وإن لم يخرج غرم ثمن الجزئين .
وكذلك سائر القداح على ما سمينا منها ، فما خرج أخذ صاحبه ما فيه ،
وما لم يخرج غرم ما فيه من الاجزاء ، فإذا عرف كل رجل منهم قدحه دفعوا
القداح إلى رجل أخس لاينظر إليها ، معروف أنه لم يأكل لحما قط بثمن ،
ويسمى الحرضة ، ثم يؤتى بالمجول ، وهو ثوب شديد البياض ، فيجعل على
يده ، ويعمد إلى السلفة وهي قطعة من جراب ، فيعصب بها على كفه لئلا يجد
مس قداح يكون له في صاحبه هوى ، فيخرجه ، ويأتي رجل ، فيجلس خلف
الحرضة ، يسمى الرقيب ، ثم يفيض الحرضة بالقداح ، فإذا نشز منها قدح
استله الحرضة ، فلم ينظر إليه حتى يدفعه إلى الرقيب ، فينظر لمن هو ، فيدفعه
لصاحبه ، فيأخذ من أجزاء الجزور على نصيبه منها ، فإن خرج من الثلاثة الاغفال
شئ رد من ساعته ، وإن خرج أولا الفذ أخذ صاحبه نصيبه ، وضربوا بباقي
القداح على التسعة الاجزاء الاخر ، فإن خرج التوأم أخذ صاحبه جزئين ، وضربوا
بباقي القداح على الثمانية الاجزاء الاخر ، فإن خرج المعلى أخذ صاحبه نصيبه ،
وهو السبعة الاجزاء التي بقيت ، وخرجوا وفقا ، ووقع غرم ثمن الجزور على
من خاب سهمه ، وهو أربعة : صاحب الرقيب والحلس والنافس والمسبل ،
ولهذه القداح ثمانية عشر سهما ، فيجزأ الثمن على ثمانية عشر جزءا ، وأخذ كل
واحد من الغرم مثل الذي كان نصيبه من اللحم لو فاز قدحه ، وإن خرج المعلى
أول القداح أخذ صاحبه سبعة أجزاء الجزور ، وكان الغرم على أصحاب القداح
التي خابت ، واحتاجوا أن ينحروا جزورا أخرى لان في قداحهم المسبل ،
وله ستة أجزاء ، ولم يبق من اللحم إلا ثلاثة أجزاء .
ولاينبغي لمن خاب قدحه في الجزور الاولى أن يأكل منها شيئا ، فإنه يعاب
به ، فإن نحروا الجزور الثانية ، وضربوا عليها القداح ، فخرج المسبل ، أخذ
صاحبه ستة أجزاء الجزور الاخرى : الثلاثة الباقية من الجزور الاولى ، وثلاثة
ـ261ـ
أجزاء من الجزور الثانية ، ولزمه الغرم في الجزور الاولى ، ولم يلزمه في الثانية
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 261 سطر 1 الى ص 270 سطر 22
أجزاء من الجزور الثانية ، ولزمه الغرم في الجزور الاولى ، ولم يلزمه في الثانية
شئ لان قدحه قد فاز ، وبقي من الجزور الثانية سبعة أجزاء ، فيضرب عليها
بقداح من بقي ، فإن خرج النافس أخذ صاحبه خمسة أجزاء ، ولم يغرم من ثمن
الجزور الثانية شيئا ، لان قدحه قد فاز ، ولزمه الغرم من الاولى ، وبقي جزآن
من اللحم .
وفيما بقي من القداح الحلس له أربعة أجزاء ، فيحتاجون أن ينحروا جزورا
أخرى لتتمة أربعة ، ولاينبغي لمن خاب قدحه في الجزور الثانية أن يأكل منها
شيئا ، لانه يعاب به ، وإن نحروا الجزور الثالثة وفاز الحلس أخذ صاحبه
أربعة أجزاء : جزئين من الجزور الثانية ، وجزئين من الجزور الثالثة ، ولم يغرم
من الجزور الثالثة شيئا لانه فاز قدحه ، ويبقى ثمانية أجزاء من الجزور الثالثة
فيضرب بباقي القداح عليها ، حتى يخرج قداحهم ، وفقا لاجزاء الجزور ،
فهذا حساب غرمهم الثمن كما وصفت .
وربما كانت أجزاء اللحم موافقة لاجزاء القداح ، فلا يحتاجون إلى نحر
شئ إنما تنحر الجزور ، إذا قصرت أجزاء اللحم عن بعض القداح ، فإن عاد
بعض من فاز قدحه ثانية ، فخاب غرم من ثمن الجزور التي خاب قدحه منها
على هذا الحساب ، فإن فضل من أجزاء اللحم شئ ، وقد خرجت القداح كلها ،
كانت تلك الاجزاء لاهل المسكنة من العشيرة ، فهذا تفسير الميسر .
وكانوا يفتخرون به ويرون أنه من فعال الكرم والشرف ، ولهم في هذا
أشعار كثيرة يفتخرون بها .
ـ262ـ
شعراء العرب
وكانت العرب تقيم الشعر مقام الحكمة وكثير العلم ، فإذا كان في القبيلة
الشاعر الماهر ، المصيب المعاني ، المخير الكلام ، أحضروه في أسواقهم التي
كانت تقوم لهم في السنة ومواسمهم عند حجهم البيت ، حتى تقف وتجتمع
القبائل والعشائر ، فتمسع شعره ، ويجعلون ذلك فخرا من فخرهم ، وشرفا
من شرفهم .
ولم يكن لهم شئ يرجعون إليه من أحكامهم وأفعالهم إلا الشعر ، فبه كانوا
يختصمون ، وبه يتمثلون ، وبه يتفاضلون ، وبه يتقاسمون ، وبه يتناضلون ،
وبه يمدحون ويعابون ، فكان ممن قدم شعره في جاهلية العرب على ما أجمعت
عليه الرواة وأهل العلم بالشعر ، وجاءت به الآثار والاخبار ، من شعراء العرب
في جاهليتها مع من أدركه الاسلام ، فسمي مخضرما ، فإنهم دخلوا مع من
تقدم ، فسموا الفحول ، وقدموا على تقدم أشعارهم في الجودة ، فإن كان
بعضهم أقدم من بعض وهم على ما بينا من أسمائهم ومراتبهم على الولاء ،
فأولهم امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية
ابن ثور ، وهو كندة .
والنابغة الذبياني ، وهو زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ
ابن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان .
وزهير بن أبي سلمى ، واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح بن قرط بن الحارث
ابن مازن بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد .
والاعشى ، وهو أعشى وائل ، وهو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل
ابن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة .
ـ263ـ
وعبيد بن الابرص بن حنتم بن عامر بن مالك بن زهير بن مالك بن الحارث
ابن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد .
ومهلهل وهو امرؤ القيس بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن
حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل .
وعلقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس بن عبد بن ربيعة بن مالك بن زيد مناة
ابن تميم .
والحارث بن حلزة بن مكروه بن يزيد بن عبدالله بن مالك بن عبد بن سعد
ابن جشم بن عامر بن ذبيان بن كنانة بن يشكر بن بكر بن وائل .
وعمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر
ابن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل .
وسعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن علي بن بكر بن
وائل .
والاسود بن يعفر بن عبدالاسود بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك
ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم .
وسويد بن أبي كاهل بن حارثة بن حسل بن مالك بن عبد بن سعد بن جشم
ابن ذبيان بن كنانة بن يشكر بن بكر بن وائل .
وأوس بن حجر بن مالك بن حزن بن عمرو بن خلف بن نمير بن اسيد بن
عمرو بن تميم بن مر .
وذو الاصبع العدواني ، وهو حرثان بن حارث بن محرث بن ثعلبة بن
سيار بن ربيعة بن هبيرة بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عباد بن بكر بن يشكر
ابن عدوان ، وهو الحارث بن عمرو بن قيس عيلان .
وبشر بن أبي خازم ، وهو عمرو بن عوف بن حنش بن ناشرة بن أسامة بن
والبة .
وعنترة بن شداد بن معاوية بن نزار بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة
ـ264ـ
ابن عبس بن بغيض .
وعبدة بن الطبيب التميمي .
والمتلمس ، وهو جرير بن عبدالمسيح بن عبدالله بن زيد بن دوفان بن
حرب بن وهب بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار .
وأبودؤاد الايادي وهو حوثرة بن الحارث بن الحجاج .
والمرقش الاكبر وهو عوف ، وقيل عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة
ابن قيس بن ثعلبة .
والمرقش الاصغر ، وهو ربيعة بن معاوية بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن
قيس بن ثعلبة .
والمسيب بن علس بن عمرو بن قضاعة بن عمرو بن زيد بن ثعلبة بن
دعدي بن مالك بن جشم بن مالك بن جماعة بن جلي .
وعدي بن زيد بن حماد بن زيد بن أيوب بن محروف بن عامر بن عصية
ابن المرئ القيس بن زيد مناة بن تميم .
وسلامة بن جندل بن عبد عمرو بن ع بدالحارث ، هو مقاعس بن
عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .
وسحيم بن وثيل بن عمرو بن كرز بن وهيب بن حميري بن رياح
ابن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم .
والجميح الاسدي ، وهو منقذ بن الطماح بن قيس بن طريف بن عمرو
ابن قعين .
وحاتم الطائي ، وهو حاتم بن عبدالله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس
ابن عدي بن أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث .
وطفيل الخيل ، وهو طفيل بن عوف بن خليف بن ضبيس بن مالك بن
سعد بن عوف بن هلان بن غنم بن غني .
والسفاح ، وهو سلمة بن خالد بن كعب بن زهير بن تيم بن أسامه بن
ـ265ـ
مالك بن بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب .
وتأبط شرا ، وهو ثابت بن جابر بن سفيان بن عدي بن كعب بن فهم بن
عمرو بن قيس عيلان .
وابن المضلل الاسدي ، وهو جلد بن قيس بن مالك بن منقذ بن طريف
ابن عمرو بن قعين .
وكعب الامثال الغنوي ، وهو كعب بن سعد بن علقمة بن ربيعة بن زيد
ابن أبي مليل بن رفاعة بن مسلم بن سعد .
والحكم بن . . . ( 1 )
ومروان القرظ بن زنباع بن جذيمة بن رواحة بن قطيعة بن عبس .
ودريد بن الصمة بن الحارث بن بكر بن علقة بن جداعة بن عرف بن
جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن .
وأمية بن أبي الصلت ، وهو عبدالله بن ربيعة بن عقدة بن غيرة بن
عوف بن قسي وهو ثقيف .
والافوه الاودي ، وهو صلاة بن عمرو بن مالك بن عوف بن الحارث بن
عوف بن منبه بن أود بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج .
وعمرو بن قمئة بن ذريح بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة .
وضابئ بن الحارث بن ارطاة بن شهاب بن عبيد بن حلول بن قيس بن
حنظلة بن مالك .
وخفاف بن ندبة ، وندبة هي أمه ، وأبوه عمير بن الحارث بن عمرو بن
الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم .
والمتنخل الهذلي ، وهو مالك بن غنم بن سويد بن حبشي بن خناعة
ابن الديل بن عادية بن صعصعة بن كعب بن طابخة بن لحيان بن هذيل .
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل ( * ) .
ـ266ـ
والذهاب الفحل ، وهو مالك بن جندل بن مسلمة بن مجمع بن ضبيعة بن عجل .
وعروة بن الورد بن زيد بن عبدالله بن ناشب بن سفيان بن عوذ بن غالب بن
قطيعة بن عبس بن بغيض .
والحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ، وهو فارس النعامة .
وأنس بن مدرك بن عمرو بن سعد بن عوف بن العتيك بن حارثة بن عامر
ابن تيم الله بن مبشر بن أكلب بن ربيعة بن عفرس بن حلف بن خثعم .
والمنخل بن مسعود بن أفلت بن قطن بن سوادة بن مالك بن ثعلبة بن غنم
ابن حبيب بن كعب بن يشكر .
وأشيم بن شراحيل بن عبد رضى بن عبد عوف بن مالك بن ضبيعة بن
قيس بن ثعلبة .
والحارث بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيض بن مرة بن عوف بن سعد
ابن ذبيان .
وصفوان بن حصين بن مالك بن رفاعة بن سالم بن عبيد بن سعد العنزي .
والسموأل بن عاديا ، وهو ينسب إلى غسان ، فيقول بعضهم إنه يهودي
من سبط يهوذا .
وعمرو بن الاهتم بن سمي بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن عمرو
ابن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .
ومطرود بن كعب بن عرفطة بن النافذ بن مرة من تيم بن سعد بن كعب بن
عمرو بن ربيعة الخزاعي .
وأوس بن غلفاء بن فقط ( 1 ) بن معبد بن عامر بن ؟ يمامة ( 2 ) .
وحصين بن الحمام بن ربيعة بن حرام بن واثلة بن سهم بن مرة بن عوف
ابن سعد بن ذبيان بن عامر بن صعصعة .
* ( هامش ) * 1 و 2 ) بلا نقط في الاصل ( * ) .
ـ267ـ
والركاض الاسدي ، وهو ركاض بن اباق بن بديل أحد بني دبير .
وسويد بن كراع العكلي .
والحويدرة ، واسمه قطبة بن أوس بن محصن بن جرول بن حبيب الاعظم
ابن عبدالعزى بن خزيمة بن رزام بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان .
وأعشى بني أسد ، وهو قيس بن بجرة بن منقذ بن طريف بن عمرو بن قعين .
وابن الزبعرى السهمي ، وهو عبدالله بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم
من قريش .
و . . . . ( 1 ) قطن بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة .
وابن دجاجة الفقيم ، وهو بكير بن نريد ( 2 ) بن أنس بن امرئ القيس .
وسويد بن سلامة بن حديج بن قيس بن عمرو بن قطن بن نهشل بن دارم
ابن مالك بن حنظلة .
وقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن الحارث بن مازن بن قطيعة
ابن عبس بن بغيض .
ومقيس بن صبابة أخو بني كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن
كنانة ، أدركه الاسلام ، وأسلم ، ثم ارتد فقتل يوم فتح مكة كافرا .
والمسيب بن الرفيل بن حارثة بن حيان بن قيس بن أبي جابر بن زهير بن
جناب بن هبل الكلبي .
والبراض بن قيس بن رافع بن قيس بن جدي بم ضمرة الكناني .
وسبرة بن عمرو بن اهنان بن دثار بن فقعس .
وشافع بن عبدالعزى الضمري .
وسراقة بن مالك بن جعشم المدلجي .
* ( هامش ) * 1 ) بياض في الاصل .
2 ) بلا نقط في الاصل ( * ) .
ـ268ـ
ومصروف واسمه عمرو بن قيس بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي
ربيعة بن ذهل .
وابن رميلة الضبي .
وقيس بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل .
ومرداس بن أبي عامر بن جارية بن عبد بن عبس بن رفاعة بن الحارث
ابن بهثة بن سليم بن منصور .
ومن شعراء الجاهلية الفحول المتقدمين الذين أدركوا الاسلام : النابغة
الجعدي ، وكان في السن مثل النابغة الذبياني ، واسمه قيس بن عبدالله بن عدس
ابن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة .
ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن عامر بن صعصعة .
وتميم بن أبي بن مقبل بن عوف بن حنيف بن قتيبة بن العجلان بن عبد
الله بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة .
وكعب بن زهير بن أبي سلمى ، وهو ربيعة بن رياح بن قرط بن الحارث
ابن مازن بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد .
وعبدالله بن عامر بن كرب الكندي .
وأبوسمال الاسدي ، واسمه شمعان بن هبيرة بن مساحق .
وزيد بن مهلهل ، وهو زيد الخيل بن يزيد بن منهب بن عبد رضى بن
المحلس بن ثور بن عدي بن كنانة بن مالك بن نبهان بن عمرو بن الغوث .
والحطيئة واسمه جرول بن أوس بن مالك بن جوية بن مخزوم بن مالك بن
غالب بن قطيعة بن عبس .
وضرار بن الخطاب بن مرداس بن كبير بن عمرو المحاربي .
والشماخ بن ضرار بن سنان بن أمية بن عمرو بن جحاش بن بجالة بن
مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان .
وأبوذؤيب الهذلي ، وهو خويلد بن خالد بن محرث بن ربيد بن مخزوم .
ـ269ـ
ابن صاهلة بن كاهل بن تميم بن سعد بن هذيل .
وأبوكبير الهذلي ، وهو عامر بن الحليس .
والحرث بن عمرو بن جرجة بن يربوع بن فزارة .
وعبد بني الحسحاس ، وهو سحيم بن هند بن سفين بن ثعلبة بن ذودان
ابن أسد بن خزيمة .
ـ270ـ
اسواق العرب
كانت أسواق العرب عشرة أسواق يجتمعون بها في تجاراتهم ، ويجتمع فيها
سائر الناس ، ويأمنون فيها على دمائهم وأموالهم ، فمنها : دومة الجندل ، يقوم
في شهر ربيع الاول ، ورؤساؤها غسان وكلب اي الحيين غلب قام .
ثم المشقر بهجر يقوم سوفها في جمادى الاولى ، تقوم بها بنو تيم رهط
المنذر بن ساوى .
ثم صحار يقوم في رجب في أول يوم من رجب ، ولايحتاج فيها إلى خفارة ،
ثم يرتحلون من صحار إلى ريا يعشرهم فيها الجلندى وآل الجلندى .
ثم سوق الشحر شحر مهرة ، فيقوم سوقها تحت ظل الجبل الذي عليه
قبر هود النبي ، ولم تكن بها خفارة ، وكانت مهرة تقوم بها .
ثم سوق عدن يقوم في أول يوم من شهر رمضان ويعشرهم بها الابناء ،
ومنها كان يحمل الطيب إلى سائر الآفاق .
ثم سوق صنعاء يقوم في النصف من شهر رمضان يعشرهم بها الابناء .
ثم سوق الرابية بحضرموت ، ولم يكن يوصل إليها إلا بخفارة لانها لم تكن
أرض مملكة ، وكان من عز فيها بز ، وكانت كندة تخفر فيها .
ثم سوق عكاظ بأعلى نجد يقوم في ذي القعدة ، وينزلها قريش وسائر العرب
إلا أن أكثرها مضر ، وبها كانت مفاخرة العرب ، وحمالاتهم ، و مهادناتهم .
ثم سوق ذي المجاز ، وكانت ترتحل من سوق عكاظ وسوق ذي المجاز
إلى مكة لحجهم .
وكان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الاسواق ،
فسموا المحلين ، وكان فيهم من ينكر ذلك ، وينصب نفسه لنصرة المظلوم ،
ـ271ـ
والمنع من سفك الدماء ، وارتكاب المنكر ، فيسمون الذادة المحرمين ، فأما
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 1 من ص 271 سطر 1 الى ص 271 سطر 10
والمنع من سفك الدماء ، وارتكاب المنكر ، فيسمون الذادة المحرمين ، فأما
المحلون فكانوا قبائل من أسد وطئ وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة وقوما
من بني عامر بن صعصعة .
وأما الذادة المحرمون ، فكانوا من بني عمرو بن تميم وبني حنظلة بن زيد
مناة ، وقوم من هذيل ، وقوم من بني شيبان ، وقوم من بني كلب بن وبرة ،
فكان هؤلاء يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس ، وكان العرب جميعا بين هؤلاء
تضع أسلحتهم في الاشهر الحرم . . ( 1 ) وكانت العرب تحضر سوق عكاظ ،
وعلى وجوهها البراقع ، فيقال إن أول عربي كشف قناعه ظريف بن غنم
العنبري ، ففعلت العرب مثل فعله

تاريخ اليعقوبي مجلد: 2
تاريخ اليعقوبي
وهو تاريخ أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب
ابن واضح الكاتب العباسي المعروف باليعقوبي
المجلد الثاني

ـ 5 ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ولي التوفيق ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد
خاتم النبيين وعلى أهل بيته الطبين الطاهرين .
إنه لما انقضى كتابنا الاول الذي اختصرنا فيه ابتداء كون الدنيا وأخبار
الاوائل من الامم المتقدمة والممالك المفترقة والاسباب المتشعبة ألفنا كتابنا
هذا على ما رواه الاشياخ المتقدمون من العلماء والرواة وأصحاب السير
والاخبار وا لتأريخات ، ولم نذهب إلى التفرد بكتاب نصنفه ونتكلف منه ما قد
سبقنا إليه غيرنا ، لكنا قد ذهبنا إلى جمع المقالات و الروايات لانا قد وجدناهم
قد اختلفوا في أحاديثهم وأخبارهم وفي السنين والاعمال ، وزاد بعضهم ونقص
بعض ، فأردنا أن نجمع ما انتهى إلينا مما جاء به كل امرئ منهم لان الواحد
لا يحيط بكل العلم ، وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : العلم أكثر
من أن يحفظ ، فخذوا من كل علم محاسنه . وقال جعفر بن حرب بن الاشج :
وجدت العلم كالمال ، في يد كل إنسان منه شئ ، فإذا حوى الرجل منه جملة
سمي مؤسرا ، ويحوي الآخر ما هو أكثر منه فيسمى موسرا ، وكذلك العلم
لا يحوي منه شيئا إلا سمي عالما وإن كان غيره أعلم منه . ولو كنا لا نسمي
العالم عالما حتى يحوي العلم كله لم يقع هذا الاسم على أحد من الآدميين .
وقال بعض الحكماء : ليس طلبي للعلم طمعا في بلوغ قاصيته والاستيلاء على غايته .
ولكن ألتمس شيئا لا يسع جهله ولا يحسن بالعاقل خلافه . وقال بعض الحكماء :
ـ 6 ـ
إن لم تكن عالما فتعلم وإن لم تكن حكيما فتحكم فإنه قل ما يتشبه رجل بقوم
إلا يوشك أن يكون منهم . وقال بعضهم : العلم روح والعمل بدن ، والعلم
أصل والعمل فرع ، والعلم والد والعمل مولود ، وكان العمل بمكان العلم ولم
يكن العلم بمكان العمل . وقال بعضهم : من طلب العلم لرغبة أو رهبة أو
منافسة أو شهوة كان حظه منه على حسب الرهبة ، ومن طلب العلم لكرم العلم
والتمسه لفضل الاستبانة كان حظه منه بقدر كرمه وانتفاعه به حسب استحقاقه .
وقال بعضهم : كل شئ يحتاج إلى العقل والعقل يحتاج إلى العلم .
وأبتدئ كتابنا هذا من مولد رسول الله وخبره في حال بعد حال ووقت
بعد وقت إلى أن قبضه الله إليه ، وأخبار الخلفاء بعده وسيرة خليفة بعد خليفة
وفتوحه ، وما كان منه وعمل به في أيامه وسني ولايته . وكان من روينا عنه
ما في هذا الكتاب : اسحاق بن سليمان بن علي الهاشمي عن أشياخ بني هاشم ،
وأ بوالبختري وهب بن وهب القرشي عن جعفر بن محمد وغيره من رجاله ،
وأبان بن عثمان عن جعفر بن محمد ، ومحمد بن عمر الواقدي عن موسى بن
عقبة وغيره من رجاله ، و عبدالملك بن هشام عن زياد بن عبدالله البكائي عن
محمد بن اسحاق المطلبي ، وأبوحسان الزيادي عن أبي المنذر الكلبي وغيره
من رجاله ، وعيسى بن يزيد بن دأب ، والهيثم بن عدي الطائي عن عبدالله بن
عباس الهمداني ، ومحمد بن كثير القرشي عن أبي صالح وغيره من رجاله ،
وعلي بن محمد بن عبدالله بن أبي سيف المدائني ، وأبومعشر المدني ، ومحمد بن
موسى الخوارزمي المنجم ، وما شاء الله ، الحاسب في طوالع السنين والاوقات .
وأثبتنا عن غير هؤلاء الذين سمينا جملا جاء بها غيرهم ورواها سواهم
وعلمناها من سير الخلفاء وأخبارهم ، وجعلناه كتابا مختصرا ، حذفنا منه الاشعار
وتطويل الاخبار ، وبالله المعونة والتوفيق والحول والقوة .
ـ 7 ـ
مولد رسول الله
وكان مولد رسول الله في عام الفيل ، بينه وبين الفيل خمسون ليلة ، وكان
على ما رواه بعضهم يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول ، وقيل ليلة
الثلاثاء لثمان خلون من شهر ربيع الاول .
وقال من رواه عن جعفر بن محمد يوم الجملة حين طلع الفجر لاثنتي
عشرة ليلة خلت من شهر رمضان . وولد على ما قال أصحاب الحساب بقران
العقرب .
قال ، ماشاءالله ، المنجم : كان طالع السنة التي كان فيها القران الذي
دل على مولد رسول الله الميزان اثنتين وعشرين درجة حد الزهرة وبيتها
والمشتري في العقرب ثلاث درجات وثلاثا وعشرين دقيقة ، وزحل في العقرب
ست درجات وثلاثا وعشرين دقيقة راجعا ، وهما في الثاني من الطوالع ، والشمس
في نظير الطالع في الحمل أول دقيقة ، والزهرة في الحمل على درجة وست وخمسين
دقيقة ، وعطارد في الحمل على ثماني عشرة درجة وست عشرة دقيقة راجعا ،
والمريخ في الجوزاء اثنتي عشرة درجة وخمس عشرة دقيقة ، والقمر وسط
السماء في السرطان درجة وعشرين دقيقة .
وقال الخوارزمي : كانت الشمس يوم ولد رسول الله في الثور درجة ،
والقمر في الاسد على ثماني عشرة درجة وعشر دقائق ، وزحل في العقرب تسع
درجات وأربعين دقيقة راجعا ، والمشتري في العقرب درجتين وعشر دقائق
راجعا ، والمريخ في السرطان درجتين وخمسين دقيقة ، والزهرة في الثور اثنتي
عشرة درجة وعشر دقائق . وكانت قريش تؤرخ السنين بموت قصي بن كلاب
لجلالة قصي ، فلما كان عام الفيل أرخت به لاشتهار ذلك العام ، فكان تأريخهم
ـ 8 ـ
من مولد رسول الله .
ولما ولد رسول الله رجمت الشياطين وانقضت الكواكب . فلما رأت
ذلك قريش أنكرت انقضاض الكواكب وقالوا : ما هذا إلا لقيام الساعة ،
وأصابت الناس . زلزلة عمت جميع الدنيا حتى تهدمت الكنائس والبيع ،
وزال كل شئ يعبه دون الله ، عزوجل ، عن موضعه ، وعميت على
السحرة والكهان أمورهم وحبست شياطينهم ، وطلعت نجوم لم تر قبل
ذلك ، فأنكرتها كهان اليهود ، وزلزل إيوان كسرى فسقطت منه ثلاث عشرة
شرافة ، وخمدت نار فارس ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام . ورأى عالم
الفرس وحكيمهم وهو الذي تسميه الفرس موبذان موبذ التيم بشرائع
دينهم كأن إبلا عرابا تقود خيلا صعابا حتى قطعت دجلة وانتشرت في البلاد .
فراع ذلك كسرى أنوشروان وأفزعه ، فوجه إلى النعمان فقال : هل بقي من
كهان العرب أحد ؟ قال : نعم ! سطيع الغساني بدمشق من أرض الشأم . قال :
فجئنى بشيخ من العرب له عقل ومعرفة أوجهه إليه . فأتاه بعبد المسيح بن
بقيلة ، فوجهه إليه . فخرج عليه عبدالمسيح على جمل حتى قدم دمشق .
فسأل عنه فدل عليه وهو ينزل في باب الجابية ، فوجده في آخر رمق . فنادى
في أذنه بأعلى صوته :
أصم أم تسمع غطريف اليمن * يا فارج الكربة أعيت من ومن
وفاصل الخطبة في الامر العنن * أتاك شيخ الحي من آل يزن
فقال : عبدالمسيح ، على جمل مشيح ، نحو سطيح ، حين أشفى على الضريح .
بعثك ملك بني ساسان بهدم الايوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان . رأى إبلا
عرابا تقود خيلا صعابا حتى قطعت دجلة وانتشرت في البلاد . يا ابن ذي يزن
تكون هنة وهنات ويموت ملوك وملكات بعدد الشرافات . إذا غاضت بحيرة
ساوه وظهرت التلاوه بأرض تهامه وظهر صاحب الهراوه فليست الشأم لسطيح
ـ 9 ـ
شاما . ثم فاضت نفسه .
وجاء رجل من أهل الكتاب إلى ملاء من قريش فيهم هشام بن المغيرة
والوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة فقال : ولد لكم الليلة مولود . قالوا : لا .
قال : أخطأكم والله معشر قريش فقد ولد إذا بفلسطين غلام اسمه أحمد ، به
شامة كلون الحر الادكن يكون به هلاك أهل الكتاب ، فلم يريموا حتى قيل لهم
إنه ولد لعبد الله بن ع بدالمطلب الليلة غلام . فمضى الرجل حتى نظر إليه ثم
قال : هو والله هو ! ويل أهل الكتاب منه . فلما رأى سرور قريش بما سمعت
منه قال : والله ليسطون بكم سطوة يتحدث بها أهل المشرق والمغرب .
وكان تزويج عبدالله بن ع بدالمطلب لآمنة بنت وهب بعد حفر زمزم بعشر سنين ،
وقيل بضع عشرة سنة . وبين فداء ع بدالمطلب لابنه وبين تزويجه إياه سنة ،
فكان اسم عبدالله أبي رسول الله عبدالدار ، وقيل : كان اسمه عبد قصي .
فلما كان في اسنة التي فدي فيها قال ع بدالمطلب : هذا عبدالله ، فسماه
يومئذ كذلك . وكان بين تزويج أبي رسول الله لامه وبين مولده على ما روى
جعفر بن محمد عشرة أشهر ، وقال بعضهم سنة وثمانية أشهر .
وروي عن أمه أنها قالت : رأيت لما وضعته نورا بدا مني ساطعا حتى
أفزعني ، ولم أر شيئا مما يراه النساء .
وروى بعضهم أنها قالت : سطع مني النور حتى رأيت قصور الشأم ،
ولما وقع إلى الارص قبض قبضة من تراب ثم رفع رأسه إلى السماء . . 1
فكان أول لبن شربه بعد أمه لبن ثويبة مولاة أبي لهب . وقد أرضعت
ثويبة هذه حمزة بن ع بدالمطلب وجعفر بن أبي طالب وأبا سلمة بن عبدالاسد
المخزومي . وقال رسول الله ، بعد ما بعثه الله : رأيت أبا لهب في النار يصيح
العطش العطش فيسقى في نقر إبهامه . فقلت : بم هذا ؟ فقال : بعتقي ثويبة
لانها أرضعتك .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ 10 ـ
وتوفي عبدالله بن ع بدالمطلب أبورسول الله على ما روى جعفر بن محمد
بعد شهرين من مولده . وقال بعضهم إنه توفي قبل أنه يولد ، وهذا قول
غير صحيح لان الاجماع على أنه توفي بعد مولده . وقال آخرون بعد سنة من
مولده ، وكانت وفاة عبدالله بالمدينة عند أخوال أبيه بني النجار في دار تعرف
بدار النابغة ، وكانت سنه يوم توفي خمسا وعشرين سنة .
واسترضع في بني سعد بن بكر بن هوازن . وكان ع بدالمطلب دفعه إلى
الحارث بن عبدالعزى بن رفاعة السعدي زوج حليمة بنت أبي ذؤيب السعدي ،
فلم يزل مقيما في بني سعد يرون به البركة في أنفسهم وأموالهم حتى كان من شأنه
في الذي أتاه في صورة رجل ، فشق عن بطنه وغسل جوفه ، ما كان . فخافوا عليه
وردوه إلى جده ع بدالمطلب وله خمس سنين ، وقيل أربع سنين ، وهو في
خلق ابن عشر وقوته .
وتوفيت أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بعد ما أتى عليه ست
سنين وثلاثة أشهر ، ولها ثلاثون سنة . وكانت وفاتها بموضع يقال له الابواء
بين مكة والمدينة . وكان ع بدالمطلب جد رسول الله يكفله ، وع بدالمطلب
يومئذ سيد قريش غير مدافع ، قد أعطاه الله من الشرف ما لم يعط أحدا ، وسقاه
زمزم وذاالهرم ، وحكمته قريش في أموالها ، وأطعم في المحل حتى أطعم الطير
والوحوش في الجبال . قال أبوطالب :
ونطعم حتى تأكل الطير فضلنا * إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد
ورفض عبادة الاصنام ووحد الله ، عزوجل ، ووفى بالنذر وسن سننا
نزل القرآن بأكثرها ، وجاءت السنة من رسول الله بها وهي : الوفاء بالنذور ،
ومائة من الابل في الدية ، وألا تنكح ذات محرم ، ولا تؤتى البيوت من ظهورها ،
وقطع يد السارق ، والنهي عن قتل الموء ودة ، والمباهلة ، وتحريم الحمر ، وتحريم
الزناء ، والحد عليه ، والقرعة ، وألا يطوف أحد بالبيت عريانا ، وإضافة
ـ 11 ـ
الضيف ، وألا ينفقوا إذا حجوا إلا من طيب أموالهم ، وتعظيم الاشهر الحرم ،
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 11 سطر 1 الى ص 20 سطر 22
الضيف ، وألا ينفقوا إذا حجوا إلا من طيب أموالهم ، وتعظيم الاشهر الحرم ،
ونفي ذوات الرايات . ولما قدم صاحب الفيل خرجت قريش من الحرم فارة
من أصحاب الفيل ، فقال ع بدالمطلب : والله لا أخرج من حرم الله وأبتغي العز
في غيره . فجلس بفناء البيت ثم قال :
لهم إن تعف فإنهم عيالك * . . إلا فشئ ما بدا لك
فكانت قريش تقول : ع بدالمطلب إبراهيم الثاني . وكان المبشر لقريش
بما فعل الله بأصحاب الفيل عبدالله بن ع بدالمطلب أبورسول الله . فقال عبد
المطلب : قد جاءكم عبدالله بشيرا ونذيرا . فأخبرهم بما نزل بأصحاب الفيل .
فقالوا : إنك كنت لعظيم البركة لميمون الطائر منذ كنت .
وكان لعبد المطلب من الولد الذكور عشرة . ومن الاناث أربع : عبدلله
أبورسول الله ، وأبوطالب وهو عبد مناف ، والزبير وهو أبوالطاهر ، وعبد
الكعبة وهو المقوم ، وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم
وهي أم أم حكيم البيضاء . وعاتكة وبرة وأروى وأميمة بنات ع بدالمطلب ،
والحارث وهو أكبر ولد ع بدالمطلب وبه كان يكنى ، وقثم ، وأمهما صفية
بنت جندب بن حجير بن زباب بن حبيب بن سوأة بن عامر بن صعصعة ،
وحمزة وهو أبو يعلى أسد الله وأسد رسول الله ، وأمه هالة بنت وهيب بن
عبد مناف بن زهرة وهي أم صفية بنت ع بدالمطلب ، والعباس ، وضرار ،
أمهما نتيلة بنت جناب بن كليب بن النمر بن قاسط ، وأبولهب وهو
عبدالعزى ، وأمه لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر الخزاعي ،
والغيداق وهو جحل وإنما سمى الغيداق لانه كان أجود قريش وأطعمهم
للطعام ، وأمه ممنعة بنت عمرو بن مالك بن نوفل الخزاعي . فهؤلاء أعمام
رسول الله وعماته . وكان لكل واحد من ولد ع بدالمطلب شرف وذكر
وفضل وقدر ومجد . وحج عامر بن مالك ملاعب الاسنة البيت فقال : رجال
ـ 12 ـ
كأنهم جمال جون ، فقال : بهؤلاء تمنع مكة . وحج أكثم بن صيفي في ناس
من بني تميم فرآهم يخترقون البطحاء كأنهم أبرجة الفضة يلحقون الارض
جيرانهم . فقال : يا بني تميم إذا أحب الله أن ينشئ دولة نبت لها مثل هؤلاء .
هؤلاء غرس الله لا غرس الرجال . وكان يفرش لعبد المطلب بفناء الكعبة ،
فلا يقرب فراشه حتى يأتي رسول الله ، وهو غلام ، فيتخطى رقاب عمومته ،
فيقول لهم ع بدالمطلب : دعوا ابنى ، إن لا بني هذا لشأنا .
وكان ع بدالمطلب قد وفد على سيف بن ذي يزن مع جلة قومه لما غلب
على اليمن ، فقدمه سيف عليهم جميعا وآثره . ثم خلا به فبشره برسول الله
ووصف له صفته ، فكبر ع بدالمطلب وعرف صدق ما قال سيف ، ثم خر
ساجدا . فقال له سيف : هل أحسست لما قلت نبأ ؟ فقال له : نعم ! ولد لابني
غلام على مثال ما وصفت ، أيها الملك . قال : فاحذر عليه اليهود وقومك ،
وقومك أشد من اليهود ، والله متمم أمره ومعل دعوته . وكان أصحاب الكتاب
لايزالون يقولون لعبد المطلب في رسول الله منذ ولد فيعظم بذلك ابتهاج عبد
المطلب . فقال : أما والله لئن نفستي قريش الماء ، يعني ماء سقاه الله من
زمزم وذي الهرم ، لتنفسني غدا الشرف العظيم والبناء الكريم والعز الباقي
والسناء العالي إلى آخر الدهر ويوم الحشر .
وتوالت على قريش سنون مجدبة حتى ذهب الزرع وقحل الضرع ، ففزعوا
وقالوا : قد سقانا الله بك مرة بعد أخرى فادع الله أن يسقينا ، وسمعوا صوتا
ينادي من بعض جبال مكة : معشر قريش إن النبي الامي منكم ، وهذا
أوان توكفه ، ألا فانظروا منكم رجلا عظاما جساما له سن يدعو إليه
وشرف يعظم عليه فيلخرج هو وولده ليمسموا من الماء ويلتمسوا من
الطيب ويستلموا الركن ، وليدع الرجل وليؤمن القوم فخصبتم ما شئتم إذا
وغثتم ، فلم يبق أحد بمكة إلا قال : هذا شيبة الحمد ، هذا شيبة الحمد .
فخرج ع بدالمطلب ومعه رسول الله ، وهو يؤمئذ مشدود الازار ، فقال عبد
ـ 13 ـ
المطلب : اللهم ساد الخلة وكاشف الكربة ، وأنت عالم غير معلم ، مسؤول
غير مبخل ، وهؤلاء عبداؤك وإماؤك بعذرات حرمك يشكون إليك سنيهم
التي أقحلت الضرع وأذهبت الزرع ، فاسمعن اللهم وأمطرن غيثا مريعا مغدقا .
فما راموا حتى انفجرت السماء بمائها وكظ الوادي بثجه ، وفي ذلك يقول
بعض قريش :
بشيبة الحمد أسقى الله بلد تنا * وقد فقدنا الكرى واجلوذ المطر
منا من الله بالميمون طائره * وخير من بشرت يوما به مضر
مبارك الامر يستسقى الغمام به * ما في الانام له عدل ولا خطر
وأوصى ع بدالمطلب إلى ابنه الزبير بالحكومة وأمر الكعبة وإلى أبي طالب
برسول الله وسقاية زمزم ، وقال له : قد خلفت في أيديكم الشرف العظيم الذي
تطأون به رقاب العرب . وقال لابي طالب :
أوصيك يا عبد مناف بعدي * بمفرد بعد أبيه فرد
فارقه وهو ضجيع المهد * فكنت كالام له في الوجد
تدنيه من أحشائها والكبد * فأنت من أرجى بني عندي
لدفع ضيم أو لشد عقد
وتوفي ع بدالمطلب ولرسول الله ثماني سنين ولعبد المطلب المطلب مائة وعشرون سنة ،
وقيل مائة وأربعون سنة . وأعظمت قريش موته ، وغسل بالماء والسدر . وكانت
قريش أول من غسل الموتى بالسدر ، ولف في حلتين من حلل اليمن قيمتهما
ألف مثقال ذهب ، وطرح عليه المسك حتى سترة ، وحمل على أيدي الرجال
عدة أيام إعظاما وإكراما وإكبارا لتغييبه في التراب . واحتبى ابنه بنفاء الكعبة
لما غيب ع بدالمطلب واحتبى ابن جدعان التيمى من ناحية والوليد بن ربيعة
ـ 14 ـ
الخزومي ، فادعى كل واحد الرئاسة .
وروي عن رسول الله أنه قال : إن الله يبعث جدي ع بدالمطلب أمة
واحدة في هيئة الانبياء وزي الملوك .
فكفل رسول الله بعد وفاة ع بدالمطلب أبوطالب عمه ، فكان خير كافل .
وكان أبوطالب سيدا شريفا مطاعا مهيبا مع إملاقه .
قال علي بن أبي طالب : أبي ساد فقيرا ، وما ساد فقير قبله . وخرج به
إلى بصرى من أرض الشأم وهو ابن تسع سنين ، وقال : والله ! لا أكلك إلى
غيري . وربته فاطمة بنت أسد بن هاشم امرأة أبي طالب وأم أولاده جميعا .
ويروى عن رسول الله لما توفيت ، وكانت مسلمة فاضلة ، أنه قال : اليوم ماتت
أمي ، وكفنها بقميصه ونزل على قبرها واضطجع في لحدها . فقيل له : يارسول
الله ، لقد اشتد جزعك على فاطمة . قال : إنها كانت أمي ، إن كانت لتجيع
صبيانها وتشبعني وتشعثهم وتدهنني ، وكانت أمي .
ولما بلغ العشرين ظهرت فيه العلامات وجعل أصحاب الكتب يقولون فيه
ويتذاكرون أمره ويتوصفون حاله ويقربون ظهوره ، فقال يوما لابي طالب :
يا عم إني أرى في المنام رجلا يأتيني ومعه رجلان فيقولان : هو هو ، وإذا
بلغ فشأنك به ، والرجل لا يتكلم . فوصف أبوطالب ما قال لبعض من كان
بمكة من أهل العلم . فلما نظر إلى رسول الله قال : هذه الروح الطيبة !
هذا والله النبي المطهر . فقال له أبوطالب : فاكتم على ابن أخي لا تغر به
قومه ، فوالله إنما قلت لعلي ما قلت ، ولقد أنبأني أبي ع بدالمطلب بأنه النبي
المبعوث وأمرني أن أستر ذلك لئلا يغري به الاعادي .
ـ 15 ـ
الفجار
وشهد رسول الله الفجار وله سبع عشرة سنة ، وقيل عشرون سنة ، وكان
سبب الفجار ، وهي الحرب التي كانت بين كنانة وقيس ، أن رجلا من بني
ضمرة يقال له البراض بن قيس ، وكان بمكة في جوار حرب بن أمية ، وثب على
رجل من هذيل يقال له الحارث فقتله . وأخرجه حرب بن أمية من جواره
فلحق بالنعمان بن المنذر ، فاجتمع هو وعروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب .
وكان النعمان يوجه في كل سنة بلطيمة إلى عكاظ للتجارة ، ولا يعرض لها أحد
من العرب ، حتى قتل النعمان أخا بلعاء بن قيس ، فكان بلعاء بعد ذلك يغير على
لطائم النعمان . فلما اجتمع عروة والبراض عنده قال : من يجير لطائمي ؟ فقال
البراض : أنا ، وقال عروة : أنا ، مثله ، فتنازعا كلاما . فلما خرجا وتوجه
عروة لينصرف ، عارضه البراض فقتله وأخذ ما كان معه من لطائم النعمان .
فاجتمعت قيس على قوم البراض ، ولجأت كنانة إلى قريش فأعانتها وخرجت معها ،
فاقتتلوا في رجب ، وكان عندهم الشهر الحرام الذي لا تسفك فيه الدماء . فسمي
الفجار لانهم فجروا في شهر حرام . وكان على كل قبيل من قريش رئيس ،
وعلى بني هاشم الزبير بن ع بدالمطلب .
وقد روي أن أبا طالب منع أن يكون فيها أحد من بني هاشم وقال : هذا
ظلم وعدوان وقطيعة واستحلال للشهر الحرام ، ولا أحضره ولا أحد من أهلي ،
فأخرج الزبير بن ع بدالمطلب مستكرها . وقال عبدالله بن جدعان التيمي وحرب
ابن أمية : لا نحضر أمرا تغيب عنه بنو هاشم ، فخرج الزبير .
وقيل : إن أبا طالب كان يحضر في الايام ومعه رسول الله ، فإذا حضر
هزمت كنانة قيسا فعرفوا البركة بحضوره فقالوا : يا ابن مطعم العطير وساقى
ـ 16 ـ
الحجيج لا تغب يعنا فإنا نرى مع حضورك الظفر والغلبة . قال : فاجتنبوا الظلم
والعدوان والقطيعة والبهتان فإني لا أغيب عنكم . فقالوا : ذاك لك . فلم يزل
يحضر حتى فتح عليهم .
وروي عن رسول الله أنه قال : شهدت الفجار مع عمي أبي طالب وأنا
غلام .
وروى بعضهم أنه شهد الفجار وهو ابن عشرين سنة وطعن أبا براء ملاعب
الاسنة فأراده عن فرسه ، وجاء الفتح من قبله ( فجمعنا جميع الروايات ) ومات
حرب بن أمية بن عبد شمس بالشأم بعد الفجار بأشهر .
ـ 17 ـ
حلف الفضول
حضر رسول الله حلف الفضول وقد جاوز العشرين ، وقال بعدما بعثه الله :
حضرت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما يسرني به حمر النعم ، ولو دعيت
إليه اليوم لاجبت . وكان سبب حلف الفضول أن قريشا تحالفت أحلافا كثيرة
على الحمية والمنعة ، فتحالف المطيبون وهم بنو عبد مناف وبنو أسد وبنو زهرة
وبنو تيم وبنو الحارث بن فهر على أن لا يسلموا الكعبة ما أقام حراء وثبير
وما بل بحر صوفة . وصنعت عاتكة بنت ع بدالمطلب طيبا فغمسوا أيديهم فيه .
وقيل إن الطيب كان لام حكيم البيضاء بنت ع بدالمطلب ، وهي توأم عبدالله
أبي رسول الله ، وتحالفت اللعقة وهم بنو عبدالدار وبنو مخزوم وبنو جمع
وبنو سهم وبنو عدي على أن يمنع بعضهم بعضا ويعقل بعضهم عن بعض وذبحوا
بقرة فغمسوا أيديهم في دمها ، فكانت قريش تظلم في الحرم الغريب ومن لا
عشيرة له حتى أتى رجل من بني أسد بن خزيمة بتجارة فاشتراها رجل من بني سهم
فأخذها السهمي وأبى أن يعطيه الثمن ، فكلم قريشا واستجار بها وسألها إعانته على
أخذ حقه فلم يأخذ له أحد بحقه فصعد الاسدي أبا قبيس فنادى بأعلى صوته :
يا أهل فهر لمظلوم بضاعته * ببطن مكة نائي الاهل والنفر
إن الحرام لمن تمت حرامته * ولا حرام لثوبي لابس الغدر
وقد قيل : لم يكن رجل من بني أسد ولكنه قيس بن شيبة السلمي باع متاعا
من أبي خلف الجمحي وذهب بحقه ، فقال هذا الشعر ، وقيل بل قال :
يال قصي كيف هذا في الحرم * وحرمة البيت وأخلاق الكرم
أظلم لا يمنع مني من ظلم
ـ 18 ـ
فتذممت قريش فقاموا فتحالفوا ألا يظلم غريب ولا غيره وأن يؤخذ للمظلوم
من الظالم ، واجتمعوا في دار عبدالله بن جدعان التيمي . وكانت الاحلاف هاشم
وأسد وزهرة وتيم والحارث بن فهر فقالت قريش : هذا فضول من الحلف ،
فسمي حلف الفضول . وقال بعضهم : حضره ثلاثة نفر يقول لهم الفضل بن
قضاعة والفضل بن حشاعة والفضل بن بضاعة فسمي بهذا حلف الفضول .
وقد قيل إن هؤلاء النفر حضروا حلفا لجرهم فسمي حلف الفضول بهم وشبه
بالحلف في تلك السنة .
ـ 19 ـ
بنيان الكعبة
ووضع رسول الله الحجر في موضعه حين اختصمت قريش وهوابن خمس
وعشرين سنة ، وذلك أن قريشا هدمت الكعبة بسبب سيل أصابهم فهدمها .
وقيل : بل كانت امرأة من قريش تجمر الكعبة فطارت شررة فأحرقت باب
الكعبة ، وكان طولها تسعة أذرع فنقضوها . وكان أول من ضرب فيها بمعول
الوليد بن المغيرة المخزومي . وحفروا حتى انتهوا إلى قواعد إبراهيم فقلعوا منها
حجرا فوثب الحجر ورجع مكانه فأمسكوا . ويقال إن الذي بدر الحجر من يده
أبووهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ، وخرج عليهم ثعبان فحال
بينهم وبين البناء ، فاجتمعوا ، فقال : ماذا ترون ؟ فقال أبوطالب : إن هذا
لا يصلح أن ينفق فيه إلا من طيب المكاسب فلا تدخلوا فيه مالا من ظلم ولا
عدوان ، فأحضروا ما لم يشكوا فيه من طيب أموالهم ورفعوا أيديهم
إلى السماء ، فجاء طائر فاختطف الثعبان حتى ذهب . فوضعوا أزرهم يعملون
عراة إلا رسول الله فإنه أبى أن ينزع ثوبه فسمع صائحا يصيح : لا تنزع ثوبك .
ونقلت الحجارة التي بني بها البيت من جبل يقال له السيادة من أعلى الوادي
وصيروها ثماني عشرة ذراعا ، وكانت كل قبيلة تلي طائفة منها فكانت بنو
عبد مناف تلي الربع وسائر ولد قصي بن كلاب وبنو تيم الربع ومخزوم الربع
وبنو سهم وجمح وعدي وعامر بن فهر الربع . فلما أرادوا أن يضعوا الحجر
اختصموا فيه ، وقالت كل قبيلة : نحن نتولى وضعه . فأقبل رسول الله ، وكانت
قريش تسميه الامين ، فلما رأوه مقبلا قالوا : قد رضينا بحكم محمد بن عبد
الله ، فبسط رسول الله رداءه ثم وضع الحجر في وسطه وقال : لتحمل كل قبيلة
بجانب من جوانب الرداء ثم ارفعوا جميعا . ففعلوا ذلك ، فحمل عتبة بن ربيعة
ـ 20 ـ
أحد جوانب الرداء وأبوزمعة بن الاسود وأبوحذيفة بن المغيرة وقيس بن عدي
السهمي ، وقيل العاص بن وائل . فلما بلغ الموضع أخذه رسول الله ووضعه
بموضعه الذي هو به وسقفوها ، ولم يكن لها قبل ذلك سقف .
تزويج خديجة بنت وخويلد
وتزوج رسول الله خديجة بنت خويلد وله خمس وعشرون سنة ، وقيل :
تزوجها وله ثلاثون سنة ، وولدت له ، قبل أن يبعث ، القاسم ورقية وزينب وأم
كلثوم ، وبعد ما بعث عبدالله ، وهو الطيب والطاهر لانه ولد في الاسلام ،
وفاطمة . وروى بعضهم عن عمار بن ياسر أنه قال : أنه أعلم الناس بتزويج
رسول الله خديجة بنت خويلد : كنت صديقا له ، فإنا لنمشي يوما بين الصفا
والمروة إذا بخديجة بنت خويلد وأختها هالة . فلما رأت رسول الله جاءتني هالة
أختها فقالت : يا عمار ! ما لصاحبك حاجة في خديجة ؟ قلت : والله ما أدري .
فرجعت فذكرت ذلك له ، فقال : ارجع فواضعها وعدها يوما نأتيها فيه ،
ففعلت . فلما كان ذلك اليوم أرسلت إلى عمرو بن أسد وسقته ذلك اليوم
ودهنت لحيته بدهن أصفر ، وطرحت عليه حبرا . ثم جاء رسول الله في نفر
من أعمامه تقدمهم أبوطالب فخطب أبوطالب فقال : الحمد لله الذي جعلنا
من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا
الحكام على الناس وبارك لنا في بلدنا في بلدنا الذي نحن به ، ثم إن ابن أخي محمد بن
عبدالله لا يوزن برجل من قريش إلا رجح ولا يقاس بأحد إلا عظم عنه ،
وإن كان في المال قل فإن المال قل فإن المال رزق حائل وظل زائل ، وله في خديجة رغبة
ولها فيه رغبة وصداق ما سألتموه عاجله من مالي ، وله والله خطب عظيم ونبأ شائع .
فتزوجها وانصرف . فلما أصبح عمها عمرو بن أسد أنكر ما رأى فقيل له :
ـ 21 ـ
هذا ختنك محمد بن عبدالله بن ع بدالمطلب أهدى لك هذا . قال : ومتى زوجته ؟
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 21 سطر 1 الى ص 30 سطر 17
هذا ختنك محمد بن عبدالله بن ع بدالمطلب أهدى لك هذا . قال : ومتى زوجته ؟
قيل له : بالامس . قال : ما فعلت . قيل له : بلى ، نشهد أنك قد فعلت . فلما
رأى عمرو رسول الله قال : اشهدوا أني إن لم أكن زوجته بالامس فقد زوجته
اليوم ، وأنه ما كان مما يقول الناس انها استأجرته بشئ ولا كان أجيرا
لاحد قط . وروى محمد بن اسحاق أن خويلد بن أسد بن عبدالعزى زوج
خديجة ابنته من رسول الله ومات بعد الفجار بخمس سنين ، وروى بعضهم أنه
قتل في الفجار أو مات عام الفجار .
ـ 22 ـ
المبعث
وبعث رسول الله لما استكمل أربعين سنة ، فكان مبعثه في شهر ربيع
الاول ، وقيل في رمضان ، ومن شهور العجم في شياط . وكانت سنته التي بعث
فيها سنة قران في الدلو . قال ، ما شاء الله ، الحاسب : كان طالع السنة التي
بعث فيها رسول الله وهو القران الثالث من قران مولده السنبلة أربع درجات ،
والقمر في الميزان سبع عشرة درجة ، والمريخ من الطالع في السنبلة ثلاث عشرة
درجة راجعا ، والمشتري في الخامس في الجدي إحدى وعشرين درجة ، وزحل
في الدلو في السادس في تسع درجات حد الزهرة في الحوت ، والشمس في الثامن
في الحمل دقيقة ، وعطارد في الحمل أربع عشرة درجة ، وحد مدخل السنة
منذ أول يوم دخلت فيه الشمس . وقال الخوارزمي : كانت الشمس يومئذ في
الدلو أربعا وعشرين درجة ، وخمس عشرة دقيقة ، والقمر في السرطان سبع
عشرة درجة ، وزحل في الدلو تسع عشرة درجة ، والمشتري . . . . . 1
اثنتي عشرة درجة ، والمريخ في الحوت خمس عشرة وثلاثين دقيقة ،
والزهرة في الحمل إحدى عشرة درجة ، وعطارد في الدلو ثلاثا وعشرين درجة
وثلاثين دقيقة . وكان جبريل يظهر له فيكلمه . وربما ناداه من السماء ومن
الشجرة ومن الجبل فيذعر من ذلك رسول الله ، ثم قال له : إن ربك يأمرك
أن تجتنب الرجس من الاوثان ، فكان أول أمره . فكان رسول الله يأتي خديجة
ابنة خويلد ويقول لها ما سمع وتكلم به . فتقول له : استر يا ابن عم ، فوالله
إني لارجو أن يصنع الله بك خيرا . وأتاه جبريل ليلة السبت وليلة الاحد ثم
ظهر له بالرسالة يوم الاثنين ، وقال بعضهم يوم الخميس ، وقال من رواه عن
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ 23 ـ
جعفر بن محمد يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان ولذلك جعله عيدا للمسلمين
وعلى جبريل جبة سندس وأخرج له درنوكا من درانيك الجنة فأجلسه عليه وأعلمه
أنه رسول الله وبلغه عن الله وعلمه : اقرأ باسم ربك الذي خلق . وأتاه من
غد وهو متدثر ، فقال : يا أيها المدثر قم فأنذر . وقال رسول الله : أول
ما نهاني عنه جبريل بعد عبادة الاصنام ملاحاة الرجال . وروى بعضهم أن
إسرافيل وكل به ثلاث سنين وأن جبريل وكل به عشرين سنة ، وقال آخرون :
ما زال جبريل موكلا به ، وقد كان ورقة بن نوفل قال لخديجة بنت خويلد :
اسأليه من هذا الذي يأتيه ؟ فإن كان ميكائيل فقد أتاه بالخفض والدعة واللين ،
وإن كان جبريل فقد أتاه بالقتل والسبي . فسألته ، فقال : جبريل ، فضربت
خديجة جبهتها . وكان أول ما افترض عليه من الصلاة الظهر ، أتاه جبريل فأراه
الوضوء ، فتوضأ رسول الله كما توضأ جبريل ثم صلى ليريه كيف يصلي ،
فصلى رسول الله . وروى بعضهم أن الظهر الصلاة الوسطى أول صلاة صلاها
رسول الله ، وكان يوم جمعة . ثم أتى خديجة ابنة خويلد فأخبرها فتوضأت
وصلت ، ثم رآه علي بن أبي طالب ففعل كما رآه يفعل .
ولما بعث رميت الشياطين بشهب من السماء ومنعت من أن تسترق
السمع . فقال إبليس : ما هذا إلا لامر قد حدث ونبي قد بعث ، وأصبحت
الاصنام في جميع الدنيا منكسة ، وخمدت النيران التي كانت تعبد .
وكان أول من أسلم خديجة بنت خويلد من النساء وعلي بن أبي طالب
من الرجال ، ثم زيد بن حارثة ثم أبوذر ، وقيل أبوبكر قبل أبي ذر ،
ثم عمرو بن عبسة السلمي ثم خالد بن سعيد بن العاص ثم سعد بن أبي وقاص
ثم عتبة بن غزوان ثم خباب بن الارت ثم مصعب بن عمير .
وروي عن عمرو بن عبسة السلمي قال : أتيت رسول الله أول ما بعث
وبلغني أمره فقلت : صف لي أمرك . فوصف لي أمره وما بعثه الله به . فقلت :
هل يتبعك على هذا أحد ؟ قال : نعم ! امرأة وصبي وعبد ، يريد خديجة بنت
ـ 24 ـ
خويلد وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة .
وأقام رسول الله بمكة ثلاث سنين يكتم أمره وهو يدعو إلى توحيد الله ،
عزوجل ، وعبادته والاقرار بنبوته ، فكان إذا مر بملا من قريش ، قالوا :
إن فتى ابن ع بدالمطلب ليكلم من السماء حتى عاب عليهم آلهتهم وذكر هلاك
آبائهم الذين ما توا كفارا ثم أمره الله ، عزوجل ، أن يصدع بما أرسله ،
فأظهر أمره وأقام بالابطح فقال : إني رسول الله أدعوكم إلى عبادة الله وحده
وترك عبادة الاصنام التي لا تنفع ولا تضر ولا تخلق ولا ترزق ولا تحيى ولا
تميت . فاستهز أت منه قريش وآذته وقالوا لابي طالب : إن ابن أخيك قد عاب
آلهتنا وسفه أحلامنا وضلل أسلافنا فليمسك عن ذلك وليحكم في أموالنا بما
يشاء . فقال : إن الله لم يبعثني لجمع الدنيا والرغبة فيها وإنما بعثني لابلغ عنه
وأدل عليه . وآذوه أشد الايذاء ، فكان المؤذون له منهم أبولهب والحكم بن
أبي العاص وعقبة بن أبي معيط وعدي بن حمراء الثقفي وعمرو بن
الطلاطلة الخزاعي : وكان أبولهب أشد أذى له .
وروى بعضهم أن رسول الله قام بسوق عكاظ ، عليه جبة حمراء ، فقال :
يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتنجحوا . وإذا رجل يتبعه له غدير تان
كأن وجهه الذهب وهو يقول : يا أيها الناس إن هذا ابن أخي وهو كذاب
فاحذروه . فقلت : من هذا ؟ فقيل لي : هذا محمد بن عبدالله ، وهذا أبولهب
ابن ع بدالمطلب عمه . وكان ا لمستهزئون به العاص بن وائل السهمي والحارث
ابن قيس بن عدي السمهي والاسود بن المطلب بن أسد والوليد بن المغيرة
المخزومي والاسود بن عبد يغوث الزهري ، وكانوا يوكلون به صبيانهم وعبيدهم
فيلقونه بما لا يحب حتى إنهم نحروا جزورا بالحزورة ورسول الله قائم يصلي ،
فأمروا غلاما لهم فحمل السلى والفرث حتى وضعه بين كتفيه وهو ساجد .
فانصرف فأتى أبا طالب ، فقال : كيف موضعي فيكم ؟ قال : ما ذاك يا ابن
أخي ؟ فأخبره ما صنع به . قال : فأقبل أبوطالب مشتملا على السيف يتبعه
ـ 25 ـ
غلام له فاخترط سيفه وقال : والله لا تكلم رجل منكم إلا ضربته . ثم أمر
غلامه فأمر ذلك السلى والفرث على وجوههم واحدا واحدا . ثم قالوا : حسبك
هذا فينا يا ابن أخينا . واجتمعت قريش إلى أبي طالب ، فقالوا : ندعوك إلى
نصفة ، هذا عمارة بن الوليد بن المغيرة أحسن قريش وجها وأكلهم هيئة
فخذه فصيره ابنك وصير إلينا محمدا نقتله . فقال : ما أنصفتموني ! أدفع
إليكم ابني تقتلونه ، وتدفعون إلي ابنكم أغذوه ! وقال أبوطالب في ذلك :
عجبت لحلم يا ابن شيبة عارف * وأحلام أقوام لديك سخاف
يقولون شايع من أراد محمدا * بسوء وقم في أمره بخلاف
أصاميم إما حاسد ذو خيانة * وإما قريب منه غير مصافي
ولا يركبن الدهر منك ظلامة * وأنت امرو من خير عبد مناف
وإن له قربى إليكم وسيلة * وليس بذي حلف ولا بمضاف
ولكنه من هاشم في صميمها * إلى أبحر فوق البحور طوافي
فإن عصبت فيه قريش فقل لها * بني عمنا ما قومكم بضعاف
فما قومكم بالقوم يخشون ظلمهم * وما نحن ساء كم بخفاف
وقال أيضا :
وينهض قوم نحوكم غير عزل * ببيض حديث عهدها بالصياقل
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل
ـ 26 ـ
الاسراء
وأسري به وأتاه جبريل بالبراق ، وهو أصغر من البغل واكبر من الحمار
مضطرب الاذنين خطوه مد بصره له جناحان يحفزانه من خلفه عليه سرج ياقوت ،
فمضى به إلى بيت المقدس فصلى به ثم عرج به إلى السماء ، فكان بينه وبين
ربه كما قال الله : قاب قوسين أو أدنى ، ثم هبط به فنزل في بيت أم هانئ بنت
أبي طالب . فقص عليها القصة فقالت له : بأبي أنت وأمي ، لا تذكر هذا
لقريش فيكذبوك .
وفي الليلة التي أسري به افتقده أبوطالب فخاف أن تكون قريش قد اغتالته
أو قتلته ، فجمع سبعين رجلا من بني ع بدالمطلب معهم الشفار وأمرهم أن
يجلس كل رجل منهم إلى جانب رجل من قريش ، وقال لهم : إن رأيتموني
ومحمدا معي فأمسكوا حتى آتيكم وإلا فليقتل كل رجل منكم جليسه ولا
تنتظروني . فوجدوه على باب أم هانئ ، فأتى به بين يديه حتى وقف على قريش
فعرفهم ما كان منه فأعظموا ذلك وجل في صدور وعاهدوه وعاقدوه أنهم
لا يؤذون رسول الله ولا يكون منهم إليه شئ يكرهه أبدا .
ـ 27 ـ
النذارة
وأمره الله ، عزوجل ، أن ينذر عشيرته الاقربين ، فوقف على المروة
ثم نادى بأعلى صوته : يا آل فهر ، فاجتمعت إليه بطون قريش حتى لم يبق أحد
منهم . فقال له أبولهب : هذه فهر . ثم نادى : يا آل غالب ، فانصرفت بنو
محارب وبنوا الحارث بن فهر . ثم نادى : يا آل لؤي ، فانصرفت بنو تيم
الادرم بن غالب . ثم نادى : يا آل كعب ، فانصرفت بنو عامر وبنو عوف بن
لؤي . ثم نادى : يا آل مرة ، فانصرفت بنو عدي بن كعب وبنو سهم وجمح
ابني هصيص بن كعب . ثم نادى : يا آل كلاب ، فانصرفت بنو تيم
ابن مرة وبنو مخزوم بن يقظة بن مرة . ثم نادى : يا آل قصي ، فانصرفت
بنو زهرة . ثم نادى : يا آل عبد مناف ، فانصرفت بنو عبدالدار وبنو عبد
العزى ابني قصي . ثم نادى : يا آل هاشم ، فانصرفت بنو عبد شمس وبنو
نوفل . وأقام بنو ع بدالمطلب ، فقال أبولهب : هذه هاشم قد اجتمعت ، فجمعهم
في بعض دورهم . وحدثني أ بوعبدالله الفضل بن عبدالرحمن الهاشمي من
ولد ربيعة بن الحارث أنهم كانوا في دار الحارث بن ع بدالمطلب وكانوا أربعين
رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه ، فصنع لهم طعاما فأكلوا عشرة عشرة حتى
شبعوا . وكان جميع طعامهم رجل شاة وشرابهم عس من لبن وان منهم من
يأكل الجذعة ويشرب الفرق . ثم أنذرهم كما أمره الله ودعاهم إلى عبادة الله
تعالى ، وأعلمهم تفضيل الله إياهم واختصاصه لهم إذا بعثه بينهم وأمره أن
ينذرهم . فقال أبولهب : خذوا على يدي صاحبكم قبل أن يأخذ على يده غيركم ،
فإن منعتموه قتلتم وإن تركتموه ذللتم . فقال أبوطالب : يا عورة ، والله
لننصرنه ثم لنعيننه . يا ابن أخي إذا أردت أن تدعو إلى ربك فأعلمنا حتى
ـ 28 ـ
نخرج معك بالسلاح . وأسلم يومئذ جعفر بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث
وأسلم خلق عظيم وظهر أمرهم وكثرت عدتهم وعاندوا ذوي أرحامهم من
المشركين . فأخذت قريش من استضعفت منهم إلى الرجوع عن الاسلام والشتم
لرسول الله ، فكان ممن يعذب في الله عمار بن ياسر وياسر أبوه وسمية أمة
حتى قتل أبوجهل سمية ، طعنها في قبلها فماتت ، فكانت أول شهيد في
الاسلام ، وخباب بن الارت وصهيب بن سنان وأبوفكيهة الازدي
وعامر بن فهيرة وبلال بن رباح . وقال خباب بن الارت : يا رسول الله ادع
لنا . قال : إنكم لتعجلون ، لقد كان الرجل ممن كان قبلكم يمشط بأمشاط
الحديد ويشق بالمنشار فلا يرده ذلك عن دينه ، والله ليتممن الله هذا الامر
حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على عتره .
واشتد على القوم العذاب ونالهم منه أمر عظيم فرجع عن الاسلام نفر وهم :
أبوقيس بن الوليد بن المغيرة وأبوقيس بن الفاكه بن المغيرة . . . . . 1
فروي أن فيهم نزلت هذه الآية : " الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي
أنفسهم " إلى آخر الآية .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ 29 ـ
مهاجرة الحبشة
ولما رأى رسول الله ما فيه أصحابه من الجهد والعذاب وما هو فيه من الامن
بمنع أبي طالب عمه إياه قال لهم : ارحلوا مهاجرين إلى أرض الحبشة إلى
النجاشي فإنه يحسن الجوار . فخرج في المرة الاولى اثنا عشر رجلا وفي المرة
الثانية سبعون رجلا سوى أبنائهم ونسائهم ، وهم المهاجرون الاولون ، فكان
لهم عند النجاشي منزلة ، وكان يرسل إلى جعفر فيسأله عما يريد . فلما بلغ
قريشا ذلك وجهت بعمرو بن العاص وعمارة بن الوليد المخزومي إلى النجاشي
بهدايا وسالوه أن يبعث إليهم بمن صار إليه من أصحاب رسول الله ، وقالوا :
سفهاء من قومنا خرجوا عن ديننا وضللوا أمواتنا وعابوا آلهتنا ، وإن تركناهم
ورأيهم لم نأمن أن يفسدوا دينك . فلما قال عمرو وعمارة للنجاشي هذا ،
أرسل إلى جعفر فسألة ، فقال : إن هؤلاء على شر دين يعبدون الحجارة ويصلون
للاصنام ويقطعون الارحام ويستعملون الظلم ويستحلون المحارم ، وإن الله بعث
فينا نبيا من أعظمنا قدرا وأشرفنا سررا وأصدقنا لهجة وأعزنا بيتا ، فأمر عن
الله بترك عبادة الاوثان واجتناب المظالم والمحارم والعمل بالحق والعبادة له وحدة ،
فرد على عمرو وعمارة الهدايا وقال : أدفع إليكم قوما في جواري على دين الحق
وأنتم على دين الباطل ! وقال لجعفر : اقرأ علي شيئا مما أنزل على نبيكم .
فقرأ عليه : كهيعص ، فبكى وبكى من بحضرته من الاساقفة . فقال له عمرو وعمارة :
أيها الملك إنهم يزعمون أن المسيح عبد مملوك ، فأوحشه ذلك وأرسل إلى جعفر
فقال له : ما تقول وما يقول صاحبكم في المسيح ؟ قال : إنه يقال إنه روح الله
وكلمته ، ألقاها إلى العذراء البتول . فأخذ عودا بين إصبعيه ثم قال : ما يزيد
المسيح على ما قلت ولا مقدار هذا .
ـ 30 ـ
وكان عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد تلاحيا في طريقهما ، وكان عمارة
رجلا مغرما بالنساء وكان معه امرأته رابطة بنت منبه بن الحجاج السهمي .
فقال عمارة : قل لها فلتقبلني . فقال : سبحان الله ! أتقول هذا لابنة عمك ؟
قال : والله لتفعلن أو لاضربنك بهذا السيف . فقال لها : قبليه . ثم إن عمارة
اعتقل عمرا فألقاه في البحر ، فعام عمرو وأوهمه أنه فعل هذا مزاحا . فقال :
ألق إلى ابن عمك الحبل ، سبحان الله أهكذا يكون المزاح ؟ فألقى إليه الحبل ،
فخرج . فلما أراد عمرو وعمارة الانصراف وأيسا من عند النجاشي ، قال عمرو
لعمارة : لو أرسلت إلى امرأة الملك النجاشي فلعلنا ننال منها حاجتنا عنده .
ففعل ذلك ولا طفها حتى أرسلت إليه بطيب من طيب الملك ، فكاد عمرو
عمارة ، وقال للنجاشي : إن صاحبي هذا أرسل إلى امرأة الملك حتى أطمعته
في نفسها وبعثت إليه بطيب من طيب الملك . فأخذه النجاشي فنفخ في أنثييه السم
وقيل الزئبق ، فهام مع الوحوش على وجهه ، فلم يزل هائما حتى قدم قوم من
بني مخزوم فسألوه أن يأذن لهم في أخذه ، فنصبوا له فأخذوه . فلم يزل يضطرب
في أيديهم حتى مات . وانصرف عمرو إلى المشركين خائبا ، وأقام المسلمون
بأرض الحبشة حتى ولد لهم الاولاد . وجميع أولاد جعفر والدوا بأرض الحبشة
ولم يزالوا بها في أمن وسلامة . واسم النجاشي أصحمة .
ـ 31 ـ
حصار قريش لرسول الله وخبر الصحيفة
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 31 سطر 1 الى ص 40 سطر 14
حصار قريش لرسول الله وخبر الصحيفة
وهمت قريش بقتل رسول الله وأجمع ملاها على ذلك ، وبلغ أبا طالب
فقال :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أغيب في التراب دفينا
ودعوتني وزعمت أنك ناصح * ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دينا قد علمت بأنه * من خير أديان البرية دينا
فلما علمت قريش أنهم لا يقدرون على قتل رسول الله ، وأن أبا طالب لا
يسلمه ، وسمعت بهذا من قول أبي طالب ، كتبت الصحيفة القاطعة الظالمة
ألا يبايعوا أحدا من بني هاشم ولا ينا كحوهم ولا يعاملوهم حتى يدفعوا إليهم
محمدا فيقتلوه . وتعاقدوا على ذلك وتعاهدوا وختموا على الصحيفة بثمانين خاتما ،
وكان الذي كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبدمناف بن عبدالدار ،
فشلت يده . ثم حصرت قريش رسول الله وأهل بيته من بني هاشم وبني المطلب
ابن عبد مناف في الشعب الذي يقال له شعب ست سنين من مبعثه .
فأقام ومعه جميع بني هاشم وبني المطلب في الشعب ثلاث سنين حتى أنفق
رسول الله ماله ، وأنفق أبوطالب ماله ، وأنفقت خديجة بنت خويلد مالها ،
وصاروا إلى حد الضر والفاقة . ثم نزل جبريل على رسول الله فقال : إن الله
بعث الارضة على صحيفة قريش فأكلت كل ما فيها من قطيعة وظلم إلا المواضع
التي فيها ذكر الله . فخبر رسول الله أبا طالب بذلك ثم خرج أبوطالب ومعه
رسول الله وأهل بيته حتى صار إلى الكعبة ، فجلس بفنائها وأقبلت قريش من كل
أوب فقالوا : قد آن لك يا أبا طالب أن تذكر العهد وأن تشتاق إلى قومك وتدع
ـ 32 ـ
اللجاج في ابن أخيك . فقال لهم : يا قوم أحضروا صحيفتكم فلعلنا أن نجد فرجا
وسببا لصلة الارحام وترك القطيعة ، وأحضروها وهي بخواتيمهم . فقال : هذه
صحيفتكم على العهد لم تنكروها . قالوا : نعم . قال : فهل أحدثتم فيها حدثا ؟
قالوا : اللهم لا . قال : فإن محمدا أعلمني عن ربه أنه بعث الارضة فأكلت
كل ما فيها إلا ذكر الله ، أفرأيتم إن كان صادقا ماذا تصنعون ؟ قالوا :
نكف ونمسك . قال : فإن كان كاذبا دفعته إليكم تقتلونه . قالوا : قد أنصفت
وأجملت ، وفضت الصحيفة فإذا الارضة قد أكلت كل ما فيها إلا مواضع
بسم الله ، عزوجل . فقالوا : ما هذا إلا سحر ، وما كنا قط أجد في تكذيبه
منا ساعتنا هذه . وأسلم يومئذ خلق من الناس عظيم وخرج بنو هاشم من الشعب
وبنو المطلب فلم يرجعوا إليه .
وفاة القاسم ابن رسول الله
وتوفي القاسم ابن رسول الله ، فقال وهو في جنازته ، ونظر إلى جبل من
جبال مكة : يا جبل لو أن ما بي بك لهدك . وكان للقاسم يوم توفي أربع سنين .
ثم توفي عبدالله ابن رسول الله بعده بشهر ، ولم يفطم . فقالت خديجة : يا رسول
الله لو بقي حتى أفطمه ! قال : فإن فطامه في الجنة . وسألت خديجة رسول الله
فقالت : أين أولادي منك ؟ قال : في الجنة . قالت : بغير عمل ؟ قال : الله أعلم
بما كانوا عاملين . قالت : فأين أولادي من غيرك ؟ قال : في النار . قالت :
بغير عمل ؟ الله أعلم بما كانوا عاملين .
ـ 33 ـ
مانزل من القرآن بمكة
ونزل من القرآن بمكة اثنتان وثمانون سورة ، على ما رواه محمد بن حفص
ابن أسد الكوفي عن محمد بن كثير ومحمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح
عن ابن عباس . وكان أول ما نزل على رسول الله : " اقرأ باسم ربك الذي
خلق " ثم : " نون والقلم وما يسطرون " ثم : " والضحى " ثم :
" يا أيها المزمل " ثم " يا أيها المدثر " ثم " فاتحة الكتاب " ثم " تبت "
ثم " إذا الشمس كورت " ثم " سبح اسم ربك الاعلى " ثم " والليل إذا
يغشى " ثم " والفجر " ثم " ألم نشرح لك صدرك " ثم " الرحمن " ثم
" والعصر " ثم " إنا أعطيناك الكوثر " ثم " ألهاكم التكاثر " ثم " أرأيت
الذي يكذب بالدين " ثم " ألم تركيف فعل ربك بأصحاب الفيل " ثم
" والنجم إذا هوى " ثم " عبس وتولى " ثم " إنا أنزلناه في ليلة القدر "
ثم " والشمس وضحاها " ثم " والسماء ذات البروج " ثم " والتين والزيتون "
ثم " لايلاف قريش " ثم " القارعة " ثم " لا أقسم بيوم القيامة " ثم " ويل
لكل همزة " ثم " والمرسلات عرفا " ثم " ق والقرآن المجيد " ثم " لا
أقسم بهذا البلد " ثم " والسماء والطارق " ثم " اقتربت الساعة " ثم " ص والقرآن
ذي الذكر " ثم " الاعراف " ثم " سورة الجن " ثم " سورة يس " ثم
" تبارك الذي نزل الفرقان " ثم " حمد الملائكة " ثم " سورة مريم " ثم
" سورة طه " ثم طسم الشعراء " ثم " سورة مريم " ثم
" سورة طه " ثم " طسم الشعراء " ثم " طس النمل " ثم " طسم
القصص " ثم " سورة بني إسرائيل " ثم " سورة هود " ثم " سورة يوسف " ثم " الحجر " ثم " الانعام " ثم " الصافات " ثم
" لقمان " ثم " حم المؤمن " ثم " حم السجدة " ثم " حم عسق " ثم " الزخرف "
ـ 34 ـ
ثم " حمد سبأ " ثم " تنزيل الزمر " ثم " حم الدخان " ثم " حم الشريعة "
ثم " الاحقاف " ثم " و الذاريات " ثم " هل أتاك حديث الغاشية " ثم " سورة
الكهف " ثم " سورة النحل " ثم " إنا أرسلنا نوحا " ثم " سورة إبراهيم " ثم
" إقترب للناس حسابهم " ثم " قد أفلح المؤمنون " ثم " الرعد " ثم " والطور "
ثم " تبارك الذي بيده الملك " ثم " الحاقة " ثم " سأل سائل " ثم " عم يتسألون "
ثم " و النازعات غرقا " ثم " إذا السماء انفطرت " ثم " سورة الروم " ثم " العنكبوت " .
وقد اختلف الناس في هذا التأليف في غير رواية ابن عباس ، وكان الاختلاف
أيضا يسيرا . وروى محمد بن كثير ومحمد بن السائب عن ابن صالح عن ابن عباس
أنه قال : كان القرآن ينزل مفرقا ، لا ينزل سورة سورة ، فما نزل أولها بمكة
أثبتناها بمكة وإن كان تمامها بالمدينة ، وكذلك ما نزل بالمدينة وإنه كانه يعرف
فصل ما بين السورة والسورة إذا نزل بسم الله الرحمن الرحيم ، فيعلمون أن
الاولى قد انقضت وابتدئ بسورة أخرى . وروى بعضهم أن التوراة أنزلت
لست خلون من شهر رمضان والزبور لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان
بعد التوراة بألف وخمسمائة عام ، والانجيل لثماني عشرة ليلة خلت من شهر
رمضان بعد الزبور بثمانمائة عام ، وقيل ستمائة .
وروى آخرون أن القرآن نزل لعشرين ليلة خلت من شهر رمضان . وروى
جعفر بن محمد أنه قال : إن الله لم يبعث قط نبيا إلا بما هو أغلب على أهل
زمانه ، فبعث موسى بن عمران إلى قوم كان الاغلب عليهم السحر فأتاهم
بما ضل معه سحرهم من العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفلاق
البحر وانفجار الحجر حتى خرج منه الماء والطمس على وجوههم ، فهذه آياته ،
وبعث داود في زمن أغلب الامور على أهله الصنعة والملاهي فألان له الحديد
وأعطاه حسن الصوت فكانت الوحوش تجتمع لحسن صوته ، وبعث سليمان
في زمان قد غلب على الناس فيه حب البناء واتخاذ الطلسمات والعجائب فسخر
له الريح والجن ، وبعث عيسى في زمان أغلب الامور على أهله الطب فبعثه
ـ 35 ـ
بإحياء الموتى وإبراء الاكمة والابرص ، وبعث محمدا في زمان أغلب الامور على
أهله الكلام والكهنة والسجع والخطب فبعثه بالقرآن المبين والمحاورة .
وفاة خديجة وأبي طالب
وتوفيت خديجة بنت خويلد في شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين ،
ولها خمس وستون سنة ، ودخل عليها رسول الله وهي تجود بنفسها ، فقال :
بالكره مني ما أرى ، ولعل الله أن يجعل في الكره خيرا كثيرا ، إذا لقيت ضراتك
في الجنة يا خديجة فاقرئيهن السلام . قالت : ومن هن يا رسول الله ؟ قال :
إن الله زوجنيك في الجنة وزوجني مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكلثوم
أخت موسى . فقالت : بالرفاء والبنين . ولما توفيت خديجة ، جعلت فاطمة
تتعلق برسول الله وهي تبكي وتقول : أين أمي ؟ أين أمي ؟ فنزل عليه جبريل
فقال : قل لفاطمة إن الله تعالى بنى لامك بيتا في الجنة من قصب لا نصب فيه
ولا صخب .
وتوفي أبوطالب بعد خديجة بثلاثة أيام وله ست وثمانون سنة ، وقيل بل
تسعون سنة ، ولما قيل لرسول الله إن أبا طالب قد مات عظم ذلك في قلبه
واشتد له جزعه ثم دخل فمسح جبينه الايمن أربع مرات وجبينه الايسر ثلاث
مرات ثم قال : يا عم ربيت صغيرا وكفلت يتيما ونصرت كبيرا ، فجزاك
الله عني خيرا ، ومشى بين يدي سريره وجعل يعرضه ويقول : وصلتك رحم
وجزيت خيرا ، وقال : اجتمعت على هذه الامة في هذه الايام مصيبتان لا
أدري بأيهما أنا أشد جزعا ، يعني مصيبة خديجة وأبي طالب . وروي عنه
أنه قال : إن الله ، عزوجل ، وعدني في أربعة : في أبي وأمي وعمي وأخ
كان لي في الجاهلية .
ـ 36 ـ
عرض رسول الله نفسه على القبائل
وخروجه إلى الطائف
واجترأت قريش على رسول اللهإ بعد موت أبي طالب وطمعت فيه وهموا
به مرة بعد أخرى ، وكان رسول الله يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم
ويكلم شريف كل قوم ، لا يسألهم إلا أن يؤووه ويمنعوه ، ويقول : لا أكره
أحدا منكم ، إنما أريد أن تمنعونى مما يراد بي من القتل حتى أبلغ رسالات
ربي ، فلم يقبله أحد ، وكانوا يقولون : قوم الرجل أعلم به ، فعمد لثقيف
بالطائف ، فوجد ثلاثة نفر إخوة هم يومئذ سادة ثقيف وهم : عبد ياليل بن
عمرو وحبيب بن عمرو ومسعود بن عمرو ، فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم
البلاء ، فقال أحدهم : ألا يسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك ؟ وقال الآخر :
أعجز على الله أن يرسل غيرك ؟ وقال الآخر : والله لا أكلمك أبد ، لئن كنت
رسولا كما تقول لانت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ، ولئن كنت
تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك . وتهزأوا به وأفشوا في قومهم ما قالوه
له ، وقعدوا له صفين . فلما مر رسول الله رجموه بالحجارة حتى أدموا رجله ،
فقال رسول الله : ما كنت أرفع قدما ولا أضعها إلا على حجر . ووافاه بالطائف
عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومعهما غلام لهما نصراني ويقال له عداس ،
فوجها به إلى رسول الله ، فلما سمع كلامه أسلم . ورجع رسول الله إلى مكة .
ـ 37 ـ
قدوم الانصار مكة
وكانت الاوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة أهل عز ومنعة في بلادهم حتى
كانت بينهم الحروب التى أفنتهم في أيام لهم مشهورة منها يوم الصفينة وهو
أول يوم جرت الحرب فيه ويوم السرارة ويوم وفاق بني خطمة ويوم حاطب
ابن قيس ويوم حضير الكتائب ويوم أطم بني سالم ويوم أبتروه ويوم البقيع ويوم
بعاث ويوم مضرس ومعبس ويوم الدار ويوم بعاث الآخر ويوم فجار الانصار ،
وكانوا ينتقلون في هذه المواضع التي تعرف أيامهم بها ويقتتلون قتالا شديدا .
فلما ضرستهم الحرب وألقت بركها عليهم وظنوا أنها الفناء ، واجترأت
عليهم بنو النضير وقريظة وغيرهم من اليهود خرج قوم منهم إلى مكة يطلبون
قريشا لتقويهم ، وعزوا فاشترطوا عليهم شروطا لم يكن لهم فيها مقنع ، وكان
المشترط عليهم أبوجهل بن هشام المخزومي ، وقد قيل إن قريشا قد كانت
أجابتهم حتى قدم أبوجهل من سفر له وكان غائبا فنقض الحلف واشترط عليهم
شروطا لم يقنعوا بها . ثم صاروا إلى الطائف فسألوا ثقيفا فأبطأوا عنهم فانصرفوا .
وقدم رجل منهم بعد مبعث رسول الله يقال له سويد بن الصامت من الاوس
حاجا أو معتمرا فبلغه أمر رسول الله فلقيه وكلمه فدعاه رسول الله إلى الله . فقال
له سويد : إن معي مجلة لقمان . قال : فاعرضها علي ، فعرضها عليه . فقال
رسول الله : إن هذا الكلام لحسن ، والذي معي أحسن منه : كلام الله ، وقرأ
عليه . فقال : يا محمد إن هذا الكلام حسن . ثم انصرف إلى المدينة ، فلم
يلبث أن قتلتهإ الخزرج ، ثم قدم نفر منهم أيضا إلى مكة ، وهم بنو عفراء ،
يتفاخرون مع أسعد بن زرارة ، فلقيهم رسول الله ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم
القرآن . فقال رجل منهم يقال له إياس بن معاذ : يا قوم هذا والله النبي الذي
ـ 38 ـ
كانت اليهود تعدكم به ، فلا يسبقنكم إليه أحد ، فأسلموا ، وأخذ عليهم رسول
الله الايمان بالله وبرسوله ، ثم انصرفوا فأخبروا قومهم الخبر وقد كانوا سألوه
أن يوجه معهم رجلا من قبله يدعو الناس بكتاب الله . فبعث إليهم رسول الله
مصعب بن عمير فنزل على أسعد بن زرارة وجعل يدعوهم إلى الله ، عزوجل ،
ويعلمهم الاسلام ، وكان أول من قدم المدينة . ثم خرج اثنا عشر رجلا منهم
إليه فلقوه وهم أصحاب العقبة الاولى فآمنوا بالله وصدقوه ، وانصرفوا إلى
المدينة وكثر خبره وفشا الاسلام فيها .
فلما كان العام القابل خرج إليه جماعة من الاوس وجماعة من الخزرج
فوافى منهم سبعون رجلا وامرأتان فأسلموا وصدقوه ، وأخذ رسول الله عليهم
بيعة النساء . فسألوه أن يخرج معهم إلى المدينة ، وقالوا : إنه لم يصبح قوم في مثل
ما نحن فيه من الشر ، ولعل الله أن يجمعنا بك ويجمع ذات بيننا فلا يكون أحد
أعز منا . فقال لهم رسول الله قولا جميلا ، ثم انصرفوا إلى قومهم فدعوهم
إلى الاسلام فكثر حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها ذكر حسن من
ذكر رسول الله ، وسألوه الخروج معهم وعاهدوه أن ينصروه على القريب
والبعيد والاسود والاحمر ، قال له العباس بن ع بدالمطلب : وإني فداك أبي
وأمي آخذ العهد عليهم ، فجعل ذلك إليه عليهم العهود والمواثيق أن يمنعوه
وأهله مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم وأولادهم وعلى أن يحاربوا معه الاسود
والاحمر وأن ينصروه على القريب والبعيد وشرط لهم الوفاء بذلك والجنة .
ـ 39 ـ
خروج رسول الله من مكة
وأجمعت قريش على قتل رسول الله ، وقالوا : ليس له اليوم أحد ينصره
وقد مات أبوطالب ، فأجمعوا جميعا على أن يأتوا من كل قبيلة بغلام نهد
فيجتمعوا عليه فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد فلا يكون لبني هاشم قوة
بمعاداة جميع قريش . فلما بلغ رسول الله أنهم أجمعوا على أن يأتوه في الليلة
التي اتعدوا فيها ، خرج رسول الله لما اختلط الظلام ومعه أبوبكر ، وإن الله ،
عزوجل ، أوحى في تلك الليلة إلى جبريل وميكائيل أني قضيت على أحدكما
بالموت فأيكما يواسي صاحبه ؟ فاختار الحياة كلاهما ، فأوحى الله إليهما : هلا
كنتما كعلي بن أبي طالب ، آخيت بينه وبين محمد ، وجعلت عمر أحدهما
أكثر من الآخر ، فاختار علي الموت وآثر محمدا بالبقاء وقام في مضجعه ، اهبطا
فاحفظاه من عدوه . فهبط جبريل وميكائيل فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند
رجليه يحرسانه من عدوه ويصرفان عنه الحجارة ، وجبريل يقول : بخ بخ لك
يا ابن أبي طالب من مثلك يباهي الله بك ملائكة سبع سماوات ! وخلف عليا
على فراشه لرد الودائع التي كانت عنده وصار إلى الغار فكمن فيه وأتت قريش
فراشه فوجدوا عليا فقالوا : أين ابن عمك ؟ قال : قلتم له اخرج عنا ، فخرج
عنكم . فطلبوا الاثر فلم يقعوا عليه ، وأعمى الله عليهم المواضع فوقفوا على
باب الغار وقد عششت عليه حمامة ، فقالوا : ما في هذا الغار أحد ، وانصرفوا .
وخرج رسول الله متوجها إلى المدينة ، ومر بأم معبد الخزاعية فنزل عندها .
ثم نفذ لوجهه حتى قدم المدينة ، وكان جميع مقامه بمكة حتى خرج منها إلى
المدينة ثلاث عشرة سنة من مبعثه . وروى بعضهم أنه قال : ما علمت قريش
أين توجه رسول الله حتى سمعوا هاتفا من بعض جبال مكة يقول :
ـ 40 ـ
فإن يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف المخالف
وقال أبوسفيان : من السعود سعد هذيم وسعد تميم وسعد بكر ، فسمعوا
في الليلة المقبلة قائلا يقول :
فيا سعد سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أنيبا إلى داعي الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف
فعلمت قريش أنه قد مضى إلى يثرب ، واتبعه سراقة بن جعشم المدلجي
لما صار إلى ماء بني مدلج . فلما لحقه قال رسول الله : اللهم اكفنا سراقة ،
فساخت قوائم فرسه ، فصاح : يا ابن أبي قحافة ، قل لصاحبك أن يدعو الله
بإطلاق فرسي ، فلعمري لئن لم يصبه مني خير لا يصبه مني شر . فلما رجع
إلى مكة خبرهم الخبر فكذبوه ، وكان أشدهم له تكذيبا أبوجهل ، فقال
سراقة :
أبا حكم والله لو كنت شاهدا * لامر جوادي ساخت قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمدا * رسول وبرهان فمن ذا يكاتمه
ـ 41 ـ
قدوم رسول الله المدينة
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 41 سطر 1 الى ص 50 سطر 22
قدوم رسول الله المدينة
وقدم رسول الله المدينة يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الاول ،
وقيل يوم الخميس لاثني عشرة ليلة خلت منه ، والشمس يومئذ في السرطان
ثلاثا وعشرين درجة وست دقائق ، والقمر في الاسد ست درجات وخمسا وثلاثين
دقيقة ، وزحل في الاسد درجتين ، والمشتري في الحوت ست درجات راجعا ،
والزهرة في الاسد ثلاث عشرة درجة ، وعطارد في الاسد خمس عشرة درجة ،
فنزل على كلثوم بن الهدم ، فلم يلبث إلا أياما حتى مات كلثوم ، وانتقل
فنزل على سعد بن خيثمة في بني عمرو بن عوف فمكث أياما . ثم كان
سفهاء بني عمرو ومنافقوهم يرجمونه في الليل ، فلما رأى ذلك قال : ما هذا
الجوار ؟ فارتحل عنهم وركب راحلته وقال : خلوا زمامها ، فجعل لا يمر
بحي من أحياء الانصار إلا قالوا له : يا رسول الله انزل بنا ، فإنك تنزل في
العدة والكثرة ، فيقول : خلوا زمام الراحلة فإنها مأمورة ، حتى وقفت على
باب أبي أيوب الانصاري فبركت ، فنخست بقضيب فلم تبرح ، فنزل بأبي
أيوب فأقام عنده أياما ثم انتقل إلى حجراته ، وقيل إن ناقته بركت في موضع
المسجد فنزل فجاء أبوأيوب فأخذ رحله فمضى بها إلى منزله ، وكلمته الانصار
في النزول بها ، فقال : المرء مع رحله .
وقدم علي بن أبي طالب بفاطمة بنت رسول الله وذلك قبل نكاحه إياها ،
وكان يسير الليل ويكمن النهار حتى قدم فنزل مع رسول الله . ثم زوجها رسول
الله من علي بعد قدومه بشهرين ، وقد كان جماعة من المهاجرين خطبوها إلى
رسول الله ، فلما زوجها عليا قالوا في ذلك ، فقال رسول الله : ما أنا زوجته
ولكن الله زوجه . وقدم العباس بن ع بدالمطلب بزينب بنت رسول الله ، وكانت
ـ 42 ـ
بالطائف حين هاجر رسول الله عند أبي العاص بن بشر بن عبد همان الثقفي ،
ثم رجع العباس إلى مكة وقدم المهاجرون فنزلوا منازل الانصار فواسوهم
بالدايار والاموال
افتراض الصوم والصلاة
وافترض الله ، عزوجل ، شهر رمضان ، وصرفت القبلة نحو المسجد الحرام
في شعبان بعد مقدمه بالمدينة بسنة وخمسة أشهر ، وقيل بسنة ونصف . وأنزل الله ،
عزوجل : " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول
وجهك شطر المسجد الحرام " . وكان بين نزول افتراض شهر رمضان وبين
توجه القبلة إلى الكعبة ثلاثة عشرة يوما . وروى بعضهم أن رسول الله كان يصلي
الظهر في مسجد بني سلمة ، فلما صلى ركعتين نزل عليه : " صرف القبلة إلى
الكعبة " . واستدار حتى جعل وجهه إلى الكعبة ، فسمى ذلك المسجد مسجد
القبلتين وبنى مسجدا باللبن وسقفه بالجريد ، وقيل له : يا رسول الله لو وسعت
المسجد فقد كثر المسلمون . فقال : لا عرش كعرش موسى . وعمل غلام للعباس
يقال له كلاب منارة ، ولم تكن للمسجد منارة على عهد رسول الله ، وكان بلال
يؤذن ثم أذن معه ابن أم مكتوم ، وكان أيهما سبق أذن فإذا كانت الصلاة
أقام واحد . وروى الواقدي أن بلالا كان إذا أذن وقف على باب رسول الله
فقال : الصلاة يا رسول الله ، حي على الصلاة حى على الفلاح .
ـ 43 ـ
ما نزل من القرآن بالمدينة
ونزل عليه بالمدينة من القرآن اثنتان وثلاثون سورة ، أول ما نزل : " ويل
للمطففين " ثم " سورة البقرة " ، ثم " سورة الانفال " ، ثم " سورة آل
عمران " ، ثم " الحشر " ثم " سورة الاحزاب " ثم " سورة النور " ثم
" الممتحنة " ثم " إنا فتحنا لك " ثم " سورة النساء " ثم " سورة الحج " ثم
" سورة الحديد " ثم " سورة محمد " ثم " هل أتى على الانسان " ثم " سورة
الطلاق " ثم " سورة لم يكن " ثم " سورة الجمعة " ثم " تنزيل السجدة " ثم
" المؤمن " ثم " إذا جاءك المنافقون " ثم " المجادلة " ثم " الحجرات " ثم
" التحريم " ثم " التغابن " ثم " الصف " ثم " المائدة " ثم " براءة " ثم " إذا
جاء نصر الله والفتح " ثم " إذا وقعت الواقعة " ثم " و العاديات " ثم " المعوذتين
جميعا " وكان آخر ما نزل " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما
عندتم " إلى آخر السورة . وقد قيل : إن آخر ما نزل عليه " اليوم أكملت لكم
دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " .
وهي الرواية الصحيحة الثابتة الصريحة . وكان نزولها يوم النفر على أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب ، صلوات الله عليه ، بعد ترحم . وقيل : آخر ما نزل " واتقوا
يوما ترجعون فيه إلى الله " . وقال ابن عباس : كان جبريل إذا نزل على النبي
بالوحي يقول له : ضع هذه الآية في سورة كذا في موضوع كذا ، فلما نزل
عليه " اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " قال : ضعها في سورة البقرة .
قال ابن مسعود : نزل القرآن بأمر ونهي وتحذير وتبشير ، وقال جعفر بن
محمد : نزل القرآن بحلال وحرام ، وفرائض وأحكام ، وقصص وأخبار ،
وناسخ ومنسوخ ، ومحكم ومتشابه ، وعبر وأمثال ، وظاهر وباطن ، وخاص
ـ 44 ـ
وعام . وأقام رسول الله يتلوم ويتهيأ للقتال حتى أنزل الله ، عزوجل : " أذن
للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصر هم لقدير " والآية
التي بعدها . وقال " فقاتل في سبيل الله لا تلكف إلا نفسك " إلى آخر
الآية . فكان الرجل من المؤمنين يعد بعشرة من المشركين حتى أنزل الله
عزوجل : " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن
منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا
ألفين " وأنزل الله عليه سيفا من السماء له غمد ، فقال له جبريل : ربك
يأمرك أن تقاتل بهذا السيف قومك حتى يقولوا : لاإله إلا الله وإنك رسول
الله ، فإذا فعلوا ذلك حرمت دماؤهم وأموالهم إلا لمحقها وحسابهم على الله .
فكان أول سرية سارت ، ولواء عقد في الاسلام لحمزة بن ع بدالمطلب ، وقد
ذكرنا هذا وغيره في كتابنا هذا بعد انقضاء الغزوات التي غزاها رسول الله .
ـ 45 ـ
وقعة بدر العظمى
وكانت وقعة بدر يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان ،
بعد مقدمه بثمانية عشر شهرا ، وكان سببها أن أبا سفيان بن حرب قدم من الشأم
بعير لقريش تحمل تجارت وأموالا ، فخرج رسول الله يعارضه وجاء الصريخ
إلى قريش بمكة يخبرهم الخبر . وكان الرسول بذلك ضمضم بن عمرو الغفاري ،
فخرجوا نافرين مستعدين ، وخالف أبوسفيان الطريق فنجا بالعير . وأقبلت
قريش مستعدة لقتال رسول الله وعدتهم ألف رجل ، وقيل تسعمائة وخمسون ،
وكانوا ينحرون كل يوم من الجزور عشرا وتسعا ، فنحر أبوجهل بن هشام
عشرا وأمية بن خلف الجمحي تسعا وسهيل بن عمرو عشرا وعتبة بن ربيعة
عشرا وشيبة بن ربيعة تسعا ومنبه ونبيه ابنا الحجاج السهميان عشرا وأبو
البختري العاص بن هشام الاسدي عشرا والحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف
عشرا والعباس بن ع بدالمطلب عشرا . وقيل : إن العباس نحر يوم الوقعة
فأكفئت القدور ، وإنه خرج مستكرها كالاسير . وقال عبدالله بن العباس :
إن أبي أطعم أسيرا ، وما أطعم أسير قبله . وروى ابن إسحاق أن حكم بن
حزام كان من المطعين ، وكان أبولهب عليلا فلم يمكنه الخروج فأعانهم بأربعة
آلاف درهم ، وقيل بل كان أبولهب قامر العاص بن هشام المخزومي فقمره
نفسه فدفعه إليهم مكانه . وخرج رسول الله في ثلاثمائة ، وقيل : تسعين رجلا
منهم من المهاجرين واحد وثمانون ، ومن الانصار مائتان واثنان وثلاثون رجلا ،
ومعه فرسان فرس للزبير بن العوام وفرس للمقداد بن عمرو البهراني ، ويقال
فرس لمرثد بن أبي مرثد الغنوي ومعه سبعون راحلة ، فالتقوا يوم الجمعة لعشر
خلون من شهر رمضان فقتل من المسلمين أربعة عشر رجلا وقتل من المشركين
ـ 46 ـ
من سادات قريش سبعون رجلا وأسر منهم سبعون رجلا . فأمر رسول الله
برجلين من الاسارى فضربت أعناقهما وهما عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو
ابن أمية والنضر بن الحارث بن كلدة بن عبدمناف بن عبدالدار ، وأخذ الفداء
من ثمانية وستين رجلا ، وافتدى العباس نفسه وابني أخيه عقيل بن أبي طالب
ونوفل بن الحارث وحليفا لهما من بني فهر . وقال العباس لرسول الله : إنه
لامال لي فدعني أسأل الناس بكفي . فقال : أين المال الذي دفعته إلى أم الفضل ؟
يعني لبابة بنت الحارث الهلالية امرأته ، وقلت لها يكون عدة . فقال : أشهد
أنك رسول الله ، والله ما اطلع على ذلك غيري وغيرها ، فافتدى نفسه بسبعين
أوقية وابني أخيه بسبعين أوقية . وقال رسول الله في الليلة التي بات فيها العباس
أسيرا : لقد أسهرني أنين العباس عمي في القد منذ الليلة ، وأسلم العباس
وخرج إلى مكة يكتم إسلامه . وتوفي أبولهب بعد وقعة بدر بأيام أو بعد أن
أتاهم الخبر بتسعة أيام . وكان أول من قدم مكة وخبر بخبر قريش ومن قتل
منها عمرو بن جحدم الفهري . وأعز الله نبيه وقتل من قريش من قتل فأوفدت
العرب وفودها إلى رسول الله وحاربت ربيعة كسرى وكانت وقعتهم بذي قار ،
فقالوا : عليكم بشعار التهامي ، فنادوا : يامحمد ، يا محمد ، فهزموا جيوش
كسرى وقتلوهم . فقال رسول الله : اليوم أول يوم انتصفت فيه العرب من
العجم وبي نصروا . وكان يوم ذي قار بعد وقعة بدر بأشهر أربعة أو خمسة .
وضحى رسول الله بالمدينة ، وخرج الناس إلى المصلى بعيديهم ، ولم يخرج
قبل ذلك ، وكانت العنزة بين يديه ، وذبح شاتين بالمصلى بيده ، وقيل شاة ،
ومضى في طريق ورجع في أخرى .
ـ 47 ـ
وقعة أحد
وكانت وقعة أحد في شوال بعد بدر بسنة : اجتمعت قريش واستعدت
لطلب ثأرها يوم بدر ، واستعانت بالمال الذي قدم به أبوسفيان ، وقالوا :
لا تنفقوا منه شيئا إلا في حرب محمد . فكتب العباس بن ع بدالمطلب إلى رسول
الله بخبرهم ، وبعث بالكتاب مع رجل من جهينة . فخبر رسول الله أصحابه
بخبرهم ، وخرج المشركون وعدتهم ثلاثة آلاف ورئيسهم أبوسفيان بن حرب .
وكان رأي رسول الله ألا يخرج من المدينة لرؤيا رآها في منامه : أن في سيفه
ثلمة وأن بعيرا يذبح له ، وأنه أدخل يده في درع حصينة ، وتأولها محمد أن
نفرا من أصحابه يقتلون ، وأن رجلا من أهل بيته نصاب ، وأن الدرع المدينة .
فأشارت عليه الانصار بالخروج ، فلما لباس الحرب ردت إليه الانصار
الامر ، وقالوا : لا نخرج عن المدينة . فقال : الآن وقد لبست لامتي ، والنبي
إذا لبس لامته لا ينزعها حتى يقاتل ، ويفتح الله عليه . فخرج وخرج المسلمون
وعدتهم ألف رجل حتى صاروا إلى أحد ، ووافى المشركون فاقتتلوا قتالا
شديدا ، فقتل حمزة بن ع بدالمطلب ، أسد الله وأسد رسوله ، رماه وحشي
عبد لجبير بن مطعم بحربة ، فسقط ومثلت به هند بنت عتبة بن ربيعة وشقت
عن كبده فأخذت منها قطعة فلاكتها ، وجدعت أنفه ، فجزع عليه رسول الله
جزعا شديدا وقال : لن أصاب بمثلك ، وكبر عليه خمسا وسبعين تكبيرة ،
وانهزم المسلمون حتى بقي رسول الله وما معه إلا ثلاثة نفر : علي والزبير وطلحة .
وقال المنافقون : قتل محمد ، ورماه عبدالله بن قمئة فأثر في وجهه واقتحم
خالد بن الوليد . وكان على ميسرة المشركين الثغرة . فقتل عبدالله بن جبير وجماعة
من المسلمين ناشبة . كان رسول الله صيرهم على تلك الثغرة ، ودخل عسكر
ـ 48 ـ
رسول الله وفيه كانت هزيمة المسلمين . قال الله تعالى : " إذ تصعدون ولا تلوون
على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم " . وعاتب الله المسلمين في آيات من
كتابه . وقتل من المسلمين ثمانية وستون رجلا ، ومن المشركين اثنان وعشرون
رجلا ، ثم رجع المشركون وفرق الله جمعهم . وجاء يهودي حتى وقف على
باب الاطم الذي فيه النساء وكان حسان بن ثابت معهن فصاح اليهودي :
اليوم بطل السحر ، ثم ارتقى يصعد . فقالت صفية بنت ع بدالمطلب : يا حسان
انزل إليه . فقال : رحمك الله يا بنت ع بدالمطلب ، لو كنت ممن ينازل
الابطال خرجت مع رسول الله أقاتل . فأخذت صفية السيف ، وقيل : أخذت
هراوة فضربت اليهودي حتى قتلته ، ثم قالت : انزل فاسلبه . فقال : لا حاجة
لي في سلبه . وروي أن رسول الله ضرب لصفية يومئذ بسهم ، فلما كان من
غد يوم أحد ، نادى رسول الله فخرجوا على علتهم وعلى ما أصابهم من الجروح ،
وخرج رسول الله حتى انتهى إلى حمراء الاسد ثم رجع إلى المدينة ولم يلق
كيدا ، فهم الذين أجابوا الله ورسوله من بعد ما أصابهم القرح .
ـ 49 ـ
وقعة بني النضير
ثم كانت وقعة بني النضير ، وهم فخذ من جذام إلا أنهم تهودوا ونزلوا
بجبل يقال له النضير ، فسموا به ، وكذلك قريظة بعد أحد بأربعة أشهر .
وكان رسول الله بعث إليهم بعد أن وجه من يقتل كعب بن الاشرف اليهودي
الذي أراد أن يمكر برسول الله : أن اخرجوا من دياركم وأموالكم . فوجه
إليهم عبدالله بن أبي بن سلول وأصحابه المنافقون : لا تخرجوا فإنا نعينكم ،
فلم يخرجوا . فسار إليهم رسول الله بعد العصر فقاتلهم ، فقتل منهم جماعة ،
وخذلهم عبدالله بن أبي بن سلول وأصحابه . فلما رأوا أنه لا قوة لهم على
حرب رسول الله ، طلبوا الصلح فصالحهم على أن يخرجوا من بلادهم ولهم
ما حملت الابل من خرثي متاعهم لا يخرجون معهم بذهب ولا فضة ولا سلاح ،
فتحملوا إلى الشأم وأسلم سلام بن . . . . . . 1 ويامين النضيري .
وكانت غنائمهم لرسول الله خالصة ، ففرقها بين المهاجرين دون الانصار إلا
رجلين : أبا دجانة وسهل بن حنيف ، فإنهما شكيا حاجة . وفي هذه الغزاة
شرب المسلمون الفضيخ فسكروا ، فنزل تحريم الخمر .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ 50 ـ
وقعة الخندق
ثم كانت وقعة الخندق ، وهو يوم الاحزاب ، في السنة السادسة بعد مقدم
رسول الله بالمدينة بخمسة وخمسين شهرا ، وكانت قريش تبعث إلى اليهود وسائر
القبائل فحرضوهم على قتال رسول الله ، فاجتمع خلق من قريش إلى موضع
يقال له سلع ، وأشار عليه سلمان الفارسي أن يحفر خندقا ، فحفر الخندق وجعل
لكل قبيلة حدا يحفرون إليه ، وحفر رسول الله معهم حتى فرغ من حفر الخندق
وجعل له أبوابا وجعل على الابواب حرسا ، من كل قبيلة رجلا ، وجعل عليهم
الزبير بن العوام وأمره إن رأى قتالا أن يقاتل . وكانت عدة المسلمين سبعمائة
رجل . ووافى المشركون فأنكروا أمر الخندق وقالوا : ما كانت العرب تعرف
هذا . وأقاموا خمسة أيام . فلما كان اليوم الخامس خرج عمرو بن عبدود
وأربعة نفر من المشركين : نوفل بن عبدالله بن المغيرة المخزومي وعكرمة
ابن أبي جهل وضرار بن الخطاب الفهري وهبيرة بن أبي وهب المخزومي ،
فخرج علي بن أبي طالب إلى عمرو بن عبدود فبارزه وقتله وانهزم الباقون ،
وكبا بنوفل بن عبدالله بن المغيرة فرسه فلحقه علي فقتله . وبعث الله ، عزوجل ،
على المشركين ريحا وظلمة فانصرفوا هاربين لا يلوون على شئ حتى ركب أبو
سفيان ناقته وهي معقولة . فلما بلغ رسول الله ذلك ، قال : عوجل الشيخ .
وكانت الحرب على ما روى بعضهم ثلاثة أيام بالرمي بغير مجالدة ولا مبارزة .
واتصلت في اليوم الثالث حتى فاتت صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب
وصلاة العشاء الآخرة ، فقال رسول الله : شغلونا عن الصلاة ، ملا الله بطونهم
وقبورهم نارا . ثم أمر بلالا فأقام الصلاة فصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب
ثم العشاء وذلك قبل أن ينزل عليه : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا " ،
ـ 51 ـ
وفي هذه الوقعة ظهر النفاق ، وقال المنافقون : تعد يا محمد بقصور كسرى
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 51 سطر 1 الى ص 60 سطر 25
وفي هذه الوقعة ظهر النفاق ، وقال المنافقون : تعد يا محمد بقصور كسرى
وقيصر ولاحدنا لا يقدر على الغائط ، ما هذا إلا غرور . فأنزل الله ، عزوجل ،
سورة الاحزاب ، وقص فيها ما قص . فكان قوم من اليهود صاروا إلى رسول
الله : منهم حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق ، فقالوا له : يامحمد
نزل الم . قال : نعم : جاءك بها جبريل من عند الله . قال : نعم . قال
حيي بن أخطب : ما بعث الله نبيا إلا أعلمه قدر ملكه ، فالالف واحد واللام
ثلاثون والميم أربعون ، فذلك إحدى وسبعون سنة ، فهل غير هذا ؟ قال : نعم
المص . قال : هي أثقل وأطول ، ألف واحد ولام ثلاثون والميم أربعون وصاد
ستون ، فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة ، فهل غير هذا ؟ قال : نعم ، الر .
قال : هي أثقل وأطول ، ألف واحد ولام ثلاثون وراء مائتان ، فهذا مائتان
وإحدى وثلاثون سنة ، فهل غير هذا ؟ قال : نعم ، المر . قال : هذا أثقل
وأطول ، ألف واحد ولام ثلاثون وميم أربعون وراء مائتان ، فهذا مائتان وإحدى
وسبعون ، لقد لبس علينا أمرك يا محمد فلا ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا ؟
ولعلك قد أعطيت لم والمص والر والمر ، فذلك سبعمائة وأربع وستون سنة .
وقتل يوم الخندق من المسلمين ستة ومن المشركين ثمانية .
ـ 52 ـ
وقعة بني قريظة
ثم كانت وقعة بني قريظة ، وهي فخذ من جذام إخوة النضير ، ويقال
إن تهودهم كان في أيام عاديا أي السموأل . ثم نزلوا بجبل يقال له قريظة ،
فنسبوا إليه . وقد قيل إن قريظة اسم جد هم بعقب الخندق . وكان بينهم وبين
رسول الله صلح فنقضوه ، ومالوا مع قريش . فوجه إليهم سعد بن معاذ وعبد
الله بن رواحة وخوات بن جبير فذكر وهم العهد وأساءوا الاجابة . فلما انهزمت
قريش يوم الخندق دعا رسول الله عليا ، فقال له : قدم راية المهاجرين إلى
بني قريظة ، وقال : عزمت عليكم ألا تصلوا العصر إلا في بني قريظة ،
وركب حمارأ له . فلما دنا منهم لقيه علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله
لا تدن . فقال : أحسب أن القوم أساءوا القول ، فقال : نعم يا رسول الله ،
فيقال إنه قال بيده هكذا وهكذا . فانفرج البجل حين رأوه ، وقال : يا عبدة
الطاغوت يا وجوه القردة والخنازير فعل الله بكم وفعل . فقالوا : يا أبا القاسم ما
كنت فاحشا . فاستحيا ، فرجع القهقرى ولم يتخلف عنه من المهاجرين أحد .
وأفاء عامة الانصار ففتل من بني قريظة ثم تحصنوا فحاصرهم رسول الله أياما
حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ الانصاري ، فحضر سعد عليلا ، فقالوا له :
قل يا أبا عمرو وأحسن . فقال : قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة
لائم ، أرضيتم بحكمي ؟ قالوا : نعم . ثم قال : قد حكمت أن تقتل مقاتلتهم
وتسبى ذراريهم وتجعل أموالهم للمهاجرين دون الانصار . فقال رسول الله :
لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سماوات . ثم قدمهم عشرة عشرة ، فضرب
أعناقهم . وكانت عدتهم سبعمائة وخمسين ، فانصرف رسول الله واصطفى
منهم ست عشرة جارية فقسمهما على فقراء هاشم وأخذ لنفسه منهن واحدة يقال
ـ 53 ـ
لها ريحانة . وقسمت أموال بني قريظة ونساؤهم وأعلم سهم الفارس وسهم
الراجل ، فكان الفارس يأخذ سهمين والراجل سهما ، وكان أول مغنم أعلم
فيه سهم الفارس . وكانت الخيل ثمانية وثلاثين فرسا .
وقعة بني المصطلق
ثم كانت وقعة بني المصطلق من خزاعة ، لقيهم رسول الله بالمريسيع
وهزمهم وسباهم . فكان ممن سبى في غزاته جويرية بنت الحارث بن أبي
ضرار ، وقتل أبوها وعمها وزوجها فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس
الخزرجي . فكاتبها ، فأتت رسول الله في مكاتبتها فقضى عليها مكاتبتها وتزوجها
وجعل صداقها عتقها . فلم يبق عنده من سبي بني المصطلق أحد إلا أعتقه ،
وتزوجوا من فيهم من النساء لتزويج رسول الله جويرية .
وفي هذه الغزاة قال أصحاب الافك في عائشة ما قالوا ، فأنزل الله ، عز
وجل ، براءتها . وكانت تخلفت لبعض شأنها ، فجاء صفوان بن المعطل السلمي
فصيرها على بعيره وقادها . فقال من قال فيها الافك وجلد رسول الله حسان بن
ثابت ومسطح بن أثاثة وعبدالله بن أبى بن سلول ، وهو الذي تولى كبره ،
وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش . وأسلم بنو المصطلق وبعثوا
إلى رسول الله بإسلامهم ، فبعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط ليقبض صدقاتهم
فانصرف إلى رسول الله فأنزل الله ، عزوجل : " يا أيها الذين آمنوا
إن جاء كم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا
على ما فعلتم نادمين " .
ـ 54 ـ
غزاة الحديبية
ثم كانت غزاة الحديبية . خرج رسول الله في سنة 6 يريد العمرة ، ومعه
ناس وساق من الهدي سبعين بدنة . وساق أصحابه أيضا ، وخرجوا بالسلاح ،
فصدته قريش عن البيت ، فقال : ما خرجت أريد قتالا وإنما أردت زيارة
هذا البيت ، وقد كان رسول الله رأى في المنام أنه دخل البيت وحلق رأسه
وأخذ المفتاح . فأرسلت إليه قريش مكرز بن حفص فأبى أن يكلمه ، وقال :
هذا رجل فاجر . فبعثوا إليه الحليس بن علقمة من بني الحارث بن عبد مناة ،
وكان من قوم يتألهون ، فلما رأى الهدي قد أكلت أو بارها رجع فقال : يا
معاشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صده عن البيت . فبعثوا بعروة بن مسعود
الثقفي ، فكلم رسول الله ، فقال له رسول الله : يا عروة أفي الله أن يصد هذا
الهدي عن هذا البيت ؟ فانصرف إليهم عروة بن مسعود فقال : تالله ما رأيت
مثل محمد لما جاء له . فبعثوا إليه سهيل بن عمرو فكلم رسول الله وأرفقه وقال :
نخليها لك من قابل ثلاثة أيام . فأجابهم رسول الله وكتبوا بينهم كتاب الصلح
ثلاث سنين ، وتنازعوا بالكتاب لما كتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد
رسول الله ، حتى كادوا أن يخرجوا إلى الحرب . وقال سهيل بن عمرو والمشركون :
لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك . وقال المسلمون : لا تمحها . فأمر رسول الله
أن يكفوا ، وأمر عليا فكتب : باسمك اللهم ، من محمد بن عبدالله ، وقال :
اسمي واسم أبي لا يذهبان بنبوتي . وشرطوا أنهم يخلون مكة له من قابل ثلاثة
أيام ويخرجون عنها حتى يدخلها بسلاح الراكب ، وأن الهدنة بينهم ثلاث سنين
لا يؤذون أحدا من أصحاب رسول الله ولا يمنعونه من دخول مكة ، ولا يؤذي
أحد من أصحاب رسول الله أحدا منهم ، ووضع الكتاب على يد سهيل بن
ـ 55 ـ
عمرو . فأمر رسول الله المسلمين أن يحلقوا وينحروا هديهم في الحل ، فامتنعوا
وداخل أكثر الناس الريب ، فحلق رسول الله ونحر فحلق المسلمون ونحروا .
وانصرف رسول الله إلى المدينة ثم خرج من قابل وهي عمرة القضاء فدخل
مكة على ناقة بسلاح الراكب ، وأخلتها قريش ثلاثا وخلفوا بها حويطب بن
عبدالعزى ، فاستلم رسول الله الركن بمحجنه وصدق الله رسوله الرويأ بالحق .
