تاريخ الطبري مجلد: 8
ـ 1 ـ
تاريخ اللامم والملوك
للامام أبي جعفر محمد بن جرير الطبرى
الجزء الثامن
ـ قوبلت هذه الطبعة على النسخة المطبوعة ـ
ـ بمطبعة " بريل " بمدينة ليدن في سنة 1879 م ـ
راجعه وصححه وضبطه
نخبة من العلماء الاجلاء
( تنبيه ) تتميما للفائدة قد ذيلنا هذا الجزء بكتابين :
الاول : صلة تاريخ الطبرى : لعريب بن سعد القرطبى
الثانى : المنتخب من كتاب ذيل المذيل : لابى جعفر بن جرير الطبرى

ـ 2 ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
ثم دخلت سنه ثمان وخمسين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الامور الجليلة
فمن ذلك ما كان من الموافاة بسعيد بن أحمد بن سعيد بن سلم الباهلى باب السلطان
وأمر السلطان بضربه بالسياط فضرب سبعمائة سوط فيما قيل في شهر ربيع الآخر
منها فمات فصلب ( وفيها ) ضرب عنق قاض لصاحب الزنج كان يقضى له لعبادان
وأعناق أربعة عشر رجلا من الزنج بباب العامة بسامرا كانوا أسروا من ناحية
البصرة ( وفيها ) أوقع مفلح باعراب بتكريت ذكر أنهم كانوا مايلوا الشارى
مساورا ( وفيها ) أوقع مسرور البلخى بالاكراد اليعقوبية فهزمهم وأصاب
فيهم ( وفيها ) دخل محمد بن واصل في طاعة السلطان وسلم الخراج والضياع
بفارس إلى محمد بن الحسين بن الفياض . وعقد المعتمد يوم الاثنين لعشر بقين
من شهرربيع الاول لابى أحمد أخيه على ديار مضر وقنسرين والعواصم وجلس
يوم الخميس مستهل شهر ربيع الآخر فخلع عليه وعلى مفلح فشخصا نحو البصرة
وركب ركوبا عاما وشيع أبا أحمد إلى بزكوار وانصرف ( وفيها ) قتل منصور
ابن جعفر بن دينار الخياط
ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف كان أمره
ذكر أن الخبيث لما فرغ أصحابه بن أمر البصرة أمر على بن أبان المهلبى
بالمصير إلى جبى لحرب منصور بن جعفر وهو يومئذ بالاهواز فخرج اليه فأقام
بازائه شهرا وجعل منصور يأتى عسكر على وهو مقيم با لخيزرانية ومنصور إذذاك
في خف من الرجال فوجه الخبيث إلى على بن أبان باثنتى عشرة شذاة مشحونة
يجلد أصحابه وولى أمرها المعروف بأبى الليث الاصبهانى وأمره بالسمع والطاعة
ـ 3 ـ
لعلى بن أبان فصار المعروف بأبى الليث إلى على فأقام مخالفا له مستبدا بالرأى
عليه وجاء منصور كما كان يجئ للحرب ومعه شذوات فبدر اليه أبوالليث عن
غير مؤامرة منه لعلى بن أبان فظفر منصور بالشذوات التى كانت معه وقتل فيها
من البيضان والزنج خلقا كثيرا وأفلت أبوالليث فانصرف إلى الخبيث فانصرف
على بن أبان وجميع من كان معه فأقاموا شهرا ثم رجع على لمحاربة منصور في
رجاله فلما استقر على وجه طلائع يأتونه بأخبار منصور وعساكره وكان لمنصور
وال مقيم بكرنبا فبيت على بن أبان ذلك القائد فقتله وقتل عامة من كان معه وغنم
ما كان في عسكره وأصاب أفراسا وأحرق العسكر وانصرف من ليلته حتى صار
في ذنابة نهر جبى وبلغ الخبر منصورا فسار حتى انتهى إلى ا لخيزرانية فخرج اليه على
في نفير من أصحابه وكانت الحرب بينهما منذ ضحى ذلك اليوم إلى وقت الظهر ثم
انهزم منصور وتفرق عنه أصحابه وانقطع عنهم وأدركته طائفة من الزنج اتبعوا
أثره إلى نهر يعرف بعمر بن مهران فلم يزل يكر عليهم حتى تقصفت رماحه ونفدت
سهامه ولم يبق معه سلاح ثم حمل نفسه على النهر ليعبر فصاح بحصان كان تحته فوثب
وقصرت رجلاه فانغمس في الماء ( قال شبل ) كان سبب تقصير الفرس عن
عبور النهر بمنصور أن رجلا من الزنج كان ألقى نفسه لما رأى منصورا قاصدا
نحو النهر يريد عبوره فسبقه سباحة فلما وثب الفرس تلقاه الاسود فنكص به
فغاضا معا ثم أطلع منصور رأسه فنزل اليه غلام من السودان من عرفاء مصلح
يقال له أبرون فاحتز رأسه وأخذ سلبه وقتل ممن كان معه جماعة كثيرة وقتل مع
منصور أخوه خلف بن جعفر فولى يارجوخ ما كان إلى منصور من العمل اصغجون
( ولاثنتى عشرة ) بقيت من جمادى الاولى منها قتل مفلح بسهم أصابه بغير نصل
في صدغه يوم الثلاثاء فأصبح ميتا يوم الاربعاء في غد ذلك اليوم وحملت جثته
إلى سامرا فدفن بها
ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف كان الوصول اليه
قد مضى ذكرى شخوص أبى أحمد بن المتوكل من سامرا إلى البصرة لحرب
ـ 4 ـ
اللعين لما تناهى اليه وإلى المعتمد ما كان من فظيع ما ركب من المسلمين بالبصرة
وما قرب منها من سائر أرض الاسلام فعاينت أنا الجيش الذى شخص فيه أبو
أحمد ومفلح ببغداد وقد اجتازوا بباب الطاق وأنا يومئذ نازل هنالك فسمعت
جماعة من مشايخ أهل بغداد يقولون قد رأينا جيوشا كثيرة من الخلفاء فما رأينا
مثل هذا الجيش أحسن عدة وأكمل سلاحا وعتادا وأكثر عددا وجمعا واتبع
ذلك الجيش من متسوقة أهل بغداد خلق كثير . وذكر عن محمد بن الحسن أن
يحيى بن محمد البحرانى كان مقيما بنهر معقل قبل موافاة أبى أحمد موضع الخبيث
فاستأذنه في المصير إلى نهر العباس فكره ذلك وخاف أن يوافيه جيش السلطان
وأصحابه متفرقون فألح عليه يحيى حتى أذن له فخرج واتبعه أكثر أهل عسكر
الخبيث وكان على بن أبان مقيما بجبى في جمع كثير من الزنج والبصرة قد صارت
مغنما لاهل عسكر الخبيث فهم يغادونها و يراوحونها لنقل ما نالته أيديهم منها فليس
بعسكر الخبيث يومئذ من أصحابه الا القليل فهو على ذلك من حاله حتى وافى أبو
أحمد في الجيش الذى كان معه فيه مفلح فوافى جيش عظيم هائل لم يرد على الخبيث
مثله فلما انتهى إلى نهر معقل هرب من كان هناك من جيش الخبيث فلحقوا به مرعوبين
فراع ذلك الخبيث فدعا برئيسين من رؤساء جيشه الذى كان هناك فسألهما عن
السببب الذى له تركا موضعهما فأخبراه بما عاينا من عظم أمر الجيش الوارد وكثرة عدد
أهله وإحكام عدتهم وأن الذى عاينا من ذلك لم يكن في قوتهما الوقوف له في العدة التى
كانا فيها فسألهما هل علما من يقود الجيش فقالا لا قد اجتهدنا في علم ذلك فلم نجد من
يصدقنا عنه فوجه الخبيث طلائعه في سميريات لتعرف الخبر فرجعت رسله اليه بتعظيم
أمر الجيش وتفخيمه ولم يقف أحد منهم على من يقوده ويرأسه فزاد ذلك في جزعه
وارتباطه فبادر بالارسال إلى على بن أبان يعلمه خبر الجيش الوارد ويأمره بالمصير
إليه فيمن معه ووافى الجيش فأناخ بإزائه فلما كان اليوم الذى كانت فيه الوقعة
وهو يوم الاربعاء خرج الخبيث ليطوف في عسكره ماشيا ويتأمل الحال فيمن
هو مقيم معه من حزبه ومن هو مقيم بإزائه من أهل حربه وقد كانت السماء
ـ 5 ـ
مطرت في ذلك اليوم مطرا خفيفا والارض ثرية تزل عنها الاقدام فطوف ساعة
من أول النهار ثم رجع فدعا بدواة وقرطاس لينفذ كتابا إلى على بن أبان يعلمه
ماقد اطله من الجيش ويأمره بتقديم من قدر على تقديمه من الرجال فإنه لفى ذلك
إذ أتاه المكتنى أبا دلف وهو أحد قواد السودان فقال له إن القوم قد صعدوا
وانهزم عنهم الزنج وليس في وجوههم من يردهم حتى انتهوا إلى الحبل الرابع
فصاح به وانتهره وقال أغرب عنى فإنك كاذب فيما حكيت وإنما ذلك جزع
دخلك لكثرة ما رأيت من الجمع فانخلع قلبك ولست تدرى ما تقول فخرج أبودلف
من بين يديه وأقبل على كاتبه وقد كان أمر جعفر بن إبراهيم السجان بالنداء في
الزنج وتحريكهم للخروج إلى موضع الحرب فأتاه السجان فأخبره أنه قد ندب
الزنج فخرجوا وأن أصحابه قد ظفروا بسميريتين فأمره بالرجوع لتحريك الرجالة
فرجع ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى أصيب مفلح بسهم غرب لا يعرف
الرامى به ووقعت الهزيمة وقوى الزنج على أهل حربهم فنالوهم بما نالوهم به من
القتل ووافى الخبيث زنجه بالرؤس قابضين عليها بأسنانهم حتى ألقوها بين يديه
فكثرت الرؤس يومئذ حتى ملات كل شئ وجعل الزنج يقتسمون لحوم القتلى
و يتهادونها بينهم وأتى الخائن بأسير من أبناء الفراغنة فسأله عن رأس الجيش
فأعلمه ؟ ؟ بمكان أبى أحمد ومفلح فارتاع لذكر أبى أحمد وكان إذا راعه أمر كذب
به فقال ليس في الجيش غير مفلح لانى لست أسمع الذكر إلا له ولو كان في
الجيش من ذكر هذا الاسير لكان صوته أبعد ولما كان مفلح إلا تابعا له
ومضافا إلى صحبته * وقد كان أهل عسكر الخبيث لما خرج عليهم أصحاب أبى أحمد
جزعوا جزعا شديدا وهربوا من منازلهم ولجأوا إلى النهر المعروف بنهر أبى الخصيب
ولا جسر يومئذ عليه فغرق فيه يومئذ خلق كثير من النساء والصبيان ولم يلبث
الخبيث بعد الوقعة إلا يسيرا حتى وافاه على بن أبان في جمع من أصحابه فوافاه
وقد استغنى عنه ولم يلبث مفلح أن مات وتحيز أبوأحمد إلى الابلة ليجمع ما فرقت
الهزيمة منه ويجدد الاستعداد ثم صار إلى نهر أبى الاسد فأقام به * قال محمد بن
ـ 6 ـ
الحسن فكان الخبيث لا يدرى كيف قتل مفلح فلما بلغه أنه أصيب بسهم ولم ير
أحدا ينتحل رميه ادعى أنه كان الرامى له * قال فسمعته يقول سقط بين يدى
سهم فأتانى به واح خادمى فدفعه إلى فرمت به فأصبت مفلحا * قال محمد وكذب
في ذلك لانى كنت حاضرا ذلك المشهد وما زال عن فرسه حتى أتاه المخبر بخبر
الهزيمة وأتى بالرؤس وانقضت الحرب ( وفى هذه السنة ) وقع الوباء في الناس
في كور دجلة فهلك فيها خلق كثير في مدينة السلام وسامرا وواسط وغيرها
( وفيها ) قتل خرسخارس ببلاد الروم في جماعة من أصحابه ( وفيها ) أسر يحيى
ابن محمد البحراتى صاحب قائد الزنج وفيها قتل
ذكر الخبر عن أسره وقتله وكيف كان ذلك
ذكر عن محمد بن سمعان الكاتب انه قال لما وافى يحيى بن محمد نهر العباس لقيه
بفوهة النهر ثلثمائة وسبعون فارسا من أصحاب أصغجون العامل كان عامل الاهواز
في ذلك الوقت كانوا مرتبين في تلك الناحية فلما بصر بهم يحيى استقلهم ورأى كثرة
من معه من الجمع مما لا خوف عليه معهم فلقيتهم أصحابه غير مستجنين بشئ يرد عنهم
عاديتهم ورشقتهم أصحاب أصغجون بالسهام فأكثروا الجراح فيهم فلما رأى ذلك
يحيى عبر اليهم عشرين ومائة فارس كانت معه وضم اليهم من الرجال جمعا كثيرا وانحاز
أصحاب أصغجون عنهم وولج البحرانى ومن معه نهر العباس وذلك وقت قلة الماء
في النهر وسفن ال قيروانات جانحة على الطين فلما أبصر أصحاب تلك السفن بالزنج
تركوا سفنهم وحازها الزنج وغنموا ما كان فيها غنائم عظيمة جليلة ومضوا بها متوجهين
نحو البطيحة المعروفة ببطيحة الصحناة وتركوا الطريق النهج وذلك للتحاسد الذى
كان بين البحرانى وعلى بن أبان المهلبى وان أصحاب يحيى أشاروا عليه ألا يسلك
الطريق الذى يمر فيها بعسكر على فأصغى إلى مشورتهم فشرعوا له الطريق المؤدى
إلى البطيحة التى ذكرنا فسلكها حتى ولج البطيحة وسرح الخيل التى كانت معه وجعل
معها أبا الليث الاصبهانى وأمره بالمصير بها إلى عسكر قائد الزنج وكان الخبيث وجه
إلى يحيى البحرانى يعلمه ورود الجيش الذى ورد عليه ويأمره بالتحرز في منصرفه
ـ 7 ـ
من أن يلقاه أحد منهم فوجه البحرانى الطلائع إلى دجلة فانصرفت طلائعه وجيش
أبى أحمد منصرف من الابلة إلى نهر أبى الاسد وكان السبب في رجوع الجيش إلى
نهر أبى الاسد أن رافع بن بسطام وغيره من مجاورى نهر العباس وبطيحة الصحناة
كتبوا إلى أبى أحمد يعرفونه خبر البحرانى وكثرة جمعه وأنه يقدر أن يخرج من نهر
العباس إلى دجلة فيسبح إلى نهر أبى الاسد ويعسكر به ويمنعه الميرة ويحول بينه
وبين ما يأتيه أو يصدر عنه فرجعت اليه طلائعه بخبره وعظم أمر الجيش عنده
وهيبته منه فرجع في الطريق الذى كان سلكه بمشقة شديدة نالته ونالت أصحابه
وأصابهم وباء من ترددهم في تلك البطيحة فكثر المرض فيهم فلما قربوا من نهر
العباس جعل يحيى بن محمد سليمان بن جامع على مقدمته فمضى يقود أوائل الزنج وهم
يجرون سفنهم يريدون الخروج من نهر العباس وفى النهر للسلطان شذوات وسميريات
تحمى فوهته من قبل أصغجون ومعها جمع من الفرسان والرجالة فراعه وأصحابه
ذلك فخلوا سفنهم وألقوا أنفسهم في غربى نهر العباس وأخذوا على طريق الزيدان
ماضين نحو عسكر الخبيث ويحيى غار بما أصابهم لم يأته علم شئ من خبرهم وهو
متوسط عسكره قد وقف على قنطرة قورج العباس في موضع ضيق يشتد فيه جرية الماء
فهو مشرف على أصحابه الزنج وهم في جر تلك السفن التى كانت معهم فمنها ما يغرق ومنها
ما يسلم قال محمد بن سمعان وأنا في تلك الحال معه واقف فأقبل على متعجبا من شدة جرية
الماء وشدة ما يلقى أصحابه من تلقيه بالسفن فقال لى أرأيت لو هجم علينا عدونا في
هذه الحال من كان أسوأ حالا منا فما انقضى كلامه حتى وافاه طاشتمر التركى في الجيش
الذى أنفذه إليهم أبوأحمد عند رجوعه من الابلة إلى نهر أبى الاسد ووقعت الضجة
في عسكره * قال محمد فنهضت متشوفا ؟ ؟ للنظر فإذا الاعلام الحمر قد اقبلت في الجانب
الغربى من نهر العباس ويحيى به فلما رآها الزنج ألقوا أنفسهم في الماء جملة فعبروا
إلى الجانب الشرقى وعرى الموضع الذى كان فيه يحيى فلم يبق معه إلا بضعة عشر
رجلا فنهض يحيى عن ذلك فأخذ درقته وسيفه واحتزم بمنديل وتلقى القوم الذين
أتوه في النفر الذين معه فرشقهم أصحاب طاشتمر بالسهام وأسرع فيهم الجراح
ـ 8 ـ
وجرح البحرانى بأسهم ثلاث في عضديه وساقه اليسرى فلما رآه أصحابه جريحا
تفرقوا عنه فلم يعرف فيقصد له فرجع حتى دخل بعض تلك السفن وعبر به إلى
الجانب الشرقى من النهر وذلك وقت الضحى من ذلك اليوم وأثقلت يحيى الجراحات
التى أصابته فلما رأى الزنج ما نزل به اشتد جزعهم وضعفت قلوبهم فتركوا القتال
وكانت همتهم النجاة بأنفسهم وحاز أصحاب السلطان الغنائم التى كانت في السفن
بالجانب الغربى من النهر فلما حووها أقعدوا في بعض تلك السفن النفاطين وعبروهم
إلى شرق النهر فأحرقوا ما كان هناك من السفن التى كانت في أيدى الزنج وانفض
الزنج عن يحيى فجعلوا يتسللون بقية نهارهم يعد قتل فيهم ذريع وأسر كثير فلما أمسوا
وأسدف الليل طاروا على وجوههم فلما رأى يحيى تفرق أصحابه ركب سميرية
كانت لرجل من المقاتلة البيضان وأقعد معه فيها متطببا يقال له عباد يعرف بأبى
جيش وذلك لما كان به من الجراح وطمع في التخلص إلى عسكر الخبيث فسار
حتى قرب من فوهة النهر فبصروا ملاحو السميرية بالشذا وا لسميريات واعتراضها
في النهر فجزعوا من المرور بهم وأيقنوا أنهم مدركون فعبروا إلى الجانب الغربى
فألقوه ومن معه على الارض في زرع كان هناك فخرج يمشى وهو مثقل حتى
ألقى نفسه فأقام بموضعه ليلته تلك فلما أصبح بموضعه ذلك نهض عباد المطبب
الذى كان معه فجعل يمشى متشوفا لان يرى إنسانا فرأى بعض أصحاب السلطان
فأشار اليهم فأخبرهم بمكان يحيى وأتاه بهم حتى سلمه اليهم وقد زعم قوم أن
قوما مروا به فرأوه فدلوا عليه فأخذ فانتهى خبره إلى الخبيث صاحب الزنج
فاشتد لذلك جزعه وعظم عليه توجعه * ثم حمل يحيى بن محمد الازرق البحرانى إلى
أبى أحمد فحمله أبوأحمد إلى المعتمد بسامرا فأمر ببناء دكة بالحير بحضرة مجرى
الحلبة فبنيت ثم رفع للناس حتى أبصروه فضرب بالسياط وذكر أنه دخل سامرا
يوم الاربعاء لتسع خلون من رجب على جمل وجلس المعتمد من غد ذلك اليوم
وذلك يوم الخميس فضرب بين يديه مائتى سوط بثمارها ثم قطعت يداه ورجلاه من
خلاف ثم خبط بالسيوف ثم ذبح ثم أحرق * قال محمد بن الحسن لما قتل يحيى البحرانى
ـ 9 ـ
وانتهى خبره إلى صاحب الزنج قال عظم على قتله واشتد اهتمامى به فخوطبت فقيل لى قتله
خير لك إنه كان شرها ثم أقبل على جماعة كنت أنا فيهم قال ومن شرهه أنا غنمنا
غنيمة من بعض ما كنا نصيبه فكان فيه عقدان فوقعا في يد يحيى فأخفى عنى
أعظمهما خطرا وعرض على أخسهما و استوهبنيه فوهبته له فرفع لى العقد الذى
أخفاه فدعوته فقلت أحضرنى العقد الذى أخفيته فأتانى بالعقد الذى وهبته له
وجحد أن يكون أخذ غيره فرفع لى العقد فجعلت أصفه وأنا أراه فبهت وذهب
فأتانى به و استوهبنيه فوهبته له وأمرته بالاستغفار وذكر عن محمد بن الحسن
أن محمد بن سمعان حدثه أن قائد الزنج قال لى في بعض أيامه لقد عرضت على
النبوة فأبيتها فقلت ولم ذاك قال لان لها أعباء خفت ألا أطيق حملها ( وفى هذه
السنة ) أنحاز أبوأحمد بن المتوكل من الموضع الذى كان به من قرب موضع قائد
الزنج إلى واسط .
ذكر الخبر عن سبب انحيازه ذلك إليها
ذكر أن السبب في ذلك كان أن أبا أحمد لما صار إلى نهر أبى الاسد فأقام به
كثر العلل فيمن معه من جنده وغيرهم وفشافيهم الموت فلم يزل مقيما هنالك حتى
أبل من نجا منهم من الموت من علته ثم انصرف راجعا إلى باذاور فعسكر به
وأمر بتجديد الآلات وإعطاء من معه من الجند أرزاقهم وإصلاح الشذوات
وا لسميريات والمعابر وشحنها بالقواد من مواليه وغلمانه ونهض نحو عسكر الخبيث
وأمر جماعة من قواده بقصد مواضع سماها لهم من نهر أبى الخصيب وغيره وأمر
جماعة منهم بلزومه والمحاربة معه في الموضع الذى يكون فيه فمال أكثر القوم
حين وقعت الحرب والتقى الفريقان إلى نهر أبى الخصيب وبقى أبوأحمد في قلة
من أصحابه فلم يزل عن موضعه إشفاقا من أن يطمع فيه الزنج وفيمن يازائهم من
أصحابه وهم بسبخة نهر منكى وتأمل الزنج تفرق أصحاب أبى أحمد عنه وعرفوا
موضعه فكثروا عليه واستعرت الحرب وكثر القتل والجراح بين الفريقين
وأحرق أصحاب أبى أحمد قصورا ومنازل من منازل الزنج واستنقذوا من النساء
ـ 10 ـ
جمعا كثيرا وصرف الزنج جمعهم إلى الموضع الذى كان به أبوأحمد فظهر الموفق
على الشذا وتوسط محرضا أصحابه حتى أتاه من جمع الزنج ما علم أنه لا يقام بمثل
العدة اليسيرة التى كان فيها فرأى أن الحزم في محاجزتهم فأمر أصحابه عند ذلك
بالرجوع إلى سفنهم على تؤدة ومهل فصار أبوأحمد إلى الشذا التى كان فيها بعد
أن استقر أكثر الناس في سفنهم وبقيت طائفة من الناس ولجؤا إلى تلك الادغال
والمضايق فانقطعوا عن أصحابهم فخرج عليهم كمناء الزنج فاقتطعوهم ووقعوا
بهم فحاموا عن أنفسهم وقاتلوا قتالا شديدا وقتلوا عددا كثيرا من الزنج
وأدركتهم المنايا فقتلوا وحملوا إلى قائد الزنج مائة رأس وعشرة أرؤس فزاد
ذلك في عتوه ثم انصرف أبوأحمد إلى الباذا ورد في الجيش وأقام يعبى أصحابه
للرجوع إلى الزنج فوقعت نار في طرف من أطراف عسكره وذلك في ايام
عصوف الريح فاحترق العسكر ورحل أبوأحمد منصرفا وذلك في شعبان من
هذه السنة إلى واسط فلما صار إلى واسط تفرق عنه عامة من كان
معه من أصحابه ( ولعشر خلون ) من شعبان كانت هده صعبة هائلة
بالصيمرة ثم سمع من غد ذلك اليوم وذلك يوم الاحد هدة هى أعظم من التى
كانت في اليوم الاول فتهدم من ذلك أكثر المدينة وتساقطت الحيطان وهلك
من أهلها فيما قيل زهاء عشرين ألفا ( وضرب ) بباب العامة بسامرا رجل يعرف
بأبى فقعس قامت عليه البينة فيما قيل بشتم السلف ألف سوط وعشرين سوطا
فمات وذلك يوم الخميس لسبع خلون من شهر رمضان ( ومات ) يارجوخ يوم
الجمعة لثمان خلون من شهر رمضان فصلى عليه أبوعيسى بن المتوكل وحضر جعفر
ابن المعتمد ( وفيها ) كانت وقعة بين موسى بن بغا وأصحاب الحسن بن زيد فهزم
موسى أصحاب الحسن ( وفيها ) انصرف مسرور البلخى عن مساور الشارى إلى
سامرا ومعه أسراء من الشراة واستخلف على عسكره بالحديثة جعلان ثم شخص
أيضا مسرور البلخى إلى ناحية البوازيج فلقى مساورا بها فكانت بينهما وقعة بها
أسر مسرور من أصحابه جماعة ثم انصرف لليال بقيت من ذى الحجة ( وفى هذه
ـ 11 ـ
السنة ) حدث في الناس ببغداد داء كان أهلها يسمونه القفاع ( وفيها ) رجع
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 11 سطر 1 الى ص 20 سطر 25
السنة ) حدث في الناس ببغداد داء كان أهلها يسمونه القفاع ( وفيها ) رجع
أكثر الحاج من القرعاء خوف العطش وسلم من سار منهم إلى مكة ( وحج )
بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن
ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك منصرف أبى أحمد بن المتوكل من واسط وقدومه سامرا يوم
الجمعة لاربع بقين من شهر ربيع الاول واستخلافه على واسط وحرب الخبيث
بتلك الناحية محمدا المولد ومن ذلك مقتل كنجور
ذكر الخبر عن سبب مقتله
وكان سبب ذلك أنه كان والى الكوفة فانصرف عنها يريد سامرا بغير إذن
فأمر بالرجوع فأبى فحمل اليه فيما ذكر مال ليفرق في أصحابه أرزاقهم منه فلم
يقنع بذلك ومضى حتى ورد عكبراء في ربيع الاول فتوجه اليه من سامراعدة
من القواد فيهم ساتكين وتكين و عبدالرحمن بن مفلح وموسى بن أتامش
وغيرهم فذبحوه ذبحا وحمل رأسه إلى سامرا لليلة بقيت من شهر ربيع الاول
وأصيب معه نيف وأربعون ألف دينار وألزم كاتب له نصرانى مالا ثم ضرب
هذا الكاتب في شهر ربيع الآخر بباب العامة ألف سوط فمات ( وفيها ) غلب
شركب الجمال على مرو وناحيتها وأنهبها ( وفيها ) انصرف يعقوب بن الليث
عن بلخ فأقام بقهستان وولى عماله هراة وبوشنج وباذغيس وانصرف إلى
سجستان ( وفيها ) فارق عبدالله السجزى يعقوب بن الليث مخالفا له وحاصر
نيسابور فوجه محمد بن طاهر اليه الرسل والفقهاء فاختلفوا بينهما ثم ولاه الطبسين
وقهستان ( ولست خلفون ) من رجب منها دخل المهلبى ويحيى بن خلف النهر بطى
سوق الاهواز فقتلوا بها خلقا كثيرا وقتلوا صاحب المعونة بها
ـ 12 ـ
ذكرالخبر عن سبب هذه الوقعة
وكيف كان هلاك صاحب الحرب من قبل السلطان فيها
ذكر أن قائد الزنج خفى عليه أمر الحريق الذى كان في عسكر أبى أحمد
بالباذا ورد فلم يعلم خبره إلا بعد ثلاثة ورد به عليه رجلان من أهل عبادان
فأخبراه فعاد للعيث وانقطعت عنه الميرة فأنهض على بن أبان المهلبى وضم اليه
أكثر الجيش وسار معه سليمان بن جامع وقد ضم اليه الجيش الذى كان مع يحيى
ابن محمد البحرانى وسليمان بن موسى الشعرانى وقد ضمت اليه الخيل وسائر الناس
مع على بن أبان المهلبى والمتولى للاهواز يومئذ رجل يقال له أصغجون ومعه
نيزك في جماعة من القواد فسار اليهم على بن أبان في جمعه من الزنج ونذر بن
أضغجون فنهض نحوه في أصحابه فالتقى العسكران بصحراء تعرف بدستماران
فكانت الدبرة يومئذ على أصغجون فقتل نيزك في جمع كثير من أصحابه وغرق
أصغجون وأسر الحسن بن هرثمة المعروف بالشار يومئذ والحسن بن جعفر
المعروف بزاوشار * قال محمد بن الحسن فحدثنى الحسن بن الشار قال خرجنا يومئذ
مع أصغجون للقاء الزنج فلم يثبت أصحابنا وانهزموا وقتل نيزك وفقد أصغجون
فلما رأيت ذلك نزلت عن فرس محذوف كان تحتى وقدرت أن أتناول بذنب
جنيبة كانت معى وأقحمها النهر فأنجو بها فسبقنى إلى ذلك غلامى فنجا وتركنى
فأتيت موسى بن جعفر لاتخلص معه فركب سفينة ومضى فيها ولم يقم على
وبصرت بزورق فأتيته فركبته فكثر الناس على وجعلوا يطلبون الركوب معى
فيتعلقون بالزروق حتى غرقوه فانقلب وعلوت ظهره وذهب الناس عنى وأدركنى
الزنج فجعلوا يرمونى بالنشاب فلما خفت التلف قلت امسكوا عن رميى والقوا إلى
شيئا أتعلق به وأصير اليكم فمدوا إلى رمحا فتناولته بيدى وصرت اليهم وأما
الحسن بن جعفر فإن أخاه حمله على فرس وأعده ليسفر بينه وبين أمير الجيش
فلما وقعت الهزيمة بادر في طلب النجاة فعثر به فرسه فأخذ فكتب على بن أبان
إلى الخبيث بأمر الوقعة وحمل اليه رؤسا وأعلاما كثيرة ووجه الحسن بن الشار
ـ 13 ـ
والحسن بن جعفر وأحمد بن روح فأمر بالاسرى إلى السجن ودخل على بن أبان
الاهواز فأقام يعيث بها إلى أن ندب السلطان موسى بن بغا لحرب الخبيث ( وفيها )
شخص موسى بن بغا عن سامرا لحربه وذلك لثلاث عشرة بقيت من ذى القعدة
وشيعه المعتمد إلى خلف الحائطين وخلع عليه هناك ( وفيها ) وافى عبدالرحمن
ابن مفلح الاهواز وإسحاق بن كنداج البصرة وإبراهيم بن سيما باذا ورد لحرب
قائد الزنج من قبل موسى بن بغا
ذكر الخبر عما كان من أمر هؤلاء في النواحى التى ضمت اليهم
مع أصحاب قائد الزنج في هذه السنة
ذكر أن ابن مفلح لما وافى الاهواز أقام بقنطرة أربك عشرة أيام ثم مضى
إلى المهلبى فواقعه فهزمه المهلبى وانصرف واستعد ثم عاد لمحاربته فأوقع به وقعة
غليظة وقتل من الزنج قتلا ذريعا وأسر أسرى كثيرة وانهزم على بن أبان وأفلت ومن
معه من الزنج حتى وافوا ببانا فاراد الخبيث ردهم فلم يرجعوا للذعر الذى خالط
قلوبهم فلما رأى ذلك أذن لهم في دخول عسكره فدخلوا جميعا فأقاموا بمدينته
ووافى عبدالرحمن حصن المهدى ليعسكر به فوجه إليه الخبيث على بن أبان فواقعه
فلم يقدر عليه ومضى على يريد الموضع المعروف بالدكر وإبراهيم بن سيما يومئذ
ب الباذاورد فواقعه إبراهيم فهزم على بن أبان وعاوده فهزمه أيضا إبراهيم فمضى
في الليل وأخذ معه أدلاء فسلكوا به الآجام والادغال حتى وافى نهر يحيى وانتهى
خبره إلى عبدالرحمن فوجه إليه طاشتمر في جمع من الموالى فلم يصل إلى على ومن
معه لوعورة الموضع الذى نوا فيه وامتناعه بالقصب والحلافي فأضرمه عليهم
نارا فخرجوا منه هاربين فأسر منهم أسرى وانصرف إلى عبدالرحمن بن مفلح
بالاسرى والظفر ومضى على بن أبان حتى وافى نسوخا فأقام هناك فيمن معه من
أصحابه وانتهى الخبر بذلك إلى عبدالرحمن بن مفلح فصرف وجهه نحو العمود
فوافاه وأقام به وصار على به أبان إلى نهر السدرة وكتب إلى الخبيث يستمده
ويسأله التوجيه إليه بالشذا فوجه إليه ثلاث عشرة شذاة فيها جمع كثير من أصحابه
ـ 14 ـ
فسار على ومعه الشذا حتى وافى عبدالرحمن وخرج إليه عبدالرحمن بمن معه فلم
يكن بينهما قتال وتواقف الجيشان يومهما ذلك فلما كان الليل انتخب على بن
ابان من أصحابه جماعة يثق بجلدهم وصبرهم ومضى فيهم ومعه سليمان بن موسى
المعروف بالشعرانى وترك سائر عسكره مكانه ليخفى أمره فصار من وراء عبدالرحمن
ثم بيته في عسكره فنال منه ومن أصحابه نيلا وانحاز عبدالرحمن عنه وخلى عن
أربع شذوات من شذواته فأخذها على وانصرف ومضى عبدالرحمن لوجهه حتى
وافى الدولاب فأقام به وأعد رجالا من رجاله وولى عليهم طاشتمر وأنفذهم
إلى على بن أبان فوافوه بنواحى بياب آزر فأقعوا به وقعة انهزم منها إلى نهر
السدرة وكتب طاشتمر إلى عبدالرحمن بانهزام على عنه فأقبل عبدالرحمن بجيشه
حتى وافى العمود فأقام به واستعد أصحابه للحرب وهيأ شذواته وولى عليها
طاشتمر فسار إلى فوهة نهر السدرة فواقع على بن أبان وقعة عظيمة انهزم منها
على وأخذ منه عشر شذوات ورجع على إلى الخبيث مفلولا مهزوما وسار
عبدالرحمن من فوره فعسكر ببيان فكان عبدالرحمن بن مفلح وابراهيم بن
سيما يتناوبان المصير إلى عسكر الخبيث فيوقعان به ويخيفان من فيه واسحاق
ابن كنداج يومئذ مقيم بالبصرة قد قطع الميرة عن عسكر الخبيث فكان الخبيث
يجمع أصحابه في اليوم الذى يخاف فيه موافاة عبدالرحمن من مفلح وابراهيم
ابن سيما حتى ينقضى الحرب ثم يصرف فريقا منهم إلى ناحية البصرة فيواقع
بهم اسحاق بن كنداج فأقاموا في ذلك بضعة عشر شهرا إلى أن صرف موسى بن
بغا عن حرب الخبيث ووليها مسرور البلخى وانتهى الخبر بذلك إلى الخبيث ( وفيها )
غلب الحسن بن زيدعلى قومس ودخلها أصحابه ( وفيها ) كانت وقعة بين محمدبن
الفضل بن سنان القزوينى ووهسوذان بن جستان الديلمى فهزم محمدبن الفضل
وهسوذان ( وفيها ) ولى موسى بن بغا الصلابى الرى حين وثب كيغلغ على
تكين فقتله فسار اليها ( وفيها ) غلب صاحب الروم على سميساط ثم نزل على
ملطية وحاصر أهلها فحاربه أهل ملطية فهزموه وقتل أحمد بن محمد القابوس نصرا
ـ 15 ـ
الاقريطشى بطريق البطارقة ( وفيها ) وجه من الاهواز جماعة من الزنج أسروا
إلى سامرا فوثبت العامة بهم بسامرا فقتلوا أكثرهم وسلبوهم ( وفيها ) دخل
يعقوب بن الليث نيسابور
ذكر الخبر عن الكائن الذى كان منه هناك
ذكر أن يعقوب بن الليث صار إلى هراة ثم قصد نيسابور فلما قرب منها
وأراد دخولها وجه محمدبن طاهر يستأذنه في تلقيه فلم يأذن له فبعث بعمومته
وأهل بيته فتلقوه ثم دخل نيسابور لاربع خلون من شوال بالعشى فنزل طرفا
من أطرافها يعرف بداوداباذ فركب اليه محمدبن طاهر فدخل عليه في مضربه
فساءله ثم أقبل على تأنيبه وتوبيخه على تفريطه في عمله ثم انصراف وأمر
عزيز بن السرى بالتوكيل به وصرف محمد بن طاهر وولى عزيرا نيسابور ثم حبس
محمد بن طاهر وأهل بيته وورد الخبر بذلك على السلطان فوجه اليه حاتم بن زيرك
ابن سلام ووردت كتب يعقوب على السلطان لعشر بقين من ذى القعدة فقعد
فيما ذكر جعفر بن المعتمد وأبوأحمد بن المتوكل في إيوان الجوسق وحضر
القواد وأذن لرسل يعقوب فذكر رسله ما تناهى إلى يعقوب من حال أهل
خراسان وأن الشراة و المخالفين قد غلبوا عليها وضعف محمد بن طاهر وذكروا
مكاتبة أهل خراسان يعقوب ومسألتهم إياه قدومه عليهم و استعانتهم وأنه
صار اليها فلما كان على عشرة فراسخ من نيسابور سار اليه أهلها فدفعوها اليه
فدخلها فتكلم أبوأحمد وعبيدالله بن يحيى وقالا للرسل إن أمير المؤمنين لايقار
يعقوب على ما فعل وأنه يأمره بالانصراف إلى العمل الذى ولاه إياه وانه لم يكن
له أن يفعل ذلك بغير أمره فليرجع فانه إن فعل كان من الاولياء وإلا لم يكن
له الا ما للمخالفين وصرف اليه رسله بذلك ووصلوا وخلع على كل واحد منهم
خلعة فيها ثلاثة أثواب وكانوا أحضروا رأسا على قناة فيه وقعة فيها هذا رأس
عدوالله عبدالرحمن الخارجى بهراة ينتحل الخلافة منذ ثلاثين سنة قتله يعقوب
ابن الليث ( وحج بالناس ) في هذه السنة ابراهيم بن محمد بن اسماعيل بن جعفر
ـ 16 ـ
ابن سليمان بن على بن عبدالله بن عباس المعروف ببريه
ثم دخلت سنة ستين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمما كان فيها من ذلك قتل رجل من أكراد مساور الشارى محمد بن هارون بن
المعمر وجده في زورق يريد سامرا فقتله وحمل رأسه إلى مساور فطلبت ربيعة بدمه
في جمادى الآخرة فندب مسرور البلخى وجماعة من القواد إلى أخذ الطريق على
مساور ( وفيها ) قتل قائد الزنج على بن زيد العلوى صاحب الكوفة ( وفيها )
واقع يعقوب بن الليث الحسن بن زيد الطالبى فهزمه ودخل طبرستان
ذكر الخبر عن هذه الوقعة وعن سبب مصير يعقوب إلى طبرستان .
( أخبرنى ) جماعة من أهل الخبرة بيعقوب أن عبدالله السجزى كان
يتنافس الرياسة بسجستان فقهره يعقوب فتخلص منه عبدالله فلحق بمحمد بن
طاهر بنيسابور فلما صار يعقوب إلى نيسابور هرب عبدالله فلحق بالحسن
ابن زيد فشخص يعقوب في أثره بعد ما كان من أمره وأمر محمد بن طاهر ما قد
ذكرت قبل فمر في طريقه إلى طبرستان باسفرائيم ونواحيها وبها رجل كنت
أعرفه يطلب الحديث يقال له بديل الكشى يظهر التطوع والامر بالمعروف
وقد استجاب له عامة أهل تلك الناحية فلما نزل يعقوب راسله وأخبره أنه مثله
في التطوع وأنه معه فلم يزل يرفق به حتى صار اليه بديل فلما تمكن منه قيده ومضى
به معه إلى طبرستان فلما صار إلى قرب سارية لقيه الحسن بن زيد ( فقيل لى )
إن يعقوب بعث إلى الحسن بن زيد يسأله أن يبعث اليه بعبدالله السجزى حتى
ينصرف عنه فإنه إنما قصد طبرستان من أجله لا لحربه فابى الحسن بن زيد تسليمه
اليه فآذنه يعقوب بالحرب فالتقى عسكرهما فلم تكن إلا كلا ولا حتى هزم الحسن
ابن زيد ومضى نحو الشرز وأرض الديلم ودخل يعقوب سارية ثم تقدم منها
إلى آمل فجبى أهلها خراج سنة ثم شخص من آمل نحو الشرز في طلب الحسن
ـ 17 ـ
ابن زيد حتى صار إلى بعض جبال طبرستان فأدركته فيه الامطار وتتابعت
عليه فيما ذكر لى نحوا من أربعين يوما فلم يتخلص من موضعه ذلك بمشقة شديدة
وكان فيما قيل لى قد صعد جبلا لما رام النزول عنه لم يمكنه ذلك إلا محمولا على
ظهور الرجال وهلك عامة ما كان معه من الظهر ثم رام الدخول خلف الحسن
ابن زيد إلى الشرز * فحدثنى بعض أهل تلك الناحية أنه انتهى إلى الطريق الذى
أراد سلوكه اليه فوقف عليه وأمر أصحابة بالوقوف ثم تقدم أمامهم يتأمل
الطريق ثم رجع إلى أصحابه فأمرهم بالانصراف وقال لهم إن لم يكن اليه طريق
غير هذا فلاطريق اليه ( فأخبرنى ) الذى ذكر لى ذلك أن نساء أهل تلك
الناحية قلن لرجالهن دعوه يدخل هذا الطريق فانه إن دخل كفيناكم أمره وعلينا
أخذه وأسره لكم فلما انصرف راجعا وشخص عن حدود طبرستان عرض
رجاله ففقد منهم قيل لى اربعين ألفا وانصرف عنها وقد ذهب عظم ما كان
معه من الخيل والابل والاثقال * وذكر أنه كتب إلى السلطان كتابا يذكر فيه
مسيره إلى الحسن بن زيد وأنه سار من جرجان إلى طميس فافتتحها ثم سار إلى
سارية وقد أخرب الحسن بن زيد القناطر ورفع المعابر وعور الطريق وعسكر الحسن
ابن زيد على باب سارية متحصنا بأودية عظام وقد مالاه خرشاد بن جيلا وصاحب
الديلم فزحف باقتدار فيمن جمع اليه من الطبرية والديالمة وا لخراسانية والقمية
والجبلية والشأمية والجزرية فهزمته وقتلت عدة لم يبلغها بعهدى عدة وأسرت
سبعين من الطالبيين وذلك في رجب وسار الحسن بن زيد إلى الشرز ومعه الديلم
( وفى هذه السنة ) اشتد الغلاء في عامة بلاد الاسلام فانجلى فيما ذكر عن مكة من
شدة الغلاء من كان بها مجاورا إلى المدينة وغيرها من البلدان ورحل عنها العامل
الذى كان بها مقيما وهو بريه وارتفع السعر ببغداد فبلغ الكر الشعير عشرين
ومائة دينار والحنطة خمسين ومائة ودام ذلك شهورا ( وفيها ) قتلت الاعراب
منجور والى حمص فاستعمل عليها بكتمر ( وفيها ) صار يعقوب بن الليث حين
انصرف عن طبرستان إلى ناحية الرى وكان السبب في مصيره اليها فيما ذكرلى
ـ 18 ـ
مصير عبدالله السجزى إلى الصلابى مستجيرا به من يعقوب لما هزم يعقوب
الحسن بن زيد فلما صار يعقوب إلى جوار الرى كتب إلى الصلابى يخيره بين
تسليم عبدالله السجزى اليه حتى ينصرف عنه ويرتحل عن عمله وبين أن يأذن بحربه
فاختار الصلابى فيما قيل لى تسليم عبدالله فسلمه اليه فقتله يعقوب وانصرف عن
عمل الصلابى ( وفيها ) قتل العلاء بن أحمد الازدى
ذكر الخبر عن سبب مقتله
ذكر أن العلاء بن أحمد فلج وتعطل فكتب السلطان إلى أبى الردينى عمر بن
على بن مر بولاية آذربيجان وكانت قبل إلى العلاء فصار أ بوالردينى اليها ليتسلمها
من العلاء فخرج العلاء في قبة في شهر رمضان لحرب أبى الردينى ومع أبى الردينى
جماعة من الشراة وغيرهم فقتل العلاء * فذكر أنه وجه عدة من الرجال في حمل
ما خلف العلاء فحمل من قلعته ما بلغت قيمته ألفى ألف وسبعمائة ألف درهم
( وفيها ) أخذت الروم لؤلؤة من المسلمين ( وحج بالناس ) فيها ابراهيم بن محمد
ابن اسماعيل بن جعفر بن سليمان بن على المعروف ببريه
ثم دخلت سنة احدى وستين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من انصراف الحسن بن زيد من أرض الديلم إلى طبرستان
واحراقه شالوس لما كان من ممالاتهم يعقوب واقطاعه ضياعهم الديالمة ومن
ذلك ما كان من أمر السلطان عبيدالله بن عبدالله بن طاهر بجمع من كان ببغداد
من حاج خراسان والرى وطبرستان وجرجان فجمعهم في صفر منها ثم قرئ
عليهم كتاب يعلمون فيه أن السلطان لم يول يعقوب بن الليث خراسان ويأمرهم
بالبراءة منه لانكاره دخوله خراسان وأسره محمد بن طاهر ( وفى هذه السنة )
توفى عبدالله بن الواثق في عسكر الصفار يعقوب ( وفيها ) قتل مساور الشارى
يحيى بن حفص الذى كان يلى طريق خراسان بكرخ جدان في جمادى الآخرة
ـ 19 ـ
فشخص مسرور البلخى في طلبه ثم تبعه أبوأحمد بن المتوكل وتنحى مساور فلم
يلحق ( وفى جمادى الاولى ) منها هلك أبوهاشم داود بن سليمان الجعفرى
( وفيها ) كانت بين محمد بن واصل و عبدالرحمن بن مفلح وطاشتمر وقعة برامهرمز
فقتل ابن واصل طاشتمر وأسر بن مفلح
ذكر الخبر عن هذه الوقعة والسبب فيها
كان السبب في ذلك فيما ذكر لى أن ابن واصل قتل الحارث بن سيما وهو
عامل السلطان بفارس وتغلب عليها فضمت إلى موسى بن بغا فارس والاهواز
والبصرة والبحرين واليمامة مع ما كان إليه من عمل المشرق فوجه موسى بن بغا
عبدالرحمن بن مفلح إلى الاهواز وولاه إياها وفارس وضم اليه طاشتمر فاتصل
بابن واصل ذلك من فعل موسى وأن ابن مفلح قد توجه إلى فارس يريده وكان
قبل مقيما بالاهواز على حرب الخارجى بناحية البصرة فزحف اليه ابن واصل
فالتقيا برامهرمز وانضم أبوداود الصعلوك إلى ابن واصل معينا له على ابن مفلح
فظهر ابن واصل بابن مفلح فأسره وقتل طاشتمر واصطلم عسكر ابن مفلح ثم لم
يزل ابن مفلح في يده حتى قتله وقد كان السلطان وجه اسماعيل بن إسحاق إلى ابن
واصل في إطلاق ابن مفلح فلم يجبه إلى ذلك ابن واصل ولما فرغ ابن واصل من
ابن مفلح أقبل مظهرا أنه يريد واسط لحرب موسى بن بغا حتى انتهى إلى الاهواز
وبها ابراهيم بن سيما في جمع كثير فلما رأى موسى بن بغا شدة الامر وكثرة
المتغلبين على نواحى المشرق وأنه لاقوام له بهم سأل أن يعفى من أعمال المشرق
فأعفى منها وضم ذلك إلى أبى أحمد ووليه أبوأحمد بن المتوكل فانصرف موسى بن بغا
من واسط إلى باب السلطان مع عماله عن أعمال المشرق ( وفيها ) ولى أبوالساج
الاهواز وحرب قائد الزنج فصار اليها أبوالساج بعد شخوص عبدالرحمن بن مفلح
إلى ناحية فارس ( وفيها ) كانت بين عبدالرحمن صهر أبى الساج وعلى بن أبان
المهلبى وقعة بناحية الدولاب قتل فيها عبدالرحمن وانحاز أبوالساج إلى عسكر
مكرم ودخل الزنج الاهواز فقتلوا أهلها وسبوا وانتهبوا وأحرقوا دورها ثم
ـ 20 ـ
صرف أبوالساج عما كان اليه من عمل الاهواز وحرب الزنج وولى ذلك ابراهيم
ابن سيما فلم يزل مقيما في عمله ذلك حتى انصرف عنه بانصراف موسى بن بغا عما
كان اليه من عمل المشرق ( وفيها ) ولى محمد بن أوس البلخى طريق خراسان ولما
ضم عمل المشرق إلى أبى أحمد ولى مسرورا البلخى الاهواز والبصرة وكور دجلة
واليمامة والبحرين في شعبان من هذه السنة وحرب قائد الزنج ( وفيها ) ولى نصر
ابن أحمد بن أسد السامانى ماوراء نهر بلخ وذلك في شهر رمضان منها وكتب اليه
بولايته ذلك * وفى شوال منها زحف يعقوب بن الليث إلى فارس وابن واصل
مقيم بالاهواز فانصرف منها إلى فارس فالتقى هو ويعقوب بن الليث في ذى القعدة
فهزمه يعقوب وفل عسكره وبعث إلى خرمة إلى قلعة ابن واصل فأخذ ما كان فيها
فذكر أنه بلغت قيمة ما أخذ يعقوب منها أربعين ألف ألف درهم وأسر مرداسا
خال ابن واصل ( وفيها ) أوقع أصحاب يعقوب بن الليث بأهل زم موسى بن
الكردى لما كان من ممالاتهم محمد بن واصل فقتلوهم وانهزم موسى بن مهران
( وفيها ) لاثنتى عشرة مضت من شوال منها جلس المعتمد في دار العامة فولى ابنه
جعفرا العهد وسماه المفوض إلى الله وولاه المغرب وضم اليه موسى بن بغا وولاه
إفريقية ومصر والشأم والجزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان ومهر جانقذق
وحلوان وولى أخاه أبا أحمد العهد بعد جعفر وولاه المشرق وضم اليه
مسرورا البلخى وولاه بغداد والسواد والكوفة وطريق مكة والمدينة واليمن
وكسكر وكوردجلة والاهواز وفارس وأصبهان وقم والكرج والدينور
والرى وزنجان وقزوين وخراسان وطبرستان وجرجان وكرمان وسجستان
والسند وعقد لكل واحد منهما لواءين أسود وأبيض وشرط إن حدث به حدث
الموت وجعفر لم يكمل للامر أن يكون الامر لابى أحمد ثم لجعفر وأخذت البيعة على
الناس بذلك وفرقت نسخ الكتاب وبعث بنسخة مع الحسن بن محمد بن
أبى الشوارب ليعلقها في الكعبة فعقد جعفر المفوض لموسى بن بغا على المغرب في
شوال وبعث اليه بالعقد مع محمد المولد ( وفيها ) فارق محمد بن زيدويه يعقوب
ـ 21 ـ
ابن الليث فاعتزل عسكره في آلاف من أصحابه فصار إلى أبى الساج فقبله وأقام معه
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 21 سطر 1 الى ص 30 سطر 25
ابن الليث فاعتزل عسكره في آلاف من أصحابه فصار إلى أبى الساج فقبله وأقام معه
بالاهواز وبعث اليه من سامرا بخلعة ثم سأل ابن زيدويه السلطان توجيه الحسين
ابن طاهر بن عبدالله معه إلى خراسان * وسار مسرور البلخى مقدمة لابى أحمد
من سامرا لسبع خلون من ذى الحجة وخلع عليه وعلى أربعة وثلاثين من قواده
فيما ذكر وشيعه وليا العهد واتبعه الموفق شاخصا من سامرا لتسع بقين من ذى
الحجة ( وحج ) بالناس فيها الفضل بن اسحاق بن الحسن بن اسماعيل بن العباس بن
محمد بن على بن عبدالله بن عباس * ومات الحسن بن محمد بن أبى الشوارب فيها
بمكة بعد ما حج
ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمما كان فيها من ذلك موافاة يعقوب بن الليث رامهرمز في المحرم وتوجيه
السلطان اليه إسماعيل بن اسحاق بغراج وإخراج السلطان من كان محبوسا من
أسباب يعقوب بن الليث من السجن لانه لما كان من أمره ما كان في أمر محمد
ابن طاهر حبس السلطان غلامه وصيفا ومن كان قبله من أسبابه فأطلق عنهم
بعد ما وافى يعقوب رامهرمز وذلك لخمس خلون من شهر ربيع الاول ثم قدم
اسماعيل بن اسحاق من عند يعقوب وخرج إلى سامرا برسالة من عنده فجلس
أبوأحمد ببغداد ودعا بجماعة من التجار وأعلمهم أن أمي رالمؤمنين أمر
بتولية يعقوب بن الليث خراسان وطبرستان وجرجان والرى وفارس
والشرطة بمدينة السلام وذلك بمحضر من درهم بن نصر صاحب يعقوب وكان
المعتمد قد صرف درهما هذا من سامرا إلى يعقوب بجواب ما كان يعقوب أرسله
يسأله لنفسه فأرسل معه اليه عمر بن سيما ومحمد بن تركشه ووافى فيها رسل ابن
زيدويه بغداد في شهر ربيع الاول منها برسالة من عنده فخلع عليه أبوأحمد ثم
انصرف في هذه السنة الذين توجهوا إلى يعقوب بن الليث إلى السلطان فأعلموه
ـ 22 ـ
أنه يقول إنه لا يرضيه ما كتب إليه دون أن يصير إلى باب السلطان وارتحل
يعقوب من عسكر مكرم فصار أبوالساج إليه فقبله وأكرمه ووصله ولما رجعت
الرسل بما كان من جواب يعقوب عسكر المعتمد يوم السبت لثلاث خلون من
جمادى الآخرة بالقائم بسامرا واستخلف على سامرا ابنه جعفرا وضم إليه محمد
المولد ثم سار منهم يوم الثلاثاء لست خلون من جمادى الآخرة ووافى بغداد يوم
الاربعاء لاربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة فاشتقها حتى جازها وصار إلى
ا لزعفرانية فنزلها وقدم أخاه أبا أحمد من ا لزعفرانية فسار يعقوب بجيشه من عسكر
مكرم حتى صار من واسط على فرسخ فصادف هنالك بثقا فدبثقة مسرور البلخى
من دجلة لئلا يقدر على جوازه فأقام عليه حتى سده وعبره وذلك لست بقين من
جمادى الآخرة وصار إلى باذبين ثم وافى محمد بن كثير من قبل يعقوب عسكر
مسرور البلخى فصار بإزائه فصار مسرور بعسكره إلى النعمانية ووافى يعقوب
واسط فدخلها لست بقين من جمادى الآخرة وارتحل المعتمد من ا لزعفرانية
يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الآخرة حتى صار إلى سيب بنى كوما فوافاه
هنالك مسرور البلخى وكان مسير مسرور البلخى إليه في الجانب الغربى من دجلة
فعبر إلى الجانب الذى فيه العسكر فأقام المعتمد بسيب بنى كوما أياما حتى اجتمعت
إليه عساكره وزحف يعقوب من واسط إلى دير العاقول ثم زحف من دير
العاقول نحو عسكر السلطان فأقام المعتمد بالسيب ومعه عبيدالله بن يحيى وأنهض
أخاه أبا أحمد لحرب يعقوب فجعل أبوأحمد موسى بن بغا على ميمنته ومسرورا
البلخى على ميسرته وصار هو في خاصته ونخبة رجاله في القلب والتقى العسكران
يوم الاحد لليال خلون من رجب بموضع يقال له اضطربد بين سيب بنى كوما
وديرا العاقول فشدت ميسرة يعقوب على ميمنة أبى أحمد فهزمتها وقتلت منها جماعة
كثيرة منهم من قوادهم إبراهيم بن سيما التركى وطباغوا التركى ومحمد طغتا التركى
والمعروف بالمبرقع المغربى وغيرهم ثم ثاب المنهزمون وسائر عسكر أبى أحمد ثابت
فحملوا على يعقوب وأصحابه فثبتوا وحاربوا حربا شديدا وقتل من أصحاب يعقوب
ـ 23 ـ
جماعة من أهل البأس منهم الحسن الدرهمى ومحمد بن كثير وكان على
مقدمة يعقوب والمعروف بلبادة فأصابت يعقوب ثلاثة أسهم في حلقه ويديه
ولم تزل الحرب بين الفريقين فيما قيل إلى آخر وقت صلاة العصر ثم وافى أبا أحمد
الديرانى ومحمد بن أوس واجتمع جميع من في عسكر أبى أحمد وقد ظهر من كثير
ممن مع يعقوب كراهة القتال معه إذ رأوا السلطان قد حضر لقتاله فحملوا على
يعقوب ومن قد ثبت معه للقتال فانهزم أصحاب يعقوب وثبت يعقوب في خاصة
أصحابه حتى مضوا وفارقوا موضع الحرب * فذكر أنه أخذ من عسكره من الدواب
والبغال أكثر من عشرة آلاف رأس ومن الدنانير والدراهم ما يكل عن حمله ومن
جرب المسك أمر عظيم وتخلص محمد بن طاهر بن عبدالله وكان مثقلا بالحديد
خلصه الذى كان موكلا به ثم أحضر محمد بن طاهر فخلع عليه على مرتبته وقرئ على
الناس كتاب فيه ولم يزل الملعون المارق المسمى يعقوب بن الليث الصفار ينتحل
الطاعة حتى أحدث الاحداث المنكرة من مصيره إلى صاحب خراسان وغلبته
اياه عليها وتقلده الصلاة والاحداث بها ومصيره إلى فارس مرة بعد مرة واستيلائه
على أموالها واقباله إلى باب أمي رالمؤمنين مظهر المسألة في أمور أجابه أمي رالمؤمنين
منها ما لم يكن يستحقه استصلاحا له ودفعا بالتى هى أحسن فولاه خراسان والرى
وفارس وقزوين وزنجان والشرطة بمدينة السلام ومر بتكنيته في كتبه وأقطعه
الضياع النفيسة فما زاده ذلك إلا طغيانا وبغيا فأمره بالرجوع فأبى فنهض أمير
المؤمنين لدفع الملعون حين توسط الطريق بين مدينة السلام وواسط وأظهر
يعقوب أعلاما على بعضها الصلبان فقدم أمي رالمؤمنين أخاه أبا أحمد الموفق بالله
ولى عهد المسلمين في القلب ومعه أبوعمران موسى بن بغا في الميمنة وفى جناح الميمنة
ابراهيم بن سيما وفى الميسرة أبوهاشم مسرور البلخى وفى جناح الميسرة الديرانى فتسرع
وأشياعه في المحاربة فحاربه حتى أثخن بالجراح وحتى انتزع أ بوعبدالله محمد بن طاهر سالما
من أيديهم وولوا منهزمين مجروحين مسلوبين وسلم الملعون كل ما حواه ملكه كتابا
مؤرخا بيوم الثلاثاء لاحدى عشرة خلت من رجب * ثم رجع المعتمد إلى معسكره
ـ 24 ـ
وكتب إلى ابن واصل بتولية فارس وقد كان صار اليها وجمع جماعة ثم رجع
المعتمد إلى المدائن ومضى أبوأحمد ومعه مسرور وساتكين وجماعة من القواد
وقبض مالا لابى الساج من الضياع والمنازل وأقطعها مسرور البلخى وقدم محمد
ابن طاهر بن عبدالله بغداد يوم الاثنين لاربع عشرة بقيت من رجب وقد رد
اليه العمل فخلع عليه في الرصافة فنزل دار عبدالله بن طاهر فلم يعزل أحدا ولم
يول وأمر له بخمسمائة ألف درهم وكانت الوقعة التى كانت بين السلطان والصفار
يوم الشعانين وقال محمد بن على بن فيد الطائى يمدح أبا أحمد ويذكر أمر الصفار
نعب الغراب عدمته من ناعب * وصبا فؤادى لادكار حبائبى
نادى ببينهم فجادت مقلتى * لزيال أرحلهم بدمع ساكب
بانوا بأتراب أوانس كالدمى * مثل المها قب البطون كواعب
فأولئكن غرائر تيمننى * بسوالف وقوائم وحواجب
لولى عهد المسلمين مناسب * شرفت واشرق نورها بمناصب
ومراتب في ذروة لا ترتقى * أكرم بها من ذروة ومراتب
ولقد أتى الصفار في عدد لها * حسن فوافتهن نكبة ناكب
جلب القضاء إليه حتفا عاجلا * سقيا ورعيا للقضاء الجالب
اغواه إبليس اللعين بكيده * واغتر منه بوعد كاذب
حتى إذا احتلفوا وظن بأنه * قد عز بين عساكر وكتائب
دلفت إليه عساكر ميمونة * يلقون زحفا باللواء الغالب
في جحفل لجب ترى أبطاله * من دارع أو رامح أو ناشب
وبدا الامام براية منضورة * لمحمد سيف الاله القاضب
وولى عهد المسلمين موفق * بالله أمضى من شهاب ثاقب
وكأنه في الناس بدر طالع * متهلل بالنور بين كواكب
لما التقوا بالمشرفية والقنا * ضربا وطعن محارب لمحارب
ثار العجاج وفوق ذاك غمامة * غراء تسكب وبل صوب صائب
ـ 25 ـ
فل الجموع بحزم رأى ثاقب * منه وأفرد صاحبا عن صاحب
لله در موفق ذى بهجة * ثبت المقام لدى الهياج مواثب
يا فارس العرب الذى ما مثله * في الناس يعرف آخر لنوائب
من فادح الزمن العضوض ومن لقى * جيش لذى غدر حرون غاصب
( وفيها ) وجه قائد الزنج جيوشه إلى ناحية البطيحة ودستميسان
ذكر الخبر عن سبب توجيهه إياهم اليها
ذكر أن سبب ذلك كان أن المعتمد لما صرف موسى بن بغا عن أعمال المشرق
وما كان متصلا بها وضمها إلى أخيه أبى أحمد وضم أبوأحمد عمل كور دجلة إلى
مسرور البلخى وأقبل يعقوب بن الليث مريدا أبا أحمد وصار إلى واسط خلت
كور دجلة من أسباب السلطان خلا المدائن وما فوق ذلك وكان مسرور قدوجه
قبل ذلك إلى الباذاورد مكان موسى بن أتامش جعلان التركى وكان بإزاء موسى
ابن أتامش من قبل قائد الزنج سليمان بن جامع وقد كان سليمان قبل أن يصرف
ابن أتامش عن الباذاورد قد نال من عسكره فلما صرف ابن أتامش وجعل
موضعه جعلان وجه سليمان من قبله رجلا من ا لبحرانيين يقال له ثعلب بن حفص
فأوقع به وأخذ منه خيلا ورجلا ووجه قائد الزنج من قبله رجلا من أهل جبى
يقال له أحمد بن مهدى في سميريات فيها رماة من أصحابه فأنفذه إلى نهر المرأة فجعل
الجبائى يوقع بالقرى التى بنواحى المذار فيما ذكر فيعيث فيها ويعود إلى نهر المرأة
فيقيم به فكتب هذا الجبائي إلى قائد الزنج يخبر بأن البطيحة خالية من رجال السلطان
لانصراف مسرور وعساكره عند ورود يعقوب بن الليث واسط فأمر قائد
الزنج سليمان بن جامع وجماعة من قواده بالمصير إلى الحوانيت وأمر رجلا من
الباهليين يقال له عمير بن عمار كان عالما بطرق البطيحة ومسالكها أن يسير مع
الجبائى حتى يستقر ب الحوانيت . فذكر محمد بن الحسن أن محمد بن عثمان العبادانى
قال لما عزم صاحب الزنج على توجيه الجيوش إلى ناحية البطيحة ودستميسان
أمر سليمان بن جامع أن يعسكر بالمطوعة وسليمان بن موسى أن يعسكر على فوهة
النهر المعروف باليهودى ففعلا ذلك وأقاما إلى أن أتاهما إذنه فنهضا فكان مسير
ـ 26 ـ
سليمان بن موسى إلى القرية المعروفة بالقادسية ومسير سليمان بن جامع إلى الحوانيت
والجبائى في ا لسميريات أمام جيش سليمان بن جامع ووافى أبا التركى دجلة في
ثلاثين شذاة فانحدر يريد عسكر قائد الزنج فمر بالقرية التى كانت داخلة في سلم
الخبيث فنال منها وأحرق فكتب الخبيث إلى سليمان بن موسى في منعه الرجوع
وأخذ عليه سليمان الطريق فأقام شهرا يقاتل حتى تخلص فصار إلى البطيحة .
وذكر محمد بن عثمان ان جباشا الخادم زعم أن أباالتركى لم يكن صار إلى دجلة
في هذا الوقت وأن المقيم كان هناك نصير المعروف بأبى حمزة . وذكر أن سليمان
ابن جامع لما فصل متوجها إلى الحوانيت انتهى إلى موضع يعرف بنهر العتيق
وقد كان الجبائي سار في طريق الماديان فتلقاه رميس فواقعه الجبائى فهزمه وأخذ
منه أربعا وعشرين سميرية ونيفا وثلاثين صلغة وأفلت رميس فاعتصم بأجمة لجأ
اليها فأتاه قوم من ا لجوخانيين فأخرجوه منها فنجا ووافق المنهزمين من أصحاب
رميس خروج سليمان من النهر العتيق فتلقاهم فأوقع بهم ونال منهم نيلا ومضى
رميس حتى لحق بالموضع المعروف ببر مساور وانحاز إلى سليمان جماعة من
مذكورى البلاليين وأنجادهم في خمسين ومائة سميرية فاستخبرهم عما أمامه
فقالوا ليس بينك وبين واسط أحد من عمال السلطان وولاته فاغتر سليمان
بذلك وركن اليه فسار حتى انتهى إلى الموضع الذى يعرف بالجازرة فتلقاه رجل
يقال له أبومعاذ القرشى فواقعه فانهزم سليمان عنه وقتل أبومعاذ جماعة من أصحابه
وأسر قائدا من قواد الزنج يقال له رياح القندلى فانصرف سليمان إلى الموضع
الذى كان معسكرا به فأتاه رجلان من البلالية فقالا له ليس بواسط أحد
يدفع عنها غير أبى معاذ في الشذوات الخمس التى لقيك بها فاستعد سليمان وجمع
أصحابه وكتب إلى الخبيث كتابا مع البلالية الذين كانوا استأمنوا اليه وأنفذهم
الاجميعة يسيرة في عشر سميريات انتخبهم للمقام معه واحتبس الاثنين معه
اللذين أخبراه عن واسط بما أخبراه به وصار قاصدا لنهر أبان فاعترض له أبومعاذ
في طريقه وشبت الحرب بينهما وعصفت الربح فاضطربت شذا أبى معاذ وقوى عليه
ـ 27 ـ
سليمان وأصحابه فأدبر عنهم معردا ومضى سليمان حتى انتهى إلى نهر أبان فاقتحمه
وأحرق وأنهب وسبى النساء والصبيان فانتهى الخبر بذلك إلى وكلاء كانوا لابى
أحمد في ضياع من ضياعه مقيمين بنهر سنداد فساروا إلى سليمان في جماعة فأوقعوا
به وقعة قتلوا فيها جمعا كثيرا من الزنج وانهزم سليمان وأحمد بن مهدى ومن
معهما إلى معسكرهما قال محمد بن الحسن قال محمد بن عثمان لما استقر سليمان
ابن جامع ب الحوانيت ونزل بنهر يعرف بيعقوب بن النضر وجه رجلا ليعرف
خبر واسط ومن فيها من أصحاب السلطان وذلك بعد خروج مسرور البلخى
وأصحابه عنها لورود يعقوب إياها فرجع اليه فأخبره بمسير يعقوب نحو السلطان
وقد كان مسرور قبل شخوصه عن واسط إلى السيب وجه إلى سليمان رجلا يقال
له وصيف الرحال في شذوات فواقعه سليمان فقتله وأخذ منه سبع شذوات
وقتل من ظفر به وألقى القتلى ب الحوانيت ليدخل الرهبة في قلوب المجتازين بهم
من أصحاب السلطان فلما ورد على سليمان خبر مسير مسرور عن واسط دعا
سليمان عمير بن عمار خليفته ورجلا من رؤساء الباهليين يقال له أحمد بن شريك
فشاورهما في التنحى عن الموضع الذى تصل اليه الخيل والشذوات وأن يلتمس
موضعا يتصل بطريق متى أراد الهرب منه إلى عسكر الخبيث سلكه فأشارا عليه
بالمصير إلى عقر ماور والتحصن بطهيثا والادغال التى فيها وكره الباهليون
خروج سليمان بن جامع من بين أظهرهم لغمسهم أيديهم معه وما خافوا من تعقب
السلطان اياهم فحمل سليمان بأصحابه ماضيا في نهر البرور إلى طهيثا وأنفذ الجبائى
إلى النهر المعروف بالعتيق في ا لسميريات وأمره بالبدار اليه بما يعرف من خبر
الشذا ومن يأتى فيها من أصحاب السلطان وخلف جماعة من السودان لاشخاص
من تخلف من أصحابه وسار حتى وافى عقر ماور فنزل القرية المعروفة بقرية مروان
بالجانب الشرقى من نهر طهيثا في جزيرة هناك وجمع اليه رؤساء الباهليين وأهل
الطفوف وكتب إلى الخبيث يعلمه ما صنع فكتب اليه يصوب رأيه ويأمره بإنفاذ
ما قبله من ميرة ونعم وغنم فأنفذ ذلك اليه وسار مسرور إلى موضع معسكر سليمان
ـ 28 ـ
الاول فلم يجد هناك كثيرشئ ووجد القوم قد سبقوه إلى نقل ما كان في معسكرهم
وانحدر أبا التركى إلى البطائح في طلب سليمان وهو يظن أنه قد ترك الناحية
وتوجه نحو مدينة الخبيث فمضى فلم يقف لسليمان على أثر وكر راجعا فوجد
سليمان قد أنفذ جيشا إلى الحوانيت ليطرق من شذ من عسكر مسرور فخالف
الطريق الذى خاف أن يؤديه اليهم ومضى في طريق آخر حتى انتهى إلى مسرور
فأخبره أنه لم يعرف لسليمان خبرا وانصرف جيش سليمان اليه بما امتاروا
وأقام سليمان فوجه الجبائى في ا لسميريات للوقوف على مواضع الطعام والمير
والاحتيال في حملها فكان الجبائى لا ينتهى إلى ناحية فيجد فيها شيئا من الميرة
إلا أحرقه فساء ذلك سليمان فنهاه عنه فلم ينته وكان يقول إن هذه الميرة مادة
لعدونا فليس الرأى ترك شئ منها فكتب سليمان إلى الخبيث يشكو ما كان من
الجبائى في ذلك فورد كتاب الخبيث على الجبائى يأمره بالسمع والطاعة لسليمان
والائتمار له فيما يأمره به وورد على سليمان أن أغرتمش وخشيشا قد أقبلا
قاصدين اليه في الخيل والرجال والشذا وا لسميريات يريدان مواقعته فجزع جزعا
شديدا وأنفذ الجبائى ليعرف أخبارهما وأخذ في الاستعداد للقائهما فلم يلبث
أن عاد اليه الجبائي مهزوما فأخبره أنهما قد وافيا باب طنج وذلك على نصف
فرسخ من عسكر سليمان حينئذ فأمره بالرجوع والوقوف في وجه الجيش
وشغله عن المصير إلى العسكر إلى أن يلحق به فلما أنفذ الجبائى لما وجه له صعد
سليمان سطحا فأشرف منه فرأى الجيش مقبلا فنزل مسرعا فعبر نهر طهيثا
ومضى راجلا وتبعه جمع من قواد السودان وأصحابهم حتى وافوا باب طنج
فاستدبر اغرتمش وتركهم حتى جدوا في المسير إلى عسكره وقد كان أمر الذى
استخلفه على جيشه أن لا يدع أحدا من السودان يظهر لاحد من أهل جيش
اغرتمش وأن يخفوا أشخاصهم ما قدروا ويدعوا القوم حتى يتوغلوا النهر إلى أن
يسمعوا أصوات طبوله فإذا سمعوها خرجوا عليهم وقصدوا اغرتمش فجاء
اغرتمش بجيشه حتى لم يكن بينه وبين العسكر إلا نهر يأخذ من طهيثا يقال له
ـ 29 ـ
جارورة بنى مروان فانهزم الجبائى في ا لسميريات حتى وافى طهيثا فخلف سميرياته
بها وعاد راجلا إلى جيش سليمان واشتد جزع أهل عسكر سليمان منه فتفرقوا
أيادى سبا ونهضت منهم شرذمة فيها قائد من قواد السودان يقال له أبوالنداء
فتلقوهم فواقعوهم وشغلوهم عن دخول العسكر وشد سليمان من وراء القوم
وضرب الزنج بطبولهم وألقوا أنفسهم في الماء للعبور اليهم فانهزم أصحاب اغرتمش
وشد عليهم من كان بطيثا من السودان ووضعوا السيوف فيهم وأقبل خشيش
على أشهب كان تحته يريد الرجوع إلى عسكره فتلقاه السودان فصرعوه وأخذته
سيوفهم فقتل وحمل رأسه إلى سليمان وقد كان خشيش حين انتزعوا اليه
قال لهم أنا خشيش فلا تقتلونى وامضوا بى إلى صاحبكم فلم يسمعوا لقوله
وانهزم اغرتمش وكان في آخرأصحابه ومضى حتى ألقى نفسه إلى الارض
فركب دابة ومضى وتبعهم الزنج حتى وصلوا إلى عسكرهم فنالوا حاجتهم منه
وظفروا بشذوات كانت مع خشيش وظفر الذين اتبعوا الجيش المولى بشذوات
كانت مع اغرتمش فيها مال فلما انتهى الخبر إلى اغرتمش كر راجعا حتى
انتزعها من أيديهم ورجع سليمان إلى عسكره وقد ظفر بأسلاب ودواب
وكتب بخبر الوقعة إلى قائد الزنج وما كان منه فيها وحمل اليه رأس خشيش
وخاتمه وأقر الشذوات التى أخذها في عسكره فلما وافى كتاب سليمان ورأس
خشيش أمر فطيف به في عسكره ونصب يوما ثم حمله إلى على بن أبان وهو
يومئذ مقيم بنواحى الاهواز وأمر بنصبه هناك وخرج سليمان والجبائى معه
وجماعة من قواد السودان إلى ناحية الحوانيت مطرفين فتوافقوا هناك ثلاث
عشرة شذاة مع المعروف بأبى تميم أخى المعروف بأبى عون صاحب وصيف
التركى فأوقعوا به فقتل وغرق وظفروا من شذواته بإحدى عشرة شذاة قال محمد
ابن الحسن هذا خبر محمد بن عثمان العبادانى فأما جباش فزعم أن الشذا التى كانت
مع أبى تميم كانت ثمانية فأفلت منها شذاتان كانتا متأخرتين فمضتا بمن فيهما وأصاب
سلاحا ونهبا وأتى على أكثر من كان في تلك الشذوات من الجيش ورجع سليمان
ـ 30 ـ
إلى عسكره وكتب إلى الخبيث بما كان منه من قتل المعروف بأبى تميم ومن كان
معه واحتبس الشذوات في عسكره ( وفيها ) كبس ابن زيدويه الطيب فأنهبها
( وفيها ) ولى القضاء على بن محمد بن أبى الشوارب ( وفيها ) خرج الحسين بن طاهر
ابن عبدالله بن طاهر من بغداد لليال بقين منه فصار إلى الجبل ( وفيها ) مات
الصلابى وولى الرى كيغلغ * ومات صالح بن على بن يعقوب بن المنصور في ربيع
الآخر منها وولى اسماعيل بن اسحاق قضاء الجانب الشرقى من بغداد فجمع له
قضاء الجانبين ( وفيها ) قتل محمد بن عتاب بن عتاب وكان ولى السيبين فصار
اليها فقتلته الاعراب ( وللنصف ) من شهر رمضان صار موسى بن بغا إلى الانبار
متوجها إلى الرقة ( وفيها ) قتل أيضا القطان صاحب مفلح وكان عاملا بالموصل
على الخراج فانصرف منها فقتل في الطريق * وعقد فيها لكفتمر على بن الحسين
ابن داود كاتب أحمد بن سهل اللطفى على طريق مكة في شهر رمضان ( وفيها )
وقع بين الحناطين والجزارين بمكة قتال قبل يوم التروية بيوم حتى خاف الناس
أن يبطل الحج ثم تحاجزوا إلى أن يحج الناس وقد قتل منهم سبعة عشر رجلا
( وفيها ) غلب يعقوب بن الليث على فارس وهرب ابن واصل ( وفيها )
كانت وقعة بين الزنج وأحمد بن ليثويه فقتل منهم خلقا كثيرا وأسر أبا داود
الصعلوك وقد كان صار معهم
ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسبب أسر الصعلوك
* ذكر أن مسرورا البلخى وجه أحمد بن ليثويه إلى ناحية كور الاهواز فلما
وصل اليها نزل السوس وكان الصفار قد قلد محمد بن عبيدالله بن ازار مرد الكردى
كور الاهواز فكتب محمد بن عبيدالله إلى قائد الزنج يطمعه في الميل اليه وقد
كانت العادة جرت بمكاتبة محمد إياه من أول مخرجه وأوهمه أنه يتولى له كور الاهواز
ويدارى الصفار حتى يستوى له الامر فيها فأجابه الخبيث إلى ذلك على أن يكون
على بن أبان المتولى لها ويكون محمد بن عبيدالله يخلفه عليها فقبل محمد بن عبيدالله ذلك
فوجه على بن أبان أخاه الخليل بن أبان في جمع كثير من السودان وغيرهم وأيدهم محمد بن
ـ 31 ـ
عبيدالله بأبى داود الصعلوك فمضوا نحو السوس فلم يصلوا اليها ودفعهم ابن
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 31 سطر 1 الى ص 40 سطر 25
عبيدالله بأبى داود الصعلوك فمضوا نحو السوس فلم يصلوا اليها ودفعهم ابن
ليثويه ومن كان معه من أصحاب السلطان عنها فانصرفوا مفلولين وقد قتل منهم
مقتلة عظيمة وأسر منهم جماعة وسار أحمد بن ليثويه حتى نزل جندى سابور وسار
على بن أبان من الاهواز منجدا محمد بن عبيدالله على أحمد بن ليثويه فتلقاه محمد
ابن عبيدالله في جمع من الاكراد و الصعاليك فلما قرب منه محمد بن عبيدالله سارا
جميعا وجعلا بينهما المسرقان فكانا يسيران عن جانبيه ووجه محمد بن عبيدالله
رجلا من أصحابه في ثلثمائة فارس فانضم إلى على بن أبان فسار على بن أبان ومحمد
ابن عبيدالله إلى أن وافيا عسكر مكرم فصار محمد بن عبيدالله إلى على بن أبان
وحده فالتقيا وتحادثا وانصرف محمد إلى عسكره ووجه إلى على بن أبان القاسم
ابن على ورجلا من رؤساء الاكراد يقال له حازم وشيخا من أصحاب الصفار
يعرف بالطلقانى وأتوا عليا فسلموا عليه ولم يزل محمد وعلى على ألفة إلى أن وافى
على قنطرة فارس ودخل محمد بن عبيدالله تستر وانتهى إلى أحمد بن ليثويه تضافر
على بن أبان ومحمد بن عبيدالله على قتاله فخرج عن جندى سابور وصار إلى السوس
وكانت موافاة على قنطرة فارس في يوم الجمعة وقد وعده محمد بن عبيدالله
أن يخطب الخاطب يومئذ فيدعو لقائد الزنج وله على منبر تستر فأقام على منتظرا
ذلك ووجه بهبوذ بن ع بدالوهاب لحضور الجمعة واتيانه بالخبر فلما حضرت الصلاة
قام الخطيب فدعا للمعتمد والصفار ومحمد بن عبيدالله فرجع بهبوذ إلى على بالخبر
فنهض على من ساعته فركب دوابه وأمر أصحابه بالانصراف إلى الاهواز وقدمهم
أمامه وقدم معهم ابن أخيه محمد بن صالح ومحمد بن يحيى الكرمانى خليفته وكاتبه
وأقام حتى لما جاوزوا كسر قنطرة كانت هناك لئلا يتبعه الخيل قال محمد بن الحسن
وكنت فيمن انصرف مع المتقدمين من أصحاب على ومر الجيش في ليلتهم تلك
مسرعين فانتهوا إلى عسكر مكرم في وقت طلوع الفجر وكانت داخلة في سلم
الخبيث فنكث أصحابه وأوقعوا بعسكر مكرم ونالوا نهبا ووافى على بن أبان في
أثر أصحابه فوقف على ما أحدثوا فلم يقدر على تغييره فمضى حتى صار إلى الاهواز
ـ 32 ـ
ولما انتهى إلى أحمد بن ليثويه انصراف على كر راجعا حتى وافى تستر فأوقع بمحمد
ابن عبيدالله ومن معه فأفلت محمد ووقع في يده المعروف بأبى داود الصعلوك فحمله
إلى باب السلطان المعتمد وأقام أحمد بن ليثويه بتستر قال محمد بن الحسن فحدثنى
الفضل بن عدى الدارمى وهو أحد من كان من أصحاب قائد الزنج انضم إلى
محمد بن أبان أخى على بن أبان قال لما استقر أحمد بن ليثويه بتستر خرج اليه على
ابن أبان بجيشه فنزل قرية يقال لها بزنجان ووجه طلائع يأتونه بأخباره
فرجعوا اليه فأخبروه أن ابن ليثويه قد أقبل نحوه وأن أوائل خيله قد وافت
قرية تعرف ب الباهليين فزحف على بن أبان اليه وهو يبشر أصحابه ويعدهم الظفر
ويحكى لهم ذلك عن الخبيث فلما وافى الباهليين تلقاه ابن ليثويه في خيله وهى زهاء
أربعمائة فارس فلم يلبثوا أن أتاهم مدد خيل فكثرت خيل أصحاب السلطان
واستأمن جماعة من الاعراب الذين كانوا مع على بن أبان إلى ابن ليثويه وانهزم
باقى خيل على بن أبان وثبت جميعة من الرجالة وتفرق عنه أكثرهم واشتد القتال
بين الفريقين وترجل على بن أبان وباشر القتال بنفسه راجلا وبين يديه غلام
من أصحابه يقال له فتح يعرف بغلام أبى الحديد فجعل يقاتل معه وبصر بعلى
أبونصر سلهب وبدر الرومى المعروف بالشعرانى فعرفاه فأنذرا الناس به فانصرف
هاربا حتى لجأ إلى المسرقان فألقى بنفسه فيه وتلاه فتح فألقى نفسه معه فغرق فتح
ولحق على بن أبان نصر المعروف بالروهى فتخلصه من الماء فألقاه في سميرية
ورمى على بسهم وأصيب به في ساقه وانصرف مفلولا وقتل من أنجاد السودان
وأبطالهم جماعة كثيرة ( وحج ) بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن
العباس بن محمد
ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من ظفر عزيز بن السرى صاحب يعقوب بن الليث بمحمد
ـ 33 ـ
ابن واصل وأخذه أسيرا ( وفيها ) كانت بين موسى دالجويه والاعراب بناحية
الانبار وقعة فهزموه وفلوا فوجه أبوأحمد ابنه أحمد في جماعة من قواده في طلب
الاعراب الذين فلوا موسى دالجويه ( وفيها ) وثب الديرانى بابن أوس فبيته
ليلا وفرق جمعه ونهب عسكره وأفلت ابن أوس ومضى نحو واسط ( وفيها )
خرج في طريق الموصل رجل من الفراغنة فقطع الطريق فظفر به فقتل ( وفيها )
أقبل يعقوب بن الليث من فارس فلما صار إلى ا لنوبندجان انصرف أحمد بن ليثويه
عن تستر وصار فيها يعقوب إلى الاهواز وقد كان لابن ليثويه قبل ارتحاله عن
تستر وقعة مع أخى على بن أبان ظفر فيها بجماعة كثيرة من زنوجه
ذكر الخبر عن هذه الوقعة
* ذكر عن على بن أبان أن ابن ليثويه لما هزمه في الوقعة التى كانت بينهما
في الباهليين فأصابه ما أصابه فيها ووافى الاهواز لم يقم بها ومضى إلى عسكر
صاحبه قائد الزنج فعالج ما قد أصابه من الجراح حتى برأ ثم كر راجعا إلى الاهواز
ووجه أخاه الخليل بن أبان وابن أخيه محمد بن صالح المعروف بأبى سهل في
جيش كثيف إلى ابن ليثويه وهو يومئذ مقيم بعسكر مكرم فسارا فيمن معهما فلقيهما
ابن ليثويه على فرسخ من عسكر مكرم قاصدا اليهما فالتقى الجمعان وقد كمن ابن ليثويه
كمينا فلما استحر القتال تطارد ابن ليثويه فطمع الزنج فيه فتبعوه حتى جاوزوا
الكمين فخرج من ورائهم فانهزموا وتفرقوا وكر عليهم ابن ليثويه فنال حاجته
منهم ورجعوا مفلولين فانصرف ابن ليثويه بما أصاب من الرؤوس إلى تستر ووجه
على بن أبان انكلويه مسلحة إلى المسرقان إلى أحمد بن ليثويه فوجه اليه ثلاثين فارسا
من جلد أصحابه وانتهى إلى الخليل بن أبان مسير أصحاب ابن ليثويه إلى المسلحة فكمن لهم
فيمن معه فلما وافوه خرج إليهم فلم يفلت منهم أحد وقتلوا عن آخرهم وحملت
رؤوسهم إلى على بن أبان وهو بالاهواز فوجهها إلى الخبيث وحينئذ أتى الصفار
الاهواز وهرب عنها ابن ليثويه
ـ 34 ـ
ذكر الخبر عما كان من أمر الصفار هنالك في هذه السنة
ذكر أن يعقوب بن الليث لما صار إلى جندى سابور نزلها وارتحل عن
تلك الناحية كل من كان بها من قبل السلطان ووجه إلى الاهواز رجلا من قبله
يقال له الحصن بن العنبر فلما قاربها خرج عنها على بن أبان صاحب قائد الزنج
فنزل نهر السدرة ودخل حصن الاهواز فأقام بها وجعل أصحابه وأصحاب على
ابن أبان يغير بعضهم على بعض فيصيب كل فريق منهم من صاحبه إلى أن استعد
على بن أبان وسار إلى الاهواز فأوقع بالحصن ومن معه وقعة غليظة قتل فيها
من أصحاب يعقوب خلقا كثيرا وأصاب خيلا وغنم غنائم كثيرة وهرب الحصن
ومن معه إلى عسكر مكرم وأقام على بالاهواز حتى استباح ما كان فيها ثم رجع
عنها إلى نهر السدرة وكتب إلى بهبوذ يأمره بالايقاع برجل من الاكراد من
أصحاب الصفار كان مقيما بدورق فأوقع به بهبوذ فقتل رجاله وأسره فمن عليه
وأطلقه فكان على بعد ذلك يتوقع مسير يعقوب إليه فلم يسر وأمد الحصن بن
العنبر بأخيه الفضل بن العنبر وأمرهما بالكف عن قتال أصحاب الخبيث والاقتصار
على المقام بالاهواز وكتب إلى على بن أبان يسأله المهادنة وأن يقر أصحابه
بالاهواز فأبى ذلك على دون نقل طعام كان هناك فتجافى له الصفار عن نقل
ذلك الطعام وتجافى على للصفار عن علف كان بالاهواز فنقل على الطعام وترك
العلف وتكاف الفريقان أصحاب على وأصحاب الصفار ( وفيها ) توفى مساور
ابن عبدالحميد الشارى ( وفيها ) مات عبيدالله بن يحيى بن خاقان سقط عن دابته
في الميدان من صدمة خادم له يقال له رشيق يوم الجمعة لعشر خلون من ذى القعدة
فسال من منخره وأذنه دم فمات بعد أن سقط بثلاث ساعات وصلى عليه
أبوأحمد بن المتوكل ومشى في جنازته واستوزر من الغد الحسن بن مخلد ثم قدم
موسى بن بغا سامرا لثلاث بقين من ذى القعدة فهرب الحسن بن مخلد إلى بغداد
واستوزر مكانه سليمان بن وهب لست ليال خلون من ذى الحجة ثم ولى عبيدالله
ابن سليمان كتبة المفوض والموفق إلى ما كان يلى من كتبة موسى بن بغا ودفعت
ـ 35 ـ
دار عبيدالله بن يحيى إلى كيغلغ ( وفيها ) أخرج أخو شركب الحسين بن طاهر
عن نيسابور وغلب عليها وأخذ أهلها بإعطائه ثلث أموالهم وصار الحسين إلى
مرو وبها أخو خوارزم شاه يدعو لمحمد بن طاهر ( وفى هذه السنة ) سلمت
الصقالبة لؤلؤة إلى الطاغية ( وحج بالناس ) فيها الفضل بن اسحاق بن
الحسن بن اسماعيل
ثم دخلت سنة أربع وستين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك توجيه يعقوب الصفار جيشا إلى الصيمرة فتقدمه إليها وأخذوا صيغون
ومضى به إليه أسيرا فمات عنده ( ولاحدى عشرة ) خلت من المحرم عسكر
أبواحمد ومعه موسى بن بغا بالقائم وشيعهما المعتمد ثم شخصا من سامرا
لليلتين خلتا من صفر فلما صارا ببغداد مات بها موسى بن بغا وحمل إلى سامرا
فدفن بها ( وفيها ) في شهر ربيع الاول ماتت قبيحة أم المعتز ( وفيها ) صار
ابن الديرانى إلى الدينور وتعاون ابن عياض ودلف بن عبدالعزيز بن أبى دلف
عليه فهزماه وأحذا أمواله وضياعه ورجع إلى حلوان مفلولا أسرت ( وفيها )
الروم عبدالله بن رشيد بن كاوس
ذكر الخبر عن سبب أسرهم إياه
* ذكر أن سبب ذلك كان أنه دخل أرض الروم في أربعة آلاف من أهل
الثغور الشأمية فصار إلى حصنين والمسكنين فغنم المسلمون وقفل فلما رحل عن
البدندون خرج عليه بطريق سلوقية وبطريق قذ يذية وبطريق قرة وكوكب
وخرشنة فأحدقوا بهم فنزل المسلمون فعرقبوا دوابهم وقاتلوا فقتلوا إلا خمسمائة
أو ستمائة وضعوا السياط في خواصر دوابهم وخرجوا فقتل الروم من قتلوا
وأسر عبدالله بن رشيد بعد ضربات أصابته وحمل إلى لؤلؤة ثم حمل إلى الطاغية على
البريد ( وفيها ) ولى محمد المولد واسط فحاربه سليمان بن جامع وهو عامل على
ـ 36 ـ
ما يلى تلك الناحية من قبل قائد الزنج فهومه وأخرجه عن واسط فدخلها
ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها
* ذكر أن السبب في ذلك كان أن سليمان بن جامع الموجه كان من قبل قائد
الزنج إلى ناحية الحوانيت والبطائح لما هزم جعلان التركى عامل السلطان وأوقع
بأغرتمش ففل عسكره وقتل خشيشا ونهب ما كان معهم كتب إلى صاحبه قائد
الزنج يستأذنه في المصير إليه ليحدث به عهدا ويصلح أمورا من أمور منزله فلما
أنفذ الكتاب بذلك أشار عليه أحمد بن مهدى الجبائى بتطرق عسكر البخارى
وهو يومئذ مقيم ببردودا فقبل ذلك وسار إلى بردودا فوافى موضعا يقال له
أكرمهر وذلك على خمسة فراسخ من عسكر تكين فلما وافى ذلك الموضع قال
الجبائى لسليمان إن الرأى أن تقيم أنت ههنا وأمضى أنا في ا لسميريات فأجر القوم
إليك وأتعبهم فيأتوك وقد لغبوا فتنال حاجتك منهم ففعل سليمان ذلك فعبى
خيله ورجالته في موضعه ذلك ومضى أحمد بن مهدى في ا لسميريات مسحرا
فوافى عسكر تكين فقاتله ساعة وأعد تكين خيله ورجاله وتطارد الجبائي له
وأنفذ غلاما إلى سليمان يعلمه أن أصحاب تكين واردون عليه بخيلهم فلقى الرسول
سليمان وقد أقبل يقفو أثر الجبائى لما أبطأ عليه خبره فرده إلى معسكره ووافى
رسول آخر للجبائى بمثل الخبر الاول فلما رجع سليمان إلى عسكره أنفذ ثعلب
ابن حفص البحرانى وقائدا من قواد الزنج يقال له منينا في جماعة من الزنج
فجعلهما كمينا في الصحراء مما يلى ميسرة خيل تكين وأمرهما إذا جاوزهم خيل
تكين أن يخرجوا من ورائهم فلما علم الجبائى أن سليمان قد أحكم لهم خيله وأمر
الكمين رفع صوته ليسمع أصحاب تكين يقول لاصحابه غررتمونى و أهلكتمونى
وقد كنت أمرتكم أن لا تدخلوا هذا المدخل فأبيتم إلا إلقائى وأنفسكم هذا الملقى
الذى لا أرانا ننجوا منه فطمع أصحاب تكين لما سمعوا قوله وجدوا في طلبه
وجعلوا ينادون بلبل في قفص وسار الجبائى سيرا حثيثا وأتبعوه يرشقونه بالسهام
حتى جاوزوا موضع الكمين وقاربوا عسكر سليمان وهو كامن من وراء الجدر
ـ 37 ـ
في خيله واصحابه فزحف سليمان فتلقى الجيش وخرج الكمين من وراء الخيل
وثنى الجبائى صدور سميرياته إلى من في النهر فاستحكمت الهزيمة عليهم من الوجوه
كلها وركبهم الزنج يقتلونهم ويسلبونهم حتى قطعوا نحوا من ثلاثة فراسخ ثم
وقف سليمان وقال للجبائى نرجع فقد غنمنا وسلمنا والسلامة افضل من كل شئ
فقال الجبائى كلا قد نخبنا قلوبهم ونفذت حيلتنا فيهم والرأى أن نكسبهم في ليلتنا
هذه فلعلنا أن نزيلهم عن عسكرهم ونفض جمعهم فاتبع سليمان رأى الجبائى
وصار إلى عسكر تكين فوافاه في وقت المغرب فأوقع به ونهض تكين فيمن
معه فقاتل قتالا شديدا فانكشف عنه سليمان وأصحابه ثم وقف سليمان وعبأ
أصحابه فوجه شبلا في خيل من خيله وضم إليه جمعا من الرجالة إلى الصحراء
وأمر الجبائى فسار في ا لسميريات في بطن النهر وسار هو فيمن معه من أصحابه
الخيالة والرجالة فتقدم أصحابه حتى وافى تكين فلم يقف له أحد وانكشفوا
جميعا وتركوا عسكرهم فغنم ما وجد فيه وأحرق العسكر وانصرف إلى معسكره
بما أصاب من الغنيمة ووافى عكسره فألفى كتاب الخبيث قد ورد بالاذن له في
المصير إلى منزله فاستخلف الجبائى وحمل الاعلام التى أصابها من عسكر تكين
والشذوات التى أخذها من المعروف بأبى تميم ومن خشيش ومن تكين وأقبل
حتى ورد عسكر الخبيث وذلك في جمادى الاولى من سنة 264 .
