بسمه تعالى


-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 1 سطر 1 الى ص 5 سطر 18

[ 1 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
115 .
( باب )
* ( ماظهر في المنامات من كراماته ومقاماته ودرجاته ) *
* ( صلوات الله عليه ، وفيه بعض النوادر ) *
( 1 ) يج : روي عن أبي علي الحسن بن عبدالعزيز الهاشمي قال : كانت الفتنة
قائمة بين العباسيين والطالبيين بالكوفة ، حتى قتل سبعة عشر رجلا عباسيا ،
وغضب الخليفة القادر ، واستنهض الملك شرف الدولة أبا علي حتى يسير إلى الكوفة
ويستأصل بها ( 1 ) من الطالبيين ، ويفعل كذا وكذا بهم وبنسائهم وبناتهم ، وكتب
من بغداد هذا الخبر على طيور إليهم ، وعرفوهم ما قال القادر ، ففزعوا وتعلقوا
ببني خفاجة ، فرأت امرأة عباسية في منامها كأن فارسا على فرس أشهب وبيده رمح
نزل من السماء ، فسألت عنه فقيل لها : هذا أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
يريد أن يقتل من عزم على قتل الطالبيين ، فأخبرت الناس فشاع منامها في البلد ،
وسقط الطائر بكتاب من بغداد بأن الملك شرف الدولة بات عازما على المسير إلى
الكوفة ، فلما انتصف الليل مات فجأة ، وتفرقت العساكر وفزع القادر ( 2 ) .
2 - يج : روي أبومحمد الصالح قال : حدثنا أبوالحسن علي بن هارون المنجم
أن الخليفة الراضي كان يجادلني كثيرا على خطأ علي فيما دبر في أمره مع معاوية
قال : فأوضحت له الحجة أن هذا لايجوز على علي ، وأنه عليه السلام لم يعمل إلا الصواب
فلم يقبل مني هذا القول ، وخرج إلينا في بعض الايام ينهانا عن الخوض في مثل
ذلك ، وحدثنا أنه رأى في منامه كأنه خارج من داره يريد بعض متنزهاته ، فرفع
* ( هامش ص 1 ) ( 1 ) من بها . ظ ( ب )
( 2 ) لم نجد هذه الرواية واللتين بعدها في الخرائج المطبوع . *
[ 2 ]
إليه رجل قصير رأسه رأس كلب ، فسأل عنه فقيل له : هذا الرجل كان يخطئ على
علي بن أبي طالب عليه السلام قال : فعلمت أن ذلك كان عبرة لي ولامثالي ، فتبت إلى الله .
3 - يج : روى الشيخ أبوجعفر بن بابويه ، عن ابن الوليد ، عن الصفار ،
عن أحمد بن محمد السجستي ( 1 ) قال : خرجت في طلب العلم فدخلت البصرة ، فصرت
إلى محمد بن عباد صاحب عبادان ، فقلت : إني رجل غريب أتيتك من بلد بعيد لاقتبس
من علمك شيئا ، قال : من أنت ؟ قلت : من أهل سجستان ، قال : من بلد الخوارج ؟
قلت لوكنت خارجيا ماطلبت علمك ، قال أفلا اخبرك بحديث حسن إذا أتيت
بلادك تحدث به الناس ؟ قلت : بلى ، قال : كان لي جار من المتعبدين ، فرأى في
منامه كأنه قد مات وكفن ودفن ، قال : مررت بحوض النبي صلى الله عليه واله وإذا هو جالس
على شفير الحوض والحسن والحسين عليهما السلام يسقيان الامة الماء ، فاستسقيتهما فأبيا
أن يسقياني ، فقلت : يارسول الله إني من امتك ، قال : وإن قصدت عليا لا يسقيك
فبكيت وقلت : أنا من شيعة علي ، قال : لك جار يلعن عليا ولم تنهه ، قلت ، إني
ضعيف ليس لي قوة وهو من حاشية السلطان ، قال : فأخرج النبي سكينا وقال :
امض واذبحه ، فأخذت السكين وصرت إلى داره ، فوجدت الباب مفتوحا ، فدخلت
فأصبته نائما فذبحته ، وانصرفت إلى النبي صلى الله عليه واله وقلت : قد ذبحته وهذه السكين
ملطخة بدمه ، قال : هاتها ، ثم قال للحسين عليه السلام : اسقه ماء ، فلما أضاء الصبح
سمعت صراخا ، فسألت عنه فقيل : إن فلانا وجد على فراشه مذبوحا ، فلما كان
بعد ساعة قبض أميرالبلد على جيرانه فدخلت عليه وقلت : أيها الامير اتق الله إن
القوم برآء ، وقصصت عليه الرؤيا فخلى عنهم .
* ( هامش ص 2 ) ( 1 ) في ( خ ) و ( م ) : السجزى . ( * ) أقول : " السجز " بالكسر ثم السكون معرب " سكز "
الفارسية علم لطائفة معروفة تسكن " سجستان " ( مخفف : سجزستان ) معرب " سكستان "
( مخفف : سكزستان ) وقد خفف عند الفارسيين في ألسنة العامة حتى صارت : " سيستان "
فالسجزى نسبة إلى الطائفة والسجستى والسجستانى نسبة إلى المحل وكلها بكسر السين وسكون
الجيم لا غير . ( ب ) *
[ 3 ]
4 - أقول : وأخبرني بهذا الخبر شيخي ووالدي العلامة قدس الله روحه
عن السيد حسين بن حيدر الحسيني الكركي - رحمه الله - قال : أخبرني الشيخ الجليل
بهاء الملة والدين العاملي في إصفهان ثاني شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة
وأخبرني أيضا في السابع والعشرين من شهر رجب سنة ألف وثلاث في النجف الاشرف
تجاه الضريح المقدس قراءة وإجازة ، قال : أخبرني والدي الشيخ حسين بن عبد
الصمد في يوم الثلثاء ثاني شهر رجب سنة إحدى وتسعين وتسعمائة بدارنا في المشهد
المقدس الرضوي صلوات الله على مشرفه ، عن الشيخين الجليلين السيد حسن بن
جعفر الكركي والشيخ زين الملة والدين قدس الله روحهما ، عن الشيخ علي بن
عبدالعالى الميسي ، عن الشيخ محمد بن المؤذن الجزيني ، عن الشيخ ضياء الدين
علي ، عن والده الشهيد السعيد محمد بن مكي ، عن السيد عبدالمطلب بن محمد بن علي
بن محمد الاعرج الحسيني ، عن جده علي ، عن شيخه عبدالحميد بن السيد فخار
بن معد بن فخار الموسوي ، عن يوسف بن هبة الله بن يحيى الواسطي ، عن أبيه ،
عن أبي الحسن البصري ، عن سعيد بن ناصر البستقي ، عن القاضي أبي محمد السمندي
عن علي بن محمد السمان السكري ( 1 ) قال : خرجت إلى أرض العراق في طلب الحديث
فوصلت عبادان فدخلت على شيخها محمد بن عباد شيخ عبادان ورأس المطوعة ، فقلت
له : يا شيخ أنا رجل غريب أتيت من بلد بعيد ألتمس من علمك ، فقال : من أين
أتيت ؟ فقلت : من جهستان ( 2 ) فقال : من بلد الخوارج لعلك خارجي ؟ فقلت : لو
كنت خارجيا لم أشتر علمك بدانق ، فقال : ألا احدثك حديثا طريفا إذا مضيت
إلى بلادك تحدثت به ؟ فقلت : بلى يا شيخ ، فقال : كان لي جار من المتزهدين
المتنسكين ، فرأى في منامه كأنه مات ونشر وحوسب وجوز الصراط وأنى حوض
النبي صلى الله عليه واله والحسن والحسين عليهما السلام يسقيان ، قال : فاستقيت الحسن فلم يسقني
واستقيت الحسين فلم يسقني ، فقربت من رسول الله صلى الله عليه واله فقلت : يا رسول الله أنا
رجل من امتك وقد استقيت الحسن فلم يسقني واستقيت الحسين فلم يسقني ، فصاح
* ( هامش ص 3 ) مصحف السكزى . ( ب ) ( 2 ) مصحف سجستان . ( ب ) *
[ 4 ]
الرسول صلى الله عليه واله بأعلى صوته لا نسقياه لا نسقياه ، فقلت : يا رسول الله أنا رجل من امتك
ما بدلت ولا غيرت ، قال : بلى لك جار يلعن عليا ويستنقصه لم تنهه ، فقلت : يا رسول الله
هو رجل يغتر بالدنيا وأنا رجل فقير لا طاقة لي به ، قال فأخرج الرسول صلى الله عليه واله
سكينا مسلولة وقال : اذهب فاذبحه بها ، فأتيت باب الرجل فوجدته مفتوحا ، فصعدت
الدرجة ( 1 ) فوجدته ملقى على سريره ، فذبحته وأتيت بالسكين ملطخة بالدم فأعطيتها
رسول الله صلى الله عليه واله فأخذها وقال : اسقياه ، فتناولت الكأس فلا أدري أشربتها أم لا ، و
انتبهت فزعا مرعوبا ، ففزعت ( 2 ) إلى الوضوء وصليت ما شاء الله ، ووضعت رأسي و
نمت وسمعت ( 3 ) الصياح في جواري ، فسألت عن الحال فقيل : إن فلانا وجد على
سريره مذبوحا ، فما مكثت حتى أتى الامير والحرس فأخذوا الجيران ، فقلت :
أنا ذبحت الرجل ولا يسعني أن أكتم فمضيت إلى الامير فقلت : أنا ذبحت الرجل
فقال : لست متهما على مثل هذا ، فقصصت الرؤيا عليه وقلت : أيها الامير إن
صححها الله فما ذنبي و ( ما ) ذنب هؤلاء ؟ فقال الامير . أحسن الله جزاك أنت برئ
والقوم برآء ، قال الشيخ علي بن محمد السمان فلم أسمع بالعراق أحسن من هذا
الحديث .
ما ذكر الفضل بن شاذان في كتابه الذي نقض به على ابن اكرام قال : روى
عثمان بن عفان عن محمد بن عباد البصري وذكر نحوه ( 4 ) .
5 - أقول : ذكرالعلامة الحلي قدس الله روحه في إجازته الكبيرة عن تاج
* ( هامش ص 4 ) ( 1 ) الدرجة - بالفتحات - : السلم والمرقاة .
( 2 ) بتقديم المعجمة على المهملة أى لجأت إلى الوضوء . ويمكن أن يكون بالعكس أى
قصدت .
( 3 ) في ( خ ) و ( م ) : فسمعت .
( 4 ) لم نجده في الامالى المطبوع . ولا يخفى ان النسخ المطبوعة منه ناقصة . وتوجد نسخة
مخطوطة كاملة في مكتبة شيخ الاسلام الزنجانى طاب ثراه كما أشار إليه في الذريعة 2 : 313 و 314 .
( * ) أقول : وقد سمعت بعض الفضلاء أنه سافر وراى تلك النسخة وسبرها فلم يجد فيها
شيئا زائدا على ماهو المطبوع وعلى اى حال قد نقل تلك القصة في ناسخ التواريخ عن الخرائج
والجرائح راجع الجزء الخامس من المجلد الثالث في أحوال مولانا على بن ابيطالب عليه السلام
من الطبعة الحديثة ص 45 ( ب ) *
[ 5 ]
الدين الحسن بن الدربي ، عن أبي الفائز بن سالم بن معارويه في سنة إحدى وتسعين
وخمسمائة ، عن أبي البقاء هبة الله بن نما ، عن أبي البقاء هبة الله بن ناصر بن نصر ،
عن أبيه ، عن الاسعد ، عن الرئيس أبي البقاء أحمد بن علي المزرع ، عمن حدثه
عن بعض أهل الموصل قال : عزمت الحج فأتيت الامير حسام الدولة المقلد بن المسيب
وهو أميرنا يومئذ ، فودعته وعرضت الحاجة عليه ، فاستخلى بي وأحضر لي مصحفا
فحلفني به إلا بلغت رسالته وحلف به لو ظهر هذا الخبر لاقتلنك ، فلما فرغ قال :
إذا أتيت المدينة فقف عند قبر محمد صلى الله عليه واله وقل : يا محمد قلت وصنعت وموهت على
الناس ( 1 ) في حياتك لم أمرتهم بزيارتك بعد مماتك ؟ وكلام نحو هذا ، فسقط في
يدي ( 2 ) لم أتيته ولم أعلم أنه يرى رأي الكفار ، فحججت وعدت حتى أتيت المدينة
وزرت رسول الله صلى الله عليه واله وهبته ( 3 ) أن أقول ما قال لي ، وبقيت أياما حتى إذا كان
ليلة مسيرنا فذكرت يميني بالمصحف فوقفت أمام القبر وقلت : يا رسول الله حاكي
الكفر ليس بكافر ، قال لي المقلد بن المسيب كذا وكذا ، ثم استعظمت ذلك وفزعت
عنه ، فأتيت رحلي ورفاقتي ورميت بنفسي وتدبرت ( 4 ) وحرت كالمجهود ، فلما أن
تهور الليل رأيت في منامي رسول الله صلى الله عليه واله وعليا وبيد علي سيف وبينهما رجل
نائم عليه إزار رقيق أبيض بطراز أحمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : يا فلان اكشف عن
وجهه ، فكشفته فقال : تعرفه ؟ قلت : نعم ، قال : من هو ؟ قلت : المقلد بن
المسيب ، قال : ياعلي اذبحه ، فأمر السيف على نحره وذبحه ، ورفعه فمسحه
بالازار الذي على صدره مسحتين ، فأثر الدم فيه خطين ، فانتبهت مرعوبا ولم أكن


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 5 سطر 19 الى ص 13 سطر 2

أخبرت أحدا ، فتداخلني أمر عظيم حتى أخبرت رجلا من أصحابي ، وكتبت شرح
المنام وأرخت الليلة ، ولم نعلم به ثالثا حتى انتهينا إلى الكوفة سمعنا الخبر أن
الامير قد قتل وأصبح مذبوحا في فراشه ، فسألنا لما وصلنا إلى الموصل عن خبره
* ( هامش ص 5 ) ( 1 ) موه عليه الامر أو الخبر : زوره عليه وزخرفه ولبسه أو بلغه خلاف ماهو .
( 2 ) أى ندمت .
( 3 ) من هاب يهاب أى خفت .
( 4 ) وتدثرت ظ . ( ب ) *
[ 6 ]
فلم يزد أحد غير أنه أصبح مذبوحا ، فسألنا عن الليلة التي ذبح فيها فإذا هي الليلة
التي أرخناها بالمدينة مع صاحبي ، فكان موافقا ، ثم قلنا : قد بقي شئ واحد وهو
الازار والدم عليه ، فسألنا عمن غسله فارشدنا إليه ، فسألناه فأخرج لنا ما أخذ من
ثيابه حين غسله والازار الابيض المطرز بالاحمر وفيه الخطان بالدم ( 1 ) .
بيان : تهور الليل : ذهب أو ولى أكثره .
6 - ما : جماعة ، عن أبي المفضل ، عن أحمد بن جعفر البجلي ، عن محمد بن
عمار الاسدي ، عن يحيى بن ثعلبة ، عن أبي نعيم محمد بن جعفر الحافظ ، عن أحمد
بن عبيد بن ناصح ، عن هشام بن محمد بن السائب ، عن يحيى بن ثعلبة ، عن امه عائشة
بنت عبدالرحمن بن السائب ، عن أبيها قال : جمع زياد بن أبيه شيوخ أهل الكوفة و
أشرافهم في مسجد الرحبة لسب أميرالمؤمنين عليه السلام والبراءة منه وكنت فيهم ، و
كان الناس من ذلك في أمر عظيم ، فغلبتني عيناي ، فنمت فرأيت في النوم شيئا طويلا
طويل العنق أهدل أهدب ( 2 ) ، فقلت : من أنت ؟ فقال : أنا النقاد ذوالرقبة ، قلت :
وما النقاد ؟ قال : طاعون بعثت إلى صاحب هذا القصر لاجتثه ( 3 ) من جديد الارض
كما عتا ( 4 ) وحاول ما ليس له بحق ، قال : فانتبهت فزعا وأنا في جماعة من قومي
فقلت : هل رأيتم ما رأيت في المنام ؟ فقال رجلان منهم : رأينا كيت وكيت بالصفة
وقال الباقون : ما رأينا شيئا ، فما كان بأسرع من أن خرج خارج من دار زياد فقال : يا هؤلاء انصرفوا فإن الامير عنكم مشغول ، فسألناه عن خبره فخبرنا أنه طعن
في ذلك الوقت ، فما تفرقنا حتى سمعنا الواعية عليه ، فأنشأت أقول في ذلك :
* ( هامش ص 6 ) ( 1 ) راجع بحار الانوار المجلد الخامس والعشرين ص 26 وبين النسختين اختلافات كابى
العامر بدل أبى الفائز وأبى الغنائم أحمد بدل أبى البقاء أحمد وغير ذلك . وقال في آخره :
قال أبوالبقاء ابن ناصر . ورأيت أنا بعد نسخى هذا الحديث أن ذلك كان في سنة تسعين وثلاثمائة .
( 2 ) الاهدل : المسترخى المشفر أو الشفة . الاهدب : الذى طال هدب عينيه وكثرت اشفارهما .
( 3 ) اجتثه : قلعه من أصله . وفى هامش ( ك ) : لاجشه أى أدقه وأكسره .
( 4 ) عتا يعتو عتوا : استكبر وجاوز الحد . *
[ 7 ]
قد جشم الناس أمرا ضاق ذرعهم ( 1 ) * بحمله حين ناداهم إلى الرحبة
يدعو على ناصر الاسلام حين يرى * له على المشركين الطول والغلبة
ماكان منتهيا عما أراد بنا * حتى تناوله النقاد ذو الرقبة
فأسقط الشق منه ضربة عجبا * كما تناول ظلما صاحب الرحبة ( 2 ) 7 - قب : كان بالمدينة رجل ناصبي ثم نشيع بعد ذلك ، فسئل عن السبب
في ذلك فقال : رأيت في منامي عليا عليه السلام يقول لي : لو حضرت صفين مع من كنت
تقاتل ؟ قال : فأطرقت افكر ، فقال عليه السلام : يا خسيس هذه مسألة تحتاج إلى هذا
الفكر العظيم ؟ اعطوا قفاه ، فصفقت ( 3 ) حتى انتبهت وقد ورم قفاي ، فرجعت عما
كنت عليه ( 4 ) .
8 - فض ، يل : عن إبراهيم بن مهران قال : كان بالكوفة رجل يكنى بأبي جعفر
وكان حسن المعاملة مع الله تعالى ، ومن أتاه من العلويين يطلب منه شيئا أعطاه و
يقول لغلامه : يا هذا اكتب " هذا ما أخذ علي بن أبي طالب عليه السلام " وبقي على ذلك
زمانا ، ثم قعد به الوقت وافتقر ، فنظر يوما في حسابه فجعل كل ماهو عليه اسم
حي من غرمائه بعث إليه يطالبه ، ومن مات ضرب على اسمه : فبينا هو جالس على
باب داره إذ مر به رجل فقال : ما فعل بما لك علي بن أبي طالب ؟ فاغتم لذلك غما
شديدا ودخل منزله ، فلما جنه الليل رأى النبي صلى الله عليه واله وكان الحسن والحسين عليهما السلام
يميشان أمامه ، فقال لهما النبي صلى الله عليه واله : ما فعل أبوكما ؟ فأجابه علي عليه السلام من
ورائه : ها أنا ذا يارسول الله ، فقال له : لم لا تدفع إلى هذا الرجل حقه ؟ فقال علي
عليه السلام : يا رسول الله هذا حقه قد جئت به ، فقال له النبي صلى الله عليه واله ادفعه إليه
فأعطاه كيسا من صوف أبيض فقال : إن هذا حقك فخذه ، فلا تمنع من جاءك من
ولدي يطلب شيئا فإنه لا فقر عليك بعد هذا ، قال الرجل : فانتبهت والكيس في
* ( هامش ص 7 ) ( 1 ) جشم الامر : تكلفه على مشقه .
( 2 ) لم نجده في الامالى المطبوع .
( 3 ) في المصدر " فصفقت " على المجهول اى ضرب بقفاى .
( 4 ) مناقب آل أبى طالب 1 : 479 . *
[ 8 ]
يدي ، فناديت زوجتي وقلت لها : هاك ، فناولتها الكيس فإذا فيه ألف دينار ، فقالت
لي : يا ذا الرجل اتق الله تعالى ولا يحملك الفقر على أخذ ما لا تستحقه ، وإن كنت
خدعت بعض التجار على ماله فاردده إليه ! فحدثتها بالحديث فقالت : إن كنت
صادقا فأرني حساب علي بن أبي طالب عليه السلام فأحضر الدستور وفتحه فلم يجد فيه
شيئا من الكتابة بقدرة الله تعالى ( 1 ) .
أقول : روي في كتاب صفوة الاخبار عن جابر بن عبدالله الانصاري مثله ( 2 ) .
9 - فض : من المسموعات بواسط في سنة اثنين وخمسين وست مائة عن الحسن
ابن أبي بكر أن ابن سلامة القزاز حيث ذهبت عينه اليمنى وكان عليه دين لشخص
يعرف بابن حنظلة الفزاري فألح عليه بالمطالبة وهو معسر ، فشكا حاله إلى الله
سبحانه وتعالى ، واستجار بمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام فلما كان في بعض الليالي رأى
في منامه عزالدين أبا المعالى ابن طبيبي رحمه الله ومعه رجل آخر ، فدنا منه وسلم
عليه وسأله عن الرجل ، فقال له : هذا مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام فدنا من الامام و
قال له : يا مولاي هذه عيني اليمنى قد ذهبت ، فقال له : يردها الله عليك ، ومد يده
الكريمة إليها وقال : " يحييها الذي أنشأها أول مرة " فرجعت بإذن الله تعالى ،
وقد شاهد ذلك كل من في واسط والرجل موجود بها ( 3 ) .
10 - يل ، فض : روى عبدالله بن مسعود بن عبدالدار ، عن عيسى بن عبدالله
مولى بني تميم ، عن شيخ القاروني من قريش من بني هاشم قال : رأيت رجلا بالشام
قد اسود وجهه وهو يغطيه ، فسألته عن سبب ذلك قال : نعم قد جعلت علي لله أن
لا يسألني أحد عن ذلك الاذى إلا أجبته وأخبرته ، إني كنت شديد الوقيعة في علي
ابن أبي طالب عليه السلام كثير السب له ، فبينما أنا ذات ليلة من الليالي نائم إذ أتاني آت
في منامي فقال : أنت صاحب الوقيعة في علي بن أبي طالب ؟ قلت : بلى ، فضرب
* ( هامش ص 8 ) ( 1 ) الروضة : 2 . الفضائل : 99 و 100 .
( 2 ) مخطوط ولم نظفر بنسخته .
( 3 ) الروضة : 8 و 9 . *
[ 9 ]
وجهي وقال : سودالله ، فاسود كما ترى ( 1 ) .
11 - من كتاب صفوة الاخبار روى الاعمش قال : رأيت جارية سوداء تسقي
الماء وهي تقول : اشربوا حبا لعلي بن أبي طالب عليه السلام وكانت عمياء ، قال : ثم أتيتها
بمكة بصيرة تسقي الماء وهي تقول : اشربوا حبا لمن رد الله علي بصري به ، فقلت :
يا جارية رأيتك في المدينة ضريرة تقولين : اشربوا حبا لمولاي علي بن أبي طالب
عليه السلام وأنت اليوم بصيرة فما شأنك ؟ قالت : بأبي أنت إني رأيت رجلا قال : ياجارية
أنت مولاة لعلي بن أبي طالب عليه السلام ومحبته ؟ فقلت نعم ، فقال : اللهم إن كانت
صادقة فرد عليها بصرها ، فوالله لقد رد الله علي بصري فقلت : من أنت ؟ قال : أنا
الخضر وأنا من شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام ( 2 ) .
12 - من كتاب كشف اليقين للعلامة قدس الله روحه من كتاب الاربعين عن
الاربعين قال : إن الشاعر الببغاء ( 3 ) وفد على بعض الملوك ، وكان يفد عليه في كل
سنة ، فوجده في الصيد ، فكتب وزير الملك يخبر بقدومه ، فأمره بأن يسكنه في بعض
دوره ، وكان على تلك الدار غرفة كان الببغاء يبيت كل ليلة فيها ، ولها مطلع إلى
الدرب ، وكان كل ليلة يخرج الحارث ( 4 ) بعد نصف الليل فيصيح بأعلى صوته : يا
غافلين اذكروا الله ، ثم يسب عليا ، وكان الشاعر الببغاء ينزعج لصوته ، فاتفق في
بعض الليالي أن الشاعر رأى في منامه أن النبي صلى الله عليه واله قد جاء هو وعلي عليه السلام إلى
ذلك الدرب ، ووجد الحارث فقال النبي صلى الله عليه واله لعلي عليه السلام : اصفقه ( 5 ) فله اليوم
أربعون سنة يسبك ، فضربه أميرالمؤمنين عليه السلام بين كتفيه ، فانتبه الشاعر منزعجا
من المنام ، ثم انتظر الصوت الذي كان من الحارث كل وقت فلم يسمعه ، فتعجب
من ذلك ، ثم رأى صياحا ورجالا قد أقبلوا إلى دار الحارث ، فسألهم الخبر فقالوا
* ( هامش ص 9 ) ( 1 ) الروضة : 10 . ولم نجده في الفضائل المطبوع .
( 2 ) مخطوط .
( 3 ) الببغاء - بفتح الموحدتين وتشديد ثانيهما ، أو تخفيفه ، وبالفتح فالسكون - : أبو
الفرج عبدالواحد بن نصر بن محمد المخزومى من أهل نصيبين ، كان اديبا شاعرا لقب به لحسن
فصاحته ، خدم سيف الدولة ابن حمدان ، توفى سنة 398 . ( الكنى والالقاب 2 : 57 ) .
( 4 ) وفي ( ت ) الحارس في كل المواضع . ( 5 ) في المصدر : اصفعه .
[ 10 ]
له : إن الحارث حصل له بين كتفيه ضربة بقدر الكف ، وهي تنشق وتمنعه القرار
فلم يكن وقت الصباح إلا وقد مات ، وشاهده بهذه الحال أربعون نفسا ( 1 ) .
وكان ببلد الموصل شخص يقال له أحمد بن حمدون ( 2 ) بن الحارث العدوي ،
كان شديد العناد كثير البغض لمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام فأراد بعض أهل الموصل
الحج ، فجاء إليه يودعه ، فقال له : إني قد عزمت ( 3 ) على الخروج إلى الحج فإن
كان لك حاجة تعرفني حتى أقضيها لك ، فقال : إن لي حاجة مهمة وهي سهلة
عليك ، فقال له : مرني بها حتى أفعلها ، فقال : إذا قضيت الحج ووردت المدينة
وزرت النبي صلى الله عليه واله فخاطبه عني وقل : يا رسول الله ما أعجبك من علي بن أبي طالب
حتى تزوجته ( 4 ) بابنتك ؟ عظم بطنه أو دقة ساقه أو صلعة رأسه ؟ وحلفه وعزم عليه
أن يبلغه هذا الكلام ، فلما ورد المدينة وقضى حوائجه أنسى تلك الوصية ، فرأى
أميرالمؤمنين عليه السلام في منامه فقال له : ألا تبلغ وصية فلان إليك ؟ فانتبه ومشى لوقته
إلى القبر المقدس وخاطب النبي صلى الله عليه واله بما أمره ( 5 ) ذلك الرجل به ثم نام فرأى أمير -
المؤمنين عليه السلام فأخذه ومشى هو وإياه إلى منزل ذلك الرجل ، وفتح الابواب وأخذ
مدية ( 6 ) فذبحه عليه السلام بها ، ثم مسح المدية بملحفة كانت عليه ، ثم أتى سقف باب
الدار ( 7 ) فرفعه بيده ووضع المدية تحته وخرج ، فانتبه الحاج منزعجا من ذلك ، و
كتب صورة المنام هو وأصحابه ، وانتبه سلطان الموصل في تلك الليلة وأخذ الجيران
والمشتبهين ورماهم في السجن ، وتعجب أهل الموصل من قتله حيث لا يجدوا ( 8 ) نقبا
ولا تسليقا على حائط ولا بابا مفتوحا ولا قفلا ، وبقي السلطان متحيرا في أمره ما
* ( هامش ص 10 ) ( 1 ) في المصدر : بهذا الحال اربعون نقيبا .
( 2 ) " : حمدويه .
( 3 ) " : ويقول له : اننى قد آذنت .
( 4 ) " : زوجته .
( 5 ) " : كما أمره .
( 6 ) المدية - مثلثة الميم - : الشفرة الكبيرة .
( 7 ) في المصدر : ثم جاء إلى باب سقف الدار .
( 8 ) " : لم يجدوا . *
[ 11 ]
يدري ما يصنع في قضيته ، فإن ورود واحد من الخارج متعذر مع هذه العلامات
ولم يسرق من الدار شئ البتة ، ولم تزل الجيران وغيرهم في السجن إلى ورود
الحاج ( 1 ) من مكة ، فلقي الجيران في السجن فسأل عن ذلك فقيل : إن في
الليلة الفلانية وجدوا فلانا مذبوحا في داره ولم يعرف قاتله ، ففكر ( 2 ) وقال
لاصحابه : أخرجوا صورة المنام ، فإذا هي ليلة القتل ، ثم مشى هو والناس بأجمعهم
إلى دار المقتول ، فأمر بإخراج الملحفة وأخبرهم بالدم فيها ، فوجدوها كما
قال ، ثم أمر برفع المردم ( 3 ) فرفع فوجد السكين تحته ، فعرفوا صدق منامه ، وافرج
عن المحبوسين ورجع أهله إلى الايمان ، وكان ذلك من ألطاف الله تعالى في حق
بريته .
وكان في الحلة شخص من أهل الدين والصلاح ملازم لتلاوة الكتاب العزيز ،
فرجمه الجن فكان تأتي الحجارة من الخزائن والروازن المسدودة ، وألحوا عليه
بالرجم وأضجروه ، وشاهدت أنا الموضع التي ( 4 ) كان يأتي الرجم منها ، ولم يقصر
في طلب العزائم والتعاويذ ووضعها في منزله وقراءتها فيه ، ولم ينقطع عنه الرجم
مدة ، فخطر بباله أنه دخل ووقف على باب البيت الذي كان يأتي الرجم منه ،
فخاطبهم وهو لا يراهم ، فقال : والله لئن لم تنتهوا عني لاشكونكم إلى أميرالمؤمنين
علي بن أبي طالب عليه السلام فانقطع عنه الرجم في الحال ولم يعد إليه .
ونقل ابن الجوزي وكان حنبلي المذهب في كتاب تذكرة الخواص : كان
عبدالله بن المبارك يحج سنة ويغزو ( 5 ) سنة ، وداوم عليه على ذلك خمسين سنة ، فخرج
في بعض سني الحج وأخذ معه خمسمائة دينار إلى موقف الجمال بالكوفة ليشتري
* ( هامش ص 11 ) ( 1 ) في المصدر : إلى ان ورد الحاج .
( 2 ) " : فكبر .
( 3 ) ثوب مردم - بتشديد الدال - : خلق مرقع .
( 4 ) في المصدر ، المواضع التى وفى ( خ ) و ( م ) : الموضع الذى .
( 5 ) في المصدر ويعمر . *
[ 12 ]
جمالا للحج ، فرأى امرأة علوية على بعض المزابل تنتف ريش بطة ميتة ، قال :
فتقدمت إليها فقلت : ولم تفعلين هذا ؟ فقالت : يا عبدالله لا تسأل عما لا يعنيك ، قال :
فوقع في خاطري من كلامها شئ ، فألححت عليها فقالت : يا عبدالله قد ألجأتني إلى
كشف سري إليك . أنا امرأة علوية ولي أربع بنات يتامى ، مات أبوهن من قريب
وهذا اليوم الرابع ما أكلنا شيئا ، وقد حلت لنا الميتة ، فأخذت هذه البطة اصلحها
وأحملها إلى بناتي يأكلنها ، قال : فقلت في نفسي : ويحك يا ابن المبارك أين أنت عن
هذه ؟ فقلت : افتحي حجرك ، ففتحت فصببت الدنانير في طرف إزارها وهي مطرقة
لا تلتفت ، قال : ومضيت إلى المنزل ونزع الله قلبي من شهوة الحج في ذلك العام
ثم تجهزت إلى بلادي فأقمت حتى حج الناس وعادوا ، فخرجت أتلقى جيراني
وأصحابي ، فجعل كل من أقول له : قبل الله حجك وشكر سعيك ، يقول لي : وأنت
قبل الله حجك وشكر سعيك ، إنا قد اجتمعنا بك في مكان كذا وكذا ، وأكثر
الناس علي في القول ، فبت متفكرا فرأيت رسول الله صلى الله عليه واله في المنام وهو يقول لي :
يا عبدالله لا تعجب فإنك أغثت ملهوفة من ولدي ، فسألت الله أن يخلق على صورتك
ملكا يحج عنك كل عام إلى يوم القيامة ، فإن شئت أن تحج وإن شئت لا تحج .
ونقل ابن الجوزي ( 1 ) في كتابه قال : قرأت في الملتقط - وهو كتاب لجده أبي -
الفرج بن الجوزي - قال : كان ببلخ رجل من العلويين نازلا بها وله زوجة وبنات
فتوفي ، قالت المرأة : فخرجت بالبنات إلى سمرقند خوفا من شماتة الاعداء ، و
اتفق وصولي في شدة البرد ، فأدخلت البنات مسجدا فمضيت لاحتال في القوت ،
فرأيت الناس مجتمعين على شيخ ، فسألت عنه فقالوا : هذا شيخ البلد ، فشرحت له
حالي فقال : أقيمي عندي البينة أنك علوية ، ولم يلتفت إلي ، فيسئت منه وعدت
إلى المسجد ، فرأيت في طريقي شيخا ( 2 ) جالسا على دكة وحوله جماعة ، فقلت : * ( هامش ص 12 ) ( 1 ) يعنى سبط ابن الجوزى مؤلف تذكرة الخواص ومن هنا يعرف أنهم قد يطلقون " ابن
الجوزى " على سبطه بتلك القرينة . ( 2 ) في المصدر : شخصا . *
[ 13 ]
من هذا ؟ فقالوا : ضامن البلد وهو مجوسي ، فقلت عسى أن يكون عنده فرج ،
فحدثته حديثي وما جرى لي مع الشيخ ، ( 1 ) فصاح بخادم له فخرج ، فقال : قل


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 13 سطر 3 الى ص 21 سطر 3

لسيدتك : تلبس ثيابها ، فدخل فخرجت امرأة ومعها جوار ، فقال لها : اذهبي مع هذه المرأة إلى المسجد الفلاني واحملي بناتها إلى الدار . فجاءت معي وحملت
البنات ، وقد أفرد لنا دارا في داره ، وأدخلنا الحمام ، وكسانا ثيابا فاخرة ، وجائنا
بألوان الاطعمة ، وبتنا بأطيب ليلة ، فلما كان نصف الليل رأى شيخ البلد المسلم
في منامه كأن القيامة قد قامت واللواء على رأس محمد صلى الله عليه واله وإذا قصر من الزمرد
الاخضر فقال : لمن هذا ؟ فقيل ( له ) : لرجل مسلم موحد ، فتقدم إلى رسول الله
صلى الله عليه واله فأعرض عنه ، فقال : يا رسول الله تعرض ( 2 ) عني وأنا رجل مسلم ؟ فقال
له أقم البينة عندي أنك مسلم ! فتحير الرجل ، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله : نسيت
ما قلت للعلوية ؟ وهذا القصر للشيخ الذي هي في داره ، فانتبه الرجل وهو
يلطم ويبكي ، وبعث غلمانه في البلد وخرج بنفسه يدور على العلوية ، فاخبر
أنها في دار المجوسي ، فجاء إليه فقال : أين العلوية ؟ قال : عندي ، قال : اريدها ،
قال : ما إلى ( 3 ) هذا سبيل : قال : هذه ألف دينار وسلمهن إلي ، قال : لا والله ولا
مائة ألف دينار ، فلما ألح عليه قال له : المنام الذي رأيته أنت رأيته أنا أيضا ،
والقصر الذي رأيته لي خلق ، ( 4 ) وأنت تدل علي بإسلامك ، والله ما نمت ولا أحد
في داري إلا وقد أسلمنا كلنا على يد العلوية ، وعاد من بركاتها علينا ، ورأيت
رسول الله صلى الله عليه واله وقال لي : القصر لك ولاهلك بما فعلت مع العلوية ، وأنتم من أهل
الجنة ، خلقكم الله مؤمنين في العدم ( 5 ) .
* ( هامش ص 13 ) ( 1 ) في المصدر : وماجرى معى ومع الشيخ .
( 2 ) " : لم تعرض ؟ .
( 3 ) في المصدر وفى غير ( ك ) من النسخ : مالى إلى هذا .
( 4 ) " : والقصر الذى رأيته انت رأيته لى خلق .
( 5 ) " : في القدم . *
[ 14 ]
ونقل أيضا في كتابه عن أبي الدنيا أن رجلا رأى رسول الله صلى الله عليه واله في منامه
وهو يقول : امض إلى فلان المجوسي وقل له : قد اجيبت الدعوة ، فامتنع الرجل
من أداء الرسالة لئلا يظن المجوسي أنه يتعرض له ، وكان الرجل في الدنيا
واسعة ، فرأى رسول الله صلى الله عليه واله ثانيا وثالثا ، فأصبح فأتى المجوسي وقال له في خلوة
من الناس : أنا رسول رسول الله إليك وهو يقول لك : قد اجبت ( 1 ) الدعوة ،
فقال له : أتعرفني ؟ فقال : نعم ، فقال : إني انكر دين الاسلام ونبوة محمد صلى الله عليه واله
فقال : أنا أعرف هذا وهو الذي أرسلني إليك مرة ومرة ، فقال : أنا أشهد
أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واله ودعا أهله وأصحابه وقال لهم : كنت
على ضلال وقد رجعت إلى الحق فأسلموا ، فمن أسلم فما في يده له ، ومن أبى
فلينزع عمالي عنده فأسلم القوم وأهله ، وكانت إبنته مزوجة من ابنه ، ففرق
بينهما ، ثم قال لي : أتدري ما الدعوة ؟ ( 2 ) فقلت : لا والله وأنا اريد أن أسألك
عنها الساعة ، فقال : لما زوجت ابنتي صنعت طعاما ودعوت الناس فأجابوا ،
وكان إلى جانبنا قوم أشراف فقراء لا مال لهم ، فأمرت غلماني أن يبسطوا لي حصيرا
في وسط الدار ، فسمعت صبية تقول لامها : يا اماه قد آذانا هذا المجوسي برائحة
طعامه ، فأرسلت إليهن بطعام كثير وكسوة ودنانير للجميع ، فلما نظروا إلى
ذلك قالت الصبية للباقيات : والله ما نأكل حتى ندعو له ، فرفعن أيديهن و
قلن : حشرك الله مع جدنا رسول الله صلى الله عليه واله وأمن بعضهن ، فتلك الدعوة التي
اجيبت .
ونقل ابن الجوزي أيضا في كتابه عن جده أبي الفرج بإسناده إلى ابن الخضيب
قال : كنت كاتبا للسيدة ام المتوكل ، فبينا أنا في الديوان إذا بخادم صغير قد خرج
من عندها ومعه كيس فيه ألف دينار ، فقال : السيدة تقول لك : فرق هذا في أهل
الاستحقاق فهو من أطيب مالي ، واكتب أسماء الذين تفرقه فيهم حتى إذا جاءني
* ( هامش ص 14 ) ( 1 ) في المصدر : قد اجيبت .
( 2 ) أى الدعوة التى بشر رسول الله صلى الله عليه وآله بانها قد اجيبت . *
[ 15 ]
من هذا الوجه شئ صرفته إليهم ، قال : فمضيت إلى منزلي وجمعت أصحابي وسألتهم
عن المستحقين ، فسموا لي أشخاصا ففرقت فيهم ثلاثمائة دينار وبقي الباقي بين
يدي إلى نصف الليل ، وإذا بطارق يطرق الباب ، فسألته من هو ؟ فقال : فلان
العلوي - وكان جاري - فأذنت له فدخل ، فقلت له : ما شأنك ؟ فقال : إني جائع ،
فأعطيته من ذلك دينارا فدخلت إلى زوجتي فقالت : ما الذي عناك في هذه الساعة ؟
فقلت : طرقتني في هذه الساعة طارق من ولد رسول الله صلى الله عليه واله ولم يكن عندي ما اطعمه
فأعطيته دينارا فأخذه وشكر لي وانصرف ، فخرجت زوجتي وهي تبكي وتقول : أما
تستحيي يقصدك مثل هذا الرجل وتعطيه دينارا وقد عرفت استحقاقه ؟ أعطه الجميع
فوقع كلامها في قلبي . وقمت خلفه فناولته الكيس ، فأخذه وانصرف ، فلما عدت
إلى الدار ندمت وقلت : الساعة يصل الخبر إلى المتوكل وهو يمقت العلويين فيقتلني
فقال لي زوجتي : لا تخف واتكل على الله وعلى جدهم ، فبينا نحن كذلك إذ طرق
الباب والمشاعل في أيدي الخدم ، وهم يقولون : أجب السيدة ، فقمت مرعوبا وكلما
مشيت قليلا تواترت الرسل ، فوقفت على ستر السيدة فسمعتها تقول : يا أحمد جزاك
الله خيرا وجزى زوجتك ، كنت الساعة نائمة فجائني رسول الله صلى الله عليه واله وقال : " جزاك
الله خيرا وجزى زوجة ابن الخضيب خيرا " فما معنى هذا ؟ فحدثتها الحديث وهي
تبكي ، فأخرجت دنانير وكسوة وقالت : هذا للعلوي وهذا لزوجتك وهذا لك ، و
كان ذلك يساوي مائة ( 1 ) ألف درهم ، فأخذت المال وجعلت طريقي على بيت العلوي
فطرقت الباب فقال من داخل المنزل : هات ما معك يا أحمد ، وخرج وهو يبكي ،
فسألته عن بكائه فقال : لما دخلت منزلي قالت لي زوجتي : ما هذا الذي معك ؟
فعرفتها فقالت لي : قم بنا حتى نصلي وندعو للسيدة ولاحمد وزوجته ، فصلينا
ودعونا ، ثم نمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه واله في المنام وهو يقول : قد شكرتم على مافعلوا
معك فالساعة يأتونك بشئ فاقبل منهم . انتهى ما أخرجته من كتاب كشف اليقين ( 2 ) .
* ( هامش ص 15 ) ( 1 ) في المصدر : مائتى .
( 2 ) كشف اليقين في فضائل اميرالمومنين : 164 - 172 . *
[ 16 ]
( 13 - كنز الكراجكى : حدثني علي بن أحمد اللغوي بميا فارقين ( 1 )
في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ، قال دخلت على أبي الحسن علي السلماسي ( 2 ) في مرضته
التي توفي فيها فسألته عن حاله ، فقال : لحقتني غشية اغمي علي فيها ، فرأيت
مولاي أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قد أخذ بيدي وأنشأ يقول :
فإن آل محمد في الارض غرق جهلها ( 3 ) * وسفينتهم حمل الذي طلب النجاة وأهلها
فاقبض بكفك عروة لا تخش منها فصلها
ومنه عن محمد بن عبيدالله الحسيني ، عن أبيه ، عن أحمد بن محبوب قال : سمعت
أبا جعفر الطبري يقول : حدثنا هناد بن السري قال : رأيت أميرالمؤمنين علي بن
أبي طالب صلوات الله عليه وآله في المنام فقال لي : ياهناد ، قلت : لبيك يا أمير -
المؤمنين ، قال : أنشدني قول الكميت :
ويوم الدوح غدير خم * أبان لنا الولاية لو اطيعا
ولكن الرجال تبايعوها * فلم أر مثلها أمرا شنيعا
قال فأنشدته فقال لي : خذ إليك يا هناد ، فقلت : هات يا سيدي ، فقال عليه السلام :
ولم أر مثل ذاك اليوم يوما * ولم أر مثله حقا اضيعا ( 4 ) )
* ( هامش ص 16 ) ( 1 ) بفتح اوله وتشديد ثانيه أشهر مدينة بديار بكر .
( 2 ) في المصدر : على بن السلماسى .
( 3 ) " : طوفان آل محمد . ولم نفهم المراد .
( 4 ) كنز الكراجكى : 154 . والراويتان توجدان في ( ك ) فقط . *
[ 17 ]
116 .
( باب )
* ( جوامع معجزاته صلوات الله عليه ونوادرها ) *
1 - يج : روي عن رميلة أن عليا عليه السلام مر برجل يخبط : هو هو ، فقال :
يا شاب لو قرأت القرآن لكان خيرا لك ، فقال : إني لا احسنه ولوددت أن احسن
منه شيئا ، فقال : ادن مني ، فدنا منه فتكلم في اذنه بشئ خفي ، فصورالله القرآن
كله في قلبه فحفظ كله ( 1 ) .
2 - يج : روي عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال : قرئت عند
أميرالمؤمنين عليه السلام " إذا زلزلت الارض زلزالها " إلى أن بلغ قوله : " وقال الانسان
مالها يومئذ تحدث أخبارها ( 2 ) " قال : أنا الانسان وإياي تحدث أخبارها ، فقال
له ابن الكواء : يا أميرالمؤمنين " وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ( 3 ) " قال نحن الاعراف نعرف أنصارنا بسيماهم ، ونحن أصحاب الاعراف نوقف بين
الجنة والنار ، ولا يدخل الجنة إلا من عرفنا وعرفناه ، ولا يدخل النار إلا من
أنكرنا وأنكرناه ، وكان علي عليه السلام يخاطبه بويحك ، وكان يتشيع ، فلما كان
يوم النهروان قاتل عليا عليه السلام ابن الكواء .
وجاءه عليه السلام رجل فقال : إني احبك ، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : كذبت
فقال الرجل : سبحان الله كأنك تعلم ما في قلبي ! وجاءه آخر فقال : إني احبكم
أهل البيت - وكان فيه لين - فأثنى عليه عنده ، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : كذبتم لا
* ( هامش ص 17 ) ( 1 ) لم نجد هذه الرواية واللتين بعدها في الخرائج المطبوع .
( 2 ) سورة الزلزال : 1 - 4 .
( 3 ) " الاعراف : 46 . *
[ 18 ]
يحبنا مخنث ولا ديوث ولا ولد زناء ولا من حملته امه في حيضها ، فذهب الرجل
فلما كان يوم صفين قتل مع معاوية .
3 - يج : روي أنه صعب على المسلمين قلعة فيها كفار ويئسوا من فتحها
فقعد في المجنيق ورماه الناس إليها وفي يده ذوالفقار ، فنزل عليهم وفتح القلعة .
4 - يج : روي عن محمد بن سنان قال : دخلت على الصادق عليه السلام فقال لي : من
بالباب ؟ قلت : رجل من الصين ، قال : فأدخله ، فلما دخل قال له أبوعبدالله عليه السلام :
هل تعرفونا بالصين ؟ قال : نعم يا سيدي ، قال : وبما ذا تعرفوننا ؟ قال : يا ابن
رسول الله إن عندنا شجرة تحمل كل سنة وردا يتلون كل يوم مرتين ، فإذا كان
أول النهار نجد مكتوبا عليه " لا إله إلا الله محمد رسول الله " وإذا كان آخر النهار فإنا
نجد مكتوبا عليه " لا إله إلا الله علي خليفة رسول الله " ( 1 ) .
5 - يج : روي أن أبا طالب قال لفاطمة بنت أسد - وكان علي عليه السلام صبيا : -
رأيته يكسر الاصنام فخفت أن يعلم كبار قريش ، فقالت : يا عجبااخبرك بأعجب
من هذا ، إني اجتزت بالموضع الذي كانت أصنامهم فيه منصوبة وعلي في بطني ،
فوضع رجليه في جوفي شديدا لا يتركني أن أقرب من ذلك الموضع الذي فيه ، وإنما
كنت أطوف بالبيت لعبادة الله لا للاصنام ( 2 ) .
6 - شا : ( 3 ) ومن آيات أميرالمؤمنين صلوات الله عليه وبيناته التي انفرد
بها ممن عداه ظهور مناقبه في الخاصة والعامة ، وتسخير الجمهور لنقل فضائله وما
خصه الله ( 4 ) من كرائمه ، وتسليم العدو من ذلك بما فيه الحجة عليه ، هذا مع
كثرة المنحرفين عنه والاعداء له ، وتوافر أسباب دواعيهم إلى كتمان فضله وجحد
حقه ، وكون الدنيا في يد خصومه وانحرافها عن أوليائه ، وما اتفق لاضداده من
* ( هامش ص 18 ) ( 1 ) الخرائج والجرائح : 87 .
( 2 ) لم نجده في الخرائج المطبوع .
( 3 ) في ( ك ) و ( ت ) : " يج " لكنه سهو من النساخ .
( 4 ) في المصدر : وما خصه الله به اه . *
[ 19 ]
سلطان الدنيا ، وحمل الجمهور على إطفاء نوره ودحض أمره ، فخرق الله العادة بنشر
فضائله وظهور مناقبه ، وتسخير الكل للاعتراف بذلك والاقرار بصحته ، واندحاض
ما احتال به أعداؤه في كتمان مناقبه وجحد حقوقه ، حتى تمت الحجة له وظهر
البرهان بحقه ، ولما كانت العادة جارية بخلاف ما ذكرناه فيمن اتفق له من أسباب
خمول أمره ما اتفق لاميرالمؤمنين عليه السلام فانخرقت العادة فيه دل ذلك على بينونته
من الكافة بباهر الآية على ما وصفناه ، وقد شاع الخبر واستفاض عن الشعبي أنه
كان يقول : لقد كنت أسمع خطباء بني امية يسبون أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على منابرهم وكأنما يشال بضبعه ( 1 ) إلى السماء ، وكنت أسمعهم يمدحون
أسلافهم على منابرهم وكأنهم يكشفون عن جيفة .
وقال الوليد بن عبدالملك لبنيه يوما : يا بني عليكم بالدين فإني لم أر
الدين بنى شيئا فهدمته الدنيا ، ورأيت الدنيا قد بنت بنيانا فهدمه الدين ، ما زالت ( 2 )
أصحابنا وأهلنا يسبون علي بن أبي طالب عليه السلام ويدفنون فضائله ويحملون الناس
على شنآنه ولا يزيده ذلك من القلوب إلا قربا ، ويجهدون ( 3 ) في تقريبهم من نفوس
الخلق ولا يزيدهم ذلك إلا بعدا ( 4 ) ، وفيما انتهى إليه الامر من دفن فضائل أميرالمؤمنين
والحيلولة بين العلماء ونشرها ما لا شبهة فيه على عاقل ، حتى كان الرجل إذا أراد
أن يروي عن أميرالمؤمنين عليه السلام رواية لن يستطيع ( 5 ) أن يصفها بذكر اسمه ونسبه
ويدعوه الضرورة إلى أن يقول : حدثني رجل من أصحاب رسول الله ، ويقول ( 6 ) :
حدثني رجل من قريش ، ومنهم من يقول : حدثني أبوزينب ، وروى عكرمة عن
* ( هامش ص 19 ) ( 1 ) شاله : رفعه . والضبع - بسكون الباء - : العضد .
( 2 ) في المصدر : مازلت اسمع اصحابنا .
( 3 ) " : ويجتهدون .
( 4 ) " : فلا يزيدهم ذلك من القلوب الا بعدا .
( 5 ) كذا في ( ك ) . وفى غيره من النسخ " لم يستطع " . وفى المصدر : لم يستطع أن يضيفها
إليه .
( 6 ) في المصدر : أو يقول . *
[ 20 ]
عائشة في حديثها له بمرض رسول الله صلى الله عليه واله ووفاته فقالت في جملة ذلك : فخرج رسول
الله صلى الله عليه واله متوكئا على رجلين من أهل بيته أحدهما الفضل بن العباس ، فلما حكي
عنها ذلك لعبدالله بن العباس قال له : اتعرف الرجل الآخر ؟ قال : لا لم تسمه لي
قال : ذلك علي بن أبي طالب ، وما كانت امنا تذكره بخير وهي تستطيع .
وكانت الولاة الجورة تضرب بالسياط من ذكره بخير ، بل تضرب الرقاب على
ذلك ، وتعرض للناس بالبراءة منه ، والعادة جارية فيمن اتفق له ذلك أن لا يذكر
على وجه بخير فضلا عن أن يذكر له فضائل أو يروى ( 1 ) له مناقب أو يثبت له حجة
لحق ( 2 ) وإذا كان ظهور فضائله عليه السلام وانتشار مناقبه على ما قدمنا ذكره من شياع
ذلك في الخاصة والعامة وتسخير العدو والولي لنقله ثبت خرق العادة فيه ، و
بان وجه البرهان فيه ( 3 ) بالآية الباهرة على ما قدمناه .
ومن آيات الله تعالى فيه أنه لم يمن أحد في ولده وذريته بما مني عليه السلام ( 4 )
في ذريته ، وذلك أنه لم يعرف خوف شمل جماعة من ولد نبي ولا إمام ولا ملك زمان
ولابر ولا فاجر كالخوف الذي شمل ذرية أميرالمؤمنين عليه السلام ، ولا لحق أحدا من
القتل والطرد عن الديار والاوطان والاخافة والارهاب ما لحق ذرية أميرالمؤمنين
عليه السلام وولده ، ولم يجر على طائفة من الناس من صروف ( 5 ) النكال ما جرى عليهم
من ذلك ، فقتلوا بالفتك والغيلة والاحتيال ، وبني على كثير منهم - وهم أحياء -
البنيان ، وعذبوا بالجوع والعطش حتى ذهبت أنفسهم على الهلاك ، وأحوجهم
ذلك إلى التمزق في ذلك ( 6 ) ومفارقة الديار والاهل والاوطان ، وكتمان نسبهم
* ( هامش ص 20 ) ( 1 ) في المصدر : أو تروى .
( 2 ) " : أو تثبت له حجة بحق .
( 3 ) " : في معناه .
( 4 ) " : بمثل مامنى . يقال : منى الله الخير لفلان : قدره له . منى لكذا : وفق له .
( 5 ) " : من ضروب .
( 6 ) " : وأحوجهم ذلك إلى التمزق في البلاد . والتمزق : التفرق . *
[ 21 ]
عن أكثر الناس ، وبلغ بهم الخوف إلى الاستخفاء عن أحبائهم فضلا عن الاعداء
وبلغ هربهم من أعدائهم ( 1 ) إلى أقصى الشرق والغرب ، والمواضع النائية عن العمارة
وزهد في معرفتهم أكثر الناس ، ورغبوا عن تقريبهم والاختلاط بهم مخافة على أنفسهم


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 21 سطر 4 الى ص 29 سطر 4

وذراريهم من جبابرة الزمان ، وهذه كلها أسباب يقتضي ( 2 ) انقطاع نظامهم واجتثاث
اصولهم وقلة عددهم ، وهم مع ما وصفناه أكثر ذرية أحد من الانبياء والصالحين
والاولياء ، بل أكثر من ذراري أحد ( 3 ) من الناس قد طبقوا الارض ( 4 ) بكثرتهم
البلاد ، وغلبوا في الكثرة على ذراري أكثر العباد ، هذا مع اختصاص مناكحهم في
أنفسهم دون البعداء ، وحصرها في ذوي أنسابهم دنية من الاقرباء ، وفي ذلك خرق
العادة على ما بيناه ، وهو دليل الآية الباهرة في أميرالمؤمنين عليه السلام كما وصفناه و
بيناه ، وهذا ما لا شبهة فيه والحمد لله ( 5 ) .
7 - م : قال الصادق عليه السلام : إن رسول الله صلى الله عليه واله لما أظهر لليهود ولجماعة
من المنافقين المعجزات فقابلوها بالكفر أخبر الله عزوجل عنهم بأنه جل ذكره
ختم على قلوبهم وعلى سمعهم ختما يكون علامة لملائكته المقربين القراء لما في اللوح
المحفوظ من أخبار هؤلاء المكذبين المذكورين فيه أحوالهم ، حتى إذا نظروا إلى
أحوالهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وشاهدوا ما هناك من ختم الله عزوجل عليها
ازدادوا بالله معرفة ، وبعلمه بما يكون قبل أن يكون يقينا ، حتى إذا شاهدوا هؤلاء
المختوم عليهم وعلى جوارحهم يخبرون على ما قرؤوا من اللوح المحفوظ وشاهدوه
في قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم ازدادوا بعلم الله عزوجل بالغائبات يقينا ، قال : فقالوا :
يا رسول الله فهل في عباد الله من يشاهد هذا الختم كما تشاهده الملائكة ؟ فقال رسول -
* ( هامش ص 21 ) ( 1 ) في المصدر : من أوطانهم .
( 2 ) " : تقتضى .
( 3 ) " : من ذرارى كل احد .
( 4 ) ليست كلمة " الارض " في المصدر . ( 5 ) الارشاد : 147 و 148 . *
[ 22 ]
الله صلى الله عليه واله : بلى محمد رسول الله شاهده بإشهاد الله تعالى له ، ويشاهده من امته أطوعهم
لله عزوجل وأشدهم جدا في طاعة الله عزوجل وأفضلهم في دين الله عزوجل ، فقالوا :
بينه يا رسول الله ، وكل منهم يتمنى أن يكون هو ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : دعوه
يكن ممن شاء الله ، فليس الجلالة في المراتب عند الله عزوجل بالتمني ولا بالتظني
ولا بالاقتراح ، ولكنه فضل من الله عزوجل على من يشاء يوفقه للاعمال الصالحة
يكرمه بها ، فيبلغه أفضل الدرجات وأفضل المراتب ، إن الله تعالى سيكرم بذلك
من يريكموه في غد ، فجدوا في الاعمال الصالحة ، فمن وفقه الله لما يوجب عظيم
كرامته عليه فلله عليه في ذلك الفضل العظيم .
قال عليه السلام : فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه واله وغص مجلسه بأهله وقد جد بالامس
كل من خيارهم في خيار عمله وإحسانه إلى ربه قدمه يرجو أن يكون هو ذلك
الخير الافضل ، فقالوا : يا رسول الله صلى الله عليه واله من هذا عرفناه بصفته إن لم تنص لنا
على اسمه ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : هذا الجامع للمكارم ، الحاوي للفضائل ، المشتمل
على الجميل ، قاض عن أخيه دينا مجحفا إلى غريم سغب ( 1 ) غاضب لله تعالى ، قاتل
لغضبه ذاك عدو الله ، مستحي من مؤمن معرضا عنه بخجلة ، مكايدا ( 2 ) في ذلك الشيطان
الرجيم حتى أخزاه الله عنه ووقى بنفسه نفس عبدالله مؤمن حتى أنقذه من الهلكة
ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله : أيكم قضى البارحة ألف درهم وسبعمائة درهم ؟ فقال
علي بن أبي طالب عليه السلام : أنا يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : يا علي فحدث
إخوانك المؤمنين كيف كانت قصته اصدقك لتصديق الله إياك ، فهذا الروح الامين
أخبرني عن الله تعالى أنه قد هذبك عن القبيح كله ، ونزهك عن المساوي بأجمعها
وخصك بالفضائل من أشرفها ( 3 ) وأفضلها ، لا يتهمك إلا من كفر به وأخطأ حظ
نفسه .
* ( هامش ص 22 ) ( 1 ) أجحف به : استأصله . وسغب سغبا : جاع . وفى المصدر وهامش ( خ ) : متعنت خ ل .
( 2 ) في ( خ ) : مكابدا . وكابده أى قاساه وتحمل المشاق في فعله .
( 3 ) في المصدر : من الفضائل بأشرفها . *
[ 23 ]
فقال علي عليه السلام : مررت البارحة بفلان بن فلان المؤمن ، فوجدت فلانا وأنا
أتهمه بالنفاق ، وقد لازمه وضيق عليه ، فناداني المؤمن : يا أخا رسول الله وكشاف
الكرب عن وجه رسول الله وقامع أعدائه عن حبيبه أغثني واكشف كربتي ونجني
من غمي ، سل غريمي هذا لعله يجيبك ويؤجلني فإني معسر ، فقلت له : الله إنك
لمعسر ؟ فقال : يا أخا رسول الله صلى الله عليه واله لان كنت أستحل الكذب فلا تأمنني على
يميني أيضا ، فإني معسر وفي قولي هذا صادق ، واوقر الله واجله أن أحلف به
صادقا أو كاذبا ، فأقبلت على الرجل فقلت : إنى لاجل نفسي عن أن يكون لهذا
علي يد ، وأجلك أيضا عن أن يكون له عليك يد أو منة ، وأسأل مالك الملك ( 1 )
الذي لا يؤنف من سؤاله ولا يستحيى من التعرض لثوابه ، ثم قلت : اللهم بحق محمد
وآله الطيبين لما قضيت عن عبدك هذا هذا الدين ، فرأيت أبواب السماء تنادي
أملاكها : يا أباالحسن مر هذا العبد ؟ يضرب بيده إلى ما شاء مما بين يديه من حجر
ومدر وحصاة وتراب يستحيل في يده ذهبا ، ثم يقضي منه دينه ويجعل ما يبقى نفقته
وبضاعته التي يسد بها فاقته ويمون ( 2 ) بها عياله ، فقلت : يا عبدالله قد أذن الله بقضاء
دينك وإيسارك بعد فقرك ، اضرب بيدك إلى ما تشاء مما أمامك فتناوله ، فإن الله
يحوله في يدك ذهبا إبريزا ، فتناول أحجارا ثم مدرا فانقلبت له ذهبا أحمر ، ثم قلت
له : افصل له منها قدر دينه فأعطه ، ففعل ، قلت : فالباقي لك رزق ساقه الله تعالى إليك
فكان الذي قضاه من دينه ألفا وسبعمائة درهم ، وكان الذي بقي أكثر من مائة ألف
درهم ، فهو من أيسر أهل المدينة .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله : إن الله يعلم من الحساب ما لا يبلغه عقول الخلق
إنه يضرب ألفا وسبعمائة في ألف وسبعمائة ، ثم ما ارتفع من ذلك في مثله إلى أن
يفعل ذلك ألف مرة ، ثم آخر ما يرتفع من ذلك عدد ما يهبه الله لك في الجنة من
القصور قصر من ذهب وقصر من فضة وقصر من لؤلؤ وقصر من زبرجد وقصر من
* ( هامش ص 23 ) ( 1 ) ملك الملوك خ ل .
( 2 ) مانه : احتمل مؤنته وقام بكفايته . *
[ 24 ]
جوهر وقصر من نور رب العزة ، وأضعاف ذلك من العبيد والخدم والخيل والنجب
تطير بين السماء الجنة وأرضها ، فقال علي عليه السلام : حمدا لربي وشكرا ، قال رسول
الله صلى الله عليه واله : وهذا العدد فهو عدد من يدخلهم الجنة ويرضى عنهم لمحبتهم لك ، و
أضعاف هذا العدد من يدخلهم النار من الشياطين من الجن والانس ببغضهم لك و
وقيعتهم فيك وتنقيصهم إياك .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله : أيكم قتل البارحة رجلا غضبا لله ولرسوله ؟ فقال
أميرالمؤمنين صلوات الله عليه : أنا ، وسيأتيكم الخصوم الآن ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله
حدث إخوانك المؤمنين القصة ، فقال علي عليه السلام : كنت في منزلي إذ سمعت رجلين
خارج دارى يتدارءان ( 1 ) فدخلا إلي ، فإذا فلان اليهودي وفلان رجل معروف في
الانصار ، فقال اليهودي : يا أباالحسن اعلم أنه قد بدت لي مع هذا حكومة فاحتكمنا
إلى محمد صاحبكم فقضى لي عليه ، فهو يقول : لست أرضى بقضائه فقد حاف ( 2 ) ومال
وليكن بيني وبينك كعب بن الاشرف ، فأبيت عليه ، فقال : أفترضى بعلي ؟ فقلت :
نعم ، فها هو قد جاء بي إليك ، فقلت لصاحبه : أكما يقول ؟ قال : نعم ، ثم قلت : أعد
علي الحديث ، فأعاد كما قال اليهودي ، ثم قال لي : يا علي فاقض بيننا بالحق ،
فقمت أدخل منزلي ، فقال الرجل : إلى أين ؟ قلت : أدخل آتيك بما به أحكم بالحكم
العدل ، فدخلت واشتملت على سيفي وضربته على حبل عاتقه ، فلو كان جبلا لقددته
فوقع رأسه بين يديه .
فلما فرغ علي عليه السلام من حديثه جاء أهل ذلك الرجل بالرجل المقتول و
قالوا : هذا ابن عمك قتل صاحبنا فاقتص منه ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : لا قصاص فقالوا
أودية ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : ولا دية لكم ، هذا والله قتيل الله لا يؤدى ، إن عليا
قد شهد على صاحبكم بشهادة ، والله يلعنه بشهادة علي ، ولو شهد علي على الثقلين
لقبل الله شهادته عليهم ، إنه الصادق الامين ، ارفعوا صاحبكم هذا وادفنوه مع اليهود
* ( هامش ص 24 ) ( 1 ) تدارء القوم ، تدافعوا في الخصومة .
( 2 ) حاف عليه : جار عليه وظلمه وفى المصدر : خاف . *
[ 25 ]
فقد كان منهم ، فرفع وإذا أوداجه تشخب دما وبدنه قد كسي شعرا ، فقال علي
عليه السلام : يا رسول الله ما أشبهه إلا بالخنزير في شعره ! فقال رسول الله صلى الله عليه واله : يا علي
أو ليس لو جئت بعدد كل شعرة منه مثل عدد رمال الدنيا حسنات لكان كثيرا ؟
قال : بلى يا رسول الله ، قال رسول الله صلى الله عليه واله : يا أباالحسن إن هذا القتل الذي قتلت
به هذا الرجل قد أوجب الله لك به من الثواب كأنما أعتقت رقابا بعدد رمل عالج
الدنيا ، وبعدد كل شعرة على هذا المنافق ، وإن أقل ما يعطي الله بعتق رقبة لمن
يهب له بعدد كل شعرة من تلك الرقبة ألف حسنة ، ويمحو عنه ألف سيئة ، فإن
لم يكن له فلابيه ، فان لم يكن لابيه فلامه ، فإن لم يكن لها فلاخيه ، فإن لم
يكن له فلذويه وجيرانه وقراباته .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله : أيكم استحيا البارحة من أخ له في الله لما رأى به
خلة ثم كايد ( 1 ) الشيطان في ذلك الاخ ولم يزل به حتى غلبه ؟ فقال علي عليه السلام :
أنا يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : حدث به يا علي إخوانك المؤمنين ليتأسوا
بحسن صنيعك فيما يمكنهم ، وإن كان أحد منهم لم يلحق شأنك ولم يسبق عبادتك
ولا يرمقك في سابقة لك إلى الفضائل إلا كما يرمق الشمس إلى الارض وأقصى
المشرق من أقصى المغرب ، فقال علي عليه السلام : مررت بمزبلة بني فلان فرأيت رجلا
من الانصار مؤمنا قد أخذ من تلك المزبلة قشور البطيخ والقثاء والتين ، فهو يأكلها
من شدة الجوع ، فلما رأيته استحييت من أن يراني فيخجل ، وأعرضت عنه و
مررت إلى منزلي وكنت أعددت لفطوري وسحوري قرصين من شعير ، فجئت بهما
إلى الرجل فناولته إياهما ، وقلت : أصب من هذا كلما جعت فإن الله عزوجل
يجعل البركة فيهما ، فقال : يا أباالحسن أنا اريد أن أمتحن هذه البركة لعلمي
بصدقك في قيلك ، إني أشتهي لحم فراخ وأشتهاه على أهل منزلي فقلت : اكسر
منه لقما بعدد ما تريده من فراخ ، فإن الله تعالى يقلبها فراخا بمسألتي إياه بجاه
* ( هامش ص 25 ) ( 1 ) في ( خ ) : كابد . *
[ 26 ]
محمد وآله الطيبين الطاهرين ، فأخطر الشيطان ببالي فقال : يا أبا الحسن تفعل هذا
به ولعله منافق ؟ فرددت عليه وقلت : إن يكن مؤمنا فهو أهل لما أفعل معه وإن
يكن منافقا فأنا للاحسان أهل ، فليس كل معروف يلحق مستحقه ، وقلت : أنا
أدعوالله بمحمد وآله الطيبين ليوفقه للاخلاص والنزوع عن الكفر إن كان منافقا
فإن تصدقي عليه بهذا أفضل من تصدقي عليه بالطعام الشريف الموجب للثروة و
الغناء ، وكابدت الشيطان ودعوت الله سرا من الرجل بالاخلاص بجاه محمد وآله الطيبين
فارتعدت فرائص الرجل وسقط لوجهه ، فأقمته وقلت ماذا شأنك ؟ قال كنت منافقا
شاكا فيما يقوله محمد وفيما تقوله أنت ، فكشف لي الله عن السماوات والارض ( 1 )
فأبصرت كل ما تواعدان من العقوبات ، فذلك حين وقر الايمان في قلبي وأخلص به
جناني ، وزال عني الشك الذي كان يعتورني ، فأخذ الرجل القرصين وقلت له :
كل شئ تشتهيه فاكسر من القرص قليلا فإن الله يحوله ما تشتهيه وتتمناه وتريده
فما زال ذلك يتقلب شحما ولحما وحلوا ورطبا وبطيخا وفواكه الشتاء وفواكه الصيف
حتى أظهره الله تعالى من الرغيفين عجبا ، وصار الرجل من عتقاء الله من النار ومن
عبيده المصطفين الاخيار فذلك حين رأيت جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت
قد قصد الشيطان كل واحد منهم بمثل جبل أبي قبيس ، فوضع أحدهم عليه يبنيها ( 2 )
بعضهم على بعض فيهشم ، وجعل إبليس يقول : يا رب وعدك وعدك ألم تنظرني إلى
يوم يبعثون ؟ فإذا نداء بعض الملائكة : أنظرتك لئلا تموت ما أنظرتك لئلا تهشم و
ترضض ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : يا أبا الحسن كما عاندت ( 3 ) الشيطان فأعطيت في
الله حين نهاك عنه وغلبته فإن الله يخزي عنك الشيطان وعن محبيك ، ويعطيك في
الآخرة بعدد كل حبة مما أعطيت صاحبك وفيما تتمناه الله منه درجة في الجنة أكبر
من الدنيا من الارض إلى السماء ، وبعدد كل حبة منها جبلا من فضة كذلك ، و
* ( هامش ص 26 ) ( 1 ) والحجب خ ل .
( 2 ) ويثنيها خ ل . ولم نفهم المراد .
( 3 ) في المصدر : كما كايدت . *
[ 27 ]
جبلا من لؤلؤ وجبلا من ياقوت وجبلا من جوهر وجبلا من نور رب العزة ( 1 )
كذلك وجبلا من زمرد وجبلا من زبرجد كذلك ، وجبلا من مسك وجبلا من
عنبر كذلك ، وإن عدد خدمك في الجنة أكثر من عدد قطر المطر والنبات وشعور
الحيوانات ، بك يتم الله الخيرات ويمحو عن محبيك السيئات ، وبك يميزالله
المؤمنين من الكافرين والمخلصين من المنافقين ، وأولاد الرشد من أولاد الغي .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله : وأيكم وقى بنفسه نفس رجل مؤمن البارحة ؟ فقال
علي عليه السلام : أنا يا رسول الله وقيت بنفسي نفس ثابت بن قيس بن شماس الانصاري
فقال رسول الله صلى الله عليه واله : حدث بالقصة إخوانك المؤمنين ولا تكشف عن اسم المنافقين
المكايدين لنا ، فقد كفا كما الله شرهم وأخرهم للتوبة لعلهم يتذكرون أو يخشون
فقال علي عليه السلام : إني بينا أسيرفي بني فلان بظاهر المدينة وبين يدي بعيدا مني
ثابت بن قيس : إذ بلغ بئرا عادية عميقة بعيدة القعر ، وهناك رجال من المنافقين ،
فدفعوه ليرموه في البئر فتماسك ثابت ، ثم عاد فدفعه ، والرجل لا يشعر بي حتى
وصلت إليه ، وقد اندفع ثابت في البئر ، فكرهت أن أشغل بطلب المنافقين خوفا على
ثابت ، فوقعت في البئر لعلي آخذه ، فنظرت فإذا أنا سبقته إلى قعر البئر ، فقال
رسول الله صلى الله عليه واله : وكيف لا تسبقة وأنت أرزن منه ، ولو لم يكن من رزانتك إلا ما في
جوفك من علم الاولين والآخرين الذي أودع الله رسوله وأودعك رسوله لكان من
حقك أن تكون أرزن من كل شئ ، فكيف كان حالك وحال ثابت ؟ قال : يا
رسول الله صرت إلى قرار البئر واستقررت قائما وكان ذلك أسهل علي وأخف على
رجلي من خطاي التي كنت أخطوها رويدا رويدا ، ثم جاء ثابت فانحدر فوقع على
يدي ، وقد بسطتها له ، فخشيت أن يضرني سقوطه علي أو يضره ، فما كان إلا كباقة
ريحان تناولتها بيدي ، ثم نظرت فإذا ذاك المنافق ومعه آخران على شفير البئر وهو
يقول : أردنا واحدا فصار اثنين ! فجاؤوا بصخرة فيها مائتا من ( 2 ) فأرسلوها علينا ،
* ( هامش ص 27 ) ( 1 ) العالمين خ ل .
( 2 ) في المصدر و ( خ ) : فيها مقدار مائتى من . *
[ 28 ]
فخشيت أن تصيب ثابتا فاحتضنته ، وجعلت رأسه إلى صدري وانحنيت عليه ،
فوقعت الصخرة على مؤخر رأسي ، فما كانت إلا كترويحة بمروحة ( 1 ) روحت
بها في حمارة القيظ ، ثم جاؤوا بصخرة اخرى فيها قدر ثلاثمائة من فأرسلوها
علينا ، فانحنيت على ثابت فأصابت مؤخر رأسي ، فكانت كماء صببت على رأسي
وبدني في يوم شديد الحر ، ثم جاؤوا بصخرة ثالثة فيها قدر خمسمائة من يد يرونها
على الارض لا يمكنهم أن يقلبوها ، فأرسلوها علينا ، فانحنيت على ثابت
فأصابت مؤخر رأسي وظهري ، فكانت كثوب ناعم صببته ( 2 ) على بدني ولبسته و
تنعمت به ، ثم سمعتهم يقولون : لو أن لابن أبي طالب وابن قيس مائة ألف روح
ما نجت واحدة منها من بلاء هذه الصخور ، ثم انصرفوا وقد دفع الله عنا شرهم ،
فأذن الله لشفير البئر فانحط ولقرار البئر فارتفع ، فاستوى القرار والشفير بعد
بالارض ، فخطونا وخرجنا .
فقال رسول الله صلى الله عليه واله : يا أباالحسن إن الله عزو جل قد أوجب لك بذلك من
الفضائل والثواب ما لا يعرفه غيره ، ينادي مناد يوم القيامة : أين محبو علي بن أبي -
طالب ؟ فيقوم قوم من الصالحين ، فيقال لهم : خذوا بأيدي من شئتم من عرصات
القيامة فأدخلوهم الجنة ، فأقل رجل منهم ينجو بشفاعته من أهل تلك العرصات
ألف ألف رجل ، ينادي مناد أين البقية من محبي علي بن أبي طالب ؟ فيقومون
مقتصدون ، فيقال لهم : تمنوا على الله عزوجل ما شئتم ، فيتمنون فيفعل بكل
واحد منهم ما تمنى ، ثم يضعف له مائة ألف ضعف ، ثم ينادي مناد : أين البقية من
محبي علي بن أبي طالب ؟ فيقوم قوم ظالمون لانفسهم معتدون عليها ، فيقال : أين
المبغضون لعلي بن أبي طالب ؟ فيؤتى بهم جم غفير وعدد عظم كثير ، فيقال : ألا
نجعل كل ألف من هؤلاء فداء لواحد من محبي علي بن أبي طالب عليه السلام ليدخلوا
* ( هامش ص 28 ) ( 1 ) روح عليه بالمروحة : حرك يده بها يستجلب له الريح . والمروحة آلة تحرك بها الريح
عند اشتداد الحر .
( 2 ) أى لبسته . *
[ 29 ]
الجنة ، فينجي الله عزوجل محبيك ويجعل أعداءهم فداءهم .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله : هذا الافضل الاكرم ، محبه محب الله ومحب رسوله
ومبغضه مبغض الله ومبغض رسوله ، هم خيار خلق الله من امة محمد صلى الله عليه واله .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله لعلي عليه السلام : انظر فنظر إلى عبدالله بن ابي وإلى


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 29 سطر 5 الى ص 37 سطر 5

سبعة نفر من اليهود ، فقال : قد شاهدت ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى
أبصارهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : أنت يا علي أفضل شهداء الله في الارض بعد محمد
رسول الله ، قال : فذلك قوله : " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم
غشاوة ( 1 ) " تبصرها الملائكة فيعرفونهم بها ، ويبصرها رسول الله صلى الله عليه واله ويبصرها خير
خلق الله بعده علي بن أبي طالب عليه السلام ثم قال : " ولهم عذاب عظيم ( 2 ) " في
الآخرة بما كان من كفرهم بالله وكفرهم بمحمد رسول الله صلى الله عليه واله ( 3 ) .
بيان : قد مضى تمام الخبر في باب هداية الله وإضلاله وباب نوادر معجزات
الرسول صلى الله عليه واله ، والذهب الابريز بالكسر : الخالص ، والباقة : الحزمة ( 4 ) من بقل
والحمارة بتخفيف وتشديد الراء : شدة الحر .
8 - م : قال علي بن محمد عليهما السلام : لما رجع أميرالمؤمنين من صفين - وسقى القوم
من الماء التي تحت الصخرة التي قلبها - ليقعد ( 5 ) لحاجته فقال بعض منافقي عسكره
سوف أنظر إلى سوأته وإلى ما يخرج منه ، فإنه يدعي مرتبة النبي صلى الله عليه واله لاخبر
أصحابي بكذبه ، فقال علي عليه السلام لقنبر : يا قنبر اذهب إلى تلك الشجرة وإلى التي
تقابلها - وقد كان بينهما أكثر من فرسخ - فنادهما أن وصي محمد يأمر كما أن تتلاصقا
فقال قنبر : يا أميرالمؤمنين أو يبلغهما صوتي ؟ قال علي عليه السلام : إن الذي يبلغ بصر
عينك السماء وبينك و بينها مسيرة خمسمائة عام سيبلغهما صوتك ، فذهب قنبر فنادى فسعت
* ( هامش ص 29 ) ( 1 و 2 ) سورة البقرة : 7 .
( 3 ) تفسير الامام : 36 - 41 .
( 4 ) بتقديم المهملة على المعجمة أى ماشد .
( 5 ) في المصدر : ذهب ليقعد اه . *
[ 30 ]
إحداهما إلى الاخرى سعي المتحابين طالت غيبة أحدهما عن الآخر واشتد شوقه
وانضما ، فقال قوم من منافقي العسكر : إن عليا يضاهي في سحره رسول الله ابن
عمه ! ما ذاك رسول الله ولا هذا إمام ، وإنما هما ساحران ! لكنا سندور من خلفه
فننظر إلى عورته وما يخرج منه ، فأوصل الله عزو جل ذلك إلى اذن علي من قبلهم
فقال جهرا : يا قنبر إن المنافقين أرادوا مكايدة وصي رسول الله صلى الله عليه واله وظنوا أنه لا
يمتنع منهم إلا بالشجرتين ، فارجع إليهما - يعني الشجرتين - فقل لهما : إن وصي
رسول الله صلى الله عليه واله يأمر كما أن تعودا إلى مكانكما ، ففعل ما أمره به فانقلعتا وعدت ( 1 )
كل واحدة تفارق الاخرى كهزيمة الجبان من الشجاع البطل ، ثم ذهب علي
عليه السلام ورفع ثوبه ليقعد ، وقد مضى من المنافقين جماعة لينظروا إليه ، فلما رفع
ثوبه أعمى الله تعالى أبصارهم فلم يبصروا شيئا ، فولوا عنه وجوههم فأبصروا كما كانوا
يبصرون ، فنظروا إلى جهته فعموا ، فما زالوا ينظرون إلى جهته ويعمون ويصرفون
عنه وجوههم ويبصرون إلى أن فرغ علي عليه السلام وقام ورجع ، وذلك ثمانون مرة
من كل واحدة . ثم ذهبوا ينظرون ما خرج عنه فاعتقلوا في مواضعهم فلم يقدروا
أن يروها ، فإذا انصرفوا أمكنهم الانصراف ، أصابهم ذلك مائة مرة حتى نودي فيهم
بالرحيل ، فرحلوا وما وصلوا إلى ما أرادوا من ذلك ، ولم يزدهم ذلك إلا عتوا
وطغيانا وتماريا في كفرهم وعنادهم .
فقال بعضهم لبعض : انظروا إلى هذا العجب من هذه آياته و معجزاته ويعجز ( 2 )
عن معاوية وعمرو ويزيد ! فنظروا ، فأوصل الله عزوجل ذلك من قبلهم إلى اذنه
فقال علي عليه السلام : يا ملائكة ( 3 ) ايتوني بمعاوية وعمرو ويزيد ، فنظروا في الهواء
فإذا ملائكة كأنهم السودان قد علق كل واحد منهم بواحد ، فأنزلوهم إلى حضرته
فإذا أحدهم معاوية والآخر عمرو والآخر يزيد ، فقال علي عليه السلام : تعالوا فانظروا
* ( هامش ص 30 ) ( 1 ) في المصدر : وعادت .
( 2 ) " : يعجز .
( 3 ) " : يا ملائكة ربى . *
[ 31 ]
إليهم ، أما لو شئت لقتلتهم ولكني أنظرهم كما أنظرالله عزوجل إبليس إلى الوقت
المعلوم ، إن الذي ترونه بصاحبكم ليس لعجز ولا دل ، ولكنه محنة من الله عزوجل
لينظر كيف تعملون ، ولئن طعنتم على علي فلقد طعن الكافرون والمنافقون قبلكم
على رسول رب العالمين ، فقالوا : إن من طاف ملكوت السماوات والجنان في ليلة
ورجع كيف يحتاج إلى أن يهرب ويدخل الغارو يأتي إلى المدينة من مكة في أحد
عشر يوما ؟ وإنما هو من الله إذا شاء أراكم القدرة لتعرفوا صدق أنبياء الله ، وإذا شاء امتحنكم بما تكرهون لينظر كيف تعلمون ، وليظهر حجته عليكم ( 1 ) .
9 - م : قال علي بن الحسين صلوات الله عليه : كان جد بن قيس تالي عبدالله
في النفاق ، كما أن عليا عليه السلام كان تالي رسول الله صلى الله عليه واله في الكمال والجلال والجمال
وتفرد جد مع عبدالله بن ابي بعد ما سم الرسول صلى الله عليه واله ولم يؤثر فيه ، فقال له :
إن محمدا صلى الله عليه واله ماهر في السحر وليس علي كمثله ، فاتخذ أنت يا جد لعلي دعوة
بعد أن تتقدم في تنبيش أصل حائط بستانك ، ثم توقف رجالا خلف الحائط بخشب
يعتمدون بها على الحائط ويدفعونه على علي ومن معه ليموتوا تحته ، فجلس علي
عليه السلام تحت الحائط فتلقاه بيساره وأوقفه ، وكان الطعام بين أيديهم ، فقال عليه السلام :
كلوا بسم الله ، وجعل يأكل معهم حتى أكلوا وفرغوا ، وهو يمسك الحائط بشماله
والحائط ثلاثون ذراعا طوله في خمسة عشر سمكة ( 2 ) في ذراعين غلظة ، فجعل أصحاب
علي عليه السلام يأكلون وهم يقولون : يا أخا رسول الله صلى الله عليه واله أفتحامي هذا وأنت تأكل ؟
فإنك تتعب في حبسك هذا الحائط عنا ، فقال علي عليه السلام : إني لست أجد له من
المس بيساري إلا أقل مما أجد من ثقل هذه اللقمة بيميني ، وهرب جد بن قيس ،
وخشي أن يكون علي قد مات وصحبه ، وإن محمدا يطلبه لينتقم منه ، واختفى عند
عبدالله بن ابي ، فبلغهم أن عليا عليه السلام قد أمسك الحائط بيساره وهو يأكل بيمينه
وأصحابه تحت الحائط لم يموتوا ، فقال : أبوالشرور وأبوالدواهي اللذان أصل
التدبير في ذلك : إن عليا قد مهر بسحر محمد فلا سبيل لنا عليه ، فلما فرغ القوم أقام
* ( هامش ص 31 ) ( 1 ) تفسير الامام : 64 - 66 .
( 2 ) السمك - بسكون الميم - : القامة من كل شئ ثخن صاعد . *
[ 32 ]
علي عليه السلام الحائط بيساره فأقامه وسواه وأرأب صدعه وألم شعبه ( 1 ) وخرج هو والقوم
من تحته ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه واله قال : يا أبا الحسن ضاهيت اليوم أخي الخضر
لما أقام الجدار ، وما سهل الله ذلك له إلا بدعائه بنا أهل البيت ( 2 ) .
10 - قب : صالح بن كيسان وابن رومان رفعاه إلى جابر الانصاري قال :
جاء العباس إلي علي عليه السلام يطالبه بميراث النبي صلى الله عليه واله ، فقال له ما كان لرسول الله
صلى الله عليه واله شئ يورث إلا بغلته دلدل وسيفه ذوالفقار ودرعه وعمامته السحاب ، وأنا أربأ
بك ( 3 ) أن تطالب بما ليس لك ، فقال : لا بد من ذلك وأنا أحق ، عمه ووارثه دون
الناس كلهم ، فنهض أميرالمؤمنين عليه السلام ومعه الناس حتى دخل المسجد ، ثم أمر
بإحضار الدرع والعمامة والسيف والبغلة فاحضر ، فقال للعباس : يا عم إن أطقت
النهوض بشئ منها فجميعه لك ، فإن ميراث الانبياء لاوصيائهم دون العالم ولاولادهم
فإن لم تطق النهوض فلا حق لك فيه ، قال : نعم فألبسه أميرالمؤمنين عليه السلام الدرع
بيده وألقى عليه العمامة والسيف ، ثم قال : انهض بالسيف والعمامة يا عم ، فلم يطق
النهوض ، فأخذ السيف منه وقال له : انهض بالعمامة فإنها آية من نبينا صلى الله عليه واله فأراد
النهوض فلم يقدر على ذلك ، وبقي متحيرا ، ثم قال له : يا عم وهذه البغلة بالباب
لي خاصة ولولدي ، فإن أطقت ركوبها فاركبها ، فخرج ومعه عدوي ، فقال له :
يا عم رسول الله خدعك علي فيما كنت فيه فلا تخدع نفسك في البغلة ، إذا
وضعت رجلك في الركاب فاذكرالله وسم واقرأ " إن الله يمسك السماوات والارض
أن تزولا " قال : فلما نظرت البغلة إليه مقبلا مع العباس نفرت وصاحت صياحا
ما سمعناه منها قط ، فوقع العباس مغشيا عليه ، واجتمع الناس وأمر بإمساكها فلم
يقدر عليها ، ثم إن عليا عليه السلام دعا البغلة باسم ماسمعناه ، فجاءت خاضعة ذليلة ،
فوضع رجله في الركاب ووثب عليها فاستوى عليها راكبا ، فاستدعا أن يركب الحسن
* ( هامش ص 32 ) ( 1 ) أرأب صدعه أى أصلح شقه . وألم شعبه أى جمع ما انفرج من الحائط وضمة .
( 2 ) تفسير الامام : 76 و 77 .
( 3 ) يقال " انى اربا بك عن ذلك " أى لا ارضاه لك . *
[ 33 ]
والحسين عليهما السلام فأمرهما بذلك ، ثم لبس علي الدرع والعمامة والسيف وركبها و
سار عليها إلى منزله وهو يقول : هذا من فضل ربي ليبلونئ أشكر أنا وهما أم تكفر
أنت يا فلان ( 1 ) .
11 - قب : من عجائبه عليه السلام طول مالقي من الحروب لم ينهزم قط ، ولم ينله فيها شين ولا جراح سوء ، ولم يبارز أحدا إلا ظفر به ، ولا نجا من ضربته أحد فصلح
منها ، ولم يفلت منه قرن ، ولم يخرج في حروبه إلا وهو ماش يهرول طول الدهر
بغير جند إلى العدو ، وما قدمت راية قوتل تحتها علي إلا انقلبوا صاغرين .
ويروى وثبته ( 2 ) أربعون ذراعا إلى عمرو ورجوعه إلى خلف عشرون ذراعا
وذلك خارج عن العادة ، وروي ضربته ( 3 ) على رجليه وقطعهما بضربة واحدة مع
ما كان عليه من الثياب والسلاح ، وروي أنه ضرب مرحب الكافر يوم خيبر على
رأسه فقطع العمامة والخوذة والرأس والحلق وما عليه من الجوشن من قدام و
خلف إلى أن قده بنصفين ، ثم حمل على سبعين فارس فبددهم ، وتحير الفريقان
من فعله فانهزموا إلى الحصن .
وأصل مشهد البوق عند رحبة الشام أنه عليه السلام أخبر أن الساعة خرج معاوية
في خيله من دمشق ، وضرب البوق وسمع ذلك من مسيرة ثمانية عشر يوما ، وهو
خرق العادة .
ومنه الدكة المشهورة في الكوفة التي يقال : إنه رأى منها مكة وسلم عليها
وذلك مثل قولكم : يا سارية الجبل ( 4 ) .
ومسجد المجذاف في الرقة ، وهو أنه لما طلب الزواريق لحمل الشهداء
قالوا : الزواريق ترعى ، فقال عليه السلام : كلامكم غث وقمصانكم رث ( 5 ) لاشد الله
* ( هامش ص 33 ) ( 1 ) مناقب آل ابى طالب 1 : 465 و 466 .
( 3 و 2 ) على صيغة المصدر .
( 4 ) في المصدر : يا سايرة الخيل .
( 5 ) الغث من الكلام : رديئه . وقمصان جمع القميص والرمث : البالى . *
[ 34 ]
بكم صفا ( 1 ) ولا أشبعكم إلا على قتب ، وعمل جائزة عظيمة بمنزلة المجذاف ( 2 ) و
حمل الشهداء عليها ، فخربت الرقة وعمرت الرافقة ( 3 ) ولا يزالون في ضنك العيش .
وروت الغلاة أنه عليه السلام صعد إلى السماء على فرس وينظر إليه أصحابه وقال :
لو أردت لحملت إليكم إبن أبي سفيان ، وذلك نحو قوله : " ورفعناه مكانا عليا ( 4 ) " .
وخرج عن أبي زهرة وقطع مسيرة ثلاثة أيام بليلة واحدة ، وأصبح عند
الكفار وفتح عليه فنزل " والعاديات ضبحا " .
وروي أنه رمي إلى حصن ذات السلاسل في المنجنيق ونزل على حائط الحصن
وكان الحصن قد شد على حيطانه سلاسل فيها غرائر ( 5 ) من نبن أو قطن ، حتى
لا يعمل فيها المنجنيق إذا رمي الحجر ، فقالت الغلاة : فمر في الهواء والترس تحت
قدميه ، ونزل على الحائط وضرب السلاسل ضربة واحدة فقطعها ، وسقطت الغرائر
وفتح الحصن .
وروت الغلاة أنه نزلت فيه " وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله
من حيث لم يحتسبوا ( 6 ) " وذلك إن صح مثل صعود الملائكة ونزولهم وإسراء
النبي صلى الله عليه واله ( 7 ) .
تفسير أبي محمد العسكري عليه السلام أنه أرادت الفجرة ليلة العقبة قتل النبي صلى الله عليه واله
ومن بقي في المدينة قتل علي عليه السلام فلما تبعه وقص عليه بغضاءهم فقال : أما ترضى
* ( هامش ص 34 ) ( 1 ) في المصدر : صنعا .
( 2 ) القتب - بالكسر فالسكون - يقال : قتبه أى أطعمه الاقتاب وهى الامعاء المشوية .
والجائزة : الخشبة المعترضة بين الحائطين فارسيته " تير " . والمجذاف - بالذال المعجمة و
المهملة - : خشبة طويلة مبسوطة أحد الطرفين تسير بها القوارب والسفن الصغيرة .
( 3 ) الرقة - بالفتح - مدينة مشهورة على الفرات من جانبها الشرقى . والرافقة بلد متصل
البناء بالرقة بينهما مقدار ثلاثمائة ذراع ( المراصد 2 : 595 ) .
( 4 ) سورة مريم : 57 .
( 5 ) جمع الغرارة - بالكسر - : الجوالق .
( 6 ) سورة الحشر : 2 .
( 7 ) مناقب آل ابى طالب 1 : 446 . *
[ 35 ]
أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ الخبر ، فحفروا له حفيرة طويلة وغطوها
فلما انصرف وبلغها أنطق الله فرسه فقال : سر بإذن الله ، فطفرت ، ثم أمر بكشفه
فرآه عجيبا ( 1 ) .
مسند أحمد وفضائله وسنن ابن ماجة : قال عبدالرحمن بن أبي ليلى : كان
أميرالمؤمنين عليه السلام يلبس في البرد الشديد الثوب الرقيق ، وفي الحر الشديد القباء
والثوب الثقيل ، وكان لا يجد الحر والبرد ، فكان النبي صلى الله عليه واله دعا له يوم خيبر
فقال : كفاك الله الحر والبرد ، وفي رواية : اللهم قه الحر والبرد ، وفي رواية :
اللهم اكفه الحر والبرد ( 2 ) .
سهل بن حنيف في حديثه أنه لما أخذ معاوية مورد الفرات أمر أمير المؤمنين
عليه السلام لمالك الاشتر أن يقول لمن على جانب الفرات : يقول لكم علي : اعدلوا
عن الماء ، فلما قال ذلك عدلوا عنه ، فورد قوم أميرالمؤمنين الماء وأخذوا منه ، فبلغ
ذلك معاوية فأحضرهم وقال لهم في ذلك ، فقال إن عمرو بن العاص جاء وقال : إن
معاوية يأمركم أن تفرجوا عن الماء ، فقال معاوية لعمرو : إنك لتأتي أمرا ثم تقول
ما فعلته ؟ ! فلما كان من غد وكل معاوية حجل بن العتاب النخعي في خمسة
آلاف ، فأنفذ أميرالمؤمنين عليه السلام مالكا فنادى مثل الاول ، فمال حجل عن الشريعة
فورد أصحاب علي عليه السلام وأخذوا منه ، فبلغ ذلك معاوية فأحضر حجلا وقال له في
ذلك ، فقال : إن ابنك يزيد أتاني فقال : إنك أمرت بالتنحي عنه ! فقال ليزيد في
ذلك فأنكر ، فقال معاوية : فإذا كان غدا فلا تقبل من أحد ولو أتيتك حتى تأخذ
خاتمي ، فلما كان اليوم الثالث أمر أميرالمؤمنين عليه السلام لمالك مثل ذلك ، فرأى حجل
معاوية وأخذ منه خاتمه وانصرف عن الماء : وبلغ معاوية فدعاه وقال له في ذلك ،
فأراه خاتمه ، فضرب معاوية يده على يده فقال : نعم وإن هذا من دواهي علي .
* ( هامش ص 35 ) ( 1 ) في المصدر : فرأى عجبا .
( 2 ) مناقب آل ابى طالب 1 : 448 . *
[ 36 ]
وحدثني محمد الشوهاني بإسناده أنه قدم أبوالصمصام العبسي ( 1 ) إلى النبي
عليه السلام وقال متى يجئ المطر ؟ وأي شئ في بطن ناقتي هذه ؟ وأي شئ يكون غدا ؟
ومتى أموت ؟ فنزل " إن الله عنده علم الساعة ( 2 ) " الآيات ، فأسلم الرجل ووعد
النبي صلى الله عليه واله أن يأتي بأهله ، فقال : اكتب يا أبا الحسن : " بسم الله الرحمن الرحيم
أقر محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف وأشهد على نفسه في صحة
عقله وبدنه وجواز أمره أن لابي الصمصام العبسي عليه وعنده وفي ذمته ثمانين ناقة
حمر الظهور بيض العيون سود الحدق ، عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز " وخرج
أبوالصمصام ثم جاء في قومه بني عبس كلهم مسلمين ، وسأل عن النبي صلى الله عليه واله فقالوا :
قبض ، قال : فمن الخليفة من بعده ؟ فقالوا : أبوبكر ، فدخل أبوالصمصام المسجد
وقال : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه واله إن لي على رسول الله صلى الله عليه واله ثمانين ناقة حمر الظهور بيض العيون سود الحدق ، عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز ، فقال : يا أخا
العرب سألت مافوق العقل ، والله ما خلف رسول الله إلا بغلته الدلدل وحمارة اليعفور
وسيفه ذا الفقار ودرعه الفاضل ، أخذها كلها علي بن أبي طالب عليه السلام وخلف فينا
فدك فأخذناها بحق ، ونبينا صلى الله عليه واله لا يورث ، فصاح سلمان " كردي ونكردي ، و
حق أزمير ببردي ، ردوا العمل إلى أهله " ثم ضرب بيده إلى أبي الصمصام فأقامه
إلى منزل علي بن أبي طالب عليه السلام فقرع الباب فنادى علي ادخل يا سلمان ادخل
أنت وأبوالصمصام ، فقال أبوالصمصام : هذه اعجوبة من هذا الذي سماني باسمي
ولم يعرفني ؟ فعد سلمان فضائل علي عليه السلام فلما دخل وسلم عليه قال : يا أباالحسن
إن لي على رسول الله صلى الله عليه واله ثمانين ناقة ووصفها ، فقال علي عليه السلام : أمعك حجة ؟
فدفع إليه الوثيقة ، فقال علي عليه السلام : ياسلمان ناد في الناس ألا من أراد أن ينظر إلى
دين رسول الله صلى الله عليه واله فليخرج غدا إلى خارج المدينة ، فلما كان الغد خرج الناس و
خرج علي عليه السلام وأسر إلى ابنه الحسن سرا وقال : امض يا أبا الصمصام مع ابني
* ( هامش ص 36 ) ( 1 ) في المصدر : " ابوالضمضام " في المواضع .
( 2 ) سورة لقمان : 34 . *
[ 37 ]
الحسن إلى الكثيب من الرمل ، فمضى عليه السلام ومعه أبوالصمصام ، فصلى الحسن عليه السلام
ركعتين عند الكثيب ، وكلم الارض بكلمات لا ندري ما هي ، وضرب الكثيب بقضيب
رسول الله صلى الله عليه واله فانفجر الكثيب عن صخرة ململمة ( 1 ) ، مكتوب عليها سطران من
نور ، السطر الاول " بسم الله الرحمن الرحيم " والثاني " لا إله إلا الله محمد رسول الله
صلى الله عليه واله " فضرب الحسن عليه السلام الصخرة بالقضيب فانفجرت عن خطام ناقة ، فقال


