الغدير في الكتاب والسنة والادب
الجزء الثاني
كتاب دينى . علمى . فنى . تاريخى . ادبى . اخلاقى
مبتكر في موضوعه فريد في بابه يبحث فيه عن حديث الغدير كتابا وسنة وادبا ويتضمن تراجم امة كبيرة من رجالات العلم والدين والادب من الذين نظموا هذه الاثارة من العلم وغيرهم
تأليف الحبر العلم الحجة المجاهد شيخنا الاكبر الشيخ عبد الحسين احمد الامينى النجفى
الجزء الثاني


بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله وسلام على عباده الذين إصطفى
انجز الجزء الاول ولله الحمد من هذا الكتاب بعد أن ألمسك باليد حقيقة ناصعة هي من أجلى الحقايق الدينية . ألا ؟ وهي : مغزى نص الغدير ومفاده ، ذلك النص الجلي على إمامة مولانا أمير المؤمنين ، بحيث لم يدع لقائل كلمة ، ولا لمجادل شبهة في تلك الدلالة ، وقد أوعزنا في تضاعيف ذلك البحث الضافي إلى أن هذا المعنى من الحديث هو الذي عرفته منه العرب منذ عهد الصحابة الوعاة له وفي الاجيال من بعدهم وإلى عصرنا الحاضر ، فهو معنى اللفظ اللغوي المراد لا محالة قبل القراين المؤكدة له وبعدها ، وقد أسلفنا نزرا من شواهد هذا المدعى ، غير انه يروقنا هيهنا ألتبسط في ذلك بإيراد الشعر المقول فيه ، مع يسير من مكانة الشاعر وتوغله في العربية ، ليزداد القارئ بصيرة على بصيرته .
ألا ؟ إن كلا من اولئك الشعراء الفطاحل وقل في أكثرهم : ألعلماء معدود من رواة هذا الحديث ، فإن نظمهم إياه في شعرهم القصصي ليس من الصور الخيالية الفارغة ، كما هو المطرد في كثير من المعاني الشعرية ، ولدى سواد عظيم من الشعراء ، ألم ترهم في كل واد يهيمون ؟ لكن هؤلاء نظموا قصة لها خارج ، وأفرغوا مافيها من كلم منثورة أو معان مقصودة ، من غير أي تدخل للخيال فيه ، فجاء قولهم كأحد الاحاديث المأثورة ، فتكون تلكم القوافي المنضدة في عقودها الذهبية من جملة المؤكدات
لتواتر الحديث
ومن هنا لم نعتبر في بعض ما أوردناه أن يكون من علية الشعر ، ولا لاحظنا تناسبه لاوقات نبوغ الشاعر في القوة ، لما ذكرناه من أن الغاية هي روايته للحديث وفهمه المعنى المقصود منه ، ولن تجد أي فصيح من الشعراء والكتاب تشابهت ولائد فكرته في القوة والضعف في جميع أدواره وحالاته .

ألشعر والشعراء
ونحن لا نرى شعر السلف الصالح مجرد ألفاظ مسبوكة في بوتقة النظم ، أو كلمات منضدة على أسلاك القريض فحسب ، بل نحن نتلقاه بما هناك من الابحاث الراقية في المعارف من علمي الكتاب والسنة ، إلى دروس عالية من الفلسفة والعبر والموعظة الحسنة والاخلاق ، أضف إليها ما فيه من فنون الادب ، ومواد اللغة ، و مباني التاريخ ، فالشعر الحافل لهذه ألنواحي بغية العالم ، ومقصد الحكيم ، ومأرب الاخلاقي ، وطلبة الاديب ، وامنية المؤرخ وقل : مرمى المجتمع البشري أجمع . وهناك للشعر المذهبي مآرب اخرى هي من أهل ما نجده في شعر السلف . ألا ؟
وهي الحجاج في المذهب ، والدعوة إلى الحق ، وبث فضايل آل الله ، ونشر روحيات العترة الطاهرة في المجتمع ، بصورة خلابة ، واسلوب بديع ، يمازج الارواح ، و ويخالط الادمغة ، فيبلغ هتافه القاصي والداني ، وتلوكه أشداق الموالي والمناوئ مهما علت في الكون عقيرته ، ودوخت الارجاء شهرته ، وشاع وذاع وطار صيته في الاقطار ، وقرطت به الآذان . مهما صار احدوة تحدو بها الحداة ، وأغاني تغني بها الجواري في أندية الملوك والخلفاء والامراء ، وتناغي بهاالامهات الرضع في المهود ، ويرقصنها بها بعد الفطام في الحجور ، ويلقنها الآباء أولادهم على حين نعومة الاظفار ، فينمو ويشب وفي صفحة قلبه أسطر نورية من الولاء المحض بسبب تلك الاهازيج ، وهذه الناحية ألفارغة أليوم لا تسدها خطابة أي مفوه لسن ، ولا تلحقه دعاية أي متكلم ، كما يقصر دون إدراكها ألسيف والقلم . وأنت تجد تأثير الشعر الرائق في نفسيتك فوق أي دعاية وتبليغ ، فأي أحد يتلو ميمية الفرزدق فلا يكاد أن يطير شوقا إلى الممدوح وحبا له ؟ أو ينشد هاشميات الكميت فلا يمتلئ حجاجا للحق ؟ أو يترنم بعينية الحميري فلا يعلم أن الحق يدور علي الممدوح بها ؟ أو تلقى عليه تائية دعبل فلا يستاء لاضطهاد أهل الحق ؟ أوتصك سمعه ميمية الامير أبي فراس فلا تقف شعرات جلدته ؟ ثم لا يجد كل عضو من يخاطب القوم بقوله :
ياباعة الخمر كفوا عن مفاخركم لعصبة بيعهم يوم الحياج دم وكم وكم لهذه من أشباه ونظاير في شعراء أكابر الشيعة ، وسوف تقف عليها في طيات أجزاء كتابنا هذا إنشاء الله تعالى .
وبهذه الغاية المهمة كان الشعر في القرون الاولى مدحا وهجاء‌ا ورثاء‌ا كالصارم المسلول بيد موالي أئمة الدين ، وسهما مغرقا في أكباد أعداء الله ، ومجلة دعاية إلى ولاء آل الله في كل صقع وناحية ، وكانوا صلوات الله عليهم يضحون دونه ثروة طايلة ويبذلون من مال الله للشعراء ما يغنيهم عن التكسب والاشتغال بغير هذه المهمة ، وكانوا يوجهون الشعراء إلى هذه الناحية ، ويحتفظون بها بكل حول وطول ، ويحرضون الناس عليها ، ويبشرونهم عن الله و هم امناء وحيه بمثل قولهم : من قال فينا بيت شعر بنى الله له بيتا في الجنة . ويحثونهم على تعلم ما قيل فيهم وحفظه بمثل قول الصادق الامين عليه السلام . علموا أولادكم بشعر العبدي . وقوله : ما قال فينا قائل بيت شعر
حتى يؤيد بروح القدس . وروى الكشي في رجاله ص‍ 160 عن أبي طالب القمي قال : كتبت إلى أبي جعفر بأبيات شعر وذكرت فيها أباه وسألته أن يأذن لي في أن أقول فيه ، فقطع الشعر وحبسه وكتب في صدر ما بقي من القرطاس : قد أحسنت فجزاك الله خيرا . وعنه في لفظ آخر : فأذن لي أن أرثي أبا الحسن أعني أباه وكتب إلي : أن اندبه واندب لي .
ألشعر والشعراء في السنة والكتاب
كل ما ذكرنا عنهم صلوات الله عليهم كان تأسيا بقدوتهم النبي الطاهر صلى الله عليه وآله فإنه أول فاتح لهذا الباب بمصراعيه مدحا وهجاء‌ا بإصاخته للشعراء المادحين له ولا سرته الكريمة ، وكان ينشد الشعر ويستنشده ويجيز عليه ويرتاح له ويكرم الشاعر مهما وجد في شعره هذه الغاية الوحيدة كإرتياحه لشعر عمه شيخ الاباطح أبي طالب سلام الله عليه لما استسقى فسقي قال : لله در أبي طالب هامش عيوان أخبار الرضا ، رجال الكشى ص‍ 254 . لو كانحيا لقرت عيناه ، من ينشدنا قوله ؟ فقام عمر بن الخطاب فقال : عسى أردت يا رسول الله ؟ . وما حملت من ناقة فوق ظهرها أبر وأوفى ذمة من محمد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ليس هذا من قول أبي طالب هذا من قول حسان بن ثابت . فقام علي بن أبي طالب عليه السلام وقال : كأنك أردت يا رسول الله ؟ وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ربيع التيامى عصمة للارامل تلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهل عنده في نعمة وفواضل فقال رسول الله : أجل فقام رجل من بني كنانة فقال : لك الحمد والحمد ممن شكر * سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة وأشخص منه إليه البصر فلم يك إلا كإلقا الردا وأسرع حتى أتانا الدرر دفاق العزالي جم البعاق أغاث به الله عليا مضر فكان كما قاله عمه أبوطالب ذا رواء غزر به الله يسقي صيوب الغمام فهذا العيان وذاك الخبر فقال رسول الله : يا كناني ؟ بواك الله بكل بيت قلته بيتا في الجنة . ولما نظر رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر إلى القتلى مصرعين قاللابي بكر : لو أن أبا طالب حي لعلم أن أسيافنا أخذت باللاماثل وذلك لقول أبي طالب : وإنما لعمر الله إن جد ما أرى لتلتبسن أسيافنا بالاماثل وكإرتياحه صلى الله عليه وآله لشعر عمه العباس بن عبدالمطلب لما قال : يا رسول الله ؟ اريد أن أمتدحك . فقال رسول الله : قل لا يفضض الله فاك . فأنشأ يقول : من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر أنت ولا مضغة ولا علق هامش 1 العزالى جمع العزلاء : مصب الماء .والبعاق بالضم : السحاب الممطر بشدة . أمالى شيخ الطايفة ص‍ 46 .
بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نسرا وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بيتك المهيمن من خندف علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت الا رض وضاء‌ت بنورك الافق فنحن في ذلك الضياء وفي النور وسبل الرشاد نخترق وكإرتياحه صلى الله عليه وآله لشعر عمرو بن سالم وقوله له : نصرت يا عمرو بن سالم لما قدمه وأنشده أبياتا أولها لاهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الاتلدا كنت لنا أبا وكنا ولدا ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر رسول الله نصرا عتدا وادع عباد الله يأتوا مددا إلخ وكإرتياحه صلى الله عليه وآله لشعر النابغة الجعدي ودعائه له بقوله : لا يفضض فاك . لما أنشده أبياتا من قصيدته مائتي بيت أولها :
خليلي غضا ساعة وتهجرا ولو ما على ما أحدث الدهر أوذرا ومما أنشده رسول الله صلى الله عليه وآله :
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ويتلو كتابا كالمجرة نيرا
وجاهدت حتى ما أحس ومن معي سهيلا إذا ما لاح ثم تحورا
اقيم على التقوى وأرضى بفعلها وكنت من النار المخوفة أحذرا
ولما بلغ إلى قوله :
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال النبي صلى الله عليه وآله : أبن المظهر يا أبا ليلى ؟ قال : ألجنة . قال : أجل إنشاء الله تعالى . ثم قال :
ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الامر أصدرا
هامش 1 مستدرك الحاكم 3 ص‍ 327 ، اسد الغاية 1 ص‍ 119 .
2 تاريخ الطبرى 3 ص‍ 111 اسد الغابة 4 ص‍ 104 .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أجدت لا يفضض الله فاك . مرتين فكانت أسنانه كالبرد المنهل ما انفصمت له سن ولا انفلتت وكان معمرا وكإرتياحه صلى الله عليه وآله لشعر كعب بن زهير لما أنشده في مسجده الشريف لاميتة التي أولها :
بانت سعاد فقلبي اليوم مبتول متيم أثرها لم يفد مكبول فكساه النبي صلى الله وآله بردة إشتراها معاوية بعد ذلك بعشرين ألف درهم وهي التي يلبسها الخلفاء في العيدين 2 وفي مستدرك الحاكم 3 ص‍ 582 : لما أنشد كعب قصيدته هذه رسول الله وبلغ قوله : إن الرسول لسيف يستضاء به وصارم من سيوف الله مسلول أشار صلى الله عليه وآله بكمه إلى الخلق ليسمعوا منه . ويروى ان كعبا أنشد من سيوف الهند فقال النبي صلى الله عليه وآله : من سيوف الله .
وكإرتياحه صلى الله عليه وآله لشعر عبدالله بن رواحة ، قال البراء بن عازب : رأيت النبي صلى الله عليه وآله ينقل من تراب الخندق حتى وارى التراب جلد بطنه وهو يرتجز بكلمة عبدالله بن رواحة . لاهم لو لا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الاقدام إن لا قينا إن اؤلآء قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا ويظهر من رواية إبن سعد في طبقاته وإبن الاثير إن الابيات لعامر بن الاكوع روى الثاني في اسد الغابة 3 ص‍ 72 إن النبي صلى الله عليه وآله قال لعامر في مسيره إلى خيبر : انزل يابن الاكوع واحد لنا من هناتك 5 قال : نزل يرتجز رسول الله صلى الله عليه وآله . لا هم لو لا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا إلخ
هامش
1 الشعر والشعراء لابن قتيبة ص‍ 96 ، الاستيعاب 1 ص‍ 311 ، الاصابة 3 ص‍ 539 .
2 الشعر والشعراء لابن قتيبة ص‍ 62 ، الامتاع للمقريزى 494 ، الاصابة 5 ص‍ 296 .
3 شرح قصيدة : بانت سعاد . لجمال الدين الانصارى ص‍ 98 .
4 مسند احمد 4 ص‍ 302 .
5 اى كلماتك واراجيزك وفى رواية : هنيأتك . على التصغير ، وفى اخرى : هنيهاتك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يرحمك ربك . وفي لفظ : رحمك الله . وفي الطبقات لابن سعد 3 ص‍ 619 : غفر لك ربك . وكإرتياحه صلى الله عليه وآله لشعر حسان بن ثابت يوم غدير خم ودعائه له بقوله : لا تزال يا حسان ؟ مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك . وكان صلى الله عليه وآله يضع لحسان منبرا في مسجده الشريف يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله ، ويقول رسول الله : إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله وكإرتياحه لشعر أبي كبير الهذلي . قالت عايشة : كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخصف نعله وكنت جالسة أغزل فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق وعرقه يتولد نورا قالت : فبهت فنظر إلي فقال : مالك بهت ؟ فقلت يا رسول الله ؟ نظرت إليك فجعل جبينك يعرق وعرقك يتولد نورا ، ولو رآك أبوكبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره ، قال : وما يقول أبوكبير ؟ قلت : يقول :
ومبرئ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء معضل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل
قالت : فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان بيده وقام وقبل ما بين عيني وقال : جزاك الله خيرا يا عايشة ؟ ما سررت مني كسروري منك . 2 وكان صلى الله عليه وآله يحث الشعراء إلى هذه الناحية ، ويأمرهم بالاحتفاظ بها ، ويرشدهم إلى أخذ حديث المخالفين له وأحسابهم وتأريخ نشئاتهم ممن يعرفها وهجاء‌هم كما كان يأمرهم بتعلم القرآن العزيز ، وكان يراه نصرة للاسلام ، وجهادا دون الدين الحنيف ، وكان يصور للشاعر جهاده وينص به ويقول : إهجوا بالشعر إن المؤمن يجاهد بنفسه وماله ، والذي نفس محمد بيده كأنما تنضحونهم بالنبل . وفي لفظ آخر : فكأن ما ترمونهم به نضح النبل . وفي ثالث : والذي نفس محمد بيده فكأنما تنضحونهم بالنبل فيما تقولون لهم من الشعر هامش
1 مستدرك الحاكم 3 ص‍ 477 وصححه هو والذهبى في تلخيصه .
2 حلية الاولياء لابى نعيم 2 ص‍ 45 ، تاريخ الخطيب البغدادى 13 ص‍ 253 .
3 سند احمد 3 ص‍ 460 ، 456 ، ج‍ 6 ص‍ 387 .
وكان صلى الله عليه وآله يثور شعراء‌ه إلى الجدال بنبال النظم وحسام القريض ويحرضهم إلى الحماسة في مجابهة الكفار في قولهم المضاد لمبدء‌ه القدسي ، ويبث فيهم روحا دينيا قويا ، ويؤكد فيهم حمية تجاه الحمية الجاهلية ، وكان يوجد فيهم هياجا ونشاطا في النشر والدعاية ، وشوقا مؤكدا إلى الدفاع عن حامية الاسلام المقدس ، ورغبة في المجاهدة بالنظم بمثل قوله صلى الله عليه وآله للشاعر : إهج المشركين فإن روح القدس معك ما هاجيتهم 1 وقوله : إهجهم فإن جبريل معك 2 قال البراء بن عازب : إن رسول الله صلى الله عليه وآله قيل له : إن أبا سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب يهجوك ، فقال عبدالله بن رواحة : يا رسول الله ؟ إئذن لي فيه فقال : أنت الذي تقول : ثبت الله ؟ قال : نعم يا رسول الله ؟ : فثبت الله ما أعطاك من حسن ، تثبيت موسى ونصرا مثل ما نصروا قال صلى الله عليه وآله : وأنت يفعل الله بك خيرا مثل ذلك . قال : ثم وثب كعب فقال : يا رسول الله ؟ إئذن لي فيه . قال : أنت الذى تقول : همت ؟ قال : نعم ، قلت يا رسول الله ؟ : همت سخينة أن تغالب ربها فليغلبن مغالب الغلاب قال صلى الله عليه وآله : إن الله لم ينس ذلك لك . قال ثم قام حسان فقال : يا رسول الله ؟ إئذن لي فيه وأخرج لسانا له أسود فقال : يا رسول الله ؟ إئذن لي إن شئت أفريت به المزاد 3 فقال : إذهب إلى أبي بكر ليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم ثم إهجهم وجبريل معك 2 وهذه الطائفة من الشعراء هم المعنيون بقوله تعالى : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثير وانتصروا من بعد ما ظلموا . وهم المستثنون في صريح القرآن من قوله تعالى : والشعراء يتبعهم الغاوون . ألآية سورة الشعراء . ولما نزلت
هامش
1 مسند احمد 4 ص‍ 298 ، مستدرك الحاكم 3 ص‍ 487 .
2 مسند احمد 4 ص‍ 299 ، 302 ، 303 .
3 أى شفقته . كناية عن اسقاطه بالفضيحة .
4 مستدرك الحاكم 3 ص‍ 488 .
هذه الآية جاء‌ت عدة من الشعراء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهم يبكون قائلين إنا شعراء والله أنزل هذه الآية فتلا النبي صلى الله عليه وآله : وسلم إلا الذين آمنواوعملوا الصالحات . قال : أنتم . وذكروا الله كثيرا ، قال : أنتم .وانتصروا من بعد ما ظلموا ، قال : أنتم . 1 وإن كعب بن مالك أحد شعراء النبي الاعظم حين أنزل الله تبارك وتعالى في الشعر ما أنزل أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال : إن الله تبارك وتعالى قد أنزل في الشعر ما قد علمت وكيف ترى فيه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه 2 على أن في وسع الباحث أن يقول : إن المراد بالشعراء في الآية الكريمة كل من يأتي بكلا شعري منظوما أومنثورا فتكون مصاديقها أحزاب الباطل وقوالة الزور ، فعن مولانا الصادق عليه السلام : إنهم القصاصون . رواه شيخنا الصدوق في عقايده ، وفي تفسير علي بن إبراهيم ص‍ 474 انه قال : نزلت في الذين غيروا دين الله وخالفوا أمر الله ، هل رأيتم شاعرا قط تبعه أحد ؟ إنما عني بذلك الذين وضعوا دينا بآرائهم فتبعهم على ذلك الناس ، ويؤكد ذلك قوله : ألم ترهم في كل واديهيمون . يعني يناظرون بالاباطيل ويجادلون بالحجج وفي كل مذهب يذهبون . وفي تفسير العياشي عن أبي عبدالله عليه
السلام قال : هم قوم تعلموا وتفقهوا بغير علم فضلوا وأضلوا . فليس في الآية حط لمقام الشعر بما هو شعر وإنما الحط على الباطل منه و من المنثور ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله عند فريقي الاسلام قوله : إن من الشعر لحكمة . وإن من البيان لسحرا 3 ألهواتف بالشعر وهناك هتافات غيبية شعرية في الدعاية الدينية ، خوطب بها اناس في بدء
هامش
1 تفسير ابن كثير 3 ص‍ 354 .
2 مسند احمد 3 ص‍ 456 .
3 مسند احمد 1 ص‍ 269 ، 273 ، 303 ، 332 ، سنن الدارمى 2 ص‍ 296 ، صحيح البخارى كتاب الطب ، باب : ان من البيان سحرا ، المجنى لابن دريد ص‍ 22 ، تاريخ بغداد للخطيب 3 ص‍ 98 ، 258 ، وج‍ 4 ص‍ 254 ، وج 8 ص‍ 18 ، 314 ، البيان والتبيين للجاحظ 1 ص‍ 212 ، 275 ، رسائل الجاحظ ص‍ 235 ، مصابيح السنة للبغوى 2 ص‍ 149 ، الروض الانف 2 ص‍ 337 ، تاريخ ابن كثير 9 ص‍ 45 ، تاريخ ابن عساكر 1 ص‍ 348 ، وج 6 ص‍ 423 ، الاصابة 1 ص‍ 453 ، وج 4 ص‍ 183 ، تهذيب التهذيب 9 ص‍ 453 .
الاسلام فاهتدوا بها ، وهي معدودة من معاجز النبي صلى الله عليه وآله وتنم عن أهمية الشعر في باب الالقاء والحجاج وإفهام المستمع ، وإن أخذه بمجامع القلوب والافئدة آكد من الكلام المنثور ، فليتخذ دستورا في إصلاح المجتمع ، وبث الدعاية الروحية .
ومنها :
سمعت آمنة بنت وهب في ولادة النبي صلى الله عليه وآله هاتفا يقول : صلى الاله وكل عبد صالح والطيبون على السراج الواضح ألمصطفى خير الانام محمد ألطاهر العلم الضياء الايح زين الانام المصطفى علم الهدى ألصادق البر التقي الناصح صلى عليه الله ما هبت الصبا وتجاوبت ورق الحمام النايح 1 2 - هتف هاتف من صنم بصوم جهير ليلة مولد النبي صلى الله عليه وآله وقد خرت فيها الاصنام وهو يقول : تردى لمولود أنارت بنوره جميع فجاج الارض بالشرق والغرب وخرت له الاوثان طرا وأرعدت قلوب ملوك الارض طرا من الرعب ونار جميع الفرس باخت وأظلمت وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب وصدت عن الكهان بالغيب جنها فلا مخبر منهم بحق ولا كذب
فيال قصي إرجعوا عن ضلالكم وهبوا إلى الاسلام والمنزل الرحب 2
قال ورقة : بت ليلة مولد النبي صلى الله عليه وآله عند صنم لنا إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول : ولد النبي فذلت الاملاك ونأى الضلال وأدبر الاشراك ثم إنتكس الصنم على رأسه . 3 4 - قال العوام بن جهيل مصغرا الهمداني سادن يغوث : بت ليلا في بيت الصنم : وسمعت هاتفا من الصنم يقول : يا ابن جهيل ؟ حل بالاصنام ألويل ، هذا
هامش
1 بحار الانوار 6 ص‍ 73 .
2 تاريخ ابن كثير 2 ص‍ 341 ، الخصايص الكبرى للسيوطى 1 ص‍ 52 .
3 الخصايص الكبرى 1 ص‍ 52 .

نور سطع من الارض الحرام ، فودع يغوث بالسلام . فكلمت قومي ما سمعت فإذا هاتف يقول :
هل تسمعن القول يا عوام ؟ أم أنت ذو وقر عن الكلام ؟ قد كشف دياجر الظلام وأصفق الناس على الاسلام فقلت : يا أيها الهاتف بالعوام لست بذى وقر عن الكلام فبينن عن سنة الاسلام قال : وما كنت والله عرفت الاسلام قبل ذلك فأجابني يقول : أرحل على اسم الله والتوفيق رحلة لا وان ولا مشيق إلى فريق خير ما فريق إلى النبي الصادق المصدوق فرميت الصنم وخرجت اريد النبي صلى الله عليه وآله فصادفت وفد همدان يدور بالنبي فدخلت عليه فأخبرته خبري فسر النبي صلى الله عليه وآله ثم قال : أخبر المسلمين : وأمرني بكسر الاصنام فرجعت إلى اليمن وقد إمنحن الله قبلي بالاسلام وقلت في ذلك : من مبلغ عنا شآم قومنا ومن حل بالاجواف سرا وجهرا بأنا هدانا الله للحق بعدها تهود منا حائر وتنصرا وإنا سرينا من يغوث وقربه يعوق . وتابعناك يا خير الورى 1 أخرج أبونعيم في دلايل النبوة 1 ص‍ 34 عن العباس بن مرداس السلمي قال : دخلت على وثن يقال له الضمار فكنست ما حولهومسحته وقبلته فإذا بصايح يصيح يا عباس بن مرداس ؟ قل للقبايل من سليم كلها : هلك الانيس وفاز أهل المسجد أودى " ضمار " وكان يعبد مرة قبل الكتاب إلى النبي محمد إن الذي ورث النبوة والهدى بعد ابن مريم من قريش مهتد فخر العباس في ثلثمائة راكب من فومه إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما
هامش
1 أسد الغابة 4 ص‍ 193 ، الاصابة 3 ص‍ 41 .

رآه النبي تبسم ثم قال : يا عباس بن مرداس كيف كان إسلامك ؟ فقص عليه القصة فقال : صدقت وسر بذلك 1 أخرج أبونعيم في دلايله 1 ص‍ 33 عن رجل خثعمي قال : إن قوما من خثعم كانوا مجتمعين عند صنم لهم إذ سمعوا بهاتف يهتف : يا أيها الناس ذوو الاجسام ومسندوا الحكم إلى الاصنام ما أنتم وطائش الاحلام هذا نبي سيد الانام أعدل ذي حكم من الحكام يصدع بالنور وبالاسلام ويردع الناس عن الآثام مستعلن في البلد الحرام وأخرج أبونعيم عن عمر قال : سمعت هاتفا يهتف ويقول : يا أيها الناس ذوو الاجسام ومسندوا الحكم إلى الاصنام ما أنتم وطائش الاحلام فكلكم أوره كالنعام 2 أما ترون ما أرى أمامي ؟ قد لاح للناضر من تهام أكرم به لله من إمام قد جآء بعد الكفر بالاسلام والبر والصلات للارحام 3 ورواه الخرائطي كما في تاريخ إبن كثير 2 ص‍ 343 باسناده واللفظ فيه : يا أيها الناس ذوو الاجسام من بين أشياخ إلى غلام ما أنتم وطائش الاحلام ومسند الحكم إلى الاصنام أكلكم في حير النيام ؟ أم لا ترون ما الذي أمامي ؟ من ساطع يجلو دجى الظلام قد لاح للناظر من تهام ذاك نبي سيد الانام قد جاء بعد الكفر بالاسلام أكرمه الرحمن من إمام ومن رسول صادق الكلام
هامش
1 ابن شهر آشوب في المناقب 1 ص‍ 61 ، تاريخ ابن كثير 2 ص‍ 341 .
2 في البحار 6 ص‍ 319 . فكلكم أوره كالكهام . وروه فهو أوره . أى حمق . الكهام : الكليل . البطئ . المسن .
3 الخصايص الكبرى 1 ص‍ 133 .
أعدل ذي حكم من الحكام يأمر بالصلاة والصيام والبر والصلات للارحام ويزجر الناس عن الآثام والرجس والاوثان والحرام من هاشم في ذروة السنام مستعلنا في البلد الحرام أخرج أبونعيم عن يعقوب بن يزيد بن طلحة التيمي عن رجل قال : كنا بقفرة من الارض إذا هاتف من خلفنا يقول : قد لاح نجم فأضاء مشرقة يخرج من ظلماء عسوف موبقه ذاك رسول مفلح من صدقه ألله أعلى أمره وحققه 1 أخرج البيهقى وإبن عساكر عن إبن عباس إن رجلا قال : يا رسول الله ؟ خرجت في الجاهلية أطلب بعيرا شرد فهتف بي هاتف في الصبح يقول : يا أيها الراقد في الليل الاجم قد بعث الله نبيا في الحرم من هاشم أهل الوفاء والكرم يجلو دجنات الدياجي والظلم فأدرت طرفي فما رأيت له شخصا فقلت : يا أيها الهاتف في داجي الظلم أهلا وسهلا بك من طيف ألم بين هداك الله في لحن الكلم ماذا الذي يدعو إليه ؟ يغتنم فإذا أنا بنحنحة وقائل يقول : ظهر النور ، وبطل الزور ، وبعث الله محمدا بالخيور . ثم أنشأ يقول : ألحمد لله الذي لم يخلق الخلق عبث أرسل فينا أحمدا خير نبي قد بعث صلى عليه الله ما حج له ركب وحث 2
أخرج أبوسعد في شرف المصطفى عن الجعد بن قيس المرادي قال : خرجنا أربعة أنفس نريد الحج في الجاهلية فمررنا بواد من أودية اليمن إذا بهاتف يقول : ألا أيها الراكب المعرس بلغوا إذا ما وقفتم بالحطيم وزمزما
هامش
1 الخصايص الكبرى 1 ص‍ 104 .
2 الخصايص الكبرى 1 ص‍ 109 .
محمد المبعوث منا تحية تشيعه من حيث سار ويمما وقولوا له : إنا لدينك شيعة بذلك أوصانا المسيح بن مريما 1 10 - أخرج الحاكم في المستدرك 3 ص‍ 253 عن عيش بن جبر قال : سمعت قريش في ليلة قائلا يقول على أبي قبيس : فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف مخالف فظنت قريش انهما سعد تميم ، وسعد هذيم ، فلما كانت الليلة الثانية سمعوه يقول : أيا سعد سعد الاوس كن أنت ناصرا ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على الله في الفردوس منية عارف فإن ثواب الله يا طالب الهدى ؟ جنان من الفردوس ذات رفارف فلما أصبحوا قال سفيان : هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة 2 11 - روى إبن سعد في طبقاته الكبر 1 ص‍ 215 - 219 ما ملخصه : لما هاجر سول الله صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة ومر هو ومن معه بخيمتي ام معبد الخزاعية وهي قاعدة بفناء الخيمة فسألوها تمرا أو لحما يشترون ، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك ، وإذا القوم مرملون 3 مسنتون 4 فقالت : والله لو كان عندنا شئ ما أعوزكم القرى ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شاة في كسر الخيمة ، فقال : ما هذه الشاة يا ام معبد ؟ قالت : هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم ، فقال : هل بها من لبن ؟ قالت : هي أجهد من ذلك ، قال : أتأذنين لي أن أحلبها ؟ قالت : نعم بأبي أنت وامي إن رأيت بها حلبا ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله وقال : أللهم ؟ بارك لها في شاتها . قال : فتفاجت 5 ودرت واجترت 6 فدعا بإناء لها يربض 7 الرهط فحلب فيه ثجا 8 هامش 1 الخصايص الكبرى 1 ص‍ 109
2 ورواه ابن شهر اشوب في المناقب 1 ص‍ 59 . 3 نفد زادهم وافتقروا . 4 مجدبون . 5 من التفاج هو المبالغة في تفريج ما بين الرجلين ، وهو من الفج أى الطريق . 6 من الجرة وهى : ما يخرجه البعير من بطنه فيمضغه ثانيا . 7 اى يرويهم حتى يناموا ويأخذوا راحتهم . 8 ثج الماء ثجوجا : سال حتى غلبه الثمال 1 فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب صلى الله عليه وآله آخرهم وقال : ساقي القوم آخرهم ، فشربوا جميعا عللا بعد نهل 2 حتى أراضوا 3 ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم إرتحلوا عنها . ألحديث . وأصبح صوت بمكة عاليا بين السماء والارض يسمعونه ولا يرون من يقول وهو يقول : جرى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي ام معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به فأفلح من أمسى رفيق محمد فيال قصي ما زوى الله عنكم به من فعال لا يجازى وسودد سلوا اختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت له بصريح ضرة الشاة مزبد 4 فغادره رهنا لديها لحالب تدر بها في مصدر ثم مورد 5 12 - أخرج إبن الاثير في اسد الغابة 5 ص‍ 188 عن أبي ذؤيب الهذلي الشاعر انه سمع ليلة وفاة النبي صلى الله عليه وآله هاتفا يقول : خطب أجل أناخ بالاسلام بين النخيل ومعقد الآطام 6 قبض النبي محمد فعيوننا تذرى الدموع عليه بالتسجام وهناك هواتف في شؤون العترة النبوية منها : 13 - أخرج الحافظ الكنجي في كفايتة ص‍ 261 : لما ولد في الكعبة علي " أمير المؤمنين " دخل أبوطالب الكعبة وهو يقول : يا رب هذا الغسق الدجي والقمر المنبلج المضي بين لنا من أمرك الخفي ماذا ترى في إسم ذا الصبي
هامش
1 الثمال بضم الثاء واحدة ثمالة : الرغوة . وما بقى في الاناء من ماء غيره .
2 عللا . بالتحريك : شربا بعد شرب . نهل بالتحريك : اول الشرب .
3 من اراض اراضة : روى .
4 الصريح : الخالص . الضرة : أصل الثدى . المزبد : القاذف بالزبد .
5 ورواها ابونعيم في دلايل النبوة 2 ص‍ 118
6 واحده الاطم بالضم : الابنية المرتفعة كالحصون .
قال : فسمع صوت هاتف وهو يقول : يا أهل بيت المصطفى النبي خصصتم بالولد الزكي
إن اسمه من شامخ العلي علي اشتق من العلي ثم قال : هذا حديث تفرد به مسلم بن خالد الزنجي وهو شيخ الشافعي .14 - ذكر الشبلنجي في نور الابصار ص‍ 47 : إن عليا " أمير المؤمنين " كان يزور قبر فاطمة في كل يوم فأقبل ذات يوم فانكب على القبر وبكى وأنشأ يقول : مالي مررت على القبور مسلما قبر الحبيب فلا يرد جوابي يا قبر مالك لا تجيب مناديا ؟ أمللت بعدي خلة الاحباب ؟ فأجابه هاتف يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو يقول : قال الحبيب : وكيف لي بجوابكم وأنا رهين جنادل وتراب ؟ أكل التراب محاسني فنسيتكم وحجبت عن أهلي وعن أترابي فعليكم مني السلام تقطعت مني ومنكم خلة الاحباب 15 - روى إبن عساكر في تاريخه 4 ص‍ 341 ، والكنجي في الكفاية عن ام سلمة قالت : لما كانت ليلة قتل الحسين الامام السبط سمعت قائلا يقول : أيها القاتلون جهلا حسينا أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم من نبي ومرسل وقبيل قد لعنتم على لسان بن داود وموسى وحامل الانجيل 1
موكب الشعراء
فمن هنا وهنا جاء بيمن السنة والكتاب من الصحابة الواكبين على الشعر مواكب بعين سيدهم نبي العظمة كالاسود الضارية تفترس أعراض الشرك والضلال ، وصقور جارحة تصطاد الافئدة والمسامع ، وتلك المواكب كانت ملتفة حوله في حضره ، وتسري معه في سفره ، ورجالها فرسان الهيجاء ومعهم حسام الشعر ونبل القريض ، يجادلون دون مبدء الاسلام المقدس ، ويجاهدون بألسنتهم في سبيل الله ، هامش 1 ذكر ابن حجر منها بيتين ، ورواها شيخنا ابن قولويه المتوفى 367 ر 8 في كامله ص‍ 30 . وفيهم نضراء : ألعباس عم النبي كعب بن مالك عبدالله بن رواحة حسان بن ثابت ألنابغة الجعدي ضرار الاسدي ضرار القرشي كعب بن زهير قيس بن صرمة امية بن الصلت نعمان بن عجلان ألعباس بن مرداس طفيل الغنوي كعب بن نمط مالك بن عوف صرمة بن أبي أنس قيس بن بحر عبدالله بن حرب بحير بن أبي سلمى سراقة بن مالك وقد أخذت هذه الروح الدينية بمجامع قلوب أفراد المجتمع ، ودبت في النفوس ودبجتها ، وخالطت الارواح ، حتى مازجت نفوس المسلمات ، فأصبحت تغار على الدين وتكلاه ، وهن ربات الحجال تذب عن نبي الامة ببديع النظم وجيد الشعر نظيرات : 1 - ام المؤمنين ألملكة خديجة بنت خويلد زوج النبي الطاهر صلى الله عليه وآله وكانت رقيقة الشعر جدا ، ومن شعرها في تمريغ البعير وجهه على قدمي
النبي ونطقه بفضله كرامة له صلى الله عليه وآله قولها : نطق البعير بفضل أحمد مخبرا هذا الذي شرفت به ام القرى
هذا محمد خير مبعوث أتى فهو الشفيع وخير من وطئ الثرى يا حاسديه تمزقوا من غيضكم فهو الحبيب ولا سواه في الورى 1 2 -سعدى بنت كريز خالة عثمان بن عفان ، ومن شعرها في الدعاية الدينية : عثمان يا عثمان يا عثمان ؟ لك الجمال ولك الشان هذا نبي معه البرهان أرسله بحقه الديان وجاء‌ه التنزيل والبرهان فاتبعه لا تغيا بك الاوثان
فقالت : إن محمد بن عبدالله رسول الله ، جاء إليه جبريل يدعوه إلى الله . مصباحه مصباح وقوله صلاح ودينه فلاح وأمره نجاح لقرنه نطاح ذلت له البطاح ما ينفع الصياح لو وقع الرماح وسلت الصفاح ومدت الرماح
هامش
1 بحار الانوار 6 ص‍ 103 .
وتقول في إسلام عثمان : هدى الله عثمان الصفي بقوله فأرشده والله يهدي إلى الحق فتابع بالرأى السديد محمدا وكان ابن أروى لا يصد عن الحق وأنكحه المبعوث إحدى نباته فكان كبدر مازج الشمس في الافق فداء‌ك يابن الهاشميين ؟ مهجتي فأنت أمين الله ارسلت في الخلق 1 3 - ألشيماء بنت الحارث بن عبدالعزى اخت النبي الاقدس من الرضاعة ، تقول في النبي صلى الله عليه وآله : يا ربنا ؟ أبق لنا محمدا حتى أراه يافعا وأمردا ثم أراه سيدا مسددا واكبت أعاديه معا والحسدا وأعطه عزا يدوم أبدا 2 4 - هند بنت أبان 3 بن عباد بن المطلب ، لها عدة قواف في النبي الطاهر صلى الله عليه وآله توجد في الطبقات الكبرى لابن سعد 4 ص‍ 148 وهي تجابه هند بنت عتبة في وقعة احد في قولها تفتخر بقتل حمزة ومن اصيب من المسلمين : نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر أبي وعمي وشقيق بكري شفيت وحشي ؟ غليل صدري شفيت نفسي وقضيت نذري فأجابتها هند بنت أبان بقولها :
جزيت في بدر وغير بدر يا بنت وقاع عظيم الكفر
صبحك الله غداة الفجر بالهاشميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري حمزة ليثي وعلي صقري 4
5 - خنساء بنت عمرو حفيدة إمرؤ القيس ، قد أكثرت من الشعر ، وأجمع أهل
هامش
1 الاصابة 4 ص‍ 372 و 328 .
2 الاصابة 4 ص‍ 344 .
3 في الطبقات الكبرى لابن سعد واسد الغابة : أثاثة بن عباد .
4 - اسد الغابة 5 ص‍ 559 ، الاصابة 4 ص‍ 421 .

العلم بالشعر أنه لم تكن إمرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها وكان النبي صلى الله عليه وآله يعجبه شعرها ويستنشده 1 . 6 - رقيقة بقافين مصغرة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبدالمطلب بن هاشم هي التي أخبرت رسول الله بأن قريشا قد إجتمعت تريد شأنك الليلة فتحول رسول الله صلى الله عليه وآله عن فراشه وبات فيه علي أمير المؤمنين 2 لها شعر جيد منها قولها في إستسقاء عبدالمطلب لقريش ومعه رسول الله صلى الله عليه وآله يافعا أوله : بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر 3 7 - أروى بنت عبدالمطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وصاحبة الاحتجاج المشهور على معاوية يأتي في ترجمة عمرو بن العاص ، ولها شعر في رثاء النبي صلى الله عليه وآله منه أبيات أولها . ألا يا عين ويحك أسعديني بدمعك ما بقيت وطاوعيني ومنها أبيات مستهلها : ألا يا رسول الله ؟ كنت رجاء‌نا وكنت بنا برا ولم تك جافيا وتقول فيها : أفاطم ؟ صلى الله رب محمد على جدث أمسى بيثرب ثاويا أبا حسن ؟ فارقته وتركته فبك بحزن آخر الدهر شاجيا 4 8 - عاتكة بنت عبدالمطلب 9 - صفية بنت عبدالمطلب 10 - هند بنت الحارث 11 - زوج النبي ام سلمة 12 - عاتكة بنت زيد بن عمرو 13 - خادمة النبي ام أيمن 5 وكانت عايشة زوج النبي صلى الله عليه وآله تحفظ الشعر الكثير ، وكانت تقول :
هامش
1 الاستيعاب هامش الاصابة 4 ص‍ 295 ، 296 ، اسد الغابة 5 ص‍ 441 .
2 الاصابة 4 ص‍ 303 .
3 اسد الغابة 5 ص‍ 455 ، الخصايص الكبرى 1 ص‍ 80 .
4 توجد بقية الابيات في الطبقات الكبرى لابن سعد 4 ص‍ 142 ، 143 .
5 تجد شعر هؤلاء في طبقات ابن سعد 4 ص‍ 144 - 148 ، مناقب ابن شهر اشوب 1 ص‍ 169 وغيرهما .
ارويت للبيد إثنى عشر ألف بيت 1 وكان صلى الله عليه وآله يستنشدها الشعر ويقول : أبياتك . ومما أنشدت : إذا ما التبر حك على محك تبين غشه من غير شك وبان الزيف والذهب المصفى " علي " بيننا شبه المحك 2 ألشعر والشعراء عند الائمة هذه الدعاية الروحية ، والنصرة الدينية ، المرغب فيها بالكتاب والسنة ، والمجاهدة دون المذهب بالشعر ونظم القريض ، كانت قائمة على ساقها في عهد أئمة العترة الطاهرة تأسيا منهم بالنبي الاعظم ، وكانت قلوب أفراد المجتمع تلين لشعراء أهل البيت فتتأثر بأهازيجهم حتى تعود مزيجة نفسياتهم . وكان الشعراء يقصدون أئمة العترة من البلاد القاصية بقصايدهم المذهبية ، وهم صلوات الله عليهم يحسنون نزل الشاعر وقراه ، ويرحبون به بكل حفاوة وتبجيل ، و يحتفلون بشعره ويدعون له ، ويزودونه بكل صلة وكرامة ، ويرشدونه إلى صواب القول إن كان هناك خلل في النظم ، ومن هنا أخذ الادب في تلك القرون في التطور و التوسع حتى بلغ إلى حد يقصر دونه كثير من العلوم والفنون الاجتماعية . وقد يكسب الشعر بناحيته هذه أهمية كبرى عند حماة الدين أهل بيت الوحي حتى يعد الاحتفال به ، والاصغاء إليه ، وصرف الوقت النفيس دون سماعه وإستماعه من أعظم القربات وأولى الطاعات ، وقد يقدم على العبادة والدعاء في أشرف الاقاوت وأعظم المواقف ، كما يستفاد من قول الامام الصادق عليه السلام وفعله بهاشميات الكميت لما دخل عليه في أيام التشريق بمنى فقال له : جعلت فداك ألا انشدك ؟ قال : إنها أيام عظام قال : إنها فيكم ، فلما سمع الامام عليه السلام مقاله بعث إلى ذويه فقر بهم إليه وقال : هات فأنشده لاميته من الهاشميات فحظي بدعائه عليه السلام له وألف دينار وكسوة . وسنوقفك على تفصيل هذا الاجمال في ترجمة كميت والحميري ودعبل . ونظرا إلى الغايات الاجتماعية كان أئمة الدين يغضون البصر من شخصيات الشاعر
هامش
1 الاستيعاب هامش الاصابة 3 ص‍ 328 .
2 الكنز المدفون للسيوطى 236 .
المذهبي وأفعاله ، ويضربون عنها صفحا إن كان هناك عمل غير صالح يسوئهم مهما وجدوه وراء صالح الامة ، وفي الخير له قدم ، وصرح به الحق عن محضه ، وصرح المحض عن الزبد ، وصار الامر عليه لزام 1 وكانوا يستغفرون له ربه في سوء صنعه ، ويجلبون له عواطف الملا الديني بمثل قولهم : لا يكبر على الله أن يغفر الذنوب لمحبنا ومادحنا ، وقولهم أيعز على الله أن يغفر الذنوب لمحب علي ، وإن محب علي لا تزل له قدم إلا تثبت له اخرى . 2 وفي تلك القدم الثابتة صلاح المجتمع ، وعليها نموت ونحيى . وهناك لائمة الدين صلوات الله عليهم فكرة صالحة صرفت في هذه الناحية ، وهي كدستور فيها تعاليم وإرشادات إلى منهاج الخدمة للمجتمع ، وتنوير أفكار المثقفين وتوجيهها إلى طرق النشر والدعاية ، ودروس في توطيد اسس المذهب ، و كيفية إحتلال روحيات البلاد وقلوب العباد ، وبرنامج في صرف مال الله ، وتلويح إلى أهم موارده . تعرب عن هذه الفكرة المشكورة ايصاء الامام الباقر إبنه الامام الصادق عليه السلام بقوله : يا جعفر أوقف لي من مالي كذا وكذا النوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى 3 وفي تعيينه عليه السلام ظرف الندبة من الزمان والمكان لانهما المجتمع الوحيد لزرافات المسلمين من أدنى البلاد وأقاصيها من كل فج عميق ، وليس لهم مجتمع يضاهيه في الكثرة ، دلالة واضحة على أن الغاية من ذلك إسماع الملا الديني مآثر الفقيد " فقيد بيت الوحي " ومزاياه ، حتى تنعطف عليه القلوب ، وتحن إليه الافئدة ، ويكونوا على أمم من أمره ، وبمقربة من إعتناق مذهبه ، فيحدوهم ذلك بتكرار الندبة في كل سنة إلى الالتحاق به ، والبخوع لحقه ، والقول بامامته ، والتحلي بمكارم أخلاقه ، والاخذ بتعالميه المنجية ، وعلى هذا الاساس الديني القويم اسست المآتم والمواكب الحسينية ، ليس إلا . ونظرا إلى المغازي الكريمة المتوخاة من الشعر كان شعراء أهل البيت ممقوتين
هامش
1 كل من هذه الجمل مثل يضرب . لزام بكسر الميم مثل حذام ، أى : صار هذا الامر لازما له .
2 توجد هذه الاحاديث في ترجمة أبى هريرة الشاعر والسيد الحميرى وغيرهما .
3 رواه بطريق صحيح رجاله ثقات شيخنا الكلينى في الكافى 1 ص‍ 360 .
ثقيلين جدا على مناوئيهم ، وكانت العداء عليهم محتدمة ، والشحناء لهم متشزنة ، وكان حامل ألوية هذه الناحية من الشعر لم يزل خائفا يترقب ، آيسا من حياته مستميتا مستقتلا ، لا يقر له قرار ، ولا يأواه منزل . وكان طيلة حياته يكابد المشاق ، ويقاسي الشدايد من شنق وقتل وحرق وقطع لسان وحبس وعذاب وتنكيل وضرب وهتك حرمة وإقصاء من الاهل والوطن إلى شدايد اخرى سجلها لهم التاريخ في صحايفه . ألشعر والشعراء عند أعلام الدين إقتفى أثر الائمة الطاهرين فقهاء الامة ، وزعماء المذهب ، وقاموا لخدمة الدين الحنيف بحفظ هذه الناحية من الشعر كلاء‌ة لناموس المذهب ، وحرصا لبقاء مآثر آل الله ، وتخليدا لذكرهم في الملا ، وكانوا يتبعون منهاج أئمتهم في الاحتفاء بشاعرهم وتقديره ، وإلاثابة على علمه والشكر له بكل قول وكرامة ، وكانوا يحتفظون بهذه المغازي بألتاليف في الشعر وفنونه ، ويعدونه من واجبهم كما كانوا يؤلفون في الفقه و ساير العلوم الدينية ، مهما كان كل منهم للغايات حفيا . هذا : شيخنا الاكبر الكليني الذي قضى من عمره عشرين سنة في تأليف الكافي أحد الكتب الاربعة مراجع الامامية ، له كتاب ما قيل من الشعر في أهل البيت . والعياشي الذي ألف كتبا كثيرة في الفقه الامامي لا يستهان بعدتها ، له كتاب " معاريض الشعر " . وشيخنا الاعظم الصدوق الذي بذل النفس والنفيس دون التأليف والنشر في الفقه والحديث ، له كتاب الشعر . وشيخ الشيعة بالبصرة الجلودي ذلك الشخصية البارزة في العلم وفنونه ، له كتاب ما قيل في علي عليه السلام من الشعر . وشيخ الامامية بالجزيرة أبوالحسن الشمشاطي مؤلف مختصر فقه أهل البيت ، له كتب قيمة في فنون الشعر . ومعلم الامة شيخنا المفيد الذى لا تخفى على أي أحد أشواطه البعيدة في خدمة الدين ، وإحياء الامة ، وإصلاح الفاسد ، له كتاب مسائل النظم . وسيد الطايفة المرتضى علم الهدى ، له ديوان ، وتآليف في فنون الشعر . إلى زرافات آخرين من حملة الفقه وأعضاد العلم الالهى من الطبقة العليا . ولم يزالوا يعقدون الحفلات والاندية في الاعياد المذهبية من مواليد أئمة الدين عليهم السلام ويوم العيد الاكبر ألغدير ومجالس تعقد في وفياتهم ، فتأتي إليها الشعراء شرعا فيلقون ولايد أفكارهم من مدايح وتهاني وتأبينات ومراثي فيها إحياء أمرهم ، فتثبت لها القلوب ، وتشتد بها العلائق الودية بين افراد المجتمع ومواليهم عليهم السلام ، ويتبعها الحفاوة والتكريم والاثابة والتعظيم لمنضدي تلك العقود و جامعي أوابدها ، هذا وما عند الله خير وأبقى . وكانت الحالة في بعض تلك القرون الخالية أكيدة ، والنشاط الروحي بالغا في رجالاته فوق ما يتصور ، والامة بيمن تلك النفوس الطاهرة سعيدة جدا كعصر سيد الامة آية الله بحر العلوم والشيخ الاكثر كاشف الغطاء ، وأما اليوم فإن تلك المحتشدات الروحية أمست خلاء‌ا وأمسى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبد نعم بالامس كان بقية العترة الطاهرة الامام المجدد الشيرازي نزيل سامراء المشرفة ذلك العلم الخفاق للامة جمعآء ، الذي طنبت زعامته الدينية على أطراف العالم كله ، لا تنقطع حفلاته في الايام المذكورة كلها فتقصدها صاغة القريض بأناشيدهم المبهجة من شتى النواحي ، فتجد عنده فناء‌ا رحبا ، وإنبساطا شاملا ، وتقديرا معجبا ، ونائلا جزيلا ، وبشاشة مرغبة . ولكن : ذهب الذين يعاش في أكنافهم . . . ومن نماذج هاتيك الاحوال أن شاعر أهل البيت المفلق ألسيد حيدر الحلي قصده بشعر في بعض وفداته إليه فأضمر السيد المجدد في نفسه أن يثيبه بعشرين ليرة عثمانية فأفضى بعزمه إلى إبن عمه العلم الحجة 1 الحاج ميرزا إسماعيل فاستقل ذلك المبلغ وقال : إنه شاعر أهل البيت ، وإنه أجل وأفضل من أمثال دعبل والحميري و نظرائهما ، وكان أئمة الدين يقدمون إليهم الصرر والبدر فاستحفاه عن مقتضى الحال فقال له : إن الحري أن تعطيه مائة ليرة بيدك الشريفة . هناك قصد السيد المجدد زيارة السيد حيدر وناوله المبلغ المذكور بكل حفاوة وتبجيل وقبل يد شاعر أهل البيت . حكاه جمع ممن أدرك ذلك العصر الذهبي ومنهم خلفه الصالح آية الله ميرزا
هامش
1 تأتى ترجمته في شعراء القرن الرابع عشر .
علي آغا الذي خلف والده على تلك المجالس والمجتمعات واستنشاد الشعر والاصاخة إليه والتقدير والترحيب في النجف الاشرف . ولا يسعنا بسط المقال حول هذه كلها ، وليس هذا المجمل إلا نفثة مصدور ، ولهفة متحسر ، على فراغ هذه الناحية في اليوم ، وإهمال تلك الغاية المهمة ، وإقلاق تلك الطمأنينة ، وضياع تلك الفوائد الجمة على الامة ، فالايام عوج رواجع 2 ، فكأن الدنيا رجعت إلى ورائها ألقهقرى ، واكتسى الشعر كسوة الجاهلية الاولى ، وذهب أمس بما فيه ، 3 فلا فقيه هناك كأولئك ، ولا شاعر كهؤلاء ، ولا رأي لمن لا يطاع . ومهما نتلقى شعر السلف في القرون الاولى تلقي الحديث والسنة نذكر في شعرهم المقول في فضايل آل الله بعض ما وقفنا عليه من الحديث الوارد هناك من طرق العامه ، ولعل الباحث يقف بذلك على سعة باع الشاعر في علمي الكتاب و السنة .
عبدالحسين الامينى آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
هامش 1 مثل يضرب يعنى : الدهر تارة يعرج عليك وتارة يرجع إليك .
3 مثل ساير يضرب .
25
شعرآء الغدير
في القرن الاول
1 - أمير المؤمنين عليه السلام
نتيمن في بدء الكتاب بذكر سيدنا أمير المؤمنين علي خليفة النبي المصطفى صلى الله عليهما وآلهما ، فإنه أفصح عربي ، وأعرف الناس بمعاريض كلام العرب بعد صنوه النبي الاعظم ، عرف من لفظ المولى في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : من كنت مولاه فعلي مولاه . معنى الامامة المطلقة ، وفرض الطاعة التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وقال عليه السلام . محمد النبي أخي وصنوي 1 وحمزة سيد الشهدآء عمي وجعفر الذي يضحي ويمسي يطير مع الملائكة إبن امي وبنت محمد سكني وعرسي منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الاسلام طرا على ما كان من فهمي وعلمي 2 فأوجب لي ولايته عليكم رسول الله يوم غدير خم 3 فويل ثم ويل ثم ويل لمن يلقى الاله غدا بظلمي
هامش
1 في تاريخ ابن عساكر وغير واحد من المصادر : صهرى .
2 في رواية ابن ابى الحديد وابن حجر وابن شهر اشوب : غلاما ما بلغت أوان حلمى .
وفى رواية ابن الشيخ وبعض آخر : صغيرا ما بلغت أوان حلمى . وفى رواية الطبرسى بعد هذا البيت : وصليت الصلاة وكنت طفلا مقرا بالنبى في بطن امى 3 وذكر الدكتور احمد رفاعى في تعلقيه على معجم الادباء :وأوصانى النبى على اختيار ببيعته غداة غدير خم وهناك في هذا البيت تصحيف سنوقفك عليه .

ما يتبع الشعر
هذه الابيات كتبها الامام عليه السلام إلى معاوية لما كتب معاوية إليه : إن لي فضايل كان أبي سيدا في الجاهلية ، وصرت ملكا في الاسلام ، وأنا صهر رسول الله ، وخال المؤمنين ، وكاتب الوحي ، فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : أبا الفضايل يبغي علي إبن آكلة الاكباد ؟ اكتب يا غلام ؟ : محمد النبي أخي وصنوي إلى آخر الابيات المذكورة فلما قرأ معاوية الكتاب قال : اخفوا هذا الكتاب لا يقرأه اهل الشام فيميلوا إلى إبن أبي طالب . والامة قد تلقتها بالقبول ، وتسالمت على روايتها ، غير ان كلا أخذ منها ما يرجع إلى موضوع بحثه ، من دون أي غمز فيها ، بل ستقف على أنها مشهورة ، ورواها ألنقلة الاثبات ، ونقلها ألحفظة الثقات ، وذكر جمع من أعلام السنة والجماعة عن البيهقي : ان هذا الشعر مما يجب على كل متوال لعلي حفظه ، ليعلم مفاخره في الاسلام . فرواها من أصحابنا : 1 - معلم الامة شيخنا المفيد ألمتوفى 413 ، رواها بأجمعها في " الفصول المختارة " 2 ص‍ 78 وقال : كيف يمكن دفع شعر أمير المؤمنين في ذلك ؟ وقد شاع في شهرته على حد يرتفع فيه الخلاف ، وانتشر حتى صار مذكورا مسموعا من العامة فضلا عن الخاصة ، وفي هذا الشعر كفاية في البيان عن تقدم ايمانه عليه السلام وانه وقع مع المعرفة بالحجة والبيان ، وفيه ايضا : انه كان الامام بعد الرسول صلى الله عليه وآله بدليل المقال الظاهر في يوم الغدير الموجب له للاستخلاف
. 2 - شيخنا الكراجكي ألمتوفى 449 ، رواها في " كنز الفوائد " ص‍ 122 . 3 - أبوعلي الفتال النيسابوري ، في " روضة الواعظين " ص‍ 76 . 4 - أبومنصور الطبرسى أحد مشايخ ابن شهر آشوب ، في " الاحتجاج " ص‍ 97 . 5 - إبن شهر آشوب المتوفى 588 ، في " المناقب " 1 ص‍ 356 . 6 - أبوالحسن الاربلي ألمتوفى 692 ، في " كشف الغمة " ص‍ 92 . 7 - إبن سنجر النخجواني ، في " تجارب السلف " ص‍ 42 وقال ما تعريبه : لعلي ديوان 1 لا مجال للترديد والشك فيه . 8 - ألشيخ علي البياضى ألمتوفى 877 ، في " الصراط المستقيم " .
9 - ألمجلسي ألعظيم ألمتوفى 1111 ، في " بحار الانوار 9 ص‍ 375 . 10 - السيد صدر الدين علي خان ألمدني المتوفى 1120 ، في درجاته الرفيعة . 11 - ألشيخ أبوالحسن الشريف ، في " ضياء العالمين " المؤلف 1137 . ورواها من أعلام العامة 1 - ألحافظ البيهقي ألمتوفى 458 ألمترجم 1 ص‍ 110 رواها برمتها وقال : إن هذا الشعر مما يجب على كل أحد متوال في علي حفظه ، ليعلم مفاخره في الاسلام . 2 - أبوالحجاج يوسف بن محمد البلوي المالكي الشهير بابن الشيخ المتوفى حدود 605 ، قال في كتابه " ألف باء " 1 ص‍ 439 : وأما على رضي الله عنه فمكانه علي ، وشرفه سني ، أول من دخل في الاسلام ، وزوج فاطمة عليها السلام بنت النبي ، وقد نظم في أبيات المفاخرة ، وذر فيها مآثره حين فاخره بعض عداه ممن لم يبلغ مداه ، فقال رضي الله عنه يفخر بحمزة عمه وبجعفر إبن عمه رضي الله عنهم : محمد النبي أخي وصنوي وذكر إلى آخر بيت الغدير فقال : يريد بذلك قوله عليه السلام : من كنت مولاه فعلي مولاه ، أللهم ؟ وال من والاه ، وعاد من عاده . 3 - أبوالحسين ألحافظ زيد بن الحسن تاج الدين الكندي الحنفي ألمتوفى 613 ، رواه من طريق إبن دريد في كتابه " المجتنى " ص‍ 39 ذكر منهاخمسة أبيات
.4 - ياقوت الحموي ألمتوفى 626 ألمترجم ج 1 ص‍ 119 ذكر ستة أبيات منها في " معجم الادباء " 5 ص‍ 266 وزاد الدكتور أحمد رفاعي المصري بيتين في التعليق
. 5 - أبوسالم محمد بن طلحة الشافعي ألمتوفى 652 ، يأتي ترجمته في شعراء القرن السابع ، رواها برمتها في " مطالب السئول " ص‍ 11 ط ايران فقال : هذه الابيات نقلها هامش 1 لعله يريد ما دونه الفنجكردى من شعره عليه السلام مما يبلغ مائتى بيت كما يأتي في ترجمته ، لا هذا الديوان الكبير المطبوع المنتشر فان فيه كل الشك .

عنه عليه السلام الثقات ، ورواها ألنقلة الاثبات
. 6 - سبط إبن الجوزي الحنفي ألمتوفى 654 ألمترجم ج‍ 1 ص‍ 120 رواها بجملتها في تذكرة خواص الامة ص‍ 62 وفي بعض أبياته تغيير يسير
. 7 - إبن أبي الحديد المتوفى 658 ، ذكر منها في شرح نهج البلاغة 2 ص‍ 377 بيتين مكتفيا عن البقية بشهرتها
. 8 - أبوعبدالله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي ألمتوفى 658 ، رواها في " المناقب " ألمطبوع بمصر ص‍ 41 ، وقال في الاستدلال على سبق أميرالمؤمنين إلي الاسلام ، وقد أشار علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى شيئ من ذلك في أبيات قالها رواها عنه ألثقات : ثم ذكر البيت الاول والثالث والخامس والسابع .
-9 سعيد الدين الفرغاني ألمتوفى 699 ألمترجم ج 1 ص‍ 123 ذكر في شرح تائية إبن الفارض في قوله : وأوضح بالتأويل ما كان مشكلا علي بعلم ناله بالوصية بيتين وهما :
وأوصاني النبي على اختيار لامته رضى منه بحكمي وأوجب لي ولايته عليكم رسول الله يوم غدير خم
10 - شيخ الاسلام أبوإسحاق الحمويي ألمتوفى 722 ألمترجم 1 ص‍ 123 رواها في " فرايد السمطين " وذكر من أولها إلى آخر بيت الولاية وزاد قبله : وأوصاني النبي على اختيار لامته رضي منه بحكمى
-11 أبوالفداء ألمتوفى 732 ، أخذ منها في تاريخه 1 ص‍ 118 ما يرجع إلى إسلامه عليه السلام . م
- 12-جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي المتوفى بضع و 750 ذكرها برمتها غير البيت الاخير : فويل ثم ويل ثم ويل . إلخ في كتابه [ نظم درر السمطين
13 - إبن كثير الشامي ألمتوفى 774 ألمترجم 1 ص‍ 126 رواها في " البداية والنهاية " 8 ص‍ 8 عن أبي بكر إبن دريد عن دماد عن أبي عبيدة وذكر منها خمسة أبيات
- . 14 خواجة پارسا الحنفي ألمتوفى 822 ألمترجم ص‍ 1 ص‍ 129 رواها برمتها في " فصل الخطاب " عن الامام تاج الاسلام الخدابادي البخاري في أربعينه
. 15 - إبن الصباغ المكي المالكي ألمتوفى 855 ألمترجم 1 ص‍ 131 رواها في " الفصول المهمة " ص‍ 16 وذكر منها أربعة أبيات وقال : رواها الثقات ألاثبات
. 16 - غياث الدين خواندمير 1 رواها في " حبيب السير " 2 ص‍ 5 نقلا عن " فصل الخطاب " لخواجة پارسا
. 17 - إبن حجر ألمتوفى 974 ألمترجم 1 ص‍ 134 ذكر خمسة أبيات منها في " الصواعق " ص‍ 79 ونقل كلام الحافظ البيهقي المذكور . توجد في المخطوط من الصواعق سبعة أبيات ، وكذلك في المنقول عنه كينابيع المودة للقندوزي ص‍ 291 ، ويؤيد صحة نقله عن البيهقي فإنه ذكرها برمتها ، لكن يد الطبع الامينة حرفت عنه بيت الولاية ومابعده .
18 - ألمتقي الهندي ألمتوفى 975 ألمترجم 1 ص‍ 135 روى كتاب معاوية
في " كنز العمال " 6 ص‍ 392 وذكر من الابيات خمسة .
19 - ألاسحاقي روى كتاب معاوية باللفظ المذكور في [ لطايف أخبار الدول ]
ص‍ 33 وذكر الابيات كلها ، ولفظ بيت الولاية فيه كذا :
وأوجب طاعتي فرضا عليكم رسول الله يوم غدير خم
فويل ثم ويل ثم ويل لمن يرد القيامة وهو خصمي
20 - ألحلبي الشافعي ألمتوفى 1044 ألمترجم 1 ص‍ 139 أخذ منها في
" السيرة النبوية " 1 ص‍ 286 ما يرجع إلى إسلامه عليه السلام .
21 - ألشبراوي الشافعي شيخ جامع الازهر ألمتوفى 1172 رواها في [ الاتحاف
بحب الاشرف ] ص‍ 181 ، وفي طبع ص‍ 69 وذكر منها خمسة أبيات .
22 - ألسيد أحمد قادين خاني رواها في " هداية المرتاب " وحكى عن البيهقي
قوله المذكور .
23 - ألسيد محمود الآلوسي البغدادي ألمتوفى 1270 ألمترجم 1 ص‍ 147
هامش 1 مذهبه يحتاج إلى امعان النظر فيه .
رواها غير البيت الاول والاخير في شرح عينية الشاعر المفلق عبدالباقي العمري ص 78 ، وقال : هي مما رواها الثقات عنه عليه السلام .
24 - القندوزي الحنفي ألمتوفى 1293 ألمترجم 1 ص‍ 147 رواها في " ينابيع المودة " ص‍ 291 نقلا عن إبن حجر ، وص‍ 371 نقلا عن أربعين الامام تاج الاسلام الخدابادي البخاري .
25 - السيد أحمد زيني دحلان ألمتوفى 1304 ألمترجم 1 ص‍ 147 ذكر
منها في " السيرة النبوية " - هامش السيرة الحلبية - 1 ص‍ 190 ما يرجع إلى إسلامه وقال : وهي مما كتبه علي عليه السلام لمعاوية ثم ذكر كلام البيهقي المذكور .
26 - ألشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي المالكي ذكرها برمتها في " كفاية الطالب " ص‍ 36 وعدها مما وثق به أنه من شعر أمير المؤمنين . لفت نظر : أخذ منها إبن عساكر في تاريخه 6 ص‍ 315 بيتا في بيان الفرق بين الصهر والختن وقال : قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : محمد النبي أخي وصهرى أحب الناس كلهم إليا وذهل عن أن الشطر الثاني المذكور هو لابى أسود الدؤلي من قوله : بنو عم النبي وأقربوه أحب الناس كلهم إليا
تصحيح غلط
لا أحسب ان أساتذة مصر يخفى عليهم صحيح لفظة غدير خم أولا يوقفهم السير عن مسماها وقصتها ، وإن قال قائلهم : إنها واقعة حرب معروفة أو يكون لهم معها حساب آخر دون ساير الالفاظ ، أو يروقهم أن تكون الامة على جهل منها ، لكن أسفي على إغضائهم عن تصحيح هذه اللفظة في غير واحد من التآليف بل تركوها بصورة يتيه بها القارئ . هذا ألدكتور أحمد رفاعي ذلك الاستاذ الفذ فإنه يذكر في تعليقه على معجم الادباء - ط مصر 1357 ه‍ ج‍ 14 ص‍ 48 من شعر أمير المؤمنين بيت الولاية بهذه الصورة : وأوصاني النبي على اختيار بيعته غداة غد برحم وأعجب من ذلك انه جعل للكتاب فهرس البلدان والبقاع والمياه في 47 صحيفة وأهمل فيها غدير خم وقد ذكرت في عدة مواضع من المعجم . والاستاذ محمد حسين مصحح " ثمار القلوب " ط مصر 1326 ه‍ فإنه يقف على هذه اللفظة في صحيفة واحدة ص‍ 511 وهي مذكورة فيها غير مرة س 6 و 8 و 12 ويدعها غدير حم وهذا " ثمار القلوب " المخطوط بين أيدينا وفيها : غدير خم . ومصحح لطايف أخبار الدول ط مصر 1310 ه‍ فإنه يترك البيت المذكور من شعر أمير المؤمنين في ص‍ 33 هكذا : وأوجب طاعتي فرضا عليكم رسول الله يوم غدا برحمي وأنت تجد في مطبوعات غير مصر لدة هذا التصحيف ايضا .
شكر ونقد
لا أفتئ معجبا بكتابين فخمين هما من حسنات العصر الحاضر ، عني بجمعهما بحاثة كبير حظي به هذا القرن ، أولاهما : كتاب جمهرة خطب العرب . وجمهرة رسائل العرب . للكاتب الشهير أحد زكي صفوت . فقد أسدى بهما إلى الامة يده الواجبة ، أعاد ذكريات قديمة للامة العربية أتى عليها الدثور ، وكابد في ذلك جهودا جبارة ، فعلى الامة
جمعاء أن تشكره على تلك المثابرة الناجعة ، وتقدر منه ذلك الجهاد المتواصل ، فله العتبى على ما أجاد وأفاد .
غير أنا نعاتب الاستاذ على إهماله هذه الرسالة الموجودة في جملة من مصادر كتابه ، وغيرها من الكتب القيمة ، وقد ذكرها ما هو أخصر منه ، وأضعف مدركا ، و أقل نفعا ، وذكر من التافهات ما لم يقله مستوى الصدق والامانة كبعض رسايل إبن عباس إلى أمير المؤمنين عليه السلام المكذوبة على حبر الامة خطتها أقلام مستأجرة من زباين الامويين ، هذا ما نعاتبه عليه ، وأما هو فلماذا ذكر ؟ ولماذا أهمل ؟ فلنطو عنه كشحا .
ويشبه هذا الاهمال أو يزيد عليه إهمال خطبة الغدير في جمهرة خطب العرب ، ولها وليومها المشهود أهمية كبرى في تاريخ الاسلام وقد أثبتتها المصادر الوثيقة بأسانيد تربو على حد التواتر وقفت عليها في الجزء الاول من كتابنا ، هب أن تمام الخطبة لم يثبت عنده في كتب يعول عليها إلا ان المقدار الذي أصفق عليه الفريقان ، وأنهو إليه أسانيدهم لا مفر له عن إثباته ، لكن الكاتب يعلم أنه لماذا ترك ، ونحن ايضا لم يفتنا عرفانه ، لكن نضرب عن البيان صفحا .
ويروى لامير المؤمنين عليه السلام ما أخرجه الامام علي بن أحمد الواحدي عن أبي هريرة قال : إجتمع عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله منهم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، والفضل بن عباس ، وعمار ، وعبدالرحمن بن عوف ، وأبوذر ، والمقداد ، وسلمان ، و عبدالله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين ، فجلسوا وأخذوا في مناقبهم فدخل عليهم علي عليه السلام فسألهم : فيم أنتم ؟ قالوا : نتذاكر مناقبنا مما سمعنا من رسول الله فقال علي : إسمعوا مني . ثم أنشأ يقول : لقد علم الاناس بأن سهمي من الاسلام يفضل كل سهم وأحمد النبي أخي وصهري عليه الله صلى وابن عمي واني قائد للناس طرا إلى الاسلام من عرب وعجم وقاتل كل صنديد رئيس وجبار من الكفار ضخم وفي القرآن ألزمهم ولائي وأوجب طاعتي فرضا بعزم كما هارون من موسى أخوه كذا أنا أخوه وذاك إسمي لذاك أقامني لهم إماما وأخبرهم به بغدير خم فمن منكم يعادلني بسهمي وإسلامي وسابقتي ورحمي ؟ فويل ثم ويل ثم ويل لمن يلقى إلآله غدا بظلمي وويل ثم ويل ثم ويل لجاحد طاعتي ومريد هضمي وويل للذي يشقي سفاها يريد عداوتي من غير جرمي وذكره عن الواحدى القاضي الميبذي الشافعي في شرح الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين ص‍ 405 - 407 ، والقندوزي الحنفي في ينابيع المؤدة ص‍ 68 .
ألشاعر أمير المؤمنين ، وسيد المسلمين ، وقائد الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين ، وأول القوم ايمانا ، وأوفاهم بعهد الله ، وأعظمهم مزية ، وأقومهم بأمر الله ، وأعلمهم بالقضية ، وراية الهدى ، ومنار الايمان ، وباب الحكمة ، والممسوس في ذات الله ، خليفة النبي الاقدس 1 صلى الله عليهما وآلهما علي بن أبي طالب الهاشمي الطاهر ، وليد الكعبة المشرفة ، ومطهرها من كل صنم ووثن ، ألشهيد في البيت الالهي جامع الكوفة في محرابه حال صلاته سنة 40 ، وقد إتصل هاهنا المنتهى بالمبدأ ، فوليد البيت فاض شهيدا في بيت هو من أعظم بيوت الله ، وبين الحدين لم تزل عرى حياته متواصلة بالمبدأ الاعلى سبحانه .
هامش
1 كل من هذه الجمل الخمس عشر كلمة قدسية نبوية اخرجها الحفاظ ، راجع مسند أحمد 1 ص‍ 331 ، وج 5 ص‍ 182 ، 189 ، حلية الاولياء 1 ص‍ 62 - 68 .
2 حسان بن ثابت
يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم وأسمع بالرسول مناديا فقال : فمن مولاكم ونبيكم ؟ فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا : إلهك مولانا وأنت نبينا ولم تلق منا في الولاية عاصيا فقال له : قم يا علي ؟ فإننى رضيتك من بعدي إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له أتباع صدق مواليا هناك دعا اللهم ؟ وال وليه وكن للذى عادا عليا معاديا ما يتبع الشعر
هذا أول ما عرف من الشعر القصصي في رواية هذا النبأ العظيم ، وقد ألقاء في ذاك المحتشد الرهيب ، ألحافل بمائةألف أو يزيدون ، وفيهم البلغاء ، ومداره الخطابة ، و صاغة القريض ، ومشيخة قريش العارفون بلحن القول ، ومعارض الكلام ، بمسمع من أفصح من نطق بالضاد ألنبي الاعظم وقد أقره النبي صلى الله عليه وآله على مافهمه من مغزى كلامه ، وقرظه بقوله : لا تزال يا حسان ؟ مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك 1 وأقدم كتاب سيق إلى رواية هذا الشعر هو كتاب سليم بن قيس الهلالي التابعي الصدوق الثبت المعول عليه عند علماء الفريقين كما مر في ج 1 ص‍ 195 فرواه بلفظ يقرب مما يأتي عن كتاب " علم اليقين " للمحقق الفيض الكاشاني ، وتبعه على روايته لفيف من علماء الاسلام لا يستهان بعدتهم فرواه من الحفاظ :
1 - ألحافظ أبوعبدالله المرزباني محمد بن عمران الخراساني ألمتوفى 378 2 أخرج في مرقاة الشعر عن محمدبن الحسين عن حفص عن محمد بن هارون عن قاسم بن الحسن هامش هذا من أعلام النبوة ومن مغيبات رسول الله ، فقد علم انه سوف ينحرف عن امام الهدى صلوات الله عليه في اخريات أيامه ، فعلق دعائه على ظرف استمراره في نصرتهم .
2 لنافى مذهب الرجل نظر .
عن يحيى بن عبدالحميد عن قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال : لما كان من غدير خم أمر رسول الله مناديا فنادى الصلاة جامعة فأخذ بيد علي وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، أللهم ؟ وال من والاه ، وعاد من عاداه . فقال حسان بن ثابت : يا رسول الله أقول في علي شعرا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إفعل ، فقال :
يناديهم يوم الغدير نبيهم ألابيات
2 - ألحافظ الخركوشي أبوسعد ألمتوفى 406 المترجم 1 ص‍ 108 أخرجه
في كتابه شرف المصطفى .
3 - ألحافظ إبن مردويه الاصبهاني ألمتوفى 410 ألمترجم 1 ص‍ 108 أخرجه بإسناده عن أبي سعيد الخدري حديث الغدير كما مر ج‍ 1 ص‍ 231 وفيه : فقال حسان إبن ثابت : يا رسول الله ؟ أتأذن لي أن أقول أبياتا ؟ فقال : قل على بركة الله فقال : يناديهم يوم الغدير نبيهم ألابيات ورواه عن إبن عباس بلفظ مر ج 1 ص‍ 217 .
4 - ألحافظ أبونعيم الاصبهاني ألمتوفى 430 ألمترجم 1 ص‍ 109 أخرجه في كتابه - ما نزل من القرآن في علي - بالسند والمتن الذين أسلفناهما ج 1 ص‍ 232 وفيه : فقال حسان : إئذن لي يا رسول الله ؟ أن أقول في علي أبياتا تسمعهن . فقال : قل على بركة الله . فقام حسان فقال : يا معشر مشيخة قريش ؟ أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية . إلخ . . .
5 - ألحافظ أبوسعيد السجستاني ألمتوفى 477 ألمترجم 1 ص‍ 112 أخرجه في - كتاب الولاية - بسند ولفظ مر 1 ج 1 ص‍ 233 .
6 - أخطب الخطباء الخوارزمي المالكي ألمتوفي 568 ، تأتي ترجمته في شعراء القرن السادس ، رواه في - مقتل الامام السبط الشهيد - و " المناقب " ص‍ 80 بسند ولفظ ذكر في ج 1 ص‍ 234 .
7 - ألحافظ أبوالفتح النطنزي ألمترجم 1 ص‍ 115 رواه في - الخصايص العلوية على ساير البرية - عن الحسن بن أحمد المهري ، عن أحمد بن عبدالله بن احمد ، عن محمد بن أحمد بن علي ، عن إبن أبي شيبه محمد بن عثمان ، عن الحماني عن إبن الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري بلفظ أبي نعيم الاصبهانى ، وذكر من الابيات أربعة من أولها .
8 - أبوالمظفر سبط الحافظ إبن الجوزي الحنفي ألمتوفى 654 ألمترجم 1 ص‍ 120 رواه في - تذكرة خواص الامة - ص‍ 20 .
9 - صدر الحفاظ الكنجي الشافعي ألمتوفى 658 ألمذكور ج‍ 1 ص‍ 120 ذكره في " كفاية الطالب " ص‍ 17 بلفظ أبي نعيم المذكور .
10 - شيخ الاسلام صدر الدين الحمويي ألمتوفى 722 ألمترجم ج 1 ص‍ 123 رواه في - فرايد السمطين - في الباب الثاني عشر عن الشيخ تاج الدين أبي طالب علي ابن الحب بن عثمان الخازن ، عن برهان الدين ناصر إبن أبي المكارم المطرزي ، عن أخطب خوارزم بسنده ولفظه المذكورين .
11 - ألحافظ جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي شمس الدين الحنفي المتوفى بضع و 750 " ألمترجم ا : 125 " أخرجه في كتابه : نظم درر السمطين ] .
12 - ألحافظ جلال الدين السيوطى ألمتوفى 911 ألمترجم 1 ص‍ 133 ذكره في رسالته - ألازدهار فيما عقده الشعراء من الاشعار - نقلا عن تذكرة الشيخ تاج الدين إبن مكتوم الحنفي المتوفى 749 .
ورواه من أعلام الامامية
1 - أبوعبدالله محمد بن أحمد المفجع ألمتوفى 227 ، 1 رواه في شرح قصيدته المعروفة بالاشباه عن عبدالله بن محمد بن عايشة القرشي عن المبارك عن عبدالله إبن أبي سلمان عن عطا عن جابر بن عبدالله : ان رسول الله صلى الله عليه وآله نزل يغدير خم ، ونصب بدوحات ، وكان يوم حار وإن أحدنا ليستظل بثوبه ، ويبل خرقة فيضعها على رأسه من شدة الحر فقام عليه السلام فقال : أيها الناس ؟ ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأزواجي امهاتهم ؟ قلنا : بلى يا رسول الله ؟ فأخذ بيد علي
هامش
1 أحد شعراء الغدير في القرن الرابع يأتى هناك شعره وترجمته .
فرفعها ثم قال : اشهدوا من كنت مولاه فعلي مولاه ، أللهم ؟ وال من والاه ، وعاد من عاداه . يقولها ثلاثا . فقال عمر : هنيئا لك يا أبا الحسن ؟ أصحبت مولاى ومولى كل مؤمن ومؤمنة ، فقام رجل إلى رسول الله فقال : يا رسول الله ؟ أتأذن لي في إنشاء أبيات في علي ؟ فقال عليه السلام : قل يا حسان ؟ فقال : يناديهم يوم الغدير نبيهم الابيات إلى آخرها
2 - أبوجعفر محمد بن جرير بن رستم بن يزيد الطبري رواه في ألمسترشد بإسناده عن يحيى الحماني عن قيس عن العبدي عن أبي سعيد بلفظ الحافظ أبي نعيم الاصبهانى المذكور إلا ان البيت الثالث فيه : إلهك مولانا وأنت ولينا ولا تجدن منا لك اليوم عاصيا
3 - شيخنا أبوجعفر الصدوق محمد بن بابويه القمي ألمتوفى 381 ، رواه في " الامالي " ص‍ 343 بالسند والمتن المذكورين عن الحافظ المرزباني .
4 - ألشريف الرضي ألمتوفى 406 صاحب نهج البلاغة 1 في خصايص الائمة
5 - معلم الامة شيخنا المفيد ألمتوفى 413 ، رواه في " الفصول المختارة " 1 ص‍ 87 وقال : ومما يشهد بقول الشيعة في معنى المولى وأن النبي أراد به يوم الغدير الامامة قول حسان بن ثابت على ما جاء به الاثر : ان رسول الله لما نصب عليا يوم الغدير للناس علما وقال فيه ما قال ، إستأذنه حسان بن ثابت في أن يقول شعرا
فأنشا يقول : يناديهم يوم الغدير نبيهم الابيات فلما فرغ من هذاالقول قال له النبي صلى الله عليه وآله : لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك ، فلولا أن النبي صلى الله عليه وآله أراد بالمولى الامامة لما أثنى على حسان بإخباره بذلك ، ولانكره عليه ، ورده عنه . ورواه في رسالته في معنى المولى وقال بعد ذكره : شعر حسان مشهور في ذلك ، وهو شاعر رسول الله صلى الله عليه وآله وقد قال له : لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنابلسانك . وهذا صريح في الاقرار بامامته من جهة القول الكائن في
هامش
1 أحد شعراء الغدير في القرن الرابع يأتى هناك شعره وترجمته .
يوم الغدير من رسول الله له ، لا يمكن تأويله ، ولا يسوغ صرفه إلى غير حقيقته . ورواه في تأليفه - ألنصرة لسيد العترة في حرب البصرة - وفي كتابه " الارشاد " ص‍ 31 ، 64 بلفظ يقرب من رواية ألحافظ أبي نعيم الاصبهاني المذكور .
6 - ألشريف المرتضى علم الهدى ألمتوفى 436 ، في شرح بائية السيد الحميري .
7 - أبوالفتح الكراجكي ألمتوفى 449 في " كنز الفوائد " ص‍ 123 وقال ما ملخصه : إن شعر حسان هذا قد صارت به الركبان وقد تضمن الاقرار لامير - المؤمنين عليه السلام بالامامة ، والرياسة على الانام لما مدحه بذلك يوم الغدير
بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله على رؤس الاشهاد فصوبه النبي في مقاله ، وقال له : لا تزال يا حسان ؟ مؤيدا ما نصرتنا بلسانك .
8 - ألشيخ عبيدالله بن عبدالله السدابادي رواه في " المقنع " في الامامة .
9 - شيخ الطايفة أبوجعفر الطوسي ألمتوفى 460 في تلخيص الشافي .
10 - إلمفسر الكبير ألشيخ أبوالفتوح الخزاعي الرازي من مشايخ إبن شهر اشوب ألمتوفى 588 ، رواه في تفسيره 2 ص‍ 192 بلفظ يقرب من لفظ الحافظ أبي نعيم وزاد فيه : 1 فخص بها دون البرية كلها عليا وسماه الوزير المواخيا
11 - شيخنا الفتال أبوعلي الشهيد ألمترجم في كتابنا " شهداء الفضيلة " ص‍ 37 ، رواه في " روضة الواعظين " ص‍ 90 .
12 - أبوعلي الفضل بن الحسن الطبرسي ، رواه في " إعلام الورى " ص‍ 81 .
13 - إبن شهر اشوب السروي ألمتوفى 588 ، في " المناقب " 3 ص‍ 35 .
14 - أبوزكريا يحيى بن الحسن الحلي الشهير بابن بطريق ، رواه في " الخصايص " ص‍ 37 من طريق الحافظ أبي نعيم الاصبهاني .
15 - ألسيد هبة الدين رواه في كتابه ألمجموع الرائق المخطوط .
16 - رضي الدين سيدنا علي بن طاووس ألمتوفى 664 في " الطريف " ص‍ 35 .
17 - بهاء الدين أبوالحسن الاربلي ألمتوفى 692 / 3 في " كشف الغمة " ص‍ 94 .
هامش
1 ستقف على أن هذه الزيادة في محلها من شعر حسان .
18 - عماد الدين الحسن الطبري في " الكامل البهائي " ص‍ 152 و 217 .
19 - ألشيخ يوسف بن أبي حاتم الشامي في موضعين من كتابه ألدر النظيم
20 - ألشيخ علي البياضي العاملي في كتابه " ألصراط المستقيم "
21 - ألقاضى نور الله المرعشي الشهيد سنة 1019 ، ألمترجم في كتابنا " شهداء الفضيلة " ص‍ 171 ذكره في " مجالس المؤمنين " ص‍ 21 .
22 - مولانا المحقق المحسن الكاشاني المتوفى 1019 في " علم اليقين " ص‍ 142 نقلا عن - إلتهاب نيران الاحزان - بلفظ يقرب من لفظ سليم بن قيس الهلالي التابعي في كتابه وهو : يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم وأسمع بالنبي مناديا وقد جاء‌ه جبريل عن أمر ربه بأنك معصوم فلا تك وانيا وبلغهم ما أنزل الله ربهم إليك ولا تخش هناك الاعاديا فقام به إذ ذاك رافع كفه بكف علي معلن الصوت عاليا فقال : فمن مولاكم ووليكم ؟ فقال ولم يبدوا هناك تعاميا : إلهك مولانا وأنت ولينا ولن تجدن فينا لك اليوم عاصيا فقال له : قم يا علي ؟ فإنني رضيتك من بعدي إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم ؟ وال وليه وكن للذي عادى عليا معاديا فيارب ؟ انصر ناصريه لنصرهم إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا
23 - ألشيخ إبراهيم القطيفي ، في " الفرقة الناجية " بلفظ الكاشاني .
24 - ألسيد هاشم البحراني المتوفى 1107 ، في " غاية المرام " ص‍ 87 .
25 - ألعلامة المجلسي ألمتوفى 1111 في " بحار الانوار " 9 ص‍ 234 ، 259 .
26 - شيخنا البحراني صاحب " الحديق " ألمتوفى 1186 ، في " كشكوله " 2 ص‍ 18 . وهناك جمع آخرون رووا هذا الحديث وفي المذكورين كفاية .
لفت نظر
والذي يظهر للباحث ان حسانا أكمل هذا الابيات قصيدة ضمنها نبذا من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام فكل أخذ منها شطرا يناسب موضوعه ، وذكر الحافظ إبن أبي شيبة قال : حدثنا إبن فضل ، قال : حدثنا سالم بن أبي حفصة ، عن جميع بن عمير ، عن عبدالله بن عمر ، وصدر الحفاظ الكنجي الشافعي في كفايته ط نجف ص‍ 38 ، و ط مصر ص‍ 16 ، و ط ايران 21 ، وإبن الصباغ المالكي في فصوله المهمة ص‍ 22 وغيرهم منها قوله :
وكان علي أرمد العين يبتغي دواء فلما لم يحس مداويا
شفاه رسول الله منه بتفلة فبورك مرقيا وبورك راقيا
فقال : ساعطي الراية اليوم ضاربا كميا محبا للرسول مواليا
يحب إلهي وإلاله يحبه به يفتح الله الحصون الاوابيا
فخص بها دون البرية كلها عليا وسماه الوزير المواخيا 1
هذه الابيات إشارة إلى حديث صحيح متواتر أخرجه أئمة الحديث بأسانيد رجال جلها كلهم ثقات أنهوها إلى : بريدة بن الخصيب عبدالله بن عمر عبدالله بن العباس عمران بن حصين أبي سعيد الخدري أبي ليلى الانصاري سهل الساعدي أبي هريرة الدوسي سعد بن أبي وقاص ألبراء بن عازب سلمة بن الاكوع . فأخرجه البخاري في صحيحه 4 ص‍ 323 عن سهل ، وج‍ 5 ص‍ 269 عنه ، و 270 عن سلمة ، وج 6 ص‍ 191 عن سلمه وسهل ، وأخرجه مسلم في صحيحه 2 ص‍ 324 ، والترمذي في صحيحه 2 ص‍ 300 وصححه ، وأحمد بن حنبل في مسنده 1 ص‍ 99 ، و
ج 5 ص‍ 353 ، 358 وغيرها ، وإبن سعد في طبقاته 3 ص‍ 158 ، وإبن هشام في سيرته 3 ص‍ 386 ، والطبري في تاريخه 2 ص‍ 93 ، والنسائي في خصايصه 4 - 8 ، 16 ، 33 ، والحاكم في المستدرك 3 ص‍ 190 ، 116 وقال : هذا حديث دخل في حد
هامش
1 ورواه شيخنا الطبرى في " المسترشد " رواية عن الحافظ ابن ابى شيبة المذكور ، و ابوعلى الفتال في " روضة الواعظين " وغيرهما .
التواتر ، والخطيب في تاريخه 7 ص‍ 387 ، وأبونعيم الاصبهاني في الحلية 1 ص‍ 62 ، بعدة طرق وصحح بعضها ، وج 4 ص‍ 356 ، وإبن عبدالبر في الاستيعاب 2 ص‍ 363 في ترجمة عامر ، والحمويي 1 في فرايده وقال : قال الامام محيي السنة : هذا حديث صحيح متفق على صحته ، ومحب الدين الطبري في الرياض 2 ص‍ 187 ، واليافعي في مرآة الجنان 1 ص‍ 109 وصححه ، والقاضي الايجي في المواقف 3 ص‍ 10 ، 12 ، وهناك آخرون رووا هذه الاثارة وصححوها لو نذكرهم بأجمعهم لجاء منه كتاب مفرد ، ونحن نقتصر من المتون على لفظ البخاري ألا وهو :
إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوم خيبر : لاعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه ، يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، قال فبات الناس يدوكون 2 ليلتهم أيهم يعطاها ، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله كلهم يرجو أن يعطاها ، فقال : أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل : هو يا رسول الله ؟ يشتكي عينيه ، قال :فأرسلوا إليه فاتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وآله في عينيه ودعا له فبرأ حتى لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي : يا رسول الله ؟ اقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال : انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم ، فوالله لان يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم وفي لفظه الآخر : ففتح الله عليه .
ديوان حسان
إن لحسان في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مدايح جمة غير ما سبقت الاشارة إليه ، وسنوقفك على ما إلتقطناه من ذلك ، فمن هذه الناحية نعرف أن يد الامانة لم تقبض عليها يوم مدت إلى ديوانه ، فحرفت الكلم عن مواضعها ، ولعبت بديوان حسان كما لعبت بغيره من الدواوين والكتب والمعاجم التي أسقطت منها مدايح أهل

هامش
1 بفتح المهملة ثم الميم المضمومة المشددة نسبة إلى جده حمويه ، ونحن تبعا على المؤلفين ذكرناه في المجلد الاول الحموينى وقد أوقفنا السير على كلام ابن الاثير من ان رجال هذه الاسرة يكتبون لانفسهم الحمويى وضبطه على ما ذكر فعدلنا عما كنا عليه .
2 أى يخوضون . يقال : الناس في دوكة . أى : في اختلاط وخوض . وأصله من الدوك . وهو : الحق . وفى كثير من الكتب : يذكرون . وهو : تصحيف .
البيت عليهم السلام وفضايلهم ، والذكريات الحميدة لاتباعهم كديوان الفرزدق الذي أسقطوا منها ميميته المشهورة في مولانا الامام زين العابدين عليه السلام مع إشارة الناشر إليها في مقدمة شرح ديوانه ، وقد طفحت بذكرها الكتب والمعاجم ، وكديوان كميت فإنه حرفت منه أبيات كما زيدت عليه اخرى ، وكديوان أمير الشعراء أبي فراس ، وكديوان كشاجم الذي زحزحوا عنه كمية مهمة من مراثي سيدنا الامام السبط الشهيد سلام الله عليه ، وكتاب " المعارف " لابن قتيبة الذي زيد فيه ما شاء‌ه الهوى للمحرف و نقص منه ما يلائم خطته ، بشهادة الكتب الناقلة عنه من بعده كما مر بعض ما ذكر في محله من هذا الكتاب ويأتي بعضه ، إلى غير هذه من الكتب الذي عاثوا فيها لدى النشر ، أو حرفوها عند النقل ، ونحن نحيل تفصيل ذلك إلى مظانه من مواقع المناسبة لئلا نخرج عن وضع الكتاب ، فلنعد الآن إلى ما شذ من شعر حسان عن ديوانه ، وأثبتته له المصادر الوثيقة كنفس يائيته السابقة فمن ذلك : في تاريخ اليعقوبي 2 ص‍ 107 ، وشرح إبن ابي الحديد 3 ص‍ 14 وغيرهما : صعد أبوبكر المنبر عند ولايته الامر فجلس دون مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله بمرقاة ثم حمد الله وأثنى عليه وقال : إني وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن استقمت فأتبعوني ، وإن زغت فقوموني ، لا أقول إني أفضلكم فضلا ، ولكني أفضلكم حملا ، وأثنى على الانصار خيرا وقال : أنا وإياكم معشر الانصار كما قال القائل : جزى الله عنا جعفراحين أزلقت بنانعلنا في الواطئين فولت أبوا أن يملونا ولو أن امنا تلاقي الذي يلقون منا لملت فاعتزلت الانصار عن أبي بكر فغضبت قريش وأحفظها ذلك فتكلم خطباؤها وقدم عمرو بن العاص فقالت له قريش : قم فتكلم بكلام تنال فيه من الانصار ، ففعل ذلك ، فقام الفضل بن العباس فرد عليهم ، ثم صار إلى علي فأخبره وأنشده شعرا قاله ، فخرج علي مغضبا حتى دخل المسجد فذكر الانصار بخير ورد على عمرو بن العاص قوله ، فلما علمت الانصار ذلك سرها وقالت : ما نبالي بقول من قال مع حسن قول علي ، واجتمعت إلى حسان بن ثابت فقالوا : أجب الفضل ، فقال : إن عارضته بغير قوافيه فضحني فقالوا 1 :
هامش
1 في شرح ابن ابى الحديد : فقال له خزيمة بن ثابت : اذكر عليا وآله يكفيك عن كل شيئ .
فاذكر عليا فقط ، فقال : جزى الله خيرا والجزاء بكفه أبا حسن عناومن كأبي حسن ؟ سبقت قريشا بالذي أنت أهله فصدرك مشروح وقلبك ممتحن 1 تمنت رجال من قريش أعزة مكانك هيهات الهزال من السمن وأنت من الاسلام في كل منزل بمنزلة الطرف البطين من الرسن غضبت لنا إذ قال عمرو بخصلة أمات بها التقوى وأحيى بها الاحن
وكنت المرجى من لوي بن غالب لما كان منه والذي بعد لم يكن حفظت رسول الله فينا وعهده إليك ومن أولى به منك من ومن ؟ ألست أخاه في الهدى ووصيه وأعلم فهر بالكتاب وبالسنن ؟ فحقك مادامت بنجد وشيجة عظيم علينا ثم بعد على اليمن قوله : فصدرك مشروح . إشارة إلى ما ورد في قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للاسلام ، فإنها نزلت في على وحمزة . رواه الحافظ محب الدين الطبري في رياضه 2 ص‍ 207 عن الحافظين الواحد وأبي الفرج ، وفي ذخاير العقبى ص‍ 88 . قوله : وقلبك ممتحن . أشار به إلى النبوي الوارد في أمير المؤمنين : انه إمتحن الله قلبه بالايمان 2 أخرجه من الحفاظ والعلماء منهم : النسائي في خصايصه ص‍ 11 ، والترمذي في الصحيح 2 ص‍ 298 ، والخطيب البغدادي في تاريخه 1 ص‍ 133 ، م - والبيهقي في المحاسن والمساوي 1 ص‍ 29 ] ومحب الدين الطبري في الرياض 2 ص‍ 191 ، وذخاير العقبي ص‍ 76 وقال : أخرجه الترمذي وصححه ، والكنجي في الكفاية ص‍ 34 ، وقال : هذا حديث عال حسن صحيح ، والحمويي في فرايده في الباب ال‍ 33 ، والسيوطي في جمع الجوامع بعدة طرق كما في كنز العمال 6 ص‍ 393 و 396 ، والبدخشي في نزل الابرار ص‍ 11 وغيرهم . قوله : ألست أخاه في الهدى ووصيه . أوعز به إلى حديثي الاخاء والوصية وهما من الشهرة والتواتر بمكان عظيم يجدهما الباحث في جل مسانيد الحفاظ والاعلام . هامش 1 هذان البيتان ذكرهما لحسان شيخ الطايفة المفيد كما في الفصول 2 ص‍ 61 و 67 . 2 كذا في لفظ الخطيب ، وفى بعض المصادر : على الايمان . وفى بعضها : للايمان . قوله : وأعلم فهر بالكتاب وبالسنن . أراد به ما ورد في علم علي أمير المؤمنين بالكتاب والسنة . أخرج الحفاظ عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث فاطمة سلام الله عليها : زوجتك خير أهلي أعلمهم علما ، وأفضلهم حلما ، وأولهم إسلاما . وفي حديث آخر : أعلم امتي من بعدي علي بن أبي طالب . وفي ثالث : أعلم الناس بالله وبالناس .
وفي حديث : يا علي لك سبع خصال وعد منها : وأعلمهم بالقضية 1 وأخرج محب الدين الطبري في رياضه 2 ص‍ 193 ، والذخاير ص‍ 78 ، وإبن عبدالبر في الاستيعاب هامش الاصابة 3 ص‍ 40 عن عايشة : انه أعلم الناس بالسنة . وفي كفاية الكنجي ص‍ 190 عن أبي أمامة عنه صلى الله عليه وآله : أعلم امتي بالسنة والقضاء بعدي علي إبن أبي طالب . وأخرج الخوارزمي في المناقب ص‍ 49 ، وشيخ الاسلام الحمويي في فرايده في الباب الثامن عشر باسناده عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله : أعلم امتي من بعدي علي بن أبي طالب . وأخرج الحفاظ عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وعلى من نزلت ، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا 2 و عن النبي صلى الله عليه وآله قسمت الحكمة عشرة أجزاء فاعطي علي تسعة أجزاء والناس جزء‌ا احدا 3 وقال السيد أحمد زيني دحلان في " الفتوحات الاسلامية " 2 ص‍ 337 : كان علي رضي الله عنه أعطاه الله علما كثيرا وكشفا غزيرا قال أبوالطفيل : شهدت عليا يخطب و هو يقول : سلوني 4 من كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار ، أم في سهل أم في جبل ، ولو شئت أوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب ، وقال هامش 1 حلية الاولياء 1 ص‍ 66 ، كنز العمال 6 ص‍ 153 ، 156 ، 398 . 2 حلية الاولياء 1 ص‍ 28 ، كفاية الكنجى ص‍ 90 ، كنز العمال 6 ص‍ 396 ، اسعاف الراغبين ص‍ 162 . 3 حلية الاولياء 1 ص‍ 65 . 4 في الاصابة 2 ص‍ 509 : سلونى سلونى سلونى عن كتاب الله . الحديث إبن عباس رضي الله عنه : علم رسول الله من علم الله تبارك وتعالى ، وعلم علي رضي الله عنه من علم النبي صلى الله عليه وآله وعلمي من علم علي رضي الله عنه ، وما علمي وعلم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله في علم علي رضي الله عنه إلا كقطرة في سبعة أبحر ، ويقال : إن عبدالله بن عباس أكثر البكاء على علي رضي الله عنه حتى ذهب بصره ، وقال إبن عباس ايضا ، لقد اعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم ، وأيم الله لقد شارك الناس في العشر العاشر ، وكان معاوية رضي الله عنه يسأله ويكتب له فيما ينزل به فلما توفي علي رضي الله عنه قال معاوية : لقد ذهب الفقه والعلم بموت علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعوذ من معضلة ليس فيها أبوالحسن 1 ، وسئل عطاء أكان في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أحد أعلم من علي ؟ قال : لا والله ما أعلمه . إنتهى . وعن عبدالله ابن مسعود :إن القرآن نزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن ، و إن عليا عنده علم الظاهر والباطن 2 وهناك نظير هذه الاحاديث والكلمات حول علم أمير المؤمنين بالكتاب والسنة كثير جدا لو جمعته يد التأليف لجاء كتابا ضخما .
ومن شعر حسان في أمير المؤمنين
ذكر له أبوالمظفر سبط إبن الجوزي الحنفي في تذكرته ص‍ 115 ، والكنجي الشافعي في كفايته ص‍ 55 ، وإبن طلحة الشافعي في " مطالب السئول " ص‍ 10 وقال : فشت هذه الابيات من قول حسان وتناقلها سمع عن سمع ولسان عن لسان : أنزل الله والكتاب عزيز في علي وفي الوليد قرانا فتبوا الوليد من ذاك فسقا وعلي مبوأ إيمانا ليس من كان مؤمنا عرف الله كمن كان فاسقا خوانا فعلي يلقى لدى الله عزا ووليد يلقى هناك هوانا سوف يجزى الوليد خزيا ونارا وعلي لا شك يجزى جنانا
هامش
1 أخرجه كثير من الحفاظ وأئمة الحديث .
2 أخرجه ابونعيم في حلية الاولياء 1 ص‍ 65 .
ورواها له إبن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2 ص‍ 103 وفيه بعد البيت الثالث : سوف يدعى الوليد بعد قليل وعلي إلى الحساب عيانا فعلي يجزى بذاك جنانا ووليد يجزى بذاك هوانا 1 رب جد لعقبة بن أبان لابس في بلادنا تبانا 2 وذكرها له نقلا عن شرح النهج ألاستاذ أحمد زكي صفوت في " جمهرة الخطب " 2 ص‍ 23 . أشار بهذه الابيات إلى قوله تعالى : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون . ونزوله في علي عليه السلام والوليد بن عقبة بن أبي معيط فيما شجر بينهما ، أخرج الطبري في تفسيره 21 ص‍ 62 باسناده عن عطاء بن يسار قال : كان بين الوليد
وعلي كلام فقال الوليد : أنا أبسط منك لسانا ، وأحد منك سنانا ، وأرد منك للكتيبة فقال علي : اسكت فإنك فاسق . فأنزل الله فيهما : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا . الآية . وفي الاغاني 4 ص‍ 185 ، وتفسير الخازن 3 ص‍ 470 : كان بين علي والوليد تنازع وكلام في شيئ فقال الوليد لعلي : اسكت فإنك صبي وأنا شيخ ، والله إني أبسط منك لسانا ، وأحد منك سنانا ، وأشجع منك جنانا ، وأملا منك حشوا في الكتيبة . فقال له علي : اسكت فانك فاسق . فأنزل الله هذه الآية . وأخرجه م - الواحدي باسناده من طريق إبن عباس في " أسباب النزول " ص‍ 263 ، و ] محب الدين الطبري في الرياض 2 ص‍ 206 عن إبن عباس وقتادة من طريق الحافظين السلفي والواحدي ، وفي ذخاير العقبى ص‍ 88 ، والخوارزمي في المناقب ص‍ 188 ، والكنجي في الكفاية ص‍ 55 ، والنيسابوري في تفسيره ، وإبن كثير في تفسيره
3 ص‍ 462 قال : ذكر عطاء بن يسار والسدي وغيرهما : انها نزلت في علي بن أبي طالب
هامش
1 في التذكرة : هناك . بدل " بذاك " في الموضعين .
2 أبان : هو أبومعيط جد الوليد . والتبان : سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة فقط كان يخص بالملاحين .
وعقبة فيه تصحيف لا يخفى ، ورواه جمال الدين الزرندي في " نظم درر السمطين " . وذكره إبن أبي الحديد في شرح النهج 1 ص‍ 394 ، ج‍ 2 ص‍ 103 وحكى عن شيخه : انه من المعلوم الذي لا ريب فيه لاشتهار الخبر به وإطباق الناس عليه . وأخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 ص‍ 178 وقال : أخرج أبوالفرج في الاغاني ، والواحدي ، وإبن عدي ، وإبن مردويه ، والخطيب ، وإبن عساكر ، من طرق عن إبن عباس ، وأخرج إبن إسحاق وإبن جرير عن عطا بن يسار ، وأخرج إبن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه مثله ، وأخرج إبن أبي حاتم عن عبدالرحمن بن أبي ليلى رضى الله عنه ، وأخرج إبن مردويه والخطيب وإبن عساكر عن إبن عباس . م - وذكره الحلبي في السيرة 2 ص‍ 85. ومن شعر حسان في أمير المؤمنين ذكر له أبوالمظفر سبط إبن الجوزي الحنفي في تذكرته ص‍ 10 : من ذا بخاتمه تصدق راكعا وأسرها في نفسه إسرارا من كان بات على فراش محمد ومحمد أسرى يؤم الغارا من كان في القران سمي مؤمنا في تسع آيات تلين غزارا 1 في البيت الاول إيعاز إلي مأثرة تصدقه صلوات الله عليه خاتمه للسائل راكعا وفيها نزل قوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا . الآية . وسنوقفك على بيانها في شرح البيت الثالث إنشاء الله تعالى . وبثاني الابيات أشار إلى حديث أصفقت الامة عليه من أن عليا عليه السلام لبس برد النبي صلى الله عليه وآله الحضرمي الاخضر ونام على فراشه ليلة هرب النبي من المشركين إلى الغار وفداه بنفسه ونزلت فيه : ومن الناس من يشري نفسه إبتغاء مرضاة الله سورة البقرة 207 .
قال أبوجعفر الاسكافي كما في شرح البلاغة لابن ابي الحديد 3 ص‍ 270 : حديث الفراش قد ثبت بالتواتر فلا يجحده إلا مجنون أو غير مخالط لاهل الملة ، وقد
هامش
1 وذكرها الكنجى في الكفاية ص‍ 123 ونسبها إلى بعضهم وفيه : في تسع آيات جعلن كبارا .
روى المفسرون كلهم : ان قول الله تعالى : ومن الناس من يشري . الآية . نزلت في علي ليلة المبيت على الفراش . وروى الثعلبي في تفسيره : ان النبي صلى الله عليه وآله لما أراد الهجرة إلى المدينة خلف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه وأداء الودايع التي كانت عنده ، وأمر ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه وقال له : إتشح ببردي الحضرمي الاخضر ونم على فراشي فإنه لا يصل منهم إليك مكروه إنشاء الله تعالى ففعل ذلك علي عليه السلام فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل : إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختار كلاهما الحياة ، فأوحى الله تعالى إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب ؟ آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ، إهبطا إلى الارض فاحفظاه من عدوه . فنزلا فكان جبرئيل عند راسه وميكائيل عند رجليه ، وجبرئيل ينادي : بخ بخ من مثلك يا علي ؟ يباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة . فأنزل الله على رسوله وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي : ومن الناس من يشري نفسه إبتغاء
مرضاة الله . وقال إبن عباس : نزلت الآية في علي حين هرب - رسول الله - من المشركين إلى الغار مع أبي بكر ونام على فراش النبي . وحديث الثعلبي هذا رواه بطوله الغزالي في " إحياء العلوم " 3 ص‍ 238 ، و الكنجي في " كفاية الطالب " ص‍ 114 ، والصفوري في " نزهة المجالس " 2 ص‍ 209 نقلا عن الحافظ النسفي . ورواه إبن الصباغ المالكي في فصوله ص‍ 33 ، وسبط إبن الجوزي الحنفي في تذكرته ص‍ 21 ، والشبلنجي في نور الابصار ص‍ 86 ، و في المصادر الثلاثة الاخيرة : قال إبن عباس : أنشدني أمير المؤمنين شعرا قاله في تلك الليلة : وقيت بنفسي خير من وطئ الحصا وأكرم خلق طاف بالبيت والحجر وبت اراعي منهم ما يسوء‌ني وقد صبرت نفسي على القتل والاسر وبات رسول الله في الغار آمنا ومازال في حفظ الاله وفي الستر 1 ويوجد حديث ليلة المبيت في مسند أحمد 1 ص‍ 348 ، تاريخ الطبري 2 - ص‍ 99 - 101 ، ألطبقات لابن سعد 1 ص‍ 212 ، تاريخ اليعقوبي 2 ص‍ 529 سيرة إبن هشام 2 1 وتوجد هذه الابيات في مناقب الخوارزمى مع زيادة بيت . ص‍ 291 ، ألعقد الفريد 3 ص‍ 290 ، تاريخ الخطيب البغدادي 13 ص‍ 191 ، تاريخ إبن الاثير 2 ص‍ 42 ، تاريخ أبي الفدا ، 1 ص‍ 126 ، مناقب الخوازمي ص‍ 75 ، الامتاع للمقريزي ص‍ 39 ، تاريخ ابن كثير 7 ص‍ 338 ، ألسيرة الحلبية 2 ص‍ 29 . ويوجد الايعاز إلى هذه المأثرة في حديث صحيح عن إبن عباس أخرجه جمع من الحفاظ الاثبات راجع ما مر ج 1 ص‍ 50 و 51 ، وهي مروية في حديث عن الامام السبط الحسن وقال : بات أمير المؤمنين يحرس رسول الله صلى الله عليه وآله المشركين وفداه بنفسه ليلة الهجرة حتى أنزل الله فيه : ومن الناس من يشري نفسه إبتغاء مرضاة الله 1 ألبيت الثالث أشار به إلى الآيات التسع النازلة في أمير المؤمنين التي سمي فيها مؤمنا ، ونحن وقفنا من تلك على عشر 2 آيات ولم نعرف خصوص التسع المراد لحسان في قوله ، م - وقال معاوية بن صعصعة في قصيدة له ذكرها نصر بن مزاحم في كتاب صفين ص‍ 31 : ومن نزلت فيه ثلاثون آية تسميه فيها مؤمنا مخلصا فردا سوى موجبات جئن فيه وغيرها بها أوجب الله الولاية والوداوالآيات :
1 - أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " سورة السجدة 18 " مر الايعاز إلى حديث نزولها في علي عليه السلام ص‍ 46 من هذا الجزء .
2 - هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين " سورة الانفال 62 " أخرج الحافظ أبوالقاسم إبن عساكر في تاريخه قال :أخبرنا أبوالحسن علي ابن مسلم الشافعي ، أخبرنا أبوالقاسم بن العلا ، وأبوبكر محمد بن عمر بن سليمان العريني هامش تذكرة السبط ص‍ 115 ، شرح ابن ابى الحديد 2 ص‍ 103 ، جمهرة الخطب 2 ص‍ 12 .
2 - وكذا قال الامام الحسن السبط الزكى في حديث : سمى أبى مؤمنا في عشر آيات .
النصيبي ، حدثنا أبوبكر أحمد بن يوسف بن خلاد ، حدثنا أبوعبدالله الحسين بن إسماعيل المهري ، حدثنا عباس بن بكار ، حدثنا خالد بن أبي عمر الاسدي ، عن الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : مكتوب على العرش لا إله إلا الله وحدي لا شريك لي ، و محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي ، وذلك قوله عزوجل في كتابه الكريم : هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين علي وحده . ورواه بإسناده الكنجي الشافعي في كفايته ص‍ 110 ثم قال : قلت : ذكره إبن جرير في تفسير 1 وإبن عساكر في تاريخه في ترجمة علي عليه السلام . ورواه الحافظ جلال الدين السيوطي في الدر المنثور 3 ص‍ 199 نقلا عن إبن عساكر ، والقندوزي في ينابيعه ص‍ 94 نقلا عن الحافظ أبي نعيم باسناده عن أبي هريرة ، ومن طريق أبي صالح عن إبن عباس . وصدر الحديث أخرجه جمع من الحفاظ منهم : الخطيب البغدادي في تاريخه 11 ص‍ 173 باسناده عن أنس بن مالك قال : قال النبي صلى الله عليه وآله : لما عرج بي رأيت على ساق العرش مكتوبا : لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي ، نصرته بعلي . ومحب الدين الطبري في " الرياض " 2 ص‍ 172 عن أبى الحمراء من طريق الملا في سيرته ، وفي ذخاير العقبى ص‍ 69 ، والخوارزمي في المناقب ص‍ 254 ، والحمويي في فرايده في الباب السادس والاربعين من طريقين بلفظ : لما اسري بي إلى السماء رأيت في ساق العرش مكتوبا : لا إله إلا الله محمد رسول الله صفوتي من خلقي ، أيدته بعلي ونصرته به . وباسناد آخر عن أبي الحمراء خادم النبي صلى الله عليه وآله بلفظ : ليلة
اسري بي رأيت على ساق العرش الايمن مكتوبا : أنا الله وحدي لا إله غيري ، غرست جنة عدن بيدي لمحمد صفوتي أيدته بعلي . وبهذا اللفظ رواه الحافظ السيوطي كما في كنز العمال 6 ص‍ 158 من غير طريق عن أبي الحمراء . ومن طريق آخر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله : مكتوب في باب الجنة قبل أن يخلق الله السموات
والارض بألفي سنة : لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي . م - وذكره ألحافظ الهيثمي في المجمع 9 ص‍ 121 من طريق الطبراني عن أبي الحمراء ، والسيوطي في الخصايص
هامش
1 لم نجد هذا الحديث في تفسير الطبرى تحت هذه الاية .
الكبرى 1 : 7 نقلا عن إبن عدي وإبن عساكر من طريق أنس .وروى السيد الهمداني في " مودة القربى " في المودة الثامنة عن علي قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إني رأيت إسمك مقرونا باسمي في أربعة مواطن : فلما بلغت البيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرة بها : لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي وزيره . ولما إنتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت عليها : إني أنا الله لا آله إلا أنا وحدي ، محمد صفوتي من خلقي أيدته بعلي وزيره ونصرته به .
ولما إنتهيت إلى عرش رب العالمين فوجدت مكتوبا على قوائمه : إنى أنا الله لا إله إلا أنا ، محمد حبيبي من خلقي ، أيدته بعلي وزيره ونصرته به ، فلما وصلت الجنة وجدت مكتوبا على باب الجنة : لا إله إلا أنا ، ومحمد حبيبي من خلقي أيدته بعلي وزيره ونصرته به . 3 - يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " سورة الانفال 64 " أخرج الحافظ أبونعيم في فضايل الصحابة باسناده : إنها نزلت في علي ، وهو المعني بقوله : ألمؤمنين . 4 - من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " الاحزاب 23 "
أخرج الخطيب الخوارزمي في " المناقب " ص‍ 188 ، وصدر الحفاظ الكنجي في " الكفاية " ص‍ 122 نقلا عن إبن جرير وغيره من المفسرين انه نزل قوله : فمنهم من قضى نحبه في حمزة وأصحابه كانوا عاهدوا الله تعالى لا يولون الادبار فجاهدوا مقبلين حتى قتلوا ، ومنهم من ينتظر علي بن أبي طالب مضى على الجهاد ولم يبدل و لم يغير الآثار . وفي الصواعق لابن حجر ص‍ 80 : سئل علي وهو على المنبر بالكوفة عن قوله تعالى : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . الآية . فقال : أللهم غفرا هذه الآية نزلت في وفي عمي حمزة وفي إبن عمي عبيدة بن الحرث بن عبدالمطلب ، فأما عبيدة فقضى نحبه شهيدا يوم بدر ، وحمزة قضى نحبه شهيدا يوم احد ، وأما أنا فأنتظر أشقاها يخضب هذه من هذه - وأشار إلى لحيته ورأسه - عهد عهده إلي حبيبي أبوالقاسم صلى الله عليه وآله .
5 - إنما وليكم الله ورسوله وألذين آمنوا ألذين يقيمون ألصلاة ويؤتون ألزكاة وهم راكعون " سورة المائدة 55 " أخرج أبوإسحاق الثعلبي في تفسيره باسناده عن أبي ذر الغفاري قال : أما إنى صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوما من الايام الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا فرفع السائل يديه إلى السماء وقال . أللهم ؟ اشهد إني سألت في مسجد نبيك محمد صلى الله عليه وآله فلم يعطني أحد شيئا ، وكان علي رضي الله عنه في الصلاة راكعا فأومأ إليه بخنصره اليمنى وفيه خاتم فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره ، وذلك بمرأى من النبي صلى الله عليه وآله وهو في المسجد فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله طرفه إلى السماء وقال : أللهم ؟ إن أخي موسى سألك فقال : رب اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ، واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي ، أشدد به أرزي ، و أشركه في أمري ، فأنزلت عليه قرآنا : سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما . أللهم ؟ وإني محمد نبيك وصفيك أللهم ؟ واشرح لي صدري و يسر لي أمري واجعل لي وزيرا من اهلي عليا أشدد به ظهري . قال أبوذر رضي الله عنه : فما استتم دعاء‌ه حتى نزل جبرئيل عليه السلام من عند الله عزوجل وقال : يا محمد ؟ إقرأ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا . الآية . أخرج هذه الاثارة ونزول الآية فيها جمع كثير من أئمة التفسير والحديث منهم : ألطبري في تفسيره 6 ص‍ 165 من طريق إبن عباس ، وعتبة بن أبي حكيم ، ومجاهد . ألواحدى في أسباب النزول ص‍ 148 من طريقين . ألرازي في تفسيره 3 ص‍ 431 عن عطا عن عبدالله بن سلام وإبن عباس وحديث أبي ذر المذكور . ألخازن في تفسيره 1 ص‍ 496 . أبوالبركات في تفسيره 1 ص‍ 496 . ألنيسابوري في تفسيره 3 ص‍ 461 . إبن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة " ص‍ 123 حديث الثعلبي المذكور . إبن طلحة الشافعي في " مطالب السئول " ص‍ 31 بلفظ أبي ذر المذكور . سبط إبن الجوزي في " التذكرة " ص‍ 9 عن تفسير الثعلبي عن السدي وعتبة وغالب بن عبدالله . ألكنجي
الشافعي في " الكفاية " ص‍ 106 باسناده عن أنس ، وص‍ 122 عن إبن عباس من طريق حافظ العراقين والخوارزمي وإبن عساكر عن أبي نعيم والقاضي أبي المعالي . ألخوارزمي في مناقبه ص‍ 178 بطريقين . ألحمويي في فرايده في الباب الرابع عشر من طريق الواحدي ، وفي التاسع والثلاثين عن أنس ، ومن طرق اخرى عن إبن عباس ، وفي الباب الاربعين عن إبن عباس وعمار بن ياسر . ألقاضي عضد الايجي في " المواقف " 3 ص‍ 276 . محب الدين الطبري في " الرياض " 2 ص‍ 227 عن عبدالله بن سلام من طريق الواحدي وأبي الفرج والفضايلي ، وص‍ 206 ، وفي الذخاير ص‍ 102 من طريق الواقدي وإبن الجوزي . إبن كثير الشامي في تفسيره 2 ص‍ 71 بطريق عن أمير المؤمنين ، ومن طريق إبن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل ، وعن إبن جرير الطبري باسناده عن مجاهد والسدي ، وعن الحافظ عبدالرزاق باسناده عن إبن عباس ، وبطريق الحافظ إبن مردويه بالاسناد عن سفيان الثوري عن إبن عباس ، ومن طريق الكلبي عن إبن عباس فقال : هذا إسناد لا يقدح به ، وعن الحافظ إبن مردويه بلفظ أمير المؤمنين ، وعمار ، وأبي رافع . إبن كثير ايضا في البداية والنهاية 7 ص‍ 357 عن الطبراني باسناده عن أمير المؤمنين ، ومن طريق إبن عساكر عن سلمة بن كهيل . ألحافظ السيوطي في " جمع الجوامع " كما في الكنز 6ص‍ 391 من طريق الخطيب في " المتفق " عن إبن عباس ، وص‍ 405 من طريق أبي الشيخ وإبن مردويه عن أمير المؤمنين إبن حجر في " الصواعق " ص‍ 25 . ألشبلنجي في " نور الابصار " ص‍ 77 حديث أبي ذر المذكور عن الثعالبي . ألآلوسي في " روح المعاني " 2 ص‍ 329 وغيرهم . ولحسان بن ثابت في هذه المأثرة شعر يأتي إنشاء الله تعالى . 6 - أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله سورة التوبة 19 أخرج الطبري في تفسيره 10 ص‍ 59 باسناده عن أنس انه قال : قعد العباس وشيبة إبن عثمان صاحب البيت يفتخران فقال له العباس : أنا أشرف منك أنا عم رسول الله ووصي أبيه وساقي الحجيج . فقال شيبة : أنا أشرف منك أنا أمين الله على