وخرج عنها بعد ثلاث فابتنى بميمونة بنت الحارث الهلالية زوجته بسرف ،
وغدرت قريش فقتلت رجلا من خزاعة ممن دخل في شرط رسول الله .
ـ 56 ـ
وقعة خيبر
ثم كانت وقعة خيبر في أول سنة 7 ففتح حصونهم وهي ستة : حصون
السلالم والقموص والنطاة والقصارة والشق والمربطة ، وفيها عشرون ألف
مقاتل ، ففتحها حصنا حصنا ، فقتل المقاتلة وسبى الذرية . وكان القموص
من أشدها وأمنعها ، وهو الحصن الذي كان فيه مرحب بن الحارث اليهودي .
فقال رسول الله : لادفعن الراية غدا إن شاء الله إلى رجل كرار غير فرار يحب
الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، لا ينصرف حتى يفتح الله على يده ، فدفعها
إلى علي فقتل مرحبا اليهودي واقتلع باب الحصن ، وكان حجارة طوله أربع
أذرع في عرض ذراعين في سمك ذراع ، فرمى به علي بن أبي طالب خلفه
ودخل الحصن ودخله المسلمون .
وقدم جعفر بن أبي طالب في ذلك اليوم من أرض الحبشة ، فقال إليه رسول
الله فقبل ما بين عينيه ثم قال : والله ما أدري بأيهم أنا أشد سرورا ، بفتح
خيبر أم بقدوم جعفر . واصطفى صفية بنت حيي بن أخطب وأعتقها وتزوجها
وقسم بين بني هاشم نساءهم ورجالهم وأوساق التمر والقمح والشعير ثم قسم
بين الناس كافة . وبلغه ما فيه أهل مكة من الضر والحاجة والجدب والقحط
فبعث إليهم بشعير ذهب ، وقيل نوى ذهب ، مع عمرو بن أمية الضمري وأمره
أن يدفعه إلى أبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية بن خلف وسهل بن عمرو
ويفرقه ثلاثا ثلاثا ، فامتنع صفوان بن أمية وسهل بن عمرو من أخذه ، وأخذه
أبوسفيان كله وفرقه على فقراء قريش ، وقال : جزى الله ابن أخي خيرا فإنه
وصول لرحمه .
وجاءته زينب الحارث أخت مرحب بالشاة المسمومة فأخذ منها لقمة ،
ـ 57 ـ
وكلمته الذراع فقالت : إني مسمومة . وكان يأكل معه بشر بن البراء بن معرور
فمات . فقال الحجاج بن علاط السلمي لرسول الله : قد أسلمت ، ولي بمكة
ما لي ، فتأذن لي أن أتكلم بشئ يطمئنون إليه لعلي أن آخذ مالي . فأذن له فخرج
حتى قدم مكة فأتته قريش فقالوا : مرحبا بك يا ابن علاط ، هل عندك خبر
من هذا القاطع ؟ قال : نعم ! إن كتمتم علي ، فتعاهدوا أن يكتموا عليه حتى
يخرج ، قال : إنى والله ما جئت حتى هزم محمد وأصحابه هزيمة وحتى أخذ
أسيرا . وقالوا : نقتله بسيدنا حيي بن أخطب ، فاستبشروا وشربوا الخمور .
وبلغ العباس والمسلمين الخبر ، فاشتد جزعهم وأخذ الحجاج كل ما كان
لم ثم أتى العباس وأخبره بما فتح الله على نبيه وأن سهام الله قد جرت على
خيبر وقتل ابن أبي الحقيق وبات رسول الله عروصا بابنة حيي بن أخطب
ثم خرج من مكة فأصبح العباس مسرورا ، فقال له أبوسفيان : تجلدا للمصيبة
يا أبا الفضل ! فقال العباس : إن الحجاج ، والله ، خدعكم حتى أخذ ماله ،
وقد أخبرني بإسلامه وأنه ما انصرف حتى فتح الله على نبيه وقتل ابن أبي الحقيق
وبات عروسا بابنة حيي بن أخطب وفتح جميع الحصون ، فأعولت امرأة
الحجاج واجتمع إليها نساء المشركين واشتدت كآبة المشركين وغمهم .
ـ 58 ـ
فتح مكة
وكانت خزاعة في عقد رسول الله وكنانة في عقد قريش ، فأعانت قريش
كنانة فأرسلوا مواليهم فوثبوا على خزاعة فقتلوا فيهم . فجاءت خزاعة إلى
رسول الله فشكوا إليه ذلك فأحل الله لنبيه قطع المدة التي بينه وبينهم وعزم على
غزو مكة وقال : اللهم أعم الاخبار عنهم ، يعني قريشا . فكتب حاطب بن
أبي بلتعة مع سارة مولاة أبي لهب إلى قريش بخبر رسول الله وما اعتزم عليه .
فنزل جبريل فأخبره بما فعل حاطب ، فوجه بعلي بن أبي طالب والزبير وقال :
خذا الكتاب منها ، فلحقاها وقد كانت تنكبت الطريق فوجد الكتاب في شعرها ،
وقيل في فرجها . فأتيا به إلى رسول الله ، فأسر إلى كل رئيس منهم بما أراد
وأمر ه أن يلقاه بموضع سماه له ، وأن يكتم ما قال له . فأسر إلى خزاعي بن
عبدنهم أن يلقاه بمزينة بالروحاء وإلى عبدالله بن مالك أن يلقاه بغفار بالسقيا
وإلى قدامة بن ثمامة أن يلقاه ببني سليم بقديد وإلى الصعب بن جثامة أن يلقاه
ببني ليث بالكديد . وخرج رسول الله يوم الجمعة حين صلى العصر لليلتين
خلتا من شهر رمضان سنة 8 ، وقيل لعشر مضين من رمضان ، واستخلف على
المدينة أبا لبابة بن عبدالمنذر . ولقيته القبائل في المواضع التي سماها لهم ، وأمر
الناس فأفطروا ، وسمي الذين لم يفطروا العصاة . ودعا بماء فشربه ، وتلقاه
العباس بن ع بدالمطلب في بعض الطريق .
فلما صار بمر الظهران خرج أبوسفيان بن حرب يتجسس الاخبار ومعه
حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء ، وهو يقول لحكيم : ما هذه النيران ؟
فقال : خزاعة أحمشتها الحرب . فقال : خزاعة أقل وأذل . وسمع صوته
العباس فناداه : يا أبا حنظلة ! فأجابه ، فقال له : يا أبا الفضل ما هذا الجمع ؟
ـ 59 ـ
قال : هذا رسول الله . فأردفه على بغلته ولحقه عمر بن الخطاب وقال : الحمد
لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد . فسبقه العباس إلى رسول الله فقال :
يا رسول الله ، هذا أبوسفيان قد جاء ليسلم طائعا . فقال له رسول الله : قل
أشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ،
وجعل يمتنع من أن يقول : وانك رسول الله ، فصاح به العباس ، فقال .
ثم سأل العباس رسول الله أن يجعل له شرفا وقال إنه يحب الشرف . فقال
رسول الله : من دخل دارك يا أبا سفيان فهو آمن . وأوقفه العباس حتى رأى
جندالله ، فقال له : يا أبا الفضل لقد أوتي ابن أخيك ملكا عظيما . فقال : إنه
ليس بملك إنما هي النبوة . ومضى أبوسفيان مسرعا حتى دخل مكة فأخبرهم
الخبر ، وقال : هو اصطلام إن لم تسلموا ، وقد جعل أن من دخل داري فهو آمن .
فوثبوا عليه وقالوا : وما تسع دارك ؟ فقال : ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل
المسجد فهو آمن . وفتح الله على نبيه وكفاه القتال .
ودخل مكة ودخل أصحابه من أربعة مواضع ، وأحلها الله له ساعة من
نهار ثم قال رسول الله فخطب فحرمها ، وأجارت أم هانئ بنت أبي طالب
حموين لها : الحارث بن هشام وعبدالله بن أبي ربيعة ، فأراد علي قتلهما ،
فقال رسول الله : يا علي قد أجرنا من أجارت أم هانئ ، وآمنهم جميعا إلا
خمسة نفر أمر بقتلهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة وأربع نسوة وهم :
عبدالله بن عبدالعزى بن خطل من بني تيم الادرم بن غالب ، وكان رسول الله
وجهه مع رجل من الانصار فشد على الانصاري فقتله وقال : لاطاعة لك ولا
لمحمد ، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح العامري ، وكان يكتب لرسول الله
فصار إلى مكة فقال : أنا أقول كما يقول محمد ، والله ما محمد نبي وقد كان يقول
لي : اكتب عزيز حكيم ، فأكتب لطيف خيبر ، ولو كان نبيا لعلم . فآواه
عثمان وكان أخاه من الرضاع ، وأتى به إلى رسول الله ، فجعل يكلمه فيه ورسول
الله ساكت ثم قال لاصحابه : هلا قتلتموه ! فقالوا : انتظرنا أن تومئ .
ـ 60 ـ
فقال : إن الانبياء لا تقتل بالايماء ، ومقيس بن صبابة أحد بني ليث بن
كنانة ، وكان أخوه قتل فأخذ الدية من قاتله ثم شد عليه فقتله ، والحويرث
ابن نقيذ بن وهب بن عبد قصي ، كان ممن يؤذي رسول الله بمكة ويتناوله
بالقول القبيح . والنسوة : سارة مولاة بني ع بدالمطلب ، وكانت تذكر رسول الله
بالقبيح ، وهند بنت عتبة ، وقريبة وفرتنا جاريتا ابن خطل ، كانتا تغنيان
في هجاء رسول الله .
وأسملت قريش طوعا وكرها وأخذ رسول الله مفتاح البيت من عثمان بن
أبي طلحة وفتح الباب بيده وستره ثم دخل البيت فصلى فيه ركعتين ثم خرج
أخذ بعضادتي الباب ، فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، أنجز وعده
ونصر عبده وغلب الاحزاب وحده ، فلله الحمد والملك لا شريك له ، ثم
قال : ما تظنون وما أنتم قائلون ؟ قال سهيل : نظن خيرا ونقول خيرا ، أخ كريم
وابن عم كريم وقد ظفرت . قال : فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف : لا
تثريب عليكم اليوم ، ثم قال : ألا كل دم ومال ومأثرة في الجاهلية فإنه
موضوع تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج فإنهما مردودتان
إلى أهليها ، ألا وإن مكة محرمة بحرمة الله لم تحل لاحد من قبلي ولا تحل لاحد من
بعدي وإنما حلت لي ساعة ثم أغلقت ، فهي محرمة إلى يوم القيامة لا يختلى
خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ، ألا إن
في القتل شبه العمد الدية مغلظة والولد للفراش وللعاهر الحجر ، ثم قال : ألا
لبئس جيران الذين كنتم فاذهبوا فأنتم الطلقاء .
ودخل مكة بغير إحرام وأمر بلالا أن يصعد على الكعبة فأذن فعظم ذلك
على قريش ، وقال عكرمة بن أبي جهل وخالد بن أسيد إن ابن رباح ينهق على
الكعبة ، وتكلم قوم معهما فأرسل إليهم رسول الله . فقالوا : قد قلنا ، فنستغفر
الله . فقال : ما أدري ما أقول لكم ولكن يحضر الصلاة فمن صلى فسبيل ذلك
وإلا قدمته فضربت عنقه . وأمر بكل ما في الكعبة من صورة فمحيت وغسلت
ـ 61 ـ
بالماء . ودعا بعثمان بن طلحة فقال : رأيت في الكعبة قرني الكبش فخمرها
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 61 سطر 1 الى ص 70 سطر 25
بالماء . ودعا بعثمان بن طلحة فقال : رأيت في الكعبة قرني الكبش فخمرها
فإنه لا ينبغي أن يكون في الكعبة شئ ، فصيروا في بعض الجدر . وروى بعضهم
أن رسول الله قسم ما كان في الكعبة من المال بين المسلمين . وقال آخرون :
أقره ونادى منادي رسول الله : من كان في بيته صنم فليكسره ، فكسروا الاصنام .
ودعا رسول الله بالنساء فبايعنه ، وكانت الخيل يوم الفتح أربعمائة فرس ، ونزلت
عليه سورة : " إذا جاء نصر الله والفتح " ، فقال : نعيت إلي نفسي .
وبعث رسول الله ، وهو بمكة ، خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن عامر ،
وهم بالغميصاء ، وقد كانوا في الجاهلية أصابوا من بني المغيرة وقتلوا عوفا
أبا عبدالرحمن بن عوف ، فخرج عبدالرحمن بن عوف ممع خالد بن الوليد
ورجال من بني سليم وقد كانوا قتلوا ربيعة مالك بن مكدم في الجاهلية ، فخرج
جذل الطعان فقتل من بني سليم بدم ربيعة مالك بن الشريد ، وبلغ جذيمة أن
خالدا قد جاء ومعه بنو سليم ، فقال لهم خالد : ضعوا السلاح . فقالوا : إنا لا
نأخذ السلاح على الله ولا على رسوله ونحن مسلمون ، فانظر ما بعثك رسول الله
له فإن كان بعثك مصدقا فهذه إبلنا وغنمنا فاعد عليها . قال : ضعوا السلاح .
قالوا : إنا نخاف أن تأخذنا بإحنة الجاهلية . فانصرف عنهم وأذن القوم وصلوا ،
فلما كان في السحر شن عليهم الخيل فقتل المقاتلة وسبى الذرية ، فبلغ رسول
الله فقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ! وبعث علي بن أبي طالب فأدى
إليهم ما أخذ منهم حتى العقال وميلغة الكب ، وبعث معه بمال ورد من اليمن
فودى القتلى وبقيت معه منه بقية ، فدفعها علي إليهم على أن يحللوا رسول الله
مما علم ومما لا يعلم . فقال رسول الله : لما فعلت أحب إلي من حمر النعم ،
ويومئذ قال لعلي : فداك أبواي . وقال عبدالرحمن بن عوف : والله لقد قتل
خالد القوم مسلمين ، فقال خالد : إنما قتلتهم بأبيك عوف بن عبد عوف . فقال
له عبدالرحمن : ما قتلت بأبي ولكنك قتلت بعمك الفاكه بن المغيرة .
ـ 62 ـ
وقعة حنين
ثم كانت وقعة حنين ، بلغ رسول الله ، وهو بمكة ، أن هوازن قد
جمعت بحنين جمعا كثيرا ورئيسهم مالك بن عوف النصري ، ومعهم دريد
ابن الصمة من بني جشم ، شيخ كبير يتبركون برأيه ، وساق مالك مع هوازن
أموالهم وحرمهم . فخرج إليهم رسول الله في جيش عظيم عدتهم اثنا عشر ألفا :
عشرة آلاف أصحابه الذبن فتح بهم مكة وألفان من أهل مكة ممن أسلم طوعا
وكرها ، وأخذ من صفوان بن أمية مائة درع وقال عارية مضمونة ، فأعجبت
المسلمين كثرتهم ، وقال بعضهم : ما نؤتى من قلة ، فكره رسول الله ذلك
من قولهم ، وكانت هوازن قد كنت في الوادي ، فخرجوا على المسلمين .
وكان يوما عظيم الخطب وانهزم المسلمون عن رسول الله حتى بقي في عشرة
من بني هاشم ، وقيل تسعة ، وهم : علي بن أبي طالب والعباس بن ع بدالمطلب
وأبوسفيان بن الحارث ونوفل بن الحارث وربيعة بن الحارث وعتبة ومعتب
ابنا أبي لهب والفضل بن العباس وعبدالله بن الزبير بن ع بدالمطلب ، وقيل
أيمن بن أم أيمن .
قال الله ، عزوجل : " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم
فلم تغن عنكم شيئا وضافت عليكم الارض بما رحبت ثم
وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا
لم تروها " ، وأبدى بعض قريش ما كان في نفسه . فقال أبوسفيان : لا تنتهي ،
والله ، هزيمتهم دون البحر ، وقال كلدة بن حنبل : اليوم بطل السحر ، وقال
شيبة بن عثمان : اليوم أقتل محمدا ، فأراد رسول الله ليقتله فأخذ النبي الحربة
منه فأشعرها فؤداه . فقال رسول الله للعباس : صح يا للانصار ، وصح يا أهل
ـ 63 ـ
بيعة الرضوان ، صح يا أصحاب سورة البقرة ، ياأصحاب السمرة . ثم انفض
الناس وفتح الله على نبيه وأيده بجنود من الملائكة ، ومضى علي بن أبي طالب
إلى صاحب راية هوازن فقتله ، وكانت الهزيمة ، وقتل من هوازن خلق عظيم ،
وسبي منها سبايا كثيرة ، وبلغت عدتهم ألف فارس وبلغت الغنائم اثني عشر ألف
ناقة سوى الاسلاب ، وقتل دريد بن الصمة فأعظم الناس ذلك ، فقال رسول
الله : إلى النار وبئس المصير ! إمام من أئمة الكفر إن لم يكن يعين بيده فإنه
يعين برأيه . قتله رجل من بني سليم وقتل ذو الخمار سبيع بن الحارث ، فقال
رسول الله : أبعده الله إنه كان يبغض قريشا . وصارت السبايا والاموال في أيدي
المسلمين وبلغت هزيمة المشركين الطائف ومعهم مالك بن عوف ، وكان جميع
من استشهد أربعة نفر . وجاءت الشيماء بنت حليمة أخت رسول
الله من الرضاعة إلى رسول فحباها وأكرمها وبسط لها رداءه ، وكلمته في
السبايا وقالت : إنما هن خالاتك وأخواتك . فقال : ما كان لي ولبني هاشم
فقد وهبته لك . فوهب المسلمون ما كان في أيديهم من السبايا كما فعل إلا الاقرع
ابن حابس وعيينة بن حصن ، فقال رسول الله : اللهم نوه سهيهما ،
فخرج لهما عجوز وكلمته في مالك بن عوف النصري رئيس جيش هوازن ،
وآمنه ، فجاء مالك فأسلم . ووجهه رسول الله لحصار الطائف وأعطى المؤلفة
قلوبهم من غنائم هوازن وأعطى اثني عشر رجلا مائة مائة من الابل ، وهم :
أبوسفيان بن حرب ومعاوية بن أبي سفيان وحكيم بن حزام والحارث بن
الحارث بن كلدة العبدري والحارث بن هشام بن المغيرة وسهيل بن عمرو
وصفوان بن أمية بن خلف وحويطب بن عبدالعزى والعلاء بن حارثة الثقفي
حليف بني زهرة ومالك بن عوف النصري وعيينة بن حصن الفزاري والاقرع
ابن حابس ، وأعطى الباقين ما دون ذلك . وسألته الانصار ودخلها غضاضة ،
فقال رسول الله : إني أعطي قوما تألفا وأكلكم إلى إيمانكم . وتكلم بعضهم
فقال : قاتل بنا محمد حتى إذا ظهر أمره وظفر أتى قومه وتركنا . فأسقط الله
ـ 64 ـ
سهمهم وأثبت للمؤلفة قلوبهم سهما في الصدقات .
وخرج رسول الله إلى الطائف ووجه بعلي بن أبي طالب فلقي نافع بن غيلان
ابن سلمة بن معتب في خيل من ثقيف فقتله ، وانهزم أصحابه . وحصرها رسول
الله بضعة وعشرين يوما ، ونزل إليه أربعون رجلا . وأمر رسول الله بقطع
الكروم ، فكلموه فتركها وأمر ألا تقطع . ثم انصرف رسول الله وخلف أبا
سفيان بن حرب على حصار الطائف ووجه عليا لكسر الاصنام فكسرها .
ـ 65 ـ
غزاة مؤتة
ووجه جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة في جيش
إلى الشأم لقتال الروم سنة 8 ، وروى بعضهم أنه قال : أمير الجيش زيد بن
حارثة ، فإن قتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب ، فإن قتل جعفر بن أبي
طالب فعبد الله بن رواحة ، فإن قتل عبدالله بن رواحة فليرتض المسلمون من
أحبوا . وقيل : بل كان جعفر المقدم ثم زيد بن حارثة ثم عبدالله بن رواحة ،
وصار إلى موضع يقال له مؤتة ، من الشأم من البقاء من أرض دمشق ، فأخذ
زيد الراية فقاتل حتى قتل ، ثم أخذها جعفر فقطعت يده اليمنى فقاتل باليسري
فقطعت يده اليسرى ثم ضرب وسطه ، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقتل ، فرفع
لرسول الله كل خفض ، وخفض له كل رفع حتى رأى مصارعهم ، وقال :
رأيت سرير جعفر المقدم فقلت : يا جبريل إني كنت قدمت زيدا . فقال :
إن الله قدم جعفرا لقرابتك . ونعاهم رسول الله فقال : أنبت الله لجعفر جناحين
من زبرجد يطير بهما من الجنة حيث يشاء ، واشتد جزعه وقال : على جعفر
فلتبك البواكي ، وتأمر خالد بن الوليد على الجيش .
قالت أسماء بنت عميس الخثعمية ، وكانت امرأة جعفر وأم ولده جميعا :
دخل علي رسول الله ، ويدي في عجين ، فقال : يا أسماء أين ولدك ؟ فأتيته
بعبدالله ومحمد وعون ، فأجلسهم جميعا في حجره وضمهم إليه ومسح على روؤسهم
ودمعت عيناه . فقلت : بأبي وأمي أنت يا رسول الله ! لم تفعل بولدي كما
تفعل بالايتام ؟ لعله بلغك عن جعفر شئ ؟ فغلبته العبرة وقال : رحم الله جعفرا !
فصحت : وا ويلاه واسيداه ! فقال : لا تدعي بويل ولا حرب ، وكل ما قلت
فأنت صادقة . فصحت : وا جعفراه ! وسمعت صوتي فاطمة بنت رسول الله ،
ـ 66 ـ
فجاءت وهي تصيح : وابن عماه ! فخرج رسول الله يجر رداءه ، ما يملك
عبرته ، وهو يقول : على جعفر فلتبك البواكي ، ثم قال : يا فاطمة اصنعي
لعيال جعفر طعاما فإنهم في شغل ، فصنعت لهم طعاما ثلاثة أيام ، فصارت
سنة في بني هاشم .
الغزوات التي لم يكن فيها قتال
وكانت غزوات فيما بين ذلك لم يكن فيها قتال . كان رسول الله يخرج فلا
يلقى كيدا وينصرف ، وإنما قدمنا ما كان فيها القتال على التي لا قتال فيها
لنفرد الغزوات التي لم يكن فيها قتال .
غزاة الابواء : خرج رسول الله إلى ود ان فرجع ولم يلق كيدا .
وغزاة بواط : مثل ذلك .
وغزاة ذي العشيرة : من بطن ينبع وادع بها بني مدلج وحلفاء لهم من
بني ضمرة ، وكتب بينهم كتابا ، والذي قام بذلك بينهم مخشي بن عمرو
الضمري .
وغزاة قرقرة الكدر : خرج رسول الله في طلب مكدر بن جابر الفهري ،
ويقال كرز بن جابر ، حين كان أغار على سرح المدينة ، وذلك أن أبا سفيان
ضاف سلام بن مشكم ، وكان سيد بني النضير ، فقراه وسقاه خمراه ثم
خرج من تحت ليلته حتى مر بمكان يقال له العريض ، فوجد بها رجلين من
الانصار في صور لهما من النخل فقتلهما وانصرف إلى مكة ، فبلغ رسول الله
الخبر ، فبلغ قرقرة الكدر ولم يلق كيدا وانصرف .
وغزاة حمراء الاسد : خرج رسول الله من غد يوم أحد ، وقد ذكرناها
ـ 67 ـ
مع خبر أحد .
وغزاة بدر الصغرى : وهي بدر الموعد ، لميعاد أبي سفيان بن حرب .
فخرج رسول الله في شعبان في السنة الرابعة فأقام عليها ثماني ليال ينتظر أبا سفيان ،
ووافق السوق وكانت عظيمة ، فتسوق المسلمون فربحوا ربحا حسنا . وقال المنافقون
للمؤمنين حين خرجوا لميعاد أبي سفيان : قد قتلوكم عند بيوتكم ، فكيف إذا
أتيتموهم في بلادهم وقد جمعوا لكم ، والله لا ترجعون أبدا فقالوا : حسبنا الله
ونعم الوكيل ، فأنزل الله في ذلك : " الذين قال لهم الناس إن الناس قد
جمعوا لكم فاخشوهم فزاد هم إيمانا وقالوا حسينا الله ونعم الوكيل
فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسهم سوء واتبعوا رضوان الله
والله ذو فضل عظيم " . وانصرف رسول الله ولم يلق كيدا وخلفهم أبوسفيان ،
وقال : هذا عام جدب ولا يصلحكم يا معشر قريش إلا عام خصب ترعون فيه الشجر
وتشربون فيه اللبن ، وإني راجع ، فرجعوا بعد أن كان قد بلغ مر الظهران .
وغزاة تبوك : سار رسول الله في جمع كثير إلى تبوك من أرض الشأم
يطلب بدم جعفر بن أبي طالب ، ووجه إلى رؤساء القبائل والعشائر يستنفرهم
ويرغبهم في الجهاد ، وحض رسول الله أهل الغنى على النفقة ، فأنفقوا
نفقات كثيرة وقووا الضعفاء . وقال رسول الله : أفضل الصدقة جهد المقل .
فأتاه البكاؤون يستحملونه ، وهم : هرمى بن عبدالله من بني عمرو بن عوف
وسالم بن عمير وعمرو بن الحمام و عبدالرحمن بن كعب وصخر بن سلمان .
فقال : ما أجد ما أحملكم عليه . وأتاه قوم من الاغنياء فاستأذنوه وقالوا : دعنا
نكن مع من تخلف . فقال الله تعالى : " رضوا بأن يكونوا مع الخوالف "
وهم : الجد بن قيس ومجمع بن جارية وخدام بن خالد . فأذن لهم
رسول الله ، فقال الله ، عزوجل : " عفا الله عنك لم أذنت لهم " .
وخرج رسول الله غرة رجب سنة 9 واستخلف عليا على المدينة واستعمل
الزبير على راية المهاجرين وطلحة على الميمنة و عبدالرحمن بن عوف على الميسرة ،
ـ 68 ـ
وخرج النساء والصبيان يودعونه عند الثنية ، فسماها ثنية الوداع . وسار رسول
الله فأصاب الناس عطش شديد ، فقالوا : يا رسول الله لو دعوت الله لسقانا ،
فدعا الله فسقاهم . وقدم رسول الله تبوك في شعبان فأتاه يحنة بن رؤبة أسقف
أيلة ، فصالحه وأعطاه الجزية ، وكتب له كتابا وانصرف رسولا الله فجلس له
أصحاب العقبة لينفروا به ناقته ، فقال لحذيفة : نحهم وقل لهم : لتنحن أو
لادعونكم بأسمائكم وأسماء آبائكم وعشائركم ، فصاح بهم حذيفة . وكان
خروجه في رجب وانصرف في شهر رمضان وكان حذيفة يقول : إني لاعرف
أسماء هم وأسماء آبائهم وقبائلهم .
ـ 69 ـ
الامراء على السرايا والجيوش
ووجه رسول الله على السرايا والجيوش الامراء وعقد لهم الالوية والرايات .
فأول ذلك حمزة بن ع بدالمطلب على سرية إلى ساحل البحر ، وقيل : إن
أولهم عبيدة بن الحارث بن المطلب على سرية إلى ثنية المرة في ستين أو ثمانين
راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الانصار أحد . فسار حتى بلغ ماء بالحجاز
بأسفل ثنية المرة ، فلقي به جمعا عظيما من قريش فلم يكن منهم قتال إلا أن
سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم ، وكان أول سهم رمي في الاسلام ،
ثم انصرف القوم عن القوم ، وللمسلمين حامية . وجاء المقداد بن عمرو البهراني
حليف بني زهرة وعتبة بن غزوان بن جابر الحارثي حليف بني نوفل ، وكانا
مسلمين ولكنهما خرجا فتوصلا بالكفار ، وكان على القوم عكرمة بن أبي جهل .
وسعد بن أبي وقاص على سرية الخرار وهو ماء من الجحفة ، فأصاب
نعما لبني ضمرة ، فأرسلوا إلى رسول الله فردها بالحلف الذي بينهم وبينه .
وحمزة بن ع بدالمطلب على سرية إلى ساحل البحر من ناحية العيص في ثلاثين
راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الانصار أحد ، فلقي أبا جهل بن هشام في
ثلاثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني ، وكان
موادعا للفريقين جميعا ، وانصرف القوم بعضهم عن بعض ، ولم يكن قتال .
وعبدالله بن جحش بن رثاب على سرية إلى نخلة في ثمانية رهط من
المهاجرين ليس فيهم أحد من الانصار ، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه
حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره ولا يستكره من أصحابه أحدا .
فلما سار عبدالله بن جحش يومين فتح الكتاب ينظر فيه ، فإذا فيه : إذا نظرت
في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف لترصد بها قريشا
ـ 70 ـ
وتعلم أخبارها . فمضى ومضى معه أصحابه ، لم يتخلف منهم أحد ، فلما
نزل نخلة مرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة ، فيها عمرو بن الحضرمي
فقاتلوه فأسروا منهم رجلين ، فكانا أول أسير من المشركين ، وأفلت القوم .
وأخذوا ما كان معهم ، فعزل رسول الله خمس العير وقسم سائرها لاصحابه ،
فكان أول خمس قسم في الاسلام .
ووجه مرثد بن أبي مرثد حليف حمزة بن ع بدالمطلب على سرية إلى جمع
وذلك أنه قدم على النبي نفر من العضل وديش ، وهما حيان من الهون بن
خزيمة ، فقالا : يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا أصحابك تهوننا
ويقرثوننا القرآن . فبعث فيهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي وخالد بن البكير حليف
بني عدي وعاصم بن ثابت بن أبي الاقلح العمري وزيد بن دثنة البياضي وعبد
الله بن طارق الظفري وخبيب بن عدي العمري ، فلما كانوا على ماء يقال
له الرجيع لهذيل خرج بعض الناس حتى انتهى إلى هذيل ، فقال : إن هاهنا
نفرا من أصحاب محمد ، هل لكم أن نأخذهم ونسلبهم ونبيعهم من قريش ؟
فما راع المسلمين إلا الرجال بأيديهم السيوف . فقالوا : استأسروا فلكم العهد
والعقد ولا نقتلكم ولكن نبيعكم من قريش . فنادى مرثد ، وهو أمير القوم ،
وعاصم وخالد فصحاحوا بالقوم وسلوا سيوفهم وتهيأوا للقتال ، وأما خبيب
وعبدالله وزيد فلانوا وأعطوا بأيديهم فقاتل أصحابهم قتالا شديدا وقتل مرثد
وخالد بن البكير وقاتل عاصم بن ثابت حتى قتل .
وزيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله على سرية إلى قردة . لما انصرف
رسول الله من بدر الصغري ، ميعاد أبي سفيان ، هابت قريش أن يأخذوا طريقهم
إلى الشأم على بدر ، فتركوا ذلك الطريق وسلكوا طريق العراق ، فخرج أبو
سفيان و أبوالعاص بن الربيع في عير قريش في مال كثير إلى الشأم ، فبعث رسول
الله فأصابهم وما فيها . وخرج القوم هاربين : أبوسفيان وأصحابه ، فسبقوهم ،
فقدم زيد بذلك المال وأسر معاوية بن المغيرة بن أبي العاص جد عبدالملك بن
ـ 71 ـ
مروان ، وقيل إنه قدم به . وأقبل أبوالعاص بن الربيع حتى دخل المدينة فاستجار
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 71 سطر 1 الى ص 80 سطر 21
مروان ، وقيل إنه قدم به . وأقبل أبوالعاص بن الربيع حتى دخل المدينة فاستجار
بزينب ابنة رسول الله ، فلما صلى رسول الله الغداة نادة زينب : ألا إني قد
أجرت أبا العاص بن الربيع . فقال رسول الله حين انصرف : أسمعتم ؟ قالوا :
نعم ! قال : قد أجرت من أجارت ، إن أدنى المؤمنين يجير على أقصاهم .
وقام فدخل عليهما فقال : لا يفوتنك ، أكرمي مثواه . ورد عليه ما أخذ له ،
فرجع إلى مكة فرد إلى كل ذي حق حقه ثم أسلم ورجع إلى رسول الله
فرد عليه زينب بالنكاح الاول .
وأيضا زيد بن حارثة على سرية إلى الجموم ، فأصاب امرأة
من مزينة يقال لها حليمة فدلتهم على محلة من محال بني سليم فأصابوا في تلك
المحلة نعما وأسارى . وكان في أولئك الاسارى زوج حليمة . فلما قفل بها
وهب رسول الله للمزينية زوجها ونفسها .
ومرة أخرى لزيد على جيش إلى جذام . وكان ابن خليفة الكلبي لما انصرف
من عند قيصر مر بأرض جذام فأغار عليه الهنيد بن عارض الجذامي فسلبه ما كان
معه ، وأدركه نفر من المسلمين فاستنقذوا ما أخذ منه فدفعوه إلى دحية . فوجه رسول
الله زيد بن حارثة فسبى وقتل وأخذ الهنيد وابنه فضرب أعناقهما .
ووجه أيضا زيدا على جيش إلى وادي القرى ، وكانت أم قرفة ابنة ربيعة
ابن بدر قد زوجها مالك بن حذيفة بن بدر ، بعثت إلى رسول الله بأربعين رجلا
من بطنها وقالت : ادخلوا عليه المدينة . فبعث رسول الله زيد بن حارثة في خيل
فلقيهم بوادي القرى فهزم أصحابه وارتث زيد من القتلى ، فحلف ألا يغسل
ولا يدهن حتى يغزوهم . فسأل رسول الله أن يبعث بن إليهم ، فبعثه في خيل
عظيمة فالتقوا بوادي القرى فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمت بنو فزارة وقتلوا وسبيت
يومئذ أم قرفة فقتلها قتلا عنيفا ، شقا بين بكرين . وأما ابنتها فوقعت في
سهم قيس بن المحسر فاستو هبها رسول الله منه لخاله حزن بن أبي وهب بن
عائذ بن عمران بن مخزوم ، فولدت عبدالرحمن بن حزن .
ـ 72 ـ
ومرة على جيش الطرف إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا ، فهربت
الاعراب وخافوا أن يكون رسول الله سار إليهم ، فأصاب من نعمهم عشرين
بعيرا ولم يكن بينهم قتال .
والمنذر بن عمرو الانصاري على سرية إلى بئر معونة . وذلك أن أسد بن
معونة قدم على رسول الله بهدية من قبل عمه أبي براء بن مالك ملاعب الاسنة ،
وأهدى له فرسين ونجائب ، وكان صديقا للنبي . فقال رسول الله : والله لا أقبل
هدية مشرك . فقال لبيد بن ربيعة : ما كنت أرى أن رجلا من مضر يرد هدية
أبي براء . فقال : لو كنت قابلا من مشرك هدية لقبلتها منه . قال : فإنه
يستشفيك من دبيلة في بطنه قد غلبت عليه . فتناول رسول الله جبوبة من تراب
فأمرها على لسانه ثم دفها بماء ثم سقاه إياه ، فكأنما أنشط من عقال .
وكان أبوبراء سأل رسول الله أن يبعث إليه بنفر من أصحابه ليفقهوهم في الدين
ويبصروهم شرائع الاسلام ، فقال رسول الله : إني أخاف أن يقتلهم بنو عامر ،
فأرسل أبوبراء انهم في جواري . فبعث إليه المنذر بن عمرو ونفرا من أصحابه
في تسعة وعشرين عامتهم بدري . فأغار عليهم عامر بن الطفيل وتابعة ثلاثة أحياء
من بني سليم رعلى وذكوان وعصية فلذلك لعنهم رسول الله ، وأقبل عامر إلى
حرام بن ملحان ، وهو يقرأ كتاب رسول الله ، فطعنه بالرمح . فقال : الله
أكبر فزت بالجنة . واقتتل قتالا شديدا وكثرتهم بنو سليم ، فقتلوا من
عند آخرهم ما خلا المنذر بن عمرو فإنه قال لهم : دعوني أصلي على أخي حرام
ابن ملحان . قالوا : نعم . فصلى عليه ثم أخذ سيفا وأعنق نحوهم فقاتلهم
حتى قتل . وقال الحارث بن الصمة : ما كنت لارغب بنفسي عن سبيل مضى
فيه المنذر ، والله لاذهبن فلئن ظفر لاظفرن ولئن قتل لاقتلن . فذهب فقتل
وأعتق عامر بن الطفيل أسعد بن زيد الديناري عن رقبة كانت على أمه .
وبعث جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة إلى البلقاء
من أرض الشأم فأصيبوا بمؤتة ، وقد قدمنا ذكرهم قبل هذا الموضع .
ـ 73 ـ
وبعث رسول الله غالب بن عبدالله الكلبي إلى بني مدلج وهم حلفاؤه وهم
الذين قال الله فيهم : " أو جاؤوكم حصرت صدورهم " فقالوا : لسنا عليك
ولسسنا معك ، ولم يجيبوه ، فقال الناس : اغزهم يا رسول الله . فقال : إن
لهم سيدا أديبا لن يأخذ إلا خيرة أمره ، وإنهم إذا نحروا ثجوا وإذا لبوا عجوا ،
رب غاز من بني مدلج شهيد في سبيل الله .
وبعث نميلة بن عبدالله الليثي إلى بني ضمرة فرجع إلى رسول الله فقال :
يا رسول قالوا لا نحاربه ولا نسالمه ولا نصدقه ولا نكذبه . فقال الناس :
يا رسول الله اغزهم . فقال : دعوهم فإن فيهم عددا وسوددا ، ورب شيخ
صالح من بني ضمرة غاز في سبيل الله .
وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى بني الديل فرجع فقال : يا رسول الله
أدركتهم فلولا وجئتهم حلولا ، دعوتهم إلى الله ورسوله فأبوا أشد الاباء .
فقال الناس : اغزهم يا رسول الله . فقال رسول الله : دعوا بني الديل ، إياكم !
ألا إن سيدهم قد صلى وأسلم فيقول : أسلم ، فيقولون : نعم .
وبعث رسول الله عبدالله بن سهيل بن عمرو العامري إلى بني معيص ومحارب
ابن فهر ومن يليهم من السواحل في خمسمائة ، فلقيهم على المدثرا . فلما واقعهم
دعاهم إلى الاسلام ، فجاء معه نفر فقال رسول الله : ها قطيعة الايمان كجذع
النخل حلو أوله حلو آخره .
وبعث أبا عبيدة بن الجراح على جيش إلى ذات القصة ، وكان بها قوم من
محارب وثعلبة وأنمار . فخرج أبوعبيدة وأصحابه يسيرون ليلتهم حتى أصبحوا .
فلما أبصر القوم بهم هربوا وخلفوا إبلهم فغنموا الاموال وأخذوا رجلا واحدا
فأتوا به رسول الله فخمس رسول الله فأخذ الخمس وقرق الباقي على أصحاب
السرية ، وأسلم الرجل فتركه .
وعمر بن الخطاب على جيش إلى زبية قريبة من الطائف فلم يلق كيدا .
وعلي بن أبي طالب على جيش إلى فدك . وبلغ رسول الله أن بها جمعا
ـ 74 ـ
يريدون أن يمدوا يهود خيبر ، فسار علي بن أبي طالب الليل وكمن النهار حتى
صبحهم فقتلهم .
وأبا العوجاء السلمي على سرية ، فاستشهد كل من كان في السرية فلم
ينصرف منهم أحد .
وعكاشة بن محصن بن جرثان الاسدي أسد بن خزيمة ، على سرية إلى
الغمرة .
وأبا سلمة بن عبدالاسد بن هلال المخزومي إلى قطن .
ومحمد بن مسلمة الانصاري أخا بني حارثة على جيش إلى القرطاء من هوازن .
وبشير بن سعد الانصاري على سرية إلى فدك فأصيب أصحابه جميعا ولم
يرجع منهم أحمد . ثم بعث إليهم غالب بن عبدالله الملوحي ، فجاء بمرداس
ابن نهيك الفدكي .
ومرة أخرى إلى صروحان من أرض خيبر .
وعبدالله بن رواحة الانصاري على سرية إلى خيبر مرتين ، إحداهما إلى
أصحاب اليسير بن رزام اليهودي وأصحابه ، وكان يجمع غطفان لغزو رسول
الله .
وعبدالله بن أنيس الانصاري إلى خالد بن سفيان بن نبيح يجمع لرسول
الله الناس ليغزوه ، فقتله ، ويقال لم تكن سرية إنما كان وحده .
وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على جيش إلى بلعنبر فأصابهم
وهم خلوف ، فجاء بسباياهم فطرحهم في المسجد . فركب إليه رجالاتهم ، فلما
دخلوا المسجد صاحوا : يا محمد اخرج إلينا . وكان فيهم بسامة بن الاعور وسمرة
ابن عمرو ، قال الله ، عزوجل : " ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم
لكان خيرا لهم " فخرج إليهم رسول الله ، فسألوه وطلبوا إليه أن يحكم
سمرة بن عمرو وأن يهب لهم ثلاثا ويؤخر ثلاثا ويأخذ ثلاثا ، فبلغنا أن رسول
الله قال : من أراد أن يعتق من ولد اسماعيل فليعتق من هؤلاء .
ـ 75 ـ
وكعب بن عمير الانصاري على سرية إلى ذات أطلاح ، ويقال ذات
أباطح ، فاستشهدوا جميعا ولم يرجع من السرية أحد .
وبعث رسول الله عمرو بن العاص على جيش إلى ذات السلاسل من أرض
الشأم ، وبها ناس من نبي عذرة وبلي وقبائل من اليمن ، وكان معه أبوبكر
وعمر وأبوعبيدة بن الجراح ، وأعطاه مالا وقال : استنفر من قدرت عليه .
فلما شارف القوم نهاهم ألا يوقدوا نارا فشق ذلك على المسلمين لشدة القر ،
فقال : قد أمركم رسول الله أن تسمعوا لي وتطيعوا . فكلموا أبا بكر في ذلك
فأتى عمرا فلم يأذن له . فصاح به أبوبكر : يا ابن بياعة العباء اخرج إلى ، فأبى .
قال : يا ابن دباغة القرظ اخرج إلى ، فأبى . فلما كان في السحر أغار بهم
فأصاب وظفر ، فقال لابي بكر : كيف رأيت رأي ابن بياعة العباء ؟ وصلى
عمرو بن العاص بالناس وهو جنب ، فلما قدموا على رسول الله أخبره أبو
عبيدة بن الجراح ، فقال عمرو : يا رسول الله كان البرد شديدا ولو اغتسلت
لمت ، فضحك رسول الله .
وعبدالله بن أبي حدرد الاسملي على سرية إلى إضم ، فلقي عامر بن
الاضبط الاشجعي ، فحمل عليه محلم بن جشامة بن قيس فطعنه فخاصمه عيينة
ابن حصن إلى رسول الله بديته فعجل نصفا وأخر نصفا . فقال إليه محلم بن
قيس فقال : يا رسول الله استغفر لي . قال : قتلت مسلما ، لعنك الله ! فما لبث
بعدها إلا خمسا حتى مات .
و عبدالرحمن بن عوف على سرية إلى كلب ، وعممه رسول الله بعمامة
سوداء وأسدلها بين يديه ومن خلفه وقال : هكذا فاعتم فإنه أشبه وأعرف ،
وأمره إن فتح الله عليه أن يزوجه ابنة سيدهم ، ففتح الله عليه فتزوج تماضر
بنت الاصبغ التي صولحت عن ربع الثمن عن ثمانين ألف دينار .
وأمر علي بن أبي طالب حين خرج إلى تبوك . . . . 1 . وكان
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ 76 ـ
المهاجر بن أبي أمية أميره على صنعاء وزياه بن لبيد البياضي على حضر موت
وصدقاتها وعذي بن حاتم على صدقات طئ ومالك بن نويرة اليربوعي على
صدقات حنظلة والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم على صدقات بني سعد وعلي
ابن أبي طالب إلى أهل نجران بجمع صدقاتهم وأخذ جزيتهم وخالد بن الوليد
على سرية إلى دومة الجندل وعتاب بن أسيد بن أبي أمية على مكة وأبوسفيان
ابن حرب على نجران ويزيد بن أبي سفيان على تيماء وخالد بن سعيد بن العاص بن
أمية على صنعاء ، فقبض النبي وهو عليها ، وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية
على قرى عربية وأبان بن سعيد بن العاص بن أمية على الخط بالبحرين والوليد بن
عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق . وكذب عليهم وقد جئنا بحديثه في غزاة
بني المصطلق ، والعلاء حليف سعيد بن العاص على الغطيف بالبحرين ومعيقيب
ابن أبي فاطمة الدوسي على الغنائم وأبورنم الغفاري أميره على المدينة حين
غزا خيبر ، ويقال أبورهم كلثوم بن الحصين الغفاري وأبورهم الغفاري
أيضا على المدينة في غزاة الفتح وأميره على الموسم ، والناس بعد على الشرك ،
عتاب بن أسيد ، فوقف عتاب بالمسلمين ووقف المشركون على حدتهم ،
وأبوبكر أميره على الموسم في سنة 9 وبعض الناس مشركون ، فوقف أبوبكر
بالمسلمين ووقف المشركون ناحية على مواقفهم .
وفي تلك السنة وجه على بن أبي طالب بسورة براءة فأخذها من أبي
بكر ، فقال أبوبكر : يا رسول الله ! هل نزل في شئ ؟ فقال : لا ، ولكن
جبريل قال لي : لا يبلغ هذا إلا أنت أو رجل من أهلك . فقرأها على أهل مكة ،
ويقال قرأها على سقاية زمزم . وأمن فنادى أن من كان له عهد من رسول الله
في تأجيله أربعة أشهر فهو على عهده ومن لم يكن له عنده عهد فقد أجله خمسمين ليلة .
وأميره على صلاة وفد ثقيف عثمان بن أبي العاص الثقفي ومعاذ بن جبل على
نعض اليمن وعلى المقاسم يوم بدر محمية بن جزء بن عبد يغوث الزبيدي
حليف بني جمح وأسامة بن زيد مولى رسول الله على جيش إلى ناحية الشأم ،
ـ 77 ـ
فأنفذه أبوبكر بعد وفاة رسول الله . وكان أبوبكر وعمر في الجيش وكان رسول
الله إذا بعث السرايا والجيوش قال : اغزوا بسم الله ، في سبيل الله ، وقاتلوا من
كفر بالله ، لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا .
ووجه رسول الله إلى الملوك يدعوهم إلى الاسلام . فوجه عبدالله بن حذافة
السهمي إلى كسرى ، وكتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول
الله إلى كسرى عظيم فارس ، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله إلى الناس كافة
لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم ، فإن أبيت
فإن عليك أثام المجوس .
وكتب إليه كسرى كتابا جعله بين سرقستي حرير وجعل فيهما مسكا ،
فلما دفعه الرسول إلى النبي فتحه فأخذ قبضة من المسك فشمه وناوله أصحابه ،
وقال : لا حاجة لنا في هذا الحرير ، ليس من لباسنا ، وقال : لتدخلن في أمري
أو لآتينك بنفسي ومن معي وأمر الله أسرع من ذلك . فأما كتابك فأنا أعلم به
منك ، فيه كذا وكذا ، ولم يفتحه ولم يقرأه . ورجع الرسول إلى كسرى فأخبره ،
وقد قيل إن كسرى لما وصل إليه كتاب وكان . . . . 1 راع أدم قده
شتورا ، فقال رسول الله : يمزق الله ملكهم كل ممزق .
ووجه دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر وكتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم ،
من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى . أما
بعد فإني أدعوك بداعية الاسلام فأسلم تسلم ، ويؤتك الله أجرك مرتين ، قل
يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به
شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ، فإن تولوا فقولوا اشهدوا
بأنا مسلمون ، فإن توليت فإن عليك إثم الاريسيين .
فكتب هرقل : إلى أحمد رسول الله الذي بشر به عيسى من قيصر ملك
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ 78 ـ
الروم : إنه جاءني كتابك مع رسولك وإني أشهد أنك رسول الله نجدك عندنا
في الانجيل ، بشرنا بك عيسى بن مريم وإني دعوت الروم إلى أن يؤمنوا بك
فأبوا ، ولو أطاعوني لكان خيرا لهم ، ولوددت أني عندك فأخدمك وأغسل
قدميك . فقال رسول الله : يبقى ملكهم ما بقي كتابي عندهم .
ووجه عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي وشجاع بن وهب إلى الحارث
ابن أبي شمر الغساني وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الاسكندرية
وجرير بن عبدالله البجلي إلى ذي الكلاع الحميري والعلاء بن الحضرمي إلى
المنذر بن ساوى من بني تميم بالبحرين وعمار بن ياسر إلى الايهم بن النعمان
الغساني وسليط بن عمرو بن عبدشمس العامري إلى ابني هوذة بن علي الحنفي
باليمامة والمهاجر بن أبي أمية إلى الحارث بن عبد كلال الحميري وخالد بن الوليد
إلى الديان وبني قنان وعمرو بن العاص إلى جيفر وعباد ابني الجلندا إلى
عمان ، وكتب إليهم جميعا بمثل ما كتب به إلى كسرى وقيصر ، وسليم بن
عمرو الانصاري إلى حضر موت .
وبعث قوما من أصحابه في قتل قوم من المشركين . فوجه عمرو بن أمية
الضمري بقتل أبي سفيان بن حرب فلم يقتله . وبعث محمد بن مسلمة وأبا نائلة
سلكان بن سلامة وعباد بن بشر وأبا عبس بن جبر والحارث بن أوس في
قتل كعب بن الاشرف اليهودي فقتلوه في النضير . وبعث عبدالله بن رواحة
إلى اليسير بن رزام اليهودي الخيبري فقتله . وبعث عبدالله بن عتيك وأبا قتادة
ابن ربعي وخزاعي بن الاسود ومسعود بن سنان وابن عتيك أمير هم في قتل
سلام بن أبي الحقيق فقتلوه بخيبر . وبعث في قتل ابن أبي حدعه وقال للموجه :
إن أصبته حيا فاقتله واحرقه بالنار ، فأصابه قد لسعته حية فمات . وبعث عبد
الله بن أبي حدرد في قتل رفاعة بن قيس الجشمي فقتله ، وبعث علي بن أبي
طالب في قتل معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية فقتله .
ـ 79 ـ
وفود العرب الذين قدموا على رسول الله
وقدمت عليه وفود العرب ، ولكل قبيلة رئيس يتقدمهم . فقدمت مزينة
ورئيسهم خزاعي بن عبد نهم ، وأشجع ورئيسهم عبدالله بن مالك ، وأسلم
ورئيسهم بريدة ، وسليم ورئيسهم وقاص بن قمامة ، وبنو ليث ورئيسهم
الصعب بن جثامة ، وفزارة ورئيسهم عيينة بن حصن ، وبنو بكر ورئيسهم
عدي بن شراحيل ، وطئ ورئيسهم عدي بن حاتم ، وبجيلة ورئيسهم قيس
ابن غربة ، والازد ورئيسهم صرد بن عبدالله ، وخثعم ورئيسهم عميس بن
عمرو ، ووفد نفر من طئ ورئيسهم زيد بن مهلهل وهو زيد الخيل ، وبنو
شيبان . . . . 1 و عبدالقيس ورئيسهم الاشج العصري ، ثم وفد الجارود
ابن المعلى فولاه رسول الله على قومه ، وأوفدت ملوك حمير بإسلامهم وفودا
وهم : الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين
وكتبوا إليه بإسلامهم فبعث إليهم معاذ بن جبل ، وعكل ورئيسها خزيمة بن
عاصم ، وجذام ورئيسها فروة بن عمرو ، وحضر موت ورئيسها وائل بن حجر
الحضرمي ، والضباب ورئيسها ذو الجوشن ، وبنو أسد ورئيسها ضرار بن الازور
وقيل نقادة بن العايف ، وعامر بن الطفيل في بني عامر فرجع ولم يسلم ، وأربد
ابن قيس رجع والم بسلم ، وبنو الحارث بن كعب ورئيسهم يزيد بن عبد المدان ،
وبنو تميم وعليهم عطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم ومالك
ابن نويرة ، وبنو نهد وعليهم أبوليلى خالد بن الصقعب ، وكنانة ورئيسهم
قطن وأنس ابنا حارثة من بني عليم ، وهمدان ورئيسهم ضمام بن مالك ،
وثمالة والحدان فخذ من الازذ ورئيسهم مسلمة بن هزان الحداني ، وباهلة
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ 80 ـ
ورئيسهم مطرف بن كاهن الباهلي ، وبنو حنيفة ومعهم مسيلمة بن حبيب الحنفي ،
ومراد ورئيسهم فروة بن مسيك ، ومهرة ورئيسهم مهري بن الابيض .
كتاب النبي
وكتب إلى رؤساء القبائل يدعوهم إلى الاسلام . وكان كتابه الذين يكتبون
الوحي والكتب والعهود . علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعمرو بن العاص
ابن أمية ومعاوية بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعبدالله بن سعد بن أبي سرح
والمغيرة بن شعبة ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وحنظلة بن الربيع وأبني بن كعب
وجهيم بن الصلت والحصين النميري .
وكتب إلى أهل اليمن : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد
رسول الله إلى اهل اليمن فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو . وقع بنا
رسولكم مقدمنا من أرض الروم فلقينا بالمدينة قبلغنا ما أرسلتم به وأخبرنا ما
كان قبلكم ونبأنا بإسلامكم وان الله قد هداكم إن أصلحتم وأطعتم الله وأطعتم
رسوله وأقسم الصلاة وآتيم الزكاة وأعطيتم من الغنائم خمس الله وسهم النبي
والصفي وما على المؤمنين من الصدقة عشر ما سقي البعل وسقت السماء وما
سقي بالغرب نصف العشر ، وإن في الابل من الاربعين حقة قد استحقت
الرحل وهي جذعة ، وفي الخمس والعشرين ابن مخاض ، وفي كل ثلاثين من
الابل ابن لبون ، وفي كل عشرين من الابل أربع شياه ، وفي كل أربعين من
البقر بقرة ، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع ذكر أو جذعة ، وفي كل أربعين
من الغنم شاة ، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين ، فمن زاد خيرا فهو خير
له ، فمن أعطى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على الكافرين فإنه من
ـ 81 ـ
المؤمنين له ذمة الله وذمة رسوله محمد رسول الله ، وانه من أسلم من يهودي
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 81 سطر 1 الى ص 90 سطر 25
المؤمنين له ذمة الله وذمة رسوله محمد رسول الله ، وانه من أسلم من يهودي
أو نصراني فإنه من المؤمنين له مثل ما لهم وعليه ما عليهم ، ومن كان على يهوديته
أو نصرانيته فإنه لا يغير عنها وعليه الجزية في كل حالم من ذكر أو أنثى حر
أو عبددينار واف من قيمة المعافري أو عرضه . فمن أدى ذلك إلى رسول الله
فإن له ذمة الله وذمة رسوله ، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين ،
وإن رسول الله مولى غنيكم وفقيركم ، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا أهله
إنما هي زكاة تؤدونها إلى فقراء المؤمنين في سبيل الله ، وإن مالك بن مرارة قد
أبلغ الخبر وحفظ الغيب فآمركم به خيرا ، اني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي
وأولي كتابهم وأولي علمهم فآمركم به خيرا فإنه منظور إليه والسلام . وكان
الرسول بالكتاب معاذ بن جبل .
وكتب إلى همدان : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد رسول
الله إلى عمير ذي مران ومن أسلم من همدان سلم أنتم فإني أحمد الله إليكم ،
الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ذلك فإنه بلغني إسلامكم مرجعنا من أرض الروم
فابشروا فإن الله قد هداكم بهدا وإنكم إذا شهدتهم أن لا إله إلا الله وأن
محمدا عبدالله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة فإن لكم ذمة الله وذمة
رسوله على دمائكم وأموالكم وأرض البور التي أسلمتم عليها سهلها وجبلها
وعيونها وفروعها غير مظلومين ولا مضيق عليكم ، وإن الصدقة لا تحل لمحمد
ولا لاهل بيته إنما هي زكاة تزكونها عن أموالكم لفقراء المسلمين ، وإن مالك
ابن مرارة الرهاوي قد حفظ الغيب وبلغ الخبر فآمركم به خيرا فإنه منظور إليه ،
وكتب علي بن أبي طالب .
وكتب إلى نجران : بسم الله ، من محمد رسول الله إلى أسقفه نجران : بسم الله
فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، أما بعد ذلكم فإني
أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد ،
فإن أبيتم فالجزية وإن أبيتم آذنتكم بحرب والسلام .
ـ 82 ـ
وكتب إلى أهل هجر : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله
إلى أهل هجر سلم أنتم فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإني
أوصيكم بالله وأنفسكم ألا تضلوا بعد إذ هديتم ولا تغووا بعد إذ رشدتم ، أما
بعد ذلكم فإنه قد جاءني وفدكم فلم آت فيهم إلا ما سرهم وإني لو جهدت
حقي كله فيكم أخرجتكم من هجر فشفعت شاهدكم ومننت على غائبكم
اذكروا نعمة الله عليكم . أما بعد فإنه قد أتاني ما صنعتم وإن من يجمل منكم
لا يحمل عليه ذنب المسئ فإذا جاءكم أمراؤكم فأطيعوهم وانصروهم على أمر
الله وفي سبيله فإنه من يعمل منكم عملا صالحا فلن يضل له عند الله ولا عندي .
أما بعد يا منذر بن ساوى فقد حمدك لي رسولي وأنا ، إن شاء الله ، مثيبك
على عملك .
وقدم عليه أهل نجران ورئيسهم أبوحارثة الاسقف ، ومعه العاقب والسيد
وعبد المسيح وكوز وقيس والايهم ، فوردوا على رسول الله . فلما دخلوا أظهروا
الديباج والصلب ودخلوا بهيئة لم يدخل بها أحد . فقال رسول الله : دعوهم ،
فلقوا رسول الله فدارسوه يومهم وساءلوه ماشاء الله . فقال أبوحارثة : يا محمد !
ما تقول في المسيح ؟ قال : هو عبدالله ورسوله . فقال : تعالى الله عما قلت ،
يا أبا القاسم هو كذا وكذا . ونزل فيهم : " إن مثل عيسى عند الله كمثل
آدم خلقه من تراب " إلى قوله : " فمن حاجك فيه من بعد ما
جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا
ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجهل لعنة الله على الكاذبين " .
فرضوا بالمباهلة ، فلما أصبحوا قال أبوحارثة : انظروا من جاء معه . وغدا رسول
الله آخذا بيد الحسن والحسين تتبعه فاطمة وعلي بن أبي طالب بين يديه وغدا العاقب
والسيد بابنين لهما عليهما الدر والحلي وقد حفوا بأبي حارثة . فقال أبو
حارثة : من هؤلاء معه ؟ قالوا : هذا ابن عمه وهذه ابنته وهذان ابناها . فجثا رسول
الله على ركبتيه ثم ركع . فقال أبوحارثة : جثا والله كما يجثو النبيون للمباهلة .
ـ 83 ـ
فقال له السيد : ادن يا أبا حارثة للمباهلة . فقال : إني أرى رجلا حريا على
المباهلة وإني أخاف أن يكون صادقا فإن كان صادقا لم يحل الحول وفي الدنيا
نصراني يطعم الطعام . قال أبوحارثة : يا أبا القاسم لا نباهلك ولكنا نعطيك
الجزية . فصالحهم رسول الله على ألفي حلة من حلل الاواقي ، قيمة كل حلة
أربعون درهما فما زاد أو نقص فعلى حساب ذلك .
وكتب لهم رسول الله كتابا : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من النبي
محمد رسول الله لنجران وحاشيتها إذ كان له عليهم حكمة في كل بيضاء وصفراء
وثمرة ورقيق كان أفضل ذلك كله لهم غير ألفي حلة من حلل الاواقي قيمة
كل حلة أربعون درهما ، فما زاد أو نقص فعلى هذا الحساب ألف في صفر
وألف في رجب ، وعليهم ثلاثون دينارا مثواة رسلي شهرا فما فوق . وعليهم
في كل حرب كانت باليمن دروع عارية مضمونة لهم بذلك جوار الله وذمة
محمد فمن أكل الربا منهم بعد عامهم هذا فذمتي منه بريئة . فقال العاقب :
يا رسول الله إنا نخاف أن تأخذنا بجناية غيرنا . قال فكتب : ولا يؤخذ أحد بجناية
غيره . شهد على ذلك عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وكتب علي بن أبي طالب .
فلما قدموا نجران أسلم الايهم وأقبل مسلما .
ـ 84 ـ
أزواج رسول الله
وتزوج إحدى وعشرين امرأة ، وقيل ثلاثا وعشرين . دخل ببعضهن وطلق
بعضا ولم يدخل ببعض ، واللاتي دخل بهن :
أولهن خديجة ابنة خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي وولدت أولاده
أجمعين خلا إبراهيم ، ولم يتزوج عليها حتى ماتت .
ثم سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك
ابن حسل بن عامر بن لؤي ، تزوجها بمكة .
ثم عائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة ، تزوجها بمكة ودخل بها بالمدينة .
ثم غزية بنت دودان بن عوف بن جابر بن ضباب من بني عامر بن لؤي ،
وهي أم شريك التي وهبت نفسها للنبي .
ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب .
ثم بنت نفيل بن عبدالعزى العبدوي .
ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث من بني عامر بن صعصعة ، وهي أم
المساكين ، ولم يمت من نسائه عنده غيرها وغير خديجة .
ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبدشمس بن عبد مناف .
ثم زينب بنت جحش بن رئاب قيس بن يعمر بن صبرة من بني أسد
ابن خزيمة .
ثم أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم .
ثم جويرية واسمها برة بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية من خزاعة .
ثم صفية بنت حيي بن أخطب من بني النجار من سبط هارون النبي .
ثم ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير الهلالي .
ـ 85 ـ
ثم مارية أم إبراهيم ، هؤلاء اللاتي دخل بهن ، طلق منهن أم شريك ،
وأرجأ منهن سودة وصفية وجويرية وأم حبيبة وميمونة ، وآوى عائشة وحفصة
وزينب وأم سلمة .
والنسوة اللاتي لم يدخل بهن :
خولة بنت الهذيل بن هبيرة الثعلبية ، هلكت في الطريق قبل وصولها إليه .
وشراف أخت دحية بن خليفة الكلبي ، حملت إليه فهلكت قبل
دخولها عليه .
وسنا بنت الصلت بن حبيب بن حارثة السلمي ، ماتت قبل أن يصل إليها .
وريحانة بنت شمعون القريظية عرض عليها النبي الاسلام فأبت إلا اليهودية
فعزلها ثم أسلمت بعد ، فعرض عليها التزويج فأجابت وضرب الحجاب ،
فقالت : بل تتركني في ملكك ، يارسول الله . فلم تزل في ملكه حتى قبض .
وأسماء بنت النعمان الكندي ، من بني آكل المرار ، كانت من أجمل
نسائه وأتمهن فقال لها نساؤه : إن أردت أن تحظي عنده فتعوذي بالله إذا دخلت
عليه . فلما دخل وأرحى الستر ، قالت : أعوذ بالله منك ! فصرف وجهه عنها .
ثم قال : أمن عائذ الله ! الحقي بأهلك . فخلف على أسماء بنت النعمان الكندي
المهاجر بن أمية المخزومي ثم خلف عليها بعد المهاجر قيس بن مكشوح المرادي .
وقتيلة بنت قيس بن معدي كرب ، وهي أخت الاشعث بن قيس بن
فلان ، قبض رسول الله قبل خروجها إليه من اليمن ، فخلف عليها عكرمة
ابن أبي جهل .
وعمرة بنت يزيد بن عبيد بن رواس الكلابي ، بلغه أن بها بياضا فطلقها
ولم يدخل بها .
والعالية بنت ظبيان بن عمرو الكلابي ، طلقها .
والجونية امرأة من كندة وليست بأسماء ، كان أبوأسيد الساعدي قدم بها
عليه ، فوليت عائشة وحفصة مشطها وإصلاح أمرها ، فقالت إحداهما لها :
ـ 86 ـ
إن رسول الله يعجبه من المرأة إذا دخل عليها ومديده إليها ان قالت : أعوذ بالله
منك ، ففعلت ذلك فوضع يده على وجهه واستتر بها وقال : عذت ، فعاذت
ثلاث مرات . ثم خرج وأمر أبا أسيد الساعدي أن يمتعها برازقيتين ويلحقها
بأهلها ، فزعموا أنها ماتت كمدا .
وليلى بنت الحطيم الاوسي أتته وهو غافل فحطأت منكبه . فقال : من هذا
أكله الاسود ؟ قالت : أنا بنت الحطيم ، وأبي مطعم الطير ، وقد جئتك أعرض
نفسي عليك . قال : قد قبلتك . فأتت نساءها فقلن لها : بئس ما صنعت ! أنت
امرأة غيور ورسول الله كثير الضرائر ، إنا نخاف أن تغاري فيدعو عليك فتهلكي ،
استقيليه ، فأتته فاستقالته ، فأقالها ، ودخلت حائطا من حيطان المدينة فأكلها
الاسود .
وصفية بنت بشامة العنبرية ، عرض عليها المقام عنده أو ردها إلى أهلها
فاختارت أهلها فردها .
وضباعة بنت عامر القيسية ، كانت عند عبدالله بن جدعان فطلقها ثم
تزوجها هشام بن المغيرة فأولدها سلمة ، فخطبها رسول الله إلى سلمة ، فقال :
استأمرها . فقالت : أفي رسول الله ؟ قد رضيت . فبلغه عنها كبر ، فأمسك عنها .
ـ 87 ـ
مولد ابراهيم ابن رسول الله
وولد ابراهيم ابن رسول الله وأمه مارية القبطية في ذي الحجة سنة 8 ، ولما
ولد هبط جبريل إلى رسول الله فقال : السلام عليك يا أبا ابراهيم ! وتنافست
فيه نساء الانصار أيهن ترضعه ، فدفعه رسول الله إلى أم بردة بنت المنذر بن
زيد من بني النجار ، وعق رسول الله بكبش . وكانت قابلته سلمى مولاة
رسول الله امرأة أبي رافع ، فجاء أبورافع إلى رسول الله فأخبره فوهب له
عبدا . وغارت نساء رسول الله واشتد عليهن حيث رزق منها ولدا فروى
الزهري عن عروة عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله ومعه ابنه إبراهيم
يحمله ، فقال : انظري إلى شبهه بي : قالت عائشة : أرى شبهها . قال : أما ترين
بياضه ولحمه ؟ قالت : من قصر عليه اللقاح ابيض وسمن . وتوفي ابراهيم في
سنة 10 وله سنة وعشرة أشهر ، وكسفت الشمس ساعتين من النهار ، فقال
الناس : كسفت لموت إبراهيم . وقال رسول الله : إن الشمس والقمر آيتان من
آيات الله لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم فافزعوا إلى مساجدكم .
وقال : إن العين تدمع والقلب يخشع وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ولكنا لا
تقول ما يسخط الرب .
وأعتق جماعة عبيدا وإماء منهم : زيد بن حارثة بن شراحيل وأسامة بن
زيد وأبورافع ، قبطي أهداه له المقوقس ، وأنسة ، وكان حبشيا ، وأبوكبشة ،
وكان فارسيا ، وأبولبابة وأبولقيط وأبوأيمن وأبوهند ورافع وسفينة
وثوبان وصالح ، وهو شقران ، وأم أيمن حبشية كان أبوطالب خلفها عليه
واسمها بركة ، ويقال خضرة ، ويقال إنه ورئها عن أبيه وكان يسمي كل شئ
لها .
ـ 88 ـ
وكان رسم رايته العقاب وكانت سوداء على عمل الطيلسان ، وكان له سيف
يقال له المخدام وسيف يقال له الرسوب وسيفه الذي يلزمه ذو الفقار . وقد
روي أن جبريل نزل به من السماء فكان طوله سبعة أشبار وعرضه شبرا وفي
وسطنه كال وكانت عليه قبيعة فضة ونعل فضة وفيه حلقتان فضة ورمحه المثوي
حربته العنزة ، وكان يمشي بها في الاعياد بين يديه ويقول : هكذا أخلاق
السنن ، وقوسه الكتوم وكنانته الكافور ونبله المتصلة وترسه الزلوق ومغفره
السبوع ودرعه ذات الفضول وفيها زردتان زائدتان وفرسه السكب وفرس
آخر المرتجز وفرس آخر السجل وفرس آخر البحر . وأجرى الخيل فجاء فرسه
سابقا فجثا على ركبتيه وقال : ما هو إلا البحر ، وكان يقول : الخيل في نواصيها
الخير ، وكانت له ناقة يقال لها القصوى وناقة يقال لها العضباء وناقة يقال لها
الجذعاء . وسابق بالابل فجاءت ناقته العضباء سابقة ، وعليها أسامة بن زيد .
فقال الناس : سبق رسول الله . فقال رسول الله : سبق أسامة . كانت بغلته
اشهباء يقال لها الدلدل أهداها له المقوقس وبغلة أخرى طويلة مرتفعة يقال لها
الابلية . وحماره اليعفور . وكانت له شاة يشرب من لبنها يقال لها غيثة . وقدح
يقال له الريان وقدح يقال له العير . وقضيب يقال له الممشوق . وجبة يقال لها
الكن . وعمامة سوداء يقال لها السحاب . وذكر أ بوالبختري أنه كان له
منطقة من أديم مبشورة ، فيها إبزيم وثلاث حلقات كالفلك من فضة ، فإنه
كان يلبس برود الحبر أزرا أو أردية البيضاء والقلنسوة الحبر والجبة السندس
الخضراء وليس بالذي عن عن لبسهما فما لبس الصوف حتى قبضه الله إليه .
وكان له فراش أدم وكان يلبس الملحفة المصبوغة بالزعفران والورس ويلبس
الازار الواحد يعقده بين كتفيه . وكان يتطيب حتى يصبغ الطيب رداءه من موضع
رأسه وحتى يرى وميض المسك من مفرقه وحتى يعرف مجيئه بطيب رائحته من
بعيد قبل أن يرى . وكان يقول : أطيب الطيب المسك . وكان لا يعرض عليه طيب
إلا تطيب منه . وكان إذا أراد الخروج من منزله امتشط وسوى جمته وأصلح
ـ 89 ـ
شعره . وكان يقول : إن الله يحب من عبده أن يكون له حسن الهيئة . ويروى
أنه كان يلبس البرنس والشملة وكان له ثوبان . وكان يلبس الخاتم ويصير فضة
فصه مما يلي الكف ويلبسه في اليد اليمنى واليد اليسرى ويضعه في إصبعه الوسطى
في المفصل ويديره في أصابع يده .
خطب رسول الله ومواعظه وتأديبه بالاخلاق الشريفة
وكان يخطب أصحابه ويعظهم ويعلمهم محاسن الاخلاق ومكارم الافعالى .
خطب رسول الله فقال في خطبته : أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى
معالمكم ، وإن لم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم ، وإن المؤمن بين مخافتين : بين أجل
قد مضى ولا يدري ما الله صانع فيه ، وأجل قد بقي ما يدري ما الله قاض فيه ،
فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته : في الشبيبة قبل الكبر ، وفي
الحياة قبل الممات ، فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب وما بعد
الدنيا من دار إلا الجنة أو النار .
وخطب يوما فقال في خطبته : إن الله ليس بينه وبين أحد قرابة يعطيه بها
خيرا ولا حق يصرف به عنه سوءا إلا بطاعته واتباع مرضاته واجتناب سخطه .
إن الله ، تبارك وتعالى ، على إرادته ولو كره الخلق ماشاءالله كان ، وما لم
يشألم يكن . تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ، واتقوا
الله إن الله شديد العقاب .
وخطب رسول الله فقال في خطبته : طوبى لعبد طاب كسبه وحسنت خليقته
وصلحت سريرته وأنفق الفضل من ماله ، وترك الفضول من قوله ، وكف عن
الناس شره وأنصفهم من نفسه ، إنه من عرف الله خاف الله ومن خاف الله شحت
نفسه عن الدنيا .
ـ 90 ـ
وخطب يوما فقال في خطبته : اذكروا الموت فإنه آخذ بنواصيكم ، إن
فررتم منه أدرككم وإن أقمتم أخذكم . . . . 1 لا خير بعده أبدا ، وفرقة
لا ألفة بعدها ، وإن العبد لا تزول قدماه يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما
أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله مما اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن إمامه
من هو ؟ قال الله ، عزوجل : " يوم ندعو كل أناس بإمامهم " إلى آخر
الآية .
وقال : من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به ، ونظر في دنياه إلى
من هو دونه فحمد الله على ما فضله به كتبه الله شاكرا وصابرا . ومن نظر
في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسفه على ما فضله الله
لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا .
وقال : من أعطي قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وبدنا صابرا وزوجة صالحة
فقد أعطي الدنيا والآخرة .
وقال : الرغبة في الدنيا تورث الهم والحزن ، والزهد فيها يريح القلب
والبدن .
وقال : السعادة في اثنتين الطاعة والتقوى .
وقال : يقول الله ، عزوجل : حسب عندي المؤمن حقيقة إيمانه
في ضميره وصدق ورع نيته حتى أجعل نومه عملا وصمته ذكرا .
وقال : من أتي الناس بما يحبون وبارز الله بما يكره لقي الله وهو
عليه غضبان آسف .
وقال : إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره ثلاثا : يرضى لكم أن تعبدوه
ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبله جميعا ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من
ولاه أمركم ، ويكره لكم قالا وقيلا ، ويكره السؤال وإضاعة المال .
وقال : يقول ابن آدم مالي ! مالي ! وليس لك من مالك إلا ما أكلت
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ 91 ـ
فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو أعطيت فأمضيت .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 91 سطر 1 الى ص 100 سطر 25
فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو أعطيت فأمضيت .
وقال : الدنيا حلوة خضرة ، والله مستعملكم فيها فانظروا كيف تعملون .
وقال : إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا
الموطوؤن أكنافا الذين يألفون ويؤلفون ، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني
مجلسا يوم القيامة الثرثارون ا لمتفيهقون .
وقال له رجل : أوصني يا رسول الله . فقال : أكثر ذكر الموت يسلك
عن الدنيا ، عليك بالشكر تزد في النعمة ، وأكثر الدعاء فإنك لا تدري
متى يستجاب لك ، وإياك والبغي فإن الله ، عزوجل ، قضى أن ينصر من
بغي عليه ، وإياك والمكر فإن الله قضى ألا يحيق المكر السئ إلا بأهله .
وقيل له : أي الاعمال أفضل ؟ فقال : اجتناب المحارم وألا يزال لسانك
رطبا من ذكر الله ، عزوجل ، قيل : فأي الاصحاب أفضل ؟ قال : الذي إدا
نسيت ذكرك وإذا دعوت أعانك . قيل : أي الناس شر ؟ قال : العلماء إذا
فسدوا .
وقال : إذا ساد القبيل فاسقهم ، وكان زعيم القوم أرذلهم ، وأكرم الرجل
الذي اتقي شره فانتظروا البلاء .
وقال : من ذب عن لحم أخيه بظهر الغيب كان حقيقا على الله ، عز
وجل ، أن يحرم لحمه على النار .
وقال : يقول الله ، تبارك وتعالى : يا ابن آدم بمشيئي كنت ، أنت تشاء
لنفسك ما تشاء ، وبإرادتي كنت تريد لنفسك ما تريد ، وبقوتي أديت فريضتي ،
وبنعمتي قويت على معصيتي ، فأنا أولى بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيئاتك
مني بذلك ، وإني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون .
وقال : إن الله فرض على الاغنياء ما يكفي الفقراء ، فإن جاع الفقراء
كان حقيقا على الله أن يحاسب أغنياء هم ويكبهم في نار جهنم على وجوههم .
وقال : يقول الله ، عزوجل : إني لم أغن الغني لكرامة به علي ، ولكنه
ـ 92 ـ
مما ابتليت به الاغنياء ، ولولا الفقراء لم يستوجب الاغنياء الجنة .
وقال : أربع من أتى الله ، عزوجل ، بواحدة منهن وجبت له الجنة :
من سقى هامة صادية أو أطعم كبدا جائعة أو كسا جلدة عارية أو أعتق
رقبة عانية .
وقال : كل عين ساهرة يوم القيامة إلا ثلاث عيون : عين سهرت في سبيل
الله ، وعين غضت عن محارم الله ، وعين فاضت من خشية الله .
وقال : يقول الله ، عزوجل : عبدي إذا صليت ما افترضت عليك فأنت
أعبد الناس ، فإذا قنعت بما رزقتك فأنت أغنى الناس .
وجمع بني ع بدالمطلب فقال : يا بني ع بدالمطلب افشوا الاسلام وصلوا
الارحام وتهجدوا والناس نيام وأطعموا الطعام وأطيبوا الكلام تدخلوا الجنة
بسلام .
وقال : أربعة من كنوز البر : كتمان الحاجة وكتمان الصدقة وكتمان الوجع
وكتمان المصيبة .
وقال : أقربكم مني غدا في الموقف أصدقكم في الحديث وآداكم للامانة
أوفاكم بالعهد وأحسنكم خلقا وأقربكم من الناس .
وقال : الابقاء على العمل أشد من العمل ، إن الرجل ليعمل في السر فلا
يزال به الشيطان حتى يحدث به أو يظهره فيسبح في العلانية فيكتب في الرياء .
وقال : إن علامة النفاق جمود العبرة وقساوة القلب والاصرار على الذنب
والحرص على الدنيا .
وقال : السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من
النار ، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار .
وقال : العبد إذا استوت سريرته وعلانيته ، قال الله ، عزوجل :
عبدي حقا .
وقال : المؤمن من خلط حلمه بعلمه ، ينطق ليفهم ، ويجلس ليعلم ، ويصمت
ـ 93 ـ
ليسلم ، ويحدث أمانته الاصدقاء ، ويكتم شهادته الاعداء ، ولا يعمل شيئا من
الحق رياء ولا يتركه حياء حتى إذا زكا خاف ما يقولون فاستغفر مما لا يعلمون ،
والمنافق لا يعبره قول من ينهى ولا ينتهي ويأمر بما لا يأتي ، إذا قام إلى
الصلاة . . . 1 وإذا ركع ربض وإذا سجد نقر وإذا جلس سعد ، يمسي وهمه
الطعام وهو مفطر ، ويصبح وهمه النوم ولم يسهر ، إن حدثك كذبك وإن
وعدك أخلفك ، وإن ائتمنته خانك وإن حالفك اغتابك .
وقال : من أجهد نفسه لدنياه ضر بآخرته ، ومن اجتهد لآخرته كفاه الله
ما همه .
وقال : من رأى موضع كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه .
وقال : إياكم وجدال المفتين ، فإن كل مفت ملقن حجته إلى انقضاء
مدته فإذا انقضت أحرقته فتنته بالنار .
وقال : سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر ، وأكل لحمه معصية لله ، عز
وجل ، وحرمة ماله كحرمة دمه .
وقال : الحياء من الايمان والايمان في الجنة ، والبذاء من الجفاء والجفاء
في النار ، والله ، عزوجل ، يحب الحيي الحليم العفيف المتعفف ، وإن الله يبغض
البذي السائل الملحف . إن أسرع الخير ثوابا البر وأسرع الشر عقوبة البغي .
وقال : ألا أخبركم بشراركم ؟ قالوا : بلى يارسول الله . قال :
المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الاحبة الباغون للبراء العيب ، ومن كف عن
أعراض الناس أقاله الله نفسه ، ومن كف غضبه عن الناس كف الله عنه
عذابه يوم القيامة .
وقال : بئس العبد عبدا ذا الوجهين وذا اللسانين يطري أخاه في وجهه
ويأكله غائبا عنه ، إن أعطي حسده وإن ابتلي خذله .
وقال : إن الله حرم الجنة على المنان والنمام ومدمن الخمرة .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ 94 ـ
وقال لعلي بن أبي طالب : عليك بالصدق فلا تخرجن من فيك كذبة أبدا ،
والورع فلا تجترئ على خيانة أبدا ، والخوف من الله كأنك تراه ، والبكاء من
خشية الله يبن لك بكل دمعة بيتا في الجنة ، والاخذ بسنتي .
وقال : السيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من وعظ به غيره ، وأكيس
الكيس التقى ، وأحمق الحمق الفجور ، وشر الرواية الكذب ، وشر الامور
محدثاتها ، وشر العماء عماء القلب ، وشر الندامة يوم القيامة ، وأعظم الخطاء
عند الله لسان كذاب ، وشر المأكل أكل مال اليتيم ظلما ، وأحسن زينة
الرجل هدى حسن مع إيمان ، وأملك أمر يديه قوله وخواتمه ، من يتبع
السمعة يسمع الله به ، ومن ينوي الدنيا تعجز عنه ، ومن يعرف الله يصير إليه ،
ولا تسخطوا الله برضى أحد ، ولا تنفروا إلى أحد من الخلق بما يباعد من
الله .
وقال : لا تستصغروا قليل الحسنات فإنه لا يصغر ما ينفع يوم القيامة ،
وخافوا الله في السر حتى تعطوا من أنفسكم النصف ، وسارعوا إلى طاعة الله
واصدقوا الحديث وأدوا الامانة فإنما ذلك لكم ، ولا تظلموا ولا تدخلوا فيما
لا يحل لكم فإنما ذلك عليكم .
وقال : إذا كثر الربا كثر موت الفجاءة ، وإذا طفف المكيال أخذهم الله
بالسنين والنقص ، وإذا منعوا الزكاة منعت الارض من زكاتها ، وإذا جاروا
في الاحكام وتعاونوا وخانوا العهود سلط عليهم عدوهم ، وإذا قطعوا الارحام
جعلت الاموال في أيدي الاشرار ، وإذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر
ويتبعوا الاخيار سلط الله عليهم شرار هم فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم .
وقال : أصل المرء قلبه ، وحسبه خلقه ، وكرمه تقواه ، والناس في آدم
شرع سواء .
وقال : إن الله خص أولياءه بمكارم الاخلاق فامتحنوا أنفسكم فإن
كانت فيكم فاحمدوا الله وإلا فارغبوا إليه . قيل له : وما هي ؟ قال : اليقين
ـ 95 ـ
والقنوع والصبر والشكر والعقل والمروة والحلم والسخاء والشجاعة .
وقال : ثلاث لا يموت صاحبهن حتى يرى ما يكره : البغي وقطيعة الرحم
واليمين الكاذبة يبارز الله بها ، وإن أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم ، وإن
القوم ليكونون فجارا فيتوا صلون فتنمو أموالهم ويثرون ، وإن اليمين الكاذبة
وقطيعة الرحم تترك الديار بلاقع وتقطع السبل ، ومن صدق لسانه زكا عمله ،
ومن حسنت نيته زاد الله في رزقه ، ومن حسن بره بأهل بيته زاد الله في عمره .
وقال : ثلاث لم يجعل الله لاحد فيها رخصة : بر الوالدين برين كانا أو
فاجرين ، ووفاء العهد للبر والفاجر ، وأداء الامانة إلى البر والفاجر ، ومن كان
يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره وليكرم ضيفه وليقل خيرا وليشكر .
وقال : المؤمن أخو المؤمن لا يخذله ولا يحزنه ولا يغتابه ولا يحسده ولا
يبغي عليه ، فإن إبليس يقول لجنوده : ألقوا بينهم البغي والحسد فإنه يعدل
عندالله الشرك .
وقال : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، فإياكم وما تعتذرون منه
فإن المؤمن لا يسئ ويعتذر وإن المنافق يسئ كل يوم فلا يعتذر ، وللغيبة
أسرع في دين المسلم من الاكلة في جوفه . إن أهل الارض مرحومون ما تحابوا
وأدوا الامانة وعملوا بالحق .
وقال : يقول الله عزوجل : ابن آدم أنا الحي لا أموت ، فأطعني
أجعلك حيا لا تموت وأنا على كل شئ قدير ، ابن آدم صل رحمك أفك
عنك عسرك وأيسرك ليسرك .
وقال : من أصبح وهو على الدنيا حزين أصبح على الله ساخطا ، ومن
شكا مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربه ، ومن أتى ذا ميسرة فخشع له لينال من
دنياه ذهب ثلثا دينه ، ومن تمنى شيئا هو لله رضى لم يخرج من الدنيا حتى
يعطاه .
وقال : يقول الله ، عزوجل : ابن آدم تفرغ لعبادتي أملا قلبك غنى ولا
ـ 96 ـ
أكلك في طلب معاشك إلى طلبك ، وعلي أن أسد فاقتك وأملا قلبك خوفا
مني ، وإلا تفرغ لعبادتي أملاه شغلا بالدنيا ثم أسدها عنك وأكلك إلى طلبك .
وقال : لا تصلح الصنيعة إلا عند ذي حسب أو دين ، فمن سألكم بالله
فأعطوه ومن استعاذكم بالله فأعيذوه ومن دعاكم فأجيبوه ومن اصطنع إليكم
معروفا فكافئوه فإن لم تكافئوه فاشكروه .
وقال : من حق جلال الله على العباد إجلال الامام المقسط وذي الشيبة
في الاسلام وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه . أربع من فعلهن فقد
خرج من الاسلام : من رفع لواء ضلالة ، ومن أعان ظالما أو سار معه أو
مشى معه وهو يعلم أنه ظالم ، ومن احترم بذمة ، ورجلان لا تنالهما شفاعتي
يوم القيامة : أمير ظلوم ورجل غال في الدين مارق منه ، والامير العادل لا
ترد دعوته .
وقال : لا يشغلنك طلب دنياك عن طلب دينك ، فإن طالب الدنيا ربما
أدرك فهلك بما أدرك وربما فاته فهلك بما فاته . الاكثرون في الدنيا هم الاقلون
في الآخرة إلا من قال : هكذا ، وهكذا ، وحثا بيده . وما أعطي أحد من
الدنيا شيئا إلا كان أنقص من حقه في الآخرة حتى سليمان بن داود فإنه آخر
من يدخل الجنة من الانبياء لما أعطي من الدنيا . ورأس كل خطيئة حب الدنيا .
وقال : جاء الموت بما فيه الراحة والكرة المباركة إلى جنة عالية لاهل دار
الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم ، وجاء الموت بما فيه الشقوة والندامة
والكرة الخاسرة إلى نار حامية لاهل دار الغرور الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم .
وقال : أفضل ما توسل به المتوسلون الايمان بالله ، والجهاد في سبيل الله ،
وكلمة الاخلاص فإنها الفطرة ، وتمام الصلاة فإنها الملة ، وإيتاء الزكاة
فإنها مشراة في المال منسأة في الاجل ، وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة
وتطفئ غضب الرب ، وصنائع المعروف فإنها تدفع ميتة السوء وتقي مصارع
الهوان . ألا فاصدقوا فإن الصادق على شفا منجاه وكرامته ، وإن الكاذب على شفا
ـ 97 ـ
مخزاه ومهلكه . ألا وقولوا خيرا تعرفوا به واعلموا به تكونوا من أهله ، وأدوا
الامانة إلى من ائتمنكم ، وصلوا أرحام من قطعكم ، وعودوا بالفضل على من
جهل عليكم .
وقال : من تعرض لسلطان جائر فأصابته بلية لم يؤجر فيها ولم يرزق الصبر
عليها ، فحسب المؤمن عزاء إذا رأى المنكر أن يعلم الله من قلبه أنه كاره .
وقال : إن لله عبادا من خلقه يخصهم بنعمه يقرهم فيها ما بذلوها فإذا
منعوها نقلها منهم وحولها إلى غيرهم .
وقال : ما عظمت نعمة الله على عبد إلا عظمت مؤونة الناس عليه ، فمن
لم يحتمل تلك المؤونة فقد عرض النعمة للزوال .
وقال لبني سلمة : من سيد كم اليوم يا بني سلمة ؟ قالوا : الجد بن
قيس ، يا رسول . الله . قال : فكيف حاله فيكم ؟ قالوا : من رجل نبخله .
قال : وأي داء أدوأ من البخل ! لا سؤدد لبخيل بل سيد كم الابيض الجعد
عمرو بن الجموح . أوقال ، قال : قيس بن البراء .
وقال لوافد وفد عليه واطلع منه على . كذبة : لولا سخاء فيك ومعك الله
تشرب بلبن وافد .
وقال : خلتان لا تجتمعان في مؤمن : البخل وسوء الخلق .
وقال : تجافوا عن زلة السخي فإن الله ، عزوجل ، يأخذ بناصيته كلما عثر .
وقال : الجنة دار الاسخياء .
وقال : الشاب الجواد الزاهد هو أحب إلى الله من الشيخ البخيل العابد .
وقال : إن الله جواد يحب الجود ويحب مكارم الاخلاق ويبغض سفسافها .
وقال : إن لله عبادا خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم فهم الآمنون
يوم القيامة .
وقال : أحسنوا مجاورة نعم الله ولا تملوها ولا تنفروها فإنها قلما نفرت
من قوم فرجعت إليهم .
ـ 98 ـ
وقال : الحوائج إلى الله ، وأسبابها إلى الناس ، فاطلبوها إلى الله بهم ، فمن
أعطاكموها فخذوها عن الله بشكر ، ومن منعكموها فخذوها عن الله بصبر .
وقال : إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجوه وحسن
الخلق .
وقال : رأس العق بعد الايمان مداراة الناس ، فإن عرض بلاء فقدم
مالك قبل نفسك ودينك ، فإن تجاوز البلاء فقدم مالك ونفسك دون دينك ،
واعلم أن المحروب من حرب دينه .
وقال : إن لكل شئ شرفا ، وإن أشرف المنازل ما استقبل به القبلة .
من أحب أن يكون أعز الناس فليثق بالله ، ومن أحب أن يكون أغنى
الناس فليكن بما في يدالله أوثق منه بما في يده ، ومن أحب أن يكون أقوى
الناس فليتوكل على الله . ثم قال : ألا أنبئكم بشرار الناس ؟ من أكل
وحده ومنع رفده وجلد عبده . ألا أنبئكم بشر من ذلك ؟ من لا يرجى
خيره ولا يؤمن شره . ألا أنبئكم بشر من ذلك ؟ من يبغض الناس ويبغضونه .
وقيل له : ما أفضل ما أعطي العبد ؟ قال : نحيزة من عقل يولد معه . قالوا :
فإذا أخطأه ذلك ؟ قال : فليتعلم عقلا . قالوا : فإن أخطأه ذلك ؟ قال : فليتخذ
صاحبا في الله غير حسود . قالوا : فإن أخطأه ذلك ؟ قال : عليه بالصمت .
قالوا : فإن أخطأه ذلك ؟ قال : فميتة قاضية .
وقال لرجل من ثقيف : ما المروة فيكم ؟ فقال : الصلاح في الدين وإصلاح
المعيشة وسخاء النفس وحسن الخلق . فقال : كذلك هي فينا .
وقال : من اتقى ربه كل لسانه ولم يشف غيظه ، إن الله عند لسان كل
قائل فلينظر قائل ما يقول .
وقال : ما أتاني جبريل إلا ووعظني ، وقال في آخر قوله : إياك والمشازرة
فإنها تكشف العورة وتذهب بالعز .
وسأله رجل ، فقال له : ما عندي شئ . وقال له : عدني . فقال : إني
ـ 99 ـ
لاستعمل الرجل وغيره أن يكون أنفض عينا وأمثل رجلة وأشد مكيدة ، وإني
لا أعطي الرجل وغيره أحب إلي منه أعطيه تألفا .
وقال : من لم يحمد عدلا ويذم جورا فقد بارز الله بالمحاربة .
وقال : أشرف الاعمال ثلاثة : ذكرالله ، عزوجل ، على كل حال ،
وإنصاف الناس من نفسك ، ومواساة الاخوان .
وقال : موت البنات من المكرمات .
وقال : الصبر عندالله ضد الغيرة ولا يكمله أحد ، وعظم الجزاء مع عظم
البلاء ، وإذا أحب الله عبدا ابتلاه .
وقال : إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا .
وقال : كل معروف صدقة وما وقي به اللسان صدقة ، فقيل لمحمد بن
المنكدر : وما ذاك ؟ قال : إعطاء الشاعر وذي اللسان .
وقال : ما من ذنب إلا وله عند الله التوبة إلا سوء الخلق إنه لا يخرج من
شئ إلا وقع في شرمنه .
وقال : إياك ومهلك ، فإن ذا مهل قتل أخاه ونفسه وسلطانه .
وأتاه رجل فقال له : ألك مأكل ؟ قال : نعم من أكل المال . فقال :
إذا الله أنعم عليك بنعمته فليئن عليك .
وقال : لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر . فقال رجل : يا
رسول الله ، إني لاحب أن تكون دابتي فارهة وثيابي جيادا ، حتى ذكر شراك
فعله وعلاقة سواطه ، فقال : إن الله جميل يحب الجمال ، فإنما الكبر أن يمنع
الحق ويغمض الباطل .
وسأل سائل رسول الله فقال : ما أصبح في بيت آل محمد غير صاع من
طعام وإنعم لاهل تسعة أبيات فهل لهم عنه غنى ؟ ولم يرد سائلا قط . وإنه
كان يعالج حظاء من جريد ، فمر به رجل فقال : اكفيكه يا رسول الله ؟ فقال :
شأنك . فلما فرغ منه قال له : ألك حاجة ؟ قال : نعم تضمن لي على الله الجنة .
ـ100ـ
فأطرق طويلا ثم رفع رأسه إليه فقال : ذلك لك . فلما ولى ناداه : يا عبدالله
أعني بطول السجود .
وخطب على ناقته فقال : يا أيها الناس كأن الموت على غيرنا كتب ،
وكأن الحق على غيرنا وجب ، وكأن الذين يشيعون من الاموات سفر عما
قليل إلينا راجعون نبوثهم أجداثهم ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم ، قد
نسينا كل واعظة وأمنا كل جائحة ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس
وأنفق من مال قد اكتسبه من غير معصية ورحم وصاحب أهل الذل والمسكنة
وخالط أهل الفقه والحكمة . طوبى لمن أذل نفسه وحسنت خليقته وصلحت
سريرته وعزل عن الناس شره ووسعته السنة ولم يبعدها إلى البدعة .
وقال : وعظني جبريل فقال لي : أحبب من شئت فإنك ميت ، واعمل
ما شئت فإنك ملاقيه .
وقال : من طلب الرزق من حله فليبذر على الله .
وقال : استرشدوا العاقل تر شدوا ولا تعصوه فتندموا .
وقال : لا طلاق إلا بعد نكاح ، ولا عتق إلا بعد ملك ، ولا صمت إلا
من غدوة إلى الليل ، ولا وصال في صيام ، ولا رضاع بعد فطام ، ولا يتم بعد
احتلام ، ولا يمين لا مرأة مع زوجها ، ولا يمين لولد مع والده ، ولا يمين
للمملوك مع سيده ، ولا تغرب بعد الهجرة ، ولا يمين في قطيعة رحم ، ولا
نذر في معصية . ولو أن أعرابيا حج عشر حجج ثم هاجر كان فريضة الاسلام
عليه إذا استطاع إليه سبيلا ، ولو أن مملوكا حج عشر حجج ثم عتق كان
فريضة الاسلام عليه إن استطاع إليه سبيلا .
وقال : أعظم الذنوب عند الله أصغرها عند العباد ، وأصغر الذنوب عند
الله أعظمها عند العباد .
وقال : لا يلسع المؤمن من جحر مرتين ، والناس سواء كأسنان المشط ،
والمرء كثير بأخيه ، ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك من الحق مثل ما ترى
ـ101ـ
له ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، والمسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 101 سطر 1 الى ص 110 سطر 25
له ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، والمسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على
من سواهم ، والمستشار مؤتمن ، ولن يهلك امرؤ عرف قدره ، ورحم الله
عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم .
وذكر الخيل فقال : معقود في نواصيها الخير ، وبطونا كنز وظهورها حرز ،
وأجرى الخيل فجاء فرس له أدهم سابقا فجثا على ركبتيه ثم قال : ما هو إلا البحر .
وقال : يحمل هذا العلم من كل حلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين
وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين .
وقال : إن الله ، عزوجل ، يقول : ويل للذين يختلون الدنيا
بالدين وويل للذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناسع وويل
للذين يسير المؤمنين فيهم بالتقية إياى يغرون أم علي يجترثون
فإني حلفت لاتيحنهم فتنة تترك الحليم منهم حيران .
وروي عنه أنه قال : كان تحت الجدار الذي ذكره الله ، عزوجل ، في
كتابه كنز لهما ، كان الكنز لوحا من ذهب مكتوب فيه بسم الله الرحمن
الرحيم . عجبا لمن يوقن بالموت كيف يفرح . عجبا لمن يوقن بالقدر
كيف يحزن . عجبا لمن يوقن بالنار كيف يضحك . عجبا لمن رأى الدنيا
وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها . لا إله إلا الله ومحمد رسول الله .
وقال : للطاعم الشاكر أجر الجائع الصابر ، ولان يعافى أحدكم فيشكر خبر
له من أن يبيت قائما ويصبح صائما معجبا .
وقال : لا يحل لمؤمن أن يذل نفسه . قيل : يا رسول الله فكيف تذل ؟
قال : بعرضها لما لا تطيق من البلاء .
وقال : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله .
ووجد في كتاب عند أسماء بنت عميس من كلام رسول الله : الآجلات
الجانيات المعقبات رشدا باقيا خير من العاجلات العابدات المعقبات غيا باقيا .
المسلم عفيف من المظالم عفيف من المحارم . بئس العبد عبد هواه يضله ، بئس
ـ102ـ
العبد عبد رغب إليه بذلة ، بئس العبد عبد طغى وبغى وآثر الحياة الدنيا .
وقال : أربع من قواصم الظهر : إمام تطيعه ويضلك ، وزوجة تأمنها
وتخونك ، وجار سوء إن علم سوءا أذاعه وإن علم خيرا ستره ، وفقير إذا
نحل لم يجد صاحبه .
وقال : ما من عبد إلا وفي علمه وحلمه نقص ، ألا ترون أن رزقه يجري
بالزيادة فيظل مسرورا مغتبطا وهذان الليل والنهار بجريان بنقص عمره لا
يحزنه ذلك ولا يحتفل به ضل ضلاله ، ما أغنى عنه رزق يزيد وعمر ينقص .
وقال : إن بني إسرائيل أذهبوا خشية الله من قلوبهم فحضرت أبدانهم وغابت
قلوبهم ، وإن الله لا يقبل من عبد لا يحضر من قلبه ما يحضر من بدنه .
وقال : من ازداد علما ثم لم يزدد زهدا لم يزدد من الله إلا بعدا . من أعان
إماما جائرا ولم يخطئه لم يفارق قدمه بين يدي الله حتى يأمر به إلى النار .
وأتاه رجل من بني قشير يقال له قرة بن هبيرة فقال : يا رسول الله
كانت لنا أرباب وربات فهدانا الله بك .
فقال : أكثر أهل الجنة البله وأهل عليين ذوو الالباب .
وقال : الائمة من قريش لكم عليهم حق ، ولهم عليكم حق ما حكموا
فعدلوا واسترحموا فرحموا وعاهدوا فوفوا .
ووقف على بيت فيه جماعة من قريش فقال : إنكم ستولون هذا الامر
ومن وليه منكم فاسترحم فلم يرحم وحكم فلم يعدل وعاهد فلم يف فعليه
لعنة الله .
وقال : الدين النصيحة ، الدين النصيحة ! قيل : لمن يا رسول الله ؟ قال :
الله ولكتابه ولنبيه ولائمة الحق .
وقال بالحيف من منى : نضر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها حتى
يبلغها من لم يسمعها ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . ثلاث لا يغل
عليهن قلب مؤمن : إخلاص العمل وصحة الورع والنصيحة لولاة الامر .
ـ103ـ
وقال : للمسلم على أخيه المسلم من المعروف ست : يسلم عليه إذا لقيه
وينصح له إذا غاب عنه ويعوده إذا مرض ويشيع جنازته إذا مات ويجيبه إذا
دعاه ويشمته إذا عطس .
وقال : انصر أخاك ظالما أو مظلوما . قالوا : يا رسول الله كيف ننصره
ظالما ؟ قال : بكفه عن الظلم .
وقال : إذا مات الانسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة : من صدقة جارية
أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له .
وقال : ثلاثة لا يرد لهم دعوة : المظلوم وإمام عادل والصائم حتى يفطر .
وقال : ثلاث يتبعن ابن آدم بعد موته : سنة سنها في المسلمين فعمل بها
فله أجرها وأجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شئ ، وصدقة تصدق
بها من مال أو ثمر فما جرت تلك الصدقة فهي له ، ورجل ترك ذرية يدعون له .
وقال في خطبته : شر الامور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ولكل شئ آفة
وآفة هذا الرأي الهوى .
وقال : اكفلوا لي ستا أكفل لكم الجنة : إذا حدثتم فلا تكذبوا وإذا
اؤتمنتم فلا تخونوا وإذا وعدتم فلا تخلفوا . كفوا ألسنتكم وغضوا أبصاركم
وصونوا فروجكم .
وقال : يقول الله ، عزوجل : لا يزال عبدي يصدق حتى يكتب صديقا
ولا يزال عبدي يكذب حتى يكتب كذابا .
وقال : ويل للذي يتحدث بالكذب ليضحك به القوم ، ويل له وويل له .
وروي أنه قال : عليكم بالصدق وإن ظننتم فيه الهلكة فإن عاقبته النجاة ،
وإياكم والكذب وإن ظننتم فيه النجاة فإن عاقبته الهلكة .
وقال : من خلف على مال أخيه ظالما فليتبوأ مقعده من النار . فقال رجل :
وإن كان يسيرا يا رسول الله ؟ فقال : ولو كان قضيبا من أراك . ومن اقتطع
حق امرئ مؤمن بيمينه فقد أوجب الله عليه النار وحرم عليه الجنة .
ـ104ـ
وكان أجود الناس بالخير وأجود ما يكون في شهر رمضان ، وقال : والذي
نفسي بيده لو كان لي مثل شجر تهامة نعما لقسمته بينكم ثم لم تجدوني كذوبا
ولا جبانا ولا بخيلا .
وقال له رجل : يارسول الله أعطني رداءك . فألقاه إليه . فقال : ما أريده .
فقال : قاتلك الله ! أردت أن تبخلني ولم يجعلني الله بخيلا .
وقال : خياركم من يرجى خيره ولا يتقى شره ، وشراركم من يتقى
شره ولا يرجى خيره ، فإن الله أكرمكم بالاسلام فزينوه بالسخاء وحسن
الخلق .
وقال : الخير أسرع إلى البيت الذي يعشى من الشفرة إلى سنام البعير .
وقال : إياكم والشح ! فإنما أهلك من كان قبلكم ، الشح ! أمرهم
بالقطيعة فقطعوا ، وأمرهم بالظلم فظلموا ، وأمرهم بالفجور ففجروا . اللؤم
كفر والكفر في النار . قال الله ، عزوجل : " ومن يوق شح نفسه فأولئك
هم المفلحون . "
وقال : رأس العقل بعد الايمان مداراة الناس ، وأهل المعروف في الدنيا
أهل المعروف في الآخرة ، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة ، وإن
أول أهل الجنة دخولا أهل المعروف .
وقال : لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تعطي صلة الحبل ولو شسع
النعل ، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ، ولو أن تنحي الشئ
عن طريق الناس يؤذيهم ، ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه ، ولو أن تلقاه ووجهك
إليه منطلق ، وأن رجلا سبك بأمر يعلمه فيك تعلم فيه نحوه فلا تسبه ليكون لك
أجر ذلك ويكون عليه وزره .
وقال : إن الله جعل للمعروف وجوها من خلقه حبب إليهم المعروف وحبب
إليهم فعاله ووجه طلاب المعروف إليهم ويسر عليهم إعطاءه كما ييسر الغيث
إلى الارض الجدبة ليحييها ويحيي بها أهلها ، وإن الله جعل للمعروف أعداء
ـ105ـ
من خلقه بغض إليهم المعروف وبغض إليهم فعاله وحظر على طلاب المعروف
الطلب وحظر عليهم إعطاءه كما يحظر الغيث عن الارض الجدبة ليهلكها ويهلك
بها أهلها أو يعفو الله عنه أكثره .
وقال : الخلق كلهم عيال الله فأحب الخلق إلى الله أحسن الناس إلى عياله .
وسأله رجل فقال : أي الناس أحب إلى الله ؟ قال : أنفع الناس للناس .
قال : فأي الاعمال أحب إلى الله ؟ قال : إدخال سرور على مسلم ، إطعام جوعته
وكساء عورته وقضاء دينه .
وقال : إن الله ، عزوجل ، ينصب للغادر لواء يوم القيامة فيقال ألا إن
هذا لواء فلان .
وقال له بعضهم : أخبرنا بخصال يعرف المنافق بها . فقال : من حلف
فكذب ووعد فأخلف وخاصم ففجر واؤتمن فخان وعاهد فغدر .
وقال : إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى إنه يقول له : فما منعك إن
رأيت المنكر أن تنكره ؟ فإذا لقن الله عبده حجته قال : يارب إني وثقت
بك وخفت من الناس .
وقال : من أعطي عطاء فوجد فليجزه ، فإن لم يجزه فليثن به ، ومن أثنى
به فقد شكره ، ومن كتمه فقد كفره .
وقال له قوم من المهاجرين : يا رسول الله إن إخواننا من الانصار واسونا
وبذلوا لنا وقد خشينا أن يذهبوا بالاجر كله . فقال : إلا ما أثنيتم به عليهم
ودعوتم الله لهم .
وقال : والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد شيئا بغير حقه إلا لقي الله بحمله
يوم القيامة .
وقال : الهدية تذهب السخيمة وتجدد الاخوة وتثبت المودة .
وقال : لو أهدي إلى كراع لقبلته ، ولو دعيت إليه لاجبت .
وقال : ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن الله الخلافة على تركته ، وصدقة
ـ106ـ
المؤمن ظله أو ظله من صدقته .
وروي عنه أنه قال : ما من الاعمال شئ أحب إلى من ثلاثة : إشباع
جوعة المسلم وقضاء دينه وتنفيس كربته . من نفس عن مؤمن كربته نفس
الله عنه كرب يوم القيامة ، والله في عون عبده ما كان العبد في عون أخيه .
وقال : إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة : لذي فقر مدقع ولذي عسر مفظع
ولذي دم مفجع .
وقال : من سأل وله أوقية ، والاوقية أربعون درهما ، فقد سأل الناس
إلحافا .
وسأله رجلان ، وهو يقسم مغانم خيبر ، فقال : لا حظ لغني ولا لقوي
مكتسب .
وقال : لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي .
وقال : من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم . قيل :
يا رسول الله ما يغنيه ؟ قال : لغدائه أو لعشائه .
وقيل له : يا رسول الله ما الغناء ؟ قال : غداء وعشاء .
وقال : من سأل عن ظهر غنى جاء يوم القيامة بوجهه كدوح يعرف بها .
قالوا : يارسول الله ما ظهر غنى ز قال : قوت ليلة أو قوت يوم .
وسأله حكيم بن حزام فأعطاه فقال : إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه
بطيب نفس بشير بورك له فيه ومن أخذه بإشراف لم يبارك له فيه فكان كآكل
يأكل ولا يشبع .
وسأله الانصار ، فلم يسألوه شيئا إلا أعطاهم حتى أنفدوا ما عنده ، ثم
قال : أما بعد يا معشر الانصار ما يكن عندنا من خير فلن أو خره عنكم وإنه
من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن يصبر يصبره الله ولن يعطى
عبد أفضل ولا أوسع من الصبر .
وقال : من يضمن لي خلة أضمن له الجنة . فقيل : ما هي يا رسول الله ؟
ـ107ـ
قال : ألا تسأل أحدا شيئا .
وقال لابي ذر : يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد حتى لا
تستطيع أن تنهض من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع ؟ قلت : الله ورسوله
أعلم . قال : تتعفف .
وقال : لا يفتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر .
وقال : الايدي ثلاث : فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل
السفلى إلى يوم القيامة ، فاستعفف عن السؤال ما استطعت .
وقال لبعضهم : ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه
فتموله أو تصدق به .
وقال : لا صدقة إلا عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول ولا تلام على كفاف .
وقال : المسألة خروج في وجه الرجل يوم القيامة إلا أن يسأل سلطانه أو
من لابد منه .
وقيل له : أي الصدقة أفضل ؟ فقال : أن تصدق وأنت صحيح تخاف الفقر
وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقرم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد
كان لفلان كذا .
وقال : من أنفق على امرأته وولده وأهل بيته فهو له صدقة ، ومن سره
الانساء في الاجل والمد في الرزق فليصل رحمه .
وقال : ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر
له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم .
وأتاه رجل فقال : من أبر ؟ قال : أمك وأباك وأخاك وأختك وأدناك أدناك .
وقال : يقول الله ، تبارك وتعالى : من وقر أباه أطلت في أيامه ومن
وقر أمه رأى لبنيه بنين .
وقال : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ الاشراك بالله وعقوق الوالدين وقول
الزور .
ـ108ـ
وقال من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة .
وقال : أربع من سنن المرسلين : الحياء والنكاح والحلم والسواك .
وقال : قال الله ، سبحانه وتعالى : لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن
المنكر أو لاولين عليكم شراركم ولاجعلن أموالكم في أيدي
بخلائكم ولامنعنكم قطر السماء ثم ليدعوني خياركم فلا أستجيب
لهم ، و يسترحموني فلا أرحمهم ، ويستسقوني فلا أسقيهم .
وقال : أربع من كن فيه كمل إسلامه ، وإن كان ما بين قرنه إلى قدمه
خطأ : الامر بالمعروف ، والحياء ، والشكر ، وحسن الخلق . وأربع من كن
فيه بنى الله له بيتا في الجنة : إيواء اليتيم ، ورحمة . . . 1 ، ورفق بمملوكه ،
وشفق على والديه .
وقال : التودد إلى الناس نصف الايمان ، والرفق نصف العيش ، وما عال
امرؤ وفى اقتصاده .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ109ـ
حجة الوداع
وحج رسول الله حجة الوداع سنة 10 ، وهي حجة الاسلام . خرج رسول
الله من المدينة ، حتى أتى ذا الحليفة وقد لبس ثوبين صحاريين إزارا ورداء .
وقيل : خرج من المدينة وقد لبس الثوبين ودخل المسجد بذي الحليفة وصلى
ركعتين وكان نساؤه جميعا معه ، ثم خرج من المسجد فأشعر بدنه من الجانب
الايمن ثم ركب ناقته القصوى فلما استوت به على البيداء أهل بالحج .
وقال الواقدي عن الزهري عن سالم عن أبيه وعن الزهري في إسناد له عن
سعد بن أبي وقاص قالا : أهل رسول الله متمتعا بالعمرة إلى الحج ، وقال
بعضهم بالحج مفردا . وقال بعضهم بحجة وعمرة .
ودخل مكة نهارا من كداء ، وهي عقبة المدنيين ، على راحلته حتى انتهى
إلى البيت . فلما رأى البيت رفع يديه فوق زمام ناقته وبدأ بالطواف قبل الصلاة .
وخطب قبل التروية بيوم بعد الظهر ويوم عرفة ، حين زالت الشمس ،
على راحلته قبل الصلاة من غد يوم منى . فقال في خطبته : نضر الله وجه عبد
سمع مقالتي فوعاها وحفظها ثم بلغها من لم يسمعها ، فرب حامل فقه غير
فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . ثلاث لا يغل عليهم قلب
امرئ مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصيحة لائمة الحق ، واللزوم لجماعة
المؤمنين ، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم . ودعا بالبدن فصفت بين يديه وكانت
مائة بدنة ، فنحر منها بيده ستين بدنة ، وقيل أربعا وستين ، وأعطى عليا
سائرها ، فنحرها وأخذ من كل ناقة بضعة ، فجمعت في قدر واحدة فطبخت
بالماء والملح ، ثم أكل هو وعلي ، وحسا من المرق ، ورمى جمرة العقبة
على ناقته ، ووقف عند زمزم وأمر ربيعة بن أمية بن خلف فوقف تحت صدر
ـ110ـ
راحلته ، وكان صبيا ، فقال : يا ربيعة ! قل يا أيها الناس إن رسول الله
يقول : لعلكم لا تلقونني على مثل ما لي هذه وعليكم هذا . هل تدرون أي بلد
هذا ؟ وهل تدرون أي شهر هذا ؟ وهل تدرون أي يوم هذا ؟ فقال الناس :
نعم ! هذا البلد الحرام والشهر الحرام واليوم الحرام . قال : فإن الله حرم عليكم
دماءكم وأموالكم كحرمة بلدكم هذا ، وكحرمة شهركم هذا ، وكحرمة
يومكم هذا . ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم . قال : اللهم اشهد .
ثم قال : واتقوا الله ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، ولا تعثوا في الارض
مفسدين . فمن كانت عنده أمانة فليؤدها . ثم قال : الناس في الاسلام سواء ،
الناس طف الصاع لآدم وحواء لا فضل عربي على عجمي ولا عجمي على
عربي إلا بتقوى الله ، ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم ! قال : اللهم اشهد .
ثم قال : لا تأتوني بأنسابكم وأتوني بأعمالكم ، فأقول للناس هكذا ، ولكم
هكذا ، ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم ! قال : اللهم اشهد .
ثم قال : كل دم كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي ، وأول دم أضعه
دم آدم بن ربيعة بن الحارث بن ع بدالمطلب ، وكان آدم بن ربيعة مسترضعا في
هذيل ، فقتله بنو سعد بن بكر ، وقيل في بني ليث ، فقتلته هذيل ، ألا هل
بلغت ؟ قالوا : نعم ! قال : اللهم اشهد .
ثم قال : وكل ربا كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي ، وأول ربا أضعه
ربا العباس بن ع بدالمطلب ، ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم ! قال : اللهم اشهد
ثم قال : يا أيها الناس إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا ،
يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله ، ألا وإن الزمان قد
استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض ، وإن عدة الشهور عند الله
اثنا عشر شهرا في كتاب الله منها أربعة حرم : رجب الذي بين جمادى وشعبان
يدعونه مضر ، وثلاثة متوالية : ذوالقعدة وذوالحجة والمحرم ، ألا هل بلغت ؟
قالوا : نعم ! قال : اللهم اشهد .
ـ111ـ
ثم قال : أوصيكم بالنساء خيرا ، فإنما هن عوان عندكم لا يملكن
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 111 سطر 1 الى ص 120 سطر 25
ثم قال : أوصيكم بالنساء خيرا ، فإنما هن عوان عندكم لا يملكن
لانفسهن شيئا ، وإنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكتاب الله ،
ولكم عليهن حق ، ولهن عليكم حق كسوتهن ورزقهن بالمعروف ، ولكم
عليهن ألا يوطئن فراشكم أحدا ، ولا يأذن في بيوتكم إلا بعلمكم وإذنكم ،
فإن فعلن شيئا من ذلك فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح ،
ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم ! قال : اللهم اشهد .
ثم قال : فأوصيكم بمن ملكت أيمانكم فأطعموهم مما تأكلون ، وألبسوهم
مما تلبسون ، وإن أذنبوا فكلوا عقوباتهم إلى شراركم ، ألا هل بلغت ؟
قالوا : نعم . قال : اللهم اشهد .
ثم قال : إن المسلم أخو المسلم لا يغشه ولا يخونه ولا يغتابه ولا يحل
له دمه ولا شئ من ماله إلا بطيبة نفسه ، ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم ! قال :
اللهم اشهد .
ثم قال : إن الشيطان قد يئس أن يعبد بعد اليوم ، ولكن يطاع فيما
سوى ذلك من أعمالكم التي تحتقرون ، فقد رضي به ، ألا هل بلغت ؟ قالوا :
نعم ! قال : اللهم اشهد .
ثم قال : أعدى الاعداء على الله قاتل غير قاتله وضارب غير ضاربه ،
ومن كفر نعمة مواليه فقد كفر بما أنزل الله على محمد ، ومن انتمى إلى غير أبيه
فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم ! قال :
اللهم اشهد .
ثم قال : ألا إني إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ،
وإني رسول الله ، وإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق ،
وحسابهم على الله ، ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم ! قال : اللهم اشهد .
ثم قال : لا ترجعوا بعدي كفارا مضلين يملك بعضكم رقاب بعض ،
إني قد خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل
ـ112ـ
بيتي . ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم ! قال : اللهم اشهد .
ثم قال : إنكم مسؤولون فليبلغ الشاهد منكم الغائب . ولم ينزل مكة ،
وقيل له في ذلك : لو نزلت يا رسول الله بعض منازلك ؟ فقال : ما كنت لانزل
بلدا أخرجت منه . ولما كان يوم النفر دخل البيت ، فودع ونزل عليه :
" اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الاسلام دينا . "
وخرج ليلا منصرفا إلى المدينة ، فصار إلى موضع بالقرب من الجحفة يقال له :
غدير خم ، لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ، وقام خطيبا وأخذ بيد
علي بن أبي طالب فقال : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى يا
رسول الله ! قال : فمن كنت مولاه ، فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه
وعاد من عاداه .
ثم قال : أيها الناس أني فرطكم وأنتم واردي على الحوض ، وإني
سائلكم ، حين تردون علي ، عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما . وقالوا :
وما الثقلان يا رسول الله ؟ قال : الثقل الاكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله
وطرف بأيديكم ، فاستمسكوا به ولا تضلوا ، ولا تبدلوا ، وعترتي أهل بيتي .
ـ113ـ
الوفاة
ولما قدم المدينة أقام أياما وعقد لاسامة بن زيد بن حارثة على جلة المهاجرين
والانصار ، وأمره أن يقصد حيث قتل أبوه من أرض الشأم ، وروي عن أسامة
أنه قال : أمرني رسول الله أن اغز يبني من أرض فلسطين صباحا ثم احرق .
وروى آخرون أن رسول الله أمره أن يوطئ الخيل أرض البلقاء ، وكان
في الجيش أبوبكر وعمر ، وتكلم قوم وقالوا : حدث السن ، وابن سبع عشرة
سنة ! فقال : لئن طعنتم عليه ، فقبله طعنتم على أبيه ، وإن كانا لخليقين للامارة .
واشتكى رسول الله قبل أن ينفذ الجيش ، وكان أسامة مقيما بالجرف ،
فلما اشتدت عليه قال : انفذوا جيش أسامة ! فقالها مرارا ، واعتل أربعة
عشر يوما ، وتوفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول ، ومن شهور
العجم آذار ، وكان قران العقرب .
قال ، ماشاء الله ، المنجم : كان طالع السنة التي توفي فيها رسول الله ، وهو
القران الرابع من مولده ، الجدي ثماني عشرة درجة ، والزهرة في . . . . 1 .