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 37 سطر 6 الى ص 45 سطر 6

الحسن عليه السلام : اقتد يا أبا الصمصام ، فاقتاد أبوالصمصام ثمانين ناقة حمر الظهور بيض
العيون سود الحدق ، عليها من طرائف اليمن ونقط الحجاز ، ورجع إلى علي بن
أبي طالب فقال عليه السلام : استوفيت يا أبا الصمصام ؟ قال : نعم ، قال : فسلم الوثيقة
فسلمها إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذها وخرقها ، ثم قال : هكذا أخبرني أخي
وإبن عمي رسول الله صلى الله عليه واله إن الله خلق هذه النوق من هذه الصخرة قبل أن يخلق ناقة
صالح بألفي عام فقال المنافقون هذا من سحر علي قليل ( 2 ) .
بيان : قوله : " نقط الحجاز " أقول : الظاهر أنه تصحيف لقط باللام ، قال
الفيروز آبادي : اللقط محركة : ما يلتقط من السنابل ، وقطع ذهب توجد في
المعدن .
12 - قب : من معجزاته عليه السلام تسخيره الجماعة اضطرارا لنقل فضائله مع ما
فيها من الحجة عليهم ، حتى إن أنكره واحد رد عليه صاحبه وقال : هذا في التواريخ
والصحاح والسنن والجوامع والسير والتفاسير مما أجمعوا على صحته ، فإن لم يكن
في واحد يكن في آخر ، ومن جملة ذلك ما أجمعوا عليه ، وروى مناقبه خلق كثير منهم
حتى صار علما ضروريا ، كما صنف ابن جرير الطبري كتاب الغدير ، وابن الشاهين
كتاب المناقب وكتاب فضائل فاطمة عليها السلام ، ويعقوب بن شيبة تفضيل الحسن والحسين
عليهما السلام ومسند أميرالمؤمنين عليه السلام وأخباره وفضائله ، والجاحظ كتاب العلوية وكتاب
فضل بني هاشم على بني امية ، وأبونعيم الاصفهاني منقبة المطهرين في فضائل
* ( هامش ص 37 ) ( 1 ) لملم الحجر : جعله مستديرا كالكرة .
( 2 ) مناقب آل ابى طالب 1 : 470 و 471 . *
[ 38 ]
أميرالمؤمنين عليه السلام وما نزل من القرآن في أميرالمؤمنين عليه السلام وأبوالمحاسن الروياني
الجعفريات ، والموفق المكي كتاب قضايا أميرالمؤمنين عليه السلام وكتاب رد الشمس
لاميرالمؤمنين عليه السلام ، وأبوبكر محمد بن مؤمن الشيرازي كتاب نزول القرآن في شأن
أميرالمؤمنين عليه السلام ، وأبوصالح عبدالملك المؤذن كتاب الاربعين في فضائل الزهراء
عليها السلام ، وأحمد بن حنبل مسند أهل البيت وفضائل الصحابة ، وأبوعبدالله محمد بن أحمد
النطنزي الخصائص العلوية على سائر البرية ، وابن المغازلي كتاب المناقب ، و
أبوالقاسم البستي كتاب الدرجات ، والخطيب أبوتراب كتاب الحدائق مع الكتمان
والميل . وذلك خرق العادة ، شهد بفضائله معادوه وأقر بمناقبه جاحدوه .
ومن جملة ذلك كثرة مناقبه مع ما كانوا يدفنونها ويتوعدون على روايتها ، روى
مسلم والبخاري وابن بطة والنطنزي عن عائشة في حديثها بمرض النبي صلى الله عليه واله
فقالت في جملة ذلك : فخرج النبي صلى الله عليه واله بين رجلين من أهل بيته أحدهما الفضل و
رجل آخر ، يخط قدماه عاصبا رأسه . يعني عليا عليه السلام .
وقال معاوية لابن عباس : إنا كتبنا في الآفاق ننهي عن ذكر مناقب علي عليه السلام
فكف لسانك ، قال : أفتنهانا عن قراءة القرآن ؟ قال : لا ، قال : أفتنهانا عن تأويله قال :
نعم ، قال : أفنقرؤه ولانسأل ؟ قال سل عن غير أهل بيتك ! قال : إنه منزل علينا أفتسأل
غيرنا ؟ أتنهانا أن نعبدالله ؟ فإذا تهلك الامة ، قال : اقرؤوا ولا ترووا ما أنزل الله
فيكم " يريدون ليطفؤا نورالله بأفواههم ( 1 ) " ثم نادى معاوية : أن ( 2 ) برئت الذمة
ممن روى حديثا من مناقب علي ، حتى قال عبدالله بن شداد الليثي : وددت أني
اترك أن احدث بفضائل علي بن أبي طالب عليه السلام يوما إلى الليل وأن عنقي ضربت
فكان المحدث يحدث بحديث في الفقه أو يأتي بحديث المبارزة فيقول : قال رجل من
قريش ، وكان عبدالرحمن بن أبي ليلى يقول : حدثني رجل من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه واله ، وكان الحسن البصري يقول : قال أبوزينب .
* ( هامش ص 38 ) ( 1 ) سورة الصف : 8 .
( 2 ) في المصدر : انى . *
[ 39 ]
وسئل ابن جبير عن حامل اللواء فقال : كأنك رخي البال . ورأى رجل
أعرابية في مسجد تقول : يا مشهورا في السماوات ويا مشهورا في الارضين ( ويا مشهورا
في الدنيا ) ويامشهورا في الآخرة جهدت الجبابرة والملوك على إطفاء نورك وإخماد
ذكرك فأبى الله لذكرك إلا علوا ولنورك إلا ضياء ونماء ولو كره المشركون ،
فقيل : لمن تصفين ؟ قالت : ذاك أميرالمؤمنين عليه السلام ، فالتفت فلم ير أحدا . ومن ذلك
ما طبقت الارض بالمشاهد لاولاده ، وفشت المنامات من مناقبه ، فيبرئ الزمنى ويفرج
المبتلى وما سمع هذا لغيره عليه السلام ( 1 ) .
13 - م : قال الامام عليه السلام : إن رجلا من محبي علي بن أبي طالب عليه السلام
كتب إليه من الشام : يا أميرالمؤمنين أنا بعيالي مثقل ، وعليهم إن خرجت خائف
وبأموالي التي اخلفها إن خرجت ظنين ، وأخر اللحاق ( 2 ) بك والكون في جملتك و
الخفوق في خدمتك ، فجدلي يا أميرالمؤمنين ، فبعث إليه علي عليه السلام : أجمع أهلك و
عيالك وحصل عندهم مالك ، وصل على ذلك كله على محمد وآله الطاهرين ، ثم قل :
اللهم هذه كلها ودائعي عندك بأمر عبدك ووليك علي بن أبي طالب ، ثم قم وانهض
إلي ، ففعل الرجل ذلك واخبر معاوية بهربه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ، فأمر معاوية
أن تسبى عياله ويسترقوا ، وأن تنهب أمواله ، فذهبوا فألقى الله عليهم شبه عيال معاوية
وحاشيته وأخص حاشيته كيزيد بن معاوية يقولون : نحن أخذنا هذا المال وهو لنا ،
وأما عياله فقد استرققناهم وبعثناهم إلى السوق ، فكفوا لما رأو ذلك ، وعرف الله
عياله أنه قد ألقى عليهم شبه عيال معاوية وعيال خاصة يزيد ، فأشفقوا من أموالهم
أن تسرقها اللصوص ، فمسخ المال عقارب وحيات ، كلما قصد اللصوص ليأخذوا
منه لذعوا ولسعوا ، فمات منهم قوم وضني آخرون ، ودفع الله عن ماله بذلك إلى
أن قال علي عليه السلام يوما للرجل : أتحب أن يأتيك عيالك ومالك ؟ قال : بلى ، قال
علي عليه السلام : ايت بهم ، فإذاهم بحضرة الرجل لا يفقد من عياله وماله شيئا ، فأخبروه
* ( هامش ص 39 ) ( 1 ) مناقب آل ابى طالب 1 : 484 و 485 .
( 2 ) في المصدر : ضنين ، وأحب اللحاق . *
[ 40 ]
بما ألقى الله تعالى من شبه عيال معاوية وخاصته وحاشية يزيد عليهم . وبما مسخه
من أمواله عقارب وحيات تلسع اللص الذي يريد أخذ شئ منه ، وقال علي عليه السلام
إن الله تعالى ربما أظهر آية لبعض المؤمنين ليزيد في بصيرته ولبعض الكافرين ليبالغ
في الاعذار إليه ( 1 ) .
بيان : الخفوق : التحرك والاضطراب ، وفي بعض النسخ بالفائين بمعنى
الاحاطة ، وضني كرضي : مرض مرضا مخامرا كلما ظن برؤه نكس .
14 - م : إن رسول الله صلى الله عليه واله لما نص على علي عليه السلام بالفضيلة والامامة و
سكن إلى ذلك قلوب المؤمنين وعاند فيه أصناف الجاحدين من المعاندين وشك في ذلك
ضعفاء من الشاكين وغاض ( 2 ) في صدور المنافقين العداوة والبغضاء والحسد والشحناء
حتى قال قائل من المنافقين : لقد أسرف محمد صلى الله عليه واله في مدح نفسه ثم أسرف في مدح
أخيه علي عليه السلام وما ذلك من عند رب العالمين ولكنه في ذلك من المقبولين ( 3 ) يريد
أن يثبت لنفسه الرئاسة علينا ولعلي بعد موته قال الله تعالى : يا محمد قل لهم : وأي
شئ أنكرتم من ذلك ؟ هو عظيم كريم حكيم ، ارتضى عبادا من عباده واختصهم
بكرامات ( 4 ) لما علم من حسن طاعتهم وانقيادهم لامره ، ففوض إليهم امور عباده
وجعل عليهم سياسة خلقه بالتدبير الحكيم الذي وفقهم له ، أو لا ترون ملوك الارض
إذا ارتضى أحدهم خدمة بعض عبيده ووثق بحسن إطاعته فيما يندبه له ( 5 ) من امور
ممالكه جعل ما وراء بابه إليه ، واعتمد في سياسة جيوشه ورعاياه عليه ، كذلك محمد في
التدبير الذي رفعه له ربه ، وعلي من بعده الذي جعله وصيه وخليفته في أهله وقاضي
دينه ومنجز عداته والمؤازر لاوليائه والمناصب لاعدائه ، فلم يقنعوا بذلك ولم يسلموا
وقالوا : ليس الذي يسنده إلى ابن أبي طالب بأمر صغير ، إنما هو دماء الخلق ونساؤهم
* ( هامش ص 40 ) ( 1 ) تفسير الامام : 170 .
( 2 ) كذا في ( ك ) . وفى غيره من النسخ وكذا المصدر : فاض .
( 3 ) في هامش المصدر : من المقتولين .
( 4 ) في ( خ ) : بكراماته .
( 5 ) في المصدر : بحسن اصطناعه فيما يندب له . *
[ 41 ]
وأولادهم وأموالهم وحقوقهم وأنسابهم ودنياهم وآخرتهم ، فليأتنا بآية يليق بجلالة
هذه الولاية ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : أما كفاكم نور علي المشرق في الظلمات الذي
رأيتموه ليلة خروجه من عند رسول الله إلى منزله ؟ أما كفاكم أن عليا جاز و
الحيطان بين يديه ، ففتحت له وطرقت ثم عادت والتأمت ؟ أما كفاكم يوم غدير خم
أن عليا لما أقامه رسول الله رأيتم أبواب السماء مفتحة والملائكة منها مطلعين تناديكم
هذا ولي الله فاتبعوه وإلا حل بكم عذاب الله فاحذروه ؟ أما كفاكم رؤيتكم علي بن
أبي طالب وهو يمشي والجبال يسير بين يديه لئلا يحتاج إلى الانحراف عنها فلما
جاز رجعت الجبال إلى أماكنها ؟ ثم قال : اللهم زدهم آيات فإنها عليك سهلات
يسيرات لتزيد حجتك عليهم تأكيدا ، قال : فرجع القوم إلى بيوتهم فأرادوا دخولها
فاعتقلتهم الارض ومنعتهم ونادتهم : حرام عليكم دخولها حتى تؤمنوا بولاية علي
عليه السلام قالوا : آمنا ودخلوا ، ثم ذهبوا ينزعون ثيابهم ليلبسوا غيرها فثقلت عليهم
ولم يقلوها ( 1 ) ونادتهم : حرام عليكم سهولة نزعها ( 2 ) حتى تقروا بولاية علي عليه السلام
فأقروا ونزعوها ، ثم ذهبوا ليلبسوا ثياب الليل فثقلت عليهم ونادتهم : حرام عليكم
لبسنا حتى تعترفوا بولاية علي عليه السلام فاعترفوا ، فذهبوا يأكلون فثقلت عليهم اللقم
وما لم يثقل منها استحجر في أفواههم ، ونادتهم : حرام عليكم أكلنا حتى تعترفوا
بولاية علي عليه السلام فاعترفوا ، ثم ذهبوا يبولون ويتغوطون فتعذر عليهم ونادتهم
بطونهم ومذاكيرهم : حرام عليكم السلامة منا حتى تعترفوا بولاية علي بن أبي -
طالب عليه السلام فاعترفوا ، ثم ضجر بعضهم وقال : " اللهم إن كان هذا هو الحق من
عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ( 3 ) " قال الله تعالى : " وما
كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " فإن عذاب الاصطلام ( 4 ) العام إذا نزل نزل بعد خروج
* ( هامش ص 41 ) ( 1 ) أى لم يرفعوها .
( 2 ) في المصدر : نزعنا .
( 3 ) سورة الانفال : 32 . وما بعدها ذيلها .
( 4 ) اصطلمه : استأصله . *
[ 42 ]
النبي صلى الله عليه واله من بين أظهرهم ، ثم قال الله عز وجل : " وماكان الله معذبهم وهم
يستغفرون " يظهرون التوبة والانابة ، فإن من حكمه في الدنيا أن يأمرك بقبول
الظاهر وترك التفتيش عن الباطن ، لان الدنيا دار إمهال وإنظار والآخرة دار الجزاء
بلا بعد ، قال : " وما كان الله معذبهم " وفيهم من يستغفر لان هؤلاء لو لا أن فيهم ( 1 ) من علم الله أنه سيؤمن أو أنه سيخرج من نسله ذرية طيبة يجود ربك على هؤلاء
بالايمان وثوابه ولا يقتطعهم باخترام ( 2 ) آبائهم الكفار ولولا ذلك لاهلكهم ، فذلك
قول رسول الله : كذلك اقترح الناصبون آيات في علي عليه السلام حتى اقترحوا ما
لا يجوز في حكمته ، جهلا بأحكام الله واقتراحا للاباطيل على الله ( 3 ) .
15 - يل : روي عن الصادق عليه السلام أن أميرالمؤمنين عليه السلام بلغه عن عمر بن
الخطاب أمر ، فأرسل إليه سلمان رضي الله عنه وقال : قل له : قد بلغني عنك كيت
وكيت ، وكرهت أن أعتب عليك في وجهك ، فينبغي أن لا يقال في إلا الحق ، فقد
غصبت حقي على القذى وصبرت حتى تبلغ الكتاب أجله ، فنهض سلمان رضي الله
عنه وبلغه ذلك وعاتبه ، وذكر مناقب أميرالمؤمنين عليه السلام وذكر فضائله وبراهينه
فقال عمر : عندي الكثير من فضائل علي عليه السلام ولست بمنكر فضله إلا أنه يتنفس
الصعداء ويظهر البغضاء ، فقال له سلمان رضي الله عنه : حدثني بشئ مما رأيته منه
فقال عمر : يا أبا عيدالله نعم خلوت به ذات يوم في شئ من أمر الجيش ، فقطع حديثي
وقام من عندي وقال : مكانك حتى أعود إليك ، فقد عرضت لي حاجة ، فما كان
أسرع أن رجع علي ثانية وعلى ثيابه وعمامته غبار كثير ، فقلت له : ما شأنك ؟
فقال : أقبل نفر من الملائكة وفيهم رسول الله صلى الله عليه واله يريدون مدينة بالمشرق يريدون
مدينة جيحون ، فخرجت لاسلم عليه ، وهذه الغبرة ركبتني من سرعة المشي ، فقال
عمر : فضحكت متعجبا حتى استلقيت على قفائي ، وقلت له : النبي صلى الله عليه واله قد مات
* ( هامش ص 42 ) ( 1 ) في المصدر : لو أن فيهم . *
( 2 ) اخترمه : أهلكه واستأصله .
( 3 ) تفسير الامام : 265 و 266 . *
[ 43 ]
وبلي وتزعم أنك لقيته الساعة وسلمت عليه ؟ ! فهذا من العجائب ومما لا يكون
فغضب علي عليه السلام ونظر إلي وقال : تكذبني يا ابن الخطاب ؟ فقلت : لا تغضب
وعد إلى ما كنا فيه فإن هذا مما لا يكون أبدا ، قال : فإن أنت رأيته حتى لا تنكر
منه شيئا استغفرت الله مما قلت وأضمرت وأحدثت توبة مما أنت فيه وتركت حقا
لي ؟ فقلت : نعم ، فقال : قم ، فقمت معه فخرجنا إلى طرف المدينة ، وقال لي :
غمض عينيك فغمضتهما ، فقال : افتحهما ففعلت ذلك ، فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه واله
معه نفر من الملائكة ، فلما أطلت النظر قال لي : هل رأيته ؟ فقلت : نعم ، قال : غمض
عينيك فغمضتهما ، ثم قال : افتحهما فإذا لا عين ولا أثر .
فقلت له : هل رأيت من علي عليه السلام غير ذلك ؟ قال : نعم إنه استقبلني يوما
وأخذ بيدي ومضى بي إلى الجبانة ، وكنا نتحدث في الطريق ، وكان بيده قوس
فلما صرنا في الجبانة رمى بقوسه من يده فصار ثعبانا عظيما مثل ثعبان موسى عليه السلام
وفتح فاه وأقبل ليبتلعني ، فلما رأيت ذلك طار قلبي من الخوف وتنحيت وضحكت
في وجه علي عليه السلام وقلت : الامان يا علي بن أبي طالب واذكر ما بيني وبينك
من الجميل ، فلما سمع هذا القول افتر ( 1 ) ضاحكا وقال : لطفت في الكلام ونحن
أهل بيت نشكر القليل ، فضرب بيده إلى الثعبان وأخذه بيده فإذا هو قوسه الذي
كان بيده .
ثم قال عمر : يا سلمان إني كتمت ذلك عن كل أحد وأخبرتك به يا أبا -
عبدالله ، فإنهم أهل بيت يتوارثون هذه الاعجوبة كابر عن كابر ، ولقد كان إبراهيم
يأتي بمثل ذلك وكان أبوطالب وعبدالله يأتيان بمثل ذلك في الجاهلية ، وأنا لا
انكر فضل علي عليه السلام وسابقته ونجدته وكثرة علمه ، فارجع إليه واعتذر عني
إليه وأثن عني عليه بالجميل ( 2 ) .
16 - يل : روى عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال : كان أميرالمؤمنين عليه السلام
* ( هامش ص 43 ) ( 1 ) افتر الرجل : ضحك ضحكا حسنا .
( 2 ) الفضائل : 65 و 66 . *
[ 44 ]
جالسا في دكة القضاء إذ نهض إليه رجل يقال له صفوان الاكحل ، وقال له : أنا رجل
من شيعتك وعلي ذنوب فاريد أن تطهرني منها في الدنيا لاصل إلى الآخرة وما
معي ذنب ، فقال الامام عليه السلام : ما أعظم ذنوبك وما هي ؟ فقال : أنا ألوط الصبيان ،
فقال عليه السلام : أيما أحب إليك ضربة بذي الفقار أو اقلب عليك جدارا أو أرمي عليك
نارا ؟ فإن ذلك جزاء من ارتكب تلك المعصية ، فقال : يا مولاي احرقني بالنار لانجو من نار الآخرة ، فقال عليه السلام : يا عمار اجمع ألف حزمة ( 1 ) قصب لنضرمه غداة غد
بالنار ، ثم قال للرجل : انهض وأوص بمالك وبما عليك ، قال : فنهض الرجل و
أوصى بما له وما عليه ، وقسم أمواله على أولاده ، وأعطى كل ذي حق حقه ،
ثم بات على حجرة أميرالمؤمنين عليه السلام في بيت نوح شرقي جامع الكوفة ، فلما صلى
أميرالمؤمنين عليه السلام قال : يا عمار ناد بالكوفة : اخرجوا وانظروا حكم أميرالمؤمنين
عليه السلام فقال جماعة منهم : كيف يحرق رجلا من شيعته ومحبيه وهو الساعة يريد
يحرقه بالنار فبطلت إمامته ؟ ! فسمع بذلك أميرالمؤمنين عليه السلام قال عمار : فأخذ
الامام الرجل ورمى عليه ألف حزمة من القصب ، فأعطاه مقدحة وكبريتا وقال :
اقدح وأحرق نفسك ، فإن كنت من شيعتي ومحبي وعارفي فإنك لا تحترق بالنار
وإن كنت من المخالفين المكذبين فالنار تأكل لحمك وتكسر عظمك ، فأوقد الرجل
على نفسه واحترق القصب ، وكان على الرجل ثياب بيض فلم تعلق بها النار ولم
تقربها الدخان ، فاستفتح الامام عليه السلام وقال : كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا
بعيدا ، ثم قال : إن شيعتنا منا وأنا قسيم الجنة والنار ، وأشهد لي بذلك رسول
الله صلى الله عليه واله في مواطن كثيرة ( 2 ) .
17 - فر : علي بن محمد بن مخلد الجعفي معنعنا عن الاعمش قال : خرجت
حاجا إلى مكة ، فلما انصرفت بعيدا رأيت عمياء على ظهر الطريق تقول : بحق ( 3 ) محمد
* ( هامش ص 44 ) ( 1 ) بالمهملة ثم المعجمة ما حزم وشد من الحطب وغيره .
( 2 ) الفضائل : 77 و 78 .
( 3 ) في المصدر : اللهم انى اسألك بحق اه . *
[ 45 ]
وآله رد علي بصري ، قال : فتعجبت من قولها وقلت لها : أي حق لمحمد وآله
على الله ؟ إنما الحق له عليهم ، فقالت : مه يا لكع والله ما ارتضى هو حتى حلف
بحقهم ، فلو لم يكن لهم عليه حقا ما حلف به ، قال : قلت : وأي موضع حلف ؟
قالت قوله : " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون " ( 1 ) والعمر في كلام العرب الحياة
قال فقضيت حجتي ثم رجعت فإذا بها مبصرة في موضعها وهي تقول : أيها الناس
أحبوا عليا فحبه ينجيكم من النار ، قال : فسلمت عليها وقلت : ألست العمياء


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 45 سطر 7 الى ص 53 سطر 7

بالامس تقولين : بحق ( 2 ) محمد وآله رد علي بصري ؟ قالت : بلى ، قلت : حدثيني
بقصتك ، قالت : والله ما جزتني حتى وقف علي رجل فقال لي : إن رأيت محمدا و
آله تعرفينه قلت : لا ولكن بالدلالة ( 3 ) التي جاءتنا ، قالت : فبينا هو يخاطبني
إذ أتاني رجل آخر متوكئا على رجلين فقال : ما قيامك معها ؟ قال : إنها تسأل ربها
بحق محمد وآله أن يرد عليها بصرها فادع الله لها ، قال : فدعا ربه ومسح على عيني
بيده فأبصرت ، فقلت : من أنتم ؟ فقال : أنا محمد وهذا علي ، قد ردالله عليك بصرك
اقعدي في موضعك هذا حتى يرجع الناس وأعلميهم أن حب علي ينجيهم من النار ( 4 ) .
18 - ج ، م : قال علي بن الحسين عليهما السلام : كان أميرالمؤمنين صلوات الله عليه
قاعدا ذات يوم فأقبل إليه رجل من اليونانيين المدعين للفلسفة والطب ، فقال : يا
با حسن ( 5 ) بلغني خبر صاحبك وأن به جنونا وجئت لاعالجه ! فلحقته قد مضى
لسبيله وفاتني ما أردت من ذلك ، وقد قيل لي : إنك ابن عمه وصهره وأرى ( 6 )
صفارا قد علاك وساقين دقيقتين ما أراهما ثقلانك ( 7 ) فأما الصفار فعندي دواؤه وأما
* ( هامش ص 45 ) ( 1 ) سورة الحجر : 72 .
( 2 ) في المصدر : اللهم انى اسألك بحق اه
( 3 ) في المصدر : بالولاء .
( 4 ) تفسير فرات : 99 - 100 .
( 5 ) في المصدرين : فقال له : يا اباالحسن .
( 6 ) " : وارى بك اه .
( 7 ) " : تقلانك . *
[ 46 ]
الساقان الدقيقان فلا حيلة ( 1 ) لتغليظهما ، والوجه أن ترفق بنفسك في المشي تقلله
ولا تكثره ، وفيما تحمله على ظهرك وتحضنه ( 2 ) بصدرك أن تقللهما ولا تكثرهما
فإن ساقيك دقيقان لا يؤمن عند حمل ثقيل انقصافهما ( 3 ) وأما الصفار فدواؤك ( 4 )
عندي وهو هذا ، وأخرج دواء وقال : هذا لا يؤذيك ولا يخيسك ( 5 ) ولكنه يلزمك
حمية من اللحم أربعين صباحا ، ثم يزيل صفارك ، فقال علي عليه السلام ( 6 ) : قد ذكرت
نفع هذا الدواء الصفاري فهل تعرف شيئا يزيد فيه ويضره ؟ فقال الرجل : بلى
حبة من هذا ، وأشار إلى دواء معه وقال : إن تناوله الانسان وبه صفار أماته من
ساعته ، وإن كان لا صفار به صار به صفار حتى يموت في يومه ، فقال علي عليه السلام :
فأرني هذا الضار فأعطاه فقال ( 7 ) : كم قدر هذا ؟ فقال : قدر مثقالين سم ناقع ، و
قدر كل حبة منه يقتل رجلا ، فتناوله علي عليه السلام فقمحه ( 8 ) وعرق عرقا خفيفا
وجعل الرجل يرتعد ويقول في نفسه : الآن اؤخذ بابن أبي طالب ويقال : قتلته
ولا يقبل مني قولي إنه لهو ألجأني على نفسي ، فتبسم علي عليه السلام وقال : يا عبدالله
أصح ما كنت بدنا الآن ، لم يضرني ما زعمت أنه سم ، فغمض عينيك فغمض ، ثم
قال : افتح عينيك ، ففتح فنظر إلى وجه علي عليه السلام فإذا هو أبيض أحمر مشرب حمرة
فارتعد الرجل مما رآه وتبسم علي عليه السلام وقال : أين الصفار الذي زعمت أنه بي ؟
فقال : والله لكأنك لست من رأيت قبل ، كنت مصفارا فأنت الآن مورد ، قال علي
بن أبي طالب عليه السلام : فزال عني الصفار بسمك الذي زعمت أنه قاتلي ، وأما ساقاي
* ( هامش ص 46 ) ( 1 ) في المصدرين : فلا حيلة لى اه .
( 2 ) " : تحتضنه .
( 3 ) انقصف : انكسر .
( 4 ) في المصدرين : فدواؤه .
( 5 ) خاس اللحم : فسدت رائحته .
( 6 ) في المصدرين ، فقال له على بن ابى طالب عليه السلام .
( 7 ) " : فأعطاه اياه ، فقال له .
( 8 ) قمح السويق : استفه والشراب : اخذه في راحته فلطعه . *
[ 47 ]
هاتان - ومد رجليه وكشف عن ساقيه - فإنك زعمت أني أحتاج أن أرفق ( 1 ) ببدني
في حمل ما أحمل عليه لئلا ينقصف الساقان ، وأنا أدلك أن طب الله عزوجل خلاف
طبك ، وضرب بيده إلى اسطوانة خشب غليظة ( 2 ) على رأسها سطح مجلسه الذي
هو فيه ، و ( في ) فوقه حجرتان إحداهما فوق الآخر ، وحركها أو احتملها ( 3 ) فارتفع السطح والحيطان و فوقهما الغرفتان ، فغشي على اليوناني ، فقال أميرالمؤمنين
عليه السلام : صبوا عليه ماء ( 4 ) فأفاق وهو يقول : والله ما رأيت كاليوم عجبا ، فقال له
علي عليه السلام : هذه قوة الساقين الدقيقين واحتمالهما في طبك هذا يا يوناني ! .
فقال اليوناني : أمثلك كان محمدا صلى الله عليه واله ؟ فقال علي عليه السلام : فهل علمي إلا من
علمه وعقلي إلا من عقله وقوتي إلا من قوته ؟ لقد أتاه ثقفي كان أطب العرب فقال
له : إن كان بك جنون داويتك ! فقال له محمد صلى الله عليه واله : أتحب أن اريك آية تعلم بها
غناي عن طبك وحاجتك إلى طبي ؟ قال : نعم ، قال : أي آية تريد ؟ قال : تدعو
ذلك العذق - وأشار إلى نخلة سحوق - فدعاها فانقلع أصلها من الارض وهي تخد
في الارض خدا ( 5 ) ، حتى وقفت بين يديه ، فقال له : أكفاك ؟ قال : لا ، قال :
فتريد ماذا ؟ قال : تأمرها أن ترجع إلى حيث جاءت ( 6 ) وتستقر في مقرها الذي
انقلعت منه ، فأمرها فرجعت واستقرت في مقرها .
فقال اليوناني لاميرالمؤمنين عليه السلام : هذا الذي تذكره عن محمد صلى الله عليه واله غائب
عني ، وأنا أقتصر منك على أقل من ذلك ، أنا أتباعد عنك فادعني وأنا لا أختار
الاجابة ، فإن جئت بي إليك فهي آية ، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : هذا إنما يكون
* ( هامش ص 47 ) ( 1 ) في المصدرين : احتاج إلى أن ارفق .
( 2 ) " : عظيمة .
( 3 ) " : واحتملها .
( 4 ) في المصدرين بعد ذلك : فصبوا عليه ماءا .
( 5 ) خد الارض : شقها وأثرفيها .
( 6 ) في المصدرين : حيث جاءت منه . *
[ 48 ]
آية لك وحدك لانك تعلم من نفسك أنك لم ترد وأني أزلت اختيارك من غير أن
باشرت مني شيئا أو ممن أمرته بأن يباشرك أو ممن قصد إلي ذلك ، وإن ( 1 ) لم آمره
إلا ما يكون من قدرة الله القاهر ، وأنت يوناني ( 2 ) يمكنك أن تدعي ويمكن غيرك
أن يقول : أني قد واطأتك على ذلك ، فاقترح إن كنت مقترحا ما هو آية لجميع
العالمين ، قال له اليوناني : إذ جعلت الاقتراح إلي فأنا أقترح أن تفصل أجزاء
تلك النخلة و تفرقها وتباعد ما بينها ثم تجمعها وتعيدها كما كانت ، فقال علي عليه السلام :
هذه آية وأنت رسولي إليها - يعني إلى النخلة - فقل لها : إن وصي محمد رسول الله
صلى الله عليه واله يأمر أجزاءك أن تتفرق وتتباعد ، فذهب فقال لها ، فتفاصلت وتهافتت و
تبترت ( 3 ) وتصاغرت أجزاؤها ، حتى لم تر عين ولا أثر ، حتى كأن لم يكن هناك
نخلة قط ، فارتعدت فرائص اليوناني وقال : ياوصي محمد قد أعطيتني اقتراحي الاول
فأعطني الآخر ، فأمرها أن تجتمع وتعود كماكانت ، فقال : أنت رسولي إليها بعد ( 4 )
فقل لها : يا أجزاء النخلة إن وصي محمد رسول الله صلى الله عليه واله يأمرك أن تجتمعي وكما
كنت تعودي . فنادى اليوناني فقال ذلك فارتفعت في الهواء كهيئة الهباء المنثور ، ثم
جعلت تجتمع جزء جزء منها حتى تصور لها القضبان والاوراق والاصول والسعف
والشماريخ والاعذاق ( 5 ) ثم تألفت وتجمعت واستطالت وعرضت واستقل ( 6 )
أصلها في مقرها ، وتمكن عليها ساقها ، وتركب على الساق قضبانها ، وعلى القضبان
أوراقها ، وفي أمكنتها أعذاقها ، وقد كانت في الابتداء شماريخها متجردة ( 7 ) لبعدها
* ( هامش ص 48 ) ( 1 ) في تفسير الامام : وانى .
( 2 ) في المصدرين : يايونانى .
( 3 ) أى تقطعت وفى الاحتجاج : وتنثرت .
( 4 ) في المصدرين : فعد .
( 5 ) السعف : جريد النخل . الشمروخ : العذق عليه بسر أو عنب . وعذق النخل كالعنقود
من العنب .
( 6 ) في المصدرين : واستقر .
( 7 ) في الاحتجاج : متفردة . وفي التفسير : مجردة . *
[ 49 ]
من أوان الرطب والبسر والخلال ( 1 ) فقال اليوناني : واخرى احبها ( 2 ) أن تخرج شماريخها خلالها ، وتقلبها من خضرة إلى صفرة وحمرة وترطيب وبلوغ أناه ( 3 )
ليؤكل وتطعمني ومن حضر منها ، فقال عليه السلام ( 4 ) : أنت رسولي إليها بذلك فمرها به
فقال له اليوناني ما أمره أميرالمؤمنين عليه السلام فأخلت وأبسرت واصفرت واحمرت
وترطبت وثقلت أعذاقها برطبها ، فقال اليوناني : واخرى احبها يقرب من
يدي أعذاقها أو تطول يدي لتنالها ، وأحب شئ إلي أن تنزل إلي أحدها وتطول
يدي إلى الاخرى التي هي اختها ، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : مد اليد التي تريد
أن تنالها وقل : يا مقرب البعيد قرب يدي منها ، واقبض الاخرى التي تريد أن
يترك ( 5 ) إليك العذق منها وقل : يا مسهل العسير سهل لي تناول ما يبعد عني منها
ففعل ذلك وقاله فطالت يمناه فوصلت إلى العذق ، وانحطت الاعذاق الاخر فسقطت
على الارض وقد طالت عراجينها ( 6 ) ثم قال أميرالمؤمنين عليه السلام : إنك إن أكلت
منها ثم لم تؤمن بمن أظهر لك عجائبها عجل الله عزوجل من العقوبة التي يبتليك
بها ما يعتبر به عقلاء خلقه وجهالهم ، فقال اليوناني : إني إن كفرت بعد ما رأيت
فقد بالغت في العناد وتناهيت في التعرض للهلاك ، أشهد أنك من خاصة الله صادق
في جميع أقاويلك عن الله ، فأمرني بما تشاء أطعك ( 7 ) .
أقول : تمام الخبرفي أبواب احتجاجاته عليه السلام وقد مضى كثير من معجزاته
ومناقبه صلوات الله عليه في أبواب معجزات الرسول صلى الله عليه واله .
( هامش ص 49 ) ( 1 ) بضم الخاء : الرطب .
( 2 ) في المصدرين : احب .
( 3 ) الاناء : حلول الوقت . النضج .
( 4 ) في المصدرين : ومن حضرك منها فقال على عليه السلام .
( 5 ) في المصدرين : ان تنزل .
( 6 ) جمع العرجون : اصل العذق الذي يعوج ويبقى على النخل يابسا بعد ان تقطع عنه
الشماريخ .
( 7 ) الاحتجاج : 122 - 124 . تفسير الامام : 67 - 69 . *
[ 50 ]
19 - ختص محمد بن علي ، عن أبيه ، عن علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير
عن أبان الاحمر قال : قال الصادق عليه السلام : يا أبان كيف تنكر ( 1 ) الناس قول أمير -
المؤمنين عليه السلام لما قال : " لو شئت لرفعت رجلى هذه فضربت بها صدر ابن أبي سفيان
بالشام فنكسته عن سريره " ولا ينكرون تناول آصف وصي سليمان عرش بلقيس و
إتيانه سليمان به قبل أن يرتد إليه طرفه ؟ أليس نبينا صلى الله عليه واله أفضل الانبياء ووصيه
أفضل الاوصياء ؟ أفلا جعلوه كوصي سليمان ؟ حكم الله بيننا وبين من جحد حقنا
وأنكر فضلنا ( 2 )
117 .
( باب ) * ( ما ورد من غرائب معجزاته عليه السلام بالاسانيد الغريبة ) *
1 - وجدت في بعض الكتب : حدثنا محمد بن زكريا العلائي ، قال : حدثنا
محمد بن الحسن الصفار المعروف بابن المعافا ، عن وكيع ، عن زاذان ، عن سلمان
الفارسي رضي الله عنه قال : كنا مع مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام فقلت : ياأميرالمؤمنين
احب أن أرى من معجزاتك شيئا ، قال صلوات الله عليه : أفعل إن شاء الله عزوجل
ثم قام ودخل منزله وخرج إلي وتحته فرس أدهم ، وعليه قباء أبيض وقلنسوة
بيضاء ، ثم نادى : يا قنبر أخرج إلي ذلك الفرس ، فأخرج فرسا آخر أدهم ، فقال
صلوات الله عليه وآله : اركب يابا عبدالله ، قال سلمان : فركبته فإذا له جناحان
ملتصقان إلى جنبه ، قال : فصاح به الامام صلوات الله عليه فتعلق في الهواء ، وكنت
أسمع حفيف أجنحة الملائكة وتسبيحها تحت العرش ، ثم خطونا على ساحل بحر
عجاج مغطمط الامواج ، فنظر إليه الامام شزرا ( 3 ) فسكن البحر من غليانه ، فقلت
* ( هامش ص 50 ) ( 1 ) في المصدر : ينكر .
( 2 ) الاختصاص : 212 و 213 .
( 3 ) شزر اليه : نظر اليه بجانب عينه مع اعراض أو غضب . *
[ 51 ]
له : يامولاي سكن البحر من غليانه من نظرك إليه ، فقال صلوات الله عليه : يا سلمان
خشي أن آمر فيه بأمر ، ثم قبض على يدي وسار على وجه الماء والفرسان تتبعاننا
لا يقود هما أحد ، فوالله ما ابتلت أقدامنا ولا حوافر الخيل .
قال سلمان : فعبرنا ذلك البحر ورفعنا ( 1 ) إلى جزيرة كثيرة الاشجار والاثمار
والاطيار والانهار ، وإذا شجرة عظيمة بلا صدع ولا زهر ( 2 ) فهزها صلوات الله عليه
بقضيب كان في يده فانشقت ، وخرج منها ناقة طولها ثمانون ذراعا وعرضها أربعون
ذراعا وخلفها قلوص ( 3 ) فقال صلوات الله عليه : ادن منها واشرب من لبنها ، قال
سلمان : فدنوت منها وشربت حتى رويت ، وكان لبنها أعذب من الشهد وألين من
الزبد ، وقد اكتفيت ، قال صلوات الله عليه : هذا حسن يا سلمان ؟ فقلت : مولاي
حسن ، فقال صلوات الله عليه : تريد أن أراك ما هو أحسن منه ؟ فقلت : نعم يا أمير
المؤمنين ، قال سلمان : فنادى مولاي أميرالمؤمنين صلوات الله عليه : اخرجي يا حسناء
قال : فخرجت ناقة طولها عشرون ومائة ذراع وعرضها ستون ذراعا ، ورأسها من
الياقوت الاحمر ، وصدرها من العنبر الاشهب ، وقوائمها من الزبرجد الاخضر ،
وزمامها من الياقوت الاصفر ، وجنبها الايمن من الذهب ، وجنبها الايسر من
الفضة ، وعرضها من اللؤلؤ الرطب ، فقال صلوات الله عليه : يا سلمان اشرب من
لبنها ، قال سلمان : فالتقمت الضرع فإذا هي تحلب ؟ ؟ صافيا مخلصا ( 4 ) فقلت
يا سيدي : هذه لمن ؟ قال صلوات الله عليه : هذه لك ولسائر الشيعة من أوليائي
ثم قال صلوات الله عليه وسلامه لها : ارجعي إلى الصخرة ، ورجعت من الوقت ، و
ساربي في تلك الجزيرة حتى ورد بي إلى شجرة عظيمة عليها طعام يفوح منه رائحة
المسك ، فإذا بطائر في صورة النسر العظيم ، قال سلمان رضي الله عنه : فوثب ذلك
* ( هامش ص 51 ) ( 1 ) كذا في ( ك ) . وفى غيره من النسخ : ودفعنا .
( 2 ) الصدع : الشق في شئ صلب . الزهر : نور النبات .
( 3 ) القلوص من الابل : أول ما يركب من اناثها .
( 4 ) في ( خ ) : محضا خ ل . *
[ 52 ]
الطائر فسلم عليه صلوات الله عليه ورجع إلى موضعه ، فقلت : يا أميرالمؤمنين ما هذه
المائدة ؟ فقال صلوات الله عليه : هذه منصوبة في هذا المكان للشيعة من موالي إلى
يوم القيامة ، فقلت : ما هذا الطائر ؟ قال صلوات الله عليه : ملك موكل بها إلى يوم
القيامة ، فقلت : وحده يا سيدي ؟ فقال صلوات الله عليه : يجتاز به الخضر صلوات
الله عليه في كل يوم مرة .
ثم قبض صلوات الله عليه على يدي وسار إلى بحرثان ، فعبرنا وإذا جزيرة
عظيمة فيها قصر لبنة من ذهب ولبنة من فضة بيضاء ، وشرفها من عقيق أصفر ، و
على كل ركن من القصر سبعون صفا من الملائكة ، فأتوا وسلموا ، ثم أذن لهم
فرجعوا ، إلى مواضعهم ، قال سلمان رحمه الله تعالى : ثم دخل أميرالمؤمنين عليه السلام
القصر فإذن أشجار وأثمار وأنهار وأطيار وألوان النبات : فجعل الامام صلوات الله
عليه يمشي فيه حتى وصل إلى آخره ، فوقف صلوات الله عليه على بركة كانت في
البستان ، ثم صعد على قصر ( 1 ) فإذن كرسي من الذهب الاحمر ، فجلس عليه
صلوات الله عليه ، وأشرفنا على القصر فإذا بحر أسود يغطمط أمواجه كالجبال
الراسيات ، فنظر صلوات الله عليه شزرا فسكن من غليانه حتى كان كالمذنب ، فقلت :
يا سيدي سكن البحر من غليانه إلى نظره إليه ( 2 ) فقال عليه السلام : خشي أن آمر فيه
بأمر ، أتدري يا سلمان أي بحر هذا ؟ فقلت : لا يا سيدي ، فقال : هذا الذي غرق
فيه فرعون وملؤه المذنبة ، حملها جناح جبرئيل عليه السلام ثم زجها في هذا البحر ، فهو
يهوي لا يبلغ قراره إلى يوم القيامة .
فقلت : يا أميرالمؤمنين هل سرنا فرسخين ؟ فقال صلوات الله عليه : يا سلمان
لقد سرت خمسين ألف فرسخ ودرت حول الدنيا عشر مرات ، فقلت : يا سيدي و
كيف هذا ؟ قال عليه السلام : إذا كان ذوالقرنين طاف شرقها وغربها وبلغ إلى سد يأجوج
* ( هامش ص 52 ) ( 1 ) كذا في ( ك ) وفى غيره من النسخ : إلى قصر .
( 2 ) كذا . والظاهر أن تكون العبارة هكذا : فسكن من غليانه من نظره إليه حتى كان
كالمذنب ، فقلت ، ياسيدى سكن البحر من غليانه ، فقال اه . *
[ 53 ]
ومأجوج فأنى يتعذر علي وأنا أميرالمؤمنين وخليفة رب العالمين ؟ يا سلمان أما
قرأت قول الله عزوجل حيث يقول : " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من
ارتضى من رسول ( 1 ) " ؟ فقلت : بلى يا أميرالمؤمنين ، فقال عليه السلام : أنا ذلك المرتضى
من الرسول الذي أظهره الله عزوجل على غيبه ، أنا العالم الرباني ، أنا الذي هون
الله علي الشدائد فطوى له البعيد .
قال سلمان رضي الله عنه : فسمعت صائحا يصيح في السماء أسمع الصوت ولا
أرى الشخص ، وهو يقول : صدقت ( 2 ) أنت الصادق المصدق صلوات الله عليك ، قال : ثم نهض صلوات الله عليه فركب الفرس وركبت معه وصاح بهما فطارا في الهواء


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 53 سطر 8 الى ص 61 سطر 8

ثم خطونا على باب الكوفة ، هذا كله وقد مضى من الليل ثلاث ساعات ، فقال
صلوات الله عليه لي : يا سلمان الويل كل الويل لمن لا يعرفنا حق معرفتنا وأنكر
ولايتنا ، أيما أفضل محمد صلى الله عليه واله أم سليمان عليه السلام ؟ قلت : بل محمد صلى الله عليه واله ثم قال صلوات
الله عليه : فهذا آصف بن برخيا قدر أن يحمل عرش بلقيس من فارس بطرفة عين و
عنده علم الكتاب ( 3 ) ولا أفعل أنا ذلك وعندي مائة كتاب وأربعة وعشرون كتابا ؟
أنزل الله تعالى على شيث بن آدم عليهما السلام خمسين صحيفة ، وعلى إدريس النبي عليه السلام
ثلاثين صحيفة ، وعلى نوح عليه السلام عشرين صحيفة ، وعلى إبراهيم عليه السلام عشرين صحيفة
والتوراة والانجيل والزبور والفرقان ، فقلت : صدقت يا أميرالمؤمنين هكذا يكون
الامام ، فقال عليه السلام : إن الشاك في امورنا وعلومنا كالممتري في معرفتنا ، وحقوقنا
قد فرض الله عزوجل في كتابه في غير موضع ، وبين فيه ما وجب العمل به وهو
غير مكشوف .
بيان : الغطمطة : اضطراب موج البحر .
ومنه أيضا : روي الاصبغ بن نباتة قال : كنت يوما مع مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام
* ( هامش ص 53 ) ( 1 ) سورة الجن : 26 و 27 .
( 2 ) في ( خ ) و ( م ) : صدقت صدقت .
( 3 ) الصحيح كما في القرآن المجيد و ( خ ) : علم من الكتاب . *
[ 54 ]
إذ دخل عليه نفر من أصحابه منهم أبوموسى الاشعري و عبدالله بن مسعود و
أنس بن مالك وأبوهريرة والمغيرة بن شعبة وحذيفة بن اليمان وغيرهم فقالوا :
يا أميرالمؤمنين أرنا شيئا من معجزاتك التي خصك الله بها ، فقال عليه السلام : ما أنتم و
ذلك وما سؤالكم عما لا ترضون به ؟ والله تعالى يقول : وعزتي وجلالي وارتفاع
مكاني إني لا اعذب أحدا من خلقي إلا بحجة وبرهان وعلم وبيان ، لان رحمتي
سبقت غضبي ، وكتبت الرحمة علي ، فأنا الراحم الرحيم وأنا الودود العلي ، وأنا
المنان العظيم ، وأنا العزيز الكريم ، فإذا أرسلت رسولا أعطيته برهانا وأنزلت عليه
كتابا . فمن آمن بي وبرسولي فاولئك هم المفلحون الفائزون ، ومن كفر بي وبرسولي
فاولئك هم الخاسرون الذين استحقوا عذابي ، فقالوا : يا أميرالمؤمنين نحن آمنا
بالله وبرسوله وتوكلنا عليه ، فقال علي عليه السلام : اللهم اشهد على ما يقولون وأنا العليم
الخبير بما يفعلون .
ثم قال عليه السلام : قوموا على اسم الله وبركاته ، قال فقمنا معه حتى أتى بالجبانة
ولم يكن في ذلك الموضع ماء ، قال : فنظرنا فإذا روضة خضراء ذات ماء ، وإذا في
الروضة غدران ( 1 ) وفي الغدران حيتان ، فقلنا : والله إنها لدلالة الامامة فأرنا غيرها
يا أميرالمؤمنين وإلا قد أدركنا بعض ما أردنا ، فقال عليه السلام : " حسبي الله ونعم الوكيل "
ثم أشار بيده العليا نحو الجبانة فإذا قصور كثيرة مكللة بالدر والياقوت والجواهر
وأبوابها من الزبرجد الاخضر ، وإذا في القصور حور وغلمان وأنهار وأشجار وطيور
ونبات كثيرة ، فبقينا متحيرين متعجبين ، وإذا وصائف وجواري وولدان وغلمان
كالؤلؤ المكنون ، فقالوا : يا أميرالمؤمنين لقد اشتد شوقنا إليك وإلى شيعتك و
أوليائك فأومأ إليهم بالسكوت ، ثم ركض الارض برجله فانفلقت الارض عن منبر
من ياقوت أحمر فارتقى إليه ، فحمدالله وأثنى عليه ، وصلى على نبيه صلى الله عليه واله ثم قال :
غمضوا أعينكم ، فغمضنا أعيننا ، فسمعنا حفيف أجنحة الملائكة بالتسبيح والتهليل
* ( هامش ص 54 ) ( 1 ) بالضم جمع الغدير : النهر : قطعة من الماء يتركها السيل . *
[ 55 ]
والتحميد والتعظيم والتقديس ، ثم قاموا بين يديه قالوا : مرنا بأمرك يا أميرالمؤمنين و
خليفة رب العالمين صلوات الله عليك ، فقال عليه السلام : يا ملائكة ربي ائتوني الساعة بإبليس
الابالسة وفرعون الفراعنة ، قال : فوالله ما كان بأسرع من طرفة عين حتى أحضروه
عنده ، فقال عليه السلام : ارفعوا أعينكم ، قال : فرفعنا أعيننا ونحن لا نستطيع أن ننظر إليه
من شعاع نور الملائكة فقلنا : يا أميرالمؤمنين الله الله في أبصارنا فما ننظر شيئا البتة ، وسمعنا
صلصلة ( 1 ) السلاسل واصطكاك الاغلال ، وهبت ريح عظيمة ، فقالت الملائكة : يا
خليفة الله زد الملعون لعنة وضاعف عليه العذاب ، فقلنا : يا أميرالمؤمنين الله الله في
أبصارنا ومسامعنا ، فوالله ما نقدر على احتمال هذا السر والقدر ، قال : فلما جروه
بين يديه قام وقال : واويلاه من ظلم آل محمد واويلاه من اجترائي عليهم ، ثم قال :
يا سيدي ارحمني فإني لا أحتمل هذا العذاب ، فقال عليه السلام : لا رحمك الله ولا غفر لك
أيها الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان ، ثم التفت إلينا وقال عليه السلام : أنتم
تعرفون هذا باسمه وجسمه ؟ قلنا : نعم يا أميرالمؤمنين ، فقال عليه السلام : سلوه حتى
يخبركم من هو ، فقالوا : من أنت ؟ فقال : أنا إبليس الابالسة وفرعون هذه الامة
أنا الذي جحدت سيدي ومولاي أميرالمؤمنين وخليفة رب العالمين ، وأنكرت
آياته ومعجزاته . ثم قال أميرالمؤمنين عليه السلام : يا قوم غمضوا أعينكم ، فغمضنا أعيننا
فتكلم عليه السلام بكلام أخفى ، فإذا نحن في الموضع الذي كنا فيه لا قصور ولا ماء ولا
غدران ولا أشجار .
قال الاصبغ بن نباتة رضي الله عنه : والذي أكرمني بما رأيت من تلك الدلائل
والمعجزات ما تفرق القوم حتى ارتابوا وشكوا ! وقال بعضهم : سحر وكهانة و
إفك ! فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : إن بني إسرائيل لم يعاقبوا ولم يمسخوا إلا بعد
ما سألوا الآيات والدلالات ، فقد حلت عقوبة الله بهم ، والآن حلت لعنة الله فيكم
وعقوبته عليكم ، قال الاصبغ بن نباته رضي الله عنه : إني أيقنت أن العقوبة حلت
بتكذيبهم الدلالات والمعجزات . * ( هامش ص 55 ) ( 1 ) الصلصلة : الصوت . *
[ 56 ]
عن عمار ( 1 ) بن ياسر رضي الله عنه قال : كنت عند أميرالمؤمنين جالسا بمسجد
الكوفة ولم يكن سواي أحد فيه ، وإذا هو يقول : صدقيه صدقيه ، فالتفت يمينا
وشمالا فلم أر أحدا ، فبقيت متعجبا فقال لي : يا عمار كأني بك تقول : لمن يكلم
علي ؟ فقلت : هو كذلك يا أميرالمؤمنين ، فقال : ارفع رأسك ، فرفعت رأسي وإذا
أنا بحمامتين يتجاوبان ، فقال لي : ياعمار أتدري ما تقول إحداهما للاخرى ؟ فقلت :
لا وعيشك يا أميرالمؤمنين ، قال : تقول الاثنى للذكر أنت استبدلت بي غيري و
هجرتني وأخذت سواي ، وهو يحلف لها ويقول : ما فعلت ذلك ، وهي تقول : ما
اصدقك ، فقال لها : وحق هذا القاعد في هذا الجامع ما استبدلت بك سواك ولا
أخذت غيرك ، فهمت أن تكذبه فقلت لها : صدقيه صدقيه ، قال عمار : يا أمير -
المؤمنين ما علمت أحدا يعلم منطق الطير إلا سليمان بن داود عليهما السلام فقال له : يا عمار
والله إن سليمان بن داود عليهما السلام سأل الله تعالى بنا أهل البيت حتى علم منطق الطير .
* ( هامش ص 56 ) ( 1 ) في ( خ ) : نقل من كتاب صفوة الاخبار عن الائمة الاطهار اه . *
[ 57 ]
( أبواب )
* ( ما يتعلق به ومن ينتسب اليه ) *
. 118 .
( باب )
* ( أسلحته وملابسه ومراكبه ولوائه وساير مايتعلق به صلوات الله ) *
* ( عليه من أشباه ذلك ) *
1 - قب : تفسير السدي ع أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى : " و
أنزلنا الحديد " ( 1 ) قال : أنزل الله آدم من الجنة معه ذوالفقار ، خلق من ورق
آس ( 2 ) الجنة ، ثم قال : " فيه بأس شديد " فكان به يحارب آدم أعداءه من الجن
والشياطين ، وكان عليه مكتوبا : لا يزال أنبيائي يحاربون به نبي بعد نبي وصديق
بعد صديق حتى يرثه أميرالمؤمنين عليه السلام فيحارب به عن النبي الامي " ومنافع
للناس " لمحمد صلى الله عليه واله وعلي " إن الله قوي عزيز " منيع من النقمة بالكفار بعلي
بن أبي طالب عليه السلام . وقد روى كافة أصحابنا أن المراد بهذه الآية ذوالفقار ،
انزل ( 3 ) من السماء ، على النبي صلى الله عليه واله فأعطاه عليا ، وسئل الرضا عليه السلام من أين هو ؟
فقال : هبط به جبرئيل من السماء ، وكان حليه من فضة ، وهو عندي . وقيل :
أمر جبرئيل عليه السلام أن يتخذ من صنم حديد في اليمن فذهب علي وكسره ، فاتخذ
منه سفيان مخدم وذوالفقار ، وطبعهما ( 4 ) عمير الصيقل . وقيل : صار إليه يوم بدر ،
* ( هامش ص 57 ) ( 1 ) سورة الحديد : 25 .
( 2 ) الاس : شجر يعرف بالريحان .
( 3 ) في المصدر : انزل به .
( 4 ) طبع السيف : عمله وصاغه . *
[ 58 ]
أخذه من العاص بن منبه السهمي وقد قتله . وقيل : كان من هدايا بلقيس إلى
سليمان . وقيل : أخذه من منبه بن الحجاج السهمي في غزاة بني المصطلق بعد
أن قتله . وقيل : كان سعف نخل نفث فيه النبي صلى الله عليه واله فصار سيفا . وقيل : صار إلى
النبي صلى الله عليه واله يوم بدر فأعطاه عليا ، ثم كان مع الحسن ثم مع الحسين إلى أن بلغ
المهدي عليهم السلام .
سئل الصادق عليه السلام : لم سمي ذوالفقار ؟ فقال : إنما سمي ذوالفقار لانه ما
ضرب به أميرالمؤمنين أحدا إلا افتقر في الدنيا من الحياة وفي الآخرة من الجنة .
علان الكليني رفعه إلى أبي عبدالله عليه السلام قال : إنما سمي سيف أمير -
المؤمنين عليه السلام ذوالفقار لانه كان في وسطه خطة في طوله مشبهة بفقار الظهر ، وزعم
الاصمعي أنه كان فيه ثماني عشرة فقارة .
تاريخ أبي يعقوب : كان طوله سبعة أشبار وعرضه شبر ، في وسطه كالفقار .
أبوعبدالله عليه السلام : نظر رسول الله صلى الله عليه واله إلى جبرئيل بين السماء والارض على
كرسي من ذهب وهو يقول : لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلا علي .
القاضي أبوبكر الجعابي بإسناده عن الصادق عليه السلام : نادى ملك من السماء
يوم احد يقال له رضوان : لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلا علي . ومثله في إرشاد
المفيد وأمالي الطوسي عن عكرمة وأبي رافع ، وقد رواه السمعاني في فضائل
الصحابة وابن بطة في الابانة ، إلا أنهما قالا : يوم بدر .
درعه عليه السلام : رآه قيس بن سعد الهمداني في الحرب وعليه ثوبان ، فقال :
يا أميرالمؤمنين في مثل هذا الموضع ؟ فقال : نعم يا قيس إنه ليس من عبد إلا وله من
الله حافظ وواقية ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر ، فإذا
نزل القضاء خليا بينه وبين كل شئ . وكان مكتوبا على درعه عليه السلام :
أي يومي من الموت أفر * يوم لا يقدر أم يوم قدر
يوم لا يقدر لا أخشى الوغى * يوم قد قدر لا يغني الحذر
وروي أن درعه عليه السلام كانت لا قب لها أي لا ظهر لها ، فقيل في ذلك فقال :
[ 59 ]
إن وليت فلا وألت أي نجوت .
وكان له مثل الدراهم سايل * على ظهره في الدرع كالسطر إذا سطر ( 1 )
مركوبه عليه السلام بغلة بيضاء يقال لها : دلدل ، أعطاه رسول الله صلى الله عليه واله وإنما سميت
دلدل لان النبي صلى الله عليه واله لما انهزم المسلمون يوم حنين قال : دلدل ، فوضعت بطنها
على الارض فأخذ النبي صلى الله عليه واله حفنة من تراب فرمى بها في وجوههم ، ثم أعطاها
عليا عليه السلام وذلك دون الفرس . وقيل له : لم لا تركب الخيل وطلابك كثير ؟
فقال : الخيل للطلب والهرب ولست أطلب مدبرا ولا أنصرف عن مقبل . وفي رواية :
أكر على من فر ولا أفر ممن كر والبغلة تزجيني - أي تكفينى - .
فصل في لوائه وخاتمه عليه السلام : محمد الكسائي في المبتدء : إن أول حرب كانت
بين بني آدم ما كان بين شيث وقابيل ، وذلك أن الله تعالى أهدى إليه حلة بيضاء و
رفعت الملائكة له رأية بيضاء ، فسلسلت الملائكة لقابيل وحملوه إلى عين الشمس و
مات فيها ، وصارت ذريته عبيد الشيث . وفي الخبر : أول من اتخذ الرايات إبراهيم
الخليل عليه السلام .
ابن أبي البختري وسائر أهل السير أنه كانت راية قريش ولواؤها جميعا بيدي
قصي بن كلاب ، ثم لم تزل الراية في يدي عبدالمطلب ، فلما بعث النبي صلى الله عليه واله أقرها
في بني هاشم ودفعها إلى علي عليه السلام في أول غزاة حمل فيها ، وهي ودان فلم تزل معه
وكان اللواء يومئذ في عبد الدار ، فأعطاه النبي صلى الله عليه واله مصعب بن عمير فاستشهد يوم
احد ، فأخذها النبي صلى الله عليه واله ودفعها إلى علي عليه السلام فجمع يومئذ له الراية واللواء
وهما أبيضان ، وذكره الطبري في تاريخه والقشيري في تفسيره .
تنبيه المذكرين : زيد بن علي عن آبائه عليهم السلام : كسرت زند علي عليه السلام يوم
احد وفي يده لواء رسول الله صلى الله عليه واله فسقط اللواء من يده ، فتحاماه المسلمون أن يأخذوه
فقال رسول الله صلى الله عليه واله : فضعوه في يده الشمال فإنه صاحب لوائي في الدنيا والآخرة .
* ( هامش ص 59 ) ( 1 ) في المصدر : اذ سطر . ولم نفهم المراد من التشبيه . *
[ 60 ]
وفي رواية غيره : فرفعه المقداد و أعطاه عليا عليه السلام ، وقال صلى الله عليه واله : أنت صاحب رايتي
في الدنيا والآخرة .
المواعظ والزواجر عن العسكري أن مالك بن دينار سأل سعيد بن جبير : من
كان صاحب لواء النبي صلى الله عليه واله ؟ قال : علي بن أبي طالب .
عبدالله بن حنبل أنه لما سأل مالك بن دينار سعيد بن جبير عن ذلك قال :
فنظر إلي فقال : كأنك رخي البال ، فغضبت وشكوت إلى القراء فقالوا : إنك
سألته وهو خائف من الحجاج وقد لاذ بالبيت ، فاسأله الآن ، فسألته فقال : كان
حاملها علي كان حاملها علي ، كذا سمعته من عبدالله بن عباس .
تاريخ الطبري والبلاذري وصحيحي مسلم والبخاري أنه لما أراد النبي
صلى الله عليه واله أن يخرج إلى بدر اختار كل قوم راية ، فاختار حمزة حمراء ، وبنو امية خضراء
وعلي بن أبي طالب عليه السلام صفراء ، وكانت راية النبي صلى الله عليه واله بيضاء ، فأعطاها عليا يوم
خيبر لما قال : لاعطين الراية غدا رجلا ، الخبر . وكان النبي صلى الله عليه واله عقد لحمزة
ولعبيدة بن الحارث ولسعد بن أبي وقاص ألوية بيضاء .
وكان مكتوبا على علم أميرالمؤمنين عليه السلام :
الحرب إن باشرتها فلا يكن منك الفشل واصبر على أهوالها لا موت إلا بالاجل
وعلى رايته عليه السلام : هذا علي والهدى يقوده * من خير فتيان قريش عوده
وحدثني ابن كادش في تكذيب العصابة العلوية في ادعائهم الامامة النبوية
أن النبي صلى الله عليه واله رأى العباس في ثوبين أبيضين فقال : إنه لابيض الثوبين ، وهذا
جبرئيل يخبرني أن ولده يلبسون السواد .
عبدالله بن أحمد بن حنبل في كتاب صفين أنه نشر عمرو بن العاص في يوم صفين
راية سوداء الخبر .
وفي أخبار دمشق عن أبي الحسين محمد بن عبدالله الرازي قال ثوبان : قال
[ 61 ]
النبي صلى الله عليه واله : يكون لبني العباس رايتان مركزهما كفر وأعلاهما ضلالة ، إن أدركتها
يا ثوبان فلا تستظل بظلهما ( 1 ) .
ابي بن كعب : أول الرايات السود نصر وأوسطها غدر وآخرها كفر ، فمن
أعانهم كان كمن أعان فرعون على موسى .
تاريخ بغداد قال أبوهريرة : قال النبي صلى الله عليه واله : إذا أقبلت الرايات السود من
قبل المشرق فإن أولها فتنة وأوسطها هرج وآخرها ضلالة .
أخبار دمشق عن النبي صلى الله عليه واله : أبوأمامة في خبر : أولها منشور وآخرها
مثبور ( 2 ) .


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 61 سطر 9 الى ص 69 سطر 9

تاريخ الطبري : إن إبراهيم الامام أنفذ إلى أبي مسلم لواء النصرة وظل
السحاب ، وكان أبيض طوله أربعة عشر ذراعا ، مكتوب عليها بالحبر " اذن للذين
يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ( 3 ) " فأمر أبومسلم غلامه أرقم أن
يتحول بكل لون من الثياب ، فلما لبس السواد قال : معه هيبة ، فاختاره خلافا
لبني امية وهيبة للناظر ، وكانوا يقولون : هذا السواد حداد ( 4 ) آل محمد صلى الله عليه واله و شهداء
كربلاء وزيد ويحيى .
خاتمه عليه السلام : سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه واله قال : يا علي تختم بالعقيق تكن
من المقربين ، قال : يا رسول الله وما المقربون ؟ قال : جبرائيل وميكائيل ، قال : فبم
أتختم يا رسول الله ؟ قال بالعقيق الاحمر .
ابن عباس وصعصعة وعائشة أنه هبط جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه واله فقال : يا
محمد ربي يقرؤك السلام ويقول لك : البس خاتمك بيمينك ، واجعل فصه عقيقا ، و
قل لان عمك : يلبس خاتمه بيمينه ويجعل فصه عقيقا ، فقال علي : يا رسول الله وما
العقيق ؟ قال : العقيق جبل في اليمن . والخبر مذكور في فضل الميثاق .
* ( هامش ص 61 ) ( 1 ) في المصدر : بظلها .
( 2 ) أى ملعون ومطرود .
( 3 ) سورة الحج : 39 .
( 4 ) الحداد - بالكسر - : ثياب المأتم السود .
[ 62 ]
زياد القندي عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال النبي صلى الله عليه واله : لما كلم
الله موسى بن عمران على جبل طور سيناء اطلع على الارض اطلاعة فخلق من نور
وجهه العقيق ، وقال : أقسمت على نفسي أن لا اعذب كف لابسك إذا تولى عليا
عليه السلام بالنار .
ابن عباس والسدي : كان لاميرالمؤمنين عليه السلام أربعة خواتيم : ياقوت لنبله ( 1 )
فيروزج لنصره ، حديد صيني لقوته ، عقيق لحرزه .
صحيح البخاري وشمائل الترمذي عن عبدالله بن جعفر ، وجامع البيهقي
عن جابر وعن أنس ، وتختم . عبدالرحمن السلمي عن ابن المسيب عن زين العابدين
عن أبيه عليهما السلام ، وتختم محمد بن يحيى بن المحتسب عن هاشم بن عروة عن
أبيه عن عائشة ، وعن جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، وعن نافع عن ابن
عمر عن أنس وعن جابر ، كلهم عن النبي صلى الله عليه واله أنه كان صلى الله عليه واله يتختم في يمينه . وزاد
بعضهم في الرواية : وقبض والخاتم في يمينه . وقال أبوأمامة : كان النبي صلى الله عليه واله يجعل
خاتمه في يمينه .
عكرمة والضحاك عن ابن عباس أنه كان النبي صلى الله عليه واله : يتختم في اليد
اليمنى .
شمائل الترمذي وسنن السجستاني : وتختم المحتسب أنه كان علي عليه السلام
يتختم في يمينه .
جامع البيهقي كان ابن عباس وعبدالله بن جعفر يتختمان في يمينهما .
الراغب في محاضراته : كان النبي صلى الله عليه واله وأصحابه يتختمون في أيمانهم ، وأول
من تختم في يساره معاوية .
نتف أبي عبدالله السلامي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يتختم في
يمينه والخلفاء الاربعة بعده ، فنقلها معاوية إلى اليسار ، وأخذ الناس بذلك ،
فبقي كذلك أيام المروانية ، فنقلها السفاح إلى اليمين ، فبقي إلى أيام الرشيد
* ( هامش ص 62 ) ( 1 ) النبل - بضم النون - : الذكاء والنجابة والفضل والشوكة . *
[ 63 ]
فنقلها إلى اليسار ، وأخذ الناس بذلك ، واشتهر أن عمرو بن العاص عند التحكيم
سلها من يده اليمنى وقال : خلعت الخلافة من علي كخلعي خاتمي هذا من يميني
وجعلتها في معاوية كما جعلت هذا في يساري .
نقوش الخواتيم عن الجاحظ أنه كان آدم وإدريس وإبراهيم وإسماعيل و
إسحاق وإلياس ويعقوب وداود وسليمان ويوسف ودانيال ويوشع وذوالقرنين ويونس
ولوط وهود وشعيب وزكريا ويحيى وصالح وعزير وأيوب ولقمان وعيسى ومحمد عليهم السلام
يتختمون في أيمانهم .
الصعقب ( 1 ) بن زهير أنه سئل أميرالمؤمنين عليه السلام عن التختم في اليمين فقال
عليه السلام : إنه لما أنزل الله على نبيه " قل تعالوا ندع أبنائنا ( 2 ) " الآية قال جبرئيل
عليه السلام : يا رسول الله ما من نبي إلا وأنا بشيره ونذيره ، فما افتخرت بأحد من
الانبياء إلا بكم أهل البيت ، فقال النبي صلى الله عليه واله : يا جبرئيل أنت منا ، فقال جبرئيل :
أنا منكم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله : أنت منا يا جبرئيل ، فقال : يارسول الله بين لي
ليكون لي فرج لامتك ، فأخذ النبي صلى الله عليه واله خاتمه بشماله فقال : أنا رسول الله
أولكم ، وثانيكم علي ، وثالثكم فاطمة ، ورابعكم الحسن ، وخامسكم الحسين ، و
سادسكم جبرئيل ، وجعل خاتمه في إصبعه اليمنى فقال : أنت سادسنا يا جبرئيل ، فقال
جبرئيل : يا رسول الله ما من أحد تختم في يمينه ( 3 ) وأراد بذلك سنتك ورأيته يوم
القيامة متحيرا إلا أخذت بيده وأوصلته إليك وإلى أميرالمؤمنين علي بن أبي -
طالب عليه السلام ( 4 ) .
2 - يف : ابن المغازلي بإسناده إلى النبي صلى الله عليه واله أنه قال : إن المنادي نادى
* ( هامش ص 63 ) ( 1 ) في المصدر " الصقعب " . وفي هامشه : بتقديم القاف على العين المهملة - وزان
جعفر - ابن زهير بن عبدالله بن زهير الازدى الكوفى . قال ابن حجر في التقريب : ثقة من
السادسة
( 2 ) سورة آل عمران : 61 .
( 3 ) في المصدر : بيمينه .
( 4 ) مناقب آل ابى طالب 2 : 69 - 75 . *
[ 64 ]
يوم احد : لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلا علي . وروي أيضا أن المنادي كان قد نادى
بذلك يوم البدر . وروى أيضا بإسناده إلى محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال : نادى ملك
من السماء يوم بدر ويقال له رضوان : لا سيف إلا ذوالفقار ولافتى إلا علي ( 1 ) .
3 - قب : كان له عليه السلام بغلة يقال له الشهباء ودلدل ، أهداها إليه النبي صلى الله عليه واله ( 2 )
4 - كا : حميد ، عن عبيدالله الدهقان ، عن الطاطري ، عن محمد بن زياد ، عن
أبان ، عن يعقوب بن شعيب ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : علي عليه السلام شد على بطنه
يوم الجمل بعقال أبرق نزل به جبرئيل من السماء ، وكان النبي صلى الله عليه واله يشد به على
بطنه إذا لبس الدرع ( 3 ) . 5 - ن : هاني بن محمد بن محمود العبدي ، عن أبيه رفعه ، عن موسى بن جعفر عليهما السلام
فيما ناظر به الرشيد في تفضيل العزة ( 4 ) قال عليه السلام : إن العلماء قد أجمعوا على أن
جبرئيل قال يوم احد : يا محمد إن هذه لهي المواساة من علي ، قال صلى الله عليه واله : لانه
مني وأنا منه ، قال جبرئيل عليه السلام : وأنا منكما يا رسول الله ، ثم قال : لا سيف إلا
ذوالفقار ولا فتى إلا علي ، فكان كما مدح الله عزوجل به خليله عليه السلام إذ يقول
" فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " إنا معشر بني عمك نفتخر بقول جبرئيل عليه السلام
إنه منا ( 5 ) .
6 - لى ، مع : ابن إدريس ، عن أبيه ، عن ابن أبي الخطاب وابن يزيد ومحمد
ابن أبي الصهبان جميعا ، عن ابن أبي عمير ، عن أبان بن عثمان ، عن الصادق ، عن أبيه
عن جده عليهم السلام قال : إن أعرابيا أتى رسول الله فخرج إليه في رداء ممشق ، فقال :
يا محمد لقد خرجت إلي كأنك فتى ، فقال صلى الله عليه واله : نعم يا أعرابي أنا الفتى ، ابن الفتى
أخو الفتى ، فقال : يا محمد أما الفتى فنعم فكيف ابن الفتى وأخو الفتى ؟ فقال : أما
* ( هامش ص 64 ) ( 1 ) الطرائف : 22 .
( 2 ) مناقب آل ابى طالب 2 : 77 .
( 3 ) روضة الكافى :
( 4 ) العترة ظ 0 ( ب )
( 5 ) عيون الاخبار : 49 والطبعة الحديثة ج 1 : 85 . *
[ 65 ]
سمعت الله عزوجل يقول : " قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ( 1 ) " فأنا
ابن إبراهيم ، وأما أخو الفتى فإن مناديا نادى من السماء ( 2 ) يوم احد : لا سيف
إلا ذوالفقار ولا فتى إلا علي ، فعلي أخي وأنا أخوه ( 3 ) .
قب : مرسلا مثله ( 4 ) .
7 - ع ، مع : ابن عصام ، عن الكليني ، عن علان رفعه إلى أبي عبدالله عليه السلام
أنه قال : إنما سمي سيف أميرالمؤمنين عليه السلام ذا الفقار لانه كان في وسطه خطة في
طوله فشبه ( 5 ) بفقار الظهر ، فسمي ذاالفقار لذلك ، وكان سيفا نزل به جبرئيل عليه السلام
من السماء ، كانت حلقته فضة ، وهو الذي نادى به مناد من السماء : لا سيف إلا
ذواالفقار ولا فتى إلا علي ( 6 ) .
أقول : قد مضى بعض أخبار الباب في باب غزوة احد .
8 - ن ، لى : ابن المتوكل ، عن محمد العطار ، عن اليقطيني ، عن أحمد بن
عبدالله قال : سألت الرضا عليه السلام عن ذي الفقار سيف رسول الله صلى الله عليه واله من أين هو ؟
فقال هبط به جبرئيل عليه السلام من السماء ، وكان حيلته من فضة وهو عندي ( 7 ) .
ير : عبدالله بن جعفر ، عن محمد بن عيسى ، عن أحمد بن عبدالله مثله ( 8 ) .
9 - ع : الهمداني ، عن علي ، عن أبيه ، عن البزنطي وابن أبي عمير معا ،
عن أبان بن عثمان ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : لما كان يوم احد انهزم أصحاب
* ( هامش ص 65 ) ( 1 ) سورة الانبياء : 60 .
( 2 ) في المعانى : في السماء .
( 3 ) امالى الصدوق : 120 و 121 . معانى الاخبار : 119 .
( 4 ) لم نظفر به في المناقب .
( 5 ) في المعانى : تشبه .
( 6 ) علل الشرائع : 64 . معانى الاخبار : 63 .
( 7 ) عيون الاخبار : 214 . امالى الصدوق : 174 .
( 8 ) بصائر الدرجات : 48 . *
[ 66 ]
رسول الله صلى الله عليه واله حتى لم يبق معه إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وأبودجانة ( 1 ) وكان
علي عليه السلام كلما حملت طائفة على رسول الله صلى الله عليه واله استقبلهم وردهم حتى أكثر فيهم
القتل والجراحات ، حتى انكسر سيفه ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه واله فقال : يا رسول الله
إن الرجل يقاتل بسلاحه وقد انكسر سيفي ، فأعطاه عليه السلام سيفه ذاالفقار ، فما زال
يدفع به عن رسول الله صلى الله عليه واله حتى أثر وأنكر ( 2 ) ، فنزل جبرئيل عليه السلام وقال : يا
محمد إن هذه لهي المواساة من علي لك ، فقال النبي صلى الله عليه واله : إنه مني وأنا منه ، فقال
جبرئيل عليه السلام : وأنا منكما ، وسمعوا دويا من السماء : لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى
إلا علي ( 3 ) .
10 - ع : الدقاق وابن عصام معا ، عن الكليني ، عن القاسم بن العلاء ، عن
إسماعيل الفزاري ، عن محمد بن جمهور العمي ، عن ابن أبي نجران ، عمن ذكره ،
عن الثمالي قال : سألت أبا جعفر عليه السلام فقلت : يا ابن رسول الله لم سمي سيف أمير - المؤمنين عليه السلام ذاالفقار ؟ فقال عليه السلام : لانه ما ضرب به أحد من خلق الله إلا أفقره
في هذه الدنيا ( 4 ) من أهله وولده ، وأفقره في الآخرة من الجنة ( 5 ) .
أقول : قد مر الاخبار في باب علامات الامام أنه عند الائمة عليهم السلام .
11 - ما : المفيد ، عن علي بن محمد بن مالك ، عن أحمد بن عبدالجبار ، عن
بشر بن بكر ، عن محمد بن إسحاق ، عن مشيخته قال : سمع يوم احد - وقد هاجت
ريح عاصف - كلام هاتف يهتف وهو يقول :
* ( هامش ص 66 ) ( 1 ) في المصدر : وابودجانة سماك بن خرشة ، فقال له النبى صلى الله عليه وآله : يا بادجانة
أما ترى قومك ؟ قال : بلى ، قال : الحق بقومك ، قال : ما على هذا بايعت الله ورسوله قال :
أنت في حل ، قال : والله لا تتحدث قريش بأنى خذلتك وفررت حتى أذوق ما تذوق ، فجزاه
النبى خيرا اه .
( 2 ) كذا في النسخ . وفى المصدر : وانكسر .
( 3 ) علل الشرايع : 14 .
( 4 ) في المصدر : من هذه الدنيا .
( 5 ) علل الشرايع : 64 .
[ 67 ]
لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلا علي * وإذاندبتم هالكا فابكوا الوفي أخا الوفي ( 1 )
12 - ير : عباد بن سليمان ، عن سعد بن سعد ، عن يحيى ، عن أبي الحسن
الرضا عليه السلام قال : قال : آتى أبي بسلاح رسول الله صلى الله عليه واله وقد دخل عمومتي من ذلك
فقال كلمة ، فقال صفوان : وذكرنا سيف رسول الله فقال : أتاني إسحاق بن جعفر
فعظم علي وسألني له بالحق والحرمة : السيف الذي أخذه هو سيف رسول الله صلى الله عليه واله ؟
قال : فقلت : لا كيف يكون هذا وقد قال أبوجعفر عليه السلام : مثل السلاح فينا مثل
التابوت في بني إسرائيل حيث ما دار دار الامر ، قال : فسألته عن ذي الفقار سيف
رسول الله صلى الله عليه واله فقال : نزل به جبرئيل من السماء ، وكانت حليته فضة ، وهو
عندي ( 2 ) .
بيان : " فقال كلمة " أي فقال عليه السلام بعد ذلك كلمة نسيتها أولا أرى المصلحة
في ذكرها والحاصل أنه عليه السلام قال : إن أبي أعطاني سلاح رسول الله صلى الله عليه واله ودخل
عمومتي من ذلك حسد علي ، ثم ذكر عليه السلام أن إسحاق عمه أتاه وأقسم عليه بالحق
والحرمة أن السيف الذي أخذه المأمون منه عليه السلام هل هو سيف رسول الله ؟ فأجاب
عليه السلام بأنه لم يكن سيف رسول الله صلى الله عليه واله لان سيفه لا يكون إلا عند الامام .
13 - شف : محمد بن جرير الطبري قال في كتابه ما لفظه : أبوجعفر ، عن
داود بن عمر ، عن روح بن عبدالله ، عن أبي الاحوص عبدالله بن يسار ، عن زرارة بن
أعين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : إن الله تبارك وتعالى
أعطاني ذاالفقار ، قال : يا محمد خذه وأعطه خير أهل الارض ، فقلت : من ذلك يا رب ؟
فقال : خليفتي في الارض علي بن أبي طالب عليه السلام . وأن ذاالفقار كان ينطق مع
علي عليه السلام ويحدثه حتى أنه هم يوما يكسره ( 3 ) فقال : مه يا أميرالمؤمنين إني
مأمور ، وقد بقي في أجل المشرك تأخيرا . أقول : إنما يمكن أن يكون قد سقط بعد
* ( هامش ص 67 ) ( 1 ) أمالى الشيخ : 88 و 89 .
( 2 ) بصائر الدرجات : 51 .
( 3 ) في المصدر : بكسره . *
[ 68 ]
قوله " هم يوم يكسره " : وقد ضرب به مشركا فلم يقتله ( 1 ) .
14 - ب : هارون ، عن ابن صدقة ، عن جعفر ، عن أبيه عليهما السلام أن خاتم رسول الله
كان فضة ، ونقشه : محمد رسول الله . وكان نقش خاتم علي عليه السلام ، الله الملك . و
كان نقش خاتم والدي رضي الله عنه : العزة لله ( 2 ) .
15 - ب : أبوالبختري ، عن جعفر ، عن أبيه عليهما السلام قال : كان نقش خاتم
علي عليه السلام : الملك لله ( 3 ) .
16 - لى ، ن : أبي ، عن سعد ، عن البرقي ، عن محمد بن علي الكوفي ، عن
الحسن بن أبي العقبة الصيرفي ، عن الحسين بن خالد ، عن الرضا عليه السلام قال : كان
نقش خاتم أميرالمؤمنين عليه السلام : الملك لله ، تمام الخبر ( 4 ) .
17 - ع ، ل : محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أحمد بن سعيد ،
عن محمد بن مسلم بن زرارة ، عن محمد بن يوسف ، عن سفيان الثوري ، عن إسماعيل
السدي ، عن عبد خير قال : كان لعلي عليه السلام أربعة خواتيم يتختم بها : ياقوت لنبله
وفيروزج لنصرته ( 5 ) والحديد الصيني لقوته ، وعقيق لحرزه ، وكان نقش الياقوت :
لا إله إلا الله الملك الحق المبين ، ونقش الفيروزج : الله الملك الحق ( 6 ) ونقش الحديد
الصيني : العزة لله جميعا ، ونقش العقيق ثلاثة أسطر : ما شاء الله لا قوة إلا بالله
أستغفر الله ( 7 ) .
18 - ع : ابن عبدوس ، عن ابن قتيبة ، عن الفضل بن شاذان ، عن ابن أبي عمير
قال : قلت لابي الحسن موسى عليه السلام : أخبرني عن تختم أميرالمؤمنين عليه السلام بيمينه
* ( هامش ص 68 ) ( 1 ) اليقين في امرة اميرالمؤمنين : 48 .
( 2 ) قرب الاسناد : 31 .
( 3 ) " : 72 .
( 4 ) امالى الصدوق : 274 . عيون الاخبار : 218 .
( 5 ) في العلل : لبصره .
( 6 ) " : الله الملك الحق المبين .
( 7 ) علل الشرائع : 63 و 64 الخصال 1 : 93 . *
[ 69 ]
لاي شئ كان ؟ فقال : إنما كان يتختم بيمينه لانه إمام أصحاب اليمين بعد رسول
الله صلى الله عليه واله وقد مدح الله عزوجل أصحاب اليمين وذم أصحاب الشمال ، وقد كان رسول
الله صلى الله عليه واله يتختم بيمينه ، وهو علامة لشيعتنا ، يعرفون به وبالمحافظة على أوقات
الصلاة وإيتاء الزكاة ومواساة الاخوان والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ( 1 ) .
قب : عن ابن أبي عمير مثله .
19 - ع : عبدالله بن محمد بن عبد الوهاب القرشي ، عن منصور بن عبدالله
الاصفهاني ، عن علي بن عبدالله ، عن عباس بن العباس ، عن سعيد الكندي ، عن
عبدالله بن حازم الخزاعي ، عن إبراهيم بن موسى الجهني ، عن سلمان الفارسي
قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله لعلي : يا علي تختم باليمين تكن من المقربين ، قال :


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 69 سطر 10 الى ص 77 سطر 10

يا رسول الله وما المقربون ؟ قال : جبرئيل وميكائيل ، قال بما أتختم يا رسول الله ؟
قال : بالعقيق الاحمر ، فإنه أفر لله عزوجل بالوحدانية ، ولي بالنبوة ، ولك يا
علي بالوصية ، ولولدك بالامامة ، ولمحبيك بالجنة ، ولشيعة ولدك بالفردوس ( 2 ) .
20 - ثو : أبي ، عن أحمد بن إدريس ، عن الاشعري ، عن يوسف بن السخت
عن الحسن بن سهل ، عن ابن مهزيار قال : دخلت على أبي الحسن موسى عليه السلام فرأيت
في يده خاتما فصه فيروزج نقشه : الله الملك ، فقال : هذا ( 3 ) حجر أهداه جبرئيل
لرسول الله صلى الله عليه واله من الجنة ، فوهبه رسول الله صلى الله عليه واله لعلي عليه السلام ، الخبر ( 4 ) .
21 - كا : عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبدالله ، عن الحسن ( 5 ) بن
علي العقيلي ، عن علي بن أبي علي اللهبي ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : عمم
رسول الله صلى الله عليه واله عليا عليه السلام بيده ، فسد لها من بين يديه وقصرها من خلفه قدر أربع
أصابع ، ثم قال : أدبر فأدبر ، ثم قال : أقبل فأقبل ، فقال ( 6 ) : هكذا تيجان
* ( هامش ص 69 ) ( 1 و 2 ) علل الشرايع : 64 .
( 3 ) في المصدر : فأدمت النظر اليه فقال : مالك تنظر فيه ؟ هذا حجر اه .
( 4 ) ثواب الاعمال : 169 و 170 .
( 5 ) في المصدر : الحسن .
( 6 ) في المصدر : ثم قال *
[ 70 ]
الملائكة ( 1 ) .
22 - كا : علي بن محمد بن بندار ، عن إبراهيم بن إسحاق الاحمر ، عن الحسن
ابن سهل ، عن الحسن بن علي بن مهران قال : دخلت على أبي الحسن موسى عليه السلام
وفي إصبعه خاتم فصه فيروزج نقشه " الله الملك " فأدمت النظر إليه فقال لي : ما لك
تديم النظر إليه ؟ فقلت : بلغني أنه كان لعلي أميرالمؤمنين عليه السلام خاتم فصه فيروزج
نقشه " الله الملك " فقال : أتعرفه ؟ فقلت : لا ، قال : هذا هو ، تدري ما سببه ؟ قلت :
لا ، قال : هذا حجر أهداه جبرئيل إلى رسول الله صلى الله عليه واله فوهبه رسول الله صلى الله عليه واله
لاميرالمؤمنين عليه السلام ، أتدري ما اسمه ؟ قلت : فيروزج ، قال : هذا بالفارسية ، فما
اسمه بالعربية ؟ قلت : لا أدري ، قال : اسمه الظفر ( 2 ) .
23 - كا : العدة ، عن البرقي ، عن محمد بن علي ، عن العرزمي ، عن أبي
عبدالله عليه السلام قال : كان أميرالمؤمنين صلوات الله عليه يتختم في يمينه ( 3 ) .
24 - كا : العدة ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن ابن سنان ، عن
أبي عبدالله عليه السلام قال : كان نقش خاتم أميرالمؤمنين عليه السلام : الله الملك ( 4 ) .
25 - كا : علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن ابن ظبيان و
حفص بن غياث ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : كان في خاتم أميرالمؤمنين عليه السلام : الله
الملك ( 5 ) .
كا : العدة ، عن سهل ، عن محمد بن عيسى ، عن الحسين بن خالد ، عن الرضا عليه السلام
مثله ( 6 ) .
* ( هامش ص 70 ) ( 1 ) فروع الكافى ( الجزء السادس من الطبعة الحديثة ) : 461 .
( 2 ) " " " " " " : 472 .
( 3 ) " " " " " " : 470 .
( 4 ) " " " " " " : 473 . وفيه وفى ( خ ) : الملك لله .
( 5 ) " " " " " " : 473 .
( 6 ) " " " " " " : 474 . *
[ 71 ]
26 - كا : أبوعلي الاشعري ، عن محمد بن عبدالجبار ، عن محمد بن إسماعيل
عن أبي الصباح ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : كان علي عليه السلام يحلي ولده ونساءه
بالذهب والفضة ( 1 ) .
119 .
( باب )
* ( صدقاته ومواليه عليه السلام ) *
1 - كا : علي ، عن أبيه أو قال : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن
فضال ، عن عبدالرحمن ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : أوصى أميرالمؤمنين عليه السلام فقال :
إن أبا نيزر ورباحا وجبيرا عتقوا على أن يعملوا في المال خمس سنين ( 2 ) .
2 - كا : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر ،
عن يحيى الحلبي ، عن أيوب بن عطية الحذاء قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول :
قسم النبي صلى الله عليه واله الفئ ، فأصاب علي عليه السلام أرضا ( 3 ) فاحتفر فيها عينا فخرج ماء
ينبع في السماء كهيئة عنق البعير ، فسماها ينبع ، فجاء البشير يبشر فقال عليه السلام :
بشر الوارث هي صدقة بتة بتلا في حجيج بيت الله وعابر ( 4 ) سبيل الله ، لا تباع ولا
توهب ولا تورث ، فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، ولا
يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ( 5 ) .
3 - كا : أبوعلي الاشعري ، عن محمد بن عبدالجبار ، ومحمد بن إسماعيل ، عن
الفضل ، عن صفوان بن يحيى ، عن عبدالرحمن بن الحجاج قال : بعث إلي
* ( هامش ص 71 ) ( 1 ) فروع الكافى ( الجزء السادس من الطبعة الحديثة ) : 475 .
( 2 ) " " " " " " : 179 .
( 3 ) في المصدر : فاصاب عليا ارضا .
( 4 ) في المصدر : وعابرى .
( 5 ) فروع الكافى ( الجزء السابع من الطبعة الحديثة ) : 54 و 55 . وقد اوردها بعينها في
باب سخائه عليه السلام راجع ج 41 ص 39 و 40 . *
[ 72 ]
أبوالحسن عليه السللام بوصية أميرالمؤمنين عليه السلام وهي :
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبدالله علي ابتغاء
وجه الله ، ليولجني به الجنة ويصرفني به عن النار ويصرف النار عني يوم تبيض
وجوه وتسود وجوه ، إن ما كان لي من ينبع ( 1 ) مال يعرف لي فيها وما حولها
صدقة ورقيقها ، غير أن رباحا وأبا نيزر وجبيرا عتقاء ليس لاحد فيهم سبيل ، فهم
موالي يعملون في المال خمس حجج وفيه نفقتهم ورزقهم وأرزاق أهاليهم ، ومع
ذلك ما كان لي بوادي القرى من مال بني فاطمة ( 2 ) ورقيقها صدقة ، وما كان لي بديمة
وأهلها صدقة ، غير أن زريقا له مثل ما كتبت لاصحابه ، وما كان لي بادينه وأهلها
والعفرتين ( 3 ) كما قد علمتم صدقة في سبيل الله ، وإن الذي كتبت من أموالي
هذه صدقة واجبة بتلة حيا أنا أو ميتا ، ينفق في كل نفقة يبتغي بها وجه الله في
سبيل الله ووجهه وذوي الرحم من بني هاشم وبني المطلب والقريب والبعيد ، فإنه
يقوم على ذلك الحسن بن علي ، يأكل منه بالمعروف وينفقه حيث يراه الله عزوجل
في حل محلل لا حرج عليه فيه ، فإن أراد أن يبيع نصيبا من المال فيقضي به الدين
فليفعل إن شاء ، لا حرج عليه فيه ، وإن شاء جعله سرى الملك ، وإن ولد علي
ومواليهم وأموالهم إلى الحسن بن علي ، وإن كانت دار الحسن بن علي غير دار
الصدقة فبدا له أن يبيعها فليبع إن شاء لا حرج عليه فيه ، وإن باع فإنه يقسم ثمنها
ثلاثة أثلاث فيجعل ثلثها ( 4 ) في سبيل الله ، ويجعل ثلثا في بني هاشم وبني المطلب
ويجعل الثلث في آل أبي طالب ، وإنه يضعه فيهم حيث يراه الله ، وإن حدث بحسن
* ( هامش ص 72 ) ( 1 ) في المصدر : من مال ينبع .
( 2 ) في المصدر : بوادى القرى كله من مال لبنى فاطمة .
( 3 ) كذا في النسخ وفى المصدر : وما كان لى باذينة وأهلها صدقة ، والفقيرين اه . قال
في المراصد ( 3 : 1039 ) : الفقير الحفيرة للنخلة تغرس فيها ، وهو ركى بعينه . وفقير - بالتصغير
موضع قرب خيبر .
( 4 ) في المصدر : ثلثا . *
[ 73 ]
حدث وحسين حي فإنه إلى حسين بن علي ، وإن حسينا يفعل فيه مثل الذي
أمرت به حسنا ، له مثل الذي كتبت للحسن وعليه مثل الذي على حسن ، وإن
( الذي ) لبني ابني فاطمة ( 1 ) من صدقة علي مثل الذي لبني علي ، وإني إنما
جعلت الذي جعلت لابني فاطمة ابتغاء وجه الله عزوجل وتكريم حرمة رسول الله
صلى الله عليه واله وتعظيمها وتشريفها ( 2 ) ورضاهما ، وإن حدث بحسن وحسين حدث فإن الآخر
منهما ينظر في بني علي ، فإن وجد فيهم من يرضى بهديه ( 3 ) وإسلامه وأمانته فإنه
يجعل إليه إن شاء ، فإن لم ير فيهم بعض الذي يريده فإنه يجعله إلى رجل من آل
أبي طالب يرضى به ، فإن وجد آل أبي طالب قد ذهب كبراؤهم وذوو آرائهم فإنه
يجعله إلى رجل يرضاه من بني هاشم ، وإنه يشترط على الذي يجعله إليه أن يترك
المال على اصوله وينفق ثمره حيث أمرته به من سبيل الله ووجهه وذوي الرحم
من بني هاشم وبني المطلب والقريب والبعيد ، لا يباع منه شئ ولا يوهب ولا يورث
وإن مال محمد بن علي على ناحيته وهو إلى ابني فاطمة ، وإن رقيقي الذين في
صحيفة صغيرة التي كتبت لي عتقاء .
هذا ما قضى به علي بن أبي طالب في أمواله هذه الغد من يوم قدم مسكن
ابتغاء وجه الله والدار الآخرة والله المستعان على كل حال ، ولا يحل لامرئ مسلم
يؤمن بالله واليوم الآخر أن يغير شيئا مما أوصيت به في مالي ( 4 ) ولا يخالف فيه
أمري من قريب ولا بعيد .
أما بعد فإن ولائدي اللاتي أطوف عليهن السبعة عشر منهن امهات أولاد
معهن أولادهن ، ومنهن حبالى ومنهن من لا ولد له ، فقضائي فيهن إن حدث بي
* ( هامش ص 73 ) ( 1 ) في المصدر : لبنى فاطمة .
( 2 ) " : وتعظيمهما وتشريفهما .
( 3 ) الهدى : الطريقة والسيرة . وفي المصدر و ( م ) و ( خ ) : بهداه .
( 4 ) كذا في ( ك ) وفي غيره من النسخ وكذا المصدر : أن يقول في شئ قضيته من مالى
ولا يخالف اه . *
[ 74 ]
حدث أن من كانت ( 1 ) منهن ليس لها ولد وليست بحبلى فهي عتيق لوجه الله عز
وجل ، ليس لاحد عليهن سبيل ، ومن كانت منهن لها ولد أو حبلى فتمسك على
ولدها وهي من حظه ، فإن مات ولدها وهي حية فهي عتيق ، ليس لاحد عليها
سبيل ، هذا ما قضى به علي في ماله ، الغد من يوم قدم مسكن ، شهد أبوسمر بن
أبرهة وصعصعة بن صوحان ويزيد بن قيس وهياج بن أبي هياج ، وكتب علي
بن أبي طالب عليه السلام بيده لعشر خلون من جمادى الاولى سنة سبع وثلاثين . وكانت الوصية
الآخرى مع الاولى ( 2 ) .
120 .
( باب )
* ( أحوال أولاده وأزواجه وامهات أولاده صلوات الله عليه ) *
* ( وفيه بعض الرد على الكيسانية ) *
1 - د : كان له عليه السلام سبعة وعشرون ذكرا وانثى : الحسن والحسين و
زينب الكبرى وزينب الصغرى المكناة بام كلثوم من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله
وأبوالقاسم محمد امه خولة بنت جعفر بن الحنفية ، وعمر ورقية كانا توأمين امهما
الصهباء ويقال : ام حبيب التغلبية ، والعباس وجعفر وعثمان وعبدالله الشهداء
بكربلاء امهم ام البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة الكلابية ، وله من أسماء بنت
عميس الخثعمية يحيى وعون ، وكان له من ليلى ابنة مسعود الدارمية محمد الاصغر
المكنى أبابكر وعبيدالله ، وكان له خديجة وام هانئ وميمونة وفاطمة لام ولد
وكان له من ام شعيب الدارمية - وقيل ام مسعود المخزومية - ام الحسن ورملة .
* ( هامش ص 74 ) ( 1 ) في المصدر : انه من كان .
( 2 ) فروع الكافى ( الجزء السابع من الطبعة الحديثة ) : 49 - 51 : وقد أوردها المصنف
بعينها في باب سخائه عليه السلام مع بيان في ذيلها : راجع ج 41 ص 40 - 42 . *
[ 75 ]
وأعقب لاميرالمؤمنين عليه السلام من البنين خمسة : الحسن والحسين عليهما السلام ومحمد
والعباس وعمر رضي الله عنهم ( 1 ) .
2 - من كتاب تذكرة الخواص لابن الجوزي : النسل من ولد مولانا أمير
المؤمنين عليه السلام لخمسة : الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وعمر الاكبر والعباس
وأما عمر الاكبر فعاش خمسا وثمانين سنة حتى حاز نصف ميراث أميرالمؤمنين ، و
روى الحديث ، وكان فاضلا ، وتزوج أسماء بنت عقيل بن أبي طالب عليه السلام فأولدها
محمد ( ا ) وام موسى وام حبيب ، وأما العباس فأول من استشهد مع الحسين عليه السلام ،
قال الزبير بن بكار : كان للعباس ولد اسمه عبيدالله ، كان من العلماء ، فمن ولده
عبيدالله بن علي بن إبراهيم بن الحسن بن عبيدالله بن عباس بن أميرالمؤمنين عليه السلام
وكان عالما فاضلا جوادا ، طاف الدنيا وجمع كتبا تسمى الجعفرية ، فيها فقه أهل
البيت عليهم السلام ، قدم بغداد فأقام بها وحدث ، ثم سافر إلى مصر فتوفي بها سنة اثني
عشر وثلاثمائة ، ومن نسل العباس بن أميرالمؤمنين العباس بن الحسن بن عبيدالله
بن العباس ، ذكره الخطيب في تاريخ بغداد ، فقال : قدم إليها في أيام الرشيد و
صحبه ، وكان يكرمه ، ثم صحب المأمون بعده ، وكان فاضلا شاعرا فصيحا ، وتزعم
العلوية أنه أشعر ولد أبي طالب ( 2 ) .
3 - ع : المفسر ، عن علي بن محمد بن سنان ، عن محمد بن يزيد المنقري ، عن
سفيان بن عيينة قال : قيل للزهري : من أزهد الناس في الدنيا ؟ قال : علي بن
الحسين عليهما السلام حيث كان ، وقد قيل له - فيما بينه وبين محمد بن الحنفية من المنازعة
في صدقات علي بن أبي طالب عليه السلام - : لو ركبت إلى الوليد بن عبدالملك ركبة
لكشف عنك من غرر ( 3 ) شره وميله عليك بمحمد ، فإن بينه وبينه خلة ، قال :
* ( هامش ص 75 ) ( 1 ) كتاب العدد القوية لدفع المخاوف اليومية من مولفات الشيخ رضى الدين على بن سديد
الدين يوسف بن على بن مطهر الحلى مخطوط لم نظفر بنسخته قال المصنف في الفصل الثانى من
مقدمه الكتاب وقد اتفق لنا منه نصفه .
( 2 ) وجدناها ص 32 من طبعته الحجرية مع تقديم وتأخير واختلاف كثير والكتاب كما عرفت
إنما هو للشيخ جمال الدين يوسف ابن أبى الفرج عبدالرحمن بن الجوزى .
( 3 ) الغرر : التعريض للهلاك . *
[ 76 ]
وكان هو بمكة والوليد بها - فقال : ويحك أفي حرم الله أسأل غير الله عزوجل ؟
إني أنف إذ أسأل الدنيا خالقها ( 1 ) فكيف أسأل مخلوقا مثلي ؟ وقال الزهري : لا
جرم إن الله عزوجل ألقى هيبته في قلب الوليد حتى حكم له على محمد بن الحنفية ( 2 ) .
4 - جا ، ما : المفيد ، عن محمد بن عمران ، عن علي بن عبدالرحيم السجستاني
عن أبيه ، عن الحسين بن إبراهيم ، عن عبدالله بن عاصم ، عن محمد بن بشر قال : لما
سير ابن الزبير ابن عباس إلى الطائف كتب إليه محمد بن الحنفية : أما بعد فقد بلغني
أن ابن الجاهلية سيرك إلى الطائف ، فرفع الله - عزوجل اسمه - بذلك لك ذكرا
وعظم ( 3 ) لك أجرا وحط به عنك وزرا ، يا ابن عم إنما يبتلى الصالحون وإنما
تهدى ( 4 ) الكرامة للابرار ، ولو لم توجر إلا فيما تحب إذا قل أجرك ، قال الله
تعالى : " وعسى أن تكرهوا شيئاو هو خير لكم " ( 5 ) وهذا مالست أشك أنه خير
لك عند بارئك ، عزم الله لك على الصبر في البلوى ( 6 ) والشكر في النعماء إنه على
كل شئ قدير .
فلما وصل الكتاب إلى ابن عباس أجاب عنه وقال : أما بعد فقد أتاني كتابك
تعزيني فيه على تسييري ، وتسأل ربك جل اسمه أن يرفع لي به ذكرا ، وهو تعالى
قادر على تضعيف الاجر والعائدة بالفضل والزيادة من الاحسان ، أما احب أن
الذي ركب مني ابن الزبير كان ركبه مني أعداء خلق الله لي احتسابا وذلك في
حسناتي ولما أرجوا أن أنال به رضوان ربي ، يا أخي ! الدنيا قد ولت وإن الآخرة
قد أظلت ، فاعمل صالحا جعلنا الله وإياك ممن يخافه بالغيب ويعمل لرضوانه في السر
والعلانية إنه على كل شئ قدير ( 7 ) .
* ( هامش ص 76 ) ( 1 ) أى انى اكره السؤال من الله تعالى في النعم الفانية الدنياوية وهو خالقها اه .
( 2 ) علل الشرايع : 87 و 88 .
( 3 ) في امالى الطوسى : وأعظم .
( 4 ) " " : تهتدى .
( 5 ) سورة البقرة : 216 .
( 6 ) في امالى المفيد : عظم الله لك الصبر على البلوى .
( 7 ) امالى المفيد : 205 و 206 . امالى الطوسى : 74 و 75 . *
[ 77 ]
( 5 ) ير : محمد بن الحسين ، عن نضر بن شعيب ، عن خالد بن ماد ، عن الثمالي
عن علي بن الحسين عليهما السلام قال : أتى محمد بن الحنفية الحسين بن علي عليهما السلام فقال :
أعطني ميراثي من أبي ، فقال له الحسين عليه السلام : ما ترك أبوك إلا سبع مائة درهم
فضلت من عطاياه ، قال : فإن الناس يزعمون فيأتون فيسألوني فلا أجد بدا من أن
اجيبهم ، قال : فأعطني من علم أبي ، فقال : ( 1 ) فدعا الحسين عليه السلام قال : فذهب
فجاء بصحيفة تكون أقل من شبر أو أكبر من أربع أصابع ، قال : فملات شجرة
ونحوه علما ( 2 ) .
6 - خص : سعد بن عبدالله ، عن أحمد وعبدالله ابني محمد بن عيسى ، عن ابن
محبوب ، عن ابن رئاب ، عن أبي عبيدة وزرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : لما قتل
الحسين بن علي عليهما السلام أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين عليهما السلام فخلا به ثم