ذكر الخبر عن السبب الذى من أجله تهيأ للزنج دخول واسط
وذكر الخبر عن الاحداث الجليلة في سنة أربع وستين ومائتين
* ذكر أن الجبائى يحيى بن خلف لما شخص سليمان بن جامع من معسكره
بعد الوقعة التى أوقعها بتكين إلى صاحب الزنج خرج في ا لسميريات بالعسكر
الذى خلفه سليمان معه إلى مازروان لطلب الميرة ومعه جماعة من السودان
فاعترضه أصحاب جعلان فأخذوا سفنا كانت معه وهزموه فرجع مفلولا حتى وافى
طهيثا ووافته كتب أهل القرية يخبرونه أن منجور مولى أمي رالمؤمنين ومحمد
ابن على بن حبيب اليشكرى لما اتصل بهما خبر غيبة سليمان بن جامع
ـ 38 ـ
عن طهيثا اجتمعا وجمعا أصحابهما وقصدا القرية فقتلا فيها وأحرقا وانصرفا
وجلا من أفلت ممن كان فيها فصاروا إلى القرية المعروفة بالحجاجية فأقاموا بها
فكتب الجبائى إلى سليمان بخبر ما وردت به كتب أهل القرية مع ما ناله من أصحاب
جعلان فأنهض قائد الزنج سليمان إلى طهيثا معجلا فوافاها فأظهر أنه يقصد لقتال
جعلان وعبأ جيشه وقدم الجبائى أمامه في ا لسميريات وجعل معه خيلا ورجلا
وأمره بموافاة مازوران والوقوف بإزاء عسكر جعلان وأن يظهر الخيل ويرعاها
بحيث يراها أصحاب جعلان ولا يوقع بهم وركب هو في جيشه أجمع إلا نفرا يسيرا
خلفهم في عسكره ومضى في الاهواز حتى خرج على الهورين المعروفين بالربة
والعمرقة ؟ ثم مضى نحو محمد بن على بن حبيب وهو يومئذ بموضع يقال له تلفخار
فوافاه فأوقع به وقعة غليظة قتل فيها قتلى كثيرة وأخذ خيلا كثيرة وحاز غنائم
جزيلة وقتل أخا لمحمد بن على وأفلت محمد ورجع سليمان فلما صار في صحراء بين
البراق والقرية وافته خيل لبنى شيبان وقد كان فيمن أصاب سليمان بتلفخار سيد
من سادات بنى شيبان فقتله وأسر ابنا له صغيرا وأخذ حجرا كانت تحته فانتهى خبره
إلى عشيرته فعارضوا سليمان بهذه الصحراء في أربعمائة فارس وقد كان سليمان
وجه إلى عمير بن عمار خليفته بالطف حين توجه إلى ابن حبيب فصار اليه فجعله
دليلا لعلمه بتلك الطرق فلما رأى سليمان خيل بنى ش يبان قدم أصحابه أجمعين الا
عمير بن عمار فانه انفرد فظفرت به بنو شيبان فقتلوه وحملوا رأسه وانصرفوا وانتهى
الخبر إلى الخبيث فعظم عليه قتل عمير وحمل سليمان إلى الخبيث ما كان أصاب من بلد
محمد بن على بن حبيب وذلك في آخر رجب من هذه السنة فلما كان في شعبان نهض
سليمان في جمع من أصحابه حتى وافى قرية حسان وبها يومئذ قائد من قواد السلطان
يقال له جيش بن حمرتكين فأوقع به فاجفل عنه وظفر بالقرية فانتهبها وأحرق
فيها وأخذ خيلا وعاد إلى عسكره ثم خرج لعشر خلون من شعبان إلى الحوانيت
وأصعد الجبائى في ا لسميريات إلى برمساور فوجد هنالك صلاغا فيها خيل من خيل
جعلان كان أراد أن يوافى بها نهر أبان وقد كان خرج إلى ما هناك متصيدا فأوقع
ـ 39 ـ
الجبائى بتلك الصلاغ فقتل من فيها واخذ الخيل وكانت اثنى عشر فرسا وعاد إلى
طهيثا ثم نهض سليمان إلى تل رمانا لثلاث بقين من شعبان فأوقع بها وجلا عنها
أهلها وحاز ما كان فيها ثم رجع إلى عسكره ونهض لعشر ليال خلون من شهر
رمضان إلى الموضع المعروف بالجازرة وأبا يومئذ هناك وجعلان بمازروان
وقد كان سليمان كتب إلى الخبيث في التوجيه إليه بالشذا فوجه اليه عشر شذوات
مع رجل من أهل عبادان يقال له الصقر بن الحسين فلما وافى سليمان الصقر بالشذا
أظهر أنه يريد جعلان وبادرت الاخبار إلى جعلان بأن سليمان يريد موافاته فكانت
همته ضبط عسكره فلما قرب سليمان من موضع أبا مال اليه فأوقع به وألفاه غارا
بمجيئه فنال حاجته وأصاب ست شذوات قال محمد بن الحسن قال جباش كانت
الشذوات ثمانية وجدها في عسكره وأحرق شذاتين كانتا على الشط وأصاب
خيلا وسلاحا وأسلابا وانصرف إلى عسكره ثم أظهر أنه يريد قصدتكين البخارى
وأعد مع الجبائى وجعفربن أحمد خال ابن الخبيث الملعون المعروف بانكلاى
سفنا فلما وافت السفن عسكر جعلان نهض اليها فأوقع بها وحازها وأوقع .
سليمان من جهة البر فهزمه إلى الرصافة واسترجع سفنه وحاز سبعة وعشرين
فرسا ومهرين من خيل جعلان وثلاثة أبغل وأصاب نهبا كثيرا وسلاحا ورجع
إلى طهيثا قال محمد أنكر جباش أن يكون لتكين في هذا الموضع ذكر ولم يعرف
خبر العبادانى في تكين وزعم أن القصد لم يكن الا إلى جعلان وقد كان خبره
خفى على أهل عسكره حتى أرجفوا بأنه قد قتل وقتل الجبائى معه فجزعوا أشد
الجزع ثم ظهر خبره وما كان منه من الايقاع بجعلان فسكنوا وقروا إلى أن
وافى سليمان وكتب بما كان منه إلى الخبيث وحمل أعلاما وسلاحا ثم صار سليمان
إلى الرصافة في ذى القعدة فأوقع بمطر بن جامع وهو يومئذ مقيم بها فغنم غنائم
كثيرة وأحرق الرصافة واستباحها وحمل أعلاما إلى الخبيث وانحدر لخمس ليال
خلون من ذى الحجة سنة 264 إلى مدينة الخبيث فأقام ليعيد هناك ويقيم في منزله
ووافى مطر بن جامع القرية المعروفة بالحجاجية فأوقع بها وأسر جماعة من أهلها
ـ 40 ـ
وكان القاضى بها من قبل سليمان رجلا من أهلها يقال له سعيد بن السيد العدوى
فأسر وحمل إلى واسط هو وثعلب بن حفص وأربعة قواد كانوا معه فصاروا
إلى الحرجلية على فرسخين ونصف من طهيثا ومضى الجبائى في الخيل والرجل
لمعارضة مطر فوافى الناحية وقد نال مطر ما نال منها فانصرف عنها وكتب إلى
سليمان بالخبر فوافى سليمان يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من ذى الحجة من هذه السنة
ثم صرف جعلان ووافى أحمد بن ليثويه فأقام بالشديدية ومضى سليمان إلى موضع
يقال له نهر أبان فوجد هناك قائدا من قواد ابن ليثويه يقال له طرناج فأوقع به وقتله
قال محمد قال جباش المقتول بهذا الموضع بينك فاما طرناج فانه قتل بمازروان
ثم وافى الرصافة وبها يومئذ عسكر مطر بن جامع فأوقع به فاستباح عسكره وأخذ
منه سبع شذوات وأحرق شذاتين وذلك في شهر ربيع الآخر سنة 264 قال محمد
قال جباش كانت هذه الوقعة بالشديدية والذى أخذ يومئذ ست شذوات ثم مضى
سليمان في خمس شذوات ورتب فيها صناديد قواده وأصحابه فواقعه تكين البخارى
بالشديدية وقد كان ابن ليثويه حينئذ صار إلى ناحية الكوفة وجنبلاء فظهر تكين على
سليمان وأخذ منه الشذرات التى كانت معه بآلتها وسلاحها ومقاتلتها وقتل في هذه الوقعة
جلة قواد سليمان ثم زحف ابن ليثويه إلى الشديدية وضبط تلك النواحى إلى أن ولى أبو
أحمد محمدا المولد واسط قال محمد قال جباش لما وافى ابن ليثويه الشديدية سار اليه سليمان
فأقام يومين يقاتله ثم تطارد له سليمان في اليوم الثالث وتبعه ابن ليثويه فيمن تسرع
معه فرجع إليه سليمان فألقاه في فوهة بردودا فتخلص بعد أن أشفى على الغرق
وأصاب سليمان سبع عشرة دابة من دواب ابن ليثويه قال وكتب سليمان إلى
الخبيث يستمده فوجه إليه الخليل بن أبان في زهاء ألف وخمسمائة فارس ومعه
المذوب فقصد عند موافاة هذا المدد إياه لمحاربة محمد المولد فأوقع به فهرب المولد
ودخل الزنج واسط فقتل بها خلق كثير وانتهبت وأحرقت وكان بها إذ ذاك كنجور
البخارى فحامى يومه ذلك إلى وقت العصر تم قتل وكان الذى يقود الخيل يومئذ
في عسكر سليمان بن جامع الخليل بن أبان وعبدالله المعروف بالمذوب وكان
ـ 41 ـ
الجبائى في ا لسميريات وكان الزنجى بن مهربان في الشذوات وكان سليمان ابن
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 41 سطر 1 الى ص 50 سطر 25
الجبائى في ا لسميريات وكان الزنجى بن مهربان في الشذوات وكان سليمان ابن
جامع في قواده من السودان ورجالته منهم وكان سليمان بن موسى الشعرانى
وأخواه في خيله ورجله مع سليمان بن جامع فكان القوم جميعا يدا واحدة ثم
انصرف سليمان بن جامع عن واسط ومضى بجميع الجيش إلى جنبلاء ليعيث
ويخرب ووقع بينه وبين الخليل بن أبان اختلاف فكتب الخليل بذلك إلى أخيه
على بن أبان فاستعفى له قائد الزنج من المقام مع سليمان وأذن للخيل بالرجوع إلى
مدينة الخبيث مع أصحاب على بن أبان وغلمانه وتخلف المذوب في الاعراب مع
سليمان وأقام بمعسكره أياما ثم مضى إلى نهر الامير فعسكر به ووجه الجبائي والمذوب
إلى جنبلاء فأقاما هنالك تسعين ليلة وسليمان معسكر بنهر الامير قال محمد قال
جباش كان سليمان معسكر بالشديدية ( وفى هذه السنة ) خرج سليمان بن وهب
من بغداد إلى سامرا ومعه الحسن بن وهب وشيعه أحمد بن الموفق ومسرور
البلخى وعامة القواد فلما صار بسامرا غضب عليه المعتمد وحبسه وقيده وانتهب
داره ودارى ابنيه وهب وإبراهيم واستوزر الحسن بن مخلد لثلاث بقين من ذى
القعدة فشخص الموفق من بغداد ومعه عبدالله بن سليمان فلما قرب أبوأحمد بن
سامرا تحول المعتمد إلى الجانب الغربى فعسكر به ونزل أبوأحمد ومن معه جزيرة
المؤيد واختلفت الرسل بينهما فلما كان بعد أيام خلون من ذى الحجة صار المعتمد
إلى حراقة في دجلة وصار اليه أخوه أبوأحمد في زلال فخلع على أبى أحمد وعلى
مسرور البلخى وكيغلغ وأحمد بن موسى بن بغا فلما كان يوم الثلاثاء لثمان خلون
من ذى الحجة يوم التروية عبر أهل عسكر أبى أحمد إلى عسكر المعتمد وأطلق
سليمان بن وهب ورجع المعتمد إلى الجوسق وهرب الحسن بن مخلد وأحمد بن
صالح بن شيرزاد وكتب في قبض أموالهما وأموال أسبابهما وحبس أحمد بن أبى
الاصبغ وهرب القواد المقيمون كانوا بسامرا إلى تكريت وتغيب أبوموسى بن
المتوكل ثم ظهر ثم شخص القواد الذين كانوا صاروا إلى تكريت إلى الموصل
ووضعوا أيديهم في الجباية ؟ ؟ ( وحج بالناس ) في هذه السنة هارون بن محمد بن
ـ 42 ـ
إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمى الكوفى
ثم دخلت سنة خمس وستين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من وقعة كانت بين أحمد بن ليثويه وسليمان بن جامع قائد
صاحب الزنج بناحية جنبلاء
ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها
* ذكر أن سليمان بن جامع كتب إلى صاحب الزنج يخبره بحال نهر يعرف
بالزهيرى ويسأله الاذن له في النفقة على إنفاذ كريه إلى سواد الكوفة والبرار
ويعلمه أن المسافة في ذلك قريبة وأنه متى أنفذه تهيأ له بذلك حمل كل ما بنواحى
جنبلاء وسواد الكوفة من الميرة فوجه الخبيث للقيام بذلك رجلا يقال له محمد بن
يزيد البصرى وكتب إلى سليمان بإزاحة علله في المال والاقامة معه في جيشه إلى
وقت فراغه مما وجه له فمضى سليمان بجميع جيشه حتى أقام بالشريطية نحوا من
شهر وألقى الفعلة في النهر وخلال ذلك ما كان سليمان يتطرق ما حوله من أهل
خسر سابور وكانت الميرة تتصل به من ناحية الصين وما والاها إلى أن واقعه
ابن ليثويه عامل أبى أحمد على جنبلاء فقتل له أربعة عشر قائدا قال محمد بن الحسن
قتل سبعة وأربعين قائدا وخلقا من الخلق لايحصى كثرة واستبيح عسكره وأحرقت
سفنه وكانت مقيمة في هذا النهر الذى كان مقيما على انفاذه فمضى مفلولا حتى
وافى طهيثا فأقام بهاووافى الجبائى في عقب ذلك ثم أصعد فأقام بالموضع المعروف
ببر تمرتا واستخلف على الشذوات الاشتيام الذى يقال له الزنجى به مهربان وقد
كان السلطان وجه نصيرا لتقييد شامرج وحمله إلى الباب وتقلد ما كان يتقلده
فوافى نصير الزنجى بن مهربان بعد حمله شامرج مقيدا بنهر برتمرتا وأخذ منه تسع
شذوات واسترد الزنجى منها ستا قال محمد بن الحسن أنكر جباش أن يكون الزنجى
ابن مهربان استرد من الشذوات شيئا وزعم أن نصيرا ذهب بالشذوات أجمع
ـ 43 ـ
وانصرف إلى طهيثا وبادر بالكتاب إلى سليمان ووافاه فأقام سليمان بطهيثا إلى
أن اتصل به خبر إقبال الموفق ( وفيها ) أوقع أحمد بن طولون بسيما الطويل
بأنطاكية فحصره بها وذلك في المحرم منها فلم يزل ابن طولون مقيما عليها حتى
افتتحها وقتل سيما ( وفيها ) وثب القاسم بن مماه بدلف بن عبدالعزيز بن أبى
دلف بأصبهان فقتله ثم وثب جماعة من أصحاب دلف على القاسم فقتلوه ورأسوا
عليهم أحمد بن عبدالعزيز ( وفيها ) لحق محمد المولد بيعقوب بن الليث فصار إليه
وذلك في المحرم منها فأمر السلطان بقبض أمواله وعقارلة ( وفيها ) قتلت
الاعراب جعلان المعروف بالعيار بدمما وكان خرج لبذرقة قافلة فقتلوه وذلك
في جمادى الاولى فوجه السلطان في طلب الذين قتلوه جماعة من الموالى فهرب
الاعراب وبلغ الذين شخصوا في طلبهم عين التمر ثم رجعوا إلى بغداد وقد
مات منهم من البرد جماعة وذلك أن البرد اشتد في تلك الايام ودام أياما وسقط
الثلج ببغداد ( وفيها ) أمر أبوأحمد بحبس سليمان بن وهب وابنه عبدالله فحبسا وعدة
من أسبابهم في دار أبى أحمد وانتهبت دور عدة من أسبابه ووكل بحفظ دارى
سليمان وابنه عبدالله وأمر بقبض ضياعهما وأموالهما وأموال أسبابهما ضياعهم
خلا أحمد بن سليمان ثم صولح سليمان وابنه عبدالله على تسعمائة ألف دينار
وصيرا في موضع يصل اليهما من أحبا ( وفيها ) عسكر موسى بن أتامش وإسحاق
ابن كنداجيق وينغجور بن أرخوز والفضل بن موسى بن بغا بباب الشماسية
ثم عبروا جسر بغداد فصاروا إلى السفينتين وتبعهم أحمد بن الموفق فلم يرجعوا
ونزلوا صرصر ( وفيها ) استكتب أبوأحمد صاعد بن مخلد وذلك لاثنتى عشرة
بقيت من جمادى الآخرة وخلع عليه فمضى صاعد إلى القواد بصرصر ثم
بعث أبوأحمد ابنه أحمد اليهم فناظرهم فانصرفوا معه فخلع عليهم ( وفيها )
خرج فيما ذكر خمسة من بطارقة الروم في ثلاثين ألفا من الروم إلى أذنة فصاروا
إلى المصلى وأسروا أرخوز وكان والى الثغور ثم عزل فرابط هناك فأسر وأسر
معه نحو من أربعمائة رجل وقتلوا ممن نفر اليهم نحوا من ألف وأربعمائة رجل
ـ 44 ـ
وانصرفوا اليوم الرابع وذلك في جمادى الاولى منها ( وفى رجب ) منها عسكر
موسى بن أتامش وإسحاق بن كنداجيق وينغجور بن أرخوز بنهر ديالى ( وفيها )
غلب أحمد بن عبدالله الخجستانى على نيسابور وصار الحسين بن طاهر عامل محمد
ابن طاهر إلى مرو فاقام بها وأخو شركب الجمال بين الحسين و الخجستانى أحمد
ابن عبدالله ( وفيها ) أخربت طوس ( وفيها ) استوزر إسماعيل بن بلبل ( وفيها )
مات يعقوب بن الليث بالاهواز وخلفه أخوه عمرو بن الليث وكتب عمرو إلى
سلطان بأنه سامع له ومطيع فوجه اليه أحمد بن أبى الاصبغ في ذى القعدة منها
( وفيها ) قتلت جماعة من أعراب بنى أسد على بن مسرور البلخى بطريق مكة قبل
مصيره إلى المغيثة وكان أبوأحمد ولى محمد بن مسرور البلخى طريق مكة فولاه
أخاه على بن مسرور ( وفيها ) بعث ملك الروم بعبدالله بن رشيد بن كاوس
الذى كان عامل الثغور فأسر إلى أحمد بن طولون مع عدة من أسراء المسلمين
وعدة مصاحف هدية منه له ( وفيها ) صارت جماعة من الزنج في ثلاثين سميرية
إلى جبل فأخذوا أربع سفن فيها طعام ثم انصرفوا ( وفيها ) لحق العباس بن
أحمد بن طولون مع من تبعه ببرقة مخالفا لابيه أحمد وكان أبوه أحمد استخلفه فيما
ذكر على عمله بمصر لما توجه إلى الشأم فلما انصرف أحمد عن الشأم راجعا إلى
مصر حمل العباس ما في بيت مال مصر من الاموال وما كان لابيه هناك من الاثاث
وغير ذلك ثم مضى إلى برقة فوجه اليه أحمد جيشا فظفروا به وردوه إلى أبيه
أحمد فحبسه عنده وقتل لسبب ما كان منه جماعة كانوا شايعوا ابنه على ذلك
( وفيها ) دخل الزنج النعمانية فأحرقوا سوقها وأكثر منازل أهلها وسبوا وصاروا
إلى جرجرايا ودخل أهل السواد بغداد ( وفيها ) ولى أبوأحمد عمرو بن الليث
خراسان وفارس وأصبهان وسجستان وكرمان والسند وأشهد له بذلك ووجه
بكتابه اليه بتوليته ذلك مع أحمد بن أبى الاصبغ ووجه اليه مع ذلك العهد والعقد
والخلع ( وفى ذى الحجة ) منها صار مسرور البلخى إلى النيل فتنحى عنها عبدالله
ابن ليثويه في أصحاب أخيه وقد أظهر الخلاف على السلطان فصار ومن معه إلى
ـ 45 ـ
أحمد اباذ فتبعهم مسرور البلخى يريد محاربتهم فبدر عبدالله بن ليثويه ومن كان
معه فترجلوا لمسرور وانقادوا له بالسمع والطاعة وعبدالله بن ليثويه نازع سيفه
ومنطقته معلقهما في عنقه يعتذر اليه ويحلف أنه حمل على ما فعل فقبل منه وأمر
فخلع عليه وعلى عدة من القواد معه ( وفيها ) شخص تكين البخارى إلى الاهواز
مقدمة لمسرور البلخى
ذكر الخبر عما كان من أمر تكين بالاهواز حين صار اليها
* ذكر محمد بن الحسن أن تكين البخارى ولاه مسرور البلخى كور الاهواز
حين ولاه أبوأحمد عليها فتوجه تكين اليها فوافاها وقد صار اليها على بن
أبان المهلبى فقصد تستر فأحاط بها في جمع كثير من أصحابه الزنج وغيرهم فراع
ذلك أهلها وكادوا أن يسلموها فوافاها تكين في تلك الحال فلم يضع عنه ثياب
السفر حتى واقع على بن أبان وأصحابه فكانت الدبرة على الزنج فقتلوا وهزموا
وتفرقوا وانصرف على فيمن بقى معه مفلولا مدحورا وهذه وقعة باب
كودك المشهورة ورجع تكين البخارى فنزل تستر وانضم اليه جمع كثير من
الصعاليك وغيرهم ورحل اليه على بن أبان في جمع كثير من أصحابه فنزل شرقى
المسرقان وجعل أخاه في الجانب الغربى في جماعة من الخيل وجعل رجالة الزنج
معه وقدم جماعة من قواد الزنج منهم انكلويه وحسين المعروف بالحمامى
وجماعة غيرهما فأمرهم بالمقام بقنطرة فارس وانتهى الخبر بما دبره على بن أبان
إلى تكين وكان الذى نقل اليه الخبر غلاما يقال له وصيف الرومى وهرب اليه
من عسكر على بن أبان فأخبره بمقام هؤلاء القوم بقنطرة فارس وأعلمه تشاغلهم
بشرب النبيذ وتفرق أصحابهم في جمع الطعام فسار اليهم تكين في الليل في جمع من
أصحابه فأوقع بهم فقتل من قواد الزنج انكلويه والحسين المعروف بالحمامى ومفرج
المكى أبا صالح واندرون وانهزم الباقون فلحقوا بالخليل بن أبان فأعلموه ما نزل
بهم وسار تكين على شرقى المسروقان حتى لقى على بن أبان في جمعه فلم يقف له على
وانهزم عنه وأسر غلام لعلى من الخيالة يعرف بجعفرويه ورجع على والخليل
ـ 46 ـ
في جمعهما إلى الاهواز ورجع تكين إلى تستر وكتب على بن أبان إلى تكين
يسأله الكف عن قتل جعفرويه فحبسه وجرت بين تكين وعلى بن أبان
مراسلات وملاطفات وانتهى الخبر بها إلى مسرور فأنكرها وانتهى إلى
مسرور أن تكين قد ساءت طاعته وركن إلى على بن أبان ومايله قال محمد بن الحسن
فحدثنى محمد بن دينار قال حدثنى محمد بن عبدالله بن الحسن بن على المأمونى الباذغيسى
وكان من أصحاب تكين البخارى قال لما انتهى إلى مسرور الخبر بالتياث تكين
عليه توقف حتى عرف صحة أمره ثم سار يريد كور الاهواز وهو مظهر الرضا
عن تكين والاحماد لامره فجعل طريقه على شابرزان ثم سار منها حتى وافى السوس
وتكين قد عرف ما انتهى إلى مسرور من خبره فهو مستوحش من ذلك ومن
جماعة كانت تبعته عند مسرور من قواده فجرت بين مسرور وتكين رسائل حتى
أمن تكين فصار مسرور إلى وادى تستر وبعث إلى تكين فعبر اليه مسلما فأمر
به فأخذ سيفه ووكل به فلما رأى ذلك جيش تكين انفضوا من ساعتهم ففرقة
منهم صارت إلى ناحية صاحب الزنج وفرقة صارت إلى محمد بن عبيدالله الكردى
وانتهى الخبر إلى مسرور فبسط الامان لمن بقى من جيش تكين فلحقوا به قال محمد
ابن عبدالله بن الحسن المأمونى فكنت أحد الصائرين إلى عسكر مسرور ودفع
مسرور تكين إلى ابراهيم بن جعلان فأقام في يده محبوسا حتى وافاه أجله فتوفى
وكان بعض أمر مسرور وتكين الذى ذكرناه في سنة 65 وبعضه في سنة 66
( وحج بالناس ) في هذه السنة هارون بن محمد بن اسحق بن موسى بن عيسى الهاشمى
( وفيها ) كانت موافاة المعروف بأبى المغيرة بن عيسى بن محمد المخزومى متغلبا
بزنج معه على مكة
ثم دخلت سنة ست وستين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من تولية عمرو بن الليث عبيدالله بن عبدالله بن طاهر خلافته
ـ 47 ـ
على الشرطة ببغداد وسامرا في صفر وخلع أبى أحمد عليه ثم مصير عبيدالله بن
عبدالله إلى منزله فخلع عليه فيه خلعة عمرو بن الليث وبعث اليه عمرو بعمود من
ذهب ( وفى صفر ) منها غلب اساتكين على الرى وأخرج عنها طلمجور العامل
كان عليها ثم مضى هو وابنه اذكوتكين إلى قزوين وعليها ابرون أخو كيغلغ
فصالحاه ودخلا قزوين وأخذا محمد بن الفضل بن سنان العجلى فأخذا أمواله
وضياعه وقتله اساتكين ثم رجع إلى الرى فقاتله أهلها فغلبهم ودخلها ( وفيها )
وردت سرية من سرايا الروم تل بسمى من ديار ربيعة فقتلت من المسلمين وأسرت
نحوا من مائتين وخمسين إنسانا فنفر أهل نصيبين وأهل الموصل فرجعت الروم
( وفيها ) مات أبوالساج ب جنديسابور في شهر ربيع الآخر منصرفا عن عسكر
عمرو بن الليث إلى بغداد ومات قبله في المحرم منها سليمان بن عبدالله بن طاهر
وولى عمرو بن الليث فيها أحمد بن عبدالعزيز بن أبى دلف أصبهان وولى فيها محمد
ابن أبى الساج الحرمين وطريق مكة ( وفيها ) ولى اغرتمش ما كان تكين البخارى
يليه من عمال الاهواز فسار اغرتمش اليها ودخلها في شهر رمضان * فذكر محمد
ابن الحسن أن مسرورا وجه اغرتمش وأبا ومطر بن جامع لقتال على بن أبان
فساروا حتى انتهوا إلى تستر فأقاموا بها واستخرجوا من كان في حبس تكين
وكان فيه جعفرويه في جماعة من أصحاب قائد الزنج فقتلوا جميعا وكان مطر بن
جامع المتولى قتلهم ثم ساروا حتى وافوا عسكر مكرم ورحل اليهم على بن أبان
وقدم أمامه اليهم الخليل أخاه فصار اليهم الخليل فواقفهم وتلاه على فلما كثر
عليهم جمع الزنج قطعوا الجسر وتحاجزوا وجنهم الليل فانصرف على بن أبان في
جميع أصحابه فصار إلى الاهواز وأقام الخليل فيمن معه بالمسرقان وأتاه الخبر بأن
اغرتمش وأبا ومطربن جامع قد أقبلوا نحوه ونزلوا الجانب الشرقى من قنطرة
أربك ليعبروا اليه فكتب الخليل بذلك إلى أخيه على بن أبان فرحل على اليهم
حتى وافاهم بالقنطرة ووجه إلى الخليل يأمره بالمصير اليه فوافاه وارتاع من كان
بالاهواز من أصحاب على فقلعوا عسكره ومضوا إلى نهر السدرة ونشبت الحرب
ـ 48 ـ
بين على بن أبان وقواد السلطان هناك وكان ذلك يومهم ثم تحاجزوا وانصرف
على بن أبان إلى الاهواز فلم يجد بها أحدا ووجد أصحابه أجمعين قد لحقوا بنهر
السدرة فوجه اليهم من يردهم فعسر ذلك عليه فتبعهم فأقام بنهر السدرة ورجع
قواد السلطان حتى نزلوا عسكر مكرم وأخذ على بن أبان في الاستعداد لقتالهم
وأرسل إلى بهبوذ بن ع بدالوهاب فأتاه فيمن معه من أصحابه وبلغ اغرتمش
وأصحابه ما أجمع عليه من المسير اليهم على فساروا نحوه وقد جعل على بن أبان
أخاه على مقدمته وضم اليه بهبوذ وأحمد بن الزرنجى فالتقى الفريقان بالدولاب
فأمر على الخليل بن أبان أن يجعل بهبوذ كمينا فجعله وسار الخليل حتى لقى القوم
ونشب القتال بينهم فكان أول نهار ذلك اليوم لاصحاب السلطان ثم جالوا جولة
وخرج عليهم الكمين وأكب الزنج إكبابة فهزموهم وأسر مطر بن جامع ضرع عن
فرس كان تحته فأخذه بهبوذ فأتى به عليا وقتل سيما المعروف بصغراج في جماعة من
القواد ولما وافى بهبوذ عليا بمطر سأله مطر استبقاءه فأبى ذلك على وقال لو كنت أبقيت
على جعفرويه لابقينا عليك وأمر به فأدنى اليه فضرب عنقه بيده ودخل
على بن أبان الاهواز وانصرف اغرتمش وأبا فيمن أفلت معهما حتى
وافيا تستر ووجه على بن أبان بالرؤوس إلى الخبيث فأمر بنصبها على سور مدينته
قال وكان على بن أبان بعد ذلك يأتى اغرتمش وأصحابه فتكون الحرب
بينهم سجالا عليه وله وصرف الخبيث أكثر جنوده إلى ناحية على بن أبان
فكثروا على اغرتمش فركن إلى الموادعة وأحب على بن أبان مثل ذلك
فتهادنا وجعل على بن أبان يغير على النواحى فمن غاراته مصيره إلى القرية
المعروفة ببيروذ فظهر عليها ونال منها غنائم كثيرة فكتب بما كان
منه من ذلك إلى الخبيث ووجه بالغنائم التى أصابها وأقام ( وفيها ) فارق
إسحاق بن كنداجيق عسكر أحمد بن موسى بن بغا وذلك أن أحمد بن موسى
ابن بغا لما شخص إلى الجزيرة ولى موس بن أتامش ديار ربيعة فأنكر ذلك
إسحاق وفارق عسكره لسبب ذلك وصار إلى بلد فأوقع بالاكراد اليعقوبية
ـ 49 ـ
فهزمهم وأخذ أموالهم فقوى بذلك ثم لقى ابن مساور الشارى فقتله ( وفى شوال )
منها قتل أهل حمص عاملهم عيسى الكرخى ( وفيها ) أسر لؤلؤ غلام أحمد بن
طولون موسى بن أتامش وذلك أن لؤلؤا كان مقيما برابية بنى تميم وكان موسى
ابن أتامش مقيما برأس العين فخرج ليلا سكران ليكبسهم فكمنوا له فأخذوه
أسيرا وبعثوا به إلى الرقة ثم لقى لؤلؤ أحمد بن موسى وقواده ومن معهم من
الاعراب في شوال فهزم لؤلؤ وقتل من أصحابه جماعة كثيرة ورجع ابن صفوان
العقيلى والاعراب إلى ثقل عسكر أحمد بن موسى لينتهبوه وأكب عليهم أصحاب
لؤلؤ فبلغت هزيمة المنفلت منهم قرقيسيا ثم صاروا إلى بغداد وسامرا فوافوها
في ذى القعدة وهرب ابن صفوان إلى البادية ( وفيها ) كانت بين أحمد بن عبدالعزيز
ابن أبى دلف وبكتمر وقعة وذلك في شوال منها فهزم أحمد بن عبدالعزيز بكتمر
فصار إلى بغداد ( وفيها ) أوقع الخجستانى بالحسن بن زيد بجرجان على غرة من
الحسن فهرب منه الحسن فلحق بآمل وغلب الخجستانى على جرجان وبعض
أطراف طبرستان وذلك في جمادى الآخرة منها ورجب ( وفيها ) دعا الحسن
ابن محمد بن جعفر بن عبدالله بن حسن الاصغر العقيقى أهل طبرستان إلى البيعة
له وذلك أن الحسن بن زيد عن شخوصه إلى جرجان كان استخلفه بسارية فلما
كان من أمر الخجستانى وأمر الحسن ما كان بجرجان وهرب الحسن منها أظهر
العقيقى بسارية أن الحسن قد أسر ودعا من قبله إلى بيعته فبايعه قوم ووافاه الحسن
ابن زيد فحاربه ثم احتال له الحسن حتى ظفر به فقتله ( وفيها ) نهب الخجستانى
أموال تجار أهل جرجان وأضرم النار في البلد ( وفيها ) كانت وقعة بين الخجستانى
وعمرو بن الليث علا فيها الخجستانى على عمرو وهزمه ودخل نيسابور فأخرج
عامل عمرو بن عنها وقتل جماعة ممن كان يميل إلى عمرو بها ( وفيها ) كانت فتنة
بالمدينة ونواحيها بين الجعفرية والعلوية
ـ 50 ـ
ذكر الخبر عن سبب ذلك
وكان سبب ذلك فيما ذكر أن القيم بأمر المدينة ووادى القرى ونواحيها كان
في هذه السنة إسحاق بن محمد بن يوسف الجعفرى فولى وادى القرى عاملا من
قبله فوثب أهل وادى القرى على عامل إسحاق بن محمد فقتلوه وقتلوا أخوين
لاسحاق فخرج اسحاق إلى وادى القرى فمرض به ومات فقام بامر المدينة أخوه
موسى بن محمد فخرج عليه الحسن بن موسى بن جعفر فأرضاه بثمانمائه دينار ثم
خرج عليه أبوالقاسم أحمد بن محمد بن اسماعيل بن الحسن بن زيد ابن عم الحسن
ابن زيد صاحب طبرستان فقتل موسى وغلب على المدينة وقدمها أحمد بن محمد
ابن اسماعيل بن الحسن بن زيد فضبط المدينة وقد كان غلابها السعر فوجه إلى
الجار وضمن للتجار أموالهم ورفع الجباية فرخص السعر وسكنت المدينة فولى
السلطان الحسنى المدينة إلى أن قدمها ابن أبى الساج ( وفيها ) وثبت الاعراب
على كسوة الكعبة فانتهبوها وصار بعضها إلى صاحب الزنج وأصاب الحاج فيها
شدة شديدة ( وفيها ) خرجت الروم إلى ديار ربيعة فاستنفر الناس فنفروا في
برد ووقت لا يمكن الناس فيه دخول الدرب ( وفيها ) غزا سيما خليفة أحمد
ابن طولون على الثغور الشامية في ثلثمائة رجل من أهل طرسوس فخرج عليهم
العدو في بلاد هرقلة وهم نحو من أربعة آلاف فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل المسلمون
من العدو خلقا كثيرا وأصيب من المسلمين جماعة كثيرة ( وفيها ) كانت بين
اسحاق بن كنداجيق واسحاق بن أيوب وقعة هزم فيها ابن كنداجيق اسحاق بن
أيوب فألحقه بنصيبين وأخذ ما في عسكره وقتل من أصحابه جماعة كثيرة وتبعه
ابن كنداجيق وصار إلى نصيبين فدخلها وهرب إسحاق بن أيوب منه واستنجد
عليه عيسى بن الشيخ وهو بآمد وأ باالمغراء بن موسى بن زرارة وهو بأرزن
فتظاهروا على ابن كنداجيق وبعث السلطان إلى ابن كنداجيق بخلع ولواء على
الموصل وديار ربيعة وأرمينية مع يوسف بن يعقوب فخلع عليه فبعثوا يطلبون
الصلح ويبذلون له مالا على أن يقرهم على أعمالهم مائتى ألف دينار ( وفيها )
ـ 51 ـ
وافى محمد بن أبى الساج مكة فحاربه ابن المخزومى فهزمه ابن أبى الساج واستباح
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 51 سطر 1 الى ص 60 سطر 25
وافى محمد بن أبى الساج مكة فحاربه ابن المخزومى فهزمه ابن أبى الساج واستباح
ماله وذلك يوم التروية من هذه السنة ( وفيها ) شخص كيغلغ إلى الجبل ورجع
بكتمر إلى الدينور ( وفيها ) دخل أصحاب قائد الزنج رامهرمز
ذكر الخبر عن سبب مصيرهم إليها
قد ذكرنا قبل ما كان من أمر محمد بن عبيدالله الكردى وعلى بن أبان
صاحب الخبيث حين تلاقيا على صلح منهما فذكر أن عليا كان قد احتجن على
محمد ضغنا في نفسه لما كان في سفره ذلك وكان يرصده بشر وقد عرف ذلك
منه محمد بن عبيدالله وكان يروم النجاة منه فكاتب ابن الخبيث المعروف بانكلاى
وسأله مسألة الخبيث ضم ناحيته إليه لتزول يد على منه وهاداه فزاد ذلك على بن
أبان عليه غيظا وحنقا فكتب إلى الخبيث يعرفه به ويصحح عنده أنه مصر
على غدره ويستأذنه في الايقاع به وأن يجعل الذريعة إلى ذلك مسألته حمل
خراج ناحيته إليه فأذن له الخبيث في ذلك فكتب على إلى محمد بن عبيدالله
في حمل المال فلواه به ودافعه عنه فاستعد له على وسار إليه فأوقع برامهرمز
ومحمد بن عبيدالله يومئذ مقيم بها فلم يكن لمحمد منه امتناع فهرب
ودخل على رامهرمز فاستباحها ولحق محمد بن عبيدالله بأقصى معاقله من
أربق والبيلم وانصرف على غانما وراع ما كان من ذلك من على محمدا فكتب
يطلب المسالمة فأنهى ذلك على إلى الخبيث فكتب إليه يأمره بقبول ذلك وإرهاق
محمد بحمل المال فحمل محمد بن عبيدالله مائتى ألف درهم فأنفذها على إلى الخبيث
وأمسك عن محمد بن عبيدالله وعن أعماله ( وفيها ) كانت وقعة لاكراد الداريان
مع زنج الخبيث هزموا فيها وفلوا
ذكر الخبر عن سبب ذلك
ذكر عن محمد بن عبيدالله بن أزارمرد أنه كتب إلى على بن أبان بعد حمله
اليه المال الذى ذكرنا مبلغه قبل وكف على عنه وعن أعماله يسأله المعونة على
جماعة من الاكراد كانوا بموضع يقال له الداريان على أن يجمع له ولاصحابه
ـ 52 ـ
غنائمهم فكتب على إلى الخبيث يسأله الاذن له في النهوض لذلك فكتب اليه
أن وجه الخليل بن أبان وبهبوذ بن ع بدالوهاب وأقم أنت ولا تنفذ جيشك
حتى تتوثق من محمد بن عبيدالله برهائن تكون في يدك منه تأمن بها من غدره
فقد وترته وهو غير مأمون على الطلب بثأره فكاتب على محمد بن عبيدالله بما
أمره به الخبيث وسأله الرهائن فأعطاه محمد بن عبيدالله الايمان والعهود
ودافعه على الرهائن فدعا عليا الحرص على الغنائم التى أطمعه فيها محمد بن عبيدالله
إلى أن أنفذ الجيش فساروا ومعهم رجال محمد بن عبيدالله حتى وافوا الموضع
الذى قصدوا له فخرج اليهم أهله ونشبت الحرب فظهر الزنج في ابتداء الامر
على الاكراد ثم صدقهم الاكراد وخذلهم أصحاب محمد بن عبيدالله فتصدعوا
وانهزموا مفلولين مقهورين وقد كان محمد بن عبيدالله أعدلهم قوما أمرهم
بمعارضتهم إذا انهزموا فعارضوهم وأوقعوا بهم ونالوا منهم أسلابا وأرجلوا
طائفة منهم عن دوابهم فأخذوها فرجعوا بأسوإ حال فكتب المهلبى إلى الخبيث
بما نال أصحابه فكتب اليه يعنفه ويقول قد كنت تقدمت اليك ألا تركن إلى محمد
ابن عبيدالله وأن تجعل الوثيقة بينك وبين الرهائن فتركت أمرى واتبعت هواك
فذاك الذى أرداك وأردى جيشك وكتب الخبيث إلى محمد بن عبيدالله انه لم
يخف على تدبيرك على جيش على بن أبان ولن تعدم الجزاء على ما كان منك
فارتاع محمد بن عبيدالله مما ورد به عليه كتاب الخبيث وكتب اليه بالتضرع
والخضوع ووجه بما كان أصحابه أصابوا من خليل أصحاب على حيث عورضوا
وهم منهزمون فقال إنى صرت بجميع من معى إلى هؤلاء القوم الذين أوقعوا
بالخليل وبهبوذ فتوعدتهم وأخفتهم حتى ارتجعت هذه الخيل منهم ووجهت بها
فأظهر الخبيث غضبا وكتب اليه يتهدده بجيش كثيف يرميه به فأعاد محمد الكتاب
بالتضرع والاستكانة فأرسل إلى بهبوذ فضمن له مالا وضمن لمحمد بن يحيى
الكرمانى مثل ذلك ومحمد بن يحيى يومئذ الغالب على على بن أبان والمصرف له
برأيه فصار بهبوذ إلى على بن أبان وظاهره محمد بن يحيى الكرمانى على أمره
ـ 53 ـ
حتى أصلحا رأى على في محمد بن عبيدالله وسلاما في قلبه من الغيظ والحنق
عليه ثم مضيا إلى الخبيث ووافق ذلك ورود كتاب محمد بن عبيدالله عليه
فصوبا وصعدا حتى أظهر لهما الخبيث قبول قولهما والرجوع لمحمد بن عبيدالله
إلى ما أحب وقال لست قابلا منه بعد هذا إلا أن يخطب لى على منابر أعماله
فانصرف بهبوذ والكرمانى بما فارقهما عليه الخبيث وكتابه إلى محمد بن عبيدالله
فأصدر جوابه إلى كل ما أراده الخبيث وجعل يراوغ عن الدعاء له على المنابر
وأقام على بعد هذا مدة ثم استعد لمتوث وسار اليها فرامها فلم يطقها لحصانتها
وكثرة من يدافع عنها من أهلها فرجع خائبا فاتخذ سلاليم وآلات ليرقى بها
السور وجمع أصحابه واستعد وقد كان مسرور البلخى عرف قصد على متوث وهو
يومئذ مقيم بكور الاهواز فلما عاود المسير اليها سار اليه مسرور فوافاه قبيل
غروب الشمس وهو مقيم عليها فلما عاين أصحاب على أوائل خيل مسرور
انهزموا أقبح هزيمة وتركوا جميع آلاتهم التى كانوا حملوها وقتل منهم جمع
كثير وانصرف على بن أبان مدحورا ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى تتابعت
الاخبار بإقبال أبى أحمد ثم لم يكن لعلى بعد رجوعه من متوث وقعة حتى فتحت
سوق الخميس وطهيثا على أبى أحمد فانصرف بكتاب ورد عليه من الخبيث يحفزه
فيه حفزا شديدا بالمصير إلى عسكره ( وحج بالناس ) فيها هارون بن محمد بن
إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمى الكوفى
ثم دخلت سنة سبع وستين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمما كان فيها من ذلك حبس السلطان محمد بن طاهر بن عبدالله وعدة من
أهل بيته بعقب هزيمة أحمد بن عبدالله الخجستانى عمرو بن الليث وتهمة عمرو
ابن الليث محمد بن طاهر بمكاتبة الخجستانى والحسين بن طاهر ودعا الحسين
و الخجستانى لمحمد بن طاهر على منابر خراسان ( وفيها ) غلب أ بوالعباس بن
ـ 54 ـ
الموفق على عامة ما كان سليمان بن جامع صاحب قائد الزنج غلب عليه من قرى
كوردجلة كعبدسى ونحوها
ذكر الخبر عن سبب غلبة أبى العباس على ذلك
وما كان من أمره وأمر الزنج في تلك الناحية
ذكر محمد بن الحسن أن محمد بن حماد حدثه أن الزنج لما دخلوا واسط
وكان منهم بها ما قد ذكرناه قبل واتصل الخبر بذلك إلى أبى أحمد بن المتوكل
ندب ابنه أبا العباس للشخوص إلى ناحية واسط لحرب الزنج فخف لذلك
أ بوالعباس فلما حضر خروج أبى العباس ركب أبوأحمد إلى بستان موسى
الهادى في شهر ربيع الآخر سنة 266 فعرض أصحاب أبى العباس ووقف
على عدتهم فكان جميع الفرسان والرجالة عشرة آلاف رجل في أحسن زى
وأجمل هيئة وأكمل عدة ومعهم الشذا وا لسميريات والمعابر للرجالة كل ذلك
قد أحكمت صنعته فنهض أ بوالعباس من بستان الهادى وركب أبوأحمد مشيعا له
حتى نزل الفرك ثم انصرف وأقام أ بوالعباس بالفرك أياما حتى تكاملت عدده
وتلاحق أصحابه ثم رحل إلى المدائن وأقام بها أيضا ثم رحل إلى دير العاقول قال
محمد بن حماد فحدثنى أخى إسحاق بن حماد وإبراهيم بن محمد بن إسماعيل الهاشمى
المعروف ببريه ومحمد بن شعيب الاشتيام في جماعة كثيرة ممن صحب أ باالعباس
في سفره دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا لما نزل أ بوالعباس دير
العاقول ورد عليه كتاب نصير المعروف بأبى حمزة صاحب الشذا وا لسميريات
وقد كان أمضاه على مقدمته يعلمه فيه أن سليمان بن جامع قد وافى في خيل
ورجالة وشذوات وسميريات والجبائى يقدمه حتى نزل الجزيرة التى بحضرة
بردودا وأن سليمان بن موسى الشعرانى قد وافى نهر أبان برجالة وفرسان
وسميريات فرحل أ بوالعباس حتى وافى جرجرايا ثم فم الصلح ثم ركب الظهر
فسار حتى وافى الصلح ووجه طلائعه ليعرف الخبر فأتاه منهم من أخبره بموافاة
القوم وجمعهم وجيشهم وأن أولهم بالصلح وآخرهم ببستان موسى بن بغا أسفل
ـ 55 ـ
واسط فلما عرف ذلك عدل عن سنن الطريق واعترض في مسيره ولقى أصحابه
أوائل القوم فتطاردوا لهم حتى طمعوا واغتروا فأمعنوا في اتباعهم وجعلوا
يقولون لهم اطلبوا أميرا للحرب فإن أميركم قد شغل نفسه بالصيد فلما قربوا من
أبى العباس بالصلح خرج عليهم فيمن معه من الخيل والرجل وأمر فصيح بنصير
إلى أين تتأخر عن هؤلاء الاكلب ارجع اليهم فرجع نصير اليهم وركب أ بوالعباس
سميرية ومعه محمد بن شعيب الاشتيام وحف بهم أصحابه من جميع جهاتهم فانهزموا
ومنح الله أبا العباس وأصحابه أكتافهم يقتلونهم ويطردونهم حتى وافوا قرية
عبدالله وهى على ستة فراسخ من الموضع الذى لقوهم فيه وأخذوا منهم خمس
شذوات وعدة سميريات واستأمن منهم قوم وأسر منهم أسرى وغرق ما أدرك
من سفنهم فكان ذلك أول الفتح على أبى العباس بن أبى أحمد ولما انقضت
الحرب في هذا اليوم أشار على أبى العباس قواده وأولياؤه أن يجعل معسكره
بالموضع الذى كان انتهى اليه من الصلح إشفاقا عليه من مقاربة القوم فأبى إلا
نزول واسط ولما انهزم سليمان بن جامع ومن معه وضرب الله وجوههم
انهزم سليمان بن موسى الشعرانى عن نهر أبان حتى وافى سوق الخميس ولحق
سليمان بن جامع بنهر الامير وقد كان القوم حين لقوا أ باالعباس أجالوا الرأى
بينهم فقالوا هذا فتى حدث لم تطل ممارسته الحروب وتدربه بها فالرأى لنا أن
ترميه بحدنا كله ونجتهد في أول لقية نلقاه في إزالته فلعل ذلك أن يروعه
فيكون سببا لانصرافه عنا ففعلوا ذلك وحشدوا واجتهدوا فأوقع الله
بهم بأسه ونقمته وركب أ بوالعباس من غد يوم الوقعة حتى دخل واسط
في أحسن زى وكان ذلك يوم جمعة فأقام حتى صلى بها صلاة الجمعة واستأمن
اليه خلق كثير ثم انحدر إلى العمر وهو على فرسخ من واسط فقدر فيه عسكره
وقال اجعل معسكرى أسفل واسط ليأمن من فوقه الزنج وقد كان نصير
المعروف بأبى حمزة والشاه بن ميكال أشارا عليه أن يجعل مقامه فوق واسط
فامتنع من ذلك وقال لهما لست نازلا إلا العمر فانزلا أنتما في فوهة بردودا وأعرض
ـ 56 ـ
أ بوالعباس عن مشاورة أصحابه واستماع شئ من آرائهم فنزل العمر وأخذ في بناء
الشذوات وجعل يراوح القوم القتال ويغاديهم وقد رتب خاصة غلمانه في سميريات
فجعل في كل سميرية اثنين منهم ثم ان سليمان استعد وحشد وجمع وفرق أصحابه
فجعلهم في ثلاثة أوجه فرقة أتت من نهر أبان وفرقة من برتمرتا وفرقة من بردودا
فلقيهم أ بوالعباس فلم يلبثوا أن انهزموا فخلفت طائفة منهم بسوق الخميس وطائفة
بمازروان وأخذ قوم منهم في برتمرتا وآخرون أخذوا الماديان وقوم منهم
اعتصموا للقوم الذين سلكوا الماديان فلم يرجع عنهم حتى وافى نهر برمساور ثم
انصرف فجعل يقف على القرى والمسالك ومعه الادلاء حتى وافى عسكره فأقام
به مريحا نفسه وأصحابه ثم أتاه مخبر فأخبره أن الزنج قد جمعوا واستعدوا لكبس
عسكره وأنهم على اتيان عسكره من ثلاثة أوجه وأنهم قالوا إنه حدث غريغر
بنفسه وأجمع رأيهم على تكمين الكمناء والمصير اليه من الجهات الثلاث التى
ذكرنا فحذر لذلك واستعد له وأقبلوا اليه وقد كمنوا زهاء عشرة آلاف في برتمرتا
ونحوا من هذه العدة في قس هثا وقدموا عشرين سميرية إلى العسكر ليغتر بها أهله
ويجيزوا المواضع التى فيها كمناؤهم فمنع أ بوالعباس الناس من اتباعهم فلما علموا
أن كيدهم لم ينفذ خرج الجبائى وسليمان في الشذوات وا لسميريات وقد كان أ بوالعباس
أحسن تعبئة أصحابه فأمر نصيرا المعروف بأبى حمزة أن يبرز للقوم في شذواته ونزل
أ بوالعباس عن فرس كان ركبه ودعا بشذاة من شذواته قد كان سماها الغزال
وأمر اشتيامه محمد بن شعيب باختيار الجذافين لهذه الشذاة وركبها واختار من
خاصة أصحابه وغلمانه جماعة دفع اليهم الرماح وأمر أصحاب الخيل بالمسير بإزائه
على شاطئ النهر وقال لهم لا تدعوا المسير ما أمكنكم إلى أن تقطعكم الانهار
وأمر بتعبير بعض الدواب التى كانت ببردودا ونشبت الحرب بين الفريقين فكانت
معركة القتال من حد قرية الرمل إلى الرصافة فكانت الهزيمة على الزنج وحاز
أصحاب أبى العباس أربع عشرة شذاة وأفلت سليمان والجبائى في ذلك اليوم بعد أن
أشفيا على الهلاك راجلين وأخذت دوابهما بحلاها وآلتها ومضى الجيش أجمع لاينثنى
ـ 57 ـ
أحد منهم حتى وافوا طهيثا وأسلموا ما كان معهم من أثاث وآلة ورجع أ بوالعباس
وأقام بمعسكره في العمر وأمر بإصلاح ما أخذ منهم من الشذا وا لسميريات وترتيب
الرجال فيها وأقام الزنج بعد ذلك عشرين يوما لايظهر منهم أحد وكان الجبائى يجئ
في الطلائع في كل ثلاثة أيام وينصرف وحفر آبارا فوق نهر سنداد وصير فيها سفافيد
حديد وغشاها بالبوارى وأخفى مواضعها وجعلها على سنن مسير الخيل ليتهور فيها
المجتازون بها وكان يوافى طرف العسكر متعرضا لاهله فتخرج الخيل طالبة له فجاء في
بعض أيامه وطلبته الخيل كما كانت تطلبه فقطر فرس رجل من قواد الفراغنة في
بعض تلك الآبار فوقف أصحاب أبى العباس بما ناله من ذلك على ما دبر الجبائى
فحذروا ذلك وتنكبوا سلوك ذلك الطريق وألح الزنج في مغاداة العسكر في كل
يوم للحرب وعسكروا بنهر الامير في جمع كثير فلما لم يجد ذلك عليهم أمسكوا عن
الحرب قدر شهر وكتب سليمان إلى صاحب الزنج يسأله إمداده بسميريات لكل
واحدة منهن أربعون مجذافا فوافاه من ذلك في مقدار عشرين يوما أربعون سميرية
في كل سميرية مقاتلان ومع ملاحيها السيوف والرماح والتراس وجعل الجبائى
موقفه حيال عسكر أبى العباس وعاودا التعرض للحرب في كل يوم فاذا خرج
اليهم أصحاب أبى العباس انهزموا عنهم ولم يثبتوا لهم وخلال ذلك ما تأتى طلائعهم
فتقطع القناطر وترمى ما ظهر لها من الخيل بالنشاب وتضرم ما وجدت في النوبة
مع المراكب التى مع نصير بالنار فكانوا كذلك قدر شهرين ثم رأى أ بوالعباس
أن يكمن لهم كمينا في قرية الرمل ففعل ذلك وقدم لهم سميريات أمام الجيش ليطمعوا
فيها وأمر أ بوالعباس فأعدت له سميرية ولزيرك سميرية وحمل جماعة من غلمانه
الذين اختارهم وعرفهم بالنجدة في ا لسميريات فحمل بدرا ومؤنسا في سميرية
ورشيقا الحجاجى ويمنا في سميرية وخفيفا ويسرا في سميرية ونذيرا ووصيفا في
سميرية وأعد خمس عشرة سميرية وجعل في كل سميرية مقاتلين وجعلها امام
الجيش قال محمد بن شعيب الاشتيام وكنت فيمن تقدم يومئذ فأخذ الزنج
من ا لسميريات المتقدمة عدة وأسروا أسرى فانطلقت مسرعا فناديت بصوت
ـ 58 ـ
عال قد أخذ القوم سميرياتنا فسمع أ بوالعباس صوتى وهو يتغدى فنهض إلى
سميريته التى كانت أعدت له وتقدم العسكر ولم ينتظر لحاق أصحابه فتبعه منهم من
خف لذلك قال فأدركنا الزنج فلما رأونا قذف الله الرعب في قلوبهم فألقوا أنفسهم
في الماء وانهزموا فتخلصنا أصحابنا وحوينا يومئذ إحدى وثلاثين سميرية من
سميريات الزنج وأفلت الجبائى في ثلاث سميريات ورمى أ بوالعباس يومئذ عن
قوس كانت في يده حتى دميت ابهامه فانصرف ولو أنا جددنا في طلب الجبائى
في ذلك اليوم ظننت أنا أدركناه فمنعنا من ذلك شدة اللغوب ورجع أ بوالعباس
وأكثر أصحابه بمواضعهم من فوهة بردودا لم يرم أحد منهم فلما وافى عسكره
أمر لمن كان صحبه بالاطواق والخلع والاسورة وأمر بإصلاح ا لسميريات
المأخوذة من الزنج وأمر أبا حمزة أن يجعل مقامه بما معه من الشذا في دجلة بحذاء
خسر سابور ثم ان أبا العباس رأى أن يتوغل في مازروان حتى يصير إلى القرية
المعروفة بالحجاجية وينتهى إلى نهر الامير ويقف على تلك المواضع ويتعرف الطرق
التى تجتاز فيها سميريات الزنج وأمر نصيرا فقدمه بما معه من الشذا وا لسميريات
فسار نصير لذلك فترك طريق مازروان وقصد ناحية نهر الامير فدعا أ بوالعباس
سميريته فركبها ومعه محمد بن شعيب ودخل مازرون وهو يرى أن نصيرا
أمامه وقال لمحمد قدمنى في النهر لاعرف خبر نصير وأمر الشذا وا لسميريات
بالمصير خلفه قال محمد بن شعيب فمضينا حتى قاربنا الحجاجية فعرضت لنا في النهر
صلغة فيها عشرة زنوج فأسرعنا اليها فألقى الزنوج انفسهم في الماء وصارت
الصلغة في أيدينا فاذا هى مملوءة شعيرا وأدركنا فيها زنجيا فأخذناه فسألناه عن
خبر نصير وشذواته فقال ما دخل هذا النهر شئ من الشذا وا لسميريات فاصابتنا
حيرة وذهب الزنج الذين أفلتوا من أيدينا فأعلموا أصحابهم بمكاننا وعرض
للملاحين الذين كانوا معنا غنم فخرجوا لانتهابها قال محمد بن شعيب وبقيت مع
ابى العباس وحدى فلم نلبث أن وافانا قائد من قواد الزنج يقال له منتاب في جماعة
من الزنج من أحد جانبى النهر ووافانا من الجانب الآخر عشرة من الزنج فلما
ـ 59 ـ
رأينا ذلك خرج أ بوالعباس ومعه قوسه وأسهمه وخرجت برمح كان في يدى
وجعلت أحميه بالرمح وهو يرمى الزنج فجرح منهم زنجيين وجعلوا يثوبون
ويكثرون وأدركنا زيرك في الشذا ومعه الغلمان وقد كان أحاط بنا زهاء ألفى
زنجى من جانبى مازروان وكفى الله أمرهم وردهم بذلة وصغار ورجع أ بوالعباس
إلى عسكره وقد غنم أصحابه من الغنم والبقر و الجواميس شيئا كثيرا وأمر ا بوالعباس
بثلاثة من الملاحين الذين كانوا معه فتركوه لانتهاب الغنم فضربت أعناقهم وأمر
لمن بقى بالارزاق لشهر وأمر بالنداء في الملاحين ألا يبرح أحد من ا لسميريات
في وقت الحرب فمن فعل ذلك فقد حل دمه وانهزم الزنج أجمعون حتى لحقوا
بطهيثا وأقام أ بوالعباس بمعسكره في العمر وقد بث طلائعه في جميع النواحى
فمكث بذلك حينا وجمع سليمان بن جامع عسكره وأصحابه وتحصن بطهيثا وفعل
الشعرانى مثل ذلك بسوق الخميس وكان بالصينية لهم جيش كثيف أيضا يقود
أهله رجل منهم يقال له نصر السندى وجعلوا يخربون كلما وجدوا إلى اخرابه
سبيلا ويحملون ما قدروا على حمله من الغلات ويعمرون مواضعهم التى هم
مقيمون بها فوجه أ بوالعباس جماعة من قواده منهم الشاه وكمشجور والفضل
ابن موسى بن بغا وأخوه محمد على الخيل إلى ناحية الصينية وركب أ بوالعباس
ومعه نصير وزيرك في الشذا وا لسميريات وأمر بخيل فعبربها من برمساور إلى
طريق الظهر وسار الجيش حتى صار إلى الهرث فأمر أ بوالعباس بتعبير الدواب
إلى الهرث فعبرت فصارت إلى الجانب الغربى من دجلة وأمر بأن يسلك بها
طريق دير العمال فلما أبصر الزنج الخيل دخلتهم منها رهبة شديدة فلجأوا
إلى الماء والسفن ولم يلبثوا أن وافتهم الشذا وا لسميريات فلم يجدوا ملجأ
واستسلموا فقتل منهم فريق وأسر فريق وألقى بعضهم نفسه في الماء فأخذ
أصحاب أبى العباس سفنهم وهى مملوءة أرزا فصارت في أيديهم وأخذوا سميرية
رئيسهم المعروف بنصر السندى وانهزم الباقون فصارت طائفة منهم إلى طهيثا
وطائفة إلى سوق الخميس ورجع أ بوالعباس غانما إلى عسكره وقد فتح الصينية وأجلى
ـ 60 ـ
الزنج عنها قال محمد بن شعيب وبينا نحن في حرب الزنج بالصينية إذ عرض لابى
العباس كركى طائر فرماه بسهم فشكه فسقط بين أيدى الزنج فأخذوه فلما رأوا
موضع السهم منه وعلموا أنه سهم أبى العباس زاد ذلك في رعبهم فكان سببا
لانهزامه يومئذ ( وقد ذكر ) عمن لايتهم أن خبر السهم الذى رمى به أ بوالعباس
الكركى في غير هذا اليوم وانتهى إلى أبى العباس أن بعبدسى جيشا عظيما يرأسهم
ثابت بن أبى دلف ولؤلؤ الزنجيان فصار أ بوالعباس إلى عبدسى قاصدا للايقاع
بهما ومن معهما في خيل جريدة قد انتخبت من جلد غلمانه وحماة أصحابه فوافى
الموضع الذى فيه جمعهم في السحر فأوقع بهم وقعة غليظة قتل فيها من أبطالهم وجلد
رجالهم خلق كثير وانهزموا وظفر أ بوالعباس برئيسهم ثابت بن أبى دلف فمن
عليه واستبقاه وضمه إلى بعض قواده وأصاب المسمى لؤلؤا سهم فهلك منه واستنقذ
يومئذ من النساء اللواتى كن في أيدى الزنج خلق كثير فأمر أ بوالعباس بإطلاقهن
وردهن إلى أهلهن وأخذ كل ما كان الزنج جمعوه ثم رجع أ بوالعباس إلى معسكره
فأمر أصحابه أن يريحوا أنفسهم ليسير بهم إلى سوق الخميس ودعا نصيرا فأمره
بتعبئة أصحابه للمسير اليها فقال له نصير ` إن نهر سوق الخميس ضيق فأم أنت
وائذن لى في المسير اليه حتى أعاينه فأبى أن يدعه حتى يعاينه ويقف على علم
ما يحتاج اليه منه قبل موافاة أبيه أبى أحمد وذلك عن ورود كتاب أبى أحمد عليه
بعزمه على الانحدار قال محمد بن شعيب فدعانى أ بوالعباس فقال لى إنه لابد لى
من دخول سوق الخميس فقلت إن كنت لابد فاعلا ما تذكر فلا تكثر عدد
من تحمل معك في الشذا ولاتزد على ثلاثة عشر غلاما عشرة رماة وثلاثة
في أيديهم الرماح فإنى أكره الكثرة في الشذا مع ضيق النهر فاستعد أ بوالعباس
لذلك وسار اليه ونصير بين يديه حتى وافى فم بر مساور فقال له نصير قدمنى أمامك
ففعل ذلك فدخل نصير في خمس عشرة شذاة واستأذنه رجل من قواد الموالى
يقال له موسى دالجويه في التقدم بين يديه فأذن له فسار وسار أ بوالعباس حتى
انتهى به مسيره إلى بسامى ثم إلى فوهة براطق ونهر الرق والنهر الذى ينفذ إلى
ـ 61 ـ
رواطا وعبدسى وهذه الانهار الثلاثة تؤدى إلى ثلاث طرق مفترقة فأخذ نصير
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 61 سطر 1 الى ص 70 سطر 25
رواطا وعبدسى وهذه الانهار الثلاثة تؤدى إلى ثلاث طرق مفترقة فأخذ نصير
في طريق نهر براطق وهو النهر المؤدى إلى مدينة سليمان بن موسى الشعرانى التى
سماها المنيعة بسوق الخميس وأقام أ بوالعباس على فوهة هذا النهر وغاب عنه نصير
حتى خفى عنه خبره وخرج علينا في ذلك الموضع من الزنج خلق كثير فمنعونا من
دخول النهر وحالوا بيننا وبين الانتهاء إلى السور وبين هذا الموضع الذى انتهينا
اليه والسور المحيط بمدينة الشعرانى مقدار فرسخين فأقاموا هناك يحاربوننا
واشتدت الحرب بيننا وبينهم وهم على الارض ونحن في السفن من أول النهار إلى
وقت الظهر وخفى علينا خبر نصير وجعل الزنج يهتفون بنا قد أخذنا نصيرا فماذا
تصنعون ونحن تابعوكم حيثما ذهبتم فاغتم أ بوالعباس لما سمع منهم هذا القول فاستأذنه
محمد بن شعيب في المسير ليتعرف خبر نصير فأذن له فمضى في سميرية بعشرين جذافا حتى
وافى نصيرا أبا حمزة وقد قرب من سكر كان الفسقة سكروه ووجدوه قد أضرم
النار فيه وفى مدينتهم وحارب حربا شديدا ورزق الظفر بهم وكان الزنج ظفروا
ببعض شذوات أبى حمزة فقاتل حتى انتزع ما كانوا أخذوا من أيديهم فرجع محمد
ابن شعيب إلى أبى العباس فبشره بسلامة نصير ومن معه وأخبره خبره فسر بذلك
وأسر نصير يومئذ من الزنج جماعة كثيرة ورجع حتى وافى أ باالعباس بالموضع
الذى كان واقفا به فلما رجع نصير قال أ بوالعباس لست زائلا عن موضعى هذا
حتى أراوحهم القتال في عشى هذا اليوم ففعل ذلك وأمر بإظهار شذاة واحدة
من الشذوات التى كانت معه لهم وأخفى باقيها عنهم فطمعوا في الشذاة التى رأوها
فتبعوها وجعل من كان فيها يسيرون سيرا ضعيفا حتى أدركوها فعلقوا بسكانها
وجعل الملاحون يسيرون حتى وافوا المكان الذى كانت فيه الشذوات المكمنة
وقد كان أ بوالعباس ركب سميرية وجعل الشذا خلفه فسار نحو الشذاة التى علق
بها الزنج لما أبصرها فأدركها والزنج ممسكون بسكانها يحيطون بها من جوانبها
يرمون بالنشاب والآجر وعلى أبى العباس كيز تحته درع قال محمد فنزعنا يومئذ
من كيز أبى العباس خمسا وعشرين نشابة ونزعت من لبادة كانت على أربعين
ـ 62 ـ
نشابة ومن لبابيد سائر الملاحين الخمس والعشرين والثلاثين وأظفر الله أ باالعباس
بست سميريات من سميريات الزنج وتخلص الشذا من أيديهم وانهزموا ومال أبو
العباس وأصحابه نحو الشط وخرج على الزنج المقاتلة بالسيوف والتراس فانهزموا
لا يلوون على شئ للرهبة التى وصلت إلى قلوبهم ورجع أ بوالعباس سالما غانما فخلع
على الملاحين ووصلهم ثم صار إلى معسكره بالعمر فأقام به إلى أن وافى الموفق
( ولاحدى عشرة ) ليلة خلت من صفر منها عسكر أبوأحمد بن المتوكل بالفرك وخرج
من مدينة السلام يريد الشخوص إلى صاحب الزنج لحربه وذلك أنه فيما ذكر كان اتصل
به أن صاحب الزنج كتب إلى صاحبه على بن أبان المهلبى يأمره بالمصير بجميع من
معه إلى ناحية سليمان بن جامع ليجتمعا على حرب أبى العباس بن أبى أحمد وأقام
أبوأحمد بالفرك أياما حتى تلاحق به أصحابه ومن أراد النهوض به اليه وقد أعد
قبل ذلك الشذا وا لسميريات والمعابر والسفن ثم رحل من الفرك فيما ذكر يوم
الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول في مواليه وغلمانه وفرسانه ورجالته فصار
إلى رومية المدائن ثم صار منها فنزل السيب ثم دير العاقول ثم جرجرايا ثم قنى
ثم نزل جبل ثم نزل الصلح ثم نزل على فرسخ من واسط فاقام هنالك يومه وليلته
فتلقاه ابنه أ بوالعباس به في جريدة خيل فيها وجوه قواده وجنده فسأله أبوأحمد
عن خبر أصحابه فوصف له بلاءهم ونصحهم فأمر أبوأحمد له ولهم بخلع فخلعت عليهم
وانصرف أ بوالعباس إلى معسكره بالعمر فأقام يومه فلما كانت صبيحة الغدر رحل
أبوأحمد منحدرا في الماء وتلقاه ابنه أ بوالعباس بجميع من معه من الجند في هيئة الحرب
والزى الذى كانوا يلقون به أصحاب ال ائن فجعل يسير أمامه حتى وافى عسكره
بالنهر المعروف بشيرزاد فنزل به أبوأحمد ثم رحل منه يوم الخميس لليلتين بقيتا
من شهر ربيع الاول فنزل على النهر المعروف بسنداد بإزاء القرية المعروفة
بعبدالله وأمر ابنه أ باالعباس فنزل ` شرقى دجلة بإزاء فوهة بردودا وولاه مقدمته
ووضع العطاء فأعطى الجيش ثم أمر ابنه بالمسير أمامه بما معه من آلة الحرب
إلى فوهة بر مساور فرحل أ بوالعباس في المختارين من قواده ورجاله منهم زيرك
ـ 63 ـ
التركى صاحب مقدمته ونصير المعروف بأبى حمزة صاحب الشذا وا لسميريات
ورحل أبوأحمد بعد ذلك في الفرسان والرجالة المنتخبين وخلف سواد عسكره
وكثيرا من الفرسان والرجالة بمعسكره فتلقاه ابنه أ بوالعباس بأسرى ورؤوس
وقتلى قتلهم من أصحاب الشعرانى وذلك أنه وافى عسكره الشعرانى في ذلك اليوم
قبل مجئ أبيه أبى أحمد فأوقع به وأصحابه فقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر منهم
جماعة فأمر أبوأحمد بضرب أعناق الاسرى فضربت ونزل أبوأحمد فوهة
بر مساور وأقام به يومين ثم رحل يريد المدينة التى سماها صاحب الزنج المنيعة
من سوق الخميس في يوم الثلاثاء لثمانى ليال خلون من شهر ربيع الآخر من هذه
السنة بمن معه من الجيش وما معه من آلة الحرب وسلك في السفن في بر مساور
وجعلت الخيل تسير بإزائه شرقى بر مساور حتى حاذى النهر المعروف ببراطق
الذى يوصل إلى مدينة الشعرانى وانما بدأ أبوأحمد بحرب سليمان بن موسى الشعرانى
قبل حرب سليمان بن جامع من اجل ان الشعرانى كان وراءه فخاف إن بدأ
بابن جامع أن يأتيه الشعرانى من ورائه ويشغله عمن هو أمامه فقصده من أجل
ذلك وأمر بتعبير الخيل وتصييرها على جانبى النهر المعروف ببراطق وأمر ابنه
أ باالعباس بالتقدم في الشذا وا لسميريات وأتبعه أبوأحمد في الشذا بعامة الجيش
فلما بصر سليمان ومن معه من الزنج وغيرهم بقصد الخيل والرجالة سائرين على
جنبتى النهر ومسير الشذا و السميرات في النهر وقد لقيهم أ بوالعباس قبل ذلك
فحاربوه حربا ضعيفة انهزموا وتفرقوا وعلا أصحاب أبى العباس السور ووضعوا
السيوف فيمن لقيهم وتفرق الزنج وأتباعهم ودخل أصحاب أبى العباس المدينة
فقتلوا فيها خلقا كثيرا وأسروا بشرا كثيرا وحووا ما كان في المدينة وهرب
الشعرانى ومن أفلت منهم معه واتبعهم أصحاب أبى أحمد حتى وافوا بهم البطائح
فغرق منهم خلق كثير ونجا الباقون إلى الآجام وأمر أبوأحمد أصحابه بالرجوع
إلى معسكرهم قبل غروب الشمس من يوم الثلاثاء وانصرف وقد استنقذ من
المسلمات زهاء خمسة آلاف امرأة سوى من ظفر به من الزنجيات اللواتى كن في
ـ 64 ـ
سوق الخميس فأمر أبوأحمد بحياطة النساء جميعا وحملهن إلى واسط ليدفعن إلى أوليائهن
وبات أبوأحمد بحيال النهر المعروف ببراطق ثم باكر المدينة من غد فأذن للناس
في حياطة ما فيها من أمتعة الزنج وأخذ ما كان فيها أجمع وأمر بهدم سورها وطم
خندقها وإحراق ما كان بقى فيها من السفن ورحل إلى معسكره ببر مساور بالظفر
بما بالرساتيق والقرى التى كانت في يد الشعرانى وأصحابه من غلات الحنطة والشعير
والارز فأمر ببيع ذلك وصرف ثمنه في أعطيات مواليه وغلمانه وجنده وأهل
عسكره وانهزم سليمان الشعرانى وأخواه ومن أفلت وسلب الشهرانى ولده وما
كان بيده من مال ولحق بالمذار فكتب إلى الخائن بخبره وما نزل به واعتصامه
بالمذار * فذكر محمد بن الحسن أن محمد بن هشام المعروف بأبى واثلة الكرمانى
قال كنت بين يدى الخائن وهو يتحدث إذ ورد عليه كتاب سليمان الشعرانى
بخبر الوقعة وما نزل به وانهزامه إلى المذار فما كان إلا أن فض الكتاب فوقعت
عينه على موضع الهزيمة حتى انحل وكاء بطنه ثم نهض لحاجته ثم عاد فلما استوى به
مجلسه أخذ الكتاب وعاد يقرؤه فلما انتهى إلى الموضع الذى أنهضه نهض حتى
فعل ذلك مرارا قال فلم أشك في عظم المصيبة وكرهت أن أسأله فلما طال الامر
تجاسرت فقلت أليس هذا كتاب سليمان بن موسى قال نعم ورد بقاصمة الظهران
الذين أناخوا عليه أوقعوا به وقعة لم تبق منه ولم تذر فكتب كتابه هذا وهو بالمذار
ولم يسلم بشئ غير نفسه قال فأكبرت ذلك والله يعلم ما أخفى من السرور الذى
وصل إلى قلبى وأمسك مبشرا بدنو الفرج وصبر الخائن على مكره ما وصل إليه
وجعل يظهر الجلد وكتب إلى سليمان بن جامع يحذره مثل الذى نزل بالشعرانى
ويأمره بالتيقظ في أمره وحفظ ما قبله * وذكر محمد بن الحسن أن محمد بن حماد
قال أقام الموفق بعسكره ببر مساور يومين لتعرف أخبار الشعرانى وسليمان بن
جامع والوقوف على مستقره فأتاه بعض من كان وجهه لذلك فأخبره أنه معسكر
بالقرية المعروفة ب الحوانيت فأمر عند ذلك بتعبير الخيل إلى أرض كسكر
في غربى دجلة وسار على الظهر وأمر بالشذا وسفن الرجالة فحدرت إلى
ـ 65 ـ
الكثيثة وخلف سواد عسكره وجمعا كثيرا من الرجال والكراع بفوهة
بر مساور وأمر بغراج بالمقام هناك فوافى أبوأحمد الصينية وأمر أ باالعباس
بالمصير في الشذا وا لسميريات إلى الحوانيت مخفا لتعرف حقيقه خبر سليمان بن
جامع في مقامه بها وإن وجد منه غرة أوقع به فسار أ بوالعباس في عشى ذلك
اليوم إلى الحوانيت فلم يلف سليمان هنالك وألفى من قواد السودان المشهورين
بالبأس والنجدة شبلا وأبا النداء وهما من قدماء أصحاب الفاسق الذين كان
استتبعهم في بدء مخرجه وكان سليمان بن جامع خلف هذين القائدين في موضعهما
لحفظ غلات كثيرة كانت هناك فحاربهما أ بوالعباس وأدخل الشذا موضعا
ضيقا من النهر فقتل من رجالهما وجرح بالسهام خلقا كثيرا وكانوا أجلد رجال
سليمان بن جامع ونخبتهم الذين يعتمد عليهم ودامت الحرب بينهم إلى أن حجز
الليل بين الفريقين قال وقال محمد بن حماد في هذا اليوم كان من أمر أبى العباس
في الكركى الذى ذكره محمد بن شعيب في يوم الصينية وقد مر به سانحا قال
واستأمن في هذا القوم رجل إلى أبى العباس فسأله عن الموضع الذى فيه سليمان
ابن جامع فأخبره أنه مقيم بطهيثا فانصرف أ بوالعباس حينئذ إلى أبيه بحقيقة مقام
سليمان بمدينته التى سماها المنصورة وهى في الموضع الذى يعرف بطهيثا وأن معه
هنالك جميع أصحابه غير شبل وأبى النداء فانهما بموضعهما من الحوانيت لما أمروا
بحفظه فلما عرف ذلك أبوأحمد أمر بالرحيل إلى بردودا إذ كان المسلك إلى طهيثا
منه وتقدم أ بوالعباس في الشذا وا لسميريات وأمر من خلفه ببر مساور أن يصيروا
جميعا إلى بردودا ورحل أبوأحمد في غد ذلك اليوم الذى أمر أ باالعباس فيه بما أمره
به إلى بردودا وسار اليها يرومين فوافاها يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة بقيت من
شهر ربيع الآخر سنة 267 فأقام بها يصلح ما يحتاج إلى اصلاحه من أمر عسكره
وأمر بوضع العطاء واصلاح سفن الجسور ليحدرها معه واستكثر من العمال
والآلات التى يسد بها الانهار ويصلح بها الطرق للخيل وخلف ببردودا بغراج
التركى وقد كان لما عزم على الرجوع إلى بردودا أرسل إلى غلام له يقال له جعلان
ـ 66 ـ
وكان مخلفا مع بغراج في عسكره فأمر بقلع المضارب وتقديمها مع الدواب المخلفة
قبله والسلاح إلى بردودا فأظهر جعلان ما أمر به في ذلك في وقت العشاء الآخرة
ونادى في العسكر والناس غارون فألقى في قلوبهم أن ذلك لهزيمة كانت فخرجوا
على وجوههم وترك الناس أسواقهم وأمتعتهم ظنا منهم أن العدو قد أظلهم ولم
يلو منهم أحد على أحد وقصدوا قصد الرجوع إلى عسكرهم ببردودا وساروا في
سواد ليلتهم تلك ثم ظهر لهم بعد ذلك حقيقة الخبر فسكنوا واطمأنوا ( وفى صفر )
من هذه السنة كان بين أصحاب كيغلغ التركى وأصحاب أحمد بن عبدالعزيز بن أبى
دلف وقعة بناحية قرماسين فهزمهم كيغلغ وصار إلى همذان فوافاه أحمد بن
عبدالعزيز فيمن قد اجتمع من أصحابه في صفر فحاربه فانهزم كيغلغ وانحاز إلى
الصيمرة ( وفى هذه السنة ) لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر دخل أبوأحمد
وأصحابه طهيثا وأخرجوا منها سليمان بن جامع وقتل بها أحمد بن مهدى الجبائى
ذكر الخبر عن سبب دخول أبى أحمد وأصحابه طهيثا ومقتل الجبائى
ذكر محمد بن الحسن أن محمد بن حماد حدثه أن أبا أحمد لما أعطى أصحابه
ببردودا فأصلح ما أراد اصلاحه من عدة حرب من قصد لحربه في مخرجه سار
متوجها إلى طهيثا وذلك يوم الاحد لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة 267
وكان مسيره على الظهر في خيله وحدرت السفن بما فيها من الرجالة والسلاح والآلات
وحدرت المعابر والشذوات وا لسميريات إلى أن وافى بها النهر المعروف بمهروذ
بحضرة القرية ؟ ؟ المعروفة بقرية الجوزية فنزل أبوأحمد هناك وأمر بعقد الجسر على النهر
المعروف بمهروذ وأقام يومه وليلته ثم غدا فعبر الفرسان والاثقال بين يديه على الجسر
ثم عبر بعد ذلك وأمر القواد والناس بالمسير إلى طهيثا فصاروا إلى الموضع الذى
ارتضاه أبوأحمد لنفسه ؟ ؟ منزلا على ميلين من مدينة سليمان بن جامع فأقام هنا لك
بإزاء أصحاب الخائن يوم الاثنين والثلاثاء لثمان بقين من شهر ربيع الآخر ومطر
السماء مطرا جودا واشتد البرد أيام مقامه هنالك فشغل بالمطر والبرد عن الحرب
فلم يحارب هذه الايام وبقية الجمعة فلما كان عشية يوم الجمعة ركب أبوأحمد في
ـ 67 ـ
نفر من قواده ومواليه لارتياد موضع لمجال الخيل فانتهى إلى قريب من سور
سليمان بن جامع فتلقاه منهم جمع كثير وخرج عليه كمناء من مواضع شتى ونشبت
الحرب واشتدت فترجل جماعة من الفرسان ودافعوا حتى خرجوا عن المضايق
التى كانوا وغلوها وأسر من غلمان أبى أحمد وقواده غلام يقال له وصيف علمدار
وعدة من قواد زيرك ورمى أ بوالعباس أحمد بن مهدى الجبائى بسهم في إحدى
منخريه فخرق كل شئ وصل اليه حتى خالط دماغه فخر صريعا وحمل إلى عسكر
الخائن وهو لما به فعظمت المصيبة به عليه إذ كان أعظم أصحابه غنى عنه وأشدهم
بصيرة في طاعته فمكث الجبائى يعالج أياما ثم هلك فاشتد جزع الخائن عليه فصار
اليه فولى غسله وتكفينه والصلاة عليه والوقوف على قبره إلى أن دفن ثم أقبل
على أصحابه فوعظهم وذكر موت الجبائى وكانت وفاته في ليلة ذات رعود وبروق
وقال فيما ذكر علمت وقت قبض روحه قبل وصول الخبر اليه بما سمع من
زجل الملائكة بالدعاء له والترحم عليه قال محمد بن الحسن فانصرف إلى أبوواثلة
وكان فيمن شهده فجعل يعجبنى مما سمع وجاءنى محمد بن سمعان فأخبرنى بمثل
خبر محمد بن هشام وانصرف الخائن من دفن الجبائى منكسرا عليه الكآبة قال
محمد بن الحسن وحدثنى محمد بن حماد أن أبا أحمد انصرف من الوقعة التى كانت
عشية يوم الجمعة لاربع ليال بقين من شهر ربيع الآخر وكان خبره قد انتهى إلى
عسكره فنهض اليه عامة الجيش فتلقوه منصرفا فردهم إلى عسكره وذلك في وقت
المغرب فلما اجتمع أهل العسكر أمروا بالتحارس ليلتهم والتأهب للحرب فأصبحوا
يوم السبت لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر فعبأ أبوأحمد أصحابه وجعلهم كتائب
يتلو بعضها بعضا فرسانا ورجالة وأمر بالشذا وا لسميريات أن يسار بها معه في
النهر الذى يشق مدينة طهيثا المعروف بنهر النذر وسار نحو الزنج حتى انتهى إلى
سور المدينة فرتب قواد غلمانه في المواضع التى يخاف خروج الزنج عليه منها
وقدم الرجالة أمام الفرسان ووكل بالمواضع التى يخاف خروج الكمناء منها
ونزل فصلى أربع ركعات وابتهل إلى الله عزوجل في النصر له وللمسلمين ثم دعا
ـ 68 ـ
بسلاحه فلبسه وأمر ابنه أبا العباس بالتقدم إلى السور وتحضيض الغلمان على الحرب
ففعل ذلك وقد كان سليمان بن جامع أعد أمام سور مدينته التى سماها المنصورة
خندقا فلما انتهى اليه الغلمان تهيبوا عبوره وأحجموا عنه فحرضهم قوادهم
وترجلوا معهم فاقتحموه متجاسرين عليه فعبروه وانتهوا إلى الزنج وهم مشرفون
من سور مدينتهم فوضعوا السلاح فيهم وعبرت شرذمة من الفرسان الخندق
خوضا فلما رأى الزنج خبر هؤلاء القوم الذين لقوهم وكرهم عليهم ولوا منهزمين
واتبعهم أصحاب أبى أحمد ودخلوا المدينة من جوانبها وكان الزنج قد حصنوها
بخمسة خنادق وجعلوا أمام كل خندق منها سورا يمتنعون به فجعلوا يقفون عند
كل سور وخندق إذا انتهوا اليه وجعل أصحاب أبى أحمد يكشفونهم في كل
موقف وقفوه ودخلت الشذا وا لسميريات مدينتهم من النهر المشقق لها بعد
انهزامهم فجعلت تغرق كلما مرت لهم به من شذاة وسميرية واتبعوا من بحافتى
النهر يقتلون ويؤسرون حتى أجلوا عن المدينة وعما اتصل بها وكان زهاء ذلك
فرسخا فحوى أبوأحمد ذلك كله وأفلت سليمان بن جامع في نفر من أصحابه فاستحر
القتل فيهم والاسر واستنقذ أبوأحمد من نساء أهل واسط وصبيانهم ومما
اتصل بذلك من القرى ونواحى الكوفة زهاء عشرة آلاف فأمر أبوأحمد
بحياطتهم والانفاق عليهم وحملوا إلى واسط ودفعوا إلى أهليهم واحتوى أبوأحمد
وأصحابه على كل ما كان في تلك المدينة من الذخائر والاموال والاطعمة والمواشى
وكان ذلك شيئا جليل القدر فأمر أبوأحمد ببيع ما أصاب من الغلات وغير ذلك
وحمله إلى بيت ماله وصرفه في أعطيات من في عسكره من مواليه وجنوده فحملوا
من ذلك ماتهيأ لهم حمله وأسر من نساء سليمان وأولاده عدة واستنقذ يومئذ
وصيف علمدار ومن كان أسر معه عشية يوم الجمعة فأخرجوا من الحبس وكان
الامر أعجل الزنج عن قتلهم ولجأ جمع كثير ممن أفلت إلى الآجام المحيطة بالمدينة
فأمر أبوأحمد فعقد جسر على هذا النهر المعروف بالمنذر فعبر الناس إلى
غربيه وأقام أبوأحمد بطهيثا سبعة عشر يوما وأمر بهدم سور المدينة وطم خنادقها
ـ 69 ـ