سبع عشرة درجة ، والشمس في الحمل دقيقة ، والقمر في الحمل درجتين وثلاثين
دقيقة ، وعطارد . . . . 2 إحدى عشرة درجة وثلاث عشرة دقيقة ، والمشتري
في الميزان ثلاثا وعشرين درجة وأربع دقائق راجع ، والمريخ في الجدي خمس دقائق .
وقال الخوارزمي : كانت الشمس يوم توفي رسول الله في الجوزاء ست
درجات ، والقمر في الجوزاء ثلاثا وعشرين ، وزحل في القوس تسعا وعشرين
درجة ، والمريخ في الحوت إحدى عشرة درجة ، والزهرة في السرطان ثماني عشرة
درجة ، وعطارد في الجوزاء ثمانيا وعشرين درجة ، والرأس في الجدي خمسا
* ( هامش ) * 1 و 2 بياض في الاصل .
ـ114ـ
وعشرين درجة ، وكان سنة ثلاثا وستين سنة ، وغسله علي بن أبي طالب ،
والفضل بن العباس بن ع بدالمطلب وأسامة بن زيد يناولان الماء ، وسمعوا صوتا
من البيت ، يسمعون الصوت ولا يرون الشخص ، فقال : السلام ورحمة الله
وبركاته عليكم أهل البيت ، انه حميد مجيد ، إنما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس ، أهل البيت ، ويطهركم تطهيرا ، كل نفس ذائقة الموت ، وإنما
توفون أجوركم يوم القيامة ، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد
فاز ، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ، لتبلون في أموالكم وأنفسكم ،
ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين اشركوا أذى كثيرا ،
وأن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الامور ، إن في الله خلفا من كل
هالك وعزاء من كل مصيبة ، عظم الله أجوركم ، والسلام ورحمة الله . فقيل
لجعفر بن محمد : من كنتم ترونه ؟ فقال : جبريل ! وكفن في ثوبين صحاريين
وبرد حبرة ، ونزل قبره علي بن أبي طالب والعباس بن ع بدالمطلب ، وقيل
الفضل بن العباس وشقران مولى رسول الله ، ونادت الانصار : اجعلوا لنا في
رسول الله نصيبا في وفاته كما كان لنا في حياته ! فقال علي : ينزل رجل منكم .
فأنزلوا أوس بن خولي أحد بني الحبلى ، وكان حفر قبره أبوطلحة بن سهل
الانصاري ، ولم يكن بالمدينة من يحفر غيره وغير أبي عبيدة بن الجراح ، وكان
أبوعبيدة بن الجراح يشق ويحفر وسطا وأبوطلحة يلحد ، فقيل انهما سابقا
حفرا ، فسبق أبوطلحة بالحفر ، وصلي عليه أياما ، والناس يأتون ويصلون
أرسالا ، ودفن ليلة الاربعاء في بعض الليل ، وطرحت تحته قطعة رحله وكانت
من ارجوان ، وربع قبره ولم يسنم ، ولما توفي قال الناس : ما كنا نظن
أن رسول الله يموت حتى يظهر على الارض ، وخرج عمر فقال : والله ما مات
رسول الله ولا يموت ، وإنما تغيب كما غاب موسى بن عمران أربعين ليلة
ثم يعود ، والله ليقطعن أيدي قوم وأرجلهم . وقال أبوبكر : بل قد نعاه الله
إلينا فقال : انك ميت ، وانهم ميتون . فقال عمر : والله لكأني ما قرأتها
ـ115ـ
قط . ثم قال :
لعمري لقد أيقنت أنك ميت * ولكنما أبدى الذي قلته الجزع
ولم يخلف من الولد إلا فاطمة ، وتوفيت بعده بأربعين ليلة ، وقال قوم
بسبعين ليلة ، وقال آخرون ثلاثين ليلة ، وقال آخرون ستة أشهر ، وأوصت
عليا زوجها أن يغسلها ، فغسلها وأعانته أسماء بنت عميس ، وكانت تخدمها
وتقوم عليها ، وقالت : ألا ترين إلى ما بلغت ؟ أفأ حمل على سرير ظاهرا ؟
قالت : لا لعمري ، يا بنت رسول الله ، ولكني أصنع لك شيئا كما رأيته يصنع
بالحبشة . قالت : فأرينيه ! فأرسلت إلى جرائد رطبة فقطعتها ، ثم جعلتها على
السرير نعشا ، وهو أول ما كانت النعوش ، فتسمت ، وما رئيت متبسمة
إلا يومئذ ، ودفنت ليلا ، ولم يحضرها أحد إلا سلمان وأبوذر ، وقيل عمار .
وكان بعض نساء رسول الله أتينها في مرضها فقلن : يا بنت رسول الله !
صيري لنا في حضور غسلك حظا ! قالت : اتردن تقلن في كما قلتن في أمي ؟
لاحاجة لي في حضور كن .
ودخل إليها في مرضها نساء رسول الله وغيرهن من نساء قريش فقلن :
كيف أنت ؟ قالت : أجدني والله كارهة لدنيا كم ، مسرورة لفراقكم ، ألقى الله
ورسوله بحسرات منكن ، فما حفظ لي الحق ، ولا رعيت مني الذمة ، ولا قبلت
الوصية ، ولا عرفت الحرمة ، وكان سنها ثلاثا وعشرين سنة .
ـ116ـ
صفة رسول الله
وكان رسول الله فخما مفخما ، ظاهر الوضاءة ، مبتلج الوجه ، حسن
الخلق ، أطول من المربوع ، وأقصر من المشذب ، لم تعبه ثجلة ولم تزر به
صعلة ، وسيما ، قسيما ، لم يماشه أحد من الناس إلا طاله ، وإن كان المماشي له
طويلا ، عظيم الهامة ، رجل الشعر إن تفرقت عقيقته انفرقت فرقا ، لا يجاوز
شعره شحمة أذنه ، أزهر اللون ، مشربا حمرة ، في عينه دعج ، وفي أشفاره
وطف ، وفي صوته صحل ، وفي لحيته كثافة ، وكان أكثر شيبه في لحيته حول
الذقن وفي رأسه في فودي رأسه ، سهل الخدين ، ضليع الفم ، حلو المنطق لا نزر
ولا هدر ، دقيق المسربة ، معتدل الخلق ، عريض الصر والكتف ، بعيد
ما بين المنكبين ، واسع الظهر ، غير ما تحت الازرار من الفخذ والساق ، أنور
المتجرد ، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط ، عاري ما سوى
ذلك من الشعر ، أشعر الذراعين والمنكبين واعالي الصدر ، طويل الزندين ،
رحب الراحتين ، شثن الكفين والقدمين ، شائل الاطراف ، خمصان الاخمصين ،
ذريع المشية ، إذا مشى كأنما ينحط من صبب أو يتقلع من صخر ، وإذا التفت
التفت معا خافض الطرف ، نظره إلى الارض أكثر من نظره إلى السماء ، جل
نظره الملاحظة ، يبدأ من لقي بالسلام ، وكان جل جلوسه القرفصى ، وكان
يأكل على الارض ، وكان إذا دعاه رجل فقال : يا رسول الله ! قال : لبيك ،
وإذا قال : يا أبا القاسم ! قال : يا أبا القاسم ، وإذا قال : يا محمد ! قال :
يا محمد ، وإذا أخذ الرجل بيده لم ينزعها منه حتى يكون الرجل هوالذي ينزعها ،
وإذا نازعه رداءه لا يجاذبه حتى يخليه ، وإذا سأله سائل حاجة لم يرده إلا بحاجته
أو بميسور من القول .
ـ117ـ
المشبهون برسول الله
وكان المشبهون برسول الله جعفر بن أبي طالب . قال رسول الله : اشبهت
خلقي وخلقي ، والحسن بن علي . وكانت فاطمة تقول : بأبي ! شبيه بأبي
غير شبيه بعلي ، ويقال : إن أبا بكر قال له ، وقد لقيه في بعض طرق المدينة :
بأبي ! شبيه بالنبي غير شبيه بعلي ، وقثم بن العباس بن ع بدالمطلب ، وأبو
سفيان بن الحارث بن ع بدالمطلب ، وأسهد بن العبره 1 ، وهاشم بن ع بدالمطلب
ابن عبد مناف ، ومسلم بن معتب بن أبي لهب .
* ( هامش ) * 1 هكذا في الاصل دون نقط .
ـ118ـ
نسبة رسول الله وامهاته إلى إبراهيم
والعواتك والفواطم اللاتي ولدنه
هومحمد بن عبدالله بن ع بدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن
كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة
ابن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن اد بن
أدد بن هميسع بن يشجب بن أمين بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم
ابن تارح بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن
نوح بن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ ، وهو ادريس النبي ، بن يرد بن مهلائيل
ابن قينان بن انوش بن شيث بن آدم ، وأم رسول الله آمنة بنت وهب بن عبد
مناف بن زهرة بن كلاب ، وأمها برة بنت عبدالعزى بن عثمان بن عبدالدار
ابن قصي .
وأم عبدالله بن ع بدالمطلب فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن
مخزوم ، وأم ع بدالمطلب ، وهو شيبة الحمد بن هاشم ، سلمى بنت عمرو بن
زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن عدي بن النجار ، واسمه زيد مناة ،
ويقال : بل اسمه تيم اللات ، ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج .
وأم هاشم عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهئة
ابن سليم .
وأم عبد مناف ، واسمه المغيرة بن قصي ، حبى بنت حليل بن حبشية بن
سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة .
وأم قصي ، واسمه زيد بن كلاب ، فاطمة بنت سعد بن سيل بن عامر
ـ119ـ
الجادر . . . . 1 من الازد ازد شنوءة ، وهم حلفاء بني نفاثة بن عدي بن
الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة .
وأم كلاب بن مرة هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة
ابن خزيمة .
وأم مرة بن كعب بن لؤي ماوية بنت القين بن جسر بن شيع الله بن الاسد
ابن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة .
وأم كعب بن لؤي وحشية بنت شيبان .
وأم لؤي بن غالب سلمى بنت عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن
خزاعة .
وأم غالب بن فهر ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر .
وأم فهر بن مالك جندلة بنت الحارث بن جندل بن عامر بن سعد بن
الحارث بن مضاض بن عامر بن دب بن جرهم .
وأم مالك بن النضر عاتكة ، وهي عكرشة ، وهي الحصان بنت عدوان ،
وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر .
وأم النضر بن كنانة برة بنت مر بن اد بن طانجة بن الياس بن مضر .
وأم كنانة بن خزيمة هند بنت قيس بن عيلان .
وأم خزيمة بن مدركة سلمى بنت أسد بن ربيعة بن نزار .
وأم مدركة بن الياس خندف ، وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف
ابن قضاعة .
وأم الياس بن مضر الحنفاء بنت إياد بن نزار بن معد بن عدنان .
وأم مضر بن نزار شقيقة بنت عك بن عدنان بن ادد .
وأم نزار بن معد ناعمة بنت جوشم بن عدي بن دب بن جرهم .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ120ـ
وأم معد بن عدنان تيمة بنت يشجب بن يعرب بن قحطان . . . 1 .
وأم اد بن ادد العحا 2 بنت عمرو بن تبع بن سعد ذي فائش ابن حمير .
وأم ادد بن الهميسع حية بنت قحطان .
وأم الهميسع بن يشجب حارثة بنت مراد بن زرعة بن ذي رعين بن حمير .
وأم يشجب بن أمين قطامة بنت علي بن جرهم . . . 3 .
وأم اسماعيل بن إبراهيم هاجر أمة كانت لسارة أم إسحاق ، وهي قبطية ،
يزعم آخرون أنها رومية .
وأم إبراهيم ، وهو ابراهيم بن تارح ، ادنيا بنت لر 4 بن ارغوا بن فالغ بن
عابر بن شالخ .
وروي أن رسول الله كان يكثر أن يقول : أنا ابن العواتك ، وربما قال :
أنا ابن العواتك من سليم ، واللاتي ولدنه من العواتك اثنتا عشرة عاتكة : عشر
منهن مضريات ، وقحطانية وقضاعية ، و المضريات : ثلاث من قريش وثلاث
من سليم ، و عدوانيتان ، وهذلية ، وأسدية ، فأما القرشيات فولدته ، من قبل أسد بن عبدالعزى ، أم أسد بن عبدالعزى الحنطيا ، وهي ريطة بنت كعب
ابن سعد بن تيم بن مرة ، وأمها قبلة بنت حذاقة بن جمح ، وأمها أميمة بنت
عامر بن الحان بن الحارث ، وهو غسان بن خزاعة ، وأمها عاتكة بنت
هلال بن وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر ، وأم هلال بن وهيب عاتكة
بنت عشوارة بن الطرب بن الحارث بن فهر ، وأمها عاتكة بنت يخلد بن النضر
ابن كنانة بن خزيمة .
وأما ا لسليميات ، فولدته ، من قبل هاشم ، أم هاشم بن عبد مناف
عاتكة بنت مرة بن هلال بن سليم بن منصور ، وأم مرة بن هلال عاتكة
بنت مرة بن عدي بن سليمان بن قصي بن خزاعة ، ويقال : هي عاتكة بنت
* ( هامش ) * 1 و 3 بياض في الاصل .
2 و 4 هكذا في الاصل دون نقط .
ـ121ـ
جابر بن قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهشة بن سليم .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 121 سطر 1 الى ص 130 سطر 25
جابر بن قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهشة بن سليم .
وأما ال عدوانيتان فولدتاه من قبل أمهات أبيه عبدالله ، ومن قبل مالك بن
النضر ، فأما التي ولدته من قبل عبدالله ، فهي السابعة من أمهاتة ، ويقال
الخامسة ، وهي عاتكة بنت عامر بن ظرب بن عمرو بن يشكر بن الحارث ،
وهو عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان ، ومن قال : هي الخامسة ، فيقول
عاتكة بنت عبدالله بن الحارث بن وائلة بن ظرب بن عمرو ، وأما العدوانية
الثانية فأم مالك بن النضر بن كنانة ، وهي عاتكة بنت عدوان بن عمرو
ابن قيس بن عيلان .
وأما الهذلية فوالدته من قبل هاشم ، وأم هاشم عاتكة بنت مرة بن هلال ،
وأمها ماوية بنت حورة بن عمرو بن سلول بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن
هوازن ، فأم معاوية بن بكر بن هوازن عاتكة بنت سعد بن هذيل .
وأما الاسدية فوالدته من قبل كلاب بن مرة ، وهي الثالثة من أمهاته ،
وهي عاتكة بنت دودان بن أسد بن خزيمة .
وأما القحطانية فوالدته من غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ،
وأم غالب بن فهر ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة . وأمها سلمى بنت
طانجة بن الياس بن مضر ، وأمها عاتكة بنت الازد بن الغوث بن نبت بن
مالك بن زيد بن كهلان بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، وهي الثالثة
من أمهات النضر بن كنانة .
وأما القضاعية فوالدته من قبل كعب بن لؤي ، وهي الثالثة من أمهاته ،
عاتكة بنت رشدان بن قيس بن جهينة بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة .
ـ122ـ
؟ ؟ من ولدنه من الفواطم
قال : وأخبرني غير واحد من أهل العلم أنه كان يكثر يوم حنين ويقول :
أنا ابن الفواطم ، فأخبرني النسابون أنه ولده من الفواطم أربع فواطم : قرشية ،
وقيسيتان ، وأزدية ، فأما القرشية ، فوالدته من قبل أبيه عبدالله بن عبد
المطلب ، فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ، و القيسيتان أم
عمرو بن عائذ بن عمران ، وهي فاطمة بنت ربيعة بن عبدالعزى بن رزام بن
بكر بن هوازن ، وأمها فاطمة بنت الحارث بن بهئة بن سليم بن منصور ،
والازدية أم قصي بن كلاب ، وهي فاطمة بنت سعد بن سيل .
وكان عمال رسول الله ، لما قبضه الله ، على مكة : عتاب بن أسيد بن
العاص ، وعلى البحرين : العلاء بن الحضرمي والمنذر بن ساوى التميمي .
وبعضهم يقول مكان العلاء : أبان بن سعيد بن العاص ، وعلى عمان عباد وجيفر
ابنا الجلندا . وقال بعضهم : عمرو بن العاص ، وعلى الطائف عثمان بن أبي
العاص ، وعلى اليمن معاذ بن جبل وأبوموسى عبدالله بن قيس الاشعري يفقهان
الناس ، وعلى مخاليف الجند وصنعاء المهاجر بن أبي أمية المخزومي ، وعلى
حضر موت زياد بن لبيد الانصاري ، وعلى مخاليف اليمن خالد بن سعيد بن العاص ،
وعلى ناحية من نواحيها يعلى بن منية التميمي ، وعلى نجران فروة
ابن مسيك المرادي ، وقال بعضهم : أبوسفيان بن حرب ، وعلى صدقات أسد
وطي عدي بن حاتم ، وعلى صدقات حنظلة مالك بن نويرة الحنطلي ، وقال
بعضهم : على صدقات بني يربوتع ، وعلى صدقات بني عمرو وتميم سمرة بن
عمرو بن جناب العنبري ، وعلى صدقات بني سعد الزبرقان بن بدر ، وعلى
صدقات مقاعس والبطون قيس بن عاصم .
ـ123ـ
خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر
واجتمعت الانصار في سقيفة بني ساعدة ، يوم توفي رسول الله . . . 1
يغسل ، فأجلست سعد بن عبادة الخزرجي ، وعصبته بعصابة ، وثنت له وسادة .
وبلغ أبا بكر وعمر و المهاجرين ، فأتوا مسرعين ، فنحوا الناس عن سعد ،
وأقبل أبوبكر وعمر بن الخطاب وأبوعبيدة بن الجراح فقالوا : يا معاشر
الانصار ! منا رسول الله ، فنحن أحق بمقامه . وقالت الانصار : منا أمير
ومنكم أمير ! فقال أبوبكر : منا الامراء وأنتم الوزراء . فقام ثابت بن قيس
ابن شماس ، وهو خطيب الانصار ، فتكلم وذكر فضلهم . فقال أبوبكر :
ما ندفعهم عن الفضل ، وما ذكرتم من الفضل فأنتم له أهل ، ولكن قريش أولى
بمحمد منكم ، وهذا عمر بن الخطاب الذي قال رسول الله : اللهم اعز
الذين بن ! وهذا أبوعبيدة بن الجراح الذي قال رسول الله : أمير هذه الامة ،
فبايعوا أيهما شئتم ! فأبيا عليه وقالا : والله ما كنا لنتقد مك ، وأنت صاحب
رسول الله وثاني اثنين . فضرب أبوعبيدة على يد أبي بكر ، وثنى عمر ، ثم
بايع من كان معه من قريش .
ثم نادى أبوعبيدة : يا معشر الانصار ! إنكم كنتم أول من نصر ،
فلا تكونوا أول من غير وبدل . وقام عبدالرحمن بن عوف فتكلم فقال :
يا معشر الانصار ، إنكم ، وإن كنتم على فضل ، فليس فيكم مثل أبي بكر
وعمر وعلي ، وقام المنذر بن أرقم فقال : ما ندفع فضل من ذكرت ، وإن
فيهم لرجلا لو طلب هذا الامر لم ينازعه فيه أحد ، يعني علي بن أبي طالب .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ124ـ
فوئب بشير بن سعد من الخزرج ، فكان أول من بايعه من الانصار ، وأسيد بن
حضير الخروجي ، وبايع الناس حتى جعل الرجل يطفر وسادة سعد بن عبادة ،
وحتى وطئوا سعدا . وقال عمر : اقتلوا سعدا ، قتل الله سعدا .
وجاء البراء بن عازب ، فضرب الباب على بني هاشم وقال : يا معشر
بني هاشم ، بويع أبوبكر . فقال بعضهم : ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب
عنه ، ونحن أولى بمحمد . فقال العباس : فعلوها ، رب الكعبة .
وكان المهاجرون والانصار لا يشكون في علي ، فلما خرجوا من الدار قام
الفضل بن العباس ، وكان لسان قريش ، فقال : يا معشر قريش ، إنه ما حقت
لكم الخلافة بالتمويه ، ونحن أهلها دونكم ، وصاحبنا أولى بها منكم .
وقام عتبة بن أبي لهب فقال :
ما كنت أحسب أن الامر منصرف * عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن
عن أول الناس إيمانا وسابقة ، * وأعلم الناس بالقرآن والسنن
وآخر الناس عهدا بالنبي ، ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن
من فيه ما فيهم لا يمترون به ، وليس في القوم ما فيه من الحسن
فبعث إليه علي فنهاه . وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والانصار ،
ومالوا مع علي بن أبي طالب ، منهم : العباس بن ع بدالمطلب ، والفضل بن
العباس ، والزبير بن العوام بن العاص ، وخالد بن سعيد ، والمقداد بن عمرو ،
وسلمان الفارسي ، وأبوذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، والبراء بن عازب ،
وأبي بن كعب ، فأرسل أبوبكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح
والمغيرة بن شعبة ، فقال : ما الرأي ؟ قالوا : الرأي أن تلقى العباس بن عبد
المطلب ، فتجعل له في هذا الامر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده ، فتقطعون به
ناحية علي بن أبي طالب حجة لكم على علي ، إذا مال معكم ، فانطلق أبو
ـ125ـ
بكر وعمر وأبوعبيدة بن الجراح والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلا ،
فحمد أبوبكر الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله بعث محمدا نبيا وللمؤمنين
وليا ، فمن عليهم بكونه بين أظهرهم ، حتى اختار له ما عنده ، فخلى على
الناس أمورا ليختاروا لانفسهم في مصلحتهم مشفقين ، فاختاروني عليهم واليا
ولامورهم راعيا ، فوليت ذلك ، وما أخاف بعون الله وتشديده وهنا ، ولا
حيرة ، ولا جبنا ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب ، وما
انفك يبلغني عن طاعن يقول الخلاف على عامة المسلمين ، يتخذكم لجأ ،
فتكون حصنه المنيع وخطبه البديع . فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه ،
وإما صرفتموهم عما مالوا إليه ، ولقد جئناك ونحن نريد أن لك في هذا الامر
نصيبا يكون لك ، ويكون لمن بعدك من عقبك إذ كنت عم رسول الله ، وإن
كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك . . . 1 عنكم ، وعلى رسلكم
بنى هاشم ، فإن رسول الله منا ومنكم .
فقال عمر بن الخطاب : إي والله وأخرى ، إنا لم نأتكم لحاجة إليكم ، ولكن
كرها أن يكون الطعن فيما اجتمع عليه المسلمون منكم ، فيتفاقم الخطب بكم
وبهم ، فانظروا لانفسكم .
فحمد العباس الله وأثنى عليه وقال : إن الله بعث محمدا كما وصفت نبيا
وللمؤمنين وليا ، فمن على أمته به ، حتى قبضه الله إليه ، واختار له ما عنده ،
فخلى على المسلمين أمورهم ليختاروا لانفسهم مصيبين الحق ، لا مائلين بزيع
الهوى ، فإن كنت برسول الله فحقا أخذت ، وإن كنت بالمؤمنين فنحن منهم ،
فما تقدمنا في أمرك فرضا ، ولا حللنا وسطا ، ولا برحنا سخطا ، وإن كان هذا
الامر إنما وجب لك بالمؤمنين ، فما وجب إذ كنا كارهين . ما أبعد قولك
من أنهم طعنوا عليك من قولك إنهم اختاروك ومالوا إليك ، وما أبعد تسميتك
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ126ـ
بخليفة رسول الله من قولك خلى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك ، فأما
ما قلت إنك تجعله لي ، فإن كان حقا للمؤمنين ، فليس لك أن تحكم فيه ، وإن
كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض ، وعلى رسلك ، فإن رسول الله من شجرة
نحن أغصانها وأنتم جيرانها . فخرجوا من عنده .
وكان فيمن تخلف عن بيعة أبي بكر أبوسفيان بن حرب ، وقال : أرضيتم
يا بني عبد مناف أن يلي هذا الامر عليكم غير كم ؟ وقال لعلي بن أبي طالب :
امدد يدك أبايعك ، وعلي معه قصي ، وقال :
بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدي
فما الامر إلا فيكم وإليكم ، * وليس لها إلا أبوحسن علي
أبا حسن ، فاشدد بها كف حازم ، * فإنك بالامر الذي يرتجى ملي
وإن امرأ يرمي قصي وراءه * عزيز الحمى ، والناس من غالب قصي
وكان خالد بن سعيد غائبا ، فقدم فأتى عليا فقال : هلم أبايعك ، فوالله
ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك ، واجتمع جماعة إلى علي بن أبي
طالب يدعونه إلى البيعة له ، فقال لهم : اغدوا على هذا محلقين الروؤس . فلم
يغد عليه إلا ثلاثة نفر .
وبلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والانصار قد اجتمعوا مع
علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله ، فأتوا في جماعة حتى هجموا
الدار ، وخرج علي ومعه السيف ، فلقيه عمر ، فصارعه عمر فصرعه ، وكسر
سيفه . ودخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت : والله لتخرجن أو لاكشفن
شعري ولا عجن إلى الله ! فخرجوا وخرج من كان في الدار وأقام القوم أياما .
ثم جعل الواحد بعد الواحد يبايع ، ولم يبايع علي إلا بعد ستة أشهر وقيل
أربعين يوما .
ـ127ـ
ايام ابي بكر
وست بيعة أبي بكر يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول سنة 11 ،
في ؟ ؟ الذي توفي فيه رسول الله . واسم أبي بكر عبدالله بن عثمان بن عامر ،
؟ ؟ يسمى عتيقا لجماله ، وأمه سلمى بنت صخر من بني تيم بن مرة ، وكان
؟ ؟ بالسنح خارج المدينة ، وكانت امرأته حبيبة بنت خارجة فيه ، وكان له
ايضا منزل بالمدينة فيه أسماء بنت عميس ، فلما ولي كان منزله المدينة ،
وأتته فاطمة ابنة رسول الله تطلب ميراثها من أبيها ، فقال لها : قال رسول الله .
إنا معشر الانبياء لا نورث ، ما تركنا صدقة . فقالت : أفي الله أن ترث أباك ولا
أرث أبي ؟ أما قال رسول الله : المرء يحفظ ولده ؟ فبكى أبوبكر بكاء شديدا .
وأمر أسامة بن زيد أن ينفذ في جيشه . وسأله أن يترك له عمر يستعين به
على أمره . فقال : فما تقول في نفسك ؟ فقال : يا ابن أخي ! فعل الناس ما ترى
فدع لي عمر ، وانفذ لو جهك . فخرج أسامة بالناس وشيعه أبوبكر فقال له :
ما أنا بموصيك بشئ ، ولا آمرك به ، وإنما آمرك ما أمرك به رسول الله ،
وامض حيث ولاك رسول الله ، فنفذ أسامة ، فأقام منذ خرج إلى أن قدم المدينة
منصرفا ستين يوما ، أو أربعين يوما ، ثم دخل المدينة ولواؤه معقود ، حتى
يدخل المسجد ، فصلى ، ثم دخل إلى بيته ولواؤه الذي عقده رسول الله معه ،
وصعد أبوبكر المنبر عند ولايته الامر ، فجلس دون مجلس رسول الله بمرقاة ،
ثم حمد الله وأثنى عليه وقال : إني وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن استقمت
فاتبعوني ، وإن زغت فقوموني ! لا أقول إني أفضلكم فضلا ، ولكني أفضلكم
حملا . وأثنى على الانصار خيرا وقال : أنا وإياكم ، معشر الانصار ، كما
قال القائل :
ـ128ـ
جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت * بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا * تلاقي الذي يلقون منا لملت
فاعتزلت الانصار عن أبي بكر ، فغضبت قريش ، وأحفظها ذلك ، فتكلم
خطباؤها ، وقدم عمرو بن العاص فقالت له قريش : قم فتكلم بكلام تنال
فيه من الانصار ! ففعل ذلك ، فقام الفضل بن العباس فرد عليهم ثم صار إلى
علي ، فأخبره وأنشده شعرا قاله ، فخرج علي مغضبا حتى دخل المسجد ، فذكر
الانصار بخير ، ورد على عمرو بن العاص قوله . فلما علمت الانصار ذلك
سرها وقالت : ما نبالي بقول من قال مع حسن قول علي ، واجتمعت إلى حسان
ابن ثابت ، فقالوا : اجب الفضل ، فقال : إن عارضته بغير قوافيه فضحني .
فقالوا : فاذكر عليا فقط ، فقال :
جزى الله خيرا ، والجزاء بكفه ، * أبا حسن عنا ومن كأبي حسن
سبقت قريشا بالذي أنت أهله * فصدرك مشروح وقلبك ممتحن
تمنت رجال من قريش أعزة * مكانك ، هيهات الهزال من السمن
وأنت من الاسلام في كل منزل * . . . . . 1 البطين من الرسن
وكنت المرجى من لؤي بن غالب * لما كان منه والذي بعد لم يكن
حفظت رسول الله فينا وعهده * إليك ومن أولى به منك من ومن
ألست أخاه في الاخا ووصيه ، * وأعلم فهر بالكتاب وبالسنن
وتنبأ جماعة من العرب ، وارتد جماعة ، ووضعوا التيجان على روؤسهم ،
وامتنع قوم من دفع الزكاة إلى أبي بكر .
* ( هامش ) * 1 هكذا بياض في الاصل ، ولم نجد هذه الابيات في ديوان حسان .
ـ129ـ
وكان ممن تنبأ طليحة بن خويلد الاسدي بنواحيه ، وكان أنصاره غطفان ،
ورئيسهم عيينة بن حصن الفزاري ، والاسود العنسي باليمن ، ومسيلمة بن حبيب
الحنفي باليمامة ، وسجاح بنت الحارث التميمية ، ثم تزوجت بمسيلمة ،
وكان الاشعث بن قيس مؤذنها . فخرج أبوبكر في جيشه إلى ذي القصة . ودعا
عمرو بن العاص فقال : يا عمرو إنك ذو رأي قريش ، وقد تنبأ طليحة .
فما ترى في علي ؟ قال : لا يطيعك ! قال : فالزبير ؟ قال : شجاع حسن !
قال : فطلحة ؟ قال : للخفض والطعن ! قال : فسعد ؟ قال : محش حرب !
قال : فعثمان ؟ قال : أجلسه واستعن برأيه ! قال : فخالد بن الوليد ؟ قال :
بسوس للحرب ، نصير للموت . له أناة القطاة ، ووثوب الاسد . فلما عقد له
قام ثابت بن قيس بن شماس فقال : يا معشر قريش ، أما كان فينا رجل
يصلح لما تصلحون له ؟ أما والله ما نحن عميا عما نرى ، ولا صما عما نسمع ،
ولكن أمرنا رسول الله بالصبر ، فنحن نصبر . وقام حسان فقال :
يا للرجال لخلفة الاطوار * ولما أراد القوم بالانصار
لم يدخلوا منا رئيسا واحدا يا صاح في نقض ولا إسرار
فعظم على أبي بكر هذا القول ، فجعل على الانصار ثابت بن قيس ، وأنفذ
خالدا على المهاجرين ، فقصد طليحة ففرق جمعه ، وقتل خلقا من أتباعه ، وأخذ
عيينة بن حصن ، فبعث به إلى أبي بكر مع ثلاثين أسيرا ، وهو مكبل بالحديد ،
فجعل الصبيان يصيحون به لما دخل المدينة . يا مرتد ! فيقول : ما آمنت طرفة
عين قط ! فاستتابه وأطلق سبيله ، ولحق طليحة بالشأم ، وجاور بني حنيفة ،
وبعث بشعر إلى أبي بكر يعتذر إليه ، ويراجع الاسلام ، يقول فيه :
فهل يقبل الصديق أني مراجع * ومعط بما أحدثت من حدث يدي
وأني من بعد الضلالة شاهد * شهادة حق لست فيها بملحد
ـ130ـ
فلما انتهى قوله إلى أبي بكر رق له ، وبعث إليه ، فرجع ، وقد هلك
أبوبكر ، وقام عمر على قبره . وبعث به مع سعد بن أبي وقاص إلى العراق ،
وأمره أن لا يستعمله .
وأما الاسود بن عنزة العنسي ، فقد كان تنبأ على عهد رسول الله ، فلما
بويع أبوبكر ظهر أمره ، واتبعه على ذلك قوم ، فقتله قيس بن مكشوح المرادي
وفيروز الديلمي ، دخلا عليه منزله ، وهو سكران ، فقتلاه .
وقد كان أبوبكر عقد لشرحبيل بن حسنة ، وأمره أن يقصد لمسيلمة
الكذاب وألا يأتيه رأيه ، ثم عقد لخالد وبعثه على شرحبيل ، فكتب خالد إلى
شرحبيل : ألا تعجل حتى آتيك ! ونفذ خالد بن الوليد مسرعا إلى القيامة ، إلى
مسيلمة الحنفي الكذاب ، وكان قد أسلم ثم تنبأ في سنة 10 ، وزعم أنه شريك
لرسول الله في النبوة ، وكان كتب إلى رسول الله : إني أشركت معك ، فلك
نصف الارض ، ولي نصفها ، ولكن قريش قوم لا يعدولون . فكتب إليه رسول
الله : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب : أما بعد فإن الارض لله يورثها
من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتقين ، فلقي خالد مجاعة في جماعة ، فأسرهم
وضرب أعناقهم ، واستبقى مجاعة ، وزحف إلى مسيلمة ، فخرج مسيلمة فقاتله
بمن معه من ربيعة وغيرها قتالا شديدا ، وقتل من المسلمين خلق عظيم ، ثم
قتل مسيملة في المعركة ، طعنه أبودجانة الانصاري ، فمشى إليه مسيملة في الرمح
فقتله ، ورماه وحشي بحربته فقتله ، وهو يومئذ ابن مائة وخمسين سنة .
وأتى مجاعة الحنفي إلى خالد ، فأوهمه أن في الحصن قوما بعد ، وقال :
ما أتاك إلا سرعان الناس ، ودعا إلى الصلح فصالحهم خالد على الصفراء والبيضاء
ونصف السبي ، ثم نظروا وليس في الحصن أحد إلا النساء والصبيان ، فألبسهم
السلام ووقفهم على الحصون ، ثم أشار إلى خالد فقال : أبوا علي ، فتأخذ
الربع ؟ ففعل ذلك خالد ، وقبل منهم . فلما فتحت الحصون لم يجد إلا النساء
والصبيان فقال : أمكرا يا مجاعة ؟ قال : إنهم قومي . وأجاز لهم وافتتحت
ـ131ـ
اليمامة ، وهربت سجاح ، فماتت بالبصرة .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 131 سطر 1 الى ص 140 سطر 25
اليمامة ، وهربت سجاح ، فماتت بالبصرة .
وكان فتح مسيلمة في سنة 11 وقتل في شهر ربيع الاول سنة 12 . وخطب
خالد إلى مجاعة ابنته ، فزوجه إياها ، فكتب إلى أبوبكر : تتوئب على النساء
وعند اطناب بيتك دماء المسلمين ؟
وأمر أبوبكر خالد أن يسير إلى أرض العراق ، فسار ومعه المثنى بن حارثة ،
حتى صار إلى مدينة بالقيا ، فافتتحها وسبى من فيها ، ثم صار إلى المدينة كسكر ،
فافتتحها وسبى من فيها ، ثم سار حتى لقي بعض ملوك الاعاجم يقال له جابان ،
فهزمه وقتل أصحابه ، ثم سار حتى انتهى إلى فرات بادقلى يريد الحيرة ،
وملكها النعمان ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، ثم انهزم النعمان فلحق بالمدائن ، ونزل
خالد الحورنق ، وسار حتى صير الحيرة خلف ظهره ، وكانوا على محاربته ،
ثم دعوا إلى الصلح ، فصالحهم على سبعين ألفا عن رؤوسهم ، وقيل مائة
ألف درهم .
وتجرد أبوبكر لقتال من راتد ، وكان ممن ارتد ، وممن وضع التاج
على رأسه من العرب ، النعمان بن المنذر بن ساوى التميمي بالبحرين ، فوجه
العلاء بن الحضرمي فقتله ، ولقيط بن مالك ذو التاج بعمان وجه إليه حذيفة
ابن محصن فقتله بصحار من أرض عمان .
وكان ذو التاج . . 1 من بني ناجية وبشر كثير من عبدالقيس ، فقتل
الله ذا التاج ، وسبى المسلمون ذراريهم ، وبعثوا بها إلى أبي بكر ، فباعها
بأربعمائة درهم ، ثم وجه لقتال من منع الزكاة ، وقال : لو منعوني عقالا
لقاتلتهم . وكتب إلى خالد بن الوليد أن ينكفئ إلى مالك بن نويرة اليربوعي ،
فسار إليهم ، وقيل إنه كان ندأهم ، فأتاه إلى مالك بن نويرة يناظره ، واتبعته
امرأته ، فلما رآها خالد أعجبته فقال : والله لا نلت ما في مثابتك حتى أقتلك ،
فنظر مالكا ، فضرب عنقه ، وتزوج امرأته ، فلحق أبوقتادة بأبي بكر ، فأخبره
* ( هامش ) * ( 1 ) بياض في الاصل . ـ * ـ
ـ132ـ
الخبر ، وحلف ألا يسير تحت لواء خالد لانه قتل مالكا مسلما . فقال عمر بن
الخطاب لابي بكر : يا خليفة رسول الله ! إن خالدا قتل رجلا مسلما ، وتزوج
امرأته من يومها . فكتب أبوبكر إلى خالد ، فأشخصه ، فقال : يا خليفة رسول
الله إني تأولت ، وأصبت ، وأخطأت .
وكان متمم بن نويرة شاعرا فرثى أخاه بمراث كثيرة ، ولحق بالمدينة إلى
أبي بكر ، فصلى خلف أبي بكر صلاة الصبح ، فلما فرغ أبوبكر من صلاته
قام متمم فاتكأ على قوسه ، ثم قال :
نعم القتيل إذا الرياح تناوحت * خلف البيوت قتلت يا ابن الازور
أدعوته بالله ثم غدرته * لو هو دعاك بذمة لم يغدر
فقال : ما دعوته ولا غدرت به . وكتب أبوبكر إلى زياد بن لبيد البياضي
في قتال من ارتد باليمن . ومنع الزكاة فقاتلهم وكان لكندة ملوك عدة
يتسمون بالملك ، ولكل واحد منهم حمى لا يرعاه غيره ، فأغار زياد ليلا ،
وهم في محاجرهم ، فأصاب الملوك . جمدا ومخوصا ومشرحا وأبضعة ،
وسبى النعم وسبايا كثيرة ، فعارضهم الاشعث بن قيس ، فانتزع السبايا
من أيديهم .
وانتهى إلى أبي بكر بارتداد الاشعث ، وما فعل ، فوجه عكرمة بن أبي
جهل في جيش لمحاربتهم . فوافى وقد حصرهم زياد بن لبيد والمهاجر بن أبي
أمية ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وغنموا مغانم كثيرة ، فقال المهاجر وزياد
لمن معهما : قد قدم إخوانكم من الحجاز ، فأشركوهم ، وأعطوهم ، وطلب
الاشعث الصلح ، وأخذ الامان لعشيرته ، ونسي نفسه ، فلما قرأ عكرمة الصحيفة
وليس فيها اسم الاشعث كبر وأخذه ، فأتى به أبا بكر في وثاق ، فمن عليه
أبوبكر ، وأطلق سبيله . وزوجه أم فروة أخته .
وأراد أبوبكر أن يغزو الروم ، فشاور جماعة من أصحاب رسول الله ،
ـ133ـ
فقدموا وأخروا ، فاستشار علي بن أبي طالب ، فأشار أن يفعل ، فقال :
إن فعلت ظفرت . فقال : بشرت بخير ! فقام أبوبكر في الناس خطيبا ، وأمرهم
أن يتجهزوا إلى الروم ، فسكت الناس ، فقام عمر فقال : لو كان عرضا
قريبا وسفرا قاصدا لانتدبتموه . فقام عمرو بن سعيد فقال : لنا تضرب أمثال
المناقين يا ابن الخطاب ، فما يمنعك أنت ما عبت علينا فيه ؟ فتكلم خالد بن
سعيد ، وأسكت أخاه فقال : ما عندنا إلا الطاعة ، فجزاه أبوبكر خيرا ، ثم
نادى في الناس بالخروج ، وأميرهم خالد بن سعيد ، وكان خالد من عمال
رسول الله باليمن ، فقدم وقد توفي رسول الله ، فامتنع عن البيعة ، ومال إلى
بني هاشم ، فلما عهد أبوبكر لخالد قال له عمر : أتولي خالدا وقد حبس
عنك بيعته ، وقال لبني هاشم ما قد بلغك ؟ فوالله ما أرى أن توجهه . فحل
لواءه ، ودعا يزيد بن أبي سفيان ، وأبا عبيدة بن الجراح ، وشرحبيل بن حسنة ،
وعمرو بن العاص ، فعقد لهم ، وقال : إذا اجتمعتم فأميرهم الناس أبوعبيدة .
وقدمت عليه العشائر من اليمن ، فأنفذهم جيشا بعد جيش ، فلما قدمت
الجيوش الشأم كتب إليه أبوعبيدة يعلمه إقبال ملك الروم في خلق عظيم ، فجعل
يسرح إليه الجيش بعد الجيش ، والاول فالاول ممن يقدم عليه من قبائل العرب ،
ثم تتابعت عليه كتب أبي عبيدة بكل أخبار جمع الروم ، فوجه أبوبكر
عمرو بن العاص في جيش من قريش وغيرهم ، ثم كتب أبوبكر إلى خالد بن
الوليد أن يسير إلى الشأم ويخلف المثنى بن حارثة بالعراق ، فنفذ خالد في أهل
القوة ممن كان معه ، وخلف المثنى بن حارثة الشيباني في بقية الجيش بالعراق .
وسار خالد نحو الشأم ، فلما صار إلى عين التمر لقي رابطة لكسرى عليهم
عقبة بن أبي هلال النمري ، فتحصنوا منه ، ثم نزلوا على حكمه ، فضرب عنقه
النمري . ثم سار حتى لقي جمعا لبني تغلب عليهم الهذيل بن عمران ، فقدمه
فضرب عنقه ، وسبى منهم سبايا كثيرة بعث بهم إلى المدينة . وبعث إلى كنيسة
اليهود ، فأخذ منهم عشرين غلاما ، وصار إلى الانبار ، فأخذ دليلا يدله على
ـ134ـ
طريق المفازة ، فمر بتدمر ، فتحصن أهلها ، فأحاط بهم ، ففتحوا له وصالحهم ،
ثم مضى إلى حوران ، فقاتلهم قتالا شديدا ، فقيل : إن خالدا سار في البرية
والمفازة ثمانية أيام حتى وافاهم ، فاتتحوا بصرى ، وفحل ، وأجنادين
من فلسطين .
وكانت بينهم وبين الروم وقعات بأجنادين صعبة في كل ذلك يهزم الله
الروم تكون العاقبة للمسلمين .
وروى بعضهم : أن خالد بن الوليد صار إلى غوطة دمشق ، ثم فرعها إلى
ثنية ومعه راية بيضاء تدعى العقاب ، فبها سميت ثنية العقاب ، وصار إلى
حوران ، فقصد مدينة بصرى فحاربهم ، فسألوه الصلح ، فصالحهم ، ثم صار
إلى أجنادين ، وبها جمع للروم ، فحاربهم محاربة شديدة ، وتفرق جمع الكفرة .
وكانت وقعة أجنادين يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الاولى سنة 13 .
وبعث أبوبكر عثمان بن أبي العاص ، وندب معه عبدالقيس ، فسار في
جيش إلى توج فافتتحها وسبى أهلها ، وافتتح مكران وما يليها ، ووجه العلاء
ابن الحضرمي في جيش ، فاتتح الزارة وناحيتها من أرض البحرين ، وبعث إلى
أبي بكر بالمال ، فكان أول ما قسمه أبوبكر في الناس بين الاحمر والاسود ،
والحر والعبد ، دينارا لكل إنسان .
وقدم اياس بن عبدالله بن الفجاءة السلمي على أبي بكر فقال : يا خليفة
رسول الله ! إني قد أسلمت ، فأعطاه أبوبكر سلاحا ، فخرج من عنده ،
فبلغه أنه يقطع الطريق ، فكتب إلى طريفة بن حاجزة : إن عدو الله ابن الفجاءة
خرج من عندي ، فبلغني أنه قطع الطريق ، وأخاف السبيل ، فسر إليه حتى
تأخذه . وتقدم طريفة ، فسار إليه ، فقتل قوما من أصحابه ، ثم لقيه ، فقال :
إني مسلم ، وإنه مكذوب علي ! فقال طريفة : فإن كنت صادقا ، فاستأسر
حتى تأتني أبابكر فتخبره ! فاستأسر . فلما قدم به على أبي بكر أخرجه إلى البقيع
فحرقه بالنار ، وحرق أيضا رجلا من بني أسد يقال له شجاع بن ورقاء
ـ135ـ
كان ينكح . . 1
وقال عمر بن الخطاب لابي بكر : يا خليفة رسول الله ، إن حملة القرآن
قد قتل أكثرهم يوم اليمامة ، فلو جمعت القرآن ، فإنى أخاف عليه أن يذهب
حملته . فقال أبوبكر : أفعل مالم يفعله رسول الله ؟ فلم يزل به عمر حتى جمعه
وكتبه في صحف . وكان مفترقا في الجريد وغيرها ، وأجلس خمسة وعشرين
رجلا من قريش ، وخمسين رجلا من الانصار ، وقال : اكتبوا القرآن ،
واعرضوا على سعيد بن العاص ، فإنه رجل فصيح .
وروى بعضهم أن علي بن أبي طالب كان جمعه لما قبض رسول الله وأتى
به يحمله على جمل ، فقال : هذا القرآن قد جمعته ، وكان قد جرأة سبعة أجزاء ،
فالجزء الاول البقرة ، وسورة يوسف ، و العنكبوت ، والروم ، ولقمان ،
وحم السجدة ، و الذاريات ، وهل أتى على الانسان ، والم تنزيل السجدة ،
و النازعات ، وإذا الشمس كورت ، وإذا السماء انفطرت ، وإذا السماء انشقت ،
وسبح اسم ربك الاعلى ، ولم يكن ، فذلك جزء البقرة ثمانمائة وست وثمانون
آية ، وهو خمس عشرة سورة .
الجزء الثاني : آل عمران ، وهود ، والحج ، والحجر ، والاحزاب ، والدخان ،
والرحمن ، والحاقة ، وسأل سائل ، وعبس ، والشمس وضحاها ، وإنا
أنزلناه ، وإذا زلزلت ، وويل لكل همزة ، وألم تر ، ولايلاف قريش ، فذلك
جزء آل عمران ثمانمائة وست وثمانون آية ، وهو ست عشرة سورة .
الجزء الثالث : النساء ، والنحل ، والمؤمنون ، ويس ، وحمعسق ، والواقعة ،
وتبارك الملك ، ويا أيها المدثر ، وأرأيت ، وتبت ، وقل هل الله أحد ، والعصر ،
والقارعة ، والسماء ذات البروج ، والتين والزيتون ، وطس النمل ، فذلك جزء
النساء ثمانمائة وست وثمانون آية ، وهو ست عشرة سورة .
الجزء الرابع : المائدة ، ويونس ، ومريم ، وطسم الشعراء ، والزخرف ،
* ( هامش ) * ( 1 ) بياض في الاصل . ـ * ـ
ـ136ـ
والحجرات ، وق والقرآن المجيد ، واقتربت الساعة ، والممتحنة ، والسماء
والطارق ، ولا أقسم بهذا البلد ، وألم نشرح لك ، العاديات ، وإنا أعطيناك
الكوثر ، وقل يا أيها الكافرون ، فذلك جزء المائدة ثمانمائة وست وثمانون آية ،
وهو خمس عشرة سورة .
الجزء الخامس : الانعام ، وسبحان ، واقترب ، والفرقان ، وموسى
وفرعون ، وحم المؤمن ، والمجادلة ، والحشر ، والجمعة ، و المنافقون ،
ون والقلم ، وإبا أرسلنا نوحا ، وقل أوحي إلي ، والمرسلات ، والضحى ،
وألهاكم ، فذلك جزء الانعام ثمانمائة وست وثمانون آية ، وهو ست عشرة
سورة .
الجزء السادس : الاعراف ، وإبراهم ، والكهف ، والنور ، وص ،
والزمر ، والشريعة ، والذين كفروا ، والحديد ، والمزمل ، ولا أقسم بيوم
القيامة ، وعم يتساءلون ، والغاشية ، والفجر ، والليل إذا يغشى ، وإذا جاء
نصر الله ، فذلك جزء الاعراف ثمانمائة وست وثمانون آية ، وهو ست عشرة سورة .
الجزء السابع : الانفال ، وبراءة ، وطه ، والملائكة ، والصافات ،
والاحقاف ، والفتح ، والطور ، والنجم ، والصف ، والتغابن ، والطلاق ،
والمطففين ، و المعوذتين ، فذلك جزء الانفال ثمانمائة وست وثمانون آية ، وهو
خمس عشرة سورة .
وقال بعضهم : إن عليا قال : نزل القرآن على أربعة أرباع : ربع فينا ،
وربع في عدونا ، وربع أمثال ، وربع محكم ومتشابه .
وقسم أبوبكر بين الناس بالسوية لم يفضل أحدا على أحد ، وكان يأخذ في
كل يوم من بيت المال ثلاثة دراهم أجرة ، وكان تسمى خليفة رسول الله .
واعتل أبوبكر في جمادى الآخرة سنة 13 . فلما اشتدت به العلة عهد
إلى عمر بن الخطاب . فأمر عثمان أن يكتب عهده ، وكتب : بسم الله الرحمن
الرحيم ، هذا ما عهد أبوبكر خليفة رسول الله إلى المؤمنين والمسلمين : سلام
ـ137ـ
عليكم ، فإني أحمد إليكم الله ، أما بعد ، فإني قد استعملت عليكم عمر بن
الخطاب ، فاسمعوا ، وأطيعوا ، وإني ما ألوتكم نصحا ، والسلام .
وقال لعمر بن الخطاب : يا عمر ، أحبك محب وأبغضك مبغض . فلئن
أبغض الحق ، فلقديما ما ، ولئن استمر في الباطل ، فلربما .
ودخل عبدالرحمن بن عوف في مرضه الذي توفي فيه . فقال : كيف
أصبحت يا خليفة رسول الله ؟ فقال : أصبحت موليا ، وقد زدتمونى على ما بي
ان رأيتمونى في استعملت رجلا منكم فكلكم قد أصبح وارم أنفه ، وكل يطلبها
لنفسه . فقال عبدالرحمن : والله ما أعلم صاحبك إلا صالحا مصلحا ، فلا تأس
على الدنيا ! قال : ما آسى إلا على ثلاث خصال صنعتها ليتني لم أكن صنعتها ،
وثلاث لم أصنعها ليتني كنت صنعتها ، وثلاث ليتني كنت سألت رسول الله عنها ،
فأما الثلاث التي صنعتها ، فليت أني لم أكن تقلدت هذا الامر . وقدمت عمر
بين يدي ، فكنت وزيرا خيرا مني أميرا ، وليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت
رسول الله وأدخله الرجال ، ولو كان أغلق على حرب ، وليتني لم أحرق الفجاءة
السلمي ، إما أن أكون قتلته سريحا ، أو أطلقته نجيحا ، والثلاث التي ليت
أني كنت فعلتها ، فليتني قدمت الاشعث بن قيس نضرب عنقه ، فإنه يخيل
إلي أنه لا يرى شيئا من الشر إلا أعان عليه ، وليت أني بعثت أبا عبيدة إلى
المغرب وعمر إلى أرض المشرق فأكون قدمت يدي في سبيل الله ، وليت أني
ما بعثت خالد بن الوليد إلى بزاخة ، ولكن خرجت فكنت ردأ له في سبيل الله .
والثلاث التي وودت أني سألت رسول الله عنهن : فلمن هذا الامر ،
فلا ينازعه فيه ، وهل للانصار فيه من شئ ، وعن العمة والخالة أتورثان أو
لا ترثان ، وإني ما أصبت من دنيا كم بشئ ، ولقد أقمت نفسي في مال الله
وفئ المسلمين مقام الوصي في مال اليتيم إن استغنى تعفف ، وإن افتقر أكل
بالمعروف ، وإن والي الامر بعدي عمر بن الخطاب ، وإني استسلفت من بيت
المال مالا ، فإذا مت فليبع حائطي في موضع كذا وليرد إلى بيت المال .
ـ138ـ
وأوصى أبوبكر بغسله أسماء بنت عميس امرأته ، فغسلته ودفن ليلا ،
وورثه أبوقحافة السدس .
وكان الغالب على أبي بكر عمر بن الخطاب ، وكانت وفاته يوم الثلاثاء
لثماني ليال يقين من جمادى الآخرة ، ومن شهور العجم في آب ، وقيل لليلتين
بقيتا منه سنة 13 ، وصلى عليه عمر بن الخطاب ، ودفن في البيت الذي فيه
قبر رسول الله ، وكان له يوم توفي ثلاث وستون سنة ، وكان له من الولد الذكور
ثلاثة توفي أحدهم في حياته ، وهو عبدالله ، وخلف اثنين محمدا و عبدالرحمن ،
وكان حاجبه مولاه سديدا ، وكانت ولايته سنتين وأربعة أشهر ، وحج بالناس
سنة 12 .
وكان عمال أبي بكر لما توفي : عتاب بن أسيد على مكة ، وعثمان بن
أبي العاص على الطائف ، ورجلا من الانصار على اليمامة ، وحذيفة بن محصن
على عمان ، والعلاء بن الحضرمي على البحرين ، وخالد بن الوليد على جيش
الشأم ، والمثنى بن حارثة الشيباني على الكوفة ، وسويد بن قطبة على البصرة .
صفة أبي بكر : وكان أبوبكر أبيض ، نحيفا ، خفيف العارضين ، أحنى ،
لا يستمسك إزاره على حقويه ، معروق الوجه ، غائر العينين ، عاري الاشاجع ،
يخضب لحيته بالحناء والكتم .
وكان من يؤخذ عنهن الفقه ، في أيام أبي بكر ، علي بن أبي طالب ، وعمر
ابن الخطاب ، ومعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وعبدالله
ابن مسعود .
ـ139ـ
ايام عمر بن الخطاب
ثم استخلف عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزى بن رياح بن عبدالله
ابن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب ، وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن
عبدالله بن عمر بن مخزوم ، يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة ، وقيل
لسبع بقين منه سنة 13 ، وكان ذلك من شهور العجم في آب ، وكانت الشمس
يومئذ في الاسد ست عشرة درجة ، والقمر في العقرب أربعا وعشرين درجة
وعشر دقائق ، وزحل في القوس ثلاثين درجة راجعا ، والمشتري في الحوت
تسع درج وثلاثين دقيقة راجعا ، والمريخ في الثور إحدى وعشرين درجة وخمسين
دقيقة ، والزهرة في الحوت تسع درجات ، وعطارد في السنبلة عشر درجات وثلاثين
دقيقة ، والرأس في القوس اثنتي عشرة درجة وخمسا وثلاثين دقيقة ، فصعد
المنبر ، فجلس دون مجلس أبي بكر بمرقاة ، وخطب الناس ، فحمد الله وأثنى
عليه ، وصلى على النبي ، وذكر أبا بكر ، وفضله ، وترحم عليه . ثم قال :
ما أنا إلا رجل منكم ، ولولا أني كرهت أن أرد أمر خليفة رسول الله لما
تقلدت أمركم . فأثنى الناس عليه خيرا .
وكان أول ما عمل به عمر أن رد سبايا أهل الردة إلى عشائرهم ، وقال :
إني كرهت أن يصير السبي سنة على العرب ، وكتب عمر إلى أبي عبيدة بن
الجراح يخبره بوفاة أبي بكر مع يرفأ مولاه ، وكتب بعقده وولايته الشأم مكان
خالد بن الوليد مع شداد بن أوس ، وصير خالدا موضع أبي عبيدة ، وكان
عمر سئ الرأي في خالد ، على أنه ابن خاله ، لقول كان قاله في عمر ، وقد
كان خالد بن الوليد ومن معه من المسلمين فتحوا مرج الصفر من أرض دمشق ،
وحاصروا مدينة دمشق ، قبل وفاة أبي بكر ، بأربعة أيام ، فستر أبوعبيدة
ـ140ـ
الخبر عن خالد ، حتى ورد كتاب ثان من عمر على أبي عبيدة يأمره أن يتوجه
إلى حمص ونواحي الشأم ، فعلم بذلك خالدا ، فقال : رحم الله أبا بكر ! لو
كان حيا ما عزلني .
وكتب عمر إلى أبي عبيدة : إن كذب خالد نفسه فيما كان قاله عمله ،
وإلا فانزع عمامته وشاطره ماله . فشاور خالد أخته ، فقالت : والله ما أراد
ابن حنتمة إلا أن تكذب نفسك ، ثم ينزعك من عملك ، فلا تفعلن . فلم
يكذب نفسه ، فقام بلال فنزع عمامته وشاطره أبوعبيدة ماله ، حتى نعله
فأفرد واحدة عن الاخرى .
وأقاموا على ما كانوا عليه في حصار دمشق حولا كاملا وأياما ، وكان
أبوعبيدة بباب الجابية ، وخالد بباب الشرقي ، وعمرو بن العاص بباب توما ،
ويزيد بن أبي سفيان بباب الصغير ، فلما طال على صاحب دمشق الامر أرسل
إلى أبي عبيدة فصالحه ، وفتح له باب الجابية ، وألح خالد على باب الشرقي
لما بلغه أن أبا عبيدة عزم على أن يصالح القوم ، وأن القوم قد وثقوا به للصلح ،
ففتحه عنوة ، فقال خالد لابي عبيدة : اسبهم ، فإني دخلتها عنوة ! فقال :
لا ، قد أمنتهم ! ودخل المسلمون المدينة ، وتم الصلح ، وذلك في رجب سنة 14 .
وروى الواقدي أن خالد بن الوليد صالحهم ، وكتب للاسقف كتابا للصلح ،
وأعطاهم الامان ، فأجاز أبوعبيدة ذلك .
وفي هذه السنة سن عمر بن الخطاب قيام شهر رمضان ، وكتب بذلك إلى
البلدان ، وأمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يصليا بالناس ، فقيل له في ذلك :
إن رسول الله لم يفعله ، وإن أبا بكر لم يفعله . فقال : إن تكن بدعة فما أحسنها
من بدعة .
ووجه أبوعبيدة عمرو بن العاص إلى الاردن وفلسطين ، فجمع القوم
جموعا ليدفعوا عمرا وأصحابه ، فوجه أبوعبيدة إلى عمرو شرحبيل بن حسنة ،
وتوجه أبوعبيدة نحو جمع الروم ، ففتح الاردن عنوة ما خلا طبرية ، فإن
ـ141ـ
أهلها صالحوه على أنصاف منازلهم وكنائسهم ، وكان المتولي لذلك شرحبيل بن حسنة .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 141 سطر 1 الى ص 150 سطر 25
أهلها صالحوه على أنصاف منازلهم وكنائسهم ، وكان المتولي لذلك شرحبيل بن حسنة .
وقد كان الروم لما بلغهم إقبال أبي عبيدة تحولوا إلى فحل ، فعبأ أبو
عبيدة المسلمين ، فجعل على مسنته معاذ بن جبل ، وعلى ميسرته هاشم بن عتبة ،
وعلى الرجالة سعد بن زيد ، وعلى الخيل خالد بن الوليد . وأقبلت الروم ، فكان
أول من لقيهم خالد ، فهزم الله الروم ، وطلبوا الصلح على أن يؤدوا الجزية ،
فأجابهم أبوعبيدة إلى ذلك ، وانصرف ، وخلف عمرو بن العاص على باقي
الاردن ، ووجه بخالد على مقدمته إلى بعلبك وأرض البقاع ، فافتتحها وصار
إلى حمص ، ولحقه أبوعبيدة ، فحصروا أهل حمص حصارا شديدا ، ثم
طلبوا الصلح ، فصالحهم عن جميع بلادهم على أن عليهم خراجا مائة وسبعين
ألف دينار ، ثم دخل المسلمون المدينة ، وبث أبوعبيدة عماله في نواحي حمص .
ثم أتاه خبر ما جمع طاغية الروم من الجموع في جميع البلدان ، وبعثه
إليهم من لا قبل لهم به ، فرجع إلى دمشق ، وكتب إلى عمر بن الخطاب بذلك ،
وكتب إليهم عمر أنه قد كره رجوعكم من أرض حمص إلى دمشق ، وجمع
أبوعبيدة إليه المسلمين ، وعسكر باليرموك ، وكان جبلة بن الايهم الغساني
على مقدمة الروم في جيش من قومه ، وجعل أبوعبيدة خالد بن الوليد على
مقدمته ، فواقع المشركين ، ولقي ماهان صاحب الروم ، واقتتلوا قتالا شديدا ،
ولحقه أبوعبيدة والمسلمون ، وكانت وقعة جليلة الخطب . فقتل من الروم مقتلة
عظيمة وفتح الله على المسلمين ، وكان ذلك في سنة 15 .
وأوفد أبوعبيدة إلى عمر وفدا فيهم حذيفة بن اليمان ، وقد كان عمر أرق
عدة ليال ، واشتد تطلعه إلى الخبر ، فلما ورد عليه الخبر خر ساجدا وقال :
الحمد لله الذي فتح على أبي عبيدة ، فوالله لو لم يفتح لقال قائل : لو
كان . . . 1 خالد بن الوليد .
ورجع أبوعبيدة إلى حمص ووجه بخالد في آثار الروم حتى صار إلى
* ( هامش ) * ( 1 ) بياض في الاصل . ـ * ـ
ـ142ـ
قنسرين . وانتهى إلى حلب ، فتحصن أهلها ، وجاء أبوعبيدة حتى نزل عليها ،
وطلبوا الصلح والامان ، فقبل أبوعبيدة ذلك منهم ، وكتب لهم أمانا ، ووجه
بمالك بن الحارث الاشتر على جمع إلى الروم ، وقد قطعوا الدرب ، فقتل منهم
مقتلة عظيمة ، ثم انصرف وقد عافاه الله وأصحابه .
ورجع أبوعبيدة نحو الاردن ، فحاصر أهل إيلياء ، وهي بيت المقدس ،
فامتنعوا عليه وطاولوه ، ووجه أبوعبيدة عمرو بن العاص إلى قنسرين ،
فصالحهم أهل حلب ، وقنسرين ، ومنج ، ووضع عليه الخراج على نحو ما فعل
أبوعبيدة بحمص ، وجمعت غنائم اليرموك بالجابية ، وكتبوا إلى عمر ، فكتب
إليهم : لا تحدثوا فيها حدثا ، حتى تفتحوا بيت المقدس .
وكان جبلة بن الايهم الغساني لما انهزمت الروم من اليرموك صار إلى موضعه
في جماعة قومه ، فأرسل إليه يزيد بن أبي سفيان أن اقطع على أرضك بالخراج
وأداء الجزية ، فقال : إنما يؤدي الجزية العلوج ، وأنا رجل من العرب .
وكان عمر قد بعث أبا عبيد بن مسعود الثقفي في جيش مع المثنى بن حارثة
الشيباني إلى العراق ، وكان كسرى قد توفي ، وقامت بوران ابنته بالملك ،
وصيرت رستم والفيرزان القيمين بأمر الملك ، وكان ضعيفين مهينين ، فتقدم
أبوعبيد الثقفي ، فلقي مسلحة من مسالح الفرس ، فأوقع بهم ، واقتتلوا قتالا
شديدا ، ثم أظفر الله المسلمين بهم ، ومنحهم أكتافهم .
وبعث إليهم رستم ، لما بلغه الخبر ، برجل يقال له جالينوس ، فالتقوا
بموضع يقال له باروسما ، فانهزمت الفرس ، وافتتح أبوعبيد باروسما ، فوجه
إليهم رستم بذي الحاجب ، وبعث معه الفيل ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فجعلت
خيل المسلمين تنفر من الفيل ، فشد عليه أبوعبيد الثقفى بالسيف ، فقطع مشفره ،
وبرك عليه الفيل فقتله ، وقام بالجيش المثنى بن حارثة الشيباني ، فلما انتهى الخبر
إلى عمر اشتد غمه بذلك .
وقدم جرير بن عبدالله البجلي من اليمن في ركب من بجيلة ، رئيسهم
ـ143ـ
عرفجة بن هرثمة ، حليف لهم من الازد ، فأمرهم عمر بالنفوذ إلى العراق ،
وأمر عليهم عرفجة ، فغضب جرير وقال : والله مال الرجل منا ! فقال عرفجة :
صدق ! فوجه عمر جرير بن عبدالله ، فقدم الكوفة ، ثم خرج فواقع
مرزبان المذار ، فقتله ، وانهزم جيشه ، وغرق أكثرهم في دجلة ، ثم صار
إلى النخيلة ، وبها مهران في جمعه ، فواقعه فاقتتلوا قتالا شديدا ، وشد
المنذر بن حسان على مهران فطعنه فألقاه عن دابته ، فبادر جرير فاحتز رأسه ،
فاختصما في سلبه ، فأخذ جرير السلاح ، والمنذر المنطقة ، وذلك في سنة 14 .
فلما رأت الفرس ما هم فيه من الضعف والمهانة وظهور المسلمين عليهم
اجتمعوا على قتل رستم والفيرزان ، ثم قالوا : إن في هذا إشتاتا لامرنا ، فطلبوا
ابن كسرى حتى وجدوا يزدجرد ، وهو ابن عشرين سنة ، فملكوه عليهم ،
فضبط أمورهم ، وحسن تدبيره ، واشتدت المملكة ، وقوي أمر الفرس ،
وأخرجوا المسلمين عن المروج ، فارتد أهل السواد وخرقوا العهود التي كانت
في أيديهم ، وصار المسلمون في الاطراف ، فلما بلغ ذلك عمر أراد الخروج
إلى العراق ، ثم استشار ، فأشير عليه بسعد بن أبي وقاص ، فوجهه بثمانية
آلاف ، فسار حتى نزل القادسية ، ووجه عتبة بن غزوان إلى كور دجلة والابلة
وأبرقباذ وميسان ففتحها ، واختط البصرة ، وبنى مسجدها بالقصب ، وقد
قيل : إن عمر وجهه لذلك .
وأقام سعد بالقادسية ، ثم ظفر المسلمون ببنت ازاذمر ، وهي تزف
إلى بعض الملوك ، وأخذوا ما كان معها من الاموال والاثقال ، وفرقوها على المسلمين
فطابت أنفسهم ، وحسنت قوتهم .
ثم وجه سعد إلى كسرى بالنعمان بن مقرن وجماعة معه يدعونه إلى
الاسلام ، فدخلوا عليه في أحسن زي ، وعليهم البرود والنعل ، فأخبروه بما
وجههم له سعد ، ودعوه إلى الاسلام وإلى شهادة الحق وإلى أداء الجزية ،
فأغضبه ذلك ، ودعا بتليس تراب فقال : احملوه على رأس سيدهم ، فلولا
ـ144ـ
أن رسل لا تقتل لقتلتهم . فقال عصام بن عمرو التميمي : أنا سيد القوم
فحملوه التراب . فمضى مسرعا . وقال : قد ظفرنا والله بهم ، ووطئنا أرضهم .
وبلغ رستم الخبر ، فغلظ ذلك عليه ، وقال : ما لابن الحجامة ولتدبير
الملك ويقال : إن أم يزدجر كانت حجامة ، ثم وجه رسلا في آثارهم ،
ففاتوا الرسل . فاشتد رعب كسرى والفرس منهم ، وأمر رستم ان يتوجه
إليهم . فكره ذلك ، فحمل عليه بالقول حتى خرج وهو مكره ، فلما صار
إلى النجف وجه إلى سعد أن ابعث إلي بقوم من عندكم لاناظرهم ، فأرسل سعد
المغيرة بن شعبة ، وبشر بن أبي رهم . وعرفجة بن هرثمة ، وحذيفة
ابن محصن . وربعي بن عامر ، وقرفة بن زاهر ، ومذعور بن عدي ،
ومضارب بن يزيد ، وشعبة بن مرة ، وكانوا من دهاة العرب ، فدخلوا عليه
رجلا رجلا . يقول كل واحد منهم مثل مقالة صاحبه ، ويدعونه إلى الاسلام ،
أو أداء الجزية ، فتبينوا فيه أنه يهوى الدخول في الاسلام ، ويخاف من أصحابه ،
وكلما علرض على واحد منهم لم ير عنده مسارعة ، ثم خرج رستم في التعبية
للجيش ، وجلس على سرير من ذهب ، أقام مصافة ، وعدل أصحابه ،
وأيقن بالهلكة . وكان منجما ، وكتب إلى أخيه : بسم الله ولي الرحمة ، من
الاصبهبد رستم إلى أخيه . أما بعد ، فإني رأيت المشتري في هبوط ، والزهرة
في علو ، وهو آخر العهد منك . والسلام عليك الدهر الدائم .
وخطب سعد بن أبي وقاص المسلمين ، فرغبهم في الجهاد ، وأعلمهم ما
وعد الله نبيه من النصر وإظهار الدين ، ورغب كل رجل من المسلمين صاحبه ،
وأنشبت الحرب بينهم بعد صلاة الظهر ، واقتتلوا قتالا شديدا وحسن بلاء
المسلمين وغناؤهم ، وكان سعد يومئذ عليلا فصار إلى قصر العذيب فنزله ،
وتحصن فيه ، فبلغ رستم فوجه خيلا ، فأحدثق بالقصر ، فلما بلغ المسلمين
ذلك صاروا إلى القصر ، فانهزم أصحاب رستم ، ثم أصبحوا من غد ، فوافاهم
ستة آلاف من جيش أبي عبيدة بن الجراح ، وهم الذين كانوا مع خالد بن الوليد :
ـ145ـ
خمسة آلاف من مضر وربيعة ، وألف من افناء المسلمين ، عليهم المرقال هاشم بن
عتبة بن أبي وقاص ، وكان فتح الشأم قبل القادسية بشهر ، فأصبحوا في اليوم
الثالث على مواقفهم ، وأخرج رستم الفيلة فلما نظرت إليها الكتائب كادت أن
تفترق ، ثم حمل المسلمون عليها ففقأوا أعينها ، وقطعوا مشافرها .
وزحف المسلمون وأصبحوا ، في اليوم الرابع ، وللمسلمين العلو ، وقتل
رستم ، وقع عليه عدل كان على بغل فقتله ، وكان الذي طرح عليه العدل هلال
ابن علفة ، وصعد على سريره وصاح : قتلت رستم ورب الكعبة ، إلي إلي !
وقيل : قتله زهير بن عبد شمس ابن أخي جرير بن عبدالله ، وقتل منهم مقتلة
عظيمة ، وانكشفوا مدبرين ، وجمعت الاموال والاسلاب وبيع سلب رستم ،
فبلغ سهم الرجل لكل فارس أربعة عشر ألفا ، وسهم الراجل سبعة آلاف ومائة ،
ورضخ لعيال الشهداء من صلب الفئ ، ورضخ للنساء من صلب الفئ ، فأما
العبيد فإنهم عفوا ، وأوفد سعد إلى عمر وفدا ، فأجاز هم عمر ثمانين دينارا
ثمانين دينارا .
وكان بالقادسية من أصحاب رسول الله من أهل بدر سبعون رجلا ،
ومن أهل بيعة الرضوان ومن شهد الفتح مائة وعشرون ، ومن أصحاب رسول
الله مائة . ونفرت جميع الفرس إلى المدائن منهزمين لا يلوون على شئ ، ويزد جرد
الملك بها ، فاتبعهم سعد بالمسلمين ، فحاصرهم شهرا وخمسة عشر يوما ،
ثم خرج الفرس هاربين ، وفتحت المدائن ، وقيل إن ذلك كان في سنة 16 .
وفيها أرخ عمر الكتب ، وأراد أن يكتب التأريخ منذ مولد رسول الله ،
ثم قال : من المبعث ، فأشار عليه علي بن أبي طالب أن يكتبه من الهجرة ،
فكتبه من الهجرة .
وتوجه عتبة بن غزوان إلى عمر ، واستخلف على البصرة مجاشع بن مسعود
السلمي ، والمغيرة بن شعبة في الجيش ، فلما شخص عتبة جاء من كان بميسان ،
ومن كان بكور دجلة من الاعاجم ، وعليهم الفيلكان ، فجمع لهم المغيرة بن
ـ146ـ
شعبة عدة من المسلمين ، فسار بهم حتى لقي الاعاجم بميسان ، فهزمهم وسبى
أهلها عنوة ، وكتب المغيرة بذلك إلى عمر بن الخطاب ، فقال عمر لعتبة :
استعمل أهل الوبر على أهل المدر ، وكتب إلى المغيرة : انك خليفة عتبة بن
غزوان حتى يقدم عتبة . وخرج عتبة من عند عمر ، فلما كان بين المدينة والبصرة
توفي عتبة ، فكتب عمر إلى المغيرة بولايته على البصرة .
فلما كانت وقعة القادسية صار المغيرة إلى سعد ثم رجع إلى عمله ، وكان
يختلف إلى امرأة من بني هلال يقال لها : أم جميل زوجة الحجاج بن عتيك
الثقفي ، فاستراب به جماعة من المسلمين ، فرصده أبوبكرة ، ونافع بن الحارث ،
وشبل بن معبد ، وزياد بن عبيد ، حتى دخل إليها فرفعت الريح الستر فإذا
به عليها ، فوفد على عمر ، فسمع عمر صوت أبي بكرة وبينه وبينه حجاب ،
فقال : أبوبكرة ؟ قال : نعم . قال : لقد جئت ببشر ؟ قال : إنما جاء به المغيرة .
ثم قص عليه القصة ، فبعث عمر أبا موسى الاشعري عاملا مكانه ، وأمره
أن يشخص المغيرة ، فلما قدم عليه جمع بينه وبين الشهود ، فشهد الثلاثة ،
وأقبل زياد ، فلما رآه عمر قال : أرى وجه رجل لا يخزي الله به رجلا من
أصحاب محمد ، فلما دنا قال : ما عندك يا سلح العقاب ؟ قال : رأيت أمرا
قبيحا ، وسمعت نفسا عاليا ، ورأيت أرجلا مختلفة ، ولم أر الذي مثل الميل في
المكحلة . فجلد عمر أبا بكرة ، ونافعا ، وشبل بن معبد ، فقام أبوبكرة وقال :
أشهد أن المغيرة زان ، فأراد عمر أن يجلده ثانية ، فقال له : علي إذا توفي
صاحبك حجارة . وكان عمر إذا رأى المغيرة قال : يا مغيرة ! ما رأيتك
قط إلا خشيت أن يرجمني الله بالحجارة . وكان بالبصرة من أصحاب رسول
الله ثمانية وستون رجلا .
رجع الحديث إلى خبر أبي عبيدة بن الجراح وحصاره أهل بيت المقدس
لانا جعلنا كل خبر في سنته ووقته .
وكتب أبوعبيدة إلى عمر يعلمه مطاولة أهل إيلياء وصبرهم ، وقال بعضهم :
ـ147ـ
إن أهل إيلياء سألوه أن يكون الخليفة المصالح لهم ، فأخذ عليهم العقود والمواثيق ،
وكتب إنى عمر فخرج إلى الشأم ، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ،
وقرب خالدا ، وأدناه ، وأمره . فسار في الناس على مقدمته ، وذلك في رجب
سنة 16 ، فنزل الجابية من أرض دمشق ثم صار إلى بيت المقدس ، فافتتحها
صلحا ، وكتب لهم كتابا : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب كتبه عمر بن
الخطاب لاهل بيت المقدس ، إنكم آمنون على دمائكم وأموالكم ، وكنائسكم
لا تسكن ولا تخرب ، إلا أن تحدثوا حدثا عاما ، وأشهد شهودا ، وأتاه
عمرو بن العاص بالطلاء فقال : كيف يصنع هذا ؟ فقال : يطبخ حتى يذهب
ثلثاه ، ويبقى ثلثه ، فقال : ما أرى بذلك بأسا .
واختلف القوم في صلح بيت المقدس ، فقالوا : صالح اليهود ، وقالوا :
النصارى ، والمجمع عليه النصارى ، وقام إليه بلال فقال : يا أمير المؤمنين ،
إن أمراء أجناد الشأم ما يأكلون إلا لحوم الطير والخبز النقي ، وما يجد ذلك عامة
الناس . فأخذ عمر أمراء الشأم بأن ضمنوا له القوت للمسلمين في كل يوم
خبزين لكل رجل وما يصلحه من الخل والزيت ، وأمر عمر أن تقسم الغنائم
بين الناس بالسوية خلا لخم وجذام ، وقال : لا أجعل من خرج من الشقة
إلى عدوه كمن خرج من بيته . فقام إليه رجل فقال : إن كان الله جعل الهجرة
إلينا فخرجنا من بيوتنا إلى عدونا نحرم حظنا .
ومر عمر راجعا إلى المدينة فمر على قوم قد أقيموا يعذبون في الخراج ،
فقال عمر : دعوهم ولا تعذبوهم ، فإني سمعت رسول الله يقول : إن الذين
يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله في الآخرة ، يوم القيامة ، فأرسل إليهم ،
فخلى سبيلهم . فأتاه جبلة بن الايهم فقال له : تأخذ مني الصدقة كما تصنع
بالعرب ؟ قال : بل الجزية ، وإلا فالحق بمن هو على دينك . فخرج في ثلاثين
ألفا من قومه ، حتى لحق بأرض الروم ، وندم عمر على ما كان منه في أمره .
ووجه عمرو بن العاص فقال له : يا أمير المؤمنين تأذن لي في أن أصير
ـ148ـ
إلى مصر ، فإنا إن فتحناها كانت قوة للمسلمين ، وهي من أكثر الارض أموالا ،
وأعجزه عن القتال ، ولم يزل يعظم أمرها في نفسه ، ويهون عليه فتحها ، حتى
عقد له على أربعة آلاف كلهم من عك ، وقال له : سيأتيك كتابي سريعا ،
فإن لحقك كتابي آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخل شيئا من أرضها ،
فانصرف ، فإن دخلتها ثم جاءك كتابي فامض ، واستعن بالله .
وسار عمرو مسرعا ، فلما كان برفح ، وهي آخر عمل فلسطين ،
أتاه رسول عمر ومعه كتاب ، فلم يفض الكتاب ، ونفذ حتى صار إلى قرية
بالقرب من العريش ، وقرأ الكتاب ، ثم قال : من أين هذه القرية ؟ قالوا :
من مصر ! قال : فإن أمير المؤمنين أمرني إن أتاني كتابه ، وقد دخلت شيئا من
أرض مصر ، أن أمضي لوجهي وأستعين بالله ، حتى أتى الفرما ، فقاتلوه
نحوا من ثلاثة أشهر ، ثم فتح الله عليه ، ومضى حتى صار إلى أدم دنين ،
فقاتلوه قتالا شديدا ، وأبطأ عنه الفتح ، وكتب إلى عمر يستمده ، فوجه بأربعة
آلاف ، وكتب إليه : إنه قد صير على كل ألف رجل رجلا يقوم مقام ألف
رجل منهم : الزبير بن العوام ، والمقداد بن الاسود ، وعبادة بن الصامت ،
وخارجة بن حذافة ، وقيل مسلمة بن مخلد ، فاقتتاوا قتالا شديدا ، ثم قال
الزبير : إني أهب نفسي لله ، وأرجو أن يفتح الله على المسلمين ، فوضع السلم
ليلا إلى جانب الحصن ، ثم اقتحم معه جماعة ، وكبر المسلمون ، فلما استحر
القتل دعوا إلى الصلح ، فقال بعضهم : صالح المقوقس عمرو بن العاص على
دينار بن دينارين لكل رجل ، وقيل لم يكن صلح ، وإنما افتتح عنوة .
ثم مضى حتى صار إلى الاسكندرية وبها جموعت الروم ، وعليها ثلاثة حصون ،
فقاتلوه قتالا شديدا ، فطالت المدة بينهم ثلاثة أشهر . وكان المقوقس قد سأل عمرا أن
يصالحه عن الاسكندرية على أن يطلق من أراد منهم أن يمضي إلى بلاد الروم ، ومن
أقام فعليه ديناران خراج ، فأجابه إلى ذلك ، فلما بلغ هرقل ملك الروم غضب . . . 1
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ149ـ
فقال المقوقس : إني قد نصحت لهم فاستغشوني ، فلا تجبهم إلى ما أجبتني إليه .
وخرج عمر إلى مكة سنة 17 ، فاعتمر عمرة رجب ، ووسع المقام ،
ويا عده من البيت ، ووسع الحجر ، وبنى المسجد الحرام ، ووسع فيه ، واشترى
من قوم منازلهم ، وامتنع آخرون ، فهدم عليهم ووضع أثمان منازلهم في بيت
المال . وكان فيما هدم بيت العباس بن ع بدالمطلب ، فقال له : تهدم داري ؟
قال : لاوسع بها في المسجد الحرام ! فقال العباس : سمعت رسول الله يقول :
إن الله أمر داود أن يبني له بيتا بإيلياء فبناه يبيت المقدس ، وكان كلما ارتفع
البناء سقط فقال داود : يارب إنك أمرتني أن أبني لك بيتا ، واني كلما بنيت
سقط البناء ، فأوحى الله إليه : إني لا أقبل إلا الطيب ، وانك بنيت لي في غصب ،
فنظر داود فإذا قطعة أرض لم يكن شراها ، فابتاعها من صاحبها بحكمه ، ثم
بنى فتم البناء . قال : ومن يشهد أنه سمع هذا من رسول الله ؟ فقام قوم فشهدوا .
قال : فتحكم إلينا يا أبا الفضل ، وإلا امسكنا ؟ قال : فإني قد تركتها لله .
وانصرف عمر بعد عشرين يوما ، وكان العباس يسايره ، وتحت العباس دابة
مصعب ، فتقدمه عمر ثم وقف له حتى لحقه فقال له : تقدمتك ، وما لاحد أن
يتقدمكم معشر بني هاشم قوم . . . . . . . . 1 فيكم ضعف . قال :
رآنا الله نقوى على النبوة ، ونضعف على الخلافة .
ثم خرج يريد الشأم حتى بلغ إلى سرغ ، فبلغه أن الطاعون قد كثر ،
فرجع ، فلقيه أمراء الشأم ، وكلمه أبوعبيدة بن الجراح أشد كلام ، وقال :
أفرار من قدر الله تعالى ؟ قال عمر : نعم أفر من قدر الله إلى قدر الله .
وفي هذه السنة خطب عمر إلى علي بن أبي طالب أم كلثوم بنت علي ،
وأمها فاطمة بنت رسول الله ، فقال علي : إنها صغيرة ! فقال : إني لم أرد
حيث ذهبت . لكني سمعت رسول الله يقول : كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة
إلا سببي ونسبي وصهري ، فأردت أن يكون لي سبب وصهر برسول الله .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ150ـ
فتزوجها ، وأمهرها عشرة آلاف دينار .
وفي هذه السنة نزل المسلمون الكوفة ، واختطوا بها الخطط ، وبنوا المنازل .
وقيل كان ذلك في أول سنة 18 ، ونزلها من أصحاب رسول الله ثمانون رجلا .
وأصاب الناس حدب وقحط ومجاعة شديدة في عام الرمادة ، وهي سنة 18 ،
فخرج عمر يستسقي ، وأخرج الناس ، وأخذ بيد العباس بن ع بدالمطلب ،
فقال : اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك ! اللهم فلا تخيب ظنهم في رسولك ،
فأسقوا .
واجرى عمر الاقوات في تلك السنة على عيالات قوم من المسلمين ، وأمر
أن تكون نفقات أولاد اللقط ورضاعهم من بيت المال .
وفي هذه السنة سمي عمر أمير المؤمنين ، وكان يسمى خليفة خليقة رسول
الله ، وكتب إليه أبوموسى الاشعري : لعبد الله عمر أمير المؤمنين ، وجرت عليه ،
وقيل إن المغيرة بن شعبة دخل عليه فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، فقال :
لتحرجن مما قلت . فقال : ألسنا مسلمين ؟ قال : بلى ! قال : وأنت أميرنا ؟
قال : اللهم نعم .
وكان أبوعبيدة بن الجراح قد وجه عياض بن غنم الفهري إلى الجزيرة ،
فلم يزل يحاصر عليهم ثم افتتح الرقة ، وسروج ، والرها ، ونصيبين ، وسائر
مدن الجزيرة ، وكانت صلحا كلها ، ووضع عليها الخراج على الارضين
ورقاب الرجال ، على كل إنسان أربعة وخمسة دنانير وستة في سنة 18 ،
فانصرف إلى أبي عبيدة .
وكثر الطاعون بالشأم ، وكان طاعون عمواس ، فمات أبوعبيدة بن
الجراح ، واستخلف عياض بن غنم على حمص ، وما والاها من قنسرين ،
ومعاذ بن جبل على الاردن ، ولم يلبث معاذ بن جبل إلا أياما حتى توفي ،
ومات يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة ، فأقر عمر معاوية على عمل يزيد ،
ومات في تلك السنة في طاعون عمواس خمسة وعشرون ألفا سوى من لم
ـ151ـ
يحصر منهم ، وغلا السعر ، واحتكر الناس ، فنهى عمر من الاحتكار .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 151 سطر 1 الى ص 160 سطر 25
يحصر منهم ، وغلا السعر ، واحتكر الناس ، فنهى عمر من الاحتكار .
وفيها توفي الفضل بن العباس بن ع بدالمطلب بفلسطين ، وكانت فلسطين
قد افتتحت خلا قيسارية ، وكان معاوية بن أبي سفيان مقيما عليها ، فافتتحها
سنة 18 ، وقيل كان بها ثمانون ألف مقاتل ، وبعث رجلين من جذام إلى عمر
بالبشارة ، ثم اردفهما برجل من خثعم يقال له : زهير ، وقال له : ان قدرت
أن تسبق الجذاميين فافعل ، فمر بهما الخثعمي ، وهما نائمان ، فجازهما ،
وقدم المدينة ليلا ، فأتى عمر فأخبره ، فكبر وحمدالله ، ثم خرج إلى المسجد ،
وأمر بنار ، فأتي بها ، فحمدالله ، وأعلمهم بفتح قيسارية .
وكتب سعد بن أبي وقاص من المدائن إلى عمر بعد مقامه بثلاث سنين
يعمله اجتماع الفرس بجلولاء ، وهي قرية من قرى السواد ، بالقرب من حلوان ،
وكتب إليه أن ينهض إليهم فيمن معه ، ووجه عبدالله بن مسعود ، فأقامه
مقام سعد ، وقيل صير سلمان بالمدائن ، وكان ابن مسعود يفقههم ويعلمهم ،
فكانت وقعة جلولاء سنة 19 ، فلم يزل يقاتلهم حتى فتح الله عليه ، وقتل من
الفرس مقتلة عظيمة ، وهرب يزدجرد فيمن بقي معه ، فلحق بأصبهان ، ثم
سار إلى ناحية الري ، وأتاه صاحب طبرستان ، فأعلمه حصانة بلاده ، فامتنع
عليه ، ومضى إلى مرو ، وكان معه ألف اسوار من اساورته ، وألف جبار ،
وألف صناجة ، فكاتب نيزك طرخان ، فعلاه بعمود ، فمضنى منهزما حتى
دخل بيت طحان ، ولحقوه فقتلوه في بيت الطحان ، فصارت أساورته إلى
بلخ ، ووقعت صناجته إلى هراة وجباروه إلى مرو ، وافترقت جموع الفرس
وأذهب الله ملكهم ، وفرق جمعهم ، ورجع سعد إلى الكوفة ، فاختط مسجدها ،
وقصر إمارتها ، فاختط الاشعث جبانة كندة ، واختط كندة حوله ، واختط
يزيد بن عبدالله ناحية البرية ، واختطت بجلة حوله .
وشاور عمر أصحاب رسول الله في سواد الكوفة ، فقال له بعضهم :
تقسمها بيننا ، فشاور عليا ، فقال : إن قسمتها اليوم لم يكن لمن يجئ بعدنا
ـ152ـ
شئ ، ولكن تقرها في أيديهم يعملونها ، فتكون لنا ولمن بعدنا . فقال : وفقك
الله ! هذا الرأي . ووجه عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان ، فمسحا السواد ،
وأمرهما أن لا يحملا أحدا فوق طاقته ، فاجتبى خراج السواد ثمانين ألف ألف
درهم ، وأجرى على عثمان بن حنيف خمسة دراهم في كل يوم وجرابا من
دقيق ، وأمره أن لا يمسح تلا ، ولا أجمة ، ولا مستنقع ماء ، ولا ما لا يبلغه
الماء ، وأن يمسح بالذراع السوداء ، وهو ذراع وقبضة ، وأقام إبهامه فوق
القبضة شيئا يسيرا ، فمسح عثمان كل شئ دون جبل حلوان إلى أرض العرب
وهو أسفل الفرات ، فكتب إلى عمر : اني وجدت كل شئ بلغه الماء من عامر
وغير عامر ، بلغه الماء ، عمله صاحبه أو لم يعمله . . . . . 1 درهما وقفيزا
وعلى الكرم عشرة دراهم ، وعلى الرطاب خمسة دراهم .
وفرض على رقابهم : على الموسر ثمانية وأربعين ، وعلى من دون ذلك أربعة
وعشرين ، وعلى من لا يجد اثني عشر درهما ، وقال : درهم في الشهر لا يعوز
رجلا ! فحمل من خراج السواد ، في أول سنة ، ثمانون ألف ألف درهم ،
وحمل من قابل عشرون ومائة ألف ألف درهم .
واجتمع الدهاقين إلى عثمان بن حنيف في الكرم ، فقالوا : إنما في قرب
من المصر يباع العنقود منه بدرهم ، فكتب إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب
إليه عمر أن يحمل من هذا ، ويوضع على هذا بقدر الموضعين . وكان عمر يأخذ
الجزية من أهل كل صناعة من صناعتهم بقيمة ما يجب عليهم ، وكذلك فعل
علي ، وكتب عمر إلى أبي موسى أن يضع على أرض البصرة من الخراج مثل ما
وضع عثمان بن حنيف على أرض الكوفة ، وكتب إلى عثمان بن حنيف : ان
احمل إلى أهل المدينة أعطياتهم ، فإنهم شركاؤهم . فكان يحمل ما بين العشرين
ألف ألف إلى الثلاثين ألف ألف .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ153ـ
ودون عمر الدواوين وفرض العطاء سنة 20 ، وقال : قد كثرت الاموال
فأشير عليه أن يجعل ديوانا ، فدعا عقيل بن أبي طالب ، ومخرمة بن نوفل ،
وجبير بن مطعم بن نوفل بن عبدمناف ، وقال : اكتبوا الناس على منازلهم ،
وابدأوا ببني عبد مناف . فكتب أول الناس علي بن أبي طالب في خمسة آلاف ،
والحسن بن علي في ثلاثة آلاف ، والحسين بن علي في ثلاثة آلاف ، وقيل بدأ
بالعباس بن ع بدالمطلب في ثلاثة آلاف ، وكل من شهد بدرا من قريش في
ثلاثة آلاف ، ومن شهد بدرا من الانصار في أربعة آلاف ، لاهل مكة من
كبار قريش مثل أبي سفيان بن حرب ، ومعاوية بن أبي سفيان في خمسة آلاف ،
ثم قريش على منازلهم ممن لم يشهد بدرا ، ولامهات المؤمنين ستة آلاف
ستة آلاف ، ولعائشة وأم حبيبة وحفصة في اثني عشر ألفا ، ولصفية وجويرية
في خمسة آلاف خمسة آلاف ، ولنفسه في أربعة آلاف ، ولابنه عبدالله
ابن عمر في خمسة آلاف ، وفي أهل مكة الذين لم يهاجروا في ستمائة وسبعمائة ،
وفرض لاهل اليمن في أربعمائة ، ولمضر في ثلاثمائة ، لربيعة ، في مائتين .
وكان أول مال أعطاه مالا قدم به أبوهريرة من البحرين ، مبلغه سبعمائة
ألف درهم . قال : اكتبوا الناس على منازلهم ، وكتبوا بني عبدمناف ،
ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه ، ثم أتبعوهم عمر بن الخطاب وقومه على الخلافة .
فلما نظر عمر قال : وددت والله اني هكذا في القرابة برسول الله ، ولكن ابدأوا
برسول الله ثم الاقرب فالاقرب منه ، حتى تضعوا عمر بحيث وضعه الله . وفرض
للنساء ا لمهاجرات وغيرهن على قدر فضلهن ، وكانت فريضته لهن في ألفين ،
وألف وخمسمائة ، وألف ، وفرض لاسماء بنت عميس ، وأم كلثوم بنت
عقبة بن أبي معيط ، وخولة بنت حكيم بن الاوقص امرأة عثمان بن مظعون
في ألفين ، وفرض لام عبد في ألف وخمسمائة ، وفرض لاشراف الاعاجم ،
وفرض لفيروز بن يزدجرد دهقان نهر الملك والنخير خان ، ولخالد وللجميل
ابني بصبهرى دهقان الفلوجة ، وللهرمزان ، ولبسطام بن نرسي دهقان
ـ154ـ
بابل ، وجفينة العبادي في ألفين ألفين ، وقال : قوم أشراف أحببت أن
أتألف بهم غيرهم .
وقال عمر في آخر سنيه : اني كنت تألفت الناس بما صنعت في تفضيل بعض
على بعض ، وإن عشت هذه السنة ساويت بين الناس ، فلم أفضل أحمر على
أسود ، ولا عربيا على عجمي ، وصنعت كما صنع رسول الله وأبوبكر .
ومصر الامصار في هذه السنة . وقال : الامصار سبعة : فالمدينة مصر ،
والشأم مصر ، والجزيرة مصر ، والكوفة مصر ، والبصرة مصر . . . 1 .
وجند الاجناد فصير فلسطين جندا ، والجزيرة جندا ، والموصل جندا ، وقنسرين
جندا .
وفي هذه السنة فتح عمرو بن العاص الاسكندرية وسائر أعمال مصر ،
واجتباها أربعة عشر ألف ألف دينار من خراج رؤوسهم ، لكل رأس دينارا ،
وخراج غلاتهم من كل مائة إردب إردبين ، وأخرج أصحاب هرقل ، ومات
هرقل ملك الروم ، فزاد ذلك في وهنهم وضعفهم .
ولما فتح عمرو بن العاص الاسكندرية أوفد إلى عمر بن الخطاب معاوية بن
حديج الكندي ، فقال له معاوية : اكتب معي ! فقال : وما أصنع بالكتاب
معك ؟ خبره بما رأيت وأد إليه الرسالة . فلما أتى عمر وخبره الخبر خر ساجدا ،
وكتب عمر إلى عمرو بن العاص أن يحمل طعاما في البحر إلى المدينة يكفي عامة
المسلمين ، حتى يصير به إلى ساحل الجار ، فحمل طعاما إلى القلزم ، ثم حمله
في البحر في عشرين مركبا في المركب ثلاثة آلاف إردب وأقل وأكثر ، حتى
وافى الجار . وبلغ عمر قدومها ، فخرج ومعه جلة أصحاب رسول الله ،
حتى قدم الجار ، فنظر السفن ، ثم وكل من قبض ذلك الطعام ، وبنى هنالك
قصرين ، وجعل ذلك الطعام فيهما ، ثم أمر زيد بن ثابت أن يكتب الناس على
منازلهم ، وأمره أن يكتب لهم صكاكا من قراطيس ، ثم يختم أسافلها ، فكان
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ155ـ
أول من صك وختم أسفل الصكاك .
رجع الحديث إلى خبر سعد بن أبي وقاص .
وقد رجع سعد بن أبي وقاص إلى الكوفة ، وأقام بها ، واختطت الخطط ،
وبنيت المنازل والمحال ، ثم إن أهل الكوفة شكوا سعدا وقالوا : لا يحسن يصلي ،
فعزله عمر عنهم ، فدعا عليهم سعد ألا يرضيهم الله عزوجل عن أمير ،
ولا يرضي أميرا منهم . وولى عمر مكان سعد بن أبي وقاص عمار بن ياسر
. . . 1 ثم قدم عليه أهل الكوفة فقال : كيف خلفتم عمار بن ياسر أميركم ؟
قالوا : مسلم ضعيف . فعزله ، ووجه جبير بن مطعم ، ؟ ؟ به المغيرة ،
وحمل عنه خبرا إلى عمر ، وقال له : ولني ، يا أمير المؤمنين . قال : أنت
رجل فاسق . قال : وما عليك مني ؟ كفايتي ورجلتي لك ، وفسقي على نفسي .
فولاه الكوفة ، فسألهم عن المغيرة ، فقالوا : أنت أعلم به وبفسقه . فقال :
ما لقيت منكم يا أهل الكوفة ! إن وليتكم مسلما تقيا قلتم : هو ضعيف ،
وإن وليتكم مجرما قلتم : هو فاسق . فيقال إنه رد سعد بن أبي وقاص .
وأخرج عمر يهود خيبر من الحجاز لما قتل مظهر بن رافع الحارثي وقال :
سمعت رسول الله يقول : لا يجتمع في جزيرة العرب دينان . وقيم خيبر على
ستة عشر سهما .
ووجه ميسرة بن مسروق العبسي إلى أرض الروم ، فكان أول جيش دخلها
جيش ميسرة في هذه السنة ، وهي سنة 20 ، وأغزى حبيب بن مسلمة الفهري ،
وقدر له أجلا ، فجاز ذلك الوقت ، واشتد غم عمر حتى وافى ، فقال
له : ما أخرك عن الوقت الذي وقته لك ؟ قال : اعتل رجل من المسلمين ،
فأقمنا عليه حتى قضى الله ما قضى . ولم يغز عمر بلاد الروم بعد حبيب ، وكان
عمر يقول : إذا ذكر الروم والله لوددت أن الدرب جمرة بيننا وبينهم ، لنا ما
دونه وللروم ما وراءه ، لما كان يكره قتالهم . ووجه علقمة بن مجزز المدجي في
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ156ـ
عشرين مركبا ، أو نحوها ، فأصيبوا جميعا ، فحلف عمر لا يحمل في البحر
أحدا أبدا .
وفي هذه السنة كانت زلازل لم ير مثلها .
وافتتحت نهاوند سنة 21 ، وأمير الناس النعمان بن مقرن المزني ، وكانت
الاعاجم قد اجتمعت من الري وقومس واصبهان وعدة بلدان ، حتى صاروا
إلى نهاوند ، وقالوا : قد غلبنا على بلدنا ، ونالنا الذل في دارنا . فبعث عمر
النعمان في جيش ، فصار إلى نهاوند ، وقد ملك الاعاجم عليهم ملكا يقال له
دوبر 1 . واقتتلوا قتالا شديدا ، وقتل النعمان بن مقرن ، ثم هزم الله الاعاجم ،
وفتحت نهاوند .
وفي غزاة نهاوند كان عمر بن الخطاب على منبر رسول الله يخطب ، فبينا
هو يخطب إذ قال : يا سارية الجبل الجبل . وكان سارية في جيش نهاوند ،
فقال سارية لما قدم من نهاوند : أحدق بنا العدو ، فسمعنا صوتك يا أمير المؤمنين
وأنت تقول : يا سارية الجبل الجبل ، فانحزنا إلى الجبل ، فسلمنا .
وفتح عمرو بن العاص برقة ، وصالحهم على ثلاثة عشر ألف دينار ،
على أن يبيعوا من أبنائهم من أحبوا في جزيتهم في هذه السنة ، ثم سار حتى
أتى أطرابلس افريقية ، فافتتحها ، وكتب إلى عمر يستأذنه في غزو باقي افريقية ،
فكتب إليه أنها مفرقة ، ولا يغزوها أحد ما بقيت . ووجه بسر بن أبي أرطاة ،
فصالح أهل ودان وأهل فزان ، وبعث عقبة بن نافع الفهري ، وكان أخا العاص
ابن وائل السهمي لامه ، إلى أرض النوبة ، ولقي المسلمون من النوبة قتالا شديدا .
ولما انصرف المسلمون من بلاد النوبة اختطوا الجيزة ، وكتب عمرو بن العاص
بذلك إلى عمر بن الخطاب ، فكتب إليه عمر : لا تجعل بيني وبينك ماء ، وانزلوا
موضعا متى أردت أن أركب راحلتي وأصير إليكم فعلت .
وافتتحت اذربيجان سنة 22 ، وأمير الناس المغيرة بن شعبة . وقيل هاشم
* ( هامش ) * هكذا دون فقط في الاصل .
ـ157ـ
ابن عتبة بن أبي وقاص ، وافتتح أبوموسى الاشعري كور الاهواز واصطخر
سنة 23 ، وكتب إليه عمر أن ضع عليها الخراج كما وضع على سائر أرض العراق ،
ففعل ذلك ، وافتتح عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعي همذان واصبهان في
هذه السنة ، واففتح قرظة بن كعب الانصاري الري ، وافتتح معاوية بن أبي
سفيان عسقلان ، وولى عمر خالد بن الوليد الرها وحران ورقة وتل موزن
وآمد ، فأقام بها سنة ، ثم استعفى ، فأعفاه ، وقدم المدينة ، فأقام بها أياما ،
ثم توفي خالد بالمدينة .
وقال الواقدي إن خالد بن الوليد توفي بمحص ، فأوصى إلى عمر ، ولما
ورد إليه خبر وفاته بكته حفصة وآل عمر ، وكثر بكاؤهن عليه ، فقال عمر :
حق لهن أن يبكين على أبي سليمان ، وأظهر عليه جزعا . ووجه حبيب بن
مسلمة الفهري إلى أرمينية ، ثم أردفه سلمان بن ربيعة مددا له ، فلم يصل إليه
إلا بعد قتل عمر .
وأذن عمر لازواج النبي في الحج في هذه السنة ، وحج معهن . قال بعضهم :
فرأيت أزواج رسول الله في الهوادج ، وعليهن الطيالسة الزرق سنة 23 ، وكان
يكون أمامهن عبدالرحمن بن عوف ، وعثمان بن عفان وراءهن ، فلا يدعان
أحدا يدنو منهن .
وشاطر عمر جماعة من عماله أموالهم . قيل : إن فيهم سعد بن أبي وقاص
عامله على الكوفة ، وعمرو بن العاص عامله على مصر ، وأبا هريرة عامله على
البحرين ، والنعمان بن عدي بن حرثان عامله على ميسان ، ونافع بن عمرو
الخزاعي عامله على مكة ، ويعلى بن منية عامله على اليمن . وامتنع أبوبكرة
من المشاطرة وقال : والله لئن كان هذا المال لله ، فما يحل لك أن تأخذ بعضا
وتترك بعضا ، وإن كان لنا فما لك أخذه . فقال له عمر : إما أن تكون مؤمنا
لا تغل أو منافقا أفك . فقال : بل مؤمن لا أغل . واستأذن قوم من قريش
عمر في الخروج للجهاد ، فقال : قد تقدم لكم مع رسول الله . قال : إني
ـ158ـ
آخذ بحلاقيم قريش على أفواه هذه الحرة . لا تخرجوا ! فتسلوا بالناس يمينا
وشمالا . قال عبدالرحمن بن عوف ، فقلت : نعم ، يا أمير المؤمنين ، ولم
تمنعنا من الجهاد ؟ فقال : لان أسكت عنك ، فلا أجيبك ، خير لك من أن أجيبك .
ثم اندفع يحدث عن أبي بكر ، حتى قال : كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى
الله شرها ، فمن عاد لمثلها فاقتلوه .
وروي عن ابن عباس قال : طرقي عمر بن الخطاب بعد هدأة من الليل ،
فقال : اخرج بنا نحرس نواحي المدينة ! فخرج ، وعلى عنقه درته ، حافيا ،
حتى أتى بقيع الغرقد ، فاستلقى على ظهره ، وجعل يضرب أخمص قدميه بيده
وتأوه صعدا ، فقلت له : يا أمير المؤمنين ، ما أخرجك إلى هذا الامر ؟ قال :
أمرالله يا ابن عباس ! قال : إن شئت أخبرتك بما في نفسك . قال : غص
غواص ، إن كنت لتقول فتحسن . قال : ذكرت هذا الامر بعينه وإلى من
تصيره . قال : صدقت ! قال فقلت له : أين أنت عن عبدالرحمن بن عوف ؟
فقال : ذاك رجل ممسك ، وهذا الامر لا يصلح إلا لمعط في غير سرف
ومانع في غير إقتار . قال فقلت : سعد بن أبي وقاص ؟ قال : مؤمن ضعيف !
قال فقلت : طلحة بن عبدالله ؟ قال : ذاك رجل يناول للشرف والمديح ، يعطي
ماله حتى يصل إلى مال غيره ، وفيه بأو وكبر . قال فقلت : فالزبير بن العوام ،
فهو فارس الاسلام ؟ قال : ذاك يوم إنسان ويوم شيطان ، وعفة نفس ، إن كان
ليكادح على المكيلة من بكرة إلى الظهر حتى يفوته الصلاة . قال فقلت :
عثمان بن عفان ؟ قال : إن ولي حمل ابن أبي معيط وبني أمية على رقاب الناس ،
وأعطاهم مال الله ، ولئن ولي ليفعلن والله ، ولئن فعل لتيرن العرب إليه
حتى تقتله في بيته . ثم سكت . قال فقال : امضها يا ابن عباس ! أترى
صاحبكم لها موضعا ؟ قال فقلت : وأين يتبعد من ذلك مع فضله وسابقته
وقرابته وعلمه ؟ قال : هو والله كما ذكرت ولو وليهم تحملهم على منهج
الطريق ، فأخذ المحجة الواضحة ، إلا أن فيه خصالا : الدعابة في المجلس ،
ـ159ـ
واستبداد الرأي ، والتبكيت للناس مع حداثة السن . قال قلت : يا أمير
المؤمنين . هلا استحدثتم سنة يوم الخندق إذ خرج عمرو بن عبدود ، وقد
كعم عنه الابطال ، وتأخرت عنه الاشياخ ، ويوم بدر إذ كان يقط الاقران
قطا ، ولا سبقتموه بالاسلام ، إذ كان جعلته السعب 1 وقريش يستوفيكم ؟
فقال : إليك يا ابن عباس ! أتريد أن تفعل بي كما فعل أبوك وعلي بأبي بكر
يوم دخلا عليه ؟ قال : فكرهت أن أغضبه فسكت . فقال : والله يا ابن عباس
إن عليا ابن عمك لاحق الناس بها ، ولكن قريشا لا تحتمله ، ولئن وليهم
ليأخذنهم بمر الحق لا يجدون عنده رخصة ، ولئن فعل لينكشن بيعته ثم
ليتحاربن .
وحج عمر جميع سني ولايته ، إلا السنة الاولى ، وهي سنة 13 ، فإن عبد
الرحمن بن عوف حج بالناس ، وكان الغالب عليه عبدالله بن عباس ، وعبد
الرحمن بن عوف ، وعثمان بن عفان .
وروى بعضهم أن عبدالله بن عباس كان على شرطه ، وكان حاجبه يرفأ
مولاه ، فطعن عمر يوم الاربعاء لاربع ليال بقين من ذي الحجة سنة 23 ،
وكان ذلك من شهور العجم في تشرين الآخر ، وكان الذي طعنه أبولؤلؤة ،
عبد للمغيرة بن شعبة ، وجأه بخنجر مسموم ، وكانت سنو عمر يومئذ ثلاثا
وستين سنة ، وقيل أربعا وخمسين سنة ، وكانت ولايته عشر سنين وثمانية
أشهر .
ولما طعن عمر قال لابنه : إني كنت استسلفت من بيت مال المسلمين ثمانين
ألفا ، فليرد من مال ولدي ، فإن لم يف مالهم فمال آل الخطاب ، فإن تلم يف
فمال بني عدي ، وإلا قريش عامة ، ولا تعدوهم .
ولما حضرته الوفاة اجتمع إليه الناس فقال : إني قد مصرت الامصار ،
ودونت الدواوين ، وأجريت العطايا ، وغزوت في البر والبحر ، فإن أهلك ،
* ( هامش ) * 1 هكذا دون فقط في الاصل .
ـ160ـ
فالله خليفتي عليكم ، وسترون رأيكم . إني قد تركتكم على الواضحة ، إنما
أخاف عليكم أحد رجلين : إما رجلا يرى أنه أحق بالملك من صاحبه فيقاتله
عليه . . . . 1 .
وإني قد قرأت في كتاب الله : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ،
نكالا من الله ، والله عليم حكيم ، فلا تهلكوا عن الرجم . وقد رجم رسول الله ،
ورجمنا ، ولولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي ، فقد
قرأتها في كتاب الله .
وصير الامر شورى بين ستة نفر من أصحاب رسول الله : علي بن أبي
طالب ، وعثمان بن عفان ، و عبدالرحمن بن عوف ، والزبير بن العوام ،
وطلحة بن عبدالله ، وسعد بن أبي وقاص ، وقال : أخرجت سعيد بن زيد
لقرابته مني . فقيل له في ابنه عبدالله بن عمر ، قال : حسب آل الخطاب ما
تحملوا منها ! إن عبدالله لم يحسن يطلق امرأته ، وأمر صهيبا أن يصلي بالناس
حتى يتراضوا من الستة بواحد ، واستعمل أبا طلحة زيد بن سهل الانصاري ،
وقال : إن رضي أربعة وخالف اثنان ، فاضرب عنق الاثنين ، وإن رضي ثلاثة
وخالف ثلاثة ، فاضرب أعناق الثلاثة الذين ليس فيهم عبدالرحمن ، وإن جازت
الثلاثة الايام ولم يتراضوا بأحد ، فاضرب أعناقهم جميعا .
وكانت الشورى بقية ذي الحجة سنة 23 ، وصهيب يصلي بالناس ، وهو
الذي صلى على عمر ، وكان أبوطلحة يدخل رأسه إليهم ويقول : العجل
العجل ، فقد قرب الوقت ، وانقضت المدة .
ودفن عمر إلى جانب أبي بكر ، وخلف من الولد الذكور ستة : عبد
الله ، وعبيدالله ، و عبدالرحمن ، وعاصما ، وزيدا ، وأبا عبيدالله ، ووثب
ابنه عبيدالله فقتل أبا لؤلؤة وابنته وامرأته . واغتر الهرمزان فقتله ، وكان
عبيدالله يحدث أنه تعه ، فلما أحس الهرمزان بالسيف قال : أشهد أن لا إله
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ161ـ
إلا الله وأن محمد رسول الله .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 161 سطر 1 الى ص 170 سطر 25
إلا الله وأن محمد رسول الله .
وروى بعضهم أن عمر أوصى أن يقاد عبيدالله بالهرمزان ، وأن عثمان
أراد ذلك ، وقد كان قبل أن يلي الامر أشد من خلق الله على عبيدالله ، حتى
جر بشعره ، وقال : يا عدوالله قتلت رجلا مسلما ، وصبية طفلة ، وامرأة
لا ذنب لها ! قتلني الله إن لم أقتلك . فلما ولي رده إلى عمرو بن العاص .
وروى بعضهم عن عبدالله بن عمر أنه قال : يغفر الله لحفصة ، فإنها
شجعت عبيدالله على قتلهم .
صفة عمر بن الخطاب : وكان عمر طوالا ، أصلع ، أقبل ، شديد الادمة ،
أعسر يسرا ، يعمل بيديه جميعا ، ويصفر لحيته ، وقيل يغيرها بالحناء والكتم .
وكان الفقهاء في أيامه الذين يؤخذ عنهم العلم : علي بن أبي طالب ، وعبد
الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو
موسى الاشعري وأ بوالدرداء وأبوسعيد الخدري وعبدالله بن عباس .
وكان عمال عمر ، وقت وفاته : سعد بن أبي وقاص على الكوفة ،
وقيل المغيرة ، وأبوموسى الاشعري على البصرة ، وعمير بن سعد الانصاري
على حمص ، ومعاوية بن أبي سفيان على بعض الشأم ، وعمرو بن العاص على مصر ،
وزياد بن لبيد البياضي على بعض اليمن ، وأبوهريرة على عمان ، ونافع بن
الحارث على مكة ، ويعلى بن منية التميمي على صنعاء ، والحارث بن أبي العاص
الثقفي على البحرين ، وعبدالله بن أبي ربيعة على الجند .
ـ162ـ
ايام عثمان بن عفان
ثم استخلف عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبدشمس ، وأمه
أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، وكان عبدالرحمن بن
عوف الزهري ، لما توفي عمر ، واجتمعوا للشورى ، سألهم أن يخرج
نفسه منها على أن يختار منهم رجلا ، ففعلوا ذلك ، فأقام ثلاثة أيام ، وخلا
بعلي بن أبي طالب ، فقال : لنا الله عليك ، إن وليت هذا الامر ، أن تسير فينا
بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر . فقال : أسير فيكم بكتاب الله
وسنة نبيه ما استطعت . فخلا بعثمان فقال له : لنا الله عليك ، إن وليت هذا
الامر ، أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر . فقال : لكم
أن أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر ، ثم خلا بعلي
فقال له مثل مقالته الاولى ، فأجابه مثل الجواب الاول ، ثم خلا بعثمان فقال
له مثل المقالة الاولى ، فأجابه مثل ما كان أجابه ، ثم خلا بعلي فقال له مثل
المقالة الاولى ، فقال : إن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى إجيرى أحد .
أنت مجتهد أن تزوي هذا الامر عني . فخلا بعثمان فأعاد القول ، فأجابه
بذلك الجواب ، وصفق على يده .
وخرج عثمان ، والناس يهنئونه ، وكان ذلك يوم الاثنين ، مستهل المحرم ،
سنة 24 ، ومن شهور العجم في تشرين الآخر ، وكانت الشمس يومئذ في العقرب
ثلاث عشرة درجة ، وزحل في الحمل إحدى وعشرين درجة وثلاثين دقيقة
راجعا ، والمشتري في الجدي أربع درجات وأربعين دقيقة ، والمريخ في الميزان
خمسين دقيقة ، والزهرة في العقرب إحدى عشرة درجة راجعا ، والرأس في
الثور أربعا وعشرين درجة ، فصعد عثمان المنبر ، فجلس في الموضع الذي كان
ـ163ـ
يجلس فيه رسول الله ، ولم يجلس أبوبكر ولا عمر فيه ، جلس أبوبكر دونه
بمرقاة ، وجلس عمر دون أبي بكر بمرقاة ، فتكلم الناس في ذلك ، فقال
بعضهم : اليوم ولد الشر ، وكان عثمان رجلا حييا فأرتج عليه . فقام مليا
لا يتكلم ، ثم قال : إن أبا بكر وعمر كانا يعد ان لهذا المقام مقالا ، وأنتم
إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام يشقق الخطب ، وإن تعيشوا فسيأتيكم الخطبة .
ثم نزل .
وروى بعضهم أن عثمان خرج من الليلة التي بويع له في يومها لصلاة
العشاء الآخرة ، وبين يديه شمعة ، فلقيه المقداد بن عمرو ، فقال : ما هذا البدعة !
ومال قوم مع علي بن أبي طالب ، وتحاملوا في القول على عثمان . فروى
بعضهم قال : دخلت مسجد رسول الله ، فرأيت رجلا جاثيا على ركبتيه يتلهف
تلهف من كأن الدنيا كانت له فسلبها ، وهو يقول : واعجبا لقريش ، ودفعهم
هذا الامر على أهل بيت نبيهم ، وفيهم أول المؤمنين ، وابن عم رسول الله
أعلم الناس وأفقههم في دين الله ، وأعظمهم غناء في الاسلام ، وأبصرهم
بالطريق ، وأهداهم للصراط المستقيم ، والله لقد زووها عن الهادي المهتدي
الطاهر النقي ، وما أرادوا إصلاحا للامة ولا صوابا في المذهب ، ولكنهم
آثروا الدنيا على الآخرة ، فبعدا وسحقا للقوم الظالمين . فدنوت منه فقلت :
من أنت يرحمك الله ، ومن هذا الرجل ؟ فقال : أنا المقداد بن عمرو ، وهذا
الرجل علي بن أبي طالب . قال فقلت : ألا تقوم بهذا الامر فأعينك عليه ؟
فقال : يا ابن أخي ! إن هذا الامر لا يجري فيه الرجل ولا الرجلان . ثم
خرجت ، فلقيت أبا ذر ، فذكرت له ذلك ، فقال : صدق أخي المقداد ،
ثم أتيت عبدالله بن مسعود ، فذكرت ذلك له فقال : لقد أخبرنا فلم نال .
وأكثر الناس في دم الهرمزان وإمساك عثمان عبيدالله بن عمر ، فصعد
عثمان المنبر ، فخطب الناس ، ثم قال : ألا إني ولي دم الهرمزان ، وقد وهبته
لله ولعمر ، وتركته لدم عمر . فقام المقداد بن عمرو فقال : إن الهرمزان مولى
ـ164ـ
لله ولرسوله ، وليس لك أن تهب ما كان لله ولرسوله . قال : فنظر وتنظرون . ثم
أخرج عثمان عبيدالله بن عمر بن المدينة إلى الكوفة ، وأنزله دارا ، فنسب الموضع
إليه ، كويفة ابن عمر ، فقال بعضهم :
أبا عمرو عبيدالله رهن * فلا تشكك بقتل الهرمزان
وافتتح المغيرة بن شعبة همذان ، وكتب إلى عثمان أنه قد دخل الري
وأنزلها المسلمين . وكانت الري قد افتتحت في حياة عمر ، وقيل لم تفتح ، ولكنها
محاصرة ، وافتتحت سنة 24 .
وكتب عثمان إلى الحكم بن أبي العاص أن يقدم عليه ، وكان طريد رسول
الله ، وقد كان عثمان لما ولي أبوبكر اجتمع هو وقوم من بني أمية إلى أبي بكر ،
فسألوه في الحكم ، فلم يأذن له ، فلما ولي عمر فعلوا ذلك ، فلم يأذن له ،
فأنكر الناس إذنه له ، وقال بعضهم : رأيت الحكم بن أبي العاص يوم قدم المدينة
عليه فزر خلق ، وهو يسوق تيسا ، حتى دخل دار عثمان ، والناس ينظرون
إلى سوء حاله وحال من معه ، ثم خرج وعليه جبة خز وطيلسان .
وانقضت الاسكندرية سنة 25 ، وحاربهم عمرو بن العاص ، حتى فتحها
وسبى الذراري ، ووجه بهم إلى المدينة ، فردهم عثمان إلى ذمتهم الاولى ،
وعزل عمرو بن العاص ، وولى عبدالله بن أبي سرح ، فكان ذلك سبب العداوة
بين عثمان وعمرو . وقال عثمان لعمرو لما قدم : كيف تركت عبدالله بن سعد ؟
قال : كما أحببت ! قال : وما ذاك ؟ قال : قوى في ذات نفسه ، ضعيف في
ذات الله . قال : لقد أمرته أن يتبع أثرك . قال : لقد كلفته شططا . واجتبى
عبدالله مصر اثني عشر ألف ألف دينار ، فقال عثمان لعمرو : درت اللقاح !