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 77 سطر 11 الى ص 85 سطر 11

قال : يا ابن أخي قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه واله كانت الوصية منه والامامة من بعده
إلى علي بن أبي طالب ثم إلى الحسن بن علي ثم إلى الحسين عليهم السلام وقد قتل أبوك
ولم يوص ، وأنا عمك وصنو أبيك ، وولادتي من علي عليه السلام في سني وقد متى و
أنا أحق بها منك في حداثتك ، لا تنازعني في الوصية والامامة ولا تجانبني ، فقال
له علي بن الحسين عليهما السلام : ياعم اتق الله ولا تدع ما ليس لك بحق ، إني أعظك
أن تكون من الجاهلين ، إن أبي عليه السلام يا عم أوصى إلي في ذلك قبل أن يتوجه
إلى العراق ، وعهد إلي في ذلك قبل أن يستشهد بساعة ، وهذا سلاح رسول الله
صلى الله عليه واله عندي ، فلا تتعرض لهذا ، فإني أخاف عليك نقص العمر وتشتت الحال ،
إن الله تبارك وتعالى لما صنع الحسن مع معاوية ( 3 ) أبى أن يجعل الوصية والامامة
إلا في عقب الحسين عليه السلام فإن رأيت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر الاسود حتى
نتحاكم إليه ونسأله عن ذلك ، قال أبوجعفر عليه السلام : وكان الكلام بينهما بمكة ،
* ( هامش ص 77 ) ( 1 ) في المصدر : قال .
( 2 ) بصائر الدرجات : 42 و 43 .
( 3 ) في المصدر بعد ذلك : ما صنع . *
[ 78 ]
فانطلقا حتى أتيا الحجر ، فقال علي بن الحسين عليهما السلام لمحمد بن علي : آته يا عم
وابتهل إلى الله تعالى أن ينطق لك الحجر ، ثم سله عما ادعيت ، فابتهل في الدعاء
وسأل الله ثم دعا الحجر فلم يجبه ، فقال علي بن الحسين عليهما السلام : أما إنك يا عم
لو كنت وصيا وإماما لاجابك ، فقال له محمد : فادع أنت يا ابن أخي فاسأله ، فدعا
الله علي بن الحسين عليهما السلام بما أراده ثم قال : أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الانبياء
والاوصياء وميثاق الناس أجمعين لما أخبرتنا : من الامام والوصي بعد الحسين عليه السلام ؟
فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه ، ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين
فقال : اللهم إن الوصية والامامة بعد الحسين بن علي عليهما السلام إلى علي بن الحسين
بن علي ، ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله فانصرف محمد بن علي ، ابن الحنفية وهو
يقول : ( 1 ) علي بن الحسين ( 2 ) .
7 - أقول : ذكر الصدوق في كتاب إكمال الدين في بيان خطاء الكيسانية
أن السيد بن محمد الحميري رضي الله عنه اعتقد ذلك وقال فيه :
ألا إن الائمة من قريش * ولاة الامر أربعة سواء
علي والثلاثة من بنيه * هم أسباطنا والاوصياء
فسبط سبط إيمان وبر * وسبط قد حوته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى * يقود الجيش يقدمه اللواء
يغيب فلا يرى عنا زمانا * برضوى عنده عسل وماء
وقال فيه السيد أيضا :
أيا شعيب رضوى ما لمن بك لا يرى * فحتى متى تخفى وأنت قريب ؟
فلو غاب عنا عمر نوح لايقنت * منا النفوس بأنه سيؤوب
وقال فيه السيد أيضا :
ألا حي المقيم بشعب رضوى * وأهد له بمنزله سلاما
* ( هامش ص 78 ) ( 1 ) أى يقول : الامام على بن الحسين . وفي المصدر : وهو يتولى .
( 2 ) مختصر البصائر : 14 و 15 . *
[ 79 ]
وقل : يا ابن الوصي فدتك نفسي * أطلت بذلك الجبل المقاما
أضر بمعشر والوك منا ( 1 ) * وسموك الخليفة والاماما
فما ذاق ابن خولة طعم موت * ولا وارت له أرض عظاما
فلم يزل السيد ضالا في أمر الغيبة يعتقدها في محمد بن علي ابن الحنفية حتى
لقي الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام ، ورأى منه علامات الامامة ، وشاهد منه دلالات
الوصية ، فسأله عن الغيبة وذكر له أنها حق وأنها ( 2 ) تقع بالثاني عشر من الائمة
عليهم السلام وأخبره بموت محمد بن علي ، ابن الحنفية ، وأن أباه شاهد دفنه ، فرجع السيد
عن مقالته واستغفر من اعتقاده ، ورجع إلى الحق عند اتضاحه ، ودان بالامامة ( 3 ) .
8 - حدثنا ابن عبدوس ، عن ابن قتيبة ، عن حمدان بن سليمان : عن محمد بن
إسماعيل بن روح ( 4 ) عن حيان السراج قال : سمعت السيد بن محمد الحميري يقول :
كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن علي ابن الحنفية رضي الله عنه ، قد ضللت في
ذلك زمانا ، فمن الله علي بالصادق جعفر بن محمد عليهما السلام وأنقذني به من النار ، وهداني
إلى سواء الصراط ، فسألته بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله
علي وعلى جميع أهل زمانه وأنه الامام الذي فرض الله طاعته وأوجب الاقتداء به
فقلت له : يا ابن رسول الله قد روي لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها
فأخبرني بمن يقع ( 5 ) ؟ فقال : عليه السلام : ستقع ( 6 ) بالسادس من ولدي ، وهو الثاني عشر
من الائمة الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه واله أولهم أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب و
آخرهم القائم بالحق بقية الله في الارض وصاحب الزمان ، والله لو بقي في غيبة ما
بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملا الارض قسطا وعدلا كما
* ( هامش ص 79 ) ( 1 ) في المصدر : فمر بمعشر .
( 2 ) في المصدر : فذكر له انها حق ولكنها .
( 3 ) اكمال الدين : 20 .
( 4 ) في المصدر : بزيع .
( 5 ) " : تقع .
( 6 ) " : ان الغيبة ستقع . *
[ 80 ]
ملئت ظلما وجورا ( 1 ) ، قال السيد : فلما سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن
محمد عليهما السلام تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه ( 2 ) .
9 - أقول : أورد قصيدة عن السيد في ذلك ، وقد أوردنا ها في باب أحوال
مداحي الصادق عليه السلام ثم قال : وكان حيان السراج الراوي لهذا الحديث من
الكيسانية ، ومتى صح موت محمد بن علي ابن الحنفية بطل أن تكون الغيبة التي
رويت في الاخبار واقعة به ، فمما روي في وفاة محمد بن الحنفية رضي الله عنه ما حدثنا
به محمد بن عصام ، عن الكليني ، عن القاسم بن العلاء ، عن إسماعيل بن علي القزويني
عن علي بن إسماعيل ، عن حماد بن عيسى ، عن جعفر بن مختار قال : دخل حيان
السراج على الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام فقال له : يا حيان ما يقول أصحابك في محمد
ابن الحنفية ؟ قال : يقولون : حي ( 3 ) يرزق ، فقال الصادق عليه السلام : حدثني أبي
عليه السلام أنه كان فيمن عاداه في مرضه وفيمن غمضه وأدخله حفرته وزوج نساؤه وقسم
ميراثه ، فقال : يا با عبدالله إنما مثل محمد في هذه الامة كمثل عيسى بن مريم شبه أمره
للناس ، فقال الصادق عليه السلام : شبه أمره على أوليائه أو على أعدائه ؟ قال : بل على أعدائه
قال : أتزعم أن أبا جعفر محمد بن علي الباقر عدو عمه محمد بن الحنفية ؟ فقال : لا
ثم قال الصادق عليه السلام : يا حيان إنكم صدفتم عن آيات الله ، وقد قال الله تبارك و
تعالى : " سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ( 4 ) " .
10 - كش : الحسين بن الحسن بن بندار ، عن سعد ، عن ابن عيسى ومحمد بن
عبدالجبار ، عن ابن معروف ، عن عبدالله بن الصلت ، عن حماد بن عيسى ، قال :
وحدثني علي بن إسماعيل ويعقوب بن يزيد ، عن حماد بن عيسى ، عن الحسين بن
المختار القلانسي ، عن عبدالله بن مسكان قال : دخل حيان السراج ، وذكر نحوه
* ( هامش ص 80 ) ( 1 ) في المصدر : و ( م ) و ( خ ) : جورا وظلما .
( 2 ) اكمال الدين : 20 و 21 .
( 3 ) في المصدر : انه حى .
( 4 ) اكمال الدين : 21 و 22 . والاية في سورة الانعام : 157 . *
[ 81 ]
وزاد في آخره : قال : فقال أبوعبدالله عليه السلام : فتبت إلى الله من كلام حيان ثلاثين
يوما ( 1 ) .
11 - ك : وقال الصادق عليه السلام : ما مات محمد بن الحنفية حتى أقرت لعلي
ابن الحسين عليهما السلام ، وكانت وفاة محمد بن الحنفية سنة أربع وثمانين من الهجرة ( 2 ) .
12 ير : أيوب بن نوح ، عن صفوان ، عن مروان بن إسماعيل ، عن حمزة
ابن حمران ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : ذكرنا خروج الحسين وتخلف ابن الحنفية
عنه ، قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : يا حمزة إني ساحدثك في هذا الحديث ولا تسأل
عنه بعد مجلسنا هذا ، إن الحسين لما فصل ( 3 ) متوجها دعا بقرطاس وكتب : بسم الله
الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلي بني هاشم أما بعد فإنه من لحق بي منكم
استشهد معي ومن تخلف لم يبلغ الفتح ، والسلام ( 4 ) .
قب : حمزة من حمران مثله ( 5 ) .
بيان : قوله عليه السلام : " لم يبلغ الفتح " أي لم يبلغ ما يتمناه من فتوح الدنيا
والتمتع بها ، وظاهر هذا الجواب ذمه ، ويحتمل أن يكون المعنى أنه عليه السلام خيرهم
في ذلك ، فلا إثم على من تخلف ، وسيأتي بعض الكلام في ذلك في أحوال الحسين
عليه السلام وسنعيد بعض أحواله عند ذكر أحوال المختار .
13 - غط : أما الذي يدل على فساد قول الكيسانية القائلين بإمامة محمد بن
الحنفية فأشياء : منها أنه لو كان إماما مقطوعا على عصمته لوجب أن يكون منصوصا
عليه نصا صريحا ، لان العصمة لا تعلم إلا بالنص ، وهم لا يدعون نصا صريحا ، و
إنما يتعلقون بامور ضعيفة دخلت عليهم فيها شبهة ، لايدل ( 6 ) على النص ، نحو
* ( هامش ص 81 ) ( 1 ) معرفة اخبار الرجال : 203 .
( 2 ) اكمال الدين : 22 .
( 3 ) في هامش ( ك ) : رحل خ ل .
( 4 ) بصائر الدرجات : 141 .
( 5 ) مناقب آل أبى طالب 2 : 199 .
( 6 ) في المصدر : لا تدل . *
[ 82 ]
إعطاء أميرالمؤمنين إياه الراية يوم البصرة ، وقوله : " أنت ابني حقا " مع كون
الحسن والحسين عليهما السلام ابنيه ، وليس في ذلك دلالة على إمامته على وجه ، وإنما يدل
على فضله ومنزلته ، على أن الشيعة تروي أنه جرى بينه وبين علي بن الحسين
عليهما السلام كلام في استحقاق الامامة ، فتحاكما إلى الحجر فشهد الحجر لعلي بن
الحسين عليهما السلام بالامامة ، فكان ذلك معجزا له ، فسلم له الامر و قال بإمامته ، والخبر
بذلك مشهور عند الامامية لانهم رووا أن محمد بن الحنفية نازع علي بن الحسين
عليهما السلام في الامامة ، وادعى أن الامر افضي إليه بعد أخيه الحسين ، فناظره علي بن
الحسين عليهما السلام واحتج عليه بآي من القرآن كقوله : " واولوا الارحام بعضهم أولى
ببعض ( 1 ) " وأن هذه الآية جرت في علي بن الحسين عليهما السلام وولده ، ثم قال له :
احاجك إلى الحجر الاسود ، فقال له : كيف تحاجني إلى حجر لا يسمع ولا يجيب
فأعلمه أنه يحكم بينهما ، فمضيا حتى انتهيا إلى الحجر ، فقال علي بن الحسين
لمحمد بن الحنفية : تقدم وكلمه ، فتقدم إليه فوقف حياله وتكلم ثم أمسك ، ثم
تقدم علي بن الحسين عليهما السلام فوضع يده عليه ثم قال : اللهم إني أسألك باسمك
المكتوب في سرادق العظمة - ثم دعا بعد ذلك وقال - : لما أنطقت ذلك الحجر ( 2 ) . ثم
قال : أسألك بالذي جعل فيك مواثيق العباد والشهادة لمن وافاك لما أخبرت لمن
الامامة والوصية ؟ فزعزع الحجر ثم كاد ( 3 ) أن يزول ، ثم أنطقه الله فقال : يا محمد
سلم الامامة لعلي بن الحسين عليهما السلام ، فرجع محمد عن منازعته وسلمها إلى علي بن
الحسين عليهما السلام .
ومنها تواتر الشيعة الامامية بالنص عليه من أبيه وجده ، وهي موجودة في
كتبهم في الاخبار لا نطول بذكره الكتاب .
ومنها الاخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه واله من جهة الخاصة والعامة على ما سنذكره
* ( هامش ص 82 ) ( 1 ) سورة الانفال : 75 . سورة الاحزاب : 6 .
( 2 ) في المصدر وفي غير ( ك ) من النسخ : هذا الحجر .
( 3 ) في المصدر : فتزعزع الحجر حتى كاد . *
[ 83 ]
فيما بعد بالنص على إمامة الاثني عشر ، وكل من قال بإمامتهم قطع على وفاة محمد
ابن الحنفية ، وسياقه الامامة إلى صاحب الزمان عليه السلام .
ومنها انقراض هذه الفرقة ، فإنه لم يبق في الدنيا في وقتنا ولا قبله بزمان
طويل قائل يقول به ، ولو كان ذلك حقا لما جاز انقراضه .
فإن قيل : كيف يعلم انقراضهم وهلا جاز أن يكون في بعض البلاد البعيدة و
جزائر البحر وأطراف الارض أقوام يقولون بهذا القول كما يجوز أن يكون في
أطراف الارض من يقول بمذهب الحسن في أن مرتكب الكبيرة منافق ، فلا يمكن
ادعاء انقراض هذه الفرقة ، وإنما كان يمكن العلم ( 1 ) لو كان المسلمون فيهم قلة و
العلماء محصورين ، فأما ( الآن ) وقد انتشر الاسلام وكثر العلماء ، فمن أين يعلم
ذلك ؟ قلنا : هذا يؤدي إلى أن لا يمكن العلم بإجماع الامة على قول ولا مذهب ، بأن
يقال : لعل في أطراف الارض من يخالف ذلك ، ويلزم أن يجوز أن يكون في أطراف
الارض من يقول أن البرد لا ينقص الصوم ، وأنه يجوز للصائم أن يأكل إلى طلوع
الشمس ، لان الاول كان مذهب أبي طلحة الانصاري والثاني مذهب الحذيفة
والاعمش ، وكذلك مسائل كثيرة من الفقه كان الخلف فيها واقعا بين الصحابة و
التابعين ، ثم زال الخلف فيما بعد ، واجتمع أهل الاعصار على خلافه ، فينبغي أن
يشك في ذلك ولا نثق بالاجماع على مسألة سبق الخلاف فيها ، وهذا طعن من يقول أن
الاجماع لا يمكن معرفته ولا التوصل إليه ، والكلام في ذلك لا يختص هذه المسألة
فلا وجه لايراده ههنا ، ثم إنا نعلم أن الانصار طلبت الامرة ودفعهم المهاجرون
عنها ، ثم رجعت الانصار إلى قول المهاجرين على قول المخالف ، فلو أن قائلا قال :
يجوز عقد الامامة لمن كان من الانصار للان الخلاف سبق فيه ولعل في أطراف الارض
من يقول به فما كان يكون جوابهم فيه ؟ فأي شئ قالوه فهو جوابنا بعينه ، فلا
نطول بذكره .
فإن قيل : إذا كان الاجماع عندكم إنما يكون حجة لكون المعصوم فيه فمن
* ( هامش ص 83 ) ( 1 ) في المصدر : يمكن العلم بذلك . *
[ 84 ]
أين تعلمون دخول قوله في جملة أقوال الامة ؟ وهلا جاز أن يكون قوله منفردا عنهم
فلا تتيقنون ( 1 ) بالاجماع ؟ قلنا : المعصوم إذا كان من جملة علماء الامة فلا بد أن
يكون قوله موجودا في جملة أقوال العلماء ، لانه لا يجوز أن يكون ( قوله ) منفردا
مظهرا للكفر ، فإن ذلك لا يجوز عليه ، فإذا لا بد أن يكون قوله في جملة الاقوال
وإن شككنا في أنه الامام فإذا اعتبرنا أقوال الامة ووجدنا بعض العلماء يخالف فيه
فإن كنا نعرفه ونعرف مولده ومنشأه لم نعتد بقوله ، لعلمنا أنه ليس بإمام ، وإن
شككنا في نسبه لم يكن المسألة إجماعيا ، فعلى هذا أقوال العلماء من الامة اعتبرناها
فلم نجد فيهم قائلا بهذا المذهب هو مذهب الكيسانية أو الواقفية ، وإن
وجدنا فرضا واحدا أو اثنين فإنا نعلم منشأه ومولده ، فلا يعتد بقوله ، واعتبرنا
أقوال الباقين الذين نقطع على كون المعصوم فيهم ، فسقطت هذه الشبهة على هذا
التحرير وبان وهنها ( 2 ) . 14 - يج : عن دعبل الخزاعي قال : حدثنا الرضا عن أبيه عن جده عليهم السلام
قال : كنت عند ( أبي ) الباقر عليه السلام إذ دخل عليه جماعة من الشيعة وفيهم جابر بن
يزيد ، فقالوا : هل رضي أبوك علي ( 3 ) بإمامة الاول والثاني ؟ قال : اللهم لا ،
قالوا : فلم نكح من سبيهم خولة الحنفية إذا لم يرض بإمامتهم ؟ فقال الباقر عليه السلام
امض يا جابر بن يزيد إلى منزل جابر بن عبدالله الانصاري فقل له : إن محمد بن
علي يدعوك ، قال جابر بن يزيد ، فأتيت منزله وطرقت عليه الباب ، فناداني جابر
ابن عبدالله الانصاري من داخل الدار : اصبر يا جابر بن يزيد ، فقلت في نفسي :
أين ( 4 ) علم جابر الانصاري أني جابر بن يزيد ولا يعرف الدلائل إلا الائمة من آل
محمد عليهم السلام ؟ والله لاسألنه إذا خرج إلي ، فلما خرج قلت له : من أين علمت أني
* ( هامش ص 84 ) ( 1 ) في المصدر و ( م ) و ( خ ) : فلا تثقون .
( 2 ) الغيبة للشيخ الطوسى : 17 - 20 .
( 3 ) في المصدر : على بن ابى طالب .
( 4 ) " : قال جابر بن يزيد قلت في نفسى من أين اه . *
[ 85 ]
جابر ( 1 ) وأنا على الباب وأنت داخل الدار ؟ قال : خبرني ( 2 ) مولاي الباقر عليه السلام
البارحة أنك تسأله ( 3 ) عن الحنفية في هذا اليوم ، وأنا أبعثه إليك يا جابر بكرة
غدو أدعوك ، فقلت : صدقت ، قال : سربنا ، فسرنا جميعا حتى أتينا المسجد ، فلما
بصر مولاي الباقر عليه السلام بنا ونظر إلينا قال للجماعة : قوموا إلى الشيخ فاسألوه
حتى ينبئكم بما سمع ورأى ، فقالوا : ياجابر هل راض إمامك علي بن أبي طالب
عليه السلام بإمامة من تقدم ؟ قال : اللهم لا ، قالوا : فلم نكح من سبيهم ( 4 ) إذ لم يرض
بإمامتهم ؟ قال جابر : آه آه لقد ظننت أني أموت ولا اسأل عن هذا ، إذ سألتموني ( 5 )
فاسمعوا وعوا ، حضرت السبي وقد ادخلت الحنفية فيمن ادخل ، فلما نظرت
إلى جميع الناس عدلت إلى تربة رسول الله صلى الله عليه واله فرنت وزفرت زفرة وأعلنت
بالبكاء والنحيب ثم نادت : السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه واله وعلى أهل بيتك من بعدك
هؤلاء امتك سبينا ( 6 ) سبي النوب ( 7 ) والديلم ، والله ما كان لنا إليهم من ذنب إلا الميل إلى


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 85 سطر 12 الى ص 93 سطر 12

أهل بيتك ، فجعلت ( 8 ) الحسنة سيئة والسيئة حسنة فسبينا ، ثم انعطفت ( 9 ) إلى
الناس وقالت : لم سبيتمونا وقد أفررنا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واله
قالوا ( 10 ) : منعتمونا الزكاة ، قالت : هب الرجال منعوكم فما بال النسوان ؟ فسكت
المتكلم كأنما القم حجرا ، ثم ذهب إليها طلحة وخالد يرميان في التزويج إليها
* ( هامش ص 85 ) ( 1 ) في المصدر : جابر بن يزيد .
( 2 ) " : أخبرنى .
( 3 ) " : تسأل .
( 4 ) " : فلم نكح من سبيهم خولة الحنفية اه .
( 5 ) " : فالان إذ سألتمونى .
( 6 ) " : سبتنا .
( 7 ) النوب - بالضم - : جيل من السودان .
( 8 ) في المصدر : فحولت .
( 9 ) " : التفتت .
( 10 ) " : قال أبوبكر . *
[ 86 ]
ثوبين ( 1 ) فقالت : لست بعريانة فتكسوني ( 2 ) ، قيل : إنهما يريدان أن يتزايدا
عليك فأيهما زاد على صاحبه أخذك من السبي ، قالت : هيهات والله لا يكون ذلك
أبدا ، ولا يملكني ولا يكون لي ببعل إلا من يخبرني بالكلام الذي قلته ساعة خرجت
من بطن امي فسكت الناس ينظر ( 3 ) بعضهم إلى بعض ، وورد عليهم من ذلك الكلام
ما أبهر عقولهم وأخرس ألسنتهم ، وبقي القوم في دهشة من أمرها ، فقال أبوبكر :
ما لكم ينظر بعضكم إلى بعض ؟ قال الزبير : لقولها الذي سمعت ، قال أبوبكر : ما هذا
الامر ( 4 ) الذي أحصر أفهامكم إنها جارية من سادات قومها ولم يكن ( 5 ) لها عادة
بما لقيت ورأت ، فلا شك أنها داخلها الفزع وتقول ما لا تحصيل له ، فقالت : رميت
بكلامك غير مرمي ، والله ما داخلني فزع ولا جزع ، ووالله ما قلت إلا حقا ولا نطقت
إلا فصلا ، ولا بد أن يكون كذلك وحق صاحب هذا البنية ما كذبت ، ثم سكتت
وأخذ طلحة وخالد ثوبيهما وهي قد جلست ناحية من القوم ، فدخل علي بن أبي طالب
عليه السلام فذكروا له حالها ، فقال عليه السلام : هي صادقة فيما قالت ، وكان حالتها ( 6 ) وقصتها
كيت وكيت في حال ولادتها ، وقال : إن كل ما تكلمت به في حال خروجها من
بطن امها هو كذا وكذا ، وكل ذلك مكتوب على لوح معها ، فرمت باللوح إليهم
لما سمعت كلامه عليه السلام ، فقرؤوها ( 7 ) على ما حكى علي بن أبي طالب عليه السلام لا
يزيد حرفا ولا ينقص ، فقال أبوبكر : خذها يا أبا الحسن بارك الله لك فيها .
فوثب سلمان فقال : والله ما لاحد ههنا منة على أميرالمؤمنين ، بل لله المنة
ولرسوله ولاميرالمؤمنين ، والله ما أخذها إلا بمعجزة الباهرة وعلمه القاهر وفضله
* ( هامش ص 86 ) ( 1 ) في المصدر : ورميا عليها ثوبيهما .
( 2 ) " : فتكسوننى .
( 3 ) " : ونظر .
( 4 ) " : الكلام .
( 5 ) " : ولم تكن .
( 6 ) " : من حالتها .
( 7 ) " : فقرؤوا ذلك . *
[ 87 ]
الذي يعجز عنه كل ذي فضل ( 1 ) ، ثم قال المقداد : ما بال أقوام قد أوضح الله لهم
الطريق للهداية فتركوه وأخذوا طريق العمى ؟ ومامن قوم إلا وتبين لهم فيه دلائل
أميرالمؤمنين ، وقال أبوذر : واعجبا لمن يعاند الحق وما من وقت إلا وينظر إلى
بيانه ، أيها الناس قد تبين لكم ( 2 ) فضل أهل الفضل ، ثم قال : يا فلان أتمن على أهل
الحق بحقهم ( 3 ) وهم بما يديك أحق وأولى ؟ وقال عمار : اناشدكم بالله أما
سلمنا على أميرالمؤمنين هذا علي بن أبي طالب عليه السلام في حياة رسول الله صلى الله عليه واله بإمرة
المؤمنين ؟ فزجره عمر عن الكلام ، فقام أبوبكر ، فبعث علي عليه السلام خولة إلى بيت
أسماء بنت عميس ، قال لها : خذي هذه المرأة وأكرمي مثواها ، فلم تزل خولة عند
أسماء بنت عميس إلى أن قدم أخوها فتزوجها علي بن أبي طالب عليه السلام ، فكان الدليل
على علم أميرالمومنين عليه السلام وفساد ما يورده القوم من سبيهم ( 4 ) وإنه عليه السلام تزوجها
نكاحا ، فقالت الجماعة : ياجابر أنقذك الله من حرالنار كما أنقذتنا من حرارة
الشك ( 5 ) . 15 - يج : روي عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال : جمع أميرالمؤمنين
عليه السلام بنيه وهم اثنا عشر ذكرا فقال لهم : إن الله أحب أن يجعل في سنة من
يعقوب ، إذ جمع بنيه وهم اثنا عشر ذكرا فقال لهم : إني اوصي إلى يوسف فاسمعوا
له وأطيعوا ، وأنا اوصي إلى الحسن والحسين فاسمعوا لهما وأطيعوا ، فقال له
عبدالله ابنه : دون محمد بن علي ؟ - يعني محمد بن الحنفية - فقال له : أجرأة علي في حياتي ؟
كأني بك قد وجدت مذبوحا في فسطاطك لا يدرى من قتلك ، فلما كان في زمان
المختار أتاه فقال : لست هناك ، فغضب فذهب إلى مصعب بن الزبير و هو بالبصرة ،
فقال : ولني قتال أهل الكوفة ، فكان على مقدمة مصعب ، فالتقوا بحروراء ، فلما
* ( هامش ص 87 ) ( 1 ) في المصدر : فضل كل ذى فضل .
( 2 ) " : ان الله قد بين لكم .
( 3 ) " : بحقوقهم .
( 4 ) كذا في النسخ . وفى المصدر : من شبههم .
( 5 ) الخرائج والجرائح : 90 - 92 . *
[ 88 ]
حجز الليل بينهم أصبحوا وقد وجدوه مذبوحا في فسطاطه لا يدرى من قتله ( 1 ) .
بيان : أتاه أي أتى عبدالله المختار ليبايع المختار له بالامامة ، فقال المختار له :
لست هناك أي لا نستحق الامامة .
16 - يج : الصفار ، عن أبي بصير ، عن جذعان بن نصر ، عن محمد بن مسعدة
عن محمد بن حمويه بن إسماعيل ، عن أبي عبدالله الربيبي ( 2 ) ، عن عمر بن اذينة قال :
قيل لابي عبدالله عليه السلام : إن الناس يحتجون علينا ويقولون : إن أميرالمؤمنين
عليه السلام زوج فلانا ابنته ام كلثوم ، وكان متكئا فجلس وقال : أيقولون ذلك ؟ إن
قوما يزعمون ذلك لا يهتدون إلى سواء السبيل ، سبحان الله ما كان يقدر أميرالمؤمنين
عليه السلام أن يحول بينه وبينها فينقذها ؟ ! كذبوا ولم يكن ما قالوا ، إن فلانا خطب
إلى علي عليه السلام بنته ام كلثوم فأبى علي عليه السلام ، فقال للعباس : والله لئن لم تزوجني
لانتزعن منك السقاية وزمزم ، فأتى العباس عليا فكلمه ، فأبى عليه ، فألح
العباس ، فلما رأى أميرالمؤمنين عليه السلام مشقة كلام الرجل على العباس وأنه سيفعل
بالسقاية ما قال أرسل أميرالمؤمنين عليه السلام إلى جنية من أهل نجران يهودية يقال
لها سحيفة ( 3 ) بنت جريرية ، فأمرها فتمثلت في مثال ام كلثوم وحجبت الابصار
عن ام كلثوم وبعث بهاإلى الرجل ، فلم تزل عنده حتى أنه استراب ( 4 ) بها يوما
فقال : ما في الارض أهل بيت أسحر من بني هاشم ، ثم أراد أن يظهر ذلك للناس فقتل
وحوت الميراث وانصرفت إلى نجران ، وأظهر أميرالمؤمنين عليه السلام ام كلثوم ( 5 ) .
17 - سر : عن أبان بن تغلب ، عن صفوان ، عن يعقوب بن شعيب ، عن أبي
عبدالله عليه السلام أن أباه حدثه أن علي بن الحسين عليهما السلام أتى محمد بن علي الاكبر قال :
* ( هامش ص 88 ) ( 1 ) لم نجده في المصدر المطبوع .
( 2 ) في ( خ ) : الزبيبى .
( 3 ) في ( خ ) و ( م ) : سحيقة .
( 4 ) أى وقع في الريبة .
( 5 ) لم نجده في المصدر المطبوع . *
[ 89 ]
إن هذا الكذاب أراه يكذب على الله وعلى رسوله وعلينا أهل البيت ، وذكر أنه
يأتيه جبرئيل وميكائيل عليهما السلام ، فقال له محمد بن علي : يا ابن أخي أتاك بهذا من يصدق ؟
قال : نعم ، قال : اذهب فارو عني لا أقول هذا وإني أبرأ ممن قال به ( 1 ) فلما انصرف
من عنده دخل عليه عبدالله بن محمد وامرأته وسريته ، فقالوا له : إنما أتاك علي بن
الحسين بهذا أنه حسدك لما يبعث به إليك ، فأرسل إليه محمد بن علي لا ترو علي شيئا
فإنك إن رويت عني ( 2 ) شيئا قلت : لم أقله ( 3 ) .
بيان : المراد بالكذاب المختار قوله : " وذكر أنه " أي ذكر المختار للناس
أن محمد بن الحنفية يأتيه جبرئيل وميكائيل ، فلما خرج عليه السلام دخل على ابن الحنفية
ابنه وامرأته وسريته ليصرفوه عن رد المختار وتكذيبه ، لئلا ينقطع عنهم ما يأتيهم
من قبله من الاموال ، فلم يقبل منهم ، وبعث إلى المختار لا ترو عني الاكاذيب بعد
ذلك فإنك إن رويت عني قلت للناس : أني لم أقله وإنه كاذب ، هذا تأويل
للكلام يناسب حال محمد بن الحنفية ، وإلا فظاهر الكلام أنه قبل منه ذلك وبعث
إلى علي بن الحسين عليهما السلام أن لا تقل ما أمرتك بروايته عني من تكذيب المختار و
براءتي منه ، وإلا فأنا اكذبك في ذلك عند الناس .
18 - شا : أولاد أميرالمؤمنين عليه السلام سبعة وعشرون ولدا ذكر اوانثى : الحسن
والحسين وزينب الكبرى وزينب الصغرى المكناة بام كلثوم ، امهم فاطمة البتول
سيدة نساء العالمين بنت سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد النبي صلى الله عليه واله ، ومحمد المكنى
بأبي القاسم امه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية : وعمر ورقية كانا توأمين ( و )
امهما ام حبيب بنت ربيعة ، والعباس وجعفر وعثمان وعبدالله ( 4 ) الشهداء مع أخيهم
الحسين عليهم السلام بطف كربلاء امهم ام البنين بنت حزام بن خالد بن دارم ، ومحمد
* ( هامش ص 89 ) ( 1 ) في المصدر : ممن قاله .
( 2 ) في المصدر : على .
( 3 ) مستطرفات السرائر ما أورده ابان بن تغلب عن الصادقين عليهما السلام .
( 4 ) في المصدر : وعبيدالله . *
[ 90 ]
الاصغر المكنى بأبي بكر وعبدالله ( 1 ) الشهيدان مع أخيهما الحسين بن علي عليهما السلام
بالطف امهما ليلى بنت مسعود الدارمية ، ويحيى امه أسماء بنت عميس الخثعمية
رضي الله عنها ، وام الحسن ورملة امهما ام سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي ،
ونفيسة وزينب الصغرى ورقية الصغرى وام هانئ وام الكرام وجمانة المكناة
ام جعفر وأمامة وام سلمة وميمونة وخديجة وفاطمة رحمة الله عليهن لامهات
شتى ، وفي الشيعة من يذكر أن فاطمة صلوات الله عليها أسقطت بعد النبي صلى الله عليه واله
ذكرا كان سماه رسول الله صلى الله عليه واله وهو حمل محسنا ، فعلى قول هذه الطائفة أولاد
أميرالمؤمنين عليه السلام ثمانية وعشرون ولدا ، والله أعلم ( 2 ) .
أقول : قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : أما الحسن والحسين و
ام كلثوم الكبرى وزينب الكبرى ( 3 ) فامهم فاطمة بنت سيدنا رسول الله صلى الله عليه واله
وأما محمد فامه خولة بنت أياس بن جعفر من بني حنيفة ( 4 ) وأما أبوبكر وعبدالله
فامهما ليلى بنت مسعود النهشلية من تميم ، وأما عمر ورقية فامهما سبية ( 5 ) من
بني تغلب يقال لها : الصهباء ، سبيت في خلافة أبي بكر وإمارة خالد بن الوليد
بعين التمر ، وأما يحيى وعون فامهما أسماء بنت عميس الخثعمية ، وأما جعفر و
العباس وعبدالله وعبدالرحمن فامهم ام البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن
الوحيد من بني كلاب ، وأما رملة وام الحسن فامهما ام سعيد بنت عروة بن
مسعود الثقفي ، وأما ام كلثوم الصغرى وزينب الصغرى وجمانة وميمونة وخديجة
وفاطمة وام الكرام ونفيسة وام سلمة وام أبيها وأمامة بنت علي عليه السلام فهن
* ( هامش ص 90 ) ( 1 ) في ( ت ) : وعبيدالله .
( 2 ) الارشاد للمفيد : 167 و 168 .
( 3 ) في المصدر : وزينب الكبرى وام كلثوم الكبرى .
( 4 ) " : من بنى حنفية .
( 5 ) " : مسبية . *
[ 91 ]
لامهات أولاد شتى ( 1 ) .
19 - شا : هارون بن موسى ، عن عبدالملك بن عبدالعزيز قال : لما ولي
عبدالملك بن مروان الخلافة رد إلى علي بن الحسين عليهما السلام صدقات رسول الله و
صدقات أميرالمؤمنين عليهما السلام وكانتا مضمومتين ، فخرج عمر بن علي إلى عبدالملك
يتظلم إليه من ابن أخيه ( 2 ) فقال عبدالملك : أقول كما قال ابن أبي الحقيق :
إنا إذا مالت دواعي الهوى * وأنصت السامع للقائل
واصطرع القوم بألبابهم ( 3 ) * نقضي بحكم عادل فاصل
لا نجعل الباطل حقا ولا * نلط دون الحق بالباطل ( 4 )
نخاف أن تسفه أحلامنا ( 5 ) * فنخمل الدهر مع الخامل ( 6 )
20 - قب : قال الشيخ المفيد في الارشاد : أولاده خمسة وعشرون ، وربما
يزيدون على ذلك إلى خمسة وثلاثين ، ذكره النسابة العمري في الشافي وصاحب
الانوار ، البنون خمسة عشر والبنات ثمانية عشر ، فولد من فاطمة عليها السلام الحسن و
الحسين والمحسن سقط وزينب الكبرى وام كلثوم الكبرى تزوجها عمر ، وذكر
أبومحمد النوبختي في كتاب الامامة أن ام كلثوم كانت صغيرة ومات عمر قبل أن
يدخل بها ، وإنه خلف على ام كلثوم بعد عمر عون بن جعفر ثم محمد بن جعفر ثم
عبدالله بن جعفر ، ومن خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية محمدا ، ومن ام البنين
ابنة حزام بن خالد الكلابية عبدالله وجعفر الاكبر والعباس وعثمان ، ومن ام
حبيب بنت ربيعة التغلبية عمر ورقية توأمان في بطن ، ومن أسماء بنت عميس الخثعمية
* ( هامش ص 91 ) ( 1 ) شرح النهج 2 : 718 .
( 2 ) في المصدر : يتظلم اليه من نفسه .
( 3 ) في المصدرين : واصطرع الناس .
( 4 ) لط الرجل حقه وعن حقه : جحده اياه .
( 5 ) في المصدر : نسفه .
( 6 ) الارشاد للمفيد : 242 . وفي ( م ) و ( خ ) : فيخمل . *
[ 92 ]
يحيى ومحمد الاصغر ، وقيل : بل ولدت له عونا ، ومحمد الاصغر من ام ولد ، ومن
ام سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفية نفيسة وزينب الصغرى ورقية الصغرى ، و
من ام شعيب المخزومية ام الحسن ورملة ، ومن الهملاء بنت مسروق النهشلية
أبوبكر وعبدالله ، ومن أمامة بنت أبي العاص بن الربيع وامها زينب بنت رسول
الله صلى الله عليه واله محمد الاوسط ، ومن محياة بنت امرء القيس الكلبية جارية هلكت وهي
صغيرة ، وكانت له خديجة وام هانئ وتميمة وميمونة وفاطمة لامهات أولاد ( شتى )
وتوفي قبله يحيى وام كلثوم الصغرى وزينب الصغرى وام الكرام وجمانة - و
كنيتها ام جعفر - وأمامة وام سلمة ورملة الصغرى .
وزوج ثماني بنات : زينب الكبرى من عبدالله بن جعفر ، وميمونة من
عقيل بن عبدالله بن عقيل ، وام كلثوم الصغرى من كثير بن عباس بن عبدالمطلب
ورملة من أبي الهياج عبدالله بن أبي سفيان الحارث بن عبدالمطلب ، ورملة من
الصلت بن عبدالله بن نوفل بن الحارث ، وفاطمة من محمد بن عقيل .
وفي الاحكام الشرعية عن الخزاز القمي أنه نظر النبي صلى الله عليه واله إلى أولاد
علي وجعفر فقال : بناتنا لبنيناو بنونا لبناتنا .
وأعقب له من خمسة : الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية والعباس الاكبر
وعمر ، وكان النبي صلى الله عليه واله لم يتمتع بحرة ولا أمة في حياة خديجة ، وكذلك كان
علي مع فاطمة عليهم السلام .
وفي قوت القلوب أنه تزوج بعد وفاتها بتسع ليال ، وأنه تزوج بعشرة نسوة
وتوفي عن أربعة : أمامة وامها زينب بنت النبي صلى الله عليه واله ، وأسماء بنت عميس ، وليلى
التميمية ، وام البنين الكلابية ، ولم يتزوجن بعده ، وخطب المغيرة بن نوفل
أمامة ثم أبوالهياج بن أبي سفيان بن الحارث فروت عن علي عليه السلام أنه لا يجوز
لازواج النبي صلى الله عليه واله والوصي أن يتزوجن بغيره بعده ، فلم يتزوج امرأة ولا ام
ولد بهذه الرواية . و توفي عن ثماني عشرة ام ولد ، فقال عليه السلام : جميع امهات
أولادي الآن محسوبات على أولادهن بما أبتعتهن به من أثمانهن ، فقال : ومن
[ 93 ]
كان من إمائه غير ذوات أولاد فهن حرائر من ثلثه ( 1 ) .
ويروى أن عمر بن علي خاصم علي بن الحسين عليهما السلام إلى عبدالملك في
صدقات النبي وأميرالمؤمنين عليهما السلام ، فقال : يا أميرالمؤمنين أنا ابن المصدق وهذا
ابن ابن ، فأنا أولى بها منه ، فتمثل عبدالملك بقول أبي الحقيق :
لا تجعل الباطل حقا ولا * تلط دون الحق بالباطل
قم يا علي بن الحسين فقد وليتكها ، فقاما فلما خرجا تناوله عمرو وآذاه ،
فسكت عليه السلام عنه ولم يرد عليه شيئا ، فلما كان بعد ذلك دخل محمد بن عمر على علي
بن الحسين عليهما السلام فسلم عليه وأكب عليه يقبله ، فقال علي عليه السلام : يا ابن عم لا
تمنعني قطيعة أبيك أن أصل رحمك . فقد زوجتك ابنتي خديجة ابنة علي ( 2 ) .
21 - عم : أما زينب الكبرى بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله فتزوجها عبدالله
بن جعفر بن أبي طالب ، وولد له منها علي وجعفر وعون الاكبر وام كلثوم
أولاد عبدالله بن جعفر ، وقد روت زينب عن امها فاطمة عليها السلام أخبارا ، وأما ام كلثوم


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 93 سطر 13 الى ص 101 سطر 13

فهي التي تزوجها عمر بن الخطاب ، وقال أصحابنا : أنه عليه السلام إنما زوجها منه
بعد مدافعة كثيرة وامتناع شديد واعتلال عليه بشئ بعد شئ ، حتى ألجأته الضرورة
إلى أن رد أمرها إلى العباس بن عبدالمطلب ، فزوجها إياه ، وأما رقية بنت
علي فكانت عند مسلم بن عقيل ، فولدت له عبدالله قتل بالطف ، وعليا ومحمدا ابني
مسلم ، وأما زينب الصغرى فكانت عند محمد بن عقيل ، فولدت له عبدالله وفيه العقب
من ولد عقيل ، وأما ام هانئ فكانت عند عبدالله الاكبر ابن عقيل بن أبي طالب
فولدت له محمد قتل بالطف وعبدالرحمن ، وأما ميمونة بنت علي فكانت عند عبدالله
الاكبر ابن عقيل فولدت له عقيلا ، وأما نفيسة فكانت عند عبدالله الاكبر ابن عقيل
فولدت له ام عقيل ، وأما زينب الصغرى فكانت عند عبدالرحمن بن عقيل فولدت
* ( هامش ص 93 ) ( 1 ) مناقب آل ابى طالب 2 : 76 و 77 .
( 2 ) " " " 2 : 267 و 268 . *
[ 94 ]
له سعدا ( 1 ) وعقيلا ، وأما فاطمة بنت علي عليه السلام فكانت عند أبي سعيد بن عقيل
فولدت له حميدة ، وأما أمامة بنت علي فكانت عند الصلت بن عبدالله بن نوفل بن
الحارث بن عبدالمطلب فولدت له نفيسة ( 2 ) وتوفيت عنده ( 3 ) .
22 - يف : ( 4 ) ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال :
لما خطب عمر إلى أميرالمؤمنين عليه السلام قال له : إنها صبية ، قال : فأتى العباس فقال :
مالي ؟ أبي بأس ؟ فقال له : وما ذاك ؟ قال : خطبت إلى ابن أخيك فردني ، أما
والله لاعورن ( 5 ) زمزم ولا أدع لكم مكرمة إلا هدمتها ، ولاقيمن عليه شاهدين
أنه سرق ولاقطعن يمينه ! فأتاه العباس فأخبره وسأله أن يجعل الامر إليه ، فجعله
إليه ( 6 ) .
كا : علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير مثله ( 7 ) .
23 - كش : وجدت بخط جبرئيل بن أحمد : حدثني محمد بن عبدالله بن مهران
عن محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الخياط ، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ، عن
أبيه ، عن أبي بصير قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : كان أبوخالد الكابلي يخدم
محمد بن الحنفية دهرا ، وما كان يشك في أنه إمام ، حتى أتاه ذات يوم فقال له :
جعلت فداك إن لي حرمة ومودة وانقطاعا ، فأسألك بحرمة رسول الله صلى الله عليه واله و
أميرالمؤمنين عليه السلام إلا أخبرتني : أنت الامام الذي فرض الله طاعته على خلقه ؟ قال :
فقال : يا باخالد حلفتني بالعظيم ، الامام علي بن الحسين عليهما السلام علي وعليك و
* ( هامش ص 94 ) ( 1 ) في المصدر : سعيدا .
( 2 ) " : نقية .
( 3 ) اعلام الورى : 204 .
( 4 ) في ( م ) و ( خ ) : ين .
( 5 ) أعار عين الماء أو الركية : دفنها وكبسها بالتراب .
( 6 ) لم نجده في الطرائف المطبوع . وسياق الرواية لا يناسبه .
( 7 ) فروع الكافى ( الجزء الخامس من الطبعة الحديثة ) : 346 . *
[ 95 ]
على كل مسلم ، فأقبل أبوخالد لما أن سمع ما قاله محمد بن الحنفية ، وجاء إلى
علي بن الحسين عليهما السلام ، فلما استأذن عليه فاخبر أن أباخالد بالباب أذن له ، فلما
دخل عليه دنا منه قال : مرحبا بك يا كنكر : ما كنت لنا بزائر ما بدا لك فينا ؟
فخر أبوخالد ساجدا شكرا ( 1 ) لله تعالى مما سمع من علي بن الحسين عليهما السلام ، فقال :
الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي ، فقال له علي بن الحسين عليهما السلام : و
كيف عرفت إمامك يا باخالد ؟ قال : إنك دعوتني باسمي الذي سمتني امي التي
ولدتني ، وقد كنت في عمياء من أمري ، ولقد خدمت محمد بن الحنفية عمرا ( 2 ) من
عمري ولا أشك إلا وأنه إمام ، حتى إذا كان قريبا سألته بحرمة الله وبحرمة رسوله
وبحرمة أميرالمؤمنين فأرشدني إليك وقال : هو الامام علي وعليك وعلى جميع
خلق الله كلهم ، ثم أذنت لي فجئت فدنوت منك ، وسميتني باسمي الذي سمتني
امي فعلمت أنك الامام الذي فرض الله طاعته علي وعلى كل مسلم ( 3 ) . 24 - يج : عن أبي خالد مثله إلا أنه قال في آخره : ولدتني امي فسمتني
وردان ، فدخل عليها والدي فقال : سميه كنكر ، والله ما سماني به أحد من الناس
إلى يومي هذا غيرك ، فأشهد أنك إمام من في الارض ومن في السماء ( 4 ) .
25 - كش : حمدويه ، عن الحسن بن موسى ، عن محمد بن أصبغ ، عن مروان
بن مسلم ، عن بريد العجلي قال : دخلت على أبي عبدالله عليه السلام فقال لي : لوكنت
سبقت قليلا لادركت حيان السراج ، قال : وأشار إلى موضع في البيت أبوعبدالله
عليه السلام فقال : وكان ههنا جالسا ، فذكر محمد بن الحنفية وذكر حياته وجعل يطريه
ويقرظه ، فقلت له : يا حيان أليس تزعم ويزعمون وتروي ويروون : لم يكن في
بني إسرائيل شئ إلا وهو في هذه الامة مثله ؟ قال : بلى ، قال : فقلت : فهل رأينا
* ( هامش ص 95 ) ( 1 ) في المصدر : شاكرا .
( 2 ) في المصدر : دهرا .
( 3 ) معرفة اخبار الرجال : 79 و 80 . ورواه في المناقب 2 : 249 .
( 4 ) لم نجده في الخرائج المطبوع . *
[ 96 ]
ورأيتم وسمعنا وسمعتم بعالم مات على أعين الناس فنكح نساؤه وقست أمواله و
هو حي لا يموت ؟ ! فقام ولم يرد علي شيئا ( 1 ) .
بيان : أطراه : أحسن الثناء عليه . والتقريظ : مدح الانسان وهو حي بحق
أو باطل .
26 - كش : حمدويه ، عن الحسن بن موسى قال : روى أصحابنا عن عبدالرحمن
بن الحجاج قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : أتاني ابن عم لي يسألني أن آذن لحيان
السراج ، فأذنت له ، فقال لي : يا با عبدالله إني اريد أن أسألك عن شئ أنا به عالم
إلا أني احب أن أسألك عنه ، أخبرني عن عمك محمد بن علي مات ؟ قال : فقلت :
أخبرني أبي أنه كان في ضيعة له فاتي فقيل له : أدرك عمك ، قال : فأتيت ( 2 ) وقد
كانت أصابته غشية ، فأفاق فقال لي : ارجع إلى ضيعتك ، قال : فأبيت ، فقال : لترجعن
قال : فانصرفت فما بلغت الضيعة حتى أتوني فقالوا : أدركه ، فأتيته فوجدته قد
اعتقل لسانه ، فأتوا بطشت وجعل يكتب وصيته ، فما برحت حتى غمضته وكفنته
وغسلته وصليت عليه ودفنته ، فإن كان هذا موتا فقد والله مات ، قال : فقال لي :
رحمك الله شبه على أبيك ! قال : فقلت : يا سبحان الله أنت تصدف على قلبك ! قال :
فقال لي : وما الصدف على القلب ؟ قال : قلت : الكذب ( 3 ) .
بيان : صدف عنه : أعرض و " على " بمعنى " عن " أو ضمن معنى الافتراء و
نحوه ، أي تعرض عن الحق مفتريا على قلبك ، حيث تدعي ما لا يصدقه قلبك .
27 - كشف : قيل لمحمد بن الحنفية رحمه الله : أبوك يسمح بك في الحرب
ويشح بالحسن والحسين عليهما السلام ، فقال : هما عيناه وأنا يده ، والانسان يقي عينيه
بيده ، وقال مرة اخرى وقد قيل له ذلك : أنا ولده وهما ولدا رسول الله صلى الله عليه واله ( 4 ) .
* ( هامش ص 96 ) ( 1 ) معرفة اخبار الرجال : 202 .
( 2 ) في المصدر : فأتيته .
( 3 ) معرفة اخبار الرجال : 202 و 203 .
( 4 ) كشف الغمة : 183 . *
[ 97 ]
28 - كا : علي ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفر
عليه السلام ( قال : ) إن أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر ، فأمرها رسول الله
صلى الله عليه واله حين أرادت الاحرام من ذي الحليفة أن تحتشي بالكرسف والخرق وتهل
بالحج ، الخبر ( 1 ) .
29 - يف : أحمد بن حنبل في مسنده بإسناده إلى المستظل ( 2 ) قال : إن عمر
بن الخطاب خطب إلى علي عليه السلام ام كلثوم فاعتل بصغرها ، فقال له : لم أكن
اريد الباه ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول : كل حسب ونسب منقطع يوم القيامة
ما خلا حسبي ونسبي ، وكل قوم فإن عصبتهم لابيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا
أبوهم وعصبتهم ( 3 ) .
( كنز الكراجكي : عن القاضي السلمي أسد بن إبراهيم ، عن عمر بن
علي العتكي ، عن محمد بن إسحاق ، عن الكديمي ، عن بشر بن مهران ، عن
شريك بن شبيب ، عن عروة ، عن المستطيل بن حصين مثله ، إلا أن فيه : فاعتل
بصغرها وقال : إني أعددتها لا بن أخي جعفر ، ومكان " كل قوم " " كل بني
انثى " ( 4 ) ) .
30 - كا : علي ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن البطائني ، عن أبي بصير ،
عن عمران بن ميثم أو صالح بن ميثم ، عن أبيه قال : أنت امرأة مجح أميرالمؤمنين
عليه السلام فقالت : يا أميرالمؤمنين إني زنيت فطهرني ، وساق الحديث الطويل إلى أن
قال : فأخرجها أميرالمؤمنين عليه السلام إلى الظهر بالكوفة فأمر أن يحفر لها حفيرة ثم
* ( هامش ص 97 ) ( 1 ) فروع الكافى ( الجزء الرابع من الطبعة الحديثة ) : 449 .
( 2 ) كذا والظاهر : المستطيل .
( 3 ) الطرائف : 19 .
( 4 ) كنز الكراجكى : 166 و 167 . *
[ 98 ]
دفنها فيه ( 1 ) ثم ركب بغلته ونادى بأعلى صوته ( 2 ) : يا أيها الناس إن الله تعالى عهد
إلى نبيه صلى الله عليه واله عهد أعهده محمد صلى الله عليه واله إلي ، بأن ( 3 ) لا يقيم الحد من لله عليه حد فمن
كان لله عليه حد مثل ما له عليها ( 4 ) فلا يقيم عليها الحد قال : فانصرف الناس يومئذ
كلهم ما خلا أميرالمؤمنين والحسن والحسين صلوات الله عليهم ، فأقام هؤلاء الثلاثة
عليها الحد يومئذ ومامعهم غيرهم ، قال : وانصرف فيمن انصرف يومئذ محمد بن أمير
المؤمنين ( 5 ) .
31 - ( كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي عن مغيرة الضبي قال : لما
نكح علي عليه السلام ليلى بنت مسعود النهشلي قالت : ما زلت احب أن يكون بيني و
بينه سبب منذ رأيته ، فأقام مقاما من رسول الله صلى الله عليه واله فذكر أنه ولدت له عبيدالله
بن علي ، فبايع مصعبا يوم المختار ) .
أقول : قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : دفع أميرالمؤمنين عليه السلام يوم
الجمل رايته إلى محمد ابنه ، وقد استوت الصفوف ، وقال له : احمل ، فتوقف قليلا
فقال : يا أميرالمؤمنين ( 6 ) أما ترى السماء كأنها شآببب ( 7 ) المطر ، فدفع في صدره
وقال : أدركك عرق من امك ، ثم أخذ الراية بيده فهز ها ثم قال :
* ( هامش ص 98 ) ( 1 ) في المصدر : فيها .
( 2 ) " : ثم ركب بغلته واثبت رجليه في غرز الركاب ثم وضع اصبعيه السبابتين في
اذنيه ثم نادى بأعلى صوته اه .
( 3 ) في المصدر : بأنه .
( 4 ) " : مثل ما عليها .
( 5 ) فروع الكافى ( الجزء السابع من الطبعة الحديثة ) : 185 - 187 . وقد مر في باب
قضاياه عليه السلام تحت رقم 65 راجع ج 40 ص 290 - 292 .
( 6 ) في المصدر : فقال له : أحمل يا اميرالمؤمنين اه ؟ .
( 7 ) جمع الشؤبوب : الدفعة من المطر . *
[ 99 ]
اطعن بها طعن أبيك تحمد * لا خير في الحرب إذا لم توقد
بالمشرق والقنا المسدد .
ثم حمل وحمل الناس خلفه ، فطحن عسكر البصرة . قيل لمحمد : لم يغرر
بك أبوك في الحرب ولا يغرر بالحسن والحسين ؟ فقال : إنهما عيناه وأنا يمينه ،
فهو يدفع عن عينيه بيمينه . كان علي عليه السلام يقذف بمحمد في مهالك الحرب ويكف
حسنا وحسينا عنها . ومن كلامه في يوم صفين : أملكوا عني هذين الفتيين ، أخاف
أن ينقطع بهما نسل رسول الله صلى الله عليه واله .
ام محمد خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة ( 1 ) بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع
بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، واختلف
في أمرها ، فقال قوم : إنها سبية من سبايا الردة قوتل أهلها على يد خالد بن الوليد
في أيام أبي بكر لما منع كثير من العرب الزكاة ، وارتدت بنو حنيفة وادعت نبوة
مسيلمة ، وإن أبابكر دفعها إلى علي عليه السلام من سهمه في المغنم ، وقال قوم منهم أبو
الحسن علي بن محمد بن سيف المدائني : هي سبية في أيام رسول الله صلى الله عليه واله قالوا :
بعث رسول الله صلى الله عليه واله عليا عليه السلام إلى اليمن ، فأصاب خولة في بني زبية ( 2 ) وقد ارتدوا
مع عمرو بن معدي كرب ، وكانت زبية سبتها من بني حنيفة في غارة لهم عليهم ، فصارت
في سهم علي عليه السلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله : إن ولدت منك غلاما فسمه باسمي و كنه
بكنيتي ، فولدت له بعد موت فاطمة عليها السلام محمدا فكناه أبا القاسم ، وقال قوم وهم
المحققون وقولهم الاظهر : إن بني أسد أغارت على بني حنيفة في خلافة أبي بكر
فسبوا خولة بنت جعفر ، وقدموا بها المدينة فباعوها من علي عليه السلام ، وبلغ قومها
خبرها ، فقدموا المدينة على علي فعرفوها ، وأخبروه بموضعها منهم ، فأعتقها و
مهرها وتزوجها ، فولدت له محمدا فكناه أبا القاسم ، وهذا القول هو اختيار أحمد
* ( هامش ص 99 ) ( 1 ) في ( ك ) : سلمة .
( 2 ) في المصدر : في بنى زبيد وكذا فيما يأتى . *
[100]
بن يحيى البلاذري في كتابه المعروف بتاريخ الاشراف .
لما تعامس ( 1 ) محمد يوم الجمل عن الحملة وحمل علي عليه السلام بالراية فضعضع ( 2 )
أركان عسكر الجمل دفع إليه الراية وقال : امح الاولى بالاخرى ، وهذه الانصار
معك ، وضم إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين في جمع من الانصار كثير منهم أهل
بدر ، حمل حملات كثيرة أزال بها القوم عن مواقفهم ، وأبلى بلاء حسنا ، فقال خزيمة
بن ثابت لعلي عليه السلام : أما إنه لو كان غير محمد اليوم لا فتضح ، ولئن كنت خفت عليه
الجبن وهو بينك وبين حمزة وجعفر لما خفنا عليه ، وإن كنت أردت أن تعلمه الطعان
فطال ما علمته الرجال . وقالت الانصار : يا أميرالمؤمنين لو لا ما جعل الله تعالى لحسن
ولحسين ( 3 ) لما قدمنا على محمد أحدا من العرب ، فقال عليه السلام : أين النجم من الشمس
والقمر ؟ أما إنه قد أغنى وأبلى وله فضل ، ولا ينقص فضل صاحبه ( 4 ) عليه ، وحسب
صاحبكم ما انتهت به نعمة الله تعالى إليه ، فقالوا : يا أميرالمؤمنين إنا والله ما نجعله
كالحسن والحسين ولا نظلمهما ولا نظلمه لفضلهما عليه حقه ، فقال علي عليه السلام : أين
يقع ابني من ابني رسول الله صلى الله عليه واله ( 5 ) ؟ فقال خزيمة بن ثابت فيه :
محمد ما في عودك اليوم وصمة * ولا كنت في الحرب الضروس معردا ( 6 )
أبوك الذي لم يركب الخيل مثله * علي وسماك النبي محمدا
فلو كان حقا من أبيك خليفة * لكنت ولكن ذاك ما لا يرى بدا
وأنت بحمد الله أطول غالب * لسانا وأنداها بما ملكت يدا
وأقربها من كل خير تريده * قريش وأوفاها بما قال موعدا
* ( هامش ص 100 ) ( 1 ) أى تغافل . وفى المصدر " تقاعس " أى تأخر .
( 2 ) ضعضعه : هدمه حتى الارض .
( 3 ) في المصدر : للحسن والحسين .
( 4 ) " : صاحبيه .
( 5 ) " : من ابنى بنت رسول الله .
( 6 ) الحرب الضروس : الشديدة المهلكة . عرد : هرب وفر . *
[101]
وأطعنهم صدر الكمي برمحه * وأكساهم للهام عضبا مهندا ( 1 )
سوى أخويك السيدين كلاهما * إماما الورى والداعيان إلى الهدى
أبى الله أن يعطي عدوك مقعدا * من الارض أو في اللوح مرقى ومصعدا ( 2 )
وقال في موضع آخر : روى عمرو بن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال : خطب
عبدالله بن زبير فنال من علي عليه السلام فبلغ ذلك محمد بن الحنفية ، فجاء إليه وهو
يخطب ، فوضع له كرسي ، فقطع عليه خطبته وقال : يا معشر العرب شاهت الوجوه
أينتقص علي وأنتم حضور ؟ إن عليا كان يدالله على أعدائه ، وصاعقة من أمرالله ( 3 )
أرسله على الكافرين به والجاهدين لحقه ، فقتلهم بكفرهم ، فشنؤه وأبغضوه و
ضمروا ( 4 ) له السيف والحسد وابن عمه عليه السلام حي بعد لم يمت ، فلما نقله الله إلى
جواره وأحب له ما عنده أظهرت له رجال أحقادها ، وشفت أضغانها ، فمنهم من
ابتزه حقه ، ومنهم من أسمر به ( 5 ) ليقتله ، ومنهم من شتمه وقذفه بالاباطيل ،
فإن يكن لذريته وناصري دعوته دولة ينشر عظامهم ويحفر على أجسادهم والابدان ( 6 )
يومئذ بالية بعد أن يقتل الاحياء منهم ويذل رقابهم ، ويكون الله عز اسمه قد عذبهم


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 101 سطر 14 الى ص 109 سطر 14

بأيدينا ، وأخزاهم ونصرنا عليهم ، وشفى صدورنا منهم ، إنه والله ما يشتم عليا
إلا كافر يسر شتم رسول الله صلى الله عليه واله ويخاف أن يبوح به ، فيلقى شتم علي عنه ( 7 ) أما
إنه قد يخطب المنية ( 8 ) منكم من امتد عمره وسمع قول رسول الله صلى الله عليه واله فيه : " لا
* ( هامش ص 101 ) ( 1 ) الكمى - بالفتح فالكسر - : الشجاع أو لابس السلاح . العضب : السيف القاطع . والمهند
السيف المطبوع من حديد الهند .
( 2 ) شرح النهج 1 : 118 - 120 . ( ك ل م ) . وفيه : أو في اللوح .
( 3 ) في المصدر : من امره .
( 4 ) " : وأضمروا .
( 5 ) ابتز منه الشئ : استلبه قهرا . سمر : لم ينم وتحدث ليلا .
( 6 ) في المصدر : والابدان منهم اه .
( 7 ) " : فيكنى بشتم على عنه .
( 8 ) " : قد تخطت المنية . *
[102]
يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " .
فعاد ابن الزبير إلى خطبته وقال : عذرت بني الفواطم يتكلمون فما بال ابن
ام حنفية ؟ فقال محمد : يا ابن ام فتيلة ( 1 ) ومالي لا أتكلم وهل فاتني من الفواطم
إلا واحدة ؟ ولم يفتني فخرها ، لانها ام أخوي ، أنا ابن فاطمة بنت عمران بن
عائذ بن مخزوم جدة رسول الله صلى الله عليه واله وأنا ابن فاطمة بنت أسد بن هاشم كافلة رسول
الله والقائمة مقام امه ، أما والله لولا خديجة بنت خويلد ما تركت في أسد ( 2 ) بن
عبدالعزى عظما إلا هشمته ، ثم قام فانصرف ( 3 ) .
وقال ابن أبي الحديد في موضع آخر : قال أبوالعباس المبرد : قد جاءت
الرواية أن أميرالمؤمنين عليا عليه السلام لما ولد لعبدالله بن العباس مولود ففقده ( 4 )
وقت صلاة الظهر فقال : ما بال ابن العباس لم يحضر ؟ قالوا : ولد له ولد ذكر يا
أميرالمؤمنين ، قال : فامضوا بنا إليه ، فأتاه فقال له : شكرت الواهب وبورك لك
في الموهوب ، ما سميته ؟ فقال : يا أميرالمؤمنين أو يجوز لي أن اسميه حتى تسميه ؟
فقال : أخرجه إلي ، وأخرجه فأخذه فحنكه ودعا له ، ثم رده إليه وقال : خذ
إليك أبا الاملاك قد سميته عليا وكنيته أبا الحسن ، قال : فلما قدم معاوية
خليفة قال لعبدالله بن العباس : لا أجمع لك بين الاسم والكنية ، قد كنيته أبا محمد
فجرت عليه .
قلت : سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد فقلت له : من أي
طريق عرف بنو امية أن الامر سينتقل عنهم وإنه سيليه بنو هاشم وأول من يلي
منهم يكون اسمه عبدالله ؟ ولم منعوهم عن مناكحة بني الحارث بن كعب لعلمهم
* ( هامش ص 102 ) ( 1 ) في المصدر : يا ابن ام رومان .
( 2 ) " : في بنى اسد .
( 3 ) شرح النهج 1 : 466 و 477 .
( 4 ) في المصدر : فقده . *
[103]
أن أول من يلي الامر من بني هاشم يكون ( 1 ) امه حارثية ؟ وبأي طريق عرف
بنو هاشم أن الامر سيصير إليهم ويملكه عبيد أولادهم حتى عرفوا ( أولادهم ) صاحب
الامر منهم كما قد جاء في هذا الخبر ؟ فقال : أصل هذا كله محمد بن الحنفية ، ثم
ابنه عبدالله المكنى أبا هاشم ، قلت له : أفكان محمدبن الحنفية مخصوصا من أميرالمؤمنين
بعلم يستأثر به على أخويه حسن وحسين عليهما السلام ؟ قال : لا ولكنهما كتما وأذاع .
ثم قال : قد صحت الرواية عندنا عن أسلافنا وعن غيرهم من أرباب الحديث أن
عليا عليه السلام لما قبض أنى محمد ابنه أخويه حسنا وحسينا فقال لهما : أعطياني ميراثي
من أبي ، فقالا له : قد علمت أن أباك لم يترك صفراء ولا بيضاء ، فقال : قد علمت
ذلك وليس ميراث المال أطلب ، إنما أطلب ميراث العلم ، أبوجعفر : ( 2 ) فروى
أبان بن عثمان عمن روى له ذلك عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال : فدفعا إليه صحيفة لو
أطلعاه على أكثر منها لهلك ، فيها ذكر دولة بني العباس .
قال أبوجعفر : وقد روى أبوالحسن علي بن محمد النوفلي قال : حدثني عيسى
بن علي بن عبدالله بن العباس قال : لما أردنا الهرب من مروان بن محمد لما قبض
على إبراهيم الامام جعلنا نسخة الصحيفة التي دفعها أبوهاشم بن محمد بن الحنفية
إلى محمد بن علي بن عبدالله بن العباس - وهي التي كان آباؤنا يسمونها صحيفة الدولة -
في صندوق من نحاس صغير ، ثم دفناه تحت زيتونات بالشراة ( 3 ) لم يكن بالشراة
من الزيتون غيرهن ، فلما افضي السلطان إلينا وملكنا الامر أرسلنا إلى ذلك
الموضع ، فبحث وحفر فلم يوجد شئ ، فأمرنا بحفر جريب من الارض في ذلك
الموضع ، حتى بلغ الحفر الماء ولم نجد شيئا .
* ( هامش ص 103 ) ( 1 ) في المصدر : تكون .
( 2 ) كذا في النسخ . والصحيح كما في المصدر : قال ابوجعفر .
( 3 ) الشراة صقع بالشام بين دمشق ومدينة الرسول صلى الله عليه وآله ، من بعض نواحيه
القرية المعروفة بالحميمة التى كان يسكنها ولد على بن عبدالله بن عباس في ايام بنى مروان . *
[104]
قال أبوجعفر : وقد كان محمد بن الحنفية صرح بالامر لعبدالله بن العباس
وعرفه تفصيله ، ولم يكن أميرالمؤمنين عليه السلام فد فصل لعبدالله بن العباس الامر
وإنما أخبره به مجملا ، كقوله في هذا الخبر " خذ إليك أبا الاملاك " ونحو ذلك
مما كان يعرض له به ، ولكن الذي كشف القناع وأبرز المستور هو محمد بن الحنفية
وكذلك أيضا ما وصل إلى بني امية من علم هذا الامر فإنه وصل من جهة محمد بن
الحنفية ، وأطلعهم على السر الذي علمه ، ولكن لم يكشف لهم كشفه لبني العباس
كان أكمل ( 1 ) .
قال أبوجعفر : فأما أبوهاشم فإنه قد كان أفضى بالامر إلى محمد بن علي بن
عبدالله بن العباس وأطلعه عليه وأوضحه له ، فلما حضرته الوفاه عقيب انصرافه
من عند الوليد بن عبدالملك مر بالشراة وهو مريض ومحمد بن علي بها ، فدفع إليه
كتبه وجعله وصيه ، وأمر الشيعة بالاختلاف إليه ، قال أبوجعفر : وحضر وفاة
أبي هاشم ثلاثة نفر من بني هاشم : محمد بن علي هذا ، ومعاوية بن عبدالله بن جعفر
بن أبي طالب ، وعبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب ، فلما مات
خرج محمد بن علي ومعاوية بن عبدالله بن جعفر من عنده وكل واحد منهما يدعي
وصايته ، فأما عبدالله بن الحارث فلم يقل شيئا .
قال أبوجعفر : وصدق محمد بن علي ، إليه أوصى أبوهاشم ، وإليه دفع كتاب
الدولة ، وكذب معاوية بن عبدالله بن جعفر ، لكنه قرأ الكتاب فوجد لهم فيه
ذكرا يسيرا فادعى الوصية بذلك ، فمات وخرج ابنه عبدالله بن معاوية يدعي وصاية
أبيه إليه ، ويدعي لابيه وصاية أبي هاشم ، ويظهر الانكار على بني امية ، وكان
له في ذلك شيعة يقولون بإمامته سرا حتى قتل ، انتهى ( 2 ) .
* ( هامش ص 104 ) ( 1 ) كذا في النسخ . وفى العبارة سقط . والصحيح كما في المصدر : فان كشفه الامر لبنى
العباس كان اكمل .
( 2 ) شرح النهج 2 : 308 - 310 . *
[105]
أقول : روى في جامع الاصول من صحيح الترمذي عن محمد بن الحنفية عن
أبيه عليهما السلام قال : قلت : يا رسول الله أرأيت إن ولد لي بعدك ولدا سمية باسمك واكنيه
بكنيتك ؟ قال : نعم .
وقال ابن أبي الحديد : أسماء بنت عميس هي اخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه واله ( 1 )
وكانت من المهاجرات إلى أرض الحبشة ، وهي إذ ض ذاك تحت جعفر بن أبي طالب ،
فولدت له هناك محمد بن جعفر وعبدالله وعونا ، ثم هاجرت معه إلى المدينة ، فلما
قتل جعفر تزوجها أبوبكر ، فولدت له محمد بن أبي بكر ، ثم مات عنها فتزوجها
علي بن أبي طالب عليه السلام فولدت له يحيى بن علي ، لا خلاف في ذلك .
وقال ابن عبدالبر في الاستيعاب : ذكر ابن الكلبي أن عون بن علي امه
أسماء بنت عميس ، ولم يقل ذلك أحد غيره ، وقد روي أن أسماء كانت تحت حمزة بن
عبدالمطلب ، فولدت له بنتا تسمى أمة الله ، وقيل : أمامة ( 2 ) .
أقول : روي في بعض مؤلفات أصحابنا عن ابن عباس قال : لما كنا في حرب
صفين دعا علي عليه السلام ابنه محمد بن الحنفية وقال له : يا بني شد على عسكر معاوية
فحمل على الميمنة حتى كشفهم ، ثم رجع إلى أبيه مجروحا فقال : يا أبتاه العطش
العطش ، فسقاه جرعة من الماء ثم صب الباقي بين درعه وجلده ، فوالله لقد رأيت
علق الدم يخرج من حلق درعه ، فأمهله ساعة ثم قال له : يا بني شد على الميسرة ،
فحمل على ميسرة عسكر معاوية فكشفهم ، ثم رجع وبه جراحات وهو يقول : الماء
الماء يا أباه ، فسقاه جرعة من الماء وصب باقيه بين درعه وجلده ، ثم قال : يا بني شد
على القلب ، فحمل عليهم وقتل منهم فرسانا ، ثم رجع إلى أبيه وهو يبكي ، وقد
أثقلته الجراح ، فقام إليه أبوه وقبل ما بين عينيه ( 3 ) وقال له : فداك أبوك فقد
( هامش ص 105 ) ( 1 ) في المصدر بعد ذلك : واخت لبابة ام الفضل وعبدالله زوج العباس بن عبدالمطلب .
( 2 ) شرح النهج 4 : 74 .
( 3 ) في ( م ) و ( خ ) : مما بين عينيه . *
[106]
سررتني والله يا بني بجهادك هذا بين يدي ، فما يبكيك أفرحا أم جزعا ؟ فقال : يا
أبت كيف لا أبكي وقد عرضتني للموت ثلاث مرات فسلمني الله ، وهاأنا مجروح
كما ترى ، وكلما رجعت إليك لتمهلني عن الحرب ساعة ما أمهلتني ، وهذان أخواي
الحسن والحسين ما تأمرهما بشئ من الحرب ، فقام إليه أميرالمؤمنين وقبل وجهه
وقال له : يا بني أنت ابني وهذان ابنا رسول الله صلى الله عليه واله أفلا أصونهما عن القتل ؟ فقال :
بلى يا أبتاه جعلني الله فداك وفداهما من كل سوء .
32 - ب : محمد بن الحسن ، عن علي بن الاسباط ، عن الحسن بن شجرة ، عن عنبسة العابد قال : إن فاطمة بنت علي مد لها في العمر حتى رآها أبوعبدالله
عليه السلام ( 1 ) .
33 - يد : ابن الوليد ، عن الصفار ، عن ابن أبي الخطاب ، عن ابن بشير ، عن
الحسين بن أبي حمزة قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : قال أبي عليه السلام : إن محمد بن
الحنفية ( 2 ) كان رجلا رابط الجأش ( 3 ) - وأشار بيده - وكان يطوف بالبيت فاستقبله
الحجاج ، فقال : قد همت أن أضرب الذي فيه عيناك ، قال له محمد : كلا إن الله
تبارك اسمه في خلقه في كل يوم ثلاثمائة لحظة أو لمحة ، فلعل إحداهن تكفك
عني ( 4 ) .
34 - كا : علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم
وحماد ، عن زرارة ، عن أبي عبدالله عليه السلام في تزويج ام كلثوم : فقال : إن ذلك
فرج غصبناه ( 5 ) .
بيان : هذه الاخبار لا ينافي ما مر من قصة الجنية ، لانها قصة مخفية
* ( هامش ص 106 ) ( 1 ) قرب الاسناد : 76 .
( 2 ) في المصدر : ان محمد بن على ابن الحنفية .
( 3 ) الجأش : القلب والصدر . يقال " رابط الجأش " أى شجاع .
( 4 ) التوحيد : 117 .
( 5 ) فروع الكافى ( الجزء الخامس من الطبعة الحديثة ) : 346 . *
[107]
أطلعوا عليها خواصهم ، ولم يكن يتم به الاحتجاج على المخالفين ، بل ربما كانوا
يحترزون عن إظهار أمثال تلك الامور لاكثر الشيعة أيضا ، لئلا تقبله عقولهم ولئلا
يغلو فيهم ، فالمعنى : غصبناه ظاهرا وبزعم الناس إن صحت تلك القصة .
وقال الشيخ المفيد قدس الله روحه في جواب المسائل السروية : إن الخبر
الوارد بتزويج أميرالمؤمنين عليه السلام ابنته من عمر لم يثبت ، وطريقته من الزبير بن بكار
ولم يكن موثوقا به في النقل ، وكان متهما فيما يذكره من بغضه لاميرالمؤمنين
عليه السلام وغير مأمون ، والحديث نفسه مختلف ، فتارة يروى أن أميرالمؤمنين تولى العقد
له على ابنته ، وتارة يروى عن العباس أنه تولى ذلك عنه ، وتارة يروى أنه لم يقع
العقد إلا بعد وعيد عن عمر وتهديد لبني هاشم ، وتارة يروى أنه كان عن اختيار و
إيثار ، ثم بعض الرواة يذكر أن عمر أولدها ولدا سماه زيدا ، وبعضهم يقول : إن
لزيد بن عمر عقبا ، ومنهم من يقول : إنه قتل ولا عقب له ، ومنهم من يقول : إنه
وامه قتلا ، ومنهم من يقول : إن امه بقيت بعده ، ومنهم من يقول : إن عمر أمهر
ام كلثوم أربعين ألف درهم ، ومنهم من يقول : مهرها أربعة آلاف درهم ، ومنهم من
يقول : كان مهرها خمسمائة درهم ، وهذا الاختلاف مما يبطل الحديث .
ثم إنه لو صح لكان له وجهان لا ينافيان مذهب الشيعة في ضلال المتقدمين
على أميرالمؤمنين عليه السلام أحدهما أن النكاح إنما هو على ظاهر الاسلام الذي هو
الشهادتان والصلاة إلى الكعبة والاقرار بجملة الشريعة ، وإن كان الافضل مناكحة
من يعتقد الايمان ، ويكره مناكحة من ضم إلى ظاهر الاسلام ضلالا يخرجه عن
الايمان ، إلا أن الضرورة متى قادت إلى مناكحة الضال مع إظهاره كلمة الاسلام
زالت الكراهة من ذلك ، وأميرالمؤمنين عليه السلام كان مضطرا إلى مناكحة الرجل ، لانه
تهدده وتواعده ، فلم يأمنه على نفسه وشيعته ، فأجابه إلى ذلك ضرورة ، كما أن الضرورة يشرع إظهار كلمة الكفر ، وليس ذلك بأعجب من قول لوط : " هؤلاء
بناتي هن أطهرلكم ( 1 ) " فدعاهم إلى العقد عليهم لبناته وهم كفار ضلال قد أذن الله
* ( هامش ص 107 ) ( 1 ) سورة هود : 78 . *
[108]
تعالى في هلاكهم ، وقد زوج رسول الله صلى الله عليه واله ابنتيه قبل البعثة كافرين كانا يعبدان
الاصنام ، أحدهما عتبة بن أبي لهب والآخر أبوالعاص بن الربيع ، فلما بعث
صلى الله عليه واله فرق بينهما وبين ابنتيه ( 1 ) .
وقال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الشافي : فأما الحنفية فلم يكن
سبية على الحقيقة ولم يستبحها عليه السلام بالسبي لانها بالاسلام قد صارت حرة مالكة
أمرها ، فأخرجها من يد من استرقها ثم عقد عليها النكاح ( 2 ) وفي أصحابنا من يذهب
إلى أن الظالمين متى غلبوا على الدار وقهروا ولم يتمكن المؤمن من الخروج من
أحكامهم جاز له أن يطأ سبيهم ، ويجري أحكامهم مع الغلبة والقهر مجرى أحكام
المحقين فيما يرجع إلى المحكوم عليه وإن كان فيما يرجع إلى الحاكم معاقبا آثما
وأما تزويجه بنته فلم يكن ذلك عن اختيار ، ثم ذكر رحمه الله الاخبار السابقة
الدالة على الاضطرار ، ثم قال : على أنه لو لم يجر ما ذكرناه لم يمتنع أن يجوزه
عليه السلام لانه كان على ظاهر الاسلام والتمسك بشرائعه وإظهار الاسلام ، وهذا حكم
يرجع إلى الشرع فيه ، وليس مما يخاطره ( 3 ) العقول ، وقد كان يجوز أيضا أن يبيحنا
أن ننكح اليهود والنصارى ، كما أباحنا عند أكثر المسلمين أن ننكح فيهم ، وهذا
إذا كان في العقول سائغا فالمرجع في تحليله وتحريمه إلى الشريعة ، وفعل أميرالمؤمنين
عليه السلام حجة عندنا في الشرع ، فلنا أن نجعل ما فعله أصلا في جواز مناكحة من ذكروه
وليس لهم أن يلزموا على ذلك مناكحة اليهود والنصارى وعباد الاوثان ، لانهم إن
سألوا عن جوازه في العقل فهو جائز ( 4 ) وإن سألوا عنه في الشرع فالاجماع يحظره
( هامش ص 108 ) ( 1 ) رسائل الشيخ المفيد : 61 - 63 .
( 2 ) في المصدر بعد ذلك : فمن اين انه استباحها بالسبى دون عقد النكاح .
( 3 ) " : يحظره .
( 4 ) " : فهو جار . *
[109]
ويمنع منه ، انتهى كلامه رفع الله مقامه ( 1 ) .
أقول : بعد إنكار عمر النص الجلي وظهور نصبه وعداوته لاهل البيت عليهم السلام
يشكل القول بجواز مناكحته من غير ضرورة ولا تقية ، إلا أن يقال بجواز مناكحة
كل مرتد عن الاسلام ، ولم يقل به أحد من أصحابنا ، ولعل الفاضلين إنما ذكرا
ذلك استظهارا على الخصم ، وكذا إنكار المفيد رحمه الله أصل الواقعة إنما هو لبيان أنه لم يثبت ذلك من طرقهم ، وإلا فبعد ورود ما مر من الاخبار إنكار ذلك
عجيب .
وقد روي الكليني ، عن حميد بن زياد ، عن ابن سماعة ، عن محمد بن زياد ، عن
عبدالله بن سنان ، ومعاوية بن عمار ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن عليا لما توفي
عمر أتى ام كلثوم فانطلق بها إلى بيته . وروى نحو ذلك عن محمد بن يحيى وغيره
عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن هشام
ابن سالم ، عن سليمان بن خالد ، عن أبي عبدالله عليه السلام ( 2 ) . والاصل في الجواب هو
أن ذلك وقع على سبيل التقية والاضطرار ولا استبعاد في ذلك ، فإن كثيرا من
المحرمات تنقلب عند الضرورة وتصير من الواجبات ، على أنه ثبت بالاخبار
الصحيحة أن أميرالمؤمنين وسائر الائمة عليهم السلام كانوا قد أخبرهم النبي صلى الله عليه واله بما يجري عليهم من الظلم وبما يجب عليهم فعله عند ذلك ، فقد أباح الله تعالى له خصوص


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 109 سطر 15 الى ص 117 سطر 15

ذلك بنص الرسول صلى الله عليه واله وهذا مما يسكن استبعاد الاوهام ، والله يعلم حقائق أحكامه
وحججه عليهم السلام .
أقول : قد أثبتنا في غزوة الخوارج بعض أحوال محمد بن الحنفية ، وكذا في
باب معجزات علي بن الحسين عليهما السلام منازعته له ظاهرا في الامامة ، وفي أبواب
أحوال الحسين عليه السلام وما جرى بعد شهادته . ثم اعلم أنه سأل السيد مهنا بن سنان
عن العلامة الحلي قدس الله روحهما فيما كتب إليه من المسائل : ما يقول سيدنا في
* ( هامش ص 109 ) ( 1 ) الشافى : 215 و 216 .
( 2 ) راجع فروع الكافى ( الجزء السادس من الطبعة الحديثة ) : 115 و 116 . *
[110]
محمد بن الحنفية ؟ هل كان يقول بإمامة زين العابدين عليه السلام ؟ وكيف تخلف عن الحسين
عليه السلام ؟ وكذلك عبدالله بن جعفر ، فأجاب العلامة رحمه الله : قد ثبت في أصل الامامة
أن أركان الايمان التوحيد والعدل والنبوة والامامة ، والسيد محمد بن الحنفية و
عبدالله بن جعفر وأمثالهم أجل قدرا وأعظم شأنا من اعتقادهم خلاف الحق ، و
خروجهم عن الايمان الذي يحصل به اكتساب الثواب الدائم والخلاص من العقاب
وأما تخلفه عن نصرة الحسين عليه السلام فقد نقل أنه كان مريضا ، ويحتمل في غيره عدم
العلم بما وقع على مولانا الحسين عليه السلام من القتل وغيره ، وبنوا على ما وصل من كتب
الغدرة إليه وتوهموا نصرتهم له .
121 .
( باب )
* ( أحوال اخوانه وعشائره صلوات الله عليه ) *
1 - ل : الحسن بن محمد بن يحيى العلوي ، عن جده ، عن إبراهيم بن محمد بن يوسف
عن علي بن الحسن ، عن إبراهيم بن رستم ، عن أبي حمزة السكوني ، عن جابر
الجعفي ، عن عبدالرحمن بن ثابت ( 1 ) قال : كان النبي صلى الله عليه واله يقول لعقيل : إني
لاحبك يا عقيل حبين : حبا لك وحبا لحب أبي طالب لك ( 2 ) .
2 - د : ذكر ابن عبدالبر في كتاب الاستيعاب أن مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام
كان أصغر ولد أبي طالب عليه السلام كان أصغر من جعفر بعشر سنين ، وجعفر أصغر من
عقيل بعشر سنين ، وعقيل أصغر من طالب بعشر سنين ( 3 ) .
* ( هامش ص 110 ) ( 1 ) في المصدر و ( م ) و ( خ ) : سابط .
( 2 ) الخصال 1 : 38 .
( 3 ) مخطوط . وتوجد في الاستيعاب 3 : 26 و 27 . *
[111]
3 - ما : أحمد بن محمد بن الصلت ، عن ابن عقدة ، عن أحمد بن القاسم الاكفاني
عن عباد بن يعقوب ، عن أبي معاذ زياد بن رستم بياع الادم ، عن عبدالصمد ، عن جعفر
ابن محمد عليهما السلام قال : قلت : يا أبا عبدالله حدثنا حديث عقيل ، قال : نعم ، جاء عقيل
إليكم بالكوفة وكان علي عليه السلام جالسا في صحن المسجد وعليه قميص سنبلاني قال :
فسأله ، قال : أكتب لك إلى ينبع ، قال : ليس غير هذا ؟ قال : لا ، فبينما هو كذلك
إذ أقبل الحسين عليه السلام ( 1 ) فقال : اشتر لعمك ثوبين ، فاشترى له ، قال : يا ابن أخي
ما هذا ؟ قال : هذه كسوة أميرالمؤمنين عليه السلام ، ثم أقبل حتى انتهى إلى علي عليه السلام
فجلس فجعل يضرب يده على الثوبين وجعل يقول : ما ألين هذا الثوب يا أبا يزيد !
قال : يا حسن أخد عمك قال : قال : ما أملك صفراء ولا بيضاء ، قال : فمر له ببعض
ثيابك ، قال : فكساه بعض ثيابه ، قال : ثم قال : يا محمد أخد عمك ، قال : والله ما أملك
درهما ولا دينارا ، قال : اكسه بعض ثيابك .
قال عقيل : يا أميرالمؤمنين ائذن لي إلى معاوية ؟ قال : في حل محلل ، فانطلق
نحوه ، وبلغ ذلك معاوية ، فقال : اركبوا أفره دوابكم والبسوا من أحسن ثيابكم
فإن عقيلا قد أقبل نحوكم ، وأبرز معاوية سريره ، فلما انتهى إليه عقيل قال :
معاوية مرحبا بك يا أبا يزيد ما نزع بك ؟ قال : طلب الدنيا من مظانها ، قال : وقفت
وأصبت قد أمرنا لك بمائة ألف ، فأعطاه المائة الالف : ثم قال : أخبرني عن العسكرين
اللذين مررت بهما عسكري وعسكر علي ، قال : في الجماعة اخبرك أو في الوحدة
قال : لا بل في الجماعة ، قال : مررت على عسكر علي عليه السلام فإذا ليل كليل النبي
صلى الله عليه واله ونهار كنهار النبي صلى الله عليه واله إلا أن رسول الله صلى الله عليه واله ليس فيهم ، ومررت على عسكرك
فإذا أول من استقبلني أبوالاعور وطائفة من المنافقين والمنفرين برسول الله صلى الله عليه واله
إلا أن أبا سفيان ليس فيهم ! فكف عنه حتى إذا ذهب الناس قال له : يا أبا يزيد
أيش صنعت بي ؟ قال : ألم أقل لك : في الجماعة أو في الوحدة فأبيت علي ؟ قال : أما
* ( هامش ص 111 ) ( 1 ) في المصدر : الحسن عليه السلام . *
[112]
الآن فاشفني من عدوي ، قال : ذلك عند الرحيل ، فلما كان من الغد شد غرائره
ورواحله وأقبل نحو معاوية وقد جمع معاوية حوله ، فلما انتهى إليه قال : يا معاوية
من ذا عن يمينك ؟ قال : عمرو بن العاص ، فتضاحك ، ثم قال : لقد علمت قريش
أنه لم يكن أحصى لتيوسها ( 1 ) من أبيه ، ثم قال : من هذا ؟ قال : هذا أبوموسى ،
فتضاحك ، ثم قال : لقد علمت قريش بالمدينة أنه لم يكن بها امرأة أطيب ريحا من
قب امه ! قال : ( 2 ) أخبرني عن نفسي يا أبا يزيد قال تعرف حمامة ؟ ثم سار فألقى في
خلد ( 3 ) معاوية ، قال : ام من امهاتي لست أعرفها ، فدعا بنسابين من أهل الشام
فقال : أخبراني أو لاضربن أعناقكما ، لكما الامان ، قالا : فإن حمامة جدة أبي -
سفيان السابعة وكانت بغيا ، وكان لها بيت توفي فيه ، قال جعفر بن محمد عليهما السلام : و
كان عقيل من أنسب الناس ( 4 ) .
بيان : يقال : أخديته أي أعطيته . والقب بالكسر : العظم الناتئ بين
الاليتين .
أقول : قال عبدالحميد بن أبي الحديد : رووا أن عقيلا رحمه الله قدم على
أميرالمؤمنين عليه السلام فوجده جالسا في صحن المسجد بالكوفة ( 5 ) فقال : السلام عليك
يا أميرالمؤمنين ، قال : وعليك السلام يا أبا يزيد ، ثم التفت إلى الحسن ابنه ( 6 ) عليهما السلام
فقال : قم فأنزل عمك ، فقام فأنزله ، ثم عاد إليه فقال : اذهب فاشتر لعمك قميصا
جديدا ورداء جديدا وإزارا جديدا ونعلا جديدا ، فذهب فاشترى له ، فغدا عقيل
على أميرالمؤمنين عليه السلام في الثياب ، فقال : السلام عليك يا أميرالمؤمنين ، فقال : و
* ( هامش ص 112 ) ( 1 ) جمع التيس : الذكر من المعز . والضمير راجع إلى قريش .
( 2 ) في المصدر : ثم قال .
( 3 ) الخلد - بفتحتين - : البال والقلب .
( 4 ) امالى ابن الشيخ : 89 و 90 .
( 5 ) في المصدر : في صحن مسجد الكوفة .
( 6 ) " : إلى ابنه الحسن . *
[113]
عليك السلام يا أبا يزيد ( 1 ) يخرج عطائي فأدفعه إليك ، فلما ارتحل عن أميرالمؤمنين
عليه السلام إلى معاوية ( 2 ) فنصب له كراسيه وأجلس جلساءه حوله ، فلما ورد عليه أمر
له بمائة ألف فقبضها ، ثم غدا عليه يوما بعد ذلك وجلساء معاوية حوله ، فقال : يا
أبا يزيد أخبرني عن عسكري وعسكر أخيك فقد وردت عليهما ، قال : اخبرك ،
مررت والله بعسكر أخي فإذا ليل كليل رسول الله صلى الله عليه واله ونهار كنهار رسول الله صلى الله عليه واله
إلا أن رسول الله ليس في القوم ، ما رأيت إلا مصليا ولا سمعت إلا قارئا ، ومررت
بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممن نفر ناقة رسول الله صلى الله عليه واله ( 3 ) ليلة العقبة
ثم قال : من هذا عن يمينك يا معاوية ؟ قال : هذا عمرو بن العاص ، قال : هذا الذي
اختصم فيه ستة نفر فغلب عليه جزار قريش ، فمن الآخر ؟ قال : الضحاك بن
قيس الفهري ، قال : أما والله لقد كان أبوه جيد الاخذ لعسب التيوس ( 4 ) ، فمن
هذا الآخر ؟ قال : أبوموسى الاشعري ، قال : هذا ابن السراقة ! فلما رأى معاوية
أنه قد أغضب جلساءه علم أنه إن استخبره عن نفسه قال فيه سوءا ، فأحب أن يسأله
ليقول فيه ما يعلمه من السوء فيذهب بذلك غضب جلسائه ، قال : يا أبا يزيد فما
تقول في ؟ قال : دعني من هذا ، قال : لتقولن ، قال : أتعرف حمامة ؟ قال : ومن
حمامة يا أبا يزيد ؟ قال : قد أخبرتك ، ثم قال ( 5 ) فمضى ، فأرسل معاوية إلى النسابة
فدعاه ، قال : من حمامة ؟ قال : ولي الامان ؟ قال : نعم ، قال : حمامة جدتك ام أبي
سفيان ، كانت بغيا في الجاهلية صاحبة راية ، قال معاوية لجلسائه : قد ساويتكم و
* ( هامش ص 113 ) ( 1 ) في المصدر بعد ذلك : قال يا أميرالمؤمنين ما اراك اصبت من الدنيا شيئا وانى لا
ترضى نفسى من خلافتك بما رضيت به لنفسك ، فقال : يا ابا يزيد اه .
( 2 ) في المصدر : أتى معاوية .
( 3 ) في المصدر : و ( م ) و ( خ ) : ممن نفر برسول الله .
( 4 ) العسب : النسل .
( 5 ) كذا في النسخ ، والصحيح كما في المصدر ، قام . *
[114]
زدت عليكم فلا تغضبوا ( 1 ) !
وقال في موضع آخر : من المفارقين لعلي عليه السلام أخوه عقيل بن أبي طالب
قدم على أميرالمؤمنين عليه السلام الكوفة ( 2 ) يسترفده ، فعرض عليه عطاءه فقال : إنما
اريد من بيت المال ، فقال : تقيم لي ( 3 ) يوم الجمعة ، فلما صلى علي الجمعة قال
له : ما تقول فيمن خان هؤلاء أجمعين ؟ قال : بئس الرجل ، قال : فإنك أمرتني أن
أخونهم واعطيك ، فلما خرج من عنده شخص إلى معاوية ، فأمر له يوم قدومه بمائة
ألف درهم ، وقال له : يا أبايزيد أنا خير لك أم علي ؟ قال : وجدت عليا أنظر
لنفسه منك ووجدتك أنظر لي منك لنفسك ! وقال معاوية لعقيل : إن فيكم يا بني
هاشم لينا ، قال : أجل إن فينا للينا من غير ضعف وعزا من غير عنف ، وإن لينكم
يا معاوية غدر وسلمكم كفر ! وقال معاوية : ولا كل هذا يا أبا يزيد ، وقال الوليد
ابن عقبة لعقيل في مجلس معاوية : غلبك أخوك يا با يزيد على الثروة ، قال : نعم و
سبقني وإياك إلى الجنة ، قال : أما والله ( 4 ) لو أن أهل الارض اشتركوا في قتله
لارهقوا صعودا ، وإن أخاك لاشد هذه الامة عذابا ، فقال : صه ! والله إنا لنرغب
بعبد من عبيده عن صحبة أبيك عقبة بن أبي معيط !
وقال معاوية يوما وعنده عمرو بن العاص وقد أقبل عقيل : لاضحكنك من
عقيل ، فلما سلم قال معاوية : مرحبا برجل عمه أبولهب ، فقال عقيل : وأهلا بمن ( 5 )
عمته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد ، لان امرأة أبي لهب ام جميل بنت حرب
* ( هامش ص 114 ) ( 1 ) شرح النهج 1 : 184 و 185 .
( 2 ) في المصدر : بالكوفة .
( 3 ) " : إلى .
( 4 ) في المصدر بعد ذلك ، ان شدقيه لمضمومان من دم عثمان ، فقال : وماأنت وقريش
والله ما انت فينا الا كنصيح التيس ، فغضب الوليد وقال : والله اه .
( 5 ) في المصدر : برجل . *
[115]
ابن امية ، قال معاوية يا أبا يزيد : ما ظنك بعمك أبي لهب ؟ قال : إذا دخلت النار
فخذ على يسارك تجده مفترشا عمتك حمالة الحطب ، أفناكح في النار خير أم منكوح ؟ !
قال : كلاهما شر والله ( 1 ) .
وقال في موضع آخر : عقيل بن أبي طالب هو أخو أميرالمؤمنين عليه السلام لابيه
وامه ، وكانوا بنو أبي طالب أربعة : طالب وهو أسن من عقيل بعشر سنين ، وعقيل
وهو أسن من جعفر بعشر سنين ، وجعفر وهو أسن من علي بعشر سنين ، وعلي
عليه السلام وهو أصغر هم سنا وأعظمهم قدرا بل وأعظم الناس بعد ابن عمه قدرا ، وكان
أبوطالب يحب عقيلا أكثر من حبه سائر بنيه ، فلذلك قال للنبي صلى الله عليه واله وللعباس
حين أتياه ليقسما بنيه عام المحل ( 2 ) فيخففا عنه ثقلهم : دعوا لي عقيلا وخذوا من
شئتم ، فأخذ العباس جعفرا وأخذ محمد عليا ، وكان عقيل يكنى أبا يزيد ، قال له
رسول الله صلى الله عليه واله : يا أبا يزيد إني احبك حبين : حبا لقرابتك مني وحبا لما
كنت أعلم من حب عمي إياك . اخرج عقيل إلى بدر مكرها كما اخرج العباس
فاسر وفدي وعاد إلى مكة ، ثم أقبل مسلما مهاجرا قبل الحديبية ، وشهد غزاة
مؤتة مع أخيه جعفر ، وتوفي في خلافة معاوية في سنة خمسين ، وكان عمره ست و
تسعون سنة ، وله دار بالمدينة معروفة ، وخرج إلى مكة ( 3 ) ثم إلى الشام ثم عاد
إلى المدينة ، ولم يشهد مع أخيه أميرالمؤمنين عليه السلام شيئا من حروبه أيام خلافته
وعرض نفسه وولده عليه فأعفاه ولم يكلفه حضور الحرب ، وكان أنسب قريش و
أعلمهم بأيامها ، وكان مبغضا إليهم ، لانه كان يعد مساويهم ، وكانت له طنفسة ( 4 )
تطرح في مسجد رسول الله فيصلي عليها ، ويجتمع إليه الناس في علم النسب وأيام
العرب ، وكان حينئذ قد ذهب بصره ، وكان أسرع الناس جوابا وأشد هم عارضة
* ( هامش ص 115 ) ( 1 ) شرح النهج 1 : 481 .
( 2 ) بالفتح فالسكون : انقطاع المطرويبس الارض .
( 3 ) في المصدر : إلى العراق .
( 4 ) الطنفسة - مثلثة الطاء والفاء - : البساط . الحصير . *
[116]
وكان يقال : إن في قريش أربعة ينحاكم إليهم في علم النسب وأيام قريش ويرجع
إلى قولهم : عقيل بن أبي طالب ، ومخرمة بن نوفل الزهري ، وأبوالجهم بن حذيفة
العدوي ، وحو يطب بن عبدالعزى العامري ، واختلف الناس فيه هل التحق
بمعاوية وأميرالمؤمنين عليه السلام حي ؟ فقال قوم ( 1 ) ورووا أن معاوية قال يوما وعقيل
عنده : هذا أبويزيد لو لا علمه أني خير له من أخيه لما أقام عندنا وتركه ، فقال
عقيل : أخي خير لي في ديني وأنت خير لي في دنياي ، وقد آثرت دنيا ، وأسأل الله
خاتمه خير . وقال قوم : إنه لم يفد إلى معاوية إلا بعد وفاة أميرالمؤمنين عليه السلام و
استدلوا على ذلك بالكتاب الذي كتبه إليه في آخر خلافته والجواب الذي أجابه
عليه السلام به وقد ذكرناه فيما تقدم ، وسيأتي ذكره أيضا في باب كتبه عليه السلام ، وهذا
القول هو الاظهر عندي .
وروى المدائني قال : قال معاوية يوما لعقيل بن أبي طالب : هل من حاجة
فأقضيها لك ؟ قال : نعم ، جارية عرضت علي وأبى أصحابها أن يبيعوها إلا بأربعين
ألفا ، فأحب معاوية أن يمازحه ، قال : وما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفا وأنت
أعمى ؟ تجتزئ بجارية قيمتها خمسون درهما : قال : أرجو أن أطأها فتلد لي غلاما
إذا أغضبته يضرب عنقك ! فضحك معاوية وقال : ما زحناك يا بايزيد ، وأمر فابتيعت
له الجارية التي أولد منها مسلما رحمه الله ، فلما أتت على مسلم ثماني عشرة سنة وقد
مات عقيل أبوه قال لمعاوية : يا أميرالمؤمنين إن لي أرضا بمكان كذا من المدينة ، و
إني أعطيت بها مائة ألف ، وقد أحببت أن أبيعك إياها ، فادفع إلي ثمنها ، فأمر
معاوية بقبض الارض ودفع الثمن إليه ، فبلغ ذلك الحسين عليه السلام فكتب إلى معاوية :
أما بعد فإنك اغتررت ( 2 ) غلاما من بني هاشم فابتعت منه أرضا لا يملكها ، فاقبض من
الغلام ما دفعته إليه واردد علينا أرضنا ، فبعث معاوية إلى مسلم فأخبره ذلك وأقرأه
* ( هامش ص 116 ) ( 1 ) اى اعتقد قوم ذلك . وفى المصدر : فقال قوم : نعم .
( 2 ) في المصدر : غررت . *
[117]
كتاب الحسين عليه السلام وقال : اردد علينا مالنا وخذ أرضك فإنك بعت ما لا تملك ،
فقال مسلم : أما دون أن أضرب رأسك بالسيف فلا ، فاستلقى معاوية ضاحكا يضرب
برجليه وقال : يا بني هذا والله كلام قاله لي أبوك حين ابتعت له امك ، ثم كتب
إلى الحسين عليه السلام : إني قد رددت عليكم الارض وسوغت مسلما ما أخذه ، فقال
الحسين عليه السلام : أبيتم يا آل أبي سفيان إلا كرما .
وفقال معاوية لعقيل : يا أبا يزيد أين يكون عمك أبولهب اليوم ؟ قال : إذا
دخلت جهنم فاطلبه تجده مضاجعا عمتك ام جميل بنت حرب بن امية . وقالت له
زوجته ابنة عتبة بن ربيعة : يا بني هاشم لا يحبكم قلبي أبدا ، أين أبي ؟ أين عمي ؟
أين أخي ؟ كأن أعناقهم أباريق الفضة ترد أنفهم الماء قبل شفاهم ، قال : إذا دخلت
جهنم فخذي على شمالك تجدينهم .
سأل معاوية عقيلا رحمه الله عن قصة الحديدة المحماة المذكورة ، فبكى وقال :
أنا احدثك يا معاوية عنه ( 1 ) ثم احدثك عما سألت ، نزل بالحسين ابنه ضيف ،
فاستسلف ( 2 ) درهما اشترى به خبزا ، واحتاج إلى الادام ، فطلب من قنبر خادمهم
أن يفتح له زقا من زقاق عسل جاءتهم من اليمن ، فأخذ منه رطلا ، فلما طلبها ليقسمها
قال : يا قنبر أظن أنه حدث في هذا الزق حدث ، قال : نعم يا أميرالمؤمنين ، و


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 117 سطر 16 الى ص 125 سطر 16