بيته وخازنه أفلا إئتمنك كما إئتمنني . فهما على ذلك يتشاجران حتى أشرف عليهما علي فقال له العباس : إن شيبة فاخرني فزعم انه أشرف منى فقال : فما قلت له يا عماه ؟ قال : قلت : أنا عم رسول الله ووصي أبيه وساقي الحجيج أنا أشرف منك . فقال لشيبة : ماذا قلت أنت يا شيبة ؟ قال قلت : أنا أشرف منك أنا أمين الله على بيته و خازنه أفلا أئتمنك كما ائتمنني . قال فقال لهما : إجعلاني معكما فخرا ، قال : نعم قال : فأنا أشرف منكما أنا أول من آمن بالوعيد من ذكور هذه الامة وهاجر وجاهد . وانطلقوا ثلاثتهم إلى النبي فأخبر كل واحد منهم بمفخره فما أجابهم النبي بشيئ فانصرفوا عنه ، فنزل جبرئيل عليه السلام بالوحي بعد أيام فيهم ، فأرسل النبي إليهم ثلاثتهم حتى أوتوه فقرأ عليهم : أجلعتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر . الآية . حديث هذه المفاخرة ونزول الآية فيها أخرجه كثير من الحفاظ والعلماء مجملا ومفصلا منهم : ألواحدي في أسباب النزول ص‍ 182 نقلا عن الحسن والشعبي والقرظيألقرطبي في تفسيره 8 ص‍ 91 عن السدي . الرازي في تفسيره 4 ص‍ 422 . ألخازن في تفسير 2 ص‍ 221 قال : وقال الشعبي ومحمد بن كعب القرظي : نزلت في علي بن أبي طالب ، والعباس بن عبدالمطلب ، وطلحة بن أبي شيبة ، إفتخروا فقال طلحة : أنا صاحب البيت بيدي مفاتيحه . وقال العباس : وأنا صاحب السقاية والقيام عليها . وقال علي : ما أدري ما تقولون ، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد . فأنزل الله هذه الآية . ومنهم : أبوالبركات النسفي في تفسير 2 ص‍ 221 . ألحمويى في " الفرايد " في الباب الواحد والاربعين باسناده عن أنس . إبن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة " ص‍ 123 من طريق الواحدي عن الحسن والشعبى والقرظي م - جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي في نظم درر السمطين ] . ألكنجي في " الكفاية " ص‍ 113 من طريق إبن جرير وإبن عساكر عن أنس بلفظ المذكور . إبن كثير الشامي في تفسير 2 ص‍ 341 عن الحافظ عبدالرزاق باسناده عن الشعبي ، ومن طريق إبن جرير عن محمد بن كعب القرظي ، وعن السدي وفيه : إفتخر علي والعباس وشيبة كما مر ، ومن طريق
55
الحافظ عبدالرزاق أيضا عن الحسن ، ومحمد بن ثور عن معمر عن الحسن . ألحافظ السيوطي في الدر المنثور 3 ص‍ 218 من طريق الحافظ إبن مردويه عن إبن عباس ، و من طريق الحفاظ عبدالرزاق وإبن أبي شيبة وإبن جرير وإبن منذر وإبن أبي حاتم وأبي الشيخ عن الشعبي ، وعن إبن مردويه عن الشعبي ، وعن عبدالرزاق عن الحسن ،
ومن طريق إبن أبي شيبة وأبي الشيخ وإبن مردويه عن عبيدالله بن عبيدة ، ومن طريق الفرياني عن إبن سيرين ، وعن إبن جرير عن محمد بن كعب القرظي ، ومن طريق إبن جرير وأبي الشيخ عن الضحاك ، وعن الحافظين أبي نعيم وإبن عساكر باسنادهما عن أنس باللفظ المذكور . ومنهم : ألصفوري في " نزهة المجالس " 2 ص‍ 242 وفي طبعة 209 نقلا عن شوارد الملح وموارد المنح : ان العباس وحمزة رضي الله عنهما تفاخرا فقال حمزة : أنا خير منك لاني على عمارة الكعبة . وقال العباس : أنا خير منك لاني على سقاية الحاج فقالا : نخرج إلى الابطح ونتحاكم إلى أول رجل نلقاه فوجدا عليا رضي الله عنه فتحاكما على يديه فقال : أنا خير منكما لاني سبقتكما إلى الاسلام . فأخبر النبي بذلك فضاق صدره لافتخاره على عميه فأنزل الله تعالى تصديقا لكلام علي وبيانا لفضله : أجعلتم سقاية الحاج . الآية .
ولا يسعنا ذكر جميع المصادر التي وقفنا فيها على هذه المفاخرة ونزول الآية فيها وكذلك في بقية الآيات والاحاديث بل لم نذكر جلها روما للاختصار ، وقد بسطنا القول في جميعها في كتابنا العترة الطاهرة في الكتاب العزيز يتضمن الآيات النازلة فيهم صلوات الله عليهم . وهذه المفاخرة ونزول الآية فيها نظمها غير واحد من شعراء السلف ، ألحافظين لناموس الحديث كسيد الشعراء الحميري ، والناشي ، والبشنوي ، ونظرائهم وستقف عليه في تراجمهم إنشاء الله
. 7 - إن ألذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " سورة مريم 96 " أخرج أبوإسحاق الثعلبي في تفسيره باسناده عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي : قل : أللهم ؟ اجعل لي عندك عهدا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة . فأنزل الله هذه الآية . ورواه أبوالمظفر سبط إبن الجوزي الحنفي في تذكرته ص‍ 10 وقال : وروي عن إبن عباس : إن هذا الود جعله الله لعلي في قلوب المؤمنين . م - وفي مجمع الزوايد 9 ص‍ 125 عن إبن عباس قال : نزلت في علي بن أبي طالب : إن الذين آمنوا . الآية . قال : محبة في قلوب المؤمنين ] وأخرج الخطيب الخوارزمي في مناقبه ص‍ 188 حديث إبن عباس وبعده بالاسناده عن علي عليه السلام إنه قال : لقيني رجل فقال : يا أبا الحسن ؟ والله إني احبك في الله . فرجعت إلى رسول الله فأخبرته بقول الرجل فقال : لعلك يا علي ؟ إصطنعت إليه معروفا . قال فقلت : والله ما اصطنعت إليه معروفا . فقال رسول الله : ألحمد لله الذي جعل قلوب المؤمنين تتوق إليك بالمودة . فنزل قوله : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا . وأخرجه صدر الحفاظ الكنجي في الكفاية ص‍ 121 . وأخرج محب الدين الطبري في رياضه 2 ص‍ 207 في الآية من طريق الحافظ السلفي عن إبن الحنفية : لا يبقى مؤمن إلا وفي قلبه ود لعلي وأهل بيته . وأخرج الحمويي في فرايده في الباب الرابع عشر من طريق الواحدي بسندين عن إبن عباس ، والسيوطي في الدر المنثور 4 ص‍ 287من طريق الحافظ إبن مردويه والديلمي عن البراء ، ومن طريق الطبراني وابن مردويه عن إبن عباس ، والقسطلاني في المواهب 7 ص‍ 14 من طريق النقاش ، والشبلنجي في نور الابصار ص‍ 112 عن النقاش وذكر ما مر عن إبن الحنفية ، والحضرمي في رشفة الصادي ص‍ 25 .
8 - أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا و عملوا الصالحات " سورة الجاثية 21 " قال أبوالمظفر سبط إبن الجوزي الحنفي في تذكرته ص‍ 11 : قال السدي عن إبن عباس : نزلت هذه الآية في علي عليه السلام يوم بدر : فالذين اجترحوا السيئات عتبة وشيبة والوليد والمغيرة ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات علي عليه السلام . وتجد ما يقرب منه في كفاية الكنجي ص‍ 120 .
9 - إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " سورة البينة 7 " أخرج الطبري في تفسيره 30 ص‍ 146 باسناده عن أبى الجارود عن محمد بن علي : اولئك هم خير البرية . فقال قال النبي صلى الله عليه وآله أنت يا علي وشيعتك : وروى الخوارزمي في مناقبه ص‍ 66 عن جابر قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فأقبل علي بن أبي طالب فقال رسول الله : قد أتاكم أخي ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده ثم قال : و الذي نفسي بيده إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة ، ثم قال : إنه أولكم ايمانا معي ، وأوفاكم بعهد الله ، وأقومكم بأمر الله ، وأعدلكم في الرعية ، وأقسمكم بالسوية ، وأعظمكم عند الله مزية ، قال : وفي ذلك الوقت نزلت فيه : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية ، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إذا أقبل علي قالوا : قد جاء خير البرية . وروى في ص‍ 178 من طريق الحافظ إبن مردويه عن يزيد بن شراحيل الانصاري كاتب علي عليه السلام قال : سمعت عليا يقول : حدثني رسول الله وأنا مسنده إلى صدري فقال : أي علي ؟ ألم تسمع قول الله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البرية ؟ أنت وشيعتك ، وموعدي وموعدكم ألحوض إذا جاء‌ت الامم للحساب تدعون غرا محجلين . وأخرج الكنجي في الكفاية ص‍ 119 حديث يزيد بن شراحيل . وأرسل إبن الصباغ المالكي في فصوله ص‍ 122 عن إبن عباس قال : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي : أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين ، ويأتي أعداؤك غضابا مقمحين . وروى الحمويي في فرايده بطريقين عن جابر : إنها نزلت في علي ، وكان أصحاب محمد إذا أقبل علي قالوا : قد جاء خير البرية . وقال إبن حجر في " الصواعق " ص‍ 96 في عد الآيات الواردة في أهل البيت : الآية الحادية عشرة قوله تعالي : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية . أخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن إبن عباس رضي الله عنهما : إن هذه
الآية لما نزلت قال صلى الله عليه وآله لعلي : هو أنت وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ، ويأتي عدوك غضابا مقمحين ، قال : ومن عدوي ؟ قال : من تبرأ منك ولعنك ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ومن قال : رحم الله عليا ، رحمه الله . وقال جلال الدين السيوطي في " الدر المنثور " 6 ص‍ 379 : أخرج ابن عساكر
عن جابر بن عبدالله قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فأقبل علي فقال النبي صلى الله عليه وآله : والذي نفسي
بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة . ونزلت إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية ، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إذا أقبل على قالوا : جاء خير البرية . وأخرج إبن عدي عن إبن عباس قال : لما نزلت إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات . الآية : قال رسول الله صلى الله عليه وآله . لعلي : أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضين ، وأخرج ابن مردويه عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله . وذكر حديث يزيد بن شراحيل المذكور ، وذكر الشبلنجي في " نور الابصار " ص‍ 78 و 112 عن إبن عباس باللفظ المذكور عن إبن الصباغ المالكي .
10 - والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات سورة العصر قال جلال الدين السيوطي في " الدر المنثور " 6 ص‍ 392 : أخرج إبن مردويه عن إبن عباس في قوله تعالى : والعصر إن الانسان لفي خسر . يعني أبا جهل بن هشام . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . ذكر عليا وسلمان . ومن شعر حسان في أمير المؤمنين أبا حسن ؟ تفديك نفسي ومهجتي وكل بطئ في الهدى ومسارع أيذهب مدحي والمحبين ضايعا ؟ وما المدح في ذات الاله بضايع فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكع فدتك نفوس القوم يا خير راكع بخاتمك الميمون يا خير سيد ويا خير شار ثم يا خير بايع فأنزل فيك الله خير ولاية وبينها في محكمات الشرايع نظم بها حديث تصدق أمير المؤمنين عليه السلام خاتمه للسائل راكعا ونزول قوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . فيه كما مر حديثه ص‍ 52 . ذكرها لحسان ألخطيب الخوارزمي في " المناقب " ص‍ 178 ، وشيخ الاسلام الحمويي في فرايده في الباب التاسع والثلاثين ، وصدر الحفاظ الكنجي في " الكفاية " ص‍ 107 ، وسبط إبن الجوزي في تذكرته ص‍ 10 ، م - وجمال الدين الزرندي في " نظم درر السمطين "
ومن شعر حسان في أمير المؤمنين
جبريل نادى معلنا والنقع ليس بمنجلي
والمسلمون قد أحدقوا حول النبي المرسل
لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلا علي
يشير بها إلى ما هتف به أمين الوحي جبرئيل عليه السلام يوم احد في علي و سيفه . أخرج الطبري في تاريخه 3 ص‍ 17 عن أبي رافع قال : لما قتل علي بن أبي طالب يوم احد أصحاب الالوية أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة من مشركين قريش فقال لعلي : أحمل عليهم . فحمل عليهم ففرق جمعهم ، وقتل عمرو بن عبدالله الجمحي قال : ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة من مشركين قريش فقال لعلي : أحمل عليهم . فحمل عليهم ففرق جماعتهم وقتل شيبة بن مالك فقال جبريل : يا رسول الله ؟ إن هذا للمواساة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنه مني وأنا منه . فقال جبريل : وأنا منكما . قال
فسمعوا صوتا :
لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلا علي
وأخرجه أحمد بن حنبل في الفضايل عن إبن عباس ، وإبن هشام في سيرته 3 ص‍ 52 عن إبن أبي نجيح ، والخثعمي في " الروض الانف " 2 ص‍ 143 ، وإبن أبي الحديد في " شرح النهج " 1 ص‍ 9 وقال : إنه المشهور المروي ، وفي ج‍ 2 ص‍ 236 وقال : إن رسول الله قال : هذا صوت جبريل ، وج‍ 3 ص‍ 281 ، والخوارزمي في " المناقب " ص‍ 104 عن محمد بن إسحاق بن يسار قال : هاجت ريح في ذلك اليوم فسمع مناد يقول لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي
فإذا ندبتم هالكا فابكوا الوفي أخا الوفي 1
وروى الحمويي نحوه في فرايده في الباب التاسع والاربعين ، وروى باسناده من طرق شتى عن الحافظ البيهقي إلى علي عليه السلام قال : أتي جبريل النبي صلى الله عليه وآله فقال : إن صنما في اليمن مغفرا في حديد فابعث إليه فادققه وخذ الحديد قال : فدعاني وبعثني إليه فدققت الصنم وأخذت الحديد فجئت به إلى رسول الله فاستنصرت منه سيفين فسمى واحدا ذا الفقار ، والآخر مجذما ، فقلد رسول الله ذا الفقار ، وأعطاني مجذما ثم أعطاني بعد ذا الفقار ، ورآني رسول الله وأنا اقاتل دونه يوم احد فقال : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي وفي تذكرة سبط إبن الجوزي ص‍ 16 : ذكر أحمد في الفضايل ايضا انهم سمعو تكبيرا من السماء في ذلك اليوم يوم خيبر وقائلا يقول : لاسيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلا علي فأستأذن حسان بن ثابت رسول الله صلى الله عليه وآله أن ينشد شعر فأذن له فقال : جبريل نادى معلنا إلى آخر ألابيات المذكورة ثم قال ما ملخصه : يقال : إن الواقعة كانت يوم احد كما رواه أحمد بن حنبل عن إبن عباس ، وقيل : إن ذلك كان يوم بدر ، والاصح انه كان في يوم خيبر فلم يطعن فيه أحد من العلماء . إنتهى . قال الاميني : إن الاحاديث تؤذننا بتعدد الواقعة وان المنادي يوم احد كان جبريل كما مر ، والمنادي يوم بدر ملك يقال له : رضوان ، قد أجمع أئمة الحديث على نقله كما قال الكنجي وأخرجه في كفايته ص‍ 144 من طريق أبي الغنائم ، وإبن
الجوزي ، والسلفي ، وإبن الجواليقي ، وإبن أبي الوفا البغدادي ، وإبن الوليد ، و إبن أبي الفهم ، والمفتي عبدالكريم الموصلي ، ومحمد بن القاسم العدل ، والحافظ محمد إبن محمود ، وإبن أبي البدر ، والفقيه عبدالغني بن أحمد ، وصدقة بن الحسين ، ويوسف إبن شروان المقري ، والصاحب أبي المعالي الدوامي ، وإبن بطة ، وشيخ الشيوخ
عبدالرحمن بن اللطيف ، وعلي بن محمد المقري ، وإبن بكروس ، والحافظ إبن
هامش
1 يعنى حمزة سيد الشهداء قتيل ذلك اليوم سلام الله عليه .
المعالي ، وأبي عبدالله محمد بن عمر بأسانيدهم عن سعد بن طريف الحنظلي عن أبي جعفر محمد بن علي الامام الباقر قال : نادى ملك من السماء يوم بدر يقال له : رضوان :
لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلا علي ثم قال : قلت : أجمع أئمة الحديث على نقل هذا الجزء كابرا عن كابر رزقناه عاليا بحمد الله عن الجم الغفير كما سقناه ، ورواه الحاكم مرفوعا ، وأخرجه عنه البيهقي في مناقبه ، أخبرنا بذلك ألحافظ إبن النجار ، أخبرنا المؤيد الطوسي إلى آخر السند عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله يوم بدر : هذا رضوان ملك من ملائكة الله ينادي : لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلا علي واخرجه محب الدين الطبري باللفظ المذكور في رياضه ص‍ 190 ، وذخاير العقبى ص‍ 74 ، والخوارزمي في المناقب ص‍ 101 حديث جابر ، وفي كتاب " صفين " لنصر بن مزاحم ص‍ 257 ، وفي ط مصر ص‍ 546 عن جابر بن نمير - ألصحيح : عمير - الانصاري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول كثيرا : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي
ومن شعر حسان
وإن مريم أحصنت فرجها وجاء‌ت بعيسى كبدر الدجى
فقد أحصنت فاطم بعدها وجاء‌ت بسبطي نبي الهدى 1
يشير إلى ما صح عن النبي الطاهر في بضعته الصديقة فاطمة : إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار . أخرجه الحاكم في المستدرك 3 ص‍ 152 وقال : هذا حديث صحيح الاسناد . والخطيب في تاريخه 3 ص‍ 54 ، ومحب الدين الطبري في " ذخاير العقبى " ص‍ 48 عن أبي تمام في فوائده ، وصدر الحفاظ الكنجي الشافعي في " الكفاية " ص‍ 222 باسناده عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله : إن فاطمة أحصنت فرجها فحرمها الله وذريتها على النار ، وفي ص‍ 223 بسند آخر عن إبن مسعود بلفظ هامش 1 ذكره ابن شهر آشوب السروى في " المناقب " 4 ص‍ 24 .
حذيفة ، والسيوطي في " إحياء الميت " ص‍ 257 عن إبن مسعود من طريق البزاز وأبي يعلى والعقيلي والطبراني وإبن شاهين ، وأخرجه في " جمع الجوامع " من طريق البزار والعقيلي والطبراني والحاكم بلفظ حذيفة اليماني ، وذكر المتقي الهندي في إكماله في " كنزالعمال " 6 ص‍ 219 من طريق الطبراني بلفظ : إن فاطمة أحصنت فرجها وإن الله أدخلها بإحصان فرجها وذريتهاالجنه . وإبن حجر في " الصواعق " من طريق أبي تمام 1 والبزار والطبراني وأبي نعيم باللفظ المذكور وقال : وفي رواية فحرمها الله وذريتها على النار . ورواه في ص‍ 112 من طريق البزار وأبي يعلى والطبراني والحاكم باللفظ الثاني ، وذكره الشبلنجي في " نور الابصار " ص‍ 4 باللفظين . ألشاعر ابوالوليد حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي إبن عمرو بن مالك النجار تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة إبن ثعلبة العنقاء سمي به لطول عنقه إبن عمرو بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف إبن إمرؤ القيس البطريق إبن ثعلبة البهلول إبن مازن بن الازد بن الغوث إبن بنت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبابن يشحب بن يعرب بن قحطان 2 . بيت حسان أحد بيوتات الشعر ، عريق في الادب ونظم القريض ، قال المرزباني في " معجم الشعراء " ص‍ 366 : قال دعبل والمبرد : أعرق الناس كانوا في الشعر آل
حسان فمنهم يعدون ستة في نسق كلهم شاعر : سعيد بن عبدالرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام . اه‍ . وولده عبدالرحمن المذكور شاعر قليل الحديث توفي 104 ، وفيه وفي والده حسان قال شاعر . فمن للقوافي بعد حسان وابنه ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت وأما المترجم نفسه فعن أبي عبيدة : ان العرب قد إجتمعت على أن حسان
هامش 1 في الصواعق : تمام . والصحيح : ابوتمام . 2 كذا سرده أبوالفرج في الاغانى 4 ص‍ 3 .
أشعر أهل المدن وانه فضل الشعراء بثلاث : كان شاعر الانصار . وشاعر النبى في أيامه صلى الله عليه وآله . وشاعر اليمن كلها في الاسلام . قال له النبي صلى الله عليه وآله : ما بقي من لسانك ؟ فأخرج لسانه حتى قرع بطرفه طرف ارنبته ثم قال : والله إني لو وضعته علي صخر لفلقه ، أو على شعر لحلقه ، وما يسرني به مقول من معد 1 وكان وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يضع له منبرا في مسجده الشريف يقوم عليه قائما ويفاخر عن رسول الله ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله 2 . كانت الحالة على هذا في عهد النبي صلى الله عليه وآله ، ولما توفي صلى الله عليه و وآله مر عمر على حسان وهو ينشد في المسجد فانتهره 3 فقال : أفي مسجد رسول الله تنشد ؟ فقال : كنت انشد وفيه من هو خير منك . ثم التفت إلى أبي هريرة فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : أجب عني ، أللهم ايده بروح القدس ؟ قال : نعم . قال أبوعبدالله الآبي المالكي في شرح صحيح مسلم 317 : وهذا يدل على أن عمر رضي الله عنه كان يكره إنشاد الشعر في المسجد ، وكان قد بنى رحبة خارجه وقال : من أراد أن يلغط أو ينشد شعر فليخرج إلى هذه الرحبة . كل ذلك على خلاف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وفي وقته أفحمه حسان بما ذكر من قوله : لكن لا رأي لمن لا يطاع . وقبل حسان نهاه النبي صلى الله عليه وآله عن فكرته هذه وفهمه بما هناك من الغاية الدينية المتوخاة حين تعرض
على عبدالله بن رواحة لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يطوف البيت على بعير وعبدالله آخذ بغرزه وهو يقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير مع رسوله
هامش
1 البيان والتبيين للجاحظ 1 ص‍ 68 و 150 .
2 مستدرك الحكام 3 ص‍ 287 باسناده صححه هو والذهبى .
3 كذا في لفظ ابن عبدالبر في الاستيعاب ، وابن عساكر في تاريخه 4 ص‍ 126 ، وفى لفظ مسلم في الصحيح 2 ص‍ 384 : فلحظ اليه . وفى لفظ لاحمد في مسنده 5 ص‍ 222 : فقال : مه .
نحن ضربناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله يا رب إني مؤمن بقيله فقال له عمر : أو هاهنا يا ابن رواحة ايضا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أو ما تعلمن أولا تسمع ما قال ؟ ؟ ! ! وفى رواية أبي يعلى إن النبي قال : خل عنه يا عمر ؟ فو الذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل 1 . وكان حسان من المعروفين بالجبن ذكره إبن الاثير في " اسد الغابة " 2 ص‍ 6 وقال : كان من أجبن الناس . وعده الوطواط في " غرر الخصايص " ص‍ 355 من الجبناء وقال : ذكر إبن قتيبة في كتاب " المعارف " : انه لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله مشهدا قط قالت صفية بنت عبدالمطلب عمة رسول الله : كان معنا حسان في حصن فارغ يوم الخندق مع النساء والصبيان فمر بنافي الحصن رجل يهودي فجعل يطوف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ، ورسول الله والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا إن أتانا آت قالت : قلت : يا حسان ؟ أنا والله لا آمن من أن يدل علينا هذا اليهودي أصحابه ، ورسول الله صلى الله عليه وآله قد شغل عنا فأنزل إليه واقتله ، قال : يغفر الله لك يابنة عبدالمطلب ما أنا بصاحب شجاعة ، قال : فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئا إعتجرت 2 ثم أخذت عمودا ونزلت إليه فضربته بالعمود حتى قتلته ، ثم رجعت إلى الحصن وقلت : يا حسان أنزل إليه واسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا انه رجل ، فقال : مالي بسلبه من حاجة يابنة عبدالمطلب 3 وكان حسان إقتدى في فعله بهذا الشاعر في قوله :
باتت تشجعني هند وما علمت إن الشجاعة مقرون بها العطب لا والذي منع الابصار رؤيته ما يشتهي الموت عندي من له إرب
هامش
1 تاريخ ابن عساكر 7 ص‍ 391 .
2 أى لبست المعجر . وفى سيرة ابن هشام : احتجزت يقال : احتجزت المرأة : أى شدت وسطها .
3 والى هنا ذكره ابن هشام في سيرته 3 ص‍ 246 ، وابن عساكر في تاريخه 4 ص‍ 140 ، وابن الاثير في اسد الغابة 2 ص‍ 6 ، والعباسى في المعاهد 1 ص‍ 74 ، والجمل التى جعلناها بين القوسين من لفظ ابن هشام .
للحرب قوم أضل الله سعيهم إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا ولست منهم ولا أبغي فعالهم لا القتل يعجبني منهم ولا السلب قال الاميني : هذا ما نقله الوطواط عن " المعارف " لابن قتيبة لكن أسفي على مطابع مصر وعلى يد الطبع الامينة فيها فانها تحرف الكلم عن مواضعها فأسقطت هذه القصة عن " المعارف " كما حرفت عنه غيرها . ولد المترجم قبل مولد النبي القدسي صلى الله عليه وآله بثمان سنين ، وعاش عند الجمهور مائة وعشرين سنة ، وقال إبن الاثير : لم يختلفوا في عمره . وفي المستدرك 3 ص‍ 486 ، واسد الغابة 2 ص‍ 7 : أربعة تناسلوا من صلب واحد عاش كل منهم مائة وعشرين سنة وهم : حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام . يكنى بأبي الوليد ، وأبي المضرب ، وأبي حسام ، وأبي عبدالرحمن ، والاول أشهر ، وكان يقال له : الحسام . وذلك لكثرة دفاعه عن حامية الاسلام المقدس بشعره .
وروى الحاكم عن المصعب انه قال : عاش حسان ستين في الجاهلية وستين في الاسلام . وذهب بصره وتوفي على قول سنة 55 1 أعمى البصر والبصيرة كما نص عليه ألصحابي الكبير سيد الخزرج قيس بن سعد بن عبادة لما عزله أمير المؤمنين عليه السلام من ولاية مصر ، ورجع إلى المدينة فإنه حينما قدمها جاء‌ه حسان شامتا به وكان عثمانيا بعد ما كان علويا فقال له : نزعك علي بن أبي طالب وقد قتلت عثمان فبقي عليك الاثم ولم يحسن لك الشكر .فزجره قيس وقال : يا أعمى القلب وأعمى البصر ؟ والله ولولا أن القي بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك ، ثم أخرجه من عنده 2 هامش 1 هذا احد القولين في المستدرك ، وقد كثر الخلاف في وفاته ، وصحح ابن كثير في تاريخه سنة 54 . 2 تاريخ الطبرى 5 231 ، شرح النهج لابن أبى الحديد 2 ص‍ 25 .
فهرس ترجمة
قيس بن سعد بن عبادة
شعره في الغدير وما يتبعه - 67 - 69
حديث شرفه - 69
حديث إمارته - 70 - 72
حديث دهاء‌ه - 72 - 74
حديث فروسيته - 74 - 85
حديث جوده - 85 - 88
حديث خطابته - 88
حديث زهده - 89 - 92
حديث فضله - 92 - 96
مشايخه والرواة عنه - 96 - 98
معاوية وقيس - 98 - 103
ألصلح بين قيس ومعاوية - 103 - 105
قيس ومعاوية بالمدينة - 105 - 108
قيس في خلقته - 108 - 110
وفاته - 110 - 111
بيت قيس - 111 - 112
3 قيس الانصارى
قلت لما بغى العدو علينا حسبنا ربنا ونعم الوكيل حسبنا ربنا الذي فتح البص‍ - رة بالامس والحديث طويل ويقول فيها :
وعلي إمامنا وإمام لسوانا أتى به التنزيل يوم قال النبي : من كنت مولا - ه فهذا مولاه خطب جليل إنما قاله النبي على الامة حتم ما فيه قال وقيل ما يتبع الشعر هذه الابيات أنشدها الصحابي العظيم ، سيد الخزرج ، قيس بن سعد بن عبادة بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بصفين ، رواها شيخنا المفيد ، معلم الامة المتوفى 413 في " الفصول المختارة " 2 ص‍ 87 وقال بعد ذكرها : إن هذه الاشعار مع تضمنها الاعتراف بإمامة أمير المؤمنين ، فهي دلائل على ثبوت سلف الشيعة وإبطال عناد المعتزلة في إنكارهم ذلك . وذكرها في رسالته في معنى المولى وقال فيها : قصيدة قيس التي لا يشك أحد من أهل النقل فيها ، والعلم بها من قبوله كالعلم بنصرته لامير المؤمنين وحربه أهل البصرة وصفين معه ، وهي التي أولها : قلت لما بغى العدو علينا حسبنا ربنا ونعم الوكيل فشهد هكذا شهادة قطعية بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام من جهة خبر يوم الغدير ، صرح بأن القول فيه يوجب رياسته على الكل وإمامته عليهم . ورواها سيدنا الشريف الرضي المتوفى 406 في خصايص الائمة ، وقال : إتفق حملة الاخبار على نقل شعر قيس وهو ينشده بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بعد رجوعهم من البصرة في قصيدته التي أولها : قلت لما بغى العدو علينا : حسبنا ربنا ونعم الوكيل وهذان الشاعران قيس وحسان صحابيان شهدا بالامامة لامير المؤمنين شهادة من حضر المشهد وعرف المصدر والمورد . وأخرجها العلم الحجة الشيخ عبيدالله السدابادي في المقنع - ألموجود عندنا - فقال : قالوا : ومن الدليل على أن أمير المؤمنين هو الامام المنصوص عليه قول قيس بن سعد بن عبادة ، وهذا من خيار الصحابة يشهد له بالامامة ، وانه منصوص عليه ، وإنه خولف ، وقال الكميت بن زيد يصدق قول قيس بن سعد وحسان بن ثابت . ورواها العلامة الكراجكي المتوفى 449 في كنز الفوائد ص‍ 234 فقال : إنه مما حفظ عن قيس بن سعد بن عبادة وإنه كان يقوله بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بصفين ومعه الراية . وأخرجها أبوالمظفر سبط إبن الجوزي الحنفي المتوفى 654 في " التذكرة " ص‍ 20 فقال : إن قيس أنشدها بين يدي علي بصفين . ورواها سيدنا هبة الدين الراوندي في " المجموع الرائق " - الموجود عندنا - و المفسر الكبير ألشيخ أبوالفتوح الرازي في تفسيره 2 ص‍ 193 ، وشيخ السروي الآتي شيخنا الشهيد الفتال في " روضة الواعظين " ص‍ 90 ، وسيدنا القاضي نور الله ألمرعشي ألشهيد 1019 في " مجالس المؤمنين " ص‍ 101 ، والعلامة المجلسي المتوفى 1111 في " البحار " 9 ص‍ 245 ، والسيد علي خان المتوفى 1120 في " الدرجات الرفيعة " - ألموجود عندنا - في ذكر غزوة صفين ، وشيخنا صاحب " الحدايق " ألبحراني المتوفى 1186 في كشكوله 2 ص‍ 18 . وجمع آخر من متأخري أعلام الطايفة . ألشاعر أبوالقاسم وقيل : أبوالفضل 8 قيس بن سعد بن عبادة بن دليم 2 بن حارثة إبن
هامش
1 وقيل : أبوعبدالله . وقيل : أبوعبدالملك . 2 في تهذيب التهذيب : دليهم .

أبي حزيمة بالحاء المهملة المفتوحة1 إبن ثعلبة بن ظريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الاكبر 2 بن حارثة بن ثعلبة . إلى آخر النسب المذكور ص‍ 56 . امه فكيهة بنت عبيد بن دليم بن حارثة . هو ذلك الصحابي العظيم ، كان يعد من أشراف العرب ، وامرائها ، ودهاتها ، وفرسانها ، وأجوادها ، وخطباؤها ، وزهادها ، وفضلائها ، ومن عمد الدين وأركان المذهب . أما شرفه فكان هو سيد الخزرج وإبن سادتها ، وقد حاز بيته الشرف والمجد جاهلية وإسلاما ، قال سليم بن قيس الهلالي في كتابه : إن قيس بن سعد كان سيد الانصار وإبن سيدها . وفي كامل المبرد 1 ص‍ 309 : كان شجاعا جوادا سيدا . وقال أبو عمرو الكشي في رجاله ص‍ 73 : لم يزل قيس سيدا في الجاهلية والاسلام وأبوه و جده وجد جده لم يزل فيهم الشرف ، وكان سعد يجير فيجار وذلك له لسؤدده ، ولم يزل هو وأبوه أصحاب إطعام في الجاهلية والاسلام ، وقيس إبنه بعده على مثل ذلك . وفي الاستيعاب 2 ص‍ 538 : كان قيس شريف قومه غير مدافع هو وأبوه وجده . وفي اسد الغابة 4 ص‍ 215 : كان شريف قومه غير مدافع ومن بيت سيادتهم . وقال إبن كثير في تاريخه 8 ص‍ 99 : كان سيدا مطاعا كريما ممدوحا شجاعا . وقال المترجم له في أبيات له : وإني من القوم اليمانين سيد وما الناس إلا سيد ومسود وبز جميع الناس أصلي ومنصبي وجسم به أعلو الرجال مديد وكان والده أحد النقباء الاثنى عشر الذين ضمنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام قومهم والنقيب : ألضمين . راجع تاريخ إبن عساكر 1 ص‍ 86 . وأما امارته ففي العهد النبوي كان من النبي صلى الله عليه وآله بمنزلة صاحب الشرطة
هامش
1 وقيل : حارثة بن خزيم بن ابى خزيمة بالمعجمة المضمومة ، تاريخ الخطيب 1 ص‍ 177 .
2 هنا يتحد المترجم مع حسان في النسب . من الامير يلي ما يلي من أموره 1 وكان حامل راية الانصار مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الغزوات ، واستعمله على الصدقة ، وكان من ذوي الرأي من الناس 2 وبعده ولاه أمير المؤمنين عليه السلام مصر وكان أميرها الطاهر . كان قيس من شيعة علي عليه السلام ومناصحيه بعثه علي أميرا على مصر في صفر سنة 36 ، وقال له : سر إلى مصر فقد وليتكها ، وأخرج إلى ظاهر المدينة ، وأجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتي مصر ومعك جند ، فإن ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك ، فإذا أنت قدمتها إنشاء الله فأحسن إلى المحسن ، واشدد على المريب ، و أرفق بالعامة والخاصة فإن الرفق يمن . فقال قيس : رحمك الله يا أمير المؤمنين ؟ قد فهمت ما ذكرت ، فأما الجند فإني أدعه لك ، فإذا إحتجت إليهم كانوا قريبا منك ، وإن أردت بعثتهم إلى وجه من وجوهك كان لك عدة ، ولكني أسير إلى مصر بنفسي وأهل بيتي ، وأما ما أوصيتني به من الرفق والاحسان فالله تعالى هو المستعان على ذلك . فخرج قيس في سبعة نفر من أهله حتى دخل مصر مستهل ربيع الاول فصعد المنبر فجلس عليه خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال : ألحمد لله الذي جاء بالحق . وأمات الباطل ، وكبت الظالمين ، أيها الناس ؟ إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا محمد " صلى الله عليه وآله " فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله ، فإن نحن لم نعلم لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم . فقام الناس فبايعوا واستقامت مصر وأعمالها لقيس وبعث عليها عماله إلا أن قرية منها يقال لها : خربتا 3 قد أعظم أهلها قتل عثمان وبها رجل من بني كنانة يقال له : يزيد إبن الحارث فبعث إلى قيس إنا لا نأتيك فابعث عمالك فالارض أرضك ولكن أقرنا على
هامش
1 صحيح الترمذى 2 ص‍ 317 ، سنن البيهقى 8 ص‍ 155 ، مصابيح البغوى 2 ص‍ 51 ، الاستيعاب 2 ص‍ 538 ، اسد الغابة 4 ص‍ 215 ، الاصابة 5 ص‍ 354 ، تهذيب التهذيب 6 ص‍ 394 ؟ ؟ ، مجمع الروايد 9 ص‍ 345 . 2 تاريخ ابن عساكر ، تاريخ ابن كثير 8 ص‍ 99 . 3 بفتح الخاء وكسرها وكسر الراء المهملة ثم الموحدة الساكنة .
حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس ، ووثب محمد بن مسلمة بن مخلد بن صامت الانصاري فنعى عثمان ودعا إلى الطلب بدمه . فأرسل إليه قيس : ويحك أعلي تثب ؟ والله ما احب أن لي ملك الشام ومصر واني قتلتك فأحقن دمك . فأرسل إليه مسلمة : إنى كاف عنك ما دمت أنت والي مصر ، وكان قيس له حزم ورأي 1 . خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى الجمل وقيس على مصر ، ورجع من البصرة إلى الكوفة وهو بمكانه ووليها أربعة أشهر وخمسة أيام ، دخلها كما مر في مستهل ربيع الاول وصرف منها لخمس خلون من رجب كما في الخطط للمقريزي ، فما في
الاستيعاب وغيره : انه شهد الجمل الواقع في جمادى الآخرة سنة 36 في غير محله ، نعم يظهر من التاريخ شهوده في مقدمات الجمل . وولاه على أمير المؤمنين آذربيجان كما في تاريخ اليعقوبي 2 ص‍ 178 وكتب إليه وهو عليها : أما بعد : فأقبل على خراجك بالحق ، وأحسن إلى جندك بالانصاف ، وعلم من قبلك مما علمك الله ، ثم ان عبدالله بن شبيل الاحمسي سألني الكتاب إليك فيه بوصايتك به خيرا ، فقد رأيته وادعا متواضعا ، فألن حجابك ، وافتح بابك ، وأعمد إلى الحق ، فإن من وافق الحق ما يحبو أسره ، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب . قال غياث : ولما أجمع علي على القتال لمعاوية كتب ايضا إلى قيس : أما بعد : فاستعمل عبدالله بن شبيل الاحمسي خليفة لك وأقبل إلي ، فإن المسلمين قد أجمع ملاهم وانقادت جماعتهم ،فعجل الاقبال فأنا سأحضرن إلى المحلين عند غرة الهلال إنشاء الله ، وما تأخري إلا لك ، قضى الله لنا ولك بالاحسان في أمرنا كله . وروى الطبري في تاريخه 6 ص‍ 91 ، وإبن كثير في تاريخه 8 ص‍ 14 عن الزهري : انه قال : جعل علي عليه السلام قيس بن سعد على مقدمة من أهل العراق إلى قبل آذربيجان وعلى أرضها وشرطة الخميس التي إبتدعتها العرب وكانوا أربعين ألفا بايعوا عليه السلام على الموت ، ولم يزل قيس يداري ذلك البعث حتى قتل علي عليه السلام واستخلف
هامش
1 تاريخ الطبرى 5 ص‍ 227 ، كامل ابن الاثير 3 ص‍ 106 ، شرح ابن ابى الحديد 2 ؟ ص‍ 23 نقلا عن كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفى .
أهل العراق الحسن بن علي عليها السلام على الخلافة .
حديث دهاء‌ه
يجد القارئ شواهد قوية على ذلك من مواقفه العظيمة في المغازي ، ونظراته العميقة في الحروب ، وآرائه المتبعة في مهمات القضايا ، وأفكاره العالية في إمارته ، وإعظام الامام أمير المؤمنين محله من الدهاء ، وإكباره رأيه في حكومته ، فإنه لما قدم قيس من ولاية مصر على علي ، وأخبره الخبر الجاري بينه وبين رجال مصر ومعاوية علم أنه كان يقاسي امورا عظاما من المكايدة ، فعظم محل قيس عنده ، وأطاعه في الامر كله تاريخ الطبري 5 ص‍ 231 .فعندها تجد سيد الخزرج قيس في الطبقة العليا من أصحاب الرأى ومن مقدمي رجالات النهى والحجا ، وتشاهد هناك آيات عقله المطبوع والمكتسب ، وتعده أعظم دهاة العرب حين ثارت الفتن ، وسعرت نار الحرب ، إن لم نقل : أعظم دهاة العالم ، ونرى له التقدم في الفضيلة على الخمسة 1 الذين عدوه منهم ، وأولاهم بالعقلية الناضجة ، وتجد دون محله الشامخ ما في الاستيعاب 2 ص‍ 538 وغيره 2 من : انه أحد الفضلاء الجلة من دهاة العرب من أهل الرأي والمكيدة في الحرب ، مع النجدة والسخاء والشجاعة . قال الحلبي في سيرته . من وقف على ما وقع بينه وبين معاوية لرأى العجب من وفور عقله . وقال إبن كثير في البداية 8 ص‍ 99 : ولاه علي نيابة مصر وكان يقاوم بدهائه وخديعته وسياسته لمعاوية وعمرو بن العاص . وكان الامام السبط الحسن يوصي أمير عسكره عبدالله بن العباس وهو أمير إثنى عشر ألفا من فرسان العرب ، وقراء مصر بمشاورة قيس بن سعد والمراجعة إليه في مهام الحرب مع معاوية والاخذ برأيه في سياسة الجيش ، كما يأتي حديثه . وكان ثقيلا جدا على معاوية وأصحابه ، ولما قدم قيس إلى المدينة من مصر
هامش
1 هم : معاوية . عمرو بن العاص . قيس بن سعد . المغيرة بن شعبة . عبدالله بن بديل : راجع تاريخ الطبرى 6 ص‍ 94 ، كامل ابن الاثير 3 ص‍ 143 ، اسد الغابة 4 ص‍ 215 .
2 اسد الغابة 4 ص‍ 215 ، الاصابة 3 ص‍ 249 ، تهذيب التهذيب 8 ص‍ 395 ، السيرة الحلبية 3 ص‍ 93 .
أخافه مروان والاسود بن أبي البختري فظهر قيس إلي علي عليه السلام فكتب معاوية إلى مروان والاسود يتغيظ عليهما ويقول : أمددتما عليا بقيس بن سعد ورأيه و مكايدته ، فوالله لو انكما أمددتماه بمأة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ إلي من إخراجكما قيس بن سعد إلى علي تاريخ الطبري 6 ص‍ 53 وعالج معاوية قلوب أصحابه وأمنهم من ناحية قيس بإفتعال كتاب عليه وقرائته على أهل الشام كما يأتي تفصيله . وكان قيس يرى نفسه في المكيدة والدهاء فوق الكل وأولى الجميع ويقول : لولا أني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ألمكر والخديعة في النار . لكنت من أمكر هذه الامة 1 ويقول : لولا الاسلام لمكرت مكرا لا تطيقه العرب 2 فشهرته بالدهاء مع تقيد المعروف بالدين ، وكلاء‌ته حمى الشريعة ، وإلتزامه البالغ في إعمال الرأي بما يوافق رضى مولاه سبحانه ، وكفه نفسه عما يخالف ربه ، تثبت له الاولوية والتقدم والبروز بين دهاة العرب ، ولا يعادله من الدهاة الخمسة الشهيرة أحد إلا عبدالله بن بديل وذلك لاشتراكهما في المبدء ، وإلتزامهما بالدين الحنيف ، والكف عن الهوى ، والوقوف عند مضلات الفتن . وكلامه لمالك الاشتر مالك وما مالك ؟ ينم عن غزارة عقله ، وحسن تدبيره ، وإستقامة رأيه ، وقوة إيمانه ، وهو من غرر الكلم ، ودرر الحكم ، رواه شيخ الطايفة في أماليه ص‍ 86 في حديث طويل فقال : قال الاشتر لعلي عليه السلام : دعني يا أمير المؤمنين ؟ اوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك . فقال له : كف عني . فانصرف الاشتر وهو مغضب ، ثم إن قيس بن سعد لقي مالكا في نفر من المهاجرين والانصار فقال : يا مالك ؟ كلما ضاق صدرك بشيئ أخرجته ، وكلما إستبطأت أمرا إستعلجته ، إن أدب الصبر : ألتسليم ، وأدب العجلة : ألاناة ، وإن شر القول : ما ضاهى العيب ، وشر الرأي : ما ضاهى التهمة ، فإذا ابتليت فاسأل ، وإذا امرت فأطع ، ولا تسأل قبل البلاء ، ولا تكلف قبل أن ينزل الامر ، فإن في أنفسنا ما في نفسك ، فلا تشق على صاحبك .
هامش
1 اسد الغابة 4 ص‍ 215 ، تاريخ ابن كثير 8 ص‍ 101 .
2 الدرجات الرفيعة ، الاصابة 3 ص‍ 249 .
ولما بويع أمير المؤمنين بلغه : ان معاوية قد وقف من إظهار البيعة له وقال : إن أقرني على الشام وأعمالي التي ولانيها عثمان بايعته . فجاء المغيرة إلى أمير المؤمنين فقال له : يا أمير المؤمنين ؟ إن معاوية من قد عرفت وقد ولاه الشام من كان قبلك فوله أنت كيما تتسق عرى الامور ثم اعز له إن بدالك فقال أمير المؤمنين : أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه ؟ قال : لا . قال : لا يسألني الله عزوجل عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبدا ، وما كنت متخذ المضلين عضدا ، لكن أبعث إليه وأدعوه إلى ما في يدي من الحق ، فإن أجاب فرجل من المسلمين ، له مالهم ، و عليه ماعليهم ، وإن أبى حاكمته إلى الله ، فولى المغيرة وهو يقول : فحاكمه إذا ، فحاكمه إذا ، فأنشأ يقول : نصحت عليا في ابن حرب نصيحة فرد فما مني له الدهر ثانيه ولم يقبل النصح الذي جئته به وكانت له تلك النصيحة كافيه وقالوا له : ما أخلص النصح كله فقلت له : إن النصيحة غاليه فقام قيس بن سعد فقال : يا أمير المؤمنين ؟ إن المغيرة أشار عليك بأمر لم يرد الله به ، فقدم فيه رجلا وأخر فيه اخرى ، فإن كان لك الغلبة يقرب إليك بالنصيحة ، و إن كانت لمعاوية يقرب إليه بالمشورة . ثم أنشأ يقول : يكاد ومن أرسى بثيرا مكانه 1 مغيرة أن يقوى عليك معاويه وكنت بحمد الله فينا موفقا وتلك التي أرء‌اكها غير كافيه فسبحان من علا السماء مكانها وأرضا دحاها فاستقرت كماهية فكان هو صاحب الرأي الوحيد بعين الامام الطاهر تجاه تلك الآراء التعسة الفارغة عن النزعات الروحية في كل منحسة ومتعسة بين حاذف وقاذف 2
فروسيته
إن الباحث لايقف على أي معجم يذكر فيه قيس إلا ويجد في طيه جمل الثناء هامش الواو : للقسم . بثير مصغرا . جبل معروف بمنى .
2 مثل يضرب لمن هوبين شرين : الحاذف بالعصا ، القاذف بالحصا .
متواصلة على حماسته وشجاعته ، ويقرأ له دروسا وافية حول فروسيته ، وبأسه في الحروب وشدته في المواقف الهائلة ، فما عساني أن أكتب عن فارس سجل له التأريخ : انه كان سياف النبي الاعظم ، وأشد الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين ؟ 1 وما عساني أن أقول في باسل كان أثقل خلق الله على معاوية ؟ جبن أصحابه الشجاع والجبان ، وكان أشد عليه من جيش عرام ، وكتائب تحشد مائة ألف مقاتل ، وكان يوم صفين يقول والله ان قيسا يريد أن يفنينا غدا إن لم يحسبه عنا حابس القيل . 2 تعرب عن هذه الناحية مواقفه في العهدين : النبوي والعلوي . أما مواقفه على العهد النبوي فتجد نبأها العظيم في صحايف بدر وفتح وحنين واحد وخيبر ونضير وأحزاب ، وهو يعد مواقفه هذه كلها في شعره ويقول :
إننا إننا الذين إذا الفتح شهدنا وخيبرا وحنينا
بعد بدر وتلك قاصمة الظهر واحد وبالنضير ثنينا
وقال سيدنا صاحب " الدرجات الرفيعة " : إنه شهد مع النبي ألمشاهد كلها ، وكان حامل راية الانصار مع رسول الله ، أخذ النبي صلى الله عليه وآله يوم الفتح ألراية من أبيه - سعد - و دفعها إليه . وقال الخطيب في تاريخه 1 ص‍ 177 : إنه حمل لواء رسول الله في بعض مغازيه . وفي تاريخي الطبري وإبن الاثير 3 ص‍ 106 : إنه كان صاحب راية الانصار مع رسول الله صلى الله عليه وآله وكان من ذوي الرأي والبأس . وفي الاستيعاب 3 : إنه كان حامل راية النبي في فتح مكة إذا نزعها من أبيه ، وأرسل عليا رضي الله عنه أن ينزع اللواء منه ويدفعه لابنه قيس ففعل . وأما مواقفه على العهد العلوي فكان يحض أمير المؤمنين على قتال معاوية ويحثه على محاربة مناوئيه ويقول : يا أمير المؤمنين ؟ ما على الارض أحد أحب إلينا أن يقيم فينامنك . لانك نجمنا الذي نهتدي به ، ومفزعنا الذي نصير إليه ، وإن فقدناك لتظلمن ارضنا وسماؤنا ، ولكن والله لو خليت معاوية للمكر ليرومن مصر ، وليفسدن اليمن ، وليطعمن في العراق ، ومعه قوم يمانيون قد اشربوا قتل عثمان ، وقد اكتفوا بالظن
هامش
1 ارشاد القلوب للديلمى 2 ص‍ 201 .
2 يأتى ذكر مصادر هذه كلها انشاء الله تعالى .
3 2 ص‍ 537 ، والسيرة الحلبية 3 ص‍ 93 ، وهامشها سيرة زينى دحلان 2 ص 265 .
عن العلم ، وبالشك عن اليقين ، وبالهوى عن الخير ، فسر بأهل الحجاز وأهل العراق ثم ارمه بامر يضيق فيه خناقه ، ويقصر له من نفسه . فقال : أحسنت والله يا قيس ؟
فأرسله علي عليه السلام مع ولده الحسن الزكي وعمار بن ياسر إلى الكوفة ودعوة أهلها إلى نصرته فخطب الحسن عليه السلام هناك وعمار وبعد هما قام قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ؟ إن هذا الامر لو استقبلنا به الشورى ، لكان علي أحق الناس به في سابقته وهجرته وعلمه وكان قتل من أبى ذلك حلالا وكيف ؟ والحجة قامت على طلحة والزبير وقد بايعاه خلعاه حسدا . فقام خطباؤهم وأسرعوا إلى الرد بالاجابة فقال النجاشي : رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا عليا وأبناء النبي محمد وقلنا له : أهلا وسهلا ومرحبا نقبل يديه من هوى وتودد فمرنا بما ترضى نجبك إلى الرضا بصم العوالي والصفيح المهند 2 وتسويد من سودت غير مدافع وإن كان من سودت غير مسود فإن نلت ما تهوى فذاك نريده وإن تخط ما تهوى فغير تعمد وقال قيس بن سعد حين أجاب أهل الكوفة : جزى الله أهل الكوفة اليوم نصرة أجابوا ولم يأبوا بخذلان من خذل وقالوا : علي خير حاف وناعل رضينا به من ناقضي العهد من بدل هما أبرزا زوج النبي تعمدا يسوق بها الحادي المنيخ على جمل فما هكذا كانت وصاة نبيكم وما هكذا الانصاف أعظم بذا المثل فهل بعد هذا من مقال لقائل ؟ ألا قبح الله الاماني والعلل هذا لفظ شيخ الطائفة في أمالي ولده ص‍ 87 و 94 ، ورواه شيخنا المفيد في - النصرة هامش 1 أمالى شيخ الطايفة ص‍ 85 . 2 صم الرجل بحجر : ضربه به . السيف المصمم : الماضى . العوالى إلى ج العالية : ما يلى السنان من القناة . ويطلق على الرمح . الصفيح ج الصفيحة : السيف العريض . هند السيف : أحد . لسيد العترة - ونسب الابيات الدالية إلى قيس بن سعد بتغيير وزيادة وهذا لفظه : فلما قدم الحسن عليه السلام وعمار وقيس الكوفه مستنفرين لاهلها إلى أن قال : ثم قام قيس بن سعد رحمه الله فقال : أيها الناس إن هذا الامر لو استقبلناه فيه شورى لكان أمير المؤمنين أحق الناس به لمكانه من رسول الله ، وكان قتال من أبى ذلك حلالا ، فكيف في الحجة على طلحة والزبير ؟ وقد بايعاه طوعا ثم خلعاه حسدا وبغيا ، وقد جاء‌كم علي في المهاجرين والانصار ، ثم أنشأ يقول : رضينا بقسم الله إذ كان قسمنا عليا وأبناء الرسول محمد وقلنا لهم : أهلا وسهلا ومرحبا نمد يدينا من هوى وتودد فما للزبير الناقض العهد حرمة ولا لاخيه طلحة اليوم من يد أتاكم سليل المصطفى ووصيه وأنتم بحمد الله عار من الهد 1 فمن قائم يرجى بخيل إلى الوغا وصم العوالي والصفيح المهند يسود من أدناه غير مدافع وإن كان ما نقضيه غير مسود فإن يأتي ما نهوى فذاك نريده وإن نخط ما نهوى فغير تعمد
وكان يسير في تلك المواقف بكل عظمة وجلال بهيئة فخمة ، ترهب القلوب ، وترعب الفوارس ، وترعد الفرائص ، قال المنذر بن الجارود يصف مواكب المجاهدين مع أمير المؤمنين وقد رآهم في الزواية 2 : ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب بيض ، وقلنسوة بيضاء ، وعمامة صفراء ، متنكب قوسا ، متقلد سيفا ، تخط رجلاه في الارض ، في ألف من الناس ، ألغالب على تيجانهم ألصفرة والبياض ، معه رأية صفرآء ، قلت : من هذا ؟ قيل : هذا قيس بن سعد بن عبادة في الانصار وأبناء‌هم وغيرهم من قحطان . " مروج الذهب 2 ص‍ 8 " . ولما أراد أمير المؤمنين ألمسير إلى أهل الشام دعا إليه من كان معه من المهاجرين والانصار فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد : فإنكم ميامين الرأي ، مراجيح الحلم ، مقاويل بالحق ، مباركوا الفعل والامر ، وقد أردنا المسير إلى عدونا وعدوكم فأشيروا علينا برأيكم .
هامش
1 الهد : الضعيف والجبان .
2 موضع قرب البصرة ، وقرية بين واسط والبصرة على شاطئ دجلة .
فقام قيس بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أمير المؤمنين ؟ إنكمش 1 بنا إلى عدونا ، ولا تعرج 2 فوالله لجهادهم أحب إلي من جهاد الترك والروم لادهانهم في دين الله ، وإستذلالهم أولياء الله من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله من المهاجرين و الانصار ، والتابعين بالاحسان ، إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو حرموه أو سيروه ، وفيأنا لهم في أنفسهم حلال ، ونحن لهم فيما يزعمون قطين . قال : يعني رقيق . " كتاب صفين ص‍ 50 " قال صعصعة بن صوحان : لما عقد علي بن أبي طالب الالوية لاجل حرب صفين أخرج لواء رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ير ذلك اللواء منذ قبض رسول الله ، فعقده علي ودعا قيس بن سعد بن عبادة فدفع إليه واجتمعت الانصار وأهل بد فلما نظروا إلى لوآء رسول الله صلى الله عليه وآله بكوا فأنشأ قيس بن سعد يقول : هذا اللوآء الذي كنا نحف به مع النبي وجبريل لنا مدد ما ضر من كانت الانصار عيبته أن لا يكون له من غيرهم أحد قوم إذا حاربوا طالت أكفهم بالمشرفية حتى يفتح البلد إبن عساكر في تاريخه 3 ص‍ 245 ، وإبن عبدالبر في " الاستيعاب 2 ص 539 ،
وإبن الاثير في " اسد الغابة " 4 ص‍ 216 ، والخوارزمي في " المناقب " ص‍ 122 3 . ولما تعاظمت الامور على معاوية دعا عمر بن العاص ، وبسر بن أرطاة ، و عبيدالله بن عمر بن الخطاب ، وعبدالرحمن بن خالد بن الوليد ، فقال لهم : إنه قد غمني رجال من أصحاب علي منهم : سعيد بن قيس في همدان ، والاشتر في قومه ، والمرقال هاشم
بن عتبة ، وعدي بن حاتم ، وقيس بن سعد في الانصار ، وقد وقتكم يمانيكم بأنفسها حتى لقد إستحييت لكم وأنتم عددتم من قريش ، وقد أردت أن يعلم الناس أنكم أهل غنا ، وقد عبأت لكل رجل منهم رجلا منكم فاجعلوا ذلك إلي .فقالوا : ذلك إليك . قال : فأنا أكفيكم سعيد بن قيس وقومه غدا . وأنت يا عمرو ؟ لاعور بني
هامش
1 انكمش الرجل : أسرع .
2 من عرج : وقف ولبث .
3 ذكر الابيات له شيخنا المفيد في يوم الجمل وهو في غير محله .
زهرة : ألمرقال . وأنت يا بسر ؟ لقيس بن سعد . وأنت يا عبيدالله ؟ للاشتر النخعي . وأنت يا عبدالرحمن بن خالد ؟ لاعورطي يعني : عدي بن حاتم . ثم ليرد كل رجل منكم عن حماة الخيل فجعلها نوايب في خمسة أيام لكل رجل منهم يوما . وإن بسر بن أرطاة غدا في اليوم الثالث في حماة الخيل فلقي قيس بن سعد في كماة الانصار فأشتدت الحرب بينهما وبرز قيس كأنه فنيق 1 مقرم 2 وهو يقول : أنا ابن سعد زانه عباده والخزرجيون رجال ساده ليس فراري بالوغا بعاده إن الفرار للفتى قلاده يا رب أنت لقني الشهاده 3 والقتل خير من عناق غاده حتى متى تثنى لي الوساده
فطعن خيل بسر وبرز له بعد ملي وهو يقول : أنا ابن أرطاة عظيم القدر مراود في غالب بن فهر ليس الفرار من طباع بسر إن يرجع اليوم بغير وتر وقد قضيت في عدوي نذري ياليت شعري ما بقي من عمري وجعل يطعن بسر قيسا فيضربه قيس بالسيف فيرده على عقبيه ، ورجع القوم جميعا ولقيس الفضل كتاب صفين ص‍ 226 . وروى نصر في كتابه ص‍ 227 - 240 : إن معاوية دعا النعمان بن بشر بن سعد الانصاري ، ومسلمة بن مخلد الانصاري ولم يكن معه من الانصار غيرهما فقال : يا هاذان ؟ لقد غمني ما لقيت من الاوس والخزرج ، صاروا واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال حتى والله جبنوا أصحابي الشجاع والجبان ، وحتى والله ما أسأل عن فارس من أهل الشام إلا قالوا : قتله الانصار ، أما والله لالقينهم بحدي وحديدي ، ولاعبين لكل فارس منهم فارسا ينشب 4 في حلقه ، ثم لارمينهم بأعدادهم من قريش
هامش
1 فنيق كشريف : الفحل المكرم لا يوذى ولا يركب لكرامته .
2 أقرم الفحل : ترك عن الركوب والعمل للفحلة .
3 في مناقب ابن شهر اشوب : يا ذا الجلال لقنى الشهادة .
4 نشب الشيئ في الشيئ : علق فيه .
رجالا لم يغذهم التمر والطفيشل 1 يقولون : نحن الانصار قد والله آووا ونصروا ولكن أفسدوا حقهم بباطلهم .فغضب النعمان فقال : يا معاوية ؟ لا تلومن الانصار بسرعتهم في الحرب فإنهم كذلك كانوا في الجاهلية ، فأما دعاؤهم إلى النزال فقد رأيتهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأما لقاؤك إياهم في أعدادهم من قريش فقد علمت ما لقيت قريش منهم فإن أحببت أن ترى فيهم مثل ذلك آنفا ؟ فافعل ، وأما التمر والطفيشل فإن التمر كان لنا فلما أن ذقتموه شاركتمونا فيه ، وأما الطفيشل فكان لليهود فلما أكلناه غلبنا هم عليه كما غلب قريش على سخينة 2 ثم تكلم مسلمة بن مخلد إلى أن قال : وإنتهى الكلام إلى الانصار فجمع قيس بن سعد الانصاري الانصار ثم قام خطيبا فيهم فقال : إن معاوية قد قال ما بلغكم وأجاب عنكم صاحبكم ، فلعمري لئن غظتم معاوية اليوم لقد غظتموه بالامس ، وإن وترتموه في الاسلام لقد وترتموه في الشرك ، ومالكم إليه من ذنب أعظم من نصر هذا الدين الذي أنتم عليه ، فجدوا اليوم جدا تنسونه به ما كان أمس ، وجد واغدا جدا تنسونه به ما كان اليوم ، وأنتم مع هذا اللواء الذي كان يقاتل عن
يمينه جبرئيل وعن يساره ميكائيل ، والقوم مع لواء أبي جهل والاحزاب ، وأما التمر فإنا لم نغرسه ولكن غلبنا عليه من غرسه ، وأما الطفيشل فلو كان طعامنا لسمينا به كما سميت : قريش السخينة . ثم قال قيس بن سعد في ذلك : يابن هند : دع التوثب في الحرب إذا نحن في البلاد نأينا 3 نحن من قد رأيت فادن إذا شئت بمن شئت في العجاج إلينا
إن برزنا بالجمع نلقك في الجمع وإن شئت محضة اسرينا فالقنا في اللفيف نلقك في الخزرج تدعو في حربنا أبوينا
أي هذين ما أردت فخذه ؟ ليس منا وليس منك الهوينا
هامش
1 كسميدع : نوع من المرق .
2 طعام يتخذ من دقيق وسمن كانت قريش تكثر من اكلها فعيرت بها وسميت : قريش السخينة .
3 ذكر ابن ابى الحديد في شرحه 2 ص‍ 297 ستة من هذه الابيات مع اختلاف فيها .
ثم لا ينزع العجاجة حتى تنجلي حوبنا لنا أو علينا ليت ما تطلب العداة أتانا أنعم الله بالشهادة عينا إننا إننا الذين إذا الفتح شهدنا وخيبرا وحنينا بعد بدر وتلك قاصمة الظهر واحد وبالنضير ثنينا يوم الاحزاب قد علم الناس شفينا من قبلكم واشتفينا فلما بلغ معاوية شعره دعا عمرو بن العاص فقال : ما ترى في شتم الانصار ؟ قال : أرى أن توعد ولا تشتم ، ماعسى أن تقول لهم ؟ إذا أردت ذمهم ذم أبدانهم ولا تذم أحسابهم قال معاوية : إن خطيب الانصار قيس بن سعد يقوم كل يوم خطيبا وهو والله يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس القيل ، فما الرأي ؟ قال : ألرأي : ألتوكل
والصبر . فأرسل معاوية إلى رجال من الانصار فعاتبهم ، منهم : عقبة بن عمرو . وأبومسعود . والبراء بن عازب . وعبدالرحمن بن أبي ليلي . وخزيمة بن ثابت . وزيد بن أرقم . وعمرو إبن عمرو . والحجاج بن غزية . وكانوا هؤلاء يلقون في تلك الحرب فبعث معاوية بقوله : لتأتوا قيس بن سعد . فمشوا بأجمعهم إلى قيس قالوا : إن معاوية لا يريد شتمنا فكف عن شتمه فقال : إن مثلي لا يشتم ولكني لا أكف عن حربه حتى ألقى الله . وتحركت الخيل غدوة فظن قيس بن سعد أن فيها معاوية فحمل على رجل يشبهه فقنعه بالسيف فإذا غير معاوية ، وحمل الثانية يشبهه ايضا فضربه ثم انصرف وهو يقول : قولوا لهذا الشاتمي معاويه إن كلما أوعدت ريح هاويه خوفتنا لكلب قوم عاويه إلي يابن الخاطئين الماضيه ترقل إرقال العجوز الخاويه 1 في أثر الساري ليال الشاتيه فقال معاوية : يا أهل الشام ؟ إذا لقيتم هذا الرجل فأخبروه بمساويه فلما تحاجز الفريقان شتمه معاوية شتما قبيحا وشتم الانصار 2 فغضب النعمان ومسلمة على معاوية ، فأرضاهما بعدما هما أن ينصرفا إلى قومهما .
هامش
1 أرقل : أسرع . الخاوية : الساقطة .
2 هذه الجملة من لفظ شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد .
ثم إن معاوية سأل النعمان أن يخرج إلى قيس فيعاتبه ويسأله السلم ، فخرج النعمان حتى وقف بين الصفين فقال يا قيس ؟ أنا النعمان بن بشير . فقال قيس : هيه يا ابن بشير ؟ فما حاجتك ؟ فقال النعمان : يا قيس ؟ انه قد أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه ، ألستم معشر الانصار تعلمون أنكم أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار ؟ وقتلتم أنصاره يوم الجمل ؟ وأقحمتم خيولكم على أهل الشام بصفين ؟ فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا لكان واحدة بواحدة ، ولكنكم خذلتم حقا ونصرتم باطلا ، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس حتى أعلمتم في الحرب ، ودعوتم إلى البراز ، ثم لم ينزل بعلي أمر 1 قط إلا هونتم عليه المصيبة ، ووعدتموه الظفر ، وقد أخذت الحرب منا وعنكم ما قد رأيتم فاتقوا الله في البقية . فضحك قيس ثم قال : ما كنت أراك يا نعمان ؟ تجتري على هذه المقالة ، انه لا ينصح أخاه من غش نفسه ، وأنت والله الغاش الضال المضل . أما ذكرك عثمان فإن كانت الاخبار تكفيك فخذ مني واحدة : قتل عثمان من لست خيرا منه ، وخذله من هو خير منك ، أما اصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث . وأما معاوية فوالله لو إجتمعت عليه العرب لقاتلته الانصار . وأما قولك : إنا لسنا كالناس فنحن في هذا الحرب كما كنا مع رسول الله نتقي السيوف بوجوهنا ، والرماح بنحورنا ، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ، ولكن انظر يا نعمان ؟ هل ترى مع معاوية إلا طليقا أو أعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور ؟ انظر أين المهاجرون والانصار والتابعون لهم باحسان الذين رضي الله عنهم ، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك ؟ ولستما والله ببدريين ولا احديين ولا لكما سابقة في الاسلام ، ولا آية في القرآن 2 و لعمري لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك . ثم قال قيس في ذلك : والراقصات بكل أشعث أغبر خوص العيون تحثها الركبان ما ابن المخلد ناسيا أسيافنا عمن نحاربه ولا النعمان
هامش
1 في شرح النهج : خطب .
2 والى هنا رواه ابن قتيبة ايضا في الامامة والسياسية 1 ص‍ 94 .
تركا العيان وفي العيان كفاية لو كان ينفع صاحبيه عيان ثم إن عليا عليه السلام دعا قيس بن سعد فأثنى عليه خيرا وسوده على الانصار 1 وخرج قيس في نهروان إلى الخوارج فقال لهم : عباد الله ؟ أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الامر الذي خرجتم منه ، وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم فانكم ركبتم عظيما من الامر ، تشهدون علينا بالشرك ، والشرك ظلم عظيم ، تسفكون دماء المسلمين ، وتعدونهم مشركين . فقال له عبدالله بن شجرة السلمي : إن الحق قد أضاء‌لنا فلسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر . فقال قيس : ما نعلمه فينا غير صاحبنا فهل تعلمونه فيكم ؟ قالوا : لا . قال : نشدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها فإني لا ارى الفتنة إلا وقد غلبت عليكم 2 أما موقفه بعد العهدين فكان مع الامام السبط المجتبى سلام الله عليه ولما وجه عسكره إلى قتال أهل الشام دعا عليه السلام عبيد الله بن العباس بن عبدالمطلب فقال له : يابن عم ؟ إني باعث إليك إثنى عشر ألفا من فرسان العرب ، وقراء مضر ، ألرجل منهم يريد الكتيبة ، فسربهم ، وألن لهم جانبك ، وأبسط لهم وجهك ، وأفرش لهم جناحك ، وادنهم في مجلسك ، فإنهم بقية ثقات أمير المؤمنين ، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات حتى تسير بمسكن 3 ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية ، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني على أثرك وشيكا ، وليكن خبرك عندي كل يوم ، وشاور هذين يعنى : قيس بن سعد وسعيد بن قيس ، وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله ، وإن اصبت فقيس بن سعد ، وإن اصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على الناس . فسار عبيدالله . . . فأما معاوية فإنه وافى حتى نزل قرية يقال لها : ألحيوضة . بمسكن وأقبل
هامش
1 إلى هنا تنتهى رواية نصر بن مزاحم في كتاب صفين .
2 تاريخ الطبرى 6 ص‍ 47 ، كامل ابن الاثير 3 ص‍ 137 .
3 بفتح الميم ثم السكون ثم الكسر : موضع قريب من أوانا ناحية دجيل بينه وبين بغداد عدة فراسخ من جهة تكريت .
عبيدالله بن عباس حتى نزل بإزاء‌ه فلما كان من غد وجه معاوية بخيل إلى عبيدالله فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم ، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيدالله بن عباس أن الحسن قد أرسلني في الصلح ، وهو مسلم الامر إلي فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا ، وإلا دخلت وأنت تابع ، ولك إن أجبتني الآن أن اعطيك ألف ألف درهم ، اعجل لك في هذاالوقت نصفها ، وإذا دخلت الكوفة ألنصف الآخر ، فأقبل عبيد الله إليه ليلا فدخل عسكر معاوية ، فوفى له بما وعده ، وأصبح الناس ينتظرون عبيدالله أن يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه ، فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة ، ثم خطبهم فثبتهم وذكر عبيد الله فنال منه ، ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو فأجابوه بالطاعة وقالوا له : انهض بنا إلي عدونا على اسم الله . فنزل فنهض بهم وخرج إليه بسر بن أرطاة فصاح إلى أهل العراق : ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع ، وإمامكم ألحسن قد صالح ، فعلام تقتلون أنفسكم ؟ فقال لهم قيس بن سعد : إختاروا إحدى اثنتين : إما القتال مع غير إمام ، وإما أن تبايعوا بيعة ضلال . فقالوا : بل نقاتل بلا إمام فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم ، فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه ويمنيه فكتب إليه قيس : لا والله لا تلقاني أبدا إلا بينى وبينك الرمح شرح إبن أبي الحديد 4 ص‍ 14 قال اليعقوبي في تاريخه 2 ص‍ 191 : إنه وجه الحسن عليه السلام بعبيدالله بن العباس في إثنى عشر ألفا لقتال معاوية ومعه قيس بن سعد بن عبادة الانصاري ، وأمر عبيدالله أن يعمل بأمر قيس ورأيه فسار إلى ناحية الجزيرة وأقبل معاوية لما إنتهى إليه الخبر بقتل علي فسار إلى الموصل بعد قتل علي بثمانية عشر يوما ، والتقى العسكران فوجه معاوية إلى قيس بن سعد : يبذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف عنه ، فأرسل إليه بالمال وقال : تخدعني عن ديني ؟ فيقال : إنه أرسل إلى عبيدالله بن عباس وجعل له ألف ألف درهم فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه ، وأقام قيس على محاربته ، وكان معاوية يدس إلى عسكر الحسن من يتحدث : أن قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه ، ووجه إلى عسكر قيس من يتحدث : أن الحسن قد صالح معاوية وأجابه .
وفي الاستيعاب 2 ص‍ 225 عن عروة قال : كان قيس مع الحسن بن علي على مقدمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤسهم بعد ما مات علي وتبايعوا على الموت ، فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل وقال لاصحابه : ما شئتم ؟ إن شئتم جادلت بكم حتى يموت الاعجل منا ، وإن شئتم أخذت لكم أمانا ؟ ؟ ! فقالوا : خذ لنا أمانا ، فأخذ لهم إن لهم كذا وكذا ، وأن لا يعاقبوا بشيئ وأنه رجل منهم ، ولم يأخذ لنفسه خاصة شيئا . ثم ارتحل نحو المدينة ومضى بأصحابه .
حديث جوده
لا يسعنا بسط المقال في أخبار قيس من هذه الناحية لكثرتها ، غير أنا نورد لك شيئا من ذلك الكثير الطيب ، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق 1 وكانت هذه الخلة من هذا البيت على عنق الدهر " أي قديما " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ألجود من شيمة أهل ذلك البيت 2 . باع قيس مالا من معاوية بتسعين ألفا فأمر مناديا فنادى في المدينة : من أراد القرض فليأت منزل سعد فأقرض أربعين أو خمسين وأجاز الباقي ، وكتب على من أقر له صكا ،
فمرض مرضا قل عواده فقال لزوجته قريبة بنت أبي قحافة اخت أبي بكر : يا قريبة ؟ لم ترين قل عوادي ؟ قالت للذي لك عليهم من الدين . فأرسل إلى كل رجل بصكه المكتوب عليه فوهبه ماله عليهم 3 . قال جابر : خرجنا في بعث كان عليهم قيس بن سعد ونحر لهم تسع ركائب فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله ذكروا له من أمر قيس فقال : إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت ، ولما ارتحل من العراق نحو المدينة ومضى بأصحابه جعل ينحر لهم كل يوم جزورا حتى بلغ 4
هامش
1 مثل يضرب : أى حسبك بالقليل من الكثير .
2 الاصابة 5 ص‍ 254 .
3 تاريخ الخطيب البغدادى 1 ص‍ 177 ، تاريخ ابن كثير 8 ص‍ 69 .
4 الاستيعاب 2 ص‍ 525 ، تهذيب التهذيب 8 ص‍ 394 .
روى عبدالله بن المبارك عن جويرة قال : كتب معاوية إلى مروان : أن إشتر دار كثير بن الصلت منه فأبى عليه فكتب معاوية إلى مروان : أن خذه بالمال الذي عليه ، فإن جاء به وإلا بع عليه داره . فأرسل إليه مروان فأخبره قال :إني أؤجلك ثلاثا فإن جئت بالمال وإلا بعت عليك دارك . قال : فجمعها إلا ثلاثين ألفا فقال : من لي بها ؟ ثم ذكر قيس بن سعد فأتاه فطلبها منه فأقرضه فجاء بها إلى مروان فلما رآه قد جاء بها ردها إليه ورد عليه داره ، فرد كثير ألثلاثين ألفا على قيس فأبى أن يقبلها . 1 روى المبرد في كامله 1 ص‍ 309 : أن عجوزا شكت إلى قيس أن ليس في بيتها جرذ فقال : ما أحسن ما سألت ، أما والله لاكثرن جرذان بيتك . فملا بيتها طعاما وودكا وإداما ، وقال إبن عبدالبر : هذه القصة مشهورة صحيحة . في كامل المبرد 1 ص‍ 309 : إنه توفى أبوه عن حمل لم يعلم به ، فلما ولد وقد كان سعد رضي الله عنه قسم ماله في حين حروجه من المدينة بين أولاده فكلم أبوبكر و عمر في ذلك قيسا وسألاه أن ينقض ما صنع سعد من تلك القسمة فقال : نصيبي للمولود ولااغير ما صنع أبي ولا أنقضه . وذكره إبن عبدالبر في " الاستيعاب " 2 ص‍ 525 وقال : صحيح من رواية الثقات . ومن مشهور أخبار قيس : انه كان له مال كثير ديونا على الناس فمرض واستبطأ عواده فقيل له : إنهم يستحيون من أجل دينك . فقال : أخزى الله مالا يمنع الاخوان من العيادة . فأمر مناديا ينادي : من كان لقيس عليه مال فهو في حل . فأتاه الناس حتى هدموا درجتا كانوا يصعدون عليها إليه ، وفي لفظ : فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد . 2 كان قيس في سرية فيها أبوبكر وعمر فكان يستدين ويطعم الناس ، فقال أبوبكر و عمر : إن تركنا هذا الفتى أهلك مال أبيه فمشيا في الناس فلما سمع سعد قام خلف النبي
فقال : من يعذرني من إبن إبي قحافة وإبن الخطاب يبخلان علي إبني . " اسد الغابة "
هامش
1 الاستيعاب 2 ص‍ 525 ، الاصابة 5 ص‍ 254
2 ربيع الابرار للزمخشري ، الاستيعاب 2 ص‍ 526 ، البداية والنهاية 8 ص‍ 100 . 4 ص‍ 415 .
وفي لفظ : كان قيس مع أبي بكر وعمر في سفر في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله فكان ينفق عليهما وعلى غيرهما ويفضل فقال له أبوبكر : إن هذا لا يقوم به مال أبيك فامسك يدك . فلما قدموا من سفرهم قال سعد بن عبادة لابي بكر : أردت أن تبخل إبني إنا لقوم لا نستطيع البخل . 1 حكى إبن كثير في تاريخه 8 ص‍ 99 : إنه كان لقيس صحفة يدار بها حيث داروا كان ينادي له مناد : هلموا اللحم والثريد . وكان أبوه وجده من قبله يفعلان كفعله . قال الهيثم بن عدي : إختلف ثلاثة عن الكعبة في أكرم أهل زمانهم فقال أحدهم :
عبدالله بن جعفر : وقال الآخر قيس بن سعد . وقال الآخر : عرابة الاوسي . فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة فقال لهم رجل : فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم انه أكرم من غيره ، فلينظر ما يعطيه وليحكم على العيان : فذهب صاحب عبدالله بن جعفر إليه فوجده قد وضع رجله في الغرز 2 ليذهب إلى ضيعة له فقال له : يابن عم رسول الله ؟ إبن سبيل ومنقطع به . قال : فأخرج رجله من الغرز وقال : ضع رجلك واستو عليها ، فهي لك بما عليها ، وخذ ما في الحقيبة 3 ولا تخدعن في السيف فإنه من سيوف علي ، فرجع إلى اصحابه بناقة عظيمة وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار ، ومطارف من خز وغير ذلك وأجل ذلك سيف علي بن أبي طالب . ومضى صاحب قيس إليه فوجده نائما ، فقالت له الجارية : ما حاجتك إليه ؟ قال إبن سبيل ومنقطع به . قالت : فحاجتك أيسر من إيقاظه ، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره أليوم ، واذهب إلى مولانا في معاطن الابل فخذ لك ناقة وعبدا ، واذهب راشدا . فلما استيقظ قيس من نومه أخبرته الجارية بما صنعت فأعتقها شكرا على صنيعها ذلك ، وقال . هلا أيقظتني ؟ حتى أعطيه ما يكفيه أبدا ، فلعل الذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته . وذهب صاحب عرابة الاوسي إليه فوجده
هامش
1 الدرجات الرفيعة نقلا عن كتاب الغارات لابراهيم بن سعيد الثقفى .
2 الغرز بالفتح ثم السكون : ركاب من جلد .
3 الحقيبة بفتح المهملة : ما يحمل على الفرس خلف الراكب .
وقد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكأ على عبدين له - وكان قد كف بصره - فقال له : يا عرابة ؟ فقال : قال . فقال : إبن سبيل ومنقطع به . قال : فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه باليمنى على اليسرى ثم قال : أوه أوه والله ما أصبحت ولا أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئا ولكن خذ هذين العبدين . قال : ما كنت لافعل . فقال : إن لم تأخذهما فهما حران ، فإن شئت فأعتق ، وإن شئت فخذ . وأقبل يلتمس الحائط بيده ، قال : فأخذهما وجاء بهما إلى صاحبيه . قال فحكم الناس على ان إبن جعفر قد جاد بمال عظيم وأن ذلك ليس بمستنكر له ، إلا أن السيف أجله . وإن قيسا أحد الاجواد حكمت مملوكته في ماله بغير علمه واستحسن فعلها وعتقها شكرا لها على ما فعلت . وأجمعوا على أن أسخى الثلاثة عرابة الاوسي ، لانه جاد بجميع ما يملكه ، وذلك جهد من مقل . " ألبداية و النهاية 8 ص‍ 100 "
حديث خطابته
إن تقدم سيد الانصار في المعالم الدينية ، وتضلعه في علمي الكتاب والسنة ، و عرفانه بمعاريض القول ، ومخاريق القيل ، وسقطات الرأى ، وتحليه بما يحتاج إليه مداره الكلام ومشيخة الخطابة من العلم الكثار ، والادب الجم ، وربط الجاش ، وقوة العارضة ، وحسن التقرير ، وجودة السرد ، وبلاغة المنطق ، وطلاقة اللسان ، ومعرفة مناهج الحجاج والمناظرة ، وأساليب إلقاء المحاضرة ، كلها براهين واضحة على حظه الوافر وقسطه البالغ من هذه الخلة ، وإنه أعلى الناس ذافوق 1 على أن فيما مر و ما يأتي من كلمه وخطبه خبرا يصدق الخبر ، وشاهد صدق على انه أحد أمراء الكلام كما كان في مقدم امراء السيف . فهو خطيب الانصار المفوه ، واللسن الفذ من الخزرج ، ومتكلم الشيعة الاكبر ، ولسان العترة الطاهرة الناطق ، والمجاهد الوحيد دون مبدء‌ه المقدس بالسيف واللسان ، أخطب من سحبان وائل ، وأنطق من قس الايادي ، وأصدق في مقاله من قطاة . 2
هامش
1 مثل يضرب : أى أعلى الناس سهما .
2 أصدق من قطاة . مثل مشهور .
وناهيك بقول معاوية بن أبي سفيان لقومه يوم صفين : إن خطيب الانصار قيس إبن سعد يقوم كل يوم خطيبا ، وهو والله يريد أن يفنينا غدا إن لم يحبسه عنا حابس القيل مر ص‍ 81 وفي قول أمير المؤمنين عليه السلام له عند بعض مقاله كما مر ص‍ 76 : أحسنت والله يا قيس ؟ وأجملت . لغنى وكفاية عن أي إطراء وثناء عليه .
حديث زهده
لا نحاول في البحث عن هذه النواحي في أي من التراجم سرد تاريخ امة غابرة ، أو ذكريات أماثل الامة أو حثالتها في القرون الخالية فحسب ، بل إنما نخوض فيها بما فيها من عظات دينية ، وفلسفة أخلاقية ، وحكم عملية ، ومعالم روحية ، ومصالح إجتماعية ، ودستور في مناهج السير إلى المولى سبحانه ، وبرنامج في إصلاح النفس ، ودروس في التحلي بمكارم الاخلاق التي بعث لاتمامها نبي الاسلام .
وهناك نماذج من نفسيات شيعة العترة الطاهرة وما لهم دون مناوئيهم من خلاق من المكارم والفضايل والقداسة والنزاهة يحق بذلك كله أن يكون كل من نظراء قيس قدوة للبشر في السلوك إلى المولى ، وقادة للخلق في تهذيب النفس ، ومؤدبا للامة بالخلايق الكريمة ، ومصلحا للمجتمع بالنفسيات الراقية ، والروحيات السليمة ، فلن تجد فيهم جرف منهال ، ولاسحاب منجال 1 ففي وسع الباحث أن يستخرج من تاريخ تلكم النفوس القدسية من قيس ومن يصافقه في المبدء الديني ، ومن ترجمة من يضادهم في التشيع بآل الله من عمرو بن العاص ومن يشاكله ، حقيقة راهنة دينية أثمن وأغلى من معرفة حقايق الرجال ، و الوقوف على تاريخ الاجيال الماضية ، ويمكنه أن يقف بذلك على غاية كل من الحزبين ألعلوي والاموي مهما يكن القارئ شريف النفس ، حرا في تفكيره ، غير مقلد ولا أمعة ، مهما حداه التوفيق إلى اتباع الحق . والحق أحق أن يتبع ، غير ناكب عن الطريقة المثلى في البخوع للحقايق ، والجنوح إليها .
هامش
1 مثل يضرب . جرف منهال : إى لا حزم عنده ولاعقل . سحاب منجال : أى لا يطمع في خيره .
فخذ قيس بن سعد وعمرو بن العاص مثالا من الفريقين وقس بينهما ، وضع يدك على أي مأثرة تحاوله من طهارة مولد ، وإسلام ، وعقل ، وحزم ، وعفة ، وحناء ، وشمم ، وإباء ، ومنعة ، وبذخ ، وصدق ، ووفاء ، ووقار ، ورزانة ، ومجد ، ونجدة ، و شجاعة ، وكرم ، وقداسة ، وزهد ، وسداد ، ورشد ، وعدل ، وثبات في الدين ، وورع عن محارم الله ، إلى مآثر اخرى لا تحصى ، تجد الاول منهما حامل عب كل منها بحيث لو تجسم أي من تلكم الصفات ليكون هو مثاله وصورته . وهل ترى الثاني كذلك ؟ أللهم ؟ لا . بل كل منها في ذاته محكوم بالسلب ، أضف إلى مخازفي المولد والمحتد والدين والفروسية والاخلاق والنفسيات كلها ، وسنلمسك كل هذه بيديك عن قريب إنشاء الله تعالى . عندئذ يعرف المنقب نفسية كل من إمامي الحزبين إذ الناس على دين ملوكهم ويكون على بصرة من أمرهما ، وحقيقة دعوة أي منهما ، وتكون أمثلتهما نصب عينيه ، إن لم يتبع ألهوى ، ولا تضله تعمية من يروقه جهل الامة الاسلامية بالحقايق بقوله في مقاتلي أمير المؤمنين والخارجين عليه : إنهم كانوا مجتهدين مخطئين ولهم أجر واحد ، أو بقوله : ألصحابة كلهم عدول . وإن فعل أحدهم ما فعل وجنت يداه ما جنت ، وخرج عن طاعة الامام العادل ، وسن لعنه وسبه وحاربه وقاتله وقتله . فالناظر إلي هذه التراجم بعين النصفة إذا أمعن فيها بما فيها من المغازي المذكورة يعتقد بأن 1 أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدى فأقام سنة معلومة وأمات بدعة مجهولة وإن السنن لنيرة لها أعلام ، وإن البدع لظاهرة لها أعلام ، وإن شر الناس عندالله إمام جائر ضل واضل به ، فأمات سنة مأخوذة ، وأحيا بدعة متروكة ، وصدق بقول النبي الطاهر : يؤتى يوم القيامة بالامام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر ، فيلقى في نار جهنم ، فيدور فيها كما تدور الرحى ، ثم يرتبط في قعرها . لعل الباحث لا يمر على شئ من خطب سيد الخزرج وكتبه وكلمه ومحاضراته إلا ويجده طافحا بقداسة جانبه عن كل ما يلوث ويدنس من إتباع الهوى ، وبزهادته
هامش
1 من هنا إلى آخر الكلمة لمولانا أمير المؤمنين الا كلمتى صدق والطاهر .
عن حطام الدنيا ، معربا عن ورعه عن محارم الله وخشونته في ذات ربه ، وتعظيمه شعائر الدين ، وقيامه بحق النبي الاعظم ، ورعايته في أهل بيته وذويه بكل حول وطول ، وبذل النفس والنفيس دون كلائة دينه وإعلاء كلمة الحق ، وإرحاض معرة الباطل ، وإصلاح الفاسد ، وكسر شوكة المعتدين ، وبعد اليأس عن صلاح امته ، والعجز عن الدعوة إلى الحق ، لزم عقر داره بالمدينة المشرفة بقية حياته ، وأقبل على العبادة حتى أدركه أجله المحتوم كما ذكره إبن عبدالبر في الاستيعاب 2 ص‍ 524 . وأوفى كلمة في زهده وعبادته ما قاله المسعودي في مروج الذهب 2 ص‍ 63 قال : كان قيس بن سعد من الزهد والديانة والميل إلى علي بالموضع العظيم ، وبلغ من خوفه لله وطاعته إياه أنه كان يصلي فلما أهوى للسجود إذا في موضع سجوده ثعبان عظيم مطرق ، فمال على الثعبان برأسه وسجد إلى جانبه ، فتطوق الثعبان برقبته ، فلم يقصر من صلاته ، ولا نقص منها شيئا حتى فرغ ثم أخذ الثعبان فرمى به . كذلك ذكر الحسن إبن علي بن عبدالمغيرة عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام . ا ه‍ . والحديث الرضوي هذا رواه الكشي بإسناده عنه عليه السلام في جاله ص‍ 63 . وكان ذلك الخشوع والاقبال إلى الله في العبادة ، وإفراغ القلب بكله إلى الصلاة من وصايا والده الطاهر له قال : يا بني ؟ اوصيك بوصية فاحفظها فإذا أنت ضيعتها فأنت لغيرها من الامر أضيع ، إذا توضأت فأتم الوضوء ، ثم صل صلاة امرء مودع يرى أنه لا يعود ،وأظهر اليأس من الناس فإنه غنى ، وإياك وطلب الحوائج إليهم فإنه فقر حاضر ، وإياك وكل شئ تعتذر منه تاريخ إبن عساكر 6 ص‍ 90 . وكان من دعاء سيدنا المترجم كما في " الدرجات الرفيعة " " وتاريخ الخطيب " وغيرهما قوله : أللهم ؟ ارزقنى حمدا ومجدا ، فإنه لا حمد إلا بفعال ، ولا مجد إلا بمال أللهم ؟ وسع علي ، فإن القليل لا يسعني ولا أسعه . وفي البداية والنهاية 8 ص‍ 100 . كان قيس يقول أللهم ؟ ارزقني مالا وفعالا ، فإنه لا تصلح الفعال إلا بالمال . ومعلوم ان طلب المال غير مناف للزهادة فإن حقيقة الزهد أن لايملكك المال لا أن لا تملك المال .

