بسمه تعالى

فـــهـــرس

المحتويات
الرقم
الجزء الثامن
الرقم
أبوطالب في الذكر الحكيم
1
الآية الاولى
2
الآية الثانية والثالثة
3
مواقع النظر في هذه الرواية
4
حديث الضحضاح
5
عود إلى بدء

أحاديث الغلو في فضائل أبي بكر
7
خطبة النبي صلى الله عليه وآله في فضل الخليفة
8
ثناء أميرالمؤمنين عليه السلام على الخليفة
9
ليلة الغار والخليفة فيها
10
الشيطان لايتمثل بأبي بكر
11
أبوبكر لم يسؤالنبي قط
12
الآياب النازلة في أبي بكر
13
الغلو في فضايل عمر
14
كلمات في علم عمر
15
عمر أقرأ الصحابة وأفقههم
16
الشيطان يخاف ويفر من عمر
17
السنة في الغناء والمعازف
18
الغناء في المذاهب الاربعة
19
نظرة في الاحاديث المعنونة
20
رأى عمر في الغناء
21
كرامات عمر الاربع
22
تسمية عمر بأميرالمؤمنين
23
عمر لايحب الباطل
24
الملائكة تكلم عمر بن الخطاب
25
قرطاس في كفن عمر
26
لسان عمر وقلبه
27
رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله في علم عمر
28
عمر وفرق الشيطان منه
29
الغلو في فضايل عثمان
30
قضاء‌ه في امرأة ولدت لستة أشهر
31
إتمام عثمان الصلاة في السفر
32
نظرة في رأي الخليفة
33
الدين عندالسلف سياسة وقتية
34
إبطال الخليفة الحدود
35
النداء الثالث بأمر الخليفة
36
توسيع الخليفة المسجد الحرام
37
رأي الخليفة في متعة الحج
38
تعطيل الخليفة القصاص
39
عذر مفتعل
40
رأي الخليفة في الجنابة
41
كتمان الخليفة حديث النبي صلى الله عليه وآله
42
رأي الخليفة في زكاة الخيل
43
تقديم عثمان الخطبة على الصلاة
44
سبني فقد سب الله تعالى
45
رأي الخليفة في القصاص والدية
46
رأي الخليفة في القراء‌ة
47
صورة مفصلة بلفظ أحمد
48
رأي الشافعي
49
رأي مالك
50
رأي الحنابلة
51
رأي الخليفة في صلاة المسافر
52
رأي الخليفة في صيد الحرم
53
خصومة يرفعها الخليفة إلى علي
54
رأي الخليفة في عدة المختلعة
55
رأي الخليفة في امرأة المفقود
56
الخليفة يأخذ السنة من امرأة
57
رأي الخليفة في الاحرام قبل الميقات
58
لولا علي لهلك عثمان
59
رأي الخليفة في الجمع بين الاختين بالملك
60
رأي الخليفة في رد الاخوين الام عن الثلث
61
رأي الخليفة في المعترفة بالزنا
62
شراء الخليفة صدقة رسول الله
63
الخليفة في ليلة وفاة ام كلثوم
64
إتخاذ الخليفة الحمى له ولذويه
65
قطع الخليفة فدك لمروان
66
رأي الخليفة في الاموال والصدقات
67
أيادي الخليفة عند الحكم بن أبي العاص
68
الحكم في القرآن
69
أيادي الخليفة عند مروان
70
إقطاع الخليفة وعطيته الحارث
71
حظوة سعيد من عطية الخليفة
72
هبة الخليفة للوليد من مال المسلمين
73
هبة الخليفة لعبد الله من مال المسلمين
74
عطية الخليفة أبا سفيان
75
عطاء الخليفة من غنائم افريقية
76
الكنوز المكتنزة ببركة الخليفة
77
الخليفة والشجرة الملعونة في القرآن
78
تسيير الخليفة أبا ذر إلى الربذة
79
كلمة أمير المؤمنين لما أخرج أبوذر إلى الربذة
80
حديث علمه
81
حديث فضله
82
جناية التاريخ
83
نظرة قيمة في تاريخ الطبري
84
نظرية ابي ذر في الاموال
85
أبوذر والاشتراكية
86
رواياته في الاموال
87
نظرة في الكلمات الواردة في إطراء ابي ذر هل تلائم ما اتهم به
88
ثناء النبي صلى الله عليه وآله عليه وعهد اليه
89
نظرة في مقال اصدرته لجنة الفتوى بالازهر
90
لا شيوعية في الاسلام
91
حن قدح ليس منها
92
شهود اللجنة
93
في هذه الكلمة مواقع للنظر
94
الشاهد الثاني
95
استشهاد اللجنة بكلمة ابن حجر
96
كلمتنا الاخيرة
97

- الجزء الثامن :
فيه أبحاث قيمة ودروس دينية راقية لامنتدح لاي ديني ارتادمهيع الحق ، وابتغى لاحب الحقيقة عن عرفانها والخوض فيها ، والبحث عنها بضمير حر غير جانح إلى العصبية العمياء العاطفية الحمقاء.والله ولي التوفيق
- الغدير 2 :
بسم الله الرحمن الرحيم
سبحانك مايكون لي أن أقول ماليس لي بحق ، الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ، وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ، الذين آتينا هم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناء‌هم ، ما فرطنا في الكتاب من شيئ ، وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ، يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض : غر هؤلاء دينهم ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ، فورب السماء والارض إنه لحق مثل ماانكم تنطقون ، قل : اي وربي إنه لحق وإنا لما سمعنا الهدى آمنابه ، ماكان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه ، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فماذا بعدالحق إلاالضلال ، وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وقل : الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
ألامينى
يتبع الجزء السابع
- أبوطالب في الذكر الحكيم :
لقد أغرق القوم نزعا في الوقيعة والتحامل على بطل الاسلام والمسلم الاول بعد ولده البار ، وناصردين الله الوحيد ، فلم يقنعهم ما اختلقوها من الاقاصيص حتى عمدوا إلى كتاب الله فحرفوا الكلم عن مواضعه ، فافتعلوا في آيات ثلاث أقاويل نأت عن الصدق ، وبعدت عن الحقيقة بعد المشرقين ، وهي عمدة مااستند إليه القوم في عدم تسليم إيمان أبي طالب ، فاليك البيان :
- الآية الاولى :
قوله تعالى : وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون." سورة الانعام آية 26 " أخرج الطبري وغيره من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عمن سمع ابن عباس انه قال : إنها نزلت في أبي طالب ، ينهى عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤذى ، وينأى أن يدخل في الاسلام ( 1 ).
وقال القرطبي : هو عام في جميع الكفار أي ينهون عن إتباع محمد عليه السلام وينأون عنه ، عن ابن عباس والحسن.وقيل هو خاص بأبي طالب ينهى الكفار عن أذاية محمد عليه السلام ويتباعد من الايمان به ، عن ابن عبا س أيضا.روى أهل السير قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج إلى الكعبة يوما وأراد أن يصلي ، فلما دخل في الصلاة قال أبوجهل (لعنه الله ) : من يقوم إلى هذاالرجل فيفسد عليه صلاته ؟ فقام ابن الزبعرى فأخذ فرثا ودما فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وسلم فانفتل النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته ، ثم أتى أبا طالب عمه فقال : ياعم ألاترى إلى مافعل بي ؟ فقال أبوطالب : من فعل هذابك ؟ فقال
* ( هامش ) ( 1 ) طبقات ابن سعد 1 ص 105 ، تاريخ الطبري 7 : 110 ، تفسيرابن كثير 2: 127 ، الكشاف 1 : 448 ، تفسير ابن جزى 2 : 6 ، تفسير الخازن 2 : 11.
النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله بن الزبعرى ، فقام أبوطالب ووضع سيفه على عاتقه ومشى معه حتى أتى القوم فلما رأوا أباطالب قد أقبل جعل القوم ينهضون ، فقال أبوطالب : والله لئن قام رجل لجللته بسيفي فقعدوا حتى دنا إليهم ، فقال : يابني من الفاعل بك هذا ؟ فقال : عبدالله بن الزبعرى.فأخذ أبوطالب فرثاو دمافلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول فنزلت هذه الآية : وهم ينهون عنه وينأون عنه.فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
ياعم نزلت فيك آية.قال : وماهي ؟ قال تمنع قريشاأن تؤذيني ، وتأبى أن تؤمن بي.
فقال أبوطالب : والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا إلى آخر الابيات التي أسلفناها ج 7 ص 334 ، 352.فقالوا : يارسول الله هل تنفع نصرة أبي طالب ؟ قال : نعم دفع عنه بذاك الغل ، ولم يقرن مع الشياطين ، ولم يدخل في جب الحيات والعقارب ، إنما عذابه في نعلين من نار يغلي منهما دماغه في رأسه ، وذلك أهون أهل النار عذابا.( 1 )
قال الاميني : نزول هذه الآية في أبي طالب باطل لا يصح من شتى النواحي :
1- إرسال حديثه بمن بين حبيب بن أبي ثابت وابن عباس ، وكم وكم غيرثقة في أناس روواعن ابن عباس ولعل هذا المجهول أحدهم.
2- إن حبيب بن أبي ثابت إنفرد به ولم يروه أحد غيره ولا يمكن المتابعة على ما يرويه ولو فرضناه ثقة في نفسه بعد قول ابن حبان : إنه كان مدلسا.وقول العقيلي غمزه ابن عون وله عن عطاء أحاديث لايتابع عليها.وقول القطان : له غير حديث عن عطاء لا يتابع عليه وليست بمحفوظة.وقول الآجري عن أبي داود : ليس لحبيب عن عاصم بن ضمرة شئ يصح ، وقول ابن خزيمة : كان مدلسا ( 2 ) ونحن لا نناقش في السند بمكان سفيان الثوري ، ولا نؤاخذه بقول من قال : إنه يدلس ويكتب عن الكذابين ( 3 )
* (هامش ) * (1 ) تفسير القرطبي 6 : 406.
( 2 ) تهذيب التهذيب 2 : 179.
( 3 ) ميزان الاعتدال 1 : 396.
3- إن الثابت عن ابن عباس بعدة طرق مسندة يضاد هذه المزعمة ، ففيمارواه الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق على بن أبي طلحة وطريق العوفي عنه إنها في المشركين الذين كانوا ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوابه ، وينأون عنه يتباعدون عنه ( 1 )
وقد تأكد ذلك ماأخرجه الطبري وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وعبدبن حميد من طريق وكيع عن سالم عن ابن الحنفية ، ومن طريق الحسين بن الفرج عن أبي معاذ ، ومن طريق بشرعن قتادة.
وأخرج عبدالرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبوالشيخ عن قتادة والسدي والضحاك ، ومن طريق أبي نجيح عن مجاهد ، ومن طريق يونس عن ابن زيد قالوا : ينهون عن القرآن وعن النبي ، وينأون عنه يتباعدون عنه ( 2 ) وليس في هذه الروايات أي ذكر لابي طالب ، وإنما المراد فيها الكفار الذين كانوا ينهون عن إتباع رسول الله أوالقرآن ، وينأون عنه بالتباعد والمناكرة ، وأنت جد عليم بأن ذلك كله خلاف ماثبت من سيرة شيخ الابطح الذي آواه ونصره و ذب عنه ودعى إليه إلى آخر نفس لفظه.
4- إن المستفاد من سياق الآية الكريمة انه تعالى يريد ذم أناس أحياء ينهون عن اتباع نبيه ويتباعدون عنه ، وان ذلك سيرتهم السيئة التي كاشفوا بها رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهم متلبسون بها عند نزول الآية كما هو صريح ما أسلفناه من رواية القرطبي وإن النبي صلى الله عليه وآله أخبر أباطالب بنزول الآية.
لكن نظرا إلى مايأتي عن الصحيحين فيما زعموه من أن قوله تعالى في سورة القصص : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.نزلت في أبي طالب بعد وفاته.لا يتم نزول آية ينهون عنه وينأون النازلة في أناس أحياء في أبي طالب ، فان سورة الانعام التي فيها الآية المبحوثة عنها نزلت جملة واحدة ( 3 ) بعد سورة القصص
* (هامش ) * (1 ) تفسير الطبري 7 : 109 : ، الدر المنثور 3 : 8.
( 2 ) تفسير الطبري 7 : 109 ، الدر المنثور 3 : 8 ، 9 ، تفسير الآلوسي 7 : ، 126.
( 3 ) أخرجه أبوعبيد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والنحاس من طريق ابن عباس والطبراني وابن مردويه من طريق عبدالله بن عمر ، راجع تفسير القرطبي 6 : 382 ، 383 ، تفسير ابن كثير 2 : 122 ، الدر المنثور 3 : 2 ، تفسير الشوكانى 3 : 91 ، 92.
بخمس سور كما في الاتقان 1 ص 17 فكيف يمكن تطبيقها على أبى طالب وهو رهن أطباق الثرى ، وقد توفي قبل نزول الآية ببرهة طويلة.
5- إن سياق الآيات الكريمة هكذا : ومنهم من يستمع اليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقوه وفي آذانهم وقرا ، وإن يروا كل آية لايؤمنوا بها ، حتى إذاجاء‌وك يجاد لونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الاولين ، وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون.
وهو كما ترى صريح بأن المراد بالآيات كفار جاء‌وا النبى فجادلوه وقذفوا كتابه المبين بأنه من أساطير الاولين ، وهؤ لاء الذين نهوا عنه صلى الله عليه وآله وعن كتابه الكريم ، وناء‌وا وباعدوا عنه ، فأين هذه كلها عن أبى طالب ؟ الذى لم يعفل كل ذلك طيلة حياته ، و كان إذاجاء‌ه فلكلائته والذب عنه بمثل قوله :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا
وإن لهج بذكره نوه برسالته عنه بمثل قوله :
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * رسولا كموسى خط في أول الكتب ؟
وإن قال عن كتابه هتف بقوبه :
أويؤمنوا بكتاب منزل عجب * على نبي كموسى أوكذي النون
وقدعرف ذلك المفسرون فلم يقيموا للقول بنزولها في أبي طالب وزنا ، فمنهم من عزاه إلى القيل ، وجعل آخرون خلافه أظهر ، ورأى غير واحد خلافه أشبه ، وإليك جملة من نصوصهم :
قال الطبري في تفسيره 7 : 109 : المراد المشركون المكذبون بآيات الله ينهون الناس عن إتباع محمد صلى الله عليه وسلم والقبول منه وينأون عنه ويتباعدون عنه.ثم رواه من الطرق التي أسلفناه عن ابن الحنفية وابن عباس والسدي وقتادة وأبي معاذ ، ثم ذكر قولا آخر بأن المراد ينهون عن القرآن أن يسمع له ويعمل بما فيه ، وعد ممن قال به قتادة ومجاهد وابن زيد ومرجع هذا إلى القول الاول ، ثم ذكرالقول بنزولها في أبي طالب وروى حديث حبيب بن أبي ثابت عمن سمع ابن عباس وأردفه بقوله في ص 110 : وأولى هذه الاقوال بتأويل الآية قول من قال تأويل وهم ينهون عنه عن إتباع محمد صلى الله عليه وسلم
من سواهم من الناس وينأون عن إتباعه ، وذلك ان الآيات قبلها جرت بذكر جماعة المشركين العادين به والخبر عن تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والاعراض عما جاء‌هم به من تنزيل الله ووحيه ، فالواجب أن يكون قوله " وهم ينهون عنه " خبرا عنهم ، إذ لم يأتنا مايدل على انصراف الخبر عنهم إلى غيرهم ، بل ماقبل هذه الآية ومابعدها يدل على صحة ما قلنا من ان ذلك خبر عن جماعة مشركي قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يكون خبرا عن خاص منهم ، وإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية : وإن ير هؤلاء المشركون يا محمد كل آية لايؤمنوا حتى إذا جاؤك يجادلونك يقولون إن هذا الذي جئتنا به إلا أحاديث الاولين وأخبارهم ، وهم ينهون عن استماع التنزيل وينأون عنك ، فيبعدون منك ومن إتباعك ، وإن يهلكون إلا أنفسهم.اه‍
وذكر الرازي في تفسيره 4 : 28 قولين : نزولها في المشركين الذين كانوا ينهون الناس عن إتباع النبي والاقرار برسالته.ونزولها في أبي طالب خاصة فقال : والقول الاول أشبه لوجهين: الاول : ان جميع الآيات المتقدمة على هذه الآية تقتضي ذم طريقتهم فكذلك قوله : وهم ينهون عنه.ينبغي أن يكون محمولا على أمر مذموم فلو حملناه على أن أباطالب كان ينهى عن ايذائه لما حصل هذاالنظم.
والثاني : انه تعالى قال بعد ذلك : وإن يهلكون إلا أنفسهم.يعني به ماتقدم ذكره ولا يليق ذلك بأن يكون المراد من قوله وهم ينهون عنه النهي عن أذيته ، لان ذلك حسن لا يوجب الهلاك.
فان قيل : إن قوله " وإن يهلكون إلا أنفسهم " يرجع إلى قوله " وينأون عنه " لاإلى قوله "ينهون عنه " لان المراد بذلك أنهم يبعدون عنه بمفارقة دينه وترك الموافقه له وذلك ذم فلا يصح مارجحتم به هذالقول ؟ قلنا : إن ظاهر قوله : وإن يهلكون إلا أنفسهم.يرجع إلا كل ما تقدم ذكره لانه بمنزلة أن يقال : إن فلانا يبعد عن الشئ الفلانى وينفر عنه ولايضر بذلك إلا نفسه ، فلايكون هذا الضرر متعلقا بأحد الامرين دون الآخر.ا ه‍.
وذكر ابن كثير في تفسيره 2 : 127 القول الاول نقلا عن ابن الحنيفة وقتادة ومجاهد والضحاك وغير واحد فقال : وهذا القول أظهر والله أعلم وهو إختيار ابن جرير.
وذكر النسفي في تفسيره بهامش تفسير الخازن 2 : 10 : القول الاول ثم قال : وقيل : عنى به أبوطالب والاول أشبه.
وذكر الزمخشري في الكشاف : 1 : 448 ، والشوكاني في تفسيره 2 : 103 وغير هما القول الاول وعزوا القول الثانى إلى القيل ، وجاء الآلوسي وفصل في القول الاول ثم ذكر الثانى وأردفه بقوله : ورده الامام.ثم ذكر محصل قول الرازي.
وليت القرطبي لما جاء نا يخبط في عشواء وبين شفتيه رواية إلتقطها كحاطب ليل دلنا على مصدر هذاالذي نسجه ، ممن أخذه ؟ وإلى من ينتهي اسناده ؟ ومن ذا الذي صافقه على روايتها من الحفاظ وأي مؤلف دونه قبله ، ومن الذي يقول ان ماذكره من الشعر قاله أبوطالب يوم ابن الزبعرى ؟ ومن الذي يروي نزول الآية يوم ذلك ؟ وأي ربط وتناسب بين الآية واخطارها النبي صلى الله عليه وآله على أبي طالب وبين شعره ذاك ؟ وهل روى قوله في هذاالنسيج : ياعم نزلت فيك آية.غيره من أئمة الحديث ممن هو قبله أو بعده ؟ وهل وجد القرطبي للجزء الاخير من روايته مصدرا غير تفسيره ؟
وهل اطل على جب الحيات والعقارب فوجده خاليا من أبي طالب ؟ وهل شد الاغلال و فكها هو ليعرف أن شيخ الابطح لا يغل بها ؟ أم أن مدركه في ذلك الحديث النبوي ؟ حبذا لوصدقت الاحلام ، وعلى كل فهو محجوج بكل ماذكرناه من الوجوه.
- الآية الثانية والثالثة :
1- قوله تعالى : ماكان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولوكانوا أولي قربى من بعد ماتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم.سورة البراء‌ة : 113.
2- قوله تعالى : إنك لن تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين.سورة القصص : 56
أخرج البخاري في الصحيح في كتاب التفسير في القصص ج 7 : 184 ، قال : ثنا ابواليمان : أخبرنا شعيب عن الزهري قال : أخبرني سعيدبن المسيب عن ابيه قال : لما حضرت أباطالب الوفاة جاء‌ه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة فقال : أي عم قل لااله إلاالله.كلمة احاج لك بها عند الله.فقال أبوجهل وعبدالله بن ابي أمية : أترغب عن ملة عبدالمطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبوطالب آخرماتكلم : على ملة عبدالمطلب وأبى أن يقول : لاإله إلاالله.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لاستغفرن لك مالم أنه عنك.فأنزل الله : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين.وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.وفي مرسلة الطبري : فنزلت : ما كان للنبي : الآية.ونزلت : إنك لاتهدي من أحببت وأخرجه مسلم في صحيحه من طريق سعيد بن المسيب ، وتبع الشيخين جل المفسرين لحسن ظنهم بهما وبالصحيحين.
- مواقع النظر في هذه الرواية :
1- إن سعيد الذي إنفرد بنقل هذه الرواية كان ممن ينصب العداء لاميرالمؤمنين علي عليه السلام فلا يحتج بمايقوله أو يتقوله فيه وفي أبيه وفي آله وذويه ، فان الوقيعة فيهم أشهى مأكلة له ، قال ابن أبي الحديد في الشرح 1 : 370 : وكان سعيد بن المسيب منحرفا عنه عليه السلام ، وجبهه عمربن علي عليه السلام في وجهه بكلام شديد ، روى عبدالرحمن بن الاسود عن أبي داود الهمداني قال : شهدت سعيدبن المسيب وأقبل عمربن على بن أبي طالب عليه السلام فقال له سعيد : ياابن أخي ماأراك تكثر غشيان مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ كما يفعل اخوتك وبنو أعمامك ، فقال عمر : ياابن المسيب أكلما دخلت المسجد أجيئ فأشهدك ؟ فقال سعيد : ماأحب أن تغضب سمعت أباك يقول : إن لي من الله مقاما لهو خير لبني عبدالمطلب مما على الارض من شئ.فقال عمر : وأنا سمعت أبي يقول : ماكلمة حكمة في قلب منافق فيخرج من الدنيا إلا يتكلم بها.فقال سعيد : ياابن أخي جعلتني منافقا ؟ قال : هو ما أقول لك.ثم انصرف.
وأخرج الواقدي من أن سعيدبن المسيب مر بجنازة السجاد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ولم يصل عليها فقيل له : ألا تصل على هذا الرجل الصالح من أهل البيت الصالحين ؟ فقال : صلاة ركعتين أحب إلي من الصلاة على الرجل الصالح.ويعرفك سعيد بن المسيب ومبلغه من الحيطة في دين الله ماذكره ابن حزم في المحلى 4 : 214 عن قتادة قال : قلت لسعد : أنصلي خلف الحجاج ؟ قال إنا لنصلي خلف من هوشرمنه.
2- إن ظاهر رواية البخاري كغيرها.تعاقب نزول الآيتين عند وفاة أبي طالب عليه السلام كما أن صريح ماورد في كل واحدة من الآيتين نزولها عند ذاك ولا يصح ذلك لان الآية الثانية منهما مكية والاولى مدنية نزلت بعد الفتح بالاتفاق وهي في سورة البراء‌ة المدنية التي هي آخر مانزل من القرآن ( 1 ) فبين نزول الآيتين ما يقرب من عشر سنين أو يربو عليها.
3- إن آية الاستغفار نزلت بالمدينه بعد موت أبي طالب بعدة سنين تربو على ثمانية أعوام ، فهل كان النبي صلى الله عليه وآله خلال هذه المدة يستغفرلابي طالب عليه السلام أخذا بقوله صلى الله عليه وآله : والله لاستغفرن لك مالم انه عنك ؟ وكيف كان يستغفر له ؟ وكان هو صلى الله عليه وآله والمؤمنون ممنوعين عن موادة المشركين والمنافقين وموالاتهم والاستغفار لهم (الذى هو من أظهر مصاديق الموادة والتحابب) منذ دهر طويل بقوله تعالى :
لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخرة يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباء‌هم أو أبناء‌هم أو إخوانهم أو عشيرتهم ، أولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيديهم بروح منه.الآية.
هذه آية 22 من سورة المجادلة المدنية النازلة قبل سورة البراء‌ة التى فيها آية الاستغفار بسبع سور كما في الاتقان 1 : 17 ، وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وأبونعيم والبيهقي وابن كثير كما في تفسيره 4 : 329 ، وتفسير الشوكاني 5 : 189 ، وتفسير الآلوسي 28 : 37 : إن هذه الآية نزلت يوم بدر وكانت في السنة الثانية من الهجرة الشريفة ، أو نزلت على مافي بعض التفاسير في أحد وكانت في السنة الثالثة باتفاق الجمهور كماقاله الحلبي في السيرة ، فعلى هذه كلها نزلت هذه الآية قبل آية الاستغفار بعدة سنين.
وبقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا.
* (هامش ) * (1 ) صحيح البخاري 7 : 67 في آخر سورة النساء ، الكشاف 2 : 49 ، تفسير القرطبي 8 : 273 ، الاتقان 1 : 17 ، تفسير الشوكاني 3 : 316 نقلا عن ابن ابي شيبة والبخاري والنسائي وابن الضريس وابن المنذر والنحاس وأبي الشيخ وابن مردويه عن طريق البراء بن عازب هذه آية 144 من سورة النساء وهي مكية على قول النحاس وعلقمة وغيرهما
ممن قالوا : إن قوله تعالى : يا أيها الناس.حيث وقع إنما هو مكي ( 1 ) وإن أخذنا بما صححه القرطبي في تفسيره 5 : 1 وذهب اليه الآخرون من أنها مدنية أخذا بما في صحيح البخاري (2) من حديث عائشة : مانزلت سورة النساء إلا أناعند رسول الله صلى الله عليه وسلم فانها نزلت في أوليات الهجرة الشريفة بالمدينة ، وعلى أي من التقديرين نزلت قبل سورة آية الاستغفار "البراء‌ة " باحدى وعشرين سورة كمافي الاتقان 1 : 17.
وبقوله سبحانه : الذين يتخذون الكافرين أولياء‌من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة.
هذه آية 139 من سورة النساء قدعرفت أنها نزلت قبل البراء‌ة.
وبقوله تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير
هذه آية 28 من آل عمران ، نزل صدرها إلى بضع وثمانين آية في أوائل الهجرة الشريفة يوم وفد نجران كما في سيرة ابن هشام 2 : 207 ، وأخذا بما رواه القرطبي و غيره ( 3 ) نزلت هذه الآية في عبادة بن الصامت يوم الاحزاب وكانت في الخمس من الهجرة ، وعلى أي من التقديرين وغيرهما نزلت آل عمران قبل البراء‌ة سورة آية الاستغفار بأربع وعشرين سورة كما في الاتقان 1 : 17.
وبقوله تعالى : سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفرلهم لن يغفرالله لهم.
وهي الآية السادسة من المنافقين نزلت عام غزوة بني المصطلق سنة ست وهو المشهور عند اصحاب المغازي والسير كما قاله ابن كثير ( 4 ) ونزلت قبل البراء‌ة بثمان سور كما في الاتقان 1 : 17.
وبقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباء كم وإخوانكم أولياء إن
* (هامش ) * (1 ) تفسير القرطبي 5 : 1.
( 2 ) ج 7 : 300 في كتاب التفسير باب تأليف القرآن ، وذكره القرطبي في تفسيره 5 : 1.
( 3 ) تفسير القرطبي 4 : 58 ، تفسير الخازن 1 : 235.
( 4 ) تفسير القرطبي 18 : 127 ، تفسير ابن كثير 4 : 369.
استحبوا الكفر على الايمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون.
وبقوله تعالى : استغفر لهم أولا تستغفر إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم.
وهذه وماقبلها آيتا 23 و 80 من سورة التوبة نزلت قبل آية الاستغفار.
أترى النبي صلى الله عليه وآله مع هذه الآيات النازلة قبل آية الاستغفار كان يستغفر لعمه طيلة مدة سنين وقد مات كافرا العياذ بالله وهو ينظر إليه من كثب ؟ لا هاالله ، حاشا نبي العظمة.
ولعل لهذه كلها إستبعد الحسين بن الفضل نزولها في أبي طالب وقال : هذابعيد لان السورة من آخر مانزل من القرآن ، ومات أبوطالب في عنفوان الاسلام والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، وذكره القرطبي وأقره في تفسيره 8 : 273.
4- إن هناك روايات تضاد هذه الرواية في مورد نزول آية الاستغفار من سورة البراء‌ة ، منها :
صحيحة أخرجها الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والنسائي وأبويعلي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبوالشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان والضياء في المختارة عن علي قال : سمعت رجلا يستغفر لابويه وهما مشركان فقلت : تستغفر لابويك وهما مشركان ؟ فقال : أولم يستغفر ابراهيم.فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : ماكان للنبي والذين آمنوأن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ماتبين له أنهم أصحاب الجحيم ، وماكان استغفار ابراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له انه عدو لله تبرأمنه إن ابراهيم لاواه حليم ( 1 ) يظهر من هذه الرواية أن عدم جواز الاستغفار للمشركين كان أمرا معهودا قبل نزول الآية ولذلك ردع عنه مولانا أميرالمؤمنين الرجل ، وقوله عليه السلام هذا لايلائم مع استغفار النبي صلى الله عليه وآله لعمه على تقديرعدم إسلامه ، وترى الرجل مااستند قط في تبرير عمله إلى استغفار رسول الله صلى الله عليه وآله لعمه علما بأنه صلى الله عليه وآله قط لا يستغفر لمشرك.
* (هامش ) * (1 ) سورة التوبة 113 ، 114
قال السيد زيني دحلان في أسنى المطالب ص 18 : هذه الرواية صحيحة وقد وجدنا لها شاهدا برواية صحيحة من حديث إبن عباس رضي الله عنهما قال : كانوا يستغفرون لآبائهم حتى نزلت هذه الآية فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار لامواتهم ولم ينهوا أن يستغفرو للاحياء حتى يموتوا ثم أنزل الله تعالى : وماكان استغفار ابراهيم.الآية يعني استغفرله مادام حيا فلما مات أمسك عن الاستغفار له قال : وهذا شاهد صحيح فحيث كانت هذه الرواية أصح كان العمل بها أرجح ، فالارجح انها نزلت في استغفار اناس لآبائهم المشركين لافي أبي طالب.اه‍
(ومنها ) : ماأخرجه ( في سبب نزول آية الاستغفار ) مسلم في صحيحه ، وأحمد في مسنده ، وأبوداود في سننه ، والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي ، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فانها تذكرة الآخرة ( 1 )
وأخرج الطبري والحاكم وابن أبى حاتم والبيهقي عن ابن مسعود وبريدة ، والطبراني وابن مردويه والطبري من طريق عكرمة عن ابن عباس : انه صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك اعتمر فجاء قبر امه فاستأذن ربه أن يستغفرلها ، ودعا الله تعالى أن يأذن له في شفاعتها يوم القيامة فأبى أن يأذن فنزلت الآية ( 2 )
وأخرج الطبري في تفسيره 11 : 31 عن عطية لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقف على قبر امه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها حتى نزلت : ماكان
للنبي إلى قوله : تبرأمنه.
وروى الزمخشري في الكشاف 2 : 49 حديث نزول الآية في أبي طالب ثم ذكر هذا الحديث في سبب نزولها وأردفها بقوله : وهذا أصح لان موت أبي طالب كان قبل الهجرة وهذا آخر ما نزل بالمدينة.
وقال القسطلاني في إرشاد الساري 7 : 270 : قدثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى قبرامه
* (هامش ) ( 1 ) ارشاد الساري في شرح البخارى 7 : 151.
( 2 ) تفسير الطبري 11 : 31 ، ارشاد الساري 7 : 270 ، الدر المنثور 3 : 283.
لمااعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية ، رواه الحاكم وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ، والطبراني عن ابن عباس وفي ذلك دلالة على تأخر نزول الآية عن وفاة أبي طالب والاصل عدم تكرار النزول.
قال الاميني : هلا كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلم إلى يوم تبوك بعد تلكم الآيات النازلة التي أسلفناها في ص 10- 12 ، أنه غير مسوغ له وللمؤمنين الاستغفار للمشركين والشفاعة لهم ؟ فجاء يستأذن ربه أن يستغفر لامه ويشفعها ، أو كان يحسب أن لامه حسابا آخر دون ساير البشر ؟ أوأن الرواية مختلقة تمس كرامة النبي الاقدس ، وتدنس ذيل قداسة امه الطاهرة عن الشرك.
( منها ) : ما أخرجه الطبري في تفسيره 11 : 31 عن قتادة قال : ذكرلنا إن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ، ويصل الرحم ، ويفك العاني ، ويوفي بالذمم ، أفلا نستغفر لهم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والله لاستغفرن لابي كمااستغفر ابراهيم لابيه فأنزل الله : ماكان للنبي صلى الله عليه وسلم ثم عذرالله ابراهيم عليه الصلاة والسلام فقال : وماكان استغفار ابراهيم لابيه.إلى قوله : تبرأمنه.
وأخرج الطبري من طريق عطية العوفي عن ابن عباس قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لابيه فنهاه الله عن ذلك بقوله : ماكان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين: الاية.قال : فان ابراهيم قد استغفر لابيه فنزلت : وماكان استغفار ابراهيم لابيه إلا عن موعدة.الاية.الدر المنثور 3 : 283.
وفي هاتين الروايتين نص على أن نزول الآية الكريمة في أبيه وآباء رجال من أصحابه صلى الله عليه وآله لا في عمه ولا في أمه.
( ومنها ) : ماجاء به الطبري في تفسيره 11 : 33 قال : قال آخرون : الاستغفار في هذا الموضع بمعنى الصلاة.ثم أخرج من طريق المثنى عن عطاء بن أبي رباح قال : ماكنت أدع الصلاة على أحد من أهل هذه القبلة ولو كانت حبشية حبلى من الزنا ، لاني لم أسمع الله يحجب الصلاة إلا عن المشركين يقول الله : ماكان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين.الآية.
وهذا التفسير إن صح فهو مخالف لجميع ماتقدم من الروايات الدالة على أن المراد من الآية هو طلب المغفرة كماهو الظاهر المتفاهم من اللفظ.
ونفس هذه الاضطراب والمناقضة بين هذه المنقولات وبين ماجاء به البخاري مما يفت في عضدالجميع ، وينهك من إعتباره ، فلا يحتج بمثله ولا سيما في مثل المقام من تكفيرمسلم بار ، وتبعيد المتفاني دون الدين عنه.
5- إن المستفاد من رواية البخاري نزول آية الاستغفار عند موت أبي طالب كما هو ظاهر ماأخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال : لما مات أبوطالب قال النبي صلى الله عليه وسلم إن ابراهيم إستغفر لابيه وهو مشرك وأنا أستغفر لعمي حتى أبلغ ، فأنزل الله ماكان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين.الآية.يعني به أبا طالب ، فاشتد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : وماكان استغفار ابراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه.الدر المنثور 3 : 283.وإن ناقضها ماأخرجه ابن سعد وابن عساكر عن علي قال: أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب فبكى فقال : اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه.ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياما ولا يخرج من بيته حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية : ما كان للنبي والذين آمنوا.الآية ( 1)
ولعله ظاهر ما أخرجه ابن سعد وأبوالشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمر قال : لمامات أبوطالب قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحمك الله وغفرلك ، لاأزال أستغفر لك حتى ينهاني الله ، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون فأنزل الله : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين.الدر المنثور 3 : 283 لكن الامة أصفقت على أن نزول سورة البراء‌ة التي تضمنت الآية الكريمة آخر مانزل من القرآن كمامر في ص 10 وكان ذلك بعدالفتح ، وهي هي التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وآله أبابكر ليتلوها على أهل مكة ثم استرجعه بوحي من الله سبحانه وقيض لها مولانا أميرالمؤمنين فقال : لا يبلغها عني إلا أنا أو رجل مني ( 2 ) وقد جاء
* (هامش ) * (1 ) طبقات ابن سعد 1 : 105 ، الدرالمنثور 3 : 282 نقلا عن ابنى سعد وعساكر
( 2 ) راجع الجزء السادس من كتابنا هذا ص 338- 350 ط 2.
في صحيحة مرت من عدة طرق في ص 13 من أن آية الاستغفار نزلت بعد ماأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة تبوك وكانت في سنة تسع فأين من هذه كلها نزولها عند وفاة أبي
طالب أو بعدها بايام ؟ وأنى يصح ماجاء به البخاري ومن يشاكله في رواية البواطيل
6- إن سياق الآية الكريمة- آية الاستغفار- سياق نفي لا نهي فلانص فيها على أن رسول الله صلى الله عليه وآله إستغفر فنهى عنه ، وإنما يلتئم مع استغفاره لعلمه بايمان عمه ، وبما أن في الحضور كان من لا يعرف ذلك من ظاهرحال أبي طالب الذي كان يماشي به قريشا فقالوا في ذلك أو اتخذوه مدركا لجواز الاستغفار للمشركين كما ربما احتجوا بفعل ابراهيم عليه السلام فأنزل الله سبحانه الآية وما بعدها من قوله تعالى : وما كان استغفار ابراهيم.الآية.تنزيها للنبي صلى الله عليه وآله وتعذيرا لابراهيم عليه السلام ، وإيعازا إلى أن من إستغفر له النبي صلى الله عليه وآله لم يكن مشركا كما حسبوه ، وان مرتبة النبوة تأبى عن الاستغفار للمشركين ، فنفس صدوره منه صلى الله عليه وآله برهنة كافية على أن أباطالب لم يكن مشركا ، وقد عرفت ذلك أفذاذ من الامة فلم يحتجوا بعمل النبي صلى الله عليه وآله لاستغفارهم لآبائهم المشركين ، وإنما اقتصروا في الاحتجاج بعمل ابراهيم عليه السلام كما مر في صحيحة عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قال : سمعت رجلا يستغفر لابويه وهما مشركان فقلت : تستغفر لابويك وهما مشركان ؟ قال أو لم يستغفر ابراهيم.الحديث راجع صفحة 12 من هذا الجزء.
ولوكان يعرف هذا الرجل أباطالب مشركا لكان الاستدلال لتبرير عمله باستغفار نبي الاسلام له ( ولم يكن يخفى على أي أحد ) أولى من استغفار ابراهيم لابيه لكنه إقتصر على مااستدل به.
7- إنا على تقدير التسليم لرواية البخاري وغض الطرف عما سبق عن العباس من أن أباطالب لهج بالشهادتين ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الحمدالله الذى هداك ياعم ومامر عن مولانا أميرالمؤمنين من أنه مامات حتى أعطى رسول الله من نفسه الرضا ، ومامر من قوله صلى الله عليه وآله : كل الخير أرجو من ربي " لابي طالب " ومامر من وصية أبي طالب عند الوفاة لقريش وبني عبدالمطلب باطاعة محمد صلى الله عليه وآله وإتباعه والتسليم لامره وان فيه الرشد والفلاح ، وانه صلى الله عليه وآله الامين في قريش والصديق في العرب.
إلى تلكم النصوص الجمة في نثره ونظمه ، فبعد غض الطرف عن هذه كلها لانسلم ان أبا طالب عليه السلام أبى عن الايمان في ساعته الاخيرة لقوله : على ملة عبدالمطلب.ونحن لا نرتاب في أن عبدالمطلب سلام الله عليه كان على المبدأ الحق ، وعلى دين الله الذي ارتضاه للناس رب العالمين يومئذ ، وكان معترفا بالمبدأ والمعاد ، عارفا بأمر الرسالة ، اللايح على أساريره نورها ، الساكن في صلبه صاحبها ، وللشهر ستاني حول سيدنا عبدالمطلب كلمة ذكرنا جملة منها في الجزء السابع ص 346 و 353 فراجع الملل والنحل والكتب التي ( 1 ) ألفها السيوطي في آباء النبي صلى الله عليه وآله حتى تعرف جلية الحال ، فقول أبي طالب عليه السلام على ملة عبدالمطلب.صريح في أنه معتنق تلكم المبادئ كلها ، أضف إلى ذلك نصوصه المتواصلة طيلة حياته على صحة الدعوة المحمدية.
8- نظرة في الثانية من الآيتين ، ولعلك عرفت بطلان دلالتها على ماارتأوه من كفرشيخ الاباطح سلام الله عليه من بعض ماذكرناه من الوجوه ، فهلم معي لننظر فيهاخاصة وفيما جاء فيها بمفردها فنقول أولا : ان هذه الآية متوسطة بين آي تصف المؤمنين ، وأخرى يذكر سبحانه فيها الذين لم يؤمنوا حذار أن يتخطفوا من مكة المعظمة ، فمقتضى سياق الآيات انه سبحانه لم يرد بهذه الآية إلا بيان أن الذين اهتدوا من المذكورين قبلها لم تستند هدايتهم إلى دعوة الرسول صلى الله عليه وآله فحسب ، و إنما الاستناد الحقيقي إلى مشيئته وإرادته سبحانه على وجه لاينتهي إلى الالجاء بنحو من التوفيق كما أن استناد الاضلال إليه سبحانه بنحو من الخذلان ، وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسيطا في تبليغ الدعوة فان تولوا فانما عليه ماحمل وعليكم ما حملتم ،
وإن تطيعوه تهتدوا ، وما على الرسول إلاالبلاغ المبين ( 2 ) وفي الذكر الحكيم : إنما امرت أن أعبد رب هذه البلدة التي حرمها ، وله كل شئ وامرت أن أكون من المسلمين ، وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا
* (هامش ) * (1 ) منها : مسالك الحنفا في والدى المصطفى ، الدرج المنيفة في الآباء الشريفة ، المقامة السندسية في النسبة المصطفوية ، التعظيم والمنة في ان أبوى رسول الله في الجنة ، نشر العلمين في احياء الابوين ، السبل الجلية في الآباء العلية.
( 2 ) سورة النور : 54
- الغدير3 :
من المنذرين ( 1 ) ، كماأن إبليس اللعين يزين للعاصي عمله ، أولوكان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ( 2 ) وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ( 3 ) إستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكرالله ( 4 ) إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ماتبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ( 5 ) وقد جاء فيماأخرجه العقيلي وابن عدي وابن مردويه والديلمي وابن عساكر وابن النجارعن عمربن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعثت داعيا ومبلغا وليس إلي من الهدى شئ ، وخلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلالة شئ ( 6 ) فهذه الاية الكريمة كبقية ماجاء في الذكر الحكيم من إسناد كل من الهداية والضلالة اليه سبحانه كقوله تعالى :
1- ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء.البقرة 272.
2- إن تحرص على هداهم فان الله لايهدي من يضل.النمل 37.
3- أفأنت تسمع الصم أوتهدي العمي ومن كان في ضلال مبين.الزخرف 40.
4- وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم.النمل 81.
5- أتريدون أن تهدوا من أضل الله.النساء 88.
6- أفأنت تهدي العمي ولوكانوا لايبصرون.يونس 34.
7- من يهدالله فهوالمهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.الكهف 17.
8- إن الله يضل من يشاء ويهدي من أناب.الرعد 27.
9- فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم.ابراهيم 4.
10- ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء.النحل 93.
إلى آيات كثيرة مما يدل على استناد الهداية والضلال إلى الله تعالى على وجه
* (هامش ) * (1 ) سورة النمل 92.
( 2 ) سورة لقمان : 21.
( 3 ) سورة العنكبوت : 38 ، النمل : 24
( 4 ) سورة المجادلة : 15.
( 5 ) سؤرة محمد : 25
( 6 ) مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي ، الجامع الصغير للسيوطي.
لاينافي إختيار العبد فيهما ، ولذلك أسندا إليه وإلى مشيئته أيضا في آي أخرى كقوله تعالى :
1- فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانمايضل عليها.يونس 108 ، الزمر 41.
2- وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.الكهف 29.
3- إن هو إلا ذكر للعالمين ، لمن شاء منكم أن يستقيم.التكوير 28.
4- من اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها.الاسراء 15.
5- فمن اهتدى فانما يهتدى لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين.النمل 92.
6- أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم.البقرة 16.
7- فريقاهدى وفريقا حق عليهم الضلالة.الاعراف 30.
8- ربي أعلم بمن جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين.القصص 85.
9- إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها.الاسراء 7.
10- فان أسلموا فقد اهتدوا ، وإن تولوا فانما عليك البلاغ.آل عمران 20.
إلى آيات اخرى ، ولا مناقضة بين هذين الفريقين من الآي الكريمة بما قد مناه وبما ثبت من صحة إسناد الفعل إلى الباعث تارة وإلى المباشر المختار أخرى.فآيتناهذه صاحبة البحث والعنوان من الفريق الاول ، وقد سيق بيانها بعد آيات المؤمنين لافادة ماأريدت إفادته من لداتها ، ولبيان أن هؤلاء المذكورين من المهتدين هم على شاكلة غير هم في إسناد هدايتهم اليه سبحانه ، فلا صلة لها بأي إنسان خاص أبي طالب أو غيره ، وإن ماشينا القوم على وجودالصلة بينها وبين أبي طالب عليه السلام فانها بمعونة سابقتها على ايمانه أدل.هكذا ينبغي أن تفسر هذه الآية غير مكترث لما جاء حولها من التافهات مماسبق ويأتي.
وثانيا : إن ماروي فيها بمفردها كلها مراسيل فان منها : ما رواه عبدبن حميد ومسلم والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما حضرت وفاة أبي طالب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ياعمار قل : لاإله إلاالله.أشهد لك بها عندالله يوم القيامة
فقال : لو لا أن تعيرني قريش يقولون : ماحمله عليها إلا جزعه من الموت لاقررت بها عينك فأنزل الله عليه : إنك لا تهدي من أحببت.الآية ( 1 ) كيف يرويه أبوهريرة وكان يوم وفاة أبي طالب شحاذا من متكففي دوس " باليمن " الكفرة ، يسأل الناس إلحافا ، ويكتنفه البؤس من جوانبه ، وما ألم بالاسلام إلاعام خيبر سنة سبع من الهجرة الشريفة باتفاق من الجمهور ؟ فأين كان هومن وفاة أبي طالب ، ومادار هنالك من الحديث ؟ فان صدق في روايته ؟ فهو راو عمن لم ينوه باسمه ، وإن كان تدليس أبي هريرة قد اطرد في موارد كثيرة روى أشياء إدعي فيها المشاهدة أو دل عليها السياق لكنه لم يشاهد شيئا منها ، ومن أراد الوقوف على هذه وغيرها من أمر أبي هريرة فليراجع كتاب " أبوهريرة " لسيدنا المصلح الشريف الحجة السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي حياه الله وبياه فقد جمع ذلك فأوعى.ومنها : ماأخرجه ابن مردويه وغيره من طريق أبي سهل السري بن سهل باسناد عن عبدالقدوس عن أبي صالح عن ابن عباس قال : نزلت إنك لاتهدي من أحببت.الآية.في أبي طالب.ألح عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأبى فأنزل الله إنك لاتهدي.الحديث ( 2 ).
أبوسهل السري أحد الكذابين وضاع كان يسرق الحديث كما مر في سلسلة الكذابين ج 5 : 231 ط 2.وعبدالقدوس أبوسعيد الدمشقي أحد الكذابين كما أسلفناه في الجزء الخامس ص238ط 2.
وظاهر هذه الروا ية كسابقتها هو المشاهدة ، والاثبت على ماقاله ابن حجر في الاصابة 2 : 331 : ان ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث.فهو عند وفاة عمه أبي طالب كان يرضع يدي أمه فلا يسعه الحضور في ذلك المشهد.
وإن صدقت الرواية عنه ؟- أنى تصدق ؟- فان ابن عباس أسند مايقوله إلى من لا نعرفه ، ولعل رواة السوء حذفوه لضعفه كما حذف غير واحد من المؤلفين أباسهل السري وعبد القدوس ونظرائهما من أسانيد هذه الافائك سترا على عللها.
* (هامش ) * (1 ) الدر المنثور 5 : 133.
( 2 ) الدر المنثور 5 : 133.
والقول الفصل : ان حبرالامة لم يلهج بتلكم الخزاية ، وإن لهج بشئ من أمر ذلك المشهد عن أحد فأولى له أن يقول ماقاله أبوه من انه سمع أباطالب يشهد بالشهادتين عند وفاته ( 1 ).أو يفوه بما أسلفناه عن ابن عمه الاقدس رسول الله صلى الله عليه وآله ( 2 ) أو يروي ماجاء عن ابن عمه الطاهر أميرالمؤمنين ( 3 ) أليس ابن عباس راوي ما ثبت عنه من قول أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وآله كما مر في ج 7 : ص 355 ط 2 : قم ياسيدي فتكلم بما تحب وبلغ رسالة ربك فانك الصادق المصدق.
ومنها : ماأخرجه أبوسهل السري الكذاب المذكور من طريق عبدالقدوس الكذاب أيضا عن نافع عن ابن عمر قال : إنك لا تهدي من أحببت.الآية.نزلت في أبي طالب عند موته ، والنبي صلى الله عليه وسلم عند رأسه وهو يقول : ياعم قل لاإله إلا الله أشفع لك بها يوم القيامة.قال أبوطالب : لاتعيرني نساء قريش بعدي إني جزعت عند موتي فأنزل الله تعالى : إنك لاتهدي من أحببت.الحديث ( 4 ) لعل ابن عمر لايدعي في روايته الحضور في ذلك المحضر.وليس له أن يدعي ذلك لانه كان وقتئذ ابن سبع سنين تقريبا فان مولده كان بعد البعثة بثلاث ( 5 ) ومن
طبع الحال ان من بهذا السن لايطلق صراحه إلى ذلك المنتدى الرهيب ، والمسجى فيه سيد الاباطح ويلي أمره نبي العظمة ، ويحضره مشيخة قريش ، فلابد من أنه سمع من يقول ذلك ممن حضر واطلع ، ولا يخلو أن يكون ذلك إما ولد المتوفى وهو مولانا أميرالمؤمنين والثابت عنه مامر في الجزء السابع ، أو عن بقية أولاده من طالب وجعفر وعقيل ولم ينبسوا في هذاالامر ببنت شفة ، أو عن أخيه العباس وقد صح عنه ماأسلفناه في الجزء السابع ، أو عن ابن أخيه الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله فقد عرفت قوله فيه فيما مر ، فممن أخذابن عمر ؟ ولماذا حذف اسمه ؟ ولماشرك أباجهل مع أبي طالب في إحدى روايتيه ، ولم يقل به أحد غيره ؟ وهل في الرواة من تقول عليه
* (هامش ) * (1 ) راجع ماأسلفناه في صفحة 370 من الجزء السابع.
( 2 ) راجع مامر في صحيفة 373 من ج 7 ط 2.
( 3 ) راجع ماسبق في صفحة 379 ج 7.
( 4 ) الدر المنثور 5 : 133 :
( 5 ) الاصابة 2 : 347.
كل ذلك ؟ فظن خيرا ولاتسأل عن الخبر.
واعطف على هذه ما عزوه إلى مجاهد وقتادة في شأن نزول الآية ( 1 ) فان مستند أقوالهما اماهذه الروايات ؟ أو انهما سمعا هامن اناس مجهولين ؟ فمراسيل كهذه لايحتج بها على أمر خطير مثل تكفير أبي طالب بعد ثبوت ايمانه بما صدح به الصادع الكريم وتفانيه دونه والذب عنه بالبرهنة القاطعة.
ومن التفسير بالرأي والدعوى المجردة ماعن قتادة ومن يشاكله مرسلا من تبعيض الآية بين أبي طالب والعباس فجعل صدرها لابي طالب وذيلها للعباس ( 2 ) الذي أسلم بعد نزول الآية بعدة سنين كماهو المتسالم عليه عنه الجمهور.
وأنت تعرف بعد هذه كلها قيمة قول الزجاج : أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب.وما عقبه به القرطبي من قوله : والصواب أن يقال : أجمع جل المفسرين على انها نزلت في شأن أبي طالب ( 3 ) أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثمامبينا ( النساء : 50 )
* (هامش ) * (1 ) تاريخ ابن كثير 3 : 124.
( 2 ) تفسير القرطبي 13 : 299 ، الدر المنثور 5 : 133.
( 3 ) تفسير القرطبي 13 : 299.
- حديث الضحضاح :
إلى هناانتهى كل ما للقوم من نبل تقله كنانة الاحقاد ، أو ذخيرة في علبة الضغائن رموابها أباطالب ، وقد أتينا عليها فجعلناه ها هباء منثورا ، ولم يبق لهم إلا رواية الضحضاح ، وما لاعداء أبي طالب حولها من مكاء وتصدية ، وهي على ما يلي : أخرج البخاري ومسلم من طريق سفيان الثوري عن عبدالملك بن عميرعن عبدالله بن الحارث قال : حدثنا العباس بن عبدالمطلب انه قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : ماأغنيت عن عمك فانه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال : " هو " في ضحضاح من نار ، ولو لا أنالكان في الدرك الاسفل.
وفي لفظ آخر : قلت : يارسول الله ان أباطالب كان يحفظك وينصرك فهل نفعه ذلك ؟
قال نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح.
ومن حديث الليث حدثني ابن الهاد عن عبدالله بن خباب عن أبي سعيد انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أبوطالب عنده فقال : لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة ، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه.
وفي صحيح البخاري من طريق عبدالعزيز بن محمد الدارا وردي عن يزيد بن الهاد نحوه غيران فيه تغلي منه ام دماغه.
راجع صحيح البخاري في أبواب المناقب ( باب قصة أبي طالب ) ج 6 : 33 ، 34 ، وفي كتاب الادب باب كنية المشرك ج 9 : 92 ، صحيح مسلم كتاب الايمان ، طبقات ابن سعد 1 : 106 ط مصر ، مسند أحمد 1 : 206 ، 207 ، عيون الاثر 1 : 132 ، تاريخ ابن كثير 3 : 125.
قال الاميني : نحن لاتروقنا المناقشة في الاسانيد لمكان سفيان الثوري وبمامر فيه ص 4 من انه كان يدلس عن الضعفاء ويكتب عن الكذابين.
ولالمكان عبدالملك بن عمير اللخمي الكوفي الذي طال عمره وساء حفظه ، قال أبوحاتم : ليس بحافظ تغير حفظه ، وقال أحمد : ضعيف يغلط ، وقال ابن معين مخلط ، وقال ابن خراش : كان شعبة لا يرضاه ، وذكر الكوسج عن أحمد : انه ضعفه جدا ( 1 ) ولا لمكان عبدالعزيز الدراوردي ، قال أحمد بن حنبل : إذا حدث من حفظه يهم ليس هو بشئ ، واذا حدث من كتابه فنعم ، واذا حدث جاء ببواطيل ، وقال أبوحاتم : لايحتج به ، وقال أبوزرعة : سئ الحفظ ( 2 )
كماأنا لا نناقش بتضارب متون الرواية بأن قوله : لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة يعطي أن الضحضاح مأجل له إلى يوم القيامة بنحو من الرجاء المدلول عليه لقوله : لعله.وان قوله : وجدته في غمرات النار فأخرجته إلى ضحضاح.هو واضح في تعجيل الضحضاح له وثبوت الشفاعة قبل صدورالكلام.
لكن لنا هناهنا كلمة واحدة وهي أن رسول الله صلى الله عليه وآله أناط شفاعته لابي طالب عند وفاته بالشهادة بكلمة الاخلاص بقوله صلى الله عليه وآله : ياعم قل لاإله إلاالله كلمة استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة ( 3 ) كما انه صلى الله عليه وآله أناطها بها في مطلق الشفاعة ، وجاء ذلك في أخبار كثيرة جمع جملة منها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب ج4ص150-158 منها في حديث عن عبدالله بن عمر مرفوعا : قيل لي : سل فان كل نبي قدسأل فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم لمن شهدأن لااله إلا الله.فقال : رواه احمد باسناد صحيح.
ومنها : عن أبي ذرالغفاري مرفوعا في حديث : أعطيت الشفاعة وهي نائلة من امتي من لايشرك بالله شيئا.فقال : رواه البزار واسناده جيد إلا ان فيه انقطاعا.
ومنها : عن عوف بن مالك الاشجعي في حديث : إن شفاعتي لكل مسلم.فقال : رواه الطبري بأسانيد احدها جيد ، وابن حبان في صحيحه وفي لفظه :
* (هامش ) * (1 ) ميزان الاعتدال 2 : 151.
( 2 ) ميزان الاعتدال 2 : 128.
( 3 ) مستدرك الحاكم 2 : 336 صححه هو والذهبى في التلخيص ، تاريخ أبى الفدا ج 1 : 120 ، المواهب اللدنية 1 : 71 ، كشف الغمة للشعرانى 2 : 144 ، كنزالعمال 7 : 128 ، شرح المواهب للزرقانى 1 : 291.
الشفاعة لمن مات لايشرك بالله شيئا ومنها : عن أنس في حديث : أوحى الله إلى حبريل عليه السلام أن اذهب إلى محمد فقل له : ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع " إلى قوله " : ادخل من أمتك من خلق الله من شهد أن لاإله إلاالله يوما واحدا مخلصا ومات على ذلك.
فقال المنذري : رواه أحمد ورواته محتج بهم في الصحيح.
ومنها : عن أبي هريرة مرفوعا في حديث : شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصا ، وأن محمدا رسول الله ، يصدق لسانه قلبه وقلبه لسانه.رواه أحمد وابن حبان في صحيحه.
ومنها : مامر في ص 13 من طريق أبي هريرة وابن عباس من أنه صلى الله عليه وآله دعاربه واستأذنه أن يستغفرلامه ويأذن له في شفاعتها يوم القيامة فأبى أن يأذن.
وقال السهيلي في الروض الانف 1 : 113 : وفي الصحيح انه صلى الله عليه وآله قال : استأذنت ربي في زيارة قبرامي فاذن لي ، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي.وفي مسند البزار من حديث بريدة انه صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يستغفر لامه ضرب جبريل عليه السلام في صدره و قال له : لا تستغفر لمن كان مشركا فرجع وهو حزين ( 1 ) فالمنفي في صورة إنتفاء الشهادة جنس الشفاعة بمعنى عدمها كلية لعدم أهلية الكافر لها حتى في بعض مراتب العذاب ، فالشفاعة للتخفيف في العذاب من مراتبها المنفية كماانها نفيت كذلك في كتاب الله العزيز بقوله تعالى : والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور.فاطر 36.
وبقوله تعالى : وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولاهم ينظرون.النحل 85.
وبقوله تعالى : خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينظرون.البقرة 162، آل عمران 88.
* (هامش ) * (1 ) نحن لا نقيم لمثل هذه الرواية وزنا ولا كرامة ، غير أن خضوع القوم لها يلجأنا إلى الحجاج بها.
وبقوله تعالى : وقال الذين في النار لخزنة جهنم : ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ، قالوا: أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات.قالوا : بلى.قالوا : فادعوا ، و وما دعاء الكافرين إلافي ضلال.غافر 49 ، 50.
وبقوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون. البقرة 86.
وبقوله تعالى : وذرالذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا و ذكر به أن تبسل نفس بماكسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بماكانوا يكفرون.الانعام : 70.
وبقوله تعالى : كل نفس بما كسبت رهينة إلاأصحاب اليمين في جنات يتساء‌لون عن المجرمين سا سلككم في سقر " إلى قوله تعالى " فما تنفعهم شفاعة الشافعين.المدثر 38- 48
وبقوله تعالى : وأنذرهم يوم الازقة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ، ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع.غافر 18.
وبقوله تعالى : ونسوق المجر مين إلى جهنم وردا لايملكون الشفاعة إلا من اتخذ عندالرحمن عهدا.مريم 87.
الاستثناء في الآية الشريفة منقطع ، والعهد : شهادة أن لااله إلاالله والقيام بحقها.أي لايشفع إلا للمؤمن.راجع تفسير القرطبي11: 154، تفسير البيضاوي2: 48،تفسير ابن كثير3 : 138 ، تفسير الخازن 3 : 243.
فرواية الضحضاح على تقدير أن أباطالب عليه السلام مات مشركا- العياذ بالله- و ما فيها من الشفاعة لتخفيف العذاب عنه بجعله في الضحضاح منافية لكل ماذكرناه من الآيات والاحاديث ، فحديث يخالف الكتاب والسنة الثابتة يضرب به عرض الحائط وقد جاء في الصحيح مرفوعا : تكثر لكم الاحاديث من بعدي فاذا روي لكم حديث فأعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق كتاب الله فاقبلوه وماخالفه فردوه ( 1 )
* (هامش ) * (1 ) أخرجه البخارى في صحيحه.
ولا يغرنك إخراج البخاري لها فان كتابه المعبر عنه بالصحيح هو علبة السفاسف وعيبة السقطات ، وسنوقفك على جلية الحال في البحث عنه انشاء الله تعالى.
نختم البحث هاهنا عن ايمان سيدنا أبي طالب سلام الله عليه بقصيدة شيخ الفقه والفلسفة والاخلاق شيخنا الاكبر آية الله الشيخ محمد الحسين الاصبهاني النجفي ( 1 ) قال :
نورالهدى في قلب عم المصطفى * في غاية الظهور في عين الخفا
في سره حقيقة الايمان * سرتعالى شاء‌نه عن شان
ايمانه يمثل الواجب في * مقام غيب الذات والكنز الخفي
ايمانه المكنون سام اسمه * إلا المطهرون لايمسه
ايمانه بالغيب غيب ذاته * له التجلي التام في آيته
آياته عند أولي الابصار * أجلى من الشمس ضحى النهار
وهو كفيل خاتم النبوة * وعنه قدحامى بكل قوة
ناصره الوحيد في زمانه * وركنه الشديد في أوانه
عميد أهله زعيم أسرته * وكهفه الحصين يوم عسرته
حجابه العزيز عن أعدائه * وحرزه الحريز في ضرائه
فما أجل شرفا وجاها * من حرز ياسين وكهف طاها
قام بنصرة النبي السامي * حتى استوت قواعد الاسلام
جاهد عنه أعظم الجهاد * حتى علا أمر النبي الهادي
حماه عن أذى قريش الكفرة * بصولة ذلت لها الجبابرة
صابركل محنة وكربة * والشعب من تلك الكروب شعبه
أكرم به من ناصر وحامى * وكافل لسيد الانام
كفاه فخرا شرف الكفالة * لصاحب الدعوة والرسالة
لسانه البليغ في ثنائه * أمضى من السيف على أعدائه
له من المنظوم والمنثور * ماجعل العالم ملاء‌النور
ينبئ عن ايمانه بقلبه * وإنه على هدى من ربه
* (هامش ) * (1 ) أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر تأتي ترجمته انشاء‌الله تعالى.
وأشرقت أم القرى بنوره * وكل نورهو نورطوره
وكيف لا ؟ وهو أبوالانوار * ومطلع الشموس والاقمار
مبدأكل نير وشارق * وكيف وهو مشرق المشارق ؟
بل هو بيضاء سماء المجد * مليك عرشه أبا عن جد
له السمو كابرا عن كابر * فهو تراثه من الاكابر
أزكى فروع دوحة الخليل * فياله من شرف أصيل
بل شرف الاشراف من عدنان * ملاذها في نوب الزمان
له من السمو ما يسمو على * ذرى الصراح والسماوات العلى
وكيف لا ؟ وهو كفيل المصطفى * أبوالميا مين الهداة الخلفا
ووالد الوصي والطيار * وهو لعمري منتهى الفخار
بضوئه أضاء‌ت البطحاء * لا بل به أضاء‌ت السماء
والنير الاعظم في سمائه * مثل السهى في النور من سيمائه
كيف ؟ ومن غرته تجلى * لاهله نورالعلي الاعلى
سادالورى بمكة المكرمة * فحاز بالسؤدد كل مكرمه
بل هو فخرالبلد الحرام * بل شرف المشاعر العظام
وقبلة الآمال والاماني * بل مستجار كعبة الايمان
وفي حمى سؤدده وهيبته * تم لداع الحق أمردعوته
ماتمت الدعوة للمختار * لولاه فهو أصل دين الباري
كيف ؟ وظل الله في الانام * في ظله دعى إلى الاسلام
وانتشر الاسلام في حماه * مكرمة مانالها سواه
رايته علت بعالي همته * كفاه هذا في علو رتبته
مفاخر يعلوبها الفخار * مآثر تحلوبها الآثار
ذاك أبوطالب المنعوت * من قصرت عن شأنه النعوت
يجل عن أي مديح قدره * لكنه يحيي القلوب ذكره
- القصيدة :
ومن قصيدة للعلامة الحجة شيخنا الشيخ عبدالحسين صادق العاملي قدس سره قوله :
لو لاه ماشد أزر المسلمين ولا * عين الحنيفة سالت في مجاريها
آوى وحامى وساوى قيد طاقته * عن خير حاضرها طرا وباديها
ماكان ذاك الحفاظ المرأطة أر حام وضرب عروق فار غاليها
بل للاله كما فاهت روائعه العصماء في كل شطر من قوافيها
ضاقت بمارحبت أم القرى برسو ل الله من بعده واسود ضاحيها
فانصاع يدعوله بالخير مبتهلا * بدعوة ليس بالمجبوه داعيها
لولم تكن نفس عم المصطفى طهرت * مافاه فوه بمافيه ينجيها
عاما قضى عمه فيه وزوجته * قضاه بالحزن يبكيه ويبكيها
أعظم بايمان مبكي المصطفى سنة * أيامها البيض أدجى من لياليها
من صلبه ايبثت الانوار قاطبة * فالمرتضى بدؤ هاوالذخر تاليها
هذا أبوطالب شيخ الاباطح وهذه نبذة من آيات ايمانه الخالص ، ماكتبناها عليهم إلاابتغاء رضوان الله ( 1 ) ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ايماناولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ( 2 ) والذين جاء‌وا من بعدهم يقولون ربنااغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رء‌وف رحيم ( 3 ).
* (هامش ) * (1 ) سورة الحديد : 27.
( 2 ) سورة المدثر : 31.
( 3 ) سورة الحشر : 10.
- عود إلى بدء :
- أحاديث الغلو في فضائل أبي بكر :
ملك يرد على شاتم الخليفة
أخرج يوسف بن أبي يوسف في الآثار ص 208 عن أبيه يعقوب بن ابراهيم القاضي عن أبي حنيفة قال : بلغني أن رجلا شتم أبابكر فحلم أبوبكر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد ثم إن أبا بكر رد عليه فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبوبكر : شتمني فلم تقم وقمت حين رددت عليه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن ملكا كان يرد عنك فلما رددت أنت ذهب فقمت.
وأخرجه احمد في مسنده 2 : 436 من طريق أبي هريرة : إن رجلا شتم أبابكر والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويتبسم فلما أكثر رد عليه بعض قوله فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام فلحقه أبوبكر فقال : يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت ؟ قال : إنه كان معك ملك يرد عنك فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان فلم أكن لاقعد مع الشيطان.
قال الاميني : لم نعرف طريق بلاغ الحديث أباحنيفة حتى نقف على مبلغه من الصحة ولعل أبا يوسف القاضي بمفرده يكفيه وهنانظرا إلى بعض ماقيل فيه كقول الفلاس : صدوق كثير الخطاء.
وقول أبي حفص : صدوق كثيرالغلط.
وقول البخاري : تركوه.
وقول يحيى بن آدم : شهد أبويوسف عند شريك فرده وقال : لاأقبل من يزعم أن الصلاة ليست من الايمان.
وقول ابن عدي : يروي عن الضعفاء.
وقول ابن المبارك بسند صحيح : انه وهاه ، وقوله لرجل : إن كنت صليت خلف أبي يوسف صلوات تحفظها فأعدها وقوله : لان أخر من السماء إلى الارض فتخطفني الطير أوتهوى بي الريح في مكان سحيق أحب إلي من أن أروي عن ذلك.
وقال رجل لابن المبارك : أيهما أصدق ؟ أبويوسف أو محمد ؟ قال : لاتقل ايهما أصدق.
قل : أيهما أكذب.
وقول عبدالله بن إدريس : كان أبويوسف فاسقا من الفاسقين.
وقول وكيع لرجل قال : أبويوسف يقول كذا وكذا : أماتتقي الله بأبي يوسف تحتج عندالله عزوجل ؟.
وقول أبي نعيم الفضل بن دكين : سمعت أباحنيفة يقول لابي يوسف : ويحكم كم تكذبون علي في هذه الكتب مالم أقل ؟.
وقول يحيى ين معين : لا يكتب حديثه.وقوله : كان ثقة إلا انه كان ربما غلط .
وقول يزيد بن هارون : لا تحل الرواية عنه كان يعطي أموال اليتامى مضاربة و يجعل الربح لنفسه.
وقول ابن أبي كثير مولى بني الحارث أوالنظام لما دفن أبويوسف :
سقى جدثا به يعقوب أمسى * من الوسمي منبجس ركام
تلطف في القياس لنافأضحت * حلالا بعد حرمتها المدام
ولولاأن مدته تقضت * وعاجله بميتته الحمام
لاعمل في القياس الفكر حتى * تحل لنا الخريدة والغلام ( 1 )
وأما طريق أحمد ففيه سعيد بن أبي سعيد المدني وقد اختلطه قبل موته بأربع سنين كما في تهذيب التهذيب 4 : 39 ، 40 ، ومتن الرواية يشهد على صدورها منه في أيام اختلاطه.
ومما لاريب فيه إساء‌ة الادب من كلا المتسابين بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله ورفع أصواتهما بطبع من حال المتشاتم فانه لايؤتى به همسا والله يقول : ياأيها الذين آمنوا لاترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول.الآية وقد نزلت في
* (هامش ) * (1 ) تاريخ الخطيب البغدادى4 : 257، ميزان الاعتدال،لسان الميزان6 : 300.
أبى بكر وعمر تمارياعند رسول الله صلى الله عليه وآله كما مر حديثه في الجزء السابع ص 223.
وماذا على أبي بكر لوبقي متحلما مراعيا لادب حضرة النبي إلى آخر مجلسه ؟ كمافعله أولا لذلك أوان مافعله اولا كان منه رمية من غيررام ؟ فلا ينقلب إلى الاساء‌ة وإزعاج رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قام عنه.
وماذا عليه لو قام معه فيقطع مادة البغضاء ؟ وماذاعليه لو سكت عن النبي صلى الله عليه وآله ولم يسئ الادب بالاعتراض والنقد على قيامه ؟.
وماذا عليه لو أبقى الملك وهو يحسبه مظلوما فيسب الرجل ردا عليه ؟ لكنه رآه مكافئ الظالم فتركه.
وعجبي مما في لفظ أحمد من قول النبي لابي بكر : فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان.الخ.كيف كان ذلك المحفل خلوامن الشيطان إلى أن رد عليه أبوبكر والرجل كان يشتم أبابكر ويكثر ، ولما رد عليه وقع الشيطان ؟ فكأن رد أبي بكر كان من همزات الشيطان دون سب الرجل إياه ، وكأن النبي الاعظم لم تكن له مندوحة عن سماع شتم الرجل أبابكر ، أو لم تكن فيه مغضبة دون رد أبي بكر إياه ؟ إن هذالشئ عجاب.
ثم هل في عالم الملكوت من يقابل البذاء‌ة بمثلها ؟ أو ان هناك عالم القداسة لايطرقه الفحش والسباب المقذع لقبحهما الذاتي ؟ وهل لله سبحانه ملائكة قيضهم لذلك العمل القبيح ؟ وهل هذا التقييض مخصوص بأبي بكر فحسب ؟ أو انه يكون لكل متسابين من المؤمنين إذا سكت أحدهما؟ وهل قيضت الملائكة للرد على من هجا رسول الله من المشركين ؟ أنالم أقف على أثر في هذه كلها ، وليست المسألة عقلية فتعضدها البرهنة ، مع قطع النظر عن استهجان العقل السليم لذلك ، والمتيقن : ان جزاء الشاتم إن كان ظالما مرجئ إلى يوم الجزاء ، وأما رده بقول لا يسمعه الظالم فيتأدب ويرتدع ، ولا المظلوم فيشفي غليله ، ولا أي أحد فيكون فضيحة لمرتكب القبيح فعساه يترك شنعته ، فمن التافهات ، نعم : أخرج الخطيب في تاريخه 5 : 280 من طريق سهل بن صقين عن أبي هريرة مرفوعا : أن لله تعالى في السماء سبعين ألف ملك يلعنون من شتم أبابكر وعمر.
غير أن الخطيب نفسه أردفه بقوله:سهل يضع.راجع ماأسلفناه في الجزء الخامس صفحة280ط2.
- خطبة النبي صلى الله عليه وآله في فضل الخليفة :
أخرج البخاري في المناقب باب قول النبي : سدوا الابواب إلا باب أبي بكر ج 5 : 242 وباب الهجرة ج 6 : 44 من طريق أبي سعيد الخدري قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال : إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ماعنده فاختار ذلك العبد ماعندالله
قال : فبكى أبوبكر فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير ، وكان أبوبكر أعلمنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبوبكر ، ولو كنت متخذا خليلا غيرربي لاتخذت أبابكر ، ولكن اخوة الاسلام ومودته ، لايبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر وزاد في لفظ ابن عساكر : فعلمنا أنه مستخلفه.وفي لفظ الرازي في تفسيره 2 : 347 : مامن الناس أحد أمن علينا في صحبته ولاذات يده من إبن أبي قحافة.
قال الاميني : راجع الجزء الثالث من كتابنا هذا صفحة 176- 187 ط 2 تزدد وثوقا بما تضمنته هذه الرواية من أكذوبة حديث الابواب وسدها ، ومالابن تيمية هنالك من مكاء وتصدية.
وأما بقية الحديث فمما فيه قول أبي سعيد : وكان أبوبكر أعلمنا.لم يخص هذاالعلم بأبي بكر وإنما تحمله كل من سمعه صلى الله عليه وآله ووعى أقواله في حجة الوداع الذي كان يقول فيها : يوشك أن أدعى فأجيب.إلى مايقارب ذلك مما هو مذكور في الجزء الاول.وهب أن العلم بذلك كان مقصورا على الخليفة لكنه أي علم هذا يباهى به ؟ أهو حل عويصة من الفقه ؟ أو بيان مشكلة من الفلسفة ؟ أوشرح غوامض من علوم الدين ؟ أو كشف مخبأ من أسرار الكون ؟ لم يكن في هذاالعلم شئ من ذلك كله وإنما هو على فرض الصحة تنبه منه إلى أنه صلى الله عليه وآله يريد نفسه ، ولعله سمعه قبل ذلك فتذكره عندئذ ، وقد أسلفناه في الجزء السابع عند البحث عن أعلمية الرجل بمالا مزيد عليه.فراجع.
- الغدير 4 :
وأما قوله : إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبوبكر.فأي من لاي أحد في صحبته.صلى الله عليه واله وسلم وانفاق ماله في دعوته ؟ ومن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ( 1 ) ، إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها ( 2 ) ، وكانت لرسول الله المنة على البشر عامة بالدعوة والهداية والتهذيب ، وإن صاحبه أحد وناصره فلنفسه نظر ولها نصح ، يمنون عليك أن أسلموا قل لاتمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين ( 3 ) ، لقد من الله على المؤمنين إذبعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ( 4 ).