أخبره ، فغضب وقال : علي بحسين ، ورفع الدرة ( 3 ) فقال : بحق عمي جعفر -
وكان إذا سئل بحق جعفر سكن - فقال له : ما حملك إذ أخذت منه قبل القسمة ؟
قال : إن لنا فيه حقا ، فإذا أعطيناه رددناه ، قال : فداك أبوك وإن كان لك فيه
حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم ، أما لولا أني
رأيت رسول الله صلى الله عليه واله يقبل ثنيتيك لاوجعتك ضربا ، ثم دفع إلى قنبر درهما كان
مصرورا في ردائه وقال : اشتر به خير عسل تقدر عليه ، قال عقيل : والله لكأني أنظر
* ( هامش ص 117 ) ( 1 ) أى عن أميرالمؤمنين عليه السلام .
( 2 ) أى اقترض .
( 3 ) في المصدر : فرفع عليه الدرة . *
[118]
إلى يدي علي وهي على فم الزق وقنبر يقلب العسل فيه ثم شده وجعل يبكي و
يقول : اللهم اغفر للحسين فإنه لم يعلم .
فقال معاوية : ذكرت من لا ينكر فضله ، رحم الله أبا حسن فلقد سبق من كان
قبله وأعجز من يأتي بعده ، هلم حديث الحديدة ، قال : نعم ، أقويت ( 1 ) وأصابتني
مخمصة شديدة ، فسألته فلم تند صفاته ( 2 ) فجمعت صبياني وجئته بهم والبؤس والضر
ظاهران عليهم ، فقال : ائتني عشية لادفع إليك شيئا ، فجئته يقودني أحد ولدي
فأمره بالتنحي ثم قال : ألا فدونك ، فأهويت حريصا قد غلبني الجشع ( 3 ) أظنها
صرة ، فوضعت يدي على حديد تلتهب نارا ، فلما قبضتها نبذتها وخرت كما يخور ( 4 )
الثور تحت جازره ، فقال لي : ثكلتك امك هذا من حديدة أوقدت لها نار الدنيا
فكيف بك وبي غدا أن سلكنا في سلاسل جهنم ؟ ثم قرأ " إذ الاغلال في أعناقهم و
السلاسل يسحبون " ( 5 ) ثم قال : ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلا
ما ترى ، فانصرف إلى أهلك ، فجعل معاوية يتعجب ويقول : هيهات عقمت النساء
أن تلد بمثله ( 6 ) .
أقول : روي في بعض مؤلفات أصحابنا عن قتادة أن أروى بنت الحارث بن
عبدالمطلب دخلت على معاوية بن أبي سفيان وقد قدم المدينة وهي عجوز كبيرة
فلما رآها معاوية قال : مرحبا بك يا خالة كيف كنت بعدي ؟ قالت : كيف أنت يا
ابن اختي ؟ لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمك الصحبة ، وتسميت بغير اسمك
* ( هامش ص 118 ) ( 1 ) أى افتقرت .
( 2 ) الصفاة : الحجر الصلد الضخم . يقال " فلان لا تندى صفاته " أى انه بخيل . والجملة
كناية عن امساكه عليه السلام عن بذل بيت المال لا خيه عقيل .
( 3 ) الجشع : اشد الحرص .
( 4 ) خار البقر : صاح .
( 5 ) سورة المؤمن : 71 .
( 6 ) شرح النهج 3 : 120 - 122 . وفيه : هيهات هيهات عقمت النساء أن يلدن بمثله . *
[119]
وأخذت غير حقك بلا بلاء كان منك ولا من آبائك في ديننا ولا سابقة كانت لكم ، بل
كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه واله ، فأتعس الله منكم الجدود ، وأصعر منكم الخدود ، و
رد الحق إلى أهله ، فكانت كلمتنا هي العليا ونبينا هو المنصور على من ناواه ،
فوثبت قريش علينا من بعده حسدا لنا وبغيا ، فكنا بحمدالله ونعمته أهل بيت فيكم
بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون ، وكان سيدنا فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون
من موسى ، وغايتنا الجنة وغايتكم النار ، فقال لها عمرو بن العاص : كفي أيتها
العجوز الضالة ، واقصري من قولك مع ذهاب عقلك ، إذ لا تجوز شهادتك وحدك !
فقالت : وأنت يا ابن الباغية تتكلم وامك أشهر بغي بمكة ، وأقلهم اجرة ! و
ادعاك خمسة من قريش ، فسئلت امك عن ذلك فقالت : كل أتاها فانظروا أشبههم
به فألحقوه به ! فغلب شبه العاص بن وائل جزار قريش ألامهم مكرا وأمهنهم خيرا
فما ألومك ببغضنا ، قال مروان بن الحكم : كفي أيتها العجوز واقصدي لما جئت
له ، فقالت : وأنت يا ابن الزرقاء تتكلم والله وأنت ببشير مولى ابن كلدة أشبه منك
بالحكم بن العاص ! وقد رأيت الحكم سبط الشعر مديد القامة ، وما بينكما قرابة
إلا كقرابة الفرس الضامر من الاتان المقرف ! فاسأل عما أخبرتك به امك فإنها
ستخبرك بذلك ، ثم التفتت إلى معاوية فقالت : والله ما جرأ هؤلاء غيرك ، وإن امك
القائلة في قتل حمزة :
نحن جزيناكم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات السعر
إلى آخر الابيات ، فأجابتها ابنة عمي :
خزيت في بدر وغير بدر * يا بنت وقاع عظيم الكفر
إلى آخر الابيات ، فالتفت معاوية إلى مروان وعمرو وقال : والله ما جرأها
علي غيركما ، ولا أسمعني هذا الكلام سواكما ، ثم قال : يا خالة اقصدي لحاجتك
ودعي أساطير النساء عنك ، قالت : تعطيني ألفي دينار وألفي دينار ، قال :
ما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت : أزوج بها فقراء بني الحارث بن عبدالمطلب ، قال :
[120]
هي كذلك ، فما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت : أستعين بها على شدة الزمان وزيارة
بيت الله الحرام ، قال : قد أمرت بها لك ، فما تصنعين بألفي دينار ؟ قالت : أشتري بها
عينا خرارة في أرض حوارة تكون لفقراء بني الحارث بن عبدالمطلب ، قال : هي
لك يا خالة ، أما والله لو كان ابن عمك علي ما أمر بها لك ، قالت : تذكر عليا فض
الله فاك وأجهد بلاك ، ثم علا نحيبها وبكاؤها وجعلت تقول :
ألا ياعين ويحك فاسعدينا * ألا فابكي أميرالمؤمنينا
رزئنا خير من ركب المطايا * وجال بها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها * ومن قرأ المثاني والمئينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين * رأيت البدر راق الناظرينا
ألا فابلغ معاوية فجعتمونا * بخير الخلق طرا أجمعينا
مضى بعد النبي فدته نفسي * أبوحسن وخير الصالحينا
كأن الناس إذ فقدوا عليا * نعام جال في بلد سنينا
فلا والله لا أنسى عليا * وحسن صلاته في الراكعينا
لقد علمت قريش حيث كانت * بأنك خيرها حسبا ودينا
فلا يفرح معاوية بن حرب * فإن بقية الخلفاء فينا
قال : فبكى معاوية ثم قال : يا خالة لقد كان كما قلت وأفضل .
بيان : الخرير : صوت الماء أي عينا يكون لمائها صوت لكثرته . والحوارة
لعلها من الحور بمعنى الرجوع ، أي ترجع كل سنة إلى إعطاء الغلة ، وفي أكثر
النسخ بالخاء المعجمة ، والخوار : الصوت والضعف والانكسار ، ولا يستقيم إلا
بتكلف .
4 - قب : إخوته عليه السلام طالب وعقيل وجعفر وعلي أصغرهم ، وكل واحد
منهم أكبر من أخيه بعشر سنين بهذا الترتيب ، وأسلموا كلهم وأعقبوا إلا طالب ،
[121]
فإنه أسلم ولم يعقب ، اخته ام هانئ واسمها فاختة وجمانة ، وخاله حنين بن أسد
ابن هاشم ، وخالته خالدة بنت أسد ، وربيبه محمد بن أبي بكر ، وابن اخته جعدة بن
هبيرة ( 1 ) .
5 - ل : الحسن بن محمد العلوي ، عن جده ، عن الحسين بن محمد ، عن ابن
أبي السري ، عن هشام بن محمد السائب ، عن أبيه ، عن أبي الصالح ، عن ابن عباس
قال : كان بين طالب وعقيل عشر سنين ، وبين عقيل وجعفر عشر سنين ، وبين جعفر
وعلي عليه السلام عشر سنين ، وكان علي عليه السلام أصغرهم ( 2 ) .
أقول : قد مضى كثير من أحوال عقيل في باب جوامع مكارمه عليه السلام وأحوال
جعفر عليه السلام وبعض عشائره في أبواب أحوال عشائر الرسول صلى الله عليه واله وأصحابه ، وسيأتي
أحوال عبدالله بن جعفر وعبدالله بن العباس في باب أحوال أصحابه عليه السلام وأبواب
أحوال الحسين عليه السلام .
122 .
( باب )
* ( أحوال رشيد الهجرى وميثم التمار وقنبر رضى الله عنهم أجمعين ) *
1 - ما : المفيد ، عن الجعابي ، عن ابن عقدة ، عن محمد بن يوسف بن إبراهيم
عن أبيه ، عن وهيب بن حفص ، عن أبي حسان العجلي قال : لقيت أمة الله بنت
راشد الهجري فقلت لها : أخبريني بما سمعت من أبيك ، قالت : سمعته يقول : قال
لي حبيبي أميرالمؤمنين عليه السلام : يا راشد كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني امية
فقطع يديك ورجليك ولسانك ؟ فقلت : يا أميرالمؤمنين أيكون آخر ذلك إلى الجنة ؟
* ( هامش ص 121 ) ( 1 ) مناقب آل أبى طالب 2 : 75 .
( 2 ) الخصال 1 : 85 . *
[122]
قال : نعم يا راشد وأنت معي في الدنيا والآخرة ، قالت : فوالله ما ذهبت الايام حتى
أرسل إليه الدعي عبيد الله بن زياد فدعاه إلى البراءة منه ، فقال له ابن زياد : فبأي
ميتة قال لك صاحبك تموت ؟ قال : خبرني خليلي صلوات الله عليه أنك تدعوني
إلى البراءة منه فلا أتبرا ، فتقدمني فتقطع يدي ورجلي ولساني ، فقال : والله
لاكذبن صاحبك ، قدموه واقطعوا يده ورجله واتركوا لسانه ، فقطعوه ثم حملوه
إلى منزلنا ، فقلت له : يا أبت جعلت فداك هل تجد لما أصابك ألما ؟ قال : لا والله
يا بنية إلا كالزحام بين الناس ، ثم دخل عليه جيرانه ومعارفه يتوجعون له فقال :
آتوني ( 1 ) بصحيفة ودواة أذكر لكم ما يكون مما أعلمنيه مولاي أميرالمؤمنين عليه السلام
فأتوه بصحيفة ودواة ، فجعل يذكر ويملي عليهم أخبار الملاحم والكائنات ويسندها
إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فبلغ ذلك ابن زياد ، فأرسل إليه الحجام حتى قطع لسانه
فمات من ليلته تلك ، وكان أميرالمؤمنين عليه السلام يسميه راشد المبتلى ، وكان قد ألقى
إليه علم البلايا والمنايا ، فكان يلقى الرجل ويقول له : يا فلان بن فلان تموت ميتة
كذا ، وأنت يا فلان تقتل قتلة كذا ، فيكون الامر كما قاله راشد رحمه الله ( 2 ) .
2 - يد : أبي ، عن سعد ، عن ابن أبي الخطاب ، عن جعفر بن بشير ، عن العرزمي
عن أبي عبدالله عليه السلام قال : كان لعلي عليه السلام غلام اسمه قنبر ، وكان يحب عليا حبا
شديدا ، فإذا خرج علي عليه السلام خرج على أثره بالسيف ، فرآه ذات ليلة فقال : يا
قنبر مالك ؟ قال : جئت لامشي خلفك ، فإن الناس كما تراهم يا أميرالمؤمنين ،
فخفت عليك ، قال : ويحك أمن أهل السماء تحرسني أم من أهل الارض ؟ قال : لا
بل من أهل الارض ، قال : إن أهل الارض لا يستطيعون بي شيئا إلا بإذن الله عز
وجل من السماء ، فارجع فرجع ( 3 ) .
( هامش ص 122 ) ( 1 ) في المصدر : ايتونى .
( 2 ) أمالى الشيخ : 103 و 104 .
( 3 ) التوحيد : 350 . *
[123]
3 - ختص : أحمد بن محمد بن يحيى ، عن عبدالله بن جعفر ، عن هارون ، عن
ابن صدقة ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه عليهما السلام : أن عليا عليه السلام قال :
إذا رأيت ( منهم ) أمرا منكرا * أو قدت ناري ودعوت قنبرا ( 1 ) .
4 - ير : عبدالله بن محمد ، عن إبراهيم بن محمد ، عن علي بن معلى ، عن ابن أبي
حمزة ، عن سيف بن عميرة قال : سمعت العبد الصالح أبا الحسن عليه السلام ينعى إلى رجل
نفسه ، فقلت في نفسي : وإنه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته ؟ فقال شبه الغضب :
يا إسحاق قد كان رشيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا فالامام أولى بذلك ( 2 ) .
5 - ير : الحسن بن علي بن معاوية ( 3 ) ، عن إسحاق قال : كنت عند أبي -
الحسن عليه السلام ودخل عليه رجل ، فقال له أبوالحسن عليه السلام : يا فلان إنك أنت تموت
إلى شهر ، قال : فأضمرت في نفسي كأنه يعلم آجال شيعته ، قال : فقال : يا إسحاق
وما تنكرون من ذلك ؟ وقد كان رشيد الهجري مستضعفا وكان يعلم علم المنايا والبلايا
فالامام أولى بذلك ، ثم قال : يا إسحاق تموت إلى سنتين ، ويتشتت أهلك وولدك
وعيالك وأهل بيتك ، ويفلسون إفلاسا شديدا ( 4 ) .
بيان : مستضعفا أي مظلوما ، أي يعده الناس ضعيفا لا يعتنون بشأنه ، أو كانوا
يحسبونه ضعيف العقل .
6 - سن : عثمان بن عيسى ، عن أبي الجارود ، عن قنو ( 5 ) ابنة رشيد الهجري
قالت : قلت لابي : ما أشد اجتهادك ! فقال : يا بنية سيجئ قوم بعدنا بصائرهم في
دينهم أفضل من اجتهاد أوليهم ( 6 ) .
* ( هامش ص 123 ) ( 1 ) الاختصاص : 73 . وفيه : أوقدت نارا .
( 2 ) بصائر الدرجات : 73 .
( 3 ) كذا في النسخ . والصحيح كما في المصدر : الحسن بن على بن فضال ، عن معاوية ،
عن إسحاق .
( 4 ) بصائر الدرجات : 73 .
( 5 ) في المصدر : قنوة .
( 6 ) المحاسن : 251 . *
[124]
7 - شا : من معجزات أميرالمؤمنين صلوات الله عليه أن ميثم التمار كان عبدا
لا مرأة من بني أسد ، فاشتراه أميرالمؤمنين عليه السلام منها فأعتقه ، فقال : ما اسمك ؟
فقال : سالم ، فقال : أخبرني رسول الله صلى الله عليه واله أن اسمك الذي سماك به أبوك في
العجم ميثم ، قال : صدق الله ورسوله وصدق أمير المؤمنين ( 1 ) والله إنه لاسمي ، قال :
فارجع إلى اسمك الذي سماك به رسول الله صلى الله عليه واله ودع سالما ، فرجع إلى ميثم و
اكتنى بأبي سالم ، فقال علي عليه السلام ذات يوم : إنك تؤخذ بعدي فتصلب وتطعن
بحربة ، فإذا كان اليوم الثالث ابتدر منخراك وفمك دما فتخضب لحيتك ، فانتظر
ذلك الخضاب ، فتصلب على باب دار عمرو بن حريث عاشر عشرة ، أنت أقصرهم خشبة
وأقربهم من المطهرة ، وامض حتى اريك النخلة التي تصلب على جذعها ، فأراه
إياها ، وكان ميثم يأتيها فيصلي عندها ويقول : بوركت من نخلة لك خلقت ولي
غذيت ، ولم يزل معاهدها ( 2 ) حتى قطعت ، وحتى عرف الموضع الذي يصلب عليها
بالكوفة ، قال : وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول : إني مجاورك فأحسن جواري
فيقول له عمرو : أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أو دار ابن حكيم ؟ وهو لا يعلم
ما يريد ، وحج في السنة قتل فيها فدخل على ام سلمة رضي الله عنها ، فقالت :
من أنت ؟ قال : أنا ميثم ، قالت : والله لربما سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يذكرك ويوصي بك
عليا في جوف الليل ، فسألها عن الحسين عليه السلام فقالت : هو في حائط له ، قال : أخبريه
أنني قد أحببت السلام عليه ، ونحن ملتقون عند رب العالمين إن شاء الله ، فدعت
بطيب وطيبت لحيته ، وقالت : أما إنها ستخضب بدم فقدم الكوفة فأخذه عبيد الله
ابن زياد فادخل عليه ، فقيل له : هذا كان من آثر الناس عند علي عليه السلام قال :
ويحكم هذا الاعجمي ؟ قيل له : نعم ، قال له عبيدالله أين ربك ؟ قال : بالمرصاد
* ( هامش ص 124 ) ( 1 ) في المصدر : وصدقت يا أميرالمؤمنين .
( 2 ) " : يتعاهدها . *
[125]
لكل ظالم وأنت أحد الظلمة ، قال : إنك على عجمتك لتبلغ الذي تريد : قال :
أخبرني ما أخبرك صاحبك أني فاعل بك ، قال : أخبرني أنك تصلبني عاشر عشرة
أنا أقصرهم خشبة وأقربهم إلى المطهرة ، قال : لنخالفنه ، قال : كيف تخالفه فوالله
ما أخبر ( 1 ) إلا عن النبي صلى الله عليه واله عن جبرئيل عن الله تعالى ، فكيف تخالف هؤلاء ؟ ولقد
عرفت الموضع الذي اصلب فيه وأين هو من الكوفة ، وأنا أول خلق الله الجم في
الاسلام . فحسبه وحبس معه المختار بن أبي عبيدة ، قال له ميثم : إنك تفلت وتخرج
ثائرا بدم الحسين عليه السلام فتقتل هذا الذي يقتلنا ، فلما دعا عبيدالله بالمختار ليقتله طلع
بريد بكتاب يزيد إلى عبيدالله يأمره بتخلية سبيله ، فخلاه وأمر بميثم أن يصلب ،
فأخرج فقال له رجل لقيه : ما كان أغناك عن هذا ؟ فتبسم وقال وهو يومئ إلى
النخلة لها خلقت ولي غذيت ، فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب
عمرو بن حريث ، قال عمرو : قد كان والله يقول : إني مجاورك ، فلما صلب أمر جاريته
بكنس تحت خشبته ورشه وتجميره ، فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم ، فقيل
لابن زياد : قد فضحكم هذا العبد ، فقال : الجموه وكان أول خلق الله الجم في
الاسلام ، وكان قتل ميثم رحمه الله قبل قدوم الحسين بن علي عليهما السلام العراق بعشرة
أيام ، فلما كان اليوم الثالث من صلبه طعن ميثم بالحربة فكبر ، ثم انبعث في آخر
النهار فمه وأنفه دما ، وهذا من جملة الاخبار عن الغيوب المحفوظة عن أميرالمؤمنين


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 125 سطر 17 الى ص 133 سطر 17

عليه السلام وذكره شائع والرواية به بين العلماء مستفيضة .
ومن ذلك ما رواه ابن عياش ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن زياد بن النصر
الحارثي قال : كنت عند زياد إذا اتي برشيد الهجري قال له زياد : ما قال لك صاحبك
- يعني عليا عليه السلام - إنا فاعلون بك ؟ قال : تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني ، فقال
زياد : أم والله لاكذبن حديثه ، خلوا سبيله ، فلما أراد أن يخرج قال زياد : والله
* ( هامش ص 125 ) ( 1 ) في المصدر ، ما أخبرنى . *
[126]
ما نجد ( 1 ) شيئا شرا مما قال له صاحبه ، اقطعوا يديه ورجليه واصلبوه ، فقال رشيد : هيهات قد بقي لي عندكم شئ أخبرني به أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال زياد : اقطعوا
لسانه ، فقال رشيد : الآن والله جاء التصديق لاميرالمؤمنين عليه السلام . وهذا الخبر أيضا
قد نقله المؤالف والمخالف عن ثقاتهم عمن سميناه ، واشتهر أمره عند علماء الجميع
وهو من جملة ما تقدم ذكره من المعجزات والاخبار عن الغيوب . ومن ذلك مارواه عامة أصحاب السيرة من طرق مختلفة أن الحجاج بن يوسف
الثقفي قال ذات يوم : احب أن اصيب رجلا من أصحاب أبي تراب فأتقرب إلى الله
بدمه ! فقيل له : ما نعلم أحدا كان أطول صحبة لابي تراب من قنبر مولاه ، فبعث
في طلبه فاتي به ، فقال له : أنت قنبر ؟ قال : نعم ، قال : أبوهمدان ؟ قال : نعم ،
قال مولى علي بن أبي طالب ؟ قال : الله مولاي وأميرالمؤمنين علي ولي نعمتي ، قال :
ابرأ من دينه ، قال : فإذا برئت من دينه تدلني على دين غيره أفضل منه ؟ قال : إني
قاتلك فاختر أي قتلة أحب إليك ، قال : قد صيرت ذلك إليك ، قال : ولم ؟ قال :
لانك لا تقتلنى قتلة إلا قتلتك مثلها ، وقد أخبرني أميرالمؤمنين عليه السلام أن ميتتي يكون
ذبحا ظلما بغير حق ، قال : فأمر به فذبح ( 2 ) .
8 - شى : عن محمد بن مروان قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : ما منع ميثم رحمه الله
من التقية ؟ ( فوالله ) لقد علم أن هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه " إلا من اكره
وقلبه مطمئن بالايمان ( 3 ) " .
* ( كا ، علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن محمد بن مروان
مثله ( 4 )
* ( هامش ص 126 ) ( 1 ) في المصدر : ما نجد له . ( 2 ) الارشاد للمفيد : 152 - 155 .
( 3 ) تفسير العياشى : 2 : 271 . والاية في سورة النحل : 106 .
( * ) من هنا إلى الرواية الاتيه من مختصات نسخة ( ك ) .
( 4 ) اصول الكافى ( الجزء الثانى من الطبعة الحديثة ) : 320 . *
[127]
بيان : لعل وجه الجمع بين أخبار التقية وعدمها في التبري الحمل على
التخيير ، فيكون هذا الكلام منه عليه السلام على وجه الاشفاق بأنه كان يمكنه حفظ
النفس بالتقية فلم تركها ، على وجه إلا الذم ؟ والاعتراض ( 1 ) ، وفي أكثر نسخ
الكتابين " ميثم " بالرفع ، فالظاهر قراءة " منع " على بناء المجهول ، فيحتمل ما ذكرنا
أي لم يكن ممنوعا عن التقية شرعا فلم لم يتق ؟ ويحتمل أن يكون مدحا ، أي
وطن نفسه على القتل لحب أمير المؤمنين عليه السلام مع أنه لم يكن ممنوعا من التقية
ويحتمل أن يكون المعنى : لم يمنع من التقية ولم يتركها ولكن لم تنفعه ، أو المعنى
أنه إنما تركها لعلمه بعدم الانتفاع بها وعدم تحقق شرط التقية فيه ، ويمكن أن
يقرأ " منع " على بناء المعلوم ، أي ليس فعله مانعا للغير عن التقية ، لانه اختار أحد
الفردين المخير فيهما أو لاختصاصه به لعدم تحقق شرطها فيه ، أو فعله ولم ينفعه
وبالجملة يبعد عن مثل ميثم ورشيد وقنبر رضي الله عنهم بعد إخبار أميرالمؤمنين عليه السلام
إياهم بما يجري عليهم أمرهم بالتقية تركهم أمره عليه السلام ، وعدم بيانه عليه السلام لهم ما
يجب عليهم فعله في هذا الوقت أبعد والله يعلم ) .
9 - كش : حمدويه وإبراهيم معا ، عن أيوب بن نوح ، عن صفوان ، عن
عاصم بن حميد ، عن ثابت الثقفي قال : لما امر بميثم ليصلب قال رجل : يا ميثم لقد
كنت عن هذا غنيا ، قال فالتفت إليه ميثم ثم قال : والله ما نبتت هذه النخلة إلا
لي ، ولا اغتذيت إلا لها ( 2 ) .
10 - محمد بن مسعود قال : حدثني علي بن محمد ، عن أحمد بن محمد النهدي ،
عن العباس بن معروف ، عن صفوان ، عن يعقوب بن شعيب ، عن صالح بن ميثم
قال : أخبرني أبوخالد التمار قال : كنت مع ميثم التمار بالفرات يوم الجمعة ،
فهبت ريح وهو في سفينة من سفن الرمان ، قال : فخرج فنظر إلى الريح فقال :
شدوا برأس سفينتكم إن هذا ريح عاصف مات معاوية الساعة ، قال : فلما كانت
* ( هامش ص 127 ) ( 1 ) على وجه الذم والاعتراض ، ظ .
( 2 ) معرفة أخبار الرجال : 53 . *
[128]
الجمعة المقبلة قدم بريد من الشام فلقيته فاستخبرته ، فقلت له : يا عبدالله ما الخبر ؟
قال : الناس على أحسن حال ، توفي أمير المؤمنين وبايع الناس يزيد ! قال : قلت :
أي يوم توفي ؟ قال : يوم الجمعة ( 1 ) .
11 - محمد بن مسعود ، عن عبدالله بن محمد بن خالد الطيالسي ، عن الوشاء ، عن
عبدالله بن خراش المنقري ، عن علي بن إسماعيل ، عن فضيل الرسان ، عن حمزة
بن ميثم قال : خرج أبي إلى العمرة فحدثني قال : استأذنت على أم سلمة رحمة الله
عليها ، فضربت بيني وبينها خدرا ، فقالت لي : أنت ميثم ؟ فقلت : أنا ميثم ، فقالت : كثيرا ما رأيت الحسين بن علي ابن فاطمة يذكرك ، قلت : فأين هو ؟ قالت : خرج
في غنم له آنفا ، قلت : أنا والله اكثر ذكره فاقرأه ( 2 ) فإني مبادر ، فقالت : يا جارية
اخرجي فادهنيه ، فخرجت فدهنت لحيتي ببان ( 3 ) فقلت أنا : أما والله لئن دهنتها ( 4 )
لتخضبن فيكم بالدماء فخرجنا فإذا ابن عباس رحمة الله عليهما جالس ، فقلت : يا
ابن عباس سلني ما شئت من تفسير القرآن فإني قرأت تنزيله على أمير المؤمنين
عليه السلام وعلمني تأويله ، فقال يا جارية الدواة والقرطاس ، فأقبل يكتب ، فقلت : يا
ابن عباس كيف بك إذا رأيتني مصلوبا تاسع تسعة أقصرهم خشبة وأقربهم بالمطهرة ؟
فقال لي : وتكهن أيضا ؟ وخرق الكتاب ، فقلت : مه احفظ ( 5 ) بما سمعت مني
فإن يكن ما أقول لك حقا أمسكته وإن يك باطلا خرقته ، قال : هو ذلك ، فقدم
أبي علينا ، فما لبث يومين حتى أرسل عبيدالله بن زياد فصلبه تاسع تسعة أقصرهم
خشبة وأقربهم إلى المطهرة ، فرأيت الرجل الذي جاء إليه ليقتله وقد أشار إليه
بالحربة وهو يقول : أما والله لقد كنت ما علمتك إلا قواما ، ثم طعنه في خاصرته
* ( هامش ص 128 ) ( معرفة اخبار الرجال : 53 .
( 2 ) كذا في النسخ . وفى المصدر : فاقرأنيه السلام .
( 3 ) البان : شجر معتدل القوام لين ورقه كورق الصفصاح يؤخذ من حبه دهن طيب .
( 4 ) في ( م ) و ( خ ) : دهنتيها .
( 5 ) في المصدر : احتفظ . *
[129]
فأجافه فاحتقن الدم ( 1 ) فمكث يومين ، ثم إنه في اليوم الثالث بعد العصر قبل المغرب
انبعث منخراه دما ، فخضبت لحيته بالدماء .
قال أبونصر محمد بن مسعود : وحدثني أيضا بهذا الحديث علي بن الحسن
بن فضال ، عن أحمد بن محمد الاقرع ، عن داود بن مهزيار ، عن علي بن إسماعيل ،
عن فضيل ، عن عمران بن ميثم - قال علي بن الحسن : هو حمزة بن ميثم خطاء - و
قال علي : أخبرني به الوشاء بإسناده مثله سواء ، غير أنه ذكر عمران بن ميثم ( 2 ) .
12 - حمدويه وإبراهيم ، قالا : حدثنا أيوب ، عن حنان بن سدير ، عن
أبيه ، عن جده قال : قال لي ميثم التمار ذات يوم : يابا حكيم إني اخبرك بحديث
وهو حق ، قال : فقلت : يا با صالح بأي شئ تحدثني ؟ قال : إني أخرج العام
إلى مكة ، فإذا قدمت القادسية راجعا أرسل إلي هذا الدعي ابن زياد رجلا في مائة
فارس حتى يجئ بي إليه ، فيقول لي : أنت من هذه السبابية الخبيثة المحترقة التي
قد يبست عليها جلودها ، وأيم الله لاقطعن يدك ورجلك ، فأقول : لا رحمك الله ، فوالله
لعلي عليه السلام كان أعرف بك من حسن عليه السلام حين ضرب رأسك بالدرة فقال له الحسن :
يا أبت لاتضربه فإنه يحبنا ويبغض عدونا ، فقال له علي عليه السلام مجيبا له : اسكت
يا بني فوالله لانا أعلم به منك ، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة أنه لولي لعدوك و
عدو لوليك ، قال : فيأمر بي عند ذلك فاصلب ، فأكون أول هذه الامة الجم
بالشريط في الاسلام ، فإذا كان اليوم الثالث فقلت : غابت الشمس أولم تغب ، ابتدر
منخراي دما على صدري ولحيتي ، قال : فرصدناه فلما كان اليوم الثالث فقلت :
غابت الشمس أولم تغب ؟ ابتدر منخراه على صدره ولحيته دما ، قال : فاجتمعنا سبعة
من التمارين فاتعدنا بحمله ، فجئنا إليه ليلا والحراس يحرسونه وقد أوقدوا
النار ، فحالت النار بيننا وبينهم ، فاحتملناه بخشبة حتى انتهيا به إلى فيض من ماء
* ( هامش ص 129 ) ( 1 ) اجافه بالطعنة : بلغ بها جوفه . احتقن الدم : اجتمع في الجوف من طعنة جائفة .
( 2 ) معرفة اخبار الرجال : 53 و 54 . *
[130]
في مراد فدفناه فيه ، ورمينا الخشبة في مراد في الخراب ، وأصبح فبعث الخيل فلم
تجد شيئا .
قال : وقال يوما : يابا حكيم ! ترى هذا المكان ليس يؤدى فيه طسق - والطسق
أداء الاجر - ولئن طالت بك الحياه لتؤدين طسق هذا المكان إلى رجل في دار الوليد بن
عقبة اسمه زرارة ، قال سدير : فأديته على خزي إلى رجل في دار الوليد بن عقبة
يقال له زرارة ( 1 ) .
13 - جبرئيل بن أحمد ، عن محمد بن عبدالله بن مهران ، عن محمد بن علي
الصيرفي ، عن علي بن محمد ، عن يوسف بن عمران الميثمي قال : سمعت ميثما ( 2 ) النهرواني
يقول : دعاني أميرالمؤمنين صلوات الله عليه وقال : كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعي
بني امية ( 3 ) عبيدالله بن زياد إلى البراءة مني ؟ فقلت يا أميرالمؤمنين : أنا والله لا
أبرأ منك ، قال : إذن والله يقتلك ويصلبك ، قلت : أصبر فذاك في الله قليل ، فقال :
يا ميثم إذا تكون معي في درجتي ، قال وكان ميثم يمر بعريف قومه ( 4 ) ويقول :
يا فلان كأني بك وقد دعاك دعي بني امية ابن دعيها فيطلبني منك أياما ، فإذا
قدمت عليك ذهبت بي إليه حتى يقتلني على باب دار عمرو بن حريث ، فإذا كان يوم
الرابع ابتدر منخراي دما عبيطا ، وكان ميثم يمر بنخلة في سبخة فيضرب بيده عليها و
يقول : يا نخلة ما غذيت إلا لي وما غذيت إلا لك ، وكان يمر بعمرو بن حريث و
يقول : يا عمرو إذا جاورتك فأحسن جواري ، فكان عمرو يرى أنه يشتري دارا أوضيعة
لذيق ( 5 ) ضيعته ، فكان يقول له عمرو : ليتك قد فعلت ، ثم خرج ميثم النهرواني
إلى مكة ، فأرسل الطاغية عدو الله ابن زياد إلى عريف ميثم فطلبه منه ، فأخبره
* ( هامش ص 130 ) ( 1 ) معرفة اخبار الرجال : 54 و 55 .
( 2 ) في المصدر : ميثم .
( 3 ) في المصدر بعد ذلك : ابن دعيها .
( 4 ) العريف من يعرف اصحابه . القيم بأمر القول والنقيب .
( 5 ) اللزيق : اللصيق *
[131]
أنه بمكة ، فقال له : لئن لم تأنني به لاقتلنك : فأجله أجلا ، وخرج العريف إلى
القادسية ينظرميثما ، فلما قدم ميثم قال : أنت ميثم ؟ قال : نعم أنا ميثم ، قال :
تبرأ من أبي تراب ( 1 ) قال : لا أعرف أبا تراب ، قال : تبرأ من علي بن أبي طالب
فقال له : فإن أنا لم أفعل ؟ قال : إذا والله لاقتلك ( 2 ) قال : أما لقد كان يقول
لي إنك ستقتلني وتصلبني على باب عمرو حريث ، فإذا كان يوم الرابع ابتدر
منخراي دما عبيطا ، فأمر به فصلب على باب عمرو بن حريث ، فقال للناس : سلوني
- وهو مصلوب - قبل أن اقتل ، فوالله لاخبرتكم بعلم ما يكون إلى أن تقوم الساعة وما
يكون من الفتن ، فلما سأله الناس حدثهم حديثا واحدا إذ أتاه رسول من قبل ابن
زياد فألجمه بلجام من شريط ، وهو أول من الجم بلجام وهو مصلوب ( 3 ) .
يج عن عمران عن أبيه ميثم مثله ( 4 ) .
بيان : الشريط : حبل يفتل من خوص .
كش : وروي عن أبي الحسن الرضا عن أبيه عن آبائه صلوات الله عليهم
قال : أتى ميثم التمار دار أميرالمؤمنين عليه السلام فقيل له : إنه نائم ، فنادى بأعلى صوته :
انتبه أيها النائم ، فوالله لتخضبن لحيتك من رأسك ، فانتبه أميرالمؤمنين عليه السلام فقال :
أدخلوا ميثما ، فقال ( 5 ) : أيها النائم والله لتخضبن لحيتك من رأسك ، فقال : صدقت
وأنت والله ليقطعن يداك ورجلاك ولسانك ، ولتقطعن النخلة التي في الكناسة فتشق
أربع قطع فتصلب أنت على ربعها ، وحجر بن عدي على ربعها ، ومحمد بن أكتم على
ربعها ، وخالد بن مسعود على ربعها ، قال ميثم : فشككت في نفسي وقلت : إن
* ( هامش ص 131 ) ( 1 ) كأن في العبارة سقطا ، والظاهران يكون هكذا : فجاء به العريف إلى ابن زياد ، فقال
ابن زياد : تبرأ من ابى تراب .
( 2 ) في المصدر : لاقتلنك .
( 3 ) معرفة اخبار الرجال : 55 و 56 .
( 4 ) الخرائج والجرائح : 20 .
( 5 ) في المصدر : فقال له . *
[132]
عليا ليخبرنا بالغيب ! فقلت له : أو كائن ذاك يا أميرالمؤمنين ؟ فقال : إي ورب
الكعبة كذا عهده إلي النبي صلى الله عليه واله ، قال : فقلت : لم ( 1 ) يفعل ذلك بي يا أميرالمؤمنين
فقال : ليأخذنك العتل الزنيم ابن الامة الفاجرة عبيدالله بن زياد ، قال : وكان
يخرج إلى الجبانة وأنا معه فيمر بالنخلة فيقول لي : يا ميثم إن لك ولها شأنا من
الشأن ، قال : فلما ولي عبيدالله بن زياد الكوفة ودخلها تعلق علمه بالنخلة التي
بالكناسة فتخرق ، فتطير من ذلك فأمر بقطعها ، فاشتراها رجل من النجارين
فشقها أربع قطع ، قال ميثم : فقلت لصالح ابني : فخذ مسمارا من حديد فانقش عليه
اسمي واسم أبي ودقه في بعض تلك الاجذاع .
قال : فلما مضى بعد ذلك أيام أتوني قوم من أهل السوق فقالوا : يا ميثم
انهض معنا إلى الامير نشتكي ( 2 ) إليه عامل السوق فنسأله أن يعزله عنا ويولي علينا
غيره ، قال : وكنت خطيب القوم ، فنصت لي وأعجبه منطقي ، فقال له عمرو بن حريث :
أصلح الله الامير تعرف هذا المتكلم ؟ قال : ومن هو ؟ قال : ميثم التمار الكذاب
مولى الكذاب علي بن أبي طالب ، قال : فاستوى جالسا فقال لي : ما تقول ؟ فقلت
كذب أصلح الله الامير ، بل أنا الصادق مولى الصادق علي بن أبي طالب أميرالمؤمنين
حقا ، فقال لي : لتبرأن من علي ولتذكرن مساويه وتتولى عثمان وتذكر محاسنه
أو لاقطعن يديك ورجليك ولاصلبنك ، فبكيت ، فقال لي : بكيت من القول دون
الفعل ؟ فقلت : والله ما بكيت من القول ولا من الفعل ولكني بكيت من شك كان دخلني
يوم أخبرني سيدي ومولاي ، فقال لي : وما قال لك ؟ قال : فقلت : أتيته الباب فقيل
لي : إنه نائم ، فناديت : انتبه أيها النائم فوالله لتخضبن لحيتك من رأسك ، فقال :
صدقت وأنت والله ليقطعن يداك ورجلاك ولسانك ولتصلبن ، فقلت : ومن يفعل ذلك
بي يا أميرالمؤمنين ؟ فقال : يأخذك العتل الزنيم ابن الامة الفاجرة عبيدالله بن زياد
قال : فامتلا غيظا ثم قال لي : والله لاقطعن يديك ورجليك ولادعن لسانك حتى
* ( هامش ص 132 ) ( 1 ) ومن يفعل ظ .
( 2 ) في المصدر : نشكو .
[133]
اكذبك واكذب مولاك ، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه ، ثم اخرج وأمر به أن
يصلب ، فنادى بأعلى صوته : أيها الناس من أراد أن يسمع الحديث المكنون عن علي
ابن أبي طالب ؟ قال فاجتمع الناس ، وأقبل يحدثهم بالعجائب ، قال : وخرج عمرو
ابن حريث وهو يريد منزله فقال : ما هذه الجماعة ؟ قال : ميثم التمار يحدث الناس
عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : فانصرف مسرعا فقال : أصلح الله الامير بادر فابعث
إلى هذا من يقطع لسانه ، فإني لست آمن أن يتغير قلوب أهل الكوفة فيخرجوا
عليك ، قال : فالتفت إلى حرسي فوق رأسه فقال : اذهب فاقطع لسانه ، قال : فأتاه
الحرسي وقال له : يا ميثم ! قال : ما تشاء ؟ قال : أخرج لسانك فقد أمرني الامير بقطعه
قال ميثم : ألا زعم ابن الامة الفاجرة أنه يكذبني ويكذب مولاي ؟ هاك لساني ،
قال : فقطع لسانه وتشخط ساعة في دمه ثم مات ، وأمر به فصلب ، قال صالح :
فمضيت بعد ذلك أيام ( 1 ) فإذا هو قد صلب على الربع الذي كتبت ودققت فيه
المسمار ( 2 ) .
15 - ختص ، كش : إبراهيم بن الحسين العقيقي رفعه قال :
سئل ( 3 ) قنبر : مولى من أنت ؟ فقال : مولاي ( 4 ) من ضرب بسيفين ، وطعن برمحين ، وصلى
القبلتين ، وبايع البيعتين ، وهاجر الهجرتين ، ولم يكفر بالله طرفة عين ، أنا مولى صالح
المؤمنين ، ووارث النبيين ، وخيرالوصيين ، وأكبر المسلمين ، ويعسوب المؤمنين ،
ونور المجاهدين ، ورئيس البكائين ، وزين العابدين ، وسراج الماضين ، وضوء القائمين


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 133 سطر 18 الى ص 141 سطر 18

وأفضل القانتين ، ولسان رسول رب العالمين واول المؤمنين ( 5 ) من آل يس ، المؤيد بجبرئيل
الامين ، والمنصور بميكائيل المتين ، والمحمود عند أهل السماء أجمعين ، سيد المسلمين
* ( هامش ص 133 ) ( 1 ) كذا في النسخ . وفى المصدر : بأيام .
( 2 ) معرفة اخبار الرجال : 56 - 58 .
( 3 ) في الاختصاص : وفي رواية العامة سئل اه .
( 4 ) كذا في ( ك ) . و ( م ) و ( خ ) : مولى . وفي المصدرين : انا مولى .
( 5 ) في الاختصاص : واول الوصيين . *
[134]
والسابقين ، وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين ، والمحامي عن حرم المسلمين
ومجاهد أعدائه الناصبين ، ومطفئ نار ( 1 ) الموقدين ، وأفخر من مشى من قريش
أجمعين ، وأول من أجاب ( 2 ) واستجاب لله ، أميرالمؤمنين ، ووصي نبيه في العالمين
وأمينه على المخلوقين ، وخليفة من بعث إليهم أجمعين ، سيد المسلمين والسابقين
ومبيد المشركين ، وسهم من مرامي الله على المنافقين ، ولسان كلمة العابدين ، ناصر
دين الله ، وولي الله ، ولسان كلمة الله ، وناصره في أرضه ، وعيبة علمه ، وكهف دينه ، إمام أهل الابرار ، ( 3 ) من رضي عنه العلي الجبار ( 4 ) ، سمح سخي ، حيي بهلول
سنحنحي ، زكي ، مطهر أبطحي ، جري همام صابر صوام مهدي مقدام قاطع
الاصلاب ، مفرق الاحزاب ، عالي الرقاب ، أربطهم عنانا وأثبتهم جنانا وأشدهم
شكيمة ، بازل ، باسل ، صنديد ، هزبر ، ضرغام ، حازم ، عزام ، حصيف ، خطيب
محجاج ، كريم الاصل ، شريف الفصل ، فاضل القبيلة ، نقي العشيرة ( 5 ) زكي الركانة
مؤدي الامانة من بني هاشم ، وابن عم النبي صلى الله عليهما ، الامام المهدي
الرشاد ، مجانب الفساد ، الاشعث الحاتم ، البطل الجماجم ، والليث المزاحم ،
بدري مكي حنفي روحاني شعشعاني ، من الجبال شواهقها ، ومن ذي الهضاب ( 6 )
رؤوسها ، ومن العرب سيدها ، ومن الوغى ليثها ، البطل الهمام ، والليث المقدام ،
والبدر التمام ، محك المؤمنين ، ووارث المشعرين ، وأبوالسبطين الحسن والحسين
والله أميرالمؤمنين حقا حقا علي بن أبي طالب عليه من الله الصلوات الزكية والبركات
السنية . ( 7 ) *
( هامش ص 134 ) ( 1 ) في الاختصاص : نيران .
( 2 ) في الاختصاص : واول من حارب واستجلب .
( 3 ) في المصدرين : امام الابرار .
( 4 ) في الاختصاص : مرضى عند العلى الجبار .
( 5 ) في الاختصاص : العترة .
( 6 ) الهضبة : الجبل المنبسط على وجه الارض وفي ( كش ) : ذى الهضبات .
( 7 ) الاختصاص : 73 و 74 . معرفة اخبار الرجال : 49 و 50 . *
[135]
توضيح : البهلول بالضم الضحاك والسيد الجامع لكل خير . ورجل
سنحنح : لاينام الليل ، والياء للمبالغة كالاحمري ، والهمام ( 1 ) : الملك العظيم الهمة
والسيد الشجاع السخي قوله : " عالي الرقاب " أى يعلوها ويسلط عليها . وربط
العنان كناية عن التقيد بقوانين الشريعة ، أو حمل الناس عليها . والشكيمة : الطبع
وفي اللجام : الحديدة المعترضة في فم الفرس . والبازل : الرجل الكامل في تجربته
والباسل : الاسد والشجاع . والصنديد : السيد الشجاع والهزبر - بكسر الهاء وفتح الراء وسكون الباء - : الاسد والشديد الصلت . والضرغام بالكسر : الاسد .
والحصيف : من استكمل عقله . والمحجاج بالكسر : الجدل الكامل في الحجاج . و
الفصل : القضاء بين الحق والباطل ، ويحتمل أن يكون المراد هنا المحل الذي
انفصل منه من الوالدين والاجداد . والركانة : الوقار ، وفي بعض النسخ بالزاي
المعجمة ، أي الحدس والفطانة . والاشعث : المغبر الرأس ، وفي بعض النسخ
" الاسغب " بالغين المعجمة والباء الموحدة ، أي الجائع ، والحاتم بالكسرالقاضي و
وبالفتح الجواد والجماجم : السادات والعظماء ، ولعل الالف واللام في البطل زيد
من النساخ قوله : " محك المؤمنين " أي بولايته ومتابعته يعرف المؤمنون ودرجاتهم
وفي بعض النسخ " مجلي المؤمنين " من التجلية أي مصفيهم ومنورهم .
16 - كش : محمد بن مسعود ، عن علي بن قيس القومشي : عن أحلم بن
يسار ( 2 ) ، عن أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام ، أن قنبرا مولى أميرالمؤمنين عليه السلام
دخل على الحجاج بن يوسف فقال له : ما الذي كنت تلي من علي بن أبي طالب ؟
فقال : كنت أوضيه ، فقال له : ما كان يقول إذا فرغ من وضوئه ؟ فقال : كان يتلو
هذه الآية : " فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذافرحوا
بما اوتوا أخذناهم بغتة فاذاهم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله
* ( هامش ص 135 ) ( 1 ) بالضم .
( 2 ) كذا في النسخ . وفي المصدر : احكم بن يسار وفى جامع الرواة : احكم بن بشار . *
[136]
رب العالمين " ( 1 ) فقال الحجاج : أظنه كان يتأولها علينا ؟ قال : نعم ، فقال :
ما أنت صانع إذا ضربت علاوتك ؟ ( 2 ) قال : إذن أسعد وتشقى فأمر به . ( 3 )
شى : مرسلا عنه عليه السلام مثله ( 4 ) .
كش : محمد بن عبدالله ، عن وهيب بن مهران ، عن محمد بن علي الصيرفي ، عن
علي بن محمد بن عبدالله الحناط ، عن وهب بن حفص الجريري ، عن أبي حيان
البجلي ، عن قنوا بنت الرشيد الهجري قال : قلت لها : أخبرني ما سمعت من أبيك
قالت : سمعت أبي يقول : أخبرني أميرالمؤمنين عليه السلام فقال : يا رشيد كيف صبرك
متى أرسل إليك دعي بني امية فقطع يديك ورجليك ولسانك ؟ قلت : يا أميرالمؤمنين
آخر ذلك إلى الجنة ؟ فقال : يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة قالت : فوالله
ما ذهبت الايام حتى أرسل إليه عبيدالله بن زياد الدعي فدعاه إلى البراءة من أمير
المؤمنين عليه السلام فأبى أن يبرأ منه ، فقال له الدعي فبأي ميتة قال لك تموت ؟ فقال له :
أخبرني خليلي أنك تدعوني إلى البراءة منه فلا أبرأ فتقدمني فتقطع يدي ورجلي
ولساني ، فقال : والله لاكذبن قوله ، قال : فقدموه فقطعوا يديه ورجليه وتركوا
لسانه ، فحملت أطراف يديه ورجليه ، فقلت : يا أبة هل تجد ألما لما ( 5 ) أصابك ؟
فقال : لا يا بنتي ( 6 ) إلا كالزحام بين الناس ، فلما احتملناه وأخرجناه من القصر اجتمع
الناس حوله فقال : آتوني ( 7 ) بصفيحة ودواة أكتب لكم ما يكون إلى يوم الساعة ،
فأرسل إليه الحجام يقطع لسانه ، فمات رحمة الله عليه في ليلته ، قال : وكان أمير
* ( هامش ص 136 ) ( 1 ) سورة الانعام : 44 - 45 .
( 2 ) العلاوة - بالكسر - : اعلى الرأس أو العنق .
( 3 ) معرفة اخبار الرجال : 50 .
( 4 ) تفسير العياشى : ج 1 ص 359 .
( 5 ) في المصدر : مما .
( 6 ) في المصدر و ( م ) و ( خ ) : يا بنية .
( 7 ) في المصدر و ( م ) و ( خ ) : ايتونى . *
[137]
المؤمنين عليه السلام يسميه رشيد البلايا ، وقد كان ألقى إليه علم البلايا والمنايا ، فكان
( في ) حياته إذا لقي الرجل قال له : أنت تموت بميتة كذا وتقتل أنت يا فلان بقتلة
كذا وكذا ، فيكون كما يقول الرشيد ، وكان أميرالمؤمنين عليه السلام يقول : أنت رشيد
البلايا أو تقتل ( 1 ) بهذه القتلة فكان كما قال أميرالمؤمنين عليه السلام ( 2 ) .
ختص ، جعفر بن الحسين ، عن محمد بن الحسن ، عن محمد بن أبي القاسم ، عن
محمد بن علي الصيرفي مثله . ( 3 ) يج : عن قنوا مثله . ( 4 )
18 - كش : جبرئيل ، عن محمد بن عبدالله بن مهران ، عن أحمد بن النضر
عن عبدالله بن يزيد الاسدي ، عن فضيل بن الزبير قال : خرج أميرالمؤمنين صلوات
الله عليه يوما إلى بستان البرني ومعه أصحابه ، فجلس تحت نخلة ثم أمر بنخلة
فلقطت فانزل منها رطب ، فوضع بين أيديهم ، قالوا : فقال رشيد الهجري يا أميرالمؤمنين
ما أطيب هذا الرطب ! فقال : يا رشيد أما إنك تصلب على جذعها ، قال رشيد : فكنت
أختلف إليها طرفي النهار أسقيها ومضى أميرالمؤمنين صلوات الله عليه ، قال : فجئتها
يوما وقد قطع سعفها ، قلت : اقترب أجلي ، ثم جئت يوما فجاء العريف فقال : أجب
الامير ، فأتيته فلما دخلت القصر إذا خشب ملقي ، ثم جئت يوما آخر فإذا النصف
الآخر قد جعل زرنوقا يستقى عليه الماء ، فقلت : ما كذبني خليلي ، فأتاني العريف
فقال : أجب الامير ، فأتيته فلما دخلت القصر إذا الخشب ملقى فاذا فيه الزرنوق
فجئت حتى ضربت الزرنوق برجلي ، ثم قلت : لك غذيت ولي نبت ( 5 ) ثم ادخلت
على عبيدالله بن زياد فقال : هات من كذب صاحبك ، قلت : والله ما أنا بكذاب ولا هو
* ( هامش ص 137 ) ( 1 ) في المصدر و ( م ) و ( خ ) : اى تقتل وفى ( ت ) : تقتل .
( 2 ) معرفة اخبار الرجال 50 و 51 .
( 3 ) الاختصاص : 77 و 78 .
( 4 ) لم نجده في الحزائج المطبوع .
( 5 ) في المصدر و ( م ) و ( خ ) : انبتت . *
[138]
ولقد أخبرني أنك تقطع يدي ورجلي ولساني ، قال : إذا والله نكذبه ، اقطعوا
يديه ورجليه وأخرجوه . فلما حمل إلى أهله أقبل يحدث الناس بالعظائم ، وهو
يقول : أيها الناس سلوني وإن للقوم عندي طلبة لم يقضوها ، فدخل رجل على ابن
زياد فقال له : ما صنعت قطعت يديه ورجليه وهو يحدث الناس بالعظائم ؟ قال : فأرسل
إليه : ردوه - وقد انتهى إلى بابه - فردوه فأمر بقطع يديه ورجليه ولسانه وأمر بصلبه - ( 1 )
بيان : الزرنوقان - بالضم ويفتح - : منارتان تبنيان على جانبي رأس
البئر .
19 - فض : قيل : كان مولانا أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يخرج
من الجامع بالكوفة فيجلس عند ميثم التمار رضي الله عنه فيحادثه ، فيقال : إنه قال
له ذات يوم : ألا ابشرك يا ميثم ؟ فقال : بماذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : بأنك تموت
مصلوبا ، فقال يا مولاي وأنا على فطرة الاسلام ؟ قال : نعم ، ثم قال يا ميثم تريد
اريك الموضع الذي تصلب فيه والنخلة التي تعلق عليها وعلى جذعتها ؟ قال : نعم
يا أميرالمؤمنين ، فجاء به إلى رحبة الصيارف ( 2 ) وقال له : ههنا ، ثم أراه نخلة قال
له : على جذع هذه فما زال ميثم رضي الله عنه يتعاهد تلك النخلة حتى قطعت وشقت
نصفين ، فسقف بالنصف منها وبقي النصف الآخر ، فما زال يتعاهد النصف ويصلي
في ذلك الموضع ويقول لبعض جيران الموضع : يا فلان إني اريد أن اجاورك عن
قريب فأحسن جواري ، فيقول ذلك الرجل في نفسه : يريد ميثم أن يشتري دارا
في جواري ، ولا يعلم ما يريد بقوله ، حتى قبض أميرالمؤمنين عليه السلام وظفر معاوية و
أصحابه ، واخذ ميثم فيمن اخذ ، وأمر معاوية بصلبه فصلب على ذلك الجذع في ذلك
المكان ، فلما رأى ذلك الرجل أن ميثما قد صلب في جواره قال : إنا لله وإنا إليه
راجعون ، ثم أخبر الناس بقصة ميثم وما قاله في حياته ، وما زال ذلك الرجل يتعاهده
* ( هامش ص 138 ) ( 1 ) معرفة اخبار الرجال : 51 و 52 .
( 2 ) في المصدر : الصيارفة . *
[139]
وينكس تحت الجذع ويبخره ويصلي عنده ويكرر الرحمة عليه رضي الله عنه . ( 1 )
20 - كشف : من دلائل الحميري ، عن إسحاق بن عمار قال سمعت العبد
الصالح ينعى إلى رجل نفسه فقلت في نفسي : وإنه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته
فالتفت إلي شبه المغضب فقال : يا إسحاق قد كان الرشيد الهجري - وكان من
المستضعفين - يعلم علم المنايا والبلايا ، والامام ( 2 ) أولى بذلك ، يا إسحاق اصنع ما
أنت صانع فعمرك قد فني وأنت تموت إلى سنتين ، وإخوتك وأهل بيتك لايلبثون من
بعدك إلا يسيرا حتى تفترق كلمتهم ويخون بعضهم بعضا ويصيرون لاخوانهم ومن
يعرفهم رحمة حتى يشمت بهم عدوهم ، قال إسحاق : فإني أستغفر الله مما عرض في
صدري ، فلم يلبث إسحاق بعد هذا المجلس إلا سنتين حتى مات ، ثم ماذهبت الايام
حتى قام بنو عمار بأموال الناس وأفلسوا أقبح إفلاس رآه الناس ، فجاء ما قال
أبوالحسن عليه السلام فيهم ما غادر قليلا ولا كثيرا ( 3 ) .
21 - كا : علي ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن محمد بن مروان
قال : قال لي أبوعبدالله عليه السلام ، ما منع ميثم رحمه الله من التقية ؟ فوالله لقد علم أن
هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه " إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ( 4 ) " .
أقول قد مر كثير من أخبارهم في باب إخبار أميرالمؤمنين عليه السلام
بالكائنات .
22 - ختص : جعفر بن الحسين ، عن ابن الوليد ، عن الصفار ، عن ابن عيسى
عن عثمان بن عيسى ، عن أبي الجارود قال : سمعت القنوا بنت الرشيد الهجري
تقول : قال أبي : يا بنية أميتي الحديث بالكتمان ، واجعلي القلب مسكن الامانة .
وعن قنوا قالت : قلت لابي : ما أشد اجتهادك ! قال يا بنية : يأتي قوم بعدنا بصائرهم
* ( هامش ص 139 ) ( 1 ) الروضة : 5 .
( 2 ) في المصدر : فالامام .
( 3 ) كشف الغمة : 251 .
( 4 ) اصول الكافى ( الجزء الثانى من الطبعة الحديثة ) : 220 . والاية في سورة النحل : 106 . *
[140]
في دينهم أفضل من اجتهادنا ( 1 ) .
23 - ختص : جعفر ، عن ابن الوليد ، عن الصفار ، عن ابن أبي الخطاب ، عن
ابن محبوب ، عن عبدالكريم يرفعه إلى رشيد الهجري قال : لما طلب زياد أبوعبيد الله
رشيد الهجري اختفى رشيد ، فجاء ذات يوم إلى أبي أراكة وهو جالس على بابه في
جماعة من أصحابه ، فدخل منزل أبي أراكة ففزع لذلك أبوأراكة وخاف ، فقام
فدخل في أثره ، فقال : ويحك قتلتني وأيتمت ولدي وأهلكتهم ، قال : وما ذاك ؟
قال : أنت مطلوب ، وجئت حتى دخلت داري ، وقد رآك من كان عندي ، فقال : مارآني أحد منهم ، قال : وتسخربي أيضا فأخذه وشده كتافا ثم أدخله بيتا وأغلق
عليه بابه ، ثم خرج إلى أصحابه فقال لهم : إنه خيل إلي أن رجلا شيخا قد دخل
داري آنفا ، قالوا ما رأينا أحدا ، فكرر ذلك عليهم كل ذلك يقولون : ما رأينا
أحدا فسكت عنهم ، ثم إنه تخوف أن يكون قد رآه غيرهم ، فذهب إلى مجلس
زياد ليتجسس هل يذكرونه ، فإن هم أحسوا بذلك أخبرهم أنه عنده ودفعه إليهم
فسلم على زياد وقعد عنده ، وكان الذي بينهما لطيف ، قال : فبينا هو كذلك إذ أقبل
الرشيد على بغلة أبي أراكة مقبلا نحو مجلس زياد ، فلما نظر إليه أبوأراكه تغير
وجههه وأسقط في يده وأيقن بالهلاك ، فنزل رشيد عن البغلة وأقبل إلى زياد فسلم
عليه ، فقام إليه زياد فاعتنقه فقبله ، ثم أخذ يسائله : كيف فدمت ؟ وكيف من خلفت ؟
وكيف كنت في مسيرك ؟ وأخذ لحيته ثم مكث هنيئة ثم قام فذهب ، فقال أبوأراكة
لزياد : أصلح الله الامير من هذا الشيخ ؟ قال : هذا أخ من إخواننا من أهل الشام
قدم علينا زائرا ، فانصرف أبوأراكة إلى منزله فإذا رشيد بالبيت كما تركه ، فقال
له أبوأراكه : أما إذا كان عندك من العلم كل ما أرى فاصنع ما بدالك ، وادخل
علينا كيف شئت ( 2 ) .
* ( هامش ص 140 ) ( 1 ) الاختصاص : 78 .
( 2 ) الاختصاص : 78 و 79 . *
[141]
123 .
( باب )
* ( حال الحسن البصرى ) *
1 - ج : عن ابن عباس قال : مر أميرالمؤمنين عليه السلام بالحسن البصري وهو
يتوضأ ، فقال : يا حسن أسبغ الوضوء ، فقال : يا أميرالمؤمنين لقد قتلت ( 1 ) بالامس
اناسا يشهدون أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، يصلون
الخمس ويبغون الوضوء ، فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام : قد كان ما رأيت فما منعك
أن تعين علينا عدونا ؟ فقال : والله لاصدقنك يا أميرالمؤمنين ، لقد خرجت في أول
يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت علي سلاحي ، وأنا لا أشك في أن التخلف عن ام
المؤمنين عائشة هو الكفر ، فلما انتهيت إلى موضع من الخريبة ( 2 ) نادى مناد : يا
حسن إلى أين ؟ ارجع فإن القاتل والمقتول في النار ، فرجعت زعرا وجلست في بيتي
فلما كان اليوم الثاني لم أشك أن التخلف عن ام المؤمنين عائشة هو الكفر ،
فتحنطت وصببت علي سلاحي وخرجت إلى القتال ( 3 ) حتى انتهيت إلى موضع من
الخريبة فناداني مناد من خلفي : يا حسن إلى أين ؟ مرة بعد اخرى ، فإن القاتل
والمقتول في النار ، قال علي عليه السلام : صدقت أفتدري من ذلك المنادي ؟ قال : لا ،
قال عليه السلام : ذاك أخوك إبليس وصدقك ، إن القاتل منهم والمقتول في النار ، فقال
الحسن البصري : الآن عرفت يا أميرالمؤمنين أن القوم هلكى ( 4 ) .
2 - ج : عن أبي يحيى الواسطي قال : لما افتتح أميرالمؤمنين عليه السلام البصرة


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 141 سطر 19 الى ص 149 سطر 18

* ( هامش ص 141 ) ( 1 ) في ( ك ) : فنيت .
( 2 ) الخريبة مصغرا موضع بالبصرة عندها كانت وقعة الجمل .
( 3 ) في المصدر : اريد القتال .
( 4 ) الاحتجاج : 92 . *
[142]
اجتمع الناس عليه وفيهم الحسن البصري ومعه الالواح ، فكان كلما لفظ أميرالمؤمنين
عليه السلام بكلمة كتبها ، فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام بأعلى صوته : ما تصنع ؟ قال نكتب
آثاركم لنحدث بها بعدكم ، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : أما إن لكل قوم سامريا
وهذا سامري هذه الامة إلا أنه لايقول : " لا مساس " ولكنه يقول : لا قتال ( 1 ) .
3 - ج : عن عبدالله بن سليمان قال : كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال له رجل
من أهل البصرة يقال له عثمان الاعمى : إن الحسن البصري يزعم أن الذين يكتمون
العلم تؤذي ريح بطونهم من يدخل النار ، فقال أبوجعفر عليه السلام : فهلك إذا مؤمن
آل فرعون والله مدحه بذلك ، وما زال العلم مكتوما منذ بعث الله عزوجل رسوله
نوحا ، فليذهب الحسن يمينا وشمالا ، فوالله ما يوجد العلم إلا ههنا ( 2 ) .
كا : الحسين بن محمد ، عن المعلى ، عن الوشاء ، عن أبان بن عثمان ، عن
عبدالله مثله ( 3 ) .
4 - لى : أبي ، عن المؤدب ، عن أحمد الاصبهاني ، عن الثقفي ، عن قتيبة
بن سعيد ، عن عمرو بن غزوان ، عن أبي مسلم قال : خرجت مع الحسن البصري
وأنس بن مالك حتى أتينا باب ام سلمة ، فقعد أنس على الباب ودخلت مع الحسن
البصري ، فسمعت الحسن البصري وهو يقول : السلام عليك يا اماه ورحمة الله و
بركاته ، فقالت له : وعليك السلام من أنت يا بني ؟ فقال : أنا الحسن البصري ،
فقالت : فيما جئت يا حسن ؟ فقال لها : جئت لتحدثيني بحديث سمعتيه من رسول
الله صلى الله عليه واله في علي بن أبي طالب عليه السلام فقالت ام سلمة : والله لاحدثنك بحديث سمعته
اذناي ( 4 ) من رسول الله صلى الله عليه واله وإلا فصمتا ، ورأته عيناي وإلا فعميتا ، ووعاه قلبي و
إلا فطبع الله عليه ، وأخرس لساني إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول لعلي
* ( هامش ص 142 ) ( 1 ) الاحتجاج : 92 .
( 2 ) الاحتجاج ، 180 .
( 3 ) اصول الكافى ( الجزء الاول من الطبعة الحديثة ) : 51 .
( 4 ) في ( ك ) : سمعته اذناك . *
[143]
ابن أبي طالب عليه السلام يا علي : ما من عبد لقي الله يوم يلقاه جاحدا لولايتك إلا لقي
الله بعبادة صنم أو وثن ، قال : فسمعت الحسن البصري وهو يقول : أالله أكبر أشهد
أن عليا مولاي ومولى المؤمنين ، فلما خرج قال له أنس بن مالك : مالي أراك
تكبر ؟ قال : سألت امنا ام سلمة أن تحدثيني بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه واله
في علي ، فقالت لي كذاو كذا ، فقلت : ألله أكبر أشهد أن عليا مولاي ومولى
كل مؤمن ، قال : فسمعت عند ذلك أنس بن مالك وهو يقول : أشهد على رسول الله
صلى الله عليه واله أنه قال هذه المقالة ثلاث مرات أو أربع مرات ( 1 ) .
5 - يج : روي أن عليا عليه السلام أتى الحسن البصري يتوضأ في ساقية ، فقال :
أسبغ طهورك يالفتى ، قال لقد قتلت بالامس رجالا كانوا يسبغون الوضوء ، قال : وإنك لحزين عليهم ؟ قال : نعم ، قال : فأطال الله حزنك . قال أيوب السجستاني :
فما رأينا الحسن قط إلا حزينا كأنه يرجع عن دفن حميم أو خربندج ضل حماره ،
فقلت له ( في ) ذلك فقال : عمل في دعوة الرجل الصالح ، ولفتى بالنبطية الشيطان
وكانت امه سمته بذلك ودعته في صغره ، فلم يعرف ذلك أحد حتى دعاه به علي
عليه السلام ( 2 ) . 6 - كا : علي ، عن أبيه ، عن صالح بن السندي ، عن جعفر بن بشير ، عن
خالد بن عمارة ، عن سدير الصيرفي قال : قلت لابي جعفر عليه السلام : حديث بلغني عن
الحسن البصري فإن كان حقا فإنا لله وإنا إليه راجعون ، قال : وما هو ؟ قلت :
بلغني أن الحسن البصري كان يقول : لو غلا دماغه من حر الشمس ما استظل بحائط
صيرفي ، ولو تفرث ( 3 ) كبده عطشا لم يستسق من دار صيرفي ماءا ، وهو عملي وتجارتي
وفيه نبت لحمي ودمي ، ومنه حجي وعمرتي ، فجلس ثم قال : كذب الحسن خذ
سواء وأعط سواء ، فإذا حضرت الصلاة فدع ما بيدك وانهض إلى الصلاة ، أما علمت
أن أصحاب الكهف كانوا صيارفة ( 4 ) .
* ( هامش ص 143 ) ( 1 ) امالى الصدوق : 190 .
( 2 ) لم نجده في الخرائج المطبوع .
( 3 ) أى تشقق وانتثر .
( 4 ) فروع الكافى ( الجزء الخامس من الطبعة الحديثة ) : 113 و 114 . *
[144]
أقول : قال السيد المرتضى في كتاب الغرر والدرر : روى أبوبكر الهذلي
أن رجلا قال للحسن : يا أبا سعيد إن الشيعة تزعم أنك تبغض عليا عليه السلام فأكب
يبكي طويلا ثم رفع رأسه فقال : لقد فارقكم بالامس رجل كان سهما من مرامي
الله ( 1 ) عزوجل على عدوه ، رباني هذه الامة ، ذو شرفها وفضلها ، ذو قرابة من
النبي صلى الله عليه واله ( 2 ) قريبة ، لم يكن بالنؤومة عن أمرالله تعالى ولا بالغافل عن حق الله
تعالى ، ولا السروقة ( 3 ) من مال الله ، أعطى القرآن عزائمه في ماله وعليه فأشرف منها
على رياض مونقة وأعلام بينة ، ذاك ابن أبي طالب عليه السلام يالكع .
وكان الحسن إذا أراد أن يحدث في زمن بني امية عن علي عليه السلام قال : قال
أبوزينب .
وأتى علي بن الحسين عليهما السلام يوما الحسن البصري وهو يقص عندالحجر ،
فقال : أترضى يا حسن نفسك للموت ؟ قال : لا ، قال : فعملك للحساب ؟ قال : لا
قال : فثم دار للعمل غير هذه ( 4 ) قال : لا ، قال : فلله في الارض ( 5 ) معاذ غير هذا
البيت ؟ قال : لا ، قال : فلم تشغل الناس عن الطواف ( 6 ) .
أقول : سيأتي احتجاج الحسن بن علي واحتجاج علي بن الحسين عليهم السلام
عليه ، وكذا احتجاج الباقر عليه السلام عليه ، وقد مضى في باب ماجرى من فضائل أهل
البيت عليهم السلام على لسان أعدائهم وباب جوامع مناقب أميرالمؤمنين عليه السلام وفي باب
كتمان العلم ، بعض أحواله .
* ( هامش ص 144 ) ( 1 ) في المصدر : من مرامى ربنا .
( 2 ) " : وذو قرابة من رسول الله
( 3 ) " : ولا بالسروقة .
( 4 ) " : غير هذه الدار .
( 5 ) " : في ارضه .
( 6 ) الغرر والدرر 1 : 162 . وفيه و ( خ ) : عن التطواف . *
[145]
124 .
( باب )
* ( أحوال سائر أصحابه عليه السلام وفيه أحوال ) *
* ( عبدالله بن العباس ) *
1 - ل : الحسن بن محمد بن يحيى العلوي ، عن جده ، عن داود ، عن عيسى
بن عبدالرحمن بن صالح ، عن أبي مالك الجهني ، عن عمر بن بشير قال : قلت لابي
إسحاق : متى ذل الناس ؟ قال : حين قتل الحسين عليه السلام وادعى زياد وقتل حجر بن
عدي ( 1 ) .
2 - ن : ابن الوليد ، عن الصفار ، عن ابن عيسى ، عن البزنطي قال : قال
الرضا عليه السلام : يا أحمد إن أميرالمؤمنين أتى صعصعة بن صوحان يعوده في مرضه فافتخر
على الناس بذلك ، فلا تذهبن نفسك إلى الفخر ، وتذلل لله عزوجل ، وسيأتي
الخبر بتمامه في باب معجزات الرضا عليه السلام ( 2 ) . 3 - ما : المفيد ، عن الجعابي ، عن ابن عقدة ، عن أحمد بن عبدالحميد ،
عن محمد بن عمرو بن عتبة ، عن الحسن بن المبارك ، عن العباس بن عامر ، عن مالك
الاحمسي ، عن سعد بن طريف ، عن الاصبغ بن نباتة قال : كنت أركع عند باب
أميرالمؤمنين عليه السلام وأنا أدعو الله إذ خرج أميرالمؤمنين عليه السلام فقال : يا أصبغ ! قلت :
لبيك ، قال : أي شئ كنت تصنع ؟ قلت : ركعت وأنا أدعو ( 3 ) قال : أفلا اعلمك دعاء سمعته من رسول الله صلى الله عليه واله ؟ قلت : بلى ، قال : قل : " الحمد لله على ما كان ،
* ( هامش ص 145 ) ( 1 ) الخصال 1 : 85 .
( 2 ) عيون الاخبار : 333 .
( 3 ) في ( ك ) : وأنا أدعو الله . *
[146]
والحمد لله على كل حال " ثم ضرب بيده اليمنى على منكبي الايسر وقال : يا
أصبغ لئن ثبتت قدمك وتمت ولايتك وانبسطت يدك فالله أرحم بك من نفسك ( 1 ) .
4 - ما : المفيد عن عمر بن محمد الزيات ، عن علي بن العباس ، عن أحمد بن
منصور ، عن عبدالرزاق ، عن ابن عيينة ، عن عمار الدهني قال : سمعت أبا الطفيل
يقول : جاء المسيب بن نجية إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام متلببا ( 2 ) بعبدالله بن سبا
فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام : ما شأنك ؟ فقال : يكذب على الله وعلى رسوله ، فقال :
ما يقول ؟ قال : ( 3 ) فلم أسمع مقالة المسيب وسمعت أميرالمؤمنين عليه السلام يقول : هيهات
هيهات الغضب ، ولكن يأتيكم راكب الدغيلة يشد حقوها بوضينها ، لم يقض تفثا
من حج ولا عمرة فيقتلوه . يريد بذلك الحسين بن علي عليهما السلام ( 4 ) .
5 - ما : ابن الصلت ، عن ابن عقدة ، عن عباد ، عن عمه ، عن أبيه ، عن مطرف
عن الشعبي ، عن صعصعة بن صوحان قال : عادني أميرالمؤمنين عليه السلام في مرض ثم
قال : انظر فلا تجعلن عيادتي إياك فخرا على قومك ، الخبر ( 5 ) .
ب : ابن عيسى وابن أبي الخطاب عن البزنطي عن الرضا عليه السلام مثله ( 6 ) .
6 - لى : أبي ، عن الكميداني ، عن ابن عيسى ، عن ابن أبي نجران ، عن
جعفر بن محمد الكوفي ، عن عبيد السمين ( 7 ) عن ابن طريف ، عن ابن نباتة قال : بينا
أميرالمؤمنين عليه السلام يخطب الناس وهو يقول : سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالله لا
تسألوني عن شئ مضى ولا عن شئ يكون إلا نبأتكم به ، فقام إليه سعد بن أبي
* ( هامش ص 146 ) ( 1 ) امالى الشيخ : 108 و 109 .
( 2 ) تلبب للقتال : تشمر وتحزم
( 3 ) أى قال ابوالطفيل .
( 4 ) امالى الشيخ : 144 . وقد أوردها المصنف في باب معجزات كلامه عليه السلام عن
المناقب مع توضيحه ، راجع ج 41 ص 314 .
( 5 ) امالى الشيخ : 221 .
( 6 ) قرب الاسناد : 167 .
( 7 ) في المصدر : عبيدالله السمين . *
[147]
وقاص فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة ، فقال له :
أما والله لقد سألتني عن مسألة حدثني خليلي رسول الله صلى الله عليه واله أنك ستسألني عنها ،
وما في رأسك ولحيتك من شعرة إلا وفي أصلها شيطان جالس ، وإن في بيتك لسخلا
يقتل الحسين ابني ، وعمر بن سعد يومئذ يدرج بين يديه ( 1 ) .
7 - شا ، يج : روي أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال بذي قار وهو جالس
لاخذ البيعة : يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل ، لايزيدون رجلا ولا ينقصون رجلا
يبايعوني على الموت ، قال ابن عباس : فجزعت لذلك وخفت أن ينقص القوم من
العدد أو يزيدوا عليه فيفسد الامر علينا ، وإني احصي القوم فاستوفيت ( 2 ) عددهم
تسع مائة رجل وتسعة وتسعين رجلا ، ثم انقطع مجيئ القوم فقلت : إنا لله و
إنا إليه راجعون ، ماذا حمله على ما قال ؟ فبينما أنا مفكر في ذلك إذا رأيت شخصا
قد أقبل حتى دنا ، وهو رجل عليه قباء صوف ومعه سيف وترس وإداوة . فقرب
من أميرالمؤمنين عليه السلام فقال : امدد يديك لابايعك ، قال علي عليه السلام : وعلى ما
تبايعني ؟ قال : على السمع والطاعة والقتال بين يديك حتى أموت أو يفتح الله
عليك ، فقال : ما اسمك ؟ فقال : اويس ، قال : أنت اويس القرني ؟ قال : نعم ،
قال : الله أكبر فإنه أخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه واله أني أدرك رجلا من امته يقال
له اويس القرني ، يكون من حزب الله ورسوله ، يموت على الشهادة ، يدخل في
شفاعته مثل ربيعة ومضر ، قال ابن عباس : فسري عنا ( 3 ) .
8 - يج : من معجزاته عليه السلام أنه لما بلغه ما صنع بشربن أرطاة باليمن قال عليه السلام :
اللهم إن بشرا باع دينه بالدنيا ، فاسلبه عقله ، فبقي بشر حتى اختلط ، فاتخذ له
سيف من خشب يلعب به حتى مات . ومنها قوله عليه السلام لجويرية بن مسهر : لتعتلن
* ( هامش ص 147 ) ( 1 ) امالى الصدوق : 81 . ودرج الصبى : مشى .
( 2 ) في الارشاد : فيفسد الامر علينا ، ولم أزل مهموما دأبى احصاء القوم حتى ورد أوائلهم
فجعلت احصيهم فاستوفيت اه .
( 3 ) الارشاد : 149 ولم نجده والروايات الثلاثة المنقولة بعده عن الخرائج في المطبوع منه . *
[148]
إلى العتل الزنيم ، وليقطعن يدك ورجلك ، ثم ليصلبنك ، ثم مضى دهر حتى
ولي زياد في أيام معاوية ، فقطع يده ورجله ثم صلبه .
9 - يج : روى طلحة بن عميرة قال : نشد علي عليه السلام الناس في قول النبي صلى الله عليه واله
" من كنت مولاه فعلي مولاه " فشهد اثنا عشر رجلا من الانصار وأنس بن مالك
حاضر لم يشهد ، فقال علي عليه السلام : يا أنس ما منعك أن تشهد وقد سمعت ما سمعوا ؟
قال : كبرت ونسين ، فقال له عليه السلام ، ( اللهم ) إن كان كاذبا فاضربه ببياض أو
بوضح لا تواريه العمامة ، قال أبوعميرة : فأشهد بالله لقد رأيته ( 1 ) بيضاء بين عينيه .
10 - يج : روي عن زيد بن أرقم قال : نشد علي عليه السلام الناس في المسجد فقال :
أنشد رجلا سمع من النبي صلى الله عليه واله يقول : " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال
من والاه وعاد من عاداه " فقام اثنا عشر بدريا ستة من الجانب الايمن وستة من
الجانب الايسر فشهدوا بذلك ، قال زيد وكنت فيمن سمع ذلك فكتمته ، فذهب
الله ببصري ، وكان يتندم على ما فاته من الشهادة ويستغفر .
11 - شا : روى العلماء أن جويرية بن مسهر وقف على باب القصر فقال :
أين أميرالمؤمنين ؟ فقيل له : نائم ، فنادى : أيها النائم استيقظ ، فوالذي نفسي بيده
لتضربن ضربة على رأسك تخضب منها لحيتك كما أخبرتنا بذلك من قبل ، فسمعه
أميرالمؤمنين عليه السلام فنادى : أقبل يا جويرية حتى احدثك بحديثك ، فأقبل فقال :
أنت والذي نفسي بيده لتعتلن إلى العتل الزنيم ، وليقطعن يدك ورجلك ، ثم
لتصلبن تحت جذع كافر ، فمضى على ذلك الدهر حتى ولي زياد في أيام معاوية
فقطع يده ورجله ، ثم صلبه إلى جذع ابن معكبر ، وكان جذعا طويلا ، فكان تحته ( 2 ) .
12 - شا : روى جرير عن المغيرة قال : لما ولي الحجاج طلب كميل بن
زياد ، فهرب منه ، فحرم قومه عطاهم ، فلما رأى كميل ذلك قال : أنا شيخ كبير و
* ( هامش ص 148 ) ( 1 ) في ( م و ( خ ) : رأيتها .
( 2 ) الارشاد : 152 . وفيه ابن مكعبر . *
[149]
قد نفد عمري لا ينبغي أن أحرم قومي ( 1 ) عطاهم ، فخرج فدفع بيده إلى الحجاج
فلما رآه قال له : لقد كنت احب أن أجد عليك سبيلا ، فقال له كميل : لا تصرف
على أنيابك ولا تهدم علي ، فوالله ما بقي من عمري إلا مثل كواهل الغبار ، فاقض
ما أنت قاض ، فإن الموعد الله ، وبعد القتل الحساب ، ولقد خبرني أميرالمؤمنين
عليه السلام أنك قاتلي ، فقال ( 2 ) له الحجاج : الحجة عليك إذا ، فقال له كميل : ذاك
إذا كان القضاء إليك ، قال : بلى قد كنت فيمن قتل عثمان بن عفان ، اضربوا عنقه
فضربت عنقه ( 3 ) .
بيان : الصريف : صوت ناب البعير . وتهدم عليه غضبا : توعده ، وكواهل
الغبار : أوائله ، شبه عمره في سرعة انقضائه بالغبار وبقيته بأوائله ، فإن مقدم الغبار
يحدث بعد مؤخره ويسكن بعده ، أو شبه بقية العمر في سرعة انقضائه بأول ما
يحدث من الغبار ، فإنه يسكن قبل ما يحدث آخرا ، والاول أبلغ وأكمل . 13 - شى : عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبيه ، عن رجل من الانصار قال :
خرجت أنا والاشعث الكندي وجرير البجلي حتى إذا كنا بظهر الكوفة بالفرس
مر بنا ضب ، فقال الاشعث وجرير : السلام عليك يا أميرالمؤمنين - خلافا على علي
بن أبي طالب عليه السلام - - فلما خرج الانصاري قال لعلي عليه السلام ، فقال علي عليه السلام :
دعهما فهو إمامهما يوم القيامة ، أما تسمع إلى الله وهو يقول : " نوله ما تولى " ( 4 ) .
14 - شى : عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : جاء
رجل إلى أبي فقال : ابن عباس يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن في أي
يوم نزلت وفيمن نزلت ، قال : فسله فيمن نزلت : " ومن كان في هذه أعمى فهو في


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 149 سطر 19 الى ص 157 سطر 18

* ( هامش ص 149 ) ( 1 ) أى اسبب حرمانهم . وفى ( ك ) : قوما .
( 2 ) في المصدر : قال : فقال .
( 3 ) الارشاد : 154 و 155 .
( 4 ) تفسير العياشى : ج 1 ص 275 ، والاية في سورة النساء : 114 . *
[150]
الآخرة أعمى وأضل سبيلا " ( 1 ) وفيمن نزلت : " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن
أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم " ( 2 ) وفيمن نزلت : " يا أيها الذين آمنوا
اصبروا وصابروا ورابطوا ( 3 ) " فأتاه الرجل ، فغضب وقال : وددت أن الذي أمر
بهذا واجهني فاسائله ، ولكن سله : ما العرش ؟ ومتى خلق ؟ وكيف هو ؟ فانصرف
الرجل إلى أبي فقال ما قال ، فقال : وهل أجابك في الآيات ؟ قال : لا ، قال لكني
اجيبك فيها بنور وعلم غير المدعي ولا المنتحل ، أما الاوليان فنزلتا فيه وفي أبيه
وأما الاخرى فنزلت في أبي وفينا ، ولم يكن الرباط الذي أمرنا به بعد ، وسيكون
من نسلنا المرابط ومن نسله المرابط ( 4 ) . 15 - كش : جعفر بن معروف ، عن ابن يزيد ، عن حماد بن عيسى ، عن
إبراهيم بن عمر اليماني ، عن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر عليه السلام مثله ، وزاد في
آخره بعد الجواب عن سؤال العرش على ما سيأتي : أما إن في صلبه وديعة لقد
ذرئت لنار جهنم ، سيخرجون أقواما من دين الله أفواجا كما دخلوا فيه ، وستصبغ
الارض من دماء ( 5 ) الفراخ من فراخ آل محمد صلى الله عليه واله تنهض تلك الفراخ في غير وقت
وتطلب غير ما تدرك ، ويرابط الدين آمنوا ويصبرون لما يرون حتى يحكم الله و
هو خير الحاكمين ( 6 ) .
16 - كش : نصر بن الصباح ، عن ابن عيسى ، عن الاهوازي ، عن إسماعيل
بن بزيع ، عن أبي الجارود قال : قلت للاصبغ بن نباتة : ما كان منزلة هذا الرجل
فيكم ؟ قال : ما أدري ما تقول إلا أن سيوفنا كانت على عواتقنا ، فمن أومأ إلينا
* ( هامش ص 150 ) ( 1 ) سورة بنى اسرائيل : 72 .
( 2 ) " هود : 34 .
( 3 ) آل عمران : 200 .
( 4 ) تفسيرالعياشى : ج 2 ص 305 .
( 5 ) في المصدر : بدماء .
( 6 ) معرفة اخبار الرجال : 36 و 37 . *
[151]
ضربناه بها ، وكان يقول لنا : تشرطوا ( 1 ) فوالله ما اشتراطكم لذهب ولا فضة وما
اشتراطكم إلا للموت ، إن قوما من قبلكم من بني إسرائيل تشارطوا بينهم فما مات
أحد منهم حتى كان نبي قومه أو نبي قريته أو نبي نفسه ، وإنكم لبمنزلتهم غير
أنكم لستم بأنبياء ( 2 ) .
بيان : قال الجزري : شرط السلطان : نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم
من جنده ، وفي حديث ابن مسعود " وتشرط شرطة للموت لا يرجعون إلا غالبين "
الشرطة : أول طائفة من الجيش تشهد الوقعة ( 3 ) وقال الفيروز آبادي : الشرطة
بالضم : هم أول كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت ، وطائفة من أعوان الولاة ، سموا
بذلك لانهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها ( 4 ) .
17 - كش : محمد بن مسعود العياشي وأبوعمرو بن عبدالعزيز ، قالا : حدثنا
محمد بن نصير ، عن محمد بن عيسى ، عن أبي الحسن الغزالي ( 5 ) عن غياث الهمداني ،
عن بشر بن عمرو الهمداني قال : مر بنا أميرالمؤمنين عليه السلام فقال : البثوا في هذه
الشرطة ، فوالله لا تلي بعدهم إلا شرطة النار إلا من عمل بمثل أعمالهم ( 6 ) .
18 - كش : روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنه قال لعبدالله بن يحيى الحضرمي
يوم الجمل : ابشر ابن يحيى فإنك وأبوك من شرطة الخميس حقا ، لقد أخبرني
رسول الله صلى الله عليه واله باسمك واسم أبيك في شرطة الخميس ، والله سماكم شرطة الخميس
على لسان نبيه صلى الله عليه واله ، وذكر أن شرطة الخميس كانوا ستة آلاف رجل أو خمسة
آلاف ( 7 ) .
* ( هامش ص 151 ) ( 1 ) في المصدر و ( خ ) : تشرطوا تشرطوا .
( 2 ) معرفة اخبار الرجال : 3 و 4 .
( 3 ) النهاية 2 : 213 .
( 4 ) القاموس 2 : 368 .
( 5 ) في المصدر : العرنى .
( 6 و 7 ) معرفة اخبار الرجال : 4 . *
[152]
بيان : الخميس : الجيش ، سمي به لانه مقسوم بخمسة أقسام : المقدمة و
الساقة والميمنة والميسرة والقلب .
19 - كش : ذكر هشام عن أبي خالد الكابلي ، عن أبي جعفر عليه السلام قال :
كان علي بن أبي طالب عليه السلام عندكم بالعراق يقاتل عدوه ومعه أصحابه ، وما كان
فيهم خمسون رجلا يعرفونه حق معرفته وحق معرفة إمامته ( 1 ) .
20 - كش : حمدويه وإبراهيم معا ، عن أيوب بن نوح ، عن صفوان بن يحيى
عن عاصم بن حميد ، عن سلام بن سعيد ، عن عبدالله بن عبدياليل ( عن ) رجل من أهل
الطائف قال : أتينا ابن عباس رحمة الله عليهما نعوده في مرضه الذي مات فيه ، قال :
فاغمي عليه في البيت ، فاخرج إلى صحن الدار ، قال : فأفاق فقال : إن خليلي
رسول الله صلى الله عليه واله قال : إنى سأهجر هجرتين ، وإني سأخرج من هجرتي ، فهاجرت
هجرة مع رسول الله صلى الله عليه واله وهجرة مع علي عليه السلام ، وإني سأعمى فعميت ، وإني
سأغرق فأصابني حكة ( 2 ) فطر حني أهلي في البحر فغفلوا عني فغرقت ، ثم استخرجوني
بعد ، وأمرني أن أبرأ من خمسة : من الناكثين وهم أصحاب الجمل ، ومن القاسطين
وهم أصحاب الشام ، ومن الخوارج وهم أهل النهروان ، ومن القدرية وهم الذين
ضاهوا النصارى في دينهم فقالوا : لا قدر ، ومن المرجئة الذين ضاهوا اليهود في دينهم
فقالوا : الله أعلم . قال : ثم قال : اللهم إني أحيا على ما حي عليه علي بن أبي
طالب عليه السلام وأموت على ما مات عليه علي بن أبي طالب عليه السلام قال : ثم مات ، فغسل
وكفن ثم صلي على سريره ، قال : فجاء طائران أبيضان فدخلا في كفنه ، فرأى
الناس أنما هو فقهه ، فدفن ( 3 ) .
21 - كش : علي بن زياد الصائع ، عن عبدالعزيز بن محمد ، عن خلف المخزومي
عن سفيان بن سعيد ، عن الزهري قال : سمعت الحارث يقول : استعمل علي عليه السلام
* ( هامش ص 152 ) ( 1 ) معرفة أخبار الرجال : 4 وفيه : حق معرفته امامته .
( 2 ) الحكة - بالكسر - : علة توجب الحكاك كالجرب .
( 3 ) معرفة اخبار الرجال : 38 . *
[153]
على البصرة عبدالله بن عباس ، فحمل كل مال في بيت المال بالبصرة ، ولحق بمكة
وترك عليا ، وكان مبلغه ألفي ألف درهم ، فصعد علي عليه السلام المنبر حين بلغه ذلك
فبكى فقال : هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه واله في عمله وقدره يفعل مثل هذا ، فكيف يؤمن
من كان دونه ؟ اللهم إني قد مللتهم فأرحني منهم ، واقبضني إليك غير عاجز ولا
ملول .
قال الكشي : شيخ ( 1 ) من اليمامة يذكر عن معلى بن هلال عن الشعبي قال :
لما احتمل عبدالله بن عباس بيت مال البصرة و ذهب به إلى الحجاز كتب إليه علي
بن أبي طالب عليه السلام : من عبدالله علي بن أبي طالب إلى عبدالله بن عباس ، أما بعد
فإني قد كنت أشركتك في أمانتي ولم يكن أحد من أهل بيتي في نفسي أوثق منك
لمواساتي ومؤازرتي وأداء الامانة إلي ، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب
والعدو عليه قد حرب وأمانة الناس قد عزت ( 2 ) وهذه الامور قد فشت قلبت لابن
عمك ظهر المجن ( 3 ) وفارقته مع المفارقين وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين ، فكأنك
لم تكن تريدالله بجهادك ، وكأنك لم تكن على بينة من ربك ، وكأنك إنما
كنت تكيد امة محمد صلى الله عليه وآله على دنياهم ، وتنوي غر ؟ ؟ ، فلما أمكنتك
الشدة في خيانة امة محمد صلى الله عليه وآله أسرعت الوثبة ، وعجلت العدوة
فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الارل دامية المعزى الكسيرة ( 4 ) كأنك
- لا أبا لك - إنما جررت إلى أهلك تراثك من أبيك وامك . سبحان الله أما تؤمن
بالمعاد ؟ أو ما تخاف من سوء الحساب ؟ أو ما يكبر عليك أن تشتري الاماء وتنكح
* ( هامش ص 153 ) ( 1 ) في المصدر : قال شيخ .
( 2 ) عن الشئ : قل فكاد لا يوجد . وفى النهج : قد خزيت .
( 3 ) المجن : الترس . وسيأتى توضيح الجملة فيما ينقله عن النهج .
( 4 ) الذئب الازل : السريع الخفيف الوركين وذلك اشد لعدوه واسرع لوثبته . والدامية :
شجة تدمى والمعزى : المعز . أى اختطفت على بيت المال كاختطاف الذئب السريع على المعزى
المجروحة والمكسورة الرجل بحيث لا تقدر على الدفاع والهرب . *
[154]
النساء بأموال الارامل والمهاجرين الذين أفاء الله عليهم هذه البلاد ؟ اردد إلى القوم
أموالهم ، فوالله لئن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لاعذرن الله فيك ، والله فوالله لو
أن حسنا وحسينا فعلا مثل الذي فعلت لما كان لهما عندي في ذلك هوادة ( 1 ) ولا لواحد
منهما عندي فيه رخصة ، حتى آخذ الحق وازيح الجور عن مظلومها والسلام ( 2 ) . قال : فكتب إليه عبدالله بن عباس : أما بعد فقد أتاني كتابك تعظم علي
إصابة المال الذي أخذته من بيت مال البصرة ، ولعمري إن لي في بيت مال الله أكثر
مما أخذت والسلام .
قال : فكتب إليه علي بن أبي طالب عليه السلام : أما بعد فالعجب كل العجب من
تزيين نفسك أن لك في بيت مال الله أكثر من مال ( 3 ) رجل من المسلمين ! فقد أفلحت
إن كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من الاثم ، ويحل لك ما حرم
الله عليك ، عمرك الله إنك لانت العبد المهتدي إذن ، فقد بلغني أنك اتخذت مكة
وطنا ، وضربت بها عطنا ، تشتري مولدات مكة والطائف ، تختارهن على عينيك ،
وتعطي فيهن مال غيرك ، وإني لاقسم بالله ربي وربك رب العزة ما يسرني أن
ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعه لعقبي ميراثا ، فلا غرور ( 4 ) أشد باغتباطك تأكله ( 5 )
رويدا رويدا ، فكأن قدن بلغت المدى ( 6 ) وعرضت على ربك المحل الذي يتمنى
الرجعة المضيع للتوبة لذلك ( 7 ) ، وما ذلك ولات حين مناص والسلام .
قال : فكتب إليه عبدالله بن عباس : أما بعد فقد أكثرت علي ! فوالله لئن
* ( هامش ص 154 ) ( 1 ) الهوادة : اللين والرفق .
( 2 ) في ( ك ) : مظلومهما .
( 3 ) في المصدر : أكثر مما اخذت واكثر من مال اه .
( 4 ) " : فلا غرو .
( 5 ) في ( ك ) : بأكله .
( 6 ) المدى : الغاية والمنتهى .
( 7 ) في المصدر : كذلك . *
[155]
ألقى الله بجميع ما في الارض من ذهبها وعقيانها أحب إلي ( من ) ألقى الله بدم
رجل مسلم ( 1 ) .
22 - يل ، فض : روي عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه كان يقول : تفوح روائح الجنة
من قبل قرن ، واشوقاه إليك يا اويس القرني ( 2 ) ألا ومن لقيه فليقرأه مني السلام ،
فقيل يا رسول الله : ومن اويس القرني فقال صلى الله عليه واله : إن غاب عنكم لم تفتقدوه ، وإن
ظهر لكم لم تكترثوا به ، يدخل الجنة في شفاعته مثل ربيعة ومضر ، يؤمن بي ولايراني ،
ويقتل بين يدي خليفتي أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في صفين . ( 3 )
23 - يل ، فض : بالاسناد يرفعه إلى سليم بن قيس أنه قال : لقيت سعد بن
أبي وقاص فقلت : إني سمعت عليا عليه السلام يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول :
اتقوا فتنة الاخنس ، اتقوا فتنة سعد ، فإنه يدعو إلى خذلان الحق وأهله ، فقال :
سعد : اللهم إني أعوذ بك أن أبغض عليا أو يبغضي ، أو اقاتل عليا أو يقاتلني ، أو
اعادي عليا أو يعاديني ، إن عليا كان له خصال لم يكن لاحد من الناس مثلها ،
إنه صاحب براءة ، حتى قال رسول الله صلى الله عليه واله : لا يبلغ عني إلا رجل مني ، وقال
له يوم تبوك : أنت وصيي أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة ، ويوم أمر
بسد الابواب إلى المسجد ولم يبق غير بابه فسأل عمر أن يجعل له روزنة صغيرة قدر
عينيه ، فأبى رسول الله قال : ( 4 ) فعند ذلك قال : سددت أبوابنا وتركت باب علي ؟
فقال : ما سددتها لكم أنا ولا فتحت بابه ولكن الله سدها وفتح بابه ويوم آخى رسول الله
بين الصحابة كل رجل مع صاحبه وبقي هو فآخاه من نفسه وقال له : أنت أخي وأنا
* ( هامش ص 155 ) ( 1 ) معرفة اخبار الرجال : 40 - 42 0 وأورد السيد الرضى رحمه الله الرسالة الاولى و
قال في اوله " ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله " . وذكر عبدالحميد بن أبى الحديد
في شرح النهج جوابه إلى أميرالمؤمنين عليه السلام والرسالة الثانية وجوابها أيضا مع اختلافات
لما في " كش " ، وقال : قد اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب فقال الاكثرون : انه عبدالله
ابن عباس وقال آخرون وهم الاقلون : هو عبيدالله بن عباس . وسيأتى نقله بعيد هذا .
( 2 ) في ( ك ) : يا اويس القرن .
( 3 ) الفضائل : 111 و 112 . الروضة : 6 .
( 4 ) ليست هذه الكلمة في الروضة . *
[156]
أخوك في الدنيا والآخرة . ويوم خيبر حين انهزم أبوبكر وعمر فغضب رسول الله
صلى الله عليه واله وقال : ما بال قوم يلقون المشركين ثم يفرون ؟ لاعطين الراية غدا رجلا
يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، كرار غير فرار ، يفتح الله على يديه ، فلما
كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه واله : علي بعلي ، فجاءه أرمد العين ، فوضع كريمه ( 1 )
في حجره وتفل في عينيه ، وعقد له راية ودعا له ، فما انثنى حتى فتح خيبرا ، وأتاه
بصفية بنت حيي بن أخطب ، فأعتقها رسول الله صلى الله عليه واله ثم تزوجها وجعل عتقها
صداقها ، وأعظم من ذلك يوم غدير خم أخذ رسول الله صلى الله عليه واله بيده وقال : من كنت
مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، ألا فليبلغ الشاهد منكم
الغائب والحر العبد ( 2 ) .
24 - ضه : قال النبي صلى الله عليه واله ذات يوم لاصحابه : ابشروا برجل من امتي
يقال له : اويس القرني ، فإنه يشفع بمثل ربيعة ومضر ، ثم قال لعمر : يا عمر
إن أدركته فاقرأه مني السلام ، فبلغ عمر مكانه بالكوفة ، فجعل يطلبه في الموسم
لعله أن يحج حتى وقع إليه هو وأصحابه وهو من أحسنهم ( 3 ) هيئة وأرثهم حالا ،
فلما سأل عنه أنكروا ذلك وقالوا : يا أميرالمؤمنين تسأل عن رجل لا يسأل عنه
مثلك ، قال : فلم ، قالوا لانه عندنا مغمور في عقله ! وربما عبث به الصبيان ،
قال عمر : ذلك أحب إلي ، ثم وقف عليه فقال : يا اويس إن رسول الله صلى الله عليه وآله
أودعني إليك رسالة وهو يقرأ عليك السلام وقد أخبرني أنك تشفع بمثل ربيعة ومضر
فخر اويس ساجدا ومكث طويلا ما ترقى له دمعة ( 4 ) ، حتى ظنوا أنه مات ، و
نادوه : يا اويس هذا أميرالمؤمنين ، فرفع رأسه ثم قال : يا أميرالمؤمنين أفاعل ذلك
قال : نعم يا اويس ، فأدخلني في شفاعتك ، فأخذ الناس في طلبه والتمسح به ، فقال
يا أميرالمؤمنين شهرتني وأهلكتني ، وكان يقول : كثيرا ما لقيت من عمر ، ثم قتل
* ( هامش ص 156 ) ( 1 ) في ( ك ) : كريميه . والظاهر : كريمته . والمراد رأسه .
( 2 ) الروضة : 23 و 24 . ولم نجده في الفضائل المطبوع .
( 3 ) أخشنهم : ظ .
( 4 ) في المصدر : دعوة خ ل . *
[157]
بصفين في الرجالة مع أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام . ( 1 )
25 - نبه : حكي أن مالك بن الاشتر ( 2 ) رضي الله عنه كان مجتازا بسوق وعليه
قميص خام وعمامة منه ، فرآه بعض السوقة فأزرى ( 3 ) بزيه فرماه ببابه ( 4 ) تهاونا به
فمضى ولم يلتفت ، فقيل له : ويلك تعرف لمن رميت ؟ ( 5 ) فقال : لا ، فقيل له : هذا
مالك صاحب أميرالمؤمنين عليه السلام ، فارتعد الرجل ومضى ليعتذر إليه ، ( 6 ) وقد دخل
مسجدا وهو قائم يصلي ، فلما انفتل انكب الرجل على قدميه يقبلهما ، فقال :
ما هذا الامر ؟ فقال : أعتذر إليك مما صنعت ، فقال : لا بأس عليك فوالله ما دخلت
المسجد إلا لاستغفرن لك . ( 7 )
26 - نبه : الاحنف ( 8 ) : شكوت إلى عمي صعصعة وجعا في بطني ، فنهرني ثم
قال : يا ابن أخي إذا نزل بك شئ فلا تشكه إلى أحد ، فإن ( 9 ) الناس رجلان :
صديق تسوؤه وعدو تسره ، والذي بك لا تشكه إلى مخلوق مثلك لا يقدر على دفع
مثله عن نفسه ، ولكن إلى من ابتلاك به ، فهو قادر أن يفرج عنك ، يا ابن أخي إحدى
عيني هاتين ما أبصر بها سهلا ولا جبلا منذ أربعين سنة وما اطلع على ذلك امرأتي
ولا أحد من أهلي ! . ( 10 )
* ( هامش ص 157 ) ( 1 ) روضة الواعظين : 248 .
( 2 ) في المصدر : مالكا الاشتر .
( 3 ) أى عابه وفى المصدر " ازدرى " أى تهاون .
( 4 ) كذا في النسخ ، وفى المصدر " ببندقة " والبندق : كل ما يرمى به من رصاص كروى


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 157 سطر 19 الى ص 165 سطر 18