حديث فضله
إن خطابات قيس وكتاباته ومحاضراته ومقالاته المبثوثة في طيات الكتب ومعاجم السير شواهد صادقة على تضلعه في المعارف الالهية ، وأشواطه البعيدة في علمي الكتاب والسنة ، وفي خدمته النبي الاعظم مدة عشر سنين 1 او مدة غير محدودة ، وقد كان أبوه دفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله ليخدمه كما في اسد الغابة 4 ص‍ 215 ومسامرته معه صلى الله عليه وآله سفرا وحضرا طول عمره مع ما كان له من العقل والحزم والرأي السديد والشوق المؤكد إلى تهذيب نفسه والولع التام إلى تكميل روحياته لغنى وكفاية عن أي ثناء على علمه المتدفق ، وفضله الكثار
، وتقدمه في علمي الكتاب والسنة . ومن المفضول أن نتعرض لاحصاء شواهد حسن تعليم النبي صلى الله عليه وآله
إياه ، وإنه كان يجيد تربيته ، ويعلمه معالم دينه ، ويفيض عليه من نمير فضله ، و يلقنه بما يحتاج إليه الانسان الكامل من المعارف الدينية ، وإن ملازمته لصاحب الرسالة وهو سيد الخزرج وإبن سادتها لم تكن خدمة بسيطة كما هو الشأن في الخدم و والاتباع من الناس ، وإنما هي كخدمة تلميذ لاستاذه للتعلم وأخذ المعارف الدينية ، و الاقتباس من انوار علمه ، ومما لا شك فيه ان النبي صلى الله عليه وآله كان يعلمه معالم دينه في كل حال يجده ، وكان قيس يغتنم الفرص ويظهر الشوق إليه ، وينم عن ذلك ما رواه إبن الاثير في اسد الغابة 4 ص‍ 215 عن قيس قال : مر بي النبي صلى الله عليه وآله وقد صليت وقال : ألا أدلك إلى باب من أبواب الجنة ؟ قلت : نعم . قال : لاحول ولا قوة إلا بالله . وسماعه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله عن أمير المؤمنين باب مدينة العلم النبوي ، و أخذه منه علمي الكتاب والسنة كما قاله لمعاوية في حديث يأتي لما جرت بينهما مناظرة وإحتج قيس عليه بكل آية نزلت في علي وبكل حديث ورد في فضله حتى قال معاوية : يابن سعد : عمن أخذت هذا ، وعمن رويته ؟ وعمن سمعته ؟ أبوك أخبرك
هامش
1 البداية 8 ص‍ 99 ، الاصابة 5 ص‍ 254 .
بذلك ؟ وعنه أخذته ؟ قال قيس : سمعته وأخذته ممن هو خير من أبي ، وأعظم حقا من أبي . قال : من ؟ قال : علي بن أبي طالب عليه السلام عالم هذه الامة وصديقها كل هذه آية محكمة تدل على إطلاعه الغزيز في المعالم الدينية ، وبرهنة واضحة تثبت طول باعه في العلوم الالهية ، ومثل قيس إذا كان أخذه وسماعه وروايته عن مثل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ينحسر البيان عن إستكناه فضله ، ويقصر التعريف عن درك مداه . ومن شواهد غزارة علمه إسلامه الراسخ ، وايمانه المستقر ، وعرفانه بأولياء الامر بعد نبيه ، وتهالكه في ولائهم ، وتفانيه في نصرتهم إلي آخر نفس لفظه ، وعدم إكتراثه لومة أي لائم ، وكان هناك قوم حناق عليه من أهل النفاق وحملة الحقد والضغينة يعيرونه بولاء العترة الطاهرة ، وعدم إيثاره على دينه عوامل النهمة ، وعدم تأثره ببواعث الفخفخة أو دواعي الجشع ، وعدم إنتظاره منهم في دولتهم لرتبة ولا راتب ، وعدم إرادته منهم على ولائه جزاء‌ا عاجلا ولا شكورا ، ويشف عن ذلك ما وقع بينه وبين حسان بن ثابت لما عزله أمير المؤمنين عن ولاية مصر ورجع إلى المدينة فإنه حينما قدمها جاء‌ه حسان شامتا به وكان عثمانيا فقال له : نزعك علي بن أبي طالب ، وقد قتلت عثمان فبقي عليك الاثم ، ولم يحسن لك الشكر . فزجره قيس وقال : يا أعمى القلب وأعمى البصر ؟ والله لولا أن القى بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك ، ثم أخرجه من عنده 1 ولو لا ان قيسا مستودع العلوم والمعارف ، ومستقى معالم الدين ، ومعقد جمان الفضيلة ، كما كانت له الشهرة الطايلة في الدهاء والحزم ، لما ولاه أمير المؤمنين عليه السلام مصر لادارة شئونها الدينية ، والمدينة ، كما فوض إليه إقامة امورها السياسية والادارية والعسكرية ، ولما كتب إليه بما مر ص‍ 71 من كلامه عليه السلام : وعلم من قبلك مما علمك الله . فإن عامل الخليفة هو مرجع تلكم الشئون كلها في الوسط الذي استعمل به ، وموئل امته في كل مشكلة دينية : كما ان له إمامة الجمعة و الجماعة ، وما كان للخليفة من منتدح عن استعمال من له الكفاية لذلك كله .
هامش
1 تاريخ الطبرى 5 ص‍ ص‍ 131 ، شرح ابن ابى الحديد 2 ص‍ 25 .
قال الماوردي في الاحكام السلطانية ص‍ 24 : وإذا قلد الخليفة أميرا على إقليم أو بلد كانت إمارته على ضربين : عامة وخاصة . فأما العامة على ضربين : إمارة إستكفاء بعقد عن إختيار ، وإمارة استيلاء بعقد عن إضطرار ، فأما إمارة الاستكفاء التي تنعقد عن اختياره ، فتشمل على عمل محدود ، ونظر معهود ، والتقليد فيها أن يفوض إليه الخليفة إمارة بلد أو إقليم ولاية على جميع أهله ، ونظرا في المعهود من ساير أعماله فيصير عام النظر فيما كان محدودا من عمل ، ومعهودا من نظر ، فيشتمل نظره فيه على سبعة امور
1 - النظر في تدبير الجيوس وترتيبهم في النواحي وتقدير أرزاقهم إلا أن يكون الخليفة قدرها فيدرها عليهم .
2 - ألنظر في الاحكام وتقليد القضاة والحكام .
3 - جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال فيهما وتفريق ما استحق منهما .
4 - حماية الدين والدب عن الحريم ومراعاة الدين من تغيير أو تبديل .
5 - إقامة الحدود في حق الله وحقوق الآدميين .
6 - ألجمع والجماعات حتى يؤم بها أو يستخلف عليها .
7 - تسيير الحجيج من عمله .
فإن كان هذا الاقليم ثغرا متآخما للعدو إقترن بها ثامن وهو : جهاد من يليه من الاعداء : وقسم غنائمهم في المقاتلة ،وأخذ خمسها لاهل الخمس ، وتعتبر في هذه الامارة ألشروط المعتبرة ف وزارة التفويض . وقال في ص‍ 20 : يعتبر في تقليد وزارة التفويض شروط الامامة إلا النسب . وذكر الشروط المعتبرة في الامامة ص‍ 4 وقال : إنها سبعة .
1 - ألعدالة على شروطها الجامعة .
2 - ألعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والاحكام .
3 - سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان .
4 - سلامة الاعضاء من نقص يمنع عن إستيفاء الحركة .
5 - ألرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح .
6 - ألشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو .
7 - ألنسب وهو أن يكون من قريش .
إذا عرفت معنى التقليد بالولاية على المسلمين ومغزاها ، ووقفت على الامور الثمانية التي ينظر إليها كل أمير بالاستكفاء بعقد عن إختيار كأمير الاسلام الكبير قيس بن سعد وإطلعت على ما بعتبر فيها من الشروط الستة المعتبرة في الامامة ووزارة التفويض ، فحدث عن فضل قيس ولاحرج .
كلمتنا الاخيرة عن قيس
إنه من عمد الدين وأركان المذهب . لعلك بعدما تلوناه عليك من فضايل المترجم له وفواضله ، وعلومه ومعارفه ، وحزمه وسداده ، وصلاحه وإصلاحه ، وتهالكه في نصرة إمامه الطاهر ، وإقامته علم الدين منذ عهد النبوة وعلى العهد العلوي الناصع ، وثباته عند تخاذل الايدي وتدابر النفوس على العهد الحسني ، ومصارحته بكلمة الحق في كل محتشد إلى آخر خياته ، وعدم إنخداعه ببهرجة الباطل ، وزبرجة الالحاد السفياني ، وثراء معاوية الطائل الهاطل عليه لخدعه عن دينه حينما بذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف عنه كما مر ص‍ 84 إنك لا تشك بعد ذلك كله في أن قيسا من عمد الدين ، وأركان المذهب ، وعظماء الامة ، ودعاة الحق ، فدون مقامه الباذخ ما في المعاجم والكتب من جمل الثناء عليه مهما بالغوا فيها . ولو لا مثل قيس في آل سعد لما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو رافع يديه : أللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة . وما كان يقول في غزوة ذي قرد :
أللهم ارحم سعدا وآل سعد ، نعم المرء سعد بن عبادة . وما كان يقول لما أكل طعاما في منزل سعد : أكل طعامكم الابرار ، وصلت عليكم الملائكة ، وأفطر عندكم الصائمون . وما كان يقول لسعد وقيس لما أتيا بزاملة تحمل زادا يوم ضلت زاملة النبي : بارك الله عليكما يا أبا ثابت 1 أبشر فقد افلحت إن الاخلاف بيد الله فمن شاء أن يمنحه منها
هامش
1 كنية سعد والد المترجم له .
خلفا صالحا منحه ، ولقد منحك الله خلفا صالحا . 1 فلينظر القارئ في قيس بن سعد إلى آثار رحمة الله ، ومظاهر صلواته ، ومجالي فضله ، وما أثرت فيه تلك الدعوة النبوية وما ظهر فيه وفي آله من بركاتها وقد حقت به الصلوات والرحمة الالهية . صلوات الله عليه ورحمته وبركاته . ولقيس محاضرة ومناظرة مع الشيخين في قصة طوق خالد ذكرها أبومحمد الديلمي ألحسن بن أبي الحسن في إرشاد القلوب 2 ص‍ 201 ، أفاضها بلسان ذلق ، وايمان مستقر
وجنان ثابت نضرب عنها صفحا تحريا للايجاز .
مشايخ قيس والرواة عنه
يروي سيد الخزرج عن النبي صلى الله عليه وآله وصنوه الطاهر ، وعن والده السعيد سعد كما في الاصابة وتهذيب التهذيب ، ومن رواياته عن والده ما أخرجه الحافظ محمد إبن عبدالعزيز الجنابذي الحنبلي في كتاب " معالم العترة " مرفوعا إلى قيس عن أبيه : انه سمع عليا رضي الله عنه يقول : أصابتني يوم احد ست عشر ضربة سقطت إلى الارض في أربع منهن فجاء رجل حسن الوجه طيب الريح فأخذ بضبعي فأقامني ثم قال : أقبل عليهم فإنك في طاعة الله وطاعة رسوله وهما عنك راضيان . قال علي : فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته فقال : يا علي ؟ أقر الله عينك ذاك جبريل كفاية الطالب ط مصر ص‍ 37 ، نور الابصار ص‍ 87 . ويروي عن عبدالله بن حنظلة بن الراهب الانصاري المقتول يوم الحرة سنة 63 وكانت الانصار قد بايعته يومئذ ، ذكر روايته عنه إبن حجر في تهذيب التهذيب 2 ص‍ 193 وج‍ 5 ص‍ 193 وج‍ 8 ص‍ 396 .
ويروي عن سيدنا قيس زرافات من الصحابة والتابعين ذكر منهم في حلية الاولياء وأسد الغابة 4 ص‍ 215 ، والاصابة 3 ص‍ 249 ، وتهذيب التهذيب 8 ص‍ 396 : 1 - أنس بن مالك الانصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وآله .
هامش
1 توجد هذه الاحاديث في امتاع المقريزى ص‍ 263 ، 515 ، تاريخ ابن عساكر 6 ص‍ 82 ، 88 ، السيرة الحلبية 3 ص‍ 8 .
2 - بكر بن سوادة يروي عن قيس حديثا في الملاهي كما في " السنن الكبرى " للبيهقى 10 : 222
3 - ثعلبة بن أبي مالك القرظي .
4 - عامر بن شراحيل الشعبي المتوفى 104 .
5 - عبدالرحمن بن أبي ليلى الانصاري خاصة أمير المؤمنين وصاحب رايته يوم
الجمل ، ضربه الحجاج حتى اسود كتفاه على سب علي فما فعل ، كان أصحاب رسول الله يسمعون لحديثه ، وينصتون له ، قال عبدالله بن حارث : ما ظننت أن النساء ولدن مثله . ووثقه إبن معين والعجلي وغيرهما توفي 81 / 2 / 3 / 6 ، ترجمه إبن خلكان 1 ص‍ 296 وكثير من أرباب المعاجم .
5 - عبدالله بن مالك الجيشاني المتوفى 77 ، ترجمه إبن حجر في تهذيبه 5 ص‍ 380 ، وحكى عن جمع ثقته ، وعن مرثد : كان أعبد أهل مصر ، يروي عن أمير المؤمنين وعمر وأبي ذر ومعاذ بن جبل وعقبة .
6 - أبوعبدالله عروة بن الزبير بن العوام الاسدي المدني .
7 - أبوعمار عريب بن حميد الهمداني . يروي عن أمير المؤمنين وحذيفة وعمار وأبي ميسرة ، وثقه أحمد وغيره ، راجع تهذيب التهذيب 7 ص‍ 191 .
8 - أبوميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي المتوفى 63 ، أثنى عليه شيخنا الشهيد الثاني في درايته وقال : تابعى فاضل من أصحاب محمد بن مسعود . وترجمه إبن حجر في الاصابة 3 ص‍ 114 ، وفي تهذيبه 8 ص‍ 47 وقال : ذكره إبن حبان في الثقات وقال : كان من العباد وكانت ركبته كركبة البعير من كثرة الصلاة .
م 9 - عمرو بن الوليد السهمي المصري المتوفى سنة 103 مولى عمرو بن العاص ، يروي عن جمع من الصحابة منهم : ألمترجم له قيس كما في تهذيب التهذيب 8 ص‍ 116 ، ومن أحاديثه عنه حديث في الملاهي أخرجه من طريقه ألبيهقي في " السنن " 10 :
10 - أبونصر ميمون بن أبي شبيب الربعي الكوفي المتوفى 83 ويقال : الرقي يروي عن أمير المؤمنين وعمر ومعاذ بن جبل وأبي ذر والمقداد وإبن مسعود ، ترجمه إبن حجر في تهذيبه .
11 - هزيل بن شرجيل الازدي الكوفي . كما في حلية الاولياء 5 ص‍ 24 ، والاصابة 3 ص‍ 620 .
- 12 ألوليد بن عبدة [ بفتح الباء مولى عمرو بن العاص ، يروي عن المترجم له كما في تهذيب إبن حجر ج 11 ص‍ 141 ، ولعله عمرو بن الوليد المذكور كما يظهر من كلام الدار قطني .
13 - أبونجيع يسار الثقفي المكي المتوفى 109 ، حكى إبن حجر في تهذيبه عن جمع ثقته ، وروى إبن الاثير في اسد الغابة 4 ص‍ 215 عنه عن قيس عن النبي صلى الله عليه وآله قوله : لو كان العلم متعلقا بالثريا لنا له ناس من فارس . م - وأخرجه أبوبكر الشيرازي المتوفى 407 في " الالقاب " كما في " تبييض الصحيفة " ص‍ 4 .
معاوية وقيس قبل وقعة صفين
ذكر غير واحد من رجال التاريخ في معاجمهم 1 : انه لما قرب يوم صفين خاف معاوية على نفسه أن يأتيه علي بأهل العراق ، وقيس بأهل مصر ، فيقع بينهما ففكر في إستدراج قيس وإختداعه فكتب إليه : أما بعد : فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان في أثرة رأيتموها ، أو ضربة سوط ضربها ، أو في شتمه رجلا ، أو تسييره أحدا ، أو في إستعماله الفتيان من أهله ، فقد علمتم أن دمه لم يحل لكم بذلك ، فقد ركبتم عظيما من الامر ، وجئتم شيئا إدا ، فتب يا قيس إلى ربك إن كنت من المجلبين على عثمان إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئا ، فأما صاحبك فإنا استيقنا أنه الذي أغرى الناس وحملهم حتى قتلوه ، وانه لم يسلم من دمه عظيم قومك فإن إستطعت أن تكون ممن يطلب بدم عثمان ؟ فبايعنا على علي في أمرنا ، ولك سلطان العراقين إن أنا ظفرت ما بقيت ، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز مادام لي سلطان ، وسلني غير هذا ما تحب فكتب إليه قيس :
هامش
1 ذكره الطبرى في تاريخه 5 ص‍ 288 ، وابن الاثير في كامله 3 ص‍ 107 ، وابن أبى الحديد في شرح النهج 2 ص‍ 23 نقلا عن كتاب الغارات لابراهيم الثقفى المتوفى 283
أما بعد : فقد وصل إلي كتابك ، وفهمت الذي ذكرت من أمر عثمان ، وذلك أمر لم اقاربه ، وذكرت ان صاحبي هو الذي أغرى الناس بعثمان ودسهم إليه حتى قتلوه وهذا أمر لم أطلع عليه ، وذكرت لي أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فلعمري إن أولى الناس كان في أمره عشيرتي ، وأما ما سألتني من مبايعتك على الطلب بدم عثمان و ما عرضته علي فقد فهمته وهذا أمر لي فيه نظر وفكر ، وليس هذا مما يعجل إلى مثله ، وأنا كاف عنك وليس يأتيك من قبلي شيئ تكرهه حتى ترى ونرى . فكتب إليه معاوية :
أما بعد : فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلما ، ولم أرك تتباعد فأعدك حربا ، أراك كحبل الجزور ، وليس مثلي يصانع بالخداع ، ولا يخدع بالمكايد ، ومعه عدد الرجال ، وبيده أعنة الخيل ، فإن قبلت الذي عرضت عليك فلك ما أعطيتك ، وإن أنت لم تفعل ملات عليك خيلا ورجلا ، والسلام .
فكتب إليه قيس :
أما بعد : فالعجب من إستسقاطك رأيي والطمع في أن تسومني - لا أبا لغيرك - ألخروج عن طاعة أولى الناس بالامر ، وأقولهم للحق ، وأهداهم سبيلا ، وأقربهم من رسول الله وسيلة ، وتأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الامر ، وأقولهم للزور ، وأضلهم سبيلا ، وأبعدهم من رسول الله وسيلة ، ولديك قوم ضالون مضلون ، طاغوت
من طواغيت إبليس ، وأما قولك : إنك تملا علي مصر خيلا ورجلا فلئن لم اشغلك عن ذلك حتى يكون منك إنك لذو جد ، والسلام .
وفي لفظ الطبري : فوالله إن لم اشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهم إليك ، إنك لذو جد . فلما آيس معاوية منه كتب اليه : 1 أما بعد : فإنك يهودي إبن يهودي ، إن ظفر أحب الفريقين إليك عزلك ، واستبدل بك ، وإن ظفر أبغضهما إليك قتلك ، ونكل بك وكان أبوك وترقوسه ، ورمى عير غرضه ،
هامش
1 من هنا كلام الجاحظ في " البيان والتبيين " 2 ص‍ 68 والكتب المذكورة توجد في تعليق البيان ص‍ 2 ص‍ 48 .
فأكثر الحز ، وأخطأ المفصل ، فخذله قومه ، وأدركه يومه ، ثم مات طريدا بحوران . والسلام .
فكتب إليه قيس :
أما بعد : فإنما أنت وثن إبن وثن ، دخلت في الاسلام كرها ، وخرجت منه طوعا ، لم يقدم ايمانك ، ولم يحدث نفاقك ، وقد كان أبي وترقوسه ، ورمى غرضه ، وشغب عليه من لم يبلغ كعبه ، ولم يشق غباره ، ونحن أنصار الدين الذين خرجت منه ، وأعداء الدين الذي دخلت فيه . والسلام . راجع كامل المبرد 1 ص‍ 309 ، ألبيان والتبيين 2 ص‍ 68 ، تاريخ اليعقوبي 2 ص‍ 163 ، عيون الاخبار لابن قتيبة 2 ص‍ 213 ، مروج الذهب 2 ص‍ 62 ، مناقب الخوارزمي
ص‍ 173 ، شرح إبن أبي الحديد 4 ص‍ 15 . لفظ الجاحظ في كتاب التاج ص‍ 109 .
كتب قيس إلى معاوية : يا وثن إبن وثن ؟ تكتب إلي تدعوني إلى مفارقة علي
إبن أبي طالب ، والدخول في طاعتك ، وتخوفني بتفرق أصحابه عنه ، وإقبال الناس عليك وإجفالهم إليك ، فوالله الذي لا إله غيره لو لم يبق له غيري ، ولم يبق لي غيره ، ما سالمتك أبدا وأنت حربه ، ولا دخلت في طاعتك وأنت عدوه ، ولا اخترت عدو الله على وليه ، ولا حزب الشيطان على حزب الله . والسلام .
كتاب مفتعل
فلما آيس معاوية من قيس أن يتابعه على أمره ، شق عليه ذلك ، وثقل عليه مكانه ، لما كان يعرف من حزمه وبأسه ، ولم تنجع حيلة فيه تكاده من قبل علي فقال لاهل الشام : إن قيسا قد تابعكم فادعو الله له ولا تسبوه ولا تدعوا إلى غزوه فإنه لنا شيعة قد تأتينا كتبه ونصيحته سرا ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا يجري عليهم عطاياهم وأرزاقهم ويحسن إليهم . واختلق كتابا ونسبه إلى قيس فقرأه على أهل الشام وهو :
بسم الله الرحمن الرحيم . للامير معاوية بن أبي سفيان من قيس بن سعد : سلام عليك ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : فإني لما نظرت لنفسي وديني فلم أر يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلما محرما برا تقيا فنستغفر الله عزوجل العصمة لذنوبنا ونسأله لديننا ، ألا وإني قد ألقيت إليكم بالسلم ، وإني أجبتك إلى قتال قتلة عثمان رضي الله عنه إمام الهدى المظلوم ، فعول علي فيما أحببت من الاموال والرجال اعجل عليك . والسلام 1
إن شنشنة التقول والافتعال غريزة ثابتة في سجايا معاوية ، ومنذ عهده شاعت الاحاديث المزورة فيما يعنيه من فضل بني امية والوقيعة في بني هاشم عترة الوحي وأنصاره يوم كان يهب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة لاهل الجباه السود فيضعون له في ذلك روايات معزوة إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله ، فإنه بذل لسمرة بن
جندب مائة ألف درهم ليروي ان قوله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه إبتغاء مرضات الله . نزل في إبن ملجم أشقى مراد . وقوله تعالى : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام . ألآية . نزل في علي أمير - المؤمنين . فلم يقبل ، فبذل له مائتي ألف درهم ، فلم يقبل ، فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل
2 وله من نظاير هذا شئ كثير .
فليس من البدع إختلاقه على قيس وهو يفتعل على سيده النبي الاطهر مالم يقله ، و على أمير المؤمنين ما لم يكن ، وعلى سروات المجد من بني هاشم الاطيبين ماهم عنه بعداء . فهو مبتدع هذه الخزايات العايدة عليه وعلى لفيفه في عهد ملوكيته المظلم ، وعلى هذا كان دينه وديدنه ، ثم تمرنت رواة السوء من بعده على رواية الموضوعات وشاعت و كثرت إلى أن ألقت العلماء وحفظة الحديث في جهود متعبة بالتأليف في تمييز الموضوع من غيره ، والخبيث من الطيب . لم يزل معاوية دائبا على ذلك متهالكا فيه حتى كبر عليه الصغير ، وشاخ الكهل وهرم الكبير ، فتداخل بغض أهل البيت عليهم السلام في قلوب ران عليها ذلك التمويه ، فتسنى له لعن أمير المؤمنين عليه السلام وسبه في أعقاب الصلوات في الجمعة والجماعات
هامش
1 تاريخ الطبرى 5 ص‍ 229 ، كامل ابن الاثير 3 ص‍ 117 ، شرح ابن أبى الحديد 2 ص‍ 24 .
2 شرح ابن أبى الحديد 1 ص‍ 361 .
وعلى صهوات المنابر في شرق الارض وغربها حتى في مهبط وحي الله ألمدينة المنورة قال الحموي في معجم البلدان 5 ص‍ 38 : لعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على منابر الشرق والغرب ولم يلعن على منبر سجستان إلا مرة وامتنعوا على بني امية حتى زادوا في عهدهم : وأن لا يلعن على منبرهم أحد . وأى شرف أعظم من إمتناعهم من لعن أخي رسول الله صلى الله عليه وآله على منبرهم وهو يلعن على منابر الحرمين مكة والمدينة . ا ه‍ . لما مات الحسن بن علي عليهما السلام حج معاوية فدخل المدينة وأراد أن يلعن عليا على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له : إن ههنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا فابعث اليه وخذ رأيه . فأرسل اليه ذكر له ذلك فقال : إن فعلت لاخرجن من المسجد ثم لا أعود اليه . فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد فلما مات لعنه على المنبر وكتب إلى عماله : أن يلعنوه على المنابر . ففعلوا فكتبت ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله إلى معاوية : انكم تعلنون الله ورسوله على منابركم وذلك انكم تلعنون علي بن ابي طالب ومن أحبه وأنا اشهد أن الله أحبه ورسوله . فلم يلتفت إلي كلامها 1 .
قال الجاحظ في كتاب الرد على الامامية : إن معاوية كان يقول في آخر خطبته : أللهم إن أبا تراب ألحد في دينك .وصد عن سبيك ، فالعنه لعنا وبيلا ، وعذبه عذابا أليما . وكتب ذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يشادبها على المنابر إلى أيام عمر بن عبدالعزيز . وإن قوما من بني امية قالوا لمعاوية : يا أمير المؤمنين ؟ إنك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن هذا الرجل . فقال : لا والله حتى يربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير ، ولا يذكر له ذاكر فضلا . وذكره إبن أبي الحديد في شرحه 1 ص‍ 356 . قال الزمخشري في ربيع الابرار على ما يعلق بالخاطر ، والحافظ السيوطي : إنه كان في أيام بني امية أكثر من سبعين ألف منبر يلعن عليها علي بن أبي طالب بماسنه لهم معاوية من ذلك . وفي ذلك يقول العلامة الشيخ أحمد الحفظي الشافعي في ارجوزته
هامش
1 العقد الفريد 2 ص‍ 300 .
وقد حكى الشيخ السيوطي : إنه قد كان فيما جعلوه سنه سبعون ألف منبر وعشره من فوقهن يلعنون حيدره وهذه في جنبها العظائم تصغر بل توجه اللوائم فهل ترى من سنها يعادى ؟ أم لا وهل يستر أو يهادى ؟ ؟ أو عالم يقول : عنه نسكت ؟ أجب فإني للجواب منصت وليت شعري هل يقال : إجتهدا كقولهم في بغيه أم ألحدا ؟ أليس ذا يؤذيه أم لا ؟ فاسمعن إن الذي يؤذيه من ومن ومن ؟ ؟ ؟
بل جاء في حديث ام سلمه : هل فيكم الله يسب مه لمه ؟ عاون أخا العرفان بالجواب وعاد من عادى أبا تراب وكان أمير المؤمنين يخبر بذلك كله ويقول : أما انه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم ، مندحق البطن 1 يأكل ما يجد ، ويطلب مالا يجد ، فاقتلوه ولن تقتلوه ، ألا وانه سيأمركم بسبي والبرائة مني . نهج البلاغة .
ونحن لو بسطنا القول في المقام لخرج الكتاب عن وضعه إذ صحايف تاريخ معاوية السوداء ومن لف لفه من بني امية إنما تعد بالآلاف لا بالعشرات والمئات .
إلصلح بين قيس ومعاوية
أمرت شرطة الخميس قيس بن سعد على أنفسهم وكان يعرف بصاحب شرطة الخميس كما في الكشي ص‍ 72 وتعاهد هو معهم على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي ولمن كان إتبعه على أموالهم ودمائهم وما أصابوا في الفتنة ، فأرسل معاوية إلى قيس يقول : على طاعة من تقاتل ؟ وقد بايعني الذي أعطيته طاعتك . فأبى قيس أن يلين له حتى أرسل اليه معاوية بسجل قد ختم عليه في أسفله وقال : اكتب في هذا ماشئت فهو لك . فقال عمرو بن العاص لمعاوية : لاتعطه هذا وقاتله . فقال معاوية : على رسلك فإنا لا نخلص إلى قتلهم حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام ، فما خير العيش بعد ذلك ؟ فإني والله لا اقاتله أبدا حتى لا أجد من قتاله بدا . فلما بعث إليه معاوية
هامش
1 مندحق البطن : واسعها . كان معاوية موصوفا بالنهم وكثرة الاكل .
2 تاريخ الطبرى 6 ص‍ 94 ، كامل ابن الاثير 3 ص‍ 163 .
ذلك السجل إشترط قيس له ولشيعة علي أمير المؤمنين عليه السلام ألامان على ما أصابوا من الدماء والاموال ، ولم يسأل في سجله ذلك مالا ، وأعطاه معاوية ما سأل و دخل قيس ومن معه في طاعته . 2
قال أبوالفرج فأرسل معاوية إليه يدعوه إلي البيعة ، فلما أرادوا إدخاله إليه قال : إني حلفت أن ألقاه إلا بيني وبينه ألرمح أوالسيف . فأمر معاوية برمح وسيف فوضعا بينهما ليبر يمينه ، فلما دخل قيس ليبايع وقد بايع الحسن عليه السلام فأقبل على الحسن عليه السلام فقال : أفي حل أنا من بيعتك ؟ فقال : نعم . فالقي له كرسي وجلس معاوية على سرير والحسن معه فقال له معاوية : أتبايع يا قيس ؟ قال : نعم . ووضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية ، فجاء معاوية من سريره وأكب على قيس حتى مسح يده وما رفع إليه قيس يده 1 .
قال اليعقوبي في تاريخه 2 ص‍ 192 : بويع معاوية بالكوفة في ذي القعدة سنة 40 و أحضر الناس لبيعته ، وكان الرجل يحضر فيقول : والله يا معاوية ؟ إني لا بايعك وإني لكاره لك . فيقول : بايع فإن الله قد جعل في المكروه خيرا كثيرا ، ويأتي الآخر فيقول : أعوذ بالله من نفسك . وأتاه قيس بن سعد بن عبادة ، فقال : بايع قيس . قال : إني كنت لاكره مثل هذ اليوم يا معاوية ؟ فقال له : مه رحمك الله . فقال : لقد حرصت أن افرق بين روحك وجسدك قبل ذلك فأبى الله يابن أبي سفيان إلا ما أحب . قال : فلا يرد أمر الله . قال : فأقبل قيس على الناس بوجهه فقال :
يا معشر الناس ؟ لقد اعتضتم الشر من الخير ، واستبدلتم الذل من العز ، و الكفر من الايمان ، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين ، وسيد المسلمين ، وابن عم رسول رب العالمين ، وقد وليكم الطليق إبن الطليق ، يسومكم الخسف ، ويسير فيكم بالعسف ، فكيف تجهل ذلك أنفسكم ؟ أم طبع الله على قلوبكم وأنتم لا تعقلون ؟ . فجثا معاوية على ركبته ثم أخذ بيده وقال : أقسمت عليك ثم صفق على كفه ونادى الناس : بايع قيس . فقال
: كذبتم والله ما بايعت . ولم يبايع لمعاوية أحد إلا اخذ عليه الايمان ، فكان أول من استحلف على بيعته .
هامش
1 شرح نهج البلاغة لابن ابى الجديد 4 ص‍ 17 .
أخرج الحافظ عبدالرزاق عن إبن عيينة قال : قدم قيس بن سعد على معاوية فقال له معاوية : وأنت يا قيس ؟ تلجم علي مع من ألجم ؟ أما الله لقد كنت احب أن لا تأتيني هذا اليوم إلا وقد ظفر بك ظفر من أظافري موجع . فقال له قيس : وأنا والله قد كنت كارها أن اقوم في هذا المقام فاحييك بهذه التحية . فقال له معاوية : ولم ؟ و هل أنت حبر من أحبار اليهود ؟ ! فقال له قيس : وأنت يا معاوية ؟ كنت صنما من أصنام الجاهلية ، دخلت في الاسلام كارها ، وخرجت منه طائعا .فقال معاوية : أللهم غفرا مد يدك . فقال له قيس : إن شئت زدت وزدت تاريخ إبن كثير 8 ص‍ 99 .
قيس ومعاوية في المدينة
بعد الصلح بينهما دخل قيس بن سعد بعد وقوع الصلح في جماعة من الانصار على معاوية فقال لهم معاوية : يا معشر الانصار ؟ بم تطلبون ما قبلي ؟ فوالله لقد كنتم قليلا معي كثيرا علي ، ولفللتم حدي يوم صفين حتى رأيت المنايا تلظى في أسنتكم ، وهجوتموني في أسلافي بأشد من وقع الاسنة ، حتى إذا أقام الله ما حاولتم ميله ، قلتم : ارع وصية
رسول الله صلى الله عليه وآله . هيهات يأبى الحقين العذرة .
فقال قيس : نطلب ما قبلك بالاسلام الكافي به الله لا بمانمت به إليك الاحزاب ، وأما عداوتنا لك فلو شئت كففتها عنك ، وأما هجاونا إياك فقول يزول باطنه ويثبت حقه ، وأما إستقامة الامر فعلى كره كان منا ، وأما فللنا حدك يوم صفين فانا كنا مع رجل نرى طاعة الله طاعته ، وأما وصية رسول الله بنا فمن آمن به رعاها بعده ، وأما قولك : يأبى الحقين العذرة . فليس دون الله يد تحجزك منا يا معاوية ؟ فدونك أمرك يا معاوية ؟ فإنما مثلك كما قال الشاعر :
يالك من قبرة بمعمر خلالك الجو فبيضي واصفري
فقال معاوية يموه : إرفعوا حوائجكم . ألعقد الفريد 2 ص‍ 121 ، مروج الذهب 2 ص‍ 63 ، الامتاع والمؤانسة 3 ص‍
بيان قول معاوية : يأبى الحقين العذرة . مثل ساير ، أصله : أن رجلا نزل بقوم فاستسقاهم لبنا فاعتلوا عليه وزعموا أن لا لبن عندهم ، وكان اللبن محقونا في وطاب عندهم ، يضرب به الكاذب الذي يعتذر ولا عذر له ، يعني : أن اللبن المحقون لديكم يكذبكم في عذركم . فما في مروج الذهب من : يأبي الحقير العذرة . وفي العقد الفريد أبي الخبير العذر . فهو تصحيف .
قيس ومعاوية في المدينة
روى التابعي الكبير أبوصادق سليم بن قيس الهلالي في كتابه قال : قدم معاوية حاجا في أيام خلافته بعد ما مات الحسن بن علي عليها السلام فاستقبله أهل المدينة فنظر فإذا الذين استقبلوه عامهم قريش فالتفت معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة فقال : ما فعلت الانصار ، وما بالها ما تستقبلني ؟ ؟ ! ! فقيل
: إنهم محتاجون ليس لهم دواب .
فقال معاوية : فأين نواضحهم ؟
فقال قيس بن سعد : أفنوها يوم بدر واحد وما بعدهما من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله حين ضربوك وأباك على الاسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون .
فقال معاوية : أللهم اغفر .
فقال قيس : أما إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : سترون بعدي أثرة
. فقال معاوية : فما أمركم به ؟ قال أمرنا أن نصبر حتى نلقاه . قال : فاصبروا حتى تلقونه .
ثم قال يا معاوية : تعيرنا بنواضحنا ؟ والله لقد لقيناكم عليها يوم بدر وأنتم جاهدون على إطفاء نور الله ، وأن تكون كلمة الشيطان هي العليا ، ثم دخلت أنت وأبوك كرها في الاسلام الذي ضربناكم عليه .
فقال معاوية : كأنك تمن علينا بنصرتكم إيانا فلله
ولقريش بذلك المن والطول . ألستم تمنون علينا يا معشر الانصار بنصرتكم رسول الله وهو من قريش وهو إبن عمنا ومنا ، فلنا المن والطول إن جعلكم الله أنصارنا وأتباعنا فهداكم بنا . فقال قيس :
إن الله بعث محمد صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين فبعثه إلى الناس كافة ، وإلى الجن والانس والاحمر والاسود والابيض إختاره لنبوته ، واختصه برسالته ، فكان أول من صدقه وآمن به إبن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام وأبوطالب يذب عنه ويمنعه ويحول بين كفار قريش وبين أن يردعوه أو يؤذوه وأمره أن يبلغ رسالة ربه ، فلم يزل ممنوعا من الضيم والاذى حتى مات عمه أبوطالب وأمر إبنه بموازرته فوازره ونصره ، وجعل نفسه دونه في كل شديدة وكل ضيق وكل خوف ، واختص الله بذلك عليا عليه السلام من بين قريش ، وأكرمه من بين جميع العرب والعجم ، فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله جميع بني عبدالمطلب فيهم أبوطالب وأبولهب وهم يومئذ أربعون رجلا فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وخادمه علي عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله في حجر عمه أبي طالب فقال : أيكم ينتدب أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في امتي وولي كل مؤمن بعدي . فسكت القوم حتى أعادها ثلاثا ، فقال علي عليه السلام : أنا يا رسول الله ؟ صلى الله عليك . فوضع رأسه في حجره وتفل في فيه وقال : أللهم املا جوفه علما وفهما وحكما . ثم قال لابي طالب : يا أبا طالب ؟ اسمع الآن لابنك وأطع فقد جعله الله من نبيه بمنزلة هارون من موسى . وآخى صلى الله عليه وآله بين علي وبين نفسه . فلم يدع قيس شيئا من مناقبه إلا ذكره واحتج به .
وقال : منهم : جعفر بن أبي طالب الطيار في الجنة بجناحين إختصه الله بذلك من بين الناس . ومنهم : حمزة سيد الشهداء . ومنهم : فاطمة سيدة نساء أهل الجنة . فإذا وضعت من قريش رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته وعترته الطيبين فنحن والله خير منكم يا معشر قريش ؟ وأحب إلى الله ورسوله وإلى أهل بيته منكم ، لقد قبض رسول الله فاجتمعت الانصار إلى ابي ثم قالوا : نبايع سعدا فجائت قريش فخاصمونا بحجة علي وأهل بيته ، وخاصمونا بحقه وقرابته ، فما يعدوا قريش أن يكونوا ظلموا الانصار وظلموا آل محمد ، ولعمري ما لاحد من الانصار ولا لقريش ولا لاحد من العرب والعجم في الخلافة حق مع علي بن أبي طالب وولده من بعده .
فغضب معاوية وقال : يا بن سعد ؟ عمن أخذت هذا ؟ وعمن رويته ؟ وعمن
سمعته ؟ أبوك أخبرك بذلك وعنه أخذته ؟ ؟ ! ! فقال قيس : سمعته وأخذته ممن هو خير من أبي وأعظم علي حقا من أبي . قال : من ؟ قال : علي بن أبي طالب عالم هذه الامة ، وصديقها ؟ الذي أنزل الله فيه : قل كفى بالله شهيدا بينيوبينكم ومن عنده علم الكتاب - فلم يدع آية نزلت في علي إلا ذكرها - قال معاوية : فإن صديقها أبوبكر ، وفاروقها
عمر والذي عنده علم الكتاب عبدالله بن سلام .
قال قيس : أحق هذه الاسماء وأولى بها الذي أنزل الله فيه : أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ، والذي نصبه رسول الله صلى الله عليه وآله بغدير خم فقال : من كنت مولاه أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه ، وقال في غزوة تبوك : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي
كل ما ذكره قيس في هذه المناظرة من الآيات النازلة في أمير المؤمنين ، والاحاديث النبوية المأثورة في فضله ، أخرجها الحفاظ والعلماء في المسانيد والصحاح نذكر كلا منها في محله إنشاء الله كما مر بعضها .
قيس في خلقته
إن للاشكال والهيئات دخلا في مواقع الابهة والاكبار ، فإنها هي التي تملا العيون بادئ بدء ، وهي أول ما تقع عليه النظر من الانسان قبل كل ما انحنت عليه أضالعه ، من جاش رابط ، وبطولة وبسالة ، ودهاء وحزم ، ولذلك قيل : إن للهيئة قسطا من الثمن ، وهذا في الملوك والامراء ، وذوي الشئون الكبيرة آكد ، فإن الرعية تتفرس في العظيم في جثته عظما في معنوياته ، وتترسم منه كبر نفسياته ، وشدة أمره ، ونفوذ عزائمه ، وترضخ له قبل الضئيل الذي يحسب انه لا حول له ولا طول ، وإنه يضعف دون إدارة الشئون طوقه وأوقه ، ولذلك ان الله سبحانه لما عرف طالوت لبني اسرائيل ملكا عرفه بأنه أوتي بسطة في العلم والجسم ، فبعلمه يدير شئون الشعب الدينية والمدنية .ويكون ما أوتي من البسطة في الجسم من مؤكدات الابهة و الهيبة التي هي كقوة تنفيذية لمواد العلم وشئونه . إن سيد الانصار " قيس " لما لم يدع الله سبحانه شيئا من صفات الفضيلة ظاهرة وباطنة إلا وجمعه فيه من علم ، وعمل ، وهدى ، وورع ، وحزم ، وسداد ، وعقل ، ورأي ودهاء ، وذكاء ، وإمارة ، وحكومة ، ورياسة وسياسة ، وبسالة ، وشهامة ، وسخاء ، و كرم ، وعدل ، وصلاح ، لم يشأ يخليه عن هذه الخاصة المربية بمقام العظماء .
فقال شيخنا الديلمي في إرشاده 2 ص‍ 325 : إنه كان رجلا طوله ثمانية عشر شبرا في عرض خمسة أشبار ، وكان أشد الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين . وقال أبوالفرج :
كان قيس رجلا طوالا يركب الفرس المشرف ورجلاه يخطان في الارض . ومر ص 77 عن المنذر بن الجارود انه رء‌آه في الزاوية على فرس أشقر تخط رجلاه في الارض .
وقال أبوعمر والكشي في رجاله ص‍ 73 : كان قيس من العشرة الذين لحقهم النبي صلى الله عليه وآله من العصر الاول ممن كان طولهم عشرة أشبار بأشبار أنفسهم ، وكان قيس وأبوه سعد طولهما عشر أشبار بأشبارهم . وعن كتاب الغارات لابراهيم الثقفي انه قال : كان قيس طوالا أطول الناس وأمدهم قامة ، وكان سناطا أصلع شيخا شجاعا مجربا مناصحا لعلي ولولده ولم يزل على ذلك إلى أن مات .
عد الثعالبي في " ثمار القلوب " ص‍ 480 من الامثال الدائرة والمضافات المعروفة والمنسوب السائر : سراويل قيس . وقال : إنه يضرب مثلا لثوب الرجل الضخم الطويل ، وكان قيصر بعث إلى معاوية بعلج من علوج الروم طويل جسيم ، معجبا بكمال خلقته و إمتداد قامته ، فعلم معاوية انه ليس لمطاولته ومقاومته إلا قيس بن سعد بن عبادة فإنه
كان أجسم الناس وأطولهم ، فقال له يوما وعنده العلج : إذا أتيت رحلك فابعث إلي بسراويلك . فعلم قيس مراده فنزعها ورمى بها إلى العلج والناس ينظرون فلبسها العلج فطالت إلى صدره ، فعجب الناس وأطرق الرومي مغلوبا ، وليم قيس على ما فعل بحضرة معاوية فأنشد يقول :
أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا : غاب قيس وهذه سراويل عاد قد نمته ثمود
وإني من القوم اليمانين سيد وما الناس إلا سيد ومسود
وبز جميع الناس أصلي ومنصبي وجسم به أعلو الرجال مديد
ورواها إبن كثير في " البداية والنهاية " 8 ص‍ 103 بتغيير فيها ثم قال : وفي رواية : أن ملك الروم بعث إلى معاوية برجلين من جيشه يزعم أن أحدهما أقوى الروم والآخر أطول الروم : فانظر هل في قومك من يفوقهما في قوة هذا وطول هذا ؟ فإن كان في قومك من يفوقهما بعثت إليك من الاسارى كذا وكذا ومن التحف كذا وكذا ، وإن لم يكن في جيشك من هو أقوى وأطول منهما فهادني ثلاث سنين . فلما حضروا عند معاوية قال : من لهذا القوي ؟ فقالوا : ماله إلا أحد رجلين إما محمد بن الحنفية أو عبدالله بن الزبير ، فجيئ بمحمد بن الحنفية وهو إبن علي بن أبي طالب فلما إجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية : أتعلم فيم أرسلت إليك ؟ قال : لا . فذكر له أمر الرومي وشدة بأسه فقال للرومي : إما أن تجلس لي أو أجلس لك ، وتناولني يدك أو اناولك يدي فأينا قدر على أن يقيم الآخر من مكانه غلبه وإلا فقد غلب . فقال له : ماذا تريد ؟ تجلس أو أجلس ؟
فقال له الرومي : بل اجلس أنت . فجلس محمد بن الحنفية وأعطى الرومي يده فاجتهد الرومي بكل ما يقدر عليه من القوة أن يزيله من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك ولا وجد إليه سبيلا ، فغلب الرومي عند ذلك وظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم انه قد غلب ، ثم قام محمد بن الحنفية فقال للرومي : اجلس لي . فجلس وأعطى محمدا يده فما أمهله أن أقامه سريعا ورفعه في الهواء ثم ألقاه على الارض ، فسر بذلك معاوية سرورا عظيما ، ونهض قيس بن سعد فتنحى عن الناس ثم خلع سراويله وأعطاها لذلك الرومي الطويل فبلغت إلى ثدييه وأطرافها تخط بالارض ، فاعترف الرومى بالغلب وبعث ملكهم ما كان إلتزمه لمعاوية .
يستفيد القارئ من أمثال هذه الموارد من التاريخ ان أهل البيت عليهم السلام و شيعتهم كانوا هم المرجع لحل المشكلات من كل الوجوه كما أن مولاهم أمير المؤمنين عليه السلام كان هو المرجع الفذ فيها لدى الصدر الاول . وفاته قال الواقدي وخليفة بن خياط والخطيب البغدادي في تاريخه 1 ص‍ 179 وإبن كثير في تاريخه 8 ص‍ 102 وغيرهم بكثير : إنه توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية . فإن عدت سنة وفاة معاوية من سني خلافته فالمترجم له توفي في سنة ستين ، وإلا ففي تسع وخمسين ، ولعل هذا منشأ ترديد إبن عبدالبر في الاستيعاب وإبن الاثير في اسد الغابة في تاريخ وفاته بين السنتين ، ففي الاول : انه توفي سنة ستين . وقيل تسع وخمسين في آخر خلافة معاوية ، وفي الثاني بالعكس ، وذكر إبن الجوزي سنة 59 وتبعه إبن كثير في تاريخه ، وهناك قول لابن حبان متروك قال : إنه هرب من معاوية ومات سنة 85 في خلافة عبدالملك . ذكره إبن حجر في الاصابة 3 ص‍ 249 ، وأستصوب قول
خليفة ومن وافقه .
بيت قيس
كان في العصور المتقادمة آل قيس من أشرف بيوتات الانصار ، وما زال منبثق أنوار العلم والمجد في أدواره ، بين زعيم ، وحافظ ، وعالم ، ومحدث ، ومشفوع بالصلاح والقداسة ، منهم :
أبويعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عمار بن يحيى بن العباس بن عبدالرحمن بن سالم بن قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الانصاري . ترجم له السمعاني في " الانساب " وقال : من أشرف بيت في الانصار ، ومن أوحد مشايخ نيسابور في الثروة والعدالة والورع والقبول والاتقان من الرواية ، وأكثرهم طلبا للحديث والفهم والمعرفة ، سمع بنيسابور محمد بن رافع ، وإسحاق بن منصور ، وعبدالرحمن بن بشير بن الحكم ، وبالعراق عمر بن شبه النميري ،
والحسن بن محمد بن الصباح ، ومحمد بن إسماعيل الاحمسي ، وأحمد بن سنان القطان ، وبالحجاز بحر بن نصر الخولاني ، وبالري أبا زرعة ، ومحمد بن مسلم بن داره ، روى عنه أبوإسحاق إبراهيم بن عبدوس ، ومحمد بن شريك الاسفرايني ، وأبوأحمد إسماعيل بن يحيى بن زكريا ، مات في جمادى الآخر سنة 317 بنيسابور .
ومنهم : أبوبكر محمد بن أبي نصر أحمد بن العباس بن الحسن بن جبلة بن غالب بن جابر بن نوفل بن عياض بن يحيى بن قيس بن سعد الانصاري إلشهير بالعياضي
( بكسر العين ) ذكره السمعاني في " الانساب " وقال : من أهل سمرقند كان فقيها جليلا من رؤساء البلدة والمنظورين إليهم ، روى عن أبي علي محمد بن محمد بن الحرث الحافظ لسمرقندي لقيه أبوسعد الادريسي 1 ولم يكتب عنه شيئا . 2 ومنهم : أبوأحمد بن أبي نصر العياضي أخو ابي بكر العياضي المذكور ] . ومنهم : إبن المطري أبومحمد عبدالله بن محمد بن أحمد بن خلف بن عيسى بن عساس بن يوسف بن بدر بن عثمان الانصاري الخزرجي العبادي المدني . قال أبوالمعالي السلامي في " المختار " كما في منتخبه ص‍ 72 : إنه من ولد قيس بن سعد بن عبادة .
كان حافظ وقته ، حسن الاخلاق ، كثير العبادة ، جميل العشرة مع العلماء ورواد العلم ، إرتحل في سماع الحديث إلى الشام ومصر والعراق ، ورأى في حياته كوارث ، نهبت داره سنة 742 وحبس مدة ثم اطلق ، له كتاب ( الاعلام فيمن دخل المدينة من الاعلام )
هامش
1 ابوسعد عبدالرحمن بن محمد الاسترابادى نزيل سمرقند والمتوفى بها في سلخ ذى الحجة سنة 405 .
2 وذكره وأخاه محيى الدين ابن أبى الوفاء في " الجواهر المضية " ص‍ 13 .
سمع الحديث بالمدينة المشرفة من أبي حفص عمر بن أحمد السوداني ، وبالقاهرة من أبي الحسن علي بن عمر الواني ، ويوسف بن عمر الختني ، ويوسف بن محمد الدبابيسي ، وبالاسكندرية من عبدالرحمن بن مخلوف بن جماعة ، وبدمشق من أحمد بن أبي طالب بن الشحنة ، والقاسم بن عساكر ، وأبي نصر إبن الشيرازي ، وببغداد من محمد بن عبدالمحسن الدواليبي . توفي بالمدينة المشرفة في ربيع الاول سنة 765 . 1 ومنهم : أبوالعباس أحمد بن محمد بن عبدالمعطي بن أحمد بن عبدالمعطي بن مكي بن طرد بن حسين بن مخلوف بن أبي الفوارس بن سيف الاسلام 2 بن قيس بن سعد بن عبادة الانصاري المكي المالكي النحوي ، المولود سنة 709 والمتوفى في المحرم سنة 808 ، ترجم له السيوطي في " بغية الوعاة " ص‍ 161 .
ألحمد لله
وسلام على عباده الذين اصطفى
هامش
1 أخذناها من " منتخب المختار " ص‍ 72 ، " الدرر الكامنة " ص‍ 284 .
2 أحسب هنا سقطا في النسب كما لا يخفى .
فهرس ترجمة
عمرو بن العاص السهمي
قصيدته الجلجلية وما يتبعها - 114 - 118
نسبه اما وأبا - 120 - 126
حديث إسلامه - 126
عشرون كلمة تمثل عمرا - 127 - 156
حديث شجاعته - 156 - 158
اميرالمؤمنين وعمرو في المعركة - 158 - 166
الاشتر وعمرو في المعركة - 166 - 171
درس دين واخلاق - 171 - 175
وفاة عمرو - 175 - 176

عمرو بن العاص ألمتوفى سنة 43

معاوية الحال لا تجهل وعن سبل الحق لا تعدل
نسيت إحتيالي في جلق على أهلها يوم لبس الحلي ؟
وقد أقبلوا زمرا يهرعون مهاليع كالبقر الجفل 1
وقولي لهم : إن فرض الصلاة بغير وجودك لم تقبل
فولوا ولم يعبأوا بالصلاة ورمت النفار إلى القسطل
ولما عصيت إمام الهدى وفي جيشه كل مستفحل
أبا البقر البكم أهل الشأم لاهل التقى والحجى ابتلي ؟
فقلت : نعم ، قم فإني أرى قتال المفضل بالافضل
فبي حاربوا سيد الاوصياء بقولي : دم طل من نعثل 2
وكدت لهم أن أقاموا الرماح عليها المصاحف في القسطل
وعلمتهم كشف سوء‌اتهم لرد الغضنفرة المقبل
فقام البغاة على حيدر وكفوا عن المشعل المصطلي
نسيت محاورة الاشعري ونحن على دومة الجندل ؟
ألين فيطمع في جانبي وسهمي قد خاض في المقتل
خلعت الخلافة من حيدر كخلع النعال من الارجل
وألبستها فيك بعد الاياس كلبس الخواتيم بالانمل
ورقيتك المنبر المشمخر بلا حد سيف ولا منصل
ولو لم تكن أنت من أهله ورب المقام ولم تكمل
هامش
1 أهرع : اسرع . الهلع : الجزع . الجفل : النفر والشرد .
2 طل الدم : هدر أو لم يثار له فهو طليل ومطلول ومطل .
وسيرت جيش نفاق العراق كسير الجنوب مع الشمأل
وسيرت ذكرك في الخافقين كسير الحمير مع المحمل
وجهلك بي يابن آكلة ال‍ - كبود لاعظم ما ابتلي
فلولا موازرتي لم تطع ولولا وجودي لم تقبل
ولولاي كنت كمثل النساء تعاف الخروج من المنزل
نصرناك من جهلنا يابن هند على النبأ الاعظم الافضل
وحيث رفعناك فوق الرؤوس نزلنا إلى أسفل الاسفل
وكم قد سمعنا من المصطفى وصايا مخصصة في علي ؟
وفي يوم " خم " رقى منبرا يبلغ والركب لم يرحل
وفي كفه كفه معلنا ينادي بأمر العزيز العلي
ألست بكم منكم في النفوس بأولى ؟ فقالوا : بلى فافعل
فأنحله إمرة المؤمنين من الله مستخلف المنحل
وقال : فمن كنت مولى له فهذا له اليوم نعم الولي
فوال مواليه ياذا الجلا ل وعاد معادي أخ المرسل
ولا تنقضوا العهد من عترتي فقاطعهم بي لم يوصل
فبخبخ شيخك لما رأى عرى عقد حيدر لم تحلل
فقال : وليكم فاحفظوه فمدخله فيكم مدخلي
وإنا وما كان من فعلنا لفي النار في الدرك الاسفل
وما دم عثمان منج لنا من الله في الموقف المخجل
وإن عليا غدا خصمنا ويعتز بالله والمرسل 2
يحاسبنا عن أمور جرت ونحن عن الحق في معزل
فما عذرنا يوما كشف الغطا ؟ لك الويل منه غدا ثم لي
إلا يابن هند أبعت الجنان بعهد عهدت ولم توف لي
هامش
1 في بعض النسخ : وبلغ والصحب لم ترحل .
2 في رواية الخطيب التبريزى : سيحتج بالله والمرسل .
وأخسرت اخراك كيماتنال يسير الحطام من الاجزل
وأصبحت بالناس حتى استقام لك الملك من ملك محول
وكنت كمقتنص في الشراك 1 تذود الظماء عن المنهل
كأنك أنسيت ليل الهرير بصفين مع هولها المهول
وقد بت تذرق ذرق النعام حذارا من البطل المقبل
وحين أزاح جيوش الضلا ل وافاك كالاسد المبسل
وقد ضاق منك عليك الخناق وصار بك الرحب كالفلفل 2
وقولك : يا عمرو ؟ أين المفر من الفارس القسور المسبل ؟
عسى حيلة منك عن ثنيه فإن فؤدادي في عسعل
وشاطرتني كلما يستقيم من الملك دهرك لم يكمل
فقمت على عجلتي رافعا وأكشف عن سوأتي أذيلي
فستر عن وجهه وانثنى حياء وروعك لم يعقل
وأنت لخوفك من بأسه هناك ملات من الافكل 3
ولما ملكت حماة الانام ونالت عصاك يد الاول
منحت لغيري وزن الجبال ولم تعطني زنة الخردل
وأنحلت مصرا لعبدالملك 4 وأنت عن الغي لم تعدل
وإن كنت تطمع فيها فقد تخلى القطا من يد الاجدل
وإن لم تسامح إلى ردها فإني لحوبكم مصطلي
بخيل جياد وشم الانوف وبالمرهفات وبالذبل
وأكشف عنك حجاب الغرور وأيقظ نائمة الاثكل
فإنك من إمرة المؤمنين ودعوى الخلافة في معزل
ومالك فيها ولا ذرة ولا لجدودك بالاول
هامش
1 أقتنص الطير أو الظبى : اصطاده .
2 الفلفل : القرب بين الخطوات .
3 الافكل : الرعدة من الخوف .
4 عبدالملك بن مروان والد الخلفاء الامويين .
فإن كان بينكما نسبة فأين الحسام من المنجل ؟
وأين الحصا من نجوم السما ؟ وأين معاوية من علي ؟
فإن كنت فيها بلغت المنى ففي عنقي علق الجلجل 1
ما يتبع الشعر
هذه القصيدة المسماة بالجلجلية كتبها عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان في جواب كتابه إليه يطلب خراج مصر ويعاتبه على إمتناعه عنه ، توجد منها نسختان في مجموعتين في المكتبة الخديوية بمصر كما في فهرستها المطبوع سنة 1307 ج 4 ص‍ 314 وروى جملة منها إبن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2 ص‍ 522 وقال : رأيتها بخط أبي زكريا يحيى 2 بن علي الخطيب التبريزي المتوفى 502 . وقال الاسحاقي في " لطايف أخبار الدول " ص‍ 41 : كتب معاوية إلى عمرو بن العاص : انه قد تردد كتابي إليك بطلب خراج مصر وأنت تمتنع وتدافع ولم تسيره فسيره إلي قولا واحدا وطلبا جازما ، والسلام .
فكتب إليه عمرو بن العاص جوابا وهي القصيدة الجلجلية المشهورة التي أولها :
معاوية الفضل لا تنس لي وعن نهج الحق لا تعدل
نسيت إحتيالي في جلق على أهلها يوم لبس الحلي ؟
وقد أقبلوا زمرا يهرعون ويأتون كالبقر المهل
ومنها ايضا :
ولولاي كنت كمثل النساء تعاف الخروج من المنزل
نسيت محاورة الاشعري ونحن على دومة الجندل ؟
وألعقته عسلا باردا وأمزجت ذلك بالحنظل 3
هامش
1 مثل يضرب راجع مجمع الامثال للميدانى ص‍ 195 .
2 احد ائمة اللغة والنحو قال ابن ناصر : كان ثقة في النقل وله المصنفات الكثيرة . كذا ترجم له ابن كثير في تاريخه 12 ص‍ 171 . 3 في رواية الخطيب التبريزي : فالمظه عسلا باردا وأخبأ من تحته حنظلى
ألين فيطمع في جانبي وسهمي قد غاب في المفصل
وأخلعتها منه عن خدعة كخلع النعال من الارجل
وألبستها فيك لماعجزت كلبس الخواتيم في الانمل
ومنها أيضا :
ولم تك والله من أهلها ورب المقام ولم تكمل
وسيرت ذكرك في الخافقين كسير الجنوب مع الشمأل
نصرناك من جهلنا يابن هند على البطل الاعظم الافضل
وكنت ولن ترها في المنام فزفت إليك ولا مهر لي
وحيث تركنا أعالي النفوس نزلنا إلى أسفل الارجل
وكم قد سمعنا من المصطفى وصايا مخصصة في علي
ومنها أيضا :
وإن كان بينكما نسبة فأين الحسام من المنجل ؟
وأين الثريا وأين الثرى ؟ وأين معاوية من علي ؟
فلما سمع معاوية هذه الابيات لم يتعرض له بعد ذلك . ا ه‍ .
وذكر الشيخ محمد الازهري في شرح مغني اللبيب 1 ص‍ 82 هذه الابيات برمتها
حرفيا نقلا عن تاريخ الاسحاقي غير انه حذف قوله :
وحيث تركنا أعالي النفوس نزلنا إلى أسفل الارجل
وذكر منها ثلاث عشر بيتا إبن شهر اشوب في " المناقب " 3 ص‍ 106 . وأخذ منها السيد الجزايري في " الانوار النعمانية " ص‍ 43 عشرين بيتا . وذكر برمتها الزنوزي في الروضة الثانية من رياض الجنة وقال : هذه القصيدة تسمى بالجلجلية لما في آخرها : وفي عنقي علق الجلجل . وخمسها بطولها ألشاعر المفلق ألشيخ عباس الزيوري البغدادي ، وقفت عليه في ديوانه المخطوط المصحح بقلمه ، ويوجد التخميس في إحدى نسختي المكتبة الخديوية بمصر . يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون .
ألشاعر عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بالتصغير بن سهم بن عمرو بن هصيص إبن كعب بن لوي القرشي أبومحمد وأبوعبدالله . أحد دهاة العرب الخمس ، منه بدئت الفتن وإليه تعود ، وتقحمه في البوائق والمخاريق ثابت مشهور تضمنته طيات الكتب ، وتناقلته الآثار والسير ، وإذا إسترسلت في الكلام عن الجور والفجور فحدث عنه ولا حرج ، كما تجده في كلمات الصحابة الاولين ، فالبغل نغل وهو لذلك أهل 1 ويقع الكلام في ترجمته عن نواحي شتى .
نسبه
أبوه هو الابتر بنص الذكر الحميد إن شانئك هو الابتر وعليه أكثر أقوال المفسرين والعلماء 2 وفي بعض التفاسير وإن جاء ترديد بينه وبين أبي جهل وأبي لهب وعقبة بن أبي معيط وغيرهم إلا أن القول الفصل ما ذكره ألفخر الرازي من : أن كلا من أولئك كانوا يشنئون رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أن ألهجهم به وأشدهم شنئة ألعاص إبن وائل . فالآية تشملهم أجمع ، ويخص اللعين بخزي آكد ، ولذلك اشتهر بين المفسرين انه هو المراد .
قال الرازي في تفسيره 8 ص‍ 503 ، روي ان العاص بن وائل كان يقول : إن محمدا أبتر لا إبن له يقوم مقامه بعده ، فإذا مات إنقطع ذكره ، واسترحتم منه ، وكان قد مات إبنه عبدالله من خديجة ، وهذا قول إبن عباس ومقاتل والكلبي وعامة أهل التفسير . وقال ص‍ 504 بعد نقل الاقوال الاخر : ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول ، فلذلك اشتهرت الروايات بان الآية نزلت فيه .
وروى التابعي الكبير سليم بن قيس الهلالي في كتابه : أن الآية نزلت في
هامش
1 مثل يضرب لمن لؤم اصله فخبث فعله .
2 راجع الطبقات لابن سعد 1 ص‍ 115 ، والمعارف لابن قتيبة ص‍ 124 ، وتاريخ ابن عساكر 7 ص‍ 330 . المترجم نفسه ، كان أحد شانئي رسول الله صلى الله عليه وآله لما مات ولده إبراهيم فقال : إن محمدا قد صار أبتر لا عقب له . وذكره بذلك أمير المؤمنين في أبيات له تأتي فقال : إن يقرنوا وصيه والابترا شاني الرسول واللعين الاخزرا وذكره بذلك عمار بن ياسر يوم صفين وعبدالله بن جعفر في حديثيهما الآتيين . فالمترجم له هو الابتر إبن الابتر وبذلك خاطبه أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب له يأتي بقول : من عبدالله أمير المؤمنين إلى الابتر ابن الابتر عمرو بن العاص شانئ محمد وآله محمد في الجاهلية والاسلام .
تعرفنا الآية الكريمة المذكورة ان كل معزو إلى العاص من الولد من ذكر أو انثى من المترجم له أو غيره ليسوا لرشدة ، فمن هنا تعرف فضيلة عمرو من ناحية النسب ، أضف إلى ذلك حديث امه ليلى العنزية الجلانية . كانت امه ليلى أشهر بغي بمكة وأرخصهن اجرة ، ولما وضعته إدعاها خمسة كلهم أتوها غير أن ليلى ألحقته بالعاص لكونه أقرب شبها به ، وأكثر نفقة عليها ، ذكرت ذلك أروى بنت الحارث بن عبدالمطلب لما وفدت إلى معاوية فقال لها : مرحبا بك
يا عمة ؟ فكيف كنت بعدنا ؟ فقالت : يابن أخي ؟ لقد كفرت يد النعمة ، وأسأت لابن عمك الصحبة ، وتسميت بغير إسمك ، وأخذت غير حقك ، من غير بلاء كان منك ولا من آبائك ، ولا سابقة في الاسلام ، ولقد كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأتعس الله منكم الجدود ، وأصعر منكم الخدود ، حتى رد الله الحق إلى أهله ، وكانت كلمة الله هي العليا ، ونبينا محمد صلى الله عليه وآله هو المنصور على من ناواه ولو كره المشركون ، فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظا ونصيبا وقدرا حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله مغفورا ذنبه ، مرفوعا درجته ، شريفا عند الله مرضيا ، فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبحون أبناء‌هم ويستحيون نساء‌هم ، وصار إبن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول : يابن ام إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ، ولم يجمع بعد رسول الله لنا شمل ، ولم يسهل لنا وعر ، وغايتنا الجنة ، وغايتكم النار .
فقال لها عمرو بن العاص : أيها العجوز الضالة ؟ اقصري من قولك ، وغضي من طرفك . قالت : ومن أنت ؟ لا ام لك . قال : عمرو بن العاص . قالت يابن اللخناء النابغة تتكلم وأمك كانت أشهر إمرأة بمكة وآخذهن لاجرة ، إربع على ظلعك 1 وأعن بشأن نفسك فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها ، ولقد إدعاك ستة 2 نفر من قريش كله يزعم انه أبوك فسألت امك عنهم فقالت : كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به ، فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به ، ولقد رأيت امك أيام منى بمكة مع كل عبد عاهر ، فأتم بهم فإنك بهم أشبه . 3
وقال الامام السبط الحسن الزكي سلام الله عليه بمحضر من معاوية وجمع آخر :
أما أنت يابن العاص فإن أمرك مشترك ، وضعتك امك مجهولا من عهر وسفاح ، فتحاكم فيك أربعة 4 من قريش فغلب عليك جزارها ، ألامهم حسبا ، وأخبثهم منصبا ، ثم قام أبوك فقال : أنا شانئي محمد الابتر فأنزل الله فيه ما أنزل . 5 وعده الكلبي أبوالمنذر هشام المتوفى 206 / 4 في كتابه " مثالب العرب " الموجود
عندنا - ممن يدين بسفاح الجاهلية ، وقال في باب تسمية ذوات الرايات : وأما النابغة ام عمرو بن العاص : فإنها كانت بغيا من طوايف مكة فقدمت مكة ومعها بنات لها ، فوقع عليها العاص بن وائل في الجاهلية في عدة من قريش منهم : أبولهب ، وأمية بن خلف ، وهشام بن المغيرة ، وأبوسفيان بن حرب ، في طهر واحد فولدت عمرا فاختصم القوم جميعا فيه كل يزعم أنه إبنه ، ثم إنه أضرب عنه ثلاثة وأكب عليه إثنان : العاص بن وائل ، وأبوسفيان بن حرب فقال أبوسفيان : أنا والله وضعته في حر امه . فقال العاص : ليس هو كما تقول
هامش
1 مثل يضرب لمن يتوعد . ربع في المكان أى اقام به . الظلع : العرج . يقال : ظلع البعير أى غمز في مشيته فالمعنى : لا تجاوز حدك في وعيدك ، وأبصر نقصك وعجزك عنه .
2 في العقد الفريد ، وروض المناظر : خمسة .
3 بلاغات النساء ص‍ 27 ، العقد الفريد 1 ص‍ 164 ، روض المناظر 8 ص‍ 4 ، ثمرات الاوراق 1 ص‍ 132 ، دايرة المعارف لفريد وجدى 1 ص‍ 215 ، جمهرة الخطب 2 ص‍ 363 .
4 في لفظ الكلبى وسبط ابن الجوزى : خمسة .
5 اخذنا هذه الجملة من حديث المهاجاة الطويلة الواقعة بين الامام الحسن بن على وبين عمرو بن العاص ، والوليد بن عقبة ، وعتبة بن ابى سفيان ، والمغيرة بن شعبة ، في مجلس معاوية رواه ابن ابى الحديد في شرحه 2 ص‍ 101 نقلا عن كتاب المفاخرات للزبير بن بكار ، وذكره سبط ابن الجوزى في التذكرة ص‍ 114 . هو إبني فحكما امه فيه فقالت : للعاص . فقيل لها بعد ذلك : ما حملك على ما صنعت و أبوسفيان أشرف من العاص ؟ فقالت : إن العاص كان ينفق على بناتي ، ولو ألحقته بأبي سفيان لم ينفق علي العاص شيئا وخفت الضيعة ، وزعم إبنها عمرو بن العاص ان امه إمرأة من غنزة بن أسد بن ربيعة .
وكان الزناة الذين إشتهروا بمكة جماعة منهم هاؤلآء المذكورون وامية بن عبد شمس ، وعبدالرحمن بن الحكم بن أبي العاص أخو مروان بن الحكم ، وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية ، وعقبة بن أبي معيط . 1
وعده الكلبي من الادعياء في باب - أدعياء الجاهلية - وقال : قال الهيثم : ومن الادعياء عمرو بن العاص ، وامه النابغة حبشية ، واخته لامه ارينب بضم الالف وكانت تدعي لعفيف بن أبي العاص ، وفيها قال عثمان لعمرو بن العاص : لمن كانت تدعى اختك ارينب يا عمرو ؟ فقال : لعفيف بن أبي العاص . قال عثمان : صدقت . إنتهى .
وروى أبوعبيدة معمر بن المثنى المتوفى 209 / 11 في كتاب " الانساب " : ان عمرا اختصم فيه يوم ولادته رجلان : أبوسفيان ، والعاص ، فقيل : لتحكم امه فقالت : إنه من العاص بن وائل . فقال أبوسفيان . أما إني لا أشك إنني وضعته في رحم امه فأبت إلا العاص فقيل لها : أبوسفيان أشرف نسبا . فقالت : إن العاص بن وائل كثير النفقة علي وأبوسفيان شحيح . ففي ذلك يقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص حيث هجاه مكافئا له عن هجاء رسول الله صلى الله عليه وآله :
أبوك أبوسفيان لا شك قد بدت لنا فيك منه بينات الدلائل
ففاخر به إما فخرت ولا تكن تفاخر بالعاص الهجين بن وائل
وإن التي في ذاك يا عمرو حكمت فقالت رجاء عند ذاك لنائل
: من العاص عمرو تخبر الناس كلما تجمعت الاقوام عند المحامل 2
وقال الزمخشري في " ربيع الابرار " : كانت النابغة ام عمرو بن العاص أمة لرجل من عنزة بالتحريك فسبيت فاشتراها عبدالله بن جذعان التيمي بمكة فكانت
هامش
1 والى هنا ذكره سبط ابن ألجوزى في تذكرته ص‍ 117 عن المثالب .
2 شرح ابن ابى الحديد 2 ص‍ 101 .
بغيا . ثم ذكر نظير الجملة الاولى من كلام الكلبي ونسب الابيات المذكورة إلى أبي سفيان بن الحرث بن عبدالمطلب . وقال : جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن امه ولم تكن بمنصب مرضي فأتاه بمصر أميرا عليها فقال : أردت أن أعرف ام الامير . فقال : نعم ، كانت امرأة من عنزة ، ثم من بني جلان تسمى ليلى وتلقب النابغة ، إذهب وخذ ما جعل لك 1 وقال الحلبي في سيرته 1 ص‍ 46 في نكاح البغايا . ونكاح الجمع . من أقسام نكاح الجاهلية : ألاول أن يطأ البغي جماعة متفرقين واحدا بعد واحد فإذا حملت وولدت الحق الولد بمن غلب عليه شبهه منهم . ألثاني : أن تجتمع جماعة دون العشرة ويدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايا كلهم يطؤوها فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت وهو إبنك يا فلان .
تسمي من أحبت منهم فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منهم الرجل إن لم يغلب شبهه عليه ، وحينئذ يحتمل أن يكون أم عمرو بن العاص رضي الله عنه من القسم الثاني فإنه يقال : إنه وطئها أربعة هم : العاص ، وأبولهب ، وامية ، وأبو سفيان ، و إدعي كلهم عمرا فألحقته بالعاص لانفاقه على بناتها . ويحتمل أن يكون من القسم الاول ويدل عليه ما قيل : إنه الحق بالعاص لغلبة شبهه عليه ، وكان عمرو يعير بذلك عيره علي وعثمان والحسن وعمار بن ياسر وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم .
و سيأتي ذلك في قصة قتل عثمان عند الكلام على بناء مسجد المدينة 2 .
عبدالله وعمرو
روى الحافظ إبن عساكر في تاريخ الشام 7 ص‍ 330 : إن عمرو بن العاص قال لعبد الله بن جعفر الطيار ذي الجناحين في مجلس معاوية : يابن جعفر ؟ يريد تصغيره .
فقال له : لئن نسبتني إلى جعفر فلست بدعي ولا أبتر ثم ولى وهو يقول :
هامش
1 ورواه المبرد في الكامل ، ابن قتيبة في عيون الاخبار 1 ص‍ 284 ، ابن عبدالبر في الاستيعاب ، وذكر في شرح النهج لابن ابى الحديد 2 ص‍ 100 ، جمهرة الخطب 2 ص‍ 19 .
2 ذكر قتل عثمان عند الكلام على بناء المسجد ج 2 ص‍ 72 - 88 ولم يوجد هناك شيئ مما او عزاليه .
تعرضت قرن الشمس وقت ظهيرة لتستر منه ضوء‌ه بظلامكا
كفرت اختيارا ثم آمنت خيفة وبغضك إيانا شهيد بذلكا
عبدالله وعمرو
أخرج الحافظ إبن عساكر في تاريخه 7 ص - 438 : إن عبدالله بن أبي سفيان إبن الحارث بن عبدالمطلب الهاشمي قدم معاوية وعنده عمرو فجاء الآذن فقال : هذا عبدالله وهو بالباب : فقال : إئذن له . فقال عمرو : يا أمير المؤمنين ؟ لقد أذنت لرجل كثير الخلوات للتلهي ، والطربات للتغني ، صدوف عن السنان ، محب للقيان ، كثير مزاحه ، شديد طماحه ، ظاهر الطيش ، لين العيش ، أخاذ للسلف ، صفاق للشرف
فقال عبدالله : كذبت يا عمرو ؟ وأنت أهله ليس كما وصفت ولكنه : لله ذكور ، ولبلاء‌ه شكور ، وعن الخنا زجور ، سيد كريم ، ماجد صميم ، جواد حليم ، إن ابتدأ أصاب ، وإن سئل أجاب ، غير حصر ولا هياب ، ولا فاحش عياب ، كذلك قضى الله في الكتاب ، فهو كالليث الضرغام ، ألجرئ المقدام ، في الحسب القمقام ، ليس بدعي ولا دني كمن إختصم فيه من قريش شرارها فغلب عليه جزارها ، فأصبح ينوء بالدليل ، ويأوي فيها إلي القليل ، قد بدت بين حيين ، وكالساقط بين المهدين ، لا المعتزي إليهم قبلوه ، ولا الظاعن عنهم فقدوه ، فليت شعري بأي حسب تنازل للنضال ؟ أم بأي قديم تعرض للرجال ؟ أبنفسك ؟ فأنت الخوار الوغد الزنيم . أم بمن تنتمي إليه ؟
فأنت أهل السفه والطيش والدناء‌ة في قريش ، لا بشرف في الجاهلية شهر ، ولا بقديم في الاسلام ذكر ، غير انك تنطق بغير لسانك ، وتنهض بغير أركانك ، وأيم الله إن كان لاسهل للوعث 1 وألم للشعث 2 أن يكعمك 3 معاوية على ولوعك باعراض قريش كعام الضبع في وجاره 4 فأنت لست لها بكفي ، ولا لاعراضها بوفى . قال : فتهيأ عمرو للجواب فقال له معاوية : نشدتك الله إلا ما كففت . فقال عمرو : يا أمير المؤمنين دعني أنتصر فإنه لم يدع شيئا . فقال معاوية : أما في مجلسك هذا فدع الانتصار و
هامش
1 الوعث بالفتح : العسر الغليظ .
2 يقال : لم الله شعثهم . أى جمع أمرهم .
3 يقال : كعم البعير . أى شد فمه لئلا يعض أو ياكل .
4 الوجار بكسر الواو وفتحها : حجر الضبع وغيرها
عليك بالاصطبار . وأشار إلى هذه القصة إبن حجر في الاصابة 2 ص‍ 320 .
إسلامه
إن الذي حدانا إليه يقين لا يخالجه شك بعد الاخذ بمجامع ما يؤثر عن الرجل في شئونه وأطواره : أنه لم يعتنق الدين إعتناقا ، وإنما إنتحله إنتحالا وهو في الحبشة ، نزل بها مع عمارة بن الوليد لاغتيال جعفر وأصحابه رسل النبي الاعظم تنتهي إليه الانباء عن أمر الرسالة ، ويبلغه التقدم والنشور له ، وسمع من النجاشي قوله : أتسالني أن اعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الاكبر الذي كان يأتي موسي لتقتله ؟ فقال :
أيها الملك ؟ أكذلك هو ؟ فقال : ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده 1 .
فراقه التزلف إلى صاحب الرسالة بالتسليم له فلم ينكفئ إلى الحجاز إلى طمعا في رتبة ، أو وقوفا على لماظة من العيش ، أو فرقا من البطش الالهي بالسلطة النبوية . فنحن لا نعرفه في غضون هاتيك المدد التي كان يداهن فيها المسلمين و يصانعهم إبقاء‌ا لحياته ، وإستدرارا لمعاشه ، إلا كما نعرفه يوم كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وآله بقصيدة ذات سبعين بيتا فلعنه صلى الله عليه وآله عدد أبياته . وهو كما قال أمير المؤمنين : متى ما كان للفاسقين وليا ، وللمسلمين عدوا ؟ ؟ وهل يشبه إلا امه التي دفعت به . 2 وكان كما يأتي عن أمير المؤمنين من قوله : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن إستسلموا ، وأسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منا .
قال إبن أبي الحديد في الشرح 1 ص‍ 137 : قال شيخنا أبوالقاسم البلخي رحمه الله تعالى : قول عمرو بن العاص لمعاوية لما قاله معاوية : يا أبا عبدالله ؟ إني لاكره لك أن تتحدث العرب عنك إنك إنما دخلت في هذا الامر لغرض الدنيا : دعنا عنك . كناية عن الالحاد بل تصريح به ، أي : دع هذا الكلام لا أصل له ، فإن إعتقاد الآخرة و إنها لاتباع بعرض الدنيا من الخرافات ، وما زال عمرو بن العاص ملحدا ما تردد قط في الالحاد والرندقة وكان معاوية مثله .
هامش
1 سيرة ابن هشام 3 ص‍ 319 وغير واحد من كتب السيرة النبوية والتاريخ . 29 تذكرة خواص الامة ص‍ 56 ، السيرة الحلبيه وغيرهما .
وقال في ج‍ 2 ص‍ 113 : نقلت أنا من كتب متفرقة كلمات حكمية تنسب إلى عمرو بن العاص إستحسنتها وأوردتها لاني لا أجحد الفاضل فضله وإن كان دينه عندي غير مرضي . وقال في ص‍ 114 : قال شيخنا أبوعبدالله : أول من قال بالارجاء المحض معاوية وعمرو بن العاص ، كانا يزعمان انه لا يضر مع الايمان معصية ، ولذلك قال معاوية لمن قال : حاربت من تعلم وإرتكبت ما تعلم . فقال : وثقت بقوله تعالى : إن الله يغفر الذنوب جميعا .
وقال في ج 2 ص‍ 179 : وأمامعاوية فكان فاسقا مشهورا بقلة الدين والانحراف عن الاسلام ، وكذلك ناصره ومظاهره على أمره عمرو بن العاص ومن تبعهما من طغام أهل الشام وأجلافهم وجهال الاعراب ، فلم يكن أمرهم خافيا في جواز محاربتهم و إستحلال قتالهم . وهناك كلمات ذكرت في مصادر وثيقة تمثل الرجل بين يدي القاري بروحياته و حقيقته ، وتخبره بعجره وبجره 1 وإليك نماذج منها :
1. كلمة النبى الاعظم
دخل زيد بن أرقم على معاوية فإذا عمرو بن العاص جالس معه على السرير فلما رأى ذلك زيد جاء حتى رمى بنفسه بينهما فقال له : عمرو بن العاص : أما وجدت لك مجلسا إلا أن تقطع بيني وبين أمير المؤمنين ؟ فقال زيد : إن رسول الله صلى الله عليه و آله غزا غزوة وأنتما معه فرء‌اكما مجتمعين فنظر إليكما نظرا شديدا ثم راء‌كما اليوم الثاني واليوم الثالث كل ذلك يديم النظر إليكما فقال في اليوم الثالث : إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ففرقوا بينهما فإنهما لن يجتمعا على خير . كذا أخرجه إبن مزاحم في كتاب " صفين " ص‍ 112 ورواه إبن عبد ربه في " العقد الفريد " 2 ص‍ 290 عن عبادة بن الصامت وفيه : إنه صلى الله عليه وآله قاله في غزوة تبوك ولفظه : إذا رأيتموهما إجتمعا ففرقوا بينهما فإنهما لا يجتمعان على خير . بجميع عيوبه .

هامش
1 العجر : العروق المتعقدة . البحر : العروق المتعقدة في البطن . مثل يضرب لمن يخبر
128
2. كلمة أمير المؤمنين
روى أبوحيان التوحيدي في " الامتاع والمؤانسة " 3 ص‍ 183 قال : قال الشعبي : ذكر عمرو بن العاص عليا فقال : فيه دعابة فبلغ ذلك عليا فقال : زعم إبن النابغة إني تلعابة ، تمراحة ، ذو دعابة ، اعافس ، وامارس . هيهات يمنع من العفاس والمراس 1 ذكر الموت وخوف البعث والحساب ، ومن كان له قلب ففي هذا من هذا له واعظ وزاجر ، أما وشر القول ألكذب ، إنه ليعد فيخلف ، ويحدث فيكذب ، فإذا كان يوم الباس فإنه زاجر وآمر ما لم تأخذ السيوف بهام الرجال ، فإذا كان ذاك فأعظم مكيدته في نفسه أن يمنح القوم إسته . ورواه بهذا اللفظ شيخ الطايفة في أماليه ص‍ 82 من طريق الحافظ إبن عقدة .
صورة اخرى على رواية الشريف الرضي
عجبا لابن النابغة يزعم لاهل الشام ان في دعابة ، وإني إمرؤ تلعابة ، اعافس وامارس ، لقد قال باطلا ، ونطق آثما ، أما وشر القول ألكذب ، إنه ليقول فيكذب ، ويعد فيخلف ، ويسأل فيلحف ، ويسئل فيبخل ، ويخون العهد ، ويقطع الال ، فإذا كان عند الحرب فأي زاجر وآمر هو ؟ ؟ ! ! ما لم تأخذ السيوف مآخذها ، فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبته ، أما والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت ، وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة ، وإنه لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يؤتيه أتية ، ويرضخ له على ترك الدين رضيخة . 2 - نهج البلاغة - 1 ص‍ 145 .
صورة اخرى على رواية إبن قتيبة
قال زيد بن وهب : قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه : عجبا لابن النابغة يزعم إني تلعابة ، اعافس وامارس ، أما وشر القول أكذبه ، إنه يسأل فيلحف ، و يسئل فيبخل ، فإذا كان عند البأس فإنه امرؤ زاجر مالم تؤخذ السيوف مآخذها من هام القوم ، فإذا كان كذلك كان أكبر همه أن يبر قط ويمنع الناس إسته ، قبحه الله وترحه . عيون الاخبار 1 ص‍ 164 .
هامش
1 العفاس بالكسر : الفساد المراس : العبث واللعب .
2 يقال : رضخ له من ماله رضيخة . أى : قليلا من كثير .
صورة اخري على رواية إبن عبد ربه
ذكر عمرو بن العاص عند علي بن أبي طالب فقال فيه علي : عجبا لابن الباغية يزعم إني بلقائه اعافس وامارس ، ألا وشر القول أكذبه ، إنه يسأل فيلحف ، و ويسئل فيبخل ، فإذا أحمر البأس ، وحمى الوطيس ، وأخذت السيوف مآخذها من هام الرجال لم يكن له هم إلا غرقة ثيابه ، ويمنح الناس إسته ، فضه الله وترحه . ألعقد الفريد 2 ص‍ 287
3. كلمة اخرى له عليه السلام
لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يوم صفين يدعون إلى حكم القرآن قال علي عليه السلام : عباد الله ؟ أنا أحق من أجاب إلى كتاب الله ولكن معاوية ، وعمرو بن العاص ، وإبن أبي معيط ، وحبيب بن مسلمة ، وإبن أبي سرح ، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، إني أعرف بهم منكم ، صحبتهم أطفالا ، وصحبتهم رجالا ، فكانوا شر أطفال ، وشر رجال ، إنها كلمة حق يراد بها الباطل ، إنهم والله ما رفعوها ، إنهم يعرفونها ولا يعملون بها ، وما رفعوها لكم إلا خديعة ومكيدة . كتاب صفين لابن مزاحم ص‍ 264
4. كلمة اخرى له عليه السلام
قال أبوعبدالرحمن المسعودي : حدثني يونس بن أرقم بن عوف عن شيخ من بكر بن وائل قال : كنا مع علي بصفين فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة في رأس رمح فقال ناس : هذا لواء عقده له رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يزالوا كذلك حتى بلغ عليا فقال علي : هل تدرون ما أمر هذا اللواء ؟ إن عدو الله عمرو بن العاص أخرج له رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الشقة فقال : من يأخذها بما فيها ؟ فقال عمرو : و ما فيها يا رسول الله ؟ قال : فيها أن لا تقاتل به مسلما ، ولا تقربه من كافر . فأخذها ، فقد والله قربه من المشركين وقاتل به اليوم المسلمين ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن إستسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عداوتهم منا إلا أنهم لم يدعوا الصلاة . كتاب صفين لابن مزاحم ص‍ 110 .
5. كتاب أمير المؤمنين إلى عمرو
من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى الابتر إبن الابتر عمرو بن العاص بن وائل شانئ محمد وآله محمد في الجاهلية والاسلام . سلام على من إتبع الهدى - أما بعد - فإنك تركت مروء‌تك لامرى فاسق مهتوك ستره ، يشين الكريم بمجلسه ، ويسفه الحليم بخلطته ، فصار قلبك لقلبه تبعا كما قيل : وافق شن طبقة 1 فسلبك دينك وأمانتك ودنياك وآخرتك ، وكان علم الله بالغا فيك ، فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذا ما الليل دجا ، أو أتى الصبح يلتمس فاضل سؤره ، وحوايا فريسته ، ولكن لا نجاة من القدر ، ولو بالحق أخذت لادركت ما رجوت ، وقد رشد من كان الحق قائده ، فإن يمكن الله منك ومن إبن آكلة الاكباد ألحقتكما بمن قتله الله من ظلمة قريش على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإن تعجزا 2 وتبقيا بعدي فالله حسبكما ، وكفى بإنتقامه إنتقاما ، وبعقابه عقابا . والسلام .
فائدة هذا الكتاب بهذه الصورة ذكرها إبن أبي الحديد 3 في شرحه 4 ص‍ 61 نقلا عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم ولم نجده فيه فمن أمعن النظر في جل ما نقله إبن أبي الحديد عن هذا الكتاب يعلم بأن المطبوع منه هو مختصره لا أصله وهو أكبر من الموجود بكثير .
صورة اخرى له
فإنك قد جعلت دينك تبعا لدنيا امرئ ظاهر غيه ، مهتوك ستره ، يشين الكريم بمجلسه ، ويسفه الحليم بخلطته ، فاتبعت أثره ، وطلبت فضله ، إتباع الكلب للضرغام ، يلوذ بمخالبه ، وينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته ، فأذهب دنياك وآخرتك ، ولو بالحق أخذت ، أدركت ما طلبت ، فإن يمكن الله منك ومن ابن أبي سفيان أجزكما بما قدمتما ، وإن تعجزا وتبقيا فما أمامكما شر لكما . والسلام . نهج البلاغة 2 ص‍ 64