على أن منة المال لابي بكر سالبة بانتفاء الموضوع وسنوقفك على جلية الحال ، وقصة الخلة في ذيل الرواية أوقفناك عليها في الجزء الثالث وانها موضوعة ، ويعارضها موضوع آخر أخرجه الحافظ السكري من طريق أبي بن كعب انه قال : إن أحدث الناس عهدي بنبيكم صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بخمس ليال دخلت عليه وهو يقلب يديه وهو يقول : إنه لم يكن نبي إلا وقد اتخذ من أمته خليلا وأن خليلي من امتي أبوبكر ابن أبي قحافة ، ألا وان الله قد اتخذني خليلا كمااتخذ ابراهيم خليلا ( 5 ) وموضوع آخر أخرحه الطبراني من طريق أبي امامة إن الله اتخذني خليلا كمااتخذ ابراهيم خليلا وإن خليلي أبوبكر.كنزالعمال 6 : 138.
وموضع آخر أخرجه أبونعيم من طريق أبي هريرة : لكل نبي خليل في امته وإن خليلي أبوبكر.كنز العمال : 140.
هكذا تعارض سلسلة الموضوعات بعضها بعضا لجهل كل من واضعيها بماأتى به الآخر.ولكل منته وسعة باعه في نسج الاكاذيب ، وماالله بغافل عما يعملون.
وقبل هذه كلها مافي رجال سند الرواة من الآفة لمكان اسماعيل بن عبدالله
* (هامش ) * (1 ) سورة فصلت : 46.
( 2 ) سورة الاسراء : 7.
( 3 ) سورة الحجرات : 17.
( 4 ) سورة آل عمران : 164.
( 5 ) الرياض النضرة للمحب الطبري 1 : 83 ، ارشاد الساري للقسطلاني 6 : 83.
أبي عبدالله بن أبي اويس ابن أخت مالك ونسيبه والراوي عنه.
قال ابن أبي خيثمة : صدوق ، ضعيف العقل ليس بذاك يعني انه لا يحسن الحديث ولا يعرف أن يؤديه أو يقرأمن غيركتابه.
وقال معاوية بن صالح : هو وأبوه ضعيفان.
وقال ابن معين : هو وأبوه يسرقان الحديث.وقال ابراهيم بن الجنيد عن يحيى
ابن معين : مخلط يكذب ليس بشئ.
وقال النسائي : ضعيف.وقال في موضع آخر : غير ثقة.وقال اللالكائي : بالغ النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه ، ولعله بان له مالم يبن لغيره لان كلام هؤلاء كلهم يؤل إلى أنه ضعيف.
وقال ابن عدي : روى عن خاله أحاديث غرائب لايتابعه عليها أحد.قال الاميني هذه الرواية التي رواها عن خاله من تلك الغرائب.
وذكره الدولابي في الضعفاء وقال : سمعت النصربن سلمة المروزي يقول : ابن أبي اويس كذاب كان يحدث عن مالك بمسائل ابن وهب.
وقال العقيلي في الضعفاء عن يحيى بن معين انه قال : ابن أبي اويس لايسوى فلسين وقال الدارقطني : لاأختاره في الصحيح.
وذكره الاسماعيلي في المدخل فقال : كان ينسب في الخفة والطيش إلى ما أكره ذكره.
وقال بعضهم : جانبناه للسنة.
وقال ابن حزم في المحلى : قال أبوالفتح الازدي حدثني سيف بن محمد : ان ابن أبي اويس كان يضع الحديث.
وأخرج النسائي من طريق سلمة بن شبيب انه قال : سمعت اسماعيل بن أبي أويس يقول : ربما كنت أضع الحديث لاهل المدينة إذا اختلفوا في شئ فيما بينهم ( 1 ).
أليس من الجزاف والقول الزور ، قول النووي في مقدمة شرح صحيح مسلم : إتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعدالقرآن العزيز الصحيحان : البخاري ومسلم ؟.
* (هامش ) * (1 ) تهذيب التهذيب 1 : 312.
أكتاب هذا حديثه وهذه ترجمة رجال اسناده وهو أخف مافيه من الطامات يصلح أن يكون أصح الكتب بعد القرآن ؟ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ، ولوكان هذا شأن الاصح المتفق عليه فما قيمة غيره في سوق الاعتبار ؟.
- ثناء أميرالمؤمنين عليه السلام على الخليفة :
أخرج ابن الجوزي في صفة الصفوة 1 : 97 من طريق الحسن قال قال علي عليه السلام : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قدم أبابكر في الصلاة ، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فقد منا أبابكر.
وأخرجه مرسلا ايضا المحب الطبري في الرياض النضرة 1 : 150 فقال : وعنه قال : قال علي : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبابكر يصلي بالناس وقدرأى مكاني وما كنت غائبا ولا مريضا ، ولوأراد أن يقدمني لقدمني فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا.
وعن قيس بن عبادة قال قال لي علي بن أبي طالب : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مرض
ليالي وأياما ينادي بالصلاة فيقول : مروا أبابكر فليصل بالناس ، فلماقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرت فاذا الصلاة علم الاسلام ، وقوام الدين ، فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فبايعنا.
قال الاميني : ماأجرأ الحفاظ على رواية هذه الاكاذيب الفاحشة ، وإغراء بسطاء الامة المسكينة بالجهل ، والتمويه على الحقائق بأمثال هذه الافائك ؟ وهم مهرة الفن ولا يغرب عن أي أحد منهم عرفان ما في تلكم المختلقات من الغمز والاعتلال.
نعم وكم وكم يجد الباحث في طيات أجزاء كتابنا هذا مما يكذب هذه الافيكة من التاريخ المتسالم عليه ، والحديث الصحيح ، والنصوص الصريحة من كلمات مولانا أميرالمؤمنين ، وشتان بينه وبين كلمات الحفاظ والمؤرخين حول تخلف علي عليه السلام عن بيعة أبي بكر ؟ مثل قول القرطبي في المفهم شرح صحيح مسلم في شرح حديث منه.قوله : كان لعلي من الناس جهة حياة فاطمة قال : جهة أي جاه واحترام كان الناس يحترمون عليا في حياتها كرامة لها كأنها بضعة من رسول الله وهو مباشر لها فلما ماتت وهو لم يبايع أبابكر.انصرف الناس عن ذلك الاحترام ليدخل فيما دخل فيه الناس ولا يفرق جماعتهم.
نعم : أكثر الوضاعون في الكذب على سيد العترة أميرالمؤمنين وبان ذلك في الملاء حتى قال عامر بن شراحيل : أكثر من كذب عليه من الامة الاسلا مية هو أمير المؤمنين عليه السلام (1) وإليك نماذج مما يعزى اليه وهو سلام الله عليه برئ منه ، أضفها إلى أحاديث الغلو في فضائل أبي بكر.
34- عن علي : أول من يدخل من الامة الجنة أبوبكر وعمر وإني لموقوف مع معاوية للحساب.
33- عن علي مرفوعا : ياعلي لاتكتب جوازا لمن سب أبابكر وعمر فانهما سيدا كهول أهل الجنة بعد النبيين.ويأتي بلفظ آخر.
34- عن علي مرفوعا : الخليفة بعدي أبوبكر وعمر ثم يقع الاختلاف.
35- عن علي مرفوعا : ياعلي سألت الله ثلاثا أن يقدمك فأبى علي إلا أن يقدم أبابكر.
36- عن علي : لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسر إلي : أن أبابكر سيتولى بعده ثم عمر ثم عثمان ثم أنا.
37- عن علي : إن الله فتح هذه الخلافة على يدي أبي بكر وثناه عمر وثلثه عثمان وختمها بي بخاتمة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
38- عن علي : ماخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من الدنيا حتى عهد إلي : ان أبابكر يلي الامر بعده ثم عمر ثم عثمان ثم إلي فلا يجتمع علي.
39- عن علي مرفوعا : أتاني جبرئيل فقلت : من يهاجر معي ؟ قال : أبوبكر ، ويلي أمر امتك من بعدك وهو أفضل امتك من بعدك.
40- عن علي مرفوعا : أعز أصحابي إلي ، وخير هم عندي ، وأكرمهم على الله ، وأفضلهم في الدنيا والآخرة أبوبكر الصديق.الحديث بطوله.
41- عن علي إنانرى أبابكر أحق الناس بها بعد رسول الله ، إنه لصاحب
* (هامش ) * (1 ) تذ كرة الحفاظ للذهبي 1 : 77.
الغار ، وثاني اثنين ، وإنا لنعلم بشرفه وكبره.الحديث.
41- عن علي مرفوعا : ياعلي إن الله أمر ني أن اتخذ أبابكر وزيرا ، وعمر مشيرا وعثمان سندا ، وإياك ظهيرا ، أنتم أربعة فقد أخذ الله ميثا قكم في أم الكتاب ، لايحبكم إلا مؤمن ولا يبغضكم إلا فاجر ، أنتم خلائف نبوتي ، وعقدة ذمتي ، وحجتي على امتي ، لاتقاطعوا ، ولا تدابروا ، ولا تعافوا.
43- قيل لعلي : يا أميرالمؤمنين من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال أبوبكر.قيل : ثم من ؟ قال عمر.قيل : ثم من ؟ قال : عثمان.قيل : ثم من ؟ قال : أنا.
44- خطب علي خطبة وقال في آخرها : واعلموا ان خيرالناس بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم أبوبكر الصديق ، ثم عمر الفاروق ، ثم عثمان ذوالنورين ، ثم أنا.وقد رميت بها في رقابكم وراء ظهوركم فلا حجة لكم علي.
45- سئل علي عن اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا : أخبرنا عن أبي بكر ابن أبي قحافة قال : ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان جبريل عليه السلام وعلى لسان محمد صلى الله عليه وآله كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله رضيه لديننا فرضينا لدنيانا.
46- عن علي : انه كان يحلف بالله ان الله تعالى أنزل اسم أبي بكر من السماء : الصديق.
47- عن علي : أول من أسلم من الرجال أبوبكر ، وأول من صلى إلى القبلة علي بن أبي طالب.
48- عن عبدالرحمن ( 1 ) بن أبي الزناد عن أبيه قال : أقبل رجل فتخلص الناس حتى وقف على علي بن ابي طالب فقال : ياأمير المؤمنين مابال المهاجرين والانصار قدموا أبابكر وأنت أورى منقبة ، وأقدم إسلاما ، وأسبق سابقة ؟ قال : إن كنت قرشيا فأحسبك من عائذة ، قال نعم.قال : لولا ان المؤمن عائذ الله لقتلتك.ويحك إن ابابكر سبقني لاربع لم اوتهن ولم اعتض منهن : سبقنى إلى الامامة.أو تقدم الامامة.و
* (هامش ) * (1 ) قال ابن معين.ليس ممن يحتج به اصحاب الحديث ، ليس بشئ.وعن ابن المدني : كان عند أصحابنا ضعيفا.وكان عبدالرحمن يخط على حديثه ، وضعفه الساجى وابن شيبة ، وقال النسائى لا يحتج بحديثه.تهذيب التهذيب 6 : 171.
تقدم الهجرة ، وإلى الغار ، وإفشاء الاسلام.الحديث بطوله وفي آخره : ثم قال : لا أجد أحدا يفضلني على أبي بكر إلا جلدته جلد المفتري.
49- عن علي : جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من يهاجر معي؟
فقال : أبوبكر ، وهو الصديق.مر بلفظ آخر.
50- جاء أبوبكر وعلي يزوران النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بستة أيام فقال علي لابي بكر : تقدم ياخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبوبكر : ماكنت لاتقدم رجلا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : علي مني كمنزلتي من ربي.فقال علي : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : مامنكم من أحد إلا وقد كذبني غير أبي بكر ، ومامنكم من أحد يصبح إلا على بابه " على باب قلبه " ظلمة إلا باب أبي بكر.فقال أبوبكر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ؟ قال : نعم.فأخذ أبوبكر بيد علي ودخلا جميعا.
51- عن علي مرفوعا : ماطلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر.
52- عن علي : دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : يارسول الله ألا تستخلف ؟
فقال : إن يعلم الله فيكم خيرا إستعمل عليكم خيركم.فعلم الله فينا خيرا فأستعمل علينا أبابكر.
53- عن علي قال : أفضلنا أبوبكر.
54- عن علي مرفوعا : ينادي مناد يوم القيامة : أين السابقون الاولون ؟ فيقال من ؟ فيقول : أين أبوبكر الصديق ؟ فيتجلى الله لابي بكر خاصة وللناس عامة.
55- عن علي مرفوعا : الخير ثلثمائة وسبعون خصلة اذا أرادالله بعبد خيرا جعل فيه واحدة منهن فدخل بها الجنة قال : فقال أبوبكر : يارسول الله هل في شئ منها ؟
قال : نعم جمع من كل.
56- عن علي مرفوعا : ياأبابكر ان الله اعطاني ثواب من آمن به منذ خلق آدم إلى أن بعثني ، وان الله اعطاك ثواب من آمن بي منذ بعثني إلى أن تقوم الساعة.
57- إلتقى أبوبكر الصديق وعلي بن أبي طالب فتبسم أبوبكر في وجه علي فقال له علي : مالك تبسمت ؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لايجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي بن أبي طالب الجواز.فضحك علي وقال : ألا ابشرك ياأبابكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لاتكتب الجواز إلا لمن أحب أبابكر.
58- عن علي مرفوعا : نازلت ربي فيك ثلاثا فأبى إلا أبابكر
59- عن علي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد اليناعهدا نأخذبه في الامارة ، و لكنه شئ رأيناه من قبل أنفسنا ، فإن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمن قبل أنفسنا.ثم استخلف أبوبكر فأقام واستقام ، ثم استخلف عمر فأقام واستقام ، حتى ضرب الدين بجرانه.
60- قال أبوبكر لعلي بن أبي طالب : قدعلمت أني كنت في هذا الامر قبلك ؟
قال : صدقت ياخليفة رسول الله فمد يده فبايعه.
61- قام أبوبكر بعد مابويع له وبايع له علي وأصحابه فأقام ثلاثا يقول : أيها الناس قد أقتلكم بيعتكم ، هل من كاره ؟ قال : فيقوم علي في أوائل الناس يقول : لا والله لانقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن ذا الذي يؤخرك ؟.
وفي لفظ : ولولا انا رأيناك أهلا ما بايعناك.
وفي لفظ سويد بن غفلة : لمابايع الناس أبابكر قام خطيبا فحمدالله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس اذكر بالله أيمارجل ندم على بيعتي لما قام على رجليه ، قال : فقام إليه علي بن أبي طالب ومعه السيف فدنامنه حتى وضع رجلا على عتبة المنبر والاخرى على الحصى وقال : والله لانقيلك.الحديث
62- عن علي مرفوعا : خير أمتي بعدي أبوبكر وعمر.
63- عن علي انه دخل على أبي بكر وهو مسجى فقال : ماأحد لقي الله بصحيفة أحب إلي من هذا المسجى.
64- عن علي : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرفنا أن أفضلنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبوبكر ، وما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرفنا ان أفضلنا بعدأبي بكر عمر رضي الله تعالى عنهما.
65- عن علي : مرفوعا : ياعلي هذان سيداكهول أهل الجنة من الاولين و الآخرين إلاالنبيين والمرسلين ، لاتخبرهما ياعلي.قال : فما أخبرتهما حتى ماتا.
66- عن علي مرفوعا : أول من يحاسب يوم القيمة أبوبكر.يأتي بطوله.هذه غياهب الافك والاحن ، وأغشية التمويه والدجل ، ظلمات بعضها فوق بعض ، أو قل : هي أساطير الاولين التي اكتتبوها ، أحاديث الغلو وقصص الخرافة لفقتها يدالامانة الخائنة على السنة النبوية تقولا على مولاناأمير المؤمنين ، لقد فصلنا القول فيها في طيات أجزاء ( 1 ) كتابنا هذا ، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا.
- ليلة الغار والخليفة فيها :
أخرجها أبونعيم الاصبهاني في حلية الاولياء 1 : 22 عن عبدالله بن محمد بن جعفر عن محمد بن العباس بن أيوب عن أحمد بن محمد بن حبيب المؤدب عن أبي معاوية عن هلال بن عبدالرحمن عن عطاء بن أبي ميمونة أبي معاذ عن أنس بن مالك قال : لما كان ليلة الغار قال : أبوبكر يارسول الله دعني فلادخل قبلك فان كانت حية أو شئ كانت لي قبلك.قال : ادخل ، فدخل أبوبكر فجعل يلتمس بيديه ، فكلما رأى جحرا جاء بثوبه فشقه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع ، قال : فبقي جحر فوضع عقبه عليه ، ثم أدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فلما أصبح قال له النبي صلى الله عليه وسلم : فاين ثوبك ياأبابكر ؟ فأخبره بالذي صنع ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال : أللهم اجعل أبابكر معي في درجتي يوم القيامة.فأوحى الله تعالى إليه : إن الله قد استجاب لك.
وقال ابن هشام في السيرة 2 : 98 : حدثنى بعض أهل العلم ان الحسن البصري قال : أنتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوبكر إلى الغار ليلا فدخل أبوبكر رضي الله عنه قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه.
وذكره ابن كثير في تاريخه 3 : 179 فقال : فيه إنقطاع من طرفيه.
وفي مرسل المحب الطبري في الرياض 1 : 65 : دخل أبوبكر الغار فلم ير فيه جحرإلا أدخل إصبعه فيه حتى أتى على جحر كبير فأدخل رجله فيه إلى فخذه ثم قال : ادخل يا رسول الله فقد مهدت لك الموضع تمهيدا.
وبات أبوبكر بليلة منكرة من الافعى فلما أصبح قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما
* (هامش ) * (1 ) تجد بسط المقال حول جلها في الجزء الخامس ص 297 375 ط 2.
هذا ياأبابكر ؟ وقد تورم جسده فقال : يارسول الله الافعى ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا أعلمتني ؟ فقال أبوبكر : كرهت أن أفسد عليك ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على أبي بكر فاضمحل ماكان بجسده من الالم وكأنه أنشط من عقال.
وقال في مرسل آخر عن عمر في ص 68 : كان في الغار خروق فيها حيات و أفاعي فخشي أبوبكر أن يخرج منها شئ يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه الحيات والافاعى ، وجعلت دموعه تتحادر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : ياأبا بكر لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته وهي الطمأنينة لابي بكر.
والذي صححه الحاكم في المستدرك من طريق عمر من الحديث قوله : فلما انتهيا إلى الغار قال أبوبكر : مكانك يارسول الله حتى استبرئ الحجرة فدخل واستبرأ ثم قال : أنزل يارسول الله فنزل فقال عمر : والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر.
فقال الحاكم : صحيح لولا إرسال فيه.
وفي حديث زيفه ابن كثير بالارسال أيضا : قال أبوبكر : كماأنت حتى أدخل يدي فأحسه وأقصه فان كانت فيه دابة أصابتني قبلك.قال نافع : فبلغني انه كان في الغار جحر فألقم أبوبكر رجله ذلك الجحر تخوفا أن يخرج منه دابة أو شئ يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي لفظ : لما دخل الغار سدد تلك الاجحر كلها وبقي منها جحر واحد ، فألقمه كعبه فجعلت الافاعي تنهشه ودموعه تسيل " تاريخ ابن كثير 3 : 180 " فقال : في هذا السياق غرابة ونكارة.
وزاد عليه الحلبي في السيرة : قدكان صلى الله عليه وسلم وضع رأسه في حجر أبي بكر رضي الله تعالى عنه ونام فسقطت دموع أبي بكر رضي الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
مالك ياأبابكر ؟ قال لدغت فداك أبي وأمي ، فتفل رسول الله على محل اللدغة فذهب مايجده.
وقال : زاد في رواية : وانه رأى على أبي بكر أثر الورم فسأل عنه فقال : من لدغة الحية فقال: هلا أخبرتني ؟ قال : كرهت أن أوقظك فمسحه النبي صلى الله عليه وسلم فذهب مابه من الورم والالم.
وقال : قال بعضهم : والسر في اتخاذ رافضة العجم اللباد المقصص على رؤوسهم تعظيما للحية التي لدغت أبابكر في الغار ، لانهم يزعمون أن ذلك على صورة تلك الحية.
السيرة الحلبية 2 : 39 ، 40 ، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية 1 : 342.
قال الاميني : للباحث حق النظر في هذه الرواية من عدة نواحي ، أولا من حيث رجال السند ولاإسناد لها منذيوم وضعت ، ولا تروى في كتب السلف والخلف إلا مرسلة إما من الطرفين كرواية ابن هشام ، وإما من طرف واحد كاسناد الحاكم وأبي نعيم ، ومن الغريب جدا أن القضية مشتركة بين اثين ليس إلا ، وهما : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوبكر ، وروايتها بطبع الحال تنحصر بهما غير أنهالم تنقل عنهما ولم يوجد لهما ذكر في أي سند ، والدواعي في مثلها متوفرة لان يذكر مع الابد ، وتتداولها الالسن ، إذ فيها من أعلام النبوة ، وكرامة مع ذلك لابي بكر.
وإسناد أبي نعيم المذكورلا يعول عليه لمكان عبدالله بن محمد بن جعفر ، قال ابن يونس : خلط في الآخر ، ووضع أحاديث على متون معروفة ، وزاد في نسخ مشهورة فافتضح وحرقت الكتب في وجهه.
وقال الحاكم عن الدار قطني : كذاب ألف كتاب سنن الشافعي وفيها نحو مائتي حديث لم يحدث بها الشافعي.
وقال الدارقطني : وضع في نسخة عمروبن الحارث أكثر من مائة حديث.
وقال علي بن رزيق : كان إذا حدث يقول : لابي جعفرابن البرقي في حديث بعد حديث : كتبت هذا عن أحد.فكان يقول نعم عن فلان وفلان.فاتهمه الناس بأنه يفتعل الاحاديث ، ويدعيها ابن البرقي كعادته في الكذب.قال : وكان يصحف أسماء الشيوخ ( 1 ) على أن عبدالله بن محمد توفي سنة 315 كما في لسان الميزان فلا تتم رواية أبي نعيم عنه وهو من مواليد 336.
* (هامش ) * (1 ) لسان الميزان 3 : 345.
وفيه : محمد بن العباس بن أيوب الحافظ الشهير باين الاخزم ، قال أبونعيم نفسه : اختلط قبل موته بسنة كما في لسان الميزان 5 : 216 ولما لم يعلم تاريخ صدور الرواية منه أهو قبل الاختلاط أم بعده ؟ ( إن لم تعد الرواية من بينات الاختلاط ) سقطت عن الاعتبار كما هوالشأن في رواية كل من اختلط.عن : أحمد بن محمد بن حبيب المؤدب ، أحسبه السرخسي ، أخرج الخطيب في تاريخه 5 : 140 حديثا من طريقه فقال : رجاله كلهم ثقات معروفون بالثقة إلا المودب.عن : أبي معاوية محمدبن خازم ، مرجئ مدلس رئيس المرجئة بالكوفة كمافي تهذيب التهذيب 9 : 139.عن : هلال بن عبدالرحمن قال العقيلي : منكر الحديث ، وقال بعد ماذكر له أحاديث : كل هذه مناكير لا أصول لها ولا يتابع عليها.وقال الذهبي : الضعف على أحاديثه لائح
فليترك." لسان الميزان 6 : 202 " عن : عطاء بن أبي ميمون.ثقة صالح قدري لا يحتج بحديثه ، راجع تهذيب التهذيب 7 : 215.
ولما لم يصح شئ من اسانيد الرواية ومتونها لم يوعز إليها السيوطي في الخصايص الكبرى في باب ماوقع في الهجرة النبوية من الآيات والمعجزات ، وقد ذكر فيه أحاديث ضعيفة مع النص على ضعفها ، فكأنه عرف بأن ذكر هذه الرواية تمس كرامة المؤلف وتحط مكانة تأليفه عن الانظار ، وهكذا لم يذكرها أحد ممن ألف في أعلام النبوة ومعاجز النبي الاعظم.
ثانيا : إن الاصول القديمة في القرون الاولى لايوجد فيها إلا أن أبابكر دخل الغار قبل النبي صلى الله عليه وآله لينظر أفيه سبع أو حية كما في سيرة ابن هشام ، ولم يصح عند الحاكم من القصة إلا هذا المقدار كهاسمعت ولو صح شئ زايد على هذا لما فاتته روايته ولومرسلة.
وزيدت في القرن الرابع قصة الثوب وبقاء‌جحر وإتكاء أبي بكر عليه بعقبه ودعاء النبي صلى الله عليه وآله له لاتقائه عنه صلى الله عليه وآله بثوبه عن لدغ الحشرات المزعومة.
وجددت النغمات في قرن المحب الطبري المتخصص الفنان في رواية الموضوعات وجمع شتاتها ، فجاء في روايته ماسمعت غير أن ألفاظه مع وجازته مضطربة جدالا يلتئم شئ منها مع الآخر.
ثم جاء‌الحلبي فنوم رسول الله صلى الله عليه وآله ورأسه في حجر أبي بكر ، وسقى وجه رسوله الكريم بدموع أبي بكر المتساقطة من الالم ، كل هذه لم يبرد كبد الحلبي وما شافي غليله ، فوجه قوارصه على الرافضة وألبس رؤوسهم لبادا مقصصا على صورة تلك الحية الموهومة التي لم يزعن رافضي قط بوجوده.
ثم لما أدخل أبوبكر رجله في الجحر ونزل النبي صلى الله عليه وآله ووجده قاعدا لا يتحرك ، ورام أن ينام ، ووضع رأسه الشريف في حجره ، هلا سأل صلى الله عليه وآله صاحبه عن حالته العجيبة وجلوسه المستغرب الذي لايقوم عنه ؟ وهل يمكن له أن يستر على صاحبه كلما فعل وهو معه ينظر إليه من كثب ؟.
وأي لديغ هذا ؟ وأي تصبر وتجلد ؟ وأي منظرمهول ؟ رجل الرجل في الجحر إلى فخذه ولا ثوب عليه ، ورأس النبي العظيم في حجره ، والافاعي والحيات تلدغه و تلسعه من هناوهنا ، لا اللديغ يتململ السليم ، حتى يحرك رجله أو عقبه فتجد تلكم الحشرات مسرحا فتبعد عنه ، ولا يأن ولا يحن ولا تسمع له زفرة وإن الدموع تتحادر حتى يستيقظ النبي الذي تنام عينه ولا ينام قلبه ( 1 ) فينجي صاحبه الذى اختاره لصحبته من لسعة الحيات والافاعي.
وهل من العدل والعقل والمنطق أن يحفظ الله نبيه عن كل هاتيك النوازل ؟ و يري له في الدرأ عنه آية بعد آية في سويعات ؟ من ستره عن أعين مشركي قريش لما مر بهم من بين أيديهم ، وانباته شجرة في وجهه تستره بها ، وإيقاعه حمامتين وحشيتين بفم الغار ، ونسج العناكيب باب الغار بأمرمنه تعالى شأنه ( 1 ) ، ويدع صاحبه الذي اتخذه بأمره ، وتفانى في حب النبي صلى الله عليه وآله ، وعرض نفسه للمهالك دونه بدخوله الغار قبله ، فلم يدفع عنه لدغ الحيات والافاعي ، ولا يرحمه في تلك الحالة التي تكسر
* (هامش ) * (1 ) أخرج الشيخان في الصحيحين مرفوعا : ان عيني تنامان ولا ينام قلبي ، وأخرجا ايضا مرفوعا : ان الانبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
( 2 ) طبقات ابن سعد 1 : 213 ، الخصايص الكبرى 1 : 185 : 186.
القلوب ، وتشجي الافؤدة ، وينظراليه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ويقول له : لا تحزن إن الله معنا.والمسكين يبكي وتسيل دموعه.
- وهلا كان يعلم أبوبكر أن الله الذي أمر نبيه بالهجرة وأدخله الغار يكلاء‌ه عن لدغ الحيات والافاعي بقدرته كما أعمى عنه عيون البشر الضاري ، وقصر عن النيل منه مخالب تلك الفئة الجاهلة ؟.
وهلا كان يؤمن بأن صاحبه المفدى لواطلع على حاله لينجيه بمسحة مسيحية أو بدعوة مستجابة ؟ فكل ماحكي عنه لماذا ؟ نعم : أعمى الحب مختلق الرواية وأصمه فجاء بالتافهات غلوا في الفضائل.
- الشيطان لايتمثل بأبي بكر :
أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه 8 : 334 عن :
1- محمد بن الحسين قطيط أبي الفتح شيباني الذي ترجمه في تاريخه ولم يذكره بثقة.عن :
2- خلف بن عامر الضرير ، قال الذهبي في ميزانه 1 : فيه جهالة ، قال ابن الجوزي : روى حديثا منكرا " يعني هذا الحديث " ( 1 ).
3- محمدبن اسحاق بن مهران أبي بكر الشافعي قال الخطيب في تاريخه 1 : 258 : حديثه كثير المناكير.وحسبك في عرفان حاله حديثه الذي أخرجه الخطيب في ترجمته مرفوعا : إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه فانه أمين مأمون.فراو يكون هذا حديثه لا يرتاب من كذبه ووضعه.
4- أحمدبن عبيد بن ناصح النحوي ذكره ياقوت في المعجم 3 : 228 وقال : قالوا : كان ضعيفا فيما يرويه.قال ابن عدي الحافظ : يحدث عن الاصمعي والقرقساني بمناكير وقال أبوأحمد الحافظ : لايتابع على جل حديثه.وحكى ابن حجر في تهذيب التهذيب 1 : 60 كلمة ابن عدي وأبي أحمد وزاد عليها : قال الحاكم أبوعبدالله : سكت مشايخنا عن الرواية عنه ، وقال ابن حبان: ربما خالف ، قال الذهبي : ليس بعمدة.
* (هامش ) * (1 ) لسان الميزان 2 : 403.
وقال السيوطي في بغية الوعاة 5 : 144 : قال ابن عيسى : يحدث بمناكير.عن رجال ثقات عن حذيفة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من رآني في المنام فقد رآني فان الشيطان لا يتمثل بي ، ومن رأى أبا بكر الصديق في المنام فقد رآه فان الشيطان لايتمثل به.
قال الاميني : لم يدع القوم خاصة للانبياء أماثل البشر إلا وقد أشركوا بهم فيها اناسا ليسوا أمثالهم في العصمة والقداسة والنفسيات الكريمة والملكات الفاضلة ، أخرج الشيخان حديث من رآني في المنام فقد رآني فان الشيطان لايتمثل بي.ورواه الحفاظ من طرق صحيحة لامغمز لها ، ونص السيوطي كما في شرح المناوي على تواتره ، ورآه أئمة الفن من خاصة رسول الله صلى الله عليه وآله ومن فضائله التي تخص به ، وفصلوا القول في بيان أسراره ، وعده السيوطي من خصائصه صلى الله عليه وآله في الخصايص الكبرى 2 : 258 تحت عنوان " باب ومن خصائصه ان رويته في المنام حق " ولم أجد أحدا من شراح الحديث سلفا وخلفا يوعز إلى هذه الموضوعة التي جاء بها الخطيب في القرن الخامس ، فكأن الكل ضربوا عنها صفحا وعرفوا انها مكذبة مختلقة ، غيران الخطيب راقه أن يرويها ويسكت عما في إسنادهامن العلل شأنه في فضائل غيرالعترة الطاهرة ، وأعجب منه ان ابن حجر ذكرها في لسان الميزان 2 : 403 في ترجمة خلف بن عامر فقال : روى عن محمد بن اسحاق بن مهران بسند صحيح.وهو الذي ترجم ثلاثة من رجال السند بماسمعت ، هكذا تخط يدالغلو في الفضائل الجانبية على ودايع العلم والدين ، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ( 1).
- أبوبكر لم يسؤالنبي قط :
أخرج الخلعي وابن مندة وغيرهما من طريق سهل بن مالك قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع صعد المنبر فقال : أيها الناس إن أبابكر لم يسؤني قط فاعرفواله ذلك ( 2 )
* (هامش ) * (1 ) سورة البقرة : 79.
( 2 ) الرياض النضرة 1 : 127 ، الاصابة 2 : 90.
قال ابن منده : غريب لانعرفه إلامن وجه خالد بن عمروالاموي.وقال ابن حجر بعد نقله : قلت : خالدبن عمرو متروك واهي الحديث إلى أن قال نقلا عن أبي عمر : و مدار حديثه ( 1 ) على خالدبن عمرو وهو متروك وإسناد حديثه مجهولون ضعفاء يدورعلى سهل بن يوسف أو مالك بن يوسف ( 2 ).
وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب 3 : 109 في ترجمة خالد بن عمرو : قال احمد منكر الحديث ، ليس بثقة يروي أحاديث بواطيل ، وعن يحيى بن معين قال : ليس حديثه بشئ ، كان كذابا يكذب ، حدث عن شعبة أحاديث موضوعة ، وقال البخاري والساجي وأبوزرعة : منكر الحديث.وقال أبوحاتم : متروك الحديث ضعيف.و قال أبوداود : ليس بشئ وقال النسائي : ليس بثقة.وقال صالح بن محمد البغدادي : كان يضع الحديث.وقال ابن حبان : كان يتفردعن الثقات بالموضوعات لا يحل الاحتجاج بخبره.وقال ابن عدي : روى عن الليث وغيره أحاديث مناكير وأورد له أحاديث من روايته عن الليث عن يزيد ثم قال : وهذه الاحاديث كلها باطلة ، وعندي انه وضعها على الليث ونسخة الليث عن يزيد عندنا ليس فيها من هذا شئ وله غير ماذكرت و عامتها أوكلها موضوعة ، وهو بين الامر من الضعفاء ، وعن أحمد بن حنبل انه قال : أحاديثه موضوعة.الخ.
قال الامينى : إقرأ ثم انظر إلى أمانة الحافظ المحب الطبري يروي هذه الاكذوبة محذوف الاسناد مرسلا إياها إرسال المسلم ويعد ها من فضائل أبي بكر ، وتبعه في جنايته هذه غيرواحد من المؤلفين ، وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا ، ويحسبون انهم على شئ ألا إنهم هم الكاذبون.
- الآياب النازلة في أبي بكر :
قال العبيدي المالكي في عمدة التحقيق ص 134 : عن الشيخ زين العابدين البكري انه لماقرأت عليه قصيدة جده محمد البكري ومنها :
* (هامش ) * (1 ) يعنى حديث سهل.
( 2 ) الاصابة 2 : 90.
لان كان مدح الاولين صحائفا * فانا لآيات الكتاب فواتح قال المراد : بأول الكتاب : الم ذلك الكتاب.فالالف أبوبكر ، واللام لله ، والميم محمد.
وذكر البغوي : ان المراد من قوله تعالى : واتبع سبيل من أناب إلي ( 1 ) هو أبوبكر ذكر أهل التفسير في قوله تعالى : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة : انه الصديق.قال الشيخ محمد زين العابدين : كان للصديق ثلثمائة كرسي وستون كرسيا على كل كرسي حلة بألف دينار.
قال الاميني : هاهنا ننهي البحث عن فضائل أبى بكر ، ولا يسعنا الولوج في الكلام حول الآيات التي تقول القوم نزولها فيه ، وقد حرفوا آيا كثيرة ، وقالوا في كتاب الله ماسولت لهم الميول والشهوات ، وراقهم الغلو في الفضائل لدة ما سمعت من المخازي ، كما لا نفيض القول في الغلو الفاحش فيه بالقريض مثل قول الشاعر العلامة الملا حسن أفندي البزاز الموصلي في ديوانه ص 42 :
إن قدر الصديق جل فأضحى * كل مدح مقصرا عن علاه
ليت شعري ماقيمة الشعر فيمن * جاء في محكم الكتاب ثناه ؟
كل من في الوجود يبغي رضا * الله تعالى والله يبغي رضاه
وقوله في مدحه أيضا :
إن ذكر الصديق مادار إلا * ملاء‌الكون هيبة ووقارا
صاحب الغار كان للسيد * المختار والله صاحبا مختارا
تاه في ذكره الوجود فلولا * هيبة منه أو قرته لطارا
نعم لنا حق النظر في ثروة أبي بكر التي منحوه بها ، فكانت من جرائها له المنن على رسول الله وعلى الدين والمسلمين ، تلك الثروة الطائلة التي هيئت له ألف ألف أوقية- كما جاء فيما أخرجه النسائي ( 2 ) عن عائشة قالت : فخرت بمال أبي في الجاهلية وكان ألف ألف
* (هامش ) * (1 ) سورة لقمان : 15.
( 2 ) ميزان الاعتدال 2 : 341 ، تهذيب التهذيب 8 : 325.
- الغدير 5 :
أوقية ( 1 )- ونضدت له ثلثماة وستين كرسيا في داره ، وأسدلت على كل كرسي حلة بألف دينار ، كما سمعته عن الشيخ محمد زين العابدين البكري ، وأنت تعلم ما يستتبع هذا التجمل من لوازم وآثار ، واثاث ورياش ، ومناضد وأواني وفرش ، لا تقصر عنها في القيمة ، وما يلزم من خدم وحشم ، وقصور شاهقة ، وغرف مشيدة ، وما يلازم هذه البسطة في المال من خيل وركاب وأغنام ومواشي وضيعة وعقار ، إلى غيرهامن توابع الجاه والمال.
أنالاأدري أي باحة كانت تقل ذلك كله ؟ ولم يفز بمثلها يومئذ أحد من ملوك الدنيا ، وهل كانت الكراسي المذكورة منضدة في غرفة واحدة ؟ فما أكبرها من غرفة ؟ تضاهي ميادين القتال ، ومفازات البراري ، وماأكبر الدار التي هي إحدى غرفها ؟ و أي يوم كان يوم قبول أبي بكر ؟ تزدلف اليه فيه الرجال فتجلس على تلكم الكراسي ، ولم لا نسمع من السير والتواريخ عن ذلك اليوم ركزا ؟ أكان في أفواه الجالسين عليها أوكية عن نقل شئ من حديثه ؟ وطبع الحال يقضي أن يكون في ذلك المحتشد العظيم المتكرر في كل أسبوع ، وعلى الاقل في كل شهر.وأقل منه في كل سنة ، ولا أقل من إنعقاده في العمر مرة ، من الانباء مالا يلهو التاريخ عن ذكره ، ولا يستسهل المؤرخ تركه ، لكنك بالرغم من ذلك كله لا تجد عنه إلا همسا يتخافت به العبيدي بعد لاي من عمرالدهر.
ومن أي حرفة أو مهنة أو صنعة أوضياع حصل على الرجل مليون أوقية من النقود ؟ وكان يومئذ يوم فاقة لقريش ، وكانوا كما وصفتهم الصديقة الطاهرة في خطبتها مخاطبة أبابكر والقوم معه : كنتم تشربون الطرق ( 2 ) وتقتالون الورق ، أذلة خاشعين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم فأنقذكم الله برسوله ( 3 ).
ولعل في ذلك اليوم كان مارواه الماوردي في أعلام النبوة ص 146 من طريق مالك بن أنس انه بلغه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فوجد أبابكر وعمر رضي الله
* (هامش ) * (1 ) الاوقية : أربعون درهما.
( 2 ) الطرق بفتح المهملة : الماء المجتمع الذي خيض فيه وبيل وبعر فكدر.لسان العرب.
( 3 ) بلاغات النساء ص 13 ، أعلام النساء 3 : 1208.
عنهما فسألهما فقال : ماأخرجكما ؟ فقالا : أخرجنا الجوع.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : و أنا أخرجني الجوع فذهبوا إلى أبي الهيثم بن التيها فأمرله بحنطة أوشعير عنده يعمل.
الحديث.
ثم متى أدركت عائشة العهد الجاهلي ؟ وقد ولدت بعد المبعث بأربع أوخمس سنين ( 1 ) وهل كانت تفخر في دور الاسلام بثروة بائدة في الجاهلية وصاحبها جائع في الحال الحاضر ؟.ولست أدري ما الذي قضى على تلكم الآلاف المؤلفة ؟ وماالذي أفناها وأبادها وأفقر صاحبها ؟ حتى أصبح ولا يملك شيئا ، أو كان لا يملك يوم هجرته إلا أربعة أو خمسة أو ستة آلاف من الدراهم- إن كان ملكها- ولو كان أنفق أي أحد عشر معشار ذلك المال لدوخ العالم صيته ، وكان يومئذ يعد في الرعيل الاول من أجواد الدنيا ولم يوجد في صحيفة التاريخ ذكر من تلكم الآلاف والكراسي والحلل ، هب أن الذهبي قال في حديث عائشة : ألف الثانية باطلة قطعا فان ذلك لا يهيأ لسلطان العصر.
وأقر ابن حجر تعقيبه في تهذيب التهذيب ( 2 ) فأين قصة ألف أوقية الصحيحة في صحائف التاريخ ؟.وإن صحت الاحلام ، وصدقت هذه القصص الوهمية ، وكان لابي بكر ذلك المال الطائل الخيالي لما افتقر أبوقحافة والده لان يكون أجير عبدالله بن جذعان للنداء على طعامه ، ولم يكن يقتني بتلك الخسة لماظة من العيش كما قاله الكلبي في المثالب وأشار إليه أمية بن الصلت في قصيدة يمدح بها ابن جذعان بقوله :
له داع بمكة مشمعل * وآخر فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشيزى عليها * لباب البر يلبك بالشهاد ( 3 )
قال الكلبي : المشمعل هو : سفيان بن عبدالاسد.وآخر : أبوقحافة ، وفي تعليق مسامرة الاوائل ص 88 : يقال : إن الداعي هو أبوقحافة والد الصديق.
* (هامش ) * (1 ) الاصابة 4 : 359 ، ويستفاد ذلك من صحيح البخارى في باب زواج عائشة ، وتاريخ ابن عساكر 1 : 304 ، والاستيعاب.
( 2 ) ميزان الاعتدال للذهبى 2 : 341 ، تهذيب التهذيب 8 : 325.
( 3 ) مثالب الكلبي ، الاغانى لابى الفرج الاصبهانى 8 : 4 ، مسامرة الاوائل ص 88.
بل يحق على صاحب ألف ألف أوقية ، وثلثمائة وستين كرسيا محلى بالديباج أن ينادي على الطعام في دور ضيافته عشرة مثل أبي قحافة فضلا عن أن يكون أجير اناس آخرين بدراهم زهيدة ، أو بشبع من الطوى.
وإن كان لابي بكر عندئذ ما حسبوه من الثروة أوشطر منها لما احتاح إلى أن يبتاع للهجرة مع صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم راحلتين بثمانمائة درهم ( 1 ) ثم قدم إحديهما لرسول الله صلى الله عليه وآله فلم يقبلها إلا بالثمن ، وقال صلى الله عليه وآله : إني لا أركب بعيرا ليس لي ، قال أبوبكر : فهو لك يارسول الله بأبي أنت وأمي قال : لا ، ولكن ماالثمن الذي إبتعتهابه ؟
قال : كذا وكذا قال : قد أخذتها بذلك ( 2 )ولم يكن رد رسول الله صلى الله عليه وآله إياها إلا لضعف حال أبي بكر من ناحية المال ، أو انه لم يرقه أن يكو لاحد عليه منة حتى لا يفتعل عليه بعد ملاوة من الدهر بقول من افتعل عليه : إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبوبكر.كما مر في ص 33 من هذا الجزء.
على ان للنظر في رواية الراحلتين مجالا واسعا بما رواه ابن الصباغ في الفصول المهمة والحلبي في السيرة 2 : 44 من أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أسماء بنت أبي بكر أن تأتي عليا وتخبر بموضعهما وتقول له : يستأجر لهما دليلا ويأتي معه بثلاث من الابل بعد مضي ساعة من الليلة الآتية وهي الليلة الرابعة ، فجاء‌ت أسماء إلى علي كرم الله وجهه فأخبرته بذلك ، فأستأجر لهما رجلا يقال له : الاريقط بن عبدالله الليثي ، وأرسل معه بثلاث من الابل ، فجاء بهن إلى أسفل الجبل ليلا فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم رغاء الابل نزل من الغار هو وأبوبكر فعرفاه.
وفيه صراحة بأنه لم تكن هناك راحلتين لابي بكر معبأتين بركوبهما ، وإنما جئ بالرواحل مستأجرة ، وقد جمع الحلبي بين هذا وبين حديث الراحلتين بأن المراد باستيجار علي رضي الله عنه إعطاؤه الاجرة.وهذا الجمع يأباه لفظ الحديثين كماترى.
* (هامش ) * (1 ) طبقات ابن سعد 1 : 212 تاريخ ابن كثير 3 : 177 ، 178.
( 2 ) صحيح البخارى 6 : 47 تاريخ الطبرى 2 : 245 ، سيرة ابن هشام 3 : 98 ، 100 ،
طبقات ابن سعد 1 : 213 ، تاريخ ابن كثير 3 : 184 188.
ولقد روي كما يأتي إن الذي استصحبه أبوبكر من المال يوم هاجر من المدينة وهو كل ما يملكه أربعة أو خمسة أو ستة آلاف درهم ، فأين هذا من الالف ألف اوقية ؟ والكراسي المذكورة وحللها المقومة بثلاثمائة وستين ألف دينار وما يتبعها ؟ و أي نسبة بين صاحب تلك الثروة وبين مالايملك إلاهذه الدراهم المعدودة ؟ وأي نسبة بينها وبين ايامه وأيام أبيه بمكة وبين ما كان يحترف به في المدينة من بيع الابراد والاقمشة على عنقه وعلى صاعده وحرفة ضئيلة يدور بها في الازقة و الاسواق من دون أن يستقر في متجر أو حانوت.
أخرج ابن سعد من طريق عطاء‌قال : لما استخلف أبوبكر أصبح غاديا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها فلقيه عمر بن الخطاب وأبوعبيدة الجراح فقالا له : أين تريد ياخليفة رسول الله ؟ قال : السوق.قالا : تصنع ماذا ؟ وقد وليت أمر المسلمين.
قال : فمن أين أطعم عيالي ؟ قالا له : انطلق حتى نفرض لك شيئا.فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة وماكسوه في الرأس والبطن.
وروى من طريق عمير بن اسحاق : إن رجلا رأى على عنق أبي بكر الصديق عباء‌ة فقال : ما هذا ؟ هاتها أكفيكها.فقال : إليك عني لا تغرني أنت وابن الخطاب من عيالي.
وفي لفظ آخر لابن سعد أيضا : إن أبابكر لما استخلف راح إلى السوق يحمل أبرادا له وقال : لا تغروني من عيالي.
وفي لفظ الحلبي.لما بويع أبوبكر بالخلافة أصبح رضي الله عنه على ساعده قماش وهو ذاهب إلى السوق فقال له عمر : أين تريد ؟.الخ ( 1 )
ثم متى كان إنفاقه لثروته الطائلة على النبي صلى الله عليه وآله وفي مناجحه ومصالحه ، حتى كان به أمن الناس عليه بماله ؟ وكيف أنفق ولم يره أحد ولارواه أي ابن أنثى ؟ ولم لم يذكر التاريخ موردا من موارد نفقاته ؟ وقد حفظ له تقديم راحلة واحدة للنبي صلى الله عليه وآله مع رده إياها وأخذه ثمنها ، كما حفظ لكل من أنفق شيئا في مهمات الرسول
* (هامش ) * ( 1 ) راجع طبقات ابن سعد ط ليدن 3 : 130 : 131 ، صفة الصفوة لابن الجوزى 1 : 97 ، السيرة الحلبية 2 : 388.
صلى الله عليه وآله وسلم وغزواته ومصالح الاسلام والمسلمين.
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحتاجه في شخصياته وما يتعلق بها بمكة قبل الهجرة فان عمه أباطالب سلام الله عليه كان متكفلا لذلك كله قبل زواجه بخديجة ، وبعده كان مال خديجة تحت يده وهي في طوعه ، وإنما وقعت الحاجة بعد الهجرة لتوسع نطاق الاسلام ، وتمطط أمره فكان يحتاج إلى تجهيز الجيوش وقيادة العساكر ، وهؤلاء رجال بني سالم بن عوف ، ورجال بني بياضة ، ورجال بني ساعدة وفي مقدمهم سعيد بن عبادة ، ورجال بني الحرث بن الخزرج ، ورجال بني عدي أخوال رسول الله الاكرمين كل منهم رفع عقيرته يوم دخوله صلى الله عليه وآله المدينة بقوله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة ( 1 ) ولم يكن عند أبي بكريومئذ من المال غير ماجاء به من مكة أربعة أوخمسة أوستة آلاف درهما- إن كان جاء به وأنى لك باثباته ؟- وما عساها أن تجدي نفعا وماهي وما قيمتها تجاه ذلك السلطان العظيم ؟ لكنا مع غض النظر عن ذلك نسائل أيضا مدعي الانفاق انه متى أنفقها ؟ وفي أي مصرف أدرها ؟ وفي أي أمر بذلها ؟ ولاي حاجة سمح بها ؟ ولم خفي ذلك على خلق الله من اولئك الصحابة ؟ ولماذا عزب عن المؤرخين ؟ فلم يسطروها في صحائف التاريخ ولا ذكروها في فضائل الخليفة ، وهل قام عمود الاسلام وتم أمره بهذه الدريهمات المجهول مصرفها ؟ وعاد أبوبكر أمن الناس على رسول الله بماله ؟.
والعجب كل العجب إن أميرالمؤمنين عليا عليه السلام كانت له أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا ، وبدرهم نهارا ، وبدرهم سرا ، وبدرهم جهرا ، فأنزل الله فيه القرآن فقال : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون ( 2 ) سورة البقرة 274.
* (هامش ) * (1 ) أسلفنا حديثه في الجزء السابع ص 269.
( 2 ) أخرجه عبدالرزاق وعبدبن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن عساكر وابن جرير.راجع تفسير القرطبي 3 : 347 ، تفسير البيضاوى 1 : 185 ، تفسير الزمخشرى
1 : 286 ، تفسير الرازى 2 : 369 ، تفسير ابن كثير 1 : 326 ، تفسير الدر المنثور
1 : 363 ، تفسير الخازن 1 : 208 ، تفسير الشوكاني 1 : 265 ، تفسير الآلوسي 3 : 48.
وهو سلام الله عليه تصدق بخاتمه للسائل فذكره تعالى في كتابه العزيز بقوله : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون(1) سورة المائدة : 55.
وأطعم هو وأهله مسكينا ويتيما وأسيرا فأنزل الله فيهم قوله : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " سورة هل أتى " وقد أسلفنا تفصيل أمرهم هذا في الجزء الثالث ص 106- 111 ط 2.
وأما أبوبكر فينفق جميع ماله في سبيل الله ويراه النبي الاعظم أمن الناس عليه في صحبته وماله ، ولم يوجد له مع ذلك كله ذكر في الكتاب العزيز ، هذا لماذا ؟
أنت تدري والاعجب : أن أبابكر غدا أمن الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله بانفاق أربعة أو خمسة أو ستة آلاف درهما- إن كانت له- ولم يكن عثمان كذلك وقد أنفق أضعاف ماأنفقه أبوبكر ، وبعث إلى رسول الله في غزوة بعشرة آلاف دينار كما جاء في مكذوبة أبي يعلى ( 2 ) فوضعها بين يديه فجعل صلى الله عليه وآله وسلم يقلبها ويدعو له بقوله : غفر الله لك ياعثمان ماأسررت وما أعلنت وماأخفيت وما هو كائن إلى يوم القيامة ( 3 ) ، مايبالي عثمان ما فعل بعدها.
وإني أرى الانجح للمدعي أن يسحب كلامه ويقول : لاأعلم بشئ من ذلك ، ولا أثبت شيئا منه ، وإنما اختلقه الغلو في الفضائل.
ولعل الباحث يقف على ماأخرجه الحافظان : الحاكم وأبونعيم أو على ما جاء به البيضاوي والزمخشري ، فيقع ذلك منه موقعا حسنا ويطالبني المخرج منه ، فاليك البيان :
أما الاخيران فقد ذكر البيضاوي في تفسيره 1 : 185 ، والزمخشري في الكشاف 1 : 286 : ان قوله تعالى : الذين ينفقون اموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم
* (هامش ) * (1 ) راجع ما مر في الجزء الثانى ص 47 وج 3 : 155- 163 ط 2.
( 2 ) أخرجه باسناد واه وذكره ابن كثير في تاريخه 7 : 612.
( 3 ) هذه الجملة توهن متن الرواية ، وتعرب عن انها مكذوبة على رسول الله :
عند ربهم.الآية.نزلت في أبي بكر حين تصدق بأربعين ألف دينار ، عشرة بالليل ، و عشرة بالنهار ، وعشرة بالسر ، وعشرة بالعلانية.
هذه المرسلة التي لم أعرف قائلها ومن الصحابة والتابعين ولم أقف على عزوهاإلى أحد من السلف في كتب القوم إلا سعيد بن مسيب المعروف بانحرافه عن أمير المؤمنين علي عليه السلام ، اختلقتها يدالوضع تجاه ماأخرجه الحافظ من نزولها في علي أمير المؤمنين ومنحت فيها لابي بكر أربعين الف دينار لتقريب نزول الآية فيمن انفق كمية كبيرة كهذه إلى فهم بسطاء الامة دون منفق أربعة دراهم ، ذاهلا عما هو المتسالم عليه عند القوم من أخذ أبي بكر يوم هجرته إلى المدينة أربعة أو خمسة أو ستة آلاف درهم ، و هي جميع ماكان بمكة.والآية المذكورة في سورة البقرة ، وقدأصفقت أئمة الحديث والتفسير على نزولها بالمدينة في أوليات الهجرة ( 1 ).
قال ابن كثير في تفسيره : هكذا قال غير واحد من الائمة والعلماء والمفسرين ، ولا خلاف فيه.فأنى لابي بكر عند نزول الآية الاربعون ألف دينارا ؟ تصدق بها أم لم يتصدق ، ولم يكن يملك إلا دريهمات إن صح حديثها أيضا ، وستعرف انه لايصح تعقب السيوطي هذ ، المرسلة بقوله : خبرإن الآية نزلت فيه لم أقف عليه ، و كأن من ادعى ذلك فهمه مما أخرجه ابن المنذر عن ابن اسحاق قال : لما قبض أبوبكر رضي الله تعالى عنه واستخلف عمر خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أيها الناس إن بعض الطمع فقر ، وإن بعض اليأس غنى ، وإنكم تجمعون مالا تأكلون ، وتؤملون مالا تدركون ، واعلموا أن بعضا من الشح شعبة من النفاق ، فانفقوا خيرا لانفسكم ، فأين أصحاب هذه الآية ؟ وقرأ الآية الكريمة ، وأنت تعلم أنها لا دلالة فيها على المدعى.اه‍ ( 2 )
وجاء مختلق آخر ( 3 ) فروى عن سعيد بن المسيب مرسلا من الطرفين : ان الآية
* (هامش ) * (1 ) تفسير القرطبى 1 ، 132 ، تفسير ابن كثير 1 : 35 ، تفسير الخازن
1 : 91 ، تفسير الشوكانى 1 : 61.
( 2 ) راجع تفسير الالوسى 3 : 48.
( 3 ) راجع تفسير الشوكانى 1 : 265 ، تفسير الالوسى 3 : 48.
المذكورة نزلت في عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف في نفقتهم في جيش العسرة يوم غزوة تبوك.
وذكر الرازي في تفسيره 2 : 347 فقال : إن اللتي نزلت في عثمان لانفاقه جيش العسرة هي قوله تعالى : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى.الآية.
وقد أعمى الحب بصائر القوم ، فحرفوا الكلم عن مواضعه ، وقالوا في كتاب الله ما زين لهم الشيطان ، خفي على المغفلين ان الآيتين من سورة البقرة آية 262 و 274 وهي أول سورة نزلت بالمدينة المشرفة كماقاله المفسرون ( 1 ) وقد نزلت قبل غزوة تبوك و جيشها- جيش العسرة الواقعة في شهر رجب سنة تسع- بعدة سنين ، فلا يصح نزول أي من الآيتين في عثمان.
وأما ماأخرجه الحافظان
1- فأخرج أبونعيم في الحلية 1 : 33 عن محمد بن أحمد بن محمد الوراق عن ابراهيم بن عبدالله بن أيوب المخرمي عن سلمة بن حفص السعدي عن يونس بن بكير عن محمدبن اسحق عن هشام بن عروة عن يحيى بن عبادبن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن اسماء‌بنت أبي بكر قالت : كانت يدالنبي صلى الله عليه وسلم في مال أبي بكر ويد أبي بكر واحدة حين حجا.
رجال السند :
1- محمد بن أحمد الوراق.كذبه أبوبكر بن اسحاق قاله الحاكم.لسان الميزان 5 : 51.
2- إبرا هيم بن عبدالله المخرمي قال الدار قطني : ليس بثقة حدث عن الثقات بأحاديث باطلة.لسان الميزان 1 : 72.
3- سلمة بن حفص السعدي ، شيخ كوفي قال ابن حبا ن : كان يضع الحديث فذكر له حديثا منكرا.وقال : لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه.وروى عنه حديثا
فقال : لاأصل له.لسان الميزان 3 : 67.
* (هامش ) * (1 ) راجع تفسير القرطبي 1 : 132 ، تفسير الخازن 1 : 19 ، تفسير الشوكانى 1 : 16.
2- أخرج الحاكم في المستدرك 3 : من طريق أحمد بن عبدالجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق عن يحيى بن عباد عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : لما توجه رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة ومعه أبوبكر حمل أبوبكر معه جميع ماله خمسة ألف أو ستة ألف ( 1 ) درهم فأتاني جدي أبوقحافة وقد ذهب بصره فقال :
إن هذا والله قد فجعكم بماله مع نفسه ، فقلت : كلا ياأبت قد ترك لنا خيرا كثيرا ، فعمدت إلى أحجار فجعلتهن في كوة البيت ، وكان أبوبكر يجعل أمواله فيها وغطيت على الاحجار بثوب ثم جئت فأخذت بيده فوضعتها على الثوب فقال : أما إذاترك هذا فنعم قالت : ووالله ماترك قليلا ولا كثيرا.رجال السند :
1- أحمد بن عبدالجبار أبوعمر الكوفي.قال ابن أبي حاتم : كتبت عنه و أمسكت عن الرواية عنه لكثرة كلام الناس فيه ، وقال مطين : كان يكذب.وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم تركه ابن عقدة.وقال ابن عدي : رأيت أهل العراق مجمعين على ضعفه ، وكان ابن عقدة لايحدث عنه.وكان أحمد يلعب بالحمام الهدى ( 2 ).
2- محمد بن اسحاق.أسلفنا في الجزء السابع صفحة 319 ط 2 كلمات الحفاظ فيه وانه كذاب دجال مدلس لايحتج به.
3- أخرج أبونعيم في حلية الاولياء 1 : 32 : من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أرقم عن أبيه قال : سمعت عمربن الخطاب رضي الله عنه يقول : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك مال عندي فقلت : اليوم اسبق أبابكر إن سبقته يوما قال : فجئت بنصف مالي قال : فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : ما أبقيت لاهلك ؟ قال : فقلت : مثله و أتى أبوبكر بكل ما عنده.فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لاهلك ؟ قال أبقيت لهم الله ورسوله.قلت : لااسابقك إلى شئ أبدا.
ورواه من طريق عبدالله بن عمرالعمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر.كفى الاسناد ضعفا هشام بن سعد أبوعباد المدني.كان يحيى بن سعد لايروي عنه
* (هامش ) * (1 ) كذا في الموضعين والصحيح : آلاف.كما في جميع المصادر.
( 2 ) تاريخ الخطيب 4 : 263 ، تهذيب التهذيب 1 : 51.
وعن أحمد قال : ليس هو محكم الحديث.وقال حرب : لم يرضه أحمد ، وقال ابن معين :
ضعيف ، ليس بذالك القوي.ليس بشيئ حديثه مختلط ، وقال أبوحاتم : يكتب حديثه ولايحتج به.وقال النسائي : ضعيف.وقال مرة : ليس بالقوي.وقال ابن سعد : كثير الحديث يستضعف وكان متشيعا.وقال ابن المديني : صالح وليس بالقوي.وقال الخليلي : أنكر الحفاظ حديثه في المواقع.وذكره ابن سفيان في الضعفاء ( 1 ) وأما عبدالله بن عمر العمري فقال أبوزرعة الدمشقي عن أحمد : كان يزيد في الاسانيد ويخالف وكان رجلا صالحا.وقال ابن المديني : ضعيف.وعن يحيى بن سعيد : لايحدث عنه.وقال صالح جزرة : لين مختلط الحديث.وقال النسائي : ضعيف الحديث.
وقال ابن سعد.كثير الحديث يستضعف.وقال أبوحاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال ابن حبان : كان ممن غلب عليه الصلاح حتى غفل عن الضبط فاستحق الترك.وقال
البخاري : كان يحيى بن سعيد يضعفه.وقال أبواحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم.وقال
ابن شيبة : يزيد في الاسانيد كثيرا ( 2 )
وأما زيد بن أرقم فالصحيح : زيدبن أسلم مولى عمر ففي النسخة تصحيف.
لقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين
" القصص : 51 ، 155 "
* (هامش ) * (1 ) تهذيب التهذيب 11 : 40.
( 2 ) تهذيب التهذيب 5 : 327.
- الغلو في فضايل عمر :
قدمنا في الجزء السادس من نفسيات الخليفة الثاني وملكاته من فقهه وعلمه وعمله وخطواته الواسعة في شتى النواحي ما يوقفك على أن كل مانسرد هاهنا من ولائدالغلو في الفضائل ، وقد إلتمط بحياته الروحية من أول يومه إلى أن تسنم عرش الخلافة بإدلاء من الخليفة الاول إليه حصوله على لماظة من العيش يقتاب بها.
كان ردحا من الزمن يرعى الابل في وادي ضجنان ( 1 ) يرعب ويتعب إذاعمل ويضرب إذا قصر ( 2 )وآونة كان يحتطب ويحمل فوق رأسه حزمة من الحطب مع أبيه الخطاب وما منهما إلا في نمرة ( 3 ) لايبلغ ( 4 ) رسغيه ( 5 ) وكان مدة يقف في سوق عكاظ وبيده عصا ترع الصبيان به ، وكان يوم ذاك يسمى عميرا ( 6 ) وكان برهة من أيام إسلامه يمتهن بالبرطشة ، وكان مبرطشا يلهيه عن أخذ الكتاب والسنة الصفق بالاسواق ( 7 ).
* (هامش ) * (1 ) جبل بناحية مكة.
( 2 ) الاستيعاب 2 : 428 ، الرياض النضرة 2 : 50 ، تاريخ أبى الفدا ج 1 : 165 ، الخلفاء للنجار ص 113 ، وأوعز إلى حديثه ابن منظور في لسان العرب 17 : 112 ، والزبيدي في تاج العروس 9 : 262.
( 3 ) النمرة في القاموس : بردة من صوف تلبسها الاعراب.وفي الفائق للزمخشري : بردة تلبسها
الاماء فيها تخطيط.
( 4 ) الرسغ : مفصل مابين الساعد والكتف ، والساق والقدم.
( 5 ) العقد الفريد 1 : 91 ، شرح ابن أبى الحديد 1 : 58 ، فائق الزمخشرى 2 : 28.
( 6 ) الاستيعاب هامش الاصابة 4 : 291 ، الاصابة 4 : 29 ، الفتوحات الاسلامية 2 : 423 ،
وفيه تحريف نلفت إليه الانظار.
( 7 ) مر تفصيله في الجزء السادس ص 146 ، 287 ، 302 ط 1.
وكان دهرا يبيع الخيط والقرظة بالبقيع ( 1 )
أنا لا أدري في أي من أيامه هذه حصل على جدارة لما يخبرنا به ابن الجوزي في سيرة عمر ص 6 : من انه كانت السفارة- في الجاهلية- إلى عمر بن الخطاب إن وقعت حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيرا.وزاد عليه أبوعمر في الاستيعاب قوله : وإن نافر هم منافر أو فاخرهم مفاخر رضوا به وبعثوه منافرا ومفاخرا.( 2 )
أو كانت قريش كلهم من هذه الطبقة الواطئة ؟ فكانوا يبعثون للسفارة والمفاخرة غلاما هذا شأنه؟ وفيهم الصناديد والعظماء والرؤسا وذوو عارضة ورجال الكلام.
أم كانوا لايبا لون بمن يرسلونه ؟ " والرسول دليل عقل المرسل " لم يكن هذا ولا ذاك ولكن الحب يعمي ويصم ، وإنك تجد من نظاير هذه شيئا كثيرا ، وإليك جملة منه مضافا على ما مر في الجزء الخامس مما وضعته يدالغلو في فضائله.
- كلمات في علم عمر :
ورد في علمه عن ابن مسعود : لووضع علم احياء العرب في كفة الميزان ووضع علم عمر في كفة لرجح علم عمر ، ولقد كانوا يرون انه ذهب بتسعة أعشار العلم.
وفي لفظ المحب الطبري : لو وضع علم عمر في كفة وعلم أهل الارض في كفة لرجح علم عمر.
مستدرك الحاكم 3 : 86 الاستيعاب 2 : 430 ، الرياض النضره 2 : 8 ، أعلام الموقعين لابن القيم ص 6 ، تاريخ الخميس 2 : 268 ، عمدة القاري 5 : 410.
2- وقال حذيفة : كان علم الناس كلهم قد درس في حجر عمر مع علم عمر.الاستيعاب 2 : 430 ، اعلام الموقعين ص 6.
3- وقال مسروق : شاممت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة إلى علي.وعبدالله.وعمر.وزيدبن ثابت.وأبي الدرداء.وأبي.ثم شاممت الستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبدالله.أعلام الموقعين ص 6 و
* (هامس ) * (1 ) راجع مااسلفناه في الجزء السادس ص 303 ط 2.
( 2 ) وذكرابن عساكر مارواه أبوعمر وابن الجوزى في تاريخه 6 : 432.
4- وقال الشعبي : إذا اختلف الناس في شئ فخذوا بماقال عمر.أعلام الموقعين ص 6.
5- وقال ابن المسيب : ماأعلم أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم من عمربن الخطاب.أعلام الموقعين ص 7.
6- وقال بعض التابعين : دفعت إلى عمر فاذا الفقهاء عنده مثل الصبيان قد استعلى عليهم في فقهه وعلمه.أعلام الموقعين ص 7.
7- وقال خلدالاسدي : صحبت عمر فما رأيت أحدا أفقه في دين الله ولا أعلم بكتاب الله ولا أحسن مدارسة منه.الرياض النظرة 2 : 8.
هاهنا لا نطيل القول وإنما نحيلك إلى الجزء السادس من هذا الكتاب من صفحة 83- 325 ط 2 فان هنالك مايغني الباحث عن الاسهاب في المقام ، وأنت أيها المخبت إلى هذه الاقاويل هل علمت شيئا مما قدمناه ؟ ودريت فذلكة ذلك البحث الضافي أو لا ؟.
فان كنت لا تدري فتلك مصيبة * وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم وأنت جد عليم بأن هذه التقولات لا تلائم مع ما حفظه التاريخ من نوادر الاثر في علم عمر ، والحري هو الاخذ بما مر من أقواله نفسه في علمه ج 6 ص 328 ط 2 وبها تتضح جلية الحال ، والانسان على نفسه بصيرة.
- عمر أقرأ الصحابة وأفقههم :
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال : أمرت أن أقرأ القرآن على عمر.ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الاصول 58.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كان عمر أتقانا للرب ، وأقرأنا لكتاب الله.أخرجه الحاكم في المستدرك ج 3 ص 86.
وذكر المحب الطبري نقلا عن علي بن حرب الطائي من طريق ابن مسعود انه قال لزيد بن وهب : إقرأ بما أقرأكه عمر ، إن عمر أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله ( 1 )
هذه مراسيل مقطوعة عن الاسناد ، وانصف الحاكم إذ سكت عن إسناد ما أخرجه اوانه لم يقف عليه فيصححه ، وسكت عنه الذهبي للعلة نفسها ، وأحسب ان بطلان هذه
* (هامش ) * (1 ) الرياض النضرة 2 : 8.
الروايات في غنى عن إبطال إسنادها ، فان العناية الالهية لوشملت الخليفة بحيث أمر نبيه صلى الله عليه وآله بقراء‌ة القرآن عليه ، لابد وأن تشمله بالتمكن من تلقيه وضبطه و حفظه وفقهه والوقوف على مغازيه والعمل به ، وأن يكون أقرأ كما في رواية الحاكم ، أو أعلم وأفقه كما في رواية الطائي ، إذن فما تلكم الجهود المتعبة في تعلم سورة البقرة فحسب طيلة اثنتي عشرسنة ؟ كما مر في الجزء السادس ص 196 ط 2.
وهاتيك الاحكام الشاذة عن موارد من القرآن الكريم ؟
1- كحكمه للجنب الفاقد للماء بترك الصلاة ذهلا عن قوله تعالى في سورة النساء : 43 ، وفي سورة المائدة : 6.
2- وحكمه على إمرأة ولدت لستة أشهر بالرجم ، ونصب عينه الآية الكريمة : حمله وفصاله ثلاثون شهرا.وقوله تعالى : والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين.
3- ونهيه عن المغالاة في مهور النساء ، وبين يديه قوله تعالى : وآتيتم إحداهن قنطارا.
4- وجهله بمعنى الاب وهو يتلو : متاعا لكم ولانعامكم.
5- وحسبانه ان الحجر الاسعد لايضر ولا ينفع جهلا بمغزى قوله تعالى : و إذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم.الآية.
6- ونهيه عن الطيبات في الحياة الدنيا تمسكا بقوله تعالى : اذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ذاهلا عما قبله ، غير ملتفت إلى الآية الاخرى : قل من حرم زينة الله التي اخرجت للناس.الآية.
7- وجهله بمعاريض الكلم المتخذة من الكتاب.
8- وأمره برجم الزانية المضطرة ، وفي الذكر الحكيم : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه.
9- وتجسسه عن صوت ارتاب به فتسلق الحائط ودخل البيت ولم يسلم غير مكترث لآيات ثلاث: لاتجسسوا.وأتوا البيوت من أبوابها.فاذا دخلتم بيوتا فسلموا.
10- وجهله بالكلالة وبمسمع منه آية الصيف.
11- وقوله بتعذيب الميت ببكاء الحي كأنه لم يقرأ قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى.
12- وقوله الشاذ في الطلاق قصورا منه عن فهم قوله تعالى : الطلاق مرتان.
13- ونهيه عن متعة الحج وهو يتلو قوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله.الآية.
14- وتحريمه متعة النساء ذهولا منه عن قوله تعالى : فما ستمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن.الآية.
تجد تفاصيل هذه الجمل في نوادر الاثر من الجزء السادس من كتابنا هذا ، وهناك موارد كثيرة من القرآن ، لم يهتداليها ، وتجد جملة منها في طيات أجزاء كتابنا هذا.
فهل من السائغ في شريعة الحجى أن يكون الاقرأ والاعلم والافقه بهذه المثابة من الابتعاد عن الآي الشريفة ، ومراميها الكريمة ، ولوكان كمازعموه فما قوله في خطبته الصحيحة الثابتة له باسناد صحيح رجاله كلهم ثقات : " من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب ، ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأ ت معاذبن جبل ، و من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ".راجع ج 6 : 191 ط 2.
- الشيطان يخاف ويفر من عمر :
1- عن بريدة : جرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه ، لما انصرف جاء‌ت جارية سوداء فقالت : يارسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا.فجعلت
تضرب فدخل أبوبكر وهي تضرب ، ثم دخل علي وهي تضرب ، ثم دخل عثمان وهي تضرب ، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت إستها ثم قعدت عليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
إن الشيطان ليخاف منك ياعمر إني كنت جالسا وهي تضرب ، ثم دخل علي وهي تضرب ، ثم دخل عثمان وهي تضرب ، فلمادخلت أنت ياعمر ألقت الدف.
وفي لفظ أحمد : إن الشيطان ليفرق منك ياعمر .
وعن جابر قال : دخل أبوبكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يضرب بالدف عنده ، فقعد ولم يزجر لمارأى من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء عمر رضي الله عنه فلما سمع رسول الله صوته كف عن ذلك ، فلما خرجاقالت عائشة رضي الله عنها : يارسول الله كان حلالا فلما دخل عمر صار حراما ؟ فقال عليه السلام : ياعائشة ليس كل الناس مرخا عليه.
أخرج أحمد في مسنده 5 : 353 ، والترمذي في جامعه 2 : 203 فقال هذا حديث حسن صحيح غريب ، والحكيم الترمذي في نوادر الاصول ص 58 من طريق بريدة وص 138 من حديث جابر ، فقال في الموضع الاول : فلا يظن ذو عقل ان عمر في هذا أفضل من أبي بكر ، وأبوبكر شبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع الامرين والدرجتين ، فله درجة النبوة لايلحقه أحد ، وأبوبكر له درجة الرحمة ، وعمر له درجة الحق.
ورواه البيهقي في سننه 10 : 77 ، والخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح ص 550 ، وابن الاثير في اسد الغابة 4 : 64 ، والشو كاني في نيل الاوطار 8 : 271.
2- عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فسمعنا لغطا وصوت صبيان ،
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذاحبشية تزفن- إي ترقص- والصبيان حولها فقال : ياعائشة تعالي فانظري.فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أنظر اليها ما بين المنكب إلى رأسه ، فقال لي : أماشبعت ؟ أماشبعت فجعلت أقول : لا.لانظر منزلتي عنده ، إذ طلع العمر فارفض الناس عنها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لانظر شياطين الجن والانس قد فروا من عمر ، قالت : فرجعت.
أخرجه الترمذي في صحيحه 2 ص 294 فقال : هذا حديث حسن صحيح غريب ، والبغوي في مصباح السند 2 : 271 ، والخطيب العمري التبريزي في مشكاة المصابيح ص 550 ، والمحب الطبري في الرياض 2 : 208.
3- أخرج أحمد في مسنده 2 : 208.من حديث أبي هريرة قال : بينا الحبشة يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرابهم ، دخل عمر فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم دعهم ياعمر .
وأخرج أبوداود الطيالسي في مسنده 204 من حديث عائشة قالت : كانت الحبشة يدخلون المسجد ، فجعلوا يلعبون ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستر ني وأناأنظر إليهم جارية حديثة السن ، فجاء عمر فنهاهن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعهن ياعمر .ثم قال :
هن بنات أرفدة.
- الغدير 6 :
4- روى أبونصر الطوسي في اللمع ص 274 : إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيت عائشة رضي الله عنها ، فوجد فيه جاريتين تغنيان وتضربان بالدف فلم ينههما عن ذلك وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين غضب : أمزمار الشطان في بيت رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : دعهما ياعمر فان لكل قوم عيد.