وسواه .
( 5 ) في المصدر : اتدرى بمن رميت .
( 6 ) " ومضى اليه ليعتذر منه .
( 7 ) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر 1 : 2 .
( 8 ) في المصدر : عن الاحنف .
( 9 ) " : إلى احد مثلك ، فانما اه .
( 10 ) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر 1 : 57 . *
[158]
27 - كا : محمد بن أبي عبدالله ومحمد بن الحسن ، عن سهل ومحمد بن يحيى ، عن
أحمد بن محمد ، جميعا عن الحسن بن العباس ( 1 ) عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال :
قال أبوعبدالله عليه السلام : بينا أبي جالس عليه السلام وعنده نفر إذا استضحك حتى اقر ورقت
عيناه دموعا ، ثم قال : هل تدرون ما أضحكني ؟ قال : فقالوا : لا ، قال : زعم ابن
عباس أنه من الذين قالوا : " ربنا الله ثم استقاموا " فقلت له : هل رأيت الملائكة
يا ابن عباس تخبرك بولايتها لك في الدنيا والآخرة مع الامن من الخوف والحزن ؟
قال : فقال : إن الله تبارك وتعالى يقول : " إنما المؤمنون إخوة " ( 2 ) وقد دخل في هذا
جميع الامة ، فاستضحكت ثم قلت : صدقت يا ابن عباس أنشدك الله هل في حكم الله جل
ذكره اختلاف ؟ قال : فقال : لا ، فقلت : ما ترى في رجل ضرب رجلا أصابعه بالسيف حتى
سقطت ، ثم ذهب وأتى رجل آخر فأطار كفه فأتى به إليك وأنت قاض كيف أنت
صانع به ؟ قال : أقول لهذا القاطع : أعطه دية كفه وأقول : لهذا المقطوع : صالحه
على ماشئت ، وأبعث به إلى ذوي عدل ، قلت : جاء الاختلاف في حكم الله عز ذكره
ونقضت القول الاول أبى الله عز ذكره أن يحدث في خلقه شيئا من الحدود ، فليس ( 3 )
تفسيره في الارض ، اقطع قاطع الكف أصلا ثم أعطه دية الاصابغ هكذا حكم الله ليلة
* ( هامش ص 158 ) ( 1 ) الحسن بن العباس بن الحريش الرازى ضعيف جدا عنونه العلامة في القسم الثانى من
الخلاصة والنجاشى في رجاله وقال : " ضعيف جدا ، له كتاب انا انزلناه في ليلة القدر وهو كتاب
ردى الحديث مضطرب الالفاظ " وفي جامع الرواة 1 : 205 " قال ابن الغضائرى : هو ابومحمد ضعيف
روى عن ابى جعفر الثانى عليه السلام فضل انا انزلناه كتابا مصنفا فاسد الالفاظ تشهد مخائله على
انه موضوع ، وهذا الرجل لا يلتفت اليه ولا يكتب حديثه . " اقول : قد افرد الكلينى رحمه الله
لما نقله الرجل في شأن انا انزلناه بابا في كتابه الكافى راجع ج 1 : 242 - 253 لكن امارات الوضع
والخطاء تلوح من الاضطرابات الواقعة في طيات رواياته ، ولاجل ذلك لم نتعمق في بيان هذه
الرواية وان كان بعض جملاتها آبيا عن البيان والتوضيح لكثرة اضطرابها .
( 2 ) سورة الحجرات : 10 .
( 3 ) في المصدر : وليس . *
[159]
ينزل فيها أمره ، إن جحدتها بعد ماسمعت من رسول الله صلى الله عليه واله فأدخلك الله النار كما أعمى
بصرك يوم جحدتها علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال : فلذلك عمي بصري ، قال : وما علمك
بذلك فوالله إن عمي بصري إلا من صفقة جناح الملك ، قال : فاستضحكت ثم تركته
يومه ذلك لسخافة عقله ، ثم لقيته فقلت : يا ابن عباس ما تكلمت بصدق مثل أمس ،
قال لك علي بن أبي طالب عليه السلام : إن ليلة القدر في كل سنة ، وإنه ينزل في تلك الليلة
أمر تلك السنة ، وإن لذلك الامر ولاة بعد رسول الله صلى الله عليه واله فقلت : من هم ؟ .
فقال : أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدثون ، فقلت : لا أراها كانت إلا مع رسول الله
فتبدا لك الملك الذي يحدثه ؟ فقال : كذبت يا عبدالله ، رأت عيناي الذي حدثك به
علي ولم تره عيناه ولكن وعا قلبه ووقر في سمعه ثم صفقك بجناحيه فعميت ! قال :
فقال ابن عباس : ما اختلفنا في شئ فحكمه إلى الله ، فقلت له : فهل حكم الله في حكم
من حكمه بأمرين ؟ قال : لا ، فقلت : هيهنا هلكت وأهلكت . ( 1 )
28 - كا : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم
بن محمد ، عن علي بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : كبر رسول
الله صلى الله عليه واله على حمزة سبعين تكبيرة ، وكبر علي عليه السلام عندكم على سهل بن حنيف
خمسا ( 2 ) وعشرين تكبيرة ، قال : كبر خمسا خمسا ، كلما أدركه الناس قالوا :
يا أميرالمؤمنين لم ندرك الصلاة على سهل فيضعه فيكبر عليه خمسا حتى انتهى إلى
قبره خمس مرات ( 3 ) .
29 - كا : علي بن محمد ، عن صالح بن أبي حماد رفعه قال : جاء أميرالمؤمنين عليه السلام
إلى الاشعث بن قيس يعزيه بأخ له يقال له عبدالرحمن ، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام
إن جزعت فحق الرحم أتيت ، وإن صبرت فحق الله أديت ، على أنك إن صبرت جرى
* ( هامش ص 159 ) ( 1 ) اصول الكافى ( الجزء الاول من الطبعة الحديثة ) : 247 و 248 .
( 2 ) في المصدر : خمسة .
( 3 ) فروع الكافى ( الجزء الثالث من الطبعة الحديثة ) : 186 *
[160]
عليك القضاء وأنت ممدوح ، ( 1 ) وإن جزعت جرى عليك القضاء وأنت مذموم ، فقال
له الاشعث : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام . أتدري ما تأويلها ؟
فقال له الاشعث : أنت غاية العلم ومنتهاه ، فقال : أما قولك : " إنا لله " فإقرار منك
بالملك ، وأما قولك : " وإنا إليه راجعون " فإقرار منك بالهلاك ( 2 ) .
30 - كا : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن حديد ، عن مرازم بن
حكيم ، عمن رفعه إليه قال : إن حارث ( 3 ) الاعور أتى أميرالمؤمنين عليه السلام فقال : يا أميرالمؤمنين احب أن تكرمني بأن تأكل عندي ، فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام : علي أن
لا تتكلف لي شيئا ، ودخل فأتاه الحارث بكسرة ، فجعل أميرالمؤمنين عليه السلام يأكل
فقال له الحارث : إن معي دراهم - وأظهرها وإذا هي في كمه - فإن أذنت لي اشتريت
لك ( 4 ) فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام : هذه مما في بيتك ( 5 ) .
31 - كا : أحمد بن محمد العاصمي ، عن محمد بن أحمد النهدي ، عن محمد بن علي
عن شريف بن سابق ، عن الفضل بن أبي قرة ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : أتت الموالي
أميرالمؤمنين عليه السلام فقالوا : نشكوا إليك هؤلاء العرب ، إن رسول الله صلى الله عليه واله كان يعطينا
معهم العطايا بالسوية ، وزوج سلمان وبلال وصهيب ( 6 ) وأبوا علينا هؤلاء وقالوا :
لا نفعل ، فذهب إليهم أميرالمؤمنين عليه السلام فكلمهم فيهم ، فصاح الاعاريب : أبينا ذلك
يا أباالحسن أبينا ذلك فخرج وهو مغضب يجر رداءه وهو يقول : يا معشر الموالي
إن هؤلاء قد صيروكم بمنزلة اليهود والنصارى ، يتزوجون إليكم ولا يزوجونكم
ولا يعطونكم مثل مايأخذون ، فاتجروا بارك الله لكم ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله
* ( هامش ص 160 ) ( 1 ) في المصدر و ( خ ) : محمود .
( 2 ) فروع الكافى ( الجزء الثالث من الطبعة الحديثة ) 261 .
( 3 ) في المصدر : ان حارثا الاعور .
( 4 ) في المصدر : اشتريت لك شيئا غيرها .
( 5 ) فروع الكافى ( الجزء السادس من الطبعة الحديثة ) : 276 .
( 6 ) في المصدر : وزوج سلمان وبلالا وصهيبا . *
[161]
يقول : الرزق عشرة أجزاء ، تسعة أجزاء في التجارة وواحدة في غيرها ( 1 ) .
32 - كا : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن
سالم ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : أتى قوم أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا : السلام عليك
يا ربنا ، فاستتابهم فلم يتوبوا ، فحفر لهم حفيرة وأوقد فيها نار ا ، وحفر حفيرة إلى
جانبها اخرى ( 2 ) وأفضى بينهما ، فلما لم يتوبوا ألقاهم في الحفيرة وأوقد في الحفيرة
الاخرى حتى ماتوا ( 3 ) .
33 - ختص : أحمد وعبدالله ابنا محمد بن عيسى وابن أبي الخطاب ، جميعا عن
ابن محبوب ، عن الثمالي ، عن سويد بن غفلة قال : كنت أنا عند أميرالمؤمنين عليه السلام
إذ أتاه رجل فقال : يا أميرالمؤمنين جئتك من وادي القرى وقد مات خالد بن عرفطة
فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : لم يمت ( 4 ) فأعاد عليه الرجل فقال له : لم يمت ، وأعرض
بوجهه عنه ، فأعاد عليه الثالثة فقال : سبحان الله اخبرك أنه قد مات وتقول : لم
يمت ! فقال علي عليه السلام : والذي نفسي بيده لا يموت حتى يقود جيش ضلالة يحمل
رايته حبيب بن جماز ، قال : فسمع حبيب ( 5 ) فأتى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له :
أنشدك الله في فإني لك شيعة ، وقد ذكرتني بأمر لا والله لا أعرفه من نفسي ! فقال
له علي عليه السلام : ومن أنت ؟ قال : أنا حبيب بن جماز ، فقال له علي عليه السلام : إن كنت
حبيب بن جماز فلا يحملها غيرك - أو فلتحملنها - فولى عنه حبيب ، وأقبل أميرالمؤمنين
عليه السلام يقول : إن كنت حبيبا لتحملنها . قال أبوحمزة : فوالله ما مات خالد بن عرفطة
حتى بعث عمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته و
حبيب بن جماز صاحب رايته ( 6 ) .
* ( هامش ص 161 ) ( 1 ) فروع الكافى ( الجزء الخامس من الطبعة الحديثة ) : 318 و 319 .
( 2 ) في المصدر : وحفر حفيرة اخرى إلى جانبها .
( 3 ) فروع الكافى ( الجزء السابع من الطبعة الحديثة ) 257 .
( 4 ) في المصدر : انه لم يمت .
( 5 ) " : فسمع ذلك حبيب بن جماز .
( 6 ) الاختصاص : 280 . *
[162]
قال عبدالحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : روى أنس بن عياض
المدني قال : حدثني جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عليهم السلام أن عليا عليه السلام
كان يوما يؤم الناس وهو يجهر بالقراءة ، فجهر ابن الكواء من خلفه " ولقد اوحي
إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " ( 1 ) فلما جهر ابن الكواء من خلفه بها سكت علي عليه السلام ، فلما أنهاها ابن الكواء عاد
علي عليه السلام ليتم قراءته ، فلما شرع علي عليه السلام في القراءة أعاد ابن الكواء الجهر
بتلك ( 2 ) فسكت علي علي عليه السلام فلم يزالا كذلك يسكت هذا ويقرء ذاك مرارا ، حتى
قرأ علي عليه السلام " فاصبر إن وعدالله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ( 3 ) " فسكت
ابن الكواء وعاد علي عليه السلام إلى قراءته ( 4 ) .
وقال في موضع آخر : ام محمد بن أبي بكر أسماء بنت عميس كانت تحت جعفر
ابن أبي طالب ، وهاجرت معه إلى الحبشة فولدت له هناك عبدالله بن جعفر الجواد
ثم قتل عنها يوم مؤتة ، فخلف عليها أبوبكر فأولدها محمدا ، ثم مات عنها ، فخلف عليها
علي بن أبي طالب عليه السلام وكان محمد ربيبه وخريجه وجاريا عنده مجرى أولاده ، و
رضيع الولاء والتشيع مذزمن الصبا ، فنشأ عليه ، فلم يكن يعرف أبا غير علي عليه السلام
ولا يعتقد لاحد فضيلة غيره ، حتى قال عليه السلام : محمد ابني من صلب أبي بكر ، وكان
يكنى أبا القاسم في قول ابن قتيبة ، وقال غيره : بل كان يكنى أبا عبدالرحمن ، و
كان من نساك قريش ، وكان ممن أعان في يوم الدار ( 5 ) واختلف هل باشر قتل عثمان
أولا ومن ولد محمد القاسم بن محمد بن أبي بكر فقيه أهل الحجاز ( 6 ) وفاضلها ، ومن
* ( هامش ص 162 ) ( 1 ) سورة الزمر : 65 .
( 2 ) في المصدر : بتلك الاية .
( 3 ) سورة الروم : 60 .
( 4 ) شرح النهج 1 : 264 .
( 5 ) في المصدر : اعان على عثمان في يوم الدار .
( 6 ) " : فقيه الحجاز . *
[163]
ولد القاسم عبدالرحمن من فضلاء قريش ، ويكنى أبا محمد ، ومن ولد القاسم أيضا ام
فروة ، تزوجها الباقر أبوجعفر محمد بن علي صلوات الله عليهما ( 1 ) .
أقول : قد أوردت قصة شهادته وفضائله في كتاب الفتن .
وقال ابن عبدالبر في كتاب الاستيعاب : ولد محمد بن أبي بكر في عام حجة
الوداع ، فسمته عائشة محمدا ، وكنيته بعد ذلك أبا القاسم لما ولد له ولد سماه القاسم
ولم تكن الصحابة ترى بذلك بأسا ، ثم كان في حجر علي عليه السلام وقتل بمصر ، و
كان علي عليه السلام يثني عليه ويقرظه ويفضله ، وكان لمحمد رحمه الله عبادة واجتهاد
وكان ممن حصر عثمان ودخل عليه ، فقال له : لو رآك أبوك لم يسره هذا المقام
منك ، فخرج وتركه ، فدخل عليه بعده من قتله ، قال : ويقال : إنه أشار إلى من
كان معه فقتلوه ( 2 ) .
وقال ابن أبي الحديد في وصف كميل : هو كميل بن زياد بن نهيك بن هيثم
بن سعد بن مالك بن حرب ، من صحابة علي عليه السلام وشيعته وخاصته ، وقتله الحجاج
على المذهب فيمن قتل من الشيعة ، وكان كميل عامل علي عليه السلام على هيت ( 3 ) و
كان ضعيفا يمر عليه سرايا معاوية ينهب أطراف العراق فلا يردها ، ويحاول أن يجبر ما عنده من الضعف بأن يغير على أطراف أعمال معاوية مثل قرقيسياء ( 4 ) وما يجري مجراها
من القرى التي على الفرات ، فأنكر أميرالمؤمنين عليه السلام ذلك من فعله وقال : إن
من العجز الحاضر أن يهمل العامل ما وليه ويتكلف ما ليس من تكليفه ( 5 ) .
وقال : روى المدائني قال : بينا معاوية يوما جالسا وعنده عمرو بن العاص
* ( هامش ص 163 ) ( 1 ) شرح النهج 2 : 32 .
( 2 ) الاستيعاب 3 : 328 و 329 .
( 3 ) هيت بلدة على الفرات فوق الانبار ، ذات نخل كثير وخيرات واسعة على جهة البرية في
غربى الفرات ، وبها قبر عبدالله بن المبارك .
( 4 ) قرقيسياء بلد على الخابور عند مصبه ، وهى على الفرات فوق رحبة مالك بن طوق .
( 5 ) شرح النهج 4 : 227 . *
[164]
إذ قال الآذن : قد جاء عبدالله بن جعفر بن أبي طالب ، فقال عمرو : والله لاسوأنه
اليوم ، فقال معاوية : لا تفعل يا با عبدالله فإنك لا تنصف ( 1 ) منه ، ولعلك أن تظهر
لنا من مغبته ( 2 ) ما هو خفي عنا وما لا يجب ( 3 ) أن نعلمه منه ، وغشيهم ( 4 ) عبدالله
بن جعفر ، فأدناه معاوية وقربه ، فمال عمرو إلى بعض جلساء معاوية فنال من علي
عليه السلام جهارا غير ساترله ، وثلبه ثلبا ( 5 ) قبيحا ، فالتمع لون عبدالله بن جعفر واعتراه
أفكل ( 6 ) حتى أرعدت خصائله ، ثم نزل عن السرير كالفنيق ، فقال له عمرو : مه
يا باجعفر ، فقال له عبدالله : مه لا ام لك ، ثم قال : أظن الحلم ذل علي قومي * وقد يتجهل الرجل الحليم
ثم حسر عن ذراعيه وقال : يا معاوية حتام نتجرع غيظك ؟ وإلى كم الصبر
على مكروه قولك وسيئ أدبك وذميم أخلاقك ؟ هبلتك الهبول وأما يزجرك
ذمام ( 7 ) المجالسة عن القدح لجليسك إذا لم يكن له حرمة من دينك ينهاك ( 8 ) عما
لا يجوز لك ، أما والله لو عطفتك أواصر الاحلام أو حاميت على سهمك من الاسلام
ما أرعيت بني الاماء المتك والعبيد السك أعراض قومك ، وما يجهل موضع الصفوة
إلا أهل الجزة ، وإنك لتعرف في رشاء قريش صفوة غرائرها ، فلا يدعونك تصويب
ما فرط من خطائك في سفك دماء المسلمين ومحاربة أميرالمؤمنين عليه السلام إلى التمادي
فيما قد وضح لك الصواب في خلافه ، فاقصد لمنهج ( 9 ) الحق فقد طال عماك ( 10 ) عن
* ( هامش ص 164 ) ( 1 ) في المصدر : لا تنتصف .
( 2 ) " : من منقبته .
( 3 ) " : ومالا نحب .
( 4 ) أى أتاهم .
( 5 ) ثلبه ثلبا : عابه ولامه .
( 6 ) الافكل : الرعدة . يقال " اخذه افكل " إذا ارتعد من خوف أو غضب . ويأتى توضيح
بعض اللغات في البيان ، ونحن نوضح مالم يوضحه المصنف .
( 7 ) كذا في النسخ والمصدر : وفى ( ك ) : زمام .
( 8 ) في المصدر : إذا لم تكن لك حرمة من دينك تنهاك .
( 9 ) " : المنهج الحق .
( 10 ) " : عمهك . *
[165]
سبيل الرشد ، وخبطك في بحور ( 1 ) ظلمة الغي ، فإن أبيت أن لا تنابعا ( 2 ) في قبح
اختيارك لنفسك فاعفنا عن سوء القالة فينا إذا ضمنا وإياك الندي ، وشأنك وما تريد
إذا خلوت ، والله حسيبك ، فوالله لو لا ما جعل الله لنا في يديك لما آتيناك . ثم قال :
إنك إن كلفتني ما لم أطق ساءك ما سرك مني خلق ( 3 ) .
فقال معاوية : أبا جعفر ( 4 ) لغير الخطاء أقسمت عليك لتجلس ، لعن الله من
أخرج ضب صدرك من وجاره ( 5 ) محمول لك ما قلت ، ولك عندنا ما أملت ، فلو
لم يكن مجدك ومنصبك لكان خلقك وخلقك شافعين لك إلينا ، وأنت ابن ذي الجناحين
وسيد بني هاشم . فقال عبدالله : كلا بل سيد بني هاشم حسن وحسين لا ينازعهما
في ذلك أحد ، فقال : أبا جعفر أقسمت عليك ما ذكرت حاجة لك إلا قضيتها كائنة
ما كانت ولو ذهب ( 6 ) بجميع ما أملك ، فقال : أما في هذا المجلس فلا ، ثم انصرف
فأتبعه معاوية بصرة وقال : والله لكأنه رسول الله مشيه وخلقه وخلقه ، وإنه لمن
مشكاته ، ولوددت أنه أخي بنفيس ما أملك ، ثم التفت إلى عمرو فقال : أبا عبدالله
ما تراه منعه من الكلام معك ؟ قال : ما لا خفاء به عنك . قال : أظنك تقول : إنه
هاب جوابك ، لا والله ولكنه ازدراك واستحقرك ولم يرك للكلام أهلا ، ما رأيت
إقباله علي دونك ذاهبا نفسه عنك ، فقال عمرو : فهل لك أن تسمع ما أعددته لجوابه ؟
قال معاوية : اذهب إليك أبا عبدالله فلا حين جواب سائر اليوم ( 7 ) ونهض معاوية و
تفرق الناس .
وروى المدائني أيضا قال : وفد عبدالله بن عباس على معاوية مرة ، فقال


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 165 سطر 19 الى ص 173 سطر 18

معاوية لابنه يزيد ولزياد بن سمية وعتبة بن أبي سفيان ومروان بن الحكم وعمرو
* ( هامش ص 165 ) ( 1 ) في المصدر : ديجور .
( 2 ) " : أن لا تتابعنا
( 3 ) " : من خلق .
( 4 ) " : يا أباجعفر .
( 5 ) الضب : الحقد الخفى . الوجار : الحجر .
( 6 ) في المصدر : ولو ذهبت ،
( 7 ) " : فلات حين جواب ، فبما يرى اليوم . *
[166]
ابن العاص والمغيرة بن شعبة وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن ام الحكم : إنه
قد طال العهد لعبدالله بن عباس وماكان شجر بيننا وبينه وبين ابن عمه ، ولقد كان
نصبه للتحكيم فدفع عنه ، فحركوه على الكلام لنبلغ حقيقة صفته ، ونقف على
كنه معرفته ، ونعرف ما صرف عنا من شباحده ، وزوى ( 1 ) عنا من دهاء رأيه ،
فربما وصف المرء بغير ماهو فيه ، واعطي من النعت والاسم مالا يستحقه ، ثم
أرسل إلى عبدالله بن عباس ، فلما دخل واستقر به المجلس ابتدأه ابن أبي سفيان
فقال : يا ابن عباس ما منع عليا أن يوجه بك حكما ؟ فقال : أما والله لو فعل لقرن
عمروا بصعبة من الابل يوجع كنفيه مراسها ( 2 ) ولاذهلت عقله وأجرضته بريقه ،
وقدحت في سويداء قلبه ، فلم يبرم أمرا ولم ينقض رأيا ( 3 ) إلا كنت منه بمرأى و
مسمع ، فإن نكبه أدمت قواه ( 4 ) وإن أدمه قصمت عراه بعضب ( 5 ) مصقول لا يفل
حده وأصالة رأي كمناخ الاجل لا ورز منه ( 6 ) أصدع به أديمه ، وأفل ( 7 ) به شباحده
وأستجد به عزائم المتقين ( 8 ) وازيح به شبه الشاكين ( 9 ) .
فقال عمر وبن العاص : هذا والله يا أميرالمؤمنين نجوم أول الشرو افول آخر
الخير ، وفي حسمه قطع مادته ، فبادره بالجملة ( 10 ) وانتهز منه الفرصة ، واردع
* ( هامش ص 166 ) ( 1 ) الشبا جمع الشباة : طرف الشئ وحده . وفى المصدر : وروى عنا .
( 2 ) المراس : الشدة والقوة ، يقال " هو صعب المراس " أى ذو الشدة والقوة .
( 3 ) في المصدر : ولم ينفض ترابا .
( 4 ) سيأتى معناه عن المصنف . وفي المصدر : فان نكثه أرمت قواه وان أرمه فصمت عراه
بغرب مقول لا يفل حده .
( 5 ) العضب . السيف القاطع .
( 6 ) كذا في النسخ . وفى المصدر : كمتاح الاجل لا وزر منه .
( 7 ) في ( ك ) و ( ت ) : أقل .
( 8 ) كذا في النسخ . وفى المصدر : وأشحذ به عزائم المتقيز . والصحيح المتيقنين .
( 9 ) في ( ك ) الناكثين خ ل .
( 10 ) في المصدر : بالحملة . *
[167]
بالتنكيل به غيره ، وشردبه من خلفه ، فقال ابن عباس : يا ابن النابغة ضل والله
عقلك ، وسفه حلمك ، ونطق الشيطان على لسانك ، هلا توليت ذلك بنفسك يوم
صفين حين دعيت إلى النزال وتكافح الابطال ( 1 ) وكثرت الجراح وتقصفت الرماح ؟
وبرزت إلى أميرالمؤمنين مصاولا فانكفأ ( 2 ) نحوك بالسيف حاملا ، فلما رأيت
الكر آثر من الفر وقد أعددت حيلة السلامة قبل لقائه والانكفاء عنه بعد إجابة
دعائه فمنحت ( 3 ) رجاء النجاة عورتك ، وكشفت له خوف بأسه سوأتك ، حذر أن ( 4 )
يصطلمك بسطوته ، أو يلتهمك بحملته ، ثم أشرت إلى معاوية ( 5 ) كالناصح له بمبارزته
وحسنت له التعريض ( 6 ) لمكافحته ، رجاء أن تكفي ( 7 ) مؤونته وتعدم صولته ( 8 )
فعلم غل صدرك وما ألحت عليه من النفاق أصلعك ( 9 ) وعرف مقر سهمك في غرضك
فاكفف عضب لسانك ( 10 ) واقمع عوراء لفظك . فإنك لمن أسد خادر وبحرز اخر
إن برزت ( 11 ) للاسد افترسك وإن عمت في البحر قمسك ( 12 ) .
فقال مروان بن الحكم : يا ابن عباس إنك لتصرف بنابك وتوري نارك ،
كأنك ترجو الغلبة وتؤمل العافية . ولولا حلم أميرالمؤمنين عنكم لناولكم ( 13 )
* ( هامش ص 167 ) ( 1 ) كفح العدو ، واجهه واستقبله .
( 2 ) أى مال
( 3 ) في المصدر : فمنحته .
( 4 ) " : حذرا ان يصطلمك .
( 5 ) كذا في ( ك ) . وفى غيره من النسخ وكذا المصدر : على معاوية .
( 6 ) في المصدر : التعرض .
( 7 ) " : أن تكتفى .
( 8 ) " : صورته .
( 9 ) " : وما انحنت عليه من النفاق أضلعك .
( 10 ) " : غرب لسانك والغرب : الحدة .
( 11 ) " : تبرزت .
( 12 ) عام في الماء : سبح . والقمس بمعنى الغمس .
( 13 ) في المصدر : لتناولكم . *
[168]
بأقصر أنامله فأوردكم منهلا بعيدا صدره ، ولعمري لئن سطابكم ليأخذن بعض
حقه منكم ، ولئن عفا عن جرائركم فقديما ما نسب إلى ذلك ، فقال ابن عباس :
وإنك لتقول ذلك يا عدوالله وطريد رسول الله والمباح دمه والداخل بين عثمان
ورعيته بما حملهم على قطع أوداجه وركوب أنتاجه ( 1 ) ؟ ! أما والله لو طلب معاوية
ثاره لاخذك به ، ولو نظر في أمر عثمان لوجدك أوله وآخره ، وأما قولك لي : " إنك
لتصرف بنابك وتوري نارك " فسل معاوية وعمروا يخبراك ليلة الهرير كيف ثباتنا للمثلات
واستخفافنا بالمعضلات ، وصدق جلادنا عند المصاولة ، وصبرنا على اللاواء والمطاولة ( 2 )
ومصافحتنا بجباهنا السيوف المرهفة ، ومباشرتنا بنحورنا حد الاسنة هل خمنا ( 3 )
عن كرائم تلك المواقف أم لم نبذل مهجنا للمتالف ؟ وليس لك إذ ذاك فيها مقام
محمود ولا يوم مشهود ولا أثر معدود ، وإنهما شهدا مالو شهدت لاقلقك ، فاربع على
ظلعك ، ولا تعرض ( 4 ) لما ليس لك ، فإنك كالمغرور في صفقة ( 5 ) لا يهبط برجل
ولا يرقى بيد .
فقال زياد : يا ابن عباس إني لاعلم ما منع حسنا وحسينا من الوفود معك
على أميرالمؤمنين إلا ما سولت لهما أنفسهما ، وغرهما به من هو عند البأساء سلمهما ( 6 )
وأيم الله لو وليتهما لادأبا في الرحلة إلى أميرالمؤمنين أنفسهما ، ويقل ( 7 ) بمكانهما
لبثهما ، فقال ابن عباس : إذا والله يقصر دونهما باعك ، ويضيق بهما ذراعك ، و لو
* ( هامش ص 168 ) ( 1 ) في المصدر : أثباجه . والثبج ما بين الكاهل إلى الظهر .
( 2 ) اللاواء : الشدة والمحنة .
( 3 ) خام يخيم عنه : جبن ونكص . وفى نسخ الكتاب " حمنا " بالمهملة ولكنه سهو .
( 4 ) في المصدر : ولا تتعرض .
( 5 ) " : كالمغروز في صفد . أى المشدود في قيد .
( 6 ) " : يسلمهما .
( 7 ) " : ولقل . *
[169]
رمت ذلك لوجدت من دونهما فئة صدقا ( 1 ) صبرا على البلاء ، لا يخيمون ( 2 ) عن اللقاء
فلعركوك ( 3 ) بكلاكلهم ، ووطؤوك بمناسمهم ، وأوجروك مشق رماحهم وشفار
سيوفهم ووخز أسنتهم حتى تشهد بسوء ما آتيت ، وتتبين ضياع الحزم فيما جنيت
فحذار حذار من سوء النية فتكافأ برد الامنية ( 4 ) وتكون سببا لفساد هذين الحيين
بعد صلاحهما ، وساعيا في اختلافهما بعد ايتلافهما ، حيث لا يضرهما التباسك ( 5 )
ولا يغني عنهما إيناسك .
فقال عبدالرحمن بن ام الحكم : لله در ابن ملجم ، فقد بلغ الاجل ( 6 ) و
أمن الوجل ، وأحد الشفرة وألان المهرة وأدرك الثار ونفى العار ، وفاز بالمنزلة
العلياء ورقا الدرجة القصوى ، فقال ابن عباس : أما والله لقد كرع ( 7 ) كأس حتفه
بيده ، وعجل الله إلى النار بروحه ، ولو أبدى لاميرالمؤمنين صفحته لخالطه الفحل
القطم والسيف الخذم ، ولالعقه صابا ( 8 ) وسقاه سماما ، وألحقه بالوليد وعتبة و
حنظلة ، فكلهم كان أشد منه شكيمة وأمضى عزيمة ، ففرى بالسيف هامهم ورملهم
بدمائهم ، وفرى الذئاب أشلاءهم ( 9 ) وفرق بينهم وبين أحبائهم ، اولئك حصب
جهنم هم لها واردون ، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ؟ ولا غرو إن
ختل ولا وصمة إن قتل فإنا لكما قال دريد بن الصمة شعر : * ( هامش ص 169 ) ( 1 ) الصدق - بضم الصاد والدال أو سكونها - : جمع الصدوق . والصبر - بضم الصاد و
الباء - : جمع الصبور .
( 2 ) اى لا يجبنون . وفى نسخ الكتاب " لا يحتمون " ولكنه سهو .
( 3 ) عركه : دلكه .
( 4 ) في المصدر : فانها ترد الامنية .
( 5 ) " : ابساسك .
( 6 ) " : الامل .
( 7 ) كرع في الماء او الاناء : مدعنقه وتناول الماء بفيه من موضعه .
( 8 ) أبدى له صفحته أى كاشفه . القطم - بالفتح فالكسر : الغضبان . الخذم : القاطع بالسرعة .
وفى النسخ " الجزم " وكلاهما سهو . والصاب : عصير شجر مر .
( 9 ) جمع الشلو : العضو . *
[170]
فإنا للحم السيف غيرمكره * ونلحمه طورا وليس بذي مكر ( 1 )
يغار علينا واترين فيشتفى * بنا إن اصبنا أو نغير على وتر
فقال المغيرة بن شعبة : أما والله لقد أشرت على علي بالنصيحة ، فآثر رأيه و
مضى على غلوائه ( 2 ) فكانت العاقبة عليه لاله ، وإني لاحسب أن خلقه يعتدون
لمنهجه ، وقال ( 3 ) ابن عباس : كان والله أميرالمؤمنين أعلم بوجوه الرأي ومعاقد
الحزم وتصريف الامور من أن يقبل مشورتك فيما نهى الله عنه و ؟ ؟ عليه قال
سبحانه : " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادالله و
رسوله ( 4 ) " إلى آخر الآية ، ولقد وقفك على ذكر متين ( 5 ) وآية متلوة قوله تعالى :
" وما كنت متخذ المضلين عضدا ( 6 ) " وهل كان يسوغ له أن يحكم في دماء المسلمين
وفي المؤمنين من ليس بمأمون عنده ولا موثوق به في نفسه ؟ هيهات هيهات هو أعلم
بفرض الله وسنة رسوله أن يبطن خلاف ما يظهر إلا للتقية ، ولات حين تقية مع
وضوح الحق وثبوت الجنان وكثرة الانصار ، يمضي كالسيف المصلت في أمرالله
موثرا لطاعة ربه والتقوى على آراء أهل الدنيا .
فقال يزيد بن معاوية : يا ابن عباس إنك لتنطق بلسان طلق تنبئ عن مكنون
قلب حرق ، فاطو ما أنت عليه كشحا ، فقد محاضوء حقنا ظلمة باطلكم ! فقال ابن
عباس : مهلا يزيد ! فوالله ما صفت القلوب لكم منذ تكدرت عليكم ( 7 ) ولا دنت بالمحبة
* ( هامش ص 170 ) ( 1 ) كذا في النسخ والمصدر . والصحيح كما في شرح ديوان الحماسة ص 825 كذا :
فانا للحم السيف غير نكيرة ونلحمه حينا وليس بذكرى نكر
ودريد بن الصمة شاعر شجاع فارس من ذوى الرأى في الجاهلية ، وشهد يوم حنين مع هوازن
وهو شيخ كبير وقتل يومئذ فيمن قتل من المشركين .
( 2 ) الغلواء - بضم الغين وسكون اللام او فتحها - الغلو .
( 3 ) في المصدر : يقتدون بمنهجه . فقال اه .
( 4 ) سورة المجادلة : 22 .
( 5 ) في المصدر : مبين .
( 6 ) سورة الكهف : 51 .
( 7 ) في المصدر : منذ تكدرت بالعداوة عليكم . *
[171]
لكم مذبات ( 1 ) بالبغضاء عنكم ، ولا رضيت اليوم منكم ما سخطت الامس من أفعالكم
وإن بذل الايام يستقضي ما صدعنا ويسترجع ( 2 ) ما ابتز منا كيلا بكيل و
وزنا بوزن ، وإن تكن الاخرى فكفى بالله وليا لنا ووكيلا على المعتدين علينا .
فقال معاوية : إن في نفسي منكم لحرارات ( 3 ) بني هاشم ، وإن الخليق أن ( 4 )
ادرك فيكم الثار وأنفي العار ! فإن دمائنا قبلكم وظلامتنا فيكم ، فقال ابن عباس
والله إن رمت ذلك يا معاوية لتثيرن عليك أسدا مخدرة وأفاعي مطرقة ، لا يفثأها ( 5 )
كثرة السلاح ولا يقصها ( 6 ) نكاية الجراح ، يضعون أسيافهم على عواتقهم ، يضربون
قدما قدما من ناواهم ، يهون عليهم نباح الكلاب وعواء الذئاب ، لا يفاقون بوتر
ولا يسبقون إلى كر ، ثم ذكر : ( 7 ) قد وطنوا على الموت أنفسهم ، وسمت بهم إلى
العلياء هممهم ، كما قالت الازدية :
قوم إذا شهدوا الهياج فلا * ضرب ينهنههم ولا زجر ( 8 )
وكأنهم آساد غينة غرست ( 9 ) * وبل متونها القطر
فلتكونن منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك ، وكان أكبر همك
سلامة حشاشة نفسك ! ولو لا طغام من أهل الشام وقوك بأنفسهم وبذلوا دونك مهجهم
حتى إذا ذاقوا وخز الشفار وأيقنوا بحلول الدمار ( 10 ) رفعوا المصاحف مستجيرين
* ( هامش ص 171 ) ( 1 ) في المصدر : إليكم مذنأت اه .
( 2 ) " : وان تدل الايام نستقض ما شذ عنا ونسترجع اه .
( 3 ) " : نحزازات . وهى الوجع في القلب من غيظ ونحوه .
( 4 ) " : وانى لخليق .
( 5 ) فثأ الغضب : سكن حدته . وفثأ الشئ عنه : كفه وحبسه .
( 6 ) في المصدر : ولا تعضها .
( 7 ) " : ولا يسبقون إلى كريم ذكر .
( 8 ) نهنهه عن الشئ : كفه عنه وزجره . ( 9 ) كذا في النسخ . وفي المصدر : غرثت . أى جاعت . والغينة : الاشجار الملتفة بلا ماء .
( 10 ) الدمار : الهلاك . *
[172]
بها وعائذين بعصمتها لكنت شلوا مطروحا بالعراء ، تسفى عليك رياحها ، ويعتورك
ذئابها ( 1 ) وما أقول هذا اريد صرفك عن عزيمتك ولا إزالتك عن معقود نيتك لكن
الرحم التي تعطف عليك والاوامر التي توجب صرف النصيحة إليك ، فقال معاوية :
لله درك يا ابن عباس ، ما يكشف ( 2 ) الايام منك إلا عن سيف صقيل ورأي أصيل ،
وبالله لو لم يلد هاشم غيرك لما نقص عددهم ، ولو لم يكن لاهلك سواك لكان الله قد
كثرهم : ثم نهض ، فقام ابن عباس وانصرف ( 3 ) .
توضيح : قال الفيروزآبادي : الخصيلة : القطعة من اللحم ، أو لحم الفخذين
والعضدين والذراعين أو كل عصبة فيها لحم غليظ ، والجمع خصيل وخصائل ( 4 ) .
والفنيق : الفحل المكرم لا يؤذى لكرامته على أهله ولا يركب . وقدعه كمنعه :
كفه . وفرسه : كبحه . والفحل : ضرب أنفه بالرمح ( 5 ) والاواصر جمع الاوصر
وهو المرتفع من الارض ، ويحتمل أن يكون تصحيف الاقاصر جمع الاقصر ، أي
الاحلام القصيرة فكيف طوالها . والمتك بالضم جمع المتكاء ، وهي المفضاة أو الطويلة
ما بين أسكتي فرجها ( 6 ) . والسك لعله من قولهم " سكه " إذا اصطلم اذنيه ، وفي
بعض النسخ " المسك " يقال : رجل مسكة كهمزة ( 7 ) أي بخيل ، أو هو الذي لا
يعلق بشئ فيتخلص منه ، والجمع مسك بضم الميم وفتح السين ، ولعل المراد بأهل
الجزة الذين يجزون أصواف الحيوانات ، وهم أداني الناس والرشاء الحبل . و
الغرائر جمع الغرارة التي تكون للتبن .
( 1 ) اعتور القوم الشئ : تعاطوه وتداولوه : وفى المصدر : الذباب .
( 2 ) في المصدر : ما تكشف .
( 3 ) شرح النهج 2 : 169 - 173 .
( 4 ) القاموس 3 : 368 .
( 5 ) في هامش ( ك ) : وذلك اذا كان غيركريم .
( 6 ) الاسكتان - بفتح الكاف وكسرها - شفر الرحم أو جانباه مما يلى شفريه أو قذتاه .
( 7 ) بضم الاول وفتح الثانى . *
[173]
ويقال : جرض بريقه أي ابتلعه على هم وحزن . ونكب الاناء : أماله و
كبه . وأدم بينهما : أصلح وألف والتهمه : ابتلعه . وأسد خادرأى داخل الخدر
وهو الستر . والكلاكل : الصدور ، والجماعات ، ومن الفرس : ما بين محزمه إلى
ما مس الارض منه . والمناسم : أخفاف البعير . والمشق : سرعة في الطعن والضرب ،
والطول مع الرقة . والوخز : الطعن بالرمح . والمهرة بالضم واحد المهر كصرد
وهي مفاصل متلاحكة في الصدر أو غراضيف الضلوع ( 1 ) . واللحم : القطع .
34 - نهج : قال أميرالمؤمنين عليه السلام في ذكر خباب بن الارت : يرحم الله
خبابا فلقد أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا ( 2 ) .
وقال عليه السلام وقد جاءه نعي الاشتر : مالك وما مالك لو كان جبلا لكان
فندا ، لا يرتقيه الحافر ولا يرقى عليه الطائر . قوله عليه السلام : " الفند " هو المنفرد
من الجبال ( 3 ) .
بيان : قال الجزري : الفند من الجبل أنفه الخارج منه ( 4 ) .
أقول : قال عبدالحميد بن أبي الحديد : الذي رويته عن الشيوخ ورأيته
بخط عبدالله بن أحمد بن الخشاب أن الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشابة في جبينه
فكانت تتنقض عينيه ( 5 ) في كل عام ، فأتاه علي عليه السلام عائدا فقال : كيف تجدك أبا
عبدالرحمن ؟ قال : أجدني يا أميرالمؤمنين لو كان لا يذهب ما بي إلا بذهاب بصري
لتمنيت ذهابه ، فقال : وما قيمة بصرك عندك ؟ قال : لوكانت لي الدنيا لفديته بها
قال : لا جرم ليعطينك الله على قدر ذلك ، إن الله تعالى يعطي على قدر الالم والمصيبة


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 173 سطر 19 الى ص 181 سطر 18

وعنده تضعيف كثير ، قال الربيع : يا أميرالمؤمنين ألا أشكو إليك عاصم بن زياد
( هامش ص 173 ) ( 1 ) متلاحكة اى متلاصقة متداخلة . والغرضوف والغضروف كل عظم رخص يؤكل .
( 2 ) نهج البلاغة ( عبده ط مصر ) 2 : 154 . وفيه : يرحم الله خباب بن الارت فلقد اسلم
راغبا وهاجر طائعا وقنع بالكفاف ورضى عن الله وعاش مجاهدا .
( 3 ) نهج البلاغة ( عبده ط مصر ) 2 : 249 .
( 4 ) النهاية 3 : 216 . والفند بكسر الفاء وسكون النون .
( 5 ) كذا في النسخ ، وفى المصدر وهامش ( خ ) : عليه وتنقض الجرح : سال دمه . *
[174]
أخي ؟ قال : ماله ؟ قال : لبس العباء وترك الملاء وغم أهله وحزن ولده ، فقال
عليه السلام : ادعوا لي عاصما ، فلما أتاه عبس في وجهه وقال : ويحك يا عاصم أترى الله
أباح لك اللذات وهو يكره ما أخذت منها ؟ لانت أهون على الله من ذلك ، أو ما
سمعته يقول : " مرج البحرين يلتقيان ( 1 ) " ثم قال : " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ( 2 ) "
وقال : " ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها ( 3 ) " أما
والله ابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال ، وقد سمعتم الله يقول :
" وأما بنعمة ربك فحدث ( 4 ) " وقوله : " من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و
الطيبات من الرزق ( 5 ) " إن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال : " يا
أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ( 6 ( " وقال : " يا أيها الرسل كلوا
من الطيبات واعملوا صالحا ( 7 ) " وقال رسول الله صلى الله عليه واله لبعض نسائه : مالي أراك
شعثاء مرهاء سلتاء ؟ ( 8 ) .
قال عاصم : فلم اقتصرت يا أميرالمؤمنين على لبس الخشن وأكل الجشب ؟ ( 9 )
قال إن الله تعالى افترض على أئمة العدل أن يقدروا لانفسهم بالقوام كيلا يتبيغ ( 10 )
بالفقير فقره ، فما قام علي عليه السلام حتى نزع عاصم العباء ولبس ملاءة ( 11 ) .
* ( هامش ص 174 ) ( 1 و 2 ) سورة الرحمن : 19 و 22 .
( 3 ) سورة الفاطر : 12 .
( 4 ) سورة الضحى : 11 .
( 5 ) سورة الاعراف : 32 .
( 6 ) سورة البقرة : 172 .
( 7 ) سورة المؤمنون : 51 .
( 8 ) الشعثاء : التى كان شعرها مغبرا متلبدا . والمرهاء : التى فسدت وابيضت بواطن اجفانها
والسلتاء : التى قطع انفها .
( 9 ) الجشب : الطعام الغليظ .
( 10 ) تبيغ : هاج .
( 11 ) بضم الميم ثوب يلبس على الفخذين . *
[175]
وكتب زياد بن أبيه إلى الربيع بن زياد وهو على قطعة من خراسان : إن
أميرالمؤمنين معاوية كتب إلي يأمرك أن تحرز الصفراء والبيضاء وتقسم الخرثي ( 1 )
وما أشبهه على أهل الحروب ، فقال له الربيع : إني وجدت كتاب الله قبل كتاب
أميرالمؤمنين ، ثم نادى في الناس : أن اغدوا على غنائمكم ، فأخذ الخمس وقسم
الباقي على المسلمين ثم دعا الله أن يميته ، فما جمع حتى مات ( 2 ) .
وقال في أحوال شريح القاضي : هو شريح بن الحارث بن المنتجع الكندي
وقيل : اسم أبيه معاوية ، وقيل : هاني ، وقيل : شراحيل ، ويكنى أبا امية ،
استعمله عمر بن الخطاب على القضاء بالكوفة ، فلم يزل قاضيا ستين سنة ، لم يتعطل
فيها إلا ثلاث سنين في فتنة ابن الزبير ، امتنع ( 3 ) من القضاء ، ثم استعفى الحجاج
من العمل فأعفاه ، فلزم منزله إلى أن مات ، وعمر عمرا طويلا ، قيل : إنه عاش
مائة وثمان سنين ، وقيل : مائة سنة ، وتوفي سنة سبع وثمانين ، وكان خفيف الروح
مزاحا ، فقدم إليه رجلان فأقر أحدهما بما ادعى به خصمه وهو لا يعلم ، فقضى
عليه ، فقال لشريح : من شهد عندك بهذا ؟ قال : ابن اخت خالك ! وقيل : إنه
جاءته امرأة تبكي وتتظلم على خصمها ، فمارق لها حتى قال له إنسان كان بحضرته :
ألا تنظر أيها القاضي إلى بكائها ؟ فقال : إن إخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاء يبكون
و أقر علي عليه السلام شريحا على القضاء مع مخالفته له في مسائل كثيرة من الفقه مذكورة
في كتب الفقهاء ، وسخط علي عليه السلام مرة عليه فطرده عن الكوفة ولم يعز له عن
القضاء ، وأمره بالمقام ببانقيا ، وكانت قرية قريبة من الكوفة أكثر ساكنيها اليهود
فأقام بها مدة حتى رضي عنه ، وأعاده إلى الكوفة ، وقال أبوعمر بن عبدالبر في
كتاب الاستيعاب : أدرك شريح الجاهلية ، ولا يعد من الصحابة بل من التابعين ،
* ( هامش ص 175 ) ( 1 ) بضم الخاء وسكون الراء : اردأ المتاع وسقطه .
( 2 ) شرح النهج 3 : 19 و 20 . جمع المسلم : شهد الجمعة .
( 3 ) في المصدر : امتنع فيها . *
[176]
وكان شاعرا محسنا ، وكان سناطا لا شعر في وجهه ( 1 ) .
35 - نهج : من كتاب له إلى أميرين من امراء جيشه : وقد أمرت عليكما
وعلى من في حيز كما مالك بن الحارث الاشتر ، فاسمعاله وأطيعا واجعلاه درعا
ومجنا ، فإنه ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم ،
ولا إسراعه إلى ما البطؤ عنه أمثل ( 2 ) .
قال ابن أبي الحديد في شرح هذا الكلام : هو مالك بن الحارث بن عبديغوث
ابن سلمة بن ربيعة بن حذيمة ( 3 ) بن سعد بن مالك بن النخع بن عمرو بن غلة ( 4 ) بن
خالد بن مالك بن داود ، وكان حارسا ( 5 ) شجاعا رئيسا من أكابر الشيعة وعظمائها
شديد التحقق بولاء أمير المؤمنين عليه السلام ونصره ، وقال فيه بعد موته : يرحم ( 6 ) الله
مالكا فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه واله ، ولما قنت علي عليه السلام على خمسة
ولعنهم وهم : معاوية وعمرو بن العاص وأبوالاعور السلمي وحبيب بن مسلمة و
بسر بن أرطاة قنت معاوية على خمسة : وهم علي والحسن والحسين وعبدالله بن
العباس والاشتر ، ولعنهم .
وقد روي أنه قال لما ولى علي عليه السلام بني العباس على الحجاز واليمن و
العراق : " فلما ذا قتلنا الشيخ بالامس ؟ " وإن عليا عليه السلام لما بلغته هذه الكلمة
أحضره ولا طفه واعتذر إليه ، وقال له : فهل وليت حسنا أو حسينا أو أحدا من ولد
جعفر أخي أو عقيلا أو أحدا من ولده ؟ وإنما وليت ولد عمي العباس لاني سمعت
العباس يطلب من رسول الله صلى الله عليه واله الاماراة مرارا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله : " يا عم
إن الامارة إن طلبتها وكلت إليها وإن طلبتك اعنت عليها " ورأيت بنيه في أيام
* ( هامش ص 176 ) ( 1 ) شرح النهج 3 : 445 و 446 .
( 2 ) نهج البلاغة ( عبده ط مصر ) 2 : 14 و 15 .
( 3 ) في المصدر : ربيعة بن الحارث بن خزيمة .
( 4 ) " : علة .
( 5 ) " : ادد وكان فارسا .
( 6 ) " : رحم الله . *
[177]
عمر وعثمان يجدون في أنفسهم أن ولي غيرهم من أبناء الطلقاء ولم يول أحد منهم
فأحببت أن أصل رحمهم وازيل ما كان في أنفسهم ، وبعد فإن علمت أحدا هو خير
منهم فائتني به ، فخرج الاشتر وقد زال ما في نفسه .
وقد روى المحدثون حديثا يدل على فضيلة عظيمة للاشتر ، وهي شهادة
قاطعة من النبي صلى الله عليه واله بأنه مؤتمن ( 1 ) ، روى هذا الحديث أبوعمر بن عبدالبر في
كتاب الاستيعاب في حرف الجيم في باب جندب ، قال أبوعمر : لما حضرت أباذر
الوفاة وهو بالربذة بكت زوجته ام ذر ، قالت : فقال لي : ( 2 ) ما يبكيك ؟ فقالت :
مالي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الارض ، وليس عندي ثوب يسعك كفنا ، ولا بد
لي من القيام بجهازك ، فقال : ابشري ولا تبكي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول :
" لا يموت بين امر أين مسلمين ولدان أو ثلاث فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبدا "
وقد مات لنا ثلاثة من الولد . وسمعت أيضا رسول الله صلى الله عليه واله يقول لنفر أنا فيهم :
" ليموتن أحدكم بفلاة من الارض ، يشهده عصابة من المؤمنين " وليس من اولئك
النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة ، فأنا لا أشك أني ذلك الرجل ، والله ما
كذبت ولا كذبت ، فانظري الطريق ، قالت ام ذر : فقلت : أنى وقد ذهب الحاج
وتقطعت الطرق ؟ فقال : اذهبي فتبصري ، قالت : فكنت أشتد إلى الكثيب فأصعد
فأنظر ثم أرجع إليه فامرضه ، فبينا أنا وهو على هذه الحالة إذا أنا برجال على
ركابهم كأنهم الرخم ( 3 ) تخب بهم رواحلهم ، فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي وقالوا :
يا أمة الله مالك ؟ فقلت : امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه ؟ قالوا : ومن هو ؟ قلت :
أبوذر ، قالوا : صاحب رسول الله صلى الله عليه واله ؟ قلت : نعم ، ففدوه بآبائهم وامهاتهم و
أسرعوا إليه حتى دخلوا عليه ، فقال لهم : ابشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول
لنفر أنا فيهم : " ليموتن رجل منكم بفلاة من الارض تشهده عصابة من المؤمنين " و
* ( هامش ص 177 ) ( 1 ) في المصدر : مؤمن .
( 2 ) " : فقال لها .
( 3 ) الرخم : طائر من الجوارح الكبيرة الجثة الوحشية الطباع . خب الفرس في عدوه :
راوح بين يديه ورجليه أى قام على احداهما مرة وعلى الاخرى مرة . *
[178]
ليس من اولئك النفر أحد إلا وقد هلك في قرية وجماعة ، والله ما كذبتم ولا كذبتم ( 1 )
ولو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم اكفن إلا في ثوب لي أولها ، و
إني أنشدكم الله أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا ،
قالت : وليس في اولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال إلا فتى من الانصار
قال له : أنا اكفنك يا عم في ردائي هذا وفي ثوبين معي في عيبتي من غزل امي ،
فقال أبوذر : أنت تكفنني ، فمات فكفنه الانصاري وغسله في النفر الذين ( 2 )
حضروه وقاموا عليه ، ودفنوه في نفر كلهم يمان .
قال أبوعمر بن عبدالبر قبل أن يروي هذا الحديث في أول باب جندب : كان
النفر الذين حضروا موت أبي ذر بالربذة مصادفة جماعة منهم حجر بن الابرد ( 3 )
هو حجر بن عدي الذي قتله معاوية ، وهو من أعلام الشيعة وعظمائها وأما الاشتر
فهو أشهر في الشيعة من أبي الهذيل في المعتزلة . وقرئ كتاب الاستيعاب على شيخنا
عبدالوهاب بن سكينة المحدث وأنا حاضر ، فلما انتهى القارئ إلى هذا الخبر
قال استادي عمر بن عبدالله الدباس - وكان يحضر ( 4 ) معه سماع الحديث - : لتقل
الشيعة بعد هذا ما شاءت ، فما قال المرتضى والمفيد إلا بعض ما كان حجر والاشتر
يعتقدانه في عثمان ومن تقدمه ، فأشار الشيخ إليه بالسكوت فسكت .
وقد ذكرنا آثار الاشتر ومقاماته بصفين فيما سبق ، والاشتر هو الذي عانق
عبدالله بن الزبير يوم الجمل فاصطرعا على ظهر فرسيهما حتى وقعا إلى الارض ( 5 )
فجعل عبدالله يصرخ من تحته : اقتلوني ومالكا ، فلم يعلم من الذي يعنيه لشدة
* ( هامش ص 178 ) ( 1 ) في المصدر : ماكذبت ولا كذبت .
( 2 ) " : وغسله النفر الذين اه
( 3 ) في الاستيعاب : منهم حجر بن الادبر ومالك بن الحارث الاشتر قلت : حجر بن الادبر اه .
( 4 ) في المصدر : وكنت أحضر .
( 5 ) " : في الارض . *
[179]
الاختلاط وثوران النقع ( 1 ) فلو قال : اقتلوني والاشتر لقتلا جميعا ، فلما افترقا
قال الاشتر :
أعايش لو لا أنني كنت طاويا ( 2 ) * ثلاثا لالفيت ابن اختك هالكا
غداة ينادي والرماح تنوشه * كوقع الصياصي : اقتلوني ومالكا ( 3 )
فنجاه مني شبعه وشبابه * وأني شيخ لم أكن متماسكا
ويقال : إن عائشة فقدت عبدالله فسألت عنه ، فقيل لها : عهدناه وهو معانق
للاشتر ، فقالت : واثكل أسماء . ومات الاشتر في سنة تسع وثلاثين متوجها إلى
مصر واليا عليها لعلي عليه السلام ، قيل : سقي سما ، وقيل : إنه لم يصح ذلك وإنما
مات حتف أنفه ، فأما ثناء أميرالمؤمنين عليه السلام في هذا الفصل فقد بلغ فيه مع اختصاره
ما لا يبلغ بالكلام الطويل ، ولعمري لقد كان الاشتر أهلا لذلك ، كان شديد البأس
جوادا رئيسا حليما فصيحا شاعرا ، وكان يجمع بين اللين والعنف ، فيسطوفي موضع
السطوة ويرفق في موضع الرفق ( 4 ) .
أقول : وقال ابن أبي الحديد في شرح وصايا أوصى أميرالمؤمنين عليه السلام إلى
الحارث الهمداني : هو الحارث بن عبدالله بن كعب بن أسد بن مخلد بن حارث بن
سبيع بن معاوية الهمداني ، كان أحد الفقهاء ( 5 ) وصاحب علي عليه السلام ، وإليه تنسب
الشيعة الخطاب الذي خاطب به في قوله عليه السلام :
يا حار همدان من يمت يرني * من مؤمن أو منافق قبلا ( 6 )
أقول : رأيت في بعض مؤلفات أصحابنا : روي أنه دخل أبوأمامة الباهلي على
* ( هامش ص 179 ) ( 1 ) النقع : الغبار .
( 2 ) اى جائعا .
( 3 ) ناش الشئ بالشئ : تعلق به . والصياصى جمع الصيصية : الوتد يقلع به التمر .
( 4 ) شرح النهج 3 : 625 - 627 .
( 5 ) في المصدر بعد ذلك : له قول في الفتيا وكان اه .
( 6 ) شرح النهج 4 : 309 . *
[180]
معاوية ، فقربه وأدناه ثم دعا بالطعام ، فجعل يطعم أبا أمامة بيده ، ثم أوسع رأسه
ولحيته طيبا بيده ، وأمر له ببدرة من دنانير فدفعها إليه ، ثم قال : يا أبا أمامة
بالله أنا خير أم علي بن أبي طالب ؟ فقال أبوأمامة ! نعم ولا كذب ولو بغيرالله سألتني
لصدقت ، علي والله خير منك وأكرم وأقدم إسلاما ، وأقرب إلى رسول الله قرابة
وأشد في المشركين نكاية ، وأعظم عند الامة غناء ، أتدري من علي يا معاوية ؟ ابن
عم رسول الله صلى الله عليه واله وزوج ابنته سيدة نساء العالمين ، وأبوالحسن والحسين سيدي
شباب أهل الجنة ، وابن أخي حمزة سيد الشهداء ، وأخو جعفر ذي الجناحين ، فأين
تقع أنت من هذا يا معاوية ؟ ؟ أظننت أني ساخيرك على علي بألطافك وطعامك و
عطائك فأتخل إليك مؤمنا وأخرج منك كافرا ؟ بئس ما سولت لك نفسك يا معاوية .
ثم نهض وخرج من عنده ، فأتبعه بالمال فقال : لا والله لا أقبل منك دينارا واحدا .
36 - قب : كتابه : عبيدالله بن أبي رافع وسعيد بن نمران ( 1 ) الهمداني و
عبدالله بن جعفر وعبيدالله بن عبدالله بن مسعود . وكان بوابه سلمان سلمان ومؤذنه
جويرية بن مسهر العبدي وابن النباح وهمدان الذي قتله الحجاج ، وخدامه
أبونيرز من أبناء ملوك العجم ، رغب في الاسلام وهو صغير ، فأتى رسول الله صلى الله عليه واله
فأسلم وكان معه ، فلما توفي صلى الله عليه واله صار مع فاطمة وولديها عليهم السلام ، وكان عبدالله
ابن مسعود في سبي فزارة ، فوهبه النبي صلى الله عليه واله لفاطمة عليها السلام ، فكان بعد ذلك مع معاوية
وكان له ألف نسمة منهم قنبر وميثم ، قتلهما الحجاج ، وسعد ونصر قتلا مع الحسين
عليه السلام ، وأحمر قتل في صفين ، ومنهم غزوان وثبيت وميمون . وخادمته فضة وزبرا
وسلافة ( 2 ) .
37 - ختص : ابن قولويه ، عن العياشي ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين
عن مروك بن عبيد ، عن إبراهيم بن أبي البلاد ، عن رجل ، عن الاصبغ قال : قلت
* ( هامش ص 180 ) ( 1 ) غزوان خ ل .
( 2 ) مناقب آل ابى طالب 2 : 77 . *
[181]
له كيف سميتم شرطة الخميس يا أصبغ ؟ فقال : إنا ضمنا له الذبح وضمن لنا
الفتح ( 1 ) .
38 - ختص : جعفر بن الحسين المؤمن وأحمد بن هارون الفامي وجماعة من
مشائخنا ، عن ابن الوليد ، عن الصفار ، عن علي بن إسماعيل بن عيسى ، عن حماد
ابن عيسى ، عن الحسين بن المختار ، عن الحارث بن المغيرة قال : قال لي أبوعبدالله
عليه السلام : أي شئ تقولون أنتم ؟ فقال : نقول : هلك الناس إلا ثلاثة ، فقال أبوعبدالله
عليه السلام : فأين ابن ليلى وشتير ؟ فسألت حماد بن عيسى عنهما ، قال : كانا موليين أسودين
لعلي بن أبي طالب عليه السلام ( 2 ) .
39 - ختص : جعفر بن الحسين ، عن ابن الوليد ، عن الصفار ، عن محمد بن
الحسين ، عن صفوان بن يحيى ، عن ذريح المحاربي ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، وعن
ابن جريح وغيره من ثقيف أن ابن عباس لما مات واخرج به خرج من تحت كفنه
طير أبيض ينظرون إليه ، يطير نحو السماء حتى غاب عنهم ، وقال أبوعبدالله عليه السلام :
كان أبي يحبه حبا شديدا ، وكان أبي عليه السلام وهو غلام يلبسه امه ثيابه ، فينطلق في
غلمان بني عبدالمطلب ، قال : فأتاه فقال : من أنت ؟ - بعد ما اصيب بصره - فقال :
أنا محمد بن علي بن الحسين بن علي ، فقال : حسبك من لم يعرفك فلا عرفك ( 3 ) .
40 - نهج : ومن كتاب له إلى عبدالله بن العباس : أما بعد فإني كنت
أشركتك في أمانتي ، وجعلتك شعاري وبطانتي ، ولم يكن في أهلي رجل أوثق منك
في نفسي ، لمواساتي ومؤازرتي وأداء الامانة إلي ، فلما رأيت الزمان على ابن عمك


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 181 سطر 19 الى ص 190 سطر 2

قد كلب والعدو قد حرب وأمانة الناس قد خزيت وهذه الامة قد فتكت وشغرت
قلبت لابن عمك ظهر المجن ، ففارقته مع المفارقين ، وخذلته مع الخاذلين ، وخنته
مع الخائنين ، فلا ابن عمك آسيت ( 4 ) ولا الامانة أديت ، وكأنك لم تكن الله تريد
* ( هامش ص 181 ) ( 1 ) الاختصاص : 65 .
( 2 ) " : 70 و 71 .
( 3 ) " : 71 .
( 4 ) آسى الرجل في ماله : جعله اسوته فيه . *
[182]
بجهادك ، وكأنك لم تكن على بينة من ربك ، وكأنك كنت تكيد هذه الامة
عن دنياهم ، وننوي غرتهم عن فيئهم ، فلما أمكنتك الشدة في خيانة الامة أسرعت
الكرة ، وعاجلت الوثبة ، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لاراملهم
وأيتامهم اختطاف الذئب الازل دامية المعزى الكسيرة ، فحملته إلى الحجاز
رحيب الصدر بحمله غيرمتأثم من أخذه كأنك - لا أبا لغيرك - حدرت على ( 1 )
أهلك تراثك من أبيك وامك ، فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد ؟ أو ما تخاف نقاش
الحساب ؟ أيها المعدود كان عندنا من ذوي الالباب كيف تسيغ شرابا وطعاما وأنت
تعلم أنك تأكل حراما وتشرب حراما ؟ وتبتاع الاماء وتنكح النساء من مال
اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاءالله عليهم هذه الاموال
وأحرز بهم هذه البلاد ؟ فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم ، فإنك إن لم
تفعل ثم أمكنني الله منك لاعذرن إلى الله فيك . ولاضربنك بسيفي الذي ما ضربت
به أحدا إلا دخل النار ، والله لو أن الحسن والحسين عليهما السلام فعلا مثل الذي فعلت
ما كانت لهما عندي هوادة ، ولا ظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحق منهما وازيح
الباطل من مظلمتها ( 2 ) ، واقسم بالله رب العالمين ما يسرني أن ما أخذته من أموالهم
حلال لي أتركه ميراثا لمن بعدي ، فضح رويدا ، فكأنك قد بلغت المدى ودفنت
تحت الثرى ، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة و
يتمني المضيع الرجعة ، ولات حين مناص ، والسلام ( 3 ) .
توضيح : قوله عليه السلام : وكنت أشركتك في أمانتي ، أي في الخلافة التي
ائتمنني الله عليها ، حيث جعلتك واليا . وبطانة الرجل : صاحب سره الذي يشاوره
في أحواله . والمواساة : المشاركة والمساهمة . قوله : " قد كلب " بكسر اللام
* ( هامش ص 182 ) ( 1 ) في المصدر : إلى .
( 2 ) " : عن مظلمتهما .
( 3 ) نهج البلاغة ( عبده ط مصر ) 2 : 67 - 69 . وقد مضى عن معرفة اخبار الرجال
تحت الرقم 20 . *
[183]
أي اشتد ، يقال : كلب الدهر على أهله إذا ألح عليهم واشتد قاله الجزري ( 1 ) .
وقال : قد حرب أي غضب ( 2 ) . والفتك أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل
حتى يشد عليه فيقتله . قوله عليه السلام : " وشغرت " أي خلت من الخير قال الجوهري :
شغر البلد أي خلا من الناس ( 3 ) .
قوله عليه السلام : " قلبت لابن عمك " أي كنت معه فصرت عليه ، وأصل ذلك أن
الجيش إذا لقوا العدو كانت ظهور مجانهم إلى وجه العدو وبطونها إلى عسكرهم ،
فإذا فارقوا رئيسهم عكسوا ، قوله عليه السلام : " فلما أمكنتك الشدة " من قولهم شد
عليه في الحرب إذا حمل .
وقال الجزري : الازل في الاصل : الصغير العجز وهو في صفات الذئب :
الخفيف ، وقيل : هو من قولهم زل زليلا إذا عدا ، وخص الدامية لان من طبع
الذئب محبة الدم حتى أنه يرى ذئبا داميا فيثب عليه ليأكله ( 4 ) .
وتأثم أي تحرج عنه وكف . قوله عليه السلام : " لا أبا لغيرك " استعمل ذلك في
مقام " لا أبا لك " تكرمة له وشفقة عليه ، وماقيل من أن " لا أبا لك " لما كان يستعمل
كثيرا في معرض المدح أي لا كافي لك غير نفسك فيحتمل أن يكون ذما له بمدح غيره
فلا يخفى بعده ، ويقال : حدرت السفينة إذا أرسلتها إلى أسفل .
وقال الجزري : فيه " من نوقش في الحساب عذب " أي من استقصي في
محاسبته وحوقق ، ومنه حديث علي عليه السلام : لنقاش الحساب ( 5 ) " وهو مصدر منه ، و
أصل المناقشة من نقش الشوكة إذا استخرجها من جسمه ( 6 ) .
قوله عليه السلام " أيها المعدود كان عندنا " أدخل عليه ( السلام ) لفظة " كان " تنبيها
* ( هامش ص 183 ) ( 1 ) النهاية 3 : 30 و 31 .
( 2 ) " 1 : 212 .
( 3 ) الصحاح : 700 .
( 4 ) النهاية 2 : 130 .
( 5 ) اصل الحديث : يوم يجمع الله فيه الاولين والاخرين لنقاش الحساب .
( 6 ) النهاية 4 : 170 . *
[184]
على أنه لم يبق كذلك ، قيل : ولعله عدل عن أن يقول : " يا من كان عندنا من ذوي الالباب "
إشعارا بأنه معدود في الحال أيضا عند الناس منهم . وأعذر : أبدى عذرا والهوادة :
الرخصة والسكون والمحاباة . قوله : " بإرادة " أي بمراد . والازاحة : الازالة
والابعاد . وقال الجزري : إن العرب كان يسيرون في ظعنهم ، فإذا مروا ببقعة
من الارض فيه كلا وعشب قال قائلهم : ألا ضحوا رويدا ، أي ارفقوابالابل حتى
تتضحى أي تنال من هذا المرعى ، ومنه كتاب علي عليه السلام إلى ابن عباس " ألاضح
رويدا فقد بلغت المدى " أي اصبر قليلا ( 1 ) .
وقال البيضاوي في قوله تعالى : " ولات حين مناص " أي ليس الحين حين مناص
و " لا " هي المشبهة بليس ، زيدت عليه تاء التأنيث للتأكيد . كما زيدت على رب
وثم ، وخصت بلزوم الاحيان وحذف أحد المعمولين ، وقيل : هي النافية للجنس ،
أي ولا حين مناص لهم ، وقيل : للفعل ، والنصب بإضماره ، أي ولا أرى حين مناص ،
إلى آخر ما حقق في ذلك ( 2 ) ، والمناص : المنجى .
أقول : قال عبدالحميد بن بن أبي الحديد : اختلف الناس في المكتوب إليه
هذا الكتاب ، فقال الاكثرون : إنه عبدالله بن العباس كما تدل عليه عبارات الكتاب
وقد روى أرباب هذا القول : أن عبدالله بن العباس كتب إلى علي عليه السلام جوابا عن
هذا الكتاب ، قالوا : وكان جوابه :
أما بعد فقد أتاني كتابك تعظم علي ما أصبت من بيت مال البصرة ، ولعمري
إن حقي في بيت المال لاكثر مما أخذت والسلام .
قالوا : فكتب إليه علي عليه السلام أما بعد فإن من العجب أن تزين لك نفسك
أن لك في بيت مال المسلمين من الحق أكثر مما لرجل ( 3 ) من المسلمين ! فقد
أفلحت لقد كان ( 4 ) تمنيك الباطل وادعاؤك مالا يكون ينجيك عن المآثم ويحل
* ( هامش ص 184 ) ( 1 ) النهاية 3 : 13 و 14 .
( 2 ) تفسير البيضاوى 2 : 137 .
( 3 ) في المصدر : لرجل واحد اه .
( 4 ) " : إن كان . *
[185]
لك المحرم ، إنك لانت المهتدي السعيد إذا ، وقد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا
وضربت بها عطنا ، تشتري بها مولدات مكة والمدينة والطائف ، تختارهن على
عينك وتعطي فيهن مال غيرك ، فارجع هداك الله إلى رشدك ، وتب إلى الله ربك ،
واخرج إلى المسلمين من أموالهم ، فعما قليل تفارق من ألفت وتترك ما جمعت ،
وتغيب في صدع من الارض غير موسد ولا ممهد ، قد فارقت الاحباب وسكنت التراب
وواجهت الحساب غنيا عما خلقت فقيرا إلى ما قدمت والسلام .
قالوا : فكتب إليه عبدالله بن العباس : أما بعد فإنك قد أكثرت علي ، و
والله لئن ألقى الله قد احتويت على كنوز الارض كلها من ذهبها وعقيانها ولجينها
أحب إلي من أن ألقاه بدم امرئ مسلم ، والسلام ( 1 ) .
أقول : قد أثبتنا في باب علة قعوده وقيامه عليه السلام من كتاب الفتن كفر الاشعث
بن قيس ، وفي باب " سلوني " كفر ابن الكواء وغيره وفي باب احتجاجات الحسن
عليه السلام على معاوية وأصحابه حال جماعة ، وكذا في باب احتجاج الحسين عليه
السلام على معاوية مدح حجر بن عدي وعمرو بن الحمق ، وفي باب احتجاجات
الباقر عليه السلام وأبواب أحوال الخوارج ذم نافع وغيره ، وفي باب أحوال
الصحابة وباب أحوال السلمان وباب فضائله مدح جماعة من أصحابه عليه السلام وذم
جماعة ، وفي باب عبادته عليه السلام مدح أبي الدرداء ، وفي جواب أسؤلة اليهودي المشتمل
على خصال الاوصياء حال جماعة ، وفي باب إخباره بالمغيبات وباب علمه عليه السلام كفر
عمرو بن حريث ، وكذا في باب أنهم المتوسمون وفي باب حبهم عليهم السلام مدح الحارث
الاعور ، وكذا في باب ما ينفع حبهم فيه من المواطن وفي باب غصب الخلافة ذم ابن
عباس ، وأيضا في باب الاخبار بالمغيبات كفر الاشعث وكذا في باب جوامع
مكارمه عليه السلام وفي باب أحوال أولاده عليهم السلام مكاتبة ابن الحنفية وابن عباس ، وفي
باب إخباره بالمغيبات أحوال كثير منهم ، وقد أوردنا بابا آخر في كتاب الفتن يتضمن
أحوال أصحابه صلوات الله عليه مفصلا .
* ( هامش ص 185 ) ( 1 ) شرح النهج 4 : 88 . *
[186]
125 ( بابن النوادر )
1 - ن ، لى : ابن المتوكل ، عن أبيه ، عن الريان بن الصلت ، عن الرضا
عن آبائه عليهم السلام قال : رأى أميرالمؤمنين عليه السلام رجلا من شيعته بعد عهد طويل وقد
أثر السن فيه ، وكان يتجلد في مشيه ، فقال عليه السلام : كبر سنك يا رجل ، قال : في
طاعتك يا أميرالمؤمنين ، فقال : عليه السلام : إنك لتتجلد ، قال : على أعدائك يا أميرالمؤمنين
فقال عليه السلام : أجد فيك بقية ، قال : هي لك يا أميرالمؤمنين ( 1 ) .
2 - لى : ابن موسى ، عن الاسدي ، عن الفزاري ، عن عباد بن يعقوب ،
عن منصور بن أبي نويرة ، عن أبي بكر بن عياش ، عن قرن أبي سليمان الضبي
قال : أرسل علي بن أبي طالب أميرالمؤمنين عليه السلام إلى لبيد العطاردي بعض شرطه فمروا
به على مسجد سماك ، فقام إليه نعيم بن دجاجة الاسدي فحال بينهم وبينه ، فأرسل
أميرالمؤمنين عليه السلام إلى نعيم فجيئ به ، قال : فرفع أميرالمؤمنين عليه السلام شيئا ليضربه ،
فقال نعيم : والله إن صحبتك لذل ، وإن خلافك لكفر ، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام
وتعلم ذاك ؟ قتل : نعم ، قال : خلوه ( 2 ) .
3 - ما : ابن الصلت ، عن ابن عقدة ، عن موسى بن القاسم ، عن إسماعيل
بن همام ، عن الرضا ، عن آبائه عليهم السلام أن عليا عليه السلام قال : يا رسول الله إنك
تبعثني في الامر فأكون ( 3 ) فيها كالسكة المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟
قال : بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ( 4 ) .
* ( هامش ص 186 ) ( 1 ) عيون الاخبار : 167 و 168 . أمالى الصدوق : 107 .
( 2 ) أمالى الصدوق : 219 .
( 3 ) في المصدر : أفأكون .
( 4 ) أمالى الشيخ : 215 . *
[187]
4 - ما : جماعة ، عن ابن المفضل ، عن أحمد بن محمد بن عيسى بن العواد ، عن
محمد بن عبدالجبار السدوسي ، عن علي بن الحسين بن عون بن أبي حرب بن أبي الاسود
الدئلي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن أبي حرب بن أبي الاسود ، عن أبيه أبي
الاسود أن رجلا سأل أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عن سؤال ، فبادر فدخل
منزله ، ثم خرج فقال : أين السائل ؟ فقال الرجل : ها أنا ( 1 ) يا أميرالمؤمنين ،
قال : ما مسألتك ؟ قال : كيت وكيت ، فأجابه عن سؤاله ، فقيل يا أميرالمؤمنين كنا
عهدناك إذا سئلت عن المسألة كنت فيها كالسكة المحماة جوابا ، فما بالك أبطأت اليوم
عن جواب هذا الرجل حتى دخلت الحجرة ثم خرجت فأجبته ؟ فقال : كنت
حاقنا ، ولا رأي لثلاثة : لا رأي لحاقن ولا حاذق ، ثم أنشأ يقول :
إذا المشكلات تصدين لي * كشفت حقائقها بالنظر
وإن برقت في مخيل الصواب * عمياء لا يجتليها البصر
تتبعته بعيون الامور * وضعت عليها صحيح النظر ( 2 )
لسانا كشفت به الارحبي * أو كالحسام البتار الذكر
وقلبا إذا استنطقته الهموم * أربى عليها بواهي الدرر
ولست بإمعة في الرجال * اسائل هذا وذاما الخبر
ولكنني مذرب الاصغرين * أبين مع ما مضى ما غبر ( 3 )
بيان : قد مر شرحه في كتاب العلم ( 4 ) .
5 - يج : روي أن أعرابيا أتى أميرالمؤمنين عليه السلام وهو في المسجد ، فقال :
مظلوم ، قال : ادن مني ، فدنا حتى وضع يديه على ركبتيه ، قال : ما ظلامتك ؟
فشكا ظلامته ، فقال : يا أعرابي أنا أعظم ظلامة منك ، ظلمني المدر والوبر ، ولم
* ( هامش ص 187 ) ( 1 ) في المصدر : ها أناذا .
( 2 ) في المصدر : تتبعتها بعيون الامور * وضعت عليها صحيح الفكر
( 3 ) امالى الشيخ : 327 و 328 .
( 4 ) راجع الجزء الثانى من الطبعة الحديثة ص 60 - 62 . *
[188]
يبق بيت من العرب إلا وقد دخلت مظلمتي عليهم ، وما زلت مظلوما حتى قعدت
مقعدي هذا ، إن كان عقيل بن أبي طالب يومه ليرمد فما يدعهم يذرونه ( 1 ) حتى
يأتوني فاذر وما بعيني رمد ، ثم كتب له بظلامته ورحل ، فهاج الناس وقالوا :
قد طعن على الرجلين ، فدخل عليه الحسن عليه السلام فقال : قد علمت ما شرب قلوب
الناس من حب هذين ، فخرج فقال : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فصعد المنبر
فحمد الله وأثنى عليه فقال : أيها الناس إن الحرب خدعة ، فإذا سمعتموني أقول :
" قال رسول الله " فوالله لئن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله
كذبة ، وإذا حدثتكم أن الحرب خدعة ، ثم ذكر غير ذلك ، فقام رجل يساوي
برأسه رمانة المنبر فقال : أنا براء من الاثنين والثلاثة ، فالتفت إليه أميرالمؤمنين عليه السلام
فقال : بقرت العلم في غير إبانة ، لتبقرن كما بقرته ، فلما قدم ابن سمية أخذه
فشق بطنه وحشا فوقه حجارة وصلبه ( 2 ) .
6 - كا : علي ، عن أبيه ، عن جعفر بن محمد الاشعري ، عن عبدالله بن ميمون
عن أبي عبدالله عليه السلام قال : دخل أمير المؤمنين عليه السلام المسجد فإذا هو برجل على باب
المسجد كئيب حزين ، فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام : مالك ؟ قال : يا أميرالمؤمنين
اصبت بأبي وأخي وأخشى أن أكون قد وجلت ( 2 ) ، فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام :
عليك بتقوى الله والصبر ، تقدم عليه غدا ، والصبر في الامور بمنزلة الرأس من الجسد
فإذا فارق الرأس من الجسد فسد الجسد ، وإذا فارق الصبر الامور فسدت الامور ( 4 ) .
7 - كا : الحسين بن محمد ، عن المعلى ، عن الوشاء ، عن أبان بن عثمان ، عن
سلمة ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : اجتمع عيدان على عهد أميرالمؤمنين عليه السلام فخطب
الناس ثم قال : هذا يوم اجتمع فيه عيدان ، فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل ، ومن
* ( هامش ص 188 ) ( 1 ) أى يصبون في عينه الدواء .
( 2 ) لم نجده في المصدر المطبوع .
( 3 ) اى انى اخاف أن ينشق مرارتى لاجل المصيبة الواردة على .
( 4 ) اصول الكافى ( الجزء الثانى من الطبعة الحديثة ) : 90 . *
[189]
لم يفعل فإن له رخصة ( 1 ) .
8 - ختص : روي أن أميرالمؤمنين عليه السلام كان قاعدا في المسجد وعنده جماعة
من أصحابه ، فقالوا له : حدثنا يا أميرالمؤمنين ، فقال لهم : ويحكم إن كلامي
صعب مستصعب لا يعقله إلا العالمون ، قالوا : لابد من أن تحدثنا ، قال : قوموا بنا
فدخل الدار فقال : أنا الذي علوت فقهرت ، أنا الذي احيي واميت ، أنا الاول
والآخر والظاهر والباطن ، فغضبوا وقالوا : كفر ! وقاموا ، فقال علي عليه السلام للباب :
يا باب استمسك عليهم ، فاستمسك عليهم الباب ، فقال : ألم أقل لكم : إن كلامي صعب
مستصعب لا يعقله إلا العالمون ؟ تعالوا افسر لكم ، أما قولي : أنا الذي علوت فقهرت
فأنا الذي علوتكم بهذا السيف فقهرتكم حتى آمنتم بالله ورسوله ، وأما قولي : أنا
احيي واميت فأنا احيي السنة واميت البدعة ، وأما قولي : أنا الاول فأنا أول
من آمن بالله وأسلم وأما قولي : أنا الآخر فأنا آخر من سجى على النبي صلى الله عليه واله ثوبه
ودفنه ، وأما قولي : أنا الظاهر والباطن فأنا عندي علم الظاهر والباطن ، قالوا :
فرجت عنا فرج الله عنك . ( 2 )
* ( هامش ص 189 ) ( 1 ) فروع الكافى ( الجزء الثالث من الطبعة الحديثة ) : 461
( 2 ) الاختصاص : 163 . *
[190]
( أبواب )
* ( وفاته صلوات الله عليه ) *


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 190 سطر 3 الى ص 198 سطر 18

126 .
( باب )
* ( اخبار الرسول صلى الله عليه وآله بشهادته واخباره صلوات ) *
* ( الله عليه بشهادة نفسه ) *
أقول : قد مضى في خطبته عليه السلام عند وصول خبر الانبار إليه : أما والله لوددت
أن ربي قد أخرجني من بين أظهركم إلى رضوانه ، وإن المنية لترصدني ، فما
يمنع أشقاها أن يخضبها ؟ - وترك يده على رأسه ولحيته - عهدا عهده إلي النبي
الامي ، وقد خاب من افترى ، ونجا من اتقى وصدق بالحسنى .
1 - ن ، ل : الطالقاني ، عن أحمد الهمداني ، عن علي بن الحسن بن الفضال
عن أبيه ، عن الرضا ، عن آبائه ، عن أميرالمؤمنين عليهم السلام في خطبة النبي صلى الله عليه واله في فضل
شهر رمضان فقال عليه السلام : فقمت فقلت : يا رسول الله ما أفضل الاعمال في هذا الشهر ؟
فقال يا أباالحسن أفضل الاعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عزوجل ، ثم
بكى ، فقلت : يارسول الله ما يبكيك ؟ فقال : يا علي أبكي لما يستحل منك في
هذا الشهر ، كأني بك وأنت تصلي لربك وقد انبعث أشقى الاولين والآخرين
شقيق عاقر ناقة ثمود فضربك ضربة على قرنك فخضب منها لحيتك ، قال أميرالمؤمنين
عليه السلام : فقلت : يا رسول الله وذلك في سلامة من ديني ؟ فقال : صلى الله عليه واله : في سلامة من
دينك ، ثم قال : صلى الله عليه واله : يا علي من قتلك فقد قتلني ، ومن أبغضك فقد أبغضني ، و
من سبك فقد سبني ، لانك مني كنفسي ، روحك من روحي وطينتك من طينتي
إن الله تبارك وتعالى خلقني وإياك واصطفاني وإياك ، واختارني للنبوة واختارك
[191]
للامامة ، فمن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوتي ، يا علي أنت وصيي وأبوولدي ،
وزوج ابنتي وخليفتي على امتي في حياتي وبعد موتي ، أمرك أمري ونهيك نهيي
اقسم بالذي بعثني بالنبوة وجعلني خيرالبرية إنك لحجة الله على خلقه ، وأمينه
على سره ، وخليفته على عباده ( 1 ) .
2 - ن : أبي ، عن سعد ، عن ابن أبي الخطاب ، عن الحكم بن مسكين ، عن
صالح بن عقبة ، عن أبي جعفر عليه السلام ( 2 ) قال : جاء رجل من اليهود إلى أميرالمؤمنين
عليه السلام فسأله عن أشياء إلى أن قال : كم يعيش وصي نبيكم بعده ؟ قال : ثلاثين سنة
قال : ثم مه يموت أو يقتل ؟ قال : يقتل يضرب ( 3 ) على قرنه فتخضب لحيته ، قال :
صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى عليه السلام ، الخبر ( 4 ) .
3 - ما : بإسناد أخي دعبل عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال : خطب الناس
أميرالمؤمنين عليه السلام بالكوفة فقال : معاشر الناس إن الحق قد غلبه الباطل ، وليغلبن
الباطل عما قليل ، أين أشقاكم - أو قال : شقيكم ، شك أبي - هذا ، فوالله ليضربن
هذه فليخضبنها من هذه - وأشار بيده إلى هامته ولحيته - ( 5 ) .
4 - ما : أبوعمر ، عن ابن عقدة ، عن أحمد بن يحيى ، عن عبدالرحمن ، عن
أبيه ، عن أبي إسحاق ( 6 ) عن هبيرة بن مريم قال : سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام
يقول - ومسح لحيته - : ما يحبس أشقاها أن يخضبها عن أعلاها بدم ؟ ( 7 )
5 - ل : في خبراليهودي الذي سأل أميرالمؤمنين عليه السلام عما فيه من خصال
الاوصياء : قال عليه السلام : قد وفيت سبعا وسبعا يا أخا اليهود وبقيت الاخرى واوشك
* ( هامش ص 191 ) ( 1 ) عيون الاخبار : 163 - 165 . امالى الصدوق : 57 و 58 .
( 2 ) في المصدر : عن جعفر بن محمد .
( 3 ) " : ويضرب .
( 4 ) عيون الاخبار : 31 و 32 .
( 5 ) امالى الشيخ : 232 .
( 6 ) في المصدر : ابن اسحاق .
( 7 ) امالى الشيخ : 167 . *
[192]
بها ، فكأن قد ، فبكى أصحاب علي عليه السلام وبكى رأس اليهود وقالوا : يا أميرالمؤمنين
أخبرنا بالاخرى ، فقال : الاخرى أن تخضب هذه - وأومأ بيده إلى لحيته - من
هذه - وأومأ بيده إلى هامته - قال : وارتفعت أصوات الناس في المسجد الجامع بالضجة
والبكاء ، حتى لم يبق بالكوفة دار إلا خرج أهلها فزعا ، وأسلم رأس اليهود على
يدي علي عليه السلام من ساعته ، ولم يزل مقيما حتى قتل أميرالمؤمنين عليه السلام واخذ
ابن ملجم لعنه الله ، فأقبل رأس اليهود حتى وقف على الحسن عليه السلام والناس حوله
وابن ملجم لعنه الله بين يديه ، فقال له : يا أبا محمد اقتله قتله الله ، فإني رأيت في
الكتب التي انزلت على موسى عليه السلام أن هذا أعظم عندالله عزوجل جرما من ابن
آدم قاتل أخيه ، ومن الغدار عاقر ناقة ثمود ( 1 ) .
6 - شا : علي بن المنذر الطريقي ، عن أبي الفضل العبدي ، عن مطر ( 2 )
عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال جمع أميرالمؤمنين عليه السلام الناس للبيعة ، فجاء عبد -
الرحمن بن الملجم المرادي لعنه الله ، فرده مرتين أو ثلاثا ، ثم بايعه ، فقال عند بيعته
له : ما يحبس أشقاها فوالذي نفسي بيده لتخضبن هذه من هذه . ووضع يده على
لحيته ورأسه - فلما أدبر ابن ملجم منصرفا عنه قال عليه السلام : متمثلا .
اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك * ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك
كما أضحكك الدهر كذاك الدهر يبكيك ( 3 )
7 - شا : ابن محبوب ، عن الثمالي عن أبي إسحاق السبيعي ، عن ابن نباتة قال :
أتى ابن ملجم أميرالمؤمنين عليه السلام فبايعه فيمن بايع ، ثم أدبر عنه فدعاه أميرالمؤمنين
عليه السلام فتوثق منه وتوكد عليه أن لا يغدر ولا ينكث ، ففعل ، ثم أدبر عنه فدعاه الثانية
فتوثق منه وتوكد عليه ألا يغدر ولا ينكث ، ففعل ، ثم أدبر عنه فدعاه أميرالمؤمنين
الثالثة فتوثق منه وتوكد عليه أن لا يغدر ولا ينكث ، فقال ابن ملجم لعنه الله : والله
* ( هامش ص 192 ) ( 1 ) الخصال 2 : 24 و 25 .
( 2 ) في المصدر : عن فطر .
( 3 ) الارشاد : 6 . *
[193]
يا أميرالمؤمنين ما رأيتك فعلت هذا بأحد غيري ، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام :
اريد حباءه ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد ( 1 )
امض يا ابن ملجم فوالله ما أرى أن تفي بما قلت ( 2 ) .
8 - شا : روى أبوزيد الاحول عن الاجلح عن أشياخ كندة قال : سمعتهم
أكثر من عشرين مرة يقولون : سمعنا عليا عليه السلام على المنبر يقول : ما يمنع أشقاها
أن يخضبها من فوقها بدم ؟ ويضع يده على لحيته ( 3 ) . 9 - شا : روى علي بن الحزور عن ابن نباتة قال : خطبنا أميرالمؤمنين عليه السلام
في الشهر الذي قتل فيه فقال : أتاكم شهر رمضان وهو سيد الشهور وأول السنة ، و
فيه تدو رحى السلطان ( 4 ) ، ألا وإنكم حاجوا العام صفا واحدا ، وآية ذلك أني
لست فيكم ، قال : فهو ينعى نفسه ونحن لا ندري ( 5 ) .
10 - كشف : ومن مناقب الخوارزمي يرفعه إلى أبي سنان الدؤلي أنه عاد
عليا في شكوى اشتكاها قال : فقلت له : تخوفنا عليك يا أميرالمؤمنين في شكواك
هذه ، فقال : لكني والله ما تخوفت على نفسي ، لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله الصادق
المصدق يقول : إنك ستضرب ضربة ههنا - وأشار إلى صدغيه - فيسيل دمها حتى
يخضب لحيتك ، ويكون صاحبها أشقاها كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود .
وبإسناده عن جابر قال : إني لشاهد لعلي وقد أتاه المرادي يستحمله فحمله
ثم قال " شعر " :
عذيري من خليلي من مراد * اريد حباءه ويريد قتلي
* ( هامش ص 193 ) ( 1 ) قال الزمخشرى في اساس البلاغة ص 295 بعد نقل البيت ونسبته إلى عمروبن معدى
كرب : معناه هلم من يعذرك منه إن اوقعت به يعنى أنه اهل للايقاع به فان أوقعت به كنت معذورا .
( 2 ) الارشاد : 6 .
( 3 و 5 ) الارشاد : 7 .
( 4 ) في المصدر : الشيطان خ ل . *
[194]
كذا أورده فخر خوارزم ، والذي نعرفه " اريد حباءه ويريد قتلي * عذيري "
البيت .
ثم قال : هذا والله قاتلي ، قالوا : يا أميرالمؤمنين أفلا تقتله ؟ قال : لا ، فمن
يقتلني إذا ؟ ثم قال : " شعر " : اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك * * * ولاتجزع من الموت إذا حل بناديك ( 1 )
بيان : قال الجزري : في حديث علي عليه السلام أنه قال وهو ينظر إلى ابن ملجم :
" عذيرك من خليلك من مراد " يقال : عذيرك من فلان بالنصب أي هات من يعذرك
فيه ، فعيل بمعنى فاعل ( 2 ) . وقال : في حديث علي عليه السلام " اشدد حيازيمك للموت
فإن الموت لاقيك " الحيازيم جمع الحيزوم وهو الصدر ، وقيل : وسطه ، وهذا الكلام
كناية عن التشمر للامر والاستعداد له ( 3 )
11 - كنز : أبوطاهر المقلد بن غالب عن رجاله بإسناده المتصل إلى علي بن
أبي طالب عليه السلام : وهو ساجد يبكي حتى علا نحيبه وارتفع صوته بالبكاء ، فقلنا : يا
أميرالمؤمنين لقد أمرضنا بكاؤك وأمضنا وشجانا ( 4 ) . وما رأيناك قد فعلت مثل هذا
الفعل قط ، فقال كنت ساجدا أدعو ربي بدعاء الخيرات في سجدتي ، فغلبني عيني
فرأيت رؤيا هالتني وفظعتني ، رأيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قائما وهو يقول : يا أباالحسن
طالت غيبتك ، فقد اشتقت إلى رؤياك ، وقد أنجز لي ربي ما وعدني فيك ، فقلت :
يا رسول الله وما الذي أنجز لك في ؟ قال أنجز لي فيك وفي زوجتك وابنيك وذريتك
في الدرجات العلى في عليين ، قلت بأبي أنت وامي يا رسول الله فشيعتنا ، قال :
* ( هامش ص 194 ) ( 1 ) كشف الغمة : 128 - 130 .
( 2 ) النهاية 3 : 76 .
( 3 ) " 1 : 274 . وفيه : التشمير .
( 4 ) أمضه الامر : أحرقه وشق عليه . شجا الرجل : أحرقه . *
[195]
شيعتنا معنا ، وقصورهم بحذاء قصورنا ، ومنازلهم مقابل منازلنا ، قلت : يا رسول
الله صلى الله عليه واله فما لشيعتنا في الدنيا ؟ قال : الامن والعافية ، قلت : فما لهم عند الموت ؟
قال : يحكم الرجل في نفسه ويؤمر ملك الموت بطاعته ، قلت : فما لذلك حد يعرف ؟
قال : بلى إن أشد شيعتنا لنا حبا يكون خروج نفسه كشراب أحدكم في يوم الصيف
الماء البارد الذي ينتقع ( 1 ) به القلوب ، وإن سائرهم ليموت كما يغبط أحدكم على
فراشه كأقر ما كانت عينه بموته ( 2 ) .
12 - قب : روي أنه جرح عمرو بن عبدود رأس علي عليه السلام يوم الخندق
فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه واله فشده ونفث فيه فبرأ ، وقال : أين أكون إذا خضبت هذه
من هذه ؟ . ( 3 )
13 - د : في كتاب تذكرة الخواص ليوسف الجوزي قال أحمد في الفضائل :
قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : يا علي أتدري من أشقى الاولين والآخرين ؟ قلت : الله
ورسوله أعلم ، قال : من يخضب هذه من هذه - يعني لحيته من هامته - .
قال الزهري : كان أميرالمؤمنين عليه السلام يستبطئ القاتل فيقول : متى يبعث
أشقاها ؟ وقال : قدم وفد من الخوارج من أهل البصرة فيهم رجل يقال له الجعد
بن نعجة ، فقال له : يا علي اتق الله فإنك ميت ، فقال له : بل أنا مقتول بضربة على
هذا فتخضب هذه - يعني لحيته من رأسه - عهد معهود وقضاء مقضي وقد خاب من
افترى .
وعن فضالة بن أبي فضالة الانصاري - وكان أبوفضالة من أهل بدر قتل
بصفين مع أميرالمؤمنين عليه السلام - قال فضالة : خرجت مع أبي فضالة عائدا
أميرالمؤمنين عليه السلام من مرض أصابه بالكوفة ، فقال له أبي : ما يقيمك هيهنا
بين أعراب جهينة ؟ تحمل إلى المدينة . فإن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلوا
* ( هامش ص 195 ) ( 1 ) ينتفع خ ل .
( 2 ) مخطوط . وفى ( ك ) : كما قرت عينه ما كانت عنه بموته . لكنه مصحف .
( 3 ) لم نظفر به في المصدر . *
[196]
عليك ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه واله عهد إلي أن لا أموت حتى تخضب هذه من هذه
أي لحيته من هامته .
وذكر ابن سعد في الطبقات أن أميرالمؤمنين عليه السلام لما جاء ابن ملجم وطلب
منه البيعة طلب منه فرسا أشقر ، فحمله عليه فركبه ، فأنشد أميرالمؤمنين : " اريد
حباءه " البيت .
وعن محمد بن عبيدة قال : قال أميرالمؤمنين عليه السلام : ما يحبس أشقاكم أن يجئ
فيقتلني ، اللهم إني قد سئمتهم وسئموني ، فأرحهم مني وأرحني منهم ، قالوا : يا
أميرالمؤمنين أخبرنا بالذي يخضب هذه من هذه نبيد عشيرته ، فقال : إذا والله تقتلون
بي غيرقاتلي ( 1 ) .
14 - ير : أبومحمد ، عن عمران بن موسى ، عن إبراهيم بن مهزيار ، عن محمد بن
عبدالوهاب ، عن إبراهيم بن أبي البلاد ، عن أبيه ، عن بعض أصحاب أميرالمؤمنين عليه السلام
قال : دخل عبدالرحمن بن ملجم لعنه الله على أميرالمؤمنين عليه السلام في وفد مصر الذي
أوفدهم محمد بن أبي بكر ، ومعه كتاب الوفد قال : فلما مر باسم عبدالرحمن بن ملجم
لعنه الله قال : أنت عبدالرحمن ؟ لعن الله عبدالرحمن ، قال : نعم يا أميرالمؤمنين ، أما
والله يا أميرالمؤمنين إني لاحبك ، قال : كذبت والله ما تحبني - ثلاثا - قال :
يا أميرالمؤمنين أحلف ثلاثة أيمان أني احبك ، وتحلف ثلاثة أيمان أني لا احبك ؟ قال : ويلك - أو ويحك - إن الله خلق الارواح قبل الاجساد ( 2 ) بألفي عام فأسكنها
الهواء ، فما تعارف منها هنالك ائتلف في الدنيا ، وما تناكر منها هنا اختلف في الدنيا ،
وإن روحي لا تعرف روحك ، قال : فلما ولى قال : إذا سركم أن تنظروا إلى
قاتلي فانظروا إلى هذا ، قال بعض القوم : أولا تقتله ؟ - أو لا نقتله - فقال : ما
أعجب من هذا ، تأمروني أن أقتل قاتلي لعنه الله . ( 3 )
* ( هامش ص 196 ) ( 1 ) تذكرة الخواص : 100 و 101 .
( 2 ) في المصدر : قبل الابدان .
( 3 ) بصائر الدرجات : 24 . *
[197]
بيان : أقتل قاتلي أى من لم يقتلني وسيقتلني ، والحاصلل أن القصاص
لا يجوز قبل الفعل ، أو المعنى أنه إذا كان في علم الله أنه قاتلي فكيف أقدر على قتله ؟
وإن كان من أسباب عدم القدرة عدم مشروعية القصاص قبل الفعل وعدم صدور ما
يخالف الشرع عنه عليه السلام ويرد عليه إشكالات ليس المقام موضع حلها .
15 - ير : أحمد بن الحسن ، عن ابن أسباط يرفعه إلى أميرالمؤمنين عليه السلام
قال : دخل أميرالمؤمنين عليه السلام الحمام فسمع صوت الحسن والحسين عليهما السلام قد علا ،
فقال لهما : مالكما فدا كما أبي وامي ؟ فقالا : اتبعك هذا الفاجر فظننا أنه يريد
أن يضرك ، قال : دعاه والله ما اطلق إلا له ( 1 ) .
16 - حة : رأيت في كتاب عن حسن بن الحسين بن طحال المقدادي قال :
روى الخلف عن السلف عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه واله قال لعلي عليه السلام : يا علي
إن الله عزوجل عرض مودتنا أهل البيت على السماوات والارض ، فأول من أجاب
منها السماء السابعة ، فزينها بالعرش والكرسي ، ثم السماء الرابعة فزينها بالبيت
المعمور ، ثم السماء الدنيا فزينها بالنجوم ، ثم أرض الحجاز فشرفها بالبيت الحرام
ثم أرض الشام فزينها ( 2 ) ببيت المقدس ، ثم أرض طيبة فشرفها بقبري ، ثم أرض
كوفان فشرفها بقبرك يا علي ، فقال له : يا رسول الله اقبر بكوفان العراق ؟ فقال :
نعم يا علي ، تقبر بظاهرها قتلا بين الغريين والذكوات البيض ، يقتلك شقي
هذه الامة عبدالرحمن بن ملجم ، فوالذي بعثني بالحق نبيا ما عاقر ناقة صالح
عندالله بأعظم عقابا منه ، يا علي ينصرك من العراق مائة ألف سيف ( 3 ) .
17 - يج : من معجزاته عليه السلام ما روي عن حنان بن سدير عن رجل من مزينة
قال : كنت جالسا عند علي عليه السلام فأقبل إليه قوم من مراد ومعهم ابن ملجم ، قالوا :
* ( هامش ص 197 ) ( 1 ) بصائر الدرجات : 140 .
( 2 ) فشرفها خ ل .
( 3 ) فرحة الغرى : 18 و 19 . *
[198]
يا أميرالمؤمنين طرا علينا ولا والله ما جاءنا زائرا ولا منتجعا ( 1 ) وإنا لنخافه عليك
فاشدد يدك به ( 2 ) فقال له علي عليه السلام : اجلس ، فنظر في وجهه طويلا ثم قال : أرأيتك
إن سألتك عن شئ وعندك منه علم هل أنت مخبري عنه ؟ قال : نعم ، وحلفه عليه
فقال : أكنت تراضع الغلمان وتقوم عليهم فكنت إذا جئت فرأوك من بعيد قالوا :
قد جاءنا ابن راعية الكلاب ؟ قال : اللهم نعم ، فقال له : مررت برجل وقد أيفعت
فنظر إليك وأحد النظر فقال : أشقى من عاقر ناقة ثمود ؟ قال : نعم ، قال : قد
أخبرتك امك أنها حملت بك في بعض حيضها ، فتعتع هنيئة ثم قال : نعم قد حدثتني
بذلك ، ولو كنت كاتما شيئا لكتمتك هذه المنزلة ، فقال له علي عليه السلام : قم ، فقام
ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول : إن قاتلك شبه اليهودي بل هو يهودي .
ومنها ما تواترت به الروايات من نعيه نفسه قبل موته وأنه يخرج من الدنيا
شهيدا من قوله : والله ليخضبنها من فوقها - يومئ إلى شيبته - ما يحبس أشقاها أن
يخضبها بدم ؟ وقوله : أتاكم شهر رمضان وفيه تدور رحى السلطان ، ألا وإنكم
حاجو العام صفا واحدا ، وآية ذلك أني لست فيكم ، وكان يفطر في هذه الشهر
ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبدالله بن جعفر زوج زينب بنته
لاجلها ، لا يزيد على ثلاث لقم ، فقيل له في ذلك فقال : يأتيني أمرالله وأنا خميص
إنما هي ليلة أو ليلتان ، فاصيب من الليل ولد توجه إلى المسجد في ليلة ضربه
الشفي في آخرها ، فصاح الاوز في وجهه وطردهن الناس ، فقال : دعوهن
فإنهن نوائح ( 3 ) .