هامش
1 مثل ساير له قصة يستفاد منها . شن : اسم رجل . طبقة : اسم امرأة : راجع مجمع الامثال للميدانى 2 ص‍ 321 .
2 عجز الشى : مؤخره .
3 وذكره عنه الدكتور احمد زكى صفوت في جمهرة الرسائل 1 ص‍ 486 .
6. خطبة أمير المؤمنين بعد التحكيم
لما خرجت الخوارج وهرب أبوموسى إلى مكة ورد علي عليه السلام إبن عباس إلى البصرة قام في الكوفة خطيبا فقال : ألحمد لله ، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح ، والحدث الجليل ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه إله غيره ، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله - أما بعد - : فإن معصية الناصح الشفيق العالم المجرب ، تورث الحسرة ، وتعقب الندامة ، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري ، ونحلت لكم مخزون رأيي ، لو كان يطاع لقصير أمر 1 فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة ، والمنابذين العصاة ، حتى إرتاب الناصح بنصحه ، وضن الزند بقدحه ، فكنت أنا وإياكم كما قال أخو هوازن 2 : أمرتكم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلاضحى الغد ألا ؟ إن هذين الرجلين : عمرو بن العاص وأبا موسى الاشعري اللذين إخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما ، وأحييا ما أمات القرآن ، و أماتا ما أحيى القرآن ، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله ، فحكما بغير حجة بينة ، ولا سنة ماضية ، واختلفا في حكمهما ، وكلاهما لم يرشد 3 ، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين ، واستعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام . ألامامة والسياسة 1 ص‍ 119 ، تاريخ الطبري 6 ص‍ 45 ، مروج الذهب 2 ص‍ 35 ، نهج البلاغة 1 ص‍ 44 ، كامل ابن الاثير 3 ص‍ 146 . ذكر إبن كثير في تاريخه 7 ص‍ 286 هذه الخطبة ولما لم يعجبه ذكر أهل العيث والفساد بما هم عليه ، أولم يره صادرا من أهله في محله ، أولم يرض أن تطلع
الامة الاسلامية على حقيقة عمرو بن العاص وصويحبه فبتر الخطبة وذكرها إلى
هامش
1 قصير هو مولى جذيمة الابرش ، وكان قد اشار على سيده ان لا يامن الزباء ملكة الجزيرة ، وقد دعته اليها ليزوجها ، فخالفه وقصد اليها فقتلته فقال قصير : لايطاع لقصير امر . فذهب مثلا .
2 دريد بن الصمة .
3 في الامامة والسياسة : لم يرشدهما الله .
آخر البيت فقال : ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به وأنبهما ، و قال ما فيه حط عليهما 1 .
وهناك لامير المؤمنين عليه السلام في خطبه كلمات كثيرة حول الرجل مثل قوله : قد سار إلى مصر إبن النابغة عدو الله وولي من عادى الله . وقوله : إن مصرا إفتتحها الفجرة أولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله وبغوا الاسلام عوجا . 1 نضرب عنها صفحا روما للاختصار .
7. قنوت امير المؤمنين بلعن عمرو
م - أخرج أبويوسف القاضي في " الآثار " ص‍ 71 من طريق إبراهيم قال : إن
عليا رضي الله عنه قنت يدعو على معاوية رضي الله عنه حين حاربه فأخذ أهل الكوفة عنه ، وقنت معاوية يدعو على علي فأخذ أهل الشام عنه .وروى الطبري في تاريخه 6 ص‍ 40 قال : كان علي إذا صلى الغداة يقنت فيقول : أللهم ؟ العن معاوية ، وعمرا ، وأبا الاعور السلمي ، وحبيبا ، وعبدالرحمن بن خالد ، والضحاك بن قيس ، والوليد . فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت لعن عليا ، وابن عباس ، والاشتر ، وحسنا ، وحسينا . ورواه نصر بن مزاحم في كتاب صفين ص‍ 302 وفي ط مصر ص‍ 636 وفيه :
كان علي إذا صلى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاة يقول : أللهم ؟ العن معاوية ، و عمرا ، وأباموسى ، وحبيب بن سلمة . إلى آخر الحديث باللفظ المذكور ، غير ان فيه : قيس بن سعد مكان الاشتر .
م - وقال إبن حزم في المحلى 4 : 145 : كان علي يقنت في الصلوات كلهن ، و كان معاوية يقنت ايضا ، يدعو كل واحد منهما على صاحبه .ورواه الوطواط في " الخصايص " ص‍ 330 وزاد فيه : ولم يزل الامرعلى ذلك برهة من ملك بني امية إلى أن ولي عمر بن عبدالعزيز ألخلافة فمنع من ذلك . وذكره إبن الاثير في " اسد الغابة " 3 ص‍ 144 بلفظ الطبري .
م - وقال أبوعمر في " الاستيعاب " في الكنى في ترجمة أبي الاعورالسلمي : كان
هامش
1 تاريخ الطبرى 6 ص‍ 61 و 62 .
هو وعمرو بن العاص مع معاوية بصفين ، وكان من أشد من عنده على علي رضي الله عنه ،
وكان علي رضي الله عنه يذكره في القنوت في صلاة الغداة يقول : أللهم عليك به . مع قوم يدعو
عليهم في قنوته . وذكره على لفظ الطبري أبوالفدا في تاريخه 1 : 179 .
م - وقال الزيلعي في نصب الراية 2 : 131 : قال إبراهيم : واهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن علي ، قنت يدعو على معاوية حين حاربه ، وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية قنت يدعو على علي .ورواه أبوالمظفر سبط إبن الجوزى الحنفي في تذكرته ص‍ 59 بلفظ الطبري حرفيا إلى قنوت معاوية وزاد فيه : محمد بن الحنفية ، وشريح بن هاني . وذكره إبن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 1 ص‍ 200 نقلا عن كتابي صفين لابن ديزيل المترجم له ج‍ 1 ص‍ 73 ونصر بن مزاحم . وذكره الشبلنجي في " نور الانصار " ص‍ 110 .
8. دعاء عايشة على عمرو
لما بلغ عايشة قتل محمد بن أبي بكر جزعت عليه جزعا شديدا وجعلت تقنت وتدعو في دبر الصلاة على معاوية وعمرو بن العاص . رواه الطبري في تاريخه 6 ص‍ 60 ، إبن الاثير في " الكامل " 3 ص‍ 155 ، إبن كثير في تاريخه 7 ص‍ 314 ، إبن أبي الحديد في شرح النهج 2 : 33 .
9. الامام الحسن الزكى وعمرو
روى الزبير بن بكار في كتاب " المفاخرات " قال : إجتمع عند معاوية عمرو بن العاص ، والوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وعتبة بن أبي سفيان بن حرب ، والمغيرة بن شعبة ، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي عليه السلام قوارص 1 وبلغه عنهم مثل ذلك فقالوا : يا أمير المؤمنين ؟ إن الحسن قد أحيا أباه وذكره ، وقال فصدق ، وأمر فاطيع ، وخفقت له النعال ، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه ، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوء‌نا . قال معاوية : فما تريدون : ؟ قالوا : إبعث عليه فليحضر لنسبه ونسب أباه ونعبره ونوبخه ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك ، ولا يستطيع أن
هامش
1 الكلمة القارصة : التى تنغص وتؤلم . ج قوارص .
يغير علينا شيئا من ذلك . قال معاوية : إني لا أرى ذلك ولا أفعله . قالوا : عزمنا عليك يا أمير المؤمنين ؟ لتفعلن . فقال : ويحكم لا تفعلوا فوالله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي . قالوا : إبعث إليه على كل حال . قال : إن بعثت إليه لانصفنه منكم . فقال عمرو بن العاص : أتخشى أن يأتي باطله على حقنا ؟ أو يربي قوله على قولنا ؟ قال معاوية : أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أنه يتكلم بلسانه كله . قالوا : مره بذلك . قال . أما إذا عضيتموني وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له في القول واعلموا انهم أهل بيت لا يعيبهم العائب ، ولا يلصق بهم العار ، ولكن إقذفوه بحجره تقولون له : إن أباك قتل عثمان ، وكره خلافة الخلفاء من قبله .
فبعث إليه معاوية فجاء‌ه رسوله فقال : إن أمير المؤمنين يدعوك . قال : من عنده ؟
فسماهم ، فقال الحسن عليه السلام : مالهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون . ثم قال : يا جارية ؟ ابغيني ثيابي ، أللهم ؟ إني أعوذ بك من شرورهم ، وأدرأبك في نحورهم ، وأستعين بك عليهم ، فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت بحول منك وقوة يا أرحم الراحمين . ثم قام فدخل على معاوية . إلى أن قال :
فتكلم عمرو بن العاص فحمد الله وصلى على رسوله ثم ذكر عليا عليه السلام فلم يترك شيئا يعيبه به إلا قاله ، وقال : إنه شتم أبا بكر وكره خلافته وامتنع من بيعته ثم بايعه مكرها ، وشرك في دم عمر ، وقتل عثمان ظلما ، وادعى من الخلافة ما ليس له : ثم ذكر الفتنة يعيره بها وأضاف إليه مساوي . وقال : إنكم يا بني عبدالمطلب ؟ لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء وإستحلالكم ما حرم الله من الدماء ، وحرصكم على الملك ، وإيتانكم ما لا يحل ، ثم إنك يا حسن ؟ تحدث نفسك إن الخلافة صائرة إليك ، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه ، كيف ترى الله سبحانه ، سلبك عقلك ، وتركك أحمق قريش يسخر منك ويهزأ بك ، وذلك لسوء عمل أبيك ، وإنما دعوناك لنسبك وأباك ، فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره ، وأما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال ، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله ، ولا عيب من الناس ، فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا ؟ فإن كنت ترى انا كذبنا في شئ فاردده علينا فيما قلنا ، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان .
فتكلم الحسن بن علي عليهما السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله إلى أن قال لعمرو بعد جمل ذكرت ص‍ 122 : وقاتلت رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع المشاهد ، وهجوته وآذيته بمكة ، وكدته كيدك كله ، وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة ، ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة ، فلما أخطأك ما رجوت ، ورجعك الله خائبا ، وأكذبك واشيا ، جعلت حسدك على صاحبك عمارة بن الوليد فوشيت به إلى النجاشي حسدا لما ارتكب من حليلته ففضحك الله وفضح صاحبك ، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والاسلام ،
ثم إنك تعلم وكل هؤلاء الرهط يعلمون : أنك هجوت رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين بيتا من الشعر ، فقال رسول الله : أللهم ؟ إني لا أقول الشعر ولا ينبغي لي ، أللهم ؟ العنه بكل حرف ألف لعنة . فعليك إذن من الله مالا يحصى من اللعن .
وأما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت عليه الدنيا نارا ثم لحقت بفلسطين فلما أتاك قتله قلت : أنا أبوعبدالله إذا نكأت أي : قشرت قرحة أدميتها . ثم حبست نفسك إلى معاوية ، وبعت دينك بدنياه ، فلسنا نلومك على بغض ، ولا نعاتبك على ود ، وبالله ما نصرت عثمان حيا ، ولا غضبت له مقتولا ، ويحك يابن العاص ؟ ألست القائل ؟ في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشي :
تقول إبنتي : أين هذا الرحيل ؟ وما السير مني بمستنكر
فقلت : ذريني فإني امرؤ اريد النجاشي في جعفر
لاكويه عنده كية اقيم بها نخوة الاصعر
وشانئ أحمد من بنيهم وأقولهم فيه بالمنكر
وأجري إلى عتبة جاهدا ولو كان كالذهب الاحمر
ولا أنثني عن بني هاشم وما اسطعت في الغيب والمحضر
فإن قبل العتب مني له وإلا لويت له مشفري 1
تذكرة سبط إبن الجوزي ص‍ 14 ، شرح إبن أبي الحديد 2 ص‍ 103 ، جمهرة الخطب ج 2 ص‍ 12 .
هامش
1 لوى الحبل : فتله . لوت الناقة بذنبها والوت : حركته . المشفر : الشدة والمنعة .
بيان قوله عليه السلام : لتأتي بجعفر وأصحابه إلى مكة . يشير إلى هجرته الثانية إلى الحبشة وقد هاجر إليها من المسلمين نحو ثلاثة وثمانين رجلا وثمان عشر إمرأة . وكان من الرجال جعفر بن أبي طالب ، ولما رأت قريش ذلك أرسلت في أثرهم عمرو بن العاص وعمارة الوليد بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليسلم المسلمين ، فرجعا خائبين ، وأبى النجاشي أن يخفر ذمته .
قوله عليه السلام : لما إرتكب من حليلته . ذلك : إن عمرا وعمارة ركبا البحر إلى الحبشة وكان عمارة جميلا وسيما تهواه النساء ، وكان مع عمرو بن العاص إمرأته ، فلما صاروا في البحر ليالي أصابا من خمر معها فانتشى عمارة فقال لامرأة عمرو : قبليني . فقال لها عمرو : قبلي إبن عمك . فقبلته ، فهواها عمارة وجعل يراودها عن نفسها ، فامتنعت منه ، ثم إن عمرا أجلس على منجاف 1 السفينة يبول فدفعه عمارة في البحر ، فلما وقع عمرو سبح حتى أخذ بمنجاف السفينة ، وضغن على عمارة في نفسه ، وعلم أنه كان أراد قتله ، ومضيا حتى نزلا الحبشة ، فلما إطمأنا بها لم يلبث عمارة أن دب لامرأة النجاشي فأدخلته فاختلف إليها ، وجعل إذا رجع من مدخله ذلك يخبر عمرا بما كان من أمره فيقول عمرو : لا اصدقك إنك قدرت على هذا ، إن شأن هذا المرأة أرفع من ذلك ، فلما أكثر عليه عمارة بما كان يخبره ورأى عمرو من حاله وهيئته ومبيته عندها حتى يأتي إليه من السحر ما عرف به ذلك قال له : إن كنت صادقا فقل لها : فلتدهنك بدهن النجاشي الذي لا يدهن به غيره ، فإني أعرفه وآتني بشيئ منه حتى اصدقك . قال :
أفعل . فسألها ذلك فدهنته منه وأعطته شيئا في قارورة ، فقال عمرو ، أشهد أنك قد صدقت لقد أصبت شيئا ما أصاب أحد من العرب مثله قط : إمرأة الملك . ما سمعنا بمثل هذا ، ثم سكت عنه حتى إطمأن ودخل على النجاشي فأعلمه شأن عمارة وقدم إليه الدهن . فلما أثبت أمره دعا بعمارة ودعا نسوة اخر فجردوه من ثبابه ، ثم أمرهن ينفخن في إحليله حتى خلى سبيله فخرج هاربا . عيون الاخبار لابن قتيبة 1 ص‍ 37 ، الاغاني 9 ص‍ 56 ، شرح النهج لابن أبي الحديد 2 ص‍ 107 ، قصص العرب 1 ص‍ 89 .
هامش
1 منجاف السفينة : سكانها الذى تعدل به .
10. كتاب ابن عباس إلى عمرو
كتب إبن عباس مجيبا إلى عمرو بن العاص : أما بعد : فإني لا أعلم رجلا من العرب أقل حياء‌ا منك ، انه مال بك معاوية إلى الهوى ، وبعته دينك بالثمن اليسير ، ثم خبطت بالناس في عشوة طمعا في الملك ، فلما لم تر شيئا ، أعظمت الدنيا إعظاما أهل الذنوب وأظهرت فيها نزهة أهل الورع ، لا تريد بذلك إلا تمهيد الحرب ، وكسر أهل الدين ، فإن كنت تريد الله بذلك فدع مصر ، وارجع إلى بيتك ، فإن هذه الحرب ليس فيها معاوية كعلي ، بدأها علي بالحق ، وإنتهى فيها إلى العذر ، وبدأها معاوية بالغي ، وإنتهى فيها إلى السرف ، وليس أهل العراق فيها كأهل الشام ، بايع أهل العراق عليا وهو خير منهم ، وبايع أهل الشام معاوية وهم خير منه ، ولست انا وأنت فيها بسواء ، أردت الله ، وأردت أنت مصر ، وقد عرفت الشيئ الذي باعدك مني ، وأعرف الشيئ الذي قربك من معاوية ، فإن ترد شرا لا نسبقك به ، وإن ترد خيرا لا تسبقنا إليه ، ثم دعا الفضل بن عباس فقال له : يابن ام ؟ أجب عمرا . فقال الفضل :
يا عمرو حسبك من خدع ووسواس فاذهب فليس لداء الجهل من آس 1 إلا تواتر طعن في نحوركم يشجي النفوس ويشفي نخوة الراس هذا الدواء الذي يشفي جماعتكم حتى تطيعوا عليا وابن عباس أما علي فإن الله فضله بفضل ذي شرف عال على الناس إن تعقلوا الحرب نعقلها مخيسة 2 أو تبعثوها فإنا غير أنكاس قد كان منا ومنكم في عجاجتها مالا يرد وكل عرضة الباس قتلى العراق بقتلى الشام ذاهبة هذا بهذا وما بالحق من باس لا بارك الله في مصر لقد جلبت شرا وحظك منها حسوة الكاس 3 يا عمرو إنك عار من مغانمها والراقصات ومن يوم الجزا كاس ألامامة والسياسة 1 ص‍ 95 ، كتاب صفين ص‍ 219 ، شرح إبن أبي الحديد 2 ص‍ 288 .
هامش
1 أسا أسوا وأسا الجرح : داواه .
2 خيس : ذلل . يقال : خيس الجمل : راضه وذلله بالركوب .
3 الحسوة المرة من حساء : الجرعة الواحدة ج حسوات .
وهناك أبيات تعزى إلى حبر الامة إبن عباس في كتاب " صفين " لابن مزاحم ص‍ 300 ذكر فيها عمرا بكل قول شائن .
11. ابن عباس وعمرو
حج عمرو بن العاص فمر بعبدالله بن عباس فحسده مكانه وما رأى من هيبة الناس له ، وموقعه من قلوبهم ، فقال له : يابن عباس ؟ مالك إذا رأيتني وليتني قصرة 1 كأن بين عينيك دبرة 2 وإذا كنت في ملا من الناس كنت الهوهاة 3 الهمزة ؟ 4 فقال إبن عباس : لانك من اللئام الفجرة ، وقريش من الكرام البررة ، لا ينطقون بباطل جهلوه ، ولا يكتمون حقا علموه ، وهم أعظم الناس أحلاما ، وأرفع الناس أعلاما ، دخلت في قريش ولست منها ، فأنت الساقط بين فراشين ، لا في بني هاشم رحلك ، ولا في بني عبد شمس راحلتك ، فأنت الاثيم الزنيم ، ألضال المضل ، حملك معاوية على رقاب الناس ، فأنت تسطو بحمله ، وتسعو بكرمه . فقال عمرو : أما والله إني لمسرور بك فهل ينفعني عندك ؟ قال إبن عباس : حيث مال الحق ملنا ، وحيث سلك قصدنا . ألعقد الفريد 2 ص‍ 136
12. ابن عباس وعمرو
حضر عبدالله بن جعفر مجلس معاوية وفيه عبدالله بن عباس ، وعمرو بن العاص ، فقال عمرو : قد جاء‌كم رجل كثير الخلوات بالتمني ، والطربات بالتغنى ، محب للقيان ، كثير مزاحه ، شديد طماحه ، صدود عن الشبان ، ظاهر الطيش ، رخي العيش ، أخاذ بالسلف منفاق بالسرف . فقال إبن عباس : كذبت والله أنت وليس كما ذكرت ولكنه : لله ذكور ولنعمائه شكور ، وعن الخنا زجور ، جواد كريم ، سيد حليم ، إذا رمى أصاب ، وإذا سئل أجاب ، غير حصر ولا هياب ، ولا عيابة مغتاب ، حل من قريش في كريم
هامش
1 القصر والقصرة بفتح الصاد : الكسل .
2 الدبر بفتح المهملة والموحدة : قرحة الدابة تحدث من الرحل ونحوه ج دبرو ادبار .
3 الهوهاة : ضعيف القلب . احمق .
4 همز الشيطان الانسان : همس في قلبه وسواسا .
النصاب ، كالهزبر الضرغام ، ألجرئ المقدام ، في الحسب القمقام ، ليس بدعي ولا دنئ ، لاكمن إختصم فيه من قريش شرارها ، فغلب عليه جزارها ، فأصبح ألامها حسبا ، وأدناها منصبا ، ينوء منها بالذليل ، ويأوي منها إلى القليل ، مذبذب بين الحيين ، كالساقط بين المهدين ، لا المضطر فيهم عرفوه ، ولا الظاعن عنهم فقدوه ، فليت شعري بأي قدر تتعرض للرجال ؟ وبأي حسب تعتد به تبارز عند النضال ؟ أبنفسك ؟ وأنت : ألوغد اللئيم ، والنكد الذميم ، والوضيع الزنيم ، أم بمن تنمي إليهم ؟ وهم : أهل السفه و الطيش ، والدناء‌ة في قريش ، لا بشرف في الجاهلية شهروا ، ولا بقديم في الاسلام ذكروا ، جعلت تتكلم بغير لسانك ، وتنطق بالزور في غير أقرانك ، والله لكان أبين للفضل ، و
أبعد للعدوان أن ينزلك معاوية منزلة البعيد السحيق ، فإنه طالما سلس داؤك ، و طمح بك رجاؤك إلى الغاية القصوى التي لم يخضر فيها رعيك ، ولم يورق فيها غصنك . فقال عبدالله بن جعفر : أقسمت عليك لما أمسكت فإنك عني ناضلت ، ولي فاوضت .
فقال إبن عباس : دعني والعبد ، فإنه قد يهدر خاليا إذ لا يجد مراميا ، وقد اتيح له ضيغم شرس ، للاقران مفترس ، وللارواح مختلس ، فقال عمرو بن العاص : دعني يا أمير المؤمنين ؟ أنتصف منه فوالله ما ترك شيئا . قال إبن عباس : دعه فلا يبقي المبقي إلا على نفسه ، فوالله إن قلبي لشديد ، وإن جوابي لعتيد ، وبالله الثقة ، وأني لكما قال نابغة بني ذبيان :
وقدما قد قرعت وقارعوني فما نزر الكلام ولا شجاني يصد الشاعر العراف عنى صدود البكر عن قرم هجان هذا الحديث أخرجه الجاحظ في المحاسن والاضداد ص‍ 101 ، والبيهقي في المحاسن والمساوي 1 ص‍ 68 ، وقد مر ص‍ 125 عن إبن عساكر لعبد الله بن أبي سفيان نحوه ، وفي بعض ألفاظه تصحيف يصحح بهذا .
13. معاوية وعمرو
لما علم معاوية أن الامر لم يتم له إن لم يبايعه عمرو فقال له : يا عمرو ؟ أتبعني . قال . لماذا ؟ للآخرة ؟ فوالله ما معك آخرة ، أم للدنيا ؟ فوالله لا كان حتى أكون شريكك فيها . قال : فأنت شريكي فيها . قال : فاكتب لي مصر وكورها . فكتب له مصر وكورها .
وكتب في آخر الكتاب : وعلى عمرو ألسمع والطاعة . قال عمرو : واكتب : ان السمع والطاعة لا ينقصان من شرطه شيئا . قال معاوية : لا ينظر الناس إلى هذا . قال عمرو : حتى تكتب . قال : فكتب ، ووالله ما يجد بدا من كتابتها ، ودخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية وهو يكلم عمرا في مصر وعمرو يقول له : إنما ابايعك بها ديني . فقال عتبة : إئتمن الرجل بدينه فإنه صاحب من أصحاب محمد . وكتب عمرو إلى معاوية :
معاوي لا اعطيك ديني ولم أنل به منك دنيا فانظرن كيف تصنع وما الدين والدنيا سواء وإنني لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع فإن تعطني مصرا فأربح صفقة أخذت بها شيخا يضر وينفع ألعقد الفريد 2 ص‍ 291 .
14. معاوية وعمرو
بصورة مفصلة كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية بن أبي سفيان يدعوه إلى بيعته ، فاستشار معاوية بأخيه عتبة بن أبي سفيان فقال له : إستعن بعمرو بن العاص ، فإنه من قد علمت في دهائه ورأيه ، وقد اعتزل أمر عثمان في حياته ، وهو لامرك أشد إعتزالا إلا أن تثمن له بدينه فسيبيعك ، فإنه صاحب دنيا ، فكتب إليه معاوية وهو بالسبع من فلسطين :
أما بعد - : فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك ، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة 1 أهل البصرة ، وقدم علينا جرير بن عبدالله في بيعة علي ، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني ، أقبل اذاكرك أمرا . فلما قرأ الكتاب إستشار إبنيه عبدالله ومحمد فقال لهما : ما تريان ؟ فقال عبدالله : أرى أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض وهو عنك راض والخليفتان من بعده ، وقتل عثمان وأنت عنه غايب ، فقر في منزلك فلست معجولا خليفة ، ولا تريد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أوشك أن تهلك فتشقى فيها . وقال محمد : أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها ، وأن تصرم هذا الامر وأنت فيه خامل تصاغر أمرك ، فألحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من أيديها وأطلب بدم عثمان ، فإنك قد إستلمت فيه إلى بني امية . فقال
هامش
1 الرافضة : كل جند تركوا قايدهم .
عمرو : أما أنت يا عبدالله ؟ فأمرتني بما هو خير لي في ديني ، وأما أنت يا محمد ؟ فأمرتني بما هو خير لي في دنياي ، وأنا ناظر فيه ، فلما جنه الليل رفع صوته وأهله ينظرون إليه : تطاول ليلي للهموم الطوارق وخوف التي تجلو وجوه العوائق وإن إبن هند سائلي أن أزوره وتلك التي فيها بنات البوائق أتاه جرير من علي بخطة أمرت عليه العيش ذات مضائق فإن نال مني ما يؤمل رده وإن لم ينله ذل ذل المطابق فوالله ما أدري وما كنت هكذا أكون ومهما قادني فهو سائقي اخادعه إن الخداع دنية أم اعطيه من نفسي نصيحة وامق أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحة لشيخ يخاف الموت في كل شارق وقد قال عبدالله قولا تعلقت به النفس إن لم تقتطعني عوائقي وخالفه فيه أخوه محمد وإني لصلب العود عند الحقائق فقال عبدالله : رحل الشيخ . وفي لفظ اليعقوبي : بال الشيخ على عقبيه وباع دينه بدنياه : فلما أصبح دعا عمرو غلامه " وردان " وكان داهيا ماردا فقال : ارحل يا وردان ؟ ثم قال : حط يا وردان ؟ ثم قال : ارحل يا وردان ؟ حط يا وردان ؟ فقال له وردان : خلطت أباعبدالله ؟ أما إنك إن شئت أنبأتك بما في نفسك . قال : هات ويحك : قال : إعتركت الدنيا والآخرة على قلبك فقلت : علي معه الآخرة في غير دنيا وفي الآخرة عوض من الدنيا . ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة ، وليس في الدنيا عوض الآخرة ، فأنت واقف بينهما . قال : فإنك والله ما أخطأت فما ترى يا وردان ؟ قال : أرى أن تقيم في بيتك فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم ، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغوا عنك . قال آلآن لما شهدت العرب مسيري إلى معاوية ، فارتحل وهو يقول : يا قاتل الله وردانا وفطنته أبدى لعمرك ما في النفس وردان لما تعرضت الدنيا عرضت لها بحرص نفسي وفي الاطباع إدهان نفس تعف واخرى الحرص يقلبها 1 والمرء يأكل تبنا وهو غرثان 2
هامش
1 في شرح ابن ابى الحديد : يغلبها .
2 غرث غرثا : جاع . فهو غرثان ج غرثى وغراث وغراثي .
أما علي فدين ليس يشركه دنيا وذاك له دنيا وسلطان فاخترت من طمعي دنيا على بصر وما معي بالذي أختار برهان إني لاعرف ما فيها وأبصره وفي ايضا لما أهواه ألوان لكن نفسي تحب العيش في شرف وليس يرضى بذل العيش إنسان عمرو لعمر أبيه غير مشتبه والمرء يعطس والوسنان وسنان فسار حتى قدم على معاوية وعرف حاجة معاوية إليه فباعده من نفسه وكايد كل واحد منهما صاحبه ، فلما دخل عليه قال : يا أبا عبدالله ، طرقتنا في ليلتنا هذه ثلثة أخبار ليس فيها ورد ولا صدر . قال : وما ذاك ؟ قال ذاك : أن محمد بن أبي حذيفة قد كسر سجن مصر فخرج هو وأصحابه ، وهو من آفات هذا الدين . ومنها : ان قيصر زحف بجماعة الروم إلي ليغلب على الشام . ومنها : ان عليا نزل الكوفة متهيئا للمسير إلينا . قال : ليس كل ما ذكرت عظيما ، أما إبن أبي حذيفة فما يتعاظمك من رجل خرج في أشباهه أن تبعث اليه خيلا تقتله أو تأتيك به وإن فاتك لا يضرك ؟ وأما قيصر فاهد له من وصفاء 1 الروم ووصائفها وآنية الذهب والفضة وسله الموادعة فإنه إليها سريع . وأما علي فلا والله يا معاوية ؟ ما تستوي العرب بينك وبينه في شيئ من الاشياء ، إن له في الحرب لحظا ماهو لاحد من قريش ، وإنه لصاحب ما هو فيه
إلا أن تظلمه .
وفي رواية اخرى قال معاوية يا أبا عبدالله ؟ إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه وقتل الخليفة ، وأظهر الفتنة ، وفرق الجماعة ، وقطع الرحم . قال عمرو : إلي من ؟ قال : إلى جهاد علي . فقال عمرو : والله يا معاوية ؟ ما أنت وعلي بعكمي 2 بعير ، مالك هجرته ولا سابقته ولا صحبته ولا جهاده ولا فقهه ولا علمه ، و الله إن له مع ذلك حدا وحدوداوحظا وحظوة وبلاء من الله حسنا ، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه ؟ وأنت تعلم ما فيه من الغرر والخطر . قال : حكمت . قال : مصر طعمة . فتلكأ عليه . 3
هامش
1 الوصيف . الغلام دون المراهق ج وصفاء . مؤنثه الوصيفة ج‍ وصائف .
2 العكم بالكسر : العدل بالكسر .
3 تلكا عن الامر . أبطأ وتوقف .
وفي حديث : قال له معاوية : إني أكره لك أن يتحدث العرب عنك : انك إنما دخلت في هذا الامر لغرض الدنيا . قال دعني عنك 1 قال معاوية : إني لو شئت أن امنيك وأخدعك لفعلت . قال عمر : لا لعمر الله ما مثلي يخدع لانا أكيس من ذلك . قال له معاوية : ادن مني برأسك اسارك . قال : فدنا منه عمرو ويسار فعض معاوية اذنه ، وقال : هذه خدعة ، هل ترى في البيت أحدا غيري وغيرك ؟ فأنشأ عمرو يقول : معاوي لا اعطيك ديني ولم أنل بذلك دنيا فانظرن كيف تصنع فإن تعطني مصرا فاربح بصفقة أخذت بها شيخا يضر وينفع 2 وما الدين والدنيا سواء وإنني لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع ولكنني أغضني الجفون وإنني لاخدع نفسي والمخادع يخدع واعطيك امرا فيه للملك قوة وإني به إن زلت النعل أصرع وتمنعني مصرا وليست برغبة 3 وإني بذا الممنوع قدما لمولع قال : أبا عبدالله ؟ ألم تعلم ان مصرا مثل العراق ؟ قال : بلى ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك ، وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق ، وقد كان أهلها بعثوا بطاعتهم إلى علي قال : فدخل عتبة بن أبي سفيان فقال لمعاوية : أما ترضى أن تشتري عمرا بمصر إن هي صفت لك ؟ ليتك لا تغلب على الشام . فقال المعاوية : يا عتبة ؟ بت عندنا الليلة فلما جن على عتبة الليل رفع صوته ليسمع معاوية وقال : أيها المانع سيفا لم يهز إنما ملت على خز وقز إنما أنت خروف مائل بين ضرعين وصوف لم يجز أعط عمرا ان عمرا تارك دينه اليوم لدنيا لم تحز يا لك الخير فخذ من دره شخبه الاولى وأبعد ما غرز 4
هامش
1 مر تحليل هذه الكلمة ص‍ 126 .
2 البيتان يوجدان في عيون الاخبار لابن قتيبة 1 ص‍ 181 .
3 الرغبة بكسر المهملة وفتحها : العطاء الكثير .
4 الشخب : ما يخرج من تحت يد الحالب . ألشخبة : الدفعة منه ج شخاب : غرزا الغنم : ترك حلبها لتسمن .
واسحب الذيل وبادر فوتها وانتهزها إن عمرا ينتهز 1 أعطه مصرا وزده مثلها إنما مصر لمن عز فبز 2 واترك الحرص عليها ضلة واشبب النار لمغرور يكز إن مصرا لعلي ولنا تغلب اليوم عليها من عجز فلما سمع معاوية قول عتبة أرسل إلى عمرو فأعطاه مصرا فقال له عمرو : لي الله عليك بذلك شاهد . قال له معاوية : نعم لك الله علي بذلك لئن فتح الله علينا الكوفة .
قال عمرو : والله على ما نقول وكيل . فخرج عمرو من عنده فقال له إبناه : ما صنعت ؟
قال : أعطانا مصر . قالا : وما مصر في ملك العرب ؟ ! . قال : لا أشبع الله بطونكما إن لم يشبعكما مصر ، وكتب معاوية على أن لا ينقض شرط طاعة . وكتب عمرو على أن لا ينقض طاعة شرطا . فكايد كل واحد منهما صاحبه .
كتاب صفين لابن مزاحم ص‍ 20 - 24 ، كامل المبرد 1 ص‍ 221 ، شرح إبن أبي الحديد 1 ص‍ 136 - 138 ، تاريخ اليعقوبي 2 ص‍ 161 - 163 ، رغبة الآمل من كتاب الكامل 3 ص‍ 108 ، قصص العرب 2 ص‍ 362 .
15. عمار بن ياسر وعمرو
إجتمع عمار بن ياسر مع عمرو بن العاص في المعسكر يوم صفين ، فنزل عمار والذين معه فاحتبوا بحمايل سيوفهم فتشهد عمرو بن العاص يعني قال : أشهد أن لا إله إلا الله فقال عمار : اسكت فقد تركتها في حياة محمد ومن بعده ، ونحن أحق بها منك ، فإن شئت كانت خصومة فيدفع حقنا باطلك ، وإن شئت كانت خطبة فنحن أعلم بفصل الخطاب منك ، وإن شئت أخبرتك بكلمة تفصل بيننا وبينك ، وتكفرك قبل القيام ، و تشهد بها على نفسك ، ولا تستطيع أن تكذبني . قال عمرو : يا أبا اليقظان ؟ ليس لهذا جئت إنما جئت لاني رأيتك أطوع أهل هذا العسكر فيهم ، اذكرك الله إلا كففت سلاحهم ، وحقنت دمائهم وحرضت على ذلك فعلام تقاتلنا ؟ ! أولسنا نعبد إلها واحدا ؟
ونصلي قبلتكم ، وندعو ودعوتكم ؟ ونقرأ كتابكم ؟ ونؤمن برسولكم ؟ قال عمار : ألحمد
هامش
1 يقال : جاء يسحب ذيله : اى يمشى متبخترا انتهز : ابتدر واغتنم .
2 بزه غلبه . بز الشيئ منه : اخذه بجفاء وقهر .
لله الذي أخرجها من فيك إنها لي ولاصحابي ألقبلة ، والدين وعبادة الرحمن ، والنبي والكتاب ، من دونك ودون أصحابك ، ألحمد لله الذي قررك لنا بذلك دونك ودون أصحابك ، وجعلك ضالا مضلا لا تعلم هاد أنت أم ضال ، وجعلك أعمى ، وساخبرك على ما قاتلتك عليه أنت وأصحابك ، أمرني رسول الله أن اقاتل الناكثين وقد فعلت ، و أمرني أن اقاتل القاسطين فأنتم هم ، وأما المارقين فما أدري أدركهم أم لا . أيها الابتر ؟ ألست تعلم أن رسول الله قال لعلي : من كنت مولاه فعلي مولاه ، أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ؟ ! وأنا مولى الله ورسوله وعلي من بعده وليس لك مولى . قال له عمرو : لم تشتمني يا أبا اليقظان ؟ ولست أشتمك ، قال عمار : وبم تشتمني ؟ أتستطيع أن تقول : إني عصيت الله ورسوله يوما قط ؟ قال له عمرو : إن فيك لمسبات سوى ذلك . قال عمار : إن الكريم من أكرمه الله ، كنت وضيعا فرفعني الله ، ومملوكا فأعتقني الله ، وضعيفا فقواني الله ، وفقيرا فأغناني الله . وقال له عمرو : فما ترى
في قتل عثمان ؟ قال فتح لكم باب كل سوء . قال عمرو : فعلي قتله . قال عمار : بل الله رب علي قتله . 1
وروى نصر في كتابه ص‍ 165 في حديث : فلما دنا عمار بن ياسر رحمه الله بصفين من عمرو بن العاص فقال : يا عمرو ؟ بعت دينك بمصر ، تبا لك ، وطال ما بغيت الاسلام عوجا . ورواه سبط إبن الجوزي في تذكرته ص‍ 53 وزاد : والله ما قصدك وقصد عدو الله إبن عدو الله بالتعلل بدم عثمان إلا الدنيا .
16. ابونوح الحميرى وعمرو
أتى أبونوح الحميري الكلاعي يوم صفين مع ذى الكلاع إلى عمرو بن العاص وهو عند معاوية وحوله الناس ، وعبدالله بن عمر يحرض الناس على الحرب ، فلما وقفا على القوم قال ذو الكلاع لعمرو : يا أبا عبدالله ؟ هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمار بن ياسر لا يكذبك ؟ قال عمرو : ومن هو ؟ قال ذو الكلاع : إبن عمي هذا و
هو من أهل الكوفة . فقال عمرو : إني لارى عليك سيما أبي تراب . قال أبونوح : علي هامش 1 كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص‍ 176 ، شرح ابن ابي الحديد 2 ص‍ 373 .
سيما محمد صلى الله عليه وأصحابه وعليك سيما أبي جهل وسيما فرعون . كتاب صفين ص‍ 174 ، شرح النهج لابن أبي الحديد .
17. أبوالاسود الدؤلى وعمرو
قدم أبوالاسود 1 الدؤلي على معاوية بعد مقتل علي رضي الله عنه وقد إستقامت لمعاوية البلاد ، فأدنى مجلسه ، وأعظم جائزته ، فحسده عمرو بن العاص فقدم على معاوية فاستأذن عليه في غير وقت الاذن له فقال له معاوية : يا أبا عبدالله ؟ ما أعجلك قبل وقت الاذن فقال : يا أمير المؤمنين ؟ أتيتك لامر قد أوجعني وارقني وغاظني ، وهو من بعد ذلك نصيحة لامير المؤمنين . قال : وما ذاك ؟ يا عمرو ؟ قال : يا أمير المؤمنين ؟ إن أبا الاسود رجل مفوه له عقل وأدب ، من مثله للكلام يذكر ؟ وقد أذاع بمصرك من الذكر لعلي ، والبغض لعدوه وقد خشيت عليك أن يترى 2 في ذلك حتى يؤخذ لعنقك ، وقد رأيت أن ترسل إليه ، وترهبه ، وترعبه ، وتسبره ، وتخبره ، فإنك من مسألته على إحدى خبرتين ، إما أن يبدي لك صفحته فتعرف مقالته ، وإما أن يستقبلك فيقول ما ليس من رأيه ، فيحتمل ذلك عنه فيكون لك في ذلك عاقبة صلاح إنشاء الله تعالى . فقال له معاوية : إني إمرؤ والله لقل ما تركت رأيا لرأي إمرئ قط إلا كنت فيه بين أن أرى ما أكره وبين بين ، ولكن إن أرسلت إليه فسألته فخرج من مسآء‌لتي بأمر لا أجد عليه مقدما ويملاني غيظا لمعرفتي بما يريد ، وإن الامر فيه أن يقبل ما أبدى من لفظه فليس لنا أن نشرح عن صدره وندع ما وراء ذلك يذهب جانبا . فقال عمرو : أنا صاحبك يوم رفع المصاحف بصفين ، وقد عرفت رأي ولست أرى خلافي و ما آلوك خيرا ، فأرسل إليه ولا تفرش مهاد العجز فتتخذه وطيئا .
فأرسل معاوية إلى أبي الاسود فجاء حتى دخل عليه فكان ثالثا فرحب به معاوية وقال : يا أبا الاسود ؟ خلوت أنا وعمرو فتناجزنا 3 في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وقد أحببت أن أكون من رأيك على يقين . قال : سل يا أمير المؤمنين ؟ عما بدالك . فقال : يا
هامش
1 ظالم بن عمرو التابعى الكبير المتوفى سنة 69 وهو ابن خمس وثمانين سنة .
2 ترى تريأ في الامر : تراخى فيه .
3 ناجزه : خاصمه . والمناجزة في الحرب المبارزة .
أبا الاسود ؟ أيهم كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال : أشدهم حبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وأوقاهم له بنفسه . فنظر معاوية إلى عمرو وحرك رأسه ، ثم تمادى في مسألته فقال : يا أبا الاسود ؟ فأيهم كان أفضلهم عندك ؟ قال أتقاهم لربه وأشدهم خوفا لدينه . فاغتاظ معاوية على عمرو ، ثم قال : يا أبا الاسود ؟ فأيهم كان أعلم ؟ قال : أقولهم للصواب وأفصلهم للخطاب . قال : يا أبا الاسود ؟ فأيهم كان أشجع ؟ قال : أعظمهم بلاء ، وأحسنهم عناء ، وأصبرهم على اللقاء . قال : فأيهم كان أوثق عنده ؟ قال من أوصى إليه فيما بعده . قال :
فأيهم كان للنبي صلى الله عليه وآله صديقا ؟ قال : أولهم به تصديقا . فأقبل معاوية على عمرو و قال : لاجزاك الله خيرا ، هل تستطيع أن ترد مما قال شيئا ؟ فقال أبوالاسود : إني قد عرفت من أين اتيت ، فهل تأذن لي فيه ؟ فقال : نعم . فقل ما بدالك . فقال يا أمير المؤمنين ، إن هذا الذي ترى هجا رسول الله صلى الله عليه وآله بأبيات من الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أللهم ؟ إني لا أحسن أن أقول الشعر فالعن عمرا بكل بيت لعنة . أفتراه بعد هذا نائلا فلاحا ؟ أو مدركا رباحا ؟ وأيم الله ان امرء‌ا لم يعرف إلا بسهم اجيل عليه فجال لحقيق أن يكون كليل اللسان ضعيف الجنان ، مستشعرا للاستكانة ، مقارنا للذل والمهانة ، غير ولوج فيما بين الرجال ، ولا ناظر في تسطير المقال ، إن قالت الرجال أصغى ، وإن قامت
الكرام أقعى 1 متعيص لدينه لعظيم دينه ، غير ناظر في ابهة الكرام ولا منازع لهم ، ثم لم يزل في دجة ظلماء مع قلة حياء ، يعامل الناس بالمكر والخداع ، والمكر والخداع في النار . فقال عمرو : يا أخا بني الدؤل ؟ والله إنك لانت الذليل القليل ، ولولا ما تمت به من حسب كنانة لاختطفتك من حولك اختطاف الاجدل الحدية 2 غير أنك بهم تطول ، وبهم تصول ، فلقد استطبت مع هذا لسانا قوالا ، سيصير عليك وبالا ، و أيم الله انك لاعدى الناس لامير المؤمنين قديما وحديثا ، وما كنت قط بأشد عداوة له منك الساعة ، وانك لتوالي عدوه ، وتعادي وليه ، وتبغيه الغوائل ، ولئن أطاعني ليقطعن عنه لسانك ، وليخرجن من رأسك شيطانك ، فأنت العدو المطرق له إطراق الافعوان 3 في أصل الشجرة .
هامش
1 أقعى الكلب : جلس على استه .
2 الاجدل : الصقر . والحداة بكسر الحاء : طائر من الجوارح . والعامة تسميه الحدية .
3 الافعوان بضم الاول : ذكر الافعى .
فتكلم معاوية فقال : يا أبا الاسود ؟ أغرقت في النزع ولم تدع رجعة لصلحك . و قال لعمرو : فلم تغرق كما أغرقت ولم تبلغ ما بلغت ، غير انه كان منه الابتداء والاعتداء ، والباغي أظلم ، والثالث أحلم ، فانصرفا عن هذا القول إلى غيره وقوما غير مطرودين ، فقام عمرو وهو يقول : لعمري لقد أعيى القرون التي مضت لغش ثوى بين الفؤاد كمين وقام أبوالاسود وهو يقول :
ألا إن عمرا رام ليث خفية 1 وكيف ينال الذئب ليث عرين تاريخ إبن عساكر 7 ص‍ 104 - 106
18. حديث أبى جعفر وزيد
قال أبوجعفر وزيد بن الحسن : طلب معاوية إلى عمرو بن العاص يوم صفين أن يسوي صفوف أهل الشام فقال له عمرو : على أن لي حكمي إن قتل الله إبن أبي طالب ؟ واستوسقت لك البلاد . فقال : أليس حكمك في مصر ؟ قال : وهل مصر تكون عوضا عن الجنة ؟ وقتل إبن أبي طالب ثمنا لعذاب النار الذي لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون ؟ فقال معاوية : إن لك حكمك أبا عبدالله ؟ إن قتل إبن أبي طالب ، رويدا لا يسمع أهل الشام كلامك . فقال لهم عمرو : يامعشر أهل الشام ؟ سووا صفوفكم ؟ أعيروا ربكم جماجمكم ، وإستعينوا بالله إلهكم ، وجاهدوا عدو الله وعدوكم ، واقتلوهم قتلهم الله وأدبارهم ، واصبروا إن الارض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . كتاب صفين لابن مزاحم ص‍ 123 ، شرح إبن أبي الحديد .
هذا أكبر كلمة تدل على ضئوله الرجل في دينه لانهاتنم عن عرفانه بحق أمير المؤمنين عليه السلام ومغبة أمر من ناواه ومع ذلك فهو يحرض الناس على قتاله و يموه عليهم ، وهي ترد قول من يبرر عمله بإجتهاده أو بعدله .
19. عمرو وابن أخيه
كان لعمرو بن العاص إبن أخ 2 أريب من بني سهم جاء‌ه من مصر فقال له : ألا
هامش
1 الخفية : الغيضة الملتفة .
2 في شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد : ابن عم .
تخبرني يا عمرو بأي رأي تعيش في قريش ؟ أعطيت دينك ، وتمنيت دنياغيرك ، أترى أهل مصر وهم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية وعلي حي ؟ وتراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدمه في الكتاب ؟ 1 فقال عمرو : يابن أخي إن الامر لله دون علي ومعاوية . فقال الفتى :
ألا يا هند اخت بني زياد رمي عمرو بداهية البلاد
رمي عمرو بأعور عبشمي بعيد القعر محشي الكباد 2
له خدع يحار العقل فيها مزخرفة صوائد للفوائد
فشرط في الكتاب عليه حرفا يناديه بخدعته المنادي
وأثبت مثله عمرو عليه كلا المرأين حية بطن وادي
ألا يا عمرو ؟ ما أحرزت مصرا وما ملت الغداة إلى الرشاد
وبعت الدين بالدنيا خسارا فأنت بذاك من شر العباد
فلو كنت الغداة أخذت مصرا ولكن دونها خرط القتاد
وفدت إلى معاوية بن حرب فكنت بها كوافد قوم عاد
واعطيت الذي اعطيت منها بطرس فيه نضح من مداد
ألم تعرف أبا حسن عليا وما نالت يداه من الاعادي ؟ ؟ ! !
عدلت به معاوية بن حرب فيا بعد البياض من السواد
ويا بعد الاصابع من سهيل ويا بعد الصلاح من الفساد
أتأمن أن تراه على خدب ؟ يحث الخيل بالاسل الخداد 3
ينادي بالنزال وأنت منه قريب فانظرن من ذا تعادي
فقال عمرو : يابن أخي ؟ لو كنت مع علي وسعني بيتي ولكن الآن مع معاوية .
فقال له الفتى : إنك إن لم ترد معاوية لم يردك . ولكنك تريد دنياه ويريد دينك .
وبلغ معاوية قول الفتى ، فطلبه فهرب فلحق فحدثه بأمر عمرو ومعاوية . قال
هامش
1 يعنى كتابا كتبه معاوية لعمرو بمصر وجعلها طعمة له .
2 يعنى معاوية : يقال في النسبة إلى عبد شمس : عبشمى . حشا حشوا : ملا . احتشى : امتلاء .
3 خدب بالكسر وتشديد الموحدة : سنام البعير الضخم . الاسل : الرماح .
فسر ذلك عليا وقربه قال : وغضب مروان وقال : ما بالي لا أشتري كما إشتري عمرو ؟ ! فقال معاوية : إنما يشتري الرجال لك . قال : فلما بلغ عليا ما صنع معاوية وعمرو قال :
يا عجبا لقد سمعت منكرا كذبا على الله يشيب الشعرا
يسترق السمع ويغشي البصرا ما كان يرضى أحمد لو اخبرا
أن يقرنوا وصيه والابترا شاني الرسول واللعين الاخزرا 1
كلاهما في جنده قد عسكرا قد باع هذا دينه فأفجرا
من ذا بدنيا بيعه قد خسرا بملك مصر إن أصاب الظفرا
إني إذا الموت دنا وحضرا شمرت ثوبي ودعوت قنبرا
قدم لوائي لا تؤخر حذرا لن ينفع الحذار مما قدرا
لما رأيت الموت موتا أحمرا عبأت همدان وعبوا حميرا
حي يمان يعظمون الخطرا قرن إذا ناطح قرنا كسرا
قل لابن حرب لا تدب الحمرا أرود قليلا أبد منك الضجرا 2
لا تحسبني يابن حرب عمرا وسل بنا بدرا معا وخيبرا
كانت قريش يوم بدر جزرا إذ وردوا الامر فذموا الصدرا 3
لو أن عندى يابن حرب جعفرا أو حمزة القرم الهمام الازهرا
رأت قريش نجم ليل ظهرا ألامامة والسياسة 1 ص‍ 84 ، كتاب صفين لابن مزاحم ص‍ 24 ، شرح إبن أبي الحديد 1 ص‍ 138 .
20. غانمة بنت غانم وعمرو
بلغ غانمة بنت غانم سب معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم وهي بمكة قالت :
هامش
1 الخزر : ضيق العين . الخزرة بالضم : انقلاب الحدقة نحو اللحاظ وهو اقبح الحول .
2 ادب الصبى : صيره . ارود في السير : رفق وتمهل . الضجر بفتح الفاء والعين . القلق من غم وضيق نفس .
3 الجزرة . الشاة التى تذبح ج جزر . بالفتح وقد تكسر . الصدر ، بالتحريك : رجوع المسافر من مقصده والشاربة من الورد .
يا معشر قريش ؟ والله ما معاوية بأمير المؤمنين ولا هو كما يزعم ، هو والله شانئ رسول الله صلى الله عليه وآله إني آتية معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينه ويكثر منه عويله . فكتب عامل معاوية إليه بذلك فلما بلغه أن غانمة قد قربت منه أمر بدار ضيافة فنظفت و القي فيها فرش ، فلما قربت من المدينة إستقبلها يزيد في حشمه ومماليكه ، فلما
دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم فقال لها يزيد : إن أبا عبدالرحمن يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته وكان لا تعرفه فقالت : من أنت ؟ كلاك الله . قال : يزيد بن معاوية . قالت : فلا رعاك الله ياناقص لست بزائد . فتعمر لون يزيد فأتى أباه فأخبره فقال : هي أسن قريش وأعظمهم . فقال يزيد : كم تعد لها يا أمير المؤمنين ؟ قال : كانت تعد
على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أربعمائة عام وهي من بقية الكرام ، فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلم عليها فقالت : على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان . ثم قالت : من منكم إبن العاص ؟ 1 قال عمرو : ها أنا ذا . فقالت : وأنت تسب قريشا وبني هاشم ؟
وأنت أهل السب وفيك السب وإليك يعود السب يا عمرو ؟ إني والله لعارفة بعيوبك وعيوب امك وإني أذكر لك ذلك عيبا عيبا : ولدت من أمة سوداء مجنونة حمقاء ، تبول من قيام ، وتعلوها اللئام ، إذا لامسها الفحل كانت نطقتها أنفذ من نطفته ، ركبها في يوم واحد أربعون رجلا ، وأما أنت فقد رأيتك غاويا غير راشد ، ومفسدا غير صالح ، ولقد رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت ، وأما أنت يا
معاوية ؟ فما كنت في خير ولا ربيت في خير ، فمالك ولبني هاشم ؟ أنساء بني امية كنسائهم ؟ ! ألحديث . وهو طويل وقد حذفنا من أوله مقدار ما ذكر ، راجع [ المحاسن والاضدادللجاحظ ص‍ 102 - 104 ، وفي ط 118 - 121 و المحاسن والمساوي للبيهقي 1 ص‍ 69 - 71 .
هذه حقيقة الرجل ونفسياته وروحياته منذ العهد الجاهلي وفي دور النبوة وبعده إلى ما أثاره من فتن إلتفت بها حلقتا البطان في أيام أميرالمؤمنين عليه السلام يوم تحيزه إلى إبن آكلة الاكباد لدحض الحق وأهله ، وما كان يتحرى فيها من الغوائل وبعدها إلى أن ، إصطلمه القدر الحاتم ، وإخترمته منيته يوم خابت امنيته
هامش
1 في لفظ الجاحظ : أفيكم عمرو بن العاص ؟ .
فطفق يتغلل بين أطباق الجحيم وتضربه زبانيتها بمقامع من حديد ، ولعلنا ألمسناك هذه الحقيقة باليد فلن تجد في تضاعيف هاتيك الاعوام له مأثرة يتبجح بها إبن انثى خلا ما تقوله زبائنه من أعداء أهل البيت عليهم السلام ، وما عسى أن يكون مقيلها من ظل الحق ؟ بعدما أثبتناه من الحقيقة الراهنة ، ووقفنا عليه من أحوال رواة السوء و شناشنهم في إفتعال المدايح للزعانفة المؤتلفة معهم في النزعات الباطلة . وأما تأميره في غزوة ذات السلاسل فلا يجديه نفعا بعد ما علمناه من أنه كان يتظاهر بالاسلام ويبطن النفاق في طيلة حياته ، وما كان الصالح العام والحكمة الالهية يحدوان رسول الله صلى الله عليه وآله على العمل بالبواطن ، وإنما يجاري القوم مجاري ظواهرهم لانهم حديثوا عهد بالجاهلية ، والاسلام لما يتحكم في أفئدتهم ، فلو كاشفهم على السرائر ، لانتكصوا على أعقابهم ، وتقهقروا إلى جاهليتهم الاولى ، فكان يسايرهم على هذا الظاهر لعلهم يتمرنوا باعتناق الدين ، ويأخذ من قلوبهم محله ، ولذلك انه صلى الله عليه وآله كان يعلم بنفاق كثير من أصحابه كما أخبره الله تعالى بقوله : و من أهل المدينة مردوا على النفاق . إلى غيرها من الآيات الكريمة ، لكنه يستر عليهم رعاية لما أبرمه حذار الانتكاث ، فكان تأمير عمرو مع علمه بنفاقه لتلك الحكمة البالغة غير ملازم لحسن حاله على ما عرفته من كلام مولانا أمير المؤمنين من أنه صلى الله عليه وآله لما عقد له الراية شرط عليه شرطا قد أخلفه .
ويعرب عن حقيقة ما نرتأيه قول أبي عمرو وغيره : إن عمرو بن العاص إدعى على أهل الاسنكدرية أنهم قد نقضوا العهد الذي كان عاهدهم ، فعهد إليها فحارب أهلها وافتتحها ، وقتل المقاتلة ، وسبى الذرية ، فنقم ذلك عليه عثمان ، ولم يصح عنده نقضهم العهد ، فأمر برد السبي الذي سبوا من القرى إلى مواضعهم ، وعزل عمروا عن مصر وولى عبدالله بن سعد بن أبي سرح العامري مصرا بدله ، فكان ذلك بدو الشر بين عمرو بن العاص وعثمان بن عفان ، فلما بدا بينهما من الشر ما بدا إعتزل عمرو في ناحية فلسطين بأهله ، وكان يأتي المدينة أحيانا ويطعن على عثمان 1 و
هامش
1 الاستيعاب 2 ص‍ 435 ، شرح ابن ابى الحديد 2 ص‍ 112 .
ولى عمر عمرو بن العاص على مصر وبقي واليا عليها إلى أول خلافة عثمان ، سعر عليه الدنيا نارا ، ولما أتاه قتله قال : أنا أبوعبدالله إذا نكأت 1 قرحة أدميتها . ثم إن عثمان عزله عن الخراج واستعمله على الصلاة ، واستعمل على الخراج عبدالله إبن سعد بن أبي سرح ، ثم جمعهما لعبدالله بن سعد وعزل عمروا ، فلما قدم عمرو المدينة جعل يطعن على عثمان فأرسل إليه يوما عثمان خاليا به . فقال : يابن النابغة ؟ ما أسرع ما قمل جربان 2 جبتك ؟ إنما عهدك بالعمل عام أول ، أتطعن علي وتأتيني بوجه وتذهب عني بالآخر ؟ والله لو لا أكلة ما فعلت ذلك . فقال عمرو : إن كثيرا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل ، فاتق الله يا أمير المؤمنين ؟ في رعيتك . فقال عثمان :
والله لقد استعملتك على ظلعك 3 وكثرة القالة فيك . فقال عمرو : قد كنت عاملا لعمر إبن الخطاب ففارقني وهو عني راض . فقال عثمان : وأنا والله لو أخذتك بما أخذك به عمر لاستقمت ، ولكني لنت لك فاجترأت علي . فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه يأتي عليا مرة فيؤلبه على عثمان . ويأتي الزبير مرة فيؤلبه على عثمان . ويأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان . ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان . ولما قصد الثوار إلى المدينة أخرج لهم عثمان عليا فكلمهم فرجعوا عنه وخطب عثمان الناس فقال : إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا انه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم ، فناداه عمرو بن العاص من ناحية المسجد :
إتق الله يا عثمان ؟ فإنك قد ركبت نهابير 4 وركبناها معك ، فتب إلى الله نتب ، فناداه عثمان فقال : وإنك هناك يابن النابغة ؟ قملت والله جبتك منذ تركتك من العمل . و في لفظ البلاذري في الانساب : يابن النابغة ؟ وإنك ممن تؤلب علي الطغام لاني عزلتك عن مصر . فلما كان حصر عثمان الاول خرج عمرو من المدينة حتى إنتهت إلى أرض له
هامش
1 نكأ القرحة : قشرها قبل أن تبرأ .
2 جربان الجبة بضم الميم والراء وكسرهما وتشديد الباء جيبها .
3 أى على ما فيك من عيب وميل . والظلع في الاصل غمز البعير في مشيه .
4 جمع نهبورة بالضم : المهلكة .
بفلسطين يقال لها : السبع . فنزل بها ، وكان يقول : أنا أبوعبدالله إذا حككت قرحة نكأتها ، والله إن كنت لالقى الراعي فاحرضه عليه . وفي لفظ البلاذري : وجعل يحرض الناس على عثمان حتى رعاة الغنم . فبينما هو بقصره بفلسطين إذ مر به راكب من المدينة فسأله عمرو عن عثمان فقال : تركته محصورا . قال عمرو : أنا أبوعبدالله قد يضرط العير
والمكواة في النار ، فلما بلغه مقتل عثمان قال عمرو : أنا أبوعبدالله قتلته وأنا بوادي السباع ، من يلي هذا الامر من بعده ؟ إن يله طلحة فهو فتى العرب سيبا ، وإن يله إبن أبي طالب فلا أراه إلا سيستنظف الحق 1 وهو أكره من يليه إلي .
فلما بلغه أن عليا قد بويع له ، فاشتد عليه وتربص لينظر ما يصنع الناس ، ثم نمى إليه معاوية بالشام يأبى أن يبايع عليا ، وانه يعظم قتل عثمان ويحرض على الطلب بدمه ، فاستشار ابنيه عبدالله ومحمدا في الامر ، وقال : ما تريان ؟ أما علي فلا خير عنده وهو رجل يدل 1 بسابقته ، وهو غير مشركى في شئ من أمره . فقال عبدالله ابن عمرو : توفي النبي صلى الله عليه وآله وهو عنك راض ، وتوفي أبوبكر رضي الله عنه وهو عنك راض ، وتوفي عمر رضي الله عنه وهو عنك راض ، أرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه . وقال محمد بن عمرو : أنت ناب من أنياب العرب فلا أرى أن يجتمع هذا الامر وليس ذلك فيه صوت ولا ذكر . قال عمرو : أما أنت يا عبدالله ؟ فأمرتني بالذي هو خير لي في آخرتي ، وأسلم في ديني ، وأما أنت يا محمد فأمرتني بالذي أنبه لي في دنياي ، وأشر لي في آخرتي . ثم خرج عمرو بن العاص ومعه إبناه حتى قدم على معاوية ، فوجد أهل الشام يحضون معاوية على الطلب بدم عثمان ، فقال عمرو بن العاص : أنتم على الحق ، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم . ومعاوية لا يلتفت إلى قول عمرو ، فقال إبنا عمرو لعمرو : ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك ؟ ! إنصرف إلى
غيره . فدخل عمرو على معاوية فقال : والله لعجب لك إني أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عني ، أم والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن في النفس من ذلك ما فيها ، حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته ، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا . فصالحه معاوية وعطف عليه .
هامش
1 استنظف الشى . أخذ كله .
2 أدل وتدلل : انبسط واجترأ . أنساب الاشراف للبلاذري 5 ص‍ 74 ، 87 ، تاريخ الطبري 5 ص‍ 108 - 111 و 224 ، كامل إبن الاثير 3 ص‍ 68 ، تذكرة السبط ص‍ 49 ، جمهرة رسائل العرب 1 ص‍ 388 .
وكان بعد تلك المساومة المشومة يحرض الناس على قتل الامام أمير المؤمنين كما فعله على عثمان حتى قتله وافتخر به بقوله : أنا أبوعبدالله قتلته وأنا بوادي السباع : ثم جعل قميصه وسيلة النيل إلى الرتبة والراتب وقام بطلب دمه قائلا : إن في النفس من ذلك ما فيها . وممن حث على أمير المؤمنين وألبه حريث مولى معاوية بن أبي سفيان قال إبن عساكر في تاريخه 4 ص‍ 113 : قال معاوية لحريث : إتق عليا ثم ضع رمحك حيث شئت . فقال له عمرو بن العاص : إنك والله يا حريث ؟ لو كنت قرشيا لاحب معاوية أن تقتل عليا ولكن كره أن يكون لها حظها ، فإن رأيت منه فرصة فاقتحم عليه .
ولما قتل أمير المؤمنين عليه السلام إستبشر بذلك وبشره به سفيان بن عبد شمس بن أبي وقاص قال إبن عساكر في تاريخه 6 ص‍ 181 : لما طعن أمير المؤمنين علي إبن أبي طالب رضي الله عنه ذهب سفيان يبشر معاوية وعمرو بن العاص بقتله فكتب معاوية إلى عمرو وهو يقول :
وقتك وأسباب المنون كثيرة منية شيخ من لوي بن غالب
فيا عمرو مهلا إنما أنت عمه وصاحبه دون الرجال الاقارب
نجوت وقد بل المرادي سيفه من إبن أبي شيخ الاباطح طالب
ويضربني بالسيف آخر مثله فكانت عليه تلك ضربة لازب
وأنت تناغي كل يوم وليلة بمصرك بيضا كالظباء الشوازب
هذه نفسية الرجل وتمام حقيقته اللائحة على تجارته البائرة ، وصفقته الخاسرة ، وبضاعته المزجاة من الدين المبطن بالالحاد ، والمكتنف بالنفاق ، ولو لم يكن كذلك لما اقتنع بتلك المساومة ، وهو يعرف الثمن والمثمن ، ويعلم سابقة أمير المؤمنين وفضله وقرابته ويقول : إن يله إبن أبي طالب فلا أراه إلا سيستنظف الحق . ومع ذلك يظهر بغضه وعداه بقوله : وهو أكره من يليه إلي . ويعترف بالحق ويتحيز إلى خلافه ، و يعرف الموضع الصالح للخلافة ثم يميل مع الهوى ويقول : إنما أردنا هذه الدنيا . فيبيع دينه لمعاوية بثمن بخس مصر وكورها ويؤلب الناس على الامام الطاهر بنص الكتاب العزيز ، ويسر بقتله ، ولقد صارح بكل ذلك صراحة لاتقبل التأويل وهي مستفاد من نصوصه ونصوص الصحابة الاولين ، وبها عرف في التاريخ الصحيح كما سمعت من دون أي استنباط أو تحوير ، فلا بارك الله في صفقة يمينه ، ولا غار له بخير .
حديث شجاعته
لم نعهد لابن النابغة موقفا مشهودا في المغازي والحروب سواء في ذلك : ألعهد الجاهلي ، ودور النبوة ، وأما وقعة صفين فلم يؤثر عنه سوى مخزات سوئته مع أمير المؤمنين ، وفراره من الاشتر ، وقد بقي عليه عار الاولى مدى الحقب والاعوام ، وجرى بها المثل وغنى بها أهل الحجاز وجاء في شعر عتبة بن أبي سفيان : سوى عمرو وقته خصيتاه نجى ولقلبه منه وجيب وفي شعر معاوية بن أبي سفيان يذكر عمرا وموقفه كما يأتي :
فقد لاقى أبا حسن عليا فآب الوائلي مآب خازي فلو لم يبد عورته للاقى به ليثا يذلل كل غازي وفي شعر الحارث بن نصر السهمي :
فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه
ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما هما كانتا للنفس والله واقيه
وفي شعر الامير أبي فراس :
ولا خير في دفع الردى بمذلة كما ردها يوما بسوئته عمرو
وفي شعر الزاهي البغدادي :
وصد عن عمرو بسر كرما إذ لقيا بالسوأتين من شخص
وقال آخر :
ولا خير في صون الحياة بذلة كما صانها يوما بذلته عمرو
وقال عبدالباقي الفاروقي العمري :
وليلة الهرير قد تكشفت عن سوء‌ة ابن العاص لما غلبا
فحاد عنه مغضبا حيدرة وعف والعفو شعار النجبا
ولو يشأ ركب فيه زجة تركيب مزجي كمعدي كربا
وكان قد تكرر منه هذا العمل المخزي كما سيأتي ، ولو كان للرجل شيئ من البسالة لجبه معيريه بتعداد مشاهده ، وسلقهم بلسان حديد ، وهو ذلك الصلف المفوه ، وفيما أمر من الحروب كان الزحف للجيش الباسل دونه ، فلم يسط أمامه ، وإنما كان رئيا في أمرهم يدير وجه الحيلة فيه ، كما انه كان في صفين كذلك لم يبارح سرادق معاوية وطفق يبديه دهائه إلا في موقفين سيوافيك تفصيلهما ، ولذلك كله اشتهر بدهاء دون
الشجاعة . قال البيهقي في [ المحاسن والمساوي 1 ص‍ 39 : قال عمرو بن العاص لابنه عبدالله يوم صفين : تبين لي هل ترى علي بن أبى طالب رضي الله عنه ؟ قال عبدالله : فنظرت إليه فرأيته فقلت : يا أبه ؟ ها هو ذاك على بغلة شهباء عليه قباء أبيض وقلنسوة بيضاء . قال فاسترجع وقال : والله ما هذا بيوم ذات السلاسل ولا بيوم اليرموك ولا بيوم أجنادين ، وددت أن بيني وبين موقفي بعد المشرقين .
هذا هو الذي عرفه منه معاصروه ، وستقف على أحاديثهم ، نعم جاء إبن عبدالبر بعد لاي من عمر الدهر فتهجس في " الاستيعاب " فعده من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية مذكورا بذلك فيهم . ولعل إبن منير 1 المولود بعد إبن عبدالبر بعشر سنين وقف على كلامه في " الاستيعاب " وحكمه ببطولة الرجل فقال في قصيدته التترية :
وأقول إن أخطأ معاوية فما أخطا القدر
هذا ولم يغدر معاوية ولا عمرو مكر بطل بسوء‌ته يقاتل لابصار مه الذكر فإليك ما يؤثر في مواقفه حتى ترى عيه عن القحوم إلى الفوارس في مضمار النضال والدنو من نقع الحومة ، وتقف على حقيقته من هذه الناحية ايضا ، وتعرف قيمة كلام إبن حجر في " الاصابة " 3 ص‍ 2 من : أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقربه ويدنيه لمعرفته وشجاعته ، ولا نسائله متى قربه وأدناه .
هامش
1 أحد شعراء الغدير في قرن السادس تاتى هناك قصيدته التترية وترجمته .
أمير المؤمنين وعمرو في معترك القتال بصفين . كان عمرو بن العاص عدو للحرث بن نضر الخثعمي ، وكان من أصحاب علي عليه السلام ، وكان علي قد تهيبته فرسان الشام وملا قلوبهم بشجاعته وإمتنع كل منهم من الاقدام عليه وكان عمرو ما جلس مجلسا إلا ذكر فيه الحرث بن نضر الخثعمي وعابه فقال ألحرث :
ليس عمرو بتارك ذكره الحرث مدى الدهر أو يلاقي عليا
واضع السيف فوق منكبه الايمن لا يحسب الفوارس شيا
ليت عمرا يلقاه في حومة النقع وقد أمست السيوف عصيا
حيث يدعو البراز حامية القوم إذا كان بالبراز مليا
فوق شهب مثل السحوق من النخل ينادي المبارزين : إليا
ثم يا عمرو تستريح من الفخر وتلقى به فتى هاشميا
فالقه إن أردت مكرمة الدهر أو الموت كل ذاك عليا
فشاعت هذه الابيات حتى بلغت عمرا فأقسم بالله ليلقين عليا ولو مات ألف موتة .
فلما إختلطت الصفوف لقيه فحمل عليه برمحه فتقدم علي وهو مخترط سيفا ، معتقل رمحا ، فلما رهقه همز فرسه ليعلو عليه ، فألقى عمرو نفسه عن فرسه إلى الارض شاغرا برجليه ، كاشفا عورته ، فانصرف عنه علي لاقتا وجهه ، مستدبرا له ، فعد الناس ذلك من مكارم علي وسؤدده ، وضرب بها المثل .
كتاب صفين لابن مزاحم ص‍ 224 ، شرح إبن إبي الحديد 2 ص‍ 110 . وقال إبن قتيبة في - الامامة السياسة - 1 ص‍ 91 : ذكروا ان عمرا قال لمعاوية : أتجبن عن علي وتتهمني في نصيحتي إليك ؟ ؟ ! ! والله لابارزن عليا و لو مت ألف موتة في أول لقائه ، فبارزه عمرو فطعنه علي فصرعه ، فإتقاه بعورته فانصرف عنه علي وولى بوجهه دونه ، وكان علي رضي الله عنه لم ينظر قط إلى عورة أحد حياء
هامش
1 سحقت النخلة . طالت . فهى سحوق بالفتح ج سحق . بالضم
وتكرما وتنزها عما لا يحل ، ولا يجل بمثله كرم الله وجهه .
وقال المسعودي في مروج الذهب 2 ص‍ 25 : إن معاوية أقسم على عمرو لما أشار عليه بالبراز إلى أن يبرز إلى علي فلم يجد عمرو من ذلك بدا فبرز ، فلما إلتقيا عرفه علي وشال السيف ليضربه به فكشف عمرو عن عورته وقال : مكره أخوك لابطل . فحول علي وجهه وقال : قبحت . ورجع عمرو إلى مصافه .
إجتمع عند معاوية في بعض ليالي صفين عمرو بن العاص ، وعتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة ، ومروان بن الحكم ، وعبدالله بن عامر ، وإبن طلحة الطلحات الخزاعي ، فقال عتبة : إن أمرنا وأمر علي بن أبي طالب لعجيب ، ما فينا إلا موتور مجتاح ، أما أنا فقتل جدي عتبة بن ربيعة وأخي حنظلة وشرك في دم عمي شيبة يوم بدر ، وأما أنت يا وليد ؟ فقتل أباك صبرا ، وأما أنت يا ابن عامر فصرع أباك وسلب عمك ، وأما أنت يابن طلحة ؟ فقتل أباك يوم الجمل ، وأيتم إخوتك ، وأما أنت يا مروان ، فكما قال الشاعر 1 .
وأفلتهن علباء جريضا ولو أدركته صفر الوطاب 2
فقال معاوية : هذا الاقرار فأي غير غيرت ؟ قال مروان : وأي غير تريد ؟ ! قال :
اريد أن تشجروه بالرماح . قال : والله يا معاوية ؟ ما أراك إلا هاذيا أو هاذئا وما أرانا إلا ثقلنا عليك . فقال إبن عقبة :
يقول لنا معاوية بن حرب أما فيكم لواتركم طلوب ؟
يشد على أبي حسن علي بأسمر لا تهجنه العكوب 3
فيهتك مجمع اللبات منه ونقع القوم مطرد يثوب
فقلت له : أتلعب يابن هند ؟ كأنك بيننا رجل غريب
هامش
1 البيت لامرؤ القيس ، قوله . صفر الوطاب . مثل يضرب لمن مات أو قتل .
2 افلته : خلصه واطلقه . افلت : تخلص . علباء من علب اللحم : تغيرت رائحته بعد اشتداده . الجريض : المشرف على الهلاك . ألصفر بالحركات الثلاث : الخالى . ألوطب : سقاء اللبن
ج وطاب .
3 هجنه الامر : قبحه وعابه . العكوب بالفتح : الغبار .
أتغرينا بحية بطن واد إذا نهشت فليس لها طبيب
وما ضبع يدب ببطن واد اتيح 1 له به أسد مهيب
بأضعف حيلة منا إذا ما لقيناه ولقياه عجيب
دعا للقاه في الهيجاء لاق فأخطأ نفسه الاجل القريب
سوى عمرو وقته خصيتاه نجى ولقلبه منه وجيب
كأن القوم لما عاينوه خلال النقع ليس لهم قلوب
كعمرو أي معاوية بن حرب وما ظني ستلحقه العيوب
لقد ناداه في الهيجا علي فأسمعه ولكن لا يجيب
فغضب عمرو وقال : إن كان الوليد صادقا فليلق عليا ، أو فليقف حيث يسمع صوته وقال عمرو :
يذكرني الوليد دعا علي وبطن المرء يملاه الوعيد
متى يذكر مشاهده قريش يطر من خوفه القلب الشديد
فأما في اللقاء فأين منه معاوية بن حرب والوليد
وعير في الوليد لقاء ليث إذا مازار 2 هابته الاسود
لقيت ولست أجهله عليا وقد بلت من العلق اللبود 3
فأطعنه ويطعنني خلاسا 4 وماذا بعد طعنته اريد ؟
فرمها أنت يابن أبي معيط وأنت الفارس البطل النجيد 5
واقسم لو سمعت ندا علي لطار القلب وانتفخ الوريد
ولو لاقيته شقت جيوب عليك ولطمت فيك الخدود 6
هامش
1 تاح تيحا وتوحا : قدر وتهيأ . رجل متيح : أى لا يزال يقع في بلية .
2 من الزئير : صوت الاسد .
3 اللبد بالكسر : الشعر المجتمع بين كفى الاسد . ما يجعل على ظهر الفرس تحت السرج
ج لبود والباد .
4 يقال : الرجلان يتخالسان : أى يروم كل منهما قتل صاحبه .
5 النجيد : الشجاع الماضى فيما يعجز غيره .
6 كتاب صفين ص‍ 222 ، شرح ابن ابي الحديد 2 ص‍ 110 ، تذكرة السبط ص‍ 51 .
وفي رواية سبط إبن الجوزي : ثم إلتفت الوليد إلى عمرو بن العاص وقال : إن لم تصدقوني وإلا فسلوا . أراد تبكيت عمرو ، قال هشام بن محمد : ومعنى هذا الكلام : إن عليا خرج يوما من أيام صفين فرأى عمرو بن العاص في جانب العسكر ولم يعرفه فطعنه ، فوقع ، فبدت عورته ، فاستقبل عليا فأعرض عنه ثم عرفه فقال : يابن النابغة ؟ أنت طليق دبرك أيام عمرك ، وكان قد تكرر منه هذا الفعل .
رواية ابن عباس :
روى نصر باسناده عن إبن عباس قال : تعرض عمرو بن العاص لعلي يوما من أيام صفين ، وظن أنه يطمع منه في غرة أي : في غفلة فيصيبه ، فحمل عليه علي عليه السلام فلما كاد أن يخالطه أذرى أي : ألقى نفسه عن فرسه ، ورفع ثوبه ، و شغر 2 1 برجله فبدت عورته ، فصرف عليه السلام وجهه عنه ، وقام معفرا بالتراب ، هاربا على رجليه ، معتصما بصفوفه ، فقال أهل العراق : يا أمير المؤمنين ؟ أفلت الرجل . فقال : أتدرون من هو ؟ قالوا : لا . قال : إنه عمرو بن العاص تلقاني بسوأته فذكرني بالرحم لفظ إبن كثير فصرفت وجهي عنه ، ورجع عمرو إلى معاوية فقال : ما صنعت يا أبا عبدالله ؟ فقال : لقيني علي فصرعني . قال : أحمد الله وعورتك - وفي لفظ إبن كثير :
أحمد الله واحمد إستك - والله إني لاظنك لو عرفته لما اقتحمت عليه . وقال معاوية في ذلك :
ألا لله من هفوات عمرو يعاتبني على تركي برازي
فقد لاقى أبا حسن عليا فآب الوائلي مآب خازي
فلو لم يبد عورته للاقى به ليثا يذلل كل غازي
له كف كأن براحتيها منايا القوم يخطف خطف باز
فإن تكن المنية أخطأته فقد غنى بها أهل الحجاز
فغضب عمرو وقال : ما أشد تعظيمك عليا في كسري هذا - وفي لفظ إبن أبي الحديد : ما أشد تغليطك أبا تراب في أمري - هل أنا إلا رجل لقيه إبن عمه فصرعه ؟ .
أفترى السماء قاطرة لذلك دما ؟ ! قال : لا ولكنها معقبة لك خزيا .
هامش
1 شغر الكلب : رفع احدى رجليه فبال .
216 ، شرح إبن أبي الحديد 2 ص‍ 287 ، تاريخ إبن كثير 7 ص‍ 263 .
معاوية وعمرو
إستأذن عمرو بن العاص على معاوية بن أبي سفيان فلما دخل عليه إستضحك معاوية فقال عمرو : ما أضحكك يا أمير المؤمنين ؟ أدام الله سرورك . قال : ذكرت إبن أبي طالب وقد غشيك بسيفه فاتقيته ووليت . فقال : أتشمت بي يا معاوية ؟ وأعجب من هذا يوم دعاك إلى البراز فالتمع لونك ، وأطت 1 أضالعك ، وانتفخ منخرك ، والله لو بارزته لاوجع قذالك 2 وأيتم عيالك ، وبزك سلطانك ، وأنشأ عمرو يقول :
معاوي لا تشمت بفارس بهمة لقى فارسا لا تعتريه الفوارس
معاوي إن أبصرت في الخيل مقبلا أبا حسن يهوي دهتك الوساوس
وأيقنت أن الموت حق وانه لنفسك إن لم تمض في الركض حابس
فإنك لو لاقيته كنت بومة 3 اتيح لها صقر من الجو رايس 4
وما ذا بقاء القوم بعد اختباطه ؟ وإن امرؤ يلقى عليا لآيس
دعاك فصمت دونه الاذن هاربا فنفسك قد ضاقت عليها الامالس 5
وأيقنت أن الموت أقرب موعد وأن الذي ناداك فيها الدهارس 6
وتشمت بي إن نالني حد رمحه وعضضني ناب من الحرب ناهس 7
أبى الله إلا أنه ليث غابة أبوأشبل تهدى إليه الفرايس
وأي امرؤ لاقاه لم يلف شلوه بمعترك تسفي عليه الروامس 8
هامش
1 أط : صوت . الابل : حنت .
2 القذال : بين الاذنين من مؤخر الرأس ج قذل وأقذلة .
3 البوم والبومة . طائر يسكن الخراب . يضرب به المثل في الشوم .
4 من راس يريس . مشى متبخترا . يقال راس القوم . اعتلى عليهم وغلبهم .
5 الامالس والاماليس ج امليس : الفلاة التى ليس فيها نبات .
6 الدهرس : الشدة والبلية .
7 نهس اللحم نهسا بفتح العين وكسره : أخذه ونتفه ومده بالفم .
8 الرمس : الستر والتغطية . ويقال لما يحثى على القبر من التراب : رمس .
فإن كنت في شك فأرهج عجاجه وإلا فتلك الترهات البسابس 1
فقال معاوية : مهلا يا أبا عبدالله ؟ ولا كل هذا . قال : أنت إستدعيته . وفي لفظ إبن قتيبة في " عيون الاخبار " 1 ص‍ 169 : رأى عمرو بن العاص معاوية يوما يضحك فقال له : مم تضحك يا أمير المؤمنين ؟ أضحك الله سنك . قال : أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوء‌تك يوم إبن أبي طالب ، أما والله لقد وافقته منانا كريما ولو شاء أن يقتلك لقتلك . قال عمرو : يا أمير المؤمنين ؟ أما والله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فأحولت عيناك ، وربا سحرك 2 وبدا منك ما أكره ذكره ذلك ، فمن نفسك فاضحك أو دع .
وفي لفظ البيهقي في المحاسن والمساوي 1 ص‍ 38 : دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ناس فلما رآه مقبلا إستضحك فقال : يا أمير المؤمنين ؟ أضحك الله سنك وأدام سرورك وأقر عينك ما كل ما أرى يوجب الضحك . فقال معاوية ؟ خطر ببالي يوم صفين يوم بارزت أهل العراق فحمل عليك علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلما غشيك طرحت نفسك عن دابتك وأبديت عورتك ، كيف حضرك ذهنك في تلك الحال ؟ أما والله لقد واقفت هاشميا منافيا ولو شاء أن يقتلك لقتلك . فقال عمرو : يا معاوية إن كان أضحكك شأني فمن نفسك فاضحك ، أما والله لو بداله من صفحتك مثل الذي بداله من صفحتي لاوجع قذلك ، وأيتم عيالك ، وأنهب مالك ، وعزل سلطانك ، غير انك تحرزت منه بالرجال في أيديها العوالي ، أما أني قد رأيتك يوم دعاك إلى البراز فاحولت عيناك ، وأربد شدقاك ، وتنشر منخراك ، وعرق جبينك ، وبدا من أسفلك ما أكره ذكره . فقال معاوية : حسبك حيث بلغت لم نرد كل هذا .
وفي لفظ الواقدي : قال معاوية يوما لعمرو بن العاص : يا أبا عبدالله ؟ لا أراك إلا ويغلبني الضحك قال : بماذا ؟ قال : أذكر يوم حمل عليك أبوتراب في صفين فأذريت نفسك فرقا من شبا سنانه ، وكشفت سوأتك له . فقال عمرو : أنا منك أشد ضحكا إني لاذكر يوم دعاك إلى البراز فانتفخ سحرك ، وربا لسانك في فمك ، وعصب
هامش
1 كتاب صفين 253 ، أمالى الشيخ ص‍ 84 ، تذكرة السبط ص‍ 52 .
2 ربا ربوا : انتفخ . السحر بفتح السين وضمه : الرئة .
ريقك ، وإرتدت فرائصك ، وبدا منك ما أكره ذكره لك . فقال معاوية : لم يكن هذا كله ، وكيف يكون ؟ ودوني عك والاشعريون . قال : إنك لتعلم أن الذي وصفت دون ما أصابك ، وقد نزل ذلك بك ودونك عك والاشعريون ، فكيف كانت حالك . لوجمعكما مأقط الحرب . قال : يا أبا عبدالله ؟ خض بنا الهزل إلى الجد : إن الجبن والفرار من علي لاعار على أحد فيهما . شرح إبن أبي الحديد 2 ص‍ 111 .
قال نصرفي كتابه ص‍ 229 : وكان معاوية لم يزل يشمت عمرا ويذكر يومه المعهود ويضحك ، وعمرو يعتذر بشدة موقفه بين يدي أمير المؤمنين ، فشمت به معاوية يوما و قال : لقد أنصفتكم إذ لقيت سعيد بن قيس وفررتم وانك لجبان ، فغضب عمرو ثم قال : والله لو كان عليا ما قحمت عليه يا معاوية ؟ فهلا برزت إلى علي إذا دعاك إن كنت شجاعا
كما تزعم ؟ وقال عمرو في ذلك :
تسير إلى ابن ذي يزن سعيد وتترك في العجاجة من دعاكا
فهل لك في أبي حسن علي ؟ لعل الله يمكن من قفاكا
دعاك إلى النزال فلم تجبه ولو نازلته تربت يداكا
وكنت أصم إذ ناداك عنه وكان سكوته عنه مناكا
فآب الكبش قد طحنت رحاه بنجدته ولم تطحن رحاكا
فما أنصفت صحبك يابن هند أتفرقه وتغضب من كفاكا ؟؟ !!
فلا والله ما أضمرت خيرا ولا أظهرت لي إلا هواكا
أشار عمرو بن العاص في هذه الابيات إلى ما رواه نصر في كتاب صفين ص‍ 140 وغيره من المؤرخين من : أن عليا عليه السلام قام يوم صفين بين الصفين ثم نادى يا معاوية ؟ يكررها فقال معاوية : إسألوه ما شأنه ؟ قال : احب ان يظهر لي فاكلمه كلمة واحدة . فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص فلما قارباه لم يلتفت إلى عمرو وقال لمعاوية :
ويحك على م يقتتل الناس بيني وبينك ، ويضرب بعضهم بعضا ؟ ؟ ! ! أبرز إلي فأينا قتل صاحبه فالامر له . فالتفت معاوية إلى عمرو فقال : ما ترى يا أبا عبدالله ؟ فيما هيهنا ، ابارزه ؟ ؟ ! ! فقال عمرو : لقد أنصفك الرجل واعلم أنه إن نكلت عنه لم تزل سبة عليك وعلى عقبك ما بقي عربي . فقال معاوية : يا عمرو ؟ ليس مثلي يخدع عن نفسه ، والله ما بارز إبن أبي طالب رجلا قط إلا سقى الارض من دمه . ثم انصرف معاوية راجعا حتى إنتهى إلى آخر الصفوف وعمرو معه خرج علي عليه السلام ذات يوم في صفين منقطعا من خيله ومعه الاشتر يتسايران رويدا يطلبان التل ليقفا عليه وعلي يقول :
إني علي فسلوا لتخبروا ثم ابرزوا إلى الوغا أو ادبروا
سيفي حسام وسناني أزهر منا النبي الطيب المطهر
وحمزة الخير ومنا جعفر له جناح في الجنان أخضر
ذا أسد الله وفيه مفخر هذا بهذا وابن هند محجر
مذبذب مطرد مؤخر
إذ برز له بسر بن أرطاة مقنعا في الحديد لا يعرف فناداه : أبرز إلي أبا حسن ؟ فانحدر إليه على تؤدة 1 غير مكترث به حتى إذا قاربه طعنه وهو دارع فألقاه على الارض ، ومنع الدرع السنان أن يصل إليه ، فإتقاه بسر بعورته وقصد أن يكشفها يستدفع بأسه ، فانصرف عنه عليه السلام مستدبرا له فعرفه الاشتر حين سقط فقال : يا أمير المؤمنين ؟
هذا بسر بن أرطاة هذا عدو الله وعدوك ، فقال : دعه عليه لعنة الله ، أبعد أن فعلها ؟
فحمل إبن عم لبسر شاب على علي وهو يقول :
أرديت بسرا والغلام ثايره أرديت شيخا غاب عنه ناصره
وكلنا حام لبسر واتره
فحمل عليه الاشتر وهو يقول :
أكل يوم رجل شيخ شاغره وعورة تحت العجاج ظاهره
تبرزها طعنة كف واتره عمرو وبسر رميا بالفاقره
فطعنه الاشتر فكسر صلبه ، وقام بسر من طعنة علي وولت خيله ، وناداه علي يا بسر ؟ معاوية كان أحق بهذا منك . فرجع بسر إلى معاوية فقال له معاوية : إرفع طرفك قد أدال 2 الله عمرا منك . فقال في ذلك الحارث بن نضر السهمي :
هامش
1 أى تأنى وتمهل .
2 أدال الشئ . جعله متداولا . يقال أدال الله زيدا من عمرو ، أى نزع الدولة من عمرو وحولها إلى زيد .
أفي كل يوم فارس تندبونه له عورة تحت العجاجة باديه
يكف بها عن علي سنانه ويضحك منها في الخلاء معاويه
بدت أمس من عمرو فقنع رأسه وعورة بسر مثلها حذو حاذيه
فقولا لعمرو وابن ارطاة أبصرا سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه
ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما هما كانتا للنفس والله واقيه
فلو لاهما لم تنجوا من سنانه وتلك بما فيها عن العود ناهيه
متى تلقيا الخيل المشيجة صيحة وفيها علي فاتركا الخيل ناحيه
وكونا بعيدا حيث لا تبلغ القنا ونار الوغى إن التجارب كافيه
وإن كان منه بعد في النفس حاجة فعودوا إلى ما شئتما هي ماهيه
كتاب صفين ص‍ 246 ، ألاستيعاب 1 ص‍ 67 ، شرح إبن أبي الحديد 2 ص‍ 300 ، مطالب السئول ص‍ 43 ، تاريخ إبن كثير 4 ص‍ 30 ، نور الابصار ص‍ 95 .
ينبأنا التاريخ أن عمرو ليس باول رجل كشف عن سوء‌ته من بأس أمير المؤمنين وإنما قلد طلحة بن أبي طلحة فإنه لما حمل عليه أمير المؤمنين يوم احد ورأى انه مقتول لا محالة ، فاستقبله بعورته وكشف عنها . م - راجع تاريخ إبن كثير 4 ص‍ 20 وذكره الحلبي في سيرته 2 ص‍ 247 ثم قال : وقع لسيدنا علي كرم الله وجهه مثل ذلك في يوم صفين مرتين : الاولى : حمل على بسر بن أرطاة . والثانية : حمل على عمرو بن العاص فلما رأى انه مقتول كشف عن عورته ، فانصرف عنه علي كرم الله وجهه .
الاشتر وعمرو بن العاص في معترك القتال بصفين
إن معاوية دعا يوما بصفين مروان بن الحكم فقال : إن الاشتر قد غمني وأقلقني ، فاخرج بهذه الخيل في يحصب والكلاعيين فألقه فقاتل بها . فقال مروان : ادع لها عمرا فإنه شعارك دون دثارك . قال : وأنت نفسي دون وريدي . قال : لو كنت كذلك ألحقتني به في العطاء ، أو ألحقته بي في الحرمان ، ولكنك أعطيته ما في يدك ، ومنيته ما في يد غيرك ، فإن غلبت طاب له المقام ، وإن غلبت خف عليه الهرب . فقال معاوية :
سيغني الله عنك . قال : أما إلى اليوم فلن يغن ، فدعا معاوية عمرا وأمره بالخروج إلى الاشتر . فقال : أما إني لا أقول لك ما قال مروان . قال : فكيف تقول ؟ ! وقد قدمتك وأخرته ، وأدخلتك وأخرجته . قال : أما والله إن كنت فعلت لقد قدمتني كافيا ، وأدخلتني ناصحا ، وقد أكثر القوم عليك في أمر مصر وإن كان لايرضيهم إلا أخذها فخذها ، ثم قام فخرج في تلك الخيل فلقيه الاشتر أمام القوم وهو يقول :
ياليت شعري كيف لي بعمرو ؟ ذاك الذي أوجبت فيه نذري
ذاك الذي أطلبه بوتري ذاك الذي فيه شفاء صدري
ذاك الذي إن ألقه بعمري تغلي به عند اللقاء قدري
أجعله فيه طعام النسر أولا فربي عاذري بعذري
فلما سمع عمرو هذا الرجز وعرف انه الاشتر فشل وجبن وإستحى أن يرجع وأقبل نحو الصوت وقال :
ياليت شعري كيف لي بمالك كم جاهل خيبته وحارك 1
وفارس قتلته وفاتك ومقدم آب بوجهه حالك 2
مازلت دهري عرضة المهالك
فغشيه الاشتر بالرمح فزاغ عنه عمرو فلم يصنع الرمح شيئا ، ولوى عمرو عنان فرسه وجعل يده على وجهه وجعل يرجع راكضا نحو عسكره ، فنادى غلام من يحصب :
يا عمرو ؟ عليك العفا ما هبت الصبا . كتاب صفين ص‍ 233 ، شرح إبن أبي الحديد 2 ص‍ 295 .
ينبأك صدر هذا الحديث عن نفسيات أولئك المناضلين عن معاوية الدعاة إلى إمامته ، ويعرب عن غايات تلك الفئة الباغية بنص النبي الاطهر إماما ومأموما في تلك الحرب الزبون ، فما ينبغي لي أن أكتب عن إمام يكون مثل عمرو بن العاص شعاره ، ومثل مروان بن الحكم نفسه ؟ ؟ ! ! وما يحق لك أن تعتقد في مأموم هذه محاوراته في معترك القتال مع إمامه المفترضة عليه طاعته - إن صحت الاحلام - ومشاغبته دون هامش 1 حرك . امتنع من الحق الذى عليه . غلام حرك . خفيف ذكى . 2 حلك . اشتد سواده فهو حالك وحلك . الرتبة والراتب ؟ ؟ ! !
إبن عباس وعمرو
حج عمرو بن العاص وقام بالموسم فأطرى معاوية وبني امية وتناول بني هاشم ثم ذكر مشاهده بصفين ، فقال إبن عباس : يا عمرو ؟ إنك بعت دينك من معاوية فأعطيته ما في يدك ومناك ما في يد غيره ، فكان الذي أخذ منك فوق الذي أعطاك ، و كان الذي أخذت منه دون ما أعطيته ، وكل راض بما أخذ وأعطى ، فلما صارت مصر في يدك تتبعك فيها بالعزل والتنقص ، حتى لو أن نفسك في يدك لالقيتها إليه ، وذكرت يومك مع أبي موسى فلا أراك فخرت إلا بالغدر ، ولا منيت إلا بالفجور والغش ، و ذكرت مشاهدك بصفين فوالله ما ثقلت علينا وطأتك ، ولقد كشفت فيها عورتك ، ولا نكتنا فيها حربك ، ولقد كنت فيها طويل اللسان ، قصير السنان ، آخر الحرب إذا أقبلت ، وأولها إذا أدبرت ، لك يدان : يد لا تبسطها إلى خير ، ويد لا تقبضها عن شر ، ووجهان : وجه مونس ووجه موحش ، ولعمري ان من باع دينه بدنيا غيره لحري أن يطول حزنه على ما باع وإشترى ، لك بيان وفيك خطل ، ولك رأي وفيك نكد
ولك قدر وفيك حسد ، فأصغر عيب فيك أعظم عيب غيرك . فقال عمرو : أما والله ما في قريش أحد أثقل وطأة علي منك ، ولا لاحد من قريش قدر عندي مثل قدرك . ألبيان والتبيين 2 ص‍ 239 ، ألعقد الفريد 2 ص‍ 136 ، شرح إبن أبي الحديد 1 ص‍ 196 نقلا عن البلاذري .
إبن عباس وعمرو في حفلة اخرى
روى المدايني قال : وفد عبدالله بن عباس على معاوية مرة وعنده إبنه يزيد ، وزياد بن سمية ، وعتبة بن أبي سفيان ، ومروان بن الحكم ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة إبن شعبة ، وسعيد بن العاص ، وعبدالرحمن بن ام الحكم فقال عمرو بن العاص : هذا والله يا أمير المؤمنين ؟ نجوم أول الشر ، وافول آخر الخير ، وفي حسمه قطع مادته فبادره بالحملة ، وانتهز منه الفرصة ، واردع بالتنكيل به غيره ، وشرد به من خلفه ، فقال إبن عباس : يابن النابغة ؟ ضل والله عقلك ، وسفه حلمك ، ونطق الشيطان على لسانك ، هلا توليت ذلك بنفسك يوم صفين حين دعيت نزال 1 وتكافح الابطال ، وكثرت الجراح ، وتقصفت 2 الرماح ، وبرزت إلى أمير المؤمنين مصاولا ، فانكفأ نحوك بالسيف حاملا ، فلما رأيت الكواثر من الموت ، أعددت حيلة السلامة قبل لقائه ، والانكفاء عنه بعد إجابة دعائه ، فمنحته رجاء النجاة عورتك ، وكشفت له خوف بأسه سوء‌تك ، حذرا أن يصطلمك بسطوته ، أو يلتهمك 3 بحملته ، ثم أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته ، وحسنت له التعرض لمكافحته ، رجاء أن تكتفي مؤنته ، وتعدم صورته ، فعلم غل صدرك ، وما انحنت عليه من النفاق أضلعك ، وعرف مقر سهمك في غرضك ، فاكفف غرب لسانك ، واقمع عوراء لفظك ، فإنك بين أسد خادر ، وبحر زاجر ، إن تبرزت للاسد إفترسك ، وإن عمت في البحر قمسك - أي : غمسك و أغرقك - . شرح إبن أبي الحديد 2 ص‍ 105 ، جمهرة الخطب 2 ص‍ 93 .
عبدالله المرقال وعمرو
كان في نفس معاوية من يوم صفين إحن على هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال وولده عبدالله ، فلما استعمل معاوية زيادا على العراق كتب إليه : أما بعد : فانظر عبدالله بن هاشم فشد يده إلى عنقه ثم ابعث به إلي ، فحمله زياد من البصرة مقيدا مغلولا إلى دمشق ، وقد كان زياد طرقه بالليل في منزله بالبصرة فادخل إلى معاوية وعنده عمرو بن العاص فقال معاوية لعمرو بن العاص : هل تعرف هذا ؟ قال : لا . قال : هذا الذي يقول أبوه يوم صفين :
إني شريت النفس لما اعتلا وأكثر اللوم وما أقلا
أعور يبغي أهله محلا قد عالج الحياة حتى ملا
لابد أن يفل أو يفلا أسلهم بذي الكعوب سلا
لا خير عندي في كريم ولى
هامش
1 نزال : اسم فعل بمعنى : انزل . أى حين قال الابطال بعضهم لبعض : انزل .
2 تقصفت : تكسرت .
3 التهم الشى : ابتلعه بمرة .
فقال عمرو متمثلا :