قال الاميني : لاحاجة لنا إلى البحث عن إسناد هذه الروايات فان في متونها من الخزاية ما فيه غنى عن ذلك.فدع الترمذي يستحسن إسناد مارواه ويصححه ، ودع الحفاظ يملاون عياب علمهم بعيوب مثلها ، ودع شاعرالنيل يتبع من لا خلاق له من الحفاظ ويعد ها من فضائل عمر ، ويقول تحت عنوان " مثال من هيبته " :
في الجاهلية والاسلام هيبته * تثني الخطوب فلا تعدو عواديها
في طي شدته أسرار مرحمة * للعالمين ولكن ليس يفشيها
وبين جنبيه في أوفى صرامته * فؤاد والدة ترعي ذراريها
أغنت عن الصارم المصقول درته * فكم أخافت غوي النفس عاتيها ؟
كانت له كعصاموسى لصاحبها * لاينزل البطل مجتازا بواديها
أخاف حتى الذراري في ملاعبها * وراع حتى الغواني في ملاهيها
أريت تلك التي لله قدنذرت * أنشودة لرسول الله تهديها
قالت : نذرت لئن عادالنبي لنا * من غزوة لعلى دفي أغنيها
ويممت حضرة الهادي وقد ملاء‌ت * أنوار طلعته أرجاء واديها
واستأذنت ومشت بالدف واندفعت * تشجي بألحانها ماشاء مشجيها ( 1 )
والمصطفى وأبوبكر بجانبه * لاينكران عليها ماأغا نيها
حتى إذا لاح عن بعد لها عمر * خارت قواها وكاد الخوف يرديها
وخبأت دفها في ثوبها فرقا * منه وودت لو ان الارض تطويها
قدكان علم رسول الله يؤنسها * فجاء بطش أبي حفص يخشيها
فقال مهبط وحي الله مبتسما * وفي ابتسامته معنى يواسيها
* (هامش ) * (1 ) تشجى : تثير الشعور وتشوق
قد فر شيطانها لما رأى عمرا * إن الشياطين تخشى بأس مخزيها ( 1 )
لقد عزب عن المساكين ان ما تحروه من اثبات فضيلة للخليفة الثاني يجلب الفضائح إلى ساحة النبوة " تقدست عنها " فأي نبي هذا ؟ يروقه النظر إلى الراقصات والاستماع لاهازيجهن وشهود المعازف ، ولا يقنعه ذلك كله حتى يطلع عليها حليلته عائشة ، والناس ينظرون اليها من كثب ، وهو يقول لها : شبعت ؟ شبعت ؟ وهي تقول :
لا لعرفان منزلتها عنده ولا تزعه أبهة النبوة عن أن يقف مع الصبيان للتتلع على مشاهد اللهو شأن الذنابا والاوباش وأهل الخلاعة والمجون ، وقد جاء‌ت شريعته المقدسة بتحريم كل ذلك بالكتاب والسنة الشريفة ، هذا قوله تعالى : " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين." سورة لقمان آية 6.
وقد جاء عنه صلى الله عليه وآله ، من حديث أبي امامة : لا تبيعوا القينات ، ولا تشتروهن ولا
تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن ، وثمنهن حرام ، في مثل هذا أنزلت هذه الآية : " ومن الناس من يشتري " الآية.
وفي لفظ الطبري والبغوي : لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن ، وأثمانهن حرام وفي مثل ذالك نزلت هذه الآية.
أخرجه سعيد بن منصور.أحمد.الترمذي.ابن ماجة.ابن جرير.ابن المنذر.
ابن حاتم.ابن أبي شيبة.ابن مردويه.الطبراني.البيهقي ، ابن أبي الدنيا.وغيرهم.
راجع تفسير الطبري 21 : 39 ، تفسير القرطبي 14 : 51 ، نقدالعلم والعلماء لابن الجوزي ص 347 ، تفسير ابن كثير 3 : 442 ، تفسير الخازن 3 : 36 ، إرشاد الساري 9 : 163 ، الدر المنثور 5 : 159 ، تفسير الشوكاني 4 : 228 ، نيل الاوطار 8 : 263 ، تفسير الآلوسي 21 : 68 وأخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه من طريق عائشة مرفوعا : إن الله تعالى حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع اليها ، ثم قرأ : ومن الناس من يشتري لهو الحديث.
الدر المنثور 5 : 159 ، تفسير الشوكاني 4 : 228 ، تفسير الآلوسي 21 : 68.
* (هامش ) * (1 ) هذه الابيات من العمرية الشهيرة لشاعر النيل محمد حافظ ابراهيم ، وقد مر الايعاز اليها في الجزء السابع ص 86 ، 87 ط 2.
وعن ابن مسعود : انه سأل عن قوله : ومن الناس من يشتري لهو الحديث.قال : هو والله الغناء.وفي لفظ : هو الغناء والله الذي لاإله إلاهو ، يرددها ثلاث مرات.وعن جابر في الآية قال: هو الغناء والاستماع له.ومعنى يشتري يستبدل كمافي
قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ، أي استبدلوه منه واختاروه عليه ،
وقال مطرف : شراء لهو الحديث استحبابه.وقال قتادة : سماعه شراؤه.
وبالغناء فسر لهو الحديث في الآية الشريفة وانها نزلت فيه : ابن عباس ، وعبدالله ابن عمر ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، ومكحول ، وعمروبن شعيب ، وميمون ابن مهران ، وقتادة ، والنخعي ، وعطاء ، وعلي بن بذيمة ، والحسن ، كماأخرجه : ابن أبي شيبة ، ابن أبي الدنيا ، ابن جرير ، ابن المنذر ، الحاكم ، البيهقي في شعب الايمان ، ابن أبي حاتم ، ابن مردويه ، الفريابي ، ابن عساكر.
راجع تفسير الطبري 21 : 39 ، 40 ، سنن البيهقي 10 : 221 ، 223 ، 225 ، مستدرك الحاكم 2 : 411 ، تفسيرالقر طبي 14 : 51 ، 52 ، 53 ، نقد العلم والعلماء لابن الجوزي ص 246 ، تفسير ابن كثير 3 : 441 ، 442 ، إرشاد الساري للقسطلاني 9 : 163 ، تفسير الخازن 3 : 46 ، تفسير النسفي هامش الخازن 3 : 460 ، تفسير الدر المنثور 5 : 159 ، 160 ، تفسير الشوكاني 4 : 228 ، تفسير الآلوسي 21 : 67 ، نيل الاوطار 8 : 263.
2- ينذر الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وآله في الكتاب العزيز بقوله : وأنتم سامدون.
( سورة النجم : 61 ) قال عكرمة عن ابن عباس انه قال : هوالغناء بلغة حمير.يقال : سمد لنا.أي غن لنا.ويقال للقينة : اسمدينا.أي : ألهينا بالغناء.
أخرجه سعيد بن منصور ، عبد بن حميد ، ابن جرير ، عبدالرزاق ، الفريا بي ، أبوعبيد ، إبن أبي الدنيا ، البزار ، إبن المنذر ، إبن أبي حاتم ، البيهقي.
راجع تفسير الطبري 28 : 48 ، تفسير القرطبي 17 : 122 ، نقد العلم والعلماء لابن الجوزي ص 246 ، نهاية ابن الاثير 2 : 195 ، الفائق للزمخشري 1 : 305 ، تفسير ابن كثير 4 : 260 ، تفسير الخازن 4 : 212 ، الدر المنثور 6 : 132 ، تاج العروس 2 : 381 ، تفسير الشوكاني 5 : 115 ، تفسير الآلوسي 27 : 72 ، نيل الاوطار 8 : 263.
3- وفي خطاب الله العزيز قوله تعالى لابليس : واستفزز من استطعت منهم بصوتك.( سورة الاسراء : 64 ) قال ابن عباس ومجاهد : إنه الغناء والمزامير واللهو.كما في تفسير الطبري 15: 81 ، تفسير القرطبي 10 : 288 ، نقد العلم والعالم لابن الجوزي ص 247 ، تفسير ابن كثير 3 : 49 ، تفسير الخازن 3 : 178 ، تفسير النسفي 3 ص 178 ، تفسير ابن جزي الكلبي
2 : 175 ، تفسير الشوكاني 3 : 233 ، تفسير الآلوسي 15 : 111.
- السنة في الغناء والمعازف :
قدجاء في السنة الشريفة عنه صلى الله عليه وآله : ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله
عليه شيطانين أحدهما على هذ المنكب والآخر على هذالمنكب ، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هوالذي يسكت.
وفي لفظ ابن أبي الدنيا وابن مردويه : مارفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله تعالى إليه شيطانين يجلسان على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك.
راجع تفسير القرطبي 14 : 43 ، تفسير الزمخشري 2 : 411 ، نقد العلم والعلماء لابن الجوزي ص 248 ، تفسير الخازن 3 : 460 ، تفسير النسفي هامش الخازن 3 : 460 ، إرشاد الساري 9 : 164 ، الدر المنثور5: 159، تفسير الشوكاني4: 228 ، تفسير الآلوسي21 : 68.
2- عن عبدالرحمن بن عوف : إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت عند نغمة لهو ومزامير الشيطان.وصوت عند مصيبة خمش وجوه ، وشق جيوب ، ورنة شيطان.
وفي لفظ الترمذي وغيره من حديث أنس مرفوعا : صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما : صوت مزمار ورنة شيطان عند نغمة ومرح ، ورنة عند مصيبة ، لطم خدود ، وشق جيوب.
تفسير القرطبي 14 : 53 ، نقد العلم والعلماء ص 248 ، الدر المنثور 5 : 160 ، كنز العمال 7 : 333 ، تفسير الشوكاني 4 : 229 نيل الاوطار 8 : 268.
3- عن عمر بن الخطاب مرفوعا : ثمن القينة سحت ، وغناء ها حرام ، والنظر اليها حرام ، وثمنها من ثمن الكلب وثمن الكلب سحت.
أخرجه الطبراني كمافي ارشاد الساري للقسطلاني9 : 163، ونيل الاوطار للشوكاني8 : 264.
4- عن أبي موسى الاشعري مرفوعا : من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين.فقيل : ومن الروحانيون يارسول الله ؟ قال : قراء أهل الجنة.
أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الاصول ، والقرطبي في تفسيره 14 : 54.
5- مرفوعا : ليكونن في أمتي قوم يستحلون الخز والخمر والمعازف ( 1 ) أخرجه أحمد.وبن ماجة.وأبونعيم.وأبوداود باسانيدهم صحيحة لا مطعن فيها ، وصححه جماعة آخرون من الائمة ، كماقاله بعض الحفاظ.قاله الآلوسي في تفسيره 21 : 76 ، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 10 : 221 فقال : أخرجه البخاري في الصحيح.
6- عن ابن عباس وأنس وأبي امامة مرفوعا : ليكونن في هذه الامة خسف و قذف ومسخ ، وذلك إذا شربوا الخمور ، واتخذوا القينات ، وضربوا بالمعازف.
أخرجه ابن أبي الدنيا.وأحمد.والطبراني ، كما في الدر المنثور 2 : 324 ، و تفسير الآلوسي 21 : 76.
7- عن عبدالله بن عمر- عمرو- قال : إن قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان.هي في التوراة : إن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل ، ويبطل به اللعب والزفن والمزامير والكبارات يعنى البرابط والزمارات يعني الدف والطنابير.
أخرجه ابن أبي حاتم ، وأبوالشيخ ، والبيهقي في سننه 10 : 222 ، وراجع تفسير ابن كثير 2 : 96 ، والدر المنثور 2 : 317.
8- عن أنس وأبي امامة مرفوعا : بعثني الله رحمة وهدى للعالمين ، وبعثني بمحق المعازف والمزامير وأمر الجاهلية.كتاب العلم لابن عبدالبر 1 : 153 ، الدر
* (هامش ) * (1 ) في حواشى الدمياطى : المعازف : الدفوف وغيرها مما يضرب به.ويطلق على الغناء عزف وعلى كل لعب.نيل الاوطار 8 : 261.
المنثور 2 : 323 ، نيل الاوطار 8 : 262.
9- عن علي مرفوعا : تمسخ طائفة من أمتي قردة ، وطائفة خنازير ، ويخسف بطائفة ، ويرسل على طائفة الريح العقيم بأنهم شربوا الخمر ، ولبسوا الحرير ، واتخذوا القيان ، وضربوا بالدفوف.الدر المنثور 2 : 324
10- عن أبي هريرة مرفوعا : يمسخ قوم من هذه الامة في آخر الزمان قردة وخنازير قالو يارسول الله أليس يشهدون أن لاإله إلا الله وان محمدا رسول الله ؟
قال : بلى ويصومون ويصلون ويحجون ، قالوا : فمابالهم ؟ قال : إتخذوا المعازف والدفوف والقينات ، وباتواعلى شربهم ولهوهم ، فأصبحواقد مسخواقردة وخنازير.
وقريب من هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سابط.والغازي بن ربيعة.
وصالح بن خالد.وأنس بن مالك.وأبو امامة.وعمران بن حصين.أخرجها ابن ابي الدنيا.ابن أبي شيبة.ابن عدي.الحاكم.البيهقي.أبوداود.ابن ماجة.راجع الدر المنثور : 324.
11- عن أنس بن مالك مرفوعا : من جلس إلى قينة يسمع منها صب في أذنه الآنك ( 1 ) يوم القيامة.تفسير القرطبي 14 : 53 ، نيل الاوطار 8 : 264.
12- عن عائشة مرفوعا:من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه.تفسير القرطبي14 : 53.
13- أخرج الترمذي من حديث علي مرفوعا : إذا فعلت امتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء- فذكرها منها- : إذا اتخذت القينات والمعازف.وفي لفظ أبي هريرة : ظهرت القيان والمعازف.نقد العلم والعلماء لابن الجوزي ص 249 ، تفسير القرطبي 14 : 53 ، نيل الاوطار 8 : 263
14- عن ابن المنكدر : بلغنا ان الله تعالى يقول يوم القيامة : أين عبادي الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان ؟ أحلوهم رياض المسك و أخبروهم أني قد أحللت عليهم رضواني.تفسير القرطبي 14 : 53.
15- عن ابن مسعود : إن النبي صلى الله عليه وآله سمع رجلا يتغنى من الليل فقال : لا
* (هامش ) * (1 ) الانك : الرصاص.
صلاة له ، لاصلاة له ، لاصلاة له.نيل الاوطار 8 : 264.
16- قال رسول الله عليه السلام يوم فتح مكة : إنما بعثت بكسرالدف والمزمار ، فخرج الصحابة رضوان الله عليهم يأخذونها من أيدي الولدان ويكسرونها.بهجة النفوس شرح مختصر صحيح البخاري لابي محمد ابن أبي جمرة الازدي 2 : 74.
17- في حديث من طريق معاوية : يا ايها الناس ان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن تسع وأنا أنهى عنهن.وعد منها : الغناء.تاريخ البخاري 4 قسم 1 : 234.
- الغناء في المذاهب الاربعة :
1- حرمه إمام الحنفية وعده وسماعه من الذنوب ، وهذا مذهب مشايخ أهل الكوفة : سفيان.وحماد.وابراهيم.والشعبي.وعكرمة.
2- عن مالك إمام المالكية انه نهى عن الغناء وعن استماعه وقال : إذا اشترى أحد جارية فوجدها مغنية فله أن يردها بالعيب.وهو مذهب ساير أهل المدينة إلا ابراهيم بن سعد وحده.
وسئل مالك : ماترخص فيه أهل المدينة من الغناء ؟ فقال : إنما يفعله عندنا الفساق.
وسئل مالك عن الغناء ؟ فقال : قال الله تعالى : فماذا بعد الحق إلاالضلال.أفحق هو ؟
3- ونقل التحريم عن جمع من الحنابلة على ماحكاه شارح المقنع ، وعن عبدالله بن الامام أحمد انه قال : سألت أبي عن الغناء.فقال : ينبت النفاق في القلب لايعجبني ثم ذكر قول مالك : إنمايفعله عندنا الفساق.
4- وصرح أصحاب الشافعي العارفون بمذهبه بتحريمه وأنكروا على من نسب إليه حله كالقاضي أبي الطيب وله في ذم الغناء والمنع عنه كتاب مصنف ، والطبري والشيخ أبي اسحاق في التنبيه.
وقال أبوالطيب الطبري : أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم فان أصحاب الشافعي لايجوزوه سواء كانت حرة أو مملوكة.قال : وقال الشافعي : وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته ، ثم غلظ القول فيه فقال : فهي دياثة.و إنما جعل صاحبها سفيها لانه دعاالناس إلى الباطل ومن دعا الناس كان سفيها.
وقال ابن الصلاح : هذاالسماع حرام باجماع أهل الحل والعقد من المسلمين.
وقال الطبري : أجمع علماء الامصار على كراهة الغناء والمنع منه ، وإنما فارق الجماعة ابراهيم ابن السعد ، وعبيدالله العنبري.
وسئل القاسم ابن محمد عن الغناء فقال : أنهاك عنه وأكرهه لك.فقال السائل.أحرام هو ؟
قال : انظريابن أخي إذا ميزالله تعالى الحق من الباطل في أيهما يجعل سبحانه
الغناء ؟ وقال : لعن الله المغني والمغنى له.
وقال المحاسبي في رسالة الانشاء : الغناء حرام كالميتة.
وفي كتاب التقريب : ان الغناء حرام فعله وسماعه.
وقال النحاس : ممنوع بالكتاب والسنة.
وقال القفال لاتقبل شهادة المغني والرقاص.
راجع سنن البيهقي 10 : 224 ، نقد العلم والعلماء لابن الجوزي ص 242 246 ، تفسير القرطبي 14 : 51 ، 52 ، 55 ، 56 ، الدر المنثور 5.59 ` ، عمدة القاري للعيني 5 : 160 ، تفسير الآلوسي 21 : 68 ، 69.
وفي مفتاح السعادة 1 : 334 : وقد قيل : التلذذ بالغناء وضرب المناهي كفر.
قال الاميني : لعل القائل أخذ بما أخرجه أبويعقوب النيسابوري من حديث أبي هريرة مرفوعا : استماع الملاهي معصية ، والجلوس عليها فسق ، والتلذذ بها كفر.نيل الاطار 8 : 264.
وعن ابراهيم بن مسعود : الغناء باطل والباطل في النار.وعنه : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل.وعنه : إذا ركب الرجل الدابة ولم يسم ردفه شيطان فقال : تغنه.فان كان لا يحسن قال : تمنه.
ومر ابن عمر رضي الله عنه بقوم محرمين وفيهم رجل يغني قال : الا لا سمع الله لكم.ومر بجارية صغيرة تغني فقال : لوترك الشيطان أحدا لترك هذه.
وقال الضحاك : الغناء منفدة للمال ، مسخطة للرب ، مفسدة للقلب.
وقال يزيد بن الوليد الناقص : يابني أمية إياكم والغناء فانه ينقص الحياء ، و يزيد في الشهوة ، ويهدم المروء‌ة ، وأنه لينوب عن الخمر ، ويفعل مايفعل السكر ، فإن كنتم لابد فاعلين فجنبوه النساء فان الغناء داعية الزنا.
وفيما كتب عمربن عبدالعزيز إلى سهل مولاه : بلغني عن الثقات من حملة العلم ان حضور المعازف واستماع الاغاني واللهج بهما ، ينبت النفاق في القلب ، كما ينبت الماء العشب.
وقيل : الغناء جاسوس القلب ، وسارق المروء‌ة والعقل ، يتغلغلل في سويداء القلوب ، ويطلع على سرائر الافئدة ، ويدب إلى بيت التخييل ، فينشر ماغرزفيها من الهوى والشهوة والسخافة والرعونة ، فبينما ترى الرجل وعليه سمت الوقار ، وبهاء العقل ، وبهجة الايمان ، ووقار العلم ، وكلامه حكمة ، وسكوته عبرة ، فاذا سمع الغناء نقص عقله وحياؤه ، وذهب مروء‌ته وبهاؤه ، فيستحسن ماكان قبل السماع يستقبحه ، ويبدي من أسراره ماكان يكتمه ، وينتقل من بهاء السكوت والسكون إلى كثرة الكلام والهذيان والاهتزار كأنه جان وربما صفق بيديه ، ودق الارض برجليه ، وهكذا تفعل الخمر إلى غير ذلك.
راجع سنن البيهقي 1 : 223 ، نقدالعلم والعلماء لابن الجوزي ص 250 ، تفسير الزمخشري 2 : 411 ، تفسير القرطبي 14 : 52 ، إرشاد الساري 9.164 ، الدر المنثور 5 : 159 ، 160 ، كنز العمال 7 : 333 ، تفسير الخازن 3 : 46 ، تفسير الشوكاني 4 : 228 ، نيل الاطار 8 : 264 ، تفسير الآلوسي 21 : 67 ، 68.
- نظرة في الاحاديث المعنونة :
هذا شأن الغناء والملاهي ، وتلك مايؤثر عن نبي الاسلام صلى الله عليه وآله أفمن المعقول إذن أن تعزى اليه تلك المسامحة المزرية بعصمته ، المسقطة لمحله ، المسفة به إلى هوة الجهل ؟ ثم يحسب أن الذي تذمر عنهما وتجهم أمام الباطل ودحضه هو عمر فحسب دون رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وما هذا الشيطان الذي كان يفرق من عمر وماكان يخاف رسل الله صلى الله عليه وآله ؟
أي نبي هذا ؟ وهو يسمع الملاهي ، وترقص بين يديه الرقاصة الاجنبية ، وتضرب بالدف وتغني ، أو يوقف هو حليلة على تلك المواقف المخزية ، ثم يقول :
لست من دد ولا الدد مني.أو يقول : لست من دد ولا دد مني أويقول : لست من الباطل ولاالباطل مني ( 1 )
* (هامش ) * (1 ) أخرجه البخارى في الادب ، والبيهقى والخطيب ، وابن عساكر.راجع كنزالعمال 7 : 333 ، الفيض القدير 5 265
أي عظيم هذا ؟ يرى في بيته غناء الجواري وضربهن بالدف ولاينبس ببنت شفة غير أن عمر يغضبه ذلك ويقول : أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ؟ أليس هذا النبي هو الذي كان سمع مزمارا يضع إصبعيه على اذنيه ونأى على الطريق ؟ قال نافع : سمع عبدالله بن عمر مزمارا فوضع إصبعيه على اذنيه ونأى عن الطريق وقال لي : يا نافع هل تسمع شيئا ؟ فقلت : لا.فرفع إصبعيه من اذنيه وقال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا ( 1 ) أليس ابن عباس قال أخذا بالسنة الشريفة :
الدف حرام ، والمعازف حرام ، والكوبة حرام ، والمزمار حرام ؟.
ألاتعجب من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ والحبشة تلعب في مسجده الشريف أشرف بقاع الدنيا وتزفن وتغني وهو صلى الله عليه وآله وحليلته ينظر إليها ، وعمر ينهاهن ، ويقول النبي
صلى الله عليه وآله : دعهن ياعمر .
أصحيح ماجاء عن النبي الاقدس صلى الله عليه وآله من قوله بعدة طرق : جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراء كم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم ؟
وقوله صلى الله عليه وآله : من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل : لاردهاالله عليك فان المساجد لم تبن لهذا ؟.أخرجه مسلم وأبوداود وابن ماجة والترمذي وماأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة عن بريدة : إن رجلا نشد في المسجد الجمل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا وجدت ، إنما بنيت المساجد لما بنيت ؟.
وقوله صلى الله عليه وآله : سيكون في آخرالزمان قوم يكون حديثهم في مساجد هم ليس لله فيهم حاجة ؟.أخرجه ابن حبان في صحيحه.
وقوله صلى الله عليه وآله : لا تتخذوا المساجد طرقا إلا لذكرأو صلاة ؟ ( 1 )
وماظنك بنبي العصمة يحول المولى سبحانه بينه وبين مايهمه من سماع المعازف والمزامير قبل بعثته تشريفاله وتعظيما لمكانته من القداسة ، ويخليه واسع السرب رخي البال بعد مبعثه الشريف يسمع غناء الاجنبيات وهي تزفن ؟ أخرج الحفاظ بالاسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ماهممت بشئ مما كان في
* (هامش ) * (1 ) سنن أبى داود 2 : 304 ، سنن البيهقي 10 : 222 ، تاريخ ابن عساكر
7 : 206 ، 284.
( 2 ) جمع هذه الاحاديث وامثالها الحافظ المنذرى في الترغيب والترهيب 1 : 89- 92.
الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ذلك يحول الله تعالى بيني وبين مااريد فاني قلت ليلة غلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكة : لوأبصرت إلى غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها مايسمر الشباب ؟ فقال : ادخل.فخرجت أريد ذلك حتى إذاجئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير ، فقلت : ماهذا ؟ قالوا : فلان بن فلان تزوج فلانة ابنة فلان ، فجلست أنظر إليهم فضرب الله على اذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس ، قال : فجئت صاحبي فقال : مافعلت ؟ فقلت : ماصنعت شيئا ، وأخبرته الخبر قال ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك فقال : افعل فخرجت فسمعت حين جئت مكة مثل ماسمعت ودخلت مكة تلك الليلة فجلست أنظر فضرب الله على اذني فوالله ماأيقظني إلا مس الشمس ، فرجعت إلى صاحبي فاخبرته الخبر ، ثم ماهمت بعد هما بسوء حتى أكرمني الله برسالته ( 1 ) قال الماوردي في أعلام النبوة 140 : هذه أحوال عصمته قبل الرسالة ، وصده عن دنس الجهالة ، فاقتضى أن يكون بعد الرسالة أعظم ، ومن الادناس أسلم ، وكفى بهذه الحال أن يكون من الاصفياء الخيرة إن أمهل ، ومن الاتقياء البررة إن أغفل ، ومن أكبر الانبياء عند الله تعالى من ارسل مستخلص الفطرة ، علي النظرة ، وقد أرسله الله تعالى بعد الاستخلاص ، وطهره من الادناس ، فانتفت عنه تهم الظنون ، وسلم من ازدراء العيون ليكون الناس إلى إجابته أسرع ، وإلى الانقياد له أطوع.اه‍.
وإلي نسائل ذلك الحكيم المتأول الذي مر كلامه ص 65 عن أنه كيف خص محمد صلى الله عليه وآله بالنبوة ، وأبابكر بالرحمة ، وعمر بالحق ، وحسب انه فتح بابا مرتجا من المعضلات ، أوأتي بقرني حمار ، أي نبوة تفارق الحق ؟ وأي نبي هو أوضع من صاحب الحق ؟ وأي حق إقتناه عمر لنفسه وعزب عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عرفانه ؟.
وهلم معي إلى طامة أخرى من الزركشي في الاجابة ص 67 ، الذي عد فيها من خصائص عائشة : أن رسول الل صلى الله عليه وسلم كان يتبع رضاها كلعبها باللعب ، ووقوفه في
* (هامش ) * (1 ) دلائل النبوة لابي نعيم 1 : 58.أعلام النبوة للماوردى ص 140.تاريخ الطبري 2 : 196.الكامل لابن الاثير 2 : 14.عيون الاثر لابن سيدالناس 1 : 44.تاريخ ابن كثير 2 : 287.الخصائص الكبرى 1 : 88 ، السيرة الحلبية 1 : 132.
وجهها لتنظر إلى الحبشة يلعبون.فقال : واستنبط العلماء من ذلك أحكاما كثيرة فما أعظم بركتها.اه‍.
أوهل يريد هذا الرجل إثبات مأثرة لعائشة ؟ أو ذكر مزلة لبعلها ؟ وهل كان صلى الله عليه وآله يتبع رضاها في المشروع ؟ أوكان إتباعه أعم من ذلك ؟ " معاذالله " وهل من المكن أن يتبع رضاها حتى في نقض ماجاء به هو من الشريعة الالهية ؟ وأي حكم يستنبط من مثل هذا المدرك الساقط ؟ فمر حبا بالكاتب ، وزه بالعلماء المستنبطين ، و وكثر الله أمثال هذه البركات " لاكثرها ".ثم هل النذر يبيح المحظور ؟ وفي الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وآله : لانذر في معصية ولانذر فيمالا يملك ابن آدم ( 1 )
وقوله صلى الله عليه وآله : من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه.(2)
وقال عقبة بن عامر : إن اخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة وانه ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : مرها فلتركب ولتختمر ( 3 )
وعن ابن عباس قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل بمكة وهو قائم في الشمس
فقال : ماهذا ؟ قالوا : نذر أن يصوم ولا يستظل إلى الليل ولا يتكلم ولا يزال قائما.
قال : ليتكلم وليستظل وليجلس وليتم صومه ( 4 )
وقال صلى الله عليه وآله : لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله تعالى ( 5 )
* (هامش ) * (1 ) صحيح مسلم 2 : 17 ، سنن أبى داود 2 : 81 ، سنن ابن ماجة 1 : 652 ، سنن النسائى 7 : 19 ، 29 ،
( 2 ) صحيح البخاري 9 : 245 246 ، صحيح الترمذي 1 : 288 ، سنن ابن ماجة 1 : 653
سنن أبي داود 2 : 78 ، سنن النسائى 7 : 17 ، سنن البيهقي 10 : 75.
( 3 ) سنن ابن ماجة 1 : 654 ، سنن النسائي 7 : 20 ، صحيح الترمذي كمافى تيسير الوصول
4 : 279 ، سنن البيهقى 10 : 80.
( 4 ) سنن ابن ماجة 1 : 655 ، صحيح البخارى 9 : 247 ، سنن ابن داود 2 : 79 ، سنن البيهقى 10 : 75.
( 5 ) أخرجه ابن داود كما في تيسير الوصول 4 : 281 ، وأخرجه البيهقى في السنن الكبرى
10 : 75.
وقال صلى الله عليه وآله : النذر نذران ، فمن كان نذره في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء ، و من كان نذه في معصية الله فذلك للشيطان ولا وفاء فيه ( 1 )
أو ليس من شرط إنعقاد النذر على هذا الرجحان في متعلقه وكونه مما يبتغى به وجه الله ليكون مقربا إليه سبحانه زلفى ، فيصح للناذر أن يقول : لله علي كذا ؟ فأي رجحان في ضرب المرأة الاجنبية الدف بين يدي الرجل الاجنبي وفي غنائها ورقصها أمامه ؟ إلا أن يقول القائل : إن تلك الجارية أو مسجد النبي الاعظم أباحا تلكم المحضورات أوالغلو في الفضائل فضائل الخليفة أباح أن تستساغ.
- رأى عمر في الغناء :
إن تعجب فعجب أن هذه المهازئ تشعر بكراهة عمر للغناء وقد عده العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخا ري 5 : 160 نقلا عن كتاب التمهيد لابي عمر صاحب الاستيعاب ممن ذهب إلى إباحته في عداد عثمان.وعبدالرحمن بن عوف.وسعد بن أبي وقاص.وعبدالله بن عمر.ومعاوية.وعمرو بن العاصي.والنعمان بن بشير.و حسان بن ثابت.
وقال الشوكاني في نيل الاوطار 8 : 266 : قد روي الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين ، فمن الصحابة : عمر.كمارواه ابن عبدالبر وغيره ، ثم عد جمعا منهم : عثمان.عبدالرحمن بن عوف.أبوعبيدة الجراح.سعد بن أبي وقاص.عبدالله ابن عمر.
وروى المبرد والبيهقي في المعرفة كما في نيل الاوطار 8 : 272 عن عمر : انه إذا كان داخلا في بيته ترنم بالبيت والبيتين.واستدلال الشوكاني بهذا على إباحة الغناء في بعض المواقف يومي إلى أن المراد من الترنم : التغني.
وقال ابن منظور في لسان العرب 19 : 374 : قد رخص عمر رضي الله عنه في غناء الاعراب.
ويعرب عن جلية الحال حديث خوات بن جبير الصحابي قال : خرجنا حجاجا مع عمر فسرنا في ركب فيهم أبوعبيدة بن الجراح وعبدالرحمن بن عوف فقال القوم :
* (هامش ) * (1 ) أخرجه النسائى كمافى التيسير 4 : 281.
غننا من شعر ضرار ، فقال عمر : دعوا أباعبدالله فليغن من بنيات فؤاده.فما زلت أغنيهم حتى كان السحر ، فقال عمر : إرفع لسانك ياخوات فقد أسحرنا ( 1 )
وزادابن عساكر في تاريخه 7 : 163 : فقال ابوعبيدة : هلم إلى رجل ارجوأن لايكون شرا من عمر.قال : فتنحيت أنا وأبوعبيدة فما زلنا كذلك حتى صلينا الفجر.
وفي كنزالعمال 7 : 336 : كلم أصحاب النبي خوات بن جبيرأن يغنيهم فقال : حتى أستأذن عمر.فاستأذنه فأذن له فغنى خوات فقال عمر : أحسن خوات ، أحسن خوات.
وفي حديث رباح بن المعترف قال : إنه كان مع عبدالرحمن بن عوف يوما في سفر فرفع صوته رباح يغني غناء الركبان فقال له عبدالرحمن : ماهذا ؟ قال : غير مابأس نلهو ونقصر عنا السفر.فقال عبدالرحمن : إن كنتم لابد فاعلين فعليكم بشعر ضرار بن الخطاب ، ويقال : إنه كان معهم في ذلك السفر عمربن الخطاب وكان يغنيهم غناء النصب ( 2 ).في تاج العروس : النصب ضرب من أغاني الاعراب.
وعن عثمان بن نائل عن أبيه قال : قلنا لرباح بن المعترف : غننا بغناء أهل بلدنا فقال : مع عمر ؟ قلنا : نعم ، فإن نهاك فانته.
وذكر الزبير بن بكار : ان عمر مر به ورباح يغنيهم غناء الركبان ( 3 ) فقال : ما هذا ؟ قال عبدالرحمن : غيرما بأس يقصر عناالسفر ، فقال : إذا كنتم فاعلين فعليكم بشعر ضرار بن الخطاب " الاصابة 1 : 502 ".
وعن السائب بن يزيد قال : بينا نحن مع عبدالرحمن بن عوف في طريق مكة إذ قال عبدالرحمن لرباح : غننا.فقال له عمر : إن كنت آخذا فعليك بشعر ضرار بن الخطاب " الاصابة 2 : 209 "
* (هامش ) * (1 ) سنن البيهقي 10 : 224 ، الاستيعاب 1 : 170 ، الاصابة 1 : 457 ، كنزالعمال 7 : 335.
( 2 ) سنن البيهقى 10 : 224 ، الاستيعاب 1 : 186.
( 3 ) قال ابن الاعرابى : كانت العرب تتغنى بالركبانى اذاركبت واذا جلست في الافنية وعلى أكثر أحوالها فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هجيراهم بالقرآن مكان التغنى بالركبان.
لسان العرب 19 : 337 ، تاج العروس 10 : 273.
- وفي لفظ ابن عساكر في تاريخه 7 : 35 : فقال عمر : ماهذا ؟ فقال عبدالرحمن : مابأس بهذا اللهو ونقصر عناسفرنا.فقال عمر : إن كنت.إلخ .
وعن العلاء بن زياد : ان عمر كان في مسير فتغنى فقال : هلا زجرتموني إذا لغوت "كنزالعمال 7 : 335 ".
وعن الحارث بن عبدالله بن عباس : انه بيناهو يسير مع عمر في طريق مكة في خلافته ومعه المهاجرون والانصار فترنم عمر ببيت ، فقال له رجل من أهل العراق ليس معه عراقي غيره : غيرك فليقلها يا أميرالمؤمنين فاستحى عمر وضرب راحلته حتى انقطعت من الركب أخرجه الشافعي والبيهقي كما في الكنز 7 : 336.
هذا عمر وهذا رأيه وهذه سيرته في الغناء ، فهل من المعقول أن يهابه المغنون فيجفلون عماكانوا يقترفونه ، ويسمعه النبي صلى الله عليه وآله ولا يتحرج ؟ ويرى أن الشيطان يفرق من عمر ، ولا يفرق منه ؟ المستعاذ بك ياالله.
- قدتروى هذه المنقبة الموهومة لعثمان فيما أخرجه أحمد في مسنده 4 : 353 من طريق ابن أبي أوفى قال : استأذن أبوبكر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وجارية تضرب بالدف فدخل ، ثم استأذن عمر رضي الله عنه فدخل ، ثم استأذن عثمان رضي الله عنه فأمسكت قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان عثمان رجل حيي.
وأخرجه في ص 354 باسناد آخر بلفظ : كانت جارية تضرب بالدف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أبوبكر ثم جاء عمر ثم جاء عثمان رضي الله عنهم فامسكت فقال.الخ.و سنوقفك على حياء عثمان حتى تعرف صحة هذا الحديث ايضا.
ثم لنتوجه إلى شاعر النيل المشبه درة عمر بعصا موسى التي كانت معجزة قاهرة لنبي معصوم أبطل بها الباطل ، وأقام الحق فقال كما مر في ص 66 :
أغنت عن الصارم المصقول درته * فكم أخافت غوي النفس عاتيها
كانت له كعصاموسى لصاحبها * لاينزل البطل مجتازا بواديها
فنسأل الرجل عن وجه الشبه بين تلك العصا وبين هذه الدرة التي قيل فيها :
لعل درته لم يسلم من خفقتها إلا القلائل من كبار الصحابة ، وكانت الدرة في يده على الدوام أنى سار ، وكان الناس يهابونها أكثر مماتخيفهم السيوف ، وكان يقول : أصبحت أضرب الناس ليس فوقي أحد إلا رب العالمين ( 1 ) فقيل بعده : لدرة عمر أهيب من سيف الحجاج كما في محاضرة السكتواري ص 169.
فما وجه الشبه بين عصا نبي معصوم وبين درة انسان لم يسلم منها إلا القلائل من كبار الصحابة ؟ أهي تشبهها حين ضرب صاحبها النساء الباكيات على بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذ صلى الله عليه وآله بيده وقال : مه ياعمر ؟ غ 6 : 159 ( 2 ) ط 2.
أم حين ضرب ام فروة بنت أبي قحافة حين بكت على أبيها ؟ غ 6 : 161.
أم حين ضرب تميم الداري لاتيانه الصلاة بعد العصر وهي سنة ؟.غ 6 : 183.
أم حين ضرب المنكدر وزيد الجهني وآخرين للصلاة بعد العصر ؟ " " ".
أم حين ضرب في المجزرة كل من اشترى اللحم لاهله يومين متتابعين 2 غ 6 : 7 26.
أم حين ضرب رجلا أتى بيت المقدس واتيانه سنة ؟ غ 6 : 278.
أم حين ضرب الصائمين في رجب وصومه سنة مؤكدة ؟ غ 6 : 282.
أم حين ضرب سائلا عن آية من القرآن لايعرف مغزاها ؟ غ 6 : 290.
أم حين ضرب مسلما أصاب كتابا فيه العلم ؟ غ 6 : 298.
أم حين ضرب مسلما إقتنى كتابا لدانيال ؟ غ 6 : 298.
أم حين ضرب من كني بأبي عيسى ؟ غ 6 : 308.
أم حين ضرب سيد ربيعة من غير ذنب أتى به ؟.غ 6 : 157.
أم حين ضرب معاوية من دون أن يقترف إثما ؟ كما في تاريخ ابن كثير 8 : 125.
أم حين ضرب أباهريرة لابتياعه أفراسا من ماله ؟ غ 6 : 271.
أم حين ضرب من صام دهرا ؟ غ 6 : 322.
إلى مواقف لاتحصى.فانظر إلى من تتوجه قارصة الرجل في قوله : فكم أخافت غوي النفس عاتيها.
ومن الناس من يعجب قوله في الحياة الدنيا ، ويشهدالله على مافي قلبه و هو ألدالخصام.البقرة : 204.
* (هامش ) * (1 ) محاضرات الخضرى 2 : 15 ، الخلفاء للنجار ص 113 ، 239.
( 2 ) غ : رمز كتابناهذا ( الغدير ) في جميع الاجزاء.
- الغدير 7 :
- كرامات عمر الاربع :
1- لما فتح عمر مصرأتى أهلهاإلى عمر وبن العاص حين دخل بؤنة من أشهر العجم فقالوا له : أيهاالامير ان لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها.فقال لهم : وماذاك ؟
فقالوا له : إنا إذا كانت ثلاث عشرة ليلة نحوا من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكربين أبويها فأرضينا أباها وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل مايكون ثم ألقيناها في النيل فقال لهم عمرو: إن هذا شئ لايكون في الاسلام وان الاسلام يهدم ماكان قبله ، فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى ، لايجري قليلا ولا كثير فكتب إلى عمربن الخطاب رضي الله عنه فكتب إليه عمر إنك قدأصبت بالذي فعلت إن الاسلام يهدم ماقبله ، وكتب إلى عمرو إني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي هذا اليك فألقهافي النيل إذا وصل كتابي اليك فلما قدم كتاب عمر رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص فاذا فيها مكتوب :
من عبدالله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر : أمابعد : فان كنت إنما تجري من قبلك فلاتجر ، وإن كان الله الواحد القهار هو مجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك وفي لفظ الواقدي : فان كنت مخلوقا لاتملك ضرا ولا نفعا وأنت تجري من قبل نفسك وبأمرك فانقطع ولا حاجة لنا بك ، وإن كنت تجري بحول الله وقوته فاجر كماكنت ، والسلام.
فألقى البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بشهر فقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج فانه لاتقوم مصلحتهم فيهاإلا بالنيل فلما ألقى البطاقة أصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة فقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم.
2- قال الرازي في تفسيره : وقعت الزلزلة في المدينة فضرب عمر الدرة على الارض وقال : اسكني باذن الله.فسكنت وماحدثت الزلزلة بالمدينة بعد ذلك.
3- في تفسير الرازي : وقعت النارفي بعض دور المدينة فكتب عمر على خرقة : يانار اسكني باذن الله.فألقوها في النار فانطفأت في الحال.
4- محاضرة الاوائل للسكتواري : أول زلزلة كانت في الاسلام سنة عشرين من الهجرة في خلافة عمر رضي الله عنه فضرب أميرالمؤمنين رضي الله عنه برمحه قائلا ياارض اسكني ، ألم أعدل عليك ؟ فسكنت.فكان من جملة كرامته ، فظهرت له كرامات أربعة في العناصر الاربعة : تصرف في عنصر التراب والماء في قصة رسالته إلى نيل مصر.
وفي الهواء في قصة سارية الجبل.وفي النار في قصة احتراق قرية رجل حين كلفه أن يغير اسمه فأبى وكان اسمه يتعلق بالنار كالشهاب والقبس والثاقب كماذكرفي تبصرة الادلة ودلائل النبوة.
راجع فتوح الشام للواقدي 2 : 44 ، تفسير الرازي 5 : 478 ، سيرة عمرلابن الجوزي ص 150 ، الرياض النضرة 2 : 12 ، تاريخ ابن كثير 7 : 100 : تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 86 ، محاضرة الاوائل للسكتواري ص 168 ، خزانة الاسرار ص 132 تاريخ القرماني هامش الكامل 1 : 203 ، الروض الفائق ص 246 ، الفتوحات الاسلامية 2 : 437 ، نورالابصار ص 62 ، جوهرة الكلام للقراغولي الحنفي ص 44.
قال الاميني : أما رواية النيل فراويها الوحيد هوعبدالله بن صالح المصري احد الكذابين الوضاعين كمامر في الجزء الخامس ص 239 ط 2 قال أحمد بن حنبل : كان أول أمره متماسكا ثم فسد بآخره ، وقال أحمد بن صالح : متهم ليس بشئ ، وقال صالح جزرة : كان ابن معين يوثقه وهو عندي يكذب في الحديث ، وقال النسائي : ليس بثقة ، وقال ابن المديني : لاأروي عنه شيئا ، وقال ابن حبان : كان في نفسه صدوقا إنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له فسمعت ابن خزيمة يقول : كان له جار بينه وبينه عداوة كان يضع الحديث على شيخ أبي صالح ويكتبه بخط يشبه خط عبدالله و ويرميه في داره بين كتبه فيتوهم عبدالله أنه خطه فيحدث به ، وقال ابن عدي : يقع في أسانيده ومتونه غلط ولا يتعمد.
قامت القيامة على عبدالله بهذا الخبر الذي قال عن جابر مرفوعا : إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين ، واختار من أصحابي أربعة : أبابكر وعمر و عثمان وعليا فجعلهم خير أصحابي وأصحابي كلهم خير.ثم ذكر أقوال الحفاظ في بطلان هذا الحديث وانه موضوع.راجع ميزان الاعتدال 2 : 46.
فالرواية مكذوبة اختلقتها يدالغلو في الفضائل ، وإن كنا لا نناقش في إمكان خضوع النيل لتلكم الكتابة ، فيكون معجزة للاسلام لمسيس حاجة القوم إلى مثلها لحداثة عهدهم بالاسلام.
وأما ماجاء به الرازي من حديث الزلزلة فلم يوجد في حوادث عهد عمر لا مسندا ولامرسلا ، ولم يذكره قط مؤرخ ضليع ، ولم يخرجه الحفاظ حتى ينظر في إسناده.
وقوله : وماحدثت الزلزلة بالمدينة بعد ذلك ، فكرامة مكذوبة يكذبها التاريخ ، وقد وقعت الزلزلة بعد ذلك غير مرة فقد وقعت زلزلة عظيمة بالحجاز سنة 515 فتضعضع بسببها الركن اليماني وتهدم بعضه وتهدم بها شئ من مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله كما ذكره ابن كثيرفي تاريخه 12 : 188.
وحدثت بالمدينة زلزلة عظيمة ليلا واستمرت أياما وكانت تزلزل كل يوم و ليلة قدر عشر نوبات وذلك سنة 654 وقصتها طويلة توجد في تاريخ ابن كثير 13 : 188 ، 190 ، 191 ، 192.
واعطف على ماقاله الرازي قول السكتواري من انها أول زلزلة كانت في الاسلام سنة عشرين من الهجرة.فقد وقعت سنة ست من الهجرة الشريفة كما في تاريخ الخميس 1 : 565 فقال النبي صلى الله عليه وآله : إن الله عزوجل يستعتبكم فاعتبوه.
وأما حديث قول عمر : ياسارية الجبل الجبل.فقال السيد محمد بن درويش الحوت في أسنى المطالب ص 265 : هو من كلام عمر قاله على المنبر حين كشف له عن سارية وهو بنهاوند من أرض فارس ، روى قصته الواحدي والبيهقي بسند ضعيف وهم في المناقب يتوسعون.اه‍.
كنا نرى السيد ابن الحوت غير منصف في حكمه على الحديث بالضعف وإنه كان حقا عليه الحكم بالوضع إلى أن أوقفنا السير على تصحيح ابن بدران ( المتوفى 1346 )
إياه فيما علق عليه في تاريخ ابن عساكر 6 ص 46 بعد ذكر الحديث من طريق سيف بن عمر ، فوجدنا ابن الحوت عندئذ انه جاء باحدى بنات طبق في حكمه ذلك ، ماأجرأابن بدران على هذا التمويه والدجل ؟ أليست بين يديه أقوال أعلام قومه حول سيف بن عمر ؟ أم ليسوا اولئك الحفاظ رجال الجرح والتعديل في كل إسناد ؟ قال ابن حبان : كان سيف بن عمر يروي الموضوعات عن الاثبات.وقال : قالوا : إنه كان يضع الحديث واتهم بالزندقة.وقال الحاكم : اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط ، وقال ابن عدي : بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها.وقال ابن عدي : عامتها منكر.
قال البرقاني عن الدارقطني : متروك.وقال ابن معين : ضعيف الحديث فليس خير منه.
وقال أبوحاتم : متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي.وقال أبوداود : ليس بشئ
وقال النسائي : ضعيف.وقال السيوطي : وضاع : وذكر حديثا من طريق السري بن يحيى عن شعيب بن ابراهيم عن سيف فقال : موضوع ، فيه ضعفاء أشدهم سيف.
راجع ميزان الاعتدال 1 : 438 ، تهذيب التهذيب 4 : 295 ، اللئالي المصنوعة 1 : 157 ، 199 ، 429.
وأما إحتراق القرية باباء الرجل عن تغيير اسمه فخرافة يأباها الشرع والعقل والمنطق ، إن ما تقدم في الجزء السادس ص 308- 315 ط 2 من آراء الخليفة الخاصة به ( في الاسماء والكني) ومن جرائها غير كنى رجال كناهم رسول الله صلى الله عليه وآله وأسماء آخرين سماهم بها هو صلى الله عليه وآله بحجة داحضة من أن رسول الله صلى الله عليه وآله مات وغفر له ونحن لاندري مايفعل بنا- يستدعي ألا يمتثل في أمثال ذلك لاأن يعذب الله قرية آمنة مطمأنة لعدم إمتثال صاحبها بما يقوله الخليفة دون أمرمباح ، وهو من الظلم الفاحش لمااحترق فيها من أبرياء وتلفت من أموال ، ولووقفت بمطلع الاكمة من تلك القرية المضطرمة لبكيت على الرضع والبهائم بكاء الثكلى ، نحاشي ربنا الحكيم العدل عن مثل ذلك ، ونحاشي أعلام الامة عن قبول هذه المخاريق المخزية.
قاتل الله الحب ، ماذا يفعل ويفتعل ويختلق ؟.
- تسمية عمر بأميرالمؤمنين :
قال الواقدي : حدثنا أبوحمزة ( 1 ) يعقوب بن مجاهد عن محمد بن ابراهيم عن أبي عمر وقال: قلت لعائشة : من سمى عمر الفاروق أميرالمؤمنين ؟ قالت : النبي صلى الله عليه وسلم قال :
أمير المؤ منين هو.ذكره ابن كثير في تاريخه 7 : 137.
قال الاميني : كان أبوحزرة قاصا يقص فراقه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله
* (هامش ) * (1 ) كذا في تاريخ ابن كثير والصحيح : حزرة.بفتح المهملتين بينهما معجمة ساكنة.
وعلى حليلته ام المؤمنين لارضاء مستمعيه بافتعال منقبة لعمر ذاهلا عن أن التاريخ يكذبه ويكشف عن سوء‌ته ولوبعد حين.
أخرج الحاكم من طريق ابن شهاب قال : ان عمر بن عبدالعزيز سأل أبابكر ابن سليمان بن أبي خيثمة لاي شئ كان يكتب من خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله في عهد أبي بكر رضي الله عنه ؟ ثم كان عمر يكتب أولا من خليفة أبي بكر ، فمن أول من كتب من أميرالمؤمنين ؟ فقال : حدثني الشفاء وكانت من المهاجرات الاول : ان عمربن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عامل العراق بأن يبعث اليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق و أهله فبعث عامل العراق بلبيد بن ربيعة وعدي ابن حاتم فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد فاذا هما بعمر وبن العاص فقالا : استأذن لنا ياعمرو على أميرالمؤمنين ، فقال عمرو : أنتما والله أصبتما اسمه ، هوالامير ونحن المؤمنون ، فوثب عمرو فدخل على أمير المؤمنين.فقال : السلام عليك ياأمير المؤمنين .فقال عمر : مابدالك في هذاالاسم يابن العاص ، ربي يعلم لتخرجن مماقلت.قال : ان لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا علي فقالا لي : استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين فهماوالله أصابا اسمك ، نحن المؤمنون وأنت أميرنا ، قال : فمضى به الكتاب من يومئذ.
أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه.وقال الذهبي في تلخيص المستدرك : صحيح.وقال السيوطي في شرح شواهد المغني ص 57 : روينا بسند صحيح ان لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم همااللذان سميا عمربن الخطاب أمير المؤمنين حين قدما عليه من العراق.وذكر القصة في تاريخ الخلفاء ص 94.
وأخرج الطبري في تاريخه 5 : 22 بالاسناد عن حسان الكوفي قال : لما ولى عمر قيل : ياخليفة خليفة رسول الله ، فقال عمر رضي الله عنه : هذا أمر يطول كل ماجاء خليفة قالوا : ياخليفة خليفة خليفة رسول الله ، بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم فسمي أميرالمؤمنين.
وقال ابن خلدون في مقدمة تاريخه ص 227 : اتفق أن دعا بعض الصحابة عمر رضي الله عنه: يا أميرالمؤمنين فاستحسنه الناس واستصوبوه ودعوه به ، يقال : إن أول من دعا بذلك عبدالله بن جحش ، وقيل : عمروبن العاصي ، والمغيرة بن شعبة وقيل : بريد جاء بالفتح من بعض البعوث ودخل المدينة وهو يسأل عن عمر ويقول : أين أميرالمؤمنين ؟ وسمعها أصحابه فاستحسنوه وقالوا : أصبت والله اسمه إنه والله أمير المؤمنين حقا ، فدعوه بذلك وذهب لقبا له في الناس ، وتوارثه الخلفاء من بعده سمة لا يشاركهم فيها أحد سواهم إلا سائر دولة بني أمية.اه‍.
فصريح هذه النقول أن عمر نفسه ماكانت له سابقة علم بهذا اللقب لا عن رسول الله صلى الله عليه وآله ولا عن غيره ، ولذلك استغربه وقال : ربي يعلم لتخرجن مماقلت.ولا كان عمربن العاصى يعلم ذلك ولذلك نسب الاصابة بالتسمية إلى الرجلين ونحت لها من عنده مايبررها.ولا كانت عند الرجلين- اللذين صح كما مر أنهما هما اللذان سمياه- أثارة من علم بماجاء‌به ابن كثير وإنما هو شئ جرى على لسانهما ، ثم اعطف نظرة ثانية على كلمة ابن خلدون المقررة للخلاف في أول من سماه بأميرالؤمنين ولم يذكر فيه قولا بأن الرسول صلى الله عليه وآله هوالذي سماه ، وصريح رواية الطبري ان عمر هو الذي رأى هذه التسمية.
نعم : إن الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله أميرالؤمنين هو مولانا علي عليه السلام ، أخرج أبونعيم في حلية الاولياء 1 : 63 باسناده عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ياأنس اسكب لي وضوء‌ا.ثم قام فصلى ركعتين.ثم قال : يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب أميرالمؤمنين ، وسيد المسلمين ، وقائد الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين ، قال أنس : قلت : أللهم اجعله رجلا من الانصار وكتمته إذ جاء علي فقال : من هذا يا أنس ؟ فقلت : علي ، فقام مستبشرا فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه ، ويمسح عرق علي بوجهه.قال علي : يارسول الله لقد رأيتك صنعت شيئا ماصنعت بي من قبل ؟
قال : وما يمنعني وأنت تؤدي عني ، وتسمعهم صوتي ، وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي وأخرج ابن مردويه من طريق ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته فغداعليه علي بن ابي طا لب كرم الله وجهه بالغداة أن لا يسبقه إليه أحد فدخل فاذا النبي صلى الله عليه وسلم في صحن البيت فاذا رأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي فقال : السلام عليك ، كيف أصبح رسول الله ؟ قال : بخير ياأخارسول الله فقال علي : جزاك الله عنا خيرا أهل البيت فقال له دحية : إني لاحبك وإن لك عندي مدحة أزفها لك ، أنت أمير المؤمنين ، و قائد الغر المحجلين.الخ.وفيه : فأخذ رأس النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ماهذه الهمهمة ؟ فقال علي بماجرى ، فقال : ياعلي لم يكن دحية ولكن كان جبرائيل سماك باسم سماك الله به.
وأخرج الحافظ ابوالعلا الحسن بن أحمد العطار من طريق ابن عباس في حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ياام سلمة اشهدي واسمعي هذا علي بن أبي طالب أميرالمؤمنين.الحديث مر بتمامه في الجزء السادس ص 80 ط 2.
وأخرج الطبراني في معجمه من طريق عبدالله بن عليم الجهني مرفوعا : إن الله عزو جل أوحى إلي في علي ثلاثة أشياء ليلة أسرى بي انه سيدالمؤمنين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين.
وتعضد هذه الاحاديث وتؤكدها عدة أحاديث منها ماأخرجه أبونعيم في حلية الاولياء من طريق ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ماأنزل الله آية فيها ياأيها الذين آمنوا إلا وعلي رأسها وأميرها.
وفي لفظ الطبراني وابن أبي حاتم : إلا وعلي أميرها وشريفها ، ولقد عاتب الله أصحاب محمد في غير مكان وما ذكر عليا إلا بخير ( 1 )
ومنها ما أخرجه الخطيب والحاكم وصححه من طريق جابر بن عبدالله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وهو آخذ بيد علي يقول : هذا أمير البررة ، وقاتل الفجرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله ( 2 )
وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن عباس كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 115 ، ونور الابصار ص 80 ، وأخرجه شيخ الاسلام الحمويي من طريق عبدالرحمن بن سهمان في فرائد السمطين ، وذكره ابن حجرفي الصواعق نقلا عن الحاكم وحرفه
* (هامش ) * (1 ) راجع حلية الاولياء 1 : 64 ، الرياض النضرة 2 : 206 ، كفاية الكنجى ص 54 ، تذكرة السبط ص 8 ، درر السمطين لجمال الدين الزرندى ، الصواعق لابن حجر ص 76 ، كنزالعمال 6 : 291 ، تاريخ الخلفاء ص 115.
( 2 ) تاريخ الخطيب البغدادي 2 : 377 ، ج : 219 ، مستدرك الحاكم 3 : 129.
وجعل مكان أمير البررة : إمام البررة.حيا الله الامانة.
ومنها ماأخرجه ابن عدي في كامله من طريق علي : إن النبي صلى الله عله وسلم قال : علي يعسوب ( 1 ) المؤمنين ، والمال يعسوب المنافقين ، وفي رواية : يعسوب الظلمة ، وفي رواية
يعسوب الكفار.ذكره الدميري في حياة الحيوان 2 : 412 ، وابن حجر في الصواعق ص 75 ، وقال الدميري : ومن هناقيل لامير المؤمنين علي كرم الله وجهه : أمير النحل.
ومنها قول علي : أنا يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الكفار ، وفي لفظ : المنافقين ، وفي لفظ: الفجار.نهج البلاغة 2 ، 211 ، تاج العروس 1 : 381.
هذه هي الحقيقة الراهنة لكن القوم نحتوا تجاهها بقضاء من الغلو في الفضائل ما عرفته من رواية القصاص أبي حزرة.
- عمر لايحب الباطل :
أخرج أبونعيم في حلية الاولياء 2 : 46 من طريق الاسود بن سريع قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت :
قدحمدت ربي بمحامد ومدح وإياك.فقال : إن ربك عزوجل يحب الحمد.فجعلت أنشده ، فاستأذن رجل طويل أصلع فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
اسكت فدخل فتكلم ساعة ثم خرج فأنشدته ثم جاء فسكتني النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم ثم خرج ، ففعل ذلك مرتين أوثلاثا فقلت : يارسول الله من هذا الذي أسكتني له ؟ فقال :
هذا عمر ، رجل لايحب الباطل.
ومن طريق آخرعن الاسود التميمي قال : قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت أنشده فدخل رجل أقنى ( 2 ) فقال لي : امسك.فلما خرج قال : هات.فجعلت أنشده فلم ألبث أن عاد فقال لي : امسك.فلما خرج قال : هات.فقلت : من هذا يانبي الله الذي إذا دخل قلت : امسك ، وإذا خرج قلت : هات ؟ قال : هذا عمر بن الخطاب وليس من الباطل في شئ.
ومن طريق آخر عن الاسود قال : كنت أنشده صلى الله عليه وسلم ولا اعرف أصحابه حتى
* (هامش ) * (1 ) يعسوب : الامير.الرئيس.
( 2 ) قنى الانف وأقنى : ارتفع وسط قصبته وضاق منخراه.
جاء رجل بعيد مابين المناكب أصلع ؟ فقيل : اسكت اسكت.قلت : واثكلاه من هذاالذي أسكت له عند النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل : عمر بن الخطاب ، فعرفت والله بعد انه كان يهون عليه لو سمعني أن لايكلمني حتى يأخذ برجلي فيسحبني إلى البقيع.
قال الاميني : هل علمت رواة السوء بالذي تلوكه بين أشداقها ؟ أم درت فتعمدت ؟
أم أن حب عمر والمغالاة في فضائله أعمياهم عن تبعات هذا القول الشائن ؟ إنها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
يقول القائل : إن ما أراد انشاده محامد ومدح لله ولرسوله فيجيزه رسول الله صلى الله عليه وآله ويقول : إن ربك عزوجل يحب الحمد.فأي باطل في هذا حتى يبغضه عمر ؟
ولوكان باطلا ؟ لمنعه رسول الله صلى الله عليه وآله قبل عمر ، وأي نبي هذا يتقي رجلا من امته ولا يتقي الله ؟ وكيف خشي الرجل أن يسحبه عمر برجله إلى البقيع ولم يخش رسول الله صلى الله عليه وآله أن يفعل به ذلك أو يأمر فيفعل به ؟ أو أن عمر ما كان يميز بين الحق و الباطل فيحسب أن كل ما ينشد من الباطل ، فيجاريه النبي صلى الله عليه وآله على مزعمة ؟ فهل علم الراوي أو المؤلف بهذه المفاسد ، أولا ؟.
فان كان لا يدري فتلك مصيبة * وإن كان يدري فالمصيبة أعظم
- الملائكة تكلم عمر بن الخطاب :
أخرج البخاري في كتاب المناقب باب مناقب عمر عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد كان فيمن قبلكم من بني اسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فان يكن من امتي منهم أحد فعمر.
وأخرج في الصحيح بعد حديث غار عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : انه
قد كان فيما مضى قبلكم من الامم محدثون إن كان في امتي هذه منهم فانه عمر بن الخطاب أسلفنا ألفاظ هذه الرواية في الجزء الخامس 42- 46 ط 2 ، ومر هناك عن القسطلاني قوله : ليس قوله " فان يكن " للترديد للتأكيد بل كقولك : إن يكن لي صديق ففلان إذ المراد إختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الاصدقاء.الخ.
قال الاميني : أنا لست أدري ماالغاية في حديث الملائكة مع عمر ؟ أهي محض إيناسه باختلاف الملك اليه وتكليمه إياه ؟ أم هي إقالة عثراته ، وتسديد خطاه ، ورد أخطاء‌ه ، وتعليمه مالم يعلم ؟ حتى لايكون خليفة المسلمين خلوا عن جواب مسألة ، صفرا عن حل معضلة ، ولا يفتي بخلاف الشريعة المطهرة ، ولا يرمي القول على عواهنه ، إن كانت للمحادثة المزعومة غاية معقولة فهي هذه لاغيرها ، إذن فراجع الجزء السادس وتتبع الخطى ، وترو في الاخطاء ، واسمع مالا يعني ، وانظر إلى التافهات ، و عندنا أضعاف ما هنالك لعل بعض الاجزاء الآتية يتكفل بعضها إنشاء‌الله تعالى ، فهل هذا الملك طيلة صدور ما في نوادر الاثر في الجزء السادس منه كان في سنة عن أداء وظيفته ؟ أو كان ما يصدر خافيا عليه ؟ أو أن الاستبداد في الرأي كان يحول بينهما ؟ أو أن الملك في حله وترحاله قديتأخر عن الاوبة اليه ؟ فيقع مايقع في غيبته ، أو أن القصة مفتعلة لامقيل لها في مستوى الصحة ؟ وهذه أقوى الوجوه ولعله غيرخاف على البخاري
نفسه لكنه..
- قرطاس في كفن عمر :
إن الحسن والحسين دخلا على عمر بن الخطاب وهو مشغول ثم انتبه لهما فقام فقبلهماو وهب لكل واحد منهما ألفا فرجعا فأخبرا أباهما فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : عمر نور الاسلام في الدنيا وسراج أهل الجنة في الجنة.فرجعا إلى عمر فحدثاه فاستدعي دواة وقرطاسا وكتب : حدثني سيدا شباب أهل الجنة عن أبيهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال كذا وكذا ، فأوصى أن يجعل في كفنه ففعل ذلك فأصبحوا وإذا القرطاس على القبر وفيه: صدق الحسن والحسين وصدق رسول الله.
قال الاميني : بلغ هذه القصة الخيالية من الخرافة حدا ذكرها ابن الجوزي في الموضوعات كما في تحذير الخواص للسيوطي صفحة 53 فقال : والعجب من هذا الذي بلغت به الوقاحة إلى أن يصنف مثل هذا وما كفاه حتى عرضه على أكابر الفقهاء فكتبوا عليه تصويب هذا التصنيف.ا ه‍.
قاتل الله الغلو في الفضائل فانه شوه سمعة أكابر الفقهاء ، كما سود صحيفة التاريخ ، وقبح وجه التأليف.
- لسان عمر وقلبه :
أخرج إمام الحنابلة أحمد في المسند 2 : 401 عن نوح بن ميمون عن عبدالله بن عمر العمري عن جهم بن أبي الجهم عن مسور بن المخرمة عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه.
قال الاميني : أماقلب الرجل فلا صلة لنابه لان مافيه من السرائر لا يعلمه إلاالله ، نعم ربما ينم عنه ماجرى على لسانه ، وإن شئت فسائل الامام أحمد أكان الحق على لسان عمر لما جابه رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله الفظ حين أراد الكتف والدواة ليكتب للمسلمين كتابا لا يضلون بعده ؟ فحال بينه وبين ما اراده من هداية الامة ، و مهما كانت الكلمة القارصة فان رسول الله صلى الله عليه وآله منزه عنها في كل حين فلا يغلبه الوجع ، ولا يهجر من شدة مابه ، ولا سيما وهو في صدد تبليغ مابه من الهداية والصون عن الضلال ، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.وانتظر لهذه الجملة بحثا ضافيا إنشاء الله تعالى.
أم كان الحق على لسانه في المائة موردا التي أخطأ فيها جمعاء ؟ وقد فصلناها تفصيلا في نوادر الاثرمن الجزء السادس ، وقد اتخذ ناها مقياسا لمعرفة حال هذه الرواية وأمثالها مما نسجته يد الغلو في الفضائل.
أضف إلى هذا ما في سنده من الضعف فان فيه : نوح بن ميمون.قال ابن حبان : ربما أخطأ (1) وفيه : عبدالله بن عمرالعمري.قال أبوزرعة عن أحمد إمام الحنابلة : انه كان يزيد في الاسانيد ويخالف.وقال علي بن المديني : ضعيف.وقال يحيى بن سعيد : لايحدث عنه.
وقال يعقوب بن شيبة : في حديثه إضطراب.وقال صالح جزرة : لين مختلط الحديث وقال النسائي : ضعيف الحديث.وقال ابن سعد : كثير الحديث يستضعف.وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به.وقال ابن حبان : كان ممن غلب عليه الصلاح حتى غفل عن الضبط فاستحق الترك.وقال البخاري في التاريخ : كان يحيى بن سعيد
* (هامش ) * (1 ) تهذيب التهذيب 10 : 489.
يضعفه.وقال أبوأحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم.وقال المروزي : ذكره أحمد فلم يرضه ( 1 ) وفيه جهم بن أبي الجهم.قال الذهبي في ميزان الاعتدال : لايعرف.
- رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله في علم عمر :
أخرج البخاري في صحيحه 5 : 255 في مناقب عمر عن عبدالله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال : بينا أنا نائم شربت يعني اللبن حتى أنظر إلى الري يجري في ظفري أو في أظفاري ثم ناولت عمر.فقالوا : فماأولته ؟ قال العلم.
وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الاصول ص 119 ، والبغوي في المصابيح 2 : 270 ، وابن عبدالبر في الاستيعاب 2 : 429 ، والمحب الطبري في الرياض 2 : 8.وفي لفظهم :
بينا أنانائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى رأيت الري يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر.
قال الحافظ ابن أبي الجمرة الازدي الاندلسي في بهجة النفوس 4 : 244 عند شرحه الحديث : فانظر بنظرك إلى الذي شرب فضله عليه السلام كيف كان قوة علمه ؟ الذي لم يقدر أحد من الخلفاء يماثله ، فكيف ؟ بغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ، وكيف ؟ ممن بعد الصحابة.إلى آخرماجاء به من التافهات.
قال الاميني : إن طبع الحال يستدعي أن تكون هذه الرؤيا بعد إسلام عمر وبعد مضي سنين من البعثة ، وهل كان صلى الله عليه وآله طيلة هذه المدة خلوا من العلم ؟ وهو في دور الرسالة ، أو كان في علمه إعواز أكمله هذا اللبن الساري ريه في ظفره أو أظفاره ؟ أو كان فيها إعلام بمبلغ علم عمر فحسب ، وكناية عن انه من مستقي الوحي ؟ فهل تخفى على من هو هذا شأنه جلية المسائل فضلا عن معضلاتها ؟ وهل يسعه أن يعتذر في الجهل بكتاب الله بقوله : ألهاني عنه الصفق بالاسواق ؟.
وهلا تأثرت نفس الرجل بالعلم لما شرب من منهل علم النبي العظيم ؟ فما معنى قوله : كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال ؟ وأمثاله ( 2 ) وما الوجه في أخطاء‌ه
* (هامش ) * (1 ) تهذيب التهذيب 5 : 7 32.
( 2 ) راجع مامر في الجزء السادس ص 338 ط 2.
التي لاتحصى في الفتيا وغيرها ؟ مماسبق ويأتي إنشاء‌الله تعالى.
ولقد تلطف المولى سبحانه على الامة المرحومة انه ولي أمرها بعد شرب تلك الكاس.وأنا لا أدري لو كان وليه قبل ذلك ماذا كان يصدر من ولائد الجهل ؟ وأي حد كانت تبلغ نوادر الاثر في علمه ؟
وليت مصطنع هذه المهزأة إصطنعها على وجه ينطبق حكمها على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى الخليفة ، لكنه لا ينطبق على أي منهما كما بيناه ، غير أن وظيفة الماين أن يأتي بأساطيره على كل حال ، وإنما العتب على البخاري الذي يعتبرها ويدرجها في الصحيح غلوا منه في الفضائل ، وأشد منه وأعظم على أمثال ابن أبي جمرة الازدي من الذين يموهون الحقايق بزخرف القول على أغرار الامة ، ويحسبونه هينا وهو عندالله عظيم.
- عمر وفرق الشيطان منه :
أخرج البخاري في صحيحه في كتاب بدء‌الخلق باب صفة إبليس وجنوده ج 5 : 89 ، وفي كتاب المناقب باب مناقب عمر 5 : 256 عن سعد بن أبي وقاص قال : استأذن عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ، فقال عمر : أضحك الله سنك يارسول الله قال : عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك إبتدرن الحجاب.قال عمر : فأنت يارسول الله كنت أحق أن يهبن ، ثم قال " عمر " أي عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قلن : نعم ، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده مالقيك الشطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك.
قال الاميني : ماأوقح هذا الراوي الذي ساق هذا الحديث في عداد الفضائل وهو بعده عند سياق السفاسف أولى ، حسب أولا أن النساء كن لم يهبن رسول الله صلى الله عليه وآله وهبن عمر ، فعلى هذا نسائله : أكن هذه النسوة نساؤه صلى الله عليه وآله ؟ كما ذكره شراح الحديث ( 1 ) ستر العوار الرواية ، أم كن أجنبيات عنه صلى الله عليه وآله ؟ وعلى الاول فلا وجه
* (هامش ) * (1 ) راجع ارشاد الساري 5 : 290.
95
لهيبتهن إياه على الاسفار أو الاكثار أمامه ، فان للحلائل مع زوجاتهن شؤونا خاصة
فتسترهن عن عمر فلكونه أجنبيا عنهن لاهيبة له.
وعلى الثاني وهو الذي يعطيه سياق الحديث كقوله : وعنده نساء من قريش.و قوله صلى الله عليه وآله : عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي.الخ.وقول عمر : فأنت يا رسول الله كنت.الخ.وقوله : ياعدوات أنفسهن.الخ.فكل هذه لا يلتئم مع كونهن نساؤه لتنكير النساء في الاول ، وظهور قوله : كن عندي في أن حضورهن لديه من ولائد الاتفاق لا أنهن نساؤه الكائنات معه أطراف الليل وآناء النهار ، وقلنا أيضا : إنه لاوجه للهيبة مع كونهن أزواجه ، ولاهن على ذلك عدوات أنفسهن ، فان إبداء الزينة والجمال للزوجة عبادة لامعصية ، فجلوسهن وهن أجنبيات عندرسول الله صلى الله عليه وآله سافرات على هذا الوجه إما لانه صلى الله عليه وآله لم يحرم السفور ، وإما لانه حرمه ونسيه ، أو أنه صلى الله عليه وآله تسامح في النهي عنه ، أوأنه هابهن وإن لم يهبن ، وكان مع ذلك يروقه أن ينتهين عما هن عليه ، ولذلك استبشر لما بادرن الحجاب وأثنى على عمر ، ولازم هذا أن يكون عمر أفقه من رسول الله صلى الله عليه وآله ، أوأثبت منه على المبدأ ، أو أخشن منه في ذات الله ، أو أقوى منه نفسا.أعوذبالله من التقول بلا تعقل.
وأما ما عزي اليه صلى الله عليه وآله ثانيا من قوله : والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا غير فجك ، فما بالشيطان يهاب الخليفة فيسلك فجا غير فجه ولا تروعه عظمة النبي صلى الله عليه وآله ولا قوة ايمانه ؟ فيسلك في فجه فلا يدعه أن ينهى عن المنكر ، و يحدو بصواحب المنكر إلى أن يتظاهرون به أمامه.بل الشيطان لعنه الله يعرض له صلى الله عليه وآله ليقطع عليه صلاته وإن رجع عنه خائبا كماأخرجه البخاري في صحيحه ج 1 ص 143 في كتاب الصلاة باب مالا يجوز من العمل في الصلاة.ومسلم في صحيحه ج 1 ص 204 باب جواز لعن الشيطان في الصلاة ، أخرجا بالاسناد عن أبي هريرة قال : صلى رسول الله صلاة فقال : إن الشيطان عرض لي فشد علي بقطع الصلاة علي فأمكنني الله منه فذعته ( 1 ) الحديث.
هب ان اللعين في هذه المرة لم يصب من رسول الله صلى الله عليه وآله لكنه تجرأعلى مقامه
* (هامش ) * (1 ) فذعته : فخنقته والذعت والدعت بالمهملة والمعجمة : الدفع العنيف.
الاسمى وقد جاء في الصحيحين ( 1 ) عن أبي هريرة ان الشيطان اذاسمع الاذان للصلاة من أي مسلم كان أدبر هاربا وولى فرقا ، وله ضراط هلع جزع.
كيف يجرأ اللعين على رسول الله حتى في حال صلاته ؟ ولم يتجرأ قط على عمر لان يسلك فجا غير فجه.وجاء فيما أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان عن بريدة ان الشيطان ليفرق منك يا عمر ( 2 ) وفيما أخرجه الطبراني وابن مندة وابونعيم عن سديسة مولاة حفصة عن حفصة بنت عمر مرفوعا : ان الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه ( 3 ) إني وإن لايروقني خدش العواطف بذكر مواقف الرجل التي لم يكن العامل الوحيد فيها إلا الشيطان ، غير اني لست أدري هل الشيطان كان يفرق ويفر منه ، و يخر على وجهه ، ويسلك فجا غير فجه ايضا منذ أسلم إلى سنة الفتح الثامن من الهجرة النبوية ؟ إلى نزول آية " فهل أنتم منتهون " إلى يوم قول الرجل : انتهينا انتهينا ؟ إلى يوم النادي في دار أبي طلحة الانصاري ؟ فعلى الباحث الوقوف على ماأسلفناه في الجزء السادس ص 251- 261 ، وفي الجزء السابع ص 95- 102 ط 2.
ثم اين كانت تلك البسالة من رسول الله ( الحاجزة بين الشيطان الرجيم وبين صلاته صلى الله عليه وآله لما عرض له وشد عليه ) يوم كانت عنده نساء قريش فتخنقه وتردع النسوة ؟
فبهذه كلها تعلم مقدار هده الرواية ومقيلها من الصدق ، ومبلغ صحيح البخاري من الاعتبار ، وتعرف ما يفعله الغلو في الفضائل والحب المعمي والمصم.
أضف إلى هذه المخاريق ما أسلفناه في الجزء الخامس في سلسلة الموضوعات مما وضعته يدالغلو في فضائل عمر.