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 198 سطر 19 الى ص 206 سطر 18

بيان : تراضع الغلمان لعله من قولهم : فلان يرضع الناس أي يسألهم و ، وفي
بعض النسخ " تواضع " بالواو من المواضعة بمعنى الموافقة في الامر . ويقال :
* ( هامش ص 198 ) ( 1 ) انتجع فلانا : أتاه طالبا معروفه .
( 2 ) أى خذ البيعة منه .
( 3 ) لم نجد الروايتين في المصدر المطبوع . *
[199]
تعتع في الكلام أي تردد من حصر أوعي ، قوله : " وفيه تدور رحى السلطان " لعل
المراد انقضاء الدوران كناية عن ذهاب ملكه عليه السلام ، أو هو كناية عن تغير الدولة
وانقلاب أحوال الزمان ، ولا يبعد أن يكون في الاصل " الشيطان " مكان السلطان
وخمص البطن خلا .
وفي الديوان المنسوب إليه عليه السلام مخاطبا لابن ملجم لعنه الله :
ألا أيها المغرور في القول والوعد * ومن حال عن رشد المسالك والقصد ) ( 1 ) .
أقول : قد أثبتنا بعض الاخبار في كتاب الفتن في باب إخبار النبي صلى الله عليه واله
بمظلوميتهم عليهم السلام .
127 .
( باب )
* ( كيفية شهادته عليه السلام ووصيته وغسله والصلاة عليه ودفنه ) *
1 - قب : قبض صلوات الله عليه قتيلا في المسجد الكوفة وقت التنوير ليلة
الجمعة ، لتسع عشرة ليلة مضين من شهر رمضان ، على يدي عبدالرحمن بن ملجم
المرادي لعنه الله ، وقد عاونه وردان بن مجالد من تيم الرباب ، وشبيب بن بجرة
والاشعث بن قيس ، وقطام بنت الاخضر ، فضربه سيفا على رأسه مسموما ، فبقي
يومين إلى نحو الثلث من الليل ، وله يومئذ خمس وستون سنة في قول الصادق عليه السلام
وقالت العامة : ثلاث وستون سنة ، عاش مع النبي صلى الله عليه واله بمكة ثلاث عشرة سنة و
بالمدينة عشر سنين ، وقد كان هاجر وهو ابن أربع وعشرين سنة ، وضرب بالسيف
بين يدي النبي صلى الله عليه واله وهو ابن ستة عشرة سنة ، وقتل الابطال وهو ابن تسع عشرة
سنة ، وقلع باب خيبر وله ثمان وعشرون سنة ، وكانت مدة إمامته ثلاثون سنة
* ( هامش ص 199 ) ( 1 ) الديوان : 38 . ولا يوجد هذه الفقرة في غير ( ك ) من النسخ . *
[200]
منها أيام أبي بكر سنتان وأربعة أشهر ، وأيام عمر تسعين وأشهر وأيام - وعن
الفرياني : عشر سنين وثمانية أشهر - وأيام عثمان اثنتا عشرة سنة ، ثم آتاه الله الحق
خمس سنين وأشهرا ، وكان عليه السلام أمر بأن يخفى قبره لما عرف من بني امية وعداوتهم
فيه ، إلى أن أظهره الصادق عليه السلام ، ثم إن محمد بن زيد الحسني أمر بعمارة الحائر
بكربلاء والبناء عليهما ، وبعد ذلك زيد فيه ، وبلغ عضد الدولة الغاية في تعظيمهما
والاوقاف عليهما ( 1 ) .
2 - د : في كتاب الذخيرة : جرح أميرالمؤمنين عليه السلام لتسع عشرة ليلة مضت
من شهر رمضان سنة أربعين ، وتوفي في ليلة الثاني والعشرين منه . وفي كتاب
عتيق : ليلة الاحد لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربعين . في مواليد الائمة : ليلة
الاحد لتسع بقين من شهر رمضان . في كتاب أسماء حجج الله : قبض في أحدى و
عشرين ليلة من رمضان في عام الاربعين . وفي تاريخ المفيد : في ليلة إحدى وعشرين
من رمضان سنة أربعين من الهجرة وفاة أميرالمؤمنين عليه السلام وقيل : يوم الاثنين لتسع
عشر من رمضان سنة إحدى وأربعين . دفن بالغري ، وعمره ثلاث وستون سنة ،
كان مقامه مع رسول الله صلى الله عليه واله بعد البعثة ثلاث عشرة سنة بمكة قبل الهجرة ، مشاركا
له في محنه كلها ، محتملا عنه أثقاله ، وعشر سنين بعد الهجرة بالمدينة ، يكافح ( 2 )
عنه المشركين ويجاهد دونه الكافرين ، ويقيه بنفسه ، فمضى صلى الله عليه واله ولاميرالمؤمنين
ثلاث وثلاثون سنة ، وكانت إمامته عليه السلام ثلاثون سنة ، منها أربع وعشرون سنة ممنوع
من التصرف للتقية والمداراة ، ومنها خمس سنين وأشهر ممتحنا بجهاد المنافقين ،
وقيل : مدة ولايته أربع سنين وتسعة أشهر ، وقيل : عمره أربع وستون سنة و
أربعة شهور وعشرون يوما ، وقيل : قتل عليه السلام في شهر رمضان لتسع مضين منه ، و
قيل : لتسع بقين منه ليلة الاحد سنة أربعين من الهجرة ( 3 ) .
* ( هامش ص 200 ) ( 1 ) مناقب آل ابى طالب 2 : 78 .
( 2 ) أى يدافع .
( 3 ) مخطوط .
[201]
3 - كا : قتل عليه السلام في شهر رمضان لتسع بقين ليلة الاحد سنة أربعين من
الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة ، بقي بعد قبض النبي صلى الله عليه واله ثلاثين سنة ( 1 ) .
4 - د : اختلف في الليلة التي استشهد فيها ، أحدها آخر الليلة السابع عشرة
من شهر رمضان صبيحة الجمعة بمسجد الكوفة قاله ابن عباس . الثاني ليلة إحدى
وعشرين من رمضان ، فبقي الجمعة ثم يوم السبت وتوفي ليلة الاحد ، قاله مجاهد
والثالث أنه قتل في الليلة السابعة والعشرين من شهر رمضان ، قاله الحسن البصري
وهي ليلة القدر ، وفيها عرج بعيسى بن مريم عليه السلام ، وفيها توفي يوشع بن نون
وهذا أشهر ( 2 ) .
5 - يب : الشيخ ، عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن
أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهما
عليهما السلام قال : الغسل في سبعة عشر موطنا ، وساق الحديث إلى أن قال : وليلة إحدى
وعشرين من شهر رمضان ، وهي الليلة التي اصيب فيها ( سيد ) أوصياء الانبياء ،
وفيها رفع عيسى بن مريم وقبض موسى عليه السلام ، الخبر ( 3 ) . 6 - لى : أبي ، عن السعد آبادي ، عن البرقي ، عن أبيه ، عن أحمد بن النضر
عن عمرو بن شمر ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن أبي حمزة الثمالي ، عن حبيب
بن عمرو قال : دخلت على أميرالمؤمنين عليه السلام في مرضه الذي قبض فيه ، فحل عن
جراحته ، فقلت : يا أميرالمؤمنين ما جرحك هذا بشئ وما بك من بأس ، فقال لي :
يا حبيب أنا والله مفارقكم الساعة ، قال : فبكيت عند ذلك وبكت ام كلثوم وكانت
قاعدة عنده ، فقال لها : ما يبكيك يا بنية ؟ فقالت : ذكرت يا أبه أنك تفارقنا
الساعة فبكيت ، فقال لها : يا بنية لا تبكين فوالله لو ترين ما يرى أبوك ما بكيت
* ( هامش ص 201 ) ( 1 ) اصول الكافى ( الجزء الاول من الطبعة الحديثة ) : 452 .
( 2 ) مخطوط .
( 3 ) التهذيب 1 : 32 . *
[202]
قال حبيب : فقلت له : وما الذي ترى يا أميرالمؤمنين ؟ فقال : يا حبيب أرى ملائكة
السماء والنبيين بعضهم في أثر بعض وقوفا إلى أن يتلقوني ، وهذا أخي محمد رسول
الله صلى الله عليه واله جالس عندي يقول : أقدم فإن أمامك خيرلك مما أنت فيه ، قال : فما
خرجت من عنده حتى توفي عليه السلام .
فلما كان من الغد وأصبح الحسن عليه السلام قام خطيبا على المنبر فحمد الله و
أثنى عليه ثم قال : أيها الناس في هذه الليلة نزل القرآن ، وفي هذه الليلة رفع
عيسى بن مريم ، وفي هذه الليلة قتل يوشع بن نون ، وفي هذه الليلة مات أبي
أميرالمؤمنين عليه السلام والله لا يسبق أبي أحد كان قبله من الاوصياء إلى الجنة ، ولا من
يكون بعده ، وإن كان رسول الله صلى الله عليه واله ليبعثه في السرية فيقاتل جبرئيل عن يمينه
وميكائيل عن يساره ، وماترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه
كان يجمعها ليشتري بها خادما لاهله ( 1 ) .
7 - جا ، ما : المفيد ، عن عمر بن محمد بن علي الصيرفي ، عن محمد بن همام
الاسكافي ، عن جعفر بن محمد بن مالك ، عن أحمد بن سلامة الغنوي ، عن محمد بن
الحسن العامري ، عن معمر ( 2 ) عن أبي بكر بن عياش ، عن الفجبع العقيلي
قال : حدثني الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام قال : لما حضرت والدي الوفاة
أقبل يوصي فقال :
هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أخو محمد رسول الله صلى الله عليه واله وابن عمه وصاحبه
أول وصيتي أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله وخيرته ، اختاره بعلمه
وارتضاه لخيرته ، وأن الله باعث من في القبور ، وسائل الناس عن أعمالهم ، عالم بما
في الصدور ، ثم إني اوصيك يا حسن - وكفى بك وصيا - بما أوصاني به رسول الله
صلى الله عليه واله فإذا كان ذلك يا بني الزم بيتك ، وابك على خطيئتك ، ولا تكن الدنيا أكبر
همك ، واوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها والزكاة في أهلها عند محلها ، والصمت
* ( هامش ص 202 ) ( 1 ) أمالى الصدوق : 192 .
( 2 ) في المصدرين : حدثنا ابومعمر .
[203]
عند الشبهة ، والاقتصاد ، والعدل في الرضى والغضب ، وحسن الجوار ، وإكرام
الضيف ، ورحمة المجهود وأصحاب البلاء ، وصلة الرحم ، وحب المساكين ومجالستهم
والتواضع فإنه من أفضل العبادة ، وقصر الامل واذكر الموت ، وازهد في الدنيا
فإنك رهين موت وغرض بلاء وطريح ( 1 ) سقم ، واوصيك بخشية الله في سر أمرك
وعلانيتك ، وأنهاك عن التسرع بالقول والفعل ، وإذا عرض شئ من أمر الآخرة
فابدأ به ، وإذا عرض شئ من أمرالدنيا فتأنه حتى تصيب رشدك فيه ، وإياك و
مواطن التهمة والمجلس المظنون به السوء ، فإن قرين السوء يغر ( 2 ) جليسه ،
وكن لله يا بني عاملا ، وعن الخنى زجورا ، وبالمعروف آمرا ، وعن المنكر ناهيا
وواخ الاخوان في الله ، وأحب الصالح لصلاحه ، ودار الفاسق عن دينك وابغضه
بقلبك ، وزايله بأعمالك لئلا ( 3 ) تكون مثله ، وإياك والجلوس في الطرقات ، ودع
الممارات ومجارات من لا عقل له ولا علم ، واقتصد يا بني في معيشتك ، واقتصد
في عبادتك ، وعليك فيها بالامر الدائم الذي تطيقه ، والزم الصمت تسلم ، وقدم
لنفسك تغنم ، وتعلم الخير تعلم ، وكن لله ذاكرا على كل حال ، وارحم من أهلك
الصغير ، ووقر منهم الكبير ، ولا تأكلن طعاما حتى تصدق منه قبل أكله ، وعليك
بالصوم فإنه زكاة البدن وجنة لاهله . وجاهد نفسك ، واحذر جليسك ، واجتنب
عدوك ، وعليك بمجالس الذكر ، وأكثر من الدعاء فإني لم آلك يا بني نصحا
وهذا فراق بيني وبينك ، واوصيك بأخيك محمد خيرا ، فإنه شقيقك وابن أبيك
وقد تعلم حبي له ، وأما أخوك الحسين فهو ابن امك ، ولا اريد ( 4 ) الوصاة بذلك
والله الخليفة عليكم ، وإياه أسأل أن يصلحكم ، وأن يكف الطغاة البغاة عنكم ، * ( هامش ص 203 ) ( 1 ) في " ما " و ( خ ) : صريع .
( 2 ) في " ما " يغير . وفى " جا " يعير .
( 3 ) في " ما " : كيلا .
( 4 ) في " ما " : ولا ازيد . *
[204]
والصبر الصبر حتى ينزل الله الامر ، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ( 1 ) .
بيان : وارتضاه لخيرته أي لان يكون مختاره من بين الخلق .
8 - جا ، ما : المفيد ، عن محمد بن عمر الجعابي ، عن ابن عقدة ، عن موسى
بن يوسف القطان ، عن محمد بن سليمان المقري ، عن عبدالصمد بن علي النوفلي
عن أبي إسحاق السبيعي ، عن الاصبغ بن نباتة قال : لما ضرب ابن ملجم لعنه الله
أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عدونا ( 2 ) نفر من أصحابنا أنا والحارث و
سويد بن غفلة وجماعة معنا ، فقعدنا على الباب ، فسمعنا البكاء فبكينا ، فخرج إلينا
الحسن بن علي عليه السلام فقال : يقول لكم أميرالمؤمنين عليه السلام : انصرفوا إلى منازلكم
فانصرف القوم غيري ، فاشتد البكاء من منزله فبكيت ، وخرج الحسن عليه السلام وقال :
ألم أقل لكم : انصرفوا ؟ فقلت : لا والله يا ابن رسول الله صلى الله عليه واله لا يتابعني ( 3 ) نفسي
ولا يحملني رجلي أنصرف ( 4 ) حتى أرى أميرالمؤمنين عليه السلام قال : فبكيت ، ودخل
فلم يلبث أن خرج فقال لي : ادخل ، فدخلت على أميرالمؤمنين عليه السلام فإذا هو مستند
معصوب الرأس بعمامة صفراء قد نزف واصفر وجهه ما أدري وجهه أصفر أو العمامة
فأكببت عليه فقبلته وبكيت ، فقال لي : لا تبك يا أصبغ فإنها والله الجنة ، فقلت
له : جعلت فداك إني أعلم والله أنك تصير إلى الجنة ، وإنما أبكي لفقداني إياك
يا أميرالمؤمنين جعلت فداك حدثني بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه واله فإني أراك
لا أسمع منك حديثا بعد يومي هذا أبدا ، قال : نعم يا أصبغ دعاني رسول الله صلى الله عليه واله
يوما فقال لي : يا علي انطلق حتى تأتي مسجدي ثم تصعد منبري ، ثم تدعو الناس
إليك فتحمد الله تعالى وتثني عليه وتصلي علي صلاة كثيرة ، ثم تقول : أيها الناس
إني رسول رسول الله إليكم ، وهو يقول لكم : إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين
* ( هامش ص 204 ) ( 1 ) امالى المفيد : 129 و 130 . امالى الشيخ : 4 و 5 . وفيه : ولا حول ولا قوة اه .
( 2 ) في " ما " : غدونا عليه اه .
( 3 ) في المصدرين : لا يتابعنى .
( 4 ) " : أن أنصرف . *
[205]
وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من انتمى إلى غير أبيه ، أو ادعى إلى غير مواليه
أو ظلم أجيرا أجره ، فأتيت مسجده صلى الله عليه واله وصعدت منبره ، فلما رأتني قريش ومن
كان في المسجد أقبلوا نحوي ، فحمدت الله وأثنيت عليه وصليت على رسول الله صلى الله عليه واله
صلاة كثيرة ثم قلت : أيها الناس إني رسول الله إليكم ، وهو يقول لكم :
ألا إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي إلى ( 1 ) من انتمى
إلى غير أبيه أو ادعى إلى غير مواليه أو ظلم أجيرا أجره ، قال : فلم يتكلم أحد من
القوم إلا عمر بن الخطاب ، فإنه قال : قد أبلغت يا أبا الحسن ولكنك جئت
بكلام غير مفسر ، فقلت : ابلغ ذلك رسول الله ، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه واله فأخبرته
الخبر ، فقال : ارجع إلى مسجدي حتى تصعد منبري ، فاحمد الله وأثن عليه وصل
علي ثم قل : أيها الناس ما كنا لنجيئكم بشئ إلا وعندنا تأويله وتفسيره ، ألا
وإني أنا أبوكم ، ألا وإني أنا مولاكم ، ألا وإني أنا أجيركم ( 2 ) .
توضيح : نزف فلان دمه - كعني - : سال حتى يفرط ، فهو منزوف ونزيف
قوله عليه السلام : ألا وإني أنا أبوكم يعني أميرالمؤمنين صلوات الله عليه ، وإنما وصفه
بكونه أجيرا لان النبي والامام عليهما السلام لما وجب لهما بإزاء تبليغهما رسالات ربهما
إطاعتهما ومودتهما فكأنهما أجيران ، كما قال تعالى : " قل لا أسألكم عليه أجرا
إلا المودة في القربى ( 3 ) " ويحتمل أن يكون المعنى : من يستحق الاجر من الله
بسببكم .
9 - ما : بإسناد أخي دعبل ، عن الرضا ، عن آبائه ، عن علي بن الحسين عليهم السلام
قال : لما ضرب ابن ملجم لعنه الله أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كان معه آخر
فوقعت ضربته على الحائط ، وأما ابن ملجم فضربه فوقعت الضربة وهو ساجد على
* ( هامش ص 205 ) ( 1 ) في المصدرين : على .
( 2 ) امالى المفيد : 208 و 209 . أمالى الشيخ : 76 و 77 .
( 3 ) سورة الشورى : 23 . *
[206]
رأسه على الضربة التي كانت ، فخرج الحسن والحسين عليهما السلام وأخذا ابن ملجم وأوثقاه
واحتمل أميرالمؤمنين عليه السلام فادخل داره ، فقعدت لبابة عند رأسه وجلست ام كلثوم
عند رجليه ، ففتح عينيه فنظر إليهما فقال : الرفيق الاعلى خير مستقرا وأحسن
مقيلا ، ضربة بضربة أو العفو إن كان ذلك ، ثم عرق ، ثم أفاق فقال : رأيت رسول
الله صلى الله عليه واله يأمرني بالرواح إليه عشاء ثلاث مرات ( 1 ) .
بيان : لعل العرق كناية عن الفتور والضعف والغشي ، فإنها تلزمه غالبا ،
وفي بعض النسخ بالغين المعجمة ، فيكون المراد الاغماء أو النوم مجازا ، وقد يقال :
غرق في السكر إذا بلغ النهاية فيه .
10 - ب : أبوالبختري ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه عليهم السلام أن علي بن أبي
طالب عليه السلام خرج يوقظ الناس لصلاة الصبح ، فضربه عبدالرحمن بن ملجم بالسيف
على ام رأسه ، فوقع على ركبتيه ، وأخذه فالتزمه حتى أخذه الناس ، وحمل علي
حتى أفاق ، ثم قال للحسن والحسين عليهما السلام : احبسوا هذا الاسير وأطعموه واسقوه
وأحسنوا إساره فإن عشت فأنا أولى بما صنع في ، إن شئت استقدت ( 2 ) وإن شئت
صالحت ، وإن مت فذلك إليكم ، فإن بدالكم أن تقتلوه فلا تمثلوا به ( 3 ) .
11 - كا : الحسين بن الحسن الحسني ، رفعه ، ومحمد بن الحسن ، عن إبراهيم
ابن إسحاق الاحمري رفعه قال : لما ضرب أميرالمؤمنين عليه السلام حف به العواد و
قيل له : يا أميرالمؤمنين أوص ، فقال اثنوا لي وسادة ، ثم قال : الحمد لله حق قدره
متبعين أمره ، أحمده كما أحب ، ولا إله إلا الله الواحد الاحد الصمد كما انتسب ،


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 206 سطر 19 الى ص 214 سطر 18

أيها الناس كل امرئ لاق في فراره ما منه يفر ، والاجل مساق النفس إليه و
الهرب منه موافاته ، كم أطردت الايام أبحثها عن مكنون هذا الامر فأبى الله عز
ذكره إلا إخفاءه ، هيهات علم مكنون ، أما وصيتي فأن لا تشركوا بالله جل ثناؤه
* ( هامش ص 206 ) ( 1 ) أمالى الشيخ ، 232 .
( 2 ) أى اخذت منه القود وهو القصاص . وفى المصدر : استنقذت .
( 3 ) قرب الاسناد : 67 . *
[207]
شيئا ، ومحمد صلى الله عليه واله فلا تضيعوا سنته ، أقيموا هذين العمودين وأوقدوا هذين المصباحين
وخلاكم ذم ما لم تشردوا ، حمل كل امرئ منكم مجهودة ، وخفف عن الجهلة ،
رب رحيم وإمام عليم ودين قويم ، أنا بالامس صاحبكم واليوم عبرة لكم وغدا مفارقكم
إن تثبت الوطأة في هذه المزلة فذاك المراد ، وإن تدحض القدم فإنا كنا في أفياء
أغصان وذرى رياح وتحت ظل غمامة اضمحل في الجو متلفقها وعفا في الارض
مخطها ، وإنما كنت جارا جاوركم بدني أياما ، وستعقبون مني جثة خلاء ساكنة
بعد حركة ، وكاظمة بعد نطق ، ليعظكم هدوي وخفوت إطراقي وسكون أطرافي ،
فإنه أوعظ لكم من الناطق البليغ ، ودعتكم وداع مرصد للتلاقي غدا ترون أيامي
ويكشف الله عزوجل عن سرائري ، وتعرفوني بعد خلو مكاني وقيام غيري مقامي ،
إن أبق فأنا ولي دمي ، وإن أفن فالفناء ميعادي ، وإن أعف فالعفو لي قربة ولكم
حسنة ، فاعفوا واصفحوا ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ؟ فيا لها حسرة على كل ذي
غفلة أن يكون عمره عليه حجة ، أو يؤديه ( 1 ) أيامه إلى شقوة ، جعلنا الله وإياكم
ممن لا يقصر به عن طاعة الله رغبة ، أو تحل به ( 2 ) بعد الموت نقمة ، فإنما نحن له
وبه . ثم أقبل على الحسن عليه السلام فقال : يا بني ضربة مكان ضربة ولا تأثم ( 3 ) .
بيان : قوله : " اثنوالي وسادة " يقال : ثنى الشئ كسمع ( 4 ) : رد بعضه على
بعض ، وثنيها إما للجلوس عليها ليرتفع ويظهر للسامعين ، أو للانكاء عليها لعدم قدرته
على الجلوس . قوله عليه السلام : " قدره " أي حمدا يكون حسب قدره وكما هو أهله .
وقوله : " متبعين " حال عن فاعل الحمد لانه في قوة نحمد الله . قوله : " كما
انتسب " أي كما نسب نفسه في سورة التوحيد . قوله عليه السلام : " كل امرئ لاق في
* ( هامش ص 207 ) ( 1 ) في المصدر : تؤديه .
( 2 ) في ( ك ) : عليه .
( 3 ) اصول الكافى ( الجزء الاول من الطبعة الحديثة ) : 299 و 300 .
( 4 ) هذا وهم ، والصواب " كرمى " فان العين في ثنى مفتوح وفى مضارعه مكسور بخلاف
سمع . *
[208]
فراره " أي من الامور المقدرة الحتمية كالموت ، قال الله تعالى : " قل إن الموت
الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ( 1 ) " وإنما قال عليه السلام : " في فراره " لان كل
أحد يفر دائما من الموت وإن كان تبعدا . والمساق مصدر ميمي ، وليست في نهج
البلاغة كلمة " إليه " فيحتمل أن يكون المراد بالاجل منتهى العمر والمساق ما
يساق إليه ، وأن يكون المراد به المدة فالمساق زمان السوق . وقوله عليه السلام :
" والهرب منه موافاته " من حمل اللازم على الملزوم ، فإن الانسان مادام يهرب من
موته بحركات وتصرفات يفني عمره فيها ، فكأن الهرب منه موافاته ، والمعنى أنه
إذا قدر زوال عمر أو دولة فكل ما يدبره الانسان لرفع ما يهرب منه يصير سببا
لحصوله ، إذ تأثير الادوية والاسباب بإذنه تعالى ، مع أنه عند حلول الاجل يصير
أحذق الاطباء أجهلم ، ويغفل عما ينفع المريض ، وهكذا في سائر الامور .
وقال الفيروز آبادي : الطرد : الابعاد وضم الابل من نواحيها ، وطردتهم
أتيتهم وجزتهم ، وأطرده : أمر بطرده أو بإخراجه عن البلد ، واطرد الامر : تبع
بعضه بعضا وجرى ، انتهى ( 2 ) ، ويحتمل أن يكون الاطراد بمعنى الطرد والجمع
أو الامر به مجازا ، ويمكن أن يقرأ " اطردت " على صيغة الغائب بتشديد الطاء
فالايام فاعله ، قال أكثر شراح النهج : كأنه عليه السلام جعل الايام أشخاصا يأمر
بإخراجهم وإبعادهم عنه ، أي ما زلت أبحث عن كيفية قتلي وأي وقت يكون
بعينه ، وفي أي أرض يكون يوما يوما ، فإذا لم أجده في يوم طردته واستقبلت يوما
آخر ، وهكذا حتى وقع المقدر ، قالوا : وهذا الكلام يدل على أنه عليه السلام لم
يكن يعرف حال قتله مفصلة من جميع الوجوه ، وأن رسول الله صلى الله عليه واله أعلمه بذلك
مجملا ، و " مكنون هذا الامر " أي المستور من خصوصيات هذا الامر ، أو المستور
هو هذا الامر فالمشار إليه شئ متعلق بوفاته . و " هيهات " أي بعد الاطلاع عليه
فإنه علم مكنون مخزون ، ومن خواص المخزون ستره والمنع من أن يناله أحد
* ( هامش ص 208 ) ( 1 ) سورة الجمعة : 8 .
( 2 ) القاموس 1 : 310 . *
[209]
والاظهر عندي أن المراد أني جمعت مرارا حوادث الايام وغرائبها التي وقعت
علي في ذهني ، وبحثت عن السر الخفي في خفاء الحق وظهور الباطل وغلبة
أهله ، وقيل : أي السر في قتله عليه السلام فظهر لي ، فأبى الله إلا إخفاءه عنكم ، لضعف
عقولكم عن فهمه ، إذ هي من غوامض مسائل القضاء والقدر .
قوله : " ومحمدا " عطف على " أن لا تشركوا " ويمكن أن يقدر فيه فعل ،
أي اذكركم محمدا أو هو نصب على الاغراء ، وفي بعض النسخ بالرفع وفي النهج
" وأما وصيتي فالله لا تشركوا به شيئا ومحمدا صلى الله عليه واله فلا تضيعوا سنته " والعمودان
التوحيد والنبوة ، وإقامتهما كناية عن إحقاق حقوقهما ، وقيل : المراد بهما
الحسنان ، وقيل : هما المراد بالمصباحين ، ويقال : خلاك ذم أي اعذرت وسقط
عنك الذم .
قوله عليه السلام : " ما لم تشردوا " أي تنفرقوا في الدين . قوله : " حمل " على
التفعيل مجهولا أو معلوما ، و " خفف " أيضا إما على بناء المعلوم أو المجهول ،
فيقدر مبتدء لقوله : " رب رحيم " أي ربكم ، أو خبر أي لكم ، وعلى الاول ( 1 )
في إسناد الحمل والتخفيف إلى الدين والامام تجوز ، والمراد إمام كل زمان ، و
ثبوت الوطأة كناية عن البرء من المرض . والذرى اسم لما ذرته الرياح ، شبه ما
فيه الانسان في الدنيا من الامتعة بما ذرته الرياح في عدم الثبات وقلة الانتفاع
بها ، وقيل : المراد محال ذروها ، كما أن في النهج " ومهب رياح " .
قوله : " متلفقها " بكسر الفاء أي ما انضم واجتمع من متفرقات الغمام . و
مخطها ما يحدث في الارض من الخط الفاصل بين الظل والنور ، وفي بعض النسخ
بالحاء المهملة أي محط ظلها فاعله ( 2 ) ، والحاصل أني إن مت فلا عجب ، فإني
كنت في امور فانية شبيهة بتلك الامور ، أو لا ابالي فإني كنت في الدنيا غير
* ( هامش ص 209 ) ( 1 ) أى على كون خفف معلوما .
( 2 ) كذا . *
[210]
متعلق بها كمن كان في تلك الامور ، وكنت دائما مترصدا للانتقال ، وقيل : استعار
الاغصان للعناصر الاربعة ، والافياء لتركبها المعرض للزوال ، والرياح للارواح ،
وذراها للابدان الفائزة هي عليها بالجود الالهي ، والغمامة للاسباب القوية من
الحركات السماوية والتأثيرات الفلكية والارزاق المفاضة على الانسان في هذا
العالم ، وكنى باضمحلال متلفقها عن تفرق تلك الاسباب وزوالها ، وبعفاء مخطها
في الارض عن فناء آثارها في الابدان .
" جاوركم بدني " إنما خص المجاورة بالبدن لانها من خواص الاجسام ،
أو لان روحه عليه السلام كانت معلقة بالملاء الاعلى وهو بعد في هذه الدنيا ، كما قال
عليه السلام في وصف إخوانه " كانوا في الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملاء الاعلى "
و " ستعقبون " على بناء المفعول من الاعقاب ، وهو إعطاء شئ . وجثة الانسان بالضم
شخصه وجسده ، خلاء أي خالية من الروح والخواص . وفي القاموس : كظم غيظه :
رده وحبسه ، والباب : أغلقه ، وكظم كعني كظوما : سكت ، وقوم كظم كركع :
ساكتون ( 1 ) .
وفي النهج " وصامته بعد نطوق " . ليعظكم بكسر اللام والنصب كما هو
المضبوط في النهج ، ويحتمل الجزم لكونه أمرا ، وفتح اللام والرفع أيضا ، و
الهدوء بالهمزة وقد يخفف ويشدد : السكون وخفت الصوت خفوتا : سكن ، و
لهذا قيل للميت " خفت " إذا انقطع كلامه وسكت . وإطراقي إما بكسر الهمزة
كما هو المضبوط في النهج من أطرق إطراقا أي أرخى عينيه إلى الارض ، كناية
عن عدم تحريك الاجفان ، أو بفتحها جمع طرق - بالكسر - بمعنى القوة ، أو جمع
طرق بالفتح وهو الضرب بالمطرقة ، والاطراق بالتحريك ( 2 ) هي الاعضاء كالبدن و
الرجلين . وداع بالفتح اسم من قولهم : ودعته توديعا ، وإما بالكسر فهو الاسم
من قولك : أودعته موادعة أي صالحته . وتقول : رصدته إذا قعدت له على طريقة * ( هامش ص 210 ) ( 1 ) القاموس 4 : 172 . ( 2 ) كذا . *
[211]
تترقبه ، وأرصدت له العقوبة أي أعدتها له ، ومرصد في بعض نسخ النهج بالفتح ، فالفاعل
هو الله تعالى أو نفسه عليه السلام كأنه أعد نفسه بالتوطين للتلاقي ، وفي بعضها بالكسر ،
فالمفعول نفسه أو ما ينبغي إعداده وتهيئته ، ويوم التلاقي يوم القيامة ، ويحتمل
شموله للرجعة أيضا . وقوله : " غدا " ظرف الافعال الآتية ، ويحتمل تلك الفقرات
وجوها من التأويل :
الاول أن يكون المعنى : بعد أن افارقكم يتولى بنو امية وغيرهم أمركم
ترون وتعرفون فضل أيام خلافتي ، وأني كنت على الحق ، ويكشف الله لكم عن
سرائري ، أي أني ما أردت في حروبي وسائر ما أمرتكم به إلا الله تعالى ، أو ينكشف
بعض حسناتي المروية إليكم وكنت أسترها عنكم وعن غيركم ، وتعرفون عدلي و
قدري بعد قيام غيري مقامي بالخلافة .
الثاني أن يكون المراد بقوله : " غدا " أيام الرجعة والقيامة ، فإن فيهما
تظهر شوكته ورفعته ونفاذ حكمه في عالم الملك والملكوت ، فهو عليه السلام في الرجعة
ولي الانتقام من المنافقين والكفار ، وممكن المتقين والاخيار في الاصقاع و
الاقطار ، وفي القيامة إلى الحساب وقسيم الجنة والنار ، فالمراد بخلو مكانه
خلو قبره عن جسده بحسب ما يظنه الناس في الرجعة ، ونزوله عن منبر الوسيلة
وقيامه على شفير جهنم ، يقول للنار : خذي هذا واتركي هذا في القيامة .
ثم اعلم أن في أكثر نسخ الكافي " وقيامي غير مقامي " وهو أنسب بهذا المعنى
وعلى الاول يحتاج إلى تكلف كأن يكون المراد قيامه عندالله تعالى في السماوات
وتحت العرش وفي الجنان في الغرفات وفي دار السلام ، كما دلت عليه الروايات ،
وفي نسخ النهج وبعض نسخ الكافي " وقيام غيري مقامي " فهو بالاول أنسب ، وعلى
الاخير لا يستقيم إلا بتكلف كأن يكون المراد بالغير القائم عليه السلام فإنه إمام زمان في
الرجعة ، وقيام الرسول صلى الله عليه واله مقامه للمخاصمة في القيامة ، كذا خطر بالبال ، و
إن ذكرا مجملا منه بعض المعاصرين في مؤلفاتهم .
[212]
الثالث ما خطر بالبال أيضا وهو الجمع بين المعنيين ، بأن يكون " ترون
أيامي ويكشف الله عن سرائري " في الرجعة والقيامة ، لاتصاله بقوله : " وداع
مرصد للتلاقي " وقوله : " وتعرفوني " إلى آخره إشارة إلى المعنى الاول غير
متعلقة بالفقرتين الاوليين ، وهو أسد وأفيد وأظهر ، لا سيما على النسخة الاخيرة
إن أبق الشر ( 1 ) في لا تنافي العلم بعدم وقوع المقدم ، وفي تنزيل العالم منزلة الشاك
نوع من المصلحة ، وفي بعض النسخ " العفو لي قربة " ويحتمل أن يكون استحلالا
من القوم على سبيل التواضع ، كما هو الشائع عند الموادعة . وفي أكثر النسخ
" وإن أعف فالعفو لي قربة " أي إن أعف عن قاتلي ، فقوله عليه السلام : " ولكم حسنة "
أي فيما يجوز العفو فيه لا في تلك الواقعة ، أو عفوي عن قاتلي لكم حسنة لصبر كم
على ما يشق عليكم في ذلك - " فيالها حسرة " النداء للتعجب ، والمنادى محذوف
وضمير " لها " مبهم ، وحسرة تمييز للضمير المبهم ، نحو ربه رجلا أن يكون أي
لان يكون ، أو هو خبر مبتدء محذوف والشقوة بالكسر : سوء العاقبة قوله : " ممن
لا يقصربه " الباء للتعدية . ورغبة فاعل لم تقصر ، وضمير " به " راجع إلى الموصول
أي لا يجعله رغبة من رغبات النفس قاصرا عن طاعة الله ، وضمير له وبه راجعان إلى
الله أو إلى الموت . قوله عليه السلام : " ولا تأثم " أي في الزيادة ، فالمراد بالاثم ترك
الاولى مجازا ، ويمكن أن يقرأ على باب التفعل أي لا تزد فتكون عند الناس منسوبا
إلى الاثم ( 2 )
12 - غط : أحمد بن عبدون ، عن علي بن محمد بن الزبير ، عن علي بن الحسن
ابن فضال ، عن محمد بن عبيدالله بن زرارة ، عمن رواه ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر
عن أبي جعفر عليه السلام قال : هذه وصية أميرالمؤمنين عليه السلام إلى الحسن عليه السلام وهي
* ( هامش ص 212 ) ( 1 ) كذا .
( 2 ) البيان المذكور موافق لنسخة ( ك ) ويزيد على سائر النسخ ويختلف اياها بكثير ، أثبتناه
كما وجدناه . *
[213]
نسخة كتاب سليم بن قيس الهلالي دفعها إلى أبان وقرأها عليه ، قال أبان : وقرأتها
على علي بن الحسين عليهما السلام فقال : صدق سليم رحمه الله ، قال سليم : فشهدت وصية
أميرالمؤمنين عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن عليه السلام وأشهد على وصيته الحسين و
محمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ، وقال : يا بني أمرني رسول الله صلى الله عليه واله
أن اوصى إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي ، ثم أقبل عليه فقال : يا بني أنت
ولي الامر وولي الدم ، فإن عفوت فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة ولا تأثم ،
ثم ذكر الوصية إلى آخرها ، فلما فرغ من وصيته قال : حفظكم الله وحفظ
فيكم نبيكم ، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله ، ثم لم يزل يقول :
" لا إله إلا الله " حتى قبض ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان ليلة الجمعة سنة
أربعين من الهجرة ، وكان ضرب ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان ( 1 ) .
13 - غط : أحمد بن إدريس ، عن محمد بن عبدالجبار ، عن صفوان بن يحيى
قال : بعث إلي أبوالحسن موسى بن جعفر عليه السلام بهذه الوصية مع الاخرى . وفي
رواية اخرى أنه قبض ليلة إحدى وعشرين وضرب ليلة تسع عشرة ، وهي الاظهر ( 2 ) .
14 - حة : محمد بن أحمد بن داود القمي ، عن محمد بن علي بن الفضل ، عن
علي بن الحسين بن يعقوب ، عن جعفر بن أحمد بن يوسف ، عن علي بن بدرج ( 3 ) الجاحظ
عن عمرو بن اليسع قال : جاءني سعد الاسكاف فقال : يا بني تحمل الحديث ؟ قلت :
نعم : فقال : حدثني أبوعبدالله عليه السلام قال : لما اصيب أميرالمؤمنين عليه السلام قال للحسن
والحسين عليهما السلام : غسلاني وكفناني وحنطاني واحملاني على سريري ، واحملا
مؤخرة تكفيان مقدمه - وفي رواية الكليني ( 4 ) عن علي بن محمد رفعه قال : قال
* ( هامش ص 213 ) ( 1 و 2 ) الغيبة للشيخ الطوسي : 127 . والجملة الاخيرة من قوله " وفى رواية اخرى "
قد ذكرت في المصدر عقيب الرواية الاولى .
( 3 ) في المصدر : عن على بن بذرج الحافظ .
( 4 ) كذا في ( ك ) . وفى غيره من النسخ " الكلبى " . وفى المصدر : المهلبى . *
[214]
أبوعبدالله عليه السلام : لما غسل أميرالمؤمنين عليه السلام نودوا من جانب البيت : إن أخذتم
مقدم السرير كفيتم مؤخرة ، وإن أخذتم مؤخره كفيتم مقدمه - رجعنا إلى
تمام الحديث : فإنكما تنتهيان إلى قبر محفور ولحد ملحود ولبن محفوظ ( 1 ) فالحداني
وأشرجا ( 2 ) علي اللبن ، وارفعا لبنة مما عند رأسي فانظرا ما تسمعان ، فأخذ اللبنة
من عند الرأس بعد ما أشرجا عليه اللبن فإذا ليس بالقبر ( 3 ) شئ ، وإذا هاتف يهتف :
أميرالمؤمنين ( 4 ) عليه السلام كان عبدا صالحا ، فألحقه الله عزوجل بنبيه صلى الله عليه واله ، وكذلك
يفعل بالاوصياء بعد الانبياء ، حتى لو أن نبيا مات في الشرق ومات وصيه في
الغرب ألحق الله الوصي بالنبي ( 5 ) .
15 - حة : ذكر الفقيه محمد بن معد الموسوي قال : رأيت في بعض الكتب
الحديثية القديمة ما صورته : حدثنا أبوجعفر محمد بن عبدالعزيز بن عامر الدهان ( 6 )
قال : حدثنا علي بن عبدالله الانباري ، قال : حدثني محمد بن أحمد بن عيسى ابن
أخي الحسن بن يحيى ، قال : حدثني محمد بن الحسن الجعفري قال : وجدت في
كتاب أبي وحدثتني امي عن امها أن جعفر بن محمد حدثها أن أميرالمؤمنين عليه السلام
أمر ابنه الحسن عليه السلام أن يحفر له أربع ( 7 ) قبور في أربع مواضع : في المسجد وفي
الرحبة وفي الغري وفي دار جعدة بن هبيرة ، وإنما أراد بهذا أن لا يعلم أحد من
أعدائه موضع قبره ( 8 ) .
* ( هامش ص 214 ) ( 1 ) في المصدر : موضوع .
( 2 ) شرج الحجارة واللبن ، نضدها وضم بعضها على بعض .


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 214 سطر 19 الى ص 222 سطر 18

( 3 ) في المصدر : في القبر .
( 4 ) " : ان امير المؤمنين .
( 5 ) فرحة الغرى 21 و 22 .
( 6 ) في المصدر : الدهقان .
( 7 ) " : " اربعة " في الموضعين .
( 8 ) فرحة الغرى : 22 و 23 . *
[215]
16 - حة : ذكر جعفر بن مبشر في كتابه في نسخة عتيقة عندي ما صورته :
قال : قال المدائني : عن أبي زكريا ، عن أبي بكر الهمداني ، عن الحسين بن علوان
عن سعد بن طريف ، عن الاصبغ بن نباتة وعبدالله بن محمد ، عن علي بن اليماني ،
عن أبي حمزة الثمالي ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، والقاسم بن محمد المقري ، عن
عبدالله بن زيد ، عن المعافا بن عبدالسلام ، عن أبي عبدالله الجدلي قال : ( 1 ) استنفر
علي بن أبي طالب عليه السلام الناس في قتال معاوية في الصيف ، وذكر الحديث مطولا
وقال في آخره أبوعبدالله الجدلي : وقد حضره عليه السلام وهو يوصي الحسن فقال :
يا بني إني ميت من ليلتي هذه ، فإذا أنا مت فاغسلني ( 2 ) وكفنني وحنطني
بحنوط جدك ، وضعني على سريري ، ولا يقربن أحد منكم مقدم السرير فإنكم
تكفونه ، فإذا حمل المقدم فاحملوا المؤخر ، وليتبع المؤخر المقدم حيث ذهب ( 3 )
فإذا وضع المقدم فضعوا المؤخر ، ثم تقدم أي بني فصل علي ، فكبر ( 4 ) سبعا
فإنها لن تحل لاحد من بعدي إلا لرجل من ولدي يخرج في آخر الزمان يقيم
اعوجاج الحق ، فإذا صليت فخط حول سريري ، ثم احفر لي قبرا في موضعه إلى
منتهى كذاو كذا ، ثم شق لحدا فإنك تقع على ساجة منقورة ادخرها ( 5 ) لي
أبي نوح ، وضعني في الساجة ، ثم ضع علي سبع لبن ( 6 ) كبار ، ثم ارقب هنيئة ،
ثم انظر فإنك لن تراني في لحدي ( 7 ) .
* ( هامش ص 215 ) ( 1 ) في المصدر : قالوا .
( 2 ) " : فغسلنى .
( 3 ) " : فاذا المقدم ذهب فاذهبوا حيث ذهب .
( 4 ) " : وكبر .
( 5 ) في ( ك ) : أذخرها .
( 6 ) في المصدر : لبنات .
( 7 ) فرحة الغرى : 23 و 24 . *
[216]
17 - حة : الصدوق ، عن الحسن بن محمد بن سعيد ، عن فرات بن إبراهيم ،
عن علي بن حامد ، عن إسماعيل بن علي بن قدامة ، عن أحمد بن علي بن ناصح
عن جعفر بن محمد الارمني ، عن موسى بن سنان الجرجاني ، عن أحمد بن علي المقري
عن ام كلثوم بنت علي عليه السلام قالت : آخر عهد أبي إلى أخوي عليهما السلام أن قال :
يا بني إذا ( 1 ) أنامت فغسلاني ثم نشفاني بالبردة التي نشفتم بها رسول الله صلى الله عليه واله
وفاطمة عليها السلام ثم حنطاني وسجياني على سريري ، ثم انظرا ( 2 ) حتى إذا ارتفع
لكما مقدم السرير فاحملا مؤخرة ، قال : فخرجت اشيع جنازة أبي ، حتى إذا ارتفع
لكما مقدم السرير فاحملا مؤخره ، قال : فخرجت اشيع جنازة أبي ، حتى إذا
كنا بظهر الغري ركن ( 3 ) المقدم فوضعنا المؤخر ، ثم برز الحسن عليه السلام بالبردة
التي نشف بها رسول الله صلى الله عليه واله وفاطمة وأميرالمؤمنين عليه السلام ( 4 ) ثم أخذ المعول فضرب
ضربة فانشق القبر عن ضريح ، فإذا هو بساجة ( 5 ) مكتوب عليها سطران بالسريانية :
" بسم الله الرحمن الرحيم هذا قبر قبره ( 6 ) نوح النبي لعلي وصي محمد قبل الطوفان
بسبع مائة عام " قالت ام كلثوم : فانشق القبر ، فلا أدري أنبش ( 7 ) سيدي في
الارض أم اسري به إلى السماء إذ سمعت ناطقا لنا بالتعزية : أحسن الله لكم العزاء
في سيدكم وحجة الله على خلقه ( 8 ) .
بيان : ثم برز الحسن عليه السلام بالبردة أي مرتديا بها .
18 - حة : محمد بن أحمد بن داود ، عن سلامة ، عن محمد بن جعفرالمؤدب ، عن
* ( هامش ص 216 ) ( 1 ) في المصدر : إن .
( 2 ) " : ثم انتظرا .
( 3 ) ركن إليه : مال وسكن . وفى المصدر : ركز .
( 4 ) في المصدر : فنشف بها اميرالمؤمنين عليه السلام .
( 5 ) الساجة : االلوح ، والخشبة من شجر الساج التى لا تكاد تبليها الارض .
( 6 ) في المصدر : ادخره .
( 7 ) " : غار .
( 8 ) فرحة الغرى : 24 و 25 . *
[217]
محمد بن أحمد بن يحيى ، عن يعقوب بن زيد ، عن علي بن أسباط ، عن أحمد بن حباب
قال : نظر أميرالمؤمنين عليه السلام إلى ظهر الكوفة فقال : ما أحسن منظرك ( 1 ) وأطيب
( ريحك ) قعرك اللهم اجعل قبري بها ( 2 ) .
19 - حة : عمي علي بن طاوس ، عن محمد بن عبدالله بن زهرة ، عن محمد بن
الحسن العلوي ، عن القطب الراوندي ، عن ذي الفقار بن معبد ، عن المفيد محمد بن
النعمان ، قال : رواه ( 3 ) عباد بن يعقوب الرواجني ، قال : حدثنا حسان بن علي
القسري ( 4 ) ، قال : حدثنا مولى لعلي بن أبي طالب عليه السلام قال : لما حضرت أمير - المؤمنين عليه السلام الوفاة قال للحسن والحسين عليهما السلام : إذا أنامت فاحملاني على سرير
ثم أخرجاني واحملا مؤخر السرير فإنكما تكفيان مقدمه ، ثم ايتابي الغريين
فإنكما ستريان صخرة بيضاء ، فاحتفرا فيها فإنكما ستجدان فيها ساجة ، فادفناني
فيها ، قال : فلما مات أخرجناه وجعلنا نحمل مؤخر السرير ونكفى مقدمه ، و
جعلنا نسمع دويا وحفيفا حتى أتينا الغريين ، فإذا صخرة بيضاء تلمع نورا ،
فاحتفرنا فإذا ساجة مكتوب عليها : ما ادخر ( 5 ) نوح عليه السلام لعلي بن أبي طالب عليه السلام
فدفناه فيها وانصرفنا ونحن مسرورون بإكرام الله تعالى لامير المؤمنين عليه السلام ،
فلحقنا قوم من الشيعة لم يشهدوا الصلاة عليه ، فأخبرناهم بما جرى وبإكرام الله
تعالى أميرالمؤمنين عليه السلام ، فقالوا : نحب أن نعاين من أمره ماعاينتم ، فقلنا لهم :
إن الموضع قد عفي أثره بوصية منه عليه السلام فمضوا وعادوا إلينا فقالوا : إنهم احتفروا
فلم يروا شيئا ( 6 ) .
* ( هامش ص 217 ) ( 1 ) في المصدر : ما أحسن ظهرك .
( 2 ) فرحة الغرى : 22 .
( 3 ) كذا في ( ك ) . وفي غيره من النسخ وكذا المصدر : قال ما رواه اه .
( 4 ) في الارشاد : حيان بن على العنزى .
( 5 ) في المصدر و ( خ ) : هذا ما ادخر .
( 6 ) فرحة الغرى : 26 و 27 . *
[218]
شا : عباد بن يعقوب الرواجني مثله ( 1 ) .
20 - حة : خاتم العلماء نصيرالدين ، عن والده ، عن السيد فضل الله الحسني
الراوندي ، عن ذي الفقار بن معبد ، عن الطوسي - ومن خطه نقلت - عن المفيد
عن محمد بن أحمد بن داود ( 2 ) عن محمد بن بكار ، عن الحسن بن محمد الفزاري ، عن الحسن
ابن علي النحاس ، عن جعفر الرماني ، عن يحيى الحماني ، عن محمد بن عبيد
الطيالسي ، عن مختار التمار ، عن أبي مطر قال : لما ضرب ابن ملجم الفاسق لعنه
الله أميرالمؤمنين عليه السلام قال له الحسن عليه السلام : أقتله ؟ قال : لا ولكن احبسه فإذا مت
فاقتلوه فإذا مت فادفنوني في هذا الظهر في قبر أخوي هود وصالح ( 3 ) .
21 - حة : بهذا الاسناد عن محمد بن أحمد بن داود ، عن محمد بن بكران ، عن
علي بن يعقوب ، عن علي بن الحسن ، عن أخيه ، عن أحمد بن محمد ، عن عمر الجرجاني
عن الحسن بن علي بن أبي طالب قال ( 4 ) : سألت الحسن بن علي عليهما السلام أين دفنتم
أميرالمؤمنين عليه السلام ؟ قال : على شفير الجرف ، ومررنا به ليلا على مسجد الاشعث
وقال : ادفنوني في قبر أخي هود ( 5 ) .
22 - حة : والدي ، عن محمد بن نما ، عن محمد بن إدريس ، عن عربي بن مسافر
عن إلياس بن هشام ، عن أبي علي ، عن الطوسي ، عن المفيد ، عن محمد بن أحمد بن
داود ، عن ابن الوليد ، عن سعد ، عن البرقي ، عن البطائني ، عن أبي بصير قال :
سألت أباجعفر عليه السلام عن قبر أميرالمؤمنين عليه السلام فإن الناس قد اختلفوا فيه ، قال :
إن أميرالمؤمنين دفن مع أبيه نوح في قبره ، قلت : جعلت فداك من تولى دفنه ؟
* ( هامش ص 218 ) ( 1 ) الارشاد للمفيد : 11 و 12 .
( 2 ) في المصدر : عن احمد بن محمد بن داود .
( 3 ) فرحة الغرى : 27 و 28 .
( 4 ) أى قال الجرجانى . وفى المصدر و ( م ) و ( خ ) : عن الحسن بن على بن ابى طالب
عن جده ابى طالب قال اه . وفيه تصحيف واضح .
( 5 ) فرحة الغرى : 28 . *
[219]
فقال : رسول الله صلى الله عليه واله مع الكرام الكاتبين بالروح والريحان ( 1 ) .
23 - حة : بهذا الاسناد عن سعد ، عن أحمد بن الحسين بن سعيد ، عن أبيه
عن أبي نجران ، عن علي بن أبي حمزة ، عن عبدالرحيم القصير قال : سألت
أبا جعفر عليه السلام عن قبر أميرالمؤمنين عليه السلام فقال : أميرالمؤمنين مدفون في قبر نوح ،
قال : قلت : ومن نوح ؟ قال : نوح النبي عليه السلام ، قلت : كيف صار هكذا ؟ فقال :
إن أميرالمؤمنين صديق هيأ الله له مضجعه في مضجع صديق ، يا عبدالرحيم إن
رسول الله صلى الله عليه واله أخبرنا بموته وبموضع دفن فيه ، فأنزل الله عزو جل ( 2 ) حنوطا من
عنده مع حنوط أخيه رسول الله صلى الله عليه واله ، وأخبره أن الملائكة تنشر له قبره ( 3 ) فلما
قبض عليه السلام كان فيما أوصى به ابنيه الحسن والحسين عليهما السلام إذ قال لهما : إذا مت
فغسلاني وحنطاني واحملاني بالليلة ( 4 ) سرا ، واحملا يا ابني مؤخر السرير و
اتبعا مقدمه ( 5 ) فإذا وضع فضعا ، وادفناني في القبر الذي يوضع السرير عليه
وادفناني مع من يعنيكما على دفني في الليل ، وسويا ( 6 ) .
24 - حة : بهذا الاسناد عن أحمد بن ميثم ، عن محمد بن علي ، عن محمد بن هشام
عن محمد بن سليمان ، عن داود بن النعمان ، عن عبدالرحيم القصير قال : سألت أبا
جعفر عليه السلام عن قبر أميرالمؤمنين فإن الناس قد اختلفوا فيه : فقال : إن
أميرالمؤمنين عليه السلام دفن مع أبيه نوح عليه السلام ( 7 ) .
25 - حة : نجيب الدين يحيى بن سعيد ، عن محمد بن عبدالله بن زهرة ، عن
* ( هامش ص 219 ) ( 1 ) فرحة الغرى : 37 و 38 .
( 2 ) في المصدر : وبالموضع الذى دفن فيه ، وانزل الله عزوجل له اه .
( 3 ) " : تنزله قبره . وفى هامش ( خ ) و ( ت ) : تنبش له قبره .
( 4 ) " : بالليل .
( 5 ) " : واتبعاه .
( 6 ) فرحة الغرى : 38 . وفيه : وسوياه .
( 7 ) " " : 38 و 39 . *
[220]
محمد بن الحسن الحسيني ، عن القطب الراوندي ، عن ذي الفقار بن معبد ، عن المفيد ( 1 )
عن محمد بن أحمد بن زكريا ، عن أبيه ، عن ابن فضال ، عن عمرو بن إبراهيم . عن
خلف بن حماد ، عن عبدالله بن حنان ( 2 ) ، عن الثمالي ، عن أبي جعفر عليه السلام قال :
كان في وصية أميرالمؤمنين صلوات الله عليه : أن أخرجوني إلى الظهر ، فاذا نصوبت
أقدامكم فاستقبلتكم ريح فادفنوني ، وهو أول طور سيناء ، ففعلوا ذلك . ( 3 )
توضيح : تصوبت أي نزلت ورسبت في الارض ، وفي بعض النسخ " تضببت "
بالضاد المعجمة أي لصقت .
26 - حة : أبوالقاسم جعفر بن سعيد ، عن الحسن بن الدربي ، عن شاذان
بن جبرئيل ، عن جعفر الدوريستي ، عن جده ، عن المفيد قال : وروى محمد بن
عمار ، عن أبيه . عن جابر بن يزيد قال : سمعت ( 4 ) أباجعفر عليه السلام أين دفن أميرالمؤمنين
قال : دفن بناحية الغريين ، ودفن قبل طلوع الفجر ، ودخل قبره الحسن والحسين
ومحمد بنو علي عليهم السلام وعبدالله بن جعفر رضي الله عنه . ( 5 )
شا : محمد بن عمارة مثله . ( 6 )
27 - حة : وقفت في كتاب ماصورته : قال إسحاق بن عبدالله بن أبي مروان :
سألت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام : كم كانت سن علي بن أبي طالب عليه السلام يوم قتل ؟
قال : ثلاثا وستين سنة ، قلت : ماكانت صفته ؟ قال : كان رجلا آدم شديدا الادمة ( 7 )
* ( هامش ص 220 ) ( 1 ) في المصدر و ( خ ) بعد ذلك : عن محمد بن احمد ، عن محمد بن احمد بن زكريا اه .
( 2 ) في المصدر : حسان : .
( 3 ) فرحة الغرى : 39 .
( 4 ) كذا في النسخ . وفى المصدر : سألت وكذا في الارشاد .
( 5 ) فرحة الغرى : 39 و 40 .
( 6 ) الارشاد للمفيد : 12 .
( 7 ) الادم : الاسمر . والادمة : السمرة . *
[221]
ثقيل العينين عظيمهما ، ذا بطن أصلع ، فقلت : طويلا أو قصيرا ؟ قال : هو إلى القصر
أقرب ، قلت ما كانت كنيته ؟ قال : أبوالحسن ، قلت : أين دفن ؟ قال : بالكوفة ليلا
وقد عمي قبره . ( 1 )
28 - حة : والدي ، عن محمد بن أبي غالب . عن محمد بن معد الموسوي ، و
أخبرني عمي علي بن طاوس ، عن محمد بن معد ، عن أحمد بن أبي المظفر ، وأخبرنى
عبدالصمد بن أحمد ، عن أبي الفرج بن الجوزي ، وعبدالكريم بن علي السدي ( 2 )
وأخبرني عبدالحميد بن فخار ، عن أحمد بن علي الغزنوي ، كلهم عن عبدالله بن
أحمد بن أحمد بن الخشاب ( 3 ) ، عن محمد بن عبدالملك بن خيرون ( 4 ) ، عن الحسن
بن الحسين بن العباس ، عن أحمد بن نصر بن عبدالله بن فتح ، عن حرب بن محمد المؤدب
عن الحسن بن جمهور العمي ، عن أبيه ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن سنان ، عن ابن
مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام ، وأخبرنا أحمد بن نصر ، عن صدقة بن
موسى ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن حبيب السجستاني ، عن
أبي جعفر عليه السلام قالا : مضى أميرالمؤمنين عليه السلام - وهو ابن خمس وستين سنة - سنة
أربعين من الهجرة ، ونزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه واله ولاميرالمؤمنين عليه السلام اثنا عشرة
سنة ، فكان عمره بمكة مع رسول الله صلى الله عليه واله اثنتا عشرة سنة ، وأقام ( بها ) مع رسول الله
صلى الله عليه واله ثلاث عشرة سنة ، ثم هاجر إلى المدينة فأقام بها مع رسول الله صلى الله عليه واله عشر سنين
ثم أقام بعد ماتوفي رسول الله صلى الله عليه واله ثلاثين سنة ، وكان عمره خمسا وستين سنة ، قبض
في ليلة الجمعة وقبره بالغري ، وهو علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن
* ( هامش ص 221 ) ( 1 ) فرحة الغرى : 40 .
( 2 ) في المصدر و ( خ ) : السندى .
( 3 ) في المصدر و ( م ) : عن عبدالله بن احمد بن الخشاب .
( 4 ) " و ( م ) و ( خ ) : حيزون . *
[222]
عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ، الغرض من الحديث ( 1 ) .
29 - حة : عمي ، عن الحسن بن الدربي ، عن محمد بن علي بن شهر آشوب
عن جده ، عن الطوسي ، عن المفيد ، عن جعفر بن محمد ، عن محمد بن يعقوب ، عن
سعد بن عبدالله ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن عبدالله
ابن بكير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه سمعه يقول : لما قبض أمير -
المؤمنين عليه السلام أخرجه الحسن والحسين عليهما السلام ورجلان آخران حتى إذا خرجوا
من الكوفة تركوها عن أيمانهم ، ثم أخذوا في الجبانة حتى مروا به إلى الغري
ودفنوه وسووا قبره وانصرفوا ( 2 ) .
30 - حة : عبدالرحمن بن أحمد الحربي ، عن عبدالعزيز بن الاخضر ، عن
أبي الفضل بن ناصر ، عن محمد بن علي بن ميمون ، عن محمد بن علي بن الحسين
القسري ، عن محمد بن جعفر التميمي ، عن محمد بن علي بن شاذان ، عن حسن بن
محمد بن عبد الواحد ، عن محمد بن أبي السري ، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي
قال : قال أبوبكر بن عياش : سألت أبا حصين ، وعاصم بن بهدلة والاعمش وغيرهم
فقلت : أخبركم أحد أنه ( من ) صلى على علي وشهد دفنه ؟ فقالوا لي : قد سألنا
أباك محمد بن سائب الكلبي فقال : اخرج به ليلا ، خرج به الحسن والحسين عليهما السلام
وابن الحنفية وعبدالله بن جعفر في عدة من أهل بيته ، ودفن ليلا في ذلك الظهر
ظهر الكوفة ، قال : قلت لابيك : لم فعل به ذلك ، قال : مخافة الخوارج وغيرهم ( 3 ) .
31 - د : عن أبي مخنف قال : جاء رجل من مراد إلى أميرالمؤمنين عليه السلام يصلي


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 222 سطر 19 الى ص 230 سطر 18

في المسجد ، فقال : احترس فإن اناسا من مراد يريدون قتلك ، فقال : إن مع كل
رجل ملكين يحفظانه ما لم يقدر ، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه ، وإن الاجل
* ( هامش ص 222 ) ( 1 ) فرحة الغرى : 41 - 43 .
( 2 ) " : 74 .
( 3 ) " : 106 و 107 . *
[223]
جنة حصينة . وقال الشعبي : أنشد أميرالمؤمنين عليه السلام قبل أن يستشهد بأيام :
تلكم قريش تمناني لتقتلني * فلا وربك ما فازوا ولا ظفروا
فإن بقيت فرهن ذمتي لهم * وإن عدمت فلا يبقى لها أثر
وسوف يورثهم فقدي على وجل * ذل الحياة بما خانوا وما غدروا ( 1 )
32 - يج : روي عن أبي حمزة ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن عمرو بن الحمق قال :
دخلت على علي عليه السلام حين ضرب ضربة بالكوفة فقلت : ليس عليك : بأس إنما هو خدش
قال لعمري إني لمفارقكم ، ثم قال : إلى السبعين بلاء - قالها ثلاثا - قلت : فهل بعد
البلاء رخاء ؟ فلم يجبني وأغمي عليه ، فبكت ام كلثوم ، فلما أفاق قال : لا تؤذيني
يا ام كلثوم ، فإنك لو ترين ما أرى ( لم تبك ) إن الملائكة من السماوات السبع
بعضهم خلف بعض والنبيون يقولون : انطلق يا علي فما أمامك خير لك مما أنت
فيه ، فقلت : يا أميرالمؤمنين إنك قلت : إلى السبعين بلاء ، فهل بعد السبعين رخاء ؟
قال : نعم وإن بعد البلاء رخاء " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب " قال
أبوحمزة : قلت لابي جعفر عليه السلام : إن عليا قال : إلى السبعين بلاء ، وكان يقول :
بعد السبعين رخاء وقد مضت السبعون ولم نر رخاء ، فقال أبوجعفر عليه السلام : يا ثابت
إن الله كان قد وقت هذا الامر في السبعين ، فلما قتل الحسين عليه السلام غضب الله على
أهل الارض ، فأخره الله إلى الاربعين ومائة سنة ، فحدثنا كم فأذعتم الحديث و
كشفتم القناع قناع السر ، فأخره الله ولم يجعل له بعد ذلك وقتا عندالله " يمحوالله
ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب " قال أبوحمزة : قد قلت لابي عبدالله عليه السلام ذلك
فقال : قد كان ذلك ( 2 ) .
33 - يج : من معجزاته صلوات الله عليه أنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه واله ( 3 ) * ( هامش ص 223 ) ( 1 ) مخطوط .
( 2 ) الخرائج والجرائح : 18 .
( 3 ) في المصدر : رأيت رسول الله في منامى . *
[224]
وهو يمسح الغبار عن وجهي وهو يقول : يا علي لا عليك لا عليك قد قضيت ما عليك
فما مكث إلا ثلاثا حتى ضرب ( 1 ) ، وقال للحسن والحسين عليهما السلام : إذا مت فاحملاني
إلى الغري من نجف الكوفة ، واحملا آخر سريري ، فالملائكة يحملون أوله ، و
أمرهما أن يدفناه هناك ، ويعفيا قبره ، لما يعلمه من دولة بني امية بعده ، وقال :
ستريان صخرة بيضاء تلمع نورا ، فاحتفرا فوجدا ساجة مكتوبا عليها : مما ادخرها
نوح لعلي بن أبي طالب عليه السلام ، فدفناه فيه وعفيا أثره ، ولم يزل قبره مخفيا حتى
دل عليه جعفر بن محمد عليهما السلام في أيام الدولة العباسية ، وقد خرج هارون الرشيد
يوما يصيد ، وأرسل الصقور والكلاب على الظباء بجانب الغريين فجادلتها ( 2 ) ساعة
ثم لجأت الظباء إلى الاكمة فرجع الكلاب والصقور عنها فسقطت في ناحية ، ثم
هبطت الظباء من الاكمة فهبطت الصقور والكلاب ترجع إليها ، فتراجعت الظباء
إلى الاكمة فانصرفت عنها الصقور والكلاب ، ففعلن ذلك ثلاثا ، فتعجب هارون
وسأل شيخا من بني أسد : ماهذه الاكمة : فقال : لي الامان ؟ قال : نعم ، قال : فيها قبر
الامام علي بن أبي طالب عليه السلام ، فتوضأ هارون وصلى ودعا ، ثم أظهر الصادق عليه السلام
موضع قبره بتلك الاكمة ( 3 ) .
34 - شا : روى الفضل بن دكين ، عن حيان بن العباس ، عن عثمان بن
مغيرة قال : لما دخل شهر رمضان كان أميرالمؤمنين عليه السلام يتعشى ليلة عند الحسن
وليلة عند الحسين وليلة عند عبدالله بن العباس ، وكان لا يزيد على ثلاث لقم ، فقيل
له ليلة من تلك الليالي في ذلك ، فقال : يأتيني أمرالله وأنا خميص ، إنما هي ليلة
أو ليلتان ، فاصيب عليه السلام آخر الليل ( 4 ) .
* ( هامش ص 224 ) ( 1 ) في المصدر بعد ذلك : ثم قال : رأيت رسول الله ايضا في منامى فشكوت اليه : ما لقيت من
بنى امية من الاود واللدد وبكيت : فقال : لا تبك : فالتفت فاذا رجلان مصفدان واذا جلاميد
ترضح بها رؤسهما اه . وسيأتي عن الارشاد تحت الرقم 36 .
( 2 ) في المصدر : فجاولتها .
( 3 ) الخرائج والجرائح : 21 .
( 4 ) الارشاد للمفيد : 7 . *
[225]
شا : روى إسماعيل بن زياد قال : حدثتني ام موسى خادمة علي عليه السلام
وهي حاضنة فاطمة ابنته عليها السلام قالت : سمعت عليا عليه السلام يقول لابنته ام كلثوم : يا
بنية إني أراني قل ما أصحبكم ، قالت : وكيف ذلك يا أبتاه ؟ قال : إني رأيت
رسول الله صلى الله عليه واله في منامي وهو يمسح الغبار عن وجهي ويقول : يا علي لا عليك
قضيت ( 1 ) ما عليك ، قال : فمكثنا ( 2 ) إلا ثلاثا حتى ضرب تلك الضربة ، فصاحت
ام كلثوم ، فقال : يا بنية لا تفعلي فإني أرى رسول الله صلى الله عليه واله يشير إلي بكفه
ويقول : يا علي هلم إلينا فإن ما عندنا هو خيرلك ( 3 ) .
كشف : من مناقب الخوارزمي مثله ( 4 ) .
36 - شا : روى عمار الدهني عن أبي صالح الحنفي قال : سمعت عليا عليه السلام
يقول : رأيت النبي صلى الله عليه واله في منامي فشكوت إليه ما لقيت من امته ( 5 ) من الاود و
اللدد ( 6 ) وبكيت ، فقال : لا تبك يا علي والتفت فالتفت ( 7 ) وإذا رجلان مصفدان
وإذا جلاميد ترضح ( 8 ) بها رؤوسهما ، قال أبوصالح : فغدوت إليه من الغد كما كنت
أغدو إليه كل يوم ، حتى إذا كنت في الجزارين لقيت الناس يقولون : قتل
أميرالمؤمنين ( 9 ) .
* ( هامش ص 225 ) ( 1 ) في المصدر : قد قضيت
( 2 ) " : فما مكث . وفي غير ( ك ) من النسخ : فما مكثا . والفاعل في قوله " قال "
اسماعيل بن زياد .
( 3 ) الارشاد للمفيد : 7 .
كشف الغمة : 130 .
( 5 ) في المصدر : عن امته .
( 6 ) الاود : الكد والتعب اللدد : الخصومة الشديدة .
( 7 ) فالتفت والتفت .
( 8 ) المصفد : المقيد بالحديد . الجلاميد جمع الجلمود : الصخر . ورضح رأسه بالحجر -
بالمعجمة والمهملة كما في النسخ أو بالمعجمتين كما في المصدر - : رضه .
( 9 ) الارشاد للمفيد : 7 و 8 . وفيه : قتل أميرالمؤمنين قتل أمير المؤمنين . *
[226]
37 - نهج : قال عليه السلام في سحرة ( 1 ) اليوم الذي ضرب فيه : ملكتني عيني و
أنا جالس فسنح لي ( 2 ) رسول الله صلى الله عليه واله فقلت : يا رسول الله ماذا لقيت من امتك من
الاود واللدد ، فقال : ادع عليهم ، فقلت : أبدلني الله بهم خيرا منهم وأبدلهم بي
شرا مني . قال الرضي رضي الله عنه : يعني بالاأود الاعوجاج ، وباللدد الخصام ،
وهذا من أفصح الكلام ( 3 ) .
38 - شا : روى عبدالله بن موسى ، عن الحسن بن دينار ، عن الحسن البصري
قال : سهر أمير المؤمنين عليه السلام في الليلة التي قتل في صبيحتها ولم يخرج إلى المسجد
لصلاة الليل على عادته ، فقالت له ابنته ام كلثوم رحمة الله عليها : ما هذا الذي قد
أسهرك ؟ فقال : إني مقتول لوقد أصبحت ، فأتاه ابن النباح فأذنه بالصلاة ، فمشى
غير بعيد ثم رجع ، فقالت له ام كلثوم : مر جعدة فليصل بالناس ، قال : نعم مروا
جعدة فليصل ، ثم قال : لا مفر من الاجل ، فخرج إلى المسجد وإذا هو بالرجل
قد سهر ليلته كلها يرصده ، فلما برد السحر نام ، فحركه أميرالمؤمنين عليه السلام برجله
فقال له : الصلاة ! فقام إليه فضربه .
وفي حديث آخر : إن أمير المؤمنين عليه السلام قد سهر تلك الليلة ، فأكثر الخروج
والنظر إلى السماء وهو يقول : والله ما كذبت ولا كذبت ، وإنها الليلة التي وعدت
فيها ، ثم عادوا ( 4 ) مضجعه ، فلما طلع الفجر شد إزاره وخرج وهو يقول :
اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لا قيك
ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك
فلما خرج إلى صحن داره استقبلته الاوز فصحن في وجهه ، فجعلوا يطردونهن
* ( هامش ص 226 ) ( 1 ) السحرة بالضم : السحر الاعلى من آخر الليل .
( 2 ) اى مربى كما تسنح الظباء والطير .
( 3 ) نهج البلاغة ( عبده ط مصر ) 1 : 128 .
( 4 ) في المصدر : وعدت بها ثم يعاود . *
[227]
فقال : دعوهن فإنهن نوائح ، ثم خرج فاصيب ( 1 ) .
39 - شا : كانت إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه واله ثلاثين سنة ، منها
أربعة وعشرون سنة وأشهر ( 2 ) ممنوعا من التصرف في أحكامها مستعملا للتقية و
المداراة ، ومنها خمس سنين وستة أشهر ممتحنا بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين
والمارقين ومضطهدا بفتن الضالين ، كما كان رسول الله صلى الله عليه واله ثلاثة عشر سنة من
نبوته ممنوعا من أحكامها خائفا ومحبوسا وهاربا ومطرودا ، لا يتمكن من جهاد الكافرين
ولا يستطيع دفعا عن المؤمنين ، ثم هاجروا وأقام بعد الهجرة عشر سنين مجاهدا للمشركين
ممتحنا بالمنافقين إلى أن قبضه الله إليه وأسكنه جنات النعيم ، وكان وفاة أميرالمؤمنين
عليه السلام قبل الفجر ليلة الجمعة ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من
الهجرة قتيلا بالسيف ، قتله ابن ملجم المرادي لعنه الله في مسجد الكوفة ، وقد
خرج عليه السلام يوقظ الناس لصلاة الصبح ليلة تسع عشر من شهر رمضان ، وقد كان ارتصده
من أول الليل لذلك ، فلما مر به في المسجد وهو مستخف بأمره مماكر بإظهار
النوم في جملة النيام قام إليه ( 3 ) فضربه على ام رأسه بالسيف ، وكان مسموعا ،
فمكث يوم تسع عشر وليلة عشرين ويومها وليلة إحدى وعشرين إلى نحو الثلث
الاول من الليل ، ثم قضى نحبه عليه السلام شهيدا ، ولقي ربه تعالى مظلوما ، وقد كان
يعلم ذلك قبل أوانه ، ويخبر به الناس قبل زمانه ، وتولى غسله وتكفينه ودفنه
ابناه الحسن والحسين عليهما السلام بأمره ، وحملاه إلى الغري من نجف الكوفة فدفناه
هناك ، وعفيا موضع قبره بوصية كانت منه إليهما في ذلك ، لما كان يعلمه عليه السلام من
دولة بني امية من بعده ، واعتقاد هم في عداوته ، وما ينتهون إليه من سوء النيات
فيه من قبح الفعال ( 4 ) والمقال بما تمكنوا من ذلك ، فلم يزل قبره عليه السلام مخفيا حتى
* ( هامش ص 227 ) ( 1 ) الارشاد للمفيد : 8 .
( 2 ) في المصدر : وستة أشهر .
( 3 ) " : ثار اليه .
( 4 ) " : بسوء النيات فيه من قبيح الفعال . *
[228]
دل عليه الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام في الدولة العباسية ، وزاره عند وروده إلى أبي
جعفر وهو بالحيرة ، فعرفته الشيعة واستأنفوا إذ ذاك زيارته ، صلى الله عليه وعلى
ذريته الطاهرين ، وكانت سنه يوم وفاته ثلاثا وستين سنة ( 1 ) .
40 - كا : العدة ، عن سهل ، عن ابن يزيد أو غيره ، عن سليمان كاتب علي
ابن يقطين ، عمن ذكره ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن الاشعث بن قيس شرك في
دم أميرالمؤمنين عليه السلام ، وابنته جعدة سمت الحسن عليه السلام ، ومحمد ابنه شرك في دم
الحسين عليه السلام ( 2 ) .
41 - شا : من الاخبار الواردة بسبب قتله عليه السلام وكيف جرى الامر في ذلك
ما رواه جماعة من أهل السير منهم أبومخنف وإسماعيل بن راشد أبوهاشم ( 3 ) الرفاعي
وأبوعمرو الثقفي وغيرهم أن نفرا من الخوارج اجتمعوا بمكة ، فتذاكروا الامراء
فعابوهم وعابوا أعمالهم ( 4 ) ، وذكروا أهل النهروان وترحموا عليهم ، فقال بعضهم
لبعض : لو أنا شرينا أنفسنا لله فأتينا أئمة الضلال فطلبنا غرتهم وأرحنا منهم العباد
والبلاد وثأرنا ( 5 ) بإخواننا الشهداء بالنهروان ، فتعاهدوا عند انقضاء الحج على
ذلك ، فقال عبدالرحمن بن ملجم لعنه الله : أنا أكفيكم عليا ، وقال البرك بن
عبيدالله التميمي : أن أكفيكم معاوية ، وقال عمرو بن بكر التميمي ، أنا أكفيكم
عمرو بن العاص ، وتعاقدوا ( 6 ) على ذلك وتوافقوا ( 7 ) على الوفاء ، واتعدوا شهر
رمضان في ليلة تسع عشرة منه ، ثم تفرقوا ( 8 ) فأقبل ابن ملجم لعنه الله - وكان
* ( هامش ص 228 ) ( 1 ) الارشاد للمفيد : 5 و 6 .
( 2 ) لم نظفر به في المصدر .
( 3 ) في المصدر : وأبوهاشم .
( 4 ) في المصدر : وعابوا عليهم اعمالهم
( 5 ) ثأر بالقتيل : طلب دمه . وفى المصدر : وارحنا منهم العباد والبلاد لله وثأرنا .
( 6 ) تعاهدوا خ ل .
( 7 ) في المصدر : وتواثقوا .
( 8 ) " : ثم تفرقوا على ذلك . *
[229]
عداده في كندة - حتى قدم الكوفة ، فلقي بها أصحابه فكتمهم أمره مخافة أن ينتشر
منه شئ ، فهو في ذلك إذ زار رجلا من أصحابه ذات يوم من تيم الرباب ، فصادف
عنده قطامة بنت الاخضر التيمية ، وكان أميرالمؤمنين عليه السلام قتل أباها وأخاها
بالنهروان ، وكانت من أجمل نساء أهل زمانها ، فلما رآها ابن ملجم شغف بها و
اشتد إعجابه بها ، وسأل في نكاحها وخطبها ، فقالت له : ما الذي تسمي لي من
الصداق ؟ فقال لها : احتكمي ما بدالك ، فقالت له : أنا محتكمة عليك ثلاثة آلاف
درهم ووصيفا وخادما وقتل علي بن أبي طالب ، فقال لها : لك جميع ما سألت ،
فأما قتل علي بن أبي طالب عليه السلام فأنى لي بذلك ؟ فقالت : تلتمس غرته ، فإن
أنت قتلته شفيت نفسي وهنأك العيش معي ، وإن أنت قتلت فما عندالله خير لك من
الدنيا ، فقال : أما والله ما أقدمني هذا المصر - وقد كنت هاربا منه لا آمن مع
أهله ( 1 ) - إلا ما سألتني من قتل علي بن أبي طالب ، فلك ما سألت ، قالت : فأنا
طالبة لك بعض من يساعدك على ذلك ويقويك ، ثم بعثت إلى وردان بن مجالد من
تيم الرباب فخبرته الخبر ، وسألته معونة ابن ملجم لعنه الله ، فتحمل ذلك لها ، و
خرج ابن ملجم فأتى رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة ، فقال ( 2 ) : يا شبيب
هل لك في شرف الدنيا والآخرة ؟ قال : تساعدني على قتل علي
بن أبي طالب ، وكان شبيب على رأي الخوارج ، فقال له : يا ابن ملجم هبلتك
الهبول لقد جئت شيئا إدا ، وكيف تقدر على ذلك ؟ فقال له ابن ملجم : نمكن
له في المسجد الاعظم فإذا خرج لصلاة الفجر فتكنا به ، فإن نحن قتلناه شفينا أنفسنا
وأدركنا ثأرنا ، فلم يزل به حتى أجابه ، فأقبل معه حتى دخلا المسجد الاعظم
على قطامة وهي معتكفة في المسجد الاعظم قد ضربت عليها قبة ، فقالا لها : قد
اجتمع رأينا على قتل هذا الرجل ، فقالت لهما : إذا أردتما ذلك فائتياني في هذا
* ( هامش ص 229 ) ( 1 ) في ( ك ) : مع اهلى .
( 2 ) في المصدر : فقال له . *
[230]
الموضع ، فانصرفا من عندها ، فلبثا أياما ثم أتياها ومعهما الآخر ليلة الاربعاء
لتسعة عشرة ( ليلة ) خلت من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ، فدعت لهم بحرير
فعصبت به صدورهم ، وتقلدوا أسيافهم ، ومضوا وجلسوا مقابل السدة التي كان
يخرج منها أميرالمؤمنين عليه السلام إلى الصلاة ، وقد كانوا قبل ذلك ألقوا إلى الاشعث
ابن قيس ما في نفوسهم من العزيمة على قتل أميرالمؤمنين عليه السلام ، وواطأهم على ذلك
وحضر الاشعث بن قيس في تلك الليلة لمعونتهم على ما اجتمعوا عليه ، وكان حجر
ابن عدي في تلك الليلة بائتا في المسجد ، فسمع الاشعث يقول : يا ابن ملجم ( 1 )
النجاء النجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح ( 2 ) فأحس حجر بما أراد الاشعث ، فقال
له : قتلته يا أعور ! وخرج مبادرا ليمضي إلى أميرالمؤمنين عليه السلام ليخبره الخبرو
يحذره من القوم ، وخالفه أميرالمؤمنين عليه السلام من الطريق فدخل المسجد . فسبقه
ابن ملجم فضربه بالسيف . وأقبل حجر والناس يقولون : قتل أميرالمؤمنين عليه السلام .
وذكر عبدالله بن محمد الازدي قال : إني لاصلي في تلك الليلة في المسجد
الاعظم مع رجال من أهل المصر كانوا يصلون في ذلك الشهر من أوله إلى آخره
إذ نظرت إلى رجال يصلون قريبا من السدة ، وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام لصلاة
الفجر ، فأقبل ينادي : الصلاة الصلاة ، فما أدري أنادى أم رأيت بريق السيوف ، و
سمعت قائلا يقول : لله الحكم لا لك يا علي ولا لاصحابك ( 3 ) ، وسمعت عليا يقول :
لا يفوتنكم الرجل ، فإذا عليه السلام مضروب ، وقد ضربه شبيب بن بجرة فأخطأه ووقعت
ضربته في الطاق ، وهرب القوم نحو أبواب المسجد ، وتبادر الناس لاخذهم ، فأما


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 230 سطر 19 الى ص 238 سطر 18

شبيب بن بجرة فأخذه رجل فصرعه وجلس على صدره ، وأخذ السيف ليقتله ( 4 )
* ( هامش ص 230 ) ( 1 ) في المصدر : يقول لابن ملجم .
( 2 ) " فقد فضح الصبح . أى طلع .
( 3 ) " : لله الحكم يا على لا لك ولا لاصحابك .
( 4 ) " : وأخذ السيف من يده ليقتله اه . *
[231]
به فرأى الناس يقصدون نحوه ، فخشي أن يعجلوا عليه ولم يسمعوا ( 1 ) منه ، فوثب
عن صدره وخلاه ، وطرح السيف من يده ، ومضى شبيب هاربا حتى دخل منزله
ودخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير عن صدره ، فقال له : ما هذا لعلك قتلت
أميرالمؤمنين ؟ فأراد أن يقول لا ، قال : نعم ! فمضى ابن عمه واشتمل على سيفه ، ثم
دخل عليه فضربه به حتى قتله ، وأما ابن ملجم فإن رجلا من همدان لحقه فطرح
عليه قطيفة كانت في يده ، ثم صرعه وأخذ السيف من يده ، وجاء به إلى أميرالمؤمنين
عليه السلام ، وأفلت الثالث وانسل ( 2 ) بين الناس .
فلما دخل ( 3 ) ابن ملجم على أمير المؤمنين عليه السلام نظر إليه ثم قال : النفس
بالنفس ، فإن أنامت فاقتلوه كما قتلني ، وإن أنا عشت رأيت فيه رأيي ، فقال
ابن ملجم : والله لقد ابتعته بألف وسممته بألف ، فإن خانني فأبعده الله ، قال : و
نادته ام كلثوم : يا عدوالله قتلت أميرالمؤمنين ؟ قال : إنما قتلت أباك ، قالت :
يا عدوالله إني لارجو أن لا يكون عليه بأس ، قال لها : فأراك إنما تبكين علي
إذا ؟ لقد والله ضربته ضربة لو قسمت على أهل الارض ( 4 ) لاهلكتهم ، فاخرج من
بين يديه عليه السلام وإن الناس ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم سباع ، وهم يقولون :
يا عدوالله ما فعلت ( 5 ) ؟ أهلكت امة محمد صلى الله عليه واله وقلت خير الناس ، وإنه لصامت لم
ينطق ، فذهب به إلى الحبس ، وجاء الناس إلى أميرالمؤمنين عليه السلام فقالوا له : يا
أميرالمؤمنين مرنا بأمرك في عدوالله ، والله لقد أهلك الامة وأفسد الملة ، فقال لهم
أميرالمؤمنين عليه السلام : إن عشت رأيت فيه رأيي ، وإن أهلكت فاصنعوا به كما يصنع
بقاتل النبي ، اقتلوه ثم حرقوه بعد ذلك بالنار . * ( هامش ص 231 ) ( 1 ) في المصدر : ولا يسمعوا .
( 2 ) انسل من الزحام : انطلق في استخفاء .
( 3 ) في المصدر : ادخل .
( 4 ) " : بين اهل الارض .
( 5 ) " : ما ذا فعلت . *
[232]
قال فلما قضى أميرالمؤمنين عليه السلام نحبه وفرغ أهله من دفنه جلس الحسن
عليه السلام وأمر أن يؤتى بابن ملجم ، فجئ به ، فلما وقف بين يديه قال له : يا عدو
الله قتلت أمير المؤمنين وأعظمت الفساد في الدين ، ثم أمر فضربت عنقه ، واستوهبت
ام الهيثم بنت الاسود النخعية جثته منه لتتولى إحراقها ، فوهبها لها فأحرقتها
بالنار . وفي أمر قطام وقتل أمير المؤمنين عليه السلام يقول : ( 1 ) .
فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة * كمهر قطام من فصيح وأعجمي ( 2 )
ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وضرب علي بالحسام المسمم
ولا مهر أغلى من علي وإن غلا * ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
وأما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم في العقد على قتل معاوية وعمرو بن
العاص فإن أحدهما ضرب معاوية وهو راكع ، فوقعت ضربته في إليته ونجا منها
واخذ وقتل من وقته ، وأما الآخر فإنه وافى عمروا في تلك الليلة وقد وجد علة
فاستخلف رجلا يصلي بالناس يقال له خارجة بن أبي حبيبة العامري ، فضربه بسيفه
وهو يظن أنه عمرو ، فاخذ واتي به عمرو فقتله ، ومات خارجة في اليوم الثاني ( 3 ) .
كشف : من مناقب الخوارزمي مرفوعا إلى إسماعيل بن راشد مثله ( 4 ) .
بيان : قال الجزري : لامك هبل أي ثكل ، ومنه حديث علي عليه السلام " هبلتهم
الهبول " أي ثكلتهم الثكول ، وهي بفتح الهاء من النساء التي لا يبقى لها ولد ، انتهى ( 5 ) .
والاد بالكسر : العجب والامر الفظيع والداهية والمنكر .
أقول : قال ابن أبي الحديد : قال أبوالفرج : قال أبومخنف : قال أبوزهير
العبسي : فأما صاحب معاوية فإنه قصده ، فلما وقعت عينه عليه ضربه ، فوقعت
* ( هامش ص 232 ) ( 1 ) في المصدر : يقول الشاعر .
( 2 ) " : من غنى ومعدم .
( 3 ) الارشاد للمفيد : 8 - 11 .
( 4 ) كشف الغمة : 128 و 129 .
( 5 ) النهاية 4 : 227 . *
[233]
ضربته على إليته ، فجاء الطبيب إليه فنظر إلى الضربة ، فقال : إن السيف مسموم
فاختر إما أن أحمي لك حديدة فأجعلها في الضربة ، وإما أن أسقيك دواء فتبرأ و
ينقطع نسلك ، فقال : أما النار فلا اطيقها ! وأما النسل ففي يزيد وعبدالله ما يقر
عيني ! وحسبي بهما ، فسقاه الدواء فعوفي ( 1 ) ولم يولد له بعد ذلك ، وقال البرك
ابن عبدالله : إن لك عندي بشارة ، قال : وماهي ؟ فأخبره خبر صاحبه وقال : إن
عليا قتل في هذه الليلة ، فاحتبسني عندك ، فإن قتل فأنت ولي ما تراه في أمري
وإن لم يقتل أعطيتك العهود والمواثيق أن أمضي ( 2 ) فأقتله ثم أعود إليك فأضع
يدي في يدك حتى تحكم في بما ترى ، فحبسه عنده ، فلما أتى الخبر أن عليا قتل
في تلك الليلة خلى سبيله . هذه رواية إسماعيل بن راشد ، وقال غيره . بل قتله من
وقته .
وأما صاحب عمرو بن العاص فانه وافاه في تلك الليلة ، وقد وجد علة ،
فاستخلف رجلا يصلي بالناس يقال له خارجة بن أبي حنيفة ( 3 ) ، فخرج للصلاة ،
فشد عمرو بن بكر فضربه بالسيف فأثبته ، فاخذ الرجل فاتي به عمرو بن العاص
فقتله ، ودخل من غد إلى خارجة وهو يجود بنفسه فقال : أما والله يا أبا عبدالله
ما أراد غيرك ، قال عمرو : ولكن الله أزاد خارجة ( 4 ) !
وقال : قال أبوالفرج : حدثني محمد بن الحسين بإسناد ذكره أن الاشعث
بن قيس لعنه الله دخل على علي عليه السلام فكلمه ، فأغلظ علي له ، فعرض الاشعث أنه
سيفتك به ، فقال له علي عليه السلام : أبالموت تخوفني أو تهددني ؟ فوالله ما ابالي وقعت
على الموت أو وقع الموت علي .
* ( هامش ص 233 ) ( 1 ) في المصدر بعد ذلك : وعالج جرحه حتى التأم اه .
( 2 ) " : أن امضى اليه اه .
( 3 ) " : خارجة بن حذافة احد بنى عامر بن لؤى .
( 4 ) شرح النهج 2 : 65 . *
[234]
قال : وقال أبوالفرج الاصفهاني : روى أبومخنف عن أبي الطفيل أن صعصعة
بن صوحان استأذن على علي عليه السلام وقد أتاه عائدا لما ضربه ابن ملجم ، فلم يكن
عليه إذن فقال صعصعة للآذن : قل له : يرحمك الله يا أميرالمؤمنين حيا وميتا ، فلقد
كان الله في صدرك عظيما ، ولقد كنت بذات الله عليما ، فأبلغه الآذن إليه ( 1 ) فقال : قل له :
وأنت يرحمك الله فلقد كنت خفيف المؤنة كثير المعونة ، قال أبوالفرج : ثم جمع له أطباء
الكوفة ، فلم يكن منهم أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هاني السلولي وكان ومطببا
صاحب الكرسي يعالج الجراحات ، وكان من الاربعين غلاما الذين كان ابن الوليد
أصابهم في عين التمر فسباهم ، فلما نظر أثير إلى جرح أميرالمؤمنين عليه السلام دعا برية
شاة حارة ، فاستخرج منها عرقا ثم نفخه ( 2 ) ثم استخرجه وإذا عليه بياض الدماغ
فقال : يا أميرالمؤمنين اعهد عهدك فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى ام رأسك ( 3 ) .
42 - شا : ابن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن رجاله قال : قيل : للحسين بن
بن علي عليهما السلام : أين دفنتم أميرالمؤمنين عليه السلام ؟ فقال : خرجنا به ليلا على مسجد
الاشعث حتى خرجنا به إلى الظهر بجنب الغريين فدفناه هناك ( 4 ) .
43 - يج : روي أن عليا عليه السلام دخل الحمام ، فسمع صوت الحسن والحسين
عليهما السلام فخرج إليهما فقال : ما لكما ؟ فقالا : اتبعك هذا الفاجر ابن ملجم فظننا أنه
يغتالك ، فقاك لهما : دعاه لا بأس ( 5 ) .
44 - قب : أبوبكر الشيرازي في كتابه عن الحسن البصري قال : أوصى
علي عليه السلام عند موته للحسن والحسين عليهما السلام وقال لهما : إن أنامت فانكما ستجدان
عند رأسي حنوطا من الجنة وثلاثة أكفان من استبرق الجنة ، فغسلوني و
* ( هامش ص 234 ) ( 1 ) في المصدر : فأبلغه الاذن مقالته .
( 2 ) " : وأدخله في الجرح ثم نفخه .
( 3 ) شرح النهج : 67 و 68 .
( 4 ) الارشاد للمفيد : 12 .
( 5 ) لم نجده في المصدر المطبوع . *
[235]
حنطوني بالحنوط وكفنوني ، قال الحسن عليه السلام : فوجدنا عند رأسه طبقا من
الذهب عليه خمس شمامات ( 1 ) من كافور الجنة وسدرا من سدر الجنة ، فلما
فرغوا من غسله وتكفينه أتى البعير فحملوه على البعير بوصية منه . وكان قال :
فسيأتي البعير إلى قبري فيقيم ( 2 ) عنده ، فأتى البعير حتى وقف على شفير القبر ،
فوالله ما علم أحد من حفره ، فالحد فيه بعد ماصلى عليه ، وأظلت الناس غمامة
بيضاء وطيور بيض ، فلما دفن ذهبت الغمامة والطيور .
وعن منصور بن محمد بن عيسى ، عن أبيه ، عن جده زيد بن علي ، عن أبيه ،
عن جده الحسين بن علي عليهم السلام في خبر طويل يذكر فيه : اوصيكما وصية فلا تظهرا
على أمري أحدا ، فأمرهما أن يستخرجا من الزاوية اليمنى لوحا وأن يكفناه
فيما يجدان ، فإذا غسلاه وضعاه على ذلك اللوح ، وإذا وجدا السرير يشال ( 3 ) مقدمه
يشيلان مؤخره ، وأن يصلي الحسن مرة والحسين مرة صلاة إمام ، ففعلا كما رسم
فوجدا اللوح وعليه مكتوب : " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما ذخره نوح النبي
صلى الله عليه لعلي بن أبي طالب عليه السلام " وأصابا الكفن في دهليز الدار موضوعا
فيه حنوط قد أضاء نوره النهار .
وروي أنه قال : الحسين عليه السلام وقت الغسل : أما ترى إلى خفة أميرالمؤمنين ؟
فقال الحسن عليه السلام : يا أبا عبدالله إن معنا قوما يعينوننا .
فلما قضينا صلاة العشاء الآخرة إذا قد شيل مقدم السرير ، ولم يزل ( 4 )
نتبعه إلى أن وردنا إلى الغري ، فأتينا إلى قبر على ما وصف ( 5 ) أميرالمؤمنين عليه السلام و
نحن نسمع خفق أجنحة كثيرة وضجة وجلبة ، فوضعنا السرير وصلينا على أمير -
* ( هامش ص 235 ) ( 1 ) الشمام : كل ما يشم من الروائح الطيبة .
( 2 ) في المصدر : فيقف .
( 3 ) شال الشئ : ارتفع .
( 4 ) في المصدر : ولم نزل .
( 5 ) في ( ك ) : على ما وصفنا . *
[236]
المؤمنين عليه السلام كما وصف لنا ، ونزلنا قبره فأضجعناه في لحده ، ونضدنا عليه اللبن .
وفي الخبر عن الصادق عليه السلام : فأخذا اللبنة من عند الرأس بعد ما أشرجا عليه
اللبن ، فاذا ليس في القبر شئ ، فاذا هاتف يهتف : أميرالمؤمنين عليه السلام كان عبدا
صالحا ، فألحقه الله بنبيه ، وكذلك يفعل بالاوصياء بعد الانبياء ، حتى لو أن نبيا
مات بالمشرق ومات وصيه بالمغرب لالحق النبي بالوصي ( 1 )
وفي خبر عن ام كلثوم بنت علي عليه السلام : فانشق القبر عن ضريح ، فاذا
هو بساجة مكتوب عليها بالسريانية : " بسم الله الرحمن الرحيم هذا قبر حفره
نوح لعلي بن أبي طالب وصي محمد صلى الله عليه واله قبل الطوفان بسبع مائة سنة " فانشق القبر
فلا ندري . ( 2 )
وسأل ابن مسكان الصادق عليه السلام عن القائم المائل في طريق الغري ، فقال :
نعم إنهم لما جاؤا بسرير أميرالمؤمنين عليه السلام انحنى أسفا وحزنا على أمير -
المؤمنين عليه السلام .
وقال الغزالي : ذهب الناس إلى أن عليا عليه السلام دفن على النجف وأنهم حملوه
على الناقة ، فسارت حتى انتهت إلى موضع قبره ، فبركت فجهدوا أن تنهض فلم تنهض
فدفنوه فيه ( 3 ) .
45 - قب : تفسير وكيع والسدي والسفيان وأبي صالح أن عبدالله بن عمر
قرأ قوله تعالى : " أولم يروا أنا نأتي الارض ننقصها من أطرافها " ( 4 ) يوم قتل أمير
المؤمنين عليه السلام وقال : لقد كنت يا أميرالمؤمنين الطرف الاكبر في العلم ، اليوم نقص
علم الاسلام ومضى ركن الايمان .
الزعفراني ، عن المزني ، عن الشافعي ، عن مالك ، عن سمي ، عن أبي -
* ( هامش ص 236 ) ( 1 ) في المصدر : لا لحق الوصى بالنبى .
( 2 ) كذا في النسخ والمصدر .
( 3 ) مناقب آل ابى طالب 1 : 482 و 483 .
( 4 ) سورة الرعد : 41 . *
[237]
صالح قال : لما قتل علي بن أبي طالب عليه السلام قال ابن عباس : هذا اليوم ( 1 ) نقص
الفقه والعلم من أرض المدينة ، ثم قال : إن نقصان الارض نقصان علمائها وخيار
أهلها ، إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال ، ولكنه يقبض
العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا ، فيسألوا
فيفتوا بغير علم ، فيضلوا وأضلوا .
سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : " رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل
بيتي مؤمنا " وقد كان قبر علي بن أبي طالب عليه السلام مع نوح في السفينة ، فلما خرج
من السفينة ترك قبره خارج الكوفة ، فسأل نوح ربه المغفرة لعلي وفاطمة عليهما السلام
قوله : " وللمؤمنين والمؤمنات " ثم قال : " ولا تزد الظالمين " يعني الظلمة لاهل بيت
محمد صلى الله عليه واله " إلا تبارا ( 2 ) " .
وروي أنه نزل فيه : " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ( 3 ) " .
أبوبكر بن مردويه في فضائل أميرالمؤمنين عليه السلام وأبوبكر الشيرازي في نزول
القرآن أنه قال سعيد بن المسيب : كان علي يقرأ " إذا انبعث أشقاها ( 4 ) " قال :
فوالذي نفسي بيده لتخضبن هذه من هذا - وأشار بيده إلى لحيته ورأسه - وروى الثعلبي
والواحدي بإسنادهما عن عمار وعن عثمان بن صهيب وعن الضحاك ، وروى ابن
مردويه بإسناده عن جابر بن سمرة وعن صهيب وعن عمار وعن ابن عدي وعن الضحاك
والخطيب في التاريخ عن جابر بن سمرة ، وروى الطبري والموصلي عن عمار ، وروى
أحمد بن حنبل عن الضحاك أنه قال النبي صلى الله عليه واله : يا علي أشقى الاولين عاقر الناقة
وأشقى الآخرين قاتلك - وفي رواية : من يخضب هذه من هذا - وكان عبدالرحمن بن
ملجم عداده من مراد قال ابن عباس : كان من ولد قدار عاقر ناقة صالح ، وقصتهما
* ( هامش ص 237 ) ( 1 ) في المصدر : هذا يوم .
( 2 ) سورة نوح : 28 .
( 3 ) سورة الشعراء : 227 .
( 4 ) سورة الشمس : 12 . *
[238]
واحدة ، لان قدار عشق امرأة يقال لها رباب ، كما عشق ابن ملجم لقطام .
سمع ابن ملجم وهو يقول : لاضربن عليا بسيفي هذا ، فذهبوا به إليه ، فقال :
ما اسمك ؟ قال : عبدالرحمن بن ملجم ، قال : نشدتك بالله عن شئ تخبرني ، قال :
نعم ، قال : هل مر عليك شيخ يتوكؤ على عصاه وأنت في الباب فمشقك ( 1 ) بعصاه
ثم قال : بؤسا لك أشقى من عاقر ناقة ثمود ؟ قال : هل كان الصبيان
يسمونك ابن راعية الكلاب وأنت تلعب معهم ؟ قال : نعم ، قال : هل أخبرتك
امك أنها حملت بك وهى طامث ، قال : نعم ، قال : فبايع فبايع ، ثم قال : خلوا
سبيله .
الحسن البصري أنه عليه السلام سهر في تلك الليلة ولم يخرج لصلاة الليل على عادته
فقالت ام كلثوم : ما هذا السهر ؟ قال : إني مقتول لو قد أصبحت ، فقالت : مر جعدة
فليصل بالناس ، قال : نعم مروا جعدة ليصل ، ثم مر وقال : لا مفر من الاجل ، و
خرج قائلا : خلوا سبيل الجاهد المجاهد * في الله ذي الكتب وذي المجاهد ( 2 )
في الله لا يعبد غير الواحد * ويوقظ الناس إلى المساجد
وروي أنه عليه السلام سهر في تلك الليلة فأكثر الخروج والنظر إلى السماء وهو
يقول : والله ما كذبت ، وإنها الليلة التي وعدت بها ، ثم يعاود مضجعه ، فلما طلع
الفجر أتاه ابن النباح ( 3 ) ونادى : الصلاة ، فقام فاستقبله الاوز فصحن في وجهه ،
فقال : دعوهن فإنهن صوائح تتبعها نوائح ، وتعلقت حديدة على الباب في مئزره
فشد إزاره وهو يقول : اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لا قيك


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 238 سطر 19 الى ص 246 سطر 18

ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك
* ( هامش ص 238 ) ( 1 ) أى ضربك .
( 2 ) في المصدر : وذى المشاهد .
( 3 ) " : ابن التياح . *
[239]
فقد أعرف أقواما وإن كانوا صعاليك
مساريع إلى الخير وللشر مناديك ( 1 )
أبومخنف الازدي وابن راشد والرفاعي والثقفي جميعا أنه اجتمع نفر من
الخوارج بمكة فقالوا : إنا شرينا أنفسنا لله - وساق الحديث نحوا مما مر إلى قوله -
واستعان ابن ملجم بشبيب بن بجرة ، وأعانه رجل من وكلاء عمرو بن العاص بخط
فيه مائة ألف درهم ، فجعله مهرها ، فأطعمت لهما اللوز ينج والجوز يبق ، وسقتهما
الخمر العكبري ، فنام شبيب وتمتع ابن ملجم معها ، ثم قامت فأيقظتهما ، وعصبت
صدورهم ( 2 ) بحرير ، وتقلدوا أسيافهم ، وكمنوا له مقابل السدة .
وقال محمد بن عبدالله الازدي : أقبل أميرالمؤمنين عليه السلام ينادي : الصلاة الصلاة
فإذا هو مضروب ، وسمعت قائلا يقول : الحكم لله يا علي لا لك ولا لاصحابك ، و
سمعت عليا عليه السلام يقول : فزت ورب الكعبة ، ثم قال عليه السلام : لا يفوتنكم الرجل
ثم ساق القصة إلى قوله - : وإن هلكت فاصنعوا به ما يصنع بقاتل النبي ، فسئل
عن معناه فقال : اقتلوه ثم حرقوه بالنار . فقال ابن ملجم : لقد ابتعته بألف وسممته
بألف ، فإن خانني فأبعده الله ، ولقد ضربته لو قسمت بين أهل الارض
لاهلكتهم .
وفي محاسن الجوابات عن الدينوري أنه قال : سألت الله أن يقتل به شر خلقه
فقال علي عليه السلام : قد أجاب الله دعوتك ، يا حسن إذا مت فاقتله بسيفه ، وروي
أنه عليه السلام قال : أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره ، فإن أصح فأنا ولي دمي ، إن شئت
أعفو وإن شئت استقدت ( 3 ) وإن هلكت فاقتلوه ، ثم أوصى فقال : يا بني عبدالمطلب
لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون : قتل أميرالمؤمنين ، ألا لا يقتلن
بي إلا قاتلي ، ونهى عن المثلة . وروى أبوعثمان المازني أنه قال عليه السلام :
* ( هامش ص 239 ) ( 1 ) في المصدر و ( خ ) : متاريك .
( 2 ) " : صدورهما .
( 3 ) " : استنفذت . *
[240]
تلكم قريش تمناني لتقتلني * فلا وربك ما فازوا وما ظفروا
فإن بقيت فرهن ذمتي لهم * بذات ودقين لا يعفو لها أثر
وإن هلكت فإني سوف اوترهم * ذل الممات فقد خانوا وقد غدروا
وأمر الحسن عليه السلام أن يصلي الغداة بالناس ، وروي أنه دفع في ظهره جعدة
فصلى بالناس الغداة .
الاصبغ في خبر أن عليا عليه السلام قال : لقد ضربت في الليلة التي قبض فيها
يوشع بن نون ، ولاقبض في الليلة التي رفع فيها عيسى بن مريم .
الحسن بن علي عليه السلام في خبر : ولقد صعد بروحه في الليلة التي صعد فيها
بروح يحيى بن زكريا ( 1 ) .
توضيح : قال الجزري في قوله عليه السلام : " بذات ودقين " أي حرب شديد ، وهو
من الودق ، والوداق : الحرص على طلب الفحل ، لان الحرب توصف باللقاح ، و
قيل : من الودق : المطر ، يقال للحرب الشديدة ذات ودقين تشبيها بسحاب ذات
مطرتين شديدتين ( 2 ) .
( أقول : في الديوان أنه عليه السلام قال حين خرج إلى المسجد :
خلوا سبيل المؤمن المجاهد * في الله لا يعبد غير الواحد
ويوقظ الناس إلى المساجد ( 3 )
وفيه أنه عليه السلام قال بعد قوله : " إذا حل بواديكا " :
فإن الدرع والبيضة * يوم الروع يكفيكا
كما أضحكك الدهر * كذاك الدهر يبكيكا
إلى قوله :
مساريع إلى النجدة * للغي متاريكا ( 4 ) )
* ( هامش ص 240 ) ( 1 ) مناقب آل ابى طالب 2 : 78 - 82 .
( 2 ) النهاية 4 : 202 .
( 3 ) الديوان : 48 .
( 4 ) " : 90 . *
[241]
الحسن بن علي عليهما السلام :
أين من كان لعلم المصطفى في الناس بابا
أين من كان إذا ما قحط الناس سحابا
أين من كان إذا نودي للحرب ( 1 ) أجابا
أين من كان دعاه مستجابا ومجابا
وله عليه السلام :
خل العيون وما أردن * من البكاء على علي
لا تقبلن من الخلي * فليس قلبك بالخلي
لله أنت إذا الرحال * تضعضعت وسط الندي
فرجت غمته ولم * تركن إلى فشل وعي
وله عليه السلام :
خذل الله خاذليه ولا أغمد عن قاتليه سيف الفناء
زيد بن علي : قال الحسين عليه السلام : لما قتل أميرالمؤمنين عليه السلام سمعت جنية
ترثيه بهذه الابيات :
لقد هد ركني أبوشبر * فما ذاقت العين طيب الوسن ( 2 )
ولا ذاقت العين طيب الكرى ( 3 ) * وألقيت دهري رهين الحزن
وأقلقني طول تذكاره * حرارة ثكل الرقوب الشثن
أنس بن مالك : وسمعت ( 4 ) صوت هاتف من الجن :
يا من يؤم إلى المدينة قاصدا * أد الرسالة غير مامتوان
قتلت شرار بني امية سيدا * خيرالبرية ماجدا ذا شان
* ( هامش ص 241 ) ( 1 ) كذا في ( ك ) . وفى غيره من النسخ وكذا المصدر : في الحرب .
( 2 ) الوسن : فنور يتقدم النوم .
( 3 ) الكرى : النعاس .
( 4 ) في المصدر : وسمع . *
[242]
رب المفضل في السماء وأرضها * سيف النبي وهادم الاوثان
بكت المشاعر والمساجد بعد ما * بكت الانام له بكل مكان
وفي شرف النبوة أنه سمع منهم :
لقد مات خيرالناس بعد محمد * وأكرمهم فضلا وأوفاهم عهدا
وأضربهم بالسيف في مهج العدى * وأصدقهم قيلا وأنجزهم وعدا
صعصعة بن صوحان : إلى من لي بانسك يا أخيا * ومن لي أن أبثك ما لديا
طوتك خطوب دهر قد توالى * لذاك خطوبه نشرا وطيا
فلو نشرت قواك لي المنايا * شكوت إليك ما صنعت إليا
بكيتك يا علي لدر عيني * فلم يغن البكاء عليك شيئا
كفى حزنا بدفنك ثم إني * نفضت تراب قبرك من يديا
وكانت في حياتك لي عظات * وأنت اليوم أوعظ منك حيا
فيا أسفى عليك وطول شوقي * إلى لو أن ذلك رد شيئا ( 1 )
وله :
هل خبر القبر سائليه * أم قر عينا بزائريه
أم هل تراه أحاط علما * بالجسد المستكن فيه
لو علم القبر من يواري * تاه على كل من يليه
يا موت ماذا أردت مني * حققت ما كنت أتقيه
يا موت لو تقبل افتداء * لكنت بالروح أفتديه
دهر رماني بفقد إلفي * أذم دهري وأشتكيه
أبوالاسود الدئلي :
ألا يا عين ويحك فاسعدينا * ألا أبكي أميرالمؤمنينا
رزئنا خير من ركب المطايا * وحثحثها ومن ركب السفينا
* ( هامش ص 242 ) ( 1 ) هكذا في النسخ والمصدر . والظاهر : اليك اه . *
[243]
ومن لبس النعال ومن حذاها * ومن قرأ المثاني والمئينا ( 1 )
إذا استقبلت وجه أبي حسين * رأيت البدر راق الناظرينا
يقيم الحد لا يرتاب فيه * ويقضي بالفرائض مستبينا
ألا أبلغ معاوية بن حرب * فلا قرت عيون الشامتينا
أفي الشهر الحرام فجعتمونا * بخير الناس طرا أجمعينا
ومن بعد النبي فخير نفس * أبوحسن وخير الصالحينا
كأن الناس إذ فقدوا عليا * نعام جال في بلد سنينا
وكنا قبل مهلكه بخير * ترى فينا وصي المسلمينا
فلا والله لا أنسى عليا * وحسن صلاته في الراكعينا
لقد علمت قريش حيث كانت ( 2 ) * بأنك خيرهم حسبا ودينا
فلا تشمت معاوية بن حرب * فإن بقية الخلفاء فينا
لبعض الصحابة :
دعوتك يا علي فلم تجبني * وردت دعوتي بأسا عليا
بموتك ماتت اللذات عني * وكانت حية إذ كان ( 3 ) حيا
فيا أسفا عليك وطول شوقي * إليك لو أن ذلك رد ليا ( 4 )
بيان : قوله عليه السلام : " لا تقبلن من الخلي " أي لا تقبل ترك البكاء من الخلي
الذي ينصحك في ذلك ، فإنك لست مثله . والندي على فعيل : القوم المجتمعون
والخطاب في هذا البيت لاميرالمؤمنين عليه السلام . وقال الجوهري : الرقوب : المرأة
التي لا يعيش لها ولد ( 5 ) . ويقال : شثنت كفه أي غلظت ، ولعله تصحيف الشنن
من شن الماء أي فرقه ، كناية عن كثرة البكاء ، قوله : " رب المفضل " لعله بمعنى
* ( هامش ص 243 ) ( 1 ) في المصدر : والمبينا .
( 2 ) " : حين كانت .
( 3 ) إذ كنت ظ ( ب ) .
( 4 ) مناقب آل ابى طالب 2 : 82 و 83 . وقوله " ردليا " اى رد إلى .
( 5 ) الصحاح : 138 . *
[244]
المربوب ، والظاهر أن فيه تصحيفا . وحثحث : حرك . والسفين : جمع السفينة .
46 - كشف : قال محمد بن طلحة : قد صح النقل أنه ضربه عبدالرحمن بن
ملجم ليلة الجمعة ، لكن قيل : لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان ، وقيل : لتسع
عشرة ليلة ، وقد نقله جماعة ، وقيل : ليلة الحادي والعشرين من رمضان ، وقيل :
ليلة الثالث والعشرين منه ، ومات ليلة الاحد ثالث ليلة ضرب من سنة أربعين للهجرة
فيكون عمره خمسا وستين سنة ، وقيل : بل كان ثلاثا وستين ، وقيل : بل ثمان
وخمسين ، وقيل : بل كان سبعا وخمسين سنة ، وأصح هذه الاقوال هو القول الاول
فإنه عضده ( 1 ) ما نقل عن معروف قال : سمعت من أبي جعفر محمد بن علي الرضا
سلام الله عليهما يقول : قتل علي ( 2 ) وله خمس وستون سنة ، فهذه مدة عمره ، فلما
مات عليه السلام غسله الحسن والحسين عليهما السلام ومحمد يصب الماء ، ثم كفن وحنط وحمل
ودفن في جوف الليل بالغري ، وقيل : بين منزله والجامع الاعظم والله أعلم ، قال :
وإذا كانت مدة عمره عليه السلام خمسا وستين سنة على ما ظهر فاعلم منحك الله ألطاف
تأييده أنه عليه السلام كان بمكة مع رسول الله صلى الله عليه واله من أول عمره خمسا وعشرين سنة
فمنها بعد البعث والنبوة ثلاث عشرة سنة ، وقبلها اثنا عشر سنة ثم هاجر وأقام
مع النبي صلى الله عليه واله بالمدينة إلى أن توفي عشر سنين ، ثم بقي بعد رسول الله إلى أن
قتل ثلاثين سنة ، فذلك خمس وستون سنة ( 3 ) .
ومن مناقب الخوارزمي قال : لما ضرب علي عليه السلام تحامل وصلى بالناس
الغداة ، وقال : علي بالرجل ، فادخل عليه ، فقال : أي عدو الله ألم احسن إليك ؟ قال : بلى ، قال : فما حملك على هذا ؟ قال : شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن
يقتل به شر خلقه ، قال علي عليه السلام : فلا أراك إلا مقتولا به ، وما أراك إلا من شر
* ( هامش ص 244 ) ( 1 ) في المصدر : يعضده .
( 2 ) " : قتل على بن ابى طالب .
( 3 ) كشف الغمة : 131 . *
[245]
خلق الله عزو جل . قال : ودعا علي حسنا وحسينا فقال :
اوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ، ولا تبكيا على شئ زوي
عنكما ، قولا ( 1 ) بالحق ، وارحما اليتيم ، وأعينا الضائع ، واصنعا للاخرى ، وكونا
للظالم خصما وللمظلوم ناصرا ، اعملا بما في الكتاب ( 2 ) ولا تأخذ كما في الله لومة لائم .
ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال : هل حفظت ما أوصيت به أخويك ؟ قال :
نعم ، قال : فإني اوصيك بمثله ، واوصيك بتوقير أخويك لعظيم ( 3 ) حقهما عليك
فلا توثق أمرا دونهما ، ثم قال : اوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما ، وقد
علمتما أن أباكما كان يحبه ، وقال للحسن : اوصيك يا بني بتقوى الله وإقام
الصلاة لوقتها ، وإيتاء الزكاة عند محلها ، فإنه لاصلاة إلا بطهور ، ولا يقبل ( 4 ) الصلاة
ممن منع الزكاة ، واوصيك بعفو الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم ، والحلم عن
الجاهل ، والتفقه في الدين ، والتثبت في الامر ( 5 ) والتعاهد للقرآن ، وحسن
الجوار ، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، واجتناب الفواحش ، فلما حضرته
الوفاة أوصى وكانت وصيته : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به علي بن أبي
طالب عليه السلام ( 6 ) .
أقول : وساق الحديث إلى آخر ما سيأتي في رواية الكليني ثم قال :
ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض عليه السلام في شهر رمضان سنة أربعين ، و
غسله الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر ، وكفن في ثلاثة أثواب ، ليس فيها
* ( هامش ص 245 ) ( 1 ) في المصدر : وقولا .
( 2 ) " : في كتاب الله .
( 3 ) " : لعظم .
( 4 ) " : ولا تقبل .
( 5 ) " : الامور خ ل .
( 6 ) كشف الغمة : 129 . *
[246]
قميص ، وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات ، وكان عليه السلام نهى عن المثلة ( 1 ) فقال :
يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين ( 2 ) تقولون : قتل أميرالمؤمنين
ألا لا يقتل ( 3 ) بي إلا قاتلي ، انظر يا حسن إن أنامت من ضربتي هذه فاضربه
ضربة ، ولا تمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول : إياكم والمثلة ولو
بالكلب العقور .
فلما قبض عليه السلام بعث الحسن عليه السلام إلى ابن ملجم فقتله ، ولفه الناس في
البواري وأحرقوه ، وكان أنفذ إلى الحسن عليه السلام يقول : إني والله ما أعطيت الله
عهدا إلا وفيت به ، إني عاهدت الله أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما ، فإن
شئت خليت بيني وبينه ولك الله علي أن أقتله ، وإن قتلته وبقيت لآتينك حتى
أضع يدي في يدك ، فقال : لا والله حتى تعاين النار ، ثم قدمه فقتله ( 4 ) .
47 - كا : علي بن محمد ، عن سهل ، عن محمد بن عبدالحميد ، عن الحسن بن
الجهم قال : قلت للرضا عليه السلام : إن أميرالمؤمنين عليه السلام قد عرف قاتله والليلة التي
يقتل فيها والموضع الذي يقتل فيه وقوله لما سمع صياح الاوز في الدار : " صوائح
تتبها نوائح " وقول ام كلثوم : " لو صليت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلي
بالناس " فأبى عليها وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح ، وقد عرف عليه السلام
أن ابن ملجم قاتله بالسيف كان هذا مما لم يجز تعرضه ؟ ! فقال : ذلك كان ولكنه
خير تلك ( 5 ) الليلة لتمضي مقادير الله عزوجل ( 6 ) .
بيان : في بعض النسخ " خير " بالخاء المعجمة أي خير بين البقاء واللقاء


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 246 سطر 19 الى ص 254 سطر 18

* ( هامش ص 246 ) ( 1 ) في المصدر : نهى الحسن عن المثلة .
( 2 ) " : تخوضون في دماء المسلمين خوضا اه .
( 3 ) " : لا يقتلن .
( 4 ) كشف الغمة : 130 .
( 5 ) في المصدر : في تلك .
( 6 ) اصول الكافى ( الجزء الاول من الطبعة الحديثة ) : 259 . *
[247]
فاختار اللقاء ، وفي بعضها بالحاء المهملة أي انسي ذلك الوقت ، وفي بعضها بالحاء
المهملة والنون ( 1 ) أي كان موقتا معلوما متيقنا عنده ، فكان لا ينفعه الفرار ، وفي
بعض الاحتمالات اللام لام العاقبة في قوله : لتمضي .
48 - كا : العدة ، عن البرقي ، عن إسماعيل بن مهران ، عن سيف بن عميرة
عن عمرو بن شمر ، عن عبدالله بن الوليد الجعفي ، عن رجل ، عن أبيه قال لما اصيب
أميرالمؤمنين عليه السلام نعى الحسن إلى الحسين عليهما السلام وهو بالمدائن : فلما قرأ الكتاب
قال : يا لها من مصيبة ما أعظمها ! مع أن رسول الله صلى الله عليه واله قال : من اصيب منكم
بمصيبة فليذكر مصابه بي ( 2 ) فإنه لن يصاب بمصيبة أعظم منها ، وصدق صلى الله عليه واله ( 3 ) .
49 - كا : العدة ، عن البرقي ، عن السندي بن محمد ، عن محمد بن الصلت ،
عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال : صلى أميرالمؤمنين عليه السلام الفجر ثم
لم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قيد ( 4 ) رمح ، وأقبل على الناس بوجهه
فقال : والله لقد أدركت أقواما يبيتون لربهم سجدا وقياما ، يخالفون بين جباهم
وركبهم ، كأن زفير النار في آذانهم ، إذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر
كأنما القوم ( ما ) باتوا غافلين ، قال : ثم قام فما رئي ضاحكا حتى قبض عليه السلام ( 5 ) .
50 - ما : جماعة ، عن أبي المفضل ، عن جعفر بن محمد العلوي ، عن ابن نهيك
عن ابن جبلة ، عن حميد بن شعيب الهمداني ، عن جابر بن يزيد ، عن أبي جعفر
عليه السلام قال : لما احتضر أميرالمؤمنين عليه السلام جمع بنيه حسنا وحسينا وابن الحنفية
والاصاغر من ولده فوضاهم ، وكان في آخر وصيته : يا بني عاشروا الناس عشرة
إن غبتم حنوا إليكم ، وإن فقدتم بكوا عليكم ، يا بني إن القلوب جنود مجندة
* ( هامش ص 247 ) ( 1 ) يعنى عوض الراء اى " حين " ( ب ) .
( 2 ) في ( ك ) : مصائبى .
( 3 ) فروع الكافى ( الجزء الثالث من الطبعة الحديثة ) : 220 و 221 .
( 4 ) في ( ك ) : قدر .
( 5 ) اصول الكافى ( الجزء الثانى من الطبعة الحديثة ) : 236 . *
[248]
تتلاحظ بالمودة وتتناجى بها ، وكذلك هي في البغض ، فإذا أحببتم الرجل من غير
خير سبق منه إليكم فارجوه ، وإذا أبغضتم الرجل من غير سوء سبق منه إليكم
فاحذروه ( 1 ) .
51 - كا : أبوعلي الاشعري ، عن محمد بن عبدالجبار ، ومحمد بن إسماعيل
عن الفضل ، عن صفوان ، عن عبدالرحمن بن الحجاج قال : بعث إلي أبوالحسن
موسى عليه السلام بوصية أميرالمؤمنين عليه السلام ( 2 ) :
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أوصى أنه يشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين
الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، صلى الله عليه وآله ، ثم إن
صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك امرت وأنا من
المسلمين .
ثم إني اوصيك يا حسن وجميع أهل بيتي وولدي ومن بلغه كتابي بتقوى
الله ربكم ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا
فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول : صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام
وإن المبيرة الحالقة للدين فساد ذات البين ، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، انظروا
ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب .
الله الله في الايتام ، فلا تغيروا ( 3 ) أفواههم ، ولا تضيعوا بحضرتكم ، فقد سمعت
رسول الله صلى الله عليه واله يقول : " من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله عز وجل له بذلك
الجنة ، كما أوجب الله لآكل مال اليتيم النار " .
* ( هامش ص 248 ) ( 1 ) امالى ابن الشيخ : 27 .
( 2 ) الوصية المذكورة في المتن هى الوصية الثانية له عليه السلام كما في المصدر ، ولم
يذكر الاولى لانه ذكرها في باب صدقاته ومواليه عليه السلام تحت الرقم 4 وكذا في باب سخائه
عليه السلام ج 41 ص 39 و 40 .
( 3 ) في المصدر : فلا تغبوا افواههم ولا يضيعوا . *
[249]
الله الله في القرآن ، فلا يسبقكم إلى العمل به أحد غيركم .
الله الله في جيرانكم ، فإن النبي صلى الله عليه واله أوصى بهم ، وما زال رسول الله صلى الله عليه واله يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم .
الله الله في بيت ربكم ، فلا يخلو منكم ما بقيتم ، فإنه إن ترك لم تناظروا و
أدنى ما يرجع به من أمه أن يغفر له ما سلف .
الله الله في الصلاة فإنها خير العمل وإنها عمود دينكم .
الله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب ربكم .
الله الله في شهر رمضان فإن صيامه جنة من النار .
الله الله في الفقراء والمساكين فشاركوهم في معائشكم .
الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ، فإنما يجاهد رجلان : إمام
هدى أو مطيع له مقتد بهداه .
الله الله في ذرية نبيكم فلا يظلمن بحضرتكم وبين ظهرانيكم وأنتم تقدرون
على الدفع عنهم .
الله الله في أصحاب نبيكم الذين لم يحدثوا حدثا ولم يؤوا محدثا ، فإن
رسول الله صلى الله عليه واله أوصى بهم ولعن المحدث منهم ومن غيرهم والمؤوي للمحدث .
الله الله في النساء وفيما ملكت أيمانكم ، فإن آخر ما تكلم به نبيكم صلى الله عليه واله
أن قال : " اوصيكم بالضعيفين : النساء وما ملكت أيمانكم " .
الصلاة الصلاة الصلاة ، لا تخافوا في الله لومة لائم ، يكفيكم ( 1 ) الله من آذاكم
و ( من ) بغى عليكم ، قولوا للناس حسنا كما أمركم الله عزوجل ، ولا تتركوا الامر
بالمعروف والنهي عن المنكر فيولي الله أمركم شراركم ، ثم تدعون فلا يستجاب
لكم عليهم ، وعليكم يا بني بالتواصل والتباذل والتبار ، وإياكم والتقاطع و
التدابر والتفرق ، وتعاونوا ( 2 ) على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان
* ( هامش ص 249 ) ( 1 ) في المصدر : يكفكم .
( 2 ) " : " تعانوا " في الموضعين . *
[250]
واتقوا الله إن الله شديد العقاب ، حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم
أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله ( 1 ) .
ثم لم يزل يقول : " لا إله إلا الله " حتى قبض صلوات الله عليه ورحمته في ثلاث
ليال من العشر الاواخر ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان ليلة الجمعة سنة أربعين
من الهجرة ، وكان ضرب ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان ( 2 ) .
52 - يه : روي عن سليم بن قيس الهلالي قال : شهدت وصية علي بن أبي
طالب عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن عليه السلام وأشهد على وصيته الحسين عليه السلام ومحمدا
وجميع ولده وجميع رؤساء أهل بيته وشيعته عليهم السلام ، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح ،
ثم قال عليه السلام : يا بني أمرني رسول الله صلى الله عليه واله أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي
وسلاحي ، كما أوصى إلي رسول الله صلى الله عليه واله ودفع إلي كتبه وسلاحه ، وأمرني أن
آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه إلى أخيك الحسين عليه السلام ، ثم أقبل ( 3 ) على ابنه
الحسين عليه السلام فقال : وأمرك رسول الله صلى الله عليه واله أن تدفعه إلى ابنك علي بن الحسين ،
ثم أقبل على ( 4 ) علي بن الحسين عليه السلام فقال : و أمرك رسول الله صلى الله عليه واله أن تدفع
وصيتك إلى ابنك محمد بن علي ، فأقرأه من رسول الله صلى الله عليه واله ومني السلام ، ثم أقبل
على ابنه الحسن عليه السلام فقال : يا بني أنت ولي الامر بعدي وولي الدم ، فإن عفوت
فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة ، ولا تأثم ، ثم قال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب عليه السلام ، ثم ساق الحديث إلى آخر ما رواه
الكليني ( 5 ) .
* ( هامش ص 250 ) ( 1 ) في المصدر : ورحمة الله وبركاته .
( 2 ) فروع الكافى ( الجزء السابع من الطبعة الحديثة ) : 51 و 52 . والسند مذكور
في صفحة 49 .
( 3 ) في المصدر : قال ثم اقبل .
( 4 ) " : قال ثم اقبل على ابنه اه .
( 5 ) من لا يحضره الفقيه : 523 و 524 . *
[251]
ايضاح : قال الفيروز آبادي : الحالقة : الخصلة التي من شأنها أن تحلق أي
تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر ( 1 ) .
وقال ابن أبي الحديد بعد إيراد تلك الوصية في شرح نهج البلاغة : قوله :
" فلا تغيروا أفواههم " يحتمل تفسيرين : أحدهما لا تجيعوهم فإن الجائع فمه تتغير
نكهته ( 2 ) ، والثاني لا تحوجوهم إلى تكرار الطلب والسؤال ، فإن السائل ينضب
ريقه وتنشف لهواته وتتغير ريح فمه ، انتهى ( 3 ) .
قوله عليه السلام : " لم تناظروا " أي لم تمهلوا ، بل ينزل عليكم العذاب من غير
مهلة . وقال الجزري : في حديث المدينة : " من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا "
الحدث : الامر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة ، والمحدث
يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول ، فمعنى الكسر : من نصر جانيا و
آواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه ، وبالفتح هو الامر المبتدع
نفسه ، ويكون معنى الايواء فيه الرضى به والصبر عليه ، فإنه إذا رضي بالبدعة و
أقر فاعلها عليها ولم ينكرها فقد آواها ، انتهى ( 4 ) .
قوله عليه السلام : " وحفظ فيكم نبيكم " أي جعل الناس بحيث يرعون فيكم
حرمته صلى الله عليه واله ، أو حفظ سننه وأطواره صلى الله عليه واله فيكم ، أو يحفظكم لانتسابكم إليه صلى الله عليه واله
والاول أظهر .
53 - كا : علي بن محمد رفعه قال : قال أبوعبدالله عليه السلام : لما غسل أميرالمؤمنين
عليه السلام نودوا من جانب البيت : إن أخذتم مقدم السرير كفيتم مؤخره ، وإن أخذتم
* ( هامش ص 251 ) ( 1 ) هذا المعنى غير مذكور في القاموس ، وذكره في النهاية 1 : 251 .
( 2 ) في المصدر : يخلف فمه ويتغير نكهته .
( 3 ) شرح النهج 2 : 69 .
( 4 ) النهاية 1 : 207 . وفيه : واقر فاعلها ولم ينكر عليه فقد آواه . *
[252]
مؤخره كفيتم مقدمه ( 1 ) .
54 - نبه : محمد بن الحسن القضباني ( 2 ) ، عن إبراهيم بن محمد بن مسلم الثقفي
عن عبدالله بن بلح المنقري ، عن شريك ، عن جابر ، عن أبي حمزة اليشكري ، عن
قدامة الاودي ، عن إسماعيل بن عبدالله الصلعي - وكان ( 3 ) له صحبة - قال : لما
كثر الاختلاف بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وقتل عثمان بن عفان تخوفت على نفسي
الفتنة ، فاعتزمت على اعتزال الناس ، فتنحيت إلى ساحل البحر فأقمت فيه حينا
لا أدري ما فيه الناس ( 4 ) ، فخرجت من بيتي لبعض حوائجي وقد هدأ الليل ونام
الناس ، فإذا أنا برجل على ساحل البحر يناجي ربه ويتضرع إليه بصوت أشج ( 5 )
وقلب حزين ، فآنست ( 6 ) إليه من حيث لا يراني ، فسمعته يقول : يا حسن الصحبة
يا خليفة النبيين يا أرحم الراحمين ، البدئ البديع ليس مثلك ( 7 ) شئ ، والدائم
غير الغافل ، والحي الذي لا يموت ، أنت كل يوم في شأن ، أنت خليفة محمد صلى الله عليه واله و
ناصر محمد ومفضل محمد ، أسألك ( 8 ) أن تنصر وصي محمد وخليفة محمد والقائم بالقسط
بعد محمد ، اعطف عليه بنصر أو توفه برحمة .
* ( هامش ص 252 ) ( 1 ) اصول الكافى ( الجزء الاول من الطبعة الحديثة ) 1 : 457 .
( 2 ) في المصدر و ( ت ) : القصبانى .
( 3 ) في المصدر : وكانت .
( 4 ) في المصدر بعد ذلك : معتزلا لاهل الهجر والارجاف اه .
( 5 ) كذا في ( ك ) . وفى غيره من النسخ " شج " . والصحيح كما في المصدر : شجى . اى
حزين .
( 6 ) كذا في ( ك ) : وفى غيره من النسخ " فأنصت " . وفى المصدر : فنضت إليه
وأصغيت إليه .
( 7 ) في هامش ( ك ) : كمثله خ ل .
( 8 ) في المصدر : أنت الذى أسألك اه . *
[253]
قال : ثم رفع رأسه وجلس بقدر التشهد ( 1 ) ثم إنه سلم فيما أحسب تلقاء
وجهه ، ثم مضى فمشى على الماء ، فناديته من خلفه : كلمني يرحمك الله ، فلم يلتفت
وقال : الهادي خلفك فاسأله عن أمر دينك ، قال : قلت : من هو يرحمك الله ؟ قال :
وصي محمد صلى الله عليه واله من بعده ، فخرجت متوجها إلى الكوفة فأمسيت دونها ، فبت قريبا
من الحيرة ، فلما جن لي ( 2 ) الليل إذ أنا برجل قد أقبل حتى استتر برابية ( 3 ) ، ثم
صف قدميه فأطال المناجاة ، فكان فيما قال : اللهم إني سرت فيهم بما أمرني رسولك
وصفيك فظلموني ، وقتلت المنافقين كما أمرتني فجهلوني . وقد مللتهم وملوني و
أبغضتهم وأبغضوني ، ولم تبق خله أنتظرها إلا المرادي ، اللهم فعجل له الشقاء ( 4 )
وتغمدني بالسعادة ، اللهم قد وعدني نبيك أن تتوفاني إليك إذا سألتك ، اللهم
وقد رغبت إليك في ذلك ، ثم مضى ، فتبعته ( 5 ) فدخل منزله ، فإذا هو علي بن أبي
طالب عليه السلام قال : فلم ألبث إذ نادى المنادي بالصلاة ، فخرج وتبعته حتى دخل المسجد
فعمه ابن ملجم لعنه الله بالسيف ( 6 ) .
55 - نبه : لما احتضر أميرالمؤمنين عليه السلام جمع بنيه حسنا وحسينا ومحمد بن
الحنفية والاصاغر من ولده فو صاهم ( 7 ) وكان في آخر وصيته : يا بني عاشروا الناس
عشرة إن غبتم حنوا إليكم وإن فقدتم بكوا عليكم ، يا بني إن القلوب جند ( 8 )
مجندة تتلاحظ بالمودة وتتناجى بها ، وكذلك هي في البغض ، فإذا أحسستم من
* ( هامش ص 253 ) ( 1 ) في المصدر : وقعد مقدار التشهد .
( 2 ) كذا في ( ك ) . وفي غيره من النسخ " جننى " . وفي المصدر : اجننى .
( 3 ) الرابية : ما ارتفع من الارض .
( 4 ) في المصدر : الشقاوة .
( 5 ) " : فقفوته .
( 6 ) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر 2 : 2 و 3 .
( 7 ) في المصدر : فوصى لهم .
( 8 ) " ، جنود . *
[254]
أحد في قلبكم شيئا فاحذروه ( 1 ) .
56 - د : قال الواقدي : آخر كلمة قالها أميرالمؤمنين عليه السلام : يا بني إذا
مت فالحقوابي ابن ملجم لعنه الله اخاصمه عند رب العالمين ، ثم قرأ : " فمن يعمل
مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( 2 ) " ولما توفي عليه السلام غسله
ابناه الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر ، وقيل : محمد بن الحنفية ، وقيل : إنه لم
يغسل لانه سيد الشهداء ، قيل : كفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا
عمامة وكان عنده من بقايا حنوط رسول الله صلى الله عليه واله ، فحنطوه بها ، وصلى عليه ولده
الحسن عليه السلام ، وكبر عليه خمسا ، وقيل : ستا ، وقيل ، سبعا ( 3 ) .
57 - نهج : من كلام له عليه السلام قبيل موته على سبيل الوصية :
وصيتي لكم أن تشركوا بالله شيئا ، ومحمد صلى الله عليه واله فلا تضيعوا سنته ، أقيموا
هذين العمودين ، وخلاكم ذم ، أنا بالامس صاحبكم واليوم عبرة لكم وغدا مفارقكم
إن أبق فأنا ولي دمي وإن أفن فالفناء ميعادي ، وإن أعف فالعفولي قربة وهو لكم
حسنة ، فاعفوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ؟ والله ما فجأني من الموت وارد كرهته
ولا طالع أنكرته ، وما كنت إلا كقارب ورد وطالب وجد ، وما عندالله خير للابرار .
وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدم من الخطب ، إلا أن فيه ههنا زيادة
أو جبت تكراره .
ومن وصية له عليه السلام بما يعمل في أمواله كتبها بعد منصرفه من صفين :
هذا ما أمر به عبدالله علي بن أبي طالب أميرالمؤمنين في ماله ابتغاء وجه


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 254 سطر 19 الى ص 262 سطر 18

الله ، ليولجني به الجنة ويعطيني الامنة منها ، وإنه يقوم بذلك الحسن بن علي
يأكل منه بالمعروف وينفق منه في المعروف ، فإن حدث بحسن حدث وحسين حي
* ( هامش ص 254 ) ( 1 ) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر 2 : 75 . وفيه ، فاذا احببتم الرجل من غير خير سبق
منه اليكم فارجوه ، فاذا ابغضتم الرجل من غير سوء سبق منه اليكم فاحذروه .
( 2 ) سورة الزلزال : 7 و 8 .
( 3 ) مخطوط . *
[255]
قام بالامر بعده ، وأصدر مصدره ، وإن لابني فاطمة ( 1 ) من صدقة علي مثل الذي لبني
علي ، وإني إنما جعلت القيام بذلك إلى ابني فاطمة ابتغاء وجه الله وقربة إلى
رسول الله صلى الله عليه واله وتكريما لحرمته وتشريفا لوصلته ، ويشترط على الذي يجعله إليه
أن يترك المال على اصوله وينفق من ثمره حيث امر به وهدي له ، وأن لا يبيع من
أولاد نخيل هذه القرى ودية حتى تشكل أرضها غراسا ، ومن كان من إمائي اللاتي
أطوف عليهن لها ولد أو هي حامل فتمسك على ولدها وهي حظه ، فإن مات ولدها
وهي حية فهي عتيقة ، قد أفرج عنها الرق وحررها ( 2 ) العتق .
قوله عليه السلام في هذه الوصية : " وأن لا يبيع من نخلها ودية " الودية : الفسيلة
وجمعها ودي .
وقوله عليه السلام : " حتى تشكل أرضها غراسا " هو من أفصح الكلام ، والمراد به
أن الارض يكثر فيها غرائس النخل حتى يراها الناظر على غير تلك الصفة التي
عرفها بها ، فيشكل عليه أمرها ويحسبها غيرها ( 3 ) .
بيان : قال الجزري في حديث علي عليه السلام : " خلاكم ذم مالم تشردوا " يقال
افعل ذلك وخلاك ذم ، أي اعذرت وسقط عنك الذم ( 4 ) .
قال ابن أبي الحديد : لقائل أن يقول : إذا أوصاهم بالتوحيد واتباع سنة
النبي صلى الله عليه واله فقد دخل فيهما جميع ما يجب أن يفعل ، ففي أي شئ يقول " وخلاكم
ذم " ؟ والجواب أن كثيرا من الصحابة والتابعين كانوا قد كلفوا أنفسهم امورا
شاقة جدا ، فمنهم من كان يقوم الليل كله ، ومنهم من كان يصوم الدهر كله ، ومنهم
تارك النكاح ، و منهم تارك المطاعم والملابس ، وكانوا يتفاخرون بذلك ويتنافسون ،
فأراد عليه السلام أن المهم الاعظم القيام بالتوحيد والسنن المؤكدة المعلومة من دين محمد
* ( هامش ص 255 ) ( 1 ) في المصدر : لبنى فاطمة .
( 2 ) في ( ك ) : وحضرها .
( 3 ) نهج البلاغة ( عبده ط مصر ) 2 : 21 - 23 .
( 4 ) النهاية 1 : 319 . *
[256]
صلى الله عليه وآله ولا عليكم بالاخلال بما عدا ذلك ( 1 )
وقال الخليل : القارب : طالب الماء ليلا . قوله عليه السلام : " بالمعروف " أي من
غير إسراف وتقتير . قوله : " في المعروف " أي في وجوه البر ، والضمير في قوله :
" مصدره " إما راجع إلى الامر أو إلى الحسن عليه السلام . قوله عليه السلام : " أن يترك المال
على اصوله " كناية عن عدم إخراجه ببيع أو هبة أو غيرهما من وجوه الاملاك . و
الودية : النخلة الصغيرة .
78 - نهج : من وصيته للحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنه الله و
أخزاه :
اوصيكما بتقوى الله وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ، ولا تأسفا على شئ منها
زوي عنكما ، وقولا بالحق واعملا للآخرة ( 2 ) وكونا للظالم خصماو للمظلوم عونا .
اوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح
ذات بينكم ، فإني سمعت جدكما صلى الله عليه واله يقول : صلاح ذات البين أفضل من عامة
الصلاة والصيام ، الله الله في الايتام فلا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم ، والله
الله في جيرانكم فإنه وصية نبيكم ، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم
والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غير كم ، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم
والله الله في بيت ربكم لا تخلوه مابقيتم ، فإنه إن ترك لم تناظروا ، والله الله في الجهاد
بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله ، وعليكم بالتواصل والتباذل ، وإياكم
والتدابر والتقاطع ، لا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم
أشراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم .
ثم قال : يا بني عبدالمطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون :
قتل أميرالمؤمنين ، ألا لا يقتلن ( 3 ) بي إلا قاتلي ، انظروا إذا أنامت من ضربته هذه
* ( هامش ص 256 ) ( 1 ) شرح النهج 3 : 647 و 648 . وقد نقله ملخصا .
( 2 ) في المصدر : للاجر .
( 3 ) في المصدر : لا تقتلن . *
[257]
فاضربوه ضربة بضربة ، ولا يمثل بالرجل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول :
إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور ( 1 ) .
بيان : بغاه : طلبه . وزواه عنه : قبضه وصرفه . قوله عليه السلام : " الله الله " أي
اتقوا الله واذكروا الله . قوله عليه السلام : " فلا تغبوا أفواههم " أي لا تجيعوهم بأن
تطعموهم يوما وتتركوهم يوما . وروي " فلا تغيروا أفواههم " والمعنى واحد ،
فإن الجائع يتغير فمه . قوله عليه السلام : " فإنه وصية نبيكم " الحمل للمبالغة ، أي
أوصاكم فيهم . وألفاه : وجده .
وقال الجزري : يقال : مثلت بالحيوان إذا قطعت أطرافه وشوهت به ، و
مثلت بالقتيل إذا جدعت أنفه واذنه ومذاكيره أو شيئا من أطرافه ، فأما مثل -
بالتشديد - للمبالغة ( 2 ) .
تذنيب : سئل الشيخ المفيد قدس الله روحه في المسائل العكبرية : الامام
عندنا مجمع على أنه يعلم ما يكون ، فما بال أميرالمؤمنين عليه السلام خرج إلى المسجد
وهو يعلم أنه مقتول وقد عرف قاتله والوقت والزمان ؟ وما بال الحسن بن علي
عليهما السلام سار إلى الكوفة وقد علم أنهم يخذلونه ولا ينصرونه وأنه مقتول في سفرته
تبك ؟ ولم لما حصروا وعرف أن الماء قد منع منه وأنه إن حفر أذرعا قريبة نبع
الماء ولم يحفر وأعان على نفسه حتى تلف عطشا ؟ والحسن عليه السلام وادع معاوية و
هادنه وهو يعلم أنه ينكث ولا يفي ويقتل شيعة أبيه عليه السلام ، فأجاب الشيخ رحمه الله
عنها بقوله :
وأما الجواب عن قوله : " إن الامام يعلم ما يكون " فإجماعنا أن الامر
على خلاف ما قال ، وما أجمعت الشيعة على هذا القول ، وإنما إجماعهم ثابت على
أن الامام يعلم الحكم في كل ما يكون دون أن يكون عالما بأعيان مايحدث ويكون
على التفصيل والتمييز ، وهذا يسقط الاصل الذي بنى عليه الاسولة بأجمعها ، ولسنا
* ( هامش ص 257 ) نهج البلاغة 2 : 78 - 80 .
( 2 ) النهاية 4 : 77 . *
[258]
نمنع أن يعلم الامام أعيان ما يحدث ويكون ( 1 ) بإعلام الله تعالى ( له ) ذلك ، فأما
القول بأنه يعلم كل ما يكون فلسنا نطلقه ولا نصوب قائله ، لدعواه فيه من غير
حجة ولا بيان ، والقول : بأن أميرالمؤمنين عليه السلام كان يعلم قاتله والوقت الذي
كان يقتل فيه فقد جاء الخبر متظاهرا أنه كان يعلم في الجملة أنه مقتول ، وجاء
أيضا بأنه يعلم قاتله على التفصيل ، فأما علمه بوقت قتله فلم يأت عليه أثر على التحصيل
ولوجاء به أثر لم يلزم فيه ما يظنه المعترضون ، إذ كان لا يمتنع أن يتعبده الله تعالى
بالصبر على الشهادة والاستسلام للقتل ، ليبلغه بذلك علو الدرجاب مالا يبلغه إلا
به ، ولعلمه بأنه يطيعه في ذلك طاعة لو كلفها سواه لم يردها ، ولا يكون بذلك أمير -
المؤمنين عليه السلام ملقيا بيده إلى التهلكة ، ولا معينا على نفسه معونة تستقبح في العقول .
وأما علم الحسين عليه السلام بأن أهل الكوفة خاذلوه ، فلسنا نقطع على ذلك ، إذ
لا حجة عليه من عقل ولا سمع ، ولو كان عالما بذلك لكان الجواب عنه ما قد مناه
في الجواب عن علم أميرالمؤمنين عليه السلام بوقت قتله ومعرفة قاتله كما ذكرناه . و
أما دعواه علينا أنا نقول : إن الحسين عليه السلام كان عالما بموضع الماء قادرا عليه ، فلسنا
نقول ذلك ، ولا جاء به خبر ، على أن طلب الماء والاجتهاد فيه يقضي بخلاف ذلك
ولو ثبت أنه كان عالما بموضع الماء يمتنع في العقول أن يكون متعبدا بترك السعي
في طلب الماء من حيث كان ممنوعا منه حسب ما ذكرناه في أميرالمؤمنين عليه السلام ، غير
أن ظاهر الحال بخلاف ذلك على ما قد مناه .
والكلام في علم الحسن عليه السلام بعاقبة موادعته معاوية بخلاف ما تقدم ، وقد
جاء الخبر بعلمه بذلك ، وكان شاهد الحال له يقضي به ، غير أنه دفع به عن تعجيل
قتله وتسليم أصحابه له إلى معاوية ، وكان في ذلك لطف في بقائه إلى حال مضيه
ولطف لبقاء كثير من شيعته وأهله وولده ، ودفع فساد في الدين هو أعظم من الفساد
الذي حصل عند هدنته ، وكان عليه السلام أعلم بما صنع لما ذكرناه وبينا الوجوه فيه
* ( هامش ص 258 ) ( 1 ) أى يكون علمه . *
[259]
انتهى كلامه رفع الله مقامه .
أقول : وسأل السيد مهنا بن سنان العلامة الحلي نور الله ضريحه عن مثل
ذلك في أميرالمؤمنين عليه السلام فأجاب بأنه يحتمل أن يكون عليه السلام اخبر بوقوع القتل
في تلك الليلة ، ولم يعلم في أي وقت من تلك الليلة أوأي مكان يقتل ، وأن تكليفه
عليه السلام مغاير لتكليفنا ، فجاز أن يكون بذل مهجته الشريفة في ذات الله تعالى ، كما
يجب على المجاهد الثبات ، وإن كان ثباته يفضي إلى القتل .
تذييل : رأينا في بعض الكتب القديمة رواية في كيفية شهادته عليه السلام أوردنا
منه شيئا مما يناسب كتابنا هذا على وجه الاختصار ، قال : روى أبوالحسن علي بن
عبدالله بن محمد البكري ، عن لوط بن يحيى ، عن أشياخه وأسلافه قالوا : لما توفي
عثمان وبايع الناس أميرالمؤمنين عليه السلام كان رجل يقال له حبيب بن المنتجب واليا
على بعض أطراف اليمن من قبل عثمان ، فأقره علي عليه السلام على عمله ، وكتب إليه
كتابا يقول فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب إلى حبيب
ابن المنتجب ، سلام عليك ، أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ، واصلي
على محمد عبده ورسوله ، وبعد فإني وليتك ما كنت عليه لمن كان من قبل ، فأمسك ( 1 )
على عملك ، وإني اوصيك بالعدل في رعيتك ، والاحسان إلى أهل مملكتك ، واعلم
ان من ولي علي رقاب عشرة من المسلمين ولم يعدل بينهم حشره الله يوم القيامة و
يداه مغلولتان إلى عنقه ، لا يفكها إلا عدله في دار الدنيا ، فإذا ورد عليك كتابي هذا
فاقرأه على من قبلك من أهل اليمن ، وخذلي البيعة على من حضرك من المسلمين
فإذا بايع القوم مثل بيعة الرضوان فامكث في عملك ، وأنفذ إلي منهم عشرة يكونون
من عقلائهم وفصحائهم وثقاتهم ، ممن يكون أشد هم عونا من أهل الفهم والشجاعة
* ( هامش ص 259 ) ( 1 ) في ( خ ) و ( م ) : فامكث . *
[260]
عارفين بالله ، عالمين بأديانهم ، وما لهم وما عليهم ، وأجودهم رأيا ، وعليك وعليهم السلام .
وطوى الكتاب وختمه وأرسله مع أعرابي ، فلما وصل إليه قبله ووضعه
على عينيه ورأسه ، فلما قرأه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على محمد و
آله ثم قال : أيها الناس اعلموا أن عثمان قد قضى نحبه ، وقد بايع الناس من بعده
العبد الصالح والامام الناصح أخا رسول الله صلى الله عليه واله وخليفته ، وهو أحق بالخلافة
وهو أخو رسول الله صلى الله عليه واله وابن عمه ، وكاشف الكرب عن وجهه ، وزوج ابنته و
وصيه ، وأبوسبطيه أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فما تقولون في بيعته و
الدخول في طاعته ؟ قال : فضج الناس بالبكاء والنحيب ، وقالوا : سمعا وطاعة
وحبا وكرامة لله ولرسوله ولاخي رسوله ، فأخذله البيعة عليهم عامة ، فلما
بايعوا قال لهم : اريد منكم عشرة من رؤسائكم وشجعانكم انفذ هم إليه كما أمرني
به ، فقالوا : سمعا وطاعة ، فاختار منهم مائة ثم من المائة سبعين ، ثم من السبعين
ثلاثين ، ثم من الثلاثين عشرة فيهم عبدالرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله ، وخرجوا
من ساعتهم ، فلما أتوه عليه السلام سلموا عليه وهنؤوه بالخلافة ، فرد عليهم السلام و
رحب بهم ، فتقدم ابن ملجم وقام بين يديه وقال : السلام عليك أيها الامام العادل
والبدر التمام ، والليث الهمام ، والبطل الضرغام ، والفارس القمقام ، ومن فضله
الله على سائر الانام ، صلى الله عليك وعلى آلك الكرام ، أشهد أنك أميرالمؤمنين
صدقا وحقا ، وأنك وصي رسول الله صلى الله عليه واله والخليفة من بعده ، ووارث علمه ،
لعن الله من جحد حقك ومقامك ، أصبحت أميرها وعميدها ، لقد اشتهر بين البرية
عدلك ، وهطلت شآبيب ( 1 ) فضلك وسحائب رحمتك ورأفتك عليهم ، ولقد أنهضنا
الامير إليك ، فسررنا بالقدوم عليك ، فبوركت بهذه الطلعة المرضية ، وهنئت
بالخلافة في الرعية .
ففتح أميرالمؤمنين عليه السلام عينيه في وجهه ، ونظر إلى الوفد فقر بهم وأدناهم
* ( هامش ص 260 ) ( 1 ) هطل أى نزل متتابعا . والشآبيب جمع الشؤبوب : الدفعة من المطر واول ما يظهر
من الحسن . *
[261]
فلما جلسوا دفعوا إليه الكتاب ، ففضه وقرأه وسر بما فيه ، فأمر لكل واحد
منهم بحلة يمانية ورداء عدنية وفرس عربية ، وأمر أن يفتقدوا ويكرموا ، فلما
نهضوا قام ابن ملجم ووقف بين يديه وأنشد :
أنت الميهمن والمهذب ذوالندى * وابن الضراغم في الطراز الاول
الله خصك يا وصي محمد * وحباك فضلا في الكتاب المنزل
وحباك بالزهراء بنت محمد * حورية بنت النبي المرسل
ثم قال : يا أميرالمؤمنين ارم بنا حيث شئت لترى منا ما يسرك ، فوالله ما
فينا إلا كل بطل أهيس ، وحازم أكيس ، وشجاع أشوس ( 1 ) ورثنا ذلك عن الآباء
والاجداد ، وكذلك نورثه صالح الاولاد ، قال : فاستحسن أميرالمؤمنين عليه السلام كلامه
من بين الوفد فقال له : ما اسمك ياغلام ؟ قال : اسمي عبدالرحمن ، قال : ابن من ؟
قال : ابن ملجم المرادي ، قال له : أمرادي أنت ؟ قال : نعم يا أميرالمؤمنين ، فقال
عليه السلام : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
قال : وجعل أميرالمؤمنين عليه السلام يكرر النظر إليه ويضرب إحدى يديه على الاخرى
ويسترجع ، ثم قال له : ويحك أمرادي أنت ؟ قال : نعم ، فعندها تمثل عليه السلام يقول :
أنا أنصحك مني بالوداد * مكاشفة وأنت من الاعادي
اريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد
قال الاصبغ بن نباته : لما دخل الوفد إلى أميرالمؤمنين عليه السلام بايعوه وبايعه
ابن ملجم ، فلما أدبر عنه دعاه أميرالمؤمنين عليه السلام ثانيا ، فتوثق منه بالعهود و
المواثيق أن لا يغدر ولا ينكث ففعل ، ثم سار عنه ، ثم استدعاه ثالثا ثم توثق منه
فقال ابن ملجم : يا أميرالمؤمنين ما رأيتك فعلت هذا بأحد غيري ، فقال : امض
لشأنك فما أراك تفي بما بايعت عليه ، فقال له ابن ملجم : كأنك تكره وفودي
عليك لما سمعته من اسمي ؟ وإني والله لاحب الاقامة معك والجهاد بين يديك ، و
* ( هامش ص 261 ) ( 1 ) الاهيس : الشجاع . الاشوس : الشديد الجرئ في القتال . *
[262]
إن قلبي محب لك ، وإني والله اوالي وليك واعادي عدوك ، قال : فتبسم عليه السلام
وقال له : بالله يا أخا مراد إن سألتك عن شئ تصدقني فيه ؟ قال : إي وعيشك يا
أميرالمؤمنين ، فقال له : هل كان لك داية يهودية فكانت إذا بكيت تضربك وتلطم
جبينك وتقول لك اسكت فإنك أشقى من عاقر ناقة صالح وإنك ستجني في
كبرك جناية عظيمة يغضب الله بها عليك ويكون مصيرك إلى النار ؟ فقال : قد كان
ذلك ، ولكنك والله يا أميرالمؤمنين أحب إلي من كل أحد ، فقال أميرالمؤمنين
عليه السلام : والله ما كذبت ولا كذبت ، ولقد نطقت حقا وقلت صدقا ، وأنت والله
قاتلي لا محالة ، وستخضب هذه من هذه - وأشار إلى لحيته ورأسه - ولقد قرب وقتك
وحان زمانك ، فقال ابن ملجم : والله يا أميرالمؤمنين إنك أحب إلي من كل ما
طلعت عليه الشمس ، ولكن إذا عرفت ذلك مني فسيرني إلى مكان تكون ديارك
من دياري بعيدة ، فقال عليه السلام : كن مع أصحابك حتى آذن لكم بالرجوع إلى
بلادكم ، ثم أمرهم بالنزول في بني تميم ، فأقاموا ثلاثة أيام ، ثم أمرهم بالرجوع
إلى اليمن ، فلما عزموا على الخروج مرض ابن ملجم مرضا شديدا ، فذهبوا وتركوه
فلما برئ أتى أمير المؤمنين عليه السلام وكان لايفارقه ليلا ولا نهارا ، ويسارع في قضاء
حوائجه ، وكان عليه السلام يكرمه ويدعوه إلى منزله ويقربه ، وكان مع ذلك يقول
له : أنت قاتلي ، ويكرر عليه الشعر :
اريد حياته ويريد قتلي * عزيرك من خليلك من مراد
فيقول له : يا أميرالمؤمنين إذا عرفت ذلك مني فاقتلني ، فيقول : إنه لا يحل


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 262 سطر 19 الى ص 270 سطر 18

ذلك أن أقتل رجلا قبل أن يفعل بي شيئا ، وفي خبر آخر قال : إذا قتلتك فمن
يقتلني ؟ قال : فسمعت الشيعة ذلك ، فوثب مالك الاشتر والحارث بن الاعور وغيرهما
من الشيعة ، فجردوا سيوفهم وقالوا : يا أميرالمؤمنين من هذا الكلب الذي تخاطبه
بمثل هذا الخطاب مرارا ؟ وأنت إمامنا وولينا وابن عم نبينا ، فمرنا بقتله ، فقال
لهم : اغمدوا سيوفكم بارك الله فيكم ولا تشقوا عصا هذه الامة ، أترون أني أقتل
[263]
رجلا لم يصنع بي شيئا ؟ فلما انصرف عليه السلام إلى منزله اجتمعت الشيعة وأخبر بعضهم بعضا بما سمعوا
وقالوا : إن أميرالمؤمنين عليه السلام يغلس إلى الجامع ( 1 ) وقد سمعتم خطابه لهذا المرادي
وهو ما يقول إلا حقا ، وقد علمتم عدله وإشفاقه علينا ، ونخاف أن يغتاله هذا
المرادي ، فتعالوا نقترع على أن نحوطه كل ليلة منا قبيلة ، فرقعت القرعة في
الليلة الاولى والثانية والثالثة على أهل الكناس ، فتقلدوا سييوفهم وأقبلوا في ليلتهم
إلى الجامع ، فلما خرج عليه السلام رآهم على تلك الحالة ، فقال : ما شأنكم ؟ فأخبروه
فدعا لهم وتبسم ضاحكا وقال : جئتم تحفظوني من أهل السماء أم من أهل الارض ؟
قالوا : من أهل الارض ، قال : ما يكون شئ في السماء إلا هو في الارض ، وما يكون
من شئ في الارض إلا هو في السماء ، ثم تلا " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ( 2 ) " ثم أمر هم أن يأتوا منازلهم ولا يعودوا لمثلها ، ثم إنه صعد المأذنة وكان إذا تنحنح
يقول السامع : ما أشبهه بصوت رسول الله صلى الله عليه واله ! فتأهب الناس لصلاة الفجر ، و
كان إذا أذن يصل صوته إلى نواحي الكوفة كلها ، ثم نزل فصلى ، وكانت هذه عادته .
قال : وأقام ابن ملجم بالكوفة إلى أن خرج أميرالمؤمنين عليه السلام إلى غزاة
النهروان ، فخرج ابن ملجم معه وقاتل بين يديه قتالا شديدا ، فلما رجع إلى الكوفة
وقد فتح الله على يديه قال ابن ملجم لعنه الله : يا أميرالمؤمنين أتأذن لي أن أتقدمك
إلى المصر لابشر أهله بما فتح الله عليك من النصر ؟ فقال له : ما ترجو بذلك ؟
قال : الثواب من الله والشكر من الناس ، وافرح الاولياء واكمد الاعداء ، فقال
له : شأنك ، ثم أمر له بخلعة سنية وعمامتين وفرسين وسيفين ورمحين ، فسار ابن
ملجم ودخل الكوفة ، وجعل يخترق أزقتها وشوارعهاو هو يبشر الناس بما فتح
الله على أميرالمؤمنين عليه السلام وقد دخله ( 3 ) العجب في نفسه ، فانتهى به الطريق إلى
* ( هامش ص 263 ) ( 1 ) الغلس : ظلمة آخر الليل أى يذهب إلى الجامع آخر الليل للعبادة والتهجد .
( 2 ) سورة التوبة : 51 .
( 3 ) في ( م ) و ( خ ) : وقد دخل . *
[264]
محلة بني تميم فمر على دار تعرف بالقبيلة وهي أعلى دار بها وكانت لقطام بنت سخينة
بن عوف بن تيم اللات ، وكانت موصوفة بالحسن والجمال والبهاء والكمال ، فلما
سمعت كلامه بعثت إليه ( و ) سألته النزول عندها ساعة لتسأله عن أهلها ، فلما قرب
من منزلها وأراد النزول عن فرسه خرجت إليه ، ثم كشفت له عن وجهها وأظهرت
له محاسنها ، فلما رآها أعجبته وهواها من وقته ، فنزل عن فرسه ودخل إليها ، و
جلس في دهليز الدار وقد أخذت بمجامع قلبه ، فبسطت له بساطا ووضعت له متكأ
وأمرت خادمها أن تنزع أخفافه ، وأمرت له بماء فغسل وجهه ويديه ، وقدمت إليه
طعاما ، فأكل وشرب ، وأقبلت عليه تروحه من الحر ، فجعل لا يمل من النظر
إليها ، وهي مع ذلك متبسمة في وجهه ، سافرة له عن نقابها ، بارزة له عن جميع
محاسنها ما ظهر منه وما بطن ! فقال لها : أيتها الكريمة لقد فعلت اليوم بي ما وجب
به بل ببعضه علي مدحك وشكرك دهري كله ، فهل من حاجة أتشرف بها وأسعى في
قضائها ؟ قال : فسألته عن الحرب ومن قتل فيه ، فجعل يخبرها ويقول : فلان قتله الحسن
وفلان قتله الحسين ، إلى أن بلغ قومها وعشيرتها ، وكانت قطام لعنها الله على رأي
الخوارج وقد قتل أميرالمؤمنين عليه السلام في هذا الحرب من قومها جماعة كثيرة ، منهم أبوها
وأخوها وعمها ، فلما سمعت منه ذلك صرحت باكية ، ثم لطمت خدها وقامت من
عنده ، ودخلت البيت وهي تندبهم طويلا ، قال : فندم ابن ملجم ، فلما خرجت
إليه قالت : يعز علي فراقهم ، من لي بعدهم ؟ أفلا ناصر ينصرني ويأخذلي بثاري
ويكشف عن عاري ؟ فكنت أهب له نفسي وامكنه منها ومن مالي وجمالي ، فرق
لها ابن ملجم وقال لها : غضي صوتك وارفقي بنفسك فإنك تعطين مرادك ، قال :
فسكتت من بكائها وطمعت في قوله ، ثم أقبلت عليه بكلامها وهي كاشفة عن صدرها
ومسبلة شعرها ، فلما تمكن هواها من قلبه مال إليها بكليته ، ثم جذبها إليه و
قال لها : كان أبوك صديقا لي ، وقد خطبتك منه فأنعم لي بذلك ، فسبق إليه الموت
فزوجيني نفسك لآخذ لك بثارك ، قال : ففرحت بكلامه وقالت : قد خطبني الاشراف
[265]
من قومي وسادات عشيرتي فما أنعمت إلا لمن يأخذلي بثاري ، ولما سمعت عنك
أنك تقاوم الاقران وتقتل الشجعان فأحببت أن تكون لي بعلا وأكون لك أهلا
فقال لها : فأنا والله كفو كريم ، فاقترحي علي ما شئت من مال وفعال ، فقالت له :
إن قدمت على العطية والشرط فها أنا بين يديك فتحكم كيف شئت ، فقال لها :
وما العطية والشرط ؟ فقالت له : أما العطية فثلاثة آلاف دينار وعبد وقينة ( 1 ) فقال :
هذا أنا ملي به فما الشرط المذكور ؟ قالت : نم على فراشك حتى أعود إليك .
ثم إنها دخلت خدرها فلبست أفخرثيابها ، ولبست قميصا رقيقا يرى صدرها
وحليها ، وزادت في الحلي والطيب ، وخرجت في معصفرها ، فجعلت تباشره
بمحاسنها ليرى حسنها وجمالها ، وأرخت عشرة ذوائب من شعرها منظومة بالدر و
الجوهر ، فلما وصلت إليه أرخت لثامها عن وجهها ، ورفعت معصفرها وكشفت
عن صدرها وأعكانها ( 2 ) وقالت : إن قدمت على الشرط المشروط ظفرت بها جميعها ( 3 )
وأنت مسرور مغبوط ، قال : فمد ابن ملجم عينيه إليها فحار عقله وهوى لحينه
مغشيا عليه ساعة ، فلما أفاق قال : يامنية النفس ما شرطك فاذكريه لي ؟ فإني
سأفعله ولو كان دونه قطع القفار وخوض البحار وقطع الرؤوس واختلاس النفوس
قالت له الملعونة : شرطي عليك أن تقتل علي بن أبي طالب عليه السلام بضربة واحدة بهذا
السيف في مفرق رأسه ، يأخذ منه ما يأخذ ويبقى مايبقى ، فلما سمع ابن ملجم
كلامها استرجع ورجع إلى عقله وأغاظه وأفلقه ، ثم صاح بأعلى صوته : ويحك
ما هذا الذي واجهتني به ؟ بئس ما حدثتك به نفسك من المحال ، ثم طأطأ رأسه
يسيل عرقا وهو متفكر ( 4 ) في أمره ، ثم رفع رأسه إليها وقال لها : ويلك من يقدر
على قتل أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب ؟ المجاب الدعاء ، المنصور من السماء ، و
* ( هامش ص 265 ) ( 1 ) القينة : الامة المغنية الماشطة .
( 2 ) الاعكان جمع العكنة : ما انطوى وتثنى من لحم البطن .
( 3 ) في ( م ) و ( خ ) : بهذا جميعه .
( 4 ) " " : مفتكر . *
[266]
الارض ترجف من هيبته ، والملائكة تسرع إلى خدمته ، يا ويلك ومن يقدر على
قتل علي بن أبي طالب وهو مؤيد من السماء ؟ والملائكة تحوطه بكرة وعشية ،
ولقد كان في أيام رسول الله صلى الله عليه واله إذا قاتل يكون جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن
يساره وملك الموت بين يديه ، فمن هو هكذا لا طاقة لاحد بقتله ، ولا سبيل لمخلوق
على اغتياله ، ومع ذلك إنه قد أعزني وأكرمني وأحبني ورفعني وآثرني على
غيري ، فلا يكون ذلك جزاؤه مني أبدا ، فإن كان غيره قتلته لك شر قتلة ولو كان
أفرس أهل زمانه ، وأما أميرالمؤمنين فلا سبيل لي عليه .
قال فصبرت عنه سكن غيظه ودخلت معه في الملاعبة ( 1 ) والملاطفة ، و
علمت أنه قد نسي ذلك القول ، ثم قالت : يا هذا ما يمنعك من قتل علي بن أبي طالب
وترغب في هذا المال وتتنعم بهذا الجمال ؟ وما أنت بأعف وأزهد من الذين قاتلوه
وقتلهم ، وكانوا من الصوامين والقوامين ، فلما نظروا إليه وقد قتل المسلمين ظلما
وعدوانا اعتزلوه وحاربوه ، ومع ذلك فإنه قد قتل المسلمين وحكم بغير حكم الله
وخلع نفسه من الخلافة وإمرة المؤمنين ، فلما رأوه قومي على ذلك اعتزلوه ، فقتلهم
بغير حجة له عليهم ، فقال لها ابن ملجم : يا هذه كفي عني ، فقد أفسدت علي
ديني ، وأدخلت الشك في قلبي ، وما أدري ما أقول لك وقد عزمت على رأي ،
ثم أنشد :
ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وضرب علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلا من علي وإن غلا * ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
فأقسمت بالبيت الحرام ومن أتى * إليه جهارا من محل ومحرم
لقد أفسدت عقلي قطام وإنني * لمنها على شك عظيم مذمم
لقتل علي خير من وطئ الثرى * أخي العلم الهادي النبي المكرم
ثم أمسك ساعة وقال : * ( هامش ص 266 ) ( 1 ) كذا في ( ك ) . وفي غيره من النسخ : المداعبة . *
[267]
فلم أرمهرا ساقه ذو سماحة * كمهر قطام من فصيح وأعجم
ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وضرب علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلا من علي وإن غلا * ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
فاقسم بالبيت الحرام ومن أتى * إليه جهارا من محل ومحرم
لقد خاب من يسعى بقتل إمامه * وويل له من حر نار جهنم
إلى آخر ما أنشد من الابيات ، ثم قال لها : أجليني ليلتي هذه حتى أنظر
في أمري وآتيك غدا بما يقوى عليه عزمي ، فلما هم بالخروج أقبلت إليه وضمته
إلى صدرها ، وقبلت ما بين عينيه وأمرته بالاستعجال في أمرها ، وسايرته إلى باب
الدار وهي تشجعه ، وأنشدت له أبياتا ، فخرج الملعون من عندها وقد سلبت فؤاده
وأذهبت رقاده ورشاده ، فبات ليلته قلقا متفكرا ، فمرة يعاتب نفسه ومرة يفكر
في دنياه وآخرته ، فلما كان وقت السحر أتاه طارق فطرق الباب ، فلما فتحه إذا
برجل من بني عمه على نجيب ، وإذا هو رسول من إخوته إليه يعزونه في أبيه وعمه
ويعرفونه أنه خلف مالا جزيلا ، وأنهم دعوه سريعا ليحوز ذلك المال ، فلما
سمع ذلك بقي متحيرا في أمره ، إذ جاءه ما يشغله عما عظم عليه من أمر قطام ، فلم
يزل مفكرا في أمره حتى عزم على الخروج ، وكان له أخوان لابيه وامه ، وامه
كانت من زبيد يقال لها عدنية ، وهي ابنة أبي علي بن ماشوج ، وكان أبوه مراديا
وكانوا يسكنون عجران صنعاء ، فلما وصل إلى النجف ذكر قطام ومنزلتها في قلبه
ورجع إليها ، فلما طرق الباب أطلعت عليه وقالت : من الطارق ؟ فعرفته على حالة
السفر ، فنزلت إليه وسلمت عليه وسألته عن حاله ، فأخبرها بخبره ووعدها بقضاء
حاجتها إذا رجع من سفره ، وتملكها جميع مايجئ به من المال ، فعدلت عنه مغضبة
فدنا منها وقبلها وودعها ، وحلف لها أنه يبلغها مأمولها في جميع ما سألته ، فخرج
وجاء إلى أميرالمؤمنين عليه السلام وأخبره بما جاؤوا إليه لاجله ، وسأله أن يكتب إلى
ابن المنتجب كتابا ليعينه على استخلاص حقه ، فأمر كاتبه فكتب له ما أراد ، ثم
[268]
أعطاه فرسا من جياد خيله ، فخرج وسار سيرا حثيثا حتى وصل إلى بعض أودية
اليمن ، فأظلم عليه الليل ، فبات في بعضها ، فلما مضى من الليل نصفه وإذا هو بزعقة
عظيمة من صدر الوادي ، ودخان يفور ونار مضرمة ، فانزعج لذلك وتغير لونه ، و
نظر إلى صدر الوادي وإذا بالدخان قذ أقبل كالجبل العظيم ، وهو واقع عليه ، و
النار تخرج من جوانبه ، فخر مغشيا عليه ، فلما أفاق وإذا بهاتف يسمع صوته
ولا يرى شخصه وهو يقول :
اسمع وع القول يا ابن ملجم * إنك في أمر مهول معظم
تضمر قتل الفارس المكرم * أكرم من طاف ولبى وأحرم
ذاك علي ذو التقاء الاقدم * فارجع إلى الله لكيلا تندم
فلما سمع توهم أنه من طوارق الجن ، وإذا بالهاتف يقول :
يا شقي ابن الشقي أما ما أضمرت من قتل الزاهد العابد العادل الراكع
الساجد إمام الهدى وعلم التقى والعروة الوثقى فإنا علمنا بما تريد أن تفعله بأمير -
المؤمنين ، ونحن من الجن الذين أسلمنا على يديه ، ونحن نازلون بهذا الوادي ،
فإنا لا ندعك تبيت فيه ، فإنك ميشوم على نفسك ، ثم جعلوا يرمونه بقطع الجنادل
فصعد فوق شاهق فبات بقية ليله ، فلما أصبح سار ليلا ونهارا حتى وصل اليمن ،
وأقام عندهم شهرين وقلبه على حر الجمر من أجل قطام ، ثم إنه أخذ الذي أصابه
من المال والمتاع والاثاث والجواهر وخرج ، فبينا هو في بعض الطريق إذ خرجت
علبه حرامية فسايرهم وسايروه ، فلما قربوا من الكوفة حاربوه وأخذوا جميع ما
كان معه ، ونجا بنفسه وفرسه وقليل من الذهب على وسطه وما كان تحته ، فهرب
على وجهه حتى كاد أن يهلك عطشا ، وأقبل سائرا في الفلاة مهموما جائعا عطشانا ،
فلاح له شبح فقصده ، فإذا بيوت من أبيات الحرب ، فقصد منها بيتا فنزل عندهم ،
واستسقاهم شربة ماء فسقوه ، وطلب لبنا فأتوه به ، فنام ساعة ، فلما استيقظ أتاه
رجلان وقدما إليه طعاما فأكل وأكلا معه ، وجعلا يسألانه عن الطريق فأخبرهما ،
ثم قالا له : ممن الرجل ؟ قال : من ( بني ) مراد ، قال : أين تقصد ؟ قال : الكوفة ،
[269]
فقالا له : كأنك من أصحاب أبي تراب ؟ قال : نعم ، فاحمرت أعينهما غيظا ، وعزما
على قتله ليلا ، وأسرا ذلك ونهضا ، فتبين له ما عزما عليه وندم على كلامه ، فبينما
هو متحير إذ أقبل كلبهم ونام قريبا منهم ، فأقبل اللعين يمسح بيده على الكلب و
يشفق عليه ويقول : مرحبا بكلب قوم أكرموني ، فاستحسنا ذلك وسألاه : ما اسمك
قال : عبدالرحمن بن ملجم ، فقالا له : ما أردت بصنعك هذا في كلبنا ؟ فقال : أكرمته
لاجلكم حيث أكرمتموني ، فوجب علي شكر كم ، وكان هذا منه خديعة ومكرا ،
فقالا الله أكبر الآن والله وجب حقك علينا ، ونحن نكشف لك عما في ضمائرنا ، نحن قوم نرى رأي الخوارج ، وقد قتل أعمامنا وأخوالنا وأهالينا كما علمت ، فلما
أخبرتنا أنك من أصحابه عزمنا على قتلك في هذه الليلة ، فلما رأينا صنعك هذا
بكلبنا صفحنا عنك . ونحن الآن نطلعك على ما قد عزمنا عليه ، فسألهما عن أسمائهما
فقال أحدهما : أنا البرك بن عبدالله التميمي وهذا عبدالله بن عثمان العنبري صهري
وقد نظرنا إلى ما نحن عليه في مذهبنا ( 1 ) فرأينا أن فساد الارض والامة كلها من
ثلاثة نفر ، أبوتراب ومعاوية وعمرو بن العاص ، فأما أبوتراب فإنه قتل رجالنا كما
رأيت ، وافتكرنا أيضا في الرجلين معاوية وابن العاص وقد وليا علينا هذا الظالم
الغشوم بشر بن أرطاة ، يطرقنا في كل وقت ويأخذ أموالنا ، وقد عزمنا على قتل
هؤلاء الثلاثة ، فإذا قتلناهم توطأت الارض ، وأقعد الناس لهم إماما يرضونه ، فلما
سمع ابن ملجم كلامهما صفق بإحدى يديه على الاخرى وقال : والذي فلق الحبة
وبرأ النسمة وتردى بالعظمة إني لثالثكما ، وإني مرافقكما على رأيكما وإني ( 2 ) أكفيكما أمر علي بن أبي طالب ، فنظرا إليه متعجبين من كلامه ، قال : والله ما أقول
لكما إلا حقا ، ثم ذكر لهما قصته ، فلما سمعا كلامه عرفا صحته وقالا : إن قطام
من قومنا ، وأهله كانوا من عشيرتنا ، فنحن نحمدالله على اتفاقنا ، فهذا لايتم إلا
( هامش ص 269 ) ( 1 ) في ( م ) و ( خ ) : من مذهبنا .
( 2 ) في ( م ) و ( خ ) : وأنا . *
[270]
بالايمان المغلظة ، فنركب الآن مطايانا ونأتي الكعبة ونتعاقد عندها على الوفاء ،
فلما أصبحوا وركبوا حضر عندهم بعض قومهم فأشاروا عليهم وقالوا : لا تفعلوا ذلك
فما منكم أحد إلا ويندم ندامة عظيمة ، فلم يقبلوا وساروا جميعا حتى أتوا البيت و
تعاهدوا عنده ، فقال البرك : أنا لعمروبن العاص ، وقال العنبري : أنا لمعاوية ، وقال
ابن ملجم لعنه الله : أنا لعلي ، فتحالفوا على ذلك ( 1 ) بالايمان المغلظة ، ودخلوا
المدينة وحلفوا عند قبر النبي صلى الله عليه واله على ذلك ، ثم افترقوا وقد عينوا يوما معلوما
يقتلون فيه الجميع ، ثم سار كل منهم على طريقه ، فأما البرك فأتى مصر ودخل
الجامع وأقام فيه أياما ، فخرج عمرو بن العاص ذات يوم إلى الجامع وجلس فيه بعد
صلاته ، فجاء البرك إليه وسلم عليه ، ثم حادثه في فنون الاخبار وطرف الكلام و
الاشعار ، فشعف به عمرو بن العاص وقربه وأدناه ، وصار يأكل معه على مائدة واحدة
فأقام إلى الليلة التي تواعدوا فيها ، فخرج إلى نيل مصر وجلس مفكرا ، فلما
غربت الشمس أتى الجامع وجلس فيه ، فلما كان وقت الافطار افتقده عمروبن
العاص فلم يره ، فقال لولده : ما فعل صاحبنا وأين مضى فأني لا أراه ؟ فبعثه إليه
يدعوه فقال : قل له : إن هذه الليلة ليست كالليالي ، وقد أحببت أن اقيم ليلتي هذه
في الجامع رغبة فيما عندالله ، واحب أن أشرك الامير في ذلك ، فلما رجع إليه و
أخبره بذلك سره سرورا عظيما وبعث إليه مائدة فأكل وبات ليلته ينتظر قدوم عمرو
وكان هو الذي يصلي بهم ، فلما كان عند طلوع الفجر أقبل المؤذن إلى باب عمرو ، وأذن و
قال : الصلاة يرحمك الله الصلاة ، فانتبه فاتي بالماء وتوضأ وتطيب وذهب ليخرج إلى


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 270 سطر 19 الى ص 278 سطر 18

الصلاة فزلق ( 2 ) فوقع على جنبه فاعتوره عرق النساء فأشغلته عن الخروج فقال : قدموا
خارجة بن تميم القاضي يصلي بالناس ، فأتى القاضى ودخل المحراب في غلس فجاء البرك
فوقف خلفه وسيفه تحت ثيابه ، وهو لا يشك أنه عمرو ، فأمهله حتى سجدو جلس
* ( هامش ص 270 ) ( 1 ) في ( ك ) : في ذلك .
( 2 ) زلقت القدم : زلت ولم تثبت . *
[271]
من سجوده ، فسل سيفه ونادى : لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصى الله ، ثم ضربه
بالسيف على ام رأسه ، ففضى نحبه لوقته ، فبادر الناس وقبضوا عليه وأخذوا سيفه
من يده وأوجعوه ضربا ( شديدا ) وقالوا له : يا عدو الله قتلت رجلا مسلما ساجدا
في محرابه ، فقال : يا حمير أهل مصر إنه يستحق القتل ، قالوا : بما ذا ويلك ؟ قال :
لسعيه في الفتنة ، لانه الداهية الدهماء الذي أثار الفتنة ونبذها وقواها ، وزين
لمعاوية محاربة علي ، فقالوا له : ياويلك من تعني ؟ قال : الطاغي الباغي الكافر
الزنديق عمر وبن العاص الذي شق عصا المسلمين ، وهتك حرمة الدين ، قالوا :
لقد خاب ظنك وطاش سهمك ، إن الذي قتلته ما هو ، إنما هو خارجة ، فقال :
يا قوم المعذرة إلى الله وإليكم ، فوالله ما أردت خارجة وإنما أردت قتل عمرو ، فأوثقوه كتافا وأتوا به إلى عمرو ، فلما رآه قال : أليس هذا هو صاحبنا الحجازي ؟
قالوا له : نعم ، قال : ما باله ؟ قالوا : إنه قد قتل خارجة ، فدهش عمرو لذلك وقال :
إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ثم التفت إليه
وقال : يا هذا : لم فعلت ذلك ؟ فقال له : والله يا فاسق ما طلبت غيرك ولا أردت
سواك ، قال : ولم ذلك ؟ قال : إنا ثلاثة تعاهدنا بمكة على قتلك وقتل علي بن
أبي طالب ومعاوية في هذه الليلة ، فإن صدقا صاحباي فقد قتل علي بالكوفة ومعاوية
بالشام ، وأما أنت فقد سلمت ، فقال عمرو : يا غلام احبسه حتى نكتب إلى معاوية
فحبسه حتى أمره معاوية بقتله فقتله .
وأما عبدالله العنبري فقصد دمشق واستخبر عن معاوية فارشد إليه ، فجعل
يتردد إلى داره فلا يتمكن من الدخول إليه ، إلى أن أذن معاوية يوما للناس إذنا
عاما ، فدخل إليه مع الناس وسلم عليه ، وحادثه ساعة وذكر له ملوك بني قحطان
ومن له كلام مصيب حتى ذكر له بني عمه - وهم أول ملوك قحطان - وشيئا من
أخبارهم ، فلما تفرقوا بقي عنده مع خواصه ، وكان فصيحا خبيرا بأنساب العرب
وأشعارهم ، فأحبه معاوية حبا شديد ا ، فقال : قد أذنت لك في كل وقت نجلس
[272]
فيه أن تدخل علينا من غير مانع ولا دافع ، فكان يتردد إليه ليلة تسع عشرة
وكان قد عرف المكان الذي يصلي فيه معاوية ، فلما أذن المؤذن للفجر وأتى معاوية
المسجد ودخل محرابه ثار إليه بالسيف وضربه ، فراغ عنه ، فأراد ضرب عنقه فانصاع
عنه ( 1 ) فوقع السيف في إليته ، وكانت ضربته ضربة جبان ، فقال معاوية : لا يفوتنكم
الرحل ، فاستخلف بعض أصحابه للصلاة ، ونهض إلى داره . وأما العنبري فأخذه
الناس وأوثقوه وأتوا به إلى معاوية وكان مغشيا عليه ، فلما أفاق قال له : ويلك
يا لكع لقد خاب ظني فيك ، ما الذي حملك على هذا ؟ فقال له : دعني من كلامك
اعلم أننا ثلاثة تحالفنا على قتلك وقتل عمرو بن العاص وعلي بن أبي طالب ، فإن
صدق صاحباي فقد قتل علي وعمرو ، وأما أنت فقد روغ أجلك كروغك الثعلب ( 2 ) !
فقال له معاوية : على رغم أنفك ! فأمر به إلى الحبس ، فأتاه الساعدي وكان طبيبا
فلما نظر إليه قال له : اختر إحدى الخصلتين : إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع
السيف ، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها ، لان ضربتك مسمومة
فقال معاوية : أما النار فلا صبر لي عليها ، وأما انقطاع الولد فإن في يزيد وعبدالله
ما تقر به عني ! فسقاه الشربة فبرئ ولم يولد له بعدها .
وأما ابن ملجم لعنه الله فإنه سار حتى دخل الكوفة ، واجتاز على الجامع
وكان أميرالمؤمنين عليه السلام جالسا على باب كندة ، فلم يدخله ولم يسلم عليه ، وكان
إلى جانبه الحسن والحسين عليهما السلام ، ومعه جماعة من أصحابه ، فلما نظروا إلى ابن
ملجم وعبوره قالوا : ألا ترى إلى ابن ملجم عبر ولم يسلم عليك ؟ قال : دعوه فإن
له شأنا من الشأن ، والله ليخضبن هذه من هذه - وأشار إلى لحيته وهامته - ثم قال :
ما من الموت لانسان نجاء * كل امرئ لا بد يأتيه الفناء
تبارك الله وسبحانه * لكل شئ مدة وانتهاء
* ( هامش ص 272 ) ( 1 ) أى رجع مسرعا .
( 2 ) راغ الصيد : ذهب ههنا وههنا . راغ عن الطريق : حاد عنه . *
[273]
يقدر الانسان في نفسه * أمرا ويأتيه عليه القضاء
لا تأمنن الدهر في أهله * لكل عيش آخر وانقضاء
بينا ترى الانسان في غبطة * يمسي وقد حل عليه القضاء
ثم جعل يطيل النظر إليه حتى غاب عن عينه ، وأطرق إلى الارض يقول :
إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
قال : وسار ابن ملجم حتى وصل إلى دار قطام ، وكانت قد أيست من رجوعه
إليها ، وعرضت نفسها على بني عمها وعشيرتها وشرطت عليهم قتل أميرالمؤمنين عليه السلام
فلم يقدم أحد على ذلك ، فلما طرق الباب قالت : من الطارق ؟ قال : أنا عبدالرحمن
ففرحت قطام به وخرجت إليه واعتنقته وأدخلته دارها ، وفرشت له فرش الديباج
وأحضرت له الطعام والمدام ، فأكل وشرب حتى سكر ، وسألته عن حاله فحدثها
بجميع ماجرى له في طريقه ، ثم أمرته بالاغتسال وتغيير ثيابه ، ففعل ذلك ، وأمرت
جارية لها ففرشت الدار بأنواع الفرش ، وأحضرت له شرابا وجواري ، فشرب مع
الجوار وهن يلعبن له بالعيدان والمزامير والمعازف والدفوف ، فلما أخذ الشراب
منه أقبل عليها وقال : ما بالك لا تجالسيني ولا تحادثيني يا قرة عيني ؟ ولا تمازحيني !
فقالت له : بلى سمعا وطاعة ، ثم إنها نهضت ودخلت إلى خدرها ، ولبست أفخر
ثيابها وتزينت وتطيبت وخرجت إليه ، وقد كشفت له عن رأسها وصدرها ونهودها ( 1 )
وأبرزت له عن فخذيها ، وهي في طاق غلالة ( 2 ) رومي يبين له منها جميع جسدها
وهي تتبختر في مشيتها ، والجوار حولها يلعبن ، فقام الملعون واعتنقها وترشفها و
حملها حتى أجلسها مجلسها ، وقد بهت وتحير ، واستحوذ عليه الشيطان ، فضربت
بيدها على زر قميصها فحلته ، وكان في حلقها عقد جوهر ليست له قيمة ، فلما أراد
مجامعتها لم تمكنه من ذلك ، فقال : لم تمانعيني عن نفسك وأنا وأنت على العهد الذي
* ( هامش ص 273 ) ( 1 ) جمع النهد : الثدى .
( 2 ) الطاق : ضرب من الثياب . والغلالة - بالكسر - : شعار يلبس تحت الثوب . *
[274]
عاهدتك عليه من قتل علي ؟ ولو أحببت لقتلت معه شبليه الحسن والحسين ! ثم
ضرب يده على هميانه فحله من وسطه ورماه إليها ، وقال : خذيه فإن فيه أكثر من
ثلاثة آلاف دينار وعبد وقينة ، فقالت له : والله لا امكنك من نفسي حتى تحلف لي
بالايمان المغلظة أنك تقتله ، فحملته القساوة على ذلك ، وباع آخرته بدنياه ! و
تحكم الشيطان فيه بالايمان المغلظة أنه يقتله ولو قطعوه إربا إربا ، فمالت إليه عند
ذلك وقبلته وقبلها ، فأراد وطيها فمانعته ، وبات عندها تلك الليلة من غير نكاح ،
فلما كان من الغد تزوج بها سرا وطاب قلبه ، فلما أفاق من سكرته ندم على ماكان
منه ، وعاتب نفسه ولعنها فلم تزل تراوغه ( 1 ) في كل ليلة وتعده بوصالها ، فلما دنت
الليلة الموعودة مد يده إليها ليضاجعها ويجامعها فأبت عليه وقالت : ما يكون ذلك إلا
أن تفي بوعدك ؟ وكان الملعون اعتل علة شديدة فبرئ منها ، وكانت الملعونة لا تمكنه
من نفسها مخافة أن تبرد ناره فيخل بقضاء حاجتها ، فقال لها : يا قطام في هذه الليلة
أقتل لك علي بن أبي طالب ، وأخذ سيفه ومضى به إلى الصيقل فأجاد صقاله ، وجاء
به إليها ، فقالت : إني اريد أن أعمل فيه سما ، قال : وما تصنع بالسم ؟ لو وقع على
جبل لهده ، فقالت : دعني أعمل فيه السم فإنك لو رأيت عليا لطاش عقلك وارتعشت
يداك ، وربما ضربته ضربة لا تعمل فيه شيئا ، فإذا كان مسموما فإن لم تعمل الضربة
عمل السم ، فقال لها : يا ويلك أتخوفيني من علي فوالله لا أرهب عليا ولا غيره !
فقالت له : دعني من قولك هذا وإن عليا ليس كمن لاقيت من الشجعان ، فأطرت ( 2 )
في مدحه وذكرت شجاعته ، وكان غرضها أن يحمل الملعون على الغضب ، ويحرضه
على الامر ، فأخذت السيف وأنفذته إلى الصيقل ، فسقاه السم ورده إلى غمده ، و
كان ابن ملجم قد خرج في ذلك اليوم يمشي في أزقة الكوفة ، فلقيه صديق له وهو
عبدالله بن جابر الحارثي ، فسلم عليه وهنأه بزواج قطام ، ثم تحادثا ساعة فحدثه
* ( هامش ص 274 ) ( 1 ) أى تخادعه .
( 2 ) اطراه : احسن الثناء عليه وبالغ في مدحه . *
[275]
بحديثه من أوله إلى آخره ، فسر بذلك سرورا عظيما فقال له : أنا اعاونك ،
فقال ابن ملجم : دعني من هذا الحديث ، فإن عليا أروغ من الثعلب وأشد
من الاسد .
ثم مضى ابن ملجم لعنه الله يدور في شوارع الكوفة ، فاجتاز على أميرالمؤمنين
عليه السلام وهو جالس عند ميثم التمار ، فخطف عنه كيلا يراه ، ففطن به فبعث خلفه رسولا
فلما أتاه وقف بين يديه وسلم عليه وتضرع لديه ، فقال عليه السلام له : ما تعمل ههنا ؟
قال : أطوف في أسواق الكوفة وأنظر إليها ، فقال عليه السلام : عليك بالمساجد فإنها خير
لك من البقاع كلها ، وشرها الاسواق ما لم يذكر اسم الله فيها ، ثم حادثه ساعة و
انصرف ، فلما ولى جعل أميرالمؤمنين عليه السلام يطيل النظر إليه ويقول : يا لك من عدو
لي من مراد ، ثم قال عليه السلام :
اريد حياته ويريد قتلي * ويأبى الله إلا أن يشاء
ثم قال عليه السلام : يا ميثم هذاوالله قاتلي لا محالة ، أخبرني به حبيبي رسول الله
صلى الله عليه واله ، فقال ميثم : يا أميرالمؤمنين فلم لا تقتله أنت قبل ذلك ؟ فقال : يا ميثم لا يحل
القصاص قبل الفعل ، فقال ميثم : يا مولاي إذا لم تقتله فاطرده ، فقال : يا ميثم لولا
آية في كتاب الله " يمحوالله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب ( 1 ) " وأيضا إنه بعد
ما جنى جناية فيؤخذ بها ، ولا يجوز أن يعاقب قتل الفعل ، فقال ميثم : جعل ( الله )
يومنا قبل يومك ، ولا أرانا الله فيك سوءا أبدا ، ومتى يكون ذلك يا أميرالمؤمنين ؟
فقال عليه السلام : إن الله تفرد بخمسة أشياء لا يطلع عليها نبي مرسل ولا ملك مقرب ،
فقال عز من قائل : " إن الله عنده علم الساعة ( 2 ) " الآية ، يا ميثم هذه خمسة
لا يطلع عليها إلا الله تعالى ، وما اطلع عليها نبي ولا وصي ولا ملك مقرب ، يا
ميثم لا حذر من قدر ، يا ميثم إذا جاء القضاء فلا مفر ، فرجع ابن ملجم ودخل على
* ( هامش ص 275 ) ( 1 ) سورة الرعد : 39 .
( 2 ) سورة لقمان : 34 . *
[276]
قطام لعنهما الله ، وكانت تلك الليلة ليلة تسع عشرة من شهر رمضان .
قالت ام كلثوم بنت أميرالمؤمنين صلوات الله عليه : لما كانت ليلة تسع عشرة
من شهر رمضان قدمت إليه عند إفطاره طبقا فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها
لبن وملح جريش ( 1 ) ، فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره ، فلما نظر إليه وتأمله
حرك رأسه وبكى بكاءا شديدا عاليا ، وقال : يا بنية ما ظننت أن بنتا تسوء أباها كما
قد أسأت أنت إلي ، قالت : وماذا يا أباه ؟ قال : يا بنية أتقدمين إلى أبيك إدامين
في فرد طبق واحد ؟ أتريدين أن يطول وقوفي غدا بين يدي الله عزوجل يوم القيامة
أنا اريد أن أتبع أخي وابن عمي رسول الله صلى الله عليه واله ما قدم إليه إدامان في طبق واحد
إلى أن قبضه الله ، يا بنية ما من رجل طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلا طال وقوفه بين
يدي الله عزوجل يوم القيامة ، يا بنية إن الدنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب
وقد أخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه واله أن جبرئيل عليه السلام نزل إليه ومعه مفاتيح كنوز
الارض وقال : يا محمد السلام يقرؤك السلام ويقول لك : إن شئت صيرت معك جبال
تهامة ذهبا وفضة ، وخذ هذه مفاتيح كنوز الارض ولا ينقص ذلك من حظك يوم
القيامة ، قال : يا جبرئيل وما يكون بعد ذلك ؟ قال : الموت ، فقال : إذا لا حاجة لي
في الدنيا ، دعني أجوع يوما وأشبع يوما ، فاليوم الذي أجوع فيه أتضرع إلى ربي
وأسأله ، واليوم الذي أشبع فيه أشكر ربي وأحمده ، فقال له جبرئيل : وفقت لكل
خير يا محمد .
ثم قال عليه السلام : يا بنية الدنيا دار غرور ودار هوان ، فمن قدم شيئا وجده ،
يا بنية والله لا آكل شيئا حتى ترفعين أحد الادامين ، فلما رفعته تقدم إلى الطعام
فأكل قرصا واحدا بالملح الجريش ، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قام إلى صلاته فصلى
ولم يزل راكعا وساجدا ومبتهلا ومتضرعا إلى الله سبحانه ، ويكثر الدخول و
الخروج وهو ينظر إلى السماء وهو قلق يتململ ، ثم قرأ سورة " يس " حتى ختمها ، * ( هامش ص 276 ) ( 1 ) الجريش : ما طحنته غير ناعم . *
[277]
ثم رقد هنيئة وانتبه مرعوبا ، وجعل يمسح وجهه بثوبه ، ونهض قائما على قدميه وهو
يقول : " اللهم بارك لنا في لقائك " ويكثر من قول : " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم " ثم صلى حتى ذهب بعض الليل ، ثم جلس للتعقيب ، ثم نامت عيناه وهو
جالس ، ثم انتبه من نومته مرعوبا .
قالت ام كلثوم : كأني به وقد جمع أولاده وأهله وقال لهم : في هذا الشهر
تفقدوني ، إني رأيت في هذه الليلة رؤيا هالتني واريد أن أقصها عليكم ، قالوا :
وما هي ؟ قال : إني رأيت الساعة رسول الله صلى الله عليه واله في منامي وهو يقول لي : يا أبا الحسن
إنك قادم إلينا عن قريب ، يجئ إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك ، وأنا
والله مشتاق إليك ، وإنك عندنا في العشر الآخر من شهر رمضان ، فهلم إلينا فما
عندنا خير لك وأبقى ، قال : فلما سمعوا كلامه ضجوا بالبكاء والنحيب وأبدوا
العويل ، فأقسم عليهم بالسكوت فسكتوا ، ثم أقبل يوصيهم ويأمرهم بالخير وينهاهم
عن الشر ، قالت ام كلثوم : ولم يزل تلك الليلة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا ،
ثم يخرج ساعة بعد ساعة يقلب طرفه في السماء وينظر في الكواكب وهو يقول :
والله ما كذبت ولا كذبت ، وإنها الليلة التي وعدت بها ، ثم يعود إلى مصلاه ويقول :
اللهم بارك لي في الموت ، ويكثر من قول : " إنا لله وإنا إليه راجعون " " ولا حول
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " ويصلي على النبي وآله ، ويستغفر الله كثيرا .
قالت ام كلثوم : فلما رأيته في تلك الليلة قلقا متململا كثير الذكر والاستغفار
أرقت معه ليلتي وقلت : يا أبتاه ما لي أراك هذه الليلة لا تذوق طعم الرقاد ؟ قال :
يا بنية إن أباك قتل الابطال وخاض الاهوال وما دخل الخوف له جوف ( 1 ) ، وما
دخل في قلبي رعب أكثر مما دخل في هذه الليلة ، ثم قال : إنا لله وإنا إليه راجعون
فقلت : يا أباه مالك تنعي نفسك منذ الليلة ؟ قال : يا بنية قد قرب الاجل وانقطع
الامل ، قالت ام كلثوم : فبكيت فقال لي : يا بنية لا تبكين فإني لم أقل ذلك إلا
* ( هامش ص 277 ) ( 1 ) الظاهر كما في " ت وهامش " ك " : وما دخل له خوف . *
[278]
بما عهد إلي النبي صلى الله عليه واله ، ثم إنه نعس وطوى ساعة ، ثم استيقظ من نومه وقال :
يا بنية إذا قرب وقت الاذان فأعلميني ، ثم رجع إلى ما كان عليه أول الليل من
الصلاة والدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ، قالت ام كلثوم : فجعلت ارقب
وقت الاذان ، فلما لاح الوقت أتيته ومعي إناء فيه ماء ، ثم أيقظته ، فأسبغ الوضوء
وقام ولبس ثبابه وفتح بابه ، ثم نزل إلى الدار وكان في الدار إوز قد اهدي إلى
أخي الحسين عليه السلام ، فلما نزل خرجن وراءه ورفرفن وصحن في وجهه ، وكان قبل
تلك الليلة لم يصحن ، فقال عليه السلام : لا إله الله صوارخ تتبعها نوائح ، وفي غداة غد يظهر
القضاء ، فقلت له : يا أباه هكذا تتطير ؟ فقال . يا بنية ما منا أهل البيت من يتطير
ولا يتطير به ، ولكن قول جرى على لساني ، ثم قال : يا بنية بحقي عليك إلا ما
أطلقتيه ، فقد حبست ما ليس له لسان ولا يقدر على الكلام إذا جاع أو عطش ، فأطعميه
واسقيه وإلا خلي سبيله يأكل من حشائش الارض ، فلما وصل إلى الباب فعالجه
ليفتحه فتعلق الباب بمئزره فانحل مئزره حتى سقط ، فأخذه وشده وهو يقول :
اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لا قيكا
ولا تجزع من الموت إذا حل بناديكا
ولا تغتر بالدهر وإن كان يواتيكا
كما أضحكك الدهر كذاك الدهر يبكيكا
ثم قال : اللهم بارك لنا في الموت ، اللهم بارك لي في لقائك ، قالت ام كلثوم :
وكنت أمشي خلفه ، فلما سمعته يقول ذلك قلت : واغوثاه يا أبتاه أراك تنعي نفسك


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 278 سطر 19 الى ص 286 سطر 18