وقد نبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كماهيا وإنه لهو ، دونك يا أمير المؤمنين ؟ ألضب المضب 1 فأشخب أوداجه على أسباجه أثباجه ولا ترجعه إلى أهل العراق فإنهم أهل فتنة ونفاق ، وله مع ذلك هوى يرديه وبطانة تغويه ، فوالذي نفسي بيده لئن أفلت من حبائلك ليجهزن إليك جيشا تكثر صواهله لشر يوم لك ، فقال عبدالله وهو المقيد : يا ابن الابتر ؟ هلا كانت هذه الحماسة عندك يوم صفين ؟ ونحن ندعوك إلى البراز ، وأنت تلوذ بشمائل الخيل كالامة السوداء والنعجة القوداء ، أما انه إن قتلني قتل رجلا كريم المخبرة ، حميد المقدرة ، ليس بالحبس المنكوس ، ولا الثلب 2 المركوس 3 . فقال عمرو : دع كيت وكيت ، فقد وقعت بين لحيي لهذم 4 فروس للاعداء ، يسعطك إسعاط 5 الكودن 6 الملجم . قال عبدالله :
أكثر إكثارك ، فاني أعلمك بطرا في الرخاء جبانا في اللقاء ، عيابة عند كفاح الاعداء ، ترى أن تقي مهجتك بأن تبدي سوأتك ، أنسيت صفين وأنت تدعى إلى النزال ؟ فتحيد عن القتال خوفا أن ، يغمرك رجال لهم أبدان شداد ، وأسنة حداد ، ينهبون السرح ، ويذلون العزيز .
فقال عمرو : لقد علم معاوية أنى شهدت تلك المواطن ، فكنت فيها كمدرة الشوك ، و لقد رأيت أباك في بعض تلك المواطن ، تخفق أحشاؤه ، وتنق أمعاؤه . قال : أما والله لو لقيك أبي في ذلك المقام لارتعدت منه فرائصك ولم تسلم منه مهجتك ، ولكنه قاتل غيرك ، فقتل دونك . فقال معاوية : ألا تسكت ؟ لا ام لك . فقال : يابن هند ؟ أتقول لي هذا ؟ والله لئن شئت لاغرقن جبينك ، ولاقيمنك وبين عينيك وسم يلين له خدعاك ، أبأكثر من الموت تخوفني ؟ . فقال معاوية : أو تكف يابن أخي ؟ وأمر بإطلاق عبدالله ، فقال عمرو لمعاوية :
هامش
1 من اضب يضب : أى صاح وتكلم وغاض وحقد .
2 الثلب : المعيب المهان .
3 المركوس : الضعيف .
4 اللهذم : الحاد القاطع من السيوف والاسنة والانياب .
5 الاسعاط : ادخال الدواء في الانف . يقال : اسعطه الرمح أى طعنه به في انفه .
6 الكودن : البرذون الهجين . الفيل ج‍ كوادن .
أمرتك أمراحازما فعصيتني وكان من التوفيق قتل ابن هاشم أليس أبوه يا معاوية الذي أعان عليا يوم
حز الغلاضم ؟ ! 1
فلم ينثني حتى جرت من دمائنا بصفين أمثال البحور الخضارم 2 وهذا ابنه والمرء يشبه شيخه 3 ويوشك أن تقرع به سن نادم فقال عبدالله يجيبه :
معاوي إن المرء عمرا أبت له ضغينة صدر غشها غير نائم
يرى لك قتلي يابن هند وإنما يرى ما يرى عمرو ملوك الاعاجم
على أنهم لا يقتلون أسيرهم إذا كان منه بيعة للمسالم
وقد كان منا يوم صفين نقرة عليك جناها هاشم وابن هاشم
قضى ما أنقضى منها وليس الذي مضى ولا ما جرى إلا كأضغاث حالم
فإن تعف عني تعف عن ذي قرابة وإن ترقتلي تستحل محارمي
فقال معاوية :
أرى العفو عن عليا قريش وسيلة إلى الله في اليوم العصيب القماطر 4
ولست أرى قتل العداة إبن هاشم بإدراك ثاري في لوي وعامر
بل العفو عنه بعد ما بان جرمه وزلت به إحدى الجدود العواثر
فكان أبوه يوم صفين جمرة علينا فأردته رماح النهابر 5
كتاب صفين لابن مزاحم ص‍ 182 ، كامل المبرد 1 ص‍ 181 ، مروج الذهب
2 ص‍ 57 - 59 ، شرح إبن أبي الحديد 2 ص‍ 176 .
درس دين واخلاق
لعل الباحث لا يخفى عليه ان كل سوء‌ة وعورة ذكر بها المترجم له في التاريخ
هامش
1 جمع غلضمة : اللحم بين الرأس والعنق . يعنى : ايام الحرب .
2 الخضرم بالكسر : البحر العظيم الماء .
3 في كامل المبرد : عيصه . يعني : أصله .
4 القماطر بالضم : الشديد .
5 النهابر والنهابير : المهالك . الواحدة : نهبرة . نهبور . نهبورة .
الصحيح ، وما يعزى إليه وعرف به من المساوي في طيات تلكم الكلمات الصادقة المذكورة من الوضاعة والغواية والغدر والمكر والحيلة والخدعة والخيانة والفجور ونقض العهد وكذب القول وخلف الوعد وقطع الال والحقد والوقاحة والحسد والرياء والشح والبذاء والسفه والوغد والجور والظلم والمراء والدناء‌ة واللئم والملق والجلافة والبخل والطمع واللدد وعدم الغيرة على حليلته . إلى غير ذلك من المعاير النفسية وأضداد مكارم الاخلاق ، ليست هذه كلها إلا من علايم النفاق ، ومن رشحات عدم الاسلام المستقر ، وإنتفاء الايمان بالله وبما جاء به النبي الاقدس ، إذا الاسلام الصحيح هو المصلح الوحيد للبشر ، ومهذب النفس بمكارم الاخلاق ، ومجتمع الفضايل ، وأساس كل فضل وفضيلة ، وأصل كل محمدة ومكرمة ، وبه يتأتى الصلاح في النفوس مهما سرى الايمان من عاصمة مملكة
البدن ألقلب إلى ساير الاعضاء والجوارح واحتلها واستقر بها .
وذلك أن مثل الايمان في المملكة البدنية الجامعة لشتات آحاد الجوارح والاعضاء كمثل دستور الحكومات في الممالك الجامعة لافراد الاشخاص ، فكما أن القوانين المقررة في الحكومات والدول مبثوثة في الافراد ، وكل فرد من المجتمع له تكليف يخص به ، وواجب يحق عليه أن يقوم به ، وحد محدود يجب عليه رعايته ، وبصلاح الافراد وقيام كل فرد منهم بواجبه يتم صلاح المجتمع ، ويحصل التقدم و الرقي في الحكومات ، كذلك الايمان في المملكة البدنية فإنه قوانين مبثوثة في الاعضاء والجوارح العاملة فيها ، ولكل منها بنص الذكر الحكيم تكليف يخص به ، وحد معين في السنة يجب عليه رعايته والتحفظ به ، وأخذ كل بما وجب عليه هو ايمانه و به يحصل صلاحه ، فواجب القلب غير فريضة اللسان ، وفريضته غير واحب الاذن ، وواجبهاغيرما كلف به البصر ، وفرضه غير واجب اليدين ، وواجبهما غير تكليف الرجلين وهكذا وهكذا ، وإن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ، وهذا البيان يستفاد من قول النبي صلى الله عليه وآله فيما أخرجه الحافظ إبن ماجة في سننه 1 ص‍ 35 ، الايمان معرفة بالقلب ، وقول باللسان ، وعمل بالاركان 1 وقوله صلى الله عليه وآله : ألايمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الاذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الايمان 1 ومن هنا يقبل الايمان ضعفا وقوة وزيادة ونقصا ، ويتصف الانسان في آن واحد بطرفي السلب والايجاب باعتبارين ، فيثبت له الايمان من جهة وينفى عنه باخرى ، ومن هنا يعلم معنى قوله صلى الله عليه وآله :
هامش
1 وبهذا اللفظ يروى عن امير المؤمنين كما في " نهج البلاغة " .
لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن 2 فلا يتأتى صلاح الممكة البدنية إلا بالسلم العام وقيام جميع أجزائها بواجبها ، وإمتثال كل فرد منها فيما فرض عليه ، ولا يكمل الايمان إلا بتحقيق شعبه .
وكما أن إنتفاء الايمان عن كل عضو وجارحة مكلفة يكشف عن ضعف ايمان القلب ، وتضعضع حكومة الاسلام فيه ، إذ هو أمير البدن ولا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره ، كذلك الصفات النفسية فإن منها ما هو الكاشف عن قوة الايمان القلبي وضعفه كما ورد في النبوي الشريف فيما أخرجه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 3 ص‍ 171 : إن المرء ليكون مؤمناوإن في خلقه شئ فينقص ذلك من ايمانه .
ومنها ما يلازم النفاق ولا يفارقه ولا يجتمع مع شيئ من الايمان وإن صلى صاحبه وصام وبه عرف المنافق في القرآن العزيز . فإليك ما رود عن النبي الاقدس في كثير من الصفات المذكورة المعزوة إلى المترجم له حتى تكون على بصيرة من الامر ، فلا يغرنك تقلب الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد .
1. آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب . وإذا وعد أخلف . وإذا ائتمن خان . أخرجه البخارى ومسلم ، وفي رواية مسلم : وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم .
2. أربع من كن فيه كان منافقا خالصا . ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا ائمتن خان . وإذا حدث كذب . وإذا عهد غدر . وإذا خاصم فجر ، أخرجه البخاري . مسلم . أبوداود .
الترمذي . النسائي الطبراني . إبن حبان . أبويعلى . ألبيهقي .
3. لا ايمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له . أخرجه أحمد . ألبزار .
هامش
1 أخرجه البخارى . مسلم . ابوداود . الترمذى . النسائى . ابن ماجة .
2 اخرجه مسلم وغيره .
4. ألمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه . متفق عليه .
5. ألكذب مجانب للايمان . إبن عدي ، ألبيهقي .
6. ألمكر والخديعة في النار . ألديلمي . ألقضاعي .
7. ألمؤمن ليس بحقود . ألغزالي . إبن الدبيع .
8. لا ايمان لمن لا حياء له . إبن حبان . إبن الدبيع .
9. ألحسد يفسد الايمان كما يفسد الصبر العسل . ألديلمى . إبن الدبيع .
10. ألغيرة من الايمان والمذاء من النفاق ، ألديلمي . ألقضاعي . إبن الدبيع
11. أليسير من الرياء شرك ، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة . إبن ماجة . ألحاكم . ألبيهقي .
12. من أرضى سلطانا بما يسخط به ربه خرج من دين الله . ألحاكم .
13. ألحياء من الايمان . ألبخاري . مسلم . أبوداود . ألترمذي . النسائي . إبن ماجة .
14. سباب المسلم فسوق وقتاله كفر . ألبخاري . مسلم . ألترمذي . ألنسائي إبن ماجة .
15. لا يجتمع في جوف عبد ألايمان والحسد . إبن حبان . ألبيهقي .
16. ألشح والعجز والبذاء من النفاق . ألطبراني . أبوالشيخ .
17. لا يجتمع شح وايمان في قلب عبد أبدا . ألنسائي . ابن حبان . ألحاكم .
18. خصلتان لا يجتمعان في مؤمن : ألبخل ، وسوء الخلق . ألبخاري . ألترمذي وغيرهما .
19. ألمؤمن غر كريم والفاجر خب 1 لئيم . أبوداود . ألترمذي . أحمد .
20. إن الرجل لا يكون مؤمنا حتى يكون قلبه مع لسانه سواء ، ويكون لسانه مع قلبه سواء ، ولا يخالف قوله عمله . ألاصبهاني .
21. ألحياء والايمان قرنآء جميعا ، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر . ألحاكم .
ألطبراني .
هامش 1 الخب الخداع .
22. إن الله عزوجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء ، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا ، فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الامانة ، فإذا نزعت منه الامانة لم تلقه إلا خائنا مخونا ، فإذا لم تلقه إلا خائنامخونا نزعت منه الرحمة ، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا ، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الاسلام . إبن ماجة . المنذري .
وفاته
توفي ليلة الفطر سنة 43 على ما هو الاصح عند المؤرخين وقيل غير ذلك ، وعاش نحو تسعين سنة وقال العجلي : عاش تسعا وتسعين سنة . قال اليعقوبي في تاريخه 2 ص‍ 198 : لما حضرت عمرا ألوفاة قال لابنه : لود أبوك انه كان مات في غزات ذات السلاسل ، إني قد دخلت في امور لا أدري ما حجتي عند الله فيها . ثم نظر إلى ماله فرأى كثرته فقال : يا ليته كان بعرا ، يا ليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة ، اصلحت لمعاوية دنياه وأفسدت ديني ، آثرت دنياي وتركت آخرتي ، عمي علي رشدي حتى حضرني أجلي ، كأني بمعاوية قد حوى مالي وأساء فيكم خلافتي .
قال إبن عبدالبر في الاستيعاب 2 ص‍ 436 : دخل إبن عباس على عمرو بن العاص في مرضه فسلم عليه وقال : كيف أصبحت يا أبا عبدالله ؟ قال : أصبحت وقد أصلحت من دنياي قليلا ، وأفسدت من ديني كثيرا ، فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت والذي أفسدت هو الذي أصلحت لفزت ، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت ، ولو كان ينجيني
أن أهرب هربت ، فصرت كالمنخنق بين السماء والارض ، لا أرقى بيدين ولا أهبط برجلين ، فعظني بعظة أنتفع بها يابن أخي . فقال له إبن عباس : هيهات يا أبا عبدالله ؟ صار إبن أخيك أخاك ، ولا تشاء أن تبكي إلا بكيت ، كيف يؤمن برحيل من هو مقيم ؟ . فقال عمرو : وعلى حينها 1 حين إبن بضع وثمانين سنة تقنطني من رحمة ربي ؟ أللهم ؟ إن
إبن عباس تقنطني من رحمتك ، فخذ مني حتى ترضى . قال إبن عباس : هيهات يا أبا عبدالله ؟
أخذت جديدا وتعطي خلقا . فقال عمرو : مالي ولك يابن عباس ؟ ! ما أرسلت كلمة إلا أرسلت نقيضها .
هامش
1 يعنى حين الوفاة .
قال عبدالرحمن بن شماسة : لما حضرت عمرو بن العاص ألوفاة بكى فقال له إبنه عبدالله : لم تبكي أجزعا من الموت ؟؟ !! قال : لا والله ولكن لما بعده . فقال له :
قد كنت على خير . فجعل يذكره صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وفتوحه الشام ، فقال له عمرو : تركت أفضل من ذلك : شهادة أن لا إله إلا الله . إني كنت على ثلاث أطباق ليس منها طبق إلا عرفت نفسي فيه ، كنت أول شئ كافرا فكنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله فلو مت يومئذ وجبت لي النار . فلما بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله كنت أشد الناس حياء منه فما ملات عيني من رسول الله صلى الله عليه وآله حياء منه ، فلو مت يومئذ قال الناس : هينئا لعمرو أسلم وكان على خير ومات على خير أحواله فترجى له الجنة .
ثم بليت بعد ذلك بالسلطان وأشياء فلا أدري أعلي أم لي ؟؟ !! فإذا مت فلا تبكين علي باكية . ولا يتبعني مادح ولا نار ، وشدوا علي ازاري فإني مخاصم ، وشنوا علي التراب فإن جنبي الايمن ليس بأحق بالتراب من جنبي الايسر ألحديث .
فائدة يوجد إسم والد المترجم له في كثير من كلمات الاصحاب ألعاصي بالياء وكذا ورد في شعر أمير المؤمنين :
لا وردن العاصي بن العاصي سبعين ألفا عاقدي النواصي وفي رجز الاشتر :
ويحك يابن العاصي تنح في القواصي ويذكر بالياء في كتب غير واحد من الحفاظ ، وقال الحافظ النووي في تهذيب
الاسماء واللغات 2 ص‍ 30 : وعليه الجمهور وهو الفصيح عند أهل العربية . ثم قال :
ويقع في كثير من كتب الحديث والفقه أو أكثرها بحذف الياء وهي لغة وقد قرئ في السبع نحوه كالكبير المتعال والداع .
محمد الحميري
بحق محمد قولوا بحق فإن الافك من شيم اللئام
أبعد محمد بأبي وامي رسول الله ذي الشرف التهامي
أليس علي أفضل خلق ربي وأشرف عند تحصيل الانام ؟ ؟ ! !
ولايته هي الايمان حقا فذرني من أباطيل الكلام
وطاعة ربنا فيها وفيها شفاء للقلوب من السقام
علي إمامنا بأبي وامي أبوالحسن المطهر من حرام
إمام هدى أتاه الله علما به عرف الحلال من الحرام
ولو اني قتلت النفس حبا له ما كان فيها من أثام
يحل النار قوم أبغضوه وإن صلوا وصاموا ألف عام
ولا والله لا تزكو صلاة بغير ولاية العدل الامام
أمير المؤمنين بك اعتمادي وبالغر الميامين اعتصامي
فهذا القول لي دين وهذا إلى لقياك يا ربي كلامي
برأت من الذي عادى عليا وحاربه من أولاد الطغام
تناسوا نصبه في يوم " خم " من الباري ومن خير الانام
برغم الانف من يشنأ كلامي علي فضله كالبحر طامي
وأبرأ من اناس أخروه وكان هو المقدم بالمقام
علي هزم الابطال لما رأوا في كفه برق الحسام
ما يتبع الشعر
هذه القصيدة رواها شيخ الاسلام الحمويي في الباب الثامن والستين من " فرائد السمطين " باسناده عن الحافظ الكبير أبي عبدالله محمد بن أحمد بن علي بن أحمد بن محمد إبن إبراهيم النطنزى مصنف كتاب - ألخصائص العلوية على ساير البرية قال : أنبأنا
أبوالفضل جعفر بن عبدالواحد بن محمد بن محمود الثقفي بقرائتي عليه قال : أنبأنا أبوطاهر محمد بن أحمد بن عبدالرحيم قال : أنبأنا الشيخ قال : حدثنا محمد بن أحمد بن معدان : حدثنا محمد بن زكريا : حدثنا عبدالله بن الضحاك : حدثنا هشام بن محمد عن أبيه قال :إجتمع الطرماح الطائي ، وهشام المرادي ، ومحمد بن عبدالله الحميري عند معاوية بن أبي سفيان فأخرج بدرة فوضعها بين يديه وقال : يا معشر شعراء العرب ؟ قولوا قولكم في علي بن أبي طالب ولا تقولوا إلا الحق وأنا نفي من صخر بن حرب إن أعطيت هذه البدرة إلا من قال الحق في علي . فقام الطرماح وتكلم في علي ووقع فيه فقال له معاوية :
اجلس فقد عرف الله نيتك ورأى مكانك . ثم قام هشام المرادي فقال ايضا ووقع فيه فقال له معاوية : اجلس مع صاحبك فقد عرف الله مكانكما . فقال عمرو بن العاص لمحمد إبن عبدالله الحميري وكان خاصا به : تكلم ولا تقل إلا الحق ثم قال : يا معاوية قد آليت أن لا تعطي هذه البدرة إلا من قال الحق في علي قال : نعم أنا نفي من صخر إبن حرب إن أعطيتها منهم إلا من قال الحق في علي . فقام محمد بن عبدالله فتكلم ثم قال :
بحق محمد قولوا بحق . إلقصيدة .
فقال معاوية : أنت أصدقهم قولا فخذ هذه البدرة .
ورواها شيخنا الفقيه الكبير عماد الدين أبوجعفر محمد بن أبي القاسم بن محمد الطبري الآملي في الجزء الاول من بشارة المصطفى لشيعة المرتضى قال : أخبرنا الشيخ أبوعبدالله أحمد بن محمد بن شهريار الخازن بمشهد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في شوال سنة أثنتي عشرة وخمسمائة قال : حدثني الشيخ أبوعبدالله محمد بن محسن الخزاعي قال : حدثنا أبوالطيب علي بن محمد بن بنان قال : حدثنا أبوالقاسم ألحسن إبن محمد السكري من كتابه قال : حدثنا أبوالعباس أحمد بن محمد بن مسروق ببغداد من كتابه قال : حدثنا محمد بن دينار الضبي قال : حدثنا عبدالله بن الضحاك إلى آخر السند والمتن .
وذكرها صاحب " رياض العلماء " في ترجمة الشريف المرتضى نقلا عن شيخ الاسلام الحمويي .
ألشاعر محمد بن عبدالله الحميري زميل عمرو بن العاص ، أحسبه إبن القاضي عبدالله بن محمد الحميري الذي قلده معاوية بن أبي سفيان ديوان الخاتم وكان قاضيا كما ذكره الجهشياري في كتاب " الوزراء والكتاب " ص‍ 15 قال : كان معاوية أول من إتخذ ديوان الخاتم ، وكان سبب ذلك : انه كتب لعمرو بن الزبير بمائة ألف درهم إلى زياد وهو عامله على العراق ففض عمرو الكتاب وجعلها مائتي ألف درهم ، فلما رفع زياد حسابه قال معاوية : ما كتبت له إلا بمائة ألف . وكتب إلى زياد بذلك وأمره أن يأخذ المائة ألف منه ، فحبسه بها فاتخذ معاوية ديوان الخاتم وقلده عبدالله بن محمد الحميري وكان قاضيا ا ه‍ ويحتمل قويا أن يكون صاحب الشعر هو القاضي عبدالله نفسه ووقع الاشتباه بتقديم الوالد على الولد .
وأما ديوان الخاتم فقد إخترعه معاوية قال إبن الطقطقي في " الآداب السلطانية "ص‍ 78 : ومما إخترع معاوية من امور الملك " ديوان الخاتم " وهذا ديوان معتبر من أكابر الدواوين ، لم تزل السنة جارية به إلى أواسط دولة بني العباس فاسقط ، ومعناه :
أن يكون ديوان وبه نواب فإذا صدر توقيع من الخليفة بأمر من الامور احضر التوقيع إلى ذلك الديوان وأثبتت نسخته فيه وحزم بخيط وختم بشمع كما يفعل في هذا الزمان بكتب القضاة وختم بختم صاحب ذلك الديوان .
شعراء الغدير في القرن الثاني
أبوالمستهل ألكميت
ألمولود 60 ، ألمتوفى 126
نفى عن عينك الارق الهجوعا وهم يمتري منهاالدموعا
دخيل في الفؤاد يهيج سقما وحزنا كان من جذل 1 منوعا
وتوكاف الدموع على اكتئاب أحل الدهر موجعه الضلوعا
ترقرق أسحما دررا وسكبا يشبه سحها غربا هموعا 2
لفقدان الخضارم من قريش وخير الشافعين معا شفيعا
لدى الرحمن يصدع بالمثاني وكان له أبوحسن قريعا 3
حطوطا في مسرته ومولى إلي مرضاة خالقه سريعا
وأصفاه النبي على اختيار بما أعيى الرفوض له المذيعا
ويوم الدوح دوح غدير خم أبان له الولاية لو اطيعا
ولكن الرجال تبعايوها فلم أر مثلها خطرا مبيعا
فلم أبلغ بها لعنا ولكن أساء بذاك أولهم صنيعا
فصار بذاك أقربهم لعدل إلى جور وأحفظهم مضيعا
أضاعوا أمر قائدهم فضلوا وأقومهم لدى الحدثان ريعا
تناسوا حقه وبغوا عليه بلا ترة وكان لهم قريعا
فقل لبني امية حيث حلوا وإن خفت المهند والقطيعا
هامش
1 الجذل : الفرح .
2 رقرقت العين : أجرت دمعها . الاسحم : السحاب . يقال : اسحمت السماء . صبت ماء‌ها ألسج : الصب . الغرب : الدلو العظيم . الهموع : السيال
3 ألقريع : السيد . الرئيس .
ألا أف لدهر كنت فيه هدانا طائعا لكم مطيعا
أجاع الله من أشبعتموه وأشبع من بجوركم اجيعا ويلعن فذ امته جهارا إذا ساس البرية والخليعا
بمرضي السياسة هاشمي يكون حيا لامته ربيعا
وليثا في المشاهد غير نكس لتقويم البرية مستطيعا
يقيم امورها ويذب عنها ويترك جدبها أبدا مريعا
ما يتبع الشعر
هذه من غرر قصايد الكميت الهاشميات المقدرة بخمسمائة وثمانية وسبعين بيتا كما نص به صاحب الحدايق الوردية غير انه عاثت في طبعها يد النشر الامينة على ودايع العلم فنقصت منها شيئا كثيرا لا يستهان به مثل ما إجترحت في طبع ديوان حسان والفرزدق وأبي نواس وغيرها كما مر ص‍ 41 ، وقد آن ليد التنقيب أن تميط الستار عن تلكم الجنايات المخبئة ، فالمطبوع منها في ليدن سنة 1904 يتضمن 536 بيتا . والمشروحة بقلم الاستاذ محمد شاكر الخياط 560 بيتا . والمشروحة بقلم الاستاذ الرافعي 458 بيتا على هذا الترتيب .
من لقلب متيم مستهام غير ما صبوة ولا أحلام ؟ ط ليدن والخياط 103 بيتا ، ومشروحة الرافعي 102 . طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب ؟ ط ليدن والخياط 140 ، ومشروحة الرافعي 138 .
أنى ومن أين آبك الطرب من حيث لا صبوة ولا ريب ؟؟!!ط ليدن 133 . مشروحة الخياط 132 . مشروحة الرافعي 67 بيتا . ألاهل عم في رأيه متأمل وهل مدبر بعد الاسائة مقبل ؟؟!!ط ليدن والخياط 111 ، مشروحة الرافعي 89 بيتا .
طربت وهل بك من طرب ولم تتصاب ولم تلعب ؟ ؟ ؟ ط ليدن والخياط 33 . مشروحة الرافعي 28 بيتا .
نفى عن عينك الارق الهجوعا وهم يمتري منهاالدموعا ط ليدن 20 ، ومشروحة الخياط 21 ، والرافعي 19 بيتا .
سل الهموم لقلب غير متبول ولا رهين لدى بيضاء عطبول 1 ط ليدن والخياط 7 بيتا ، وذكر الرافعي منها 5 بيتا . أهوى عليا أمير المؤمنين ولا أرضى بشتم أبي بكر ولا عمرا ط ليدن والخياط 7 بيتا ، وحذف الرافعي منها بيتا .
ستة أبيات فائية وقافية ونونية ولم يذكر الرافعي البيتين النونيتين فلما كانت العينية التي أثبتناها من الهاشميات نذكر أولا ما يخص بها ثم نورد ما يرجع إلى الهاشميات جملة واحدة ، ونردفه بما ورد في بعض قصايدها غير العينية .
ألعينية من الهاشميات
قال شيخنا المفيد في رسالته في معنى المولى : ألكميت ممن استشهد بشعره في كتاب الله ، وأجمع أهل العلم على فصاحته ومعرفته باللغة ورياسته في النظم وجلالته في العرب حيث يقول :
ويوم الدوح دوح غدير خم أبان له الولاية لو اطيعا
أوجب له الامامة بخبر الغدير ووصفه بالرياسة من جهة المولى ، وليس يجوز على الكميت مع جلالته في اللغة والعربية وضع عبارة على معنى لم توضع عليه قط في اللغة ، ولا استعملها قبله أحد من أهل العربية ، ولا عرفها بشي كما وصف أحد منهم لانه لو جاز عليه جاز على غيره ممن هو مثله وفوقه ودونه حتى تفسد اللغة بأسرها ، ولا يكون لنا طريق إلى معرفة لغة العرب على الحقيقة وينغلق الباب في ذلك . ا ه‍ .
وروى الكراجكي في كنز الفوائد ص‍ 154 باسناده عن هناد 1 بن السري
هامش
1 تبله الحب أو الدهر فهو متبول . أسقمه . العطبول : المرأة ألجميلة الفتية الطويلة العنق .
1هـ يروى عنه البخارى وجمع كثير ، وثقه النسائى وغيره ، وصدقه أبوحاتم ولد 152 ، وتوفى 243 ، راجع تهذيب التهذيب 11 ص‍ 71 .
قال : رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في المنام فقال لي : يا هناد ؟ قلت : لبيك يا أمير المؤمنين ؟ قال انشدني قول الكميت : ويوم الدوح دوح غدير خم . . . . قال : فأنشدته فقال لي : خذ إليك يا هناد ؟ فقلت : يا سيدي ؟ فقال عليه السلام : ولم أر مثل ذاك اليوم يوما ولم أر مثله حقا اضيعا وقال الشيخ أبوالفتوح في تفسيره 2 ص‍ 193 : روي عن الكميت قال : رأيت أمير المؤمنين عليه السلام في المنام فقال : أنشدني قصيدتك العينية فأنشدته حتى إنتهيت إلى قولي فيها :
ويوم الدوح دوح غدير خم أبان له الولاية لو اطيعا فقال صلوات الله عليه : صدقت . ثم أنشد عليه السلام . ولم أر مثل ذاك اليوم يوما ولم أر مثله حقا اضيعا ورواه السيد في الدرجات الرفيعة ، والعقيلي نقلا عن منهاج الفاضلين للمحويني و مرآت الزمان لابن الجوزي ، ورواه سبط إبن الجوزي الحنفي في تذكرته ص‍ 20 عن شيخه عمرو بن صافي الموصلي عن بعض .
وقال المرزباني في " معجم الشعراء " ص‍ 348 : مذهب الكميت في التشيع و مدح أهل البيت عليهم السلام في أيام بني امية مشهورة ومن قوله فيهم : فقل لبني امية حيث حلوا وإن خفت المهند والقطيعا : أجاع الله من أشبعتموه وأشبع من بجوركم اجيعا ويروى : إن أبا جعفر محمد بن علي الامام الطاهر رضي الله عنه لما أنشده الكميت هذه القصيدة دعا له . ا ه‍ .
وفي " الصراط المستقيم " للبياضى العاملي : انه روى إبن الكميت : انه رأى النبي صلى الله عليه وآله في النوم فقال : أنشدني قصيدة أبيك العينية فلما وصل إلى قوله : ويوم الدوح دوح غدير خم . . . بكى شديدا وقال : صدق أبوك رحمه الله ، أي والله لم أر مثله حقا اضيعا .
ألهاشميات
ذكرها له المسعودي في " مروج الذهب " 2 ص‍ 194 . وقال أبوالفرج 1 والسيد العباسي 2 قصايد الكميت ألهاشميات من جيد شعره ومختاره . وقال الآمدي 3 وإبن عمر البغدادي 4 : لكميت بن زيد في أهل البيت ألاشعار المشهورة وهي أجود شعره . وقال السندوبي 5 : كان الكميت من خيرة شعراء الدولة الاموية ، وكان عالما بلغات العرب وأيامهم ، ومن خير شعره وأفضله ألهاشميات وهي القصايد التي ذكر فيها آل بيت الرسول بالخير .
روى أبوالفرج في الاغاني 15 ص‍ 124 باسناده عن محمد بن علي النوفلي قال : سمعت أبي يقول : لما قال الكميت بن زيد الشعر كان أول ما قال ألهاشميات فسترها ، ثم أتى الفرزدق بن غالب فقال له : يا أبا فراس ؟ إنك شيخ مضر وشاعرها وأنا إبن أخيك الكميت بن زيد الاسدي . قال له : صدقت أنت إبن أخي ، فما حاجتك ؟
قال : نفث على لساني فقلت شعرا فأحببت أن أعرضه عليك فإن كان حسنا أمرتني بإذاعته ، وإن كان قبيحا أمرتني بستره وكنت أولى من ستره علي . فقال له الفرزدق : أما عقلك فحسن وإني لارجو أن يكون شعرك على قدر عقلك ، فأنشدني ما قلت فأنشده :
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب .
قال فقال لي : فيم تطرب يا ابن أخي ؟ ! فقال :
ولا لعبا مني . وذو الشيب يلعب ؟ !
فقال : بلى يابن أخي ؟ فالعب فإنك في أوان اللعب . فقال :
ولم يلهني دار ولارسم منزل ولم يتطربني بنان مخضب
فقال : ما يطربك يابن أخي ؟ ! فقال :
هامش
1 في الاغانى 3 ص‍ 113 .
2 في معاهد التنصيص 2 ص‍ 26 .
3 في المؤتلف والمختلف ص‍ 170 .
4 خزانة الادب ص‍ 69 .
5 في تعليقه على البيان والتبيين للجاحظ 1 ص‍ 54 .
ولا السانحات البارحات عشية أمرسليم القرن أم مر أغضب
فقال : أجل لا تتطير . فقال :
ولكن إلى أهل الفضايل والتقى وخير بني حواء والخير يطلب
فقال : ومن هؤلاء ؟ ! ويحك . قال :
إلى النفر البيض الذين بحبهم إلى الله فيما نابني أتقرب
قال : أرحني ويحك من هؤلاء ؟ ! قال :
بني هاشم رهط النبي فإنني بهم ولهم أرضي مرارا وأغضب
خفضت لهم مني جناحي مودة إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
وكنت لهم من هؤلآء وهؤلاء محبا على أني اذم واغضب
وأرمي وأرمي بالعدواة أهلها وإني لاوذى فيهم واؤنب
فقال له الفرزدق : يابن أخي ؟ أذع ثم أذع فأنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي
ورواه المسعودي في مروجه 2 ص‍ 194 ، والعباسي في " المعاهد " 2 ص‍ 26 .
روى الكشي في رجاله ص‍ 134 باسناده عن أبي المسيح عبدالله بن مروان الجواني قال : كان عندنا رجل من عباد الله الصالحين وكان رواية شعر الكميت يعني ألهاشميات وكان يسمع ذلك منه وكان عالما بها فتركه خمسا وعشرين سنة لا يستحل روايته و إنشاده ثم عاد فيه فقيل له : ألم تكن زهدت فيه وتركتها ؟ ؟ ! ! فقال : نعم ولكني رأيت رؤيا دعتني إلى العود لها . فقيل له : وما رأيت ؟ قال : رأيت كأن القيامة قد قامت وكأنما أنا في المحشر فدفعت إلي مجلة قال أبومحمد : فقلت لابي المسيح : وما المجلة ؟
قال : ألصحيفة . قال : نشرتها فإذا فيها . بسم الله الرحمن الرحيم . أسماء من يدخل الجنة من محبي علي بن أبي طالب قال : فنظرت في السطر الاول فإذا أسماء قوم لم أعرفهم ، ونظرت في السطر الثاني فإذا هو كذلك ، ونظرت في السطر الثالث والرابع فإذا فيها :
والكميت بن زيد الاسدي . قال : فذلك دعاني إلى العود فيه .
قال البغدادي في " خزانة الادب " 1 ص‍ 87 : بلغ خالد القسري خبر هذه القصيدة . يعني قصيدة الكميت المسماة بالمذهبة التي أولها : ألا حييت عنا يا مدينا
فقال : والله لاقتلنه ثم . اشترى ثلاثين جارية في نهاية الحسن فرواهن القصايد الهاشميات للكميت ودسهن مع نخاس إلى هشام بن عبدالملك فاشتراهن فأنشدته يوما القصائد المذكورة فكتب إلى خالد وكان يومئذ عامله بالعراق : أن إبعث إلي برأس الكميت . فأخذه خالد وحبسه فوجه الكميت إلى امرأته ولبس ثيابها وتركها في موضعه وهرب من الحبس ، فلما علم خالد أراد أن ينكل بالمرأة فاجتمعت بنو أسد إليه وقالوا : ماسبيلك على امرأة لنا خدعت فخافهم وخلى سبيلها 1 قال الثعالبي في " ثمار القلوب " ص‍ 171 : عهدي بالخوارزمي يقول : من روى حوليات زهير . وإعتذارات النابغة . وأهاجي الحطيئة . وهاشميات الكميت . ونقائض جرير . والفرزدق . وخمريات أبي نواس . وزهريات أبي العتاهية . ومراثي أبي تمام . ومدائح البحتري . وتشبيهات إبن المعتز . وروضيات الصنوبري . ولطائف كشاجم . وقلائد المتنبي . ولم يتخرج في الشعر فلا أشب الله تعالى قرنه . خمس الهاشميات غير واحد من الشعراء منهم : ألشيخ ملا عباس الزيوري البغدادي ، والعلامة الشيخ محمد السماوي ، والسيد محمد صادق آل صدر الدين الكاظمي ، و شرحها الاستاذ محمد محمود الرافعي المصري وأحسن فيه وفي مقدمته وترجمة الكميت وأجاد وقال : ألهاشميات هي من مختار الكلام ، ومن رائق الشعر وشيقه ، وجيد القول وطريفه ، أحسن فيه كل الاحسان ، وأجاد كل الاجادة . وشرحها ألاستاذ محمد شاكر الخياط النابلسي .
الميمية من الهاشميات
من لقلب متيم مستهام غير ما صبوة ولا أحلام ؟ ! قال صاعد مولى الكميت : دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام فأنشده الكميت قصيدته هذه فقال : أللهم ؟ اغفر للكميت . أللهم ؟ اغفر للكميت . " الاغاني " 15 ص‍ 123 .
قال نصر بن مزاحم المنقري : إنه رأى النبي صلى الله عليه وآله في النوم وبين يديه رجل ينشده :
هامش
1 سيأتيك عن الاغانى تفصيل القصة انشاء الله تعالى .
من لقلب متيم مستهام . . . .
قال : فسألت عنه فقيل لي : هذا الكميت بن زيد الاسدي قال : فجعل النبي صلى الله عليه وآله يقول : جزاك الله خيرا ، وأثنى عليه . " الاغاني " 15 ص‍ 124 ، " ألمعاهد " 2 ص‍ 27 . روى الكشي في رجاله ص‍ 136 بإسناده عن زرارة قال : دخل الكميت على أبي جعفر عليه السلام وأنا عنده فأنشده .
من لقلب متيم مستهام . . .
فلما فرغ منها قال للكميت : لا تزال مؤيدا بروح القدس ما دمت تقول فينا .
وروى في ص‍ 135 باسناده عن يونس بن يعقوب قال : أنشد الكميت أبا عبدالله عليه السلام شعره :
أخلص الله في هواي فما أغر ق نزعا وما تطيش سهامي فقال أبوعبدالله عليه السلام : لا تقل هكذا ولكن قل : قد أغرق نزعا . ورواه إبن شهر اشوب في " المناقب " وفي لفظه : فقلت : يا مولاي ؟ أنت أشعر مني بهذا المعنى . وروى الحديثين ألطبرسي في إعلام الورى ص‍ 158 .
قال المسعودي في " مروج الذهب " 2 ص‍ 195 : قدم الكميت ألمدينة فأتى أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم فأذن له ليلا وأنشده فلما بلغ الميمية قوله :
وقتيل بالطف غودر منهم بين غوغآء امة وطغام
بكى أبوجعفر ثم قال : يا كميت لو كان عندنا مال لاعطيناك ولكن لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لحسان بن ثابت : لازلت مؤيدا بروح القدس ما ذببت عنا أهل البيت . فخرج من عنده فاتى عبدالله بن الحسين بن علي فأنشده فقال : يا أبا المستهل إن لي ضيعة اعطيت فيها أربعة آلاف دينار وهذا كتابها وقد أشهدت لك بذلك شهودا . وناوله إياه ، فقال : بأبي أنت وامي إني كنت أقول الشعر في غيركم اريد بذلك الدنيا ولا والله ما قلت فيكم إلا لله ، وما كنت لآخذ على شيئ جعلته لله مالا ولا ثمنا . فألح عبدالله عليه وأبى من إعفائه ، فأخذ الكميت الكتاب ومضى ، فمكث أياما ثم جاء إلى عبدالله فقال : بأبي أنت وامي يابن رسول الله ؟ إن لي حاجة قال : وما هي ؟ وكل حاجة لك مقضية . قال : وكائنة ما كانت ؟ قال : نعم . قال : هذا الكتاب تقبله وترتجع الضيعة .
ووضع الكتاب بين يديه فقبله عبدالله ، ونهض عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب فأخذ ثوبا جلدا فدفعه إلى أربعة من غلمانه ، ثم جعل يدخل دور بني هاشم و يقول : يا بني هاشم ؟ هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم ، وعرض دمه لبني امية فأثيبوه بما قدرتم . فيطرح الرجل في الثوب ما قدر عليه من دنانير و دراهم . وأعلم النساء بذلك فكانت المرأة تبعث ما أمكنها حتى انها لتخلع الحلي عن جسدها ، فاجتمع من الدنانير والدراهم ما قيمته مائة ألف درهم ، فجاء بها إلى الكميت فقال : يا أبا المستهل أتيناك بجهد المقل ونحن في دولة عدونا وقد جمعنا هذا المال و فيه حلي النساء كما ترى ، فاستعن به على دهرك فقال : بأبي أنت وامي قد أكثرتم و أطيبتم وما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله ولم أك لآخذ لكم ثمنا من الدنيا فاردده إلى أهله . فجهد به عبدالله أن يقبله بكل حيلة فأبى فقال : إن أبيت أن تقبل فإني رأيت أن تقول شيئا تغضب به بين الناس لعل فتنة تحدث فيخرج من بين أصابعها
بعض ما يجب . فابتدأ الكميت وقال قصيدته التي يذكر فيها مناقب قومه من مضر بن نزار بن معد وربيعة بن نزار وأياد وأنمار إبني نزار ويكثر فيها من تفضيلهم ويطنب في وصفهم وانهم أفضل من قحطان فغضب بها بين اليمانية والنزارية فيما ذكرناه وهي قصيدته التي أولها .
ألا حييت عنا يا مدينا وهل ناس تقول مسلمينا ؟
قال إبن شهر اشوب في " المناقب " 5 ص‍ 12 : بلغنا ان الكميت أنشد الباقر عليه السلام من لقلب متيم مستهام . . . . .
فتوجه الباقر عليه السلام إلى الكعبة فقال : أللهم ؟ ارحم الكميت واغفر له . ثلاث مرات . ثم قال : يا كميت هذه مائة ألف قد جمعتها لك من أهل بيتي . فقال الكميت : لا والله لا يعلم أحد أني آخذ منها حتى يكون الله عزوجل الذي يكافيني ولكن تكرمني بقميص من قمصك فأعطاه . وذكره العباسي في " المعاهد " 2 ص‍ 27 وفيه : فأمر له أبو جعفر بمال وثياب فقال الكميت : والله ما أحببتكم للدنيا ولو أردت الدنيا لاتيت
من هي في يديه ، ولكنني أحببتكم للآخرة ، فأما الثياب التي أصابت أجسامكم فأنا أقبلها لبركاتها وأما المال فلا أقبله فرده وقبل الثياب .
قال البغدادي في خزانة الادب 1 ص‍ 69 : حكى صاعد مولى الكميت قال : دخلت مع الكميت على علي بن الحسين رضي الله عنه فقال : إني قد مدحتك بما أرجو أن يكون لي وسيلة عند رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أنشده قصيدته التي أولها :
من لقلب متيم مستهام غير ما صبوة ولا أحلام ؟ !
فلما أتى على آخرها قال له : ثوابك نعجز عنه ولكن ما عجزنا عنه فإن الله لا يعجز عن مكافاتك . أللهم ؟ اغفر للكميت . ثم قسط له على نفسه وعلى أهله أربعمائة ألف درهم وقال له : خذ يا أبا المستهل ؟ فقال له : لو وصلتني بدانق لكان شرفا لي ولكن إن أحببت أن تحسن إلي فادفع إلي بعض ثيابك التي تلي جسدك أتبرك بها . فقام فنزع ثيابه ودفعها إليه كلها ثم قال : أللهم ؟ إن الكميت جاد في آل رسولك وذرية نبيك بنفسه حين ضن الناس ، وأظهر ما كتمه غيره من الحق ، فأحيه سعيدا ، وأمته شهيدا ، وأره الجزاء عاجلا ، وأجزل له جزيل المثوبة آجلا ، فإنا قد عجزنا عن مكافاته . قال الكميت : ما زلت أعرف بركة دعائه .
قال محمد بن كناسة : لما انشد هشام بن عبدالملك قول الكميت :
فبهم صرت للبعيد إبن عم واتهمت القريب أي اتهام 1
مبديا صفحتي على الموقف المع‍ - لم بالله قوتي واعتصامي 2
قال : استقتل المرائي . " الاغاني " 15 ص‍ 127 .
ألبائية من الهاشميات
طربت وماشوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني ، وذو الشيب يلعب ؟
روى أبوالفرج في " الاغاني " 15 ص‍ 124 بإسناده عن إبراهيم بن سعد الاسدي قال : سمعت أبي يقول : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام فقال : من أي الناس أنت ؟ قلت :
هامش
1 هو البيت الثمانون من القصيدة .
2 هو البيت الخامس والثمانون من القصيدة .
من العرب . قال : أعلم فمن أي العرب ؟ قلت : من بني أسد . قال : من أسد بن خزيمة . قلت :نعم . قال : أهلالي أنت ؟ قلت : نعم . قال : أتعرف الكميت بن زيد ؟ قلت : يا رسول الله عمي ومن قبيلتي . قال : أتحفظ من شعره ؟ قلت : نعم . قال أنشدني . طربت وما شوقا إلى البيض أطرب . . . . .
قال : فأنشده ، حتى بلغت إلى قوله :
فمالي إلا آل أحمد شيعة ومالي إلا مشعب الحق مشعب فقال لي : إذا أصبحت فاقرأ عليه السلام وقل له . قد غفر الله لك بهذه القصيدة . وذكره العباسي في معاهد التنصيص 2 ص‍ 27 وغيره .
وفي " الاغاني " 15 ص‍ 124 : عن دعبل بن علي الخزاعي قال : رأيت النبي صلى الله عليه وآله في النوم فقال لي : مالك وللكميت بن زيد ؟ فقلت : يا رسول الله ؟ ما بيني وبينه إلا
كما بين الشعراء . فقال : لا تفعل ، أليس هو القائل ؟
فلا زلت فيهم حيث يتهمونني ولا زلت في أشياعكم أتقلب
فإن الله قد غفر له بهذا البيت قال . فانتهيت عن الكميت بعدها .
هذا البيت من أبيات حرفتها يد النشر المصرية عن القصيدة بعد قوله :
وقالوا ترابي هواه ورأيه بذلك ادعى فيهم والقب
قال السيوطي في شرح شواهد المغني ص‍ 13 : أخرج إبن عساكر باسناده عن محمد بن عقير 1 كانت بنو اسد تقول : فينا فضيلة ليست في العالم ، ليس منزل منا إلا وفيه بركة وراثة الكميت لانه رأى النبي صلى الله عليه وآله في النوم فقال له : انشدني :
طربت وما شوقا إلي البيض أطرب . . ..
فانشده فقال له : بوركت وبورك قومك .
وفي " شرح الشواهد " ايضا ص‍ 14 : أخرج إبن عساكر عن أبي عكرمة الضبي عن أبيه قال : أدركت الناس بالكوفة من لم يرو . طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب ؟
فليس بهاشمي . ورواه السيد في الدرجات الرفيعة وفيها : فليس بشيعي .
هامش
1 في غير شرح الشواهد : عقبة .
وقال السيوطي في " الشرح " ص‍ 14 : أخرج إبن عساكر عن محمد بن سهل قال قال الكميت : رأيت في النوم وأنا مختف رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : مم خوفك ؟ قلت :
يا رسول الله ؟ من بني امية وأنشدته :
ألم ترني من حب آل محمد أروح وأغدو خائفا أترقب 1
فقال : أظهر فإن الله قد أمنك في الدنيا والآخرة .
وقال في ص‍ 14 : أخرج إبن عساكر عن الجاحظ قال : ما فتح للشيعة ألحجاج إلا الكميت بقول :
فإن هي لم تصلح لحي سواهم فإن ذوي القربى أحق وأوجب
يقولون : لم يورث . ولولا تراثه لقد شركت فيها بكيل وأرحب
وذكر كلام الجاحظ الشيخ المفيد كما في " الفصول المختارة " 2 ص‍ 84 ، و لعل الجاحظ لم يقف على مواقف إحتجاج الشيعة بنفس هذه الحجة وغيرها المتكثرة منذ عهدهم المتقادم المتصل بالعهد النبوي . أو انه يرمي بكلمته إلي إنكار سلف الشيعة في الصدر الاول ، لكن فضحه تاريخهم المجيد والمأثورات في فضلهم عن صاحب الرسالة وهلم جرا ، وإنك تجد الاحتجاج بما ذكر وغيره في كثير من شعر الصحابة والتابعين لهم باحسان وفي كلماتهم المنثورة قبل أن تنعقد نطفة الكميت كخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين . وعبدالله بن عباس ، والفضل بن عباس ، وعمار بن ياسر ، وأبي ذر الغفاري وقيس بن سعد الانصاري ، وربيعة بن الحرث بن عبدالمطلب ، وعبدالله بن أبي سفيان إبن الحرث بن عبدالمطلب ، وزفر بن زيد بن حذيفة ، والنجاشي بن الحرث بن كعب ، وجرير بن عبدالله البجلي ، وعبدالرحمن بن حنبل حليف بني جمع ، وآخرين كثيرين .
وقد فتح لهم هذا الباب بمصراعيه أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه في كتبه وخطبه الطافحة بذلك ، ألمبثوثة في طيات الكتب ومعاجم الخطب والرسائل ، قال شيخنا المفيد كما في " الفصول " 2 ص‍ 85 : إنما نظم الكميت معنى كلام أمير المؤمنين عليه السلام في منثور كلامه في الحجة على معاوية ، فلم يزل آل محمد عليهم السلام بعد أمير المؤمنين يحتجون بذلك ومتكلموا الشيعة قبل الكميت وفى زمانه وبعده وذلك موجود
هامش
1هو البيت الخامس والسبعين من القصيدة .
في الاخبار المأثورة والروايات المشهورة ، ومن بلغ إلى الحد الذي بلغه الجاحظ في البهت سقط كلامه .
أللامية من الهاشميات
ألاهل عم في رأيه متأمل وهل مدبر بعد الاسائة مقبل ؟؟!!
روى أبوالفرج في " الاغاني " 15 ص‍ 126 بالاسناد عن أبى بكر الحضرمي قال :
إستأذنت للكميت على أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام في أيام التشريق بمنى فأذن له فقال له الكميت : جعلت فداك إني قلت فيكم شعرا احب أن انشدكه فقال : يا كميت ؟ اذكر الله في هذه الايام المعلومات وفي هذه الايام المعدودات . فأعاد عليه الكميت القول فرق له أبوجعفر عليه السلام فقال : هات . فأنشده قصيدته حتى بلغ يصيب به الرامون عن قوس غيرهم فيا آخر أسدى له . الغي أول فرفع أبوجعفر عليه السلام يديه إلى السماء وقال . أللهم اغفر للكميت .
وعن محمد بن سهل صاحب الكميت قال : دخلت مع الكميت على أبي عبدالله الصادق جعفر بن محمد عليه السلام فقال له : جعلت فداك ألا انشدك ؟ قال : إنها أيام عظام .
قال : إنها فيكم . قال : هات . وبعث أبوعبدالله عليه السلام إلى بعض أهله فقرب فأنشده فكثر البكاء حتى أتى على هذا البيت .
يصيب به الرامون عن قوس غيرهم فيا آخر أسدى له الغي أول فرفع أبوعبدالله عليه السلام يديه فقال : أللهم اغفر للكميت ما قدم وما أخر ، وما أسر وما أعلن ، واعطه حتى يرضى . " ألاغاني " 15 ص‍ 123 " ألمعاهد " 2 ص‍ 27 .
ورواه البغدادي في " خزانة الادب " 1 ص‍ 70 وفيه بعد قوله : فكثر البكاء : و ارتفعت الاصوات . فلما مر على قوله في الحسين رضي الله عنه
: كأن حسينا والبهاليل حوله لاسيافهم ما يختلى المتبتل
وغاب نبي الله عنهم وفقده على الناس رزء ما هناك مجلل
فلم أر مخذولا لاجل مصيبة وأوجب منه نصرة حين يخذل
فرفع جعفر الصادق رضي الله عنه يديه وقال : أللهم اغفر للكميت ما قدم وأخر ، وما أسر وأعلن ، واعطه حتى يرضى . ثم أعطاه ألف دينار وكسوة ، فقال له الكميت : والله ما أحببتكم للدنيا ولو أردتها لاتيت من هو في يديه ، ولكنني أحببتكم للآخرة فأما الثياب التي أصابت أجسادكم فإني أقبلها لبركتها ، وأما المال فلا أقبله .
روى أبوالفرج في " الاغاني " 15 ص‍ 119 عن علي بن محمد بن سليمان عن أبيه قال : كان هشام بن عبدالملك قد اتهم خالد بن عبدالله وكان يقال : إنه يريد خلعك فوجد بباب هشام يوما رقعة فيها شعر فدخل بها على هشام فقرئت عليه وهي :
تألق برق عندنا وتقابلت أثاف لقدر الحرب أخشى اقتبالها
فدونك قدر الحرب وهي مقرة لكفيك واجعل دون قدر جعالها
ولن تنتهي أو يبلغ الامر حده فنلها برسل قبل أن لا تنالها
فتجشم منها ماجشمت من التي بسور أهرت نحو حالك حالها
تلاف امور الناس قبل تفاقم بعقدة حزم لا يخاف انحلالها
فما أبرم الاقوام يوما لحيلة من الامر إلا قلدوك احتيالها
وقد تخبر الحرب العوان بسرها وإن لم يبح من لا يريد سؤالها
فأمر هشام أن يجتمع له من بحضرته من الرواة فجمعوا فأمر بالابيات فقرأت عليهم فقال : شعر من تشبه هذه الابيات ؟ فأجمعوا جميعا من ساعتهم انه كلام الكميت بن زيد الاسدي . فقال هشام : نعم : هذا الكميت ينذرني بخالد بن عبدالله . ثم كتب إلى خالد يخبره وكتب إليه بالابيات ، وخالد يومئذ بواسط فكتب خالد إلى واليه بالكوفة يأمره بأخذ الكميت وحبسه ، وقال لاصحابه : ان هذا يمدح بني هاشم ويهجو بني امية فأتوني من شعر هذا بشئ فاتي بقصيدته اللامية التي أولها .
الاهل عم في رأيه متأمل وهل مدبر بعد الاسائة مقبل ؟؟!!
فكتبها وأدرجها في كتاب إلى هشام يقول : هذا شعر الكميت فإن كان قد صدق في هذا فقد صدق في ذاك . فلما قرأت على هشام إغتاظ فلما سمع قوله :
فياساسة هاتوا لنا من جوابكم ففيكم لعمري ذو أفانين مقول
إشتد غيظه فكتب إلى خالد يأمره أن يقطع يدي الكميت ورجليه ويضرب عنقه ويهدم داره ويصلبه على ترابها . فلما قرأ خالد الكتاب كره أن يستفسد عشيرته و أعلن الامر رجاء أن يتخلص الكميت فقال . كتب إلي أمير المؤمنين وإني لاكره أن استفسد عشيرته . وسماه فعرف عبدالرحمن بن عنبسة بن سعيد ما أراد فأخرج غلاما له مولدا ظريفا فأعطاه بغلة له شقراء فارهة من بغال الخليفة وقال : إن أنت وردت الكوفة فانذرت الكميت لعله أن يتخلص من الحبس فأنت حر لوجه الله والبغلة لك ولك علي بعد ذلك إكرامك والاحسان إليك . فركب البغلة فسار بقية يومه وليلته من واسط إلى الكوفة فصبحها فدخل الحبس متنكرا فخبر الكميت بالقصة ، فأرسل إلى امرأته وهي إبنة عمه يأمرها : أن تجيئه ومعها ثياب من لباسها وخفان . ففعلت فقال :
ألبسيني لبسة النساء . ففعلت ، ثم قالت له : أقبل فأقبل وأدبر فأدبر فقالت : ما أدري إلا يبسا في منكبيك إذهب في حفظ الله . فمر بالسجان فظن انه المرأة فلم يعرض له فنجا وأنشا يقول :
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل على الرغم من تلك النوايح والمشلي علي ثياب الغانيات وتحتها عزيمة أمر أشبهت سلة النصل وورد كتاب خالد إلى والي الكوفة يأمره فيه بما كتب به إليه هشام ، فأرسل إلى الكميت ليؤتى به من الحبس فينفذ فيه أمر خالد ، فدنا من باب البيت فكلمتهم المرأة وخبرتهم : انها في البيت ، وان الكميت قد خرج .فكتب بذلك إلى خالد فأجابه :
حرة كريمة أفدت إبن عمها بنفسها . وأمر بتخليتها فبلغ الخبر الاعور الكلبي بالشام فقال قصيدته التي يرمي فيها إمرأة الكميت بأهل الحبس ويقول :
أسودينا واحمرينا ....
فهاج الكميت ذلك حتى قال :
ألا حييت عنا يا مدينا وهي ثلاثمائة بيت وقال في ص‍ 114 : إن خالد بن عبدالله القسري روى جارية حسناء قصايد الكميت ألهاشميات وأعدها ليهديها إلى هشام وكتب إليه بأخبار الكميت وهجائه بني امية وأنفذ إليه قصيدته التي يقول فيها :
فيارب هل إلا بك النصر يبتغى ويا رب هل إلا عليك المعول وهي طويلة يرثي فيها زيد بن علي وابنه الحسين بن زيد ويمدح بني هاشم ، فلما قرأها أكبرها وعظمت عليه واستنكرها وكتب إلى خالد : يقسم عليه أن يقطع لسان الكميت ويده . فلم يشعر الكميت إلا والخيل محدقة بداره فاخذ وحبس في المحبس ، وكان أبان بن الوليد عاملا على واسط وكان الكميت صديقه فبعث إليه بغلام على بغل وقال له : أنت حر - إلى آخر ما يأتي إنشاء الله تعالى . وللكميت في حديث الغدير من قصيدة قوله :
علي أمير المؤمنين وحقه من الله مفروض على كل مسلم
وان رسول الله أوصى بحقه وأشركه في كل حق مقسم
وزوجه صديقة لم يكن لها معادلة غير البتولة مريم
وردم أبواب الذين بنى لهم بيوتا سوى أبوابه لم يردم
وأوجب يوما بالغدير ولاية على كل بر من فصيح وأعجم
تفسير أبي الفتوح 2 ص‍ 193
ألشاعر
أبوالمستهل ألكميت بن زيد بن خنيس بن مخالد 1 بن وهيب بن عمرو بن سبيع بن مالك بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار .
قال أبوالفرج : شاعر مقدم عالم بلغات العرب ، خبير بأيامها ، من شعراء مضر وألسنتها والمحصبين على القحطانية المقارنين المقارعين لشعراء‌هم ، ألعلماء بالمثالب والايام المفاخرين بها ، وكان في أيام بني امية ولم يدرك الدولة العباسية ومات قبلها ، وكان معروفا بالتشيع لبني هاشم مشهورا بذلك .
سئل معاذ الهراء : من أشعر الناس ؟ قال : أمن الجاهليين أم من الاسلاميين ؟ ؟
قالوا : بل من الجاهليين . قال : إمرؤ القيس ، وزهير ، وعبيد بن الابرص . قالوا : فمن الاسلاميين قال : ألفرزدق ، وجرير ، والاخطل ، والراعي . قال فقيل له : يا أبا محمد ؟
هامش 1 وقيل : مخالد بن ذويبة بن قيس بن عمرو .
ما رأيناك ذكرت الكميت فيمن ذكرت ؟ قال : ذاك أشعر الاولين والآخرين 1 . وقد مر ص‍ 168 قول الفرزدق له . أنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي . وكان مبلغ شعره حين مات خمسة آلاف ومأتين وتسعة وثمانين بيتا على ما في الاغاني ، و المعاهد 2 ص‍ 31 . أو أكثر من خمسة آلاف قصيدة كما في كشف الظنون نقلا عن عيون الاخبار لابن شاكر 1 ص‍ 397 . وقد جمع شعره الاصعمي وزاد فيه إبن السكيت ، ورواه جماعة عن أبي محمد عبدالله بن يحيى المعروف بإبن كناسة الاسدي المتوفى 207 ، ورواه إبن كناسة عن الجزي ، وأبي الموصل ، وأبي صدقة الاسديين ، وألف كتابا أسماه سرقات الكميت من القرآن وغيره 2 . ورواه إبن السكيت عن استاذه نصران وقال نصران : قرأت شعر الكميت على أبي حفص عمر إبن بكير . وعمل شعره ألسكري أبوسعيد الحسن بن الحسين المتوفى 275 ، كما في فهرست إبن النديم ص‍ 107 و 225 . وصاحب شعره محمد بن أنس كما في تاريخ إبن عساكر 4 ص‍ 429 . وحكى ياقوت في معجم الادباء 1 ص‍ 410 عن إبن نجار عن أبي عبدالله أحمد بن الحسن الكوفي النسابة انه قال : قال إبن عبدة النساب : ما عرف النساب أنساب العرب على حقيقة حتى قال الكميت النزاريات فأظهر بها علما كثيرا ، ولقد نظرت في شعره فما رأيت أحدا أعلم منه بالعرب وأيامها ، فلما سمعت هذا أجمعت شعره فكان عوني على التصنيف لايام العرب .
وقال بعضهم : كان في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر : كان خطيب أسد ، فقيه الشيعة ، حافظ القرآن العظيم ، ثبت الجنان ، كاتبا حسن الخط ، نسابة جدلا ، وهو أول من ناظر 3 في التشيع ، راميا لم يكن في أسد أرمى منه ، فارسا هامش 1 الاغانى 15 ص‍ 115 و 127 .
2 التعبير بالسرقة لا يخلو من مسامحة فانها ليست الا أخذا بالمعنى أو تضمينا لكلم من القران ، وحسب الكميت وأى شاعر ان يقتص اثر الكتاب الكريم 3 مر فساد هذه النسبة إلى المترجم له ص‍ 191 .
شجاعا ، سخيا دينا . خزانة الادب 2 ص‍ 69 ، شرح الشواهد ص‍ 13 .
ولم تزل عصبيته للعدنانية ومهاجاته شعراء اليمن متصلة ، والمناقضة بينه و بينهم شايعة في حياته ، وفي إثرها ناقض دعبل وإبن عيينه قصيدته المذهبة بعد وفاته وأجابهما أبوالزلفاء البصري مولى بني هاشم ، وكان بينه وبين حكيم الاعور الكلبي مفاخرة ومناظرة تامة .
فائدة حكيم الاعور المذكور أحد الشعراء المنقطعين إلى بني امية بدمشق ، ثم انتقل إلي الكوفة ، جاء رجل إلى عبدالله بن جعفر فقال له : يابن رسول الله ؟ هذا حكيم الاعور ينشد الناس هجاكم بالكوفه . فقال : هل حفظت شيئا ؟ قال :
نعم وأنشد .
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة ولم نر مهديا على الجزع يصلب
وقستم بعثمان عليا سفاهة وعثمان خير من علي وأطيب
فرفع عبدالله يديه إلى السماء وهما تنتقضان رعدة فقال : أللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبا . فخرج حكيم من الكوفة فادلج 1 فافترسه الاسد . معجم الادباء 4 ص‍ 132 .
ألكميت وحياته المذهبية
يجد الباحث في خلال السير وزبر الحديث شواهد واضحة على أن الرجل لم يتخذ شاعريته وما كان يتظاهر به من التهالك في ولاء أهل البيت عليهم السلام ، وسيلة لما يقتضيه النهمة ، وموجبات الشره من التلمظ بما يستفيده من الصلات و الجوائز ، أو تحري مسانحات وجرايات ، أو الحصول على رتبة أو راتب ، أنى ؟ و آل رسول الله كما يقول عنهم دعبل الخزاعي :
أرى فيئهم في غيرهم متقسما وأيديهم من فيئهم صفرات وهم سلام الله عليهم فضلا عن شيعتهم .
مشردون نفوا عن عقر دارهم كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر
هامش
1 أدلج القوم : سارو الليل كله أو في آخره .
وقد انهالت الدنيا قضها بقضيضها على أضدادهم يوم ذلك من طغمة الامويين ولو كان المتطلب يطلب شيئا من حطام الدنيا ، أو حصولا على مرتبة ، أو زلفة تربى به لطلبها من أولئك المتغلبين على عرش الخلافة الاسلامية ، فرجل يلوي بوجهه عنهم إلى اناس مضطهدين مقهورين ، ويقاسي من جراء ذلك الخوف والاختفاء تتقاذف به المفاوز والحزون ، مفترعا ربوة طورا ، ومسفا إلى الاحضة تارة ، وورائه الطلب الحثيث ، وبمطلع الاكمة النطح والسيف ، ليس من الممكن أن يكون ما يتحراه إلا خاصة فيمن يتولاهم ، لا توجد عند غيرهم ، وهذا هو شأن الكميث مع أئمة الدين عليهم السلام فقد كان يعتقد فيهم أنهم وسائله إلى المولى سبحانه ، وواسطة نجاحه في عقباه ، وإن مؤدتهم أجر الرسالة الكبرى .
روى الشيخ الاكبر الصفار في " بصاير الدرجات " باسناده عن جابر قال : دخلت على الباقر عليه السلام فشكوت إليه الحاجة فقال : ما عندنا درهم . فدخل الكميت فقال : جعلت فداك أنشدك ؟ فقال : انشد فأنشده قصيدة فقال : يا غلام ؟ اخرج من ذلك البيت بدرة فادفعها إلى الكميت . فقال : جعلت فداك أنشدك اخرى ؟ فانشده فقال : يا غلام ؟ اخرج بدرة فادفعها إليه . فقال : جعلت فداك أنشدك اخرى ؟ فانشده فقال :
يا غلام ؟ اخرج بدرة فافعها إليه . فقال : جعلت فداك والله ما احبكم لعرض الدنيا
وما أردت بذلك إلا صلة رسول الله وما أوجب الله علي من الحق . فدعا له الباقر عليه السلام فقال : يا غلام ردها إلي مكانها . فقلت : جعلت فداك قلت لي : ليس عندي درهم وأمرت الكميت بثلاثين ألفا 1 فقال : ادخل ذلك البيت . فدخلت فلم أجد شيئا ، فقال : ما سترنا عنكم أكثر مما أظهرنا . ألحديث .
قال صاعد : دخلنا مع الكميت على فاطمة بنت الحسين عليه السلام فقالت : هذا شاعرنا أهل البيت وجاء‌ت بقدح فيه سويق فحركته بيدها وسقت الكميت فشربه ثم أمرت له بثلاثين دينارا ومركب ، فهملت عيناه وقال : لا والله لا أقبلها إني لم احبكم للدنيا . " الاغاني " 15 ص‍ 123 .
وللكميت في رده الصلات الطايلة على سروات المجد من بني هاشم مكرمة
هامش
1 في مناقب ابن شهر اشوب 5 ص‍ 7 : خمسين الف درهم .
ومحمدة عظيمة أبقت له ذكرى خالدة وكل من تلكم المواقف شاهد صدق على خالص ولائه و قوة ايمانه ، وصفاء نيته ، وحسن عقيدته ، ورسوخ دينه ، وإباء نفسه ، وعلو همته ، وثباته في مبدئه العلوي المقدس ، وصدق مقاله للامام السجاد زين العابدين عليه السلام :
إني قد مدحتك أن يكون لي وسيلة عند رسول الله ويعرب عن ذلك كله صريح قوله :
للامام الباقر محمد بن علي عليهما السلام : والله ما احبكم لعرض الدنيا وما أردت بذلك إلا صلة رسول الله وما أوجب الله علي من الحق . وقوله الآخر عليه السلام :
ألا والله لا يعلم أحد أني آخذ منها حتى يكون الله عزوجل الذي يكافيني . وقوله للامامين الصادقين عليهما السلام : والله ما أحببتكم للدنيا ولو أردتهالاتيت من هو في يديه ولكني أحببتكم للآخرة . وقوله لعبدالله بن الحسن بن علي عليه السلام : والله ما قلت فيكم إلا لله وما كنت لآخذ على شيئ جعلته لله مالا ولا ثمنا . وقوله لعبدالله الجعفري : ما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله ، ولو أك لآخذ لكم ثمنا من الدنيا .
وقوله لفاطمة بنت الامام السبط : والله إني لم احبكم للدنيا . وهذا شأن الشيعة سلفا وخلفا ، وشيمة كل شيعي صميم ، وأدب كل متضلع بالنزعات العلوية ، وروح كان علوي جعفري ، وهذا شعار التشيع ليس إلا . وبمثل هذا فيعمل العاملون .
وكان أئمة الدين ورجالات بني هاشم يلحون في أخذ الكميت صلاتهم ، و قبوله عطاياهم ، مع إكبارهم محله من ولائه ، وإعتنائهم البالغ بشأنه ، والاحتفاء و التبجيل له ، والاعتذار عنه بمثل قوم الامام السجاد صلوات الله عليه له : ثوابك نعجز عنه ولكن ماعجزنا عنه فإن الله لا يعجز عن مكافاتك . وهو مع ذلك كله كان على قدم وساق من إباء‌ه وإستعفاء‌ه إظهارا لولاء‌ه المحض لآل الله ، وقد مر انه رد على الامام السجاد عليه السلام أربعمائة ألف درهم وطلب من ثيابه التي تلي جسده ليتبرك بها . ورد على الامام الباقر مائة ألف مرة ، وخمسين ألف اخرى وطلب قميصا من قمصه . ورد على الامام الصادق ألف دينار وكسوة واستدعى منه أن يكرمه بالثوب الذي مس جلده . ورد على عبدالله بن الحسين ضيعته التي أعطى له كتابها وكانت تسوى بأربعة آلاف دينار . ورد على عبدالله الجعفري ما جمع له من بني هاشم ما كان يقدر بمائة ألف درهم .
فكل من هذه خبر يصدق الخبر بان مدح الكميت عترة نبيه الطاهر وولائه لهم ، وتهالكه بكله في حبهم ، وبذله النفس والنفيس دونهم ، ونيله من مناوئيهم ، ونصبه العداء لمخالفيهم ، لم يكن إلا لله ولرسوله فحسب ، وما كان له غرض من حطام الدنيا وزخرفها ، ولا مرمى من الثواب العاجل دون الآجل ، وكل واقف عى شعره يراه كالباحث بظلفه عن حتفه ، ويجده مستقتلا بلسانه ، قد عرض لبني امية دمه ، مستقبلا صوارمهم كما نص عليه الامام زين العابدين عليه السلام وقال : أللهم إن الكميت جاد في آل رسولك وذرية نبيك نفسه حين ضن الناس ، وأظهر ما كتمه غيره . وقال عبدالله الجعفري لبني هاشم ؟ هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صمت الناس من فضلكم وعرض دمه لبني امية . وخالد القسري لما أراد قتله رأى في شعره غنى وكفاية عن أي حيلة وسعاية عليه ، فاشترى جارية وعلمها الهاشميات وبعثها إلى هشام بن عبدالملك وهو لما سمعها منها قال : استقتل المرائي . وكتب إلى خالد بقتله وقطع لسانه ويده .
فكان الكميت منذ غضاضة من شبيبته التي نظم فيها " الهاشميات " خائفا يترقب طيلة عمره مختفيا في زوايا الخمول إلى أن أقام بقريضه الحجة ، وأوضح به المحجة ، و أظهر به الحق ، وأتم به البرهنة ، وبلغ ضالته المنشودة من بث الدعاية إلى العترة الطاهرة ، فلما دوخ صيت شعره الاقطار ، وقرطت به الآذان ، ودارت على الالسن إستجاز الامام أبا جعفر الباقر عليه السلام أن يمدح بني امية صونا لدمه فأجاز له ، رواه أبوالفرج في " الاغاني " 15 ص‍ 126 باسناده عن ورد بن زيد أخي الكميت قال :
أرسلني الكميت إلى أبي جعفر عليه السلام فقلت له : إن الكميت أرسلني إليك وقد صنع بنفسه ما صنع فتأذن له أن يمدح بني امية ؟ قال : نعم هو في حل فليقل ما شاء .
فنظم قصيدته الرائية التي يقول فيها .
فالآن صرت إلى امي‍ة والامور إلى المصاير
ودخل علي أبي جعفر عليه السلام فقال له : يا كميت ؟ أنت القائل : فالآن صرت إلى امي‍ة والامور إلى المصاير
قال : نعم ، قد قلت ولا والله ماأردت به 1 إلا الدنيا ولقد عرفت فضلكم قال : أما إن قلت ذلك إن التقية لتحل .
وروى الكشي في رجاله ص‍ 135 باسناده عن درست بن أبي منصور قال : كنت عند أبي الحسن موسى عليه السلام وعنده ألكميت بن زيد فقال للكميت : أنت الذي تقول :
فالآن صرت إلى امي‍ة والامور إلى المصاير
قال : قد قلت ذلك فوالله مارجعت عن ايماني ، وإني لكم لموال ، ولعدوكم
لقال ، ولكني قلته على التقية . قال : أما لان قلت ذلك إن التقية تجوز في شرب الخمر .
لفت نظر أحسب ان الامام المذكور في حديث الكشي هو أبوعبدالله الصادق عليه السلام ولا يتم ما فيه من أبي الحسن موسى عليه السلام ، إذا الكميت توفي بلا اختلاف أجده سنة 126 قبل ولادة أبي الحسن موسى بسنتين أو ثلاث . كما لا يتم القول باتحاده مع حديث أبي الفرج المروي عن الامام أبي جعفر إذ درست بن أبي منصور لا يروي
عنه عليه السلام وليس من تلك الطبقة .
ألكميت ودعاء الائمة له
من الواضح ان أدعية ذوي النفوس القدسية ، والالسنة الناطقة بالمشيئة الالهية المعبرة عن الله ، من الذين يوحي إليهم ربهم ، ولا يتكلمون إلا بإذنه ، وما ينطقون عن الهوى ، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، ليست مجرد شفاعة لاي أحد ، و مسألة خير من المولى لكل إنسان كائنا من كان ، بل فيها ايعاز بان المدعو له من رجال الدين ، وحلفاء الخير والصلاح ، ودعاة الامة إليهما ، وممن قيضه المولى للدعوة إليه ، والاخذ بناصر الهدى ، رغما على أباطيل الحياة وأهوائها الضالة ، إلى فضايل لا تحصى على إختلاف المدعوين لهم فيها .
وقل ما دعي لاحد مثل ما دعي للكميت وقد أكثر النبي الاعظم والائمة من أولاده صلوات الله عليه وعليهم دعائهم له ، فاسترحم له النبي صلى الله عليه وآله مرة كما مر
هامش
1 اى اراد بقوله : صرت . مصير الدنيا اليهم لا الخلافة .
في حديث البياضي ، واستجزي له بالخير وأثنى عليه اخرى كما في منام نصر بن مزاحم ، وقال له ثالثة : بوركت وبورك قومك . كما في حديث السيوطي ، ودعا له الامام السجاد زين العابدين عليه السلام بقوله : أللهم أحيه سعيدا وأمته شهيدا ، وأره ألجزاء عاجلا ، وأجزل له جزيل المثوبة آجلا ، ودعا له أبوجعفر الباقر عليه السلام في مواقف شتى في مثل أيام التشريق بمنى وغيرها ، متوجها إلى الكعبة بالاسترحام والاستغفار له غير مرة ، وبقوله : لا تزال مؤيدا بروح القدس تارة اخرى ، ومن دعائه عليه السلام له في أيام البيض ما رواه الشيخ الاقدم أبوالقاسم الخزاز القمي في كفاية الاثر في النصوص على الائمة الاثنى عشر باسناده عن الكميت انه قال : دخلت علي سيدي أبي جعفر محمد بن علي الباقر فقلت : يابن رسول الله ؟ إني قد قلت فيكم أبياتا أفتأذن لي في إنشادها ؟
فقال : أيام البيض . قلت : فهو فيكم خاصة . قال : هات فأنشأت أقول : أضحكني الدهر وأبكاني والدهر ذو صرف وألوان لتسعة بالطف قد غودروا صاروا جميعا رهن أكفان فبكى عليه السلام وبكى أبوعبدالله عليه السلام وسمعت جارية تبكي من وراء الخباء فلما بلغت إلى قولي :
وستة لا يتجارى بنو عقيل خير فرسان
ثم علي الخير مولاهم ذكرهم هيج أحزاني
فبكى ثم قال عليه السلام : ما من رجل ذكرنا أو ذكرنا عنده يخرج من عينيه ماء ولو مثل جناح البعوضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة ، وجعل ذلك الدمع حجابا بينه وبين النار . فلما بلغت إلى قولي :
من كان مسرورا بمامسكم أو شامتا يوما من الآن فقد ذللتم بعد عز فما أدفع ضيما حين يغشاني أخذ بيدي ثم قال : أللهم ؟ اغفر للكميت ما تقدم من ذنبه وما تأخر . فلما بلغت إلى قولي :
متى يقوم الحق فيكم متى يقوم مهديكم الثاني ؟؟!!
قال : سريعا إنشاء الله سريعا . ثم قال : يا أبا المستهل ؟ إن قائمنا هو التاسع من ولد الحسين لان الائمة بعد رسول الله إثنى عشر ، ألثاني عشر هو القائم . قلت : يا سيدي ؟
فمن هؤلاء الاثنى عشر ؟ قال : أولهم علي بن أبي طالب وبعده ألحسن والحسين و بعد الحسين علي بن الحسين وبعده أنا ثم بعدي هذا ووضع يده على كتف جعفر قلت :
فمن بعد هذا ؟ قال : إبنه موسى وبعد موسى إبنه علي وبعد علي إبنه محمد وبعد محمد إبنه علي وبعد علي إبنه الحسن وهو أبوالقاسم الذي يخرج فيملا الدنيا قسطا وعدلا كما ملات ظلما وجورا ويشفي صدور شيعتنا . قلت : فمتى يخرج ؟ يابن رسول الله قال : لقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال : إنما مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة .
وناهيك به فضلا دعاء الامام الصادق عليه السلام له في مواقفه المشهودة في أشرف الايام رافعا يديه قائلا : أللهم ؟ اغفر للكميت ما قدم وأخر ، وما أسر و أعلن ، واعطه حتى يرضى . وينم عن إجابة تلك الادعية الصالحة الصادرة من النفوس الطاهرة بالالسنة الصادقة أمر النبي صلى الله عليه وآله أبا إبراهيم سعد الاسدي في منامه بقراء‌ة سلامه عليه ، وإنباء‌ه بان الله قد غفر له . وكذلك نهيه صلى الله عليه وآله دعبل الخزاعي في الطيف عن معارضة الكميت وقوله له : إن الله قد غفر له . وكان بنو أسد قبيلة الكميت يحسون بركة دعاء النبي له ولهم بقوله : بوركت و بورك قومك . ويشاهدون آثار الاجابة فيهم ، يجدون في أنفسهم نفحاتها ، وكانوا يقولون : إن فينا فضيلة ليست في العالم ، ليس منا إلا وفيه بركة وراثة الكميت 1 ومن تلك الادعية المستجابة التي شوهدت آثارها ، وأبقت للكميت فضيلة مع
الابد ما رواه شيخنا قطب الدين الراوندي في الخرايج والجرايح أن محمد بن علي الباقر عليه السلام دعا للكميت لما أراد أعداء آل محمد أخذه وهلاكه وكان متواريا فخرج في ظلمة الليل هاربا وقد أقعدوا على كل طريق جماعة ليأخذوه إذا ما خرج في خفية ، فلما وصل الكميت إلى الفضاء وأراد أن يسلك طريقا فجاء أسد يمنعه من أن يسري منها فسلك جانبا آخر فمنعه منه ايضا ، كأنه أشار إلى الكميت أن يسلك خلفه ومضى الاسد في جانب الكميت إلى أن أمن وتخلص من الاعداء .
هامش
1 مر الحديث ص‍ 190 .
وفي " معاهد التنصيص " 2 ص‍ 28 قال المستهل : أقام الكميت مدة متواريا حتى إذا أيقن أن الطلب خف عنه خرج ليلا في جماعة من بني أسد على خوف ووجل وفيمن معه " صاعد " غلامه وأخذ الطريق على " القطقطانة " وكان عالما بالنجوم مهتديا بها فلما صار سحيرا صاح بنا هوموا 1 يا فتيان فهو منا وقام فصلى ، قال المستهل : فرأينا شخصا فتضعضت له فقال : مالك ؟ قلت : أرى شخصا مقبلا فنظر إليه فقال : هذا ذئب قد جاء يستطعمكم فجاء الذئب فربض ناحية فأطعمناه يد جزور فتعرقها ثم أهوينا له بإناء فيه ماء فشرب منه فارتحلنا وجعل الذئب يعوي ، فقال الكميت : ماله ويله ألم نطعمه ونسقه ؟ ؟ وما أعرفني بما يريد هو يدلنا إنا لسنا على الطريق تيامنوا يا فتيان ؟ فتيامنا فسكن عواء‌ه فلم نزل نسير حتى جئنا الشام فتوارى في بني أسد وبني تميم .
وهذا جانب عظيم من نواحي مكرمات الكميت وفضايله لو اضيف إلى ما يظهر من كلماته المعربة عن نفسياته ، ومواقفه الكاشفة عن خلايقة الكريمة ، وما قيل فيه وفي مآثره الجمة يمثله بين يدي القارئ بمظاهر روحياته ، ونصب عينيه مجالي نفسياته ، وأمثلة مكارم أخلاقه وما كان يحمله بين جنبيه من العلم ، والفقه ، والادب ، والاباء ، والشمم ، والحماسة ، والهمة ، واللباقة ، والفصاحة ، والبلاغة ، والخلق الكامل ، وقوة القلب ، والدين الخالص ، والتشيع الصحيح ، والصلاح المحض ، والرشد والسداد ، إلى فضايل تكسبه فوز النشأتين لا تحصى .
ألكميت وهشام بن عبدالملك
كان خالد بن عبدالله القسري قد أنشد قصيدة الكميت التي يهجو فيها اليمن و هي التي أولها .
ألا حييت عنا يامدينا وهل ناس تقول مسلمينا فقال : والله لاقتلنه ثم اشترى ثلاثين جارية بأغلى ثمن وتخيرهن نهاية في الحسن والكمال والادب فرواهن ألهاشميات ودسهن مع " نخاس " إلى هشام بن
هامش
1 هموم تهويما : نام قليلا .
عبدالملك فاشتراهن جميعا فلما أنس به واستنطقهن رأى منهن فصاحة وأدبا فاستقراهن القرآن فقرأن واستنشدهن الشعر فأنشدن قصائد الكميت ألهاشميات فقال هشام : ويلكن من قائل هذا الشعر ؟ قلن : ألكميت بن زيد الاسدي . قال : في أى بلد هو ؟ قلن بالعراق ثم بالكوفة فكتب إلى خالد عامله في العراق إبعث إلي برأس الكميت بن زيد . فلم يشعر الكميت إلا والخيل محدقه بداره فاخذ وحبس في الحبس وكان أبان بن الوليد عاملا على واسط وكان الكميت صديقه فبعث إليه بغلام على بغل وقال : له أنت حر إن لحقته والبغل لك . وكتب له : أما بعد . فقد بلغني ما صرت إليه وهو القتل إلا أن يدفع الله عزوجل ، وأرى لك أن تبعث إلي حبي - يعني زوجة ألكميت وكانت ممن تتشيع ايضا - فإذا دخلت عليك تنقبت نقابها ولبثت ثيابها وخرجت فإني أرجو الاوبة لك . قال : فركب الغلام البغل وسار بقية يومه وليلته من واسط إلى الكوفة فصبحها فدخل الحبس متنكرا وأخبر الكميت بالقصة فبعث إلى امرأته وقص عليها القصة وقال لها : أي إبنة عم ؟ إن الوالي لا يقدم عليك ولا يسلمك قومك ولو خفت عليك ما عرضتك له . فألبسته ثيابها وإزارها وخمرته وقالت له : أقبل وأدبر ففعل فقالت : ما انكر منك شيئا إلا يبسا في كتفيك ، فاخرج على اسم الله تعالى . و أخرجت معه جاريتين لها فخرج وعلى باب السجن أبوالوضاح حبيب بن بدير ومعه فتيان من أسد فلم يؤبه له ، ومشى الفتيان بين يديه إلى سكة شبيب بناحية الكناس فمر بمجلس من مجالس بني تميم فقال بعضهم : رجل ورب الكعبة وأمر غلامه فأتبعه فصاح به أبوالوضاح يا كذا وكذا ؟ أراك تتبع هذه المرأة منذ اليوم ، وأومى إليه بنعله فولى العبد مدبرا وأدخله أبوالوضاح منزله ، ولما طال على السجان الامر نادى الكميت فلم يجبه ، فدخل ليعرف خبره ، فصاحت به ألمرأة : وراء‌ك لا ام لك . فشق ثوبه ومضى صارخا إلى باب خالد فأخبر الخبر فأحضر المرأة فقال لها : يا عدوة الله ؟
حتلت على أمير المؤمنين وأخرجت عدو أمير المؤمنين لانكلن بك ولاصنعن ولافعلن . فاجتمعت بنو أسد عليه وقالوا له : ما سبيلك على امرأة منا خدعت . فخافهم فخلى سبيلها وسقط غراب على الحايط ونعب فقال الكميت لابي الوضاح : إني لمأخوذ وإن حائطك لساقط . فقال : سبحان الله هذا ما لا يكون إنشاء الله تعالى ، وكان الكميت خبيرا بالزجر
ألكهانة فقال له : لابد أن تحولني . فخرج به إلى بني علقمة وكانوا يتشيعون فأقام فيهم ، ولم يصبح حتى سقط الحايط الذي سقط عليه الغراب .
قال المستهل : وأقام الكميت مدة متواريا حتى إذا أيقن ان الطلب خف عنه خرج ليلا في جماعة من بني أسد وبني تميم وأرسل إلى أشرف قريش وكان سيدهم يومئذ عنبسة بن سعيد بن العاص فمشت رجالات قريش بعضها إلى بعض وأتوا عنبسة فقالوا : يا أبا خالد هذه مكرمة أتاك بها الله تعالى ، هذا : ألكميت بن زيد لسان مضر ، وكان أمير المؤمنين قد كتب في قتله فنجا حتى تخلص إليك وإلينا . قال : فمروه أن يعوذ بقبر معاوية بن هشام بدير حنيناء . فمضى الكميت فضرب فسطاطه عند قبره ، ومضى عنبسة فأتى مسلمة بن هشام فقال : يا أبا شاكر ؟ مكرمة أتيتك بها تبلغ الثريا إن اعتقدتها فإن علمت أنك تفي بها وإلا كتمتها . قال : وما هي ؟ فأخبره الخبر وقال : إنه قد مدحكم عامة وإياك خاصة بما لم يسمع بمثله . فقال : علي خلاصه فدخل على أبيه هشام وهو عند امه في غير وقت دخول فقال له هشام : أجئت لحاجة ؟ قال : نعم . قال : هي مقضية إلا أن تكون الكميت . فقال : ما احب أن تستثني علي في حاجتي وما أنا والكميت . فقالت امه : والله لتقضين حاجته كائنة ما كانت قال : قد قضيتها ولو أحاطت بما بين قطريها . قال : يا أمير المؤمنين ؟ وهو آمن بأمان الله عزوجل أماني وهو شاعر مضر وقد قال فينا قولا لم يقل مثله . قال : قد أمنته وأجزت أمانك له ، فأجلس له مجلسا ينشدك فيه ما قال فينا . فعقد مجلسا وعنده الابرش الكلبى فتكلم بخطبة إرتجلها ما سمع بمثلها قط ، وامتدحه بقصيدته الرائية ويقال : إنه قالها إرتجالا وهي قوله :
قف بالديار وقوف زائر ....
فمضى فيها حتى انتهى إلى قوله :
ماذا عليك من الوقوف بها إنك غير صاغر ؟
درجت عليك الغاديا ت الرابحات من الاعاصر ويقول فيها :
فالآن صرت إلى امي‍ ة والامور إلى المصائر
فجعل هشام يغمز مسلمة بقضيب في يده فيقول : إسمع إسمع . ثم استأذنه في مرثية إبنه معاوية فأذن له فيها فأنشده قوله :
سأبكيك للدنيا وللدين إنني رأيت يد المعروف بعدك شلت أدامت عليكم بالسلام تحية ملائكة الله الكرام وصلت فبكى هشام بكاء شديدا فوثب الحاجب فسكته ، ثم جاء الكميت إلى منزله آمنا فحشدت له المضرية بالهدايا ، وأمر له مسلمة بعشرين ألف درهم ، وأمر له هشام بأربعين ألف درهم ، وكتب إلى خالد بأمانه وأمان أهل بيته وانه لا سلطان له عليهم .
قال : وجمعت له بنو امية فيما بينها مالا كثيرا ، ولم يجمع من قصيدته تلك يومئذ إلا ما حفظه الناس منها فالف وسئل عنها فقال : ما أحفظ منها شيئا إنما هو كلام إرتجلته .
وفي رواية : إنه لما أجاره مسلمة بن هشام وبلغ بذلك هشاما دعا به وقال له :
أتجير على أمير المؤمنين بغير أمره ؟ فقال : كلا ولكنني إنتظرت سكون غضبه . قال :
أحضرنيه الساعة فإنه لا جوار لك . فقال مسلمة للكميت : يا أبا المستهل ؟ إن أمير المؤمنين قد أمرني باحضارك . قال أتسلمني يا أبا شاكر ؟ قال : كلا ولكني أحتال لك . ثم قال له : إن معاوية بن هشام مات قريبا وقد جزع عليه جزعا شديدا فإذا كان من الليل فاضرب رواقك على قبره وأنا أبعث إليك بنيه يكونون معك في الرواق ، فإذا دعا بك تقدمت عليهم أن يربطوا ثيابهم بثيابك ويقولون : هذا إستجار بقبر أبينا ونحن أحق بإجارته . فأصبح هشام على عادته متطلعا من قصره إلى القبر فقال : ما هذا ؟ فقالوا : لعله مستجير بالقبر . فقال : يجار من كان إلا الكميت فإنه لا جوار له . فقيل : فإنه الكميت . فقال : يحضر أعنف إحضار . فلما دعى به ربط الصبيان ثيابهم بثيابه ، فلما نظر هشام إليهم إغرورقت عيناه واستعبر وهم يقولون : يا أمير المؤمنين إستجار بقبر أبينا وقد مات وما حظه من الدنيا فاجعله هبة له ولنا ولا تفضحنا في من إستجار به . فبكى هشام حتى إنتحب ثم أقبل على الكميت فقال له : يا كميت ؟ أنت القائل :
وإلا فقولوا غيرها تتعرفوا نواصيها تروى بنا وهي شزب 1
هامش
1 تروى : أى ترمى . تشازب القوم على الامر . اى كان لكل واحد منهم حظ ينتظره يقال : هم متشازبون .
فقال : لا والله أتان من اتن الحجاز وحشية . فقال الكميت : ألحمد لله . قال هشام : نعم ألحمد لله . ما هذا ؟ قال الكميت : مبتدئ الحمد ومبتدعه ، الذي خص بالحمد نفسه ، وأمر به ملائكته ، وجعله فاتحة كتابه ، ومنتهى شكره ، وكلام أهل جنته ، أحمد حمد من علم يقينا ، وأبصر مستبينا ، وأشهد له بما شهد به لنفسه ، قائما بالقسط وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده العربي ، ورسوله الامي ، أرسله و الناس في هفوات حيرة ، ومدلهمات ظلمة ، عند إستمرار ابهة الضلال ، فبلغ عن الله ما امر به ، ونصح لامته ، وجاهد في سبيله ، وعبد ربه حتى أتاه اليقين ، صلى الله عليه وسلم . ثم تكلم واعتذر عن هجاؤه بني امية وأنشد أبياتا من رائيته في مدحهم فقال له هشام : ويلك يا كميت من زين لك الغواية ودلاك في العماية ؟ قال : ألذي أخرج أبانا من الجنة وأنساه العهد فلم يجد له عزما . فقال له : ايه يا كميت ؟ ألست القائل ؟ :
فيا موقدا نارا لغيرك ضوء‌ها ويا حاطبا في غير حبلك تحطب
فقال : بل أنا القائل :
إلى آل بيت أبي مالك مناخ هو الارحب الاسهل نمت بأرحامنا الداخلات من حيث لا ينكر المدخل بمرة والنضر والمالكين رهط هم الانبل الانبل وجدنا قريشا قريش البطاح على ما بنى الاول الاول بهم صلح الله بعد الفساد وحيص من الفتق ما رعبلوا 1 قال له : وأنت القائل :
لا كعبد المليك أو كوليد أو سليمان بعد أو كهشام
من يمت لا يمت فقيدا ومن يحي فلا ذو إل ولا ذو ذمام ويلك يا كميت جعلتنا ممن لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة . فقال : بل أنا القائل يا أمير المؤمنين ؟
فالآن صرت إلى أمية والامور إلى المصائر والآن صرت بها إلى المصيب كمهتد بالامس حائر
هامش
1 حاص حيصا : عدل وحاد . رعبلوا : مزقوا .
فقل لبني امية حيث حلوا وإن خفت المهند والقطيعا أجاع الله من أشبعتموه وأشبع من بجوركم اجيعا بمرضي السياسة هاشمي يكون حيا لامته ربيعا فقال : لا تثريب يا أمير المؤمنين ؟ إن رأيت أن تمحو عني قولي الكاذب . قال : بما ذا قال بقولي الصادق :
أورثته الحصان ام هشام حسبا ثاقبا ووجها نضيرا
وتعاطى به إبن عايشة البد - ر فأمسى له رقيبا نظيرا
وكساه أبوالخلايف مروا - ن سناء المكارم المأثورا
لم تجهم 1 له البطاح ولكن وجدتها له معانا 2 ودورا
وكان هشام متكئا فاستوى جالسا وقال : هكذا فليكن الشعر . يقولها لسالم
إبن عبدالله بن عمر وكان إلى جانبه ثم قال : قد رضيت عنك يا كميت ؟ . فقبل يده و قال : يا أمير المؤمنين ؟ إن رأيت أن تزيد في تشريفي فلا تجعل لخالد علي إمارة . قال : قد فعلت . وكتب بذلك وأمر له بأربعين ألف درهم وثلاثين ثوبا هشامية وكتب إلى خالد : أن يخلي سبيل إمرأته ويعطيها عشرين ألف درهم وثلاثين ثوبا . ففعل ذلك .
الاغاني 15 ص‍ 115 - 119 ، ألعقد الفريد 1 ص‍ 189 .
كان هشام بن عبدالملك مشغوفا بجارية له يقال : لها صدوف مدنية اشتريت له بمال جزيل عتب عليها ذات يوم في شيئ وهجرها وحلف أن لا يبدأها بكلام ، فدخل عليه الكميت وهو مغموم بذلك فقال : مالي أراك مغموما يا أمير المؤمنين ؟ لا غمك الله . فأخبره هشام بالقصة فأطرق الكميت ساعة ثم أنشأ يقول :
أعتبت أم عتبت عليك صدوف وعتاب مثلك مثلها تشريف لا تعقدن تلوم نفسك دائبا فيها وأنت بحبها مشغوف إن الصريمة لا يقوم بثقلها إلا القوي بها وأنت ضعيف فقال هشام : صدقت والله ونهض من مجلسه فدخل إليها ونهضت إليه فاعتنقته ، وانصرف الكميت فبعث إليه هشام بألف دينار وبعثت إليه بمثلها .
هامش
1 تجهم له : استقبله بوجه عبوس كريه .
2 المعان بفتح الميم : المنزل . يقال : هم منك بمعان . أى : بحيث تراهم بعينك .
الاغاني 15 ص‍ 122
ألكميت ويزيد بن عبدالملك
حدث حبيش بن الكميت قال : وفد الكميت على يزيد بن عبدالملك فدخل عليه يوما وقد اشتريت له سلامة القس فادخلت إليه والكميت حاضر فقال له : يا أبا المستهل ؟ هذه جارية تباع أفترى أن نبتاعها ؟ أي والله يا أمير المؤمنين ؟ وما أرى ان لها مثيلا فلا تفوتنك . قال فصفها لي في شعر حتى أقبل رأيك . فقال الكميت :
هي شمس النهار في الحسن إلا أنها فضلت بفتك الطراف غضة بضة رخيم لعوب وعثة المتن ثخنة الاطراف 1 زانها دلها وثغر نقي وحديث مرتل غير جاف خلقت فوق منية المتمني فاقبل النصح يابن عبد مناف قال : فضحك يزيد وقال : قد قبلنا نصحك يا أبا المستهل . فأمر له بجائزة سنية .
الاغاني 15 ص‍ 122
وللكميت مع خالد بن عبدالله القسري أخبار عند قدومه الكوفة منها :
انه مر يوما وقد تحدث الناس بعزله عن العراق فلما جاز تمثل الكميت وقال : أراها وإن كانت تحب كأنها سحابة صيف عن قليل يقشع فسمعه خالد فرجع وقال : أما والله لا تنقشع حتى يغشاك منها شؤبوب برد ، ثم أمر به فجرد وضرب مائة سوط ، ثم خلى عنه ومضى رواه إبن حبيب الاغاني 15 ص‍ 119
ومن ملح الكميت : ان الفرزدق مر به وهو ينشد والكميت يومئذ صبي فقال له الفرزدق أيسرك إني أبوك فقال : لا ، ولكن يسرني أن تكون امي فحصر الفرزدق فأقبل على جلسائه وقال . ما مر بي مثل هذا قط . الاغاني 15 ص‍ 123
هامش م 1 الغض : الطرئ الناعم . يقال : شباب غض . أى : ناضر . البضه : رقيق الجلد ناعمة في اليمن .
الرخيم من رخمت الجارية : صارت سهلة المنطق فهى رخيمة ورخيم . الوعث : الهزال . ثخن : غلظ
211
ولادته وشهادته
ولد الكميت في سنة الستين عام شهادة الامام السبط الشهيد صلوات الله عليه وعاش عيشة مرضية سعيدا في دنياه ، باذلا كله في سبيل ما اختاره له ربه ، داعيا إلى سنن الهدى حتى اتيحت له الشهادة ببركة دعاء الامام زين العابدين عليه السلام له بها ، وبعين الله ما هربق من دمه الطاهر وذلك بالكوفة في خلافة مروان بن محمد سنة 126 .
وكان سبب موته ما حكاه حجر بن عبدالجبار قال : خرجت الجعفرية 1 على خالد القسري وهو يخطب على المنبر ولا يعلم بهم فخرجوا في التبابين ينادون : لبيك جعفر ، لبيك جعفر ، وعرف خالد خبرهم وهو يخطب فدهش بهم فلم يعلم ما يقول فزعا فقال : أطعموني ماء ثم خرج الناس إليهم فاخذوا فجعل يجيئ بهم إلى المسجد و يؤخذ طن قصب فيطلى بالنفط ويقال للرجل منهم : إحتضنه . ويضرب حتى يفعل ثم يحرق فحرقهم جميعا ، فلما عزل خالد عن العراق ووليه يوسف بن عمر دخل عليه الكميت وقد مدحه بعد قتله زيد بن علي فأنشده قوله فيه :
خرجت لهم تمشي البراح ولم تكن كمن حصنه فيه الرتاج المضبب وما خالد يستطعم الماء فاغرا بعدلك والداعي إلى الموت ينعب قال والجند قيام على رأس يوسف بن عمر وهم ثمانية فتعصبوا لخالد فوضعوا نعال سيوفهم في بطن الكميت فوجؤوه بها وقالوا : أتنشد الامير ولم تستأمره ؟ فلم يزل ينزف الدم حتى مات . الاغاني 15 ص‍ 121 .
وحدث المستهل 2 بن الكميت قال حضرت أبي عند الموت وهو يجود بنفسه واغمي عليه ثم أفاق ففتح عينيه ثم قال : أللهم آل محمد ، أللهم آل محمد ، أللهم آل محمد . ثلاثا ثم قال : يابني وددت أني لم أكن هجوت نساء بني كلب بهذا البيت وهو :