كذلك نقص عليك من أنباء ماقد سبق ، وقد آتيناك من لدنا ذكرا ، من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيامة وزرا
" طه 99 ، 100 "
* (هامش ) * (1 ) صحيح البخاري 1 : 78 كتاب الاذان.صحيح مسلم ج 1 : 153 باب فضل الاذان.
( 2 ) فيض القدير 2 : 359.
( 3 ) الاصابة 4 : 226 ، فيض القدير 2 : 352
- الغلو في فضايل عثمان :
ابن عفان بن أبي العاص بن امية الخليفة الاموي قبل الشروع في سرد الفضائل نوقفك على مواد تعرفك مبلغ الخليفة من العلم ، و مقداره من النفسيات الفاضلة ، وموقفه من التقوى ، ومبوأه من الايمان ، حتى يكون نظرك في فضائله عارف به وبها.
- قضاء‌ه في امرأة ولدت لستة أشهر :
أخرج الحفاظ عن بعجة بن عبدالله الجهني قال : تزوج رجل منا أمرأة من جهينة فولدت له تماما لستة اشهر ، فانطلق زوجها إلى عثمان فأمر بها أن ترجم فبلغ عليا رضي الله عنه فأتاه فقال : ماتصنع ؟ ليس ذلك عليها قال الله تبارك وتعالى : وحمله و وفصاله ثلاثون شهرا ( 1 ).وقال : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ( 2 ) فالرضاعة أربعة وعشرون شهرا.والحمل ستة أشهر.فقال عثمان : والله مافطنت لهذا.فأمربها عثمان أن ترد فوجدت قد رجمت ، وكان من قولها لاختها : يا اخية لاتحزني فو الله ماكشف فرجي أحد قط غيره ، قال : فشب الغلام بعد فاعترف الرجل به وكان أشبه الناس به ، وقال : فرأيت الرجل بعد يتساقط عضوا عضوا على فراشه.
أخرجه مالك ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي ، وأبوعمر ، وابن كثير ، وابن الديبع ، والعيني ، والسيوطي كمامر في الجزء السادس صفحة 94 ط 2.
قال الاميني : إن تعجب فعجب ان امام المسلمين لايفطن لما في كتاب الله العزيز مما تكثر حاجته إليه في شتى الاحوال ، ثم يكون من جراء هذا الجهل أن تودى بريئة مؤمنة ، وتتهم بالفاحشة ، ويهتك ناموسها بين الملاء الديني وعلى رؤس الاشهاد.
* (همش ) * (1 ) سورة الاحقاف آية 15.
( 2 ) سورة البقرة آية 233.
وهلا كان حين عزب عنه فقه المسألة قد استشار أحدا من الصحابة يعلم ماجهله فلا يبوء باثم القتل والفضيحة ؟ وهلا تذكر لدة هذه القضية وقد وقعت غير مرة على عهد عمر ؟ حين أراد أن يرجم نساء ولدن ستة أشهر فحال دونها أمير المؤمنين وابن عباس كما مرت في الجزء السادس ص 93- 95 ط 2.
ثم هب انه ذهل عن الآيتين الكريمتين ، ونسي ماسبق في العهد العمري ، فماذا كان مدرك حكمه برجم تلك المسكينة ؟ أهو الكتاب ؟ فانى هو ؟ أو السنة ؟ فمن ذاالذي رواها ؟ أوالرأي والقياس ؟ فأين مدرك الرأي ؟ وماترتيب القياس ؟ وإن كانت فتوى مجردة ؟ فحياالله المفتي ، وزه بالفتيا ، ومرحبا بالخلافة والخليفة ، نعم : لا يربي بيت أمية أربى من هذا البشر ، ولا يجتنى من تلك الشجرة أشهى من هذاالثمر
- إتمام عثمان الصلاة في السفر :
أخرج الشيخان وغيرهما بالاسناد عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وأبوبكر بعده وعمر بعد أبي بكر وعثمان صدرا من خلافته رضي الله عنهم ، ثم إن عثمان صلى بعد أربعا ، فكان ابن عمر إذا صلى مع الامام صلى أربعا ، وإذا صلى وحده صلى ركعتين ( 1 )
وفي لفظ ابن حزم في المحلى 4 : 270 : ان ابن عمر كان إذا صلى مع الامام بمنى أربع ركعات انصرف إلى منزله فصلى فيه ركعتين أعادها.
وأخرج مالك في الموطأ 1 : 282 عن عروة : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الرباعية بمنى ركعتين ، وان أبابكر صلاها بمنى ركعتين ، وان عمربن الخطاب صلاها بمنى
ركعتين ، وان عثمان صلاها بمنى ركعتين شطر إمارته ثم أتمهابعد وأخرج النسائي في سننه
3 : 120 عن أنس بن مالك انه قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان ركعتين صدرا من إمارته.
وباسناده عن عبدالرحمن بن يزيد قال : صلى عثمان بمنى أربعا حتى بلغ ذلك
* (ها مش ) * (1 ) صحيح البخاري 2 : 154 ، صحيح مسلم 2 : 260 ، مسند أحمد 2 : 148 ، سنن البيهقي 3 : 126.
عبدالله فقال : لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين.الحديث.
ورواه إمام الحنابلة أحمد في المسند 1 : 378.وأخرج حديث أنس المذكور في مسنده 1 ص 145 ولفظه : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة بمنى ركعتين وصلاها أبوبكر بمنى ركعتين ، وصلاها عمر بمنى ركعتين ، وصلاها عثمان بن عفان بمنى ركعتين أربع سنين ثم أتمها بعد.
وأخرج الشيخان وغيرهما بالاسناد عن عبدالرحمن بن يزيد قال : صلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه بمنى أربع ركعات فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ثم قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ، وصليت مع أبي بكر رضي الله عنه بمنى ركعتين ، وصليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمنى ركعتين ، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان ( 1 )
وأخرج أبوداود وغيره عن عبدالرحمن بن يزيد قال : صلى عثمان رضي الله عنه بمنى أربعا فقال عبدالله : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، ومع أبي بكر ركعتين ، ومع عمر ركعتين ، ومع عثمان صدرا من إمارته ثم اتمها ، ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت ان لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين.قال الاعمش : فحدثني معاوية بن قرة عن أشياخه : ان عبدالله صلى أربعا فقيل له : عبت على عثمان ثم صليت أربعا ؟ قال الخلاف شر ( 2 )
وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 3 : 144 عن عبدالرحمن ابن يزيد قال : كنا مع عبدالله بن مسعود بجمع ، فلما دخل مسجد منى فقال : كم صلى أميرالمؤمنين ؟
قالوا : أربعا.فصلى أربعا.قال : فقلنا : ألم تحدثنا ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ،
وأبابكر صلى ركعتين ؟ فقال : بلى وأنااحد ثكموه الآن ، ولكن عثمان كان إماما فما اخالفه والخلاف شر.
وأخرج البيهقي في السنن 3 : 144 عن حميد عن عثمان بن عفان انه أتم الصلاة
* (هامش ) * (1 ) صحيح البخارى 2 : 154 ، صحيجح المسلم 1 : 261 ، مسند أحمد 1
( 2 ) سنن أبي داود 1 : 308 ، الاثار للقاضي ابى يوسف ص 30 ، كتاب الام للشافعى
1 : 159 ، ج 7 : 175.
بمنى ، ثم خطب الناس فقال : ياأيها الناس ان السنة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة
صاحبيه ولكنه حدث العام من الناس فخفت أن يستنوا.وأخرجه ابن عساكر كمافي كنز العمال
4 : 239.
وأخرج أبوداود وغيره عن الزهري : ان عثمان بن عفان رضي الله عنه أتم الصلاة بمنى من أجل الاعراب لانهم كثروا عامئذ فصلى بالناس أربعا ليعلمهم ان الصلاة أربعا.( 1 )
وروى ابن حزم في المحلى 4 : 270 من طريق سفيان بن عيينه عن جعفربن محمد عن أبيه قال : اعتل عثمان وهو بمنى فأتى علي فقيل له : صلى بالناس فقال : إن شئتم صليت لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ يعني ركعتين قالوا : لا ، إلا صلاة أميرالمؤمنين ( يعنون عثمان) أربعا فأبى.
وذكره ابن التركماني في ذيل سنن البيهقي 3 : 144.
وأخرج امام الحنابلة أحمد في مسنده 2 : 44 عن عبدالله بن عمر قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي صلاة السفر( يعني ركعتين ) ومع أبي بكر وعمر وعثمان ست سنين من إمرته ثم صلى أربعا.
وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 3 : 153 بالاسناد عن أبي نضرة : إن رجلا سأل عمران بن حصين عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فقال : أيت مجلسنا.فقال :
إن هذا قد سألني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فاحفظوها عني : ماسافر رسول الله صلى الله عليه وسلم سفراإلا صلى ركعتين حتى يرجع ويقول : ياأهل مكة قوموا فصلوا ركعتين فإنا سفر ، وغزا الطائف وحنين فصلى ركعتين ، وأتى الجعرانة فاعتمر منها ، وحججت مع أبي بكر رضي الله عنه واعتمرت فكان يصلي ركعتين ، ومع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان يصلى ركعتين ومع عثمان فصلى ركعتين صدرا من إمارته ، ثم صلى عثمان بمنى اربعا.وفي لفظ الترمذي في الصحيح 1 : 71 : ومع عثمان ست سنين من خلافته
أوثمان سنين فصلى ركعتين.فقال : حسن صحيح.
* (هامش ) * (1 ) سنن أبى داود 1 : 308 ، سنن البيهقي 3 : 144 ، تيسير الوصول 2 : 286 ، نيل الاوطار 2 : 260.
وفي الكنز 4 : 240 من طريق الدارقطني عن ابن جريج قال : سأل حميد الضمري ابن عباس فقال : إني أسافر فاقصر الصلاة في السفر أم أتمها ؟ فقال ابن عباس : لست تقصرها ولكن تمامها وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا لايخاف إلاالله فصلى اثنتين حتى رجع ، ثم خرج أبوبكر لايخاف إلا الله فصلى ركعتين حتى رجع ، ثم خرج عمر آمنا لايخاف إلا الله فصلى اثنتين حتى رجع ، ثم فعل ذلك عثمان ثلثي إمارته أو شطرها ثم صلاها أربعا ، ثم أخذ بها بنوا أمية.قال ابن جريج : فبلغني انه أوفى أربعا بمنى فقط من أجل ان أعرابيا ناداه في مسجد الخيف بمنى : يا أميرالمؤمنين مازلت أصليها ركعتين منذ رأيتك عام الاول صليتها ركعتين.فخشي عثمان أن يظن جهال الناس الصلاة ركعتين وإنما كان أوفاها بمنى.
وأخرج أحمد في المسند 4 : 94 من طريق عباد بن عبدالله قال : لما قدم علينا معاوية حاجاصلى بنا الظهر ركعتين بمكة ، ثم انصرف إلى دارالندوة فدخل عليه مروان و عمروبن عثمان فقالا له : لقد عبت أمر ابن عمك لانه كان قد أتم الصلاة قال : وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعا ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة فاذا فرغ الحج وأقام بمنى أتم الصلاة.وذكره ابن حجر في فتح الباري 2 : 457 ، والشوكاني في نيل الاوطار 2 : 260.
وروى الطبري في تاريخه وغيره : حج بالناس في سنة 29 عثمان فضرب بمنى فسطاطا فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى ، وأتم الصلاة بها وبعرفة ، فذكر الواقدي " بالاسناد " عن ابن عباس قال : ان أول ما تكلم الناس في عثمان ظاهرا انه صلى بالناس بمنى في ولايته ركعتين حتى إذا كانت السنة السادسة أتمها ، فعاب ذلك غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وتكلم في ذلك من يريد أن يكثر عليه حتى جاء علي فيمن جاء‌ه فقال : والله ماحدث أمر ولا قدم عهد ولا عهدت نبيك صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين ، ثم أبابكر ، ثم عمر ، وأنت صدرا من ولايتك ، فما أدري مايرجع اليه ؟ فقال : رأي رأيته.
وعن عبدالملك بن عمر وبن أبي سفيان الثقفي عن عمه قال : صلى عثمان بالناس بمنى أربعا فأتى آت عبدالرحمن بن عوف فقال : هل لك في أخيك ؟ قد صلى بالناس أربعا ، فصلى عبدالرحمن بأصحابه ركعتين ، ثم خرج حتى دخل على عثمان فقال له : ألم تصل في هذا المكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ؟ قال : بلى.قال : ألم تصل مع أبي بكر ركعتين ؟ قال : بلى.قال : ألم تصل مع عمر ركعتين ؟ قال : بلى قال : ألم تصل صدرا من خلافتك ركعتين ؟ قال : بلى.قال : فاسمع مني ياأبامحمد إني أخبرت ان بعض من حج من أهل اليمن وجفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي : إن الصلاة للمقيم ركعتان هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين.وقد اتخذت بمكة أهلا فرأيت أن أصلي أربعا لخوف ماأخاف على الناس ، وأخرى قداتخذت بها زوجة ، ولي بالطائف مال ، فربما اطلعته فأقمت فيه بعد الصدر.فقال عبدالرحمن بن عوف : مامن هذا شئ لك فيه عذر ، أما قولك : إتخذت أهلا.فزوجتك بالمدينة تخرج بها إذا شئت ، وتقدم بها إذا شئت ، إنما تسكن بسكناك.
وأما قولك : ولي مال بالطائف.فان بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال وأنت لست من أهل الطائف.
وأما قولك : يرجع من حج من أهل اليمن وغيرهم فيقولون : هذاإمامكم عثمان يصلي ركعتين وهو مقيم.فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الاسلام فيهم قليل ، ثم أبوبكر مثل ذلك ، ثم عمر ، فضرب الاسلام بجرانه فصلى بهم عمر حتى مات ركعتين.فقال عثمان : هذا رأي رأيته.
قال : فخرج عبدالرحمن فلقي ابن مسعود فقال : أبا محمد غيرما يعلم ؟ قال : لا قال : فما أصنع ؟ قال : إعمل أنت بماتعلم.فقال ابن مسعود : الخلاف شر ، قد بلغني انه صلى أربعا فصليت بأصحابي أربعا.فقال عبدالرحمن بن عوف : قد بلغني انه صلى أربعا فصليت بأصحابي ركعتين ، وأماالآن فسوف يكون الذي تقول ، يعني نصلي معه أربعا.
أنساب البلاذري 5 : 39 ، تأريخ الطبري 5 : 56 ، كامل ابن الاثير 3 : 42 ، تاريخ ابن كثير 7 : 154 ، تاريخ ابن خلدون 2 : 386.
- نظرة في رأي الخليفة :
قال الاميني : أنت ترى أن ماارتكبه الرجل مجرد رأي غيرمدعوم ببرهنة ولا معتضد بكتاب أوسنة ، ولم يكن عنده غير ما تترس به من حججه الثلاث التي دحضها عبدالرحمن بن عوف بأوفى وجه حين أدلى بها ، بعد أن أربكه النقد ، وكان ذلك منه تشبثا كتشبث الغريق ، ومن أمعن النظر فيها لايشك أنها مما لايفوه به ذومرة في الفقاهة فضلا عن إمام المسلمين ، ولو كان مجرد ان زوجته مكية من قواطع السفر ؟ فأي مهاجر من الصحابة ليس كمثله ؟ فكان إذن من واجبهم الاتمام ، لكن الشريعة فرضت التقصير على المسافر مطلقا ، والزوجة في قبضة الرجل تتبعه في ظعنه و اقامته ، فلا تخرج زوجها عن حكم المسافر لمحض انه بمقربة من بيئتها الاصلية التي هاجر عنها وهاجرت.
قال ابن حجر في فتح الباري 2 : 456 : أخرج أحمد والبيهقي من حديث عثمان وانه لما صلى بمنى أربع ركعات ، أنكر الناس عليه فقال : إني تأهلت بمكة لما قدمت وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من تأهل ببلدة فانه يصلي صلاة مقيم.قال هذا الحديث لايصح منقطع ، وفي رواته من لا يحتج به ، ويرده ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر بزوجاته وقصر.
وقال ابن القيم في عد أعذار الخليفة : انه كان قد تأهل بمنى ، والمسافر اذا أقام في موضع وتزوج فيه ، أو كان له به زوجة أتم.ويروى في ذلك حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم فروى عكرمة بن ابراهيم الازدي عن أبي ذئاب عن أبيه قال : صلى عثمان بأهل منى أربعا وقال : يا أيها الناس لما قدمت تأهلت بها ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا تأهل الرجل ببلدة فانه يصلي بها صلاة مقيم.رواه الامام أحمد رحمه الله في مسنده
( 1 : 62 ) ، وعبدالله بن زبير الحميدي في مسنده أيضا ، وقد أعله البيهقي بانقطاعه ، وتضعيفه عكرمة بن ابراهيم ، قال أبوالبركات ابن تيمية : ويمكن المطالبة بسبب الضعف ، فان البخاري ذكره في تاريخه ولم يطعن فيه ، وعادته ذكر الجرح والمجروحين ، وقدنص أحمد وابن عباس قبله : ان المسافر إذا تزوج لزمه الاتمام ، وهذاقول أبي حنيفة رحمه الله ، ومالك وأصحابهما ، وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان.اه‍.
قال الاميني : لوكان عثمان لهج بهذه المزعمة في وقته على رؤس الاشهاد ، وكان من المسلم في الاسلام ان التزويج من قواطع السفر- وليس كذلك- لمابقيت كلمة مطوية تحت أستار الخفاء حتى يكتشفها هذا الاثري المتمحل ، أو يختلقها له رماة القول على عواهنه.
ثم لاي شئ كانت والحالة هذه نقود الصحابة الموجهة إلى الرجل ؟ أولم يسمعوه لمارفع عقيرته بعذره الموجه ؟ أو سمعوه ولم يقيمواله وزنا ؟ أو أن الخطاب من ولائد أم الفرية بعد منصرم ايامه ؟
على أن النكاح لايتم عندالقوم إلا بشاهدين عدلين ، وورد عن ابن عباس : لا نكاح إلا بأربعة : ولي ، وشاهدين ، وخاطب ( 1 ) ، فأين كان أركان نكاح الخليفة يوم توجيه النقود اليه ؟ حتى يدافعون عنه تلك الجلبة واللغط.
ومتى تأهل الرجل بهذه المرأة الموهومة قاطعة السفر له ؟ وما المسوغ له ذلك وقد دخل مكة محرما ؟ وكيف يشيع المنكر ويقول : تأهلت بمكة مذ قدمت ؟
ولم يكن متمتعا بالعمرة ( لانه لم يكن يبيح ذلك أخذا برأي من حرمها كما يأتي تفصيله ) حتى يقال: إنه تأهل بين الاحرامين بعد قضاء نسك العمرة ، فهو لم يزل كان محرما من مسجد الشجرة حتى أحل بعد تمام النسك بمنى ، فيجب أن يكون إتمامه الصلاة إن صح الاتمام بالتأهل؟ وأنى ؟ من حيث أحل وتأهل ، وقد صلاها تامة بمنى أيام منى وبعرفات أيضا محرما مع الحاج ، فهذه مشكلة اخرى قط لاتنحل لما صح من طريق عثمان نفسه عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله : لاينكح المحرم ولاينكح ولا يخطب.( 2 )
وعن مولانا أميرالمؤمنين قال : لايجوز نكاح المحرم ، إن نكح نزعنا منه إمرأته.( 3 )
قال ابن حزم في المحلي 7 : 197 : مسألة : لايحل لرجل ولا لامرأة أن يتزوج أو تتزوج ، ولاأن يزوج الرجل غيره من وليته ، ولا أن يخطب خطبة نكاح مذ يحرمان إلى أن تطلع الشمس من يوم النحر ، ويدخل وقت رمي جمرة العقبة ، ويفسخ النكاح قبل الوقت المذكور ، كان فيه دخول وطول مدة وولادة أولم يكن ، فإذا دخل الوقت
* (هامش ) * (1 ) سنن البيهقى 7 : 124 127 ، 142.
( 2 ) الموطأ لمالك 1 : 321 ، وفى ط : 254 الام للشافعى 5 : 160 ، مسند أحمد 1 : 57 ،
64 ، 65 ، 68 ، 73 ، صحيح مسلم 1 : 935 ، سنن الدارمى 2 : 38 ، سنن أبى داود 1 : 290 ، سنن ابى ماجة 1 : 606 ، سنن النسائى 5 : 192 ، سنن البيهقى 5 : 65 ، 66.
( 3 ) المحلى لابن حزم 7 : 199.
المذكور حل لهما النكاح والانكاح.ثم ذكر دليل الحكم فقال :
فإن نكح المحرم أو المحرمة فسخ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.وكذلك إن أنكح من لانكاح لها إلا بانكاحه فهو نكاح مفسوخ لما ذكرنا ، ولفساد الانكاح الذي لايصح النكاح إلا به ، ولا صحة لما لا يصح ، إلا بما يصح ، وأما الخطبة فان خطب فهو عاص ولا يفسد النكاح لان الخطبة لا متعلق لها بالنكاح ، وقد يخطب ولا يتم النكاح إذا رد الخطاب ، وقد يتم النكاح بلاخطبة أصلا ، لكن بأن يقول لها : أنكحيني نفسك فتقول : نعم قد فعلت.ويقول هو : قد رضيت ، ويأذن الولي في ذلك.ثم بسط القول في رد من زعم جواز نكاح المحرم بأحسن بيان.فراجع.وللامام الشافعي في كتابه الام كلمة حول نكاح المحرم ضافية لدة هذه راجع ج 5 : 160.
وليتني أدري بأي كتاب أم بأية سنة قال أبوحنيفة ومالك ونص أحمد( كما زعمه ابن القيم) : على أن المسافر إذا تزوج ببلدة لزمه الاتمام بها ؟ وسنة رسول الله الثابتة عنه صلى الله عليه وآله خلافه ، وكان المهاجرون كلهم يقتصرون بمكة ، وهي قاعدة أزواجهم كما سمعت ، وليس مستند القوم إلا رواية عكرمة بن ابراهيم التي أعلها البيهقي ، وقد مر عن ابن حجر أنها لاتصح.وقال يحيى وأبوداود : عكرمة ليس بشئ.و قال النسائي : ضعيف ليس بثقة.وقال العقيلي: في حديثه اضطراب.وقال ابن حبان كان ممن يقلب الاخبار ، ويرفع المراسيل ، لايجوز الاحتجاج به ، وقال يعقوب : منكر الحديث.وقال أبوأحمد الحاكم : ليس بالقوي ، وذكره ابن الجارود وابن شاهين في الضعفاء.( 1 )
نعم راق أولئك الائمة التحفظ على كرامة الخليفة ولو بالافتاء بغير ما أنزل الله ، وكم له من نظير ؟ ونوقفك في الاجزاء الآتية على شطرمهم من الفتاوى الشاذة عن الكتاب والسنة عند البحث عنها ، والعجب كل العجب عدابن القيم هذا العذر المفتعل أحسن مااعتذربه عن عثمان ، وهو مكتنف بكل ماذكرناه من النقود والعلل ، هذا شأن أحسن مااعتذر به فماظنك بغيره ؟.
* (هامش ) * (1 ) لسان الميزان 4 : 182.
وأما وجود مال له بالطائف فالرجل مكي قد هاجر عنها لاطائفي ، وبينه وبين الطائف عدة مراحل ، هب أن له مالا بمكة أو بنفس منى وعرفة اللتين أتم فيهما الصلاة ، فان مجرد المال في مكان ليس يقطع السفر مالم يجمع الرجل مكثا ، وقد قصر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله معه عام الفتح ، وفي حجة أبي بكر ولعدد منهم بمكة دار أو أكثر وقرابات.كما رواه الشافعي ، قال في كتاب الام 1 : 165 : قد قصر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه عام الفتح ، وفي حجته ، وفي حجة أبي بكر ، ولعدد منهم بمكة دار أو أكثر وقرابات : منهم أبوبكر له بمكة دار وقرابة ، وعمر له بمكة دور كثيرة ، و عثمان له بمكة دار وقرابة ، فلم أعلم منهم أحدا أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاتمام ، ولا
أتم ولاأتموا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدومهم مكة ، بل حفظ عمن حفظ عنه منهم
القصربها.وذكره البيهقي في السنن 3 : 153.
وأما الخيفة ممن حج من أهل اليمن وجفاة الناس الذين لم يتمرنوا بالاحكام أن يقولوا : إن الصلاة لمقيم ركعتان هذاإمام المسلمين يصليها كذلك.فقد كانت أولى بالرعاية على العهد النبوي والناس حديثوا عهد بالاسلام ، ولم تطرق جملة من الاحكام أسماعهم ، وكذلك على العهدين قبله ، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يرعها بعد بيان حكمي الحاضر والمسافر ، وكذلك من اقتص أثره من بعده ، ولقد صلى صلى الله عليه وآله بمكة ركعتين أيام إقامته بها ثم قال : أتموا الصلاة ياأهل مكة فانا سفر.أوقال : ياأهل البلد صلوا أربعا فاناسفر ( 1 ).فأزال صلى الله عليه وآله ماحاذره الخليفة في تعليله المنحوت بعد الوقوع ، فهلا كان منه إقتصاص لاثر النبي صلى الله عليه وآله ؟ فيما لم يزل دائبا عليه في أسفاره ، فهلا اقتص أثره مع ذلك البيان الاوفى ؟ ولم يكن على الافواه أوكية ، ولا على الآذان صمم ، وهل الواجب تعليم الجاهل ؟ أو تغيير الحكم الثابت من جراء جهله ؟ :
على أن الخليفة إن أراد أن ينقذ الهمج من الجهل بتشريع الصلاة أربعا فقد ألقاهم في الجهل بحكم صلاة المسافر ، فكان تعليمه العملي إغراء بالجهل ، وواجب التعليم هو الاستمرار على ماثبت في الشريعة مع البيان ، كما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله في مكة كما مر
* (هامش ) * (1 ) سنن البيهقي 3 : 136 ، 157 ، سنن أبي داود 1 : 191 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 310.
وكان عمر إذا قدم مكة صلى لهم ركعتين ثم يقول : ياأهل مكة أتموا صلاتكم فانا قوم سفر ، وروى البيهقي عن أبي بكر مثل ذلك." سنن البيهقي 3 : 126 ، 157 ، المحلى لابن حزم 5 : 18 ، موطأمالك 1 : 126 ".
هذه حجج الخليفة التي أدلى بها يوم ضايقه عبدالرحمن بن عوف لكنها عادت عنده مدحورة ، وقد أربكه عبدالرحمن بنقد ماجاء به فلم يبق عنده إلا أن يقول : هذا رأي رأيته ، كماأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لما دخل عليه وخصمه بحجاجه فقال : والله ماحدث أمر ولا قدم عهد.الخ.وعجزالرجل عن جوابه فقال : رأي رأيته.
هذامنقطع معاذير عثمان في تبرير أحدوثته فلم يبق له ارتحاضه إلا قوله : رأي رأيته ، لكن للرجل من بعده أنصارا إصطنعوا له أعذارا اخرى هي أو هن من بيت العنكبوت ، ولم يهتد اليها نفس الخليفة حتى يغبر بها في وجه منتقديه ، ولكن كم ترك الاول للآخر ، منها :
1- إن منى كانت قد بنيت وصارت قرية ، كثر فيها المساكن في عهده ولم يكن ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله بل كانت فضاء ولهذا قيل له : يا رسول الله ألا تبني لك بمنى بيتا يظلك من الحر ؟ فقال : لا ، منى مناخ من سبق ، فتأول عثمان ان القصر إنمافي حال السفر ( 1 )
أنا لا أدري ماصلة كثرة المساكن وصيرورة المحل قرية بحكم القصر والاتمام ؟
وهل السفر يتحقق بالمفاوز والفلوات دون القرى والمدن حتى إذا لم ينوفيها الاقامة ؟
إن هذا الحكم عجاب ، وهذه فتوى من لايعرف مغزى الشريعة ، ولا ملاك تحقق السفر والحضر المستتبعين للقصر والاتمام ، على أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى أيام إقامته بمكة قصرا وكذلك في خيبر ، وكانت مكة أم القرى ، وفي خيبر قلاع وحصون مشيدة و قرى ورساتيق ، وكذلك كان يفعل في أسفاره ، وكان يمر بها على قرية ويهبط اخرى على أن صيرورة المحل قرية لم تكن مفاجأة منها وإنما عادت كذلك بالتدريج ، ففي أي حد منهاكان يلزم الخليفة تغيير الحكم ؟ وعلى أي حد غير ؟ أنا لاأدري.
2- انه أقام بهاثلاثا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه بمكة
* (هامش ) * (1 ) ذكره ابن القيم في زادالمعاد هامش شرح المواهب للزرقاني 2 : 24 وفنده بقول موجز.
ثلاثا فسماه مقيما والمقيم غير المسافر ( 1 ) وفي لفظ مسلم : يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا.وفي لفظ البخاري : للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصدر بمكة.اه‍ ( 2 )
إن ملاك قطع السفر ليس صدق لفظ الاقامة ، فليست المسألة لغوية وإنما هي شرعية ، وقدأناطت السنة الشريفة الاتمام في السفر باقامة محدودة ليس في ما دونها إلا التقصير في الصلاة ، وليس لمكة حكم خاص يعدل به عما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله ، والمراد من الاقامة فيما تشبث به ناحت المعذرة هو المكث للمهاجر بمكة لما لهم بها من سوابق وعلائق وقرابات ، لا الا قامة الشرعية التي هي موضوع حكم الاتمام ، وقدأقام رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة عشرا كما في الصحيحين ( 3 ) أواكثر منها كما في غيرهما ( 4 ) ولم يزد على التقصير في الصلاة فقصر المكث بمكة ثلاثا على المهاجر دون غيرهما من الوافدين إلى مكة ، وعلى مكة دون غيرها كما هو صريح تلكم الالفاظ المذكورة يعرب عن إرادة المعنى المذكور ، ولا يسع لفقيه أن يرى الاقامة ثلاثا بمكة خاصة من قواطع السفر للمهاجر فحسب ، وقد اعرض عن استيطانها بالهجرة ، ولم يتم رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع بمكة وقد أقام بها أكثر من ثلاثة أيام بلغ عشراأو لم يبلغ أوزاد عليها.
على أن الشافعي ومالكا وأصحابهما وآخرين إحتجوا بالالفاظ المذكورة على استثناء مكث المهاجر بمكة ثلاثا من الاقامة المكروهة لهم بها ، قالوا : كره رسول الله للمهاجرين الاقامة بمكة التي كانت أوطانهم فأخرجوا عنها ، ثم أباح لهم المقام بها ثلاثا بعد تمام النسك.وقال ابن حزم : ان المسافر مباح له أن يقيم ثلاثا وأكثر من ثلاث لاكراهة في شئ من ذلك ، وأما المهاجر فمكروه له أن يقيم بمكة بعد انقضاء نسكه أكثر من ثلاث ( 5 ) فأين هذاالحكم الخاص بمكة للمهاجر فحسب من الاقامة القاطعة للسفر ؟.
* (هامش ) * (1 ) هذا الوجه ذكره ابن القيم في زاد المعاد هامش شرح المواهب 2 : 24 ونقده بكلام وجيز.
( 2 ) الفاظ هذا الحديث مذكورة في تاريخ الخطيب 6 ، 267- 270.
( 3 ) صحيح البخاري 2 : 153 ، صحيح مسلم 1 : 260.
( 4 ) المحلى لابن حزم 5 : 27.
( 5 ) المحلى لابن حزم 5 : 24.
ثم كان هذا عذر الرجل لكان عليه أن يتم بمكة لا بمنى وعرفة وقد أتم بهما.
3- انه كان قد عزم على الاقامة والاستيطان بمنى وإتخاذها دار الخلافة فلهذا أتم ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة.اه‍.
كأن هذا المتأول استشف عالم الغيب من وراء ستر رقيق ولا يعلم الغيب إلا الله ، إن مثل هذه العزيمة وفسخهامما لايعلم إلا من قبل صاحبها ، أو من يخبره بها هو ، وقد علمت ان الخليفة لما ضويق بالنقد لم يعد ذلك من معاذيره ، وإلا لكانت له فيه منتدح ، وكان خيرا له من تحشيد التافهات ، لكن كشف ذلك لصاحب المزعمة بعد لاي من عمرالدهر فحياالله الكشف والشهود.
وكان من المستصعب جدا والبعيد غايته تغيير العاصمة الاسلامية والتعريجة على التعرب بعد الهجرة من دون استشارة أخذ من أكابر الصحابة ، وإلغاء مقدمات تستوعب برهة طويلة من الزمن كأبسط أمر ينعقد بمحض النية ويفسخ بمثلها.
وقال ابن حجر في الفتح 2 : 457 ، والشوكاني في نيل الاوطار 3 : 260 : روى عبدالرزاق عن عمر عن الزهري عن عثمان : انما أتم الصلاة لانه نوى الاقامة بعد الحج وأجيب بأنه مرسل ، وفيه أيضا نظر لان الاقامة بمكة على المهاجرين حرام وقد صح عن عثمان انه كان لايودع البيت إلا على ظهر راحلته ، ويسرع الخروج خشية أن يرجع في هجرته ، وثبت أنه قال له المغيرة لما حاصروه : اركب رواحلك إلى مكة فقال : لن أفارق دارهجرتي.اه‍.
ولابن القيم في زادالمعاد 2 : 25 وجه آخر في دحض هذه الشبهة.فراجع.
4- انه كان اماما للناس والامام حيث نزل فهو عمله ومحل ولايته ، فكأنه وطنه قال الاميني : ان ملاك حكم الشريعة هو المقرر من قبل الدين لا الاعتبا رات المنحوتة ، والامام والسوقة شرع سواء في شمول الاحكام ، بل هو أولى بالاتباع لنواميس الدين حتى يكون قدوة للناس وتكون به أسوتهم ، وهو وإن سرت ولايته وعمله مع مسير نفوذه في البلاد أو في العالم كله الا ان التكليف الشرعي غير منوط بهذا السير ، بل هومرتبط بتحقق الموازين الشرعية ، فان أقام في محل جاء‌ه حكم الاقامة ، وإن لم ينوالاقامة فهو على حكم السفر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إمام الخلائق على الاطلاق ، ومع ذلك كان يقصر صلاته في أسفاره ، ولا يعزى اليه انه ربع بمكة أو في منى أوبعرفة أو بغيرها ، وانما اتبع مااستنه للامة جمعاء وبهذا رده ابن القيم في زاد المعاد ، وابن حجر في فتح الباري 2 : 456.
أضف اليه هتاف النبي الاعظم وأبي بكر وعمر بن الخطاب بمامر ص 107 من قولهم : أتموا صلاتكم ياأهل مكة فإنا قوم سفر.فانه يعرب عن ان حكم القصر والاتمام يعم الصادع الكريم ومن أشغل منصة الخلافة بعده.
على انه لوكان تربيع الرجل من هذه الناحية لوجب عليه أن يهتف بين الناس بأن ذلك لمقام الامامة فحسب ، وأما من ليس له ذلك المقام فحكمه التقصير ، وإلا لكان إغراء بالجهل بعمله ، وإبطالا لصلاتهم بترك البيان ، فاذلم يهتف بذلك ولم يعلل عمله به جوابا لمنقديه علمناانه لم يرد ذلك ، وان من تابعه من الصحابة لم يعللوا عمله بهذا التعليل ، وإنما تابعوه دفعا لشر الخلاف كما مر في صفحة 99 ، 102 وهذا ينبئ عن عدم صحة عمله عندهم.
ويشبه هذا التشبث في السقوط مانحتوه لام المؤمنين عائشة في تربيعها الصلاة في السفر بأنها كانت أم المؤمنين فحيث نزلت فكان وطنها كما ذكره ابن القيم في زاد معاده 2 : 26 ، فان كان لام المؤمنين هذا الحكم الخاص ؟ وجب أن تكون امومتها منتزعة من أبوة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإن ثبوت الحكم في الاصل أولى من الفرع ، لكن رسول الله كان يصلي في أسفاره عامة ركعتين ، وليس من الهين تغييرحكم الله بأمثال هذه السفاسف ، ولا من السهل نحت العذر لكل من يخالف حكما من أحكام الدين لرأى ارتآه ، أو غلط وقع فيه ، أو لسياسة وقتية حدته إليه ، ولا ينقضي عجبي من العلماء الذين راقتهم أمثال هذه التافهات فدونوها في الكتب ، وتركوها أساطير من بعد هم يهزأبها.
5- إن التقصير للمسافر رخصة لا عزيمة ، ذكره جمع ، وقال المحب الطبري في الرياض
2 : 151 : عذره في ذلك ظاهر ، فانه ممن لم يوجب القصر في السفر.وتبعه في ذلك شراح صحيح البخاري ، وهذا مخالف لنصوص الشريعة ، والمأثورات النبوية ، والسنة الشريفة الثابتة عن النبي الاقدس ، وكلمات الصحابة ، وإليك نماذج منها :
1- عن عمر : صلاة السفر ركعتان ، والجمعة ركعتان ، والعيد ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد.وفي لفظ : على لسان النبي صلى الله عليه وسلم.
مسند أحمد 1 : 37 ، سنن ابن ماجة 1 : 329 ، سنن النسائي 3 : 118 ، سنن البيهقي
3 : 199 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 308 ، 309 ، المحلى لابن حزم 4 : 265 ، زاد المعاد هامش شرح المواهب 2 : ص 21 فقال : ثابت عن عمر.
2- عن يعلى بن أمية قال : سألت عمربن الخطاب قلت : ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة الآية.وقد أمن الناس ؟ فقال : عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته.
صحيح مسلم 1 : 191 ، 192 ، سنن أبي داود 1 : 187 ، سنن ابن ماجة 1 : 329 ، سنن النسائي 3 : 116 ، سنن البيهقي 3 : 134 ، 141 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 308 ، المحلى لابن حزم 4 : 267.
3- عن عبدالله بن عمر قال : كان رسو ل الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من هذه المدينة لم يزد على ركعتين حتى يرجع اليها.وفي لفظ : صحبت رسول الله فكان لا يزيد في السفر على الركعتين.الحديث.
مسند أحمد 2 : 45 ، سنن ابن ماجة 1 : 330 ، سنن النسائي 3 : 123 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 310 ، زادالمعاد هامش شرح المواهب للزرقاني 2 : 29 وصححه.
4- عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا و في السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة.
وفي لفظ مسلم : إن الله عزوجل فرض الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعا.
صحيح مسلم 1 : 258 ، مسند أحمد 1 : 355 ، سنن ابن ماجة 1 : 330 ، سنن النسائي
3 : 119 ، سنن البيهقي 3 ، 135 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 307 ، 310 ، المحلى لابن حزم 4 : 271 فقال : ورويناه أيضا من طريق حذيفة ، وجابر ، وزيد بن ثابت ، وأبي هريرة ، وابن عمر كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد في غاية الصحة.تفسير القرطبي
5 : 352 ، تفسير ابن جزي 1 : 155 ، زاد المعاد لابن القيم هامش شرح الزرقاني 2 : 221 ، مجمع الزوائد 2 : 154 من طريق أبي هريرة.
5- عن عائشة قالت : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر ، وزيدفي صلاة الحضر.
وفي لفظ ابن حزم من طريق البخاري : فرضت الصلاة ركعتين ، ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعا ، وتركت صلاة السفر على الاولى.
وفي لفظ أحمد : كان أول ماافترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة ركعتان ركعتان إلا المغرب فانها كانت ثلاثة ثم أتم الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعا في الحضر
وأقر الصلاة على فرضها الاول في السفر.
راجع صحيح البخاري 1 : 159 ، ج 2 : 105 ، ج 5 : 172 ، صحيح مسلم 1 : 257 ، موطأمالك 1 : 124 ، سنن أبي داود 1 : 187 ، كتاب الام للشافعي 1 : 159 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 310 ، سنن البيهقي 3 : 135 ، المحلى 4 : 265 ، زاد المعاد 2 : 21 ، تفسير القرطبي 5 : 352 ، 358.
6- عن موسى بن مسلمة قال قلت لابن عباس : كيف أصلي بمكة إذا لم أصل في جماعة ؟ قال : ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.مسند أحمد 1 : 290 ، 337 ، صحيح مسلم
1 : 258 ، سنن النسائي 3 : 119.
7- عن أبي حنظلة قال : سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال : ركعتان سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي لفظ البيهقي : قصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول اله صلى الله عليه وسلم. مسند أحمد 2 : 57 ، سنن البيهقي 3 : 136.
8- عن عبدالله ابن عمر قال : الصلاة في السفر ركعتان من خالف السنة فقد كفر.
سنن البيهقي 3 : 140 ، المحلي لابن حزم 4 : 270 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 310 ، المعجم الكبير للطبراني كما في مجمع الزوائد 2 : 155 وقال : رجاله رجال الصحيح.
9- عن ابن عباس قال : من صلى في السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين.
مسند أحمد 1 : 349 ، المحلي 4 : 270.
10- عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافرا صلى ركعتين حتى يرجع.وفي لفظ : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج لم يزد على ركعتين حتى يرجع.
مسند أحمد 1 : 285 ، 356 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 309.
11- عن عمران بن حصين قال : ما سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا قط إلا
صلى ركعتين حتى يرجع ، وحججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يصلي ركعتين حتى
يرجع إلى المدينة ، وأقام بمكة ثماني عشرة لايصلي إلا ركعتين وقال لاهل مكة : صلواأربعا فانا قوم سفر.
راجع سنن البيهقي 3 : 135 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 310.
وعن عمران في لفظ آخر : ما سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صلى ركعتين إلا المغرب.أخرجه أبوداود وأحمد كما في مجمع الزوائد 2 : 155.
12- عن عمر بن خطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلاة المسافر ركعتان حتى يؤب إلى أهله أو يموت." أحكام القرآن للجصاص 2 : 310 ".
13- عن ابراهيم : ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى الظهر بمكة ركعتين
فلما انصرف قال : ياأهل مكة إنا قوم سفر ، فمن كان منكم من أهل البلد فليكمل.
فأكمل أهل البلد.
الآثار للقاضي أبي يوسف ص 30 ، 75 ، وراجع مامر صفحة 107 من هذا الجزء.
14- عن أنس بن مالك قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة.
صحيح البخاري 2 : 153 ، صحيح مسلم 1 : 260 ، مسند أحمد 3 : 190 ، سنن البيهقي
3 : 136 ، 145.
15- عن عبدالله بن عمر قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا ونحن في ضلال فعلمنا ، فكان فيما علمنا : أن الله عزوجل أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر.
أخرجه النسائي كمامر في تفسير الخازن 1 : 412 ، ونيل الاوطار 3 : 250.
16- عن أبي الكنود عبدالله الازدي قال : سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال : ركعتان نزلتا من السماء ، فان شئتم فردوهما.
أخرجه الطبراني في الصغير كما في مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي 2 : 145
فقال : رجاله موثقون.
- الغدير 9 :
17- عن السائب بن يزيد الكندي قال : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، ثم زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 155 : رواه الطبري في الكبير ورجاله رجال الصحيح.
18- عن ابن مسعود قال : من صلى في السفر أربعا أعاد الصلاة.
أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد 2 : 155.
19- عن حفص بن عمر قال : انطلق بنا أنس بن مالك إلى الشام إلى عبدالملك و نحن أربعون رجلا من الانصار ليفرض لنا فلما رجع وكنا بفج الناقة صلى بنا الظهر ركعتين ثم دخل فسطاطه ، وقام القوم يضيفون إلى ركعتيهم ركعتين أخريين فقال : قبح الله الوجوه ، فوالله ماأصابت السنة ولا قبلت الرخصة فاشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : إن قوما بتعمقون في الدين يمرقون كما يمرق السهم من الرمية.
أخرجه أحمد في المسند 3 : 159 ، وذكره الهيثمي في المجمع 2 : 155.
20- عن سلمان قال : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم
بمكة حتى قدم المدينة وصلاها بالمدينة ماشاء الله ، وزيد في صلاة الحضر ركعتين و تركت الصلاة في السفر على حالها.
رواه الطبراني في الاوسط كما في مجمع الزوائد 2 : 156.
21- عن ثمامة بن شراحيل قال : خرجت إلى ابن عمر فقلت : ماصلاة المسافر ؟
قال : ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثا.قلت : أرأيت إن كنا بذي المجاز ؟ قال : ما
ذوالمجاز ؟ قلت : مكان نجتمع فيه ونبيع فيه ونمكث عشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة.
فقال : يا أيها الرجل كنت بآذربيجان لاأدري قال : أربعة أشهر أوشهرين ، فرأيتهم يصلونها ركعتين ركعتين ، ورأيت نبي الله صلى الله عليه وسلم بصر عينى يصليها ركعتين ، ثم نزع إلي بهذه الآية : لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة.
أخرجه أحمد في المسند 2 : 154.
22- أخرج أحمد في المسند 2 : 400 من طريق أبي هريرة قال : أيها الناس إن الله عزوجل فرض لكم على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين.
23- عن عمربن عبدالعزيز قال : الصلاة في السفر ركعتان حتمان لا يصح غير هما.ذكره ابن حزم في المحلى 4 : 271.
وذهب عمر وابنه ، وابن عباس ، وجابر ، وجبير بن مطعم ، والحسن ، والقاضي اسماعيل ، وحماد بن أبي سليمان ، وعمربن عبدالعزيز ، وقتادة والكوفيون إلى أن القصر واجب في السفر كما في تفسير القرطبي 5 : 351 ، وتفسير الخازن 1 : 413.
أترى مع هذه الاحاديث مجالا للقول بأن القصر في السفر رخصة لا عزيمة ؟ و لو كان يسوغ الاتمام في السفر لكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرب عنه بقول أو بفعل ولو باتيانه في العمر مرة لبيان جوازه كماكان يفعل في غير هذا المورد.أخرج مسلم في صحيحه ( 1 ) من حديث بريدة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى صلوات بوضوء واحد فقال له عمر : إنك صنعت شيئا لم تكن تصنعه ؟ فقال : عمدا صنعته يا عمر .قال الشوكاني في نيل الاوطار 1 : 258 بعد ذكر الحديث : أي لبيان الجواز وأخرج أحمد وأبويعلى عن عائشة قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال فقام عمر خلفه بكوز فقال : ماهذا ياعمر ؟ فقال : ماء تتوضأبه يارسول الله .قال : ماأمرت كلما بلت أن أتوضأ ولو فعلت كانت سنة " مجمع الزوائد 1 : 241 " وكم للحديثين من نظير في أبواب الفقه ؟.
ولوكان هناك ترخيص لما خفي على أكابر الصحابة حتى نقدوا عثمان نقدا مرا وفندوا معاذيره وفيهم مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام الذي هو باب مدينة علم النبي ، ومستقى أحكام الدين من بعده ، يعرف رخصها من عزائمها قبل كل الصحابة ، فهل يعزب عنه حكم الصلاة وهو أول من صلى من ذكر مع رسول الله صلى الله عليه وآله.
حتى ان الخليفة نفسه لم يفه بهذا العذر البارد ، ولوكان يعرف شيئا مماقالوه لماأرجأ بيانه إلى هؤلاء المدافعين عنه ، ولما كان في منصرم معاذيره بعد أن أعوزته : انه رأي رآه ، ولما كان تابعه على ذلك من تابعه محتجا بدفع شر الخلاف فحسب من دون أي تنويه بمسألة الرخصة.
وأنت تعرف بعد هذه الاحاديث قيمة قول المحب الطبري في رياضه النضرة 2 : 151 : انها مسألة اجتهادية ولذلك اختلف فيها العلماء فقوله( يعني عثمان)فيها لا يوجب تفكيرا ولا تفسيقا.اه‍.
* (هامش ) * (1 ) الجزء الاول صفحة 122.
خفي على المغفل ان الاجتهاد في تجاه النص لامساغ له ، وان المسألة لم يكن فيها خلاف إلى يوم احدوثة عثمان بل كانت السنة الثابتة عند جميع الصحابة بقول واحد وجوب القصر للمسافر ، وماكان عمل الخليفة إلا مجرد رأي رآه خلاف سنة أبي القاسم صلى الله عليه وآله ويعرب عن جلية الحال صحيح أحمد الآتي في ترجمة مروان وفيه :
ان معاوية لما قدم مكة صلى الظهر قصرا فنهض اليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا له : ما عاب أحد ابن عمك ماعبته به فقال لهما : وماذاك ؟ فقالا له : ألم تعلم انه أتم الصلاة بمكة ؟ قال لهما : ويحكما وهل كان غير ماصنعت ؟ قد صليتهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر.قالا : فان ابن عمك قد أتمها وإن خلافك إياه له عيب ، فخرج معاوية إلى العصر فصلاها أربعا.واختلاف العلماء بعد قط لا قيمة له ويضرب به على عرض الجدار بعد ثبوت السنة ، وليس إلا لتبرير ساحة الرجل ، وأنى ؟ بل عمله يدنس ذيل كل مبرر ، وأما عدم ايجاب القول بالاتمام للمسافر الكفر أوالفسق وايجابه ذلك فالمرجع فيه حديث الثامن المذكور ص 112 من صحيحة عبدالله بن عمر قال : الصلاة في السفر ركعتان من خالف فقد كفر.
- الدين عندالسلف سياسة وقتية :
تعطينا هذه الروايات الواردة في صلاة الخليفة درسا ضافيا صافقه الاستقراء لكثير من الموارد ان كثيرين من الصحابة ماكان يحجزهم الدين عن مخالفة التعاليم المقررة وكانوا يقدمون عليها سياسة الوقت ، وإلا فلا وجه لتربيعهم الصلاة وهم يرون أن المشروع خلافه لمحض ان الخلاف شر ، وهم أومن ناضل عنهم وحكم بعدالتهم أجمع لا يرون جواز التقية ، فعبدالله بن عمر يتبع الخليفة في أحدوثته ، وكان يتم اذا صلي مع الامام ، وإذا صلى وحده صلى ركعتين ، وفي لسانه قوله : الصلاة في السفر ركعتان من خالف السنة فقد كفر ( 1 ) وبمسمع منه قوله صلى الله عليه وآله : إن الله لا يقبل عمل امرء حتى يتقنه.
* (هامش ) * (1 ) راجع صفحة 112 من هذاالجزء.
قيل : وما اتقانه ؟ قال : يخلصه من الرياء والبدعة ( 1 ).وقوله صلى الله عليه وآله : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.( 2 ) وهذا عبدالله بن مسعود يرى السنة في السفر ركعتين ، ويحدث بها ثم يتم معتذرا بأن عثمان كان إماما فما أخالفه والخلاف شر كمامرفي ص 99.
وهذا عبدالرحمن بن عوف كان لم ير للخليفة عذرا فيما أتى به من اتمام الصلاة في السفر ، ويقول له مجيباعن أعذاره : ماهذا شئ لك فيه عذر.ويسمع منه قوله :
انه رأي رأيته.خلافا للسنة الثابتة ، ومع ذلك كله يصلي اربعابعد ماسمع من ابن مسعود بأن الخلاف شر ( 3 ) لماذا كانت مخالفة عثمان شرا ، ولم تكن مخالفته ومخالفتهم على ناموس الشريعة ونبيها شرا ؟ دعني واسأل الصحابة الاولين.
وهذا علي أمير المؤمنين المقتص الوحيد أثر النبي الاعظم يؤتى به للصلاة
(كما مر في ص 100)
فيقول : إن شئتم صليت لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " ركعتين "
فيقال له : لا إلا صلاة أمير المؤمنين عثمان أربعا.فيأبى ولايبالون.
نعم : لم تكن الاحكام عند أولئك الخلفاء الذين أدخلود آراء‌هم الشاذة في دين الله والذين اتبعوهم إلا سياسة وقتية يدور بها الامر والنهي ، ويتغير بتغيرها الآراء حينا بعدحين ، فترى الاول منهم يقول على رؤوس الاشهاد : لئن أخذتموني بسنة نبيكم لا أطيقها.وقد جاء النبي الاعظم بسنة سهلة سمحة.ويقول : إني أقول برأيي إن يك صوابا فمن الله ، وإن يك خطأفمني ومن الشيطان " راجع الجزء السابع 104 ، 118 ، 119 ، ط 2 ".
ويأتي بعده من يفتي بترك الصلاة للجنب الفاقد للماء ولا يبالي ، وقد علمه النبي الاعظم التيمم فضلا عمافي الكتاب والسنة.راجع ج 6 : 83 ط 2.
وكان لم يقرأ بفاتحة الكتاب في الركعة الاولى ، ويكررها في الثانية تارة ، و أخرى لم يقرأها في ركعاتها ، ويقتصر على حسن الركوع والسجود ، وطورا يتركها و لم يقرأ شيئا ثم يعيد.راجع ج 6 : 108 ط 2.
* (هامش ) * (1 ) بهجة النفوس للحافظ ابن ابى جمرة الازدى الاندلسى 4 : 160.
( 2 ) المحلى 7 : 197.
( 3 ) راجع من هذا الجزء ص 99.
وكان ينهى عن التطوع بالصلاة بعد العصر ، ويضرب بالدرة من تنفل بها ، والناس يخبره بأنه سنة محمد صلى الله عليه وآله ، وهو لا يصيخ إلى ذلك ، كمامر في الجزء ال‍ 6 : 184 ط 2.
وتراه يحكم في الجد بمائة قضية كلها ينقض بعضها بعضا ، كما مر حديثه في الجزء ال‍ 6 ص 116 ط 2.
وثبت عنه قوله : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما ، وأعاقب عليهما.كما فصلناه في ج 6 : 210 ط 2.
وجاء عنه قوله : أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهن و أحرمهن وأعاقب عليهن : متعة النساء.ومتعة الحج.وحي على خيرالعمل.راجع الجزء ال‍ 6 : 213 ط 2.
إلى قضايا أخرى لدة هذه أسلفناها في الجزء السادس في " نوادرالاثر في علم عمر " وهذا عثمان يخالف السنة الثابتة في مثل الصلاة عمادالدين ويعتذر بقوله : انه رأي رأيته.
ويحدث أذانا بعد الاذان والاقامة ، ويتخذه الملا الاسلامي سنة في الحواضر الاسلامية.
وينهى عليا أميرالمؤمنين عن متعة الحج ، وهو يسمع منه قوله : لم أكن لادع سنة رسول الله لقول أحد من الناس.
ويأخذ الزكاة من الخيل ، وقد عفى الله عنها بلسان نبيه الاقدس.
ويقدم الخطبة على الصلاة في العيدين خلاف السنة المسلمة.
ويترك القراء‌ة في الاوليين ، ويقضيها في الاخريين.
ويرى في عدة المختلعة ما يخالف السنة المتسالم عليها ، واتخذ في الاموال والصدقات سيرة دون ما قرره الكتاب والسنة ، إلى كثيرمن الآراء الشاذة عن مقررات الاسلام المقدس ، وسيوافيك تفصيلها.
وهذا معاوية ، وماأدراك ما معاوية ، ؟ يتبع أثرالنبي الاعظم في صلاة ظهره فيأتيه مروان وابن عثمان فيزحزحانه عن هديه فيخالف السنة الثابتة- باعتراف منه في صلاة عصره ، إتباعا لسياسة الوقت ، وإحياء لبدعة ابن عمه ، وإماتة لشرعة المصطفى ، تزلفهاإلى مثل مروان وابن عثمان.
وتراه يحكم بجواز الجمع بين الاختين المملوكتين ، ويعترض عليه الناس فلا يبالي ( 1 )
ويحلل الربا ، وفي كتاب الله العزيز : " أحل الله البيع وحرم الربا " فأخبره أبوالدرداء ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع باعه ، فقال معاوية : ماأرى بهذا بأسا ، فقال أبوالدرداء : من يعذرني من معاوية ، أخبره عن رسول الله ، ويخبرني عن رأيه.لااساكنك بأرض ، فخرج من ولاية معاوية.اختلاف الحديث للشافعى هامش كتابه الام 7 : 23 وأخذ ألف دينار دية الذمي ، وجعل خمسمائة في بيت المال ، وخمسمائة لاهل القتيل.بدعة مسلمة خلاف سنة الله.( 2 )وأمر بالاذان في العيدين،ولا أذان فيهما ولاأذان إلا في المكتوبة.ذكره الشافعي في كتاب الام1: 208.
واخذ من الاعطية زكاة ، وهو أول من أحدثها كما في كتاب الام 2 : 14.
وهو أول من نقص التكبير كما أخرجه ابن أبي شيبة.
وأتي إليه بلصوص ، فقطع بعضهم ، وعفى عن أحدهم لسماعه منه ومن رامه كلاما يروقه ، كماذكره الماوردي في الاحكام السلطانية ص 219 ، وابن كثير في تاريخه 8 : 136.
وقدم الخطبة على الصلاة في العيدين كما يأتي تفصيله والمسنون خلافه وسن لعن أميرالمؤمنين علي عليه السلام ، وأمر به الخطباء وأئمة الجمعة والجماعة في جميع الحواضر الاسلامية.فكن على بصيرة من أمرك ولاتتبع أهواء الذين لايعلمون ، واحذرهم أن يفتنوك ، سواء محياهم ومماتهم ساء مايحكمون.
* (هامش ) * (1 ) الدر المنثور 2 : 137.
( 2 ) كتاب الديات لابى عاصم الضحاك ص 50.
- إبطال الخليفة الحدود :
أخرج البلاذري في الانساب 5 : 33 من طريق محمد بن سعد ، بالاسناد عن أبي اسحاق الهمداني : ان الوليد بن عقبة شرب فسكر فصلى بالناس الغداة ركعتين ( 1 ) ثم التفت فقال : أزيدكم ؟ فقالوا : لاقد قضينا صلاتنا ، ثم دخل عليه بعد ذلك أبوزينب وجندب بن زهير الازدي وهو سكران فانتزعا خاتمه من يده وهو لايشعر سكرا.
قال أبواسحاق : وأخبرني مسروق انه حين صلى لم يرم حتى قاء ، فخرج في أمره إلى عثمان أربعة نفر : أبوزينب.وجندب بن زهير.وأبوحبيبة الغفاري.والصعب بن جثامة.فاخبروا عثمان خبره فقال عبدالرحمن بن عوف ، ماله ؟ أجن ؟ قالوا : لا ، ولكنه سكر.قال : فأوعدهم عثمان وتهددهم ، وقال لجندب : أنت رأيت أخي يشرب الخمر ؟ قال : معاذالله ، ولكني أشهد إني رأيته سكران يقسلهامن جوفه ، واني أخذت خاتمه من يده وهو سكران لايعقل.
قال أبواسحاق : فأتى الشهود عائشة فأخبروها بما جرى بينهم وبين عثمان ، وان عثمان زبرهم ، فنادت عائشة : إن عثمان أبطل الحدود وتوعد الشهود.
وقال الواقدي : وقد يقال : إن عثمان ضرب بعض الشهود أسواطا ، فأتوا عليا فشكوا ذلك إليه.فأتى عثمان فقال : عطلت الحدود وضربت قوماشهدوا على أخيك فقلبت الحكم ، وقد قال عمر : لاتحمل بني امية وآل أبي معيط خاصة على رقاب الناس قال : فماترى ؟ قال : أرى أن تعزله ولا توليه شيئا من امور المسلمين ، وأن تسأل عن الشهود فإن لم يكونوا أهل ظنة ولا عداوة أقمت على صاحبك الحد.
قال : ويقال : إن عائشة أغلظت لعثمان وأغلظ لها وقال : وماأنت وهذا ؟ إنما أمرت أن تقري في بيتك.فقال قوم مثل قوله : وقال آخرون : ومن أولى بذلك
* (هامش ) * ( 1 ) هكذا في الانساب وصحيح مسلم وأمابقية المصادر فكلها مطبقة على أربع ركعات و ستوافيك انشاء‌الله تعالى.
( 2 ) كان الوليد أخاه لامه امهما أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبدشمس.
منها ، فاضطربوا بالنعال ، وكان ذلك أول قتال بين المسلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج من عدة طرق : ان طلحة والزبير أتيا عثمان فقالا له : قد نهيناك عن تولية الوليد شيئا من امور المسلمين فأبيت وقد شهد عليه بشرب الخمر والسكر فاعزله وقال له علي : اعزله وحده إذا شهد الشهود عليه في وجهه.فولى عثمان سعيد بن العاص الكوفة وأمره باشخاص الوليد ، فلماقدم سعيد الكوفة غسل المنبر ودار الامامة وأشخص الوليد ، فلما شهد عليه في وجهه وأراد عثمان أن يحده ألبسه جبة حبر و أدخله بيتا فجعل إذا بعث اليه رجلا من قريش ليضربه قال له الوليد : أنشدك الله أن تقطع رحمي وتغضب أميرالمؤمنين عليك.فيكف.فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أخذالسوط ودخل عليه ومعه إبنه الحسن فقال له الوليد مثل تلك المقالة فقال
له الحسن : صدق ياأبت ، فقال علي : ماأنا إذا بمؤمن.وجلده بسوط له شعبتان ، وفي لفظ : فقال علي للحسن ابنه : قم يابني فاجلده ، فقال عثمان : يكفيك ذلك بعض من ترى فأخذ علي السوط ومشى اليه فجعل يضربه والوليد يسبه ، وفي لفظ الاغاني : فقال له الوليد : نشدتك بالله وبالقرابة ، فقال له علي : اسكت أباوهب فانما هلكت بنو اسرائيل بتعطيلهم الحدود فضربه وقال : لتدعوني قريش بعد هذا جلادها.
قالوا : وسئل عثمان أن يحلق ، وقيل له : إن عمر حلق مثله ، فقال : قدكان فعل ذلك ثم تركه.
وقال أبومخنف وغيره : خرج الوليد بن عقبة لصلاة الصبح وهو يميل فصلى ركعتين ثم التفت إلى الناس فقال : أزيدكم ؟ فقال له عتاب بن علاق أحد بني عوافة ابن سعد وكان شريفا : لازادك الله مزيدالخير ، ثم تناول حفنة من حصى فضرب بها وجه الوليد وحصبه الناس وقالوا: والله ماالعجب إلا ممن ولاك ، وكان عمر بن الخطاب فرض لعتاب هذا مع الاشراف في ألفين وخمسمائة.وذكر بعضهم : ان القي غلب على الوليد في مكانه ، وقال يزيد بن قيس الارحبي ومعقل بن قيس الرياحي : لقد أراد عثمان كرامة أخيه بهوان امة محمد صلى الله عليه وسلم.وفي الوليد يقول الحطيئة جرول بن أوس بن مالك العبسي :
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه * ان الوليد أحق بالعذر.
نادى وقد نفدت ( 1 ) صلاتهم * أأزيد كم ؟ ثملا ومايدري
ليزيدهم خيراولو قبلوا * منه لزادهم على عشر
فأبوا أباوهب ولوفعلوا * لقرنت بين الشفع والوتر
حبسوا عنانك إذجريت ولو * خلوا عنانك لم تزل تجري ( 2 )
وذكر أبوالفرج في " الاغاني " 4 : 178 ، وأبوعمر في " الاستيعاب " بعد هذه
الابيات لحطيئة أيضاقوله :
تكلم في الصلاة وزاد فيها * علانية وجاهر بالنفاق
ومج الخمر في سنن المصلي * ونادى والجميع إلى افتراق
أزيدكم ؟ على أن تحمدوني * فمالكم ومالي من خلاق
ثم قال أبوعمر : وخبر صلاته بهم وهو سكران وقوله : أزيدكم ؟ بعد أن صلى الصبح أربعا مشهور من رواية الثقات من نقل أهل الحديث وأهل الاخبار.
وهكذا جاء في مسند أحمد 1 : 144 ، سنن البيهقي 8 : 318 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 142 وقال : تهوع في المحراب ، كامل ابن الاثير 3 : 42 ، أسدالغابة 5 : 91 ، 92 و قال : قوله لهم : أزيدكم ؟ بعد أن صلى الصبح أربعا مشهور من رواية الثقات من أهل الحديث ، ثم ذكر حديث الطبري ( 3 ) في تعصب القوم على الوليد وقول عثمان له : يا أخي أصبر فإن الله يأجرك ويبوء القوم باثمك.فقال : قال أبوعمر : والصحيح عند أهل الحديث أنه شرب الخمر وتقيأها وصلى الصبح أربعا.
تاريخ أبي الفداج 176 ، الاصابة 3 : 638 وقال : قصة صلاته بالناس الصبح أربعا وهو سكران مشهورة مخرجة : تاريخ الخلفاء لليسوطي ص 104 ، السيرة الحلبية 2 : 314 وقال : صلى بأهل الكوفة أربع ركعات وصار يقول في ركوعه وسجوده :
إشرب واسقني.ثم قاء في المحراب ثم سلم وقال : هل أزيدكم ؟ فقال له ابن مسعود
* (هامش ) * (1 ) في الاغانى 4 : 178 ، 179 : تمت.بدل نفدت.
( 2 ) وفى الاغانى 4 : 179 حول هذه الابيات رواية لاتخلو عن فائدة.
( 3 ) أخرجه في تاريخه 5 : 60 ، 61 من طريق مجمع على بطلانه عن كذاب عن مجهول عن
وضاع متهم بالزندقة وهم : السري عن شعيب عن سيف بن عمر وسيوافيك تفصيل القول في هذا الطريق الوعر وانه شوه تاريخ الطبري.
رضي الله عنه : لا زادك الله خيرا ولا من بعثك الينا وأخذ فردة خفه وضرب به وجه الوليد وحصبه الناس فدخل القصر والحصباء تأخذه وهو مترنح.الخ.
وحكى أبوالفرج في الاغاني 4 : 178 عن عبيد والكلبي والاصمعي : ان وليد بن عقبة كان زانيا شريب الخمر فشرب الخمر بالكوفة وقام ليصلي بهم الصبح في المسجد الجامع فصلى بهم أربع ركعات ثم التفت إليهم وقال لهم : أزيدكم ؟ وتقيأ في المحراب وقرأبهم في الصلاة وهو رافع صوته :
علق القلب الربابا * بعد ماشابت وشابا
وذكره في ص 179 نقلاعن عمر بن شبة ، وروى من طريق المدائني في صفحة 180 عن الزهري انه قال : خرج رهط من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد فقال : أكلما غضب رجل منكم على أميره رماه بالباطل ؟ لئن أصبحت لكم لانكلن بكم ، فاستجاروا بعائشة وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتا وكلاما فيه بعض الغلظة فقال : أما يجد مراق أهل العراق وفساقهم ملجأ إلا بيت عائشة.فسمعت فرفعت نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : تركت سنة رسول الله صاحب هذاالنعل.فتسامع الناس فجاء‌وا حتى ملاوا المسجد فمن قائل : أحسنت ، ومن قائل : ماللنساء ولهذا ؟ حتى تحاصبواو تضاربوا بالنعال ، ودخل رهط من أصحاب رسول الله على عثمان فقالواله : إتق الله لا تعطل الحد واعزل أخاك عنهم فعزله عنهم.
وأخرج من طريق مطرالوراق قال : قدم رجل المدينة فقال لعثمان رضي الله عنه : إني صليت الغداة خلف الوليد بن عقبة فالتفت إلينا فقال : أزيدكم ؟ إني أجد اليوم نشاطا ، وأنا أشم منه رائحة الخمر.فضرب عثمان الرجل ، فقال الناس : عطلت الحدود ، وضربت الشهود.
وروى ابن عبد ربه قصة الصلاة في العقد الفريد 2 : 273 وفيه : صلى بهم الصبح ثلاث ركعات وهو سكران.الخ.
وجاء في صحيح البخاري في مناقب عثمان في حديث.قد أكثر الناس فيه.
قال ابن حجر في فتح الباري 7 : 44 في شرح الجملة المذكورة : ووقع في رواية معمر : وكان أكثر الناس فيمافعل به ، أي من تركه إقامة الحد عليه " على مروان " وإنكارهم عليه عزل سعدبن أبي وقاص.
قال الاميني : الوليد هو هذا الذي تسمع حديثه وسنوقفك في هذا الجزء و الاجزاء الآتية انشاء‌الله على حقيقته حتى كأنك مطل عليه من أمم ، تراه يشرب الخمر ، ويقئ في محرابه ، ويزيد في الصلاة من سورة السكر ، وينتزع خاتمه من يده فلايشعر به من شدة الثمل ، وقد عرفه الله تعالى قبل يومه هذابقوله عز من قائل : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون " سورة السجدة 18 " ( 1 ).
وبقوله : إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا ( 2 ).
وقال ابن عبدالبر في الاستيعاب 2 : 620 : لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله عزوجل : إن جاء‌كم فاسق بنبأ.نزلت في الوليد.
وحكاها عنه ابن الاثير في أسدالغابة 5 : 90.
فهل من الممكن أن يجوز مثله حنكة الولاية عن إمام المسلمين ؟ فيحتنك النفوس ويستحوذ على الاموال ، ويستولي على النواميس والاعراض ، وتؤخذ منه الاحكام وتلقى إليه أزمة البسط والقبض في حاضرة المسلمين ، ويأمهم على الجمعة والجماعة ؟
هل هذا شئ يكون في الشريعة ؟ أعزب عني واسأل الخليفة الذي ولاه وزبر الشهود عليه وتوعدهم أوضربهم بسوطه.
وهب ان الولاية سبقت منه لكن الحد الذي ثبت موجبه وليم على تعطيله ما وجه إرجاء‌ه إلى حين إدخال الرجل في البيت مجللا بجبة حبر وقاية له عن ألم السياط ؟ ثم من دخل عليه ليحده دافعه المحدود بغضب الخليفة وقطع رحمه ، فهل كان الخليفة يعلم بنسبة الغضب اليه على إقامة حدالله وإيثار رحمه على حكم الشريعة ؟
فيغض الطرف عنه رضا منه بمايقول ، أو لا يبلغه ؟ وهو خلاف سياق الحديث الذي ينم عن إطلاعه بكل ماهنالك ، وكان يتعلل عن اقامة الحد بكل تلكم الاحوال ، حتى انه منع السبط المجتبى الحسن عليه السلام لما علم انه لايجنح إلى الباطل بالرقة عليه وأحب أن يجلده زبانيته الذين يتحرون مرضاته ، لكن غلب أمرالله ونفذ حكمه بمولانا أميرالمؤمنين الذي باشر الحد بنفسه والظالم يسبه وهو سلام الله عليه لاتأخذه
* (هامش ) * (1 ) راجع الجزء الثاني صفحة 42 ط 1 و 46 ط 2.
( 2 ) سورة الحجرات آية 6.
في الله لومة لائم ، أوأمر سلام الله عليه عبدالله بن جعفر فجلده وهو عليه السلام يعد كمافي الصحيح لمسلم ( 1 ) والاغاني وغيرهما.
وهل الحد يعطل بعد ثبوت مايوجبه ، حتى يقع عليه الحجاج ، ويحتدم الحوار فيعود الجدال جلادا ، وتتحول المكالمة ملاكمة ، وتعلو النعال والاحذية ، ويشكل أول قتال بين المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وعقيرة أم المؤمنين مرتفعة : أن عثمان عطل الحدود وتوعد الشهود.ويوبخه على ذلك سيد العترة صلوات الله عليه بقوله : عطلت الحدود وضربت قوما شهدوا على أخيك ؟ وهل بعد هذه كلها يستأهل مثل هذاالفاسق المهتوك بلسان الكتاب العزيز أن يبعث على الاموال ؟ كما فعله عثمان و بعث الرجل بعد إقامة الحد عليه على صدقات كلب وبلقين ( 2 ) ، وهل آصرة الاخاء تستبيح ذلك كله ؟.
ليست ذمتي رهينة بالجواب عن هذه الاسؤلة وانما علي سرد القصة مشفوعة بالتعليل والتحليل ، وأما الجواب فعلى عهدة أنصار الخليفة ، أو أن المحكم فيه هو القارئ الكريم.
- النداء الثالث بأمر الخليفة :
أخرج البخاري وغيره بالاسناد عن السائب بن يزيد : ان النداء يوم الجمعة كان أوله في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي زمان أبي بكر وفي زمان عمر إذا خرج الامام،وإذاقامت الصلاة حتى كان زمان عثمان فكثر الناس فزاد النداء الثالث على الزوراء فثبتت حتى الساعة(3)
وفي لفظ البخاري وأبي داود : الاذان كان أوله حين يجلس الامام على المنبر يوم الجمعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فلما كان خلافة عثمان
* (هامش ) * (1 ) راجع الجزء الثاني من صحيح مسلم صفحة 52.
( 2 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 142.
( 3 ) صحيح البخاري 2 : 95 ، 96 ، صحيح الترمذي 1 : 68 ، سنن أبى داود 1 : 171 ، سنن ابن ماجة 1 : 348 ، سنن النسائي 3 : 100 ، كتاب الام للشافعي 1 : 173 ، سنن البيهقي 1 : 429 ، ج 3 : 192 ، 205 ، تاريخ الطبري 5 : 68 ، كامل ابن الاثير 3 : 48 ، فيض الاله المالك للبقاعى 1 : 193.
وكثر الناس ، أمر عثمان يوم الجمعة بالاذان الثالث ، فأذن به على الزوراء فثبت الامر على ذلك.
وفي لفظ النسائي : أمر عثمان يوم الجمعة بالاذان الثالث فأذن به على الزوراء.
وفي لفظ له أيضا : كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يوم الجمعة فإذا نزل أقام ، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر.
وفي لفظ الترمذي : كان الاذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمرإذا خرج الامام أقيمت الصلاة ، فلما كان عثمان زاد النداء الثالث على الزوراء.
وفي لفظ البلاذري في الانساب 5 : 39 عن السائب بن يزيد : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج للصلاة أذن المؤذن ثم يقيم ، وكذلك كان الامر على عهد أبي بكر وعمر ، وفي صدر من أيام عثمان ، ثم إن عثمان نادى النداء الثالث في السنة السابعة ( 1 ) فعاب الناس ذلك وقالوا : بدعة.
وقال ابن حجر في فتح الباري 2 : 315 : والذي يظهر ان الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الامر ، ولكن ذكر الفاكهاني : إن أول من أحدث الاذان الاول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد ، وبلغني أن أهل الغرب الادنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة ، وروى إبن أبي شيبة من طريق إبن عمر قال : الاذان الاول يوم الجمعة بدعة.فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الانكار ، و يحتمل أن يريد انه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكل مالم يكن في زمنه يسمى بدعة.
وحكا مافي الفتح الشوكاني في نيل الاوطار 3 : 332 ، وذكر العيني في عمدة القاري حديث ابن عمر من ان : الاذان الاول يوم الجمعة بدعة ، وروى عن الزهري قوله : إن أول من أحدث الاذان الاول عثمان يؤذن لاهل الاسواق.وقال :
وفي لفظ : فأحدث عثمان التأذينة الثالثة على الزوراء ليجتمع الناس إلى أن قال : وقيل : إن
أول من أحدث الاذان الاول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد.
قال الاميني : إن أول ما يستفهم من رواة هذه الاحاديث ان المراد من
* (هامش ) * (1 ) يعني السنة السابعة من خلافة عثمان توافق الثلاثين من الهجرة كما في تاريخ الطبري وغيره.