ففعل ذلك وأمر بتتبع من لجأ إلى الآجام وجعل لكل من أتاه برجل منهم جعلا
فتسارع الناس إلى طلبهم فكان إذا أتى بالواحد منهم عفا عنه وخلع عليه وضمه
إلى قواد غلمانه لما دبر من استمالتهم وصرفهم عن طاعة صاحبهم وندب
أبوأحمد نصيرا في الشذا وا لسميريات لطلب سليمان بن جامع والهراب معه من
الزنج وغيرهم وأمره بالجد في اتباعهم حتى يجاوز البطائح وحتى يلج دجلة المعروفة
بالعوراء وتقدم في فتح الكور التى كان الفاسق أحدثها ليقطع بها الشذا عن دجلة
فيما بينه وبين النهر المعروف بأبى الخصيب وتقدم إلى زيرك في المقام بطهيثا
ليتراجع اليها الذين كان الفاسق أجلاهم عنها من أهلها وأمره بتتبع من بقى في الآجام
من الزنج حتى يظفر بهم ( وفى شهر ) ربيع الآخر منها ماتت أم حبيب بنت
الرشيد ورحل أبوأحمد بعد إحكامه ما أراد إحكامه إلى معسكره ببردودا مزمعا على
التوجه نحو الاهواز ليصلحها وقد كان اضطرب عليه أمر المهلبى وإيقاعه بمن أوقع
عليه من الجيوش التى كانت بها وغلبته على أكثر كورها وقد كان أ بوالعباس تقدمه
في مسيره ذلك فما وافى بردودا أقام أياما وأمر بإعداد ما يحتاج اليه للمسير على
الظهر إلى كور الاهواز وقدم من يصلح الطريق والمنازل ويعد فيها المير للجيوش
التى معه ووافاه قبل أن ترحل عن واسط زيرك منصرفا عن طهيثا بعد أن تراجع
إلى النواحى التى كان بها الزنج أهلها وخلفهم آمنين فأمره أبوأحمد بالاستعداد
والانحدار في الشذا وا لسميريات في نخبة أصحابه وانجادهم ليصير بهم إلى دجلة
العوراء فتجتمع يده ويد أبى حمزة على نفض دجلة واتباع المنهزمين من الزنج
والايقاع بكل من لقوا من أصحاب الفاسق إلى أن ينتهى بهم السير إلى مدينته بنهر
أبى الخصيب وإن رأوا موضع حرب حاربوه في مدينته وكتبوا بما كان منهم إلى
أبى أحمد ليرد عليهم من أمره ما يعملون بحسبه واستخلف أبواحمد على من خلف
في عسكره بواسط ابنه هارون وأزمع على الشخوص فيمن خف من رجاله
وأصحابه ففعل ذلك بعد أن تقدم إلى ابنه هارون في أن يحدر الجيش الذى خلفه
معه في السفن إلى مستقره بدجلة إذا وافى كتابه بذلك ( وفى يوم الجمعة ) لليلة
ـ 70 ـ
خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة وهى سنة 267 ارتحل أبواحمد من واسط
شاخصا إلى الاهواز وكورها فنزل باذبين ثم جوخى ثم الطيب ثم قرقوب ثم
درستان ثم على وادى السوس وقد كان عقد له عليه جسر فأقام به من أول النهار
إلى آخر وقت الظهر حتى عبر أهل عسكره أجمع سار حتى وافى السوس فنزلها
وقد كان أمر مسرورا وهو عامله على الاهواز بالقدوم عليه فوافاه في جيشه وقواده
من غد اليوم الذى نزل فيه السوس فخلع عليه وعليهم وأقام السوس ثلاثا وكان
ممن أسر بطهيثا من أصحاب الفاسق أحمد بن موسى بن سعيد البصرى المعروف
بالقلوص وكان أحد عدده وقدماء أصحابه أسر بعد أن أثخن جراحا كانت منها
منيته فلما هلك أمر أبواحمد باحتزاز رأسه ونصبه على جسر واسط وكان ممن أسر
يومئذ عبدالله بن محمد بن هشام الكرمانى وكان الخبيث اغتصبه أباه فوجهه إلى
طهيثا وولاه القضاء والصلاة بها وأسر من السودان جماعة كان يعتمد عليهم أهل
نجدة وبأس وجلد فلما اتصل به الخبر بما نال هؤلاء انتقض عليه تدبيره وضلت
حيله فحمله فرط الهلع على أن كتب إلى المهلبى وهو يومئذ مقيم بالاهواز في زهاء
ثلاثين ألفا مع رجل كان صحبه يأمره بترك كل ما قبله من المير والاثاث والاقبال
اليه فوصل الكتاب إلى المهليى ؟ ؟ وقد أتاه الخبر باقبال أبى أحمد إلى الاهواز وكورها
فهو لذلك طائر العقل فترك جميع ما كان قبله واستخلف عليه محمد بن يحيى بن سعيد
الكرنبائى فدخل قلب الكرنبائى من الوجل فأخلى ما استخلف عليه وتبع المهلبى وبجبى
والاهواز ونواحيها يومئذ من أصناف الحبوب والتمر والمواشى شئ عظيم فخرجوا عن
ذلك كله وكتب أيضا الفاسق إلى بهبوذ بن ع بدالوهاب واليه يومئذ عمل الفندم والباسيان
وما اتصل بهما من القرى التى بين الاهواز وفارس وهو مقيم بالفندم يأمره بالقدوم عليه
فترك بهبوذ ما كان قبله من الطعام والتمر وكان ذلك شيئا عظيما فحوى جميع ذلك
أبوأحمد فكان ذلك قوة له على الفاسق وضعفا للفاسق ولما فصل المهلبى عن
الاهواز تفرق أصحابه في القرى التى بينها وبين عسكر الخبيث فانتهبوها وأجلوا
عنها أهلها وكانوا في سلمهم وتخلف خلق كثير ممن كان مع المهلبى من الفرسان
ـ 71 ـ
والرجالة عن اللحاق به فأقاموا بنواحى الاهواز وكتبوا يسألون أبا أحمد الامان
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 71 سطر 1 الى ص 80 سطر 25
والرجالة عن اللحاق به فأقاموا بنواحى الاهواز وكتبوا يسألون أبا أحمد الامان
لما انتهى اليهم من عفوه عمن ظفر به من أصحاب الخبيث بطهيثا ولحق المهلبى
ومن اتبعه من أصحابه بنهر أبى الخصيب وكان الذى دعا الفاسق إلى أمر المهلبى
وبهبوذ بسرعة المصير اليه خوفه موافاة أبى أحمد وأصحابه إياه على الحال التى كانوا
عليها من الوجل وشدة الرعب مع انقطاع المهلبى وبهبوذ فيمن كان معهما عنه
ولم يكن الامر كما قدر وأقام أبوأحمد حتى أحرز ما كان المهلبى وبهبوذ خلفاه
وفتحت السكور التى كان الخبيث أحدثها في دجلة وأصلحت له طرقه ومسالكه
ورحل أبوأحمد عن السوس إلى جنديسابور فأقام بها ثلاثا وقد كانت الاعلاف
ضاقت على أهل العسكر فوجه في طلبها وحملها ورحل عن جنديسابور إلى
تستر وأمر بجباية الاموال من كور الاهواز وأنفذ إلى كل كورة قائدا ليروج
بذلك حمل الاموال ووجه أحمد بن أبى الاصبغ إلى محمد بن عبيدالله الكردى
وقد كان خائفا أن يأتيه صاحب الفاسق قبل موافاة أبى أحمد كور الاهواز وأمره
بإيناسه وإعلامه ما عليه رأيه من العفو عنه والتغمد لزلته وأن يتقدم اليه في تعجيل
حمل الاموال والمسير إلى سوق الاهواز وأمر مسرورا البلخى عامله بالاهواز
بإحضار من معه من الموالى والغلمان والجند ليعرضهم ويأمر بإعطائهم الارزاق
وينهضهم معه لحرب الخبيث فأحضرهم وعرضوا رجلا رجلا وأعطوا ثم رحل
إلى عسكر مكرم فجعله منزلا اجتازه ورحل منه فوافى الاهواز وهو يرى أنه قد
تقدمه اليها من الميرة ما يحمل عساكره فغلظ الامر في ذلك اليوم واضطرب له
الناس اضطرابا شديدا وأقام ثلاثة أيام ينتظر ورود المير فلم ترد فساءت أحوال
الناس وكان ذلك يفرق جماعتهم فبحث أبوأحمد عن السبب المؤخر ورودها
فوجد الجند قد كانوا قطعوا قنطرة قديمة أعجمية كانت بين سوق الاهواز ورام هرمز
يقال لها قنطرة أربك فامتنع التجار ومن يحمل الميرة من تطرقه لقطع تلك
القنطرة فركب أبوأحمد اليها وهى على فرسخين من سوق الاهواز فجمع من كان
بقى في العسكر من السودان وأمرهم بنقل الحجارة والصخر لاصلاح هذه القنطرة
ـ 72 ـ
وبذل لهم الاموال الرغيبة فلم يرم حتى أصلحت في يومه ذلك وردت إلى ما كانت
عليه فسلكها الناس ووافت القوافل بالمير فحيى أهل العسكر وحسنت أحوالهم
وأمر أبوأحمد بجمع السفن لعقد الجسر على دجيل فجمعت من كور الاهواز
وأخذ في عقد الجسر وأقام بالاهواز أياما حتى أصلح أصحابه أمورهم وما احتاجوا
من آلاتهم وحسنت أحوال دوابهم وذهب عنها ما كان نالها من الضر بتخلف
الاعلاف ووافت كتب القوم الذين كانوا تخلفوا عن المهلبى وأقاموا بسوق
الاهواز يسألونه الامان فآمنهم فأتاه نحو من ألف رجل فأحسن اليهم
وضمهم إلى قواد غلمانه وأجرى لهم الارزاق وعقد الجسر على دجيل فرحل بعد
أن قدم جيوشه فعبر الجسر وعسكر بالجانب الغربى من دجيل في الموضع
المعروف بقصر المأمون فأقام هنالك ثلاثا واصابت الناس في هذا الموضع من
الليل زلزلة هائلة وقى الله شرها وصرف مكروهها وقد كان أبوأحمد قبل عبور
الجسر المعقود على دجيل قدم أ باالعباس ابنه إلى الموضع الذى كان عزم على نزوله
من دجلة العوراء وهو الموضع المعروف بنهر المبارك من فرات البصرة وكتب
إلى ابنه هارون بالانحدار في جميع الجيش المتخلف معه إلى نهر المبارك أيضا
لتجتمع العساكر هناك فرحل أبوأحمد عن قصر المأمون فنزل بقورج العباس
ووافاه أحمد بن أبى الاصبغ هنالك بما صالح عليه محمد بن عبيدالله وبهدايا أهداها
اليه من دواب وضوار وغير ذلك ثم رحل عن القورج فنزل بالجعفرية ولم يكن
بهذه القرية ماء إلا من آبار كان أبوأحمد تقدم بحفرها في عسكره وأنفذ لذلك
سعدا الاسود مولى عبيدالله بن محمد بن عمار من قورج العباس فحفرت فأقام
بهذا الموضع يوما وليلة وألفى هناك ميرا مجموعة واتسع الناس بها وتزودوا منها
ثم رحل إلى الموضع المعروف بالبشير وألفى فيه غديرا من المطر فأقام به يوما
وليلة ورحل في آخر الليل يريد نهر المبارك فوافاه بعد صلاة الظهر وكان منزلا
بعيد المسافة وتلقاه ابناه أ بوالعباس وهارون في طريقه فسلما عليه وسارا بسيره
حتى ورد نهر المبارك وذلك يوم السبت للنصف من رجب سنة 267 وكان لزيرك
ـ 73 ـ
ونصير في الذى كان أبوأحمد وجه فيه زيرك من تتبع فل الخبيث من طهيثا أثر فيما بين فصول أبى أحمد من واسط إلى حال مصيره إلى نهر المبارك وذلك ما ذكره
محمد بن الحسن عن محمد بن حماد قال لما اجتمع زيرك ونصير بدجلة العوراء
انحدرا حتى وافيا الابلة فاستأمن إليهما رجل من أصحاب الخبيث فأعلمهما أن
الخبيث قد أنفذ عددا كثيرا من ا لسميريات والزواريق والصلاغ مشحونة
بالزنج يرأسهم برجل من أصحابه يقال له محمد بن إبراهيم يكنى أبا عيسى ومحمد بن
ابراهيم هذا رجل من أهل البصرة كان جاء به رجل من الزنج عند خراب البصرة
يقال له يسار كان على شرطة الفاسق فكان يكتب ليسار على ما كان يلى حتى
مات وارتفعت حال أحمد بن مهدى الجبائى غند الخبيث فولاه أكثر أعماله وضم
محمد بن ابراهيم هذا اليه فكان كاتبه إلى أن هلك الجبائى فطمع محمد بن ابراهيم
هذا في مرتبته وأن يحله الخبيث محل الجبائى فنبذ الدواة والقلم ولبس آلة
الحرب وتجرد للقتال فأنهضه الخبيث في هذا الجيش وأمره بالاعتراض في دجلة
لمدافعة من يردها من الجيوش فكان في دجلة أحيانا وأحيانا يأتى بالجمع الذى
معه إلى النهر المعروف بنهر يزيد ومعه في ذلك الجيش شبل بن سالم وعمرو
المعروف بغلام بوذى وأجلاد من السودان وغيرهم فاستأمن رجل كان في ذلك
الجيش إلى زيرك ونصير وأخبرهما خبره وأعلمهما أن محمد بن إبراهيم على القصد
لسواد عسكر نصير ونصير يومئذ معسكر بنهر المرأة وأنهم على أن يسلكوا الانهار
المعترضة على نهر معقل وبثق شيرين حتى يوافوا الموصع المعروف بالشرطة
ليخرجوا من وراء العسكر فيكبوا على طرفيه فرجع نصير عند وصول هذا الخبر
إليه من الابلة مبادرا إلى معسكره وسارزيرك قاصدا لبثق شيرين حتى صار من
مؤخره في موضع يعرف بالميشان وذلك أنه قدر أن محمد بن إبراهيم ومن معه
يأتون عسكر نصير من ذلك الطريق فكان ذلك كما ظن ولقيهم في طريقهم فوهب
الله له العلو عليهم بعد صبر منهم له ومجاهدة شديدة فانهزموا ولجأوا إلى النهر الذى
كانوا وضعوا الكمين فيه وهو نهر يزيد فدل زيرك عليهم فتوغلت عليهم سميرياته
ـ 74 ـ
وشذواته فقتل منهم طائفة وأسر طائفة وكان ممن ظفر به منهم محمد بن إبراهيم
المكنى أبا عيسى وعمرو المعروف بغلام بوذى وأخذ ما كان معهم من ا لسميريات
وذلك نحو من ثلاثين سميرية وأفلت شبل في الذين نجوا فلحق بعسكر الخبيث
وخرج زيرك من بثق شيرين ظافرا ومعه الاسارى ورؤوس من قتل مع ماحوى
من ا لسميريات والزواريق وسائر السفن فانصرف زيرك من دجلة العوراء إلى
واسط وكتب إلى أبى أحمد بما كان من حربه والنصر والفتح وكان فيما كان من
زيرك في ذلك وصول الجزع إلى كل من كان بدجلة وكورها من أتباع الفاسق فاستأمن
إلى أبى حمزة وهو مقيم بنهر المرأة منهم زهاء ألفى رجل فيما قيل فكتب بخبرهم
إلى أبى أحمد فأمره بقبولهم وإقرارهم على الامان وإجراء الارزاق عليهم وخلطهم
بأصحابه ومناهضته العدو بهم وكان زيرك مقيما بواسط إلى حين ورود كتاب
أبى أحمد على ابنه هارون بالمصير بالجيش المتخلف معه إلى نهر المبارك فانحدر
زيرك مع هارون وكتب أبوأحمد إلى نصير وهو بنهر المرأة يأمره بالاقبال إليه
إلى نهر المبارك فوافاه هنالك وكان أ بوالعباس عند مصيره إلى نهر المبارك انحدر
إلى عسكر الفاسق في الشذا وا لسميريات فأوقع به في مدينته بنهر أبى الخصيب
وكانت الحرب بينه وبينهم من أول النهار إلى آخر وقت الظهر واستأمن اليه قائد
من قواد الخبيث المضمومين كانوا إلى سليمان بن جامع يقال له منتاب ومعه
جماعة من أصحابه فكان ذلك مما كسر الخبيث وأصحابه وانصرف أ بوالعباس بالظفر
وخلع على منتاب ووصله وحمله ولما لقى أ بوالعباس أباه أعلمه خبر منتاب وذكر له
خروجه إليه بالامان فأمر أبوأحمد لمنتاب بخلعة وصلة وحملان وكان منتاب أول من
استأمن من قواد الزنج ( ولما نزل ) أبوأحمد نهر المبارك يوم السبت للنصف من
رجب سنة 267 كان أول ما عمل به في أمر الخبيث فيما ذكر محمد بن الحسن بن
سهل عن محمد بن حماد بن اسحاق بن حماد بن زيد أن كتب اليه كتابا يدعوه فيه إلى
التوبة والانابة إلى الله تعالى مما ركب من سفك الدماء وانتهاك المحارم وإخراب
ـ 75 ـ
البلدان والامصار واستحلال الفروج والاموال وانتحال ما لم يجعله الله له أهلا
من النبوة والرسالة ويعلمه أن التوبة له مبسوطة والامان له موجود فان هو نزع
عما هو عليه من الامور التى يسخطها الله ودخل في جماعة المسملين محا ذلك ما سلف
من عظيم جرائمه وكان له به الحظ الجزيل في دنياه وأنفذ ذلك مع رسوله إلى
الخبيث والتمس الرسول إيصاله فامتنع أصحاب الخبيث من إيصال الكتاب فألقاه
الرسول إليهم فأخذوه وأتوا به إلى الخبيث فقرأه فلم يزده ما كان فيه من الوعظ
إلا نفورا وإصرارا ولم يجب عن الكتاب بشئ وأقام على اغتراره ورجع الرسول
إلى أبى أحمد فأخبره بما فعل وترك الخبيث الاجابة عن الكتاب وأقام أبوأحمد
يوم السبت والاحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء متشاغلا بعرض الشذا
وا لسميريات وترتيب قواده ومواليه وغلمانه فيها وتخير الرماة وترتيبهم في الشذا
وا لسميريات فلما كان يوم الخميس سار أبوأحمد في أصحابه ومعه ابنه أ بوالعباس
إلى مدينة الخبيث التى سماها المختارة من نهر أبى الخصيب فأشرف عليها وتأملها
فرأى من منعتها وحصانتها بالصور والخنادق المحيطة بها وما عور من الطرق
المؤدية إليها وأعد من المجانيق و العرادات والقسى الناوكية وسائر الآلات على
سورها ما لم ير مثله ممن تقدم من منازعى السلطان ورأى من كثرة عدد مقاتلتهم
واجتماعهم ما استغلظ أمره فلما عاين أصحابه أبا أحمد ارتفعت أصواتهم بما ارتجت
له الارض فأمر أبوأحمد عند ذلك ابنه أ باالعباس بالتقدم إلى سور المدينة
ورشق من عليه بالسهام ففعل ذلك ودنا حتى ألصق شذواته بمسناة قصر الخائن
وانحازت الفسقة إلى الموضع الذى دنت منه الشذا وتحاشدوا وتتابعت سهامهم
وحجارة مجانيقهم وعراداتهم ومقاليعهم ورمى عوامهم بالحجارة عن أيديهم حتى
ما يقع طرف ناظر من الشذا على موضع إلا رأى فيه سهما أو حجرا وثبت
أ بوالعباس فرأى الخائن وأشياعه من جدهم واجتهادهم وصبرهم مالا عهد لهم
بمثله من أحد حاربهم فأمر أبوأحمد أ باالعباس ومن معه بالرجوع إلى مواقفهم
ليروحوا عن أنفسهم ويداووا جراحهم ففعلوا ذلك واستأمن إلى أبى أحمد في
ـ 76 ـ
تلك الحال مقاتلان من مقاتلة ا لسميريات فاتوه ب سميريتهما وما فيها من الآلات
والملاحين فأمر للمقاتلين بخلع ديباج ومناطق محلاة ووصلهما وأمر للملاحين
بخلع من خلع الحرير الاحمر والثياب البيض بما حسن موقعه منهم وعمهم جميعا
بصلاته وأمر بإدنائهم من الموضع الذى يراهم فيه نظراؤهم فكان ذلك من أبخع
المكايد التى كيد بها الفاسق فلما رأى الباقون ما صار اليه أصحابهم من العفو عنهم
والاحسان اليهم رغبوا في الامان وتنافسوا فيه فابتدروه مسرعين نحوه راغبين فيما
شرع لهم منه فصار إلى أبى أحمد في ذلك اليوم عدد من أصحاب ا لسميريات فأمر فيهم
بمثل ما أمر به في أصحابهم فلما رأى الخبيث ركون أصحاب ا لسميريات إلى الامان
واغتنامهم له أمر برد من كان منهم في دجلة إلى نهر أبى الخصيب ووكل بفوهة
النهر من يمنعهم من الخروج وأمر بإظهار شذواته وندب لهم بهبوذ بن ع بدالوهاب
وهو من أشد حماته بأسا وأكثرهم عددا وعدة فانتدب بهبوذ لذلك في أصحابه وكان
ذلك في وقت إقبال المد وقوته وقد تفرقت شذوات أبى أحمد ولحق أبوحمزة
فيما معه منها بشرقى دجلة فأقام هنالك وهو يرى أن الحرب قد انقضت واستغنى
عنه لما ظهر بهبوذ فيما معه من الشذوات أمر أبوأحمد بتقديم شذواته وأمر
أ باالعباس بالحمل على بهبوذ بما معه من الشذا وتقدم إلى قواده وغلمانه بالحمل
معه وكان الذى صلى بالحرب من للشذوات التى مع أبى العباس وزيرك من
الشذوات التى رتب فيها قواد الغلمان اثنتى عشرة شذاة فنشبت الحرب وطمع
أصحاب الفاسق في أبى العباس وأصحابه لقلة عدد شذواتهم فلما صدقوا انهزموا
ووجه أ بوالعباس ومن معه في طلب بهبوذ فألجأوه إلى فناء قصر الخبيث وإصابته
طعنتان وجرح بالسهام جراحات وأوهنت أعضاؤه بالحجارة وخلى ما كان عليه
مع أصاحبه فأولجوه نهر أبى الخصيب وقد أشفى على الموت وقتل يومئذ ممن كان
مع بهبوذ قائد من قواده ذو بأس ونجدة وتقدم في الحرب يقال له عميرة وظفر
أصحاب أبى العباس بشذاة من شذوات بهبوذ فقتل أهلها وغرقوا وأخذت
الشذاة وصار أ بوالعباس ومن معه بشذواتهم بعد أن أتاهم أمر أبى أحمد بذلك
ـ 77 ـ
وبإلحاق الشذا بشرقى دجلة وصرف الجيش فلما رأى الفاسق جيش أبى أحمد منصرفا
أمر من كان انهزم في شذواته إلى نهر أبى الخصيب بالظهور ليسكن بذلك روعة
أصحابه وليكون صرفه إياهم إذا صرفهم عن غير هزيمة فأمر أبوأحمد جماعة من
غلمانه بأن يثبتوا صدور شذواتهم اليهم ويقصدوهم فلما رأوا ذلك ولوا منهزمين
مذعورين وتأخرت عنهم شذاة من شذواتهم فاستأمن أهلها إلى أبى أحمد
ونكسوا علما أبيض كان معهم فصاروا اليه في شذاتهم فأومنوا وحبوا
ووصلوا وكسوا فأمر الفاسق عند ذلك برد شذواتهم إلى النهر ومنعها من
الخروج وكان ذلك في آخر النهار وأمر أبوأحمد أصحابه بالرجوع إلى معسكرهم
بنهر المبارك واستأمن إلى أبى أحمد في هذا اليوم عند منصرفه خلق كثير من
الزنج وغيرهم فقبلهم وحملهم في الشذاو ا لسميريات وأمر أن يخلع عليهم ويوصلوا
ويحبوا ويكتب أسماؤهم في المضمومين إلى أبى العباس وسار أبوأحمد فوافى
عسكره بعد العشاء الاخيرة فأقام به يوم الجمعة والسبت والاحد ثم عزم على
نقل عسكره إلى حيث يقرب منه عليه القصد لحرب الخبيث فركب الشذا في يوم
الاثنين لست ليال بقين من رجب سنة 267 ومعه أ بوالعباس والقواد من
مواليه وغلمانه فيهم زيرك ونصير حتى وافى النهر المعروف بنهر جطى في شرقى
دجلة وهو حيال النهر المعروف باليهودى فوقف عليه وقدر فيه ما أراد
وانصرف وخلف به أ باالعباس وزيرك ونصيرا وعاد إلى معسكره فأمر فنودى
في الناس بالرحيل إلى الموضع الذى اختار من نهر جطى وتقدم في قود الدواب
بعد أن أصلحت لها الطرق وعقدت القناطر على الانهار وغدا في يوم الثلاثاء
لخمس بقين من رجب في جميع عساكره حتى نزل نهر جطى فأقام به إلى يوم
السبت لاربع عشرة ليلة خلت من شعبان سنة 267 ولم يحارب في شئ من
هذه الايام وركب في هذا اليوم في الخيل والرجالة ومعه جميع الفرسان وجعل
الرجالة والمطوعة في السفن وا لسميريات على كل رجل منهم لامته وزيه وسار
حتى وافى الفرات ووازى عسكر الفاسق وأبوأحمد يومئذ من أصحابه وأتباعه
ـ 78 ـ
في زهاء خمسين ألف رجل أو يزيدون والفاسق يومئذ في زهاء ثلثمائة ألف
انسان كلهم يقاتل أو يدافع فمن ضارب بسيف وطاعن برمح ورام بقوس
وقاذف بمقلاع ورام بعرادة أو منجنيق وأضعفهم أمر الرماة بالحجارة عن
أيديهم وهم النظارة المكثرون السواد والمعتنون بالنعير والصياح والنساء
يشركهم في ذلك فأقام أبوأحمد في هذا اليوم بازاء عسكر الفاسق إلى أن
أضحى وأمر فنودى ان الامان مبسوط للناس أسودهم وأحمرهم الا الخبيث
وأمر بسهام فعلقت فيها رقاع مكتوب فيها من الامان مثل الذى نودى به ووعد
الناس فيها الاحسان ورمى بها إلى عسكر الخبيث فمالت اليه قلوب أصحاب
المارق بالرهبة والطمع فيما وعدهم من احسانه وعفوه فأتاه في ذلك اليوم جمع
كثير يحملهم الشذا اليه فوصلهم وحباهم ثم انصرف إلى معسكره بنهر جطى
ولم يكن في هذا اليوم حرب وقدم عليه قائدان من مواليه أحدهما بكتمر
والآخر جعفر بن يعلا عز في جمع من أصحابهما فكان ورودهما زائدا في قوة
من مع أبى أحمد ورحل أبوأحمد عن نهر جطى إلى معسكر قد كان تقدم في
اصلاحه وعقد القناطر على أنهاره وقطع النهر ليوسعه بفرات البصرة بازاء
مدينة الفاسق فكان نزوله هذا المعسكر في يوم الاحد للنصف من شعبان سنة
267 وأوطن هذا المعسكر وأقام به ورتب قواده ورؤساء أصحابه مراتبهم
فيه فجعل نصيرا صاحب الشذا وا لسميريات في جيشه في أول العسكر آخره
بالموضع الموازى النهر المعروف بجوى كور وجعل زيرك التركى صاحب
مقدمة أبى العباس في أصحابه موازيا ما بين نهر أبى الخصيب وهو النهر
الموسوم بنهر الاتراك والنهر المعروف بالمغيرة ثم تلاه يعلى بن جهستار
حاجبه في جيشه وكانت مضارب أبى أحمد وابنيه حيال الموضع المعروف بدير
جابيل وأنزل راشدا مولاه في مواليه وغلمانه الاتراك والخزر والروم والديالمة
والطبرية والمغاربة والزنج على النهر المعروف بهطمة وجعل صاعد بن مخلد
وزيره في جيشه من الموالى والغلمان فويق عسكر راشد وأنزل مسرورا
ـ 79 ـ
البلخى في جيشه على النهر المعروف بسندادان وأنزل الفضل ومحمدا ابنى موسى
ابن بغا في جيشهما على النهر المعروف بهالة وتلاهما موسى دالجويه في جيشه
وأصحابه وجعل بغراج التركى على ساقته نازلا على نهر جطى وأوطنوه وأقاموا به ورأى
أبوأحمد من حال الخبيث وحصانة موضعه وكثرة جمعه ما علم أنه لا بد له من الصبر
عليه ومحاصرته وتفريق أصحابه عنه ببذل الامان لهم والاحسان إلى من أناب منهم
والغلظة على من أقام على غيه منهم واحتاج إلى الاستكثار من الشذا وما يحارب
به في الماء فأمر بإنفاذ الرسل في حمل المير في البر والبحر وإدرارها إلى معسكره
بالمدينة التى سماها الموفقية وكتب إلى عماله في النواحى في حمل الاموال إلى بيت
ماله في هذه المدينة وأنفذ رسولا إلى سيراف وجنابا في بناء الشذا والاستكثار منها
لما احتاج إليه من ترتيبها في المواضع التى يقطع بها المير عن الخائن وأشياعه
وأمر بالكتاب إلى عماله في النواحى بإنفاذ كل من يصلح للاثبات في الديوان
ويرغب في ذلك وأقام ينتظر ذلك شهرا أو نحوه فوردت المير متتابعة يتلو بعضها
بعضا وجهز التجار صنوف التجارات والامتعة وحملوها إلى المدينة الموفقية
واتخذت بها الاسواق وكثر بها التجار و المتجهزون من كل بلد ووردتها مراكب
البحر وقد كانت انقطعت لقطع الفاسق وأصحابه سبلها قبل ذلك بأكثر من عشر
سنين وبنى أبوأحمد مسجد الجامع وأمر الناس بالصلاة فيه واتخذ دور الضرب
فضرب فيها الدنانير والدراهم فجمعت مدينة أبى أحمد جميع المرافق وسيق إليها
صنوب المنافع حتى كان ساكنوها لايفقدون بها شيئا مما يوجد في الامصار
العظيمة القديمة وحملت الاموال وأدر للناس العطاء في أوقاته فاتسعوا وحسنت
أحوالهم ورغب الناس جميعا في المصير إلى المدينة الموفقية والمقام فيها وكان
الخبيث بعد ليلتين من نزول أبى أحمد مدينته الموفقية أمر بهبوذ بن ع بدالوهاب فعبر
والناس غارون في سميريات إلى طرف عسكر أبى حمزة فأوقع به وقتل جماعة من
أصحابه وأسر جماعة وأحرق كوخات كانت لهم قبل أن يبنى الناس هنالك فأمر
أبوأحمد نصيرا عند ذلك بجمع أصحابه وألا يطلق لاحد مفارقة عسكره وأن
ـ 80 ـ
يحرس أقطار عسكره بالشذا وا لسميريات والزواريق فيها الرجالة إلى آخر ميان
روذان والقندل وابرسان للايقاع بمن هنالك من أصحاب الفاسق وكان بميان روذان
من قواده أيضا إبراهيم بن جعفر الهمدانى في أربعة آلاف من الزنج ومحمد بن
أبان المعروف بأبى الحسن أخو على بن أبان بالقندل في ثلاثة آلاف والمعروف
بالدور في ابرسان في ألف وخمسمائة من الزنج والجبائين فبدأ أ بوالعباس بالهمدانى
أوقع به وجرت بينهما حروب قتل فيها خلق كثير من أصحاب الهمدانى وأسر
منهم جماعة وأفلت الهمدانى في سميرية قد كان أعدها لنفسه فلحق فيها بأخى
المهلبى المكنى بأبى الحسن واحتوى أصحاب أبى العباس على ما كان في أيدى الزنج
وحملوه إلى عسكرهم وقد كان أبوأحمد تقدم إلى ابنه أبى العباس في بذل الامان
لمن رغب فيه وأن يضمن لمن صار إليه الاحسان فصار اليه طائفة منهم في الامان
فآمنهم فصار بهم إلى أبيه فأمر لكل واحد منهم من الخلع والصلات على أقدارهم
في أنفسهم وأن يوقفوا بإزاء نهر أبى الخصيب ليعاينهم أصحابهم وأقام أبوأحمد
يكايد الخائن ببذل الامان لمن صار اليه من الزنج وغيرهم ومحاصرة الباقين
والتضييق عليهم وقطع المير والمنافع عنهم وكانت ميرة الاهواز وما يرد من
صنوف التجارات منها ومن كورها ونواحى أعمالها يسلك به النهر المعروف ببيان
فسرى بهبوذ في جلد رجاله ليلة من الليالى وقد نمى اليه خبر قيروان ورد بصنوف
من التجارات والمير وكمن في النخل فلما ورد القيروان خرج إلى أهله وهم
غارون فقتل منهم وأسر وأخذ ما أحب أن يأخذ من الاموال وقد كان أبوأحمد
أنفذ لبذرقة ذلك القيروان رجلا من أصحابه في جمع فلم يكن للموجه لذلك ببهبوذ
طاقة لكثرة عدد من معه وضيق الموضع على الفرسان وانه لم يكن بهم فيه غناء
فلما انتهى ذلك إلى أبى أحمد غلظ عليه ما نال الناس في أموالهم وأنفسهم وتجارتهم
وأمر بتعويضهم وأخلف عليهم مثل الذى ذهب لهم ورتب الشذا على فوهة بيان
وغيره من الانهار التى لايتهيأ للفرسان سلوكها في بنائها والاقبال بها اليه فورد
عليه منها عدد صالح فرتب فيها الرجال وقلد أمرها أ باالعباس ابنه وأمره أن
ـ 81 ـ
يوكل بكل موضع يرد إلى الفسقة منه ميرة فانحدر أ بوالعباس لذلك إلى فوهة
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 81 سطر 1 الى ص 90 سطر 25
يوكل بكل موضع يرد إلى الفسقة منه ميرة فانحدر أ بوالعباس لذلك إلى فوهة
البحر في الشذوات ورتب في جميع تلك المسالك القواد وأحكم الامر فيه غاية
الاحكام ( وفى شهر رمضان ) منها كانت وقعة بين اسحق بن كنداج واسحاق بن أيوب
وعيسى بن الشيخ وأبى المغراء وحمدان الشارى ومن تأشب اليهم من قبائل ربيعة وتغلب
وبكر واليمن فهزمهم ابن كنداج إلى نصيبين وتبعهم إلى قريب من آمد واحتوى على
أموالهم ونزلوا آمد فكانت بينه وبينهم وقعات ( وفى شهر رمضان ) منها قتل صندل
الزنجى وكان سبب قتله أن أصحاب الخبيث عبروا لليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه
السنة فيما ذكر أعنى سنة 267 يريدون الايقاع بعسكر نصير وعسكر زيرك فنذر
بهم الناس فخرجوا اليهم فردوهم خائبين وظفروا بصندل هذا وكان فيما ذكروا
يكشف وجوه الحرائر المسلمات ورؤسهن ويقلبهن تقليب الاماء فان امتنعت
منهن امرأة ضرب وجهها ودفعها إلى بعض علوج الزنج يبيعها بأوكس الثمن
فلما أتى به أبوأحمد أمر به فشد بين يديه ثم رمى بالسهام ثم أمر به فقتل ( وفى
شهر رمضان ) من هذه السنة استأمن إلى أبى أحمد خلق كثير من عند الزنج
ذكر سبب ذلك
وكان السبب في ذلك أنه كان فيما ذكر استأمن إلى أبى أحمد رجل من
مذكورى أصحاب الخبيث ورؤسائهم وشجعانهم يقال له مهذب فحمل في
الشذا إلى أبى أحمد فأتى به في وقت افطاره فأعلمه أنه جاء متنصحا راغبا في
الامان وأن الزنج على العبور في ساعتهم تلك إلى عسكره للبيات وأن الذين
ندب الفاسق لذلك أنجادهم وأبطالهم فأمر أبوأحمد بتوجيه من يحاربهم اليهم ومن
يمنعهم من العبور وأن يعارضوا بالشذا فلما علم الزنج أن قد نذربهم انصرفوا منهزمين
فكثر المستأمنة من الزنج وغيرهم وتتابعوا فبلغ عدد من وافى عسكر أبى أحمد منهم
إلى آخر شهر رمضان سنة 267 خمسة آلاف رجل من بين ابيض وأسود ( وفى
شوال ) من هذه السنة ورد الخبر بدخول الخجستانى نيسابور وانهزام عمرو بن
الليث وأصحابه فأساء السيرة في أهلها وهدم دور آل معاذ بن مسلم وضرب من
ـ 82 ـ
قدر عليه منهم واقتطع ضياعهم وترك ذكر محمد بن طاهر ودعا له على منابر ما غلب
عليه من مدن خراسان وللمعتمد وترك الدعاء لغيرهما ( وفى شوال ) من هذه
السنة كانت لابى العباس وقعة بالزنج قتل فيها منهم جمع كثير
ذكر سبب ذلك
وكان السبب في ذلك فيما بلغنى أن الفاسق انتخب من كل قيادة من أصحابه
أهل الجلد والبأس منهم وأمر المهلبى بالعبور بهم ليبين عسكر أبى أحمد ففعل ذلك
وكانت عدة من عبر من الزنج وغيرهم زهاء خمسة آلاف رجل أكثرهم من الزنج
وفيهم نحو من مائتى قائد فعبروا إلى شرقى دجلة وعزموا على ان يصير القواد منهم
إلى آخر النخل مما يلى السبخة فيكونوا في ظهر عسكر أبى أحمد ويعبر جماعة
كثيرة منهم في الشذا وا لسميريات والمغابر قبالة عسكر أبى أحمد فاذا نشبت الحرب
بينهم انكب من كان عبر من قواد الخبيث فصار إلى السبخة على عسكر أبى أحمد
الموفق وهم غارون مشاغيل بحرب من بإزائهم وقدر ان يتهيأ له في ذلك ما أحبه
فأقام الجيش في الفرات ليلتهم ليغادوا الايقاع بالعسكر فاستأمن إلى أبى أحمد
غلام كان معهم من الملاحين فأنهى اليه خبرهم وما اجتمعت عليه آراؤهم فأمر
ابواحمد أ باالعباس والقواد والغلمان بالنهوض اليهم وقصد الناحية التى فيها
أصحاب الخبيث وأنفذ جماعة من قواد غلمانه في الخيل إلى السبخة التى في مؤخر
النخل بالفرات لتقطعهم عن الخروج اليها وأمر أصحاب الشذا وا لسميريات
فاعترضوا في دجلة وأمر الرجالة بالزحف اليهم من النخل فلما رأى الفجار ما أتاهم
من التدبير الذى لم يحتسبوه كروا راجعين في الطريق الذى أقبلوا منه طالبين
التخلص فكان قصدهم لجويث بارويه وانتهى خبر رجوعهم إلى الموفق فأمر
أ باالعباس وزيرك بالانحدار في الشذوات يسبقونهم إلى النهر ليمنعوهم من عبوره
وأمر غلاما من غلمانه يقال له ثابت له قيادة على جمع كثير من غلمانه السودان
أن يحمل أصحابه في المعابر والزواريق وينحدر معهم إلى الموضع الذى فيه أعداء
الله للايقاع بهم حيث كانوا فأدركهم ثابت في أصحابه بجويث بارويه فخرج اليهم
ـ 83 ـ
فحاربهم محاربة طويلة وثبتوا له واستقبلوا جمعه وهو من أصحابه في زهاء خمسمائة
رجل لانهم لم يكونوا تكاملوا وطمعوا فيه ثم صدقهم وأكب عليهم فمنحه الله
أكتافهم فمن مقتول وأسير وغريق وملجج في الماء بقدر اقتداره على السباحة
التقطته الشذا وا لسميريات في دجلة والنهر فلم يفلت من ذلك الجيش الا أقله
وانصرف أ بوالعباس بالفتح ومعه ثابت وقد علقت الرؤوس في الشذوات
وصلب الاسارى فيها فاعترضوا بهم مدينتهم ليرهبوا بهم أشياعهم فلما رأوهم
أبلسوا وأيقنوا بالبوار وأدخل الاسارى والرؤوس إلى الموفقية وانتهى إلى أبى
احمد أن صاحب الزنج موه على أصحابه وأوهمهم ان الرؤس والمرفوعة مثل مثلت
لهم ليراعوا وان الاسارى من المستأمنة فأمر المرفق عند ذلك أ باالعباس بجمع
الرؤس والمسير بها إلى ازاء قصر الفاسق والقذف بها في منجنيق منصوب في سفينة
إلى عسكره ففعل أ بوالعباس ذلك فلما سقطت الرؤس في مدينتهم عرف أولياء
القتلى رؤس أصحابهم فظهر بكاؤهم وتبين لهم كذب الفاجر وتمويهه ( وفى شوال )
من هذه السنة كانت لاصحاب ابن أبى الساج وقعة بالهيصم العجلى قتلوا فيها مقدمته
وغلبوا على عسكره فاحتووه ( وفى ذى القعدة ) منها كانت لزيرك وقعة مع جيش
لصاحب الزنج بنهر ابن عمر قتل زيرك منها فيها خلقا كثيرا
ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة
* ذكر أن صاحب الزنج كان أمر باتخاذ شذوات فعملت له فضمها إلى ما
كان يحارب به وقسم شذواته ثلاثة أقسام بين بهبوذ ونصر الرومى وأحمد بن
الزرنجى وألزم كل واحد منهم غرم ما يضيع على يديه منها وكانت زهاء خمسين
شذاة ورتب فيها الرماة وأصحاب الرماح واجتهدوا في إكمال عدتهم وسلاحهم
وأمرهم بالمسير في دجلة والعبور إلى الجانب الشرقى والتعرض لحرب أصحاب
الموفق وعدة شذوات الموفق يومئذ قليلة لانه لم يكن وافاه كل ما كان أمر باتخاذه
وما كان عنده منها فمتفرق في فوهة البحر وفوهة الانهار التى يأتى الزنج منها المير
فغلظ أمر أعوان الفاجر وتهيأ له أخذ شذاة بعد شذاة من شذا الموفق وأحجم
ـ 84 ـ
نصير المعروف بأبى حمزة عن قتالهم والاقدام عليهم كما كان يفعل لقلة ما معه من
الشذا وأكثر شذوات الموفق يومئذ مع نصير وهو المتولى لامرها فارتاع لذلك
أهل عسكر الموفق وخافوا أن يقدم على عسكرهم الزنج بما معهم من فضل الشذا
فورد عليهم في هذه الحال شذوات كان الموفق تقدم في بنائها بجنابا فأمر أ باالعباس
بتلقيها فيما معه من الشذا حتى يورها العسكر اشفاقا من اعتراض الزنج
عليها في دجلة فسلمت وأتى بها حتى إذا وافت عسكر نصير فبصر بها الزنج طمعوا
فيها فأمر الخبيث بإخراج شذواته وأمر أصحابه بمعارضتها والاجتهاد في اقتطاعها
فنهضوا لذلك فتسرع غلام من غلمان أبى العباس شجاع يقال له وصيف يعرف
بالحجراى في شذوات كن معه فشد على الزنج فانكشفوا وتبعهم حتى
وافى بهم نهر أبى الخصيب وانقطع عن أصحابه فكروا عليه شذواتهم
وانتهى إلى مضيق فعلقت مجاديف بعض شذواته بمجاديف بعض شذواتهم
فجنحت وتقصفت بالشط وأحاط به الآخرون واكتنفوه من جوانبه وانحدر
عليه الزنج من السور فحاربهم بمن كان معه حربا شديدا حتى قتلوا وأخذ الزنج
شذواتهم فأدخلوها نهر أبى الخصيب ووافى أ بوالعباس بالشذوات الجنابية
سالمة بما فيها من السلاح والرجال فأمر أبوأحمد أ باالعباس بتقلد أمر الشذوات
كلها والمحاربة بها وقطع مواد المير عنهم من كل جهة ففعل ذلك فأصلحت الشذوات
ورتب فيها المختارون من الناشبة والرامحة حتى إذا أحكم أمرها أجمع ورتبها في
المواضع التى كانت تقصد إليها شذوات الخبيث وتعيث فيها أقبلت شذواته على
عادتها التى كانت قد جرت عليها فخرج اليهم أ بوالعباس في شذواته وأمر سائر
أصحاب الشذا أن يحملوا بحملته ففعلوا ذلك وخالطوهم وطفقوا يرشقونهم بالسهام
ويطعنونهم بالرماح ويقذفونهم بالحجارة وضرب الله وجوههم فولوا منهزمين
وتبعهم أ بوالعباس وأصحابه حتى أولجوهم نهر أبى الخصيب وغرق لهم ثلاث
شذوات وظفر بشذاتين من شذواتهم بما فيها من المقاتلة والملاحين فأمر أبو
العباس بضرب أعناق من ظفر به منهم فلما رأى الخبيث ما نزل بأصحابه امتنع من
إخراج الشذا عن فناء قصره ومنع أصحابه أن يجاوزوا بها الشط الا في الاوقات
ـ 85 ـ
التى يخلو دجلة فيها من شذوات الموفق فلما أوقع بهم أ بوالعباس هذه الوقعة اشتد
جزعهم وطلب وجوه أصحاب الخبيث الامان فأومنوا فكان ممن استأمن
من وجوههم فيما ذكر محمد بن الحارث العمى وكان اليه حفظ عسكر منكى
والسور الذى يلى عسكر الموفق وكان خروجه ليلا مع عدة من أصحابه فوصله
الموفق بصلات كثيرة وخلع عليه وحمله على عدة دواب بحليتها وآلتها وأسنى له
الرزق وكان محمد بن الحارث حاول إخراج زوجته معه وهى إحدى بنات عمه
فعجزت المرأة عن اللحاق به فأخذها الزنج فردوها إلى الخبيث فحبسها مدة ثم
أمر بإخراجها والنداء عليها في السوق فبيعت ومنهم أحمد المعروف بالبرذعى
وكان فيما قيل من أشجع رجال الخبيث الذين كانوا في حيز المهلبى ومن قواده الزنج
مديد وابن انكلويه ومنينة فخلع عليهم جميعا ووصلوا بصلات كثيرة وحملوا على
الخيل وأحسن إلى جميع من جاؤا به معهم من أصحابهم وانقطعت عن الخبيث مواد
الميرة وسدت عليه وعلى من أقام معه المذاهب وأمر شبلا وأبا النداء وهما من
رؤساء قواده وقدماء أصحابه الذين كان يعتمد عليهم ويثق بمناصحتهم بالخروج في
عشرة آلاف من الزنج وغيرهم والقصد لنهر الدير ونهر المرأة ونهر أبى الاسد
والخروج من هذه الانهار إلى البطيحة للغارة على المسلمين وأخذ ما وجد من طعام
وميرة ليقطع عن عسكر الموفق ما يرده من الميرة وغيرها من مدينة السلام وواسط
ونواحيها فندب الموفق لقصدهم حين انتهى اليه خبر مسيرهم مولاه زيرك صاحب
مقدمة أبى العباس وأمره بالنهوض في أصحابه اليهم وضم اليه من اختار من الرجال
فمضى في الشذوات وا لسميريات وحمل الرجالة في الزواريق والسفن الخفاف
حثيثا حتى صار إلى نهر الدير فلم يعرف لهم هنالك خبرا فصار منه إلى بثق شيرين
ثم سلك في نهر عدى حتى خرج إلى نهر ابن عمر فالتقى به جيش الزنج في جمع راعته
كثرته فاستخار الله في مجاهدتهم وحمل عليهم في ذوى البصائر والثبات من أصحابه
فقذف الله الرعب في قلوبهم فانفضوا ووضع فيهم السلاح فقتل منهم مقتلة عظيمة
وغرق منهم مثل ذلك وأسر خلقا كثيرا وأخذ من سفنهم ما أمكنه أخذه وغرق
ـ 86 ـ
منها ما أمكن تغريقه فكان ما أخذ من سفنهم نحوا من أربعمائة سفينة وأقبل
بمن معه من الاسارى وبالرؤس إلى عسكر الموفق ( وفى ذى الحجة ) لست بقين
منه عبر الموفق بنفسه إلى مدينة الفاسق وجيشه لحربه
ذكر السبب الذى من أجله كان عبوره اليها
وكان السبب في ذلك فيما ذكر أن الرؤساء من أصحاب الفاسق لما رأوا
ما قد حل بهم من البلاء من قتل من يظهر منهم وشدة الحصار على من لزم المدينة
فلم يظهر منهم أحد وحال من خرج منهم بالامان من الاحسان اليه والصفح
عن جرمه مالوا إلى الامان وجعلوا يهربون في كل وجه ويخرجون إلى أبى أحمد
في الامان كلما وجدوا اليه السبيل فملئ الخبيث من ذلك رعبا وأيقن بالهلاك
فوكل بكل ناحية كان يرى أن فيها طريقا للهرب من عسكره احراسا وحفظة
وأمرهم بضبط تلك النواحى ووكل بفوهة الانهار من يمنع السفن من الخروج
منها واجتهد في سد كل مسلك وطريق وثلمة لئلا يطمع في الخروج عن مدينته
وأرسل جماعة من قواد الفاجر صاحب الزنج إلى الموفق يسألونه الامان وأن
يوجه لمحاربة الخبيث جيشا ليجدوا إلى المصير اليه سبيلا فأمر الموفق أ باالعباس
بالمصير في جماعة من أصحابه إلى الموضع المعروف بنهر الغربى وعلى بن أبان
حينئذ يحوط ذلك النهر فنهض أ بوالعباس في المختارين من أصحابه ومعه الشذا
وا لسميريات والمعابر فقصد النهر الغربى وانتدب المهلبى وأصحابه لحربه فاستعرت
الحرب بين الفريقين وعلا أصحاب أبى العباس وقهروا الزنج وأمد الفاسق المهلبى
بسليمان بن جامع في جمع من الزنج كثير واتصلت الحرب يومئذ من أول النهار إلى
وقت العصر وكان الظفر في ذلك اليوم لابى العباس وأصحابه وصار اليه القوم
الذين كانوا طلبوا الامان من قواد الخبيث ومعهم جمع كثير من الفرسان وغيرهم
من الزنج فأمر أ بوالعباس عند ذلك أصحابه بالرجوع إلى الشذا والسفن وانصرف
فاجتاز في منصرفه بمدينة الخبيث حتى انتهى إلى الموضع المعروف بنهر الاتراك
فرأى أصحابه من قلة عدد الزنج في هذا الموضع من النهر ما طمعوا له فيمن كان
ـ 87 ـ
هناك فقصدوا نحوهم وقد انصرف أكثر أصحابهم إلى المدينة الموفقية فقربوا
إلى الارض وصعدوا وأمعنوا في دخول تلك المسالك وعلت جماعة منهم السور وعليه
فريق من الزنج وأشياعهم فقتلوا من أصابوا منهم هنالك ونذر الفاسق بهم فاجتمعوا
لحربهم وأنجد بعضهم بعضا فلما رأى أ بوالعباس اجتماع الخبثاء وتحاشدهم وكثرة من
ثاب إلى ذلك الموضع منهم مع قلة عدد من هنالك من أصحابه كر راجعا اليهم فيمن كان معه
في الشذا وأرسل إلى الموفق يستمده فوافاه لمعونته من خف لذلك من الغلمان
في الشذا وا لسميريات فظهروا على الزنج وهزموهم وقد كان سليمان بن جامع
لما رأى ظهور أصحاب أبى العباس على الزنج وغل في النهر مصاعدا في جمع
كثير فانتهى إلى النهر المعروف بعبدالله واستدبر أصحاب أبى العباس وهم في
حربهم مقبلين على من بإزائهم ممن يحاربهم فيمنعون في طلب من انهزم عنهم من
الزنج فخرج عليهم من ورائهم وخفقت طبوله فانكشف أصحاب أبى العباس
ورجع عليهم من كان انهزم عنهم من الزنج فأصيبت جماعة من غلمان الموفق
وغيرهم من جنده وصار في أيدى الزنج عدة أعلام ومطارد وحامى أ بوالعباس
عن الباقين من أصحابه فسلم أكثرهم فانصرف بهم فأطمعت هذه الوقعة الزنج
وتباعهم وشدت قلوبهم فأجمع الموفق على العبور بجيشه أجمع لمحاربة الخبيث
وأمر أ باالعباس وسائر القواد والغلمان بالتأهب للعبور وأمر بجمع السفن
والمعابر وتفريقها عليهم ووقف على يوم بعينه أراد العبور فيه فعصفت رياح
منعت من ذلك واتصل عصوفها أياما كثيرة فأمهل الموفق حتى انقضى هبوب
تلك الرياح ثم أخذ في الاستعداد للعبور ومناجزة الفاجر فلما تهيأ له ما أراد
من ذلك عبر يوم الاربعاء لست ليال بقين من ذى الحجة من سنة 267 في أكثف
جمع وأكمل عدة وأمر بحمل خيل كثيرة في السفن وتقدم إلى أبى العباس
في المسير في الخيل ومعه جميع قواده الفرسان ورجالتهم ليأتى الفجرة من ورائهم
من مؤخر النهر المعروف بمنكى وأمر مسرورا البلخى مولاه بالقصد إلى نهر
الغربى ليضطر الخبيث بذلك إلى تفريق أصحابه وتقدم إلى نصير المعروف بأبى
حمزة ورشيق غلام أبى العباس وهو من أصحابه وشذواته في مثل العدة فيها التى
ـ 88 ـ
نصير بالقصد لفوهة نهر أبى الخصيب والمحاربة لما يظهر من شذوات الخبيث
وقد كان استكثر منها وأعد فيها المقاتلة وانتخبهم وقصد أبوأحمد بجميع من معه
لركن من أركان مدينة الخبيث قد كان حصنه بابنه المعروف بانكلاى وكنفه
بعلى بن أبان وسليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمدانى وحفه بالمجانيق
و العرادات والقسى الناوكية وأعد فيه الناشبة وجمع فيه أكثر جيشه فلما التقى
الجمعان أمر الموفق غلمانه الناشبة والرامحة والسودان بالدنو من الركن الذى فيه
جمع الفسقة وبينه وبينهم النهر المعروف بنهر الاتراك وهو نهر عريض غزير
الماء فلما انتهوا اليه أحجموا عنه فصيح بهم وحرضوا على العبور فعبروا سباحة
والفسقة يرمونهم بالمجانيق و العرادات والمقاليع والحجارة عن الايدى وبالسهام
عن القسى الناوكية وقسى الرجل وصنوف الآلات التى يرمى عنها فصبروا على
جميع ذلك حتى جاوزوا النهر وانتهوا إلى السور ولم يكن لحقهم من الفعلة من
كان أعد لهدمه فتولى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم من سلاحهم ويسر
الله ذلك وسهلوا لانفسهم السبيل إلى علوه وحضرهم بعض السلاليم التى كانت
أعدت لذلك فعلوا الركن ونصبوا هنالك علما من أعلام الموفق وأسلم الفسقة
سورهم وخلوا عنه بعد أن حوربوا عليه أشد حرب وقتل من الفريقين خلق
كثير وأصيب غلام من غلمان الموفق يقال له ثابت بسهم في بطنه فمات وكان
من قواد الغلمان وجلتهم ولما تمكن أصحاب الموفق من سور الفسقة أحرقوا
ما كان عليه من منجنيق وعراداة وقوس ناوكية وخلوا عن تلك الناحية وأسلموها
وقد كان أ بوالعباس قصد بأصحابه في الخيل النهر المعروف بمنكى فمضى على بن أبان
المهلبى في أصحابه قاصدا لمعارضته ودفعه عما صمد له والتقيا فظهر أ بوالعباس عليه
وهزمه وقتل جمعا كثيرا من أصحابه وأفلت المهلبى راجعا وانتهى أ بوالعباس إلى
الموضع الذى قدر أن يصل منه إلى مدينة الفاسق من مؤخر نهر منكى وهو يرى
أن المدخل من ذلك الموضع سهل فدخل إلى الخندق فوجده عريضا ممتنعا فحمل
أصحابه على أن يعبروه بخيولهم وعبره الرجالة سباحة حتى وافوا السور فثلموا
ـ 89 ـ
فيه ثلما اتسع لهم منه الدخول فدخلوا فلقى أوائلهم سليمان بن جامع وقد أقبل
للمدافعة عن تلك الناحية لما انتهى اليه انهزام المهلبى عنها فحاربوه ، وكان إمام
القوم عشرة من غلمان الموفق فدافعوا سليمان وأصحابه وهم خلق كثير وكشفوهم
مرارا كثيرة وحاموا عن سائر أصحابهم حتى رجعوا إلى مواضعهم وقال محمد
ابن حماد لما غلب أصحاب الموفق على الموضع الذى كان الفاسق حرسه بابنه
و المذكورين من أصحابه وقواده وشعثوا من السور الذى افضوا إليه ما أمكنهم
تشعيثه وافاهم الذين كانوا أعدوا للهدم بمعاولهم وآلاتهم فثلموا في السور عدة
ثلم وقد كان الموفق أعد لخندق الفسقة جسرا يمد عليه فمد عليه وعبر جمهور
الناس فلما عاين الخبثة ذلك ارتاعوا فانهزموا عن سور لهم ثان قد كانوا اعتصموا
به ودخل أصحاب الموفق مدينة الخائن فولى الفاجر وأشياعه منهزمين وأصحاب
الموفق يتبعونهم ويقتلون من انتهوا إليه منهم حتى انتهوا إلى النهر المعروف بابن
سمعان وصارت دار ابن سمعان في أيدى أصحاب الموفق وأحرقوا ما كان فيها
وهدموها ووقف الفجرة على نهر ابن سمعان وقوفا طويلا ودافعوا مدافعة شديدة
وشد بعض غلمان الموفق على علي بن أبان المهلبى فأدبر عنه هاربا فقبض على مئزره
فخلى عن المئزر ونبذه إلى الغلام ونجا بعد أن أشفى على الهلكة وحمل أصحاب الموفق
على الزنج حملة صادقة فكشفوهم عن النهر المعروف بابن سمعان حتى وافوا بهم
طرف ميدان الفاسق وانتهى اليه خبر هزيمة أصحابه ودخول أصحاب الموفق مدينته
من أقطارها فركب في جمع من أصحابه فتلقاه أصحاب الموفق وهم يعرفونه
في طرف ميدانه فحملوا عليه فتفرق عنه أصحابه ومن كان معه وأفردوه وقرب
منه بعض الرجالة حتى ضرب وجه فرسه بترسه وكان ذلك مع مغيب الشمس
فأمر الموفق أصحابه بالرجوع إلى سفنهم فرجعوا سالمين قد حملوا من رؤس الخبثاء
شيئا كثيرا ونالوا كل الذى أحبوا منهم من قتل وجراح وتحريق منازل وأسواق وقد
كان استأمن إلى أبى العباس في أول النهار نفر من قواد الفاجر وفرسانه فاحتاج إلى التوقف
على حملهم في السفن وأظلم الليل وهبت ريح شمال عاصف وقوى الجزر فلصق
ـ 90 ـ
أكثر السفن بالطين وحرض الخبيث أشياعه واستنجدهم فبانت منهم جماعة
وشدوا على السفن المتخلفة فنالوا منها نيلا وقتلوا فيها نفرا وقد كان بهبوذ بإزاء
مسرور البلخى وأصحابه في هذا اليوم في نهر الغربى فأوقع بهم وقتل جماعة منهم
وأسر أسارى وصارت في يده دواب من دوابهم فكسر ذلك من نشاط أصحاب
الموفق وقد كان الخبيث أخرج في هذا اليوم جميع شذواته إلى دجلة محاربين فيها
رشيقا وضرب منها رشيق على عدة شذوات وغرق منها وحرق وانهزم الباقون
إلى نهر أبى الخصيب * وذكر أنه نزل في هذا اليوم بالفاسق وأصحابه ما دعاهم
إلى التفرق والهرب على وجوههم نحو نهر الامير والقندل وإبرسان وعبادان
وسائر القرى وهرب يومئذ أخو سليمان بن موسى الشعرانى محمد وعيسى فمضيا
يؤمان البادية حتى انتهى اليهما رجوع أصحاب الموفق فرجعا وهرب جماعة من
العرب الذين كانوا في عسكر الفاسق وصاروا إلى البصرة وبعثوا يطلبون الامان
من أبى أحمد فآمنهم ووجه اليهم السفن فحملهم إلى الموفقية وأمر أن يخلع عليهم
ويوصلوا ويجرى عليهم الارزاق والانزال ففعل ذلك بهم وكان فيمن رغب في
الامان من جلة قواد الفاجر ريحان بن صالح المغربى وكانت له رياسة وقيادة
وكان يتولى حجبة ابن الخبيث المعروف بانكلاى فكتب ريحان يطلب الامان
لنفسه ولجماعة من أصحابه فأجيب إلى ذلك وأنفذ اليه عدد كثير من الشذا
وا لسميريات والمعابر مع زيرك القائد صاحب مقدمة أبى العباس فسلك النهر
المعروف باليهودى حتى وافى الموضع المعروف بالمطوعة فألفى به ريحان ومن معه
من أصحابه وقد كان الموعد تقدم في موافاة ذلك الموضع زيرك ريحان ومن معه
فوافى بهم دار الموفق فأمر لريحان بخلع وحمل على عدة من أفراس بآلتها وأجيز
بجائزة سنية وخلع على أصحابه وأجيزوا على أقدارهم وضم إلى أبى العباس وأمر
بحمله وحمل أصحابه والمصير بهم إلى إزاء دار الخبيث فوقفوا هنالك في الشذا
فعرفوا خروج ريحان وأصحابه في الامان وما صاروا اليه من الاحسان فاستأمن
في ساعتهم تلك من أصحاب ريحان الذين كانوا تخلفوا وغيرهم جماعة فألحقوا
ـ 91 ـ
في البر والاحسان بأصحابهم وكان خروج ريحان بعد الوقعة التى كانت يوم
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 91 سطر 1 الى ص 100 سطر 25
في البر والاحسان بأصحابهم وكان خروج ريحان بعد الوقعة التى كانت يوم
الاربعاء في يوم الاحد لليلة بقيت من ذى الحجة سنة 267 ( وفى هذه السنة )
أقبل أحمد بن عبدالله الخجستانى يريد العراق بزعمه حتى صار إلى سمنان وتحصن
منه أهل الرى وحصنوا مدينتهم ثم انصرف من سمنان راجعا إلى خراسان
( وفيها ) انصرف خلق كثير من طريق مكة في البدأة لشدة الحر ومضى خلق
كثير فمات ممن مضى خلق كثير من شدة الحر وكثير منهم من العطش وذلك
كله في البدأة وأوقعت فزارة فيها بالتجار فأخذوا فيما ذكر منهم سبعمائة حمل
بز ( وفيها ) اجتمع بالموسم عامل لاحمد بن طولون في خيله وعامل لعمرو بن
الليث في خيله فنازع كل واحد منهما صاحبه في ركن علمه على يمين المنبر في
مسجد ابراهيم خليل الرحمن وادعى كل واحد منهما أن الولاية لصاحبه وسلا
السيوف فخرج معظم الناس من المسجد وأعان موالى هارون بن محمد من الزنج
صاحب عمرو بن الليث فوقف حيث أراد وقصر هارون وكان عامل مكة الخطبة
وسلم الناس وكان المعروف بأبى المغيرة المخزومى حينئذ يحرس في جميعة
( وفيها ) نفى الطباع عن سامرا وفيها ضرب الخجستانى لنفسه دنانير ودراهم
ووزن الدينار منها عشرة دوانيق ووزن الدرهم ثمانية دوانيق عليه الملك
والقدرة لله والحول والقوة بالله لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى جانب منه
المعتمد على الله باليمن والسعادة وعلى الجانب الآخر الوافى أحمد بن عبدالله
( وحج بالناس ) فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمى
ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من استئمان جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجان إلى أبى أحمد
الموفق في يوم الثلاثاء في غرة المحرم منها * وذكر أن السبب كان في ذلك الوقعة
التى كانت لابى أحمد في آخر ذى الحجة من سنة 267 التى ذكرناها قبل وهرب
ـ 92 ـ
ريحان بن صالح المغربى من عسكر الفاجر واصحابه ولحاقه بأبى أحمد فنخب
قلب الخبيث لذلك وذلك أن السجان كان فيما قيل أحد ثقاته فأمر أبوأحمد
للسجان هذا بخلع وجوائز وصلات وحملان وأرزاق وأقيمت له أنزال
وضصم إلى أبى العباس وأمره بحمله في الشذاة إلى إزاء قصر الفاسق حتى رآه
وأصحابه وكلمهم السجان وأخبرهم أنهم في غرور من الخبيث وأعلمهم ماقد وقف
عليه من كذبه وفجوره فاستأمن في هذا اليوم الذى حمل فيه السجان من عسكر
الخبيث خلق كثير من قواده الزنج وغيرهم وأحسن اليهم وتتابع الناس في
طلب الامان والخروج من عند الخبيث ثم أقام أبوأحمد بعد الوقعة التى ذكرت
أنها كانت لليلة بقيت من ذى الحجه من سنة 67 لايعبر إلى الخبيث لحرب يجم
بذلك أصحابه إلى شهر ربيع الآخر ( وفى هذه السنة ) صار عمرو بن الليث إلى
فارس لحرب عامله محمد بن الليث عليها فهزمه عمرو واستباح عسكره وأفلت
محمد بن الليث في نفر ودخل عمرو اصطخر فانتهبها أصحابه ووجه عمرو في طلب
محمد بن الليث فظفر به وأتى به أسيرا ثم صار عمرو إلى شيراز فأقام بها ( وفى
شهر ربيع الاول ) منها زلزلت بغداد لثمان خلون منه وكان بعد ذلك ثلاثة أيام
مطر شديد ووقعت بها أربع صواعق ( وفيها ) زحف العباس بن أحمد بن
طولون لحرب أبيه فخرج اليه أبوه أحمد إلى الاسكندرية فظفر به ورده إلى
مصر فرجع معه اليها ( ولاربع عشرة ليلة ) بقيت من ربيع الآخر منها
عبر أبوأحمد الموفق إلى مدينة الفاجر بعد أن أوهى قوته في مقامه بمدينة
الموفقية بالتضييق عليه والحصار ومنعه وصول المير اليه حتى استأمن اليه خلق
كثير من أصحابه فلما أراد العبور اليها أمر فيما ذكر ابنه أ باالعباس بالقصد
للموضع الذى كان قصده من ركن مدينة الخبيث الذى يحوطه بابنه وجلة أصحابه
وقواده وقصد أبوأحمد موضعا من السور فيما بين النهر المعروف بمنكى والنهر
المعروف بابن سمعان وأمر صاعدا وزيره بالقصد لفوهة النهر المعروف
يجرى كور وتقدم إلى زيرك في مكانفته وأمر مسرور البلخى بالقصد لنهر الغربى
ـ 93 ـ
وضم إلى كل واحد منهم من الفعلة جماعة لهدم ما يليهم من السور وتقدم إلى
جميعهم ألا يزيدوا على هدم السور وألا يدخلوا مدينة الخبيث ووكل بكل
ناحية من النواحى التى وجه اليها القواد شذوات فيها الرماة وأمرهم أن يحموا
بالسهام من يهدم السور من الفعلة والرجالة الذين يخرجون للمدافعة عنهم فثلم
في السور ثلم كثيرة ودخل أصحاب أبى أحمد مدينة الفاجر من جميع تلك الثلم
وجاء أصحاب الخبيث يحاربونهم فهزمهم أصحاب أبى أحمد واتبعوهم حتى وغلوا
في طلبهم واختلفت بهم طرق المدينة وفرقت بينهم السكك والفجاج فانتهوا إلى
أبعد من الموضع الذى كانوا وصلوا اليه في المرة التى قبلها وحرقوا وقتلوا ثم تراجع
أصحاب الخبيث فشدوا على أصحاب أبى أحمد وخرج كمناؤهم من نواح يهتدون
لها ولا يعرفها الآخرون فتحير من كان داخل المدينة من أصحاب أبى أحمد
ودافعوا عن أنفسهم وتراجعوا نحو دجلة حتى وافاها أكثرهم فمنهم من دخل
السفينة ومنهم من قذف نفسه في الماء فأخذه أصحاب الشذا ومنهم من قتل وأصاب
أصحاب الخبيث أسلحة وأسلابا وثبت جماعة من غلمان أبى أحمد بحضرة دار
ابن سمعان ومعهم راشد وموسى بن أخت مفلح في جماعة من قواد الغلمان كانوا
آخر من ثبت من الناس ثم أحاط بهم الزنج وكثروهم وحالوا بينهم وبين الشذا
فدافعوا عن أنفسهم وأصحابهم حتى وصلوا إلى الشذا فركبوها وأقام نحو من
ثلاثين غلاما من الديالمة في وجوه الزنج وغيرهم يحمون الناس ويدفعون عنهم
حتى سلموا وقتل الثلاثون من الديالمة عن آخرهم بعد ما نالوا من الفجار ما أحبوا
وعظم على الناس ما نالهم في هذه الوقعة وانصرف أبوأحمد بمن معه إلى مدينته
الموفقية وأمر بجمعهم وعذلهم على ما كان منهم من مخالفة أمره والافتيات عليه
في رأيه وتدبيره وتوعدهم بأغلظ العقوبة إن عاد والخلاف أمره بعد ذلك وأمر
بإحصاء المفقودين من أصحابه فأحصوا له فأتى بأسمائهم وأقر ما كان جاريا لهم
على أولادهم وأهاليهم فحسن موقع ذلك منهم وزاد في صحة نياتهم لما رأوا من
حياطته خلف من أصيب في طاعته ( وفيها ) كانت لابى العباس وقعة بقوم من
ـ 94 ـ
الاعراب الذين كانوا يميرون الفاسق اجتاحهم فيها
ذكر الخبر عن السبب الذى كانت من أجله هذه الوقعة
ذكر أن الفاسق لما خرب البصرة ولاها رجلا من قدماء أصحابه يقال له أحمد بن
موسى بن سعيد المعروف بالقلوص فكان يتولى أمرها وصارت فرصة للفاسق
يردها الاعراب والتجار ويأتونها بالمير وأنواع التجارات ويحمل ما يردها إلى
عسكر الخبيث حتى فتح أبوأحمد طهيثا وأسر القلوص فولى الخبيث ابن أخت
القلوص يقال له مالك بن بشران البصرة وما يليها فلما نزل أبوأحمد فرات البصرة
خاف الفاجر إيقاع أبى أحمد بمالك هذا وهو يومئذ نازل بسيحان على نهر يعرف
بنهر ابن عتبة فكتب إلى مالك يأمره بنقل عسكره إلى النهر المعروف بالدينارى
وأن ينفذ جماعة ممن معه لصيد السمك وإدرار حمله إلى عسكره وأن يوجه قوما
إلى الطريق التى يأتى منها الاعراب من البادية ليعرف ورود من يرد منهم بالمير
فإذا وردت رفقة من الاعراب خرج إليها بأصحابه حتى يحمل ما تأتى به إلى الخبيث
ففعل ذلك مالك ابن أخت القلوص ووجه إلى البطيحة رجلين من أهل قرية
بسمى ؟ ؟ يعرف أحدهما بالريان والآخر الخليل كانا مقيمين بعسكر الخبيث فنهض
الخليل والريان وجمعا جماعة من أهل الطف وأتيا قرية بسمى فأقاما بها يحملان
السمك من الطيحة أولا أولا إلى عسكر الخبيث في الزواريق الصغار التى تسلك
بها الانهار الضيقة والارخنجان التى لا تسلكها الشذا وا لسميريات فكانت
مواد سمك البطيحة متصلة إلى عسكر الخبيث بمقام هذين الرجلين بحيث ذكرنا
واتصلت أيضا مير الاعراب وما كانوا يأتون به من البادية فاتسع أهل عسكره
ودام ذلك إلى أن استأمن إلى الموفق رجل من أصحاب الفاجر الذين كانوا
مضمومين إلى القلوص يقال له على بن عمر ويعرف بالنقاب فأخبر بخبرمالك بن
بشران ومقامه بالنهر المعروف بالدينارى وما يصل إلى عسكر الخبيث بمقامه
هناك من سمك البطيحة وجلب الاعراب فوجه الموفق زيرك مولاه في الشذا
وا لسميريات إلى الموضع الذى به ابن أخت القلوص فأوقع به وبأهل عسكره
ـ 95 ـ
فقتل منهم فريقا وأسر فريقا وتفرق أهل ذلك العسكر وانصرف مالك إلى
الخبيث مفلولا فرده الخبيث في جمع إلى مؤخر النهر المعروف باليهودى فعسكر
هنالك بموضع قريب من النهر المعروف بالفياض فكانت المير تتصل بعسكر
الخبيث مما يلى سبخة الفياض فانتهى خبر مالك ومقامه بمؤخر نهر اليهودى ووقع
المير من تلك الناحية إلى عسكر الفاجر إلى الموفق فأمر ابنه أ باالعباس ب المصيرإلى
نهر الامير والنهر المعروف بالفياض لتعرف حقيقة ما انتهى اليه من ذلك فنفذ
الجيش فوافق جماعة من الاعراب يرأسهم رجل قد أورد من البادية إبلا وغنما
وطعاما فأوقع بهم أ بوالعباس فقتل منهم جماعة وأسر الباقين ولم يفلت من القوم
إلا رئيسهم فإنه سبق على حجر كانت تحته فأمعن هربا وأخذ كل ما كان أولئك
الاعراب أتوابه من الابل والغنم والطعام وقطع أ بوالعباس يد أحدالاسرى وأطلقه
فصار إلى معسكر الخبيث فأخبرهم بما نزل به فريع مالك بن أخت القلوص بما كان
من إيقاع أبى العباس بهؤلاء الاعراب فاستأمن إلى أبى أحمد فأومن وحبى وكسى
وضم إلى أبى العباس وأجريت له الارزاق وأقيمت له الانزال وأقام الخبيث
مقام مالك رجلا كان من أصحاب القلوص يقال له أحمد بن الجنيد وأمره أن يعسكر
بالموضع المعروف بالدهر شير ومؤخر نهرأبى الخصيب وأن يصير في أصحابه إلى
ما يقبل من سمك البطيحة فيحمله إلى عسكر الخبيث وتأدى إلى أبى أحمد خبر أحمد
ابن الجنيد فوجه قائدا من قواد الموالى يقال له الترمدان في جيش فعسكر بالجزيرة
المعروفة بالروحية فانقطع ما كان يأتى إلى عسكر الخبيث من سمك البطيحة ووجه
الموفق شهاب بن العلاء ومحمد بن الحسن العنبريين في خيل لمنع الاعراب من حمل
الميرإلى عسكر الخبيث وأمر بإطلاق السوق لهم بالبصرة وحمل ما يريدون امتياره
من التمر إذ كان ذلك سبب مصيرهم إلى عسكر الخبيث فتقدم شهاب ومحمد لما أمرا
به فأقاما بالموضع المعروف بقصر عيسى فكان الاعراب يوردون اليهما ما يجلبونه
من البادية ويمتارون لتمر مما قبلهما ثم صرف أبوأحمد الترمدان عن البصرة ووجه
مكانه قائدا من قواد الفراغنة يقال له قيصر بن أرخوز إخشاذ فرغانة ووجه نصيرا
ـ 96 ـ
المعروف بأبى حمزة في الشذا وا لسميريات وأمره بالمقام بفيض البصرة ونهر
دبيس وأن يخترق نهر الابلة ونهر معقل ونهر غربى ففعل ذلك * قال محمد بن الحسن
وحدثنى محمد بن حماد قال لما انقطعت المير عن الخبيث وأشياعه بمقام نصير وقيصر
بالبصرة ومنعهم الميرة من البطيحة والبحر بالشذا صرفوا الحيلة إلى سلوك نهر
الامير إلى القندل ثم سلوك المسيحى إلى الطرق المؤدية إلى البر والبحر فكانت
ميرهم من البر والبحر وامتيارهم سمك البحر من هذه الجهة فانتهى ذلك إلى الموفق
فأمر رشيقا غلام أبى العباس باتخاذ عسكر بجويث بارويه في الجانب الشرقى
من دجلة بإزاء نهر الامير وأن يحفر له خندقا حصينا وامر أ باالعباس أن يضم
إلى رشيق من خيار أصحابه خمسة آلاف رجل وثلاثين شذاة وتقدم إلى رشيق
في ترتيب هذه الشذا على فوهة نهر الامير وأن يجعل على كل خمس عشرة شذاة
منها نوبة يلج فيها نهر الامير حتى ينتهى إلى المعترض الذى كان الزنج يسلكونه
إلى دبا والقندل والنهر المعروف بالمسيحى فيكون هناك فان طلع عليهم من الخبثاء
طالع أوقعوا به فإذا انقضت نوبتهم انصرفوا وعاقبهم أصحابهم المقيمون على فوهة
ال نهرففعلوا مثل ذلك هذا الفعل فعسكر رشيق في الموضع الذى أمر بترتيبه به
فانقطعت طرق الفجرة التى كانوا يسلكونها إلى دبا والقندل والمسبحى فلم يكن
لهم سبيل إلى بر ولا بحر فضاقت عليهم المذاهب واشتد عليهم الحصار ( وفيها )
أوقع أخو شركب ب الخجستانى وأخذ أمه ( وفيها ) وثب ابن شبث بن الحسن
فاخذ عمر بن سيما والى حلوان ( وفيها ) انصرف أحمد بن ابى الاصبغ من عند عمرو بن
الليث وكان عمرو قد وجهه إلى أحمد بن عبدالعزيز بن أبى دلف فقدم معه بمال
فوجه عمرو ومما صودر عليه ثلثمائة ألف دينار ونيفا وهدية فيها خمسون منا مسك
وخمسون منا عنبر ومائتا منا عود وثلثمائة ثوب وشى وغيره وآنية ذهب وفضة ودواب
وغلمان بقيمة مائتى ألف دينار فكان ما حمل وأهدى بقيمة خمسمائة ألف دينار
( وفيها ) ولى كيغلغ الخليل به ريمال حلوان فنالهم بالمكاره بسبب عمر بن سيما
وأخذهم بحريرة ابن شبث فضمنوا له خلاص ابن سيماو اصلاح أمر ابن شبث
ـ 97 ـ
( وفيها ) أوقع رشيق غلام أبى العباس بن الموفق بقوم من بنى تميم كانوا أعانوا
الزنج على دخول البصرة وإحراقها وكان السبب في ذلك أنه كان انتهى اليه أن
قوما من هؤلاء الاعراب قد جلبوا ميرة من البر إلى مدينة الخبيث طعاما وإبلا
وغنما وأنهم في مؤخر نهر الامير ينتظرون سفنا تأتيهم من مؤخر عسكر الفاجر
تحملهم وما معهم فسرى اليهم رشيق في الشذا فوافى الموضع الذى كانوا حلوا به
وهو النهر المعروف بالاسحاقى فأوقع بهم وهم غارون فقتل أكثرهم وأسر جماعة
منهم وهم تجار كانوا خرجوا من عسكر الخبيث لجلب الميرة وحوى ما كان
معهم من أصناف المير والشاء والابل والحمير التى كانوا حملوا عليها الميرة فحمل
الاسرى والرؤوس في الشذا وفى سفن كانت معه إلى الموفقية فأمر الموفق
فعلقت الرؤس في الشذا وصلب الاسارى هنالك وأظهر ما صار إلى رشيق
وأصحابه وطيف بذلك في أقطار العسكر ثم أمر بالرؤس والاسارى فاجتيز بهم
على عسكر الخبيث حتى عرفوا ما كان من رشيق من الايقاع بجالبى المير اليهم ففعل
ذلك وكان فيمن ظفر به رشيق رجل من الاعراب كان يسفر بين صاحب الزنج
والاعراب في جلب الميرة فأمر به الموفق فقطعت يده ورجله وألقى في عسكر الخبيث
ثم أمر بضرب أعناق الاسارى فضربت وسوغ أصحاب رشيق ما أصابوا من
أموالهم وأمر لرشيق بخلع وصلة ورده إلى عسكره فكثر ا لمستأمنون إلى رشيق
فأمر أبوأحمد بضم من خرج منهم إلى رشيق اليه فكثروا حتى كان كأكثر
العساكر جمعا وانقطعت عن الخبيث وأصحابه المير من الوجوه كلها وانسد عليهم
كل مسلك كان لهم فأضربهم الحصار وأضعف أبدانهم فكان الاسير منهم يؤسر
والمستأمن يستأمل فيسئل عن عهده بالخبز فيعجب من ذلك ويذكر أن عهده بالخبز
مذسنة وسنتين فلما صار أصحاب الخائن إلى هذه الحال رأى الموفق أن يتابع الايقاع
بهم ليزيدهم بذلك ضرا وجهدا فخرج إلى أبى أحمد في هذا الوقت في الامان خلق كثير
واحتاج من كان مقيما في حيز الفاسق إلى الحيلة لقوته فتفرقوا في القرى والانهار
النائية عن معسكرهم في طلب القوت فتأدى الخبر بذلك إلى أبى أحمد فأمر جماعة
ـ 98 ـ
من قواد غلمانه السودان وعرفائهم بأن يقصدوا المواضع التى يعتادها الزنج
وأن يستميلوهم ويستدعوا طاعتهم فمن أبى الدخول منهم في ذلك قتلوه وحملوا
رأسه وجعلى لهم جعلا فحرصوا وواظبوا على الغدو والرواح فكانوا لا يخلون في
يوم من الايام من جماعة يجلبونهم ورؤس يأتون بها وأسارى يأسرونهم قال محمد
ابن الحسن قال محمد بن حماد ولما كثر أسارى الزنج عند الموفق أمر باعتراضهم فمن
كان منهم ذا قوة وجلد ونهوض بالسلاح من عليه وأحسن اليه وخلطه بغلمانه
السودان وعرفهم مالهم عنده من البر والاحسان ومن كان منهم ضعيفا لاحراك
به أو شيخا فانيا لا يطيق حمل السلاح أو مجروحا جراحة قد أزمنته أمر بأن يكسى
ثوبين ويوصل بدراهم ويزود ويحمل إلى عسكر الخبيث فيلقى هناك بعد ما يؤمر
بوصف ما عاين من إحسان الموفق إلى كل من يصير اليه وان ذلك رأيه في جميع
من يأتيه مستأمنا ويأسره منهم فتهيأ له من ذلك ما أراد من استمالة أصحاب
صاحب الزنج حتى استشعروا الميل إلى ناحيته والدخول في سلمه وطاعته وجعل
الموفق وابنه أ بوالعباس يغاديان حرب الخبيث ومن معه و يراوحانها بأنفسهما
ومن معهما فيقتلان ويأسران ويجرحان وأصاب أبا العباس في بعض تلك
الوقعات سهم جرحه فبرأ منه ( وفى رجب ) من هذه السنة فتل بهبوذ صاحب الخبيث
ذكر الخبر عن سبب مقتله
* ذكر أن أكثر أصحاب الفاسق غارات وأرشدهم تعرضا لقطع السبيل
وأخذ الاموال كان بهبوذ بن ع بدالوهاب وكان قد جمع من ذلك مالا جليلا
وكان كثير الخروج في ا لسميريات الخفاف فيخترق الانهار المؤدية إلى دجلة فاذا
صادف سفينة لاصحاب الموفق أخذها فأدخلها النهر الذى خرج منه فان تبعه
تابع حتى توغل في طلبه خرج عليه من النهر قوم من اصحابه قد اعدهم لذلك
فاقتطعوه واوقعوا به فلما كثر ذلك وتحرز منه ركب شذاة وشبهها بشذوات
الموق ونصب عليها مثل اعلامه وسار بها في دجلة فاذا ظفر بغرة من اهل العسكر
أوقع بهم فقتل واسر ويتجاوز إلى نهر الابلة ونهر معقل وبثق شيرين ونهر الدير
ـ 99 ـ
فيقطع السبل ويعبث في اموال السابلة ودمائهم فرأى الموفق عند ما انتهى اليه
من أفعال بهبوذ أن يسكر جميع الانهار التى يخف سكرها ويرتب الشذا على فوهة
الانهار العظام ليأمن عبث بهبوذ وأشياعه ويأمن سبل الناس ومسالكهم فلما
حرست هذه المسالك وسكر ما أمكن سكره من الانهار وحيل بين بهبوذ وبين ماكان
يفعل أقام منتهزا فرصة في غفلة أصحاب الشذا الموكلين بفوهة نهر الابلة حتى اذا
وجد ذلك اجتاز من مؤخر نهر أبى الخصيب في شذوات مثل أصحاب الموفق
و سميرياتهم ونصب عليها مثل أعلامهم وشحنها بجلد أصحابه وانجادهم وشجعانهم
واعترض بها في معترض يؤدى إلى النهر المعروف باليهود ثم سلك نهر نافذ
حتى خرج منه إلى نهر الابلة وانتهى إلى الشذوات وا لسميريات المرتبة لحفظ
النهر وأهلها غارون غافلون فأوقع بهم وقتل جمعا وأسر أسرى وأخذ ست شذوات
وكر راجعا في نهر الابلة وانتهى الخبر بما كان من بهبوذ إلى الموفق فأمر أ باالعباس
بمعارضته في الشذا من النهر المعروف باليهودى ورجا أن يسبقه إلى المعترض
فيقطعه عن الطريق المؤدى إلى مأمنه فوافى أ بوالعباس الموضع المعروف بالمطوعة
وقد سبق بهبوذ فولج النهر المعروف بالسعيدى وهو نهر يؤدى إلى نهر أبى الخصيب
وبصر أ بوالعباس بشذوات بهبوذ وطمع في ادراكها فجد في طلبها فأدركها
ونشبت الحرب فقتل أ بوالعباس من أصحاب بهبوذ جمعاو أسر جمعا واستأمن
اليه فريق منهم وتلقى بهبوذ من أشياعه خلق كثير فعاونوه ودافعوا عنه دفعا
شديدا وقد كان الماء جزر فجرت شذواته في الطين في المواضع التى نضب الماء عنها
من تلك الانهار وا لمعترضات فأفلت بهبوذ والباقون من أصحابه بجريعة الذقن
وأقام الموفق على حصار الخبيث ومن معه وسد المسالك التى كانت المير تأتيهم
منها وكثر ا لمستأمنون منهم فأمر الموفق لهم بالخلع والجوائز وحملوا على الخيل
الجياد بسروجها ولجمها وآلتها وأجريت لهم الارزاق وانتهى الخبر إلى الموفق
بعد ذلك أن الضر والبؤس قد أحوج جماعة من أصحاب الخبيث إلى التفرق