هامش
1 هم المغيرة بن سعيد وبيان واصحابهما الست وكانوا يسمون : الوصفاء .
2 كان المستهل من الشعراء المعروفين وله ديوان كما في فهرست ابن النديم ص‍ 233 .
مع العضروط والعسفاء ألقوا برادعهن غير محصنينا فعممتهن قذفا بالفجور ، والله ما خرجت ليلا قط إلا خشيت أن ارمى بنجوم السماء بذلك . ثم قال : يا بني إنه بلغني في الروايات : انه يحفر بظهر الكوفة خندق ، ويخرج فيه الموتى من قبورهم ، وينبشون منها فيحولون إلى قبور غير قبورهم . فلا
تدفني في الظهر ولكن إذا مت فامض بي إلى موضع يقال له : " مكران " فادفني فيه . فدفن في ذلك الموضع وكان أول من دفن فيه وهو مقبرة بني أسد إلى الساعة . " الاغاني " 15 ص‍ 130 ، " ألمعاهد " 2 ص‍ 131 .
ألسيد الحميرى
ألمتوفى 173
1 .
يا بايع الدين بدنياه ليس بهذا أمر الله
من أين أبغضت علي الوصي ؟ وأحمد قد كان يرضاه
من الذي أحمد في بينهم يوم " غدير الخم " ناداه ؟
أقامه من بين أصحابه وهم حواليه فسماه
: هذا علي بن أبي طالب مولى لمن قد كنت مولاه
فوال من والاه ياذا العلا وعاد من قد كان عاداه
2 .
هلا وقفت على المكان المعشب بين الطويلع فاللوى من كبكب .
ويقول فيها :
وبخم إذ قال الاله بعزمه : قم يا محمد في البرية فاخطب
وانصب أبا حسن لقومك إنه هاد وما بلغت إن لم تنصب
فدعاه ثم دعاهم فأقامه لهم فبين مصدق ومكذب
جعل الولاية بعده لمهذب ما كان يجعلها لغير مهذب
وله مناقب لا ترام متى يرد ساع تناول بعضها بتذبذب
إنا ندين بحب آل محمد دينا ومن يحبهم يستوجب
منا المودة والولاء ومن يرد بدلا بآل محمد لا يحبب
ومتى يمت يرد الجحيم ولا يرد حوض الرسول وإن يرده يضرب
ضرب المحاذر ان تعر ركابه بالسوط سالفة البعير الاجرب
وكأن قلبي حين يذكر أحمدا ووصي أحمد نيط من ذي مخلب
بذرى القوادم من جناح مصعد في الجو أو بذرى جناح مصوب
حتى يكاد من النزاع إليهما يفري الحجاب عن الضلوع القلب
هبة وما يهب الاله لعبده يزدد ومهما لايهب لا يوهب
يمحو ويثبت مايشاء وعنده علم الكتاب وعلم ما لم يكتب
هذه القصيدة ذات 112 بيتا تسمى بالمذهبة شرحها سيد الطائفة ألشريف المرتضى علم الهدى وطبع بمصر 1313 وقال في شرح قوله :
وانصب أبا حسن لقومك إنه هاد وما بلغت إن لم تنصب : هذا اللفظ يعني النصب لا يليق إلا بالامامة والخلافة دون المحبة والنصرة ، وقوله : جعل الولاية بعده لمهذب . صريح في الامامة لان الامامة هي التي جعلت له بعده والمحبة والنصرة حاصلتان في الحال وغير مختصين بعد الوفاة .
وشرحها أيضا الحافظ النسابة ألاشرف بن الاغرالمعروف بتاج العلى الحسيني المتوفى 610 .
3 .
خف يا محمد فالق الاصباح وأزل فساد الدين بالاصلاح
أتسب صنو محمد ووصيه ؟ ترجو بذاك الفوز بالانجاح
هيهات قد بعدا عليك وقربا منك العذاب وقابض الارواح
أوصى النبي له بخير وصية يوم " الغدير " بأبين الافصاح
: من كنت مولاه فهذا واعلموا مولاه قول إشاعة وصراح
قاضي الديون ومرشد لكم كما قد كنت أرشد من هدى وفلاح
أغويت امي وهي جد ضعيفة فجرت بقاع الغي جري جماع
بالشتم للعلم الامام ومن له إرث النبي بأوكد الايضاح
إني أخاف عليكما سخط الذي أرسى الجبال بسبسب صحصاح
أبوي فاتقيا الاله وأذعنا للحق 1
هامش
1 هكذا وجدناه بياضا في الاصل .
هذه الابيات رواها المرزباني ، كتبها السيد إلى والديه يدعوها إلى التشيع وولاء أمير المؤمنين ويناهما عن سبه وكانا أباضيين
4 .
إذا أنا لم أحفظ وصاة محمد ولا عهده يوم " الغدير " مؤكدا
فإني كمن يشري الضلالة بالهدى تنصر من بعد الهدى او تهودا
ومالي وتيما أو عديا وإنما اولو نعمتي في الله من آل أحمدا
تتم صلاتي بالصلاة عليهم وليست صلاتي بعد أن أتشهدا
بكاملة إن لم اصل عليهم وأدعو لهم ربا كريما ممجدا
بذلت لهم ودي ونصحي ونصرتي مدى الدهر ما سميت يا صاح سيدا
وإن امرأ يلحى على صدق ودهم أحق وأولى فيهم أن يفندا
فإن شئت فاختر عاجل الغم ظلة وإلا فامسك كي تصان وتحمدا
هذه القصيدة توجد منها 25 بيتا . روى أبوالفرج في " الاغاني " 7 ص‍ 262 : إن أبا الخلال العتكي دخل على عقبة بن سلم والسيد عنده وقد أمر له بجائزة وكان أبوالخلال شيخ العشيرة وكبيرها فقال له : أيها الامير ؟ أتعطي هذه العطايا رجلا ما يفتر عن سب أبي بكر وعمر ؟ فقال له عقبة : ما علمت ذاك ولا أعطتيه إلا على العشرة والمودة القديمة وما يوجبه حقه وجواره مع ما هو عليه من موالاة قوم يلزمنا حقهم ورعايتهم . فقال له أبوالخلان : فمره إن كان صادقا أن يمدح أبا بكر وعمر حتى نعرف براء‌ته مما ينسب إليه من الرفض . فقال : قد سمعك فإن شاء فعل . فقال السيد :
إذا أنا لم أحفظ وصاة محمد
إلى آخر الابيات ثم نهض مغضبا . فقام أبوالخلال إلى عقبة فقال : أعذني من شره أعاذك الله من السوء أيها الامير ؟ قال : قد فعلت على أن لا تعرض له بعدها .
5 .
قد أطلتم في العذل والتنقيد بهوى السيد الامام السديد
يقول فيها :
يوما قام النبي في ظل دوح والورى في وديقة صيخود 1
رافعا كفه بيمني يديه بايحا باسمه بصوت مديد
أيها المسلمون هذا خليلي ووزيري ووارثي وعقيدي
وابن عمي ألا فمن كنت مولاه فهذا مولاه فارعوا عهودي
وعلي مني بمنزلة هارون بن عمران من أخيه الودود
6 .
أجد بآل فاطمة البكور فدمع العين منهل غزير
يقول فيها :
لقد سمعوا مقالته بخم غداة يضمهم وهو الغدير
فمن أولى بكم منكم فقالوا مقالة واحد وهم الكثير
جميعا أنت مولانا وأولى بنا منا وأنت لنا نذير
فإن وليكم بعدي علي ومولاكم هو الهادي الوزير
وزيري في الحياة وعند موتي ومن بعدي الخليفة والامير
فوال الله من والاه منكم وقابله لدى الموت السرور
وعاد الله من عاده منكم وحل به لدى الموت النشور
7 .
ألا الحمد لله حمدا كثيرا ولي المحامد ربا غفورا
هداني إليه فوحدته وأخلصت توحيده المستنيرا
ويقول فيها :
لذلك ما اختاره ربه لخير الانام وصيا ظهيرا
فقام بخم بحيث " الغدير " وحط الرحال وعاف المسيرا
وقم له الدوح ثم ارتقى على منبر كان رحلا وكورا
ونادى ضحى باجتماع الحجيج فجاؤا إليه صغيرا كبير
هامش
1 الوديقة : شدة الحر . والصيخود : شديد الحر . يقال : يوم صيخود وصخدان .
فقال وفي كفه حيدر يليح إليه مبينا مشيرا
ألا إن من أنا مولى له فمولاه هذا قضا لن يجورا
فهل أنا بلغت ؟ قالوا : نعم فقال : اشهدوا غيبا أو حضورا
يبلغ حاضركم غائبا واشهد ربي السميع البصيرا
فقوموا بأمر مليك السما يبايعه كل عليه أميرا
فقاموا : لبيعته صافقين أكفا فأوجس منهم نكيرا
فقال : إلهى وال الولي وعاد العدو له والكفورا
وكن خاذلا للاولى يخذلون وكن للاولى ينصرون نصيرا
فكيف ترى دعوة المصطفى مجابا بها او هباء‌ا نثيرا ؟ ؟ ! !
احبك يا ثاني المصطفى ومن أشهد الناس فيه الغديرا
وأشهد ان النبي الامين بلغ فيك نداء جهيرا
وإن الذين تعادوا عليك يصلون نارا وساء‌ت مصيرا
8 .
قف بالديار وحيهن ديارا واسق الرسوم المدمع المدرارا
كانت تحل بها النوار وزينب فرعى إلهي زينبا ونوارا
قل للذي عادى وصي محمد وأبان لي عن لفظه إنكارا
يقول فيها :
من خاصف نعل النبي محمد يرضي بذاك الواحد الغفارا
فيقول فيه معلنا خير الوري جهرا وما ناجى به إسرارا
: هذا وصيي فيكم وخليفتي لا تجهلوه فترجعوا كفارا
وله بيوم " الدوح " أعظم خطبة أدى بها وحي الاله جهارا
9 .
بلغ سوار بن عبدالله العنبري قاضي البصرة قول شاعرنا السيد الحميري في حديث الطائر المشوي المتفق عليه :
لما أتى بالخبر الانبل في طائر اهدي إلى المرسل
في خبر جاء أبان به عن أنس في الزمن الاول
هذا وقيس الحبر يرويه عن سفينة ذي القلب الخول
سفينة يمكن من رشده وأنس خان ولم يعدل
في رده سيد كل الورى مولاهم في المحكم المنزل
فصده ذوالعرش عن رشده وشانه بالبرص الانكل
فقال سوار : ما يدع هذا أحدا من الصحابة إلا رماه بشعر يظهر عواره . وأمر بحبسه فاجتمع بنو هاشم والشيعة وقالوا له : والله لئن لم تخرجه وإلا كسرنا الحبس وأخرجناه أيمتدحك شاعر فتثيبه ، ويمتدح أهل البيت شاعر فتحبسه ؟ ؟ ! ! فأطلقه على مضض فقال يهجوه :
قولا لسوار أبي شملة : يا واحدا في النوك والعار
ما قلت في الطير خلاف الذي رويته أنت بآثار
وخبر المسجد إذ خصه محللا من عرصة الدار
إن جنبا كان وان طاهرا في كل إعلان وإسرار
وأخرج الباقين منه معا بالوحي من إنزال جبار
حبا عليا وحسينا معا والحسن الطهر لاطهار
وفاطما أهل الكساء الاولى خصوا بإكرام وايثار
فمبغض الله يرى بغضهم يصير للخزي وللنار
عليه من ذي العرش في فعله وسم يراه العائب الزاري
وأنت يا سوار رأس لهم في كل خزي طالب الثار
تعيب من آخاه خير الورى من بين أطهار وأخيار
وقال في " خم " له معلنا مالم يلقوه بإنكار
: من كنت مولاه فهذا له مولى فكونوا غير كفار
فعولوا بعدي عليه ولا تبغوا سراب المهمة الجاري
وقال يهجو سوار القاضي بعد موته :
يامن غدا حاملا جثمان سوار من داره ظاعنا منها إلى النار
لا قدس الله روحا كان هيكلها لقد مضت بعظيم الخزي والعار
حتى هوت قعر بيروت معذبة وجسمه في كنيف بين أقذار
لقد رأيت من الرحمن معجبة فيه وأحكامه تجري بمقدار
فاذهب عليك من الرحمن بهلته يا شرحي يراه الواحد الباري
يا مبغضا لامير المؤمنين وقد قال النبي له من دون إنكار
يوم الغدير وكل الناس قد حضروا : من كنت مولاه في سر وإجهار
هذا أخي ووصيي في الامور ومن يقوم فيكم مقامي عند تذكاري
يا رب عاد الذي عاداه من بشر وأصله في جحيم ذات إسعار
وأنت لا شك عاديت الاله به فيا جحيم ألا هبي لسوار
10 .
لام عمرو باللوى مربع طامسة أعلامها بلقع
تروع عنها الطير وحشية والوحش من خيفته تفزع
رقش يخاف الموت من نقشها والسم في أنيابها منقع
برسم دار ما بها مونس إلا صلال في الثرى وقع
لما وقفت العيس في رسمها والعين من عرفانه تدمع
ذكرت من قد كنت ألهو به فبت والقلب شج موجع
كأن بالنار لما شفني من حب أروى كبدي لدع
عجبت من قوم أتوا أحمدا بخطة ليس لها موضع
قالوا له : لو شئت أعلمتنا إلى من الغاية والمفزع
إذا توفيت وفارقتنا وفيهم في الملك من يطمع
فقال : لو أعلمتكم مفزعا كنتم عسيتم فيه أن تصنعوا
صنيع أهل العجل إذ فارقوا هارون فالترك له أوسع
وفي الذي قال بيان لمن كان إذا يعقل أو يسمع
ثم أتته بعد ذا عزمة من ربه ليس لها مدفع
بلغ وإلا لم تكن مبلغا والله منهم عاصم يمنع
فعندها قام النبي الذي كان بما يأمر به يصدع
يخطب مأمورا وفي كفه كف علي ظاهر تلمع
رافعها أكرم بكف الذي يرفع والكف الذي ترفع
يقول والاملاك من حوله والله فيهم شاهد يسمع
: من كنت مولاه فهذا له مولى فلم يرضوا ولم يقنع
فاتهموه وحنت فيهم على خلاف الصادق الاضلع
وضل قوم غاضهم فعله كأنما آنافهم تجدع
حتى إذا واروه في لحده وانصرفوا عن دفنه ضيعوا
ما قال بالامس وأوصي به واشتروا الضر بما ينفع
ألقصيدة 54 بيتا
ما يتبع الشعر
عن فضيل الرسان قال : دخلت على جعفر بن محمد عليه السلام اعزيه عن عمه زيد ثم قلت : ألا انشدك شعر السيد ؟ فقال : أنشد . فأنشدته قصيدة يقول فيها :
فالناس يوم البعث راياتهم خمس فمنها هالك أربع
قائدها العجل وفرعونهم وسامري الامة المفظع
ومارق من دينه مخرج أسود عبد لكع أوكع
وراية قائدها وجهه كأنه الشمس إذا تطلع
فسمعت نحيبا من وراء الستور فقال : من قائل هذا الشعر ؟ فقلت : ألسيد . فقال : رحمه الله . فقلت : جعلت فداك إني رأيته يشرب الخمر . فقال : رحمه الله فما ذنب على الله أن يغفره لآل علي ، إن محب علي لا تزل له قدم إلا ثبتت له اخرى . الاغاني 7 ص‍ 251 .
ورواه ايضا في الاغاني 7 ص‍ 241 وفيه : فسألني لمن هي ؟ فأخبرته انها للسيد وسألني عنه فعرفته وفاته 1 فقال : رحمه الله . قلت : إني رأيته يشرب النبيذ في
هامش
1 هذه الكلمة دخيلة لا تتم اذ الحميرى توفى بعد وفاة الصادق عليه السلام يستين ؟ . ولا توجد هى في رواية المرزبانى والكشى .
الرستاق قال : أتعني الخمر ؟ قلت : نعم . قال : وما خطر ذنب عند الله أن يغفره لمحب علي عليه السلام ؟ ! .
ورى الحافظ المرزباني في " أخبار السيد " عن فضيل قال : دخلت على أبي عبدالله عليه السلام بعد قتل زيد فجعل يبكي ويقول : رحم الله زيدا إنه للعالم الصدوق ، ولو ملك أمرا لعرف أين يضعه . فقلت : انشدك شعر السيد ؟ فقال : أمهل قليلا . وأمر بستور فسدلت وفتحت أبواب غير الاولى
ثم قال : هات ما عندك . فأنشدته :
لام عمرو باللوى مربع وذكر 13 بيتا
فسمعت نحيبا من وراء الستور ونساء تبكين فجعل يقول : شكرا لك يا إسماعيل قولك .
فقلت له : يا مولاي انه يشرب نبيذ الرساتيق . فقال : يلحق مثله التوبة ولا يكبر على الله أن يغفر الذنوب لمحبنا ومادحنا .
ورواه الكشي في رجاله ص‍ 184 بتغيير يسير في بعض ألفاظه .
وروى أبوالفرج في " الاغاني " 7 ص‍ 251 عن زيد بن موسى بن جعفر عليهما السلام انه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في النوم وقدامه رجل جالس عليه ثياب بيض فنظرت عليه فلم أعرفه إذ التفت إليه رسول الله فقال : يا سيد ؟ أنشدني قولك لام عمرو باللوى مربع . . . . .
فأنشده إياها كلها ما غادر منها بيتا واحدا فحفظتها عنه كلها في النوم ، قال أبو إسماعيل : وكان زيد بن موسى لحانة ردئ الانشاد فكان إذا أنشد هذه القصيدة لم يتتعتع فيها ولم يلحن . وهذا الحديث رواه الحافظ المرزباني في أخبار السيد .
وفي " الاغاني " 7 ص‍ 279 عن أبي داود المسترق عن السيد انه رأى النبي
صلى الله عليه وآله في النوم فاستنشده فأنشد قوله :
لام عمرو باللوى مربع طامسة أعلامها بلقع
حتى إنتهى إلى قوله :
قالوا له : لو شئت أعلمتنا إلى من الغاية والمفزع
فقال : حسبك . ثم نفض يده وقال : قد والله أعلمتهم .
وقال الشريف الرضي في خصايص الائمة : حكي ان زيد بن موسى بن جعفر إبن محمد عليهم السلام رأى رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام كأنه جالس مع أمير المؤمنين عليه السلام في موضع عال شبيه بالمسناة وعليها مراق فإذ منشد ينشد قصيدة السيد إبن محمد الحميري هذه وأولها :
لام عمرو باللوى مربع طامسة أعلامها بلقع
حتى إنتهى إلى قوله :
قالوا له : لو شئت أعلمتنا إلى من الغاية والمفزع
قال : فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أمير المؤمنين عليه السلام وتبسم
وقال : أولم أعلمهم ؟ أولم أعلمهم ؟ أو لم أعلمهم ؟ ثم قال لزيد : إنك تعيش بعدد كل مرقاة رقيتها سنة واحدة . قال : فعددت المراقي وكان نيفا وتسعين مرقاة ، فعاش زيد نيفا وتسعين سنة ، وهو الملقب بزيد النار .
قال العلامة المجلسي في " بحار الانوار " 11 ص‍ 150 : وجدت في بعض تأليفات أصحابنا انه روى باسناده عن سهل بن ذبيان قال : دخلت على الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام في بعض الايام قبل أن يدخل عليه أحد من الناس فقال لي : مرحبا بك يابن ذبيان ؟ ألساعة أراد رسولنا أن يأتيك لتحضر عندنا . فقلت : لماذا ؟ يابن رسول الله ؟ فقال : لمنام رأيته البارحة وقد أزعجني وأرقني . فقلت : خيرا يكون إنشاء الله
تعالى . فقال : يابن ذبيان ؟ رأيت كأني قد نصب لي سلم فيه مائة مرقاة فصعدت إلى أعلاه . فقلت : يا مولاي ؟ اهنيك بطول العمر وربما تعيش مائة سنة . فقال عليه السلام ماشاء الله كان . ثم قال : يابن ذبيان ؟ فلما صعدت إلى أعلا السلم رأيت كأني دخلت في قبة خضراء يرى ظاهرها من باطنها ورأيت جدي رسول الله جالسا وإلى يمينه وشماله غلامان حسنان يشرق النور من وجههما ، ورأيت إمرأة بهية الخلقة ، ورأيت بين يديه شخصا بهي الخلقة جالسا عنده ، ورأيت رجلا واقفا بين يديه وهو يقرأ : لام عمرو باللوى مربع . . . . . . .
فلما رآني النبي قال لي : مرحبا بك يا ولدي يا علي بن موسى الرضا ؟ سلم علي أبيك علي . فسلمت عليه ، ثم قال لي : سلم على امك فاطمة الزهراء عليها السلام . فسلمت عليها ، فقال لي : فسلم على أبويك الحسن والحسين . فسلمت عليهما ، ثم قال لي : وسلم على شاعرنا ومادحنا في دار الدنيا ألسيد إسماعيل الحميري . فسلمت عليه و جلست فالتفت النبي السيد إسماعيل وقال له . عد إلى ما كنا فيه من إنشاد القصيدة فأنشد يقول . لام عمرو باللوى مربع . . . . . .
فبكى النبي صلى الله عليه وآله فلما بلغ إلى قوله : ووجهه كالشمس إذ تطلع بكى النبي وفاطمة ومن معه ، ولما بلغ إلى قوله :
قالوا له : لو شئت أعلمتنا إلى من الغاية والمفزع رفع النبي صلى الله عليه وآله يديه وقال : إلهي أنت الشاهد علي وعليهم إني أعلمتهم : أن الغاية والمفزع علي بن أبي طالب . وأشار بيده إليه وهو جالس بين يديه ، قال علي بن موسى الرضا : فلما فرغ السيد إسماعيل الحميري من إنشاد القصيدة إلتفت النبي الي وقال لي : يا علي بن موسى ؟ إحفظ هذه القصيدة ومر شيعتنا بحفظها وأعلمهم : ان من حفظها وأدمن قرائتها ضمنت له الجنة على الله تعالى . قال الرضا : ولم يزل يكررها علي حتى حفظتها منه والقصيدة هذه ثم ذكرها برمتها .
قال الاميني : هذا المنام ذكره القاضي الشهيد المرعشي في " مجالس المؤمنين " ص‍ 436 نقلا عن رجال الكشي ولم يوجد في المطبوع منه ، ولعل القاضي وقف على أصل النسخة الكاملة ووجده فيه ، ونقله الشيخ أبوعلي في رجاله منتهى المقال ص‍ 143 " عن عيون الاخبار " لشيخنا الصدوق ، وتبعه الشيخ المعاصر في " تنقيح المقال " 1 ص‍ 59 ، والسيد الامين في " أعيان الشيعة " 13 ص‍ 170 ، ولم نجده في نسخ العيون المخطوطة والمطبوعة .
ورواه شيخنا المولى محمد قاسم الهزار جريبي في شرح القصيدة ، والسيد الزنوزي في الروضة الاولى في كتابه الضخم الفخم " رياض الجنة " . والسيد محمد مهدي في آخر كتابه " رياض المصائب " .
شروح القصيدة
شرح هذه العينية جمع من أعلام الطايفة منهم :
1. ألشيخ حسين بن جمال الدين الخوانسارى ألمتوفى 1099 .
2. ميرزا علي خان الگلپايگاني تلميذ العلامة المجلسي .
3. ألمولى محمد قاسم الهزار جريبي ألمتوفى بعد سنة 1112 وقد صنف فيها كتابه ألتحفة الاحمدية يوجد هذا الشرح في النجف الاشرف .
4. بهاء الدين محمد بن تاج الدين الحسن الاصبهاني ألشهير بالفاضل الهندي ألمولود 1062 والمتوفى 1135 .
5. ألحاج المولى محمد حسين القزويني ألمتوفى في القرن الثاني عشر .
6. ألحاج ألمولى صالح بن محمد البرغاني .
7. ألحاج ميرزا محمد رضا القراجة داغي التبريزي فرغ منه سنة 1289 وطبع في
تبريز سنة 1301 .
8. ألسيد محمد عباس بن السيد على أكبر الموسوي المتوفى 1306 ، أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر يأتي هناك شعره وترجمته .
9. الحاج ألمولى حسن بن الحاج محمد إبراهيم بن الحاج محتشم الاردكاني المتوفى 1315 .
10. الشيخ بخشعلي اليزدي الحايري المتوفى 1320 .
11. ميرزا فضعلي بن المولى عبدالكريم الارواني التبريزي المتوفى سنة نيف و 1330 مؤلف " حدائق العارفين " .
12. ألشيخ علي بن علي رضا الخوئي المتوفى 1350 .
13. ألسيد أنور حسين الهندي المتوفى 1350 .
14. ألسيد علي أكبر بن السيد رضي الرضوي القمي المولود سنة 1317 .
15. ألحاج المولى علي التبريزي مؤلف وقايع الايام المطبوع 1 .
وخمسها جمع من العلماء والادبآء منهم : شيخنا الحر العاملي صاحب " الوسايل " وحفيده ألشيخ عبدالغني العاملي نزيل البصرة والمتوفى بها ومطلع تخميسه :
جوابه كأس الاسى أجرع صرفا وأجفاني حيا تدمع
هامش
1 هذه الشروح وقفت على بعضها ونقلت جملة منها عن " الذريعة " لشيخنا الرازى .
فاسمع حديثا بالاسى مسمع لام عمرو باللوى مربع ومنهم : ألشيخ حسن بن مجلي الخطي وأول تخميسه :
لا تنكروا إن جيرتي أزمعوا هجرا وحبل الوصل قد قطعوا
كم دمنة خاوية تجزع لام عمرو . . . . .
كانت بأهل الود إنسية تزهو بزهر الروض موشية
فأصبحت بالرغم منسية تروع عنها . . . . . . .
ومنهم : سيدنا ألسيد علي النقي النقوي الهندي الآتي شعره وترجمته في القرن الرابع عشر ومستهل تخميسه :
أتنطوي فوق الاسى الاضلع صبرا وترقى مني الادمع ؟ ؟ ! !
وذاك حيث الظعن قد أزمعوا لام عمرو . . .
قد ذاكرته السحب وسمية ولا عبته الريح شرقية
لارسم أصبحن منسية تروع عنها . . . . . .
ومن غديريات السيد الحميري
11 .
هب علي بالملام والعذل وقال : كم تذكر بالشعر الاول ؟ !
كف عن الشر فقلت : لا تقل ولا تخل أكف عن خير العمل
إني احب حيدرا مناصحا لمن قفا مواثبا لمن نكل
احب من آمن بالله ولم يشرك به طرفة عين في الازل
ومن غدا نفس الرسول المصطفى صلى الله عليه عند المبتهل
وثاني النبي في يوم الكسا إذ طهر الله به من إشتمل
وقال : خلفت لكم كتابه وعترتي وكل هذين ثقل
فليت شعرى كيف تخلفونني في ذا وذا إذا أردت المرتحل ؟
وجآء من مكة والحجيج قد صاحبه من كل سهل وجبل
حتى إذا صار بخم جاء‌ه جبريل بالتبليغ فيهم فنزل
وقم ذاك الدوح فاستوى على رحل ونادى بعلي فارتحل
وقال : هذا فيكم خليفتي ومن عليه في الامور المتكل
نحن كهاتين وأوما باصبع من كفه عن إصبع لم تنفصل
لا تبتغوا بالطهر عنه بدلا فليس فيكم لعلي من بدل
ثم أدار كفه لكفه يرفعها منه إلى أعلا محل
فقال : بايعوا له وسلمواال‍ - أمر إليه واسلموا من الزلل
ألست مولاكم ؟ فذا مولى لكم والله شاهد بذا عزوجل
يا رب وال من يوالي حيدرا وعاد من عاداه واخذل من خذل
يا شاهدي بلغت ما أنزله إلي جبريل وعنه لم أحل
فبايعوا وهنئوا وبخبخوا والصدر مطوي له على دغل
فقل لمن ينقم منه : ما رأى ؟ ! وقل لمن يعدل عنه : لم عدل ؟ !
12 .
أعلماني أي برهان جلي فتقولان بتفضيل علي ؟
بعد ما قام خطيبا معلنا يوم " خم " باجتماع المحفل
أحمد الخير وناد جاهرا بمقال منه لم يفتعل
قال : إن الله قد أخبرني في معاريض الكتاب المنزل
: إنه أكمل دينا قيما بعلي بعد أن لم يكمل
وهو مولاكم فويل للذي يتولى غير مولاه الولي
وهو سيفي ولساني ويدي ونصيري أبدا لم يزل
وهو صنوي وصفيي والذي حبه في الحشر خير العمل
نوره نوري ونوري نوره وهو بي متصل لم يفصل
وهو فيكم من مقامي بدل ويل من بدل عهد البدل
قوله قولي فمن يأمره فليطعه فيه وليمتثل
إنما مولاكم بعدي إذا حان موتي ودنا مرتحلي
إبن عمي ووصيي وأخي ومجيبي في الرعيل الاول
وهو باب لعلومي فسقوا ماء صبر بنفيع الحنظل
فطبوا في وجهه وائتمروا بينهم فيه بأمر معضل
13 .
اشهد بالله وآلاء‌ه والمرء عما قاله يسأل
: أن علي بن أبي طالب خليفة الله الذي يعدل
وإنه قد كان من أحمد كمثل هارون ولا مرسل
لكن وصي خازن عنده علم من الله به يعمل
قد قام يوم " الدوح " خير الورى بوجهه للناس يستقبل
وقال : من قد كنت مولى له فذا له مولى لكم موئل
لكن تواصوا بعلي الهدى أن لا يوالوه وأن يخذلوا
14 .
قام النبي يوم خم خاطبا بجانب الدوحات أو حيالها
فقال : من كنت له مولى فذا مولاه ربي اشهد مرارا قالها
قالوا : سمعنا وأطعنا كلنا وأسرعوا بالالسن اشتغالها
وجاء‌هم مشيخة يقدمهم شيخ يهني حيدرا مثالها
قال له : بخ بخ من مثلكا أصحبت مولى المؤمنين يالها
يا عجبا وللزمان عجب تلقى ذوو الفكر به ضلالها
إن رجالا بايعته إنما بايعت الله ، فما بدالها ؟ !
وكيف لم تشهد رجال عندما استشهد في خطبته رجالها ؟ !
وناشد الشيخ فقال : إنني كبرت حتى لم أجد أمثالها
فقال : والكاذب يرمى بالتي ليس تواري عمة تنالها
أشار في الابيات الاخيرة إلى ما مر ج 1 ص‍ 166 - 185 و 191 - 195 من
حديث مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام في الرحبة بحديث الغدير لما نوزع في خلافته
وكتمان أنس بن مالك شهادته له وإصابة دعوته عليه السلام عليه .
15 .
لمن طلل كالوشم لم يتكلم ونؤي وآثار كترقيش معجم ؟ ؟
ألا أيها العاني الذي ليس في الاذى ولا اللوم عندي في علي بمحجم
ستأتيك مني في على مقالة تسوؤك فاستأخر لها أو تقدم
علي له عندى على من يعيبه من الناس نصر باليدين وبالفم
متى ما يرد عندي معاديه عيبه يجد ناصرا من دونه غير مفحم
علي أحب الناس إلا محمدا إلي فدعنى من ملامك أولم
علي وصي المصطفى وابن عمه وأول من صلى ووحد فاعلم
علي هو الهادي الامام الذي به أنار لنا من ديننا كل مظلم
علي ولي الحوض والذائد الذي يذبب عن أرجاء‌ه كل مجرم
علي قسيم النار من قوله لها : ذري ذا وهذا فاشربي منه واطعمي
خذي بالشوى ممن يصيبك منهم ولا تقربي من كان حزبي فتظلمى
علي غدا يدعا فيكسوه ربه ويدنيه حقا من رفيق مكرم
فإن كنت منه يوم يدنيه راغما وتبدي الرضا عنه من الآن فارغم
فإنك تلقاه لدى الحوض قائما مع المصطفى الهادي النبي المعظم
يجيزان من والاهما في حياته إلى الروح والظل الضليل المكمم
علي أمير المؤمنين وحقه من الله مفروض على كل مسلم
لان رسول الله أوصى بحقه وأشركه في كل فيئ ومغنم
وزوجته صديقة لم يكن لها مقارنة غير البتول مريم
وكان كهارون بن عمران عنده من المصطفى موسى النجيب المكلم
وأوجب يوما بالغدير ولاء‌ه على كل بر من فصيح وأعجم
لدى دوح " خم " آخذا بيمينه ينادي مبينا باسمه لم يجمجم
أما والذي يهوي إلى ركن بيته بشعث النواصي كل وجناء عيهم
يوافين بالركبان من كل بلدة لقد ضل يوم " الدوح " من لم يسلم
وأوصى إليه يوم ولى بأمره وميراث علم من عرى الدين محكم
ألقصيدة توجد منها 42 بيتا
قال الحافظ المرزباني في " أخبار السيد " : إن السيد الحميري كتب بهذه القصيدة إلى عبدالله بن أباض رأس الاباضية لما بلغه انه يعيب على علي عليه السلام ويتهدد السيد بذكره عند المنصور بما يوجب قتله ، فلما وصلت إلى إبن أباض إمتعض منها جدا وأجلب في أصحابه وسعى به إلى الفقهاء والقرآن فإجتمعوا وصاروا إلى المنصور وهو بدجلة البصرة فرفعوا قصته فأحضرهم وأحضر السيد فسالهم عن دعواهم ، فقالوا :
إنه يشتم السلف ، ويقول بالرجعة ، ولا يرى لك ولا لاهلك إمامة . فقال لهم :
دعوني أنا واقصدوا لما في أنفسكم . ثم أقبل على السيد فقال : ما تقول فيما تقولون ؟
فقال : ما أشتم احدا وإني لاترحم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا إبن أباض قل له : يترحم على علي وعثمان وطلحة والزبير . فقال له : ترحم على هؤلاء . فتلوى تثاقل ساعة فحذفه المنصور بعود كان بين يديه وأمر بحبسه فمات في الحبس وأمر بمن كان معه فضربوا بالمقارع وأمر للسيد بخمسة آلاف درهم .
16 .
يالقومي للنبي المصطفى ولما قد نال من خير الامم
جحدوا ما قاله في صنوه يوم خم بين دوح منتظم
: أيها الناس فمن كنت له واليا يوجب حقي في القدم
فعلي هو مولاه لمن كنت مولاه قضآء قد حتم
أفلا ينفذ فيهم حكمه ؟ عجبا يولع في القلب الضرم
17 .
ألا إن الوصية دون شك لخير الخلق من سام وحام
وقال محمد بغدير خم عن الرحمن ينطق باعتزام
يصيح وقد أشار إليه فيكم إشارة غير مصغ للكلام
: ألا من كنت مولاه فهذا أخي مولاه فاستمعوا كلامي
فقال الشيخ يقدمهم إليه وقد حصدت بداه من الزحام
ينادي : أنت مولاي ومولى الأنام . فلم عصى مولى الانام ؟ !
وقد ورث النبي رداه يوما وبردته ولائكة اللجام
18 .
على آل الرسول وأقربيه سلام كلما سجع الحمام
أليسو في السمآء وهم نجوم وهم أعلام عز لا يرام ؟ ؟ ! !
فيامن قد تحير في ضلال أمير المؤمنين هو الامام
رسول الله يوم " غدير خم " أناف به وقد حضر الانام
تأتي القصيدة بتمامها في ترجمته . قال المعتز في طبقاته ص‍ 8 : حكوا عن بعضهم انه قال : رأيت حمالا عليه حمل ثقيل وقد جهده ، فقلت : ما هذا ؟ فقال : ميميات السيد .
19 .
نفسي فداء رسول الله يوم أتى جبريل يأمر بالتبليغ إعلانا
إن لم تبلغ فما بلغت فانتصب النبي ممتثلا أمرا لمن دانا
وقال للناس : من مولاكم قبلا يوم الغدير ؟ فقالوا : أنت مولانا
أنت الرسول ونحن الشاهدون على أن قد نصحت وقد بينت تبيانا
هذا وليكم بعدي امرت به حتما فكونوا له حزبا وأعوانا
هذا أبركم برا وأكثركم علما وأولكم بالله ايمانا
هذا له قربة مني ومنزلة كانت لهارون من موسى بن عمرانا
20 .
أتى جبرئيل والنبي بضحوة فقال : أقم والناس في الوخدتمحن
وبلغ وإلا لم تبلغ رسالة فحط وحط الناس ثم ووطنوا
على شجرات في الغدير تقادمت فقام على رحل ينادي ويعلن
وقال : ألا من كنت مولاه منكم فمولاه من بعدي علي فأذعنوا
فقال شقي منهم لقرينه وكم من شقي يستزل ويفتن
: يمد بضبعيه عليا وإنه لما بالذي لم يؤته لمزين
كأن لم يكن في قلبه ثقة به فيا عجبا أنى ومن أين يؤمن ؟ ؟ ! !
21 .
منحت الهوى المحض مني الوصيا ولا أمنح الود إلا عليا
دعاني النبي عليه السلام إلى حبه فأجبت النبيا
فعاديت فيه وواليته وكنت لمولاه فيه وليا
أقام بخم بحيث الغدير فقال فأسمع صوتا نديا
ألا ذا إذا مت مولاكم فأفهمه العرب والاعجميا
22 .
به وصى النبي غداة " خم " جميع الناس لو حفظوا النبيا
وناداهم : ألست لكم بمولى ؟ عباد الله فاستمعوا إليا
فقالوا : أنت مولانا وأولى بنا منا فضم له عليا
وقال لهم بصوت جهوري وأسمع صوته من كان حيا
فمن أنا كنت مولاه فإني جعلت له أبا حسن وليا
فعاد الله من عاداه منكم وكان بمن تولاه حفيا
23 .
وقام محمد بغدير خم فنادى معلنا صوتا نديا
لمن وافاه من عرب وعجم وحفوا حول دوحته حنيا
ألا من كنت مولاه فهذا له مولى وكان به حفيا
إلهي عاد من عادى عليا وكن لوليه ربى وليا
ألشاعر أبوهاشم وأبوعامر إسماعيل بن محمد بن يزيد بن وداع الحميري الملقب بالسيد " نسبه " ذكر أبوالفرج الاصبهاني وكثير من المؤرخين : انه حفيد يزيد بن ربيعة مفرغ أو إبن مفرغ الحميري الشاعر المشهور الذي هجا زيادا وبنيه ونفاهم عن آل حرب ، وحبسه عبدالله بن زياد لذلك وعذبه ثم أطلقه معاوية ، لكن المرزباني نسبه إلى يزيد بن وداع وقال في كتاب " أخبار الحميرى " : امه من حدان 1 تزوج بها
هامش
1 حدان بضم المهملة احدى محال البصرة القديمة يقال لها : بنو حدان . سميت باسم قبيلة أبوها حدان بن شمس بن عمرو من الازد .
أبوه لانه كان نازلا فيهم ، وام هذه المرأة بنت يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري ألشاعر المعروف ، وليس ليزيد بن مفرغ عقب من ولد ذكر ، ولقد غلط الاصمعي في نسبة السيد إلى يزيد بن مفرغ من جهة أبيه لانه جده من جهة امه . اه‍ . وذكر المرزباني له في " معجم الشعراء " :
إني إمرؤ حميري حين تنسبني جدي رعين وأخوالي ذوويزن
ثم الولاء الذي أرجو النجاة به يوم القيامة للهادي أبي الحسن 1
يكنى بأبي هاشم وقال شيخ الطايفة : بأبي عامر ، وكان بلقب منذ صغر سنه بالسيد قال أبوعمرو الكشي في رجاله ص‍ 186 : روي أن أبا عبدالله عليه السلام لقي السيد بن محمد الحميري وقال : سمتك امك سيدا ، وفقت في ذلك ، وأنت سيد الشعراء . ثم أنشد السيد في ذلك :
ولقد عجبت لقائل لي مرة علامة فهم من الفقهاء
سماك قومك سيدا صدقوا به أنت الموفق سيد الشعراء
ما أنت حين تخص آل محمد بالمدح منك وشاعر بسواء
مدح الملوك ذوي الغنى لعطائهم والمدح منك لهم بغير عطاء
فابشر فإنك فايز في حبهم لو قد وردت عليهم بجزاء
ما يعدل الدنيا جميعا كلها من حوض أحمد شربة من ماء
أبواه وقصته معهما
روى أبوالفرج في " الاغاني " 7 ص‍ 230 باسناده عن سليمان بن أبي شيخ : إن أبوي السيد كانا إباضيين 2 وكان منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضبة ، وكان السيد يقول : طالما سب أمير المؤمنين في هذه الغرفة ، فاذا سئل عن التشيع عن أين وقع له ؟ قال : غاصت علي الرحمة غوصا ، وروى عن السيد : أن أبويه لما علما بمذهبه
هامش
1 البيتان من أبيات له تأتى قصتها .
2 الاباضية بكسر الهمزة اصحاب عبدالله بن اباض الذى خرج في ايام مروان بن محمد وهم قوم من الحرورية زعموا ان مخالفهم كافر ، وكفروا عليا أمير المؤمنين عليه السلام و اكثر الصحابة .
هما بقتله فاتى عقبة بن مسلم الهنائي فأخبره بذلك فأجاره وبوأه منزلا وهبه له فكان فيه حتى ماتا فورثهما .
وروى المرزباني في أخبار السيد باسناده عن إسماعيل بن الساحر رواية السيد قال : كنت أتغدا مع السيد في منزله فقال لي : طال الله ما شتم أمير المؤمنين عليه السلام ولعن في هذا البيت . قلت : ومن فعل ذلك ؟ قال : أبواي كانا إباضيين .
قلت : فكيف صرت شيعيا ؟ قال غاصت علي الرحمة فاستنقذتني .
روى المرزباني أيضا عن حودان الحفار إبن أبي حودان عن أبيه وكان أصدق الناس انه قال : شكى إلي السيد : ان امه توقظه بالليل وتقول إني أخاف أن تموت على مذهبك فتدخل النار ، فقد لهجت بعلي وولده فلا دنيا ولا آخرة . ولقد نغصت علي مطعمي ومشربي ، وقد تركت الدخول إليها وقلت أنشد قصيدة منها :
إلى أهل بيت مالمن كان مؤمنا من الناس عنهم في الولاية مذهب
وكم من شقيق لامني في هواهم وعاذلة هبت بليل تؤنب
تقول ولم تقصد وتعتب ضلة وآفة أخلاق النساء التعتب
وفارقت جيرانا وأهل مودة ومن أنت من حين تدعى وتنسب
فأنت غريب فيهم متباعد كأنك مما يتقونك أجرب
تعيبهم في دينهم وهم بما تدين به أزرى علبك وأعيب
فقلت : دعيني لن احبر مدحة لغيرهم ما حج لله أركب
أتنهينني عن حب آل محمد ؟ ! وحبهم مما به أتقرب
وحبهم مثل الصلاة وإنه على الناس من بعد الصلاة لاوجب 1
وقال المرزباني أخبرني محمد بن عبيدالله البصري عن محمد بن زكريا العلائي ، قال : حدثتني العباسه بنت السيد قالت : قال لي أبي : كنت وأنا صبي أسمع أبوي يثلبان أمير المؤمنين عليه السلام فأخرج عنهما وأبقى جايعا واوثر ذلك على الرجوع إليهما فأبيت في المساجد جايعا لحبي فراقهما وبغضي إياهما حتى إذا أجهدني الجوع رجعت فأكلت ثم خرجت ، فلما كبرت قليلا وعقلت وبدأت أقول الشعر قلت لابوي : إن لي عليكما حقا يصغر عند حقكما علي فجنباني إذا حضرتكما ذكر إميرالمؤمنين عليه السلام بسوء ، فإن ذلك يزعجني وأكره عقوقكما بمقابلتكما ، فتماديا في غيهما فانتقلت عنهما ، وكتبت إليهما شعرا وهو :
هامش
1 في بعض النسخ : من بعض الصلاة لاوجب وحق المقام أن يقول : من قبل الصلاة .
خف يا محمد فالق الاصباح - وأزل فساد الدين بالاصلاح
أتسب صنو محمد ووصيه - ترجو بذلك فوزة الانجاح ؟ ؟ ! !
هيهات قد بعدا عليك وقربا - منك العذاب وقابض الارواح
أوصى النبي له بخير وصية - يوم " الغدير " بأبين الافصاح
إلى آخر الابيات المذكورة في غديرياته . فتواعدني بالقتل فأتيت الامير عقبة بن مسلم فأخبرته خبري فقال لي : لا تقربهما وأعد لي منزلا أمر لي فيه بما أحتاج إليه وأجرى علي جراية تفضل على مؤونتي .
وقال : كان أبواه يبغضان عليا عليه السلام فسمعهما يسبانه بعد صلاة الفجر فقال :
لعن الله والدي جميعا ثم أصلاهما عذاب الجحيم
حكما غدوة كما صليا الفج‍ - ر بلعن الوصي باب العلوم
لعنا خير من مشى ظهر ال‍ - أرض أو طاف محرما بالحطيم
كفرا عند شتم آل رسول ال‍ - له نسل المهذب المعصوم
والوصي الذى به تثبت الار - ض ولولاه دكدكت كالرميم
وكذا آله اولو العلم والفه‍ - م هداة إلى الصراط القويم
خلفاء الاله في الخلق بالعد - ل وبالقسط عند ظلم الظلوم
صلوات الاله تترى عليهم مقرنات بالرحب والتسليم
ورواها إبن شاكر في " الفوات " 1 ص‍ 19
عظمته والمؤلفون في اخباره
لم تفت‌ء الشيعة تبجل كل متهالك في ولاء أئمة أهل البيت ، وتقدر له مكانة عظيمة ، وتكبر منه ما أكبره الله سبحانه ورسوله من منصة العظمة ، أضف إلي ذلك ما كان بمرأى منهم ومسمع في حق السيد خاصة من تكريم أئمة الحق صلوات الله عليهم مثواه ، وتقريبهم لمحله منهم ، وإزلافهم إياه ، وتقديرهم لسعيه المشكور في الاشادة بذكرهم والذب عنهم ، والبث لفضائلهم ، وتظاهره بمولاتهم ، وإكثاره من مدائحهم مع رده الصلاة تجاه هاتيك العقود الذهبية لان ما كان يصدر منه من تلكم المظاهر لم تكن إلا تزلفا منه إلى المولى سبحانه ، وأداء‌ا لاجر الرسالة ، وصلة للصادع بها صلى الله عليه وآله ، ولقد كاشف في ذلك كله إبويه الناصبيين الخارجيين ، فكان معجزة وقته في التلفع بهذه المآثر كلها ، والتظاهر بهذا المظهر الطاهر ، ومنبته ذلك المنبت الخبيث ، فما كان الشيعي يوم ذاك وهلم جرا يجد من واجبه الديني إلا إكباره وخفض الجناح عند عظمته .
قال إبن عبد ربه في العقد الفريد 2 ص‍ 289 : ألسيد الحميري وهو رأس الشيعة ، وكانت الشيعة من تعظيمها له تلقي له وسادة بمسجد الكوفة ، وفي حديث شيخ الطايفة الآتي :
قال جعفر بن عفان الطائي للسيد : يا أبا هاشم ؟ أنت الرأس ونحن الاذناب . وليس ذلك ببدع من الشيعة بعدما أرلفه الامام الصادق عليه السلام وأراه من دلايل الامامة ما أبقى له مكرمة خالدة حفظها له ألتاريخ كحديث إنقلاب الخمر لبنا . والقبر وإطلاق لسانه في مرضه وغيرهما ، واستفاض الحديث بترحمه عليه السلام إياه والدعاء له والشكر لمساعيه ، وبلغهم قوله عليه السلام لعذاله فيه : لو زلت له قدم فقد ثبتت الاخرى ، وقد أخبره بالجنة .
وكان يستنشد الامام عليه السلام شعره ويحتفل به وقد أنشده إياه فضيل الرسان ، وأبوهارون المكفوف ، والسيد نفسه ، روى أبوالفرج عن علي بن إسماعيل التميمي عن أبيه قال : كنت عند أبي عبدالله جعفر بن محمد عليه السلام إذا استأذن آذنه السيد فأمره بايصاله ، وأقعد حرمه خلف ستر ، ودخل فسلم وجلس فاستنشده فأنشد قوله :
امرر على جدث الحسي‍ - ن فقل لاعظمه الزكيه
يا أعظما لازلت من وطفاء 1 ساكبة رويه
فإذا مررت بقبره فأطل به وقف المطيه
وابك المطهر للمطه‍ - ر والمطهرة النقية
كبكاء معولة أتت يوما لواحدها المنيه 2
هامش
1 وطف المطر : انهمر . يقال : سحابة وطفاء . اى مسترخية لكثرة مائها .
2 يوجد من القصيدة 23 بيتا .
قال : فرأيت دموع جعفر بن محمد تتحدر على خديه ، وارتفع الصراخ والبكاء من داره ، حتى أمره بالامساك فأمسك قال : فحدثت أبي بذلك لما أنصرفت فقال لي :
ويلي على الكيساني الفاعل إبن الفاعل يقول : فإذا مررت بقبره فأطل به وقف المطيه
فقلت : يا أبت ؟ وما يصنع ؟ قال : أو لا ينحر ؟ ! أو لا يقتل نفسه ؟ ! فثكلته امه .
الاغاني 7 ص‍ 240
وهذه القصيدة أنشدها أبوهارون المكفوف الامام الصادق عليه السلام ، روى شيخنا إبن قولويه في " الكامل " ص‍ 33 و 44 عن أبي هارون قال : قال أبوعبدالله عليه السلام يا أبا هارون ؟ أنشدني في الحسين عليه السلام قال : فأنشدته فبكى فقال : أنشدني كما تنشدون يعني بالرقة قال : فأنشدته :
امرر على جدث الحسي‍ - ن فقل لاعظمه الزكيه
ثم قال : زدني . قال : فأنشدته القصيدة الاخرى . وفي لفظه الآخر ، فأنشدته :
يا مريم قومي فاندبي مولاك وعلى الحسين فأسعدي ببكاك
قال : فبكى وسمعت البكاء من خلف الستر . ألحديث . ورواه شيخنا الصدوق في " ثواب الاعمال " . وهناك منامات صادقة تنم عن تزلف السيد عند النبي الاعظم صلى الله عليه وآله مرت جملة منها ص‍ 221 - 224 ، وروى أبوالفرج عن إبراهيم بن هاشم العبدي إنه قال : رأيت البني صلى الله عليه وآله وبين يديه السيد الشاعر وهو ينشد :
أجد بآل فاطمة البكور فدمع العين منهمر غزير
حتى أنشده إياها على آخرها وهو يسمع : قال : فحدثت هذا الحديث رجلا جمعتني وإياه طوس عند قبر على بن موسى الرضا فقال لي : والله لقد كنت على خلاف فرأيت النبي صلى الله عليه وآله في المنام وبين يديه رجل ينشد :
أجد بآل فاطمة البكور إلى آخرها
فاستيقظت من نومي وقد رسخ في قلبي من حب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كنت أعتقده . الاغاني 7 ص‍ 246
هذه مكرمة للسيد تشف عن عظمة محله ، وحسن عقيدته ، وخلوص نيته ، وسلامة مذهبه ، وطهارة ضميره ، وصدق موقفه . ومهما عرف أعلام الامة مسيس حاجة المجتمع إلى سرد تأريخ مثل السيد من رجالات الفضيلة سلفا وخلفا ، أفرد جمع منهم تآليف في أخبار السيد وشعره فمنهم :
1. أبوأحمد عبدالعزيز الجلودي الازدى البصري ألمتوفى 302 .
2. ألشيخ صالح بن محمد الصراي شيخ أبي الحسن الجندي .
3. أبوبكر محمد بن يحيى الكاتب الصولي ألمتوفى 335 .
4. أبوبشر أحمد بن إبراهيم العمي البصري ، ذكر له شيخ الطايفة في فهرسته ص‍ 30 : كتاب أخبار السيد وشعره ، وفي معجم الادباء 2 ص‍ 226 : كتاب أخبار السيد ، ويظهر من رجال النجاشي ص‍ 70 ومعالم العلمآء انه ألف كتابا في أخباره وكتابا في شعره
5. أبوعبدالله أحمد بن عبدالواحد ألمعروف بابن عبدون شيخ النجاشى .
6. أبوعبدالله محمد بن عمران المرزباني المتوفى 378 ، له كتاب " أخبار السيد " وقفنا على بعض أجزاء‌ه وهو جزء من كتابه " أخبار الشعراء " المشهورين المكثرين في عشرة آلاف ورقة كما في فهرست إبن النديم .
7. أبوعبدالله أحمد بن محمد بن عياش الجوهري المتوفى 401 .
8. إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان النخعي .
9. المستشرق الفرنسوي [ بربيه دي مينار ] جمع أخباره في مائة صحيفة طبعت في پاريس فهرست النجاشي ص‍ 53 ، 63 ، 64 ، 70 ، 141 ، 171 ، فهرست إبن النديم ص‍ 215 ، فهرست شيخ الطائفة ص‍ 30 ، معالم العلماء ص‍ 16 ، الاعلام 1 ص‍ 112 .
ألثناء على أدبه وشعره
كان السيد في مقدمي المكثرين المجيدين وأحد الشعراء الثلاثة الذين عدوا أكثر الناس شعرا في الجاهلية والاسلام وهم : ألسيد . وبشار . وأبوالعتاهية .
قال أبوالفرج : لا يعلم أن احدا قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع . وقال المرزباني :
لم يسمع أن أحدا عمل شعرا جيدا وأكثر غبر السيد ، وروى عن عبدالله بن إسحاق الهاشمي قال : جمعت للسيد ألفي قصيدة وظننت انه ما بقي علي شئ فكنت لا أزال أرى من ينشدني ما ليس عندي فكتبت حتى ضجرت ثم نركت . وقال : سئل أبوعبيدة من أشعر المولدين ؟ قال : السيد وبشار . ونقل عن الحسين بن الضحاك انه قال :
ذاكرني مروان بن أبي حفصة أمر السيد بعد موته وأنا أحفظ الناس بشعر بشار والسيد فأنشدته قصيدته المذهبة التي أولها : 1
أين التطرب بالولاء وبالهوى أإلى الكواذب من بروق الخلب ؟ ؟ ! !
أإلى امية أم إلى شيع التي جاء‌ت على الجمل الخدب الشوقب ؟ !
حتى أتى على آخرها ، فقال لي مروان : ما سمعت قط شعرا أكثر معاني وألخص منه وعدد ما فيه من الفصاحة . وكان يقول لكل بيت منها : سبحان الله ، ما أعجب هذا الكلام ؟ . وروى عن التوزي انه قال : لو ان شعرا يستحق أن لا ينشد إلا في المساجد لحسنه لكان هذا ، ولو خطب به خاطب على المنبر في يوم الجمعة لاتى حسنا ولحاز أجرا .
وقال أبوالفرج : كان شاعرا متقدما مطبوعا ، وله طراز من الشعر ومذهب قلما يلحق فيه أو يقاربه . وروى عن ليطة بن الفرزدق قال : تذاكرنا الشعراء عند أبي فقال : إن هاهنا لرجلين لو أخذا في معنى الناس لما كنا معهما في شئ . فسألناه من هما ؟
فقال : السيد الحميري ، وعمران بن حطان السدوسي ، ولكن الله عزوجل قد شغل كل واحد منهما بالقول في مذهبه . ألاغاني 7 ص‍ 231 .
وعن التوزي قال : رأى الاصعمي جزء‌ا فيه من شعر السيد فقال لمن هذا ؟
فسترته عنه لعلمي بما عنده فيه ، فأقسم علي أن اخبره فأخبرته فقال : أنشدني قصيدة منه فأنشدته قصيدة ثم اخرى وهو يستزيدني ثم قال : قبحه الله ما أسلكه لطريق الفحول لو لا مذهبه ، ولولا ما في شعره ما قدمت عليه أحدا من طبقته . وفي لفظه الآخر : لما تقدمه من طبقته أحد . وعن أبي عبيدة انه قال : أشعر المحدثين : ألسيد الحميري وبشار الاغاني 7 ص‍ 232 ، 236 .
وقف السيد على بشار وهو ينشد الشعر فأقبل عليه وقال :
أيها المادح العباد ليعطى إن لله ما بأيدي العباد
هامش
1 مر اول القصيدة ص‍ 213 والبيتان هما البيت الخامس عشر والسادس عشر منها .
فأسئل الله ما طلبت إليهم وارج نفع المنزل العواد
لا تقل في الجواد ما ليس فيه وتسمي البخيل باسم الجواد قال بشار . من هذا ؟ فعرفه . فقال : لولا ان هذا الرجل قد شغل عنا بمدح بني هاشم لشغلنا ، ولو شاركنا في مذهبنا لاتعبنا الاغاني 7 ص‍ 237 وعن غانم الوراق قال : خرجت إلى بادية البصرة فصرت إلى عمرو بن نعيم فجلسوا إلي فأنشدتهم للسيد .
أتعرف رسما بالثويين قد دثر ؟ عفته أهاضيب السحائب والمطر
وجرت به الاذيال ريحان خلفه صبا ودبور بالعشيات والبكر
منازل قد كانت تكون بجوها هضيم الحشاريا الشوى سحرها النظر
قطوف الخطا خمصانة بخترية كأن محياها سنا دارة القمر
رمتني ببعد بعد قرب بها النوى فبانت ولما أقض من عندها الوطر
ولما رأتني خشية البين موجعا اكفكف مني أدمعا بيضها درر
أشارت بأطراف إلي ودمعها كنظم جمان خانه السلك فانتثر
وقد كنت مما أحدث البين حاذرا فلم يغن عني منه خوفي والحذر
قال : فجعلوا يمرقون لانشادي ويطربون وقالوا : لمن هذا ؟ فاعلمتهم . فقالوا : هو والله أحد المطبوعين ، لا والله ما بقي في هذا الزمان مثله الاغاني 7 ص‍ 238 عن الزبير بن بكار قال : سمعت عمي يقول : لو أن قصيدة السيد التي يقول فيها :
إن يوم التطهير يوم عظيم خص بالفضل فيه أهل الكساء
قرأت على منبر ما كان فيها بأس ، ولو أن شعره كله كان مثله لرويناه وما عبناه ، وروى عن الحسين بن ثابت قال : قدم علينا رجل بدوي وكان أروى الناس لجرير ، فكان ينشدني الشئ من شعره فانشد في معناه للسيد حتى أكثرت فقال لي : ويحك من هذا : هو والله أشعر من صاحبنا ألاغاني 7 ص‍ 239 .
ويروى عن إسحاق بن محمد قال : سمعت العتبي 1 يقول : ليس في عصرنا هذا أحسن مذهبا في شعره ، ولا أنقى ألفاظا من السيد ، ثم قال لبعض من حضر : أنشدنا قصيدته اللامية التي أنشدتناها اليوم فانشده قوله :
هامش
1 ابوعبدالرحمن محمد بن عبيدالله الاموى الشاعر البصرى المتوفى 228 ينسب إلى جده عتبة ابن أبى سفيان .
هل عند من أحببت تنويل أم لا ؟ فإن اللوم تضليل
أم في الحشى منك جوى باطن ؟ ! ليس تداويه الاباطيل
علقت يا مغرور خداعة بالوعد منها لك تخييل
ريا رداح النوم خمصانة كأنها إدماء عطبول
يشفيك منها حين تخلو بها ضم إلي النحر وتقبيل
وذوق ريق طيب طعمه كأنه بالمسك معلول
في نسوة مثل المهاخرد تضيق عنهن الخلاخيل
يقول فيها :
اقسم بالله وآلائه والمرء عما قال مسؤول
إن علي بن أبي طالب على التقى والبر مجبول 1
فقال العتبي : أحسن والله ماشاء ، هذا والله الشعر الذي يهجم على القلب بلا حجاب ( ألاغاني 7 ص‍ 247 )
وقبل هذه كلها حسبه ثناء‌ا عليه قول الامام الصادق عليه السلام : أنت سيد الشعراء . فينم عن مكانته الرفيعة في الادب ، يقصر الوصف عن إستكناهها ، ولا يدرك البيان مداها . فكان يعد من شعراء‌ه عليه السلام وولده الطاهر الكاظم كما في " نور الابصار " للشبلنجي .
اكثاره في آل الله
كان السيد بعيد المنزعة ، ولعا بإعادة السهم إلى النزعة ، وقد أشف وفاق كثيرين من الشعراء بالجد والاجتهاد في الدعاية إلى مبدء‌ه القويم ، والاكثار في مدح العترة الطاهرة ، وساد الشعراء ببذل النفس والنفيس في تقوية روح الايمان في المجتمع و إحياء ميت القلوب ببث فضايل آل الله ، ونشر مثالب مناوئيهم ومساوي أعداء‌هم قائلا :
أيا رب إني لم أرد بالذي به مدحت عليا غير وجهك فارحم
هامش
1 تأتى بقية القصيدة في ذكر اخبار المترجم له وملحه .
وصدق بشعره رؤياه التي رواها عنه أبوالفرج والمرزباني في أخباره أنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وآله في النوم وكأنه في حديقة سبخة فيها نخل طوال وإلى جانبها أرض كأنها الكافور ليس فيها شئ فقال : أتدري لمن هذا النخل ؟ ! قلت : لا
يا رسول الله ؟ قال : لامرئ القيس بن حجر فاقلعها وأغرسها في هذه الارض . ففعلت .
وأتيت إبن سيرين فقصصت رؤياي عليه . فقال : أتقول الشعر ؟ قلت : لا . قال : أما انك ستقول شعرا مثل شعر إمرئ القيس إلا أنك تقول في قوم بررة أطهار .
وكان كما قال أبوالفرج لا يخلو شعره من مدح بني هاشم أو ذم غيرهم ممن هوعنده ضد لهم . وروى عن الموصلي عن عمه قال : جمعت للسيد في بني هاشم ألفين وثلثمائة قصيدة فخلت أن قد استوعبت شعره حتى جلس إلي يوما رجل ذو أطمار رثة فسمعني أنشد شيئا من شعره فأنشدني به ثلاث قصايد لم تكن عندي فقلت في نفسي : لو كان هذا يعلم ما عندي كله ثم أنشدني بعده ماليس عندي لكان عجبا فكيف وهو لا يعلم وإنما أنشد ما حضره ، وعرفت حينئذ أن شعره ليس مما يدرك ولا يمكن
جمعه كله .( الاغاني 7 ص‍ 236 ، 237 ) .
قال أبوالفرج كان السيد يأتي الاعمش سليمان بن مهران - الكوفي المتوفى 148 - فيكتب عنه فضايل علي أمير المؤمنين سلام الله عليه ويخرج من عنده ويقول في تلك المعاني شعرا فخرج ذات يوم من عند بعض امراء الكوفة قد حمله على فرس وخلع عليه فوقف بالكناسة ثم قال : يا معشر الكوفيين ؟ من جاء‌ني منكم بفضيلة لعلي بن أبي طالب لم أقل فيها شعرا أعطيته فرسي هذا وما علي . فجعلوا يحدثونه و ينشدهم حتى أتاه رجل منهم وقال : إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه عزم على الركوب فلبس ثيابه وأراد لبس الخف فلبس أحد خفيه ثم أهوى إلى الآخر ليأخذه فانقض عقاب من السماء فحلق به ثم ألقاه فسقط منه أسود وإنساب فدخل جحرا فلبس علي عليه السلام ألخف . قال : ولم يكن قال في ذلك شيئا ففكر هنيهة ثم قال :
ألا يا قوم للعجب العجاب لخف أبي الحسين وللحباب
م عدو من عداة الجن وغد بعيد في المرادة من صواب
أتى خفا له وانساب فيه لينهش رجله منه بناب
م لينهش خير من ركب المطايا أمير المؤمنين أبا تراب
فخر من السماء له عقاب من العقبان أو شبه العقاب
فطار به فحلق ثم أهوى به للارض من دون السحاب
م فصك بخفه وانساب منه وولى هاربا حذر الحصاب
إلى جحر له فانساب فيه بعيد القعر لم يرتج بباب
كريه الوجه أسود ذو بصيص حديد الناب أزرق ذو لعاب
م يهل له الجري إذا رآه حثيث الشد محذور الوثاب
م تأخر حينه ولقد رماه فأخطاه باحجارصلاب
ودوفع عن أبي حسن علي نقيع سمامه بعد انسياب 1
قال المرزبناني : ثم حرك فرسه وثناها وأعطى ما كان معه من المال والفرس للذي روى له الخبروقال : إني لم أكن قلت في هذا شيئا . وذكر المرزباني عن تشبيبها أحد عشر بيتا لم يرو أبوالفرج إلا مستهلها :
صبوت إلى سليمى والرباب وما لاخي المشيب وللتصابي قال أبوالفرج : أما العقاب الذي انقض على خف علي بن أبي طالب رضي الله عنه فحدثني بخبره أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال : حدثني جعفر بن علي بن نجيح قال : حدثنا أبوعبدالرحمن المسعودي عن أبي داود الطهوي عن أبي الزغل المرادي قال :
قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتطهر للصلاة ثم نزع خفه فانساب فيه أفعى فلما عاد ليلبسه إنقضت عقاب فأخذته فحلقت به ثم ألقته فخرج الافعى منه . وقد روي مثل هذا لرسول الله صلى الله عليه وآله .
وقال إبن المعتز في طبقاته ص‍ 7 : كان السيد أحذق الناس بسوق الاحاديث والاخبار والمناقب في الشعر لم يترك لعلي بن أبي طالب فضيلة معروفة إلا نقلها إلى الشعر ، وكان يمله الحضور في محتشد لا يذكر فيه آل محمد صلوات الله عليهم ، و لم يأنس بحفلة تخلو عن ذكرهم روى أبوالفرج عن الحسن بن علي بن حرب بن أبي
هامش
1 ألاغانى 7 ص‍ 257 غير ان الابيات المرموزة أخذناها عن أخبار السيد للمرزباني .
الاسود الدؤلي قال : كنا جلوسا عند أبي عمرو إبن العلاء فتذاكرنا السيد فجاء فجلس وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعة فنهض فقلنا : يا أبا هاشم مم القيام ؟ فقال :
إني لاكره أن اطيل بمجلس لا ذكر فيه لفضل آل محمد
لا ذكر فيه لاحمد ووصيه وبنيه ذلك مجلس نطف ردي 1
إن الذي ينساهم في مجلس حتى يفاره لغير مسدد
وكان إذا استشهد شيئا من شعره لم يبدأ بشيئ إلا بقوله :
أجد بآل فاطمة البكور فدمع العين منهمر غزير ( ألاغاني 7 ص‍ 246 - 266 )
رواة شعره وحفاظه
1. أبوداود سليمان بن سفيان المسترق الكوفي المنشد ألمتوفى سنة 230 عن 70 عاما ، كان راوية شعره كما في " الاغاني " و " فهرست " الكشي ص‍ 205 .
2. إسماعيل بن الساحر كان راويته كما في " الاغاني " في غير موضع .
3. أبوعبيدة معمر بن المثنى المتوفى 209 / 111 ، كان يروي شعره كما في " الاغاني " و " لسان الميزان " 1 ص‍ 437 .
4. ألسدري كان راويته كما في طبقات إبن المعتز ص‍ 7 .
5. محمد بن زكريا الغلابي الجوهري البصري ألمتوفى 298 ، كان يحفظ شعر السيد ويقرأه على العباسة بنت السيد ويصححه عليها كما في " أخبار السيد " للمرزباني .
6. جعفر بن سليمان الضبعي البصري المتوفى 178 ، كان ينشد شعر السيد كثيرا فمن أنكره عليه لم يحدثه كما في " الاغاني " و " لسان الميزان " 1 ص‍ 437 .
7. يزيد بن محمد بن عمر بن مذعور التميمي كان يروي للسيد ويعاشره كما في " أخبار السيد " للمرزباني وقال أبوالفرج : كان يحفظ شعر السيد وينشده لابي بجير الاسدي .
8. فضيل بن الزبير الرسان الكوفي ، كان ينشد شعر السيد وقد أنشده للامام الصادق عليه السلام وقد مر بعض حديثه .
هامش 1 ألنطف : ألنجس .
9. ألحسين بن الضحاك قال المرزباني : كان أحفظ الناس بشعره .
10. ألحسين بن ثابت كان يروي كثيرا من شعره .
11. ألعباسه بنت السيد ، كانت حافظة لشعر أبيها وكانت الرواة يقرأون عليها شعر السيد وتصححه لهم كما ذكره المرزباني في " أخبار السيد " . وكانت للسيد كريمتان اخرى تحفظان شعره وفي بعض المعاجم كانت كل واحدة تحفظ ثلثمائة قصيدة وقال إبن المعتز في " طبقات الشعراء " ص‍ 8 : حكي عن السدري انه قال : كان له أربع بنات وانه كان حفظ كل واحدة منهن أربعمائة قصيدة من شعره
12. عبدالله بن إسحاق الهاشمي ، جمع شعره كما مر عن المرزباني .
13. عم الموصلي جمع شعره في بني هاشم كما مر عن الاغاني .
14. ألحافظ أبوالحسن الدار قطني علي بن عمر المتوفى 385 كان يحفظ ديوان السيد كما في تاريخي الخطيب البغدادي 2 ص‍ 35 ، وابن خلكان 1 ص‍ 359 ، وتذكرة الحفاظ 3 ص‍ 200 .
مذهبه وكلمات الاعلام حوله
عاش السيد ردحا من الزمن على الكيسانية 1 يقول بإمامة محمد بن الحنفية وغيبته وله في ذلك شعر ثم أدركته سعادة ببركة الامام الصادق صلوات الله عليه وشاهد منه حججه القوية وعرف الحق ونبذ ما كان عليه من سفاسف الكيسانية عندما نزل الامام عليه السلام الكوفة عند منصرفه من عند المنصور أو ملاقاته إياه في الحج .
ولعبد الله بن المعتز المتوفى 296 ، وشيخ الامة الصدوق المتوفى 381 ، والحافظ المرزباني المتوفى 384 ، وشيخنا المفيد المتوفى 412 ، وأبي عمرو الكشي ، والسروي المتوفى 588 ، والاربلي المتوفى 692 وغيرهم حول مذهبه كلمات ضافية يكتفى بواحدة منها في إثبات الحق فضلا عن جميعها . فإليك نصوصها .
هامش
1 هم اصحاب مختار بن ابى عبيد يقال في تسميتهم بذلك : ان المختار كان يلقب بكيسان مأخوذا مما رواه الكشى في رجاله ص‍ 84 من قول أمير المؤمنين عليه السلام له : يا كيس يا كيس وقيل : ان كيسان اسم صاحب شرطته ويكنى بابى عمرة كما في رجال الكشى والفصل لابن حزم . وقيل : ان كيسان هو مولى أمير المؤمنين وهو الذى حمل المختار على الطلب بدم الحسين السبط عليه السلام ودل على قتلته وكان صاحب سره والغالب على أمره كما ذكره الكشى .
1. كلمة المعتز :
قال في " طبقات الشعراء " ص‍ 7 : حدثني محمد بن عبدالله قال : قال السدري راوية السيد كان السيد أول زمانه كيسانيا يقول برجعة محمد بن الحنفية وأنشدني في ذلك :
حتى متى ؟ وإلى متى ؟ ومتى المدى يابن الوصي وأنت حي ترزق ؟ ! والقصيدة مشهورة . وحدثني محمد بن عبدالله قال : قال السدرى : ما زال السيد يقول بذلك حتى لقي الصادق عليه السلام بمكة أيام الحج فناظره وألزمه الحجة فرجع عن ذلك فذلك قوله في تركه تلك المقالة ورجوعه عما كان عليه ويذكر الصادق :
تجعفرت باسم الله والله أكبر وأيقنت أن الله يعفو ويغفر
ويثبت مهما شاء ربي بأمره ويمحو ويقضي في الامور ويقدر
2. كلمة الصدوق :
قال في " كمال الدين " ص‍ 20 : فلم يزل السيد ضالا في أمر الغيبة يعتقدها في محمد بن الحنفية حتى لقي الصادق جعفر بن محمد عليه السلام ورأى منه علامات الامامة وشاهد منه دلالات الوصية فسأله عن الغيبة فذكر له انها حق و لكنها تقع بالثاني عشر من الائمة عليهم السلام وأخبره بموت محمد بن الحنفية وان أباه محمد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام شاهد دفنه فرجع السيد عن مقالته ، و استغفر من إعتقاده ، ورجع إلى الحق عند إتضاحه له ودان بالامامة .
حدثنا عبدالواحد بن محمد العطار رضي الله عنه قال : حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال : حدثنا حمدان بن سليمان عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حيان السراج قال : سمعت السيد إبن محمد الحميري يقول : كنت أقول بالغلو واعتقد غيبة محمد بن علي الملقب بابن الحنفية قد ظللت في ذلك زمانا فمن الله علي بالصادق جعفر بن محمد عليهما السلام وأنقذني به من النار ، وهداني إلى سواء الصراط فسألته بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها 1 منه انه حجة الله علي وعلى جميع أهل زمانه ، وأنه الامام الذي فرض الله طاعته ، وأوجب الاقتداء به فقلت له : يابن رسول الله قد روى لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمن تقع ؟ فقال عليه السلام :
إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الائمة الهداة بعد رسول الله
هامش
1 ستقف على بعض تلكم الدلائل .
صلى الله عليه وآله ، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الارض وصاحب الزمان والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملات جورا وظلما . قال السيد : فلما سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه وقلت قصيدتي التي أولها :
ولما رأيت الناس في الدين قد غووا تجعفرت باسم الله فيمن تجعفروا
وناديت باسم الله والله أكبر وأيقنت ان الله يعفو ويغفر
ودنت بدين غير ما كنت داينا به ونهاني سيد الناس جعفر
فقلت : فهبني قد تهودت برهة وإلا فديني دين من يتنصر
وإني إلى الرحمن من ذاك تائب وإني قد أسلمت والله أكبر
فلست بغال ما حييت وراجع إلى ما عليه كنت اخفي واضمر
ولا قائلا حي برضوى محمد 1 وإن عاب جهال مقالي فاكثروا
ولكنه مما مضى لسبيله على أفضل الحالات يقفى ويخبر
مع الطيبين الطاهرين الاولى لهم من المصطفى فرع زكي وعنصر
إلى آخر القصيدة وهي طويلة وقلت بعد ذلك قصيدة اخرى :
أيا راكبا نحو المدينة جسرة عذافرة يطوى بها كل سبب 2
إذا ما هداك الله عاينت جعفرا فقل لولي الله وابن المهذب
: ألا يا أمين الله وابن أمينه أتوب إلى الرحمن ثم تأوبي
إليك من الامر الذي كنت مطنبا احارب فيه جاهدا كل معرب
وما كان قولي في إبن خولة مبطنا معاندة مني لنسل المطيب
ولكن روينا عن وصي محمد وما كان فيما قال بالمتكذب
بأن ولي الامر يفقد لا يرى ستيرا 3 كفعل الخائف المترقب
فيقسم أموال الفقيد كأنما تعيبه بين الصفيح المنصب
هامش
1 في لفظ ابن شهر اشوب : ولا قائلا قولا بكيسان بعدها .
2 الجسرة : العظيمة من الابل . والعذافرة : الشديدة منها .
3 في لفظ المرزبانى والمفيد : سنين .
فيمكث حينا ثم ينبع نبعة كنبعة جدى من الافق كوكب 1
يسير بنصر الله من بيت ربه على سودد منه وأمر مسبب
يسير إلى أعدائه بلوائه فيقتلهم قتلا كحران مغضب
فلما روي ان إبن خولة غايب صرفنا إليه قولنا لم نكذب
وقلنا هو المهدي والقائم الذي يعيش به من عدله كل مجدب 2
فإن قلت لا فالحق قولك والذي أمرت فحتم غير ما معتصب
واشهد ربي ان قولك حجة على الخلق طرا من مطيع ومذنب
بأن ولي الامر والقائم الذي تطلع نفسي نحوه بتطرب
له غيبة لابد من أن يغيبها فصلى عليه الله من متغيب
فيمكث حينا ثم يظهر حينه فيملا عدلا كل شرق ومغرب
بذاك أمين الله سرا وجهرة ولست وإن عوتبت فيه بمعتب
وكان حيان السراج الراوي لهذا الحديث من الكيسانية ، ورواه الاربلي في كشف الغمة .
3. كلمة المرزبانى :
قال في أخبار السيد : كان السيد إبن محمد رحمه الله بلا شك كيسانيا يذهب أن محمد بن الحنفية رضي الله عنه هو القائم المهدي وإنه مقيم في جبال رضوى وشعره في ذلك يدل على انه كان كما ذكرنا كيسانيا فمن قوله :
يا شعب رضوى مالمن بك لا يرى وبنا إليه من الصبابة أولق 3
حتى متى ؟ وإلي متى ؟ وكم المدى يابن الوصي وأنت حي ترزق ؟
إني لآمل أن أراك وإنني من أن أموت ولا أراك لافرق غير انه رحمه الله رجع عن ذلك وذهب إلى إمامة الصادق عليه السلام وقال :
تجعفرت باسم الله والله اكبر وأيقنت أن الله يعفو ويغفر ومن زعم إن السيد أقام على الكيسانية فهو بذلك كاذب عليه ، وطاعن فيه
هامش
1 وفى رواية المرزباني : ويمكث حينا ثم يشرق شخصه مضيئا بنور العدل اشراق كوكب .
2 في رواية الحافظ المرزبانى : يعيش بجدوى عدله كل مجدب .
3 الاولق : الجنون أومس منه .
ومن أوضح ما دل على بطلان ذلك دعاء الصادق له عليه السلام وثناؤه عليه فمن ذلك ما أخبرنا به محمد بن يحيى قال : حدثنا أبوالعينا قال : حدثني علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قال : قيل لابي عبدالله عليه السلام وذكر عنده السيد : بانه ينال من الشراب . فقال عليه السلام : إن كان السيد زلت به قدم فقد ثبتت له اخرى .
وبإسناده عن عباد بن صهيب قال : كنت عند أبي عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام فذكر السيد فدعا له فقال له : يابن رسول الله أتدعو له وهو يشرب الخمر ، ويشتم أبا بكر وعمر ، ويوقن بالرجعة ؟ ! فقال : حدثني أبي عن أبيه علي بن الحسين أن محبي آل محمد صلى الله عليه وآله لا يموتون إلا تائبين . وإنه قد تاب ثم رفع رأسه وأخرج من مصلى عليه كتابا من السيد يتوب فيه مما كان عليه 1 وفي آخر الكتاب يا راكبا نحو المدينة جسرة إلى آخر الابيات كما مرت و روى بإسناده عن خلف الحادي قال : قدم السيد من الاهواز بمال ورقيق وكراع فجئته مهنئا له فقال : إن أبا بجير 2 إمامي وكان يعيرني بمذهبي ويأمل مني تحولا إلى مذهبه فكتبت أقول له : قد إنتقلت إليه ، وقلت :
أيا راكبا نحو المدينة جسرة وذكر الابيات إلى آخرها كما مرت ثم قال : فقال له أبوبجير يوما : لو كان مذهبك الامامة لقلت فيها شعرا . فأنشدته هذه القصيدة فسجد وقال : ألحمد لله الذى لم يذهب حبي لك باطلا . ثم أمر لي بما ترى .
وروى باسناده عن خلف الحادي قال : قلت للسيد : ما معنى قولك ؟
عجبت لكر صروف الزمان وأمر أبي خالد ذي البيان
ومن رده الامر لا ينثني إلى الطيب الطهر نور الجنان
علي وما كان من عمه برد الامامة عطف العنان
وتحكيمه حجرا أسودا وما كان من نطقه المستبان
بتسليم عم بغير امتراء إلى ابن أخ منطقا باللسان
شهدت بذلك صدقا كما شهدت بتصديق آي القران
هامش
1 في الاغانى 7 ص‍ 277 : أخرج كتابا من السيد يعرفه فيه : انه قد تاب ويسأله الدعاء له .
2 هو ابوبجير عبدالله بن النجاشى الاسدى والى الاهواز للمنصور .
علي إمامي لا أمتري وخليت قولي بكان وكان
قال لي : كان حدثني علي بن شجرة عن أبي بجير عن الصادق أبي عبدالله عليه السلام : إن أبا خالد الكابلي كان يقول بإمامة إبن الحنفية فقدم من كابل شاه إلي المدينة فسمع محمدا يخاطب علي بن الحسين فيقول : يا سيدي فقال أبوخالد : أتخاطب إبن أخيك بمالا يخاطبك بمثله ؟ فقال : إنه حاكمني إلي الحجر الاسود وزعم انه ينطقه فصرت معه إليه فسمعت الحجر يقول : يا محمد ؟ سلم الامر إلي إبن أخيك فإنه أحق منك . فقلت شعري هذا ، قال : وصار أبوخالد الكابلي إماميا . قال : فسألت بعض الامامية عن هذا ، فقال لي : ليس بإمامي من لا يعرف هذا . فقلت : للسيد : فأنت على هذا المذهب أو على ما أعرف ؟ ! ؟ ! فانشدني بيت عقيل بن علفة . خذا جنب هرشى 1 أوقفاه فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق ومما رواه ألمرزباني له في مذهبه قوله :
صح قولي بالامامه وتعجلت السلامه
وأزال الله عني إذ تجعفرت الملامه
قلت من بعد حسين بعلي ذي العلامه
أصبح السجاد لل‍ - اسلام والدين دعامه
قد أراني الله أمرا أسأل الله تمامه
كي الاقيه به في وقت أهوال القيامه
4. كلمة المفيد :
قال في " الفصول المختارة " ص‍ 93 : وكان من الكيسانية أبوهاشم إسماعيل بن محمد الحميري الشاعر رحمه الله وله في مذهبهم أشعار كثيرة ثم رجع عن القول بالكيسانية وتبرأ منه ودان بالحق ، لان أبا عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام دعاه إلى إمامته وأبان له عن فرض طاعته ، فاستجاب له فقال بنظام الامامة وفارق ما كان عليه من الضلالة ، وله في ذلك ايضا شعر معروف ومن بعض قوله في إمامة محمد رضوان الله عليه ومذهب الكيسانية قوله :
ألا حي مقيم شعب رضوى وأهد له بمنزله السلاما
هامش
1 ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة وله طريقان يفضيان إلى موضع واحد .
إلى أن قال : وله عند رجوعه إلى الحق وفراقه الكيسانية :
تجعفرت باسم الله والله أكبر وأيقنت أن الله يعفو ويغفر
ودنت بدين غير ما كنت داينا إلى آخر ما مر باختلاف يسير
وقال في " الارشاد " : فصل وفيه يعني الامام الصادق يقول السيد إسماعيل إبن محمد الحميري رحمه الله وقد رجع عن قوله بمذهب الكيسانية لما بلغه إنكار أبي عبدالله عليه السلام مقاله ودعاؤه له إلي القول بنظام الامامة :
أيا راكبا نحو المدينة جسرة عذافرة يطوى بهاكل سبسب
وذكر منها 13 بيتا ثم قال : وفي هذا الشعر دليل على رجوع السيد عن مذهب الكيسانية وقوله بإمامة الصادق عليه السلام ووجوه الدعوة ظاهرة من الشيعة في أيام أبي عبدالله إلى إمامته والقول بغيبة صاحب الزمان وانها إحدى علاماته ، وهو صريح قول الامامية الاثنى عشرية .
5. كلمة ابن شهر آشوب :
روى في " المناقب " 2 ص‍ 323 عن داود الرقي قال :
بلغ السيد الحميري : انه ذكر عند الصادق عليه السلام فقال : ألسيد كافر . فأتاه وسأل يا سيدى ؟ أنا كافر مع شدة حبي لكم ومعاداتي الناس فيكم ؟ قال : وما ينفعك ذاك وأنت كافر بحجة الدهر والزمان ؟ ! ثم أخذ بيده وأدخله بيتا فإذا في البيت قبر فصلى ركعتين ثم ضرب بيده على القبر فصار القبر قطعا فخرج شخص من قبره ينفض التراب عن رأسه ولحيته ، فقال له الصادق : من أنت ؟ قال : أنا محمد بن علي المسمى بابن الحنفية .
فقال : فمن أنا ؟ فقال جعفر بن محمد حجة الدهر والزمان 1 فخرج السيد يقول :
تجعفرت باسم الله فيمن تجعفرا . . . .
وفي أخبار السيد : انه ناظر معه مؤمن الطاق في إبن الحنفية فغلبه
عليه فقال :
تركت ابن خولة لاعن قلى وإني لكالكلف الوامق
وإني له حافظ في المغيب أدين بما دان في الصادق
هو الحبر حبر بني هاشم ونور من الملك الرازق
هامش 1 هذه من علامات الامامة التى مر الايعاز اليها في كلمة الصدوق .
به ينعش الله جمع العباد ويجري البلاغة في الناطق
أتاني برهانه معلنا فدنت ولم أك كالمائق
كمن صد بعد بيان الهدى إلى حبتر وأبي حامق
فقال الطائي : أحسنت الآن أتيت رشدك . وبلغت أشدك . وتبوأت من الخير موضعا ومن الجنة مقعدا . وأنشأ السيد يقول :
تجعفرت باسم الله والله أكبر . . . . . .
ذكر منها خمسة أبيات ثم ذكر من بائيته المذكورة ستة أبيات فقال : وأنشد فيه يعني الصادق عليه السلام :
أمدح أبا عبد الاله فتى البرية في احتماله
سبط النبي محمد حبل تفرع من حباله
تغشى العيون الناظرات إذا سمون إلى جلاله
عذب الموارد بحسره يروي الخلايق من سجاله
بحر أطل على البحور يمدهن ندى بلاله 1
سقت العباد يمينه وسقى البلاد ندى شماله
يحكي السحاب يمينه والودق يخرج من خلاله
الارض ميراث له والناس طرا في عياله
يا حجة الله الجليل وعينه وزعيم آله
وابن الوصي المصطفى وشبيه أحمد في كماله
أنت ابن بنت محمد حذوا خلقت على مثاله
فضياء نورك نوره وظلال روحك من ظلاله
فيك الخلاص عن الردى وبك الهداية من ضلاله
أئني ولست ببالغ عشر الفريدة من خصاله
6. كلمة الاربلى :
قال في " كشف الغمة " ص‍ 124 : السيد الحميري رحمه الله كان كيسانيا يقول برجعة أبي القاسم محمد بن الحنفية فلما عرفه الامام جعفر بن محمد
هامش
1 كذا في النسخة وأحسبه : نواله .
الصادق عليهما السلام الحق والقول بمذهب الامامية ألاثنى عشرية ترك ما كان عليه و رجع إلى الحق وقال به ، وشعره رحمه الله في مذهبه مشهور لا حاجة إلى ذكره لاشتهاره .
وينبأك عن مذهبه الحق الصحيح قوله :
على آل الرسول وأقربيه سلام كلما سجع الحمام
أليسوا في السمآء‌هم نجوم ؟ وهم أعلام عز لا يرام
فيا من قد تحير في ضلال أمير المؤمنين هو الامام
رسول الله يوم [ غدير خم ] أناف به وقد حضر الانام
وثاني أمره الحسن المرجى له بيت المشاعر والمقام
وثالثه الحسين فليس يخفى سنا بدر إذا اختلط الظلام
ورابعهم علي ذو المساعي به للدين والدنيا قوام
وخامسهم محمد ارتضاه له في المأثرات إذن مقام
وجعفر سادس النجباء بدر ببهجته زها البدر التمام
وموسى سابع وله مقام تقاصر عن أدانيه الكرام
علي ثامن والقبر منه بأرض الطوس إن قحطوا رهام 1
وتاسعهم طريد بني البغايا محمد الزكي له حسام
وعاشرهم علي وهو حصن يحن لفقده البلد الحرام
وحادي العشر مصباح المعالي منير الضوء ألحسن الهمام
وثاني العشر حان له القيام محمد الزكي به اعتصام
أولئك في الجنان بهم مساغي وجيرتي الخوامس والسلام
نقد أو إصحار بالحقيقة
قال الدكتور طه حسين المصري في - ذكرى أبي العلاء - ص‍ 358 : التناسخ معروف عند العرب منذ أواخر القرن الاول والشيعة تدين به وببعض المذاهب التي تقرب منه كالحلول والرجعة ، وليس بين أهل الادب من يجهل ما كان من سخافات الحميري وكثير في ذلك . ا ه‍
هامش
1 ألرهمة : المطر الخفيف الدائم ج‍ رهم ورهام .
كنت لا أعجب لوكان هذا العزو المختلق صادرا ممن تقدم طه حسين من بسطاء الاعصر الخرافية الذين قالوا وهم لا يشعرون ، وجمعوا من غير تمييز ، وألفوا لا عن تنقيب ، وعزوا من دون دراية . لكن عجبي كله من مثل هذا الذي يرى نفسه منقبا ويحسبه فذا من أفذاذ هذا العصر الذهبي ، عصر النور ، عصر البحث والتنقيب الذي مني بمثل هذا الدكتور وأمثال من جمال مستنوقة 1 يسرون حسوا في ارتغاء 2 يريدون أن يفخذوا امة كبيرة تعد بالملايين عن الامة الاسلامية بنسبة الالحاد إليهم من تناسخ وحلول ، فتلعن هؤلاء أولئك لاعتقادهم بكفرهم ، وتغضب أولئك على هؤلاء عندما يقفون على مثل هذا الافك الشائن ، فيقع مالا تحمد مغبته من شق العصا وتفريق الكلمة ، وذلك منية من قيض طه " حسين " لمثل هذا المعرة وأثابه عليها .
ألم يسائل هذا الرجل باحث عن مصدر هاتين الفريتين ؟ ! هل قرأهما في كتاب من كتب الشيعة ؟ ! أم سمعهما عن شيعي ؟ ! أو بلغه الخبر عن عالم من علماء الامامية ؟ !
وهؤلاء الشيعة وكتبهم منذ العصور المتقادمة حتى اليوم تحكم بكفر من يقول بالتناسخ والحلول وتدين بالبرائة منه ، فهلا راجع الدكتور هاتيك الكتب قبل أن يرمي لا عن سدد ؟ ! وتخط يمينه لا عن رشد ؟ ! نعم سبقه في نسبة التناسخ إلى السيد إبن حزم الاندلسي في " الفصل " وقد عرفت إبن حزم ونزعاته في الجزء الاول ص‍ 323 - 339 . وأما القول بالرجعة فليس من سنخ القول بالتناسخ والحلول وقد نطق بها الكتاب والسنة كما فصل في طيات الكتب الكلامية وتضمنته التآليف التي أفردها أعلام الامامية فيها ، وقد عرف من وقف على أخبار السيد وشعره وحجاجه برائته عن كل ما نبذه به من سخافة إن لم يكن الدكتور ممن يرى ان التهالك في موالاة أهل البيت ومودتهم ومدحهم والذب عنهم سخافة .
حديثه مع من لم يتشيع
لم يكن يرى السيد لمناوئي العترة الطاهرة صلوات الله عليهم حرمة وقدرا ، وكان يشدد النكير عليهم في كل موقف ويلفظهم بألسنة حداد بكل حول وطول ، و
هامش
1 مثل ساير .
2 مثل يضرب .
له في ذلك أخبار منها :
1. عن محمد بن سهل الحميري عن أبيه قال : إنحدر السيد الحميري في سفينة إلى الاهواز ، فما راه رجل في تفضيل علي عليه السلام وباهله على ذلك ، فلما كان الليل قام الرجل ليبول على حرف السفينة ، فدفعه السيد فغرقه ، فصاح الملاحون :
غرق والله الرجل . فقال السيد : دعوه فإنه باهلي 1
2. إن السيد كان بالاهواز ، فمرت به إمرأة من آل الزبير تزف إلى إسماعيل إبن عبدالله بن العباس ؟ وسمع الجلبة فسأل عنها فاخبر بها ، فقال : أتتنا تزف على بغلة وفوق رحالتها قبه زبيرية من بنات الذي أحل الحرام من الكعبه 2 تزف إلى ملك ماجد فلا اجتمعا وبها الوجبه فدخلت في طريقها إلى خربة للخلاء فنهشتها أفعى فماتت فكان السيد يقول : لحقتها دعوتي .
3. عن عبدالله بن الحسين بن عبدالله بن إسماعيل بن جعفر قال : خرج أهل البصرة يستسقون وخرج فيهم السيد وعليه ثياب خز وجبة ومطرف وعمامة فجعل يجر مطرفه ويقول :
إهبط إلى الارض فخذ جلمدا ثم ارمهم يا مزن بالجلمد لا تسقهم من سبل قطرة فإنهم حرب بني أحمد
4. حدثني أبوسليمان الناجي قال : جلس المهدي يوما يعطي قريشا صلات لهم وهو ولي عهد ، فبدأ ببني هاشم بسائر قريش فجاء السيد فرفع إلى الربيع - حاجب المنصور - رقعة محتومة وقال : إن فيها نصيحة للامير فأوصلها إليه . فأوصلها ، فإذا فيها :
قل لابن عباس سمي محمد لا تعطين بني عدي درهما
أحرم بني تيم بن مرة انهم شر البرية آخرا ومقدما
هامش
1 الظاهر : باهلنى .
2 يعنى عبدالله بن الزبير وقد تحصن بالبيت الحرام وقاتل به .
إن تعطهم لا يشكروا لك نعمة ويكافئوك بأن تذم وتشتما
وإن إئتمنتهم أو استعملتهم خانوك واتخذوا خراجك مغنما
ولئن منعتهم لقد بدء‌وكم بالمنع إذ ملكوا وكانوا أظلما
منعوا تراث محمد أعمامه وابنيه وابنته عديلة مريما
وتأمروا من غير أن يستخلفوا وكفى بما فعلوا هنالك مأثما
لم يشكروا لمحمد انعامه أفيشكرون لغيره إن أنعما ؟ !
والله من عليهم بمحمد وهداهم وكسا الجنوب وأطعما
ثم انبروا ؟ ؟ لوصيه ووليه بالمنكرات فجرعوه العلقما
قال : فرمى بها إلى أبي عبيد الله معاوية بن يسار الكاتب للمهدي ثم قال : إقطع العطاء .
فقطعه ، وانصرف الناس ، ودخل السيد إليه ، فلما رآه ضحك وقال : قد قبلنا نصيحتك يا إسماعيل ؟ ولم يعطهم شيئا .
5. عن سويد بن حمدان بن الحصين قال : كان السيد يختلف إلينا ويغشانا ، فقام من عندنا ذات يوم فخلفه رجل وقال : لكم شرف وقدر عند السلطان فلا تجالسوا هذا فإنه مشهور بشرب الخمر وشتم السلف . فبلغ ذلك السيد فكتب إليه :
وصفت لك الحوض يابن الحصين على صفة الحارث الاعور 1
فإن تسق منه غدا شربة تفز من نصيبك بالاوفر
فمالي ذنب سوى أنني ذكرت الذي فر عن خيبر
ذكرت امرأ فر عن مرحب فرار الحمار من القسور
فأنكر ذاك جليس لكم زنيم أخو خلق أعور
لحاني بحب إمام الهدى وفاروق امتنا الاكبر
سأحلق لحيته إنها شهود على الزور والمنكر
قال : فهجر والله مشايخنا جميعا ذلك ولزموا محبة السيد ومجالسته . الاغاني 7 ص‍ 250 - 254 .
هامش
1 هو الحارث الاعور الهمدانى المتوفى سنة 65 من مقدمى أصحاب أمير المؤمنين يأتى ذكره في ترجمة والد شيخنا البهائى في شعراء القرن العاشر .
6. عن معاذ بن سعد الحميري قال : شهد السيد إسماعيل بن محمد الحميري رحمه الله عند سوار القاضي بشهادة ، فقال له : ألست إسماعيل بن محمد الذي يعرف بالسيد ؟
فقال : نعم . فقال له : كيف أقدمت على الشهادة عندي وأنا أعرف عداوتك للسلف ؟ فقال السيد : قد أعاذني الله من عداوة أولياء الله وإنما هو شيئ لزمني . ثم نهض فقال له : قم يا رافضي ؟ فوالله ما شهدت بحق . فخرج السيد رحمه الله وهو يقول :
أبوك ابن سارق عنز النبي وأنت ابن بنت أبي جحدر
ونحن على رغمك الرافضو - ن لاهل الضلالة والمنكر
ثم عمل شعرا وكتبه في رقعة وأمر من ألقاها في الرقاع بين يدي سوار . قال :
فأخذ الرقعة سوار فلما وقف عليها وخرج إلى أبي جعفر المنصور وكان قد نزل الجسر الاكبر ليستعدي على السيد فسبقه السيد إلى المنصور فأنشأ قصيدته التي يقول فيها : 1 .
يا أمين الله يا من‍ - صور يا خير الولاة
إن سوار بن عبد الل‍ - ه من شر القضاة
نعثلي 2 جملي لكم غير مواتي
جده سارق عنز فجرة من فجرات
لرسول الله والقا ذفة بالمنكرات 3
والذى كان ينادي من وراء الحجرات 4
يا هناة اخرج إلينا إننا أهل هنات
فاكفنيه لا كفاه الل‍ - ه شر الطارقات
سن فينا سننا كا - نت مواريث الطغاة
هامش
1 أولها : قم بنا يا صاح واربع في المغانى الموحشات .
2 قال الاستاذ العدوى في تعلقيه على الاغانى 7 ص‍ 261 : نعثل في الاصل : اسم رجل يهودى من أهل المدينة ، وقيل : نعثل : رجل لحيانى طويل اللحية من أهل مصر . كان يشبه به عثمان رضى الله عنه اذا نيل منه .
3 آخذنا هذا البيت من الاغانى 7 ص‍ 261 ، والطبقات لابن المعتز ص‍ 8 .
4 اشارة إلى نزول آية الحجرات في بنى العنبر اجداد القاضى سوار .
فهجوناه ومن يهجو يصب بالفاقرات 1
قال : فضحك أبوجعفر المنصور وقال : نصبتك قاضيا فامدحه كما هجوته فأنشد رحمه الله يقول :
إني امرؤ من حمير اسرتي بحيث تحوي سروها حمير
آليت لا أمدح ذا نائل له سناء وله مفخر
إلا من الغر بني هاشم إن لهم عندي يدا تشكر
إن لهم عندي يدا شكرها حق وإن أنكرها منكر
يا أحمد الخير الذي إنما كان علينا رحمة تنشر
حمزة والطيار في جنة فحيث ما شاء دعا جعفر
منهم وهادينا الذي نحن من بعد عمانا فيه نستبصر
لما دجا الدين ورق الهدى وجار أهل الارض واستكبروا
ذاك علي بن أبي طالب ذاك الذي دانت له خيبر
دانت وما دانت له عنوة حتى تدهدا عرشه الاكبر
ويوم سلع إذ أتى عاتبا عمرو بن عبد مصلتا يخطر
يخطر بالسيف مدلا كما يخطر فحل الصرمة الدوسر 2
إذ جلل السيف على رأسه أبيض عضبا حده مبتر
فخر كالجذع وأوداجه ينصب منها حلب أحمر
وكان ايضا مما جرى له مع سوار ما حدث به الحرث بن عبيدالله الربيعي ، قال : كنت جالسا في مجلس المنصور وهو بالجسر الاكبر وسوار عنده والسيد ينشده :
إن الاله الذي لا شيئ يشبهه آتاكم الملك للدنيا وللدين
آتاكم الله ملكا لا زوال له حتى يقاد إليكم صاحب الصين
وصاحب الهند مأخوذ برمته وصاحب الترك محبوس على هون
حتى أتى القصيدة والمنصور يضحك فقال سوار : هذا والله يا أمير المؤمنين ؟ يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه ، والله ان القوم الذين يدين بحبهم لغيرك ، وإنه لينطوي في عداوتكم .
هامش
1 ألفاقرة : ألداهية الشديدة . هذا البيت أخذناه من طبقات ابن المعتز ص‍ 7 .
2 ألصرمة بالكسر : ألقطيعة من الابل . ألدوسر : الضخم الشديد .
فقال السيد : والله انه لكاذب وإنني في مديحكم لصادق ، ولكنه حمله الحسد إذ رآك على هذه الحال ، وإن انقطاعي ومودتي لكم أهل البيت لعرق لي فيها عن أبوي ، وإن هذا وقومه لاعداؤكم في الجاهلية والاسلام ، وقد أنزل الله عز وجل على نبيه عليه وآله السلام في أهل بيت هذا 1 إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون . سورة الحجرات 4 فقال المنصور : صدقت . فقال سوار : يا أمير المؤمنين إنه يقول بالرجعة ، ويتناول الشيخين بالسب والوقيعة فيهما .
فقال السيد : أما قوله : باني أقول بالرجعة فإن قولي في ذلك على ما قال الله تعالى : و يوم نحشر من كل امة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون سورة النمل 83 و قد قال في موضع آخر : وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا سورة الكهف 47 فعلمت أن ها هنا حشرين أحدهما عام والآخر خاص . وقال سبحانه : ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل سورة غافر 11 وقال الله تعالى : فأماته الله مائة عام ثم بعثه سورة البقرة 259 وقال الله تعالى : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم سورة البقرة 243 فهذا كتاب الله عزوجل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يحشر المتكبرون في صور الذر يوم القيامة 2 وقال صلى الله عليه وآله : لم يجر في بني إسرائيل شئ إلا ويكون في امتي مثله حتى المسخ والخسف و والقذف 3 وقال حذيفة : والله ما أبعد أن يمسخ الله كثيرا من هذه الامة قردة و خنازير 4 فالرجعة التي نذهب إليها ما نطق به القرآن وجاء‌ت به السنة . وإنني لاعتقد أن الله تعالى يرد هذا - يعني سوارا - إلى الدنيا كلبا أو قردا أو خنزيرا أو ذرة فإنه والله متجبر متكبر كافر . قال : فضحك المنصور وأنشد السيد يقول :
هامش
1 راجع تفسير الخازن 4 ص‍ 174 .
2 أخرجه الترمذى والنسائى والمنذرى في الترغيب والترهيب 3 ص‍ 225 ، وابن الدبيع في تيسير الوصول 4 ص‍ 151 .
3 راجع سنن ابن ماجة 2 ص‍ 503 .
4 راجع سنن ابن ماجة 2 ص‍ 489 ، والترغيب والترهيب 3 ص‍ 107 .
جاثيث سوارا أبا شملة عند الامام الحاكم العادل
فقال قولا خطأ كله عند الورى الحافي والنائل
ما ذب عما قلت من وصمة في أهله بل لج في الباطل
وبان للمنصور صدقي كما قد بان كذب الانوك الجاهل
يبغض ذاالعرش ومن يصطفي من رسله بالنير الفاضل
ويشنأ الحبر الجواد الذي فضل بالفضل على الفاضل
ويعتدي بالحكم في معشر أدوا حقوق الرسل للراسل
فبين الله تزاويقه فصار مثل الهائم الهائل
قال : فقال المنصور : كف عنه . فقال السيد : يا أمير المؤمنين إلبادي أظلم يكف عني حتى أكف عنه . فقال المنصور لسوار : تكلم بكلام فيه نصفة ، كف عنه حتى لا يهجوك . ألفضول المختارة 1 ص‍ 61 - 64 .
وروى أبوالفرج للسيد مما أنشده المنصور في سوار القاضي قوله :
قل للامام الذي ينجى بطاعته يوم القيامة من بحبوحة النار
لا تستعينن جزاك الله صالحه يا خير من دب في حكم بسوار
لا تستعن بخبيث الرأي ذي صلف جم العيوب عظيم الكبر جبار
تضحي الخصوم لديه من تجبره لا يرفعون إليه لحظ أبصار
تيها وكبرا ولولا ما رفعت له من ضبعه كان عين الجائع العاري
فدخل سوار ، فلما رآه المنصور تبسم وقال : أما بلغك خبر أياس 1 بن معاوية حيث قبل شهادة الفرزدق واستزاد في الشهود ، فما أحوجك للتعريض للسيد ولسانه ثم أمر السيد بمصالحته وأمره بأن يصير إليه معتذرا ففعل فلم يعذره ، فقال :
أتيت دعي بني العنبر أروم اعتذارا فلم أعذر فقلت لنفسي وعاتبتها على اللؤم في فعلها : أقصري أيعتذر الحر مما أتى إلى رجل من بني العنبر ؟ !
هامش
1 هو أياس بن معاوية بن قرة المزنى البصرى ولاه عمر بن عبدالعزيز قضاء البصرة توفى سنة 122 ، وحديث قبوله شهادة الفرزدق يوجد في الاغانى 11 ص‍ 50 طبع 19 ص‍ 50 طبع بولاق أبوك ابن سارق عنز النبي وامك بنت أبي جحدر
ونحن على رغمك الرافضو ن لاهل الضلالة والمنكر
قال : وبلغ السيد أن سوار قد أعد جماعة يشهدون عليه بسرقة ليقطعه ، فشكاه إلى أبي جعفر ، فدعا بسوار وقال له : قد عزلتك عن الحكم للسيد أوعليه ، فما تعرض له بسوء حتى مات .
7. عن إسماعيل بن الساحر قال :
تلاحى رجلان من بني عبدالله بن دارم في المفاضلة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فرضيا بحكم أول من يطلع فطلع السيد ، فقاما إليه وهما لا يعرفانه ، فقال له مفضل علي بن ابي طالب عليه السلام منهما : إني وهذا اختلفنا في خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت : علي بن أبي طالب . فقطع السيد كلامه ثم قال : وأى شيئ قال هذا الآخر إبن الزانية ؟ ! فضحك من حضر ووجم الرجل ولم يحر جوابا . ألاغاني ج 7 ص‍ 241 ، وطبقات الشعراء لابن المعتز ص‍ 7 عن محمد بن
عبدالله السدوسي عن السيد نفسه .
8. في كتاب الحيوان للجاحظ ج 1 ص‍ 91 شبه السيد إبن محمد الحميري عائشة رضي الله عنها في نصبها الحرب يوم الجمل لقتال بنيهابالهرة حين تأكل أولادها فقال :
جاء‌ت مع الاشقين في هودج تزجى إلى البصرة أجنادها
كأنها في فعلها هرة تريد أن تأكل أولادها
اخباره وملحه
روى أبوالفرج وغيره شطرا وافيا من أخبار السيد وملحه ونوادره لو جمعت ليأتي كتابا ونحن نضرب عن ذكر جميعها صفحا ونقتصر منها بنبذة يسع لذكرها المجال .
1. روى أبوالفرج في " الاغاني " 7 ص‍ 250 باسناده عن رجل قال : كنت أختلف إلى إبني قيس ، وكانا يرويان عن الحسن 1 فلقيني السيد يوما وأنا منصرف من عندهما ، فقال : أرني ألواحك أكتب فيها شيئا وإلا أخذتها فمحوت ما فيها . فأعطيته ألواحي فكتب فيها .
هامش
1 هو ابوسعيد الحسن بن ابى يسار البصرى المتوفى 110 ، قال ابن أبى الحديد : كان ممن قيل : انه يبغض عليا عليه السلام ويذمه .
لشربة من سويق عند مسغبة وأكلة من ثريد لحمه واري
أشد مما روى حبا إلي بنو قيس ومما روى صلت بن دينار
مما رواه فلان عن فلانهم داك الذي كان يدعوهم إلى النار
2. جلس السيد يوما إلى قوم فجعل ينشدهم وهم يلغطون . فقال :
قد ضيع الله ما جمعت من أدب بين الحمير وبين الشاء والبقر
لا يسمعون إلى قول أجيئ به وكيف تستمع الانعام للبشر ؟ !
أقول ما سكتوا : إنس فإن نطقوا قلت : الضفادع بين الماء والشجر
3. إجتمع السيد في طريقه بامرأة تميمية إباضية ، فأعجبها وقالت : اريد أن أتزود بك ونحن على ظهر الطريق . قال : يكون كنكاح ام خارجة قبل حضور ولي وشهود ، فاستضحكت وقالت : ننظر في هذا ، وعلى ذلك فمن أنت ؟ فقال :
إن تسأليني بقومي تسألي رجلا في ذروة العز من أحياء ذي يمن
حولي بها ذو كلاع في منازلها وذو رعين وهمدان وذو يزن
والازد أزد عمان الاكرمون إذا عدت مآثرهم في سالف الزمن
بانت كريمتهم عني فدارهم داري وفي الرحب من أوطانهم وطني
لي منزلان بلحج منزل وسط منها ولي منزل للعز في عدن
ثم الولاء الذي أرجو النجاة به من كبة النار للهادي أبي حسن
فقالت : قد عرفناك ولا شيئ أعجب من هذا يمان وتميمية ، ورافضي وإباضية ، فكيف يجتمعان ؟ فقال : بحسن رأيك في ، تخسو نفسك ، ولا يذكر أحدنا سلفا ولا مذهبا .
قالت : أفليس التزويج إذا علم انكشف معه المستور ، وظهرت خفيات الامور ؟ ؟ ! ! قال :
أعرض عليك اخرى . قالت : ما هي ؟ قال : ألمتعة التي لا يعلم بها أحد . قالت : تلك اخت الزنا . قال : اعيذك بالله أن تكفري بالقرآن بعد الايمان . قالت : فكيف ؟ قال : قال الله تعالى : فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة . فقالت : ألا تستخير الله واقلدك إن كنت صاحب قياس ؟ ! قال : قد فعلت . فانصرفت معه وبات معرسا بها ، وبلغ أهلها من الخوارج أمرها ، فتوعدوها بالقتل وقالوا : تزوجت بكافر ؟ ! فجحدت ذلك ولم يعلموا بالمتعة . فكانت مدة تختلف إليه على هذه السبيل من المتعة وتواصله حتى إفترقا .
قول السيد في صدر القصة : يكون كنكاح ام خارجة : ايعاز إلى المثل الساير : أسرع من نكاح ام خارجة . يضرب به في السرعة ، وام خارجة هي عمرة بنت سعد بن عبدالله بن قدار بن ثعلبة كان يأتيها الخاطب فيقول : خطب . فتقول : نكح .
فيقول : انزلي . فتقول : أنخ . قال المبرد : ولدت ام خارجة للعرب في نيف وعشرين حيا من آباء متفرقة ، وكانت هي إحدى النساء اللاتي إذا تزوجت واحدة ألرجل فأصبحت عنده كان أمرهااليها إن شاء‌ت أقامت وإن شاء‌ت ذهبت ، وعلامة إرتضائها للزوج أن تعالج له طعاما إذا أصبح .
4. قال علي بن المغيرة : كنت مع السيد على باب عقبة بن سلم ومعنا إبن لسليمان إبن علي ننتظره وقد اسرج له ليركب ، إذ قال إبن سليمان بن علي يعرض بالسيد :
أشعر الناس والله الذي يقول :
محمد خير من يمشي على قدم وصاحباه وعثمان بن عفانا
فوثب السيد وقال : أشعر والله منه الذي يقول : سائل قريشا إذا ما كنت ذاعمه من كان أثبتها في الدين أوتادا ؟ !
من كان أعلمها علما ؟ ! وأحلمها حلما ؟ ! وأصدقها قولا وميعادا ؟ !
إن يصدقوك فلن يعدو أبا حسن إن أنت لم تلق للابرار حسادا ثم أقبل على الهاشمي فقال : يا فتى ؟ نعم الخلف أنت لشرف سلفك ، أراك تهدم شرفك ، وتثلب سلفك ، وتسعي بالعدواة على أهلك ، وتفضل من ليس أصلك من أصله على من فضلك من فضله ، وسأخبر أمير المؤمنين عنك بذا حتى يضعك ، فوثب الفتى خجلا ولم ينتظر عقبة بن سلم . وكتب إليه صاحب خبره بما جرى عند الركوبة حتى خرجت الجائزة للسيد .
5. روى أبوسليمان الناجي : أن السيد قدم الاهواز وأبوبجير بن سماك الاسدي يتولاها وكان له صديقا ، وكان لابي بجير مولى يقال له يزيد بن مذعور يحفظ شعر السيد وينشده أبا بجير ، وكان أبوبجير يتشيع . فذهب السيد إلى قوم من إخوانه بالاهواز فنزل بهم وشرب عندهم فلما أمسى إنصرف ، فأخذه العسس 1 فحبس .
فكتب من غده بهذه الابيات وبعث بها إلى يزيد بن مذعور ، فدخل على أبي بجير و قال : قد جنى عليك صاحب عسسك مالاقوام لك به . قال : وما ذلك ؟ ! قال : إسمع هذه الابيات كتبها السيد من الحبس ، فأنشده يقول :
قف بالديار وحيها يا مربع واسأل وكيف يجيب من لا يسمع ؟ !
إن الديار خلت وليس بجوها إلا الضوايح والحمام الوقع
ولقد تكون بها أوانس كالدمى 2 جمل وعزة والرباب ويوزع
حور نواعم لا ترى في مثلها أمثالهن من الصيانة أربع
فعرين بعد تألف وتجمع والدهر - صاح - مشتت ما تجمع
فاسلم فإنك قد نزلت بمنزل عند الامير تضر فيه وتنفع
تأتي هواك إذا نطقت بحاجة فيه وتشفع عنده فيشفع
قل للامير إذا ظهرت بخلوة منه ولم يك عنده من يسمع
هب لي الذي أحببته في أحمد وبنيه إنك حاصد ما تزرع
يختص آل محمد بمحبة في الصدر قد طويت عليها الاضلع
ويقول فيها :
قم يابن مذعور فأنشد نكسوا خضع الرقاب بأعين لا ترفع
لولا حذار أبي بجير أظهروا شنآنهم وتفرقوا وتصدعوا
لا تجزعوا فلقد صبرنا فاصبروا سبعين عاما والانوف تجدع
إذ لا يزال يقوم كل عروبة 3 منكم بصاحبنا خطيب مصقع
مستحفز في غيه متتابع في الشتم مثله بخيل يسجع
ليسر مخلوقا ويسخط خالقا إن الشقي بكل شر مولع
فلما سمعها أبوبجير دعا صاحب عسسه فشتمه وقال : جنيت على مالا يدلى به .
هامش
1 جمع العاس من عس عسا : طاف بالليل يحرس الناس .
2 الدمى ج الدمية : الصورة المزينة فيها حمرة كالدم .
3 يوم الجمعة كان يسمى قديما : يوم عروبة ويوم العروبة . والافصح عدم ادخال الالف واللام .
إذهب صاغرا إلى الحبس وقل : أيكم أبوهاشم ؟ فإذا أجابك فأخرجه واحمله على دابتك وامش معه صاغرا حتى تأتيني به . ففعل ، فأبى السيد ولم يجبه إلى الخروج إلا بعد أن يطلق له كل من اخذ معه ، فرجع إلى أبي بجير فأخبره ، فقال : ألحمد لله الذي لم يقل : أخرجهم وأعط كل واحد منهم مالا . فما كنا نقدر على خلافه ، إفعل ما أحب برغم أنفك الآن . فمضى فخلى سبيله وسبيل كل من كان معه ممن اخذ في تلك الليلة ، وأتى به إلى أبي بجير : فتناوله بلسانه وقال : قدمت علينا فلم تأتنا وأتيت بعض أصحابك الفساق ، وشربت ما حرم عليك حتى جرى ما جرى . فاعتذر من ذلك إليه ؟ فأمر له أبوبجير بجائزة سنية وحمله وأقام عنده مدة .
6. قال أبوالفرج في " الاغاني " 7 ص‍ 259 : أخبرني أحمد بن عبدالعزيز الجوهري قال : حدثنا عمر بن شبة قال : حدثنا حاتم بن قبيصة قال : سمع السيد محدثا يحدث : إن النبي صلى الله عليه وآله كان ساجدا فركب الحسن والحسين على ظهره ، فقال عمر رضي الله عنه : نعم المطي مطيكما . فقال النبي صلى الله عليه وآله : ونعم الراكبان هما . فانصرف السيد من فوره فقال في ذلك .
أتى حسن والحسين النبي وقد جلسا حجره يلعبان
ففداهما ثم حياهما وكانا لديه بذاك المكان
فراحا وتحتهما عاتقاه فنعم المطية والراكبان
وليدان امهما برة حصان مطهرة للحسان
وشيخهما ابن أبي طالب فنعم الوليدان والوالدان
خليلي لا ترجيا واعلما بأن الهدى غير ما تزعمان
وأن عمى الشك بعد اليقين وضعف البصيرة بعد العيان
ضلال فلا تلججا فيهما فبئست لعمركما الخصلتان
أيرجى علي إمام الهدى وعثمان ما أعند المرجيان
ويرجى ابن حرب وأشياعه وهوج الخوارج بالنهروان
يكون إمامهم في المعاد خبيث الهوى مؤمن الشيصبان 1
هامش
1 الشيصبان : اسم الشيطان .
وذكر إبن المعتز في طبقاته ص‍ 8 أبياتا من دون ذكر الحديث وهي :
أتى حسنا والحسين الرسول وقد برزوا ضحوة يلعبان 1
وضمهما وتفداهما وكان لديه بذاك المكان
وطأطأ تحتهما عاتقيه فنعم المطية والراكبان
وذكر المرزباني في أخبار السيد ستة أبيات منها ولم يذكر الحديث وزاد :
جزى الله عنا بني هاشم بانعام أحمد أعلى الجنان
فكلهم طيب طاهر كريم الشمائل حلو اللسان
قال الاميني : هذه القصيدة تتضمن أحاديث وردت في الامامين السبطين وقد تلفت جملة من أبياتها فقوله : أتى حسن والحسين النبي وقد جلسا حجره يلعبان إشارة إلى ما أخرجه الطبراني وإبن عساكر في تاريخه 4 ص‍ 314 عن أبي أيوب الانصاري قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله والحسن والحسين يلعبان بين يديه في حجره فقلت : يا رسول الله ؟ أتحبهما ؟ ! فقال : كيف لا احبهما ؟ ! وهما ريحانتي من الدنيا أشمهما .
وعن جابر : قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو حامل الحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما فقلت : نعم الجمل جملكما . فقال : نعم الراكبان هما . وفي لفظ : دخلت عليه والحسن والحسين على ظهره وهو يمشى بهما على أربع يقول صلى الله عليه وآله : نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما . أخرجه إبن عساكر في تاريخ الشام 4 ص‍ 207 .
وقوله : أتى حسنا والحسين الرسول وقد برزوا ضحوة يلعبان وبعده من أبيات إشارة إلى ما أخرجه الطبراني عن يعلى بن مرة وسلمان قالا : كنا حول النبي صلى الله عليه وآله فجاء‌ت ام أيمن فقالت : يا رسول الله ؟ لقد ضل الحسن و الحسين وذلك راد النهار . يقول : إرتفاع النهار . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : قوموا فاطلبوا إبني وأخذ كل رجل تجاه وجهة وأخذت نحو النبي صلى الله عليه وآله فلم يزل حتى أتى سفح جبل وإذا الحسن والحسين يلتزق كل واحد منهما صاحبه وإذا شجاع على ذنبه يخرج من فيه شبه النار فأسرع إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فالتفت مخاطبا لرسول الله صلى الله عليه وآله ثم انساب فدخل بعض الاحجرة ثم أتاهما فأفرق بينهما ومسح وجوههما وقال : بأبي وامي أنتما ما أكرمكما على الله . ثم حمل أحدهما على عاتقه الايمن والآخر على عاتقه الايسر فقلت : طوبا لكما نعم المطية مطيتكما . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ونعم الراكبان هما وأبوهما خير منهما . ألجامع الكبير للسيوطي كما في ترتيبه 7 ص‍ 106 .
وأخرج ابن عساكر في تاريخه 4 ص‍ 317 عن عمر : قال : رأيت الحسن والحسين على عاتقي النبي فقلت : نعم الفرس راحلتكما . وفي لفظ إبن شاهين في السنة : نعم الفرس تحتكما : فقال النبي صلى الله عليه وآله : ونعم الفارسان هما .
7. عن سليمان بن أرقم قال : كنت مع السيد فمر بقاص على باب أبي سفيان إبن العلاء وهو يقول : يوزن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم القيامة في كفة بامته أجمع فيرجح بهم ، ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح ، ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح ، فأقبل على أبي سفيان فقال : لعمري ان رسول الله صلى الله عليه وآله ليرجح على امته في الفضل ، والحديث حق ، وإنما رجح الآخران الناس في سيئاتهم ، لان من سن سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها 1
قال : فما أجابه أحد فمضى فلم يبق أحد من القوم إلا سبه . ألاغاني 7 ص‍ 271 .
8. عن محمد بن كناسة قال : أهدى بعض ولاة الكوفة إلى السيد رداء‌ا عدنيا ، فكتب إليه السيد فقال :
وقد أتانا رداء من هديتكم فلا عدمتك طول الدهر من وال
هو الجمال جزاك الله صالحة لو أنه كان موصولا بسربال
فبعث إليه بخلعة تامة وفرس جواد وقال : يقطع عتاب أبي هاشم واستزادته إيانا .
9. روى المرزباني مسندا عن الحرث بن عبيدالله بن الفضل قال :
كنا عند المنصور فأمر بإحضار السيد فحضر قال : أنشدني مدحك لنا في قصيدتك الميمية التي
أولها :
أتعرف دارا عفى رسمها . . . . . .
هامش
1 أخرج حديث : من سن . ابن ماجة في سننه 1 ص‍ 90 ومسلم والترمذي والنسائى وغيرهم .
ودع التشبيب . فأنشده وقال :
فدع ذا وقل في بني هاشم فإنك بالله تستعصم
بني هاشم حبكم قربة وحبكم خير ما يعلم
بكم فتح الله باب الهدى كذاك غدا بكم يختم
الام وألقى الاذى فيكم الا لائمي فيكم ألوم
ومالي ذنب يعدونه سوى أنني بكم مغرم
وإني لكم وامق ناصح وإني بحبكم معصم
فأصبحت عندهم مأثمي مآثر فرعون أو أعظم
فلا زلت عندكم مرتضى كما أنا عندهم متهم
جعلت ثنائي ومدحي لكم على رغم أنف الذي يرغم
فقال له المنصور : أظنك اوديت في مدحنا كما اودى حسان بن ثابت في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وما أعرف هاشميا إلا ولك عليه حق . والسيد يشكره وهو يكلمه بكلام من وصفه ما سمعته يقول لاحد مثله .
10. روى المرزباني في أخبار السيد بإسناده عن جعفر بن سليمان قال : كنا عند المنصور فدخل عليه السيد فقال له : أنشدني قصيدتك التي تقول فيها :
ملك ابن هند وابن أروى قبله ملكا أمر بحله الابرام
وأضاف ذاك إلى يزيد ملكه إثم عليه في الورى وغرام
أخزى الاله بني امية إنهم ظلموا العباد بما أتوه وحاموا
نامت جدودهم وأسقط نجمهم والنجم يسقط والجدود تنام
جزعت امية من ولاية هاشم وبكت ومنهم قد بكى الاسلام
إن يجزعوا فلقد أتتهم دولة وبها تدوم عليكم الايام
فلكم يكون بكل شهر أشهر وبكل عام واحد أعوام
يا رهط أحمد إن من أعطاكم ملك الورى وعطاؤه أقسام
رد الوراثة والخلافة فيكم وبنوا امية صاغرون رغام
لمتمم لكم الذي أعطاكم ولكم لديه زيادة وتمام
أنتم بنو عم النبي عليكم من ذي الجلال تحية وسلام
وورثتموه وكنتم أولى به إن الولاء تحوزه الارحام
ما زلت أعرف فضلكم ويحبكم قلبي عليه وإنني لغلام
اوذى واشتم فيكم ويصيبني من ذي القرابة جفوة وملام
حتى بلغت مدى المشيب فأصبحت منى القرون كأنهن ثغام 1
قال : فرأيت المنصور يلقمه من كل شيئ كان بين يديه ويقول : شكرا لله و لك يا إسماعيل حبك لاهل البيت صلى الله عليهم ، ومدحك لهم ، وجزاك عنا خيرا ، يا ربيع إدفع إلى إسماعيل فرسا وعبدا وجارية وألف درهم واجعل الالف له في كل شهر .
11. عن الجاحظ عن إسماعيل الساحر قال :
كنت أسقي السيد الحميري وأبا دلامة فسكر السيد وغمض عينيه حتى حسبناه نام فجاء‌ت بنت لابي دلامة قبيحة الصورة فضمها إليه ورقصها وهو يقول :
ولم ترضعك مريم ام عيسى ولم يكفلك لقمان الحكيم
ففتح السيد عينه وقال :
ولكن قد تضمك ام سوء إلى لباتها وأب لئيم " لسان الميزان 1 ص‍ 438 "
12. روى شيخ الطايفة كما في أمالي ولده ص‍ 124 باسناده عن محمد بن جبلة الكوفي قال :
إجتمع عندنا السيد بن محمد الحميري وجعفر بن عفان الطائي 1 فقال له السيد : ويحك أتقول في آل محمد عليهم السلام شرا : ما بال بيتكم يخرب سقفه وثيابكم من أرزل الاثواب ؟ ! ؟ !
فقال جعفر : فما أنكرت من ذلك ؟ فقال له السيد : إذا لم تحسن المدح فاسكت أيوصف آل محمد بمثل هذا ؟ ! ولكني أعذرك هذا طبعك وعلمك ومنتهاك وقد قلت
هامش
1 ألثغام : شجر ابيض الزهر واحدته : ثغامة . يقال : صار الراس ثاغما . أى أبيض .
2 أبوعبدالله المكفوف من شعراء الكوفة له في اهل البيت مراثى استنشدها الامام الصادق صلوات الله عليه .
أنحو عنهم عار مدحك :
اقسم بالله وآلائه والمرء عما قال مسئول
إن علي بن أبي طالب على التقى والبر مجبول
وإنه كان الامام الذي له على الامة تفضيل
يقول بالحق ويعني به ولا تلهيه الاباطيل
كان إذا الحرب مرتها القنا وأحجمت عنها البهاليل
يمشي إلى القرن وفي كفه أبيض ماضي الحد مصقول
مشي العفرني 1 بين أشباله أبرزه للقنص 2 ألغيل 3
ذاك الذي سلم في ليلة عليه ميكال وجبريل
ميكال في ألف وجبريل في ألف ويتلوهم سرافيل
ليلة بدر مددا أنزلوا كأنهم طير أبابيل
فسلموا لما أتوا حذوه وذاك إعظام وتبجيل
كذا يقال فيه يا جعفر ؟ وشعرك يقال مثله لاهل الخصاصة والضعف . فقبل جعفر رأسه وقال : أنت والله ألراس يا أبا هاشم . ونحن الاذناب . وهذا الحديث رواه أبوجعفر الطبري في الجزء الثاني من " بشارة المصطفى " عن الشيخ أبي علي إبن شيخ الطايفة عن أبيه باسناده .
خلفاء عصره
أدرك السيد عشرا من الخلفاء : خمسة من بني امية وخمسة من بني العباس وهم :
1. هشام بن عبدالملك المتوفى 125 عن خلافة 19 سنة و 9 شهرا . ولد السيد في أول خلافته .
2. وليد بن يزيد بن عبدالملك المقتول 126 .
3. يزيد بن الوليد المتوفى 126 عن ملك ستة أشهر .