كثرة الناس الموجبة لتكرر الاذان هل هو كثرتهم في مركز الخلافة المدينة المنورة أو كثرتهم في العالم ؟ أما الثاني فلم يكن يجديهم فيه ألف أذان ، فان صوت مؤذن المدينة لايبلغ المدن والامصار ، ولا أن اولئك مكلفون بالاصغاء إلى أذان المدينة ولا الصلاة معه.
وأما كثرة الناس في المدينة نفسها لوتم كونها مصححا للزيادة في النداء فانما يصحح تكثير المؤذنين في أنحاء البلد في وقت واحد لاالاذان بعد الاقامة الفاصل بينهما وبين الصلاة ، وقد ثبت في السنة خلافه في الترتيب ، وأحدوثة الخليفة إنما هي الزيادة في النداء بعد الاقامة لا إكثار المؤذنين كما نبه اليه التركماني في شرح السنن الكبرى للبيهقي 1 : 429 ، ولذلك عابه عليه الصحابة ، وحسبوه بدعة ، ولا يخص تعدد المؤذنين بأيام عثمان فحسب ، وقد كان في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله يؤذن بلال وابن ام مكتوم ، واتخذ عثمان أربعة للحاجة اليها حين كثر الناس كما في شرح الآبي على صحيح مسلم 2 : 136 ، ولا أجد خلافا في جواز تعدد المؤذنين ، بل رتبوا عليه أحكاما مثل قولهم هل الحكاية المستحبة أو الواجبة كما قيل تتعدد بتعدد المؤذنين أم لا ؟ وقولهم : إذا أذن المؤذن الاول ، هل للامام أن يبطئ بالصلاة ليفرغ من بعده ؟ أو له أن يخرج ويقطع من بعده أذانه ؟ وقولهم : إذا تعدد المؤذنون لهم أن يؤذن واحد بعد واحد ، أو يؤذن كلهم في أول الوقت ؟ وقال الشافعي في كتاب الام 1 : 72 : إن كان مسجدا كبيرا له مؤذنون عدد فلا بأس أن يؤذن في كل منارة له مؤذن فيسمع من يليه في وقت واحد.
وظاهر ما مر في الصحيح من انه زاد النداء الثالث هوإحداث الاذان بعد الاذان والاقامة لا الاذان قبلهما كما يأتي عن الطبراني ، ويومي اليه قول بعض شراح الحديث من أن النداء الثالث ثالث باعتبار الشرعية لكونه مزيدا على الاذان بين يدي الامام وعلى الاقامة للصلاة ( 1) ، نعم : قال ابن حجر في فتح الباري 2 : 315 : تواردت الشراح على ان معنى قوله " الاذان الثالث " ان الاولين الاذان والاقامة ، فتسمية ما أمر به عثمان ثالثا يستدعي سبق اثنين قبله.وقال العيني في عمدته 2 : 290 : إنما اطلق الاذان على الاقامة لانها إعلام كالاذان ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : بين كل أذانين صلاة لمن
* (هامش ) * (1 ) شرح التر مذي في هامشه 2 : 68.
شاء ( 1 ) ، ويعني به بين الاذان والاقامة.
وعلى تقدير ايجاب كثرة الناس الزيادة في النداء يلزم كماقلنا أن يكون الاذان الزايد في أطراف البلد وأقاصيه عن المسجد ليبلغ من لا يبلغه أذان المسجد الذي كان يؤذن به على باب المسجد على العهد النبوي ودور الشيخين ، كما ورد في سنن أبي داود 1 : 171 ، لافي الزوراء التي هي دار بقرب المسجد كما في القاموس ، وتاج العروس ، سواء كانت هي دار عثمان بن عفان التي ذكرها الحموي في المعجم 4 : 412 ، وقال الطبراني : فأمر عثمان بالنداء الاول على دار له يقال لها : الزوراء فكان يؤذن له عليها ( 2 ) أو موضع عند سوق المدينة بقرب المسجد كما ذكره الحموي أيضا ، أوحجر كبير عند باب المسجد على ماجزم به ابن بطال كما في فتح الباري 2 : 315 ، وعمدة القاري 3 : 291فالنداء في الزوراء على كل حال كالنداء في باب المسجد في مدى الصوت ومبلغ الخبر ، فأي جدوى في هذه الزيادة المخالفة للسنة ؟
ثم ان كثرة الناس على فرضها في المدينة هل حصلت فجائية في السابعة من خلافة عثمان ؟ أو أن الجمعية كانت إلى التكثر منذ عادت عاصمة الخلافة الاسلامية ؟ فما ذلك الحد الذي أوجب مخالفة السنة ؟ أو إبتداع نداء ثالث ؟ وهل هذه السنة المبتدعة يجري ملاكها في العواصم والاوساط الكبيرة التي تحتوي أضعاف ماكان بالمدينة من الناس فيكرر فيها الاذان عشرات أومئات ؟ سل الخليفة وأنصاره المبررين لعمله.
على أن كثرة الناس في المدينة إن كانت هي الموجبة للنداء الثالث فلماذا أخذ فعل الخليفة أهل البلاد جمعاء وعمل به ؟ ولم يكن فيها التكثر ، وكان على الخليفة أن ينهاهم عنه وينوه بأن الزيادة على الاذان المشروع تخص بالمدينة فحسب ، أو يؤخذ بحكمها في كل بلدة كثر الناس بها.
نعم : فتح الخليفة باب الجرأة على الله فجاء بعده معاوية ومروان وزياد والحجاج ولعبوا بدين الله على حسب ميولهم وشهواتهم والبادي أظلم.
* (هامش ) * (1 ) أخرجه البخاري في صحيحه 2 : 8.
( 2 ) فتح الباري لابن حجر 2 : 315 ، عمدة القارى 3 : 291.
- توسيع الخليفة المسجد الحرام :
قال الطبري في تاريخه ج 5 : 47 في حوادث سنة 26 الهجرية : وفيها زاد عثمان في المسجد الحرام ووسعه وابتاع من قوم وأبى آخرون فهدم عليهم ووضع الاثمان في بيت المال فصاحوا بعثمان فأمر بهم الحبس وقال : أتدرون ماجرأكم علي ؟ ماجرأكم علي إلا حلمي ، قد فعل هذا بكم عمر فلم تصيحوا به.ثم كلمه فيهم عبدالله بن خالد ابن اسيد فأخرجوا.وذكره هكذا اليعقوبي في تاريخه 2 : 142 ، وابن الاثير في الكامل 3 ص 36.
وأخرج البلاذري في الانساب 5 : 38 من طريق مالك عن الزهري قال : وسع عثمان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فأنفق عليه من ماله عشرة آلاف درهم فقال الناس : يوسع مسجد رسول الله ويغير سنته.
قال الاميني : كأن الخليفة لم يكن يرى لليد ناموسا مطردا في الاسلام ولا للملك والمالكية قيمة ولا كرامة في الشريعة المقدسة ، وكأنه لم يقرع سمعه قول نبي العظمة صلى الله عليه وآله : لايحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ( 1 ) م وفي لفظ الجصاص في أحكام القرآن
1 : 175 : إلا بطيب نفسه.وفي الشفاء للقاضي عياض ، و نيل الاوطار 4 : 182 : إلابطيبة من نفسه.وفي صحيح ابن حبان : لايحل لمسلم أن يأخذ عصاأخيه بغير طيب نفس منه.( 2 )
وإن من العجب العجاب ان الخليفة نفسه أدرك عهد عمر وزيادته في المسجد ، وشاهد محاكمة العباس بن عبدالمطلب وإباء‌ه عن إعطاء داره ، ورواية أبي بن كعب وأبي ذرالغفاري وغيرهما حديث بناء بيت المقدس عن داود عليه السلام ، وقدخصمه العباس بذالك ، وثبتت عند عمر السنة الشريفة فخضع لها ، كما مر تفصيله في الجزء السادس ص 262- 266 ط 2 غير ان الرجل لم يكترث لذلك كله ويخالف تلك السنة الثابتة ،
* (هامش ) * (1 ) ذكره بهذااللفظ الحافظ ابن أبى جمرة الازدي في بهجة النفوس 2 : 134 ، وج 4 : 111.
( 2 ) البحر الزاخر 1 : 218.
ثم يحتج بفعل عمر وهيبة الناس لكنه حلم فلم يهابوه ، فهدم دور الناس من دون رضاهم وسجن من حاوره أو فاوضه في ذلك ، ووضع الاثمان في بيت المال حتى قال الناس :
يوسع مسجد رسول الله ويغير سنته.
- رأي الخليفة في متعة الحج :
أخرج البخاري في الصحيح بالاسناد عن مروان بن الحكم قال : سمعت عثمان وعلي رضي الله عنهما بين مكة والمدينة وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا قال : لبيك عمرة وحجة معا قال : فقال عثمان : تراني أنهى الناس عن شئ وتفعله أنت ؟ قال : لم أكن لادع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس.
وفي لفظ أحمد : كنا نسير مع عثمان رضي الله عنه فاذا رجل يلبي بهما جمعا قال عثمان رضي الله عنه : من هذا ؟ فقالوا : علي.فقال : ألم تعلم أني قد نهيت عن هذا ؟ قال بلى.ولكن لم أكن لادع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولك.
وأخرج الشيخان بالاسناد عن سعيد بن المسيب قال : اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعسفان وكان عثمان ينهى عن المتعة فقال له علي : ماتريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه ؟ قال : دعنامنك ، قال : إني لا أستطيع أن أدعك.فلما رأى ذلك علي أهل بهما جمعا.
وأخرج مسلم من طريق عبدالله بن شقيق قال : كان عثمان رضي الله عنه ينهى عن المتعة وكان علي رضي الله عنه يأمر بها ، فقال عثمان لعلي كلمة ، ثم قال علي : لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أجل ولكنا كنا خائفين.
راجع صحيح البخاري 3 : 69 ، 71 ، صحيح مسلم 1 : 349 ، مسند أحمد 1 : 61 ، 95 سنن النسائي 5 : 148 ، 152 ، سنن البيهقي 4 : 352 ، ج 5 : 22 ، مستدرك الحاكم 1 : 472 ، تيسير الوصول 1 : 282.
قال الاميني : لقد فصلنا القول في هذه المسألة في نوادر الاثر من الجزء السادس ص 198 130 و 213 220 ط 2 تفصيلا وذكرنا هنالك أحاديث جمة ان متعة الحج ثابتة بالكتاب والسنة ولم تنزل آية تنسخ متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله صلي الله وعليه وآله وسلم حتى مات ، وإنما النهي عنها رأي رآه الخليفة الثاني كماأخرجه الشيخان وجمع من أئمة الحديث من طرقهم المتكثرة ، ولقد شاهد عثمان تلكم المواقف وما وقع فيها من الحوار وماأنكره الصحابة على من نهى عنها وكان كل حجته : إني لو رخصت في المتعة لهم لعرسوا بهن في الاراك ثم راحوا بهن حجاجا.وأنت ترى أن هذه الحجة الداحضة لم تكن إلا رأيا تافها غير مدعوم ببرهنة ، بل منقوض بالكتاب والسنة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أعرف من صاحب هذاالرأي بهذه الدقيقة التي اكتشفها بنظارته المقربة ، والله سبحانه قبله يعلم كل ذالك ، فلم ينهياعن متعة الحج بل أثبتاها.
ما العلم إلا كتاب الله والاثر * وماسوى ذالك لاعين ولا أثر
إلا هوى وخصومات ملفقة * فلا يغرنك من أربابها هدر ( 1 )
نعم : شهد عثمان كل ذلك لكنه لم يكترث لشئ منها ، وطفق يقتص أثر من قبله ، وكان حقا عليه أن يتبع كتاب الله وسنة نبيه والحق أحق أن يتبع ، ولم يقنعه كل ذلك حتى أخذ يعاتب أميرالمؤمنين عليا عليه السلام الذي هو نفس الرسول ، وباب مدينة علمه ، وأقضى أمته وأعلمها على عدم موافقته له في رأيه المجرد الشاذ عن حكم الله ، حتى وقع الحوار بينهمافي عسفان وفي الجحفة وأمير المؤمنين عليه السلام متمتع بالحج ، وكاد من جراء ذلك يقتل علي سلام الله عليه كما مر حديثه في الجزء السادس ص 205 ط 1 و 219 ط 2.
ونحن لا ندري مغزى جواب الرجل لمولانا علي عليه السلام لما قاله : لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله.من قوله : أجل ولكنا كنا خائفين.أي خوف كان في سنة حجة التمتع مع رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وهي الحجة الوداع والنبي الاقدس كان معه مائة ألف أو يزيدون ، وأنت تجد أعلام الامة غير عارفين بهذ العذر التافه المختلق أيضا وقال إمام الحنابلة أحمد في المسند بعد ذكر الحديث : قال شعبة لقتادة : ماكان خوفهم قال : لا أدري.
* (هامش ) * (1 ) البيتان للفقيه ابي زيدعلى الزبيدى المتوفي 813 ذكرهما صاحب شذرات الذهب 7 : 203.
أنا لا أدري ، هذا مبلغ علم الخليفة ؟ أو مدى عقليته ؟ أو كمية إصراره على تنفيذ ما أراد ؟ أو حد اتباعه كتاب الله وسنة نبيه ؟ أو مقدار أمانته على ودائع الدين ؟ وهو خليفة المسلمين.فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
أليس من الغلو الممقوت الفاحش عند ئذ ما جاء به البلاذري في الانساب 5 : 4 من قول ابن سيرين : كان عثمان أعلمهم بالمناسك وبعده ابن عمر.
إن كان أعلم الامة هذه سيرته وهذاحديثه ؟ فعلى لاسلام السلام.
- تعطيل الخليفة القصاص :
أخرج الكرابيسي في أدب القضاء بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب ان عبد الرحمن بن أبي بكر قال : لما قتل عمر إني مررت بالهرمزان وجفينة وأبي لؤلؤة وهم نجى فلما رأوني ثاروا فسقط من بيتهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه فانظروا إلى الخنجر الذي قتل به عمر فاذا هو الذي وصفه فانطلق عبيد الله بن عمر فأخذ سيفه حتى سمع ذلك من عبدالرحمن فأتى الهرمزان فقتله وقتل جفينة بنت أبي لؤلؤة صغيرة وأراد قتل كل سبي بالمدينة فمنعوه ، فلما استخلف عثمان قال له عمرو بن العالص : إن هذا الامر كان وليس لك على الناس سلطان فذهب دم الهرمزان هدرا.
وأخرجه الطبري في تاريخه 5 : 42 بتغيير يسير والمحب الطبري في الرياض 2.
150 ، وذكره ابن حجر في الاصابة 3 : 619 وصححه باللفظ المذكور.
وذكر البلاذري في الانساب 5 : 24 عن المدائني عن غياث بن ابراهيم : ان عثمان صعد المنبر فقال : أيها الناس إنا لم نكن خطباء وإن نعش تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء‌الله ، وقد كان من قضاء‌الله ان عبيدالله بن عمر أصاب الهرمزان وكان الهرمزان من المسلمين ( 1 ) ولا وارث له إلاا لمسلمون عامة وأنا إمامكم وقد عفوت أفتعفون ؟ قالوا : نعم.فقال علي : أقدالفاسق فانه أتى عظيما قتل مسلما بلاذنب.وقال لعبيدالله : يا فاسق لئن ظفرت بك يوما لاقتلنك
بالهرمز ان.
وقال اليعقوبي في تاريخه 2 : 141 أكثر الناس في دم الهرمزان وإمساك عثمان
* (هامش ) * (1 ) أسلم على يد عمر وفرض له في الفين كما في الاصابة وغيرها.
عبيدالله بن عمر فصعد عثمان المنبر فخطب الناس ثم قال : ألا إني ولي دم الهرمزان وقد وهبته لله ولعمر وتركته لدم عمر.فقام المقداد بن عمرو فقال : إن الهرمزان مولى لله ولرسوله وليس لك أن تهب ماكان لله ولرسوله.قال : فننظر وتنظرون ، ثم أخرج عثمان عبيدالله بن عمر من المدينة إلى الكوفة وأنزل دارا له فنسب الموضع اليه " كويفة ابن عمر " فقال بعضهم.
أبا عمرو عبيدالله رهن * فلا تشكك بقتل الهرمزان وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 8 : 61 باسناد عن عبيدالله بن عبيد بن عمير قال : لما طعن عمر رضي الله عنه وثب عبيدالله بن عمر على الهرمزان فقتله فقيل لعمر : إن عبيدالله بن عمر قتل الهرمزان.قال ولم قتله ؟ قال : إنه قتل أبي.قيل : وكيف ذالك ؟
قال : رأيته قبل ذلك مستخليا بأبي لؤلؤة وهو أمره بقتل أبي.وقال عمر : ماأدري ماهذا انظروا إذا أنا مت فاسألوا عبيدالله البينة على الهرمزان ، هو قتلني ؟ فان أقام البينة فدمه بدمي ، وإن لم يقم البينة فأقيدوا عبيدالله من الهرمزان.
فلما ولي عثمان رضي الله عنه
قيل له : ألا تمضي وصية عمر رضي الله عنه في عبيدالله ؟ قال : ومن ولي الهرمزان ؟
قالوا : أنت ياأمير المؤمنين فقال : قد عفوت عن عبيدالله بن عمر.
وفي طبقات ابن سعد 5 : 8 10 ط ليدن : انطلق عبيدالله فقتل ابنة أبي لؤلؤة وكانت تدعي الاسلام ، وأراد عبيد الله الا يترك سبيا بالمدينة يومئذ إلا قتله فاجتمع المهاجرون الاولون فأعظموا ماصنع عبيدالله من قبل هؤلاء واشتدوا عليه وزجروه عن السبي فقال : والله لاقتلنهم وغيرهم.يعرض ببعض المهاجرين ، فلم يزل عمرو ابن العاص يرفق به حتى دفع اليه سيفه فأتاه سعد فأخذ كل واحد منهما برأس صاحبه يتناصيان ، حتى حجز بينهما الناس ، فأقبل عثمان وذلك في الثلاثة الايام الشورى قبل أن يبايع له ، حتى أخذ برأس عبيدالله بن عمر وأخذ عبيد الله برأسه ثم حجز بينهما وأظلمت الارض يومئذ على الناس ، فعظم ذلك في صدور الناس وأشفقواأن تكون عقوبة حين قتل عبيد الله جفينة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة.
وعن أبي وجزة عن أبيه قال : رأيت عبيدالله يومئذ وانه ليناصي عثمان وان عثمان
ليقول : قاتلك الله قتلت رجلا يصلي وصبية صغيرة ، وآخر من ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في الحق تركك.قال : فعجبت لعثمان حين ولي كيف تركه ؟ ولكن عرفت ان عمروبن العاص كان دخل في ذلك فلفته عن رأيه.
وعن عمران بن مناح قال جعل سعدبن أبي وقاص يناصي عبيدالله بن عمر حيث قتل الهرمزان وابنة أبي لؤلؤة ، وجعل سعد يقول وهو يناصيه :
لاأسد إلا أنت تنهت واحدا * وغالت أسودالارض عنك الغوائل ( 1 )
فقال عبيدالله :
تعلم أني لحم مالا تسيغه * فكل من خشاش الارض ماكنت آكلا
فجاء عمرو بن العاص فلم يزل يكلم عبيدالله ، ويرفق به حتى أخذ سيفه منه ، وحبس في السجن حتى أطلقه عثمان حين ولي.
عن محمودبن لبيد : كنت أحسب إن عثمان إن ولي سيقتل عبيدالله لما كنت أراه صنع به ، كان هو وسعد أشد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه.
وعن المطلب بن عبدالله قال : قال علي لعبيد الله بن عمر : ماذنب بنت أبي لؤلؤة حين قتلتها ؟ قال : فكان رأي علي حين استشاره عثمان ورأي الاكابر من أصحاب رسول الله على قتله ، لكن عمروبن العاص كلم عثمان حتى تركه ، فكان علي يقول : لوقدرت على عبيدالله بن عمر ولي سلطان لاقتصصت منه.
وعن الزهري : لما استخلف عثمان دعا المهاجرين والانصار فقال : أشيروا علي في قتل هذا الذي فتق في الدين مافتق.فاجمع رأي المهاجرين والانصار على كلمة واحدة يشجعون عثمان على قتله وقال : جل الناس : أبعد الله الهرمزان وجفينة يريدون يتبعون عبيدالله أباه.فكثر ذلك القول ، فقال عمرو بن العاص : ياأمير المؤمنين إن هذا الامرقد كان قبل أن يكون لك سلطان على الناس فاعرض عنه ، فتفرق الناس عن كلام عمرو بن العاص.
وعن ابن جريج : ان عثمان استشار المسلمين فاجمعوا على ديتها ، ولا يقتل بهما عبيدالله بن عمر ، وكانا قد أسلما ، وفرض لهما عمر ، وكان علي بن أبي طالب لما بويع له أراد قتل عبيدالله بن عمر ، فهرب منه إلى معاوية بن أبي سفيان ، فلم يزل معه فقتل بصفين ( 2 )
* (هامش ) * (1 ) الشعر لكلاب بن علاط اخى الحجاج بن علاط.
( 2 ) حذفنا أسانيد هذه الاحاديث روما للاختصار وهي كلها مستندة.
وذكر الطبري في تاريخه 5 : 41 قال : جلس عثمان في جانب المسجد لما بويع ودعا عبيد الله بن عمر ، وكان محبوسا في دار سعدبن أبي وقاص ، وهو الذي نزع السيف من يده بعد قتله جفينة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة ، وكان يقول : والله لاقتلن رجالا ممن شرك في دم أبي.يعرض بالمهاجرين والانصار فقام إليه سعد فنزع السيف من يده ، وجذب شعره حتى أضجعه إلى الارض وحبسه في داره حتى أخرجه عثمان إليه فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والانصار : أشيروا علي في هذا الذي فتق في الاسلام ما فتق ، فقال علي : أرى أن تقتله.فقال بعض المهاجرين : قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم ؟
فقال عمروبن العاص : ياأمير المؤمنين إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان ، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك ، قال عثمان : أنا وليهم وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي ، قال : وكان رجل من الانصار يقال له : زيادبن لبيد البياضي إذا رأى عبيد الله بن عمر قال :
ألايا عبيد الله مالك مهرب * ولاملجأمن ابن أروى ( 1 ) ولاحفر 0
أصبت دما والله في غير حله * حراما وقتل الهرمزان له خطر 0
على غير شئ غير أن قال قائل * أتتهمون الهرمزان على عمر 0 ؟
فقال سفيه والحوادث جمة : نعم اتهمه قد أشار وقد أمر 0
وكان سلاح العبد في جوف بيته * يقلبها والامر بالامر يعتبر 0
قال : فشكا عبيد الله بن عمر إلى عثمان زيادبن لبيد وشعره فدعا عثمان زيادبن لبيد فنهاه قال : فأنشأ زياد يقول في عثمان :
أباعمرو عبيدالله رهن * فلاتشكك بقتل الهرمزان
فانك إن غفرت الجرم عنه * وأسباب الخطا فرسا رهان
أتعفو ؟ إذ عفوت بغير حق * فما لك بالذي تحكي بدان
فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه وشذ به.وذكره ابن الاثير في الكامل 5 : 31.
قال الاميني : الذي يعطيه الاخذ بمجامع هذه النقول أن الخليفة لم يقد عبيد
الله قاتل الهرمزان وجفينة وإبنة أبي لؤلؤة الصغيرة ، مع إصرار غير واحد من الصحابة
* (هامش ) * (1 ) أروى بنت كريز أم عثمان كمامر في 120.
على القصاص ، ووافقه على ذلك مولانا أميرالمؤمنين علي عليه السلام ، لكنه قدم على رأيه الموافق للكتاب والسنة ، وهو أقضى الامة بنص النبي الامين وعلى آراء الصحابة إشارة عمروابن العاصي ابن النابغة المترجم في الجزء الثاني صفحة 120 176 ط 2 بترجمة ضافية تعلمك حسبه ونسبه وعلمه ودينه حيث قال له : إن هذا الامر كان وليس لك على الناس سلطان.. الخ.على حين ان من كانت له السلطة عندئذ وهو الخليفة المقتول في آخر رمق من حياته حكم بأن يقتص من إبنه إن لم يقم البينة العادلة بأن هرمزان قتل أباه ، ومن الواضح انه لم يقمها ، فلم يزل عبيدالله رهن هذا الحكم حتى أطلق سراحه ، وكان عليه مع ذلك دم جفينة وإبنة أبي لؤلؤة.
وهل يشترط ناموس الاسلام للخليفة في اجرائه حدودالله وقوع الحوادث عند سلطانه ؟ حتى يصاخ إلى ماجاء‌به ابن النابغة ، وان صحت الاحلام ؟ فاستيهاب الخليفة لما ذا ؟ وهب ان خليفة الوقت له أن يهب أو يستوهب المسلمين حيث لايوجد ولي للمقتول ، ولكن هل له إلغاء الحكم النافذ من الخليفة قبله ؟ وهل للمسلمين الذين استوهبهم فوهبوا مالا يملكون رد ذلك الحكم البات ؟ وعلى تقدير أن يكون لهم ذلك فهل هبة أفراد منهم وافية لسقوط القصاص ، أو يجب أن يوافقهم عليها عامة المسلمين ؟
وأنت ترى ان في المسلمين من ينقم ذلك الاسقاط وينقد من فعله ، حتى ان عثمان لما رأى المسلمين انهم قد أبوا إلا قتل عبيد الله أمره فارتحل إلى الكوفة وأقطعه بها دارا وأرضا ، وهي التي يقال لها : كويفة ابن عمر ، فعظم ذلك عند المسلمين وأكبروه وكثر كلامهم فيه.( 1 )
وكان أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو سيد الامة وأعلمها بالحدود والاحكام يكاشف عبيد الله ويهدده بالقتل على جريمته متى ظفربه ، ولما ولي الامر تطلبه ليقتله فهرب منه إلى معاوية بالشام ، وقتل بصفين ، كما في " الكامل " لابن الاثير 3 : 32 ، وفي " الاستيعاب " لابن عبدالبر : انه قتل الهرمزان بعد أن أسلم وعفا عنه عثمان ، فلما ولي علي خشي على نفسه فهر ب إلى معاوية فقتل بصفين ، وفي مروج الذهب 2 : 24 : ان عليا ضربه فقطع ما عليه من الحديد حتى خالط سيفه حشوة جوفه ، وان
* (هامش ) * (1 ) راجع مامرفى ص 133 ، ومعجم البلدان 7 : 307.
عليا قال حين هرب فيطلبه ليقيد منه بالهرمزان : لئن فاتني في هذااليوم ، لايفوتني في غيره.
هذه كلها تنم عن ان أميرالمؤمنين عليه السلام كان مستمرا على عدم العفو عنه ، و انه لم يكن هناك حكم نافذ بالعفو يتبع ، وإلا لما طلبه ولا تحرى قتله ، وقد ذكره بذلك يوم صفين لما برز عبيدالله أمام الناس فناداه علي : ويحك ياابن عمر علام تقاتلني ؟ والله لو كان أبوك حيا ماقاتلني.قال : اطلب بدم عثمان.قال أنت تطلب بدم عثمان ، والله يطلبك بدم الهرمزان ، وأمر على الاشتر النخعي بالخروج اليه.( 1 )
إلى هنا انقطع المعاذير في ابقاء عبيدالله والعفو عنه ، لكن قاضي القضاة اطلع رأسه من ممكن التمويه ، فعزى إلى شيخه أبي علي انه قال ( 2 ) : انما أراد عثمان بالعفو عنه ما يعود إلى عز الدين ، لانه خاف أن يبلغ العدو قتله فيقال : قتلوا إمامهم ، و قتلوا ولده ، ولا يعرفون الحال في ذلك فيكون فيه شماتة.اه‍.
أولاتسائل هذا الرجل ؟ عن أي شماتة تتوجه إلى المسلمين في تنفيذهم حكم شرعهم وإجرائهم قضاء الخليفة الماضي في إبنه الفاسق قاتل الابرياء ، وانهم لم تأخذهم عليه رأفة في دين الله لتعديه حدوده سبحانه ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ، ولم يكترثوا لانه في الامس اصيب بقتل أبيه واليوم يقتل هو فتشتبك المصيبتان على أهله ، هذا هو الفخر المرموق اليه في باب الاديان لانه منبعث عن صلابة في إيمان ، و نفوذ في البصيرة ، وتنمر في ذات الله ، وتحفظ على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ؟ و أخذ بمجاميع الدين الحنيف ، فأي أمة هي هكذا لا تنعقد عليها جمل الثناء ولا تفد اليها ألفاظ المدح والاطراء ؟ وإنما الشماتة في التهاون بالاحكام ، وإضاعة الحدود بالتافهات ، واتباع الهوى والشهوات ، لكن الشيخ أباعلي راقه أن يكون له حظا من الدفاع فدافع.
ثم إن ماارتكبه الخليفة خلق لمن يحتذي مثاله مشكلة ارتبكوا في التأول في
* (هامش ) * (1 ) مروج الذهب 2 : 12.
( 2 ) راجع شرح ابن أبى الحديد 1 : 242.
تبرير عمله الشاذ عن الكتاب والسنة.فمن زاعم انه عفى عنه ولولي الامر ذلك . و هم يقولون : إن الامام له أن يصالح على الدية إلا انه لايملك العفو ، لان القصاص حق المسلمين بدليل ان ميراثه لهم وإنما الامام نائب عنهم في الاقامة وفي العفو إسقاط حقهم أصلا ورأسا وهذا لايجوز ، ولهذا لايملكه الاب والجد وإن كانا يملكان استيفاء القصاص وله أن يصلح على الدية ( 1 ).
وثان يحسب انه استعفى المسلمين مع ذلك وأجابوه إلى طلبته وهم أولياء المقتول إذلا ولي له.ونحن لاندري أنهم هل فحصوا عن وليه في بلاد فارس ؟ والرجل فارسي هو وأهله ، أو انهم إكتفوا بالحكم بالعدم ؟ لانهم لم يشاهدوه بالمدينة ، وهو غريب فيها ليس له أهل ولا ذووا قرابة ، أو أنهم حكموا بذلك من تلقاء أنفسهم ؟ وماكان يضر هم لو أرجعوا الامر إلى أولياء‌ه في بلاده فيؤمنوهم حتى يأتوا إلى صاحب ترتهم فيقتصوا منه أو يعفوا عنه ؟.
ثم متى أجاب المسلمون إلى طلبة عثمان ؟ وسيدهم يقول : أقدالفاسق فانه أتى عظيما.وقد حكم خليفة الوقت قبله بالقصاص منه ، ولم يكن في مجتمع الاسلام من يدافع عنه ويعفو إلا ابن النابغة ، وقد مر عن ابن سعد قول الزهري من انه أجمع رأي المهاجرين والانصار على كلمة واحدة يشجعون عثمان على قتله.
وثالث يتفلسف بما سمعته عن الشيخ أبي علي ، وهل يتفلسف بتلك الشماتة والوصمة والمسبة على بني امية في قتلهم من العترة الطاهرة والدا وماولد وذبحهم في يوم واحد منهم رضيعا ويافعا وكهلا وشيخا سيد شباب أهل الجنة ؟.
وهناك من يصوغ لهرمزان وليا يسميه " القماذبان " ويحسب انه عفى بالحاح من المسلمين أخرج الطبري في تاريخه 5 : 43 عن السري وقد كتب اليه شعيب عن سيف بن عمر عن أبي منصور قال سمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه قال : كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض فمر فيروز بأبي ومعه خنجرله رأسان فتناوله منه و قال : ماتصنع في هذه البلاد ؟ فقال : أبس به.فرآه رجل فلما أصيب عمر قال : رأيت هذا مع الهرمزان دفعه إلى فيروز ، فاقبل عبيدالله فقتله فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني
* (هامش ) * (1 ) بدايع الصنايع لملك العلماء الحنفي 7 : 245.
منه ثم قال : يا بني هذا قاتل أبيك وأنت أولى به منا فاذهب فاقتله.فخرجت به وما في الارض أحد إلا معي إلا أنهم يطلبون إلي فيه فقلت لهم : ألي أقتله ؟ قالوا : نعم.وسبوا عبيد الله ، فقلت : أفلكم أن تمنعوه ؟ قالوا : لا ، وسبوه.فتركته لله ولهم فاحتملوني ، فوالله مابلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفهم.
ولو كان هذا الولي المزعوم موجودا عند ذاك فما معنى قول عثمان في الصحيح المذكور على صهوة المنبر : لاوارث له إلا المسلمون عامة وأنا إمامكم ؟ وماقوله الآخر في حديث الطبري نفسه : أنا وليهم وقد جعلته دية واحتملتها في مالي ؟ ولو كان يعلم بمكان هذا الوارث فلم حول القصاصا إلى الدية قبل مراجعته ؟ ثم لما حوله فلم لم يدفع الدية إليه واحتملها في ماله ؟ ثم أين صارت الدية وما فعل بها ؟ أنا لا أدري.
ولوكان المسلمون يعترفون بوجود القماذبان وما في الارض أحد إلا معه وهو الذي عفى عن قاتل أبيه فما معنى قول الخليفة : وقد عفوت ، أفتعفون ؟ وقوله في حديث البيهقي :
قد عفوت عن عبيدالله بن عمر ؟ وما معنى استيهاب خليفة المسلمين وولي المقتول حي يرزق ؟ وما معنى مبادرة المسلمين إلى موافقته في العفو والهبة ؟ ومامعنى تشديد مولانا أميرالمؤمنين في النكير على من تماهل في القصاص ؟ وما معنى قوله عليه السلام لعبيد الله يافاسق لئن ظفرت بك يوما لاقتلنك بالهرمزان ؟ ومامعنى تطلبه لعبيدالله ليقتله أبان خلافته ؟ وما معنى هربه من المدينة إلى الشام خوفا من اميرالمؤمنين ؟
ومامعنى قول عمرو بن العاصي لعثمان : ان هذا الامر كان وليس لك على الناس سلطان ؟
وما معنى قول سعيد بن المسيب : فذهب دم الهرمزان هدرا ؟
وما معنى قول لبيد بن زياد وهو يخاطب عثمان.أتعفو إذ عفوت بغير حق.الخ ؟.
وما معنى مارواه ملك العلماء الحنفي في بدائع الصنائع 7 : 245 وجعله مدرك الفتوى في الشريعة ؟ قال : روي انه لما قتل سيد نا عمر رضي الله عنه خرج الهرمزان والخنجر في يده فظن عبيدالله ان هذا هوالذي قتل سيدنا عمر رضي الله عنه فقتله فرفع ذلك إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه فقال سيدنا علي رضي الله عنه لسيدنا عثمان : اقتل عبيد الله.فامتنع سيدنا عثمان رضي الله عنه و قال : كيف أقتل رجلا قتل أبوه أمس ؟ لا أفعل ، ولكن هذارجل من أهل الارض و أنا وليه أعفو عنه وأودي ديته.
وما معنى قول الشيخ أبي علي ؟ : انه لم يكن للهرمزان ولي يطلب بدمه والامام ولي من لا ولي له ، وللولي أن يعفو.
ولبعض ماذكر زيفه ابن الاثير في الكامل 3 : 32 فقال : الاول أصح في اطلاق عبيد الله لان عليا لما ولي الخلافة أراد قتله فهرب منه إلى معاوية بالشام ، ولوكان اطلاقه بأمرولي الدم لم يتعرض له علي.اه‍.
وقبل هذه كلها ما في اسناد الرواية من الغمز والعلة ، كتبها إلى الطبري السري ابن يحيى الذي لا يوجد بهذه النسبة له ذكر قط ، غير ان النسائي أورد عنه حديثا لسيف بن عمر فقال : لعل البلاء من السري ( 1 ) وابن حجر يراه السري بن اسماعيل الهمداني الكوفي الذي كذبه يحيى بن سعيد وضعفه غيرواحد من الحفاظ ، ونحن نراه السري بن عاصم الهمداني نزيل بغداد المتوفي 258 ، وقد أدرك ابن جرير الطبري شطرا من حياته يربو على ثلاثين سنة ، كذبه ابن خراش ، ووهاه ابن عدي ، وقال : يسرق الحديث وزاد ابن حبان : ويرفع الموقوفات لايحل الاحتجاج به ، وقال النقاش في حديث : وضعه السري ( 2 ) فهو مشترك بين كذابين لايهمنا تعيين احدهما.
والتسمية بابن يحيى محمولة على النسبة إلى أحد أجداده كماذكره ابن حجر في تسميته بابن سهل ( 3 ) هذاان لم تكن تدليسا ، ولا يحسب القارئ انه السري بن يحيى الثقة لقدم زمانه وقد توفي سنة 167 ( 4 ) قبل ولادة الطبري الراوي عنه المولود سنة 224 بسبع وخمسين سنة.
وفي الاسناد شعيب بن ابراهيم الكوفي المجهول ، قال ابن عدي : ليس بالمعروف وقال الذهبي: راوية كتب سيف عنه فيه جهالة ( 5 ) وفيه سيف بن عمر التميمي راوي الموضوعات ، المتروك ، الساقط ، المتسالم على
* (هامش ) * (1 ) تهذيب التهذيب 3 : 460.
( 2 ) تاريخ الخطيب 9 : 193 ، ميزان الاعتدال 1 : 380 ، لسان الميزان 3 : 13 ، وما مر في ج 5 : 231 ط 2.
( 3 ) لسان الميزان 3 : 13.
( 4 ) تهذيب التهذيب 3 : 461.
( 5 ) ميزان الاعتدال 1 : 448 ، لسان الميزان 3 : 145.
ضعفه : المتهم بالزندقة ، كمامرت ترجمته في صفحة 84.وقد مر عن السيوطي انه ذكر حديثا بهذا الطريق وقال : موضوع فيه ضعفاء أشدهم سيف بن عمر.
وفيه أبومنصور ، مشترك بين عدة ضعفاء لا يعول عليهم ولا على روايتهم.
- عذر مفتعل :
ان المحب الطبري أعماه الحب وأصمه فجاء بعذر مفتعل غير ماذكر قال في رياض النضرة
2 : 150 : عنه جوابان : الاول ان الهرمزان شارك أبا لؤلؤة في ذلك وملاه ، وإن كان المباشر أبولؤلؤة وحده لكن المعين على قتل الامام العادل يباح قتله عند جماعة من الائمة ، وقد أوجب كثير عن الفقهاء القود على الآمر والمأمور وبهذا اعتذر عبيدالله بن عمر وقال : إن عبدالرحمن بن أبي بكر أخبره انه رأى أبا لؤلؤة و الهرمزان وجفينة يدخلون في مكان ويتشاورون وبينهم خنجر له رأسان مقبضه في وسطه فقتل عمر في صبيحة تلك فاستدعى عثمان عبدالرحمن فسأله عن ذلك فقال : انظروا إلى السكين فان كانت ذات طرفين فلا أرى القوم إلا وقد اجتمعوا على قتله.فنظروا اليها فوجدوها كما وصف عبدالرحمن ، فلذلك ترك عثمان قتل عبيدالله بن عمر لرؤيته عدم وجود القود لذلك ، أولتردده فيه فلم يرالوجوب للشك.
والجواب الثاني : ان عثمان خاف من قتله ثوران فتنة عظيمة لانه كان بنوتيم وبنو عدي مانعون من قتله ، ودافعون عنه ، وكان بنوأمية أيضا جانحون اليه ، حتى قال له عمروبن العاص : قتل أمير المؤمنين عمر بالامس ، ويقتل ابنه اليوم ؟ لا والله لا يكون هذا أبدا ، ومال في بني جمح ، فلمارأى عثمان ذلك اغتنم تسكين الفتنة وقال : أمره إلي وسأرضي أهل الهرمزان منه.
قال الاميني : إن إثبات مشاركة هرمزان أبالؤلؤة في قتل الخليفة على سبيل البت لمحض ما قاله عبدالرحمن بن أبوبكر من انه رآهما متناجيين وعند أبي لؤلؤة خنجر له رأسان دونه خرط القتاد ، فان من المحتمل انهما كانا يتشاوران في أمر آخر بينهما ، أو أن أبالؤلؤة استشاره فيما يريد أن يرتكب فنهاه عنه الهرمزان ، لكنه لم يصغ إلى قيله فوقع القتل غدا ، إلى أمثال هذين من المحتملات ، فكيف يلزم الهرمزان والحدود تدرأ بالشبهات ؟ ( 1 )
هب ان عبدالرحمن شهد بتلك المشاركة ، وأدعى انه شاهد الوقفة بعينه ، فهل يقتل مسلم بشهادة رجل واحد في دين الله ؟ ولم تعقد البينة الشرعية مصافقة لتلك الدعوى ، ولهذا لما أنهيب القضية من اختلاء الهرمزان بأبي لؤلؤة إلى آخرها إلى عمر نفسه قال : ماأدري هذا انظروا إذا أنامت فاسألوا عبيد الله البينة على الهرمزان ، هو قتلني ؟ فان أقام البينة فدمه بدمي ، وإذا لم يقم البينة فأقيدوا عبيد الله من الهرمزان.
وهب أن البينة قامت عند عبيد الله على المشاركة ، فهل له أن يستقل بالقصاص ؟
أو انه يجب عليه أن يرفع أمره إلى أولياء الدم ؟ لاحتمال العفو في بقية الورثة مضافا إلى القول بأنه من وظائف السلطان أو نائبه ، وعلى هذا الاخير الفتوى المطردة بين العلماء.( 2 )
على انه لو كانت لعبيدالله أو لمن عطل القصاص منه معذرة كهذه لابدياها أمام الملا المنتقد ، ولما قال مولانا أمير المؤمنين اقتل هذا الفاسق ، ولما تهدده بالقتل متى ظفربه ، ولما طلبه ليقتله أبان خلافته ، ولما هرب عنه عبيد الله إلى معاوية ، ولما اقتصر عثمان بالعذر بأنه ولي الدم ، وان المسلمين كلهم أولياء المقتول ، ولما وهبه واستوهب المسلمين ، ولما كان يقع الحوار بين الصحابة الحضور في نفس المسألة ، ولما قام اليه سعد بن أبي وقاص وانتزع السيف من يده وجزه من شعره حتى أضجعه وحبسه في داره.
وهب إنه تمت لعبيد الله هذه المعذرة فبما ذاكان اعتذاره في قتل بنت أبي لؤلؤة المسكينة الصغيرة ، وتهديده الموالي كلهم بالقتل ؟
أنا لاأدري من أين جاء المحب بهذا التاريخ الغريب من نهضة تيم وعدي ومنعهم من قتل عبيد الله ، وجنوح الامويين اليهم بصورة عامة ؟ حتى يخافهم الخليفة
* (هامش ) * (1 ) سنن ابن ماجة 2 : 112 ، سنن البيهقي 8 : 238 ، سنن الترمذي 2 : 171 ، أحكام القرآن للجصاص 3 : 330 ، تيسير الوصول 2 : 20.
( 2 ) كتاب الام للشافعي 6 : 11 ، المدونة الكبرى 4 : 502 ، فيض الاله المالك للبقاعي
2 : 286.
الجديد.وأي خليفة هذا يستولي عليه الفرق من أول يومه ؟ فاذا تبينت عليه هذه الضؤلة في مفتتح خلافته ، فبأي هيبة يسوس المجتمع بعده ؟ ويقتص القاتل ، ويقيم الحدود ، ولكل مقتص منه أو محدود قبيلة تغضب له ، ولها أحلاف يكونون عند مرضاتها.
ليس في كتب التاريخ والحديث أي أثر مما ادعاه المحب المعتذر ، وإلا لكان سعدبن أبي وقاص أولى بالخشية يوم قام إلى عبيد الله وجز شعره ، وحبسه في داره ، ولم ير أي تيمي طرق باب سعيد ، ولا عدوي أنكر عليه ، ولا أموي أظهر مقته على ذلك ، لكن المحب يريد أن يستفزهم وهم رمم بالية.
ثم لو كان عند من ذكرهم جنوح إلى تعطيل هذاالحكم الالهي حتى أوجب ذلك حذار الخليفة من بوادرهم ؟ فانه معصية تنافي عدالة الصحابة ، وقد أطبق القوم على عدالتهم.ولو كان الخليفة يروعه إنكار المنكرين على مايريد أن يرتكب ؟ فلما ذا لم يرعه إنكار الصحابة على الاحداث في أخرياته ؟ حتى أودت به ، أكان هيابا ثم تشجع ؟ سل عنه المحب الطبري.
- رأي الخليفة في الجنابة :
أخرج مسلم في الصحيح بالاسناد عن عطاء بن يسار : ان زيدبن خالد الجهني أخبره أنه سأل عثمان بن عفان قال : قلت أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن ؟ قال عثمان : يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ، ويغسل ذكره.قال عثمان : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.( 1 )
وأخرجه البخاري في صحيحه ، وزاد عليه ولفظه : سئل عثمان بن عفان عن الرجل يجامع فلا ينزل فقال : ليس عليه غسل ، ثم قال : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : فسألت بعد ذلك علي بن أبي طالب والزبير بن عوام وطلحة بن عبيد الله وأبي ابن كعب فقالوا : مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.وأخرجه بطريق آخر وفيه : فأمروه بذلك بدل قوله : " فقالوامثل ذلك عن النبي ".( 2 )
* (هامش ) * (1 ) صحيح مسلم 1 : 142.
( 2 ) صحيح البخاري 1 : 109.
وأخرجه أحمد في مسنده 1 : 63 ، 64 وفيه : فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والزبير العوام وطلحة بن عبيدالله ، وابي بن كعب فأمروه بذلك ، فليس في لفظه " عن رسول الله " وبالالفاظ الثلاثة ذكره البيهقي في السنن الكبرى 1 : 164 ، 165.
قال الاميني : هذا مبلغ فقه الخليفة أبان خلافته وبين يديه قوله تعالى : " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا جنبا إلا عابري السبيل حتى تغتسلوا " " النساء 43 "
قال الشافعي في كتاب الام 1 : 31 : فأوجب الله عزوجل الغسل من الجنابة فكان معروفا في لسان العرب ان الجنابة الجماع وإن لم يكن مع الجماع ماء دافق ، وكذلك ذلك في حد الزنا وايجاب المهر وغيره ، وكل من خوطب بأن فلانا أجنب من فلانة عقل انه أصابها وإن لم يكن مقترفا ، قال الربيع يريد انه لم ينزل ودلت السنة على أن الجنابة أن يفضي الرجل من المرأة حتى يغيب فرجه في فرجها إلى أن يواري حشفته ، أو أن يرى الماء الدافق ، وإن لم يكن جماع.اه‍.
وقال في اختلاف الحديث في هامش كتاب الام 1 : 34 : فكان الذي يعرفه من خوطب بالجنابة من العرب انها الجماع دون الانزال ، ولم تختلف العامة ان الزنا الذي يجب به الحد : الجماع دون الانزال ، وأن من غابت حشفته في فرج امرأة وجب عليه الحد ، وكان الذي يشبه ان الحد لا يجب إلا على من أجنب من حرام.اه‍.
وفي تفسير القرطبي 5 : 204 : الجنابة : مخالطة الرجل المرأة.والجمهور من الامة على ان الجنب هوغير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان.اه‍.
ثم كيف عزب عن الخليفة حكم المسألة ، وقد مرنته الاسؤلة ، وعلمته الجوابات النبوية ، وبمسمع منه مذاكرات الصحابة لما وعوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وإليك جملة منها :
1- عن أبي هريرة مرفوعا : إذا قعد بين شعبها الاربع والزق الختان بالختان قفد وجب الغسل.
وفي لفظ : إذا قعد بين شعبها الاربع ، ثم أجهد نفسه ، فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل.
وفي لفظ ثالث : إذاالتقى الختان بالختان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل.
وفي لفظ أحمد : إذا جلس بين شعبها الاربع ، ثم جهد ، فقد وجب الغسل.
صحيح البخاري 1 : 108 ، صحيح مسلم 1 : 142 ، سنن الدارمي 1 : 194 ، سنن البيهقي
1 : 163 ، مسند أحمد 2 : 234 ، 347 ، 393 ، المحلى لابن حزم 2 : 3 ، مصابيح السنة
1 : 30 ، الاعتبار لابن حازم ص 30 ، تفسير القرطبي 5 : 200 ، تفسير الخازن 1 : 375.
2- عن أبي موسى انهم كانوا جلوسا فذكروا مايوجب الغسل ، فقال من حضره من المهاجرين : إذا مس الختان الختان وجب الغسل.وقال من حضره من الانصار : لا حتى يدفق.فقال أبوموسى : أنا آتي بالخبر ، فقام إلى عائشة فسلم ثم قال : إني أريد أن اسألك عن شئ وأنا أستحييك ، فقالت : لا تستحي أن تسألني عن شئ كنت سائلا عنه امك التي ولدتك إنما أنا أمك قال قلت : مايوجب الغسل ؟
قالت : على الخبير سقطت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا جلس بين شعبها الاربع ومس الختان بالختان وجب الغسل.
صحيح مسلم 1 : 143 ، مسند احمد 6 : 116 ، الموطأ لمالك 1 : 51 ، كتاب الام للشافعي
1 : 31 ، 33 ، سنن البيهقي 1 : 164 ، المحلى لابن حزم 2 : 2 ، المصابيح للبغوي 1 : 32 ، سنن النسائي ، وصححه ابن حبان ، وابن القطان ، الاعتبار لابن حازم ص 30.
3- عن أم كلثوم عن عائشة : ان رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : عن الرجل يجامع أهله يكسل هل عليه من غسل ؟ وعائشة جالسة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لافعل
ذلك أنا وهذه نغتسل.صحيح مسلم 1 : 143 ، سنن البيهقي 1 : 164 ، المدونة الكيرى
1 : 34.
4- عن الزهري : ان رجالا من الانصار فيهم أبوأيوب وأبوسعيد الخدري كانوا يفتون : الماء من الماء ، وانه ليس على من أتى امرأته فلم ينزل غسل ، فلما ذكر ذلك لعمر ، وابن عمر ، وعائشة أنكروا ذلك ، وقالوا : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل.
- الغدير 11 :
صحيح الترمذي 1 : 16 ، وصححه فقال : وهو قول أكثرأهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن البيهقي 1 : 165.
5- عن عائشة قالت : إذاالتقى الختانان فقد وجب الغسل ، فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا.
وفي لفظ : إذا قعد بين الشعب الاربع ، ثم ألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل.سنن ابن ماجة 1 : 211 ، مسند أحمد 6 : 47 ، 112 ، 161.
6- عن عمرو بن شعيب بن عبدالله بن عمروبن العاصي عن أبيه مرفوعا عن جده إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل.وزاد في المدونة : أنزل أولم ينزل.
سنن ابن ماجة 1 : 212 ، المدونة الكبرى 1 : 34 ، مسند أحمد 2 : 178 ، وأخرجه ابن أبي شيبة كما في نيل الاوطار 1 : 278.
وكأن الخليفة كان بمنتأى عن هذه الاحاديث فلم يسمعها ولم يعها ، أو أنه سمعها لكنه ارتأى فيها رأيا تجاه السنة المحققة ، أو انه أدرك من أوليات الاسلام ظرفا لم يشرع فيه حكم الغسل وهو المراد مما زعم انه سمعه من رسول الله فحسب انه مستصحب إلى آخر الابد حيث لم يتحر التعلم ، ولم يصخ إلى المحاورات الفقهية حتى يقف على تشريع الحكم إلى أن تقلد الخلافة على من يعلم الحكم وعلى من لايعلمه ، فألهته عن الاخذ والتعلم ، ثم إذا لم يجد منتدحا عن الفتيا في مقام السؤال فأجاب بما ارتآه أو بما علق على خاطره منذ دهرطويل قبل تشريع الحكم.
أو انه كان سمع حكما منسوخا وعزب عنه ناسخه بزعم من يرى ان قوله صلى الله عليه وآله الماء من الماء ( 1 ) وما يشابهه في المعنى من قوله : إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك وعليك الوضوء ( 2 ) قد نسخ بتشريع الغسل إن كان الاجتزاء بالوضوء فحسب حكما لموضوع المسألة ، وكان قوله صلى الله عليه وآله : الماء من الماء واردا في الجماع.وأما على ما ذهب إليه ابن عباس من انه ليس منسوخا بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤية
* (هامش ) * (1 ) صحيح مسلم 1 : 141 ، 142 ، سنن ابن ماجة 1 : 211 ، سنن البيهقي
1 : 167.
( 2 ) صحيح مسلم 1 : 142 ، سنن ابن ماجة 1 : 211.
في النوم إذالم يوجد احتلام ( 1 ) كما هو صريح قوله صلى الله عليه وآله : إن رأى أحتلاما ولم ير بللا فلا غسل عليه ( 2 ) فمورد سقوط الغسل أجنبي عن المسألة هذه فلا ناسخ ولا منسوخ.
قال القسطلاني في ارشاد السارى 1 : 331 ، والنووي في شرح مسلم هامش الارشاد
2 : 426: الجمهور من الصحابة ومن بعدهم قالوا : انه منسوخ ويعنون بالنسخ ان الغسل من الجماع بغير إنزال كان ساقطا ثم صار واجبا ، وذهب ابن عباس وغيره إلى انه ليس منسوخا بل المراد نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذالم ينزل ، وهذا الحكم باق بلاشك.اه‍.
وأما مامر في روايات أول العنوان من موافقة مولانا أميرالمؤمنين علي عليه السلام وأبي بن كعب وآخرين لعثمان في الفتيا ، فمكذوب عليهم سترا على عوارجهل الخليفة بالحكم في مسألة سمحة سهلة كهذه ، أما الامام عليه السلام فقد مر في الجزء السادس 244 ( 3 ) رده على الخليفة الثاني في نفس المسألة وقوله : إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل.فأرسل عمر إلى عائشة فقالت : مثل قول علي عليه السلام فأخبت إليه الخليفة فقال : لا يبلغني أن أحدا فعله ولا يغسل إلا أنهتكه عقوبة.
وقد علم يوم ذاك حكم المسألة كل جاهل به ورفع الخلاف فيها قال القرطبي في تفسيره
5 : 205 : على هذا جماعة العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الامصار وان الغسل يجب بنفس التقاء الختانين وقد كان فيه خلاف بين الصحابة ثم رجعوا فيه إلى رواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.أترى عليا عليه السلام وافق عثمان وحكم خلاف ماأنزل الله تعالى بعد إفتائه به ، وسوق الناس اليه ، وإقامة الحجة عليه بشهادة من سمعه عن النبي الاعظم ؟ إن يتبعون إلا الظن وما تهوي الانفس.
وأما أبي بن كعب فقد جاء عنه من طرق صحيحة قوله : إن الفتيا التي كانت الماء من الماء رخصة أرخصها رسول الله في أول الاسلام ثم أمر بالغسل.
* (هامش ) * (1 ) مصابيح البغوي 1 : 31 ، تفسير القرطبي 5 : 205 ، الاعتبار لابن حازم ص 31 ، فتح الباري 1 : 316.
( 2 ) سنن الدارمى 1 : 196 ، سنن البيهقي 1 : 167 ، 168 ، مصابيح البغوي 1 : 31.
( 3 ) ط 1 و 261 ط 2.
وفي لفظ : انما كانت الفتيا في الماء من الماء في أول الاسلام ثم نهي عنها.
وفي لفظ : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الاسلام لقلة
الثياب ، ثم أمر بالغسل.وفي لفظ : ثم أمر بالاغتسال بعد.( 1 ) فليس من الممكن ان أبيا يروي هذه كلها ، ثم يوافق عثمان على سقوط الغسل بعد ماتبين حكم المسألة وشاع وذاع في أيام الخليفة الثاني.
وأما غيرهما ففي فتح الباري 1 : 315 عن أحمد انه قال : ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث.
فنسبة القول بعدم وجوب الغسل في إلتقاء الختانين إلى الجمع المذكور بهت و قول زور ، وقد ثبت منهم خلافه ، تقول القوم عليهم لتخفيف الوطأة على الخليفة ، و افتعلوا للغاية نفسها أحاديث منها ما في المدونة الكبرى 1 : 34 من طريق ابن المسيب
قال : إن عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعائشة كانوا يقولون : إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل.
حسب المغفل ان باختلاق هذه الرواية يمحو ماخطته يد التاريخ والحديث في صحائفهما من جهل الرجلين بالحكم ، ورأيهما الشاذ عن الكتاب والسنة.
وأعجب من هذا : عد ابن حزم في المحلى 2 : 4 عليا وابن عباس وأبيا وعثمان وعدة اخرى وجمهور الانصار ممن رأى أن لاغسل من الايلاج إن لم يكن أنزل ثم قال : وروي الغسل في ذلك عن عائشة وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس الخ.كل هذه آراء متضاربة ونسب مفتعلة لفقها أمثال ابن حزم لتزحزح فتوى الخليفتين عن الشذوذ.
وأخرج أحمد في مسنده 4 : 143 من طريق رشدين بن سعد عن موسى بن أيوب الغافقي عن بعض ولد رافع بن خديج عن رافع بن خديج قال : ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا على بطن امرأتي ، فقمت ولم أنزل ، فاغتسلت وخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبرته إنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي ، فقمت ولم أنزل ، فاغتسلت فقال
* (هامش ) * (1 ) سنن الدارمي 1 : 194 ، سنن ابن ماجة 1 : 212 ، سنن البيهقي 1 : 165 ، الاعتبار لابن حازم ص 33.
رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا عليك ، الماء من الماء.قال رافع : ثم أمرنا رسول الله بعد ذلك بالغسل.
هذه الرواية إفتعلها واضعها لابطال تأويل ابن عباس واثبات النسخ ذاهلا عن أن هذا لا يبرر ساحة عثمان من لوث الجهل أيام خلافته بالحكم الناسخ.
وهل في وسع ذي مرة تعقل حكاية ابن خديج قصته لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟ و إنه كان على بطن امرأته لما دعاه ، وانه قام ولم ينزل ؟ هل العادة قاضية لنقل مثل هذه لمثل رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ثم إن كان الرجل قام من فوره لدعوة نبيه ، ولم يقض من حليلته وطره فلماذا أرجأإجابة تلك الدعوة بالاغتسال ؟ ولم يكن واجبا ، فممن أخذ ؟ ولماذا اغتسل ؟ ولماأمروا به بعد.
والنظرة في اسناد الرواية تغنيك عن البحث عما في متنها لمكان رشدين بن سعد أبي الحجاج المصري ، ضعفه أحمد ، وقال ابن معين : لا يكتب حديثه ، ليس بشئ ، وقال أبوزرعة : ضعيف الحديث.وقال أبوحاتم : منكر الحديث فيه غفلة ويحدث بالمناكر عن الثقات ، ضعيف الحديث.وقال الجوزقاني : عنده معاضيل ومناكير كثيرة وقال النسائي : متروك الحديث ضعيف لايكتب حديثه.وقال ابن عدي : أحاديثه ماأقل من يتابعه عليها.وقال ابن سعد : كان ضعيفا.وقال ابن قانع ، والدارقطني ، وأبوداود : ضعيف الحديث.وقال يعقوب بن سفيان : رشدين أضعف وأضعف.عن : موسى بن أيوب الغافقي وهو وإن حكيت ثقته عن ابن معين ، عير انه نقل عنه أيضا قوله فيه : منكر الحديث ، وكذاقال الساجي ، وذكره العقيلي في الضعفاء ( 1 ).عن : بعض ولد رافع ، مجهول لايعرف ، فالرواية مرسلة باسناد لا يعول عليه ، قال الشوكاني في نيل الاوطار 1 : 280 : حسنه الحازمي ، وفي تحسينه نظر ، لان في اسناده رشدين ، وليس من رجال الحسن ، وفيه أيضا مجهول لانه قال عن بعض ولد رافع بن خديج ، فالظاهر ضعف الحديث لا حسنه.اه‍.
وأما تبرير عثمان بتوهم كون السؤال عنه والجواب قبل تشريع الحكم ، أو قبل نسخه السابق في أول الاسلام على العهد النبوي ، كمايعرب عنه كلام القسطلاني
* (هامش ) * (1 ) تهذيب التهذيب 3 : 277.ج 10 : 336.
في ارشاد الساري 1 : 332 ، فمن المستبعد جدا ، فإن المسؤول يومئذ عن الاحكام وعن كل مشكلة هو رسول الله لا غيره ، فماكان عثمان يسأل عن حكم إذا جهله رجع السائل إلى أفراد آخرين ، فتصل النوبة إلى طلحة والزبير دون رسول الله ، وأين كان الشيخان يوم ذاك ؟ وقد رووا عن ابن عمر انه لم يك يفتي على عهد رسول الله أحد إلا أبوبكر وعمر كما مرفي
ج 7 : 182 ط 2 ، فلايسع لاي أحد الدفاع عن الخليفة بهذا التوهم.
وإن تعجب فعجب قول البخاري : الغسل أحوط ، وذاك الاخير إنما بيناه لاختلافهم.قاله بعد إخراج رواية أبي هريرة الموجبة للغسل المذكورة ص 144 ط 2 ، وفتوى عثمان المذكورة وحديث أبي الموافق معه ، فجنح إلى رأى عثمان ، وضرب عما جاء به نبي الاسلام ، وأجمعت عليه الصحابة والتابعون والعلماء ، كما سمعت عن القرطبي ، وقال النووي في شرح مسلم هامش إرشاد الساري 2 : 425 : إن الامة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع ، وإن لم يكن معه إنزال ، وعلى وجوبه بالانزال.اه‍.
وهذا الاجماع من عهد الصحابة وهلم جرا ، وقال القاضي عياض : لانعلم أحدا قال به بعد خلاف الصحابة إلا ماحكي عن الاعمش ، ثم بعده داود الاصبهاني.
وقال القسطلاني في الارشاد 1 : 333 : قال البدر الدماميني كالسفاقسي فيه جنوح لمذهب داود ، وتعقب هذا القول البرماوي بأنه إنما يكون ميلا لمذهب داود والجمهور على ايجاب الغسل بالتقاء الختانين وهو الصواب.
وقال ابن حجر في فتح الباري 1 : 316 : قال ابن العربي : ايجاب الغسل أطبق عليه الصحابة ومن بعدهم ، وما خالف فيه إلا داود ، ولا عبرة بخلافه ، وإنما الامر الصعب مخالفة البخاري وحكمه بأن الغسل مستحب ، وهو أحد أئمة الدين وأجلة علماء المسلمين.اه‍.
فلا تعجب عن بخاري يقدم في الفتوى رأي مثل عثمان على ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله بعد اجماع الامة عليه تقديمه نظراء عمران بن حطان الخارجي على الامام الصادق جعفر بن محمد في الرواية." ولئن اتبعت أهواء هم من بعد ماجاء‌ك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ".
- كتمان الخليفة حديث النبي صلى الله عليه وآله :
أخرج أحمد في مسنده 1 : 65 عن أبي صالح قال : سمعت عثمان رضي الله عنه يقول على المنبر : ايها الناس إني كتمتكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية تفرقكم عني ، ثم بدالي أن احدثكموه ليختار امرؤ لنفسه ما بداله ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول : رباط يوم في سبيل الله تعالى خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل.
وأخرج في المسند 1 : 601 ؟ ، 65 عن مصعب قال : قال عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو يخطب على منبره : إنى محدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يمنعني أن أحدثكم إلا الضن بكم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : حرس ليلة
في سبيل الله تعالى أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها.
وأخرج في المسند 1 : 57 عن حمران قال : توضأ عثمان رضي الله عنه على البلاط ثم قال : لاحدثنكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من توضأ فأحسن الوضوء ثم دخل فصلى غفر له ما بينه و بين الصلاة الاخرى حتى يصليها.
وذكرها غيرواحد من الحفاظ أخذا من مسند أحمد.
قال الاميني : ليت مخبرا يخبرني عن مبرر هذا الشح عن تعليم أمة محمد صلى الله عليه وآله بتلكم الاحاديث ، والناس في حاجة أكيدة إلى الحديثين في فضل الجهاد والمرابطة الذين بهما قام عمودالدين ، ومطط أديمه ، ودخلت هيبته القلوب ، وكانوا يومئذ يتسابقون على الجهاد لكثرة ماانتهى إليهم من فضله ، ولتعاقب الفتوح التي مرنتهم على الغزو وشوقتهم إلى توسيع دائرة المملكة ، وحيازة الغنائم ، فلو كان الخليفة يروي لهم شيئا مما لم يزل له نقر في آذانهم ، ونكت في قلوبهم لازدادوا اليه شوقا ، وازدلفوا اليه رغبة ، وكان يعلم العالم منهم من لم يعلم ، لا أنهم كانوا يتفرقون عنه كما حسبه الخليفة ، ولو كان يريد تفرقهم عنه إلى الجهاد فهو حاجة الخليفة إلى مجتمعه وحاجة المجتمع إلى الخليفة الذي يكتنفون به ، فهي مقصورة من الجانبين على التسرب إلى الجهاد والدفاع والدعوة إلى الله تعالى ، والى دينه الحق وصراطه المستقيم ، لاأن يجتمعوا حوله فيأنسونه بالمعاشرة والمكاشرة ، إذن فلا وجه للضنة بهم عن نقل تلكم الروايات.
وأما ثالث الاحاديث فهو من حاجة الناس إلى أميرهم في ساعة السلم ، وأي نجعة في الامير هى خير من بعث الامة على إحسان الوضوء ، والصلاة بعده التي هي خير موضوع وهي عماد الدين ، ووسيلة إلى المغفرة ، ونجح الطلباب ، وأحد اصول الاسلام ، فلماذا يشح به الخليفة ؟ فيحرم أمته عن تلكم المثوبات والاجور.
وأما الآية التي بعثته على التنويه بالحديث ، فليته كان يدلنا عليها ويعرب عنها ، وقد كانت موجودة منذ نزولها ، وفي أبان شح الخليفة على رواية الحديث ، فما الذي جعجع به إلى هذا التاريخ ؟ وأرجأ روايته إلى الغاية المذكورة ؟ ولعله أراد ما نص عليه أبو هريرة فيما أخرجه الجصاص في آيات الاحكام 1 : 116 عن أبي هريرة انه قال : لولا آية في كتاب الله عزوجل ما حدثتكم ، ثم تلا : " إن الذين يكتمون ماأنزلنا من البينات والهدى " قال الجصاص : فأخبر ان الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من البينات والهدى الذي أنزله الله تعالى.
وهب أن الآية لم تنزل ، فهل الحكم الذي هتف به رسول الله صلى الله عليه وآله يسدل عليه ستار الاخفاء إلى أن يرتئي الخليفة أن يبوح به ؟.أنالا ادري السر في هذه كلها ، و لعل عند الخليفة مالا أعلمه.
وهل كان مبلغ جهل الصحابة الاولين بالسنة هذا الحد بحيث كان يخفي عليهم مثل الحديثين ؟ وكان علمهما يخص بالخليفة فحسب والخليفة مع هذا كان يعلم جهل جميعهم بذلك وانه لو كتمه لمابان.
على ان كاتم العلم وتعاليم النبوة بين اثين رحمة يزوى عنه ، وذموم تتوجه إليه ، وإليك في المقامين أحاديث جمة فمن الفريق الثاني ماورد :
1- عن ابن عمر مرفوعا : علم لايقال به ، ككنز لاينفق منه.أخرجه ابن عساكر.
2- عن ابن مسعود مرفوعا : علم لاينفع ، ككنز لاينفق منه.أخرجه القضاعي.
3- عن أبي هريرة مرفوعا : مثل الذي يتعلم العلم ، ثم لايحدث به كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه.أخرجه الطياسي والطبراني والمنذري.
4- عن أبي سعيد مرفوعا : كاتم العلم يلعنه كل شئ حتى الحوت في البحر و الطير في السماء.أخرجه ابن الجوزي في العلل.
5- عن ابن مسعود مرفوعا : أيما رجل آتاه الله علما فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار.أخرجه الطبراني.
6- عن أبي هريرة مرفوعا : ما آتى الله تعالى عالما علما إلا أخذ عليه الميثاق أن لا يكتمه.أخرجه ابن النظيف وابن الجوزي.
7- عن ابن مسعود مرفوعا : من كتم علما عن أهله ألجم يوم القيامة لجاما من نار.أخرجه ابن عدي.
8- عن أبي هريرة مرفوعا : مامن رجل يحفظ علما فيكتمه إلا أتى يوم القيامة ملجما بلجام من نار.أخرجه ابن ماجة.
9- عن أبي سعيد مرفوعا : من كتم علما مما ينفع الله به الناس في أمر الدين ألجمه يوم القيامة بلجام من نار.أخرجه ابن ماجة والمنذري.
10- عن أبي هريرة مرفوعا : مثل الذي يتعلم العلم ثم لايحدث به كمثل رجل رزقه الله مالا فكنزه فلم ينفق منه.أخرجه أبوخيثمة في العلم وأبونصر في الابانة
11- عن ابن عمر مرفوعا : من بخل بعلم اوتيه أتي به يوم القيامة مغلولا ملجوما بلجام من نار.أخرجه ابن الجوزي في العلل.
12- وفي لفظ ابن النجار عن ابن عمرو : من علم علما ثم كتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار.
وفي لفظ الخطيب : من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار.أخرجه ابن حبان والحاكم والمنذري.
13- عن ابن مسعود مرفوعا : من كتم علما ينتفع به ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار.أخرجه الطبراني في الكبير وابن عدي في الكامل والسجزي والخطيب.
14- عن ابن عباس مرفوعا : من كتم علما يعلمه الجم يوم القيامة بلجام من نار.أخرجه الطبراني في الكبير.
15- عن قتادة : ميثاق أخذه الله على أهل العلم فمن علم علما فليعلمه الناس ، و اياكم وكتمان العلم ، فان كتمان العلم هلكة.أخرجه عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم كما في تفسير الشوكاني 1 : 375.
16- عن الحسن قال : لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مماتسألون عنه.أخرجه ابن سعد.
وحسبك من الفريق الاول قوله صلى الله عليه وآله :
1- رحم الله امرء‌ا سمع مني حديثا فحفظ حتى يبلغه غيره.أخرجه ابن حبان.
2- رحم الله امرء‌ا سمع منا حديثا فوعاه ثم بلغه من هو أوعى منه.أخرجه ابن عساكر.
3- اللهم ارحم خلفائي الذين يأتون من بعدي ، يروون أحاديثي وسنتي و يعلمونها الناس.أخرجه الطياسي والرامهرمزي والخطيب بن النجار.
4- رحمة الله على خلفائي ، قيل : من خلفاؤك يارسول الله ؟ قال : الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس.أخرجه أبونصر في الابانة وابن عساكر والمنذري في الترغيب.
5- نظر الله امرء‌ا سمع منا حديثا فبلغه غيره.أخرجه المنذري.راجع مسند أحمد مسانيد الصحابة المذكورين ، مسند الطيالسي ، الترغيب والترهيب للمنذري ، كتاب العلم لابي عمر ، إحياء العلوم للغزالي ، مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي ج 1 ، كنز العمال كتاب العلم.
نعم : لعل الخليفة إتبع في كتمانه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله رأي الشيخين قبله في نهيهما عن إكثار الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله كما فصلنا القول فيه في ج 6 ص 294 ط 2 ، و لست أدري ان قلة رواية الخليفة وقد بلغت عدتها كما ذكرها السيوطي في تاريخ الخلفاء‌ص 100 ، وابن العماد الحنبلي في الشذرات 1 : 136 مائة وستة وأربعين حديثا أهي لقلة منته في السنة ، وصفريده من العلم بها ؟ أو لشحه على بثها وضنه بالامة ؟ والله يعلم ماتكن صدورهم ومايعلنون.
- رأي الخليفة في زكاة الخيل :
أخرج البلاذري في الانساب 5 : 26 بالاسناد من طريق الزهري : إن عثمان كان يأخذ من الخيل الزكاة فانكر ذلك من فعله وقالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق.
وقال ابن حزم في المحلى 5 : 227 : قال ابن شهاب : كان عثمان بن عفان يصدق الخيل.
وأخرجه عبدالرزاق عن الزهري كما في تعاليق الآثار للقاضي أبي يوسف ص 87.
قال الاميني : ليت هذه الفتوى المجردة من الخليفة كانت مدعومة بشئ من كتاب أو سنة ، لكن من المأسوف عليه ان الكتاب الكريم خال عن ذكر زكاة الخيل ، والسنة الشريفة على طرف النقيض مما أفتى به ، وقد ورد فيما كتبه رسول الله صلى الله عليه وآله في الفرائض قوله : ليس في عبد مسلم ولافي فرسه شئ.
وجاء عنه صلى الله عليه وآله قوله : عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق.
وفي لفظ ابن ماجة : قد تجوزت لكم عن صدقة الخيل والرقيق.
وقوله : ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه.
وفي لفظ البخاري : ليس على المسلم في فرسه وعلامه صدقة.
وفي لفظ له : ليس على المسلم صدقة في عبده وفرسه.
وفي لفظ مسلم : ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة.
وفي لفظ له : ليس على المرء المسلم في فرسه ولا مملوكه صدقة.
وفي لفظ أبي داود : ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطرفي الرقيق.
وفي لفظ الترمذي : ليس على المسلم في فرسه ولا في عبده صدقة.
وفي لفظ النسائي : كلفظ مسلم الاول.
وفي لفظ له : لا زكاة على الرجل المسلم في عبده ولا في فرسه.
وفي لفظ له : ليس على المرء في فرسه ولا في مملوكه صدقة.
وفي لفظ : ليس على المسلم صدقة في غلامه ولا في فرسه.
ولفظ ابن ماجة كلفظ مسلم الاول.
وفي لفظ أحمد : ليس في عبد الرجل ولا في فرسه صدقة.
وفي لفظ البيهقي : لا صدقة على المسلم في عبده ولا في فرسه.
وفي لفظ عبدالله بن وهب في مسنده : لاصدقة على الرجل في خيله ولا في رقيقه.
وفي لفظ ابن أبي شيبة : ولا في وليدته.
وفي رواية للطبراني في الكبير والبيهقي في السنن 4 : 118 من طريق عبدالرحمن ابن سمرة : لاصدقة في الكسعة والجبهة والنخة ( 1 ) ومن طريق أبي هريرة : عفوت لكم عن صدقة الجبهة والكسعة والنخة.
راجع صحيح البخاري 3 : 30 ، 31 ، صحيح مسلم 1 : 361 ، صحيح الترمذي 1 : 80 ، سنن أبي داود 1 : 253 ، سنن ابن ماجة 1 : 555 ، 556 ، سنن النسائي 5 : 35 ، 36 ، 37 ، سنن البيهقي 4 ، 117 ، مسند أحمد 1 : 62 ، 121 ، 132 ، 145 ، 146 ، 148 ،
ج 2 : 243 ، 249 ، 279 ، 407 ، 432 ، كتاب الام للشافعي 2 : 22 ، موطأ مالك
1 : 206 ، أحكام القرآن للجصاص 3 : 189 ، المحلى لابن حزم 5 : 229 ، عمدة القاري للعيني 4 : 383.