في القرى لطلب القوت من السمك والتمر فأمر ابنه أ باالعباس بالمصير إلى تلك
ـ100ـ
القرى والنواحى والاسراع اليها في الشذا وا لسميريات وما خف من الزواريق
وأن يستصحب جلد أصحابه وشجعانهم وأبطالهم ليحول بين هؤلاء الرجال
والرجوع إلى مدينة صاحب الزنج فتوجه أ بوالعباس لذلك وعلم الخبيث بمسير
أبى العباس له فأمر بهبوذ أن يسير في أصحابه في ا لمعترضات والانهار الغامضة
ليخفى خبره إلى أن يوافى القندل وابراسان ونواحيها فنهض بهبوذ لما أمره به
الخبيث من ذلك فاعترضت له في طريقه سميرية من سميريات أبى العباس فيها
غلمان من غلمانه الناشبة في جماعة الزنج فقصد بهبوذ لهذه السميرية طامعا فيها
فحاربه أهلها فأصابته طعنة في بطنه من يد غلام من مقاتلة السميرية أسود فهوى
إلى الماء فابتدره أصحابه فحملوه وولوا منهزمين إلى عسكر الخبيث فلم يصلوا به
اليه حتى أراح الله منه فعظمت الفجيعة به على الفاسق وأوليائه واشتد عليه
جزعهم وكان قتله الخبيث من أعظم الفتوح وخفى هلاكه على أبى احمد حتى
استأمن رجل من الملاحين فأنهى اليه الخبر فسر بذلك وأمر بإحضار الغلام الذى
ولى قتله فأحضر فوصله وكساه وطوقه وزاد في أرزاقه وأمر لجميع من كان في
تلك السميرية بجوائز وخلع وصلات ( وفى هذه السنة ) كان اول شهر رمضان
منها يوم الاحد وكان الاحد الثانى منه الشعانين وفى الاحد الثالث الفصح وفى
الاحد الرابع النيروز وفى الاحد الخامس انسلاخ الشهر ( وفيها ) ظفر
ابوأحمد بالذوائبى وكان مما يلا لصاحب الزنج ( وفيها ) كانت وقعة بين
يدكوتكين بن اساتكين وأحمد بن عبدالعزيز فهزمه يدكوتكين وغلبه
على قم ( وفيها ) وجه عمرو بن الليث قائدا بأمر أبى أحمد إلى محمد بن عبيدالله
ابن أزار مرد الكردى فأسره القائد وحمله إليه ( وفى ذى القعدة ) منها خرج
رجل من ولد عبدالملك بن صالح الهاشمى بالشام يقال له بكار بين سلمية وحلب
وحمص فدعا لابى أحمد فحاربه ابن عباس الكلابى فانهزم الكلابى ووجه اليه لؤلؤ
صاحب ابن طولون قائدا يقال له بودن في عسكر وجيش كثيف فرجع وليس
معه كثير أحد ( وفيها ) أظهر لؤلؤ الخلاف على ابن طولون ( وفيها ) قتل
ـ101ـ
صاحب الزنج ابن ملك الزنج وكان بلغه أنه يريد اللحاق بأبى أحمد ( وفيها ) قتل
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 101 سطر 1 الى ص 110 سطر 25
صاحب الزنج ابن ملك الزنج وكان بلغه أنه يريد اللحاق بأبى أحمد ( وفيها ) قتل
أحمد بن عبدالله الخجستانى قتله غلام له في ذى الحجه ( وفيها ) قتل أصحاب ابن
أبى الساج محمد بن على بن حبيب اليشكرى بالقرية ناحية واسط ونصب رأسه
ببغداد ( وفيها ) حارب محمد بن كمشجور على بن الحسين كفتمر فأسر ابن كمشجور
كفتمر ثم أطلقه وذلك في ذى الحجة ( وفيها ) أسر العلوى الذى يعرف بالحرون
وذلك أنه اعترض الخريطة التى يوجه بها بخبر الموسم فأخذها فوجه خليفة ابن أبى
الساج على طريق مكة من أخذ الحرون ووجهه إلى الموفق ( وفيها ) كان مصير
أبى المغيرة المخزومى إلى مكة وعاملها هارون بن محمد بن اسحاق الهاشمى فجمع
هارون جمعا نحوا من ألفين فامتنع بهم منه فصار المخزومى إلى عين مشاش فعورها
وإلى جدة فنهب الطعام وحرق بيوت أهلها فصار الخبز بمكة أوقيتين بدرهم
( وفيها ) خرج ابن الصقلبية طاغية الروم فأناخ على ملطية وأعانهم أهل مرعش
والحدث فانهزم الطاغية وتبعوه إلى السريع * وغزا الصائفة من ناحية الثغور
الشأمية خلف الفرغانى عامل ابن طولون فقتل من الروم بضعة عشر ألفا وغنم
الناس فبلغ السهم أربعين دينارا ( وحج بالناس ) فيها هارون بن محمد بن اسحاق
الهاشمى وابن أبى الساج على الاحداث والطريق
ثم دخلت سنة تسع وستين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من ادخال العلوى المعروف بالحرون عسكر أبى أحمد في المحرم
على جمل وعليه قباء ديباج وقلنسوة طويلة ثم حمل في شذاة ومضى به حتى وقف
به حيث يراه صاحب الزنج ويسمع كلام الرسل ( وفى المحرم ) منها قطع الاعراب على
قافلة من الحاج بين توزو سميراء فسلبوهم واستاقوا نحوا من خمسة آلاف بعير بأحمالها
وأناس كثير ( وفى المحرم ) منها في ليلة أربع عشرة انخسف القمر وغاب منخسفا
وانكسفت الشمس يوم الجمعة لليلتين بقيتا من المحرم وقت المغيب وغابت منكسفة
ـ102ـ
فاجتمع في المحرم كسوف الشمس والقمر ( وفى صفر ) منها كان ببغداد وثوب
العامة بابراهيم الخليجى فانتهبوا داره وكان السبب في ذلك أن غلاما له رمى
امرأة بسهم فقتلها فاستعدى السلطان عليه فبعث اليه في اخراج الغلام فامتنع ورمى
غلمانه الناس فقتلوا جماعة وجرحوا جماعة فمنهم من أعوان السلطان رجلان فهرب
وأخذ غلمانه ونهب منزله ودوابه فجمع محمد بن عبيدالله بن عبدالله بن طاهر وكان
على الجسر من قبل أبيه دواب ابراهيم وما قدر عليه مما نهب له وأمر عبيدالله
بتسليم ذلك اليه وأشهد عليه برده عليه ( وفيها ) وجه ابن أبى الساج بعد ما صار
إلى الطائف منصرفا من مكة إلى جدة جيشا فأخذوا للمخزومى مركبين فيهما مال
وسلاح ( وفيها ) أخذ رومى بن خشنج ثلاثة نفر من قواد الفراغنة يقال لاحدهم
صديق والآخر طخشى وللثالث طغان فقيدهم وجرح صديق جراحات وأفلت
( وفيها ) كان وثوب خلف صاحب أحمد بن طولون في شهر ربيع الاول منها
بالثغور الشأمية وهو عامله عليها بيازمان الخادم مولى الفتح بن خاقان فحبسه فوثبت
جماعة من أهل الثغر بخلف وتخلصوا يا زمان وهرب خلف وتركوا الدعاء لابن
طولون ولعنوه على المنابر فبلغ ذلك ابن طولون فخرج من مصر حتى صار إلى
دمشق ثم صار إلى الثغور الشأمية فنزل أذنة وسد يازمان وأهل طرسوس أبوابها
خلا باب الجهاد وباب البحر وبثقوا الماء فجرى إلى قرب أذنة وما حولها فتحصنوا
بها فأقام ابن طولون بأذنة ثم انصرف فرجع إلى أنطاكية ثم مضى إلى حمص ثم إلى
دمشق فأقام بها ( وفيها ) خالف لؤلؤ غلام ابن طولون مولاه وفى يده حين خالفه
حمص وحلب وقنسرين وديار مضر وسار لؤلؤ إلى بالس فنهبها وأسر سعيدا وأخاه
ابنى العباس الكلابى ثم كاتب لؤلؤ أبا أحمد في المصير اليه ومفارقة ابن طولون ويشترط
لنفسه شروطا فأجابه أبوأحمد إلى ما سأله وكان مقيما بالرقة فشخص عنها وحمل
جماعة من أهل الرافقة وغيرهم معه وصار إلى قرقيسيا وبها ابن صفوان العقيلى فحاربه
فأخذ لؤلؤ قرقيسيا وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق وهرب بن صفوان وأقبل
لؤلؤ يريد بغداد ( وفيها ) رمى أبوأحمد الموفق بسهم رماه غلام رومى يقال
ـ103ـ
له قرطاس للخبيث بعد ما دخل أبوأحمد مدينته إلتي كان بناها لهدم سورها وكان
السبب في ذلك فيما ذكر أن الخبيث بهبوذ لما هلك طمع صاحب الزنج فيما كان
بهبوذ قد جمع من الكنوز والاموال وكان قد صح عنده أن ملكه قد حوى مائتى ألف
دينار وجوهرا وذهبا وفضة لها قدر فطلب ذلك بكل حيلة وحرص عليه وحبس أولياءه
وقرابته وأصحابه وضربهم بالسياط وأثاردورا من دوره وهدم أبنية من أبنيته
طمعا في أن يجد في شئ منها دفينا فلم يجد من ذلك شيئا وكان فعله الذى فعله بأولياء بهبوذ
في طلب المال أحد ما أفسد قلوب أصحابه ودعاهم إلى الهرب منه والزهد في صحبته فأمر
الموفق بالنداء في أصحاب بهبوذ بالامان فنودى بذلك فسارعوا اليه راغبين فيه
فالحقوا في الصلات والجوائز والخلع والارزاق بنظرائهم ورأى أبوأحمد لما كان
يتعذر عليه من العبور إلى عسكر الفاجر في الاوقات التى تهب فيها الرياح
وتحرك فيها الامواج في دجلة أن يوسع لنفسه وأصحابه موضعا في الجانب الغربى
من دجلة ليعسكر به فيما بين دير جابيل ونهر المغيرة وأمر بقطع النخيل واصلاح
موضع الخندق وأن يحف بالخنادق ويحصن بالسور ليأمن بيات الفجار واغتيالهم إياه
وجعل على قواده نوائب فكان لكل واحد منهم نوبة يغدو اليها برجاله ومعه العمال
في كل يوم لاحكام أمر العسكر الذى عزم على اتخاذه هنالك فقابل الفاسق ذلك
بأن جعل على على بن أبان المهلبى وسليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمدانى
نوبا فكان لكل واحد منهم يوم ينوب فيه وكان ابن الخبيث المعروف بانكلاى
يحضر في كل يوم نوبة سليمان وربما حضر في نوبة إبراهيم ثم أقامة الخبيث
مقام إبراهيم بن جعفر وكان سليمان بن جامع يحضر معه في نوبته وضم اليه الخبيث
سليمان بن موسى الشعرانى وأخويه وكانوا يحضرون بحضوره ويغيبون بغيبته
وعلم الخبيث أن الموفق إذا جاوره في محاربته وقرب على من يريد اللحاق به
المسافة فيما يحاول من الهرب إليه مع ما يدخل قلوب أصحابه من الرهبة بتقارب
العسكرين أن في ذلك انتقاض تدبيره وفساد جميع أموره فأمر أصحابه بمحاربة
من يعبر من القواد في كل يوم ومنعهم من إصلاح ما يحاولون إصلاحه من أمر
ـ104ـ
عسكرهم الذى يريدون الانتقال إليه وعصفت الرياح في بعض تلك الايام
وبعض قواد الموفق في الجانب الغربى لما كان يعبر له فانتهز الفاسق الفرصة في انفراد
هذا القائد وانقطاعه عن أصحابه وامتناع دجلة بعصوف الريح من أن يرام
عبورها فرمى القائد المقيم في غربى دجلة بجميع جيشه وكاثره برجاله ولم تجد
الشذوات التى كانت تكون مع القائد الموجه سبيلا إلى الوقوف بحيث كانت
تقف لحمل الرياح إياها على الحجارة وما خاف أصحابها عليها من التكسر فقوى
الزنج على ذلك القائد وأصحابه فأزالوهم من موضعهم وأدركوا طائفة منهم
فثبتوا فقتلوا عن آخرهم ولجأت طائفة إلى الماء فتبعهم الزنج فأسروا منهم
أسارى وقتلوا منهم نفرا وأفلت أكثرهم وأدركوا سفنهم فألقوا أنفسهم فيها
وعبروا إلى المدينة الموفقية فاشتد جزع الناس لما تهيأ للفسقة وعظم بذلك اهتمامهم
وتأمل أبوأحمد فيما كان دبر من النزول في الجانب الغربى من دجلة أنه أكدى
ومالا يؤمن من حيلة الفاسق وأصابه في انتهاز فرصة فيوقع بالعسكر بياتا أو يجد
مساغا إلى شئ مما يكون له فيه متنفس لكثرة الادغال في ذلك الموضع وصعوبة
المسالك وأن الزنج على التوغل إلى المواضع الوحشة أقدر وهو عليهم أسهل من
أصحابه فانصرف عن رأيه في نزول غربى دجلة وجعل قصده لهم سور الفاسق
وتوسعة الطرق والمسالك منها لاصحابه فأمر عند ذلك ان يبدأ بهدم السور مما
يلى النهر المعروف بمنكى فكان تدبير الخبيث في ذلك توجيه ابنه المعروف بانكلاى
وعلى بن ابان وسليمان بن جامع للمنع من ذلك كل واحد منهم في نوبته في ذلك
اليوم فاذا كثر عليهم أصحاب الموفق اجتمعوا جميعا لمدافعة من يأتيهم فلما رأى
الموفق تحاشد الخبثاء وتعاونهم على المنع من الهدم للسور أزمع على مباشرة ذلك
وحضوره ليستدعى به جد أصحابه واجتهادهم ويزيد في عنايتهم ومجاهدتهم ففعل ذلك
واتصلت الحرب وغلظت على الفريقين وكثر القتلى والجراح في الحزبين كليهما
فأقام الموفق أياما يغادى الفسقة ويراوحهم فكانوا لا يفترون من الحرب في يوم
من الايام وكان أصحاب أبى أحمد لا يستطيعون الولوج على الخبثة لقنطرتين كانتا على نهر
ـ105ـ
منكى كان الزنج يسلكونهما في وقت استعار الحرب فينتهون منهما إلى طريق
يخرجهم في ظهور أصحاب أبى أحمد فينالون منهم ويحجزونهم عن استتمام
ما يحاولون من هدم السور فرأى الموفق إعمال الحيلة في هدم هاتين القنطرتين
ليمنع الفسقة عن الطريق الذى كانوا يصيرون منه إلى استدبار أصحابه في وقت
احتدام الحرب فأمر قوادا من قواد غلمانه بقصد هاتين القنطرتين وأن يختلوا
الزنج وينتهزوا الفرصة في غفلتهم عن حراستهما وتقدم اليهم في أن يعدوا لهما
من الفؤوس والمناشير والآلات التى يحتاج اليها لقطعهما ما يكون عونالهم على
الاسراع فيما يقصدون له من ذلك فانتهى الغلمان إلى ما أمروا به وصاروا إلى
نهر منكى وقت نصف النهار فبرز لهم الزنج فبادروا وتسرعوا فكان ممن تسرع
إليهم أبوالنداء في جماعة من أصحابه يزيدون على الخمسمائة ونشبت الحرب
بين أصحاب الموفق والزنج فاقتتلوا صدر النهار ثم ظهر غلمان أبى أحمد على
الفسقة فكشفوهم عن القنطرتين فأصاب المعروف بأبى النداء سهم في صدره
وصل إلى قلبه فصرعه وحامى أصابه على جيفته فاحتملوها وولوا منهزمين
وتمكن قواد غلمان الموافق من قطع القنطرتين فقطعوهما وأخرجوهما إلى
دجلة وحملوا خشبهما إلى أبى أحمد وانصرفوا على حال سلامة وأخبروا الموفق
بقتل أبى النداء وقطع القنطرتين فعظم سروره وسرور أهل العسكر بذلك
وأمر لرامى أبى النداء بصلة وافرة وألح أبواحمد على الخبيث واشياعه بالحرب
وهدم من السور ما امكنهم به الولوج عليهم فشغلوهم بالحرب في مدينتهم
عن المدافعة عن سورهم فأسرع الهدم فيه وانتهى منه إلى دارى بن سمعان
وسليمان بن جامع فصار ذلك أجمع في أيدى أصحاب الموفق لا يستطيع الفسقة
دفعهم عنه ولا منعهم من الوصول اليه وهدمت هاتان الداران وانتهب ما فيهما
وانتهى أصحاب الموفق إلى سوق لصاحب الزنج كان اتخذها مظلة على دجلة
سماها الميمونة فأمر الموفق زيرك صاحب مقدمة أبى العباس بالقصد لهذه السوق
فقصد بأصحابه لذلك وأكب عليها فهدمت تلك السوق وأخربت فقصد الموفق
ـ106ـ
الدار التى كان صاحب الزنج اتخذها للجبائى فهدمها وانتهب ما كان فيها وفى
خزائن الفاسق كانت متصلة بها وأمر أصحابه بالقصد إلى الموضع الذى كان
الخبيث اتخذ فيه بناء سماه مسجد الجامع فاشتدت محاماة الفسقة عن ذلك والذب
عنه بما كان الخبيث يحضهم عليه ويوهمهم أنه يجب عليهم من نصرة المسجد
وتعظيمه فيصدقون قوله في ذلك ويتبعون فيه رأيه وصعب على أصحاب
الموفق ما كانوا يرومون من ذلك وتطاولت الايام بالحرب على ذلك الموضع
والذى حصل مع الفاسق يومئذ نخبة أصحابه وأبطالهم والموطنون أنفسهم
على الصبر معه فحاموا جهدهم حتى لقد كانوا يقفون الموقف فيصيب أحدهم
السهم أو الطعنة أو الضربة فيسقط فيجذبه الذى إلى جنبه ويقف موقفه إشفاقا
من أن يخلو موقف رجل منهم فيدخل الخلل على سائر أصحابه فلما رأى
أبوأحمد صبر هذه العصابة ومحاماتها وتطاول الايام بمدافعتها أمر أ باالعباس بالقصد
لركن البناء الذى سماها الخبيث مسجدا وأن يندب لذلك أنجاد أصحابه وغلمانه
وأضاف إليهم الفعلة الذين كانوا أعدوا للهدم فإذا تهيأ لهم هدم شئ أسرعوا فيه
وأمر بوضع السلاليم على السور فوضعوها وصعد الرماة فجعلوا يرشقون بالسهام
من وراء السور من الفسقة ونظم الرجال من حد الدار المعروفة بالجبائى إلى
الموضع الذى رتب فيه أ باالعباس وبذل الموفق الاموال والاطوقة والاسورة
لمن سارع إلى هدم سور الفاسق وأسواقه ودور أصحابه فتسهل ما كان يصعب
بعد محاربة طويلة وشدة فهدم البناء الذى كان الخبيث سماه مسجدا ووصل إلى
منبره فاحتمل فأتى به الموفق وانصرف به إلى مدينته الموفقية جذلا مسرورا
ثم عاد الموفق لهدم السور فهدمه من حد الدار المعروفة بانكلاى إلى الدار
المعروفة بالجبائى وأفضى أصحاب الموفق إلى دواوين من دواوين الخبيث وخزائن
من خزائنه فانتهبت وأحرقت وكان ذلك في يوم ذى ضباب شديد قد ستر بعض
الناس عن بعض فما يكاد الرجل يبصره صاحبه فظهر في هذا اليوم للموفق تباشير
الفتح فانهم لعلى ذلك حتى وصل سهم من سهام الفسقة إلى الموفق رماه به غلام
ـ107ـ
رومى كان مع الفاسق يقال له قرطاس فأصابه في صدره وذلك في يوم الاثنين
لخمس بقين من جمادى الاولى سنة 296 فستر الموفق ما ناله من ذلك السهم وانصرف
إلى المدينة مع الموفقية فعولج في ليلته تلك من جراحته وبات ثم عاد إلى الحرب
على ما به من ألم الجراح ليشد بذلك قلوب أوليائه من أن يدخلها وهم أو ضعف
فزاد ما حمل نفسه عليه من الحركة في قوة علته فغلظت وعظم أمرها حتى خيف
عليه واحتاج إلى علاجه بأعظم ما يعالج به الجراح واضطرب لذلك العسكر والجند
والرعية وخافوا قوة الفاسق عليهم حتى خرج عن مدينته جماعة ممن كان مقيما بها
لما وصل إلى قلوبهم من الرهبة وحدثت في حال صعوبة العلة عليه حادثة في سلطانه
فأشار عليه مشيرون من أصحابه وثقاته بالرحلة عن معسكره إلى مدينة السلام
ويخلف من يقوم مقامه فأبى ذلك وخاف أن يكون فيه ائتلاف ما قد تفرق من
شمل الخبيث فأقام على صعوبة علته عليه وغلظ الامر الحادث في سلطانه فمن الله
بعافيته وظهر لقواده وخاصته وقد كان أطال الاحتجاب عنهم فقويت بذلك
منتهم وأقام متماثلا مودعا نفسه إلى شعبان من هذه السنة فلما أبل وقوى على النهوض
لحرب الفاسق تيقظ لذلك وعاود ما كان مواظبا عليه من الحرب وجعل الخبيث
لما صح عنده الخبر عما أصاب أبا أحمد يعد أصحابه العدات ويمنيهم الامانى الكاذبة وجعل
يحلف على منبره بعد ما اتصل به الخبر بظهور أبى أحمد وركوبه الشذا أن ذلك باطل لا
أصل له وأن الذى رأوه في الشذا مثال موه لهم وشبه لهم ( وفيها ) في يوم السبت للنصف
من جمادى الاولى شخص المعتمد يريد اللحاق بمصر وأقام يتصيد بالكحيل وقدم صاعد
ابن مخلد من عند أبى أحمد ثم شخص إلى سامرا في جماعة من القواد في جمادى الآخرة وقدم
قائدان لابن طولون يقال لاحدهما أحمد بن جيغويه وللآخر محمد بن عباس الكلابى
الرقة فلما صار المعتمد إلى عمل إسحاق بن كنداج وكان العامل على الموصل
وعامة الجزيرة وثب ابن كنداج بمن شخص مع المعتمد من سامرا يريد مصر وهم
تينك وأحمد بن خاقان وخطارمش فقيدهم وأخذ أموالهم ودوابهم ورقيقهم
وكان قد كتب اليه بالقبض عليهم وعلى المعتمد وأقطع إسحاق بن كنداج
ـ108ـ
ضياعهم وضياع فارس بن بغا وكان سبب وصوله إلى القبض على من ذكرت
أن المعتمد لما صار إلى عمله وقد نفذت اليه الكتب من قبل صاعد بالقبض
عليهم أظهر أنه معهم وعلى مثل رأيهم في طاعة المعتمد إذ كان الخليفة وأنه غير
جائز له الخلاف عليه وقد كان من مع المعتمد من القواد حذروا المعتمد المروربه
وخوفوه وثوبه بهم فأبى إلا المرور به فيما ذكرو قال لهم إنما هو مولاى وغلامى
وأريد أن أتصيد فإن في الطريق اليه صيدا كثيرا فلما صاروا في عمله لقيهم وسار
معهم كى يرد المعتمد فيما ذكر منزلا قبل وصوله إلى عمل ابن طولون فلما أصبح
ارتحل التباع والغلمان الذين كانوا مع المعتمد ومن شخص معه من سامرا وخلا
ابن كنداج بالقواد الذين مع المعتمد فقال لهم إنكم قد قربتم من عمل ابن طولون
والمقيم بالرقة من قراده وأنتم إذا صرتم إلى ابن طولون فالامر أمره وأنتم من
تحت يده ومن جنده أفترضون بذلك وقد علمتم أنه انما هو كواحد منكم وجرت بينه
وبينهم في ذلك مناظرة حتى تعالى النهار ولم يرتحل المعتمد بعد لاشتغال القواد
بالمناظرة بينهم بين يديه ولم يجتمع رأيهم بعد على شئ فقال لهم ابن كنداج
قوموا بنا حتى نتناظر في هذا في غير هذا الموضع وأكرموا مجلس أمي رالمؤمنين
عن ارتفاع الصوت فيه فأخذ بأيديهم وأخرجهم من مضرب المعتمد فأدخلهم
مضرب نفسه لانه لم يكن بقى مضرب إلا قد مضى به غير مضربه لما كان من
تقدمه إلى فراشيه وغلمانه وحاشيته وأصحابه في ذلك اليوم ألا تبرحوا إلا ببراحه
فلما صاروا إلى مضربه دخل عليه وعلى من معه من القواد جلة غلمانه وأصحابه
وأحضرت القيود وشد غلمانه على كل من كان شخص مع المعتمد من سامرا من
القواد فقيدوهم فلما قيدوا وفرغ من أمرهم مضى إلى المعتمد فعذله في شخوصه
عن دار ملكه وملك آبائه وفراقه أخاه على الحال التى هو بها من حرب
من يحاول قتله وقتل أهل بيته وزوال ملكهم ثم حمله والذين كانوا معه في
قيودهم حتى وافى بهم سامرا ( وفيها ) قام رافع به هرثمة بما كان الخجستانى
غلب عليه من كور خراسان وقراها وكان رافع بن هرثمة قد اجتبى عدة من
ـ109ـ
كور خراسان خراجها سلفا لبضع عشرة سنة فأفقر أهلها وخربها ( وفيها )
كانت وقعة بين الحسينيين والحسنيين و الجعفريين فقتل من الجعفريين
ثمانية نفر وعلا الجعفريون فتخلصوا الفضل بن العباس العباسى العامل على
المدينة * وفى جمادى الآخرة عقد هارون بن الموفق لابن أبى الساج على الانبار
وطريق الفرات ورحبة طوق وولى أحمد بن محمد الطائى الكوفة وسوادها
المعاون والخراج فصير المعاون باسم على بن الحسين المعروف بكفتمر فلقى أحمد
ابن محمد الهيصم العجلى فيها فانهزم الهيصم واستباح الطائى أمواله وضياعه
( ولاربع خلون ) من شعبان منها رد إسحاق بن كنداج المعتمد إلى سامرا فنزل
الجوسق المطل على الحير ( ولثمان خلون ) من شعبان خلع على ابن كنداج وقلد
سيفين بحمائل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره وسمى ذا السيفين وخلع عليه
بعد ذلك بيومين قباء ديباج ووشاحان وتوج بتاج وقلد سيفا كل ذلك مفصص
بالجوهر وشيعه إلى منزله هارون بن الموفق وصاعد بن مخلد والقواد وتغدوا
عنده ( وفى شعبان ) من هذه السنة أحرق أصحاب أبى أحمد قصر الفاسق
وانتهبوا ما فيه
ذكر الخبر عن سبب ذلك وسبب وصولهم اليه
ذكر محمد بن الحسن أن أبا أحمد لما برأ الجرح الذى كان أصابه عاد الذى
كان عليه من مغاداة الفاسق الحرب ومراوحته وكان الخبيث قد أعاد بناء
بعض الثلم التى ثلمت في السور فأمر الموفق بهدم ذلك وهدم ما يتصل به وركب
في عشية من العشايا في أول وقت العصر وقد كانت الحرب متصلة في ذلك اليوم
مما يلى نهر منكى والفسقة مجتمعون في تلك الناحية قد شغلوا أنفسهم بها وظنوا
أنهم لا يحاربون إلا فيها فوافى الموفق وقد أعد الفعلة وقرب على نهر منكى
وناوش الفسقة فيه حتى إذا استعرت الحرب أمر الجذافين و الاشتيامين أن
يحثوا السير حتى ينتهوا إلى النهر المعروف بجوى كور وهو نهر يأخذ من دجلة
أسفل من النهر المعروف بنهر أبى الخصيب ففعلوا ذلك فوافى جوى كور وقد
ـ110ـ
خلا من المقاتلة والرجال فقرب وأخرج الفعلة فهدموا من السور ما كان يلى
ذلك النهر وصعد المقاتلة وولجوا النهر فقتلوا فيه مقتلة عظيمة وانتهوا إلى قصور
من قصور الفسقة فانتهبوا ما كان فيها وأحرقوها واستفذوا عددا من النساء
اللواتى كن فيها وأخذوا خيلا من خيل الفجرة فحملوها إلى غربى دجلة فانصرف
الموفق في وقت غروب الشمس بالظفر والسلامة وغاداهم الحرب والقصد لهدم
السور فاسرع فيه حتى اتصل الهدم بدار المعروف بانكلاى وكانت متصلة بدار
الخبيث فما أعيت الحيل الخبيث في المنع من هدم السور ودفع أصحاب الموفق
عن ولوج مدينته أسقط في يديه ولم يدر كيف يحتال لجسيم ذلك فأشار عليه
على بن أبان المهلبى بإجراء الماء على السباخ التى يسلكها أصحاب الموفق
لئلا يجدوا إلى سلوكها سبيلا وأن يحفر خنادق في مواضع عدة يعوقهم بها عن
دخول المدينة فإن حملوا أنفسهم على اقتحامها فوقعت عليهم هزيمة لم يسهل عليهم
الرجوع إلى سفنهم ففعلوا ذلك في عدة مواضع من مدينتهم وفى الميدان الذى
كان الخبيث جعله طريقا حتى انتهت تلك الخنادق إلى قريب من داره فرأى
الموفق بعد ماهيأ الله له من هدم سور مدينة الفاسق ماهيأ أن جعل قصده لطم
الخنادق والانهار والمواضع المعورة كى تصلح فيها مسالك الخيل والرجالة فرام
ذلك فحامى عنه الفسقة ودامت الحرب وطالت ووصل إلى الفريقين من القتل
والجراح أمر عظيم حتى لقد عد الجرحى في بعض تلك الايام زهاء ألفى جريح
وذلك لتقارب الفريقين في وقت القتال ومنع الخنادق كل فريق منهم عن إزالة
من بإزائه عن موضعهم فلما رأى ذلك الموفق قصد لاحراق دار الخبيث والهجوم
عليها من دجلة وكان يعوق عن ذلك كثرة ما أعد الخبيث من المقاتلة والحماة
عن داره فكانت الشذا إذا قربت من قصره رموا من سوره ومن أعلى القصر
بالحجارة والنشاب والمقاليع والمجانيق و العرادات وأذيب الرصاص وأفرغ
عليهم فكان إحراق داره يتعذر عليهم لما وصفنا فأمر الموفق بإعداد ظلال
من خشب للشذا وإلباسها جلود الجواميس وتغطية ذلك بالخيش المطلى بصنوف
ـ111ـ
العقاقير والادوية التى تمنع النار من الاحراق فعمل ذلك وطليت به عدة شذوات
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 111 سطر 1 الى ص 120 سطر 25
العقاقير والادوية التى تمنع النار من الاحراق فعمل ذلك وطليت به عدة شذوات
ورتب فيها جميعا شجعاء غلمانه الرامحة والناشبة وجمعا من حذاق النفاطين
وأعدهم لاحراق دار الفاسق صاحب الزنج ( فاستأمن ) إلى الموفق محمد بن
سمعان كاتب الخبيث ووزيره في يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شعبان
سنة 269 وكان سبب استئمانه فيما ذكر محمد بن الحسن أنه كان ممن امتحن
بصحبته وهولها كاره على علم منه بضلالته قال وكنت له على ذلك مواصلا وكنا
جميعا ندبر الحيلة في التخلص فيتعذر علينا فلما نزل بالخبيث من الحصار ما نزل
وتفرق عنه أصحابه وضعف أمره شمر في الحيلة للخلاص وأطلعنى على ذلك وقال
قد طبت نفسا بأن لا أستصحب ولدا ولا أهلا وأن أنجو وحيدا فهل لك في مثل
ما عزمت عليه فقلت له الرأى لك ما رأيت إذ كنت إنما تخلف ولدا صغيرا
لاسبيل للخائن عليه إلى أن يصول به أو أن يحدث عليك فيه حدثا يلزمك عاره
فأما أنا فإن معى نساء يلزمنى عارهن ولا يسعى تعريضهن لسطوة الفاجر فامض
لشأنك فأخبر عنى بما علمت من نيتى في مخالفة الفاجر وكراهة صحبته وإن هيأ
الله لى الخلاص بولدى فأنا سريع اللحاق بك وإن جرت المقادير فينا بشئ كنا معا
وصبرنا فوجه محمد بن سمعان وكيلا له يعرف بالعراقى فأتى عسكر الموفق فأخذ
له ما أراد من الامان وأعد له الشذا فوافته في السبخة في اليوم الذى ذكرنا فصار
إلى عسكر الموفق وأعاد الموفق محاربة الخبيث والقصد للاحراق من غد اليوم
الذى استأمن فيه محمد بن سمعان وهو يوم السبت لاحدى عشرة ليلة
بقيت من شعبان سنة 269 في أحسن زى وأكمل عدة ومعه الشذوات
المطلية بما وصفنا وسائر شذواته وسميرياته فيها مواليه وغلمانه والمعابر التى فيها
الرجالة فأمر الموفق ابنه أ باالعباس بالقصد إلى دار محمد بن يحيى المعروف ب الكرنبائى
وهى بإزاء دار الخائن في شرقى النهر المعروف بأبى الخصيب يشرع على النهر وعلى دجلة
وتقدم اليها في إحراقها وما يليها من منازل قواد الخائن وشغلهم بذلك عن انجاده
ومعاونته وأمر المرتبين في الشذا المظللة بالقصد لما كان مطلا على دجلة من
ـ112ـ
رواشين الخبيث وأبنيته ففعلوا ذلك وألصقوا شذواتهم بسور القصر وحاربوا
الفجرة أشد حرب ونضحوهم بالنيران وصبر الفسقة وقاتلوا فرزق الله النصر
عليهم فتزحزحوا عن تلك الرواشين والابنية التى كانوا يحامون عليها وأحرقها
غلمان الموفق وسلم من كان في الشذا مما كان الخبثاء يكيدونهم به من النشاب
والحجارة وصب الرصاص المذاب وغير ذلك بالضلال التى كان اتخذها على الشذا
فكان ذلك سببا لتمكنها من دار الخبيث وأمر الموفق من كان في الشذا بالرجوع
فرجعوا فأخرج من كان فيها من الغلمان ورتب فيها آخرين وانتظر إقبال المد
وعلوه فلما تهيأ ذلك عادت الشذوات المظللة إلى قصر الخبيث فأمر الموفق من كان
فيها بإحراق بيوت كانت تشرع على دجلة من قصر الفاسق ففعلوا ذلك فاضطرمت
النار في هذه البيوت واتصلت بما يليها من الستارات التى كان الخبيث ظلل بها داره
وستوره كانت على أبوابه فقويت النار عند ذلك على الاحراق وأعجلت الخبيث
ومن كان معه عن التوقف على شئ مما كان في منزله من أمواله وذخائره وأثاثه
وسائر أمتعته فخرج هاربا وترك ذلك كله وعلا غلمان الموفق قصر الخبيث مع
أصحابهم فانتهبوا ما لم يأت النار عليه من الامتعة الفاخرة والذهب والفضة والجوهر
والحلى وغير ذلك واستنقذوا جماعة من النساء اللواتى كان الخبيث استرقهن ودخل
غلمان الموفق سائر دور الخبيث ودور ابنه انكلاى فأضرموها نارا وعظم سرور
الناس بما هيأ الله لهم في هذا اليوم فأقام جماعة يحاربون الفسقة في مدينتهم وعلى
باب قصر الخبيث مما يلى الميدان فأثخنوا فيهم القتل والجراح والاسر وفعل
أ بوالعباس في دار المعروف ب الكرنبائى وما يتصل بها من الاحراق والهدم والنهب
مثل ذلك وقطع أ بوالعباس يومئذ سلسلة حديد عظيمة وثيقة كان الخبيث قطع بها
نهر أبى الخصيب ليمنع الشذا من دخوله وحازها فحملت في بعض شذواته وانصرف
الموفق بالناس صلاة المغرب بأجمل ظفر وقد نال الفاسق في ذلك اليوم في نفسه
وماله وولده وما كان غلب عليه من نساء المسلمين مثل الذى أصاب المسلمين منه
من الذعر والجلاء وتشتيت الشمل والمصيبة في الاهل والولد وجرح ابنه
ـ113ـ
المعروف بانكلاى في هذا اليوم جراحة شديدة في بطنه أشفى منها على التلف
( وفى غد ) هذا اليوم وهو يوم الاحد لعشر بقين من شعبان من هذه السنة
غرق نصير
ذكر سبب غرقه
ذكر محمد بن الحسن أنه لما كان غد هذا اليوم باكر الموفق محاربة الخبيث
وأمر نصيرا المعروف بأبى حمزة بالقصد لقنطرة كان الخائن عملها بالساج على
النهر المعروف بأبى الخصيب دون الجسرين اللذين كان اتخذهما عليه وأمر زيرك
باخراج أصحابه مما يلى دار الجبائى لمحاربة من هناك من الفجرة وإخراج جمعا من
قواده مما يلى دار انكلاى لمحاربتهم ايضا فتسرع نصير فدخل نهر أبى الخصيب في
أول المد في عدة من شذواته فحملها المد فألصقها بالقنطرة ودخلت عدة من شذوات
موالى الموفق وغلمانه ممن لم يكن أمر بالدخول فحملهم المد فألقاهم على شذوات
نصير فصكت الشذوات بعضها بعضا حتى لم يكن للاشتيامين والجذافين فيها حيلة
ولا عمل ورأى الزنج ذلك فاجتمعوا على الشذوات وأحاطوا بها من جانبى نهر
أبى الخصيب فألقى الجذافون أنفسهم في الماء ذعرا ووجلا ودخل الزنج الشذوات
فقتلوا بعض المقاتلة وغرق أكثرهم وحاربهم نصير في شذواته حتى خاف الاسر
فقذف نفسه في الماء فغرق وأقام الموفق في يومه يحارب الفسقة وينهب ويحرق
منازلهم ولم يزل باقى يومه مستعليا عليهم وكان ممن حامى على قصر الخائن يومئذ
وثبت في أصحابه سليمان بن جامع فلم تزل الحرب بين أصحاب الموفق وبينه وهو
مقيم بموضعه لم يزل عنه إلى أن خرج في ظهره كمين من غلان الموفق السودان
فانهزم لذلك واتبعه الغلمان يقتلون أصحابه ويأسرون منهم وأصابت سليمان في
هذا الوقت جراحة في ساقه فهوى لفيه في موضع قد كان الحريق ناله ببعض جمر
فيه فاحترق بعض جسده وحامى عليه جماعة من أصحابه فنجا بعد أن كاد الاسر
يحيط به وانصرف الموفق ظافرا سالما وضعفت الفسقة واشتد خوفهم لما رأوا
من إدبار أمرهم وعرضت لابى أحمد علة من وجع المفاصل فأقام فيها بقية شعبان
ـ114ـ
وشهر رمضان وأياما من شوال ممسكا عن حرب الفاسق فلما استبل من علته
وتماثل أمر بإعداد ما يحتاج اليه للقاء الفسقة فتأهب لذلك جميع أصحابه ( وفى
هذه السنة ) كانت وفاة عيسى بن الشيخ بن السليل ( وفيها ) لعن ابن طولون
المعتمد في دار العامة وأمر بلعنه على المنابر وصار جعفر المفوض إلى مسجد
الجامع يوم الجمعة ولعن ابن طولون وعقد لاسحاق ابن كنداج على أعمال ابن طولون
وولى من باب الشماسية إلى أفريقية وولى شرطة الخاصة ( وفى شهر ) رمضان
منها كتب أحمد بن طولون إلى أهل الشأم يدعوهم إلى نصر الخليفة ووجد فيج
يريد ابن طولون معه كتب من خليفته جواب بأخبار فأخذ جواب فحبس وأخذ
له مال ورقيق ودواب ( وفى شوال ) منها كانت وقعة بين ابن أبى الساج والاعراب
فهزموه فيها ثم بيتهم فقتل منهم وأسروا ووجه بالرؤس والاسارى إلى بغداد فوصلت
في شوال منها ( ولاحدى ) عشرة ليلة بقيت من شوال منها عقد جعفر المفوض لصاعد
ابن مخلد على شهر زور دراباذ والصامغان وحلوان وماسبذان وم هرجانقذف وأعمال
الفرات وضم اليه قواد موسى بن بغا خلا أحمد بن موسى وكيغلغ واسحاق بن كنداجيق
ما ساتكين فعقد صاعد للؤلؤ على ما عهد له عليه من ذلك المفوض يوم السبت لثمان بقين
من شوال وبعث إلى ابن أبى الساج بعقد من قبله على العمل الذى كان يتولاه
وكان يتولى الانبار وطريق الفرات ورحبة طوق بن مالك بن قبل هارون بن
الموفق وكان شخص إليها في شهر رمضان فلما ضم ذلك إلى صاعد أقره صاعد
على ما كان إليه من ذلك ( وفى آخر ) شوال منها دخل ابن أبى الساج رحبة
طوق بن مالك بعد أن حاربه أهلها فغلبهم وهرب أحمد بن مالك بن طوق إلى
الشأم ثم صار ابن أبى الساج إلى قرقيسياء فدخلها وتنحى عنها ابن صفوان العقيلى
( وفى يوم الثلاثاء ) لعشر خلون من شوال من هذه السنة كانت بين أبى أحمد
وبين الزنج وقعة في مدينة الفاسق أثر فيها آثارا وصل بها إلى مراده منها
ذكر السبب في هذه الواقعة وما كان منها
ذكر محمد بن الحسن أن الخبيث عدو الله كان في مدة اشتغال الموفق بعلته
ـ115ـ
أعاد القنطرة التى كانت شذوات نصير لحجت فيها وزاد فيها ماظن أنه قد
أحكمها ونصب دونها أذقال ساج وصل بعضها ببعض وألبسها الحديد وسكر
أمام ذلك سكرا بالحجارة ليضيق المدخل على الشذا وتحتد جرية الماء في النهر
المعروف بأبى الخصيب فيهاب الناس دخوله فندب الموفق قائدين من قواد غلمانه
في أربعة آلاف من الغلمان وأمرهما أن يأتيا نهر أبى الخصيب فيكون أحدهما
في شرقيه والآخر في غربيه حتى يوافيا القنطرة التى أصلحها الفاجر وما عمل
في وجهها من السكر فيحاربا أصحاب الخبيث حتى يجلياهم عن القنطرة وأعد معهما
النجارين والفعلة لقطع القنطرة والبدود التى كانت جعلت أمامها وأمر بإعداد
سفن محشوة بالقصب المصبوب عليه النفط لتدخل ذلك النهر المعروف بأبى
الخصيب وتضرم نارا لتحترق بها القنطرة في وقت المد فركب الموفق في هذا
اليوم في الجيش حتى وافى فوهة نهر أبى الخصيب وأمر باخراج المقاتلة في عدة
مواضع من أعلى عسكر الخبيث وأسفله ليشغلهم بذلك عن التعاون على المنع
عن القنطرة وتقدم القائدان في أصحابهما وتلقاهما أصحاب الخائن من الزنج
وغيرهم يقودهم ابنه انكلاى وعلى بن أبان المهلبى وسليمان بن جامع فاشتبكت
الحرب بين الفريقين ودامت وقاتل الفسقة أشد قتال محاماة عن القنطرة
وعلموا ما علبهم في قطعها من الضرر وأن الوصول إلى ما بعدها من الجسرين
العظيمين اللذين كان الخبيث اتخذهما على نهر أبى الخصيب سهل مرامه
فكثر القتل والجراح بين الفريقين واتصلت الحرب إلى وقت صلاة العصر
ثم إن غلمان الموفق أزالوا الفسقة عن القنطرة وجاوزوها فقطعها النجارون
والفعلة ونقضوها وما كان اتخذ من البدود التى ذكرناها وكان الفاسق
أحكم أمر هذه القنطرة والبدود إحكاما تعذر على الفعلة والنجارين الاسراع في
قطعها فأمر الموفق عند ذلك بادخال السفن التى فيها القصب والنفط وضربها بالنار
وإرسالها مع الماء ففعل ذلك فوافت السفن القنطرة فأحرقتها ووصل النجارون
إلى ما أرادوا من قطع البدود فقطعوها وأمكن أصحاب الشذا دخول النهر فدخلوه
ـ116ـ
وقوى نشاط الغلمان بدخول الشذا فكشفوا أصحاب الفاجر عن مواقفهم حتى
بلغوا بهم الجسر الاول الذى يتلو هذه القنطرة وقتل من الفجرة خلق كثير
واستأمن فريق منهم فأمر الموفق أن يخلع عليهم في ساعتهم تلك وأن يوقفوا
بحيث يراهم أصحابهم ليرغبوا في مثل ما صاروا اليه وانتهى الغلمان إلى الجسر الاول
وكان ذلك قبيل المغرب فكره الموفق أن يظلم الليل والجيش موغل في نهر أبى
الخصيب فيتهيأ للفجرة بذلك انتهاز فرصة فأمر الناس بالانصراف فانصرفوا
سالمين إلى المدينة الموفقية وأمر الموفق بالكتاب إلى النواحى بما هيأ الله له من
الفتح والظفر ليقرأ بذلك على المنابر وأمر بإثابة المحسنين من غلمانه على قدر غنائهم
وبلائهم وحسن طاعتهم ليزدادوا بذلك جدا واجتهادا في حرب عدوهم ففعل
ذلك وعبر الموفق في نفرمن مواليه وغلمانه في الشذوات وا لسميريات وما خف
من الزواريق إلى فوهة نهرأبى الخصيب وقدكان الخبيث ضيقها ببرجين
عملهما بالحجارة ليضيق المدخل وتحتد الجرية فإذادخلت الشذا النهر
لحجت فيه ولم يسهل السبيل إلى إخراجها منه فأمر الموفق بقطع ذينك البرجين
فعمل فيهما نهار ذلك اليوم ثم انصرف العمال وعادوا من غد لاستتمام قلع ما بقى
من ذلك فوجدوا الفجرة قد أعادوا ما فلع منهما في ليلتهم تلك فأمر بنصب عرادتين
قد كانتا أعدنا في سفينتين نصبتا حيال نهر أبى الخصيب وطرحت لهما الاناجر
حتى استقرتا ووكل بهما جماعة من أصحاب الشذا وأمر بقطع هذين البرجين
وتقدم إلى أصحاب العرادتين في رمى كل من دنا من أصحاب الفاسق لاعادة شئ
من ذلك في ليل أو نهار فتحامى الفجرة الدنو من الموضع وأحجموا عنه وألح
الموكلون بقلع هذه الحجارة بعد ذلك حتى استتموا ما أرادوا واتسع المسك للشذا
في دخول النهر والخروج منه ( وفى هذه السنة ) تحول الفاسق من غربى نهر أبى
الخصيب إلى شرقيه وانقطعت عنه الميرة من كل وجهة
ـ117ـ
ذكر الخبر عن حاله وحال أصحابه وما آل اليه أمرهم
عند انتقاله من الجانب الغربى
ذكر أن الموفق لما أخرب منازل صاحب الزنج وحرقها لجأ إلى التحصن
في المنازل الواغلة في نهر أبى الخصيب فنزل منزلا كان لاحمد بن موسى المعروف
بالقلوص وجمع عياله وولده حوله هناك ونقل أسواقه إلى السوق القريبة من
الموضع الذى اعتصم به وهى سوق كانت تعرف بسوق الحسين وضعف أمره
ضعفا شديدا وتبين للناس زوال أمره فتهيبوا جلب الميرة اليه فانقطعت عنه كل
مادة فبلغ عنده الرطل من خبز البر عشرة دراهم فأكلوا الشعير ثم أكلوا أصناف
الحبوب ثم لم يزل الامر بهم إلى أن كانوا يتبعون الناس فاذا خلا أحدهم بامرأة
أوصبى أو رجل ذبحه وأكله ثم صار قوى الزنج يعدو على ضعيفهم فكان إذا
خلا به ذبحه وأكل لحمه ثم أكلوا لحوم أولادهم ثم كانوا ينبشون الموتى فيبيعون
أكفانهم ويأكلون لحومهم وكان لا يعاقب الخبيث أحدا ممن فعل شيئا من ذلك
إلا بالحبس فاذا تطاول حبسه أطلقه * وذكر أن الفاسق لما هدمت داره
وأحرقت وانتهب ما فيها وأخرج طريدا سليبا من غربى نهر أبى الخصيب تحول
إلى شرقيه فرأى أبوأحمد أن يخرب عليه الجانب الشرقى لتصير حال الخبيث فيه
كحاله ؟ ؟ في الغربى في الجلاء عنه فأمر ابنه أ باالعباس بالوقوف في جمع من أصحابه
في الشذا في نهر أبى الخصيب وأن يختار من أصحابه وغلمانه جمعا يخرجهم في
الموضع الذى كانت فيه دار الكرنبائى من شرقى نهر أبى الخصيب ويخرج معهم
الفعلة لهدم كل ما يلقاهم من دور أصحاب الفاجر ومنازلهم ووقف الموفق على
قصر المعروف بالهمدانى وكان الهمدانى يتولى حياطة هذا الموضع وهو أحد قادة
جيوش الخبيث وقدماء أصحابه وأمر الموفق جماعة من قواده ومواليه فقصدوا
لدار الهمدانى ومعهم الفعلة وقد كان هذا الموضع محصنا بجمع كثير من أصحاب
الخبيث من الزنج وغيرهم وعليه عرادات ومجانيق منصوبة وقسى ناوكية
فاشتبكت الحرب وكثر القتلى والجراح إلى أن كشف أصحاب الموفق الخبثاء
ـ118ـ
ووضعوا فيهم السلاح فقتل منهم مقتلة عظيمة وفعل أصحاب أبى العباس مثل
ذلك بمن مر بهم من الفسقة والتقى أصحاب الموفق وأصحاب أبى العباس فكانوا يدا
واحدة على الخبثاء فولوا منهزمين وانتهوا إلى دار الهمدانى وقد حصنها ونصب
عليها العرادات وحفها بأعلام بيض من أعلام الفاجر مكتوب عليها اسمه فتعذر
على أصحاب الموفق تسور هذه الدار لعلو سورها وحصانتها فوضعوا عليها السلاليم
الطوال فلم تبلغ آخره فرمى بعض غلمان الموفق بكلاليب كانوا أعدوها وجعلوا
فيها الحبال لمثل هذا الموضع فأثبتوها في أعلام الفاسق وجذبوها فانقلبت الاعلام
منكوسة من أعلى السور حتى صارت في أيدى أصحاب الموفق فلم يشك
المحامون عن هذه الدار أن أصحاب أبى أحمد قد علوها فوجلوا فانهزموا وأسلموها
وما حولها وصعد النفاطون فأحرقوا ما كان عليها من المجانيق و العرادات وما كان
فيها للهمدانى من متاع وأثاث وأحرقوا ما كان حولها من دور الفجرة واستنقذوا
في هذا اليوم من نساء المسلمين ا لمأسورات عددا كثيرا فأمر الموفق بحملهن
في الشذا وا لسميريات والمعابر إلى الموفقية والاحسان اليهن ولم تزل الحرب
في هذا اليوم قائمة من أول النهار إلى بعد صلاة العصر واستأمن يومئذ
جماعة من أصحاب الفاسق وجماعة من خاصة غلمانه الذين كانوا في داره
يلون خدمته والوقوف على رأسه فآمنهم الموفق وأمر بالاحسان اليهم وأن
يخلع عليهم ويوصلوا ويجرى لهم الارزاق وانصرف الموفق وأمر أن تنكس أعلام
الفاسق في صدور الشذوات ليراها أصحابه ودلت جماعة من المستأمنة الموفق على
سوق عظيمة كانت للخبيث في ظهر دار الهمدانى متصلة بالجسر الاول المعقود
على نهر أبى الخصيب كان الخبيث سماها المباركة وأعلموه أنه إن تهيأ له إحراقها
لم يبق لهم سوق وخرج عنهم تجارهم الذين بهم فوامهم ؟ ؟ واستوحشوا لذلك
واضطروا إلى الخروج في الامان فعزم الموفق عند ذلك على قصد هذه السوق
وما يليها بالجيوش من ثلاثة أوجه فأمر أ باالعباس بقصد جانب من هذه
السوق مما يلى الجسر الاول وأمر راشدا مولاه بقصدها مما يلى دار الهمدانى
ـ119ـ
وأمر قوادا من قواد غلمانه السودان بالقصد لها من نهر أبى شاكر ففعل كل
فريق ما أمر به ونذر الزنج بمسير الجيوش اليهم فنهضوا في وجوههم واستعرت
الحرب وغلظت فأمد الفاجر أصحابه وكان المهلبى وانكلاى وسليمان بن جامع
في جميع أصحابهم بعد أن تكاملوا ووافتهم أمداد الخبيث بهذه السوق يحامون عنها
ويحاربون فيها أشد حرب وقد كان أصحاب الموفق في أول خروجهم إلى هذا
الموضع وصلوا إلى طرف من أطراف هذه السوق فأضرموه نارا فاحترق فاتصلت
النار بأكثر السوق فكان الفريقان يتحاربون والنار محيطة بهم ولقد كان ماعلا
من ظلال يحترق فيقع على رؤوس المقاتلة فربما أحرق بعضهم وكانت هذه
حالهم إلى مغيب الشمس وإقبال الليل ثم تحاجزوا وانصرف الموفق وأصحابه إلى
سفنهم ورجع الفسقة إلى طاغيتهم بعد أن احترق السوق وجلا عنها أهلها ومن كان
فيها من تجار عسكر الخائن وسوقتهم فصاروا في أعلى مدينته بما تخلصوا به من
أموالهم وأمتعتهم وقد كانوا تقدموا في نقل جل تجارتهم وبضائعهم من هذه
السوق خوفا من مثل الذى نالهم في اليوم الذى أظفر الله فيه الموفق بدار الهمدانى
وهيأ له إحراق ما أحرق حولها ثم إن الخبيث فعل في الجانب الشرقى من حفر
الخنادق وتعوير الطرق ما كان فعل في الجانب الغربى بعد هذه الوقعة واحتفر
خندقا عريضا من حد جوى كور إلى نهر الغربى وكان أكثر عنايته بتحصين
ما بين دار الكرنبائى إلى النهر المعروف بجوى كور لانه كان في هذا الموضع
حل منازل أصحابه ومساكنهم وكان من حد جوى كور إلى نهر الغربى بساتين
ومواضع قد أخلوها والسور والخندق محيطان بها وكانت الحرب إذا وقعت في
هذا الموضع قصدوا من موضعهم إليه للمحاماة عنه والمنع منه فرأى الموفق عند
ذلك أن يخرب باقى السور إلى نهر الغربى ففعل ذلك بعد حرب طويلة في مدة
بعيدة وكان الفاسق في الجانب الشرقى من نهر الغربى في عسكر فيه جمع من الزنج
وغيرهم متحصنين بسور منيع وخنادق وهم أجلد أصحاب الخبيث وشجعانهم
فكانوا يحامون عما قرب من سور نهر الغربى وكانوا يخرجون في ظهور أصحاب
ـ120ـ
الموفق في وقت الحرب على جوى كور وما يليه فأمر الموفق بقصد هذا الموضع
ومحاربة من فيه وهدم سوره وإزالة المتحصنين به فتقدم عند ذلك إلى أبى العباس وعدة
من قواد غلمانه ومواليه في التأهب لذلك ففعلوا ما أمروابه وصار الموفق بمن أعده إلى
نهر الغربى وأمر بالشذا فنظمت من حد النهر المعروف بجوى كور إلى الموضع
المعروف بالدباسين وخرج المقاتلة على جنبتى نهر الغربى ووضعت السلاليم على
السور وقد كانت لهم عليه عدة عرادات ونشبت الحرب ودامت مذأول النهار
إلى بعد الظهر وهدم من السور مواضع وأحرق ما كان عليه من العرادات وتحاجز
الفريقان وليس لاحدهما فضل على صاحبه إلا ما وصل اليه أصحاب الموفق من
هذه المواضع التى هدموها واحراق العرادات ونال الفريقين من ألم الجراح أمر
غليظ موجع فانصرف الموفق وجميع أصحابه إلى الموفقية فأمر بمداواة الجرحى
ووصل كل امرئ على قدر الجراح التى أصابته وعلى ذلك كان أجرى التدبير في
جميع وقائعه منذ أول محاربته الفاسق إلى أن قتله الله وأقام الموفق بعد هذه الوقعة
مدة ثم رأى معاودة هذا الموضع والتشاغل به دون المواضع لما رأى من حصانته
وشجاعة من فيه وصبرهم وأنه لا يتهيأ ما يقدر فيما بين نهر الغربى وجوى كور
إلا بعد إزالة هؤلاء فأعد ما يحتاج اليه من آلات الهدم واستكثر من الفعلة
وانتخب المقاتلة الناشبة والرامحة والسودان أصحاب السيوف وقصد هذا الموضع
على مثل قصده له المرة الاولى فأخرج الرجالة في المواضع التى رأى اخراجهم
فيها وأدخل عددا من الشذا النهر ونشبت الحرب ودامت وصبر الفسقة أشد صبر
وصبر لهم أصحاب الموفق واستمد الفسقة طاغيتهم فوافاهم المهلبى وسليمان بن جامع في
جيشهما فقويت قلوبهم عند ذلك وحملوا على أصحاب الموفق وخرج سليمان كمينا مما
يلى جوى كور فأزالوا أصحاب الموفق حتى انتهوا إلى سفنهم وقتلوا منهم جماعة
وانصرف الموفق ولم يبلغ كل الذى أراد وتبين أنه قد كان يجب أن يحارب الفسقة
من عدة مواضع ليفرق جمعهم فيخف وطأهم على من يقصد لهذا الموضع الصعب
وينال منه ما يحب فعزم على معاودتهم وتقدم إلى أبى العباس وغيره من قواده في
ـ121ـ
العبور واختيار انجاد رجالهم ووكل مسرورا مولاه بالنهر المعروف بمنكى وأمره
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 121 سطر 1 الى ص 130 سطر 25
العبور واختيار انجاد رجالهم ووكل مسرورا مولاه بالنهر المعروف بمنكى وأمره
أن يخرج رجاله في ذلك الموضع وما يتصل به من الجبال والنخل لتشتغل قلوب
الفجرة وليروا أن عليهم تدبيرا من تلك الجهة وأمر أبالعباس بإخراج أصحابه
على جوى كور ونظم الشذا على هذه المواضع حتى انتهى إلى الموضع المعروف
بالدباسين وهو أسفل نهر الغربى وصار الموفق إلى نهر الغربى وأمر قواد غلمانه
أن يخرجوا في أصحابهم فيحاربوا الفسقة في حصنهم ومعقلهم وألا ينصرفوا عنهم
حتى يفتح الله لهم أو يبلغ ارادته منهم ووكل بالسور من يهدمه وتسرع الفسقة
كعادتهم وأطمعهم ما تقدم من الوقعتين اللتين ذكرناهما فثبت لهم غلمان
الموفق وصدقوهم اللقاء فأنزل الله عليهم نصره فأزالوا الفسقة عن مواقفهم
وقوى أصحاب الموفق فحملوا عليهم حملة كشفوهم بها فانهزموا وخلوا عن
حصنهم وصار في أيدى غلمان الموفق فهدموه وأحرقوا منازلهم وغنموا ما كان
فيها واتبعوا المنهزمين منهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا واستنقذوا من
هذا الحصن من النساء ا لمأسورات خلقا كثيرا فأمر الموفق بحملهن والاحسان
إليهن وأمر أصحابه بالرجوع إلى سفنهم ففعلوا وانصرف إلى عسكره بالموفقية
وقد بلغ ما حاول من هذا الموضع ( وفيها ) دخل الموفق مدينة الفاسق وأحرق
منازله من الجانب الشرقى من نهر أبى الخصيب
ذكر الخبر عن سبب وصوله إلى ذلك
ذكر أن أبا أحمد لما أراد ذلك بعد هدمه سور داره ذلك أقام يصلح المسالك
في جنبتى نهر أبى الخصيب وفى قصر الفاسق ليتسع على المقاتلة الطريق في الدخول
والخروج للحرب وأمر بقلع باب قصر الخبيث الذى كان انتزعه من حصن أروخ
بالبصرة فقلع وحمل إلى مدينة السلام ثم رأى القصد لقطع الجسر الاول الذى
كان على نهر أبى الخصيب لما في ذلك من منع معاونة بعضهم بعضا عند وقوع
الحرب في نواحى عسكرهم فأمر بإعداد سفينة كبيرة تملا قصبا قد سقى النفط
وأن ينصب في وسط السفينة دقل طويل يمنعها من مجاوزة الجسر إذا الصقت به
ـ122ـ
وانتهز الفرصة في غفلة الفسقة وتفرقهم فلما وجد ذلك في آخر النهار قدمت
السفينة فجرها الشذا حتى وردت النهر وأشعل فيها النيران وأرسلت وقد قوى
المد فوافت القنطرة ونذر الزنج بها وتجمعوا وكثروا حتى ستروا الجسر وما يليه
وجعلوا يقذفون السفينة بالحجارة والآجر ويهيلون عليها التراب ويصبون الماء
وغاص بعضهم فنقبها وقد كانت أحرقت من الجسر شيئا يسيرا فأطفأه الفسقة
وغرقوا السفينة وحازوها فصارت في أيديهم فلما رأى أبوأحمد فعلهم ذلك عزم
على مجاهدتهم على هذا الجسر حتى يقطعه فسمى لذلك قائدين من قواد غلمانه
وأمرهما بالعبور في جميع أصحابهما في السلاح الشاك واللامة الحصينة والآلات
المحكمة وإعداد النفاطين والآلات التى تقطع بها الجسور فأمر أحد القائدين أن
يقصد غربى النهر وجعل الآخر في شرقيه وركب الموفق في مواليه وخدامه
وغلمانه الشذوات وا لسميريات وقصد فوهة نهر أبى الخصيب وذلك في غداة يوم
السبت لاربع عشرة ليلة خلت من شوال سنة 269 فسبق إلى الجسر القائد الذى
كان أمر بالقصد له من غربى نهر أبى الخصيب فأوقع بمن كان موكلا به من أصحاب
الفاسق وقتلت منهم جماعة وضرب الجسر بالنار وطرح عليه القصب وما كان أعد
له من الاشياء المحرقة فانكشف من كان هناك من أعوان الخبيث ووافى بعد ذلك
من كان أمر بالقصد للجسر من الجانب الشرقى ففعلوا ما أمروا به من إحراقه
وقد كان الخبيث أمر ابنه أنكلاى وسليمان بن جامع بالمقام في جيشهما للمحاماة
عن الجسر والمنع من قطعه ففعلا ذلك فقصد إليهما من كان بإزائهما وحاربوهم حربا
غليظا حتى انكشفا وتمكنوا من إحراق الجسر فأحرقوه وتجاوزوه إلى الحظيرة
التى كان يعمل فيها شذوات الفاسق وسميرياته وجميع الآلات التى كان يحارب
بها فأحرق ذلك عن آخره الا شيئا يسيرا من الشذوات وا لسميريات كان في النهر
وانهزم انكلاى وسليمان بن جامع وانتهى غلمان الموفق إلى سجن كان للخبيث
في غربى نهر أبى الخصيب فحامى عنه الزنج ساعة من النهار حتى أخرجوا منه جماعة
وغلبهم عليه غلمان الموفق فتخلصوا من كان فيه من الرجال والنساء وتجاوز
ـ123ـ
من كان في الجانب الشرقى من غلمان الموفق بعد أن أحرقوا ما ولوا من الجسر
إلى الموضع المعروف بدار مصلح وهو من قدماء قواد الفاسق فدخلوا داره
وأنهبوها وسبوا ولده ونساءه وأحرقوا ما تهيأ لهم إحراقه في طريقهم وبقيت من
الجسر في وسط منه ادقال قد كان الخبيث أحكمها فأمر الموفق أ باالعباس بتقديم
عدة من الشذا إلى ذلك الموضع ففعل ذلك فكان فيمن تقدم زيرك في عدد من
أصحابه فوافى هذه الادقال وأخرجوا اليها قوما كانوا أعدوهم لهما معهم الفؤوس
والمناشير فقطعوها وجذبت وأخرجت عن النهر وسقط ما بقى من القنطرة ودخلت
شذوات الموفق النهر وسار القائدان في جميع أصحابهما على حافتيه فهزم أصحاب
الفاجر في الجانبين وانصرف الموفق وجميع أصحابه سالمين واستنقذ خلق كثير وأتى
الموفق بعدد كثير من رؤوس الفسقة فأثاب من أتاه بها وأحسن اليه ووصله وكان
انصرافه في هذا اليوم على ثلاث ساعات من النهار بعد أن انحاز الفاسق وجميع
أصحابه من الزنج وغيرهم إلى الجانب الشرقى من نهر أبى الخصيب وأخلوا غربيه
واحتوى عليه أصحاب الموفق فهدموا ما كان يعوق عن محاربة الفجرة من قصور
الفاسق وقصور أصحابه ووسعوا مخترقات ضيقة كانت على نهر أبى الخصيب فكان
ذلك مما زاد في رعب أصحاب الخائن ومال جمع كثير من قواده وأصحابه الذين كان
لايرى أنهم يفارقونه إلى طلب الامان فبذل ذلك فخرجوا أرسالا فقبلوا وأحسن
اليهم وألحقوا بنظرائهم في الارزاق والصلات والخلع ثم إن الموفق واظب على
ادخال الشذا النهر وتقحمه في غلمانه وأمر بإحراق ما على حافتيه من منازل الفجرة
وما في بطنه من السفن وأحب تمرين أصحابه على دخول النهر وتسهيل سلوكه لهم
لما كان يقدرمن احراق الجسر الثانى والتوصل إلى أقصى مواضع الفجرة فبينا
الموفق في بعض أيامه التى ألح فيها على حرب الخبيث وولوج نهر أبى الخصيب واقف
في موضع من النهر وذلك في يوم جمعة إذا استأمن اليه رجل من أصحاب الفاجر
وأتاه بمنبر كان للخبيث في الجانب الغربى فأمره بنقله اليه ومعه قاض كان للخبيث
في مدينته فكان ذلك ممافت في أعضادهم وكان الخبيث جمع ما كان بقى له من السفن
ـ124ـ
البحرية وغيرها فجعلها عند الجسر الثانى وجمع قواده وأصحابه وأنجاد رجاله هنالك
فأمر الموفق بعض غلمانه بالدنو من الجسر واحراق ما تهيأ احراقه من المراكب البحرية
التى تليه وأخذ ما أمكن أخذه منها ففعل ذلك المأمورون به من الغلمان فزاد فعلهم
في تحرز الفاجر ومحاماته عن الجسر الثانى فألزم نفسه وجميع أصحابه حفظه
وحراسته خوفا من أن تهيأ حيلة فيخرج الجانب الغربى عن يده ويوطئه
أصحاب الموفق فيكون ذلك سببا لاستئصاله فأقام الموفق بعد احراق الجسر
الاول أياما يعبر بجمع بعد جمع من غلمانه إلى الجانب الغربى من نهر أبى الخصيب
فيحرقون ما بقى من منازل الفجرة ويقربون من الجسر الثانى فيحاربهم عليه
الزنج وقد كان تخلف منهم جمع في منازلهم في الجانب الغربى المقاربة للجسر
الثانى وكان غلمان الموفق يأتون هذا الموضع ويقفون على الطرق والمسالك
التى كانت تخفى عليهم من عسكر الخبيث فلما وقف الموفق على معرفة غلمانه
وأصحابه بهذه الطريق واهتدائهم لسلوكها عزم على القصد لاحراق الجسر الثانى
ليحوز الجانب الغربى من عسكر الخبيث وليتهيأ لاصحابه مساواتهم على أرض
واحدة لا يكون بينهما فيها حائل غير نهر أبى الخصيب فأمر الموفق عند ذلك
أ باالعباس بقصد الجانب الغربى في أصحابه وغلمانه وذلك في يوم السبت لثمان بقين
من شوال سنة 269 وتقدم اليه أن يجعل خروجه بأصحابه في موضع البناء الذى
كان الفاجر سماه مسجد الجامع وأن يأخذ الشارع المؤدى إلى الموضع الذى كان
الخبيث اتخذه مصلى يحضره في أعياده فاذا انتهى إلى موضع المصلى عطف منه
إلى الجبل المعروف بجبل المكتنى بأبى عمر وأخى المهلبى وضم اليه من قواد
غلمانه الفرسان والرجالة زهاء عشرة آلاف وأمره أن يرتب زيرك صاحب
مقدمته في أصحابه في صحراء المصلى ليأمن خروج كمين إن كان للفسقة من
ذلك الموضع وأمر جماعة من قواد الغلمان أن يتفرقوا في الجبال التى فيها بين
الجبل المعروف بالمكتنى بأبى عمرو وبين الجبل المعروف بالمكتنى أبا مقاتل
الزنجى حتى توافوا جميعا من هذه الجبال موضع الجسر الثانى في نهر أبى الخصيب
ـ125ـ
وتقدم إلى جماعة من قواد الغلمان المضمومين إلى أبى العباس أن يخرجوا في
أصحابهم بين دار الفاسق ودار ابنه انكلاى فيكون مسيرهم على شاطئ نهر
أبى الخصيب وما قاربه ليتصلوا بأوائل الغلمان الذين يأتون على الجبال ويكون
قصد الجميع إلى الجسر وأمرهم بحمل الآلات من المعاول والفؤوس والمناشير
مع جمع من النفاطين لقطع ما يتهيأ قطعه واحراق ما يتهيأ إحراقه وأمر راشدا
مولاه بقصد الجانب الشرقى من نهر أبى الخصيب في مثل العدة التى كان مع أبى العباس
وقصد الجسر ومحاربة من يدافع عنه ودخل أبوأحمد نهر أبى الخصيب في الشذا وقد
أعد منها شذوات رتب فيها من انجاد غلمانه الناشبة والرامحة من ارتضاه وأعد معهم
من الآلات التى يقطع بها الجسر ما يحتاج اليه لذلك وقدمهم أمامه في نهر أبى الخصيب
واشتبكت الحرب في الجانبين جميعا بين الفريقين واشتد القتال وكان في الجانب
الغربى بإزاء أبى العباس ومن معه انكلاى ابن الفاسق في جيشه وسليمان بن جامع
في جيشه وفى الجانب الشرقى بازاء راشد ومن معه الفاجر صاحب الزنج والمهلبى
في باقى جيشهم فكانت الحرب في ذلك اليوم إلى مقدار ثلاث ساعات من النهارثم
انهزمت الفسقة لا يلوون على شئ وأخذت السيوف منهم مأخذها وأخذ من
رؤس الفسقة ما لم يقع عليه احصاء لكثرته فكان الموفق إذا أتى برأس من الرؤوس
أمر بالقائه في نهر أبى الخصيب ليدع المقاتلة الشغل بالرؤوس ويجدوا في اتباع
عدوهم وأمر أصحاب الشذا الذين رتبهم في نهر أبى الخصيب بالدنو من الجسر
وإحراقه ودفع من تحامى عنه من الزنج بالسهام ففعلوا ذلك وأضرموا الجسر
نارا ووافى انكلاى وسليمان في ذلك الوقت جريحين مهزومين يريدان العبور
إلى شرقى نهر أبى الخصيب فحالت النار بينهما وبين الجسر فألقوا أنفسهما ومن
كان معهما من حماتهم في نهر أبى الخصيب فغرق منهم خلق كثير وأفلت انكلاى
وسليمان بعد أن أشفيا على الهلاك واجتمع على الجسر من الجانبين خلق كثير فقطع
بعد أن ألقيت عليه سفينة مملوءة قصبا مضروما بالنار فأعانت على قطعه وإحراقه
وتفرق الجيش في نواحى مدينة الخبيث من الجانبين جميعا فأحرقوا من دورهم
ـ126ـ
وقصورهم وأسواقهم شيئا كثيرا واستنقذوا من النساء ا لمأسورات والاطفال
مالا يحصى عدده وأمر الموفق بحملهم المقاتلة في سفنهم والعبور بهم إلى الموفقية
وقد كان الفاجر سكن بعد إحراق قصره ومنازله الدار المعروفة بأحمد بن موسى
القلوص والدار المعروفة بمحمد بن ابراهيم أبى عيسى وأسكن ابنه انكلاى الدار
المعروفة بمسالك ابن أخت القلوص فقصد جماعة من غلمان الموفق المواضع التى
كان الخبيث يسكنها فدخلوها وأحرقوا منها مواضع وانتهبوا منها ما كان سلم للفاسق
من الحريق الاول وهرب الخبيث ولم يوقف في ذلك اليوم على مواضع أمواله
واستنقذ في هذا اليوم نسوة علويات كن محتبسات في موضع قريب من داره التى
كان يسكنها فأمر الموفق بحملهن إلى عسكره وأحسن اليهن ووصلهن وقصد جماعة
من غلمان الموفق ومن المستأمنة المضمومين إلى أبى العباس سجنا كان الفاسق
اتخذه في الجانب الشرقى من نهر أبى الخصيب ففتحوه وأخرجوا منه خلقا
كثيرا ممن كان أسر من العساكر التى كانت تحارب الفاسق وأصحابه ومن سائر الناس
غيرهم فأخرج جميعهم في قيودهم وأغلالهم حتى أتى بهم الموفق فأمر بفك الحديد عنهم
وحملهم إلى الموفقية وأخرج في ذلك اليوم كل ما كان بقى في نهر أبى الخصيب من
شذا ومراكب بحرية وسفن صغار وكبار وحراقات وزلالات وغير ذلك من
أصناف السفن من النهر إلى دجلة وأباحها الموفق أصحابه وغلمانه معه ما فيها من
السلب والنهب الذى حازوا في ذلك اليوم من عسكر الخبيث وكان لذلك قدر
جليل وخطر عظيم ( وفيها ) كان احدار المعتمد إلى واسط فصار اليها في
ذى القعدة وأنزل دار زيرك ( وفيها ) سأل انكلاى ابن الفاسق أبا أحمد الموفق
الامان وأرسل اليه في ذلك رسولا وسأل أشياء فأجابه الموفق إلى كل ما سأله ورد
اليه رسوله وعرض للموفق بعقب ذلك ما شغله عن الحرب وعلم الفاسق أبوانكلاى
بما كان من ابنه فعذله فيما ذكر على ذلك حتى ثناه عن رأيه في طلب الامان فعاد
للجد في قتال أصحاب الموفق ومباشرة الحرب بنفسه ( وفيها ) وجه أيضا سليمان
ابن موسى الشعرانى وهو أحد رؤساء أصحاب الفاسق من يطلب الامان له من
ـ127ـ
أبى أحمد فمنعه أبوأحمد ذلك لما كان سلف منه من العبث وسفك الدماء ثم اتصل
به أن جماعة من أصحاب الخبيث قد استوحشوا لمنعه ذلك الشعرانى فأجابه أبوأحمد
إلى إعطائه الامان استصلاحا بذلك غيره من أصحاب الفاسق وأمر بتوجيه
الشذا إلى الموضع إلى واعدهم الشعرانى ففعل ذلك فخرج الشعرانى وأخوه
وجماعة من قواده فحملهم في الشذا وقد كان الخبيث حرس به مؤخر نهر أبى الخصيب
فحمله أ بوالعباس إلى الموفق فمن عليه ووفى له بأمانه وأمر به فوصل ووصل
أصحابه وخلع عليهم وحمل على عدة أفراس بسروجها وآلتها ونزله وأصحابه أبزالا
سنية وضمه وإياهم إلى أبى العباس وجعله في جملة أصحابه وأمره بإظهاره في الشذا
لاصحاب الخائن ليزدادوا ثثقة بأمانه فلم يبرح الشذا من موضعها من نهر أبى الخصيب
حتى استأمن جمع كثير من قواد الزنج وغيرهم فحملوا إلى أبى أحمد فوصلهم وألحقهم
في الخلع والجوائز بمن تقدمهم ولما استأمن الشعرانى اختل ما كان الخبيث يضبط
به من مؤخر عسكره ووهى أمره وضعف فقلد الخبيث ما كان إلى الشعرانى من
حفظ ذلك شبل بن سالم وأنزله مؤخر نهر أبى الخصيب فلم يمس الموفق من اليوم
الذى أظهر فيه الشعرانى لاصحاب الخبيث حتى وافاه رسول شبل بن سالم بطلب
الامان ويسأل أن يوقف شذوات عند دار ابن سمعان ليكون قصده فيمن يصحبه
من قواده ورجاله في الليل إليها فأعطى الامان ورد إليه رسوله ووقفت له
الشذا في الموضع الذى سأل أن توقف له فوافاها في آخر الليل ومعه عياله وولده
وجماعة من قواده ورجاله وشهر أصحابه سلاحهم وتلقاهم قوم من الزنج قدكان
الخبيث وجههن لمنعه من المصير إلى الشذا وقد كان خبره انتهى إليه فحاربهم شبل
وأصحابه وقتلوا منهم نفرا فصاروا إلى الشذا سالمين فصيربهم إلى قصر الموفق
بالموفقية فوافاه وقد ابتلج الصبح فأمر الموفق أن يوصل شبل بصلة جزيلة وخلع
عليه خلعا كثيرة وحمله على عدة أفراس بسروجها ولجمها وكان شبل هذا من عدد
الخبيث وقدماء أصحابه وذوى الغناء والبلاء في نصرته ووصل أصحاب شبل
وخلع عليهم وأسنيت له ولهم الارزاق والانزال وضموا جميعا إلى قائد من قواد
ـ128ـ
غلمان الموفق ووجه به وبأصحابه في الشذا فوقفوا بحيث يراهم الخبيث وأشياعه
فعظم ذلك على الفاسق وأوليائه لما رأوا من رغبة رؤسائهم في اغتنام الامان
وتبين الموفق من مناصحة شبل وجودة فهمه ما دعاه إلى أن يستكفيه بعض
الامور التى يكيد بها الخبيث فأمره بتبييت عسكر الخبيث في جمع أمر بضمهم
إليه من أبطال الزنج المستأمنة وأفراده وإياهم بما أمرهم به من البيات لعلمهم
بالمسالك في عسكر الخبيث فنفذ شبل لما أمر به فقصد موضعا كان عرفه فكبسه
في السحر فوافى به جمعا كثيفا من الزنج في عدة من قوادهم وحماتهم قد كان الخبيث
رتبهم في الدفع عن الدار المعروفة بأبى عيسى وهى منزل الخبيث حينئذ فأوقع بهم
وهم غارون فقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر جمعا من قواد الزنج وأخذ لهم سلاحا
كثيرا وانصرف ومن كان معه سالمين فأتى بهم الموفق فأحسن جائزتهم وخلع
عليهم وسور جماعة منهم ولما أوقع أصحاب شبل بأصحاب الخائن هذه الوقعة
ذعرهم ذلك ذعرا شديدا وأخافهم ومنعهم النوم فكانوا يتحارسون في كل ليلة
ولا تزال النفرة تقع في عسكرهم لما استشعروا من الخوف ووصل إلى قلوبهم
من الوحشة حتى لقد كان ضجيجهم وتحارسهم يسمع بالموفقية * ثم أقام الموفق
بعد ذلك ينفذ السرايا إلى الخبثة ليلا ونهارا من جانبى نهر أبى الخصيب ويكدهم
بالحرب ويسهر ليلهم ويحول بينهم وبين طلب أقواتهم وأصحابه في ذلك يتعرفون
المسالك ويتدربون بالوغول في مدينة الخبيث وتقحمها ويصرون من ذلك على
ما كانت الهيبة تحول بينهم وبينه حتى إذا ظن الموفق أن قد بلغ أصحابه ما كانوا
يحتاجون اليه صح عزمه على العبور إلى محاربة الفاسق في الجانب الشرقى من
نهر أبى الخصيب فجلس مجلسا عاما وأمر بإحضار قواد المستأمنة ووجوه فرسانهم
ورجالتهم من الزنج والبيضان فأدخلوا إليه ووقفوا إليه ووقفوا بحيث يسمعون
كلامه ثم خاطبهم فعرفهم ما كانوا عليه من الضلالة والجهل وانتهاك المحارم
وما كان الفاسق دين لهم من معاصى الله وأن ذلك قد كان أباح له دماءهم وأنه
قد غفر الزلة وعفا عن الهفوة وبذل الامان وعاد على من لجأ إليه بفضلة فأجزل
ـ129ـ
الصلات وأسنى الارزاق وألحقهم بالاولياء وأهل الطاعة وأن ما كان منهم
من ذلك يوجب عليهم حقه وطاعته وأنهم لن يأتوا شيئا يتعرضون به لطاعة
ربهم والاستدعاء لرضاء سلطانهم أولى بهم من الجد والاجتهاد في مجاهدة عدو
الله الخائن وأصحابه وأنهم من الخبرة بمسالك عسكر الخبيث ومضايق طرق مدينته
والمعاقل التى أعدها للهرب إليها على ما ليس عليه غيرهم فهم أحرياء أن يمحضوه
نصيحتهم ويجتهدوا في الولوج على الخبيث والتوغل اليه في حصونه حتى يمكنهم
الله منه ومن أشياعه فاذا فعلوا ذلك فلهم الاحسان والمزيد وأن من قصر
منهم استدعى من سلطانه إسقاط حاله وتصغير منزلته ووضع مرتبته فارتفعت
أصواتهم جميعا بالدعاء للموفق والاقرار بإحسانه وبما هم عليه من صحة الضمائر في
السمع والطاعة والجد في مجاهدة عدوه وبذل دمائهم ومهجهم في كل ما يقربهم
منه وأن ما دعاهم اليه قد قوى نيتهم ودلهم على ثقته بهم وإحلاله إياهم محل أوليائه
وسألوه أن يفردهم بناحية يحاربون فيها فيظهر من حسن نياتهم ونكايتهم في
العدو ما يعرف به إخلاصهم وتورعهم عما كانوا عليه من جهلهم فأجابهم
الموفق إلى ما سألوا وعرفهم حسن موقع ما ظهر له من طاعتهم وخرجوا من
عنده مبتهجين بما أجيبوا به من حسن القول وجميل الوعد ( وفى ذى القعدة )
من هذه السنة دخل الموفق مدينة الفاسق بالجانب الشرقى من نهر أبى الخصيب
فخرب داره وانتهب ما كان فيها
ذكر الخبر عن هذه الوقعة
ذكر أن أبا أحمد لما عزم على الهجوم على الفاسق في مدينته بالجانب الشرقى
من نهر أبى الخصيب أمر بجمع السفن والمعابر من دجلة والبطيحة ونواحيها
ليضيفها إلى ما في عسكره إذ كان ما في عسكره مقصرا عن الجيش لكثرته وأحصى
ما في الشذا وا لسميريات والرقيات التى كانت تعبرفيها الخيل فكانوا زهاء عشرة
آلاف ملاح ممن يجرى عليه الرزق من بيت المال مشاهرة سوى سفن أهل العسكر
التى يحمل فيها الميرة ويركبها الناس في حوائجهم وسوى ما كان لكل قائد ومن
ـ130ـ
يحضر من أصحابه من ا لسميريات وا لجريبيات والزواريق التى فيها الملاحون
الراتبة فلما تكاملت له السفن والمعابر ورضى عددها تقدم إلى أبى العباس وإلى
قواد مواليه وغلمانه في التأهب والاستعداد للقاء عدوهم وأمر بتفرقة السفن
والمعابر إلى حمل الخيل والرجالة وتقدم إلى أبى العباس في أن يكون خروجه في
جيشه في الجانب الغربى من نهر أبى الخصيب وضم اليه قوادا من قواد غلمانه في
زهاء ثمانية آلاف من أصحابهم وأمره أن يعمد مؤخر عسكر الفاسق حتى يتجاوز
دار المعروف بالمهلبى وقد كان الخبيث حصنها وأسكن بقربها خلقا كثيرا من
أصحابه ليأمن على مؤخر عسكره وليصعب على من يقصده المسلك إلى هذا
الموضع فأمر أبوأحمد أ باالعباس بالعبور بأصحابه إلى الجنب الغربى من نهر أبى
الخصيب وأن يأتى هذه الناحية من ورائها وأمر راشدا مولاه بالخروج في الجانب
الشرقى من نهر أبى الخصيب في عدد كثير من الفرسان والرجالة زهاء عشرين
ألفا وأمر بعضهم بالخروج في ركن دار المعروف ب الكرنبائى كاتب المهلبى وهى
على قرنة نهر أبى الخصيب في الجانب الشرقى منه وأمرهم أن يجعلوا مسيرهم على
شاطئ النهر حتى يوافوا الدار التى نزلها الخبيث وهى الدار المعروفة بأبى عيسى
وأمر فريقا من غلمانه بالخروج على فوهة النهر المعروف بأبى شاكر وهو أسفل
من نهر أبى الخصيب وأمر آخرين منهم بالخروج في أصحابهم على فوهة النهر
المعروف بجوى كور وأوعز إلى الجميع في تقديم الرجالة أمام الفرسان وأن يزحفوا
بجميعهم نحو دار الخائن فان أظفرهم الله به وبمن فيها من أهله وولده وإلاقصدوا
دار المهلبى ليلقاهم هناك من أمر بالعبور مع أبى العباس فتكون أيديهم يدا واحدة
على الفسقة فعمل أ بوالعباس وراشد وسائر قواد الموالى والغلمان بما أمروا به
فظهروا جميعا وأبرزوا سفنهم في عشية يوم الاثنين لسبع ليال خلون من ذى القعدة
سنة 269 وسار الفرسان يتلو بعضهم بعضا ومشت الرجالة وسارت السفن
في دجلة منذ صلاة الظهر من يوم الاثنين إلى آخر وقت عشاء الآخرة من ليلة
الثلاثاء فانتهوا إلى موضع من أسفل العسكر وكان الموفق أمر باصلاحه وتنظيفه وتنقية
ـ131ـ
ما فيه من خراب ودغل وطم سواقيه وأنهاره حتى استوى واتسع وبعدت اقطاره
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 131 سطر 1 الى ص 140 سطر 25
ما فيه من خراب ودغل وطم سواقيه وأنهاره حتى استوى واتسع وبعدت اقطاره
واتخذ فيه قصرا وميدانا لعرض الرجال والخيل بازاء قصر الفاسق وكان غرضه في