هامش
1 يقال : أسد عفرنى . أى : شديد .
2 قنص الطير قنصا : صاده . والقنص بفتح القاف والنون : المصيدة .
3 ألغيل : ألاجمة . موضع الاسد ج أغيال وغيول .
4. إبراهيم بن الوليد المتوفى 127 عن ملك ثلاثة أشهر .
5. مروان بن محمد بن مروان الحكم ألمقتول 132 وبه إنقرضت دولتهم .
6. ألسفاح أول من تسنم بالملك من بني العباس سنة 132 توفي 136 وللسيد فيه شعر يوجد في الاغاني ، وفوات الوفيات ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 2 ص‍ 214 . وكانت جراية السيد منه كل سنة جارية ومن يخدمها ، وبدرة دراهم وحاملها ، وفرسا وسائسها ، وتختا من صنوف الثياب وحامله .
7. ألمنصور المتوفى 158 وكان حسن الحال عنده يطلق لسانه بما أراد ، و كانت جرايته للسيد كل شهر ألف درهم .
8. ألمهدي بن المنصور ألمتوفى 169 تورع عنه السيد في أول خلافته وهجاه فأخذ واعتذر فرضي عنه فمدحه . مر بعض أخباره معه .
9. ألهادي بن المهدي ألمتوفى 170 .
10. ألرشيد المتوفى 193 بعد ملك 23 عاما مدحه السيد بقصيدتين فأمر له ببدرتين ففرقهما فبلغ ذلك الرشيد فقال : أحسب أبا هاشم تورع عن قبول جوائزنا .
قال المرزباني في أخبار السيد : لما ولي الرشيد رفع إليه في السيد انه رافضي فأحضره فقال : إن كان الرافضي هو الذي يحب بني هاشم ويقدمهم على سائر الخلق فما أعتذر منه ولا أزول عنه ، وإن كان غير ذلك فما أقول به ثم أنشد :
شجاك الحي إذ بانوا فدمع العين هتان
كأني يوم ردوا العيس للرحلة نشوان
وفوق العيس إذ ولوا بها حور وغزلان
إذا ما قمن فالاعجا - زفي التشبيه كثبان
وما جاوز للاعلى فأقمار وأغصان
ومنها :
علي وأبوذر ومقداد وسلمان
وعباس وعمار وعبدالله إخوان
دعوا فاستودعوا علما فأدوه ما خانوا
أدين الله ذا العزة بالدين الذي دانوا
وعندي فيه ايضاح عن الحق وبرهان
وما يجحد ماقد قل‍ - ت في السبطين إنسان
وإن أنكر ذو النصب فعندي فيه عرفان
وإن عدوه لي ذنبا وحال الوصل هجران
فلا كان لهذا الذنب عند القوم غفران
وكم عدت إساء‌ات لقوم وهي إحسان
وسري فيه يا داعي دين الله إعلان
فحبي لك ايمان وميلي عنك كفران
فعد القوم ذا رفضا فلا عدوا ولا كانوا
قال : فألطف له الرشيد ووصله جماعة من بني هاشم .
صفته في خلقته
كان السيد الحميري أسمر ، تام القامة ، أشنب 1 ذاوفرة 2 ، جميل الوجه ، رحيب الجبهة ، عريض ما بين السالفتين ، حسن الالفاظ ، جميل الخطاب ، إذا تحدث في مجلس قوم أعطى كل رجل في المجلس نصيبه من حديثه ، وكان من أظرف الناس .
قال شيبان بن محمد الحراني - وكان يلقب بعوضة من سادات الازد : كان السيد جاري وكان أدلم وكان ينادم فتيانا من فتيان الحي فيهم فتى مثله أدلم غليظ الانف والشفتين مزنج الخلقة . وكان السيد من أنتن الناس إبطين وكانا يتمازحان فيقول له السيد : أنت زنجي الانف والشفتين . ويقول الفتى للسيد : أنت زنجي اللون والابطين . فقال السيد :
أعارك يوم بعناه رباح 3 مشافره وأنفك ذا القبيحا
وكانت حصتي إبطي منه ولونا حالكا أمسى فضوحا
هامش
1 ألشنب : البياض والبريق والتحديد في الاسنان .
2 ألوفرة : ما جاود شحمة الاذنين من الشعر .
3 من أسمآء العبيد .
فهل لك في مبادلتيك إبطي بأنفك ؟ تحمد البيع الربيحا فانك أقبح الفتيان أنفا وإبطي أنتن الآباط ريحا
ألاغاني 7 ص‍ 331 ، أمالي إبن الشيخ ص‍ 43 .
ولادته ووفاته
ولد سيد الشعراء الحميري سنة 105 بعمان 1 ونشأ في البصرة في حضانة والديه الاباضيين إلى أن عقل وشعر فهاجرهما واتصل بالامير عقبة بن سلم وتزلف لديه حتى مات والده فورثهما كما مر ص‍ 232 - 234 ثم غادر البصرة إلى الكوفة وأخذ فيها الحديث عن الاعمش وعاش مترددا بينهما .
وتوفي في الرميلة ببغداد في خلافة الرشيد وهذا هو المتسالم عليه وكفن بأكفان وجهها الرشيد بأخيه وصلى عليه أخوه علي بن المهدي 2 وكبر خمسا على طريق الامامية ووقف على قبره الي أن سطح بأمر من الرشيد ودفن في جنينة 3 ناحية من الكرخ مما يلي قطيعة الربيع 4 .
أما سنة وفاته فقد أرخها المرزباني بسنة 173 ونقلها القاضي المرعشي في مجالسه عن خط الكفعمي 5 وقال إبن حجر بعد نقل التأريخ المذكور عن أبي الفرج : أرخه غيره سنة 178 ، وأرخه إبن الجوزي سنة تسع .
روى المرزباني باسناده عن إبن أبي حودان قال : حضرت السيد ببغداد عند موته فقال لغلام له : إذا مت فأت مجمع البصريين وأعلمهم بموتي وما أظنه يجيئ منهم إلا رجل أو رجلان ثم اذهب إلى مجمع الكوفيين فأعلمهم بموتي أنشدهم :
يا أهل كوفان إني وامق لكم مذ كنت طفلا إلى السبعين والكبر
أهواكم واواليكم وأمدحكم حتما علي كمحتوم من الفدر
هامش
1 لسان الميزان 1 ص‍ 438 .
2 ما في مجالس المؤمنين وبعض المعاجم : صلى عليه المهدى فيه تصحيف اذا المهدى توفى 169 قبل المترجم بسنين .
3 ألجنينة تصغير الجنة وهى الحديقة والبستان .
4 تنسب إلى الربيع بن يونس حاجب المنصور .
5 أحد الشعراء الغدير في القرن العاشر تأتى هناك ترجمته .
لحبكم لوصي المصطفى وكفى بالمصطفى وبه من سائر البشر
والسيدين أولي الحسنى ونجلهم سمي من جآء بالآيات والسور
هو الامام الذي نرجو النجاة به من حر نار على الاعدآء مستعر
كتبت شعري إليكم سائلا لكم إذ كنت أنقل من دار إلى حفر
أن لا يليني سواكم أهل بصرتنا ألجاحدون أو الحادون للبدر
ولا السلاطين ان الظلم حالفهم فعرفهم صائر لاشك للنكر
وكفنوني بياضا لا يخالطه شيئ من الوشي أو من فاخر الحبر
ولا يشيعني النصاب إنهم شر البرية من اثنى ومن ذكر
عسى الاله ينجيني برحمته ومدحي الغرر الزاكين من سقر
فإنهم ليسارعون إلي ويكبرون . فلما مات فعل الغلام ذلك فما أتى من البصريين إلا ثلاثة معهم ثلاث أكفان وعطر ، وأتى من الكوفيين خلق عظيم معهم سبعون كفنا ، ووجه الرشيد بأخيه علي وبأكفان وطيب ، فردت أكفان العامة عليهم وكفن في أكفان الرشيد ، وصلى عليه علي بن المهدي وكبر خمسا ووقف على قبره إلى أن سطح ومضى ، كل ذلك بأمر الرشيد . وروى مجيئ الكوفيين بسبعين كفنا عن أبي العينا 1 عن أبيه وزاد : فلما مات دفن بناحية الكرخ مما يلي قطيعة الربيع .
وفي حديث موته له مكرمة خالدة تذكر مدى الدهر ، وتقرأ في صحيفة التأريخ مع الابد . قال بشير بن عمار حضرت وفاة السيد في الرميلة ببغداد فوجه رسولا إلى صف الجزارين الكوفيين يعلمهم بحاله ووفاته ، فغلط الرسول فذهب إلى صف المسموسين كذا فشتموه ولعنوه ، فعلم انه قد غلط ، فعاد إلى الكوفيين يعلمهم بحاله ووفاته فوافاه سبعون كفنا قال : وحضرنا جميعا وانه ليتحسر تحسرا شديدا وانه وجهه لاسود كالقار وما يتكلم إلا أن أفاق إفاقة وفتح عينيه فنظر إلى ناحية القبلة جهة النجف الاشرف ثم قال : يا أمير المؤمنين أتفعل هذا بوليك ؟ قالها ثلاث مرات مرة بعد اخرى قال : فتجلى والله في جبينه عرق بياض فما زال يتسع
هامش
1 أبوعبدالله محمد بن القاسم بن خلاد البصرى المتوفى 283 .
ولبس وجهه حتى صار كله كالبدر وتوفي فأخذنا في جهازه ودفناه في الجنينة ببغداد وذلك في خلافة الرشيد " ألاغاني 7 ص‍ 277 "
وقال أبوسعيد محمد بن رشيد الهروي : إن السيد إسود وجهه عند الموت فقال : هكذا يفعل بأوليائكم يا أمير المؤمنين ؟ قال : فابيض وجهه كأنه القمر ليلة البدر فأنشأ يقول :
احب الذي من مات من أهل وده تلقاه بالبشرى لدى الموت يضحك
ومن مات يهوي غيره من عدوه فليس له إلا إلى النار مسلك
أبا حسن أفديك نفسي واسرتي ومالي وما أصبحت في الارض أملك
أبا حسن إني بفضلك عارف وإني بحبل من هواك الممسك
وأنت وصي المصطفى وابن عمه فإنا نعادي مبغضيك ونترك
ولاح لحاني في على وحزبه فقلت : لحاك الله إنك أعفك
مواليك ناج مؤمن بين الهدى وقاليك معروف الضلالة مشرك
رجال الكشي 185 ، أمالي إبن الشيخ ص‍ 31 ، بشارة المصطفى .
وقال الحسين بن عون : دخلت على السيد الحميري عائدا في علته التي مات فيها فوجدته يساق به ووجدت عنده جماعة من جيرانه وكانوا عثمانية وكان السيد جميل الصورة رحيب الجبهة عريض مابين السالفتين فبدت في وجهه نكتة سودآء مثل النقطة من المداد ثم لم تزل تزيد وتنمي حتى طبقت وجهه يعني إسودادا فاغتم لذلك من حضره من الشيعة فظهر من الناصبة سرور وشماتة فلم يلبث بذلك إلا قليلا حتى بدت في ذلك المكان من وجهه لمعة بيضاء فلم تزل تزيد بيضا وتنمي حتى إسفر وجهه وأشرق وإفتر السيد ضاحكا وأنشا يقول :
كذب الزاعمون : ان عليا لن ينجي محبه من هنات
قد وربي دخلت جنة عدن وعفي لي الاله عن سيآتي
فابشروا اليوم أولياء علي وتولوا علي حتى الممات
ثم من بعده تولوا بنيه واحدا بعد واحد بالصفات
ثم اتبع قوله هذا : أشهد أن لا إله إلا الله حقا حقا . وأشهد أن محمد رسول الله حقا حقا 1 وأشهد ان عليا أمير المؤمنين حقا حقا . أشهد أن لا إله إلا الله . ثم غمض عينيه لنفسه فكأنما كانت روحه ذبالة 2 طفأت أو حصاة سقطت .( أمالي الشيخ ص‍ 43 ، مناقب السروي 2 ص‍ 20 ، كشف الغمة ص‍ 124 ) .
تضلعه في العلم والتاريخ
إن من يقف على موارد حجاج السيد الحميري والمعاني التي طرقها في شعره ومحاوراته مع من عاصره من رجال الفريقين ، جد عليم بماله من خطوات واسعة و الشوط البعيد في فهم مغازي الكتاب الكريم وفقه السنة الشريفة ، وأن تهالكه في ولاء أهل البيت عليهم السلام كان على بصيرة من أمره عن علم متدفق ، ومعرفة ناضجة لا كمن يتلقى المبدء عن تقليد بحث ومدرك بسيط ، ويغلب على فكره الجلبة والسخب فمن نماذج علمه ما مر ص‍ 258 من حجاجه مع القاضي سوار في مجلس المنصور حول القول بالرجعة وإفحامه إياه بالكتاب والسنة . وما مر ص‍ 264 .
قال المرزباني في أخبار السيد : قيل إن السيد حج أيام هشام فلقي الكميت فسلم عليه وقال : أنت
لقائل :
ولا أقول إذا لم يعطيا فدكا بنت الرسول ولا ميراثه كفرا
ألله يعلم ماذا يأتيان به يوم القيامة من عذر إذا حضرا ؟ !
قال : نعم قلته تقية من بني امية وفي مضمون قولي شهادة عليهما أنهما أخذا ما كان في يدها . فقال السيد : لولا إقامة الحجة لوسعني السكوت ، لقد ضعفت يا هذا عن الحق ، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله : فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ، وإن الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها . فخالفت رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهب لها فدكا بأمر الله له وشهد لها أمير المؤمنين والحسن والحسين وام أيمن بأن رسول الله صلى الله عليه وآله أقطع فاطمة فدكا فلم يحكما لها بذلك والله تعالى يقول : يرثني ويرث من آل يعقوب . و يقول : وورث سليمان داود . وهم يجعلون سبب مصير الخلافة إليهم ألصلاة وشهادة المرأة لابيها : ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال : مروا فلانا بالصلاة بالناس . فصدقت المرأة
هامش
1 في لفظ السروى : صدقا صدقا . وأشهد أن عليا ولى الله رفقا رفقا .
2 الذبالة : الفتيلة ج ذبال .
لابيها ولاتصدق فاطمة وعلي والحسن والحسين وام أيمن في مثل فدك ، وتطالب مثل فاطمة بالبينة على ما ادعت لابيها ، وتقول أنت مثل هذا القول . وبعد : فما تقول في رجل حلف بالطلاق ان الذي طلبت فاطمة عليها السلام هو حق وأن عليا والحسن والحسين وام أيمن ماشهدوا إلا بحق ما تقول في طلاقه ؟ ! قال : ما عليه طلاق قال : فإن حلف بالطلاق انهم قالوا غير الحق ؟ ! قال : يقع الطلاق لانهم لم يقولوا إلا الحق . قال : فانظر في أمرك . فقال الكميت أنا تائب إلى الله مما قلت وأنت يا أبا هاشم أعلم وأفقه منا .
وهو مع تضلعه في علمي الكتاب والسنة ومعرفته بالحجج الدينية وبصيرته بمناهج الحجاج في المذهب وإقامة الحجة على من يضاده في المبدء كان له يد غير قصير في التأريخ وله كتاب تأريخ اليمن ذكره له الصفدى في " الوافي بالوفيات " 1 ص‍ 49 .
وفي شعره الطافح بمعاني الكتاب والسنة شهادة صادقة على إحاطته بما فيها من مرامي وإشارات ونصوص وتصريحات ، وكلما ازدادت الفضيلة قوة ، والبرهان وضوحا ، وكانت الحجة بالغة كان إعتناء‌ه بسرد القريض فيها أكثر كحديث الغدير والمنزلة والتطهير والراية والطير وأمثالها ، ومنها : حديث العشيرة الوارد في قوله تعالى :
وأنذر عشيرتك الاقربين . في بدء الدعوة النبوية فقد أشار إليه في عدة قصايد منها قوله :
بأبي أنت وامي يا أمير المؤمنينا
بأبي أنت وامي وبرهطي أجمعينا
وبأهلي وبمالي وبناتي والبنينا
وفدتك النفس مني يا إمام المتقينا
وأمين الله والوا - رث علم الاولينا
ووصي المصطفى أحمد خير المرسلينا
وولي الحوض والذا - ئد عنه المحدثينا
أنت أولى الناس بالنا - س وخير الناس دينا
كنت في الدنيا أخاه يوم يدعو الاقربينا
ليجيبوه إلى الل‍ - ه فكانوا أربعينا
بين عم وابن عم حوله كانوا عرينا
فورثت العلم منه والكتاب المستبينا
طبت كهلا وغلاما ورضيعا وجنينا
ولدى الميثاق طينا يوم كان الخلق طينا
كنت مأمونا وجيها عند ذي العرش مكينا
في حجاب النور حيا طيبا للطاهرينا
وقوله من قصيدة لم نقف على تمامها :
من فضله انه قد كان أول من صلى وآمن بالرحمن إذ كفروا
سنين سبعا وأياما محرمة مع النبي على خوف وما شعروا
ويوم قال له جبريل : قد علموا أنذر عشيرتك الادنين إن بصروا
فقام يدعوهم من دون امته فما تخلف عنه منهم بشر
فمنهم آكل في مجلس جذعا وشارب مثل عس 1 وهو محتضر
فصدهم عن نواحي قصعة شبعا فيها من الحب صاع فوقه الوذر 2
فقال : يا قوم ان الله أرسلني إليكم فأجيبوا الله وادكروا
فأيكم يجتبي قولي ويؤمن بي إني نبي رسول فانبرى غدر
فقال : تبا أتدعونا لتفلتنا عن ديننا ؟ ثم قام القوم فاشتمروا
من الذي قال منهم وهو أحدثهم سنا وخيرهم في الذكر إذ سطروا
: آمنت بالله قد اعطيت نافلة لم يعطها أحد جن ولا بشر
وإن ما قلته حق . ؟ ! وإنهم إن لم يجيبوا فقد خانوا وقد خسروا
ففاز قدما بها والله أكرمه وكان سباق غايات إذا ابتدروا
وقوله من قصيدة لم توجد بتمامها :
علي عليه ردت الشمس مرة بطيبة يوم الوحي بعد مغيب
وردت له اخرى ببابل بعدما عفت وتدلت عينها لغروب
هامش
1 ألعس بضم العين : القدح أو الاناء الكبير ج عساس وأعساس .
2 ألوذرة من اللحم : ألقطعة الصغيرة منه ج وذر وذر .
وقيل له : أنذر عشيرتك الاولى وهم من شباب أربعين وشيب
فقال لهم : إني رسول إليكم ولست أراني عندكم بكذوب وقد جئتكم من عند رب مهيمن جزيل العطايا للجزيل وهوب فأيكم يقفو مقالي ؟ ! فأمسكوا فقال : ألا من ناطق فمجيبي ؟ !
ففاز بها منهم علي وسادهم وما ذاك من عاداته بغريب
حديث بدء الدعوة
في السنة والتأريخ والادب
أخرجه غير واحد من الائمة وحفاظ الحديث من الفريقين في الصحاح والمسانيد ومر عليه آخرون منهم ممن يعتد بقوله وتفكيره مخبتين به من دون أي غمز في الاسناد أو توقف في متنه . وتلقاه المؤرخون من الامة الاسلامية وغيرها بالقبول ، وأرسل في صحيفة التأريخ إرسال المسلم ، وجآء منظوما في أسلاك الشعر والقريض وسيوافيك في شعر الناشي الصغير المتوفى 365 وغيره .
لفظ الحديث
أخرج الطبري في تأريخه 2 ص‍ 216 عن إبن حميد قال : حدثنا سلمة قال :
حدثني محمد بن إسحاق ، عن عبدالغفار بن القاسم ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب ، عن عبدالله بن العباس عن علي بن أبي طالب قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله : وأنذر عشيرتك الاقربين 1 دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا علي ؟ إن الله أمرني أن أنذر عشيرتك الاقربين فضقت بذلك ذرعا وعرفت اني متى ابادئهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره فصمت عليه حتى جاء جبريل فقال : يا محمد ؟ إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك . فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة واملا لنا عسا من لبن ثم اجمع لي بني عبدالمطلب حتى اكلمهم وابلغهم ما امرت به . ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه فيهم أعمامه : أبوطالب وحمزة والعباس وأبولهب فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وآله حذية من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال :
هامش
1 سورة الشعراء آية 214 .
خذوا بسم الله فأكل القوم حتى مالهم بشيئ حاجة وما أرى إلا موضع أيديهم ، وأيم الله الذي نفس علي بيده وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم ، ثم قال :
إسق القوم . فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا ، وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله ، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يكلمهم بدره أبولهب إلى الكلام فقال : لقدما سحركم صاحبكم . فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال الغد : يا علي ؟ إن هذا الرجل سبقني إلى ماقد سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن اكلمهم فعدلنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم أجمعهم إلي . قال : ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم ، ففعل كما فعل بالامس ، فأكلوا حتى مالهم بشيئ حاجة ثم قال : إسقهم . فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا بني عبدالمطلب ؟ إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ قال : فأحجم القوم عنها جميعا وقلت وإني لاحدثهم سنا ، وأرمصهم عينا ، و أعظمهم بطنا ، وأحمشهم ساقا : أنا يا نبي الله ؟ أكون وزيرك عليه . فأخذ برقبتي ثم قال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا قال : فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع .
وبهذا اللفظ أخرجه أبوجعفر الاسكافي المتكلم المعتزلي البغدادي المتوفى 240 في كتابه نقض العثمانية 1 وقال : إنه روي في الخبر الصحيح . ورواه الفقيه برهان الدين 2 في أنباء نجباء الابناء ص‍ 46 - 48 . وإبن الاثير في " الكامل " 2 ص‍ 24 . وأبوالفدا عماد الدين الدمشقي في تاريخه 1 ص‍ 116 . وشهاب الدين
الخفاجي في " شرح الشفا " للقاضي عياض 3 ص‍ 37 وبتر آخره وقال : ذكر في دلايل البيهقي وغيره بسند صحيح . والخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره ص‍ 390 . و هامش 1 راجع شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد 3 ص‍ 263 .
2 محمد بن محمد بن محمد بن ظفر المكى المغربى المولود 497 والمتوفى 567 / 65 .
الحافظ السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 ص‍ 392 نقلا عن الطبري وفي ص‍ 397 عن الحفاظ الستة : إبن إسحاق . وإبن جرير . وإبن أبي حاتم . وإبن مردويه وأبي نعيم . والبيهقي . وإبن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 3 ص‍ 254 . وذكره المؤرخ جرجي زيدان في تاريخ التمدن الاسلامي 1 ص‍ 31 . والاستاذ محمد حسين هيكل في حياة محمد ص‍ 104 من الطبعة الاولى .
ورجال السند كلهم ثقات إلا أبومريم عبدالغفار بن القاسم فقد ضعفه القوم وليس ذلك إلا لتشيعه فقد أثنى عليه إبن عقدة وأطراه وبالغ في مدحه كما في لسان الميزان ج 4 ص‍ 43 ، وأسند إليه وروى عنه الحفاظ المذكورون وهم أساتذة الحديث ، وأئمة الاثر ، والمراجع في الجرح والتعديل ، والرفض والاحتجاج ، ولم يقذف أحد منهم الحديث بضعف أو غمز لمكان أبي مريم في إسناده ، واحتجوا به في دلايل النبوة والخصايص النبوية .
وصححه أبوجعفر الاسكافي وشهاب الدين الخفاجي كما سمعت وحكي السيوطي في " جمع الجوامع " كما في ترتيبه 6 ص‍ 396 تصحيح إبن جرير الطبري له . على أن الحديث ورد بسند آخر رجاله كلهم ثقات كما يأتي ، أخرجه أحمد في مسنده 1 ص‍ 111 بسند رجاله كلهم من رجال الصحاح بلا كلام وهم : شريك . الاعمش . ألمنهال . عباد .
وليس من العجيب ما هملج به إبن تيمية من الحكم بوضع الحديث فهو ذلك المتعصب العنيد ، وإن من عادته إنكار المسلمات ، ورفض الضروريات ، وتحكماته معروفة ، وعرف منه المنقبون أن مدار عدم صحة الحديث عنده هو تضمنه فضايل العترة الطاهرة .
صورة اخرى
جمع رسول الله صلى الله عليه وآله أو : دعا رسول الله صلى الله عليه وآله : بني عبدالمطلب فيهم رهط كلهم يأكل الجذع ويشرب الفرق قال : فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا قال : وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس ، ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يمس . أو : لم يشرب . ثم قال : يا بني عبدالمطلب ؟ إني بعثت إليكم خاصة
وإلى الناس عامة وقد رأيتم من هذا الامر ما رأيتم ، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي و صاحبي ووارثي ؟ ! فلم يقم إليه أحد فقمت إليه وكنت أصغر القوم قال : فقال : اجلس . قال : ثم قال ثلاث مرات ، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي : اجلس . حتى كان في الثالثة فضرب بيده على يدي .
أخرجه الامام أحمد في مسنده 1 ص‍ 159 عن عفان بن مسلم ألثقة المترجم له ج 1 ص‍ 86 عن أبي عوانة ألثقة المترجم له 1 ص‍ 78 عن عثمان بن المغيرة ألثقة عن أبي صادق مسلم الكوفي الثقة عن ربيعة بن ناجذ ألتابعي الكوفي الثقة عن علي أمير المؤمنين .
وبهذا السند والمتن أخرجه الطبري في تاريخه 1 ص‍ 217 . والحافظ النسائي في " الخصايص " ص‍ 18 . وصدر الحفاظ الكنجي الشافعي في " الكفاية " ص‍ 89 . وإبن أبي الحديد في شرح النهج 3 ص‍ 255 . والحافظ السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 ص‍ 408 .
صورة ثالثة
عن أمير المؤمنين قال : لما نزلت هذه الآية : وأنذر عشيرتك الاقربين . دعا بني عبدالمطلب وصنع لهم طعاما ليس بالكثير فقال : كلوا باسم الله من جوانبها فإن البركة تنزل من ذروتها . ووضع يده أولهم فأكلوا حتى شبعوا ثم دعا بقدح فشرب أولهم ثم سقاهم فشربوا حتى رووا ، فقال أبولهب : لقدما سحركم . وقال : يا بني عبدالمطلب إني جئتكم بما لم يجئ به أحد قط أدعوكم إلي شهادة أن لا إله إلا الله وإلى الله وإلى كتابه . فنفروا وتفرقوا ، ثم دعاهم الثانية على مثلها فقال أبولهب كما قال المرة الاولى ، فدعاهم ففعلوا مثل ذلك ، ثم قال لهم ومد يده : من بايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووليكم من بعدي ؟ ! فمددت يدي وقلت : أنا ابايعك ، وأنا يومئذ أصغر القوم عظيم البطن فبايعني على ذلك . قال : وذلك الطعام أنا صنعته .
أخرجه الحافظ إبن مردويه باسناده ، ونقله عنه السيوطي في مع الجوامع كما في الكنز 6 ص‍ 401 .
صورة رابعة
بعد ذكر صدر الحديث ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا بني عبدالمطلب ؟ إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة وبعثني إليكم خاصة ، فقال : وأنذر عشيرتك الاقربين .
وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان : شهادة أن لا إله إلا الله . وأني رسول الله . فمن يجيبني إلي هذا الامر ويوازرني يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي . فلم يجبه أحد منهم ، فقام علي وقال : أنا رسول الله ؟ قال : اجلس . ثم أعاد القول على القوم ثانيا فصمتوا فقام علي وقال : أنا يا رسول الله ؟ فقال : اجلس . ثم أعاد القول على القوم ثالثا فلم يجبه أحد منهم فقام علي فقال : أنا يا رسول الله ؟ فقال : اجلس فأنت أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي .
أخرجه الحافظان : إبن أبي حاتم والبغوي ، ونقله عنهما إبن تيمية في منهاج السنة 4 ص‍ 80 ، وعنه الحلبي في سيرته 1 ص‍ 304 .
صورة خامسة
مر ص‍ 95 في حديث قيس ومعاوية فيما رواه التابعي الكبير أبوصادق الهلالي في كتابه عن قيس : فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله جميع بني عبدالمطلب فيهم : أبوطالب وأبولهب وهم يومئذ أربعون رجلا فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وخادمه علي عليه السلام ورسول الله في حجر عمه أبي طالب فقال : أيكم ينتدب أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في امتي وولي كل مؤمن بعدي ؟ ! فسكت القوم حتى أعادها ثلاثا ، فقال علي أنا يا رسول الله ؟ صلى الله عليك فوضع رأسه في حجره وتفل في فيه وقال : أللهم املا جوفه علما وفهما وحكما . ثم قال لابي طالب . يا أبا طالب ؟ إسمع الآن لابنك وأطع فقد جعله الله من نبيه بمنزلة هارون من موسى .
صورة سادسة
أخرج أبوإسحاق الثعلبي ألمتوفى 427 / 37 ، المترجم له ج 1 ص‍ 109 في تفسيره ألكشف والبيان عن الحسين بن محمد بن الحسين قال : حدثنا موسى بن محمد حدثنا ألحسن بن علي بن شعيب 1 العمرى حدثنا عباد بن يعقوب ، حدثنا علي بن هاشم عن صباح بن يحيى المزني عن زكريا بن ميسرة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال : لما نزلت هذه الآية : وأنذر عشيرتك الاقربين : جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبدالمطلب وهم يومئذ أربعون رجلا ألرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العس ، فأمر عليا برجل شاة فأدمها ثم قال : ادنوا بسم الله . فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم : اشربوا باسم الله . فشربوا حتى رووا فبدرهم أبولهب فقال : هذا ما سحركم به الرجل . فسكت يومئذ ولم يتكلم ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب ثم أنذرهم رسول الله فقال : يا بني عبدالمطلب ؟ إني أنا النذير إليكم من الله عزوجل والبشير فأسلموا وأطيعوني تهتدوا ثم قال : من يؤاخيني ويوازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلى يقضي ديني ؟ ! فسكت القوم فأعادها ثلاثا كل ذلك يسكت القوم ويقول علي : أنا فقال في المرة الثالثة : أنت . فقام القوم وهم يقولون لابي طالب : أطع إبنك فقد امر عليك .
وبهذا السند والمتن أخرجه صدر الحفاظ الكنجي الشافعي في الكفاية ص‍ 89 ، م - وجمال الدين الزرندي في " نظم درر السمطين " بتغيير يسير في لفظه .
صورة سابعة
أخرج أبوإسحاق الثعلبي في - الكشف والبيان - عن أبي رافع وفيه : ثم قال إن الله تعالى أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين ، وأنتم عشيرتي ورهطي ، وان الله لم يبعث نبيا إلا جعل له من أهله أخا ووزيرا ووارثا ووصيا وخليفة في أهله ، فأيكم يقوم فيبايعني على أنه أخي ووزيري ووصيي ويكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي ؟ ! فسكت القوم فقال : ليقومن قائمكم أو ليكونن في
غيركم ثم لتندمن . ثم أعاد الكلام ثلاث مرات فقام علي فبايعه وأجابه ثم قال :
ادن مني . فدنا منه ففتح فاه ومج في فيه من ريقه وتفل بين كتفيه وثدييه فقال أبولهب :
فبئس ما حبوت به إبن عمك ؟ إن أجابك فملات فاه ووجهه بزاقا . فقال صلى الله عليه وآله : ملاته حكمة وعلما .
هامش
1 في كفاية الكنجى : شبيب .
وفي كتاب ألشهيد الخالد ألحسين بن علي ] تأليف الاستاذ حسن أحمد
لطفي . قال في ص‍ 9 : ان النبي على مارواه كثيرون لما جمع أعمامه واسرته لينذرهم قال لهم : فأيكم يوازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ !
فأحجم الجميع إلا علي وكان أصغرهم فقال : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه . فأخذ الرسول صلى الله عليه وآله برقبته ثم قال : هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له و أطيعوا .
وفي كتاب محمد تأليف توفيق الحكيم ص‍ 50 : ما أعلم إنسانا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه ، فأيكم يوازرني على هذا الامر وأن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ ! .
قريش : لا أحد ، لا أحد .
أعرابي : نعم لا أحد يوازرك على هذا حتى ولا كلب الحي .
علي : أنا يا رسول الله عونك ، أنا حرب على من حاربت .
وذكر الحديث الصحافي القدير عبدالمسيح الانطاكي المصري 1 في تعليقه على علويته المباركة ص‍ 76 ولفظ الحديث فيه : فمن يجيبني إلى هذا الامر ويوازرني على القيام به يكن أخي ووزيري وخليفتي من بعدي ؟ ! فلم يجبه أحد من بني عبدالمطلب إلا علي وكان أحدثهم سنا فقال : أنا يا رسول الله ؟ . فقال المصطفى : اجلس . ثم أعاد القول ثانيا فصمت القوم وأجاب علي : أنا يا رسول الله . فقال المصطفى : اجلس . ثم أعاد القول ثالثا فلم يكن في بني عبدالمطلب من يجيبه غير علي فقال : أنا يا رسول الله .
حينئذ قال المصطفى عليه الصلاة والسلام : اجلس فانت أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي . فمضى القوم . إلخ . ونظم هذه الاثارة بقوله من قصيدته المذكورة :
وتلك بعثته الزهرآء عليه صلا - ة الله للخلق عربيها وعجميها
فصار يدعو إليها من توسم فيه الخير سرا وخوف الشر يخفيها
بذا ثلاثة أعوام قضى وله قد دان بعض قريش واهتدوا فيها
هامش
1 احد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر تأتى هناك ترجمته .
وبعدها جاء‌ه جبريل يأمره بأن يجاهر بالاسلام مجريها
وقال : فاصدع بأمر الله إنك مبعوث لتدعو إليه الناس تهديها
أنذر عشيرتك الدنيا بشرعتك الغرا وأظهر لها أسنى معانيها
ومذ تبلغ أمر الله هم به بهمة ما اعتدا الكفار يثنيها
ولم يجد عضدا كي يستعين به على مجاهرة قد كان خاشيها
إلا العلي فناداه وأخبره ببغيه حسب أمر الله باغيها
وقال هيئ لنا في الحال مأدبة وليتقنن لها الالوان طاهيها
فرجل شاة على صاع الطعام واعساس لها اللبن النوقي يمليها
وادع الهواشم باسمي كي اشافهها بأمر ربي باري وباريها
قام العلي بأمر المصطفى ودعا إلى وليمته أكرم بداعيها
أبناء هاشم هم كانوا عشيرته ولم يكن فيهم إلا ملبيها
وعدهم كان عند الاربعين وهم رجالة العرب في إحصاء محصيها
هذي عشيرة طه بل قرابته الدنيا التي كان للاسلام راجيها
وإذ أتته تلقاها على رحب ببشره وانثنى صفوا يحييها
حتى إذا ما استوى فيها المقام لها مد السماط وفيه ما يشهيها
فأقبلت ورسول الله يخدمها على الطعام ويعني كي يهنيها
حتى إذا أكلت ذاك الطعام ومن ألبانه سقيت والله كافيها
ظل الطعام كما قد كان وهو وأيم الله ما كان يكفي مستجيعيها
وتلك معجزة للمصطفى وبها قام العلي وعنه نحن نرويها
وثم إبتدر القوم الرسول بذك‍ - رى يمن بعثته يبدي خوافيها
وإذ أبولهب في الحال قاطعه وموه الحق بالتضليل تمويها
وقال : يا ناس طه جاء يسحركم بذا الطعام احذروا الاضلال والتيها
هي انهضوا ودعوه أن يغش نفو - س الغير في هذه الدعوى ويصبيها
وهكذا ارفض ذاك الاجتماع وأنفس الجمع داجي الكفر غاشيها
وعاد طه إلي تكرار دعوته وكان حيدرة المقدام راعيها
حتى إذا اجتمعت للاكل ثانية على الخوان انثنى طه يفاهيها
فقال : ما جاء قبلي قومه أحد بمثلها جئت من نعماء اسديها
لكم بها الخير في دنيا وآخرة إذا انضويتم إلى زاهي مغانيها
فمن يوازرني منكم فذاك أخي وذاك يخلفني في رعي ناميها
فلم يجد من لبيب راح مقتنعا بصدق بعثته أو راح راضيها
وكلما ازداد تبيانا لبعثته الزهراء زادته تكذيبا وتسفيها
وثم بو لهب ناداه : ويلك لم يجئ فتى قومه ما جئتنا ايها
تبت يداه فإن الجهل توهه والكفر في دركات النار تتويها
وكرر المصطفى أقواله علنا وقد توسع إنذارا وتنبيها
فما رأى غير ألباب محجرة هيهات ليس يلين النصح قاسيها
وأنفسا عن كتاب الله معرضة والكفر قد كان والاشراك معميها
وأحجمت كلها عن فيض رحمته مع يمن دعوته فالكل آبيها
إلا العلي فنادى دونها : فأنا نعماك يا هادي الاكوان باغيها
نادى : أن اجلس ثلاثا وهو يعرض دعواه على القوم يبغي مستجيبيها
حتى إذا بات مأيوسا ومنزعجا من الهواشم معي عن ترضيها
عنها تولى إلى حيث العلي منو - ها به بين ذاك الجمع تنويها
وكان ماسكه من طوق رقبته يقول : هذا لها والله يحميها
وقال : هذا أخي ذا وارثي وخليفتي على امتي يحمي مراعيها
وقال : فرض عليكم حسن طاعته بعدي وإمرته ويل لعاصيها
فارفض جمعهم والهزء آخذهم إلى الغواية في أدجى دياجيها
وهم يقولون : أحكام الغلام عل‍ - ي يا أبا طالب كن من مطيعيها
كذاك حيدرة ماشى النبوة مذ نادى المصطفى لبى مناديها
وشارك المصطفى من يوم أن وضع الا ساس حتى انتهت عليا مبانيها
كلمة الاسكافى حول الحديث
في كتابه ألنقض على العثمانية
قال بعد ذكر الحديث باللفظ المذكور ص‍ 278 : فهل يكلف عمل الطعام ودعاء القوم صغير غير مميز ؟ ! وغر غير عاقل ؟ ! وهل يؤتمن على سر النبوة طفل إبن خمس سنين أو إبن سبع سنين ؟ ! ؟ ! وهل يدعى في جملة الشيوخ والكهول إلا عاقل لبيب ؟ !
وهل يضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده في يده ويعطيه صفقة يمينه بالاخوة والوصية والخلافة إلا وهو أهل لذلك ؟ ! ؟ ! بالغ حد التكليف ، محتمل لولاية الله و عداوة أعدائه ، وما بال هذا الطفل لم يأنس بأقرانه ؟ ! ولم يلصق بأشكاله ؟ ! ولم يرمع الصبيان في ملاعبهم بعد إسلامه ؟ ! وهو كأحدهم في طبقته ، كبعضهم في معرفته ، وكيف لم ينزع إليهم في ساعة من ساعاته ؟ ! فيقال : وعاه بعض الصبا ، وخاطر من خواطر الدنيا ، وعملته الغرة والحدثة على حضور لهوهم ، والدخول في حالهم ، بل ما رأيناه إلا ماضيا علي إسلامه ، مصمما في أمره ، محققا لقوله بفعله ، قد صدق إسلامه بعفافه وزهده ، ولصق برسول الله صلى الله عليه وآله من بين جميع من بحضرته ، فهو أمينه وأليفه في دنياه وآخرته ، وقد قهر شهوته ، وجاذب خواطره ، صابرا على ذلك نفسه ، لما يرجو من فوز العاقبة وثواب الآخرة ، وقد ذكر هو عليه السلام في كلامه و خطبه بدء حاله وإفتتاح أمره حيث أسلم لما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله الشجرة فأقبلت تخذ الارض فقالت قريش : ساحر خفيف السحر . فقال علي عليه السلام : يا رسول الله ؟
أنا أول من يؤمن بك آمنت بالله ورسوله وصدقتك فيما جئت به وأنا أشهد ان الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تصديقا لنبوتك وبرهانا على دعوتك . فهل يكون ايمان قط أصح من هذا الايمان ؟ ! وأوثق عقدة ؟ ! وأحكم مرة ؟ ! ولكن حنق العثمانية وغيظهم و عصبية الجاحظ وإنحرافه مما لا حيلة فيه .
جنايات على الحديث
منها : ما ارتكبه الطبري في تفسيره 19 ص‍ 74 فإنه بعد روايته له في تاريخه كما سمعت قلب عليه طهر المجن في تفسيره فأثبته برمته حرفيا متنا وإسنادا غير أنه أجمل القول فيما لهج به رسول الله صلى الله عليه وآله في فضل من يبادر إلى تلقي الدعوة بالقبول قال فقال : فأيكم يوازرني على هذا الامر على أن يكون أخي وكذا وكذا ؟ ! .
وقال في كلمته صلى الله عليه وآله الاخيرة : ثم قال : إن هذا أخي وكذا وكذا .
وتبعه على هذا التقلب إبن كثير الشامي في البداية والنهاية 3 ص‍ 40 وفي تفسيره 3 ص‍ 351 فعل إبن كثير هذا وثقل عليه ذكر الكلمتين وبين يديه تاريخ الطبرى وهو مصدره الوحيد في تاريخه وقد فصل فيه الحديث تفصيلا لانه لا يروق إثبات النص لامير المؤمنين بالوصية والخلافة الدينية ، والدلالة عليه والاشارة إليه .
وهل هذه الغاية مقصد الطبري حينما حرف الكلم عن مواضعه في التفسير بعد ما جاء به صحيحا في التأريخ على حين غفلة عنها ؟ ! أنا لا أدرى ، لكن الطبري يدري . وأحسبك أيها القارئ
جد عليم بذلك .
ومنها : خزاية فاضحة تحملها محمد حسين هيكل حيث أثبت الحديث كما أوعزنا إليه في الطبعة الاولى من كتابه - حياة محمد - ص‍ 104 بهذا اللفظ :
نزل الوحي : أن أنذر عشيرتك الاقربين . واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين . وقل إني أنا النذير المبين . فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ، و دعا محمد عشيرته إلى طعام في بيته وحاول أن يحدثهم داعيا إياهم إلى الله فقطع عمه أبولهب حديثه . واستنفر القوم ليقوموا . ودعاهم محمد في الغداة كرة اخرى . فلما طعموا قال لهم : ما أعلم إنسانا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني هذا الامر وأن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ ! فأعرضوا عنه وهموا بتركه لكن عليا نهض وما يزال صبيا دون الحلم وقال : أنا يا رسول الله ؟ عونك أنا حرب على من حاربت .
فابتسم بنو هاشم وقهقه بعضهم وجعل نظرهم يتنقل من أبي طالب إلى ابنه ثم انصرفوا
مستهزئين . 1 ه‍ .
فإنه أسقط من الحديث أولا ما فرع به رسول الله صلى الله عليه وآله كلامه من قوله لعلي :
فأنت أخي ووصيي ووارثي . ثم نسب إلى أمير المؤمنين ثانيا انه قال : أنا يا رسول الله عونك أنا حرب على من حاربت . ليته دلنا على مصدر هذه النسبة في لفظ أي محدث أو مؤرخ من السلف ؟ ! وراقه أن يحكم في الحضور في تلك الحفلة بتبسم بنى هاشم وقهقهة بعضهم ولم نجد لهذا التفصيل مصدرا يعول عليه .
ومهما لم يجد هيكل وراء‌ه من يأخذه بمقاله ، ولم يرهناك من يناقشه الحساب في تقولاته وتصرفاته أسقط منه ما يرجع إلى أمير المؤمنين عليه السلام في الطبعة الثانية سنة 1354 ص‍ 139 ، ولعل السر فيه لفتة منه إلى غاية إبن كثير وأمثاله بعد النشر ، أو أن اللغط والصخب حول القول قد كثرا عليه هناك من مناوئي العترة الطاهرة ، فأخذته أمواج اللوم والعتب حتى إضطرته إلى الحذف والتحريف . أو ان العادة المطردة في جملة من المطابع عاثت في الكتاب فغض عنها الطرف صاحبه لاشتراكه معها في المبدء أو عجزه عن دفعها . وعلى أي فحي الله الشعور الحي ، والامانة الموصوفة ، والحق المضاع المأسوف عليه .
أسفي على بسطاء الامة الاسلامية وإعتنائهم بمثل هذه الكتب المشحونة بزخرف القول وأباطيل الكلم المموهة وقد جاء‌ت بذات الرعد والصليل 1 وسيل بالامة و هي لا تدري 2 . ثم أسفي على مصر وحملة علمها المتدفق ، وعلى تآليفها القيمة ، وكتابها النزهاء ، فإنها راحت ضحية تلكم الشهوات والميول ، ضحية تلكم النفوس الخائرة ، ضحية تلكم الكفريات المبيدة للمجتمع ، ضحية تلكم الاقلام المستأجرة وقد إتخذت الباطل دغلا ، وشغرت لها الدنيا برجلها 3 قل هل ننبأكم بالاخسرين أعمالا
ألذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
هامش
1 مثل يضرب لمن جاء بشر وعر .
2 مثل يضرب للساعى الغافل .
3 يضرب لمن ساعدته الدنيا فنال منها حظه .
8. ألعبدى الكوفي
هل في سؤالك رسم المنزل الخرب برء لقلبك من دآء الهوى الوصب ؟ !
أم حره يوم وشك البين يبرده ما استحدثته النوى من دمعك السرب ؟ !
هيهات أن ينفد الوجد المثير له نأي الخليط الذي ولى ولم يؤب
يا رائد الحي حسب الحي ما ضمنت له المدامع من ماء ومن عشب
ما خلت من قبل أن حالت نوى قذف إن العيون لهم أهمى من السحب
بانوا فكم أطلقوا دمعا وكم أسروا لبا وكم قطعوا للوصل من سبب
من غادر لم أكن يوما أسر له غدرا وما الغدر من شأن الفتى العربي
وحافظ العهد يبدي صفحتي فرح للكاشحين ويخفي وجد مكتئب
بانوا قبابا وأحبابا تصونهم عن النواظر أطراف القنا السلب
وخلفوا عاشقا ملقى رمى خلسا بطرفه خدر من يهوي فلم يصب
لهفي لما استودعت تلك القباب وما حجبن من قضب عنا ومن كثب
من كل هيفآء أعطاف هضيم حشا لعسآء مرتشف غرآء منتقب
كأنما ثغرها وهنا وريقتها ما ضمت الكاس من راح ومن حبب
وفي الخدور بدور لو برزن لنا بردن كل حشا بالوجد ملتهب
وفي حشاي غليل بات يضرمه شوق إلى برد ذاك الظلم والشنب 1
يا راقد اللوعة اهبب من كراك فقد بان الخليط ويا مضني الغرام ثب
أما وعصر هوى دب العزاء له ريب المنون وغالته يد النوب
هامش
همى يهمى هميا : سال . العين : صبت دمعتها .
كاشح فلانا كشاحا ومكاشحة وكشح له كشحا : عاداه .
لعس : سواد مستحسن في الشفة .
1 الظلم بالفتح : ماء الاسنان وبريقها . الشنب : بياض الاسنان وحسنها . أهبه من نومه : أيقظه .
لاشرقن 1 بدمعي إن نأت بهم دار ولم أقض ما في النفس من إرب
ليس العجيب بأن لم يبق لي جلد لكن بقائي وقد بانوا من العجب
شبت ابن عشرين عاما والفراق له سهم متى يصب شمل الفتى يشب
ماهز عطفي من شوق إلى وطني ولا اعتزاني من وجد ومن طرب
مثل اشتياقي من بعد ومنتزح إلى الغري وما فيه من الحسب
أزكى ثرى ضم أزكى العالمين فذا خير الرجال وهذا أشرف الترب
إن كان عن ناظري بالغيب محتجبا فإنه عن ضميري غير محتجب
إلى أن يقول :
يا راكبا جسرة تطوي منا سمها ملاء‌ة البيد بالتقريب والجنب 2
تقيد المغزل الادماء في صعد وتطلح الكاسر الفتخاء في صبب 3
تثني الرياح إذا مرت بغايتها حسرى الطلائح بالغيطان والخرب
بلغ سلامي قبرا بالغري حوى أوفى البرية من عجم ومن عرب
واجعل شعارك الله الخشوع به وناد خير وصي صنو خير نبي
إسمع أبا حسن إن الاولى عدلوا عن حكمك انقبلوا عن شر منقلب
ما بالهم نكبوا نهج النجاة ؟ ! وقد وضحته واقتفوا نهجا من العطب 4
ودافعوك عن الامر الذي اعتلقت زمامه من قريش كف مغتصب
ظلت تجاذبها حتى لقد خرمت خشاشها تربت من كف مجتذب 5
وكان بالامس منها المستقيل فلم أرادها اليوم لو لم يأت بالكذب ؟ !
وأنت توسعه صبرا على مضض والحلم أحسن ما يأتي مع الغضب
هامش
1 أشرقه بريقه : أى أغصه ومنه التنفس .
2 جنبه جنبا جنبا : أبعده ونحاه .
3 المغزل : من اغزلت الظبية اذا ولدت الغزال . الادم من الظباء بيضا تعلوهن طرائق فيهن غبرة . طلح : أتعب وأعيى . الكاسر : العقاب . الفتخاء : اللينة الجناح . الصبب : ما انحدر من الارض .
4 العطب : الهلاك .
5 خرم الخرزة : فصمها . شق وترة الانف . الخشاشة : عود يجعل في أنف الجمل .
حتى إذا الموت ناداه فأسمعه والموت داع متى يدع امرء‌ا يجب
حبابها آخرا فأعتاض محتقبا 1 منه بأفضع محمول ومحتقب
وكان أول من أوصى ببيعته لك النبي ولكن حال من كثب
حتى إذا ثالث منهم تقمصها وقد تبدل منها الجد باللعب
عادت كما بدأت شوهاء جاهلة تجر فيها ذئاب اكلة الغلب
وكان عتها لهم في " خم " مزدجر لما رقى أحمد الهادي على قتب
وقال والناس من دان إليه ومن ثاو لديه ومن مصغ ومرتقب
: قم يا علي فإني قد امرت بأن ابلغ الناس والتبليغ أجدر بي
إني نصبت عليا هاديا علما بعدي وإن عليا خير منتصب
فبايعوك وكل باسط يده إليك من فوق قلب عنك منقلب
عافوك لا مانع طولا ولا حصر قولا ولا لهج بالغش والريب
وكنت قطب رحى الاسلام دونهم ولا تدور رحى إلا على قطب
ولا تماثلهم في الفضل مرتبة ولا تشابههم في البيت والنسب
إن تلحظ القرن والعسال في يده يظل مضطربا في كف مضطرب
وإن هززت قناة ظلت توردها وريد ممتنع في الروع مجتنب
ولا تسل حساما يوم ملحمة إلا وتحجبه في راس محتجب
كيوم خيبر إذ لم يمتنع زفر عن اليهود بغير الفر والهرب
فأغضب المصطفى إذ جر رايته على الثرى ناكصا يهوي على العقب
فقال : إني ساعطيها غدا لفتى يحبه الله والمبعوث منتجب
حتى غدوت بها جذلان تحملها تلقآء أرعن من جمع العدى لجب 2
جم الصلادم والبيض الصوارم وا - لزرق اللهاذم والماذى واليلب 3
هامش
1 اعتاض : أخذ بدلا وخلفا . احتقب : أركبه وراء‌ه .
2 جذل وجذلان : فرح وفرحان . أرعن : أحمق . جيش لجب : ذو كثرة وجلبة .
3 الصلادم ج الصلدم : الصلب . الاسد . الزرق : يكنى به عن الاسنة والنصال لما في لونها الزرقة . اللهاذم ج اللهذم : الحاد القاطع . الماذى : كل سلاح من الحديد . اليلب : الفولاذ وخالص الحديد .
فالارض من لاحقيات مطهمة والمستظل مثار القسطل الهدب
وعارض الجيش من نقع بوارقه لمع الاسنة والهندية القضب
أقدمت تضرب صبرا تحته فغدا يصوب مزنا ولو أحجمت لم يصب
غادرت فرسانه من هارب فرق أو مقعص 1 بدم الاوداج مختضب
لك المناقب يعيى الحاسبون بها عدا ويعجز عنها كل مكتتب
كرجعة الشمس إذ رمت الصلاة وقد راحت توارى عن الابصار بالحجب
ردت عليك كأن الشهب ما اتضحت لناظر وكأن الشمس لم تغب
وفي براء‌ة أنبآء عجائبها لم تطو عن نازج يوما ومقترب
وليلة الغار لما بت ممتلا أمنا وغيرك ملآن من الرعب
ما أنت إلا أخو الهادي وناصره ومظهر الحق والمنعوت في الكتب
وزوج بضعته الزهراء يكنفها 2 دون الورى وأبوأبنآئه النجب
من كل مجتهد في الله معتضد بالله معتقد لله محتسب
هادين للرشد إن ليل الضلال دجا كانوا لطارقهم أهدى من الشهب
لقبت بالرفض لما إن منحتهم ودي وأحسن ما ادعى به لقبي
صلاة ذي العرش تترى كل آونة على ابن فاطمة الكشاف للكرب
وابنيه من هالك بالسم مخترم ومن معفر خد في الثرى ترب
والعابد الزاهد السجاد يتبعه وباقر العلم داني غاية الطلب
وجعفر وابنه موسى ويتبعه ال‍ - بر الرضا والجواد العابد الدئب
والعسكريين والمهدي قائمهم ذو الامر لابس أثواب الهدى القشب
من يملا الارض عدلا بعدما ملات جورا ويقمع أهل الزيغ والشغب
ألقائد البهم الشوس الكماة إلى حرب الطغاة على قب الكلا الشزب 3
أهل الهدى لا اناس باع بائعهم دين المهيمن بالدنيا وبالرتب
هامش
1 قعصه وأقعصه . قتله مكانه .
2 كنف الشيئ . صانه وحفظه وحاطه وضمه اليه .
3 البهم ج البهمة : الشجاع . الشوس : الشديد الجرئ في القتال . القب : القطع .
لو أن أضغانهم في النار كامنة لاغنت النار عن مذك ومحتطب
يا صاحب الكوثر الرقراق زاخرة ذود النواصب عن سلساله العذب
قارعت منهم كماة في هواك بما جردت من خاطر أو مقول ذرب
حتى لقد وسمت كلما جباهم خواطري بمضاء الشعر والخطب
صحبت حبك والتقوى وقد كثرت لي الصحاب فكانا خير مصطحب
فاستجل من خاطر العبدي آنسة طابت ولوجا وزتك اليوم لم تطب
جاء‌ت تمايل في ثوبي حيا وهدى إليك حالية بالفضل والادب
أتعبت نفسي في مدحيك عارفة بأن راحتها في ذلك التعب
وذكر إبن شهر اشوب في " المناقب " 1 ص‍ 181 ط ايران للعبدي قوله :
ما لعلي سوى أخيه محمد في الورى نظير
فداه إذ أقبلت قريش عليه في فرشه الامير
وافاه في خم وارتضاه خليفة بعده وزير
الشاعر
أبومحمد سفيان بن مصعب العبدي الكوفي . من شعراء أهل البيت الطاهر المتزلفين إليهم بولائه وشعره ، ألمقبولين عندهم لصدق نيته وانقطاعه إليهم ، وقد ضمن شعره غير يسير من مناقب مولانا أمير المؤمنين الشهيرة ، وأكثر من مدحه ومدح ذريته الاطيبين وأطاب ، وتفجع على مصائبهم ورثاهم على ما انتابهم من المحن ، ولم نجد في غير آل الله له شعرا .
إستنشده الامام الصادق صلوات الله عليه شعره كما في رواية ثقة الاسلام الكليني في " روضة الكافي " باسناده عن أبي داود المسترق عنه قال : دخلت على أبي عبدالله عليه السلام فقال : قولوا لام فروة : تجيئ فتسمع ما صنع بجدها . قال : فجاء‌ت فقعدت خلف الستر ثم قال : فأنشدنا . قال : فقلت : فر وجودي بدمعك المسكوب . . . . .
قال : فصاحت وصحن النسآء فقال أبوعبدالله عليه السلام : ألباب . فاجتمع أهل المدينة على الباب قال : فبعث إليهم أبوعبدالله : صبي لنا غشي عليه فصحن النسآء . و استنشد شعره الامام أبا عمارة المنشد كما في " الكامل لابن قولويه " ص‍ 105 باسناده عن أبي عمارة قال : قال لي أبوعبدالله عليه السلام : يا أبا عمارة ؟ أنشدني للعبدي في الحسين عليه السلام قال : فأنشدته فبكى ثم أنشدته فبكى ثم أنشدته فبكى . قال : فوالله ما زلت أنشده ويبكي حتى سمعت البكاء من الدار . ألحديث .
عده شيخ الطايفة في رجاله من أصحاب الامام الصادق ولم يك صحبته مجرد الفة معه ، أو محض اختلاف إليه ، أو أن عصرا واحدا يجمعهما لكنه حظي بزلفة عنده منبعثة عن صميم الود وخالص الولاء ، وايمان لا يشوبه أي شائبة حتى أمر الامام عليه السلام شيعته بتعليم شعره أولادهم وقال : إنه على دين الله . كا رواه الكشي في رجاله ص‍ 254 بإسناده عن سماعة قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : يا معشر الشيعة علموا أولادكم شعر العبدي فإنه على دين الله .
وينم عن صدق لهجته ، واستقامة طريقته في شعره ، وسلامة معانيه عن أي مغمز ، أمر الامام عليه السلام إياه بنظم ما تنوح به النسآء في المأتم كما رواه الكشي في رجاله ص‍ 254 .
وكان يأخذ الحديث عن الصادق عليه السلام في مناقب العترة ألطاهرة فينظمه في الحال ثم يعرضه عليه كما رواه إبن عياش في " مقتضب الاثر " عن أحمد بن زياد الهمداني قال : حدثني علي بن إبراهيم بن هاشم قال : حدثني أبي عن الحسن بن علي سجاده عن أبان بن عمر ختن آل ميثم قال : كنت عند أبي عبدالله عليه السلام فدخل عليه سفيان بن مصعب العبدي قال : جعلني الله فداك ما تقول في قوله تعالى ذكره : و على الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ؟ ! 1 قال : هم الاوصياء من آل محمد الاثنى عشر لا يعرف الله إلا من عرفهم وعرفوه . قال : فما الاعراف جعلت فداك ؟ ! قال : كثائب من مسك عليها رسول الله والاوصياء يعرفون كلا بسيماهم . فقال سفيان : أفلا أقول في ذلك شيئا ؟ ! فقال من قصيدة :
أيا ربعهم هل فيك لي اليوم مربع ؟ ! وهل لليال كن لي فيك مرجع ؟ !
هامش
1 سورة الاعراف . آية 46 .
يقول فيها : وأنتم ولاة الحشر والنشر والجزاء وأنتم ليوم المفزع الهول مفزع وأنتم على الاعراف وهي كثائب من المسك رياها بكم يتضوع ثمانية بالعرش إذ يحملونه ومن بعدهم في الارض هادون أربع والقارئ إذا ضم بعض ما ذكرنا من حديث المترجم له إلى الآخر يقف على رتبة عظيمة له من الدين تقصر دون شأوها الوصف بالثقة ، ويشاهد له في طيات الحديث والتأريخ حسن حال وصحة مذهب تفوق شؤون الحسان ، فلا مجال للتوقف في ثقته كما فعله العلامة الحلي ، ولا لعده من الحسان كما فعله غيره ، ولا يبقى لنسبته إلى الطيارة أي الغلو والارتفاع في المذهب ] وزن كما رآه أبوعمر والكشي في شعره ، ولم نجد في شعره البالغ إلينا إلا المذهب الصحيح ، والولاء المحض لعترة الوحي ، والتشيع الخالص عن كل شائبة سوء .
ويزيدك ثقة به وإعتمادا عليه رواية مثل أبي داود المنشد سليمان بن سفيان المسترق المتسالم على ثقته عنه ، وأبوداود هو شيخ الاثبات الاجلة نظرآء الحسن بن محبوب ، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، وعلي بن الحسين بن فضال .
كما أن إفراد مثل الحسين بن محمد بن علي الازدي الكوفي المجمع على ثقته وجلالته تأليفه في أخبار المترجم له وشعره عده النجاشي في فهرسته ص‍ 49 من كتبه يؤذن بموقفه الشامخ عند أعاظم المذهب ، وينبؤ عن إكبارهم محله من العلم والدين .
نبوغه في الادب والحديث
إن الواقف على شعر شاعرنا العبدي وما فيه من الجودة . والجزالة . و والسهولة . والعذوبة . والفخامة . والحلاوة . والمتانة . يشهد بنبوغه في الشعر ، و
تضلعه في فنونه ، ويعترف له بالتقدم والبروز ، ويرى ثناء الحميري سيد الشعراء عليه بأنه " أشعر الناس " من أهله في محله ، روى أبوالفرج في " الاغاني " 7 ص‍ 22 عن أبي داود المسترق سليمان بن سفيان : ان السيد والعبدي اجتمعا فأنشد السيد :
إني أدين بما دان الوصي به يوم الخريبة 1 من قتل المحلينا
هامش
1 الخريبة : موضع موضع بالبصرة كانت به واقعة الجمل .
وبالذي دان يوم النهروان به وشاركت كفه كفي بصفينا فقال له العبدي : أخطأت ، لو شاركت كفك كفه كنت مثله ، ولكن قل :
تابعت كفه كفي ، لتكون تابعا لا شريكا . فكان السيد بعد ذلك يقول : أنا أشعر الناس إلا العبدي .
والمتأمل في شعره يرى موقفه العظيم في مقدمي رجال الحديث ، ومكثري حملته ويجده في الرعيل الاول من جامعي شتاته ، وناظمي شوارده ، ورواة نوادره ، وناشري طرفه ، ويشهد له بكثرة الدراية والرواية ، ويشاهد همته العالية ، وولعه الشديد في بث الاخبار المأثورة في آل بيت العصمة صلوات الله عليهم ، وستقف على ذلك كله في ذكر نماذج شعره .
ولادته ووفاته
لم نقف على تأريخي ولادة المترجم له ووفاته ولم نعثر على ما يقربنا إليهما إلا ما سمعت من روايته عن الامام جعفر بن محمد عليه السلام وإجتماعه مع السيد الحميري المولود سنة 105 والمتوفى سنة 178 ومع أبي داود المسترق ، وملاحظة تأريخي ولادة إبي داود المسترق الراوي عنه ووفاته يؤذننا بحياة شاعرنا العبدي إلى حدود سنة وفاة الحميري فإن أبا داود توفي 231 كما في فهرست النجاشي أوفي 230 كما في رجال الكشي 1 وعاش سبعين سنة كما ذكره الكشي ، فيكون ولادة أبي داود سنة 161 على قول النجاشي و 160 على إختيار الكشي ، وبطبع الحال كان له من عمره حين روايته عن المترجم أقل ما تستدعيه الراوية ، فيستدعي بقاء المترجم أقلا إلى أواخر أيام الحميري ، فما في أعيان الشيعة 1 ص‍ 370 من كون وفاة المترجم في حدود سنة 120 قبل ولادة الراوي عنه أبي داود المسترق بأربعين سنة خال عن كل تحقيق وتقريب .
هامش
1 ما في نسخ الكشى من ذكر تأريخ وفاة ابى داود برقم 130 تصحيف 230 ، ويشهد بالتصحيف رواية طبقة اصحاب الامامين الرضا والجواد عليهما السلام عنه ، وكذلك رواية الحسن بن محبوب المولود سنة 149 والمتوفى سنة 224 ، ورواية محمد بن الحسين بن ابى الخطاب المتوفى سنة 262 .
ومن نماذج شعره :
إنا روينا في الحديث خبرا يعرفه ساير من كان روى إن ابن خطاب أتاه رجل فقال : كم عدة تطليق الاما ؟ ! فقال : يا حيدر كم تطليقة للامة ؟ اذكره فأومى المرتضى بإصبعيه فثنى الوجه إلى سائله قال : اثنتان وانثنى
قال له : تعرف هذا ؟ قال : لا قال له : هذا علي ذو العلا وقد روى عكرمة في خبر ماشك فيه أحد ولا امترى مرابن عباس على قوم وقد سبوا عليا فاستراع وبكا وقال مغتاظا لهم : أيكم سب إله الخلق جل وعلا ؟ !
قالوا : معاذ الله قال : أيكم سب رسول الله ظلما واجترا ؟ !
قالوا : معاذ الله قال : أيكم سب عليا خير من وطئ الحصا ؟ !
قالوا : نعم قد كان ذا فقال : قد سمعت والله النبي المجتبا
يقول : من سب عليا سبني وسبتي سب الاله واكتفا محمد وصنوه وابنته وابنيه خير من تحفى واحتذا
صلى عليهم ربنا باري الورى ومنشئ الخلق على وجه الثرى صفاهم الله تعالى وارتضى واختارهم من الانام واجتبى لولاهم ألله ما رفع السما ولا دحى الارض ولا أنشا الورى لا يقبل الله لعبد عملا حتى يواليهم بإخلاص الولا ولا يتم لامرء صلاته إلا بذكراهم ولا يزكوا الدعا لو لم يكونوا خير من وطئ الحصا ما قال جبريل بهم تحت العبا : هل أنا منكم ؟ ! شرفا ثم علا يفاخر الاملاك إذ قالوا : بلى لو أن عبدا لقي الله بأعمال جميع الخلق برا وتقى ولم يكن والى عليا حبطت أعماله وكب في نار لظى وإن جبريل الامين قال لي عن ملكيه الكاتبين مذ دنا إنهما ماكتبوا قط على الطهر علي زلة ولا خنا
بيان ما حوته الابيات من الحديث
مما أخرجه أعلام العامة قوله إنا روينا في الحديث خبرا يعرف ساير من كان روى أخرج الحافظ الدارقطني وإبن عساكر : ان رجلين أتيا عمر بن الخطاب وسألاه عن طلاق الامة ، فقام معهما فمشى حتى أتى حلقة في المسجد فيها رجل أصلع فقال :
أيها الاصلع ما ترى في طلاق الامة ؟ ! فرفع رأسه إليه ثم أومى إليه بالسبابة و الوسطى ، فقال لهما عمر : تطليقتان . فقال أحدهما : سبحان الله جئناك وأنت أمير المؤمنين فمشيت معنا حتى وقفت على هذا الرجل فسألته فرضيت منه أن أومى إليك . فقال لهما : تدريان من هذا ؟ ! قالا : لا . قال : هذا علي بن أبي طالب أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله لسمعته وهو يقول : إن السماوات السبع والارضين السبع لو وضعا في كفة ثم وضع ايمان علي في كفة لرجح ايمان علي بن أبي طالب .
م - وفي لفظ الزمخشري : جئناك وأنت الخليفة فسألناك عن طلاق فجئت إلى رجل فسألته ، فوالله ما كلمتك . فقال له عمر : ويلك أتدري من هذا ؟ ألحديث .
ونقله عن الحافظين : الدار قطني وإبن عساكر ألكنجي في الكفاية ص‍ 129 وقال : هذا حسن ثابت . ورواه من طريق الزمخشري خطيب الحرمين الخوارزمي في المناقب ص‍ 78 ، والسيد علي الهمداني في مودة القربى . وحديث الميزان رواه عن عمر محب الدين الطبري في " الرياض " 1 ص‍ 244 ، والصفوري في " نزهة المجالس " 2 ص‍ 240 .
قوله :
وقد روى عكرمة في خبر ماشك فيه أحد ولا امترا أخرج أبوعبدالله الملا في سيرته عن إبن عباس : انه مر بعد ما كف بصره على قوم يسبون عليا فقال لقائده : ما سمعت هؤلاء يقولون ؟ ! قال : سبوا عليا . قال : ردني إليهم . فرده فقال : أيكم الساب لله عزوجل ؟ ! قالوا : سبحان الله من سب الله فقد أشرك . قال : فأيكم الساب لرسول الله ؟ ! قالوا : سبحان الله ومن سب رسول الله فقد كفر . قال : أيكم الساب علي بن أبي طالب ؟ ! قالوا : أما هذا فقد كان . قال : فأنا اشهد بالله
وأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : من سب عليا فقد سبني ، ومن سبني فقد سب الله عزوجل ومن سب الله كبه الله على منخريه في النار . ثم ولى عنهم فقال لقائده : ما سمعتهم يقولون ؟ ! قال : ماقولوا شيئا . قال : فكيف رأيت وجوههم إذ قلت ما قلت ؟ ! قال : نظروا إليك بأعين محمرة نظر التيوس إلى شفار الجازر
قال : زدني فداك أبوك . قال :
خزر العيون نواكس أبصارهم نظر الذليل إلى العزيز القاهر قال : زدني فداك أبوك . قال : ما عندي غير هذا قال : لكن عندي : أحياؤهم عار على أمواتهم والميتون فضيحة للغابر وأخرجه محب الدين الطبري في " الرياض " 1 ص‍ 166 ، والكنجي في " الكفاية " ص‍ 27 ، وشيخ الاسلام الحمويي في " الفرايد " في الباب السادس والخمسين ، وإبن الصباغ المالكي في " الفصول " ص‍ 126 .
قوله : محمد وصنوه وابنته وابنيه خير من تحفى واحتذا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال : لما خلق الله تعالى آدم أبا البشر ونفخ فيه من روحه إلتفت آدم يمنة العرش فإذا في النور خمسة أشباح سجدا وركعا قال آدم : هل خلقت أحدا من طين قبلي ؟ ! قال : لا يا آدم قال : فمن هؤلاء الخمسة الاشباح الذين أراهم في هيئتي وصورتي ؟ ! قال : هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك ، هولاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي لولاهم ما خلقت الجنة والنار ، ولا العرش ولا الكرسي ، ولا السماء ولا الارض ، ولا الملائكة ولا الانس ولا الجن ، فأنا المحمود وهذا محمد ، وأنا العالي وهذا علي ، وأنا الفاطر وهذه فاطمة ، وأنا الاحسان وهذا الحسن ، وأنا المحسن وهذا الحسين ، آليت بعزتي أن لا يأتيني أحد بمثقال ذرة من خردل من بغض أحدهم إلا ادخله ناري ، ولا ابالي يا آدم ؟ هؤلاء صفوتي بهم انجيهم وبهم أهلكهم ، فإذا كان لك إلي حاجة فبهؤلاء توسل . فقال النبي صلى الله عليه وآله : نحن سفينة النجاة من تعلق بها نجا ، ومن حاد عنها هلك ، فمن كان إلى الله حاجة ، فليسأل بنا أهل البيت .
أخرجه شيخ الاسلام الحمويي في الباب الاول من " فرايد السمطين " . وروى قريبا منه الخطيب الخوارزمي في " المناقب " ص‍ 252 . وحديث السفينة رواه الحاكم في المستدرك 3 ص‍ 151 عن أبي ذر وصححه بلفظ : مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق . وأخرجه الخطيب في تاريخه 12 ص‍ 91 عن أنس . والبزار عن إبن عباس . وإبن الزبير . وإبن جرير ، والطبراني عن أبي ذر و أبي سعيد الخدري . وأبونعيم ، وإبن عبدالبر ، ومحب الدين الطبري . وكثيرون آخرون .
وأشار إليه الامام الشافعي بقوله المأثور عنه في " رشفة الصادي " ص‍ 24 : ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم مذاهبهم في أبحر الغي والجهل ركبت على اسم الله في سفن النجا وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل وأمسكت حبل الله وهو ولائهم كما قد امرنا بالتمسك بالحبل 1
قوله : لايقبل الله لعبد عملا حتى يواليهم بإخلاص الولا
عن إبن عباس في حديث عن النبي صلى الله عليه وآله : لو أن رجلا صفن 2 بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لاهل بيت محمد دخل النار . أخرجه الحاكم في المستدرك 3 ص‍ 149 وصححه والذهبي في تلخيصه .
وأخرج الطبراني في الاوسط من طريق أبي ليلى عن الامام السبط الشهيد عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال : ألزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقي الله عزوجل وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا ، والذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله إلا بمعرفة حقنا . و ذكره الهيثمي في " المجمع " 9 ص‍ 172 ، وإبن حجر في " الصواعق " ، ومحمد سليمان محفوظ في " أعجب ما رأيت " 1 ص‍ 8 . والنبهاني في " الشرف المؤبد " ص‍ 96 والحضرمي في " رشفة الصادي " ص‍ 43 .
وأخرج الحافظ السمان في أماليه باسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله : لو ان عبدا عبدالله سبعة آلاف سنة وهو عمر الدنيا ثم أتى الله عزوجل يبغض علي بن أبي
هامش
1 يأتى شرح هذا البيت الاخير في محله انشاء الله تعالى .
2 صفن الرجل : صف بين قدميه .
طالب جاهدا لحقه ناكثا لولايته لاتعس الله خيره وجدع أنفه . وذكره القرشي في شمس
الاخبار ص‍ 40 .
وأخرج الخوارزمي في " المناقب " ص‍ 39 عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال لعلي : يا علي ؟ لو أن عبدا عبدالله عزوجل مثل ما قام نوح في قومه وكان له مثل احد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ومد في عمره حتى حج ألف عام على قدميه ، ثم قتل بين الصفا والمروة مظلوما ، ثم لم يوالك يا علي ؟ لم يشم رائحة الجنة ولم يدخلها . عن ام سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال : يا ام سلمة أتعرفينه ؟ ! قلت : نعم هذا علي بن أبي طالب . قال : صدقت سجيته سجيتي ودمه دمي وهو عيبة علمي فاسمعي واشهدي لو ان عبدا من عبادالله عزوجل عبدالله ألف عام بين الركن والمقام ثم لقي الله عزوجل مبغضا لعلي بن أبي طالب وعترتي أكبه الله تعالى على منخره يوم القيامة في نار جهنم . أخرجه الحافظ الكنجي باسناده من طريق الحافظ أبي الفضل السلامي ثم قال : هذا حديث سنده مشهور عند أهل النقل .
وأخرج إبن عساكر في تاريخه مسندا عن جابر بن عبدالله عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث : يا علي ؟ لو أن امتي صاموا حتى يكونوا كالحنايا ، وصلوا حتى يكونوا كالاوتار ، ثم أبغضوك لاكبهم الله في النار . وذكره الكنجي في " الكفاية " ص‍ 179 و أخرجه الفقيه إبن المغازلي في " المناقب " ونقله عنه القرشي في " شمس الاخبار " ص‍ 33 . ورواه شيخ الاسلام الحمويي في " الفرايد " في الباب الاول .
وهناك أخبار كثيرة تضاهي هذه في ولاء أمير المؤمنين وعترته لا يسعنا ذكرها . قوله :
ولا يتم لامرء صلاته إلا بذكراهم . . .
أشار إلى كون الصلاة عليهم مأمورا بها في الصلاة وفي المقام أخبار كثيرة وكلمات ضافية توجد في طيات كتب الفقه والتفسير والحديث . ذكر إبن حجر في " الصواعق " ص‍ 87 قوله تعالى : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما . وروى جملة من الاخبار الصحيحة الواردة فيها وان النبي صلى الله عليه وآله قرن الصلاة على آله بالصلاة عليه لما سئل عن كيفية الصلاة والسلام عليه
ثم قال : وهذا دليل ظاهر على أن الامر بالصلاة على أهل بيته وبقية آله مراد منه هذه الآية وإلا لم يسألوا عن الصلاة على أهل بيته وآله عقب نزولها ولم يجابوا بما ذكر فلما اجيبوا به دل على ان الصلاة عليهم من جملة المأمور به وانه صلى الله عليه وآله أقامهم في ذلك مقام نفسه لان القصد من الصلاة عليه مزيد تعظيمه ومنه تعظيمهم ومن ثم لما دخل من مر في الكساء قال : أللهم انهم مني وأنا منهم فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك علي وعليهم 1 وقضية إستجابة هذا الدعاء : ان الله صلى عليهم معه فحينئذ طلب من المؤمنين صلاتهم عليهم معه . ويروى : لا تصلوا علي ألصلاة البتراء .
فقالوا : وما الصلاة البتراء ؟ قال : تقولون : أللهم صلى على محمد وتمسكون بل قولوا :
أللهم صلى على محمد وعلى آل محمد . ثم نقل الامام الشافعي قوله :
يا أهل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر إنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له 1
فقال : فيحتمل لا صلاة له صحيحة فيكون موافقا لقوله بوجوب الصلاة على الآل ، ويحتمل لا صلاة كاملة فيوافق أظهر قوليه .
وقال ص‍ 139 من " الصواعق " : أخرج الدارقطني والبيهقي حديث من صلى صلاة ولم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه . وكأن هذا الحديث هو مستند قول الشافعي رضي الله عنه : إن الصلاة على الآل من واجبات الصلاة كالصلاة عليه صلى الله عليه وآله لكنه ضعيف فمستنده الامر في الحديث المتفق عليه : قولوا : أللهم صلي على محمد و على آل محمد . والامر للوجوب حقيقة على الاصح .
وقال الرازي في تفسيره 7 ص‍ 391 : إن الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وقوله : أللهم صلى على محمد وآل محمد ، و ارحم محمدا وآل محمد . وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب . وقال : أهل بيته صلى الله عليه وآله ساووه في خمسة أشياء : في الصلاة عليه وعليهم في التشهد . وفي السلام . والطهارة . وفي تحريم الصدقة . وفى المحبة .
هامش
1 أخرجه احمد في مسنده 6 ص‍ 323 . ونسبهما إلى الامام الشافعى الزرقاني في شرح المواهب 7 ص‍ 7 وجمع آخرون .
وقال النيسابوري في تفسيره عند قوله تعالى : قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى : كفى شرفا لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وفخرا ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة .
وروى محب الدين الطبري في " الذخاير " ص‍ 19 عن جابر رضي الله عنه انه كان يقول : لو صليت صلاة لم اصل فيها على محمد وعلى آل محمد ما رأيت أنها تقبل .
وأخرج القاضي عياض في الشفا عن إبن مسعود مرفوعا : من صلى صلاة لم يصل علي فيها وعلى أهل بيتي لم تقبل منه . وللقاضي الخفاجي الحنفي في شرح الشفا 3 ص‍ 500 - 505 فوائد جمة حول المسألة وذكر مختصر ما صنفه الامام الخيصري في المسألة سماه زهر الرياض في رد ما شنعه القاضي عياض . وصور الصلوات
المأثورة على النبي وآله مذكورة في شفاء السقام لتقي الدين السبكي ص‍ 181 187 -، وأورد جملة منها ألحافظ الهيثمي في مجمع الزوايد ج 10 ص‍ 163 وأول لفظ ذكره عن بريدة قال : قلنا : يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك ، فكيف نصلي عليك ؟ !
قال . قولوا أللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وآله محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
قوله : ولا يزكو الدعا إشارة إلي ما أخرجه الديلمي انه صلى الله عليه وآله قال : ألدعاء محجوب حتى يصلى على محمد وأهل بيته : أللهم صلي على محمد وآله . ورواه عنه إبن حجر في " الصواعق " ص‍ 88 .
وأخرجه الطبراني في الاوسط عن علي أمير المؤمنين عليه السلام : كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد وآل محمد . وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 10 ص‍ 160 وقال : رجاله ثقات .
وأخرجه البيهقى وإبن عساكر وغيرهما عن علي عليه السلام مرفوعا ما معناه : ألدعاء والصلاة معلق بين السماء والارض لا يصعد إلى الله منه شيئ حتى يصلى عليه صلى الله عليه وآله وعلى آل محمد . " شرح الشفا للخفاجي " 3 ص‍ 506 .
قوله : لو لم يكونوا خير من وطئ الحصا ما قال جبريل لهم تحت العبا
أشار إلى ما ورد في لفظ بعض رواة حديث الكساء الصحيح المتواتر المتفق عليه من : انه صلى الله عليه وآله أدرج معهم جبرئيل وميكائيل . ذكره الشبلنجي في نور الابصار ص‍ 112 ، والصبان في " الاسعاف " هامش نور الابصار ص‍ 107 .
قوله : وإن جبريل الامين قال لي عن ملكيه الكاتبين مذ دنا أخرج الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخه 14 49 عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن حافظي علي بن أبي طالب ليفخران على ساير الحفظة لكينونتهما مع علي بن أبي طالب وذلك انهما لم يصعدا إلى الله تعالى بعمل يسخطه . وفي لفظه الآخر : قط . وأخرجه الفقيه إبن المغازلي في " المناقب " . والخوارزمي في " المناقب " 251 . والقرشي في شمس الاخبار ص‍ 36 .
ومن شعر العبدى
آل النبي محمد أهل الفضايل والمناقب
ألمرشدون من العمى والمنقذون من اللوازب
ألصادقون الناطقون السابقون إلى الرغائب
فولاهم فرض من الر - حمن في القرآن واجب
وهم الصراط فمستقيم فوقه ناج وناكب
صديقة خلقت لصد يق شريف في المناسب
اختاره واختارها طهرين من دنس المعايب
إسماهما قرنا على سطر بظل العرش راتب
كان الاله وليها و أمينه جبريل خاطب
والمهر خمس الارض مو - هبة تعالت في المواهب
وتهابها من حمل طوبى طيبت تلك المناهب
بيان ما ضمنته الابيات من الحديث قوله : ألصادقون : إشارة إلى ما روي في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين . سورة التوبة من طريق الحافظ أبي نعيم وإبن مردويه وإبن عساكر وآخرين كثيرين عن جابر وإبن عباس : أي كونوا مع علي إبن أبي طالب . ورواه الكنجي الشافعي في " الكفاية " ص‍ 111 . والحافظ السيوطي في الدر المنثور 3 ص‍ 290 . وقال سبط إبن الجوزي الحنفي في تذكرته ص‍ 10 :
قال علماء السير : معناه : كونوا مع علي وأهل بيته . قال إبن عباس : علي سيد الصادقين .
قوله : ألسابقون إلى الرغائب : إشارة إلى قوله تعالى : والسابقون السابقون أولئك المقربون . سورة الواقعة وانها نزلت في علي عليه السلام . أخرج إبن مردويه عن إبن عباس : انها نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون . وحبيب النجار الذي ذكر في يس . وعلي بن أبي طالب . وكل رجل منهم سابق امته وعلي أفضلهم .
وفي لفظ إبن أبي حاتم يوشع بن نون بدل حزقيل . وأخرج الديلمي عن عايشة . و الطبراني وإبن الضحاك والثعلبي وإبن مردويه وإبن المغازلي عن إبن عباس : إن النبي صلى الله عليه وآله قال : ألسبق . وفي لفظ : ألسباق ثلاثة : ألسابق إلى موسى يوشع بن نون وصاحب ياسين إلى عيسى . والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب . وزاد الثعالبي في لفظه : فهم الصديقون وعلي أفضلهم .
ورواه محب الدين الطبري في رياضه 1 ص‍ 157 ، والهيثمي في " المجمع " 9 ص‍ 102 ، والكنجي في " الكفاية " ص‍ 46 بلفظ : سباق الامم ثلاثة لم يشركوا بالله طرفة عين : علي بن أبي طالب . وصاحب ياسين . ومؤمن آل فرعون . فهم الصديقون وعلي أفضلهم . ثم قال : هذا سند إعتمد عليه الدار قطني واحتج به .
ورواه باللفظ الاول ألحافظ السيوطي في الدر المنثور 6 ص‍ 154 . وإبن حجر في " الصواعق " ص‍ 74 . وسبط إبن الجوزي في " التذكرة " ص‍ 11 .
قوله :
فولاهم فرض من الرحمان في القرآن واجب أشار به إلى قوله تعالى : قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ، ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا 1 توجد في الكتب والمعاجم أحاديث و كلمات ضافية حول الآية الشريفة لا يسعنا بسط المقال فيها غير أنا نقتصر بجملة منها .
هامش
1 سورة الشورى . آية 23 .
1. أخرج أحمد في المناقب . وإبن المنذر . وإبن أبي حاتم . والطبراني . و إبن مردويه . والواحدي . والثعلبي . وأبونعيم . والبغوى في تفسيره . وإبن المغازلي في المناقب بأسانيدهم عن إبن عباس قال : لما نزلت هذه الآية قيل : يا رسول الله من قرابتك هولاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ ! فقال : علي وفاطمة وإبناهما .
ورواه محب الدين الطبري في " الذخائر " ص‍ 25 ، والزمخشري في " الكشاف 2 ص‍ 339 . والحمويي في " الفرايد " ، والنيسابوري في تفسيره ، وإبن طلحة الشافعي في " مطالب السئول " ص‍ 8 وصححه ، والرازي في تفسيره ، وأبوالسعود في تفسيره 1 هامش تفسير الرازي 7 ص‍ 665 ، وأبوحيان في تفسيره 7 ص‍ 516 ، والنسفي في تفسيره هامش تفسير الخازن 4 ص‍ 99 ، والحافظ الهيثمي في " المجمع " 9 ص‍ 168 ، وإبن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص‍ 12 ، والحافظ الكنجي في " الكفاية " ص‍ 31 ، والقسطلاني في " المواهب " وقال : ألزم الله مودة قرباه كافة بريته ، وفرض محبة جملة أهل بيته المعظم وذريته فقال تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى . ورواه الزرقاني في شرح المواهب 7 ص‍ 3 و 21 ، وإبن حجر في " الصواعق " ص‍ 101 و 135 ، م - والسيوطي في إحياء الميت هامش " الاتحاف " ص‍ 239 ، والشبلنجي في " نور الابصار " 112 ، والصبان في " الاسعاف " هامش نور الابصار ص‍ 105 .
2. أخرج الحافظ أبوعبدالله الملا في سيرته : ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إن الله جعل أجري عليكم المودة في أهل بيتي وإني سائلكم غدا عنهم . ورواه محب الدين الطبري في " الذخائر " ص‍ 25 ، وإبن حجر في " الصواعق " ص‍ 102 و 136 ، والسمهودي في جواهر العقدين .
3. قال جابر بن عبدالله : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال : يا محمد أعرض علي الاسلام فقال : تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده و رسوله . قال : تسألني عليه أجرا ؟ ! قال : لا إلا المودة في القربى . قال : قرابتي أو قرابتك ؟ ! قال : قرابتي . قال : هات ، ابايعك ، فعلى من لا يحبك ولا يحب قرابتك لعنة الله . فقال النبي صلى الله عليه وآله : آمين . أخرجه الحافظ الكنجي في " الكفاية " ص‍ 31 من طريق الحافظ أبي نعيم عن محمد بن أحمد بن مخلد عن الحافظ إبن أبي شيبة باسناده .
4. أخرج الحافظ الطبري وإبن عساكر م - والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل لقواعد التفضيل بعدة طرق عن أبي أمامة الباهلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله خلق الانبياء من أشجار شتى وخلقني من شجرة واحدة فأنا أصلها ، وعلي فرعها ، و وفاطمة لقاحها ، والحسن والحسين ثمرها ، فمن تعلق بغصن من أغصانها نجا ، ومن زاغ عنها هوى ، ولو أن عبدا عبدالله بين الصفا والمروة ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام ثم لم يدرك صحبتنا أكبه الله على منخريه في النار . ثم تلا : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى . وذكر الكنجي في " الكفاية " ص‍ 178 .
5. أخرج أحمد وأبي حاتم عن إبن عباس في قوله تعالى : ومن يقترف حسنة قال : ألمودة لآل محمد . ورواه الثعلبي في تفسيره مسندا ، وإبن الصباغ المالكي في " الفصول " ص‍ 13 ، وإبن المغازلي في " المناقب " ، وإبن حجر في " الصواعق " ص‍ 101 ، والسيوطي في " الدر المنثور " 6 ص‍ 7 ، و " إحياء الميت " - هامش الاتحاف ص‍ 239 ، والحضرمي في " الرشفة " ص‍ 23 ، والنبهاني في الشرف المؤبد ص‍ 95 .
6. أخرج أبوالشيخ إبن حبان في كتابه " ألثواب " من طريق الواحدي عن علي عليه السلام قال : فينا آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن . ثم قرأ : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى . وذكره إبن حجر في " الصواعق " 101 و 136 ، والسمهودي في [ جواهر العقدين .
7. عن أبي الطفيل قال : خطبنا الحسن بن علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه وذكر أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه خاتم الاوصياء ووصي الانبياء وأمين الصديقين . والشهداء ثم قال : أيها الناس لقد فارقكم رجل ما سبقه الاولون ولا يدركه الآخرون لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعطيه الراية فيقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله عليه ، ولقد قبضه الله في الليلة التي قبض فيها وصي موسى وعرج بروحه في الليلة التي عرج فيها بروح عيسى بن مريم ، وفي الليلة التي أنزل الله عزوجل فيها الفرقان ، والله ما ترك ذهبا ولا فضة ، وما في بيت ماله إلا سبعمائة وخمسون درهما فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادما لام كلثوم . ثم قال : من
عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد . ثم تلا هذه الآية قول يوسف :
وإتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب . ثم أخذ في كتاب الله . ثم قال : أنا ابن ألبشير ، وأنا ابن النذير ، أنا ابن النبي ، أنا إبن الداعي إلى الله باذنه ، وأنا إبن السراج المنير ، وأنا إبن الذي ارسل رحمة للعالمين ، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وأنا من اهل البيت الذين إفترض الله عزوجل مودتهم وولايتهم فقال فيما أنزل على محمد : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى .
وفي لفظ الحافظ الزرندي في [ نظم درر السمطين وأنا من أهل البيت الذين كان جبريل عليه السلام ينزل فينا ويصعد من عندنا ، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله تعالى مودتهم على كل مسلم وأنزل الله فيهم : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا . وإقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت .
أخرجه البزار والطبراني في الكبير . وأبوالفرج في مقاتل الطالبيين . و إبن إبي الحديد في شرح النهج 4 ص‍ 11 . والهيثمي في مجمع الزوايد 9 ص‍ 146 . وإبن الصباغ المالكي في الفصول ص‍ 166 وقال : رواه جماعة من أصحاب السير وغيرهم .
والحافظ الكنجي في الكفاية ص‍ 32 من طريق إبن عقدة عن أبي الطفيل . والنسائي عن هبيرة ، وإبن حجر في الصواعق ص‍ 101 و 136 . والصفوري في نزهة المجالس 2 ص‍ 231 . وألحضرمي في الرشفة 43 .
8. أخرج الطبري في تفسيره 24 ص‍ 16 بإسناده عن السدي عن أبي الديلم قال :
لما جيئ بعلي بن الحسين ألامام السجاد رضي الله عنهما أسيرا فاقيم على درج الدمشق قام رجل من أهل الشام فقال : ألحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرني الفتنة .
فقال له علي بن الحسين رضي الله عنه : أقرأت القرآن ؟ ! فقال : نعم . قال : فقرأت آل حم ؟ ! قال : قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم . قال : ما قرأت : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى . قال : وإنكم لانتم هم ؟ ! قال : نعم .
ورواه الثعلبي في تفسير بإسناده . وأشار إليه أبوحيان في تفسيره 7 ص‍ 516 .
وأخرجه السيوطي في الدر المنثور 6 ص‍ 7 . وإبن حجر في الصواعق 101 و 136 . عن الطبراني . والزرقاني في شرح المواهب 7 ص‍ 20 .
9. روى الطبري في تفسيره 24 ص‍ 16 و 17 عن سعيد بن بن جبير وعمرو بن شعيب انهما قالا : هي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله . ورواه عنهما وعن السدي أبوحيان في تفسيره و السيوطي في الدر المنثور . قال الفخر الرازي في تفسيره 7 ص‍ 390 : وأنا أقول : آل محمد صلى الله عليه وآله هم الذين يؤول أمرهم إليه فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل ، ولا شك ان فاطمة وعليا والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله أشد التعلقات ، وهذا كالمعلول بالنقل المتواتر ، وجب أن يكونوا هم الآل .
10. وقال المناوي : قال الحافظ الزرندي . لم يكن أحد من العلمآء المجتهدين و والائمة المهتدين إلا وله في ولاية أهل البيت الحظ الوافر والفخر الزاهر كما أمر الله بقوله : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى 1 وقال إبن حجر في الصواعق ص‍ 89 : أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه وآله قال : وقفوهم إنهم مسئولون عن ولاية علي . وكأن هذا هو مراد الواحدي بقوله : روي في قوله تعالى : وقفوهم إنهم مسئولون أي عن ولاية علي وأهل البيت لان الله أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يعرف الخلق انه لا يسألهم على تبليغ الرسالة أجرا إلا المودة في القربى . والمعنى إنهم يسألون : هل والوهم حق المولاة كما أوصاهم النبي صلى الله عليه وآله أم أضاعوها وأهملوها ؟ ! ؟ ! فتكون عليهم المطالبة والتبعة .
وذكر في الصواعق ص‍ 101 للشيخ شمس الدين إبن العربي قوله :
رأيت ولائي آل طه فريضة على رغم أهل البعد يورثني القربا فما طلب المبعوث أجرا على الهدى بتبليغه إلا المودة في القربى وذكر إبن الصباغ المالكي في الفصول ص‍ 13 لقائل :
هم العروة الوثقى لمعتصم بها مناقبهم جاء‌ت بوحي وإنزال مناقب في شورى وسورة هل أتى وفي سورة الاحزاب يعرفها التالي
هامش
1 وقفنا على نظم درر السمطين للحافظ الزردنى فوجدنا الكلمة على ما حكاها المناوى .
وهم آل بيت المصطفى فودادهم على الناس مفروض بحكم وإسجال وذكر لآخر :
هم القوم من أصفاهم الود مخلصا تمسك في اخراه بالسبب الاقوى
هم القوم فاقوا العالمين مناقبا محاسنهم تجلى وآثارهم تروى
موالاتهم فرض وحبهم هدى وطاعتهم ود وودهم تقوى
وذكر الشبلنجي في نور الابصار ص‍ 13 لابي الحسن بن جبير :
احب النبي المصطفى وإبن عمه عليا وسبطيه وفاطمة الزهرا
هم أهل بيت أذهب الرجس عنهم وأطلعهم افق الهدى أنجما زهرا
موالاتهم فرض على كل مسلم وحبهم أسنى الذخائر للاخرى
وما أنا للصحب الكرام بمبغض فإني أرى البغضاء في حقهم كفرا
قوله :
وهم الصراط فمستقيم فوقه ناج وناكب أخرج الثعلبي في " الكشف والبيان " في قوله تعالي : إهدنا الصراط المستقيم .
قال مسلم بن حيان : سمعت أبا بريدة يقول : صراط محمد وآله .
وفي تفسير وكيع بن الجراح عن سفيان الثوري عن السدي عن أسباط ومجاهد عن عبدالله بن عباس في قوله تعالى : إهدنا الصراط المستقيم . قال : قولوا معاشر العباد أرشدنا إلى حب محمد وأهل بيته .
وأخرج الحمويي في " الفرايد " بإسناده عن أصبغ بن نباتة عن علي عليه السلام في قوله تعالى : وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون 1 قال :
ألصراط ولايتنا أهل البيت .
وأخرج الخوارزمي في " المناقب " : ألصراط صراطان : صراط في الدنيا . وصراط في الآخرة . فأما صراط الدنيا فهو علي بن أبي طالب . وأما صراط الآخرة فهو جسر جهنم . من عرف صراط الدنيا جاز على صراط الآخرة . ويوضح معنى هذا الحديث ما أخرجه ابن عدي والديلمي كما في " الصواعق " ص‍ 111 عن رسول الله صلى الله
هامش
1 سورة المؤمنون . آية 75 .
عليه وآله قال : أثبتكم على الصراط أشدكم حبا لاهل بيتي ولاصحابي .
وأخرج شيخ الاسلام الحمويي بإسناده في فرايد السمطين في حديث عن الامام جعفر الصادق قوله : نحن خيرة الله ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله .
فهم الصراط إلى الله فمن تمسك بهم فقد إتخذ إلى ربه سبيلا كما ورد فيما أخرجه أبوسعيد في شرف النبوة بإسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا ، فمن تمسك بنا إتخذ إلى ربه سبيلا . ذخاير العقبى ص‍ 16 .
قوله : صديقة .
يعني به فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله سماها بهاأبوها فيما أخرجه أبوسعيد في " شرف النبوة " عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال لعلي : اوتيت ثلاثا لم يؤتهن أحد ولا أنا : اوتيت صهرا مثلي ولم اوت أنا مثلي . واوتيت زوجة صديقة مثل إبنتي و لم اوت مثلها زوجة . واوتيت الحسن والحسين من صلبك ولم اوت من صلبي مثلهما ، ولكنكم مني وأنا منكم . ألرياض النضرة 2 ص‍ 202 .
وعن عايشة ام المؤمنين قالت : ما رأيت أحد كان أصدق لهجة من فاطمة إلا أن يكون الذي ولدها صلى الله عليه وآله . حلية الاولياء 2 ص 42 ، الاستيعاب 2 ص 751 ذخاير العقبى ص 44 ، تقريب الاسانيد وشرحه 1 ص 150 ، مجمع الزوايد 9 ص 201 وقال : رجاله رجال الصحيح .
قوله : لصديق .
يعني به أمير المؤمنين صلوات الله عليه وهو صديق هذه الامة وذلك لقبه الخاص ، قال محب الدين الطبري في رياضه : إن رسول الله صلى الله عليه وآله سماه صديقا وقال في ص 155 :
قال الخجندي : وكان يلقب بيعسوب الامة وبالصديق الاكبر . وهناك أخبار كثيرة نذكر بعضها .
1. أخرج إبن النجار وأحمد في المناقب عن إبن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله ألصديقون
ثلاثة : حزقيل مؤمن آل فرعون . وحبيب النجار صاحب آل ياسين . وعلي بن أبي طالب . وأخرجه أبونعيم في المعرفة وإبن عساكر عن أبي ليلى ، وزادا في لفظهما : وهو أفضلهم .
وأخرجه محب الدين الطبري في الرياض 2 ص 154 ، والكنجي في الكفاية 47 بلفظ أبي ليلى ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 ص‍ 152 ، وإبن حجر في الصواعق ص‍ 74 بلفظ إبن عباس ، وص‍ 75 بلفظ أبي ليلى .
2. عن رسول الله صلى الله عليه وآله : إن هذا أول من آمن بي ، وهو أول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصديق الاكبر ، وهذا فاروق هذه الامة ، يفرق بين الحق و الباطل ، وهذا يعسوب المؤمنين .
أخرجه الطبراني عن سلمان وأبي ذر . والبيهقي والعدني عن حذيفة . والهيثمي في المجمع 9 ص‍ 102 ، والحافظ الكنجي في الكفاية 79 من طريق الحافظ إبن عساكر وفي آخره : وهو بابي الذي أوتى منه وهو خليفتي من بعدي . وذكره باللفظ الاول المتقي الهندي في إكمال كنز
العمال 6 ص‍ 56 .
3. عن إبن عباس وأبي ذر قالا : سمعنا النبي صلى الله عليه وآله يقول لعلي :
أنت الصديق الاكبر ، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل .
أخرجه محب الدين في الرياض 2 ص‍ 155 وقال : وفي رواية : وأنت يعسوب الدين .
عن الحاكمي والقرشي في شمس الاخبار ص‍ 35 وفيه : وأنت يعسوب المؤمنين . ورواه مع الزياد شيخ الاسلام الحمويي في الفرايد في الباب الرابع والعشرين . وإبن أبي الحديد عن أبي رافع في شرح النهج 3 ص‍ 257 ولفظه : قال أبورافع : أتيت أبا ذر بالربذة اودعه فلما أردت الانصراف قال لي ولاناس معي : ستكون فتنة فاتقوا الله وعليكم بالشيخ علي بن أبي طالب فاتبعوه ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له : أنت أول من آمن بي ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وأنت الصديق الاكبر ، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل ، وأنت يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الكافرين ، وأنت أخي ووزيري وخير من أترك بعدي وتنجز موعدي . وذكره القاضي الايجي في " المواقف " 3 ص‍ 276 ، والصفوري في نزهة المجالس 2 ص‍ 205 .
4. عن النبي صلى الله عليه وآله قال قال لي ربي عزوجل ليلة أسرى بي : من خلفت على امتك يا محمد ؟ قال قلت : يا رب أنت أعلم . قال : يا محمد ؟ إنتجبتك برسالتي ، واصطفيتك لنفسي ، وأنت نبيي وخيرتي من خلقي ، ثم الصديق الاكبر الطاهر المطهر الذي خلقته من طينتك وجعلته وزيرك وأبي سبطيك السيدين الشهيدين الطاهرين المطهرين سيدي شباب الجنة : وزوجته خير نساء العالمين ، أنت شجرة وعلي غصنها وفاطمة ورقها والحسن والحسين ثمارها ، خلقتهما من طينة عليين وخلقت شيعتكم منكم ، انهم لو ضربوا على أعناقهم بالسيوف ما ازدادوا لكم إلا حبا . قلت : يا رب ومن الصديق الاكبر ؟ ! قال : أخوك علي بن أبي طالب .
أخرجه القرشي في " شمس الاخبار " ص‍ 33 .
5. عن علي عليه السلام انه قال : أنا عبدالله وأخو رسوله وأنا الصديق الاكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتري ، لقد صليت قبل الناس سبع سنين . أخرجه إبن أبي شيبة بسند صحيح . والنسائي في " الخصايص " ص‍ 3 بسند رجاله ثقات . وإبن أبي عاصم في " السنة " . والحاكم في " المستدرك " 3 ص‍ 112 وصححه . وأبونعيم في " المعرفة " . وإبن ماجه في سننه 1 ص‍ 57 بسند صحيح . والطبري في تاريخه 2 ص‍ 213 باسناد صحيح . والعقيلي . والخلعي . وإبن الاثير في " الكامل " 2 ص‍ 22 . و إبن أبي الحديد في شرح النهج 3 ص‍ 257 . ومحب الدين الطبري في " الذخاير " ص‍ 60 ، و " الرياض " 2 ص‍ 155 و 158 و 167 . والحمويي في " الفرايد " في الباب التاسع والاربعين . والسيوطي في " الجمع " كما في ترتيبه 6 ص‍ 394 . وفي طبقات الشعراني 2 ص‍ 55 : قال علي رضي الله عنه : أنا الصديق الاكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب .
6. عن معاذة قالت : سمعت عليا وهو يخطب على منبر البصرة يقول : أنا الصديق الاكبر آمنت قبل أن يؤمن أبوبكر وأسلمت قبل أن يسلم أبوبكر . أخرجه إبن قتيبة في " المعارف " ص‍ 73 . وإبن
أيوب . والعقيلي . ومحب الدين في " الذخاير " ص‍ 58 ، و " الرياض " 2 ص‍ 155 ، و 157 ، وذكره إبن أبي الحديد في شرح النهج 3 ص‍ 251 ، 257 ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 ص‍ 405 .
قوله : إسماهما قرنا على سطر بظل العرش راتب أشار إلى حديث كتابة أسماء فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها في ظل العرش وقد كتبت على باب الجنه كما أخرجه الخطيب البغدادي في تأريخه 1 ص‍ 259 عن إبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ليلة عرج بي إلى السمآء رأيت على باب الجنة مكتوبا لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، علي حبيب الله ، والحسن الحسين صفوة الله ، فاطمة خيرة الله ، على مبغضيهم لعنة الله . ورواه الخطيب الخوارزمي في مناقبه ص‍ 240 .
قوله : كان الاله وليها وأمينه جبريل خاطب إشارة إلى أن الله تعالى هو زوج فاطمة عليا وكان ولي أمرها وخطب فيه الامين جبرئيل عليه السلام كما ورد عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
أيها الناس ؟ هذا علي بن أبي طالب أنتم تزعمون انني أنا زوجته إبنتي فاطمة ولقد خطبها إلي أشراف قريش فلم اجب ، كل ذلك أتوقع الخبر من السماء حتى جاء‌ني جبرئيل ليلة أربع وعشرين من شهر رمضان فقال : يا محمد : ألعلي الاعلى يقرأ عليك السلام ، وقد جمع الروحانيين والكروبيين في واد يقال له : الافيح . تحت شجرة طوبى و زوج فاطمة عليا وأمرني ، فكنت الخاطب : والله تعالى ألولي . ألحديث . كفاية الطالب ص‍ 164 .
وأخرج محب الدين الطبري في الذخاير " ص‍ 31 عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أتاني ملك فقال : يا محمد ؟ إن الله تعالى ياقرأ عليك السلام ويقول لك : إني قد زوجت فاطمة إبنتك من علي بن أبي طالب في الملا الاعلى فزوجها منه في الارض .
وأخرج النسائي والخطيب في تأريخه 4 ص‍ 129 بالاسناد عن عبدالله بن مسعود رضي الله
عنه قال : أصاب فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله صبيح العرس رعدة فقال لهارسول الله صلىاللهعليه وآله : يا فاطمة ؟ إني زوجتك سيدا في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين يا فاطمة ؟ إني لما أردت أن أملكك لعلي أمر الله جبريل فقام في السمآء الرابعة فصف الملائكة صفوفا ثم خطب عليهم جبريل فزوجك من علي ثم أمر شجر الجنان فحملت الحلي والحلل ثم أمرها فنثرته على الملائكة ، فمن أخذمنهم يومئذ أكثر مما أخذ صاحبه أو أحسن إفتخر به إلى يوم القيامة .
قالت ام سلمة : فلقد كانت فاطمة تفخر على النسآء حيث أول من خطب عليها جبريل . وذكره الكنجي في " الكفاية " ص‍ 165 ثم قال : حديث حسن عال رزقناه عاليا . ومحب الدين في " الذخاير
" ص‍ 32 .
وروى الصفوري في نزهة المجالس 2 ص‍ 225 عن جبرئيل انه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله أمر رضوان أن ينصب منبر الكرامة على باب البيت المعمور وأمر ملكا يقال له : " راحيل " أن يصعده ، فعلا المنبر وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله فارتجت السموات فرحاوسرورا ، وأوحى الله إلي أن أعقد عقدة النكاح ، فإني زوجت عليا بفاطمة أمتي بنت محمد رسولي ، فعقدت وأشهدت الملائكة وكتبت شهادتهم في هذه الحريرة ، وإني امرت أن أعرضها عليك وأختمها بخاتم مسك أبيض وأدفعها إلى رضوان خازن الجنان . وهناك في هذا المعنى أخبار كثيرة . قوله :
والمهر خمس الارض مو هبة تعالت في المواهب أشار به إلى ما أخرجه شيخ الاسلام الحمويي في فرايد السمطين في الباب الثامن عشر عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال لعلي : يا علي ؟ إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده ، وإنه أوحى إلي أن ازوجك فاطمة على خمس الارض ، فهي صداقها فمن مشى على الارض وهو لكم مبغض فالارض حرام عليه أن يمشي عليها .
قوله :
وتهابها من حمل طوبى طيبت تلك المواهب أشار إلى حديث النثار المروي عن بلال بن حمامة قال : طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم متبسما ضاحكا ووجهه مسرور كدارة القمر فقام إليه عبدالرحمن بن عوف فقال : يا رسول الله ما هذا النور ؟ قال : بشارة أتتني من ربي في أخي وإبن عمي بأن الله زوج عليا من فاطمة ، وأمر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى فحملت رقاعا - يعني صكاكا - بعدد محبي أهل البيت ، وأنشأ تحتها ملائكة من نور ودفع إلى كل ملك صكاكا ، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلايق فلا يبقى محب لاهل البيت إلا دفعت له صكا فيه فكاكه من النار ، فصار أخي وإبن عمي وبنتي فكاك رقاب رجال ونساء امتي من النار .
أخرجه الخطيب في تاريخه 4 ص‍ 210 . وابن الاثير في اسد الغابة 1 ص‍ 206
وإبن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة " . وأبوبكر الخوارزمي في " المناقب " . و إبن حجر في " الصواعق " ص 103 . والصفوري في نزهة المجالس 2 ص‍ 225 . والحضرمي في " رشفة الصادي " ص‍ 28 .
وأخرج أبوعبدالله الملا في سيرته عن أنس قال بينما رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد إذ قال لعلي : هذا جبريل يخبرني ان الله زوجك فاطمة وأشهد على تزويجها أربعين ألف ملك وأوحى إلى شجرة طوبى : أن انثري عليهم الدر والياقوت . فنثرت عليهم الدر والياقوت فابتدرت إليه الحور العين يتلقطن في أطباق الدر والياقوت فهم يتهادونه بينهم إلي يوم القيامة . ورواه محب الدين في " الذخاير " ص‍ 32 . وفي " الرياض " 2 ص‍ 184 . والصفوري في نزهة المجالس 2 ص‍ 223 .
من شعرالعبدى
يا سادتي يا بني علي يا آل طه وآل صاد
من ذا يوازيكم وأنتم خلايف الله في البلاد
انتم نجوم الهدى اللواتي يهدي بها الله كل هاد
لولاهداكم إذا ضللنا والتبس الغي بالرشاد
لازلت في حبكم اوالي عمري وفي بغضكم اعادي
وما تزودت غير حبي إياكم وهو خير زاد
وذاك ذخري الذي عليه في عرصة الحشر إعتمادي
ولاكم والبراء ممن يشنأكم إعتقادي
وللعبدي قوله :
وزوج في السماء بأمر ربي بفاطمة المهذبة الطهور
وصير مهرها خمسا بأرض لماتحويه من كرم وحور
فذا خير الرجال وتلك خير ال‍ نساء ومهرها خير المهور
وله :
إذ أتته البتول فاطم تبكي وتوالي شهيقها والزفيرا
إجتمعن النساء عندي وأقبلن يطلن التقريع والتعبيرا
قلن إن النبي زوجك اليوم عليا بعلا معيلا فقيرا
قال يا فاطم اصبري واشكري الله فقد نلت منه فضلا كبيرا
أمر الله جبرئيل فنادى معلنا في السمآء صوتا جهيرا
إجتمعن الاملاك حتى إذا ما وردوا بيت ربنا المعمورا
قام جبريل خاطبا يكثر ال‍ - تحميد لله جل والتكبيرا
خمس أرضي لها حلال فصير ه على الخلق دونها مبرورا
نثرت عند ذاك طوبى الحور من المسلك والعبير نثيرا
إذا أتته البتول فاطم تبكي وتوالي شهيقا والزفيرا
إشارة إلى ما أخرجه ألحافظ عبدالرزاق عن معمر عن ابن أبي نجيح عن
مجاهد عن إبن عباس و الخطيب باسناده في تاريخه 4 ص‍ 195 عن إبن عباس قال :
لما زوج النبي صلى الله عليه وآله فاطمة من علي قالت فاطمة : يا رسول الله ؟ زوجتني من رجل فقير ليس له شيئ . فقال النبي صلى الله عليه وآله أما ترضين ؟ ! إن الله اختار من أهل الارض رجلين :
أحدهما أبوك والآخر زوجك . وذكره الحاكم في المستدرك 3 ص‍ 129 وصححه .
والهيثمي في " المجمع " 9 ص‍ 112 . والسيوطي في " المجمع " كما في ترتيبه 6 ص‍ 391 . والصفوري في " النزهة " 2 ص‍ 226 . وفي نزهة المجالس 2 ص‍ 226 عن العقائق : ان فاطمة رضي الله عنها بكت ليلة عرسها فسألها النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك فقالت له : تعلم إني لا احب الدنيا ولكن نظرت إلى فقري في هذه الليلة أن يقول لي علي : بأي شيئ جئت ؟ ! فقال النبي صلى الله عليه وآله : لك الامان فإن عليا لم يزل راضيا مرضيا . ثم بعد ذلك تزوجت إمرأة من اليهود وكانت كثيرة المال فدعت النساء إلى عرسها فلبسن أفخر ثيابهن ثم قلن : نريد أن ننظر إلى بنت محمد وفقرها .
فدعونها ، فنزل جبريل بحلة من الجنة فلما لبستها واتزرت وجلست بينهن رفعت الازار فلمعت الانوار فقالت النساء : من أين لك هذا يا فاطمة ؟ ! فقالت : من أبي . فقلن : من أين لابيك ؟ ! قالت : من جبريل . قلن من أين لجبريل ؟ ! قالت : من الجنة . فقلن : نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فمن أسلم زوجها إستمرت معه وإلا تزوجت غيره . مر بيان ما في بقية الابيات من الحديث المأثور .
وللعبدي قوله من قصيدة يمدح بها عليا عليه السلام :
وكان يقول : يا دنياي غري سواي فلست من أهل الغرور ومن اخرى .
لم تشتمل قلبه الدنيا بزخرفها بل قال : غري سواي كل محتقر أشار بهما إلى ما في حديث ضرار بن ضمرة الكناني لما وصف أمير المؤمنين لمعاوية بن أبي سفيان قال : لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه قابضا على لحيته يتملل السليم ويبكي بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا ؟ يا دنيا ؟ غري غيري ، إلي تعرضت ؟ ! أم إلي تشوقت ؟ ! هيهات هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطرك يسير . ألحديث .
أخرجه أبونعيم في " الحلية " 1 ص‍ 84 . وابن عبدالبر في " الاستيعاب " . وإبن عساكر في تاريخه 7 ص‍ 35 وكثيرون آخرون من الحفاظ والمؤرخين .
وله قوله :
لما أتاه في حجراته والطهر يخصف نعله ويرقع قالوا له : إن كان أمر من لنا خلف إليه في الحوادث نرجع ؟ !
قال النبي : خليفتي هو خاصف النعل الزكي العالم المتورع أشار بهذه الابيات إلى حديث ام سلمة قالت لعايشة أم المؤمنين في بدء واقعة الجمل : اذكرك كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر له وكان علي يتعاهد نعلي رسول الله صلى الله عليه وآله فيخصفها ويتعاهد أثوابه فيغسلها فنقبت له نعل فأخذها يومئذ يخصفها وقعد في ظل سمرة وجاء أبوك ومعه عمر فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب ودخلا يحدثانه فيما أرادا ثم قالا : يا رسول الله إنا لا ندري قدر ما تصحبنا فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعا . فقال لهما : أما ني قد أرى مكانه ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران . فسكتا ثم خرجا فلما خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قلت له وكنت أجرأ عليه منا : من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم ؟ ! فقال : خاصف النعل . فنزلنا فلم نر أحدا إلا عليا فقلت : يا رسول الله ؟ ما أرى إلا عليا . فقال : هو ذاك . فقالت عائشة : نعم اذكر ذلك . فقالت : فأي خروج تخرجين بعد هذا ؟ ! فقالت : إنما أخرج للاصلاح بين الناس وأرجو فيه الاجر إن شاء الله فقالت : أنت ورأيك . شرح نهج البلاغة لابن أبي
الحديد 2 ص‍ 78 .
ولشاعرنا العبدي قوله يمدح به أمير المؤمنين عليه السلام :
يامن شكت شوقه الاملاك إذ شغفت بحبه وهواه غاية الشغف
فصاغ شبهك رب العالمين فما ينفك من زاير منها ومعتكف
وله في مدحه صلوات الله عليه :
صور الله لاملاك العلى مثله أعظمه في الشرف
وهي ما بين مطيف زاير ومقيم حوله معتكف
هكذا شاهده المبعوث في ليلة المعراج فوق الرفرف
في هذه الابيات إشارة إلى حديث الحافظ المتقن الكبير الثقة يزيد بن هارون
عن حميد الطويل الثقة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : مررت ليلة اسري بي إلى السماء فإذا أنا بملك جالس على منبر من نور والملائكة تحدق به فقلت :
يا جبرئيل من هذا الملك ؟ قال : ادن منه وسلم عليه . فدنوت منه وسلمت عليه ، فإذا أنا بأخي وابن عمي علي بن أبي طالب . فقلت : يا جبرئيل سبقني علي إلى السماء الرابعة ؟ !
فقال لي : يا محمد ؟ لا ، ولكن الملائكة شكت حبها لعلي فخلق الله تعالى هذا الملك من نور على صورة علي ، فالملائكة تزوره في كل ليلة جمعة ويوم جمعة سبعين ألف مرة يسبحون الله ويقدسونه ويهدون ثوابه لمحب علي . أخرجه الحافظ الكنجي في " الكفاية " ص‍ 51 وقال : هذا حديث حسن عال لم نكتبه إلا من هذا الوجه .
ومن شعر العبدي قوله :
وزوجه بفاطم ذو المعالي على الارغام من أهل النفاق
وخمس الارض كان لها صداقا ألا لله ذلك من صداق
وقوله يمدح به أمير المؤمنين :
وكم غمرة للموت في الله خاضها ولجة بحر في الحكوم أقامها
وكم ليلة ليلاء لله قامها وكم صبحة مشجورة الحر صامها
وقوله في مدحه عليه السلام :
أنت عين الاله والجنب من فرط فيه يصلى لظى مذموما
أنت فلك النجاة فينا وما زلت صراطا إلى الهدى مستقيما
وعليك الورود تسقي من الحو - ض ومن شئت ينثني محروما
وإليك الجواز تدخل من شئت جنانا ومن تشاء جحيما
مر بيان ما في بعض هذه الابيات . قوله :
وعليك الورود تسقي من الحو ض ومن شئت ينثني محروما
فيه ايعاز إلى أن سقاية الحوض الكوثر يوم القيامة بيد علي أمير المؤمنين يسقي منه محبيه ومواليه ويذود عنه المنافقين والكفار ، وورد في ذلك أحاديث في الصحاح والمسانيد ونحن نذكر بعضها :
1. أخرج الطبراني بإسناد رجاله ثقات عن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي صلى الله عليه وآله : يا علي معك يوم القيامة عصا من عصى الجنة تذود بها المنافقين عن الحوض . " الذخاير " ص‍ 91 ، " الرياض " 2 ص‍ 211 ، " مجمع الزوائد " 9 ص‍ 135 ، " الصواعق " 104 .
2. أخرج أحمد في " المناقب " باسناده عن عبدالله بن إجاره قال : سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو على المنبر يقول : أنا أذود عن حوض رسول الله صلى بيدي هاتين القصيرتين ألكفار والمنافقين كما تذود السقاة غريبة الابل عن حياضهم . ورواه الطبراني في الاوسط . وذكر في مجمع الزوايد 9 ص‍ 139 ، والرياض النضرة 2 ص‍ 211 ، وكنز العمال 6 ص‍ 403 .
3. أخرج إبن عساكر في تاريخه باسناده عن إبن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله
قال لعلي : أنت أمامي يوم القيامة فيدفع إلي لواء الحمد فأدفعه إليك وأنت تذود الناس عن حوضي . وذكره السيوطي في " الجمع " كما في ترتيبه 6 ص‍ 400 وفي ص‍ 393 عن إبن عباس عن عمر في حديث طويل عنه صلى الله عليه وآله : وأنت تتقدمني بلواء الحمد وتذود عن حوضي .
4. أخرج أحمد في " المناقب " باسناده عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وآله : اعطيت في علي خمسا هو أحب إلي من الدنيا وما فيها ، أما واحدة : فهو تكأتي
بين يدي الله عزوجل حتى يفرغ من الحساب . وأما الثانية : فلواء الحمد بيده آدم و
من ولده تحته . وأما الثالثة : فواقف على عقر حوضي يسقي من عرف من امتي . ألحديث .
وذكر في الرياض النضرة 2 ص‍ 203 ، وكنز العمال 6 ص‍ 403 .
5. اخرج شاذان الفضيلي بإسناده عن أمير المؤمنين قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
يا علي ؟ سألت ربي عزوجل فيك خمس خصال فأعطاني أما الاولى : فإني سألت ربي :
أن تنشق عني الارض وانفض التراب عن رأسي وأنت معي ، فأعطاني . وأما الثانية : فسألته :
أن يوقفني عند كفة الميزان وأنت معي ، فأعطاني . وأما الثالثة : فسألته : أن يجعلك حامل لوائي وهو لواء الله الاكبر عليه المفلحون والفائزون بالجنة ، فأعطاني . وأما الرابعة : فسألت ربي أن تسقي امتي من حوضي . فأعطاني . وأما الخامسة : فسألت ربي : أن يجعلك قائد امتي إلى الجنة فأعطاني . فالحمد لله الذي من به علي . وتجده في " المناقب " للخطيب الخوارزمي ص‍ 203 ، و فرايد السمطين في الباب الثامن عشر ، و كنز العمال 6 ص‍ 402 .
6. أخرج الطبراني في الاوسط عن أبي هريرة في حديث قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كأني بك يا علي وأنت على حوضي تذود عنه الناس وإن عليه لاباريق مثل عدد نجوم السماء وإني وأنت والحسن والحسين وفاطمة وعقيل وجعفر في الجنة إخوانا على سرير متقابلين أنت معي وشيعتك في الجنة . مجمع الزوايد 9 ص‍ 173 .
7. عن جابر بن عبدالله في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : يا علي ؟
والذي نفسي بيده إنك لذائد عن حوضي يوم القيامة تذود عنه رجالا كما يذاد البعير الضال عن الماء بعصا لك من عوسج وكأني أنظر إلى مقامك من حوضي . مناقب الخطيب ص‍ 65 .
8. أخرج الحاكم في " المستدرك " 3 ص‍ 138 باسناده وصححه عن علي بن أبي طلحة قال : حججنا فمررنا على الحسن بن علي بالمدينة ومعنا معاوية بن حديج - بالتصغير - فقيل للحسن : إن هذا معاوية بن حديج الساب لعلي . فقال : علي به فاتي به ، فقال : أنت الساب لعلي ؟ !
فقال : ما فعلت . فقال : والله إن لقيته وما أحسبك تلقاه يوم القيامة لتجده قائما على حوض رسول الله صلى الله عليه وآله يذود عنه رايات المنافقين بيده عصا من عوسج ، حدثنيه الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وقد خاب من افترى .
وأخرجه الطبراني وفي لفظه : لتجدنه مشمرا حاسرا عن ذراعيه يذود الكفار والمنافقين عن حوض رسول الله صلى الله عليه وآله قول الصادق المصدوق محمد .
قوله : وإليك الجواز تدخل من شئت جنابا ومن تشاء جحيما أشار به إلى معنى ورد في أخبار كثيرة نقتصر بذكر بعضها .
أخرج الحافظ إبن السمان في الموافقة عن قيس بن حازم قال : إلتقى أبوبكر الصديق وعلي بن أبي طالب فتبسم أبوبكر في وجه علي فقال له : مالك تبسمت ؟ ! قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله : يقول : لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي الجواز .
وذكر في الرياض النضرة 2 ص‍ 177 و 244 . والصواعق 75 . وإسعاف الراغبين 161 .
2. عن مجاهد عن إبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة أقام الله عزوجل جبريل ومحمدا على الصراط فلا يجوز أحد إلا من كان معه براة من علي بن أبي طالب . أخرجه الخطيب الخوارزمي في " المناقب " ص‍ 253 .
والفقيه إبن المغازلي في " المناقب " بلفظ : علي يوم القيامة على الحوض لا يدخل إلا من جاء بجواز من علي بن أبي طالب . وذكره القرشي في شمس الاخبار ص‍ 36 .
3. أخرج الحاكمي عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا جمع الله الاولين و الآخرين يوم القيامة ونصب الصراط على جسر جهنم ما جازها أحد حتى كانت معه براء‌ة بولاية علي بن أبي طالب . وذكر في فرايد السمطين في الباب الرابع والخمسين . والرياض النضرة 2 ص‍ 172 .
4. عن الحسن البصرى عن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة يقعد علي بن أبي طالب على الفردوس وهو جبل قد على على الجنة وفوقه عرش رب العالمين ، ومن سفحه يتفجر أنهار الجنة وتتفرق في الجنان ، وهو جالس على كرسي من نور يجري بين يديه ألتسنيم ، لا يجوز أحد ألصراط إلا ومعه براة بولايته وولاية أهل بيته يشرف على الجنة فيدخل محبيه الجنة ومبغضيه النار . أخرجه الخوارزمي في " المناقب " ص‍ 42 ، والحمويي في فرايد السمطين في الباب الرابع والخمسين .
5. أخرج القاضي عياض في " الشفاء " عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال : معرفة آل محمد براء‌ة من النار . وحب آل محمد جواز على الصراط . والولاية لآل محمد أمان من العذاب . ويوجد في " الصواعق " ص‍ 139 و " الاتحاف " ص‍ 15 . و " رشفة الصادي " ص‍ 459 .
6. أخرج الخطيب في تاريخه 3 ص‍ 161 عن إبن عباس قال : قلت للنبي صلى الله عليه وآله : يا رسول الله للنار جواز ؟ ! قال : نعم . قلت : وما هو ؟ ! قال : حب علي بن أبي طالب . و يأتي حديث : علي قسيم الجنة والنار . في محله إنشاء الله تعالى .
ومن شعر العبدي يمدح أمير المؤمنين
وعلمك الذي علم البرايا وألهمك الذي لا يعلمونا فزادك في الورى شرفا وعزا ومجدا فوق وصف الواصفينا لقد اعطيت مالم يعط خلقا هنيئا يا أمير المؤمنينا إليك اشتاقت الاملاك حتى تحنت من تشوقها حنينا هناك برا لها الرحمن شخصا كشبهك لا يغادره يقينا أشار بالبيت الاول إلى حديث مر ص‍ 41 ومر بيان بقية الابيات ص‍ 288 ومن شعره :
لانتم على الاعراف عرف عارف بسيما الذي يهواكم والذي يشنا
أئمتنا أنتم سندعى بكم غدا إذا ما إلى رب العباد معا قمنا
بجدكم خير الورى وأبيكم هدينا إلى سبل النجاة وأنقذنا
ولولاكم لم يخلق الله خلقه ولا لقب الدنيا الغرور ولاكنا
ومن أجلكم أنشا الاله لخلقه سماء وأرضا وابتلى الانس والجنا
تجلون عن شبه من الناس كلهم فشأنكم أعلى وقدركم أسنا
إذا مسنا ضر دعونا إلهنا بموضعكم منه فيكشفه عنا
وإن دهمتنا غمة أو ملمة جعلناكم منها ومن غيرنا حصنا
وإن ضامنا دهر فعذنا بعزكم فيبعد عنا الضيم لما بكم عذنا
وإن عارضتنا خفية من ذنوبنا براة لنا منها شفاعتكم أمنا
ألبيت الاول إشارة إلى قوله تعالى في سورة الاعراف : وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا
بسيماهم . وما ورد فيه . أخرج الحاكم إبن الحداد الحسكاني المترجم 1 ص‍ 112 باسناده عن أصبغ بن نباتة قال : كنت جالسا عند علي فأتاه إبن الكوا فسأله عن قوله تعالى : وعلى الاعراف
رجال . الآية . فقال : ويحك يابن الكوا نحن نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار ، فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنة ، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار .
وأخرج أبوإسحاق الثعلبي في - الكشف والبيان - في الآية الشريفة عن إبن عباس إنه قال : الاعراف موضع عال من الصراط عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه . ورواه إبن طلحة الشافعي في " مطالب السئول " ص‍ 17 ، وابن حجر في " الصواعق " ص‍ 101 ، والشوكاني في " فتح القدير " 2 ص‍ 198 .