ولو كان في الخيل شئ من الزكاة لوجب أن يذكر في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذي فصل فيه الفرايض تفصيلا ( 2 ) وقد اعطاه كبرنامج يعمل به في الفرايض وعليه كان عمل الصحابة ، ومنه أخذ أبوبكر ما كتبه دستورا يعول عليه في الصدقات ( 3 ) ، وكان مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام يهتف بتلك السنة الثابتة ، وعليها كان عمله عليه السلام ، وعليها أضفقت الصجابة وجرت الفتيا من التابعين ، وبها قال عمربن عبدالعزيز ، وسعيد بن المسيب ، و عطاء ، ومكحول ، والشعبي ، والحسن ، والحكم بن عتيبة ، وابن سيرين ، والثوري ، والزهري ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، واسحاق ، وأهل الظاهر ، وأبويوسف ، ومحمد ابن الحنفية.( 4 )وقال ابن حزم : وذهب جمهور الناس إلى أن لازكاة في الخيل أصلا.وقال مالك والشافعي ، وأحمد ، وأبويوسف ، ومحمد ، وجمهور العلماء : لازكاة في الخيل بحال.اه‍.
* (هامش ) * (1 ) الجبهة الخيل.الكسعة : البغال والحمير.النخة.المربيات في البيوت.
( 2 ) راجع سنن البيهقي 4 : 85 90 ، مستدرك الحاكم 1 : 390 398.
( 3 ) راجع مصابيح السنة للبغوي 1 : 119.
( 4 ) راجع المحلى لابن حزم 5 : 229 ، عمدة القاري 4 : 383.
نعم : للحنفية هاهنا تفصيل مجرد عن أي برهنة ضربت عنه الامة صفحا قالوا :
لازكاة في الخيل الذكور ، ولو كثرت وبلغت ألف فرس ، وإن كانت إناثا ، أو اناثا و ذكورا سائمة غير معلوفة فحينئذ تجب فيها الزكاة.وصاحب الخيل مخير إن شاء أعطى عن كل فرس منها دينارا أو عشرة دراهم ، وإن شاء قومها فأعطى من كل مائتي درهم خمسة دراهم.
كذا حكاه ابن حزم في المحلى 5 : 288 ، وأبوزرعة في طرح التثريب 4 : 14 ، وملك العلماء في بدايع الصنايع 1 : 34 ، والنووي في شرح مسلم.
وهذا التفصيل ماكان قط يعرفه الصحابة والتابعون لانهم لم يجدواله أثرا في كتاب أو سنة ، وكان من الحقيق إن كان للحكم مدرك يعول عليه أن يعرفوه ، وأن يثبته رسول الله صلى الله عليه وآله في كتابه ، وكذلك أبوبكر من بعده ، وهذا كاف في سقوطه ، و لذلك خالف أباحنيفة فيه أبويوسف ومحمد وقالا بعدم الزكاة في الخيل كما ذكره الجصاص في أحكام القرآن 3 : 188 ، وملك العلماء في البدايع 2 : 34 ، والعيني في العمدة 4 : 383.
وغاية جهد أصحاب أبي حنيفة في تدعيم قوله بالحجة أحاديث لم يوجد في شئ منها ماجاء به من الرأي المجرد ، ألا وهي :
1- أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من طريق أبي هريرة مرفوعا : مامن صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها.فذكر الوعيد الذي في منع حقهاوحق الابل والبقر والغنم ، وذكر في الابل : ومن حقها حلبها يوم وردها ، ثم قال : قيل : يا رسول الله فالخيل ؟ قال : الخيل لثلاثة : هي لرجل وزر.وهى لرجل أجر.وهي لرجل ستر.فأما الذي هي له وزر : فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الاسلام فهي له وزر ، وأما الذي هي له ستر : فرجل ربطها في سبيل الله.ثم لم ينس حق الله في ظهورها ، ولا رقابها فهي له ستر.وأما الذي هى له أجر : فرجل ربطها في سبيل الله لاهل الاسلام.الحديث.وفي لفظ مسلم بدل قوله : ثم لم ينس حق الله.. الخ : و لم ينس حق الله في ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها.
استدل به ابن التركماني المارديني في الجوهر النقي ط ذيل سنن البيهقي 4 : 120 وقال :
يدل عليه ظاهر قوله : ثم لم ينس حق الله.إلخ.مع قرينة قوله في أول الحديث : مامن صاحب كنز لا يؤدي زكاته ، ومامن صاحب إبل لا يؤدي زكاتها ، وما من صاحب عنم لايؤدي زكاته.ونحن لا نعرف وجه الدلالة في ظاهر قوله : ثم لم ينس.مع ضم القرينة إليه على ما أفتى به أبوحنيفة ، وغيرنا أيضا لا يرى فيه دلالة على الزكاة في الخيل كما قاله البيهقي في السنن
4 : 119.
2- أخرج البيهقي في سننه الكبرى 4 : 119 عن أبي الحسن على بن أحمد بن عبدان عن أبيه ، عن أبي عبدالله محمد بن موسى الاصطخري ، عن اسماعيل بن يحيى بن بحر الازدي ، عن الليث بن حماد الاصطخري ، عن أبي يوسف القاضي ، عن غورك بن الحصرم أبي عبدالله ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخيل السائمة في كل فرس دينار.
قال البيهقي : تفرد به غورك ، وأخبرنا أبوبكربن الحارث قال : قال عمربن علي الحافظ يعني الدارقطني : تفردبه غورك عن جعفر ، وهو ضعيف جدا ومن دونه ضعفاء.
قال الاميني : في رجال الاسناد :
1- أحمد بن عبدان مجهول.قاله مسلمة بن قاسم وفيه :
2- محمد بن موسى الاصطخري : شيخ مجهول ، روى عن شعيب خبرا موضوعا قاله ابن حجر.
3- اسماعيل بن يحيى الازدي : ضعفه الدارقطني ، وحكاه عنه ابن حجر.و
4- وليث بن حماد الاصطخري : ضعفه الدارقطني ، ونقله عنه الذهبي وابن حجر.و
5- أبويوسف القاضي : قال البخاري : تركوه ، وعن المبارك : إنه وهاه.وعن يزيد بن هارون : لاتحل الرواية عنه.وقال الفلاس : صدوق كثير الخطأ ، إلى آخر مامر من ترحمته في هذاالجزء ص 30 ، 31.
6- غورك السعدي : قال الدارقطني : ضعيف جدا ، وذكره الذهبي في الميزان.( 1 )
* (هامش ) * (1 ) راجع ميزان الاعتدال 2 : 323 ، 360 ، لسان الميزان 1 : 192 ، 441 ، ج 4 : 421 ، 493 ، ج 5 : 401 ، ج 6 : 300.
ومما يوهن هذه الرواية عدم إخراج ابن أبي يوسف القاضي فيما جمعه من الاحاديث عن والده وأسماه بالآثار.وذكرها الذهبي في لميزان 2 : 223 فقال : ضعف الدارقطني الليث وغيره في اسناده.
على أن الرواية خالية عن تفصيل الذي جاء به أبوحنيفة من نفي الزكاة في ذكور الخيل ولو كثرت ووجوبها إن كانت إناثا ، أو إناثا وذكورا.إلى آخر ماتقول به.
3- أخرج ابن أبي شيبة في مسنده من طريق عمر مرفوعا في حديث طويل قال :
فلا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي : يا محمد يامحمد فأقول :
لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت.ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرساله حمحمة ينا دي يامحمد يامحمد فأقول : لا أملك لك من الله شيئا.الحديث.
استدل به على وجوب الزكاة في الخيل ابن التركماني المارديني في الجوهر النقي ذيل سنن البيهقي 4 : 120.وقال : فدل على وجوب الزكاة في هذه الانواع.اه‍.
أمعن النظر في الحديث لعلك تعرف وجه الدلالة على ما ارتآه الرجل ، وما أحسبك أن تعرفه ، غير أن حب المارديني إمامه أباحنيفة أعماه وأصمه ، فحسب انه أقام البرهنة على ماخرق به الرجل اجماع الامة ، وتقول تجاه النص الاغر ، و السنة الثابتة ، وكل هذه من جراء رأي من صدق الخيل بعد عفو الله ورسوله عنها.
4- فعل عمر بن الخطاب وأخذه الزكاة من الخيل ، وليس في فعله أي حجة للحنفية ولا لغيرهم ، لانه لم يكن فيما عمله التفصيل الذي ذكره القوم ، على انه كان يأخذ ما أخذه من الخيل تطوعا لا فريضة باستدعاء من أرباب الخيل كمامر في الجزء السادس ص 155 ط 2 ، وما كان يخافه مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام ، ويحذربه عمر في أخذه الزكاة من الخيل من أن يعود جزية يوجبها أناس في المستقبل ، فكان كما توسم سلام الله عليه على عهد عثمان ، فالتفصيل المذكور أحدوثة في الدين خارجة عن السنة الثابتة ، وهو كما قال ابن حزم في المحلى 5 : 228 : وأتوا بقول في صفة زكاتها لانعلم أحدا قاله قبلهم.
وقولهم هذا يخالف القياس الذي هو أساس مذهبهم.قال ابن رشد في ممهدات المدونة الكبرى
1 : 263 : والقياس انه لما اجتمع أهل العلم في البغال والحمير على انه لا زكاة فيها وإن كانت سائمة ، واجتمعوا في الابل ، والبقر ، والغنم على الزكاة فيها إذاكانت سائمة : واختلفوا في الخيل سائمة وجب ردها إلى البغال والحمير لا إلى الابل والبقر والغنم ، لانها بها أشبه لانها ذات حافر كما انها ذوات حوافر ، وذوالحافر بذي الحافر أشبه منه بذي الخف أو الظلف ، ولان الله تبارك وتعالى قد جمع بينها فجعل الخيل والبغال والحمير صنفا واحدا لقوله : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة وجمع بين الانعام وهي الابل والبقر والغنم فجعلها صنفا واحدا لقوله : والانعام خلقها لكم فيها دف‌ء ومنافع تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ولقوله عزوجل : الله الذي جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها تأكلون.
- تقديم عثمان الخطبة على الصلاة :
قال ابن حجر في فتح الباري 2 : 361 : روى إبن المنذرعن عثمان باسناد صحيح إلى الحسن البصري قال : أول من خطب قبل الصلاة عثمان ، صلى بالناس ثم خطبهم ( 1 ) فرأى ناسا لم يدركوا الصلاة ، ففعل ذلك ، أي صار يخطب قبل الناس ، وهذه العلة غير التي إعتل بها مروان ، لان عثمان رأى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة ، و وأما مروان فراعى مصلحتهم في إستماعهم الخطبة ، لكن قيل : إنهم كانوا في زمن مروان يتعمدون ترك سماع خطبته لما فيها من سب مالا يستحق السب ، والافراط في مدح بعض الناس ، فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه ، ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانا بخلاف مروان فواظب عليه.وذكره الشوكاني في نيل الاوطار 3 : 362.
وأخرج ابن شبه عن أبي غسان قال : أول من خطب الناس في المصلى على منبر عثمان بن عفان.وقال ابن حجر : يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك مرة ثم تركه حتى أعاده مروان.فتح الباري 2 : 359 ، نيل الاوطار 3 : 374.
وذكره السيوطي في الاوائل ، وتاريخ الخلفاء ص 111 ، والسكتواري في محاضرة الاوائل ص 145 : إن أول من خطب في العيدين قبل الصلاة عثمان رضي الله عنه.
* (هامش ) * (1 ) على الباحث مناقشة الحساب حول هذه الكلمة.
قال الاميني : إن الثابت في السنة الشريفة ان الخطبة في العيدين تكون بعد الصلاة ، قال الترمذي في الصحيح 1 ، 70 : والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ان صلاة العيدين قبل الخطبة ويقال : إن أول من خطب قبل الصلاة مروان بن الحكم.اه‍.
وإليك جملة مما ورد فيها :
1- عن ابن عباس قال : أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم انه صلى يوم فطر أو أضحى قبل الخطبة ثم خطب.
صحيح البخاري 2 : 116 ، صحيح مسلم 1 : 325 ، سنن أبي داود 1 : 178 ، 179 ، سنن ابن ماجة 1 : 385 ، سنن النسائي 3 : 184 ، سنن البيهقي 3 : 296.
2- عن عبدالله بن عمر قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ثم أبوبكر ثم عمر يصلون العيدين قبل الخطبة.
وفي لفظ الشافعي : إن النبي وأبابكر وعمر كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة ،
وفي لفظ للبخاري : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الاضحى والفطر ثم يخطب بعد الصلاة.
صحيح البخاري 2 : 111 ، 112 ، صحيح مسلم 1 : 326 ، موطأمالك 1 : 146 ، مسند أحمد 2 : 38 ، كتاب الام للشافعي 1 : 208 ، سنن ابن ماجة 1 : 387 ، سنن البيهقي
3 : 296 ، سنن الترمذي 1 : 70 ، سنن النسائي 3 : 183 ، المحلى لابن حزم 5 : 85 ، بدايع الصنايع 1 : 276.
3- عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم العيدين فيصلي
بالناس ركعتين ثم يسلم فيقف على رجليه.الخ.
سنن ابن ماجة 1 : 389 ، المدونة الكبرى لمالك 1 : 155 ، سنن البيهقي 3 : 297.
4- عن عبدالله بن السائب قال : حضرت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا العيد ثم قال : قد قضينا الصلاة فمن احب أن يجلس للخطبة فليجلس ، ومن أحب أن يذهب فليذهب.
سنن ابن ماجة 1 : 386 ، سنن أبي داود 1 : 180 ، سنن النسائي 3 : 185 ،
- الغدير 12 :
سنن بيهقي 3 : 301 ، المحلى 5 : 86.
5- عن جابربن عبدالله قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قام يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب الناس.
صحيح البخاري 2 : 111 ، صحيح مسلم 1 : 325 ، سنن أبي داود 1 : 178 ، سنن النسائي 3 : 186 ، سنن البيهقي 2 : 296 ، 698.
6- عن ابن عباس وجابر بن عبدالله وعبدالله بن عمر وأنس بن مالك : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الخطبة.المدونة الكبرى 1 : 155.
7- عن البراء بن عازب قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بعد الصلاة. صحيح البخاري 2 : 110 ، سنن النسائي 3 : 185.
8- عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال : شهدت العيد مع علي بن أبي طالب و عثمان محصور فجاء فصلى ثم انصرف فخطب.
موطأ مالك 1 : 147 ، كتاب الام للشافعي 1 : 171 ذكر من طريق مالك شطرامنه.
هذه الاحاديث تكشف عن استمرار رسول الله صلى الله عليه وآله على هذه السنة المرتبة و لم يعز اليه غيرها قط ، وعلى ذالك مضى الشيخان ومولانا أميرالمؤمنين علي عليه السلام وعثمان نفسه ردحامن أيامه كما جاء في رواية ابن عمر من ان النبي وأبابكر وعمر وعثمان كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة ( 1 ) وظاهر هذا اللفظ وإن كان مطلقا إلا الجمع بينه وبين ماجاء من مخالفة عثمان للقوم وانه أول من قدم الخطبة انه كان أولا على وتيرتهم حتى بداله أن يغيرالتر تيب ففعل ، ويؤيده سكوت ابن عمر نفسه عن عثمان فيما مر ص 161 من قوله : كان النبي ثم أبوبكر ثم عمر يصلون العيد قبل الخطبة.فإن كان عثمان أيضا مستمرا على سيرتهم وسنتهم لذكره ولم يفصل بينهم وبهذا يتأتى الجمع ايضا بين حديثي ابن عباس من قوله : شهدت العيد مع النبي و أبي بكر وعمر فبدؤا بالصلاة قبل الخطبة.ومن قوله : صلى رسول الله ثم خطب و أبوبكر وعمر وعثمان ( 2 ).
* (هامش ) * (1 ) كتاب الام للشافعي 1 : 08 2 ، صحيح البخاري 2 : 112.
( 2 ) مسند أحمد 1 : 345 ، 346 ، صحيح مسلم 1 : 324.
وليتني أدري كيف يتقرب إلى المولى سبحانه بصلاة بدلوا فيها سنة الله التي لاتبديل لها ، قال الشوكاني في نيل الاوطار 2 : 363 : قد اختلف في صحة العيدين مع تقدم الخطبة ففي مختصر المزني عن الشافعي مايدل على عدم الاعتداد بها وكذاقال النووي في شرح المهذب : إن ظاهر نص الشافعي انه لا يعتد بها.قال : وهو الصواب.
ثم تابع عثمان المسيطرون من الامويين من بعده فخالفوا السنة المتبعة بتقديم الخطبة لكن الوجه في فعل عثمان غيره في من تبعه ، أما هو فكان يرتج عليه القول فلايروق المجتمعين ما يتكلفه من تلفيقه غيرالمنسجم فيتفرقون عنه فقدمها ليصيخوا إليه وهم منتظرون بالصلاة ولا يسعهم التفرق قبلها.
قال الجاحظ : صعد عثمان بن عفان رضي الله عنه المنبر فارتج عليه فقال : إن أبابكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا ، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب ، وستأتيكم الخطب على وجهها وتعلمون إنشاء‌الله ( 1 ).
قال البلاذري في الانساب 5 : 24 : إن عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن أول مركب صعب ، وإن بعد اليوم أياما وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها ، فما كنا خطباء وسيعلمنا الله.وهذا اللفظ أخرجه ابن سعد في طبقاته 3 : 43 ط ليدن ، وفي لفظ أبي الفدا في تاريخه ج 1 : 166 : لما بويع عثمان رقى المنبر وقام خطيبا فحمد الله وتشهد ثم ارتج عليه فقال : إن أول كل أمر صعب وإن أعش فستأتيكم الخطب على وجهها ثم نزل.
وروا أبومخنف كما في أنساب البلاذري : إن عثمان لما صعد المنبر قال : أيها الناس إن هذا مقام لم أزور له خطبة ولا أعددت له كلاما وسنعود ونقول إنشاء‌الله.
وعن غياث بن ابراهيم : إن عثمان صعد المنبر فقال : أيها الناس إنا لم نكن خطباء وإن نعش تأتكم الخطبة على وجهها إنشاء‌الله.
وروي إن عثمان خطب فقال : إن أبابكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وسيأتي الله به.اه‍.
وذكره اليعقوبي في تاريخه 2 : 140 فقال : صعد عثمان المنبر وجلس في الموضع
* (هامش ) * (1 ) البيان والتبيين 1 : 272 ، وج 2 : 195.
الذي كان يجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يجلس أبوبكر ولاعمر فيه ، جلس أبوبكر دونه بمرقاة ، وجلس عمر دون أبي بكر بمرقاة ( 1 ) فتكلم الناس في ذلك فقال بعضهم :
اليوم ولد الشر ، وكان عثمان رجلاحييا فارتج عليه فقام مليا لايتكلم ثم قال : إن أبابكر وعمر كانايعدان لهذا المقام مقالا ، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام يشقق الخطب ، وان تعيشوا فستأتيكم الخطبة.ثم نزل.
وفي لفظ ملك العلماء في بدايع الصنايع 1 : 262 : إن عثمان لما استخلف خطب في أول جمعة فلما قال : ألحمد لله.ارتج عليه فقال : أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال ، وان أبابكر وعمر كانا يعدان لهذا المكان مقالا وستأتيكم الخطب من بعد ، واستغفر الله لي ولكم.ونزل وصلى بهم الجمعة.
ولعله لحراجة الموقف عليه كان يماطل الخطبة باستخبار الناس وسؤالهم عن أخبارهم وأسعارهم وهو على المنبر كما أخرجه أحمد في المسند 1 : 73 من طريق موسى بن طلحة.وذكره الهيثمي في المجمع 2 : 187 فقال : رجاله رجال الصحيح.
ولا يبرر عمل الخليفة مااحتج به ابن حجر فيما مر عن فتح الباري ص 160 من انه رأى مصلحة الجماعة في ادراكهم الصلاة.. الخ.لان هذه المصلحة المزعومة كانت مرموقة على العهد النبوي لكنه صلى الله عليه وآله لم يرعها لما رآه من مصلحة التشريع الاقوى ، فهذا الرأي تجاه ما ثبت من السنة نظير الاجتهاد في مقابلة النص ، ولوسوغنا تغيير الاحكام ، وما قرره الشرع الاقدس بآراء الرجال ، فلا تبقى قائمة للاسلام ، فلا فرق بينه وبين ما ارتآه مروان في كونهما بدعة مستحدثة ، وإن ضم إليه شنعة أخرى من سب من لا يحل سبه.
هذا مجمل القول في أحدوثة الخليفة ، وأما من عداه من آل أمية ، فكانوا يسبون ويلعنون مولانا أميرالمؤمنين عليا صلوات الله عليه في خطبهم على صهوات المنابر ، فلا تجلس لهم الناس وينثالون عنهم ، فقدموا الخطبة ليضطر الناس إلى الاستماع له بالرغم من عدم استباحتهم ذلك القول الشائن ، لما وعوه من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله الصحيح المأثور من طريق ابن عباس وأم سلمة من قوله : من سب عليا فقد سبني ، ومن
* (هامش ) * (1 ) وذكره غير واحد من مؤلفي القوم.
- سبني فقد سب الله تعالى : ( 1 )
أخرج أئمة الصحاح من طريق أبي سعيد الخدري قال : أخرج مروان المنبر يوم العيد ، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة ، فقام رجل فقال : يامروان خالفت السنة ، أخرجت المنبر يوم عيد ، ولم يكن يخرج به ، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة ، ولم يكن يبدأبها.فقال مروان : ذاك شئ قد ترك.فقال أبوسعيد : أما هذا فقد قضى ماعليه سمعت رسول الله يقول : من رأى منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده ، فان لم يستطع فبلسانه ، فان لم يستطع بلسانه فبقلبه ، وذلك أضعف الايمان.
وفي لفظ الشافعي في كتاب الام من طريق عياض بن عبدالله قال : إن أبا سعيد الخدري قال : أرسل إلي مروان وإلى رجل قد سماه ، فمشي بنا حتى أتى المصلى ، فذهب ليصعد فجبذته ( 2) إلي فقال : ياأبا سعيد ؟ ترك الذي تعلم.قال أبوسعيد : فهتفت ثلاث مرات ، فقلت : والله لا تأتون إلا شرا منه.
وفى لفظ البخاري في صحيحه : خرجت مع مروان وهوأمير المدينة في أضحى أو فطر ، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت ، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي ، فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة ، فقلت له : غيرتم والله فقال : أبا سعيد قد ذهب ما تعلم.فقلت ما أعلم والله خير مما لاأعلم ، فقال : إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة ( 3 )
وفي لفظ قال أبوسعيد : قلت : أين الابتداء بالصلاة ؟ فقال : لا ياأباسعيد قد ترك ما تعلم ، قلت ، كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم.ثلاث مرات.
قال ابن حزم في المحلي 5 : 86 : أحدث بنو امية تقديم الخطبة قبل الصلاة واعتلوا بأن الناس كانوا إذا صلوا تركوهم ، ولم يشهدوا الخطبة ، وذلك لانهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فكان المسلمون يفرون وحق لهم ، فكيف
* (هامش ) * (1 ) المستدرك 3 : 121 ، وستوافيك طرقه ومصادره.( 2 ) جبذ : جذب.
( 3 ) راجع صحيح البخاري 2 : 111 ، صحيح مسلم 1 : 242 ، سنن أبى داود 1 : 178 ، سنن ابن ماجة 1 : 386 ، سنن البيهقي 3 : 297 ، مسند أحمد 3 : 10 ، 20 ، 52 ، 54 ، 92 ، بدايع الصنايع 1 : 276.
وليس الجلوس واجبا ؟.
وقال ملك العلماء في بدايع الصنايع 1 : 276 : وإنما أحدث بنو امية الخطبة قبل الصلاة لانهم كانوا يتكلمون في خطبتهم بمالايحل ، وكان الناس لايجلسون بعد الصلاة لسماعها فأحدثوها قبل الصلاة ليسمعها الناس.وبمثل هذا قال السرخسي في المبسوط 2 : 37.
وقال السندي في شرح سنن ابن ماجة 1 : 386 : قيل : سبب ذلك انهم كانوا يسبون في الخطبة من لا يحل سبه ، فتفرق الناس عند الخطبة إذاكانت متأخرة لئلا يسمعوا ذلك فقدم الخطبة ليسمعها.
وقال الشوكاني في نيل الاوطار 3 : 363 : قد ثبت في صحيح مسلم من رواية طارق بن شهاب عن أبي سعيد قال : أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان وقيل : أول من فعل ذلك معاوية ، حكاه القاضي عياض.وأخرجه الشافعي ( 1 ) عن ابن عباس بلفظ : حتى قدم معاوية فقدم الخطبة.ورواه عبدالرزاق عن الزهري بلفظ : أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية.وقيل : أول من فعل ذلك زياد بالبصرة في خلافة معاوية ، حكاه القاضي أيضا.وروى ابن المنذر عن ابن سيرين : إن أول من فعل ذلك زياد بالبصرة.قال : ولا مخالفة بين هذين الاثرين ، وأثر مروان ، لان كلا من مروان وزياد كان عاملا لمعاوية فيحمل على انه ابتدأ ذلك ، وتبعه عماله.اه‍.
لاشك ان كلا من هؤلاء الثلاثة جاء ببدعة وتردى بالفضيحة ، لكن كل التبعة على من جرأهم على تغيير السنة فعلوا على أساسه ، ولعبوا بسنن المصطفى حتى الصلاة.أخرج الشافعي في كتاب الام 1 : 208 من طريق وهب بن كبسان قال : رأيت ابن الزبير يبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، ثم قال : كل سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غيرت حتى الصلاة.
فإن كان ما ينقم على الخليفة من هذا الوجه أمرا واحدا فهو في بقية الامويين
* (هامش ) * (1 ) أخرجه في كتاب الام 1 : 208 من طريق عبدالله بن يزيد الخطمي ، ولعل حديث ابن عباس مذكور في غير هذا الموضع.
أمران : مخالفة السنة.والابتداع بسب أميرالمؤمنين.فهم مورد مثل السائر : أحشفا وسوء كيلة.أنا لا أعجب من هؤلاء الثلاثة إن جاء‌وا بالبدع ، فان بقية أعمالهم تلائم هاتيك الخطة ، فان الخلاعة والتهتك مزيج نفسياتهم ، والمعاصي المقترفة ملا أرديتهم فلاعجب منهم إن غيروا السنة كلها ، ولا أعجب من مروان إن قال لابي سعيد بكل ابتهاج : ترك الذي نعلم.أو قال : قد ذهب ماتلعم ، ولا عجب إن بدلوا الخطبة المجعولة للموعظة وتهذيب النفوس ، الخطبة التي قالوافيها : وجبت لتعليم مايجب إقامته يوم العيد والوعظ والتكبير كما في البدايع 1 : 276 بدلوها بما هو محظور شرعا أشد الحظر من الوقيعة في أمير المؤمنين ، وأول المسلمين ، وحامية الدين ، الامام المعصوم ، المطهر بنص الكتاب العزيز ، نفس النبي الاقدس بصريح القرآن ، وعدل الثقل الاكبر في حديث الثقلين ، صلوات الله عليه ، ولعلك لا تعجب من الخليفة أيضا تغييره سنة الله و سنة رسوله بعد أن درست تاريخ حياته ، وسيرته المعربة عن نفسياته ، وهو وهم من شجرة واحدة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار.
لكن العجب كله ممن يرى هولاء وأمثالهم من سماسرة الشهوات والميول عدولا بما أنهم من الصحابة ، والصحابة كلهم عدول عندهم ، وأعجب من هذا أن يحتج في غير واحد من أبواب الفقه بقول هؤلاء وعملهم.نعم : وافق شن طبقه.
- رأي الخليفة في القصاص والدية :
أخرج البيهقي في السنن الكبرى 8 : 33 من طريق الزهري : ان ابن شاس الجذامي قتل رجلا من أنباط الشام ، فرفع إلى عثمان رضي الله عنه فأمر بقتله ، فكلمه الزبير رضي الله عنه وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم ، فنهوه عن قتله ، قال : فجعل ديتة ألف دينار.وذكره الشافعي في كتاب الام 7 : 293.
وأخرج البيهقي من طريق الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر رضي الله عنه : إن رجلا مسلما قتل رجلا من أهل الذمة عمدا ، ورفع إلى عثمان رضي الله عنه فلم يقتله وغلظ عليه الدية مثل دية المسلم.
وقال أبوعاصم الضحاك في الديات ص 76 : وممن يرى قتل المسلم بالكافر عمر ابن عبدالعزيز ، وابراهيم ، وأبان بن عثمان بن عفان ، وعبدالله ، رواه الحكم عنهم ، و ممن أوجب دية الذمي مثل دية المسلم عثمان بن عفان.
قال الاميني : إن عجبي مقسم بين إرادة الخليفة قتل المسلم بالكافر ، وبين جعل عقل الكافر مثل دية المسلم ، فلا هذا مدعوم بحجة ، ولا ذلك مشفوع بسنة ، وأي خليفة هذا يزحزحه مثل الزبير المعروف سيرته والمكشوف سريرته عن رأيه في الدماء وينهاه عن فتياه ؟ غير انه يفتي بما هو لدة رأيه الاول في البعد عن السنة ، ويسكت عنه الزبير وأناس نهوا الخليفة عما ارتآه أولا واكتفوا بحقن دم المسلم وماراقهم مخالفة الخليفة مرة ثانية ، وهذه النصوص النبوية صريحة في ان المسلم لا يقتل بالكافر ، و ان عقل الكتابي الذمي نصف عقل المسلم ، وإليك لفظ تلكم النصوص في المسألتين أما الاولى منهما فقد جاء :
1- عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي بن أبي طالب : هل عندكم شئ من العلم ليس عند الناس ؟ قال : لا والله ماعندنا إلا ماعند الناس إلا أن يرزق الله رجلا فهما من القرآن أو ما في هذه الصحيفة ، فيها الديات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن لا يقتل مسلم بكافر.
وفي لفظ الشافعي : لا يقتل مؤمن بكافر.فقال : لا يقتل مؤمن عبد ولا حر ولا امرأة بكافر في حال أبدا ، وكل من وصف الايمان من أعجمي وأبكم يعقل ويشير بالايمان ويصلي فقتل كافرا فلا قود عليه ، وعليه ديته في ماله حالة ، وسواء أكثر القتل في الكفار أو لم يكثر ، وسواء قتل كافرا على مال يأخذه منه أو على غير مال ، لا يحل والله أعلم قتل مؤمن بكافر بحال في قطع طريق ولا غيره.
راجع صحيح البخاري 10 : 78 ، سنن الدارمي 2 : 190 ، سنن ابن ماجة 2 : 145 ، سنن النسائي 8 : 23 ، سنن البيهقي 8 : 28 ، صحيح الترمذي 1 : 169 ، مسند أحمد 1 : 79 ، كتاب الام للشافعي 6 : 33 ، 92 ، أحكام القرآن للجصاص 1 : 165 ، الاعتبار لابن حزم ص 190 ، تفسير ابن كثير 1 : 210 فقال ذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر لما ثبت في البخاري عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقتل مسلم بكافر.ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا ، وأما أبوحنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة.
قال الاميني : يعني من آية المائدة قوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص الآية : 45.
وقد خفي على المجتهد في تجاه النصوص الصحيحة الثابته أن عموم الآية لا يأباها عن التخصيص ، وقد خصصها هو نفسه بمخصصات ، أجاب عن هذا الاستدلال الواهي كثير من الفقهاء وفي مقدمهم الامام الشافعي قال في كتاب الام 7 : 295 في مناطرة وقعت بينه وبين بعض أصحاب أبي حنيفة : قلنا : فلسنا نريد أن نحتج عليك بأكثر من قولك ان هذه الآية عامة ، فزعمت أن فيها خمسة أحكام مفردة وحكما سادسا جامعا فخالفت جميع الاربعة الاحكام التي بعد الحكم الاول و الحكم الخامس والسادس جماعتها في موضعين : في الحر يقتل العبد.والرجل يقتل المرأة.فزعمت أن عينه ليس بعينها ولاعين العبد ، ولاأنفه بأنفها ولا أنف العبد ، ولا أذنه بأذنها ولاأذن العبد ، ولاسنه بسنها ولا سن العبد ، ولا جروحه كلها بجروحها ولا جروح العبد ، وقد بدأت أولا بالذي زعمت أنك أخذت به فخالفته في بعض ووافقته في بعض ، فزعمت أن الرجل يقتل عبده فلا تقتله به ، ويقتل إبنه فلا تقتله به ، ويقتل المستأمن فلا تقتله به ، وكل هذه نفوس محرمة.
قال " يعني المدافع عن أبي حنيفة " : اتبعت في هذا أثرا.قلنا : فتخالف الاثر الكتاب ؟
قال : لا قلنا : فالكتاب إذا على غير ماتأولت ؟ فلم فرقت بين أحكام الله عزوجل على ماتأولت ؟
قال بعض من حضره : دع هذا فهو يلزمه كله.
قال : والآية الاخرى : قال الله عزوجل : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل ( 1 ) دلالة على أن من قتل مظلوما فلوليه أن يقتل قاتله.
قيل له : فيعاد عليك ذلك الكلام بعينه في الابن يقتله أبوه ، والعبد يقتله سيده ، و المستأمن يقتله المسلم.
قال : فلي من كل هذه مخرج.قلت : فاذكر مخرجك.قال : إن الله تبارك و تعا لى لما جعل الدم إلى الولي كان الاب وليا فلم يكن له أن يقتل نفسه.قلنا : أفرأيت إن كان له إبن بالغ أتخرج الاب من الولاية وتجعل للابن أن يقتله ؟
قال : لاأفعل.
* (هامش ) * (1 ) سورة الاسراء ، آية : 33
قلت : فلا تخرجه بالقتل من الولاية ؟ قال : لا.قلت : فما تقول في ابن عم لرجل قتله وهو وليه ووارثه لو لم يقتله وكان له ابن عم هو أبعدمنه ؟ أفتجعل للابعد أن يقتل الاقرب ؟
قال : نعم قلنا : ومن أين وهذاوليه وهو قاتل ؟
قال : القاتل يخرج بالقتل من الولاية.قلنا : والقاتل يخرج بالقتل من الولاية ؟
قال نعم.قلنا : فلم لم تخرج الاب من الولاية وأنت تخرجه من الميراث ؟
قال : اتبعت في الاب الاثر.قلنا : فالاثر يدلك على خلاف ماقلت ،
قال : فاتبعت فيه الاجماع.قلنا : فالاجماع يدلك على خلاف ماتأولت فيه القرآن ، فالعبد يكون له ابن حر فيقتله مولاه أيخرج القاتل من الولاية ويكون لابنه أن يقتل مولاه ؟
قال : لا ، بالاجماع.قلت : فالمستأمن يكون معه إبنه أيكون له أن يقتل المسلم الذي قتله ؟
قال : لا ، بالاجماع.قلت : أفيكون الاجماع على خلاف الكتاب ؟
قال : لا.قلنا : فالاجماع إذا يدلك على انك قد أخطأت في تأويل كتاب الله عزوجل ، وقلناله : لم يجمع معك أحد على أن لا يقتل الرجل بعبده إلا من مذهبه أن لايقتل الحر بالعبد ولا يقتل المؤمن بالكافر ، فكيف جعلت إجماعهم حجة ، وقد زعمت أنهم أخطؤافي أصل ما ذهبو إليه.والله أعلم.
2- عن قيس بن عباد قال : إنطلقت أناوالاشتر إلى علي فقلنا : هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس عامة ؟
قال : لا إلا مافي كتابي هذا.فأخرج كتابا فاذا فيه: لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده.
أخرجه أبوعاصم في الديات ص 27 ، وأحمد في المسند 1 : 119 ، 122 ، و أبوداود في سننه 2 : 249 ، والنسائي في سننه 8 : 24 ، البيهقي في السنن الكبرى 8 : 29 ، 194 ، والجصاص في أحكام القرآن 1 : 65 ، وابن حازم في الاعتبار ص 189 ، وذكره الشوكاني في نيل الاوطار 7 : 152 وقال :
هو دليل على أن المسلم لايقاد بالكافر ، أما الكافر الحربي فذلك إجماع كما حكاه البحر وأما الذمي فذهب اليه الجمهور لصدق اسم الكافر عليه ، وذهب الشعبي والنخعي وأبوحنيفة وأصحابه إلى انه يقتل المسلم بالذمي.ثم بسط القول في أدلتهم وذيفها بأحسن بيان.فراجع.
3- عن عائشة قالت : وجد في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابان وفي أحدهما :
لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده.
أخرجه أبوعاصم في الديات ص 27 ، والبيهقي في سننه الكبرى 8 : 30.
4- عن معقل بن يسار مرفوعا : لايقتل مؤمن بكافر ، ولا ذوعهد في عهده ، و المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم.
أخرجه البيهقي في سننه الكبرى 8 : 30.
5- عن ابن عباس مرفوعا : لايقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده.
أخرجه ابن ماجة في سننه 2 : 145.
6- عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمر بن العاصي مرفوعا : لا يقتل مسلم بكافر.
وفي لفظ أحمد : لايقتل مؤمن بكافر ولا ذوعهد في عهده.
أخرجه أبوعاصم الضحاك في الديات ص 51 ، وأبوداود في سننه 2 : 249 ، وأحمد في مسنده 2 ، 211 ، والترمذي في سننه 1 : 169 ، وابن ماجة في سننه 2 : 145 ، والجصاص في أحكام القرآن 1 : 169 بلفظ أحمد ، وذكره الشوكاني في نيل الاوطار 7 : 150 فقال : رجاله رجال الصحيح.وقال في 151 : هذافي غاية الصحة فلا يصح عن أحد من الصحابة شئ غيرهذا إلا مارويناه عن عمر انه كتب في مثل ذلك أن يقاد به ثم ألحقه كتابا فقال : لا تقتلوه ولكن اعتقلوه ( 1 ).
7- عن عمران بن الحصين مرفوعا : لايقتل مؤمن بكافر.
قال الشافعي في كتاب الام 6 : 33 : سمعت عددا من أهل المغازي ، وبلغني عن عدد منهم أنه كان في خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح : لا يقتل مؤمن بكافر.وبلغني عن عمران بن الحصين رضي الله تعالى عنه انه روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن أبي حسين عن مجاهد وعطاء وأحسب طاووسا والحسن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة عام الفتح : لا يقتل مؤمن بكافر.
وأخرجه البيهقي في السنن 8 : 29 فقال : قال الشافعي رحمه الله صلى الله عليه وسلم : وهذا
* (هامش ) * (1 ) اسلفنا في ج 6 : 121 ، 122 مايعرب عن عدم وقوف الخليفة على حكم المسألة.
عام عند أهل المغازي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم به في خطبته يوم الفتح وهو يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا من حديث عمربن شعيب وحديث عمران بن الحصين.
وذكره الشوكاني في نيل الاوطار 7 : 153 فقال : ان السبب في خطبته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بقوله : لايقتل مسلم بكافر.ماذكره الشافعي في " الام " حيث قال : وخطبته يوم الفتح كانت بسبب القتيل الذي قتلته خزاعة وكان له عهد فخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
لوقتلت مسلما بكافر لقتلته به.وقال : لا يقتل مؤمن بكافر.الخ.
8- عن عبدالله بن عمرمرفوعا : لايقتل مؤمن بكافر ، ولا ذوعهده في عهده.
أخرجه الجصاص في أحكام القرآن 1 : 165.
- أما الثانية ففيها :
عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى ( 1 )
وفي لفظ أبي داود : كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ثمانمائة دينار ، ثمانية آلاف درهم ، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين ، قال : فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال : إن الابل قد غلت.ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار.الحديث سنن أبي داود 2 : 251.
وفي لفظ آخر لابي داود : دية المعاهد نصف دية الحر.2 : 257.
وفي لفظ أبي عاصم الضحاك في الديات ص 51 : دية الكافر على النصف من دية المسلم ، ولا يقتل مسلم بكافر.
قال الخطابي في شرح سنن ابن ماجة في ذيل الحديث 2 : 142 : ليس في دية أهل الكتاب شئ أثبت من هذا ، وإليه ذهب مالك وأحمد ،
وقال أصحاب أبي حنيفة : ديته كدية المسلم.وقال الشافعي : ثلث دية المسلم.والوجه الاخذ بالحديث ولا بأس باسناده.
وأخرج النسائي في سننه 8 : 45 من طريق عبدالله بن عمر مرفوعا : عقل الكافر نصف عقل المؤمن.وأخرجه الترمذي في سننه 1 : 169.
* (هامش ) * (1 ) سنن ابن ماجة 2 : 142 ، سنن النسائي 8 : 45.
هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإليها ذهب الجمهور ، وعليها جرت الفقهاء من المذاهب ، غيران لابي حنيفة شذوذا عنها في المسألتين أخذا بما يعرب عن قصوره عن فهم السنة ، وعرفان الحديث ، وفقه الكتاب ، وقدذكر غير واحد من أعلام المذاهب أدلته في المقامين وزيفها ، وبسط القول في بطلانها ، وحسبك في المقام كلمة الامام الشافعي في كتاب الام 7 : 291 فانه فصل القول فيها تفصيلا وجاء بفوائد جمة.فراجع وعمدة ما ركن إليه أبوحنيفة في المسألة الاولى تجاه تلكم الصحاح مرسلة عبدالرحمن بن البيلماني ، وقد ضعفها الدارقني وابن حازم في الاعتبار ص 189 وغيرهما ، وذكر البيهقي في سننه 8 : 30 : باب بيان ضعف الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر.و ذكر لها طرقا وزيفها بأسرها.
- رأي الخليفة في القراء‌ة :
قال ملك العلماء في بدايع الصنايع 1 : 111 : إن عمر رضي الله عنه ترك القراء‌ة في المغرب في إحدى الاوليين فقضا هافي الركعة الاخيرة وجهر ، وعثمان رضي الله عنه ترك القراء‌ة في الاوليين من صلاة العشاء فقضاها في الاخريين وجهر.
وقال في صفحة 172 : روي عن عمر رضي الله عنه : انه ترك القراء‌ة في ركعة من صلاة المغرب فقضاها في الركعة الثالثة وجهر.وروي عن عثمان رضي الله عنه : انه ترك السورة في الاوليين فقضاها في الاخريين وجهر.
قال الاميني : إن ما ارتكبه الخليفتان مخالف للسنة من ناحيتين ، الاولى :
الاجتزاء بركعة لاقراء‌ة فيها.والثانية : تكرير الحمد في الاخيرة أو الاخريين بقضاء الفائتة
مع صاحبة الركعة ، وكلاهما خارجان عن السنة الثابتة لا يتجزأ بالصلاة التي يكونان
فيها ، أما الناحية الاولى فاليك نبذة مماورد فيها :
1- عن عبادة بن الصامت مرفوعا : لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدا.
وفي لفظ : لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب إمام أوغيرإمام.
وفي لفظ الدارمي : من لم يقرأ بأم الكتاب فلا صلاة له.
راجع صحيح البخاري 1 : 302 ، صحيح مسلم 1 : 155 ، صحيح أبي داود 1 : 131 ، سنن الترمذي 1 : 34 ، 41 ، سنن النسائي 2 : 137 ، 138 ، سنن الدارمي 1 : 283 ، سنن ابن ماجة 1 : 276 ، سنن البيهقي 2 : 38 ، 61 ، 164 ، مسند أحمد 5 : 314 ، 321 ، كتاب الام 1 : 93 ، المحلى لابن حزم 3 : 236 ، المصابيح للبغوي 1 : 57 وصححه ، المدونة الكبرى 1 : 70.
1- عن أبي هريرة مرفوعا : لا صلاة لمن لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ، فهي خداج ، فهي خداج ، غير تمام.
وفي لفظ : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ، فهي خداج " ثلاثا " غير تمام.
وفي لفظ الشافعي : كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج.الحديث.
وفي لفظ أحمد : أيما صلاة لايقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ، ثم هي خداج ، ثم هي خداج.
راجع مسند أحمد 2 : 241 ، 285 ، كتاب الام للشافعي 1 : 93 ، موطأ مالك 1 : 81 ، المدونة الكبرى 1 : 70 ، صحيح مسلم 1 : 155 ، 156 ، سنن أبي داود 1 : 130 ، سنن ابن ماجة
1 : 277 ، سنن الترمذي 1 : 42 ، سنن النسائي 2 : 135 ، سنن البيهقي 2 : 38 ، 39 ، 40 ، 159 ، 167 ، مصابيح السنة 1 : 57.
3- عن أبي هريرة قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يخرج فينادي : لا صلاة إلا بقراء‌ة فاتحة الكتاب فمازاد.
أخرجه أحمد في المسند 2 : 428 ، الترمذي في صحيحه 1 : 42 ، أبوداود في سننه 1 : 130 ، البيهقي في سننه 2 : 37 ، 59 ، والحاحم في المستدرك 1 : 239 وقال : صحيح لاغبار عليه.
4- عن عائشة مرفوعا : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج.
أخرجه أحمد في مسنده 6 : 146 ، 275 ، وابن ماجة في سننه 1 : 277.ويوجد في كنز العمال 4 : 95 ، 96 من طريق عائشة ، وابن عمر ، وعلي ، وأبي أمامة نقلا عن أحمد ، وابن ماجة ، والبيهقي ، والخطيب ، وابن حبان ، وابن عساكر ، وابن عدي.
5- عن أبي سعيد الخدري مرفوعا : لاصلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة الحمد وسورة في فريضة أوغيرها.صحيح الترمذي 1 : 32 ، سنن ابن ماجة 1 : 277 ، كنز العمال 5 : 95.
6- عن أبي سعيد قال أمرنارسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وبما تيسر.
سنن البيهقي 2 : 60 ، سنن أبي داود 1 : 130 ، تيسير الوصول 2 : 223.
7- عن أبي قتادة قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الاوليين من الظهر
والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ، وفي الاخريين بفاتحة الكتاب.
وفي لفظ مسلم وأبي داود : كان يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتبن الاوليين بفاتحة الكتاب وسورتين.الحديث.
راجع صحيح البخاري 2 : 55 ، صحيح مسلم 1 : 177 ، سنن الدارمي 1 : 296 ، سنن أبي داود 1 : 128 ، سنن النسائي 2 : 165 ، 166 ، سنن ابن ماجة 1 : 275 ، سنن البيهقي 2 : 59 ، 63 ، 66 ، 193 ، مصابيح السنة 1 : 57 وصححه.
8- عن سمرة بن جندب قال : حفظت سكتتين في الصلاة.
وفي لفظ : حفظت سكتتين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : سكتة إذا كبر الامام حتى يقرأ ، وسكتة إذافرغ من فاتحة الكتاب وسورة عندالركوع.
سنن أبي داود 1 : 124 ، صحيح الترمذي 1 : 34 ، سنن الدارمي 1 : 283 ، سنن ابن ماجة 1 : 278 ، سنن البيهقي 2 : 196 ، مستدرك الحاكم 1 : 215 ، مصابيح السنة 1 : 56 ، تيسير الوصول 2 : 229.
9- عن رفاعة بن رافع قال : جاء رجل يصلي في المسجد قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أعد صلاتك فانك لم تصل . فعاد فصلى كنحو مما صلى فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أعد صلاتك فانك لم تصل.
فقال : علمني يا رسول الله كيف اصلي ؟ قال : إذا توجهت إلى القبلة فكبر ثم اقرأ بأم القرآن وماشاء الله أن تقرأ ، فاذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك ومكن ركوعك وامداد ظهرك فاذا
رفعت فأقم صلبك ، وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها ، فاذاسجدت فمكن سجودك فإذا رفعت فاجلس على فخذك اليسرى ، ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة حتى تطمئن.وفي لفظ أحمد : فاذا أتممت صلاتك على هذا فقد أتممتها ، وما انتقصت من هذا من شئ فانما تنقصه من صلاتك.
سنن أبي داود 1 : 137 ، سنن البيهقي 2 : 345 ، مسند أحمد 4 : 340 ، كتاب الام للشافعي 1 : 88 ، مستدرك الحاكم 1 : 241 ، 242 ، المحلى لابن حزم 3 : 256.
وأخرج البخاري مثله من طريق أبي هريرة في صحيحه 1 : 314 ، وكذلك مسلم في صحيحه
1 : 117 ، وذكرره البيهقي في سننه 2 : 37 ، 62 ، 122 نقلا عن الشيخين.
10- عن وائل بن حجر قال : شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وأتي باناء " إلى أن قال " :
فدخل في المحراب فصف الناس خلفه وعن يمينه وعن يساره ثم رفع يديه حتى حاذتا شمحة اذنيه ثم وضع يمينه على يساره وعند صدره ثم افتتح القراء‌ة فجهر بالحمد ثم فرغ من سورة الحمد فقال : آمين.حتى سمع من خلفه ثم قرأسورة أخرى ثم رفع يديه بالتكبير حتى حاذتا بشمحة أذنيه ، ثم ركع فجعل يديه على ركبته " إلى أن قال " : ثم صلى أربع ركعات يفعل فيهن مافعل في هذه.مجمع الزوائد 2 : 134.
11- عن عبدالرحمن بن أبزي قال : ألا أريكم صلاة رسول الله ؟ فقلنا : بلى :
فقام فكبر ثم قرأ ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه حتى أخذ كل عضو مأخذه ثم رفع حتى أخذ كل عضو مأخذه ، ثم سجد حتى أخذكل عضو مأخذه ، ثم رفع حتى أخذ كل وعضو مأخذه ، ثم سجد حتى أخذ كل عضو مأخذه ، ثم رفع فصنع في الركعة الثانية كما صنع في الركعة الاولى.ثم قال: هكذا صلاة رسول الله.
أخرجه أحمد في المسند 3 : 407 ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 130
فقال : رجاله ثقات.
12- عن عبدالرحمن بن غنم قال : إن أباملك الاشعري قال لقومه : قوموا حتى أصلي بكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فصففنا خلفه وكبر ثم قرأ بفاتحة الكتاب فسمع من يليه ثم كبر فركع ثم رفع رأسه فكبر ، فصنع ذلك في صلاته كلها.
- صورة مفصلة بلفظ أحمد :
إن أبا ملك الاشعري جمع قومه فقال : يا معشر الاشعريين اجتمعوا واجمعوا نساء‌كم وأبناء‌كم اعلمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم صلى لنا بالمدينة.فاجتمعوا وجمعوا نساء‌هم وأبناء‌هم فتوضأ وأراهم كيف يتوضأ فأحصى الوضوء‌إلى أماكنه حتى لما ان فاء الفئ وانكسر الظل قام فأذن وصف الرجال في أدنى الصف ، وصف الولدان خلفهم ، وصف النساء خلف الولدان ، ثم أقام الصلاة فتقدم فرفع يديه وكبر فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة يسر بهما ثم كبر فركع فقال : سبحان الله وبحمده.ثلاث مرات
ثم قال : سمع الله لمن حمده ، واستوى قائما ، ثم كبر وخر ساجدا ، ثم كبر فرفع رأسه ، ثم كبر فسجد ، ثم كبر فانتهض قائما ، فكان تكبيره في أول ركعة ست تكبيرات وكبر حين قام إلى الركعة الثانية ، فلما قضى صلاته أقبل على قومه بوجهه فقال : احفظوا تكبيري وتعلموا ركوعي وسجودي فانها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان يصلي لنا كذي الساعة من النهار.
أخرجه أحمد في المسند 5 : 343 ، وعبدالرزاق والعقيلي كما في كنز العمال 4 : 221 ، وذكره الهيثمي في المجمع 2 : 130.
13- أخرج أبوحنيفة وأبومعاوية وابن فضيل وأبوسفيان عن أبي نضرة عن سعيد عن النبي عليه السلام قال : لا تجزي صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في الفريضة وغيرها.أحكام القرآن للجصاص 1 : 23.
14- عن أنس بن مالك : كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبوبكر وعمر يستفتحون القراء‌ة بالحمد لله رب العالمين.كتاب الام للشافعي 1 : 93.
15- عن علي بن أبي طالب قال : من السنة أن يقرأ الامام في الركعتين الاوليين من صلاة الظهر بأم الكتاب وسورة سرا في نفسه ، وينصت من خلفه ويقرأون في أنفسهم ويقرأ في الركعتين الاخريين بفاتحة الكتاب في كل ركعة ويستغفر الله ويذكره ويفعل في العصر مثل ذلك.
بهذااللفظ حكاه السيوطي عن البيهقي كما في كنز العمال 4 : 251 وفي السنن الكبرى للبيهقي
2 : 168 لفظه : إنه كان يأمر أو يحث أن يقرأ خلف الامام في الظهر والعصر في الركعتين الاوليين بفاتحة الكتاب وسورة ، وفي الركعتين الاخريين بفاتحة الكتاب.وقريبا من هذا اللفظ أخرجه الحاكم في المستدرك 1 : 239.
16- عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراء‌ة بالحمد لله رب العالمين.
- الغدير 13 :
راجع صحيح مسلم 1 : 142 ، سنن أبي داود 2 : 125 ، سنن ابن ماجة 1 : 271 ، سنن البيهقي 2 : 113.
17- عن أبي هريرة قال : في كل الصلاة يقرأ ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعنا كم ، وما أخفى علينا أخفينا عليكم.وفي لفظ : في كل صلاة قراء‌ة.
مسند أحمد 2 : 348 ، صحيح مسلم 1 : 116 ، سنن أبي داود 1 : 127 ، سنن النسائي
2 : 163 ، سنن البيهقي 2 : 40 عن مسلم ، وفي ص 61 عن البخاري ، تيسير الوصول
2 : 228.
18- عن أبي هريرة قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح القراء‌ة بالحمد لله رب العالمين.أخرجه ابن ماجة في سننه 1 : 271.
وأخرجه الدارمي من طريق أنس بن مالك مع زيادة في سننه 1 : 83 ، والنسائي في سننه
2 : 133 ، والشافعي في كتاب الام 1 : 93.
19- عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمرو بن العاصي مرفوعا : كل صلاة لايقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ، فهي خداج ، فهي خداج.وفي لفظ أحمد : فهي خداح ، ثم هي خداج ، ثم هي خداج.
أخرجه أحمد في المسند 2 : 204 ، 215 ، وابن ماجة في سننه 1 : 278.
20- أخرج أبوداود في سننه 1 : 119 من طريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه كان إذا قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حذومنكبيه ، و يصنع ذلك إذا قضى قراء‌ته وإذا أراد أن يركع.
21- كان أبوحميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو قتادة فقال أبوحميد : أنا اعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يقرأ حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلا ثم يقرأ ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع " ثم ذكر كيفية الركوع والسجدتين " فقال : ثم يصنع في الركعة الاخرى مثل ذلك.
سنن أبي داود 1 : 116 ، سنن الدارمي 1 : 313 ، سنن ابن ماجة 1 : 283 و ذكر شطرا منه ، سنن البيهقي 2 : 72 ، مصابيح السنة 1 : 54.
22- عن جابر بن عبدالله قال : يقرأ في الاوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الاخريين بفاتحة الكتاب.قال : وكنا نحدث انه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما فوق ذاك.
وفي لفظ الطبراني : سنة القراء‌ة في الصلاة أن يقرأ في الاوليين بأم القراآن وسورة ، وفي الاخريين بأم القرآن.
سنن البيهقي 2 : 63 فقال : وروينا مادل على هذا عن علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود وعائشة.وأخرجه ابن أبي شيبة كما في كنز العمال 4 : 209 ، 250 ، ورواه الطبراني باللفظ المذكور كما في مجمع الزوائد 2 : 115.
23- عن جابر بن عبدالله : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بام القرآن فلم يصل إلا وراء‌إمام.
صحيح الترمذي 1 : 42 ، وصححه ، موطأ مالك 1 : 80 ، المدونة الكبرى لمالك 1 : 70 ، سنن البيهقي 2 : 160 ، تيسير الوصول 2 : 223.
24- عن عبدالله بن عمر مرفوعا : من صلى مكتوبة أو سبحة فليقرأ بأم القرآن وقرآن معها ، ومن صلى صلاة لم يقرأ فيها فهي خداج.ثلاثا.
أخرجه عبدالرزاق كمافي كنز العمال 4 : 96 وحسنه.
25- عن أبي هريرة مرفوعا : لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
وفي لفظ الدار قطني وصححه : لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها فاتحة الكتاب.
وفي لفظ أحمد : لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب.
كنزالعمال 4 : 96 نقلا عن جمع من الحفاظ.
26- عن أبي الدرداء : إقرأ في الركعتين الاوليين من الظهر والعصر والعشاء الآخرة في كل ركعة بأم القرآن وسورة ، وفي الركعة الآخرة من المغرب بأم القرآن كنز العمال 4 : 207.
27- عن حسين بن عرفطة مرفوعا : إذا قمت في الصلاة فقل : بسم الله الرحمن الرحيم ، ألحمد لله رب العالمين.حتى تختمها ، قل هوالله أحد إلى آخرها.أخرجه الدار قطني كما في كنز العمال 4 : 96.
28- عن ابن عباس : لا تصلين صلاة حتى تقرأ بفاتحة الكتاب وسورة ، ولا تدع أن تقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة.أخرجه عبدالرزاق في الكنز 4 : 208.
29- عن ابن سيرين قال : إن ابن مسعود كان يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الاوليين بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة ، وفي الاخريين بفاتحة الكتاب.
ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 117 فقال : رجاله ثقات إلا أن ابن سيرين لم يسمع من ابن مسعود.
30- عن زيد بن ثابت قال : القراء‌ة سنة لاتخالف الناس برأيك.أخرجه الطبرانيي في الكبير كما في مجمع الزوائد 2 : 115.
هذه سنة نبي الاسلام في قراء‌ة الفاتحة في كل ركعة من الفرائض والنوافل وعلى هذه فتاوى أئمة المذاهب وإليك نصوصها :
- رأي الشافعي :
قال إمام الشافعية في كتاب " الام " 1 : 93 : سن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القارئ في الصلاة بام القرآن ، ودل على انها فرض على المصلي إذا كان يحسن أن يقرؤها.فذكر عدة من الاحاديث فقال : فواجب على من صلى منفردا أو إماما أن يقرأ بأم القرآن في كل ركعة لايجزيه غيرها ، وإن ترك من أم القرآن حرفاواحدا ناسيا أو تساهيا لم يعتد بتلك الركعة ، من ترك منها حرفا لايقال له قرأ أم القرآن على الكمال وقال في صفحة 89 فيمن لايحسن القراء‌ة : فان لم يحسن سبع آيات وأحسن أقل منهن لم يجزه إلا أن يقرأ بما أحسن كله إذا كان سبع آيات أو أقل ، فإن قرأ بأقل منه أعاد الركعة التي لم يكمل فيها سبع آيات إذا أحسنهن.
قال : ومن أحسن أقل من سبع آيات فأم أو صلى منفردا ردد بعض الآي حتى يقرأ به سبع آيات أو ثمان آيات ، وإن لم أر عليه إعادة ، ولا يجزيه في كل ركعة إلا قراء‌ة ما أحسن مما بينه وبين أن يكمل سبع آيات أو ثمان آيات من أحسنهن.
وقال ( 1 ) : وأقل ما يجزئ من عمل الصلاة أن يحرم ويقرأ بأم القرآن يبتدئها ب‍ " بسم الله الرحمن الرحيم " إن أحسنها ، ويركع حتى يطمأن راكعا ، ويرفع حتى يعتدل قائما ، ويسجد حتى يطمئن ساجدا على الجبهة ، ثم يرفع حتى يعتد جالسا ،
ثم * (هامش ) * (1 ) ذكره المزنى في مختصره هامش كتاب الام 1 : 90 ، 91.
يسجد الاخرى كما وصفت ، ثم يقوم حتى يفعل ذلك في كل ركعة ، ويجلس في الرابعة ويتشهد ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويسلم تسليمه يقول : السلام عليكم ، فاذا فعل ذلك أجزأته صلاته وضيع حظ نفسه فيما ترك ، وإن كان يحسن أم القرآن فيحمد الله و يكبره مكان أم القرآن لا يجزئه غيره ، وإن كان يحسن غير أم القرآن قرأ بقدرها سبع آيات لايجزئه دون ذلك ، فإن ترك من أم القرآن حرفا وهو في الركعة رجع اليه وأتمها ، وإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة وتطاول ذلك أعاد.
وقال في كتاب " الام " 1 : 217 : إن من ترك أم القرآن في ركعة من صلاة الكسوف في القيام الاول أو القيام الثاني لم يعتد بتلك الركعة ، وصلى ركعة أخرى وسجد سجدتي السهو ، كما إذا ترك أم القرآن في ركعة واحدة من صلاة المكتوبة لم يعتد بها.
- رأي مالك :
وقال أمام المالكية كما في المدونة الكبرى 1 : 68 : ليس العمل على قول عمر حين ترك القراء‌ة ( 1 ) فقالوا له : إنك لم تقرأ ؟ فقال : كيف كان الركوع والسجود ؟ قالوا حسن.
قال : فلابأس إذن.وأرى أن يعيد من فعل هذا وإن ذهب الوقت.
وقال في رجل ترك القراء‌ة في ركعتين من الظهر أو العصر أو العشاء الآخرة : لا تجزئه الصلاة و عليه أن يعيد ، ومن ترك القراء‌ة في جل ذلك أعاد ، وإن قرأ في بعضها وترك في بعضها أعاد أيضا ، وإذا قرأ في ركعتين وترك القراء‌ة في ركعتين ، فانه يعيد الصلاة من أي
الصلات كانت.
وقال : من نسي قراء‌ة أم القرآن حتى قرأ سورة فانه يرجع فيقرأ أم القرآن ثم يقرأ سورة أيضا بعد قراء‌ته أم القرآن.وقال : لا يقضي قراء‌ة نسيها من ركعة في ركعة أخرى.وقال فيمن ترك أم القرآن في الركعتين وقد قرأ بغير أم القرآن : يعيد صلاته ، وقال في رجل ترك القراء‌ة في ركعة في الفريضة.يلغي تلك الركعة بسجدتيها ولايعتد بها.
* (هامش ) * (1 ) مر حديثه في الجزء السادس صفحة 100 ط 1 و 108 ط 2.
- رأي الحنابلة :
قال ابن حزم في المحلى 3 : 236 : وقراء‌ة أم القرآن فرض في كل ركعة من كل صلاة إماما كان أو مأموما أو منفردا ، والفرض والتطوع سواء ، والرجال والنساء سواء.ثم ذكر جملة من أدلة المسألة.
وذكر في ص 243 فعل عمر وما يعزى إلى علي وحاشا من ذلك فقال : لا حجة في قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال في ص 250 : من نسي التعوذ أو شيئا من أم القرآن حتى ركع أعاد متى ذكر فيها وسجد للسهو إن كان إماما أو فذا ، فان كان مأموما ألغى ما قد نسي إلى أن ذكر ، وإذا أتم الامام قام يقضي ما كان ألغى ثم سجد للسهو ، ولقد ذكرنا برهان ذلك في من نسي فرضافي صلاته فانه يعيد مالم يصل كما أمر ، ويعيد ما صلى كما أمر.
قال : ومن كان لايحفظ أم القرآن وقرأ ما أمكنه من القرآن إن كان يعلمه ، لاحد في ذلك وأجزأه ، وليسع في تعلم أم القرآن فإن عرف بعضها ولم يعرف البعض قرأ ما عرف منها فأجزأه ، وليسع في تعلم الباقي ، فإن لم يحفظ شيئا من القرآن صلى كما هو يقوم ويذكر الله كما يحسن بلغته ويركع ويسجد حتى يتم صلاته ويجزيه ، وليسع في تعلم أم القرآن.
وقال الشوكاني في نيل الاوطار 2 : 233 : إختلف القائلون بتعيين الفاتحة في كل ركعة هل تصح صلاة من نسيها ؟ فذهبت الشافعية وأحمد بن حنبل إلى عدم الصحة وروى ابن القاسم عن مالك : انه إن نسيها في ركعة من صلى ركعتين فسدت صلاته ، وإن نسيهافي ركعة من صلى ثلاثية أو رباعية فروي عنه إنه يعيدها ولا تجزئه ، وروي عنه : انه يسجد سجدتي السهو ، وروي عنه : انه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام ، ومقتضى الشرطية التي نبهناك على صلاحية الاحاديث للدلالة عليها : ان الناسي يعيد الصلاة كمن صلى بغير وضوء ناسيا.اه‍.
وأما أبوحنيفة إمام الحنفية فان له في مسائل الصلاة آراء ساقطة تشبه أقوال المستهزأ بها وحسبك برهنة صلاة القفال ( 1 ) ، وسنفصل القول في تلكم الآراء الشاذة
* (هامش ) * (1 ) ذكرهاابن خلكان في تاريخه في ترجمة السلطان محمود السبكتكين.
عن الكتاب والسنة ، وقد اجتهد في المسألة تجاه تلكم النصوص قال الجصاص في " أحكام القرآن " 1 : 18 : قال أصحابنا الحنفية جميعا رحمهم الله : يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة من الاوليين ، فإن ترك قراء‌ة فاتحة الكتاب وقرأ غيرها فقد أساء وتجزيه صلاته.اه‍.
قال ابن حجر في فتح الباري : ان الحنفية يقولون بوجوب قراء‌ة الفاتحة لكن بنوا على قاعدتهم انها مع الوجوب ليست شرطا في صحة الصلاة لان وجوبها إنما ثبت بالسنة والذي لاتتم الصلاة إلا به فرض والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن وقد قال تعالى : فاقرأوا ماتيسر منه.فالفرض قراء‌ة ما تيسر ، وتعين الفاتحة إنما يثبت بالحديث فيكون واجبا يأثم من يتركه وتجزئ الصلاة بدونه ، وهذا تأويل على رأي فاسد ، حاصله رد كثير من السنة المطهرة بلا برهان ولا حجة نيرة ، فكم موطن من المواطن يقول فيها الشارع : لا يجزئ كذا ، لايقبل كذا ، لايصح كذا ، و يقول المتمسكون بهذا الرأي يجزئ ، ويقبل ، ويصح ، ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي.اه‍.
وذكره الشوكاني في نيل الاوطار 2 : 230.
ونظرا إلى الاهمية الواردة في قراء‌ة أم الكتاب في الصلوات كلها ، وأخدا بظاهر : لاصلاة الا بفاتحة الكتاب ، ذهب من ذهب من القوم إلى وجوبها على المأموم ايضا مطلقا أو في الصلوات الجهرية ، قال الترمذي في الصحيح 1 : 42 : قداختلف أهل العلم في القراء‌ة خلف الامام ، فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم و التابعين من بعدهم القراء‌ة خلف الامام ، وبه يقول مالك وابن المبارك والشافعي وأحمد واسحاق ، وروي عن عبدالله بن المبارك انه قال : أنا أقرأ خلف الامام والناس يقرأون إلا قوم من الكوفيين ، وأرى أن من لم يقرأ صلاته جائزة ، وشدد قوم من أهل العلم في ترك قراء‌ة فاتحة الكتاب وإن كان خلف الامام فقالوا : لا تجزئ صلاة إلا بقراء‌ة فاتحة الكتاب وحده كان أو خلف الامام.اه‍.
وقد جاء مع ذلك عن عبادة بن الصامت مرفوعا : إني أراكم تقرأون وراء إمامكم فلا تفعلوا إلا بأم القرآن فانه لاصلاة لمن لم يقرأها.
وفي لفظ أبي داود : لا تقرؤا بشئ من القرآن اذا جهرت إلا بأم القرآن.
وفي لفظ النسائي وابن ماجة : لا يقرأن أحد منكم إذاجهرت بالقراء‌ة إلا بأم القرآن.
وفي لفظ الحاكم : إذا قرأالامام فلا تقرأوا إلا بأم القرآن فانه لا صلاة لمن لم يقرأ بها.
وفي لفظ الطبراني : من صلى خلف الامام فليقرأ بفاتحة الكتاب.
وعن أنس بن مالك مرفوعا : أتقرأون في صلاتكم خلف الامام بقرآن والامام يقرأ ؟ فلاتفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه.
وعن أبي قلابة مرسلا : أتقرأون خلفي وأنا أقرأ فلا تفعلوا ذلك ، ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه سرا ( 1 ).
قال ابن حزم في المحلى 3 : 239 : اختلف اصحابنا فقالت طائفة : فرض على المأموم أن يقرأ أم القرآن في كل ركعة أسر الامام أوجهر ، وقالت طائفة : هذا فرض عليه فيماأسر فيه الامام خاصة ولا يقرأ فيما جهر فيه الامام ، ولم يختلفوا في وجوب قراء‌ة ام القرآن فرضا في كل ركعة على الامام والمنفرد.
وأخرج البيهقي أحاديث صحاح تدل على ان القراء‌ة تسقط مع الامام جهر أو لم يجهر.وذكر قول من قال : يقرأ خلف الامام مطلقا ثم قال : هو أصح الاقوال على السنة واحوطها.راجع السنن الكبرى 2 : 159 166.
هذا تمام القول في الناحية الاولى من ناحيتي مخالفة عمل الخليفتين في الصلاة للسنة الشريفة ، ومن ذلك كله ، يعلم حكم الناحية الثانية وان الامة مطبقة على ان تدارك الفائتة من قراء‌ة ركعة في ركعة اخرى لم يرد في السنة النبوية ، وإن رأي الرجلين غير مدعوم بحجة ، لايعمل به ، ولايعول عليه ، ولايستن به قط أحد من رجال الفتوى ، والحق أحق أن يتبع.
* (هامش ) * (1 ) مسند أحمد 2 : 302 ، 308 ، ج 5 : 313 ، 316 ، 322 ، سنن الترمذى 1 : 42 ، المحلى لابن حزم 3 : 236 ، مستدرك الحاكم 1 : 238 ، 239 ، سنن النسائى 2 : 141 ، سنن البيهقى 2 : 164 ، 165 ، مصابيح السنة 1 : 60.
- رأي الخليفة في صلاة المسافر :
أخرج أبوعبيد في الغريب وعبدالرزاق والطحاوي وابن حزم عن بي المهلب قال : كتب عثمان : انه بلغني ان قوما يخرجون إمالتجارة أولجباية أولحشرية ( 1 ) يقصرون الصلاة وإنما يقصر الصلاة من كان شاخصا أوبحضرة عدو ومن طريق قتادة عن عياش المخزومي : كتب عثمان إلى بعض عماله : انه لايصلي الركعتين المقيم ولا البادي ولا التاجر ، إنما يصلي الركعتين من معه الزاد والمزاد.
وفي لفظ ابن حزم : إن عثمان كتب إلى عماله : لا يصلي الركعتين جاب ولا تاجر ولا تان ( 2) إنما يصلي الركعتين.الخ.
وفي لسان العرب : في حديث عثمان رضي الله عنه انه قال : لا يغرنكم جشركم من صلاتكم فانما يقصر الصلاة من كان شاخصا أو يحضره عدو.قال أبوعبيد : الجشر القوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى ، ويبيتون مكانهم ولا يأوون إلى البيوت ( 3 )
وفي هامش سنن البيهقي 3 : 137 : شاخصا : يعني رسولا في حاجة ، وفي النهاية : شاخصا : أى مسافرا ومنه حديث أبي أيوب : فلم يزل شاخصا في سبيل الله.
قال الاميني : من أين جاء عثمان بهذا القيد في السفر ؟ والاحاديث المأثورة في صلاته مطلقات كلها كما أوقفناك عليها في ص 111- 115 ، وقبلها عموم قوله تعالى : وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ( 4 ) ولابي حنيفة وأصحابه والثوري وأبي ثور في عموم الآية نظر واسع لم يخصوه بالمباح من السفر بل قالوا بانه يعم سفر المعصية أيضا كقطع الطريق والبغي كما ذكره ابن حزم في المحلى 4 : 264 ، والجصاص في أحكام القرآن
2 : 312 ، وابن رشد في بداية المجتهد 1 : 163 ، وملك العلماء في البدايع 1 : 93 ، والخازن في تفسيره 1 : 413.
* (هامش ) * (1 ) كذا في النسخ بالمهملة والصحيح كما يأتي ، الجشر.بالمعجمة.
( 2 ) التناية : هى الفلاحة والزراعة " نهاية ابن الاثير ".
( 3 ) سنن البيهقى 3 : 126 ، المحلى لابن حزم 5 : 1 ، نهاية ابن الاثير 2 : 325 ، لسان العرب 5 : 207 ، كنز العمال 4 : 239 ، تاج العروس : 100 وج 4 : 401.
وليس لحضور العدو أي دخل في القصر والاتمام وإنما الخوف وحضور العدو لهما شأن خاص في الصلوات ، وأحكام تخص بهما ، وناموس مقرر لا يعدوهما.
فمقتضى الادلة كماذهبت اليه الامة جمعاء : ان التاجر والجابي والتاني والجشرية وغيرهم إذا بلغوا مبلغ السفر فحكمهم القصر ، فهم وبقية المسافرين شرع سواء ، وإلا فهم جميعا في حكم الحضور يتمون صلاتهم من دون أي فرق بين الاصناف ، وليس تفصيل الخليفة إلا فتوى مجردة ورأيا يخص به ، وتقولا لايؤبه له تجاه النصوص النبوية ، وإطباق الصحابة ، واتفاق الامة ، وتساند الائمة والعلماء ، وإنما ذكرناه هنا لايقافك على مبلغ الرجل من الفقاهة ، أو تسرعه في الفتيا من غير فحص عن الدليل ، أوأنه عرف الدليل لكنه لم يكترث له وقال قولا أمام قول رسول الله صلى الله عليه وآله.
كناطح صخرة يوما ليقلعها * فلم يضرها فأوهى قرنه الوعل على أن التاجر جاء فيه ما أخرجه ابن جرير الطبري وغيره من طريق علي كرم الله وجهه قال : سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يارسول الله إنانضرب في الارض فكيف نصلي ؟ فأنزل الله تعالى: وإذاضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروامن الصلاة ( 1 ).
وأخرج أبوبكر بن أبي شيبة عن وكيع عن الاعمش عن ابراهيم قال : جاء رجل فقال : يارسول الله إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين فأمره أن يصلي بركعتين.( 2 ).
- رأي الخليفة في صيد الحرم ( 3 )
أخرج إمام الحنابلة أحمد وغيره باسناد صحيح عن عبدالله بن الحارث بن نوفل
* (هامش ) * (1 ) تفسير ابن جرير 5 : 155 ، مقدمات المدونة الكبرى لابن رشد 1 : 136 ، تفسير ابن عطية كما في تفسير القرطبي 5 : 362 ، الدر المنثور 2 : 209 ، تفسير الشوكانى 1 : 471 تفسير الالوسى 5 : 134.
( 2 ) تفسير ابن كثير 1 : 544 ، الدر المنثور 2 : 210
( 3 ) مسند أحمد 1 : 100 ، 104 ، كتاب الام للشافعي 7 : 157 ، سنن أبي داود 1 : 291 ، سنن البيهقي 5 : 194 ، تفسير الطبرى 7 : 45 ، 46 المحلى لا بن حزم 8 : 254 ، كنز العمال 3 : 53 ، نقلا عن أحمد وأبى داود وابن جرير وقال : صححه ، وعن الطحاوى و أبى يعلى والبيهقى.
قال : أقبل عثمان إلى مكة فاستقبلت بقديد فاصطاد أهل الماء حجلا فطبخناه بماء وملح فقدمناه إلى عثمان وأصحابه فأمسكوا فقال عثمان : صيد لم نصده ولم نأمر بصيده إصطاده قوم حل فأطعموناه فما بأس به.فبعث إلى علي فجاء فذكر له فغضب علي و قال : انشد رجلا شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتي بقائمة حمار وحش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قوم حرم فأطعموه أهل الحل ؟ فشهد إثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال علي : أنشد الله رجلا شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتي ببيض النعام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إناقوم حرم أطعموه أهل الحل ؟ فشهد دونهم من العدة من الاثنى عشر قال :
فثنى عثمان وركه من الطعام فدخل رحله وأكل الطعام أهل الماء.