قال : ذاك ان يتم يضر بالفصلان .
ووسع عثمان في المسجد الحرام ، وزاد فيه سنة 26 ، وابتاع من قوم
منازلهم ، وأبى آخرون ، فهدم عليهم ، ووضع الاثمان في بيت المال ، فصاحوا
ـ165ـ
بعثمان ، فامر . ؟ للحبس . وقال : ما جرأكم علي إلا حلمي ، وقد فعل هذا
عمر ، فلم تصيحوا ، وجدد أنصاب الحرم .
وفي هذه السنة افتتح عثمان بن أبي العاص الثقفي سابور .
وفيها ولي الوليد بن عقبة بن أبي معيط الكوفة مكان سعد ، وصلى بالناس
الغداة ، وهو سكران ، أربع ركعات ، ثم تهوع في المحراب ، والتفت إلى من
كان خلفه ، فقال : أزيد كم ؟ ثم جلس في صحن المسجد ، وأتى بساحر يدعى
بطروى من الكوفة ، فاجتمع الناس عليه ، فجعل يدخل من دبر الناقة ويخرج
من فيها ، ويعمل أعاجيب ، فرآه جندب بن كعب الازدي ، فخرج إلى بعض
الصياقلة ، فأخذ منه سيفا ثم أقبل في الزحام وقد ستر السيف حتى ضرب عنقه ،
ثم قال له : أخي نفسك ، إن كنت صادقا ! فأخذه الوليد ، فأراد أن يضرب
عنقه ، فقام قوم من الازد ، فقالوا : لا تقتل والله صاحبنا ، فصيره في الحبس .
وكان يصلي الليل كله ، فنظر إليه السجان ، وكان يكنى أبا سنان ، فقال :
ما عذري عند الله إن حبستك على الوليد يقتلك ؟ فأطلقه ، فصار جندب إلى
المدينة ، وأخذ الوليد أبا سنان فضربه مائتي سوط فوثب عليه جرير بن عبدالله ،
وعدي بن حاتم ، وحذيفة بن اليمان ، والاشعث بن قيس ، وكتبوا إلى عثمان
مع رسلهم ، فعزله وولى سعيد بن العاص مكانه . فلما قدم الوليد قال عثمان :
من يضربه ؟ فأحجم الناس لقرابته ، وكان أخا عثمان لامه ، فقام علي
فضربه ، ثم بعث بن عثمان على صدقات كلب وبلقين .
وأغزى عثمان الناس افريقية سنت 27 ، وعليهم عبدالله بن سعد بن أبي
سرح ، فلقي جرجيس ودعاه إلى الاسلام ، أو أدله الجزية ، فامتنع ، وكان
جرجيس في جمع عظيم ، ففض الله ذلك الجمع ، فطلب جرجيس الصلح ،
فأبي عليه ، وهزموه حتى صار إلى مدينة سبيطلة ، والتحمت الحرب حتى
قتل جرجيس ، وكثرت الغنائم ، وبلغت ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار
وعشرين ألف دينار .
ـ166ـ
وروى بعضهم أن عثمان زوج ابنته من مروان بن الحكم ، وأمر له بخمس
هذا المال . ووجه عبدالله بن سعد بن أبي سرح عبدالله بن الزبير إلى عثمان
بالبشارة ، فسار عشرين ليلة ، حتى قدم المدينة ، وأخبر عثمان ، فصعد عثمان
المنبر ، فخبر به الناس .
ووجه عبدالله بن سعد جيشا إلى أرض النوبة ، فسألوا الموادعة والصلح على
أن عليهم في كل سنة ثلاثمائة رأس ، ويبعث إليهم مثل ذلك من الطعام
والشراب ، فكتب إلى عثمان بذلك ، فأجابهم إلى ذلك . وافتتح معاوية بن
أبي سفيان قبرس .
وفي هذه السنة بني عثمان داره ، وبنى الزوراء ، ووسع مسجد رسول الله
في سنة 29 ، وحملت له الحجارة من بطن نخل ، وجعل في عمده الرصاص ،
وجعل طوله مائة وستين ذراعا وعرضه مائة ذراع وخمسين ذراعا ، وأبوابه
ستة على ما كانت عليه على عهد عمر .
وعزل أبا موسى الاشعري ، وولى مكانه عبدالله بن عامر بن كريز ،
وهو يومئذ ابن خمس وعشرين سنة ، فلما بلغ أبا موسى ولاية عبدالله بن
عامر قام خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على نبيه ، ثم قال : قد
جاءكم غلام كثير العمات والخالات والجدات في قريش ، يفيض عليكم المال
فيضا . فلما قدم ابن عامر البصرة وجه الجنود لفتح سابور وفسا ودرا بجرد
واصطخر من أرض فارس ، وعلى ذلك الجند الذي فتح اصطخر عبيدالله بن
معمر التيمي ، فقتل عبيدالله بن معمر في أصل مدينة اصطخر ، فقام مكانه
عمر بن عبيدالله حتى فتح المدينة ، ثم سار عبدالله بن عامر بنفسه إلى اصطخر
ووجه عبدالرحمن بن سمرة ، وكانت له صحبة ، إلى سجستان ، فافتتح
زرنج بعد نكبة شديدة .
ولما ولى عثمان عبدالله بن عامر البصرة وولى سعيد بن العاص الكوفة
كتب إليهما : أيكما سبق إلى خراسان ، فهو أمير عليها . فخرج عبدالله بن
ـ167ـ
عامر وسعيد بن العاص ، فأتى دهقان من دهاقين خراسان إلى عبدالله بن عامر ،
فقال : ما تجعل لي إن سبقت بك ؟ قال : لك خراجك وخراج أهل بيتك إلى
يوم القيامة . فأخذ به على طريق مختصر إلى قومس ، وعبدالله بن خازم السلمي
على مقدمته ، فسار إلى نيسابور . وأقام على المدينة ، ولقيه عبدالله بن عامر ،
فافتتح نيسابور عنوة في سنة 30 ، وصالح أهل الطبسين على خمسة وسبعين
ألفا ، ثم سار حتى صار إلى مدينة أبرشهر ، فحاصرهم شهورا ، ثم فتحها
وصالحهم ، وكتب إلى أهل هراة ، فكتبوا إليه : إن فتحت أبرشهر أجبناك إلى
ما سألت ، وبوشنج وبادغيس يومئذ إلى هراة ، وكانت طوس ونيسابور
إلى أبرشهر ، ثم فتحها وصالحهم على ألف ألف درهم .
وبعث الاحنف بن قيس إلى هراة ومرو الروذ ، فسار إلى هراة ، فلقيه
صاحبها بالميرة والظاعة ، ثم سار إلى مرو الروذ ، ففتحها عنوة ، وفتح الطالقان
و الفارياب ، وطخارستان ، ولم يرجع إلى عبدالله بن عامر ، حتى شرب من
نهر بلخ .
وقال بعض أهل خراسان : وجه عبدالله بن عامر حين افتتح نيسابور بالجيوش
فبعث الاحنف بن قيس إلى مرو الروذ ، وبعث أوس بن ثعلبة التميمي إلى هراة ،
وبعث حاتم بن النعمان الباهلي إلى مرو ، وعبدالله بن خازم السلمي إلى سرخس ،
ففتح القوم جميعا ما بعثوا له خلا مرو ، فإنها صالحت حاتما على ألفي ألف
ومائتي ألف أوقية وعلى أن يوسعوا للمسلمين في منازلهم .
ولما فتح عبدالله بن عامر هذه الكور انصرف إلى عثمان ، وخالف بين
الترك والديلم ، وكان قد صير خراسان أرباعا ، وولى قيس بن الهيثم السلمي
على ربع ، وراشد بن عمرو الجديدي على ربع ، وعمران بن الفصيل البرجمي
على ربع ، وعمرو بن مالك الخزاعي على ربع ، فلما رده عثمان وجه أمير
ابن أحمد اليشكري إلى خراسان ، فصار إلى مرو ، فأناخ بها ، ثم أدركه
الشتاء وأدخله أهل مرو ، وبلغه أنهم يريدون الوثوب به ، فجرد فيهم السيف
ـ168ـ
حتى أفناهم ، ثم قفل إلى عثمان ، فلما رآه عثمان خوفه ، فانصرف عنه مغضبا ،
وكان عثمان أنكر عليه قتل أهل مرو . ورجع عبدالله بن عامر إلى البصرة ،
ثم صار إلى كرمان ، فأناخ بها فنالهم مجاعة شديدة ، حتى كان الرغيف بدينار ،
ثم أتاه الخبر بأن عثمان قد حوصر ، فانصرف ، وخلف بخراسان قيس بن الهيثم
ابن الصلت ، فافتتح قيس طخارستان ، وكان عثمان قد وجه حبيب بن مسلمة
الفهري إلى أرمينية ، ثم أردفه سلمان بن ربيعة الباهلي مددا له ، فلما قدم
عليه تنافرا ، وقتل عثمان وهم على تلك المنافرة .
وقد كان حبيب بن مسلمة فتح بعض أرمينية ، وكتب عثمان إلى سلمان
بإمرته على أرمينية ، فسار حتى أتى البيلقان ، فخرج إليه أهلها ، فصالحوه ومضى
حتى أتى برذعة ، فصالحه أهلها على شئ معلوم .
وقيل إن حبيب بن مسلمة افتتح جرزان . ثم نفذ سلمان إلى شروان ،
فصالحه ملكها ، ثم سار حتى أتى أرض مسقط ، فصالح أهلها ، وفعل مثل
ذلك ملك اللكز وأهل الشابران وأهل فيلان ، ولقيه خاقان ملك الخزر في
جيشه ، خلف نهر البلنجر ، في خلق عظيم ، فقتل سلمان ومن معه ، وهم
أربعة آلاف ، فولى عثمان حذيفة بن اليمان العبسي ، ثم صرفه ، وولى
المغيرة بن شعبة .
وزوج عثمان ابنته من عبدالله بن خالد بن أسيد ، وأمر له بستمائة ألف
درهم ، وكتب إلى عبدالله بن عامر أن يدفعها إليه من بيت مال البصرة .
وحدث أبوإسحاق عن عبدالرحمن بن يسار قال : رأيت عامل صدقات
المسلمين على سوق المدينة إذا أمسى آتاها عثمان ، فقال له : ادفعها إلى الحكم
ابن أبي العاص . وكان عثمان إذا أجاز أحدا من أهل بيته بجائزة جعلها فرضا
من بيت المال ، فجعل يدافعه ويقول له : يكون فنعطيك إن شاءالله ، فألح عليه ،
فقال : إنما أنت خازن لنا ، فإذا أعطيناك فخذ ، وإذا سكتنا عنك فاسكت .
فقال : كذبت والله ! ما أنا لك بخازن ، ولا لاهل بيتك ، إنما أنا خازن المسلمين .
ـ169ـ
وجاء بالمفتاح يوم الجمعة وعثمان يخطب ، فقال : ايها الناس زعم عثمان
أني خازن له ولاهل بيته ، وإنما كنت خازنا للمسلمين ، وهذه مفاتيح بيت
مالكم . ورمى بها ، فأخذها عثمان ، ودفعها إلى زيد بن ثابت .
وفي هذه السنة توفي أبوسفيان بن حرب ، وصلى عليه عثمان وهي سنة 31 .
وأغزى عثمان جيشا ، أميرهم معاوية ، على الصائفة سنة 32 ، فبلغوا إلى
مضيق ال قسطنطينية ، وفتحوا فتوحا كثيرة ، وصير عثمان إلى معاوية غزو
الروم على أن يوجه من رأى على الصائفة ، فولى معاوية سفيان بن عوف الغامدي
فلم يزل عليها أيام عثمان . . . 1 لشئ شجر بينهما في خلافة عثمان .
وروي أن عثمان اعتل علة اشتدت به ، فدعا حمران بن أبان ، وكتب
عهدا لمن بعده ، وترك موضع الاسم ، ثم كتب بيده : عبدالرحمن بن عوف ،
وربطه وبعث به إلى أم حبية بنت أبي سفيان ، فقرأه حمران في الطريق فأتى
عبدالرحمن فأخبره ، فقال عبدالرحمن ، وغضب غضبا شديدا : أستعمله علانية ،
ويستعملني سرا . ونمى الخبر وانتشر بذلك في المدنية . وغضب بنو أمية ، فدعا
عثمان بحمران مولاه ، فضربه مائة سوط ، وسيره إلى البصرة . فكان سبب
العداوة بينه وبين عبدالرحمن بن عوف .
ووجه إليه عبدالرحمن بن عوف بابنه ، فقال له قل له : والله لقد
بايعتك ، وإن في ثلاث خصال أفضلك بهن : اني حضرت بدرا ، ولم تحضرها ،
وحضرت بيعة الرضوان ، ولم تحضرها ، وثبت يوم أحد وانهزمت . فلما أدى
ابنه الرسالة إلى عثمان قال له قل له : أما غيبي عن بدر ، فإني أقمت على بيت
رسول الله ، فضرب لي رسول الله سهمي وأجري ، وأما بيعة الرضوان ، فقد
صفق لي رسول الله بيمينه على شماله ، فشمال رسول الله خير من أيمانكم ،
وأما يوم أحد فقد كان ما ذكرت إلا أن الله قد عفا عني . ولقد فعلنا أفعالا
لا ندري أغفرها الله أم لا . وكان عبدالرحمن قد أطلق امرأته تماضر بنت
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ170ـ
الاصبغ الكلبية لما اشتدت علته ، فورثها عثمان ، فصولحت عن ربع الثمن
على مائة ألف دينار ، وقيل ثمانين ألف دينار .
وجمع عثمان القرآن وألفه ، وصير الطوال مع الطوال ، والقصار مع
القصار من السور ، وكتب في جمع المصاحف من الآفاق حتى جمعت ، ثم
سلقها بالماء الحار والخل ، وقيل أحرقها ، فلم يبق مصحف إلا فعل به ذلك خلا
مصحف ابن مسعود . وكان ابن مسعود بالكوفة ، فامتنع أن يدفع مصحفه
إلى عبدالله بن عامر ، وكتب إليه عثمان : أن أشخصه ، إنه لم يكن هذا الدين
خبالا وهذه الامة فسادا . فدخل المسجد وعثمان يخطب ، فقال عثمان : إنه
قد قدمت عليكم دابة سوء ، فكلمه ابن مسعود بكلام غليظ فأمر به عثمان ،
فجز برجله حتى كسر له ضلعان ، فتكلمت عائشة ، وقالت قولا كثيرا ،
وبعث بها إلى الانصار ، وبعث بمصحف إلى الكوفة ، ومصحف إلى البصرة ،
ومصحف إلى المدينة ، ومصحف إلى مكة ، ومصحف إلى مصر ، ومصحف إلى
الشأم ، ومصحف إلى البحرين ، ومصحف إلى اليمن ، ومصحف إلى الجزيرة ،
وأمر الناس أن يقرأوا على نسخة واحدة .
وكان سبب ذلك أنه بلغه أن الناس يقولون قرآن آل فلان ، فأراد أن يكون
نسخة واحدة ، وقيل : إن ابن مسعود كان كتب بذلك إليه ، فلما بلغه أنه
يحرق المصاحف قال : لم أرد هذا .
وقيل : كتب إليه بذلك حذيفة بن اليمان ، واعتل ابن مسعود ، فأتاه
عثمان يعوده ، فقال له : ما كلام بلغني عنك ؟ قال : ذكرت الذي فعلته بي ،
انك أمرت بي فوطئ جوفي ، فلم أعقل صلاة الظهر ، ولا العصر ، ومنعتني
عطائي . قال : فإني أقيدك من نفسي فافعل بي مثل الذي فعل بك ! قال :
ما كنت بالذي أفتح القصاص على الخلفاء . قال : فهذا عطاؤك ، فخذه . قال :
منعتنيه وأنا محتاج إليه ، وتعطينيه وأن غني عنه ؟ لا حاجة لي به ، فانصرف .
فأقام ابن مسعود مغاضبا لعثمان حتى توفي ، وصلى عليه عمار بن ياسر ، وكان
ـ171ـ
عثمان غائبا فستر أمره . فلما انصرف رأى عثمان القبر ، فقال : قبر من هذا ؟
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 171 سطر 1 الى ص 180 سطر 25
عثمان غائبا فستر أمره . فلما انصرف رأى عثمان القبر ، فقال : قبر من هذا ؟
فقيل : قبر عبدالله بن مسعود . قال : فكيف دفن قبل أن أعلم ؟ فقالوا :
ولي أمره عمار بن ياسر ، وذكر أنه أوصى ألا يخبر به ، ولم يلبث إلا يسيرا
حتى مات المقداد ، فصلى عليه عمار ، وكان أوصى إليه ، ولم يؤذن عثمان به ،
فاشتد غضب عثمان على عمار ، وقال : ويلي على ابن السوداء ! أما لقد كنت
به عليما .
وبلغ عثمان أن أبا ذر يقعد في مسجد رسول الله ، ويجتمع إليه الناس ،
فيحدث بما فيه الطعن عليه ، وأنه وقف بباب المسجد فقال : أيها الناس
من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أبوذر الغفاري ، أنا جندب بن
جنادة الربذي ، إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على
العالمين ذرية بعضها من بعض ، والله سميع عليم ، محمد الصفوة من نوح ،
فالاول من إبراهيم ، والسلالة من اسماعيل ، والعترة الهادية من محمد . إنه
شرف شريفهم ، واستحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة وكالكعبة
المستورة ، أو كالقبلة المنصوبة ، أو كالشمس الضاحية ، أو كالقمر الساري ،
أو كالنجوم الهادية ، أو كالشجر الزيتونية أضاء زيتها ، وبورك زيدها ، ومحمد
وارث علم آدم وما فضل به النبيون ، وعلي بن أبي طالب وصي محمد ،
ووارث علمه . أيتها الامة المتحيرة بعد نبيها ! أما لو قدمتم من قدم الله ،
وأخرتم من أخر الله ، وأقررتم الولاية والوارثة في أهل بيت نبيكم لاكلتم من
فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم ، ولما عال ولي الله ، ولا طاش سهم من
فرائض الله ، ولا اختلف اثنان في حكم الله ، إلا وجدتم علم ذلك عندهم من
كتاب الله وسنة نبيه ، فأما إذ فعلتم ما فعلتم ، فذوقوا وبال أمركم ، وسيعلم
الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
وبلغ عثمان أيضا أن أبا ذر يقع فيه ، ويذكر ما غير وبدل من سنن رسول
الله وسنن أبي بكر وعمر ، فسيره إلى الشأم إلى معاوية ، وكان يجلس في المسجد ،
ـ172ـ
فيقول كما كان يقول ، ويجتمع إليه الناس ، حتى كثر من يجتمع إليه ويسمع
منه . وكان يقف على باب دمشق ، إذا صلى صلاة الصبح ، فيقول : جاءت
القطار تحمل النار ، لعن الله الآمرين بالمعروف والتاركين له ، ولعن الله الناهين
عن المنكر المنكر والآتين له .
وكتب معاوية إلى عثمان : إنك قد أفسدت الشأم على نفسك بأبي ذر ،
فكتب إليه : أن احمله على قتب بغير وطاء ، فقدم به إلى المدينة ، وقد ذهب
لحم فخذيه ، فلما دخل إليه وعنده جماعة قال : بلغني أنك تقول : سمعت
رسول الله يقول : إذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا ،
وعباد الله خولا ، ودين الله غلا . فقال : نعم ! سمعت رسول الله يقول ذلك .
فقال لهم : أسمعم رسول الله يقول ذلك ؟ فبعث إلى علي بن أبي طالب ، فأتاه ،
فقال : يا أبا الحسن أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبوذر ؟ وقص عليه
الخبر . فقال علي : نعم ! قال : وكيف تشهد ؟ قال : لقول رسول الله : ما
أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر . فلم يقم بالمدينة
إلا أياما حتى أرسل إليه عثمان : والله لتخرجن عنها ! قال : أتخرجني من حرم
رسول الله ؟ قال : نعم ، وأنفك راغم . قال : فإلى مكة ؟ قال : لا ! قال :
فإلى البصرة قال : لا ! قال : فإلى الكوة ؟ قال : لا ! ولكن إلى الربذة التي
خرجت منها حتى تموت بها . يامروان ! أخرجه ، ولا تدع أحدا يكلمه ،
حتى يخرج . فأخرجه على جمل ومعه امرأته وابنته ، فخرج وعلي والحسن والحسين
وعبدالله بن جعفر وعمار بن ياسر ينظرون ، فلما رأى أبوذر عليا قام إليه
فقبل يده ثم بكى وقال : إني إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول الله
فلم أصبر حتى أبكي ! فذهب علي يكلمه فقال له مروان : إن أمير المؤمنين
قد نهى أن يكلمه أحد . فرفع علي السوط فضرب وجه ناقة مروان ، وقال :
تنح ، نحاك الله إلى النار ! ثم شيعه ، فكلمه بكلام يطول شرحه ، وتكلم
كل رجل من القوم وانصرفوا ، وانصرف مروان إلى عثمان ، فجرى بينه وبين
ـ173ـ
علي في هذا بعض الوحشة ، وتلاحيا كلاما ، فلم يزل أبوذر بالربذة حتى توفي .
ولما حضرته الوفاة قالت له ابنته : إني وحدي في هذا الموضع ، وأخاف
أن تغلبني عليك السباع . فقال : كلا إنه سيحضرني نفر مؤمنون ، فانظري
أترين أحدا ؟ فقالت : ما أرى أحدا ! قال : ما حضر الوقت ، ثم قال : انظري ،
هل ترين أحدا ؟ قالت : نعم أرى ركبا مقبلين ، فقال : الله أكبر ، صدق الله
ورسوله ، حولي وجهي إلى القبلة ، فإذا حضر القوم فاقرئيهم مني السلام ،
فإذا فرغوا من أمري ، فاذبحي لهم هذه الشاة ، وقولي لهم : أقسمت عليكم إن
برحتم حتى تأكلوا ، ثم قضي عليه ، فأتى القوم ، فقالت لهم الجارية : هذا أبو
ذر صاحب رسول الله قد توفي ، فنزلوا ، وكانوا سبعة نفر ، فيهم حذيفة بن
اليمان ، والاشتر ، فبكوا بكاء شديدا ، وغسلوه ، وكفنوه ، وصلوا عليه ،
ودفنوه . ثم قالت لهم : إنه يقسم عليكم ألا تبرحوا حتى تأكلوا ! فذبحوا
الشاة ، وأكلوا ، ثم حملوا ابنته ، حتى صاروا بها إلى المدينة . فلما بلغ عثمان
وفاة أبي ذر قال : رحم الله أبا ذر ! قال عمار : نعم ! رحم الله أبا ذر من
كل أنفسنا ، فغلظ ذلك على عثمان . وبلغ عثمان عن عمار كلام ، فأراد أن
يسيره أيضا ، فاجتمعت بنو مخزوم إلى علي بن أبي طالب ، وسألوه إعانتهم ،
فقال علي : لا ندع عثمان ورأيه . فجلس عمار في بيته ، وبلغ عثمان ما تكلمت
به بنو مخزوم ، فأمسك عنه ، وسير عبدالرحمن بن حنبل صاحب رسول الله
إلى القموس من خيبر ، وكان سبب تسييره إياه أنه بلغه كرهه مساوئ ابنه
وخاله ، وأنه هجاه .
وكان عثمان جوادا وصولا بالاموال ، وقدم أقاربه وذوي أرحامه ،
فسوى بين الناس في الاعطية وكان الغالب عليه مروان بن الحكم بن أبي العاص ،
وأبوسفيان بن حرب ، وعلى شرطه عبدالله بن قنفذ التيمي ، وحاجبه حمران
ابن أبان مولاه .
ونقم الناس على عثمان بعد ولايته بست سنين ، وتكلم فيه من تكلم ،
ـ174ـ
وقالوا : آثر القرباء ، وحمى الحمى ، وبني الدار ، واتخذ الضياع والاموال
بمال الله والمسلمين ، ونفى أبا ذر صاحب رسول الله ، و عبدالرحمن بن حنبل ،
وآوى الحكم بن أبي العاص ، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح طريدي رسول
الله ، وأهدر دم الهرمزان ، ولم يقتل عبيدالله بن عمر به ، وولى الوليد بن عقبة
الكوفة ، فأحدث في الصلاة ما أحدث ، فلم يمنعه ذلك من إعاذته إياه ، وأجاز
الرجم ، وذلك أنه كان رجم امرأة من جهينة دخلت على زوجها ، فولدت
لستة أشهر ، فأمر عثمان برجمها ، فلما أخرجت دخل إليه علي بن أبي طالب
فقال : إن الله عزوجل يقول : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ، وقال في
رضاعه حولين كاملين ، فأرسل في أثر المرأة ، فوجدت قد رجمت
وماتت . واعترف الرجل بالولد .
وقدم عليه أهل البلدان فتكلموا ، وبلغ عثمان أن أهل مصر قدموا عليهم
السلاح ، فوجه إليهم عمرو بن العاص وكلمهم ، فقال لهم : إنه يرجع إلى ما
تحبون ، ثم كتب لهم بذلك وانصرفوا ، فقال لعمرو بن العاص : اخرج فاعذرني
عند الناس ، فخرج عمرو ، فصعد المنبر ، ونادى : الصلاة جامعة ، فلما اجتمع
الناس حمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر محمدا بما هو أهله ، وقال : بعثه الله رأفة
ورحمة ، فبلغ الرسالة ، ونصح الامة ، وجاهد في سبيل الله بالحكمة والموعظة
الحسنة ، أفليس ذلك كذلك ؟ قالوا : بلى . فجزاه الله خير ما جزى نبيا عن .
أمته ، ثم قال : وولي من بعده رجل عدل في الرعية ، وحكم بالحق ، أفليس
ذلك كذلك ؟ قالوا : بلى ! فجزاه الله خيرا . قال : ثم ولي الاعسر الاحول ابن
حنتمه ، فأبدت له الارض أفلاذ كبدها ، وأظهرت له مكنون كنوزها ،
فخرج من الدنيا ، وما أنبل عصاه ، أفليس ذلك كذلك ؟ قالوا : بلى ! فجزاه
الله خيرا . قال : ثم ولي عثمان ، فقلتم ، وقال ، تلومونه ويعذر نفسه ،
أفليس ذلك كذلك ؟ قالوا : بلى ! قال : فاصبروا له ، فإن الصغير يكبر والهزيل
يسمن ، ولعل تأخير أمر خير من تقديمه . ثم نزل ، فدخل أهل عثمان عليه
ـ175ـ
فقالوا له : هل عابك أحد بمثل ما عابك به عمرو ؟ فلما دخل عليه عمرو قال :
يا ابن النابغة ! والله ما زدت ان حرضت الناس علي . قال : والله لقد قلت فيك
أحسن ما علمت ، ولقد ركبت من الناس ، وركبوها منك ، فاعتزل إن لم
تعتدل ! فقال : يا ابن النابغة قمل درعك مذ عزلتك عن مصر .
وسار الركب الذين قدموا من مصر ، فلما صاروا في بعض الطريق ، إذا
براكب على جمل ، فأنكروه ، فقتشوه ، فوجدوا معه صحيفة من عثمان إلى
خليفة عبدالله بن سعد : إذا قدم عليك النفر ، فاقطع أيديهم وأرجلهم ،
فقدموا واتفقوا على الخروج ، وكان من يأخذون عنه محمد بن أبي بكر ،
ومحمد بن أبي حذيفة ، وكنانة بن بشر ، وابن عديس البلوي ، فرجعوا إلى
المدينة ، وكان بين عثمان وعائشة منافرة وذلك أنه نقصها مما كان يعطيها عمر
ابن الخطاب ، وصيرها أسوة غيرها من نساء رسول الله ، فإن عثمان يوما
ليخطب إذ دلت عائشة قميص رسول الله ، ونادت : يا معشر المسلمين !
هذا جلباب رسول الله لم يبل ، وقد أبلى عثمان سنته ! فقال عثمان : رب
اصرف عني كيدهن إن كيدهن عظيم .
وحصر ابن عديس البلوي عثمان في داره ، فناشدهم الله ، ثم نشد مفاتيح
الخزائن ، فأتوا بها إلى طلحة بن عبيدالله ، وعثمان محصور في داره ، وكان
أكثر من يؤلب عليه طلحة والزبير وعائشة ، فكتب إلى معاوية يسأل تعجيل القدوم
عليه ، فتوجه إليه في اثني عشر ألفا ، ثم قال : كونوا بمكانكم في أوائل
الشأم ، حتى آتي أمير المؤمنين لاعرف صحة أمره ، فأتى عثمان ، فسأله عن
المدة ، فقال : قد قدمت لاعرف رأيك وأعود إليهم فأجيئك بهم . قال : لا
والله ، ولكنك أردت أن أقتل فتقول : أنا ولي الثأر . ارجع ، فجئني
بالناس ! فرجع ، فلم يعد إليه حتى قتل .
وصار مروان إلى عائشة ، فقال : يا أم المؤمنين ! لو قمت فأصلحت بين
هذا الرجل وبين الناس ؟ قالت : قد فرغت من جهازي ، وأنا أريد الحج .
ـ176ـ
قال : فيدفع إليك بكل درهم أنفقته درهمين ، قالت : لعلك ترى أني في
شك من صاحبك ؟ أما والله لوددت أنه مقطع في غرارة من غرائري ، واني
أطيق حمله ، فأطرحه في البحر .
وأقام عثمان محاصرا أربعين يوما . وقتل لا ثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي
الحجة سنة 35 ، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة ، وقيل ست وثمانين سنة ،
وكان الذين تولوا قتله : محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن أبي حذيفة ، وابن
حزم ، وقيل كنانة بن بشر التجيبي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، و عبدالرحمن
ابن عديس البلوي ، وسودان بن حمران ، وأقام ثلاثا لم يدفن ، وحضر دفنه
حكيم بن حزام ، وجبير بن مطعم ، وحويطب بن عبدالعزى ، وعمرو بن
عثمان ابنه . ودفن بالمدينة ليلا في موضع يعرف بحش كوكب ، وصلى عليه
هؤلاء الاربعة ، وقيل لم يصل عليه ، وقيل أحد الاربعة قد صلى عليه ، فدفن
بغير صلاة .
وكانت أيامه أثنتي عشرة سنة ، وحج عثمان بالناس أيامه كلها إلا السنة
الاولى . وهي سنة 24 . فإنه حج بالناس عبدالرحمن بن عوف ، والسنة التي
قتل فيها . فإنه حج بالناس عبدالله بن عباس ، وهي سنة 35 ، وكان له من
الولد الذكور سبعة : عمرو وعمرو خالد وأبان والوليد وسعيد و عبدالملك .
صفة عثمان بن عفان : وكان عثمان بن عفان مربوعا ، حسن الوجه
رقيق البشرة ، كثير اللحية ، عظيمها ، أسمر ، عظيم الكرادس ، بعيد ما بين
المنكبين ، كثير شعر الرأس ، أسنانه مشدودة بالذهب ، يصفر لحيته .
وكان عمال عثمان : على المين يعلى بن منية التميمي . وعلى مكة عبد
الله بن عمرو الحضرمي ، وعلى همذان جرير بن عبدالله البجلي ، وعلى الطائف
القاسم بن ربيعة الثقفي . وعلى الكوفة أبا موسى الاشعري ، وعلى البصرة عبد
الله بن عامر بن كريز . وعلى مصر عبدالله بن سعد بن أبي سرح ، وعلى الشأم
معاوية بن أبي سفيان بن حرب .
ـ177ـ
وكان الفقهاء في أيام عثمان أمير المؤمنين : علي بن أبي طالب ، وعبد
الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبا موسى الاشعري ،
وعبدالله بن عباس ، وأبا الدرداء ، وأبا سعيد الخدري ، وعبدالله بن عمر ،
وسلمان بن ربيعة الباهلي .
ـ178ـ
خلافة امير المؤمنين علي بن ابي طالب
واستخلف علي بن أبي طالب بن ع بدالمطلب ، وأمه فاطمة بنت أسد بن
هاشم بن عبدمناف ، يوم الثلاثاء لسبع ليال بقين من ذي الحجة سنة 35 ،
ومن شهور العجم في حزيران ، وكانت الشمس يومئذ في الجوزاء ستا وعشرين
درجة وأربعين دقيقة ، والقمر في الدلو ثماني عشرة درجة وأربعين دقيقة ،
وزحل في السنبلة خمسا وعشرين درجة ، والمريخ في الجدي سبع درجات
. . . 1 بايعه طلحة والزبير و المهاجرون والانصار ، وكان أول من بايعه وصفق
على يده طلحة بن عبيدالله ، فقال رجل من بني أسد : أول يد بايعت يد شلاء ،
أو يد ناقصة ، وقام الاشتر فقال : أبايعك يا أمير المؤمنين على أن علي بيعة
أهل الكوفة ، ثم قام طلحة والزبير فقالا : نبايعك يا أمير المؤمنين على أن علينا
بيعة المهاجرين ، ثم قام أبوالهيثم بن التيهان وعقبة بن عمرو وأبوأيوب ،
فقالوا : نبايعك على أن علينا بيعة الانصار ، وسائر قريش .
وبايع الناس إلا ثلاثة نفر من قريش : مروان بن الحكم ، وسعيد بن
العاص ، والوليد بن عقبة ، وكان لسان القوم . فقال : يا هذا إنك قد وترتنا
جميعا ، أما أنا فقتلت أبي صبرا يوم بدر ، وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر ،
وكان أبوه من نور قريش ، وأما مروان فشتمت أباه وعبت على عثمان حين
ضمه إليه . . . 2 على ذلك بنو عبد مناف ، فتبايعنا على أن تضع عنا ما
أصبنا وتعفي لنا عما في أيدينا ، وتقتل قتلة صاحبنا . فغضب علي وقال :
أما ما ذكرت من وتري إياكم ، فالحق وتركم ، وأما وضعي عنكم ما أصبتم ،
فليس لي أن أضع حق الله تعالى ، وأما إعفائي عما في أيديكم فما كان لله
* ( هامش ) * 1 و 2 بياض في الاصل .
ـ179ـ
وللمسلمين فالعدل يسعكم ، وأما قتلي قتلة عثمان ، فلو لزمني قتلهم اليوم لزمني
قتالهم غدا ، ولكن لكم أن أحملكم على كتاب الله وسنة نبيه ، فمن ضاق عليه
الحق ، فالباطل عليه أضيق ، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم . فقال مروان :
بل نبايعك ، ونقيم معك ، فترى ونرى .
وقام قوم من الانصار فتكلموا ، وكان أول من تكلم ثابت بن قيس بن
شماس الانصاري ، وكان خطيب الانصار ، فقال : والله ، يا أمير المؤمنين ،
لئن كانوا تقدموك في الولاية فما تقدموك في الدين ، ولئن كانوا سبقوك أمس
فقد لحقتهم اليوم ، ولقد كانوا وكنت لا يخفى موضعك ، ولا يجهل مكانك ،
يحتاجون إليك فيما لا يعلمون ، وما احتجت إلى أحد مع علمك .
ثم قام خزيمة بن ثابت الانصاري ، وهو ذو الشهادتين ، فقال : يا أمير
المؤمنين ! ما أصبنا لامرنا هذا غيرك ، ولا كان المنقلب إلا إليك ، ولئن صدقنا
أنفسنا فيك ، فلانت أقدم الناس إيمانا ، وأعلم الناس بالله ، وأولى المؤمنين برسول
الله ، لك ما لهم ، وليس لهم ما لك .
وقام صعصعة بن صوحان فقال : والله ، يا أمير المؤمنين ، لقد زينت
الخلافة وما زانتك ، ورفعتها وما رفعتك ، ولهي أحوج منك إليها .
ثم قام مالك بن الحارث الاشتر فقال : أيها الناس ، هذا وصي الاوصياء ،
ووارث علم الانبياء ، العظيم البلاء ، الحسن الغناء ، الذي شهد له كتاب الله
بالايمان ، ورسوله بجنة الرضوان . من كملت فيه الفضائل ، ولم يشك في سابقته
وعلمه وفضله الاواخر ، ولا الاوائل .
ثم قام عقبة بن عمرو فقال : من له يوم كيوم العقبة وبيعة كبيعة الرضوان ،
والامام الاهدى الذي لا يخاف جوره ، والعالم الذي لايخاف جهله .
وعزل علي عمال عثمان بن البلدان خلا أبي موسى الاشعري ، كلمه
فيه الاشتر ، فأقره ، وولى قثم بن العباس مكة ، وعبيدالله بن العباس اليمن ،
وقيس بن سعد بن عبادة مصر ، وعثمان بن حنيف الانصاري البصرة . وأتاه
ـ180ـ
طلحة والزبير فقالا : إنه قد نالتنا بعد رسول الله جفوة ، فأشركنا في أمرك !
فقال : أنتما شريكاي في القوة والاستقامة ، وعوناي على العجز والاود .
وروى بعضهم أنه ولى طلحة اليمن ، والزبير اليمامة والبحرين ، فلما
دفع إليهما عهديهما قالا له : وصلتك رحم ! قال : وإنما وصلتكما بولاية
أمور المسلمين . واسترد العهد منهما ، فعتبا من ذلك ، وقالا : آثرت علينا !
فقال : لولا ما ظهر من حرصكما لقد كان لي فيكما رأي .
وروى بعضهم أن المغيرة بن شعبة قال له : يا أمير المؤمنين ! انفذ طلحة
إلى اليمن ، والزبير إلى البحرين ، واكتب بعهد معاوية على الشأم ، فإذا استقامت
الامور ، فشأنك وما تريده فيهم ! فأجابه في ذلك بجواب ، فقال المغيرة : والله
ما نصحت له قبلها ، ولا أنصح له بعدها .
وكانت عائشة بمكة ، خرجت قبل أن يقتل عثمان ، فلما قضت حجها
انصرفت راجعة ، فلما صارت في بعض الطريق لقيها ابن أم كلاب ، فقالت
له : ما فعل عثمان ؟ فقال ! قالت : بعدا وسحقا ! قالت : فمن بايع
الناس ؟ قال : طلحة . قالت : أيها ذوالاصبع .
ثم لقيها آخر ، فقالت : ما فعل الناس ؟ قال : بايعوا عليا . قالت : والله
ما كنت أبالي أن تقع هذه على هذه . ثم رجعت إلى مكة ، وأقام علي أياما ،
ثم أتاه طلحة والزبير فقالا : إنا نريد العمرة ، فأذن لنا في الخروج .
وروى بعضهم أن عليا قال لهما ، أو لبعض أصحابه : والله ما أرادا العمرة ،
ولكنهما أرادا الغدرة . فلحقا عائشة بمكة فحرضاها على الخروج ، فأتت أم
سلمة بنت أبي أمية ، زوج رسول الله ، فقالت : إن ابن عمي وزوج أختي
أعلماني أن عثمان قتل مظلوما ، وأن أكثر الناس لم يرض ببيعة على ، وأن
جماعة ممن بالبصرة قد خالفوا ، فلو خرجت بنا لعل الله أن يصلح أمر أمة محمد
على أيدينا ؟ فقالت لها أم سلمة : إن عماد الدين لا يقام بالنساء ، حماديات
النساء غض الابصار ، وخفض الاطراف ، وجر الذيول . إن الله وضع عني
ـ181ـ
وعنك هذا ، ما أنت قائلة لو أن رسول الله عارضك بأطراف الفلوات قد هتكت
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 181 سطر 1 الى ص 190 سطر 25
وعنك هذا ، ما أنت قائلة لو أن رسول الله عارضك بأطراف الفلوات قد هتكت
حجابا قد ضربه عليك ؟ فنادى مناديها : ألا إن أم المؤمنين مقيمة ، فأقيموا .
وأتاها طلحة والزبير وأزالاها عن رأيها ، وحملاها على الخروج ، فسارت
إلى البصرة مخالفة على علي ، ومعها طلحة والزبير في خلق عظيم ، وقدم يعلى بن
منية بمال من مال اليمن قيل : إن مبلغة أربعمائة ألف دينار ، فأخذه منه طلحة
والزبير ، فاستعانا به ، وسارا نحو البصرة .
ومر القوم في الليل بماء يقال له : مر الحوأب ، فنبحتهم كلابه ، فقالت
عائشة : ما هذا الماء ؟ قال بعضهم : ماء الحوأب . قالت : إنا لله وإنا إليه
راجعون ! ردوني ردوني ! هذا الماء الذي قال لي رسول الله : لا تكوني التي
تنبحك كلاب الحوأب . فأتاها القوم بأربعين رجلا ، فأقسموا بالله أنه ليس
بماء الحوأب .
وقدم القوم البصرة ، وعامل علي عثمان بن حنيف ، فمنعها ومن
معها من الدخول ، فقالا : لم نأت لحرب ، وإنما جئنا لصلح ، فكتبوا
بينهم وبينه كتابا أنهم لا يحدثون حدثا إلى قدوم علي ، وأن كل فريق
منهم آمن من صاحبه ، ثم افترقوا ، فوضع عثمان بن حنيف السلاح ، فنتفوا
لحيته وشاربه وأشفار عينيه وحاجبيه ، وانتهبوا بيت المال ، وأخذوا ما فيه ،
فلما حضر وقت الصلاة تنازع طلحة والزبير ، وجذب كل واحد منهما صاحبه ،
حتى فات وقت الصلاة ، وصاح الناس : الصلاة الصلاة يا أصحاب محمد !
فقالت عائشة : يصلي محمد بن طلحة يوما وعبدالله بن الزبير يوما ، فاصطلحوا
على ذلك . فلما أتى عليا الخبر سار إلى البصرة ، واستخلف على المدينة أبا
حسن بن عبد عمرو ، أحد بني النجار ، وخرج من المدينة ، ومعه أربعمائة
راكب من أصحاب رسول الله ، فلما صاروا إلى أرض أسد وطئ تبعه منهم
ستمائة ، ثم صار إلى ذي قار ، ووجه الحسن وعمار بن ياسر ، فاستنفر أهل
الكوفة ، وعامله يومئذ على الكوفة أبوموسى الاشعري ، فخذل الناس عنه ،
ـ182ـ
فوافاه منهم ستة آلاف رجل ، ولقيه عثمان بن حنيف فقال : يا أمير المؤمنين ،
وجهتني ذا لحية فأتيتك أمرد ! وقص عليه القصة .
ثم قدم أمير المؤمنين البصرة ، وكانت وقعة الجمل بموضع يقال له الخريبة
في جمادى الاولى سنة 36 . وخرج طلحة والزبير فيمن معهما ، فوقفوا على
مصافهم ، فأرسل إليهم علي : ما تطلبون وما تريدون ؟ قالوا : نطلب بدم عثمان !
قال علي : لعن الله قتلة عثمان ! واصطف أصحاب علي ، فقال لهم :
لا ترموا بسهم ، ولا تطعنوا برمح ، ولا تضربوا بسيف . . . . 1 اعذروا .
فرمى رجل من عسكر القوم بسهم ، فقتل رجلا من أصحاب أمير المؤمنين ،
فأتي به إليه ، فقال : اللهم اشهد ، ثم رمى آخر ، فقتل رجلا من أصحاب
علي ، فقال : اللهم اشهد ، ثم رمى رجل آخر ، فأصاب عبدالله بن بديل
ابن ورقاء الخزاعي فقتله ، فأتى به أخوه عبدالرحمن يحمله ، فقال علي :
اللهم اشهد ، ثم كانت الحرب ، وأطافت بنو ضبة بالجمل ، وكانت تحمل
الراية ، فقتل منهم ألفان ، وحفت به الازد ، فقتل منهم ألفان وسبعمائة .
وكان لا يأخذ خطام الجمل أحد إلا سالت نفسه ، فقتل طلحة بن عبيدالله في
المعركة ، رماه مروان بن الحكم بسهم فصرعه ، وقال : لا أطلب والله بعد اليوم
بثأر عثمان ، وأنا قتلته ، فقال طلحة لما سقط : تالله ما رأيت كاليوم ، قط ،
شيخا من قريش أضيع مني ! والله ما وقفت موقفا قط إلا عرفت موضع
قدمي فيه ، إلا هذا الموقف .
وقال على بن أبي طالب للزبير : يا أبا عبدالله ، ادن إلى أذكرك كلاما
سمعته أنا وأنت من رسول الله ! فقال الزبير لعلي : لي الامان ؟ قال علي :
عليك الامان ، فبرز إليه فذكره الكلام ، فقال : اللهم إني ما ذكرت هذا إلا
هذه الساعة ، وثنى عنان فرسه لينصرف ، فقال له عبدالله : إلى أين ؟ قال :
ذكرني علي كلاما قاله رسول الله . قال : كلا ، ولكنك رأيت سيوف بني
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ183ـ
هاشم حدادا تحملها شداد . قال : ويلك ! ومثلي يعير بالجبن ؟ هلم إني الرمح .
وأخذ الرمح وحمل على أصحاب علي ، فقال علي : افرجوا للشيخ ، انه
محرج ، فشق الميمنة والمسيرة والقلب ثم رجع فقال لابنه : لا أم لك ! ايفعل
هذا جبان ؟ وانصرف ، فاجتاز بالاحنف بن قيس ، فقال : ما رأيت مثل هذا ،
أتى بحرمة رسول الله يسوقها ، فهتك عنها حجاب رسول الله ، وستر حرمته في
بيته ، ثم أسلمها وانصرف . ألا رجل يأخذ لله منه ! فاتبعه عمرو بن جرموز
التميمي ، فقتله بموضع يقال له وادي السباعة ، وكانت الحرب أربع ساعات
من النهار ، فروى بعضهم أنه قتل في ذلك اليوم نيف وثلاثون ألفا .
ثم نادى منادي علي : ألا لا يجهز على جريح ، ولا يتبع مول ، ولا يطعن
في وجه مدبر ، ومن ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن .
ثم آمن الاسود والاحمر ، ووجه ابن عباس إلى عائشة يأمرها بالرجوع ، فلما
دخل عليها ابن عباس قالت : أخطأت السنة يا ابن عباس مرتين ، دخلت بيتي
بغير إذني ، وجلست على متاعي بغير أمري . قال : نحن علمنا إياك السنة ،
إن هذا ليس ببيتك ، بيتك الذي خلفك رسول الله به ، وأمرك القرآن أن تقري
فيه . وجرى بينهما كلام موضعه في غير هذا من الكتاب .
وأتاها علي ، وهي في دار عبدالله بن خلف الخزاعي وابنه المعروف بطلحة
الطلحات ، فقال : إيها يا حميراء ! ألم تنتهي عن هذا المسير ؟ فقالت : يا ابن
أبي طالب ! قدرت فأسجح ! فقال : اخرجي إلى المدينة ، وارجعي إلى بيتك
الذي أمرك رسول الله أن تقري فيه . قالت : أفعل . فوجه معها سبعين امرأة
من عبدالقيس في ثياب الرجال ، حتى وافوا بها المدينة ، وأعطى الناس بالسوية
لم يفضل أحدا على أحد ، وأعطى الموالي كما أعطى الصلبية ، وقيل له في ذلك ،
فقال : قرأت ما بين الدفتين ، فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضل
هذا ، وأخذ عودا من الارض ، فوضعه بين إصبعيه .
ولما فرغ من حرب أصحاب الجمل ، وجه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب
ـ184ـ
المخزومي إلى خراسان ، وقدم عليه ماهويه مرزبان مرو ، فكتب له كتابا ،
وأنفذ له شروطه ، وأمره أن يحمل من الخراج ما كان وظفه عليه ، فحمل إليه
مالا على الوظيفة المتقدمة .
وخرج علي من البصرة متوجها إلى الكوفة ، وقدم الكوفة في رجب سنة 36 ،
وكان جرير بن عبدالله على همذان ، فعزله ، فقال لعلي : وجهني إلى معاوية ،
فإن جل من معه قومي ، فلعلي أجمعهم على طاعتك ! فقال له الاشتر : يا أمير
المؤمنين ! لا تبعثه ، فإن هواه هواهم . فقال : دعه يتوجه ، فإن نصح كان
ممن أدى أمانته ، وإن داهن كان عليه وزر من اؤتمن ولم يؤد الامانة ،
ووثق به فخالف الثقة . ويا ويحهم مع من يميلون ويدعونني ، فوالله ما أردتهم
إلا على إقامة حق ، ولا يريدهم غيري إلا على باطل . فقدم جرير على معاوية ،
وهو جالس ، والناس حوله ، فدفعت إليه كتاب علي ، فقرأه ، ثم قام جرير
فقال : يا أهل الشأم ! إنه من لم ينفعه القليل لم ينفعه الكثير ، وقد كانت بالبصرة
ملحمة لن يشفع البلاء بمثلها ، فلا بقاء للاسلام ، فاتقوا الله يا أهل الشأم ،
وروا في علي ومعاوية خيرا ، فانظروا لانفسكم ، ولا يكونن أحد أنظر لها
منكم . ثم سكت ، وصمت معاوية ، فلم ينطق ، فقال : أبلعني ريقي
ياجرير .
وبعث معاوية من ليلته إلى عمرو بن العاص أن يأتيه وكتب إليه : أما بعد ،
فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير وعائشة ما قد بلغك ، فقد سقط إلينا
مروان في رافضة أهل البصرة ، وقدم علي جرير بن عبدالله في بيعة علي ،
وحبست نفسي عليك حتى تأتيني ، فاقدم على بركة الله تعالى . فلما انتهى الكتاب
إليه دعا ابنيه عبدالله ومحمدا ، ف استشارهما ، فقال له عبدالهل : أيها الشيخ !
إن رسول الله قبض وهو عنك راض ، ومات أبوبكر وعمر وهما عنك
راضيان ، فإنك إن تفسد دينك بدنيا يسيرة تصيبها مع معاوية فتضجعان غدا
في النار ، ثم قال لمحمد : ما ترى ؟ قال : بادر هذا الامر ، فكن فيه رأسا قبل
ـ185ـ
أن تكون ذنبا ، فأنشأ يقول :
تطاول ليلي للهموم الطوارق ، * وخوف التي تجلو وجوه العواتق
فإن ابن هند سالني أن أزوره ، * وتلك التي فيها بنات البوائق
أتاه جرير من علي بخطة * أمرت عليه العيش مع كل دانق
فإن نال منه ما يؤمل رده ، * فإن لم ينله ذل ذل المطابق
فوالله ما أدري ، وإني لهكذا * أكون ، ومهما قادني ، فهو سائقي
أأخدعه ، فالحدع فيه دنية ، * أم اعطيه من نفسي نصيحة وامق
أم اجلس في بيتي ، وفي ذاك راحة * لشيخ يخاف الموت في كل شارق
وقد قال عبدالله قولا تعلقت * به النفس ، إن لم يعتقلني عوائقي
وخالفه فيه أخوه محمد ، * وإني لصلب العود عند الحقائق
فلما سمع عبدالله شعره قال : بال الشيخ على عقبيه ، وباع دينه بدنياه ،
فلما أصبح دعا وردان مولاه فقال له : ارحل يا وردان ، ثم قال حط يا وردان ،
قحط ورحل ثلاث مرات ، فقال وردان : لقد خلطت أبا عبدالله ، فإن شئت
أخبرتك بما في نفسك . قال : هات ! قال : اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك ،
فقلت : علي معه آخرة بلا دنيا ، ومعاوية معه دنيا بلا آخرة ، وليس في الدنيا
عوض من الآخرة ، فلست تدري أيهما تختاز . قال : لله درك ما أخطأت مما
في نفسي شيئا ، فما الرأي يا وردان ؟ قال : الرأي أن تقيم في منزلك ، فإن ظهر
أهل الدين عشت في عفو دينهم ، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغن عنك . قال عمرو :
الآن ، وقد شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية ، ارحل يا وردان ! ثم أنشأ
يقول :
يا قاتل الله وردان وفطنته ، * أبدى لعمرك ما في الصدر وردان
ـ186ـ
فقدم على معاوية ، فذاكره أمره ، فقال له : أما علي ، فوالله لا تساوي
العرب بينك وبينه في شئ من الاشياء ، وإن له في الحرب لحظا ما هو لاحد
من قريش إلا أن تظلمه . قال : صدقت ، ولكنا نقاتله على ما في أيدينا ،
ونلزمه قتل عثمان . قال عمرو : واسوءتاه ! ان أحق الناس ألا يذكر عثمان لا أنا
ولا أنت . قال : ولم ويحك ؟ قال : أما أنت فخذلته ومع أهل الشأم حتى
استغاث بيزيد بن أسد البجلي ، فسار إليه ، وأما أنا فتركته عيانا ، وهربت إلى
فلسطين . فقال معاوية : دعني من هذا ! مد يدك فبايعني ! قال : لا ، لعمر
الله ، لا أعطيك ديني حتى آخذ من دنياك . قال له معاوية : لك مصر طعمة ،
فغضب مروان بن الحكم وقال : ما لي لا أستشار ؟ فقال معاوية : اسكت ،
فإنما يستشار بك . فقال له معاوية : يا أبا عبدالله ! بت عندنا الليلة ، وكره أن
يفسد عليه الناس ، فبات عمرو ، وهو يقول :
معاوي لا أعطيك ديني ، ولم أنل * به منك دنيا ، فانظرن كيف تصنع
فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة * أخذت بها شيخا يضر وينفع
وما الدين والدنيا سواء ، وإنني * لآخذ ما أعطى ، ورأسي مقنع
ولكني أعطيك هذا ، وإنني * لاخدع نفسي ، والمخاد ع يخدع
أأعيك أمرا فيه للملك قوة ، * وأبقى له ، إن زلت النعل أخدع
وتمنعني مصرا ، وليست برغبة * وإن ثرى القنوع يوما لمولع
فكتب له بمصر شرطا ، وأشهد له شهودا ، وختم الشرط ، وبايعه عمرو ،
وتعاهدا على الوفاء .
واحتال معاوية لقيس بن سعد بن عبادة عامل علي على مصر ، فجعل يكاتبه
رجاء أن يستميله ، وكتب إليه قيس بن سعد : من قيس بن سعد إلى معاوية بن
ـ187ـ
صخر : أما بعد ، فإنما أنت وثن من أوثان مكة دخلت في الاسلام كارها ،
وخرجت منه طائعا . وكتب معاوية إلى سعد بن أبي وقاص : إن أحق الناس
بنصر عثمان أهل الشورى من قريش ، الذين أثبتوا حقه ، واختاروه على غيره ،
وقد نصره طلحة والزبير ، وهما شريكاك في الامر ونظيراك في الاسلام ،
وخفت لذلك أم المؤمنين ، ولا تكرهن ما رضوا ، ولا تردن ما قبلوا ! فكتب
إليه سعد : أما بعد ، فإن عمر لم يدخل في الشورى إلا من تحل له الخلافة ،
فلم يكن أحدمنا أحق بها من صاحبه إلا باجتماعنا عليه ، غير أن عليا قد
كان فيه ما فينا ، ولم يكن فينا ما فيه ، وأما طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما كان
خيرا لهما ، والله يغفر لام المؤمنين .
وبلغ عليا أن معاوية قد استعد للقتال ، واجتمع معه أهل الشأم ، فسار
على في المهاجرين والانصار ، حتى أتى المدائن ، فلقيه الدهاقين بالهدايا ، فردها ،
فقالوا : ولم ترد علينا ، يا أمير المؤمنين ؟ قال : نحن أغنى منكم بحق أحق
بأن نفيض عليكم ، ثم صار إلى الجزيرة ، فلقيه بطون تغلب والنمر بن قاسط ،
فسار معه منهم خلق عظيم ، ثم سار إلى الرقة ، وجل أهلها العثمانية الذين
هربوا من الكوفة إلى معاوية ، فغلقوا أبوابها ، وتحصنوا ، وكان أمير هم سماك
ابن مخرمة الاسدي ، فغلقوا دونه الباب ، فصار إليهم الاشتر مالك بن الحارث
النخعي ، فقال : والله لتفتحن ، أولاضعن فيكم السيف ! ففتحوا ، وأقام
بها أمير المؤمنين يومه .
ثم عبر إلى الجانب الشرقي من الفرات ، حتى صار إلى صفين ، وقد سبق
معاوية إلى الماء ووسعه المناخ ، فلما وافى علي وأصحابه لم يصلوا إلى الماء ،
فتوسل الناس إلى معاوية ، وقالوا : لا تقتل الناس عطشا ، فيهم العبد والامة
والاجير . فأبى معاوية ، وقال : لا سقاني الله ، ولا أبا سفيان من حوض
رسول الله إن شربوا منه أبدا . فوجه علي الاتشر والاشعث في الخيل ، والاشعث
ابن قيس في الرجالة ، وكانت خيل معاوية مع أبي الاعور السلمي ، فقاتله أصحاب
ـ188ـ
علي حتى صارت سنابك الخيل في الفرات ، وغلبوا على المشرعة ، وكان الواقف
عليها عبدالله بن الحارث أخو الاشتر ، فلما غلب علي على المشرعة قال أصحاب
معاوية : إنه لا قوام لنا وقد أخذ علي الماء ! فقال عمرو بن العاص لمعاوية :
إن عليا لا يستحل منك ومن أصحابك ما استحللت منه ومن أصحابه ،
فأطلق علي الماء . وكان ذلك في ذي الحجة سنة 36 .
ثم وجه علي إلى معاوية يدعوه ويسأله الرجوع ، وألا يفرق الامة بسفك
الدماء ، فأبى إلا الحرب ، فكانت الحرب في صفين سنة 37 ، وأقامت بينهم
أربعين صباحا .
وكان مع علي يوم صفين من أهل بدر سبعون رجلا ، وممن بايع تحت
الشجرة سبعمائة رجل ، ومن سائر المهاجرين والانصار أربعمائة رجل ، ولم يكن
مع معاوية من الانصار إلا النعمان بن بشير ، ومسلمة بن مخلد ، وصدقت نيات
أصحاب علي في القتال ، وقام عمار بن ياسر ، فصاح في الناس ، فاجتمع إليه
خلق عظيم ، فقال : والله إنهم لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا
على الحق ، وأنهم على الباطل . ثم قال : لا هل من رائح إلى الجنة ؟ فتبعه
خلق ، فضرب حول سرادق معاوية ، فقاتل القوم قتالا وقتل عماربن ياسر ،
واشتدت الحرب في تلك العشية ، ونادى الناس : قتل صاحب رسول الله ،
وقد قال رسول الله : تقتل عمارا الفئة الباغية .
وزحف أصحاب علي وظهروا على أصحاب معاوية ظهورا شديدا ، حتى
لصقوا به ، فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه ، فقال له عمرو بن العاص : إلى أين ؟
قال : قد نزل ما ترى ، فما عندك ؟ قال : لم يبق إلا حيلة واحدة ، أن ترفع
المصاحف ، فتدعوهم إلى ما فيها ، فتستكفهم وتكسر من حدهم ، وتفت في
أعضادهم . قال معاوية : فشأنك ! فرفعوا المصاحف ، ودعوهم إلى التحكم
بما فيما ، وقالوا : ندعوكم إلى كتاب الله . فقال علي : إنها مكيدة ، وليسوا
بأصحاب قرآن . فاعترض الاشعث بن قيس الكندي ، وقد كان معاوية استماله ،
ـ189ـ
وكتب إليه ودعاه إلى نفسه ، فقال : قد دعا القوم إلى الحق ! فقال علي :
إنهم إنما كادوكم ، وأرادوا صرفكم عنهم . فقال الاشعث : والله لئن لم
تجبهم انصرفت عنك . ومالت اليمانية مع الاشعث ، فقال الاشعث : والله
لتجيبنهم إلى ما دعوا إليه ، أو لندفعنك إليهم برمتك ، فتنازع الاشتر والاشعث
في هذا كلاما عظيما ، حتى كاد أن يكون الحرب بينهم ، وحتى خاف علي
أن يفترق عنه أصحابه . فلما رأى ما هو فيه أجابهم إلى الحكومة ، وقال علي :
أرى أن أوجه بعبدالله بن عباس . فقال الاشعث : إن معاوية يوجه بعمرو بن
العاص ، ولا يحكم فينا مضريان ، ولكن توجه أبا موسى الاشعري ، فإنه
لم يدخل في شئ من الحرب . وقال علي : إن أبا موسى عدو ، وقد خذل الناس
عني بالكوفة ، ونهاهم أن يخرجوا معي . قالوا : لا نرضى بغيره . فوجه علي
أبا موسى على علمهن بعداوته له ومداهنته فيما بينه وبينه ، ووجه معاوية عمرو بن
العاص ، وكتبوا كتابين بالقضية : كتابا من علي بخط كاتبه عبدالله بن أبي
رافع ، وكتابا من معاوية بخط كاتبه عمير بن عباد الكناني ، واختصموا في
تقديم علي أو تسمية علي بإمرة المؤمنين ، فقال أبوالاعور السلمي : لا نقدم
عليا ، وقال أصحاب علي : ولا تغير اسمه ولا نكتب إلا بامرة المؤمنين ،
فتنازعوا على ذلك منازعة شديدة حتى تضاربوا بالايدي ، فقال الاشعث : امحوا هذا
الاسم ! فقال له الاشتر : والله يا أعور لهممت أن أملا سيفي منك ، فلقد قتلت قوما
ما هم شر منك . وإني أعلم أنك ما تحاول إلا الفتنة ، وما تدور إلا على الدنيا
وإيثارها على الآخرة . فلما اختلفوا قال علي : الله أكبر ! قد كتب رسول الله يوم
الحذيبية لسهيل بن عمرو : هذا ما صالح رسول الله ، فقال سهيل : لو علمنا
أنك رسول الهل ما قاتلناك . فمحا رسول الله اسمه بيده ، وأمرني فكتبت :
من محمد بن عبدالله ، وقال : إن اسمي واسم أبي لا يذهبان بنبوتي ، وكذلك
كتبت الانبياء ، كما كتب رسول الله إلى الآباء ، وإن اسمي واسم أبي لا يذهبان
بامرتي ، وأمرهم فكتبوا : من علي بن أبي طالب ، وكتب كتاب القضية على
ـ190ـ
الفريقين يرضون بذلك بما أوجبه كتاب الله ، واشترط على الحكمين في الكتابين
أن يحكما بما في كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته لا يتجاوزان ذلك ، ولا
يحيدان عنه إلى هوى ، ولا إدهان ، وأخذ عليهما أغلظ العهود والمواثيق ، فإن
هما جاوزا بالحكم كتاب الله من فاتحته إلى خاتمته ، فلا حكم لهما .
ووجه علي بعبدالله بن عباس في أربعمائة من أصحابه ونفذ معاوية
أربعمائة من أصحابه ، واجتمعوا بدومة الجندل في شهر ربيع الاول سنة 38 .
فخدع عمرو بن العاص أبا موسى ، وذكر له معاوية فقال : هو ولي ثأر عثمان
وله شرفة في قريش ، فلم يجد عنده ما يحب ، قال : فابني عبدالله ؟ قال : ليس
بموضع لذلك . قال : فعبدالله بن عمر ؟ قال : إذا يحيي سنة عمر ، الآن حيث
به 1 . فقال : فاخلع عليا وأخلع أنا معاوية ، ويختار المسلمون .
وقدم عمرو أبا موسى إلى المنبر فلما رآه عبدالله بن عباس قام إلى عبدالله
ابن قيس ، فدنا منه ، فقال : إن كان عمرو فارقك على شئ ، فقدمه قبلك ،
فإنه غدر . فقال : لا ، قد اتفقنا على أمر ، فصعد المنبر ، فخلع عليا ، ثم صعد
عمرو بن العاص فقال : قد ثبت معاوية كما ثبت خاتمي هذا في يدي . فصحاح
به أبوموسى : غدرت يا منافق ، إنما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث ،
أو تتركه يلهث . قال عمرو : إنك مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا .
وتنادى الناس : حكم والله الحكمان بغير ما في الكتاب ، والشرط عليهما
غير هذا . وتضارب القوم بالسياط ، وأخذ قوم بشعور بعض ، وافترق الناس
ونادت الخوارج : كفر الحكمان ، لا حكم إلا لله .
وقيل : أول من نادى بذلك عروة بن أدية التميمي قبل أن يجتمع الحكمان ،
وكانت الحكومة في شهر رمضان سنة 38 .
قال ابن الكلبي : أخبرني عبدالرحمن بن حصين بن سويد . . . 2 قال :
* ( هامش ) * 1 قوله : الآن حيث به ، هكذا في الاصل .
2 بياض في الاصل .
ـ191ـ
إني لاساير أبا موسى الاشعري على شاطئ الفرات ، وهو أذ ذاك عامل لعمر ،
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 191 سطر 1 الى ص 200 سطر 25
إني لاساير أبا موسى الاشعري على شاطئ الفرات ، وهو أذ ذاك عامل لعمر ،
فجعل يحدثني ، فقال : إن بني إسرائيل لم تزل الفتن ترفعهم وتخفضهم أرضا
بعد أرض ، حتى حكموا ضالين أضلا من اتبعهما . قلت : فإن كنت يا أبا
موسى أحد الحكمين ، قال فقال لي : إذا لا ترك الله لي في السماء مصعدا ،
ولا في الارض مهربا إن كنت أنا هو . فقال سويد : لربما كان البلاء موكلا
بالمنطق . ولقيته بعد التحكيم ، فقلت : إن الله إذا قضى أمرا لم يغالب .
وانصرف علي إلى الكوفة ، فلما قدمها قام خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ،
ثم قال : أيها الناس ! إن أول وقوع الفتن هوى يتبع ، وأحكام تبتدع ،
يعظم فيها رجال رجالا ، يخالف فيها حكم الله ، ولو أن الحق أخلص
فعمل به لم يخف على ذي حجى ولكن يؤخذ ضغث من ذا وضغث من ذا ،
فيخلط فيغمل به ، فعند ذلك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو الذين سبقت لهم
منا الحسنى .
وصارت الخوارج إلى قرية يقال لها حروراء بينها وبين الكوفة نصف فرسخ ،
وبها سموا الحرورية ، ورئيسهم عبدالله بن وهب الراسبي ، وابن الكوا ،
وشبث بن ربعي ، فجعلوا يقولون : لا حكم إلا لله ، فإذا بلغ عليا ذلك
قال : كلمة حق أريد بها باطل . ثم خرجوا في ثمانية آلاف ، وقيل : في
اثني عشر ألفا ، فوجه إليهم علي عبدالله بن عباس ، فكلمهم ، واحتجوا
عليه ، فخرج إليهم علي فقال : أتشهدون علي بجهل ؟ قالوا : لا ! قال :
فنتفذون أحكامي ؟ قالوا : نعم ! قال : فارجعوا إلى كوفتكم حتى نتناظر ،
فرجعوا من عند آخرهم ، ثم جعلوا يقومون فيقولون : لا حكم إلا لله ،
فيقول علي : حكم الله أنتظر فيكم . وخرجوا من الكوفة ، فوثبوا على عبدالله
ابن خباب بن الارت ، فقتلوه وأصحابه ، فخرج إليهم علي ، فناشدهم الله ،
ووجه إليهم عبدالله بن عباس ، فقال : يا ابن عباس قل لهؤلاء الخوارج ما
نقمتم على أمير المؤمنين ؟ ألم يحكم فيكم بالحق ، ويقيم فيكم العدل ، ولم
ـ192ـ
يبخسكم شيئا من حقوقكم ؟ فناداهم عبدالله بن عباس بذلك ، فقالت طائفة
منهم : والله لا نجيبه . وقالت الاخرى : والله لنجيبنه ثم لنخصمنه ، نعم ،
يا ابن عباس ، نقمنا على علي خصالا كلها موبقة لو لم نخصمه منها إلا بخصلة
خصمناه ، محا اسمه من امرة أمير المؤمنين يوم كتب إلى معاوية ، ورجعنا عنه
يوم صفين ، فلم يضربنا بسيفه حتى نفئ إلى الله ، وحكم الحكمين ، وزعم
أنه وصي ، فضيع الوصية ، وجئتنا يا ابن عباس في حلة حسنة جميلة تدعونا
إلى مثل ما يدعونا إليه ؟
فقال ابن عباس : قد سمعت ، يا أمير المؤمنين ، مقالة القوم ، وأنت أحق
بالجواب . فقال : حججتهم والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، قل لهم : ألستم
راضين بما في كتاب الله ، وبما فيه من أسوة رسول الله ؟ قالوا : بلى ! قال :
فعلي بذلك أرضى . كتب كاتب رسول الله يوم الحديبية ، إذ كتب إلى سهيل
ابن عمرو وصخر بن حرب ومن قبلهما من المشركين : من محمد رسول الله ،
فكتبوا إليه : لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك ، فاكتب إلينا : من محمد بن عبد
الله لنجيبك ، فمحا رسول الله اسمه بيده ، وقال : إن اسمي واسم أبي لا
يذهبان بنبوتي وأمري ، فكتب : من محمد بن عبدالله ، وكذلك كتب الانبياء
كما كتب رسول الله إلى الآباء ، ففي رسول الله أسوة حسنة .
وأما قولكم إني لم أضربكم بسيفي يوم صفين حتى تفيئوا إلى أمر الله ،
فإن الله عزوجل يقول : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، وكنتم عددا جما ،
وأنا وأهل بيتي في عدة يسيرة .
وأما قولكم إني حكمت الحكمين ، فإن الله عزوجل حكم في أرنب
يباع يربع درهم . فقال : يحكم به ذوا عدل منكم ، ولو حكم الحكمان بما
في كتاب الله لما وسعي الخروج من حكمهما .
وأما قولكم إني كنت وصيا فضيعت الوصية ، فإن الله عزوجل
يقول : " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله
ـ193ـ
غني عن العالمين وأقرأيتم هذا البيت ، لولم يحجج إليه أخد كان البيت يكفر ،
إن هذا البيت لو تركه من استطاع إليه سبيلا كفر ، وأنتم كفرتم بترككم إياي
لا أنا كفرت بتركي لكم .
فرجع يومئذ من الخوارج ألفان ، وأقام أربعة آلاف ، والتحمت الحرب
بينهم مع زوال الشمس ، فأقامت مقدار ساعتين من النهار ، فقتلوا من عند
آخرهم ، وقتل ذو الشدية ، ولم يفلت من القوم إلا أقل من عشرة ، ولم يقتل
من أصحاب علي إلا أقل من عشرة ، وكانت وقعة النهروان سنة 39 .
ولما قدم علي الكوفة قام خطيبا فقال : بعد حمد الله والثناء عليه والتذكير
لنعمه والصلاة على محمد وذكره بما فضله الله به ، أما بعد أيها الناس ! فأنا
فقأت عين الفتنة ، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري ، ولو لم أكن فيكم ما
قوتل الناكثون ، ولا القاسطون ، ولا المارقون ، ثم قال : سلوني قبل أن
تفقدوني ، فإني عن قليل مقتول ، فما يحبس أشقاها أن يخضبها بدم أعلاها ، فوالذي
فلق البحر وبرأ النسمة لا تسألوني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فتنة
تضل مائة أو تهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها إلى يوم القيامة .
إن القرآن لا يعلم علمه إلا من ذاق طعمه . وعلم بالعلم جهله ، وأيصر عمله ،
واستمع صممه وادرك به مأواه ، وحي به إن مات ، فأدرك به الرضى من الله ،
فاطلبوا ذلك عند أهله ، فإنهم في بيت الحياة ، ومستقر القرآن ، ومنزل الملائكة ،
وأهل العلم الذين يخبركم عملهم عن علمهم وظاهرهم عن باطنهم هم الذين
لا يخالفون الحق ، ولا يختلفون فيه ، قد مضى فيهم من الله حكم صادق ، وفي
ذلك ذكرى للذاكرين .
واما أنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا وسيفا قاتلا وأثرة قبيحة يتخذها
الظالمون عليكم ستة تفرق جموعكم ، وتبكي عيونكم ، وتدخل الفقر بيوتكم ،
وستذكرون ما أقول لكم عن قليل ، ولا يبعد الله إلا من ظلم .
ووجه معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص على مصر على شرط له ،
ـ194ـ
فقدمها سنة 38 ، ومعه جيش عظيم من أهل الشأم ، فكان على دمشق يزيد بن
أسد البجلي ، وعلى أهل فلسطين شمير الخثعمي ، وعلى أهل الاردن أبو
الاعور السلمي ، ومعاوية بن حديج الكندي على الخارجة ، فلقيهم محمد بن أبي
بكر بموضع يقال له المسناة ، فحاربهم محاربة شديدة ، وكان عمرو يقول :
ما رأيت مثل يوم المسناة ، وقد كان محمد استذم إلى اليمانية ، فمايل عمرو بن
العاص اليمانية ، فخلفو محمد بن أبي بكر وحده ، فجالد ساعة ، ثم مضى
فدخل منزل قوم خرابة ، واتبعه ابن حديج الكندي ، فأخذه وقتله ، وأدخله
جيفة حمار ، وحرقه بالنار في زقاق يعرف بزقاق الحوف .
وبلغ عليا ضعف محمد بن أبي بكر وممالاة اليمانية معاوية وعمرو بن العاص
فقال : ما أوتي محمد من حرض ، ووجه مالك بن الحارث الاشتر إلى مصر قبل
أن ينتهي إليه قتل محمد بن أبي بكر ، وكتب إلى أهل مصر : إني بعثت إليكم
سيفا من سيوف الله لا نابي الضربة ، ولا كليل الحد ، فإن استنفركم فانفروا ،
وإن أمركم بالمقام فأقيموا ، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري ، وقد آثرتكم
به علي نفسي ، فلما بلغ معاوية أن عليا قد وجه الاشتر عظم عليه ، وعلم أن
أهل اليمن أسرع إلى الاشتر منهم إلى كل أحد ، فدس له سما ، فلما صار
إلى القلزم من الفسطاط على مرحلتين نزل منزل رجل من أهل المدينة يقال له . . 1 .
فخدمه وقام بحوائجه ، ثم أتاه بقعب فيه عسل قد صير فيه السم ، فساه إياه ،
فمات الاشتر بالقلزم وبها قبره ، وكان قتله وقتل محمد بن أبي بكر في سنة 38 .
ولما بلغ عليا قتل محمد بن أبي بكر والاشتر جزع عليهما جزعا شديدا ،
وتفجع ، وقال علي : على مثلك فلتبك البواكي يا مالك ، وأنى مثل مالك ؟
وذكر محمد بن أبي بكر ، وتفجع عليه ، وقال : إنه كان لي ولدا ولولدي
وولد أخي أخا ، وخرج الخريت بن راشد الناجي في جماعة من أصحابه ،
فجردوا السيوف بالكوفة ، فقتلوا جماعة ، وطلبهم الناس ، فخرج الخريت
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ195ـ
وأصحابه من الكوفة ، فجعلوا لا يمرون ببلد إلا انتهبوا بيت ماله حتى صاروا
إلى سيف عمان .
وكان علي قد وجه الحلو بن عوف الازدي عاملا على عمان فوثبت به بنو
ناجية فقتلوه ، وارتدوا عن الاسلام ، فوجه علي معقل بن قيس الرياحي إلى
البلد ، فقتل الخريت بن راشد وأصحابه ، وسبى بني ناجية ، فاشتراهم مصقلة
ابن هبيرة الشيباني ، وأنفذ بعض الثمن ثم هرب إلى معاوية ، وأمر علي
بهدم داره ، وأنفذ عتق بن ناجية ، وكانوا يدعون أنهم من ولد سامة
ابن لؤي .
ووجه معاوية النعمان بن بشير ، فأغار على مالك بن كعب الارحبي ،
وكان عامل علي على مسلحة عين التمر ، فندب علي فقال : يا أهل الكوفة
انتدبوا إلى أخيكم مالك بن كعب ، فإن النعمان بن بشير قد نزل به في جمع ليس
بكثير لعل الله أن يقطع من الظالمين طرفا . فأبطأوا ، ولم يخرجوا ، فصعد علي
المنبر فتكلم كلاما خفيا لا يسمع ، فظن الناس أنه يدعو الله ، ثم رفع
صوته فقال : أما بعد يا أهل الكوفة أكلما أقبل منسر من مناسر أهل الشأم أغلق
كل امرئ بابه وانجحر في بيته انجحار الضب والضبع الذليل في وجاره ؟
أف لكم ! لقد لقيت منكم يوما أناجيكم ويوما أناديكم ، فلا إخوان عند
النجاء ، ولا أحرار عند النداء . فلما دخل بيته قام عدي بن حاتم فقال :
هذا والله الخذلان القبيح ! ثم دخل إليه فقال : يا أمير المؤمنين ! معي ألف
رجل من طئ لا يعصونني ، وإن شئت أن أسير بهم سرت ؟ فقال علي :
جزاك الله خيرا ، يا أبا طريف ، ما كنت لاعرض قبيلة واحدة لحد أهل الشأم ،
ولكن اخرج إلى النخيلة ! فخرج واتبعه الناس فسار عدي على شاطئ الفرات ،
فأغار على أدنى الشأم .
وأغار الضحاك بن قيس على القطقطانة ، فبلغ عليا إقباله ، وأنه قد قتل
ابن عميش ، فقام علي خطيبا فقال : يا أهل الكوفة اخرجوا إلى جيش لكم
ـ196ـ
قد أصيب منه طرف ، وإلى الرجل الصالح بن عميش ، فامنعوا حريمكم ،
وقاتلوا عدوكم . فردوا ردا ضعيفا ، فقال : يا أهل العراق ! وددت أن لي
بكم بكل ثمانية منكم رجلا من أهل الشأم ، وويل لهم قاتلوا مع تصبرهم على
جور ، ويحكم ! اخرجوا معي ، ثم فروا عني إن بدالكم ، فوالله إني لارجو
شهادة ، وإنها لتدور على رأسي مع ما لي من الروح العظيم في ترك مداراتكم
كما تدارى البكار الغمرة ، أو الثياب المتهتكة ، كلما حيصت من جانب
تهتكت من جانب . فقام إليه حجر بن عدي الكندي فقال : يا أمير المؤمنين !
لا قرب الله مني إلى الجنة من لا يحب قربك ، عليك بعبادة الله عندك ، فإن
الحق منصور ، والشهادة أفضل الرياحين ، اندب معي الناس المناصحين ،
وكن لي فئة بكفايتك ، والله فئة الانسان وأهله ، إن الشيطان لا يفارق قلوب
أكثر الناس حتى تفارق أرواحهم أبدانهم . فتهلل وأثنى على حجر جميلا ،
وقال : لا حرمك الله شهادة ، فإني أعلم أنك من رجالها .
وجلس علي في المسجد فندب الناس ، وانتدب أربعة آلاف ، فساربهم
في طالب القوم ، وأغذ المسير حتى لقيهم بتدمر من عمل حمص ، فقاتلهم
فهزمهم ، حتى انتهوا إلى الضحاك ، وحجز بينهم الليل ، فأدلج الضحاك على
وجهه منصرفا ، وشن حجر بن عدي ، ومن معه الغارة في تلك البلاد يومين
وليلتين ، ثم أغار سفيان بن عوف على الانبار ، فقتل أشرس بن حسان
البكري ، فأتبعه علي سعيد بن قيس ، فلما أحس بن انصرف موليا ، وتبعه
سعيد إلى عانات ، فلم يلحقه .
وبعث معاوية عبدالله بن مسعدة بن حذيفة بن بدر الفزاري في جريدة خيل ،
وأمره أن يقصد المدينة ومكة ، فسار في ألف وسبعمائة ، فلما أتى عليا الخبر
وجه المسيب بن نجبة الفزاري ، فقال له : يا مسيب ! إنك ممن أثق بصلاحه
وبأسه ونصيحته ، فتوجه إلى هؤلاء القوم وأثر فيهم ، وإن كانوا قومك .
فقال له المسيب : يا أمير المؤمنين ! إن من سعادتي ان كنت من ثقاتك ، فخرج
ـ197ـ
في ألفي رجل من همدان وطئ وغيرهم ، وأغذ السير ، وقدم مقدمته ،
فلقوا عبدالله بن مسعدة ، فقاتلوه ، فلحقهم المسيب ، فقاتلهم حتى أمكنه أخذ
ابن مسعدة ، فجعل يتحاماه ، وانهزم ابن مسعدة ، فتحصن بتيماء ، وأحاط
المسيب بالحصن ، فحصر ابن مسعدة وأصحابه ثلاثا ، فناداه : يا مسيب ! إنما
نحن قومك ، فليمسك الرحم . فخلى لابن مسعدة وأصحابه الطريق ونجا من
الحصن .
فلما جنهم الليل خرجوا من تحت ليلتهم حتى لحقوا بالشأم ، وصبح المسيب
الحصن ، فلم يجد احدا ، فقال عبدالرحمن بن شبيب : داهنت والله يا مسيب
في أمر هم ، وغششت أمير المؤمنين ، وقدم على علي فقال له علي : يا مسيب !
كنت من نصاحي ، ثم فعلت ما فعلت ! فحبسه أياما ، ثم أطلقه وولاه قبض
الصدقة بالكوفة .
ووجه معاوية بسر بن أبي أرطاة ، وقيل ابن أرطاة العامري ، من بني عامر
ابن لؤي ، في ثلاثة آلاف رجل ، فقال له : سر حتى تمر بالمدينة ، فاطرد أهلها ،
وأخف من مررت به ، وانهب مال كل من أصبت له مالا ممن لم يكن دخل
في طاعتنا ، وأوهم أهل المدينة أنك تريد أنفسهم ، وأنه لابراءة لهم عندك ،
ولا عذر ، وسر حتى تدخل مكة ، ولا تعرض فيها لاحد ، وارهب الناس فيما
بين مكة والمدينة ، واجعلهم شرادات ، ثم امض حتى تأني صنعاء ، فإن لنا بها
شيعة ، وقد جاءني كتابهم . فخرج بسر ، فجعل لايمر بحي من أحياء العرب إلا
فعل ما أمره معاوية ، حتى قدم المدينة ، وعليها أبوأيوب الانصاري ، فتنحى
عن المدينة ، ودخل بسر ، فصعد المنبر ثم قال : يا أهل المدينة ! مثل السوء لكم ،
قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، فكفرت بأنعم
الله ، فأذاقها الله لباس الجوع ، الخوف بما كانوا يصنعون ، ألا وإن الله قد أوقع
بكم هذا المثل وجعلكم أهله ، شاهت الوجوه . ثم ما زال يشتمهم حتى نزل .
قال : فانطلق جابر بن عبدالله الانصاري إلى أم سلمة زوج النبي ، فقال :
ـ198ـ
إني قد خشيت أن أقتل ، وهذه بيعة ضلال . قالت : إذا فبايع ، فإن التقية
حملت أصحاب الكهف على أن كانوا يلبسون الصلب ويحضرون الاعياد مع
قومهم . وهدم بسر دورا بالمدينة ، ثم مضى حتى أتى مكة ، ثم مضى حتى أتى
اليمن ، وكان على اليمن عبيدالله بن عباس ، عامل علي ، وبلغ عليا الخبر ،
فقام خطيبا فقال : أيها الناس ! إن أول نقصكم ذهاب أولي النهى والرأي
منكم الذين يحدثون فيصدقون ، ويقولون فيفعلون ، إني قد دعوتكم عودا
وبدأ ، وسراوجهرا ، وليلا ونهارا ، فما يزيدكم دعائي إلا فرارا ، ما ينفعكم
الموعظة ولا الدعاء إلى الهدى والحكمة ، أما والله إني لعالم بما يصلحكم ،
ولكن في ذلك فسادي ، امهلوني قليلا ، فوالله لقد جاءكم من يجزنكم ويعذبكم
ويعذبه الله بكم ، إن من ذل الاسلام وهلاك الدين أن ابن أبي سفيان يدعو
الاراذل والاشرار فيجيبون ، وأدعوكم ، وأنتم لا تصلحون ، فتراعون . هذا
بسر قدصار إلى اليمن وقبلها إلى مكة والمدينة .
فقام جارية بن قدامة السعدي فقال : يا أمير المؤمنين ! لاعدمنا الله قربك ،
ولا أرانا فراقك ، فنعم الادب أدبك ، ونعم الامام والله أنت . أنا لهؤلاء القوم
فسرحني إليهم ! قال : تجهز ، فإنك ما علمتك رجل في الشدة والرخاء ،
المبارك الميمون النقيبة ، ثم قام وهب بن مسعود الخثعمي فقال : أنا أنتدب
يا أمير المؤمنين . قال : انتدب ، بارك الله عليك . فخرج جارية في ألفين ووهب
ابن مسعود في ألفين ، وأمرهما علي أن يطلبا بسرا حيث كان حتى يلحقاه ،
فإذا اجتمعا فرأس الناس جارية ، فخرج جارية من البصرة ووهب من الكوفة ،
حتى التقيا بأرض الحجاز ، ونفذ بسر من الطائف ، حتى قدم اليمن ، وقد
تنحى عبيدالله بن عباس عن اليمن ، واستخلف بها عبدالله بن عبدالمدان الحارثي ،
فأتاه بسر فقتله ، وقتل ابنه مالك بن عبدالله ، وقد كان عبيدالله خلف ابنيه
عبدالرحمن وقثم عند جويرية ابنة قارظ الكنانية ، وهي أمهما ، وخلف معها
رجلا من كنانة ، فلما انتهى بسر إليها دعا ابني عبيدالله ليقتلهما ، فقام الكناني
ـ199ـ
فانتضى سيفه وقال : والله لاقتلن دونهما فألاقي عذرا لي عند الله والناس ،
فضارب بسيفه حتى قتل ، وخرجت نسوة من بني كنانة فقلن : يا بسر !
هذا ، الرجال يقتلون ، فما بال الولدان ، والله ما كانت الجاهلية تقتلهم ، والله
إن سلطانا لا يشتد إلا بقتل الصبيان ورفع الرحمة لسلطان سوء . فقال بسر :
والله لقد هممت أن أضع فيكن السيف . وقدم الطفلين فذبحهما ، فقالت
أمهما ترثيهما :
ها من أحس بنيي اللذين هما * سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف
ها من أحس بنيي اللذين هما * مخ العظام فمخي اليوم مزدهف
ها من أحس بنيي اللذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدف
نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا * من قولهم ومن الافك الذى اقترفوا
أنحى على ودجي إبني مرهفة * مشحوذة وكذاك الامر مقترف
من دل والهة حرى وثاكلة * على صبيين ضلا إذ غدا السلف
ثم جمع بسر أهل نجران فقال : يا إخوان النصارى ! أما والذي لا إله غيره
لئن بلغني عنكم أمر أكرهه لاكثرن قتلاكم . ثم سار نحو جيشان ، وهم
شيعة لعلي ، فقاتلهم ، فهزمهم ، وقتل فيهم قتلا ذريعا ، ثم رجع إلى صنعاء .
وسار جارية بن قدامة السعدي حتى أتى نجران وطلب بسرا ، فهرب منه في
الارض ، ولم يقم له ، وقتل من أصحابه خلقا ، وأتبعهم بقتل وأسر حتى بلغ
مكة ، ومر بسر حتى دخل الحجاز لايلوي على شئ ، فأخذ جارية بن قدامة
أهل مكة بالبيعة ، فقالوا : قد هلك علي فلمن نبايع ؟ قال : لمن بايع له أصحاب
علي بعده ، فتثاقلوا ، فقال : والله لتبايعن ولو بأستاهكم ، فبايعوا ودخل
المدينة ، وقد اصطلحوا على أبي هريرة فصلى بهم ففر منه أبوهريرة ، فقال
جارية : يا أهل المدينة بايعوا للحسن بن علي ! فبايعوا ، ثم خرج يريد الكوفة ،
ـ200ـ
فرد أهل المدينة أبا هريرة .
قال غياث عن فطر بن خليفة : حدثني أبوخالد الوالبي قال : قرأت
عهد علي لجارية بن قدامة : أوصيك يا جارية بتقوى الله ، فإنها جموع الخير ،
وسر على عون الله ، فالق عدوك الذي وجهتك له ، ولا تقاتل إلامن
قاتلك ، ولا تجهز على جريح ، ولا تسخرن دابة ، وإن مشيت ومشى
أصحابك ، ولا تستأثر على أهل المياه بمياههم ، ولا تشربن إلا
فضهلم عن طيب نفوسهم ، ولا تشتمن مسلما ولا مسلمة فتوجب على
نفسك ما لعلك تؤدب غيرك عليه ، ولا تظلمن معاهدا ، ولا معاهدة ،
واذكر الله ، ولا تفتر ليلا ولا نهارا ، واحملوا رجالتكم ، وتواسوا في ذات
أيديكم ، وأجدد السير ، وأجل العدو من حيث كان ، واقتله مقبلا ، واردده
بغيظه صاغرا ، واسفك الدم في الحق ، واحقنه في الحق ، ومن تاب فاقبل
توبته ، واخبارك في كل حين بكل حال ، والصدق الصدق ، فلا رأي لكذوب .
قال وحدث . أبوالكنود أن جارية مر في طلب بسر فما كان يلتفت إلى
مدينة ولا يعرج على شئ حتى انتهى إلى اليمن ونجران ، فقتل من قتل وهرب
منه بسر ، وحرق تحريقا ، فسمي محرقا .
وكتب علي إلى عماله يستحثهم بالخروج ، فكتب إلى الاشعث بن قيس ،
وكان عامله باذربيجان : أما بعد ، فإنما غرك من نفسك وجرأك على آخرك
املاء الله لك ، إذ ما زلت قديما تأكل رزقه ، وتلحد في آياته ، وتستمتع بخلاقك ،
وتذهب بحسناتك إلى يومك هذا ، فإذا أتاك رسولي بكتابي هذا ، فأقبل ، واحمل
ما قبلك من مال المسلمين ، إن شاء الله . فلما قرأ الاشعث كتابه أقبل إليه .
وكتب إلى يزيد بن قيس الارحبي : أما بعد ، فإنك أبطأت بحمل خراجك ،
وما أدري ما الذي حملك على ذلك . غير أني أوصيك بتقوى الله وأحذرك أن
تحبط أجرك وتبطل جهادك بخيانة المسلمين ، فاتق الله ونزه نفسك عن الحرام ،
ولا تجعل لي عليك سبيلا ، فلا أجد بدا من الايقاع بك ، وأعزز المسلمين ولا
ـ201ـ
تظلم المعاهدين ، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ، ولا تنس نصيبك من
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 201 سطر 1 الى ص 210 سطر 25
تظلم المعاهدين ، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ، ولا تنس نصيبك من
الدنيا ، ؟ ؟ كما أحسن الله إليك ، ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب
المفسدين .
وكتب إلى سعد بن مسعود عم المختار بن أبي عبيد ، وهو على المدائن :
أما بعد ، فإنك قد أديت خراجك ، وأطعت ربك ، وأرضيت إمامك ، فعل
المبر التقي النجيب ، فغفر الله ذنبك ، وتقبل سعيك وحسن مآبك .
وكتب إلى عمر بن أبي سلمة المخزومي ، وهو ابن أم سلمة زوج النبي ،
وكان عامله على البحرين : أما بعد ، فإني قد وليت النعمان بن العجلان البحرين
بلا ذم لك ، فأقبل ، غير ظنين ، واخرج إليه من عمل ما وليت ، فقد أردت
الشخوص إلى ظلمة أهل الشأم وبقية الاحزاب ، فأحببت أن تشهد معي لقاءهم ،
فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين ونصر الهدى ، جعلنا الله وإياك من الذين
يعملون بالحق وبه يعدلون . فأقبل عمر ، فشهد معه ، ثم انصرف وتبع عليا
إلى الكوفة ، فمكث معه سنة وبعض أخرى .
فبلغه أن النعمان بن العجلان قد ذهب بمال البحرين ، فكتب إليه علي :
أما بعد ، فإنه من استهان بالامانة ورغب في الخيانة ، ولم ينزه نفسه ودينه ،
أخل بنفسه في الدنيا ، وما يشفي عليه بعد أمر وأبقى وأشقى وأطول ، فخف
الله ! إنك من عشيرة ذات صلاح ، فكن عند صالح الظن بك ، وراجع ،
إن كان حقا ما بلغني عنك ، ولا تقلبن رأيي فيك ، واستنظف خراجك ، ثم
اكتب إلي ليأتيك رأيي وأمري إن شاء الله . فلما جاءه كتاب علي ، وعلم أنه
قد علم حمل المال ، لحق معاوية .
وكتب إلى مصقلة بن هبيرة ، وبلغه أنه يفرق ويهب أموال اردشير خرة ،
وكان عليها : أما بعد ، فقد بلغني عنك أمر أكبرت أن أصدقه أنك تقسم فئ
المسلمين في قومك ومن اعتراك من السألة والاحزاب وأهل الكذب من الشعراء ،
كما تقسم الجوز ، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لافتش عن ذلك تفتيشا شافيا ،
ـ202ـ
فإن وجدته حقا لتجدن بنفسك علي هوانا ، فلا تكونن من الخاسرين أعمالا ،
الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
فكتب مصقلة إليه : أما بعد ، فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين فليسأل إن كان
حقا فليعجل عزلي بعد نكالي ، فكل مملوك لي حر ، وعلي أيام ربيعة ومضر
إن كنت رزأت من عملي دينارا ، ولا درهما ، ولا غير هما ، منذ وليته إلى أن
ورد علي كتاب أمير المؤمنين ، ولتعلمن أن العزل أهون علي من التهمة . فلما
قرأ كتابه قال : ما أظن أبا الفضل إلا صادقا .
ووجه رجلا من أصحابه إلى بعض عماله مستحثا ، فاستخف به فكتب
اليه : أما بعد ، فإنك شتمت رسولي وزجرته ، وبلغني أنك تبخر وتكثر
من الادهان وألوان الطعام ، وتتكلم على المنبر بكلام الصديقين ، وتفعل ،
إذا نزلت ، أفعال المحلين ، فإن يكن ذلك كذلك فنفسك ضررت وأدبي
تعرضت ، ويحك ان تقول العظمة والكبرياء ردائي فمن نازعنيهما سخطت عليه ،
بل ما عليك أن تدهن رفيها ، فقد أمر رسول الله بذلك ، وما حملك أن تشهد الناس
عليك بخلاف ما تقول ، ثم على المنبر حيث يكثر عليك الشاهد ، ويعظم مقت الله
لك ، بل كيف ترجو ، وأنت متهوع في النعيم جمعته من الارملة واليتيم ، أن
يوجب الله لك أجر الصالحين ، بل ما عليك ، ثكلتك أمك ، لو صمت لله أياما ،
وتصدقت بطائفة من طعامك ، فإنها سيرة الانبياء وأدب الصالحين . أصلح
نفسك وتب من ذنبك وأد حق الله عليك والسلام .
وكتب إلى قيس بن سعد بن عبادة ، وهو على اذربيجان : أما بعد ، فأقبل
على خراجك بالحق ، وأحسن إلى جندك بالانصاف ، وعلم من قبلك مما
علمك الله ، ثم إن عبدالله بن شبيل الاحمسي سألني الكتاب إليك فيه بوصايتك
به خيرا ، فقد رأيته وادعا متواضعا ، فألن حجابك وافتح بابك ، واعمد إلى
الحق ، فإن وافق الحق ما يحبو أسره ، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله .
إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب .
ـ203ـ
قال غياث : ولما أجمع علي القتال لمعاوية كتب أيضا إلى قيس : أما بعد ،
فاستعمل عبدالله بن شبيل الاحمسي خليفة لك ، وأقبل إلي ، فإن المسلمين قد
أجمع ملؤهم وانقادت جماعتهم ، فعجل الاقبال ، فأنا سأحضرن إلى المحلين
عند غرة الهلال ، إن شاء الله ، وما تأخري إلا لك ، قضى الله لنا ولك بالاحسان
في أمرنا كله .
وكتب إلى سهل بن حنيف ، وهو على المدينة : أما بعد ، فقد بلغني أن رجالا
من أهل المدينة خرجوا إلى معاوية ، فمن أدركته فامنعه ، ومن فاتك فلا تأس
عليه ، فبعدا لهم ، فسوف يلقون غيا ، أما لو بعثرت القبور ، واجتمعت
الخصوم ، لقد بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ، وقد جاءني رسولك يسألني
الاذن ، فأقبلى ، عفا الله عنا وعنك ، ولا تذر خللا ، إن شاء الله تعالى .
وكتب علي إلى عمر بن مسلمة الارحبي : أما بعد ، فإن دهاقين عملك
شكوا غلظتك ، ونظرت في أمرهم فما رأيت خيرا ، فلتكن منزلتك بين
منزلتين : جلباب لين بطرف من الشدة في غير ظلم ولا نقص ، فإنهم أحيونا
صاغرين ، فخذ ما لك عندهم وهم صاغرون ، ولا تتخذ من دون الله وليا ،
فقد قال الله عزوجل : " لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا " ،
وقال عزوجل في أهل الكتاب : " لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " ،
وقال تبارك وتعالى : " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " ، وقرعهم بخراجهم .
وقابل في ورائهم وإياك ودماءهم والسلام .
وكتب إلى قرظة بن كعب الانصاري : أما بعد ، فإن رجالا من أهل الذمة
من عملك ذكروا نهرا في أرضهم قد عفا وادفن ، وفيه لهم عمارة على المسلمين ،
فانظر أنت وهم ، ثم اعمر وأصلح النهر ، فلعمري لان يعمروا أحب إلينا
من أن يخرجوا ، وأن يعجزوا أو يقصروا في واجب من صلاح البلاد والسلام .
وكتب إلى المنذر بن الجارود ، وهو على اصطخر : أما بعد ، فإن صلاح
أبيك غرني منك ، فإذا أنت لا تدع انقيادا لهواك أزرى ذلك بك . بلغني أنك
ـ204ـ
تدع عملك كثيرا ، وتخرج لاهيا بمنبرها ، تطلب الصيد وتلعب بالكلاب ،
وأقسم لئن كان حقا لنثيبنك فعلك ، وجاهل أهلك خير منك ، فأقبل إلي
حين تنظر في كتابي والسلام .
فأقبل فعزله وأغرمه ثلاثين ألفا ، ثم تركها لصعصعة بن صوحان بعد أن
احلفه عليها ، فحلف ، وذلك أن عليا دخل على صعصعة يعوده ، فلما رآه علي
قال : إنك ما علمت حسن المونة خفيق المؤونة . فقال صعصعة : وأنت والله ،
يا أمير المؤمنين ، عليم وأبه في صدرك عظيم . فقال له علي : لا تجعلها أبهة
على قومك أن عادك إمامك . قال : لا ، يا أمير المؤمنين ، ولكنه من من الله علي
أن عادني أهل البيت وابن عم رسول رب العالمين . قال غياث فقال له صعصعة :
يا أمير المؤمنين ! هذه ابنة الجارود تعصر عينيها كل يوم لحبسك أخاها المنذر ،
فأخرجه ، وأنا أضمن ما عليه في أعطيات ربيعة . فقال له علي : ولم تضمنها ،
وزعم لنا أنه لم يأخذها ، فليحلف ونخرجه . فقال له صعصعة : أراه والله
سيحلف . قال : وأنا والله أظن ذلك . وقال علي : أما أنه نظار في عطفيه ،
مختال في برديه ، نقال في شراكيه ، فليحلف بعد ، أو ليدع ، فحلف فخلى
سبيله .
وكتب إلى زياد وكان عامله على فارس : أما بعد ، فإن رسولي أخبرني بعجب
زعم أنك قلت له فيما بينك وبينه : إن الاكراد هاجت بك ، فكسرت عليك
كثيرا من الخراج ، وقلت له : لا تعلم بذلك أمير المؤمنين . يا زياد ! وأقسم
بالله انك لكاذب ، ولئن لم تبعث بخراجك لاشدن عليك شدة تدعك قليل
الوفر ، ثقيل الظهر ، إلا أن تكون لما كسرت من الخراج محتملا .
وكتب إلى كعب بن مالك : أما بعد ، فاستخلف على عملك ، واخرج في
طائفة من أصحابك حتى تمر بأرض كورة السواد فتسأل عن عمالي وتنظر في
سيرتهم فيما بين دجلة والعذيب ، ثم ارجع إلى ال بهقباذات فتول معونتها ،
واعمل بطاعة الله فيما ولاك منها ، واعلم أن كل عمل ابن آدم محفوظ عليه
ـ205ـ
مجزي به ، فاصنع خيرا صنع الله بنا وبك خيرا ، وأعلمني الصدق فيما صنعت ،
والسلام .
قال : وقدم على علي أبومريم القرشي المكي ، كان صديقا له ، فلما رآه
قال : ما أقدمك يا أبا مريم ؟ قال : والله ما جئت في حاجة ، ولكن عهدي بك
قديم ، فأحببت أن أراك ، ولو اجتمع أهل الارض عليك لاقمتم على الطريق .
فقال : يا أبا مريم ، والله إني لصاحبك الذي تعلم ، ولكن منيت بشرار خلق
الله إلا من رحم الله ، يدعوني فآبى عليهم ثم أجيبهم ، فيتفرقون عني ،
والدنيا محنة الصالحين ، جعلنا الله وإياك منهم ، ولولا ما سمعت من حبيبي
أنه يقول لضاق ذرعي غير هذا الضيق ، سمعته يقول : الجهد والبلاء أسرع
إلى من أحب الله وأجتني من السيل إلى مجاريه .
وكتب أبوالاسود الدثلي ، وكان خليفة عبدالله بن عباس بالبصرة ، إلى
علي يعلمه أن عبدالله أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم ، فكتب إليه
يأمره بردها ، فامتنع ، فكتب يقسم له بالله لتردنها ، فلما ردها عبدالله بن
عباس ، أو رد أكثرها ، كتب إليه علي : أما بعد ، فإن المرء يسره درك
ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فما أتاك من الدنيا فلا تكثر
به فرحا ، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعا ، واجعل همك لما بعد الموت ،
والسلام . فكان ابن عباس يقول : ما اتعظت بكلام قط اتعاظي بكلام أمير
المؤمنين .
وقال كميل بن زياد : وأخذ بيدي علي ، فأخرجني إلى ناحية الجبانة ،
فلما أصحر تنفس الصعداء ثلاثا ، ثم قال : يا كميل ، إن القلوب أوعية
فخيرها أوعاها ، احفظ عني ما أقول لك : الناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم
على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، لم يسضيئوا بنور العلم ، ولم
يلجأوا إلى ركن وثيق . يا كميل ! العلم خير من المال ، العلم يحرسك ، وأنت
تحرسى المال ، والعلم حاكم ، والمال محكوم عليه ، مات خزان المال وهم
ـ206ـ
أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة وأمثلتهم في القلوب
موجودة ، ها إن هاهنا ، وأشار إلى صدره ، لعلما جمالو أصبت له حملة ،
اللهم إلا أن أصيب لقنا غير مأفون يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا ،
ويستظهر بحجج الله على أوليائه وبنعمه على خلقه ، آو منقادا لحملة الحق
لا بصيرة في احيائه ، يقدح الشك في قلبه لاول عارض من شبهة ، ألا لا ذا ولا
ذاك ، أو منهوما باللذة ، سلس القيادة للشهوة ، أو مغرما بالجمع والادخار ،
ليسوا من رعاة الدين في شئ ، أقرب شبها بهم الانعام السائمة ، اللهم كلا !
لا تخلو الارض من قائم بحق إما ظاهر مشهور ، وإما خائب مغمور ، لئلا
يبطل حجج الله عزوجل وبيناته أولئك الاقلون عددا ، والاعظمون خطرا ،
هجم بهم العلم ، حتى حقائق الامور ، وباشروا روح اليقين ، فاستلانوا ما
استوعر المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأبدان ،
أرواحها معلقة بالمحل الاعلى ، يا كميل ! أولئك أولياء الله من خلقه والدعاة
إلى دينه ، بهم يحفظ الله حججه ، حتى يودعوها أمثالهم ، ويزرعوها في قلوب
أشباههم ، هاه شوقا إلى رؤيتهم .
وقال : لو أن حملة العلم حملوه لحقه لاحبهم الله وملائكته وأهل طاعته
من خلقه ، ولكنهم حملوه لطلب الدنيا ، فمنعهم الله ، وهانوا على الناس .
وقال : قيمة كل امرئ ما يحسن .
وقال : أيها الناس لا ترجوا إلا ربكم ، ولا تخشوا إلا ذنوبكم ، ولا
يستحي من لا يعلم أن يتعلم ، ولا يستحي من يعلم أن يعلم ، واعلموا أن
الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد .
وقال : من كان يريد العز بلا عشيرة ، والنسل بلا كثرة ، والغناء بلا
مال ، فليتحول من ذل المعصية إلى عز الطاعة .
وقال : كم من مستدرج بالاحسان إليه ، وكم من مغرور بالستر عليه ،
وكم من مفتون بحسن القول فيه . وما ابتلي أحد بمثل الاملاء له ، ألم تسمع
ـ207ـ
قول الله عزوجل : " إنما نملي لهم ليزدادوا إثما " .
وقال : من اشتاق إلى الجنة تسلى عن الشهوات ، ومن أشفق من النار
رجع عن المحرمات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن ارتقب
الموت سارع في الخيرات .
وخطب فتلا قول الله عزوجل : " إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما
قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين . " ثم قال : إن هذا
الامر ينزل من السماء كقطر المطر إلى كل نفس بما كتب الله لها من نقصان
في نفس أو أهل أو مال ، فمن أصابه نقص في أهله وماله ، ورأى عند أخيه
عفوة ، فلا يكونن ذلك عليه فتنة ، فإن المرء المسلم ما لم يأت دنياه يخشع لها
وتذله ، إذا ذكرت تغري به ليألم . الناس كالياسر الفالح الذي ينتظر أول
فوزه من قداحه يوجب له المغنم ، ويدفع عنه المغرم ، كذلك المرء البرئ من
الخيانة والكذب يترقب كل يوم وليلة إحدى الحسنيين : إما داعي الله فما
عند الله خير له ، وإما فتحا من الله ، فإذا هو ذو أهل ومال ، ومعه حسبه ودينه .
المال والبنون حزب الدنيا ، والعمل الصالح خزب الآخرة ، وقد يجمعهم الله
لاقوام .
وقال : من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم
فلم يخلفهم ، كان ممن حرمت غيبته ، وكملت مرونه ، وظهر عدله ، ووجب
وصله .
وخرج يوما فقال : يا طالب العلم ! إن للعالم ثلاثة علامات : العلم بالله ،
وبما يحب الله ، وبما يكره الله . وللعامل ثلاث علامات : الصلاة ، والزكاة ،
والورع . وللمتكلف من الرجال ثلاث علامات : ينازع من هو فوقه ، ويقول
بما لا يعلم ، ويتعاطى ما لا ينال . وللظالم ثلاث علامات : يظلم من هو فوقه
بالمعصية ، ومن هو دونه بالغلبة ، ويظاهر الظلمة والآثم . وللمرائي ثلاث
علامات : يكسل إذا كان وحده ، وينشط إذا كان من يراه ، ويحب أن يحمد في
ـ208ـ
جميع أموره . وللحاسد ثلاث علامات : يغتاب إذا غاب ، ويتقرب إذا شهد ،
ويشمت بالمصيبة . وللمنافق ثلاث علامات : يخالف لسانه قلبه ، وقوله فعله ،
وعلانيته سريرته ، وللمسرف ثلاث علامات : يأكل ما ليس له ، ويشرب ما
ليس له ، ويلبس ما ليس له ، وللكسلان من الرجال ثلاث علامات : يتوانى
حتى يفرط ، ويفرط حتى يضيع ، ويضيع حتى يأثم . وإنما هلك الذين قبلكم
بالتكلف ، فلا يتكلف رجل منكم أن يتكلم في دين الله بما لا يعرف ، فإن
الله عزوجل يعذر على الخطإ إن أجهدت رأيك .
وقال لعمر بن الخطاب : ثلاث إن حفظتهن وعملت بهن كفيتك ما
سواهن ، وان تركتهن ، فلا ينفعك شئ سواهن . قال : وما هن ؟ فقال :
الحدود على القريب والبعيد ، والحكم بكتاب الله في الرضى والسخط ، والقسم
بالعدل بين الاحمر والاسود . فقال له عمر : أبلغت وأوجزت .
وسمع رجلا يذم الدنيا ، فقال : الدنيا دار صدق لمن صدقها ،
ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها ، مسجد أحباء الله ، ومهبط
وحيه ، ومصلى ملائكته ، ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرحمة فربحوا فيها
الجنة ، فمن ذا يذمها ، وقد أذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها
وأهلها ، مثل ببلاها البلا ، وشوقت بسرورها السرور ، راحت بفجيعة ،
وأبكرت بعافية ترغيبا وترهيبا وتحذيرا وتخويفا ، ذمها رجال غداة الندامة ،
وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا ، وحدثتهم فصدقوا ، فيا ذام الدنيا ،
المغتر بغرورها ! متى استذمت إليك بل متى غرتك ؟ أبمضاجع آبائك من البلى ،
أو بمنازل أمهاتك من الثرى ؟ كم مرضت بيدك ، وعللت بكفيك ، من
تبتغي له الشفاء وتستوصف له الاطباء ، فلم ينفعه تطبيبك ولم يستعف له بعافيتك ،
مثلت به الدنيا نفسك ، وبمصرعه مصرعك ، غداة لا يغني عنك بكاؤك ولا
ينفعك أحباؤك .
وخطب فقال : إن من أخوف ما أخاف عليكم خصلتين : اتباع الهوى ،
ـ209ـ
وطول الامل . طول الامل فينسي الآخرة ، وأما اتباع الهوى فيصد عن
الحق . من أصبح في سربه ، معافى في بدنه ، له قوت يومه ، فكأنما حيزت
له الدنيا ، إن الله تعالى يقول : وعزتي وجلالي وجمالي وبهائي وعلوي وارتفاعي
في مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلاجعلت همه في الآخرة وغناءه في
قلبه ، وضمنت السموات والارض رزقه ، وأتته الدنيا وهي راغمة .
وقال : حصر بالبلاء من عرف الناس ، ومن جهلهم عاش معهم .
وقال : يأتي على الناس زمان لا يعز فيه إلا الماحل ، ولا يستظرف إلا
الفاجر ، ولا يضعف إلا المنصف ، يتخذون الفئ مغنما ، والصدقة مغرما ،
والعبادة استطالة على الناس ، وصلة الرحم منا ، والعلم متجرا ، فعند ذلك يكون
سلطان النساء ومشورة الاماء وامارة الصبيان .
وقال : لا تصلح الناس إمارة يعمل فيها المؤمن ويستمع فيها الكافر ، ويبلغ
فيها الكتاب الاجل .
وغزا فقال لرجل : لئن جزعت إن الرحم ليستحق ذاك وإن صبرت
كأني بها مأجورا ، وإلا صبرت كارها مأزورا .
وقيل لعلي : كم بين السماء والارض ؟ قال : دعوة مظلوم . وقيل له :
كم مسافة الدنيا ؟ فقال : مسير الشمس يوما إلى الليل .
وقال يوم الجمل : الموت طالب حثيث لا يعجزه المقيم ، ولا يفوته الهارب ،
اقدموا ولا تنكلوا ليس عن الموت ميحص ، إنكم إن لم يقتلوا تموتوا ، وإن
أشرف الموت القتل ، والذي نفسي بيده لالف ضربة بالسيف أهون من موت
على فراش .
وقال له رجل : أوصني . فقال : أوصيك بتقوى الله ، واجتناب الغضب ،
وترك الاماني ، وأن تحافظ على ساعتين من النهار : من طلوع الفجر إلى طلوع
الشمس ، ومن العصر إلى غروبها ، ولا تفرح بما علمت ، ولكن بما عملت فيها .
وأتي برجل جنى جناية ، فرأى ناسا يعدون خلفه ، فقال : لا مرحبا بوجوه
ـ210ـ
لا ترى إلا عند كل سوء .
وقال له الحارث بن حوط الراني : أظن طلحة والزبير وعائشة اجتمعوا على
باطل . فقال : يا حارث ! إنه ملبوس عليك ، وإن الحق والباطل لا يعرفان
بالناس ، ولكن اعرف الحق تعرف أهله ، واعرف الباطل تعرف من أتاه .
ورأى رجلا يسأله عشية عرفة ، فقال : ويحك تسأل في هذا اليوم غير الله !
وروي عنه أنه قال : يا معشر الفتيان حصنوا أعراضكم بالادب ودينكم
بالعلم . وكان إذا انصرف من صلاته أقبل على الناس بوجهه فقال : كونوا
مصابيح الهدى ، ولا تكونوا أعلام ضلالة ، واكرهوا المزاح بما يسخط الله .
وليهن عليكم الذم فيما يرضي الله . علموا الناس الخير بعبر ألسنتكم ،
وكونوا دعاة لهم بفعلكم ، والزموا الصدق والورع .
وقال : الصمت حلم ، والسكوت سلامة ، والكتمان سعادة .
واجتمع عنده جماعة فتذكروا المعروف ، فقال : المعروف كنز من أفضل
الكنوز ، وزرع من أزكى الزروع ، فلا يزهدنكم في المعروف كفر من كفره
وجحد من جحده ، فإن من يشكرك عليه ممن لم يصل إليه منه شئ أعظم مما
ناله أهل منة ، فلا تلتمس من غيرك ما أسديت إلى نفسك ، إن المعروف لايتم
إلا بثلاث خصال : تصغيره ، وستره ، وتعجيله ، فإذا صغرته فقد عظمته ،
وإذا سترته فقد أتممته ، وإذا عجلته فقد هنأته .
وقدم عليه قوم من أهل الغرب فقال لهم : أفيكم من قد شهر نفسه حتى
لا يعرف إلا به ؟ فقالوا : نعم ! قال : وفيكم قوم بين ذلك يتصونون من
السيئات ويعملون الحسنات ؟ قالوا : نعم ! قال أولئك خير أمة محمد ، أولئك
النمرقة الوسطى ، بهم يرجع الغالي ، وبهم يلحق المقصر .
وروي عنه أنه قال : ألهم البهائم كل شئ إلا أربع خصال : أن
الله عزوجل خالقها ورازقها . . . 1 ، وإتيان الذكر الانثى ، والفرار من
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ211ـ
الموت ، وطلب الرزق .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 211 سطر 1 الى ص 220 سطر 25
الموت ، وطلب الرزق .
وقال : ستة لايسلم عليهم : اليهودي ، والنصراني ، والمجوسي ،
والشاعر يقذف المحصنات ، وقوم يتفكهون بسب الامهات ، وقوم على مائدة
يشرب عليها الخمر .
وقال : الائمة من قريش خيارهم على خيارهم ، وشرارهم على شرارهم .
وقضى على رجل بقضية فقال : يا أمير المؤمنين ! قضيت علي بقضية هلك
فيها مالي ، وضاع فيها عيالي ! فغضب حتى استبان الغضب في وجهه ، ثم قال :
يا قنبر ! ناد في الناس الصلاة جامعة . فاجتمع الناس ورقي المنبر ، فحمد الله
وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد فذمتي رهينة ، وأنا به زعيم ، بجميع من صرحت
له العبر ألا يهيج على التقوى زرع قوم ، ولا يظمأ على التقوى سنخ أصل ،
وإن الخير كله فيمن عرف قدره ، وكفى بالمرء جهلا ألا يعرف قدره ، إن
من أبغض خلق الله إلى الله العبد وكله إلى نفسه جائرا عن قصد السبيل ، مشغوفا
بكلام بدعة ، قد قمس في أشباهه من الناس عشواء ، غارا بأغباش الفتنة قد
لهج فيها بالصوم والصلاة ، فهو فتنة على من تبعه ، قد سماه أشباه الناس عالما ،
ولم يغن فيه يوما ، سالما بكر ، فاستكثر مما قل منه ، فهو خير مما كثر ،
حتى إذا ارتوى من آجن ، وأكثر من غير طائل ، جلس بين الناس قاضيا ، ضامنا
بتخليص ما التبس على غيره ، إن قايس شيئا بشئ لم يكذب نفسه ، وإن التبس
عليه شئ كتمه من نفسه لكيلا يقال لا يعلم ، ولا ملئ والله بإصدار ما ورد
عليه ، ولا هو أهل بما قرظ به من حسن ، مفتاح عشوات ، خباط جهالات ،
لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم ، ولا يعرض في العلم ببصيرة ، يذرو الروايات
ذرو الريح الهشيم ، تصرخ منه الدماء ، وتبكي منه المواريث ، ويستحل
بقضائه الفرج الحرام ، ويحرم بمرضاته الفرج الحلال ، فأين يتاه بكم ، بل
أين تذهبون عن أهل بيت نبيكم ؟ إنا من سنخ أصلاب أصحاب السفينة ،
وكما نجا في هاتيك من نجا ينجو في هذه من ينجو ، ويل رهين لمن تخلف عنهم ،
ـ212ـ
إني فيكم كالكهف لاهل الكهف ، وإني فيكم باب حطة من دخل منه نجا ،
ومن تخلف عنه هلك ، حجة من ذي الحجة في حجة الوداع ، إني قد تركت بين
أظهر كم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي .
وحكم بأحكام عجيبة ، حتى إنه حرق قوما ، ودخن على آخرين ، وقطع
بعض أصابع اليد في السرقة ، وهدم حائطا على اثنين وجدهما على فسق ، وكان
يقول : استتروا ببيوتكم ، والتوبة وراءكم ، من أبدى صفحنه للحق هلك ،
إن الله أدب هذه الامة بالسوط والسيف ، وليس لاحد عند الامام هوادة .
وقدم عبدالرحمن بن ملجم المرادي الكوفة لعشر بقين من شعبان سنة 40 ،
فلما بلغ عليا قدومه قال : وقد وافى ؟ أما إنه ما بقي علي غيره ، هذا أوانه ،
فنزل على الاشعث بن قيس الكندي . فأقام عنده شهرا يستحد سيفه ، وكانوا
ثلاثة نفر توجهوا . فواحد منهم إلى معاوية بالشأم ، وآخر إلى عمرو بن العاص
بمصر ، والآخر إلى علي ، وهو ابن ملجم ، فأما صاحب معاوية فضربه ،
فوقعت الضربة على إليته ، وبادر فدخل داره ، وأما صاحب عمرو بن العاص
فإنه ضرب خارجة بن حذافة خليفة عمرو في الصبح ، وكان عمرو تخلف لعلة ،
فقال الخارجي : أردت عمرا وأراد الله خارجة ، وأما عبدالرحمن بن ملجم ،
فإنه وقف له عند المسجد ، وخرج علي في الغلس ، فتبعه إوز كن في الدار ،
فتعلقن بثوبه ، فقال : صوائح تتبعها نوائح ، وأدخل رأسه من باب خوخة
المسجد ، وضربه على رأسه ، فسقط ، وصاح : خذوه ! فابتدره الناس ، فجعل
لا يقرب منه أحد إلا نفحه بسيفه ، فبادر إليه قثم بن العباس ، فاحتمله وضرب
به الارض ، فصاح : ياعلي نح عني كلبك ، وأتى به إلى علي ، فقال : ابن
ملجم ؟ قال : نعم ! فقال : يا حسن شأنك بخصمك ، فاشبع بطنه ، واشدد
وثاقه ، فإن مت فألحقه بي أخاصمه عند ربي ، وإن عشت فعفو أو قصاص .