منذ الليلة ، قال : يا بنية ما هو بنعاء ولكنها دلالات وعلامات للموت تتبع بعضها
بعضا فأمسكي عن الجواب ، ثم فتح الباب وخرج .
قالت ام كلثوم : فجئت إلى أخي الحسن عليه السلام فقلت يا أخي : قد كان من
أمر أبيك الليلة كذا وكذا ، وهو قد خرج في هذا الليل الغلس فألحقه ، فقام الحسن
بن علي عليهما السلام وتبعه ، فلحق به قبل أن يدخل الجامع فقال يا أباه : ما أخرجك في
[279]
هذه الساعة وقد بقي من الليل ثلثه ؟ فقال : يا حبيبي ويا قرة عيني خرجت لرؤيا
رأيتها في هذه الليلة أهالتني وأزعجتني وأقلقتني ، فقال له : خيرا رأيت وخيرا
يكون فقصها علي ، فقال عليه السلام : يا بني رأيت كأن جبرئيل عليه السلام قد نزل عن السماء
على جبل أبي قبيس فتناول منه حجرين ومضى بهما إلى الكعبة وتركهما على
ظهرها ، وضرب أحد هما على الآخر فصارت كالرميم ، ثم ذرهما في الريح ، فما
بقي بمكة ولا بالمدينة بيت إلا ودخله من ذلك الرماد ، فقال له : يا أبت وما تأويلها ؟
فقال : يا بني إن صدقت رؤياي فإن أباك مقتول ، ولا يبقى بمكة حينئذ ولا بالمدينة
بيت إلا ويدخله من ذلك غم ومصيبة من أجلي ، فقال الحسن عليه السلام : وهل تدري
متى يكون ذلك يا أبت ؟ قال : يا بني إن الله يقول : " وما تدري نفس ماذا تكسب
غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ( 1 ) " ولكن عهد إلي حبيبي رسول الله صلى الله عليه واله أنه
يكون في العشر الاواخر من شهر رمضان ، يقتلني ابن ملجم المرادي ، فقلت له :
يا أبتاه ، إذا علمت منه ذلك فاقتله ، قال : يا بني لا يجوز القصاص إلا بعد الجناية
والجناية لم تحصل منه ، يا بني لو اجتمع الثقلان الانس والجن على أن يدفعوا
ذلك لما قدروا ، يا بني ارجع إلى فراشك ، فقال الحسن عليه السلام : يا أبتاه اريد أمضي
معك إلى موضع صلاتك ، فقال له : أقسمت بحقي عليك إلا ما رجعت إلى فراشك
لئلا يتنغص عليك نومك ، ولا تعصني في ذلك ، قال : فرجع الحسن عليه السلام فوجد
اخته ام كلثوم قائمة خلف الباب تنتظره ، فدخل فأخبرها بذلك ، وجلسا يتحادثان
وهما محزونان حتى غلب عليهما النعاس ، فقاما ودخلا إلى فراشهما وناما .
قال أبومخنف وغيره : وسار أميرالمؤمنين عليه السلام حتى دخل المسجد ، والقناديل
قد خمد ضوؤها ، فصلى في المسجد ورده وعقب ساعة ، ثم إنه قام وصلى ركعتين ،
ثم علا المئذنة ووضع سبابتيه في اذنيه وتنحنح ثم أذن وكان عليه السلام إذا أذن لم يبق
في بلدة الكوفة بيت إلا اخترقه صوته .
* ( هامش ص 279 ) ( 1 ) سوره لقمان : 34 . *
[280]
قال الراوي : وأما ابن ملجم فبات في تلك الليلة يفكر في نفسه ، ولا يدري
ما يصنع ، فتارة يعاتب نفسه ويوبخها ويخاف من عقبى فعله ، فيهم أن يرجع عن
ذلك ، وتاره يذكر قطام لعنها الله وحسنها جمالها وكثرة مالها فتميل نفسه إليها ،
فبقي عامة ليله يتقلب على فراشه وهو يترنم بشعره ذلك إذا أتته الملعونة ونامت
معه في فراشه ، وقالت له : يا هذا من يكون على هذا العزم يرقد ؟ فقال لها : والله
إني أقتله لك الساعة ، فقالت : اقتله وارجع إلي قرير العين مسرورا ، وافعل
ما تريد فإني منتظرة لك ، فقال لها : بل أقتله وأرجع إليك سخين العين محزونا
منحوسا محسورا ، فقالت : أعوذ بالله من تطيرك الوحش ، قال : فوثب الملعون كأنه
الفحل من الابل ، قال : هلمي إلي بالسيف ، ثم إنه اتزر بمئزر واتشح بإزار ،
وجعل السيف تحت الازار مع بطنه ، وقال : افتحي لي الباب ففي هذه الساعة
أقتل لك عليا ، فقامت فرحة مسرورة وقبلت صدره ، وبقي يقبلها ويترشفها
ساعة ، ثم راودها عن نفسها فقالت له : هذا علي أقبل إلى الجامع وأذن ، فقم إليه
قاقتله ثم عد إلي فها أنا منتظرة رجوعك ، فخرج من الباب وهي خلفه تحرضه
بهذه الابيات :
أقول إذا ماحية أعيت الرقا * وكان ذعاف الموت منه شرابها ( 1 )
رسسنا إليها في الظلام ابن ملجم ( 2 ) * همام إذا ما الحرب شب لها بها
فخذها علي ! فوق رأسك ضربة * بكف سعيد سوف يلقى ثوابها
قال الراوي : فالتفت إليها وقال لها : أفسدت والله الشعر في هذا البيت
الاخر ، قالت : ولم ذاك ؟ قال لها : " بكف شقي سوف يلقى عقابها "
قال مصنف هذا الكتاب قدس روحه : هذا الخبر غير صحيح ، بل إنا كتبناه
كما وجدناه ، والرواية الصحيحة أنه بات في المسجد ومعه رجلان : أحدهما
* ( هامش ص 280 ) ( 1 ) الذعاف : السم الذى يقتل من ساعته .
( 2 ) في ( م ) و ( خ ) : دسسنا . *
[281]
شبيب بن بحيرة ( 1 ) والآخر وردان بن مجالد ، يساعدانه على قتل علي عليه السلام ، فلما
أذن عليه السلام ونزل من المئذنة وجعل يسبح الله ويقدسه ويكبره ويكثر من
الصلاة على النبي صلى الله عليه واله ، قال الراوي : وكان من كرم أخلاقه عليه السلام أنه يتفقد
النائمين في المسجد ويقول للنائم : الصلاة يرحمك الله الصلاة ، قم إلى الصلاة المكتوبة
عليك ، ثم يتلو عليه السلام : " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ( 2 ) " ففعل ذلك كما
كان يفعله على مجاري عادته مع النائمين في المسجد ، حتى إذا بلغ إلى الملعون
فرآه نائما على وجهه قال له : يا هذا قم من نومك هذا فإنها نومة يمقتها الله ، وهي
نومة الشيطان ونومة أهل النار ، بل نعم على يمينك فإنها نومة العلماء أو على يسارك
فانها نومة الحكماء ، ولا تنم على ظهرك فإنها نومة الانبياء .
قال : فتحرك الملعون كأنه يريد أن يقوم وهو من مكانه لا يبرح فقال له أمير
المؤمنين عليه السلام : لقد هممت بشئ تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر
الجبال هدا ، ولو شئت لانبأتك بما تحت ثيابك ، ثم تركه وعدل عنه إلى محرابه ،
وقام قائما يصلي ، وكان عليه السلام يطيل الركوع والسجود في الصلاة كعادته في الفرائض
والنوافل حاضرا قلبه ، فلما أحس به فنهض الملعون مسرعا وأقبل يمشي حتى
و قف بإزاء الاسطوانة التي كان الامام عليه السلام يصلي عليها ، فأمهله حتى صلى الركعة
الاولى وركع وسجد السجدة الاولى منها ورفع رأسه ، فعند ذلك أخذ السيف و
هزه ، ثم ضربه على رأسه المكرم الشريف ، فوقعت الضربة على الضربة التي ضربه
عمرو بن عبدود العامري ، ثم أخذت الضربة إلى مفرق رأسه إلى موضع السجود ،
فلما أحس الامام بالضرب لم يتأوه وصبر واحتسب ، ووقع على وجهه وليس عنده
أحد قائلا : بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ، ثم صاح وقال : قتلني ابن ملجم
قتلني اللعين ابن اليهودية ورب الكعبة ، أيها الناس لا يفوتنكم ابن ملجم ، وسار
* ( هامش ص 281 ) ( 1 ) في ( ت ) : بجرة .
( 2 ) سورة العنكبوت : 45 . *
[282]
السم في رأسه وبدنه وثار جميع من في المسجد في طلب الملعون ، وماجوا بالسلاح
فما كنت أرى إلا صفق الايدي على الهامات وعلوا الصرخات ، وكان ابن ملجم
ضربه ضربة خائفا مرعوبا ، ثم ولى هاربا وخرج من المسجد ، وأحاط الناس
بأميرالمؤمنين عليه السلام وهو في محرابه يشد الضربة ويأخذ التراب ويضعه عليها ، ثم
تلا قوله تعالى : " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى ( 1 ) "
ثم قال عليه السلام : جاء أمرالله وصدق رسول الله صلى الله عليه واله ثم إنه لما ضربه الملعون ارتجت
الارض وماجت البحار والسماوات ، واصطفقت أبواب الجامع ، قال : وضربه
اللعين شبيب بن بجرة فأخطأه ووقعت الضربة في الطاق .
قال الراوي : فلما سمع الناس الضجة ثار إليه من كان في المسجد ،
وصاروا يدورون ولا يدرون أين يذهبون من شدة الصدمة والدهشة ، ثم أحاطوا
بأميرالمؤمنين عليه السلام وهو يشد رأسه بمئزره ، والدم يجري على وجهه ولحيته ،
وقد خضبت بدمائه وهو يقول : هذا ما وعدالله ورسوله وصدق الله ورسوله .
قال الراوي : فاصطفقت أبواب الجامع ، وضجت الملائكة في السماء بالدعاء ،
وهبت ريح عاصف سوداء مظلمة ، ونادى جبرئيل عليه السلام بين السماء والارض بصوت
يسمعه كل مستيقظ : " تهدمت والله أركان الهدى ، وانطمست والله نجوم السماء و
أعلام التقى ، وانفصمت والله العروة والوثقى ، قتل ابن عم محمد المصطفى ، قتل الوصي
المجتبى ، قتل علي المرتضى ، قتل والله سيد الاوصياء ، قتله أشقى الاشقياء " قال :
فلما سمعت ام كلثوم نعي جبرئيل فلطمت على وجهها وخدها وشقت جيبها و
صاحت : وا أبتاه وا علياه وامحمداه واسيداه ، ثم أقبلت إلى أخويها الحسن والحسين
فأيقظتهما وقالت لهما : لقد قتل أبوكما : فقاما يبكيان ، فقال لها الحسن عليه السلام :
ياأختاه كفي عن البكاء حتى نعرف صحة الخبر كيلا تشمت الاعداء فخرجا فإذا
الناس ينوحون وينادون : وا إماماه وا أميرالمؤمنيناه ، قتل والله إمام عابد مجاهد
* ( هامش ص 282 ) ( 1 ) سورة طه : 55 . *
[283]
لم يسجد لصنم ، كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه واله فلما سمع الحسن والحسين عليهما السلام
صرخات الناس ناديا : وا أبتاه واعلياه ليت الموت أعدمنا الحياة ، فلما وصلا
الجامع ودخلا وجدا أبا جعدة بن هبيرة ومعه جماعة من الناس ، وهم يجتهدون أن
يقيموا الامام في المحراب ليصلي بالناس ، فلم يطق على النهوض وتأخر عن الصف
وتقدم الحسن عليه السلام فصلى بالناس وأميرالمؤمنين عليه السلام يصلي إيماءا من جلوس ،
وهو يمسح الدم عن وجهه وكريمه الشريف ، يميل تارة ويسكن اخرى ، و
الحسن عليه السلام ينادي : وا انقطاع ظهراه يعز والله علي أن أراك هكذا ، ففتح عينه و
قال : يا بني لاجزع على أبيك بعداليوم ، هذا جدك محمد المصطفى وجدتك خديجة
الكبرى وامك فاطمة الزهراء والحور العين محدقون منتظرون قدوم أبيك ، فطب
نفسا وقرعينا وكف عن البكاء ، فإن الملائكة قد ارتفعت أصواتهم إلى السماء .
قال : ثم إن الخبر شاع في جوانب الكوفة وانحشر الناس حتى المخدرات
خرجن من خدرهن إلى الجامع ينظرن إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ، فدخل
الناس الجامع فوجدوا الحسن ورأس أبيه في حجره ، وقد غسل الدم عنه وشد الضربة وهي بعدها تشخب دما ، ووجهه قد زاد بياضا بصفرة ، وهو يرمق السماء بطرفه و
لسانه يسبح الله ويوحده ، وهو يقول : " أسألك يا رب الرفيع الاعلى " فأخذ
الحسن عليه السلام رأسه في حجره فوجده مغشيا عليه ، فعندها بكى بكاء شديدا وجعل
يقبل وجه أبيه وما بين عينيه وموضع سجوده ، فسقط من دموعه قطرات على وجه
أميرالمؤمنين عليه السلام ، ففتح عينيه فرآه باكيا ، فقال له : يا بني ياحسن ما هذا البكاء ؟
يا بني لاروع على أبيك بعد اليوم ، هذا جدك محمد المصطفى وخديجة وفاطمة والحور
العين محدقون منتظرون قدوم أبيك ، فطب نفسا وقر عينا ، واكفف عن البكاء فإن
الملائكة قد ارتفعت أصواتهم إلى السماء ، يا بني أتجزع على أبيك وغدا تقتل بعدي
مسموما مظلوما ؟ ويقتل أخوك بالسيف هكذا ، وتلحقان بجد كما وأبيكما و
امكما ، فقال له الحسن عليه السلام : يا أبتاه ما تعرفنا من قتلك ومن فعل بك هذا ؟
[284]
قال : قتلني ابن اليهودية عبدالرحمن بن ملجم المرادي ، فقال : يا أباه من أي
طريق مضى ؟ قال : لا يمضي أحد في طلبه فإنه سيطلع عليكم من هذا الباب - وأشار
بيده الشريفة إلى باب كندة - قال : ولم يزل السم يسري في رأسه وبدنه ، ثم اغمي
عليه ساعة والناس ينتظرون قدوم الملعون من باب كندة ، فاشتغل الناس بالنظر إلى
الباب ، ويرتقبون قدوم الملعون ، وقد غص المسجد بالعالم ما بين باك ومحزون ،
فما كان إلا ساعة وإذا بالصيحة قد ارتفعت وزمرة من الناس وقد جاؤوا بعدو الله
ابن ملجم مكتوفا ، وهذا يلعنه وهذا يضربه ، قال : فوقع الناس بعضهم على بعض
ينظرون إليه ، فأقبلوا باللعين مكتوفا وهذا يلعنه وهذا يضربه ، وهم ينهشون لحمه
بأسنانهم ويقولون له : يا عدو الله ما فعلت ؟ أهلكت امة محمد وقتلت خير الناس ،
وإنه لصامت وبين يديه رجل يقال له حذيفة النخعي ، بيده سيف مشهور ، وهو
يرد الناس عن قتله ، وهو يقول : هذا قاتل الامام علي عليه السلام حتى أدخلوه
المسجد .
قال الشعبي : كأني أنظر إليه وعيناه قد طارتا في ام رأسه كأنهما قطعتا
علق ، وقد وقعت في وجهه ضربة قد هشمت وجهه وأنفه ، والدم يسيل على لحيته
وعلى صدره ، وهو ينظر يمينا وشمالا وعيناه قد طارتا في ام رأسه ، وهو أسمر
اللون حسن الوجه ، وفي وجهه أثر السجود ! وكان على رأسه شعر أسود منشورا
على وجهه كأنه الشيطان الرجيم ، فلما حاذاني سمعته يترنم بهذه الابيات :
أقول لنفسي بعد ما كنت أنهاها * وقد كنت أسناها وكنت أكيدها
أيا نفس كفي عن طلابك واصبري * ولا تطلبي هما عليك يبيدها
فما قبلت نصحي وقد كنت ناصحا * كنصح ولود غاب عنها وليدها
فما طلبت إلا عنائي وشقوتي * فياطول مكثي في الجحيم بعيدها
فلما جاؤوا به أوقفوه بين يدي أميرالمؤمنين عليه السلام ، فلما نظر إليه الحسن عليه السلام
[285]
قال له : يا ويلك يالعين يا عدو الله أنت قاتل أمير المؤمنين ومثكلنا إمام المسلمين
هذا جزاؤه منك حيث آواك وقربك وأدناك وآثرك على غير ؟ وهل كان بئس
الامام لك حتى جازيته هذا الجزاء يا شقي ؟ قال : فلم يتكلم بل دمعت عيناه !
فانكب الحسن عليه السلام على أبيه يقبله ، وقال له : هذا قاتلك ياأباه قد أمكن الله
منه ، فلم يجبه وكان نائما ، فكره أن يوقظه من نومه ، ثم التفت إلى ابن ملجم و
قال له : يا عدو الله هذا كان جزاؤه منك يوأك وأدناك وقربك وحباك وفضلك
على غيرك ؟ هل كان بئس الامام لك حتى جازيته بهذا الجزاء يا شقي الاشقياء ؟
فقال له الملعون : يا أبا محمد أفأنت تنقذ من في النار ؟ فعند ذلك ضجت الناس بالبكاء
والنحيب ، فأمرهم الحسن عليه السلام بالسكوت ، ثم التفت الحسن عليه السلام إلى الذي جاء
به حذيفة رضي الله عنه ، فقال له : كيف ظفرت بعدو الله وأين لقيته ؟ فقال : يا
مولاي إن حديثي معه لعجيب ، وذلك أني كنت البارجة نائما في داري وزوجتي
إلى جانبي وهي من غطفان ، وأنا راقد وهي مستيقظة ، إذ سمعت هي الزعقة وناعيا
ينعي أميرالمؤمنين عليه السلام وهو يقول : " تهدمت والله أركان الهدى ، وانطمست والله
أعلام التقى ، قتل ابن عم محمد المصطفى ، قتل علي المرتضى ، قتله أشقى الاشقياء " فأيقظتني وقالت لي : أنت نائم وقد قتل إمامك علي بن أبي طالب ؟ فانتبهت من
كلامها فزعا مرعوبا وقلت لها : يا ويلك ما هذا الكلام رض الله ( 1 ) فاك لعل الشيطان
قد ألقى في سمعك هذا أو حلم القي عليك ، يا ويلك إن أميرالمؤمنين ليس لاحد
من خلق الله تعالى قبله تبعة ولا ظلامة ، وإنه لليتيم كالاب الرحيم ، وللارملة
كالزوج العطوف ، وبعد ذلك فمن ذا الذي يقدر على قتل أميرالمؤمنين وهو الاسد
الضرغام والبطل الهمام والفارس القمقام ؟ فأكثرت علي وقالت : إني سمعت ما
* ( هامش ص 285 ) ( 1 ) في ( خ ) فض الله . *
[286]
لم تسمع وعلمت ما لم تعلم ، فقلت لها : وما سمعت ؟ فأخبرتني بالصوت فقالت لي :
سمعت ناديا ينادي بأعلى صوته " تهدمت والله أركان الهدى ، وانطمست والله أعلام
التقى ، قتل ابن عم محمد المصطفى ، قتل علي المرتضي ، قتله أشقى الاشقياء " ثم قالت :
ما أظن بيتا في الكوفة إلا وقد دخله هذا الصوت ، قال : فبينما أنا وهي في مراجعة
الكلام وإذا بصيحة عظيمة وجلبة وضجة عظيمة وقائل يقول : " قتل أميرالمؤمنين "
فحس قلبي بالشر ، فمددت يدي إلى سيفي وسللته من غمده وأخذته ، ونزلت مسرعا
وفتحت باب داري وخرجت ، فلما صرت في وسط الجادة فنظرت يمينا وشمالا
وإذا بعدوالله يجول فيها يطلب مهربا فلم يجد ، وإذا قد انسدت الطرقات في وجهه
فلما نظرت إليه وهو كذلك رابني أمره ، فناديته : يا ويلك من أنت ؟ وما تريد لا
ام لك في وسط هذا الدرب تمر وتجئ ؟ فتسمى بغير اسمه ، وانتمى إلى غير كنيته
فقلت له : من أين أقبلت ؟ قال : من منزلي ، قلت : وإلى تريد تمضي في هذا
الوقت ؟ قال : إلى الحيرة ، فقلت : ولم لا تقعد حتى تصلي مع أميرالمؤمنين عليه السلام
صلاة الغداة وتمضي في حاجتك ؟ فقاك : أخشى أن أقعد للصلاة فتفوتني حاجتي ،
فقلت : ياويلك إني سمعت صيحة وقائلا يقول : قتل أميرالمؤمنين عليه السلام فهل عندك
من ذلك خبر ؟ قال : لا علم لي بذلك ، فقلت له : ولم لا تمضي معي حتى تحقق
الخبر وتمضي في حاجتك ؟ فقال : أنا ماض في حاجتي وهي أهم من ذلك ، فلما
قال لي مثل ذلك القول قلت : يالكع الرجال حاجتك أحب إليك من التجسس
لاميرالمؤمنين عليه السلام وإمام المسلمين ؟ وإذا والله يا لكع مالك عند الله من خلاق ،


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 286 سطر 19 الى ص 294 سطر 18

وحملت عليه بسيفي وهممت أن أعلو به فراغ عني ، فبينما أنا اخاطبه وهو يخاطبني
إذ هبت ريح فكشفت إزاره ، وإذا بسيفه تحت الازار كأنه مرآة مصقولة
فلما رأيت بريقه تحت ثيابه قلت : يا ويلك ما هذا السيف المشهور تحت ثيابك ؟
[287]
لعلك أنت قاتل أميرالمؤمنين ؟ فأراد أن يقول : " لا " فأنطق الله لسانه بالحق فقال :
" نعم " فرفعت سيفي وضربته ، فرفع هو سيفه وهو أن يعلوني به ، فانحرفت عنه
فضربته على ساقيه ، فأوقفته ووقع لحينه ، ووقعت عليه وصرخت صرخة شديدة
وأردت آخذ سيفه فما نعني عنه ، فخرج أهل الحيرة فأعانوني عليه حتى أوثقته
كتافا وجئتك به ، فها هو بين يديك ، جعلني الله فداك فاصنع ما شئت .
فقال الحسن عليه السلام : الحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه ، ثم انكب الحسن
عليه السلام على أبيه يقبله وقال له : يا أباه هذا عدوالله وعدوك قد أمكن الله منه ، فلم
يجبه وكان نائما ، فكره أن يوقظه من نومه ، فرقد ساعة ثم فتح عليه السلام عينيه وهو
يقول : ارفقوا بي يا ملائكة ربي فقال له الحسن عليه السلام : هذا عدوالله وعدوك ابن ملجم
قد أمكن الله منه وقد حضر بين يديك ، قال : ففتح أميرالمؤمنين عليه السلام عينيه ونظر
إليه وهو مكتوف وسيفه معلق في عنقه ، فقال له بضعف وانكسار صوت ورأفة ورحمة :
يا هذا لقد جئت عظيما وارتكبت أمرا عظيما وخطبا جسيما أبئس الامام كنت لك حتى
جازيتني بهذا الجزاء ؟ ألم أكن شفيقا عليك وآثرتك على غيرك وأحسنت إليك وزدت
في إعطائك ؟ ألم يكن يقال لي فيك كذا وكذا فخليت لك السبيل ومنحتك عطائي
وقد كنت أعلم أنك قاتلي لا محالة ؟ ولكن رجوت بذلك الاستظهار من الله تعالى
عليك يالكع وعل أن ترجع عن غيك ، فغلبت عليك الشقاوة فقتلتني يا شقي
الاشقياء ، قال : فدمعت عينا ابن ملجم لعنه الله تعالى وقال : يا أميرالمؤمنين أفأنت
تنقذ من في النار ؟ قال له : صدقت ، ثم التفت عليه السلام إلى ولده الحسن عليه السلام وقال
له : ارفق يا ولدي بأسيرك وارحمه ، وأحسن إليه وأشفق عليه ، ألا ترى إلى عينيه
قد طارتا في ام رأسه ، وقلبه يرجف خوفا ورعبا وفزعا ، فقال له الحسن عليه السلام :
يا أباه قد قتلك هذا اللعين الفاجر وأفجعنا فيك وأنت تأمرنا بالرفق به ؟ ! فقال
له : نعم يا بني نحن أهل بيت لا ؟ ؟ على الذنب إلينا إلا كرما وعفوا ، والرحمة
[288]
والشفقة من شيمتنا لا من شيمته ، بحقي عليك فأطعمه يا بني مما تأكله ، واسقه
مما تشرب ، ولا تقيد له قدما ، ولا تغل له يدا ، فإن أنامت فاقتص منه بأن تقتله
وتضربه ضربة واحدة وتحرقه بالنار ، ولا تمثل بالرجل فإني سمعت جدك رسول
الله صلى الله عليه واله يقول : إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور ، وإن أنا عشت فأنا أولى بالعفو
عنه ، وأنا أعلم بما أفعل به ، فإن عفوت فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا
إلا عفوا وكرما .
قال مخنف بن حنيف : إني والله ليلة تسع عشرة في الجامع في رجال نصلي قريبا
من السدة التي يدخل منها أميرالمؤمنين عليه السلام فبينا نحن نصلي إذ دخل أميرالمؤمنين
عليه السلام من السدة وهو ينادي : الصلاة ، ثم صعد المئذنة فأذن ، ثم نزل فعبر على قوم نيام في المسجد فناداهم : الصلاة ، ثم قصد المحراب ، فما أدري دخل في الصلاة
أم لا إذ سمعت قائلا يقول : الحكم لله لا لك يا علي ، قال : فسمعت عند ذلك أمير -
المؤمنين عليه السلام يقول : لا يفوتنكم الرجل ، قال : فشد الناس عليه وأنا معهم ، و
إذا هو وردان بن مجالد ، وأما ابن ملجم لعنه الله فإنه هرب من ساعته ودخل الكوفة
ورأينا أميرالمؤمنين عليه السلام مجروحا في رأسه .
قال محمد بن الحنفية : ثم إن أبي عليه السلام قال : احملوني إلى موضع مصلاي في
منزلي ، قال : فحملناه إليه وهو مدنف والناس حوله ، وهم في أمر عظيم باكين
محزونين ، قد أشرفوا على الهلاك من شدة البكاء والنحيب ، ثم التفت إليه الحسن
عليه السلام وهو يبكي . فقال له : يا أبتاه من لنا بعدك ؟ لا كيومك إلا يوم رسول الله صلى الله عليه واله
من أجلك تعلمت البكاء ، يعز والله علي أن أراك هكذا ، فناداه عليه السلام فقال : يا حسين
يا أبا عبدالله ادن مني ، فدنا منه وقد قرحت أجفان عينيه من البكاء ، فمسح الدموع
من عينيه ووضع يده على قلبه وقال له : يا بني ربط الله قلبك بالصبر ، وأجزل
لك ولاخوتك عظيم الاجر ، فسكن روعتك واهدأ من بكائك ، فإن الله قد آجرك
[289]
على عظيم مصابك ، ثم ادخل عليه السلام إلى حجرته وجلس في محرابه .
قال الراوي : واقبلت زينب وام كلثوم حتى جلستا معه على فراشه ، وأقبلتا
تند بانه وتقولان : يا أبتاه من للصغير حتى يكبر ؟ ومن للكبير بين الملا ؟ يا أبتاه
حزننا عليك طويل ، وعبرتنا لا ترقأ ( 1 ) ، قال : فضج الناس من وراء الحجرة بالبكاء والنحيب ، وفاضت دموع أميرالمؤمنين عليه السلام عند ذلك ، وجعل يقلب طرفه
وينظر إلى أهل بيته وأولاده ، ثم دعا الحسن والحسين عليهما السلام وجعل يحضنهما و
يقبلهما ، ثم اغمي عليه ساعة طويلة وأفاق ، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه واله يغمى
عليه ساعة طويلة ويفيق اخرى ، لانه صلى الله عليه واله كان مسموما ، فلما أفاق ناوله الحسن
عليه السلام قعبا من لبن ، فشرب منه قليلا ثم نحاه عن فيه وقال : احملوه إلى
أسيركم ، ثم قال للحسن عليه السلام : بحقي عليك يا بني إلا ما طيبتم مطعمه ومشربه ،
وارفقوا به إلى حين موتي ، وتطعمه مماتأكل وتسقيه مما تشرب حتى تكون أكرم
منه ، فعند ذلك حملوا إليه اللبن وأخبروه بما قال أميرالمؤمنين عليه السلام في حقه ، فأخذ
اللعين وشربه .
قال : ولما حمل أميرالمؤمنين عليه السلام إلى منزله جاؤا باللعين مكتوفا إلى
بيت من بيوت القصر فحبسوه فيه ، فقالت له ام كلثوم وهي تبكي : يا ويلك أما
أبي فإنه لا بأس عليه ، وإن الله مخزيك في الدنيا والآخرة ، وإن مصيرك إلى
النار خالدا فيها ، فقال لها ابن ملجم لعنه الله : ابكي إن كنت باكية فوالله لقد اشتريت
سيفي هذا بألف وسممته بألف ، ولو كانت ضربتي هذه لجميع أهل الكوفة مانجا
منهم أحد . وفي ذلك يقول الفرزدق :
" شعر " :
فلا غرو للاشراف إن ظفرت بها ( 2 ) * ذئاب الاعادي من فصيح وأعجمي
* ( هامش ص 289 ) ( 1 ) رقا الدمع : جف وانقطع .
( 2 ) كذا في النسخ ، والظاهر : فلا عز للاشراف . *
[290]
فحربة وحشي سقت حمزة الردى * وحتف علي من حسام ابن ملجم
قال محمد بن الحنفية رضي الله عنه : وبتنا ليلة عشرين من شهر رمضان مع
أبي وقد نزل السم إلى قدميه ، وكان يصلي تلك الليلة من جلوس ، ولم يزل
يوصينا بوصاياه ويعزينا عن نفسه ويخبرنا بأمره وتبيانه إلى حين طلوع الفجر ،
فلما أصبح استأذن الناس عليه ، فأذن لهم بالدخول ، فدخلوا عليه وأقبلوا يسلمون
عليه ، وهو يرد عليهم السلام ، ثم قال : أيها الناس اسألوني قبل أن تفقدوني و
خففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم ، قال فبكى الناس عند ذلك بكاءا شديدا ، وأشفقوا
أن يسألوه تخفيفا عنه ، فقام إليه حجربن عدي الطائي وقال :
فيا أسفى على المولى التقي * أبوالاطهار حيدرة الزكي
قتله كافر حنث زنيم * لعين فاسق نغل شقي ( 1 )
فيلعن ربنا من حاد عنكم * ويبرء منكم لعنا وبي
لانكم بيوم الحشر ذخري * وأنتم عترة الهادي النبي
فلما بصر به وسمع شعره قال له : كيف لي بك إذا دعيت إلى البراءة مني ،
فما عساك أن تقول ؟ فقال : والله يا أميرالمؤمنين لو قطعت بالسيف إربا إربا واضرم
لي النار والقيت فيها لآثرت ذلك على البراءة منك ، فقال : وفقت لكل خير
يا حجر ، جزاك الله خيرا عن أهل بيت نبيك . ثم قال : هل من شربة من لبن ؟
فأتوه بلبن في قعب ، فأخذه وشربه كله ، فذكر الملعون ابن ملجم وأنه لم يخلف
له شيئا ، فقال عليه السلام : " وكان أمرالله قدرا مقدورا " اعلموا أني شربت الجميع ولم
أبق لاسيركم شيئا من هذا ، ألا وإنه آخر رزقي من الدنيا ، فبالله عليك يا بني
إلا ما أسقيته مثل ما شربت ، فحمل إليه ذلك فشربه .
قال محمد بن الحنفية رضي الله عنه : لما كانت ليلة إحدى وعشرين وأظلم
الليل وهي الليلة الثانية من الكائنة جمع أبي أولاده وأهل بيته وودعهم ، ثم قال
* ( هامش ص 290 ) ( 1 ) النغل : المفسد في الارض . *
[291]
لهم : الله خليفتي عليكم وهو حسبي ونعم الوكيل ، وأوصاهم الجميع منهم بلزوم
الايمان والاديان والاحكام التي أوصاه بها رسول الله صلى الله عليه واله فمن ذلك ما نقل عنه
عليه السلام أنه أوصى به الحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه الملعون ابن ملجم و
هي هذه " اوصيكما بتقوى الله " وساقها إلى آخر ما مر برواية السيد الرضي . قال :
ثم تزايد ولوج السم في جسده الشريف ، حتى نظرنا إلى قدميه وقد احمر تا
جميعا ، فكبر ذلك علينا وأيسنا منه ، ثم أصبح ثقيلا ، فدخل الناس عليه ، فأمرهم
ونهاهم وأوصاهم ، ثم عرضنا عليه المأكول والمشروب فأبى أن يشرب فنظرنا إلى
شفتيه وهما يختلجان بذكرالله تعالى ، وجعل جبينه يرشح عرقا وهو يمسحه بيده
قلت : يا أبت أراك تمسح جبينك فقال : يا بني إني سمعت جدك رسول الله صلى الله عليه واله
يقول : إن المؤمن إذا نزل به الموت ودنت وفاته عرق جبينه وصار كاللؤلؤ الرطب
وسكن أنينه ، ثم قال : يا أبا عبدالله وياعون ، ثم نادى أولاده كلهم بأسمائهم صغيرا
وكبيرا واحدا بعد واحد ، وجعل يود عهم ويقول : الله خليفتي عليكم أستودعكم الله
وهم يبكون ، فقال له الحسن عليه السلام يا أبه ما دعاك إلى هذا ؟ فقال له : يا بني إني
رأيت جدك رسول الله صلى الله عليه واله في منامي قبل هذه الكائنة بليلة ، فشكوت إليه ما أنا فيه
من التذلل والاذى من هذه الامة ، فقال لي : ادع عليهم ، فقلت : اللهم أبدلهم
بي شرا مني وأبدلني بهم خيرا منهم ، فقال لي : قد استجاب الله دعاك ، سينقلك
إلينا بعد ثلاث ، وقد مضت الثلاث ، يا أبا محمد اوصيك - ويا أبا عبدالله - خيرا ، فأنتما
مني وأنا منكما ، ثم التفت إلى أولاده الذين من غير فاطمة عليها السلام وأوصاهم أن لا
يخالفوا أولاد فاطمة يعني الحسن والحسين عليهما السلام .
ثم قال : أحسن الله لكم العزاء ، ألاو إني منصرف عنكم ، وراحل في ليلتي
هذه ، ولاحق بحبيبي محمد صلى الله عليه واله كما وعدني ، فإذا أنامت يا أبا محمد فغسلني وكفني
وحنطني ببقية حنوط جدك رسول الله صلى الله عليه واله فإنه من كافور الجنة جاء به جبرئيل
عليه السلام إليه ، ثم ضعني على سريري ، ولا يتقدم أحد منكم مقدم السرير ،
واحملوا مؤخره واتبعوا مقدمه ، فأي موضع وضع المقدم فضعوا المؤخر ، فحيث
[292]
قام سريري فهو موضع قبري ، ثم تقدم يا أبا محمد وصل علي يا بني يا حسن وكبر
علي سبعا ، واعلم أنه لا يحل ذلك على أحد غيري إلا على رجل يخرج في آخر
الزمان اسمه القائم المهدي ، من ولد أخيك الحسين يقيم اعوجاج الحق ، فإذا
أنت صليت علي يا حسن فنح السرير عن موضعه ، ثم اكشف التراب عنه فترى
قبرا محفورا ولحدا مثقوبا وساجة منقوبة ، فأضجعني فيها ، فإذا أردت الخروج
من قبري فافتقدني فإنك لا تجدني ، وإني لاحق بجدك رسول الله صلى الله عليه واله واعلم
يا بني ما من نبي يموت وإن كان مدفونا بالمشرق ويموت وصيه بالمغرب إلا و
يجمع الله عزوجل بين روحيها وجسديهما ، ثم يفترقان فيرجع كل واحد منهما
إلى موضع قبره وإلى موضعه الذي حط فيه ، ثم اشرج ( 1 ) اللحد باللبن وأهل التراب
علي ثم غيب قبري ، وكان غرضه عليه السلام بذلك لئلا يعلم بموضع قبره أحد من بني
اميه ، فإنهم لو علموا بموضع قبره لحفروه وأخرجوه وأحرقوه كما فعلوا بزيد
ابن علي بن الحسين عليه السلام ثم يا بني بعد ذلك إذا أصبح الصباح أخرجوا تابوتا إلى
ظهر الكوفة ( 2 ) على ناقة ، وامر بمن يسيرها بما عليها كأنها تريد المدينة ، بحيث
يخفى على العامة موضع قبري الذي تضعني فيه ، وكأني بكم وقد خرجت عليكم
الفتن من ههنا وههنا فعليكم بالصبر فهو محمود العاقبة .
ثم قال : يا أبامحمد ويا أبا عبدالله كأني بكما وقد خرجت عليكما من بعدي
الفتن من ههنا ، فاصبرا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين . ثم قال : يا أبا عبدالله
أنت شهيد هذه الامة ، فعليك بتقوى الله والصبر على بلائه ، ثم اغمي عليه ساعة ،
وأفاق وقال : هذا رسول الله صلى الله عليه واله وعمي حمزة وأخي جعفر وأصحاب رسول الله
صلى الله عليه وآله وكلهم يقولون : عجل قدومك علينا فإنا إليك مشتاقون ، ثم
أدار عينيه في أهل بيته كلهم وقال : أستودعكم الله جميعا سددكم الله جميعا حفظكم
* ( هامش ص 292 ) ( 1 ) شرج الحجارة : نضدها وضم بعضها إلى بعض .
( 2 ) في ( خ ) و ( ت ) ، ظاهر الكوفة . *
[293]
الله جميعا ، خليفتي عليكم الله وكفى بالله خليفة . ثم قال : وعليكم السلام يا رسل
ربي ، ثم قال : " لمثل هذا فليعمل العاملون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم
محسنون " وعرق جبينه وهو يذكرالله كثيرا ، وما زال يذكر الله كثيرا ويتشهد
الشهادتين ، ثم استقبل القبلة وغمض عينيه ومد رجليه ويديه وقال : أشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ثم قضى نحبه عليه السلام ، و
كانت وفاته في ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان ، وكانت ليلة الجمعة سنة أربعين
من الهجرة .
قال : فعند ذلك صرخت زينب بنت علي عليه السلام وام كلثوم وجميع نسائه ، وقد
شقوا الجيوب ولطموا الخدود ، وارتفعت الصيحة في القصر ، فعلم أهل الكوفة أن
أميرالمؤمنين عليه السلام قد قبض ، فأقبل النساء والرجال يهرعون أفواجا أفواجا ، و
صاحوا صيحة عظيمة ، فارتجت الكوفة بأهلها وكثر البكاء والنحيب ، وكثر الضجيج
بالكوفة وقبائلهاو دورها وجميع أقطارها ، فكان ذلك كيوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه واله
فلما أظلم الليل تغير افق السماء وارتجت الارض وجميع من عليها بكوه وكنا
نسمع جلبة وتسبيحا في الهواء ، فعلمنا أنها من أصوات الملائكة ، فلم يزل كذلك إلى
أن طلع الفجر ، ثم ارتفعت الاصوات وسمعنا هاتفا بصوت يسمعه الحاضرون ولا
يرون شخصه يقول :
بنفسي ومالي ثم أهلي واسرتي * فداء لمن أضحى قتيل ابن ملجم
علي رقي فوق الخلائق في الوغى * فهدت به أركان بيت المحرم
علي أميرالمؤمنين ومن بكت * لمقتله البطحا وأكناف زمزم
يكاد الصفا والمشعران كلاهما * يهدا وبان النقص في ماء زمزم
وأصبحت الشمس المنير ضياؤها * لقتل علي لونها لون دلهم ( 1 )
* ( هامش ص 293 ) ( 1 ) الدلهم : المظلم . *
[294]
وضل له افق السماء كآبة * كشقة ثوب لونها لون عندم ( 1 )
وناحت عليه الجن إذ فجعت به * حنينا كثكلى نوحها بترنم
وأضحى إليها الجود والنبل مقتما ( 2 ) * وكان التقى في قبره المتهدم
وأضحى التقى والخير والحلم والنهى * وبات العلى في قبره المتهدم
يكاد الصفا والمستجار كلاهما * يهدا وبان النقص في ماء زمزم
لفقد علي خير من وطئ الحصى * أخا العالم الهادي النبي المعظم
فالمعنى عند ذلك أن السماوات والارض والملائكة والجن والانس قد
بكت ورثته في تلك الليلة ، وسمعنا في الهواء جلبة عظيمة وتسبيحا وتقديسا ، فعلمنا
أنها أصوات الملائكة ، فلم تزل كذلك حتى بدا الصباح ، فارتفعت الاصوات فخرجنا
وإذا بصائح في الهواء وهو يقول :
يا للرجال لعظم هول مصيبة * قدحت فليس مصابها بالهازل
والشمس كاسفة لفقد إمامنا * خير الخلائق والامام العادل
يا خير من ركب المطي ومن مشى * فوق الثرى من حافي أو ناعل
يا سيدي ولقد هددت قواءنا * والحق أصبح خاضعا للباطل
قال محمد بن الحنفية : ثم أخذنا في جهازه ليلا وكان الحسن عليه السلام يغسله و
الحسين عليه السلام يصب الماء عليه ، وكان يحتاج إلى من يقلبه ، بل كان يتقلب
كما يريد الغاسل يمينا وشمالا ، وكانت رائحته أطيب من رائحة المسك والعنبر ،
ثم نادى الحسن عليه السلام باخته زينب وام كلثوم وقال : يا اختاه هلمي بحنوط


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 294 سطر 19 الى ص 302 سطر 18

جدي رسول الله صلى الله عليه واله ، فبادرت زينب مسرعة حتى أتته به ، قال الراوي : فلما
فتحته فاحت الدار وجميع الكوفة وشوارعها لشدة رائحة ذلك الطيب ، ثم لفوه
بخمسة أثواب كما أمر عليه السلام ثم وضعوه على السرير ، وتقدم الحسن والحسين عليهما السلام
* ( هامش ص 294 ) ( 1 ) العندم : خشب نبات يصبغ به .
( 2 ) قتم وجهه : تغير واسود . *
[295]
إلى السرير من مؤخره وإذا مقدمه قد ارتفع ولا يرى حامله ، وكان حاملاه من
مقدمه جبرئيل وميكائيل ، فما مر بشئ على وجه الارض إلا انحنى له ساجدا
وخرج السرير من ماييل باب كندة ، فحملا مؤخره وسارا يتبعان مقدمه .
قال ابن الحنفية رضي الله عنه : والله لقد نظرت إلى السرير وإنه ليمر
بالحيطان والنخل فتنحني له خشوعا ، ومضى مستقيما إلى النجف إلى موضع قبره
الآن ، قال : وضجت الكوفة بالبكاء والنحيب ، وخرجن النساء يتبعنه لا طمات
حاسرات ، فمنعهم الحسن عليه السلام ونهاهم عن البكاء والعويل ، وردهن إلى أما كنهن
والحسين عليه السلام يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إليه راجعون
يا أباه واانقطاع ظهراه ، من أجلك تعلمت البكاء ، إلى الله المشتكى .
فلما انتهيا إلى قبره وإذا مقدم السرير قد وضع ، فوضع الحسن عليه السلام مؤخره
ثم قام الحسن عليه السلام وصلى عليه والجماعة خلفه ، فكبر سبعا كما أمره به أبوه عليه السلام
ثم زحزحنا سريره وكشفنا التراب وإذا نحن بقبر محفور ولحد مشقوق وساجة
منقورة مكتوب عليها : " هذا ما ادخره له جده نوح النبي للعبد الصالح الطاهر
المطهر " فلما أرادوا نزوله سمعوا هاتفا يقول : أنزلوه إلى التربة الطاهرة ، فقد
اشتاق الحبيب إلى الحبيب ، فدهش الناس عند ذلك وتحيروا ، والحد أميرالمؤمنين
عليه السلام قبل طلوع الفجر .
قال الراوي : لما الحد أميرالمؤمنين عليه السلام وقف صعصعة بن صوحان العبدي
رضي الله عنه على القبر ، ووضع إحدى يديه على فؤاده والاخرى قد أخذبها
التراب ويضرب به رأسه ، ثم قال : بأبي أنت وامي يا أميرالمؤمنين ، ثم قال : هنيئا
لك يا أبا الحسن ، فلقد طاب مولدك ، وقوي صبرك ، وعظم جهادك ، وظفرت
برأيك ، وربحت تجارتك ، وقدمت على خالقك ، فتلقاك الله ببشارته ، وحفتك
ملائكته ، واستقررت في جوار المصطفى ، فأكرمك الله بجواره ، ولحقت بدرجة
أخيك المصطفى ، وشربت بكأسه الاوفى ، فاسأل الله أن يمن علينا باقتفائنا أثرك
والعمل بسيرتك ، والموالاه لاوليائك ، والمعاداة لاعدائك ، وأن يحشرنا في زمرة
[296]
أوليائك ، فقد نلت مالم ينله أحد ، وأدركت مالم يدركه أحد ، وجاهدت في سبيل
ربك بين يدي أخيك المصطفى حق جهاده ، وقمت بدين الله حق القيام ، حتى
أقمت السنن ، وأبرت الفتن ( 1 ) واستقام الاسلام ، وانتظم الايمان ، فعليك مني
أفضل الصلاة والسلام ، بك اشتد ظهر المؤمنين ، واتضحت أعلام السبل ، واقيمت
السنن ، وما جمع لاحد مناقبك وخصالك ، سبقت إلى إجابة النبي صلى الله عليه واله مقدما
مؤثرا ، وسارعت إلى نصرته ، ووقيته بنفسك ، ورميت سيفك ذا الفقار في مواطن
الخوف والحذر ، قصم الله بك ( كل جبار عنيد ، ودل بك ) كل ذي بأس شديد
وهدم بك حصون أهل الشرك والكفر والعدوان والردى ، وقتل بك أهل الضلال
من العدى ، فهنيئا لك يا أميرالمؤمنين ، كنت أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه واله قربا
وأولهم سلما ، وأكثر هم علما وفهما ، فهنيئا لك يا أباالحسن ، لقد شرف الله مقامك
وكنت أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه واله نسبا ، وأولهم إسلاما ، وأوفاهم يقينا ،
وأشدهم قلبا ، وأبذلهم لنفسه مجاهدا ، وأعظمهم في الخير نصيبا ، فلا حرمنا الله
أجرك ولا أذلنا بعدك ، فوالله لقد كانت حياتك مفاتح للخير ومغالق للشر ، وإن
يومك هذا مفتاح كل شر ومغلاق كل خير ، ولو أن الناس قبلوا منك لاكلوا
من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة .
ثم بكى بكاء شديدا وأبكى كل من كان معه ، وعدلوا إلى الحسن والحسين
ومحمد وجعفر والعباس ويحيى وعون وعبدالله عليهم السلام فعزوهم في أبيهم صلوات الله
عليه ، وانصرف الناس ، ورجع أولاد أميرالمؤمنين عليه السلام وشيعتهم إلى الكوفة ، ولم
يشعر بهم أحد من الناس ، فلما طلع الصباح وبزغت الشمس أخرجوا تابوتا من
دار أميرالمؤمنين عليه السلام وأتوا به إلى المصلى بظاهر الكوفة ، ثم تقدم الحسن عليه السلام
وصلى عليه ، ورفعه على ناقة وسيرها مع بعض العبيد .
قال الراوي : فلما كان الغداة اجتمعوا لاجل قتل الملعون ، قال أبومخنف :
* ( هامش ص 296 ) ( 1 ) أبره : أصلحه . *
[297]
فلمارجع الحسن عليه السلام دخلت عليه ام كلثوم وأقسمت عليه أن لا يترك الملعون في الحياة ساعة واحدة ، وكان قد عزم على تأخيره ثلاثة أيام ، فأجابها إلى ذلك ، و
خرج لوقته وساعته ، وجمع أهل بيته وأهل البصائر من أصحاب أميرالمؤمنين عليه السلام
الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه واله كصعصعة والاحنف وما أشبههما رضي الله عنهم
وتشاوروا في قتل ابن ملجم لعنه الله تعالى ، فكل أشار بقتله في ذلك اليوم ، واجتمع
رأيهم على قتله في المكان الذي ضرب فيه الامام علي بن أبي طالب عليه السلام .
قال الراوي : ثم إنه لما رجع أولاد أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه إلى الكوفة
واجتمعوا لقتل اللعين عدو الله ابن ملجم فقال عبدالله بن جعفر : اقطعوا يديه و
رجليه ولسانه واقتلوه بعد ذلك ، وقال ابن الحنفية رضي الله عنه : اجعلوه غرضا
للنشاب وأحرقوه بالنار ، وقال آخر : اصلبوه حيا حتى يموت ، فقال الحسن
عليه السلام : أناممتثل فيه ماأمرني به أميرالمؤمنين عليه السلام أضربه ضربة بالسيف حتى
يموت فيها ، واحرقه بالنار بعد ذلك ، قال : فأمر الحسن عليه السلام أن يأتوه به ، فجاؤوا
به مكتوفا حتى أدخلوه إلى الموضع الذي ضرب فيه الامام علي بن أبي طالب عليه السلام
والناس يلعنونه ويوبخونه ، وهو ساكت لا يتكلم ، فقال الحسن عليه السلام : يا عدو -
الله قتلت أميرالمؤمنين عليه السلام وإمام المسلمين ، وأعظمت الفساد في الدين ، فقال لهما :
يا حسن ويا حسين عليكما السلام ما تريدان تصنعان بي ؟ قالا له : نريد قتلك كما
قتلت سيدنا ومولانا . فقال لهما : اصنعا ما شئتما أن تصنعا ، ولا تعنفا من استزله
الشيطان فصده عن السبيل ، ولقد زجرت نفسي فلم تنزجر ! ونهيتها فلم تنته !
فدعها تذوق وبال أمرها ولها عذاب شديد ، ثم بكى ، فقال له : يا ويلك ماهذه
الرقة ؟ أين كانت حين وضعت قدمك وركبت خطيئتك ؟ فقال ابن ملجم لعنه الله :
" استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله اولئك حزب الشيطان ألا إن حزب
الشيطان هم الخاسرون " ولقد انقضى التوبيخ والمعايرة ، وإنما قتلت أباك وحصلت
[298]
بين يديك ، فاصنع ما شئت وخذ بحقك مني كيف شئت ، ثم برك على ركبتيه و
قال : يا ابن رسول الله الحمد لله الذي أجرى قتلي على يديك ، فرق له الحسن عليه الحسن عليه السلام
لان قبله كان رحيما - صلى الله عليه - فقام الحسن عليه السلام
وأخذ السيف بيده وجرده من
غمده فهزبه ( 1 ) حتى لاح الموت في حده ثم ضربه ضربة أدار بها عنقه فاشتد زحام الناس
عليه ، وعلت أصواتهم ، فلم يتمكن من فتح باعه فارتفع السيف إلى باعه فأبرأه فانقلب
عدوالله على فقاه يحور في دمه ، فقام الحسين عليه السلام إلى أخيه وقال : يا أخي أليس الاب
واحدا والام واحدة ولي نصيب في هذه الضربة ولي في قتله حق ؟ فدعني أضربه
ضربة أشفي بها بعض ما أجده ، فناوله الحسن عليه السلام السيف فأخذه وهزه وضربه
على الضربة التي ضربه الحسن عليه السلام فبلغ إلى طرف أنفه ، وقطع جانبه الآخر ،
وابتدره الناس بعد ذلك بأسيافهم ، فقطعوه إربا إربا ، وعجل الله بروحه إلى النار
وبئس القرار ، ثم جمعوا جثته وأخرجوه من المسجد ، وجمعوا له حطبا وأحرقوه
بالنار ، وقيل : طرحوه في حفرة وطموه بالتراب ، وهو يعوي كعوي الكلاب
في حفرته إلى يوم القيامة ، وأقبلوا إلى قطام الملعونة الفاسقة الفاجرة فقطعوها
بالسيف إربا إربا ، ونهبوا دارها ، ثم أخذوها وأخرجوها إلى ظاهر الكوفة وأحرقوها
بالنار ، وعجل الله بروحها إلى النار وغضب الجبار ، وأما الرجلان اللذان تحالفا
معه فأحدهما قتله معاوية بن أبي سفيان بالشام والآخر قتله عمرو بن العاص بمصر
لا رضي الله عنهما ، وأما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم بالجامع يساعدانه على
قتل علي عليه السلام فقتلا من ليلتهما ، لعنهما الله وحشر هما محشر المنافقين الظالمين في
جهنم خالدين مع السالفين .
قال أبومخنف : فلما فرغوامن إهلاكهم وقتلهم أقبل الحسن والحسين عليهما السلام
إلى المنزل ، فالتفت بهم ام كلثوم وأنشدت تقول هذه الابيات لما سمعت بقتله
* ( هامش ص 298 ) ( 1 ) أى حركه . وفي ( م ) و ( خ ) : وندبه . *
[299]
وقيل : إنها لام الهيثم بنت العربان الخثعمية ، وقيل : للاسود الدؤلي شعرا يقول :
ألا يا عين جودي واسعدينا * ألا فابكي أمير المؤمنينا
وتبكي ام كلثوم عليه * بعبرتها وقد رأت اليقينا
ألا قل للخوارج حيث كانوا * فلا قرت عيون الحاسدينا
وأبكي خير من ركب المطايا * وحث بها وأقرى الظاعنينا
وأبكي خير من ركب المطايا * وفارسها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حفاها * ومن قرأ المثاني والمئينا
ومن صام الهجير وقام ليلا * وناجى الله خير الخالقينا
إمام صادق بر تقي * فقيه قد حوى علما ودينا
شجاع أشوس بطل همام * ومقدام الاساود في العرينا ( 1 )
كمي باسل قرم هزبر * حمي أروع ليث بطينا ( 2 )
فعمرو قاده في الاسر لما * طغا وسقى ابن ود منه حينا ( 3 )
ومرحب قده بالسيف قدا * وعفر ذا الخمار على الجبينا
وبات على الفراش يقي أخاه * ولم يعبأ بكيد الكافرينا
ويدعو للجماعة من عصاه * ويقضي بالفرائض مستبينا
وكل مناقب الخيرات فيه * وحب رسول رب العالمينا
مضى بعد النبي فدته نفسي * أبوحسن وخير الصالحينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين * رأيت البدر فاق الناظرينا
وكنا قبل مقتله بخير * نرى مولى رسول الله فينا
* ( هامش ص 299 ) ( 1 ) العرينة : مأوى الاسد .
( 2 ) الكمى والباسل : الشجاع . القرم - بالفتح - : السيد العظيم . الهزبر : الاسد . الحمى
من لا يحتمل الضيم . الاروع : من يعجبك بحسنه أو شجاعته .
( 3 ) قوله " فعمرو قاده في الاسر " اشارة إلى ماجرى بينه عليه السلام وبين عمرو بن معديكرب
وقوله " وسقى ابن ود " اشارة إلى قتل عمرو بن عبدود بيده . *
[300]
يقيم الحق لا يرتاب فيه * وينهك قطع أيدي السارقينا ( 1 )
وليس بكاتم علما لديه * ولم يخلق من المتجبرينا
أفي الشهر الحرام فجعتمونا * بخير الخلق طرا أجمعينا
ومن بعد النبي فخير نفس * أبوحسن وخير الصالحينا
فلو أنا سئلنا المال فيه * بذلنا المال فيه والبنينا
كأن الناس إذ فقدوا عليا * نعام جال في بلد سنينا
فلا والله لا أنسى عليا * وحسن صلاته في الراكعينا
لقد علمت قريش حيث كانت * بأنك خيرها حسبا ودينا
ألا فابلغ معاوية بن حرب * فلا قرت عيون الشامتينا
وقل للشامتين بنا رويدا * سيلقي الشامتون كما لقينا
قتلتم خير من ركب المطايا * وذللها ومن ركب السفينا
ألا فابلغ معاوية بن حرب * بأن بقية الخلفاء فينا
قال : فلم يبق أحد في المسجد إلا انتحب وبكى لبكائها ، وكل من كان حاضرا
من عدو وصديق ، ولم أر باكية ولا باكيا أكثر من ذلك اليوم .
أقول : روى البرسي في مشارق الانوار عن محدثي أهل الكوفة أن أميرالمؤمنين
عليه السلام لما حمله الحسن والحسين عليهما السلام على سريره إلى مكان البئر المختلف فيه إلى
نجف الكوفة وجدوا فارسا يتضوع منه رائحة المسك ، فسلم عليهما ثم قال للحسن
عليه السلام : أنت الحسن بن علي رضيع الوحي والتنزيل وفطيم العلم والشرف الجليل
خليفة أميرالمؤمنين وسيد الوصيين ؟ قال : نعم ، قال : وهذا الحسين بن أميرالمؤمنين
وسيد الوصيين سبط الرحمة ورضيع العصمة وربيب الحكمة ووالد الائمة ؟ قال
نعم ، قال : سلماه إلي وامضيا في دعة الله ، فقال له الحسن عليه السلام : إنه أوصى إلينا
أن لا نسلم إلا إلى أحد رجلين : جبرئيل أو الخضر فمن أنت منهما ؟ فكشف النقاب
* ( هامش ص 300 ) ( 1 ) نهكه : بالغ في عقوبته . *
[301]
فإذا هو أميرالمؤمنين عليه السلام ، ثم قال للحسن عليه السلام : يا أبا محمد إنه لا تموت نفس
إلا ويشهدها أفما يشهد جسده ؟ .
قال : وروي عن الحسن بن علي عليهما السلام أن أميرالمؤمنين قال للحسن والحسين
عليهما السلام : إذا وضعتماني في الضريح فصليا ركعتين قبل أن تهيلا علي التراب ، وانظرا
ما يكون ، فلما وضعاه في الضريح المقدس فعلا ما امرا به ، ونظرا وإذا الضريح
مغطى بثوب من سندس ، فكشف الحسن عليه السلام مما يلي وجه أمير المؤمنين ، فوجد
رسول الله صلى الله عليه واله وآدم وإبراهيم يتحدثون مع أميرالمؤمنين عليه السلام ، وكشف الحسين
مما يلي رجليه فوجد الزهراء وحواء ومريم وآسية عليهن السلام ينحن على أمير
المؤمنين عليه السلام ويندبنه ( 1 ) .
بيان : لم أر هذين الخبرين إلا من طريق البرسي ، ولا أعتمد على ما يتفرد
بنقله ، ولا أردهما ، لورود الاخبار الكثيرة الدالة على ظهورهم بعد موتهم في أجسادهم
المثالية ، وقد مرت في كتاب المعاد وكتاب الامامة . * ( هامش ص 301 ) ( 1 ) لم نجدهما في المصدر المطبوع . *
[302]
128 .
( باب )
* ( ما وقع بعد شهادته عليه السلام وأحوال قاتله لعنه الله ) *
1 - ب : أبوالبختري ، عن جعفر ، عن أبيه عليهما السلام قال : أخبرني أبي أن
الحسن عليه السلام قدم ابن ملجم فأراد أن يضرب عنقه ( 1 ) بيده ، فقال : قد عهدت الله
عهدا أن أقتل أباك ، فقد وفيت ، فإن شئت فاقتل وإن شئت فاعف ، فإن عفوت ذهبت
إلى معاوية فقتلته وأرحتك منه ثم جئتك ، فقال : لا حتى اعجلك إلى النار فقدمه
فضرب عنقه ( 2 ) .
2 - ص : بالاسناد إلى الصدوق عن أحمد بن علي ، عن أبيه ، عن جده إبراهيم
ابن هاشم ، عن ابن معبد ، عن علي بن عبدالعزيز ، عن يحيى بن بشير ، عن أبي
بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام قالا : سأل هشام بن عبدالملك أبي عليه السلام فقال : أخبرني
عن الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب عليه السلام بما استدل النائي ( 3 ) عن المصر
الذي قتل فيه علي وما كانت العلامة فيه للناس ؟ وأخبرني هل كانت لغيره في قتله
عبرة ؟ فقال له أبي : إنه لما كانت الليلة التي قتل فيها علي صلوات الله عليه لم
يرفع عن وجه الارض حجر إلا وجد تحته دم عبيط حتى طلع الفجر ، وكذلك
كانت الليلة التي فقد فيها هارون أخو موسى صلوات الله عليهما ، وكذلك كانت الليلة
التي قتل فيها يوشع بن نون ، وكذلك كانت الليلة التي رفع عيسى بن مريم صلوات
الله عليه ، وكذلك الليلة التي قتل فيها الحسين صلوات الله عليه ( 4 ) .


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 302 سطر 19 الى ص 310 سطر 18

* ( هامش ص 302 ) ( 1 ) في المصدر : قدمه ليضرب عنقه .
( 2 ) قرب الاسناد : 67 .
( 3 ) النائى : البعيد .
( 4 ) مخطوط . *
[303]
أقول : أوردناه بإسناد آخر في باب ما وقع بعد شهادة الحسين عليه السلام .
3 - ص : عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن عاقر ناقة صالح كان أزرق
ابن بغي ، وإن قاتل علي صلوات الله عليه ابن بغي ، وكانت مراد تقول : ما نعرف
له فينا أبا ولا نسبا ، وإن قاتل الحسين بن علي صلوات الله عليه ابن بغي ، وإنه
لم يقتل الانبياء ولا أولاد الانبياء إلا أولاد البغايا ( 1 ) .
4 - ك : أبي ، عن سعد والحميري معا ، عن ابن عيسى ، عن محمد البرقي ،
عن أحمد بن الزيد النيسابوري ، عن عمر بن إبراهيم الهاشمي ، عن عبدالملك بن
عمير ، عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله صلى الله عليه واله قال : لما كان اليوم الذي قبض
فيه أميرالمؤمنين عليه السلام ارتجت الموضع بالبكاء ، ودهش الناس كيوم قبض النبي
صلى الله عليه واله ، وجاء رجل باك وهو متسرع ( 2 ) مسترجع ، وهو يقول : اليوم انقطعت خلافة
النبوة ، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أمير المؤمنين صلى الله عليه ، فقال :
رحمك الله يا أبا الحسن كنت أول القوم إسلاما ، وأخلصهم إيمانا ، وأشدهم يقينا ، و
أخوفهم لله ( 3 ) عزوجل ، وأعظمهم عناء ، و أحوطهم على رسول الله صلى الله عليه واله ، وآمنهم على
أصحابه ، وأفضلهم مناقب ، وأكرمهم سوابق ، وأرفعهم درجة ، وأقربهم من رسول الله
وأشبههم به هديا ونطقا ( 4 ) وسمتا وفعلا ، وأشرفهم منزلة ، وأكرمهم عليه ( 5 ) ، فجزاك
الله عن الاسلام وعن رسول الله صلى الله عليه واله وعن المسلمين خيرا ، قويت حين ضعف أصحابه
وبرزت حين استكانوا ، ونهضت حين وهنوا ، ولزمت منهاج رسول الله صلى الله عليه واله إذ هم
أصحابه ، وكنت خليفته حقا ، لم تنازع ولم تضرع بزعم المنافقين وغيظ الكافرين و
كره الحاسدين وضغن الفاسقين ، فقمت بالامر حين فشلوا ، ونطقت حين تنعتعوا ،
* ( هامش ص 303 ) ( 1 ) مخطوط .
( 2 ) في المصدر : مسرع .
( 3 ) " : من الله .
( 4 ) " : وخلقا .
( 5 ) " : وأكرمهم عليه قدرا . *
[304]
ومضيت بنور الله عزوجل حين وقفوا ، ولو اتبعوك لهدوا ، ( و ) كنت أخفضهم صوتا
وأعلاهم فوتا ( 1 ) ، وأقلهم كلاما ، وأصوبهم منطقا ، وأكثرهم رأيا ، وأشجعهم قلبا
وأشدهم يقينا ، وأحسنهم عملا ، وأعرفهم بالامور ، كنت والله للدين يعسوبا ، وكنت
للمؤمنين ( 2 ) أبا رحيما ، إذ صاروا عليك عيالا فحملت أثقال ما عنه ضعفوا ، وحفظت
ما أضاعوا ، ورعيت ما أهملوا ( 3 ) ، وعلوت إذ هلعوا ، وصبرت إذ جزعوا ، وأدركت
إذ تخلفوا ، ونالوا بك ما لم يحتسبوا ، وكنت على الكافرين عذابا صبا ، وللمؤمنين
غيثا وخصبا ، فطرت والله بعنانها ، وفزت بجنانها ، وأحرزت سوابقها ، وذهبت بفضائلها
لم يفلل حدك ( 4 ) ولم يزغ قلبك ، ولم تضعف بصيرتك ، ولم تجبن نفسك ولم تخن .
كنت كالجبل لا تحركه العواصف ، ولا تزيله القواصف ، وكنت - كما قال النبي -
ضعيفا في بدنك قويا في أمرالله ، متواضعا في نفسك عظيما عندالله عزوجل ، كبيرا
في الارض جليلا عند المؤمنين ، لم يكن لاحد فيك مهمز ولا لقائل فيك مغمز ( 5 )
ولا لاحد عندك هوادة القوي ( 6 ) العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق ، و
البعيد والقريب ( 7 ) عندك في ذلك سواء شأنك الحق والرفق والصدق ( 8 ) وقولك حكم
وحتم ، وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم ، فاقلعت ( 9 ) وقد نهج السبيل وسهل
* ( هامش ص 304 ) ( 1 ) في الكافى : واعلاهم قنوتا .
( 2 ) " : كنت والله للدين يعسوبا أولا حين تفرقت الناس وآخرا حين فشلوا ، كنت
بالمؤمنين اه .
( 3 ) في المصدر والكافى بعد ذلك : وشمرت اذا اجتمعوا .
( 4 ) في المصدر والكافى : لم تفلل حجتك .
( 5 ) في المصدر والكافى بعد ذلك : ولا لاحد فيك مطمع .
( 6 ) في المصدر والكافى : الضعيف الذليل عندك قوى عزيز حتى تأخذله بحقه والقوى اه .
( 7 ) " " " : والقريب والبعيد .
( 8 ) " " " : والصدق والرفق .
( 9 ) " " " : فيما فعلت . *
[305]
العسير وأطفأت النار ( 1 ) ، واعتدل بك الدين ، وقوي ( 2 ) بك الايمان ، وثبت بك
الاسلام والمؤمنون ، وسبقت سبقا بعيدا ، وأتبعت من بعدك تعبا شديدا ، فجللت عن
البكاء ، وعظمت رزيتك في السماء ، وهدت مصيبتك الانام ، فإنا لله وإنا إليه راجعون
رضينا عن الله قضاءه ، وسلمنا لله أمره ، فوالله لن يصاب المسلمون بمثلك أبدا ، كنت
للمؤمنين كهفا وحصنا ( 3 ) وعلى الكافرين غلظه وغيظا ، فألحقك الله بنبيه ، ولا
حرمنا أجرك ، ولا أضلنا بعدك .
وسكت القوم حتى انقضى كلامه ، وبكى وأبكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله ، ثم
طلبوه فلم يصادفوه ( 4 ) .
كا : عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن البرقي ، عن أحمد بن زيد مثله ( 5 ) .
بيان الارتجاج : الاضطراب . والاسترجاع : قول " إنا لله وإنا إليه راجعون "
قوله : " انقطعت خلافة النبوة " أي استيلاء خلفاء الحق . وحاطه يحوطه : حفظه
وصانه وذب عنه . والهدى : : السيرة والهيئة والطريقة . والسمت : الهيئة الحسنة .
والاستكانة : الخضوع . والمراد هنا الضعف والجبن والعجز . قوله عليه السلام : " ونهضت "
أي قمت بأمر الجهاد وإعانة الرسول . قوله عليه السلام : " إذهم أصحابه " أي قصدوا ما
قصدوا من البدع والارتداد عن الدين . قوله عليه السلام : " لم تنازع " أي ما كان ينبغي
النزاع فيك ، لظهور الامر ، ويقال : ضرع إليه بتثليث الراء أي خضع وذل و
استكان ، وككرم : ضعف . والفشل : الكسل والجبن . والتعتعة : التردد في الكلام من
* ( هامش ص 305 ) ( 1 ) في المصدر والكافى : النيران .
( 2 ) في المصدر : واعتدل بك بناء الدين وظهر امرالله ولو كره الكافرون ، وقوى اه .
( 3 ) في الكافى وهامش المصدر بعد ذلك " وقنة راسيا " أى جبلا ثابتا .
( 4 ) كمال الدين 218 و 219
( 5 ) اصول الكافى ( الجزء الاول من الطبعة الحديثة ) : 454 456 . *
[306]
حصر أوعي . والفوت : السبق إلى الشئ والهلع : أفحش الجزع . قوله عليه السلام :
" فطرت والله بعنانها " أي في ميدان المسابقة طرت آخذا بعنان فرس الفضيلة حتى
سبقتهم ، فالضمائر في قوله : " بعنانها " ونظائره راجعة إلى الامة أو إلى الكمالات ،
وفي النهج " وفزت برهانها " وفي الكافي " فطرت والله بغمانها وفزت بحبائها "
فيمكن أن يكون المراد الطيران إلى الآخرة . والهوادة : السكون والرخصة والمحاباة
قوله : " فأقلعت " أي ذهبت عنا وتركتنا . ونهج الطريق كمنع : وضح وأوضح .
قوله عليه السلام : " فجللت عن البكاء " أي أنت أجل من أن يقضي حق مصيبتك البكاء
والظاهر أن القائل كان هو الخضر عليه السلام .
5 - حة : قال الثقفي في كتاب مقتل أميرالمؤمنين عليه السلام - ونقلته من نسخة
عتيقة تاريخها سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وذلك على أحد القولين - : إن عبدالله
بن جعفر ( الطيار ) قال : دعوني أشفي بعض ما في نفسي عليه - يعني ابن ملجم
لعنه الله - فدفع إليه ، فأمر بمسمار فحمي بالنار ، ثم كحله ، فجعل ابن ملجم يقول :
تبارك الله الخالق للانسان من علق ، يا ابن أخ إنك لتكحلن بملمول مض ، ثم
أمر بقطع يده ورجله فقطع ولم يتكلم ، ثم أمر بقطع لسانه فجزع ، فقال له بعض
الناس : يا عدو الله كحلت عينك ( 1 ) بالنار وقطعت يداك ورجلاك فلم تجزع
وجزعت من قطع لسانك ؟ فقال لهم : يا جهال أنا والله ( 2 ) ما جزعت لقطع لساني
ولكني أكره أن أعيش في الدنيا فواقا لا أذكرالله فيه ! فلما قطع لسانه احرق
بالنار . ( 3 )
بيان : قال الجوهري : الملمول : الميل الذي يكتحل به ( 4 ) . وقال : كحله
بملمول مض أي حار ( 5 ) .
* ( هامش ص 306 ) ( 1 ) في المصدر : عيناك .
( 2 ) " : اما والله .
( 3 ) فرحة الغرى : 10 .
( 4 ) الصحاح : 1821 .
( 5 ) الصحاح : 1107 . *
[307]
6 - حة : عبدالصمد بن أحمد ، عن أبي الفرج الجوزي قال : قرأت بخط
أبي الوفاء بن عقيل قال : لما جئ بابن ملجم إلى الحسن عليه السلام قال له : إني اريد
أن أسارك بكلمة ، فأبى الحسن عليه السلام وقال : إنه يريد أن يعض اذني ، فقال
ابن ملجم : والله لو أمكنني منها لاخذتها من صماخه ( 1 ) ! .
7 - يج : أخبرنا أبومنصور شهردار بن شيرويه الديلمي ، عن أبي الحسن ،
عن علي بن أحمد الميداني ، عن محمد بن يحيى ، عن عمرو بن أحمد بن محمد بن عمرو ،
عن الحسن بن محمد المعروف بابن الرفا قال : سمعته يقول : كنت بالمسجد الحرام
فرأيت الناس مجتمعين حول مقام إبراهيم ، فقلت : ما هذا ؟ قالوا : راهب أسلم ،
فأشرفت عليه وإذا بشيخ كبير عليه جبة صوف وقلنسوة صوف ، عظيم الخلقة ، و
هو قاعد بحذاء مقام إبراهيم ، فسمعته يقول : كنت قاعدا في صومعة فأشرفت منهاو
إذا بطائر كالنسر قد سقط على صخرة على شاطئ البحر ، فتقيأ فرمى بربع إنسان
ثم طار ، فتفقدته فعاد فتقيأ فرمى بربع إنسان ، ثم طار فجاء فتقيأ بربه إنسان ، ثم طار فدنت الارباع فقام رجلا وهو قائم ، وأنا
أتعجب منه ، ثم انحدر الطير فضربه وأخذ ربعه فطار ، ثم رجع فأخذ ربعه فطار ،
ثم رجع فأخذ ربعه فطار ، ثم انحدر الطير فأخذ الربع الآخر فطار . فبقيت أتفكر
وتحسرت ألا أكون لحقته وسألته من هو ؟ فبقيت أتفقد الصخرة حتى رأيت الطير
قد أقبل فتقيأ بربع إنسان ، فنزلت فقمت بإزائه ، فلم أزل حتى تقيأ بالربع
الرابع ، ثم طار فالتأم رجلا ، فقام قائما ، فدنوت منه فسألت فقلت : من أنت ؟
فسكت عني ، فقلت : بحق من خلقك من أنت ؟ قال : أنا ابن ملجم ، قلت له :
وأيش عملت ؟ قال : قتلت علي بن أبي طالب عليه السلام ، فوكل بي هذا الطير يقتلني
كل يوم قتلة ، فهو يخبرني إذا نقض الطائر فأخذ ربعه وطار ، فسألت عن علي
عليه السلام فقال : هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه واله فأسلمت ( 2 ) .
* ( هامش ص 307 ) ( 1 ) فرحة الغرى : 10 - 11 .
( 2 ) الخرائج والجرائح : 18 - 19 . *
[308]
كشف : من مناقب الخوارزمي عن الرفاء مثله ( 1 ) .
8 - شا : روى جعفر بن سليمان الضبيعي عن المعلى بن زياد قال : جاء عبد
الرحمن بن ملجم لعنه الله إلى أميرالمؤمنين عليه السلام يستحمله ، فقال : يا أمير المؤمنين
احملني فنظر إليه ثم قال له : أنت عبدالرحمن بن ملجم المرادي ؟ قال ( 2 ) : يا غزوان
احمله على الاشقر ، فجاء بفرس أشقر ، فركبه ابن ملجم وأخذ بعنانه ، فلما ولى
قال أميرالمؤمنين عليه السلام :
اريد حباءه ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد
قال : فلما كان من أمره ما كان وضرب أميرالمؤمنين عليه السلام قبض عليه وقد
خرج من المسجد فجئ به إلى أميرالمؤمنين عليه السلام فقال له : والله لقد كنت أصنع
بك ما أصنع وأنا أعلم أنك قاتلي ، ولكن كنت أفعل ذلك بك لاستظهر بالله
عليك ( 3 ) .
9 - قب : أحاديث علي بن الجعد عن شعبة عن قتادة ومجاهد عن ابن عباس
قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : إن السماء والارض لتبكي على المؤمن إذا مات أربعين
صباحا ، وإنها لتبكي على العالم إذا مات أربعين شهرا ، وإن السماء والارض
ليبكيان على الرسول أربعين سنة ، وإن السماء والارض ليبكيان عليك يا علي
إذا قتلت أربعين سنة . قال ابن عباس : لقد قتل أميرالمؤمنين عليه السلام على الارض
بالكوفة فأمطرت السماء ثلاثة أيام دما .
أبوحمزة عن الصادق عليه السلام وقد روي أيضا عن سعيد بن المسيب أنه لما قبض
* ( هامش ص 308 ) ( 1 ) كشف الغمة : 130 .
( 2 ) في المصدر : قال : نعم ، ثم قال ، انت عبدالرحمن بن ملجم المرادى ؟ قال : نعم ،
قال : يا غزوان اه .
( 3 ) الارشاد للمفيد : 6 - 7 *
[309]
أميرالمؤمنين عليه السلام لم يرفع من وجه الارض حجر إلا وجد تحته دم عبيط .
أربعين الخطيب وتاريخ النسوي أنه سأل عبدالملك بن مروان الزهري :
ما كانت علامة يوم قتل علي عليه السلام ؟ قال : ما رفع حصاة من بيت المقدس إلا كان تحتها
دم عبيط ، ولما ضرب عليه السلام في المسجد سمع صوت : " لله الحكم لا لك يا علي ولا
لاصحابك " فلما توفي سمع في داره " أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم
القيامة " الآية ( 1 ) ، ثم هتفت آخر ( 2 ) : مات رسول الله صلى الله عليه واله ومات أبوكم .
وفي أخبار الطالبيين أن الروم أسروا قوما من المسلمين فاتي بهم إلى الملك
فعرض عليهم الكفر فأبوا ، فأمر بإلقائهم في الزيت المغلي وأطلق منهم رجلا يخبر
بحالهم ، فبينما هو يسير إذ سمع وقع حوافر الخيل ، فوقف فنظر إلى أصحابه
الذين القوا في الزيت ، فقال لهم في ذلك ، فقالوا : قد كان ذلك ، فنادى مناد من
السماء في شهداء البر والبحر أن علي بن أبي طالب عليه السلام قد استشهد في هذه
الليلة فصلوا عليه ، فصلينا عليه ونحن راجعون إلى مصارعنا .
أبوذرعة الرازي بإسناده عن منصور بن عمار أنه سئل عن أعجب ما رآه ،
قال : ترى هذه الصخرة في وسط البحر ؟ يخرج من هذا البحر كل يوم طائر مثل
النعامة فيقع عليها ، فإذا استوى واقفا تقيأ رأسا ، ثم تقيأ يدا ، وهكذا عضوا عضوا
ثم تلتئم الاعضاء بعضها إلى بعض حتى يستوي إنسانا قاعدا ، ثم يهم للقيام ، فإذا هم
للقيام نقره نقرة فأخذ رأسه ، ثم أخذه عضوا عضوا كما قاءه ، قال : فلما طال علي
ذلك ناديته يوما : ويلك من أنت ؟ ثم التفت إلي وقال ( 3 ) : هو عبدالرحمن بن
ملجم قاتل علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام وكل الله به هذا الطير ، فهو يعذبه
إلى يوم القيامة وزعم أنهم يسمعون العواء من قبره ( 4 ) .
* ( هامش ص 309 ) ( 1 ) سورة فصلت : 40 .
( 2 ) في المصدر : ثم هتف هاتف آخر .
( 3 ) : : وقال هاتف .
( 4 ) مناقب آل ابى طالب 1 : 481 و 482 . *
[310]
10 - فر : علي بن محمد بن مخلد الجعفي معنعنا عن سليمان بن يسار قال : رأيت
ابن عباس لما توفي أميرالمؤمنين عليه السلام بالكوفة وقد قعد على المسجد محتبيا ( 1 ) و
وضع فرقه على ركبتيه وأسند يده تحت خده وقال : أيها الناس إني قائل فاسمعوا
من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، سمعت عن رسول الله يقول : إذا مات أميرالمؤمنين
علي بن أبي طالب واخرج من الدنيا ظهرت في الدنيا خصال لا خير فيها ، فقلت : وما
هي يا رسول الله ؟ فقال : تقل الامانة ، وتكثر الخيانة حتى يركب الرجل الفاحشة
وأصحابه ينظرون إليه ، والله لتضايق الدنيا بعده بنكبة ، ألا وإن الارض لم تخل ( 2 )
مني مادام علي بن أبي طالب حيا في الدنيا بقية من بعدي ، علي في الدنيا عوض
مني بعدي ( 3 ) علي كجلدي ، علي لحمي ، علي عظمي ، علي كدمي ، علي عروقى
علي أخي ووصيي في أهلي ، وخليفتي في قومي ، ومنجز عداتي ، وقاضي ديني ، قد
صحبني علي في ملمات أمري ، وقاتل معي أحزاب الكفار ، وشاهدني في الوحي
وأكل معي طعام الابرار ، وصافحه جبرئيل عليه السلام مرارا نهارا جهارا ( 4 ) وشهد
جبرئيل وأشهدني أن عليا عليه السلام من الطيبين الاخيار ، وأنا اشهدكم معاشر
الناس لا يتسائلون ( 5 ) من علم آمركم مادام علي فيكم ، فإذا فقدتموه فعند ذلك
تقوم الآية : " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة " صدق الله وصدق
نبي الله ( 6 ) .
* ( هامش ص 310 ) ( 1 ) احتبى بالثوب : اشتمل به . جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها وفي المصدر : وقد
قعد في المسجد .


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 310 سطر 19 الى ص 318 سطر 18

( 2 ) في المصدر : لا تخل .
( 3 ) " : عوض من بعدى .
( 4 ) في المصدر بعد ذلك : وقبل جبرئيل خد على اليسار اه .
( 5 ) في المصدر : لا نتساءلون .
( 6 ) تفسير فرات : 51 . *
[311]
البرسي في المشارق من كتاب الواحدة أن الحسن عليه السلام لما قام بالامر بعد
أميرالمؤمنين عليه السلام اجتمع إليه أكابر أهل الكوفة ، وطلبوا منه أن يريهم من العجائب
مثل ما كان يريهم أميرالمؤمنين عليه السلام فجاء بهم إلى الدار ، ثم أدخلهم وكشف الستر
وقال : انظروا ، فنظروا فإذا أميرالمؤمنين عليه السلام جالسا هناك ، فقال القوم بأحمعهم :
أشهد ( 1 ) أنك خليفة الله وهذه والله أسرار أميرالمؤمنين عليه السلام التي كنا نراها منه ( 2 ) .
129 .
( باب )
* ( ما ظهر عند الضريح المقدس من المعجزات والكرامات ) *
1 - فرحة الغرى : أخبرني عمي السعيد علي بن موسى بن طاوس والفقيه
نجم الدين أبوالقاسم بن سعيد والفقيه المقتدى بقية المشيخة نجيب الدين يحيى
بن سعيد أدام الله بركاتهم ، كلهم عن الفقيه محمد بن عبدالله بن زهرة الحسيني ، عن
محمد بن الحسن العلوي الحسيني الساكن بمشهد الكاظم عليه السلام ، عن القطب الراوندي
عن محمد بن علي بن المحسن الحلبي ، عن الطوسي - ونقلته من خطه حرفا حرفا -
عن المفيد محمد بن محمد بن النعمان ، عن محمد بن أحمد بن داود ، عن أبي الحسين محمد بن تمام
الكوفي ، قال : حدثنا أبوالحسن علي بن الحسن بن الحجاج من حفظه ، قال :
كنا جلوسا في مجلس ابن عمي أبي عبدالله محمد بن عمران بن الحجاج وفيه جماعة من
أهل الكوفة من المشائخ ، وفيمن حضر العباس بن أحمد العباسي ، وكانوا قد حضروا
عند ابن عمي يهنؤنه بالسلامة ، لانه حضر وقت سقوط سقيفة سيدي أبي عبدالله
* ( هامش ص 311 ) ( 1 ) كذا في النسخ وفي المصدر : نشهد .
( 2 ) مشارق الانوار : 110 و 111 . *
[312]
الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام في ذي الحجة من سنة ثلاث وسبعين ومائتين ،
فبيناهم قعود يتحدثون إذ حضر المجلس إسماعيل بن عيسى العباسي ، فلما نظرت
الجماعة إليه أحجمت ( 1 ) عما كانت فيه ، وأطال الاسماعيل الجلوس ، فلما نظر
إليهم قال لهم : يا أصحابنا أعز كم الله لعلي قطعت حديثكم بمجيئي ، قال أبوالحسن
علي بن يحيى السليماني - وكان شيخ الجماعة ومقدما فيهم - : لا والله يا با عبدالله
أعزك الله ما أمسكنا بحال من الاحوال ، فقال لهم : يا أصحابنا اعلموا أن الله عز
وجل مسائلي عما أقول لكم وما أعتقده المذهب ( 2 ) ، حتى حلف بعتق جواريه و
مماليكه وحبس دوابه أنه لا يعتقد إلات ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام والسادة من
الائمة عليهم السلام وعدهم واحدا واحدا . وساق الحديث ، فأبسط ( 3 ) إليه أصحابنا و
سألهم وسألوه ، ثم قال لهم : رجعنا يوم جمعة من الصلاة من المسجد الجامع مع عمي
داود ، فلما كان قبل منازلنا ( 4 ) وقبل منزله وقد خلا الطريق قال لنا : أينما كنتم
قبل أن تغرب الشمس فصيروا إلي ، ولا يكون ( 5 ) أحد منكم على حال فيتخلف ،
لانه ( 6 ) كان جمرة بني هاشم ، فصرنا إليه آخر النهار وهو جالس ينتظرنا ، فقال :
صيحوا بفلان وفلان من الفعلة ، فجاءه رجلان معهما آلتهما ، والتفت إلينا فقال :
اجتمعوا كلكم فاركبوا في وقتكم هذا ، وخذوا معكم الجمل - غلاما ( 7 ) كان له
* ( هامش ص 312 ) ( 1 ) أحجم عنه : كف أو نكص هيبة .
( 2 ) في المصدر : من المذهب .
( 3 ) " : فانبسط .
( 4 ) " : منزلنا .
( 5 ) " : ولا يكونن .
( 6 ) " : وكان مطاعا لانه اه .
( 7 ) " يعنى غلاما . *
[313]
أسود يعرف بالجمل ، وكان لو حمل هذا الغلام على سكر دجلة لسكرها ( 1 ) من
شدته وبأسه - وامضوا إلى هذا القبر الذي قد افتتن به الناس ويقولون : إنه قبر
علي حتى تنبشوه وتجيئوني بأقصى ما فيه ، فمضينا إلى الموضع فقلنا : دونكم وما
أمر به ، فحضر الحفارون وهم يقولون : " لا حول ولا قوة إلا بالله " في أنفسهم ، و
نحن في ناحية حتى نزلوا خمسة أذرع ، فلما بلغوا إلى الصلابة قال الحفارون : قد
بلغنا إلى موضع صلب وليس نقوى بنقره ، فأنزلوا الحبشي فأخذ المنقار فضرب
ضربة سمعنا لها طنينا ( 2 ) شديدا في البر ، ثم ضرب ثانية فسمعنا طنينا أشد من ذلك
ثم ضرب الثالثة فسمعنا أشد ( 3 ) مما تقدم ، ثم صاح الغلام صيحة ، فقمنا فأشرفنا
عليه وقلنا للذين كانوا معه : اسألوه ما باله ، فلم يجبهم وهو يستغيث ، فشدوه و
أخرجوه بالحبل ، فإذا على يده من أطراف أصابعه إلى مرفقه دم وهو يستغيث ، لا
يكلمنا ولا يحير جوابا ، فحملناه على البغل ورجعنا طائرين ، ولم يزل لحم الغلام
ينثر من عضده وجنبيه ( 4 ) وسائر شقه الايمن حتى انتهينا إلى عمي ، فقال : أيش
وراءكم ؟ فقلنا : ما ترى ، وحدثناه بالصورة ، فالتفت إلى القبلة وتاب عما هو
عليه ، ورجع عن المذهب ، وتولى وتبرأ ، وركب بعد ذلك في الليل على مصعب
ابن جابر ( 5 ) فسأله أن يعمل على القبر صندوقا ، ولم يخبره بشئ مما جرى ، و
وجه من طم الموضع ، وعمر الصندوق عليه ، ومات الغلام الاسود من وقته . قال
أبوالحسن بن الحجاج : رأينا هذا الصندوق الذي هذا حديثه لطيفا ، وذلك من
* ( هامش ص 313 ) ( 1 ) سكره : سده .
( 2 ) في المصدر : فسمعنا طنينا .
( 3 ) " : فسمعنا طنينا اشد .
( 4 ) " : ينتشر من عضده وجسمه .
( 5 ) " : إلى على بن مصعب بن جابر . *
[314]
قبل أن يبنى عليه الحائط الذي بناه الحسن بن زيد ، هذا آخر ما نقلته من خط
الطوسي رضي الله عنه .
أقول : وقد ذكرهنا الشريف أبوعبدالله محمد بن علي بن الحسن بن علي بن
الحسين بن عبدالرحمن الشجري بالاسناد المقدم إليه : حدثني أبوالحسن محمد بن
أحمد بن عبدالله الجواليقي لفظا ، قال : أخبرنا أبوجعفر محمد بن محمد بن الحسين ( 1 )
إجازة وكتبته من خط يده ، قال : أخبرنا علي بن الحسين بن الحجاج إملاء من
حفظه ، قال : كنا في مجلس عمي أبي عبدالله محمد بن عمران بن الحجاج ، وتمم
الحديث على نحو ما ذكرناه ، ولم يقل : " ابن عمي " وفيه تغيير لا يضر طائلا ، و
قال في آخره : الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن
علي بن أبي طالب عليه السلام المعروف بالداعي الخارج بطبرستان .
أقول : هذا الحسن بن زيد صاحب الدعوة بالري قتله مرداويج ، ملك بلادا
كثيرة ، قال الفقيه صفي الدين محمد بن معد : وقد رأيت هذا الحديث بخط أبي
يعلى محمد بن حمزة الجعفري صهر الشيخ المفيد والجالس بعد وفاته مجلسه .
أقول : وقد رأيته بخط أبي يعلى الجعفري أيضا في كتابه كما ذكر صفي
الدين أيضا ، ورأيته أنا في خط أبي يعلى ، ورأيت هذا في مزار ابن داود القمي
عندي ( 2 ) في نسخة عتيقة مقابلة بنسخة عليها مكتوب ما صورته : قد أجزت هذا الكتاب
وهو أول كتاب الزيارات من تصنيفي وجميع مصنفاتي ورواياتي مالم يقع فيها
تدليس ( 3 ) لمحمد بن عبدالله بن عبدالرحمن بن سميع أعزه الله ، فليرو ذلك عني
* ( هامش ص 314 ) ( 1 ) في المصدر : محمد بن محمد بن الحسين بن هارون .
( 2 ) " : وهو عندى .
( 3 ) " : سهو ولا تدليس . *
[315]
إذا أحب ، لا حرج عليه فيه أن يقول : أخبرنا أو حدثنا ، وكتب محمد بن أحمد بن
داود القمي في شهر ربيع الاخر سنة ستين وثلاثمائة حامدا لله شاكرا وعلى نبيه
مصليا ومسلما ، وهذه الرواية مطابقة لما أورده الطوسي بخطه .
2 - وأخبرني عبدالرحمن بن الحربي الحنبلي عن عبدالعزيز بن الاخضر
عن محمد بن ناصر السلامي ، عن أبي الغنائم محمد بن علي بن ميمون البرسي ، قال :
أخبرني الشريف أبوعبدالله الحسني المقدم ذكره ، قال : حدثنا أبوالحسن محمد
ابن الحسن ( 1 ) بن عبدالله الجواليقي بقراءته علي لفظا وكتبه لي بخطه ، قال :
أخبرنا أبي قال : أخبرنا جدي أبوامي محمد بن على بن دحيم الشناني ( 2 ) قال : مضيت
أنا ووالدي علي بن دحيم ( 3 ) وعمي حسين بن دحيم وأنا صبي صغير في سنة نيف و
ستين ومائتين بالليل ومعنا جماعة مختفين ( 4 ) إلى الغري لزيارة قبر مولانا أمير -
المؤمنين عليه السلام فلما جئنا إلى القبر وكان يومئذ حول قبره حجارة سود ولا بناء حوله
عنده ( 5 ) وليس في طريقه غير قائم الغري ، فبينا نحن عنده وبعضنا يقرأ وبعضنا
يصلي وبعضنا يزور إذا نحن بأسد مقبل نحونا ، فلما قرب منا مقدار رمح قال
بعضنا لبعض : ابعدوا عن القبر حتى ننظر ما يريد ، فأبعدنا ، فجاء الاسد إلى القبر
فجعل يمرغ ذراعه على القبر ، فمضى رجل منا فشاهده وعاد فأعلمنا ، فزال الرعب
عنا ، وجئنا بأجمعنا حتى شاهدناه يمرغ ذراعه على القبر ( وفيه جراح ، فلم يزل
* ( هامش ص 315 ) ( 1 ) في المصدر : الحسين .
( 2 ) " : رحيم الشيبانى .
( 3 ) " : " رحيم " في الموضعين .
( 4 ) في المصدر و ( م ) و ( خ ) : متخفين .
( 5 ) " : وكان يومئذ قبر حوله حجارة سندة ولا بناء عنده . *
[316]
يمرغه ساعة ، ثم انزاح عن القبر ) ومضى ، وعدنا إلى ما كنا عليه من القراءة
والصلاة والزيارة وقراءة القرآن .
3 - ومن محاسن القصص ما قرأته بخط والدي قدس الله روحه على ظهر
كتاب بالمشهد الكاظمي على مشرفها السلام ما صورته : قال : سمعت من شهاب الدين
بندار بن ملكدار القمي يقول : حدثني كمال الدين شرف المعالي بن غياث القمي
قال : دخلت إلى حضرة مولانا أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فزرته
وتحولت إلى موضع المسألة ودعوت وتوسلت ، فتعلق مسمار من الضريح المقدس
صلوات الله عليه ( 1 ) في قبائي فمزقه ، فقلت مخاطبا لاميرالمؤمنين عليه السلام : ما أعرف
عوض هذا إلا منك ، وكان إلى جانبي رجل رأيه غير رأيي ، فقال لي مستهزءا : ما
يعطيك عوضه إلا قباء ورديا ، فانفصلنا من الزيارة وجئنا إلى الحلة ، وكان جمال
الدين قشتمر الناصري رحمه الله قدهيأ لشخص يريد أن ينفذه إلى بغداد يقال له ابن
مايست ( 2 ) قباء وقلنسوة ، فخرج الخادم على لسان قشتمرو قال : هاتوا كمال الدين
القمي المذكور ، فأخذ بيدي ودخل إلى الخزانة ، وخلع علي قباء ملكيا ورديا
فخرجت ودخلت حتى اسلم على قشتمر واقبل كفه ، فنظر إلي نظرا عرفت
الكراهة في وجهه ، والتفت إلى الخادم كالمغضب وقال : طلبت فلانا - يعني ابن
مايست - فقال الخادم : إنما قلت : كمال الدين القمي ، وشهد الجماعة الذين
كانوا جلساء الامير أنه أمر بحضور كمال الدين القمي المذكور ، فقلت : أيها
الامير ما خلعت علي أنت هذه الخلعة بل أميرالمؤمنين خلعها علي ، فالتمس مني
الحكاية فحكيت له ، فخر ساجدا وقال : الحمد لله كيف كانت الخلعة على يدي ،
* ( هامش ص 316 ) ( 1 ) كذا في النسخ . وفي المصدر : صلوات الله على مشرفه .
( 2 ) ما تشت خ ل . *
[317]
ثم شكره وقال : تستحق . هذا آخر ما حدث به شهاب الدين وكتب أحمد بن
طاوس ، هذا آخر ما وجدت ( 1 ) بخطه فنقلته .
4 - وروى ذلك السيد محمد بن شرفشاه الحسيني عن شهاب الدين بندار أيضا
وجدت ما صورته : عن العم السعيد رضي الدين علي بن طاوس عن الشيخ حسين
بن عبدالكريم الغروي - وإن كان اللفظ يزيد أو ينقص عما وجدته مسطورا - قال :
كان قد وفد إلى المشهد الشريف الغروي على ساكنه السلام رجل أعمى من أهل تكريت ( 2 )
وكان قد عمي على كبر ، وكانت عيناه ناتئتين على خده ( 3 ) وكان كثيرا ما يقعد
عند المسألة ويخاطب الجناب الاشرف المقدس بخطاب غير حسن ، وكانت تارة ( 4 )
أهم بالانكار عليه وتارة يراجعني الفكر في الصفح عنه ، فمضى على ذلك مدة ، فإذا
أنا في بعض الايام قد فتحت الخزانة إذ سمعت ضجة عظيمة ، فظننت أنه قد جاء
للعلويين بر من بغداد أو قتل في المشهد قتيل ، فخرجت ألتمس الخبر ، فقيل لي :
ههنا أعمى قد رد بصره ، فرجوت أن يكون ذلك الاعمى ، فلما وصلت إلى الحضرة
الشريفة وجدته ذلك الاعمى بعينه ، وعيناه كأحسن ما يكون ، فشكرت الله تعالى
على ذلك . وزاد والدي على هذه الرواية أنه كان يقول له من جملة كلامه كخطاب
الاحياء ( 5 ) : وكيف يليق أجئ وأمسى يشتفي من لا يجب ( 6 ) . ومن هذا الجنس
* ( هامش ص 317 ) ( 1 ) في المصدر : وجدته .
( 2 ) بفتح التاء بلد مشهور بين بغداد والموصل ، وبينها وبين بغداد ثلاثون فرسخا في
غربى دجلة .
( 3 ) نتأ الشئ : خرج من موضعه من غير ان ينفصل .
( 4 ) في المصدر : بخطاب خشن ، وكنت تارة .
( 5 ) " و ( م ) و ( خ ) : الاحباء .
( 6 ) " : أن اجئ وأمشى فيشتفى من لا يحب . *
[318]
سمعت والدي قدس الله روحه يحكي .
5 - وسمعت والدي - قدس الله روحه - غير مرة يحكي عن الشيخ الحسين
ابن عبدالكريم الغروي هذه الحكاية الآتي ذكرها وإن لم احقق لفظه ولكن
المعنى منها أرويه عنه ، واللفظ وجدته مرويا عن العم السعيد عنه ، أنه كان ايلغازي
أميرا بالحلة ، وكان قد اتفق أنه أنفذ سرية إلى العرب ، فلما رجعت السرية
نزلوا حول سور المشهد الاشرف المقدس الغروي على الحال به أفضل الصلاة و
السلام ، قال الشيخ الحسين : فخرجت بعد رحيلهم إلى ذلك الموضع الذي كانوا فيه
نزولا لامر عرض ، فوجدت كلابي سر بوش ( 1 ) ملقاة في الرمل ، فمددت يدي أخذتهما
فلما صارا في يدي ندمت ندامة عظيمة وقلت : أخذتهما وتعلقت ذمتي بما ليس فيه
راحة ، فلما كان بعد مدة زمانية اتفق أنه ماتت عندنا بالمشهد المقدس امرأة علوية
فصلينا عليها ، فخرجت معهم إلى المقبرة وإذا برجل تركي قائم يفتش موضعا
لقيت الكلابين ( 2 ) فقلت لاصحابي : اعلموا أن ذلك التركي يفتش على كلابي
سربوش وهما معي في جيبي وكنت لما أردت الخروج إلى الصلاة على الميتة لاحت
لي الكلابان في داري فأخذتهما ثم جئت أنا وأصحابي فسلمت على التركي ، و
قلت له : على ما تفتش ؟ قال : افتش على كلابي سربوش ضاعت مني منذ سنة ،
فقلت : سبحان الله تضيع منك منذ سنة تطلبه اليوم ؟ قال : نعم ، اعلم أنني لما دخلت
السرية وكنت معهم ، فلما وصلنا إلى خندق الكوفة ذكرنا ( 3 ) الكلابين فقلت : يا
علي هما في ضمانك ، لانهما في حرمك ، وأنا أعلم أنهما لا يصيبهما شئ ، فقلت


............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 38 من ص 318 سطر 19 الى ص 326 سطر 18

* ( هامش ص 318 ) ( 1 ) كذا ولم نفهم المراد .
( 2 ) في المصدر : لقيت الكلابين فيه .
( 3 ) كذا في النسخ . وفي المصدر : ذكرت . *
[319]
له : الآن ما حفظ الله عليك شيئا غيرهما ، ثم ناولته إياهما ، وأعتقد أن المدة
كانت سنة .
6 - وقفت في كتاب قد نقل عن الشيخ حسن بن الحسين بن الطحال المقدادي
قال : أخبرني أبي ، عن أبيه ، عن جد ، أنه أتاه رجل مليح الوجه نقي الاثواب
دفع إليه دينارين وقال له : أغلق على القبة وذرني ، فأخذها ( 1 ) منه وأغلق الباب
فنام فرأى أمير المؤمنين عليه السلام في منامه وهو يقول له : اقعد أخرجه عني فإنه
نصراني ، فنهض علي بن طحال وأخذ حبلا فوضعه في عنق الرجل وقال له :
اخرج تخدعني بالدينارين ( 2 ) وأنت نصراني ؟ فقال له : لست بنصراني ، قال : بلى
إن أميرالمؤمنين عليه السلام أتاني في المنام وأخبرني أنك نصراني وقال : أخرجه
عني ، فقال : امدد يدك ، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واله وأن
عليا ولي الله ، والله ما علم أحد بخروجي من الشام ولا عرفني أحد من أهل العراق
ثم حسن إسلامه .
7 - وحكي أيضا أن عمران بن شاهين من أهل العراق ( 3 ) عصى على عضدالدولة
فطلبه طلبا حثيثا ، فهرب منه إلى المشهد متخفيا ، فرأى أميرالمؤمنين عليه السلام في منامه
وهو يقول له : يا عمران في غد يأتي فنا خسرو إلى ههنا فيخرجون من بهذا المكان ( 4 ) فتقف
أنت ههنا - وأشار إلى زاوية من زوايا القبة - فإنهم لا يرونك ، فسيدخل ويزور
ويصلي ويبتهل في الدعاء والقسم بمحمد وآله أن يظفره بك ، فادن منه وقل له :
* ( هامش ص 319 ) ( 1 ) في المصدر : فاخذهما .
( 2 ) كذا في النسخ . وفي المصدر : بدينارين .
( 3 ) في المصدر : من امراء العراق .
( 4 ) " : من كان في هذا المقام . *
[320]
أيها الملك من هذا الذي قد ألححت بالقسم بمحمد وآله أن يظفرك به ( 1 ) ؟
فسيقول : رجل شق عصاي ونازعني في ملكي وسلطاني ، فقل : ما لمن يظفرك به ؟
فيقول : إن حتم علي بالعفو عنه عفوت عنه ، فأعلمه بنفسك فإنك تجد منه ما تريد ،
فكان كما قال له ، فقال : أنا عمران بن شاهين ، قال من أوقفك ههنا ؟ قال له :
هذا مولانا قال في منامي : غدا يحضر فنا خسرو إلى ههنا ، وأعاد عليه القول ،
فقال له : بحقه قال لك : فنا خسرو ؟ قلت : إي وحقه ، فقال عضد الدولة : ما
عرف أحد أن اسمي فنا خسرو إلا امي والقابلة وأنا ، ثم خلع عليه خلعة الوزارة
وطلع من بين يديه إلى الكوفة ، وكان عمران بن شاهين قد نذر عليه أنه متى عفا عنه
عضد الدولة أتى إلى زيارة أميرالمؤمنين عليه السلام حافيا حاسرا ، فلما جنه الليل
خرج من الكوفة وحده ، فرأى جدي علي بن طحال مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام
في منامه وهو يقول له : اقعد افتح لوليي عمران بن شاهين الباب ، فقعد وفتح
الباب ، وإذا بالشيخ قد أقبل ، فلما وصل قال له : بسم الله يا مولانا ، فقال : ومن
أنا ؟ فقال : عمران بن شاهين ، قال : لست بعمران بن شاهين ، فقال : بلى إن أمير
المؤمنين عليه السلام أتاني في منامي وقال لي : اقعد افتح لوليي عمران بن شاهين ، قال
له : بحقه هو قال لك ؟ قال : إي وحقه هو قال لي ، فوقع على العتبة يقبلها ،
وأحاله على ضامن السمك بستين دينارا ، وكان ( 2 ) له زواريق تعمل في الماء في
صيد السمك .
أقول : وبنى الرواق المعروف برواق عمران في المشهدين الشريفين الغروي
والحائري على مشر فهما السلام .
* ( هامش ص 320 ) ( 1 ) في المصدر : أن يظفرك الله به .
( 2 ) " : وكانت *
[321]
* ( قصة أبى البقاء قيم مشهد مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام ) *
8 - وفي سنة إحدى وخمس مائة بيع الخبز بالمشهد الشريف الغروي كل
رطل بقيراط ، بقي أربعين يوما ، فمضى القوام من الضر على وجوههم إلى القرى ،
وكان من القوام رجل يقال له أبوالبقاء بن سويقه ، وكان له من العمر مائة وعشر
سنين ، فلم يبق من القوام سواه ، فأضربه الحال ، فقالت له زوجته وبناته : هلكنا
امض كما مضى القوام فلعل الله تعالى يفتح شيئا ( 1 ) نعيش به ، فعزم على المضي ،
فدخل إلى القبة الشريفة صلوات الله على صاحبها وزار وصلى ، وجلس عند رأسه
الشريف وقال : يا أميرالمؤمنين لي في خدمتك مائة سنة ما فارقتك ، ما رأيت الحلة و
ما رأيت السكون ( 2 ) ، وقد أضر بي وبأطفالي الجوع ، وها أنا مفارقك ويعز علي
فراقك ، أستودعك ( 3 ) هذا فراق بيني وبينك . ثم خرج ومضى مع المكارية حتى
يعبر إلى الوقف وسوراء ( 4 ) ، وفي صحبته وهبان السلمي وأبوكردان ( 5 ) وجماعة
من المكارية طلعوا من المشهد بليل ، وأقبلوا ( 6 ) إلى أبي هبيش قال بعضهم لبعض :
هذا وقت كثير ، فنزلوا ونزل أبوالبقاء معهم ، فنام فرأى في منامه أميرالمؤمنين -
عليه السلام وهو يقول له : يا أبا البقاء فارقتني بعد طول هذه المدة ؟ عد إلى حيث كنت ،
فانتبه باكيا فقيل له : ما يبكيك ؟ فقص عليهم المنام ورجع ، فحيث رأينه بناته
* ( هامش ص 321 ) ( 1 ) في المصدر : بشئ .
( 2 ) في المراصد : سكن - بالفتح ثم الكسر - موضع بارض الكوفة ، في المصدر : ما رأيت
الحلة ولا السكون
( 3 ) في المصدر : استودعك الله .
( 4 ) قال في المراصد : الوقف موضع تحت سوراء من بلاد الحلة المزيدية . وسوراء مدينة
قرب الحلة لها نهر ينسب إليها .
( 5 ) في المصدر : ابوكردى .
( 6 ) " : فلما اقبلوا . *
[322]
صرخن في وجهه ، فقص عليهن القصة وطلع ، وأخذ مفتاح القبة من الخازن
أبي عبدالله بن شهريار القمي ، وقعد على عادته ، بقي ثلاثة أيام ففى اليوم الثالث
أقبل رجل وبين كتفيه مخلاة كهيئة المشاة إلى طريق مكة ، فحلها وأخرج منها ثيابا
لبسها ، ودخل إلى القبة الشريفة وزار وصلى ، ودفع ( 1 ) إلي دينارا وقال : ائت
بطعام نتغدى ( 2 ) ، فمضى القيم أبوالبقاء وأتى بخبز ولبن وتمر فقال له ما يوافق
لي ( 3 ) هذا ولكن امض به إلى أولادك يأكلونه ، وخذ هذا الدينار الآخر واشترلنا
به دجاجا وخبزا ، فأخذت له بذلك ، فلما كان وقت صلاة الظهر صلى الظهرين و
أتى إلى داره والرجل معه ، فأحضر الطعام وأكلا ، وغسل الرجل يديه وقال لي : ائتني بأوزان الذهب ، فطلع القيم أبوالبقاء إلى زيد بن واقصة - وهو صائغ على باب
دارالتقي بن اسامة العلوي النسابة - فأخذ منه الصينية وفيها أوزان الذهب وأوزان
الفضة فجمع الرجل جميع الاوزان فوضعها في الكفة حتى الشعير والارز وحبة الشبه
وأخرج كيسا مملوءا ذهبا ، وترك منه بحذاء الاوزان وصبه في حجر القيم ونهض ،
وشد ما تخلف معه ومد مداسه ( 4 ) ، فقال له القيم : يا سيدي ما أصنع بهذا ؟ قال
له : هولك ، الذي ( 5 ) قال لك : " ارجع إلى حيث كنت " قال لي : " أعطه حذاء
الاوزان " ولو جئت بأكثر من هذه الاوزان لاعطيتك ، فوقع القيم مغشيا عليه ،
ومضى الرجل ، فزوج القيم بناته وعمر داره وحسنت حاله .
* ( هامش ص 322 ) ( 1 ) في المصدر : قال : ودفع .
( 2 ) " : نتغذى .
( 3 ) " : مايؤكل .
( 4 ) سيأتى معناه في البيان . وفي المصدر : وشد ما تخلف عنه وبدل لباسه .
( 5 ) في المصدر : قال : ممن ؟ قال : من الذى ا ه . *
[323]
* ( قصة البدوى مع شحنة الكوفة ) * 9 - وفي سنة خمس وسبعين وخمس مائة كان الامير مجاهد الدين سنقر الامن ( 1 )
يقطع الكوفة ، وقد وقع بينه وبين بني خفاجة ( 2 ) ، فما كان أحد منهم يأتي إلى
المشهد ولا غيره إلا وله طليعة ، فأتى فارسان فدخل أحدهما وبقي الآخر طليعة ،
فخرج سنقر من مطلع الرهيمي وأتى مع السور ، فلما بصر به الفارس نادى بصاحبه
جاءت العجم وتحته سابق من الخيل ، فأفلت ومنعوا الآخر أن يخرج من الباب
واقتحموا وراءه ، فدخل راكبا ثم نزل عن فرسه قدام باب السلام الكبير البراني
فمضت الفرس فدخلت في باب ابن عبدالحميد ( 3 ) النقيب ابن اسامة ، ودخل
البدوي ووقف على الضريح الشريف ، فقال سنقر : ايتوني به ، فجاءت المماليك
يجذبونه من الضريح الشريف ( 4 ) ، وقد لزم البدوي برمانة الضريح وقال : يا -
أبا الحسن أنا عربي وأنت عربي وعادة العرب الدخول ، وقد دخلت عليك يا أبا الحسن
دخيلك دخيلك ، وهم يفكون أصابعه عن الرمانة الفضة ( 5 ) وهو ينادي ويقول :
لا تخفر ( 6 ) ذمامك يا أبا الحسن ، فأخذوه ومضوا به ، فأراد أن يقتله ، فقطع على
نفسه مأتي دينار وحصان ( 7 ) من الخيل الذكور ، فكفله ابن بطن الحق على ذلك
ومضى ابن بطن الحق يأتي بالفرس والمال ، فلما كان الليل ( 8 ) وأنا نائم مع
* ( هامش ص 323 ) ( 1 ) في ( ت ) : امر بقطع الكوفة . وفي المصدر : سنقر الاس مقطع الكوفة .
( 2 ) في المصدر : وبين خفاجة شئ .
( 3 ) " : في باب عبدالحميد .
( 4 ) في المصدر و ( خ ) : من على الضريح الشريف .
( 5 ) " : من على الرمانة الفضة .
( 6 ) خفر فلانا : نقض عهده .
( 7 ) في المصدر : وحصانا .
( 8 ) " : قال ابن طحال : فلما كان الليل . *
[324]
والدي محمد بن طحال بالحضرة الشريفة وإذا بالباب تطرق ، فنهض والدي وفتح
الباب ، وإذا أبوالبقاء بن الشيرجي السوراوي معه البدوي ، وعليه جبة حمراء
وعمامة زرقاء ومملوك على رأسه منشفة مكورة يحملها ، فدخلوا القبة الشريفة حين
فتحت ، ووقفوا قدام الشباك ، وقال : يا أميرالمؤمنين عبدك سنقر يسلم عليك و
يقول لك : إلى الله وإليك المعذرة والتوبة ، وهذا دخيلك وهذا كفارة ما صنع