والبيت الثاني إشارة إلى قوله تعالى : يوم ندعو كل اناس بإمامهم . وأئمة الشيعة هم العترة الطاهرة يدعون بهم ويحشرون معهم إذ المرء كما قال النبي الاقدس مع من أحب . 1 ومن أحب قوما حشر معهم 1 ومن أحب قوما حشره الله في زمرتهم 3 .
وبقية الابيات بعضها واضحة وبعضها مر بيانه .
هامش
1 أخرجه البخارى وأبوداود والترمذى والنسائى واحمد عن انس وابن مسعود .
2 أخرجه الحاكم في المستدرك وابن الدبيع في تمييز الطيب من الخبيث ص‍ 153 .
3 أخرجه الطبرانى والضياء عن أبى قرصافة وصححه السيوطى في الجامع الصغير 2 ص‍ 488 .
ألعبدى معاصر العبدى
عاصر المترجم من شعراء الشيعة مشاركه في كنيته ولقبه وبيئة نشأته ومذهبه ألا وهو أبومحمد يحيى بن بلال العبدي الكوفي ، فنذكره لكثرة وقوع الاشتباه بينهما وقلة ذكره ، قال المرزباني في معجمه ص‍ 499 : إنه كوفي نزل همدان وهو شاعر محسن يتشيع وله في الرشيد مدائح حسنة وهو القائل :
وللموت خير من حياة زهيدة وللمنع خير من عطاء مكدر
فعش مثريا أو مكديا من عطية تمنى وإلا فاسأل الله واصبر
وله :
لعمري لان حارت امية واعتدت لاول من سن الضلالة أجور
وأنشد العبدي هذا عبدالله 1 بن علي بن العباس بنهر أبي فطرس وله
فيه خبر :
أما الدعاة إلى الجنان فهاشم وبنو امية من دعاة النار
أامي مالك من قرار فألحقي بالجن صاغرة بأرض وبار
فلئن رحلت لترحلن ذميمة وإذا أقمت بذلة وصغار ا ه‍
وخبر العبدي هذا وإنشاده الشعر المذكور عبدالله العباسي ذكره إبن قتيبة في عيون الاخبار 1 ص‍ 207 ، واليعقوبي في تأريخه 3 ص‍ 91 ، وإبن رشيق في العمدة 1 ص‍ 48 ، وأحسب أن من علق على هذه الكتب لم يقف على ترجمة الشاعر فضرب عن ترجمته صفحا وسكت عن تعريفه .
فقال إبن قتيبة : ولما افتتح المنصور الشام وقتل مروان قال 2 لابي عون و من معه من أهل خراسان : إن لي في بقية آل مروان تدبيرا فتأهبوا يوم كذاوكذا في أكمل عدة ، ثم بعث إلى آل مروان في ذلك اليوم فجمعوا وأعلمهم أنه يفرض لهم في العطاء فحضر منهم ثمانون رجلا فصاروا إلى بابه ومعهم رجل من كلب قد ولدهم ثم أذن لهم فدخلوا ، فقال الآذن للكلبي : ممن أنت ؟ ! قال : من كلب وقد ولدتهم قال : فانصرف ودع القوم فأبى أن يفعل .
هامش
1 أحد أعمام أبى العباس السفاح ، كان من رجال الدهر حزما ورأيا ودهاء‌ا وشجاعة انهدم عليه الحبس سنة 147 وكان قد حبسه المنصور سرا . وقيل : انه قتل سرا وهدم عليه الحبس قصدا . قال الوطواط : انه جلس يوم الجمعة في جامع دمشق وقتل من بنى امية خمسين الفا .
2 الظاهر ان في العبارة سقطا اذ القصة وقت مع عبدالله بن على وكان اميرا على الشام من قبل المنصور كما في ذيل العبارة ومعجم المرزبانى وتاريخى اليعقوبى وابن الاثير و
عمدة ابن رشيق .
وقال : إني خالهم ومنهم فلما استقر بهم
المجلس خرج رسول المنصور وقال بأعلى صوته : أين حمزة بن عبدالمطلب ؟ ! ليدخل فأيقن القوم بالهلكة ، ثم خرج الثانية فنادى : أين الحسن بن علي ؟ ! ليدخل . ثم خرج الثالثة فنادى : أين زيد بن علي بن الحسين ؟ ! ثم خرج الرابعة فقال : أين يحيى بن زيد ؟ ! ثم قيل : إئذنوا لهم فدخلوا وفيهم الغمر بن يزيد وكان له صديقا فأومأ إليه : أن إرتفع فأجلسه معه على طنفسته وقال للباقين : إجلسوا . وأهل خراسان قيام بأيديهم العمد فقال : أين العبدي ؟ ! فقام وأخذ في قصيدته التي يقول فيها :
أما الدعاة إلى الجنان فهاشم وبنو امية من دعاة النار
فلما أنشد أبياتا منها قال الغمر : يابن الزانية ؟ فانقطع العبدي وأطرق عبدالله ساعة ثم قال : إمضى في نشيدك . فلما فرغ رمى إليه بصرة فيها ثلاثمائة دينار ثم تمثل بقول القائل :
ولقد ساء‌ني وساء سواي قربهم من منابر وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها الله بدار الهوان والاتعاس
لا تقيلن عبد شمس عثارا واقطعوا كل نخلة وغراس
واذكروا مصرع الحسين وزيد وقتيلا بجانب المهراس
ثم قال لاهل خراسان : دهيد 1 فشدخوا بالعمد حتى سالت أدمغتهم وقام الكلبي فقام : أيها الامير ؟ أنا رجل من كلب لست منهم . فقال :
ومدخل رأسه لم يدنه أحد بين الفريقين حتى لزه القرن
ثم قال : دهيد . فشدخ الكلبي معهم ثم التفت إلى الغمر فقال : لا خير لك في الحياة بعدهم .
هامش
1 كلمة فارسية .
قال : أجل فقتل ثم دعا ببراذع 1 فألقاها عليهم وبسط عليها الانطاح ودعا بغدائه فأكل فوقهم وإن أنين بعضهم لم يهدأ حتى فرغ ثم قال : ما تهنأت بطعام منذ عقلت مقتل الحسين إلا يومي هذا . وقام فأمر بهم فجروا بأرجلهم وأغنم أهل خراسان أموالهم ثم صلبوا في بستانه ، وكان يأكل يوما فأمر بفتح باب من الرواق إلى البستان فإذا رائحة الجيف تملا الانوف ، فقيل له : لو أمرت أيها الامير برد
هذا الباب . فقال : والله لرائحتها أحب إلي وأطيب من رائحة المسك .
ثم قال :
حسبت امية أن سترضى هاشم عنها ويذهب زيدها وحسينها
كلا ورب محمد وآلهه حتى تباح سهولها وحزونها
وتذل ذل حليلة لحليلها بالمشرفي وتسترد ديونها اه‍
وقال اليعقوبي : وانصرف عبدالله بن علي إلى فلسطين فلما صار بنهر أبي فطرس بين فلسطين والاردن جمع إليه بني امية ثم أمرهم أن يغدوا عليه لاخذ الجوائز والعطايا ثم جلس من غد وأذن لهم فدخل عليه ثمانون رجلا من بني امية وقد أقام على رأس كل رجل منهم رجلين بالعمد وأطرق ملياثم قام العبدي فأنشد قصيدته التي يقول فيها :
أما الدعاة إلى الجنان فهاشم وبنو امية من دعاة النار وكان النعمان بن يزيد بن عبدالملك جالسا إلى جنب عبدالله بن علي فقال له :
كذبت يابن اللخناء . فقال له عبدالله بن علي : بل صدقت يا أبا محمد ؟ فامض لقولك ثم أقبل عليهم عبدالله بن علي فذكر لهم قتل الحسين عليه السلام وأهل بيته ثم صفق بيده فضرب اليوم رؤوسهم بالعمد حتى أتوا عليهم فناداه رجل من أقصى القوم :
عبد شمس أبوك وهو أبونا لا نناديك من مكان بعيد
فالقرابات بيننا واشجات محكمات القوى بعقد شديد
فقال : هيهات قطع ذلك قتل الحسين . ثم أمر بهم فسحبوا فطرحت عليهم البسط وجلس عليها ودعا بالطعام فأكل فقال : يوم كيوم الحسين بن علي ولا سواء . وكان قد دخل معهم رجل من كلب قال : رجوت أن ينالوا خيرا فأنال معهم . فقال عبدالله بن علي : إضربوا عنقه .
ومدخل رأسه لم يدنه أحد بين الفريقين حتى لزه القدر
هامش
1 البرذعة : كساء يلقى ظهر الدابة .
شعراء الغدير في القرن الثالث
أبوتمام الطائى 231
أظبية حيث استنت الكثب العفر رويدك لا يغتالك اللوم والزجر
أسري حذارا لم يقيدك ردة فيحسر ماء من محاسنك الهذر
أراك خلال الامر والنهي بوة عداك الردى ما أنت والنهي والامر ؟ !
أتشغلنى عما هرعت لمثله حوادث أشجان لصاحبها نكر ؟ !
ودهر أساء الصنع حتى كأنما يقضي نذورا في مساء‌تي الدهر
له شجرات خيم المجد بينها فلا ثمر جان ولا ورق نضر
وما زلت ألقى ذاك بالصبر لابسا رداء‌يه حتى خفت أن يجزع الصبر
وإن نكيرا أن يضيق بمن له عشيرة مثلي أو وسيلته مصر
وما لامرئ من قاتل يوم عثرة لعا وخديناه الحداثة والفقر
وإن كانت الايام آضت وما بها لذي غلة ورد ولا سائل خبر
هم الناس سار الذم والحرب بينهم وحمر أن يغشاهم الحمد والاجر
صفيك منهم مضمر عنجهية 1 فقائده تيه وسائقه كبر
إذا شام برق اليسر فالقرب شأنه وأنأى من العيوق إن ناله عسر
أريني فتى لم يقله الناس أو فتى يصح له عزم وليس له وقر
ترى كل ذي فضل يطول بفضله على معتفيه والذي عنده نزر
وإن الذي أحذاني الشيب للذي رأيت ولم تكمل له السبع والعشر
واخرى إذا استودعتها السر بينت به كرها ينهاض من دونها الصدر
طغى من عليها واستبد برأيهم وقولهم إلا أقلهم الكفر
هامش
1 العنجهية بضم العين والجيم : الكبر .
وقاسوا دجى أمريهم وكلاهما دليل لهم أولى به الشمس والبدر
سيحدوكم استسقاؤكم حلب الردى إلى هوة لا الماء فيها ولا الخمر
سأمتم عبور الضحل خوضا فأية تعدونها لو قد طغى بكم البحر
وكنتم دماء تحت قدر مغارة على جهل ما أمست تفور به القدر
فهلا زجرتم طائر الجهل قبل أن يجيئ بما لا تبسأون به الزجر ؟ !
طويتم ثنايا تخبأون عوارها فأين لكم خب وقد ظهر النشر ؟ !
فعلتم بأبناء النبي ورهطه أفاعيل أدناها الخيانة والغدر
ومن قبله أخلفتم لوصيه بداهية دهياء ليس لها قدر
فجأتم بهابكرا عوانا ولم يكن لها قبلها مثل عوان ولا بكر
أخوه إذا عد الفخار وصهره فلا مثله أخ ولا مثله صهر
وشد به أزر النبي محمد كما شد من موسى بهارونه الازر
وما زال كشافا دياجير غمرة يمزقها عن وجهه الفتح والنصر
هو السيف سيف الله في كل مشهد وسيف الرسول لا ددان ولا دثر
فأي يد للذم لم يبر زندها ووجه ضلال ليس فيه له اثر
ثوى ولاهل الدين أمن بحده وللواصمين الدين في حده ذعر
يسد به الثغر المخوف من الردى ويعتاض من أرض العدو به الثغر
باحد وبدر حين ماج برجله وفرسانه احد وماج بهم بدر
ويوم حنين والنضير وخيبر وبالخندق الثاوي بعقوته عمرو
سما للمنايا الحمر حتى تكشفت وأسيافه حمر وأرماحه حمر
مشاهد كان الله كاشف كربها وفارجه والامر ملتبس إمر
و " يوم الغدير " استوضح الحق أهله بضحيآء 1 لا فيها حجاب ولا ستر
أقام رسول الله يدعوهم بها ليقربهم عرف وينآهم نكر
يمد بضبعيه ويعلم 2 : أنه ولي ومولاكم فهل لكم خبر ؟ !
هامش
1 وفى نسخة : بفيحاء .
2 من افعل . ويظهر من الدكتور ملحم شارح ديوان أبى تمام انه قرأه مجردا من علم لا مزيدا من أعلم كما قرأناه ومختارنا هو الصحيح الذى لا يعدوه الذوق العربى .
يروح ويغدو بالبيان لمعشر يروح يهم غمر ويغدو بهم غمر
فكان لهم جهر بإثبات حقه وكان لهم في بزهم حقه جهر
أثم جعلتم حظه حد مرهف من البيض يوما حظ صاحبه القبر
بكفي شقي وجهته ذنوبه إلى مرتع يرعى به الغي والوزر
ألقصيدة 73 بيتا توجد في ديوانه ص‍ 143
ما يتبع الشعر
لا أجد لذي لب منتدحا عن معرفة يوم الغدير لا سيما وبين يديه كتب الحديث والسير ومدونات التاريخ والادب ، كل يومي إليه بسبابته ، ويوعز إليه ببنانه ، كل يلمس يدي القارئ حقيقة يوم الغدير ، فلا يدع له ذكرا خاليا منه ، ولا مخيلة تعدوه ، ولا أضالع إلا وقد انحنت عليه ، فكأنه وهو يتلقي خبره بعد لاي من الدهر يرنو إليه من كثب ، ويستشف أمره على أمم ، ولعل الواقف على كتابنا هذا من البدء إلى الغاية يجد فيه نماذج مما قلناه .
إذا فهلم معي واعجب من الدكتور ملحم إبراهيم الاسود شارح ديوان شاعرنا المترجم حيث يقول عند قوله :
ويوم الغدير استوضح الحق أهله . . . . . .
: يوم الغدير واقعة حرب معروفة . وذكر بعده في قوله :
يمد بضبعيه ويعلم أنه . . . . . .
ما يكشف عن أنها كانت من المغازي النبوية قال ص‍ 381 : يمد بضبعيه يساعده وينصره والهاء راجعة إلى الامام علي ، أي : كان رسول الله صلى الله عليه وآله ينصره ويعلم انه ولي ، كان العضد والمساعد الوحيد للنبي صلى الله عليه وآله في الغدير والرسول نفسه كان ينصره عالما أنه سيكون وليا على شعبه بعده وخليفة له ، وهذه هي الحقيقة ، فهل تعلمون ؟ !
إلا مسائل هذا الرجل عن مصدر هذه الفتوى المجردة ؟ ! أهل وجد هاتيك الغزء‌ة في شيئ من السير النبوية ؟ ! أو نص عليها أحد من أئمة التاريخ ؟ ! أم أن تلك الحرب الزبون وحدها قد توسع بنقلها المتوسعون من نقله الحديث ؟ ! دع ذلك كله هل وجد قصاصا يقصها ؟ ! أو شاعر يصورها
بخياله ؟ ! .
ألا من يسائله عن أن هذه الغزء‌ة متى زيدت على الغزوات النبوية المحدودة ؟ !
المعلومة بكمها وكيفها ، ألمدونة أطوارها وشئونها ، وليس فيها غزء‌ة يوم الغدير ، متى زيدت هذه على ذلك العدد الثابت بواحده ؟ ! فكان فيها علي والنبي يتناصران ، ويعضد كل صاحبه ، ويدفع كل عن الآخر كما يحسبه هذا الكاتب .
وإنك لتجد الكاتب عيا عن جواب هذه الاسؤلة لكنه حبذت له بواعثة أن يستر حقيقة الغدير بذيل أمانته ، وهو يحسب انه لا يقف على ذلك التعليق إلا الدهماء ، أو أن البحاثة يمرون عليه كراما ، لكن المحافظة على حقيقة دينية أولى من التحفظ على إعتبار هذا الكاتب الذي يكتب ولا يبالي بما يكتب ، ويرى الكذب حقيقة راهنة .
نعم كان في الجاهلية يوم أغار فيه دريد بن الصمه ألمقتول كافرا بعد فتح مكة على غطفان يطالبهم بدمه فاستقراهم حيا حيا وقتل من بني عبس ساعدة بن مر وأسر ذؤاب بن أسماء الجشمي فقالت بنو جشم : لو فاديناه . فأبى ذلك دريد عليهم وقتله بأخيه عبدالله وأصاب جماعة من بني مرة ومن بني ثعلبة ومن أحياء غطفان . قال في الاغاني ج‍ 9 ص‍ 6 : وذلك في " يوم الغدير " وذكر لدريد شعرا في ذلك .
وعد في العقد الفريد ج 3 ص‍ 71 من حروب الجاهلية يوم غدير قلياد قال : قال أبوعبيدة . فاصطلح الحيان إلا بني ثعلبة بن سعد فإنهم أبوا ذلك وقالوا : لا نرضى
حتى يودوا قتلانا أو يهدر دم من قتلها فخرجوا من قطن 1 حتى وردوا غدير قلياد فسبقهم بنو عبس إلى الماء فمنعوهم حتى كادوا يموتون عطشا ودوابهم فأصلح بينهم عوف ومعقل إبنا سبيع من بني ثعلبة ، وإياها يعني زهير بقوله :
تداركتما عبسا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم إلخ" وقلياد " في الكلام المذكور مصحف " قلهى " كما يظهر من معجم البلدان 7 ص‍ 154 ، وبلوغ الارب ج 2 ص‍ 73 ، وفي الاخير عده من أيام العرب المشهورة .
هذا كل ما روي في حديث هذا اليوم الذي لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله ولا لاحد من الهاشميين فيه حل ولا مرتحل ولا لوصيه أمير المؤمنين عليه
هامش
1 يوم قطن من حروب الجاهلية ، راجع إلى العقد الفريد ج 3 ص‍ 6 .
السلام فيه صولة أو جولة ، فالحديث ليس فيه أي صلة بهما ، أفمن المعقول إذن أن يريده أبوتمام المادح للوصي الاعظم ؟ ! ويعده مأثرة له ؟ ! على أن الشعر نفسه يأبى أن يكون المراد به واقعة حرب دامية فإن الشاعر بعد أن عد مواقف أمير المؤمنين عليه السلام في الغزوات النبوية وذكر منها غزأة احد وبدر وحنين والنضير وخيبر والخندق وختمها بقوله :
مشاهد كان الله كاشف كربها وفارجه والامر ملتبس إمر
أخذ في ذكر منقبة ناء بها اللسان دون السيف والسنان فقال : - ويوم الغدير - وأنت ترى انه يوعز إلى قصة فيها قيام ودعوة وإعلام وبيان ومجاهرة بإثبات الحق لاهله .
ألشاعر
أبوتمام حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الاشجع بن يحيى بن مزينا بن سهم بن ملحان بن مروان بن رفافة بن مر بن سعد بن كاهل بن عمرو بن عدي بن عمرو بن الحارث بن طئ جلهم بن ادد بن زيد بن يشجب بن عريب بن كهلان بن سبابن يشجب إبن يعرب بن قحطان . تاريخ الخطيب 8 248 .
أحد رؤساء الامامية كما قال الجاحظ 1 والاوحد من شيوخ الشيعة في الادب في العصور المتقادمة ، ومن أئمة اللغة ، ومنتجع الفضيلة والكمال ، كان يؤخذ عنه الشعر وأساليبه ، وينتهي إليه السير ، ويلقى لديه المقالد ، ولم يختلف إثنان في تقدمه عند حلبات القريض ، ولا في تولعه بولاء آل الله الاكرمين صلوات الله عليهم ، وكان آية في الحفظ والذكاء حتى قيل : إنه كان يحفظ أربعة آلاف ديوان الشعر غير ألف ارجوزة للعرب غير المقاطيع والقصايد 2 وفي معاهد التنصيص : أنه كان يحفظ أربعة عشر ألف ارجوزة للعرب غير المقاطيع والقصايد وفي التكلمة : أنه أخمل في زمانه خمسمائة شاعر كلهم مجيد .
هامش
1 فهرست النجاشى ص‍ 102 .
2 مرآت الجنان 2 ص‍ 102 .
ألمترجم له شامي الاصل ولد بقرية " جاسم " من قرى " الجيدور " من أعمال " دمشق " وان أباه كان يقال له : ندوس 3 العطار فجعلوه أوسا ، وفي دائرة المعارف الاسلامية : ان المترجم هو الذي بدله وكان أبوه نصرانيا . نشأ المترجم بمصر و في حداثته كان يسقي الماء في المسجد الجامع ثم جالس الادباء فأخذ عنهم وتعلم منهم وكان فطنا فهما وكان يحب الشعر فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر وأجاد ، وشاع ذكره ، وسار شعره ، وبلغ المعتصم خبره فحمله إليه وهو بسر من رأى ، فعمل أبوتمام فيه قصائد عدة وأجازه المعتصم وقدمه على شعراء وقته ، وقدم إلى بغداد وتجول في العراق وايران ، ورء‌اه محمد بن قدامة بقزوين ، فجالس بها الادباء وعاشر العلماء وكان موصوفا بالظرف وحسن الاخلاق وكرم النفس .
قال الحسين بن إسحاق قلت للبحتري : ألناس يزعمون انك أشعر من أبي تمام فقال : والله ما ينفعني هذا القول ولا يضر أبا تمام والله ما أكلت الخبز إلا به ولوددت ان الامر كما قالوا ولكني والله تابع له لائذ به آخذ منه ، نسيمى يركد عند هوائه ، وأرضي تنخفض عند سمائه . تاريخ الخطيب 8 ص‍ 248 .
كان البحتري أول أمره في الشعر ونباهته فيه انه سار إلى أبي تمام وهو بحمص فعرض عليه شعره وكانت الشعراء تقصده لذلك ، فلما سمع شعر البحتري أقبل عليه وترك سائر الناس فلما تفرقوا قال له : أنت أشعر من أنشدني ، فكيف حالك ؟ ! فشكى إليه القلة . فكتب أبوتمام إلى أهل معرة النعمان وشهد له بالحذق وشفع له إليهم وقال له : إمتدحهم . فسار إليهم فأكرموه بكتاب أبي تمام ووظفوا أربعة آلاف درهم فكانت أول مال أصابه ثم أقبل عليه أبوتمام يصف شعره ويمدحه فلزمه البحتري بعد ذلك ، و قيل للبحتري : أنت أشعر أم أبوتمام ؟ ! فقال : جيده خير من جيدي ، ورديي خير من رديئه . وقيل : سئل أبوالعلاء المعري : من أشعر الثلاثة ؟ ! أبوتمام أم البحتري أم المتنبي ؟ ! فقال : المتنبي وأبوتمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري . وقيل : أنشد البحتري أبا تمام شيئا من شعره فقال له : أنت أمير الشعراء بعدي . قال البحتري : هذا القول أحب إلي من كل ما نلته .
هامش
3 لهذا الاسم قراء‌ات مختلفة : تدوس تدرس . ندوس . ثدوس . ثادوس . ثيودوس .
وقال إبن المعتز : شعره كله حسن . وذكر إعتنائه البالغ بشعر مسلم بن الوليد صريع الغواني وأبي نواس . وعن عمارة بن عقيل في حديث نقله عنه إبن عساكر في تاريخه 4 ص‍ 22 : انه لما
سمع قوله :
وطول مقام المرء بالحي مخلق لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
قال : إن كان الشعر بجودة اللفظ ، وحسن المعاني ، وأطراف المراد ، وإستواء الكلام ، فهي لابي تمام ، وهو أشعر الناس ، وإن كان بغيرها فلا أدري . وكان في لسانه حبسة وفي ذلك يقول إبن المعدل أو أبوالعميثل :
يا نبي الله في الشعر ويا عيسى بن مريم
أنت من أشعر خلق الله ما لم تتكلم
مدح الخلفاء والامراء فأحسن ، وحدث عن صهيب بن أبي الصحباء الشاعر ، و العطاف بن هارون ، وكرامة بن أبان العدوي ، وأبي عبدالرحمن الاموي ، وسلامة بن جابر النهدي ، ومحمد بن خالد الشيباني ، وروى عنه خالد بن شريد الشاعر ، والوليد بن عبادة البحتري ، ومحمد بن إبراهيم بن عتاب ، والعبدوي البغدادي . تاريخ إبن عساكر 4 ص‍ 18 .
روي انه لما مدح الوزير محمد بن عبدالملك الزيات بقصيدته التي يقول فيها :
ديمة سمحة القيادة سكوب مستغيث بها الثرى المكروب لو سعت بقعة لاعظام اخرى لسعى نحوها المكان الجديب قال له إبن الزيات : يا أبا تمام ؟ إنك لتحلى شعرك من جواهر لفظك ودرر معانيك ما زيد حسنا على بهي الجواهر في أجياد الكواعب ، وما يدخر لك شيئ من جزيل المكافأة إلا ويقصر عن شعرك في الموازرة ، وكان بحضرته الكندي الفيلسوف فقال له : إن هذا الفتى يموت شابا . فقيل له : من أين حكمت عليه بذلك ؟ ! فقال : رأيت فيه من الحدة والذكاء والفطنة مع لطافة الحسن وجودة الخاطر ما علمت به ان النفس الروحانية تأكل جسمه كما يأكل السيف المهند غمده تأريخ إبن خلكان ج 1 ص‍ 132 .
ذكر الصولي : ان المترجم إمتدح أحمد بن المعتصم أو إبن المأمون بقصيدة سينية فلما إنتهى إلى قوله :
إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء اياس قال له الكندي الفيلسوف وكان حاضرا : الامير فوق ما وصفت . فأطرق قليلا ثم رفع رأسه فأنشد :
لا تنكروا ضربي له من دونه مثلا شرودا في الندى والبأس فالله قد ضرب الاقل لنوره مثلا من المشكاة والنبراس فعجبوا من سرعة فطنته .
ديوان شعر أبى تمام
قد يقال : إن المترجم لم يدون شعره . لكن الظاهر من قراء‌ة عثمان بن المثنى القرضي المتوفى 273 ديوانه عليه كما في " بغية الوعاة " ص‍ 324 ، ان شعره كان مدونا في حياته . واعتنى بعده جمع من الاعلام والادباء بترتيبه وتلخيصه وشرحه وحفظه ومنهم :
1. أبوالحسن محمد بن إبراهيم بن كيسان المتوفى 320 ، له شرحه .
2. أبوبكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى 335 / 6 ، رتبه على حروف المعجم في نحو ثلثمائة ورقة .
3. علي بن حمزة الاصبهاني ، رتبه على الانواع .
4. أبومنصور محمد بن أحمد الازهري الشافعي المتوفى 380 ، له شرحه .
5. أبوالقاسم الحسن بن بشر الآمدى المتوفى 371 ، له شرحه .
6. ألخالع حسين بن محمد الرافعي كان حيا في حدود 380 ، له شرحه .
7. ألوزير حسين بن علي المغربي المتوفى 418 ، له كتاب إختيار شعره .
8. أبوريحان محمد بن أحمد البيروني المتوفى 340 ، له شرح راء‌ه الحموي بخطه .
9. أبوالعلاء أحمد بن عبدالله المعري المتوفى 449 ، له تلخيصه المسمى ب‍ " ذكرى حبيب " وشرحه .
10. أبوزكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي المتوفى 502 ، له شرحه .
11. أبوالبركات إبن المستوفي مبارك الاربلي المتوفى 637 ، له شرحه في عشر مجلدات .
12. أبوالفتح ضياء الدين نصر بن محمد المتوفى 637 ، كان يحفظه .
13. أبوالحجاج يوسف بن محمد الانصاري المتوفى 672 ، كان يحفظه و يحفظ الحماسة .
14. محيي الدين الخياط ، له شرحه 1 .
16. ألدكتور ملحم إبراهيم أسود ، له شرحه المطبوع بمصر .
والظاهر ان النسخة المطبوعة من ديوان أبي تمام هو ترتيب الصولي لانها مرتبة على الحروف إلا أن فيها سقطا كثيرا من شعره لان النجاشي قال في فهرسته ص‍ 102 : له شعر في أهل البيت كثير ، وذكر أحمد بن الحسين رحمه الله : انه رأى نسخة عتيقة ولعلها كتبت في أيامه أو قريبا منه وفيها قصيدة يذكر فيها الائمة حتى إنتهى إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام لانه توفي في أيامه . اه‍ . ولا يوجد في الديوان المطبوع شيئ من ذلك الكثير عدا رائيته المذكورة في هذا الكتاب فإما أن يد الامانة في طبع الكتب حذفت تلكم القصايد عند تمثيل الديوان إلى عالم الطباعة كما صنعت مع غيره ايضا ، أو أنها لم تصل إليها عند النشر ، أو أن المطبوع إختصار أبي العلاء المعري المذكور .
ديوان الحماسة وشروحه
ولابي تمام مما أفرغه في قالب التأليف ديوان الحماسة الذي سار به الركبان و استفادت به الاجيال بعده ، جمع فيه عيون الشعر ووجوهه من كلام العرب ، جمعه بدار أبي الوفاء إبن سلمة بهمدان عندما اضطرته الثلوج إلى الالتجاء إلى هذه المدينة أثناء أوبته من زيارة عبدالله بن طاهر ، ورتبه على عشرة أبواب خص كل باب بفن و قد إعتنى بشرحه جمع كثير من أعلام الادب منهم :
1. أبوعبدالله محمد بن القاسم ماجيلويه البرقي .
2. أبوالحسن علي بن محمد السميساطي 2 ألمتوفى أواسط المائة الرابعة .
هامش
1 راجع فهرست ابن النديم ص‍ 235 ، فهرست النجاشى ص‍ 102 ، ألطبقات لابن أبى صبيعة 2 ص‍ 20 تأريخ ابن خلكان 1 ص‍ 30 ، 133 ، بغية الوعاة ص‍ 324 ، 404 ، 423 ، كشف الظنون ، معجم المطبوعات .
2 نسبة إلى سميساط بالمهملتين بضم أوله وفتح ثانيه ، فما في كثير من المعاجم " الشمشاطى " المعجمتين تصحيف
3. أبوالحسين أحمد بن فارس بن زكريا اللغوي الرازي المتوفى 369 .
4. أبوعبدالله الحسين بن علي بن عبدالله النمري المتوفى 385 ، ولابي محمد الاسود الحسن الغندجاني رد على النمري هذا في شرح الحماسة كما في معجم الادباء 3 ص‍ 24 .
5. أبوالفتح عثمان بن جني المتوفى 392 ، له " ألمنهج " في إشتقاق أسماء شعراء الحماسة وشرح مستغلق الحماسة .
6. أبوالحسن علي بن زيد البيهقي .
7. أبوهلال الحسن بن عبدالله بن سعيد العسكري كان حيا إلى سنة 395 .
8. أبوالمظفر محمد بن آدم بن كمال الهروي النحوي المتوفى 414 .
9. ألشيخ أبوعلي أحمد بن محمد المرزوقي الاصبهاني المتوفى 421 .
10. أبوالعلاء أحمد بن عبدالله المعري التنوخي المتوفى 449 .
11. أبوالحسن علي بن أحمد بن سيدة الاندلسي المتوفى 458 .
12. أبوالحسين عبدالله بن أحمد بن الحسين الشاماتي المتوفى 475 .
13. أبوالقاسم زيد بن علي بن عبدالله الفارسي المتوفى 467 .
14. أبوحكيم عبدالله بن إبراهيم بن عبدالله الخبري المتوفى 476 .
15. أبوالحجاج يوسف بن سليمان الشنتمري المتوفى 476 ، شرحها شرحا كبيرا ورتبها على الحروف .
16. أبوزكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي المتوفى 502 ، له شروحها الثلاثة .
17. أبوالحسن علي بن عبدالرحمن الاشبيلى المتوفى 514 .
18. أبوالمحاسن مسعود بن علي البيقهي المتوفى 544 .
19. أبوالبركات عبدالرحمن بن محمد الانباري المتوفى 577 .
20. أبوإسحاق إبراهيم بن محمد الحضرمي الاشبيلي المتوفى 584 .
21. أبومحمد القاسم بن محمد الديمرتي الاصبهاني .
22. ألشيخ علي بن الحسن الشميم الحلي المتوفى 601 .
23. أبوالبقاء عبدالله بن الحسين بن عبدالله العكبري البغدادي المتوفى 616 .
24. أبوعلي ألحسن بن أحمد الاسترابادي اللغوي النحوي .
25. ألمولوي فيض حسين شرحها مختصرا وأسماه بالفيضي .
26. ألشيخ لقمان .
27. ألشيخ سيد بن على المرصفي الازهري المعاصر .
راجع فهرست النجاشي : فهرست إبن النديم . معجم الادباء . بغية الوعاة . الذريعة .
دواوين الحماسة
تبع أبا تمام في صناعة الحماسة كثيرون ، منهم :
1. ألبحتري أبوعبادة ألوليد بن عبيدة ألمتوفى 284 .
2. أبوالحسين أحمد بن فارس اللغوي الرازي المتوفى 369 .
3. ألخالديان إبنا هاشم : أبوبكر محمد وأبوعثمان سعيد المتوفى 371 .
4. أبوهلال الحسن بن عبدالله العسكري النحوي .
5. أبوالحجاج يوسف بن سليمان الشنتمري المتوفى 476 .
6. أبوحصين محمد بن علي الاصبهاني الديمرتي .
7. أبودماش عده إبن النديم من النحويين اللغويين .
8. أبوالعباس محمد بن خلف بن المرزباني .
9. أبوالسعادات هبة الله بن علي المعروف بابن الشجري المتوفى 542 .
10. ألشيخ علي بن الحسن الشميم الحلي المتوفى 601 .
11. أبوالحجاج يوسف بن محمد الاندلسي المتوفى 653 .
12. صدر الدين علي بن أبي الفرج البصري المقتول 659 .
13. أبوالحجاج يوسف بن محمد الانصاري المتوفى 672 . 1 ومن آثار أبي تمام الادبية : ألاختيارات من شعر الشعراء . الاختيار من شعر القبائل . إختيار المقطعات . ألمختار من شعر المحدثين . نقايض جرير والاخطل . ألفحول وهو مختارات من قصايد شعراء الجاهلية والاسلام تنتهي بابن هرمة ، ذكرها له إبن النديم هامش 1 فهرست ابن النديم . معجم الادباء ، بغية الوعاة . في فهرسته ص‍ 235 وغيره .
المؤلفون في أخبار أبى تمام
لقد جمع أخباره وما يؤثر عنه غضون حياته من نوادر وظرف ونكت وأدب وشعر جماعة منهم :
1. أبوالفضل أحمد بن أبي طاهر المتوفى 280 ، له كتاب : سرقات النحويين من أبي تمام .
2. أبوبكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى 336 ، له " أخبار أبي تمام " . طبع مع فهرسته في 340 صحيفة .
3. أبوالقاسم الحسن بن بشر الآمدي البصري المتوفى 371 ، له كتاب موازنة بين أبي تمام والبحتري في عشرة أجزاء . ولياقوت الحموي في " معجم الادباء " 2 ص‍ 59 كلمات حول هذه الموازنة . وللآمدي هذا رد على إبن عمار فيما خطأ فيه أبا تمام .
4. ألخالديان إبنا هاشم : أبوبكر محمد وأبوعثمان سعيد المتوفى 371 ، لهما كتاب أخبار أبي تمام ومحاسن شعره .
5. أبوعلي أحمد بن محمد المرزوقي الاصبهاني المتوفى 421 ، له كتاب الانتصار من ظلمة أبي تمام دفع عنه ما انتقد به .
6. أبوعبدالله محمد بن عمران المرزباني المتوفى 444 ، له كتاب " أخبار أبي تمام " في نحو من مائة ورقة .
7. أبوالحسين علي بن محمد العدوي السميساطي ، له كتاب أخبار أبي تمام والمختار من شعره . وله كتاب تفضيل أبي نواس على أبي تمام .
8. أبوضياء بشر بن يحيى النصيبي له كتاب [ سرقات البحتري من أبي تمام .
9. أحمد بن عبيدالله القطربلي ألمعروف بالفريد ، صنف في أخطاء أبي تمام في الاسلام وغيره .
10. ألشيخ يوسف البديعي ألقاضي بالموصل ألمتوفى 1073 له كتاب هبة الايام فيما يتعلق بأبي تمام في 309 صحيفة طبع بمصر سنة 1352 .
11. ألشيخ محمد علي بن أبي طالب الزاهدي الجيلاني المتوفى بنبارس الهند سنة 1181 .
12. سيدنا المحسن الامين العاملي مؤلف أعيان الشيعة .
13. عمر فروخ من كتاب العصر الحاضر ، له تأليف في المترجم طبع ببيروت في مائة صحيفة .
وتوجد ترجمته في طبقات إبن المعتز ص‍ 133 . فهرست إبن النديم ص‍ 235 . تأريخ الطبري 11 ص‍ 9 . فهرست النجاشي ص‍ 102 . تأريخ الخطيب 8 ص‍ 248 . مروج الذهب 2 ص‍ 283 و 357 . معجم البلدان 3 ص‍ 37 . تأريخ إبن عساكر 4 ص‍ 18 - 27 . نزهة الالباء ص‍ 213 . تأريخ إبن خلكان 1 ص‍ 131 . رجال إبن داود .
خلاصة العلامة . مرآت الجنان 2 ص‍ 102 . معاهد التنصيص 1 ص‍ 14 . شذرات الذهب 2 ص‍ 72 . مجالس المؤمنين ص‍ 458 . كشف الظنون 1 ص‍ 501 . رياض الجنة للزنوزي في الروضة الرابعة . أمل الآمل ص‍ 8 . منتهى المقال ص‍ 96 . منهج المقال ص‍ 92 . تكملة أمل الآمل لسيدنا الصدر الكاظمي . دائرة المعارف للبستاني 2 ص‍ 56 . دائرة المعارف الاسلامية 1 ص‍ 320 . دائرة المعارف لفريد وجدي 2 ص‍ 685 - 693 .
ولادته ووفاته
لم نجزم فيهما بشئ مما في المعاجم لتكثر الاختلاف فيها ، وكان الحقيق أن يؤخذ بالمنقول عن إبنه تمام إذ أهل البيت أدرى بما فيه ، لكن إختلاف المعاجم في المنقول عنه يسلب الثقة به ، فمجموع الاقوال : انه ولد سنة 172 ، 188 ، 190 ، 192 وتوفي سنة 228 ، 231 ، 232 بالموصل ودفن بها وبنى عليه أبونهشل بن حميد الطوسي قبة خارج باب الميدان على حافة الخندق ورثاه علي بن الجهم بقوله : غاضت بدائع فطنة الاوهام وغدت عليها نكبة الايام وغدا القريض ضئيل شخص باكيا يشكو رزيته إلى الاقلام وتأوهت غور القوافي بعده ورمى الزمان صحيحها بسقام أودى مثقفها ورائد صعبها وغدير روضتها أبا تمام وقال الحسن بن وهب يرثيه :
فجع القريض بخاتم الشعراء وغدير روضتها حبيب الطائي ماتا معا فتجاورا في حفرة وكذاك كانا قبل في الاحباء قد يعزى البيتان إلى ديك الجن . ورثاه الحسن بن وهب ايضا بقوله من قصيدة :
سقى بالموصل القبر الغريبا سحايب ينتحبن له نحيبا
إذا أظللنه أظللن فيه شعيب المزن يتبعها شعيبا
ولطمن البروق به خدودا وأشققن الرعود به جيوبا
فإن تراب ذاك القبر يحوي حبيبا كان يدعى لي حبيبا
ورثاه محمد بن عبدالملك الزيات وزير المعتصم ، وقيل : إنه لابى الزبرقان عبدالله بن الزبرقان الكاتب مولى بني امية بقوله :
نبأ أتى من أعظم الانباء لما ألم مقلقل الاحشاء
قالوا : جبيب قد ثوى فأجبتهم ناشدتكم لا تجعلوه الطائي سئل شرف الدين أبوالمحاسن محمد بن عنين عن معنى قوله :
سقى الله روح الغوطتين ولا ارتوت من الموصل الجدباء إلا قبورها لم حرمها وخص قبورها ؟ ! فقال : لاجل أبي تمام .
خلف المترجم ولده الشاعر تمام ، قصد بعد موت أبيه عبدالله بن طاهر فاستنشده فأنشده :
حياك رب الناس حياكا إذ بجمال الوجه رواكا
بغداد من نورك قد أشرقت وأورق العود بجدواكا
فأطرق عبدالله ساعة ثم قال :
حياك رب الناس حياكا إن الذي أملت أخطاكا
أتيت شخصا قد خلا كيسه ولو حوى شيئا لاعطاكا
فقال : أيها الامير ؟ إن بيع الشعر بالشعر ربا فاجعل بينهما فضلا من المال .
فضحك منه وقال : لئن فاتك شعر أبيك فما فاتك ظرفه : فأمر له بصلة . غرر الخصايص لوطواط ص‍ 259 .
ألجواد قد يكبو
لا ينقضي العجب وكيف ينقضي من مثل أبي تمام العريق في المذهب ، والعارف بنواميسه ، والبصير بأحوال رجالاته ، ومالهم من مآثر جمة ، وجهود مشكورة ، وهوجد عليم بما لاضدادهم من تركاض وهملجة في تشويه سمعتهم ، وإعادة تأريخهم المجيد المملؤ بالاوضاح ، والغرر ، إلى صورة ممقوتة ، محفوفة بشية العار ، مشفوعة كل هاتيك بجلبة ولغط ، وقد انطلت لديه أمثلة من تلكم السفاسف حول رجل الهدى ، الناهض المجاهد ، والبطل المغوار ، ألمختار بن أبي عبيد الثقفي ، فحسب ما قذفته به خصمآء‌ه الالداء في دينه وحديثه ونهضته حقايق راهنة حتى قال في رائيته المثبتة
في ديوانه ص‍ 114 .
والهاشميون استقلت عيرهم من كربلاء بأوثق الاوتار
فشفاهم المختار منه ولم يكن في دينه المختار بالمختار
حتى إذا انكشفت سرائره اغتدوا منه براء السمع والابصار
ومن عطف على التاريخ والحديث وعلم الرجال نظرة تشفعها بصيرة نفاذة علم أن المختار في الطليعة من رجالات الدين والهدى والاخلاص ، وأن نهضته الكريمة لم تكن إلا لاقامة العدل باستيصال شأفة الملحدين ، وإجتياج جذوم الظلم الاموي ، وانه بمنزح من المذهب الكيساني ، وان كل ما نبزوه من قذائف وطامات لا مقيل لها من مستوى الحقيقة والصدق ، ولذلك ترحم عليه الائمة الهداة سادتنا : ألسجاد والباقر والصادق صلوات الله عليهم ، وبالغ في الثناء عليه الامام الباقر عليه السلام ، ولم يزل مشكور عند أهل البيت الطاهر هو وأعماله .
وقد أكبره ونزهه ألعلماء الاعلام منهم : سيدنا جمال الدين إبن طاوس في رجاله .
وآية الله العلامة في الخلاصة . وإبن داود في الرجال . والفقيه إبن نما فيما أفرد فيه من رسالته المسماة بذوب النضار . وألمحقق الاردبيلي في حديقة الشيعة . وصاحب المعالم في التحرير الطاووسي . والقاضي نور الله المرعشي في المجالس . وقد دافع عنه ألشيخ أبوعلي في منتهى المقال . وغيرهم .
وقد بلغ من إكبار السلف له ان شيخنا الشهيد الاول ذكر في مزاره زيارة تخص به ويزار بها وفيها الشهادة الصريحة بصلاحه ونصحه في الولاية وإخلاصه في طاعة الله ومحبة الامام زين العابدين ، ورضا رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما عنه ، وأنه بذل نفسه في رضا الائمة ونصرة العترة الطاهرة والاخذ بثارهم .
والزيارة هذه توجد في كتاب " مراد المريد " وهو ترجمة مزار الشهيد للشيخ علي بن الحسين الحايري ، وصححها ألشيخ نظام الدين الساوجي مؤلف " نظام الاقوال " ويظهر منها ان قبر المختار في ذلك العصر المتقادم كان من جملة المزارات المشهورة عند الشيعة ، وكانت عليه قبة معروفة كما في رحلة إبن بطوطة 1 ص‍ 138 .
ولقد تصدى لتدوين أخبار المختار وسيرته وفتوحه ومعتقداته وأعماله جماعة من الاعلام فمنهم :
1. أبومخنف لوط بن يحيى الازدي ألمتوفى 157 ، له كتاب أخذ الثار في المختار .
2. أبوالمفضل نصر بن مزاحم المنقري الكوفي العطار ألمتوفى 212 ، " أخبار المختار "
3. أبوالحسن علي بن عبدالله بن أبي سيف المدايني ألمتوفى 215 / 25 " أخبار المختار "
4. أبوإسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي المتوفى 283 ، له " أخبار المختار "
5. أبوأحمد عبدالعزيز بن يحيى الجلودي المتوفى 302 ، له " أخبار المختار "
6. أبوجعفر محمد بن علي بن بابويه القمي الصدوق المتوفى 381 ، له " كتاب المختار "
7. أبوجعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى 469 ، له [ مختصر أخبار المختار .
8. أبويعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري الطالبي خليفة شيخنا المفيد ، له " أخبار المختار " .
9. ألشيخ أحمد بن المتوج له " الثارات " أو " قصص الثار " . منظومة .
10. ألفقيه نجم الدين جعفر الشهير بابن نما المتوفى 645 ، له ذوب النضار في شرح الثار طبع برمته في المجلد العاشر من البحار .
11. ألشيخ علي بن الحسن العاملي المروزي له قرة العين في شرح ثارات الحسين فرغ منه . 20 رجب سنة 1127 .
12. ألشيخ أبوعبدالله عبد بن محمد له قرة العين في شرح ثار الحسين طبع مع [ نور العين ومثير الاحزان .
13. ألسيد إبراهيم بن محمد تقي حفيد العلامة الكبير السيد دلدار علي النقوي النصير آبادى له [ نور الابصار في أخذ الثار .
14. ألمولى عطاء الله بن حسام الهروي له روضة المجاهدين طبع سنة 1303 .
15. ألمولى محمد حسين بن المولى عبدالله الارجستاني ، له " حمله‌ء مختارية " .
16. ألكاتب الهندي نواب علي نزيل لكهنو له " نظاره‌ء إنتقام " طبع في جزئين .
17. ألحاج غلام علي بن إسماعيل الهندي ، له " مختار نامه " .
18. سيدنا السيد محسن الامين العاملي له أصدق الاخبار في قصة الاخذ بالثار .
19. ألسيد حسين الحكيم الهندى ، له ترجمة ذوب النضار لابن نما .
20. السيد محمد حسين بن السيد حسين بخش الهندي المولود 1290 ، له تحفة الاخيار في إثبات نجاة المختار .
21. ألشيخ ميرزا محمد علي الاوردبادي ، له [ سبيك النضار . أو : شرح حال شيخ الثار في مائتي وخمسين صحيفة وقد أدى فيه حق المقال ، وأغرق نزعا في التحقيق ، و لم يبق في القوس منزعا ، قرأت كثيرا منه ووجدته فريدا في بابه لم يؤلف مثله ، جزاء‌ه الله عن الحق والحقيقة خيرا . وله في المختار قصيدة على روي قصيدة أبي تمام عطف فيها على مديحه إطراء صاحبه ومشاطره في الفضيلة : إبراهيم بن مالك الاشتر وهي :
يهنيك يا بطل الهدى والثار ما قد حويت بمدرك الاوتار
لك عند آل محمد كم من يد مشكورة جلت عن الاكبار
عرفتك مقبلة الخطوب محنكا فيه جنان مهذب مغوار
أضرمت للحرب العوان لظى بها أضحت بنو صخر وقود النار
وأذقت نغل سمية بأس الهدى وامية كأس الردى والعار
فرؤا هوانا عند ضفة خاذر بمهند عند الكريهة وار
فرقت جمعهم العرمرم عنوة يوم الهياج بفيلق جرار
وفوارس من حزب آل المصطفى اسد الوغى خواضة الاخطار
وبواسل لم تغرهم وثباتهم إلا بكل مدجج ثوار
لم يعرفوا إلا الامام وثاره فتشادقوا فيها بيا للثار
فتفرقت فرقا علوج امية من كل زناء إلى خمار
وأخذت ثارا قبله لم تكتحل علوية مذ ارزئت بالثار
وعمرت دورا هدمت منذ العدى بالطف قد أوردت برب الدار
عظم الجراح فلم يصب أعماقه إلاك يا حييت من مسبار
في نجدة ثقفية يسطوبها في الروع من نخع هزبر ضاري
ألندب إبراهيم من رضخت له الصيد الاباة بملتقى الآصار
من زانه شرف الهدى في سودد وعلا يفوح بها أريج نجار
حشو الدروع أخو حجى من دونه هضب الرواسي الشم في المقدار
إن يحكه فالليث في حملاته والغيث في تسكابه المدرار
أو يحوه فقلوب آل محمد ألمصطفين السادة الابرار
ما إن يخض عند اللقافي غمرة إلا وأرسب من سطا بغمار
أو يمم الجلى بعزم ثاقب إلا ورد شواظها باوار
ألمرتدي حلل المديح مطارفا والممتطي ذللا لكل فخار
وعليه كل الفضل قصر مثلما كل الثنا قصر على المختار
عن مجده أرج الكبا وحديثه زهت الروابي عنه بالازهار
ومآثر مثل النجوم عدادها قد شفعت بمحاسن الآثار
وكفاه آل محمد ومديحهم عما ينضد فيه من أشعار
أسفي على أن لم أكن من حزبه وكمثلهم عند الكفاح شعاري
فهناك اما موتة أرجوبها أجر الشهادة في ثناء جاري
أو أنني أحظي بنيل المبتغى من آل حرب مدركا أوتاري
وأخوض في الاوساط منهم ضاربا ثبج العدى بالمقضب البتار
ولاثكلن أراملا في فتية نشئوا على الالحاد في استهتار
ومشيخة قد أورثوا كل الخنا والعار أجرية من الكفار
لكن على ما في من مضض الجوى إذ لم أكن أحمي هناك ذماري
لم تعدني تلك المواقف كلها إذ ان ما فعلوا بها مختاري
فلقد رضيت بما أراقوا من دم فيها لكل مذمم كفار
ولاشفين النفس منهم في غد عند اشتباك الجحفل الموار
يوم ابن طه عاقد لبنوده وجنوده تلتاح في إعصار
تشوي الوجوه لظى به نزاعة لشوى الكماة بأنصل وشفار
فهنالك الظفر المريح جوى الحشا من رازح في كربه بأسار
ويتم فيه القصد من عصب الولا لبني الهدى كالسيد المختار
يا أيها الندب المؤجج عزمه وأمين آل المصطفى الاطهار
يانجعة الخطب الملم وآفة الكرب المهم وندحة الاوزار
لا غرو إن جهلت علاك عصابة فالقوم في شغل عن الابصار
فلقد بزغت ذكا وهل يزرى بها إن تعش عنها نظرة الابصار ؟ !
لك حيث مرتبع الفخار مبائة ولمن قلاك مزلة الاغرار
ومبوء لك في جوار محمد وملاذ عترته حماة الجار
فلئن رموك بمحفظ من إفكهم فالطود لا يلوى بعصف الذاري
أو يجحدوك مناقبا مأثورة مشكورة في الورد والاصدار
فلك الحقيقة والوقيعة لم تزل عن قدس مجدك في شفير هار
فتهن محتبيا بسوددك الذي تزور عنه جلبة المهذار
خذها إليك قصيدة منضودة من جوهر أو من سبيك نضار
لم يحكها نجم السماء لانها بزغت بشارقة من الاقمار
كلا ولا ضاهى محاسن نظمها ما عن حطيئة جاء أو بشار
هي غادة زفت إليك ولم يشن إقبالها بدعارة ونفار
هبت عليك نسائم قدسية حيت ثراك برحمة ويسار
وسقى لابراهيم مضطجع الهدى ودق الغمام المرزم المكثار
ما نافح الروض النسيم مشفعا سجع البلابل فيه شدو هزار
يتلوكما يتلى بكل صحيفة مر العشي وكرة الابكار
دعبل الخزاعي
ألشهيد 246
تجاوبن بالارنان والزفرات نوائح عجم اللفظ والنطقات
يخبرن بالانفاس عن سر أنفس اسارى هوى ماض وآخر آت
فأسعدن أو أسعفن حتى تقوضت 1 صفوف الدجا بالفجر منهزمات
على العرصات الخاليات من المها سلام شج صب على العرصات 2
فعهدي بها خضر المعاهد مألفا من العطرات البيض والخفرات 3
ليالي يعدين الوصال على القلا ويعدى تدانينا على الغربات
وإذ هن يلحظن العيون سوافرا ويسترن بالايدي على الوجنات
وإذ كل يوم لي بلحظي نشوة يبيت بها قلبي على نشوات
فكم حسرات هاجها بمحسر 4 وقوفي يوم الجمع من عرفات
ألم تر للايام ماجر جورها على الناس من نقص وطول شتات ؟ !
ومن دول المستهزئين ومن غدا بهم طالبا للنور في الظلمات
فكيف ومن أنى بطالب زلفة إلى الله بعد الصوم والصلوات ؟ ! ؟ !
سواحب أبناء النبي ورهطه وبغض بني الزرقاء والعبلات
وهند وما أدت سمية وابنها اولوا الكفر في الاسلام والفجرات
هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه ومحكمه بالزور والشبهات
ولم تك إلا محنة قد كشفتهم بدعوى ظلال من هن وهنات
تراث بلا قربى وملك بلا هدى وحكم بلا شورى بغير هدات
هامش
1 تقوضت الصفوف : انتقضت وتفرقت .
2 المها : البقرة الوحشية . الصب : العاشق وذو الولع الشديد .
3 خفرت الجارية : استحيت أشد الحياء .
4 وادى محسر بكسر السين المشددة : حد " منى " إلى جهة " عرفة " .
رزايا أرتنا خضرة الافق حمرة وردت أجاجا طعم كل فرات
وما سهلت تلك المذاهب فيهم على الناس إلا بيعة الفلتات
وما قيل أصحاب السقيفة جهرة بدعوى تراث في الضلال نتات
ولو قلدوا الموصى إليه امورها لزمت بمأمون عن العثرات
أخي خاتم الرسل المصفى من القذى ومفترس الابطال في الغمرات
فإن جحدوا كان " الغدير " شهيده وبدر واحد شامخ الهضبات
وآي من القرآن تتلى بفضله وايثاره بالقوت في اللزيات
وغر خلال أدركته بسبقها مناقب كانت فيه مؤتنفات 1
ألقصيدة 121 بيتا
ما يتبع الشعر
من كلمات أعلام العامة
1. قال أبوالفرج في الاغاني 18 ص‍ 29 : قصيدة دعبل :
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات 2
من أحسن الشعر وفاخر المدايح المقولة في أهل البيت عليهم السلام ، قصد بها
علي ابن موسى الرضا عليه السلام بخراسان قال : دخلت على علي بن موسى الرضا
عليه السلام فقال لي : أنشدني شيئا مما أحدثت . فأنشدته :
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات
حتى انتهيت إلى قولي :
إذا وتروا مدوا إلي واتريهم أكفا عن الاوتار منقبضات
قال : فبكى حتى اغمي عليه وأومأ إلي الخادم كان على رأسه : أن اسكت . فسكت
فمكث ساعة ثم قال لي : اعد . فأعدت حتى انتهيت إلى هذا البيت ايضا فأصابه مثل الذي أصابه في المرة الاولى وأومأ الخادم إلي : أن اسكت . فسكت فمكث ساعة اخرى ثم قال لي : أعد . فأعدت حتى إنتهيت إلى آخرها . فقال لي : أحسنت - ثلاث مرات -
هامش
1 أنف كل شيى : اوله . وروض أنف : ما لم يرعه احد : كاس أنف : لم يشرب بها . المستأنف : مالم يسبق اليه .
2 هو البيت الثلاثون من القصيدة وتسمى به .
ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضرب باسمه ولم تكن دفعت إلى أحد بعد وأمر لي من في منزله بحلي كثير أخرجه إلي الخادم ، فقدمت العراق فبعت كل درهم منها بعشرة دراهم إشتراها مني الشيعة فحصل لي مائة ألف درهم فكان أول مال إعتقدته 1 قال إبن مهرويه : وحدثني حذيفة بن محمد : ان دعبلا قال له : إنه استوهب من الرضا عليه السلام ثوبا قد لبسه ليجعله في أكفانه فخلع جبة كانت عليه فأعطاه إياها وبلغ أهل قم خبرها فسألوه أن يبيعهم إياها بثلاثين ألف درهم فلم يفعل فخرجوا عليه في طريقه فأخذوها منه غصبا وقالوا له : إن شئت أن تأخذ المال فافعل وإلا فأنت أعلم .
فقال لهم : إني والله لا اعطيكم إياها طوعا ولا تنفعكم غصبا وأشكوكم إلى الرضا عليه السلام فصالحوه على أن أعطوه الثلاثين ألف الدرهم وفرد كم من بطانتها ، فرضي بذلك فأعطوه فرد كم فكان في أكفاته وكتب قصيدته :
مدارس آيات خلت من تلاوة . . . . . .
فيما يقال على ثوب وأحرم فيه وأمر بأن يكون في أكفانه 2 وروى في ص‍ 39 عن دعبل قال : لما هربت من الخليفة بت ليلة بنيسابور وحدي وعزمت على أن أعمل قصيدة في عبدالله بن طاهر في تلك الليلة فإني لفي ذلك إذ سمعت والباب مردود علي : ألسلام عليكم ورحمة الله انج يرحمك الله . فاقشعر بدني من ذلك ونالني أمر عظيم فقال لي : لا ترع عافاك الله فإني رجل من إخوانك من الجن من ساكني اليمن طرء إلينا طارئ من أهل العراق فأنشدنا قصيدتك :
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات فأحببت أن أسمعها منك . قال فأنشدته إياها فبكى حتى خر ، ثم قال : رحمك الله
ألا احدثك حديثا يزيد في نيتك ويعينك على التمسك بمذهبك ؟ ! قلت : بلى . قال مكثت حينا أسمع بذكر جعفر بن محمد عليه السلام فصرت إلى المدينة فسمعته يقول :
حدثني أبي عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال : علي وشيعته هم الفائزون . ثم ودعني لينصرف فقلت له : يرحمك الله إن رأيت أن تخبرني باسمك فافعل . قال : أناظبيان
هامش
1 في معاهد التنصيص 1 ص‍ 205 ، عيون اخبار الرضا ص‍ 280 .
2 وذكر في معجم الادباء 4 ص‍ 196 ، ومعاهد التنصيص 1 ص‍ 205 ، وعصر المامون 3 . بن عامر 1 .
2. قال أبوإسحاق القيرواني الحصري المتوفى سنة 413 في " زهر الآداب " 1 ص‍ 86 : كان دعبل مداحا لاهل البيت عليهم السلام كثير التعصب لهم والغلو فيهم وله المرثية المشهورة وهي من جيد شعره وأولها : مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات لآل رسول الله بالخيف من منى وبالبيت والتعريف والجمرات ديار علي والحسين وجعفر وحمزة والسجاد ذي الثفنات قفا نسأل الدار التي خف أهلها متى عهدها بالصوم والصلوات ؟ !
وأين الاولى شطت بهم غربة النوى أفانين في الآفاق مفترقات ؟ !
احب قصي الدار من أجل حبهم وأهجر فيهم اسرتي وثقاتي
3. قال الحافظ إبن عساكر في تاريخه 5 ص‍ 234 : ثم إن المأمون لما ثبتت قدمه في الخلافة وضرب الدنانير باسمه أقبل بجمع الآثار في فضايل آل الرسول فتناهى إليه فيما تناهى من فضائلهم قول دعبل :
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى وبالبيت والتعريف والجمرات
فما زالت تردد في صدر المأمون حتى قدم عليه دعبل 2 فقال له : أنشدني قصيدتك التائية ولا بأس عليك ولك الامان من كل شيئ فيها فاني أعرفها وقد رويتها إلا أني احب أن أسمعها من فيك . قال : فأنشده حتى صار إلى هذا الموضع :
ألم تر إني مذ ثلاثين حجة أروح وأغدو دائم الحسرات
أرى فيئهم في غيرهم متقسما وأيديهم من فيئهم صفرات
فآل رسول الله نحف جسومهم وآل زياد غلظ القصرات
بنات زياد في الخدور مصونة وبنت رسول الله في الفلوات
هامش
1 وذكره صاحب معاهد التنصيص 1 ص‍ 205 .
2 ومن هنا يوجد في الاغانى 18 ص‍ 58 ، وزهر الاداب 1 ص‍ 86 ، ومعاهد التنصيص 1 ص‍ 205 ، والاتحاف 165 .
إذا وتروا مدوا إلى واتريهم أكفا عن الاوتار منقبضات
فلو لا الذي أرجوه في يوم أوغد تقطع نفسي إثرهم حسرات
فبكى المأمون حتى اخضلت لحيته وجرت دموعه على نحره ، وكان دعبل أول داخل عليه وآخر خارج من عنده .
4. قال ياقوت الحموي في " معجم الادباء " 4 ص‍ 6 19 : قصيدته التائية في أهل البيت من أحسن الشعر ، وأسنى المدايح قصد بها علي بن موسى الرضا عليه السلام بخراسان وذكر حديث البردة وقصتها المذكورة ثم قال : ويقال : إنه كتب القصيدة في ثوب وأحرم فيه وأوصى بأن يكون في أكفانه ، ونسخ هذه القصيدة مختلفة في بعضها زيادات يظن 1 أنها مصنوعة ألحقها بها اناس من الشيعة وإنا موردون ما صح منها :
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى وبالركن والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر وحمزة والسجاد ذي الثفنات
ديار عفاها كل جون مبادر ولم تعف للايام والسنوات
قفا نسأل الدار التي خف أهلها متى عهدها بالصوم والصلوات ؟ !
وأين الاولى شطت بهم غربة النوى أفانين في الآفاق مفترقات ؟ !
هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا وهم خير قادات وخير حماة
وما الناس إلا حاسد ومكذب ومضطغن ذو إحنة وترات
إذا ذكروا قتلى ببدر وخيبر ويوم حنين أسلبوا العبرات
قبور بكوفان واخرى بطيبة واخرى بفخ نالها صلواتي
وقبر ببغداد لنفس زكية تضمنها الرحمن في الغرفات
فأما المصمات التي لست بالغا مبالغها مني بكنه صفات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائما يفرج منها الهم والكربات
نفوس لدى النهرين من أرض كربلا معرسهم فيها بشط فرات
هامش
1 يأتى في آخر ما يتبع الشعر : ان هذا الظن اثم ولا يغنى من الحق شيئا .
تقسمهم ريب الزمان كما ترى لهم عقرة مغشية الحجرات
سوى أن منهم بالمدينة عصبة مدى الدهر أضناه من الازمات
قليلة زوار سوى بعض زور من الضبع والعقبان والرخمات
لهم كل حين نومة بمضاجع لهم في نواحي الارض مختلفات
وقد كان منهم بالحجاز وأهلها مغاوير يختارون في السروات
تنكب لاواء السنين جوارهم فلا تصطليهم جمرة الجمرات
إذا وردوا خيلا تشمس بالقنا مساعر جمر الموت والغمرات
وإن فخروا يوما أتوا بمحمد وجبريل والفرقان ذي السورات
ملامك في أهل النبي فإنهم أحباي ما عاشوا وأهل ثقاتي
تخيرتهم رشدا لامري فإنهم على كل حال خيرة الخيرات
فيارب زدني من يقيني بصيرة وزد حبهم يا رب في حسناتي
بنفسي أنتم من كهول وفتية لفك عناة أو لحمل ديات
احب قصي الرحم من أجل حبكم وأهجر فيكم اسرتي وبناتي
وأكتم حبيكم مخافة كاشح عتيد لاهل الحق غير موات
لقد حفت الايام حولي بشرها وإني لارجو الامن بعد وفاتي
ألم تر إني مذ ثلاثين حجة أروح وأغدو دائم الحسرات ؟ !
أرى فيئهم في غيرهم متقسما وأيديهم من فيئهم صفرات
فآل رسول الله نحف جسومهم وآل زياد حفل القصرات 1
بنات زياد في القصور مصونة وآل رسول الله في الفلوات
إذا وتروا مدوا إلى أهل وترهم أكفا من الاوتار منقبضات
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد لقطع قلبي إثرهم حسراتي
خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم الله والبركات
يميز فينا كل حق وباطل ويجزي على النعماء والنقمات
سأقصر نفسي جاهدا عن جدالهم كفاني ما ألقى من العبرات
هامش
1 الحفل من الحافل : الممتلئ . القصرات جمع قصرة : أصل العنق .
فيا نفس طيبي ثم يا نفس أبشري فغيربعيد كل ما هو آت
فإن قرب الرحمن من تلك مدتي وأخر من عمري لطول حياتي
شفيت ولم أترك لنفسي رزية ورويت منهم منصلي وقناتي
احاول نقل الشمس من مستقرها وأسمع أحجارا من الصلدات
فمن عارف لم ينتفع ومعاند يميل مع الاهواء والشبهات
قصاراي منهم أن أموت بغصة تردد بين الصدر واللهوات
كأنك بالاضلاع قد ضاق رحبها لما ضمنت من شدة الزفرات
5. أخرج شيخ الاسلام أبوإسحاق الحمويي ألمترجم له ج 1 ص‍ 123 عن أحمد بن زياد عن دعبل الخزاعي قال : أنشدت قصيدة لمولاي علي الرضا رضي الله عنه :
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات
قال لي الرضا : أفلا الحق البيتين بقصيدتك ؟ ! قلت : بلى يابن رسول الله ؟ فقال :
وقبر بطوس يالها من مصيبة ألحت بها الاحشاء بالزفرات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائما يفرج عنا الهم والكربات 1
قال دعبل : ثم قرأت باقي القصيدة فلما إنتهيت إلى قولي :
خروج إمام لا محالة واقع يقوم على اسم الله والبركات
بكى الرضا بكاء شديدا ثم قال : يا دعبل نطق روح القدس بلسانك أتعرف من هذا الامام ؟ ! قلت : لا إلا اني سمعت خروج إمام منكم يملا الارض قسطا وعدلا .
فقال : إن الامام بعدي إبني محمد وبعد محمد إبنه علي وبعد علي إبنه الحسن وبعد الحسن إبنه الحجة القائم ، وهو المنتظر في غيبته ، ألمطاع في ظهوره ، فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملات جورا وظلما ، وأما متى يقوم فإخبار عن الوقت لقد حدثني
أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة . ويأتي هذا الحديث عن الشبراوي أيضا .
6. قال أبوسالم إبن طلحة الشافعي المتوفى 652 في " مطالب السئول " ص‍ 85 قال دعبل : لما قلت : مدارس آيات . قصدت بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا وهو بخراسان ولي عهد المأمون فأحضرني المأمون وسألني عن خبري ثم قال لي :
هامش
1 ألحقهما الامام عليه السلام بعد قول دعبل : وقبر ببغداد لنفس زكية تضمنها الرحمان في الغرفات
يا دعبل ؟ أنشدني - مدارس آيات خلت من تلاوة - فقلت : ما أعرفها يا أمير المؤمنين ؟
فقال : يا غلام أحضر أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام ؟ فلم يكن إلا ساعة حتى حضر فقال له : يا أبا الحسن ؟ سألت دعبلا من - مدارس آيات خلت من تلاوة -فذكر أنه لا يعرفها . فقال لي أبوالحسن : يا دعبل ؟ أنشد أمير المؤمنين ؟ فأخذت فيها فأنشدتها فاستحسنها فأمرني بخمسين ألف درهم . وأمر لي أبوالحسن الرضا بقريب من ذلك فقلت : يا سيدي ؟ إن رأيت أن تهبني شيئا من ثيابك ليكون كفني . فقال :
نعم . ثم دفع لي قميصا قد إبتذله ومنشفة لطيفة ، وقال لي : إحفظ هذا تحرس به .
ثم دفع ذو الرياستين أبوالعباس ألفضل بن سهل وزير المأمون صلة وحملني على برذون أصفر خراساني ، وكنت اسايره في يوم مطير وعليه ممطر خز وبرنس فأمر لي به ودعا بغيره جديد ولبسه وقال : إنما آثرتك باللبيس لانه خير الممطرين . قال :
فاعطيت به ثمانين دينارا فلم تطب نفسي ببيعه ، ثم كررت راجعا إلى العراق فلما صرت في بعض الطريق خرج علينا الاكراد فأخدونا فكان ذلك اليوم يوما مطيرا فبقيت في قميص خلق وضر شديد متأسف من جميع ما كان معي على القميص والمنشفة ومفكر في قول سيدي الرضا إذ مر بي واحد من الاكراد الحرامية تحته الفرس الاصفر الذي حملني عليه ذو الرياستين وعليه الممطر ووقف بالقرب مني ليجتمع إليه أصحابه وهو ينشد - مدارس آيات خلت من تلاوة - ويبكي فلما رأيت ذلك عجبت من لص من الاكراد يتشيع ثم طمعت في القميص والمنشفة فقلت : يا سيدي . لمن هذه القصيدة ؟ ! فقال : وما أنت وذلك ؟ ! ويلك . فقلت : لي فيه سبب اخبرك به . فقال : هي أشهر بصاحبها من أن تجهل . فقلت : من ؟ ! قال : دعبل بن علي الخزاعي شاعر آل محمد جزاه الله خيرا . قلت له : يا سيدي فأنا والله دعبل وهذه قصيدتي . ألحديث .
وقال ص‍ 86 بعد ذكر الحديث ما لفظه : فانظر إلى هذه المنقبة وما أعلاها و ما أشرفها وقد يقف على هذه القصة بعض الناس ممن يطالع هذا الكتاب ويقرأه فتدعوه نفسه إلى معرفة هذه الابيات المعروفة ب‍ مدارس آيات - ويشتهي الوقوف
عليها وينسبني في إعراضي عن ذكرها إما أنني لم أعرفها ، أو : أننى جهلت ميل النفوس حينئذ إلى الوقوف عليها فأحببت أن أدخل راحة على بعض النفوس وأن أدفع عني هذا النقص المتطرق إلى بعض الظنون فأوردت منها ما يناسب ذلك وهي :
ذكرت محل الربع من عرفات وأرسلت دمع العين بالعبرات
وفل عرى صبري وهاج صبابتي رسوم ديار أقفرت وعرات
مدارس آيات خلت من تلاوة ومهبط وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى وبالبيت والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر وحمزة والسجاد ذي الثفنات 1
ديار عفاها جور كل منابذ ولم تعف بالايام والسنوات
ودار لعبدالله والفضل صنوه سليل رسول الله ذي الدعوات
منازل كانت للصلاة وللتقى وللصوم والتطهير والحسنات
منازل جبريل الامين يحلها من الله بالتسليم والزكوات
منازل وحي الله معدن علمه سبيل رشاد واضح الطرقات
منازل وحي الله ينزل حولها على أحمد الروحات والغدواة
فأين الاولى شطت بهم غربة النوي أفانين في الاقطار مفترقات ؟ !
هم آل ميراث النبي إذا انتموا وهم خيرات سادات وخير حمات
مطاعيم في الاعسار في كل مشهد لقد شرفوا بالفضل والبركات
إذا لم نناج الله في صلواتنا بذكرهم لم يقبل الصلوات
أئمة عدل يقتدى بفعالهم وتؤمن منهم زلة العثرات
فيارب زد قلبي هدى وبصيرة وزد حبهم يا رب في حسناتي
ديار رسول الله أصبحن بلقعا ودار زياد أصبحت عمرات
وآل رسول الله غلت رقابهم وآل زياد غلظ القصرات
هامش
1 ذكر الثعالبى في ثمار القلوب ص‍ 233 بيتين من القصيدة احدهما : مدارس ايات . والثانى هذاالبيت وقال : ذو الثفنات كان يقال لكل من على بن الحسين بن على ع وعلى بن عبدالله بن عباس : ذو الثفنات . لما على اعضاء السجود منهما من السجدات الشبيهة بثفنات الابل وذلك لكثرة صلاتهما .
وآل رسول الله تدمى نحورهم وآل زياد زينوا الحجلات
وآل رسول الله تسبى حريمهم وآل زياد آمنوا السريات
وآل زياد في القصور مصونة وآل رسول الله في الفلوات
فيا وارثي علم النبي وآله عليكم سلام دائم النفحات
لقد آمنت نفسي بكم في حياتها واني لارجو الامن من بعد مماتي
7. ذكر شمس الدين سبط إبن الجوزي الحنفي المتوفى 654 في تذكرته ص‍ 130 من القصيدة 29 بيتا وفيها مالم يذكره الحموي في " معجم الادباء " وذكرت في هامش التذكرة ألقصيدة من أولها
إلى - مدارس آيات -
8. ذكر صلاح الدين الصفدي ألمتوفى 764 في " الوافي بالوفيات " 1 ص‍ 156 .
طريق رواية القصيدة عن عبيدالله 1 بن جخجخ النحوي عن محمد بن جعفر بن لنكك أبي الحسن البصري النحوي عن أبي الحسين العباداني عن أخيه عن دعبل . وهذا الطريق ذكره جلال الدين السيوطي في " بغية الوعاة " ص‍ 94 .
9. روى الشبراوي الشافعي المتوفى 1172 في " الاتحاف " ص‍ 165 عن الهروي قال : سمعت دعبلا يقول : لما أنشدت مولاي الرضا قصيدتي التي أولها :
مدارس آيات خلت من تلاوة ومهبط وحي مقفر العرصات
فلما انتهيت إلى قولي :
خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم الله والبركات
يميز فينا كل حق وباطل ويجزي على النعماء والنقمات
بكى الرضا عليه السلام بكاء شديدا ثم رفع رأسه إلي فقال لي : يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين فهل تدري من هذا الامام ؟ ! ومتى يقوم ؟ ! فقلت : لا يا سيدي ؟ إلا أني سمعت بخروج إمام منكم إلى آخر ما مر عن الحمويي 2 وفي " الاتحاف " ص‍ 161 : نقل الطبري في كتابه عن أبي الصلت الهروي قال :
دخل الخزاعي على علي بن موسى الرضا بمرو فقال : يابن رسول الله ؟ إني قلت فيكم
هامش
1 قال ياقوت الحموى : كان ثقة صحيح الكتابة .
2 وذكره الصدوق في العيون . 370 ، والامالى 210 ، والطبرسى في اعلام الورى 192 .
أهل البيت قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحدا قبلك واحب أن تسمعها مني فقال له علي الرضا : هات قل . فأنشأ يقول :
ذكرت محل الربع من عرفات فأجريت دمع العين بالعبرات
وفل عرى صبري وهاجت صبابتي رسوم ديار أقفرت وعرات
مدارس آيات خلت من تلاوة ومهبط وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى وبالبيت والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر وحمزة والسجاد ذو الثفنات
ديار لعبدالله والفضل صنوه نجي رسول الله في الخلوات
منازل كانت للصلاة وللتقى وللصوم والتطهير والحسنات
منازل جبريل الامين يحلها من الله بالتعليم والرحمات
منازل وحي الله معدن علمه سبيل رشاد واضح الطرقات
قفا نسأل الدار التي خف أهلها متى عهدها بالصوم والصلوات
وأين الاولى شطت بهم غربة النوى فأمسين في الاقطار مفترقات ؟ !
احب قضاء الله من أجل حبهم وأهجر فيهم اسرتي وثقاتي
هم أهل ميراث النبي إذا انتموا وهم خير سادات وخير حماة
مطاعيم في الاعسار في كل مشهد لقد شرفوا بالفضل والبركات
أئمة عدل يقتدى بفعالهم وتؤمن منهم زلة العثرات
فيارب زد قلبي هدى وبصيرة وزد حبهم يا رب في حسناتي
لقد آمنت نفسي بهم في حياتها وإني لارجو الامن بعد وفاتي
ألم تراني مذ ثلاثين حجة أروح وأغدو دائم الحسرات ؟ !
أرى فيئهم في غيرهم متقسما وأيديهم من فيئهم صفرات
إذا وتروا مدوا إلى أهل وترهم أكفا عن الاوتار منقبضات
وآل رسول الله نحف جسومهم وآل زياد أغلظ القصرات
سأبكيهم ماذر في الافق شارق ونادى منادي الخير بالصلوات
وما طلعت شمس وحان غروبها وبالليل أبكيهم وبالغدوات
ديار رسول الله أصبحن بلقعا وآل زياد تسكن الحجرات
وآل زياد في القصور مصونة وآل رسول الله في الفلوات
فلو لا الذى أرجوه في اليوم أو غد تقطع نفسي إثرهم حسراتي
خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم الله بالبركات
يميز فيناكل حسن وباطل ويجزي عن النعماء والنقمات
فيا نفس طيبي ثم يا نفس فاصبري فغير بعيد كل ما هو آت
وهي قصيدة طويلة عدة أبياتها مائة وعشرون بيتا . ولما فرغ دعبل من إنشادها نهض أبوالحسن الرضا وقال : لا تبرح . فأنفذ اليه صرة فيها مائة دينار واعتذر إليه . فردها دعبل وقال : والله ما لهذا جئت وإنما جئت للسلام عليه والتبرك بالنظر إلى وجهه الميمون وإني لفي غني فإن رأى أن يعطيني شيئا من ثيابه للتبرك فهو أحب إلي . فأعطاه الرضا جبة خز عليه الصرة وقال للغلام : قل له : خذها ولا تردها فإنك ستصرفها أحوج ما تكون إليها . فأخذها وأخذ الجبة . إلى آخر حديث اللصوص المذكور .
10. ذكر الشبلنجي في " نور الابصار " ص‍ 153 ما مر عن الشبراوي برمته حرفيا .
أما أعلام الطايفة
فقد ذكر القصيدة وقصة الجبة واللصوص جمع كثير لا نطيل المقال بذكر كلماتهم بل نقتصر منها على مالم يذكر في الكلمات المذكورة . روى شيخنا الصدوق في" العيون " 368 و " الامالي " 211 عن الهروي قال : دخل دعبل على أبي الحسن الرضا عليه السلام بمرو فقال له : يابن رسول الله ؟ إني قد قلت فيكم قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحدا قبلك فقال عليه السلام : هاتها . فأنشده فلما بلغ إلى قوله :
أرى فيئهم في غيرهم متقسما وأيديهم من فيئهم صفرات
بكى أبوالحسن عليه السلام وقال له : صدقت يا خزاعي ؟ فلما بلغ إلى قوله :
إذا وتروا مدوا إلي واتريهم أكفا عن الاوتار منقبضات جعل أبوالحسن عليه السلام يقلب كفيه
ويقول : أجل والله منقبضات : فلما بلغ إلى قوله :
لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها وإني لارجو الامن من بعد وفاتي قال الرضا : آمنك الله يوم الفزغ الاكبر . فلما إنتهى إلى قوله :
وقبر ببغداد لنفس زكية تضمنها الرحمن في الغرفات
قال له الرضا : أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك ؟ ! فقال بلى يابن رسول الله . فقال عليه السلام :
وقبر بطوس يالها من مصيبة توقد في الاحشاء بالحرقات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائما يفرج عنا الهم والكربات
فقال دعبل : يابن رسول الله ؟ هذا القبر الذي بطوس قبر من هو ؟ ! فقال الرضا :
قبري ولا تنقضي الايام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري ، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفورا له . ثم نهض الرضا عليه السلام وأمر دعبل أن لا يبرح من موضعه . [ فذكر قصة الجبة واللصوص ثم قال :
كانت لدعبل جارية لها من قبله محمل فرمدت عينها رمدا عظيما فأدخل أهل
الطب عليها فنظروا إليها فقالوا : أما العين اليمنى فليس لنا فيها حيلة وقد ذهبت ، وأما اليسرى فنحن نعالجها ونجتهد ونرجوا أن تسلم . فاغتم لذلك دعبل غما شديدا وجزع عليها جزعا عظيما ، ثم انه ذكر ما كان معه من وصلة الجبة فمسحها على عيني الجارية وعصبها بعصابة منها من أول الليل فأصبحت وعيناها أصح ما كانتا قبل ببركة أبي الحسن الرضا عليه السلام 1 . في مشكاة الانوار 2 ومؤجج الاحزان 3 : روي انه لما قرأ دعبل قصيدته على الرضا عليه السلام وذكر الحجة عجل الله فرجه بقوله :
فلو لا الذي أرجوه في اليوم أو غد تقطع نفسي إثرهم حسراتي
خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم الله والبركات
وضع الرضا عليه السلام يده على رأسه وتواضع قائما ودعى له بالفرج . وحكاه عن
" المشكاة " صاحب الدمعة الساكبة وغيره .
هامش
1 وذكره الطبرسى في اعلام الورى ص‍ 191 ، والاربلى في كشف الغمة ص‍ 275 .
2 تأليف الشيخ محمد بن عبدالجبار البحرانى .
3 تأليف الشيخ عبدالرضا بن محمد الاوالى البحرانى .
ولهذه التائية عدة شروح لاعلام الطايفة منها :
شرح العلامة الحجة السيد نعمة الله الجزائري المتوفى 1112 .
شرح كمال الدين محمد بن محمد القنوي الشيرازي .
شرح ألحاج ميرزا علي العلياري التبريزي المتوفى 1327 .
لفت نظر
إن مستهل هذه القصيدة ليس كل ما ذكروه فإنها مبدوة بالنسيب ومطلعها :
تجاوبن بالارنان والزفرات نوائح عجم اللفظ والنطقات قال إبن الفتال في روضته ص‍ 194 ، وابن شهر اشوب في " المناقب " 2 ص‍ 394 :
وروي ان دعبل أنشدها الامام عليه السلام من قوله : مدارس آيات - وليس هذا البيت رأس القصيدة ولكن أنشدها من هذا البيت فقيل له : لم بدأت بمدارس آيات ؟ !
قال : إستحييت من الامام عليه السلام أن أنشده التشبيب فأنشدته المناقب ورأس القصيدة تجاوبن بالارنان والزفرات نوائح عجم اللفظ والنطقات ذكرها برمتها وهي مائة وعشرون بيتا الاربلي في كشف الغمة . والقاضي في " المجالس " ص‍ 451 . والعلامة المجلسي في " البحار " ص‍ 75 . والزنوزي في الروضة الاولي من " رياض الجنة " ونص على عددها المذكور الشبراوي والشبلنجي كما مر . فما قدمناه عن الحموي من ان نسخ هذه القصيدة مختلفة في بعضها زيادات يظن أنها مصنوعة ألحقها بها اناس من الشيعة وإنا موردون هنا ما صح ] من بعض الظن الذي هو إثم وقد ذكر هو في معجم البلدان ما هو خارج عما أثبته في معجم الادباء من الصحيح عنده فحسب راجع ج 2 ص‍ 28 ، وذكر المسعودي في " مروج الذهب " 2 ص‍ 239 و غيره بعض ما ذكره في معجم البلدان . وأثبت سبط إبن الجوزي في " التذكرة " وإبن طلحة في " المطالب " والشبراوي في " الاتحاف " ، والشبلنجي في " نور الابصار " زيادات لا توجد بما إستصحه الحموي ، وليس من الممكن قذف هؤلاء الاعلام بإثبات المفتعل . وبما أن العلم تدريجي الحصول فمن المحتمل ان الحموي يوم تأليفه " معجم الادباء " لم يقف به البحث على أكثر مما ذكر ثم لما توسع في العلوم ثبت عنده غيره ايضا فأدرجه في معجم البلدان " الذي هو متأخر في التأليف ، ولذلك يحيل فيه
على " معجم الادباء " في أكثر مجلداته راجع 2 ص‍ 45 ، 117 ، 135 ، 186 وج 3 ص‍ 117 ، 184 ، وج 4 ص‍ 228 ، 400 ، وج 5 ص‍ 187 ، 289 ، وج 6 ص‍ 177 وغيرها لكن سوء ظنه بالشيعة حداه إلى نسبة الافتعال إليهم عند تدوين الترجمة ، ونحن لا نناقشه بالحساب في هذا التظني فإن الله لهم بالمرصاد وهو نعم الرقيب والحسيب .
الشاعر
أبوعلي - أبوجعفر - دعبل بن علي بن رزين 1 بن عثمان بن عبدالرحمن بن عبدالله بن بديل بن ورقاء بن عمرو بن ربيعة بن عبدالعزى بن ربيعة بن جزي بن عامر بن مازن إبن عدي بن عمرو بن ربيعة الخزاعي .
أخذناه من فهرست النجاشي ص‍ 116 . وتأريخ الخطيب 8 ص‍ 382 . وأمالي الشيخ 239 . وتأريخ إبن عساكر 5 ص‍ 227 . ومعجم الادباء للحموي 11 ص‍ 100 وقال : وعلى هذا الاكثر . والاصابة لابن حجر 1 ص‍ 141 .
بيت رزين
بيت علم وفضل وأدب وإن خصه إبن رشيق في عمدته 2 ص‍ 290 بالشعر ، فإن فيهم محدثون وشعراء ، وفيهم السؤدد والشرف ، وكل الفضل والفضيلة ببركة دعاء النبي الاطهر لجدهم الاعلى : بديل بن ورقاء لما أوقفه العباس بن عبدالمطلب يوم الفتح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله : وقال : يا رسول الله ؟ هذا يوم قد شرفت فيه قوما فمابال خالك بديل بن ورقاء ؟ ! وهو قعيد حبه . قال النبي صلى الله عليه واله وسلم : أحسر عن حاجبيك يا بديل ؟ فحسر عنهما وحدر لثامه فرأى سوادا بعارضه فقال : كم سنوك يا بديل ؟ ! فقال : سبع وتسعون يا رسول الله ؟ فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال : زادك الله جمالا وسوادا ووأمتعك وولدك . 2
ومؤسس شرفهم الباذخ : ألبطل العظيم عبدالله بن ورقاء الذي كان هو وأخواه عبدالرحمن ومحمد رسل رسول الله صلى الله وآله وسلم إلى المين كما في رجال الشيخ .
هامش
1 في الاغانى 8 ص‍ 29 : ابن سليمان بن تميم بن نهشل بن خداش بن خالد بن عبد بن دعبل ابن أنس بن خزيمة بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن مزيقيا .
2 أمالى الشيخ ص‍ 239 ، الاصابة 1 ص‍ 141 .
وكانواهم وأخوهم عثمان من فرسان مولانا أمير المؤمنين الشهداء في صفين 1 وأخوهم الخامس : نافع بن بديل استشهد على عهد النبي صلى الله عليه وآله ورثاه إبن رواحة بقوله : رحم الله بن بديل رحمة المبتغي ثواب الجهاد صابرا صادق الحديث إذا ما أكثر القوم قال قول السداد 2 فحسب هذا البيت شرفا أن فيه خمسة شهداء وهم بعين الله ومع إبن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وكان عبدالله من متقدمي الشجعان ، والمتبرز في الفروسية ، والمحتلى بأعلى مراتب الايمان ، وعده الزهري من دهاة العرب الخمسة كما في الاصابة 2 ص‍ 281 قال له أمير المؤمنين يوم صفين : احمل على القوم . فحمل عليهم بمن معه من أهل الميمنة وعليه يومئذ سيفان ودرعان فجعل يضرب بسيفه قدما ويقول : لم يبق غير الصبر والتوكل والترس والرمح وسيف مصقل ثم التمشي في الرعيل الاول مشي الجمال في حياض المنهل فلم يزل يحمل حتى إنتهى إلى معاوية والذين بايعوه إلى الموت فأمرهم أن يصمدوا لعبدالله بن بديل وبعث إلى حبيب بن مسلمة الفهري وهو في الميسرة أن يحمل عليه بجميع من معه . واختلط الناس واضطرم الفيلقان ميمنة أهل العراق وميسرة أهل الشام وأقبل عبدالله بن بديل يضرب الناس بسيفه قدما حتى أزال معاوية عن موقفه وجعل ينادي : يا ثارات عثمان ؟ وإنما يعني أخا له قتل ، وظن معاوية وأصحابه أنه يعني : عثمان بن عفان . وتراجع معاوية عن مكانه القهقرى كثيرا وأرسل إلى حبيب بن مسلمة مرة ثانية وثالثة يستنجده ويستصرخه ويحمل حبيب حملة شديدة بميسرة معاوية على ميمنة العراق فكشفها حتى لم يبق مع إبن بديل إلا نحو مائة إنسان من القراء فاستند بعضهم إلى بعض يحمون أنفسهم ولج إبن بديل في الناس وصمم على قتل معاوية وجعل يطلب موقفه ويصمد نحوه حتى إنتهي إليه ومع معاوية عبدالله بن عامر واقفا فنادى معاوية بالناس : ويلكم ألصخر والحجارة . حتى أثخنوه فسقط فأقبلوا عليه بسيوفهم فقتلوه ، وجاء معاوية وعبدالله بن عامر حتى وقفا عليه فأما عبدالله بن عامر
هامش
1 صفين لابن مزاحم ص‍ 126 ، خصال الصدوق ، شرح النهج 1 ص‍ 486 . الاصابة 3 ص‍ 371 ، 2 الاصابة 3 ص‍ 543 .
فألقى عمامته على وجهه وترحم عليه وكان له من قبل أخا وصديقا ، فقال معاوية :
إكشف عن وجهه . فقال : لا والله لا يمثل به وفي روح فقال معاوية : إكشف عن وجهه فإنا لا نمثل به قد وهبناه لك . فكشف إبن عامرعن وجهه فقال معاوية : هذا كبش القوم ورب الكعبة أللهم اظفرني بالاشتر النخعي والاشعث الكندى والله مامثل هذا إلا كما قال الشاعر : 1
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
ويحمي إذا ما الموت كان لقاؤه قدى السير يحمي الانف أن يتأخرا
كليث هزبر كان يحمي ذماره رمته المنايا قصدها فتقطرا 2
ثم قال : إن نساء خزاعة لو قدرت على أن تقاتلني فضلا عن رجالها لفعلت 3
ومر بعبدالله بن بديل وهو بآخر رمق من حياته ألاسود بن طهمان الخزاعي فقال له : عز علي والله مصرعك أما والله لو شهدتك لآسيتك ولدافعت عنك ، ولو رأيت الذي أشعرك لاحببت أن لا ازايله ولا يزايلني حتى أقتله أو يلحقني بك . ثم نزل إليه فقال : رحمك الله يا عبدالله ؟ إن كان جارك ليأمن بوائقك ، وإن كنت لمن الذاكرين الله كثيرا ، أوصني رحمك الله . قال : اوصيك بتقوى الله وأن تناصح أمير المؤمنين وتقاتل معه حتى يظهر الحق أو تلحق بالله ، وأبلغ أمير المؤمنين عني السلام وقل له : قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك ، فإنه من أصبح والمعركة خلف ظهره كان الغالب .
ثم لم يلبث أن مات فأقبل الاسود إلى علي عليه السلام فأخبره فقال : رحمه الله جاهد معنا عدونا في الحياة ونصح لنا في المماة . 4
وينم عن عظمة عبدالله بن بديل بين الصحابة العلوية قول إبن عدي بن حاتم رضوان الله عليه يوم صفين :
أبعد عمار وبعد هاشم وابن بديل فارس الملاحم
نرجوا البقاء مثل حلم الحالم وقد عضضنا أمس بالاباهم
هامش
1 هو حاتم الطائى من قصيدة في ديوانه ص‍ 121 ولم يرو فيه البيت الثالث .
2 تقطر : سقط صريعا .
3 كتاب صفين لابن مزاحم ص‍ 126 ، شرح النهج لابن ابى الحديد 1 ص‍ 486 .
4 كتاب صفين لابن مزاحم ص‍ 243 ط ايران و 520 ط مصر ، شرح ابن ابى الحديد 2 ص‍ 299 . وقول سليم سليمان بن صرد الخزاعي يوم صفين :
يالك يوما كاسفا عصبصبايالك يوما لا يواري كوكبا
يا أيها الحي الذي تذبذبا لسنا نخاف ذا ظليم حوشبا
لان فينا بطلا مجربا إبن بديل كالهزبر مغضبا
أمسى علي عندنا محببا نفديه بالام ولانبقي أبا
وقول الشني في أبيات له :
فإن يك أهل الشام أودوا بهاشم وأودوا بعمار وأبقوا لنا ثكلا
وبابني بديل فارسي كل بهمة وغيث خزاعي به ندفع المحلا 1
وأما أبوالمترجم علي بن رزين فكان من شعراء عصره ، ترجمه المرزباني في " معجم الشعراء " 1 ص‍ 283 ، وجده رزين كان مولى عبدالله بن خلف الخزاعي أبي طلحة الطلحات كما ذكره إبن قتيبة في الشعر والشعراء .
وعم المترجم عبدالله بن رزين ، أحد الشعرآء كما ذكرة إبن رشيق في " العمدة " .
وإبن عمه أبوجعفر محمد أبوالشيص إبن عبدالله المذكور ، شاعر له ديوان عمله الصولي في مائة وخمسين ورقة ، توجد ترجمته في " البيان والتبيين " 3 ص‍ 83 ، " ألشعر والشعراء " ص‍ 346 ، " الاغاني " 15 ص‍ 108 ، " فوات الوفيات " 2 ص‍ 25 . وغيرها . و ترجمه إبن المعتز في طبقاته ص‍ 26 - 33 وذكر له قصايد طويلة غير انه عكس في إسمه و إسم أبيه وذكره بعنوان : عبدالله بن محمد . والصحيح : محمد بن عبدالله . وعبدالله بن أبي الشيص المذكور ، شاعر له ديوان في نحو سبعين ورقة ، وذكره أبوالفرج في " الاغاني " 15 ص‍ 108 وقال : إنه شاعر صالح الشعر وكان منقطعا إلى محمد بن طالب فأخذ منه جامع شعر أبيه ومن جهته خرج إلى الناس . وترجمه إبن المعتز في طبقاته ص‍ 173 .
أبوالحسن علي أخو دعبل
كان شاعرا له ديوان شعر نحو خمسين ورقة كما في فهرست إبن النديم ، سافر مع أخيه المترجم إلى أبي الحسن الرضا سلام الله عليه سنة 198 وحظيا بحضرته الشريفة مدة طويلة ، قال أبوالحسن علي هذا : رحلنا أنا ودعبل سنة 198 إلى سيدي أبي الحسن
هامش
1 البهمة بالضم : الجيش . المحل : الخديعة والكيد . الشدة . الجدب
علي بن موسى الرضا فأقمنا عنده إلى آخر سنة مأتين وخرجناإلى قم بعد أن خلع سيدي أبوالحسن الرضا على أخي دعبل قميصا خزا أخضر وخاتما فصه عقيق ، ودفع إليه دراهم رضوية وقال له : يا دعبل ؟ صر إلى قم فإنك تفيد بها . فقال له : إحتفظ بهذا القميص فقد صليت فيه ألف ليلة ألف ركعة وختمت فيه القرآن ألف ختمة 1 ولد سنة 172 وتوفي 283 .
وخلف أبا القاسم إسماعيل بن علي الشهير بالدعبلي المولود 257 ، يروي كثيرا عن والده أبي الحسن كان مقامه بواسط وولي الحسبة 2 بها له كتاب تاريخ الائمة . و كتاب النكاح .
رزين أخو دعبل
وأخوه هذا أحد شعراء هذا البيت ولدعبل فيه أبيات في تاريخ إبن عساكر 5 ص‍ 139 وقال الازدي : وخرج إبراهيم بن العباس ودعبل ورزين إبني علي رجالة إلى بعض البسانين أو : إلي زيارة أبي الحسن الرضا عليه السلام كما في رواية العيون فلقوا جماعة من أهل السواد من حمال الشوك فأعطوهم شيئا وركبوا حميرهم فقال إبراهيم :
اعيدت بعد حمل الشو ك أحمالا من الخزف
نشاوى لا من الخمرة بل من شدة الضعف
ثم قال لرزين : أجزها . فقال :
فلو كنتم على ذاك تصيرون إلى القصف
تساوت حالكم فيه ولا تبقوا على الخسف
ثم قالا لدعبل : أجزيا أبا علي ؟ فقال :
فإذ فات الذي فات فكونوا من ذوى الظرف
وخفوا نقصف اليوم فإني بايع خفي بدايع البداية 2 ص‍ 210
هامش
1 فهرست النجاشى ص‍ 197 ، أمالى الشيخ ص‍ 229 .
2 يأتى كلامنا في الحسبة في الجزء الرابع عند ترجمة ابن الحجاج البغدادى .
اما المترجم فهو دعبل 1 يكنى أبا علي عند الجميع وعن إبن أيوب 2 أبوجعفر . وفي الاغاني عن إبن أيوب : إن اسمه محمد ، وفي تاريخ الخطيب 8 ص‍ 383 : زعم أحمد بن القاسم : إن اسمه الحسن ، وقال إبن أخيه إسماعيل : إسمه عبدالرحمن . وقال غيرهما : محمد . وعن إسماعيل : إنما لقبته دايته بدعبل لدعابة كانت فيه فأرادت ذعبلا فقلبت الذال دالا .
يقال : أصله كوفي كما في كثير من المعاجم ، وقيل : من قرقيسا . وكان أكثر مقامه ببغداد وخرج منها هاربا من المعتصم لما هجاه وعاد إليها بعد ذلك وجول في الآفاق فدخل البصرة ودمشق ومصر على عهد المطلب بن عبد الله بن مالك المصري وولاه اسوان فلما بلغ هجاؤه إياه عزله فأنفذ إليه كتاب العزل مع مولى له وقال :
إنتظره حتى يصعد المنبر يوم الجمعة فإذا علاه فأوصل الكتاب إليه وامنعه من الخطبة وأنزله عن المنبر وإصعد مكانه . فلما أن علا المنبر وتنحنح ليخطب ناوله الكتاب فقال له دعبل : دعني أخطب فإذا نزلت قرأته قال : لا ، قد أمرني أن أمنعك الخطبة حتى تقرأه . فقرأه وأنزله عن المنبر معزولا وخرج منها إلى المغرب إلى بني الاغلب . ألاغاني 18 ص‍ 48
سافر إلى الحجاز مع أخيه رزين ، والي الري وخراسان مع أخيه علي ، وقال أبوالفرج 3 : كان دعبل يخرج فيغيب سنين يدور الدنيا كلها ويرجع وقد أفاد و أثرى ، وكانت الشراة والصعاليك يلقونه لا يؤذونه ويواكلونه ويشاربونه ويبرونه وكان إذا لقيهم وضع طعامه وشرابه ودعاهم إليه ، ودعا بغلاميه : ثقيف وشعف .
وكانا مغنيين فأقعدهما يغنيان ، وسقاهم وشرب معهم ، وأنشدهم فكانوا قد عرفوه و ألفوه لكثرة أسفاره وكانوا يواصلونه ويصلونه ، وأنشد دعبل لنفسه في بعض أسفاره : حللت محلا يقصر البرق دونه ويعجز عنه الطيف أن يتجشما
هامش
1 الدعبل : الناقة التى معها ولدها . البعير المسن . الشيئ القديم الاغانى .
2 في الاغانى . ومعاهد التنصيص . ونهاية الارب .
3 في الاغانى 18 ص‍ 36 .
وقال إبن المعتز في طبقاته ص‍ 125 : وكان يجتاز بقم فيقيم عند شيعتها فيقسطون له في كل سنة خمسة ألف درهم .
يقع البحث في ترجمته من نواحي أربع .
1. تهالكه في ولاء أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم .
2. نبوغه في الشعر والادب والتاريخ وتآليفه .
3. روايته للحديث والرواة عنه ومن يروى هو عنه .
4. سيره مع الخلفاء . ثم ملحه ونوادره ثم ولادته ووفاته .
أما الاولى فجلية الحال فيها غنية عن البرهنة عليها فما ظنك برجل كان يسمع منه وهو يقول : أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة لست أجد أحدا يصلبني عليها . وقيل للوزير محمد بن عبدالملك الزيات : لم لا تجيب دعبلا عن قصيدته التي هجاك فيها ؟ ! قال : إن دعبلا جعل خشبته على عنقه يدور بها يطلب من يصلبه بها منذ ثلثين سنة وهو لا يبالي 1 .
كل ذلك من جراء ما كان ينافح ويناطح ويناضل وينازل في الذب عن البيت النبوي الطاهر ، والتجاهر بموالاتهم ، والوقيعة في مناوئيهم ، لا يقر به قرار ، فلا يقله مأمن ولا يظله سقف منتجع ، وما زالت تتقاذف به أجواز الفلا فرقا من خلفاء الوقت ، وأعداء العترة الطاهرة ، ومع ذلك كله فقصائده السائرة تلهج بها الركبان ، وتزدان بها الاندية ، وهي مسرات للموالين ، ومحفظات للاعداء ، ومثيرات للعهن والضغاين حتى قتل على ذلك شهيدا .
وما ينقم من المترجم له من التوغل في الهجاء في غير واحد من المعاجم فإن نوع ذلك الهجو والسباب المقذغ فيمن حسبهم أعداء للعترة الطاهرة وغاصبي مناصبهم ، فكان يتقرب به إلى الله وهو من المقربات إليه سبحانه زلفى ، وان الولاية لا تكون خالصة إلا بالبرائة ممن يضادها ويعاندها كما تبرأ الله ورسوله من المشركين ، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، غير ان أكثر أرباب المعاجم من الفئة المتحيزة إلى أعداء هذا البيت الطاهر حسبوا ذلك منه ذنبا لا يغفر كما هو عادتهم في جل رجالات الشيعة .
هامش
1 طبقات الشعراء لابن المعتز ص‍ 125 .
أما نبوغه في الادب فأي برهنة له أوضح من شعره السائر ؟ ! ألذي تلهج به الالسن ، وتتضمنه طيات الكتب ، ويستشهد به في إثبات معاني الالفاظ ومواد اللغة ، ويهتف به في مجتمعات الشيعة آناء الليل وأطراف النهار ، ذلك الشعر السهل الممتنع الذي يحسب السامع لاول وهلة انه يأتي بمثيله ثم لما خاض غماره ، وطفق يرسب ويطف بين أواذيه ، علم انه قصير الباع ، قصير الخطا ، قصير المقدرة عن أن يأتي بما يدانيه فضلا عما يساويه .
كان محمد بن القاسم بن مهرويه يقول : سمعت أبي يقول : ختم الشعر بدعبل . و قال البحتري : دعبل بن علي أشعر عندي من مسلم بن الوليد فقيل له : كيف ذلك ؟ ! قال : لان كلام دعبل أدخل في كلام العرب من كلام مسلم ، ومذهبه أشبه بمذاهبهم وكان يتعصب له 1 .
وعن عمرو بن مسعدة قال : حضرت أبا دلف عند المأمون وقد قال له المأمون أبي شيئ تروي لاخي خزاعة يا قاسم ؟ ! فقال : وأي أخي خزاعة يا أمير المؤمنين ؟ ! قال : و من تعرف فيهم شاعرا ؟ ! فقال : أما من أنفسهم فأبو الشيص ودعبل وإبن أبي الشيص وداود بن أبي رزين ، وأما من مواليهم فطاهر وإبنه عبدالله . فقال : ومن عسى في هؤلآء أن يسئل عن شعره سوى دعبل ؟ ! هات أي شيئ عندك فيه . وقال الجاحظ : سمعت دعبل بن علي يقول : مكثت نحو ستين سنة ليس من يوم ذر شارقه إلا وأنا أقول فيه شعرا . 2 ولما أنشد دعبل أبا نواس شعره :
أين الشباب ؟ ! وأية سلكا ؟ ! لا اين يطلب ؟ ! ضل بل هلكا لا تعجبي يا سلم من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى فقال : أحسنت ملاء فيك وأسماعنا . قال محمد بن يزيد : كان دعبل والله فصيحا 3 وهناك كلمات ضافة حول أدبه والثناء عليه لا يهمنا ذكرها .
أخذ الادب عن صريع الغواني مسلم بن الوليد 4 واستقى من بحره وقال : مازلت
هامش
1 الاغانى 18 ص‍ 18 ، 37 .
2 الاغانى 18 ص‍ 44 .
3 تاريخى ابن خلكان وابن عساكر .
4 كان شاعرا متصرفا في فنون القول حسن الاسلوب استاذ الفن : ويقال : انه اول من قال الشعر المعروف بالبديع ووسعه وتبعه فيه ابوتمام وغيره توفى بجرجان سنة 208 .
أقول الشعر وأعرضه على مسلم فيقول لي : اكتم هذاحتى قلت :
أين الشباب ؟ ! وأية سلكا ؟ ! لا أين يطلب ؟ ! ضل بل هلكا
فلما أنشدته هذه القصيدة قال : إذهب الآن فأظهر شعرك كيف شئت لمن شئت .
وقال أبوتمام : ما زال دعبل مائلا إلى مسلم بن وليد مقرا باستاذيته حتى ورد عليه جرجان فجفاه مسلم وكان فيه بخل فهجره دعبل وكتب إليه :
أبا مخلد كنا عقيدي مودة هوانا وقلبانا جميعا معا معا
أحوطك بالغيب الذي أنت حائطي وأنجع أشفاقا لان تتوجعا
فصيرتني بعد إنتحائك متهما لنفسي عليها أرهب الخلق أجمعا
عششت الهوى حتى تداعت اصوله بناوابتذلت الوصل حتى تقطعا
وأنزلت من بين الجوانح والحشى ذخيرة ود طالما قد تمنعا
فلا تعذلني ليس لي فيك مطمع تخرقت حتى لم أجدلك مرقعا
فهبك يميني استأكلت فقطعتها وجشمت قلبي صبره فتشجعا 1
ويروي عنه في الادب محمد بن يزيد . والحمدوي الشاعر. ومحمد بن القاسم بن مهرويه . وآخرون .
آيات نبوغه
له كتاب : الواحدة . في مناقب العرب ومثالبها . وكتاب : طبقات الشعرآء . وهو من التآليف القيمة ، والاصول المعول عليها في الادب والتراجم ، ينقل عنه كثيرا ألمرزباني في معجم الشعراء ص‍ 227 ، 240 ، 245 ، 267 ، 361 ، 434 ، 478 . م - والخطيب البغدادي في تاريخه 2 ص‍ 342 وج 4 ص‍ 143 وإبن عساكر في تاريخه 7 ص‍ 46 ، 47 . وإبن خلكان في تاريخه 2 ص‍ 166 . واليافعي في المرآت 2 ص‍ 123 . و أكثر النقل عنه إبن حجر في الاصابة 1 ص‍ 69 ، 132 ، 172 ، 370 ، 411 ، 525 ، 527 . وج 2 ص‍ 99 ، 103 ، 108 . وج 3 ص‍ 91 ، 119 ، 123 ، 270 ، 565 ، وج 4 ص‍ 74 ، 565 وغيرها .
أحسب أنه كتاب ضخم مبوب على البلدان كيتيمة الدهر للثعالبي فقيه :
هامش
1 ويروى : وحملت قلبى فقدها . الاغانى 18 ص‍ 47 .
أخبارشعراء البصرة . وبهذا العنوان ينقل عنه الآمدي في [ المؤتلف والمختلف ص‍ 67 ، وإبن حجر في " الاصابة " 3 ص‍ 270 .
أخبار شعراء الحجاز . وبهذا الاسم ينقل عنه إبن حجر في الاصابة 4 ص‍ 74 ، 163 ويقول : ذكر دعبل في طبقات الشعراء في أهل الحجاز .
أخبار شعراء بغداد . ينقل عنه باسم كتاب شعراء بغداد الآمدي في " المؤتلف " ص‍ 67 .
وله ديوان شعر مجموع كما في تأريخ إبن عساكر . وقال إبن النديم : عمله الصولي نحو ثلثمائة
ورقة . وعد في فهرسته 210 من تآليف أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر :
كتاب : إختيار شعر دعبل .
ومن آيات نبوغه : قصيدته في ذكر مناقب اليمن وفضايلها من ملوكها وغيرهم على نحو ستمائة بيتا كما في نشوار المحاضرة للتنوخي ص‍ 176 . مطلعها :
أفيقي من ملامك يا طعينا كفاك اللوم مر الاربعينا يرد بها على الكميت في قصيدته التي يمتدح بها نزارا وهي ثلثمائة بيتا أولها :
ألا حييت عنا يا مدينا وهل ناس تقول مسلمينا ؟ !
قالها الكميت ردا على الاعور الكلبي في قصيدته التي أولها :
أسودينا واحمرينا . . . . .
فرء‌ا دعبل النبي صلى الله عليه وآله في النوم فنهاه عن ذكر الكميت بسوء . ولم يزل دعبل كان عند الناس جليل القدر حتى رد على الكميت فكان مما وضعه 1 ورد عليه أبو سعد المخزومي بقصيدة . وعلى أثر هذه المناجزة والمشاجرة إفتخرت نزار على اليمن و إفتخرت اليمن على نزار ، وأدلى كل فريق بماله من المفاخر ، وتخربت الناس ، وثارت العصبية في البدو والحضر فنتج بذلك أمر مروان بن محمد الجعدي ، وتعصبه لقومه من نزار على اليمن ، وانحرف اليمن عنه إلى الدعوة العباسية وتغلغل الامر إلى انتقال الدولة عن بني امية إلى بني هاشم ، ثم ما تلا ذلك من قصة معن بن زائدة باليمن ، وقتله أهلها تعصبا لقومه من ربيعة وغيرها من نزار ، وقطعه الحلف الذي كان بين اليمن وربيعة في القدم . إلى آخر ما في مروج الذهب 2 ص‍ 197 .
هامش
1 الاغانى 18 ص‍ 29 ، 31 .
أما روايته في الحديث
فعده إبن شهر اشوب في المعالم " ص‍ 139 من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام ، وحكى النجاشي في فهرسته ص‍ 198 عن إبن أخيه : ان رأى موسى بن جعفر ولقي أبا الحسن الرضا . وقد أدرك الامام محمد بن علي الجواد عليه السلام ولقيه ، وروى الحميري في " الدلايل " وثقة الاسلام الكليني في " اصول الكافي " انه دخل على الرضا عليه السلام فأعطاه شيئا فلم يحمد الله تعالى فقال : لم لم تحمد الله تعالى ؟ ! ثم دخل على الجواد فأعطاه فقال : ألحمد لله . فقال عليه السلام : تأدبت .
ويروي شاعرنا عن جماعة منهم :
1. ألحافظ شعبة بن الحجاج المتوفى 160 1 وبهذا الطريق يروى عنه الحديث في كتب الفريقين كما في أمالي الشيخ ص‍ 240 . وتأريخ إبن عساكر 5 ص‍ 228 .
2. ألحافظ سفيان الثوري ألمتوفى 161 . تأريخ إبن عساكر 5 ص‍ 228 .
3. إمام المالكية مالك بن أنس ألمتوفى 179 .
4. أبوسعيد سالم بن نوح البصري ألمتوفى بعد المأتين .
5. أبوعبدالله محمد بن عمرو ألواقدي ألمتوفى 207 .
6. ألخليفة المأمون العباسي ألمتوفى 218 ، تأريخ الخلفاء ص‍ 204 .
7. أبوالفضل عبدالله بن سعد الزهري البغدادي ألمتوفى 260 ، يروي عنه عن ضمرة عن إبن شوذب عن مطر عن إبن حوشب عن أبي هريرة حديث . صوم الغدير المذكور ج 1 ص‍ 401 . 2
8. محمد بن سلامة يروي عنه بطريقه شيخ الطايفة في أماليه ص‍ 237 عن أمير المؤمنين عليه السلام خطبته الشهيرة بالشقشقية التي أولها : والله لقد تقمصها إبن أبي قحافة ، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير ، ولكني سدلت عنها ثوبا ، وطويت عنها كشحا .
هامش
1 يروى عنه وعن الثورى وهو لم يبلغ الحلم .
2 بشارة المصطفى لشيعة المرتضى 2 .
9. سعيد بن سفيان الاسلمي المدني . أمالي الشيخ ص‍ 227
10. محمد بن إسماعيل " مشترك "
11. مجاشع بن عمر يروي عنه عن مسيرة عن الجزري عن إبن جبير عن إبن عباس انه سئل عن قول الله عزوجل : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما . ألحديث . أمالي الشيخ ص‍ 240 .
12. موسى بن سهل الراسبي ، ذكره إبن حجر في تهذيب التهذيب 10 ص‍ 348 شيخا للمترجم له ولم يعرفه .
وعد إبن عساكر في تاريخه 5 ص‍ 228 ممن يقال برواية المترجم عنه : يحيى إبن سعيد الانصاري وخفي عليه أن يحيى الانصاري توفى 143 قبل ولادة المترجم بسنين .
الرواة عن المترجم هم
1. أبوالحسن علي أخوه كما في كثير من كتب الحديث والمعاجم .
2. موسى بن حماد اليزيدي . فهرست النجاشي ص‍ 117 .
3. أبوالصلت الهروي المتوفى 236 . في مصادر كثيرة .
4. هارون بن عبدالله المهلبي . في الامالي والعيون .
5. علي بن الحكيم . في اصول الكافي .
6. عبدالله بن سعيد الاشقري . ألاغاني وغيره .
7. موسى بن عيسي المروزي .
8. إبن المنادي أحمد بن أبي داود المتوفى 272 . تاريخ إبن عساكر 1
9. محمد بن موسى البريري . تاريخ إبن عساكر .
أما سيره مع الخلفاء والوزراء
فهذه ناحية واسعة النطاق ، طويلة الذيل ، يجد الباحث في طيات كتب التاريخ ومعاجم الادب المفصلة حولها كراريس مسطرة فيها لغو الحديث نضرب عنها صفحا ونقتطف منها ألنزر أليسير .
هامش
1 5 ص‍ 228 . وابن المنادى في المعاجم : محمد بن عبيدالله .
1. عن يحيى بن أكثم قال : إن المأمون أقدم دعبل رحمه الله وآمنه على نفسه فلما مثل بين يديه وكنت جالسا بين يدي المأمون فقال له : أنشدني قصيدتك " الرائية" فجحدها دعبل وأنكر معرفتها ، فقال
له : لك الامان عليها كما أمنتك على نفسك . فأنشده :
تأسفت جارتي لما رأت زوري وعدت الحلم ذنبا غير مغتفر
ترجو الصبى بعد ما شابت ذوائبها وقد جرت طلقا في حلية الكبر
أجارتي إن شيب الرأس يعلمني ذكر المعاد وأرضاني عن القدر
لو كنت أركن للدنيا وزينتها إذا بكيت على الماضين من نفر
أخنى الزمان على أهلي فصدعهم تصدع الشيب لاقى صدمة الحجر
بعض أقام وبعض قد أصار به داعي المنية والباقي على الاثر
أما المقيم فأخشى أن يفارقني ولست أوبة من ولى بمنتظر
أصبحت أخبر عن أهلي وعن ولدي كحاكم قص رؤيا بعد مدكر
لو لا تشاغل عيني بالاولى سلفوا من أهل بيت رسول الله لم أقر
وفي مواليك للحرين مشغلة من أن تبيت لمشغول على أثر
كم من ذراع لهم بالطف بائنة وعارض بصعيد الترب منعفر
أمسى الحسين ومسراهم لمقتله وهم يقولون : هذا سيد البشر
يا امة السوء ما جازيت أحمد في حسن البلاء على التنزيل والسور
خلفتموه على الانباء حين مضى خلافة الذئب في إنفاد ذي بقر
قال يحيى : وأنفذني المأمون في حاجة فقمت فعدت إليه وقد إنتهى إلى قوله :
لم يبق حي من الاحياء نعلمه من ذي يمان ولا بكر ولا مضر
إلا وهم شركاء في دمائهم كما تشارك ايسار على جزر
قتلا وأسرا وتخويفا ومنهبة فعل الغزاة بأرض الروم والخزر
أرى امية معذورين إن قتلوا ولا أرى لبني العباس من عذر
قوم قتلتم على الاسلام أولهم حتى إذا استمكنوا جازوا على الكفر
أبناء حرب ومروان واسرتهم بنو معيط ولاة الحقد والزعر
إربع بطوس على قبر الزكي بها إن كنت تربع من دين على وطر
قبران في طوس خير الناس كلهم وقبر شرهم هذا من العبر
ما ينفع الرجس من قبر الزكي ولا على الزكي بقرب الرجس من ضرر
هيهات كل أمرء رهن بما كسبت له يداه فخذ ما شئت أو فذر
قال : فضرب المأمون عمامته الارض وقال : صدقت والله يا دعبل . 1
روى شيخنا الصدوق في أماليه ص‍ 390 بإسناده عن دعبل انه قال : جائني خبر موت الرضا عليه السلام وأنا مقيم بقم فقلت القصيدة الرائية . ثم ذكر أبياتا منها :
2. دخل إبراهيم بن المهدي على المأمون فشكى إليه حاله وقال : يا أمير المؤمنين إن الله سبحانه وتعالى فضلك في نفسك علي ، وألهمك الرأفة والعفو عني ، والنسب واحد ، وقد هجاني دعبل فانتقم لي منه فقال : وما قال ؟ ! لعل قوله :
نعر إبن شكلة بالعراق وأهله فهفا إليه كل أطلس مائق
وأنشده الابيات فقال : هذا من بعض هجائه وقد هجاني بما هو أقبح من هذا فقال المأمون : لك اسوة بي فقد هجاني واحتملته ، وقال في 2 :
أيسو مني المأمون خطة جاهل أو ما رأى بالامس رأس محمد ؟ !
إنى من القوم الذين سيوفهم قتلت أخاك وشرفتك بمقعد 3
شادوا بذكرك بعد طول خمولة واستنقذوك من الحضيض الاوهد
فقال إبراهيم : زادك الله حلما يا أمير المؤمنين وعلما ، فما ينطق أحدنا إلا عن فضل علمك ، ولا تحمل إلا اتباعا لحلمك .
3. حدث ميمون بن هرون قال : قال إبراهيم بن المهدي للمأمون قولا في دعبل يحرضه عليه فضحك المأمون وقال : إنما تحرضني عليه لقوله فيك :
يا معشر الاجياد لا تقنطوا وارضوا بما كان ولا تسخطوا
هامش
1 الاغانى 18 ص‍ 57 . تاريخ ابن عساكر 5 ص‍ 233 . أمالى المفيد أمالى الشيخ ص‍ 61 .
2 اول القصيدة :
أخذ المشيب من الشباب الاغيد والنائبات من الانام بمرصد
3 اشار إلى قضية طاهر الخزاعى وقتله الامين محمد بن الرشيد وبذلك ولى المامون الخلافة .
فسوف تعطون حنينية يلتذها الامرد والاشمط
والمعبديات لقوادكم لاتدخل الكيس ولا تربط
وهكذا يرزق قواده خليفة مصحفة البربط
فقال له إبراهيم : فقد والله هجاك أنت يا أمير المؤمنين . فقال : دع هذا عنك ، فقد عفوت عنه في هجائه إياي لقوله هذا . وضحك ثم دخل أبوعباد فلما رآه المأمون من بعد قال لابراهيم : دعبل يجسر على أبي عباد بالهجاء ولا يحجم عن أحد . فقال له :
وكان أبا عباد أبسط يدا منك ؟ ! قال : لا ، ولكنه حديد جاهل لا يؤمن وأنا أحلم و أصفح ، والله ما رأيت أبا عباد مقبلا إلا أضحكني قول دعبل فيه .
أولى الامور بضيعة وفساد أمر يدبره أبوعباد 1
4. حدث أبوناجية قال : كان المعتصم يبغض دعبلا لطول لسانه وبلغ دعبلا انه يريد إغتياله وقتله فهرب إلى الجبل وقال يهجوه :
بكى لشتات الدين مكتئب صب وفاض بفرط الدمع من عينه غرب
وقام إمام لم يكن ذا هداية فليس له دين وليس له لب
وما كانت الانباء نأتي بمثله يملك يوما أو تدين له العرب
ولكن كما قال الذين تتابعوا من السلف الماضين إذ عظم الخطب
ملوك بنى العباس في الكتب سبعة ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة خيار إذا عدوا وثامنهم كلب
وإني لاعلي كلبهم عنك رفعة لانك ذو ذنب وليس له ذنب
لقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهم وصيف وأشناس وقد عظم الكرب
وفضل بن مروان يثلم ثلمة يظل لها الاسلام ليس له شعب
5. حدث ميمون بن هارون قال : لما مات المعتصم قال محمد بن عبدالملك
الزيات يرثيه :
قد قلت إذ غيبوه وانصرفوا في خير قبر لخير مدفون : لن يجبر الله امة فقدت مثلك إلا بمثل هارون
هامش
1 توجد بقية الابيات في الاغانى 18 ص‍ 39 .
فقال دعبل يعارضه : قد قلت إذ غيبوه وانصرفوا في شر قبر لشر مدفون : إذهب إلى النار والعذاب فما خلتك إلا من الشياطين ما زلت حتى عقدت بيعة من أضر بالمسلمين والدين
6. حدث محمد بن قاسم بن مهرويه قال : كنت مع دعبل بالضميرة وقد جاء نعي المعتصم وقيام الواثق فقال لي دعبل : أمعك شئ تكتب فيه ؟ ! فقلت : نعم ، وأخرجت قرطاسا فأملى علي بديها :
ألحمد لله لا صبر ولا جلد ولا عزاء إذا أهل البلا رقدوا خليفة مات لم يحزن له أحد وآخر قام لم يفرح به أحد
7. حدث محمد بن جرير قال : أنشدني عبيدالله بن يعقوب هذا البيت وحده لدعبل يهجو به المتوكل وما سمعت له غيره فيه : ولست بقائل قذعا ولكن لامر ما تعبدك العبيد قال : يرميه في هذا البيت بالابنة .
8. دخل عبدالله بن طاهر على المأمون فقال له المأمون : أي شئ تحفظ يا عبد الله لدعبل ؟ ! فقال : أحفظ أبياتا له في أهل بيت أمير المؤمنين . قال : هاتها ويحك . فأنشده عبدالله قول دعبل :
سقيا ورعيا لايام الصبابات أيام أرفل في أثواب لذاتي
أيام غصني رطيب من ليانته أصبو إلى خير جارات وكنات
دع عنك ذكر زمان فات مطلبه واقذف برجلك عن متن الجهالات
واقصد بكل مديح أنت قائله نحو الهداة بني بيت الكرامات
فقال المأمون : إنه قد وجد والله مقالا ونال ببعيد ذكرهم مالا يناله في وصف
غيرهم . ثم قال المأمون : لقد أحسن في وصف سفر سافره فطال ذلك السفر عليه فقال فيه :
ألم يأن للسفر الذين تحملوا إلى وطن قبل الممات رجوع ؟ !
فقلت ولم أملك سوابق عبرة نطقن بما ضمت عليه ضلوع
تبين فكم دار تفرق شملها وشمل شتيت عاد وهو جميع
كذاك الليالي صرفهن كما ترى لكل اناس جدبة وربيع
ثم قال : ما سافرت قط إلا كانت هذه الابيات نصب عيني في سفري وهجيرتي و مسيلتي حتى أعود .
9. حدث ميمون بن هارون قال : كان دعبل قد مدح دينار بن عبدالله وأخاه يحيى فلم يرض فعلاه فقال يهجوهما :
ما زال عصياننا لله يرذلنا حتى دفعنا إلى يحيى ودينار
وغدين عجلين لم تقطع ثمارهما قد طال ما سجدا للشمس والنار
قال : وفيهما وفي الحسن بن سهل والحسن بن رجاء وأبيه يقول دعبل :
ألا فاشتروا مني ملوك المخزم أبع حسنا وابني رجاء بدرهم
وأعط رجاء فوق ذاك زيادة وأسمع بدينار بغير تندم
فإن رد من عيب علي جميعهم فليس يرد العيب يحيى بن أكثم
ملح ونوادر
1. حدث أحمد بن خالد قال : كنا يوما بدار صالح بن علي من عبدالقيس ببغداد ومعنا جماعة من أصحابنا فسقط على كنيسة في سطحه ديك طار من دار دعبل فلمارأيناه قلنا : هذا صيدنا فأخذناه فقال صالح : ما نصنع به ؟ ! قلنا : نذبحه . فذبحناه وشويناه فخرج دعبل وسأل عن الديك فعرف انه سقط في دار صالح فطلبه منا فجحدنا وشرينا يومنا فلما كان من الغد خرج دعبل فصلى الغداة ثم جلس على المسجد وكان ذلك المسجد مجمع الناس يجتمع فيه جماعة من العلماء وينتابهم الناس فجلس دعبل على المسجد وقال .
أسر المؤذن صالح وضيوفه أسر الكمي هفا خلال الماقط
بعثوا عليه بنيهم وبناتهم من بين ناتفة وآخر سامط
يتنازعون كأنهم قذ أوثقوا خاقان أو هزموا كتائب ناعط 1
نهشوه فانتزعت له أسنانهم وتهشمت أقفاؤهم بالحايط
فكتبها الناس عنه ومضوا فقال لي أبي وقد رجع إلى البيت : ويحكم ضاقت عليكم
هامش
1 ناعط : قبيلة من همدان . واصله جبل نزلوا به فنسبوا اليه .
المآكل فلم تجدوا شيئا تاكلونه سوى ديك دعبل ؟ ! ثم أنشدنا الشعر وقال لي : لا تدع ديكا ولا دجاجة تقدر عليه إلا أشتريته وبعثت به إلى دعبل وإلا وقعنا في لسانه . ففعلت ذلك .
2. عن إسحاق النخعي قال : كنت جالسا مع دعبل بالبصرة وعلى رأسه غلامه ثقيف فمر به أعرابي يرفل في ثياب خز فقال لغلامه : ادع لي هذا الاعرابي فأومأ الغلام إليه فجاء فقال له دعبل : ممن الرجل ؟ ! قال : من بني كلاب . قال : من أي ولد كلاب أنت ؟ ! قال : من ولد أبي بكر . فقال دعبل : أتعرف القائل ؟ ! .
ونبأت كلبا من كلاب يسبني ومحض كلاب يقطع الصلوات
فإن أنا لم أعلم كلابا بأنها كلاب وإني باسل النقمات
فكان إذا من قيس عيلان والدى وكانت إذا امي من الحبطات
قال : هذا الشعر لدعبل يقول في عمرو بن عاصم ألكلابي فقال له الاعرابي : ممن أنت ؟ ! فكره أن يقول من خزاعة فيهجوهم فقال : أنا أنتمي إلى القوم الذين يقول فيهم الشاعر :
اناس علي الخير منهم وجعفر وحمزة والسجاد ذو الثفنات
إذا فخروا يوما أتوا بمحمد وجبريل والفرقان والسورات
فوثب الاعرابي وهو يقول : مالي إلى محمد وجبريل والفرقان والسورات مرتقى .
3. حدث الحسين بن أبي السرى قال : غضب دعبل على أبى نصر بن جعفر بن محمد بن الاشعث وكان دعبل مؤدبه قديما لشئ بلغه عنه فقال يهجو أباه :
ما جعفر بن محمد بن الاشعث عندي بخير ابوة من عثعث
عبثا تمارس بي تمارس حية سوارة إن هجتها لم تلبث
لو يعلم المغرور ماذا حاز من خزي لوالده إذا لم يعبث
قال : فلقيه عثعث فقال له : أي شيئ كان بيني وبينك ؟ ! حتى ضربت بي المثل في خسة الآباء . فضحك دعبل وقال : لا شيئ والله إلا إتفاق إسمك وإسم إبن الاشعث في القافية ، أو لا ترضى أن أجعل أباك وهو أسود خيرا من آباء الاشعث بن قيس ؟ !
4. عن الحسين بن دعبل قال : قال أبي في الفضل بن مروان :
نصحت فأخلصت النصيحة للفضل وقلت فسيرت المقالة في الفضل
ألا إن في الفضل بن سهل لعبرة إن اعتبر الفضل بن مروان بالفضل
وللفضل في الفضل بن يحيى مواعظ إذا فكر الفضل بن مروان في الفضل
فأبق حميدا من حديث تفز به ولا تدع الاحسان والاخذ بالفضل
فإنك قد أصبحت للملك قيما وصرت مكان الفضل والفضل والفضل
ولم أر أبياتا من الشعر قبلها جميع قوافيها على الفضل والفضل
وليس لها عيب إذا هي انشدت سوى ان نصحي الفضل كان من الفضل
فبعث إليه الفضل بن مروان بدنانير وقال له : قد قبلت نصحك فاكفني خيرك وشرك 1 .
نماذج من شعر دعبل في المذهب
قال في رثاء الامام السبط الشهيد عليه السلام :
أتسكب دمع العين بالعبرات ؟ ! وبت تقاسي شدة الزفرات ؟ !
وتبكى لآثار لآل محمد ؟ ! فقد ضاق منك الصدر بالحسرات
ألا فابكهم حقا وبل عليهم عيونا لريب الدهر منسكبات
ولا تنس في يوم الطفوف مصابهم وداهية من أعظم النكبات
سقى الله أجداثا على أرض كربلا مرابيع أمطار من المزنات
وصلي على روح الحسين حبيبه قتيلا لدى النهرين بالفلوات
قتيلا بلا جرم فجعنا بفقده فريدا ينادي : أين أين حماتي ؟ ! ؟ .
أنا الظامئ العطشان في أرض غربة قتيلا ومظلوما بغير ترات
وقد رفعوا رأس الحسين على القنا وساقوا نساء ولها خفرات
فقل لابن سعد : عذب الله روحه : ستلقى عذاب النار باللعنات
سأقنت طول الدهر ما هبت الصبا وأقنت بالآصال والغدوات
على معشر ضلوا جميعا وضيعوا مقال رسول الله بالشبهات
هامش
1 الاغانى 18 ص‍ 33 ، 38 ، 39 ، 42 .
ويمدح أمير المؤمنين عليه السلام ويذكر تصدقه خاتمه للسائل في الصلاة و نزول قوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة وهم راكعون . فيه 1 بقوله :
نطق القران بفضل آل محمد وولاية لعليه لم تجحد
بولاية المختار من خير الذي بعد النبي الصادق المتودد
إذ جاء‌ه المسكين حال صلاته فامتد طوعا بالذراع وباليد
فتناول المسكين منه خاتما هبة الكريم الاجود بن الاجود
فاختصه الرحمن في تنزيله من حاز مثل فخاره فليعدد
إن الاله وليكم ورسوله والمؤمنين فمن يشأ فليجحد
يكن الاله خصيمه فيها غدا والله ليس بمخلف في الموعد
وله يمدح أمير المؤمنين صلوات الله عليه :
سقيا لبيعة أحمد ووصيه أعني الامام ولينا المحسودا
أعني الذي نصر النبي محمدا قبل البرية ناشئا ووليدا
أعني الذي كشف الكروب ولم يكن في الحرب عند لقائه رعديدا
أعني الموحد قبل كل موحد لا عابدا وثنا ولا جلمودا
وله يرثي الامام السبط شهيد الطف سلام الله عليه :
إن كنت محزونا فمالك ترقد ؟ ! هلا بكيت لمن بكاه محمد ؟ !
هلا بكيت على الحسين وأهله ؟ ! إن البكاء لمثلهم قد يحمد
لتضعضع الاسلام يوم مصابه فالجود يبكي فقده والسودد
فلقد بكته في السماء ملائك زهر كرام راكعون وسجد
أنسيت إذ صارت إليه كتائب فيها إبن سعد والطغاة الجحد ؟ !
فسقوه من جرع الحتوف بمشهد كثر العداة به وقل المسعد
لم يحفظوا حق النبي محمد إذ جرعوه حرارة ما تبرد
قتلوا الحسين فأثكلوه بسبطه فالثكل من بعد الحسين مبرد
كيف القرار ؟ ! وفي السبايا زينب تدعو بفرط حرارة : يا أحمد
هامش
1 راجع ما مر صفحة 47 من هذا الجزء .
هذا حسين بالسيوف مبضع متلطخ بدمائه مستشهد
عار بلا ثوب صريع في ألثرى بين الحوافر والسنابك يقصد
والطيبون بنوك قتلى حوله فوق التراب ذبايح لا تلحد
يا جد قد منعوا الفرات وقتلوا عطشا فليس لهم هنالك مورد
ياجد من ثكلي وطول مصيبتي ولما اعانيه أقوم وأقعد
وله من قصيدة طويلة في رثاء الشهيد السبط عليه السلام قوله :
جاؤا من الشام المشومة أهلها للشوم يقدم جندهم إبليس
لعنوا وقد لعنوا بقتل إمامهم تركوه وهو مبضع مخموس
وسبوا فوا حزني بنات محمد عبرى حواسر مالهن لبوس
تبا لكم يا ويلكم أرضيتم بالنار ؟ ! ذل هنالك المحبوس
بعتم بدنيا غيركم جهلا بكم عز الحياة وانه لنفيس
أخزى بها من بيعة أموية لعنت وحظ البايعين خسيس
بؤسا لمن بايعتم وكأنني بإمامكم وسط الجحيم حبيس
يا آل أحمد ما لقيتم بعده ؟ ! من عصبة هم في القياس مجوس
كم عبرة فاضت لكم وتقطعت يوم الطفوف على الحسين نفوس
صبرا موالينا فسوف نديلكم يوما على آل اللعين عبوس
ما زلت متبعا لكم ولامركم وعليه نفسي ما حييت أسوس
وذكر له ياقوت الحموي في " معجم الادباء " 11 ص‍ 110 في رثاء الامام السبط عليه السلام قوله :
رأس ابن بنت محمد ووصيه يا للرجال على قناة يرفع
والمسلمون بمنظر وبمسمع لا جازع من ذا ولا متخشع
أيقظت أجفانا وكنت لها كرى وأنمت عينا لم تكن بك تهجع
كحلت بمنظرك العيون عماية وأصم نعيك كل اذن تسمع
ما روضة إلا تمنت أنها لك مضجع ولخط قبرك موضع
وله في مدح الامام الطاهر علي بن أبي طالب صلوات الله عليه :
أبوتراب حيدره ذاك الامام القسوره
مبيد كل الكفره ليس له مناضل
مبارز ما يهب وضيغم ما يغلب
وصادق لا يكذب وفارس محاول
سيف النبي الصادق مبيد كل فاسق
بمرهف ذي بارق أخلصه الصياقل
وله يرثي الامام السبط صلوات الله عليه :
منازل بين أكناف الغري إلى وادي المياه إلى الطوي
لقد شغل الدموع عن الغواني مصاب الاكرمين بني علي
أتى أسفي على هفوات دهري تضاء‌ل فيه أولاد الزكي
ألم تقف البكاء على حسين ؟ ! وذكرك مصرع الحبر التقى
ألم يحزنك أن بني زياد أصابوا بالترات بني النبي ؟ !
وإن بني الحصان يمر فيهم علانية سيوف بني البغي
ولادته ووفاته
ولد سنة 148 واستشهد ظلما وعدوانا وهو شيخ كبير سنة 246 فعاش سبعا وتسعين سنة وشهورا من السنة الثامنة . يقال : انه هجا مالق بن طوق بأبيات وبلغت مالكا فطلبه فهرب فأتى البصرة وعليها إسحاق بن العباس العباسي وكان بلغه هجاء دعبل نزارا فلما دخل البصرة بعث من فبض عليه ودعا بالنطع والسيف ليضرب عنقه فحلف بالطلاق على جحدها ، وبكل يمين تبرئ من الدم انه لم يقلها ، وان عدوا له قالها ، إما أبوسعيد أو غيره ونسبها اليه ليغرى بدمه ، وجعل يتضرع إليه ويقبل الارض ويبكي بين يديه ، فرق له فقال : أما إذا عفيتك من القتل فلابد من أن أشهرك . ثم دعى بالعصا فضربه حتى سلح وأمر به والقي على قفاه وفتح فمه فرد سلحه فيه والمقارع تأخذ رجليه وهو يحلف : أن لا يكف عنه حتى يستوفيه ويبلعه أو يقتله . فما رفعت عنه حتى بلع سلحه كله ثم خلاه فهرب إلى الاهواز ، وبعث مالك بن طوق رجلا حصيفا 1 مقداما وأمره أن يغتاله كيف شاء ، وأعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم ، فلم يزل يطلبه حتى وجده في قرية من نواحي السوس فاغتاله في وقت من الاوقات بعد صلاة العتمة فضرب ظهر قدمه بعكاز 2 لها زج مسموم فمات من غد ودفن بتلك القرية . وقيل : بل حمل إلى السوى ؟ ودفن بها 3 وفي تاريخ إبن خلكان : قتل ب‍ الطيب وهي بلدة بين واسط العراق وكور الاهواز . وقال الحموي 4 : وبزويلة 5 قبر دعبل إبن علي الخزاعي قال بكر بن حماد :
ألموت غادر دعبلا بزويلة في أرض برقة أحمد بن خصيب
لا يخفى على الباحث أن ترديد إبن عساكر في تاريخه 5 ص‍ 242 بعد ذكر وفاة المترجم سنة 246 وقوله : [ قيل : انه هجا المعتصم فقتله . وقيل : انه هجا مالك فأرسل إليه من سمه بالسوس ] ترديد بلا تأمل ، ونقل بلا تدبر ، إذ المعتصم توفي 227 قبل شهادة المترجم بتسع عشر سنة . كما ان ما ذكره الحموي في " معجم البلدان " 4 ص‍ 418 من ان دعبلا لما هجا المعتصم أهدر دمه فهرب إلى طوس واستجار بقبر الرشيد فلم يجره المعتصم وقتله صبرا في سنة 220 ] خلاف ما اتفق عليه المؤرخون وعلماء الرجال من شهادته سنة 246 .
كان البحتري صديقا للمترجم وأبي تمام المتوفى قبله فرثاهما بقوله قد زاد في كلفي وأوقد لوعتي مثوى حبيب يوم مات ودعبل أخوي لا تزل السماء مخيلة 6 تغشا كما بسماء مزن مسبل جدث على الاهواز يبعد دونه مسرى النعي ورمسه بالموصل قال أبونصر محمد بن الحسن الكرخي الكاتب : رأيت على قبر دعبل مكتوبا :
هامش
1 الحصيف : الجيد الرأى محكم العقل .
2 العكاز بالعين المضمومة والكاف المشددة : عصا ذات زج في أسلفها يتوكأ عليها .
3 الاغانى 18 ص‍ 60 ، معاهد التنصيص 1 ص‍ 208 .
4 معجم البلدان 4 ص‍ 418 .
5 اول حدود بلاد السودان .
6 خيل السحاب : رعد وبرق وتهيأ للمطر .
أعد لله يوم يلقاه دعبل : أن لا إله إلا هو يقولها مخلصا عساه بها يرحمه في القيامة الله ألله مولاه والرسول ومن بعدهما فالوصي مولاه خلف المترجم ولداه : عبدالله وحسين الشاعر ، ذكر إبن النديم للثاني منهما ديوانا في نحو مائتي ورقة ، وترجمه إبن المعتز في " طبقات الشعراء " ص‍ 193 وذكر
نماذج من شعره وقال : الدعبلي مليح الشعر جدا .
آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
هنا ينتهي الجزء الثاني ويتلوه الجزء الثالث ويبدء ببقية شعراء
القرن الثالث أولهم أبوإسماعيل العلوي
والله المستعان وعليه التكلان