وأقام يومين ومات ليلة الجمعة أول ليلة من العشر الاواخر من شهر رمضان
سنة 40 ، ومن شهور العجم في كانون الآخر ، وهو ابن ثلاث وستين سنة ،
ـ213ـ
وغسله الحسن ابنه بيده ، وصلى عليه وكبر عليه سبعا ، وقال : أما إنه لا يكبر
على أحد بعده ، ودفن بالكوفة في موضع يقال له الغري ، وكانت خلافته أربع
سنين وعشرة أشهر .
وكان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكرا : الحسن ، والحسين ، ومحسن ،
مات صغيرا ، أمهم فاطمة بنت رسول الله ، ومحمد الاكبر ، أمه خولة بنت
جعفر الحنفية ، وعبيدالله ، وأبوبكر ، لا عقب لهما ، أمهما ليلى بنت مسعود
الحنظلية من بني تميم ، والعباس وجعفر قتلا بالطف ، وعثمان وعبدالله ،
أمهم أم البنين بنت حرام الكلابية ، وعمرو ، أمه أم حبيب بنت ربيعة البكرية ،
ومحمد الاصغر ، لا عقب له ، أمه امامة بنت أبي العاص ، وعثمان الاصغر
ويحيى وأمهما أسماء بنت عميس الخثعمية ، وكان له من البنات ثماني عشرة
ابنة ، منهن من فاطمة ثلاث ، و الباقيات لعده نسوة ، وأمهات أولاد شتى ،
وكان على شرطه معقل بن قيس الرياحي ، وحاجبه قنبر مولاه .
ولما مات قام الحسن خطيبا ، فحمدالله وأثنى عليه ، وصلى على النبي ،
ثم قال : ألا إنه قد مضى في هذه الليلة رجل لم يدركه الاولون ، ولن يرى مثله
الآخرون ، من كان يقاتل وجبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله ، والله لقد
توفي في الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران ، ورفع فيها عيسى بن مريم ،
وأنزل القرآن ، ألا وإنه ما خلف صفرا ولا بيضا إلا سبعمائة درهم فضلت
من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لاهله . فقام القعقاع بن زرارة على قبره ،
فقال : رضوان الله عليك ، يا أمير المؤمنين ، فوالله لقد كانت حياتك مفتاح
خير ، ولو أن الناس قبلوك لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ولكنهم غمطوا
النعمة ، وآثروا الدنيا على الآخرة .
وأقام الحج للناس في خلافته في سنة 36 عبدالله بن العباس ، وفي سنة 37
قثم بن العباس ، وقيل عبدالله بن العباس ، وفي سنة 38 عبيدالله بن العباس ،
وفي سنة 39 شيبة بن عثمان . وكان أصحاب علي الذين يحملون عنه العلم :
ـ214ـ
الحارث الاعور ، أبوالطفيل عامر بن واثلة ، حبة العرني ، رشيد الهجري ،
حويزة بن مسهر ، الاصبغ بن نباتة ، ميثم التمار ، الحسن بن علي .
خلافة الحسن بن علي
واجتمع الناس ، فبايعوا الحسن بن علي ، وخرج الحسن بن علي إلى المسجد
الجامع ، فخطب خطبة له طويلة ، ودعا بعبد الرحمن بن ملجم فقال : عبد
الرحمن ! ما الذي أمرك به أبوك ؟ قال : أمرني ألا أقتل غير قاتله ، وأن أشبع
بطنك ، وأنعم وطاءك ، فإن عاش أقتص أو أعفو ، وإن مات ألحقنك به ،
فقال ابن ملجم : إن كان أبوك ليقول الحق ويقضي به في حال الغضب والرضى ،
فضربه الحسن بالسيف فالتقاه بيده فندرت ، وقتله .
وأقام الحسن بن علي بعد أبيه شهرين ، وقيل أربعة أشهر ، ووجه بعبيد الله
ابن العباس في اثني عشر ألفا لقتال معاوية ، ومعه قيس بن سعد بن عبادة
الانصاري ، وأمر عبيدالله أن يعمل بأمر قيس بن سعد ورأيه ، فسار إلى ناحية
الجزيرة ، وأقبل معاوية لما انتهى إليه الخبر بقتل علي ، فسار إلى الموصل بعد
قتل علي بثمانية عشر يوما ، والتقى العسكران ، فوجه معاوية إلى قيس بن سعد
يبذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف عنه ، فأرسل إليه بالمال ،
وقال له : تخدعني عن ديني ! فيقال : إنه أرسل إلى عبيدالله بن عباس وجعل
له ألف ألف درهم ، فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه ، وأقام قيس
على محاربته .
وكان معاوية يدس إلى عسكر الحسن من يتحدث أن قيس بن سعد قد صالح
معاوية وصار معه ، ويوجه إلى عسكر قيس من يتحدث أن الحسن قد صالح
معاوية ، وأجابة .
ـ215ـ
ووجه معاوية إلى الحسن المغيرة بن شعبة ، وعبدالله بن عامر بن كريز ،
و عبدالرحمن بن أم الحكم ، وأتوه ، وهو بالمدائن نازل في مضاربه ، ثم
خرجوا من عنده ، وهم يقولون ويسمعون الناس : إن الله قد حقن بابن رسول
الله الدماء ، وسكن به الفتنة وأجاب إلى الصلح ، فاضطرب المسكر ولم يشكك
الناس في صدقهم ، فوثبوا بالحسن فانتهبوا مضاربه وما فيها ، فركب الحسن
فرسا له ومضى في مظلم ساباط ، وقد كمن الجراح بن سنان الاسدي ، فجرحه
بمعول في فخذه ، وقبض على لحية الجراح ثم لواها فدق عنقه .
وحمل الحسن إلى المدائن وقد نزف نزفا شديدا ، واشتدت به العلة ،
فافترق عنه الناس ، وقدم معاوية العراق ، فغلب على الامر ، والحسن عليل شديد
العلنة ، فلما رأى الحسن أن لاقوة به ، وأن أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا
له ، صالح معاوية ، وصعد المنبر فحمدالله وأثنى عليه ، وقال : أيها الناس !
إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا ، وقد سالمت معاوية ، وإن أدري
لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين .
ـ216ـ
ايام معاوية بن ابي سفيان
وملك معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبدشمس ، وأمه هند
بنت عتبة بن ربيعة بن عبدشمس ، وبويع بالكوفة في ذي القعدة سنة 40 ،
وكانت الشمس في الحمل درجتين ، والقمر في الثور خمس عشرة درجة ،
وزحل في العقرب تسعا وعشرين درجة ، والمشتري في الثور تسعا وعشرين درجة
وخمسين دقيقة ، والمريخ في الثور ست عشرة درجة ، والزهرة في الثور أربع
درجات ، وعطارد في الحوت ست عشرة درجة . وقدم الكوفة فصعد المنبر ،
فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ذلكم ، فإنه لم تختلف أمة بعد نبيها
إلا غلب باطلها حقها ، إلا ما كان من هذه الامة ، فإن حقها غلب باطلها .
ثم نزل .
وأحضر الناس لبيعته ، وكان الرجل يحضر فيقول : والله يا معاوية !
إني لابايعك ، وإني لكاره لك ، فيقول : بايع ، فإن الله قد جعل في المكروه
خيرا كثيرا ، ويأبى الآخر فيقول : أعوذ بالله من شر نفسك ! وأتاه قيس بن
سعد بن عبادة فقال : بايع قيس ! قال : إن كنت لاكره مثل هذا اليوم ،
يا معاوية . فقال له : مه ، رحمك الله ! فقال : لقد حرصت أن أفرق بين
روحك وجسدك قبل ذلك ، فأبى الله ، يا ابن أبي سفيان ، إلا ما أحب .
قال : فلا يرد أمر الله . قال : فأقبل قيس على الناس بوجهه ، فقال : يا معشر
الناس ! لقد اعتضتم الشر من الخير ، واستبدلتم الذل من العز ، والكفر من
الايمان ، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين ، وسيد المسلمين ، وابن عم رسول
رب العالمين ، وقد وليكم الطليق ابن الطليق يسومكم الخسف ، ويسير فيكم
بالعسف ، فكيف نجهل ذلك أنفسكم ، أم طبع الله على قلوبكم ، وأنتم
ـ217ـ
لا تعقلون ؟
فجثا معاوية على ركبتيه ثم أخذ بيده وقال : اقسمت عليك ! ثم صفق
على كفه ، ونادى الناس : بايع قيس ! فقال ، كذبتم ، والله ، ما بايعت ،
ولم يبايع لمعاوية أحد إلا أخذ عليه الايمان ، فكان أول من استحلف على بيعته ،
ودخل إليه سعد بن مالك فقال : السلام عليك أيها الملك . فغضب معاوية
فقال : ألا قلت السلام عليك يا أمير المؤمنين ؟ قال : ذاك إن كنا أمرناك إنما
أنت منتز .
وخرج فروة بن نوفل الاشجعي سنة 40 ، وكان معتزلا بشهرزور في
جماعة من الخوارج ، فلما بلغه قتل علي وغلبة معاوية أقبل في ألف وخمسمائة
حتى صار بالنخيلة ، فوجه إليه معاوية خيلا ، فكشفهم ، فأخذ معاوية أهل
الكوفة بالخروج إليهم ، فخرجوا خوفا منه ، فلما لقوهم قال لهم فروة بن نوفل :
دعونا فإن معاوية عدونا وعدوكم ، فقاتلهم أهل الكوفة أشد قتال ، حتى
قتل فروة ، وأفرخ روع معاوية .
ورجع معاوية إلى الشأم سنة 41 ، وبلغه أن طاغية الروم قد زحف في جموع
كثيرة وخلق عظيم ، فخاف أن يشغله عما يحتاج إلى تدبيره وإحكامه ، فوجه
إليه ، فصالحه على مائة ألف دينار .
وكان معاوية أول من صالح الروم . وكان صلحه إياهم في أول سنة 42 ،
فلما استقام الامر لمعاوية أغزى أمراء الشأم على الصوائف ، فسبوا في بلاد الروم
سنة بعد سنة ، وقد ذكرنا أسماءهم في موضع الصوائف . وطلب صاحب الروم
الصلح على أن يضعف المال ، فلم يجبه .
وولى عبدالله بن عامر بن كريز البصرة ، فلما قدمها وجه عبدالرحمن
ابن سمرة إلى خراسان ، فغزا بلخ وكابل ، ومعه عبدالله بن خازم السلمي ،
فافتتح بلخ بعد حرب شديدة ، وصار إلى كابل ، فأقام عليها ليالي ، ثم
أتاه بواب باب المدينة ، فجعل له شيئا حتى فتح الباب ، وكانت الحرب في المدينة ،
ـ218ـ
ثم طلبوا الصلح ، فصالحهم ابن سمرة ، وانصرف وخلف ابن خازم بخراسان .
وولى معاوية عبدالله بن دراج مولاه خراج العراق ، وكتب إليه : احمل
إلى من مالها ما أستعين به ! فكتب إليه ابن دراج يعلمه أن الدهاقين أعلموه
أنه كان لكسرى وآل كسرى صوافي يجتبون مالها لانفسهم ولا تجري مجرى
الخراج ، فكتب إليه : أن أحص تلك الصوافي واستصفها ، واضرب عليها
المسنيات ، فجمع الدهاقين ، فسألهم ، فقالوا : الديوان بحلوان . فبعث فأتى
به ، فاستخرج منه كل ما كان لكسرى وآل كسرى ، وضرب عليه المسنيات ،
واستصفاه لمعاوية ، فبلغت جبايته خمسين ألف ألف درهم من أرض الكوفة
وسوادها .
وكتب إلى عبدالرحمن بن أبي بكرة بمثل ذلك في أرض البصرة ، وأمرهم
أن يحملوا إليه هدايا النيروز والمهرجان ، فكان يحمل إليه في النيروز وغيره وفي
المهرجان عشرة آلاف ألف .
وكان زياد بن عبيد عامل علي بن أبي طالب على فارس ، فلما صار الامر
إلى معاوية كتب إليه يتوعده ويتهدده ، فقام زياد خطيبا فقال : إن ابن آكلة
الاكباد وكهف النفاق وبقية الاحزاب كتب يتوعدني ويتهددني ، وبيني وبينه
ابنا بنت رسول الله في تسعين ألفا واضحي قبائع سيوفهم تحت أذقانهم لا يلتفت
أحدهم حتى يمرت ، أما والله لئن وصل إلي ليجدني أحمز ، ضرابا بالسيف .
فوجه معاوية إليه المغيرة بن شعبة ، فأقدمه ثم ادعاه ، وألحقه بأبي سفيان ،
وولاه البصرة ، وأحضر زياد شهودا أربعة ، فشهد أحدهم أن علي بن أبي
طالب أعلمه أنهم كانوا جلوسا عند عمر بن الخطاب حين أتاه زياد برسالة
أبي موسى الاشعري ، فتكلم زياد بكلام أعجبه ، فقال : أكنت قائلا للناس
هذا على المنبر ؟ قال : هم أهون علي منك ، يا أمير المؤمنين ، فقال أبوسفيان :
والله لهو ابني ، ولانا وضحته في رحم أمه ، قلت : فما يمنعك من ادعائه ؟
قال : مخافة هذا العبر الناهق .
ـ219ـ
وتقدم آخر فشهد على هذه الشهادة . قال زياد الهمداني : لما سأله زياد
كيف قولك في علي ؟ قال : مثل قولك حين ولاك فارس ، وشهد لك أنك
ابن أبي سفيان .
وتقدم أبومريم السلولي فقال : ما أدري ما شهادة علي ، ولكني كنت
خمارا بالطائف ، فمربي أبوسفيان منصرفا من سفر له ، فطعم وشرب ،
ثم قال : يا أبا مريم طالت الغربة ، فهل من بغي ؟ فقلت : ما أجد لك إلا
أمة بني عجلان . قال : فأتني بها على ما كان من طول ثدييها ونتن رفغها ،
فأتيته بها ، فوقع عليها ، ثم رجع إلى فقال لي : يا أبا مريم ! لا ستلت ماء
ظهري استلالا تثيب ابن الحبل 1 في عينها . فقال له زياد : إنما أتينا بك شاهدا ،
ولم نأت بك شاتما . قال : أقول الحق على ما كان ، فأنفذ معاوية . . . 2 قال
ما قد بلغكم وشهد بما سمعتم ، فإن كان ما قالوا حقا ، فالحمدلله الذي حفظ
مني ما ضيع الناس ، ورفع مني ما وضعوا ، وإن كان باطلا ، فمعاوية
والشهود أعلم . وما كان عبيد إلا ولدا مبرورا مشكورا . ونزل وولى المغيرة
ابن شعبة الكوفة في جمادى . . . . 3 سنة 42 فأقام عليها حينا ، ثم بدا له وولى
عبدالله بن عامر بن كريز الكوفة ، فلما بلغ أهل الكوفة الخبر خرج كثير من
الناس إلى عبدالله بن عامر ، فجعل المغيرة لا يسأل عن أحد إلا قيل له قد خرج
إلى عبدالله بن عامر ، حتى سأل عن كاتبه ، فقيل له : قد لحق بعبدالله ، فقال :
يا غلام شد رحلي وقدم بغلي ، فخرج حتى أتى دمشق ، فدخل على معاوية ،
فلما رآه قال : ما أقدمك يا مغيرة ، تركت العمل ، وأخللت بالمصر وأهل العراق ،
وهم أسرع شئ إلى الفتن ؟ قال : يا اهمير المؤمنين كبرت سني ، وضعفت
قوتي ، وعجزت عن العمل ، وقد بلغت من الدنيا حاجتي ، والله ما آسى ما علي شئ
منها إلا على شئ واحد قدرت به قضاء حقك ، ووددت أنه لا يفوتني أجلي
* ( هامش ) * 1 قوله : تثيب ابن الحبل : هكذا في الاصل .
2 و 3 بياض في الاصل .
ـ220ـ
وان الله أحسن عليه معونتي . قال : وما هو ؟ قال : كنت دعوت أشراف الكوفة
إلى البيعة ليزيد ابن أمير المؤمنين بولاية العهد بعد أمير المؤمنين ، فأجابوا إلى ذلك ،
ووجدتهم سراعا نحوه ، فكرهت أن أحدث أمرا دون رأي أمير المؤمنين ،
فقدمت لاشافهه بذلك ، وأستعفيه من العمل . فقال : سبحان الله يا أبا عبد
الرحمن ! إنما يزيد ابن أخيك ، ومثلك إذا شرع في أمر لم يدعه حتى يحكمه ،
فنشدتك الله الا رجعت فتممت هذا . فخرج من عنده ، فلقي كاتبه ، فقال :
ارجع بنا إلى الكوفة ، فوالله لقد وضعت رجل معاوية في غرز لا يخرجها منه
إلا سفك الدماء . وانصرف إلى الكوفة .
وكتب معاوية إلى زياد ، وهو بالبصرة ، أن المغيرة قد دعا أهل الكوفة إلى البيعة
ليزيد بولاية العهد بعدي ، وليس المغيرة بأحق بابن أخيك منك ، فإذا وصل
إليك كتابي فادع الناس قبلك إلى مثل ما دعاهم إليه المغيرة ، وخذ عليهم البيعة
ليزيد . فلما بلغ زيادا وقرأ الكتاب دعا برجل من أصحابه يثق بفضله وفهمه ،
فقال : إني أريد أن آتمنك على ما لم آتمن عليه بطون الصحائف ، ابت معاوية
فقل له : يا أمير المؤمنين إن كتابك ورد علي بكذا ، فما يقول الناس إذا
دعوناهم إلى بيعة يزيد ، وهو يلعب بالكلاب والقرود ، ويلبس المصبغ ،
ويدمن الشراب ، ويمشي على الدفوف ، وبحضرتهم الحسين بن علي ،
وعبدالله بن عباس ، وعبدالله بن الزبير ، وعبدالله بن عمر ، ولكن تأمره ،
ويتخلق بأخلاق هؤلاء حولا وحولين ، فعسينا أن نموه على الناس . فلما صار
الرسول إلى معاوية وأدى إليه الرسالة قال : ويلي على ابن عبيد ! لقد بلغني أن
الحادي حدا له أن الامير بعدي زياد ، والله لاردنه إلى أمه سمية ، وإلى
أبيه عبيد .
وقدم المغيرة الكوفة منصرفا من عند معاوية ، وقد خرج شبيب بن بجرة
الاشجعي الخارجي ، فلما علم أن قدم المغيرة هرب إلى معاوية فقال : أنا قاتل
علي بن أبي طالب ، وكان شبيب بن بجرة مع ابن ملجم في الليلة التي ضرب
ـ221ـ
فيها عليا ، فقال له معاوية : لا أراك ولا تراني . فرجع إلى الكوفة فقاتل المغيرة ،
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 221 سطر 1 الى ص 230 سطر 25
فيها عليا ، فقال له معاوية : لا أراك ولا تراني . فرجع إلى الكوفة فقاتل المغيرة ،
فوجه إليه جيشا فقتله .
وخرج المستورد بن علفة التيمي من تيم الرباب سنة 43 فوجه إليه المغيرة
خيلا ، فقتل بأسفل ساباط ، وقتل أصحابه جميعا .
وخرج بعده معاذ بن جوين الطائي أب والمستورد ، فوجه إليه المغيرة خيلا
عليها رجل من همدان ، فقتلوه .
وخرجت عصابة من الموالي ، أمير هم أبوعلي من أهل الكوفة ، وهو مولى
لبني الحارث بن كعب ، وكانت أول خارجة خرجت فيها الموالي ، فبعث المغيرة
إليهم رجلا من بجيلة ، فالتقوا ببادوريا ، فناداهم البجلي : يا معشر الاعاجم !
هذه العرب تقاتلنا على الدين ، فما بالكم ؟ فنادوه : يا جابر ! إنا سمعنا قرآنا
عجبا يهدي إلى الرشد ، فآمنا به ، ولن نشرك بربنا أحدا ، وإن الله بعث
نبينا للناس كافة ، ولم يزوه عن أحد . فقاتلهم حتى قتلهم .
وكانت مصر والمغرب لعمرو بن العاص طعمة شرطها له يوم بايع ، ونسخة
الشرط : هذا ما أعطى معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص مصر ، أعطاه
أهلها ، فهم له حياته ، ولا تنقص طاعته شرط . فقال له وردان مولاه : فيه
الشعر من بدنك ، فجعل عمرو يقرأ الشرط ، ولا يقف على ما وقف عليه وردان ،
فلما ختم الكتاب وشهد الشهود قال له وردان : وما عمرك أيها الشيخ إلا
كظمء حمار ، هلا شرطت لعقبك من بعدك ؟ فاستقال معاوية ، فلم يقله ، فكان
عمرو لا يحمل إليه من مالها شيئا ، يفرق الاعطية في الناس ، فما فضل من شئ
أخذه لنفسه .
وولي عمرو بن العاص مصر عشر سنين ، منها لعمر بن الخطاب أربع سنين ،
ولعثمان بن عفان أربع سنين إلا شهرين ، ولمعاوية سنتين وثلاثة أشهر ، وتوفي
وله ثمان وتسعون سنة ، وكان داهية العرب رأيا وحزما وعقلا ولسانا ، وكان
عمر بن الخطاب ، إذا رأى رجلا يكلم فلا يقيم كلامه يقول : سبحان من
ـ222ـ
خلقك وخلق عمرو بن العاص .
وقال بعضهم : سمعت عمرا يقول : سلطان عادل خيرمن سلطان ظلوم ،
وسلطان ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم ، وزلة الرجل عظم يجبر ،
وزلة اللسان لا تبقي ولا تذر ، واستراح من لا عقل له .
ولما حضرت عمرا الوفاة قال لابنه : لود أبوك أنه كان مات في غزاة
ذات السلاسل . إني قد دخلت في أمور لا أدري ما حجتي عند الله فيها . ثم
نظر إلى ماله فرأى كثرته ، فقال : يا ليته كان بعرا ، يا ليتني مت قبل هذا اليوم
بثلاثين سنة ، أصلحت لمعاوية دنياه ، وأفسدت ديني ، آثرت دنياي وتركت
آخرتي ، عمي علي رشدي حتى حضرني أجلي ، كأني بمعاوية قد حوى مالي
وأساء فيكم خلافتي .
وتوفي عمرو ليلة الفطر سنة 43 ، فأقر معاوية ابنه عبدالله بن عمرو ،
ثم استصفى مال عمرو ، فكان أول من استصفى مال عامل ، ولم يكن يموت
لمعاوية عامل إلا شاطر ورثته ماله ، فكان يكلم في ذلك ، فيقول : هذه سنة
سنتها عمر بن الخطاب . ثم عزل معاوية عبدالله بن عمرو ، وولى أخاه عتبة
ابن أبي سفيان مصر .
وكتب معاوية إلى زياد بن أبي سفيان : إن قبلك رجلا من أصحاب رسول الله
فوله خراسان ، وهو الحكم بن عمرو الغفاري ، فولاه زياد خراسان ، فقدمها
سنة 44 ، فصار إلى هراة ، ثم مضى منها إلى الجوزجان ، فافتتحها ، ونالتهم
شدة حتى أكلوا دوابهم ، وكان المهلب مع الحكم بن عمرو في ذلك الوقت ،
وقد عرف بلاء المهلب وبأسه ، وتوفي الحكم بن عمرو ، فولى زياد مكانه
الربيع بن زياد الحارثي ، وفتحت خوارزم في ذلك الوقت ، وكان الذي افتتحها
عبدالله بن عقيل الثقفي .
وحج معاوية سنة 44 ، وقدم معه من الشأم بمنبر ، فوضعه عند باب البيت
الحرام ، فكان أول من وضع المنبر في المسجد الحرام . ولما صار إلى المدينة أتاه
ـ223ـ
جماعة من بني هاشم ، وكلموه في أمورهم ، فقال : أما ترضون يا بني هاشم
أن نقر عليكم دماءكم ، وقد قتلتم عثمان ، حتى تقولوا ما تقولون ؟ فوالله لا أنتم
أجل دما من كذا وكذا ، وأعظم في القول ، فقال له ابن عباس : كل ما قلت لنا
يا معاوية من شر بين دفتيك ، أنت والله أولى بذلك منا ، أنت قتلت عثمان ،
ثم قمت تغمص على الناس أنك تطلب بدمه . فانكسر معاوية ، فقال ابن
عباس : والله ما رأيتك صدقت إلا فزعت وانكسرت . قال : فضحك معاوية ،
وقال : والله ما أحب أنكم لم تكونوا كلمتموني .
ثم كلمه الانصار ، فأغلظ لهم في القول ، وقال لهم : ما فعلت تواضحكم ؟
قالوا : أفنيناها يوم بدر لما قتلنا أخاك وجدك وخالك ، ولكنا نفعل ما أوصانا
به رسول الله . قال : ما أوصاكم به ؟ قالوا : أوصانا بالصبر . قال : فاصبروا .
ثم أدلج معاوية إلى الشأم ، ولم يقض لهم حاجة .
وفي هذه السنة عمل معاوية المقصورة في المسجد وأخرج المنابر إلى المصلى
في العيدين ، وخطب الخطبة قبل الصلاة ، وذلك أن الناس ، إذا صلوا ، انصرفوا
لئلا يسمعوا لعن علي ، فقدم معاوية الخطبة قبل الصلاة ، ووهب فدكا
لمروان بن الحكم ليغيظ بذلك آل رسول الله .
واستعمل معاوية ابن أثال النصراني على خراج حمص ، ولم يستعمل النصارى
أحد من الخلفاء قبله ، فاعترضه خالد بن عبدالرحمن بن خالد بن الوليد بالسيف ،
فقتله ، فحبسه معاوية أياما ، ثم أغرمه ديته ، ولم يقده منه .
وكان ابن أثال قتل عبدالرحمن بن خالد بن الوليد ، دس إليه شربة سم ،
فعيره بن المنذر بن الزبير بن العوام ، وقال : تتلكم ، وابن أثال بحمص يأمر
وينهى ؟ فلما قتله قال خالد بن عبدالرحمن : أما أنا فقد قتلت ابن أثال وهذا
عمرو بن جرموز التميمي قاتل الزبير آمن السرب .
وكان عبدالرحمن بن العباس بن ع بدالمطلب قد قدم على معاوية إلى الشأم ،
فجفاه معاوية ، ولم يقض له حاجة ، ودخل إليه يوما ، فقال له : يا ابن العباس !
ـ224ـ
كيف رأيت الله فعل بنا وبأبي الحسن ؟ فقال : فعلا ، والله ، غير مختل عجله
إلى جنة لن تنالها ، وأخرك إلى دنيا قد كان أمير المؤمنين نالها . قال : وإنك
لتحكم على الله ! قال : بما حكم الله به على نفسه ، ومن لم يحكم بما أنزل الله ،
فأولئك هم الظالمون . قال معاوية : والله لو عاش أبوعمرو حتى يراني لرأى
نقم ابن العم . فقال ابن عباس : أما والله لو رآك أيقن أنك خذلته حين كانت
النصرة له ونصرته حين كانت النصرة لك . قال : وما دخولك بين العصا ولحائها ؟
قال : ما دخلت إلا عليهما لا لهما ، فدعني مما أكره أدعك من مثله ، فلان
تحسن فأجازي أحب إلي من أن تسئ فأكافي ، ثم نهض .
ـ225ـ
وفاة الحسن بن علي
وتوفي الحسن بن علي في شهر ربيع الاول سنة 49 ، ولما حضرته الوفاة
قال لاخيه الحسين : يا أخي إن هذه آخر ثلاث مرار سقيت فيها السم ، ولم
أسقه مثل مرتي هذه ، وأنا ميت من يومي ، فإذا أنا مت فادفني مع رسول
الله ، فما أحد أولى بقربه مني ، إلا أن تمنع من ذلك فلا تسفك فيه محجمة دم .
ولا لف في أكفانه قال محمد بن الحنفية : رحمك الله أبا محمد ، فوالله
لئن عزت حياتك لقد هدت وفاتك ، ونعم الروح روح عمر به بدنك ، ونعم
البدن بدن ضمه كفنك ، لم لا يكون كذلك ، وأنت سليل الهدى ، وحلف
أهل التقوى ، وخامس أصحاب الكساء ، غذتك كف الحق ، وربيت في حجر
الاسلام ، وأرضعتك ثديا الايمان ، فطب حيا وميتا ، فعليك السلام ورحمة
الله ، وإن كانت أنفسا غير قالية لحياتك ، ولا شاكة في الخيار لك .
ثم أخرج نعشه يراد به قبر رسول الله ، فركب مروان بن الحكم ، وسعيد
ابن العاص ، فمنعا من ذلك ، حتى كادت تقع فتنة .
وقيل إن عائشة ركبت بغلة شهباء ، وقالت : بيتي لا آذن فيه لاحد . فأتاها
القاسم بن محمد بن أبي بكر ، فقال لها : يا عمة ! ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل
الاحمر ، أتريدين أن يقال يوم البغة الشهباء ؟ فرجعت .
واجتمع مع الحسين بن علي جماعة وخلق من الناس ، فقالوا له : دعنا
وآل مروان ، فوالله ما هم عندنا كأكلة رأس . فقال : إن أخي أوصاني
أن لا أريق فيه محجمة دم . فدفن الحسن في البقيع ، وكانت سنة سبعا وأربعين
سنة ، وتوفي الحسن بن علي وابن عباس عند معاوية ، فدخل عليه لما أتاه
نعي الحسن ، فقال له : يا ابن عباس ! إن حسنا مات . قال : إنا لله وإنا إليه
ـ226ـ
راجعون على عظم الخطب وجليل المصاب ، أما والله يا معاوية لئن كان الحسن
مات ، فما ينسئ موته في أجلك ، ولا يسد جسمه حفرتك ، ولقد مضى إلى
خير وبقيت على شر . قال : لا أحسبه قد خلف إلا صبية صغارا . قال : كلنا
كان صغيرا فكبر . قال : بخ بخ ، يا ابن عباس ، أصبحت سيد قومك .
قال : أما ما أبقى الله أبا عبدالله الحسين بن رسول الله ، فلا .
وكان الحسن بن علي جوادا كريما وأشبه برسول الله خلقا وخلقا
وسئل الحسن : ماذا سمعت من رسول الله ؟ فقال : سمعته يقول لرجل : دع
ما يريبك ، فإن الشر ريبة والخير طمأنينة . وعقلت عنه أني بينا أنا أمشي معه
إلى جنب جرن الضيقة ، تناولت تمرة فأدخلتها في فمي . قال : فأدخل
رسول الهل اصبعه في فمي ، فاستخرجها ، فألقاها ، وقال : إن محمدا وآل محمد
لا تحل لهم الصدقة . وعقلت عنه الصلوات الخمس .
وحج الحسن خمس عشرة حجة ماشيا ، وخرج من ماله مرتين ، وقاسم
الله عزوجل ثلاث مرات ، حتى كان يعطي نعلا ويمسك نعلا ، ويعطي خفا
ويمسك أخرى .
وقال معاوية للحسن : يا أبا محمد ثلاث خلال ما وجدت من يخبرني عنهن .
قال : وما هن ؟ قال : المروة ، والكرم ، والنجدة . قال : أما المروة فإصلاح
الرجل أمر دينه ، وحسن قيامه على ماله ، ولين الكف ، وإفشاء السلام والتحبب
إلى الناس . والكرم العطية قبل السؤال ، والتبرع بالمعروف ، والاطعام في المحل ،
ثم النجدة الذب عن الجار والمحاماة في الكريهة والصبر عند الشدائد .
وقال جابر : سمعت الحسن يقول : مكارم الاخلاق عشر : صدق اللسان ،
وصدق البأس ، وإعطاء السائل ، وحسن الخلق ، والمكافأة بالصنائع ، وصلة
الرحم ، والتذمم على الجار ، ومعرفة الحق للصاحب ، وقرى الضيف ،
ورأسهن الحياء .
وقيل للحسن : من أحسن الناس عيشا ؟ قال : من أشرك الناس في عيشه .
ـ227ـ
وقيل : من شر الناس عيشا ؟ قال : من لا يعيش في عيشه أحد .
وقال الحسن : فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها ، وأشد من المصيبة
سوء الخلق ، والعبادة انتظار الفرج .
ودعا الحسن بن علي بنيه وبني أخيه ، فقال : يا بني وبني أخي ! إنكم
صغار قوم ، وتوشكون أن تكونوا كبار قوم آخرين ، فتعلموا العلم ، فمن لم
يستطع منكم يرويه أو يحفظه ، فليكتبه وليجعله في بيته .
وقال رجل للحسن : إني أخاف الموت ! قال : ذاك أنك أخرت مالك ،
ولو قدمته لسرك أن تلحق به .
وقال معاوية : ما تكلم عندي أحد كان أحب إلي إذا تكلم أن لا يسكت
من الحسن بن علي ، وما سمعت منه كلمة فحش إلا مرة ، فإنه كان بين
الحسن بن علي وبين عمرو بن عثمان عفان خصومة في أرض ، فعرض الحسن
ابن علي أمرالم يرضه عمرو ، فقال الحسن : ليس له عندنا إلا ما رغم أنفه ،
فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه قط .
وقال له معاوية يوما : ما يجب لنا في سلطاننا ؟ قال سليمان بن داود .
قال معاوية : وما قال سليمان بن داود ؟ قال : قال لبعض أصحابه : أتدري
ما يجب على الملك في ملكه ، وما لا يضره ؟ إذا أدى الذي عليه منه ، وإذا خاف
الله في السر والعلانية ، وعدل في الغضب والرضى ، وقصد في الفقر والغني ،
ولم يأخذ الاموال غصبا ، ولم يأكلها إسرافا وبذارا لم يضره ما تمتع به من دنياه ،
إذا كان ذلك من خلته .
وقال الحسن : كان رسول الله إذا سأله أحد حاجة لم يرده إلا بها وبميسور
من القول .
ومر الحسن يوما وقاص يقص على باب مسجد رسول الله ، فقال الحسن :
ما أنت ؟ فقال : أنا قاص يا ابن رسول الله . قال : كذبت ، محمد القاص ،
قال الله عزوجل : فاقصص القصص . قال : فأنا مذكر . قال : كذبت ، محمد
ـ228ـ
المذكر ، قال له عزوجل : فذكر إنما أنت مذكر . قال : فما أنا ؟ قال :
المتكلف من الرجال .
وكان للحسن من الولد ثمانية ذكور ، وهم : الحسن بن الحسن ، وأمه
خولة بنت منظور الفزارية ، وزيد بن الحسن ، وأمه أم بشير بنت أبي مسعود
الانصاري الخزرجي ، وعمر والقاسم وأبوبكر و عبدالرحمن لامهات أولاد
شتى ، وطلحة وعبيدالله .
ولما توفي الحسن وبلغ الشيعة ذلك اجتمعوا بالكوفة في دار سليمان بن صرد ،
وفيهم بنو جعدة بن هبيرة ، فكتبوا إلى الحسين بن علي يعزونه على مصابه بالحسن :
بسم الله الرحمن الرحيم ، للحسين بن علي من شيعة وشيعة أبيه أمير المؤمنين
سلام عليك ، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فقد بلغنا وفاة
الحسن بن علي يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ، غفر الله ذنبه وتقبل
حسناته ، وألحقه بنبيه ، وضاعف لك الاجر في المصاب به وجبر بك المصيبة
من بعده فعند الله نحتسبه ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، ما أعظم ما أصيب به هذه
الامة عامة ، وأنت وهذه الشيعة خاصة ، بهلاك ابن الوصي وابن بنت النبي ، علم
الهدى ، ونور البلاد المرجو لاقامة الدين وإعادة الدين وإعادة سير الصالحين ، فاصبر رحمك الله
على ما أصابك ، إن ذلك لمن عزم الامور ، فإن فيك خلفا ممن كان قبلك ، وإن الله
يؤتي رشده من يهدى بهديك ، ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك ، المحزونة
بحزنك ، المسرورة بسرورك ، السائرة بسيرتك ، المنتظرة لامرك ، شرح الله
صدرك ، ورفع ذكرك ، وأعظم أجرك ، وغفر ذنبك ، ورد عليك حقك .
وبايع معاوية لابنه يزيد بولاية العهد ، بعد وفاة الحسن بن علي ، ولم يتخلف
عن البيعة إلا أربعة نفر : الحسين بن علي ، وعبدالله بن عمر ، و عبدالرحمن بن
أبي بكر ، وعبدالله بن الزبير . وقال عبدالله بن عمر : نبايع من يلعب بالقرود
والكلاب ، ويشرب الخمر ، ويظهر الفسوق ! ما حجتنا عند الله ! وقال عبد
الله بن الزبير : لا طاعة لمخلوق في معصية خالق ، وقد أفسد علينا ديننا .
ـ229ـ
وحج معاوية تلك السنة فتألف القوم ، ولم يكرههم على البيعة ، وأغزى
معاوية يزيد ابنه الصائفة ، ومعه سفيان بن عوف العامري ، فسبقه سفيان بالدخول
إلى بلاد الروم ، فنال المسلمين في بلاد الروم حمى وجدري ، وكانت أم كلثوم
بنت عبدالله بن عامر تحت يزيد بن معاوية ، وكان لها محبا ، فلما بلغه ما نال
الناس من الحمى والجدري قال :
ما ان أبالي بما لاقت جموعهم * بالغذ قذونة من حمى ومن موم
إذا اتكأت على الانماط في غرف * بدير مران عندي أم كلثوم
فبلغ ذلك معاوية فقال : أقسم بالله لتدخلن أرض الروم فليصيبنك ما
أصابهم ، فأردف به ذلك الجيش ، فغزا به حتى بلغ ال قسطنطينية .
ووجه معاوية عقبة بن نافع الفهري إلى افريقية فافتتحها واختط قيروانها ،
وبناه ، وكان موضع دغل وحلفاء تنزله الاسد ، وكان ذلك سنة 50 ، ثم ولى
معاوية دينارا أبا المهاجر ، مولى الانصار ، مكان عقبة بن نافتع الفهري ، فأخذ
عقبة بن نافع ، فحبسه وقيده ، فأقام في الحبس شهورا ، ثم أطلقه ، فلما صار
إلى مصر رده عمرو بن العاص إلى المغرب .
وقيل ورد كتاب من معاوية على عمرو يأمره بذلك ، فلما قدم عقبة افريقية
أخذ دينارا فحبسه ، وخرج على عقبة رجل من البربر يقال له ابن الكاهنة ،
ولم يزل عقبة على البلد أيام معاوية ويزيد بن معاوية .
وتوفي المغيرة بن شعبة سنة 51 ، فولى معاوية الكوفة زيادا ، وضمها إليه
مع البصرة ، فكان أول من جمع له المصران .
وكتب زياد إلى معاوية : إني قد شغلت شمالي بالعراق ويميني فارغة ، فإن
رأى أمير المؤمنين أن يوليني الموسم ؟ فكتب إليه بولاية الحجاز ، وقيل بولاية
الموسم .
وكان عبدالله بن عمر يدخل فيقول : ارفعوا أيديكم فادعوا الله أن
ـ230ـ
يكفيكم يمين زياد .
وروى بعصهم أن أبا بكرة أخاه أتاه ، فخاطب صبيا له ، وكان قد حلف
ألا يكلمه ؟ كاع عن الشهادة على المغيرة ، فقال : يا بني أبوك ركب في الاسلام
عظيما ، شتم أمه ، وانتفى من أبيه ، ثم هو الآن يريد أن يفعل ما هو أكبر
من هذا ، يمر بالمدينة ، فيستأذن على أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فإن أذنت
فأعظم بها مصيبة على رسول الله ، وعلى المسلمين ، فإن لم تأذن له فأعظم
بها فضيحة على أبيك . فتأخر عن الخروج .
وكان حجر بن عدي الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما من
شيعة علي بن أبي طالب ، إذا سمعوا المغيرة وغيره من أصحاب معاوية ، وهم
يلعنون عليا على المنبر ، يقومون فيردون اللعن عليهم ، ويتكلمون في ذلك .
فلما قدم زياد الكوفة خطب خطبة له مشهورة لم يحمدالله فيها ، ولم يصل على
محمد ، وأرعد فيها وأبرق ، وتوعد وتهدد ، وأنكر كلام من تكلم ، وحذرهم
ورهبهم ، وقال : قد سميت الكلة ، على المنبر ، الصلعاء ، فإذا أوعدتكم أو
وعدتكم ، فلم أف لكم بوعدي ووعيدي ، فلا طاعة لي عليكم .
وكانت بينه وبين حجر بن عدي مودة ، فوجه إليه فأحضره ، ثم قال
له : يا حجر ! أرأيت ما كنت عليه من المحبة والموالاة لعلي ؟ قال : نعم ! قال :
فإن الله قد حول ذلك بغضة وعداوة ، أورأيت ما كانت عليه من البغضة والعداوة
لمعاوية ؟ قال : نعم ! قال : فإن الله قد حول ذلك محبة وموالاة ، فلا أعلمنك
ما ذكرت عليا بخير ولا أمير المؤمنين معاوية بشر .
ثم بلغه أنهم يجتمعون ، فيتكلمون ويدبرون عليه وعلى معاوية ، ويذكرون
مساويهما ، ويحرضون الناس ، فوجه صاحب شرطه إليهم ، فأخذ جماعة منهم فقتلوا ،
وهرب عمرو بن الحمق الخزاعي إلى الموصل وعدة معه ، وأخذ زياد حجر بن عدي
الكندي وثلاثة عشر رجلا من أصحابه فأشخصهم إلى معاوية ، فكتب فيهم أنهم
خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب ، وزروا على الولاة ، فخرجوا بذلك من الطاعة ،
ـ231ـ
وأنفذ شهادات قوم أولهم بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الاشعري ، فلما
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 231 سطر 1 الى ص 240 سطر 25
وأنفذ شهادات قوم أولهم بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الاشعري ، فلما
صاروا بمرج عذراء من دمشق على أميال ، أمر معاوية بإيقافهم هناك ، ثم وجه إليهم
من يضرب أعناقهم ، فكلمه قوم في ستة منهم ، فوقف عنهم ، فقتل سبعة : حجر بن
عدي الكندي ، وشريك بن شداد الحضرمي ، وصيفي بن فسيل الشيباني ، وقبيصة
ابن ضبيعة العبسي ، ومحرز بن شهاب التميمي ، وكدام بن حيان العنزي ،
ولما أراد قتلهم قال حجر بن عدي : دعوني حتى أصلي ، فصلى ركعتين خفيفتين
ثم أقبل عليهم فقال : لولا أن تظنوا بي خلاف ما بي لاحببت أن تكونا أطول
مما هما ، وإني لاول من رمى بسهم في هذا الموضع ، وأول من هلك فيه .
فقيل له : أجزعت ؟ فقال : ولم لا أجزع ، وأنا أرى سيفا مشهورا ، وكفنا
منشورا ، وقبرا محفورا ؟ ثم ضربت عنقه وأعناق القوم ، وكفنوا ودفنوا ،
وكان ذلك في سنة 52 .
وقال معاوية للحسين بن علي : يا أبا عبدالله ! علمت أنا قتلنا شيعة أبيك ،
فحنطناهم ، وكفناهم ، وصلينا عليهم ، ودفناهم ؟ فقال الحسين : حجرك ،
ورب الكعبة ، لكنا والله إن قتلنا شيعتك ما كفناهم ، ولا حنظناهم ، ولا
صلينا عليهم ولا دفناهم .
وقالت عائشة لمعاوية حين حج ، ودخل إليها : يا معاوية ! أقتلت حجرا
وأصحابه ، فأين عزب حلمك عنهم ؟ أما إني سمعت رسول الله يقول : يقتل
بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السموات . قال : لم يحضرني رجل رشيد ،
يا أم المؤمنين .
وروي أن معاوية كان يقول : ما أعد نفسي حليما بعد قتلي حجرا وأصحاب
حجر .
وبلغ عبدالرحمن ابن أم الحكم ، وكان عامل معاوية على الموصل ، مكان
عمرو بن الحمق الخزاعي ، ورفاعة بن شداد ، فوجه في طلبهما ، فخرجا
هاربين ، وعمرو بن الحمق شديد العلة ، فلما كان في بعض الطريق لدغت عمرا
ـ232ـ
حية ، فقال : الله أكبر ! قال لي رسول الله : يا عمرو ليشترك في قتلك الجن
والانس . ثم قال لرفاعة : امض لشأنك ، فإني مأخوذ ومقتول . ولحقته رسل
عبدالرحمن ابن أم الحكم ، فأخذوه وضربت عنقه ، ونصب رأسه على رمح ،
وطيف به ، فكان أول رأس طيف به في الاسلام . وقد كان معاوية حبس امرأته
بدمشق ، فلما أتى رأسه بعث به ، فوضع في حجرها ، فقالت للرسول : ابلغ
معاوية ما أقول : طالبه الله بدمه ، وعجل له الويل من نقمه ، فلقد أتى أمرا
فريا ، وقتل برا نقيا . وكان أول من حبس النساء بجرائر الرجال .
وخرج قريب وزحاف الخارجيان بالبصرة في جماعة من الخوارج ،
فاستعرضا الشرط ، فقتلا منهم خلقا عظيما ، وصارا إلى المسجد الجامع ، فقتلا
خلقا من الناس ، ومالوا إلى القبائل ، ففعلوا مثل ذلك . وكان زياد بالكوفة
وعامله على البصرة عبيدالله بن أبي بكرة ، فحاربهم ، فلما لم يكن له بهم طاقة
كتب إلى زياد ، فأقبل زياد حتى صار إلى البصرة ، فصار إلى دار الامارة ،
ثم قال : يا أهل البصرة ما هذا الذي قد اشتملتم عليه ؟ إني أعطي الله عهدا
لا يخرج علي خارجي بعدها فأدع من حيه وقبيلته أحدا ، فاكفوني بوائقكم .
فقام خطباء البصرة ، فتكلموا واعتذروا .
وكان معاوية أول من أقام الحرس والشرط والبوابين في الاسلام ، وأرخى
الستور ، واستكتب النصارى ، ومشي بين يديه بالحراب ، وأخذ الزكاة من
الاعطية ، وجلس على السرير ، والناس تحته ، وجعل ديوان الخاتم ، وبنى
وشيد البناء ، وسخر الناس في بنائه ، ولم يسخر أحد قبله ، واستصفى أموالى
الناس ، فأخذها لنفسه .
وكان سعيد بن المسيب يقول : فعل الله بمعاوية وفعل ، فإنه أول من أعاد
هذا الامر ملكا . وكان معاوية يقول : أنا أول الملوك .
ورحل إليه عبدالله بن عمر يوما ، فقال : يا أبا عبدالله ! كيف ترى
بنياننا ؟ قال : إن كان من مال الله فأنت من الخائنين ، وإن كان من مالك
ـ233ـ
فأنت من المسرفين .
ودخل إليه عدي بن حاتم ، فقال له : كيف زماننا هذا يا أبا طريف ؟
قال : إن صدقناكم خفناكم ، وإن كذبناكم خفنا الله . قال : أقسمت عليك !
قال : عدل زمانكم هذا جور زمان قد مضى ، وجور زمانكم هذا عدل زمان ما يأتي .
واستقر خراج العراق وما يضاف إليه مما كان في مملكة الفرس في أيام
معاوية على ستمائة ألف ألف وخمسة وخمسين ألف ألف درهم .
وكان خراج السواد مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم ، وخراج فارس
سبعين ألف ألف ، وخراج الاهواز وما يضاف إليها أربعين ألف ألف ، وخراج اليمامة
والبحرين خمسة عشر ألف ألف درهم ، وخراج كور دجلة عشرة آلاف ألف
درهم ، وخراج نهاوند وماه الكوفة ، وهو الدينور ، وماه البصرة ، وهو
همذان ، وما يضاف إلى ذلك من أرض الجبل أربعين ألف ألف درهم ، وخراج
الري وما يضاف إليها ثلاثين ألف ألف درهم ، وخراج حلوان عشرين ألف
ألف درهم ، وخراج الموصل وما يضاف إليها ويتصل بها خمسة وأربعين ألف
ألف درهم ، وخراج اذربيجان ثلاثين ألف ألف درهم ، بعد أن أخرج معاوية
من كل بلد ما كانت ملوك فارس تستصفيه لانفسها من الضياع العامرة وجعله
صافية لنفسه ، فأقطعه جماعة من أهل بيته .
وكان صاحب العراق يحمل إليه من مال صوافيه في هذه النواحي مائة ألف
ألف درهم ، فمنها كانت صلاته وجوائزه ، واستقر خراج مصر في أيام معاوية
على ثلاثة آلف ألف دينار ، وكان عمرو بن العاص يحمل منها إليه الشئ اليسير ،
فلما مات عمرو حمل المال إلى معاوية ، فكان يفرق في الناس أعطياتهم ، ويحمل
إليه ألف ألف دينار ، واستقر خراج فلسطين على أربعمائة وخمسين ؟ ؟ دينار ،
واستقر خراج الاردن على مائة وثمانين ألف دينار ، وخراج دمشق على أربعمائة
ألف وخمسين ألف دينار ، وخراج جند حمص على ثلاثمائة وخمسين ألف
دينار ، وخراج قنسرين والعواصم على أربعمائة ألف وخمسين ألف دينار ، وخراج
ـ234ـ
الجزيرة ، وهي ديار مضر وديار ربيعة ، على خمسة وخمسين ألف ألف درهم ،
وخراج اليمن على ألف ألف ومائتي ألف دينار ، وقيل تسعمائة ألف دينار ،
وكان معاوية قد ولى اليمن ، لما استقامت له الامور ، فيروز الديلمي ،
ثم استعمل مكانه عثمان بن عفان الثقفي ، ثم استعمل ابن بشير الانصاري .
وفعل معاوية بالشأم والجزيرة واليمن مثل ما فعل بالعراق من استصفاء ما
كان للملوك من الضياع وتصييرها لنفسه خالصة ، وأقطعها أهل بيته وخاصته .
وكان أول من كنت له الصوافي في جميع الدنيا ، حتى بمكة والمدينة ، فإنه
كان فيمها شئ يحمل في كل سنة من أوساق التمر والحنطة .
وكان معاوية وجه إلى ثغر الهند ابن سوار بن همام ، فشخص في أربعة
آلاف حتى أتى مكران ، فأقام بها شهورا ، ثم غزا القيقان ، فقاتلهم ، وصبر
على قتالهم ، فقتل ابن سوار وعامة ذلك الجيش ، ورجع من بقي معه إلى مكران ،
فكتب معاوية إلى زياد أن يوجه رجلا له حزم وجزالة . فوجه سنان بن سلمة
الهذلي فأتى مكران ، فلم يزل بها مقيما ثم صرفه زياد ، وولى راشد بن عمرو
الجديدي الازدي ، فغزا القيقان ، فظفر وغنم ، وغزا بعض بلاد السند ، وفتح
بلاد الهند ، وكانت الهند يومئذ أهون شوكة من السند ، فقتل راشد ببلاد السند .
وأقام زياد على ولاية العراق اثنتي عشرة سنة ، وكان لزياد دهاء ورجلة
وصولة ، وكان أول من دون الدواوين ووضع النسخ للكتب ، وأفرد كتاب
الرسائل من العرب والموالي المتفصحين .
وكان زياد يقول : ينبغي أن يكون كتاب الخراج من رؤساء الاعاجم العالمين
بأمور الخراج .
وكان زياد يقول : ملاك السلطان أربع خلال : العفاف عن المال ، والقرب
من المحسن ، والشدة على المسئ ، وصدق اللسان .
وكان زياد أول من بسط الارزاق على عماله ألف درهم ألف درهم ،
ولنفسه خمسة وعشرين ألف درهم .
ـ235ـ
وكان زياد يقول : ينبغي للوالي أن يكون أعلم بأهل عمله منهم بأنفسهم .
فقام إليه رجل فقال : أصلح الله الامير ! تعرفني ؟ فقال : نعم المعرفة الجامعة !
أعرفك باسمك واسم أبيك ، وكنيتك ، وعريفك ، وعشيرتك ، وفصيلتك ،
ولقد بلغ من معرفتي بكم أني أرى البرد على أحدكم ، ثم آخر عارية ،
فأعرفه .
واختصم إلى زياد رجلان فقال أحدهما : أصلح الله الامير ! إنه يدل
بناحية ذكر أنها له من الامير . قال : صدق ! سأخبرك بما ينفعه من ذلك ،
ويضرك ، إن وجب له الحق عليك أخذتك له أخذا عنيفا ، وإن وجب عليه
حكمت وأديت عنه .
وقال زياد وهوعلى المنبر : إن أعظم الناس كذبا أمير يقف على المنبر ،
وتحته مائة ألف من الناس ، فيكذبهم ، وإني والله لا أعدكم أجرا إلا أنجزته ،
ولا أعاقبكم حتى أتقدم عليكم .
وكان زياد يقول لاصحابه : ليس كل يصل إلي ولا كل من وصل إلي
أمكنه الكلام ، فاستشفعوا لمن وراءكم ، فإني من ورائكم أمنع إن أردت
أن أمنع .
وكان زياد يقول : أربعة أعمال لايليها إلا المسن الذي قد عض على ناجذه :
الثغر ، والصائفة ، والشرط ، والقضاء . وينبغي أن يكون صاحب الشرط شديد
الصولة ، قليل الغفلة ، وينبغي أن يكون صاحب الحرس مسنا ، عفيفا ، مأمونا ،
لا يطعن عليه . وينبغي أن يكون في الكاتب خمس خلال : بعد غور ، وحسن
مداراة ، وإحكام للعمل ، وألا يؤخر عمل اليوم لغد ، والنصيحة لصاحبه .
وينبغي للحاجب أن يكون عاقلا ، فطنا ، قد خدم الملوك قبل أن يتولى حجابتهم .
وتوفي زياد بالكوفة سنة 54 .
وروي أنه كان أحضر قوما بلغه أنهم شيعة لعلي ليدعوهم إلى لعن علي
والبراءة منه ، أو يضرب أعناقهم ، وكانوا سبعين رجلا ، فصعد المنبر ، وجعل
ـ236ـ
يتكلم بالوعيد والتهديد ، فنام بعض القوم ، وهو جالس ، فقال له بعض
أصحابه : تنام وقد أحضرت لتقتل ؟ فقال : من عمود إلى عمود فرقان ، لقد
رأيت في نومتي هذه عجبا . قالوا : وما رأيت ؟ قال : رأيت رجلا أسود دخل
المسجد فضرب رأسه السقف ، فقلت : من أنت يا هذا ؟ فقال : أنا النقاد
داق الرقبة . قلت : وأين تريد ؟ قال : أدق عنق هذا الجبار الذي يتكلم على
هذه الاعواد .
فبينا زياد يتكلم على المنبر إذ قبض على اصبعه ، ثم صاح : يدي ! وسقط
عن المنبر مغشيا عليه ، فأدخل القصر ، وقد طعن في خنصره اليمنى ، فجعل لا
يتغاذ ، فأحضر الطبيب ، فقال له : اقطع يدي ! قال : أيها الامير ! اخبرني
عن الوجع تجده في يدك ، أو في قلبك ؟ قال : والله إلا في قلبي . قال : فعش
سويا .
فلما نزل به الموت كتب إلى معاوية : إني كتبت إلى أمير المؤمنين ، وأنا
في آخر يوم من الدنيا ، وأول يوم من الآخرة ، وقد استخلفت على عملي خالد
ابن عبدالله بن خالد بن أسيد .
فلما توفي زياد ووضع نعشه ليصلى عليه تقدم عبيدالله ابنه فنحاه ،
وتقدم خالد بن عبدالله فصلى عليه ، فلما فرغ من دفنه خرج عبيدالله من
ساعته إلى معاوية ، فلما قيل لمعاوية هذا عبيدالله قال : يا بني ! ما منع أباك
أن يستخلفك ؟ أما لو فعل لفعلت . فقال : نشدتك الله ، يا أمير المؤمنين ، أن
يقولها لي أحد بعدك ما منع أباه وعمه أن يستعملاه ؟ فولاه خراسان ، وصير
إليه ثغري الهند .
وتوفي المنذر فولى مكانه سنان بن سلمة ، فقاتل القيقان ، والبوقان ، وظفر ،
ورزقه الله النصر عليهم .
وصار عبيدالله بن زياد إلى خراسان ، فبدأ ببخارى ، وعليها مكة يقال
لما خاتون ، فقاتلهم حتى فتحها ، ثم قطع نهر بلخ ، وكان أول عربي قطع
ـ237ـ
نهر بلخ ، وحاربة القوم محاربة شديدة ، وكان الظفر له ، ثم انصرف من خراسان
إلى معاوية فولاه البصرة سنة 56 ، وقيل أول سنة 57 .
وولى معاوية عبدالله بن زياد خراسان ، فاستضعفه ، فعزله ، وولى عبد
الرحمن بن زياد ، فلم يحمده ، فعزله ، فقدم عبدالرحمن بمال عظيم ، فقيل
إنه قال : قدمت معي بمال يكفيني مائة سنة لكل يوم ألف درهم ، فذهب ذلك
المال ، حتى نظر إليه في أيام الحجاج على حمار ، فقيل له : أين المال ؟ فقال :
لا يكفي إلا وجه الله ، والحمار أيضا ليس لي ، إنما هو عارية .
وولى معاوية خراسان بعد عبدالرحمن بن زياد سعيد بن عثمان بن عفان ،
فقطع النهر ، وصار إلى بخارى ، فطلبت خاتون ملكة بخارى الصلح ، فأجابها
إلى ذلك ، ثم رجعت عن الصلح ، وطمعت في سعيد ، فحاربهم سعيد ، فظفر ،
وقتل مقتلة عظيمة . وسار إلى سمرقند ، فحاصرها ، فلم يكن له طاقة بها ،
فظفر بحصن فيه أبناء الملوك ، فلما صاروا في يده طلب القوم الصلح ، فحلف
ألا يبرح حتى يدخل المدينة ، ففتح له باب المدينة ، فدخلها ، ورمى القهندز
بحجر ، وكان معه قثم بن العباس بن ع بدالمطلب فتوفي بسمرقند . فلما بلغ
عبدالله بن عباس موته قال : ما أبعد ما بين مولده ومقبره ، مولده بمكة ،
وقبره بسمرقند ، فانصرف سعيد بن عثمان إلى معاوية ، فولى معاوية مكانه
أسلم بن زرعة .
وصار سعيد إلى المدينة ، ومعه أسراء من أولاد ملوك السغد ، فوثبوا عليه ،
وقتلوه ، وقتل بعضهم بعضا ، حتى لم يبق منهم أحد . وأقام أسلم بن زرعة
شهورا ، وكان عمال خراسان ينزلون هراة ، ثم ولى معاوية خليد بن عبد
الله الحنفي ، فكان آخر ولاته على خراسان .
وأراد سعد بن أبي وقاص أن يعمل له ، فامتنع عليه ، ولزم منزله ، وكان
يسكن قصرا له خارج المدينة على عشرة أميال ، فلم يزل نازلا به حتى توفي ،
وكانت وفاته سنة 55 ، وحمل على أيدي الرجال من قصره إلى المدينة ، حتى
ـ238ـ
دفن بالبقيع .
وتوفي أيام معاوية أربع من أزواج رسول الله : حفصة بنت عمر ، توفيت
سنة 45 ، وصلى عليها مروان بن الحكم ، وهو عامل المدينة ، وصفية بنت
حيي بن أخطب توفيت سنة 50 ، وخولة بنت الحارث توفيت سنة 56 ،
وعائشة بنت أبي بكر توفيت سنة 58 ، وصلى عليها أبوهريرة ، وكان خليفة
؟ ؟ على المدينة ، فقال بعض من حضر : صلى عليها أعدى الناس لها . وتوفي
أبوهريرة سنة 59 .
وكان لمعاوية حلم ودهاء ، وجود بالمال على المداراة من رجل يبخل على
طعامه . وقال سعيد بن العاص : سمعت معاوية يوما يقال : لا أضع سيفي حيث
يكفيني سوطي ، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني ، ولو أن بيني وبين
الناس شعرة ما انقطعت . قيل : وكيف ، يا أمير المؤمنين ؟ قال : كانوا إذا
مدوها خليتها ، وإذا خلوها مددتها .
وكان إذا بلغه عن رجل ما يكره قطع لسانه بالاعطاء ، وربما احتال عليه
فبعث به في الحروب ، وقدمه ، وكان اكثر فعله المكر والحيلة .
وحج بالناس ، في جميع سني ولايته ، حجتين سنة 44 وسنة 50 ، وأراد
أن يحمل منبر رسول الله ، فنال المنبر زلزلة ، حتى ظن أنه آخر الدنيا ،
فتركه ثم زاد فيه خمس مراق من أسفله ، واعتمر عمرة رجب في سنة 56 .
وكان أول من كسا الكعبة الديباج ، واشترى لها العبيد .
وكان يغلب عليه عمرو بن العاص ، ويزيد بن الحر العبسي ، والضحاك بن
قيس الفهري ، وكان الضحاك على شرطته ، وعلى حرسه أبومخارق مولى حمير ،
وحاجبه رباح ، مولاه .
وكان معاوية جهم الوجه ، جاحظ العين ، وافر اللحية ، عريض الصدر ،
عظيم الاليتين ، قصير الساقين والفخذين ، وكانت ولايته تسع عشرة سنة
وثمانية أشهر ، وتوفي مستهل رجب ، ويقال للنصف من رجب سنة 60 ،
ـ239ـ
وهوابن سبع وسبعين سنة ، ويقال ثمانين سنة ، وقد كان ضعف ونحل ،
وسقطت ثنيتاه .
قال صالح بن عمرو : ورأيت معاوية على المنبر معتما بعمامة سوداء ، قد
سدلها على فيه ، وهو يقول : معشر الناس ! كبرت سني ، وضعفت قوتي ،
وأصبت في أحسني ، فرحم الله من دعالي ! ثم بكى ، فبكى معه الناس .
وخرج الضحاك بن قيس ، لما مات معاوية ، فوضع أكفانه على المنبر ،
ثم قال : إن معاوية كان ناب العرب وحبلها ، وقد مات ، وهذه أكفانه ،
ونحن مدرجوه فيها ، وموردوه قبره ، ثم هو آخر اللقاء .
وصلى عليه الضحاك بن قيس الفهري لغيبة يزيد في ذلك الوقت ، ودفن
بدمشق ، وخلف من الذكور أربعة : يزيد ، وعبدالله ، ومحمدا ، و عبدالرحمن .
وأقام الحج في أيامه سنة 41 و 42 عتبة بن أبي سفيان ، وفي سنة 43 مروان
ابن الحكم ، وفي سنة 44 معاوية بن أبي سفيان ، وفي سنة 45 مروان بن الحكم ،
وفي سنة 46 عتبة بن أبي سفيان ، وفي سنة 47 عتبة بن أبي سفيان ، وفي سنة 48
مروان بن الحكم ، وفي سنة 49 سعيد بن العاص ، وفي سنة 50 معاوية بن أبي
سفيان ، وفي سنة 51 يزيد بن معاوية ، وفي سنة 52 سعيد بن العاص ، وفي سنة
53 سعيد بن العاص أيضا ، وفي سنة 54 مروان بن الحكم ، وفي سنة 55 مروان
ابن الحكم أيضا ، وفي سنة 56 الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وفي سنة 57 الوليد
ابن عتبة بن أبي سفيان أيضا ، وفي سنة 58 الوليد بن عتبة أيضا ، وفي سنة 59
عثمان بن محمد بن أبي سفيان .
وغزا بالناس في ولايته سنة 41 ، وجه حبيب بن مسلمة ، فصالح صاحب
الروم ، وكره أن يشغله .
وسنة 43 غزا بسر بن أبي ارطاة أرض الروم ، ومشتاه بها .
سنة 44 غزا عبدالرحمن بن خالد بن الوليد حتى بلغ قلونية .
سنة 45 عبدالرحمن بن خالد بن الوليد وشتا بأرض الروم .
ـ240ـ
وبلغ انطاكية سة 46 مالك بن عبدالله الخثعمي ، وقيل مالك بن هبيرة
السكوني ، وشتا بأرض الروم .
سنة 47 مالك بن هبيرة السكوني وشتا بأرض الروم .
سنة 48 عبدالرحمن العتبي وبلغ انطاكية السوداء .
سنة 49 فضالة بن عبيد ، ففتح الله على يده ، وسبى سبيا كثيرا .
سنة 50 غزا بسر بن أبي ارطاة ، وشتا سفيان بن عوف .
سنة 51 غزا محمد بن عبدالرحمن ، وشتا فضالة بن عبيد الانصاري .
سنة 52 سفيان بن عوف ، فتوفي ، فاستخلف عبدالله بن مسعودة الفزاري .
سنة 53 محمد بن مالك ، وقيل فتحت طرسوس في هذه السنة ، فتحها
جنادة بن أبي أمية الازدي .
سنة 55 مالك بن عبدالله الخثعمي ، وشتا بأرض الروم .
سنة 56 يزيد بن معاوية ، فبلغ ال قسطنطينية ، وشتا مسعود بن أبي مسعود ،
وكان علي البر يزيد بن شجرة ، وعلى البحر عياض بن الحارث ، كل هذا يقال .
سنة 57 عبدالله بن قيس .
سنة 58 مالك بن عبدالله الخثعمي ، ويقال عمرو بن يزيد الجهني ، وقيل
يزيد بن شجرة في البحر .
سنة 59 عمرو بن مرة الجهني في البر ، لم يكن عامئذ غزوة بحر .
وكان الفقهاء في أيام معاوية عبدالله بن عباس ، عبدالله بن عمر بن الخطاب ،
المسور بن مخرمة الزهري ، السائب بن يزيد ، عبدالرحمن بن حاطب ،
أبوبكر بن عبدالرحمن بن الحارث ، سعيد بن المسيب ، عروة بن الزبير ، عطاء
ابن يسار ، القاسم بن محمد بن أبي بكر ، عبيدة بن قيس السلماني ، الربيع
ابن خشيم الثوري ، زر بن حبيش ، الحارث بن قيس الجعفي ، عمرو بن
عتبة بن فرقد ، الاحنف بن قيس ، الحارث بن عمير الزبيدي ، سويد بن غفلة
الجعفي ، عمرو بن ميمون الاودي ، مطرف بن عبدالله بن الشخير شقيق بن
ـ241ـ
سلمة ، عمرو بن شرحبيل ، عبدالله بن يزيد الخطمي ، الحارث الاعور الهمداني ،
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 241 سطر 1 الى ص 250 سطر 25
سلمة ، عمرو بن شرحبيل ، عبدالله بن يزيد الخطمي ، الحارث الاعور الهمداني ،
مسروق بن الاجدع ، علقمة بن قيس الخثعمي ، شريح بن الحارث الكندي ،
زيد بن وهب الهمداني .
ايام يزيد بن معاوية
وملك يزيد بن معاوية ، وأمه ميسون بنت بحدل الكلبي ، في مستهل رجب
سنة 60 ، وكانت الشمس يومئذ في الثور درجة وعشرين دقيقة ، والقمر في
العقرب . . . . . . 1 درجات وثلاثين دقيقة ، وزحل في السرطان إحدى
عشرة درجة ، والمشتري في الجدي تسع عشرة درجة ، والمريخ في الجوزاء
اثنتين وعشرين درجة وثلاثين دقيقة ، والزهرة في الجوزاء ثماني درجات وخمسين
دقيقة ، وعطارد في الثور عشرين درجة وثلاثين دقيقة ، وكان غائبا فلما قدم
دمشق كتب إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وهو عامل المدينة : إذا أتاك كتابي
هذا ، فأحضر الحسين بن علي ، وعبدالله بن الزبير ، فخذهما بالبيعة لي ، فإن
امتنعا فاضرب أعناقهما ، وابعث لي برؤوسهما ، وخذ الناس بالبيعة ، فمن
امتنع فأنفذ فيه الحكم ، وفي الحسين بن علي وعبدالله بن الزبير ، والسلام .
فورد الكتاب على الوليد ليلا ، فوجه إلى الحسين وإلى عبدالله بن الزبير ،
فأخبرهما الخبر ، فقالا : نصبح ونأتيك مع الناس . فقال له مروان : انهما والله
إن خرجا لم ترهما ، فخذهما بأن يبايعا ، وإلا فاضرب أعناقهما . فقال : والله
ما كنت لاقطع أرحامهما ! فخرجا من عنده وتنحيا من تحت ليلتهما ، فخرج
الحسين إلى مكة ، فأقام بها أياما ، وكتب أهل العراق إليه ، ووجهوا بالرسل
على أثر الرسل ، فكان آخر كتاب ورد عليه منهم كتاب هانئ بن أبي هانئ ،
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ242ـ
وسعيد بن عبدالله الخثعمي :
بسم الله الرحمن الرحيم ، للحسين بن علي من شيعته المؤمنين والمسلمين ،
أما بعد فحي هلا ، فإن الناس ينتظرونك ، لاإيام لهم غيرك ، فالعجل ثم
العجل والسلام .
فوجه إليهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب ، وكتب إليهم ، وأعلمهم انه
اثر كتابه ، فلما قدم مسلم الكوفة اجتمعوا إليه ، فبايعوه وعاهدوه وعاقدوه ،
وأعطوه المواثيق على النصرة والمشايعة والوفاء .
وأقبل الحسين بن مكة يريد العراق ، وكان يزيد قد ولى عبيدالله بن زياد
العراق ، وكتب إليه : قد بلغني أن أهل الكوفة قد كتبوا إلى الحسين في القدوم
عليهم ، وانه قد خرج من مكة متوجها نحوهم ، وقد بلي به بلدك من بين
البلدان ، وايامك من بين الايام ، فإن قتلته ، وإلا رجعت إلى نسبك وإلى أبيك
عبيد ، فاحذر أن يفوتك .
ـ243ـ
مقتل الحسين بن علي
وقدم عبيدالله بن زياد الكوفة ، وبها مسلم بن عقيل قد نزل على هانئ بن
عروة ، وهانئ شديد العلة ، وكان صديقا لابن زياد ، فلما قدم ابن زياد الكوفة
أخبر بعلة هانئ ، فأتاه ليعوده ، فقال هانئ لمسلم بن عقيل وأصحابه ، وهم
جماعة : إذا جلس ابن زياد عندي وتمكن ، فإني سأقول اسقوني ، فاخرجوا
فاقتلوه ، فأدخلهم البيت وجلس في الرواق .
وأتاه عبيدالله بن زياد يعوده ، فلما تمكن قال هانئ بن عروة : اسقوني !
فلم يخرجوا ، فقال : اسقوني ، ما يؤخركم ؟ ثم قال : اسقوني ، ولو كانت فيه
نفسي ، ففهم ابن زياد ، فقام ، فخرج من عنده ، ووجه بالشرط يطلبون
مسلما ، وخرج وأصحابه ، وهو لا يشك في وفاء القوم ، وصحة نياتهم ،
فقاتل عبيدالله ، فأخذوه ، فقتله عبيدالله ، وجر برجله في السوق ، وقتل هانئ
ابن عروة لنزول مسلم منزله وإعانته إياه .
وسار الحسين يريد العراق ، فلما بلغ القطقطانة أتاه الخبر بقتل مسلم بن
عقيل ، ووجه عبيدالله بن زياد ، لما بلغه قربه من الكوفة ، بالحر بن يزيد ،
فمنعه من أن يعدل ، ثم بعث إليه بعمر بن سعد بن أبي وقاص في جيش ، فلقي
الحسين بموضع على الفرات يقال له كربلاء ، وكان الحسين في اثنين وستين ،
أو اثنين وسبعين رجلا من أهل بيته وأصحابه ، وعمر بن سعد في أربعة آلاف ،
فمنعوه الماء ، وحالوا بينه وبين الفرات ، فناشدهم الله عزوجل ، فأبوا إلا
قتاله أويستسلم ، فمضوا به إلى عبيدالله بن زياد فيرى رأيه فيه ، وينفذ فيه حكم
يزيد ، فروي عن علي بن الحسين أنه قال : إني لجالس في العشية التي قتل أبي الحسين
ابن علي في صبيحتها ، وعمتي زينب تمرضني ، إذ دخل أبي ، وهو يقول :
ـ244ـ
يا دهر أف لك من خليل ، * كم لك في الاشراق والاصيل
من طالب وصاحب قتيل ، * والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الامر إلى الجليل ، * وكل حي سالك السبيل
فقهمت ما قال ، وعرفت ما أراد ، وخنقتي عبرتي ، ورددت دمعي ،
وعرفت أن البلاء قد نزل بنا ، فأما عمتي زينب ، فإنها لما سمعت ما سمعت ،
والنساء من شأنهن الرقة والجزع ، لم تلك أن وثبت تجر ثوبها حاسرة ، وهي
تقول : واثكلاه ! ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ! ماتت فاطمة وعلي والحسن
ابن علي أخي ، فنظر إليها فردد غصته ، ثم قال : يا أختي اتقي الله ، فإن
الموت نازل لا محالة ! فلطمت وجهها ، وشقت جيبها ، وخرت مغشيا عليها ،
وصاحت : وا ويلاه ! واثكلاه ! فتقدم إليها ، فصب على وجهها الماء ، وقال
لها : يا أختاه ، تعزي بعزاء الله ، فإن لي ولكل مسلم أسوة برسول الله ، ثم
قال : اني أقسم عليك ، فابري قسمي ، لا تشقي علي جيبا ولا تخمشي علي
وجها ، ولا تدعي علي بالويل والثبور ، ثم جاء بها حتى أجلسها عندي ، فإني
لمريض مدنف ، وخرج إلى أصحابه .
فلما كان من الغد خرج فكلم القوم ، وعظم عليهم حقه ، وذكرهم
الله عزوجل ورسوله ، وسألهم أن يخلوا بينه وبين الرجوع ، فأبوا إلا قتاله ،
أو أخذه حتى يأتوا به عبيدالله بن زياد ، فجعل يكلم القوم بعد القوم والرجل
بعد الرجل ، فيقولون : ما ندري ما تقول ، فأقبل على أصحابه فقال : ان القوم
ليسوا يقصدون غيري ، وقد قضيتم ما عليكم فانصرفوا ، فأنتم في حل . فقالوا :
لا والله ، يا ابن رسول الله ، حتى تكون أنفسنا قبل نفسك ، فجزاهم الخير .
وخرج زهير بن القين على فرس له فنادى : يا أهل الكوفة ! نذار لكم
من عذاب الله ! نذار عباد الله ! ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ولد سمية ،
فإن : لم تنصروهم ، فلا تقاتلوهم . أيها الناس ! انه ما أصبح على ظهر الارض
ـ245ـ
ابن بنت نبي إلا الحسين ، فلا يعين أحد على قتله ولو بكلمة إلا نغصه الله
الدنيا ، وعذابه أشد عذاب الآخرة .
ثم تقدموا رجلا رجلا ، حتى بقي وحده ما معه أحد من أهله ، ولا ولده ،
ولا أقاربه ، فإنه لواقف على فرسه إذ أتي بمولود قد ولد له في تلك الساعة ،
فأذن في أذنه ، وجعل يحنكه ، إذ أتاه سهم ، فوقع في حلق الصبي ، فذبحه ،
فنزع الحسين السهم من حلقه ، وجعل يلطخه بدمه ويقول : والله لانت أكرم
على الله من الناقة ، ولمحمد اكرم على الله من صالح ! ثم أتى فوضعه مع ولده
وبني أخيه ، ثم حمل عليهم ، فقتل منهم خلقا عظيما ، وأتاه سهم فوقع في
لبته ، فخرج من قفاه ، فسقط ، وبادر القوم فاحتزوا رأسه ، وبعثوا به إلى
عبيدالله بن زياد ، وانتهبوا مضاربه ، وابتزوا حرمه ، وحملوهن إلى الكوفة ،
فلما دخلن إليها خرجت نساء الكوفة يصرخن وبيكين ، فقال علي بن الحسين :
هؤلاء يبكين علينا فمن قتلنا ؟
وأخرج عيال الحسين وولده إلى الشأم ، ونصب رأسه على رمح ، وكان
مقتله لعشر ليال خلون من المحرم سنة 61 ، واختلفوا في اليوم ، فقالوا : يوم
السبت ، وقالوا : يوم الاثنين ، وقالوا : يوم الجمعة ، وكان من شهور العجم في
تشرين الاول .
قال الخوارزمي : وكانت الشمس يومئذ في الميزان سبع عشرة درجة وعشرين
دقيقة ، والقمر في الدلو عشرين درجة وعشرين دقيقة ، وزحل في السرطان
تسعا وعشرين درجة وعشرين دقيقة ، والمشتري في الجدي اثنتي عشرة درجة
وأربعين دقيقة ، والزهرة في السنبلة خمس درجات وخمسين دقيقة ، وعطارد
في الميزان خمس درجات وأربعين دقيقة ، والرأس في الجوزاء درجة وخمسا
وأربعين دقيقة .
ووضع الرأس بين يدي يزيد ، فجعل يزيد يقرع ثناياه بالقصب
وكان أول صارخة صرخت في المدينة أم سلمة زوج رسول ، كان
ـ246ـ
دفع إليها قارورة فيها تربة ، وقال لها : إن جبريل أعلمني ان أمتي تقتل الحسين ،
وأعطاني هذه التربة ، وقال لي : إذا صارت دما عبيطا فاعلمي أن الحسين قد
قتل ، وكانت عندها ، فلما حضر ذلك الوقت جعلت تنظر إلى القارورة في كل
ساعة ، فلما رأتها قد صارت دما صاحت : وا حسيناه ! وابن رسول الله !
وتصارخت النساء من كل ناحية ، حتى ارتفعت المدينة بالرجة التي ما سمع
بمثلها قط .
وكانت سن الحسين يوم قتل ستا وخمسين سنة ، وذلك انه ولد في سنة
4 من الهجرة .
وقيل للحسين : ما سمعت من رسول الله ؟ قال : سمعته يقول : إن الله يحب
معالي الامور ويكره سفسافها ، وعقلت عنه انه يكبر فأكبر خلفه ، فإذا سمع
تكبيري أعاد التكبير حتى يكبر سبعا ، وعلمني : قل هو الله أحد ، وعلمني
الصلوات الخمس ، وسمعته يقول : من يطع الله يرفعه ، ومن يعص الله
يضعه ، ومن يخلص نيته لله يزينه ، ومن يثق بما عند الله يغنه ، ومن يتعزز
على الله يذله .
وقال بعضهم : سمعت الحسين يقول : الصدق عز ، والكذب عجز ،
والسر أمانة ، والجوار قرابة ، والمعونة صداقة ، والعمل تجربة ، والخلق الحسن
عبادة ، والصمت زين ، والشح فقر ، والسخاء غنى ، والرفق لب .
ووقف الحسين بن علي بالحسن بن علي بالحسن البصري ، والحسن لايعرفه ، فقال له
الحسين : يا شيخ هل ترضى لنفسك يوم بعثك ؟ قال : لا ! قال : فتحدث
نفسك بترك ما لا ترضاه لنفسك من نفسك يوم بعثك ؟ قال : نعم بلا حقيقة .
قال : فمن أغش لنفسه منك يوم بعثك ، وأنت لا تحدث نفسك بترك ما لا
ترضاه لنفسك بحقيقة ؟ ثم مضى الحسين ، فقال الحسن البصري : من هذا ؟
فقيل له : الحسين بن علي . فقال : سهلتم علي .
وكان للحسين من الولد : علي الاكبر ، لا بقية له ، قتل بالطف ، وأمه
ـ247ـ
ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي ، وعلي الاصغر ، وأمه حرار
بنت يزدجرد ، وكان الحسين سماها غزالة .
وقيل لعلي بن الحسين : ما أقل ولد أبيك ! قال : العجب كيف ولدت له ،
إنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ، فمتى كان يفرغ للنساء ؟
وأقام عبدالله بن الزبير بمكة خالعا يزيد ، ودعا إلى نفسه ، وأخرج عامل
يزيد . ووجه إليه يزيد ابن عضاه الاشعري ، وكتب إليه يعطيه الامان ، ويعلمه
أنه كان حلف ألا يقبل بيعته إلا وهو في جامعة حديد ، حتى يبايع ثم يطلقه . 0
وكان مروان بن الحكم عامل المدينة ، فكره ابن الزبير أن يجيب إلى ذلك ،
وداخله الهلع عندما بلغه من قتل الحسين ، فوجه إليه مع بعض ثقاته بشعر
يقول فيه :
فخذها فليست للعزيز بخطة * وفيها مقال لامرئ متذلل
وكان ابن الزبير شديد العزة ، فلم يفعل ، وأجاب ابن عضاه بجواب غليظ ،
فقال ابن عضاه : إن الحسين بن علي كان أجل قدرا في الاسلام وأهله من قبل ،
وقد رأيت حاله . فقال له ابن الزبير : إن الحسين بن علي خرج إلى من لايعرف
حقه ، وإن المسلمين قد اجتمعوا علي . فقال له : فهذا ابن عباس ، وابن عمر
لم يبايعك ، وانصرف .
وأخذ ابن الزبير عبدالله بن عباس بالبيعة له ، فامتنع عليه ، فبلغ يزيد بن
معاوية أن عبدالله بن عباس قد امتنع على ابن الزبير ، فسره ذلك ، وكتب إلى
ابن عباس : أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته ، وعرض عليك
الدخول في طاعته لتكون على الباطل ظهيرا وفي المأثم شريكا ، وأنك امتنعت
عليه ، واعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا ، وطاعة لله فيما عرفك من حقنا ، فجزاك
الله من ذي رحم بأحسن ما يجزي به الواصلين لارحامهم ، فإني ما أنس من
الاشياء فلست بناس برك ، وحسن جزائك ، وتعجيل صلتك بالذي أنت مني
ـ248ـ
أهله في الشرف والطاعة والقرابة بالرسول ، وانظر ، رحمك الله ، فيمن
قبلك من قومك ، ومن يطرؤ عليك من الآفاق ممن يسحره الملحد بلسانه
وزخرف قوله ، فأعلمهم حسن وأيك في طاعتي والتمسك ببيعتي ، فإنهم
لك أطوع ، ومنك أسمع منهم للمحل الملحد ، والسلام .
فكتب إليه عبدالله بن عباس : من عبدالله بن عباس إلى يزيد بن معاوية .
أما بعد ، فقد بلغني كتابك بذكر دعاء ابن الزبير إياي إلى نفسه وامتناعي عليه
في الذي دعاني إليه من بيعته ، فإن يك ذلك كما بلغك ، فلست حمدك أردت ،
ولا ودك ، ولكن الله بالذي أنوي عليم . وزعمت انك لست بناس ودي
فلعمري ما تؤتينا مما في يديك من حقنا إلا القليل ، وإنك لتحبس عنا منه
العريض الطويل ، وسألتني أن أحث الناس عليك وأخذلهم عن ابن الزبير ،
فلا ، ولا سرورا ، ولا حبورا ، وأنت قتلت الحسين بن علي ، بفيك الكثكث ،
ولك الاثلب ، إنك إن تمنك نفسك ذلك لعازب الرأي ، وإنك لانت
المفند المهور . لا تحسبني ، لا أبا لك ، نسيت قتلك حسينا وفتيان بني عبد
المطلب ، مصابيح الدجى ، ونجوم الاعلام ، غادرهم جنودك مصرعين في
صعيد ، مرملين بالتراب ، مسلوبين بالعراء ، لا مكفنين ، تسفي عليهم
الرياح ، وتعاور هم الذئاب ، وتنشي بهم عرج الضباع ، حتى أتاح الله لهم أقواما
لم يشتراكوا في دمائهم ، فأجنوهم في أكفانهم ، وبي والله وبهم عززت وجلست
مجلسك الذي جلست ، يا يزيد .
وما أنس من الاشياء ، فلست بناس تسليطك عليهم الدعي العاهر ، ابن
العاهر ، البعيد رحما ، اللئيم أبا وأما ، الذي في ادعاء أبيك إياه ما اكتسب
أبوك به إلا العار والخزي والمذلة في الآخرة والاولى ، وفي الممات والمحيا ،
إن نبي الله قال : الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، فألحقه بأبيه كما يلحق
بالعفيف النقي ولده الرشيد ، وقد أمات أبوك السنة جهلا وأحيا البدع
والاحداث المضلة عمدا .
ـ249ـ
وما أنس من الاشياء ، فلست بناس اطرادك الحسين بن علي من حرم
رسول الله إلى حرم الله ، ودسك إليه الرجال تغتاله ، فأشخصته من حرم الله
إلى الكوفة ، فخرج منها خائفا يترقب ، وقد كان أعز أهل البطحاء بالبطحاء
قديما ، وأعز أهلها بها حديثا ، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبوأ بها مقاما
واستحل بها قتالا ، ولكن كره أن يكون هوالذي يستحل حرمة البيت وحرمة
رسول الله فأكبر من ذلك ما لم تكبر حيث دسست إليه الرجال فيها ليقاتل في
الحرم وما لم يكبر ابن الزبير حيث ألحد بالبيت الحرام وعرضه للعائر وأراقل
العالم ، وأنت ؟ لانت المستحل فيما أظن بل لا شك فيه أنك للمحرف
العريف ، فإنك حلف نسوة ، صاحب ملاه ، فلما رأى سوء رأيك شخص
إلى العراق ، ولم يبتغك ضرابا ، وكان أمر الله قدرا مقدورا .
ثم إنك الكاتب إلى ابن مرجانة أن يستقبل حسينا بالرجال ، وأمرته
بمعاجلته ، وترك مطاولته ، والالحاح عليه ، حتى يقتله ومن معه من بني عبد
المطلب ، أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيرا ، فنحن
أولئك لسنا كآبائك الاجلاف الجفاة الاكباد الحمير .
ثم طلب الحسين بن علي إليه الموادعة ، وسألهم الرجعة ، فاغتنمتم قلة
أنصاره ، واستئصال أهل بيته ، فعدوتم عليهم ، فقتلوهم كأنما قتلوا أهل بيت
من الترك والكفر ، فلا شئ عندي أعجب من طلبك ودي ونصري ، وقد
قتلت بني أبي ، وسيفك يقطر من دمي ، وأنت آخذ ثأري ، فإن يشإ الله لايطل
لديك دمي ولا تسبقني بثأري ، وإن سبقتني به في الدنيا ، فقبلنا ما قتل النبيون
وآل النبيين وكان الله الموعد ، وكفى به للمظلومين ناصرا ، ومن الظالمين منتقما .
فلا يعجبنك ان ظفرت بنا اليوم ، فوالله لنظفرن بك يوما .
فأما ما ذكرت من وفائي ، وما زعمت من حقي ، فإن يك ذلك كذلك ،
فقد والله بايعت أباك ، وإني لاعلم أن ابني عمي وجميع بني أبي أحق بهذا
* ( هامش ) * 1 هذه اللفظة هكذا في الاصل .
ـ250ـ
الامر من أبيك ، ولكنكم ، معاشر قريش ، كاثر تمونا ، فاستأثرتم علينا سلطاننا ،
ودفعتمونا عن حقنا ، فبعدا على من يجترئ على ظلمنا ، واستغوى السفهاء علينا ،
وتولى الامر دوننا . فبعدا لهم كما بعدت ثمود ، وقوم لوط ، وأصحاب مدين ،
ومكذبو المرسلين .
ألا ومن أعجب الاعاجيب ، وما عشت أراك الدهر العجيب ، حملك بنات
ع بدالمطلب وغلمة صغارا من ولده إليك بالشأم كالسبي المجلوب ، تري الناس
أنك قهرتنا ، وأنك تأمر علينا ، ولعمري لئن كنت تصبح وتمسي آمنا لجرح
يدي ، إني لارجو أن يعظم جراحك بلساني ونقضي وإبرامي ، فلا يستقر بك
الجدل ، ولا يمهلك الله بعد قتلك عترة رسول الله إلا قليلا ، حتى يأخذك أخذا
أليما ، فيخرجك الله من الدنيا ذميما أثيما ، فعش لا أبالك ، فقد والله أرداك
عند الله ما اقترفت . والسلام على من أطاع الله .
وولى يزيد عثمان بن محمد بن أبي سفيان المدينة ، فأتاه ابن مينا ، عامل
صوافي معاوية ، فأعلمه أنه أراد حمل ما كان يحمله في كل سنة من تلك الصوافي
من الحنطة والتمر ، وأن أهل المدينة منعوه من ذلك ، فأرسل عثمان إلى جماعة
منهم ، فكلمهم بكلام غليظ ، فوثبوا به وبمن كان معه بالمدينة من بني أمية ،
وأخرجوهم من المدينة واتبعوهم يرجمونهم بالحجارة ، فلما انتهى الخبر إلى
يزيد بن معاوية وجه إلى مسلم بن عقبة ، فأقدمه من فلسطين ، وهو مريض ،
فأدخله منزله ، ثم قص عليه القصة ، فقال : يا أمير المؤمنين ! وجهني إليهم ،
فوالله لادعن أسفلها أعلاها ، يعني مدينة الرسول ، فوجهه في خمسة آلاف
إلى المدينة ، فأوقع بأهلها وقعة الحرة ، فقاتله أهل المدينة قتالا شديدا ، وخندقوا
على المدينة ، فرام ناحية من نواحي الخندق ، فتعذر ذلك عليه ، فخدع مروان
بعضهم ، فدخل ومعه مائة فارس ، فأتبعه الخيل حتى دخلت المدينة ، فلم يبق
بها كثير أحد إلا قتل ، وأباح حرم رسول الله ، حتى ولدت الابكار لا يعرف
من أولدهن ، ثم أخذ الناس على أن يبايعوا على أنهم عبيد يزيد بن معاوية ،
ـ251ـ
فكان الرجل من قريش يؤتى به ، فيقال : بايع أية أنك عبدقن ليزيد ، فيقول :
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 251 سطر 1 الى ص 260 سطر 25
فكان الرجل من قريش يؤتى به ، فيقال : بايع أية أنك عبدقن ليزيد ، فيقول :
لا ! فيضرب عنقه ، فأتاه علي بن الحسين فقال : علام يريد يزيد أن أبايعك ؟
قال : على أنك أخ وابن عم . فقال : وإن أردت أن أبايعك علي أني عبدقن ،
فعلت . فقال : ما أحشمك هذا ، فلما أن رأى الناس إجابة علي بن الحسين
قالوا : هذا ابن رسول الله بايعه على ما يريد ، فبايعوه على ما أراد ، وكان ذلك
سنة 62 .
وكان جيش مسلم خمسة آلاف رجل : من فلسطين ألف رجل عليهم روح
ابن زنباع الجذامي ، ومن الاردن ألف رجل عليهم حبيش بن دلجة القيني ،
ومن دمشق ألف رجل عليهم عبدالله بن مسعدة الفزاري ، ومن أهل حمص ألف
رجل عليهم الحصين بن نمير السكوني ، ومن قنسرين ألف رجل عليهم زفر بن
الحارث الكلابي . وكان المدبر لامر أهل المدينة والرئيس في محاربة أهل الشأم
عبدالله بن حنظلة بن أبي عامر الانصاري .
وخرج مسلم بن عقبة من المدينة يريد مكة لمحاربة ابن الزبير ، فلما صار
بثنية المشلل احتضر ، واستخلف الحصين بن نمير ، وقال له : يا برذعة
الحمار ! لولا حبيش بن دلجة القيني لما وليتك ، فإذا قدمت مكة ، فلا يكون
عملك إلا الوقاف ثم الثقاف ، ثم الانصراف ، ثم قال : اللهم إن عذبتني
بعد طاعتي لخليفتك يزيد بن معاوية وقتل أهل الحرة ، فإني إذا لشقي . ثم
خرجت نفسه فدفن بثنية المشلل ، وجاءت أم ولد يزيد بن عبدالله بن زمعة ،
فنبشته وصلبته على المشلل ، وجاء الناس فرجموه ، وبلغ الخبر الحصين بن نمير
فرجع فدفنه ، وقتل جماعة من أهل ذلك الموضع ، وقيل لم يدع منهم أحدا .
وقدم الحصين بن نمير مكة فناوش ابن الزبير الحرب في الحرم ، ورماه
بالنيران حتى أحرق الكعبة . وكان عبدالله بن عمير الليثي قاضي ابن الزبير ،
إذا تواقف الفريقان قام على الكعبة ، فنادى بأعلى صوته : يا أهل الشأم ! هذا
حرم الله الذي كان مأمنا في الجاهلية يأمن فيه الطير والصيد ، فاتقوا الله ، يا أهل
ـ252ـ
الشأم ! فيصيح الشاميون : الطاعة الطاعة ! الكرة الكرة ! الرواح قبل المساء !
فلم يزل على ذلك حتى أحرقت الكعبة ، فقال أصحاب ابن الزبير : نطفئ النار ،
فمنعهم ، وأراد أن يغضب الناس للكعبة ، فقال بعض أهل الشأم : إن الحرمة
والطاعة اجتمعتا ، فغلبت الطاعة الحرمة . وكان حريق الكعبة في سنة 63 .
وولى يزيد سلم بن زياد خراسان ، وبعث معه بعدة من الاشراف ،
أحدهم طلحة الطلحات ، وهو طلحة بن عبدالله بن خلف الخزاعي ، والمهلب
ابن أبي صفرة ، وعمر بن عبيدالله بن معمر التيمي ، وعبدالله بن خازم السلمي ،
فصار إلى خراسان ، فأقام بنيسابور ، ثم صار إلى خوارزم ، ففتحها .
ثم صار إلى بخارى ، وملكتها خاتون ، فلما رأت كثرة جمعه هالها ذلك ،
وكتبت إلى طرخون ملك السغد : إني متزوجتك ، فأقبل إلي لتملك بخارى ،
فأقبل إليها في مائة ألف وعشرين ألفا ، فوجه سلم المهلب بن أبي صفرة طليعة
له لما بلغه إقبال طرخون ، فخرج وتبعه الناس ، فلما أشرفوا على عسكر طرخون
زحف أصحاب طرخون إليهم ، والتحم القتال ، ورشقهم المسلمون بالنبل ،
فقتل طرخون وانهزم أصحابه ، فقتل منهم بشر كثير ، فبلغت سهام المسلمين
يؤمئذ للفارس ألفين وأربعمائة ، وللراجل ألفا ومائتين ، ولم يزل ابن زياد
بخراسان حتى توفي يزيد ، وكان يكتم موته حتى ذاع في الناس ، فانصرف سلم
من خراسان ، فاستخلف عليها ابن خازم السلمي ، وذلك أنه خاف أن يثب به ،
فداراه وبلغه اختلاط الناس ، فأعطاه عهده ومضى .
وأقام ابن خازم بخراسان فعمل العجائب ، ولم يكن يرد عليه ، وسار سليمان
إلى هراة ، ووثب أوس بن ثعلبة بالطالقان ، فلم يزل يحاربهما ويحارب الترك ،
وهو في كل ذلك منصور عليهم .
وتوفي يزيد بن معاوية في صفر سنة 64 بموضع يقال له حوارين ، وحمل
إلى دمشق ، فدفن بها ، وصلى عليه معاوية بن يزيد . وكان له من الولد الذكور
أربعة : معاوية ، وخالد ، وأبوسفيان ، وعبدالله ، وكان الغالب عليه حسان بن
ـ253ـ
بحدل الكلبي ، وروح بن زنباع الجذامي ، والنعمان بن بشير ، وعبدالله بن
رياح ، وكان على شرطه عبدالله بن عامر الهمداني ، وعلى حرسه سعيد مولى
كلب ، وحاجبه صفوان مولاه .
وكتب مروان بن الحكم إلى الحصين بن نمير ، وهو في محاربة ابن الزبير :
لايهو لنك ما حدث ، وامض لشأنك . وبلغ الخبر ابن الزبير وذاع في العسكر ،
فانكسرت شوكة القوم ، وأرسل الحصين بن نمير إلى ابن الزبير : نلتقي الليلة
على الامان ، فالتقيا ، فقال له الحصين بن نمير : إن يزيد قد مات ، وابنه صبي ،
فهل لك أن أحملك إلى الشأم ، فليس بالشأم أحد ، فأبايع لك ، فليس يختلف
عليك اثنان ؟ فقال ابن الزبير ، رافعا صوته : لا والله الذي لا إله إلا هو ، أو
تقتل بأهل الحرة أمثالهم من أهل الشأم . فقال له الحصين : من زعم أنك داهية
فهو أحمق . أقول لك ما لك سرا ، وتقول لي ما عليك علانية ؟ ثم انصرف .
وكان سعيد بن المسيب يسمي سني يزيد بن معاوية بالشؤم : في السنة الاولى
قتل الحسين بن علي وأهل بيت رسول الله ، والثانية استبيح حرم رسول الله
وانتهكت حرمة المدينة ، والثالثة سفكت الدماء في حرم الله وحرقت الكعبة .
وأقام الحج في ولاية يزيد بن معاوية سنة 60 عمرو بن سعيد بن العاص ،
وفي سنة 61 الوليد بن عتبة ، وفي سنة 62 الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وغزا
في الناس في ولايته سنة 61 ، غزا مالك بن عبدالله الخثعمي الصائفة ، وهي غزاة
سورية .
ـ254ـ
ايام معاوية بن يزيد بن معاوية
ثم ملك معاوية بن يزيد بن معاوية ، وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم بن
عتبة بن ربيعة ، أربعين يوما ، وقيل : بل أربعة أشهر ، وكان له مذهب جميل ،
فخطب الناس ، فقال : أما بعد حمدالله والثناء عليه ، أيها الناس فإنا بلينا
بكم وبليتم بنا فما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا ، ألا وان جدي معاوية
ابن أبي سفيان نازع الامر من كان أولى به من في القرابة برسول الله ، وأحق
في الاسلام ، سابق المسلمين ، وأول المؤمنين ، وابن عم رسول رب العالمين ،
وأبا بقية خاتم المرسلين ، فركب منكم ما تعلمون ، وركبتم منه ما لا تنكرون ،
حتى أتته منيته وصار رهنا بعمله ، ثم قلد أبي وكان غير خليق للخير ، فركب
هواه ، واستحسن خطأه ، وعظم رجاؤه ، فأخلفه الامل ، وقصر عنه الاجل ،
فقلت منعته ، وانقطعت مدته ، وصار في حفرته رهنا بذنبه ، وأسيرا بجرمه .
ثم بكى ، وقال : إن أعظم الامور علينا علمنا بسوء مصرعه وقبح منقلبه ،
وقد قتل عترة الرسول ، وأباح الحرمة ، وحرق الكعبة ، وما أنا المتقلد أموركم ،
ولا المتحمل تبعاتكم ، فشأنكم أمركم ، فوالله لئن كانت الدنيا مغنما لقد نلنا
منها حظا ، وإن تكن شرا فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها .
فقال له مروان بن الحكم : سنها فينا عمرية ! قال : ما كنت أتقلدكم
حيا وميتا ، ومتى صار يزيد بن معاوية مثل عمر ، ومن لي برجل مثل رجال
عمر . وتوفي وهو ابن ثلاث وعشرين سنة ، وصلى عليه خالد بن يزيد بن
معاوية ، وقيل بل عثمان بن محمد بن أبي سفيان ، ودفن بدمشق ، وكان بها
ينزل .
ـ255ـ
ايام مروان بن الحكم وعبدالله بن الزبير
وايام من ايام عبدالملك
وكان عبدالله بن الزبير بن العوام ، وأمه أسماء بنت أبي بكر ، قد تغلب على
مكة ، وتسمى بأمير المؤمنين ، ومال إليه أكثر النواحي ، وكان ابتداء أمره
في أيام يزيد بن معاوية ، على ما اقتصصنا من خبره ، ومحاربته للحصين بن
نمير ، فلما توفي يزيد بن معاوية مال الناس من البلدان جميعا إلى ابن الزبير ،
وكان بمصر عبدالرحمن بن جحدم الفهري عاملا لابن الزبير ، وأهل مصر في
طاعته ، وبفلسطين ناتل بن قيس الجذامي ، وبدمشق الضحاك بن قيس الفهري ،
وبمحص النعمان بن بشير الانصاري ، وبقنسرين والعواصم زفر بن الحارث
الكلابي ، وبالكوفة عبدالله بن مطيع ، وبالبصرة الحارث بن عبدالله بن أبي
ربيعة ، وبخراسان عبدالله بن خازم السلمي ، ولم تبق ناحية إلا مالت إلى ابن
الزبير خلا الاردن ، ورئيسها يومئذ حسان بن بحدل الكلبي .
وأخرج ابن الزبير بني أمية من المدينة ، وأخذ مروان بالخروج ، فأتى
عبدالملك ابنه ، وهو عليل مجدر ، فقال له : يا بني إن ابن الزبير قد أخرجني !
قال : فما يمنعك أن تخرجني معك ؟ قال : كيف أخرجك وأنت على هذا
الحال ؟ قال : لفني في القطن ، فإن هذا رأي لم يتعقبه ابن الزبير . فخرج وأخرج
عبدالملك ، وتعقب ابن الزبير الرأي ، فعلم أنه قد أخطأ ، فوجه يرد هم
ففاتوه .
وقدم مروان ، وقد مات معاوية بن يزيد ، وأمر الشأم مضطرب ، فدعا إلى
نفسه ، واجتمع الناس بالحابية من أرض دمشق ، فتناظروا في ابن الزبير وفيما
تقدم لبني أمية عندهم ، وتناظروا في خالد بن يزيد بن معاوية ، وفي عمرو بن
ـ256ـ
سعيد بن العاص بعده ، وكان روح بن زنباع الجذامي يميل مع مروان ، فقام
خطيبا ، فقال : يا أهل الشأم ! هذا مروان بن الحكم شيخ قريش ، والطالب
بدم عثمان ، والمقاتل لعلي بن أبي طالب يوم الجمل ، ويوم صفين ، فبايعوا
الكبير ، واستنيبوا للصغير ، ثم لعمرو بن سعيد . فبايعوا لمروان بن الحكم ، ثم
لخالد بن يزيد ، ثم لعمرو بن سعيد .
فلما عقدوا البيعة جمعوا من كان في ناحيتهم ، ثم تناظروا في أي بلد
يقصدون ، فقالوا : نقصد دمشق ، فإنها دار الملك ، ومنزل الخلفاء ، وقد
تغلب بها الضحاك بن قيس . فقصدوا دمشق ، فلقوا الضحاك بمرج راهط ،
وكان مع الضحاك من أهل دمشق وفتينهم جماعة ، وقد أمده النعمان بن بشير
عامل حمص بشر حبيل بن ذي الكلاع في أهل حمص ، وأمده زفر بن الحارث
الكلابي بقيس بن طريف بن حسان الهلالي ، والتقوا بمرج راهط ، فاقتتلوا
قتالا شديدا ، فقتل الضحاك بن قيس وخلق من أصحابه ، وهرب من بقي
من جيشه .
وبلغ الخبر النعمان بن بشير ، وهو بحمص ، فخرج هاربا ، ومعه امرأته
الكنانية وثقله وولده ، فتبعه قوم من حمير وباهلة ، فقتلوه في البرية ، واحتزوا
رأسه . ووجهوا به إلى مروان بن الحكم . وهرب زفر بن الحارث الكلابي
والخيل تتبعه حتى أتى قرقيسيا ، وبها عياض الحرشي من مذحج ، فأغلق أبوابها
دونه ، فلم يزل يخدعه حتى دخلها .
ووجه مروان حبيش بن دلجة القيني إلى الحجاز لمحاربة ابن الزبير ، فسار
حتى أتى المدينة ، وعليها جابر بن الاسود بن عوف الزهري ، عامل ابن الزبير ،
وكتب ابن الزبير إلى الحارث بن عبدالله عامله على البصرة أن يوجه إليهم بجيش ،
فلقوا حبيشا فقتلوه وقتلوا عامة أصحابه ، فلم يفلت منهم إلا الشريد ، فكان
فيمن أفلت منهم : يوسف بن الحكم الثقفي ، وابنه الحجاج بن يوسف .
ثم خرج مروان يريد مصر ، فلما سار إلى فلسطين وجد ناتل بن قيس الجذامي
ـ257ـ
متغلبا على البلد ، وأخرج روح بن زنباع ، فحاربه ، فلما لم يكن لناتل قوة
على محاربة مروان هرب ، فلحق بابن الزبير ، وسار مروان يريد مصر حتى
دخلها ، فصالحه أهلها ، وأعطوه الطاعة ، وأخرج ابن جحدم الفهري ، عامل
ابن الزبير ، وقيل اغتاله فقتله ، وقتل اكيدر بن حمام اللخمي ، واستعمل عليها
ابنه عبدالعزيز بن مروان وانصرف .
وقام سليمان بن صرد الخزاعي ، والمسيب بن نجبة الفزاري ، وخرجا
في جماعة معهما من الشيعة بالعراق ، بموضع يقال له عين الوردة ، يطلبون
بدم الحسين بن علي ، ويعملون بما أمر الله به بني إسرائيل ، إذ قال : فتوبوا
إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ، فتاب عليكم ، إنه
هو التواب الرحيم ، واتبعهم خلق من الناس ، فوجه إليهم مروان عبيدالله بن
زياد ، وقال : إن غلبت على العراق فأنت أميرها ، فلقي سليمان بن صرد ،
فلم يزل يحاربه حتى قتله ، وقيل لم يقتل سليمان في أيام مروان ، ولكنه قتل
في أيام عبدالملك .
ولما صار مروان إلى الصنبرة من أرض الاردن ، منصرفا من مصر ،
بلغه أن حسان بن بحدل قد بايع عمرو بن سعيد ، فأحضره فقال له : قد بلغني
أنك بايعت عمرو بن سعيد ، فأنكر ذلك ، فقال له : بايع لعبد الملك ، فبايع
لعبد الملك ، ثم بعده لعبد العزيز بن مروان ، ولم يبرح مروان بن الصنبره
حتى توفي .
وكان سبب وفاته أنه تزوج أم خالد بن يزيد بن معاوية ، فدخل إليه يوما
فأحش له في القول ، ثم أعاد عليه في يوم آخر مثل ذلك ، فدخل خالد إلى أمه
مغضبا ، فخبرها ، فقالت : والله لا يشرب البارد بعدها ! فصيرت له سما في
لبن ، فلما دخل سقته إياه . وقال بعضهم : بل وضعت على وجهه وسادة حتى
قتلته . وقال قوم : إنه توفي بدمشق ودفن بها .
وكانت ولاية مروان تسعة أشهر ، فتوفي في شهر رمضان سنة 65 ، وهو
ـ258ـ
ابن إحدى وستين سنة ، وكان صاحب شرطته يحيى بن قيس الغساني ، وحاجبه
أبوسهل الاسود ، وصلى عليه عبدالملك ابنه ، وخلف من الولد اثني عشر ذكرا
وهم : عبدالملك ، و عبدالعزيز ، ومعاوية ، وبشر ، وعمر ، وابان ، وعبدالله ،
وعبيدالله ، وأيوب ، وداود ، وعثمان ، ومحمد .
وخلف أهل الشأم عبدالملك ، فأقبل مسرعا إلى دمشق خوفا من وثوب
عمرو بن سعيد ، واجتمع الناس عليه ، فقال لهم : إني أخاف أن يكون في
أنفسكم مني شئ . فقام جماعة من شيعة مروان ، فقالوا : والله لتقومن إلى
المنبر ، أو لنضربن عنقك ! فصعد المنبر وبايعوه .
وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي أقبل في جماعة عليهم السلاح ، يريدون
نصر الحسين بن علي ، فأخذه عبيدالله بن زياد ، فحبسه ، وضربه بالقضيب ،
حتى شتر عينه ، فكتب فيه عبدالله بن عمر إلى يزيد بن معاوية ، وكتب يزيد
إلى عبيدالله : أن خل سبيله ، فخلى سبيله ، ونفاه ، فخرج المختار إلى الحجاز ،
فكان مع ابن الزبير ، فلما لم ير ابن الزبير يستعمله شخص إلى العراق ، فوافى
وقد خرج سليمان بن صرد الخزاعي يطلب بدم الحسين ، فلما صار إلى الكوفة
اجتمعت إليه الشيعة ، فقال لهم : إن محمد بن علي بن أبي طالب بعثني إليكم
أميرا ، وأمرني بقتل المحلين ، وأطلب بدماء أهل بيته المظلومين ، وإني والله
قاتل ابن مرجانة ، والمنتقم لآل رسول الله ممن ظلمهم . فصدقه طائفة من
الشيعة ، وقالت طائفة : نخرج إلى محمد بن علي فنسأله ، فخرجوا إليه ، فسألوه ،
فقال : ما أحب إلينا من طلب بثأرنا ، وأخذ لنا بحقنا ، وقتل عدونا ، فانصرفوا
إلى المختار ، فبايعوه وعاقدوه ، واجتمعت طائفة .
وكان ابن مطيع عامل ابن الزبير على الكوفة ، فجعل يطلب الشيعة ويخيفهم ،
فواعد المختار أصحابه ، ثم خرجوا بعد المغرب ، وصاحب الجيش ابراهيم
ابن مالك بن الحارث الاشتر ، ونادى : يا لثارات الحسين بن علي ! وكان
ذلك سنة 66 ، والتحم القتال بينهم وبين عبدالله بن مطيع ، وكانت أشد
ـ259ـ
حرب وأصبعها .
ثم صار ابن مطيع إلى القصر ودعا الناس إلى البيعة ، فبايعوا لآل رسول الله ،
ودفع المختار إلى ابن مطيع مائة ألف ، وقال له : تحمل بها وانفذ لوجهك . وسرح
المختار عماله إلى النواحي ، فأخرجوا من كان فيها ، وأقاموا بها ،
وكان عامل المختار على الموصل عبدالرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني ،
فزحف إليه عبيدالله بن زياد ، بعد قتله سليمان بن صرد ، فحاربه عبدالرحمن ،
وكتب إلى المختار بخبره ، فوجه إليه يزيد بن أنس ، ثم وجه إبراهيم بن
مالك بن الحارث الاشتر ، فلقي عبيدالله بن زياد فقتله ، وقتل الحصين بن نمير
السكوني ، وشر حبيل بن ذي الكلاع الحميري ، وحرق أبدانهما بالنار ، وأقام
واليا على الموصل وأرمينية واذربيجان من قبل المختار وهو على العراق وال ،
ووجه برأس عبيدالله بن زياد إلى علي بن الحسين إلى المدينة مع رجل من قومه ،
وقال له : قف بباب علي بن الحسين ، فإذا رأيت أبوابه قد فتحت ودخل الناس ،
فذاك الوقت الذي يوضع فيه طعامه ، فادخل إليه . فجاء الرسول إلى باب علي
ابن الحسين ، فلما فتحت أبوابه ، ودخل الناس للطعام ، نادى بأعلى صوته :
يا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومهبط الملائكة ، ومنزل الوحي ! أنا
رسول المختار بن أبي عبيد معي رأس عبيدالله بن زياد ، فلم تبق في شئ من
دور بني هاشم امرأة إلا صرخت ، ودخل الرسول ، فأخرج الرأس ، فلما
رآه علي بن الحسين قال : أبعده الله إلى النار .
وروى بعضهم أن علي بن الحسين لم يرضاحكا يوما قط ، منذ قتل أبوه ،
إلا في ذلك اليوم ، وأنه كان له إبل تحمل الفاكهة من الشأم ، فلما أتي برأس
عبيدالله بن زياد أمر بتلك الفاكهة ، ففرقت في أهل المدينة وامتشطت نساء آل رسول
الله ، واختضبن ، وما امتشطت امرأة ولا اختضبت منذ قتل الحسين بن علي .
وتتبع المختار قتلة الحسين ، فقتل منهم خلقا عظيما ، حتى لم يبق منهم كثير
أحد ، وقتل عمر بن سعد وغيره ، وحرق بالنار ، وعذب بأصناف العذاب .
ـ260ـ
وهدم ابن الزبير الكعبة في جمادى الآخرة سنة 64 ، حتى ألصقها بالارض ،
وذلك أن الحصين بن نمير لما أراد ابن الزبير هدمها امتنع ، وامتنع الناس من
الهدم ، فعلا عبدالله بن الزبير على البيت ، فهدم ، فلما رآه الناس يهدم هدموا ،
فلما ألصقها بالارض خرج ابن عباس من مكة إعظاما للمقام بها ، وقد
هدمت الكعبة ، وقال له : اضرب حوالي الكعبة الخشب لا تبق الناس بغير قبلة .
وروى ابن الزبير عن خالته عائشة زوج النبي أنها قالت : قال لي رسول
الله : يا عائشة إن بدا لقومك أن يهدموا الكعبة ثم يبنوها ، فلا يرفعوها عن
الارض ، وليصيروا لها بابين . فلما بلغ ابن الزبير بالهدم إلى القواعد أدخل
الحجر في البناء حتى رفعها ، وجعل لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وصير
على كل باب مصراعين ، وكان على بابها الاول مصراع واحد ، وجعل طول
البابين إحدى عشرة ذراعا ، وكان ارتفاعها في السماء ثماني عشرة ذراعا ، فجعلها
ابن الزبير تسعا وعشرين ذراعا ، ولم يرفعها عن الارض بل جعلها مستوية مع
وجه الارض .
وكان قد أخذ الحجر الاسود فجعله عنده في بيته ، فلما بلغ البناء إلى موضع
الحجر أمر فحفر له في الحجارة على قدره ، ثم أمر ابنه عبادا أن يأتي ، وهو
في صلاة الظهر ، فيضعه في موضعه ، والناس في الصلاة لايعلمون ، فإذا فرغ
من وعه كبر ، فجاء عباد بن عبدالله بن الزبير بالحجر ، وأبوه يصلي بالناس
الظهر في يوم شديد الحر ، فشق الصفوف حتى صار إلى الموضع ، ثم وضعه ،
وطول ابن الزبير الصلاة حتى وقف عليه ، فلما رأت قريش ذلك غضبت
وقالت : والله ما هكذا فعل رسول الله ، ولقد حكمته قريش ، فجعل لكل
قبيلة نصيبا .
وكان الركن لما أصابه الحريق تصدع بثلاث قطع ، فشده ابن الزبير
بالفضة ، ولما فرغ من البناء خلق داخل الكعبة وخارجها ، فكان أول من خلقها
وكساها القباطي ، واعتمر من التنعيم ، ومشى .
ـ261ـ
ومنع عبدالملك أهل الشأم من الحج ، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم ،
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 261 سطر 1 الى ص 270 سطر 24
ومنع عبدالملك أهل الشأم من الحج ، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم ،
إذا حجوا ، بالبيعة ، فلما رأى عبدالملك ذنك منعهم من الخروج إلى مكة ،
فضج الناس ، وقالوا : تمنعنا من حج بيت الله الحرام ، وهو فرض من الله علينا !
فقال لهم : هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله قال : لا تشد الرحال
إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي ، ومسجد بيت المقدس ،
وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام ، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله
وضع قدمه عليها ، لما صعد إلى السماء ، تقوم لكم مقام الكعبة ، فبنى على
الصخرة قبة ، وعلق عليها ستور الديباج ، وأقام لها سدنة ، وأخذ الناس بأن
يطوفا حولها كما يطوفون حول الكعبة ، وأقام بذلك أيام بني أمية .
وتحامل عبدالله بن الزبير على بني هاشم تحاملا شديدا ، وأظهر لهم العداوة
والبغضاء ، حتى بلغ ذلك منه أن ترك الصلاة على محمد في خطبته ، فقيل له :
لم تركت الصلاة على النبي ؟ فقال : إن له أهل سوء يشرئبون لذكره ، ويرفعون
رؤوسهم إذا سمعوا به .
وأخذ ابن الزبير محمد بن الحنفية ، وعبدالله بن عباس ، وأربعة وعشرين رجلا
من بني هاشم ليبايعوا له ، فامتنعوا ، فحبسهم في حجرة زمزم ، وحلف بالله الذي لا
إله إلا هو ليبايعن أو ليحرقنهم بالنار ، فكتب محمد بن الحنفية إلى المختار بن
أبي عبيد : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد بن علي ومن قبله من آل رسول
الله إلى المختار بن أبي عبيد ومن قبله من المسلمين ، أما بعد فإن عبدالله بن الزبير
أخذنا ، فحبسنا في حجرة زمزم ، وحلف بالله الذي لا إله إلا هو لنبايعنه ،
أو ليضرمنها علينا بالنار ، فيا غوثا ! فوجه إليهم المختار بن أبي عبيد بأبي
عبدالله الجدلي في أربعة آلاف راكب ، فقدم مكة ، فكسر الحجرة ، وقال
لمحمد بن علي : دعني وابن الزبير ! قال : لا أستحل من قطع رحمه ما
استحل مني .
وبلغ محمد بن علي بن أبي طالب أن ابن الزبير قام خطيبا فنال من
ـ262ـ
علي بن أبي طالب ، فدخل المسجد الحرام ، فوضع رحلا ، ثم قام عليه ،
فحمدالله وأثنى عليه ، وصلى على محمد ، ثم قال : شاهت الوجوه ، يا معشر
قريش ، أيقال هذا بين أظهركم وأنتم تسمعون ، ويذكر علي فلا تغضبون ؟
ألا إن عليا كان سهما صائبا من مرامي الله أعداءه ، يضرب وجوههم ، ويهوعهم
مآكلهم ، ويأخذ بحناجرهم . ألا وإنا على سنن ونهج من حاله ، وليس علينا
في مقادير الامور حيلة ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
فبلغ قوله عبدالله بن الزبير ، فقال : هذا عذرة بني الفواطم ، فما بال ابن
أمة بني حنيفة ؟ وبلغ محمدا قوله ، فقال : يا معاشر قريش وما ميزني من بني
الفواطم ؟ أليست فاطمة ابنة رسول الله حليلة أبي وأم إخوتي ؟ أوليست فاطمة
بنت أسد بن هاشم جدتي وأم أبي ؟ أليست فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن
عمران بن مخزوم جدة أبي وأم جدني ؟ أما والله لولا خديجة بنت خويلد لما
تركت في أسد عظما إلا هشمته ، فإني بتلك التي فيها المعاب صبير .
ولما لا يكن بابن الزبير قوة على بني هاشم ، وعجز عما دبره فيهم ، أخرجهم
عن مكة ، وأخرج محمد بن الحنفية إلى ناحية رضوى ، وأخرج عبدالله بن
عباس يإلى الطائف إخراجا قبيحا ، وكتب محمد بن الحنفية إلى عبدالله بن عباس :
أما بعد ، فقد بلغني أن عبدالله بن الزبير سيرك إلى الطائف ، فرفع الله بك أجرا ،
واحتط عنك وزرا ، يا ابن عم ، إنما يبتلى الصالحون ، وتعد الكرامة للاخيار ،
ولو لم تؤجر إلا فيما نحب وتحب قل الاجر ، فاصبر فإن الله قد وعد الصابرين
خيرا ، والسلام .