وفي لفظ آخر لاحمد عن عبدالله بن الحرث : إن أباه ولي طعام عثمان قال : فكأني أنظر إلى الحجل حوالي الجفان فجاء رجل فقال :
إن عليا رضي الله عنه يكره هذا فبعث إلى علي وهو ملطخ يديه بالخبط فقال :
إنك لكثير الخلاف علينا فقال علي :
اذكر الله من شهد النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعجز حمار وحش وهو محرم فقال :
إنا محرمون فأطعموه أهل الحل ، فقام رجال فشهدوا ثم قال :
اذكر الله رجلا شهد النبي صلى الله عليه وسلم أتي بخمس بيضات بيض نعام فقال :
إنا محرمون فأطعموه أهل الحل فقام رجال فشهدوا ، فقام عثمان فدخل فسطاطه وتركوا الطعام على أهل الماء.
وفي لفظ الامام الشافعي : ان عثمان أهديت له حجل وهو محرم فأكل القوم إلا عليا فانه كره ذلك.
وفي لفظ لابن جرير : حج عثمان بن عفان فحج علي معه فاتي عثمان بلحم صيد صاده حلال فأكل منه ولم يأكله علي فقال عثمان : والله ماصدنا ولا أمرنا ولاأشرنا
فقال علي : وحرم عليكم صيدالبر مادمتم حرما." سورة المائدة : 96 ".
وفي لفظ : ان عثمان بن عفان رضي الله عنه نزل قديدا فاتي بالحجل في الجفان شائلة بأرجلها فأرسل إلى علي رضي الله عنه وهو يضفر ( 1 ) بعيرا له فجاء والخبط ينحات من يديه ، فأمسك علي وأمسك الناس فقال علي : من هاهنا من أشجع ؟ هل تعلمون
* (هامش ) * (1 ) ضفر الدابة يضفر ها ضفرا : ألقى اللجام في فيها.والضفر : ما شددت به البعير من الشعر المضفور.والمضفور والضفير : الحبل المفتول.الضفائر : الدوائب المضفورة.
أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء أعرابي ببيضات نعام وتتمير ( 1 ) وحش فقال : أطعمهن أهلك فانا حرم ؟
قالوا : بلى.فتورك عثمان عن سريره ونزل فقال : خبثت علينا.
وفي لفظ البيهقي : كان الحارث خليفة عثمان رضي الله عنه على الطائف ، فصنع لعثمان رضي الله عنه طعاما وصنع فيه من الحجل واليعاقيب ولحوم الوحش قال : فبعث إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فجاء الرسول وهو يخبط لاباعرله ، فجاء‌ه وهو ينفض الخبط من يده فقالوا له : كل.فقال : اطعموه قوما حلالا فانا قوم حرم ، ثم قال علي رضي الله عنه : أنشدالله من كان هاهنا من أشجع ، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إليه رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله ؟ قالوا : نعم.
وأخرج الطبري من طريق صبيح بن عبدالله العبسي قال : بعث عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحرث على العروض فنزل قديدا فمر به رجل من أهل الشام معه باز و سقر فاستعار منه فاصطاد به من اليعاقيب فجعلهن في حظيرة فلما مر به عثمان طبخهن ثم قدمهن إليه فقال عثمان : كلوا فقال بعضهم : حتى يجئ علي بن أبي طالب.فلما جاء فرأى مابين أيديهم قال علي : إنا لانأكل منه.فقال عثمان مالك لاتأكل ؟
فقال : هو صيد لايحل أكله وأنامحرم.
فقال عثمان : بين لنا.فقال علي : " يا أيها الذين آمنوا لاتقتلوا الصيد وأنتم حرم ".
فقال عثمان : أونحن قتلناه ؟ فقرأ عليه : أحل لكم صيد البحر
وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما.
وأخرج سعيد بن منصور كما ذكره ابن حزم من طريق بسربن سعيد قال : إن عثمان بن عفان كان يصاد له الوحش على المنازل ثم يذبح فيأكله وهو محرم سنتين من خلافته ، ثم إن الزبير كلمه فقال : ماأدري ماهذا يصاد لنا ومن أجلنا ، لو تركناه فتركه.
قال الاميني : هذه القصة تشف عن تقاعس فقه الخليفة عن بلوغ مدى هذه المسألة ، أو أنه راقه إتباع الخليفة الثاني في الرأي حيث كان يأمر المحرم بأكل لحم الصيد ، ويحذر أهل الفتوى عن خلافه مهددا بالدرة إن فعل وسيوافيك
* (هامش ) * (1 ) التتمير : التقديد.والتتمير : التيبيس.والتتمير : أن يقطع اللحم صغاراو يجفف.واللحم المتمر : المقطع ( لسان العرب ).
تفصيله إنشاء‌الله تعالى ، غير أن عثمان أفحمه مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بالكتاب والسنة
فلم يجد ندحة من الدخول في فسطاطه والاكتفاء بقوله : إنك لكثير الخلاف علينا.
وهذا القول ينم عن توفر الخلاف بين مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام وبين الخليفة ، ومن الواضح الجلي ان الحق كلما شجر خلاف بين مولانا علي عليه السلام وبين غيره كائنامن كان لا يعدو كفة الامام صلوات الله عليه للنص النبوي : علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة ( 1 ) وقوله : علي مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا علي الحوض ( 2 ) وانه باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله ، ووارث علمه ، وعيبة علمه وأقضى أمته ( 3 ) وكان سلام الله عليه منزها عن الخلاف لاتباع هوى أواحتدام بغضاء بينه وبين غيره ، فإن ذلك من الرجس الذي نفاه الله عنه عليه السلام في آية التطهير.وقد طأطأ كل عيلم لعلمه ، وكان من المتسالم عليه انه اعلم الناس بالسنة ؟ ولذلك لما نهى عمر عبدالله بن جعفر عن لبس الثياب المعصفرة في الاحرام جابهه الامام عليه السلام بقوله : ما أخال أحدا يعلمنا السنة ( 4 ) فسكت عمر إذ كان لم يجد منتدحا عن الاخبات إلى قوله ، ولو كان غيره عليه السلام لعلاه بالدرة ، ولذلك كان عمر يرجع إليه في كل أمر عصيب فإذا حله قال : لولا علي لهلك عمر ( 5 ) أو نظير هذا القول وسيوافيك عن عثمان نفسه قوله : لولا علي لهلك عثمان.
فرأي الامام الطاهر هو المتبع وهو المعتضد بالكتاب بقوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما ، كما استدل به عليه السلام على عثمان ، فبعمومه كماحكاه ابن حزم في المحلى
7 : 249 عن طائفة ظاهر في أن الشئ المتصيد هو المحرم ملكه وذبحه وأكله كيف كان ، فحرموا على المحرم أكل لحم الصيد وإن صاده لنفسه حلال ، وإن ذبحه حلال ، وحرموا عليه ذبح شئ منه وإن كان قد ملكه قبل احرامه.
* (هامش ) * ( 1 ) راجع مامر في الجزء الثالث ص 155 158 ط 1 ، و 176 180 ط 2.
( 2 ) راجع مااسلفناه في الجزء الثالث ص 158 ط 1 ، و 180 ط 2.
( 3 ) راجع ما فصلناه في الجزء السادس ص 54 73 ط 1 ، و 61 81 ط 2.
( 4 ) كتاب الام للامام الشافعى 2 : 126 ، المحلى لابن حزم 7 : 260.
( 5 ) راجع نوادر الاثر في علم عمر في الجزء السادس من كتابنا هذا.
وقال القرطبي في تفسيره 6 : 321 : التحريم ليس صفة للاعيان ، وإنما يتعلق بالافعال فمعنى قوله : وحرم عليكم صيد البر.أي فعل الصيد ، وهو المنع من الاصطياد ، أو يكون الصيد بمعنى المصيد على معنى تسمية المفعول بالفعل ، وهو الاظهر لاجماع العلماء على انه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له ، ولايجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه ، ولا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك لعموم قوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما ، ولحديث الصعب بن جثامة.وقال في ص 322 : وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر : انه لايجوز للمحرم أكل صيد على حال من الاحوال ، سواء صيد من أجله أولم يصد لعموم قوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما.قال ابن عباس : هي مبهمة.وبه قال طاووس ، وجابربن زيد وأبوالشعثاء ، وروي ذلك عن الثوري ، وبه قال اسحاق ، واحتجوا بحديث ابن جثامة ويعتضد رأي الامام عليه السلام ومن تبعه بالسنة الشريفة الثابتة بما ورد في الصحاح والمسانيد وإليك جملة منه :
1- عن ابن عباس قال : يازيد بن أرقم هل علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي إليه عضد صيد فلم يقبله وقال : إنا حرم ؟ قال : نعم.
وفي لفظ : قدم زيدبن أرقم فقال له ابن عباس يستذكره : كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام ؟ قال : نعم أهدى له رجل عضوا من لحم صيد فرده
وقال : إنا لا نأكل إنا حرم.
وفي لفظ مسلم : ان زيد بن أرقم قدم فأتاه ابن عباس رضي الله عنه فاستفتاه في
لحم الصيد فقال : أتي رسول الله بلحم صيد وهو محرم فرده.
راجع صحيح مسلم 1 : 450 ، سنن أبي داود 1 : 291 ، سنن النسائي 5 : 184 ، سنن البيهقي 5 : 194 ، المحلى لابن حزم 7 : 250 وقال : رويناه من طرق كلها صحاح.
2- عن الصعب بن جثامة قال : مربي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بالابواء او بودان (1)وأهديت له لحم حمار وحش فرده علي فلما رأى في وجهي الكراهية قال : إنه
* (هامش ) * (1 ) ودان بفتح الواو قرية جامعة بين مكة والمدينة ، بينها وبين الابواء نحو من ثمانية أميال من الجحفة ، ومنها الصعب بن جثامة " معجم البلدان "
ليس بنا رد عليك ولكننا حرم.وفي لفظ : إن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلحم حمار وحش فرده وقال : إنا حرم لا نأكل الصيد.
راجع صحيح مسلم 1 : 449 ، مسند احمد 4 : 37 ، سنن الدارمي 2 : 39 ، سنن ابن ماجة
2 : 262 ، سنن النسائي 5 : 18 ؟ ، سنن البيهقي 5 : 192 بعدة طرق ، احكام القرآن للجصاص 2 : 586 ، تفسير الطبري 7 : 48 ، تيسير الوصول 1 : 272.
3- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم شق حمار وحش وهو محرم فرده.وفي لفظ أحمد : ان الصعب بن جثامة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم عجز حمار فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقطردما.
وفي لفظ طاووس في حديثه : عضدا من لحم صيد.
وفي لفظ مقسم : لحم حمار وحش.
وفي لفظ عطاء في حديثه : أهدي له صيد فلم يقبله وقال : إنا حرم.
وفي لفظ النسائي : أهدى الصعب بن جثامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حمار وحش تقطر دما وهو محرم وهو بقديد فردها عليه.
وفي لفظ ابن حزم : انه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حمار وحش فرده عليه
وقال : إنا حرم لا نأكل الصيد.وفي لفظ : لولا إنا محرمون لقبلناه منك.
راجع صحيح مسلم 1 : 449 ، مسند أحمد 1 : 290 ، 338 ، 341 ، مسند الطيالسي ص 171 ، سنن النسائي 5 : 185 ، سنن البيهقي 5 : 193 ، المحلى لابن حزم ، : 249 وقال : رويناه من طرق كلها صحاح ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 586 ، تفسير القرطبي 6 : 322.
- لفت نظر : أخرج البيهقي في تجاه هذا الصحيح المتسالم عليه في السنن الكبرى 5 : 193 من طريق عمرو بن امية الضميري ان الصعب بن جثامة أهدى للنبي عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم.ثم قال : وهذا إسناد صحيح ، فإن كان محفوظا فكأنه رد الحي وقبل اللحم والله أعلم.اه‍.
لا أحسب هذا مبلغ علم البيهقي وإنما أعماه حبه لتبرير الخليفة في رأيه الشاذ عن الكتاب والسنة ، فرأى الضعيف صحيحا ، وأتى في الجمع بينه وبين الصحيح المذكور بما يأباه صريح لفظه ، ولهذه الغاية أخرج البخاري ذلك الصحيح المتسالم عليه في صحيحه 3 : 165 وحذف منه كلمة : الشق.والعجز.والرجل.والعضد.واللحم.وتبعه في ذلك الجصاص في أحكام القرآن 2 : 586 حياالله الامانة
وعقب ابن التركماني رأي البيهقي فيما أخرجه فقال في سنن الكبرى :
قلت : هذا في سنده يحيى بن سليمان الجعفي عن ابن وهب اخبرني يحيى بن ايوب هو الغافقي المصري ، ويحيى بن سليمان ذكره الذهبي في الميزان والكاشف عن النسائي انه ليس بثقة وقال ابن حبان : ربماأغرب.والغافقي قال النسائي ليس بذلك القوي.
وقال أبوحاتم : لايحتج به.وقال أحمد : كان سيئ الحفظ يخطئ خطئا كثيرا ، و كذبه مالك في حديثين ، فعلى هذا لا يشغل بتأويل هذا الحديث لاجل سنده ولمخالفته للحديث الصحيح ، وقول البيهقي : رد الحي وقبل اللحم يرده مافي الصحيح انه عليه السلام رده.اه‍.
4- عن عبدالله بن الحرث عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بلحم صيد وهو محرم فلم يأكله.
مسند أحمد 1 : 105 ، سنن ابن ماجة 2 : 263.
5- عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين إنها قالت له : ياابن اختي إنما هي عشر ليال فإن يختلج في نفسك شئ فدعه.يعني أكل لحم الصيد.
موطأ مالك 1 : 257 ، سنن البيهقي 5 : 194 ، تيسير الوصول 1 : 273.
6- عن نافع قال : أهدى إلى ابن عمر ظبيا مذبوحة بمكة فلم يقبلها ، وكان ابن عمر يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال.
رواه ابن حزم في المحلى 7 : 250 من طريق رجاله كلهم ثقات.
ولو كان عند الخليفة علم بسنة نبيه لعله لم يك يخالفها ، ولوكان عنده ما يجديه في الحجاج تجاه هذه السنة الثابتة لافاضه وماترك النوبة لاتباعه ليحتجوا له بعد لاي من عمر الدرهر بما لا يغني من الحق شيئا ، قال البيهقي في سننه 5 : 194 : أماعلي وابن عباس رضي الله عنهما فانهما ذهبا إلى تحريم أكله على المحرم مطلقا ، وقد خالفهما عمر وعثمان وطلحة والزبير وغيرهم ومعهم حديث أبي قتادة وجابر والله أعلم.اه‍.
أما حديث أبي قتادة قال : انطلقت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم وكنت مع أصحابي فجعل بعضهم يضحك إلى بعض فنظرت فإذا حمار وحش فحملت عليه فطعنته فأثبته فاستعنت بهم فأبوا أن يعينوني فأكلنا منه ، فلحقت برسول الله وقلت : يارسول الله اني أصبت حمار وحش ومعي منه فاضلة.فقال النبي صلى الله عليه وسلم للقوم : كلوا.وهم محرمون ( 1 ).
فهو غير واف بالمقصود لان قصته كانت عام الحديبية السادس من الهجرة كما هو صريح لفظه وكثير من أحكام الحج شرعت في عام حجة الوداع السنة العاشرة ومنها تعيين المواقيت ولذلك ماكان أبوقتادة محرما عندذا ، مع احرام رسول الله واحرام أصحابه.قال ابن حجر في فتح الباري 4 : 19 : قيل كانت : هذه القصة قبل أن يوقت النبي المواقيت.وقال السندي في شرح سنن النسائي 5 : 185 عند ذكر حديث أبي قتادة : قوله " عام الحديبية " بهذاتبين أن تركه الاحرام ومجاوزته الميقات بلا إحرام كان قبل أن تقرر المواقيت ، فان تقرير المواقيت كان سنة حج الوداع كما روي عن أحمد.
ومنها أحكام الصيد النازلة في سورة المائدة التي هي آخر مانزل من القرآن ، و روي عن النبي صلى الله عليه وآله : انه قرأها في حجة الوداع وقال : ياايها الناس ان سورة المائدة آخر مانزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها.وروي نحوه عن عائشة موقوفا وصححه الحاكم وأقره ابن كثير ، وأخرجه أبوعبيد من طريق ضمرة بن حبيب ، وعطية بن قيس مرفوعا ( 2 )
فليس من البدع أن يكون غير واحد من مواضيع الحج لم يشرع لها حكم في عام الحديبية ثم شرع بعده ومنها هذه المسألة ، وكان مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام حاضرا في عام الحديبية وقد شاهد قصة أبي قتادة كما شاهد ها غيره " على فرض صحتها " ومع ذلك أنكر على عثمان وكذلك الشهود الذين استنشدهم صلوات الله عليه فشهدوا له
* (هامش ) * (1 ) صحيح البخاري 3 : 163 ، صحيح مسلم 1 : 450 ، سنن النسائي 5 : 185 ، سنن ابن ماجة 2 : 363 ، سنن البيهقي 5 : 188.
( 2 ) مستدرك الحاكم 2 : 311 ، تفسير القرطبي 6 : 31 ، تفسير الزمخشري 1 : 403 ، تفسير ابن كثير 2 : 2 ، تفسير الخازن 2 : 448 ، تفسير الشوكاني 2 : 1.
لم يعزب عنهم ماوقع في ذلك العام ، لكنهم شهدوا على التشريع الاخير الثابت.
ولو كان لقصة أبي قتادة مقيل من الصحة أو وزن يقام لماترك عثمان الاحتجاج به لكنه كان يعلم أن الشأن فيها كما ذكرناه ، وإن العمل قبل التشريع لاحجية له ، وأفحمه الامام عليه السلام بحجته الداحضة ، فتوارى عن الحجاج في فسطاطه وترك الطعام على أهل الماء.
وأما حديث جابر فقد أخرجه غير واحد من أئمة الفقه والحديث ناصين على ضعفه من طريق عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن جابر بن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صيد البر لكم حلال وأنتم حرم إلا مااصطدتم وصيد لكم ( 1 )
قال النسائي في سننه : أبوعبدالرحمن عمروبن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث وإن كان قد روى عنه مالك.
وقال ابن حزم في المحلى : أما خبر جابر فساقط لانه عن عمروبن أبي عمرو وهو ضعيف.
وقال ابن التركماني في شرح سنن البيهقي عند قول الشافعي : إن إبن أبي يحيى أحفظ من الدراوردي ( 2 ) : قلت : الدراوردي احتج به الشيخان وبقية الجماعة ، وقال ابن معين :
ثقة حجة ، ووثقه القطان وأبوحاتم وغيرهما ، وأما ابن أبي يحيى فلم يخرج له في شئ من الكتب الخمسة ، ونسبه إلى الكذب جماعة من الحفاظ كابن حنبل وابن معين وغيرهما ، وقال بشربن المفضل : سألت فقهاء المدينة عنه فكلهم يقولون : كذاب أو نحوهذا ، وسئل مالك : أكان ثقة ؟ فقال : لا ولافي دينه ، وقال ابن حنبل : كان قدريا معتزليا جهميا كل بلاء فيه ، وقال البيهقي في التيمم والنكاح : مختلف في عدالته.
ومع هذا كله كيف يرحج على الدراوردي ؟.
قال : ثم لو رجع عليه هو ومن معه فالحديث في نفسه معلول عمروبن أبي عمرو
* (هامش ) * (1 ) كتاب الام 2 : 176 ، سنن أبي داود 1 : 291 ، سنن النسائي 5 : 187 ، سنن البيهقي 5 : 190 ، المحلى لابن حزم 7 : 253.
( 2 ) الرجلان وردا في طريقى الشافعي للحديث.
مع اضطرابه في هذا الحديث متكلم فيه.قال ابن معين وأبوداود : ليس بالقوي زاد يحيى : وكان مالك يستضعفه.وقال السعدي : مضطرب الحديث.
قال : والمطلب قال فيه ابن سعد : ليس يحتج بحديثه لانه يرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ، وعامة أصحابه يدلسون ، ثم الحديث مرسل ، قال الترمذي : المطلب لايعرف له سماع من جابر.فظهر بهذاأن الحديث فيه أربع علل : إحداها : الكلام في المطلب.ثانيها : انه ولو كان ثقة فلا سماع له من جابر فالحديث مرسل.ثالثها : الكلام في عمرو.رابعها : انه ولو كان ثقة فقد اختلف عليه فيه كمامر.اه‍.
ثم ذكر ما استشكل به الطحاوي في الحديث من وجهة النظر من قوله : إن الشئ لا يحرم على انسان بنية غيره أن يصيد له.
هذا مجمل القول في حديث أبي قتادة وجابر ، فلا يصلحان للاعتماد ورفع اليد عن تلكم الصحاح المذكورة الثابتة ، ولا يخصص بمثلهما عموم ، ولايتم بهما تقييد مطلقات الكتاب ، والمعول عليه في المسألة هو كتاب الله العزيز والسنة الشريفة الثابتة ، وماشذ عنهما من رأي أي بشر يضرب به عرض الجدار ، فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لايعلمون.
- خصومة يرفعها الخليفة إلى علي :
أخرج أحمد والدورقي من طريق الحسن بن سعد عن أبيه ان يحيس ( 1 ) وصفية كانا من سبي الخمس فزنت صفية برجل من الخمس وولدت غلاما فادعى الزاني ويحيس فاختصما إلى عثمان فرفعهما عثمان إلى علي بن أبي طالب ، فقال علي : أقضي فيهما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر وجلد هما خمسين خمسين ( 2).
قال الاميني هل علمت أنه لماذارد الخليفة الحكم إلى أمير المؤمنين عليه السلام ؟
لقد رفعه إليه إن كنت لاتدري لانه لم يكن عنده ما يفصل به الخصومة ، ولعله كان ملا سمعه قوله تعالى : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ( 3 ) ويعلم في الجملة أن هناك فرقا في كثير من الاحكام بين الاحرار والمملوكين ، لكن عزب عنه
* (هامش ) * (1 ) في مسند أحمد : يحنس.
( 2 ) مسند أحمد 1 : 104 ، تفسير ابن كثير 1 : 478 ، كنز العمال 3 : 227.
( 3 ) سورة النور آية : 2.
ان مسألة الحد أيضا من تلكم الفروع ، فكأنه لم يلتفت إلى قوله تعالى : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ماملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ، فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ماعلى المحصنات من العذاب.الآية ( 1 )أو أن الآية الكريمة كانت نصب عينيه لكن لم يسعه فهم حقيقتها لان قيد ذاكرته ان حد المحصنات هو الرجم ، غير انه لم يتسن له تعرف أن الرجم لا يتبعض ، فالذي يمكن تنصيفه من العذاب هو الجلد ، فالآية الشريفة دالة بذلك على سقوط الرجم عن المحصنات من الاماء وانما عليهن نصف الجلد الثابت عليها في السنة الشريفة ( 2 ).
وأخرج أحمد في مسنده 1 : 136 من طريق أبي جميلة عن علي عليه السلام قال :
أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمة له سوداء زنت لاجلدها الحد قال : فوجدتها في دمائها فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فقال لي : إذاتعالت من نفاسها فاجلدها خمسين.
وذكره ابن كثير في تفسيره 1 : 476 وفيه : إذا تعافت من نفاسها فاجلدها خمسين.
وذكره الشوكاني في نيل الاوطار 7 : 292 باللفظ المذكور.
وأخرجه مسلم وأبوداود والترمذي وصححه وليس في لفظهم " خمسين ".
هب أن الخليفة نسيها لبعد العهد لكنه هل نسي ما وقع بمطلع الاكمة منه على العهد العمري ؟ من جلده المحصنات من الاماء خمسين جلدة كماأخرجه الحافظ ( 3 ) أو أن الخليفة وقف على مغازي الآيات الكريمة ، ولم تذهب عليه السنة النبوية ، وكان على ذكر مما صدر على عهد عمر لكن أربكه حكم العبد لانه رأى الآية الكريمة نصافي الاماء ، وكذلك نصوص الاحاديث ، ولم يهتد إلى إتحاد الملاك بين العبيد والاماء
* (هامش ) * (1 ) سورة النساء آية : 25.
( 2 ) صحيح البخاري 10 : 48 ، صحيح مسلم 2 : 37 ، سنن أبي داود 2 : 239 ، سنن ابن
ماجة 2 : 119 ، سنن البيهقي 8 : 342 ، موطأ مالك 2 : 170 ، كتاب الام للشافعي
6 : 121 ، تفسير القرطبى 12 : 159.
( 3 ) موطأ مالك 2 : 170 ، سنن البيهقي 8 : 242 ، تفسير ابن كثير 1 : 6 47 ، كنز العمال 3 : 86.
من المملوكية ، وهو الذي أصفق عليه أئمة الحديث والتفسير كما في كتاب الام للشافعي
6 : 144 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 206 ، سنن البيهقي 8 : 243 ، تفسير القرطبي
5 : 146 ، ج 12 : 159 ، تفسير البيضاوي 1 : 270 ، تيسير الوصول 2 : 4 ، فيض الاله
المالك للبقاعي 2 : 311 ، فتح الباري 12 : 137 ، فتح القدير 1 : 416 ، تفسير الخازن
1 : 360 ، وقال الشوكاني في نيل الاوطار 7 : 292 : لاقائل بالفرق بين الامة والعبد كماحكى ذلك صاحب البحر.
أو أن الخليفة حسب أن ولد الزانية لابد وأن يكون للزاني ، ولم يشعر بمقاربة زوجها إياها أو إمكان مقاربته منذ مدة يمكن أن ينعقد الحمل فيها ، وبذلك يتحقق الفراش الذي يلحق الولد بصاحبه ، كما حكم به مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام والاصل فيه قوله صلى الله عليه وآله : الولد للفراش وللعاهر الحجر.
لقد أنصف الخليفة في رفع حكم هذه المسألة إلى من عنده علم الكتاب والسنة فانه كان يعلم علم اليقين ان ذلك عند العترة الطاهرة لا البيت الاموي ، وليته أنصف هذا الانصاف في كل مايرد عليه من المسائل ، وليته علم ان حاجة الامة إنما هي إلى إمام لا يعدوه علم الكتاب والسنة فأنصفها ، غيرأن..
إذالم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع
- رأي الخليفة في عدة المختلعة : ( 1 )
عن نافع أنه سمع ربيع بنت معوذ بن عفراء وهي تخبر عبدالله بن عمر انها اختلعت من زوجها على عهد عثمان فجاء معاذ بن عفراء إلى عثمان فقال : إن ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم أتنتقل ؟ فقال له عثمان : تنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها إلا انها لا تنكح حتى حيضة ، خشية أن يكون بها حبل.فقال عبدالله عند ذلك : عثمان خيرنا وأعلمنا.وفي لفظ آخر : قال عبدالله: أكبرناو أعلمنا.
* (هامش ) * (1 ) سنن البيهقي 7 : 450 ، 451 ، سنن ابن ماجة 1 : 634 ، تفسير ابن كثير 1 : 276 نقلا عن ابن أبي شيبة ، زاد المعاد لابن القيم 2 : 403 ، كنز العمال 3 : 223 ، نيل الاوطار 7 : 35.
وفي لفظ عبدالرزاق عن نافع عن الربيع إبنة معوذ انها قالت : كان لي زوج يقل الخير علي إذا حضر ويحزنني إذا غاب فكانت مني زلة يوما فقلت له : اختلعت منك بكل شئ أملكه.فقال : نعم.ففعلت فخاصم إبني معاذ بن عفراء إلى عثمان فأجاز الخلع وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه ، أو قالت : دون عقاص رأس.
وفي لفظ عن نافع : انه زوج إبنة أخيه رجلا فخلعها فرفع ذلك إلى عثمان فأجاذه فأمرها أن تعتد حيضة.وفي لفظ ابن ماجة من طريق عبادة الصامت : قالت : الربيع : اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسالت ماذا علي من العدة ؟
فقال : لاعدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضين حيضة.الخ.
قال الاميني : المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثه قروء ، نصا من الله العزيز الحكيم ( 1 ) من غير فرق بين أقسام الطلاق المنتزعة من شقاق الزوج والزوجة ، فإن كان الكره من قبل الزوج فحسب فالطلاق رجعي.أو من قبل الزوجة فقط فهو خلعي.أو منهما معا فمباراة.فليس لكل من هذه الاقسام حكم خاص في العدة غير ماثبت لجميعها بعموم الآية الكريمة المنتزع من الجمع المحلى باللام المطلقات وعلى هذا تطابقت فتاوى الصحابة والتابعين والعلماء من بعدهم وفي مقدمهم أئمة المذاهب الاربعة قال ابن كثير في تفسيره 1 : 276 : مسألة وذهب مالك وأبوحنيفة والشافعي وأحمد واسحاق بن راهويه في رواية عنهما وهي المشورة إلى أن المختلعة عدتها عدة المطلقة بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض ، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر ، وبه يقول سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وعروة ، وسالم ، وأبوسلمة ، وعمربن عبدالعزيز ، وابن شهاب ، والحسن ، والشعبي ، وابراهيم النخعي ، وأبوعياض ، وخلاس بن عمر ، و قتادة ، وسفيان الثوري ، والاوزاعي ، والليث بن سعد ، وأبوعبيد ، وقال الترمذي ( 2): وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم ، ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق فتعتد كسائر المطلقات.اه‍.
هذه آراء أئمة المسلمين عندالقوم وليس فيها شئ يوافق ما ارتآه عثمان وهي
* (هامش ) * (1 ) راجع سورة البقرة : 228.
( 2 ) قاله في صحيحه 1 : 142.
مصافقة مع القرآن الكريم كما ذكرناه.
وقد أحتج لعثمان بما رواه الترمذي في صحيحه 1 : 142 من طريق عكرمة عن ابن عباس : ان امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنه اختلعت منه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة وهذه الرواية باطلة إذالمحفوظ عند البخاري والنسائي من طريق ابن عباس في قصة أمرأة ثابت مالفظه : قال ابن عباس : جاء‌ت أمرأة ثابت بن قيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يارسول الله إني ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الاسلام.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتردين عليه حديقته ؟ ( وكانت صداقها ) قالت : نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إقبل الحديقة وطلقها تطليقة.
فامرأة ثابت نظرا إلى هذه اللفظة مطلقة تطليقة والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء.
على أن الاضطراب الهائل في قصة إمرأة ثابت يوهن الاخذ بما فيها ،
ففي لفظ : إنها جميلة بنت سلول.كمافي سنن ابن ماجة.
وفي لفظ أبي الزبير : انها زينب.
وفي لفظ : انها بنت عبدالله.
وفي لفظ لابن ماجة والنسائي : إنها مريم العالية.وفي موطأ مالك : انهاحبيبة بنت سهل.وذكر البصريون : انها جميلة بنت أبي ( 1 ) وجل هذه الالفاظ كلفظ البخاري والنسائي يخلو عن ذكر العدة بحيضة ، فلا يخصص حكم القرآن الكريم بمثل هذا.
على انه لو كان لها مقيل في مستوى الصدق والصحة لما أصفقت الائمة على خلافها كماسمعت من كلمة ابن كثير.
وقد يعاضد رأي الخليفة بما أخرجه الترمذي في صحيحه 1 : 142 عن الربيع بنت معوذ (صاحبة عثمان ) أنها اختلعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة.قال الترمذي : حديث الربيع الصحيح إنها أمرت أن تعتد بحيضة.وبهذا اللفظ جاء في حديث سليمان بن يسار عن الربيع قالت : إنها اختلعت من زوجها فأمرت أن تعتد بحيضة.
وقال البيهقي بعد رواية هذا الحديث : هذا أصح وليس فيه من أمرها ولا على
* (هامش ) * (1 ) راجع نيل الاوطار 7 : 34 37.
عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقد روينا في كتاب الخلع أنها اختلعت من زوجها زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه.ثم أخرج حديث نافع المذكور في صدر العنوان فقال : هذه الرواية تصرح بأن عثمان رضي الله عنه هو الذي أمرها بذلك ، وظاهر الكتاب في عدة المطلقات يتناول المختلعة وغيرها ، فهو أولى وبالله التوفيق.ه‍ ( 1 )
فليس للنبي صلى الله عليه وآله في قصة بنت معوذ حكم ومارفعت إليه صلى الله عليه وآله ، وإنما وقعت في عصر عثمان وهو الحاكم فيها ، وقد حرفتها عن موضعها يد الامانة على ودايع العلم والدين لتبرير ساحة عثمان عن لوث الجهل ، ولو كان لتعدد القصة وزن يقام عند الفقهاء وروايتها بمشهد منهم ومرأى لما عدلوا عنها على بكرة أبيهم إلى عموم الكتاب ولما تركوها متدهورة في هوة الاهمال.
وعلى الباحث أن ينظر نظرة عميقة إلى قول ابن عمر وقد كان في المسألة أولا مصافقا في رأيه الكتاب ومن عمل به من الصحابة وعد في عدادهم ، ثم لمحض أن بلغه رأي الخليفة المجرد عن الحجة عدل عن فتواه فقال : عثمان خيرنا وأعلمنا.أو قال : أكبرنا وأعلمنا.هكذا فليكن المجتهدون ، وهكذا فلتصدر الفتاوى.
- رأي الخليفة في امرأة المفقود :
أخرج مالك من طريق سعيد بن المسيب ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو فانها تنتظر أربع سنين ، ثم تنتظر أربعة أشهر وعشرا ، ثم تحل.وقضى بذالك عثمان بن عفان بعد عمر.
وأخرج أبوعبيد بلفظ : ان عمر وعثمان رضي الله عنهما قالا : امرأة المفقود تربص أربع سنين ، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا ، ثم تنكح.
وفي لفظ الشيباني : إن عمر رضي الله عنه أجل امرأة المفقود أربع سنين.وفي لفظ شعبة من طريق عبدالرحمن بن أبي ليلي قال : قضى عمر رضي الله عنه في المفقود تربص امرأته أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها ، ثم تربص بعد ذلك أربعة أشهر وعشرا ثم تزوج.
* (هامش ) * (1 ) سنن البيهقي 7 : 451.
ومن طريق ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله عنه في امرأة المفقود قال : إن جاء زوجها وقد تزوجت خير بين امرأته وبين صداقها ، فإن اختار الصداق كان على زوجها الآخر ، وإن اختار امرأته اعتدت حتى تحل ، ثم ترجع إلى زوجها الاول وكان لها من زوجها الآخر مهرها بما استحل من فرجها.قال ابن شهاب : وقضى بذلك عثمان بعد عمر رضي الله عنهما.
وفي لفظ الشافعي : إذا تزوجت فقدم زوجها قبل أن يدخل بها زوجها الآخر كان أحق بها فإن دخل بها زوجها الآخر فالاول المفقود بالخيار بين امرأته والمهر ( 1 )
قال الاميني : من لي بمتفقه في المسألة ؟ يخبرني عن علة تريث المفقود عنها زوجها أربع سنين ، أهو مأخوذ من كتاب الله ؟ فاين هو ؟ أم أخذ من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله فمن ذا الذي رواها ونقلها ؟ والصحاح والمسانيد للقوم خالية عنها ، نعم ربما يتشبث للتقدير بانها نهاية مدة الحمل قال البقاعي في فيض الاله المالك 2 : 263 : وسبب التقدير بأربع سنين إنها نهاية مدة الحمل وقد أخبر بوقوعه لنفسه الامام الشافعي وكذا الامام مالك وحكي عنه أيضا انه قال : جارتنا امرأة صدق وزوجها رجل صدق حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة ، تحمل كل بطن أربع سنين ، وورد هذا عن غير تلك المرأة ايضا.اه‍.
وهذا التعليل حكاه ابن رشد في مقدمات المدونة الكبرى 2 : 101 عن أبي بكر الابهري ثم عقبه بقوله : وهو تعليل ضعيف لان العلة لوكانت في ذلك هذا لوجب أن يستوي فيه الحر والعبد (2) لاستوائهما في مدة لحوق النسب.
ولوجب أن يسقط جملة في الصغيرة التي لا يوطأ مثلها إذا فقد عنها زوجها فقام عنها أبوها في ذلك فقد قال : إنها لو أقامت عشرين سنة ثم رفعت أمرها لضرب لها أجل أربعة أعوام وهذا يبطل تعليله إبطالا ظاهرا.اه‍.
وليت هذا المتشبث أدلى في حجته بذكر اناس تريثوا في الارحام النزيهة
* (هامش ) * (1 ) موطأمالك2: 28،كتاب الام للشافعي7: 219،سنن البيهقي 7 : 445 ، 446
( 2 ) التفصيل بين الحر والعبد بان امرأة الحر يضرب لها الاجل أربعة اعوام ولامرأة العبد تربص عامين كما نص عليه ابن رشد رأى مجرد لادليل عليه.
عن الخنا أربعا قبل فتيا الخليفتين وإلا فما غناء قصة وقعت بعدهما بردح طويل من الزمن ولا يدرى أصحيحة هي أم مكذوبة ؟ وعلى فرض الصحة فهل كان الخليفتان يعلمان الغيب ؟ وانه سينتج المستقبل الكشاف رجلا يكون حجة لما قدراه من مدة التربص ؟ أو كان ماقدراه فتوى مجردة ؟ فنحتت لهاالايام علة بعدالوقوع.
على أن أقصى مدة الحمل محل خلاف بين الفقهاء ، ذهب أبوحنيفة وأصحابه والثوري إلى أنه عامان ، ومذهب الشافعي أنه أربعة أعوام ، وأختار ابن القاسم أن اكثره خمسة أعوام ( 1 ) وروى أشهب عن مالك سبعة أعوام على ماروى : ان امرأة إبن عجلان ولدت ولدامرة لسبعة أعوام ( 2 )ولعل أبناء عجلان آخرين في أرجاء العالم لايرفع أمر حلائهم إلى مالك والشافعي وقد ولدن أولادا لثمانية أوتسعة أوعشرة أعوام ، دع العقل والطبيعة والبرهنة تستحيل ذلك كله ، ماهي وما قيمتها تجاه ماجاء‌ت به امرأة عجلان وحكم به مالك ؟ أو وجاه ما أتت به ام الامام الشافعي فافتى به.
نقل ابن رشد في سبب التقدير بأربعة أعوام عللا غيرهذا وإن رد ها وفندها ، منها انها المدة التي تبلغها المكاتبة في بلد الاسلام مسيرا ورجوعا ، ومنها : انه جهل إلى أي جهة سار من الاربع جهات ، فلكل جهة تربص سنة فهي أربع سنين.هذا مبلغ علمهم بفلسفة آراء جاء بها عمر وعثمان فأين يقع هو من حكم ماصدع به النبي الاقدس ؟.
ثم يخبرني هذا المتفقه عن هذه العدة التي أثبتها الخليفتان لما ذاهي ؟ فان كانت عدة الوفاة ؟ فأنها غير جازمة بها ، ولا تثبت بمجرد مرور أربع سنين أو أكثر وفي رواية عن عمر كما سمعت انه قضى في المفقود تربص امرأته أربع سنين ثم يطلقها ولي روجها ثم تربص بعد ذلك اربعة أشهر وعشرا ثم تزوج ( 3 ).فعلى هذا انها عدة الطلاق فيجب أن تكون ثلاثة قروء ، فما هذا أربعة أشهر وعشرا ؟ وعلى فرض ثبوت هذه العدة ولو بعد الطلاق من باب الاخذ بالحائطة فماعلاقة الزوج بها ؟ حتى انه إذاجاء
* (هامش ) * (1 ) في الفقه على المذاهب الاربعة 4 : 535 : انه خمس سنين على الراجح.
( 2 ) راجع مقدمات المدونة الكبرى للقاضى ابن رشد 2 : 102.
( 3 ) سنن البيهقى 7 : 445.
بعد النكاح خير بين امرأته وبين صداقها ، وقد قطع الشرع أي صلة بينهما ورخص في تزويجها ، فنكحت على الوجه المشروع ، قال ابن رشد ( 1 ) : ألا ترى انها لو ماتت بعد العدة لم يوقف له ميراث منها ، وإن كان لو أتى في هذه الحالة كان أحق بها ، ولو بلغ هو من الاجل مالا يجئ إلى مثله من السنين وهي حية لم تورث منه ، وإنما يكون لها الرضا بالمقام على العصمة مالم ينقض الاجل المفروض ، وأما إذا انقضى واعتدت فليس ذلك لها وكذلك إن مضت بعد العدة.
ثم ما وجه أخذ الصداق من الزوج الثاني عند اختيار الاول الصداق ولم يأت بمأثم وإنما تزوج بامرأة أباحها له الشريعة.
وأعجب من كل هذه أن هذه الروايات بمشهد من الفقهاء كلهم ولم يفت بمقتضاها أئمة المذاهب في باب الخيار ، قال مالك في الموطأ 2 : 28 : إن تزوجت بعدانقضاء عدتها فدخل بها زوجهاأو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الاول إليها.
و قال : وذلك الامر عندنا ، وإن أدركها زوجها قبل أن تتزوج فهو أحق بها.
وقال الشافعي وأبوحنيفة والثوري : لا تحل إمرأة المفقود حتى يصح موته.
قاله القاضي ابن رشد في بداية المجتهد 2 : 52 فقال : وقولهم مروي عن علي وابن مسعود.
وقال الحنفية : يشترط لوجوب النفقة على الزوج شروط : أحدها أن يكون العقد صحيحا فلو عقد عليها عقدافاسدا أوباطلا وأنفق عليها ثم ظهر فسادالعقد أو بطلانه فان له الحق في الرجوع عليها بما أنفقه.
ومن ذلك ما إذاغاب عنها زوجها فتزوجت بزوج آخر ودخل بها ثم حضر زوجها الغائب فان نكاحها الثاني يكون فاسدا ، ويفرق القاضي بينهما ، وتجب عليها العدة بالوطئ الفاسد ، ولا نفقة لها على الزوج الاول ولا على الزوج الثاني ( 2 ).
قال الشافعي في كتاب " الام " 5 : 221 : لم أعلم مخالفا في أن الرجل أوالمرأة لو غابا أو أحدهما برا أو بحرا علم مغيبهما أولم يعلم فماتا أو أحدهما فلم يسمع لهما بخبر
* (هامش ) * (1 ) مقدمات المدونة الكبرى 2 : 104.
( 2 ) الفقه على المذاهب الاربعة 3 : 565.
أو أسرهما العدو فصيروهما إلى حيث لاخبر عنهما لم نورث وحدا منهما من صاحبه إلا بيقين وفاته قبل صاحبه ، فكذلك عندي امرأة الغائب أي غيبة كانت مماوصفت أو لم أصف باسار عدو أو بخروج الزوج ثم خفي مسلكه أو بهيام من ذهاب عقل أو خروج فلم يسمع له ذكر أو بمركب في بحر فلم يأتي له خبر أوجاء خبر أن غرق كان يرون انه قد كان فيه ولا يستيقنون انه فيه ، لاتعتد إمرأته ولا تنكح أبدا حتى يأتيها بيقين وفاته ، ثم تعتد من يوم استيقنت وفاته وترثه ، ولا تعتد امرأة من وفاة ومثلها يرث إلا ورثت زوجها الذي اعتدت من وفاته ، ولو طلقها وهو خفي الغيبة بعد أي هذه الاحوال كانت ، أوآلى منها ، أوتظاهر ، أو قذفها ، لزم مايلزم الزوج الحاضر في ذلك كله ، وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن تكون امرأة رجل يقع عليها مايقع على الزوجة تعتد لامن طلاق ولا وفاة ، كما لو ظننت أنه طلقها أو مات عنها لم تعتد من طلاق إلا بيقين ، وهكذا لو تربصت سنين كثيرة بأمر حاكم واعتدت وتزوجت فطلقها الزوج الاول المفقود لزمها الطلاق ، وكذا إن آلى منها ، أو تظاهر ، أو قذفها ، لزمه مايلزم الزوج ، وهكذا لو تربصت بأمر حاكم أربع سنين ثم اعتدت فاكملت أربعة أشهر و عشرا ونكحت ودخل بها أو نكحت ولم يدخل بها أو لم تنكح وطلقها الزوج الاول المفقود في هذه الحالات لزمها الطلاق لانه زوج ، وهكذا لو تظاهر منها أو قذفها أو آلى منها لزمه ما يلزم المولى غير انه ممنوع من فرجها بشبهة بنكاح غيره فلا يقال له فئ حتى تعتد من الآخر إذا كانت دخلت عليه ، فإذا أكملت عدتها أجل من يوم تكمل عدتها أربعة أشهر ، وذلك حين حل له فرجها وإن أصابها فقد خرج من طلاق الايلاء وكفر وإن لم يصبها قيل له : أصبها أو طلق.
قال : وينفق عليها من مال زوجها المفقود من حين يفقد حتى يعلم يقين موته ، وإن أجلها حاكم أربع سنين أنفق عليها فيها وكذلك في الاربعة الاشهر والعشر من مال زوجها ، فاذا نكحت لم ينفق عليها من مال الزوج المفقود لانها مانعة له نفسها ، وكذلك لا ينفق عليها وهي في عدة منه لوطلقها أومات عنها ولو بعد ذلك ، ولم أمنعها النفقة من قبل إنها زوجة الآخر ، ولا إن عليها منه عدة ، ولا ان بينهما ميراثا ، ولا انه يلزمها طلاقه ، ولا شئ من الاحكام بين الزوجين إلا لحوق الولد به إن أصابها وإنما منعتها النفقة من الاول لانها مخرجة نفسها من يديه ومن الوقوف عليه ، كما تقف المرأة على زوجها الغائب بشبهة ، فمنعتها نفقتها في الحال التي كانت فيها مانعة له نفسها بالنكاح والعدة ، وهي لوكانت في المصر مع زوج فمنعته نفسها منعتها نفقتها بعصيانها ، ومنعتها نفقتها بعد عدتها من زوجها الآخر بتركها حقها من الاول وإباحتها نفسها لغيره ، على معنى انها خارجة من الاول ، ولو أنفق عليها في غيبته ثم ثبتت البينة على موته في وقت ردت كل ماأخذت من النفقة من حين مات فكان لها الميراث.
ولو حكم لها حاكم بأن تزوج فتزوجت فسخ نكاحها وإن لم يدخل بها فلا مهر لها ، وإن دخل بها فأصابها فلها مهرمثلها لا ماسمي لها وفسخ النكاح وإن لم يفسخ حتى مات أو ماتت فلا ميراث لها منه ولاله منها.
قال : ومتى طلقها الاول وقع عليها طلاقه ، ولوطلقها زوجها الاول أومات عنها وهي عند الزوج الآخر كانت عند غير زوج فكانت عليها عدة الوفاة والطلاق ولها الميراث في الوفاة والسكنى في العدة في الطلاق وفيمن رآه لها بالوفاة ، ولو مات الزوج الآخر لم ترثه وكذلك لايرثها لو ماتت.الخ.
فأنت بعد هذه كلها جد عليم بأنه لوكان على ما أفتى به الخليفتان مسحة من اصول الحكم والفتيا لما عدل عنه هؤلاء الائمة ، ولما خالفهما قبلهم مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام ، ولماقال عليه السلام في إمرأة المفقود إذا قدم وقد تزوجت امرأته : هي امرأته إن شاء طلق وإن شاء أمسك ولا تخير.
ولما قال عليه السلام : إذا فقدت المرأة زوجها لم تتزوج حتى تعلم أمره.
ولما قال عليه السلام : انها لا تتزوج.
ولما قال عليه السلام : ليس الذي قال عمر رضي الله عنه بشئ ، هي امرأة الغائب حتى يأتيها يقين موته أوطلاقها ، ولها الصداق من هذا بما استحل من فرجها ونكاحه باطل ولما قال عليه السلام : هي امرأة الاول دخل بهاالآخر أو لم يدخل بها.
ولما قال عليه السلام : امرأة ابتليت فلتصبر لا تنكح حتى يأتيها يقين موته.( 1 ) قال
* (هامش ) * (1 ) كتاب الام للشافعي 5 : 223 ، البيهقي 7 : 4 44 ، 446 ، مقدمات المدونة
الكبرى 2 : 103.
الشافعي بعد ذكر الحديث : وبهذا نقول.
وأميرالمؤمنين كما تعلم أفقه الصحابة على الاطلاق ، وأعلم الامة بأسرها ، وباب مدينة العلم النبوي ، ووارث علم النبي الاقدس على ما جاء عنه صلى الله عليه وآله ، فليتهما رجعا اليه صلوات الله عليه في حكم المسألة ولم يستبدا بالرأي المجرد كما استعلماه في كثير مما اربكهما من المشكلات ، وأنى لهما باقتحام المعضلات وهماهما ؟ وأي رأي هذا ضربت عنه الامة صفحا ؟ وكم له من نظير ؟ وكيف أوصى النبي الاعظم باتباع أناس هذه مقاييس آرائهم في دين الله ، وهذا مبلغهم من العلم ، بقوله فيهم : عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها؟( 1 )خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ( سورة ص : 22 )- 19-
الخليفة يأخذ حكم الله من أبي أخرج البيهقي في السنن الكبرى ، : 417 بالاسناد عن أبي عبيد قال : أرسل عثمان رضي الله عنه إلى أبي يسأل عن رجل طلق امرأته ثم راجعها حين دخلت في الحيضة الثالثة.قال أبي : إني أرى انه أحق بها مالم تغتسل من الحيضة الثالثة ، وتحل لها الصلاة.قال : لاأعلم عثمان رضي الله عنه إلا أخذ بذلك.
قال الاميني : صريح الرواية إن الخليفة كان جاهلا بهذا الحكم حتى تعلمه من أبي ؟ وأخذ بفتياه ، ولاشك ان الذي علمه هو خيرمنه ، فهلا ترك المقام له أولمن هوفوقه ؟ وفوق كل ذي علم عليم ، ولو ترك الامر لمن لايسأل غيره في أي من مسائل الشريعة لدخل مدينة العلم من بابها.
وحسبك في مبلغ علم الخليفة قول العيني في عمدة القاري 2 : 733 : إن عمر كان أعلم وأفقه من عثمان.وقد أوقفناك على علم عمر في الجزء السادس وذكرنا نوادر الاثرفي علمه ، فانظر ماذا ترى ؟.
- الخليفة يأخذ السنة من امرأة :
أخرج الامامان : الشافعي ومالك وغيرهما بالاسناد عن فريعة بنت مالك بن سنان
* (هامش ) * (1 ) اسلفنا الحديث في الجزء السادس ص 330 ط 2 وبينا المعنى الصحيح المرادمنه.
أخبرت : انها جاء‌ت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة وان زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه فسألت رسولله صلى الله عليه وسلم اني أرجع إلى أهلي فان زوجي لم يتركني في مسكن يملكه قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم.فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فدعيت له قال : فكيف قلت : فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي فقال : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله.قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به.
قال الشافعي في ( الرسالة ) : وعثمان في إمامته وفضله وعلمه يقضي بخبر امرأة بين المهاجرين والانصار.
قال في اختلاف الحديث : أخبرت الفريعة بنت مالك عثمان بن عفان ان النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تمكث بيتها وهي متوفى عنها حتى يبلغ الكتاب أجله فأتبعه وقضى به.
قال ابن القيم في زاد المعاد : حديث صحيح مشهور في الحجاز والعراق وأدخله مالك في موطأه ، واحتج به وبنى عليه مذهبه ، ثم ذكر تضعيف ابن حزم إياه وفنده وقال : ماقاله أبومحمد فغير صحيح.وذكر قول ابن عبدالبر في شهرته ، وانه معروف عند علماء الحجاز والعراق.
راجع الرسالة للشافعي ص 116 ، كتاب الام له 5 : 208 ، اختلاف الحديث له : هامش كتابه الام 7 : 22 ، موطأ مالك 2 : 36 ، سنن أبي داود 1 : 362 ، سنن البيهقي 7 : 434 ، أحكام القرآن للجصاص 1 : 496 ، زاد المعاد 2 : 404 ، الاصابة 4 : 386 ، نيل الاوطار
7 : 100 فقال : رواه الخمسة وصححه الترمذي ولم يذكر النسائي و ابن ماجة إرسال عثمان.
قال الاميني : هذه كسابقتها تكشف عن قصور علم الخليفة عما توصلت إليه المرأة المذكورة ، وهاهنا نعيد ماقلناه هنالك ، فارجع البصر كرتين ، وأعجب من خليفة يأخذ معالم دينه من نساء‌امته وهو المرجع الوحيد للامة جمعا ، يومئذ في كل ماجاء‌به الاسلام المقدس كتابا وسنة ، وبه سد فراغ النبي الاعظم ، وعليه يعول في مشكلات الاحكام وعويصات المسائل فضلا عن مثل هذه المسألة البسيطة.
ثم اعجب من ابن عمر أنه يرى من هذا مبلغ علمه أعلم الصحابة في يومه ، ما عشت أراك الدهر عجبا.
- رأي الخليفة في الاحرام قبل الميقات :
أخرج البيهقي في السنن الكبرى 5 : 31 بالاسناد عن داود بن أبي هند ان عبد الله ( 1 ) بن عامر بن كريز حين فتح خراسان قال : لاجعلن شكري لله أن أخرج من موضعي محرما فأحرم من نيسابور فلما قدم على عثمان لامه على ماصنع قال : ليتك تضبط من الوقت الذي يحرم منه الناس.
لفظ آخر من طريق محمد بن اسحاق قال : خرج عبدالله بن عامر من نيسابور معتمرا قد أحرم منها ، وخلف على خراسان الاحنف بن قيس ، فلما قضى عمرته أتى عثمان ابن عفان رضي الله عنه وذلك في السنة التي قتل فيها عثمان رضي الله عنه فقال له عثمان رضي الله عنه : لقد غررت بعمرتك حين أحرمت من نيسابور.
وقال ابن حزم في المحلى 7 : 7 7 : روينا من طريق عبدالرزاق نا ؟ معمرعن أيوب السختياني عن محمدبن سيرين قال : أحرم عبدالله بن عامر من حيرب ( 2 ) فقدم عثمان بن عفان فلامه فقال له : غررت وهان عليك نسكك.وفي لفظ ابن حجر : غررت بنفسك.
فقال ابن حزم : قال أبومحمد ( يعني نفسه ) : وعثمان لايعيب عملا صالحا عنده ولا مباحا وإنما يعيب مالا يجوز عنده لا سيما وقد بين انه هوان بالنسك والهوان بالنسك لايحل وقد أمرالله تعالى بتعظيم شعائرالحج.
وذكره ابن حجر في الاصابة 3 : 61 وقال : أحرم ابن عامر من نيسابور شكرا لله تعالى وقدم على عثمان فلامه على تغريره بالنسك.فقال : كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان ، ثم ذكر الحديث من طريق سعيد بن منصور وأبي بكر ابن أبي شيبة وفيه : أن ابن عامر أحرم من خراسان.فذكره من طريق محمد بن سيرين والبيهقي فقال : قال البيهقي : هوعن عثمان مشهور ( 3 ).
* (هامش ) * (1 ) هوابن خال عثمان بن عفان.كمافي الاصابة راجع ج 3 : 61.
( 2 ) وفي نسخة : جيرب.ولم اجد هما في المعاجم.
( 3 ) توجد كلمة البيهقي هذه في سننه الكبرى 5 : 31.
وذكر هذه كلها في تهذيب التهذيب 5 : 273 غير كلمة البيهقي في شهرة الحديث وفي تيسير الوصول 1 : 265 : عن عثمان رضي الله عنه : انه كره أن يحرم الرجل من خراسان وكرمان.أخرجه البخاري في ترجمته.
قال الاميني : إن الذي ثبت في الاحرام بالحج أو العمرة ان هذه المواقيت حد للاقل من مدى الاحرام بمعنى انه لا يعدوها الحاج وهو غير محرم ، وأما الاحرام قبلها من أي البلاد شئ أو من دويرة أهل المحرم ، فإن عقده باتخاذ ذلك المحل ميقاتا فلا شك انه بدعة محرمة كتأخيره عن المواقيت ، وأماإذا جئ به للاستزادة من العبادة عملا باطلاقات الخير والبر ، أو شكرا على نعمة ، أولنذر عقده المحرم فهو كالصلاة والصوم وبقية القرب للشكر أو بالنذر أو لمطلق البر ، تشمله كل من أدلة هذه العناوين ولم يرد عنه نهي من الشارع الاقدس ، وإنما المأثور عنه وعن أصحابه مايلي :
1- أخرج أئمة الحديث باسناد صحيح من طريق الاخنسي عن ام حكيم عن ام سلمة مرفوعا : من أهل من المسجد الاقصى لعمرة أو بحجة غفر الله ماتقدم من ذنبه.قال الاخنسي : فركبت ام حكيم عند ذلك الحديث إلى بيت المقدس حتى اهلت منه بعمرة.
وفي لفظ أبي داود والبيهقي والبغوي : من أهل بحجة أو عمرة من المسجد
الاقصى إلى المسجد الحرام غفر له ماتقدم من ذنبه وماتأخر.أو : وجبت له الجنة.
وفي لفظ : ووجبت له الجنة.
وفي لفظ ابن ماجة : من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له.
وفي لفظ له أيضا : من أهل بعمرة من بيت المقدس كانت له كفارة لما قبلها
من الذنوب.قالت : فخرجت أمي من بيت المقدس بعمرة.
وقال أبوداود بعد الحديث : يرحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس يعني إلى مكة.
راجع مسند أحمد 6 : 299 ، سنن أبي داود 1 : 275 ، سنن إبن ماجة 2 : 235 سنن البيهقي 5 : 30 ، مصابيح السنة للبغوي 1 : 170 ، والترغيب والترهيب للمنذري 2 : 61 ذكره بالالفاظ المذكورة وصححه من طريق ابن ماجة وقال : ورواه ابن حبان في صحيحه.
- الغدير 15 :
2- أخرج ابن عدي والبيهقي من طريق أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله
تعالى : " وأتموا الحج والعمرة لله ( 1 ) " : إن من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك.
سنن البيهقي 5 : 30 ، الدر المنثور 1 : 208 ، نيل الاوطار 5 : 26 قال : ثبت ذلك مرفوعا من حديث أبي هريرة.
3- أخرج الحفاظ من طريق علي أميرالمؤمنين انه قال في قوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله: إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
أخرجه وكيع ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والنحاس في ناسخه ص 34 ، وابن جرير في تفسيره 2 : 120 ، والحاكم في المستدرك 2 : 276 ، وصححه وأقره الذهبي ، والبيهقي في السنن الكبرى 6 : 30 ، والجصاص في أحكام القرآن 1 : 337 ، 354 ، تفسير ابن جزي 1 : 74 ، تفسير الرازي 2 : 162 تفسير القرطبي 2 : 343 ، تفسير ابن كثير 1 : 230 ، الدر المنثور 1 : 208 ، نيل الاوطار 5 : 26.
4- قال الجصاص في أحكام القرآن 1 : 310 : روي عن علي وعمر وسعيد بن جبير وطاوس قالوا : إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
وقال في ص 337 : أما الاحرام بالعمرة قبل الميقات فلاخلاف بين الفقهاء فيه.
وروي عن الاسودبن يزيد قال : خرجنا عمارا ، فلما انصرفنا مررنا بأبي ذر فقال : أحلقتم الشعث وقضيتم التفث ؟ أماإن العمرة من مدركم.وإنما أراد أبوذر : أن الافضل إنشاء العمرة من أهلك ، كما روي عن علي : تمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
وقال الرازي في تفسيره 2 : 162 : روي عن علي وابن مسعود : إن اتمامهما أن يحرم من دويرة أهله.وقال في ص 172 : أشتهر عن أكابر الصحابة إنهم قالوا : من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله.
وقال القرطبي في تفسيره 2 : 343 بعد ذكره حديث علي عليه السلام : وروي ذلك عن عمر وسعدبن أبي وقاص وفعله عمران بن حصين.ثم قال : أما ماروي عن علي وما فعله عمران بن حصين في الاحرام قبل المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال به عبدالله
* (هامش ) * (1 ) سورة البقرة : 195.
ابن مسعود وجماعة من السلف ، وثبت أن عمر أهل من ايلياء ( 1 ) وكان الاسود وعلقمة وعبدالرحمن وأبوإسحاق يحرمون من بيوتهم ، ورخص فيه الشافعي.ثم ذكر حديث أم سلمة المذكورة.
وقال ابن كثير في تفسيره 1 : 230 بعد حديث علي عليه السلام : وكذا قال ابن عباس
وسعيد بن جبير وطاوس وسفيان الثوري.
5- أخرج البيهقي في السنن الكبرى 5 : 30 من طريق نافع عن ابن عمر : انه أحرم من ايلياء عام حكم الحكمين.
وأخرج مالك في الموطأ 1 : 242 : ان ابن عمر أهل بحجة من ايلياء.وذكره ابن الديبع في تيسير الوصول 1 : 264 ، وسيوافيك عن ابن المنذر في كلام أبي زرعة : انه ثابت.
قال الشافعي في كتاب " الام " 2 : 118 : أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمروبن ديناد عن طاوس قال : " ولم يسم عمرو القائل إلا انا نراه ابن عباس " الرجل يهل من أهله ومن بعد مايجاوز أين شاء ولا يجاوز الميقات إلا محرما.إلى أن قال :
قلت : إنه لا يضيق عليه أن يبتدئ الاحرام قبل الميقات كمالا يضيق عليه لو أحرم من أهله ، فلم يأت الميقات إلا وقد تقدم باحرامه لانه قد أتى بماأمربه من أن يكون محرما من الميقات.اه‍.
قال ملك العلماء في بدايع الصنايع 2 : 164 : كلما قدم الاحرام على المواقيت هو أفضل وروي عن أبي حنيفة : ان ذلك أفضل إذا كان يملك نفسه أن يمنعها مايمنع منه الاحرام ، وقال الشافعي : الاحرام من الميقات أفضل بناء على أصله أن الاحرام ركن فيكون من أفعال الحج ، ولو كان كما زعم لما جاز تقديمه على الميقات لان أفعال الحج لايجوز تقديمها على أوقاتها ( 2 ) وتقديم الاحرام على الميقات جايز بالاجماع إذا كان في أشهر الحج ، والخلاف في الافضلية دون الجواز ، ولنا قوله تعالى : وأتموا
* (هامش ) * (1 ) ايلياء بالمد وتقصر : اسم مدينة بيت المقدس.
( 2 ) لا صلة بين ركنية الاحرام وكونه من افعال الحج وبين عدم جواز تقديمه على المواقيت كما زعمه ملك العلماء ، بل هو ركن يجوز تقديمه عليها لمامر من الادلة.
الحج والعمرة لله ، وروي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما انهما قالا : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.وروي عن أم سلمة.الخ.
وقال القرطبي في تفسيره 2 : 345 : أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه محرم ، وانما منع من ذلك من رأى الاحرام عند الميقات أفضل كراهية أن يضيق المرأ على نفسه ماوسع الله عليه ، وأن يتعرض بما لايؤمن أن يحدث في إحرامه ، وكلهم ألزمه الاحرام اذا فعل ذلك ، لانه زاد ولم ينقص.
وقال الحافظ ابوزرعة في طرح التثريب 5 : 5 قد بيناان معنى التوقيت بهذه المواقيت منع مجاوزتها بلا احرام إذا كان مريدا للنسك ، أماالاحرام قبل الوصول إليها فلا مانع منه عند الجمهور ، ونقل غير واحد الاجماع عليه ، بل ذهب طائفة من العلماء إلى ترجيح الاحرام من دويرة أهله على التأخير إلى الميقات وهو أحد قولي الشافعي ، ورجحه من أصحابه القاضي أبوالطيب والروياني والغزالي والرافعي وهو مذهب أبي حنيفة ، وروي عن عمر وعلي انهما قالا في قوله تعالى : واتموا الحج والعمرة لله : اتمامهما أن تحرم بهما من دويرة اهلك ، وقال ابن المنذر : ثبت ان ابن عمر اهل من ايلياء يعني بيت المقدس ، وكان الاسود وعلقمة وعبدالرحمن وأبواسحاق يحرمون من بيوتهم.انتهى.لكن الاصح عند النووي من قولي الشافعي : ان الاحرام من الميقات أفضل ، ونقل تصحيحه عن الاكثرين والمحققين ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وحكى ابن المنذر فعله عن عوام أهل العلم بل زاد مالك عن ذلك فكره تقدم الاحرام على الميقات ، وقال ابن المنذر : وروينا عن عمر انه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة ، وكره الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح ومالك الاحرام من المكان البعيد.انتهى.
وعن أبي حنيفة رواية أنه إن كان يملك نفسه عن الوقوع في محظور فالاحرام من دويرة أهله أفضل ، وإلا فمن الميقات ، وبه قال بعض الشافعية.
وشذ ابن حزم الظاهري فقال : إن أحرم قبل هذه المواقيت وهو يمر عليها فلا إحرام له أن ينوي إذا صار الميقات تجديد إحرام ، وحكاه عن داود وأصحابه وهو قول مردود بالاجماع قبله على خلافه قاله النووي ، وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات فهو محرم ، وكذا نقل الاجماع في ذلك الخطابي وغيره.اه‍.
وذكر الشوكاني في نيل الاوطار 5 : 26 جواز تقديم الاحرام على الميقات مستدلا عليه بما مر في قوله تعالى : واتموا الحج والعمرة لله.ثم قال : وأما قول صاحب المنار : انه لو كان أفضل لماتركه جميع الصحابة.فكلام على غير قانون الاستدلال ، وقد حكى في التلخيص انه فسره ابن عيينة فيما حكاه عنه أحمد بأن ينشئ لهما سفرا من أهله.لكن لا يناسب لفظ الاهلال الواقع في حديث الباب ولفظ الاحرام الواقع في حديث أبي هريرة.اه‍.
والامعان في هذه المأثورات من الاحاديث والكلم يعطي حصول الاجماع على جواز تقديم الاحرام على الميقات ، وإن الخلاف في الافضل من التقديم والاحرام من الميقات ، لكن الخليفة لم يعطي النظر حقه ، ولم يوف للاجتهاد نصيبه ، أو أنه عزبت عنه السنة المأثورة ، فطفق يلوم عبدالله بن عامر ، أو انه أحب أن يكون له في المسألة رأي خاص ، وقد قال شمس الدين أبوعبدالله الذهبي :
العلم قال الله قال رسوله * إن صح والاجماع فاجهد فيه
وحذار من نصب الخلاف جهالة * بين الرسول وبين رأي فقيه
وهلم معي واعطف النظرة فيما ذكرناه عن ابن حزم من أن عثمان لايعيب عملا صالحا.الخ.فانه غير مدعوم بالحجة غير حسن الظن بعثمان ، وهذا يجري في أعمال المسلمين كافة ما لم يزع عنه وازع ، وسيرة الرجل تأبي عن الظن الحسن به ، وأما مسألتنا هذه فقد عرفنا فيها السنة الثابتة وإن نهي عثمان مخالف لها ، وليس من الهين الفت في عضد السنة لتعظيم إنسان وتبرير عمله ، فان المتبع في كافة القرب ما ثبت من الشرع ، ومن خالفه عيب عليه كائنامن كان.
وأما تشبثه بالهوان بالنسك فتافه جدا ، وأي هوان بها في التأهب لها قبل ميقاتها بقربة مطلقة إن لم يكن تعظيما لشعائر الله ، وإنما الهوان المحرم بالنسك إدخال الآراء فيها على الميول والشهوات ، ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال و هذا حرام لتفتروا على الله الكذب ، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون." النمل 116 ".
- لولا علي لهلك عثمان :
أخرج الحافظ العاصمي في كتابه " زين الفتى في شرح سورة هل أتى " من طريق شيخه أبي بكر محمد بن إسحاق بن محمشاد يرفعه : أن رجلا أتى عثمان بن عفان وهو أميرالمؤمنين وبيده جمجمة إنسان ميت فقال : إنكم تزعمون النار يعرض على هذا و انه يعذب في القبر وأنا قد وضعت عليها يدي فلا أحس منها حرارة النار.فسكت عنه عثمان وأرسل إلى علي بن أبي طالب المرتضى يستحضره ، فلما أتاه وهو في ملا من أصحابه قال للرجل : أعد المسألة.فأعادها ، ثم قال عثمان بن عفان : أجب الرجل عنها ياأبا الحسن فقال علي : ايتوني بزند وحجر.والرجل السائل والناس ينظرون إليه فأتي بهما فأخذ هما وقدح منهما النار ، ثم قال للرجل : ضع يدك على الحجر.فوضعها عليه ثم قال : ضع يدك على الزند.فوضعها عليه فقال : هل أحسست منهما حرارة النار فبهت الرجل فقال عثمان : لولاعلي لهلك عثمان.
قال الاميني : نحن لا نرقب من عثمان وليد بيت أمية الحيطة بأمثال هذه العلوم التي هي من أسرار الكون ، وقد تقاعست عنها معرفة من هو أرقى منه في العلم ، فكيف به ؟ وإنما تقلها عيبة العلوم الالهية المتلقاة من المبدأ الاعلى منشئ الكون وملقي أسراره فيه ، وهو الذي أفحم السائل هاهنا وفي كل معضلة أعوز القوم عرفانها.
وإنماكان المترقب من عثمان بعد ماتسنم عرش الخلافة الحيطة بما كان يسمعه ويراه ويفهم ويعقل من السنة المفاضة على أفراد الصحابة ، لئلا يرتبك في موارد السؤال ، فيرتكب العظائم ويفتي بخلاف الوارد ، أو يرتأي رأيا عدت عنه المراشد لكن وياللاسف..
- رأي الخليفة في الجمع بين الاختين بالملك :
أخرج مالك في الموطأ 2 : 10 عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الاختين من ملك اليمين هل يجمع بينهما ؟ فقال عثمان : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، فأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك.قال : فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فقال : لوكان لي من الامر شئ ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا.قال ابن شهاب : أراه علي بن أبي طالب.
- لفظ آخر للبيهقي : عن ابن شهاب قال أخبرني قبيصة بن ذؤيب : ان نيارا الاسلمي سأل رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختين فيما ملكت اليمين فقال له : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، ولم أكن لافعل ذلك.قال : فخرج نيار من عند ذلك الرجل فلقيه رجل آخر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ماأفتاك به صاحبك الذي استفيته فأخبره فقال : إني أنهاك عنهما ولو جمعت بينهما ولي عليك سلطان عاقبتك عقوبة منكلة.
قال ملك العلماء في البدايع : وروي عن عثمان رضي الله عنه انه قال : كل شئ حرمه الله تعالى من الحرائر حرمه الله تعالى من الاماء إلا الجمع في الوطئ بملك اليمين وقال الجصاص في أحكام القرآن : وروي عن عثمان وابن عباس انهما أباحا ذلك وقالا : أحلتهما آية وحرمتهما آية.وقال : روي عن عثمان الاباحة ، وروي عنه أنه ذكر التحريم والتحليل وقال : لا آمربه ولا أنهى عنه.وهذا القول منه يدل على أنه كان ناظرا فيه غير قاطع بالتحليل والتحريم فيه فجائز أن يكون قال فيه بالاباحة ثم وقف فيه ، وقطع علي فيه بالتحريم.
وقال الزمخشري : أما الجمع بينهمافي ملك اليمين فعن عثمان وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا: أحلتهما آية وحرمتهما آية.فرحج علي التحريم وعثمان التحليل.
قال الرازي : عن عثمان انه قال : أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحليل أولى قال ابن عبدالبر في كتاب الاستذكار ( 1 ) : إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طالب لصحبته عبدالملك بن مروان ، وكانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
راجع السنن الكبرى للبيهقي 7 : 164 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 158 ، المحلى لابن حزم 9 : 522 ، تفسير الزمخشري 1 : 359 ، تفسير القرطبي 5 : 117 ، بدايع الصنايع
* (هامش ) * (1 ) في بيان حديث الموطأ المذكور في أول العنوان في قول قبيصة : فلقي رجلا.
للملك العلماء 2 : 264 ، تفسير الخازن 1 : 356 ، الدر المنثور 2 : 136 نقلا عن مالك والشافعي وعبدبن حميد وعبدالرزاق وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي ، تفسير الشوكاني 1 : 418 نقلا عن الحفاظ المذكورين.
قال الاميني : يقع البحث عن هذه المسألة في موردين الاول : في حكم الجمع بين الاختين بملك اليمين ووطأ هما جميعا فهو محرم على المشهور بين الفقهاء كما قاله الرازي في تفسيره
3 : 193.
وهو المشهور عن الجمهور والائمة الاربعة وغيرهم وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك كماقاله ابن كثير في تفسيره 1 : 472.
ولا يجوز الجمع عند عامة الصحابة كما في بدايع 2 : 264.
كان فيه خلاف بين السلف ثم زال وحصل الاجماع على تحريم الجمع بينهما بملك اليمين.واتفق فقهاء الامصار عليه كما قاله الجصاص في أحكام القرآن 2 : 158 وذهب كافة العلماء إلى عدم جوازه ولم يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى خلافه ( قول عثمان ) لانهم فهموا من تأويل كتاب الله خلافه ولا يجوز عليهم تحريف التأويل وممن قال ذلك من الصحابة عمر وعلي وابن عباس وعمار وابن عمر وعائشة وابن الزبير وهؤلاء أهل العلم بكتاب الله فمن خالفهم فهو متعسف في التأويل.كذاقاله القرطبي في تفسيره 5 : 116 ، 117.
وقال أبوعمر في الاستذكار : روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ابن عباس ولكن اختلف عليهم ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الامصار والحجاز والعراق ولا ما وراء هما من المشرق ولا بالشام والمغرب إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس ، وقد ترك من يعمل ذلك ظاهرا مااجتمعنا عليه ، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الاختين بملك اليمين في الوطئ كما لا يحل ذلك في النكاح.( 1 )
وحكيت الحرمة المتسالم عليها بين الامة جمعاء عن علي وعمر والزبير وابن عباس وابن مسعود وعائشة وعمار وزيدبن ثابت وابن عمر وابن الزبير وابن منبة واسحاق
* (هامش ) * (1 ) تفسير ابن كثير 1 : 473 ، تفسير الشوكاني 1 : 411.
ابن راهويه وابراهيم النخعي والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان والشعبي والحسن البصري وأشهب والاوزاعي والشافعي وأحمد واسحاق وأبي حنيفة ومالك.( 1 )
ومع المجمعين الكتاب والسنة فمن الكتاب إطلاق الذكر الحكيم في عد المحرمات في قوله تعالى: وأن تجمعوا بين الاختين ( سورة النساء 23 ) فقد حرمت الجمع بينهما بأي صورة من نكاح أو ملك يمين قال ابن كثير في تفسيره 1 : 473 : وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم.إلى آخر الآية ( 2 ) : أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء وكذلك يجب أن يكون نظرا و قياسا الجمع بين الاختين وامهات النساء والربائب ، وكذلك هو عند جمهور هم وهم الحجة المحجوج بها " على " من خالفها وشذ عنها.ه‍.