ذلك إبطال ما كان الخبيث يعد به أصحابه من سرعة انتقاله عن موضعه فأراد
أن يعلم الفريقين أنه غير راحل حتى يحكم الله بينه وبين عدوه فبات الجيش ليلة
الثلاثاء في هذا الموضع بإزاء عسكر الفاسق وكان الجميع زهاء خمسين ألف درجل
من الفرسان وللرجالة في أحسن زي ؟ ؟ وأكمل هيئة وجعلوا يكبرون ويهللون ويقرأون
القرآن ويصلون ويوقدون النار فرأى الخبيث من كثرة الجمع والعدة والعدد ما بهر
عقله وعقول أصحابه وركب الموفق في عشية يوم الاثنين الشذا وهى يومئذ مائة
وخمسون شذاة قد شحنها بأنجاد غلمانه ومواليه الناشبة والرامحة ونظمها من أول
عسكر الخائن إلى آخره لتكون حصنا للجيش من ورائه وطرحت أناجرها بحيث
تقرب من الشط وأفرد منها شذوات اختارها لنفسه ورتب فيها من خاصة قواد
غلمانه ليكونوا معه عند تقحمه نهر أبى الخصيب وانتخب من الفرسان والرجالة
عشرة آلاف وأمرهم أن يسيروا على جانبى نهر أبى الخصيب بمسيره ويقفوا
بوقوفه ويتصرفوا فيما رأى أن يصرفهم فيه في وقت الحرب وغدا الموفق يوم
الثلاثاء لقتال الفاسق صاحب الزنج وتوجه كل رئيس من رؤساء قواده نحو
الموضع الذى أمر بقصده وزحف الجيش نحو الفاسق وأصحابه فتلقاهم الخبيث
في جيشه واشتبكت الحرب وكثر القتل والجراح بين الفريقين وحامى الفسقة
عما كانوا اقتصروا عليه من مدينتهم أشد محاماة واستماتوا وصبر أصحاب الموفق
وصدقوا القتال فمن الله عليهم بالنصر وهزم الفسقة فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا
من مقاتلتهم وأنجادهم جمعا كثيرا وأتى الموفق بالاسارى فأمر بهم فضربت
أعناقهم في المعركة وقصد بجمعه لدار الفاجر فوافاها وقد لجأ الخبيث اليها وجمع
أنجاد أصحابه للمدافعة عنها فلما لم يغنوا عنها شيئا أسلمها وتفرق أصحابه عنها ودخلها
غلمان الموفق وفيها بقايا ما كان سلم للخبيث من ماله وأثاثه فانتهبوا ذلك كله
وأخذوا حرمه وولده الذكور والاناث وكانوا أكثر من مائة بين امرأة وصبى
ـ132ـ
وتخلص الفاسق ومضى هاربا نحو دار المهلبى لايلوى على أهل ولا مال وأحرقت
داره وما بقى فيها من متاع وأثاب وأتى الموفق بنساء الخبيث وأولاده فأمر بحملهم
إلى الموفقية والتوكيل بهم والاحسان اليهم وكان جماعة من قواد أبى العباس عبروا
نهر أبى الخصيب وقصدوا الموضع الذى أمروا بقصده من دار المهلبى ولم ينتظروا
إلحاق أصحابهم بهم فوافوا دار المهلبى وقد لجأ اليها أكثر الزنج بعد انكشافهم
عن دار الخبيث فدخل أصحاب أبى العباس الدار وتشاغلوا بالنهب وأخذ ما كان
غلب عليه المهلبى من حرم المسلمين وأولاده منهن وجعل كل من ظفر
بشئ انصرف به إلى سفينته في نهر أبى الخصيب وتبين الزنج قلة من بقى منهم
وتشاغلهم بالنهب فخرجوا عليهم من عدة مواضع قد كانوا كمنوا فيها فأزالوهم عن
مواضعهم فانكشفوا واتبعهم الزنج حتى وافوا بر ؟ ؟ أبى الخصيب وقتلوا من فرسانهم
ورجالتهم جماعة يسيرة وارتجعوا بعض ما كانوا أخذوا من النساء والمتاع وكان
فريق من غلمان الموفق وأصحابه الذين قصدوا دار الخبيث في شرقى نهر أبى
الخصيب تشاغلوا بالنهب وحمل الغنائم إلى سفنهم فأطمع ذلك الزنج فيهم فأكبوا
عليهم فكشفوهم واتبعوا آثارهم إلى الموضع المعروف بسوق الغنم من عسكر
الزنج فثبتت جماعة من قواد الغلمان في أنجاد أصحابهم وشجعانهم فردوا وجوه
الزنج حتى ثاب الناس وتراجعوا إلى مواقفهم ودامت الحرب بينهم إلى وقت صلاة
العصر فأمر أبوأحمد عند ذلك غلمانه أن يحملوا على الفسقة بأجمعهم حملة صادقة
ففعلوا ذلك فانهزم الزنج وأخذتهم السيوف حتى انتهوا إلى دار الخبيث فرأى الموفق
عند ذلك أن يصرف غلمانه وأصحابه على إحسانهم فأمرهم بالرجوع فانصرفوا
على هدو وسكون فأقام الموفق في النهر ومن معه في الشذا يحميهم حتى دخلوا
سفنهم وأدخلوها خيلهم وأحجم الزنج عن اتباعهم لما نالهم في آخر الوقعة وانصرف
الموفق ومعه أ بوالعباس وسائر قواده وجميع جيشه قد غنموا أموال الفاسق
واستنقذوا جمعا من النساء اللواتى كان غلب عليهن من حرم المسلمين كثيرا جعلن
يخرجن في ذلك اليوم إرسالا إلى فوهة نهر أبى الخصيب فيحملن في السفن إلى
ـ133ـ
الموفقية إلى انقضاء الحرب وكان الموفق تقدم إلى أبى العباس في هذا اليوم أن ينفذ
قائدا من قواده في خمس شذوات إلى مؤخر عسكر الخبيث بنهر أبى الخصيب
لاحراق بيادر ثم جليل قدرها كان الخبيث يقوت أصحابه منها من الزنج وغيرهم
ففعل ذلك وأحرق أكثره وكان إحراق ذلك من أقوى الاشياء على ادخال الضعف
على الفاسق وأصحابه إذ لم يكن لهم معول في قوتهم غيره فأمر أبوأحمد بالكتاب
بما تهيأ له على الخبيث وأصحابه في هذا اليوم إلى الآفاق ليقرأ على الناس ففعل
ذلك ( وفى يوم الاربعاء ) لليلتين خلتا من ذى الحجة من هذه السنة وافى عسكر
أبى أحمد صاعد بن مخلد كاتبه منصرفا اليه من سامرا ووافى معه بجيش كيف
قيل إن عدد الفرسان والرجالة الذين قدموا كان زهاء عشرة آلاف فأمر الموفق
بإراحة أصحابه وتجديد أسلحتهم وإصلاح أمورهم وأمرهم بالتأهب لمحاربة الخبيث
فأقام أياما بعد قدومه لما أمر به فهم في ذلك من أمرهم إذ ورد كتاب لؤلؤ
صاحب ابن طولون مع بعض قواده يسأله فيه الاذن له في القدوم عليه ليشهد عليه
حرب الفاسق فأجابه إلى ذلك فأذن له في القدوم عليه وأخر ما كان عزم عليه
من مناجزة الفاجر انتظارا منه قدوم لؤلؤ وكان لؤلؤ مقيما بالرقة في جيش عظيم
من الفراغنة والاتراك والروم والبربر والسودان وغيرهم من نخبة أصحاب ابن
طولون فلما ورد على لؤلؤ كتاب أبى أحمد بالاذن له في القدوم عليه شخص من ديار
مضر حتى ورد مدينة السلام في جميع أصحابه وأقام بها مدة ثم شخص إلى أبى أحمد
فوافاه بعسكره يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة 270 فجلس له أبوأحمد وحضر
ابنه أ بوالعباس وصاعد والقواعد على مراتبهم فأدخل عليه لؤلؤ في زى حسن فأمر
أ بوالعباس أن ينزل معسكرا كان أعد له بإزاء نهر أبى الخصيب فنزله في أصحابه
وتقدم اليه في مباكرة المصير إلى دار الموفق ومعه قواده وأصحابه للسلام عليه
فغدا لؤلؤ يوم الجمعة لثلاث خلون من المحرم وأصحابه معه في السواد فوصل إلى الموفق وسلم عليه فقربه وأدناه ووعده وأصحابه خيرا وأمر أن يخلع عليه
وعلى خمسين ومائة قائد من قواده وحمله على خيل كثيرة بالسروج واللجم المحلاة
ـ134ـ
بالذهب والفضة وحمل بين يديه من أصناف الكسى والاموال في البدور ما يحمله
مائة غلام وأمر لقواده من الصلات والحملان والكسى على قدر محل كل
إنسان مهم عنده وأقطعه ضياعا جليلة القدر وصرفه إلى عسكره بإزاء نهر
أبى الخصيب بأجمل حال وأعدت له ولاصحابه الانزال و العلوفات وأمره
برفع جرائد لاصحابه بمبلغ أرزاقهم على مراتبهم فرفع ذلك فأمر لكل إنسان
منهم بالضعف مما كان يجرى له وضع لهم العطاء عند رفع الجرائد ووفوا ما رسم
لهم ثم تقدم إلى لؤلؤ في التأهب والاستعداد للعبور إلى غربى دجلة لمحاربة
الفاسق وأصحابه وكان الخبيث لما غلب على نهر أبى الخصيب وقطعت القناطر
والجسور التى كانت عليه أحدث سكرا في النهر من جانبيه وجعل في وسط
السكر بابا ضيقا ليحتد فيه جرية الماء فيمتنع الشذا من دخوله في الجزر ويتعذر
خروجها منه في المد فرأى أبوأحمد أن حربه لايتهيأ له إلا بقلع هذا السكر
فحاول ذلك فاشتدت محاماة الفسقة عنه وجعلوا يزيدون فيه في كل يوم وليلة
وهو متوسط دورهم والمؤونة لذلك تسهل عليهم وتغلظ على من حاول قلعه
فرأى أبوأحمد أن يحارب بفريق بعد فريق من أصحاب لؤلؤ ليضروا لمحاربة
الزنج ويقفوا على المسالك والطرق في مدينتهم فأمر لؤلؤ أن يحضر في جماعة
من أصحابه للحرب على هذا السكر وأمر بإحضار الفعلة لقلعه ففعل فرأى الموفق
من نجدة لؤلؤ وإقدامه وشجاعة أصحابه وصبرهم على ألم الجراح وثبات العدة
اليسيرة منهم في وجوه الجمع الكثير من الزنج ماسره فأمر لؤلؤا بصرف أصحابه
إشفاقا عليهم وضنا بهم فوصلهم الموفق وأحسن إليهم وردهم إلى معسكرهم وألح
الموفق على هذا السكر فكانب يحارب المحامين عنه من أصحاب الخبيث بأصحاب
لؤلؤ وغيرهم والفعلة يعملون في قلعه ويحارب الفاجر وأشياعه من عدة وجوه
فيحرق مساكنهم ويقتل مقاتلتهم ويستأمن إليه الجماعة بعد الجماعة من رؤسائهم
وكانت قد بقيت للخبيث وأصحابه أرضون من ناحية نهر الغربى كان لهم فيها مزارع
وخضر وقنطرتان على نهر الغربى يعبرون عليها إلى هذه الارضين فوقف أ بوالعباس
ـ135ـ
على ذلك فقصد لتلك الناحية واستأذن الموفق في ذلك فأذن له وأمره
باختيار الرجال وأن يجعلهم شجعاء أصحابه وغلمانه ففعل أ بوالعباس ذلك وتوجه
نحو نهر الغربى وجعل زيرك كمينا في جمع من أصحابه في غربى النهر وأمر رشيقا
غلامه أن يقصد في جمع كثير من أنجاد رجاله ومختاريهم للنهر المعروف بنهر
العميسيين ليخرج في ظهور الزنج وهم غارون فيوقع بهم في هذه الارضين وأمر
زيرك أن يخرج في وجوههم إذا أحس بانهزامهم من رشيق وأقام أ بوالعباس
في عدة شذوات قد انتخب مقاتلتها واختارهم في فوهة نهر الغربى ومعه من
غلمانه البيضان والسودان عدد قد رضيه فلما ظهر رشيق للفجرة في شرقى نهر
الغربى راعهم فأقبلوا يريدون العبور إلى غربيه ليهربوا إلى عسكرهم فلما عاينهم
أ بوالعباس اقتحم النهر بالشذوات وبث الرجالة على حافتيه فأدركوهم ووضعوا
السيف فيهم فقتل منهم في النهر وعلى ضفتيه خلق كثير وأسر منهم أسرى وأفلت
آخرون فتلقاهم زيرك في أصحابه فقتلوهم ولم يفلت منهم إلا الشريد وأخذ أصحاب
أبى العباس من أسلحتهم ما ثقل عليهم حمله حتى ألقوا أكثره وقطع أ بوالعباس
القنطرتين وأمر بإخراج ما كان فيهما من البدود والخشب إلى دجلة وانصرف
إلى الموفق بالاسارى والرؤوس فطيف بها في العسكر وانقطع عن الفسقة ما كانوا
يرتفقون به من المزارع التى كانت بنهر الغربى ( وفى ذى الحجة ) من هذه السنة
أعنى سنة 269 أدخل عيال صاحب الزنج وولده بغداد ( وفيها ) سمى صاعد
ذا الوزارتين ( وفى ذى الحجه ) منها كانت وقعة بين قائدين وجيش معهما لابن
طولون كان أحدهما يسمى محمد بن السراج والآخر منهما يعرف بالغنوى كان
ابن طولون وجههما فوافيا مكة يوم الاربعاء لليلتين بقيتا من ذى القعدة في
أربعمائة وسبعين فارسا وألفى راجل فأعطوا الجزارين والحناطين دينارين دينارين
والرؤساء سبعة سبعة وهارون بن محمد عامل مكة إذ ذاك ببستان ابن عامر فوافى
مكة جعفر بن الباغمردى لثلاث خلون من ذى الحجه في نحو من مائتى فارس
وتلقاه هارون في مائة وعشرين فارسا ومائتى أسود وثلاثين فارسا من أصحاب
ـ136ـ
عمرو بن الليث ومائتى راجل ممن قدم من العراق فقوى بهم جعفر فالتقواهم
وأصحاب ابن طولون وأعان جعفرا حاج أهل خراسان فقتل من أصحاب
ابن طولون ببطن مكة نحو من مائتى رجل وانهزم الباقون في الجبال وسلبوا
دوابهم وأموالهم ورفع جعفر السيف وحوى جعفر مضرب الغنوى وقيل إنه
كان فيه مائتا ألف دينار وآمن المصريين والحناطين والجزارين وقرئ كتاب في
المسجد الحرام بلعن ابن طولون وسلم الناس وأموال التجار ( وحج بالناس )
في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمى ولم يبرح إسحاق بن كنداج وقد
ولى المغرب كله في هذه السنة سامرا حتى انقضت السنة
ثم دخلت سنة سبعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث الجليلة
( ففى المحرم ) منها كانت وقعة بين أبى أحمد وصاحب الزنج أضعفت أركان
صاحب الزنج ( وفى صفر ) منها قتل الفاجر وأسر سليمان بن جامع وإبراهيم بن
جعفر الهمدانى واستريح من أسباب الفاسق
ذكر الخبر عن هاتين الوقعتين
قد ذكرنا قبل أمر السكر الذى كان الخبيث أحدثه وما كان من أمر أبى أحمد
وأصحابه في ذلك * ذكر أن أبا أحمد لم يزل ملحا على الحرب على ذلك السكر
حتى تهيأ لم فيه ما أحب وسهل المدخل للشذا في نهر أبى الخصيب في المد والجزر
وسهل لابى أحمد في موضعه الذى كان مقيما فيه كلما أراده من رخص الاسعار
وتتابع المير وحمل الاموال اليه من البلدان ورغبة الناس في جهاد الخبيث ومن
معه من أشياعه فكان ممن صار اليه من المطوعة أحمد بن دينار عامل إيذج ونواحيها
من كور الاهواز في جمع كثير من الفرسان والرجالة فكان يباشر الحرب
بنفسه وأصحابه إلى أن قتل الخبيث ثم قدم بعده من أهل البحرين فيما ذكر
خلق كثير زهاء ألفى رجل يقودهم رجل من عبدالقيس فجلس لهم أبوأحمد
ـ137ـ
ودخل اليه رئيسهم ووجوههم فأمر أن يخلع عليهم واعترض رجالهم أجمعين
وأمر باقامه الانزال لهم وورد بعدهم زهاء ألف رجل من كور فارس يرأسهم
شيخ من المطوعة يكنى أبا سلمة فجلس لهم الموفق فوصل إليه هذا الشيخ ووجوه
أصحابه فأمر لهم بالخلع وأقر لهم الانزال ثم تتابعت المطوعة من البلدان فلما
تيسر له ما أراد من السكر الذى ذكرنا عزم على لقاء الخبيث فأمر باعداد السفن
والمعابر وإصلاح آلة الحرب في الماء وعلى الظهر واختار من يثق ببأسه
ونجدته في الحرب فارسا وراجلا لضيق المواضع التى كان يحارب فيها وصعوبتها
وكثرة الخنادق والانهار بها فكانت عدة من تخير من الفرسان زهاء ألفى فارس
ومن الرجالة خمسين ألفا أو يزيدون سوى من عبر من المطوعة وأهل
العسكر ممن لا ديوان له وخلف بالموفقية من لم يتسع السفن بحمله جما كثيرا
أكثرهم الفرسان وتقدم الموفق إلى أبى العباس في القصد للموضع الذى
كان صار اليه في يوم الثلاثاء لعشر خلون من ذى القعدة سنة 269 من الجانب
الشرقى بإزاء دار المهلبى في أصحابه وغلمانه ومن ضمهم اليه من الخيل والرجالة
والشذا وأمر صاعد بن مخلد بالخروج على النهر المعروف بأبى شاكر في الجانب
الشرقى أيضا ونظم القواد من مواليه وغلمانه من فوهة نهر أبى الخصيب إلى
نهر الغربى وكان فيمن خرج من حد دار الكرنبائى إلى نهر أبى شاكر راشد
ولؤلؤ مواليا الموفق في جمع من الفرسان والرجالة زهاء عشرين ألفا يتلو بعضهم
بعضا ومن نهر أبى شاكر إلى النهر المعروف بجوى كور جماعة من قواد الموالى
والغلمان ثم من نهر جوى كور إلى النهر الغربى مثل ذلك وأمر شبلا ان يقصد في
أصحابه ومن ضم اليه إلى نهر الغربى فيأتى منه مؤاذيا لظهر دار المهلبى
فيخرج من ورائها عند اشتباك الحرب وأمر الناس أن يزحفوا بجميعهم إلى
الفاسق لا يتقدم بعضهم بعضا وجعل لهم أمارة الزحف تحريك علم أسود
أمر بنصبه على دار الكرنبائى بفوهة نهر أبى الخصيب في موضع منها
مشيد عال وأن ينفخ لهم ببوق بعيد الصوت وكان عبوره يوم الاثنين لثلاث
ـ138ـ
ليال بقين من المحرم سنة 270 فجعل بعض من كان على النهر المعروف بجوى كور
يزحف قبل ظهور العلامة حتى قرب من دار المهلبى فلقيه وأصحابه الزنج فردوهم
إلى مواضعهم وقتلوا منهم جمعا ولم يشعر سائر الناس بما حدث على هؤلاء
المتسرعين للقتال لكثرتهم وبعد المسافة فيما بين بعضهم وبعض فلما خرج القواد
ورجالهم من المواضع التى أمروا بالخروج منها واستوى الفرسان والرجالة في
أماكنهم أمر الموافق بتحريك العلم والنفخ في البوق ودخل النهر في الشذا وزحف
الناس يتلو بعضهم بعضا فلقيهم الزنج قد حشدوا وجموا واجترأوا بما تهيأ لهم على
من كان تسرع اليهم فلقيهم الجيش بنيات صادقة وبصائر نافذة فأزالوهم عن
مواضعهم بعد كرات كانت بين الفريقين صرع فيها منهم جمع كثير وصبر أصحاب
أبى أحمد فمن الله عليهم بالنصر ومنحهم أكتاف الفسقة فولوا منهزمين
واتبعهم أصحاب الموفق يقتلون ويأسرون وأحاط أصحاب أبى أحمد بالفجرة
من كل موضع فقتل الله منهم في ذلك اليوم مالا يحيط به الاحصاء وغرق
منهم في النهر المعروف بجوى كور مثل ذلك وحوى أصحاب الموفق مدينة الفاسق
بأسرها واستنقذوا من كان فيها من الاسرى من الرجال والنساء والصبيان
وظفروا بجميع عيال على بن أبان المهلبى وأخويه الخليل ومحمد ابنى أبان
وسليمان بن جامع وأولادهم وعبر بهم إلى المدينة الموفقية ومضى الفاسق في
أصحابه ومعه المهلبى وابنه انكلاى وسليمان بن جامع وقواد من الزنج وغيرهم
هرابا عامدين لموضع قد كان الخبيث رآه لنفسه ومن معه ملجأ إذا غلبوا على
مدينته وذلك على النهر المعروف بالسفيانى وكان أصحاب أبى أحمد حين انهزم
الخبيث وظفروا بما ظفروا به أقاموا عند دار المهلبى الواغلة في نهر أبى الخصيب
وتشاغلوا بانتهاب ما كان في الدار وإحراقها وما يليها وتفرقوا في طلب النهب
وكان كلما بقى للفاسق وأصحابه مجموعا في تلك الدار وتقدم أبوأحمد في الشذا
قاصدا للنهر المعروف بالسفيانى ومعه لؤلؤ في أصحابه الفرسان والرجالة فانقطع
عن باقى الجيش فظنوا أنه قد انصرف فانصرفوا إلى سفنهم بما حووا وانتهى
ـ139ـ
الموفق فيمن معه إلى معسكر الفاسق وأصحابه وهم منهزمون فاتبعهم لؤلؤ وأصحابه
حتى عبروا النهر المعروف بالسفيانى فاقتحم لؤلؤ النهر بفرسه وعبر أصحابه خلفه
ومضى الفاسق حتى انتهى إلى النهر المعروف بالقريرى فوصل إليه لؤلؤ
وأصحابه فأوقعوا به وبمن معه فكشفوهم فولوا هاربين وهم يتبعونهم حتى
عبروا النهر المعروف بالقريرى وعبر لؤلؤ وأصحابه خلفهم وألجؤهم إلى النهر
المعروف بالمساوان فعبروه واعتصموا بحبل وراءه وكان لؤلؤ وأصحابه الذين
انفردوا بهذا الفعل دون سائر الجيش فانتهى بهم الجدفي طلب الفاسق وأشياعه إلى هذا
الموضع الذى وصفنا في آخر النهار فأمره الموفق بالانصراف فانصرف محمود الفعل
فحمله الموفق معه في الشذا وجدد له من البر والكرامة ورفع المرتبة لما كان منه في
أمر الفسقة حسب ما كان مستحقا ورجع الموفق في الشذا في نهر أبى الخصيب
وأصحاب لؤلؤ يسايرونه فلما حاذى دار المهلبى لم ير بها أحدا من أصحابه فعلم أنهم
قد انصرفوا فاشتد غيظه عليهم وسار قاصدا لقصره وأمر لؤلؤا بالمضى بأصحابه
إلى عسكره وأيقن بالفتح لما رأى من أمارته واستبشر الناس جميعا بما هيأ الله
من هزيمة الفاسق وأصحابه وإخراجهم عن مدينتهم واستباحة كل ما كان لهم
من مال وذخيرة وسلاح واستنقاذ جميع من كان في أيديهم من الاسرى وكان
في نفس أبى أحمد على أصحابه من الغيظ لمخالفتهم أمره وتركهم الوقوف حيث
وقفهم فأمر بجمع قواد مواليه وغلمانه ووجوههم فجمعوا له فوبخهم على ماكان
منهم وعجزهم وأغلظ لهم فاعتذروا بما توهموا من انصرافه وأنهم لم يعلموا بمسيره
إلى الفاسق وانتهائه إلى حيث انتهى من عسكره وأنهم لو علموا ذلك لاسرعوا
نحوه ولم يبرحوا موضعهم حتى تحالفوا وتعاقدوا على أن لا ينصرف منهم أحد
إذا توجهوا نحو الخبيث حتى يظفرهم الله به فأن أعياهم ذلك أقاموا بمواضعهم
حتى يحكم الله بينهم وبينه وسألوا الموفق أن يأمر برد السفن التى يعبرون فيها
إلى الموفقية عند خروجهم منها للحرب لينقطع أطماع الذين يريدون الرجوع عن
حرب الفاسق من ذلك فجزاهم أبوأحمد الخير على تنصلهم من خطئهم ووعدهم
ـ140ـ
الاحسان وأمرهم بالتأهب للعبور وأن يعظوا أصحابهم بمثل الذى وعظوا به
وأقام الموفق بعد ذلك يوم الثلاثاء والاربعاء والخميس والجمعة لاصلاح ما يحتاج
اليه فلما كمل ذلك تقدم إلى من يثق اليه من خاصته وقواد غلمانه ومواليه بما
يكون عليه عملهم في وقت عبورهم وفى عشى يوم الجمعة تقدم إلى أبى العباس
وقواد غلمانه ومواليه بالنهوض إلى مواضع سماها لهم فأمر أ باالعباس بالقصد
في أصحابه إلى الموضع المعروف بعسكر ريحان وهو بين النهر المعروف بالسفيانى
والموضع الذى لجأ اليه وأن يكون سلوكه بجيشه في النهر المعروف بنهر المغيرة
حتى يخرج بهم في معترض نهر أبى الخصيب فيوافى بهم عسكر ريحان من ذلك
الوجه وأنفذ قائدا من قواد غلمانه السودان وأمره أن يصيرالى نهر الامير فيعترض
في المنصف منه وأمر سائر قواده وغلمانه بالمبيت في الجانب الشرقى من دجلة بازاء
عسكر الفاسق متأهبين للغدو على محاربته وجعل الموفق يطوف في الشذا على
القواد ورجالهم في عشى يوم الجمعة وليلة السبت ويفرقهم في مراكزهم والمواضع
التى رتبهم فيها من عسكر الفاسق ليباكروا المصير اليها على مارسم لهم وغدا
الموفق يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة 270 فوافى نهر أبى الخصيب في
الشذا فأقام بها حتى تكامل عبور الناس وخروجهم عن سفنهم وأخذ الفرسان
والرجالة مراكزهم وأمر بالسفن والمعابر فردت إلى الجانب الشرقى وأذن
للناس في الزحف إلى الفاسق وسار يقدمهم حتى وافى الموضع الذى قدر أن يثبت
الفسقة فيه لمدافعة الجيش عنهم وقد كان الخائن وأصحابه لخبثهم رجعوا إلى المدينة يوم
الاثنين بعد انصراف الجيش عنها وأقاموا بها وأملوا أن تتطاول بهم الايام وتندفع
عنهم المناجزة فوجد الموفق المتسرعين من فرسان غلمانه ورجالتهم قد سبقوا أعظم
الجيش فأوقعوا بالفاجر وأصحابه وقعة أزالوهم بها عن مواقفهم فانهزموا وتفرقوا
لا يلوى بعضهم على بعض واتبعهم الجيش يقتلون ويأسرون من لحقوا منهم
وانقطع الفاسق في جماعة من حماته من قواد الجيش ورجالهم وفيهم المهلبى وفارقه
ابنه انكلاى وسليمان بن جامع فقصد لكل فريق ممن سمينا جمع كثيف من موالى
ـ141ـ
الموفق وغلمانه الفرسان والرجالة ولقى من كان رتبه الموفق من أصحاب أبى العباس
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 141 سطر 1 الى ص 150 سطر 25
الموفق وغلمانه الفرسان والرجالة ولقى من كان رتبه الموفق من أصحاب أبى العباس
في الموضع المعروف بعسكر ريحان المنهزمين من أصحاب الفاجر فوضعوا فيهم
السلاح ووافى القائد المرتب في نهر الامير فاعترض الفجرة فأوقع بهم وصادف
سليمان بن جامع فحاربه فقتل جماعة من حماته فظفر بسليمان فأسره فأتى به الموفق
بغير عهد ولاعقد فاستبشر الناس بأسر سليمان وكثر التكبير والضجيج وأيقنوا
بالفتح إذ كان أكثر أصحابه غناء عنه وأسر بعده إبراهيم بن جعفر الهمدانى
وكان أحد أمراء جيوشه وأسر نادر الاسود المعروف بالحفار وهو أحد قدماء
أصحاب الفاجر فأمر الموفق بالاستيثاق منهم وتصييرهم في شذاة لابى العباس
ففعل ذلك ثم إن الزنج الذين انفردوا مع الفاسق عطفوا على الناس عطفة أزالوهم
بها عن مواقفهم ففتروا لذلك وأحس الموفق بفتورهم فجد في طلب الخبيث
وأمعن في نهر أبى الخصيب فشد ذلك من قلوب مواليه وغلمانه وجدوا في الطلب
معه وانتهى الموفق إلى نهر أبى الخصيب فوافاه البشير بقتل الفاجر ولم يلبث أن
وافاه بشير آخر ومعه كف زعم أنها كفه فقوى الخبر عنده بعض القوة ثم أتاه
غلام من أصحاب لؤلؤ يركض على فرس ومعه رأس الخبيث فأدناه منه فعرضه
على جماعة ممن كان بحضرته من قواد المستأمنة فعرفوه فخر لله ساجدا على
ما أولاه وأبلاه وسجد أ بوالعباس وقواد موالى الموفق وغلمانه شكرا لله وأكثروا
حمد الله والثناء عليه وأمر الموفق برفع رأس الفاجر على قناة ونصبه بين يديه
فتأمله الناس وعرفوا صحة الخبر بقتله فارتفعت أصواتهم بالحمدلله * وذكر أن
أصحاب الموفق لما أحاطوا بالخبيث ولم يبق معه من رؤساء أصحابه إلا المهلبى
ولى عنه هاربا وأسلمه وقصد النهر المعروف بنهر الامير فقذف نفسه فيه يريد
النجاة وقبل ذلك ما كان ابن الخبيث انكلاى فارق أباه ومضى يؤم النهر
المعروف بالدينارى فأقام فيه متحصنا بالادغال والآجام وانصرف الموفق
ورأس الخبيث منصوب بين يديه على قناة في شذاة يخترق بها نهر أبى الخصيب
والناس في جنبتى النهر ينظرون اليه حتى وافى دجلة فخرج اليها فأمر برد السفن
ـ142ـ
التى كان عبر بهم في أول النهار إلى الجانب الشرقى من دجلة فردت ليعبر الناس
فيها ثم سار ورأس الخبيث بين يديه على القناة وسليمان بن جامع والهمدانى
مصلوبان في الشذا حتى وافى قصره بالموفقية وأمر أ باالعباس بركوب الشذا
وإقرار لرأس وسليمان والهمدانى على حالهم والسير بهم إلى نهر جطى وهو
أول عسكر الموفق ليقع عليهم عيون الناس جميعا في العسكر ففعل ذلك وانصرف
إلى أبيه أبى أحمد فأمر بحبس سليمان والهمدانى وإصلاح الرأس وتنقيته *
وذكر أنه تتابع مجئ الزنج الذين كانوا أقاموا مع الخبيث وآثروا صحبته فوافى
ذلك اليوم زهاء ألف منهم ورأى الموفق بذل الامان لهم لما رأى من كثرتهم
وشجاعتهم لئلا تبقى منهم بقية تخاف معرتها على الاسلام وأهله فكان من
وافى من قواد الزنج ورجالهم في بقية يوم السبت وفى يوم الاحد والاثنين
زهاء خمسة آلاف زنجى وكان قد قتل في الوقعة وغرق وأسر منهم خلق كثير
لا يوقف على عددهم وانقطعت منهم قطعة زهاء ألف زنجى مالوا نحو البر فمات
أكثرهم عطشا فظفر الاعراب بمن سلم منهم واسترقوهم وانتهى إلى الموفق
خبر المهلبى وانكلاى ومقامهما بحيث أقاما مع من تبعهما من جلة قواد الزنج
ورجالهم فبث أنجاد غلمانه في طلبهم وأمرهم بالتضييق عليهم فلما أيقنوا بأن
لا ملجأ لهم أعطوا بأيديهم فظفر بهم الموفق وبمن معهم حتى لم يشذ أحد وقد
كانوا على نحو العدة التى خرجت إلى الموفق بعد قتل الفاجر في الامان فأمر
الموفق بالاستيثاق من المهلبى وانكلاى وحبسهما ففعل وكان فيمن هرب من
عسكر الخبيث يوم السبت ولم يركن إلى الامان قرطاس الذى كان رمى الموفق
بالسهم فانتهى به الهرب إلى رامهرمز فعرفه رجل قد كان رآه في عسكر الخبيث
فدل عليه عامل البلد فأخذه وحمله في وثاق فسأل أ بوالعباس أباه أن يوليه قتله
فوفعه اليه فقتله ( وفيها ) استأمن درمويه الزنجى إلى أبى أحمد وكان درمويه
هذا فيما ذكر من أنجاد الزنج وأبطالهم وكان الفاجر وجهه قبل هلاكه بمدة طويلة
إلى أواخر نهر الفهرج وهى من البصرة في غربى دجلة فأقام هنالك بموضع وعر
ـ143ـ
كثير النخل والدغل والآجام متصل بالبطيحة وكان درمويه ومن معه هنالك
يقطعون على السابلة في زواريق خفاف وسميريات اتخذوها لانفسهم فاذا طلبهم
أصحاب الشذا ولجوا الانهار الضيقة واعتصموا بمواضع الادغال منها وإذا
تعذر عليهم مسلك نهر منها لضيقها خرجوا من سفنهم وحملوها على ظهورهم وخأوا
إلى هذه المواضع الممتنعة وفى خلال ذلك يغيرون على قرى البطيحة وما يليها
فيقتلون ويسلبون من ظفروا به فمكث درمويه ومن معه يفعلون هذه الافعال
إلى أن قتل الفاجر وهم بموضعهم الذى وصفنا أمره لايعلمون بشئ مما حدث
على صاحبهم فلما فتح بقتل الخبيث موضعه وأمن الناس وانتشروا في طلب
المكاسب وحمل التجارات وسلكت السابلة دجلة أوقع درمويه بهم فقتل وسلب
فأحش الناس ذلك وأشرأب لمثل ما فيه درمويه جماعة من شرار الناس
وفساقهم وحدثوا أنفسهم بالمصير اليه وبالمقام معه على مثل ما هو عليه فعزم
الموفق على تسريح جيش من غلمانه السودان ومن جرى مجراهم من أهل
البصر بالحرب في الادغال ومضايق الانهار وأعد لذلك صغار السفن وصنوف
السلاح فبينا هو في ذلك وافى رسول لدرمويه يسأل الامان له على نفسه وأصحابه
فرأى الموفق أن يؤمنه ليقطع مادة الشر الذى كان فيه الناس من الفاجر وأشياعه
وذكر أن سبب طلب درمويه الامان كان أنه كان فيمن أوقع به قوم ممن خرج
من عسكر الموفق للقصد إلى منازلهم بمدينة السلام فيهم نسوة فقتلهم وسلبهم وغلب
على النسوة اللاتى كن معهم فلما صرن في يده بحثهن عن الخبر فأخبرنه بقتل
الفاسق والظفر بالمهلبى وانكلاى وسليمان بن جامع وغيرهم من رؤساء أصحاب
الفاسق وقواده ومصير أكثرهم إلى الموفق في الامان وقبوله إياهم واحسانه اليهم
فأسقط في يده ولم ير لنفسه ملجأ الا التعوذ بالامان ومسألة الموفق الصفح عن
جرمه فوجه في ذلك فأجيب اليه فلما ورد عليه الامان خرج وجميع من معه حتى
وافى عسكر الموفق فوافت منهم قطعة حسنة كثيرة العدد لم يصبها بؤس الحصار
وضره مثل ما أصاب سائر أصحاب الخبيث لما كان يصل اليهم من أموال الناس
ـ144ـ
وميرهم * فذكر أن درمويه لما أومن وأحسن اليه وإلى أصحابه أظهر كل ما كان
في يده وأيديهم من أموال الناس وأمتعتهم ورد كل شئ منه إلى أهله ردا ظاهرا
مكشوفا فوقف بذلك على انابته فخلع عليه وعلى وجوه أصحابه وقواده ووصلوا
فضمهم الموفق إلى قائد من قواد غلمانه وأمر الموفق أن يكتب إلى أمصار الاسلام
بالنداء في أهل البصرة والابلة وكور دجلة وأهل الاهواز وكورها وأهل واسط
وما حولها مما دخله الزنج بقتل الفاسق وأن يؤمروا بالرجوع إلى أوطانهم ففعل
ذلك فسارع الناس إلى ما أمروا به وقدموا المدينة الموفقية من جميع النواحى
وأقام الموفق بعد ذلك بالموفقية ليزداد الناس بمقامه أمنا وإيناسا وولى البصرة
والابلة وكور دجلة رجلا من قواد مواليه قد كان حمد مذهبه ووقف على حسن
سيرته يقال له العباس بن تركس فأمره بالانتقال إلى البصرة والمقام بها وولى
قضاء البصرة والابلة وكور دجلة وواسط محمد بن حماد وقدم ابنه أ باالعباس
إلى مدينة السلام ومعه رأس الخبيث صاحب الزنج ليراه الناس فاستبشروا فنفذ
أ بوالعباس في جيشه حتى وافى مدينة السلام يوم السبت لاثنتى عشرة بقيت من
جمادى الاولى من هذه السنة فدخلها في أحسن زى وأمر برأس الخبيث فسيربه
بين يديه على قناة واجتمع الناس لذلك * وكان خروج صاحب الزنج في يوم الاربعاء
لاربع بقين من شهر رمضان سنة 255 وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر
سنة 270 فكانت أيامه من لدن خرج إلى اليوم الذى قتل فيه أربع عشرة سنة
وأربعة أشهر وستة أيام وكان دخوله الاهواز لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر
رمضان سنة 256 وكان دخوله البصرة وقتله أهلها واحراقه لثلاث عشرة ليلة
بقيت من شوال 257 فقال فيما كان من أمر الموفق وأمر المخذول الشعراء
اشعارا كثيرة فمما قيل في ذلك قول يحيى بن محمد الاسلمى
أقول وقد جاء اليشير بوقعة * أعزت من الاسلام ما كان واهيا
جزى الله خير الناس للناس بعدما * أبيح حماهم خير ما كان جازيا
تفرد إذ لم ينصر الله ناصر * بتجديد دين كان أصبح باليا
ـ145ـ
وتشديد ملك قد وهى بعد عزه * وإدراك ثارات تبير الاعاديا
ورد عمارات أزيلت وأخربت * ليرجع فئ قد تخرم وافيا
ويرجع أمصار أبيحت وأحرقت * مرارا فقد أمست قواء عوافيا
ويشفى صدور المؤمنين بوقعة * تقربها منا العيون البواكيا
ويتلى كتاب الله في كل مسجد * ويلقى دعاء الطالبين خاسيا
فأعرض عن أحبابه ونعيمه * وعن لذة الدنيا وأقبل غازيا
في قصيدة طويلة ومن ذلك أيضا قوله :
أين نجوم الكاذب المارق * ما كان بالطب ولا الحاذق
صبحه بالنحس سعد يدا * لسيد في قوله صادق
فخر في مأزقه مسلما * إلى أسود الغاب في المأزق
وذاق من كأس الردى شربة * كريهة الطعم على الذائق
وقال فيه يحيى بن خالد
با ابن الخلائف من أرومة هاشم * والغامرين الناس بالافضال
والذائدين عن الحريم عدوهم * والمعلمين لكل يوم نزال
ملك أعاد الدين بعد دروسه * واستنقذ الاسرى من الاغلال
أنت المجير من الزمان إذا سطا * وإليك يقصد راغب بسؤال
أطفأت نيران النفاق وقد علت * يا ساهب الآمال والآجال
لله درك من سليل خلائف * ماضى العزيمة طاهر السربال
أفنيت جمع المارقين فأصبحوا * متلددين قد ايقنوا بزوال
أمطرتهم عزمات رأى حازم * ملات قلوبهم من الاهوال
لما طغى الرجس اللعين قصدته * بالمشرفى وبالقنا الجوال
وتركته والطير يحجل حوله * متقطع الاوداج والاوصال
يهوى إلى حر الجحيم وقعرها * بسلاسل قد أوهنته ثقال
هذا بما كسبت يداه وما جنى * وبما أتى من سيئ الاعمال
ـ146ـ
أقررت عين الدين ممن كاده * وأدلته من قاتل الاطفال
صال الموفق بالعراق فأفزعت * من بالمغارب صولة الابطال
وفيه يقول أيضا يحيى بن خالد بن مروان
أبن لى جوابا أيها المنزل القفر * فلازال منهلا بساحاتك القطر
ابن لى عن الجيران أين تحملوا * وهل عادت الدنيا وهل رجع السفر
وكيف تجيب الدار بعد دروسها * ولم يبق من أعلام ساكنها سطر
منازل أبكانى مغانى أهلها * وضاقت بى الدنيا وأسلمنى الصبر
كأنهم قوم رغا البكر فيهم * وكان على الايام في هلكهم نذر
وعاثت صروف الدهر فيهم فاسرعت * وشرذوى الاصعاد ما فعل الدهر
فقد طابت الدنيا وأينع نبتها * بيمن ولى العهد وانقلب الامر
وعاد إلى الاوطان من كان هاربا * ولم يبق للملعون في موضع أثر
بسيف ولى العهد طالت يد الهدى * وأشرق وجه الدين واصطلم ؟ ؟ الكفر
وجاهدهم في الله حق جهاده * بنفس لها طول السلامة والنصر
وهى طويلة وقال يحيى بن محمد :
عنى اشتغالك إنى عنك في شغل * لا تعذلى من به وقر عن العذل
لا تعذلى في ارتحالى إننى رجل * وقف على الشد والاسفار والرحل
فيم المقام إذا ما ضاق بى بلد * كأننى لحجال العين والكلل
ما استيقظت همة لم تلف صاحبها * يقظان قد جانبته لذة المقل
ولم يبت أمنا من لم يبت وجلا * من أن يبيت له جار على وجل
وهى أيضا طويلة ( وفى هذه السنة ) في شهر ربيع الاول منها ورد مدينة السلام الخبر أن
الروم نزلت بناحية باب قلمية على ستة أميال من طرسوس وهم زهاء مائة ألف يرأسهم
بطريق البطارقة اندرياس ومعه أربعة أخر من البطارقة فخرج إليهم يازمان الخادم
ليلا فبيتهم فقتل بطريق البطارقة وبطريق القباذيق وبطريق الناطلق وأفلت بطريق
قرة وبه جراحات وأخذ لهم سبعة صلبان من ذهب وفضة فيها صليبهم الاعظم من ذهب
ـ147ـ
مكلل بالجوهر وأخذ خمسة عشر ألف دابة وبغل ومن السروج نحو من ذلك
وسيوف محلاة بذهب وفضة وآنية كثيرة ونحو من عشرة آلاف علم ديباج وديباج
كثير وبزيون ولحف سمور وكان النفير إلى اندرياس يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر
ربيع الاول فكبس ليلا وقتل من الروم خلق كثير فزعم بعضهم أنه قتل منهم
سبعون ألفا ( وفيها ) توفى هارون بن أبى أحمد الموفق بمدينة السلام يوم
الخميس لليلتين خلتا من جمادى الاولى ( ولست خلون ) من شعبان منها ورد
الخبر بموت أحمد بن طولون مدينة السلام فيما ذكر * وقال بعضهم كانت وفاته
يوم الاثنين لثمان عشرة مضت من ذى القعدة منها ( وفيها ) مات الحسن بن زيد
العلوى بطبرستان إما في رجب وإما في شعبان ( وللنصف من شعبان ) دخل
المعتمد بغداد وخرج من المدينة حتى نزل بحذاء قطربل في تعبية ومحمد بن طاهر
يسير بين يديه بالحربة ثم مضى إلى سامرا ( وفيها ) كان فداء أهل ساتيدما على
يدى يا زمان في سلخ رجب منها ( وفى يوم الاحد ) لتسع بقين من شعبان من
هذه السنة شغب أصحاب أبى العباس بن الموفق ببغداد على صاعد بن مخلد وهو
وزير الموفق فطلبوا الارزاق فخرج إليهم أصحاب صاعد ليدفعوهم فصارت رجالة
أبى العباس إلى رحبة الجسر وأصحاب صاعد داخل الابواب بسوق يحيى واقتتلوا
فقتل بينهم قتلى وجرحت جماعة ثم حجز بينهم الليل وبكروا من الغد فوضع لهم
العطاء واصطلحوا ( وفى شوال ) منها كانت وقعة بين اسحاق بن كنداج وابن
دعباش وكان ابن دعباش على الرقة وأعمالها وعلى الثغور والعواصم من قبل ابن
طولون وابن كنداج على الموصل من قبل السلطان ( وفيها ) انبثق ببغداد في
الجانب الغربى منها من نهر عيسى من الياسرية بثق فغرق الدباغين وأصحاب
الساج بالكرخ ذكر أنه دق سبعة آلاف دار ونحوها ( وقتل ) في هذه السنة
ملك الروم المعروف بابن الصقلبى ( وحج بالناس ) في هذه السنة هارون بن محمد
ابن اسحاق الهاشمى ابن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس
ـ148ـ
ثم دخلت سنة احدى وسبعين ومائتين
وأولها يوم الاثنين للتاسع والعشرين من حزيران ولخمس وتسعين ومائة
وألف من عهد ذى القرنين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث الجليلة
فمن ذلك ما كان فيها من ورود الخبر في غرة صفر بدخول محمد وعلى ابنى
الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن حسين المدينة وقتلهما
جماعة من أهلها و مطالبتهما أهلها بمال وأخذهما من قوم منهم مالا وان أهل
المدينة لم يصلوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جمع لاجمعة ولا
جماعة فقال أ بوالعباس بن الفضل العلوى
أخربت دار هجرة المصطفى الب * ر فأبكى إخرابها المسلمينا
عين فابكى مقام جبريل والقب * ر فبكى والمنبر الميمونا
وعلى المسجد الذى أسه التق * وى خلاء اضحى من العابدينا
وعلى طيبة التى بارك الل * ه عليها بخاتم المرسلينا
قبح الله معشرا أخربوها * وأطاعوا متبرا معلونا
( وفيها ) أدخل على المعتمد من كان حضربغداد من حاج خراسان فأعلمهم انه قد
عزل عمرو بن الليث عما كان قلده ولعنه بحضرتهم وأخبرهم انه قد قلد خراسان
محمد بن طاهر وكان ذلك لاربع بقين من شوال وأمر أيضا بلعن عمرو بن الليث على المنابر
فلعن ( ولثمان بقين ) من شعبان من هذه السنة شخص صاعد بن مخلد بن معسكر أبى أحمد
بواسط إلى فارس لحرب عمرو بن الليث ( ولعشر خلون ) من شهر رمضان منها
عقد لاحمد بن محمد الطائى على المدينة وطريق مكة ( وفيها ) كانت بين أبى العباس
ابن الموفق وبين خمارويه بن أحمد بن طولون وقعة بالطواحين فهزم أ بوالعباس
خمارويه فركب خمارويه حمارا هاربا منه إلى مصر ووقع أصحاب أبى العباس في
النهب ونزل أ بوالعباس مضرب خمارويه ولايرى أنه بقى له طالب فخرج عليه
ـ149ـ
كمين لخمارويه كان كمنه لهم خمارويه فيهم سعد الاعسر وجماعة من قواده وأصحابه
وأصحاب أبى العباس قد وضعوا السلاح ونزلوا فشد كمين خمارويه عليهم فانهزموا
وتفرق القوم ومضى أ بوالعباس إلى طرسوس فر نفر من أصحابه قليل وذهب
كل ما كان في العسكرين عسكر أبى العباس وعسكر خمارويه من السلاح والكراع
والاثاث والاموال وانتهب ذلك كله وكانت هذه الوقعة يوم السادس عشر
من شوال من هذه السنة فيما قيل ( وفيها ) وثب يوسف بن أبى الساج وكان والى
مكة على غلام للطائى يقال له بدر وخرج واليا على الحاج فقيده فحارب ابن
أبى الساج جماعة من الجند وأغاثهم الحاج حتى استنقذوا غلام الطائى وأسروا ابن
أبى الساج فقيد وحمل إلى مدينة السلام وكانت الحرب بينهم على أبواب المسجد
الحرام ( وفيها ) خربت العامة الدير العتيق الذى وارء نهر عيسى وانتهبوا كل
ما كان فيه من متاع وقلعوا الابواب والخشب وغير ذلك وهدموا بعض حيطانه
وسقوفه فصار إليهم الحسين بن اسماعيل صاحب شرطة بغداد من قبل محمد بن
طاهر فمنعهم من هدم ما بقى منه وكان يتردد اليه أياما هو والعامة حتى كاد يكون
بين أصحاب السلطان وبينهم قتال ثم بنى ما كانت العامة هدمته بعد أيام وكانت
إعادة بنائه فيما ذكر بقوة عبدون بن مخلد أخى صاعد بن مخلد ( وحج بالناس )
في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى العباسى
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائتين
أولها يوم الجمعة للثامن عشر من حزيران سنة ست وتسعين ومائة وألف
لذى القرنين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمما كان فيها من ذلك إخراج أهل طرسوس أ باالعباس بن الموفق من طرسوس
لخلاف كان وقع بينه وبين يازمان فخرج عنها يريد بغداد للنصف من المحرم من
هذه السنة ( وفيها ) توفى سليمان بن وهب في حبس الموفق يوم الثلاثاء لاثنتى
ـ150ـ
عشرة بقيت من صفر ( وفيها ) تجمعت العامة فهدموا ما كان بنى من البيعة يوم
الخميس لثمان خلون من شهر ربيع الآخر ( وفيها ) حكم شار في طريق خراسان
وصار إلى دسكرة الملك فقتل وانتهب ( وفيها ) ورد الخبر مدينة السلام بدخول
حمدان بن حمدون وهارون الشارى مدينة الموصل وصلى الشارى بهم في مسجد
الجامع ( وفيها ) قدم أ بوالعباس بن الموفق بغداد منصرفا من وقعته مع
ابن طولون بالطواحين لتسع بقين من جمادى الآخرة ( وفيها ) نقب المطبق
من داخله وأخرجه الذوائبى العلوى ونفسان معه وكانوا قد أعدت لهم دواب
توقف في كل ليلة ليخرجوا فيركبوها هاربين فنذر بهم وغلقت أبواب مدينة
أبى جعفر المنصور فأخذ الذوائبى ومن خرج معه وركب محمد بن طاهر وكتب
بالخبر إلى الموفق وهو مقيم بواسط فأمر أن تقطع يد الذوائبى ورجله من
خلاف فقطع في مجلس الجسر بالجانب الغربى ومحمد بن طاهر واقف على دابته
وكوى يوم الاثنين لثلاث خلون من جمادى الآخرة ( وفيها ) قدم صاعد
ابن مخلد من فارس ودخل واسط في رجب فأمر الموفق جميع القواد أن يستقبلوه
فاستقبلوه وترجلوا له وقبلوا كفه ( وفيها ) قبض الموفق على صاعد بن مخلد
بواسط وعلى أسبابه وانتهت منازلهم يوم الاثنين لتسع خلون من رجب وقبض
على ابنيه أبى عيسى وأبى صالح ببغداد وعلى أخيه عبدون وأسبابه بسامرا وذلك
كله في يوم واحد وهو اليوم الذى قبض فيه على صاعد واستكتب الموفق اسماعيل
ابن بلبل واقتصر به على الكتابة دون غيرها ( ووردت ) الاخبار فيها أن مصر
زلزلت في جمادى الآخرة زلازل أخربت الدور والمسجد الجامع وأنه أحصى
في يوم واحد بها ألف جنازة ( وفيها ) غلا السعر ببغداد وذلك أن أهل سامرا
منعوا فيما ذكر سفن الدقيق من الانحدار اليها ومنع الطائى أرباب الضياع من
دياس الطعام وقسمه يتربص بذلك غلاء الاسعار فمنع أهل بغداد الزيت والصابون
والتمر وغير ذلك من حمله إلى سامرا وذلك في النصف من شهر رمضان ( وفيها )
ضجت العامة بسبب غلاء السعر واجتمعت للوثوب بالطائى فانصرفوا من
ـ151ـ
مسجد الجامع للنصف من شوال إلى داره بين باب البصرة وباب الكوفة وجاؤه
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 151 سطر 1 الى ص 160 سطر 25
مسجد الجامع للنصف من شوال إلى داره بين باب البصرة وباب الكوفة وجاؤه
من ناحية الكرخ فأصعد الطائى أصحابه على السطوح فرموهم بالنشاب وأقام
رجاله على بابه وفى فناء داره بالسيوف والرماح فقتل بعض العامة وجرحت
منهم جماعة ولم يزالوا يقاتلونهم إلى الليل فلما كان الليل انصرفوا وباكروه من
غد فركب محمد بن طاهر فسكن الناس وصرفهم عنه ( وفيها ) توفى إسماعيل
ابن بريه الهاشمى يوم الثلاثاء لاحدى عشرة ليلة بقيت من شوال منها ولثمان
بقين منها توفى عبيدالله بن عبدالله الهاشمى ( وفيها ) كانت للزنج بواسط حركة
فصاحوا انكلاى يا منصور وكان انكلاى والمهلبى وسليمان بن جامع والشعرانى
والهمدانى وآخر معهم من قواد الزنج محتبسين في دار محمد بن عبدالله بن طاهر
بمدينة السلام في دار البطيخ في يد غلام من غلمان الموفق يقال له فتح السعيدى فكتب
الموفق إلى فتح أن يوجه برؤس هؤلاء الستة فدخل اليهم فجعل يخرج الاول فالاول
منهم فذبحهم غلام له وقلع رأس بالوعة في الدار وطرحت أجسادهم فيها وسد رأسها
ووجه رؤوسهم إلى الموفق ( وفيها ) ورد كتاب الموفق على محمد بن طاهر في جثت
هؤلاء الستة المقتولين فأمره بصلبها بحضرة الجسر فأخرجوا من البالوعة وقد
انتفخوا وتغيرت روائحهم وتقشر بعض جلودهم فحملوا في المحامل المحمل بين
رجلين وصلب ثلاثة منهم في الجانب الشرقى وثلاثة في الجانب الغربى وذلك
لسبع بقين من شوال من هذه السنة وركب محمد بن طاهر حتى صلبوا بحضرته
( وفيها ) صلح أمر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرت وتراجع الناس اليها
( وفيها ) غزا الصائفة يازمان ( وحج بالناس ) فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن
عيسى بن موسى الهاشمى
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
ففيها كانت وقعة بين أحمد بن عبدالعزيز بن أبى دلف وعمرو بن الليث الصفار
ـ152ـ
يوم السادس عشر من شهر ربيع الاول ( وفيها ) كانت أيضا وقعة بين إسحاق
ابن كنداج ومحمد بن أبى الساج بالرقة فانهزم إسحاق وكان ذلك يوم الثلاثاء
لتسع خلون من جمادى الاولى ( وفيها ) قدمت رسل يازمان من طرسوس
فذكروا أن ثلاثة بنين لطاغية الروم وثبوا عليه فقتلوه وملكوا أحدهم
عليهم ( وفيها ) قيد أبوأحمد لؤلؤا القادم عليه بالامان من عند ابن طولون واستصفى
ماله لثمان بقين من ذى القعدة من هذه السنة وذكر أن الذى أخذ من ماله كان
أربعمائة ألف دينار * وذكروا عن لؤلؤ أنه قال ما عرفت لنفسى ذنبا استوجبت
به ما فعل بى إلاكثرة مالى ( وفيها ) كانت بين محمد بن أبى الساج وإسحاق بن
كنداج وقعة أخرى لاربع عشرة ليلة خلت من ذى الحجة وكانت الدبرة فيها على
ابن كنداج ( وحج بالناس ) فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى
ابن على بن عبدالله بن عباس
ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك شخوص أبى أحمد إلى كرمان لحرب عمرو بن الليث لاثنتى عشرة
بقيت من شهر ربيع الاول ( وفيها ) غزا يازمان فبلغ المسكنين فأسر وغنم وسلم
والمسلمون وذلك في شهررمضان منها ( وفيها ) دخل صديق الفرغانى دور
سامرا فأغار على أموال التجار وأكثر العيث في الناس وكان صديق هذا يخفر
أولا الطريق ثم تحول لصا حاربا يقطع الطريق ( وحج بالناس ) فيها هارون
ابن محمد الهاشمى
ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من توجيه الطائى جيشا إلى سامرا بسبب ما أحدث صديق بها
وإطلاقه أخاه من السجن وكان أسيرا عنده وذلك في المحرم من هذه السنة ثم
ـ153ـ
خرج الطائى إلى سامرا وراسل صديقا ووعده ومناه وأمنه فعزم على الدخول
إليه في الامان فحذره ذلك غلام له يقال له هاشم وكان فيما ذكر شجاعا فلم يقبل
منه ودخل سامرا مع أصحابه وصار إلى الطائى فأخذه الطائى ومن دخل معه منهم
فقطع يد صديق ورجله ويد هاشم ورجله وأيدى جماعة من أصحابه وأرجلهم
وحبسهم ثم حملهم في محامل إلى مدينة السلام وقد أبرزت أيديهم وأرجلهم
المقطعة ليراها الناس ثم حبسوا ( وفيها ) غزا يازمان في البحر فأخذ للروم أربعة
مراكب ( وفيها ) تصعلك فارس العبدى فعاث بناحية سامرا وصار إلى كرخها
فانتهب دور آل خشنج فشخص الطائى إليه فلحقه بالحديثة فاقتتلا فهزمه الطائى
وأخذ سواده وصار الطائى إلى دجلة فدخل طياره ليعبرها فأدركه أصحاب العبدى
فتعلقوا بكوثل الطيار فرمى الطائى بنفسه في دجلة فعبرها سباحة فلما خرج منها
نفض لحيته من الماء وقال إيش ظن العبدى أليس أنا أسبح من سمكة ثم نزل
الطائى الجانب الشرقى والعبدى بإزائه في الجانب الغربى وفى انصراف الطائى
قال على بن محمد بن منصور بن نصر بن بسام
قد أقبل الطائى لا أقبلا * قبح في الافعال ما أجملا
كأنه من لين ألفاظه * صبية تمضغ جهد البلا
( وفيها ) أمر أبوأحمد بتقييد الطائى وحبسه ففعل ذلك لاربع عشرة خلت
من شهر رمضان وختم على كل شئ له وكان يلى الكوفة وسوادها وطريق
خراسان وسامرا والشرطة ببغداد وخراج بادوريا وقطربل ومسكن وشيئا
من ضياع الخاصة ( وفيها ) حبس أبوأحمد ابنه أ باالعباس فشغب أصحابه وحملوا
السلاح وركب غلمانه واضطربت بغداد لذلك فركب أبوأحمد لذلك حتى بلغ
باب الرصافة وقال لاصحاب أبى العباس وغلمانه فيما ذكر ما شأنكم أترونكم
أشفق على ابنى منى هو ولدى واحتجت إلى تقويمه فانصرف الناس ووضعوا
السلاح وذلك يوم الثلاثاء لست خلون من شوال من هذه السنة ( وحج بالناس )
فيها هارون بن محمد الهاشمى
ـ154ـ
ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ضم الشرطة بمدينة السلام إلى عمرو بن الليث وكتب فيها على الاعلام
والمطارد والترسة التى تكون في مجلس الجسر اسمه وذلك في المحرم ( ولاربع
عشرة ) خلت من شهر ربيع الاول من هذه السنة شخص أبوأحمد من مدينة
السلام إلى الجبل وكان سبب شخوصه اليها فيما ذكر أن الماذرائى كاتب
اذكوتكين أخبره أن له هنالك مالا عظيما وأنه إن شخص صار ذلك اليه فشخص
اليه فلم يجد من المال الذى أخبره به شيئا فلما لم يجد ذلك شخص إلى الكرج ثم إلى أصبهان
يريد أحمد بن عبدالعزيز بن أبى دلف فتنحى له أحمد بن عبدالعزيز عن البلد بجيشه
وعياله وترك داره بفرشها لينزلها أبوأحمد إذا قدم * وقدم محمد بن أبى الساج على
أبى أحمد قبل شخوصه من مضربه بباب خراسان هاربا من ابن طولون بعد وقعات
كانت بينهما ضعف في آخر ذلك ابن أبى الساج عن مقاومته لقلة من معه وكثرة
من مع ابن طولون من الرجال فلحق بأبى أحمد فانضم اليه فخلع أبوأحمد عليه
وأخرجه معه إلى الجبل ( وفيها ) ولى عبيدالله بن عبدالله بن طاهر شرطة بغداد
من قبل عمرو بن الليث في شهر ربيع الآخر ( وفيها ) ورد الخبر بانفراج تل
بنهر الصلة ويعرف بتل بنى شقيق عن سبعة أقبر فيها سبعة أبدان صحيحة عليها
أكفان جدد لينة لها أهداب تفوح منها رائحة المسك أحدهم شاب له جمة وجبهته
وأذناه وخداه وأنفه وشفتاه وذقنه وأشفار عينيه صحيحة وعلى شفتيه بلل كأنه
قد شرب ماء وكأنه قد كحل وبه ضربة في خاصرته فردت عليه أكفانه وحدثنى
بعض أصحابنا أنه جذب من شعر بعضهم فوجده قوى الاصل نحو قوة شعرالحى
وذكر أن التل انفرج عن هذه القبور عن شبه الحوض من حجر في لون المسن
عليه كتاب لا يدرى ما هو ( وفيها ) أمر بطرح المطارد والاعلام والترسة التى
كانت في مجالس الشرطة التى عليها اسم عمرو بن الليث وإسقاط ذكره وذلك
ـ155ـ
لاحدى عشرة خلت من شوال ( وحج بالناس ) في هذه السنة هارون بن محمد
ابن إسحاق الهاشمى وكان واليا على مكة والمدينة والطائف
ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائتين
ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها
فمن ذلك دعاء يازمان بطرسوس لخمارويه بن أحمد بن طولون وكان سبب
ذلك فيما ذكر أن خمارويه وجه اليه بثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب وخمسين
ومائة دابة وخمسين ومائة ممطر وسلاح فلما وصل ذلك اليه دعا له ثم وجه اليه
بخمسين ألف دينار وفى أول شهر ربيع الآخر كان بين وصيف خادم ابن
أبى الساج والبرابرة أصحاب أبى الصقر سر فاقتتلوا فقتل من غلمان الخادم أربعة
غلمان ومن البرابرة سبعة فكانت الحرب بينهم بباب الشأم إلى شارع باب الكوفة
فركب اليهم أبوالصقر فكلمهم فتفرقوا ثم عادوا للشر بعد يومين فركب اليهم
أبوالصقر فسكنهم ( وفيها ) ولى يوسف بن يعقوب المظالم فأمر أن ينادى من
كانت له مظلمة قبل الامير الناصر لدين الله أو أحد من الناس فليحضر وتقدم إلى
صاحب الشرطة ألا يطلق أحدا من المحبسين إلا من رأى إطلاقه يوسف بعد
أن يعرض عليه قصصهم وفى أول يوم من شعبان قدم قائد من قواد ابن طولون
في جيش عظيم من الفرسان والرجالة بغداد ( وحج بالناس ) في هذه السنة
هارون بن محمد الهاشمى
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك الحرب التى كانت بين أصحاب وصيف الخادم والبربر وأصحاب موسى
ابن أخت مفلح أربعة أيام تباعا ثم اصطلحوا وقد قتل بينهم بضعة عشر رجلا وذلك
في أول المحرم ثم وقع في الجانب الشرقى حرب بين النصريين وأصحاب يونس قتل
فيها رجل ثم افترقوا ( وفيها ) انحدر وصيف خادم ابن أبى الساج إلى واسط
ـ156ـ
بأمر أبى الصقر لتكون عدة له فيما ذكر وذلك أن اصطنعه وأصحابه وأجازه
بجوائز كبيرة وأدر على أصحابه أرزاقهم وكان قد بلغه قدوم أبى أحمد فخافه على
نفسه لما كان من إتلافه ما كان في بيوت أموال أبى أحمد حتى لم يبق فيها شئ
بالهبة التى كان يهب والجوائز التى كان يجيز والخلع التى كان يخلع على القواد وإنفاقه
على القواد فلما نفد ما في بيت المال من المال طالب أرباب الضياع بخراج سنة
مبهمة عن أرضيهم وحبس منهم بذلك جماعة وكان الذى يتولى له القيام بذلك
الزغل فعسف على الناس في ذلك وقدم أبوأحمد قبل أن يستوظف أداء ذلك
منهم فشغل عن مطالبة الناس بما كان يطالبهم به وكان انحدار وصيف في يوم
الجمعة لثلاث عشرة بقيت من المحرم ( ولليلتين ) بقيتا من المحرم منها طلع كوكب
ذو جمة ثم صارت الجمة ذؤابة ( وفيها ) انصرف أبوأحمد من الجبل إلى العراق
وقد اشتد به وجع النقرس حتى لم يقدر على الركوب فاتخذ له سرير عليه قبة
فكان يقعد عليه ومعه خادم يبرد رجله بالاشياء الباردة حتى بلغ من أمره أنه كان
يضع عليها الثلج ثم صارت علة رجله داء الفيل وكان يحمل سريره أربعون حمالا
يتناوب عليه عشرون عشرون وربما اشتد به أحيانا فيأمرهم أن يضعوه فذكر
أنه قال يوما للذين يحملونه قد ضجرتم بحملى بودى أنى أكون كواحد منكم
أحمل على رأسى وأكل وأنى في عافية وأنه قال في مرضه هذا أطبق دفترى على
مائة ألف مرتزق ما أصبح فيهم أسوء حالا منى * وفى يوم الاثنين لثلاث بقين
من المحرم منها وافى أبوأحمد النهروان فتلقاه أكثر الناس فركب الماء فسارفى
النهروان ثم في نهر ديالى ثم في دجلة إلى ا لزعفرانية وصار ليلة الجمعة إلى الفرك
ودخل داره يوم الجمعة لليلتين خلتا من صفر ولما كان في يوم الخميس لثمان خلون
من صفر شاع موته بعد انصراف أبى الصقر من داره وقد كان تقدم في حفظ أبى
العباس فغلقت عليه أبواب دون أبواب وأخذ أبوالصقر ابن الفياض معه إلى
داره وكان يبقى بناحيته وأقام أبوالصقر في داره يومه ذلك وازداد الارجاف
بموت أبى أحمد وكانت اعترته غشية فوجه أبوالصقر يوم الجمعة إلى المدائن فحمل
ـ157ـ
منها المعتمد وولده فجئ بهم إلى داره وأقام أبوالصقر في داره ولم يصر إلى دار
أبى أحمد فلما رأى غلمان أبى أحمد المائلون إلى أبى العباس والرؤساء من غلمان
أبى العباس الذين كانوا حضورا ما قد نزل بأبى أحمد كسروا أقفال الابواب
المغلقة على أبى العباس * فذكر عن الغلام الذى كان مع أبى العباس في الحجرة أنه
قال لما سمع أ بوالعباس صوت الاقفال تكسر قال ليس يريد هؤلاء إلا نفسى
وأخذ سيفا كان عنده فاستله وقعد مستوفزا والسيف في حجره وقال لى تنح
أنت والله لا وصلوا إلى وفى شئ من الروح قال فلما فتح الباب كان أول من
دخل عليه وصيف موشكير وهو غلام أبى العباس فلما رآه رمى السيف من يده
وعلم أنهم لم يقصدوا إلا الخير فأخرجوه حتى أقعدوه عند أبيه وهو بعقب غشيته
فلما فتح أبوأحمد عينيه وأفاق رآه فأدناه وقربه ووافى المعتمد ذلك اليوم الذى
وجه اليه في حمله وهو يوم الجمعة نصف النهار قبل صلاة الجمعة مدينة السلام
لتسع خلون من صفر ومعه ابنه جعفر المفوض إلى الله ولى العهد و عبدالعزيز
ومحمد وإسحاق بنوه فنزل على أبى الصقر ثم بلغ أباالصقر أن أبا أحمد لم يمت فوجه
إسماعيل بن إسحاق يتعرف له الخبر وذلك يوم السبت وجمع أبوالصقر القواد
والجند وشحن داره وما حولها بالرجال والسلاح ومن داره إلى الجسر كذلك
وقطع الجسرين ووقف قوم على الجسر في الجانب الشرقى يحاربون أصحاب
أبى الصقر فقتل بينهم قتلى وكانت بينهم جراحات وكان أبوطلحة أخو شركب مع
أصحابه مقيمين بباب البستان فرجع إسماعيل فأعلم أباالصقر أن أبا أحمد جى فكان
أول من مضى إليه من القواد محمد بن أبى الساج عبر من نهر عيسى ثم جعل الناس
يتسللون منهم من يعبر إلى باب أبى أحمد ومنهم من يرجع إلى منزله ومنهم من
يخرج من بغداد فلما رأى أبوالصقر ذلك وصحت عنده حياة أبى أحمد انحدر هو
وابناه إلى دار أبى أحمد فماذا كره أبوأحمد شيئا مما جرى ولا ساء له عنه وأقام في
دار أبى أحمد فلما رأى المعتمد أنه قد بقى في الدار وحده نزل هو وبنوه وبكتمر
فركبوا زورقا ثم لقيهم طيار أبى ليلى بن عبدالعزيز بن أبى دلف فحملهم في طياره
ـ158ـ
ومضى بهم إلى داره وهى دار على بن جهشيار برأس الجسر فقال له المعتمد أريد
أن أمضى إلى أخى فاحدره ومن معه من بيته إلى دار أبى أحمد وانتهبت دار
أبى الصقر وكل ما حوته حتى خرج حرمه حفاة بغير إزار وانتهبت دار محمد بن
سليمان كاتبه ودار ابن الواثقى انتهبت وأحرقت وانتهبت دور أسبابه وكسرت
أبواب السجون ونقبت الحيظان وخرج كل من كان فيها وخرج كل من كافى المطبق
وانتهب مجلسا الجسر وأخذ كل ما كان فيهما وانتهبت المنازل التى تقرب من دار ابى
الصقر وخلع أبوأحمد على ابنه أبى العباس وعلى أبى الصقر فركبا جميعا والخلع عليهما
من سوق الثلاثاء إلى باب الطاق ومضى أبوالصقر مع أبى العباس إلى داره دار صاعد
ثم انحدر أبوالصقر في الماء إلى منزله وهو منتهب فأتوه من دار الشاه بحصير فقعد
عليه فولى أ بوالعباس غلامه بدرا الشرطة واستخلف محمد بن غانم بن الشاه على الجانب
الشرقى وعيسى النوشرى على الجانب الغربى وذلك لاربع عشرة خلت من صفر منها
( وفيها ) في يوم الاربعاء لثمان بقين من صفر كانت وفاة أبى أحمد الموفق
ودفن ليلة الخميس في الرصافة عند قبر والدته وجلس أ بوالعباس يوم الخميس
للناس للتعزية ( وفيها ) بايع القواد والغلمان لابى العباس بولاية العهد بعد
المفوض ولقب بالمعتضد بالله في يوم الخميس وأخرج للجند العطاء وخطب يوم
الجمعة للمعتمد ثم للمفوض ثم لابى العباس المعتضد وذلك لسبع ليال بقين من
صفر ( وفيها ) في يوم الاثنين لاربع بقين من صفر قبض على أبى الصقر وأسبابه
وانتهبت منازلهم وطلب بنو الفرات وكان اليهم ديوان السواد فاختفوا وخلع
على عبيدالله بن سليمان بن وهب يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر منها وولى
الوزارة ( وفيها ) بعث محمد بن أبى الساج إلى واسط ليرد غلامه وصيفا إلى
مدينة السلام فمضى وصيف إلى الاهواز وأبى الانصراف إلى بغداد وأنهب
الطيب وعاث بالسوس ( وفيها ) ظفر بأبى أحمد بن محمد بن الفرات فحبس
وطولب باموال وظفر معه بالزغل فحبس وظفر معه بمال ( وفيها ) وردت
الاخبار بقتل على بن الليث أخى الصفار قتله رافع بن هرثمة كان لحق به وترك
ـ159ـ
أخاه ( ووردت ) الاخبار فيها عن مصر أن النيل غارماؤه وغلت الاسعار عندهم
ذكر ابتداء أمر القرامطة
( وفيها ) وردت الاخبار بحركة قوم يعرفون بالقرامطة بسواد الكوفة
فكان ابتداء أمرهم قدوم رجل من ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة ومقامه
بموضع منه يقال له النهرين يظهر الزهد والتقشف ويسف الخوص ويأكل
من كسبه ويكثر الصلاة فأقام على ذلك مدة فكان إذا قعد اليه إنسان ذا كره
أمر الدين وزهده في الدنيا وأعلمه أن الصلاة المفترضة على الناس خمسون
صلاة في كل يوم وليلة حتى فشا ذلك عنه بموضعه ثم أعلمهم أنه يدعو إلى امام
من أهل بيت الرسول فلم يزل على ذلك يقعد اليه الجماعة فيخبرهم من ذلك بما
تعلق قلوبهم وكان يقعد إلى بقال في القرية وكان بالقرب من البقال نخل اشتراه
قوم من التجار واتخذوا حظيرة جمعوا فيها ما صرموا من حمل النخل وجاؤا
إلى البقال فسألوه أن يطلب لهم رجلا يحفظ عليهم ما صرموا من النخل فأومى
لهم إلى هذا الرجل وقال ان أجابكم إلى حفظ ثمرتكم فانه بحيث تحبون فناظروه
على ذلك فأجابهم إلى حفظه بدراهم معلومة فكان يحفظ لهم ويصلى أكثر نهاره
ويصوم ويأخذ عند افطاره من البقال رطل تمر فيفطر عليه ويجمع نوى ذلك
التمر فلما حمل التجار مالهم من التمر صاروا إلى البقال فحاسبوا أجيرهم هذا على
أجرته فدفعوها اليه فحاسب الاجير البقال على ما أخذ منه من التمر وحط من
ذلك ثمن النوى الذى كان دفعه إلى البقال فسمع التجار ما جرى بينه وبين البقال
في حق النوى فوثبوا عليه فضربوه وقالوا ألم ترض أن أكلت تمرنا حتى بعت
النوى فقال لهم البقال لا تفعلوا فانه لم يمس تمركم وقص عليهم قصته فندموا على
ضربهم إياه وسألوه أن يجعلهم في حل ففعل وازداد بذلك نبلا عند أهل
القرية لما وقفوا عليه من زهده ثم مرض فمكث مطروحا على الطريق وكان
في القرية رجل يحمل على أثوار له أحمر العينين شديدة حمرتهما وكان أهل القرية
يسمونه كر ميته لحمرة عينيه وهو بالنبطية أحمر العينين فكلم البقال كرميته هذا
ـ160ـ
في أن يحمل هذا العليل إلى منزله ويوصى أهله بالاشراف عليه والعناية به ففعل
وأقام عنده حتى برأ ثم كان يأوى إلى منزله ودعا أهل القرية إلى أمره ووصف
لهم مذهبه فأجابه أهل تلك الناحية وكان يأخذ من الرجل إذا دخل في دينه
دينارا ويزعم أنه يأخذ ذلك للامام فمكث بذلك يدعو أهل تلك القرى فيجيبونه
واتخذ منهم اثنى عشر نقيبا أمرهم أن يدعو الناس إلى دينهم وقال لهم أنتم كحوارى
عيسى ابن مريم فاشتغل اكرة تلك الناحية عن أعمالهم بما رسم لهم من الخمسين
الصلاة التى ذكر أنها مفترضة عليهم وكان للهيصم في تلك الناحية ضياع فوقف
على تقصيرا كرته في العمارة فسأل عن ذلك فأخبر أن إنسانا طرأ عليهم فأظهر
لهم مدهبا من الدين وأعلمهم أن الذى افترضه الله عليهم خمسون صلاة في اليوم
والليلة فقد شغلوا بها عن أعمالهم فوجه في طلبه فأخذ وجئ به اليه فسأله عن
أمره فأخبره بقصته فحلف أنه يقتله فأمر به فحبس في بيت وأقفل عليه الباب
ووضع المفتاح تحت وسادته وتشاغل بالشرب وسمع بعض من في داره من
الجوارى بقصته فرقت له فلما نام الهيصم أخذت المفتاح من تحت وسادته
وفتحت الباب وأخرجته وأقفلت الباب وردت المفتاح إلى موضعه فلما أصبح
الهيصم دعا بالمفتاح ففتح الباب فلم يجده وشاع بذلك الخبر ففتن به أهل تلك
الناحية وقالوا رفع ثم ظهر في موضع آخر ولقى جماعة من أصحابه وغيرهم فسألوه
عن قصته فقال ليس يمكن أحدا أن يبدأنى بسوء ولا يقدر على ذلك منى فعظم
في أعينهم ثم خاف على نفسه فخرج إلى ناحية الشأم فلم يعرف له خبر وسمى باسم
الرجل الذى كان في منزله صاحب الاثوار كرميته ثم خفف فقالوا قرمط ذكر
هذه القصة بعض أصحابنا عمن حدثه أنه حضر محمد بن داود بن الجراح وقد دعا
بقوم من القرامطة من الحبس فسألهم عن زكرويه وذلك بعد ما قتله وعن قرمط
وقصته وانهم أوموا له إلى شيخ منهم وقالوا له هذا سلف زكرويه وهو أخبر
الناس بقصته فسله عما تريد فسأله فأخبره بهذه القصة * وذكر عن محمد بن داود
أنه قال قرمط رجل من سواد الكوفة كان يحمل غلات السواد على أثوار
ـ161ـ
له يسمى حمدان ويلقب بقرمط ثم فشاأمر القرامطة ومذهبهم وكثروا بسواد
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 161 سطر 1 الى ص 170 سطر 25
له يسمى حمدان ويلقب بقرمط ثم فشاأمر القرامطة ومذهبهم وكثروا بسواد
الكوفة ووقف الطائى أحمد بن محمد على أمرهم فوظف على كل رجل منهم
في كل سنة دينارا وكان يجبى من ذلك مالا جليلا فقدم قوم من الكوفة
فرفعوا إلى السلطان أمر القرامطة وأنهم قد أحدثوا دينا غير الاسلام وأنهم يرون
السيف على أمة محمد الا من بايعهم على دينهم وأن الطائى يخفى أمرهم على السلطان
فلم يلتفت اليهم ولم يسمع منهم فانصرفوا وأقام رجل منهم مدة طويلة بمدينة
السلام يرفع ويزعم أنه لا يمكنه الرجوع إلى بلده خوفا من الطائى وكان فيما حكوا
عن هؤلاء القرامطة من مذهبهم أن جاءوا بكتاب فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم )
يقول الفرج بن عثمان وهو من قرية يقال لها نصرانية داعية إلى المسيح وهو عيسى
وهو الكلمة وهو المهدى وهو أحمد بن محمد بن الحنفية وهو جبريل وذكر أن
المسيح تصور له في جسم إنسان وقال له إنك الداعية وإنك لحجة وإنك الناقة
وإنك الدابة وإنك روح القدس وإنك يحيى بن زكرياء وعرفه أن الصلاة أربع
ركعات ركعتان قبل طلوع الشمس وركعتان قبل غروبها وأن الاذان في كل
صلاة أن يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله مرتين
أشهد أن آدم رسول الله أشهد أن نوحا رسول الله أشهد أن إبراهيم رسول الله
أشهد أن موسى رسول الله وأشهد أن عيسى رسول الله وأشهد أن محمدا رسول الله
وأشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله وأن يقرأ في كل ركعة الاستفتاح
وهى من المنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية والقبلة إلى بيت المقدس والحج إلى
بيت المقدس ويوم الجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شئ والسورة الحمدلله بكلمته
وتعالى باسمه المتخذ لاوليائه بأوليائه قل إن الاهلة مواقيت للناس ظاهرها ليعلم
عدد السنين والحساب والشهور والايام وباطنها أوليائى الذين عرفوا عبادى
سبيلى اتقون يا أولى الالباب وأنا الذى لا أسأل عما أفعل وأنا العليم الحكيم وأنا
الذى أبلو عبادى وأمتحن خلقى فمن صبر على بلائى ومحنتى واختبارى ألقيته في
جنتى وأخلدته في نعمتى ومن زال عن أمرى وكذب رسلى أخلدته مهانا في عذابى
ـ162ـ
وأتممت أجلى وأظهرت أمرى على ألسنة رسلى وأنا الذى لم يعل على جبار إلا
وضعته ولا عزيز إلا أذللته وليس الذى أصر على أمره وداوم على جهالته وقالوا
لن نبرح عليه عاكفين وبه مؤمنين أولئك هم الكافرون ثم يركع ويقول في ركوعه
سبحان ربى رب العزة وتعالى عما يصف الظالمون يقولها مرتين فإذا سجد قال
الله أعلى الله أعلى الله أعظم الله أعظم ومن شرائعه ان الصوم يومان في السنة وهما
المهرجان والنوروز وأن النبيذ حرام والخمر حلال ولا غسل من جنابة إلا الوضوء
كوضوء الصلاة وأن من حاربه وجب قتله ومن لم يحاربه ممن خالفه أخذت منه
الجزية ولا يؤكل كل ذى ناب ولا كل ذى مخلب وكان مصير قرمط إلى سواد
الكوفة قبل قتل صاحب الزنج وذلك أن بعض أصحابنا ذكر عن سلف زكرويه
أنه قال قال لى قرمط صرت إلى صاحب الزنج ووصلت اليه وقلت له إنى على
مذهب وورائى مائة ألف سيف فناظرنى فإن اتفقنا على المذهب ملت بمن معى
اليك وإن تكن الاخرى انصرفت عنك وقلت له تعطينى الامان ففعل قال
فناظرته إلى الظهر فتبين لى في آخر مناظرتى إياه أنه على خلاف أمرى وقام إلى
الصلاة فانسللت فمضيت خارجا من مدينته وصرت إلى سواد الكوفة ( ولخمس
بقين ) من جمادى الآخرة من هذه السنة دخل أحمد العجيفى مدينة طرسوس
وغزا مع يا زمان غزاة الصائفة فبلغ سلندو * وفى هذه الغزاة مات يا زمان وكان
سبب موته أن شظية من حجر منجنيق أصاب أضلاعه وهو مقيم على حصن
سلندو فارتحل العسكر وقد كانوا أشرفوا على فتحه فتوفى في الطريق من يوم
الجمعة لاربع عشرة ليلة خلت من رجب وحمل إلى طرسوس على أكتاف الرجال
فدفن هناك ( وحج بالناس ) في هذه السنة هارون بن محمد الهاشمى
ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من أمر السلطان بالنداء بمدينة السلام أن لا يقعد على الطريق
ـ163ـ
ولا في مسجد الجامع قاص ولا صاحب نجوم ولا زاجر وحلف الوراقون ألا
يبيعوا كتب الكلام والجدل والفلسفة ( وفيها ) خلع جعفر المفوض من العهد
لثمان بقين من المحرم وفى ذلك اليوم بويع للمعتضد بأنه ولى العهد من بعد المعتمد
وأنشئت الكتب بلخع جعفر وتولية المعتضد ونفدت إلى البلدان وخطب يوم
الجمعة للمعتضد بولاية العهد وأنشئت عن المعتضد كتب إلى العمال والولاة بأن أمير
المؤمنين قد ولاه العهد وجعل اليه ما كان الموفق يليه من الامر والنهى والولاية
والعزل ( وفيها ) قبض على جرادة كاتب أبى الصقر لخمس خلون من شهر ربيع
الاول وكان الموفق وجهه إلى رافع بن هرثمة فقدم مدينة السلام قبل أن يقبض
عليه بأيام ( وفيها ) انصرف أبوطلحة منصور بن مسلم من شهرزور لست بقين
من جمادى الاولى وكانت ضمت اليه فقبض عليه وعلى كاتبه عقامة وأودعا السجن
وذلك لاربع بقين من جمادى الاولى ( وفيها ) كانت الملحمة بطرسوس بين محمد
ابن موسى ومكنون غلام راغب مولى الموفق في يوم السبت لتسع بقين من جمادى
الاولى وكان سبب ذلك فيما ذكر أن طغج بن جف لقى راغبا بحلب فأعلمه أن
خمارويه بن أحدم يحب لقاءه ووعده عنه بما يحب فخرج راغب من حلب ماضيا إلى