وروى بعضهم أن محمد بن الحنفية صار أيضا إلى الطائف ، فلم يزل بها ،
وتوفي ابن عباس بها في سنة 68 ، وهو ابن إحدى وسبعين سنة ، وصلى عليه محمد
ابن الحنفية ، ودفن عبدالله بن عباس بالطائف في مسجد جامعها ، وضرب
عليه فسطاط ، ولما دفن أتى طائر أبيض فدخل معه قبره ، فقال بعض الناس :
علمه ، وقال آخرون : عمله الصالح .
ـ263ـ
قال عبدالله بن عباس : اردفني رسول الله ، ثم قال لي : ياغلام ! ألا
أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ؟ قلت : بلى ! يا رسول الله . قال : احفظ
الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، اذكر الله في الرخاء يذكرك في الشدة ،
إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، جف القلم بما هو كائن ،
ولو جهد الخلق على أن ينفعوك بشئ لم يكتبه الله لم يقدروا عليه ، ولو جهدوا
على أن يضروك بشئ لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ، فعليك بالصدق في
اليقين ، إن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، واعلم أن النصر مع الصبر ،
وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسرا .
وكان لعبدالله بن العباس من الولد خمسة ذكور : علي بن عبدالله ، وهو
أصغر هم سنا ، إلا أنه تقدم لشرفه ونبله ، والعباس كان أكبر ولده ، وكان
يلقب بالاعنق ، ومحمد ، والفضل ، و عبدالرحمن .
وفي هذه السنة وقفت أربعة ألوية بعرفات : محمد بن الحنفية في أصحابه ،
وابن الزبير في أصحابه ، ونجدة بن عامر الحروري ، ولواء بني أمية ، وقال
المساور بن هند بن قيس : وتشعبوا شعبا ، فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين .
ووجه عبدالله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير إلى العراق ، فقدمها سنة 68 ،
فقاتله المختار ، وكانت بينهم وقعات مذكورة ، وكان المختار شديد العلة من
بطن به ، فأقام يحارب مصعبا أربعة أشهر ، ثم جعل أصحابه يتسللون منه
حتى بقي في نفر يسير ، فصار إلى الكوفة ، فنزل القصر ، وكان يخرج في
كل يوم ، فيحاربهم في سوق الكوفة أشد محاربة ، ثم يرجع إلى القصر .
وكان عبيدالله بن علي بن أبي طالب مع مصعب بن الزبير ، فجعل مصعب يقول :
يا أيها الناس ، المختار كذاب ، وإنما يغركم بأنه يطلب بدم آل محمد ،
وهذا ولي الثأر ، يعني عبيدالله بن علي ، يزعم أنه مبطل فيما يقول .
ثم خرج المختار يوما ، فلم يزل يقاتلهم أشد قتال يكون ، حتى قتل ،
ودخل أصحابه إلى القصر فتحصنوا ، وهم سبعة آلاف رجل ، فأعطاهم مصعب
ـ264ـ
الامان ، وكتب لهم كتابا بأغلظ العهود ، وأشد المواثيق ، فخرجوا على ذلك ، فقدمهم
رجلا رجلا فضرب أعناقهم ، فكانت إحدى الغدرات المذكورة المشهورة في الاسلام .
وأخذ أسماء بنت النعمان بن بشير امرأة المختار ، فقال لها : ما تقولين في
المختار بن أبي عبيد ؟ قالت : أقول إنه كان تقيا ، نقيا ، صواما . قال : يا عدوة
الله أنت ممن يزكيه ! فأمر بها فضرب عنقها ، وكانت أول امرأة ضرب عنقها
صبرا ، فقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي :
إن من أعجب العجائب عندى * قتل بيضاء حرة عطبول
قتلوها بغير جرم أتته * إن لله درها من قتيل
كتب القتل والقتال علينا * وعلى الغانيات جر الذيول
فلما قتل مصعب بن الزبير المختار ، واستقامت له أمور العراق ، حسده
عبدالله بن الزبير على ذلك ، فوجه حمزة ابنه إلى البصرة ، وكتب إلى مصعب أن
يصرف أمر البصرة إلى حمزة ، ففعل ذلك ، فكان حمزة من أضعف الناس ،
وأقلهم علما بالامر ، ثم اجتبى خراج البصرة ، ونفذ إلى أبيه إلى مكة .
ووقد مصعب على أخيه عبدالله فجفاه حتى كان ليدخل فيسلم فلا يرفعه ،
فلما قدم على عبدالله ابنه حمزة رد مصعب إلى العراق ، وقتل عبدالله بن الزبير
أخاه عمرو بن الزبير لعداوة كانت بينه وبينه ، ولمبايعته لمروان بن الحكم ،
وقيل : إنه كان على شرطة عمرو بن سعيد ، فوجه به عمرو لمحاربة أخيه فقتله .
وولى ابن الزبير المهلب بن أبي صفرة خراسان ، وكان مع مصعب ،
فقدم البصرة ، وقد حصرت الخوارج أهلها ، وغلبت على جميع سوادها وكورها ،
فلم يبق في أيدي أهلها إلا المدينة ، فلما قدم عليهم المهلب فزع إليه أشراف
الناس ووجوههم ، وأتاه الاحنف بن قيس ، والمنذر بن الجارود ، ومالك بن
مسمع ، فيمن معهم من العشائر ، فقالوا : يا أبا سعيد ! أنت شيخ الناس ، وسيف
العراق ، وقد ترى ما فيه أهل مصرك من هذه الخوارج المارقة ، والاقامة على منع
ـ265ـ
بلدك ، والذب عن حريمك أولى لك من خراسان . فقال : نعم ! أقيم على محاربة
هؤلاء ، على أن لي جميع ما أغلبهم عليه ، وأنتزعه من أيديهم من خراج أو
غيره . فأجابته العشائر إلى ذلك خلا مالك بن مسمع ، فإنه امتنع عليه ، وكانت
في مالك أبهة شديدة وكبر معروف ، فوثب الاحنف بن قيس ، والمنذر بن
الجارود على مالك بن مسمع ، فقالا له : رأيت الذي تمنعه أبا سعيد ، أهو شئ
في يدك أو في يد عدوك ؟ قال : في يد عدوي . قالا : فوالله ما أنصفته أن تسأله
أن يحمي دمك وحرمتك ، ثم تمنعه ما أنت مغلوب عليه ، فهو يجعل لك
ما سألت ، وقم بمحاربة القوم ! قال : لا أقوى على ذلك . فقالا : فهذا
الظلم والعجز . ثم جعلوا جميعا للمهلب ما سأل ، فأقام على محاربة الخوارج ،
ورئيسهم يومئذ نافع بن الازرق ، وبه سموا الازارقة ، حتى أجلاهم عن البصرة .
وسار عبدالملك إلى مصعب بن الزبير في سنة 71 ، فلقيه بموضع يقال له
دير الجاثليق ، على فرسخين من الانبار ، فكانت بينهم وقعات وحروب ، وجاده
عبدالملك القتال ، وخذل مصعبا أكثر أصحابه ، وكان أكثر من خذله منهم
ربيعة ، ثم حملوا عليه ، وهو جالس على سريره ، فقتلوه ، وحز رأسه عبيدالله
ابن زياد بن ظبيان ، وأتى به عبدالملك ، فلما وضعه بين يديه خر ساجدا .
قال عبيدالله : فهممت أن أضرب عنقه ، فأكون قد قتلت ملكى العرب في
يوم واحد .
وقال بعضهم : دخلت على عبدالملك بن مروان ، وبين يديه رأس مصعب
ابن للزبير ، فقلت : يا أمير المؤمنين ! لقد رأيت في هذا الموضع عجبا ! قال :
وما رأيت ؟ قلت : رأيت رأس الحسين بن علي بين يدي عبيدالله بن زياد !
ورأيت رأس عبيدالله بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد ، ورأيت رأس
المختار بن أبي عبيد بين يدي مصعب بن الزبير ، ورأيت رأس مصعب بن الزبير
بين يديك . قال : فخرج من ذلك البيت ، وأمر بهدمه . وكان قتل مصعب بن
الزبير في ذى العقدة سنة 72 .
ـ266ـ
وقال المضاء بن علوان ، كاتب مصعب بن الزبير : دعاني عبدالملك بعدما
قتل مصعبا ، فقال لي : علمت أنه لم يبق من أصحاب مصعب وخاصته أحد
إلا كتب إلي يطلب الامان والجوائز والصلات و الاقطاعات ؟ قلت : قد علمت ،
يا أمير المؤمنين ، أنه لم يبق من أصحابك أحد إلا وقد كتب إلى مصعب بمثل
ذلك ، وهذه كتبهم عندي . قال : فجئني بها ، فجئته بإضبارة عظيمة ، فلما
رآها قال : ما حاجتي أن أنظر فيها ، فأفسد صنائعي ، وأفسد قلوبهم علي .
يا غلام ! احرقها بالنار ، فأحرقت .
ولما قتل عبدالملك بن مروان مصعب بن الزبير ندب الناس للخروج إلى
عبدالله بن الزبير ، فقام إليه الحجاج بن يوسف فقال : ابعثني إليه ، يا أمير
المؤمنين ، فإني رأيت في المنام كأني ذبحته ، وجلست على صدره ، وسلخته .
فقال : أنت له ، فوجهه في عشرين ألفا من أهل الشأم وغيرهم ، وقدم
الحجاج بن يوسف ، فقاتلهم قتالا شديدا ، وتحصن بالبيت ، فوضع عليه
المجانيق ، فجعلت الصواعق تأخذهم ، ويقول : يا أهل الشأم ! لاتهولنكم هذه ،
فإنما هي صواعق تهامة ، فلم يزل يرميه بالمنجنيق ، حتى هدم البيت ، فكتب
إليه عبدالملك بن مروان ، وهو في محاربته : أوصيك ياحجاج بما أوصى به
البكري زيدا ، والسلام . فقام الحجاج خطيبا فقال : أيكم يدري ما أوصى به
البكري زيدا ، وله عشرة آلاف درهم ؟ فقام رجل من القوم فقال : أنا أدري
ما أوصى به البكري ، فدعا ببدرة ، فدفعت إليه فقال :
أقول لزيد لا تترتر فإنهم * يرون المنايا دون قتلك أو قتلي
فإن وضعوا حربا فضعها وإن أبوا * فشب وقود النار بالحطب الجزل
فإن عضت الحرب الضروس بنابها * فعرضة حد الحرب مثلك أو مثلي
ورأى ابن الزبير من أصحابه تثاقلا عنه ، وكان يجري لهم نصف صاع
من تمر ، فقال : أكلتم تمري ، وعصيتم أمري ! وكان شديد البخل .
ـ267ـ
ولما علم ابن الزبير أنه لا طاقة له بالحرب دخل على أمه أسماء بنت
أبي بكر ، فقال : كيف أصبحت يا أمه ؟ قالت : إن في الموت لراحة ، وما
أحب أن أموت إلا بعد خلتين : اما ان قتلت فأحتسبك ، أو ظفرت فقرت
عيني . قال : يا أمة ! إن هؤلاء قد أعطوني الامان ، فماذا تقولين ؟ قالت :
يا بني أنت أعلم بنفسك ، إن كنت على حق وإليه تدعو ، فلا تمكن عبيد بني
أمية منك يتلاعبون بك ، وإن كنت على غير الحق ، فشأنك وما تريد . قال :
يا أمه ! إن الله ليعلم أني ما أردت إلا الحق ، ولا طلبت غيره ، ولا ؟ ؟
في ريبة قط ، اللهم إني لا أقول ذلك تزكية لنفسي ، ولكن لاطيب نفس أمي .
ثم قال : يا أمه ! إني أخاف إن قتلني هؤلاء القوم أن يمثلوا بي . قالت :
يا بني ، إن الشاة لا تألم للسلخ إذا ذبحت . قال : الحمد لله الذي وفقك ، وربط
على قلبك ! وخرج ، فخطب الناس ، فقال : أيها الناس ! إن الموت قد أظلكم
سحابه وأحدق بكم ربابه ، فغضوا أبصاركم عن الابارقة ، وليشغل كل امرئ
قرنه ، ولا يلهينكم التساؤل ، ولا يقولن قائل أين أمير المؤمنين ؟ ألا من سأل
عني فإني في الرعيل الاول . ثم نزل فقاتل حتى قتل .
وكان قتل في سنة 73 ، وله إحدى وسبعون سنة ، وصلب بالتنعيم ، فأقام
ثلاثة وقيل سبعة أيام ، ثم جاءت أمه أسماء بنت أبي بكر ، وهي عجوز
عمياء ، حتى وقفت على الحجاج ، فقالت : أما آن لهذا الراكب أن ينزل بعد ؟
أما اني سمعت رسول الله يقول : إن في بني ثقيف مبيرا وكذابا ، فأما المبير
فأنت ، وأما الكذاب فالمختار بن أبي عبيد ، فقال : من هذه ؟ فقيل : أم ابن الزبير
فأمر به ، فأنزل .
وروى بعضهم أن الحجاج خطبها ، فقالت : وهو يخطب عمياء بنت المائة ؟
فقال : ما أردت إلا مسالفة رسول الله .
ومر عبدالله بن عمر على عبدالله بن الزبير ، وهو مصلوب ، فقال : يرحمك
الله ، أبا خبيب ، لولا ثلاث كن فيك لقلت أنت أنت : إلحادك في الحرم ،
ـ268ـ
ومسار عتك إلى الفتنة ، وبخل بكفك ، ومازلت أتخوف عليك هذا المركب وما
صرت إليه ، مذ كنت أراك ترمق بغلات شهبا كن لابن حرب ، فيعجبنك ،
إلا أنه كان أسوس لدنياه منك .
وأقام الحج للناس في هذه السنين في سنة 63 عبدالله بن الزبير ، وفي سنة 64
ابن الزبير ، وقيل يحيى بن صفوان الجمحي ، وفي سنة 65 وسنة 66 وسنة 67
ابن الزبير ، وفي سنة 68 وقفت أربعة ألوية بعرفات : لواء مع محمد بن الحنفية
وأصحابه ، ولواء مع ابن الزبير ، ولواء مع نجدة بن عامر الحروري ، ولواء
مع بني أمية ، وفي سنة 69 وسنة 70 وسنة 71 ابن الزبير .
ـ269ـ
ايام عبدالملك بن مروان
وملك عبدالملك بن مروان بن الحكم ، وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة
ابن أبي العاص بن أمية ، جداه جميعا طريدا رسول الله ، وكانت البيعة له
بالشأم في اليوم الذي توفي فيه مروان ، وذلك في شهر رمضان سنة 65 ، وكانت
الشمس يومئذ في الثور سبع عشرة درجة وعشرين دقيقة ، والقمر في الحمل خمسا
وعشرين دقيقة ، وزحل في السنبلة ثماني عشرة درجة وخمسين دقيقة راجعا ،
والمشتري في الجوزاء اثنتين وعشرين درجة وعشر دقائق ، والمريخ في الحمل
تسع عشرة درجة وعشر دقائق ، والزهرة في السرطان درجتين وعشرين دقيقة ،
وعطارد في الجوزاء ثلاث درجات ، والرأس في الحوت عشرين درجة وعشر
دقائق .
وقد ذكرنا خبر بيعته في أيام ابن الزبير ، وما كانت عليه البلدان من الاضطراب ،
وتغلب من تغلب على كل بلد ، وخبر سليمان بن صرد الخزاعي ، وابراهيم بن
مالك بن الحارث الاشتر ، وقتله عبيدالله بن زياد والحصين بن نمير ، وغير ذلك
مما دخل في نسق أيام ابن الزبير . وكان قوم قد قالوا : إنما تحق الخلافة لمن
كان الحرمان في يده . ولمن أقام الحج للناس ، فلذلك أدخلنا خبر مروان وأياما
من أيام عبدالملك في خبر ابن الزبير .
واستقامت الشأم لعبد الملك بن مروان خلا فلسطين ، فإن ناتل بن قيس كان
بها ، فلما أراد عبدالملك النهوض أتاه الخبر بأن طاغية الروم قد أناخ على المصيصة
فكره أن يتشاغل بمحاربته مع اضطراب البلدان ، فوجه إليه ، فصالحه ، وحمل
أموالا كثيرة إليه ، حتى انصرف .
وكان عبدالملك لما أحكم أمر الشأم ، ووجه روح بن زنباع الجذامي إلى
ـ270ـ
فلسطين شخص عن دمشق ، حتى صار إلى بطنان يريد قرقيسيا لمحاربة زفر بن
الحارث ، وأمر ابن الزبير على حاله ، فلما صار إلى بطنان من أرض قنسرين
أتاه الخبر بأن عمرو بن سعيد بن العاص قد وثب بدمشق ، ودعا إلى نفسه ،
وتسمى بالخلافة ، وأخرج عبدالرحمن بن عثمان الثقفي خليفة عبدالملك بدمشق ،
وكانت أم عبدالرحمن أم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب ، وحوى الخزائن
وبيوت الاموال ، فعلم عبدالملك أنه قد أخطأ في خروجه عن دمشق ، فانكفأ
راجعا إلى دمشق ، فتحصن عمرو بن سعيد ، ونصب له الحرب ، وجرت بينهم
السفراء ، حتى اصطلحا وتعاقدا ، وكتبا بينهما كتابا بالعهود والمواثيق والايمان
على أن لعمرو بن سعيد الخلافة بعد عبدالملك ، ودخل عبدالملك دمشق وانحاز
مع عمرو بن سعيد أصحابه ، فكانوا يركبون معه إذا ركب إلى عبدالملك ،
ثم دبر عبدالملك على قتل عمرو ، ورأى ان الملك لا يصلح له إلا بذلك ،
فدخل إليه عمرو عشية ، وقد أعد له جماعة من أهله ومواليه ومن كان عنده
ممن سواهم ، فلما استوى لعمرو مجلسه قال له : يا أبا أمية ! إني كنت حلفت
في الوقت الذي كان فيه من أمرك ما كان ، أني متى ظفرت بك وضعت في
عنقك جامعة ، وجمعت يديك إليها . فقال : يا أمير المؤمنين ! نشدتك بالله أن
تذكر شيئا قد مضى . فتكلم من بحضرته ، فقالوا : وما عليك أن تبر قسم
أمير المؤمنين ؟ فأخرج عبدالملك جامعة من فضة ، فوضعها في عنقه ، وجعل
يقول :
أدنيته مني ليسكن روعه * فأصول صولة حازم مستمكين
وجمع يديه إلى عنقه ، فلما شد المسار جذبه إليه ، فسقط لوجهه ،
فانكسرت ثنيتاه ، فقال : نشدتك الله ، يا أمير المؤمنين ، أن يدعوك عظم
مني كسرته إلى أن تركب مني أكثر من ذلك ، أو تخرجني إلى الناس فيروني
على هذه الصورة ! وإنما أراد أن يستفزه فيخرجه ، وكان على الباب من شيعة
ـ271ـ
عمرو بن سعيد نيف وثلاثون ألفا منهم عنبسة بن سعيد ، فقال له : أمكرا أبا
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 271 سطر 1 الى ص 280 سطر 25
عمرو بن سعيد نيف وثلاثون ألفا منهم عنبسة بن سعيد ، فقال له : أمكرا أبا
أمية ، وأنت في الانشوطة ؟ وليس بأول مكر ، إني والله لو علمت أن الامر
يستقيم ، ونحن جميعا باقيان ، لا فتديتك بدم النواظر ، ولكني أعلم أنه ما اجتمع
فحلان في إبل إلا غلب أحدهما .
وقتله وفرق جمعه ، وطرح رأسه إلى أصحابه ، ونفى أخاه عنبسة إلى
العراق ، وكان ذلك سنة 70 .
وكان عبدالله بن خازم السلمي متغلبا على خراسان منذ استخلفه سلم بن زياد
في أيام يزيد بن معاوية ، ثم صار في طاعة ابن الزبير على ما بيناه من خبره ،
فلما استقامت أمور عبدالملك كتب إليه : أما بعد فأهد لنا طاعتك نضعك
موضعك ، ونقرك على عملك وعقبك ما أغنوا عنا وعن المسلمين . وبعث بالكتاب
مع عتبة النميري ، وبعث معه برأس مصعب بن الزبير ، وأعد عبدالله الرأس ،
ولفه في ثوبين ، وطرح عليه مسكا كثيرا ودفنه ، وقال لعتبة النميري : كل
الكتاب ، فقال : أكلا جميلا ، فأحرقه بالنار ، ثم أسقاه إياه ، وكتب إلى
عبدالملك : أما بعد ، فإني لم أكن لالقى الله ببيعتين : بيعة رضوان مع ابن
حواري رسول الله أنتزعها ، وبيعة نكث مع ابن طريدي رسول الله ألبسها .
وكان أهل خراسان مبغضي عبدالله بن خازم لسوء سيرته فيهم ، فوثب به
جماعة ، منهم : بكير بن وساج ، ووكيع بن عمير ، فقتلوه ، وبعث برأسه
إلى عبدالملك بن مروان ، فلما ورد عليه الخبر ، وأتاه الرأس ، بعث أمية
ابن عبدالله خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية على خراسان ، فقدم
خراسان ، وقد وثب موسى بن عبدالله بن خازم السلمي ، وأرسل طرخون
ملك السغد ، فأجابه إلى أن يمده ، ووثب بكير بن وساج الثقفي بمرو في جماعة
وغلب على مرو ، فحاربهما أمية ، وبدأ بمرو ، فحارب بكير بن وساج ،
فتحصن منه ، ثم أعطاه الامان ، فخرج إليه ، ثم بلغ أمية أن بكيرا يدبر
على أن يثب به ، فقدمه فضرب عنقه ، ووجه أمية بابنه عبدالله على هراة
ـ272ـ
وسجستان ، فلقي رتبيل بن أمية فقتله .
وأقر عبدالملك المهلب بن أبي صفرة على قتال الخوارج الذين بكرمان ،
فجادهم المهلب القتال ، حتى قتل رئيسهم نافع بن الازرق الذي سموا به
الازارقة ، وأقام بكرمان ، ثم ولاه عبدالملك خراسان مكان أمية ، ورد
عبدالملك أخاه عبدالعزيز إلى مصر والمغرب ، وولى أخاه بشرا العراق ، وولتى
أخاه محمدا الموصل ، ونقل إليها الازد وربيعة من البصرة ، وغزا أرمينية ،
وقد خالف أهل البلد ، فقتل وسبى ، ثم كاتب الاشراف من أهل البلد والذين
يقال لهم الاحرار وأعطاهم الامان ووعدهم أن يفرض لهم في الشرف ، فاجتمعوا
لذلك في الكنائس في عمل خلاط ، وأمر بجمع الحطب حول الكنائس ، وأغلق
أبوابها عليهم ، ثم ضرب تلك الكنائس بالنار ، فحرقهم جميعا . وأقام محمد
ابن مروان بأرمينية حتى مات .
وأعاد الحجاج بنيان الكعبة ، وجعل لها بابا واحدا على ما كانت عليه قبل
أن يبنيها ابن الزبير ، ونقص منها ما كان ابن الزبير زاده مما يلي الحجر ،
وهو ستة أذرع ، وكبسها بالردم الذي خرج منها ، رفع بابها على ما كان
عليه ، ونقص من طوله حتى صيره على ما هو عليه اليوم ، وفرغ من بنائها
في سنة 74 ، وختم أعناق قوم من أصحاب رسول الله ليذاتهم بذلك ، منهم
جابر بن عبدالله ، وأنس بن مالك ، وسهل بن سعد الساعدي ، وجماعة معهم .
وكانت الخواتيم رصاصا .
وكان نجدة بن عامر الحنفي الحروري قد خرج في أيام ابن الزبير بناحية
اليمامة ، ثم صار إلى الطائف ، فوجد ابنة لعمرو بن عثمان بن عفان قد وقعت
في السبي ، فاشتراها من ماله بمائة ألف درهم ، وبعث بها إلى عبدالملك .
ثم سار إلى البحرين ووجه مصعب بن الزبير بخيل بعد خيل وجيش بعد جيش ،
فهزمهم .
وظهرت من نجدة أمور أنكرتها الخوارج . وكان قد أقام خمس سنين
ـ273ـ
وعماله بالبحرين واليمامة وعمان وهجر وطوائف من أرض العرض ، فلما
نقمت الخوارج ما نقمت من دفع عشرة آلاف إلى مالك بن مسمع ، وبعثه بابنة
عمرو بن عثمان إلى عبدالملك خلعوه ، وأقاموا أبا فديك ، فوجه إليه عبدالملك
أمية بن عبدالله بن خالد بن أسيد ، فهزمه أبوفديك ، وفضخه وأخذ أثقاله
وحرمه ، ثم وجه إليه عمر بن عبيدالله بن معمر ، فلقي أبا فديك بالبحرين ،
ومع عمر أهل الكوفة ، فقتل أبا فديك واستنقذ منه حرم أمية بن عبدالله .
وولى عبدالملك الحجاج في هذه السنة العراق ، وكتب إليه كتابا بخطه :
أما بعد ، يا حجاج ، فقد وليتك العراقين صدقة ، فإذا قدمت الكوفة فطأها
وطأة يتضاءل منها أهل البصرة ، وإياك وهوينا الحجاز ، فإن القائل هناك يقول
ألفا ولا يقطع بهن حرفا ، وقد رميت العرض الاقصى ، فارمه بنفسك ، وأرد
ما أردته بك ، والسلام .
فلما قدم الكوفة صعد المنبر متلثما بعمامته متنكبا قوسه وكنانته ، فجلس
على المنبر مليا لا يتكلم ، حتى هموا أن يحصبوه ، ثم قال : يا أهل العراق ،
ويا أهل الشقاق والنفاق والمراق ، ومساوئ الاخلاق ، إن أمير المؤمنين نثل
كنانته ، فعجمها عودا عودا ، فوجدني أمرها عودا وأصعبها كسرا ،
فرماكم بي ، وإنه قلدني عليكم سوطا وسيفا ، فسقط السوط وبقي السيف .
وتكلم بكلام كثير فيه توعد وتهدد ، ثم نزل وهو يقول :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني
ولما استقامت الامور لعبد الملك وصلحت البلدان ، ولم تبق ناحية تحتاج
إلى صلاحها والاهتمام بها ، خرج حاجا سنة 75 فبدأ بالمدينة وأحرم من ذي
الحليفة ، ودخل وهو يلبي ، ودخل المسجد وهو يلبي ، وخطب في أربعة
أيام في كل يوم خطبة ، وصلى المغرب عشية عرفة قبل أن يصير إلى جمع ،
وكان فيما خطب به في بعض أيامه ، أن قال : لقد قمت في هذا الامر ، وما
ـ274ـ
أدرى أحدا أقوى عليه مني ، ولا أولى به ، ولو وجدت ذلك لوليته . إن ابن
الزبير لم يصلح أن يكون سائسا ، وكان يعطي مال الله كأنه يعطي ميراث أبيه ،
وإن عمرو بن سعيد أراد الفتنة ، وأن يستحل الحرمة ويذهب الدين ، وما أراد
صلاحا للمسلمين ، فصرعه الله مصرعه ، وإني محتمل لكم كل أمر إلا نصب
راية ، وإن الجامعة التي وضعتها في عنق عمرو عندي ، وإني أقسم بالله لا أضعها
في عنق أحد فأنزعها منه إلا صعدا .
وأتاه علي بن عبدالله بن عباس ، فذم إليه ابن الزبير ، وأعلمه ما كان أبوه
وأهل بيته لقوا منه لامتناعهم من بيعته ، وأن أباه أوصاه ليلحق به ، فأحسن عبد
الملك إجابته ، وحمله وحمل عياله إلى الشأم ، وأنزله دارا بدمشق ، ولم يزل
يجري عليه أيامه كلها .
ولما أراد عبدالملك الانصراف وقف على الكعبة فقال : والله إني وددت
أني لم أكن أحدثت فيها شيئا ، وتركت ابن الزبير وما تقلد .
وقدم عبدالملك راجعا إلى المدينة ، فوافاها في أول سنة 76 ، فأغلظ
لاهلها في القول ، وقام خطباؤه ونالوا من أهل المدينة ، وقام محمد بن عبدالله
القارئ ، فقال لبعض الخطباء ، وهو يتكلم : كذبت لسنا كذلك ! فأخذه
الحرس ، فجروه حتى ظن الناس أنهم قاتلوه ، فأرسل إليهم : أن كفوا عنه ،
وخلوا سبيله ، فأقام بالمدينة ثلاثا ثم انصرف إلى الشأم .
وفي هذه السنة خرج شبيب بن يزيد الشيباني الحروري بالعراق ، وهي سنة
76 ، فوجه إليه الحجاج بعد الجيش ، فهزمهم شبيب ، وكان شبيب
ينتقل فيما بين السواد والجبل ، ثم دخل الكوفة ليلا حتى وقف على باب الحجاج
في القصر ، فضرب بابه بالعمود ، وقال : اخرج إلينا ، يا ابن أبي رغال .
وكان شبيب في نفر يسير ، وكانت معه امرأته غزالة ، وأمه جهيزة ، ثم
صار إلى المسجد الجامع ، فقتل من به من الحرس ، وقتل ميمونا مولى حوشب بن
يزيد ، صاحب شرط الحجاج ، وكان ميمون هذا يسمى العذاب ، وصلى بالناس
ـ275ـ
بالمسجد الجامع ، فقرأ بهم البقرة ، وآل عمران .
ثم خرج الحجاج في طلبه ، يقاتله في سوق الكوفة أشد قتال ، واتبعه ،
وكان لحق شبيبا من أصحابه نحو مائة رجل ، ثم حمى الناس ، فجعلوا يتنادون
حتى انهزم ، فوجه الحجاج في أثره علقمة بن عبدالرحمن الحكمي ، فلم
يزل ينتقل من موضع إلى موضع حتى صار إلى الاهواز .
ثم وجه الحجاج في طلبه سفيان بن الابرد الكلبي ، فطلبه حتى انتهى
إلى دجيل ، فأقبل شبيب نحوه وسار على الجسر ، فلما توسطه قطع سفيان
جسر دجيل ، فدارت السفن ، فغرق شبيب ، ثم استخرجه بالشباك فاحتز
رأسه ، ووجه به إلى الحجاج ، وقتل امرأته وأمه . وكان غرقه سنة 78 .
وخرج بعد قتل شبيب أبوزياد المرادي بجوخى ، فوجه إليه الحجاج
الجراح بن عبدالله الحكمي ، فلقيه بالفلوجة ، فقتله .
ثم خرج بعد قتل أبي زياد أبومعبد ، رجل من عبدالقيس رحل بناحية
البحرين ، فبعث إليه الحجاج الحكم بن أيوب بن الحكم الثقفي ، وكان يومئذ
عاملا على البصرة ، فقتله .
وألح الحجاج في قتال الازارقة ، واشتد استبطاؤه ، فجادهم
المهلب ، فما زال يهزمهم من منزل إلى منزل حتى انتهى بهم إلى
سجستان ، فقتل عطية ابن الاسود الحنفي ، وكان من رؤساء الخوارج ،
ثم جدبهم الامر حتى صاروا إلى كرمان ، ثم وقع بأسهم بينهم بكرمان
في كذبة وقعوا عليها من قطري ، فقالوا له : تب ! فكره أن يوجب على نفسه
التوبة ، فخلعوه .
وكان في عسكره رجلان : عبد ربه الكبير ، وعبد ربه الصغير ، فلما امتنع
أن يجبيهم إلى التوبة فيوجدهم السبيل إلى خلعه ، انحاز كل واحد منهما في جيش
مخالفا على قطري ، فقصد المهلب قصد عبد ربه الصغير حتى قتله .
وخرج قطري في اثنين وعشرين ألفا من أصحابه حتى صاروا إلى طبرستان ،
ـ276ـ
وقصد المهلب عبد ربه الكبير ، وفرق جمعه ، ولما صار قطري إلى طبرسان
أرسل إلى أصبهبذ يسأله أن يدخله بلاده ، فسمع له وفعل ، فلما بزأت جراحهم
وسمنت دوابهم أرسل إليه قطري ، فعرض عليه السلام ، أو يؤدي الجزية
صاغرا ، ووجه إليه أبا نعامة في الازارقة ، فقال الاصبهبذ : جئتني طريدا
شريدا فآويتك ، ثم ترسل إلي بهذا ؟ أنت ألام من في الارض ، فقال :
إنه لا يجوز في الدين غير هذا ، فخرج الاظبهبذ يحاربه ، فقتل ابنه وأخوه
وعمه ، فانهزم الاصبهبذ حتى صار إلى الري ، فاستولى قطري على طبرستان ،
وصار الاصبهبذ إلى سفيان بن الابرد الكلبي ، وهو يومئذ عامل الري قد تهيأ
لقتال الازارقة ، فأدخله طبرستان من طريق مختصرة ، فقتل قطريا ، وبعث
برأسه إلى الحجاج سنة 79 .
وولي المهلب بن أبي صفرة خراسان سنة 78 من قبل الحجاج ، وولى
ابنه المغيرة مرو ، ومات بها ، فرثاه زياد بقصيدة فيها :
إن السماحة والشجاعة ضمنا * قبرا بمرو على الطريق الواضح
وسار المهلب حتى صار إلى بلاد الصغد ، ونزل كش ، فصالحه ملك
الصغد ، وأخذ المهلب منه الرهائن ، ودفعها إلى حريث بن قطب ، وانصرف إلى
بلخ ، فأخذ حريث بلاد . 1 فحاربه .
واعتل المهلب ، فاشتدت علته من آكلة كانت في رجله ، فلما حضرته
الوفاة استخلف ابنه يزيد على كره منه له لصلفة وتيهه ، إلا أن الحجاج كتب
إليه بذلك ، ثم أنكر الحجاج على يزيد أشياء بلغته عنه ، فأراد صرفه فخاف أن يمتنع
عليه ، فتزوج هندا أخته ، وكتب أن يقدم عليه ، ويستخلف المفضل بن المهلب ،
فقدم وكتب الحجاج إلى المفضل بولايته خراسان مكان يزيد أخيه ، ثم ولى قتيبة
ابن مسلم مكانه ، وقتيبة على الري ، وقد شرحنا ذلك في غير هذا الموضع من الكتاب .
* ( هامش ) * ( 1 ) بياض في الاصل . ـ * ـ
ـ277ـ
وولي الحجاج ثغري السند والهند سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي ،
فأقام بمكران ، وغزا ناحية من الهند ، وكان رجلا محدودا ، فقتل ، فوجه
الحجاج موضعه محمد بن هارون بن ذراع النمري ، فصار إلى مكران ، وحسن
أثره في غزو العد ، وظفر مرة بعد أخرى ، فخرج يريد الديبل في عدة سفن
و . . . 1 ملك الديبل ، فعارضه في خلق عظيم ، فقتل محمد بن هارون وخلق
عظيم ممن كان معه .
وولي عبدالملك حسان بن النعمان الغساني افريقية والمغرب ، فلم يزل
مقيما بها ، ثم توفي ، واستخلف رجلا إلى البلد ، فولى عبدالملك افريقية
موسى بن نصير اللخمي سنة 77 ، وقيل ولاه عبدالعزيز بن مروان ، وهو
يومئذ عامل مصر ، فافتتح موسى بن نصير عامة المغرب ، ولم يزل مقيما عليها
مدة أيام ولاية عبدالملك .
وتوفي عبدالله بن جعفر بن أبي طالب بالمدينة سنة 80 ، وكان جوادا سخيا ،
يقال إنه أتاه إنسان في أمر يسأله معونته عليه ، فلم يحضره ما يعطيه ، فنزع ثيابه
التي كانت عليه ، وقال : اللهم إن نزل بي من بعد اليوم حق لا أقدر على قضائه
فأمتني قبله ! فمات في ذلك اليوم ، وفي هذه السنة كان السيل الجحاف الذي
ذهب بمتاع الحاج .
وكان عبدالرحمن بن محمد بن الاشعث بن قيس عامل الحجاج على سجستان ،
ووجه معه الحجاج بعشرة آلاف منتخب ، فلما صار إلى سجستان أقام
ببست ، ثم سار يريد رتبيل ملك البلد ، وكان قد ضبط أطرافه ، فلما أوغل
في بلاد رتبيل ، خاف غرره ، فرجع إلى بست ، وكتب إلى الحجاج يعلمه
برجوعه ، وأنه أخر غزو رتبيل إلى العام المقبل ، فكتب إليه كتابا يتوعده فيه ،
فجمع أطرافه إليه وحرض الناس على الحجاج ، ودعاهم إلى خلعه ، فخلعوه ،
وبايعوا له . فلما اجتمعت الكلمة قال لهم : نسير إلى العراق ، ونكتب بيننا وبين
* ( هامش ) * ( 1 ) بياض في الاصل . ـ * ـ
ـ278ـ
رتبيل كتاب صلح ، فإن تم أمرنا وقفنا عنه ، ورقبنا له ، وإن كانت الاخرى اتخذناه
ملجأ . فتم رأي القوم على ذلك ، وكتب بينه وبين رتبيل كتابا بهذا الشرط ، وسار
إلى العراق واستخلف على سجستان رجلا من قبله ، وأقبل حتى صار إلى
قرب الاهواز ، فلما بلغ الحجاج أمره ، وجه إليه عبدالله بن عامر بن صعصعة .
ثم خرج الحجاج في جيش حتى صار إلى الاهواز ، ولقيه عبدالرحمن ،
فقاتله قتالا شديدا ، فهزمه حتى رجع الحجاج إلى البصرة ، ولحقه ابن الاشعث ،
فقاتله بالبصرة ، فانهزم ابن الاشعث ، فلما رأوا انهزامه إلى الكوفة أتوا عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة الهاشمي ، فقالوا : تركنا ولحق بالكوفة ، وهذا
الفاسق منيخ علينا . فبايعهم وسار إلى الحجاج ، فقاتله بالزاوية ، فهزمه الحجاج ،
فلحق بابن الاشعث بالكوفة .
وأقبل الحجاج من البصرة إلى ابن الاشعث فسلك في البرية حتى نزل قريبا
منه ، وخرج ابن الاشعث فنزل دير الجماجم ، وجعلت خيلهما تروح وتغدو
للقتال ، وأهل الكوفة يستعلون على خيل الحجاج ، ويهزمونهم في كل يوم ،
فاشتد على الحجاج ما رأى من ذلك ، وكتب إلى عبدالملك كتاب بعث به بأحث
سير : أما بعد فيا غوثاه ، ثم يا غوثاه ! فلما قرأ عبدالملك الكتاب كتب إليه :
أما بعد فيا لبيك ، ثم يا لبيك ، ثم يا لبيك ! ثم وجه بجيش بعد جيش ،
وكانت وقائعهم كثيرة شديدة ، أخراهن وقعة مسكن هزمه فيها الحجاج ،
فمضى منهزما لا يلوي على شي ء حتى صار إلى سجستان ، فأتى مدينة زرنج ،
فمنعه عبدالله بن عامر عامله من دخولها ، فمضى إلى بست ، وعليها عياض بن
عمرو ، فأدخله المدينة ، ودبر أن يغدر به ، ويتقرب به إلى الحجاج .
وكان مع عبدالرحمن جماعة من قراء العراق منهم الحسن البصري ، وعامر
ابن شراحيل الشعبي ، وسعيد بن جبير ، وابراهيم النخعي ، وجماعة من هذه
الطبقة ، فسار إلى رتبيل صاحب سجستان ، فكانت هزيمته في سنة 83 ، وجعل
الحجاج يتلقط أصحابه ويضرب أعناقهم ، حتى قتل خلقا كثير ، وعفا عن
ـ279ـ
جماعة منهم الشعبى وابراهيم .
وبنى الحجاج مدينة واسط في السنة التي هرب فيها ابن الاشعث ، ونزلها ،
وقال : انزل بين الكوفة والبصرة .
ولما بلغ أصحاب ابن الاشعث أنه قد صار إلى رتبيل صاحب البلد ، وأنه
قد أقام عنده في أمن وسلامة ، ووفى له رتبيل بما كان بينه وبينه ، اجتمعوا من
كل أوب بناحية زرنج ، وأمروا عليهم عبدالرحمن بن العباس الهاشمي . . 1
فلقيهم بهراة ، فقاتلهم ، فهزمهم .
وبلغ الحجاج مكان ابن الاشعث في أربعة آلاف من أصحابه عند رتبيل ،
فوجه عمارة بن تميم اللخمي إلى رتبيل ، وكتب معه إليه يأمره أن يوجه إليه ،
وإلا وجه إليه بماثة ألف مقاتل ، فلم يفعل . وكان عبيد بن أبي سبيع غالبا
على رتبيل ، فنفسه ذلك ابن الاشعث ، وأراد أن يمكر به ووجه إليه ليقتله ،
فهرب عبيد بن أبي سبيع فصار إلى عمارة بن تميم ، وهو مقيم بمدينة بست ،
وقال : تجعلون ني شيئا ، وتصالحون رتبيل ، وتكفون عنه ، ويسلم إليكم ابن
الاشعث . وكتب عمارة إلى الحجاج بذلك ، وكتب إليه الحجاج يقول له :
أجبه إلى كل ما سألك . وكتب له عهودا ختمها بخاتمه ، فأخذها عمارة ،
وقدم بها على رتبيل ، فلم يزل يرهبه مرة ويرغبه أخرى ، حتى أجابه إلى أخذ
ابن الاشعث ، فأخذه ، وقيده وجماعة معه وأخاه ، وحملهم معه إلى الحجاج
في الحديد ، فلما صاروا بالرخج رمى ابن الاشعث بنفسه من فوق سطح ،
وكان معه في السلسلة رجل يقال له أبوالعمر 2 ، فماتا جميعا ، وكان ذلك في سنة
84 ، واحتز رأسه ، فحمل إلى الحجاج ، وحمله الحجاج إلى عبدالملك .
وعزم عبدالملك بن مروان على خلع أخيه عبدالعزيز والبيعة لابنه الوليد
بولاية العهد من بعده ، وكان عبدالعزيز بمصر ، وكتب إلى الحجاج بأن يشخص
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
2 هكذا دون نقط في الاصل .
ـ280ـ
إليه الشعبي ، فأشخصه إليه فآنسه وبره ، وأقام عنده أياما ، ثم قال : إني
آتمنك على شئ لم آتمن عليه أحدا . إنه قد بدا لي أن أبايع للوليد بولاية العهد
بعدي ، فإذا أتيت عبدالعزيز ، فزين له أن يخلع نفسه من ولاية العهد ، ومصر
له طعمة . قال الشعبي : فأتيت عبدالعزيز ، فما رأيت ملكا كان أسمع أخلاقا
منه ، فإني يوما خال به أحدثه إذ قلت له : والله ، أصلح الله الامير ، إن رأيت
ملكا أكمل ، ولا نعمة أنضر ، ولا عزا أتم مما أنت فيه ، ولقد رأيت عبدالملك
طويل النصب ، كثير التعب ، قليل الراحة ، دائم الروعة ، إلى ما يتحمل من أمر
الامة ، ولوددت والله أنهم أجابوك إلى أن يصيروا مصر لك طعمة ، ويصيروا
عهدهم إلى من أحبوا ، فقال : ومن لي بذلك ؟ فلما عرفت ما عنده انصرفت
إلى عبدالملك ، فأخبرته الخبر ، فخلع عبدالملك أخاه من ولاية العهد ، وولى
ابنه الوليد ، ثم ابنه سليمان من بعد الوليد .
وقيل إن عبدالملك لم يخلعه ، ولكنه توفي في تلك المدة التي هم بخلعه فيها ،
وقيل إن عبدالعزيز سقي سما ، وكان ذلك في سنة 85 .
وولى هشام بن اسماعيل المخزومي المدينة ، فضرب سعيد بن المسيب ستين
سوطا ظلما وعدوانا ، وطاف به ، فكتب إليه عبدالملك يلومه ، وساءت سيرة
هشام بن اسماعيل ، وأظهر العداوة لآل رسول الله .
وكان الغالب على عبدالملك روح بن زنباع الجذامي ، وعلى شرطته يزيد
ابن أبي كبشة السكسكي ، ثم عزله واستعمل عبدالله بن يزيد الحكمي ،
وكان على حرسه أبوعياش الكهاني ، وبعده أب والزعيزعة مولاه ، وجمع
العراقين للحجاج ، ومصر والمغرب لعبد العزيز بن مروان ، ثم لابنه عبدالله
ابن عبدالملك .
وكانت لعبد الملك رجلة ، ودهاء ، وعلم ، إلا أنه كان مبخلا ، فلما
حضرته الوفاة جمع ولده ، فأوصاهم بالاجماع والالفة وترك التباغي . ثم قال :
يا وليد . إذا أنا مت فشمر وأتزر . والبس جلد النمر ، ثم ادع الناس إلى
ـ281ـ
بيعتك ، فمن قال برأسه هكذا ، فقل بالسيف هكذا . وتوفي للنصف من شوال
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 281 سطر 1 الى ص 290 سطر 24
بيعتك ، فمن قال برأسه هكذا ، فقل بالسيف هكذا . وتوفي للنصف من شوال
سنة 86 ، وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة من يومه الذي بويع فيه بالشام ،
وبعد قتل ابن الزبير ثلاث عشرة سنة ، وكانت سنة ستين سنة أو نيفا وستين
سنة ، وصلى عليه ابنه الوليد ، ودفن بدمشق .
وخلف من الولد الذكور أربعة عشر ذكرا : الوليد ، وسليمان ، ويزيد ،
ومروان ، وهشام ، وبكار ، وعبدالله ، ومسلمة ، ومعاوية ، ومحمد ،
والحجاج ، وسعيد ، والمنذر ، وعنبسة .
وروى بعضهم أن رجلا أتى سعيد بن المسيب فقال : رأيت كأن النبي
موسى واقف على ساحل البحر ، آخذ برجل رجل يدوره كما يدور الغسال
الثوب ، فدوره ثلاثا ، ثم دحا به إلى البحر . فقال سعيد : إن صدقت روياك
مات عبدالملك إلى ثلاثة أيام ، فلم يمض ثالثه حتى جاء نعيه ، فقال نسعيد :
من أين قلت هذا ؟ قال : لان موسى غرق فرعون ، ولا أعلم فرعون هذا
الوقت إلا عبدالملك .
وأقام الحج للناس في ولايته سنة 72 الحجاج بن يوسف ، سنة 73 ، وسنة
74 الحجاج أيضا ، سنة 75 عبدالملك بن مروان ، سنة 76 ابان بن عثمان بن
عفان ، سنة 77 ابان أيضا ، سنة 78 ، وسنة 79 ، وسنة 80 ابان أيضا ، سنة 81
سليمان بن عبدالملك ، سنة 82 ابان بن عثمان ، سنة 83 هشام بن اسماعيل
المخزومي ، سنة 84 وسنة 85 هشام بن اسماعيل المخزومي أيضا .
وغزا بالناس في ولايته سنة 75 محمد بن مروان الصائفة ، وخرجت الروم
على الاعماق ، فقتلهم أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، ودينار بن دينار ،
سنة 76 غزا يحيى بن الحكم الصائفة بمرج الشحم بين ملطية والمصيصة ، سنة 77
غزا الوليد بن عبدالملك اطمار ، وكانت غزاته من ناحية ملطية ، وغزا في البحر
ـ282ـ
حسان بن النعمان . . . 1 ، سنة 83 عبدالله أيضا ، وفتح المصيصة وبنى فيها
حصنا صغيرا
وكان الفقهاء في أيامه عبدالله بن عباس ، عبدالله بن عمر ، المسور بن
مخرمة الزهري ، السائب بن يزيد ، أبا بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام ،
خارجة بن زيد بن ثابت ، سعيد بن المسيب ، عروة بن الزبير ، عطاء بن يسار ،
القاسم بن محمد ، أباسلمة بن عبدالرحمن بن عوف ، سالم بن عبدالله ، قبيصة
ابن جابر ، عبيدة بن قيس السلماني ، شريح بن الحارث الكندي ، عبدالرحمن
ابن أبي ليلى ، عبدالله بن يزيد الخطمي ، زيد بن وهب الهمداني ، الحارث بن
سويد التميمي ، مرة بن شراحيل الهمداني ، أبا جحيفة وهب بن عبدالله العامري
الاسدي ، يسير بن عمرو السلولي ، أبا الشعثاء سليمان بن الاسود ، الاسود بن
مالك الحارثي ، ابن حراش العبسي ، عمرو بن ميمون الاودي ، عامر بن
شراحيل الشعبي ، عبدالرحمن بن يزيد النخعي ، سالم بن أبي الجعد ، عمار
ابن عمير الليثي ، ابراهيم بن يزيد التيمي ، أبا ظبيان الحصين بن جندب ،
سليمان بن يسار ، أبا المليح بن أسامة .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ283ـ
ايام الوليد بن عبدالملك
ثم ملك الوليد بن عبدالملك بن مروان ، وأمه ولادة بنت العباس بن جزء
العبسية ، للنصف من شوال سنة 86 ، في اليوم الذي توفي فيه عبدالملك ، وكانت
الشمس يومئذ في الميزان خمس عشرة درجة وخمسين دقيقة ، والقمر في الحمل ثمانيا
وعشرين درجة وخمسين دقيقة ، وزحل في الثور أربعا وعشرين درجة وثلاثين
دقيقة راجعا ، والمشتري في الدلو ستا وعشرين درجة وثلاثين دقيقة راجعا ، والمريخ
في القوس إحدى وعشرين درجة وثلاثين دقيقة ، والزهرة في العقرب خمس عشرة
درجة وثلاثين دقيقة ، وعطارد في الميزان عشر درجات وأربعين دقيقة ، فصعد
المنبر فنعى أباه ، وقال : أيها الناس ! عليكم بالطاعة ، ولزوم الجماعة ،
فإنه من أبدى ذات نفسه ضربت الذي فيه عيناه ، ومن سكت مات بدائه .
ثم نزل فعقد لمسلمة أخيه على غزاة الروم ، فنفذ في عدد كثير ، فوجد
جراجمة انطاكية قد خالفوا ، فقتل منهم مقتلة عظيمة .
وكتب الوليد إلى الحجاج فنعي إليه أباه عبدالملك ، فنادى الحجاج بالصلاة جامعة ،
ثم صعد النبر ، فذكر عبدالملك ، وقرظه ، ووصف فعله وقال : كان والله
البازل الذكر ، رابعا من الولاة الراشدين المهديين ، وقد اختار له الله ما عنده ، وعهد
إلى نظيره في الفضل وشبيهه في الحزم والجلد ، والقيام بأمر الله ، فاسمعوا وأطيعوا .
وولى الوليد عمر بن عبدالعزيز المدينة ، وأمر أن يقف هشام بن اسماعيل
للناس ، وكان هشام بن اسماعيل المخزومي قد أساء السيرة ، وجار في الاحكام ،
وتحامل على آل رسول الله ، فلما قدم عمر قال هشام : ما أخاف إلا علي بن
الحسين ! فمر به ، وهو موقوف ، فسلم عليه ، فناداه هشام . الله أعلم حيث
يجعل رسالاته ، ولم يعرض له سعيد بن المسيب ولا لاحد من أسبابه وحاميته .
ـ284ـ
وكان قدوم عمر بن عبدالعزيز المدينة سنة 87 وثقله على ثلاثين بعيرا .
وضرب الوليد البعث على أهل المدينة ، وكتب إلى عمر ، فأخرج منهم ألفي رجل .
وبنى الوليد المسجد بدمشق ، فأنفق عليه أموالا عظاما ، وابتدأ بناءه في
سنة 88 ، وكتب إلى عمر بن عبدالعزيز أن يهدم مسجد رسول الله ، ويدخل
فيه المنازل التي حوله ، ويدخل فيه حجرات أزواج النبي ، وهدم الحجرات ،
وأدخل ذلك في المسجد . ولما بدأ بهدم الحجرات قام خبيب بن عبدالله بن الزبير
إلى عمر والحجرات تهدم ، فقال : نشدتك الله يا عمر أن تذهب بآية من كتاب
الله ، يقول : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ، فأمر به ، فضرب مائة سوط ،
ونضح بالماء البارد ، فمات ، وكان يوما باردا . فكان عمر لما ولي الخلافة ، وصار
إلى ما صار إليه من الزهد ، يقول : من لي بخبيب !
وروى الواقدي أن الوليد بعث إلى ملك الروم يعلمه أنه قد هدم مسجد
رسول الله ، فليعنه فيه ، فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهبا ، ومائة فاعلى ، وأربعين
حملا فسيفساء ، فبعث الوليد بذلك كله إلى عمر ، فأصلح به المسجد ، وفرع
من بنائه في سنة 90 .
وبعث الوليد إلى خالد بن عبدالله القسري ، وهو على مكة ، بثلاثين ألف
دينار ، فضربت صفائح ، وجعلت على باب الكعبة وعلى الاساطين التي داخلها
وعلى الاركان والميزاب ، فكان أول من ذهب البيت في الاسلام .
وحج الوليد سنة 91 لينظر إلى البيت وإلى المسجد وما أصلح منه ، وإلى البيت
وتذهيبه ، فلما قرب من المدينة خرج عمر ، فتلقاه بأشراف المدينة ، فدخل
المسجد ، وجعل ينظر إليه ، وأخرج الحرس كل من كان فيه خلا سعيد بن
المسيب ، فإنه لم يخرج ، ولم يتر جرج ، فدخل الوليد ، فجعل يطوف وسعيد
ابن المسيب جالس ، ثم قال الوليد : أحسب هذا سعيد بن المسيب ؟ فقال له
عمر : نعم ! ومن حاله وحاله ، إلا أنه ضعيف البصر . فجاء الوليد حتى وقف
عليه ، فقال : كيف أنت أيها الشيخ ؟ فما تحرك ، وقال : نحن بخير ، يا أمير
ـ285ـ
المؤمنين ، وكيف أنت ؟ وانصرف الوليد ، وهو يقول لعمر : هذا بقية الناس .
وقسم الوليد بين أهل المدينة قسما كثيرة ، وصلى بها الجمعة ، وصف بها
الجند صفين ، وصلى في دراعة وقلنسوة في غير رداء ، وخطب قاعدا ، وتوعد
أهل المدينة فقال : إنكم أهل الخلاف والمعصية ، فقام إليه قوم فكلموه ،
وكلمه أبوبكر بن عبدالرحمن ، فقال : ما نجهل ما تقولون ، ولكن في النفوس
ما فيها .
وصار إلى مكة فخطب بها خطبة بشراء ذكر فيها الوعيد والتهديد ، ولما
صار بعرفة أطعم الناس ، ونصب الموائد ، ولم يأكل ، وكان خالد الذي يقوم
على الموائد ، ثم نصب مائدة ، فقيل هذه لامير المؤمنين ، فقام ، فأرسل إليه
الوليد يأمره بالجلوس فجلس .
وولى الوليد موسى بن نصير الاندلس في هذه السنة ، وهي سنة 91 ، فوجه
معه بطارق مولاه ، فلقي ملك الاندلس ، وكان يقال له الادريق ، وكان رجلا
من أهل أصبهان ، وهم القوطيون ملوك الاندلس ، فزحف طارق إليه ،
فاقتتلوا قتالا شديدا ، وفتح الاندلس ، ثم خرج موسى بن نصير إلى البلد ،
وكان قد غضب على طارق مولاه في أمور بلغته عنه ، فلقيه طارق ، فترضاه ،
فرضي عنه ، ووجهه إلى مدينة طليطلة ، وهي من عظام مدائن الاندلس ،
على مسيرة عشرين يوما ، فأصاب فيها مائدة ذهب مفصصة بالجوهر ، قيل إنها
مائدة سليمان بن داود ، فكسر رجلها ، فأخذها ، وبعث بها إلى موسى بن نصير .
وكان الحجاج قد عزل يزيد بن المهلب عن خراسان ، وولى المفضل ،
فأقر المفضل ثم عزله ، وولى قتيبة بن مسلم الباهلي ، وكان قتيبة عامله على
الري ، وكتب إليه ان يستوثق من المفضل وبني أبيه ، ويشخصهم إليه ، فسار
قتيبة من الري حتى قدم مرو ، فأخذ المفضل بن المهلب وسائر ولد المهلب ،
فأشخصهم إلى الحجاج ، فحبسهم وطالبهم بستة آلاف ألف .
وصار قتيبة إلى بخارى ، فافتتحها ، وافتتح عدة مدن منها ، ثم انصرف
ـ286ـ
وخلف فيها ورقاء بن نصر الباهلي ، وأمره بقبض الصلح .
وكان نيزك صاحب الترك قد صار إلى قتيبة ، فلم يزل معه يحضر حروبه ،
فلما انصرف قتيبة تحرك طرخون صاحب السغد ، وجيل أبوشوكر بخاراخداه ، وكر
معانون ؟ ؟ 1 في الترك ، فكره قتيبة قتالهم ، فوجه حيان النبطي فصالحهم .
ثم صار إلى الطالقان ، وبها باذام قد عصى وتغلب على البلد ، وكان ابن
باذام مع قتيبة ، فلما بلغه أن باذام قد تحصن وعصى وارتد أخذ ابنه ، فقتله ،
وصلبه وجماعة معه ، ثم لقي باذام فقاتله أياما ، ثم ظفر به فقتله ، وقتل ولده
وامرأته ، واستعمل على البلد أخاه عمرو بن مسلم .
ولما فتح قتيبة بخارى والطالقان استأذنه نيزك طرخان في الرجوع إلى بلاده ،
وكان نيزك قد أسلم وسمي بعبدالله ، فأذن له ، فرجع إلى طخارستان ، فعصى ،
وكاتب الاعاجم ، وجمع الجموع ، فزحف إليه قتيبة ، ووجه إليه سليما
الناصح ، وكان صديقا له ، فلم يزل يختدعه ويعطيه عن قتيبة ما يسأل ، حتى
خرج إلى قتيبة على الامان فأقام عنده أياما ثم ضرب عنقه وعنق ابن أخت له ،
وبعث برؤوسهما إلى الحجاج ، وأخذ امرأة نيزك ، فلما خلا بها قالت له :
ما أجهلك ! أظننت أن نفسي تطيب لك ، وقد قتلت زوجي وسلبتني ملكي ؟
فخلاها ، وقال : اذهبي حيث شئت .
ثم سار قتيبة إلى السغد ، فلقيه صاحب السغد ، فصافه أياما ، ثم هرب
منه ، ولحق قتيبة الشتاء ، فانصرف ، وكتب إليه الحجاج يأمره بالمصير إلى
سجستان ومحاربة رتبيل ، فسار سنة 92 ، حتى صار إلى زالق من أرض سجستان ،
ثم زحف إلى رتبيل ، فوجه إليه رتبيل : إنا كنا قد صالحنا كم ، وقبلتم
الصلح ، فماذا دعاكم إلى نقضه ؟ فأرسل إليه أن الحجاج أبى ذلك ، فرد
عليه رتبيل : إن قبلتم الصلح كان أصلح لكم ، وإلا رجونا النصر عليكم . فقال
قتيبة لاصحابه : إن هذا وجه مشؤوم ، وقد هلك فيه عبدالله بن أمية ، وابن
* ( هامش ) * 1 هكذا دون نقط في الاصل .
ـ287ـ
أبي بكرة ، وغير واحد ، ولا نأمن الحيل التي كان رتبيل يحتالها من تحريق
الطعام ، و العلوفات ، وأخذ الحصون والسهل وحمل ما . . . 1 فولى قتيبة
عبد ربه بن عبدالله بن عمير الليثي ، وسار قتيبة إلى خوارزم ، وبها سعيد بن
ونوفار ، وكانوا قتلوا عامل قتيبة ، فقدمها ، فسبى مائة ألف ، وحاصر سعيد بن
ونوفار حتى قتله .
فلما أصلح البلاد وانصرف بالغنائم التي لم يسمع بثلها ، وأراد جنده الرجوع
إلى أوطانهم بما في أيديهم ، قام قتيبة خطيبا ، فذكر هم ما كانوا فيه ، وأعلمهم
أنه لا براح لهم ، واستخلف على خوارزم عبدالله بن أبي عبدالله الكرماني ،
ثم سار قتيبة إلى سمرقند ، وكان غوزك قد قتل طرخون ملك السغد ، وتلك
على البلد ، فلما وافى قتيبة حاربه ، فكانت بينهم حروب شديدة ، وأحب قتيبة
الصلح فراسل غوزك يدعوه إلى ذلك ، فقال لاهل سمرقند : علام نصالحهم ،
وبلدنا لا يدخله إلا رجلان : أما أحدهما ؟ ؟ 2 وأما الآخر فاسمه أكاف ،
فكبر قتيبة ، وكبر المسلمون ، وقالوا : أميرنا اسمه قتب البعير ، فأذعنوا
بالصلح على أن يدخل فيصلي ركعتين ، فدخل من باب كش ، وخرج من
باب الصين ، واتخذ لهم غوزك ملك سمرقند الطعام ، فأكل قتيبة وأصحابه ،
فكتب له كتاب صلح : هذا ما صالح عليه قتيبة بن مسلم غوزك اخشيد السغد ،
افشين سمرقند ، على السغد ، وسمرقند ، وكش ، وكسف ، صالحه على ثلاثة
آلاف درهم يؤديها غوزك إلى رأس كل سنة ، وجعل له عهد الله ، وذمته ،
وذمة الامير الحجاج بن يوسف ، وأشهد له شهودا ، وكان ذلك سنة 94 .
وولى قتيبة سمرقند عبدالرحمن بن مسلم أخاه ، فغدر به أهل سمرقند ،
وأتاه خاقان ملك الترك ، وكتب إلى قتيبة ، فتوقف قتيبة حتى انحسر الشتاء ،
ثم سار إليه ، فهزم عسكر الترك ، واستقامت له خراسان .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
2 هكذا في الاصل دون نقط .
ـ288ـ
وكان الحجاج لما أشخص إليه قتيبة ولد المهلب حبسهم جميعا ، ومعهم
يزيد بن المهلب ، بستة آلاف ألف درهم ، وعذبهم في ذلك أشد العذاب ، فلما
رأوا ما هم فيه من العذاب سألوه أن يدخل إليهم التجار حتى يبيعوا أموالهم
وضياعهم ، وصنعوا طعاما كثيرا ، ودخل إليهم الناس ، وخلق من التجار ،
فأكلوا عندهم في الحبس ثم اختلطوا بغمار الناس ، وخرجوا معهم ، وقد لبس
يزيد لحية كبيرة طويلة صفراء ، وكان شابا ، ثم ركب وإخوته نجائب قد كان
تقدم في إعدادها ، ولحق بالشأم ، فصار إلى سليمان بن عبدالملك ، فكلموه ،
وصار إلى عبدالعزيز بن الوليد ، فشفع فيهم عند الوليد ، حتى آمنهم وأحضرهم ،
فصالحهم على نصف المال ، وهو ثلاثة آلاف ألف درهم ، فقالوا : على أن
نستعين قومنا من أهل الشأم ، فقال : ذلك إليكم ! فتحمل عنهم اليمانية من
أهل دمشق من أعطيتهم نجما ، وتحمل عنهم سائر أهل الشأم نجما ، وأقاموا
بباب الوليد ، وكتب الوليد إلى الحجاج في تخلية من كان في محبسه من أسبابهم ،
فخلاهم جميعا .
ووجه الحجاج محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي إلى
السند ، سنة 92 ، وأمره أن يقيم بشيراز من أرض فارس ، حتى يمكن الزمان ،
فقدم محمد شيراز ، فأقام بها ستة أشهر ، ثم سار في ستة آلاف فارس ، حتى
أتى مكران ، فأقام بها شهرا ونحوه ، ثم زحف إلى فنزبور ، وقد جمع
أهل فنزبور ، فحاربهم شهورا ، ثم فتحها فسبى وغنم ، ثم زحف إلى ارمائيل
فحاربهم أياما ، ثم فتحها ، فأقام بها شهورا ، ثم زحف إلى الديبل في خلق
عظيم ، حتى أتى المدينة ، وعبأ الجيوش ، وأخذ بأكظام القوم ، وأقام
يحاربهم عدة شهور ، وكان لهم بد يعبدونه ، طوله في السماء أربعون ذراعا ،
فرماه بالمنجنيق ، فكسره ، ثم وضع السلاليم على السور ، وأصعد الرجال ،
فافتتحها عنوة ، فقتل المقاتلة ، ووجد للبد الذي كانوا يعبدونه سبع مائة راتبة ،
وأخذ منها أموالا عظاما .
ـ289ـ
ولما فتح الديبل ، وكانت أعظم مدائنهم ، خضع له أهل البلدان ، فسار
من الديبل إلى النيرون ، فصالحهم ، وكتب إلى الحجاج يستأذنه في التقدم ،
فكتب إليه : أن سر ، فأنت أمير على ما فتحته ! وكتب إلى قتيبة بن مسلم عامل
خراسان : أيكما سبق إلى الصين ، فهو عامل عليها ، وعلى صاحبها ، فمضى محمد
ابن القاسم ، وجعل لا يمر ببلد إلا غلب عليه ، ولا مدينة إلا فتحها صلحا أو
عنوة ، فعبر نهر السند ، وهو دون مهران ، وسار إلى سهبان ففتحها ، ثم
سار نحو شط مهران ، فلما بلغ داهر ملك السند مكانه وجه إليه جيشا عظيما ،
فلقي محمد بن القاسم ذلك الجيش فهزمهم ، وزحف إليه داهر ، فأقام مواقفا
له عدة شهور ، وبينا هم في تلك المواقفة زاحفه داهر ، وهو على الفيل ، فاشتدت
بينهما الحرب ، وأخذت من الفريقين ، وعطش الفيل الذي كان داهر عليه ،
فغلب فياله ، فترجل ، فنزل داهر فقاتل في الارض حتى قتل ، وانهزم جيشه ،
وفتح المسلمون ، وكتب محمد إلى الحجاج بالفتح ، وبعث برأس داهر إليه .
ومضى في بلاد السند ففتح بلدا بلدا ، ومدينة مدينة ، حتى أتى الرور ،
وهي من أعظم مدائن السند ، فحاصرهم حصارا شديدا ، وهم لا يعلمون أن
داهر قد قتل ، فلما أملهم بعث إليهم محمد بن القاسم بامرأة داهر ، فقالت
لهم : إن الملك قد قتل ، فاطلبوا الامان ، فطلبوه ، ونزلوا على حكم محمد ،
وفتحوا له باب المدينة ، فدخلها ، ثم استخلف فيها ، ومضى يقطع البلاد ،
ويفتح مدينة مدينة ، ثم كتب إليه الحجاج : إني قد كتبت إلى أمير المؤمنين
الوليد أضمن له أن أرد إلى بيت المال نظير ما أنفقت ، فأخرجني من ضماني !
فحمل إليه أكثر مما أنفق .
وأقام محمد بن القاسم في بلاد السند حتى توفي الوليد ، وولي سليمان بن عبد
الملك ، وكان لمحمد بن القاسم ، في الوقت الذي غزا فيه بلاد السند والهند ،
وقاد الجيوش وفتح الفتوح ، خمس عشرة سنة ، فقال زياد الاعجم :
إن الشجاعة والسماحة والندى * لمحمد بن القاسم بن محمد
ـ290ـ
قاد الجيوش لخمس عشرة حجة * ياقرب ذلك سؤد دا من مولد
وكتب الوليد إلى خالد بن عبدالله القسري ، عامله على الحجاز ، يأمره
بإخراج من بالحجاز من أهل العراقين ، وحملهم إلى الحجاج بن يوسف ،
فبعث خالد إلى المدينة عثمان بن حيان المري لاخراج من بها من أهل العراقين ،
فأخرجهم جميعا ، وجماعاتهم في الجوامع ، إلى الحجاج ، ولم يترك تاجرا ولا
غير تاجر ، ونادى : ألا برئت الذمة ممن آوى عراقيا ، وكان لا يبلغه أن
أحدا من أهل العراق في دار أحد من أهل المدينة إلا أخرجه .
فخرج الوليد إلى الحميمة من أرض الشراة ، من عمل جند دمشق سنة 95 ،
وكان سبب ذلك أن أم سليط بن عبدالله بن عباس رفعت إلى الوليد أن علي بن
عبدالله قتل ابنها ، ودفنه في البستان الذي ينزله ، وبنى عليه دكانا ، فأخذه الوليد
بذلك وقال له : أقتلت أخاك ؟ قال : ليس بأخي ، ولكنه عبدي قتلته . وكان
عبدالله بن عباس أوصى إلى ابنه علي أن يورث سليطا ، ولا يزوجه ، وقال :
أنا أعلم أنه ليس مني ، ولكني لا أدفعه عن الميراث . فنزل علي بن عبدالله
الحميمة ، فلم يزل بها حتى ولد أولادا ، وصار له الاهل والعيل ، وولد له
نيف وعشرون ذكرا ، مات عامتهم في حياته ، ولم يزل ولده بالحميمة حتى
أذهب الله سلطان بني أمية .
وتوفي الحجاج بن يوسف في هذه السنة ، وهي سنة 95 ، وهو يومئذ ابن
أربع وخمسين سنة ، وكانت إمرته على العراق عشرين سنة ، فأقر الوليد على عمله
يزيد بن أبي مسلم خليفته ، ثم استعمل مكانه يزيد بن أبي كبشة السكسكي .
وكان الوليد لحانا ، فيه هرج وحيرة ، وكان يقول : لا ينبغي لخليفة أن
يناشد ، ولا يكذب ، ولا يسميه أحد باسمه ، وعاقب على ذلك .
وكان أول من عمل ال بيمارستان للمرضى ، ودار الضيافة ، وأول من أجرى
على العميان ، والمساكين ، والمجذمين الارزاق ، وكان ممن أحدث قتل العصاة ،
ـ291ـ
وأحصى أهل الديوان ، وألقى منهم بشرا كثيرا بلغت عدتهم عشرين ألفا ،
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 291 سطر 1 الى ص 300 سطر 15
وأحصى أهل الديوان ، وألقى منهم بشرا كثيرا بلغت عدتهم عشرين ألفا ،
وأول من أجزى طعام شهر رمضان في المساجد ، وصام الاثنين والخميس فأدمنه ،
وأول من أخذ بالقذف والظنة وقتل بهما الرجال ، وانكسر الخراج في أيامه ،
فلم يحمل كثير شئ ، ولم يحمل الحجاج من جميع العراق إلا خمسة وعشرين
ألف ألف درهم .
وكانت في ولايته الزلازل التي هدمت كل شئ ، وأقامت أربعين صباحا
في سنة 94 .
وكان الغالب عليه الفازي بن ربيعة الحرشي ، وكان قاضيه بالكوفة الشعبي ،
وكان على شرطه أبوناتل رباح بن عبد الغساني ، ثم عزله ، واستعمل كعب بن
حامد العبسي ، وعلى حرسه خالد بن الديان ، مولى محارب ، وحاجبه سعيد
مولاه ، وتوفي الوليد لاربع عشرة خلت من جمادى الاولى سنة 96 ، وقيل
انسلاخ جمادى الآخرة ، وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ، وقيل تسع وأربعين
سنة ، وكانت أيامه تسع سنين وثمانية أشهر ونصفا ، وصلى عليه عمر بن
عبدالعزيز ، وكانت وفاته بدير مران ، ودفن بدمشق ، وخلف من الولد تسعة
عشر ذكرا : محمد ، والعباس ، وعمر ، وبشر ، وروح ، وخالد ، وتمام ،
ومبشر ، وجرى 1 ، ويزيد ، و عبدالرحمن ، وابراهيم ، ويحيى ، وأبوعبيدة ،
ومسرور ، وصدقة .
وأقام الحج للناس في أيامه سنة 86 هشام بن اسماعيل ، سنة 87 عمر بن
عبدالعزيز ، سنة 88 حج هو ، سنة 89 وسنة 90 عمر بن عبدالعزيز ، سنة 91
حج هو ، سنة 92 وسنة 93 عمر بن عبدالعزيز ، سنة 94 مسلمة بن عبدالملك ،
سنة 95 أبوبكر بن محمد بن عمرو بن حزم .
وغزا الصوائف في أيامه سنة 86 مسلمة ، ففتح حصنين ، سنة 88 . . 2
* ( هامش ) * 1 قوله جرى : هكذا في الاصل .
2 بياض في الاصل .
ـ292ـ
مسلمة والعباس بن الوليد ، فافتتحا سورية ، وافتتح العباس أدرولية ، سنة 90 عبد
العزيز بن الوليد ، فافتتح حصنا ، سنة 91 عبدالعزيز بن الوليد . . . 1 محمد
ابن مروان ، وغزا موسى بن نصير الاندلس ، سنة 93 العباس بن الوليد ومروان
ابن الوليد ومسلمة ، ففتحوا اماسية وحصن الحديد ، سنة 94 العباس وعمر ابنا
الوليد ، سنة 95 العباس ، ففتح قبرس ، سنة 96 بشر بن الوليد .
وكان الفقهاء في أيامه عبدالرحمن بن حاطب ، سعيد بن المسيب ، عروة
ابن الزبير ، عطاء بن يسار ، أبا سلمة بن عبدالرحمن ، القاسم بن محمد ، سعيد بن
جبير ، مجاهد بن جبير مولى بني مخزوم ، عكرمة مولى ابن عباس ، حكيم بن
أبي حازم شقيق ابن سلمة ، ابراهيم بن يزيد النخعي ، عامر الشعبي ، سالم بن
أبي الجعد ، اسحاق السبيعي ، أيوب الازدي ، أبا تميم الحميني ، الحسن بن
أبي الحسن ، محمد بن سيرين ، أبا قلابة عبدالله بن زيد ، سليمان بن يسار ،
مورق العجلي ، سنان بن سلمة ، أبا المليح بن أسامة الهذلي ، العلاء بن زياد ،
أبا ادريس ، رجاء بن حيوة .
وكان الوليد طوالا ، أسمر ، به أثر جدري خفي ، بمقدم لحيته شمط ،
ليس في رأسه ولا لحيته غيرة ، أفطس .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ293ـ
ايام سليمان بن عبدالملك
وملك سليمان بن عبدالملك بن مروان ، وأمه ولادة بنت العباس بن جزء
العبسية ، للنصف من جمادى الاولى سنة 96 ، وكانت الشمس يومئذ في الحوت
ست درجات وأربعين دقيقة ، والقمر في السنبلة ست عشرة درجة وعشرين
دقيقة راجعا ، والمشتري في القوس خمسا وعشرين درجة وأربعين دقيقة ،
والمريخ في الدلو إحدى عشرة درجة وثلاث دقائق ، والزهرة في الحوت خمس
عشرة درجة وتسع عشرة دقيقة ، وعطارد في الحوت خمس درجات وخمسين
دقيقة ، والرأس في الاسد ثلاث عشرة درجة وخمس عشرة دقيقة .
وأتته الخلافة بالرملة ، وكان بها منزله ، وهو أنشأ مسجد جامعها ، وقصر
امارتها ، ونقل الناس إليها من لد ، وكانت المدينة التي ينزلها الناس ، فأخذ
بهدم منازلهم بلد ، والبنيان بالرملة ، وعاقب من امتنع من ذلك ، وهدم منازلهم ،
وقطع الميرة عنهم ، حتى انتقوا وخرب لد .
وأخذ له عمر بن عبدالعزيز البيعة بدمشق ، يوم مات الوليد ، فصار إلى
دمشق ، فأقام بها يسيرا ، وأراد سليمان الحج ، فكتب إلى خالد بن عبدالله
وهو عامل مكة ، يأمره أن يجري له عينا تخرج من الثقبة من الماء العذب ، حتى
تظهر بين زمزم والركن الاسود ، يباهي بها زمزم ، فعمل خالد البركة التي بفم
الثقبة ، يقال لها : بركة القسري ، وهي قائمة إلى اليوم ، في أصل ثبير ، عملها
بحجارة منقوشة ، واستنبط ماءها من ذلك الموضع ، ثم شق من هذه البركة عينا
تجري إلى المسجد الحرام ، في قصب من رصاص ، حتى أظهرها في فوارة
تسكب في فسقية رخام ، بين الركن وزمزم ، فلما ان جرت وظهر ماؤها
أمر خالد بجزر ، فنحرت بمكة ، وقسمت بين الناس ، وعمل طعاما ، فدعا
ـ294ـ
إليه الناس ، ثم أمر صائحا ، فصاح : الصلاة جامعة ، ثم صعد المنبر فقال :
أيها الناس احمدوا الله ، وادعوا لامير المؤمنين الذي سقاكم الماء العذب ،
بعد المالح الاجاج ، الذي لايطاق شربه ، يعني زمزم . وكان له يجتمع على ذلك
الماء اثنان ، وكانوا على شرب زمزم أكثر ما كانوا ، فلما رأى خالد ذلك قام
خطيبا ، فنال من أهل مكة ، وكلمهم بكلام قبيح يعنفهم فيه على تركهم شرب
ذلك الماء ، وإقبالهم على زمزم ، ولم تزل تلك الفسقية على حالها أيام بني أمية ،
فلما صار الامر إلى بني هاشم هدمها داود بن علي أول ما قدم مكة .
ولم يقم خالد بمكة إلا قليلا حتى سخط عليه سليمان ، فصرفه ، وولى
طلحة بن داود الحضرمي ، وأمره أن يضرب خالدا بالسياط بسبب امرأة من
قريش كان قذفها فأقبح ، وأن يطالبه ، ويحمله في الحديد ، وعزل عثمان بن
حيان المري عامل المدينة ، وقلد أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، فضرب
عثمان بن حيان حدين : أحدهما في شرب الخمر ، والآخر في قرفه على عبد
الله بن عمرو بن عثمان بن عفان .
وسخط سليمان على موسى بن نصير اللخمي ، العامل على افريقية ، والذي
افتتح الاندلس وما والاها ، وكان موسى قدم على الوليد ، فوجده شديد العلة ،
فلم يقم إلا أياما حتى مات ، وسعى طارق مولى موسى بمولاه إلى سليمان ،
فاستصفى سليمان ماله ، وأخذه بمائة ألف دينار ، فقال موسى : صحبتكم
ولي فرس وفرو وسيف ، فأعطوني هذا وشأنكم بما بقي .
وولى سليمان المغرب محمد بن يزيد ، مولى قريش ، وأمره بتتبع أصحاب
موسى وولده وأصحابه ، وكان سليمان قد قدم يزيد بن المهلب وخصه وأبره ،
ودفع إليه أصحاب الحجاج بن يوسف ، وموسى بن نصير ، وخالد بن عبدالله
القسري ، ويوسف بن عمر الثقفي ، والحكم بن أيوب ، و عبدالرحمن بن
حيان المري ، وأمره أن يعذبهم حتى يستخرج منهم الاموال ، وتتبع سليمان
أصحاب الحجاج يسومهم سوء العذاب ، وأشخص إليه يزيد بن أبي مسلم
ـ295ـ
خليفة الحجاج ، وكان قصيرا ، خفيف البدن ، فلما رآه قال له : أنت يزيد ؟
قال : نعم ! قال : صاحب الحجاج والافعال التي بلغتني معما أرى من دمامة
خلقتك ؟ قال : ذاك والله أنك رأيتني والدنيا عليك مقبلة ، وهي عني مدبرة ،
ولو رأيتها وهي إلي مقبلة ، وعنك مدبرة ، لا ستعظمت ما استصغرت ،
واستجللت ما استحقرت . قال : أين ترى الحجاج يهوي في النار ؟ قال : لا تقل
هذا يا أمير المؤمنين لرجل يحشر عن يمين أبيك وشمال أخيك ، وأنزله
حيث شئت تنزلهما معه . فقال ليزيد بن المهلب : خذه إليك ، فعذبه بألوان
العذاب ، حتى تستخرج منه الاموال . فقال : يا أمير المؤمنين أنا أعلم به ،
لا والله ما عنده مال ، ولا كان ممن يحوي المال . وكان يزيد بن المهلب يعرف
له جميع فعله به ، فولاه سليمان الصائفة .
وكان قتيبة بن مسلم عامل الحجاج على خراسان ، فلما بلغه فعل سليمان
بنظرائه ، وقصده عمال الوليد ، وعمال الحجاج ، جمع إليه إخوانه وأهل
بيته ، وأوغل في أرض العجم ، حتى بلغ بلد فرغانة القصوى ، وكان عبدالله
ابن الاهتم التميمي معه ، فهرب منه إلى سليمان ، فرفع إليه ، فأخذ قتيبة قوما
من أهل بيته ، فقتلهم ، وقطع أيدي آخرين وأرجلهم ، وكان يزيد بن المهلب
عدوه لما فعل به وبأهل بيته لما ولي عليه ، فعلم أنه لا يصلح له حب سليمان ،
وكتب إليه كتابا ، فأجابه سليمان يغلظ له ، فأراد الخلع ، وهو لا يشك أن
موضعه من النزارية . . . 1 واليمانية لا يخالفونه ، فلما علم القوم مذهبه
تبعدوا عنه ، فخطبهم خطبة مشهورة ، نال فيها ، وقال : يا معشر تميم ،
ويا أهل الذلة والقلة ، ويا معشر الازد ! أخليتم السفن ، وركبتم الخيل ،
وقذفتم المرادي ، وأخذتم الرماح ، والله لانا بمن معي من العجم أعز منكم !
فصاف القوم عنه ، وصارت كلمتهم واحدة في الوثوب عليه ، واجتمعوا إلى
الحضين بن المنذر ، فدعوه إلى القيام بجماعتهم ، فقال : عليكم بوكيع بن
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ296ـ
أبي سود التميمي . فأتوا وكيعا ، فانقضت كلمتهم عليه ، ومع القوم يومئذ
حيان النبطي ، فوثبوا بقتيبة فقتلوه ، وقام وكيع بخراسان ، وولى عماله ،
وكتب إلى سليمان يعلمه ما كان منه ، وبعث برأس قيبة ورؤوس أهل بيته
إليه ، وذلك في سنة 96 .
فلما أتى سليمان كتاب وكيع أراد أن يكت إليه بالعهد على خراسان ،
فقيل له : إنه رجل ترفعه الفتنة وتضعه السنة ، وليس لها بموضع ، فولى سليمان
يزيد بن المهلب العراق ، خراسان ، فكان يزيد بن المهلب في العراق ، فعذب
عمال الحجاج ، ثم استخلف على العراق ونفذ إلى خراسان ، فتتبع أصحاب
قتيبة وقراباته ، فسامهم سوء العذاب ، وحبس وكيع بن أبي سود ، وقيده ،
وأخذ عماله الذين كان ولا هم البلدان بعد قتل قتيبة ، فطالبهم بالاموال التي
صارت إليهم ، وخالف أكثر أهل خراسان ، فقصد جرجان ، فحاصرها حتى
نزلوا على حكمه ، فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وفتحها وحارب اصبهبذ طبرستان ،
وملك الترك ، وملك الديلم ، فأقام في محاربة صاحب طبرستان زمانا ، ثم
عرض وضجر ، ثم طلب أن يصالحه ، فلم يفعل ، فرجع إلى جرجان
فأقام بها ، ثم خرج منها إلى نيسابيور ، وولى يزيد إخوته وولده البلدان ،
فولى مخلدا سمرقند ، ومدرك بن المهلب بلخ ، ومحمد بن المهلب مرو ، وعظم
أمر يزيد بخراسان .
واضطرب السند ، وأخل الجند الذين كانوا مع محمد بن القاسم الثقفي
بمراكز هم ، فرجع أهل كل بلد إلى بلدهم ، فوجه سليمان حبيب بن المهلب
إليها ، فدخل البلاد ، وقاتل قوما كانوا ناحية مهران ، وأخذ محمد بن القاسم ،
فألبسه المسوح ، وقيده وحبسه .
وقدم أبوهاشم عبدالله بن محمد بن علي بن أبي طالب على سليمان ،
وقال سليمان : ما كلمت قرشيا قط يشبه هذا ، وما أظنه إلا الذي كنا نحدث
عنه ، فأجازه ، وقضى حوائجه وحوائج من معه .
ـ297ـ
ثم شخص عبدالله بن محمد ، وهو يريد فلسطين ، فبعث سليمان قوما
إلى بلاد لخم وجذام ، ومعهم اللبن المسموم ، فضربوا أخبية نزلوا فيها ، فمر
بهم ، فقالوا : يا عبدالله ! هل لك في الشراب ؟ فقال : جزيتم خيرا . ثم
مر بآخرين ، فقالوا مثل ذلك ، فجزاهم خيرا ، ثم بآخرين ، فاستسقى
فسقوه ، فلما استقر اللبن في جوفه قال لمن معه : أنا والله ميت ، فانظروا من
هؤلاء ، فنظروا فإذا القوم قد قوضوا ، فقال : ميلوا بي إلى ابن عمي محمد بن
علي بن عبدالله بن عباس ، فإنه بأرض الشراة ، فأسرعوا السير حتى أتوا
محمد بن علي بالحميمة من أرض الشراة ، فلما قدم عليه قال له : يا ابن عم
أنا ميت ، وقد صرت إليك ، وهذه وصية أبي إلي ، وفيها أن الامر صائر
إليك ، وإلى ولدك ، والوقت الذي يكون ذلك ، والعلامة وما ينبغي لكم العمل به
اعلى ما سمع وروى عن أبيه علي بن أبي طالب ، فاقبضها إليك ، وهؤلاء الشيعة
ستوص بهم خيرا ، وهؤلاء دعاتك وأنصارك ، فاستبطنهم ، فإني قد بلوتهم
بمحبة ومودة لاهل بيتك ، ثم هذا الرجل ميسرة ، فاجعله صاحبك بالعراق ،
فأما الشأم ، فليست لكم ببلاد ، وهؤلاء رسله إلى خراسان وإليك ، ولتكن
دعوتكم بخراسان ، ولا تعد هذه الكور : مرو ، ومرو الروذ ، وبيورد ، ونسا ،
وإياك ونيسابور وكورها ، وابرشهر ، وطوس ، فإني أرجو أن تتم دعوتكم ،
ويظهر الله أموركم ، واعلم أن صاحب هذا الامر من ولدك عبدالله بن الحارثية ،
ثم عبدالله أخوه الذي هو أكبر منه ، فإذا مضت سنة الحمار ، فوجه رسلك
بكتبك ، ووطد الامر قبل ذلك بلا رسول ولا حجة . فأما أهل العراق ، فهم
شيعتك ومحبوك ، وهم أهل اختلاف ، فلا يكن رسولك إليا منهم ، وانظر
أهل الحي من ربيعة فأحلقهم بهم ، فإنهم معهم في كل أمر ، وانظر هذا الحي
من تميم وقيس ، فأقصهم ، ثم أبدهم إلا من عصم الله منهم ، وهم أقل
من القليل ، ثم اختر دعاتك ، فليكونوا اثني عشر نقيبا ، فإن الله عزوجل لم
يصلح أمر بني إسرائيل إلا بهم وسبعين نفسا بعدهم يتلونهم ، فإن النبي إنما
ـ298ـ
اتخذ اثني عشر نقيبا من الانصار اتباعا لذلك .
فقال محمد : يا أبا هاشم ! وما سنة الحمار ؟ قال : لم يمض مائة من نبوة
قط إلا انقضت أمورها ، لقول الله عزوجل : " أو كالذي مر على قرية " ،
الآية ، فإذا خلت مائة سنة ، فابعث رسلك ودعاتك ، فإن الله متمم أمرك .
ومات أبوهاشم بعد أن دفع الكتاب إلى محمد بن علي ، وذلك سنة 97 ،
وفيها وجه محمد بن علي أبا رباح ميسرة النبال مولى الازد إلى الكوفة .
وحج سليمان سنة 97 ، وقد عزم على أن يبايع لابنه أيوب بولاية العهد
من بعده ، وكان قد كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن يبني
له قصرا بالجرف ينزله ، فلما قدم لم يرض بناء القصر ، فنزله ، وقسم بين
أهل المدينة قسما ، وفرض لقريش خاصة أربعة آلاف فريضة لم يدخل فيها حليفا
ولا مولى ، فأجمع رأي مشيخة قريش أن جعلوها لحلفائهم ومواليهم ، ثم
دخلوا عليه فقالوا : إنك قد فرضت لنا أربعة آلاف فريضة لا تدخل علينا
فيها حليفا ولا مولى ، فرأينا أن نكافئك ونجعلها في حلفائنا وموالينا ، فنحن أخف
عليك مؤونة منهم . ففرض لهم أربعة آلاف فريضة أخرى .
وصار إلى مكة ، فلما نزل بطن رابغ أخذتهم السماء وجاءت صواعق لم
ير مثلها ، ففزع سليمان ، فقال له عمر بن عبدالعزيز : هذه الرحمة ، فكيف
العذاب ؟ وأحضر جماعة من الفقهاء فيهم القاسم بن محمد بن أبي بكر ، وسالم
ابن عبدالله ، وعبدالله بن عمر ، وخارجة بن زيد ، وأبوبكر بن حزم ، فسألهم
عن أمر الحج ، فاختلفوا عليه ، فقال كل واحد منهم قولا لم يوافق الآخر ،
فقال : كيف صنع أمير المؤمنين عبدالملك ؟ فقيل له : كذا ، فقال : اصنع
كما صنع ، واترك اختلافكم .
وانصرف من مكة إلى بيت المقدس ، فأطاف المجذمون بمنزله ، فضربوا
بأجراسهم ، حتى منعوه النوم ، فسأل عنهم ، فأخبر بما يلقاه الناس منهم ،
فأمر بإحراقهم ، وقال : لو كان في هؤلاء خير ما ابتلاهم الله بهذا البلاء ! فكلمه
ـ299ـ
عمر في ذلك ، فأمسك عنهم ، وأمر أن ينفوا إلى قرية معتزلة لا يخالطوا الناس .
وخرج سليمان إلى ناحية الجزيرة ، فنزل بموضع له دابق ، من جند
قنسرين ، وأغزى مسلمة بن عبدالملك بلاد الروم ، وأمره أن يقصد ال قسطنطينية ،
فيقيم عليها حت يفتحها ، فسار مسلمة حتى بلغ ال قسطنطينية ، وأقام عليها حتى
زرع وأكل مما زرع ، ودخل ، وفتح مدينة الصقالبة . وأصاب المسلمين ضر
وجوعت وبرد . وبلغ سليمان ما فيه مسلمة ومن معه ، فأمدهم بعمرو بن قيس
في البر ، وأغزى عمر بن هبيرة الفزاري في البحر ، وذلك أن الروم أغاروا على
مدينة اللاذقية من جند حمص ، فأحرقوها ، وذهبوا بما فيها ، فبلغ عمر بن
هبيرة خليج ال قسطنطينية .
وكان الغالب على سليمان النصرا بن ؟ 1 الحميري ، ورجاء بن حيوة
الكندي ، وعلى شرطه كعب بن حامد العبسي ، وعلى حرسه خالد بن الديان
مولى محارب ، وحاجبه مولاه أبوعبيدة ، وكان اكولا لا يكاد يشبع ، وكان
له جمال وفصاحة . . . . . 2 رجل طويل ، أبيض قضيف البدن ، لم يشب ،
وهو الذي يقول ، ونظر إلى نفسه في المرآة : أنا الملك الشاب ، فما دارت عليه
الجمعة حتى مات ، وكانت وفاته في صفر سنة 99 ، وعهد إلى عمر بن عبد
العزيز ، وكتب كتابا ، وأحضر أهل بيته ، فقال : بايعوا لمن في هذا الكتاب ،
فبايعوا ، ودفع الكتاب إلى مسجد دابق ، فدعا من بها من أهل بيت سليمان ،
فقال : بايعوا ! فقالوا : إنا بايعنا مرة ، فقال : بايعوا الذي في هذا الكتاب ،
فبايعوا ، فلما فرغ قال : قوموا إلى صاحبكم ، فقد مات ، وقرأه ، فلما بلغ
إلى اسم عمر بن عبدالعزيز قال هشام : لا والله لا أبايع ! فقال رجاء بن
حيوة : إذا اضرب عنقك ، وأخذ بضبع عمر ، فأجلسه على المنبر ، فلما فرغوا
من البيعة دفنوا سليمان ، ونزل عمر بن عبدالعزيز قبره ، وثلاثة من ولده ،
* ( هامش ) * 1 هكذا دون نقط في الاصل .
2 بياض في الاصل .
ـ300ـ
فلما تناولوه تحرك على أيديهم ، فقال ولد سليمان : عاش أبونا ورب الكعبة !
فقال عمو : بل عوجل أبوكم ورب الكعبة ! وكان بعض من يطعن على عمر
يقول له : دفن سليمان حيا .
وكانت ولاية سليمان بن عبدالملك سنتين وثمانية أشهر ، وخلف من الولد
الذكور عشرة : يزيد ، والقاسم ، وسعيد ، وعثمان ، وعبدالله ، و عبدالواحد ،
والحارث ، وعمرو ، وعمر ، و عبدالرحمن .
وأقام الحج للناس في ولايته سنة 96 أبوبكر بن عمرو بن جزم ، وفي
سنة 97 سليمان ، وفي سنة 98 عبدالعزيز بن عبدالله بن خالد بن أسيد .
وغزا في أيامه سنة 96 مسلمة ، ففتح حصن الحديد وشتا بنواحي الروم ،
وعمر بن هبيرة في البحر ، فمخروا ما بين الخليج وال قسطنطينية ، وفتحوا مدينة
الصقالبة ، وامد سليمان بعمرو بن قيس الكندي ، وعبدالله بن عمر بن الوليد
ابن عقبة . وفي سنة 99 وجه سليمان بن عبدالملك بابنه داود إلى أرض الروم ،
ومسلمة منيخ على ال قسطنطينية ، ففتح داود حصن المرأة من ناحية ملطية .
وكان الفقهاء في أيامه مثل من كان في أيام الوليد .
ـ301ـ
ايام عمر بن عبدالعزيز
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 301 سطر 1 الى ص 310 سطر 22
ايام عمر بن عبدالعزيز
ثم ولي عمر بن عبدالعزيز بن مروان ، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر
ابن الخطاب ، لعشر خلون من صفر سنة 99 ، وكانت الشمس يومئذ في
السنبلة ثمانيا وعشرين درجة ، وزحل في الميزان خمسا وعشرين درجة وأربعين
دقيقة ، والمشتري في الحوت درجتين راجعا ، والمريخ في السرطان ثلاثا وعشرين
درجة ، وثلاثين دقيقة ، وعطارد في الميزان اثنتين وعشرين درجة ، والرأس في
الجوزاء ثلاثا وعشرين درجة وستا وعشرين دقيقة ، وبويع بدابق ، وكان
الكتاب الذي كتبه سليمان : هذا كتاب من عبدالله سليمان أمير المؤمنين لعمر
ابن عبدالعزيز . إني وليتك الخلافة بعدي ، فاسمعوا ، وأطيعوا ، واتقوا الله ،
ولا تختلفوا . فلما قرئ الكتاب بايع جميع من حضر من بني أمية خلا عبدالعزيز
ابن الوليد بن عبدالملك ، فإنه كان غائبا ، فدعا إلى نفسه ، فبايعه قوم ، فلما
بلغه ولاية عمر قدم ، فقال له عمر : بلغني أنك كنت دعوت إلى نفسك ،
وأردت دخول دمشق ، فقال : قد كان ذلك لاني خفت الفتنة ، وبلغني أن الخليفة
لم يعهد إلى أحد . فقال عمر : لو قمت بالامر ما نازعتك ذلك . فقال عبدالعزيز :
ما كنت أحب أن يكون ولي هذا الامر غيرك .
ولما بلغ يزيد بن المهلب ولاية عمر وورد عليه كتابه شخص من خراسان ،
واستخلف بها مخلدا ابنه ، وحمل كل ما كان له ، مخافة من أهل خراسان ،
معه ، فأشار عليه قوم ألا يبرح ، فلم يفعل ، وصار إلى البصرة ، فلقيه بها عدي
ابن ارطاة عامل عمر ، فأوصل إليه كتاب عمر ، فقال : سمعا وطاعة ، ثم
حمله إليه مستوثقا منه ، فقال له عمر : إني وجدت لك كتابا إلى سليمان تذكر
فيه انك اجتمع قبلك عشرون ألف ألف ، فأين هي ؟ فأنكرها ، ثم قال :
ـ302ـ
دعني أجمعها ! قال : أين ؟ قال : أسعى إلى الناس . قال : تأخذها منهم مرة
أخرى ؟ لا ولا نعمى عين . ثم ولى الجراح بن عبدالله الحكمي خراسان ،
وأمره أن يأخذ مخلد بن يزيد ، فيستوثق منه استيثاقا لا يمنعه من الصلاة ، فحبسه
الجراح مكرما ، ثم حمله إلى عمر ، فدخل في ثياب مشمرة ، وقلنسوة بيضاء ،
فقال له عمر : هذا خلاف ما بلغني عنك . فقال : أنتم الائمة إذا أسبلتم أسبلنا ،
وإذا شمرتم شمرنا .
وحسنت سيرة الجراح وقدمت عليه وفود التبت يسألونه أن يبعث إليهم
من يعرض عليهم الاسلام ، فوجه إليهم السليط بن عبدالله الحنفي ، ووجه
عبدالله بن معمر اليشكري إلى ما وراء النهر ، فلقي جمعا للترك فهزم . وانصرف
ابن معمر .
وبلغ عمر عن الجراح أمور يكرهها من أنه يأخذ الجزية من قوم قد أسلموا ،
وانه يغزي موالي بلا عطاء ، وانه يظهر العصبية ، فكتب إليه : ان اقدم ،
واستخلف عبدالرحمن بن نعيم الغامدي ، ففعل ذلك ، ثم كتب عمر إلى عبد
الرحمن بعهده على خراسان ، ويأمره بإقفال من وراء النهر من المسلمين بذراريهم
إلى مرو ، فعرض ذلك عليهم ، فأبوا عليه ، فكتب إلى عمر انهم قدرضوا
بالمقام ، فحمد عمر ربه على ذلك .
وبلغ عمر ما فيه بلاد الروم مع مسلمة من الضرر والفاقة ، فوجه
عمرو بن قيس على الصائفة ، ووجه معه الكساء والطعام والاعطية لمن كان مع
مسلمة من المسلمين ، فوجه عمر عبدالعزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي ، فأوقع
بالترك ، فلم يفلت منهم إلا الشريد ، وقدم على عمر منهم بخمسين أسيرا ،
فقال رجل من المسلمين لعمر في أسير منهم : لو رأيت هذا ، يا أمير المؤمنين ،
يقتل المسلمين ، لرأيت قتالا ذريعا . فقال : قم فاضرب عنقه .
ـ303ـ
وفاة علي بن الحسين
وتوفي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في سنة 99 ، وقال قوم سنة
100 ، وله ثمان وخمسون سنة ، وكان أفضل الناس ، وأشدهم عبادة ، وكان
يسمى زين العابدين ، وكان يسمى أيضا ذا الثفنات ، لما كان في وجهه من أثر
السجود ، وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ، ولما غسل وجد على كتفيه
جلب كجلب البعير ، فقيل لاهله : ما هذه الآثار ؟ قالوا : من حمله للطعام في
الليل يدور به على منازل الفقراء .
قال سعيد بن المسيب : ما رأيت قط أفضل من علي بن الحسين . وما رأيته
قط إلا مقت نفسي ، ما رأيته ضاحكا يوما قط . وكانت أمه حرار بنت يزدجرد
كسرى ، وذلك أن عمر بن الخطاب لما أتى بابني يزدجرد وهب إحداهما
للحسين بن علي ، فسماها غزالة ، وكان يقول بعض الاشراف إذا ذكر علي
ابن الحسين يود الناس كلهم أن أمهاتهم إماء . وقيل إن أمه كانت من
سبي كابل .
قال أبوخالد الكابلي : سمعت علي بن الحسين يقول : من عف عن محارم
الله كان عابدا ، ومن رضي بقسم الله كان غنيا ، ومن أحسن مجاورة من جاوره
كان مسلما ، ومن صاحب الناس بما يحب أن يصاحبوه به كان عدلا .
وقال علي بن الحسين : إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الفضل ،
فيقوم ناس من الناس ، فيقال لهم : انطلقوا إلى الجنة بغير حساب ، فتتلقاهم
الملائكة ، فيقولون : ما فضلكم ؟ فيقولون : كنا إذا جهل علينا حلمنا ، وإذا
ظلمنا صبرنا ، وإذا أسئ علينا عفونا . فيقولون : ادخلوا الجنة ، فنعم أجر
العاملين . ثم ينادي مناد : ليقم أهل الصبر ، فيقوم ناس من الناس ، فيقال لهم :
ـ304ـ
انطلقوا إلى الجنة بغير حساب ، فتتلقاهم الملائكة ، فيقولون : ما كان صبركم ؟
فيقولون : صبرنا أنفسنا على طاعة الله ، وصبرنا عن معاصي الله ، فيقولون لهم :
ادخلوا الجنة ، فنعم أجر العاملين . ثم ينادي فيقول : ليقم جيران الله ! فيقوم
ناس من الناس ، وهم الاقل ، فيقال لهم : بم جاورتم الله في داره ؟ فيقولون :
كنا نتجالس في الله ، ونتذاكر في الله ، ونتزاور في الله ، فيقولون : ادخلوا
الجنة ، فنعم أجر العاملين .
وقال : بئس القوم قوم ختلوا الدنيا بالدين ، وبئس القوم قوم عملوا بأعمال
يطلبون بها الدنيا .
وقال : إن المعرفة بكمال المرء تركه الكلام فيما لا يعنبه ، وقلة مرائه ،
وصبره ، وحسن خلقه .
وكتب ملك الروم إلى عبدالملك يتوعده ، فضاق عليه الجواب ، وكتب إلى
الحجاج ، وهو إذ ذاك على الحجاز : أن ابعث إلى علي بن الحسين فتوعده وتهدده
وأغلظ له ، ثم انظر ماذا يجيبك ، فاكتب به إلي ! ففعل الحجاج ذلك ، فقال
له علي بن الحسين : إن لله في كل يوم ثلاثمائة وستين لحظة ، وأرجو أن
يكفينك في أول لحظة من لحظاته . وكتب بذلك إلى عبدالملك ، فكتب به إلى
صاحب الروم كتابا ، فلما قرأه قال : ليس هذا من كلامه ، هذا من كلام
عترة نبوته .
ومرض ثلاث مرضات في كل ذلك يوصي بوصية ، فإذا برئ وأفاق
أنفذها ، وقال : كلكم سيصير حديثا ، فمن استطاع أن يكون حديثا حسنا ،
فليفعل .
وكان يقول : ابن آدم لن تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك ، وما كانت
المحاسبة من همتك ، وما كان لك الخوف شعارا ، والحزن دثارا .
وكان عبدالملك قد كتب إلى الحجاج ، وهو على الحجاز : جنبني دماء
آل بني أبي طالب ، فإني رأيت آل حرب لما تهجموا بها لم ينصروا . فكتب
ـ305ـ
إليه علي بن الحسين : إني رأيت رسول الله ليلة كذا في شهر كذا يقول لي :
إن عبدالملك قد كتب إلى الحجاج في هذه الليلة بكذا وكذا ، وأعلمه أن الله
قد شكر له ذلك ، وزاده برهة في ملكه .
وكان له من الولد : أبوجعفر محمد ، والحسين ، وعبدالله ، وأمهم أم
عبدالله بنت الحسن بن علي ، وعلي ، والحسن ، والحسين الاصغر ، وسليمان ،
توفي صغيرا ، وزيد .
وذكره يوما عمر بن عبدالعزيز ، فقال : ذهب سراج الدنيا ، وجمال
الاسلام ، وزين العابدين ، فقيل له : إن ابنه أبا جعفر محمد بن علي فيه بقية ، فكتب
عمر يختبره ، فكتب إليه محمد كتابا يعظه ويخوفه ، فقال عمر : أخرجوا كتابه
إلى سليمان ، فأخرج كتابه ، فوجده يقرظه ، ويمدحه ، فأنفذ إلى عالم المدينة ،
وقال له : أحضر محمدا ، وقل له : هذا كتابك إلى سليمان تقرظه ، وهذا
كتابك إلى معما أظهرت من العدل والاحسان . فأحضره عامل المدينة ، وعرفه
ما كتب به عمر ، فقال : إن سليمان كان جبارا كتبت إليه بما يكتب إلى
الجبارين ، وإن صاحبك أظهر أمرا فكتبت إليه بما شا كله . وكتب عامل عمر
إليه بذلك ، فقال عمر . إن أهل هذا البيت لا يخليهم الله من فضل .
ونكث عمر أعمال أهل بيته وسماها مظالم ، وكتب إلى عماله جميعا :
أما بعد ، فإن الناس قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله ، ؟ سيئة
سنتها عليهم عمال السوء ، قلما قصدوا قصد الحق والرفق والاحسان ، ومن
أراد الحج ، فعجلوا عليه عطاءه ، حتى يتجهز منه ، ولا تحدثوا حدثا في
قطع وصلب حتى تؤامروني ، وترك لعن علي بن أبي طالب على المنبر ، وكتب
بذلك إلى الآفاق فقال كثير :
وليت فلم تشتم عليا ولم تخف * بريا ولم تتبع مقالة مجرم
وأعطى بني هاشم الخمس ، ورد فدكا ، وكان معاوية أقطعها مروان ،
ـ306ـ
فوهبها لابنه عبدالعزيز ، فورثها عمر منه ، فردها على ولد فاطمة . فلم تزل
في أيديهم حتى ولي يزد بن عبدالملك ، فقبضها . ورد عمر هدايا النيروز
والمهرجان ، ورد السخر ، ورد العطاء ، على قدر ما استحق الرجل من السنة ،
وورث العيالات على ما جرت به السنة ، غير أنه أقر القطائع التي أقطعها أهل
بيته ، والعطاء في الشرف لم ينقصه ، ولم يزد فيه ، وزاد أهل الشأم في أعطياتهم
عشرة دنانير ، ولم يفعل ذلك في أهل العراق ، وكان يقول : ما بقي المسلم على
جفوة السلطان ونزغة الشيطان لم أر شيئا أعون له على دينه من إعطائه حقه .
فكان يجلس للنظر في أمور المسلمين نهاره كله ، فقال له رجاء بن حيوة : يا أمير
المؤمنين ! نهارك كله مشغول ، ذلك جزء من الليل ، وأنت تسمر معنا . فقال :
يا رجاء إن ملاقاة الرجال تلقح لاوليائها ، وإن المشورة والمناظرة باب رحمة
ومفتاح بركة ، لا يضل معهما رأي ولا يقعد معهما حزم .
وكان يقول : لكل شئ معدن ، ومعدن التقوى قلوب العاقلين ، لانهم
عقلوا عن الله ، فاتقوه في أمره ونهيه .
وكتب إلى عامله باليمن : أما بعد ، فدع ما أنكرت من الباطل ، وخذ ما
عرفت من الحق بالغا بك ما بلغ ، فإن بلغ مهج أنفسنا ، فإن الله يعلم أنك
إن لم تحمل إلي إلا حفنة من كتم فإني بذلك مسرور ، إذا كان موافقا .
قال الزهري : دخلت إلى عمر يوما فبينا أنا عنده إذ أتاه كتاب من عامل
له يخبره أن مدينتهم قد احتاجت إلى مرمة ، فقلت له : إن بعض عمال علي بن
أبي طالب كتب بمثل هذا ، وكتب إليه : أما بعد فحصنها بالعدل ، ونق
طرقها من الجور ، فكتب بذلك عمر إلى عامله .
ووجه عمر إلى مسجد دمشق من ينزع ما فيه من الرخام و الفسيفساء والذهب ،
وقال : إن الناس يشتغلون بالنظر إليه عن صلاتهم ، فقيل له : إن فيه مكيدة
للعدو ، فتركه ، وارتحل إلى خناصرة ، فنزلها ، وهي برية من أطراف جند
قنسرين ، وكره أن ينزل في منازل أهل بيته التي بنوها بمال الله وفئ المسلمين ،
ـ307ـ
ثم كلم في ذلك ، وقيل له : إن في نزولك البرية إضرارا بالمسلمين ، فخرج إلى
دمشق ، فنزل دار أبيه التي كانت إلى جانب المسجد ، وأقام عشرين يوما ،
وكثر عليه الناس ، فارتحل حتى صار إلى مدينة حلب ، وكثر عليه الناس ، فارتحل
إلى مدينة حمص راجعا يريد أن ينزلها ، فلما صار إلى أوائل حمص اعتل ،
فمال إلى موضع يعرف بدير سمعان ، فنزله ، ويقال : بل ارتحل إليه قاصدا
يريد نزوله بسبب قطعة أرض كان ورثها عن أمه فيه ، فلما صار إلى دير
سمعان أتاه الخبر بخروج شوذب الحروري ، فأمر بتوجيه جيش إليه ، ووجه إليه
شوذب برجلين من قبله يناظر انه ، فقالا له : إنك أظهرت أفعالا حسنة ،
وأعمالا جميلة ، ومما ننكر عليك ترك لعن أهل بيتك ، والبراءة منهم .
فقال : وكيف يلزمني لعنهم ؟ قالا : لانهم من أهل المعاصي والذنوب ، ولا
يسعك غير ذلك . قال : متى عهدكم بلعن فرعون ؟ قالوا : ما نذكر متى لعناه .
قال : فكيف يسعكم ترك لعنه ، وهو من أهل الذنوب والمعاصي ؟ أنتم قوم
أردتم شيئا فأخطأتموه ، ولقد أصبحتم بنعمة ، ووعدكم كثير ، وشوكتكم
ضعيفة . فأقام أحدهما عنده ، وانصرف الآخر .
وأتاه أبوالطفيل عامر بن واثلة وكان من أصحاب علي ، فقال له : يا أمير
المؤمنين ! لم منعتي عطائي ؟ فقال له : بلغني أنك صقلت سيفك ، وشحذت
سنانك ، ونصلت سهمك ، وغلفت قوسك ، تنتظر الامام القائم حتى يخرج ،
فإذا خرج وفاك عطاءك . فقال : إن الله سائلك عن هذا ، فاستحيا عمر من
هذا ، وأعطاه .
وكانت ريطة بنت عبيدالله بن عبدالله بن عبدالمدان الحارثي عند عبدالله
ابن عبدالملك بن مروان ، فهلك عنها ، فخلف عليها الحجاج بن عبدالملك ،
فطلقها قبل أن يدخل عليها ، فقدم محمد بن علي ، وهو يريد الصائفة ، فكلم
عمر فيها ، وقال : ابنة خالي كانت متزوجة فيكم ، فإن تأذن أتزوجها .
قال عمر : ومن يحول بينك وبينها ، وهي أملك بنفسها ؟ فتزوجها وبنى بها
ـ308ـ
بحاضر قنسرين في دار طلحة بن مالك الطائي ، واشتملت هناك على أبي العباس .
ولما دخلت سنة 100 بعث محمد بن علي بن عبدالله بن عباس ميسرة أبا
رباح إلى العراق ، ومحمد بن خنيس ، وأبا عكرمة السراج ، وحيان العطار ،
إلى خراسان ، وعليها يومئذ الجراح بن عبدالله الحكمي ، عامل عمر بن عبد
العزيز ، فلقوا من لقوا بها ، وانصرفوا وقد غرسوا غرسا .
وكانت ولاية عمر ثلاثين شهرا ، وكان الغالب عليه رجاء بن حيوة الكندي ،
وصاحب شرطته روح بن يزيد السكسكي ، مولاه ، وتوفي لست بقين من رجب
سنة 101 ، وهو ابن تسع وثلاثين سنة ، وكان أسمر ، رقيق الوجه ، حسن اللحية ،
غائر العينين ، بجبهته أثر ، وعهد إلى يزيد بن عبدالملك ، وقيل إن سليمان كان
جعل له العهد من بعده ، وإن عمر قال عند وفاته : لو كان الامر إلي لوليت
ميمون بن مهران ، والقاسم بن محمد ، وصلى عليه مسلمة بن عبدالملك ، ودفن
بدير سمعان ، وقيل : إن أهل بيته سموه خوفا من أن يخرج الامر منهم .
وهرب يزيد بن المهلب ، قبل وفاة عمر بليلتين ، ولحق بالبصرة ، وعليها
عدي بن أرطاة الفزاري ، وقد قبض على أهل بيته فحبسهم ، فوجه عمر
في إثر يزيد رسلا ففاتهم .
وخلف عمر من الولد تسعة ذكور : عبدالعزيز ، وعبدالله ، وعبيدالله ،
وزيدا ، ومسلمة ، وعثمان ، وسليمان ، وعاصما ، و عبدالرحمن .
وأقام الحج للناس في ولايته سنة 99 أبوبكر بن محمد بن عمرو بن حزم ،
سنة 100 أبوبكر أيضا ، وغزا الصوائف في ولايته سنة 99 عمرو بن قيس
الكندي .
وكان الفقهاء في أيامه : خارجة بن زيد بن ثابت ، يحيى بن عبدالرحمن بن
حاطب ، أبا سلمة بن عبدالرحمن ، سالم بن عبدالله بن عمر ، القاسم بن محمد
ابن أبي بكر ، عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود ، محمد بن كعب القرظي ،
عاصم بن عمر بن قتادة ، نافعا مولى عبدالله بن عمر ، سعيد بن يسار ، محمد بن
ـ309ـ
ابراهيم بن الحارث التيمي ، عبدالله بن دينار ، محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ،
عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ، عطاء بن أبي رباح ، مجاهد بن جبير ،
عكرمة مولى عبدالله بن عباس ، عامر بن شراحيل الشعبي ، سالم بن أبي الجعد ،
حبيب بن أبي ثابت ، عبدالملك بن ميسرة الهلالي ، أبا إسحاق السبيعي ، الحسن
ابن أبي الحسن البصري ، محمد بن سيرين ، أبا قلابة عبدالله بن زيد ، مورق
العجلي ، عبدالملك بن يعلى الليثي ، زيد بن نوفل ، علقمة بن عبدالله المزني ،
أبا حازم رجاء بن حيوة ، مكحول الدمشقي ، راشد بن سعد ، المقرئ سليمان
ابن حبيب المحاربي ، ميمون بن مهران ، يزيد بن الاصم ، أبا قبيل المعافري ،
طاووس اليماني .
ـ310ـ
ايام يزيد بن عبدالملك
وملك يزيد بن عبدالملك بن مروان ، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن
أبي سفيان ، وهي التي حرمت على عشرة من خلفاء بني أمية ، معاوية جدها ،
ويزيد أبوها ، ومروان بن الحكم زوجها ، والوليد ، وسليمان ، ويزيد ،
وهشام بنو عبدالملك أولاد زوجها ، ويزيد ابنها ، والوليد بن يزيد ابن ابنها ،
ويزيد بن الوليد ابن ابن زوجها .
وكانت ولايته في رجب سنة 101 ، والشمس يومئذ في الدلو إحدى وعشرين
درجة وعشرين دقيقة ، والقمر في الجدي أربع درجات وثلاثين دقيقة ، وزحل
في العقرب تسعا وعشرين درجة وثلاثين دقيقة ، والمشتري في الثور أربع عشرة
درجة وعشرين دقيقة ، والمريخ في الميزان ثلاث درجات وأربعين دقيقة ،
والزهرة في الحوت خمس عشرة درجة وعشر دقائق ، وعطارد في الجدي خمس
عشرة درجة وأربعين دقيقة ، والرأس في الثور سبع درجات وعشرين دقيقة .
وعزل يزيد عمال عمر بن عبدالعزيز جميعا ، وكتب إلى عدي بن أرطاة
يأمره بأخذ يزيد بن المهلب ، فحاربه في داخل البصرة ، في شهر رمضان ، فظفر به
يزيد ، فأخذه أسيرا ، وحمله معه في الحديد إلى واسط ، فحبسه بها وجماعة معه .
وغلب يزيد بن المهلب على البصرة وما والاها ، ثم خرج يريد الكوفة ،
واستخلف على البصرة مروان بن المهلب ، فوجه إليه يزيد مسلمة بن عبدالملك ،
والعباس بن الوليد ، فسار مسلمة بن عبدالملك حتى أتى العراق ، وجعل يقول :
إني أخشى أن يتعيا ابن المهلب ويهرب فنطلبه . فقال له حسان النبطي ، وكان
معه : لا يحسن ذلك ، أيها الامير ! قال : ولم ؟ قال : سمعته يقول : ويح
عبدالرحمن بن محمد بن الاشعث ! هبه غلب على البصرة ، أغلب على الصبر ؟
ـ311ـ
ما ضره لو ألقى طرف ثوبه على وجهه ، ثم تقدم حتى قتل ؟ وقال مسلمة :
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 311 سطر 1 الى ص 320 سطر 22
ما ضره لو ألقى طرف ثوبه على وجهه ، ثم تقدم حتى قتل ؟ وقال مسلمة :
ما أجرأه إلا يبرح ! فالتقيا بمسكن ، فحاربه محاربة شديدة ، ويزيد مبطون
شديد العلة ، وكان مسلمة يسميه الجرادة الصفراء ، فلم يبرح حتى قتل ،
وكان ذلك في سنة 102 .
وكان معاوية بن يزيد بن المهلب بواسط ، فلما انتهى إليه خبر أبيه أخرج
عدي بن أرطاة ومن كان معه ، فضرب أعناقهم ، وركب البحر حتى صار بمن
كان من أهل بيته وأنصاره إلى قندابيل من أرض السند ، إلى أن وافاهم هلال بن
أحوز المازني بعث به مسلمة بن عبدالملك ، فقتل معاوية وجميع من كان معه
سوى نفر يسير أخذهم أسرى ، فحملهم إلى يزيد بن عبدالملك ، فقتلهم بدمشق ،
منهم عثمان بن المفضل بن المهلب ، وحمل إليه من نساء المهلب خمسين
امرأة ، فحبسهن بدمشق .
وبعث مسلمة على خراسان سعيد بن عبدالعزيز ، فقصد السغد ، فحاربهم
محاربة شديدة ، وأقام بسمرقند ، فجاءته ملكة فرغانة ، فقالت : إني أدلك
على شئ فيه الظفر على أن تجعل لي ألا تغزي إلي جيشا ، فأعطاها ما سألت ،
فقالت : إن السغد قد خلوا عن أرضهم ، ونزلوا خجندة ، وطلبوا إلينا أن
ندخلهم بلادنا حتى يصالحوا العرب ، أو يكون غير ذلك ، وليس لهم في
خجندة طعام ولا شراب ولا عدة لحصار ، فإن أردتهم فالساعة . فبعث سعيد بن
عبدالعزيز سورة بن الحر الدارمي في الخيل ولحقهم بنفسه ، فحصرهم في
المدينة ، فلما تخوفوا الهلاك دعوا إلى الصلح على أن يرجعوا إلى بلادهم ، فقال :
على أن تخرجوا عن آخركم ، فحفر لهم خندقا ، فقال : اخرجوا ! فخرجوا
جميعا إلا رجلا منهم يقال له جليح ، ثم خرج بالسلاح ، وحارب المسلمين ،
وحارب معه قوم ، فوثب عليهم سعيد والمسلمون ، فقتلوهم قتلا ذريعا ،
وكبس بهم الخندق ، وسبى الذرية ، وغنم ما لم يغنم مثله .