مصر في خمسة غلمان له وأنفذ خادمه مكنونا مع الجيش الذى كان معه وأمواله
وسلاحه إلى طرسوس فكتب طغج إلى محمد بن موسى الاعرج يعلمه أنه قد
أنفذ راغبا وأنه كل مامعه من مال وسلاح وغلمان مع غلامه مكنون وقد صار إلى
طرسوس وأنه ينبغى له أن يقبض عليه ساعة يدخل وعلى ما معه فلما دخل مكنون
طرسوس وثب به الاعرج فقبض عليه ووكل بما معه فوثب أهل طرسوس على
الاعرج فحالوا بينه وبين مكنون وقبضوا على الاعرج فحبسوه في يد مكنون
وعلموا أن الحيلة قد وقععت براغب فكتبوا إلى خمارويه بن أحمد يعلمونه
بما فعل الاعرج وأنهم قد وكلوا به وقالوا أطلق راغبا لينفذ الينا حتى
نطلق الاعرج فأطلق خمارويه راغبا وأنفذه إلى طرسوس وأنفذ معه
أحمد بن طغان واليا على الثغور وعزل عنهم الاعرج فلما وصل راغب إلى
ـ164ـ
طرسوس أطلق محمد بن موسى الاعرج ودخل طرسوس أحمد بن طغان واليا
عليها وعلى الثغور ومعه راغب يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من شعبان
وفيها توفى المعتمد ليلة الاثنين لاحدى عشرة ليلة بقيت من رجب وكان شرب
على الشط في الحسنى يوم الاحد شرابا كثيرا وتعشى فأكثر فمات ليلا فكانت
خلافته ثلاثا وعشرين سنة وستة أيام فيما ذكر
خلافة المعتضد
وفى صبيحة هذه الليلة بويع لابى العباس المعتضد بالله بالخلافة فولى غلامه بدرا
الشرطة وعبيدالله بن سليمان بن وهب الوزارة ومحمد بن الشاه بن ميكال الرس
وحجبة الخاصة والعامة صالحا المعروف بالامين فاستخلف صالح خفيفا السمرقندى
( ولليلتين خلتا ) من شعبان فيها قدم على المعتضد رسول عمرو بن الليث
الصفار بهدايا وسأل ولاية خراسان فوجه المعتضد عيسى النوشرى معه الرسول
ومعه خلع ولواء عقده له على خراسان فوصلوا اليه في شهر رمضان من هذه
السنة وخلع عليه ونصب اللواء في صحن داره ثلاثة أيام ( وفيها ) ورد الخبر
بموت نصر بن أحمد وقام بما كان اليه من العمل وراء نهر بلخ أخوه اسماعيل بن
أحمد ( وفيها ) قدم الحسين بن عبدالله المعروف بابن الجصاص من مصر
رسولا لخمارويه بن أحمد بن طولون ومعه هدايا من العين عشرون حملا على بغال
وعشرة من الخدم وصندوقان فيهما طراز وعشرون رجلا على عشرين نجيبا
بسروج محلاة بحلية فضة كثيرة ومعهم حراب فضة وعليهم أقبية الديباج
والمناطق المحلاة وسيع عشرة دابة بسروج ولجم منها خمسة بذهب والباقى بفضة
وسبع وثلاثون دابة بجلال مشهرة وخمسة أبغل بسروج ولجم وزرافة يوم الاثنين
لثلاث خلون من شوال فوصل إلى المعتضد فخلع عليه وعلى سبعة نفر معه وسفر ابن
الجصاص في تزويج ابنة خماروية من على بن المعتضد فقال المعتضد أنا أتزوجها فتزوجها
( وفيها ) ورد الخبر بأخذ أحمد بن عيسى الشيخ فلعة ماردين من محمد بن
اسحاق بن كنداج ( وفيها ) مات ابراهيم بن محمد بن المدبر وكان يلى ديوان الضياع
ـ165ـ
فولى مكانه محمد بن عبدالحميد وكان موته يوم الاربعاء لثلاث أو أربع عشرة
بقيت من شوال ( وفيها ) عقد لراشد مولى الموفق على الدينور وخلع عليه
يوم السبت لسبع بقين من شوال ثم خرج راشد إلى عمله يوم الخميس لعشر
خلون من ذى القعدة ( وفى يوم النحر ) منها ركب المعتضد إلى المصلى الذى
اتخذه بالقرب من الحسنى وركب معه القواد والجيش فصلى بالناس فذكر عنه
أنه كبر في الركعة الاولى ست تكبيرات وفى الركعة الثانية تكبيرة واحدة ثم
صعد المنبر فلم تسمع خطبته وعطل المصلى العتيق فلم يصل فيه ( وفيها ) كتب
إلى أحمد بن عبدالعزيز بن أبى دلف بمحاربة رافع بن هرثمة ورافع بالرى
فزحف اليه أحمد فالتقوا يوم الخميس لسبع بقين من ذى القعدة فانهزم رافع بن
هرثمة وخرج عن الرى ودخلها ابن عبدالعزيز ( وحج بالناس ) في هذه السنة
هارون بن محمد الهاشمى وهى آخر حجة حجها وحج بالناس ست عشرة سنة
من سنة 64 إلى هذه السنة
ثم دخلت سنة ثمانين ومائتين
ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها
فمن ذلك ما كان من أخذ المعتضد عبدالله بن المهتدى ومحمد بن سهل المعروف
بشيلمة وكان شيلمة هذا مع صاحب الزنج إلى آخر أيامه ثم لحق بالموفق في الامان
فآمنه وكان سبب أخذه إياهما ان بعض المستأمنة سعى به إلى المعتضد وأعلمه
أن يدعو إلى رجل لم يوقف على اسمه وانه قد استفسد جماعة من الجند وغيرهم
وأخذ معه رجل صيدنانى وابن أخ له من المدينة فقرره المعتضد فلم يقر بشئ
وسأله عن الرجل الذى يدعو اليه فلم يقر بشئ وقال لو كان تحت قدمى ما رفعتهما
عنه ولو عملتنى كردناك لما أخبرتك به فأمر بنار فأوقدت ثم شد على خشبة من
خشب الخيم وأدير على النار حتى تقطع جلده ثم ضربت عنقه وصلب عند الجسر
الاسفل في الجانب الغربى وحبس ابن المهتدى إلى أن وقف على براءته فأطلق
وكان صلبه لسبع خلون من المحرم * فذكر أن المعتضد قال لشيلمة قد بلغنى انك
ـ166ـ
تدعو إلى ابن المهتدى فقال المأثور عنى غير هذا وإنى أتولى آل ابن أبى طالب وقد
كان قرر ابن أخيه فأقر فقال له قد اقر ابن أخيك فقال له هذا غلام حدث تكلم
بهذا خوفا من القتل ولا يقبل قوله ثم أطلق ابن أخيه و الصيدنانى بعد مدة طويلة
( ولليلة خلت ) من صفر يوم الاحد شخص المعتضد من بغداد يريد بنى شيبان
فنزل بستان بشر بن هارون ثم سار يوم الاربعاء منه واستخلف على داره وبغداد
صالحا الامين حاجبه فقصد الموضع الذى كانت شيبان تتخذه معقلا من أرض
الجزيرة فلما بلغهم قصده اياهم ضموا اليهم أموالهم وعيالاتهم ثم ورد كتاب المعتضد
أنه أسرى إلى الاعراب من السن فأوقع بهم فقتل منهم مقتلة عظيمة وغرق منهم
خلق كثير في الزابين وأخذ النساء والذرارى وغنم أهل العسكر من أموالهم ما أعجزهم
حمله وأخذ من غنمهم وإبلهم ما كثر في أيدى الناس حتى بيعت الشاة بدرهم والجمل
بخمسة دراهم وأمر بالنساء والذرارى أن يحفظوا حتى يحدروا إلى بغداد ثم مضى
المعتضد إلى الموصل ثم إلى بلد ثم رجع إلى بغداد فلقيه بنو شيبان يسألونه الصفح
عنهم وبذلوا له الرهائن فأخذ منهم خمسمائة رجل فيما قيل ورجع المعتضد يريد مدينة
السلام فوافاه أحمد بن أبى الاصبغ بما فارق عليه أحمد بن عيسى بن الشيخ من
المال الذى أخذه من مال اسحاق بن كنداج وبهدايا ودواب وبغال في يوم
الاربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الاول ( وفى شهر ) ربيع الاول ورد الخبر
بأن محمد بن أبى الساج افتتح المراغة بعد حصار شديد وحرب غليظة كانت بينهم وأنه
أخذ عبدالله بن الحسين بعد أن آمنه وأصحابه فقيده وحبسه وقرره بجميع أمواله
ثم قتله بعد ( وفى شهر ) ربيع الآخر ورد الخبر بوفاة أحمد بن عبدالعزيز بن أبى
دلف وكانت وفاته في آخر شهر ربيع الاول فطلب الجند أرزاقهم وانتهبوا منزل
اسماعيل بن محمد المنشى وتنازع الرئاسة عمرو بكر ابنا عبدالعزيز ثم قام بالامر
عمرو لم يكتب اليه المعتضد بالولاية ( وفيها ) افتتح محمد بن ثور عمان وبعث برؤس
جماعة من أهلها * وذكر أن جعفر بن المعتمد توفى في يوم الاحد لاثنتى عشرة
خلت من شهر ربيع الآخر منها وأنه كان مقامه في دار المعتضد لا يخرج ولا يظهر
ـ167ـ
وقد كان المعتضد نادمه مرارا ( وفيها ) انصرف المعتضد إلى بغداد من خرجته
إلى الاعراب ( وفيها ) في جمادى الآخرة ورد الخبر بدخول عمرو بن الليث
نيسابور في جمادى الاولى منها ( وفيها ) وجه يوسف بن أبى الساج اثنين وثلاثين
نفسا من الخوارج من طريق الموصل فضربت أعناق خمسة وعشرين رجلا منهم
وصلبوا وحبس سبعة منهم في الحبس الجديد ( وفيها ) دخل أحمد بن أباطرسوس
لغزاة الصائفة لخمس خلون من رجب من قبل خمارويه ودخل بعده بدر الحمامى
فغزوا جميعا مع العجيفى أمير طرسوس حتى بلغوا البلقسور ( وفيها ) ورد الخبر
بغزو اسماعيل بن أحمد بلاد الترك وافتتاحه فيما ذكر مدينة ملكهم وأسره إياه
وامرأته خاتون ونحوا من عشرة آلاف وقتل منهم خلقا كثيرا وغنم من الدواب
دواب كثيرة لا يوقف على عددها وأنه أصاب الفارس من المسلمين من الغنيمة
في المقسم ألف درهم ( ولليلتين بقيتا ) من شهر رمضان منها توفى راشد مولى الموفق
بالدينور وحمل في تابوت إلى بغداد ( ولثلاث عشرة ) خلت من شوال منها
مات مسرور البلخى ( وفيها ) فيما ذكر في ذى الحجة ورد كتاب من دبيل بانكساف
القمر في شوال لاربع عشرة خلت منها ثم تجلى في آخرالليل فأصبحوا صبيحة
تلك الليلة والدنيا مظلمة ودامت الظلمة عليهم فلما كان عند العصر هبت ريح
سوداء شديدة فدامت إلى ثلث الليل فلما كان ثلث الليل زلزلوا فأصبحوا وقد ذهبت
المدينة فلم ينج من منازلها الا اليسير قدر مائة دار وأنهم دفنوا إلى حين كتب
الكتاب ثلاثين ألف نفس يخرجون من تحت الهدم ويدفنون وأنهم زلزلوا بعد
الهدم خمس مرات * وذكر عن بعضهم أن جملة من أخرج من تحت الهدم
خمسون ومائة ألف ميت ( وحج بالناس ) في هذه السنة أبوبكر محمد بن هارون
المعروف بابن ترنجة
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من موافاة ترك بن العباس عامل السلطان على ديار مضر مدينة
ـ168ـ
السلام لتسع خلون من المحرم بنيف وأربعين نفسا من أصحاب أبى الاغر صاحب
سميساط على جمال عليهم برانس ودراريع حرير فمضى بهم إلى دار المعتضد ثم ردوا
إلى الحبس الجديد فحبسوا به وخلع على ترك وانصرف إلى منزله ( وفيها ) ورد
الخبر بوقعة كانت لوصيف خادم ابن أبى الساج بعمر بن عبدالعزيز بن أبى دلف
وهزيمته إياه ثم صار وصيف إلى مولاه محمد بن أبى الساج في شهر ربيع الآخر
منها ( وفيها ) دخل طفج بن جف طرسوس لغزاة الصائفة من قبل خمارويه
يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة فيما قيل وغزا فبلغ طرايون وفتح ملورية
( ولخمس ليال ) بقين من جمادى مات أحمد بن محمد الطائى بالكوفة ودفن بها في
موضع يقال له مسجد السهلة ( وفيها ) غارت المياه بالرى وطبرستان ( ولليلتين
خلتا ) من رجب منها شخص المعتضد إلى الجبل فقصد ناحية الدينور وقلد أبا محمد
على بن المعتضد الرى وقزوين وزنجان وأبهر وقم وهمذان والدينور وقلد كتبته
أحمد بن أبى الاصبغ ونفقات عسكره والضياع بالرى الحسين بن عمرو النصرانى
وقلد عمربن عبدالعزيز بن أبى دلف أصبهان ونهاوند والكرج وتعجل للانصراف
من أجل غلاء السعر وقلة الميرة فوافى بغداد يوم الاربعاء لثلاث خلون من
شهر رمضان ( وفيها ) استأمن الحسن بن على كوره عامل رافع على الرى إلى
على بن المعتضد في زهاء ألف رجل فوجهه إلى أبيه المعتضد ( وفيها ) دخل
الاعراب سامرا فأسروا ابن سيما أنف في ذى القعدة منها وانتهبوا ( ولست ليال )
بقين من ذى القعدة خرج المعتضد الخرجة الثانية إلى الموصل عامدا لحمدان بن حمدون
وذلك أنه بلغه أنه مايل هارون الشارى الوازقى ودعا له فورد كتاب المعتضد
من كرخ جدان على نجاح الحرمى الخادم بالوقعة بينه وبين الاعراب والاكراد
وكانت يوم الجمعة سلخ ذى القعدة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) كتابي هذا وقت
العتمة ليلة الجمعة وقد نصرالله وله الحمد على الا كراد والاعراب وأظفرنا بعالم
منهم وبعيالاتهم ولقد رأيتنا ونحن نسوق البقر والغنم كما كنا نسوقها عاما أولا
ولم تزل الاسنة والسيوف تأخذهم وحال بيننا وبينهم الليل وأوقدت النيران
ـ169ـ
على رؤس الجبال ومن غد يومنا فيقع الاستقصاء وعسكرى يتبعنى إلى الكرخ
وكان وقاعنا بهم وقتلنا إياهم خمسين ميلا فلم يبق منهم مخبر والحمدلله كثيرا فقد وجب
الشكر لله علينا والحمدلله رب العالمين وصلى الله على محمد نبيه وآله وسلم كثيرا
وكانت الاعراب والاكراد لما بلغهم خروج المعتضد تحالفوا أنهم يقتلون
على دم واحد واجتمعوا وعبوا عسكرهم ثلاثة كراديس كردوسا دون كردوس
وجعلوا عيالاتهم وأولادهم في آخر كردوس وتقدم المعتضد عسكره في خيل جريدة
فأوقع بهم وقتل منهم وغرق في الزاب منهم خلق كثير ثم خرج المعتضد إلى الموصل
عامدا لقلعة ماردين وكانت في يد حمدان بن حمدون فلما بلغه مجئ المعتضد هرب وخلف
ابنه بها فنزل عسكر المعتضد على القلعة فحاربهم من كان فيها يومهم ذلك فلما كان من
الغد ركب المعتضد فصعد القلعة حتى وصل إلى الباب ثم صاح يا ابن حمدون فأجابه
لبيك فقال له افتح الباب ويلك ففتحه فقعد المعتضد في الباب وأمر من دخل فنقل
ما في القلعة من المال والاثاث ثم أمر بهدمها فهدمت ثم وجه خلف حمدان بن
حمدون فطلب أشد الطلب وأخذت أموال كانت له مودعة وجئ بالمال إلى
المعتضد ثم ظفر به بعد ثم مضى المعتضد إلى مدينة يقال لها الحسنية وفيها رجل
يقال له شداد في جيش كثيف ذكر أنهم عشرة آلاف رجل وكان له قلعة
في المدينة فظفر به المعتضد فأخذه فهدم قلعته ( وفيها ) ورد الخبر من طريق مكة
أنه أصاب الناس في المصعد برد شديد ومطرجود وبرد اصيب فيه أكثر من
خمسمائة إنسان ( وفى شوال ) منها غزا المسلمون الروم فكانت بينهم الحرب اثنى
عشر يوما فظفر المسلمون وغنموا غنيمة كثيرة وانصرفوا
ثم دخلت سنة اثنين وثمانين ومائتين
ذكر الاحداث التى كانت فيها
فمن ذلك ما كان من أمر المعتضد في المحرم منها بإنشاء الكتب إلى جميع
العمال في النواحى والامصار بترك افتتاح الخراج في النيروز الذى هو نيروز
ـ170ـ
العجم وتأخير ذلك إلى اليوم الحادى عشر من حزيران وسمى ذلك النيروز
المعتضدى فأنشئت الكتب بذلك من الموصل والمعتضد بها وورد كتاب بذلك
على يوسف بن يعقوب يعلمه أنه أراد بذلك الترفيه على الناس والرفق بهم وأمر
أن يقرأ كتابه على الناس ففعل ( وفيها ) قدم ابن الجصاص من مصر بابنة
أبى الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون التى تزوجها المعتضد ومعها أحد عمومتها
فكان دخولهم بغداد يوم الاحد لليلتين خلتا من المحرم وأدخلت للحرم ليلة
الاحد ونزلت في دار صاعد بن مخلد وكان المعتضد غائبا بالموصل ( وفيها ) منع
الناس من عمل ما كانوا يعملون في نيروز العجم من صب الماء ورفع النيران
وغير ذلك ( وفيها ) كتب المعتضد من الموصل إلى إسحاق بن أيوب وحمدان
ابن حمدون بالمصير اليه فأما إسحاق بن أيوب فسارعوا إلى ذلك وأما حمدان بن
حمدون فتحصن في قلاعه وغيب أمواله وحرمه فوجه إليه المعتضد الجيوش مع
وصيف موشكير ونصر القشورى وغيرهما فصادفوا الحسن بن على كوره
وأصحابه منيخين على قلعة لحمدان بموضع يعرف يدير الزعفران من أرض
الموصل وفيها الحسين بن حمدان فلما رأى الحسين أوائل العسكر مقبلين طلب
الامان فأومن وصار الحين إلى المعتضد وسلم القلعة فأمر بهدمها وأغذ وصيف
موشكير السير في طلب حمدان وكان قد صار بموضع يعرف بباسورين بين دجلة
ونهر عظيم وكان الماء زائدا فعبر أصحاب وصيف اليه ونذربهم فركب وأصحابه
ودافعوا عن أنفسهم حتى قتل أكثرهم فألقى حمدان نفسه في زورق كان معدا له
في دجلة ومعه كاتب له نصرانى يسمى زكرياء بن يحيى وحمل معه مالا وعبر إلى
الجانب الغربى من دجلة من أرض ديار ربيعة وقدر اللحاق بالاعراب لما حيل
بينه وبين أكراده الذين في الجانب الشرقى وعبر في أثره نفر يسير من الجند
فاقتصوا أثره حتى أشرفوا على دير كان قد نزله فلما بصر بهم خرج من الدير هاربا
ومعه كاتبه فألقيا أنفسهما في زورق وخلفا المال في الدير فحمل إلى المعتضد وانحدر
أصحاب السلطان في طلبه على الظهر وفى الماء فلحقوه فخرج على الزورق خاسرا
ـ171ـ
إلى ضيعة له بشرقى دجلة فركب دابة لوكيله وسار ليله أجمع إلى أن وافى مضرب
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 171 سطر 1 الى ص 180 سطر 25
إلى ضيعة له بشرقى دجلة فركب دابة لوكيله وسار ليله أجمع إلى أن وافى مضرب
إسحاق بن أيوب في عسكر المعتضد مستجيرا به فأحضره اسحاق مضرب المعتضد
وأمر بالاحتفاظ به وبث الخيل في طلب أسبابه فظفر بكاتبه وعدة من قراباته
وغلمانه وتتابع رؤساء الاكراد وغيرهم في الدخول في الامان وذلك في آخر
المحرم من هذه السنة ( وفى شهر ) ربيع الاول منها قبض على بكتمر بن طاشتمر
وقيد وحبس وقبض ماله وضياعه ودوره ( وفيها ) نقلت ابنة خمارويه بن أحمد
إلى المعتضد لاربع خلون من شهر ريع الآخر ونودى في جانبى بغداد ألا يعبر
أحد في دجلة يوم الاحد وغلقت أبواب الدروب التى تلى الشط ومد على الشوارع
النافذة إلى دجلة شراع ووكل بحافتى دجلة من يمنع أن يظهروا في دورهم على
الشط فلما صليت العتمة وافت الشذا من دار المعتضد وفيها خدم معهم الشمع
فوقفوا بإزاء دار صاعد وكانت أعدت أربع حراقات شدت مع دار صاعد
فلما جاءت الشذا أحدرت الحرافات وصارت الشذا بين أيديهم وأقامت الحرة
يوم الاثنين في دار المعتضد وجليت عليه يوم الثلاثاء لخمس خلون من شهر ربيع
الاول ( وفيها ) شخص المعتضد إلى الجبل فبلغ الكرج وأخذ أموالا لابن أبى دلف
وكتب إلى عمر بن عبدالعزيز بن أبى دلف يطلب منه جوهرا كان عنده فوجه به
اليه وتنحى من بين يديه ( وفيها ) أطلق لؤلؤ غلام ابن طولون بعد خروج
المعتضد وحمل على دواب وبغال ( وفيها ) وجه يوسف بن أبى الساج
إلى الصيمرة مددا لفتح القلانسى فهرب يوسف بن أبى الساج بمن أطاعه إلى أخيه
محمد بالمراغة ولقى مالا للسلطان في طريقه فأخذه فقال في ذلك عبيدالله بن
عبدالله بن طاهر
إمام الهدى أنصاركم آل طاهر * بلا سبب يجفون والدهر يذهب
وقد خلطوا صبرا بشكر ورابطوا * وغيرهم يعطى ويحبى ويهرب
( وفيها ) وجه المعتضد الوزير عبيدالله بن سليمان إلى الرى إلى أبى محمد ابنه
( وفيها ) وجه محمد بن زيد العلوى من طبرستان إلى محمد بن ورد العطار باثنين
ـ172ـ
وثلاثين ألف دينار ليفرقها على أهله ببغداد والكوفة ومكة والمدينة فسعى به
فأحضردار بدر وسئل عن ذلك فذكر أن يوجه اليه في كل سنة بمثل هذا المال
فيفرقه على من يأمره بالتفرقة عليه من أهله فأعلم بدر المعتضد ذلك وأعلمه أن
الرجل في يديه والمال واستطلع رأيه وما يأمربه * فذكر عن أبى عبدالله
الحسنى أن المعتضد قال لبدريا بدر أما تذكر الرؤيا التى خبرتك بها فقال لا يا أمير
المؤمنين فقال ألا تذكر أنى حدثتك أن الناصر دعانى فقال لى اعلم أن هذا الامر
سيصير اليك فانظر كيف تكون مع آل على بن أبى طالب ثم قال رأيت في
النوم كأنى خارج من بغداد أريد ناحية النهروان في جيشى وقد تشوف الناس
إلى إذ مررت برجل واقف على تل يصلى لا يلتفت إلى فعجبت منه ومن قلة
اكتراثه بعسكرى مع تشوف الناس إلى العسكر فأقبلت اليه حتى وقفت بين
يديه فلما فرغ من صلاته قال لى أقبل فأقلبت اليه فقال أتعرفنى قلت لا قال أنا على
ابن أبى طالب خذ هذه المسحاة فاضرب بها الارض لمسحاة بين يديه فأخذتها
فضربت بها ضربات فقال لى إنه سيلى من ولدك هذا الامر بقدر ما ضربت بها
فأوصهم بولدى خيرا قال بدر فقلت بلى يا أمي رالمؤمنين قد ذكرت قال فاطلق
المال وأطلق الرجل وتقدم اليه أن يكتب إلى صاحبه بطبرستان أن يوجه
ما يوجه به اليه ظاهرا وأن يفرق محمد بن ورد ما يفرقه ظاهرا وتقدم بمعونة محمد
على ما يريد من ذلك ( وفى شعبان ) لاحدى عشرة بقيت منها توفى أبوطلحة
منصور بن مسلم في حبس المعتضد ( وفيها ) لثمان خلون من شهر رمضان منها
وافى عبيدالله بن سليمان الوزير بغداد قادما من الرى فخلع عليه المعتضد ( ولثمان
بقين ) من شهر رمضان منها ولدت ناعم جارية أم القاسم بنت محمد بن عبدالله
للمعتضد ابنا سماه جعفرا فسمى المعتضد هذه الجارية شغب ( وفيها ) قدم إبراهيم
ابن أحمد الماذرائى لاثنتى عشرة بقيت من ذى الحجة من دمشق على طريق البر
فوافى بغداد في أحد عشر يوما فأخبر المعتضد أن خمارويه بن أحمد ذبح على فراشه
ذبحه بعض خدمه من الخاصة وقيل إن قتله كان لثلاث خلون من ذى الحجة وقيل
ـ173ـ
إن إبراهيم وافى بغداد من دمشق في سبعة أيام وقتل من خدمه الذين اتهموا
بقتله نيف وعشرون خادما وكان المعتضد بعث مع ابن الجصاص إلى خمارويه
بهدايا وأودعه اليه رسالة فشخص ابن الجصاص لما وجه له فلما بلغ سامرا بلغ
المعتضد مهلك خمارويه فكتب اليه يأمره بالرجوع اليه فرجع ودخل بغداد
لسبع بقين من ذى الحجة
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من شخوص المعتضد لثلاث عشرة بقيت من المحرم منها
بسبب الشارى هارون إلى ناحية الموصل فظفر به وورد كتاب المعتضد بظفره
به إلى مدينة السلام يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر ربيع الاول وكان سبب
ظفره به أنه وجه الحسين بن حمدان بن حمدون في جماعة من الفرسان والرجالة
من أهل بيته وغيرهم من أصحابه اليه وذكر أن الحسين بن حمدان قال للمعتضد
إن أنا جئت به إلى أمي رالمؤمنين فلى ثلاث حوائج إلى أمي رالمؤمنين فقال اذكرها
قال أولها إطلاق أبى وحاجتان أسأله إياهما بعد مجيئى به اليه فقال له المعتضد لك
ذلك فامض فقال الحسين أحتاج إلى ثلثمائة فارس أنتخبهم فوجه المعتضد معه
ثلثمائة فارس مع موشكين فقال أريد أن يأمره أمي رالمؤمنين أن لا يخالفنى فيما
آمره به فأمر المعتضد موشكير بذلك فمضى الحسين حتى انتهى إلى مخاضة دجلة
فتقدم إلى وصيف ومن معه بالوقوف على المخاضة وقال له ليس لهارون طريق
إن هرب غير هذا فلا تبرحن من هذا الموضع حتى يمر بك هارون فتمنعه العبور
وأجيئك أنا أو يبلغك أنى قد قتلت ومضى حسين في طلب هارون فلقيه وواقعه
وكانت بينهما قتلى وانهزم الشارى هارون وأقام وصيف على المخاضة ثلاثة أيام
فقال له أصحابه قد طال مقامنا بهذا المكان القفر وقد أضر ذلك بنا ولسنا نأمن
أن يأخذ حسين الشارى فيكون الفتح له دوننا والصواب أن تمضى في آثارهم
فأطاعهم ومضى وجاء هارون الشارى منهزما إلى موضع المخاضة فعبر وجاء
ـ174ـ
حسين في أثره فلم ير وصيفا وأصحابه بالموضع الذى تركهم فيه ولا عرف لهارون
خبرا ولا رأى له أثرا وجعل يسأل عن خبر هارون حتى وقف على عبوره فعبر
في أثره وجاء إلى حى من أحياء العرب فسألهم عنه فكتموه أمره فأراد أن يوقع
بهم وأعلمهم أن المعتضد في أثره فأعلموه أنه اجتاز بهم فأخذ بعض دوابهم وترك
دوابه عندهم وكانت قد كلت وأعيت واتبع أثره فلحقه بعد أيام الشارى في نحو
من مائة فناشده الشارى وتوعده فأبى إلا محاربته فحاربه فذكر أن حسين بن حمدان
رمى بنفسه عليه فابتدره أصحاب حسين فأخذوه وجاء به إلى المعتضد سلما بغير
عقد ولا عهد فأمر المعتضد بحل قيود حمدان بن حمدون والتوسعة عليه والاحسان
اليه أن يقدم فيطلقه ويخلع عليه فلما أسر الشارى وصارفى يد المعتضد انصرف
راجعا إلى مدينة السلام فوافاها لثمان بقين من شهرربيع الاول فنزل باب
الشماسية وعبا الجيش هنالك وخلع المعتضد على الحسين بن حمدان وطوقه بطوق
من ذهب وخلع على جماعة من رؤساء أهله وزين الفيل بثياب الديباج واتخذ
للشارى على الفيل كالمحفة وأقعد فيها وألبس دراعة ديباج وجعل على رأسه
برنس حرير طويل ( ولعشر بقين ) من جمادى الاولى منها أمر المعتضد
بالكتاب إلى جميع النواحى برد الفاضل من سهام المواريث على ذوى
الارحام وإبطال ديوان المواريث وصرف عمالها فنفذت الكتب بذلك
وقرئت على المنابر ( وفيها ) خرج عمرو بن الليث الصفار من نيسابور
فخالفه رافع بن هرثمة اليها فدخلها وخطب بها لمحمد بن زيد الطالبى وأبيه فقال
اللهم أصلح الداعى إلى الحق فرجع عمرو إلى نيسابور فعسكر خارج المدينة
وخندق على عسكره لعشر خلون من شهر ربيع الآخر فاقام محاصرا أهل
نيسابور ( وفى يوم الاثنين ) لاربع خلون من جمادى الآخرة منها وافى بغداد
محمد بن إسحاق بن كنداجيق وخاقان المفلحى ومحمد بن كمشجور المعروف
ببندقة وبدر بن جف أخو طغج وابن خشنج في جماعة من القواد من
مصر في الامان * وذكر أن سبب مجيئهم إلى المعتضد في الامان كان أنهم
ـ175ـ
أرادوا أن يفتكوا بجيش ابن خمارويه بن أحمد بن طولون فسعى بهم اليه وكان
راكبا وكانوا في موكبه وعلموا أنه قد وقف على أمرهم فخرجوا من يومهم
وسلكوا البرية وتركوا أموالهم وأهاليهم فتاهوا أياما ومات منهم جماعة من
العطش وخرجوا على طريق مكة فوق الكوفة بمرحلتين أو ثلاثة ووجه السلطان
محمد بن سليمان صاحب الجيش إلى الكوفة حتى كتب أسماءهم وأقيمت لهم
الوظائف من الكوفة فلما قربوا من بغداد خرجت اليهم الوظائف والخيم
والطعام ووصلوا إلى المعتضد يوم دخلوا فخلع عليهم وحمل كل قائد منهم على
دابة بسرجه ولجامه وخلع على الباقين وكان عددهم ستين رجلا ( وفى يوم
السبت ) لاربع عشرة بقيت منها شخص الوزير عبيدالله بن سليمان إلى الجبل
لحرب ابن أبى دلف باصبهان ( وفيها ) فيما ذكر ورد كتاب من طرسوس أن
الصقالبة غزت الروم في خلق كثير فقتلوا منهم وخربوا لهم قرى كثيرة حتى
وصلوا إلى قسطنطينية وألجؤا الروم اليها وأغلقت أبواب مدينتهم ثم وجه
طاغية الروم إلى ملك الصقالبة أن ديننا ودينكم واحد فعلام نقتل الرجال بيننا
فأجابه ملك الصقالبة ان هذا ملك آبائى ولست منصرفا عنك إلا بغلبة أحدنا
صاحبه فلما لم يجد ملك الروم خلاصا من صاحب الصقالبة جمع من عنده من
المسلمين فأعطاهم السلاح وسألهم معونته على الصقالبة ففعلوا وكشفوا الصقالبة
فلما رأى ذلك ملك الروم خافهم على نفسه فبعث اليهم فردهم وأخذ منهم
السلاح وفرقهم في البلدان حذرا من أن يجنوا عليه ( وللنصف ) من رجب
من هذه السنة ورد الخبر من مصر أن الجند من المغاربة والبربر وثبوا على
جيش ابن خمارويه وقالوا لا نرضى بك أميرا علينا فتنح عنا حتى نولى عمك
فكلمهم كاتبه على بن أحمد الماذرائى وسألهم أن ينصرفوا عنه يومهم ذلك
فانصرفوا وعادوا من غد فعدا جيش على عمه الذى ذكروا أنهم يؤمرونه فضرب
عنقه وعنق عم له آخر ورمى بأرؤسهما اليهم فهجم الجند على جيش ابن خمارويه
فقتلوه وقتلوا أمه وانتهبوا داره وانتهبوا مصر وأحرقوها وأقعدوا هارون
ـ176ـ
ابن خمارويه مكان أخيه ( وفى رجب ) منها أمر المعتضد بكرى دجيل والاستقصاء
عليه وقلع صخر في فوهته كان يمنع الماء فجبى لذلك من أرباب الضياع و الاقطاعات
أربعة آلاف دينار وكسر فيما ذكر وأنفق عليه وولى ذلك كاتب زيرك وخادم
من خدم المعتضد ( وفى شعبان ) منها كان الفداء بين المسلمين والروم على
يدى أحمد بن طغان وذكر أن الكتاب الوارد بذلك من طرسوس كان فيه
( بسم الله الرحمن الرحيم ) أعلمك أن أحمد بن طغان نادى في الناس يحضرون
الفداء يوم الخميس لاربع خلون من شعبان سنة 283 وأنه قد خرج إلى لامس
وهو معسكر المسلمين يوم الجمعة لخمس خلون من شعبان وأمر الناس بالخروج
معه في هذا اليوم فصلى الجمعة وركب من مسجد الجامع ومعه راغب ومواليه
وخرج معه وجوه البلد والموالى والقواد والمطوعة بأحسن زى فلم يزل الناس
خارجين إلى الامس إلى يوم الاثنين لثمان خلون من شعبان فجرى الفداء بين
الفريقين اثنى عشر يوما وكانت جملة من فودى به من المسلمين من الرجال والنساء
والصبيان ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس وأطلق المسلمون يوم الثلاثاء لسبع
بقين من شعبان سميون رسول ملك الروم وأطلق الروم فيه يحيى بن عبدالباقى
رسول المسلمين المتوجه في الفداء وانصرف الامير ومن معه وخرج فيما ذكر
أحمد بن طغان بعد انصرافه من هذاالفداء في هذا الشهر في البحر وخلف دميانة
على عمله على طرسوس ثم وجه بعده يوسف بن الباغمردى على طرسوس ولم
يرجع هو اليها ( وفى يوم ) الجمعه لعشر خلون من شهررمضان من هذه السنة
قرئ كتاب على المنبر بمدينة السلام في مسجد جامعها بأن عمر بن عبدالعزيز
ابن أبى دلف صار إلى بدر وعبيدالله بن سليمان في الامان يوم السبت لثلاث
بقين من شعبان سامعا مطيعا منقادا لامي رالمؤمنين مذعنا بالطاعة والمصير معهما
إلى بابه وأن عبيدالله بن سليمان خرج اليه فتلقاه وصار به إلى مضرب بدر
فأخذ عليه وعلى أهل بيته وأصحابه البيعة لامي رالمؤمنين وخلع عليه بدر وعلى
الرؤساء من أهل بيته وانصرفوا إلى مضرب قدأعدلهم وكان قبل ذلك قد دخل
ـ177ـ
بكر بن عبدالعزيز في الامان على بدر وعبيدالله بن سليمان فولياه عمل أخيه
عمر على أن يخرج اليه ويحاربه فلما دخل عمر في الامان قالا لبكر إن أخاك قد
دخل في طاعة السلطان وإنما كنا وليناك عمله على أنه عاص والآن فأمي رالمؤمنين
أعلى عينا فيما يرى من أمركما فامضيا إلى بابه وولى عيسى النوشرى أصبهان
وأظهر أنه من قبل عمر بن عبدالعزيز فهرب بكر بن عبدالعزيز في أصحابه فكتب
بذلك إلى المعتضد فكتب إلى بدر يأمره بالمقام بموضعه إلى أن يعرف خبر بكر
وما اليه يصير أمره فأقام وخرج الوزير عبيدالله بن سليمان إلى أبى محمد على
ابن المعتضد بالرى ولحق بكر بن عبدالعزيز بن أبى دلف بالاهواز فوجه المعتضد
في طلبه وصيفا موشكير فخرج من بغداد في طلبه حتى بلغ حدود فارس وقد كان
لحقه فيما ذكر ولم يواقعه وبا تاكل واحد منهما قريب من صاحبه فارتحل
بكر بالليل فلم يتبعه وصيف ومضى بكر إلى اصبهان ورجع وصيف إلى بغداد
فكتب المعتضد إلى بدر يأمره بطلب بكر وعربه فتقدم بدر إلى عيسى النوشرى
بذلك فقال بكر بن عبدالعزيز
عنى ملامك ليس حين ملام * هيهات أحدث زائدا للوام
طارت عنايات الصبى عن مفرقى * ومضى أوان شراستى وعرامى
ألقى الاحبة بالعراق عصيهم * وبقيت نصب حوادث الايام
وتقاذفت بأخى النوى ورمت به * مرمى البعيد قطيعة الارحام
وتشعب العرب الذين تصدعوا * فذببت عن أحسابهم بحسامى
فيه تماسك ماوهى من أمرهم * والسمر عند تصادم الاقوام
فلاقرعن صفاة دهر نابهم * قرعا يهد رواسى الاعلام
ولاضربن الهام دون حريمهم * ضرب القدار نقيعة القدام
ولاتركن الواردين حياضهم * بقرارة لمواطئ الاقدام
يا بدر إنك لو شهدت مواقفى * والموت يلحظ والصفاح دوامى
لذممت رأيك في إضاعة حرمتى * ولضاق ذرعك في اطراح ذمامى
ـ178ـ
حركتنى بعد السكون وإنما * حركت من حصنى جبال تهامى
وعجمتنى فعجمت منى مرجما * خشن المناكب كل يوم زحام
قل للامير أبى محمد الذى * يجلو بغرته دجى الاظلام
أسكنتنى ظل العلا فسكنته * في عيشة رغد وعز نامى
حتى إذا حلئت عنه نابنى * ما نابنى وتنكرت ايامى
فلاشكرن جميل ما أوليتنى * ما غردت في الايك ورق حمام
هذا أبوحفص يدى وذخيرتى * للنائبات وعدتى وسنامى
ناديته فأجابنى وهززته * وهززت حد الصارم الصمصام
من رام أن يغضى الجفون على القذى * أو يستكين يروم غير مرام
ويخيم حين يرى الاسنة شرعا * والبيض مصلتة لضرب الهام
وقال بكر بن عبدالعزيز يذكر هرب النوشرى من بين يديه ويعير وصيفا
بالاحجام عنه ويتهدد بدرا
قالت البيض قد تغير بكر * وبدا بعد وصفه منه هجر
ليس كالسيف مؤنس حين يعرو * حادث معضل ويفدح أمر
أوقدوا الحرب بيننا فاصطلوها * ثم حاصوا فأين منها المفر
وبغوا شرنا فهذا أوان * قد بدا شره ويتلوه شر
قد رأى النوشرى لما التقينا * من إذا أشرع الرماح يفر
جاء في قسطل لهام فصلنا * صولة دونها الكماة تهر
ولواء الموشجير أفضى إلينا * رويت عند ذاك بيض وسمر
غر بدرا حلمى وفضل أناى * واحتمالى وذاك مما يغر
سوف يأتينه شواذب قب * لا حقات البطون جون وشقر
يتبارين كالسعالى عليها * من بنى وائل أسود تكر
لست بكرا إن لم أدعهم حديثا * ماسرى كوكب وماكر دهر
( وفى يوم الجمعة ) لسبع خلون من شوال من هذه السنة مات على بن محمد
ـ179ـ
ابن أبى الشوارب فحمل إلى سامرا من يومه في تابوت وكانت ولايته للقضاء على
مدينة أبى جعفر ستة أشهر * وفى يوم الاثنين لاربع بقين من شوال منها دخل
بغداد عمر بن عبدالعزيز بن أبى دلف قادما من اصبهان فأمر المعتضد فيما ذكر
القواد باستقباله فاستقبله القاسم بن عبيدالله والقواد وقعد له المعتضد فوصل اليه
وخلع عليه وحمله على دابة بسرج ولجام محلى بذهب وخلع معه على ابنين له وعلى
ابن أخيه أحمد بن عبدالعزيز وعلى نفسين من قواده وأنزل في الدار التى كانت
لعبيدالله بن عبدالله عند رأس الجسر وكانت قد فرشت له ( وفى هذه السنة )
قرئ على القواد في دار المعتضد كتاب ورد من عمرو بن الليث الصفار بأنه
واقع رافع بن هرثمة وهزمه وانه مر هاربا وانه على أن يتبعه وكانت الوقعة لخمس
بقين من شهر رمضان وقرئ الكتاب يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة خلت من
ذى القعدة * وفى يوم الاحد لثلاث عشرة بقيت من ذى القعدة وردت خريطة
فيما ذكر من عمرو بن الليث على المعتضد وهو في الحلبة فانصرف إلى دار العامة
وقرئ الكتاب على القواد من عمرو بن الليث يخبر فيه أنه وجه في أثر رافع بعد
الهزيمة محمد بن عمرو البلخى مع قائد آخر من قواده وقد كان رافع صار إلى طوس
فواقعوه فانهزم واتبعوا أثره فلحق بخوارزم فقتل بخوارزم فأرسل بخاتمه مع
الكتاب وذكر أنه قد حمل الرسول في أمر الرأس ما يخبر به السلطان * وفى
يوم الجمعة لثمان بقين من ذى القعدة منها قرئت الكتب على المنابر بقتل رافع بن هرثمة
ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث الجليلة
فمن ذلك ما كان من قدوم رسول عمرو بن الليث الصفار برأس رافع بن هرثمة
في يوم الخميس لاربع خلون من المحرم على المعتضد فأمر بنصبه في المجلس بالجانب
الشرقى إلى الظهر ثم تحويله إلى الجانب الغربى ونصبه هنالك إلى الليل ثم رده
إلى دار السلطان وخلع على الرسول وقت وصوله إلى المعتضد بالرأس * وفى يوم
ـ180ـ
الخميس لسبع خلون من صفر كانت ملحمة بين راغب ودميانة بطرسوس وكان
سبب ذلك فيما ذكر أن راغبا مولى الموفق ترك الدعاء لخمارويه بن أحمد ودعا لبدر
مولى المعتضد فوقع بينه وبين أحمد بن طغان الخلاف فلما انصرف ابن طغان
من الفداء الذى كان في سنة 283 ركب البحر ولم يدخل طرسوس ومضى
وخلف دميانة للقيام بأمر طرسوس فلما كان في صفر من هذه السنة وجه يوسف
ابن الباغمردى ليخلفه على طرسوس فلما دخلها وقوى به دميانة كرهوا ما يفعله
راغب من الدعاء لبدر فوقعت بينهم الفتنة وظفر بهم راغب فحمل دميانة وابن
الباغمردى وابن اليتيم مقيدين إلى المعتضد ( ولعشر بقين ) من صفر في يوم الاثنين
من هذه السنة وردت خريطة من الجبل بأن عيسى النوشرى أوقع ببكر بن عبدالعزيز
ابن أبى دلف في حدود أصبهان فقتل رجاله واستباح عسكره وأفلت في نفر يسير *
وفى يوم الخميس لاربع عشرة خلت من شهر ربيع الاول منها خلع على أبى عمر
يوسف بن يعقوب وقلد قضاء مدينة أبى جعفر المنصور مكان على بن محمد بن أبى
الشوارب وقضاء قطرتل ومسكن وبزر جسابور والرذاذين وقعد للخصوم في هذا
اليوم في المسجد الجامع ومكثت مدينة أبى جعفر من لدن مات ابن أبى الشوارب
إلى أن وليها أبو عمر بغير قاض وذلك خمسة أشهر وأربعة أيام * وفى يوم الاربعاء
لثلاث عشرة خلت منه في هذه السنة أخذ خادم نصرانى لغالب النصرانى متطبب
السلطان يقال له وصيف فرفع إلى الحبس وشهد عليه أنه شتم النبى صلى الله عليه
وسلم فحبس ثم اجتمع من غد هذا اليوم ناس من العامة بسبب هذا الخادم فصاحوا
بالقاسم بن عبيدالله وطالبوه بإقامة الحد عليه بسبب ما شهد عليه فلما كان يوم
الاحد لثلاث عشرة بقيت منه اجتمع أهل باب الطاق إلى قنطرة البردان وما يليها
من الاسواق وتداعوا ومضوا إلى باب السلطان فلقيهم أبوالحسين بن الوزير
فصاحوا به فأعلمهم أنه قد أنهى خبره إلى المعتضد فكذبوه وأسمعوه ماكره
ووثبوا بأعوانه ورجاله حتى هربوا منهم ومضوا إلى دار المعتضد بالثريا فدخلوا
من الباب الاول والثانى فمنعوا من الدخول فوثبوا على من منعهم فخرج إليهم
ـ181ـ
من سألهم عن خبرهم فأخبره فكتب به إلى المعتضد فأدخل إليه منهم جماعة وسألهم
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 181 سطر 1 الى ص 190 سطر 25
من سألهم عن خبرهم فأخبره فكتب به إلى المعتضد فأدخل إليه منهم جماعة وسألهم
عن الخبر فذكروه له فأرسل معهم خفيفا السمرقندى إلى يوسف القاضى وتقدم
إلى خفيف أن يأمر يوسف بالنظر في أمر الخادم وأن ينهى إليه ما يقف عليه
من أمره فمضى معهم خفيف إلى يوسف فكادوا يقتلونه ويقتلون يوسف لما
دخلوا عليه مما ازدحموا حتى أفلت يوسف منهم ودخل بابا وأغلقه دونهم ولم يكن
بعد ذلك للخادم ذكر ولا كان للعامة في أمره اجتماع ( وفى ) هذا الشهر من هذه
السنة قدم فيما ذكر قوم من أهل طرسوس على السلطان يسألونه أن يولى عليهم
وال ويذكرون أن بلدهم بغير وال وكانت طرسوس قبل في يدى ابن طولون
فأساه اليهم فأخرجوا عامله عن البلد وراسلهم في ذلك ووعدهم الاحسان فأبوا
أن يتركوا له غلاما يدخل بلدهم وقالوا من جاءنا من قبلك حاربناه فكف عنهم ( وفى )
يوم الخميس لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر من هذه السنة فيما ذكر ظهرت ظلمة بمصر
وحمرة في السماء شديدة حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر فيراه أحمر وكذلك
الحيطان وغير ذلك ومكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخرة وخرج الناس
من منازلهم يدعون الله ويتضرعون اليه ( وفى ) يوم الاربعاء لثلاث خلون من
جمادى الاولى ولاحدى عشرة ليلة خلت من حزيران نودى في الارباع والاسواق
ببغداد بالنهى عن وقود النيران ليلة النيروز وعن صب الماء في يومه ونودى
بمثل ذلك في يوم الخميس فلما كان عشية يوم الجمعة نودى على باب سعيد بن يسكين
صاحب الشرطة بالجانب الشرقى من مدينة السلام بأن أمي رالمؤمنين قد أطلق
للناس في وقود النيران وصب الماء ففعلت العامة من ذلك ما جاوز الحد حتى
صبوا الماء على أصحاب الشرطة في مجلس الجسر فيما ذكر ( وفيها ) أغربت العامة
بالصياح بمن رأوا من الخدم السود يا عقيق فكانوا يغضبون من ذلك فوجه المعتضد
خادما أسود عشية الجمعة برقعة إلى ابن حمدون النديم فلما بلغ الخادم رأس الجسر
من الجانب الشرقى صاح به صائح من العامة يا عقيق فشتم الخادم الصائح وقنعه
فاجتمعت جماعة من العامة على الخادم فنكسوه وضربوه وضاعت الرقعة التى
ـ182ـ
كانت معه فرجع إلى السلطان فأخبره بما صنع به فأمر المعتضد طريفا المخلدى
الخادم بالركوب والقبض على كل من تولع بالخدم وضربه بالسياط فركب طريف
يوم السبت لثلاث عشرة خلت من جمادى الاولى في جماعة من الفرسان والرجالة
وقدم بين يديه خادما أسود فصار إلى باب الطاق لما أمر به من القبض على من
صاح بالخادم يا عقيق فقبض فيما ذكر بباب الطابق على سبعة أنفس ذكر أن بعضهم
كان بزيا فضربوا بالسياط في مجلس الشرطة بالجانب الشرقى وعبر طريف فمضى
إلى الكرخ ففعل مثل ذلك وأخذ خمسة أنفس فضربهم في مجلس الشرطه بالشرقية
وحمل الجميع على جمال ونودى عليهم هذا جزاء من أولع بخدم السلطان وصاح
بهم يا عقيق وحبسوا يومهم وأطلقوا بالليل ( وفى ) هذه السنة عزم المعتضد بالله
على لعن معاوية بن أبى سفيان على المنابر وأمر بإنشاء كتاب بذلك يقرأ على الناس
فخوفه عبيدالله بن سليمان بن وهب اضطراب العامة وأنه لايأمن أن تكون
فتنة فلم يلتفت إلى ذلك من قوله وذكر أن أول شئ بدأ به المعتضد حين أراد
ذلك الامر بالتقدم إلى العامة بلزوم أعمالهم وترك الاجتماع والقضية
و الشهادات عند السلطان إلا أن يسئلوا عن شهادة ان كانت عندهم وبمنع القصاص
من القعود على الطرقات وعملت بذلك نسخ قرئت بالجانبين بمدينة السلام
في الارباع والمحال والاسواق فقرئت يوم الاربعاء لست بقين من جمادى
الاولى من هذه السنة ثم منع يوم الجمعة لاربع بقين منها القصاص من القعود
في الجامعين ومنع أهل الحلق في الفتيا أو غيرهم من القعود في المسجدين ومنع
الباعة من القعود في رحابهما وفى جمادى الآخرة نودى في المسجد الجامع بنهى
الناس عن الاجتماع على قاص أو غيره ومنع القصاص وأهل الحلق من القعود وفى
يوم الحادى عشر وذلك يوم الجمعة نودى في الجامعين بأن الذمة برية ممن اجتمع من الناس
على مناظرة أو جدل وأن من فعل ذلك أحل بنفسه الضرب وتقدم إلى الشراب
والذين يسقون الماء في الجامعين ألا يترحموا على معاوية ولا يذكروه بخير
وتحدث الناس أن الكتاب الذى أمر المعتضد إنشائه بلعن معاوية يقرأ بعد صلاة
ـ183ـ
الجمعة على المنبر فلما صلى الناس الجمعة بادروا إلى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب
فلم يقرأ * فذكر أن المعتصد أمر بإخراج الكتاب الذى كان المأمون أمر بإنشائه
بلعن معاوية فأخرج له من الديوان فأخذ من جوامعه نسخة هذا الكتاب وذكر
أنها نسخة الكتاب الذى أنشئ للمعتضد بالله ( بسم الله الرحمن الرحيم ) الحمدلله
العلى العظيم الحليم الحكيم العزيز الرحيم المنفرد ب الوحدانية الباهر بقدرته الخالق
بمشيئته وحكمته الذى يعلم سوابق الصدور وضمائر القلوب لا يخفى عليه خافية ولا
يعزب عنه مثقال ذرة في السموات العلى ولا في الارضين السفلى قد أحاط بكل
شئ علما وأحصى كل شئ عددا وضرب لكل شئ أمدا وهو العليم الخبير والحمد
لله الذى برأ خلقه لعبادته وخلق عباده لمعرفته على سابق علمه في طاعة مطيعهم
وماضى أمره في عصيان عاصيهم فبين لهم ما يأتون وما يتقون ونهج لهم سبل النجاة
وحذرهم مسالك الهلكة وظاهر عليهم الحجة وقدم إليهم المعذرة واختار لهم دينه
الذى ارتضى لهم وأكرمهم به وجعل المعتصمين بحبله و المتمسكين بعروته أولياءه
وأهل طاعته والعاندين عنه و المخالفين له أعداءه وأهل معصيته ليهلك من هلك
عن بينة ويحيى من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم والحمدلله الذى اصطفى محمدا
رسوله من جميع بريته واختاره لرسالته وابتعثه بالهدى والدين المرتضى إلى عباده
أجمعين وأنزل عليه الكتاب المبين المستبين وتأذن له بالنصر والتمكين وأيده
بالعز والبرهان المتين فاهتدى به من اهتدى واستنقذ به من استجاب له من العمى
وأضل من أدبر وتولى حتى أظهر الله أمره وأعز نصره وقهر من خالفه وأنجز له
وعده وختم به رسله وقبضه مؤديا لامره مبلغا لرسالته ناصحا لامته مرضيا مهتديا
إلى أكرم مآب المنقلبين وأعلى منازل أنبيائه المرسلين وعباده الفائزين فصلى الله
عليه أفضل صلاة وأتمها وأجلها وأعظمها وأزكاها وأطهرها وعلى آله الطيبين
والحمدلله الذى جعل أمي رالمؤمنين وسلفه الراشدين المهتدين ورثة خاتم النبيين
وسيد المرسلين والقائمين بالدين والمقومين لعباده المؤمنين وا لمستحفظين ودائع
الحكمة ومواريث النبوة وا لمستخلفين في الامة و المنصورين بالعز والمنعة والتأييد
ـ184ـ
والغلبة حتى يظهر الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون * وقد انتهى إلى
أمي رالمؤمنين ما عليه جماعة من العامة من شبهة قد دخلتهم في أديانهم وفساد قد
لحقهم في معتقدهم وعصبية قد غلبت عليها أهواؤهم ونطقت بها ألسنتهم على غير
معرفة ولا روية وقلدوا فيها قادة الضلالة بلا بينة ولا بصيرة وخالفوا السنن
المتبعة إلى الاهواء المبتدعة قال الله عزوجل ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير
هدى من الله إن الله لايهدى القوم الظالمين ) خروجا عن الجماعة ومسارعة
إلى الفتنة وإيثارا للفرقة وتشتيتا للكلمة وإظهارا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة
وبتر منه العصمة وأخرجه من الملة وأوجب عليه اللعنة وتعظيما لمن صغر الله حقه
وأوهن أمره وأضعف ركنه من بنى أمية الشجرة الملعونة ومخالفة لمن استنقذهم
الله به من الهلكة وأسبغ عليهم به النعمة من أهل بيت البركة والرحمة قال الله
عزوجل ( يختص برحمته من يشاء والله ذوالفضل العظيم ) فأعظم أمير
المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك ورأى في ترك إنكاره حرجا عليه في الدين وفسادا
لمن قلده الله أمره من المسلمين وإهمالا لمن أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين
وتبصير الجاهلين وإقامة الحجة على الشاكين وبسط اليد على العاندين وأمير
المؤمنين يرجع إليكم معشر الناس بأن الله عزوجل لما ابتعث محمدا بدينه وأمره أن
يصدع بأمره بدأ بأهله وعشيرته فدعاهم إلى ربه وأنذرهم وبشرهم ونصح لهم وأرشدهم
فكان من استجاب له وصدق قوله واتبع أمره نفر يسير من بنى أبيه من بين
مؤمن بما أتى به من ربه وبين ناصر له وإن لم يتبع دينه إعزازا له وإشفاقا عليه
لماضى علم الله فيمن اختار منهم ونفذت مشيئته فيما يستودعه إياه من خلافته
وإرث نبيه فمؤمنهم مجاهد بنصرته وحميته يدفعون من نابذه وينهرون من عاره
وعانده ويتوثقون له ممن كانفه وعاضده ويبايعون له من سمح بنصرته
ويتجسسون له أخبار أعدائه ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأى العين
حتى بلغ المدى وحان وقت الاهتداء فدخلوا في دين الله وطاعته وتصديق رسوله
والايمان به بأثبت بصيرة وأحسن هدى ورغبة فجعلهم الله أهل بيت الرحمة وأهل
ـ185ـ
بيت الدين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ومعدن الحكمة وورثة النبوة
وموضع الخلافة وأوجب لهم الفضيلة وألزم العباد لهم الطاعة وكان ممن عانده
ونابذه وكذبه وحاربه من عشيرته العدد الاكثر والسواد الاعظم يتلقونه
بالتكذيب والتثريب ويقصدونه بالاذية والتخويف ويبارزونه بالعداوة
وينصبون له المحاربة ويصدون عنه من قصده وينالون بالتعذيب من اتبعه وأشدهم
في ذلك عداوة وأعظمهم له مخالفة وأولهم في كل حرب ومناصبة لا يرفع على
الاسلام راية إلا كان صاحبها وقائدها ورئيسها في كل مواطن الحرب من بدر
وأحد والخندق والفتح أبوسفيان بن حرب وأشياعه من بنى أمية الملعونين في
كتاب الله ثم الملعونين على لسان رسول الله في عدة مواطن وعدة مواضع لماضى
علم الله فيهم وفى أمرهم ونفاقهم وكفر أحلامهم فحارب مجاهدا ودافع مكابدا
وأقام منابذا حتى قهره السيف وعلا أمر الله وهم كارهون فتقول بالاسلام غير
منطو عليه وأسر الكفر غير مقلع عنه فعرفه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
والمسلمون وميزله المؤلفة قلوبهم فقبله وولده على علم منه فمما لعنهم الله به على لسان نبيه
صلى الله عليه وسلم وأنزل به كتابا قوله ( والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم
فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) ولا اختلاف بين أحد أنه أراد بها بنى أمية ومنه قول
الرسول عليه السلام وقد رآه مقبلا على حمار ومعاوية يقود به ويزيد ابنه يسوق
به لعن الله القائد والراكب والسائق ومنه ما يرويه الرواة من قوله يا بنى عبد مناف
تلقفوها تلقف الكرة فما هناك جنة ولا نار وهذا كفر صراح يلحقه به اللعنة من
الله كما لحقت الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم
ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ومنه ما يروون من وقوفه على ثنية أحد بعد ذهاب
بصره وقوله لقائده ههنا ذببنا محمدا وأصحابه ومنه الرؤيا التى رآها النبى صلى الله
عليه وسلم فوجم لها فما رؤى ضاحكا بعدها فأنزل الله " وما جعلنا الرؤيا التى أريناك
إلا فتنة للناس " فذكروا أنه رأى نفرا من بنى أمية ينزون على منبره ومنه طرد
رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم بن أبى العاص لحكايته إياه وألحقه الله بدعوة
ـ186ـ
رسوله آية باقية حين رآه يتخلج فقال له كن كما أنت فبقى على ذلك سائر عمره إلى
ما كان من مروان في افتتاحه أول فتنة كانت في الاسلام واحتقابه لكل دم حرام
سفك فيها أو أريق بعدها ومنه ما أنزل الله على نبيه في سورة القدر " ليلة القدر
خير من ألف شهر " من ملك بنى أمية ومنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا
بمعاوية ليكتب بأمره بين يديه فدافع بأمره واعتل بطعامه فقال النبى لا أشبع الله
بطنه فبقى لايشبع ويقول والله ما أنزل الطعام شبعا ولكن أعيا ومنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال يطلع من هذا الفج رجل من أمتى يحشر على غير ملتى فطلع
معاوية ومنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا رأيتم معاوية على منبرى
فاقتلوه ومنه الحديث المرفوع المشهور أنه قال إن معاوية في تابوت من نار في
أسفل درك منها ينادى يا حنان يا منان الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين
ومنه انبراؤه بالمحاربة لافضل المسلمين في الاسلام مكانا وأقدمهم اليه سبقا
وأحسنهم فيه أثرا وذكرا على بن أبى طالب ينازعه حقه بباطله ويجاهد أنصاره
بضلاله وغواته ويحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولانه من إطفاء نور الله وجحود
دينه ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره المشركون يستهوى أهل الغباوة ويموه
على أهل الجهالة بمكره وبغيه الذين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر عنهما
فقال لعمار يقتلك الفيئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار مؤثرا للعاجلة
كافرا بالآجلة خارجا من ربقة الاسلام مستحلا للدم الحرام حتى سفك في فتنته
وعلى سبيل ضلالته ما لا يحصى عدده من خيار المسلمين الذابين عن دين الله
والناصرين لحقه مجاهدا لله مجتهدا في أن يعصى الله فلا يطاع وتبطل أحكامه فلا
تقام ويخالف دينه فلا يدان وأن تعلو كلمة الضلالة وترتفع دعوة الباطل وكلمة
الله هى العليا ودينه المنصور وحكمه المتبع النافذ وأمره الغالب وكيد من حاده
المغلوب الداحض حتى احتمل أوزار تلك الحروب وما اتبعها وتطوق تلك
الدماء وما سفك بعدها وسن سنن الفساد التى عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى
يوم القيامة وأباح المحارم لمن ارتكبها ومنع الحقوق أهلها واغتره الاملاء
ـ187ـ
واستدرجه الامهال والله له بالمرصاد ثم مما أوجب الله له به اللعنة قتله من قتل
صبرا من خيار الصحابة والتابعين وأهل الفضل والديانة مثل عمرو بن الحمق
وحجر بن عدى فمن قتل أمثالهم في أن يكون له العزة والملك والغلبة ولله العزة
والملك والقدرة والله عزوجل يقول ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم
خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) ومما استحق به اللعنة
من الله ورسوله ادعاؤه زياد بن سمية جرأة على الله والله يقول " ادعوهم لآبائهم
هو أقسط عندالله " ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ملعون من ادعى إلى غير
أبيه وانتمى إلى غيرمواليه ويقول الولد للفراش والعاهر الحجر فخالف حكم الله
عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم جهارا وجعل الولد لغير الفراش والعاهر
لا يضره عهره فأدخل بهذه الدعوة من محارم الله ومحارم رسوله في أم حبيبة
زوجة النبى صلى الله عليه وسلم وفى غيرها من سفور وجوه ما قد حرمه الله وأثبت
بها قربى قد باعدها الله وأباح بها ماقد حظره الله مما لم يدخل على الاسلام خلل
مثله ولم ينل الدين تبديل شبهه ومنه ايثاره بدين الله ودعاؤه عباد الله إلى ابنه
يزيد المتكبر الخمير صاحب الديوك والفهود والقرود وأخذه البيعة له على خيار
المسلمين بالقهر والسطوة والتوعيد والاخافة والتهدد والرهبة وهو يعلم سفهه
ويطلع على خبثه ورهقه ويعاين سكرانه وفجوره وكفره فلما تمكن منه ما مكنه
منه ووطأه له وعصى الله ورسوله فيه طلب بثأرات المشركين وطوائلهم عند
المسلمين فأوقع بأهل الحرة الوقيعة التى لم يكن في الاسلام أشنع منها ولا أفحش
مما ارتكب من الصالحين فيها وشفى بذلك عبد نفسه وغليله وظن أن قد انتقم
من أولياء الله وبلغ النوى لاعداء الله فقال مجاهرا بكفره ومظهرا لشركه
ليت أشياخى ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل
قد قتلنا القرم من ساداتكم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل
فأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لاتسل
لست من خندف إن لم أنتقم * من بنى أحمد ما كان فعل
ـ188ـ
لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحى نزل
هذا هو المروق من الدين وقول من لا يرجع إلى الله ولا إلى دينه ولا إلى كتابه
ولا إلى رسوله ولا يؤمن بالله ولا بما جاء من عندالله ثم من أغلظ ما انتهك
وأعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن على وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه
وسلم مع موقعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه منه ومنزلته من الدين
والفضل وشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له ولاخيه بسيادة شباب أهل الجنة
اجتراء على الله وكفرا بدينه وعداوة لرسوله ومجاهدة لعترته واستهانة بحرمته فكأنما
يقتل به وبأهل بيته قوما من كفار أهل الترك والديلم لايخاف من الله نقمة ولا يرقب
منه سطوة فبتر الله عمره واجتث أصله وفرعه وسلبه ما تحت يده وأعد له من عذابه
وعقوبته ما استحقه من الله بمعصيته هذا إلى ما كان من بنى مروان من تبديل
كتاب الله وتعطيل أحكامه واتخاذ مال الله دولا بينهم وهدم بيته واستحلال
حرامه ونصبهم المجانيق عليه ورميهم إياه بالنيران لا يألون له إحراقا وإخرابا
ولما حرم الله منه استباحة وانتهاكا ولمن لجأ اليه قتلا وتنكيلا ولمن أمنه الله
به إخافة وترشيدا حتى إذا حقت عليهم كلمة العذاب واستحقوا من الله الانتقام
وملؤا الارض بالجور والعدوان وعموا عباد الله بالظلم والاقتسار وحلت عليهم
السخطة ونزلت بهم من الله السطوة أتاح الله لهم من عترة نبيه وأهل وراثته
من استخلصهم منهم بخلافته مثل ما اتاح الله من أسلافهم المؤمنين وآبائهم
المجاهدين لاوائلهم الكافرين فسفك الله بهم دماءهم مرتدين كما سفك بآبائهم
دماء آباء الكفرة المشركين وقطع الله دابر القوم الظالمين والحمدلله رب العالمين
ومكن الله ا لمستضعفين ورد الله الحق إلى أهله المستحقين كما قال جل شأنه " ونريد
أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " واعلموا
أيها الناس أن الله عزوجل انما أمر ليطاع ومثل ليتمثل وحكم ليقبل وألزم
الاخذ بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ليتبع وإن كثيرا ممن ضل فالتوى وانتقل
من أهل الجهالة والسفاه ممن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وقد
ـ189ـ
قال الله عزوجل " قاتلوا أئمة الكفر " فانتهوا معاشر الناس عما يسخط الله عليكم
وراجعوا ما يرضيه عنكم وارضوا من الله بما اختار لكم والزموا ما أمركم به
وجانبوا مانهاكم عنه واتبعوا الصراط المستقيم والحجة البينة والسبل الواضحة
وأهل بيت الرحمة الذين هداكم الله بهم بديئا واستنقذكم بهم من الجور والعدوان
أخيرا وأصاركم إلى الخفض والامن والعز بدولتهم وشملكم الصلاح في أديانكم
ومعايشكم في أيامهم والعنوا من لعنه الله ورسوله وفارقوا من لا تنالون القربة من
الله إلا بمفارقته اللهم العن أبا سفيان بن حرب ومعاوية ابنه ويزيد بن معاوية
ومروان بن الحكم وولده اللهم العن أئمة الكفر وقادة الضلالة وأعداء الدين
ومجاهدى الرسول ومغيرى الاحكام ومبدلى الكتاب وسفاكى الدم الحرام
اللهم إنا نتبرأ اليك من موالاة أعدائك ومن الاغماض لاهل معصيتك كما قلت
" لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله " يا أيها الناس
اعرفوا الحق تعرفوا أهله وتأملوا سبل الضلالة تعرفوا سابلها فانه انما يبين عن
الناس أعمالهم ويلحقهم بالضلال والصلاح آباؤهم فلايأخذكم في الله لومة لائم
ولا يميلن بكم عن دين الله استهواء من يستهويكم وكيد من يكيدكم وطاعة من
تخرجكم طاعته إلى معصية ربكم أيها الناس بنا هداكم الله ونحن ا لمستحفظون فيكم
أمر الله ونحن ورثة رسول الله والقائمون بدين الله فقفوا عند ما نقفكم عليه وأنفذوا
لما نأمركم به فإنكم ما أطعتم خلفاء الله وأئمة الهدى على سبيل الايمان والتقوى
أمي رالمؤمنين يستعصم الله لكم ويسأله توفيقكم ويرغب إلى الله في هدايتكم
لرشدكم وفى حفظ دينه عليكم حتى تلقوه به مستحقين طاعته مستحقين لرحمته والله
حسب أمي رالمؤمنين فيكم وعليه توكله وبالله على ماقلده من أموركم استعانته ولاحول
لامي رالمؤمنين ولا قوة الا بالله والسلام عليكم وكتب أبوالقاسم عبيدالله بن
سليمان في سنة 284 ( وذكر ) أن عبيدالله بن سليمان أحضر يوسف بن يعقوب
القاضى وأمره أن يعمل الحيلة في إبطال ما عزم عليه المعتضد فمضى يوسف بن
يعقوب فكلم المعتضد في ذلك وقال له يا أمي رالمؤمنين إن أخاف أن تضطرب
ـ190ـ
العامة ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة فقال إن تحركت العامة أو نطقت
وضعت سيفى فيها فقال يا أمي رالمؤمنين فما تصنع بالطالبين الذين هم في كل ناحية
يخرجون ويميل اليهم كثير من الناس لقرابتهم من الرسول ومآثرهم وفى هذا الكتاب
إطراؤهم أو كما قال وإذا سمع الناس هذا كانوا اليهم أميل وكانوا في أبسط ألسنة
وأثبت حجة منهم اليوم فأمسك المعتضد فلم يرد عليه جوابا ولم يأمر في الكتاب
بعده بشئ ( وفى ) يوم الجمعة لاربع عشرة بقيت من رجب منها شخص جعفر
ابن بغلا غزا إلى عمرو بن الليث الصفار وهو بنيسابور بخلع ولواء لولايته على
الرى وهدايا من قبل المعتضد ( وفى هذه السنة ) لحق بكر بن عبدالعزيز بن أبى
دلف بمحمد بن زيد العلوى بطبرستان فأقام بدر وعبيدالله بن سليمان ينتظران
أمر بكر إلى ما يؤول وعلى إصلاح الجبل ( وفيها ) فيما ذكر فتحت من بلاد الروم
قرة على يد راغب مولى الموفق وابن كلوب وذلك في يوم الجمعة من رجب ( وفى )
ليلة الاربعاء لاثنتى عشرة خلت من شعبان أو ليلة الخميس فيما ذكر ظهر شخص
انسان في يده سيف في دار المعتضد بالثريا فمضى اليه بعض الخدم لينظر ما هو
فضربه الشخص بالسيف ضربة قطع بها منطقته ووصل السيف إلى بدن الخادم
ورجع الخادم منصرفا عنه هاربا ودخل الشخص في زرع في البستان فتوارى فيه
فطلب باقى ليلته ومن غد فلم يوقف له على أثر فاستوحش المعتضد لذلك وكثر
الناس في أمره رجما بالظنون حتى قالوا إنه من الجن ثم عاد هذا الشخص للظهور
بعد ذلك مرارا كثيرة حتى وكل المعتضد بسور داره وأحكم السور ورأسه وجعل
عليه كالبرابخ لئلا يقع عليه الكلاب إن رمى به وجئ باللصوص من الحبس
ونوظروا في ذلك وهل يمكن أحد الدخول اليه بنقب أو تسلق * وفى يوم السبت
لثمان بقين من شعبان من هذه السنة وجه كرامة بن مر من الكوفة بقوم مقيدين
ذكر أنهم من القرامطة فأقروا على أبى هاشم بن صدقة الكاتب أنه كان يكاتبهم
وأنه أحد رؤسائهم فقبض على أبى هاشم وقيد وحبس في المطامير * وفى يوم السبت لسبع
خلون من شهر رمضان من هذه السنة جمع المجانين والمعزمون بهم إلى دار المعتضد
ـ191ـ
في الثريا بسبب الشخص الذى كان يظهر له فأدخلوا الدار وصعد المعتضد علية له فأشرف
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 191 سطر 1 الى ص 200 سطر 25
في الثريا بسبب الشخص الذى كان يظهر له فأدخلوا الدار وصعد المعتضد علية له فأشرف
عليهم فلما رآهم صرعت امرأة كانت معهم من المجانين واضطربت وتكشفت فضجر
وانصرف عنهم ووهب لكل واحد منهم خمسة دراهم فيما ذكر وصرفوا وقد كان
وجه إلى المعزمين قبل أن يشرف عليهم من يسألهم عن خبر الشخص الذى
ظهر له هل يمكنهم أن يعلموا علمه فذكر قوم منهم أنهم يعزمون على بعض المجانين
فاذا سقط سأل الجنى عن خبر ذلك الشخص وما هو فلما رأى المرأة التى صرعت
أمر بصرفهم * وفى ذى العقدة منها ورد الخبر من أصبهان بوثوب الحارث
ابن عبدالعزيز بن أبى دلف المعروف بأبى ليلى بشفيع الخادم الموكل كان به
فقتله وكان أخوه عمر بن عبدالعزيز بن أبى دلف أخذه فقيده وحمله إلى قلعة
لآل أبى دلف بالدز فحبسه فيها وكان كل مالآل أبى دلف من مال ومتاع نفيس
وجوهر في القلعة وشفيع مولاهم موكل بحفظ ذلك وحفظ القلعة ومعه جماعة
من غلمان عمر وخاصته فلما استأمن عمر إلى السلطان وهرب بكر عاصيا للسلطان
بقيت القلعة بما فيها من يد شفيع فكلمه أبوليلى في إطلاقه فأبى وقال لا أفعل
فيك وفيما في يدى إلا بما يأمرنى به عمر * فذكر عن جارية لابى ليلى أنها قالت
كان مع أبى ليلى في الحبس غلام صغير يخدمه وآخر يخرج في حوائجه ولا يبيت
عنده ويبيت عنده الغلام الصغير فقال أبوليلى لغلامه الذى يخرج في حوائجه
احتل لى في مبرد تدخله إلى ففعل وأدخله في شئ من طعامه وكان شفيع الخادم
يجئ في كل ليلة إذا أراد أن ينام إلى البيت الذى فيه أبوليلى حتى يراه ثم يقفل
عليه باب البيت هو بيده ويمضى فينام وتحت فراشه سيف مسلول وكان أبوليلى
قد سأل أن تدخل إليه جارية فأدخلت اليه جارية حدثة السن . فذكر عن
دلفاء جارية أبى ليلى عن هذه الجارية أنها قالت برد أبوليلى المسمار الذى في
القيد حتى كان يخرجه من رجله إذا شاء قالت وجاء شفيع الخادم عشية من
العشايا إلى أبى ليلى فقعد معه يحدثه فسأله أبوليلى أن يشرب معه أقداحا ففعل
ثم قام الخادم لحاجته قالت فأمرنى أبوليلى ففرشت فراشه فجعل عليه ثيابا في
ـ192ـ
موضع الانسان من الفراش وغطى على الثياب باللحاف وأمرنى أن أقعد عند
رجل الفراش وقال لى إذا جاء شفيع لينظر إلى ويقفل الباب فسألك عنى فقولى
هو نائم وخرج أبوليلى من البيت فاختفى في جوف فرش ومتاع في صفة فيها
باب هذا البيت وجاء شفيع فنظر إلى الفراش وسأل الجارية فأخبرته أنه قد نام
فأقفل الباب فلما نام الخادم ومن معه في الدار التى في القلعة خرج أبوليلى فأخذ
السيف من تحت فراش شفيع وشد عليه فقتله فوثب الغلمان الذين كانوا ينامون
حوله فزعين فاعتزلهم أبوليلى والسيف في يده وقال لهم أنا أبوليلى قد قتلت
شفيعا ولئن تقدم إلى منكم أحد لاقتلنه وأنتم آمنون فأخرجوا من الدار حتى
أكلمكم بما أريد ففتحوا باب القلعة وخرجوا وجاء حتى قعد على باب القلعة
واجتمع الناس ممن كان في القلعة فكلمهم ووعدهم الاحسان وأخذ عليهم الايمان
فلما أصبح نزل من القلعة ووجه إلى الاكراد وأهل الزموم فجمعهم وأعطاهم
وخرج مخالفا على السلطان وقيل إن قتله الخادم كان في ليلة السبت لاثنتى عشرة
بقيت من ذى القعدة من هذه السنة وقيل إنه ذبح الخادم ذبحا بسكين كان أدخلها
اليه غلامه ثم أخذ السيف من تحت فراش الخادم وقام به إلى الغلمان ( وفى
هذه السنة ) وهى سنة 284 كان المنجمون يوعدون الناس بغرق أكثر الاقاليم
وأن إقليم بابل لا يسلم منه إلا اليسير وأن ذلك يكون بكثرة الامطار وزيادة
المياه في الانهار والعيون والآبار فقحط الناس فيها فلم يروا فيها من المطر إلا
اليسير وغارت المياه في الانهار والعيون والآبار حتى احتاج الناس إلا الاستسقاء
فاستسقوا ببغداد مرات ( ولليلة ) بقيت من ذى الحجة من هذه السنة كانت فيما
ذكر وقعة بين عيسى النوشرى وبين أبى ليلى بن عبدالعزيز بن أبى دلف وذلك
يوم الخميس دون أصبهان بفرسخين فأصاب أبا ليلى سهم في حلقه فيا ذكر فنحره
فسقط عن دابته وانهزم أصحابه وأخذ رأسه فحمل إلى أصبهان ( وحج بالناس )
في هذه السنة محمد بن عبدالله بن داود الهاشمى المعروف بأترجة
ـ193ـ
ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من قطع صالح بن مدرك الطائى في جماعة من طئ على الحاج
بالاجفر يوم الاربعاء لاثنتى عشرة بقيت من المحرم فحاربه الحى الكبير وهو
أمير القافلة فظفر الاعراب بالقافلة فأخذوا ما كان فيها من الاموال و التجارات
وأخذوا جماعة من النساء الحرائر والممالك وقيل إن الذى أخذوا من الناس
بقيمة ألفى ألف دينار ( ولسبع ) بقين من المحرم منها قرئ على جماعة من حاج
خراسان في دار المعتضد بتولية عمرو بن الليث الصفار ما وراء نهر بلخ وعزل
إسماعيل بن أحمد عنه ( ولخمس ) خلون من صفر منها ورد مدينة السلام وصيف
كامه مع جماعة من القواد من قبل بدر مولى المعتضد وعبيدالله بن سليمان من
الجبل معهم رأس الحارث بن عبدالعزيز بن أبى دلف المعروف بأبى ليلى فمضوا
به إلى دار المعتضد بالثريا فاستوهبه أخوه فوهبه له واستأذنه في دفنه فأذن
له وخلع على عمر بن عبدالعزيز في هذا اليوم وعلى جماعة من القواد القادمين
( وفيها ) فيما ذكر كتب صاحب البريد من الكوفة يذكر أن ريحا صفراء
ارتفعت بنواحى الكوفة في ليلة الاحد لعشر بقين من شهر ربيع الاول فلم تزل
إلى وقت صلاة المغرب ثم استحالت سوداء فلم يزل الناس في تضرع إلى الله
وان السماء مطرت بعقب ذلك مطرا شديدا برعود هائلة وبروق متصلة ثم سقط
بعد ساعة بقرية تعرف بأحمداباذ ونواحيها حجارة بيض وسود مختلفة الالوان
في أوساطها ضغطة شبه أفهار العطارين فأنفذ منها حجرا فأخرج إلى
الدواوين والناس حتى رأوه ( ولتسع ) بقين منه شخص ابن الاخشاد
أميرا على طرسوس من بغداد مع النفر الذين كانوا قدموا منها يسألون
أن يولى عليهم وال وخرج أيضا في هذا اليوم من بغداد فاتك
مولى المعتضد للنظر في أمور العمال بالموصل وديار ربيعة وديار مضر
ـ194ـ
والثغور الشأمية والجزرية وإصلاح الامور بها إلى ما كان يتقلده من أعمال البريد
بهذه النواحى ( وفى هذه السنة ) ورد الخبر فيما ذكر من البصرة أن ريحا ارتفعت
بها بعد صلاة الجمعة لخمس بقين من شهر ربيع الاول صفراء ثم استحالت خضراء
ثم سوداء ثم تتابعت الامطار بما لم يروا مثلها ثم وقع برد كبار كان وزن البردة الواحدة
مائة وخمسين درهما فيما قيل وأن الريح أقلعت من نهر الحسين خمسمائة نخلة وأكثر من نهر
معقل مائة نخلة عددا ( وفيها ) كانت وفاة الخليل بن ريمال بحلوان ( ولخمس ) خلون
من جمادى الآخرة ورد الخبر على السلطان أن بكر بن عبدالعزيز بن أبى دلف توفى
بطبرستان من علة أصابته ودفن هنالك فأعطى الذى جاء بالخبر فيما ذكر ألف
دينار ( وفيها ) ولى المعتضد محمد بن أبى الساج أعمال آذربيجان وأرمينية وكان
قد تغلب عليها وخالف وبعث اليه بخلع وحملان ( وفيها ) ورد الخبر لثلاث
خلون من شعبان أن راغبا الخادم مولى الموفق غزا في البحر فأظفره الله بمراكب
كثيرة وبجميع من فيها من الروم فضرب أعناق ثلاثة آلاف من الروم الذين
كانوا في المراكب وأحرق المراكب وفتح حصونا كثيرة من حصون الروم
وانصرفوا سالمين ( وفى ذى الحجة ) منها ورد الخبر بوفاة أحمد بن عيسى بن شيخ
وقيام ابنه محمد بن أحمد بن عيسى بما كان في يد أبيه بآمد وما يليها على سبيل
التغلب * ولاحدى عشرة بقيت من ذى الحجة منهاخرج المعتضد من بغداد
قاصدا إلى آمد وخرج معه ابنه أبومحمد والقواد والغلمان واستخلف ببغداد
صالحا الامين الحاجب وقلده النظر في المظالم وأمر الجسرين وغير ذلك ( وفيها )
وجه هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون ومن معه من قواد المصريين إلى
المعتضد وصيف قاطر ميز يسألونه مقاطعتهم عما في أيديهم من مصر والشأم
وأجرى هارون على ما كان يجرى عليه أبوه فقدم وصيف بغداد فرده المعتضد
ووجه معه عبدالله بن الفتح ليشافههم برسائل ويشترط عليهم شروطا فخرجا