وولى يزيد بن عبدالملك عمر بن هبيرة العراق مكان مسلمة ، في هذه السنة ،
ـ312ـ
بعد انقضاء حرب ابن المهلب ، وقتلهم ، فلقي جماعة من آل المهلب في
الحديد قد وجه بهم مسلمة ، فقال للرسل : ردوهم ! فقالوا : لا نفعل . قال :
إن مسلمة يوم وجه بكم أميركم . . . 1 فرد وهم معه ، وكتب إلى يزيد كتابا
حسنا في أمرهم ، وأن الصنيعة فيهم عامة لقومهم . فكتب إليه يزيد : وما أنت
وذاك ؟ لا أم لك ! فعاوده ، وكتب إليه : ما هم لي بعشيرة ، وما أردت إلا
النظر لامير المؤمنين في تألف عشائرهم لئلا تفسد قلوبهم وطاعتهم . فكتب إليه :
بارك الله لك في ودهم إن كنت أردت ذاك .
وأقر عمر بن هبيرة سعيد بن عبدالعزيز على خراسان ، فوجد رسلا لابي
رباح ميسرة داعية بني هاشم في زي التجار ، فقيل إنه دعاهم ، فسألهم عن
حالهم ، فقالوا : نحن تجار ، فخلى سبيلهم ، فخرجوا من خراسان .
وظهر ؟ ؟ ؟ ؟ 2 الداعية ، وبلغ عمر بن هبيرة الخبر ، فعزله وولى
خراسان مسلم بن سعيد الكلابي ، فقدم خراسان ، فغزا بالناس ، فلم يصنع
شيئا ، فلما انصرف راجعا من فرغانة تبعته الترك وأهل فرغانة ، فقالوه قتالا
شديدا . وكان قد استعمل نصر بن سيار على بلخ ، فكتب إليه أن يمده بالرجال ،
وأن يحشر الناس إليه ، فدعاهم نصر بن سيار إلى ذلك ، فأبوا عليه وقاتلوه ،
وكانت بينهم وبين نصر وقعة تسمى وقعة البروقان .
واستعمل يزيد على المدينة عبدالرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري ،
وكتب إليه يأمره أن يجمع بين عثمان بن حيان المري وبين أبي بكر بن عمرو بن
حزم في الحدين اللذين جلدهما أبوبكر عثمان بن حيان ، فإن وجد أن أبا بكر
ظلمه أقاده منه . ففعل ، وتحامل على أبي بكر ، فجلده حدين قودا بعثمان بن
حيان .
وخطب عبدالرحمن فاطمة بنت الحسين بن علي ، فأرسل إليها رجالا يحلف
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
2 بلا فقط في الاصل .
ـ313ـ
بالله لئن لم تفعلي ليضربن أكبر ولدها بالسياط . فكتبت إلى يزيد كتابا ، فلما
قرأ كتابها سقط عن فراشه ، وقال : لقد ارتقى ابن الحجام مرتقى صعبا من رجل
يسمعني ضربه وأنا على فراشي هذا ؟ فكتب إلى عبدالواحد بن عبدالله بن
بشر النضري ، وكان بالطائف ، أن يتولى المدينة ، ويأخذ عبدالرحمن بن
الضحاك بأربعين ألف دينار ، ويعذبه حتى يسمعه ضربه ، ففعل ذلك ، فرئي
عبدالرحمن وفي عنقه خرقة صوف يسأل الناس .
ووجه يزيد الجراح بن عبدالله الحكمي ، فغزا الترك ، وفتح بلنجر ،
وسبى خلقا عظيما في سنة 104 ، وانتهى إلى نهر الروباس ، ثم سار حتى
انتهى إلى نهر الران ، ولقي ابن خاقان صاحب الخزر فقاتله فهزمه ، وقتل
مقاتلته ، وسبى سبيا كثيرا . ولما فتح بلنجر سار ، فجعل ينزل بلدا بلدا
يتبع خاقان ملك الخزر ، حتى صار إلى نهر دبيل من عمل اذربيجان ، فاقتتلوا
هناك ، وقتل الجراح وجميع أصحابه .
وولي يزيد بن أبي مسلم افريقية ، فقدمها وعبدالله بن موسى اللخمي
محبس بها ، فقال له : اعط الجند من مالك أرزقهم لخمس سنين ، فقال :
لا أقدر على ذلك ، فحبسه ، وأخذ موالي موسى بن نصير فوسم أيديهم ، وردهم
إلى الرق ، واستخدم عامتهم في حرسه ، فوثب عليه غلام منهم يقال له جرير
دخل عليه وهو يأكل عنبا ، فقتله ، فلما بلغ يزيد بن عبدالملك الخبر
ولى بشر بن صفوان الكلبي ، فلم يزل مقيما بها ولاية يزيد .
وكتب يزيد إلى عمر بن هبيرة ، وهو عامل على العراق ، يأمره أن يمسح
السواد ، فمسحه سنة 105 ، ولم يمسح السواد منذ مسحه عثمان بن حنيف
في زمن عمر بن الخطاب ، حتى مسحه عمر بن هبيرة ، فوضع على النخل
والشجر ، وأضر بأهل الخراج ، ووضع على التانئة ، وأعاد السخر والهدايا وما
كان يؤخذ في النيروز والمهرجان ، والمساحة التي يؤخذ بها مساحة ابن هبيرة .
وكان يزيد قد جعل ولاية العهد من بعده لهشام ، ثم بدا له أن يبايع بولاية
ـ314ـ
العهد لابنه الوليد ، وكان هشام بالجزيرة ، فوجه إليه خالد بن عبدالله القسري
يحسن له خلع نفسه من ولاية العهد على أن الجزيرة له طعمة .
قال خالد بن عبدالله : فأتيته ، فذكرت له ذلك ، فأسرع الاجابة ، فقلت
له : أيها الانسان إن استشرتني وعاهدتني على أن تكتم علي أشرت عليك .
فقال : قد استشرتك ولك عهد الله أن أكتم عليك . فقلت : إنما هي أيام قلائل
حتى تصير الجزيرة أحد أعمالك . قال : فكيف بالسلامة من يزيد ؟ قلت :
علي ! قال : افعل ما بدا لك ، فإنها يد مشكورة لك . فانصرفت إلى يزيد
فقلت : يا أمير المؤمنين ! إني أتيت رجلا صعبا ، فأنشدك الله أن توقع العداوة
والشر بينكم ، وتوجدوا الناس السبيل إلى الطعن فيكم والاختلاف عليكم ،
ولكن تصير الوليد ولي العهد بعد أخيك . فركن إلى ذلك وفعله ، فما زال هشام
يشكر ذلك لخالد حتى ولي الخلافة فولاه العراق .
وكان الغالب على يزيد سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان ، وصاحب
شرطه كعب بن حامد العبسي ، وعلى حرسه يزيد بن أبي كبشة السكسكي ،
وحاجبه خالد مولاه .
وكانت ولايته أربع سنين ، وتوفي لاربع بقين من شعبان سنة 105 ، وهو
ابن سبع وثلاثين سنة ، وصلى عليه الوليد بن يزيد ، ودفن بالبقاء من أرض
دمشق ، وخلف من الولد عشرة ذكورا وهم : الوليد ، ويحيى ، ومحمد ،
والغمر ، وسليمان ، و عبدالجبار ، وداود ، و أبوسليمان ، والعوام ، وهاشم :
وأقام الحج للناس في ولايته سنة 101 عبدالرحمن بن الضحاك بن قيس ،
سنة 102 عبدالرحمن أيضا ، سنة 103 عبدالرحمن أيضا ، سنة 104 عبد
الواحد بن عبدالله بن بشر النضري .
وغزا بالناس في ولايته سنة 102 الوليد بن هشام أرض الروم ، فنزل على
المخاضة عند انطاكية ، ولقي عمر بن هبيرة الروم بأرمينية الرابعة ، فهزمهم ،
وأسرمنهم سبعمائة ، سنة 103 غزا العباس بن الوليد ، فأصيب الناس في
ـ315ـ
السرايا ، وأغارت الترك على أرض اللان ، وغزا عبدالرحمن بن سليمان الكلبي ،
وعثمان بن حيان المري ، فنزلا على حصن ففتحاه ، سنة 104 عبدالرحمن بن
سليمان الكلبي على الصائفة اليمنى ، وعثمان بن حيان المري على الصائفة اليسرى ،
سنة 105 سعيد بن عبدالملك بن مروان ، ثم رجع فغزا ناحية الترك ، فبلغ
قصر قطن ، وغزا الجراح بن عبدالله الحكمي باب اللان ، حتى خرج من الباب .
وكان الفقهاء في ولايته يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب ، سالم بن عبدالله
ابن عمر ، القاسم بن محمد بن أبي بكر ، محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ،
محمد بن كعب القرظي ، عاصم بن عمر بن قتادة ، نافعا مولى عبدالله بن
عمر ، سعيد بن يسار ، محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي ، عبدالله بن
دينار ، عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، طاووس اليماني ،
عطاء بن أبي رباح ، حبيب بن أبي رباح ، حبيب بن أبي ثابت ، عبدالله بن
ميسرة ، أبا اسحاق السبيعي .
ـ316ـ
أيام هشام بن عبدالملك بن مروان
ثم ملك هشام بن عبدالملك بن مروان ، وأمه أم هشام بنت هشام بن
اسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي ، وأتته الخلافة وهو بقرية
يقال لها الزيتونة من الجزيرة ، فجاء البريد ، فسلم عليه بالخلافة ، فركب من
الرصافة حتى أتى دمشق ، وكان ذلك في شهر رمضان سنة 105 ، ومن شهور العجم في
كانون ، وكانت الشمس يومئذ في الدلو ست درجات وثمانيا وخمسين دقيقة ، والقمر
في القوس سبع درجات وتسع دقائق ، والمشتري في الميزان ست درجات وخمسين
دقيقة راجعا ، والمريخ في العقرب إحدى وعشرين درجة وتسعا وثلاثين دقيقة ،
والزهرة في القوس عشرين درجة وثلاث دقائق ، وعطارد في الدلو إحدى
وعشرين درجة وعشرين دقيقة ، والرأس في الدلو عشرين درجة وعشرين دقيقة .
وولى خالد بن عبدالله القسري العراق باليد التي كانت له عنده ، وكان
قد كتب إلى الجنيد بن عبدالرحمن يأمره أن يكاتب خالدا ، ففعل ، وعظم أمر
الجنيد ببلاد السند ، ودوخها حتى صار إلى أرض الجرز ، ثم إلى أرض الصين ،
ودعا ملكها إلى الاسلام ، فقاتله ، فثبت له الجنيد ، فأقام يقاتله ورمى حصنه
بالنفط والنار ، فطفأها ، فقال الجنيد : في الحصن قوم من العرب هم أطفأوا
النار ، ولم يزل يقاتله ، حتى طلب الصلح وصالحه ، وفتح المدينة ، فوجد فيها
رجلين من العرب ، فقتلهما .
وأقام الجنيد أياما ثم غزا الكيرج ومعه اشندر ابيد الملك في مقاتلته ، فهرب
الراه ملك الكيرج ، فافتتحها الجنيد ، فسبى ، وغنم ، واستقامت أموره ،
فوجه بعماله إلى المرمذ والمندل ودهنج والبروص وسرست والبيلمان والمالبة
وغيرها من البلاد ، وكتب إليه هشام بفتح أتاه من الروم يخبره أن المسلمين أسروا
ـ317ـ
عدة ، وغنموا حمرا وبقرات ، فكتب إليه الجنيد : إني نظرت في ديواني ،
فوجدت ما أفاء الله علي ، مذ فارقت بلاد السند ، ستمائة ألف وخمسين ألف
رأس من السبي ، وحملت ثمانين ألف ألف درهم ، وفرقت في الجند أمثالها
مرارا .
وأقام الجنيد عدة سنين ، ثم استعمل خالد مكانه تميم بن زيد العتبي ،
فوجه ثمانية عشر ألف ألف طاطري خلفها الجنيد في بيت المال ، ولم يستقم
لتميم أمر ، وكثر خلاف أهل البلاد عليه ، وكثرت حروبه ، وفشا القتل في
أصحابه ، وخرج من البلد يريد العراق ، فكتب خالد إلى هشام أن يولي
الحكم بن عوانة الكلبي ، فقدم الحكم وبلاد الهند كلها قد غلب عليها ،
إلا أهل قصة ، فقالوا : ابن لنا حصنا يكون للمسلمين يلجأون إليه ! فبنى
مدينة سماها المحفوظة ، وأجلى القوم المتغلبين بعد حرب شديدة ، وهدأت
البلاد وسكنت ، وكان مع الحكم عمرو بن محمد بن القاسم الثقفي ، وجماعة من
وجوه الناس ، فلم يزل مقيما في البلد ، حتى عزل خالد ، وولي يوسف بن
عمر الثقفي .
وولى هشام مسلمة بن عبدالملك أرمينية واذربيجان سنة 107 ، فوجه
سعيد بن عمرو الحرشي على مقدمته ، فلقي عسكرا للخزر ، ومعهم عشرة
آلاف من أسارى المسلمين ، فحاربهم ، فهزمهم ، وقتل عامتهم ، واستنقذ
الاسارى منهم ، وفعل ذلك مرة بعد مرة أخرى ، وقتل ابن خاقان ، وفتح عدة
مدائن ، ووجه برأس ابن خاقان إلى هشام من غير أن يوافق مسلمة ، فأغضبه
ذلك ، وكتب إليه يلومه وعزله ، وصير مكانه عبدالملك بن مسلم العقيلي ،
وأمره أن يقيد سعيد بن عمرو الحرشي ويحبسه بمدينة يقال لها قبلة .
وقدم مسلمة البلد وأحضر الحرشي ، فأغلظ له ، ودق لواءه ، وبعث به إلى
سجن برذعة ، فكتب إليه هشام يلومه على ذلك ، ووجه برسل من قبله حتى
أخرجوا سعيد بن عمرو الحرشي من السجن ، وحملوه إليه .
ـ318ـ
وسار مسلمة في البلاد التي للخزر حتى صار إلى جرزان ، فافتتحها ،
وقتل أهلها ، ثم صار إلى شروان ، فسالمه أهلها ، ثم أتى مسقط ، فصالحه
أهلها ، ووجه خيله إلى أرض اللكز ، فصالحه أهلها ، وبعث إلى طبرسران ،
فصالحه أهلها ، فسار في البلاد لا يلقاه أحد حتى بلغ أرض ورثان ، فلقيه خاقان
ملك الخزر ، وكان مع مسلمة جماعة من ملوك البلدان التي فتحها ، فجعل مروان
ابن محمد على مقدمته ، فلقي القوم ، فأقام يقاتلهم أياما ، وربما فقد ، فيقال
لمسلمة : قتل مروان ! فيقول : أما والله دون أن يسلم عليه بالخلافة فلا !
ففتح عامة البلدان .
وعزل هشام مسلمة وولى مروان بن محمد ، فصار إلى الحصن الذي فيه
ملك السرير ، وهو سرير من ذهب كان بعث به بعض ملوك الفرس ، ويقال إن
أنوشروان بعث به إليه فسمي بذلك السرير ، فصالحه على ألف وخمسمائة
غلام سود الشعور ، ثم صار إلى تومان شاه ، فصالحه ملكها ، ثم دخل إلى أرض
زريكران ، فصالحه ملكها ، ثم صار إلى حمزين فحاربهم ، فقتل منهم خلقا
عظيما ، وفتح أكثر البلد ، وجمع الطعام إلى مدينة الباب ، ولم يزل هناك .
وكان بشر بن صفوان الكلبي عامل المغرب ، فلما ولي هشام بعث إليه
بأموال عظام وهدايا ، فأقره هشام على افريقية ، فلم يزل بها حتى مات ، فلما
مات بشر بن صفوان ولى هشام افريقية عبيدة بن عبدالرحمن القيسي ، ولم يزل
بها ، فأغزى الناس في البحر ، فغنم غنائم كثيرة ، فخرج إلى هشام بأموال
جليلة وعشرين ألف عبد ، فاستعفاه فأعفاه ، وولى مكانه عقبة بن قدامة التجيبي ،
فلم يقم إلا يسيرا حتى عزل ، وولى عبيدالله بن الحبحاب ، فغزا غزوات كثيرة
. . . 1 ، وقتل كلثوم بن عياض ، ثم ولى حنظلة بن صفوان الكلبي ن ،
فقدم افريقية ، وقد تغلب على بعض النواحي عكاشة بن أيوب الفزاري ،
فظفر به حنظلة ، ولم يزل مقيما إلى أيام مروان بن محمد .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ319ـ
وظهر سليمان بن كثير الخزاعي وأصحابه بخراسان يدعون إلى بني هاشم
سنة 111 ، وظهرت دعوتهم ، وكثر من يجيبهم ، وقدم بكير بن ماهان ،
فأجابه خلق كثير إلى خلع بني أمية وبيعة بني هاشم ، وكثر أشياعه وأصحابه ،
ثم حضرت بكير بن ماهان الوفاة ، فاستخلف أباسلمة حفص بن سليمان الخلال
وكتب بذلك إلى محمد بن علي بن عبدالله ، وأعلمه أنه يرضاه ، فأقره ، وكتب
إلى أصحابه يأمرهم بالسمع والطاعة ، فاستقاموا جميعا عليه ، وولى خالد بن
عبدالله أخاه أسد بن عبدالله خراسان ، فبلغه خبرهم ، فأخذ جماعة منهم ،
فقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم ، فما زالوا في خوف ، حتى مات أسد ، وولى
خراسان جعفر بن حنظلة البهراني .
وولى سجستان يزيد بن الغريف الهمداني ، فلما قدم سجستان ساءت سيرته ،
وأظهر الفسق ، فقتله قوم من الخوارج وثبوا عليه وهو جالس في مجلسه ،
وعلى رأسه ألف وخمسمائة مدجج ، وكان الخوارج خمسة نفر ، فقدم إليه
بعضهم ، فضربه بالسيف ، فقتله ، ووثب الجند عليهم ، فقتلوهم بعد أن قتلوا
جماعة منهم . فلما بلغ خالد بن عبدالله الخبر ولى الاصفح بن عبدالله الكلبي ،
فصار إلى النيه في الشتاء ، فندب الناس إلى الغزو ، فأتاه شيخ من أهل البلد يقال
له عبدالله بن عامر ، فقال : أيها الامير ! ليس هذا وقت غزو ، فقال :
أنا أعلم بوقت الغزو منك ، ونفذ ، فلما صار على رأس شعب من الشعاب أتاه
عمرو بن بجير فقال : أصلح الله الامير ، ليس هذا وقت دخول هذا الشعب .
فقال : لو كنت عاقبت المتكلم بالامس لما سمعت هذا اليوم ، واقتحم الشعب ،
حتى إذا أمعن فيه أخذ العدو عليه مضايقه ، واجتمع فقتل الجيش بأسره ،
فلم ينج منه أحد ، فلما أتى خالدا الخبر بقتل الاصفح ومن معه من المسلمين ،
ولى عبدالله بن أبي بردة بن أبي موسى ، فلم يزل مقيما بها ولاية خالد .
ـ320ـ
وفاة ابي جعفر محمد بن علي
وتوفي أبوجعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وأمه
أم عبدالله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب ، سنة 117 ، وسنة ثمان وخمسون
سنة .
قال أبوجعفر : قتل جدي الحسين ولي أربع سنين ، وإني لاذكر مقتله ،
وما نالنا في ذلك الوقت . وكان يسمى أبا جعفر الباقر لانه بقر العلم .
قال جابر بن عبدالله الانصاري : قال لي رسول الله : إنك تستبقى حتى
ترى رجلا من ولي أشبه الناس بي اسمه على اسمي ، إذا رأيته لم يخل عليك ،
فأقرئه مني السلام ! فلما كبرت سن جابر ، وخاف الموت ، جعل يقول :
يا باقر ! يا باقر ! أين أنت ؟ حتى رآه فوقع عليه يقبل يديه ورجليه ، ويقول :
بأبي وأمي شبيه أبيه رسول الله ! إن أباك يقرئك السلام .
قال أبوحمزة الثمالي : سمعت محمد بن علي يقول : يقول الله عزوجل :
إذا جعل عبدي همه في هما واحدا جعلت عناه في نفسه ، ونزعت الفقر من
بين عينيه ، وجمعت له شمله ، وكتبت له من وراء تجارة كل تاجر ، وإذا جعل
همه في مفترقا جعلت شغله في قلبه ، وفقره بين عينيه ، وشتت عليه أمره ورميت
يحلبه على غاربه ، ولم أبال في أي واد من أودية الدنيا هلك .
وقيل لمحمد : أتعرف شيئا خير من الذهب ؟ قال : نعم ! معطيه .
وقال : اصبر للنوائب ، ولا تتعرض للحقوق ، ولاتعط أحدا من نفسك
ما ضره عليك أكثر من نفعه له .
وقال : كفى العبد من الله ناصرا أن يرى عدوه يعصي الله .
وقال : شر الآباء من دعاه البر إلى الافراط ، وشر الابناء من دعاه التقصير
ـ321ـ
إلى العقوق .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 321 سطر 1 الى ص 330 سطر 6
إلى العقوق .
وسئل أبوجعفر عن قول الله عزوجل : وقولوا للناس حسنا . قال :
قولوا لهم أحسن ما تحبون أن يقال لكم ، ثم قال : إن الله عزوجل يبغض اللعان
السباب ، الطعان الفحاش المتفحش ، السائل الملحف ، ويحب الحيي الحليم ،
العفيف المتعفف .
وقال : لو صمت النهار لا أفطر ، وصليت الليل لا أفتر ، وأنفقت مالي
في سبيل الله علقا علقا ، ثم لم تكن في قلبي محبة لاوليائه ، ولا بغضة لاعدائه ،
ما نفعني ذلك شيئا .
وكان له من الولد خمسة ذكور : أبو عبدالله جعفر ، وعبدالله ، وابراهيم ،
وعبيد الله درج صغيرا ، وعلي درج صغيرا .
وتوفي علي بن عبدالله بن العباس بن ع بدالمطلب سنة 118 ، وكان مولده في
الليلة التي قتل في صبيحتها علي بن أبى طالب ، وتوفي بالاحهير ؟ 1 بين الحميمة
وأذرح من عمل دمشق ، وسنه ثمانون وسبعون سنة ، وأمه زرعة بنت مشرح
ابن معدي كرب ، أحد ملوك كندة الاربعة . وكان ذا غناء وفضل وشرف
ورواية عن أبيه .
قال : سمعت أبي يقول : إن من غصبته نفسه فيما تحب لم يطمعها فيما يحب .
وقال : سمعت أبي يقول : تعاشر الناس حينا بالتقوى ، ثم رفع ذلك ،
فتعاشروا بالمروة ، ثم رفع ذلك ، فتعاشروا بالحياء ، ثم رفع ذلك ، فانتهك
الغطاء .
وكان يقول : الكريم يلين إذا استعطف ، واللئيم يقسو إذا لوطف .
وقال : سخاء الناس عما في أيدي الناس أفضل من سخائها بالبذل ، والقناعة
لذة العيش ، والرضى بالقسم أكثر من مروة الاعطاء ، ومن حفظ من نفسه
* ( هامش ) * ( 1 ) الاحهير : هكذا في الاصل . ـ * ـ
ـ322ـ
أربعا فهو خليق ألا ينزل به ما نزل بغيره : العجلة ، واللجاج ، والعجب ،
والتواني .
وكان لعلي بن عبدالله بن عباس من الولد اثنان وعشرون ولدا : محمد بن
علي ، وأمه العالية بنت عبيدالله بن عباس ، وداود ، وعيسى لام ولد ،
وسليمان ، وصالح لام ولد ، وأحمد ، وبشر ، ومبشر ، واسماعيل ، وعبد
الصمد ، لامهات أولاد ، وعبدالله الاكبر ، أمه أم أبيها بنت عبدالله بن جعفر
ابن أبي طالب ، لا عقب له ، وعبيدالله ، وأمه فلانة بنت الحريش ، وعبد
الملك ، وعثمان ، و عبدالرحمن ، وعبدالله الاصغر ، وهو السفاح ، ويحيى ،
وإسحاق ، ويعقوب ، و عبدالعزيز ، واسماعيل الاصغر ، وعبدالله الاوسط ،
وهو الاحنف ، لامهات أولاد شتى .
قدم محمد بن علي بن عبدالله على هشام ، ومعه ابنه أ بوالعباس غلام ،
ح من عنده قال لبعض أصحابه : شكوت إلى أمير المؤمنين ثقل الدين
؟ ، فاستهز أبي ، وقال : انتظر ابن الحارثية ، يعني هذا الغلام .
؟ هشام في طلب الخوارج . . . 1 فجلس يوما ، وجمع إليه الخوارج ،
فقال : يا قوم ! خافوا الله ولا تدعوا الجهاد ! فبايعوه ، وأقام أياما وحضرته
الوفاة ، فقال لهم : إني لست بأحد أوثق مني بالبهلول بن عمير الشيباني ،
فلما مات خرج البهلول ، فصار إلى قرب الكوفة ، فبلغ ذلك خالد بن عبدالله ،
فوجه إليه بخيل ، فاتبعته من عين التمر إلى الموصل ، فقتل بالموصل .
وأنكر هشام على خالد بن عبدالله أمورا بلغته ، منها : أنه فرق أموالا
عظاما ، مبلغها ستة وثلاثون ألف ألف درهم ، فاستعظمها ، وأنه قال : ما
زادت أمية في شرف قسر 2 هكذا ، وجمع بين اصبعيه ، فكتب إليه : أما
بعد فقد بلغني مقاتلك ، وإنما أنت من بجيلة الذليلة الحقيرة ، وستعلم يا ابن
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
2 قوله : قسر ، هكذافي الاصل .
ـ323ـ
النصرانية أن الذي رفعك سيضعك .
وأقام خالد على العراق أربع عشرة سنة ، أو خمس عشرة ، فلما عزم
هشام على صرفه أحضر حسان النبطي ، وكان ينظر في أمر خالد بن عبدالله كله ،
فأشرف عليه بالقتل 1 ، وحلف له بالله الذي لاإله إلا هو ليصدقنه ، أو ليقتلنه ،
فأتاه حسان بصناديق وقائع على خالد ، وكان أول كاتب رفع على عامل بلده ،
ولما وقف هشام من أمر خالد على ما أراد كتب إلى سيف بن عمر الثقفي ،
وكان عامله باليمن ، كتابا بخطه لم يطلع عليه أحدا ، يأمره بالنفوذ إلى العراق ،
وأن يستر خبره حتى يقدمها ، فيقبض على خالد وأصحابه ، فيأخذه بستة وثلاثين
ألف ألف درهم .
فخرج يوسف من اليمن ، وقد أسر أمره ، وكان في سبعة نفر ، حتى قدم
العراق ، وكان مقدمه العراق سنة 120 ، وافى يوسف بن عمر في الليل في
خمسة نفر حتى صار إلى المسجد الجامع ، فلما أقيمت الصلاة تقدم خالد ليصلي ،
فجذبه يوسف فأخرجه ، ثم تقدم وقرأ : إذا وقعت الواقعة ، في أول ركعة ،
ثم قرأ في الثانية : سأل سائل بعذاب واقع ، ثم أقبل على الناس بوجهه ،
فعرفهم نفسه ، وأخذ خالدا وأصحابه ، فعذبهم أنواع العذاب ، وطالبهم بالمال ،
فاجتمع جماعة دهاقين العراق ومياسير الناس ، فقالوا : نحن نتحمل هذا المال
عنه ونؤديه ، فيقال إن يوسف قبل ذلك منهم ، فلما حملوا إليه المال طالب
خالدا ، وأخذ خالدا ، فألبسه جبة صوف ، وجمع يده إلى عنقه ، ثم أتي به
إليه ، وهو جالس على دكان ، فجذبه حتى سقط لوجهه ، فقال بعض من
حضر : رأيت خالدا وقد فعل مثل هذا بعمر بن هبيرة الفزاري لما عزله عن
العراق ، فمن ولي شيئا فليحسن .
وخوف يوسف خالدا وعماله ، ووظف عليهم الاموال ، وعذبهم حتى
مات أكثر هم في يده : فوظف على ابان بن الوليد البجلي عشرة آلاف ألف ،
* ( هامش ) * 1 اشرف عليه بالقتل : هكذا في الاصل .
ـ324ـ
ووظف على طارق بن أبي زياد عامل فارس عشرين ألف ألف ، ووظف على
الزبير عامل اصبهان والري وقومس عشرين ألف ألف درهم ، وعلى غيرهم ما
دون ذلك ، فاستخرج أكثر المال .
وكان بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الاشعري عامل خالد على البصرة ،
فهرب من سجن يوسف ، فلحق بهشام ، فكتب فيه يوسف إلى هشام ، فأشخصه
إليه ، فعذبه حتى قتله ، وجعل داره بالكوفة سجنا ، واستصفى داره بالبصرة .
ولما بلغ الحكم بن عوانة عامل السند ما فعل يوسف بعمال خالد أوغل في
بلاد العدو ، وقال : إما فتح يرضى به يوسف ، وإما شهادة أستريح بها منه ،
فلقي العدو ، فلم يزل يقاتل حتى قتل ، وقد كان استخلف على الخيل عمرو
ابن محمد بن القاسم الثقفي .
ولما قتل الحكم بن عوانة بأرض السند تنازع خلافته عمرو بن محمد الثقفي
وابن عرار ، فكتب إلى يوسف بن عمر ، وكتب بذلك إلى هشام ، فكتب إليه
هشام : إن كان عمرو بن محمد قد اكتهل فوله ! فمال يوسف بالثقفية إلى
عمرو ، فولاه ، وأرسل بعهده إليه ، فأخذ ابن عرار ، فحبسه وقيده .
وبنى عمرو بن محمد بن القاسم مدينة دون البحيرة سماها المنصورة ،
ونزلها في منزل الولاة . وكلب العدو ، وملكوا ملكا ، ثم زحفوا إلى المنصورة ،
فحصرها ، فكتب عمرو إلى يوسف ، فوجه إليه بأربعة آلاف ، فانصرف
عنه الملك ، وقوض أمره ، فتجهز للعدو وجعل على مقدمته معن بن زائدة
الشيباني ، وكبس عسكر ذلك الملك ليلا ، وصبر أصحابه ، فقتل من العدو
خلقا عظيما .
وأشرف ذلك الملك ، فمر به قوم من أصحابه ولم يعرفه المسلمون ، فلما
رأوه قالوا : الراه الراه ، أي الملك ، فاسننقدوه ، ومر هاربا هو وأصحابه لا
يلوي على شئ ، واستقامت البلاد لعمرو ، وكان معه في عسكره مروان بن يزيد
ابن المهلب ، فوثب في جماعة من القواد مايلوه على ذلك ، حتى انتهب متاعه
ـ325ـ
وأخذ دوابه ، فخرج إليه عمرو ومعه معن بن زائدة وعطية بن عبدالرحمن ،
فهزمه ، وفرق أصحابه ، وهرب مروان ، فنادى عمرو : الناس كلهم آمنون
إلا ابن المهلب ، فدل عليه فقتله .
وأقدم هشام زياد بن علي بن الحسين ، فقال له : إن يوسف بن عمر الثقفي
كتب يذكر أن خالد بن عبدالله القسري ذكر له أن عندك ستمائة ألف درهم
وديعة ، فقال : ما لخالد عندي شئ ! قال : فلا بد من أن تشخص إلى يوسف
ابن عمر حتى يجمع بينك وبين خالد . قال : لا توجه بي إلى عبدثقيف يتلاعب
بي ، فقال : لابد من إشخاصك إليه ، فكلمه زيد بكلام كثر ، فقال له هشام :
لقد بلغني أنك تؤهل نفسك للخلافة ، وأنت ابن أمة . قال : ويلك مكان
أمي يضعني ؟ والله لقد كان اسحاق ابن حرة واسماعيل ابن أمة ، فاختص الله
عزوجل ولد اسماعيل ، فجعل منهم العرب ، فما زال ذلك ينمي حتى كان
منهم رسول الله ، ثم قال : اتق الله ، يا هشام ! فقال : أو مثلك يأمرني
بتقوى الله ؟ فقال : نعم ! إنه ليس أحد دون أن يأمر بها ، ولا أحد فوق أن
يسمعها .
فأخرجه مع رسل من قبله ، فلما خرج قال : والله إني لاعلم أنه ما أحب
الحياة قط أحد إلا ذل . وكتب هشام إلى يوسف بن عمر : إذا قدم عليك زيد بن
علي فاجمع بينه وبين خالد ، ولا يقيمن قبلك ساعة واحدة ، فإني رأيته
رجلا حلو اللسان شديد البيان خليقا بتمويه الكلام ، وأهل العراق أسرع شئ
إلى مثله .
فلما قدم زيد الكوفة دخل إلى يوسف فقال : لم أشخصتني من عند
أمير المؤمنين ؟ قال : ذكر خالد بن عبدالله أن له عندك ستمائة ألف درهم .
قال : فأحضر خالدا ! فأحضره وعليه حديد ثقيل ، فقال له يوسف : هذا زيد
ابن علي ، فاذكر ما لك عنده ! فقال : والله الذي لا إليه إلا هو ما لي عنده قليل
ولا كثير ، ولا أردتم بإحضاره إلا ظلمه . فأقبل يوسف على زيد ، وقال له :
ـ326ـ
إن أمير المؤمنين أمرني أن أخرجك من الكوفة ساعة قدومك . قال : فأستريح
ثلاثا ، ثم أخرج . قال : ما إلى ذلك سبيل . قال : فيومي هذا . قال : ولا ساعة
واحدة . فأخرجه مع رسل من قبله ، فتمثل عند خروجه بهذه الابيات :
منخرق الخفين يشكو الوجى * تنكبه أطراف مرو حداد
شرده الخوف وأزرى به * كذلك من يكره حر الجلاد
قد كان في الموت له راحة * والموت حتم في رقاب العباد
فلما صار رسل يوسف بالعذيب انصرفوا ، وانكفأ زيد راجعا إلى الكوفة ،
فاجتمع إليه من بها من الشيعة ، وبلغ يوسف بن عمر ، فوثب بينهم وكانت
بينهم ملحمة ، ثم قتل زيد بن علي ، وحمل على حمار ، فأدخل الكوفة ،
ونصب رأسه على قصبة ، ثم جمع فأحرق وذري نصفه في الفرات ونصفه في
الزرع ، وقال : والله ، يا أهل الكوفة ، لادعنكم تأكلونه في طعامكم وتشربونه
في مائكم . وكان مقتل زيد سنة 121 .
ولما قتل زيد ، وكان من أمره ما كان ، تحركت الشيعة بخراسان ، وظهر
أمرهم ، وكثر من يأتيهم ويميل معهم ، وجعلوا يذكرون للناس أفعال بني أمية ،
وما نالوا من آل رسول الله ، حتى لم يبق بلد إلا فشا فيه هذا الخبر ، وظهرت
الدعاة ورئيت المنامات وتدورست كتب الملاحم ، وهرب يحيى بن زيد إلى
خراسان ، فصار إلى بلخ ، فأقام بها متواريا ، وكتب يوسف إلى هشام بحاله ،
فكتب إلى نصر بن سيار بسببه ، فوجه نصر جيشا إلى بلخ ، عليهم هدبة بن عامر
السعدي ، فطلبوا يحيى حتى ظفروا به ، فأتوا به نصرا ، فحبسه في قهندز مرو .
وبلغ هشاما اضطراب خراسان ، وكثرة من بها ، فكتب إلى يوسف بن
عمر : ابعث إلي برجل له علم بخراسان ! فبعث إليه بعبد الكريم بن سليط بن
عطية الحنفي ، فسأله عن أمر خراسان وأهلها ومن بها ممن يصلح أن يولاها ،
فسمى له جماعة من قيس وربيعة ، فكان إذا سمى رجلا من ربيعة قال : إن
ـ327ـ
ربيعة لايسد بها الثغور ! فسمى نصر بن سيار الليثي ، فقال : كأنه نصر
وسيار ، فقال : يا غلام اكتب عهده ، فكتب العهد ، وأمره أن يعاجل
يوسف بن عمر ، وكان نصر بن سيار قبل ذلك تولى كورة من كور خراسان ،
فعزل جعفر بن حنظلة وولي البلد .
وكان يوسف أخذ عمال خالد فحبسهم ، وكان ممن أخذ : عيسى بن
معقل العجلي ، وعاصم بن يونس العجلي ، وكان أبومسلم ، واسمه ابراهيم بن
عثمان ، قبل أن يسميه محمد بن علي عبدالرحمن ، يخدم عيسى بن معقل ،
وقد سمعهم يتكلمون في دعوة بني هاشم حتى فهم الامر ، وقد ارتحل سليمان بن
كثير ، ومالك بن الهيثم ، وقحطبة بن شبيب يريدون مكة ، فدخلوا السجن إلى
عيسى بن معقل ، وعاصم بن يونس ، فرأوا أبا مسلم يختلف إليهم ، ويذاكر هم
هذا الامر ، فأخرجوه معهم ، وأدخلوه إلى محمد بن علي فكلمه ، وقال :
إني لاحسب هذا الغلام صاحبنا بل هو هو ، فاقبلوا قوله ، وانتهوا إلى أمره ،
واستوصوا به ، فإنه صاحب الامر لاشك فيه .
وبعض أهل العلم بالدولة يقول : إن أبا مسلم لم يلحق محمد بن على ،
إنما لقي ابنه ابراهيم بن محمد بن علي .
وكان يزيد بن عبدالملك جعل ولاية العهد لابنه الوليد بن يزيد ، فكانت
الملاحاة لا تزال تجري بينه وبين هشام ، فدخل الوليد يوما إلى هشام ، فلم
يجده في مجلسه ، ووجد فيه خاله ابراهيم بن هشام بن اسماعيل المخزومي ،
فقال له الوليد : من الرجل ؟ متجاهلا به ، فغضب ابن هشام ، وقال : من
لم يتم لجدك شرف إلا بمصاهرته . قال : وإنك لتقول هذا ، يا ابن اللخناء !
وتنازعا كلاما قبيحا ، وخرج هشام ، وقد سمع الكلام ، فأمسكا ، ولم يقم إليه
الوليد ، فقال له هشام : كيف أنت يا وليد ؟ قال : صالح . قال : ما فعلت طنا بيرك ؟
قال : مغلمة . قال : ما فعل جلساؤك جلساء السوء ؟ قال : عليهم لعنة الله
ان كانوا شرا من جلسائك . قال : أقيموه ، فأخذ بيده ، وأقيم من مجلسه .
ـ328ـ
وكان هشام من أحزم بني أمية وأرجلهم ، وكان بخيلا ، حسودا ، فظا ،
غليظا ، ظلوما ، شديد القسوة ، بعيد الرحمة ، طويل اللسان ، وفشا الطاعون في
أيامه حتى هلك عامة الناس وذهبت الدواب والبقر ، وكان الغالب عليه الابرش
ابن الوليد الكلبي ، وصاحب شرطه كعب بن حامد العبسي ، وعلى حرسه الربيع
ابن زياد بن سابور ، وحاجبه الحريش مولاه ، وعمل الخز الرقم وغيره ، والوشي
والارمني وأصناف الثياب ، وكان ولايته عشرين سنة إلا خمسة أشهر ، وتوفي
يوم الاربعاء لتسع خلون من شهر ربيع الاول سنة 125 ، وهو ابن ثلاث وخمسين
سنة ، ومنع وكلاء الوليد بن يزيد من الخزائن ، فلم يوجد له كفن حتى كفنه
خادم له ، وقيل : بل كفنه الابرش الكلبي ، فصلى عليه العباس بن الوليد ،
وقيل : بل الابرش الكلبي ، ودفن بالرصافة .
وخلف من الولد عشرة : مسلمة ، ويزيد ، ومحمدا ، وعبدالله ، وسليمان ،
ومروان ، ومعاوية ، وسعيدا ، و عبدالرحمن ، وقريشا .
وأقام الحج للناس في ولايته سنة 105 ابراهيم بن هشام ، سنة 106 هشام
ابن عبدالملك ، سنة 107 ابراهيم بن هشام ، وفي سنة 108 ، 109 ، 110 ، 111
و 112 ابراهيم أيضا ، سنة 113 سليمان ابنه ، سنة 114 خالد بن عبدالملك
ابن الحارث بن الحكم ، سنة 115 محمد بن هشام بن اسماعيل ، سنة 116 الوليد
ابن يزيد بن عبدالملك ، سنة 117 خالد بن عبدالملك بن الحارث . . 1 ،
سنة 119 أبوشاكر مسلمة بن هشام ، سنة 120 وسنة 121 وسنة 122 محمد
ابن هشام بن اسماعيل ، سنة 123 يزيد بن هشام ، سنة 124 محمد بن هشام
ابن اسماعيل .
وغزا بالناس في ولايته سنة 106 ، غزا معاوية بن هشام ، وبعث بالوضاح
صاحب الوضاحية فأحرق الزرع والقرى لان الروم حرقوا المرعى ، وغزا الصائفة
اليسرى سعيد بن عبدالملك ، وغزا الجراح بن عبدالملك الحكمي اللان ، سنة 107
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ329ـ
معاوية أيضا ، سنة 108 مسلمة بن عبدالملك على الصائفة اليمنى ، وعاصم بن
يزيد الهلالي على الصائفة اليسرى ، سنة 109 معاوية بن هشام ، ومعه البطال على
مقدمته ، فافتتح خنجرة ، وغزا مسلمة الترك ، فأخذ عليهم باب اللان ، ولقي
خاقان ، سنة 111 معاوية بن هشام على الصائفة اليسرى ، وسعيد بن هشام على
الصائفة اليمنى ، وسارت الترك إلى اذربيجان ، فلقيهم الحارث بن عمرو الطائي ،
فهزمهم ، سنة 112 صار الترك إلى أرض أردبيل ، فغزاهم الجراح بن عبدالله
الحكمي ، فلقي ملك الترك ، فقتله ، وغزا معاوية بن هشام الروم فلم يمكنه
دخول بلادهم ، فرابط بالعمق من ناحية مرعش ، سنة 114 معاوية بن هشام
ومسلمة بن عبدالملك ، سنة 115 معاوية وسليمان ابنا هشام ، وعلى المقدمة
عبدالله البطال ، فلقي قسطنطين فأسره ، وهزم الروم ، سنة 116 معاوية بن
هشام ، سنة 117 معاوية وسليمان ابنا هشام ، وغزا مروان بن محمد بلاد الترك
. . . 1 مروان بن محمد ، سنة 121 مسلمة بن هشام بلغ ملطية ، سنة 122 مروان
ابن محمد ناحية أرمينية ، وسليمان بن هشام ناحية ملطية ، سنة 123 سليمان بن هشام الصائفة ، ومروان بن محمد جيلان وموقان من أرض أرمينية ، سنة 124
سليمان بن هشام ، فلقي أليون طاغية الروم وارطباس ، فانصرف ، ولم يكن بينهم
حرب ، سنة 125 الغمر بن يزيد بن عبدالملك .
وكان الفقهاء في أيامه سالم بن عبدالله بن عمر الهيثم بن محمد بن أبي بكر ،
محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، محمد بن كعب القرظي ، نافعا مولى عبدالله
ابن عمر ، عاصم بن عمر بن قتادة ، محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم ، طاووسا اليماني ، ربيعة بن أبي عبدالرحمن ، عطاء بن أبي رباح ،
عمرو بن دينار ، عبدالله بن أبي نجيح ، حبيب بن أبي ثابت ، عبدالملك
ابن ميسرة ، أبا إسحاق السبيعي ، القاسم بن عبدالرحمن ، عبيدالله بن عبدالله
ابن عتبة بن مسعود ، سماك بن حرب الذهلي ، الحكم بن عيينة الكندي ، حماد
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ330ـ
ابن أبي سليمان ، أبا معشر زياد بن كليب ، طلحة بن مصرف الهمداني ،
نعيم بن أبي هند الاشجعي ، أشعث بن أبي الشعثاء ، سعيد بن اسبوع ، أبا حازم
لاعرج ، قتادة بن دعامة السدوسي ، بكر بن عبدالله المزني ، أيوب السختياني ،
يزيد بن عبدالله بن الشخير ، عبدالرحمن بن جبير ، مكحولا الدمشقي ،
راشد بن سعد المقرئ ، ميمون بن مهران ، أبا قبيل المعافري ، يزيد بن الاصم .
ـ331ـ
ايام الوليد بن يزيد
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 331 سطر 1 الى ص 340 سطر 25
ايام الوليد بن يزيد
وملك الوليد بن يزيد بن عبدالملك ، وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف
الثقفي ، وأتته الخلافة وهو بدمشق بعد وفاة هشام بعشرة أيام ، وكان ذلك يوم
الجمعة لعشر بقين من شهر ربيع الاول سنة 125 ، وكانت الشمس يومئذ في
الدلو ستا وعشرين درجة وعشرين دقيقة ، والقمر في السنبلة خمس درجات
وعشرين دقيقة ، والمريخ في الجدي أربع درجات ، والزهرة في الجدي ست
عشرة درجة وخمسا وأربعين دقيقة ، وعطارد في الحوت اثنتي عشرة درجة وعشر
دقائق ، والرأس في الدلو إحدى عشرة درجة وخمسا وأربعين دقيقة .
وعزل الوليد عمال هشام وعذبهم أنواع العذاب ، خلا يوسف بن عمر
الثقفي عامل العراق ، وذلك أنه وجد في ديوان هشام كتبا من العمال يقومون
عزمه في خلع الوليد ، إلا يوسف ، فإنه أشار عليه ألا يفعل ، فأقره على عمله ،
وكتب إليه في خالد بن عبدالله القسري ، فلم يزل يوسف يعذبه . . . 1 .
وعقد لابنه الحكم بولاية العهد بعده ، وولاه دمشق ، وعقد من بعده لعثمان
ابنه ، وولاه حمص ، وضم إليه ربيعة بن عبدالرحمن الفقيه ، وجعله قائما
بأمره .
وعزل ابراهيم بن هشام بن اسماعيل المخزومي ، خال هشام ، عن المدينة
ومكة والطائف ، وولى خاله يوسف بن محمد الثقفي المدينة ومكة .
وكان نصر بن سيار لما أخذ يحيى بن زيد بن علي بن الحسين في أيام هشام
صار به إلى مرو ، فحبسه في قهندز مرو ، وكتب إلى هشام بخبره ، فوافق ورود
كتابه موت هشام ، فكتب إليه الوليد : أن خل سبيله ، وقيل : بل احتال يحيى
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ332ـ
ابن زيد حتى هرب من الحبس ، وصار إلى بيهق من أرض ابرشهر فاجتمع إليه
قوم من الشيعة ، فقالوا : حتى متى ترضون بالذلة ؟ واجتمع معه نحو مائة
وعشرين رجلا ، فرجع حتى صار إلى نيسابور ، فخرج إليه عمرو بن زرارة
القسري ، وهوعامل نيسابور ، فقاتل يحيى ، فظهر يحيى عليه ، فهزمه
وأصحابه ، وأخذوا أسلحتهم ، ثم اتبعوهم حتى لحقوا عمرو بن زرارة فقتلوه .
وسار يحيى يريد بلغ ، فوجه إليه نصر بن سيار سلم بن أحوز الهلالي ، فسار
سلم حتى صار إلى سرخس وسار يحيى حتى صار إلى باذغيس ، وسبق إلى
مرو الروذ ، فلما بلغ نصرا ذلك سار إليه في جموعته ، فلقيه بالجوزجان فحاربه
محاربة شديدة ، فأتت نشابة فوقعت في يحيى ، وبادر القوم فاحتزوا رأسه ،
وقاتل أصحابه بعده ، حتى قتلوا عن آخرهم .
وقدم في هذه النسة سليمان بن كثير ، ومالك بن الهيثم ، وقحطبة بن شبيب ،
وهم رؤساء دعاة بني هاشم ، على محمد بن علي بن عبدالله بن عباس بأموال
وهدايا ، ومعهم أبومسلم ، فقال لهم محمد : لن تلقوني بعد وقتي هذا ، وأنا
ميت في سنتي هذه ، وكان ذلك في أول سنة 125 ، وصاحبكم ابني ابراهيم
مقتول ، فإذا قضى الله فيه قضاءه ، فصاحبكم عبدالله بن الحارثية ، فإنه القائم
بهذا الامر ، وصاحب هذه الدعوة الذي يؤتيه الله الملك ، ويكون على يده هلاك
بني أمية ، وأخرجه إليهم حتى رأوه ، وقبلوا يديه ورجليه ، وقال لهم : إن
عبدالرحمن صاحبكم ، يعني أبا مسلم ، فاسمعوا له وأطيعوا ، فإنه القائم بهذه
الدولة .
وتوفي محمد بن علي في آخر سنة 125 ، وهو ابن سبع وستين سنة ، فلما
بلغ القوم وفاة محمد بن علي ، قدموا على ابراهيم بأبي مسلم وأعلموه أنه
صاحب أمرهم أمره عليهم ، ثم قال لقحطبة بن شبيب : وأنت والله الذي
تلقى نباتة بن حنظلة ، وعامر بن ضبارة ، فتهزمهما ، وتقاتل عساكر هما ،
ويفتح الله لك حتى تصير إلى الفرات لا ترد لك راية .
ـ333ـ
فخرجوا إلى خراسان ، وقد وقعت العصبية بين مضر واليمن ، وذلك أن
نصر بن سيار تحامل على اليمن وربيعة ، وقدم المضرية ، فوثب به جديع
ابن علي الكرمانني الازدي ، وكان رئيس الازد يومئذ ورجلهم ، وقال له :
لا ندعك وفعلك ، ومالت معه اليمانية وربيعة ، فأخذه نصر فحبسه ، فأتت
اليمن وربيعة حتى أخرجوه من مجرى كنيف ، ثم اجتمعوات عليه ، ورام نصر أن
يخدعه فيصير إليه ، فلم يفعل ، وكان في نصر بعض الحرق ، فلما علم جديع
أن اليمن وربيعة قد اجتمع رأيهما معه على نصر بن سيار ، وثب به فحاربه ،
وكان له العلو على نصر ، فمال أبومسلم إلى الكرماني ، فقال له : ادع إلى آل
محمد ! وجعل يمايل أصحابه ، ويدعوهم إلى ذلك ، حتى أظهروا دعوة بني
هاشم بخراسان .
وكان عمرو بن محمد بن القاسم الثقفي ، ويزيد بن عرار ، لمان قتل الحكم
ابن عوانة عامل السند ، تنازعا خلافته ، فكتب هشام إلى يوسف بن عمر في
ذلك ، فمال يوسف بالثقفية إلى عمرو بن محمد بن القاسم ، فولاه ، فلما ولي
الوليد عزل عمرو بن محمد بن القاسم عن السند ، وولى يزيد بن عرار ، فغزا
ثماني عشرة غزاة ، وكان ميمون النقيبة .
واضطربت البلدان كلها ، وكان الوليد مهملا لامره ، قليل العناية بأطرافه ،
وكان صاحب ملاه وقيان وإظهار للقتل والجور ، وتشاغل عن أمور الناس ،
وشرب ومجون ، فبلغ من مجونه أنه أراد أن يبني على الكعبة بيتا يجلس فيه للهو ،
ووجه مهندسا لذلك ، فلما ظهر هذا منه مع قتله خالد بن عبدالله القسري
وتعذيبه ابراهيم ومحمد ابني هشام حتى مانا ، واستذمامه إلى الناس وإلى أهل
بيته ، ومن كان في ناحيتهم من العرب ، استعمال يزيد بن الوليد بن عبدالملك
جماعة من أهل بيته ، فمايلوه على خلع الوليد ، وشايعه على ذلك بنو خالد بن
عبدالله القسري وجماعة من اليمانية إلى البيعة ليزيد بن الوليد بن عبدالملك ،
واجتمع إليه جماعة ، وخرج مولى للوليد ، فعرفه الخبر ، فضربه مائة سوط ،
ـ334ـ
وزحف إليه يزيد بن الوليد رويدا رويدا إلى قرية تعرف بالبخراء ، فنزل قصرا
بها بعساكره يتلو بعضها بعضا ، فقاتلوه ، فقاتلهم حتى قتل ، فابتدره الناس
بأسيافهم ، فاحتزوا رأسه ، وقعطوا يده ، فنصب رأسه بدمشق .
وكان قتله لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة 126 ، وكانت ولايته سنة
وخمسة أشهر ، وكان على شرطه عبدالرحمن بن حميد الكلبي ، وعلى حرسه
قطري مولاه ، وحاجبه قطن مولاه ، وخلف من الولد الذكور أربعة عشر ذكرا :
عثمان ، ويزيد ، والحكم ، والعباس ، وفهرا ، ولؤيا ، والعاص ، وموسى ،
وقصيا ، وواصلا ، وذؤابة ، وفتحا ، والوليد ، وسعيدا .
وأقام الحج للناس في ولايته سنة 125 محمد بن موسى الثقفي .
ـ335ـ
ايام يزيد بن الوليد بن عبدالملك
وملك يزيد بن الوليد بن عبدالملك ، وأمه شاهفريد بنت فيروز بن كسرى ،
مستهل رجب سنة 126 ، بعد قتل الوليد بخمس ، وكانت الشمس يومئذ في
الحمل إحدى عشرة درجة وأربعين دقيقة ، والقمر في الحوت عشرين درجة ،
وزحل في السنبلة عشرين درجة ، والمشتري في الجوزاء ثلاث درجات وخمسين
دقيقة ، والمريخ في الجوزاء خمسا وعشرين درجة وأربعين دقيقة ، والزهرة
في الجدي عشر درجات ، وعطارد في الحمل إحدى وعشرين درجة وثلاثين
دقيقة :
ونقص الناس من أعطائهم ، فسمي يزيد الناقص ، واضطربت عليه البلدان ،
فكان ممن خرج عليه العباس بن الوليد بمحص ، وشايعه أهل حمص ، وبشر بن
الوليد بقنسرين ، وعمر بن الوليد بالاردن ، ويزيد بن سليمان بفلسطين .
وساعد العباس أبومحمد بن عبدالله بن يزيد بن معاوية ، وسليمان بن هشام .
وبايع لاخيه ابراهيم بن الوليد بولاية العهد من بعد ثلاثة أيام من ولايته ،
ووجهه إلى الاردن ، وقد أمروا عليهم محمد بن عبدالملك ، فوافقوه ، فأرسل
إليهم ع بدالحرحمن بن مصاد يقول لهم : علام تقتلون أنفسكم ؟ أقبلوا إلينا نجمع
لكم الدنيا والآخرة ، وأنا أضمن لكل رجل منك ألف دينار ، فافترقوا .
وكانت ولايته خمسة أشهر ، والفتنة في جميع الدنيا عامة ، حتى قتل أهل
مصر أميرهم حفص بن الوليد الحضرمي ، وقتل أهل حمص عاملهم عبدالله بن
شجرة الكندي ، وأخرج أهل المدينة عاملهم عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز .
وغلب على أمره يزيد بن خالد بن عبدالله القسري ، وكان على شرطه
يزيد بن الشماخ اللخمي ، وعلى حرسه سلام مولاه ، وحاجبه جبير مولاه ،
ـ336ـ
وكان في بيت مال الوليد يوم قتل سبعة وأربعون ألف ألف دينار ، ففرقها يزيد
عن آخرها ، وكان قدريا ، وتوفي لانسلاخ ذي القعدة ، وصلى عليه ابراهيم بن
الوليد ، ودفن بدمشق ، وقيل إن أخاه ابراهيم سقاه السم .
وأقام الحج في تلك السنة ، وهي سنة 126 ، عمر بن عبدالله بن عبدالملك بن
مروان ، وقيل . . . 1 إن الحجاج بن عبدالملك . . . 2 ووثب ثابت بن نعيم
الجذامي على مروان ، وهو بأرمينية ، فظفر به مروان ، فمن عليه ، وانصرف
مروان من أرمينية ، واستخلف عليها عاصم بن عبدالله بن يزيد الهلالي ،
واستخلف على الباب والابواب اسحاق بن مسلم العقيلي ، ثم جمع أرمينية
لاسحاق بن مسلم العقيلي .
1 و 2 بياض في الاصل .
ـ337ـ
ايام إبراهيم بن الوليد
ثم ملك ابراهيم بن الوليد بن عبدالملك بن مروان ، وأمه أم ولد ، يقال
لها سعار ، في اليوم الذي توفي فيه يزيد بن الوليد ، فأقام أربعة أشهر ، وقدم
مروان بن محمد بن مروان من أرمينية خالعا له ، فلما صار بحران دعا إلى نفسه ،
فبايع له أهل الجزيرة سرا ، وأقبل في جموع من أهل الجزيرة ، فلقي بشرا
ومسرورا ابني الوليد بن عبدالملك معسكرين بحلب ، فهزم عسكريهما ، وأسرهما
ثم مضى حتى أتى حمص وعليها عبدالعزيز .
وبلغ ابراهيم الخبر ، فوجه إليه سليمان بن هشام بن عبدالملك ، فلقي
مروان ومن معه من أهل الجزيرة وقنسرين وحمص ، فالتقوا بعين الجر من
عمل دمشق ، فتناوشوا القتال يوم الاربعاء لسبع خلون من صفر سنة 127 ،
وانصرف بعضهم عن بعض ، فلما كان من الغد انهزم سليمان بن هشام وأصحابه ،
فلحقوا بابراهيم ، وأقبل مروان حتى نزل دير العالية ، فبايع له أهل دمشق ،
ودخلها ، فخلع ابراهيم نفسه ، وبايع لمروان يوم الاثنين للنصف من صفر سنة
127 ، ولم يزل مع مروان حتى غرق بالزاب ، في وقعة عبدالله بن علي .
ـ338ـ
ايام مروان بن محمد بن مروان ودعوة بني العباس
وملك مروان بن محمد بن مروان ، وأمه أم ولد يقال لها ريا ، في صفر
سنة 127 ، وبايع له من بدمشق من بني أمية وغيرهم ، وكتب إلى عمال البلدان
فأتته كتبهم بالسمع والطاعة والانقياد ، وأتاه الخبر أن أهل حمص مقيمون
على المعصية ، فسار إليهم ، واستخلف بدمشق عبدالعزيز بن الحجاج بن
عبدالملك ، فحاصرهم حتى فتح المدينة ، وهرب منه السمط بن ثابت بن الاصبغ
ابن ذوالة ، وأسر معاوية بن عبدالله السكسكي .
وأتاه الخبر أن يزيد بن خالد بن عبدالله القسري قتل يوسف بن عمر الثقفي ،
وكان يوسف محبوسا ، فلما رأى عبدالعزيز بن الحجاج بن عبدالملك اضطراب
أمر مروان بن محمد أمر يزيد بن خالد بن عبدالله القسري بالمضي إلى السجن ،
وأمره أن يقتل يوسف بن عمر ، ويقتل عثمان والحكم ابني الوليد بن يزيد ،
ففعل ذلك .
وأراد مروان أن يرجع ، فأتاه الخبر أن الضحاك بن قيس الحروري قد
غلب على ناحية العراق ، وحارب عبدالله بن عمر بن عبدالعزيز بواسط ، وأنه
قد صار إلى الجزيرة ، وجاز الموصل ، فصار إلى نصيبين ، وبها عبدالله بن
مروان ، فحاصره ، وكان عامل إسحاق بن مسلم بالباب والابواب رجلا يقال
له مسافر ، وكان يرى رأي الخوارج ، فكتب إليه الضحاك بعهده على أرمينية ،
وكان أهلها قتلوا عاصم بن عبدالله بن يزيد الهلالي عامل أرمينية ، فتوجه إليها ،
وصار موان إلى حران ، فابتنى بها منزله في موضع يقال له : دباب البين ،
وبلغ الضحاك خبره ، فأقبل نحوه ، فمر بالموصل ، فحصرها ، ثم كره أن
يطول الامر به ، فنفذ إلى نصيبين ، فحصرها ، ثم نفذ إلى حران حتى واقف
ـ339ـ
مروان ، فحاربه محاربة شديدة ، وظفر الضحاك عليه مرارا حتى عزله سريره ،
وجلس عليه ، ثم قتل الضحاك سنة 127 ، وافترق الخوارج فرقا .
وصار سليمان بن هشام بن عبدالملك ومن هرب من اليمانية من أصحاب يزيد
ابن خالد بن عبدالله معهم ، وسار سليمان بن هشام بن عبدالملك يريد الشأم ،
فلقيه مروان بخساف ، فهزمه ، ومضى سليمان ، وأصحاب الضحاك عليهم
الخيبري ، فسار في عسكر عظيم ، فلقي مروان فقتله مروان ، فولت الخوارج
أمرها أبا الذلفاء الشيباني ، فرجع بأصحابه إلى الموصل ، واتبعه مروان ،
فقاتله شهرا ، ثم انهزم أ بوالذلفاء ، فوجه مروان خلفه عامر بن ضبارة المري ،
فصار أ بوالذلفاء إلى عمان ، فقتل ، قتله الجلندي بن مسعود الازدي ، فخرج
أبو عبيدة خليفة الضحاك إلى الكوفة ، فولى مروان يزيد بن عمر بن هبيرة
الفزاري العراق ، فقدمها سنة 128 ، فقتل خليفه الضحاك ، وخرج ثابت بن
نعيم الجذامي بناحية الاردن ، فوجه إليه مروان بالرماحس بن عبدالعزيز ،
وولى عبدالواحد بن سليمان بن عبدالملك المدينة ومكة .
وقدم مكة ليقيم الحج ، ووافت الحرورية ، ومعهم أبوحمزة المختار بن
عوف الحروري الازدي ، حتى وقفوا على جبل عرفات ، وكان أبوحمزة من قبل
عبدالله بن يحيى الكندي الذي يسمى طالب الحق ، فلما وقفوا بعرفات أرعبوا
الناس وأخافوهم ، فأرسل إليهم عبدالواحد يعظم عليهم البلد الحرام والايام
العظام ويوم الحج الاكبر ، فوادعو هم يوم عرفة وأربعة أيام ، وصاروا إلى منى
فعسكروا ناحية منها ، فلما انصرفوا لحق عبدالواحد المدينة ، فدعا الناس إلى
الديوان ، ووجه بالجيش وعليهم عبدالعزيز بن عبدالله بن عمرو بن عثمان
ابن عفان بقديد في صفر سنة 130 ، فقتل عبدالعزيز ومن معه من أهل المدينة ،
واتهمت قريش خزاعة أن يكونوا داهنوا عليهم الحرورية .
وقدمت الحرورية المدينة لعشر بقين من صفر ، وهرب عبدالواحد بن
سليمان بن عبدالملك ، وغلب أبوحمزة على المدينة ، وخطبهم خطبة مشهورة ،
ـ340ـ
وكان أهل المدينة يصلون خلفه ، ويعيدون الصلاة ، ثم ساروا يريدون الشأم ،
ولقيهم خيل لمروان عليهم عبدالملك بن محمد بن عطية السعدي ، فأوقعوا بهم
بوادي القرى ، فزحف الحرورية منهزمين إلى المدينة ، فخرج إليهم أهل
المدينة ، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، ووافاهم ابن عطية ، فانهزموا ، فاتبعهم
إلى مكة ، ثم اتبعهم إلى اليمن حتى قتل عبدالله بن يحيى ، ودنوا من صعدة
فقتل فيهم حتى وطئ الناس عليهم ، ثم دخلوا صنعاء ، فأتاه كتاب مروان
بتولية الموسم ، فخرج ، فلما صار في بعض الطريق توفي في عسكره .
وأراد مروان أن ينفذ إلى العراق ، فأتاه خبر أهل حمص أنهم عصوا ،
فصار إليهم ، فوضع عليها المنجنيق حتى هدم سورها ، فطلبوا الامان ، فآمنهم
إلا ثلاثة نفر لم يؤمنهم وقتلهم .
وكان منصور بن جمهور لما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة العراق هرب حتى
أتى السند ، وكان ابن عرار عامل السند قرابة له ، فصار خلف النهر ، وأرسل
إليه ابن عرار ألا تبرح مكانك ! فرد عليه : إنما أردت المقام قبلك ، فلا
وصلى الله رحمك ، ولا قرب قرباك ، وستعلم بعد ، ثم عمل المراكب بسدوسان
وحملها على الابل حتى ألقاها في مهران ، ثم لقي ابن عرار ، فحاربه حتى هزمه
إلى المنصورة ، وحصره منصور بن جمهور ، فطلب ابن عرار الامان ، فقال :
لا أعطيك الامان إلا حكمي ، فنزل على حكمه ، فأمر فبنيت عليه أسطوانة ،
وهو حي ، وأقام منصور بالمنصورة ، وبعث أخاه منظورا إلى قندابيل والدايبل .
ولم يزل منصور مقيما بالسند حتى ظهر أبومسلم بخراسان ، ووجه أبو
مسلم برجل يقال له مغلس من أهل سجستان إلى السند ، فلما أظلهم
وثب أصحاب منظور أخي منصور بن جمهور ، فقتلوه ، وكتبوا إلى مغلس
فأتاهم ، فلقيه منصور بن جمهور ، فقاتله ، فهزمه ، وأسر مغلس ، فأتى به
منصور ، فقتله وقتل أكثر قتلة أخيه .
واشتدت شوكة الكرماني بخراسان ، ودامت الحرب بينه وبين نصر بن
ـ341ـ
سيار ، وظهر الكرماني على نصر بن سيار ، وكان أبومسلم الغالب على أمر
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 341 سطر 1 الى ص 350 سطر 25
سيار ، وظهر الكرماني على نصر بن سيار ، وكان أبومسلم الغالب على أمر
الكرماني ، فحدثني جماعة من أشياخنا أن أبا مسلم كان يقول : إذا التقى
الكرماني ونصر بن سيار للقتال اللهم افرغ عليهما الصبر ، وانزع عنهما النصر .
وطعن الكرماني فقتل ، وصلبه نصر ، وغلب أبومسلم على عسكره ، وظهر
أمره ، واستكنف جمعه ، وجاد نصر بن سيار القتال حتى فله مرارا ، وأظهر
دعوة بني هاشم ، وكان ذلك في شهر رمضان سنة 129 .
ووثب سليمان بن حبيب بن المهلب بالاهواز ، فوجه إليه يزيد بن عمر
ابن هبيرة نباتة بن حنظلة الكلابي ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، ثم انهزم سليمان ،
فلحق بفارس ، فوجه يزيد بن عمر عامر بن ضبارة المري إلى فارس .
وضعف أمر نصر بن سيار بخراسان ، وقوي أمر أبي مسلم ، فكتب نصر
إلى مروان يصف له حاله ، وضعف من معه ، وقوة أبي مسلم ، وظهوره ،
وكتب في آخر كتابه :
أرى بين الرماد وميض جمر * ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تورى * وإن الفعل يقدمه الكلام
أقول من التعجب ليت شعري * أأيقاظ أمية أم نيام ؟
فكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة عامله على العراق أن يمد نصر بن
سيار بالرجال ، فقعد يزيد ، ثم تابع مروان الكتب إليه بالوعيد ، فوجه بابنه
داود بن يزيد في جيش عظيم ، فيه عامر بن ضبارة المري ، والجويرية بن
اسماعيل ، ونباتة بن حنظلة الكلابي ، وكان داود بن يزيد بن عمر حدث السن ،
فكتب مروان إلى ابن هبيرة ينكر عقده لابنه داود لحداثة سنة ، ويأمره أن
ينفذ إليه من يحل لواءه ، ويعقد لعامر بن ضبارة المري على الجيش ، ففعل
ابن هبيرة ذلك ، ونفذ الجيش ، وعلى المقدمة نباتة بن حنظلة الكلابي .
وطلب مروان ابراهيم بن محمد بن علي بن عباس لما بلغه أن
ـ342ـ
دعوة أبي مسلم له ، وأنه الذي يؤهل لهذا الامر . فحدث عثمان بن عروة بن
محمد بن عمار بن ياسر قال : كنت مع أبي جعفر عبدالله بن محمد بالحميم ،
ومعه ابناه جعفر ، ومحمد ، وهما صبيان ، فأنا أداعبهما وألا عبهما فقال لي :
أي شئ تصنع بهذين الصبيين ، وأما ترى ما نحن فيه ؟ فنظرت ، فإذا رسل مروان
تطلب ابراهيم بن محمد ، فقلت : دعني أخرج ! فقال : تخرج من بيتي ،
وأنت ابن عمار بن ياسر ؟ قال : فأخذوا بأبواب المسجد ، وأشير لهم إلى إبراهيم
ليأخذوه ، وقد كان وصف لهم بصفة أبي العباس ، وأ بوالعباس الموصوف
بقتلهم ، فلما أتي به إلى مروان قال : ليس هذه الصفة ! فقال الرسول : قد
والله رأيت الصفة ، ولكن قلت : ابراهيم بن محمد ، وهذا ابراهيم بن محمد ،
فردهم في طلب أبي العباس ، فوجدوه قد تغيب ، فأمر مروان بإبراهيم فغطي
وجهه بقطيفة ، حتى مات ، وقيل : بل أدخل رأسه في جراب نورة حتى مات ،
وفيه يقول ابن هرمة :
وكنت أحسبني جلدا فضعفي * قبر بحران فيه عصمة الدين
فيه الامام الذي عمت مصيبته * وعليت كل ذي مال ومسكين
وأظهر أبومسلم الدعوة لبني هاشم ، وطلب نصر بن سيار منه المتاركة ،
وسأله الموادعة ، فوجه إليه لاهز بن قريظ في جماعة من أصحابه ، وكان لاهز
ابن قريظ أحد النقباء ، فأمره أن يحضر ليبايع ، فدخل لاهز عليه فقال :
أجب الامير ! ثم تلا : إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك ، فاخرج إني لك من
الناصحين . فقال نصر : ادخل إلى بستاني واخرج إليهم ، فدخل إلى بستان له ،
فركب دوابه ، ومضى هاربا ، فمات بقرية يقال لها ساوة ، وأخذ أبومسلم
لاهز بن قريظ ، فضرب عنقه .
وقدم إلى نيسابور في شهر رمضان ، أو شوال ، ووجه عماله ، فاستعمل
سباع بن معمر الازدي على سمرقند ، واستعمل أبا داود خالد بن ابراهيم على
ـ343ـ
طخارستان ، وجعل أبا نصر مالك بن الهيثم الخزاعي على شرطه ، ووجه محمد
ابن الاشعث الخزاعي إلى الطبسين وفارس ، ووجه الحسن بن قحطبة على مقدمته ،
ثم قدم قحطبة بن شبيب ، ومعه عهد ابراهيم بن محمد بن علي ، وسيرة يعمل
عليها ، فأمضى أبو مسلم له ذلك ووجهه لقتال جند بني أمية ، فسار قحطبة حتى
أتى جرجان ، فلقي نباتة بن حنظلة ، فنشبت الحرب ، فقتل نباتة ، وهزم جنده ،
واحتوى على ما في عسكره ، وصير الغنائم إلى خالد بن برمك ، فقسمها بين
أصحابه .
وأقام قحطبة إلى غرة المحرم سنة 131 ، ثم وجه بابنه الحسن بن قحطبة إلى
قومس على مقدمته ، ولحقه فوجهه من الري إلى همذان ، ووجه العكي إلى
قم وأصبهان ، وسار قحطبة حتى صار إليها وفيها عامر بن ضبارة المري ،
فأرسل إليه يدعوه إلى بيعة آل محمد ، فأرسل إليه ابن ضبارة : يا علوج !
أما والله إني لارجو أن أقرنكم في الحبال ! وكان في أربعين ألفا من أهالي الشأم ،
فواقعه قحطبة ، فقتله ، وقتل من كان معه من أصحابه ، فلم ينج منهم إلا
القليل ، فهربوا إلى ابن هبيرة ، وهو إذ ذاك بجلولاء .
وصار قحطبة إلى نهاوند وبها أدهم بن محرز الباهلي في جماعة ممن ضوى
إليه ، فحصرها قحطبة ثلاثة أشهر حتى أفنى أكثرهم ، ثم فتحها ، وسار إلى
حلوان ، وكان قحطبة يقول : ما من شئ فعلته إلا وقد خبرني به الامام إلا
أنه أعلمني ألا أعبر الفرات .
ووجه قحطبة أبا عون عبدالملك بن يزيد إلى شهر زور ، فلقي عثمان بن
زياد فهزمه واستباح عسكره .
قال حميد بن قحطبة : حدثني أبي قال : دخلت مسجد الكوفة أيام
بني أمية ، وعلي فرو غليظ ، فجلست إلى حلقة ، وشيخ في صدر القوم
يحدثهم ، فذكر أيام بني أمية ، وذكر السواد ومن يلبسه فقال . يكون
ويكون ، ويخرج رجل يقال له قحطبة ، كأنه هذا الاعرابي ، وأشار إلي ،
ـ344ـ
ولو أشاء أن أقول هو هو لقلت . قال قحطبة : فخفت على نفسي ، فتنحيت
ناحية ، فلما انصرف كلمته ، فقال : لو شئت أن أقول إنك أنت هو لقلت .
فسألت عنه فقيل لي : هو جابر بن يزيد الجعفي .
وكان ابن هبيرة بواسط العراق ، فتحصن بها ، وأدخل الطعام والانزال ،
وانصرف إليها فلال العصاكر . وقدم قحطبة العراق فوافى به عسكرا ليزيد بن
هبيرة واستباحه ، وصار إلى الزاب ، وهو من الفلوجه العليا ، على رأس أربعة
وعشرين فرسخا من الكوفة ، فلقي يزيد بن عمر بن هبيرة ليلة الخميس لسبع
خلون من المحرم سنة 132 ، فاقتتلوا ساعة من الليل ، ثم انهزم ابن هبيرة ،
حتى رجع إلى واسط ، فتحصن بها ، فلما فرغ قحطبة من قتاله قام خطيبا ،
فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي ، ثم قال : أيها الناس ، إنا والله ما
خرجنا إلا لاقامة الحق وإزالة دولة الباطل ، وقد أعلمتكم أن الامام محمد بن
علي بن عبدالله بن عباس أعلمني أن ألقى نباتة بن حنظلة الكلابي ، وعامر بن
ضبارة المري ، فأهزمهما وأستبيح عسكر هما ، وأقتل م قاتلتهمتا ، وأنبأتكم بذلك
قبل كونه ، وقد رأيتم صدق ما خبرتكم ، وإن الامام أعلمني أن لا أعبر
الفرات ، وإنكم تعبرونه ، فلا يفقد من الجيش أحد غيري وانه والله لاكذب
فيما قال ، فإذا فقدتموني فأمير الناس حميد بن قحطبة ، فإن غاب فالحسن بن
قحطبة ، والسلام على من اتبع الهدى ، ورحمة الله وبركاته .
فلما كان السحر عبروا الفرات ، وكان في أيام المد وكثرة الماء ، فلما
أصبحوا فقدوا قحطبة ، فلم يعرفوا له خبرا ، وقالوا : غرق ، وقالوا :
سقط عليه جرف ، وقالوا : غار به فرسه ، وكان أبومسلم قد كتب إليه . . . 1
من الكوفة : إني قد أعددت لك من المنازل ، فكتب إليه قحطبة : أيها الوزير
لئن لقيتك إذا إن لبني أمية بعد لبقاء .
وانهزم ابن هبيرة بعد أن غرق قحطبة ، فلما بلغ مروان الخبر قال : هذا
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ345ـ
والله الادبار ، وإلا فمن سمع بميت يهزم حيا ؟
وسار حميد بن قحطبة حتى دخل الكوفة بعد ما فقد قحطبة بأربع ليال ،
وقد أخذ محمد بن عبدالله القسري الكوفة لبني هاشم ، وأظهر دعوتهم ، وشرد
من كان بها من بني أمية وأصحابهم ، وأظهر السواد ، وغلب سفيان بن معاوية
ابن يزيد بن المهلب على البصرة وسود ، ودعا إلى بني هاشم أبوسلمة حفص بن
سليمان الخلال ، واستعمل العمال ، ووجه الحسن بن قحطبة إلى ابن هبيرة ،
وأتبعه بمالك بن الهيثم ، وأمرهم أن يحاصراه ، فأناخ الحسن على المدينة الغربية ،
ومالك على الشرقية ، ووجه هشام بن ابراهيم مولى بني ليث إلى عبدالواحد
ابن عمر بن هبيرة ، وكان عامل أخيه على الاهواز ، فقاتله حتى فض جمعه ،
ثم انهزم عبدالواحد بن عمر بن هبيرة ، فلحق بسلم بن قتيبة الباهلي ، وهو عامل
يزيد بن عمر على البصرة .
وقدم أ بوالعباس وإخوته وأهل بيته الكوفة في المحرم سنة 132 ، فصيرهم
أبوسليمة في دار الوليد بن سعد في بني أود ، وكتم أمرهم ، فلم يطلع على خيرهم
أحد ، فأقاموا في تلك الدار شهرين ، حتى لقي أبوحميد غلاما لهم ، فسأله
عنهم ، فأخبره بسوء ضعفهم ، فصار إليهم وهم في سرداب ، فقال : أيكم
عبدالله بن محمد بن الحارثية ؟ فأشير له إلى أبي العباس ، فسلم عليه بالخلافة ،
فمضى ، فأحضر أصحابه ، وأخرج أبا العباس ، وبايع الناس له ، فلما بلغ أبا
سلمة الخبر جاءهم ركضا حتى لحقهم ، فقال له : عجلتم ، وأرجو أن يكون
خيرا ، . وصار أ بوالعباس إلى المسجد ، فخطب وصلى .
ووجه أ بوالعباس عمه عبدالله بن علي بن عبدالله بن عباس لقتال مروان ،
فلقيه بالزاب بالقرب من الموصل ، وإنما كان قصد مروان إلى الزاب لان
بني أمية كانت تروي في ملاحمها أن المسودة لايجوز سلطانهم الزاب ، فكانوا
يتوهمون أنه زاب الموصل ، فقصده مروان ، وهو يرى أنه لا يجوزه ، وإنما
ذلك زاب بأقاصي الغرب ، فحاربه عبدالله بن علي ، فهزمه ، ثم لم يزل في
ـ346ـ
أثره ، وهو منهزم لا يلوي على شئ ، حتى أخرجه إلى الجزيرة ، ثم أخرجه من
الجزيرة إلى الشأم ، فجعل لا يمر بجند من أجناد الشأم إلا انتهبوه ، حتى صار إلى
دمشق ، وهو مضمر أن يتحصن بها ، فانتهبه أهل دمشق ، ووثب عليه من بها
من قيس ، فدخلها عبدالله بن علي عنوة ، وقتل الوليد بن معاوية بن مروان
ابن عبدالملك ، خليفة مروان بها ، ومضى مروان إلى فلسطين هاربا ، فلحقه
عبدالله بن عبدالملك ، فأسره عبدالله بن علي ، وأسر معه عبدالله بن يزيد بن
عبدالملك ، فوجه بهما إلى أبي العباس ، فصلبهما بالحيرة .
وقدم صالح بن علي عاملا على مصر ، وقد هرب مروان إليها ، فاتبعه ،
فألجأه إلى قرية بوصير من كورة اشمون من الصعيد ، فلم يزل مواقفا له ،
والحرب بينهما ، ثم أرسل إليه مروان : متى ظفرت بهذا الامر فأوصيك بالحرم
خيرا ! فأرسل إليه صالح : يا جاهل ! إن الحق لنا عليك في نفسك ، ولك علينا
في حرمك .
وانصرف عبدالله بن علي راجعا إلى دمشق وصالح في قتال مروان ، ثم
قتل مروان في المعركة ، وصاحب الجيش عمر بن اسماعيل الحارثي ، وكانت مدة
مروان في ولايته إلى أن قتل خمس سنين ، وقتل في ذي الحجة سنة 132 ،
وهو ابن أربع وستين سنة ، وقيل : ثمان وستين سنة ، وحز رأسه ، فلما
قور جاءه هر فأخذ لسانه ، وحمل الرأس إلى أبي العباس ، فلما وضع بين
يديه قال : أيكم يعرف هذا ؟ فقال سعيد بن عمرو بن جعدة : هذا رأس مروان
ابن محمد بن مروان بن الحكم ، خليفتنا بالامس . فأنكر الناس ذلك عليه ، فقال
أ بوالعباس : ما أراد الشيخ بهذا القول إلا الوفاء .
وكان الغالب على مروان أبوحديدة السلمي ، واسماعيل بن عبدالله القسري ،
وإسحاق بن مسلم العقيلي ، وعلى شرطه الكوثر بن الاسود الغنوي ، وهوالذي
قال له يوما في قتاله : انزل ، ويلك ! فقاتل ، فأبى أن يفعل ، فقال مروان :
والله لاسوء نك ! فقال : وودت والله أنك تقدر على ذلك ، وكان على حرسه
ـ347ـ
سقلاب مولاه ، وحاجبه سليم مولاه .
وكان له من الولد الذكور أربعة : عبدالملك ، وعبدالله ، وعبيدالله ،
ومحمد ، وكان عبدالله وعبيدالله ابنا مروان ليلة قتل مروان توجها نحو الصعيد ،
ثم صارا إلى بلاد النوبة ، وتلاحق بهما جماعة من أصحاب مروان ، فصاروا
زهاء أربعة آلاف ، وتخلف عبدالحميد بن يحيى كاتب مروان بمصر ، واستتر
حتى دل عليه صالح بن علي .
وخرج مع عبدالله وعبيدالله جماعة من نسائهم من البنات والاخوات وبنات
العم ماشيات ، هائمات على وجوههن ، حتى مر رجل من أهل الشأم بصبية
ملقاة تنكر ، وإذا هي بنت لمروان بنت ست ستين ، فحملها معه حتى دفعها
إلى عبدالله بن مروان .
ووافى القوم بلاد النوبة فأكرمهم عظيم النوبة ثم قالوا : نقر في بعض هذه
الحصون التي في بلاد النوبة ، فلعلنا نتخذ منها معقلا ، ونقاتل من يلينا من
العدو ، وندعو إلى طاعتنا لعل الله أن يرد علينا بعض ما أخذ منا . فقال لهم
عظيم النوبة : إن هذه الاغربة ، يريد السودان ، كثير عددها ، قليل سلبها ،
وإني لا آمن عليكم أن تصابوا فيقال : أنت قتلتهم . فقالوا : نحن نكتب لك
كتابا إنا وردنا بلادك ، فأكرمت مثوانا ، وأحسنت جوارنا ، وجهدت ألا
نبرح من عندك ، فأبينا حتى خرجنا ، ونحن لك شاكرون . ثم خرجوا ، فأخذوا
في بلاد العدو فكانوا ربما لقوا الجيش من الحبشة ، فقاتلوهم حتى صاروا إلى
بجاوة ، فلقيهم عظيم البجة ، فقاتلهم ، وانصرفوا يريدون اليمن ، فمروا في
البلاد ، وعرض لعبدالله وعبيدالله طريقان بينهما جبل ، فأخذ كل واحد منهما
في طريق ، وهما يريان أنهما يلتقيان بعد ساعة ، فسارا يومهما ذلك ، ثم راما
الرجوع فلم يقدرا عليه ، وسارا أياما ، ثم لقي عبيدالله منسرا من مناسر
الحبشة ، فقاتلهم ، وزرقه رجل منهم بمزراق ، فقتل عبيدالله ، واستأسر
أصحابه ، فأخذت الحبشة كل ما معهم ، وتركوهم ، فمروا في البراري على
ـ348ـ
وجوههم عراة حفاة ، حتى أهلكهم العطش ، فكان الرجل يبول في يده
ويشربه ، ويبول ويعجن به الرمل ويأكله ، حتى لحقوا عبدالله بن مروان
وقد ناله من العري والشدة أكثر مما نالهم ، ومعه عدة من حرمه عراة حفاة
ما يواريهن شئ ، قد تقطعت أقدامهن من المشي وشربن البول حتى تقطعت
شفاههن ، حتى وافوا المندب ، فأقاموا بها شهرا ، وجمع الناس لهم شيئا ،
ثم خرجوا يريدون مكة في زي الحمالين .
وأقام الحج في أيام مروان في سني 127 و 128 عبدالعزيز بن عمر بن
عبدالعزيز ، سنة 129 عبدالواحد بن سليمان بن عبدالملك ، ووافى معه الحج
أبوحمزة المختار بن عوف الاباضي ، صاحب الاعور عبدالله بن يحيى الكندي ،
والذي يسمي نفسه طالب الحق ، سنة 130 عبدالملك بن محمد بن مروان ،
سنة 131 محمد بن عبدالملك بن عطية السعدي ، وقيل هي آخر حجة لبني أمية ،
ولم يغز في أيام مروان .
وكان الفقهاء في أيامه : محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ،
أبا الحويرث المرادي ، عمرو بن دينار ، صالح بن كيسان ، أبا الزناد عبدالرحمن
ابن ذكوان ، عبدالله بن أبي نجيع ، قيس بن سعد ، أبا الزبير محمد بن مسلم ،
ابراهيم بن ميسرة ، عبدالملك بن عمير الليثي ، سلمة بن كميل ، جابر بن
يزيد الجعفي ، غيلان بن جامع المحاربي ، أبا بكر بن نسر بن حرب ، يزيد بن
عبدالله بن الشخير ، سالم الافطس ، عبدالكريم الحنفي .
ـ349ـ
ايام أبي العباس السفاح
بويع عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس ، وكنيته أ بوالعباس ،
وأمه ريطة بنت عبيدالله بن عبدالله بن عبدالمدان بن الديان الحارثي ، يوم
الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول ، وقيل : يوم الاربعاء لليلتين
بقيتا من ذي الحجة سنة 132 ، ومن شهور العجم في تشرين الآخر .
وكانت الشمس يومئذ في القوس عشر دقائق ، والقمر في الدلو إحدى وعشرين
درجة وأربعين دقيقة ، والمشتري في العقرب اثنتين وعشرين درجة وأربعين
دقيقة ، والمريخ في الاسد سبعا وعشرين درجة ، والزهرة في الميزان ثلاثين درجة ،
وعطارد في العقرب إحدى عشرة درجة وعشرين دقيقة ، والرأس في الميزان
خمسا وأربعين دقيقة ، وكانت بيعته في الكوفة في دار الوليد بن سعد الازدي .
وقيل : إن أبا سلمة إنما أخفى أبا العباس وأهل بيته بها ، ودبر أن يصير
الامر إلى بني علي بن أبي طالب . وكتب إلى جعفر بن محمد كتابا مع رسول له ،
فأرسل إليه : لست بصاحبكم ، فإن صاحبكم بأرض الشراة ، فأرسل إلى عبد
الله بن الحسن يدعوه إلى ذلك ، فقال : أنا شيخ كبير وابني محمد أولى بهذا الامر ،
وأرسل إلى جماعة بني أمية ، وقال : بايعوا لابني محمد ، فإن هذا كتاب أبي
سلمة حفص بن سليمان إلي . فقال جعفر بن محمد : أيها الشيخ ! لاتسفك دم
ابنك ، فإني أخاف أن يكون المقتول بأحجاز الزيت ، .
وأقام أبوسلمة ينتظر انصراف رسله إليه . ومر أبوحميد ، فلقي غلام أبي
العباس ، فدله على موضعه ، فأتاه فسلم عليه بالخلافة ، ثم خرج فأخبر
أصحابه بموضعه ، فمضى معه ستة ، وهم : أبوالجهم بن عطية ، وموسى بن
كعب ، وأبوغانم عبدالحميد بن ربعي ، وسلمة بن محمد ، و أبوشراحيل ،
ـ350ـ
وعبدالله بن بسام ، وأبوحميد سابعهم سرا من أبي سلمة ، فسلموا على أبي
العباس بالخلافة ، وألبسه أبوحميد السواد ، وأخرجه ، فمضى به إلى المسجد
الجامع ، وبلغ الخبر أبا سلمة ، فأتى ركضا حتى لحقهم ، فقال : إني إنما كنت
أدبر استقامة الامر وإلا فلا أعمل شيئا فيه .
وقد قدمنا ذكر بيعة أبي العباس في أيام مروان ، وصفنا ما عمل من
وجه لمحاربة مروان ، ووصلنا من الخبر بذلك إلى قتل مروان ما يغني عن إعادته .
وكان من قدم إلى الكوفة من بني هاشم اثنين وعشرين رجلا ، منهم :
داود ، وسليمان ، وعيسى ، وصالح ، واسماعيل ، وعبدالله ، وعبدالصمد
بنو علي بن عبدالله بن عباس ، وموسى بن داود ، وجعفر ، ومحمد ابنا سليمان ،
والفضل ، وعبدالله ابنا صالح ، وأ بوالعباس ، ومحمد ابنه ، وجعفر ، ومحمد
ابنا المنضور ، وعيسى بن موسى بن محمد ، وع بدالوهاب ، ومحمد ابنا ابراهيم ،
ويحيى بن محمد ، والعباس بن محمد .
ولما بويع أ بوالعباس صعد المنبر في اليوم الذي بويع فيه ، وكان حييا ،
فارتج عليه ، فأقام مليا لا يتكلم ، فصعد داود بن علي ، فقام دونه بمرقاة ،
فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد ، وقال : أيها الناس ! الآن تقشعت
حنادس الفتنة ، وانكشف غطاء الدنيا ، وأشرقت أرضها وسماؤها ، وطلعت
الشمس من مطلعها ، وعاد السهم إلى النزعة ، وأخذ القوس باريها ، ورجع الحق
إلى نصابه في أهل بيت نبيكم ، أهل الرأفة بكم ، والرحمة لكم ، والتعطف
عليكم ، ألا وإن ذمة الله وذمة رسوله وذمة العباس لكم أن نسير ، فنحكم في
الخاصة والعامة منكم بكتاب الله وسنة رسوله ، وإنه والله أيها الناس ! ما
وقف هذا الموقف بعد رسول الله أحد أولى به من علي بن أبي طالب ، وهذا
القائم خلفي ، فاقبلوا ، عباد الله ، ما آتاكم بشكر ، واحمدوه على ما فتح لكم ،
أبدلكم بمروان عدو الرحمن ، حليف الشيطان ، بالفتى المتهل الشاب المتكهل ،
المتبع لسلفه والخلف من أئمته وآبائه ، الذين هدى الله ، فبهدا هم اقتدى مصابيح
ـ351ـ
الدجى ، وأعلام الهدى ، وأبواب الرحمة ، ومفاتيح الخير ، ومعادن البركة ، وساسة
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 351 سطر 1 الى ص 360 سطر 23
الدجى ، وأعلام الهدى ، وأبواب الرحمة ، ومفاتيح الخير ، ومعادن البركة ، وساسة
الحق ، وقاذة العدل . ثم نزل فتكلم أ بوالعباس ، فحمد الله وأثنى عليه ،
وصلى على محمد ، ووعد من نفسه خيرا ثم نزل .
وولى أ بوالعباس الكوفة داود بن علي ، فكان أول من ولاه أ بوالعباس ،
ووجه بأخيه أبي جعفر إلى خراسان لاخذ البيعة على أبي مسلم ، فصار إلى مرو
في ثلاثين فارسا ، فلم يحتفل به أبومسلم ، ولم يلتقه ، واستخف به ، فانصرف
واجدا عليه ، وشكاه إلى أبي العباس ، وأعلمه ما نال منه ، وكثر عليه في بابه ،
فقال أ بوالعباس : فما الحيلة فيه ، وقد عرفت موضعه من الامام ومن إبراهيم ،
وهو صاحب الدولة والقائم بأمرها ؟
وقدم أبومسلم على أبي العباس ، فأكرمه وأعظمه ، ولم يذكر له من أمر
أبي جعفر شيئا . ودخل إليه يوما من الايام ، وأبوجعفر جالس معه ، فسلم عليه
وهوقائم ، ثم خرج ولم يسلم على أبي جعفر ، فقال له أ بوالعباس : مولاك
مولاك لم لا تسلم عليه ؟ يعني أبا جعفر . فقال : قد رأيته ، ولكنه لا يقضى
في مجلس الخليفة حق أحد غيره .
ولما قتل صالح مروان بن محمد وجه برأسه إلى أبي العباس ، وحوى خزائنه
وأمواله ، وحمل أبا عثمان ، ويزيد بن مروان ، ونسوة من آل مروان وبناته ،
فما صرن إلى الكوفة أطلق النساء ، وحبس الرجال ، وأخذ عبدالله بن مروان
بمكة ، فحمل أيضا ، وحبس مع سائر أهله .
وولى أ بوالعباس داود بن علي الحجاز ، فقدم ، وعامل مروان الوليد
ابن عروة بن عطية السعدي مقيم بمكة لم يعلم بأن الناس بايعوا أبا العباس ،
فلما علم هرب ، وقدم داود فخطب خطبة له مشهورة ذكرهم فيها ما فضلهم
الله به ، فظلم من ظلمهم ، ثم قال : إنما كانت لنا فيكم تبعات وطلبات ،
وقد تركنا ذلك كله ، وأنتم آمنون بأمان الله أحركم وأسودكم ، وصغيركم
وكبير كم ، وقد غفرنا التبعات ، ووهبنا الظلامات ، فلا ورب هذه البنية لا
ـ352ـ
نهيج احدا ! وضرب بيده إلى الكعبة ، فبينا هويخطب إذ قام سديف بن
ميمون ، فقال : أصلح الله الامير ! أدنني منك ، وأذن لي في الكلام ! فقال :
هلم ! فصعد المنبر حتى كان دون داود بمرقاة ، ثم أقبل على الناس بوجهه ،
فحمدالله ، وصلى على محمد ثم قال : أيزعم الضلال ، خطثت أعمالهم ،
أن غير آل رسول الله أولى بتراثه ، ولم ، وبم معاشر الناس ، ألكم الفضل
بالصحابة دون ذوي القرابة ، الشركاء في النسب ، والورثة للسلب ، مع ضربهم
في الفئ لجاهلكم ، وإطعامهم في اللاواء جائعكم ، وإيمانهم بعد الخوف سائلكم ؟
لم ير مثل العباس بن ع بدالمطلب ، اجتمعت له الامة بواجب حق الحرمة ،
أبورسول الله بعد أبيه ، وجلدة ما بين عينيه يوم خيبر ، لا يرد له أمرا ولا يعصي
له قسما . إنكم والله ، معشر قريش ، ما اخترتم لانفسكم من حيث اختار الله
لكم طرفة عين قط . ثم نزل ، فاستتم داود خطبته ثم نزل .
فلما انقضى الموسم وجه داود إلى قوم كانوا بمكة من بني أمية ،
فقتل جماعة منهم ، وأوثق جماعة منهم في الحديد ، ووجههم إلى الطائف ،
فقتلوا هنالك ، وحبس خلفا من الخلق ، فماتوا في حبسه ، وصار إلى المدينة
ففعل مثل ذلك ، ولم يقم بالمدينة إلا شهرين حتى توفي .
وبلغ أبا العباس عن أبي سلمة الخلال أمور أنكرها ، وذكر له تدبيره
وما كان عليه ، وتأخيره له ، والتماسه صرف الدولة إلى بعض الطالبيين ، وكتب
إليه أبومسلم من خراسان أن اقتل أبا سلمة ، فإنه العدو الغاش ، الخبيث
السريرة ، فكتب إليه أ بوالعباس : أن وجه أنت من يقتله ، وكره أ بوالعباس
أن يوحش أبا مسلم بقتله ، أو يوجد سبيلا إلى الاحتجاج به عليه ، فوجه أبومسلم
مراد بن أنس الضبي ، فجلس على باب أبي العباس ، وكان يسمر عنده ، فلما
خرج ثار إليه فضرب عنقه .
وكان أبوسلمة يسمى وزير آل محمد ، وكان أبومسلم يكتب إليه : للامير
حفص بن سليمان ، وزير آل محمد ، من أبي مسلم أمين آل محمد . فقال سليمان
ـ353ـ
ابن مهاجر لما قتل أبوسلمة :
إن الوزير ، وزير آل محمد ، أودى ، فمن يشناك كان وزيرا
ووجه أ بوالعباس أخاه أبا جعفر إلى واسط ، وكان الحسن بن قحطبة محاصرا
ليزيد بن عمر بن هبيرة ، وأمره بمجادته ، فحوصر أحد عشر شهرا ، وكان معه
جماعة من قواد مروان وأصحابه ، وممن كان مع عامر بن ضبارة ، ونباتة بن
حنظلة ، الذين قتلهم قحطبة ، وكان يزيد قد استعد لحصار سنتين ، وأدخل
الاقوات والعلوفة لعشرين ألف مقاتل ، فصدقوه المحاربة ، وطلب الامان ووجه
السفراء ، فأجيب إلى ذلك ، وكتب له كتاب أمان ، وشرط له فيه ما سأل .
وختمه أ بوالعباس .
وخرج ابن هبيرة حتى صار إلى أبي جعفر ، فبايع ثم رجع إلى موضعه ،
وكان يركب كل يوم في ألف فارس وألف راجل ، فقال بعض أصحاب أبي
جعفر له : أصلح الله الامير ! إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر . فقال
لابي غسان حاجبه : قل لابن هبيرة فليقلل من جمعه ! فركب إليه في خمسمائة
راجل ، فقال له الحاجب : كأنك تأتينا مباهيا ، فركب إليهم في ثلاثين فارسا ،
وثلاثين راجعا ، فكان أبوجعفر يقول : ما رأيت أنبل من ابن هبيرة ، ولا
أتيه ، إن كان ليدخل إلي ، فيقول : كيف أنت يا هذا ، أوحالك ، وكيف
ما يأتيك عن صاحبك ؟ فإن كنت لاحدثه فيقول : إيها لله أبوك ! ثم يتداركها
فيقول : أصلح الله الامير ! إني قريب عهد بإمارة ، وكان الرجل يحدثني ،
فأقول بهذا ونحوه . وقال له يوما : حدثني ! فقال : لامحضنك النصيحة محضا ،
إن عهد الله لا ينكث وعقدته لا تحل ، وإن إمارتكم هذه جديدة ، فأذيقوا
الناس حلاوته ، وجنبوهم مرارتها .
ووجدت كتب لابن هبيرة إلى محمد بن عبدالله بن حسن يعمله أن يبايع له ،
وان قبله أموالا وعدة وسلاحا ، وإن معه عشرين ألف مقاتل ، فأنفذت الكتب
إلى أبي العباس ، فقال أ بوالعباس : نقض عهده ، وأحدث ما أحل به دمه ،
ـ354ـ
فكتب إلى أبي جعفر : أن اضرب عنقه ، فإنه غدر ، ونكث ، ونقض العهود ،
وكثرت كتبه بذلك ، وكتب أبومسلم من خراسان يحرض على قتله ، ويخبر أن
الامر لا يستقيم ما كان حيا ، وانه ممن لا يصلح للاستقباء . وقال أبوجعفر
للحسن بن قحطبة الطائي : إن أمير المؤمنين قد أمر بقتل هذا الرجل ، فتول
ذلك ! فقال له الحسن : إن قتلته كانت العصبية بين قومي وقومه ، والعداوة ،
واضطرب عليك من بعسرك من هؤلاء وهؤلاء ، ولكن انفذ إليه برجل من مضر
يقتله . فوجه إليه بخازم بن خزيمة التميمي ، فأتاه في جماعة ، فوافاه وهو
جالس في رحبة القصر بواسط ، فلما رآهم قال : أقسمت بالله ان في وجوه
القوم لغدرة ! فلما دنوا منه قام ابنه داود في وجوههم ، فضربه بعضهم بالسيف
فجدله ، وصاروا إلى يزيد فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه ، ثم تتبعوا قواده
وأصحابه ، فقتلوهم عن آخرهم .
وخرج شريك بن شيخ المهري ببخارى فقال : ما على هذا بايعنا آل محمد ،
أن نسفك الدماء ، ونعمل غير الحق . فوجه إليه أبومسلم زياد بن صالح
الخزاعي ، فقاتله ، فقتله .
وخرج أبومحمد السفياني ، وهو يزيد بن عبدالله بن يزيد بن معاوية بن
أبي سفيان ، بما لديه ، وخرج محمد بن مسلمة بن عبدالملك بحران ، وحاصر
موسى بن كعب ، وكان عامل أبي جعفر ، وأبوجعفر يومئذ عامل الجزيرة ،
ورماها بالمنجنيق ، وحرق أبوابها ، وكان ذلك سنة 133 .
ثم بلغ محمد بن مسلمة قتل أبي محمد السفياني وقتل أبي الورد بن كوثر
ابن زفر ، فانصرف عنها ، وتفرق جمعه ، واتبعه موسى بن كعب ، فقتل خلقا
من أصحابه ، وتعمد عدة مدائن من الجزيرة .
وأقام إسحاق بن مسلم العقيلي بسميساط سبعة أشهر ، وأبوجعفر محاصر
له ، وقيل : لم يحاصره أبوجعفر ، ولكن عبدالله بن علي حاصره ، وكان اسحاق
يقول : في عنقي بيعة ، فلا أدعها أبدا حتى أعلم أن صاحبها قد مات ، أوقتل .
ـ355ـ
وأرسل إليه أبوجعفر يقول : إن مروان قد قتل ، فقال : حتى أتبين ذلك ،
فلما صح عنده أنه قتل قلب الامان وأعطية ، وصار مع أبي جعفر ، وكان
عظيم المنزلة عنده .
وانصرف عبدالله بن علي إلى فلسطين بالسبب الذي شرحناه من خبره فيما
شرحنا من خبر مروان ، فلما صار بنهر أبي فطرس ، بين فلسطين والاردن ،
جمع إليه بني أمية ، ثم أمرهم أن يغدوا عليه لاخذ الجوائز والعطايا ، ثم جلس
من غد ، وأذن لهم ، فدخل عليه ثمانون رجلا من بني أمية ، وقد أقام على
رأس كل رجل منهم رجلين بالعمد ، وأطرق مليا ، ثم قام العبدي فأنشد قصيدته
التي يقول فيها :
أما الدعاة إلى الجنان فهاشم * وبنو أمية من كلاب النار
وكان النعمان بن يزيد بن عبدالملك جالسا إلى جنب عبدالله بن علي ،
فقال له : كذبت يا ابن اللخناء ! فقال له عبدالله بن علي : بل صدقت يا أبا
محمد ، فامض لقولك ! ثم أقبل عليهم عبدالله بن علي ، فذكر لهم قتل الحسين
وأهل بيته ، ثم صفق بيده فضرب القوم رؤوسهم بالعمد حتى أتوا عليهم ،
فناداه رجل من أقصى القوم :
عبد شمس أبوك وهو أبونا * لا نناديك من مكان بعيد
ف القرابات بيننا واشجات * محكمات القوى بعقد شديد
فقال : هيهات ! قطع ذلك قتل الحسين ! ثم أمربهم ، فسحبوا ، فطرحت عليهم
البسط وجلس عليها ، ودعا بالطعام ، فأكل ، فقال : يوم كيوم الحسين بن علي
ولا سواء . وكان قد دخل معهم . . . 1 قال : رجوت أن ينالوا خيرا ، فنال
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ356ـ
معهم ، فقال عبدالله بن علي :
ومدخل رأسه لم يدنه أحد * بين الفريقين حتى لزه القرن
اضربا عنقه . وقدم عبدالله بن علي دمشق في شهر رمضان سنة 132 ، فحاصرها ،
واستغاث الناس ، ووجهوا إليه بيحيى بن بحر يطلب لهم الامان ، فخرج إليه ،
فسأله الامان ، فأجابه إلى ذلك ، فدخل فنادى في الناس الامان ، فخرج خلق من
الخلق ، ثم قال له يحيى بن بحر : اكتب لنا ، أيها الامير ، كتاب الامان ،
فدعا بدواة وقرطاس ، ثم ضرب ببصره نحو المدينة ، فإذا بالسور قد غشيه
المسودة ، فقال له : قد دخلتها قسرا . فقال يحيى : لا والله ، ولكن غدرا .
فقال عبدالله ، : لولا ما أعرف من مودتك لنا ، أهل البيت ، لضربت عنقك ،
إذ استقبلتني بهذا ، ثم ندم ، فقال : يا غلام خذ هذا العلم فأركزه في داره ،
وناد من دخل دار يحيى بن بحر فهو آمن . فانحشر الناس إليها ، فما
قتل فيها ، ولا في الدور التي تليها أحد .
ونادى المنادي بعد أن قتل خلق كثير من الخلق : الناس آمنون ، إلا خمسة :
الوليد بن معاوية ، ويزيد بن معاوية ، وابان بن عبدالعزيز ، وصالح بن محمد ،
ومحمد بن زكرياء .
وصار عبدالله بن علي إلى المسجد الجامع ، فخطبهم خطبة مشهورة يذكر
فيها بني أمية وجورهم وعداوتهم ، وأنهم اتخذوا دين الله هزؤا ولعبا ،
ويصف ما استحلوا من المحارم والمظالم والمآثم ، وما ساروا به في أمة محمد
من تعطيل الاحكام وازدراء الحدود والاستئثار يالفئ ، وارتكاب القبيح ،
وانتقام الله منهم ، وتسليط سيف الحق عليهم ، ثم نزل .
ويقال إن أبا العباس كتب إليه : خذ بثأرك من بني أمية ، ففعل بهم
ما فعل ، ووجه فنبش قبور بني أمية ، فأخرجهم وأحرقهم بالنار ، فما ترك
منهم أحدا ، ولما صار إلى رصافة أخرج هشام بن عبدالملك ، ووجده في مغارة
ـ357ـ
على سريره ، قد طلي بماء يبقيه ، فأخرجه ، فضرب وجهه بالعمود ، وأقامه
بين العقابين فضربه مائة وعشرين سوطا ، وهو يتناثر ، ثم جمعه فحرقه بالنار .
وقال عبدالله عند ذلك : إن أبي ، يعني علي بن عبدالله ، كان يصلي يوما ،
وعليه إزار ورداء ، فسقط الرداء عنه ، فرأيت في ظهره آثار السياط ، فلما
فرغ من صلاته قلت : يا أبه ! جعلني الله فداءك ، ما هذا ؟ فقال : إن الاحوال ،
يعني هشاما ، أخذني ظلما ، فضربني ستين سوطا ، فعاهدت الله إن ظفرت به
أن أضربه بكل سوط سوطين .
وخرج حبيب بن مرة المري بالحوران ، فبيض ، ونصب رجلا من بني
أمية ، فزحف إليه عبدالله بن علي ، فقتله وفرق جمعه .
وكان عامل مروان على افريقية عبدالرحمن بن حبيب العقبي ، فقدمها سنة
127 ، ولم يزل مقيما بها حتى قتل مروان ، فلما علم أهل افريقية بقتل مروان ،
وثبت عليه جماعة من أهل البلد منهم عقبة بن الوليد الصدفي ، من ناحية . . 1
وتفرقت بنو أمية بعد قتل مروان ، فخلف منهم بافريقية جماعة ، فصاروا إلى
عبدالرحمن بن حبيب ، فأقام عبدالرحمن على محاربة أصحاب أبي العباس ،
فوثب به أخوه الياس بن حبيب ، فدعا إلى بني العباس ، فبايعه الناس ، وأخذ من
صار إلى افريقية من بني أمية ، فحبسهم ، وكتب بخبرهم إلى أبي العباس .
ووثب أهل الموصل على عاملهم ، فانتهبوه ، وأخرجوه ، فولى أبو
العباس أخاه يحيى بن محمد بن علي الموصل ، وضم إليه أربعة آلاف رجل من
أهل خراسان ، فقدمها في سنة 133 ، فقتل من أهلها خلقا عظيما ، وقيل إنه
اعترض الناس في يوم جمعة ، فقتل ثمانية عشر ألف إنسان من صليب العرب ،
ثم قتل عبيدهم ومواليهم ، حتى أفناهم ، فجرت دماؤهم ، فغيرت ماء دجلة ،
فلم يعرف لاهل الموصل وثوب إلى هذه الغاية .
وولى أ بوالعباس محمد بن صول أرمينية ، فسار إليها في خلق عظيم ،
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ358ـ
ومسافر بن كثير متغلب على البلد ، وكان خليفة اسحاق بن مسلم العقيلي عامل
مروان ، فحاربه محمد بن صول حتى قتله ، واستولى على أرمينية ، وصد أهل
البيلقان إلى قلعة الكلاب ، وأسلموا المدينة ، ورئيسها يومئذ ورد بن صفوان
السامي من ولد سامة بن لؤي ، وجمعوا إليهم لفيفا من الصعاليك وغير هم بقلعة
الكلاب ، فوجه إليهم محمد بن صول صالح بن صبيح الكندي ، فحاصر هم
وقتل منهم خلقا عظيما .
ووجه أ بوالعباس إلى السند موسى بن كعب التميمي ، ومنصور بن جمهور
متغلب عليها ، فنفذ موسى في عشرين ألف مقاتل ، فصار إلى قندابيل ، فأقام
بها حينا ثم كاتب موسى من كان مع منصور من أصحاب . . . 1 وكاتبهم
قبائهلم ، وزحف موسى حتى أتى منصورا ، فانهزم منه ، ومر في مفازة ،
وأدركه فقتله .
وانقتل أ بوالعباس من الحيرة ، فنزل الانبار ، واتخذ بها مدينة سماه
الهاشمية سنة 134 ، واشترى من الناس أشرية كثيرة بنى فيها ، وأقطعها أهل
بيته وقواده ، ثم رفع إليه أهل تلك الارضين والمنازل انهم لم يقبضوا أثمانها ،
فقال : هذا بناء أسس على غير تقوى ! وأمر فضربت مضاربه بظاهرها وبريها ،
حتى استوفى القوم أثمان أرضهم ، ثم عاد إلى قصره .
وولى أ بوالعباس أبا جعفر أخاه الجزيرة ، والموصل ، والثغور ، وأرمينية ،
واذربيجان ، فخرج حتى صار إلى الرقة ، واختط الرافقة على شط الفرات ،
وهندسها له أدهم بن محرز ، فولى الحسن بن قحطبة الطائي الجزيرة ، وولى
يزيد بن أسيد السملي أرمينية ، ثم عزله وولى الحسن بن قحطبة أرمينية ، فلم
يزل عليها أيام أبي العباس .
وكان سليمان بن هشام بن عبدالملك قد استأمن إلى أبي العباس ، فقدم معه
بابنين له ، فأكرمه أ بوالعباس وبره ، وأجلسه وابنيه على النمارق والكراسي ،
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ359ـ
فكان أ بوالعباس يجلس بالعشيات ، ويأذن لخواصه وأهل بيته ، فدخل عليه
أبو الجهم ليلة ، وقد أذن لاهله وخواصه ، فقال له : إن أعرابيا أقبل يوضع
على ناقته ، حتى أناخها بالباب ، وعقلها ، ثم جاءني وقال : استأذن لي على
أمير المؤمنين ، فقلت : اذهب وضع عنك ثياب سفرك ، وعد علي ، سأستأذن
عليه . فقال : إني آليت ألا أضع عني ثوبا ، ولا أحل لثاما ، حتى أنظر
إلى وجهه . قال : فهل أنبأك من هو ؟ قال : نعم ! زعم أنه سديف
مولاك ، فقال : سديف ؟ ايذن له ، فدخل أعرابي كأنه محجن ، فوقف ،
فسلم عليه بامرة المؤمنين ، ثم تقدم فقبل بين يديه ورجليه ، ثم تأخر فوقف
مثله ثم اندفع فقال :
أصبح الملك ثابت الآساس * بالبهاليل من بني العباس
يا أمير المطهرين من الرج * س ويا رأس منتهى كل رأس
أنت مهدى هاشم وهداها * كم أناس رجوك بعد إياس
لا تقيلن عبد شمس عثارا * واقعطن كل رقلة وغراس
أفنها أيها الخليفة واحسم * عنك بالسيف شأفة الارجاس
أنزلوها بحيث أنزلها الد * ه بدار الهوان والاتعاس
ولقد ساءني وساء قبيلي * قربهم من نمارق وكراسي
خوفهم أظهر التودد منهم * وبهم منكم كحز المواسي
واذكروا مصرع الحسين وزيد * وقتيلا بجانب المهراس
والقتيل الذي بحران أمسى * رهن رمس في غربة وتناسي
نعم كلب الهراش مولاك لولا * حله من حبائل الافلاس
فقام سليمان بن هشام فقال : يا أمير المؤمنين ! إن مولاك هذا يحرضك منذ
مثل بين يديك على قتلي وقتل ابني ، وقد تبينت والله أنك تريد أن تغتالنا .
ـ360ـ
فقال : لو أردت ذلك ما كان يمنعني منكم على غير غيلة ، فأما إذ سبق ذلك
إلى قبلك فلا خير فيك . يا أبا الجهم . اخرجه ، واخرج ابنيه ، فاضرب أعناقهم
وأتني برؤوسهم ! فخرج فضرب أعناقهم وأتاه برؤوسهم .
وقدم عبدالله بن الحسن بن الحسن على أبي العباس ، ومعه أخوه الحسن
ابن الحسن بن الحسن ، فأكرمه أ بوالعباس ، وبره ، وآثره ووصله الصلات
الكثيرة ، ثم بلغه عن محمد بن عبدالله أمر كرهه ذلك لعبدالله بن الحسن ،
فقال : يا أمير المؤمنين ! ما عليك من محمد شئ تكرهه ، وقال له الحسن بن
الحسن أخو عبدالله بن الحسن : يا أمير المؤمنين ! أتتكلم بلسان الثقة والقرابة
أم على جهة الرهبة للملك ، والهيبة للخلافة ؟ فقال : بل بلسان القرابة . فقال :
أرأيت ، يا أمير المؤمنين ، إن كان الله قضى لمحمد أن يلي هذا الامر ، ثم أجلبت ،
وأهل السموات والارض مع ، أكنت دافعا عنه ؟ قال : لا ! قال : فإن
كان لم يقض ذلك لمحمد ، ثم اجلب محمد ، وأهل السموات والارض معه ،
أيضرك محمد ؟ قال : لا والله ! ولا القول إلا ما قلت . قال : فلم تنغص هذا
الشيخ نعمتك عليه ، ومعروفك عنده ؟ قال : لا تسمعني ذاكرا له بعد اليوم .
وبلغ أبا العباس أن محمد بن عبدالله قد تحرك بالمدينة ، فكتب إلى عبدالله
ابن الحسن في ذلك وكتب في الكتاب :
أريد حباءه ، ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد
فكتب إليه عبدالله بن الحسن :
وكيف يريد ذاك ، وأنت منه * بمنزلة النياط من الفؤاد
وكيف يريد ذاك ، وأنت منه * وزندك حين يقدح من زناد
وكيف يريد ذاك ، وأنت منه * وأنت لهاشم رأس وهاد
وطفئ أمر محمد في خلافة أبي العباس ، فلم يظهر منه شئ ، وكان
ـ361ـ
متى بلغ أبا العباس عنه شئ ذكر ذلك لعبد الله ، فيقول : يا أمير المؤمنين !
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 361 سطر 1 الى ص 370 سطر 25
متى بلغ أبا العباس عنه شئ ذكر ذلك لعبد الله ، فيقول : يا أمير المؤمنين !
إنا نحميها بكل قذاة يخل ناظرك منها ، فيقول : بك أثق ، وعلى الله أتوكل .
وكان أ بوالعباس كريما ، حليما ، جوادا ، وصولا لذوي أرحامه .
حدثني محمد بن علي بن سليمان النوفلي عن جده سليمان قال : دخلنا على أبي
العباس جماعة من بني هاشم ، فأدنانا حتى أجلسنا معه ، ثم قال : يا بني هاشم !
احمدوا الله إذ جعلني فيكم ، ولم يجعلني بخيلا ، ولا حسودا .
واستأذن أبومسلم في القدوم ، فأذن له ، فقدم من خراسان في سنة 136 ،
فلما حضر وقت الحج استأذنه ، فأذن له ، وحج معه أبوجعفر المنصور ،
فلما خرجا اشتدت بأبي العباس العلة ، فقيل له : صير ولاية عهدك إلى أبي
جعفر ، فمات في علته بعد نفوذه إلى الحج .
وكان الغالب عليه أبوالجهم بن عطية الباهلي ، وكان له سمار وجلساء منهم :
أبوبكر الهذلي ، وخالد بن صفوان ، وعبدالله بن شبرمة ، وجبلة بن عبدالرحمن
الكندي ، وكان على شرطته عبدالجبار بن عبدالرحمن الازدي ، وعلى حرسه
أبوبكر بن أسد بن عبدالله الخزاعي ، وحاجبه أبوغسان مولاه ، وكان قاضيه
عبدالرحمن بن أبي ليلى ، وابن شبرمة .
ولما اشتدت علته قدم عليه وفدان أحدهما من السند والآخر من افريقية ،
فلما بلغه قدومهما قال : أنا ميت بعد ثلاث . قال عيسى بن علي فقلت :
بل يطيل الله بقاءك ! فقال : حدثني أخي ابراهيم عن أبي وأبيه عن أبي هاشم
عبدالله بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده : أنه يقدم علي في
مديني هذه في يوم واحد وافدان : أحدهما وافد السند ، والآخر وافد أهل
افريقية ، فلا يمضي بعد ذلك ثلاثة أيام حتى أغيب في لحدي ، ويورث الامر
بعدي . ثم نهض وقال : لا ترم مكانك حتى أخرج إليك .
قال : فلم أزل بمكاني حتى سلم المؤذنون في وقت صلاة العصر بالخلافة ،
فخرج إلي رسوله يأمرني بالصلاة بالناس ، فدخلت ، فلم يخرج إلى أن سلم
ـ362ـ
المؤذنون لوقت صلاة العشاء ، فخرج إلي رسوله يأمرني بالصلاة بالناس ، ففعلت
ذلك ، ثم أتيت مكاني إلى إدراك الليل ، فلما فرغت من قنوتي خرج إلي ،
ومعه كتاب معنون : من عبدالله ووليه إلى آل رسول الله والاولياء وجميع
المسلمين ، ثم قال : يا عم ! إذا خرجت نفسي فسجني ، بثوبي ،
واكتم موتي حتى يقرأ هذا الكتاب على الناس ، فإذا قرئ فخذ ببيعة
المسمى فيه ، فإذا بايع الناس فخذ في أمري وجهزني ، وصل علي ، وادفني .
فقلت : يا أمير المؤمنين ! فهل وجدت علة ؟ فقال : وأية علة أقوى من الخبر
الصحيح عن رسول الله ؟ والله ما كذبت ، ولا كذبت ، ولا كذبت ،
خذ هذا الكتاب ، وامض راشدا .
واعتل من ليلته ، وتوفي يوم الاحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة
سنة 136 ، وهو ابن ست وثلاثين سنة ، وقيل : لم يبلغ تلك السن ، وذلك أنه
ولد في سنة 105 في أيام يزيد بن عبدالملك بن مروان ، وصلى عليه اسماعيل بن
علي ، وقيل عيسى بن علي ، ودفن في الانبار في قصره ، وكانت ولايته أربع
سنين وتسعة أشهر ، وخلف ابنا لم يكن بلغ ، وابنته ريطة امرأة المهدي التي
حرمت على جميع خلفاء بني هاشم ، إلا زوجها .