لذلك في آخر هذه السنة ( وفيها ) غزا ابن الاخشاد بأهل طرسوس وغيرهم في
ذى الحجة وبلغ سلندو فتح عليه وكان انصرافه إلى طرسوس في سنة 286
ـ195ـ
( وحج بالناس ) في هذه السنة محمد بن عبدالله بن داود الهاشمى
ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث الجليلة
فمن ذلك ما كان من توجيه محمد بن أبى الساج ابنه المعروف بأبى المسافر إلى
بغداد رهينة بما ضمن للسلطان من الطاعة والمناصحة فقدم فيما ذكر يوم الثلاثاء
لسبع خلون من المحرم منها معه هدايا من الدواب والمتاع وغير ذلك والمعتضد
يومئذ غائب عن بغداد * وفى شهر ربيع الآخر منها ورد الخبر أن المعتضد
بالله وصل إلى آمد فأناخ بجنده عليها وأغلق محمد بن أحمد بن عيسى بن شيخ عليه
أبواب مدينة آمد وعلى من فيها من أشياعه ففرق المعتضد جيوشه حولها
وحاصرهم وذلك لايام بقيت من شهر ربيع الاول ثم جرت بينهم حروب ونصب
عليهم المجانيق ونصب أهل آمد على سورهم المجانيق وتراموا بها * وفى يوم
السبت لاحدى عشرة بقيت من جمادى الاولى وجه محمد بن أحمد بن عيسى إلى
المعتضد يطلب لنفسه ولاهله ولاهل آمد الامان فأجابه إلى ذلك فخرج محمد بن
أحمد بن عيسى في هذا اليوم ومن معه من أصحابه وأوليائه فوصلوا إلى المعتضد
فخلع عليه وعلى رؤساء أصحابه وانصرفوا إلى مضرب قد أعد لهم وتحول المعتضد
من عسكره إلى منازل ابن عيسى بن شيخ ودوره وكتب بذلك كتابا إلى مدينة
السلام مؤرخا بيوم الاحد لعشر بقين من جمادى الاولى ولخمس بقين من جمادى
الاولى منها ورد الكتاب من المعتضد بفتحه آمد إلى مدينة السلام وقرئ
على المنبر بالجامع ( وفيها ) انصرف عبدالله بن الفتح إلى المعتضد وهو مقيم بآمد
من مصر بأجوبة كتبه إلى هارون بن خمارويه وأعلمه أن هارون قد بذل أن يسلم
اعمال قنسرين والعواصم ويحمل إلى بيت المال ببغداد في كل سنة أربعمائة ألف
وخمسين ألف دينار وأنه يسأل أن يجدد له ولاية على مصر والشأم وأن يوجه
المعتضد بخادم من خدمه اليه بذلك فأجابه إلى ما سأل وأنفذ إليه بدر القدامى
ـ196ـ
وعبدالله بن الفتح بالولاية والخلع فخرجا من آمد إلى مصر بذلك وتسلم عمال
المعتضد أعمال قنسرين والعواصم من أصحاب هارون في جمادى الاولى وأقام
المعتضد بآمد بقية جمادى الاولى وثلاثة وعشرين يوما من جمادى الآخرة ثم
ارتحل منها يوم السبت لسبع بقين منها نحو الرقة وخلف ابنه عاليا بآمد مع جيوش
ضمهم اليه لضبط الناحية وأعمال قنسرين والعواصم وديار ربيعة وديار مضر
وكان كاتب على بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النصرانى وقلد الحسين بن
عمرو النظر في أمور هذه النواحى ومكاتبة العمال بها وأمر المعتضد بهدم سور
آمد فهدم ( وفيها ) وافت هدية عمرو بن الليث الصفار من نيسابور إلى بغداد
فكان مبلغ المال الذى وجهه أربعة آلاف ألف درهم وعشرين من الدواب
بسروج ولجم محلاة مغرفة ومائة وخمسين دابة بجلال مشهرة وكسوة وطيب
وبزاة وذلك في يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة ( وفى هذه السنة ) ظهر رجل
من القرامطة يعرف بأبى سعيد الجنابى بالبحرين فاجتمع اليه جماعة من الاعراب
والقرامطة وكان خروجه فيما ذكر في أول هذه السنة أكثر أصحابه في جمادى الآخرة
وقوى أمره فقتل من حوله من أهل القرى ثم صار إلى موضع يقال له القطيف بينه
وبين البصرة مراحل فقتل من بها وذكر أنه يريد البصرة فكتب أحمد بن محمد بن
يحيى الواثقى وكان يتقلد معاون البصرة وكور دجلة في ذلك الوقت إلى السلطان بما
اتصل به من عزم هؤلاء القرامطة فكتب إليه وإلى محمد بن هشام المتولى أعمال
الصدقات والخراج والضياع بها في عمل سور على البصرة فقدرت النفقة على ذلك
أربعة عشر ألف دينار فأمر بالانفاق عليه فبنى * وفى رجب من هذه السنة صار إلى
الانبار جماعة من اعراب بنى شيبان فأغاروا على القرى وقتلوا من لحقوا من الناس
واستاقوا المواشى فخرج إليهم أحمد بن محمد بن كمشحور المتولى المعاون بها فلم يطقهم فكتب
إلى السلطان يخبره بأمورهم فوجه من مدينة السلام نفيسا المولدى وأحمد بن محمد الزرنجى
والمظفر بن حاج مددا له في زهاء ألف رجل فصاروا إلى موضع الاعراب فواقعوهم
بموضع يعرف بالمنقبة من الانبار فهزمهم الاعراب وقتلوا أصحابهم وغرق أكثرهم
ـ197ـ
في الفرات وتفرقوا فورد كتاب ابن حاج يوم الاثنين لست بقين من رجب
يخبر هذه الوقعة وهزيمة الاعراب إياهم فأقام الاعراب يعيثون في الناحية
ويتخفرون القرى فكتب إلى المعتضد بخبرهم فوجه إليهم لقتالهم من الرقة العباس
ابن عمرو الغنوى وخفيفا الا ذكوتكينى وجماعة من القواد فصار هؤلاء القواد
إلى هيت في آخر شعبان من هذه السنة وبلغ الاعراب خبرهم فارتحلوا عن موضعهم
من سواد الانبار وتوجهوا نحو عين التمر فنزلوها ودخل القواد الانبار فأقاموا
بها وعاث الاعراب بعين التمر ونواحى الكوفة مثل عيثهم بنواحى الانبار وذلك
بقية شعبان وشهر رمضان ( وفيها ) وجه المعتضد إلى راغب مولى أبى أحمد وهو
بطرسوس يأمره بالمصير إليه بالرقة فصار إليه وهو بها فلما وصل إليه تركه في
عسكره يوما ثم أخذه من الغد فحبسه وأخذ جميع ما كان معه وورد الخبر بذلك
مدينة السلام يوم الاثنين لتسع خلون من شعبان ثم مات راغب بعد أيام وقبض
على مكنون غلام راغب وعلى أصحابه وأخذ ماله بطرسوس يوم الثلاثاء لست
بقين من رجب وكان المتولى أخذهم ابن الاخشاد ( ولعشر ) بقين من شهر رمضان
منها وجه المعتضد مونسا الخازن إلى الاعراب بنواحى الكوفة وعين التمر وضم
إليه العباس بن عمرو وخفيفا الاذكو تكينى وغيرهما من القواد فسار مونس
ومن معه حتى بلغ الموضع المعروف بنينوى فوجد الاعراب قد ارتحلوا عن
موضعهم ودخل بعضهم إلى برية طريق مكة وبعضهم إلى برية الشأم فأقام بموضعه
أياما ثم شخص إلى مدينة السلام ( وفى شوال ) منها قلد المعتضد وعبيدالله بن
سليمان ديوان المشرق محمد بن داود بن الجراح وعزل عنه أحمد بن محمد بن الفرات
وقلد ديوان المغرب على بن عيسى بن داود بن الجراح وعزل عنه ابن الفرات
ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من قبض المعتضد على محمد بن أحمد بن عيسى بن شيخ وعلى
ـ198ـ
جماعة من أهله وتقييده إياهم وحبسه لهم في دار ابن طاهر وذلك أنه صار بعض
أقربائه فيما ذكر إلى عبيدالله بن سليمان فأعلمه أن محمدا على الهرب في جماعة من
أصحابه وأهله فكتب بذلك عبيدالله إلى المعتضد فكتب إليه المعتضد يأمره بالقبض
عليه ففعل ذلك يوم الاربعاء لاربع خلون من المحرم منها * وفى هذا الشهر من
هذه السنة ورد كتاب أبى الاغر على السلطان أن طيئا تجمعت له وحشدوا
واستعانوا بمن قدروا عليه من الاعراب واعترضوا قافلة الحاج فواقعوهم لما
جاوزوا المعدن منصرفين إلى مدينة السلام من مكة ببضعة عشر ميلا وأقبل إليهم
فرسان الاعراب ورجالتهم ومعهم بيوتهم وحرمهم وإبلهم وكانت رجالتهم
أكثر من ثلاثة آلاف فالتحمت الحرب بينهم ولم تزل الحرب بينهم يومهم أجمع
وهو يوم الخميس لثلاث بقين من ذى الحجة فلما جنهم الليل باينوهم فلما أصبحوا
غادوهم الحرب غداة يوم الجمعة إلى حين انتصاف النهار ثم أنزل الله النصر على
أوليائه وولى الاعراب منهزمين فما اجتمعوا بعد تفرقهم وأنه سار هو وجميع
الحاج سالمين وأنفذ كتابه مع سعيد بن الاصفر بن عبدالاعلى وهو أحد وجوه
بنى عمه والمتولى كان للقبض على صالح بن مدرك * وفى يوم السبت لثلاث بقين
من المحرم وافى أبوالاغر مدينة السلام وبين يديه رأس صالح بن مدرك ورأس
جحنش ورأس غلام لصالح أسود وأربعة أسارى من بنى عم صالح فمضى إلى دار
المعتضد فخلع عليه وطوق بطوق من ذهب ونصبت الرؤس على رأس الجسر
الاعلى بالجانب الشرقى وأدخل الاسرى المطامير ( ولاربع ) ليال بقين من صفر منها
دخل المعتضد من منتزهة ببراز الروز إلى بغداد وأمر ببناء قصر في موضع
اختاره من براز الروز فحمل اليه الآلات وابتدأ في عمله * وفى شهر ربيع الاول
منها غلظ أمر القرامطة بالبحرين فأغاروا على نواحى هجر وقرب بعضهم من
نواحى البصرة فكتب أحمد بن محمد بن يحيى الواثقى يسأل المدد فوجه اليه في آخر
هذا الشهر بثمانى شذوات فيها ثلثمائة رجل وأمر المعتضد باختيار جيش لينفذه
إلى البصرة * وفى يوم الاحد لعشر خلون من شهر ربيع الآخر قعد بدر مولى
ـ199ـ
المعتضد في داره ونظر في أمور الخاصة والعامة من الناس والخراج والضياع
والمعاون * وفى يوم الاثنين لاحدى عشرة خلت من شهر ربيع الآخر مات محمد
ابن عبدالحميد الكاتب المتولى ديوان زمام المشرق والمغرب وفى يوم الاربعاء
لثلاث عشرة خلت منه ولى جعفر بن محمد بن حفص هذا الديوان فصار من
يومه إلى الديوان وقعد فيه * وفى شهر ربيع الآخر منها ولى المعتضد عباس بن
عمرو الغنوى اليمامة والبحرين ومحاربة أبى سعيد الجنابى ومن معه من
القرامطة وضم اليه زهاء ألفى رجل فعسكر العباس بالفرك أياما حتى اجتمع
اليه أصحابه ثم مضى إلى البصرة ثم شخص منها إلى البحرين واليمامة
( وفيها ) فيما ذكر وافى العدو باب قلمية من طرسوس فنفر أبوثابت وهو
أمير طرسوس بعد موت ابن الاخشاد وكان استخلفه على البلد حين غزا فمات
وهو على ذلك فبلغ في نفيره إلى نهر الريحان في طلب العدو فأسر أبوثابت وأصيب
الناس معه فكان ابن كلوب غازيا في درب السلامة فلما قفل من غزاته جمع المشايخ
من أهل الثغر ليتراضوا بأمير يلى أمورهم فاتفق رأيهم على على بن الاعرابى
فولوه أمرهم بعد اختلاف من ابن أبى ثابت وذكر أن أباه استخلفه وجمع جمعا
لمحاربة أهل البلد حتى توسط الامر ابن كلوب فرضى ابن ثابت وذلك في شهر ربيع
الآخر وكان النغيل حينئذ غازيا ببلاد الروم فانصرف إلى طرسوس وجاء الخبر
أن أبا ثابت حمل إلى ال قسطنطينية من حصن قونية ومعه جماعة من المسلمين
وفى شهر ربيع الآخر مات اسحاق بن أيوب الذى كان اليه المعاون بديار ربيعة
فقلد ما كان اليه عبدالله بن الهيثم بن عبدالله بن المعتمر * وفى يوم الاربعاء لخمس
بقين من جمادى الاولى ورد كتاب فيما ذكر على السلطان بأن اسماعيل بن أحمد
أسر عمرا الصفار واستباح عسكره وكان من خبر عمرو واسماعيل أن عمرا
سأل السلطان أن يوليه ماوراء النهر فولاه ذلك ووجه اليه وهو مقيم بنيسابور
بالخلع واللواء على ماوراء النهر فخرج لمحاربة اسماعيل بن أحمد فكتب اليه اسماعيل
ابن أحمد انك قد وليت دنيا عريضة وانما في يدى ماوراء النهر وأنا في ثغر فاقنع
ـ200ـ
بما في يدك واتركنى مقيما بهذا الثغر فأبى اجابته إلى ذلك فذكر له أمر نهر بلخ
وشدة عبوره فقال لو أشاء أن أسكره ببدر الاموال وأعبره لفعلت فلما أيس
اسماعيل من انصرافه عنه جمع من معه والتناء والدهاقين وعبر النهر إلى الجانب
الغربى وجاء عمرو فنزل بلخ وأخذ اسماعيل عليه النواحى فصار كالمحاصر وندم
على ما فعل وطلب المحاجزة فيما ذكر فأبى اسماعيل عليه ذلك فلم يكن بينهما كثير
قتال حتى هزم عمرو فولى هاربا ومر بأجمة في طريقه قيل له إنها أقرب فقال لعامة
من معه امضوا في الطريق الواضح ومضى في نفر يسير فدخل الاجمة فوحلت
دابته فوقعت ولم يكن له في نفسه حيلة ومضى من معه ولم يلووا عليه وجاء
أصحاب اسماعيل فأخذوه أسيرا ولما وصل الخبر إلى المعتضد بما كان من أمر عمرو
واسماعيل مدح اسماعيل فيما ذكر وذم عمرا ( ولليلة ) بقيت من جمادى الاولى
من هذه السنة ورد الخبر على السلطان أن وصيفا خادم ابن أبى الساج هرب من
برزعة ومضى إلى ملطية مراغما لمحمد بن أبى الساج في أصحابه وكتب إلى المعتضد
يسأله أن يوليه الثغور ليقوم بها فكتب اليه المعتضد يأمره بالمصير اليه ووجه
اليه رشيقا الحرمى ( ولسبع ) خلون من رجب من هذه السنة توفيت ابنة
خمارويه بن أحمد بن طولون زوجة المعتضد ودفنت داخل قصر الرصافة
( ولعشر ) خلون من رجب وفد على السلطان ثلاثة أنفس وجهم وصيف
خادم ابن أبى الساج إلى المعتضد يسأله أن يوليه الثغور ويوجه اليه الخلع فذكر
أن المعتضد أمر بتقرير الرسل بالسبب الذى من أجله فارق وصيف صاحبه
ابن أبى الساج وقصد الثغور فقرروا بالضرب فذكروا أنه فارقه
على مواطأة بينه وبين صاحبه على أنه متى صار إلى الموضع الذى هو به لحق به
صاحبه فصارا جميعا إلى مضر وتغلبا عليها وشاع ذلك في الناس وتحدثوا به
( ولاحدى عشرة ) خلت من رجب من هذه السنة ولى حامد بن العباس
الخراج والضياع بفارس وكانت في يد عمرو بن الليث الصفار ودفعت
كتبه بالولاية إلى أخيه أحمد بن العباس وكان حامد مقيما بواسط لانه
ـ201ـ
كان يليها وكور دجلة وكتب إلى عيسى النوشرى وهو باصبهان بالمصير إلى
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 201 سطر 1 الى ص 210 سطر 25
كان يليها وكور دجلة وكتب إلى عيسى النوشرى وهو باصبهان بالمصير إلى
فارس واليا على معونتها * وفى هذه السنة كان خروج العباس بن عمرو الغنوى
فيما ذكر من البصرة بمن ضم إليه من الجند مع من خف معه من مطوعة
البصرة نحو أبى سعيد الجنابى ومن انضوى إليه من القرامطة فلقيهم طلائع
لابى سعيد فخلف العباس سواده وسار نحوهم فلقى أبا سعيد ومن معه مساء فتناوشوا
القنال ثم حجز بينهم الليل فانصرف كل فريق منهما إلى موضعهم فلما كان الليل
انصرف من كان مع العباس من أعراب بنى ضبة وكانوا زهاء ثلثمائة إلى
البصرة ثم تبعهم مطوعة البصرة فلما أصبح العباس غادى القرامطة الحرب
فاقتتلوا قتالا شديدا ثم إن صاحب ميسرة العباس وهو نجاح غلام أحمد بن
عيسى بن شيخ حمل في جماعة من أصحابه زهاء مائة رجل على ميمنة أبى سعيد فوغلوا
فيهم فقتل وجميع من معه وحمل الجنابى وأصحابه على أصحاب العباس فانهزموا فاستأسر
العباس واسر من أصحابه زهاء سبعمائة رجل واحتوى الجنابى على ما كان في عسكر
العباس فلما كان من غد يوم الوقعة أحضر الجنابى من كان أسر من أصحاب
العباس فقتلهم جميعا ثم أمر بحطب فطرح عليهم وأحرقهم وكانت هذه الوقعة
فيما ذكر في آخر رجب وورد خبرها بغداد لاربع خلون من شعبان ( وفيها )
فيما ذكر صار الجنابى إلى هجر فدخلها وآمن أهلها وذلك بعد منصرفه من وقعة
العباس وانصرف فل أصحاب العباس بن عمرو يريدون البصرة ولم يكن أفلت
منهم إلا القليل بغير أزواد ولاكسى فخرج اليهم من البصرة جماعة بنحو من
أربعمائة راحلة عليها الاطعمة والكسى والماء فخرج عليهم فيما ذكر بنو أسد
فأخذوا تلك الرواحل بما عليها وقتلوا جماعة ممن كان مع تلك الرواحل ومن
افلت من أصحاب العباس وذلك في شهر رمضان فاضطربت البصرة لذلك اضطرابا
شديدا وهموا بالانتقال عنها فمنعهم أحمد بن محمد الواثقى المتولى لمعاونها من ذلك
وتخوفوا هجوم القرامطة عليهم ( ولثمان ) خلون من شهر رمضان منها فيما ذكر
وردت خريطة على السلطان من الابلة بموافاة العباس بن عمرو في مركب
ـ202ـ
من مراكب البحر وأن أبا سعيد الجنابى أطلقه وخادما له ( ولاحدى ) عشرة
خلت من شهر رمضان وافى العباس بن عمرو مدينة السلام وصار إلى دار المعتضد
بالثريا فذكر أنه بقى عند الجنابى أياما بعد الوقعة ثم دعا به فقال له أتحب أن أطلقك
قال نعم قال امض وعرف الذى وجه بك إلى ما رأيت وحمله على رواحل وضم اليه
رجالا من أصحابه وحملهم ما يحتاجون اليه من الزاد والماء وأمر الرجال الذن ؟ ؟
وجههم معه أن يؤدوه إلى مأمنه فساروا به حتى وصل إلى بعض السواحل فصادف
به مركبا فحمله فصار إلى الابلة فخلع عليه المعتضد وصرفه إلى منزله ( وفى ) يوم
الخميس لاحدى عشرة خلت من شوال ارتحل المعتضد من مضربه بباب الشماسية
في طلب وصيف خادم ابن أبى الساج وكتم ذلك وأظهر أنه يريد ناحية ديار مضر
( وفى ) يوم الجمعة لاثنتى عشرة خلت منه ورد الخبر فيما ذكر على السلطان أن
القرامطة بالسواد من أهل جنبلاء وثبوا بواليهم بدر غلام الطائى فقتلوا من
المسلمين جمعا فيهم النساء والصبيان وأحرقوا المنازل ( ولاربع عشرة ) خلت
من ذى القعدة نزل المعتضد كنيسة السوداء في طلب وصيف الخادم فأقام بها
يوم الاثنين والثلاثاء والاربعاء حتى تلاحق به الناس وأراد الرحيل في طريق
المصيصة فأتته العيون أن الخادم يريد عين زربة فأحضر الركاضة الثغريين وأهل
الخبرة فسألهم عن أقصد الطريق إلى عين زربة فقطعوا بن جيحان غداة الخميس
لسبع عشرة خلت من ذى القعدة فقدم ابنه عليا ومعه الحسن بن على كوره وأتبعه
بجعفر بن سعر ثم اتبع جعفرا محمد بن كمشجور ثم اتبعه خاقان المفلحى ثم مونس
الخادم ثم مونس الخازن ثم مضى في آثارهم مع غلمان الحجر ومربعين زربة
وضرب له بها مضرب وخلف بها خفيفا السمرقندى مع سواده وسارهو قاصدا
للخادم في أثر القواد فلما كان بعد صلاة العصر جاءته البشارات بأخذ الخادم
ووافوا به المعتضد فسلمه إلى مونس الخادم وهو يومئذ صاحب شرطة العسكر
وأمر ببذل الامان لاصحاب الخادم والنداء في العسكر ببراءة الذمة ممن وجد
في رحله شئ من نهب عسكر الخادم ولم يرده على أصحابه فرد الناس على كثير منهم
ـ203ـ
ما انتهبوا من عسكرهم وكانت الوقعة وأسر وصيف الخادم فيما قيل يوم الخميس
لثلاث عشرة بقيت من ذى القعدة وكان من اليوم الذى ارتحل المعتضد فيه من
مضربه بباب الشماسية إلى أن قبض على الخادم ستة وثلاثون يوما ولما قبض
المعتضد على الخادم انصرف فيما ذكر إلى عين زربة فأقام بها يومين فلما كان في
صبيحة الثالث اجتمع اليه أهل عين زربة وسألوه أن يرحل عنهم لضيق الميرة ببلدهم
فرحل عنها في اليوم الثالث فنزل المصيصة بجميع عساكره إلا أبا الاغر خليفة ابن
المبارك فانه كان وجهه ليأخذ على الخادم الطريق لئلا يصير إلى مرعش وناحية ملطية
وكان الخادم قد أنفذ عياله وعيال أصحابه إلى مرعش وبلغ أصحاب الخادم الذين
كانوا قد هربوا ما بذل لهم المعتضد من الامان وما أمر برده عليهم من أمتعتهم فلحقوا
بعسكر المعتضد داخلين في أمانه وكان نزول المعتضد بالمصيصة فيما قيل يوم الاحد
لعشر بقين من ذى القعدة فأقام بها إلى الاحد الآخر وكتب إلى وجوه أهل
طرسوس في المصير اليه فأقبلوا اليهم منهم النغيل وكان من رؤساء الثغر وابن له ورجل
يقال له ابن المهندس وجماعة معهم فحبس هؤلاء مع آخرين وأطلق أكثرهم
فحمل الذين حبسهم معه إلى بغداد وكان قد وجد عليهم لانهم فيما ذكر كانوا كاتبوا
وصيفا الخادم وأمر المعتضد بإحراق جميع المراكب البحرية التى كان المسلمون
يغزون فيها وجميع آلاتها وذكر أن دميانة غلام يا زمان هو الذى أشار عليه
لشئ كان في نفسه على أهل طرسوس فأحرق ذلك كله وكان في المراكب نحومن
خمسين مركبا قديما قد أنفق عليها أموال جليلة لا يعمل مثلها في هذا الوقت
فأحرقت فأضر ذلك بالمسلمين وكسر ذلك في أعضادهم وقوى به الروم وأمنوا
أن يغزوا في البحر وقلد المعتضد الحسن بن على كوره الثغور الشأمية بمسألة من
أهل الثغور واجتماع كلمتهم عليه ورحل المعتضد فيما قيل من المصيصة فنزل فندق
الحسين ثم الاسكندرية ثم بغراس ثم أنطاكية لليلتين خلتا من ذى الحجة فأقام بها
إلى أن نحر وبكر في ثانى النحر بالرحيل فنزل أرتاح ثم الاثارب ثم حلب فاقام
بها يومين ثم رحل إلى الناعورة ثم إلى خساف وصفين هناك في الجانب الجزرى
ـ204ـ
وبيت مال أمي رالمؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه في الجانب الآخر ثم إلى
بالس ثم إلى دوسر ثم إلى بطن دامان ثم إلى الرقة فدخلها لثمان بقين من ذى الحجة
فأقام بها إلى أن بقى ليلتان منه ( ولخمس ) بقين من شوال ورد الخبر على السلطان
بأن محمد بن زيد العلوى قتل
ذكر الخبر عن سبب مقتله
ذكر أن محمد بن زيد خرج لما اتصل به الخبر عن أسر اسماعيل بن أحمد
عمرو بن الليث في جيش كثيف نحو خراسان طامعا فيها ظنا منه أن اسماعيل بن
أحمد لايتجاوز عمله الذى كان يتولاه أيام ولاية عمرو بن الليث الصفار خراسان
وأنه لا دافع له عن خراسان إذ كان عمرو قد أسر ولا عامل للسلطان به فلما صار
إلى جرجان واستقر به كتب إليه يسأله الرجوع إلى طبرستان وترك جرجان له
فأبى ذلك عليه ابن زيد فندب اسماعيل فيما ذكر لى خليفة كان لرافع بن هرثمة أيام
ولاية رافع خراسان يدعى محمد بن هارون لحرب محمد بن زيد فانتدب له فضم
اليه جمعا كثيرا من رجاله وجنده ووجهه إلى ابن زيد لحربه فشخص محمد بن هارون
نحو ابن زيد فالتقيا على باب جرجان فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم عسكر محمد بن
هارون ثم إن محمد بن هارون رجع وقد انتقضت صفوف العلوى فانهزم عسكر
محمد بن زيد وولوا هاربين وقتل منهم فيما ذكر بشر كثير وأصابت ابن زيد
ضربات وأسر ابنه زيد وحوى محمد بن هارون عسكره وما كان فيه ثم مات محمد
ابن زيد بعد هذه الوقعة بأيام من الضربات التى كانت فيه فدفن على باب جرجان وحمل
ابنه زيد إلى اسماعيل بن أحمد وشخص محمد بن هارون إلى طبرستان ( وفى ) يوم
السبت لاثنتى عشرة خلت من ذى القعدة أوقع بدر غلام الطائى بالقرامطة على
غرة منهم بنواحى رودميسان وغيرها فقتل منهم فيما ذكر مقتلة عظيمة ثم تركهم
خوفا على السواد أن يخرب إذ كانوا فلاحيه وعماله وطلب رؤساءهم في أماكنهم فقتل
من ظفر به منهم وكان السلطان قد قوى بدرا بجماعة من جنده وغلمانه بسببهم
للحدث الذى كان منهم ( وحج بالناس ) في هذه السنة محمد بن عبدالله بن داود
ـ205ـ
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من ورود الخبر على السلطان فيما ذكر بوقوع الوباء بآذربيجان
فمات منه خلق كثير إلى أن فقد الناس ما يكفنون به الموتى فكفنوا في الاكسية
واللبود ثم صاروا إلى ان لم يجدوا من يدفن الموتى فكانوا يتركونهم مطروحين
في الطرق ( وفيها ) دخل أصحاب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث فارس وأخرجوا
منها عمال السلطان وذلك لاثنتى عشرة بقيت من صفر منها ( وفيها ) توفى محمد
ابن أبى الساج الملقب بأفشين بآذربيجان فاجتمع غلمانه وجماعة من أصحابه فأمروا
عليهم ديوداد بن محمد واعتزلهم يوسف بن أبى الساج على الخلاف لهم ( ولليلتين )
بقيتا من شهر ربيع الآخر ورد كتاب صاحب البريد بالاهواز يذكر فيه أن
أصحاب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث صاروا إلى سنبيل يريدون الاهواز ( وفى )
أول جمادى الاولى أدخل عمرو بن الليث عبدالله بن الفتح الموجه كان إلى اسماعيل
ابن أحمد بغداد واشناس غلام اسماعيل بن أحمد وذكر لى أن اسماعيل بن أحمد
خيره بين المقام عنده أسيرا وبين توجيهه إلى باب أمي رالمؤمنين فاختار توجيهه
فوجهه ( ولليلتين ) خلتا من جمادى الآخرة ورد فيما ذكر كتاب صاحب يريد الاهواز
منها يذكر أن كتاب اسماعيل بن أحمد ورد على طاهر بن محمد بن عمرو يعلمه أن
السلطان ولاه سجستان وأمره بالخروج اليها وأنه خارج إليه إلى فارس ليوقع به ثم
ينصرف إلى سجستان وأن طاهرا خرج لذلك وكتب إلى ابن عمه وكان مقيما بأرجان
في عسكره يأمره بالانصراف إليه إلى فارس بمن معه ( وفيها ) ولى المعتضد مولاه بدرا
فارس وأمره بالشخوص إليها لما بلغه من تغلب طاهر بن محمد عليها وخلع عليه لتسع
خلون من جمادى الآخرة وضم إليه جماعة من القواد فشخص في جيش عظيم
من الجند والغلمان ( ولعشر ) خلون من جمادى الآخرة منها خرج عبدالله بن الفتح
واشناس غلام اسماعيل إلى اسماعيل بن أحمد بن سامان بخلع من المعتضد حملها
ـ206ـ
اليه وببدنة وتاج وسيف من ذهب مركب على جميع ذلك جوهر وبهدايا
وثلاثة آلاف ألف درهم يفرقها في جيش من جيوش خراسان يوجه إلى
سجستان لحرب من بها من أصحاب طاهر بن محمد بن عمرو * وقد قيل إن المال
الذى وجهه إليه المعتضد كان عشرة آلاف ألف درهم وجه ببعض ذلك من
بغداد وكتب بباقيه على عمال الجبل وأمروا أن يدفعوه إلى الرسل ( وفى ) رجب
منها وصل بدر مولى المعتضد إلى ما قرب من أرض فارس فتنحى عنها من كان بها من
أسباب طاهر بن محمد بن عمرو فدخلها أصحاب بدر وجبى عماله الخراج بها ( ولليلتين )
خلتا من شهر رمضان منها ذكر أن كتاب عج بن حاج عامل مكة ورد يذكر
فيه أن بنى يعفر أوقعوا برجل كان تغلب على صنعاء وذكر أنه علوى وأنهم
هزموه فلجأ إلى مدينة تحصن بها فصاروا اليه فأوقعوا به فهزموه أيضا وأسروا
ابنا له وأفلت هو في نحو من خمسين نفسا ودخل بنو يعفر صنعاء وخطبوا بها
للمعتضد ( وفيها ) أوقع يوسف بن أبى الساج وهو في نفر يسير بابن أخيه
ديوداد بن محمد ومعه جيش أبيه محمد بن أبى الساج فهرب عسكره فبقى ديوداد
في جماعة قليلة فعرض عليه يوسف المقام معه فأبى وأخذ طريق الموصل فوافى
بغداد يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان من هذه السنة فكانت الوقعة
بينهما بناحية آذربيجان ( وفيها ) غزا نزار بن محمد عامل الحسن بن على كورة
الصائفة ففتح حصونا كثيرة للروم وأدخل طرسوس مائة علج ونيفا وستين
علجا من القوامسة والشمامسة وصلبانا كثيرا وأعلاما لهم فوجهها كوره إلى بغداد
( ولاثنتى عشرة ) خلت من ذى الحجة وردت كتب التجار من الرقة أن
الروم وافت في مراكب كثيرة وجاء قوم منهم على الظهر إلى ناحية كيسون
فاستاقوا من المسلمين أكثر من خمسة عشر ألف انسان مابين رجل وامرأة
وصبى فمضوا بهم وأخذوا فيهم قوما من أهل الذمة ( وفيها ) قرب أصحاب
أبى سعيد الجنابى من البصرة واشتد جزع أهل البصرة منهم حتى هموا بالهرب
منها والنقلة عنها فمنعهم من ذلك واليهم ( وفى ) آخر ذى الحجة منها قتل وصيف
ـ207ـ
خادم ابن أبى الساج فحملت جثته فصلبت بالجانب الشرقى وقيل إنه مات ولم
يقتل فلما مات احتز رأسه ( وحج بالناس ) فيها هارون بن محمد المكنى أبابكر
ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائتين
ذكر الخبر عن الكائن فيها من الامور
فمن ذلك ما كان من انتشار القرامطة بسواد الكوفة فوجه اليهم شبل غلام
أحمد بن محمد الطائى وتقدم اليه في طلبهم وأخذ من ظفر به منهم وحملهم إلى
باب السلطان وظفر برئيس لهم يعرف بابن أبى فوارس فوجه . معهم فدعا به
المعتضد لثمان بقين من المحرم فساءله ثم أمر به فقلعت أضراسه ثم خلع بمد
إحدى يديه فيما ذكرببكرة وعلق في الاخرى صخرة وترك على حاله تلك من
نصف النهار إلى المغرب ثم قطعت يداه ورجلاه من غد ذلك اليوم وضربت
عنقه وصلب بالجانب الشرقى ثم حملت جثته بعد أيام إلى الياسرية فصلب مع من
صلب هنالك من القرامطة ( ولليلتين ) خلتا من شهر ربيع الاول أخرج
من كانت له دار وحانوت بباب الشماسية عن داره وحانوته وقيل لهم خذوا
أقفاصكم واخرجوا وذلك أن المعتضد كان قد قدر أن يبنى لنفسه دارا يسكنها
فخط موضع السور وحفر بعضه وابتدأ في بناء دكة على دجلة كان المعتضد أمر
ببنائها لينتقل فيقيم فيها إلى أن يفرغ من بناء الدار والقصر ( وفى ) ربيع
الآخر منها في ليلة الاثنين توفى المعتضد فلما كان في صبيحتها أحضر دار السلطان
يوسف بن يعقوب وأبوحازم عبدالحميد بن عبدالعزيز وأبوعمر محمد بن يوسف
ابن يعقوب وحضر الصلاة عليه الوزير القاسم بن عبيدالله بن سليمان وأبوحازم
وأبو عمرو الحرم والخاصة وكان أوصى أن يدفن في دار محمد بن عبدالله بن
طاهر فحفر له فيها فحمل من قصره المعروف بالحسنى ليلا فدفن في قبره هناك
( ولسبع ) بقين من شهر ربيع الآخر من هذه السنة وهى سنة 289 جلس القاسم
ابن عبيدالله بن سليمان في دار السلطان في الحسنى وأذن للناس فعزوه بالمعتضد
ـ208ـ
وهنأوه بما جدد له من أمر المكتفى وتقدم إلى الكتاب والقواد في تجديد البيعة
للمكتفى بالله فقبلوا
خلافة المكتفى بالله
ولما توفى المعتضد كتب القاسم بن عبيدالله بالخبر إلى المكتفى كتبا وأنفذها
من ساعته وكان المكتفى مقيما بالرقة فلما وصل الخبر اليه أمر الحسين بن عمرو
النصرانى كاتبه يومئذ بأخذ البيعة على من في عسكره ووضع العطاء لهم ففعل ذلك
الحسين ثم خرج شاخصا من الرقة إلى بغداد ووجه إلى النواحى بديار ربيعة
وديار مضر ونواحى المغرب من يضبطها ( وفى ) يوم الثلاثاء لثمان خلون من
جمادى الاولى دخل المكتفى إلى داره بالحسنى فلما صار إلى منزله أمر بهدم
المطامير التى كان أبوه اتخذها لاهل الجرائم * وفى هذا اليوم كنى المكتفى بلسانه
القاسم بن عبيدالله وخلع عليه * وفى هذا اليوم مات عمرو بن الليث الصفار
ودفن في غد هذا اليوم بالقرب من القصر الحسنى وقد كان المعتضد فيما ذكر
عند موته بعد ما امتنع من الكلام أمر صافيا الحرمى بقتل عمرو بالايماء
والاشارة ووضع يده على رقبته وعلى عينه أراد ذبح الاعور فلم يفعل ذلك
صافى لعلمه بحال المعتضد وقرب وفاته وكره قتل عمرو فلما دخل المكتفى بغداد
سأل فيما قيل القاسم بن عبيدالله عن عمر وحى هو قال نعم فسر بحياته وذكر
أنه يريد أن يحسن اليه وكان عمرو يهدى إلى المكتفى ويبره برا كثيرا أيام مقامه
بالرى فأراد مكافأته فذكروا أن القاسم بن عبيدالله كره ذلك ودس إلى عمرو
من قتله * وفى رجب منها ورد الخبر لاربع بقين منه أن جماعة من أهل الرى
كاتبوا محمد بن هارون الذى كان إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان استعمله
على طبرستان بعد قتله محمد بن زيد العلوى فخلع محمد بن هارون وبيض فسألوه
المصير إلى الرى ليدخلوه إليها وذلك أن أوكرتمش التركى المولى عليهم كان فيما
ذكر قد أساء السيرة فيهم فحاربه فهزمه محمد بن هارون وقتله وقتل ابنين له وقائدا
ـ209ـ
من قواد السلطان يقال له ابرون أخو كيغلغ ودخل محمد بن هارون الرى واستولى
عليها * وفى رجب من هذه السنة زلزلت بغداد ودامت الزلزلة فيها أياما وليالى
كثيرة ( وفى هذه السنة ) كان مقتل بدر غلام المعتضد
ذكر سبب قتله
ذكر أن سبب ذلك كان أن القاسم بن عبيدالله كان هم بتصيير الخلافة
من بعد المعتضد في غير ولد المعتضد وأنه كان ناظر بدرا في ذلك فامتنع بدر عليه
وقال ما كنت لاصرفها عن ولد مولاى الذى نعمتى فلما رأى القاسم ذلك وعلم
أنه لا سبيل إلى مخالفة بدر إذ كان بدر صاحب جيش المعتضد والمستولى على أمره
والمطاع في خدمه وغلمانه اضطغنها على بدر وحدث بالمعتضد حدث الموت وبدر
بفارس فعقد القاسم للمكتفى عقد الخلافة وبايع له وهو بالرقة لما كان بين
المكتفى وبين بدر من التباعد في حياة والده وكتب القاسم إلى المكتفى لما بايع
غلمان أبيه له بالخلافة وأخذ عليهم البيعة بما فعل من ذلك فقدم بغداد المكتفى
وبدر بعد بفارس فلما قدمها عمل القاسم في هلاك بدر حذرا على نفسه فيما ذكر
من بدر أن يقدم على المكتفى فيطلعه على ما كان القاسم هم به وعزم عليه في
حياة المعتضد من صرف الخلافة عن ولد المعتضد إذا مات فوجه المكتفى فيما
ذكر محمد بن كمشجور وجماعة من القواد برسائل وكتب إلى القواد الذين مع بدر
يأمرهم بالمصير إلى ما قبله ومفارقة بدر وتركه فأوصلت الكتب إلى القواد في
سر ووجه اليه يانس خادم الموفق ومعه عشرة آلاف ألف درهم ليصرفها في
عطاء أصحابه لبيعة المكتفى فخرج بها يانس فذكر أنه لما صار بالاهواز وجه اليه
بدر من قبض المال منه فرجع يانس إلى مدينة السلام فلما وصلت كتب المكتفى
إلى القواد المضمومين إلى بدر فارق بدرا جماعة منهم وانصرفوا عنه إلى مدينة
السلام منهم العباس بن عمرو الغنوى وخاقان المفلحى ومحمد بن اسحاق بن كنداج
وخفيف الاذكو تكينى وجماعة غيرهم فلما صاروا إلى مدينة السلام دخلوا على
المكتفى فخلع فيما ذكر على نيف وثلاثين رجلا منهم وأجاز جماعة من رؤسائهم
ـ210ـ
كل رجل منهم بمائة ألف درهم وأجاز آخرين بدون ذلك وخلع على بعضهم ولم
يخجزه بشئ وانصرف بدر في رجب عامدا المصير إلى واسط واتصل بالمكتفى اقبال
بدر إلى واسط فوكل بدار بدر وقبض على جماعة من غلمانه وقواده فحبسوا
منهم نحرير الكبير وعريب الجبلى ومنصور ابن أخت عيسى النوشرى وأدخل
المكتفى على نفسه القواد وقال لهم لست أومر عليكم أحدا ومن كانت له منكم
حاجة فليلق الوزير فقد تقدمت اليه بقضاء حوائجكم وأمر بمحو اسم بدر من
التراس والاعلام وكان عليها أبوالنجم مولى المعتضد بالله وكتب بدر إلى المكتفى
كتابا دفعه إلى زيد ان السعيدى وحمله على الجمازات فلما وصل الكتاب إلى المكتفى
أخذه ووكل بزيدان هذا وأشخص الحسن بن على كوره في جيش إلى ناحية
واسط وذكر أنه قدمه المكتفى على مقدمته ثم أحدر محمد بن يوسف مع المغرب
لليلة بقيت من شعبان من هذه السنة برسالة إلى بدر وكان المكتفى أرسل إلى بدر
حين فصل من عمل فارس يعرض عليه ولاية أى النواحى شاء ان شاء اصبهان
وإن شاء الرى وإن شاءالجبال ويأمره بالمصير إلى حيث أحب من هذه النواحى
مع من أحب من الفرسان والرجالة يقيم بها معهم واليا عليها فأبى ذلك بدر وقال
لابدلى من المصير إلى باب مولاى فوجد القاسم بن عبيدالله مساغا للقول فيه وقال
للمكتفى يا أمي رالمؤمنين قد عرضنا عليه أن نقلده أى النواحى شاء أن يمضى اليها
فأبى الا المجئ إلى بابك وخوفه غائلته وحرض المكتفى على لقائه ومحاربته
واتصل الخبر ببدر أنه قد وكل بداره وحبس غلمانه وأسبابه فأيقن بالشرو وجه
من يحتال في تخليص ابنه هلال وإحداره اليه فوقف القاسم بن عبيدالله على ذلك
فأمر بالحفظ به ودعا أبا حازم القاضى على الشرقية وأمره بالمضى إلى بدر ولقائه
وتطييب نفسه وإعطائه الامان من أمي رالمؤمنين على نفسه وماله وولده فذكر أن
أبا حازم قال له أحتاج إلى سماع ذلك من أمي رالمؤمنين حتى أؤديه اليه عنه فقال
له انصرف حتى أستأذن لك في ذلك أمي رالمؤمنين ثم دعا بأبى عمر محمد بن يوسف
فأمره بمثل الذى أمر به أبا حازم فسارع إلى اجابته إلى ما أمره به ودفع القاسم
ـ211ـ
ابن عبيدالله إلى أبى عمر كتاب أمان عن المكتفى فمضى به نحو بدر فلما فصل بدر
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 211 سطر 1 الى ص 220 سطر 25
ابن عبيدالله إلى أبى عمر كتاب أمان عن المكتفى فمضى به نحو بدر فلما فصل بدر
عن واسط ارفض عنه أصحابه وأكثر غلمانه مثل عيسى النوشرى وختنه يانس
المستأمن وأحمد بن سمعان ونحرير الصغير وصاروا إلى مضرب المكتفى في الامان
فلما كان بعد مضى ليلتين من شهر رمضان من هذه السنة خرج المكتفى من بغداد
إلى مضربه بنهرديالى وخرج معه جميع جيشه فعسكر هنالك وخلع على من صار
إلى مضربه من الجماعة الذين سميت وعلى جماعة من القواد والجند ووكل بجماعة
منهم ثم قيد تسعة منهم وأمر بحملهم مقيدين إلى السجن الجديد ولقى فيما ذكر
أبوعمر محمد بن يوسف بدرا بالقرب من واسط ودفع اليه الامان وخبره عن
المكتفى بما قال له القاسم بن عبيدالله فصاعد معه في حراقة بدر وكان قد سيره
في الجانب الشرقى وغلمانه الذين بقوا معه في جماعة من الجند وخلق كثير من
الاكراد وأهل الجبل يسيرون معه بمسيره على شط دجلة فاستقر الامر بين
بدر وأبى عمر على أن يدخل بدر بغداد سامعا مطيعا وعبر بدر دجلة فصار إلى
النعمانية وأمر غلمانه وأصحابه الذين بقوا معه أن ينزعوا سلاحهم وأن لايحاربوا
أحدا وأعلمهم ما ورد به عليه أبو عمر من الامان فبينا هو يسير إذوافاه محمد بن
إسحاق بن كنداج في شذا ومعه جماعة من الغلمان فتحول إلى الحراقة وسأله بدر
عن الخبر فطيب نفسه وقال له قولا جميلا وهم في كل ذلك يؤمرونه وكان القاسم
ابن عبيدالله وجهه وقال له إذا اجتمعت مع بدر وصرت معه في موضع واحد
فأعلمنى فوجه إلى القاسم وأعلمه فدعا القاسم بن عبيدالله لؤلؤا أحد غلمان
السلطان فقال له قد ندبتك لامر فقال سمعا وطاعة فقال له امض وتسلم بدرا
من ابن كنداجيق وجئنى برأسه فمضى في طيار حتى استقبل بدرا ومن معه بين
سبب بنى كوما وبين اضطربد فتحول من الطيار إلى الحراقة وقال لبدر قم فقال
وما الخبر قال لابأس عليك فحوله إلى طياره ومضى به حتى صار به إلى جزيرة
بالصافية فأخرجه إلى الجزيرة وخرج معه ودعا بسيف كان معه فاستله فلما أيقن
بدر بالقتل سأله أن يمهله حتى يصلى ركعتين فأمهله فصلاهما ثم قدمه فضرب
ـ212ـ
عنقه وذلك في يوم الجمعة قبل الزوال لست خلون من شهر رمضان ثم أخذ رأسه
ورجع إلى طياره واقبل راجعا إلى معسكر المكتفى بنهر ديالى ورأس بدر معه
وتركت جثته مكانها فبقيت هنالك ثم وجه عياله من أخذ جثته سرا فجعلها في تابوت
وأخفوها عندهم فلما كان أيام الموسم حملوها إلى مكة فدفنوها بها فيما قيل وكان
أوصى بذلك وأعتق قبل أن يقتل مماليكه كلهم وتسلم السلطان ضياع بدر ومستغلاته
ودوره وجميع ماله بعد قتل وورد الخبر على المكتفى بما كان من قتل بدر لسبع
خلون من شهر رمضان من هذه السنة فرحل منصرفا إلى مدينة السلام ورحل
معه من كان معه من الجند وجئ برأس بدر اليه فوصل اليه قبل ارتحاله من موضع
معسكره فأمر به فنظف ورفع في الخزانة ورجع أبوعمر القاضى إلى داره يوم الاثنين
كئيبا حزينا لما كان منه في ذلك وتكلم الناس فيه وقالوا هو كان السبب في قتل
بدر وقالوا فيه أشعارا فمما قيل فيه منها
قل لقاضى مدينة المنصور * بم أحللت أخذ رأس الامير
بعد إعطائه المواثيق والعه * د وعقد الايمان في منشور
أين أيمانك التى شهد الل * ه على أنها يمين فجور
أن كفيك لا تفارق كفي * ه إلى أن ترى مليك السرير
يا قليل الحياء يا أكذب الا * مة يا شاهدا شهادة زور
ليس هذا فعل القضاة ولا يح * سن أمثاله ولاة الجسور
أى أمر ركبت في الزه * راء من شهر خير خير الشهور
قد مضى من قتلت في رمضان * صائما بعد سجدة التعفير
يا بنى يوسف بن يعقوب أضحى * أهل بغداد منكم في غرور
بدد الله شملكم وأرانى * ذلكم في حياة هذا الوزير
فأعد الجواب للحكم العا * دل من بعد منكر ونكير
أنتم كلكم فدا لابى حا * زم المستقيم كل الامور
( ولسبع ) خلون من شهر رمضان حمل زيدان السعيدى الذى كان قدم
ـ213ـ
رسولا من قبل بدر إلى المكتفى مع التسعة الانفس الذين قيدوا من قواد بدر
وسبعة أنفس أخر من أصحاب بدر قبض عليهم بعدهم في سفينة مطبقة عليهم
وأحدروا مقيدين إلى البصرة فحبسوا في سجنها * وذكر أن لؤلؤا الذى ولى قتل
بدر كان غلاما من غلمان محمد بن هارون الذى قتل محمد بن زيد بطبرستان
وأكرتمش بالرى قدم مع جماعة من غلمان محمد بن هارون على السلطان في الامان
( وفى ) ليلة الاثنين لاربع عشرة بقيت من شهر رمضان منها قتل عبد الواحد
ابن أبى أحمد الموفق فيما ذكر وكانت والدته فيما قيل وجهت معه إلى دار مونس
لما قبض عليه داية له ففرق بينه وبين الداية فمكثت يومين أو ثلاثة ثم صرفت
إلى منزل مولاتها فكانت والدة عبدالواحد إذا سألت عن خبره قيل لها إنه في
دار المكتفى وهو في عافية وكانت طامعة في حياته فلما مات المكتفى أيست منه
وأقامت عليه مأتما
ذكر باقى الكائن من الامور الجليلة في سنة 289
فما كان من ذلك فيها لتسع بقين من شعبان منها ورد كتاب من إسماعيل بن
أحمد صاحب خراسان على السلطان بخبر وقعة كانت بين أصحابه وبين ابن جستان
الديلمى بطبرستان وأن أصحابه هزموه وقرئ بذلك كتابه بمسجدى الجامع ببغداد
( وفيها ) لحق رجل يقال له إسحاق الفرغانى من أصحاب بدر لما قتل بدر إلى ناحية
البادية في جماعة من أصحابه على الخلاف على السلطان فكانت بينه هنالك وبين
أبى الاغر وقعة هزم فيها أبوالاغر وقتل من أصحابه ومن قواده عدة ثم أشخص
مونس الخازن في جمع كثيف إلى الكوفة لحرب إسحاق الفرغانى ( ولسلخ )
ذى القعدة خلع على خاقان المفلحى وولى معونة الرى وضم اليه خمسة آلاف
رجل ( وفيها ) ظهر بالشام رجل جمع جموعا كثيرة من الاعراب وغيرهم فأتى
بهم دمشق وبها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون
على المعونة وذلك في آخر هذه السنة فكانت بين طغج وبينه وقعات كثيرة قتل
فيها فيما ذكر خلق كثير
ـ214ـ
ذكر خبر هذا الرجل الذى ظهر بالشام وما كان سبب ظهوره بها
ذكر أن زكرويه بن مهرويه الذى ذكرنا أنه كان داعية قرمط لما تتابع من
المعتضد توجيه الجيوش إلى من بسواد الكوفة من القرامطة وألح في طلبهم وأثخن
فيهم القتلى ورأى أنه لا مدفع عن أنفسهم عند أهل السواد ولا غناء سعى في استغواء
من قرب من الكوفة من أعراب أسد وطيئ ؟ ؟ وتميم وغيرهم من قبائل الاعراب
ودعاهم إلى رأيه وزعم لهم أن من بالسواد من القرامطة يطابقونهم على أمره
إن استجابوا له فلم يستجيبوا له وكانت جماعة من كلب تخفر الطريق على البر
بالسماوة فيما بين الكوفة ودمشق على طريق تدمر وغيرها وتحمل الرسل وأمتعة
التجار على ابلها فأرسل زكرويه أولاده اليهم فبايعوهم وخالطوهم وانتموا إلى
على بن أبى طالب وإلى محمد بن اسماعيل بن جعفر وذكروا أنهم خائفون من
السلطان وأنهم ملجؤن اليهم فقبلوهم على ذلك ثم دبوا فيهم بالدعاء إلى رأى القرمطة
فلم يقبل ذلك أحد منهم أعنى من الكلبيين الا الفخذ المعروفة ببنى العليص بن
ضمضم بن عدى بن جناب ومواليهم خاصة فبايعوا في آخر سنة 289 بناحية السماوة
ابن زكريه المسمى بيحيى والمكنى أباالقاسم ولقبوه الشيخ على أمر احتال فيهم
ولقب به نفسه وزعم لهم أنه أ بوعبدالله بن محمد بن اسماعيل بن جعفر بن محمد وقد
قيل إنه زعم أنه محمد بن عبدالله بن يحيى وقيل إنه زعم أنه محمد بن عبدالله
ابن محمد بن اسماعيل بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب
وقيل إنه لم يكن لمحمد بن اسماعيل ابن يسمى عبدالله وزعم لهم أن أباه
المعروف بأبى محمود داعية له وأن له بالسواد والمشرق والمغرب مائة ألف
تابع وأن ناقته التى يركبها مأمورة وأنهم اذا اتبعوها في مسيرها ظفروا وتكهن
لهم وأظهر عضدا له ناقصة وذكر أنها آية وانحازت اليه جماعة من
بنى الاصبغ وأخلصوا له وتسموا ب الفاطميين ودانوا بدينه فقصدهم سبك
الديلمى مولى المعتضد بالله بناحية الرصافة في غربى الفرات من ديار مضر
فاغتروه وقتلوه وحرقوا مسجد الرصافة واعترضوا كل قرية اجتازوا بها حتى
ـ215ـ
أصعدوا إلى أعمال الشأم التى كان هارون بن خمارويه قوطع عليها وأسند أمرها
هارون إلى طغج بن جف فأناخ عليها وهزم كل عسكر لقيه لطغج حتى حصره في مدينة
دمشق فأنفذ المصريون اليه بدرا الكبير غلام ابن طولون فاجتمع مع طغج على
محاربته فواقعهم قريبا من دمشق فقتل الله عدو الله يحيى بن زكرويه وكان سبب قتله
فيما ذكر أن بعض البرابرة زرقه بمزراق واتبعه نفاط فزرقه بالنار فأحرقه وذلك
في كبد الحرب وشدتها ثم دارت على المصريين الحرب فانحازوا فاجتمعت موالى
بنى العليص إلى بنى العليص ومن معهم من الاصبغيين وغيرهم على نصب الحسين
ابن زكرويه أخى الملقب بالشيخ فنصبوا أخاه وزعم لهم أنه أحمد بن عبدالله بن
محمد بن اسماعيل بن جعفر بن محمد وهو ابن نيف وعشرين سنة وقد كان الملقب
بالشيخ حمل موالى بنى العليص على صريحهم فقتلوا جماعة منهم واستذلوهم فبايعوا
الحسين بن زكرويه المسمى بأحمد بن عبدالله بن محمد بن اسماعيل بن جعفر بعد
أخيه فأظهر شامة في وجهه ذكر أنها آيته وطرأ اليه ابن عمه عيسى بن مهرويه
المسمى عبدالله وزعم أنه عبدالله بن أحمد بن محمد بن اسماعيل بن جعفر بن محمد
فلقبه المدثر وعهد اليه وذكر أنه المعنى في السورة التى يذكر فيها المدثر ولقب غلاما
من أهله المطوق وقلده قتل أسرى المسلمين وظهر على المصريين وعلى جند حمص
وغيرها من أهل الشأم ويمسى بإمرة المؤمنين على منابرها وكان ذلك كله في سنة 89 وفى
سنة 90 . وفى اليوم التاسع من ذى الحجة من هذه السنة صلى الناس العصر في قمص
الصيف ببغداد فهبت ريح الشمال عند العصر فبرد الهواء حتى احتاج الناس بها من شدة
البرد إلى الوقود والاصطلاء بالنار ولبس المحشو والجباب وجعل البرد يزداد حتى
جمد الماء ( وفيها ) كانت وقعة بين اسماعيل بن أحمد بالرى ومحمد بن هارون وابن
هارون فيما قيل حينئذ في نحو من ثمانية آلاف فانهزم محمد بن هارون وتقدم . .
أصحابه وتبعه من أصحابه نحو من ألف ومضوا نحو الديلم فدخلها مستجيرا بها ودخل
اسماعيل بن أحمد الرى وصار زهاء ألف رجل فيما ذكر ممن انهزم من أصحابه
إلى باب السلطان ( وفى جمادى ) الآخرة منها لاربع خلون منها ولى القاسم بن
ـ216ـ
سيما غزو الصائفة بالثغور الجزرية وأطلق له من المال اثنان وثلاثون ألف دينار
( وحج بالناس ) في هذه السنة الفضل بن عبدالملك الهاشمى
ثم دخلت سنة تسعين ومائتين
ذكر الخبر عن الاحداث التى كانت فيها
فمما كان فيها من ذلك توجيه المكتفى رسولا إلى اسماعيل بن أحمد لليلتين خلتا
من المحرم منها بخلع وعقد ولاية له على الرى وبهدايا مع عبدالله بن الفتح ( ولخمس )
بقين من المحرم منها ورد فيما ذكر كتاب على بن عيسى من الرقة يذكر فيه أن
القرمطى بن زكرويه المعروف بالشيخ وافى الرقة في جمع كثير فخرج إليه جماعة
عن أصحاب السلطان ورئيسهم سبك غلام المكتفى فواقعوه فقتل سبك وانهزم
أصحاب السلطان * ولست خلون من شهر ربيع الآخر ورد الخبر بأن طغج ابن
جف أخرج من دمشق جيشا إلى القرمطى عليهم غلام له يقال له بشير فواقعهم
القرمطى فهزم الجيش وقتل بشيرا ( ولثلاث ) عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر
خلع على أبى الاغر ووجه به لحرب القرمطى بناحية الشأم فمضى إلى حلب في عشرة
آلاف رجل ( ولاحدى عشرة ) بقيت من شهر ربيع الآخر خلع على أبى العشائر
أحمد بن نصر وولى طرسوس وعزل عنها مظفر بن حاج لشكاية أهل الثغور إياه
( وللنصف ) من جمادى الاولى من هذه السنة وردت كتب التجار إلى بغداد من دمشق
مؤرخة لسبع بقين من ربيع الآخر يخبرون فيها أن القرمطى الملقب بالشيخ قد هزم
طغج غير مرة وقتل أصحابه إلاالقليل وأنه قد بقى في قلة وامتنع من الخروج وإنما تجتمع
العامة ثم تخرج للقتال وأنهم قد أشرفوا على الهلكة فاجتمعت جماعة من تجار بغداد في
هذا اليوم فمضوا إلى يوسف بن يعقوب فأقرؤه كتبهم وسألوه المضى إلى الوزير
ليخبره خبر أهل دمشق فوعدهم ذلك ( لسبع ) بقين من جمادى الاولى أحضر دار
السلطان أبوحازم ويوسف وابنه محمد وأحضر صاحب طاهربن محمد بن عمرو بن الليث
فقوطع على مال فارس ثم عقد المكتفى لطاهر على أعمال فارس وخلع على صاحبه وحملت
ـ217ـ
اليه خلع مع العقد * وفى جمادى الاولى هرب من مدينة السلام القائد المستأمن المعروف
بأبى سعيد الخوارزمى وأخذ نحو طريق الموصل فكتب إلى عبدالله المعروف
بغلام نون وكان يتقلد المعاون بتكريت والاعمال المتصلة بها إلى حد سامرا
وإلى الموصل في معارضته وأخذه فزعموا أن عبدالله عارضه فاختدعه أبوسعيد
حتى اجتمعا جميعا على غير حرب ففتك به أبوسعيد فقتله ومضى أبوسعيد نحو
شهرزور فاجتمع هو وابن أبى الربيع الكردى وصاهره واجتمعا على عصيان
السلطان ثم إن أبا سعيد قتل بعد ذلك وتفرق من كان اجتمع اليه ( ولعشر )
خلون من جمادى الآخرة شخص أ بوالعشائر إلى عمله بطرسوس وخرج معه
جماعة من المطوعة للغزو ومعه هدايا من المكتفى إلى ملك الروم ( ولعشر ) بقين
من جمادى الآخرة خرج المكتفى بعد العصر عامدا سامرا مريدا البناء بها للانتقال
اليها فدخلها يوم الخميس لخمس بقين من جمادى الآخرة ثم انصرف إلى مضارب
قد ضربت له بالجوسق فدعا القاسم بن عبيدالله والقوام بالبناء فقدروا له البناء
وما يحتاج إليه من المال للنفقة عليه فكثروا عليه في ذلك وطولوا مدة الفراغ
مما أراد بناءه وجعل القاسم يصرفه عن رأيه في ذلك ويعظم أمر النفقة في ذلك
وقدر مبلغ المال فثناه عن عزمه ودعا بالغداء فتغدى ثم نام فلما هب من نومه
ركب إلى الشط وقعد في الطيار وأمر القاسم بن عبيدالله بالانحدار ورجع
أكثر الناس من الطريق قبل أن يصلوا إلى سامرا حين تلقاهم الناس راجعين
( ولسبع ) خلون من رجب خلع على ابنى القاسم بن عبيدالله فولى
الاكبر منهما ضياع الولد والحرم والنفقات والاصغر منهما كتبة أبى أحمد بن
المكتفى وكانت هذه الاعمال إلى الحسين بن عمرو النصرانى فعزل بهما وكان القاسم
ابن عبيدالله اتهم الحسين بن عمرو أنه قد سعى به إلى المكتفى ثم إن الحسين بن
عمرو كاشف القاسم بن عبيدالله بحضرة المكتفى فلم يزل القاسم يدبر عليه ويغلظ
قلب المكتفى عليه حتى وصل إلى ما أراد من أمره * وفى يوم الجمعة لاربع عشرة
بقيت من شعبان قرئ كتابان في الجامعين بمدينة السلام بقتل يحيى بن زكرويه
ـ218ـ
الملقب بالشيخ قتله المصريون على باب دمشق وقد كانت الحرب اتصلت بينه
وبين من حاربه من أهل دمشق وجندها ومددهم من أهل مصر وكسر لهم جيوشا
وقتل منهم خلقا كثيرا وكان يحيى بن زكرويه هذا يركب جملا برحاله ويلبس
ثيابا واسعة ويعتم عمة أعرابيه ويتلثم ولم يركب دابة من لدن ظهر إلى أن قتل
وأمر أصحابه ؟ ؟ ألا يحاربوا أحدا وإن أتى عليهم حتى يبتعث الجمل من قبل
نفسه وقال لهم إذا فعلتم ذلك لم تهزموا * وذكر أنه كان إذا أشار بيده
إلى ناحية من النواحى التى فيها محاربوه انهزم أهل تلك الناحية فاستغوى
بذلك الاعراب ولما كان في اليوم الذى قتل فيه يحيى بن زكرويه الملقب
بالشيخ وانحازوا إلى أخيه الحسين بن زكرويه فطلب أخاه الشيخ في القتلى
فوجده فوراه وعقد الحسين بن زكرويه لنفسه ويسمى بأحمد بن عبدالله وتكنى
بأبى العباس وعلم أصحاب بدر بعد ذلك بقتل الشيخ فطلبوه في القتلى فلم يجدوه
ودعا الحسين بن زكرويه إلى مثل ما دعا إليه أخوه فأجابه أكثر أهل البوادى
وغيرهم من سائر الناس واشتدت شوكته وظهر وصار إلى دمشق فذكر أن أهلها
صالحوه على خراج دفعوه اليه ثم انصرف عنهم ثم سار إلى أطراف حمص فتغلب
عليها وخطب له على منابرها وتسمى بالمهدى ثم سار إلى مدينة حمص فأطاعه أهلها
وفتحوا له بابها خوفا منه على أنفسهم فدخلها ثم سار منها إلى حماة ومعرة النعمان
وغيرهما فقتل أهلها وقتل النساء والاطفال ثم سار إلى بعلبك فقتل عامة أهلها حتى
لم يبق منهم فيما قيل إلا اليسير ثم سار إلى سلمية فحاربه أهلها ومنعوه الدخول ثم
وادعهم وأعطاهم الامان ففتحوا له بابها فدخلها فبدأ بمن فيها من بنى هاشم وكان
بها منهم جماعة فقتلهم ثم ثنى بأهل سلمية فقتلهم أجمعين ثم قتل البهائم ثم قتل صبيان
الكتاتيب ثم خرج منها وليس بها عين تطرف فيما قيل وسائر فيما حوالى ذلك من
القرى يقتل ويسبى ويحرق ويخيف السبيل * فذكر عن متطبب بباب المحول
يدعى أباالحسن أنه قال جاءتنى امرأة بعدما أدخل القرمطى صاحب الشامة
وأصحابه بغداد فقالت لى إنى أريد أن تعالج شيئا في كتفى قلت وما هو قالت جرح
ـ219ـ
قلت أنا كحال وههنا امرأة تعالج النساء وتعالج الجراحات فانتظرى مجيئها فقعدت
ورأيتها مكروبة كئيبة باكية فسألتها عن حالها وقلت ما سبب جراحتك فقالت
قصتى تطول فقلت حدثينى بها وصادقينى وقد خلا من كان عندى فقالت كان لى
ابن غاب عنى وطالت غيبته وخلف على أخوات له فضقت واحتجت واشتقت
اليه وكان شخص إلى ناحية الرقة فخرجت إلى الموصل وإلى بلد والى الرقة كل ذلك
أطلبه وأسأل عنه فلم أدل عليه فخرجت عن الرقة في طلبه فوقعت في عسكر
القرمطى فجعلت أطوف وأطلبه فبينا أنا كذلك إذ رأيته فتعلقت به فقلت ابنى فقال
أمى فقلت نعم قال ما فعل اخواتى قلت بخير وشكوت ما نالنا بعده من الضيق فمضى
بى إلى منزله وجلس بين يدى وجعل يسائلنى عن أخبارنا فخبرته ثم قال دعينى من
هذاو أخبرينى ما دينك فقلت يا بنى أما تعرفنى فقال وكيف لا أعرفك فقلت
ولم تسألنى من دينى وأنت تعرفنى وتعرف دينى فقال كل ما كنا فيه باطل والدين
ما نحن فيه الآن فأعظمت ذلك وعجبت منه فلما رآنى كذلك خرج وتركنى ثم
وجه إلى بخبز ولحم ومايصلحنى وقال اطبخيه فتركته ولم أمسه ثم عاد فطبخه
وأصلح أمر منزله فدق الباب داق فخرج إليه فاذا رجل يسأله ويقول له هذه القادمة
عليك تحسن أن تصلح من أمر النساء شيئا فسألنى فقلت نعم امضى معى فمضيت
فأدخلنى دارا واذا امرأة تطلق فقعدت بين يديها وجعلت أكملها فلا تكلمنى فقال
لى الرجل الذى جاءبى اليها ما عليك من كلامها أصلحى أمر هذه ودعى كلامها
فأقمت حتى ولدت غلاما وأصلحت من شأنه وجعلت أكلمها وأتلطف بها وأقول
لها يا هذه لا تحتشمينى فقد وجب حقى عليك أخبرينى خبرك وقصتك ومن والد
هذا الصبى فقالت تسألينى عن أبيه لتطالبيه بشئ يهبه لك فقلت لا ولكن أحب
أن أعلم خبرك فقالت لى إنى امرأة هاشمية ورفعت رأسها فرأيت أحسن الناس
وجها وان هؤلاء القوم أتونا فذبحوا أبى وأمى واخوتى وأهلى جميعا ثم أخذنى
رئيسهم فأقمت عنده خمسة أيام ثم أخرجنى فدفعنى إلى أصحابه فقال طهروها فأرادوا
قتلى فبكيت وكان بين يديه رجل من قواده فقال هبها لى فقال خذها فأخذنى وكان
ـ220ـ
بحضرته ثلاثة أنفس قيام من أصحابه فسلوا سيوفهم وقالوا لا نسلمها إليك إما أن
تدفعها إلينا وإلا قتلناها وأرادوا قتلى وضجوا فدعاهم رئيسهم القرمطى وسألهم
عن خبرهم فخبروه فقال تكون لكم أربعتكم فأخذونى فأنا مقيمة معهم أربعتهم
والله ما أدرى ممن هو هذا الولد منهم قالت فجاء بعد المساء رجل فقالت لى هنيه
فهنأته بالمولود فأعطانى سبيكة فضة وجاء آخر وآخر أهنئ كل واحد منهم فيعطينى
سبيكة فضة فلما كان في السحر جاء جماعة مع رجل وبين يديه شمع وعليه ثياب
خزتفوح منه رائحة المسك فقالت لى هنيه فقمت إليه فقلت بيض الله وجهك
والحمدلله الذى رزقك هذا الابن ودعوت له فأعطانى سبيكة فيها ألف درهم وبات
الرجل في بيت وبت مع المرأة في بيت فلما أصبحت قلت للمرأة يا هذه قد وجب
عليك حقى فالله الله في خلصينى قالت مم أخلصك فخبرتها خبر ابنى وقلت لها إنى
جئت راغبة إليه وانه قال لى كيت وكيت وليس في يدى منه شئ ولى بنات
ضعاف خلفتهن بأسوإ حال فخلصينى من ههنا لاصل إلى بناتى فقالت عليك بالرجل
الذى جاء آخر القوم فسليه ذلك فانه يخلصك فأقمت يومى إلى أن أمسيت فلما
انصرف تقدمت إليه وقبلت يده ورجله وقلت يا سيدى قد وجب حقى عليك وقد
أغنانى الله على يديك بما أعطيتنى ولى بنات ضعاف فقراء فان أذنت لى أن أمضى
فأجيئك ببناتى حتى يخدمنك ويكن بين يديك فقال وتفعلين قلت نعم فدعا قوما
من غلمانه فقال امضوا معها حتى تبلغوا بها موضع كذا وكذا ثم اتركوها وارجعوا
فحملونى على دابة ومضوا بى قالت فبينما نحن نسير وإذا أنا بابنى يركض وقد كنا
سرنا عشرة فراسخ فيما خبرنى به القوم الذين معى فلحقنى وقال يا فاعلة زعمت
أنك تمضين وتجيئين ببناتك وسل سيفه ليضربنى فمنعه القوم فلحقنى طرف السيف
فوقع في كتفى وسل القوم سيوفهم فأرادوه فتنحى عنى وساروا بى حتى بلغوا بى
الموضع الذى سماه لهم صاحبهم فتركونى ومضوا فتقدمت إلى ههنا وقد طفت لعلاج
جرحى فوصف لى هذا الموضع فجئت إلى ههنا قالت ولما قدم أمي رالمؤمنين بالقرمطى
وبالاسارى من أصحابه خرجت لانظر اليلهم فرأيت ابنى فيهم على جمل عليه برنس
ـ221ـ
وهو يبكى وهو فتى شاب فقلت له لاخفف الله عنك ولاخلصك قال المتطبب
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 221 سطر 1 الى ص 230 سطر 25
وهو يبكى وهو فتى شاب فقلت له لاخفف الله عنك ولاخلصك قال المتطبب
فقمت معها إلى المتطببة لما جاءت وأوصيتها بها فعالجت جرحها وأعطتها
مرهما فسألت المتطببة عنها بعد منصرفها فقالت قد وضعت يدى على
الجرح وقلت انفحى فنفحت فخرجت الريح من الجرح من تحت يدى
وما أراها تبرأ منه ومضت فلم تعد الينا ( ولاحدى عشرة ) بقيت من شوال
من هذه السنة قبض القاسم بن عبيدالله على الحسين بن عمرو النصرانى وحبسه
وذلك أنه لم يزل يسعى في أمره إلى المكتفى ويقدح فيه عنده حتى أمره بالقبض
عليه وهرب كاتب الحسين بن عمرو حين قبض على الحسين المعروف بالشيرازى
فطلب وكبست منازل جيرانه ونودى من وجده فله كذا وكذا فلم يوجد
( ولسبع ) بقين منه صرف الحسين بن عمرو إلى منزله على أن يخرج من بغداد
وفى الجمعة التى بعدها خرج الحسين بن عمرو وحدر إلى ناحية واسط على وجه
النفى ووجد الشيرازى كاتبه لثلاث خلون من ذى القعدة ( ولليلتين ) خلتا
من شهر رمضان من هذه السنة أمر المكتفى بإعطاء الجند أرزاقهم والتأهب
للشخوص لحرب القرمطى بناحية الشأم فأطلق للجند في دفعة واحدة مائة ألف
دينار وذلك أن أهل مصر كتبوا إلى المكتفى يشكون مالقوا من ابن زكرويه
المعروف بصاحب الشامة وأنه قد أخرب البلاد وقتل الناس ومالقوا من أخيه
قبله وقتلهما رجالهم وأنه لم يبق منهم إلا العدد اليسير * ولخمس خلون خلون ؟ ؟ من
شهر رمضان أخرجت مضارب المكتفى فضربت بباب الشماسية * ولسبع خلون
منه خرج المكتفى في السحر إلى مضربه باب الشماسية ومعه قواده وغلمانه
وجيوشه ولاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان رحل المكتفى من مضربه
بباب الشماسية في السحر وسلك طريق الموصل وللنصف من شهر رمضان منها
مضى أبوالاغر إلى حلب فنزل وادى بطنان قريبا من حلب ونزل معه جميع
أصحابه فنزع فيما ذكر جماعة من أصحابه ثيابهم ودخلوا الوادى يتبردون بمائة
وكان يوما شديد الحر فبيناهم كذلك إذ وافى جيش القرمطى المعروف بصاحب
ـ222ـ
الشامة وقد بدرهم المعروف بالمطوق فكبسهم على تلك الحال فقتل منهم خلقا كثيرا
وانتهب العسكر وأفلت أبوالاغر في جماعة من أصحابه فدخل حلب وأفلت معه مقدار
ألف رجل وكان في عشرة آلاف بين فارس وراجل وكان قد ضم اليه جماعة
ممن كان على باب السلطان من قواد الفراغنة ورجالهم فلم يفلت منهم إلا اليسير ثم
صار أصحاب القرمطى إلى باب حلب فحاربهم أبوالاغر ومن بقى معه من أصحابه
وأهل البلد فانصرفوا عنه بما أخذوا من عسكره من الكراع والسلاح والاموال
والامتعة بعد حرب كانت بينهم ومضى المكتفى بمن معه من الجيش حتى انتهى إلى
الرقعة فنزلها وسرح الجيوش إلى القرمطى جيشا بعد جيش ( ولليلتين ) خلتا من
من شوال ورد مدينة السلام كتاب من القاسم بن عبيدالله يخبر فيه أن كتابا ورد
عليه من دمشق من بدر الحمامى صاحب ابن طولون يخبر فيه أنه واقع القرمطى
صاحب الشامة فهزمه ووضع في أصحابه السيف ومضى من أفلت منهم نحو البادية
وأن أمي رالمؤمنين وجه في أثره الحسين بن حمدان بن حمدون وغيره من القواد
( وورد ) أيضا في هذه الايام فيما ذكر كتاب من البحرين من أميرها ابن بانوا
يذكر فيه أنه كبس حصنا للقرامطة فظفر بمن فيه ( ولثلاث عشرة ) خلت من
ذى القعدة منها فيما ذكر ورد كتاب آخر من ابن بانوا من البحرين يذكر فيه
أنه واقع قرابة لابى سعيد الجنابى وولى عهده من بعده على أهل طاعته فهزمه
وكان مقام هذا المهزوم بالقطيف فوجد بعد ما انهزم أصحابه قتيلا بين القتلى فاحتز
رأسه وأنه دخل القطيف فافتتحها * ومن كتب صاحب الشامة إلى بعض عماله
( بسم الله الرحمن الرحيم ) من عبدالله احمد بن عبدالله المهدى المنصور بالله
ا لناصرلدين الله القائم بأمر الله الحاكم بحكم الله الداعى إلى كتاب الله الذاب
عن حرم الله المختار من ولد رسول الله أمي رالمؤمنين وامام المسلمين ومذل
المنافقين خليفة الله على العالمين وحاصد الظالمين وقاصم المعتدين ومبيد الملحدين
وقاتل القاسطين ومهلك المفسدين وسراج المبصرين وضياء ا لمستضيئين ومشتت
ـ223ـ
المخالفين والقيم بسنة سيد المرسلين وولد خير الوصيين صلى الله عليه وعلى أهل
بيته الطيبين وسلم كثيرا إلى جعفر بن حميد الكردى سلام عليك فانى أحمد اليك
الله الذى لا إله إلا هو وأسأله أن يصلى على جدى محمد رسول الله صلى الله عليه
وسلم أما بعد فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة وما
فعلوه بناحيتك وأظهروه من الظلم والعيث والفساد في الارض فأعظمنا ذلك
ورأينا أن ننفذ إلى ما هناك من جيوشنا من ينقم الله به من أعدائه الظالمين الذين
يسعون في الارض فسادا وأنفذنا عطيرا داعيتنا وجماعة من المؤمنين إلى مدينة
حمص وأمددناهم بالعساكر ونحن في أثرهم وقد أوعزنا اليهم في المصير إلى ناحيتك
لطلب أعداء الله حيث كانوا ونحن نرجو أن يجرينا الله فيهم على أحسن عوائده
عندنا في أمثالهم فينبغى أن تشد قلبك وقلوب من معك من أوليائنا وتثق بالله
وبنصره الذى لم يزل يعودناه في كل من مرق عن الطاعة وانحرف عن الايمان
وتبادر إلينا بأخبار الناحية وما يتجدد فيها ولا تخف عن شيئا من أمرها إن شاء لله
سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على جدى محمد رسول الله وعلى أهل بيته وسلم كثيرا ( نسخة ) كتاب
عامل له اليه ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لعبد الله أحمد الامام المهدى المنصور
بالله ثم الصدركله على مثال نسخة صدر كتابه إلى عامله الذى حكينا في الكتاب
الذى قبل هذا الكتاب إلى ولد خير الوصيين صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين
وسلم كثيرا ثم بعد ذلك من عامر بن عيسى العنقائى سلام على أمي رالمؤمنين
ورحمة الله وبركاته أما بعد أطال الله بقاء أمي رالمؤمنين وأدام الله عزه
وتأييده ونصره وسلامته وكرامته ونعمته وسعادته وأسبغ نعمه عليه وزاد
في إحسانه اليه وفضله لديه فقد كان وصل كتاب سيدى أمي رالمؤمنين أطال الله
بقاءه يعلمه فيه ماكان من نفوذ بعض الجيوش المنصورة مع قائد من قواده إلى ناحيتنا
لمجاهدة أعداء الله بنى الفصيص والخائن بن دحيم وطلبهم حيث كانوا والايقاع بهم
وبأسبابهم وضياعهم ويأمرنى أدام الله عزه عند نظرى في كتابه بالنهوض في كل من
ـ224ـ
قدرت عليه من أصحابى وعشائرى للقائهم ومكانفة الجيش ومعاضدتهم والمسير
بسيرهم والعمد كل ما يومون اليه ويأمرون به وفهمته ولم يصل إلى هذا الكتاب
أعز الله أمي رالمؤمنين حتى وافت الجيوش المنصورة فنالت طرفا من ناحية ابن دحيم
وانصرفوا بالكتاب الوارد عليهم من مسرور بن أحمد الداعية ليلقوه بمدينة أفامية
ثم ورد على كتاب مسرور بن أحمد في درجة الكتاب الذى اقتصصت ما فيه في صدر
كتابى هذا يأمرنى فيه بجمع من تهيأ من أصحابى وعشيرتى والنهوض إلى ما قبله
ويحذرنى التخلف عنه وكان ورود كتابه على وقت صح عندنا نزول المارق سبك
عبد مفلح مدينة عرقة في زهاء ألف رجل ما بين فارس وراجل وقد شارف بلدنا
وأطل على ناحيتنا وقد وجه أحمد بن الوليد عبد أمي رالمؤمنين أطال الله بقاءه إلى جميع
أصحابه ووجهت إلى جميع أصحابى فجمعناهم الينا ووجهنا العيون إلى ناحية عرقة
لنعرف أخبار هذا الخائن وأين يريد فيكون قصدنا ذلك الوجه ونرجو أن يظفر
الله به ويمكن منه بمنه وقدرته ولولا هذا الحادث ونزول هذا المارق في هذه الناحية
وإشرافه على بلدنا لما تأخرت في جماعة أصحابى عن النهوض إلى مدينة أفامية
لتكون يدى مع أيدى القواد المقيمين بها لمجاهدة من بتلك الناحية حتى يحكم الله
بيننا وهو خير الحاكمين وأعلمت سيدى أمي رالمؤمنين أطال الله بقاءه السبب في
تخلفى عن مسرور بن أحمد ليكون على علم منه ثم إن أمرنى أدام الله عزه بالنفوذ إلى
أفامية كان نفوذى برأيه وامتثلت ما يأمرنى به إن شاءالله أتم الله على أمي رالمؤمنين نعمه
وأدام عزه وسلامته وهنأه كرامته وألبسه عفوه وعافيته والسلام على أمي رالمؤمنين
ورحمة الله وبركاته والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبى وعلى أهل بيته
الطاهرين الاخيار ( وفيها ) وجه القاسم بن عبيدالله الجيوش إلى صاحب الشامة
وولى حربه محمد بن سليمان الكاتب الذى كان اليه ديوان الجيش وضم جميع القواد
اليه وأمرهم بالسمع له والطاعة فنفذمن الرقة في جيش كثيف وكتب إلى من تقدمه من
القواد بالسمع له والطاعة ( وفيها ) ورد رسولا صاحب الروم أحدهما خادم
والآخر فحل ؟ ؟ يسأله الفداء بمن في يده من المسلمين أسير ومعهما هدايا من صاحب
ـ225ـ
الروم وأسارى من المسلمين بعث بهم اليه فأجبنا إلى ما سألا وخلع عليهما ( وحج
بالناس ) في هذه السنة الفضل بن عبدالملك بن عبدالله بن العباس بن محمد
ثم دخلت سنة احدى وتسعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الامور الجليلة
فمن ذلك ما كان من أمر الوقعة بين أصحاب السلطان وصاحب الشامة
ذكر الخبر عن هذه الوقعة
( قال أبوجعفر ) قد مضى ذكرى شخوص المكتفى من مدينة السلام نحو صاحب
الشامة لحربه ومصيره إلى الرقة وبثه جيوشه فيما بين حلب وحمص وتوليته حرب
صاحب الشامة محمد بن سليمان الكاتب وتصييره أمر جيشه وقواده اليه فلما دخلت
هذه السنة كتب رزيره ؟ القاسم بن عبيدالله إلى محمد بن سليمان وقواد السلطان
يأمره واياهم بمناهضة ذى الشامة وأصحابه فساروا إليه حتى صاروا إلى موضع بينهم
وبين حماة فيما قيل اثنا عشر ميلا فلقوا به أصحاب القرمطى في يوم الثلاثاء لست
خلون من المحرم وكان القرمطى قدم أصحابه وتخلف هو في جماعة من أصحابه ومعه
مال قد كان جمعه وجعل السواد وراءه فالتحمت الحرب بين أصحاب السلطان وأصحاب
القرمطى واشتدت فهزم أصحاب القرمطى وقتلوا وأسر من رجالهم بشر كثير وتفرق
الباقون في البوادى وتبعهم أصحاب السلطان ليلة الاربعاء لسبع خلون من المحرم
فلما رأى القرمطى ما نزل بأصحابه من الفلول والهزيمة حمل فيما قيل أخاله يكنى
أبا الفضل مالا وتقدم اليه أن يلحق بالبوادى إلى أن يظهر في موضع فيصير اليه
وركب هو وابن عمه المسمى المدثر والمطوق صاحبه وغلام له رومى وأخذ دليلا
وسار يريد الكوفة عرضا في البرية حتى انتهى إلى موضع يعرف بالدالية من أعمال
طريق الفرات فنفدما كان معهم من الزاد واللف فوجه بعض ما كان معه ليأخذ
له ما يحتاجون اليه فدخل الدالية المعروفة بدالية ابن طوق لشراء حاجه فأنكروا زيه
وسئل عن أمر فمجمج فأعلم المتولى مسلحة هذه الناحية بخبره وهو رجل يعرف
ـ226ـ
بأبى خبزة خليفة أحمد بن محمد بن كشمرد عامل أمي رالمؤمنين المكتفى على المعاون صاحب
بالرحبة وطريق الفرات فركب في جماعة وسأل هذا الرجل عن خبره فأخبره أن
الشامة خلف رابية هنالك في ثلاثة نفر فمضى إليهم فأخذهم وصاربهم إلى صاحبه
فتوجه بهم ابن كشمرد وأبوخبزة إلى المكتفى بالرقة ورجعت الجيوش من الطلب
بعد أن قتلوا وأسروا جميع ما قدروا عليه من أولياء القرمطى وأشياعه وكتب
محمد بن سليمان إلى الوزير بالفتح ( بسم الله الرحمن الرحيم ) قد تقدمت كتيى إلى
الوريز أعزه الله في خبر القرمطى اللعين وأشياعه بما أرجو أن يكون قد وصل
ان شاء الله ولما كان في يوم الثلاثاء لست ليال خلون من المحرم رحلت من الموضع
المعروف بالقروانة نحو موضع يعرف بالعليانة في جميع العسكر من الاولياء وزحفنا
بهم على مراتبهم في القلب والميمنة والميسرة وغير ذلك فلم أبعد أن وافانى الخبر بأن
الكافر القرمطى أنفذ النعمان ابن أخى اسماعيل بن النعمان أحد دعاته في ثلاثة آلاف
فارس وخلق من الرجالة وانه نزل بموضع يعرف بتمنع بينه وبين حماة اثنا عشر
ميلا فاجتمع إليه جميع ما كان بمعرة النعمان وبناحية الفصيصى وسائر النواحى