وأقام الحج للناس في أيامه سنة 132 داود بن علي ، سنة 133 زياد بن
عبيدالله الحارثي ، سنة 134 عيسى بن موسى ، سنة 135 سليمان بن علي .
وغزا بالناس في أيامه ، سنة 133 أقبل طاغية الروم ، وهو قسطنطين ،
حتى أناخ على ملطية ، فحصرها ، فصولح عنها ، وزحف إليه موسى بن كعب
التميمي ، فلم يكن بينهما لقاء . وكتب أ بوالعباس إلى عبدالله بن علي يعمله
أن العدو قد كلب بالغفلة عنه ، وأمره أن ينفذ بالجيوش التي معه ، فيبث جيوشه في
نواحي الثغور ، وزحف حتى قطع الدرب ، ولم يزل يعبي حتى أتاه خبر وفاة
أبي العباس ، فانصرف .
وكان الفقهاء في أيامه يحيى بن سعيد الانصاري ، ابن أبي طوالة الانصاري ،
ـ363ـ
موسى بن عقبة ، عبدالرحمن بن حرملة الاسلمي ، أبا حمزة الثمالي ، زيد بن
أسلم ، أبا خازم القاضي ، هشام بن عروة بن الزبير ، محمد بن . . 1 بن علقمة ،
موسى بن عبيدة الربذي ، ابن أبي صعصعة ، ربيعة الرأي ، عبدالله بن عمر بن
حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، محمد بن اسحاق بن يسار ، عبدالله بن
طاووس ، صدقة . . 2 يسار ، حميد بن قيس الاعرج ، عبدالله بن عثمان بن
خثيم ، عثمان بن الاسود ، عبدالملك بن جريج ، عبدالملك بن عمير الليثي .
أبا سار النسائي ، مجالد بن سعيد الاجلح بن عبدالله الكندي ، منصور بن المعتمر
السلمي ، مطرف بن طريف الحارثبي ، جابر بن يزيد الجعفي ، الحسن بن عمر
الفقيمي ، محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى ، الحسن بن عمارة ، مسعر بن
كدام ، عبدالجبار بن عباس الهمداني ، زفر بن الهذيل ، اسحاق بن سويد
العذري ، أبابكر بن نسر بن حرب ، يونس بن عبيد ، أبا المعتمر سليمان
التيمي ، عمرو بن عبيد ، حميد الطويل مولى خزاعة ، عبدالرحمن بن عمرو
الاوزاعي ، سالم الافطس ، عبدالكريم الحنفي .
* ( هامش ) * 1 و 2 بياض في الاصل .
ـ364ـ
أيام أبي جعفر المنصور
هو عبدالهل بن محمد بن على ، وأمه سلامة البربرية ، وبويع في اليوم الذي
توفي فيه أ بوالعباس ، وهو يوم الاحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ،
ومن شهور العجم في حزيران ، سنة 136 .
وكانت الشمس يومئذ في السرطان درجة وعشر دقائق ، والقمر في الجوزاء
سبع درجات وخمسا وأربعين دقيقة ، وزحل في الجدي ست عشرة درجة
وخمسين دقيقة راجعا ، والمشتري في الحمل سبعل وعشرين درجة ، والمريخ
في العقرب تسع عشرة درجة وأربعين دقيقة ، والزهرة في الثور خمس عشرة
درجة وخمسين دقيقة ، وعطارد في السرطان إحدى عشرة درجة ، والرأس
في السرطان درجة وخمسين دقيقة .
وكان أبوجعفر حاجا فأخذ له عيسى بن علي البيعة على من حضر من
الهاشميين والقواد بالانبار ، ووافاه الخبر بذلك في طريق مكة ، بعد وفاة أبي
العباس بخمسة عشر يوما ، فبايع أبومسلم ومن حضر من الهاشميين والقواد ،
وكان الذي وافاه بالخبر محمد بن الحصين العبدي ، فقال : أي موضع هذا ؟
قالوا : موضع يقال له زكية . قال : أمر يزكى إن شاء الله ! وبويع بالصفية ،
فقال : أمر يصفو لنا أعداد السنين ، وحثوا النجاء .
وكان أ بوالعباس قبل وفاته قد كتب إلى عبدالله بن علي في غزو الصائفة ،
وأمره بقطع الدرب ، فلما توفي أ بوالعباس كره عيسى بن علي ومن حضر من
الابناء أن يكتبوا إلى عبدالله بن علي ، فكتبوا إلى صالح بن علي وهو بمصر
يعرفونه الحادثة في أبي العباس ، وما كان عهد به أ بوالعباس لابي جعفر ،
ومبايعتهم له ، واجتماعهم عليه ، وأمره أن يبايع ، ويصير إلى الشأم ، فيأخذ
ـ365ـ
البيعة على عبدالله .
وبلغ عبدالله الخبر ، وقيل : بعث عيسى بن علي ببيعة المنصور مع أبي
غسان يزيد بن زياد ، حاجب أبي العباس ، فلحقه وقد كان قطع الدرب
إلى بلاد الروم ، فرجع حتى صار إلى دلوك من أرض جند قنسرين ،
فأحضر حميد بن قحطبة الطلئي وجماعة من القواد الذين كانوا معه ، فقال :
ما تشهدون ان أمير المؤمنين أبا العباس قال : من خرج إلى مروان فهو ولي
عهدي ، فشهدوا له بذلك ، وبايعوا ، وبايع أكثر أهل الشأم له ، وكتب إلى
عيسى بن علي وغيره يعلمهم مبايعة من قبله من القواد وأهل الشأم له بصحة
عهد أبي العباس إليه ، وتوجه يريد العراق ، فلما صار إلى حران وافى موسى
ابن كعب عاملا بها ، فعرفه شهادة من اشهد الله أن أبا العباس جعله ولي عهده ،
فلما تحصن بها حاصره أربعين يوما ، ثم أعطاه الامان على أن يخرج عنها ويخلي
بينه وبينها ، وتوجه يريد العراق .
فقدم أبوجعفر الكوفة غرة المحرم ، فنزل الحيرة ، وصلى بالناس الجمعة ،
ثم شخص إلى الانبار ، إلى مدينة أبي العباس ، فضم إليه أطرافه وخزائن أبي العباس ،
وبلغه أمر عبدالله بن علي وتوجهه إلى العراق ، فقال لابي مسلم : ليس لعبد الله
ابن علي غيري ، أوغيرك . فكره أبومسلم ذلك ، وقال : يا أمير المؤمنين !
إن أمر عبدالله بالشأم أقل وأذل ، وأمر خراسان أمر يجل خطبه ، ثم انصرف
أبومسلم إلى منزله ، وقال لكاتبه : ما أنا وهذان الرجلان . ثم قال : ما الرأي
إلا أن أمضي إلى خراسان ، وأخلي بين هذين الكبشين ، فأيهما غلب وكتب إلينا
كتبنا إليه : سمعنا وأطعنا ، فرأى أنا قد أنعمنا وعملنا له عملا . فقال له كاتبه :
أعيذك بالله من أن تمكن أهل خراسان من الطعن عليك ، وأن يروا أنك نقضت
أمرا بعد تأكيده . فقال : ويحك ! إني نظرت فيمن قتلت بالسيف صبرا
سوى من قتل في المعارك ، فوجدتهم مائة ألف من الناس ، فلا قليل من الله .
فلم يزل به كاتبه حتى أجاب أبا جعفر إلى الخروج ، وعسكر في خلق عظيم ،
ـ366ـ
ثم سار حتى صار إلى الجزيرة فواقع عبدالله بن علي عدة وقائع ، وكان حميد بن
قحطبة الغالب على أمر عبدالله بن علي ، ثم بلغه أن عبدالله يريد قتله ، فاحتال
حتى صار إلى أبي مسلم ، فعظم ذلك على عبدالله بن علي ، وخاف أن يفعل
بنظرائه من قواد خراسان الذين معه مثل ذلك .
قال السندي بن شاهك : سمعت عبدالصمد بن علي يقول : إني عند عبدالله
ابن علي إذ دخل حاجبه ، وكان عبدالصمد مع عبدالله بن علي ، فقال : رسول
أبي مجرم بالباب . فقال : إيذن له ! فدخل رجل كريه الوجه ، قبيح المنظر ،
كثير الشعر ، طويل اللسان ، عظيم الحق ، كثير حشوا الخفتان ، فسلم سلاما
عاما ، ثم قال : إن الامير أبا مسلم يقول : علام تقاتلني ، وأنت تعلم أنه
لايقاتلك ؟
وواقع أبومسلم عبدالله بن علي بنصيبين ، وفرق جمعه ، فهرب عبدالله ،
وأمر أبومسلم ألا يعترضه أحد ، فصار إلى البصرة إلى أخيه سليمان بن علي ،
وكان عامل البصرة ، فلم يزل مختفيا عنده .
وبعث أبوجعفر برسل يحصون ما حصل في يد أبي مسلم من الخزائن
والاموال ، منهم : اسحاق بن مسلم العقيلي ، ويقطين بن موسى ، ومحمد بن
عمرو النصيبي التغلبي ، فغضب أبومسلم ، وقال : أؤتمن على الدماء ، ولا
أؤتمن على الاموال ؟ وشتم يقطين بن موسى ، فقال يقطين لما رأى ما داخله
عليه : امرأتي طالق ثلاثا إن كان أمير المؤمنين وجهني إليك إلا مهنئا بالفتح ،
فاستخف بإسحاق بن مسلم ، ومحمد بن عمرو ، وشتمهما ، وتناول أبا جعفر
بلسانه ، حتى ذكر أمه ، وقال : ويلي على ابن سلامة ! فانصرف القوم إلى أبي
جعفر . فأخبروه الخبر ، فزاد فيما في قبله عليه ، وولى هشام بن عمرو
العقيلي مكان أبي مسلم ، فانصرف أبومسلم ، وأقبل يريد خراسان مغاضبا
لابي جعفر ، فمر بالمدائن ، وأبوجعفر نازل برومية ، وبينه وبينه فرسخان ،
فلم يلقه ، ونفذ لوجهه حتى جاز حلوان ، فأتبعه أبوجعفر بعيسى بن موسى ،
ـ367ـ
وجرير بن عبدالله البجلي ، ونفر معهما من الشيعة ، فلحقوه ، فعظموا عليه
الخطب ، وقالوا له : إن الامر لم يبلغ حيث تظن ، فشاور مالك بن الهيثم ،
وكان خليفته ، وقال : ما ترى ؟ قال : أرى أن تصير إلى خراسان ، فتستعتب
الرجل منها ، وتكتب إليه منها سمعك وطاعتك ، فإذا فعلت ذلك لم يحلقك لوم ،
وإلا فهو آخر عهدك بالدنيا إن وقعت عينه عليك . فما زال رسل أبي جعفر
حتى فتلوه عن رأيه ، وأقبل نحو العراق ، فلما جاز عقبة حلوان قال لمالك بن
الهيثم : ما الرأي ؟ قال : الرأي تركته وراء العقبة . فقال : إني والله لا أقتل إلا
بأرض الروم .
وقدم على أبي جعفر وهو نازل برومية في المضارب ، فقال له : كدت
أن تنفذ قبل أن أفضي إليك بما أحتاج إليه . فمكث يختلف إليه أياما ، ثم أتاه
يوما ، وقد هيأ له أبوجعفر عثمان بن نهيك ، وكان على حرسه ، في عدة ،
وهم : شبيب بن واج ، وأبوحنيفة ، وتقدم إلى عثمان ، فقال : إذا علا صوتي
وصفقت بيدي فاقتلوا العبد .
ودخل أبومسلم ، فأجلس في الحجرة ، وقيل له : أمير المؤمنين على شغل .
فجلس مليا ، ثم أذن له ، وقيل له : انزع سيفك ! فقال : ولم ؟ قيل : وما
عليك ؟ فلم يزالوا به حتى نزع سيفه ، ثم دخل وليس في البيت إلا وسادة ،
فجلس عليها ، ثم قال : يا أمير المؤمنين فعل بي ما لم يفعل بأحد ، أخذ سيفي
عن عاتقي . قال : ومن فعل بك هذا ، قبحه الله ؟ فأقبل أبومسلم يتكلم ،
فقال له : يا ابن اللخناء ! إنك لمستعظم غير العظيم ، ألست الكاتب إلى تبدأ
باسمك على اسمي ؟ ألست الذي كتبت إلي تخطب عمتي آمنة بنت علي ،
وتزعم أنك من ولد سليط بن عبدالله ؟ ! ألست الفاعل كذا والفاعل كذا ؟
وجعل يعد عليه أمورا ، فلما رأى أبومسلم ما قد دخله قال : يا أمير المؤمنين
إن قدري أصغر من أن يدخلك كل ما أرى . فعلا صوت أبي جعفر ، وصفق
بيديه ، فخرج القوم فضربوه بأسيافهم ، فصاح : أوه ، ألا مغيث ، ألا ناصر !
ـ368ـ
وهم يضربونه حتى قتلوه ، فلما قتل قال أبوجعفر :
اشرب بكاس كنت تسقي بها * أمر في فيك من العلقم
كنت حسبت الدين لا يقتضى * كذبت والله أبا مجرم
وكفن في مسح ، وصير في جانب المضرب ، وقيل لاصحابه : اجتمعوا ،
فإن أمير المؤمنين قد أمر أن ينثر عليكم الدراهم ، ونثرت عليهم بدرة
دراهم ، فلما أكبوا يلتقطونها طرح عليهم رأس أبي مسلم ، فلما نظروا
إليه أسقط ما في أيديهم ، وعرتهم ضعضعة ، وكا ذلك في شعبان سنة 137 .
وخرج قوم من أصحاب أبي مسلم إلى خراسان فصاروا إلى سنباذ ،
وسنباذ بنيسابور ، فلما بلغه قتل أبي مسلم أظهر المعصية ، وخرج يطلب
بدمه حتى اضطرب خراسان ، فوجه أبوجعفر جهور بن مرار ، فلقي سنباذ ،
فواقعه ، فقتله ، وفرق جمعه .
وبلغ أبا جعفر مكان عبدالله بن علي عند سليمان بن علي ، وهو إذا ذاك
عامل البصرة ، فوجه إلى سليمان ، فأنكر أن يكون عنده ، ثم طلب الامان ،
فكتبه له أبوجعفر على نسخة وضعها ابن المقفع بأغلظ العهود والمواثيق ألا
يناله بمكروه ، وألا يحتال عليه في ذلك بحيلة ، وكان في الامان : فإن أنا فعلت ،
أو دسست ، فالمسلمون براء من بيعتي ، وفي حل من الايمان والعهود التي
أخذتها عليهم ، فلما وقف أبوجعفر على هذا قال : من كتبه ؟ قيل : ابن المقفع ،
فكان ذلك سببا لميتة ابن المقفع .
وقدم سليمان بن علي من البصرة حتى أخذ الامان ، وشخص من البصرة ،
ومعه عيسى بن علي ، فظهر بهما عبدالله بن علي ، فقدما به على أبي جعفر يوم
الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة 137 ، وهو بالحيرة ،
فأقام في منزل عيسى بن علي ، وحبسه عند عيسى بن موسى ، وهو ولي عهد
ثم سأله عنه ، فأخبره أنه قد توفي ، فوجه إلى عيسى بن علي واسماعيل وعبد
ـ369ـ
الصمد ابني علي فأحضرهم وجماعة من بني هاشم ، وقال لهم : إني كنت
دفعت عبدالله بن علي إلى عيسى بن موسى ، وأمرته أن يحتفظ به ، وأن يكرمه
ويبره ، وقد سألته عنه ، فذكر أنه قد مات . فأنكرت تستير خبر موته عني
وعنكم . فقال القوم : يا أمير المؤمنين ! إن عيسى قتله ، ولو كان عبدالله مات
حتف أنفه ما ترك أن يعلمك ويعلمنا موته . فجمع بينه وبينهم ، فطالبوه بدمه ،
وقال له : إيت على ما ذكرت من عبدالله ببينة عادلة ، وإلا أقدتك منه ، واحضر
الناس لذلك . فلما رأى عيسى تحقيق الامر عليه قال : أؤخر إلى العشي ،
فأخر ، فحضر بالعثني ، وحضر عبدالله بن علي معه ، وقال : إنما أردت بما
قلت الراحة من حراسته مخافة أن يناله شئ فيقال لي مثل هذا ، وقد سلمته
صحيحا سويا . فقال أبوجعفر : بل أردت أن تعرف ما عندنا ، فإذا احتملناك
فعلت ذلك ، فأمر أبوجعفر ، فبني له بيت في الدار ، وقال : يكون نصب .
عيني ، ثم أجرى في أساس ذلك البيت الماء ، فسقط عليه ، فمات .
وأراد أبوجعفر أن يزيد في المسجد الحرام ، وشكا الناس ضيقه ، وكتب
إلى زياد بن عبيدالله الحارثي أن يشتري المنازل التي تلي المسجد حتى يزيد فيه
ضعفه ، فامتنع الناس من البيع ، فذكر ذلك لجعفر بن محمد ، فقال : سلهم !
أهم نزلوا على البيت أم البيت نزل عليهم ؟ فكتب بذلك إلى زياد فقال لهم زياد بن
عبيدالله ذلك ، فقالوا : نزلنا عليه ! فقال جعفر بن محمد : فإن للبيت فناءه .
فكتب أبوجعفر إلى زياد بهدم المنازل التي تليه ، فهدمت المنازل وأدخلت عامة
دار الندوة فيه ، حتى زاد فيه ضعفه ، وكانت الزيادة مما يلي دار الندوة وناحية
باب بني جمح ، ولم يكن مما يلي الصفا والوادي ، فكان البيت في جانبه ، وكان
ابتداء الامر به في سنة 138 ، وفرغ سنة 140 .
وبنى مسجد الخيف بمنى وصيره على ما هو عليه من السعة ، ولم يكن بها قبل
ذلك . وحج أبوجعفر سنة 140 لينظر ما زيد في المسجد الحرام ، وقد كان
بلغه أن محمد بن عبدالله بن حسن بن حسن تحرك ، فلما قدم المدينة طلبه ، فلم
ـ370ـ
يظفر به ، فأخذ عبدالله بن حسن بن حسن وجماعة من أهل بيته ، فأوثقهم في
الحديد ، وحملهم على الابل بغير وطاء ، وقال لعبد الله : دلتني على ابنك ،
وإلا والله قتلتك . فقال عبدالله : والله لامتحنت بأشد مما امتحن الله به خليله
ابراهيم ، وإن بليتي لاعظم من بليته لان الله عزوجل أمره أن يذبح ابنه ، وكان
ذلك لله عزوجل طاعة . فقال : إن هذا لهو البلاء العظيم ، وأنت تريد مني أن
أدلك على ابني لتقتله ، وقتله لله سخط .
وقال أو جعفر : يا يا ابن اللخناء ! فقال : وإنك لتقول هذا ؟ ليت شعري
أي الفواطم لخنت يا ابن سلامة ؟ أفاطمة بنت الحسين أم فاطمة بنت رسول الله
أم جدتي فاطمة بنت أسد بن هاشم جدة أبي أم فاطمة ابنة عمرو بن عائذ بن
عمران بن مخزوم جدة جدتي ؟ قال : ولا واحدة من هؤلاء ، وحمله .
وانصرف أبوجعفر على طريق الشأم فأتى بيت المقدس ثم صار إلى الجزيرة ،
فنزل خارج الرقة ، وقد كان منصور بن جعونة الكلابي وثب بها ، فأسر ،
فأحضره فضرب عنقه ، ثم صار إلى الحيرة ، فحبس عبدالله بن حسن بن حسن
وأهل بيته ، فلم يزالوا في الحبس حتى ماتوا ، وقد قيل : إنهم وجدوا مسمرين
في الحيطان .
وحدثني أبوعمرو عبدالرحمن بن السكن عن رجل من آل عبدالله :
أن محمد بن عبدالله بن حسن بن حسن كتب إلى أبيه ، لما بلغه شدة ما يلقى من
الحبس ، يستأذنه أن يظهر حتى يضع يده في أيديهم ، فأرسل إليه عبدالله : إن
ظهورك يا بني يقتلك ، ولا يحييني ، فأقم بمكانك حتى يرتاح الله بفرج ،
وأخذ أبوجعفر في بناء الرافقة ، وكان بتداؤها في أيام أبي العباس ، وقال :
أما أنا فلست أنزلها ! فقيل له : وكيف ذلك ، يا أمير المؤمنين ؟ فقال : كان
أبي صار إلى هشام ، وهو بالرصافة ، فجفاه ، وناله منه ما يكره ، ثم انصرف ،
وأنا وأخي معه ، فلما صار إلى هذا الموضع قال لي ولاخي : أما انه سيبني
أحد كما في هذا الموضع مدينة . فقلت له : ثم ماذا ؟ فقال : لا ينزلها ، لكن
ـ371ـ
ينزلها ابنه ، وأنا أعلم أني لا أنزلها ، ولكن ينزلها ابني محمد ، يعني المهدي .
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 371 سطر 1 الى ص 380 سطر 7
ينزلها ابنه ، وأنا أعلم أني لا أنزلها ، ولكن ينزلها ابني محمد ، يعني المهدي .
وولى أبوجعفر عبدالجبار بن عبدالرحمن الازدي خراسان ، فاستخلف
على الشرطة أخاه عمر بن عبدالرحمن ، وقتل المغيرة بن سليمان ، ومجاشع بن
حريث ، وقصد لشيعة بني هاشم ، فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وجعل يتبعهم
ويمثل بهم ، فكتب إليه أبوجعفر يحلف له ليقتلنه ، فخلع سنة 141 ، فوجه
إليه أبوجعفر بالمهدي فصار المهدي إلى الري ، واستعمل على خراسان أسيد بن
عبدالله الخزاعي ، ووجه معه بالجيوش ، فلقي عبدالجبار بمرو ، فهزم عسكره ،
وهرب عبدالجبار ، فاتبعه فأسره ، وبعث به إلى أبي جعفر فوافاه وهو
بقصر ابن هبيرة من بغداد على مرحلة ، فقال له عبدالجبار لما وافاه : يا أمير
المؤمنين ! قتلة كريمة ! فقال : تركتها وراءك ، يا ابن اللخناء . وقدمه فضرب
عنقه ، وصلبه ، فأقام على الخشبة أياما ، ثم جاء أخوه عبيدالله بن عبدالرحمن
ليلا ، فأنزله ودفنه ، فبلغ أبا جعفر ذلك ، فقال : دعوه إلى النار .
وولى أبوجعفر أرمينية يزيد بن أسيد السلمي ، وولى اذربيجان يزيد
ابن حاتم المهلبي ، فنقل اليمانية من البصرة إليها ، وكان أول من نقلهم ، وأنزل
الرواد بن المثنى الازدي تبريز إلى البذ وأنزل مر بن علي الطائي نريز . . 1
الهمداني الميانج ، وفرق قبائل اليمن ، فلم يكن باذربيجان من نزار أحد
إلا الصفر بن الليث العتبي وابن عمه البعيث بن حلبس .
وتحركت الخزر بناحية أرمينية ووثبوا بيزيد بن أسيد السلمي ، فكتب إلى
أبي جعفر يعلمه أن رأس طرخان ملك الخزر قد أقبل إليه في خلق عظيم ، وأن
خليفته قد انهزم . فوجه إليه أبوجعفر جبريل بن يحيى البجلي في عشرين ألفا
من أهل الشأم وأهل الجزيرة وأهل الموصل ، فواقع الخزر ، فقتل خلق من
المسلمين ، وانهزم جبريل ويزيد بن أسيد حتى أتيا خرس ، فلما انتهى الخبر
إلى أبي جعفر بما نال ، وظهور الخزر ودخولهم بلاد الاسلام ، أخرج سبعة
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ372ـ
آلاف من أهل السجون ، وبعث فجمع من كل بلد خلقا عظيما ، ووجه بهم وبفعلة
وبنائين ، فبنى مدينة كمخ ومدينة المحمدية ومدينة باب واق وعدة مدن
جعلها ردأ للمسلمين ، وأنزلها المقاتلة ، فردوا الحرب ، فحاربهم قومهم ،
وقوي المسلمون بتلك المدن ، وأقام بالبلد ساكنا .
ثم تحركت الصنارية بأرمينية ، فوجه أبوجعفر الحسن بن قحطبة عاملا
على أرمينية ، فحاربهم ، فلم يكن له بهم قوة ، فكتب إلى أبي جعفر بخبرهم
وكثرتهم ، فوجه إليه عامر بن اسماعيل الحارثي في عشرين ألفا ، فلقي الصنارية ،
فقاتلهم قتالا شديدا ، وأقام أياما يحاربهم ، ثم رزقهم الله ظفر عليهم ، فقتل
منهم في يوم واحد ستة عشر ألف إنسان ، ثم انصرف إلى تفليس ، فقتل من كان
معه من الاسرى ، ووجه في طلب الصنارية حيث كانوا ، ثم ولى أبوجعفر
أرمينية واضحا مولاه ، فلم يزل عليها وعلى اذربيجان خلافة أبي جعفر كلها .
ووثب أهل طبرستان وأظهروا الخلع والمعصية ، وزحفوا في جيوش عظيمة ،
فوجه إليهم المهدي خازم بن خزيمة التميمي وروح بن حاتم المهلبي ،
فهزموا جيوشهم ، وفتحت طبرستان سن 142 .
وخرج أبوجعفر في هذه السنة إلى البصرة يريد الحج ، فلما صار بالجسر
الكبير أتاه الخبر بأن أهل اليمن قد أظهروا المعصية ، وان عبدالله بن الربيع
عامل اليمن قد هرب ممن وثب علبيه وضعف عنهم ، وان عيينة بن موسى
ابن كعب التميمي عامل السند قد عصى وأظهر الخلع ، فوجه بمعن بن زائدة
الشيباني إلى اليمن ، وعمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة إلى السند ، وانصرف
أبوجعفر من البصرة ولم يحج .
وقدم معن بن زائدة اليمن فقتل من بها قتلا فاحشا ، وأقام بها تسع سنين ،
وكان موسى بن كعب التميمي لما انصرف عن بلاد السند خلف ابنه عيينة بن
موسى ، فخالف عليه قوم ممن كان معه من ربيعة واليمن ، فقتل عامتهم ،
وأظهروا المعصية ، فوجه أبوجعفر عمر بن حفص هزار مرد إلى السند ، فلم
ـ373ـ
يسلم عيينة ، ومنعه من الدخول ، فأقام بالديبل ، وكان معه عقبة بن مسلم ،
وحاربه عمر بن حفص ، وكان أصحاب عيينة يستأمنون إلى عمر ، فطلب عيينة
الصلح ، فصالحه ، وأخرجه مع رسله ، وبعث به إلى المنصور .
وأقام عمر بن حفص بالمنصورة ، ومضى عيينة مع رسله حتى إذا كان
في بعض الطريق هرب من الرسل ، ومضى يريد سجستان حتى دنا من الرخج ،
فضربه قوم من اليمانية فقتلوه ، وذهبوا برأسه إلى المنصور .
وأقام عمر بن حفص بالسند سنتين ، ثم عزله أبوجعفر وولى هشام بن
عمرو التغلبي ، فصار إلى المنصورة ، فأقام بها ، ووجه إلى ناحية الهند بجيش ،
فغنموا وأصابوا رقيقا . وقيل لهشام : إن المنصورة لا تحملك ، والملتان بلاد
واسعة ، ومنها معرى ، فسار إليها فاستخلف على المنصورة أخاه بسطام بن عمرو ،
فلما قرب من الملتان خرج صاحبها إليه في خلق ليرده ، والتقيا ، فكانت بينهما
وقعة عظيمة ، ثم انهزم صاحب الملتان ، وظفر هشام ونزل المدينة ، وسبى سبيا
كثيرا ، ثم عمل السفن وحملها على نهر السند حتى القندهار ففتحها ، وسبى ،
وهدم البد وبنى موضعه مسجدا ، ثم قدم إلى المنصور بما لم يقدم به أحد من السند ،
فلم يقم بالعراق إلا قليلا حتى مات ، فولى المنصور معبد بن الخليل التميمي ،
فكان محمودا في البلد .
وصار أبوجعفر إلى بغداد سنة 144 ، فقال : ما رأيت موضعا أصلح لبناء
مدينة من هذا الموضع بين دجلة والفرات وشريعة البصرة والابلة وفارس وما
والاها والموصل والجزيرة والشأم ومصر والمغرب ومدرجة الجبل وخراسان ،
فاختط مدينته المعروفة بمدينة أبي جعفر في الجانب الغربي من دجلة ، وجعل
لها أربعة أبواب ، بابا سماه باب خراسان شرع على دجلة ، وبابا سماه
باب الكوفة ، وبابا سماه باب الشأم ، وعلى كل باب من هذه الابواب مجالس
وقباب مذهبة يصعد إليها على الخيل ، وجعل عرض السور من سفل سبعين
ـ374ـ
ذراعا ، وضرب على سائر بغداد سورا ، وجد في البناء ، وأحضر المهندسين
والبنائين والفعلة من كل بلد ، وأقطع مواليه وقواده القطائع داخل المدينة ،
فدروب المدينة تنسب إليهم ، وأخذهم بالبناء ، وأقطع آخرين على أبواب المدينة ،
وأقطع الجند أرباض المدينة ، وأقطع أهل بيته الاطراف ، وأقطع ابنه المهدي
وجماعة من أهل بيته ومواليه وقواده .
وشخص المهدي من خراسان منصرفا إلى العراق في هذه السنة ، وهي سنة
144 ، فخرج أبوجعفر لاستقباله بنهاوند ، وقدم فصار إلى الكوفة ، فنزل
الحيرة والمدينة التي بناها المنصور ، وسماها الهاشمية ، فأقام المهدي أياما ،
ثم ابتنى بريطة بنت أبي العباس بالحيرة .
وبلغ المنصور أن محمد بن عبدالله بن حسن بن حسن قد تحرك بالمدينة ،
فكاتبه أهل البلدان ، فخرج حاجا ، ولم يدخل المدينة في منصرفه ، وصار إلى
الربذة ، فأتى بجماعة من العلويين ، ومعهم محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان ،
وهو أخو عبدالله بن حسن لامه ، فسألهم عن محمد بن عبدالله بن حسن بن
حسن ، فقالوا : ما نعلم له موضعا ، ولا نعرف له خبرا . فقال لمحمد بن
عبدالله بن عمرو بن عثمان : أقطعتك ووصلتك وفعلت وفعلت ، ولم أوا خذك
بذنوب أهل بيتك ، ثم تستميل علي عدوي ، وتطوي أمره عني ؟ ثم أمر به ،
فضرب ضربا شديدا ، وطيف به بالربذة على حمار ، وأشخص القوم جميعا على
أقتاب بغير وطاء .
وانصرف أبوجعفر من حجه ، فصار إلى بغداد ، ونزل مدينته المعروفة
بباب الذهب سنة 145 ، وكانت الاسواق داخل المدينة ، فأخرجها إلى الكرخ ،
ولم يقر أبوجعفر إلا أياما حتى أتاه الخبر بخروج محمد بن عبدالله بن حسن بن
حسن وظهور أمره ، فرجع إلى الكوفة ، فأقام بقصر ابن هبيرة بين الكوفة
وبغداد أياما ، وولى رياح بن عثمان بن حيان المري المدينة ، وقال : ما وجدت
لهم غيرك ، ولا أعلم لهم سواك . فلما قدم رياح المدينة قام على المنبر ، فخطب
ـ375ـ
خطبة له مشهورة يقول فيها : يا أهل المدينة ! أنا الافعى ابن الافعى ابن عثمان
ابن حيان وابن عم مسلم بن عقبة المبيد خضراكم ، المفني رجالكم ، والله
لادعها بلقعا لا ينبح فيها كلب .
فوثب عليه قوم منهم ، وكلموه وقالوا : والله يا ابن المجلود حدين لتكفن
أو لنكفنك عن أنفسنا ! فكتب إلى أبي جعفر يخبره بسوء طاعة أهل المدينة ،
فأرسل أبوجعفر إلى رياح رسولا ، وكتب معه كتابا إلى أهل المدينة يأمره أن
يقرأه عليهم ، وكان في الكتاب : أما بعد يا أهل المدينة ، فإن واليكم كتب إلي
يذكر غشكم وخلافكم وسوء رأيكم و استمالتكم على بيعة أمير المؤمنين ،
وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن لم تنزعوا ليبد لنكم بعد أمنكم خوفا ، وليقطعن
البر والبحر عنكم ، وليبعثن عليكم رجالا غلاظ الاكباد ، بعاد الارحام ،
؟ ؟ 1 قعر بيوتكم يفعلون ما يؤمرون ، والسلام .
فصعد رياح المنبر ، وقرأ الكتاب ، فلما بلغ : يذكر غشكم ، صاحوا من
كل جانب : كذبت يا ابن المجلود حدين ، ورموه بالحصى ، وبادر المقصورة ،
فأغلقها ، فدخل دار مروان ، ودخل عليه أيوب بن سلمة بن عبدالله بن الوليد
المخزومي فقال : أصلح الله الامير ! إنما يصنع هذا رعاع الناس ، فاقطع
أيديهم ، واجلد ظهورهم . فقال له بعض من حضر من بني هاشم : لا نرى هذا ،
ولكن ارسل إلى وجوه الناس وغيرهم من أهل المدينة ، فاقرأ عليهم كتاب
المنصور . فجمعهم وقرأ عليهم كتاب المنصور ، فوثب حفص بن عمر بن
عبدالله بن عوف الزهري وأبوعبيدة بن عبدالرحمن بن الازهر هذا من ناحية
وهذا من ناحية ، فقالا لرياح : كذبت والله ! ما أمرتنا فعصيناك ، ولا دعوتنا
فخالفناك ! ثم قالا للرسول : أتبلغ أمير المؤمنين عنا ؟ قال : ما جئت إلا لذلك .
قالا : فقل له : أما قولك إنك تبدل المدينة وأهلها بالامن خوفا ، فإن الله عز
وجل وعدنا غيره هذا . قال الله عزو جل : وليبد لنهم من بعد خوفهم أمنا
* ( هامش ) * 1 هكذا في الاصل دون نقط .
ـ376ـ
يعبدوني لا يشركون بي شيئا ، فنحن نعبده لا نشرك به شيئا .
وظهر محمد بن عبدالله بن حسن بن حسن بالمدينة ، مستهل رجب سنة 145 ،
فاجتمع معه خلق عظيم ، وأتته كتب أهل البلدان ووفودهم ، فأخذ رياح
ابن عثمان المري عامل أبي جعفر ، فأوثقه بالحديد ، وحبسه ، وتوجه ابراهيم
ابن عبدالله بن حسن بن حسن إلى البصرة ، وقد اجتمع جماعة ، فأقام مستترا ،
وهو يكاتب الناس ويدعوهم إلى طاعته ، فلما بلغ أبا جعفر أراد الخروج إلى
المدينة ، ثم خاف أن يدع العراق مع ما بلغه من أمر إبراهيم ، فوجه عيسى بن
موسى الهاشمي ومعه حميد بن قحطبة الطائي في جيش عظيم ، فصار إلى
المدينة ، وخرج محمد إليه في أصحابه ، فقاتلهم في شهر رمضان ، ومضى أصحابه
إلى الحبس فقتل رياح بن عثمان .
وكانت أسماء ابنة اعبدالله بن عبيدالله بن العباس بالمدينة ، وكانت معادية
لمحمد بن عبدالله ، فوجهت بخمار أسود قد جعلته على قصبة مع مولى لها حتى
نصبه على مئذنة المسجد ، ووجهت بمولى لها يقال له مجيب العامري إلى
عسكر محمد ، فصاح : الهزيمة الهزيمة ! قد دخل المسودة المدينة . فلما رأى
الناس العلم الاسود وانهزمزا ، وأقام محمد يقاتل حتى قتل .
فلما قتل محمد بن عبدالله بن حسن وجه عيسى بن موسى كثير بن الحصين
العبدي إلى المدينة ، فدخلها ، فتتبع أصحاب محمد ، فقتلهم وانصرف إلى العراق .
وكان ابراهيم بن عبدالله قصد إلى الكوفة ، وهو لا يشك أن أهل الكوفة
يثبون معه بأبي جعفر ، فلما صار بالكوفة لم يجد ناصرا ، وبلغ أبا جعفر خبره ،
فوضع الارصاد والحرس بكل موضع ، فرام الخروج فلم يقدر ،
فعلم أنه قد أخطأ ، فأعمل الحيلة . وكان مع ابراهيم رجل يقال له سفيان بن
يزيد العمي ، فصار إلى أبي جعفر فقال له : يا أمير المؤمنين ! تؤمنني وأدلك
على إبراهيم بعد أن أدفعه إليك ؟ فقال : أنت آمن ، وأين هو ؟ قال : بالبصرة ،
فوجه معي برجل تثق به ، وحملني على دواب البريد ، واكتب إلى عامل البصرة
ـ377ـ
حتى أدله عليه فيقبض عليه . فوجه معه بأبي سويد صاحب طاقات أبي
سويد ببغداد ، في باب الشأم ، فخرج ومعه غلام عليه جبة صوف ، وعلى عنقه
سفرة فيها طعام ، حتى ركب البريد معه أبوسويد وذلك الغلام ، فلما صار إلى
البصرة قال سفيان لابي سويد انتظرني حتى أعرف خبر الرجل ! ومضى فلم
يعد ، وكان الغلام الذي عليه الجبة الصوف ابراهيم بن عبدالله بن حسن بن حسن ،
فلما أبطأ صار أبوسويد إلى سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب ، وكان عامل
الناحية ، فقال له : أين الرجل ؟ قال : لا أدري ، فكتب إلى أبي جعفر ،
فعلم أنه إبراهيم ، وأنها حيلة .
وخرج ابراهيم بن عبدالله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالبصرة ،
وقد بايع أهلها ، وكان خروجه في أول شهر رمضان ، فقصد دار الامارة ،
والامير سفيان بن معاوية المهلبي ، فتحصن منه في القصر ، ثم طلب الامان ، فآمنه
إبراهيم ، فخرج سفيان بن معاوية وأسلم البلد ، فقبض ابراهيم على بيت المال وغيره .
وكان في البلد جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي فخرجا إلى ميسان ، فأقاما
هناك متحصنين في خندق ، ووجه إبراهيم بن عبدالله إلى الاهواز المغيرة بن
الفزع السعدي ، فأخرج محمد بن الحصين عاملها ، وغلب على البلد ، ووجه
يعقوب بن الفضل بن عبدالرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد
المطلب إلى فارس ، فدخلها ، وأخرج عنها اسماعيل بن علي ، ووجه هارون
ابن سعد العجلي إلى واسط واستولى على ما حولها ، ووجه برد بن لبيد اليشكري
إلى كسكر ، فغلب عليها .
وخرج ابراهيم من البصرة واستخلف نميلة بن مرة الاسعدي ، وكان قد
أحصى ديوانه ، فكانوا ستين ألفا ، فخرج من البصرة في أول ذي القعدة ،
فأخذ على كسكر يقصد المنصور ، وكان أبوجعفر قد كتب إلى عيسى بن موسى
يأمره بسرعة القدوم ، فلما وصله قال له : يا أبا موسى ! أنت أولى بالفتح
من جعفر ومحمد ابني سفيان ، فانفذ ليكمل الله الظفر على يديك . فخرج في
ـ378ـ
ثمانية عشر ألفا من الجند وشيعة أبي جعفر ، وكتب إلى جعفر ومحمد ابني سليمان
ابن علي أن يصيرا معه .
وزحف ابراهيم حتى صار إلى قرية يقال لها باخمرا ، وصار عيسى بن
موسى إلى قرية يقال لها سحا 1 ، وقدم حميد بن قحطبة الطائي للقتال ،
والتحمت الحرب ، وكانت أشد حرب ، والدائرة على عيسى بن موسى حتى
شك الناس في علو ابراهيم وظفره ، ثم ان سلم بن قتيبة الباهلي خرج على أصحاب
ابراهيم من ناحية بخيل ، فتوهموا كمينا ، فانهزموا ، وبقي ابراهيم في أربعمائة
من الزيدية يحارب أشد محاربة ، وكان ابراهيم يدعو إلى أخيه محمد ، فلما
قتل محمد دعا إلى نفسه .
وحدثني رجل من القحطانية قال : أخبرني . . . 1 قال : رأيت ابراهيم
في اليوم الذي واقعه عيسى على بغلة دهماء ، وسديف بن ميمون آخذ بشفر
بغلته ، وهو يقول :
خذها أبا إسحاق مليتها * في سيرة ترضى وعمر طويل
وظهر ابراهيم ظهورا شديدا حتى هزم العسكر مرة بعد أخرى ، وزحف
حتى قرب من الكوفة ، وحتى دعا أبوجعفر بنجائبه ليصير إلى بغداد ، وكان
العلو في ابراهيم حتى انه لم يشك أنه يدخل الكوفة .
وكان أبوجعفر لاينام في تلك الليالي ، وحمل إليه امرأتان ، فاطمة بنت محمد
الطلحية ، وأم الكريم بنت عبدالله من ولد خالد بن أسيد ، فوجه بهما إلى
بغداد ، ولم يكشف لهما كشفا .
ولما أن هزم أصحاب ابراهيم قام يحارب أشد حرب في أربعمائة من
أصحابه إلى أن قتل وأخذ رأسه ، فوجه به إلى أبي جعفر وهو بالكوفة ،
* ( هامش ) * 1 هكذا بدون نقط في الاصل .
2 بياض في الاصل .
ـ379ـ
فوضع بين يديه ، وأذن للناس فجعلوا يدخلون ، فينالون من ابراهيم وأخيه وأهله ،
حتى دخل جعفر بن حنظلة البهراني ، فقال : اعظم الله أجرك ، يا أمير المؤمنين ،
في ابن عمك ، وغفر له ما فرط فيه من حقك ! فسر بذلك أبوجعفر ، وقال : أبا
خالد ، مرحبا وأهلا ، هاهنا ، فعلم الناس أنه قد سرته مقالته ، فقالوا مثل قوله .
وأتاه الحسن بن يزيد ، فعرض عليه الرأس ، فلما رآه استنقع لونه وتغير
وجهه ، فقال : والله ، يا أمير المؤمنين ، لقد قتلته صواما قواما ، وما كنت
أحب أن تبوء بإثمه . فقال له رجل من أهله : كأنك تزري على أمير المؤمنين
في قتله ؟ فقال : كأنك أردت مني أن أكذب عليه وقد صار إلى الله ؟ فقال
أبوجعفر : والله ما كنت أنتظر إلا أن يدخل صاحب من ذلك الباب ، فأدعو
بك ، فأضرب عنقك وأخرج من الباب الآخر . فقال له : أو كنت أسبقك إلى ذلك .
وانصرف أبوجعفر بعد قتل ابراهيم بن عبدالله بن حسن بن حسن بثلاثة
أشهر ، فنزل مدينة بغداد نزول مستوطن في شهر ربيع الاول سنة 146 ،
وكان ذلك من شهور العجم في تموز ، وأشخص المهدي إلى خراسان عاملا
عليها ، ومعه وجوهن الجند والصحابة ، فاجتمع قواد خراسان إلى أبي جعفر ،
وذكروا له فعال المهدي في نبل أخلاقه ، ومدحوه ، وسألوه أن يصير إليه
تولية العهد من بعده ، فكتب إلى عيسى بن موسى ، وهو بالكوفة ، يعلمه ما قد
وقع بقلوب أهل خراسان وغيرهم من هذا الامر ، وكان عيسى بن موسى يقول :
إن له ولاية العهد بعد أبي جعفر ، فلما ورد عليه كتاب أبي جعفر بما اجتمع
عليه القواد وأهل خراسان من تصيير ولاية العهد من بعده للمهدي ، وأشار عليه
بأن يسبق إلى ذلك ، كتب إليه عيسى يعظم عليه هذا الامر ، ويذكر له ما في
نكث العهود ونقض الايمان ، وانه لا يأمن أن يفعل الناس هذا في بيعته وبيعة
ابنه ، وجرت بينهما مراسلات .
وقدم عيسى بغداد ، فوثب به الجند يوما بعد يوم ، وصاروا إلى بابه حتى
خاف على نفسه ، فلما رأى ذلك رضي وسلم ، فبايع المنصور بولاية العهد
ـ380ـ
لابنه المهدي سنة 147 ، ولم يبق أحد إلا دخل في البيعة ، وجعل لعيسى ولاية
العهد بعد المهدي ، والمهدي يومئذ بخراسان ، وأتته كتب أبيه بالبيعة له ، فبايع
من معه من القواد وأهل خراسان جميعا خلا باذغيس ، فإنه خالف بها
استاذسيس ، فادعى النبوة ، وصحبه على ذلك خلق كثير ، فوجه إليه المهدي
خازم بن خزيمة التميمي ، فحاربه ، ففض جموعه ، فأسره وحمله إلى أبي
جعفر إلى بغداد ، فقتله . وفي هذه السنة كان انقضاض الكواكب .
ـ381ـ
وفاة ابي عبدالله جعفر بن محمد وآدابه
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 381 سطر 1 الى ص 390 سطر 25
وفاة ابي عبدالله جعفر بن محمد وآدابه
وتوفي أ بوعبدالله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ،
وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر ، بالمدينة سنة 148 ، وله ست
وستون سنة ، وكان أفضل الناس وأعملهم بدين الله ، وكان من أهل العلم الذين
سمعوا منه ، إذا رووا عنه قالوا : أخبرنا العالم .
قال سفيان : سمعت جعفرا يقول : الوقوف عند كل شبهة خير من الاقتحام
في الهلكة ، وترك حديث لم نروه أفضل من روايتك حديثا لم تحصه . إن على
كل حق حقيقة وعلى كلى صواب نورا ، فما وافق كتاب الله فخذوه ،
وما خالفه فدعوه .
وقال جعفر : ثلاثة يجب لهم الرحمة : غني افتقر ، وعزيز قوم ذل ،
وعالم تلاعب به الجهال .
وقال : من أخرجه الله من ذل المعاصي إلى عز التقوى أغناه الله بغير مال ،
وأعزه الله بغير عشيرة ، ومن خاف الله أخاف الله منه كل شئ ، ومن لم
يخف الله أخاف الله من كل شئ ، ومن رضي من الله باليسير من الرزق رضي
منه باليسير من العمل ، ومن لم يستح من طلب الحلال خفت مؤونته ونعم أهله ،
ومن زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه ، فأطلق لسانه من أمور الدنيا دائها
ودوائها ، وأخرجه منها سالما .
وروي أنه قال ، لما نزلت على رسول الله : لا تمدن عينيك إلى ما متعنا
به أزواجا منهم ، الآية ، قال : ومن لم يتعز بعزاء رسول الله تقطعت نفسه على الدنيا
حسرات ، ومن اتبع طرفه ما في أيدي الناس طال همه ولم يضف غيظه ، ومن
لم ير لله عليه نعمة إلا في كل مأكل ومشرب ، فقد قصر عمره ، ودنا عذابه .
ـ382ـ
وقال : ما أنعم الله على عبد نعمة بقلبه ، وشكرها بلسانه ، إلا ما
أعطى خير مما أخذ .
وقال : إن مما ناجى الله عزوجل به موسى : يا موسى ! لا تنسني على
حال ، ولا تفرح بكثرة المال ، فإن نسياني يميت القلب ، وعند كثرة المال
تكثر الذنوب . يا موسى ! كل زمان يأتي بالشدة بعد الشدة ، وبالرخاء بعد
الرخاء ، والملك بعد الملك ، وملكي قائم لا يزول ، ولا يخفى علي شئ في
الارض ولا في السماء ، وكيف يخفى علي ما كان ابتداؤه مني ، وكيف لا تكون
همتك فيما عندي ، وأنت ترجع لا محالة إلي ؟
وقال : خلتان من لزمهما دخل الجنة ، فقيل : وما هما ؟ قال : احتمال
ما تكره ، إذا أحبه الله ، وترك ما تحب ، إذا كرهه الله . فقيل له : من يطيق
ذلك ؟ فقال : من هرب من النار إلى الجنة .
وقال : فعل المعروف يمنع ميتة السوء ، والصدقة تطفئ غضب الرب ،
وصلة الرحم تزيد في العمر وتنفي الفقر ، وقول لا حول ولا قوة إلا بالله كنز
من كنوز الجنة .
وقال : ما توسل إلي أحد بوسيلة ولا تذرع بذريعة هي أحب إلي ولا أقرب
مني من يد أسلفته إياها أتبع بها أختها لاحسن ريها وحفظها ، إذا كان منع
الاواخر يقطع لسان شكر الاوائل ، وما سمحت نفسي برد بكر من الحوائج .
وقال : أوحى الله إلى موسى بن عمران : ادخل يدك في فم التنين إلى
المرفق ، فهو خير لك من مسألة من لم يكن للمسألة بمكان .
وقال : لا تخالطن من الناس خمسة : الاحمق ، فإنه يريد أن ينفعك
فيضرك ، والكذاب ، فإن كلامه كالسراب يقرب منك البعيد ويباعد منك
القريب ، والفاسق ، فإنه يبيعك بأكله أو شربه ، والبخيل ، فإنه يخذلك أحوج ما
تكون إليه ، والجبان ، فإنه يسلمك ويتسلم الدية .
وقال : المؤمنون يألفون ويؤلفون ويغشى رحلهم .
ـ383ـ
وقال : من غضب عليك ثلاث مرات ، فلم يقل فيك سوءا ، فاتخذه
لك خلا ، ومن أراد أن تصفو له مودة أخيه ، فلا يمارينه ولا يماز جنه ولا
يعده ميعادا فيخلفه .
وكان لجعفر بن محمد بن الولد اسماعيل ، وعبدالله ، ومحمد ، وموسى ،
وعلي ، والعباس .
قال اسماعيل بن علي بن عبدالله بن عباس : دخلت على أبي جعفر المنصور
يوما ، وقد اخضلت لحيته بالدموع ، فقال لي : ما علمت ما نزل بأهلك ؟ فقلت :
وما ذلك ، يا أمير المؤمنين ؟ قال : فإن سيدهم وعالمهم وبقية الاخيار منهم
توفي . فقلت : ومن هو ، يا أمير المؤمنين ؟ قال : جعفر بن محمد . فقلت :
أعظم الله أجر أمير المؤمنين ، وأطال لنا بقاءه ! فقال لي : إن جعفرا كان ممن
قال الله فيه : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ، وكان ممن اصطفى الله ،
وكان من السابقين بالخيرات .
وكان اسماعيل بن علي من خيار بني هاشم وأفاضلهم ، ولاه أبوجعفر
المنصور فارس ، وقد خرج مهلهل الحروري بها ، فلقيه في جمع ، فقتله ،
وهزم عسكره ، وأسر من أصحابه أربعمائة ، وكان عبدالصمد أخوه معه ،
فقال : أصلح الله الامير ، اضرب أعناقهم ! فقال له اسماعيل بن علي : إن
أول من علم قتال أهل القبلة علي بن أبي طالب ، ولم يكن يقتل أسيرا ، ولا
يتبع منهزما ، ولا يجهز على جريح .
وكان صالح بن علي بن عبدالله بن عباس يتولى لابي جعفر قنسرين
والعواصم ، فبلغه كثرة عدده ومواليه ، فخافه ، فكتب إليه في القدوم عليه ،
فكتب : انه شديد العلة ، فلم يقبل ذلك ، وكان قد سل فصار إلى بغداد ،
فلما رآه أبوجعفر صرفه ، ولم يأمر له بصلة ولا بر ، فقال : إن أمير المؤمنين
يئس مني ، ففعل هذا بي ، والله يحيى العظام وهي رميم ، . فلما صار إلى
عانات من كور الفرات مات ، وكان نظير أبي جعفر في السن .
ـ384ـ
وولى أبوجعفر أهل بيته البلدان ، فولى اسماعيل بن علي فارس ، وسليمان
ابن علي البصرة ، وعيسى بن موسى الكوفة ، وصالح بن علي قنسرين والعواصم ،
والعباس بن محمد الجزيرة ، وعبدالله بن صالح حمص ، والفضل بن صالح
دمشق ، ومحمد بن ابراهيم الاردن ، وع بدالوهاب بن ابراهيم فلسطين ،
والسري بن عبدالله بن تمام بن العباس بن ع بدالمطلب مكة ، وجعفر بن سليمان
المدينة ، ويحيى بن محمد الموصل ، ثم صرفه وولى ابنه جعفرا ، وصير معه
هشام بن عمرو .
وكان عماله من العرب يزيد بن حاتم المهلبي ، ومحمد بن الاشعث الخزاعي ،
وزياد بن عبيدالله الحارثي ، ومعن بن زائدة الشيباني ، وخازم بن خزيمة التميمي ،
وعقبة بن سلم الهنائي ، ويزيد بن أسيد السلمي ، وروح بن حاتم المهلبي ،
والمسيب بن زهير الضبي ، وعمر بن حفص المهلبي ، والحسن بن قحطبة
الطائي ، وسلم بن قتيبة الباهلي ، وجعفر بن حنظلة البهراني ، والربيع بن زياد
الحارثي ، وهشام بن عمرو التغلبي ، فكان ينقل هؤلاء في أعماله لثقته بهم
واعتماده عليهم ، وكان عماله من مواليه : عمارة بن حمزة ، ومرزوقا أبا
الخصيب ، وواضحا ، ومنارة ، والعلاء ، ورزينا ، وغزوان ، وعطية ،
وصاعدا ، ومريدا ، وأسدا ، والربيع .
وكتب المنصور إلى معن بن زائدة الشيباني ، وهوعلى اليمن ، سنة 151 :
أن يقدم ، استخلف ابنه زائدة على اليمن ، وقدم على أبي جعفر ، وكان معن
قد أسن ، فقال له أبوجعفر : كبرت سنك يا معن ! قال : في طاعتك ،
يا أمير المؤمنين ! قال : وإنك لتتجلد . قال : على أعدائك . قال : وإن فيك
لبقية . قال : هي لك ! فأنفذه إلى خراسان والمهدي بها ، فانصرف المهدي ،
وأقام معن لقتال من هناك من الخوارج ، حتى قتل منهم خلقا عظيما وأفناهم .
فلما رأوا أنهم لا قوة لهم بمحاربته استعملوا الحية . وكان يبني دارا له ببست ،
فدخل بعضهم في هيئة البنائين ، ثم صيروا السيوف في طنان القصب ، فأقاموا
ـ385ـ
أياما ، فلما توسطوا الدار أخرجوا السيوف ثم حملوا عليه ، وهو في رداء ، فقتلوه ،
فتجرد يزيد بن مزيد ابن أخيه ، فقتل من الخوارج خلقا عظيما ، حتى جرت
دماؤهم كالنهر ، ثم شخص إلى بغداد واتبعه الشراة ، وكان يركب في موكب
ضخم من موالي عمه وعشيرته ، فلم يظفروا له بغرة ، حتى صار على الجسر
ببغداد ، فشدوا عليه ، فترجل ، فقتل منهم خلقا عظيما ، وضربوه ضربات
بالسيوف ، وكانت وقعة جليلة ، وقتل من الخوارج قتالا عظيما ، وأمن الناس ،
فلا يعلم أن الخوارج دخلت قط بغداد ظاهرا ، فقتلت أحدا ، إلا ذلك اليوم .
وأقام زائدة بن معن بن زائدة خليفة أبيه باليمن حتى قتل أبوه ، واستعمل
النصور مكانه الحجاج بن منصور ، ثم صرفه ، فاستعمل مكانه يزيد بن منصور .
وخالف أهل اليمامة والبحرين سنة 152 ، وقتلوا أبا الساج ، عامل أبي
جعفر عليهم ، فوجه عليهم عقبة بن سلم الهنائي ، فقتل من بها من ربيعة مجازاة
لما فعل معن باليمن ، وقال : لو كان معن على فرس جواد ، وأنا على حمار
أعرج ، لسبقته إلى النار . وسبى العرب والموالي .
وقدم على عقبة رسول ببشارة من عند المنصور ، فقال له عقبة : ما عندى
مال فأعطيك إلا أنني أعطيك ما قيمته خمسمائة ألف درهم . قال : وما
ذاك ؟ قال : أدفع إليك خمسين رجلا من ربيعة ، فتنطلق بهم ، فإذا صرفت إلى
البصرة أظهرت أنك تريد ضرب أعناقهم وصلبهم على أبواب أعداء أمير
المؤمنين ، فإنك لا تشير إلى أحد إلا افتدى منك بعشرة آلاف درهم . قال :
قد رضيت ، فدفعهم إليه ، فقدم بهم البصرة ، ووقف بهم في المربد ، وأظهر أنه
يريد ضرب أعناقهم وصلبهم ، فاجتمع الناس حتى كادت تكون فتنة ، وسوار
ابن عبدالله قاضي البصرة يومئذ ، فأرسل إلى الرسول ، فأحضره ، ثم وجه
فحبس القوم ، وقال : تمسك عنهم حتى آمرك ، وكتب إلى المنصور بخبرهم
وعظم عليه الخطب منهم ، وكتب إليه أنه قد عفا عنهم وجزاه الخير .
وقتل الياس بن حبيب الفهري عامل افريقية ، فولى أبوجعفر حبيب بن عبد
ـ386ـ
الرحمن بن حبيب ابن أخي الياس ، فأقام بها مدة ، ووثب رجل يقال له
عاصم بن جميل الاباضي ، فقتله ، وكثرت الاباضية بافريقية ، وولت عليهم
أبا الخطاب عبدالاعلى بن السمح المعافري ، فاستفحل أمره ، وغلب على البلد ،
فولى أبوجعفر محمد بن الاشعث الخزاعي ، فقدم طرابلس ، وزحف إليه
أ بوالخطاب من القيروان ، فحاربه ، فقتله محمد بن الاشعث ، ووجه برأسه
إلى أبي جعفر .
وصار محمد بن الاشعث إلى القيروان ، فلم يقم إلا يسيرا حتى خرج
عليه هاشم بن اشتاخنج الخراساني ، وضافره من بالبلد من الجند وأهل خراسان ،
فأخرجوه عن البلد ، وولوا عليهم رجلا يقال له عيسى بن موسى الخراساني ،
وانصرف ابن الاشعث إلى العراق .
وكتب أبوجعفر إلى الاغلب بن سالم التميمي بولاية البلد ، فوثب أهل
افريقية ، فنحوا الاغلب بن سالم ، وولوا الحسن بن حرب ، فلما بلغ أبا
جعفر الخبر كره اضطراب البلد ، وكتب إلى الحسن بن حرب بولاية البلد .
فلما سكن البلد ولى عمر بن حفص المهلبي هزار مرد ، فقدم البلد ، فلم يقم
إلا يسيرا حتى وثب به يعقوب بن تميم الكندي ، المعروف بأبي حاتم ،
ومعه أهل البلد ، فحاصره بالقيروان ، فلم يزل محاصرا حتى قتل سنة 153 ،
وغلب على البلد أبوحاتم يعقوب بن تميم الاباضي .
وولى أبوجعفر يزيد بن حاتم المهلبي المغرب سنة 154 ، وخرج يشيعه ،
حتى أتى بيت المقدس ، فأمره بالنفوذ ، وانصرف أبوجعفر ، فاستنفر الشأمات
والجزيرة ، وقدم يزيد بن حاتم مصر ، فأقام بها يسيرا ، ثم شخص إلى افريقية ،
فصار إلى طرابلس في خلق عظيم ، وزحف إليه أبوحاتم الاباضي ، فالتقيا
بطرابلس ، فقاتله ، وقامت الحرب بينهما أياما ، فقتل أبوحاتم وخلق عظيم من أصحابه .
وقدم يزيد بن حاتم القيروان سنة 155 ، ونادى في الناس جميعا بالامان ،
ولم يزل مقيما على البلد خلافة أبي جعفر وخلافة المهدي وخلافة موسى وبعض
ـ387ـ
خلافة الرشيد .
وتحرك أهل الطالقان ، فوجه إليهم عمر بن العلاء ، ففتح الطالقان ودنباوند
وديلمان ، وسبى من الديلم سبايا كثيرة ، ثمار صار إلى طبرستان ، فلم يزل
مقيما بها خلافة المنصور .
ووجه المنصور الليث ، مولى أمير المؤمنين ، إلى فرغانة ، وملكها يومئذ
؟ ؟ بن افرا كفون 1 ومنزله مدينة يقال لها كاشغر ، فحاربهم محاربة شديدة ،
حتى طلب ملك فرغانة الصلح ، فصالحهم على مال كثير ، فأبى ، فلم يزل
محبوسا إلى أيام المهدي ، وقال : لا أخوان الملك الذي وجهني
وبنى أبوجعفر مدينة المصيصة ، وكانت حصنا صغيرا ، قيل إن عبدالله
ابن عبدالملك بن مروان كان بناه ، وكانت الروم تطرقهم في كل وقت فتستبيح
ذلك الموضع ، فبنى عليها السور ، وجعل عليها الخندق ، وأسكنها المقاتلة ، وحمل
إليها أهل المحابس ، وكان الذي تولى بناءها العباس بن محمد وصالح بن علي .
وأخذ أبوجعفر أموال الناس ، حتى ما ترك عند أحد فضلا ، وكان مبلغ
ما أخذ لهم ثمانمائة ألف ألف درهم ، وكان يقول لاهل بيته : إني لاجهل
موضعي ، حتى أحذر منكم ، لانه مافيكم إلا عم وأخ وابن عم وابن أخ ،
فأنا أراعيكم ببصري ، وأهتم بكم بنفسي ، فالله الله في أنفسكم فصونوا ،
وفي أموالكم فاحتفظوا بها ، وإياكم والاسراف ، فيوشك أن تصيروا من ولد
ولدي إلى من لا يعرف الرجل حتى يقول له : من أنت ؟
وكان يقول : الملوك ثلاثة : فمعاوية وكفاه زياده ، و عبدالملك وكفاه
حجاجه ، وأنا ولا كافي لي .
وكان يقول : من قل ماله قل رجاله ، ومن قل رجاله قوي عليه عدوه ،
ومن قوي عليه عدوه اتضع ملكه ، ومن اتضع ملكه استبيح حماه .
* ( هامش ) * 1 هكذا بدون نقط في الاصل .
ـ388ـ
وقال يوما لاصحابه : إن هذا الملك أفضى إلي وأنا حنيك السن قد حلبت
هذا الدهر أشطره ، وزاحمت المشاة في الاسواق ، وشاهدتهم في المواسم ،
وغازيتهم في المغازي ، فوالله ما أحب أن أزداد بهم خبرا ، على أني أحب أن
أعلم ما أحدثوا بعدي منذ تواريت عنهم بهذه الجدارات ، وتشاغلت عنهم
بأمورهم ، مع أني والله ما لمت نفسي أن أكون قد أذكيت العيون عليهم ، حتى
أتتني أخبارهم ، وهم في منازلهم .
وحدثني بعض أشياخنا قال : إن أبا جعفر يوما ليخطب ويذكر الله إذ قام
إليه رجل فقال : أذكرك من تذكر ، يا أمير المؤمنين ، به . فقال : سمعا ! سمعا
لمن قبل عن الله ، وذكر به ، وأعوذ بالله أن تأخذني العزة بالاثم لقد ضللت إذا ،
وما أنا من المهتدين ، وأنت أيها القائل ما الله أردت بها ، وإنما أردت أن
يقال : قام وقال ، وعوقب فصبر ، وأهون بقائلها لو هممت فاهتبلها ،
ويلك ، إذ غفرت ، وإياك وإياكم أيها الناس وأختها ، فإن الحكمة علينا
نزلت ، ومن عندنا فصلت ، وردوا الامر إلى أهله تصدروه كما أوردوه .
ثم عاد إلى الموضع من الخطبة .
وحج أبوجعفر في خلافته خمس حجج سنة 140 و 144 و 147 و 152
و 158 ، فلم يتم الحج ، وهلك في أول العشر ، فأقام الحج إبراهيم بن يحيى بن
محمد بن علي .
وقال أبو جعفر لما حضرته الوفاة لمواليه : إني كنت رأيت في المنام ،
قبل أن يفضي هذا الامر إلينا ، كأنا في المسجد الحرام ، إذ خرج النبي من
البيت ، ومعه لواء ، فقال : أين عبدالله ؟ فقمت أنا وأخي وعمي ، فسبقنا
أخي ، يعني أبا العباس ، فأخذ اللواء ، فخطا به خطوات أحصيها وأعدها ،
ثم سقط وسقط اللواء من يده ، فأخذه رسول الله ، ثم رجع إلى موضعه ،
فقال : أين عبدالله ؟ فقمت أنا وعمي ، فزحمت عمي ، فألقيته ، وتقدمت ،
فأخذت اللواء ، فخطوت به خطوات أحصيها وأعدها ، ثم سقطت وسقط اللواء
ـ389ـ
من يدي ، وقد انقضت تلك الخطا وأنا ميت في يومي .
ومات لثلاث خلون من ذي الحجة سنة 158 ، وهو ابن 68 سنة ، ودفن
ببئر ميمون ، وصلى عليه ابنه صالح ، فكانت ولايته 22 سنة ، وخلف منم
الولد الذكور ستة : محمدا المهدي ، وأمه أم موسى بنت منصور الحميرية ،
وصالحا ، ويعقوب ، وأمهما الطلحية . . . 1 وكان ابنه جعفر الاكبر قد
توفي في حياته ، وأمه أم موسى بنت منصور الحميرية .
وكان الغالب عليه أبوأيوب الخوزي ، وكان أبوأيوب كاتبا لسليمان
ابن حبيب المهلبي الذي كان أبوجعفر عامله في أيام بني أمية ، فعتب على أبي
جعفر ، فأمر بضربه وحبسه ، فتخلصه أبوأيوب ، فحفظ ذلك له ، فاستوزره ،
ثم سخط عليه وقتله ، واستصفى ماله ، وقتله سنة 154 ، ولم يعرف أن أحدا
غلب عليه بعد .
وكان له سمار منهم : هشام بن عمرو التغلبي ، وعبدالله بن الربيع الحارثي ،
وإسحاق بن مسلم العقيلي ، والحارث بن عبدالرحمن الحرشي .
وكان أول من ولى القضاة الامصار من قبله ، وكان يوليهم أصحاب
المعاون ، وكان قضاته : عثمان بن عمر التميمي ، ويحيى بن سعيد الانصاري ،
ثم عبدالله بن صفوان الجمحي ، وعلى الكوفة شريك بن عبدالله النخعي ،
وعلى البصرة عمر بن عامر السلمي ، ثم سوار بن عبدالله العنبري ، وعلى مصر
عبدالله بن لهيعة الحضرمي ، وعلى شرطه عبدالجبار بن عبدالرحمن الازدي ،
إلى أن عزله وولاه خراسان ، واستعمل أخاه عمر بن عبدالرحمن ، ثم عزله
لما عصى أخوه ، وفتك به ، واستعمل موسى بن كعب التميمي ، ثم المسيب
ابن زهير الضبي ، وكان في أول مرة خليفة موسى بن كعب ، ثم مات موسى ،
وكان كعب بن مالك على حرسه ، ثم عثمان بن نهيك ، ثم استعمل مكانه أبا
العباس الطوسي ، وكان حاجبه عيسى بن روضة مولاه ، ثم حجبه الربيع مولاه ،
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ390ـ
وغلب على أكثر أموره .
وأقام الحج للناس في أيامه في سنة 136 اسماعيل بن علي ، وقيل أبوجعفر ،
وكان معه أبومسلم ، سنة 137 اسماعيل بن علي ، سنة 138 فضل بن صالح
ابن علي ، سنة 139 ، وهو عام الخصب ، العباس بن محمد بن علي ، سنة 140
أبوجعفر المنصور ، سنة 141 صالح بن علي ، وهو على دمشق وحمص
وقنسرين ، سنة 142 اسماعيل بن علي ، سنة 143 عيسى بن موسى بن محمد
ابن علي ، سنة 144 أبوجعفر المنصور ، سنة 145 السري بن عبدالله بن
الحارث بن العباس بن عبدالمطب ، سنة 146 ع بدالوهاب بن ابراهيم بن
محمد بن علي ، سنة 147 أبوجعفر المنصور ، سنة 148 جعفر ابنه ، سنة
149 محمد بن ابراهيم بن علي ، سنة 150 عبدالصمد بن علي ، سنة 151
محمد بن ابراهيم ، سنة 152 أبوجعفر المنصور ، سنة 153 المهدي ، وهو
ولي عهد أبيه ، سنة 154 محمد بن ابراهيم ، سنة 155 عبدالصمد بن علي ،
سنة 156 العباس بن محمد ، سنة 157 ابراهيم بن يحيى بن محمد بن علي ،
سنة 158 خرج أبوجعفر يريد الحج ، فمات ، وأقام الحج ابراهيم .
وغزا بالناس في أيامه سنة 138 صالح بن علي على جند الشأم ، والعباس بن
محمد بن علي على خراسان ، ولم يغز بلاد الروم منذ غزا الغمر بن يزيد في سنة 125
إلى هذه الغاية ، وأقام صالح بن علي واليا على الشأم والثغور ، وهو يغزي بلاد
الروم أمراء من قبله ، عليهم ابنه الفضل بن صالح وغيره ، سنة 142 العباس بن
محمد ، سنة 143 العباس أيضا ، سنة 145 حميد بن قحطبة ، سنة 146 محمد بن
ابراهيم ، سنة 147 السري بن عبدالله بن الحارث ، سنة 148 الفضل بن صالح ،
سنة 149 يزيد بن أسيد ، سنة 155 يزيد بن أسيد ، سنة 157 زفر بن عاصم
الهلالي .
وكان الفقهاء في زمانه : يحيى بن سعيد الانصاري ، محمد بن عبدالرحمن
ابن أبي طوالة ، هشام بن عروة بن الزبير ، محمد بن عمر بن علقمة ، موسى
ـ391ـ
ابن عبيدة بن أبي صعصعة ، ربيعة الرأي ، وهو ابن أبي عبدالرحمن ،
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 391 سطر 1 الى ص 400 سطر 24
ابن عبيدة بن أبي صعصعة ، ربيعة الرأي ، وهو ابن أبي عبدالرحمن ،
محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئي ، عثمان بن الاسود ، حنظلة بن أبي سفيان ،
عبدالملك بن جريج ، عبدالعزيز بن أبي الرواد ، ابراهيم بن يزيد ، محمد ؟ ؟ 1
الاندي ، أبا سار الساري 2 ، واسمه هرار بن مرة ، سليمان بن مهران الكاهلي ،
الحسن بن عبدالله النخعي ، أبا حيان يحيى بن سعيد التيمي ، مجالد بن سعيد ،
محمد بن السائب الكلبي ، الاجلح بن عبدالله الكندي ، الرا 3 بن أبي زائدة
الهمداني ، يونس بن أبي اسحاق السبيعي ، الحسن بن عمر الفقيمي ، محمد
ابن عبدالرحمن بن أبي ليلى ، الحجاج بن أرطاة ، أبا حنيفة النعمان بن ثابت ،
محمد بن عبدالله العرزمي ، الحسن بن عمارة ، مسعر بن كدام ، أبا حمزة
الثمالي ، سفيان بن سعيد الثوري ، عبدالجبار بن عباس الهمداني ، يحيى بن
سلمة بن كهيل ، عبدالله بن عون المزني ، خالد بن مهران ، أبا المعتمر ، سليمان
التيمي ، عمرو بن عبيد ، سوار بن عبدالله ، أبا الاشهب العطاردي ، حميد
الطويل ، شعبة بن الحجاج العبدي ، حماد بن سلمة ، حماد بن زيد ، عبد
الله بن محرر ، عمرو بن قيس الكندي ، الاوزاعي عبدالرحمن بن عمرو ،
غالب بن عبدالله العقيلي .
* ( هامش ) * 1 و 2 و 3 هكذا دون نقط في الاصل .
ـ392ـ
ايام المهدي
وهو محمد بن عبدالله المنصور ، وأمه أم موسى بنت منصور بن عبدالله بن
ذي سهم بن يزيد الحميري ، وبويع في اليوم الذي توفي فيه المنصور ، وأخذ
الربيع له البيعة بمكة على من حضر من الهاشميين والقواد ، وكان صالح بن
المنصور حاضرا وموسى بن المهدي ، فأنفذ إليه الخبر مع منارة مولى أبي جعفر
ووصيته ، فسار منارة اثني عشر يوما إلى بغداد ، والمهدي بها ، فأحضر القواد
و الهاشميين والصحابة ، فبايعوا .
وكانت الشمس يومئذ في الميزان أربعا وعشرين درجة وخمسين دقيقة ،
والقمر في الجوزاء عشرين درجة وخمسين دقيقة ، وزحل في الميزان ثماني عشرة
درجة وخمسين دقيقة ، والمشتري في الجدي سبع عشرة درجة وأربعين دقيقة ،
والمريخ في الجوزاء خمس درجات وأربعين دقيقة راجعا ، والزهرة في الميزان
خمسا وعشرين درجة وأربعين دقيقة ، وعطارد في العقرب ثماني عشرة درجة
وعشر دقائق ، والرأس في الثور تسع درجات وعشر دقائق .
وقرأ المهدي وصية أبي جعفر وكانت نسختها : بسم الله الرحمن الرحيم !
هذا ما عهد عبدالله أمير المؤمنين إلى المهدي محمد ابن أمير المؤمنين ، ولي عهد
المسلمين ، حين أسند وصيته إليه بعده ، واستخلفه على الرعية من المسلمين ،
وأهل الذمة ، وحرم الله وخزائنه ، وأرضه التي يورثها من يشاء من عباده ،
والعاقبة للمتقين ، إن أمير المؤمنين يوصيك بتقوى الله في البلاد ، والعمل بطاعته
في العباد ، ويحذرك الحسرة والندامة والفضيحة في القيامة ، قبل حلول الموت ،
وعاقبة الفوت حين تقول : رب لولا أخرتني إلى أجل قريب . هيهات أين
منك المهل ، وقد انقضى عنك الاجل . وتقول : رب أرجعني لعلي أعمل
ـ393ـ
صالحا ، فحينئذ ينقطع عنك أهلك ، ويحل بك عملك ، فترى ما قدمته يداك ،
وسمعت فيه قدماك ، ونطق به لسانك ، واستركبت عليه جوارحك ، ولحظت له
عينك ، وانطوى عليه غيبك ، فتجزى عليه الجزاء الاوفى إن شرا فشرا ،
وإن خيرا فخيرا ، فلتكن تقوى الله من شأنك وطاعته من بالك ، استعن بالله على
دينك ، وتقرب به إلى ربك ونفسك ، فخذ منها ولا تجعلها للهوى ، ولن تعمل
الشر قامعا ، فليس أحد أكثر وزرا ، ولا أعز إثما ، ولا أعظم مصيبة ، ولا
أجل رزيئة منك لتكاثف ذنوبك ، وتضاعف أعمالك ، إذ قلدك الله الرعية
تحكم فيهم بمثل الذرة ، فيقتضون منك أجمعون ، وتكافى على أفعال ولاتك
الظالمين ، فإن الله يقول : إنك ميت ، وإنهم ميتون ، ثم إنكم يوم القيامة
عند ربكم تختصمون ، فكأني بك وقد أوقفت بين يدي الجبار ، وخذلك
الانصار ، وأسلمك الاعوان ، وطوقت الخطايا ، وقرنت بك الذنوب ، وحل
بك الوجل ، وقعد بك الفشل ، وكلت حجتك ، وقلت حيلتك ، وأخذت منك
الحقوق ، واقتاد منك المخلوق في يوم شديد هوله ، عظيم كربه ، تشخص
فيه الابصار لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ، ولا شفيع
يطاع ، فما عسيت أن يكون حالك يومئذ ، إذا خاصمك الخلق ، واستقضى
عليك الحق ، إذ لا خاصة تنجيك ، ولا قرابة تحميك ، تطلب فيه التباعة ،
ولا تقبل فغيه الشفاعة ، ويعمل فيه بالعدل ، ويقضى فيه بالفضل ، قال الله :
لا ظلم اليوم ، إن الله سريع الحساب . فعليك بالتشمير لدينك والاجتهاد
لنفسك ، فافكك عنقك ، وبادر يومك ، واحذر غدك ، واتق دنياك ، فإنها
دنيا غادرة موبقة ، ولتصدق لله نيتك ، وتعظم إليه فاقتك ، وليتسع إنصافك ،
وينبسط عدلك ، ويؤمن ظلمك ، وواس بين الرعية في الاحتكام ، واطلب
بجهدك رضى الرحمن وأهل الدين ، فليكونوا أعضادك ، وأعط حظ المسلمين من
أموالهم ، ووفر لهم فيأهم ، وتابع أعطيهاتهم عليهم ، وعجل بنفقاتهم إليهم سنة
سنة ، وشهرا شهرا ، وعليك بعمارة البلاد بتخفيف الخراج ، واستصلح الناس
ـ394ـ
بالسيرة الحسنة والسياسة الجميلة ، وليكن أهم أمورك إليك تحفظ أطرافك ،
وسد ثغورك ، واكماش بعوثك ، وارغب إلى الله عزوجل في الجهاد ، والمحاماة
عن دينه ، واهلاك عدوه بما يفتح الله على المسلمين ويمكن لهم في الدين ،
وابذل في ذلك مهجتك ونجدتك ومالك ، وتفقد جيوشك ليلك ونهارك ،
واعرف مراكز خيلك ومواطن رحلك ، وبالله فليكن عصمتك وحولك وقوتك ،
وعليه فليكن ثقتك واقتدارك وتوكلك ، فإنه يكفيك ويغنيك وينصرك ، وكفى
به مؤيدا ونصيرا . وأمره بعد ذلك بأمور يطول الكتاب بها فاقتصرنا على صدر
الوصية .
وأظهر جزعا شديدا على المنصور ، ووردت الوفود عليه يعزونه ، فجعل
كل قوم يقولون بما أمكنهم حتى دخل شبيب بن شيبة فعزاه ، ثم قال : يا أمير
المؤمنين ! إن الله لم يرض لك إذ قسم لك الدنيا إلا بأسناها وأرفعها ، فلا ترض
لنفسك من الآخرة إلا بمثل ما رضي الله لك من الدنيا ، وعليك بتقوى الله ،
فإنها عليكم نزلت ، ومنكم أخذت ، وإليكم ردت .
وقدم الربيع مستهل المحرم ، ومعه مفاتيح الخزائن ، فجلس المهدي للناس
في النصف من المحرم ، وأمر الربيع ، فأحضر دفتر القبوض ، ووجه إلى كل
من كان أبوجعفر قبض شيئا من ماله ، فأحضره ، وأقبل عليهم فقال : إن
أمير المؤمنين المنصور كان بما حمله الله من أموركم ، وقلده من رعايتكم ، يدبر
عليكم كما يدبر الوالد البر على ولده ، وكان أنظر لكم منكم لانفسكم ، وكان
يحفظ عليكم ما لا تحفظون على أنفسكم ، فحرس لكم من أموالكم ما لم يأمن
ذهابه ، وهذه أموالكم مبارك لكم فيها ، فخللوا أمير المؤمنين من إبطائها عنكم .
ثم أمر بإخراج من في المحابس من الطالبيين وغيرهم من سائر الناس ،
فأطلقهم ، وأمر لهم بجوائز وصلات وأرزاق دارة ، ثم أطلق سائر الناس ، ولم
يطلق أحدا إلا وكساه ووصله على قدره ، حتى بلغ إلى عبدالله بن مروان ،
وكان في الحبس من أيام أبي العباس ، فأمر بتخلية سبيله ، وأعطاه عشرة آلاف
ـ395ـ
درهم ، فقال له عيسى بن علي : إن في أعناقنا بيعة له ، وقد كان هذا الرجل
ولي عهد أبيه ، وأنت أعلم ، وقد كان وهب لكاتبي جوهرا قيمته ثلاثون ألفا .
وكان سبب الجوهر الذي ذكره عيسى أن امرأة عبدالله بن مروان ، وهي
أم يزيد ، قدمت الكوفة رجاء أن تجد من تكلمه في زوجها ، وقيل لها : لو
كلمت عيسى بن علي ، فجاءت إلى كاتبه عباس بن يعقوب ، فكلمته ووهبت
له جوهرا كان بقي عندها ، وسألته أن يكلم عيسى ، فيتكلم فيه ، فأخذ الجوهر
ولم يكلمه ، فقال عبدالله بن الربيع الحارثي ، لما فعل المهدي ما فعل من رد
الاموال ، وإطلاق المحبسين ، وأمن الخائفين ، وصلات المعدمين : سمعت
المنصور يقول للمهدي ، لما ودعه عند خروجه إلى مكة : إني تركت الناس
ثلاثة أصنافف : فقيرا لا يرجو إلا غناك ، وخائفا لا يرجو إلا أمنك ، ومسجونا
لا يرجو الفرج إلا منك ، فإذا وليت فأذقهم طعم الرفاهية ، لا تمدد لهم
كل المد .
ودخل الحارث بن عبدالرحمن إلى المهدي ، فذكر ما حضر من أمر المنصور
ومكر الربيع وقال : لقد رأيت من تدبيره ما لا يهتدي إليه أحد . قال : وما
ذاك ؟ قال : لما توفي المنصور صير الربيع صالحا أخاك في صدر المجلس ،
وقدمه على جميع من حضر ، فلما دفن قدم ابنك موسى ، وقال لاخيك :
كنت أولى بالتقدم لغيبة أخيك المهدي ، فلما صار أبوك تحت الارض ، وولي
الامر أبوهذا كان أولى بالتقدم منك . فقال المهدي : إن ساس الملك أحد
فليسسه مثل الربيع .
وخلع المهدي عيسى بن موسى من ولاية العهد ، واشترى ذلك بعشرة آلاف
ألف درهم ، وبايع لابنه موسى بولاية العهد من بعده ، سنة 159 ، ثم بايع
لابنه هارون بولاية العهد بعد موسى .
وحج المهدي سنة 160 ، فجرد الكعبة وكساها القباطي والخز والديباج ،
وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أعلاها إلى أسفلها ، وكانت الكعبة في جانب
ـ396ـ
المسجد لم تكن متوسطة ، فهدم حيطان المسجد الحرام ، وزاد فيه زيادات ،
واشترى من الناس دورهم ومنازلهم ، وأحضر الصناع و المهندسين من كل بلد ،
وكتب إلى واضح مولاه وعامله على مصر في حمل الاموال إلى مكة ، واتخاذ
الآلات ، وما يحتاج إليه من الذهب و الفسيفساء وسلاسل القناديل ، والخروج بها
حتى يسلمها إلى يقطين بن موسى ومحمد بن عبدالرحمن ، وصير الكعبة في
الموسط ، وزاد مما يلي الكعبة إلى باب الصفا تسعين ذراعا ، ومن الكعبة إلى باب
بني شيبة ستين ذراعا ، وصير ذرعه مكسرا مائة ألف ذراع وعشرين ألف
ذراع ، وطول المسجد من باب بني جمح إلى باب بني هاشم إلى العلم
الاخضر أربعمائة ذراع وأربع أذرع ، وفيه من الاساطين ، مما حمل في البحر من
مصر ، أربعمائة وأربع وثمانون أسطوانة ، طول كل أسطوانة عشر أذرع ، وصير
فيه أزبع مائة طاق ، وثمانية وتسعين طاقا ، وجعل في المسجد الابواب ثلاثة وعشرين
بابا ، فكان المهدي آخر من زاد في المسجد الحرام وبنى العلمين اللذين يسعى بينهما وبين
الصفا والمروة ، وبينهما من الذرع مائة واثنتا عشرة ذراعا ، فصار بين الصفا
والمروة ، لما أخرج المسجد إلى الموضع الذي هوفيه الساعة ، سبعمائة وأربع
وخمسون ذراعا ، ووسع المسجد الذي لرسول الله ، وزاد فيه مثل ما كا ن عليه ، وحمل
إليه عمد الرخام و الفسيفساء والذهب ، ورفع سقفه وألبس خارج القبر الرخام .
وبنى الثغر المعروف بالحدث سنة 163 ، وكان فيه دفع للعدو وتسديد ،
وذلك أن الروم أغاروا على مرعش ، فسبوا وقتلوا خلقا ، فلما بنى المهدي الحدث
عظم ارتفاق أهل الثغور به ، وأغزى هارون ابنه في هذه السنة ، ومعه جماعة من
القواد والجند ، وخرج يشيعه إلى جيحان ، ففتح هارون في تلك الغزاة سمالو
وعدة حصون ، ثم أغزاه سنة 164 فبلغ إلى ال قسطنطينية ، فطلب منه الروم
الصلح ، فصالحهم وانصرف .
وعزل عقبة بن سلم الهنائي عن اليمامة والبحرين لما بلغه من قتله ما قتل من
ربيعة ، وقال : لا يراني الله أبواء بإثمه ، ولا أرضى فعله . فلما قدم عقبة بن
ـ397ـ
سلم لقيه الحسن بن قحطبة ، وقال له : يا عقبة ! أدخلت نفسك النار . فقال :
ما أنصفتني ، يا أبا الحسن ، أدخلت نفسي النار لانفي عنك العار .
وقدم غلام من أهل اليمامة من ربيعة كان عقبة بن سلم قتل أباه وعمه وخالين
له وخمسه إخوة ، فوقف له على باب المهدي ، فلما جاز عقبة في موكه ضربه
بسكين مسمومة فقتله ، وأخذ الغلام إلى المهدي ، فسأله عن قصته فقصها عليه ،
فأراد تخليته ، فتكلم القواد ، وقالوا : والله ما فيه درك من عقبة ، لكنه إن
ترك وثب كل يوم كلب من الكلاب على قائد فقتله . فأمر المهدى بضرب عنقه .
واضطرب خراسان ، وتحركت السغد وفرغانة ، وخرج يوسف البرم ،
وهو رجل من موالي ثقيف ببخارى ، يدعو إلى الامر بالمعروف ، والنهي عن
المنكر ، فاتبعه على ذلك خلق من الناس ، فحارب السلطان ، وخرج أحمد بن أسد
إلى فرغانة ، ففتح حتى وصل إلى كاسان ، وهي المدينة التي ينزلها الملك ، وكان
يزيد بن مزيد الشيباني يحارب يحيى الشاري ، فكتب إليه المهدي أن ينكفئ فيمن
معه إلى يوسف البرم ، فلقيه ، فكانت بينهما وقعات عدة ، ثم هزمه يزيد ،
فرفع علما أحمر ، وأمن من يصير تحته ، فصار أصحاب يوسف كلهم تحته ،
وأسر يوسف ، فحمله إلى المهدي ، فلما دخل إليه كلمه بكلام غليظ ، فشتمه
المهدي ، فقال : لبئس ما أدبك أهلك ! فضرب عنقه وصلبه .
وكتب إلى عمر بن العلاء ، وكان بطبرستان ، أن يصير إلى جرجان فيخرج من
بها من المحمرة ، بعد أن يدعوهم إلى الطاعة ، فصار إلى جرجان ، ففرق جمع
المحمرة ، وقتل عبدالقاهر ، وفض الجمع .
ووجه المهدي رسلا إلى الملوك يدعوهم إلى الطاعة . فدخل أكثرهم في
طاعته ، فكان منهم : ملك كابل شاه ، يقال له حنحل 1 ، وملك طبرستان الاصبهبذ ،
وملك السغد الاخشيد ، وملك طخارستان شروين ، وملك باميان الشير
وملك فرغانة فرنران 2 ، وملك أسروشنة أفشين ، وملك الخرلخية جيغويه ،
* ( هامش ) * 1 و 2 أسماء بدون نقط في الاصل .
ـ398ـ
وملك سجستان رتبيل ، وملك الترك طرخان ، وملك التبت حهورن 1 ، وملك
السند الرأي ، وملك الصين بغبور ، وملك الهند وادراح 2 ، وهو فور ، وملك
التغزغز خاقان .
واستعمل المهدي روح بن حاتم المهلبي على السند ، فقدمها ، والزط قد
تحركوا بها ، فلم يقم إلا يسيرا حتى عزل ، وولي نصر بن محمد بن الاشعث
الخزاعي ، ثم ضمت السند إلى محمد بن سليمان بن علي الهاشمي ، واستعمل عليها
عبدالملك بن شهاب المسمي ، فولي أقل من عشرين يوما ، وردت السند إلى
نصر بن محمد بن الاشعث الخزاعي ، ثم استعمل المهدي الزبير بن العباس من
ولد قثم بن العباس بن ع بدالمطلب ، ولم يبلغ البلد ، فاستعمل المهدي ؟ ؟ 3
ابن عمرو التغلبي ، وكانت العصبية بالسند أول ما وقعت ، فاستعمل ليث بن
طريف مولاه ، فقدم المنصورة ، فأقام بها شهرا ، والزط قد كثروا ، فجرد
عليهم السيف ، فأفناهم .
وشخص المهدي إلى البصرة سنة 165 يريد الحج ، فخبر بقلة الماء في الطريق ،
فأقام ، وبلغه أن أمر السند قد اضطرب ، فوجه إلى الليث بجيش من البصرة ،
وسار راجعا إلى بغداد .
وخرج يريد الشأم ، وعسكر بالبردان ، فأتاه الخبر بوفاة عيسى بن علي بن
عبدالله بن عباس ، فانصرف إلى بغداد ، حتى حضر جنازته ، ومشى فيها ،
ثم رجع إلى معسكره .
وخرج حتى صار إلى الثغر ، ثم صار إلى بيت المقدس ، فأقام أياما
وانصرف ، فلما صار بجند قنسرين لقيته تنوخ بالهدايا ، وقالوا : نحن أخوالك
يا أمير المؤمنين ، فقال : من هؤلاء ؟ قيل : تنوخ ، حي ينتمي إلى قضاعة ،
ووصف له حالهم وكثرة عددهم ، وقيل له : إنهم كلهم نصارى . فقال :
* ( هامش ) * 1 و 2 و 3 أسماء بدون فقط في الاصل .
ـ399ـ
لا أرضا كم أنتم إلى خؤولتي ، وارتد منهم رجل ، فضرب عنقه ، فخافوا
فثبتوا على الاسلام .
وتوفي عيسى بن موسى سنة 167 ، فولى المهدي ابنه موسى بن عيسى
الكوفة وما كان إلى أبيه من الاعمال .
وتوفي يزيد بن منصور الحميري خال المهدي ، وكان عامل أبي جعفر
على اليمن ، فاستعمل المهدي مكانه رجاء بن سلام بن روح بن زنباع الجذامي ،
ثم ولى علي بن سليمان بن علي ، وهوالذي كتب إليه في إشخاص الغطريف
ابن عطاء أخي الخيزران أم موسى وهارون ابنيه ، وكان الغطريف غلاما لرجل
من أهل جرش ، فأعتقه ، وكان يؤاجر نفسه بنطر كروم ، فبعث إلى عامله على
جرش في حمله ، فوجده في كرم عليه جبة صوف ، فكساه وحباه ، وحمله
إلى المهدي ، فرفع منزله ، ثم صرف عليا ، وولى عبدالله بن سليمان ، ثم
صرفه ، وولى منصور بن يزيد بن منصور الحميري ، ثم صرفه ، وولى عبد
الله بن سليمان بن علي ، وصرفه ، وولى سليمان بن يزيد الحارثي ، ثم عبدالله بن
محمد بن ابراهيم الزينبي ، وهو ابن بنت سليمان ، ثم ابراهيم بن سليمان العبدي ،
ثم الغطريف بن عطاء خال موسى وهارون ، ثم الربيع بن عبدالله الحارثي .
وأمر المهدي بجباية أسواق بغداد ، وجعل عليها الاجرة ، وجعل سعيد الحرشي
بذلك ، فكان أول ما جبيت أسواق بغداد للمهدي ، فيقال إنه قام إليه رجل
فقال : عندي نصيحة ، يا أمير المؤمنين ! فقال : لمن نصيحتك هذه ، لنا أم للعامة
أم لنفسك ؟ قال : لك يا أمير المؤمنين ! قال : ليس الساعي أعظم عورة ولا
أفحش لؤما من قابل سعايته ، ولن تخلو من أن تكون حاسد نعمة فلا نشفي
غيظك ، أو عدوا فلا نعاقب لك عدوك . ثم أقبل على الناس ، فقال : لاعلمن
ما تنصح لنا متنصح إلا بما لله فيه رضى وللمسلمين صلاح ، فإنما لنا الابدان
وليس لنا القلوب ، من استتر عنا لم نكشفه ، ومن أبدانا طلبنا توبته ، ومن
أخطأ علينا أقلناه عثرته . إني أرى التأديب بالصفح أبلغ منه بالعقوبة ، والسلامة
ـ400ـ
مع العفو أكثر منها مع العاجلة ، والقلوب لاتبقى لوال لا يعطف إذا استعطف ،
ولا يعفو إذا قدر ، ولا يغفر إذا ظفر ، ولا يرحم إذا استرحم ، من قلت
رحمته واشتدت سطوته وجب مقته وكثر مبغضوه .
وكان المهدي قد ألح في طلب الزنادقة وقتلهم ، حتى قتل خلقا كثيرا ،
فبلغه أن صالح بن أبي عبيدالله كاتبه زنديق ، فأحضره ، فلما صح عنده أمره
استتابه ، فقال : لا رغبة عما أنا عليه ، ولا حاجة في غيره ، فأمر المهدي أبا
عبيدالله أباه أن يقوم فيضرب عنقه ، فقام فأخذ السيف ، ثم دنا من ابنه ،
فلما رفعه رجع ، فقال : يا أمير المؤمنين ! إني قمت سامعا مطيعا ، وإنه أدركني
ما يدرك الرجل في ولده ، فأمره ، فجلس ، ثم أمر بضرب عنقه بين يديه ،
ثم أملى عليه كتابا ، وهو ينظر إلى ابنه مقتولا ، ثم قال : إن كنت كرهت
قتل عدو لله كافر به ، فأبعدك الله . فلما قام أب وعبيدالله قال بعض الجلساء :
ما أحسب هذا يطيب قلبه أبدا ! فقال : كذلك والله أظنه ، وإنه لقريب من ابنه .
ثم كانت السخطه عليه ، وصير مكانه يعقوب بن داود ، وأتى بصالح بن عبد
القدوس ، فاستتابه فتاب ، فلما خرج من عنده ذكر له قوله :
والشيخ لايترك أخلاقه * حتى يوارى في ثرى رمسه
قال : وإنك لتقول هذا ، فرده فضرب عنقه ، ولم يستتبه .
ووثب أهل الحوف بمصر سنة 168 ، فخرج إليهم موسى بن مصعب ،
وكان العامل بها ، فقاتلهم قتالا شديدا ، وكان صاحب علمه هاشم بن عبدالرحمن
ابن معاوية بن حديج السكوني ، فنكس العلم وانهزم . ومال أهل الحوف
على موسى بن مصعب . فقتلوه . فولى المهدي الفضل بن صالح الهاشمي ،
فلم يرد البلد إلا بعد وفاة المهدي .
وكان الغالب على المهدي ، صدر خلافته ، معاوية بن عبدالله المعروف بأبي
عبيدالله مولى الاشعريين ، ثم وقف منه على خيانة وصير مكانه يعقوب بن
ـ401ـ
داود ، وكان يعقوب جميل المذهب ، ميمون النقيبة ، محبا للخير ، كثير الفضل ،
............................................................................
- تاريخ اليعقوبي مجلد: 2 من ص 401 سطر 1 الى ص 410 سطر 25
داود ، وكان يعقوب جميل المذهب ، ميمون النقيبة ، محبا للخير ، كثير الفضل ،
حسن الهدي ، ثم عزله وسخط عليه ، فحبسه فلم يزل محبوسا حتى مات المهدي ،
وصير مكانه محمد بن الليث صاحب البلاغة .
وكان علي بن يقطين والحسن بن راشد يغلبان على أموره ، وكان على شرطته
نصر بن مالك ، ثم مات نصر ، فولى أخاه حمزة بن مالك ، ثم عزله ، وولى
عبدالله بن مالك ، وكان على حرسه محمد بن ابراهيم ، ثم عزله ، واستعمل مكانه
أبا العباس الطوسي ، وكان حاجبه الربيع مولاه ، وكان قضاته ابن علائة العقيلي ،
وعافية بن يزيد الازدي ، وعلى الكوفة شريك بن عبدالله ، وعلى البصرة عبيد
الله بن الحسن العنبري ، وعلى المدينة عبدالله بن محمد بن عمران التيمي ، وكان
أول قاض قضى بها من قبل خليفة ، وعلى مصر عبدالله بن لهيعة الحضرمي ،
ثم استعمل ابن اليسع الكندي من أهل الكوفة ، ثم غوث بن سليمان الحضرمي من
أهل مصر ، ثم المفضل بن فضالة القتباني ، .
وأصاب الناس في آخر سنة 168 ودخول سنة 169 وباء وموت كثير ،
وظلمة وتراب أحمر ، كانوا يجدونه في فرشهم وعلى وجوههم .
وخرج المهدي من بغداد لاحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة 169 إلى
الجبل ، فنزل قرية يقال لها الرذ من أرض ماسبذان ، وخرج يتصيد ، فأقام
سائر يومه يطرد ، واتبعت الكلاب ظبيا ، وأمعن في الطلب ، واقتحم الظبي
باب خربة ، ومرت الكلاب ، واقتحم به الفرس في أثره ، فصدمه باب الخربة ،
وحمل إلى مضاربه ، فتوفي لثمان بقين من المحرم سنة 169 ، وهو ابن ثمان
وأربعين .
وحكي أنه أصبح ذات يوم ، فقال لعلي بن يقطين ، ولجماعة جلسائه :
أصبحت اليوم جائعا ، فأتي بخبز ولم بارد ، فأكله وأكل القوم معه ، ثم قال :
إني داخل هذا البهو فنائم فيه ، فلا تنبهوني حتى أنتبه ! فدخل فنام ، ونام
القوم في الرواق ، فما راعهم إلا بكاؤه ، فتبادروا إليه ، وسألوه عن حاله ،
ـ402ـ
فقال : أرأيتم ما رأيت ؟ قالوا : ما رأينا شيئا ! قال : رأيت شيخا لو رأيته بين
مائة ألف لعرفته ، وهو آخذ بعضادة البهو ، وهو يقول :
كأني بهذا القصر قد باد أهله * وأوحش منه ركنه ومنازله
وصار عميد القصر من بعد بهجة * وملك إلى قبر علته جنادله
فلم يبق إلا ذكره وحديثه * تنادي عليه معولات حلائله
فلم يلبث بعد ذلك إلا عشرة أيام حتى توفي ، وكانت خلافته عشر سنين
وشهرا واثنين وعشرين يوما ، وصلى عليه ابنه علي بن ريطة ، ودفن بالرذ ،
وخلف من الولد الذكور ثمانية : موسى ، وهارون ، وعليا ، وعبيدالله ،
وإسحاق ، ويعقوب ، وإبراهيم ، ومنصورا .
وأقام الحج للناس في أيامه سنة 159 يزيد بن منصور الحميري ، سنة 160
المهدي ، وأمر بالتوسعة في المسجد الحرام ومسجد رسول الله ، سنة 161 موسى
ابن المهدي ، سنة 162 ابراهيم بن جعفر بن أبي جعفر ، سنة 163 علي بن
المهدي ، وأمه ريطة بنت أبي العباس ، سنة 164 خرج المهدي يريد الحج ،
فسار من الكوفة أربع مراحل ومعه خلق عظيم ، فعطش الناس ، وبلغه قلة
الماء في الطريق ، فرجع من العقبة ، وحج بالناس صالح بن أبي جعفر ، سنة 165
صالح بن أبي جعفر ، سنة 166 محمد بن ابراهيم بن محمد بن علي ، سنة 167
ابراهيم بن يحيى بن محمد بن علي ، سنة 168 علي بن المهدي .
وغزا بالناس في أيامه ، سنة 159 جاءت الروم إلى سميساط ، فسبوا خلقا
كثيرا ، فوجه إليهم صغيرا مولاه ، فاستنقذ المسلمين ، وغزا بالناس العباس
ابن محمد ، فبلغ أنقرة ، سنة 160 غزا ثمامة بن الوليد العبسي ، سنة 161 غزا
عيسى بن علي ، ولقيه جيش الروم فحاصروه ، سنة 162 الحسن بن قحطبة
الطائي ، سنة 163 هارون بن المهدي ، ففتح سمالو ، سنة 164 هارون أيضا ، فبلغ
خليج ال قسطنطينية ، سنة 166 ثمامة بن الوليد ، سنة 167 الفضل بن صالح ، سنة
ـ403ـ
168 محمد بن ابراهيم .
وكان الفقهاء في أيامه : محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب ، ابراهيم بن
محمد بن أبي الحسن ، سعيد بن عبدالعزيز الجمحي ، عبدالعزيز بن أبي حازم ،
عبدالحميد المدني ، يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، الحجاج بن أرطاة النخعي ،
سفيان بن سعيد الثوري ، شريك بن عبدالله النخعي ، يحيى بن سلمة بن كهيل ،
سلمة الاحمر ، ابراهيم بن سعد ، الزهري أبا مخنف لوط بن يحيى ، سفيان
ابن الحسن الحماني ، جعفر بن عتاب ، يحيى بن أبي زائدة ، علي بن مسهر ،
محمد بن مروان السدي ، زياد بن الطفيل ، عبدالرحمن بن مالك ، مالك بن
الفضيل ، أبا محمد بن . . . 1 محمد بن جابر اليمامي ، أبا الاشهب جعفر بن
حيان العطاردي ، سلمة بن علقمة ، سعيد بن اياس ، خالد بن دينار ، جرير بن حازم الازدي ، شعبة بن الحجاج ، حماد بن سلمة ، مهدي بن ميمون ، موسى
ابن علي بن رباح ، عبدالله بن لهيعة ، جعفر بن الغطريف ، بقية بن الوليد
الحمصي ، عبدالسلام بن عبدالملك الدمشقي .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ404ـ
ايام موسى بن المهدي
وبويع لموسى الهادي بن محمد المهدي ، وأمه أم ولد ، يقال لها الخيز رانة ،
بماسبذان ، وكان غائبا بجرجان ، وأخذ له أخوه هارون البيعة ، وكتب إليه بالخبر ،
فوافاه الرسول ، وهو نصير الوصيف ، بعد وفاة أبيه بثمانية أيام ، وكانت الشمس
يومئذ في الاسد سبع عشرة درجة ، والقمر في الاسد اثنتين وعشرين درجة وثلاثين
دقيقة ، وزحل في الدلو درجة وأربعين دقيقة راجعا ، والمشتري في العقرب أربع عشرة
درجة وثلاثين دقيقة ، والمريخ في السرطان ثمانيا وعشرين درجة وخمسين دقيقة ،
والزهرة في السنبلة ثماني درجات وثلاثين دقيقة ، وعطارد في السنبلة تسع درجات
وخمسين دقيقة ، والرأس في الميزان تسعا وعشرين درجة وخمس عشرة دقيقة .
وارتحل من جرجان بعد ثلاثة أيام إلى العراق ، فنزل بعيساباذ ، وكان المهدي
بنى هذا الموضع ، فاستتمه موسى ، وكان به منزله ، وولى الغطريف بن عطاء
خاله خراسان وأعمالها ، فقدم خراسان وكانت هادئة الامور ساكنة ، والملوك
في الطاعة ، فظهر منه أمور قبيحة ، وضعف شديد ، فاضطربت البلاد ، وتحرك جماعة
من الطالبيين ، وصاروا إلى ملوك النواحي ، فقبلوهم ، ووعدوهم بالنصر والمعونة ،
وذلك أن موسى ألح في طلب الطالبيين ، وأخافهم خوفا شديدا ، وقطع ما كان
المهدي يجريه لهم من الارزاق والاعطية ، وكتب إلى الآفاق في طلبهم وحملهم ،
فلما اشتد خوفهم ، وكثر من يطلبهم ، ويحث عليهم ، عزم الشيعة وغيرهم إلى
الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي ، وكان له مذهب جميل وكمال ومجد ،
وقالوا له : أنت رجل أهل بيتك ، وقد ترى ما أنت وأهلك وشيعتك فيه من الخوف
والمكروه . فقال : وإني وأهل بيتي لا نجد ناصرين فنتصر ، فبايعه خلق كثير ممن
حضر الموسم ، فقال لهم : إن الشعار بيننا أن ينادي رجل : من رأى الجمل الاحمر ،
ـ405ـ
فما وافاه إلا أقل من خمسمائة ، وكان ذلك في سنة 169 بعد انقضاء الموسم ،
فلقيه سليمان بن أبي جعفر ، والعباس بن محمد بن علي ، وموسى بن عيسى
بفخ ، فانهزم ومن كان معه ، وافترقوا ، وقتل الحسين بن علي ، وجماعة من
أهله ، وهرب خاله ادريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي ، فصار إلى
المغرب ، فغلب على ناحية تتاخم الاندلس ، يقال لها فاس ، فاجتمعت عليه كلمة أهلها .
فذكر أهل المغرب أن موسى وجه إليه من اغتاله بسم في مسواك فمات ،
وصار ادريس بن ادريس مكانه ، وولده بها إلى هذه الغاية يتوارثون تلك المملكة .
واضطربت اليمن على الربيع بن عبدالله الحارثي ، مولى موسى ، فاستعمل
الحصين بن كثير العبدي ، ثم صرفه ، واستعمل مكانه أيوب بن جعفر الهاشمي ،
ثم رد الربيع بن عبدالله الحارثي على البلد خلا صنعء ، فلم تزل البلاد مضطربة
أيام موسى كلها .
وقدم الفضل بن صالح مصر ، فلم يهج أحدا من أهل الحوف الذين قتلوا
موسى بن مصعب عامل المهدي ، فسكنهم ، وكف عن طلبهم ، فلم يقم إلا
يسيرا حتى خرج دحية بن الاصبغ بن عبدالعزيز بناحية أهناس ، من قرى
صعيد مصر في خلق عظيم ، فقطع الطريق ، وأخاف السبيل ، ثم تغلب
فجبى الخراج ، فوجه الفضل بن صالح بقائد يعرف بسفيان ورجل من أهل
الفيوم يعرف بعبدالله بن علي المرادي ، فلقيا دحية بموضع يقال له صحراء
بويط ، وناوشاه الحرب ، فانهزم دحية ، فدخل قرموسا ، وهو الاتون الذي
يعمل فيه الفخار ، فأخذاه أسيرا ، وأتيا به الفضل ، فضرب عنقه وصلبه ،
وبعث برأسه إلى موسى .
وشجرت بين موسى وبين أخيه الوحشة فعزم على خلعه وتصيير ابنه جعفر
ولي العهد ، ودعا القواد إلى ذلك ، فتوقف عامتهم ، وأشاروا عليه أن لا يفعل ،
وسارع بعضهم ، وقووا عزيمته في ذلك ، وأعلموه أن الملك لا يصلح إن صار
إلى هارون ، فكان ممن سعي في خلعه أبوهريرة محمد بن فروخ الازدي القائد
ـ406ـ
من الازد ، وقد كان موسى وجه به في جيش كثير يستنفر من بالجزيرة والشأم
ومصر والمغرب ، ويدعو الناس إلى خلع هارون ، فمن أبى جرد فيهم السيف ،
فسار حتى صار إلى الرقة ، فأتاه الخبر بوفاة موسى .
وأخذ موسى يحيى بن برمك ، فحبسه وأشرف عليه بالقتل عدة مرار ،
فحدثني بعض المشايخ عن يحيى بن خالد قال : حبسني موسى بسبب الرشيد ،
وتربيتي إياه ، ومكاني معه ، وكان الرشيد دفع إلينا مولادا في الخرق ، فغذته
ثدي نسائنا ، وربي في حجورنا ، فقال : بلغني أنك ترضى هارون للخلاقة ،
ونفسك للوزارة ، والله لآتين على نفسه ونفسك قيل ذلك ! وحبسني في بيت
ضيق لا أقدر أن أمد رجلي فيه ، فأقمت أياما ، فأنا ليلة في حبسي على تلك
الحال ، إذا بالابواب تفتح ، فقلت : تذكرني ، فأراد قتلي ! وسمعت كلام
الخدم ، فارتعت لذلك ، ففتح علي الباب ، وأنا أتشهد ، فقيل لي : هذه
السيدة ، يعنون الخيزران ، فخرجت ، فإذا بها واقفة على الباب ، فقالت :
إن هذا الرجل قد خفت منذ الليلة ، وأحسبه قد قضى ، فتعال انظره ! فازداد
جزعي وطامتي وقالت كما أقول ، فجئت ، فوجدته محول الوجه إلى الحائط ،
وقد قضى ، فمضيت إلى هارون حتى أخرجته من الموضع الذي كان فيه محبوسا ،
فأصبح القواد ، فبايعوا ، وأصبحت أدبر الملك .
وكان الغالب على موسى الفضل بن الربيع ، وعلى شرطه عبدالله بن خازم
التميمي ، ثم عزله وولى عبدالله بن مالك الخزاعي ، وعلى حرسه علي بن عيسى
ابن ماهان ، وحاجبه الفضل بن الربيع ، وكانت خلافته أربعة عشر شهرا ،
وتوفي لاربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول سنة 170 ، وهو ابن ست
وعشرين سنة ، وصلى عليه أخوه هارون ، ودفن بعيساباذ .
وكان له من الولد الذكور سبعة : جعفر ، واسماعيل ، وعبدالله ، وسليمان ،
وعيسى ، وموسى الاعمى ، وولد له بعده العباس ، وأقام الحج للناس في
ولايته سنة 169 سليمان بن أبي جعفر .
ـ407ـ
ايام هارون الرشيد
وولي هارون الرشيد بن محمد المهدي ، وأمه الخيزران ، في اليوم الذي توفي
فيه أخوه موسى ، وهو لاربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول سنة 170 ،
ومن شهور العجم في أيلول .
وكانت الشمس يومئذ في السنبلة عشرين درجة ، والقمر في الحوت خمسا
وعشرين درجة وخمسين دقيقة ، وزحل في الدلو إحدى عشرة درجة راجعا ،
والمشتري في القوس سبع عشرة درجة ، والمريخ في القوس ثمانيا وعشرين درجة
وعشر دقائق ، والزهرة في السنبلة خمس درجات وأربعين دقيقة ، والرأس في
الميزان ثماني درجات وست دقائق .
وولد المأمون في الليلة التي استخلف فيها الرشيد ، فبشر به ، فلذلك سماه
المأمون ، وولد محمد بن هارون بعده بستة أشهر ، ووجه موسى بن عيسى في
الليلة التي نولي فيها ليقيم الحج للناس ، ثم بدا له في الخروج ، فخرج هو ، فلحقه
في الطريق ، فأقام الحج وأعطى أهل مكة والمدينة عطايا كثيرة ، وفرق فيهم
أموالا ، ثم انصرف ، فصار إلى قبر المهدي بماسبذان ، فتصدق عنده بأموال
عظيمة ، وجعلها رسما في كل سنة .
وولى الفضل بن يحيى خراسان ، فشخص إليها وقد خالف أهل الطالقان ،
فافتتح الطالقان ، وزحف صاحب الترك في خلق عظيم ، ولقي عسكر الفضل ،
والتحمت بينهما الحرب ، فضرب وجه صاحب الترك فاستنام واستباح الفضل
عسكره ، وغنم أمواله ، وفيه يقول الشاعر :
للفضل يوم الطالقان وقبلة * يوم أناخ به على خاقان
ـ408ـ
ما مثل يوميه اللذين تواليا في غزوتين تواليا يومان
وكان يحيى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن قد هرب إلى خراسان ، ودخل
أرض الديلم ، فكتب هارون إلى صاحب الديلم يطلبه منه ويتهدده ، فطلبه ،
فلما رأى يحيى ذلك طلب الامان من الفضل ، فآمنه وحمله إلى الرشيد ، فحبسه
فلم يزل محبوسا حتى مات .
وقيل إن الموكل به منعه من الطعام أياما ، فمات جوعا .
وخبرني رجل من موالي بني هاشم قال : كنت محبوسا في الدار التي فيها يحيى بن
عبدالله ، فكنت إلى جانب البيت الذي هو فيه ، فربما كلمني من خلف حائط
قصير ، فقال لي يوما : إني قد منعت الطعام والشراب منذ تسعة أيام ، فلما
كان اليوم العاشر دخل الخادم الموكل به ، ففتش البيت ، ثم نزع عنه ثيابه ،
ثم حل سراويله ، فإذا بأنبوبة قصب شدها في باطن فخذه ، فيها سمن بقر كان
يلحس منه الشئ بعد الشئ يقيم برمقه ، فلما أخذها لم يزل يفحص برجله
حتى مات .
فحدثني أبوجميل قال : خرجت إلى البصرة في أيام المأمون ، فركب معنا في
السفينة خادم ، فكان يخبرنا أنه من خدم الرشيد ، ثم حدثنا بحديث يحيى بن
عبدالله ، وأنه الذي تولى قتله بمثل ما تقدم ذكره ، فلما كان في الليل قام
إليه رجل كان في السفينة ، فدفعه في الماء ، والسفينة تسير ، فغرقه .
وبايع هارون لابنه محمد بالعهد من بعده ، سنة 175 ، ومحمد ابن خمس
سنين ، وأعطى الناس على ذلك عطايا جمة ، وأخرج محمدا إلى القواد ، فوقف
على وسادة ، فحمدالله وصلى عليه نبيه ، وقام عبدالصمد بن علي فقال :
أيها الناس لا يغرنكم صغر السن ، فإنها الشجرة المباركة ، أصلها ثابت وفرعها
في السماء ، وجعل الرجل من بني هاشم يقول في ذلك حتى انقضى المجلس ،
ونثرت عليهم الدراهم والدنانير وفأر المسك وبيض العنبر .
ـ409ـ
واستعمل هارون على السند سالما اليونسي ، مولى اسماعيل بن علي ، مكان
الليث مولى أمير المؤمنين ، فأحسن السيرة ، ولم يلبث أن ولى اسحاق بن سليمان
ابن علي الهاشمي ، وقدم البلد ، وكان عفيفا ، ثم عزله وولى طيفور بن عبدالله
ابن منصور الحميري ، فهاجب بين اليمانية والنزارية حرب ، فوجه جابر بن
الاشعث الطائي على غربي النهر ومكران ، ثم ولى سعيد بن سلم بن قتيبة ، فوجه
أخاه كثير بن سلم ، فأساء السيرة ، وكان مذموما ، وصير الرشيد السند إلى عيسى بن
جعفر بن المنصور ، فبعث إليها محمد بن عدي الثعلبي ، فلما قدم بدأ بالعصبية والتحامل
وضرب القبائل بعضها ببعض ، وخرج من المنصورة يريد الملتان ، فلقيه أهلها
فقاتلوه فهزموه ونهبوا ما معه من السلاح ، وفر منهزما لايلوي على شئ
حتى صار إلى المنصورة والتحمت العصبية بين اليمانية والنزارية واتصلت ،
فولى الرشيد عبدالرحمن . . . 1 ثم ولى أيوب بن جعفر بن سليمان ، ثم ولى
داود بن يزيد بن حاتم المهلبي سنة 184 ، فوجه إليها أخاه المغيرة ، فرفعت
النزارية رؤوسهم ، وعزموا على أن يقسموا البلاد أرباعا : ربعا لقريش ،
وربعا لقيس ، وربعا لربيعة ، ويخرجوا اليمانية .
ولما قدم المغيرة أغلق أهل المنصورة الابواب ومنعوه الدخول ، إلا
أن يعاهدهم ألا يستعمل فيهم العصبية ، أو يخرجوا جميعا عن المدينة ويدخلها ،
فخرح من به رمق ودخلها المغيرة ، فتحامل على النزارية ، فقاتلوه فهزموه ،
وسار داود بن يزيد لما بلغه الخبر حتى قدم البلد ، فجرد فيهم السيف ، فقتل
من النزارية خلقا عظيما ، وصار إلى المنصورة ، فأقام يقاتلهم عشرين يوما ،
ولم تزل الحروب بينهم عدة شهور ، ففتحها ، ثم سار إلى سائر مدن السند ،
فلم يزل يفتح ويخرب إلى أن استقامت له البلاد .
وولى هارون سليمان بن أبي جعفر دمشق ، فوثب به أهلها بسبب القلة
البلور التي كانت في محرابهم ، فأخرجوه وانتهبوا كل ما كان معه .
* ( هامش ) * 1 بياض في الاصل .
ـ410ـ
وخرج رجل من بني مرة يقال له عامر بن عمارة ، ويكنى أبا الهيذام ،
بحوران من أرض دمشق ، فقتل اليمانية ، وذلك في سنة 176 ، فوجه إليهم
الرشيد السندي وجماعة من القواد ، فقتل أ بوالهيذام وفرق جمعه .
وخرج هارون يريد الشأم ، فلما بلغه قتل أبي الهيذام مضى إلى الثغر ،
فأغزى هرثمة بن أعين بلاد الروم ، وأمر ببناء طرسوس في سنة 171 ، فأحكم
بناءها ، وجعل لها خمسة أبواب ، وحولها سبعة وثمانين برجا ، ولها نهر عظيم
يشق في وسطها ، عليه القناطر المعقودة ، وكان ابتداء بنائها على يد أبي سليمان
مولاه ، ثم انصرف إلى العراق يريد الحج ، واستخلف على الشأمات والجزيرة
جعفر بن يحيى بن خالد ، فظهرت العصبية بحمص ، فصعد جعفر بن يحيى
منبرها ، فخطب وحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على محمد ، وقال : يا أهل
الشأم ! أحذركم عواقب البطر ، ووبال ما لا يشكر من النعم ، وملمة كل
خطب يدفع إلى ندم ، فإن السعيد من سعد بغيره ، والشقي من شقي بنفسه ،
واتعظ به غيره ، والمغبون من غبن عقله ، والمفتون من فتن في دينه ، والمحزوم
من حزم حظه من ربه ، والخاسر من باع آخرته بدنياه وآجله بعاجله ، وإنما
يخشى الله من عباده العلماء ، ولم يعط الله من عباده إلى أولي البهاء . . . 1 في
كلام كثير .
وخرج الوليد بن طريف الحروري بالجزيرة سنة 179 ، وكان عبدالملك
ابن صالح يتولاها ويتولى بعض الشأم ، فحصره الوليد بالرقة ، فوجه الرشيد
موسى بن خازم التميمي في جيش ، فهزمه الوليد ، فوجه بمعمر بن عيسى
العبدي ، فكانت بينهما وقائع ، ثم مات معمر وهو في محاربته ، فتوجه إليه
يزيد بن مزيد الشيباني ، فواقعه يوما واحدا ، ثم قال له في اليوم الثاني : ابرز ،
يا وليد ، ولا يقتل الناس بيني وبينك ! فبرز له ، فقتله يزيد ، واحتز رأسه ،
وبعث به إلى الرشيد ، وتفرق أصحابه ، ثم اجتمعت طائفة منهم مع رجل يقال
* ( هامش ) * 1 هكذا الكلام ناقص في الاصل .
ـ411ـ
له خراشة ، فمالوا نحو الجزيرة مما يلي ديار ربيعة .
.....................