من الفرسان والرجالة فأسررت ذلك عن القواد والناس جميعا ولم أظهره وسألت
الدليل الذى كان معى عن هذا الموضع وكم بيننا وبينه فذكر أنه ستة أميال فتوكلت
على الله عزوجل وتقدمت إليه في المسير نحوه فمال بالناس جميعا وسرنا حتى
وافيت الكفرة فوجدتهم على تعبية ورأينا طلائعهم فلما نظروا إلينا مقبلين
زحفوا نحونا وسرنا اليهم فافترقوا ستة كراديس وجعلوا على ميسرتهم على ما أخبرنى
من ظفرت به من رؤسائهم مسرورا العليصى وأبا الحمل وغلام هارون العليصى
وأبا العذاب ورجاء وصافى وأبا يعلى العلوى في ألف وخمسمائة فارس وكمنوا
كمينا في أربعمائة فارس خلف ميسرتهم بإزاء ميمنتنا وجعلوا في القلب النعمان
العليصى والمعروف بأبى الحطى والحمارى وجماعة من بطلانهم في ألف وأربعمائة
فارس وثلاثة آلاف راجل وفى ميمنتهم كليبا العليصى والمعروف بالسديد
العليصى والحسين بن العليصى وأبا الجراح العليصى وحميد العليصى وجماعة من
ـ227ـ
نظرائهم في ألف وأربعمائة فارس وكمنوا مائتى فارس فلم يزالوازفا إلينا ونحن
نسير نحوهم غير متفرقين متوكلين على الله عزوجل وقد استحثثت الاولياء
والغلمان وسائر الناس غيرهم ووعدتهم فلما رأى بعضنا بعضا حمل الكردوس
الذى كان في ميسرتهم ضربا بالسياط فقصد الحسين بن حمدان وهو في جناح
الميمنة فاستقبلهم الحسين بارك الله عليه وأحسن جزاءه بوجهه وبموضعه من
سائر أصحابه برماحهم فكسروها في صدورهم فانفلوا عنهم وعاود القرامطة الحمل
عليهم فأخذوا السيوف واعترضوا ضربا للوجوه فصرع من الكفار الفجرة
ستمائة فارس في أول وقعة وأخذ أصحاب الحسين خمسمائة فرس وأربعمائة طوق
فضة وولوا مدبرين مفلولين واتبعهم الحسين فرجعوا عليه فلم يزالوا حملة وحملة
وفى خلال ذلك يصرع منهم الجماعة بعد الجماعة حتى أفناهم الله عزوجل فلم يفلت
منهم إلا أقل من مائتى رجل وحمل الكردوس الذى كان في ميمنتهم على القاسم
ابن سيما ويمن الخادم ومن كان معهما من بنى شيبان وبنى تميم ف استقبلوهم
بالرماح حتى كسروها فيهم واعتنق بعضهم بعضا فقتل من الفجرة جماعة كثيرة
وحمل عليهم في وقت حملتهم خليفة بن المبارك ولؤلؤ وكنت قد جعلته جناحا لخليفة
في ثلثمائة فارس وجميع أصحاب خليفة وهم يعاركون بنى شيبان وتميم فقتل من
الكفرة مقتلة عظيمة واتبعوهم فأخذ بنو شيبان منهم ثلثمائة فرس ومائة طوق
وأخذ أصحاب خليفة مثل ذلك وزحف النعمان ومن معه في القلب الينا فحملت ومن
معى وكنت بين القلب والميمنة وحمل خاقان ونصر القشورى ومحمد بن كمشجور
ومن كان معهم في الميمنة ووصيف موشكير ومحمد بن اسحاق بن كنداجيق وابنا
كيغلغ والمبارك القمى وربيعة بن محمد ومهاجر بن طليق والمظفر بن حاج وعبدالله
ابن حمدان وحى الكبير ووصيف البكتمرى وبشر البكتمرى ومحمد بن
قراطغان وكان في جناح الميمنة جميع من حمل على من في القلب ومن انقطع ممن
كان حمل على الحسين بن حمدان فلم يزالوا يقتلون الكفار فرسانهم ورجالتهم حتى
قتلوا أكثر من خمسة أميال ولما أن تجاوزت المصاف بنصف ميل خفت أن
ـ228ـ
يكون من الكفار مكيدة في الاحتيال عل الرجالة والسواد فوقفت إلى أن
لحقونى وجمعتهم وجمعت الناس إلى وبين يدى المطرد المبارك مطرد أمي رالمؤمنين
وقد حملت في الوقت الاول وحمل الناس ولم يزل عيسى النوشرى ضابطا للسواد
من مصاف خلفهم مع فرسانه ورجالته على مارسمته له لم يزل من موضعه إلى أن
رجع الناس جميعا إلى من كل موضع وضربت مضربى في الموضع الذى وقفت
فيه حتى نزل الناس جميعا ولم أزل واقفا إلى أن صليت المغرب حتى استقر العسكر
بأهله ووجهت في الطلائع ثم نزلت وأكثرت حمدالله ما هنأنا به من النصر
ولم يبق أحد من قواد أمي رالمؤمنين وغلمانه ولا العجم وغيرهم غاية في نصر هذه
الدولة المباركة في المناصحة لها إلا بلغوها بارك الله عليهم جميعا ولما استراح الناس
خرجت والقواد جميعا لنقيم خارج العسكر إلى أن يصبح الناس خوفا من حيلة
تقع وأسأل الله تمام النعمة وإيزاع الشكر وأنا أعز الله سيدنا الوزير راحل إلى
حماة ثم أشخص إلى سلمية بمن الله تعالى وعونه فمن بقى من هؤلاء الكفار مع الكافر
فهم بسلمية فإنه قد صار اليها منذ ثلاثة أيام وأحتاج إلى أن يتقدم الوزير بالكتاب
إلى جميع القواد وسائر بطون العرب من بنى شيبان وتغلب وبنى تميم بجزيهم جميعا
الخير على ما كان في هذه الوقعة فما بقى أحد منهم صغير ولا كبير غاية والحمدلله
على ما تفضل به وإياه أسأل تمام النعمة ولما تقدمت في جمع الرؤس وجد رأس
أبى الحمل ورأس أبى العذاب وأبى البغل وقيل إن النعمان قد قتل وقد تقدمت في
طلبه وأخذ رأسه وحمله مع الرؤوس إلى حضرة أمي رالمؤمنين إن شاء الله * وفى
يوم الاثنين لاربع بقين من المحرم أدخل صاحب الشامة إلى الرقة ظاهرا
للناس على فالج عليه برنس حرير ودراعة ديباج وبين يديه المدثر والمطوق
على جملين ثم إن المكتفى خلف عساكره مع محمد بن سليمان وشخص في خاصته
وغلمانه وخدمه وشخص معه القاسم بن عبيدالله من الرقة إلى بغداد وحمل
معه القرمطى والمدثر والمطوق وجماعة من أسارى الوقعة وذلك في أول
صفر من هذه السنة فلما صار إلى بغداد عزم فيما ذكر على أن يدخل
ـ229ـ
القرمطى مدينة السلام مصلوبا على دقل والدقل على ظهر فيل فأمر بهدم
طاقات الابواب التى يجتاز بها الفيل إذ كانت أقصر من الدقل وذلك مثل
باب الطاق وباب الرصافة وغيرهما ثم استسمج المكتفى فيما ذكر فعل ما كان
عزم عليه من ذاك فعمل له دميانة غلام يا زمان كرسيا وركب الكرسى على
ظهر الفيل وكان ارتفاعه عن ظهر الفيل ذراعين ونصف ذراع فيما قيل ودخل
المكتفى مدينة السلام بغداد صبيحة يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول
وقدم الاسرى بين يديه على جمال مقيدين عليهم دراريع حرير وبرانس حرير
والمطوق في وسطهم غلام ما خرجت لحيته قد جعل في فيه خشبة مخروطة وشدت
إلى قفاه كهيئة اللجام وذلك أنه لما أدخل الرقة كان يشتم الناس إذا دعوا عليه
ويبزق عليهم ففعل ذلك به لئلا يشتم إنسانا ثم أمر المكتفى ببناء دكة في المصلى
العتيق من الجانب الشرقى تكسيرها عشرون ذراعا في عشرين ذراعا وارتفاعها
نحو من عشرة أذرع وبنى لها درج يصعد منها اليها وكان المكتفى خلف مع محمد
ابن سليمان عساكره بالرقة عند منصرفه إلى مدينة السلام فتلقط محمد بن سليمان
من كان في تلك الناحية من قواد القرمطى وقضاته وأصحاب شرطه فأخذهم
وقيدهم وانحدر والقواد الذين تخلفوا معه إلى مدينة السلام على طريق الفرات
فوافى باب الانبار ليلة الخميس لاثنتى عشرة خلت من شهر ربيع الاول ومعه
جماعة من القواد منهم خاقان المفلحى ومحمد بن إسحاق بن كنداجيق وغيرهما
فأمر القواد الذين ببغداد بتلقى محمد بن سليمان والدخول معه فدخل بغداد وبين
يديه نيف وسبعون أسيرا حتى صار إلى الثريا فخلع عليه وطوق بطوق من ذهب
وسور بسوارين من ذهب وخلع على جميع القواد القادمين معه وطوقوا وسوروا
وصرفوا إلى منازلهم وأمر بالاسرى إلى السجن * وذكر عن صاحب الشامة أنه
أخذ وهو في حبس المكتفى سكرجة من المائدة التى تدخل اليه فكسرها وأخذ
شظية منها فقطع بها بعض عروق نفسه فخرج منه دم كثير ثم شد يده فلما وقف
المولى خدمته على ذلك سأله لم فعل ذلك فقال هاج بى الدم فأخرجته فترك حتى
ـ230ـ
صلح ورجعت اليه قوته ولما كان يوم الاثنين لسبع بقين من شهر ربيع الاول
أمر المكتفى القواد والغلمان بحضور الدكة التى أمر ببنائها وخرج من الناس
خلق كثير لحضورها فحضروها وحضر أحمد بن محمد الواثقى وهو يومئذ يلى
الشرطة بمدينة السلام ومحمد بن سليمان كاتب الجيش الدكة فقعدا عليها وحمل
الاسرى الذين جاء بهم المكتفى معه من الرقة والذين جاء بهم محمد بن سليمان ومن كان
في السجن من القرامطة الذين جمعوا من الكوفة وقوم من أهل بغداد كانوا
على رأى القرامطة وقوم من الرفوغ من سائر البلدان من غير القرامطة وكانوا
قليلا فجئ بهم على جمال وأحضروا الدكة ووقفوا على جمالهم ووكل بكل رجل
منهم عونان فقيل إنهم كانوا ثلثمائة ونيفا وعشرين وقيل ثلثمائة وستين وجئ
بالقرمطى الحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة ومعه ابن عمه المعروف
بالمدثر على بغل في عمارية وقد أسبل عليهما الغشاء ومعهما جماعة من الفرسان والرجالة
فصعد بهما إلى الدكة وأقعدا وقدم أربعة وثلاثون إنسانا من هؤلاء الاسارى فقطعت
أيديهم وأرجلهم وضربت أعناقهم واحد بعد واحد كان يؤخذ الرجل فيبطح على
وجهه فيقطع يمنى يديه ويحلق بها إلى أسفل ليراها الناس ثم يقطع رجله اليسرى ثم يسرى
يديه ثم يمنى رجليه ويرمى بما قطع منه إلى أسفل ثم يقعد فيمد رأسه فيضرب عنقه
ويرمى برأسه وجثته إلى أسفل وكانت جماعة من هؤلاء الاسرى قليلة يضجون
ويستغيثون ويحلفون أنهم ليسوا من القرامطة فلما فرغ من قتل هؤلاء الاربعة
والثلاثين النفس وكانوا من وجوه أصحاب القرمطى فيما ذكر وكبرائهم قدم
المدثر فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه ثم قدم القرمطى فضرب مائتى سوط
ثم قطعت يداه ورجلاه وكوى فغشى عليه ثم أخذ خشب فأضرمت فيه النار
ووضع في خواصره وبطنه فجعل يفتح عينيه ثم يغمضهما فلما خافوا أن يموت
ضربت عنقه ورفع رأسه على خشبة وكبر من على الدكة وكبر سائر الناس فلما
قتل انصرف القواد ومن كان حضر ذلك الموضع للنظر إلى ما يفعل بالقرمطى
وأقام الواثقى في جماعة من أصحابه في ذلك الموضع إلى وقت العشاء الآخرة حتى
ـ231ـ
ضرب أعناق باقى الاسرى الذين أحضروا الدكة ثم انصرف فلما كان من غد هذا
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 231 سطر 1 الى ص 240 سطر 25
ضرب أعناق باقى الاسرى الذين أحضروا الدكة ثم انصرف فلما كان من غد هذا
اليوم حملت رؤس القتلى من المصلى إلى الجسر وصلب بدن القرمطى في طرف
الجسر الاعلى ببغداد وحفرت لاجساد القتلى في يوم الاربعاء آبار إلى جانب
الدكة وطرحت فيها وطمت ثم أمر بعد أيام بهدم الدكة ففعل * ولاربع عشرة
خلت من شهر ربيع الآخر وافى بغداد القاسم بن سيما منصرفا عن عمله بطريق
الفرات ومعه رجل من بنى العليص من أصحاب القرمطى صاحب الشامة دخل
إليه بأمان وكان أحد دعاة القرمطى يكنى أبا محمد وكان سبب دخوله في الامان
أن السلطان راسله ووعده الاحسان إن هو دخل في الامان وذلك أنه لم يكن بقى
من رؤساء القرامطة بنواحى الشأم غيره وكان من موالى بنى العليص فروقت الوقعة
إلى بعض النواحى الغامضة فأفلت ثم رغب في الدخول في الامان والطاعة خوفا
على نفسه فوافى هو ومن معه مدينة السلام وهم نيف وستون رجلا فأومنوا
وأحسن إليهم ووصلوا بمال حمل إليهم وأخرج هو ومن معه إلى رحبة مالك بن
طوق مع القاسم بن سيما وأجريت لهم الارزاق فلما وصل القاسم بن سيما إلى عمله
وهم معه أقاموا معه مدة ثم أجمعوا على الغدر بالقاسم بن سيما وائتمروا به ووقف
على ذلك من عزمهم فبادرهم ووضع السيف فيهم فأبادهم وأسر جماعة منهم فارتدع
من بقى من بنى العليص ومواليهم وذلوا ولزموا أرض السماوة وناحيتها مدة حتى
راسلهم الخبيث زكرويه وأعلمهم أن مما أوحى إليه أن المعروف بالشيخ وأخاه
يقتلان وأن إمامه الذى يوحى إليه يظهر بعدهما ويظفر . وفى يوم الخميس لتسع
خلون من جمادى الاولى زوج المكتفى ابنه محمدا ويكنى أبا أحمد بابنة أبى الحسين
القاسم بن عبيدالله على صداق مائة ألف دينار . وفى آخر جمادى الاولى من هذه
السنة ورد فيما ذكر كتاب من ناحية جبى يذكر فيه أن جبى وما يليها جاءها سيل في
واد من الجبل فغرق نحوا من ثلاثين فرسخا غرق في ذلك خلق كثير وغرقت المواشى
والغلات وخربت المنازل والقرى وأخرج من الغرقى ألف ومائتا نفس سوى من لم يلحق
منهم * وفى يوم الاحد غرة رجب خلع المكتفى على محمد بن سليمان كاتب
ـ232ـ
الجيش وعلى جماعة من وجوه القواد منهم محمد بن اسحاق بن كنداجيق وخليفة
ابن المبارك المعروف بأبى الاغر وابنا كيغلغ وبندقة بن كمشجور وغيرهم من
القواد وأمرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن سليمان وخرج محمد بن سليمان والخلع
عليه حتى نزل مضربه بباب الشماسية وعسكر هنالك وعسكر معه جماعة القواد
الذين أخرجوا وبرزوا وكان خروجهم ذلك قاصدين لدمشق ومصر لقبض
الاعمال من هارون بن خمارويه لما تبين للسلطان من ضعفه وضعف من معه
وذهاب رجاله بقتل من قتل منهم القرمطى ثم رحل لست خلون من رجب محمد
ابن سليمان من باب الشماسية ومن ضم اليه من الرجال وهم زهاء عشرة آلاف
رجل وأمر بالجد في المسير * ولثلاث بقين من رجب قرئ في الجامعين بمدينة
السلام كتاب ورد من اسماعيل بن أحمد بن خراسان يذكر فيه أن الترك قصدوا
المسلمين في جيش عظيم وخلق كثير وأنه كان في عسكرهم سبعمائة قبة تركية ولا
يكون ذلك الا للرؤساء منهم فوجه اليه برجل من قواده في جيش ضمه اليه ونودى
في الناس بالنفير فخرج من المطوعة ناس كثير ومضى صاحب العسكر نحو الترك
بمن معه فوافاهم المسلمون وهم غارون فكبسوهم مع الصبح فقتل منهم خلق كثير
وانهزم الباقون واستبيح عسكرهم وانصرف المسلمون إلى موضعهم سالمين
غانمين * وفى شعبان منها ورد الخبر أن صاحب الروم وجه عشرة صلبان معها
مائة ألف رجل إلى الثغور وأن جماعة منهم قصدت نحو الحدث فأغاروا وسبوا
من قدروا عليه من المسلمين وأحرقوا وفى شهر رمضان منها ورد كتاب من
القاسم بن سيما من الرحبة على السلطان يذكر فيه أن الاعراب الذين استأمنوا
إلى السلطان واليه من بنى العليص ومواليهم ممن كان مع القرمطى نكثوا وغدروا
وأنهم عزموا على أن يكبسوا الرحبة في يوم الفطر عند اشتغال الناس بصلاة
العيد فيقتلوا من يلحقون وأن يحرقوا وينهبوا وإنى أوقعت عليهم الحيلة حتى
قتلت منهم وأسرت خمسين ومائة نفس سوى من غرق منهم في الفرات وإنى قادم
بالاسرى وفيهم جماعة من رؤسائهم وبرؤس من قتل منهم وفى آخر شهر رمضان
ـ233ـ
من هذه السنة ورد كتاب من أبى معدان من الرقة فيما قيل بإتصال الاخباربه
من طرسوس أن الله أظهر المعروف بغلام ظرافة في غزاة غزاها الروم في هذا
الوقت بمدينة تدعى أنطاكية وزعموا أنها تعادل قسطنطينية وهذه المدينة على
ساحل البحر وأن غلام زرافة فتحها بالسيف عنوة وقتل فيما قيل خمسة آلاف
رجل وأسر شبيها بعدتهم وأستنقذ من الاسارى أربعة آلاف انسان وأنه أخذ
للروم ستين مركبا فحملها ما غنم من الفضة والذهب والمتاع والرقيق وأنه قدر
نصيب كل رجل حضر هذه الغزاة فكان ألف دينار فاستبشر المسلمون بذلك
وبادرت بكتابى هذا ليقف الوزير على ذلك وكتب يوم الخميس لعشر خلون
من شهر رمضان ( وأقام الحج ) للناس في هذه السنة الفضل بن عبدالملك بن
عبدالله بن العباس بن محمد
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائتين
ذكر ما كان فيها من الاحداث الجليلة
فمن ذلك ما كان من توجيه نزار بن محمد من البصرة إلى السلطان ببغداد
رجلا ذكر أنه أراد الخروج على السلطان وصار إلى واسط وأن نزارا وجه في
طلبه من قبض عليه بواسط وأحدره إلى البصرة وأنه أخذ بالبصرة قوما ذكر
أنهم بايعوه فوجه نزار جميعهم في سفينة إلى بغداد فوقفوا في فرضة البصريين
ووجه جماعة من القواد إلى فرضة البصريين فحمل هذا الرجل على الفالج وبين
يديه ابن له صبى على جمل ومعه تسعة وثلاثون إنسانا على جمال وعلى جماعتهم
برانس الحرير ودراريع الحرير وأكثرهم يستغيث ويبكى ويحلف أنه برئ وأنه
لا يعرف مما ادعى عليه شيثا وجازوا بهم في التمارين وباب الكرخ والخلد حتى
وصلوا إلى دار المكتفى فأمر بردهم وحبسهم في السجن المعروف بالجديد *
وفى المحرم منها أغار أندرو نقس الرومى على مرعش ونواحيها فنفر أهل المصيصة
وأهل طرسوس فأصيب أبوالرجال بن أبن بكار في جماعة من المسلمين * وفى
ـ234ـ
المحرم منها صار محمد بن سليمان إلى حدود مصر لحرب هارون بن خمارويه
ووجه المكتفى دميانة غلام يا زمان من بغداد وأمره بركوب البحر والمضى
إلى مصر ودخول النيل وقطع المواد عمن بمصر من الجند فمضى ودخل النيل حتى
وصل إلى الجسر فأقام به وضيق عليهم وزحف اليهم محمد بن سليمان في الجيوش
على الظهر حتى دنا من الفسطاط وكاتب القواد الذين بها فكان أول من خرج
اليه بدر الحمامى وكان رئيس القوم فكسرهم ذلك ثم تتابع من يستأمن إليه من
قواد المصريين وغيرهم فلما رأى ذلك هارون وبقية من معه زحفوا إلى محمد بن سليمان
فكانت بينهم وقعات فيما ذكر ثم وقع بين اصحاب هارون في بعض الايام عصبية
فاقتتلوا فخرج هارون ليسكنهم فرماه بعض المغاربة بزانة فقتله وبلغ محمد بن سليمان
الخبر فدخل هو ومن معه الفسطاط واحتوى على دور آل طولون وأسبابهم
وأخذهم جميعا وهم بضعة عشر رجلا فقيدهم وحبسهم واستصفى أموالهم وكتب
بالفتح وكانت الوقعة في صفر من هذه السنة وكتب إلى محمد بن سليمان في إشخاص
جميع آل طولون وأسبابهم من القواد وأن لا يترك أحدا منهم بمصر ولا بالشأم
وأن يبعث بهم إلى بغداد ففعل ذلك . ولثلاث خلون من شهر ربيع الاول منها
سقط الحائط الذى على رأس الجسر الاول من الجانب الشرقى من الدار التى كانت
لعبيدالله بن عبدالله بن طاهر على الحسين بن زكرويه القرمطى وهو مصلوب بقرب
ذلك الحائط فطحنه فلم يوجد بعد منه شئ . وفى شهر رمضان منها ورد الخبر
على السلطان بأن قائدا من قواد المصريين يعرف بالخليجى يسمى إبراهيم تخلف
عن محمد بن سليمان في آخر حدود مصر مع جماعة استمالهم من الجند وغيرهم ومضى
إلى مصر مخالفا للسلطان وصار معه في طريقه جماعة تحب الفتنة حتى كثر جمعه فلما
صار إلى مصر أراد عيسى النوشرى محاربته وكان عيسى النوشرى العامل على المعونة
بها يومئذ فعجز عن ذلك لكثرة من مع الخليجى فانحاز عنه إلى الاسكندرية وأخلى
مصر فدخلها الخليجى ( وفيها ) ندب السلطان لمحاربة الخليجى واصلاح أمر
المغرب فاتكا مولى المعتضد وضم إليه بدرا الحمامى وجعله مشيرا عليه فيما يعمل به
ـ235ـ
وضم اليه جماعة من القواد وجندا كثيرا * ولسبع خلون من شوال منها خلع على
فاتك وبدر الحمامى لما ندبا اليه من الخروج إلى مصر وأمرا بسرعة الخروج ثم
شخص فاتك وبدر الحمامى لاثنتى عشرة خلت من شوال ( وللنصف ) من شوال
منها دخل مدينة طرسوس رستم بن بردوا واليا عليها وعلى الثغور الشأمية ( وفيها )
كان الفداء بين المسلمين والروم وأول يوم من ذلك كان لست بقين من ذى القعدة
منها فكان جملة من فودى به من المسلمين فيما قيل ألفا ونحوا من مائتى نفس ثم
غدر الروم فانصرفوا ورجع المسلمون بمن بقى معهم من أسارى الروم فكان عهد
الفداء والهدنة من أبى العشائر والقاضى ابن مكرم فلما كان من أمر اندرو نقس
ما كان من غارته على أهل مرعش وقتله أبا الرجال وغيره عزل أ بوالعشائر وولى
رستم فكان الفداء على يديه وكان المتولى أمر الفداء من قبل الروم رجل يدعى
اسطانه ( وحج بالناس ) في هذه السنة الفضل بن عبدالملك بن عبدالله
ابن العباس بن محمد
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من ورود الخبر لخمس بقين من صفر بأن الخليجى المتغلب على
مصر واقع أحمد بن كيغلغ وجماعة من القواد بالقرب من العريش فهزمهم أقبح
هزيمة فندب للخروج إليه جماعة من القواد المقيمين بمدينة السلام فيهم ابراهيم
ابن كيغلغ فخرجوا * ولسبع خلون من شهر ربيع الاول منها وافى مدينة السلام
قائد من قواد طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث الصفار مستأمنا يعرف بأبى قابوس
مفارقا عسكر السجزية وذلك أن طاهر بن محمد فيما ذكر تشاغل باللهو والصيد
ومضى إلى سجستان للصيد والنزهة فغلب على الامر بفارس الليث بن على بن الليث
وسبكرى مولى عمرو بن الليث ودبر الامر في عمل طاهر والاسم له فوقع بينهم
وبين أبى قابوس تباعد ففارقهم وصار إلى باب السلطان فقبله السلطان وخلع
ـ236ـ
عليه وعلى جماعة معه وحباه وأكرمه فكتب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث
إلى السلطان يسأله رد أبى قابوس إليه ويذكر انه كان استكفاه بعض
أعمال فارس وانه جبى المال وخرج به معه ويسأل إن لم يرد إليه أن يحسب
له ما ذهب به من مال فارس مما صودر عليه فلم يجبه السلطان إلى شئ من ذلك *
وفى هذا الشهر من هذه السنة ورد الخبر أن أخا للحسين بن زكرويه المعروف بصاحب
الشامة ظهر بالدالية من طريق الفرات في نفر وانه اجتمع اليه نفر من
الاعراب والمتلصصة فسار بهم نحو دمشق على طريق التبرعات بتلك الناحية
وحارب أهلها فندب للخروج إليه الحسين بن حمدان بن حمدون فخرج في جماعة
كثيرة من الجند وكان مصير هذا القرمطى إلى دمشق في جمادى الاولى من هذه
السنة ثم ورد الخبر أن هذا القرمطى صار إلى طبرية فامتنعوا من إدخاله فحاربهم
حتى دخلها فقتل عامة من بها من الرجال والنساء ونهبها وانصرف إلى ناحية البادية
وفى شهر ربيع الآخر ورد الخبر بأن الداعية الذى بنواحى اليمن صار إلى مدينة
صنعاء فحاربه أهلها فظفر بهم فقتل أهلها فلم ينفلت منهم إلا القليل وتغلب على
سائر مدن اليمن
عاد الخبر إلى ما كان من أمر أخى ابن زكرويه
فذكر عن محمد بن داود بن الجراح أنه قال انفذ زكرويه بن مهرويه بعد
ما قتل ابنه صاحب الشامة رجلا كان يعلم الصبيان بقرية تدعى الزابوقة من عمل
الفلوجة يسمى عبدالله بن سعيد ويكنى أبا غانم فتسمى نصرا ليعمى أمره فدار
على أحياء كلب يدعوهم إلى رأيه فلم يقبله منهم أحد سوى رجل من بنى زياد يسمى
مقدام بن الكيال فإنه استغوى له طوائف من الاصبغيين المنتمين إلى الفواطم
وسواقط من العليصيين وصعاليك من سائر بطون كلب وقصد ناحية الشأم وعامل
السلطان على دمشق والاردن أحمد بن كيغلغ وهو مقيم بمصر على حرب ابن
خليج الذى كان خالف محمد بن سليمان ورجع إلى مصر فغلب عليها فاغتنم ذلك
عبدالله بن سعيد هذا وسار إلى مدينتى بصرى وأذرعات من كورتى حوران
ـ237ـ
والبثنية فحارب أهلها ثم آمنهم فلما استسلموا قتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم واستصفى
أموالهم ثم سار يؤم دمشق فخرج إليه جماعة ممن كان مرسوما بتشحينها من
المصريين كان خلفهم أحمد بن كيغلغ مع صالح بن الفضل فظهروا عليهم وأثخنوا
فيهم ثم اغتروهم ببذل الامان لهم فقتلوا صالحا وفضوا عسكره ولم يطمعوا في
مدينة دمشق وكانوا قد صاروا إليها فدافعهم أهلها عنها فقصدوا نحو طبرية مدينة
جند الاردن ولحق بهم جماعة افتتنت من الجند بدمشق فواقعهم يوسف بن إبراهيم
ابن بغامردى عامل أحمد بن كيغلغ على الاردن فكسروه وبذلوا الامان له ثم
غدروا به فقتلوه ونهبوا مدينة الاردن وسبوا النساء وقتلوا طائفة من أهلها
فأنفذ السلطان الحسين بن حمدان لطلبهم ووجوها من القواد فورد
دمشق وقد دخل أعداء الله طبرية فلما اتصل خبره بهم عطفوا نحو
السماوة وتبعهم الحسين يطلبهم في برية السماوة وهم ينتقلون من ماء إلى
ماء ويعورونه حتى لجؤا إلى الماءين المعروفين بالدمعانة والحالة وانقطع
الحسين من اتباعهم لعدمه الماء فعاد إلى الرحبة وأسرى القرامطة مع غاويهم
المسمى نصرا إلى قرية هيت فصبحوها وأهلها غارون لتسع بقين من شعبان مع طلوع
الشمس فنهب ربضها وقتل من قدر عليه من أهلها وأحرق المنازل وانتهب
السفن التى في الفرات في غرضتها وقتل من أهل البلد فيما قيل زهاء مائتى نفس
ما بين رجل وامرأة وصبى وأخذ ما قدر عليه من الاموال والمتاع وأوقر فيما
قيل ثلاثة آلاف راحلة كانت معه زهاء مائتى كر حنطنة بالمعدل ومن البر
والعطر والسقط جميع ما احتاج اليه وأقام بها بقية اليوم الذى دخلها والدى بعده
ثم رحل عنها بعد المغرب إلى البرية وإنما أصاب ذلك من ربضها وتحصن منه
أهل المدينة بسورها فشخص محمد بن إسحاق بن كنداجيق إلى هيت في جماعة من
القواد في جيش كثيف بسبب هذا القرمطى ثم تبعه بعد أيام مونس الخازن *
وذكر عن محمد بن داود أنه قال إن القرامطة صبحوا هيت وأهلها غارون
فحماهم الله منه بسورها ثم عجل السلطان محمد بن اسحاق بن كنداجيق نحوهم فلم
ـ238ـ
يقيموا بها إلا ثلاثا حتى قرب محمد بن إسحاق منهم فهربوا منه نحو الماءين فنهض
محمد نحوهم فوجدهم قد عوروا اليماه بينه وبينهم فأنفذت اليه من الحضرة الابل
والروايا والزاد وكتب إلى الحسين بن حمدان بالنفوذ من جهة الرحبة اليهم
ليجتمع هو ومحمد بن إسحاق على الايقاع بهم فلما أحس الكلبيون باشراف
الجند عليهم ائتمروا بعدو الله المسمى نصرا فوثبوا عليه وفتكوا به وتفرد بقتله
رجل منهم يقال له الذئب بن القائم وشخص إلى الباب متقربا بما كان منه ومستأمنا
لبقيتهم فأسنيت له الجائزة وعرف له ما أتاه وكف عن طلب قومه فمكث أياما ثم
هرب وظفرت بطلائع محمد بن إسحاق برأس المسمى بنصر فاحتزوه وأدخلوه
مدينة السلام واقتتلت القرامطة بعده حتى وقعت بينهما الدماء فصار مقدام
ابن الكيال إلى ناحية طيئ مفلتا بما احتوى عليه من الحطام وصارت فرقة
منهم كرهت أمورهم إلى بنى أسد المقيمين بنواحى عين التمر فجاوروهم وأرسلوا
إلى السلطان وفدا بعتذرون مما كان منهم ويسألون إقرارهم في جوار بنى أسد
فأجيبوا إلى ذلك وحصلت على الماءين بقية الفسقة المستبصرة في دين القرامطة
وكتب السلطان إلى حسين بن حمدان في معاودتهم باجتثاث أصولهم فأنفذ
زكرويه اليهم داعية له من أكرة أهل السواد يسمى القاسم بن أحمد بن على ويعرف
بأبى محمد من رستاق نهر تلحانا فأعلمهم أن فعل الذئب بن القائم قد أنفره عنهم وثقل
قلبه عليهم وأنهم قد ارتدوا عن الدين وأن وقت ظهورهم قد حضر وقد بايع
له بالكوفة أربعون الف رجل وفى سوادها أربعمائة ألف رجل وأن يوم
موعدهم الذى ذكره الله في كتابه في شأن موسى كليمه صلى الله عليه وسلم وعدو *
فرعون إذ يقول " موعدكم يوم الزينة وأن يشحر الناس ضحى " وأن زكرويه
يأمرهم أن يخفوا أمرهم ويظهروا الانقلاع نحوالشأم ويسيروا نحو الكوفة
حتى يصبحوها غداة يوم النحر وهو يوم الخميس لعشر تخلو من ذى الحجة سنة 293
فانهم لا يمنعون منها وانه يظهر لهم وينجزلهم وعده الذى كانت رسله تأتيهم به وأن
يحملوا القاسم بن أحمد معهم فامتثلوا أمره ووافوا باب الكوفة وقد انصرف الناس عن
ـ239ـ
مصلاهم مع اسحاق بن عمران عامل السلطان بها وكان الذين وافوا باب الكوفة
في هذا اليوم فيما ذكر ثمانمائة فارس أو نحوها رأسهم الذبلانى بن مهروبه من
أهل الصوأر وقيل إنه من أهل جنبلاء عليهم الدروع والجواشن والآلة الحسنة
ومعهم جماعة من الرجالة على الرواحل فأوقعوا بمن لحقوه من العوام وسلبوا
جماعة وقتلوا نحوا من عشرين نفسا وبادر الناس إلى الكوفة فدخلوها وتنادوا
السلاح فنهض إسحاق بن عمران في أصحابه ودخل مدينة الكوفة من القرامطة زهاء
مائة فارس من الباب المعروف بباب كندة فاجتمعت العوام وجماعة من أصحاب
السلطان فرموهم بالحجارة وحاربوهم وألقوا عليهم الستر فقتل منهم زهاء عشرين
نفسا وأخرجوهم من المدينة وخرج إسحاق بن عمران ومن معه من الجند فصافوا
القرامطة الحرب وأمر إسحاق بن عمران أهل الكوفة بالتحارس لئلا يجد
القرامطة غرة منهم فيدخلوا المدينة فلم يزل الحرب بينهم إلى وقت العصر يوم النحر
ثم انهزمت القرامطة نحو القادسية وأصلح أهل الكوفة سورهم وخندقهم وقاموا
مع أصحاب السلطان يحرسون مدينتهم ليلا ونهارا وكتب إسحاق بن عمران إلى
السلطان يستمده فندب للخروج إليه جماعة من قواده منهم طاهر بن على بن وزير
ووصيف بن صوارتكين التركى والفضل بن موسى بن بغا وبشر الخادم الافشينى
وجنى الصفوانى ورائق الخزرى وضم إليه جماعة من غلمان الحجر وغيرهم
فشخص أولهم يوم الثلاثاء للنصف من ذى الحجة ولم يرأس واحد منهم كل واحد منهم
رئيس على أصحابه وأمر القاسم بن سيما وغيره من رؤساء الاعراب بجمع الاعراب
من البوادى بديار مضرو طريق الفرات ودقوقاء وخانيجار وغيرها من النواحى
لينهضوا إلى هؤلاء القرامطة إذ كان أصحاب السلطان متفرقين في نواحى الشأم
ومصر فمضت الرسائل بذلك إليهم فحضروا ثم ورد الخبر فيها بأن الذين شخصوا
مددا لاسحاق بن عمران خرجوا إلى زكرويه في رجالهم وخلفوا إسحاق بن عمران
بالكوفة مع من معه من رجاله ليضبطها وصاروا إلى موضع بينه وبين القادسية
أربعة أميال يعرف بالصوأر وهى في البرية في العرض فلقيهم زكرويه هنالك
ـ240ـ
فصافوه يوم الاثنين لتسع بقين من ذى الحجة وقد قيل كانت الوقعة يوم الاحد
لعشر بقين منه وجعل أصحاب السلطان بينهم وبين سوادهم نحوا من ميل ولم
يخلفوا أحدا من المقاتلة عنده واشتدت الحرب بينهم وكانت الدبرة أول هذا
اليوم على القرمطى وأصحابه حتى كادوا أن يظفروا بهم وكان زكرويه قد
كمن عليهم كمينا من خلفهم ولم يشعروا به فلما انتصف النهار خرج الكمين على
السواد فانتهبه ورأى أصحاب السلطان السيف من ورائهم فانهزموا أقبح هزيمة
ووضع القرمطى وأصحابه السيف في أصحاب السلطان فقتلوهم كيف شاءوا وصبر
جماعة من غلمان الحجر من الخزر وغيرهم وهم زهاء مائة غلام وقاتلوا حتى قتلوا
جميعا بعد نكاية شديدة نكوها في القرامطة واحتوت القرامطة على سواد أصحاب
السلطان فحازوه ولم يفلت من أصحاب السلطان إلا من كان في دابته فضل فنجابه
أو من أثخن بالجراح فطرح نفسه في القتلى فتحامل بعد انقضاء الوقعة حتى دخل
الكوفة وأخذ للسلطان في هذا السواد مما كان وجه به مع رجاله من الجمازات
عليها السلاح والآلة زهاء ثلثمائة جمازة ومن البغال خمسمائة بغل وذكر أن مبلغ
من قتل من أصحاب السلطان في هذه الوقعة سوى غلمانهم والحمالين ومن كان في
السواد ألف وخمسمائة رجل فقوى القرمطى وأصحابه بما أخذوا في هذه الوقعة
وتطرف بيادر كانت إلى جانبه فأخذ منها طعاما وشعيرا وحمله على بغال السلطان
إلى عسكره وارتحل من موضع الوقعة نحوا من خمسة أميال في العرض إلى موضع
بقرب من الموضع المعروف بنهر المثنية وذلك أن روائح القتلى آذتهم * وذكر
عن محمد بن داود بن الجراح أنه قال وافى باب الكوفة الاعراب الذين كان زكرويه
راسلهم وقد انصرف المسلمون عن مصلاهم معه إسحاق بن عمران فتفرقوا من
جهتين ودخلوا أبيات الكوفة وقد ضربوا على القاسم بن أحمد داعية زكروية
قبة وقالوا هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا يال ثارات الحسين
يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب بباب جسر مدينة السلام وشعارهم يا أحمد
يا محمد يعنون ابنى زكرويه المقتولين وأظهروا الاعلام البيض وقدروا أن يستغووا
ـ241ـ
رعاع الكوفيين بذلك القول فأسرع إسحاق بن عمران ومن معه المبادرة نحوهم
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 241 سطر 1 الى ص 250 سطر 24
رعاع الكوفيين بذلك القول فأسرع إسحاق بن عمران ومن معه المبادرة نحوهم
ودفعهم وقتل من ثبت له منهم وحضر جماعة من آل أبى طالب فحاربوا مع إسحاق
ابن عمران وحضر جماعة من العامة فحاربوا فانصرف القرامطة خاسئين وصاروا
إلى قرية تدعى العشيرة من آخر عمل طسوج السالحين ونهر يوسف مما يلى البر
من يومهم وأنفذوا إلى عدو الله زكرويه بن مهرويه من استخرجه من نقير في
الارض كان متطمرا فيه سنين كثيرة بقرية الدرية وأهل قرية الصوأر يتلقونه
على أيديهم وسمونه ولى الله فسجدوا له لما رأوه وحضر معه جماعة من دعاته
وخاصته وأعلمهم أن القاسم بن أحمد أعظم الناس عليهم منة وأنه ردهم إلى الدين بعد
خروجهم منه وأنهم إذا امتثلوا أمره أنجز مواعيدهم وبلغهم آمالهم ورمز لهم رموزا
وذكر فيها آيات من القرآن نقلها عن الوجه الذى أنزلت فيه واعترف لزكرويه
جميع من رسخ حب الكفر في قلبه من عربى ومولى ونبطى وغيرهم أنه رئيسهم
المقدم وكهفهم وملاذهم وأيقنوا بالنصر وبلوغ الامل وساربهم وهو محجوب
عنهم يدعونه السيد ولا يبرزونه لمن في عسكرهم والقاسم يتولى الاموردونه ويمضيها
على رأيه إلى مؤاخر سقى الفرات من عمل الكوفة وأعلمهم أن أهل السواد قاطبة
خارجون اليه فأقام هنالك نيفا وعشرين يوما يبث رسله في السواديين مستلحقين
فلم يلحق بهم من السواديين إلا من لحقته الشقوة وهم زهاء خمسمائة رجل بنسائهم
وأولادهم وسرب اليه السلطان الجنود وكتب إلى كل من كان نفذ نحو الانبار
وهيت لضبطها خوفا من معاودة المقيمين كانوا بالماءين اليها بالانصراف نحو
الكوفة فجعل اليهم جماعة من القواد منهم بشر الافشينى وجنى الصفوانى ونحرير
العمرى ورائق فتى أمي رالمؤمنين والغلمان الصغار المعروفين بالحجرية فأوقعوا
بأعداء الله بقرب قرية الصوأر فقتلوا رجالتهم وجماعة من فرسانهم وأسلموا
بيوتهم في أيديهم فدخلوها وتشاغلوا بها فعطفت القرامطة عليهم فهزموهم وذكر
عن بعض من ذكر أنه حضر مجلس محمد بن داود بن الجراح وقد أدخل اليه قوم
من القرامطة منهم سلف زكرويه فكان مما حدثه أن قال كان زكرويه مختفيا في
ـ242ـ
منزلى في سرداب في دارى عليه باب حديد وكان لنا تنور ننقله فاذا جاءنا الطلب
وضعنا التنور على باب السرداب وقامت امرأة تسجره فمكث كذلك أربع سنين
وذلك في أيام المعتضد وكان يقول لا أخرج والمعتضد في الاحياء ثم انتقل من
منزلى إلى دار قد جعل فيها بيت وراء باب الدار إذا فتح باب الدار انطبق على باب
البيت فيدخل الداخل فلا يرى باب البيت الذى هو فيه فلم يزل هذه حاله حتى
مات المعتضد فحينئذ أنفذ الدعاة وعمل في الخروج ولما ورد خبر الوقعة التى كانت
بين القرمطى وأصحاب السلطان بالصوأر على السلطان والناس أعظموه وندب للخروج
إلى الكوفة من ذكرت من القواد وجعلت الرئاسة لمحمد بن إسحاق بن كنداج
وضم اليه جماعة من أعراب بنى شيبان والنمر زهاء ألفى رجل وأعطوا الارزاق
ولاثنتى عشرة بقيت من جمادى الاولى قدم بغداد من مكة جماعة نحو العشرة
فصاروا إلى باب السلطان وسألوه توجيه جيش إلى بلدهم لانهم على خوف من
الخارج بناحية اليمن أن يطأ بلدهم إذ كان قد قرب منها بزعمهم * وفى يوم الجمعة
لاثنتى عشرة ليلة خلت من رجب قرئ على المنبر ببغداد كتاب ورد على السلطان
أن أهل صنعاء وغيرهم من مدن اليمن اجتمعوا على الخارجى الذى كان تغلب
عليها فحاربوه وهزموه وفلوا جموعه فانحاز إلى موضع من نواحى اليمن ثم خلع
السلطان لثلاث خلون من شوال على مظفر بن حاج وعقد له على اليمن فخرج ابن
حاج لخمس خلون من ذى القعدة ومضى إلى عمله باليمن فأقام بها حتى مات * ولسبع
بقين من رجب من هذه السنة أخرج مضرب المكتفى فضرب بباب الشماسية على
أن يخرج إلى الشأم بسبب ابن الخليج فوردت خريطة لست بقين منه مصر من
قبل فاتك يذكر أنه والقواد زحفوا إلى الخليجى وكانت بينهم حروب كثيرة وأن
آخر حرب جرت بينهم وبينه قتل فيها أكثر أصحابه ثم انهزم الباقون فظفروا بهم
واحتووا على معسكرهم فهرب الخليجى حتى دخل الفسطاط فاستتر بها عند رجل من
أهل البلد ودخل الاولياء الفسطاط فلما استقروا بها دل على الخليجى وعلى من كان استتر
معه ممن شايعه فقبض عليهم وحبسهم قبله فكتب إلى فاتك في حمل الخليجى ومن أخذ معه
ـ243ـ
إلى مدينة السلام فردت مضارب المكتفى التى أخرجت إلى باب الشماسية ووجه في رد
خرائنه فردت وقد كانت جاوزت تكريت ثم وجه فاتك بالخليجى من مصر وجماعة
ممن أسر معه مع بشر مولى محمد بن أبى الساج إلى مدينة السلام فلما كان في يوم
الخميس للنصف من شهر رمضان من هذه السنة أدخل مدينة السلام من باب
الشماسية وقدم بين يديه إحدى وعشرون رجلا على جمال وعليهم برانس ودراريع
حرير منهم ابنا بينك فيماقيل وابن أشكال الذى كان صار إلى السلطان من عسكر
عمرو الصفار في الامان وصندل المزاحمى الخادم الاسود فلما وصل الخليجى
إلى المكتفى فنظر اليه أمر بحبسه في الدار وأمر بحبس الآخرين في الجديد فرجه
بهم إلى ابن عمرويه وكانت اليه الشرطة ببغداد ثم خلع المكتفى على وزيره العباس
ابن الحسن خلعا لحسن تدبيره في هذا الفتح وخلع على بشر الافشينى * ولخمس
خلون من شوال أدخل بغداد رأس القرمطى المسمى نصرا الذى كان انتهب هيت
منصوبا على قناة * ولسبع خلون من شوال ورد الخبر مدينة السلام أن الروم
أغاروا على قورس فقاتلهم أهلها فهزموهم وقتلوا أكثرهم وقتلوا رؤساء بنى تميم
ودخلوا المدينة وأحرقوا مسجدها واستاقوا من بقى من أهلها ( وحج بالناس
في هذه السنة ) الفضل بن عبدالملك الهاشمى
ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث الجليلة
فمما كان فيها مر ذلك دخول ابن كيغلغ طرسوس غازيا في أول المحرم وخرج
معه رستم وهى غزاة ستم الثانية فبلغوا سلندوا ففتح الله عليهم وصاروا إلى آلس فحصل
في أيديهم نحو من خمسة آلاف رأس وقتلوا من الروم مقتلة عظيمة وانصرفوا
سالمين * ولاثنتى عشرة خلت من المحرم ورد الخبر مدينة السلام أن زكرويه
ابن مهرويه القرمطى ارتحل من الموضع المعروف بنهر المثنية يريد الحاج وأنه
وافى موضعا بينه وبين واقصة أربعة أميال وذكر عن محمد بن داود أنهم مضوا في
ـ244ـ
البر من جهة المشرق حتى صاروا بالماء المسمى سلمان وصار ما بينهم وبين السواد
مفازة فأقام بموضعه يريد الحاج ينتظر القافلة الاولى ووافت القافلة واقصة لست
أو سبع خلون من المحرم فأنذرهم أهل المنزل وأخبروهم أن بينهم وبينهم أربعة أميال
فارتحلوا ولم يقيموا فنجوا وكان في هذه القافلة الحسن بن موسى الربعى وسيما
الابراهيمى فلما أمعنت القافلة في السير صار القرمطى إلى واقصة فسألهم عن القافلة
فأخبروه أنها لم تقم بواقصة فاتهمهم بانذارهم إياهم فقتل من العلافين بها جماعة
وأحرق العلف وتحصن أهلها في حصنهم فأقام بها أياما ثم ارتحل عنها نحو زبالة *
وذكر عن محمد بن داود أنه قال إن العساكر سارت في طلب زكرويه نحو
عيون الطف ثم انصرفت عنه لما علمت بمكانه بسلمان ونفذ علان بن كشمرد
مع قطعة من فرسان الجيش متجردة على طريق جادة مكة نحوزكرويه حتى
نزلوا السبال فمضى نحو واقصة حتى نزلها بعد أن جازت القافلة الاولى ومر زكرويه
في طريقه بطوائف من بنى أسد فأخذها من بيوتها معه وقصد الحاج المنصرفين
عن مكة وقصد الجادة نحوهم ووافى خبر الطير من الكوفة لاربع عشرة بقيت
من المحرم من هذه السنة بأن زكرويه اعترض قافلة ا لخراسانية يوم الاحد
لاحدى عشرة خلت من المحرم بالعقبة من طريق مكة فحاربوه حربا شديدا
فساءلهم وقال أفيكم السلطان قال ليس معنا سلطان ونحن الحاج فقال لهم فامضوا
فلست أريدكم فلما سارت القافلة تبعها فأوقع بها وجعل أصحابه ينخسون الجمال
بالرماح ويبعجونها بالسيوف فنفرت واختلطت القافلة وأكب أصحاب الخبيث
على الحاج يقتلونهم كيف شاؤا فقتلوا الرجال والنساء وسبوا من النساء من
أرادوا واحتووا على ما كان في القافلة وقد كان لقى بعض من أفلت من هذه
القافلة علان بن كشمرد فسأله عن الخبر فأعلمه ما نزل بالقافلة ا لخراسانية وقال
له ما بينك وبين القوم إلاقليل والليلة أو في غد توافى القافلة الثانية فأن رأوا
علما للسلطان قويت أنفسهم والله الله فيهم فرجع علان من ساعته وأمر من
معه بالرجوع وقال لاأعرض أصحاب السلطان للقتل ثم أصعد زكرويه ووافته
ـ245ـ
القافلة الثانية وقد كان السلطان كتب إلى رؤساء القافلتين الثانية والثالثة ومن
كان فيهما من القواد والكتاب مع جماعة من الرسل الذين تنكبوا طريق الجادة
بخبر الفاسق وفعله بالحاج ويأمرهم بالتحرز منه والعدول عن الجادة نحو واسط
والبصرة أو الرجوع إلى فيد أو إلى المدينة إلى أن يلحق بهم الجيوش ووصلت
الكتب إليهم فلم يسمعوا ولم يقيموا ولم يلبثوا وتقدم أهل القافلة الثانية وفيها
المبارك القمى وأحمد بن نصر العقيلى وأحمد بن على بن الحسين الهمذانى فوافوا
الفجرة وقد رحلوا عن واقصة وعوروا مياهها وملؤا بركها وبئارها بجيف
الابل والدواب التى كانت معهم مشققة بطونها ووردوا منزل العقبة في يوم
الاثنين لاثنتى عشرة خلت من المحرم فحاربهم أصحاب القافلة الثانية وكان
أ بوالعشائر مع أصحابه في أول القافلة ومبارك القمى فيمن معه في ساقتها
فجرت بينهم حرب شديدة حتى كشفوهم وأشرفوا على الظفر بهم فوجد الفجرة
من ساقتهم غرة فركبوهم من جهتها ووضعوا رماحهم في جنوب إبلهم وبطونها
فطحنتهم الابل وتمكنوا منهم فوضعوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخرهم
إلا من استعبدوه ثم أنفذوا إلى مادون العقبة بأميال فوارس لحقوا المفلتة من
السيف فأعطوهم الامان فرجعوا فقتلوهم أجمعين وسبوا من النساء ما أحبوا
واكتسحوا الاموال والامتعة وقتل المبارك القمى والمظفر ابنه وأسر أ بوالعشائر
وجمع القتلى فوضع بعضهم على بعض حتى صاروا كالتل العظيم ثم قطعت يدا
أبى العشائر ورجلاه وضربت عنقه وأطلق من النساء من لم يرغبوا فيه وأفلت من
الجرحى قوم وقعوا بين القتلى فتحاملوا في الليل ومضوا فمنهم من مات ومنهم
من نجا وهم قليل وكان نساء القرامطة يطفن مع صبيانهم في القتلى يعرضون
عليهم الماء فمن كلمهم أجازوا عليه وقيل إنه كان في القافلة من الحاج زها
عشرين ألف رجل قتل جميعهم غير نفر يسير ممن قوى على العدو فنجا بغير زادومن
وقع في القتل وهو مجروح وأفلت بعد أو من استعبدوه لخدمتهم . وذكر أن الذى
أخذوا من المال والامتعة الفاخرة في هذه القافلة قيمة ألفى ألف دينار . وذكر
ـ246ـ
عن بعض الضرابين أنه قال وردت علينا كتب الضرابين بمصر أنكم في هذه السنة
تستغنون قد وجه آل ابن طولون والقواد المصريون الذين أشخصوا إلى مدينة
السلام ومن كان في مثل حالهم في حمل مالهم بمصر إلى مدينة السلام وقد سبكوا
انية الذهب والفضة والحلى نقارا وحمل إلى مكة ليوافوا به مدينة السلام مع الحاج
فحمل في القوافل الشاخصة إلى مدينة السلام فذهب ذلك كله * وذكر أن القرامطة
بيناهم يقتلون وينهبون هذه القافلة يوم الاثنين إذ أقبلت قافلة ا لخراسانية فخرج
إليهم جماعة من القرامطة فواقعوهم فكان سبيلهم سبيل هذه فلما فرغ زكرويه من
أهل القافلة الثانية من الحاج وأحد أموالهم واستباح حريمهم رحل من وقته من
العقبة بعد أن ملا البرك والآبار بها بالجيف من الناس والدواب وكان ورد خبر
قطعه على القافلة الثانية من قوافل السلطان مدينة السلام في عشية يوم الجمعة لاربع
عشرة بقيت من المحرم فعظم ذلك على الناس جميعا وعلى السلطان وندب الوزير
العباس بن الحسن بن أيوب محمد بن داود بن الجراح الكاتب المتولى دواوين
الخراج والضياع بالمشرق وديوان الجيش للخروج إلى الكوفة والمقام بها لانقاذ
الجيوش إلى القرمطى فخرج من بغداد لاحدى عشرة بقيت من المحرم وحمل معه
أموالا كثيرة لاعطاء الجند ثم سار زكرويه إلى زبالة فنزلها وبث الطلائع أمامه
ووراءه خوفا من أصحاب السلطان المقيمين بالقادسية أن يلحقوه ومتوقعا ورود
القافلة الثالثة التى فيها الاموال والتجار ثم سار إلى الثعلبية ثم إلى الشقوق وأقام
بها بين الشقوق والبطان في طرف الرمل في موضع يعرف بالطليح ينتظر القافلة
الثالثة وفيها من القواد نفيس المولدى وصالح الاسود ومعه الشمسة والخزانة
وكانت الشمسة جعل فيها المعتضد جوهرا نفيسا وفى هذه القافلة كان إبراهيم بن
أبى الاشعث وإليه كان قضاء مكة والمدينة وأمر طريق مكة والنفقة فيه لمصالحه
وميمون بن إبراهيم الكاتب وكان إليه أمر ديوان زمام الخراج والضياع وأحمد
ابن محمد بن أحمد المعروف بابن الهزلج والفرات بن أحمد بن محمد بن الفرات والحسن
ابن إسماعيل قرابة العباس بن الحسن وكان يتولى بريد الحرمين وعلى بن العباس
ـ247ـ
النهيكى فلما صار أهل هذه القافلة إلى فيد بلغهم خبر الخبيث زكرويه وأصحابه
وأقاموا بفيد أياما ينتظرون تقوية لهم من قبل السلطان وقد كان ابن كشمرد
رجع من الطريق إلى القادسية في الجيوش التى أنفذها السلطان معه وقبله وبعد
ثم سار زكرويه إلى فيد وبها عامل السلطان يقال له حامد بن فيروز فالتجأ منه
حامد إلى أحد حصنيها في نحو من مائة رجل كانوا معه في المسجد وشحن الحصن
الآخر بالرجال فجعل زكرويه يراسل أهل فيد ويسألهم أن يسلموا اليه عاملهم
ومن فيها من الجند وأنهم إن فعلوا ذلك آمنهم فلم يجيبوه إلى ما سأل ولما لم يجيبوه
حاربهم فلم يظفر منهم بشئ قال فلما رأى أنه لا طاقة له بأهلها تنحى فصار إلى
النباج ثم إلى حفير أبى موسى الاشعرى * وفى أول شهر ربيع الاول أنهض
المكتفى وصيف بن صوارتكين ومعه من القواد جماعة فنفذوا من القادسية على
طريق خفان فلقيه وصيف يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الاول فاقتتلوا
يومهم ثم حجز بينهم الليل فباتوا يتحارسون ثم عاودهم الحرب فقتل جيش
السلطان منهم مقتلة عظيمة وخلصوا إلى عدو الله زكرويه فضربه بعض الجند
بالسيف على قفاه وهو مول ضربة اتصلت بدماغه فأخذ أسيرا وخليفته وجماعة
من خاصته وأقربائه فيهم ابنه وكاتبه وزوجته واحتوى الجند على ما في عسكره
وعاش زكرويه خمسة أيام ثم مات فشق بطنه ثم حمل بهيئته وانصرف بمن كان بقى
حيا في يديه من أسرى الحاج ( وفيها ) غزا ابن كيغلغ من طرسوس فأصاب من
العدو أربعة آلاف رأس سبى ودواب ومواشى كثيرة ومتاعا ودخل
بطريق من البطارقة إليه في الامان وأسلم وكان شخوصه من طرسوس لهذه الغزاة
في أول المحرم من هذه السنة ( وفيها ) كاتب أندرونقس البطريق السلطان
يطلب الامان وكان على حرب أهل الثغور من قبل صاحب الروم فأعطى ذلك فخرج
وأخرج نحوا من مائتى نفس من المسلمين كانوا أسرى في حصنه وكان صاحب
الروم قد وجه اليه من يقبض عليه فأعطى المسلمين الذين كانوا في حصنه
أسرى السلاح وأخرج معهم بعض بنيه فكبسوا البطريق الموجه إليه
ـ248ـ
للقبض عليه ليلا فقتلوا ممن معه خلقا كثيرا وغنموا ما في عسكره وكان رستم
قد خرج في أهل الثغور في جمادى الاولى قاصدا أندرو نقس ليتخلصه فوافى
رستم قونية بعقب الوقعة وعلى البطارقة بمسير المسلمين إليهم فانصرفوا ووجه
أندر ونقس ابنه إلى رستم ووجه رستم كاتبه وجماعة من البحريين فباتوا في الحصن
فلما أصبحوا خرج أندرونقس وجميع من معه من أسارى المسلمين ومن صار
إليهم منهم ومن وافقه على رأيه من النصارى وأخرج ماله ومتاعه إلى معسكر
المسلمين وخرب المسلمون قونية ثم قفلوا إلى طرسوس وأندرو نقس وأسارى
المسلمين ومن كان مع أندرونقس من النصارى * وفى جمادى الآخرة منها كانت
بين أصحاب حسين بن حمدان بن حمدون وجماعة من أصحاب زكرويه كانوا
هربوا من الوقعة التى أصابه فيها ما أصابه وأخذوا طريق الفرات يريدون
الشأم فأوقع بهم وقعة فقتل جماعة منهم وأسر جماعة من نسائهم وصبيانهم ( وفيها )
وافى رسل ملك الروم أحدهم خال ولده اليون وبسيل الخادم ومعهم جماعة
باب الشماسية بكتاب منه إلى المكتفى يسأله الفداء بمن في بلاده من المسلمين
من في بلاد الاسلام من الروم وأن يوجه المكتفى رسولا إلى بلاد الروم ليجمع
الاسرى من المسلمين الذين في بلاده وليجتمع هو معه على أمر يتفقان
عليه ويتخلف بسيل الخادم بطرسوس ليجتمع اليه الاسرى من الروم في الثغور
ليصيرهم مع صاحب السلطان إلى موضع الفداء فأقاموا بباب الشماسية أياما ثم
وأدخلوا بغداد ومعهم هدية من صاحب الروم عشرة من أسارى المسلمين فقبلت
منهم وأجيب صاحب الروم إلى ما سأل ( وفيها ) أخذ رجل بالشأم زعم أنه السفيانى
فحمل هو وجماعة معه من الشأم إلى باب السلطان فقيل إنه موسوس ( وفيها )
أخذ الاعراب بطريق مكة رجلين يعرف أحدهما بالحداد والآخر بالمنتقم
وذكر أن المعروف بالمنتقم منهما أخو امرأة زكرويه فدفعوهما إلى نزار بالكوفة
فوجههما نزار إلى السلطان فذكر عن الاعراب أنهما كانا صارا اليهما يدعوانهم
إلى الخروج على السلطان ( وفيها ) وجه الحسين بن حمدان من طريق الشأم
ـ249ـ
رجلا يعرف بالكيال مع ستين رجلا من أصحابه إلى السلطان كانوا استأمنوا
اليه من أصحاب زكرويه ( وفيها ) وصل إلى بغداد اندرونقس البطريق
( وفيها ) كانت وقعة بين الحسين بن حمدان وأعراب كليب والنمر وأسد وغيرهم
اجتمعوا عليه في شهر رمضان منها فهزموه حتى بلغوا به باب حلب ( وفيها )
حاصر أعراب طيئ وصيف بن صوارتكين بفيد وكان وجه أميرا على الموسم
فحوصر ثلاثة أيام ثم خرج اليهم فواقعهم فقتل منهم قتلى ثم انهزمت الاعراب
ورحل وصيف من فيد بمن معه من الحاج ( وحج بالناس ) الفضل بن
عبدالملك الهاشمى
ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من خروج عبدالله بن إبراهيم المسمعى عن مدينة أصبهان
إلى قرية من قراها على فراسخ منها وانضمام نحو من عشرة آلاف من الاكراد
وغيرهم فيما ذكر إليه مظهرا الخلاف على السلطان فأمر بدر الحمامى بالشخوص إليه
وضم إليه جماعة من القواد ونحو من خمسة آلاف من الجند ( وفيها ) كانت
وقعة للحسين بن موسى على أعراب طيئ الذين كانوا حاربوا وصيف بن صوارتكين
على غرة منهم فقتل من رجالهم فيما قيل سبعين وأسر من فرسانهم جماعة
( وفيها ) توفى أ بوإبراهيم إسماعيل بن أحمد عامل خراسان وماوراء النهر في
صفر منها لاربع عشرة خلت منه وقام ابنه أحمد بن إسمعيل بن أحمد في عمل
أبيه مقامه وولى أعمال أبيه وذكر أن المكتفى لاربع ليال خلون من شهر ربيع
الآخر قعد فعقد بيده لواء ودفعه إلى طاهر بن على بن وزير وخلع عليه وأمره
بالخروج باللواء إلى أحمد بن إسماعيل ( وفيها ) وجه منصور بن عبدالله بن منصور
الكاتب إلى عبدالله بن إبراهيم المسمعى وكتب إليه يخوفه عاقبة الخلاف إليه
فتوجه إليه فلما صار إليه ناظره فرجع إلى طاعة السلطان وشخص في نفر من
ـ250ـ
غلمانه واستخلف على عمله بأصبهان خليفة ومعه منصور بن عبدالله حتى صار
إلى باب السلطان فرضى عنه المكتفى ووصله وخلع عليه وعلى ابنه ( وفيها )
أوقع الحسين بن موسى بالكردى المتغلب كان على نواحى الموصل فظفر بأصحابه
واستباح عسكره وأمواله وأفلت الكردى فتعلق بالجبال فلم يدرك ( وفيها ) فتح
المظفر بن حاج بعض ما كان غلب عليه بعض الخوارج باليمن وأخذ رئيسا من
رؤسائهم يعرف بالحكيمى ( وفيها ) لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة
أمر خاقان المفلحى بالشخوص إلى آذربيجان لحرب يوسف بن أبى الساج وضم
إليه نحو من أربعة آلاف رجل من الجند ( ولثلاث عشرة ) بقيت من شهر
رمضان دخل بغداد رسول أبى مضر زيادة الله بن الاغلف ومعه فتح الاعجمى
ومعه هدايا وجه بها إلى المكتفى ( وفيها ) تم الفداء بين المسلمين والروم في
ذى القعدة وكانت عدة من فودى به من الرجال والنساء ثلاثة آلاف نفس *
وفى ذى القعدة لاثنتى عشرة ليلة خلت منها توفى المكتفى بالله وكانت خلافته ست
سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما وكان يوم توفى ابن اثنين وثلاثين سنة يومئذ
وكان ولد سنة 264 ويكنى أبا محمد وأمه أم ولد تركية تسمى جيجك وكان ربعة
جميلا رقيق اللون حسن الشعر وافر الجمة وافر اللحية
خلافة المقتدر بالله
ثم بويع جعفر بن المعتضد بالله ولما بويع جعفر ابن المعتضد لقب المقتدر بالله
وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وأحد وعشرين يوما وكان
مولده ليلة الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان من سنة 282 وكنيته أبوالفضل
وأمه أم ولد يقال لها شغب فذكر كان في بيت المال يوم بويع خمسة عشر ألف
ألف دينار ولما بويع المقتدر غسل المكتفى وصلى عليه ودفن في موضع من دار
محمد بن عبدالله بن طاهر ( وفيها ) كانت بين عج بن حاج والجند وقعة في اليوم
الثانى من أيام منى قتل فيها جماعه وجرح منهم بسبب طلبهم جائزة بيعة المقتدر
ـ251ـ
وهرب الناس الذين كانوا بمنى إلى بستان ابن مامر وانتهب الجند مضرب أبى
............................................................................
- تاريخ الطبري مجلد: 8 من ص 251 سطر 1 الى ص 258 سطر 16
وهرب الناس الذين كانوا بمنى إلى بستان ابن مامر وانتهب الجند مضرب أبى
عدنان ربيعة بن محمد بمنى وكان أحد أمراء القوافل وأصاب المنصرفين من مكة
في منصرفهم في الطريق من القطع والعطش أمر غليظ مات من العطش فيما قيل
منهم جماعة وسمعت بعض من يحكى أن الرجل كان يبول في كفه ثم يشربه
( وحج ) بالناس فيها الفضل بن عبدالملك الهاشمى
ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من اجتماع جماعة من القواد والكتاب والقضاة على خلع
المقتدر وتناظرهم فيمن يجعل في موصعه فاجتمع رأيهم على عبدالله بن المعتز وناظروه
في ذلك فأجابهم إلى ذلك على أن لايكون في ذلك سفك دم ولاحرب فأخبروه
أن الامر يسلم اليه عفوا وأن جميع من وراءهم من الجند والقواد والكتاب قد
رضوا به فبايعهم على ذلك وكان الرأس في ذلك محمد بن داود بن الجراح و أبوالمثنى
أحمد بن يعقوب القاضى وواطأ محمد بن داود بن الجراح جماعة من القواد على
الفتك بالمقتدر والبيعة لعبدالله بن المعتز وكان العباس بن الحسن على مثل رأيهم
فلما رأى العباس أمره مستوثقا له مع المقتدر بدا له فيما كان عزم عليه من ذلك
فحينئذ وثب به الآخرون فقتلوه وكان الذى تولى قتله بدر الاعجمى والحسين
ابن حمدان ووصيف بن صوارتكين وذلك يوم السبت لاحدى عشرة ليلة
بقيت من شهر ربيع الاول ولما كان من غد هذا اليوم وذلك يوم الاحد خلع
المقتدر القواد والكتاب وقضاة بغداد وبايعوا عبدالله بن المعتز ولقبوه الراضى
بالله وكان الذى أخذ له البيعة على القواد وتولى استحلافهم والدعاء بأسمائهم
محمد بن سعيد الازرق كاتب الجيش * وفى هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان
وبين غلمان الدار حرب شديدة من غدوه إلى انتصاف النهار ( وفيه ) انفضت
الجموع التى كان محمد بن داود جمعها لبيعة ابن المعتز عنه وذلك أن الخادم الذى
يدعى مونسا حمل غلمانا من غلمان الدار في شذوات فصاعدبها وهم فيها في دجلة
ـ252ـ
فلما حاذوا الدارالتى فيها ابن المعتز ومحمد بن داود صاحوا بهم ورشقوهم بالنشاب
فتفرقوا وهرب من في الدار من الجند والقواد والكتاب وهرب ابن المعتز
ولحق بعض الذين بايعوا ابن المعتز بالمقتدر فاعتذروا بأنه منع من المصير اليه
واختفى بعضهم فأخذوا وقتلوا وانتهب العامة دور ابن داود والعباس بن الحسن
وأخذ ابن المعتز فيمن أخذه * وفى يوم السبت لاربع بقين من شهر ربيع الاول
منها سقط الثلج ببغداد من غدوة إلى قدر صلاة العصر حتى صار في الدور
والسطوح منه نحو من أربعة أصابع وذكر أنه لم ير ببغداد مثل ذلك قط * وفى
يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شهر ربيع الاول منها سلم محمد بن يوسف القاضى
ومحمد بن عمرويه و أبوالمثنى وابن الجصاص والازرق كاتب الجيش في جماعة
غيرهم إلى مونس الخازن فترك أبا المثنى في دار السلطان ونقل الآخرين إلى منزله
فافتدى بعضهم نفسه وقتل بعضهم وشفع في بعض فأطلق ( وفيها ) كانت
وقعة بين طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث وسبكرى غلام عمرو بن الليث فأسر
سبكرى طاهرا ووجهه مع أخيه يعقوب بن محمد إلى السلطان ( وفيها ) وجه
القاسم بن سيما مع جماعة من القواد والجند في طلب حسين بن حمدان بن حمدون
فشخص لذلك حتى صار إلى قرقيسيا والرحبة والدالية وكتب إلى أخى الحسين
عبدالله بن حمدان بن حمدون بطلب أخيه فالتقى هو وأخوه بموضع يعرف بالاعمى
بين تكريت وا لسودقانية بالجانب الغربى من دجلة فانهزم عبدالله وبعث
الحسين يطلب الامان فأعطى ذلك * ولسبع بقين من جمادى الآخرة منها وافى
الحسين بن حمدان بغداد فنزل باب حرب ثم صار إلى دار السلطان من غد ذلك
اليوم فخلع عليه وعقد له على قم وقاشان * ولست بقين من جمادى الآخرة خلع
على ابن دليل النصرانى كاتب يوسف بن أبى الساج ورسوله وعقد ليوسف بن
أبى الساج على المراغة وآذربيجان وحملت إليه الخلع وأمر بالشخوص إلى عمله *
وللنصف من شعبان منها خلع على مونس الخادم وأمر بالشخوص إلى طرسوس
لغزو الصائفة فنفذ لذلك وخرج في عسكر كثيف وجماعة من القواد وغلمان
ـ253ـ
الحجر ( وحج بالناس ) فيها الفضل بن عبدالملك الهاشمى
ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من غزو مونس الخادم الصائفة بلاد الروم من ثغر ملطية في
جيش كثيف ومعه أبوالاغر السلمى وظفر بالروم وأسر أعلاجا في آخرسنة
296 وورد الخبر بذلك على السلطان لست خلون من المحرم ( وفيها ) صارالليث
ابن على بن الليث الصفار إلى فارس في جيش فتغلب عليها وطرد عنها سبكرى
وذلك بعد ما ولى السلطان سبكرى بعد ما بعث سبكرى طاهر بن محمد إلى السلطان
أسيرا فأمر المقتدر مونسا الخادم بالشخوص إلى فارس لحرب الليث بن على فشخص
اليها في شهر رمضان منها ( وفيها ) وجه أيضا المقتدر القاسم بن سيما لغزوة الصائفة
ببلاد الروم في جمع كثير من الجند في شوال منها ( وفيها ) كانت بين مونس الخادم
والليث بن على بن الليث وقعة هزم فيها الليث ثم أسرو قتل من أصحابه جماعة كثيرة
واستأمن منهم إلى مونس جماعة كثيرة ودخل أصحاب السلطان ا لنوبندجان
وكان الليث قد تغلب عليها ( وأقام الحج ) فيها للناس الفضل بن عبدالملك بن
عبدالله بن عبيدالله بن العباس بن محمد
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان فيها من غزو القاسم بن سيما أرض الروم الصائفة ( وفيها )
وجه المقتدر وصيف كامه الديلمى في جيش وجماعة من القواد لحرب سبكرى
غلام عمرو بن الليث ( وفيها ) كانت بين سبكرى ووصيف كامه وقعة هزمه فيها
وصيف وأخرجه من عمل فارس ودخل وصيف كامه ومن معه فارس واستأمن
إليه من أصحاب سبكرى جماعة كثيرة فأسر رئيس عسكره المعروف بالقتال ومضى
سبكرى هاربا إلى أحمد بن اسماعيل بن أحمد بما معه من الاموال والذخائر فأخذ
ـ254ـ
ما معه اسماعيل بن أحمد وقبض عليه فحبسه ( وفيها ) كانت بين أحمد بن اسماعيل
ابن احمد ومحمد بن على بن الليث وقعة بناحية بست والرخج أسره فيها أحمد
ابن اسماعيل ( وحج بالناس ) فيها الفضل بن عبدالملك
ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من غزو رستم بن بردوا الصائفة من ناحية طرسوس وهو
والى الثغور من قبل بنى نفيس ومعه دميانة فحاصر حصن مليح الارمنى ثم رحل
عنه وأحرق أرباض ذى الكلاع ( وفيها ) ورد رسول أحمد بن اسماعيل بن أحمد
بكتاب منه إلى السلطان يخبر فيه أنه فتح سجستان وأن أصحابه دخلوها وأخرجوا
من كان بها من أصحاب الصفار وأن المعدل بن على بن الليث صار اليه بمن معه
من أصحابه في الامان وكان المعدل يومئذ مقيما بزرنج فصار إلى أحمد بن اسماعيل
وهو مقيم ببست والرخج فوجه به ابن اسماعيل وبعياله ومن معه إلى هراة وبين
سجستان وبست والرخج ستون فرسخا فوردت الخريطة بذلك على السلطان يوم
الاثنين لعشر خلون من صفر ( وفيها ) وافى بغداد العطير صاحب زكرويه ومعه
الاغر وهو أيضا أحد قواد زكرويه مستأمنا * وفى ذى الحجة منها غضب على
على بن محمد بن الفرات لاربع خلون منه وحبس ووكل بدوره ودور أهله وأخذ
كل ما وجد له ولهم وانتهبت دوره ودور بنى اخوته وأهلهم واستوزر محمد بن
عبيدالله بن يحيى بن خاقان ( وحج بالناس ) فيها الفضل بن عبدالملك
ثم دخلت سنة ثلثمائة
ذكرالخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من ورود بغداد رسول من العامل على برقة وهى من عمل
مصر إلى ما خلفها بأربع فراسخ ثم ما بعد ذلك من عمل المغرب بخبر خارجى خرج
عليه وأنه ظفر بعسكره وقتل خلقا من أصحابه ومعه آذان وأنوف من قتله في خيوط
ـ255ـ
وأعلام من أعلام الخارجى ( وفى هذه السنة ) كثرت الامراض والعلل ببغداد
في الناس وذكر أن الكلاب والذئاب كلبت فيها بالبادية فكانت تطلب الناس
والدواب والبهائم فإذا عضت انسانا أهلكته ( وحج بالناس ) فيها الفضل
ابن عبدالملك الهاشمى
ثم دخلت سنة احدى وثلثمائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك عزل المقتدر محمد بن عبيدالله عن الوزارة وحبسه إياه مع ابنيه
عبيدالله و عبدالواحد وتصييره على بن عيسى بن داود بن الجراح له وزيرا ( وفيها )
كثر أيضا الوباء ببغداد فكان بها منه نوع سموه حنينا ومنه نوع سموه الماسرا فأما
الحنين فكانت سليمة وأما الماسرا فكانت طاعونا قتالة ( وفيها ) أحضر دارالوزير
على بن عيسى رجل ذكر أنه يعرف بالحلاج ويكنى أبا محمد مشعوذ ومعه صاحب
له سمعت جماعة من الناس يزعمون أنه يدعى الربوبية فصلب هو وصاحبه ثلاثة
أيام كل يوم من ذلك من أوله إلى انتصافه ثم ينزل بهما فيؤمر بهما إلى الحبس فحبس
مدة طويلة فافتتن به جماعة منهم نصر القشورى وغيره إلى أن ضج الناس ودعوا على
من يعيبه وفحش أمره وأخرج من الحبس فقطعت يداه ورجلاه ثم ضربت
عنقه ثم أحرق بالنار ( وفيها ) غزا الصائفة الحسين بن حمدان بن حمدون فورد
كتاب من طرسوس يذكر فيه أنه فتح حصونا كثيرة وقتل من الروم خلقا
كثيرا ( وفيها ) قتل أحمد بن إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان وماوراء النهر
قتله غلام له تركى أخص غلمانه به ذبحا هو وغلامان معه دخلوا عليه في قبته
ثم هربوا فلم يدركوا ( وفيها ) وقع الاختلاف بين نصر بن أحمد بن إسماعيل
ابن أحمد وعم أبيه إسحاق بن أحمد فكان مع نصر بن أحمد غلمان أبيه وكتابه
وجماعة من قواده والاموال والكراع والسلاح وانحاز بعد قتل أبيه إلى بخارى
وإسحاق بن أحمد بسمرقند وهو عليل من نقرس به فدعا الناس بسمرقند إلى
ـ256ـ
مبايعته على الرئاسة عليهم وبعث كل واحد منهما إلى السلطان كتبه خاطبا على
نفسه عمل إسماعيل بن أحمد وأنفذ إسحاق كتبه فيما ذكر إلى عمران المرزبانى
لايصالها إلى السلطان ففعل ذلك وأنفذ نصر بن أحمد بن اسماعيل كتبه إلى حماد
ابن أحمد ليتولى ايصالها إلى السلطان ففعل ( وفيها ) كانت وقعة بين نصر بن
أحمد بن اسماعيل وأصحابه من أهل بخارى واسحاق بن أحمد عم أبيه وأصحابه
من أهل سمرقند لاربع عشرة بقيت من شعبان منها هزم فيها نصر وأصحابه
اسحاق وأهل سمرقند ومن كان قد انضم اليه من أهل تلك النواحى وتفرقوا
عنه هاربين وكانت هذه الوقعة بينهم على باب بخارى ( وفيها ) زحف أهل
بخارى إلى أهل سمرقند بعد ما هزموا اسحاق بن أحمد ومن معه فكانت بينهم
وقعة أخرى ظفر فيها أيضا أهل بخارى بأهل سمرقند فهزموهم وقتلوا منهم
مقتلة عظيمة ودخلوا سمرقند قسرا وأخذوا اسحاق بن أحمد أسيرا وولوا
ما كان اليه من عمل ابنا لعمرو بن نصر بن أحمد ( وفيها ) دخل أصحاب ابن
البصرى من أهل المغرب برقة وطرد عنها عامل السلطان * وولى أبوبكر
محمد بن على بن أحمد بن أبى زنبور المازرائى أعمال مصر وخراجها ( وفيها )
قتل أبوسعيد الجنابى الخارج كان بناحية البحرين وهجر قتله فيما قيل خادم له
( وفيها ) كثرت الامراض والعلل ببغداد وفشا الموت في أهلها وكان أكثر
ذلك فيما قيل في الحربية وأهل الارباض ( وفيها ) وافى قائد من قواد ابن
البصرى في البرابرة والمغاربة الاسكندرية ( وفيها ) ورد كتاب تكين عامل
السلطان من مصر يسأله المدد ( وحج بالناس ) فيها الفضل بن عبدالملك
ثم دخلت سنة اثنتين وثلثمائة
ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث
فمن ذلك ما كان من إشخاص الوزير على بن عيسى . . بن عبدالباقى في
ألفى فارس فيها لغزو الصائفة معونه لبشر خادم ابن أبى الساج وهو والى طرسوس
ـ257ـ
من قبل السلطان إلى طرسوس فلم يتيسر لهم غزو الصائفة فغزوها شاتية في
برد شديد وثلج ( وفيها ) تنحى الحسن بن على العلوى الاطروش بعد غلبته على
طبرستان عن آمل وصار إلى سالوس فأقام بها ووجه صعلوك صاحب الرى اليه
جيشا فلم يكن لجيشه بها ثبات وعاد الحسن بن على اليها ولم ير الناس مثل عدل الاطروش
وحسن سيرته وإقامته الحق ( وفيها ) دخل حباسة صاحب ابن البصرى
الاسكندرية وغلب عليها وذكر أنه وردها في مائتى مركب في البحر ( وفيها )
وافى حباسة صاحب ابن البصرى موضعا من فسقاط مصر على مرحلة يقال لها
سفط ثم رجع منه إلى وراء ذلك فنزل منزلا بين الفسطاط و الاسكندرية ( وفيها )
شخص مونس الخادم إلى مصر لحرب حباسة وقوى بالرجال والسلاح والمال
( وفيها ) لسبع بقين من جمادى الاولى قبض على الحسين بن عبدالله المعروف
بابن الجصاص وعلى ابنيه واستصفى كل شئ له ثم حبس وقيد ( وفيها ) كانت
وقعة بمصر بين أصحاب السلطان وحباسة وأصحابه لست بقين من جمادى الاولى
منها فقتل من الفريقين جماعة وجرحت منهم جماعة ثم أخرى بعد ذلك بيوم نحو
التى كانت في هذه ثم ثالثة بعد ذلك في جمادى الآخرة منها ولاربع عشرة بقيت
من جمادى الآخرة منها ورد كتاب بوقعة كانت بينهم هزم أصحاب السلطان فيها
المغاربة ( وفيها ) ورد كتاب من بشر عامل السلطان على طرسوس على السلطان
يذكر فيه غزوه أرض الروم وما فتح فيها من الحصون وما غنم وسبى وأنه أسر
من البطارقة مائة وخمسين وأن مبلغ السبى نحو من ألفى رأس * ولاحدى عشرة
بقيت من رجب ورد الخبر من مصر أن أصحاب السلطان لقوا حباسة وأهل المغرب
يقاتلونهم فكانت الهزيمة على المغاربة فقتلوا منهم وأسروا سبعة آلاف رجل
وهرب الباقون مفلولين وكانت الوقعة يوم الخميس بسلخ جمادى الآخرة ( وفيها )
انصرف حباسة ومن معه من المغاربه عن الاسكندرية راجعين إلى المغرب بعد
ما ناظر فيما ذكر حباسة عامل السلطان بمصر على الدخول إليه بالامان وجرت
بينهما في ذلك كتب وكان انصرافه فيما ذكر لاختلاف حدث بين أصحابه في الموضع
ـ258ـ
الذى شخص منه ( وفيها ) أوقع يانس الخادم بناحية وادى الذئاب وما قرب من
ذلك الموضع بمن هنالك من الاعراب فقتل منهم مقتلة عظيمة ذكر أنه قتل منهم
سبعة آلاف رجل ونهب بيوتهم وأصاب في بيوتهم من أموال التجار وأمتعتهم
التى كانوا أخذوها بقطع الطريق عليهم ما لا يحصى كثرته * ولست خلون من
ذى الحجة هلكت بدعة مولاة المأمون ( وحج بالناس ) فيها الفضل بن عبدالملك
وفى اليوم الثانى والعشرين من ذى الحجة منها خرج أعراب من الحاجر على ثلاثة
فراسخ مما يلى البر على المنصرفين من مكة فقطعوا عليهم الطريق وأخذواما معهم
من العين واستاقوا من جمالهم ما أرادوا وأخذوا فيما قيل مائتين وثمانين امرأة
حرائر سوى من أخذوا من المماليك والاماء
تم الجزء الثامن وبه تم الكتاب وهو آخر تاريخ ابن جرير الطبرى بحمدالله وعونه
قال أبوجعفر قد ضمنا هذا الكتاب أبوابا من أوله إلى آخره إلى حيث انتهينا
إليه من يومنا هذا فما كان متأخرا ذكرناه برواية وسماع إن أخر الله في الاجل
ويلى هذا التاريخ كتابان : الاول " صلة تاريخ الطبرى " لعريب بن سعد القرطبى
والثانى " المنتخب من ذيل المذيل " في تاريخ الصحابة والتابعين
لابى جعفر محمد بن جرير الطبرى