وقد تمسك بهذا الاطلاق الصحابة والتابعون والعلماء وأئمة الفتوى والمفسرون وكان مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام يشدد النكير على من يفعل ذلك ويقول : لوكان لي من الامر شئ ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا.أو يقول للسائل : إني أنهاك عنهما ولو جمعت بينهما ولي عليك سلطان عاقبتك عقوبة منكلة.
وروي عن أياس بن عامر انه قال : سألت علي بن أبي طالب فقلت : إن لي اختين مماملكت يميني إتخذت إحداهما سرية وولدت لي أولادا ثم رغبت في الاخرى فما أصنع ؟ قال : تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الاخرى ثم قال : انه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله من الحرائر إلا العدد.أو قال : إلا الاربع ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب.( 3 )
ولو لم يكن في هذا المورد غير كلام الامام عليه السلام لنهض حجة للفتوى فانه أعرف الامة بمغازي الكتاب وموارد السنة ، وهو باب علم النبي صلى الله عليهما وآلهما
* (هامش ) * (1 ) راجع احكام القرآن للجصاص 2 : 158 ، المحلى لابن حزم 9 : 522 ، 523 ، تفسير القرطبى 5 : 117 ، 118 ، تفسير أبى حيان 3 : 213 ، تفسير الرازى 3 : 193 ، الدر المنثور 2 ، 137.
( 2 ) هى آية : وان تجمعوا بين الاختين.
( 3 ) أخرجه الجصاص في أحكام القرآن 2 : 158 ، وأبوعمرفى الاستذكار ، وذكره ابن كثير
في تفسيره 1 : 472 ، والسيوطى في الدر المنثور 2 : 137.
وهو الذي خلفه صلى الله عليه وآله عدلا للكتاب ليتمسكوا بهما فلا يضلوا.
وقد أصفق على ذلك أئمة أهل البيت عليهم السلام من ولده وهم عترته صلى الله عليه وآله أعدال الكتاب وأبوهم سيدهم وقولهم حجة في كل باب.
وبهذه تعرف مقدار ما قد يعزى إلى امير المؤمنين عليه السلام من موافقته لعثمان في رأيه الشاذ عن الكتاب والسنة وقوله : أحلتمها آية وحرمتهما آية.وحاشاه عليه السلام من أن يختلف رأيه في حكم من أحكام الله ، غير ان رماة القول على عواهنه راقهم أن يهون على الامة خطب عثمان فكذبوا عليه صلوات الله عليه واختلقوا عليه ، قال الجصاص في أحكام القرآن 2 : 158 : قد روى اياس بن عامر انه قال لعلي : إنهم يقولون : إنك تقول : أحلتهما آية وحرمتهما آية.فقال : كذبوا.
ومن السنة للمجمعين ما استدل به على الحرمة ابن نجيم في البحر الرائق 3 : 95 ، وملك العلماء في بدايع الصنايع 2 : 264 وغيرهما من قوله صلى الله عليه وآله : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعن ماء‌ه في رحم أختين.
- المورد الثا ني : وهل هناك ما يخصص الحرمة المستفادة من القرآن بالسنة إلى ملك اليمين ؟ يدعي عثمان ذلك فقال : أحلتهما آية وحرمتهما آية.ولم يعين الآية المحللة كما يعينها غيره من السلف ، نعم : أخرج عبدالرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن حاتم والطبراني من طريق ابن مسعود انه سئل عن الرجل يجمع بين الاختين الامتين فكرهه ، فقيل : يقول الله تعالى : إلاما ملكت ايمانكم.فقال وبعيرك أيضا مما ملكت يمينك.
وفي لفظ ابن حزم : إن حملك مما ملكت يمينك ( 1 )
وقال الجصاص في أحكام القرآن 2 : 158 : يعنون بالمحلل قوله تعالى : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ايمانكم.والقول بهذا بعيد عن نطاق فهم القرآن وعرفان أسباب نزول الآيات ، ولا تساعده الاحاديث الواردة في الآية الكريمة ، وأنى للقائل من ثبوت التعارض بين الآيتين بعد ورودهما في موضوعين مختلفين ؟ ولاعلام القوم في المقام بيانات ضافية قيمة نقتصر منها بكلام الجصاص قال في " أحكام القرآن " 2 : 199 : إن
* (هامش ) * (1 ) المحلى لابن حزم 9 : 524 ، تفسير ابن كثير 1 : 472 ، الدر المنثور 2 : 137 نقلا عن الحفاظ المذكورين.
الآيتين غير متساويتين في إيجاب التحريم والتحليل وغير جائز الاعتراض بأحدهما على الاخرى إذ كل واحدة منهما ورود ها في سبب غير سبب الاخرى وذلك : لان قوله تعالى : وأن تجمعوا بين الاختين.وارد في حكم التحريم كقوله تعالى : وحلائل أبنائكم.وأمهات نسائكم.وسائر من ذكر في الآية تحريمها.وقوله تعالى : والمحصنات من النساء إلا ماملك أيمانكم.في إباحة المسبية التي لها زوج في دار الحرب ، وأفاد وقوع الفرقة وقطع العصمة فيما بينهما ، فهو مستعمل فيهما ورد فيه من ايقاع الفرقة بين المسبية وبين زوجها وإباحتها لمالكها ، فلا يجوز الاعتراض به على تحريم الجمع بين الاختين ، إذكل واحدة من الآيتين واردة في سبب غير سبب الاخرى ، فيستعمل حكم كل واحدة منهما في السبب الذي وردت فيه.قال :
ويدل على ذلك انه لاخلاف بين المسلمين في أنها لم تعترض على حلائل الابناء وأمهات النساء وسائر من ذكر تحريمهن في الآية ، وانه لا يجوز وطئ حليلة الابن ولا أم المرأة بملك اليمين ولم يكن قوله تعالى : " إلاما ملكت ايمانكم " موجبا لتخصيصهن لوروده في سبب غير سبب الآية الاخرى ، كذلك ينبغي أن يكون حكمه في اعتراضه على تحريم الجمع وامتناع علي رضي الله عنه ومن تابعه في ذلك من الصحابة من الاعتراض بقوله تعالى : " إلا ما ملكت أيمانكم ".على تحريم الجمع بين الاختين يدل على أن حكم الآيتين إذا وردتا في سببين إحداهما في التحليل و الاخرى في التحريم ان كل واحدة منهما تجري على حكمهما في ذلك السبب ولا يعترض بها على الاخرى ، وكذلك ينبغي أن يكون حكم الخبرين إذا وردا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك.الخ.
ونحن نردف كلام الجصاص بماورد في سبب نزول قوله تعالى : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم.وإنه كما سمعت من الجصاص غير السبب الوارد فيه قوله تعالى : وأن تجمعوا بين الاختين.أخرج مسلم في صحيحه وغيره بالاسناد عن أبي سعيد الخدري قال : أصبنا نساء
من سبي أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم.فاستحللنا بها فروجهن
وفي لفظ أحمد : إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا يوم أطاس لهن أزواج من أهل الشرك فكان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من
من غشيانهن قال : فنزلت هذه الآية في ذلك : " والمحصنات من النساء إلا ماملكت أيمانكم ".
وفي لفظ النسائي : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا إلى أوطاس فلقوا عدوا فقاتلوهم وظهروا عليهم فأصابوا لهم سبايا لهن أزواج في المشركين فكان المسلمون تحرجوا من غشيانهن فأنزل الله عزوجل : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم.
راجع صحيح مسلم 1 : 416 ، 417 ، صحيح الترمذي 1 : 135 ، سنن أبي داود 1 : 336 ، سنن النسائي 6 : 110 ، مسند أحمد 3 : 72 ، 84 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 165 ، سنن البيهقي 7 : 167 ، المحلى لابن حزم 9 : 447 ، مصابيح السنة 2 : 29 ، تفسير القرطبي
5 : 121 ، تفسير البيضاوي 1 : 269 ، تفسير ابن كثير 1 : 372 ، تفسير الخازن 1 : 375 ، تفسير الشوكاني 1 : 418.
وعلى ذلك تأوله علي وابن عباس وعمر وعبدالرحمن بن عوف وابن عمر وابن مسعود وسعيدبن المسيب وسعيد بن جبير وقالوا : إن الآية وردت في ذوات الازواج من السبايا ابيح وطؤهن بملك اليمين ووجب بحدوث السبي عليها دون زوجها وقوع الفرقة بينهما ( 1 ).
وقال القرطبي في تفسيره 5 : 121 : قد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقال ابن عباس وأبوقلابة وابن زيد ومكحول والزهري وأبوسعيد الخدري : المراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الازواج خاصة ، أي هن محرمات إلا ما مملكت اليمين بالسبي من أرض الحرب ، فإن تلك حلال للذي تقع في سهمه وإن كان لها زوج.وهو قول الشافعي في أن السباء يقطع العصمة ، وقاله ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك ، و وقال به أشهب ، يدل عليه مارواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري " وذكر الحديث فقال " : وهذا نص صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن وطئ المسبيات ذوات الازواج ، فأنزل الله تعالى في جوابهم : إلا ما ملكت
* (هامش ) * (1 ) احكام القرآن للجصاص 2 : 165 ، سنن البيهقي 7 : 167 ، تفسير الشوكاني 1 : 418.
ايمانكم وبه قال مالك وأبوحنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبوثور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.اه‍.
- قول آخر في الآية المحللة :
قال ملك العلماء في بدايع الصنايع 2 : 264 ، والزمخشري في تفسيره 1 : 359 : عني عثمان بآية التحليل قوله عزوجل : إلاعلى أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ( 1 ).وهذا إنما يتم بالتمسك بعموم ملك اليمين لكن الممعن في لحن القول يجد انه لايجوز الاخذ بهذا العموم لانه في مقام بيان ناموس العفة للمؤمنين بأن صاحبها يكون حافظا لفرجه إلا فيما أباح له الشارع في الجملة من زوجة أو ملك يمين فقال : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أوما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين ولا ينافي هذا وجود شروط في كل منهما ، فإن العموم لا يبطل تلكم الشروط الثابتة من الشريعة ، وإنما هي التي تضيق دائرة العموم وهي الناظرة عليه ، مثلا لا يقتضي هو إباحة وطي الزوجة في حال الحيض والنفاس وفي أيام شهر رمضان وفي الاحرام والايلاء والظهار والمعتدة من وطئ بشبهة ، ولا إباحة وطي الاختين ولا وطئ الامة ذات الزوج فإن هذه شرايط جاء بها الاسلام لا يخصصها أي شئ ، ولا يعارض أدلتها عموم إلاعلى أزواجهم أو ماملكت ايمانهم.
ولو وسعنا عموم الآية لوجب أن نبيح كل هذه أو نراها تعارض أدلتها ، ولنا عندئذ أن نقول في نكاح الاختين وفي بقية ماورد في الكتاب مما ذكر : احلته آية وحرمته آية.فقد استثنيا " الزوجة وملك اليمين " بنسق واحد وهذا مما لا يفوه به أي متفقه.
وكذالك لوأخذ بعمومها في الرجال والنساء كما جوزه الجصاص لوجب أن نبيح للمرأة المالكة أن يطأها من تملكه ، وهذا لايحل إجماعا من أئمة المذاهب.
وقال ابن حزم في المحلى 9 : 524 : لاخلاف بين أحد من الامة كلها قطعا متيقنا في أنه ليس على عمومه ، بل كلهم مجمع قطعا على أنه مخصوص ، لانه لا خلاف ولاشك
* (هامش ) * (1 ) سورة المؤمنين آية 6.
في أن الغلام من ملك اليمين وهوحرام لايحل ، وان الام من الرضاعة من ملك اليمين والاخت من الرضاعة من ملك اليمين ، وكلتاهما متفق على تحريمهما ، أو الامة يملكها الرجل قد تزوجها أبوه ووطأها وولد منها حرام على الابن.
وقال : ثم نظرنا في قوله تعالى : وأن تجمعوا بين الاختين.وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن.ولا تنكح المشركات حتى يؤمن.ولم يأت نص ولا إجماع على أنه مخصوص حاش زواج الكتابيات فقط ، فلا يحل تخصيص نص لا برهان على تخصيصه ، وإذ لابد من تخصيص ماهذه صفتها أو تخصيص نص آخر لا خلاف في أنه مخصص ، فتخصيص المخصوص هو الذي لايجوز غيره.اه‍.
وأما ماقيل ( 1 ) من أن الآية المحللة قوله تعالى : وأحل لكم ماوراء ذلكم.
في ذيل آية عد المحرمات فباطل أيضا فانه بمنزلة الاستثناء مماقبله من المحرمات ومنها الجمع بين الاختين ، وقد عرفت ان الامة صحابيها وتابعيها وفقهائها مجمعة على عدم الفرق في حرمة الجمع بين الاختين في الوطئ نكاحا وملك يمين ، ولم يفرقوا بينهما قط ، وهو الحجة ، على أن ملاك التحريم في النكاح وهو الوطي موجود في ملك اليمين فالحكم فيهما شرع سواء في المراد مما وراء ذلك هوما وراء المذكورات كلهامن الامهات والبنات إلى آخرمافيها ، ومنها الجمع بين الاختين بقسميه.
وعلى فرض الاغضاء عن كل هذه وعن أسباب نزول الآيات وتسليم إمكان المعارضة بين الآيتين فان دليل الحظر مقدم على دليل الاباحة في صورة التعارض ووحدة سبب الدليلين كمابينه علماء علم الاصول ونص عليه في هذه المسألة الجصاص في أحكام القرآن 2 : 158 ، والرازي في تفسيره 3 : 193.
لكن عثمان كان لايعرف كل هذا ، ولاأحاط بشئ من أسباب نزول الآيات فطفق يغلب دليل الاباحة في مزعمته على دليل التحريم المتسالم عليه عند الكل ، وقد عزب عنه حكم العقل المستدعي لتقديم أدلة الحرمة دفعا للضرر المحتمل ، وقد شذ بذلك عن جميع الامة كما عرفت تفصيله ولم يوافقه على هذا الحسبان أي أحد إلا مايعزى
* (هامش ) * (1 ) تفسير القرطبي 5 : 117 ، تفسير ابن كثير 1 : 474.
إلى ابن عباس بنقل مختلف فيه كمامر عن أبي عمر في الاستذكار.
وفي كلا م الخليفة شذوذ آخر وهو قوله : كل شئ حرمه الله تعالى من الحرائر حرمه الله تعالى من الاماء إلا الجمع باالوطئ بملك اليمين.فهو باطل في الاستثناء والمستثنى منه ، أما الاستثناء فقد عرفت إطباق الكل على حرمة الجمع بين الاختين بالوطئ بملك اليمين معتضدا بالكتاب والسنة ، وأما المستثنى منه فقد أبقى فيه ما هو خارج منه بالاتفاق من الامة جمعاء وهو العدد المأخوذ في الحرائر دون الاماء.
لقد فتحت أمثال هذه المزاعم الباطلة الشاذة عن الكتاب وفقه الاسلام باب الشجار على الامة بمصراعيه ، فانها في الاغلب لا تفقد متابعا أو مجادلا قد ضلوا وأضلوا وهم لا يشعرون ، وهناك شرذمة سبقها الاجماع ولحقها من أهل الظاهر لايأبه بهم لم يزالوا مصرين على رأي الخليفة في هذه المسألة ، لكنهم شذاذ عن الطريقة المثلى ، قال القرطبي في تفسيره 5 : 117 : شذ أهل الظاهر فقالوا : يجوز الجمع بين الاختين بملك اليمين في الوطئ كما يجوز الجمع بينهما في الملك ، واحتجوا بما روي عن عثمان في الاختين من ملك اليمين : حرمتهما آية وأحلتهما آية.
ولئن اتبعت أهواء‌هم من بعد ماجاء‌ك من العلم إنك إذا لمن الظالمين." البقرة 145 "
- رأي الخليفة في رد الاخوين الام عن الثلث :
أخرج الطبري في تفسيره 4 : 188 من طريق شعبة عن ابن عباس : انه دخل على عثمان رضي الله عنه فقال : لم صارالاخوان يردان الام إلى السدس وإنما قال الله : فإن كان له إخوة.والاخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة ؟ فقال عثمان رضي الله عنه : هل أستطيع نقض أمر كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الامصار وفي لفظ الحاكم والبيهقي : لا أستطيع أن أرد ماكان قبلي ومضى في الامصار وتوارث به الناس.
أخرجه الحاكم في المستدرك 4 : 335 وصححه ، والبيهقي في سنن الكبرى 6 : 227 ، وابن حزم في المحلى 9 : 258 ، وذكره الرازي في تفسيره 3 : 163 ، وابن كثير في تفسيره
1 : 459 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 : 126 ، والآلوسي في روح المعاني 4 : 225.
قال الاميني : ماأجاب به الخليفة ابن عباس ينم عن عدم تضلعه في العربية مع انها لسان قومه ، ولو كان له قسط منها لاجاب ابن عباس بصحة إطلاق الجمع على الاثنين وانه المطرد في كلام العرب ، لا بالعجز عن تغيير ما غلط فيه الناس كلهم العياذ بالله وما هو ببدع في ذلك عمن تقدماه يوم لم يعرفا معنى " الاب " وهو من صميم لغة الضاد ومشروح بما بعده في الذكر الحكيم ، فان إطلاق الاخوة على الاخوين قد لهج به جمهور العرب ولذلك لا تجد أي خلاف في حجب الاخوين الام عن الثلث إلى السدس بين الصحابة العرب الاقحاح ، والتابعين الذين نزلوا منزلتهم من العربية الفصحاء ، والفقهاء من مذاهب الاسلام ، ولا استناد لهم في الحكم إلا الآية الكريمة ، وما ذلك إلا لتجويزهم إطلاق الجمع على الاثنين سواء كان ذلك أقله أو توسعا مطردا في الاطلاق.
قال الطبري في تفسيره 4 : 187 : قال جماعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم باحسان ومن بعدهم من علماء أهل الاسلام في كل زمان : عنى الله جل ثناؤه بقوله: فإن كان له إخوة فلامه السدس.إثنين كان الاخوة أو أكثر منهما ، أنثيين كانتا أو كن اناثا ، أو ذكرين كانا أو ذكورا ، أو كان أحدهما ذكرا والآخر انثى ، واعتل كثير ممن قال ذلك بان ذلك قالته الامة عن بيان الله جل ثناؤه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقلته أمة نبيه نقلا مستفيضا قطع العذر مجيئه ، ودفع الشك فيه عن قلوب الخلق وروده ( ثم نقل حديث ابن عباس المذكور فقال ) : والصواب من القول في ذلك عندي أن المعني بقوله : فان كان له إخوة.إثنان من أخوة الميت فصاعدا على ماقاله أصحاب رسول الله دون ماقاله ابن عباس رضي الله عنه (1 ) لنقل الامة وراثة صحة ما قالوه من ذلك عن الحجة وإنكارهم ماقاله ابن عباس في ذلك.
قال: فإن قال قائل : وكيف قيل في الاخوين اخوة ؟ وقد علمت أن الاخوين في منطق العرب مثالا لايشبه مثال الاخوة في منطقها ؟ قيل : إن ذلك كان كذلك فان من شأنها التأليف بين الكلامين بتقارب معنييهما وإن اختلفا في بعض وجوههما فلما كان ذلك
* (هامش ) * (1 ) سيوافيك فساد عزو الخلاف إلى ابن عباس.
كذلك وكان مستفيضا في منطقها ، منتشرا مستعملا في كلامها : ضربت من عبدالله وعمرو رؤسهما ، وأوجعت منهما ظهورهما ، وكان ذلك أشد إستفاضة في منطقها من أن يقال : أوجعت منهماظهر هما ، وإن كان مقولا أوجعت ظهرهما كماقال الفرزدق :
بما في فؤادينا من الشوق والهوى * فيبرأ منهاض الفؤاد المشغف
غير أن ذلك وإن كان مقولا فأفصح منه بمافي أفئدتنا كما قال جل ثناؤه : إن تتوباإلى الله فقد صغت قلوبكما.فلما كان ماوصفت من إخراج كل ماكان في الانسان واحدا إذا ضم إلى الواحد منه آخر من انسان آخر فصارا اثنين من اثنين فلفظ الجمع أفصح في منطقها وأشهر في كلامها ، وكان الاخوان شخصين كل واحد منهما غير صاحبه من نفسين مختلفين أشبه معناها معنى ماكان في الانسان من اعضائه واحدا لاثاني له ، فاخرج انثييهما بلفظ انثي العضوين اللذين وصفت ، فقيل : إخوة.في معنى الاخوين ، كما قيل : ظهور.في معنى الظهرين ، وأفواه في معنى فموين ، وقلوب في معنى قلبين.وقد قال بعض النحويين إنما قيل : إخوة ، لان اقل الجمع اثنان.الخ.اه‍
وأخرج الحاكم باسناد صححه في المستدرك 4 : 335 ، والبيهقي في السنن 6 : 227 عن زيد بن ثابت انه كان يحجب الام بالاخوين فقال : إن العرب تسمي الاخوين إخوة.وذكره الجصاص في أحكام القران 2 : 99.
وأخرج ابن جرير في تفسيره 4 : 189 وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى : فإن كان له إخوة فلامه السدس.قال : أضروا بالام ، ولا يرثون ولا يحجبهاالاخ الواحد من الثلث ويحجبها مافوق ذلك.( الدر المنثور 2 : 126 ) وذكر الجصاص في احكام القرآن 2 : 98 قول الصحابة بحجب الاخوين الام عن الثلث كاالاخوة فقال : والحجة : ان اسم الاخوة قد يقع على الاثنين كما قال تعالى : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما.وهما قلبان.وقال تعالى : هل أتاك نبأ
الخصم إذتسوروا المحراب.ثم قال تعالى : خصمان بغى بعضنا على بعض.
فأطلق لفظ الجمع على إثنين.وقال تعالى : وإن كانوا إخوة رجالا ونساء‌ا فللذكر مثل حظ الانثيين.فلو كان أخا وأختا كان حكم الآية جاريا فيهما.الخ.( 1 )
* (هامش ) * (1 ) بقية كلامه لا تخلوعن فوائد.فراجع الجصاص أحد أئمة الحنفية.
- الغدير 16 :
قال مالك في الموطأ 1 : 331 : فان كان له إخوة فلامه السدس فمضت السنة أن الاخوة إثنان فصاعدا.
وفي عمدة السالك وشرحه فيض المالك 2 : 122 : فإن كان معها أي الام ولد أوكان معها ولد ابن ذكر أوانثى أو كان معها عدد اثنان فأكثر من الاخوة ومن الاخوات فلها السدس لقوله تعالى : فإن كان له إخوة فلامه السدس.والمراد بهم إثنان فاكثر اجماعا.( 1 )
وقال الشافعي كمافي مختصر المزني هامش كتاب الام 3 : 140 : وللام الثلث فان كان للميت ولد أو ولد ولد أو اثنان من الاخوء أو الاخوات فصاعدا فلها السدس.
وقال ابن كثير في تفسيره 1 : 459 : حكم الاخوين كحكم الاخوة عند الجمهور ثم ذكر حديث زيد بن ثابت من ان أخوين تسمي إخوة.
وقال الشوكاني في تفسيره 1 : 398 : قد أجمع أهل العلم على أن الاثنين من الاخوة يقومون مقام الثلاثة فصاعدا في حجب الام إلى السدس.
هذا رأي الامة في الاخوة فقد عزب عن الخليفة صحة الاطلاق في الآية الكريمة في لسان قومه ، وان السلف لم يعرف من الاخوة معنى إلا ما يعم الاخوين وزعم أن من كان قبله شذوا عن لسان قومه ، وذهبوا إلى حجب الام بالاخوين خلاف كتاب الله ، وجاء يأسف على أنه لم يستطع تغيير ماوقع ونقض ماكان من الناس ، هذا مبلغ علم الرجل بالكتاب وأدلة الاحكام والفروض المسلمة بين الامة.
وأما ابن عباس فانه لم يشذ عن لغة قومه وهو من جبهة العرب وعلى سنام قريش ومن بيت هم أفصح من نطق بالضاد ، وإنما أراد باستفهامه من الخليفة أن يعرف الملا مقداره من أبسط شئ يجب أن يكون في مثله فضلا عن معضلات المسائل وهو الحيطة باللغة وعرفان موارد الاستعمال حتى يتسنى له أخذالحكم من الكتاب والسنة اللذين جاء‌ا بهذه اللغة الكريمة ، ولذلك أتى في قوله بصورة الاستفهام عن مدرك الحكم لاعن أصله ، فإن الحكم كان مسلما عنده لا أن ماقاله للخليفة كان رأيا له في الخلاف في حجب الاخوين ، وإلا لتبعه أصحابه المقتصين أثره ، لكنهم كلهم موافقون للامة وعلمائها
* (هامش ) * (1 ) هذامذهب الحنابلة والكتاب لاحد أئمتهم.
في حجب الاخوين كما ذكره ابن كثير في تفسيره 1 : 459 فعد ابن عباس مخالفا في المسألة بهذه الرواية كما فعله الطبري في تفسيره 4 : 188 ، وابن رشد في البداية 2 : 327 وغيرواحد من الفقهاء وأئمة الحديث ورجال التفسير أغلوطة نشأت من عدم فهم مغزى كلامه.
- رأي الخليفة في المعترفة بالزنا :
عن يحيى بن حاطب قال : توفي حاطب فأعتق من صلى من رقيقه وصام وكانت له أمة نوبية قدصلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه فلم ترعه إلا بحبلها وكانت ثيبا فذهب إلى عمر رضي الله عنه فحدثه فقال : لانت الرجل لاتأتي بخير ، فأفزعه ذلك فأرسل إليها عمر رضي الله عنه فقال : أحبلت ؟ فقالت : نعم من مرعوش بدرهمين.فاذا هي تستهل بذالك لاتكتمه قال : وصادف عليا وعثمان وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهم فقال : أشيروا علي وكان عثمان رضي الله عنه جالسا فاضطجع فقال علي وعبدالرحمن : قد وقع عليها الحد.
فقال : أشر علي ياعثمان فقال : قد أشارعليك أخواك ، قال : أشر علي أنت.قال : أراها تستهل به كأنها لا تعلمه وليس الحد إلا على من علمه فقال : صدقت صدقت والذي نفسي بيده ، ماالحد إلا على من علمه.فجلد ها عمر مائة وغربها عاما.
قال الاميني : أسلفنا هذا الحديث في الجزء السادس ( 1 ) وتكلمنا هنالك حول رأي الخليفة الثاني وما أمر به من الجلد والاغتراب وانه خارج عن نطاق الشرع ، وهاهنا ننظر إلى رأي عثمان وفتياه بعدم الحد.
ولو كان ما يقوله الخليفة حقا لبطلت الاقارير والاعترافات في أمثال المورد فيقال في كلها انه لا يعلم الحد ولو علمه لاخفاه خيفة إجرائه عليه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحد بالاقرار ولو بعد استبراء الخبر والتريث في الحكم رجاء أن تكون هناك شبهة يدرأ بها الحد فكان صلى الله عليه وآله يقول للمعترف بالزنا : أبك جنون ؟ ( 2 ) أو يقول : لعلك قبلت
* (هامش ) * (1 ) صفحة 161 ط 1 ، و 174 ط 2.
( 2 ) كما في صحيح أخرجه البخاري ومسلم والبيهقي في السنن 8 : 225.
أو غمزت أو نظرت ؟ ( 1 ) وكذلك مولا نا أميرالمؤمنين علي وقبله الخليفة الثاني كانا يدافعان
المعترف رجاء أن ينتج الاخذ والرد لشبهة في الاقرار ، لكنهما بعد ثبات المعترف على ماقال كانا يجريان عليه الحد ، ألا ترى قول عمر للزانية : مايبكيك ؟ إن المرأة ربما استكرهت على نفسها.فاخبرت إن رجلا ركبها وهي نائمة فخلى سبيلها ، وإن عليا عليه السلام قال لشراحة حين أقرت بالزنا : لعلك عصيت نفسك ؟ قالت : أتيت طائعة غير مكرهة فرجمها ( 2 )
ولعل من جراء أمثال هذه القضايا طرق سمع الخليفة ان الحدود تدرأ بالشبهات ، والحدود تدفع ما وجد لها مدفع ، غير أنه لم يدر ان للاقرار ناموسا في الشريعة لا يعدوه ولا سيما في مورد الزنا فانه يؤاخذ به المعترف في أول مرة كما تعطيه قصة العسيف الواردة في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما ، أو بعد أربع أقارير إما في مجلس واحد كما ورد في قصة الماعز في لفظ الشيخين في الصحيحين ، أوفي عدة مجالس كما يظهر من حديث زاني بني ليث الوارد في سنن البيهقي 8 : 228 ، فتقوم تلكم الاقارير مقام أربع شهادات ، كما وقع في سارق جاء إلى علي فقال : إني سرقت ، فرده فقال : إني سرقت.فقال : شهدت على نفسك مرتين فقطعه (3).وقد عزب عن الخليفة فقه المسألة كمابيناه ، وهي على ماجاء‌ت في الاحاديث المذكورة يختلف حكمها عند أئمة المذاهب قال القاضي ابن رشد في بداية المجتهد 2 : 429 : أما عدد الاقرار الذي يجب به الحد فان مالكا ( 4 ) والشافعي ( 5 ) يقولان يكفي في وجوب الحد عليه إعترافه به مرة واحدة وبه قال داود وأبوثور الطبري وجماعة ، وقال أبوحنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى : لا يجب الحد إلا بأقارير أربعة مرة بعد مرة ، وبه قال أحمد واسحاق ، وزاد أبوحنيفة وأصحابه في مجالس متفرقة.
* (هامش ) * (1 ) كما في حديث ماعز وقد أخرجه غيرواحد من اصحاب الصحاح وفي مقدمهم البخارى في صحيحه 10 : 39.
( 2 ) أخرجهما الجصاص في أحكام القرآن 3 : 325.
( 3 ) كنز العمال 3 : 117 نقلا عن عبدالرزاق وابن المنذر والبيهقي.
( 4 ) ذكر تفصيل ماذهب اليه في الموطأ والمدونة الكبرى.
( 5 ) يوجد تفصيل قوله في كتابه الام 7 : 169.
ثم ما ذايعني الخليفة بقوله : أراها تستهل به كأنها لا تعلمه ، وليس الحد إلا على من علمه ؟ هل يريد جهلها بالحد أو بحرمة الزنا ؟ أما العلم بثبوت الحد فليس له أي صلة بإجراء حكم الله فانه يتبع تحقق الزنا في الخارج علم الزاني أو الزانية بترتب الحد عليهما أم لم يعلما.
على انه ليس من الممكن في عاصمة النبوة أن يجهل ذلك أي أحد وهو يشاهد في الفينة بعد الفينة مجلودا تنال منه السياط ، ومرجوما تتقاذفه الاحجار.
وأماحرمة الزنا فلا يقبل من المتعذر بالجهل بها إلا حيث يمكن صدقه كمن عاش في أقاصي البراري والفلوات والبقاع النائية عن المراكز الاسلامية ، فيمكن أن يكون الحكم لم يبلغه بعد ، وأما المدني يومئذ الكائن بين لوائح النبوة ومجاري الاحكام والحدود وتحت سيطرة الخلفاء ، وهو يعي كل حين التشديد في الزنا وحرمته ، ويشاهد العقوبات الجارية على الزناة من جراء حرمة السفاح ، فعقيرة ترتفع من ألم السياط ، وجنازة تشال بعد الرجم ، فليس من الممكن في حقه عادة أن يجهل حرمة الزنا فلا تقبل منه دعواه الجهل ، ولعل هذامما اتفقت عليه أئمة المذاهب ، قال مالك في المدونة الكبرى 4 : 382 في الرجل يطأ مكاتبته يغتصبها أو تطاوعه : لا حد عليه وينكل إذا كان ممن لا يعذر بالجهالة.
وقال فيمن يطلق امرأته تطليقة قبل البناء بها فيطؤها بعد التطليقة ويقول : ظننت أن الواحدة لا تبينها مني وانه لا يبرأها مني إلا الثلاث : قال ابن القاسم : ليس عليه الحد إن عذر بالجهالة ، فأرى في مسألتك إن كان ممن يعذر بالجهالة أن يدرأ عنه الحد لان مالكا قال في الرجل يتزوج الخامسة : إن كان ممن يعذر بالجهالة وممن يظن انه لم يعرف أن ما بعد الاربع ليس مما حرم الله ، أو يتزوج أخته من الرضاع على هذاالوجه ، فان مالكا درأ عنه الحد وعن هؤلاء.
وفي ص 401 : من وطئ جارية هي عنده رهن انه يقام عليه الحد ،
قال ابن القاسم : ولا يعذر في هذاأحد ادعى الجهالة.قال مالك : حديث التي قالت زينب بمرعوش بدرهمين ( 1 ) انه لا يؤخذبه.وقال مالك : أرى أن يقام الحد ولا يعذرالعجم بالجهالة.
* (هامش ) * (1 ) يعني الحديث المذكور في عنوان المسألة الذي نبحث عمافيه.
وقال الشافعي في كتاب الام 7 : 169 في زناء الرجل بجارية امرأته : إن زناه بجارية امرأته كزناه بغيرها إلا أن يكون ممن يعذر بالجهالة ويقول : كنت أرى أنها لي حلال.
قال شهاب الدين أبوالعباس ابن النقيب المصري في عمدة السالك : ومن زنى و قال :
لاأعلم تحريم الزنا وكان قريب العهد بالاسلام أو نشأ ببادية بعيدة لا يحد ، وإن لم يكن كذلك حد ( 1 ).اه‍.
ولو قبل من كل متعذر بالجهالة لعطلت حدودالله ، وتترس به كل زان و زانية ، وشاع الفساد ، وساد الهرج ، وارتفع الامن على الفروج والنواميس ، ولو راجعت ما جاء في مدافعة النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء عن المعترف بالزنا لالقاء الشبهة لدرء الحد تراهم يذكرون الجنون والغمز والتقبيل وما شابه ذلك ، ولا تجد ذكر الجهل بالحرمة في شئ من الروايات ، فلو كان لمطلق الجهل تأثير في درء الحد لذكروه لامحالة من غير شك.
على أن الجهل حيث يسمع يجب أن يكون بادعاء من الرجل لا بالتوسم من وجناته وأسارير جبهته واستهلاله في إقراره كما زعمه الخليفة وهو ظاهر كلمات الفقهاء المذكورة.
ولما قلناه كله لم يعبأ الحضور بذلك الاستهلال ، فأخذها مولانا أمير المؤمنين وعبدالرحمن فقالا: قد وقع عليها الحد.وأما عمر فالذي يظهر من قوله لعثمان ؟ صدقت.إلخ.
وفعله من إجراء الجلد والاغتراب انه هزأ بهذا القول ، ولو كان مصدقا لما جلدها لكنه جلدها وهي تستحق الرجم كمامر في الجزء السادس.
- شراء الخليفة صدقة رسول الله :
أخرج الطبراني في الاوسط من طريق سعيد بن المسيب قال : كان لعثمان آذن فكان يخرج بين يديه إلى الصلاة قال : فخرج يوما فصلى والآذن بين يديه ثم جاء فجلس الآذن ناحية ولف ردائه فوضعه تحت رأسه واضطجع ووضع الدرة بين يديه ، فأقبل علي في ازار ورداء وبيده عصا ، فلما رآه الآذن من بعيد قال : هذا علي قد أقبل.
* (هامش ) * (1 ) راجع فيض الاله المالك في شرح عمدة السالك 2 ، 312.
فجلس عثمان فأخذ عليه رداء‌ه فجاء حتى قام على رأسه فقال : اشتريت ضيعة آل فلان و لوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائها حق ، أما إني قد علمت انه لا يشتريها غيرك.فقام عثمان وجرى بينهما كلام حتى ألقى الله عزوجل وجاء العباس فدخل بينهما ، ورفع عثمان على علي الدرة ورفع علي على عثمان العصا ، فجعل العباس يسكنهما ويقول لعلي : أمير المؤمنين.
ويقول لعثمان : ابن عمك.فلم يزل حتى سكتا.فلما أن كان من الغد رأيتهما وكل منهما آخذ بيد صاحبه وهما يتحدثان.مجمع الزوائد 7 : 227.
قال الاميني : يعلمنا الحديث ان الخليفة إبتاع الضيعة ومائها وفيه حق لوقف رسول الله لا يجوز إبتياعه ، فان كان يعلم بذلك ؟ وهو المستفاد من سياق الحديث حيث انه لم يعتذر بعدم العلم ، وهو الذي يلمح إليه قول الامام عليه السلام : وقد علمت أنه لايشتريها غيرك.فأي مبرر إستساغ ذلك الشراء ؟ وإن كان لا يعلم ؟ فقد أعلمه الامام عليه السلام فما هذه المماراة والتلاحي ورفع الدرة ؟ الذي إضطر الامام إلى رفع العصا ، حتى فصل بينهما العباس ، أوفي الحق مغضبة ؟ وهل يكون تنبيه الغافل أو إرشاد الجاهل مجلبة لغضب الانسان ، الديني ؟ فضلا عمن يقله أكبر منصة في الاسلام.
وأحسب ان ذيل الرواية ملصق بها لاصلاح مافيها ، وعلى فرض صحته فانه لا يجديهم نفعا ، فإن الامام عليه السلام لم يأل جهدا في النهي عن المنكر سواء ارتدع فاعله أو انه عليه السلام يأس من خضوعه للحق ، وعلى كل فانه عليه السلام كان يماشيهم على ولاء الاسلام ولا يثيره إلا الحق إذا لم يعمل به ، فيجري في كل ساعة على حكمها من مكاشفة أو ملاينة ، وهكذا فليكن المصلح المنزه عن الاغراض الشخصية الذي يغضب لله وحده ويدعو إلى الحق للحق.
- الخليفة في ليلة وفاة ام كلثوم :
أخرج البخاري في صحيحه في الجنائز باب يعذب الميت ببكاء أهله.وباب من يدخل قبر المرأة ج 2 : 225 ، 244 بالاسناد من طريق فليح بن سليما عن أنس بن مالك قال : شهدنا بنت ( 1 ) رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر فرأيت
* (هامش ) * (1 ) الصحيح عند شراح الحديث انها أم كلثوم زوجة عثمان بن عفان ، وجاء في لفظ أحمد وغيره انها رقية.وعقبه السهيلى وقال : هو وهم بلاشك.راجع الروض الانف 2 : 107 ، فتح البارى 3 : 122 ، عمدة القارى 4 : 85.
عينيه تدمعان فقال : هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة ؟
فقال أبوطلحة " زيد بن سهل الانصاري" : أنا ، قال : فأنزل في قبرها.قال : فنزل في قبرها فقبرها.قال ابن مبارك :
قال فليح : أراه يعني الذنب.قال أبوعبدالله " يعني البخاري نفسه " : ليقترفوا ليكتسبوا ( 1 ) وفي مسند أحمد : قال سريج : يعني ذنبا.
وأخرجه ابن سعد في الطبقات 8 : 31 ط ليدن ، وأحمد في مسنده 3 : 126 ، 228 ، 229 ، 270 ، والحاكم في المستدرك 4 : 47 ، والبيهقي في السنن الكبرى 4 : 53 من طريقين ، وذكره السهيلي في الروض الانف 2 : 107 نقلا عن تاريخ البخاري وصحيحه وعن الطبري فقال : قال ابن بطال : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرم عثمان النزول في قبرها وقد كان أحق الناس بذلك لانه كان بعلها وفقد منها علقا لا عوض منه لانه حين قال عليه السلام : أيكم لم يقارف الليلة أهله.سكت عثمان ولم يقل أنا لانه كان قد قارف ليلة ماتت بعض نسائه ولم يشغله الهم بالمصيبة وانقطاع صهره من النبي صلى الله عليه وسلم عن المقارفة فحرم بذلك ماكان حقاله وكان أولى من أبي طلحة وغيره ، وهذا بين في معنى الحديث ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قد كان علم ذلك بالوحي فلم يقل له شيئا لانه فعل فعلا حلالا غير ان المصيبة لم تبلغ منه مبلغا يشغله حتى حرم ماحرم من ذلك بتعريض غير تصريح والله أعلم.
ويوجد الحديث في نهاية ابن الاثير 3 : 276 ، لسان العرب 11 : 189 ، الاصابة 4 : 489 ، تاج العروس 6 : 220.
قال الاميني : إضطربت كلمات العلماء حول هذا الحديث غير ان فليحا المتوفي سنة 163 ، الذي فسر المقارفة بالذنب ، وأيد البخاري كلامه بقوله : ليقترفوا ليكتسبوا وسريجا المتوفى سنة 217 هم أقدم من تكلم فيه ، وقال الخطابي ( 2 ) : معناه لم يذنب
( 3 ) وجاء ابن بطال ( 4 ) وخصه بمقارفة النساء ، وجمع بينهما العيني ( 5 ) ، وأيا ماكان
* (هامش ) * (1 ) ايعاز إلى قوله تعالى : وليقترفوا ما هم مقترفون.كما في فتح البارى
3 : 163 ، وفى قوله تعالى : إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بماكانوا يقترفون.
( 2 ) أبوسليمان حمد بن محمد البستى صاحب التآليف القيمة المتوفى 388.
( 3 ) ذكره العيني في عمدة القارى 4 : 85.
( 4 ) ذكركلامه السهيلى في الروض الانف 2 : 107 كما مر بلفظه.
( 5 ) عمدة القاري 4 : 85
فلاشك في انه أمر استحق من جرائه عثمان الحرمان من النزول في قبر زوجته ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أولى الناس بها ، والمسلمون كلهم كانوا يعلمون ذلك ، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الداعي إلى الستر على المؤمنين والاغضاء عن العيوب ، الناهي عن إشاعة الفحشاء في كتابه الكريم ، والمانع عن التجسس عما يقع في الخلوات ، ألمبعوث لاعزاز أهل الدين ، شاء وماينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى أن يستثني موردا واحدا تلوح بأمر عظيم حرم لاجله عثمان من الحظوة بالنزول في قبر حليلته أو معقد شرفه بصهر رسول الله صلى الله عليه وآله وواسطة مفخره بهاتيك الصلة ، فعرف المسلمون ذلك المقتضي بالطبع الاول وهذا المانع من المقارفة المختلف في تفسيرها ، فان كان ذنبا أثر في رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حط من رتبته بماقلناه ؟ ولو كانت صغيرة وهي غير ظاهرة تسترها ، لكنها بلغت من الكبر حدا لم ير صلى الله عليه وآله سترها ، ولا رعى حرمة ولا كرامة لمقترفها ، فإن كانت سيئة هذا شأنها ؟ فلا خير فيمن يجترح السيئآت.
وإن اريدت مقارفة النساء على الوجه المحلل فهي من منافيات المروء‌ة ومن لوازم الفظاطة ولغلظة فأي إنسان تحبذله نفسه التمتع بالجواري في أعظم ليلة عليه هي ليلة تصرم مجده ، وانقطاع فخره ، وانفصام عرى شرفه ، فكيف هان ذلك على الخليفة ؟
فلم يراع حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله واستهانت تلك المصيبة العظيمة فتلذذ بالرفث إلى جارية ( 1 ) والمطلوب من الخلفاء معرفة فوق هذه من أول يومهم ، ورأفة أربى مماوقع ، ورقة تنيف على ماصدرمنه ، وحياء يفضل على ماناء به.
ومن العسير جدا الخضوع للاعتقاد بان رسول الله صلى الله عليه وآله ارتكب ذالك الهتك والاهانة على أمر مباح مع رأفته الموصوفة على أفراد الامة وإغراقه نزعا في الستر عليهم ، وكيف في حق رجل يعلم صلى الله عليه وآله انه سيشغل منصة الخلافة.
هذا ما عندنا وأما أنت فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر.
أيحكم ضميرك الحر عند ئذ في رجل هذا شأنه وهذه سيرته مع كريمة رسول الله صلى الله عليه وآله بصحة ماأخرجه ابن سعد في طبقاته 3 : 38 من القول المعزو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يوم قارف الرجل ، يوم سمع من النبي الاعظم تلك القارصة : لوكان عندي ثالثة
* (هامش ) * (1 ) كما في عمدة قارى 4 : 85.
زوجتهما عثمان ، قاله لما ماتت أم كلثوم.كذا قال ابن سعد.
أوقوله : لوكن ( يعني بناته ) عشرا لزوجتهن عثمان ( 1 )
أو قوله فيما أخرجه ابن عساكر : لو ان لي أربعين بنتا لزوجتك واحدة بعد
واحدة حتى لا تبقى منهن واحدة ( 2 )
أو قوله فيما جاء به ابن عساكر ( 3 ) من طريق أبي هريرة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقي عثمان بن عفان على باب المسجد فقال : ياعثمان هذا جبريل يخبرني ان الله قد زوجك ام كلثوم بمثل صداق رقية على مثل مصاحبتها.
أكانت مصاحبة عثمان هذه ام كلثوم لدة مصاحبتها رقية وكانت مرضية للمولى سبحانه ؟
أو ترى عثمان متخلفا عن شرط الله في ام كلثوم ؟ أنا لا أدري.
على أن اسناد هذا الحديث معلول من جهات ، وكفاه علة عبدالرحمن بن أبي الزناد القرشي وقد ضعفه ابن معين وابن المديني وابن أبي شيبة وعمرو بن علي والساجي وابن سعد ، وقال ابن معين والنسائي : لا يحتج بحديثه ( 4 )
- إتخاذ الخليفة الحمى له ولذويه :
لقد جعل الاسلام منابت العشب من مساقط الغيث والمروج كلها شرعا سواء بين المسلمين إذا لم يكن لها مالك مخصوص كما هو الاصل في المباحات الاصلية من أجواز الفلوات واطراف البراري ، فترتع فيها مواشيهم وترعى ابلهم وخيلهم من دون أي مزاحمة بينهم ، وليس لاي أحد أن يحمى لنفسه حمى فيمنع الناس عنه ، فقال صلى الله عليه وآله :
المسلمون شركاء في ثلاث : في الكلا والماء والنار.
وقال : ثلاث لايمنعن : الماء والكلا والنار.
وقال : لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلا.وفي لفظ : لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به
فضل الكلا.وفي لفظ : من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلا منعه الله فضله يوم
* (هامش ) * (1 ) طبقات ابن سعد ط ليدن 8 : 25.
( 2 ) تاريخ ابن كثير 7 : 212 وقال : اسناد ضعيف ، أخبار الدول للقرمانى ص 98.
( 3 ) راجع تاريخ ابن كثير 7 : 211.
( 4 ) تهذيب التهذيب 6 : 171.
القيامة ( 1 ) نعم كان في الجاهلية يحمي الشريف منهم مايروقه من قطع الارض لمواشيه وإبله خاصة فلا يشاركه فيه أحد وإن شاركهم هو في مراتعهم ، وكان هذا من مظاهر التجبر السائد عند ئذ ، فاكتسح رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فيما اكتسحه من عادات الطواغيت و تقاليد الجبابرة فقال صلى الله عليه وآله : لا حمى إلا لله ولرسوله ( 2 )
وقال الشافعي في تفسير الحديث : كان الشريف من العرب في الجاهلية إذا نزل بلدا في عشيرته استعوى كلبا فحمى لخاصته مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره فلم يرعه معه أحد ، وكان شريك القوم في سائر المراتع حوله.قال : فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمى على الناس حمى كماكانوا في الجاهلية يفعلون.قال :
وقوله : إلا لله ولرسوله.يقول : إلا ما يحمى لخيل المسلمين وركابهم التي ترصد للجهاد ويحمل عليها في سبيل الله وإبل الزكاة كما حمى عمر النقيع ( 3 ) لنعم الصدقة و الخيل المعدة في سبيل الله ( 4 ) واستعمل عمر على الحمى مولى له يقال له هنى فقال له : ياهنى ضم جناحك للناس ، واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة ، وادخل رب الصريمة ورب الغنيمة ، وإياي ونعم ابن عفان ( 5 ) ونعم ابن عوف فانهما إن تهلك يرجعان إلى نخل وزرع ، وإن رب الغنيمة والصريمة يأتي بعياله فيقول : ياأمير المؤمنين أفتاركهم أنا ؟ لا أبالك.الخ ( 6 )
كان هذا الناموس متسالما عليه بين المسلمين حتى تقلد عثمان الخلافة فحمى لنفسه دون إبل الصدقة كما في أنساب البلاذري 5 : 37 ، والسيرة الحلبية 2 : 87 ، أو له و لحكم ابن أبي العاص كما في رواية الواقدي ، أو لهما ولبني أمية كلهم كما في شرح
* (هامش ) * (1 ) توجد هذه الاحاديث في صحيح البخاري 3 : 110 ، الاموال لابى عبيد ص 296 ، سنن أبي داود 2 : 101 ، سنن ابن ماجة 2 : 94.
( 2 ) صحيح البخاري 3 : 113 ، الاموال لابى عبيد ص 294 ، كتاب الام للشافعي 3 : 207 ، وفى الاخيرين تفصيل ضاف حول المسألة.
( 3 ) على عشرين فرسخا أو نحو ذلك من المدينة " معجم البلدان ".
( 4 ) راجع كتاب الام 3 : 208 ، معجم البلدان 3 : 347 ، نهاية ابن الا ثير 1 : 297 ، لسان العرب 18 : 217 ، تاج العروس 10 : 99.
( 5 ) في لفظ أبي عبيد : ودعنى من نعم ابن عفان.بدل ( واياى ونعم ابن عفان ).
( 6 ) صحيح البخاري 4 : 71 ، الاموال لابى عبيد ص 298 ، كتاب الام 3 : 271.
إبن أبي الحديد 1 : 67 قال : حمى ( عثمان ) المرعى حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية.وحكى في ص 235 عن الواقدي انه قال : كان عثمان يحمي الربذة والشرف والنقيع ، فكان لايدخل الحمى بعير له ولا فرس ولا لبني امية حتى كان آخر الزمان ، فكان يحمي الشرف ( 1 ) لابله : وكانت الف بعير ولابل الحكم بن أبي العاص ، ويحمى الربذة ( 2 ) لابل الصدقة ، ويحمي النقيع لخيل المسلمين وخيله و خيل بني أمية.اه‍.
نقم ذلك المسلمون على الخليفة فيما نقموه عليه وعدته عائشة مما أنكروه عليه فقالت : وإنا عتبنا عليه كذا وموضع الغمامة المحماة ( 3 ) وضربه بالسوط والعصا ، فعمدوا إليه حتى إذا ماصوه كما يماص الثوب ( 4 ).قال ابن منظور في ذيل الحديث :
الناس شركاء فيما سقته السماء من الكلا إذالم يكن مملوكا فلذلك عتبواعليه.
كانت في إتخاذ الخليفة الحمى جدة وإعادة لعادات الجاهلية الاولى التي أزاحها نبي الاسلام صلى الله عليه وآله وجعل المسلمين في الكلا مشتركين ، وقال : ثلاثة يبغضهم الله.وعد فيهم من استن في الاسلام سنة الجاهلية ( 5 ) وكان حقا على الرجل أن يحمي حمى الاسلام قبل حمى الكلا ، ويتخذ ماجاء به الرسول صلى الله عليه وآله سنة متبعة ولا يحيى سنة الجاهلية ، ولن تجد لسنة الله تحويلا ، ولن تجد لسنة الله تبديلا.ولكنه..
- قطع الخليفة فدك لمروان :
عد ابن قتيبة في المعارف ص 84 ، وأبوالفدا في تاريخه 1 : 168 ممانقم الناس على عثمان قطعه فدك لمروان وهي صدقة رسول الله ، فقال أبوالفدا : وأقطع مروان
* (هامش ) * (1 ) كذا نجد.عند البخارى بالسين المهملة.وفى موطا ابن وهب : الشرف.بالشين المعجمة وفتح الراء وهذا الصواب ( معجم البلدان )
( 2 ) الربذة في الشرف " المذكورة " هى الحمى الايمن.
( 3 ) يسمى العشب بالغمامة كما يسمى بالسماء.المحماة من أحميت المكان فهومحمى.أى جعلته
حمى.( الفائق للزمخشرى )
( 4 ) راجع الفائق للزمخشري 2 : 117 ، نهاية ابن الاثير 1 : 298 ، ج 4 : 121 ، لسان العرب 8 : 363 : ج 18 : 217 ، تاج العروس 10 : 99.
( 5 ) بهجة النفوس للحافظ الازدى ابن أبى جمرة 4 : 7 19.
ابن الحكم فدك وهي صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي طلبتها فاطمة ميراثا فروى أبوبكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن معاشر الانبياء لا نورث ماتركناه صدقه ، ولم تزل فدك في يد مروان وبنية إلى أن تولى عمر بن عبد العزيز فانتزعها من أهله وردها صدقة وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 6 : 301 من طريق المغيرة حديثا في فدك وفيه : انها أقطعها مروان لما مضى عمرلسبيله.فقال : قال الشيخ : إنما أقطع مروان فدكا في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه وكأنه تأول في ذلك ماروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطعم الله نبيا طعمة فهي للذي يقوم من بعده ، وكان مستغنيا عنها بماله فجعلها لاقربائه ووصل بها رحمهم ، وذهب آخرون إلى أن المراد بذلك التولية وقطع جريان الارث فيه ، ثم تصرف في مصالح المسلمين كما كان أبوبكر وعمر رضي الله عنهما يفعلان.
وفي العقد الفريد 2 : 261 في عد مانقم الناس على عثمان : انه أقطع فدك مروان وهي صدقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وافتتح افريقية وأخذ خمسه فوهبه لمروان.
وقال ابن الحديد في شرحه 1 : 67 : وأقطع عثمان مروان فدك ، وقد كانت فاطمة عليها السلام طلبتها بعد وفاة أبيها صلوات الله عليه تارة بالميراث وتارة بالنحلة فدفعت عنها.
قال الاميني : أنالا أعرف كنه هذا الاقطاع وحقيقة هذا العمل فان فدك إن كان فئ للمسلمين ؟ كما ادعاه أبوبكر ، فما وجه تخصيصه بمروان ؟ وإن كان ميراثا لآل رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ كمااحتجت له الصديقة الطاهرة في خطبتها ، واحتج له أئمة الهدى من العترة الطاهرة وفي مقدمهم سيدهم أميرالمؤمنين عليه وعليهم السلام ، فليس مروان منهم ، ولا كان للخليفة فيه رفع ووضع.وإن كان نحلة من رسول الله صلى الله عليه وآله لبضعته الطاهرة فاطمة المعصومة صلوات الله عليها ؟ كماادعته وشهدلها أمير المؤمنين وإبناها الامامان السبطان وام أيمن المشهود لها بالجنة فردت شهادتهم بمالا يرضي الله ولا رسوله ، وإذاردت شهادة أهل آية التطهير فبأي شئ يعتمد ؟ وعلى أي حجة يعول ؟.
إن دام هذا ولم يحدث به غير * لم يبك ميت ولم يفرح بمولود فإن كان فدك نحلة ؟ فأي مساس بها مروان ؟ وأي سلطة عليها لعثمان ؟ حتى يقطعها لاحد.ولقد تضاربت أعمال الخلفاء الثلاثة في أمر فدك فانتزعها أبوبكر من أهل البيت عليهم السلام ، وردها عمر إليهم ، وأقطعها عثمان لمروان ، ثم كان فيها ما كان في أدوار المستحوذين على الامر منذ عهد معاوية وهلم جرا فكانت تؤخذ وتعطى ، ويفعلون بها مايفعلون بقضاء من الشهوات كما فصلناه في الجزء السابع ص 195 719 ط 3 ولم يعمل برواية أبي بكر في عصر من العصور ، فان صانعه الملا الحضور على سماع ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وحابوه وجاملوه ؟ فقد أبطله من جاء بعده بأعمالهم وتقلباتهم فيها بأنحاء مختلفة.
بل إن أبابكر نفسه أراد أن يبطل روايته باعطاء الصك للزهراء فاطمة غير أن ابن الخطاب منعه وخرق الكتاب كما مر في الجزء السابع عن السيرة الحلبية ، وبذالك كله تعرف قيمة تلك الرواية ومقدار العمل عليها وقيمة هذا الاقطاع ، وسيوافيك قول مولانا أميرالمؤمنين في قطائع عثمان.
- رأي الخليفة في الاموال والصدقات :
لم تكن فدك ببدع من ساير الاموال من الفئ والغنائم والصدقات عند الخليفة بل كان له رأي حر فيها وفي مستحقيها ، كان يرى المال مال الله ، ويحسب نفسه ولي المسلمين ، فيضعه حيث يشاء ويفعل فيه مايريد ، فقام كما قال مولاناأمير المؤمنين نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ( 1 ).
كان يصل رحمه بمال يستوي فيه المسلمون كلهم ، ولكل فرد من الملا الديني منه حق معلوم للسائل والمحروم ، لا يسوغ في شرعة الحق وناموس الاسلام المقدس حرمان أحد من نصيبه وإعطاء حقه لغيره من دون مرضاته.
جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله في الغنائم : لله خمسه وأربعة أخماس للجيش ، وما أحد أولى به من أحد ، ولا السهم تستخرجه من جنبك ، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم ( 2 ).
* (هامش ) * (1 ) نهج البلااغة 1 : 35.
( 2 ) سنن البيهقي 6 : 324 ، 336.
وكان صلى الله عليه وآله إذا جاء‌ه فئ قسمه من يومه فأعطى ذاالاهل حظين ، وأعطى العزب حظا ( 1 ) والسنة الثابتة في الصدقات ان أهل كل بيئة أحق بصدقتهم مادام فيهم ذو حاجة ، وليست الولاية على الصدقات للجباية وهملها إلى عاصمة الخلافة وإنما هي للاخذ من الاغنياء والصرف في فقراء محالها ، وقد ورد في وصية رسول الله صلى الله عليه وآله معاذا حين بعثه إلى اليمن يدعوهم إلى الاسلام والصلاة انه قال : فإذا أقروا لك بذلك فقل لهم : إن الله قد فرض عليكم صدقة أموالكم تؤخذ من أغنيائكم فترد في فقرائكم ( 2 )
قال عمروبن شعيب : إن معاذ بن جبل لم يزل بالجند إذ بعثه رسول الله إلى اليمن حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم وأبوبكر ثم قدم على عمر فرده على ماكان عليه فبعث إليه معاذ بثلث صدقة الناس فأنكر ذلك عمر وقال : لم أبعثك جابيا ولا آخذجزية ، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد هاعلى فقرائهم.فقال معاذ : ما بعثت إليك بشئ وأنا أجد أحدا يأخذه مني.الحديث (3 )
ومن كتاب لمولانا أميرالمؤمنين إلى قثم بن العباس يوم كان عامله على مكة :
" وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك من ذوي العيال والمجاعة مصيبا به مواضع الفاقة والخلات ، وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا "
نهج البلاغة 2 : 128.
وقال عليه السلام لعبد الله بن زمعة لما قدم عليه في خلافته يطلب منه مالا : " إن هذا المال ليس لي ولالك ، وإنماهو فئ للمسلمين وجلب أسيافهم ، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم ، وإلا فجناة أيديهم لاتكون لغيرأفواههم." نهج البلاغة 1 : 461.
ومن كلام له عليه السلام : " إن القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وآله والاموال أربعة :
أموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفي الفرائض ، والفئ فقسمه على مستحقيه ، و
* (هامش ) * (1 ) سنن أبى داود 2 : 25 ، مسند أحمد 6 : 29 ، سنن البيهقي 6 : 346.
( 2 ) صحيح بخاري3: 215 ، الاموال لابى عبيد ص 580 ، 595 ، 612 ، المحلى 6 : 146.
( 3 ) الاموال ص 596.
والخمس فوضعه الله حيث وضعه ، والصدقات فجعلها الله حيث جعلها." راجع ماأسلفناه في ج 6 : 77 ط 2.
وأتى عليا أمير المؤمنين مال من اصبهان فقسمه بسبعة أسباع ففضل رغيف فكسره بسبع فوضع على كل جزء كسرة ثم أقرع بين الناس أيهم يأخذ أول ( 1 )
وأتته عليه السلام إمرأتان تسألانه عربية ومولاة لها فأمر لكل واحد منها بكر من طعام وأربعين درهما أربعين درهما ، فأخذت المولاة الذي أعطيت وذهبت ، وقالت العربية ياأمير المؤمنين تعطني مثل الذي أعطيت هذه وأناعربية وهي مولاة ؟ قال لها علي رضي الله عنه : إني نظرت في كتاب الله عزوجل فلم أر فيه فضلا لولد إسماعيل على ولد إسحاق ( 2 )
ولذلك كله كانت الصحابة لا ترتضي من الخليفة الثاني تقديمه بعضا من الناس على بعض في الاموال بمزية معتبرة كان يعتبرها فيمن فضله على غيره كتقديم زوجات النبي صلى الله عليه وآله امهات المؤمنين على غيرهن ، والبدري على من سواه ، والمهاجرين على الانصار ، والمجاهدين على القاعدين ، من دون حرمان أي أحد منهم ( 3 ) ، وكان يقول على صهوات المنبر : من أراد المال فليأتني فإن الله جعلني له خازنا ( 4 )
ويقول بعد قراء‌ة آيات الاموال : والله مامن أحد من المسلمين إلا وله حق في هذا المال أعطي منه أو منع حتى راع بعدن.( 5 )
ويقول أبدأ برسول الله صلى الله عليه وآله ثم الاقرب فالاقرب إليه.فوضع الديوان على ذلك.
وفي لفظ أبي عبيد : إن رسول الله إمامنا فبرهطه نبدأ ، ثم بالاقرب فالاقرب ( 6)
* (هامش ) * (1 ) سنن البيهقي 6 : 348.
( 2 ) سنن البيهقي 6 : 349.
( 3 ) الاموال لابى عبيد ص 224 227 ، فتوح البلدان للبلاذرى ص 453 416 ، سنن البهقي 6 : 349 ، 350 ، تاريخ عمربن الخطاب لابن الجوزى 79 83.
( 4 ) راجع ج 6 من كتابنا هذا 92 ط 2.
( 5 ) الاموال ص 213 ، سنن البيهقي 6 : 351.
( 6 ) الاموال 224 ، سنن البيهقى 6 : 364.
وقبل هذه كلها سنة الله في الذكر الحكيم حول الاموال مثل قوله تعالى :
1- واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.( الانفال 41 )
2- إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ( التوبة 60 )
3- ماأفاء الله على رسوله منهم فماأوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شئ قدير.ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.( الحشر 6 ، 7 ) هذه سنة الله وسنة نبيه غير أن الخليفة عثمان نسي مافي الكتاب العزيز ، وشذ عما جاء به النبي الاقدس في الاموال ، وخالف سيرة من سبقه ، وتزحزح عن العدل و النصفة ، وقدم أبناء بيته الساقط ، أثمار الشجرة الملعونة في كتاب الله ، رجال العيث والعبث ، والخمور والفجور ، من فاسق إلى لعين ، إلى حلاف مهين هماز مشاء بنميم ، وفضلهم على أعضاء الصحابة وعظماء الامة الصالحين ، وكان يهب من مال المسلمين لاحد من قرابته قناطير مقنطرة من الذهب والفضة من دون أي كيل ووزن ، ويؤثرهم على من سواهم كائنا من كان من ذي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم.ولم يكن يجرأ أحد عليه بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر لما كان يرى سيرته الخشنة مع اولئك القائمين بذلك الواجب ، ويشاهد فيهم من الهتك والتغريب والضرب بدرة كانت أشد من الدرة العمرية ( 1 ) مشفوعة بالسوط والعصا ( 2 ) وإليك نبذة من سيرة الخليفة في الاموال :
- أيادي الخليفة عند الحكم بن أبي العاص :
أعطى صدقات قضاعة الحكم بن أبي العاص عمه طريد النبي بعد ماقربه وأدناه وألبسه يوم قدم المدينة وعليه فزر ( 3 ) خلق وهو يسوق تيسا والناس ينظرون إلى سوء
* (هامش ) * (1 ) راجع محاضرة الاوائل للسكتوارى ص 169.
( 2 ) يأتى حديثه بعيد هذا.
( 3 ) من فزر الثوب : انشق وتقطع وبلى.
- الغدير 17 :
حاله وحال من معه حتى دخل دار الخليفة ثم خرج وعليه جبة خز وطيلسان ( تاريخ اليعقوبي
2 : 41 ).
وقال البلاذري في الانساب 5 : 28 رواية عن ابن عباس انه قال : كان مما أنكروا على عثمان انه ولى الحكم ابن أبي العاص صدقات قضاعة ( 1 ) فبلغت ثلاث مائة ألف درهم فوهبها له حين أتاه بها.
قال ابن قتيبة وابن عبد ربه والذهبي : ومما نقم الناس على عثمان انه آوى طريد النبي صلى الله عليه وسلم الحكم ولم يؤوه أبوبكر وعمر وأعطاه مائة ألف ( 2 )
وعن عبدالرحمن بن يسار قال : رأيت عامل صدقات المسلمين على سوق المدينة إذا أمسى أتاها عثمان فقال له : إدفعها إلى الحكم بن أبي العاص ، وكان عثمان إذا أجاز أحدا من أهل بيته جائزة جعلها فرضا من بيت المال فجعل يدافعه ويقول له : يكون فنعطيك إنشاء الله.فألح عليه فقال : إنما أنت خازن لنا فإذا أعطيناك فخذ ، وإذا سكتناعنك فاسكت.فقال : كذبت والله ماأنا لك بخازن ولا لاهل بيتك إنماأنا خازن المسلمين ، وجاء بالمفاتيح يوم الجمعة وعثمان يخطب فقال: أيها الناس زعم عثمان اني خازن له ولاهل بيته وإنما كنت خازنا للمسلمين وهذه مفاتيح بيت مالكم.
ورمى بها فأخذها ودفعها إلى زيدبن ثابت.( تاريخ اليعقوبي 2 : 145 ).
قال الاميني : يروى نظير هذه القضية كما يأتي لزيدبن أرقم وعبدالله بن مسعود ولعل هذه وقعت لغير هم من الولاة على الصدقات أيضا.والله العالم.
الحكم وماأدراك ما الحكم ؟
كان خصاء يخصي الغنم ( 3 ) أحد جيران رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة من اولئك الاشداء عليه صلى الله عليه وآله المبالغين في إيذاء‌ه شاكلة أبي لهب كما قاله ابن هشام في سيرته 2 : 25 ، وأخرج الطبراني من حديث عبدالرحمن بن أبي بكر قال : كان الحكم يجلس
* (هامش ) * (1 ) أبوحى باليمن.
( 2 ) المعارف لابن قتيبة ص 84 ، العقد الفريد 2 : 261 ، محاضرات الراغب 2 : 212 ، مرآة الجنان لليافعى 1 : 85 نقلا عن الذهبى.
( 3 ) حياة الحيوان للدميرى 1 : 194.
عند النبي صلى الله عليه وآله فاذا تكلم إختلج فبصربه النبي صلى الله عليه وآله فقال : كن كذلك.فمازال يختلج حتى مات.
وفي لفظ مالك بن دينار : مر النبي صلى الله عليه وآله بالحكم فجعل الحكم يغمز النبي صلى الله عليه وآله وسلم باصبعه فالتفت فرآه فقال : اللهم اجعل به وزغا ( 1 ) فرجف مكانه وارتعش.وزاد الحلبي بعد أن مكث شهرا مغشيا عليه.( 2 )
أسلفناه من طريق الحفاظ الطبراني والحاكم والبيهقي ومرت صحته في الجزء الاول صفحة 237.
روى البلاذري في الانساب 5 : 27 : ان الحكم بن العاص كان جارا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وكان أشد جيرانه أذى له في الاسلام ، وكان قدومه المدينة بعد فتح مكة وكان مغموصا عليه في دينه ، فكان يمر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغمز به و يحكيه ويخلج بأنفه وفمه ، وإذا صلى قام خلفه فأشار باصبعه ، فبقي على تخليجه وأصابته خبلة ، واطلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في بعض حجر نسائه فعرفه وخرج إليه بعنزة وقال : من عذيري من هذا الوزغة اللعين ؟ ثم قال :
لا يساكنني ولا ولده فغر بهم جميعا إلى الطائف فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم عثمان أبابكر فيهم وسأله ردهم فأبى ذلك وقال :
ماكنت لآوي طرداء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لما إستخلف عمر كلمه فيهم فقال مثل قول أبي بكر ، فلما استخلف عثمان أدخلهم المدينة وقال :
قد كنت كلمت رسول الله فيهم وسألته ردهم فوعدني أن يأذن لهم فقبض قبل ذلك.
فأنكر المسلمون عليه إدخاله إياهم المدينة.
وقال الواقدي : ومات الحكم بن أبي العاص بالمدينة في خلافة عثمان فصلى عليه و ضرب على قبره فسطاطا.
وعن سعيد بن المسيب قال : خطب عثمان فأمر بذبح الحمام وقال : إن الحمام قد كثر في بيوتكم حتى كثر الرمي ونالنا بعضه فقال الناس : يأمر بذبح الحمام وقد آوى طرداء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* (هامش ) * (1 ) الوزغ : الارتعاش والرعدة.
( 2 ) الاصابة 1 : 345 ، 346 ، السيرة الحلبية 1 : 337 ، الفائق للزمخشرى 2 : 305 ، تاج العروس 6 : 35.
وذكره بلفظ أخصر من هذافي صفحة 125 وذكر بيتين لحسان بن ثابت في عبد الرحمن بن الحكم الآتيين في لفظ أبي عمر فقال : كان يفشي أحاديث رسول الله فلعنه وسيره إلى طائف ومعه عثمان الازرق والحارث وغيرهما من بنيه وقال :
لا يساكنني فلم يزالوا طرداء حتى ردهم عثمان فكان ذلك مما نقم عليه.
وفي سيرة الحلبية 1 : 337 : إطلع الحكم على رسول الله من باب بيته وهو عند بعض نسائه بالمدينة فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعنزة وقيل بمدرى في يده وقال :
من عذيري من هذه الوزغة لو أدركته لفقأت عينه ، ولعنه وماولد ، وذكره ابن الاثير مختصرا في اسد الغابة 2 : 34.
وقال أبوعمر في " الاستيعاب " : أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم من المدينة وطرده عنها فنزل الطائف وخرج معه ابنه مروان ، واختلف في السبب الموجب لنفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه فقيل : كان يتحيل ويستخفي ويتسمع مايسره رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كبار أصحابه في مشركي قريش وسائر الكفار والمنافقين ، فكان يفشي ذلك عنه حتى ظهر ذلك عليه ، وكان يحكيه في مشيته وبعض حركاته ، إلى امور غيرها كرهت ذكرها ، ذكروا : ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى يتكفأ وكان الحكم يحكيه فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم
يوما فرآه يفعل ذلك فقال صلى الله عليه وسلم فكذلك فلتكن.فكان الحكم مختلجا يرتعش من يومئذ ، فعيره عبدالرحمن بن حسان بن ثابت فقال في عبدالرحمن بن الحكم يهجوه :
إن اللعين أبوك فارم عظامه * إن ترم ترم مخلجا مجنونا
يمسي خميص البطن من عمل التقي * ويظل من عمل الخبيث بطينا ( 1 )
وأخرج أبوعمرمن طريق عبدالله بن عمرو بن العاصي قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يدخل عليكم رجل لعين.وكنت قد تركت عمرا يلبس ثيابه ليقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أزل مشفقا أن يكون أول من يدخل فدخل الحكم ابن أبي العاص.( 2 )
وقال ابن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق ص 144 : وبسند رجاله رجال الصحيح عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه انه صلى الله عليه وسلم قال : ليدخلن الساعة عليكم رجل
* (هامش ) * (1 ) الاستيعاب 1 : 118 ، اسد الغابة 2 : 34.
( 2 ) الاستيعاب 1 : 119
لعين.فوالله مازلت أتشوق داخلا وخارجا حتى دخل فلان يعني الحكم كما صرحت به رواية أحمد.
وروى البلا ذري في " الانساب " 5 : 126 ، والحاكم في " المستدرك " 4 : 481 وصححه والواقدي كما في السيرة الحلبية 1 : 337 بالاسناد عن عمرو بن مرة قال :
إستأذن الحكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف صوته فقال : ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين وقليل ماهم ، ذوو مكرو خديعة يعطون الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق.( 3 )
وفي لفظ ابن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق ص 147 : أئذنوا له فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ومايخرج من صلبه يشرفون في الدنيا ، ويترذلون في الآخرة ، ذوومكر وخديعة إلا الصالحين منهم وقليل ماهم .
وأخرج الحاكم في المستدرك 4 : 481 وصححه من طريق عبدالله بن الزبير قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الحكم وولده.
وأخرج الطبراني وابن عساكر والدارقنطي في الافراد من طريق عبدالله بن عمر قال :
هجرت الرواح رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أبوالحسن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادن : فلم يزل يدنيه حتى التقم اذنيه فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يساره إذ رفع رأسه كالفزع قال :
فدع بسيفه الباب فقال لعلي : إذهب فقده كما تقاد الشاة إلى حالبها.فإذا علي يدخل الحكم بن أبي العاص آخذا باذنه ولها زنمة حتى أوقفه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فلعنه نبي الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثم قال :
أحله ناحية حتي راح إليه قوم من المهاجرين والانصار ثم دعا به فلعنه ثم قال :
إن هذا سيخالف كتاب الله وسنة نبيه ، وسيخرج من صلبه فتن يبلغ دخانها السماء.
فقال ناس من القوم : هو أقل وأذل من أن يكون هذا منه قال :
بلى وبعضكم يومئذ شيعته ( كنز العمال 6 : 39 ، 90 )
وأخرج إبن عساكر من طريق عبدالله بن زالبيرقال وهو على المنبر : ورب
* (هامش ) * (1 ) وذكره الدميرى في حياة الحيوان 2 : 299 ، وابن حجر في الصواعق ص 108 ، والسيوطى في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 : 90 نقلا عن أبى يعلى والطبرانى والحاكم والبيهقى وابن عساكر.
هذا البيت الحرام والبلد الحرام ان الحكم بن أبي العاص وولده ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي لفظ : إنه قال وهو يطوف بالكعبة : ورب هذه البنية للعن رسول الله صلى الله عليه وسلم
الحكم وماولد.كنز العمال 6 : 90.
وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن كعب القرظي انه قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم وماولد إلا الصالحين وهم قليل.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبدالله قال : إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال : إن الله تعالى قد أرى لامير المؤمنين يعني معاوية في يزيد رأيا حسنا أن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر.فقال عبدالرحمن بن أبي بكر : أهر قلية ان أبابكر رضي الله تعالى عنه والله ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده.فقال مروان : ألست الذي قال لوالديه أف لكما ؟ فقال عبدالرحمن : ألست ابن اللعين الذي لعن رسول الله أباك ؟ فسمعت عائشة فقالت : مروان أنت القائل لعبد الرحمن كذاو كذا ، كذبت والله مافيه نزلت ، نزلت في فلان بن فلان.
وفي لفظ آخر عن محمد بن زياد : لما بايع معاوية لابنه قال مروان : سنة أبي بكر وعمر.فقال عبدالرحمن : سنة هرقل وقيصر.فقال مروان : هذا الذي قال الله فيه : والذي قال لوالديه أف لكما.الآية.فبلغ ذلك عائشة فقالت : كذب مروان ، كذب مروان والله ماهو به ولو شئت أن اسمي الذي نزلت فيه لسميته ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبامروان ومروان في صلبه فمروان فضض من لعنة الله.
وفي لفظ : ولكن رسول الله لعن أباك وأنت في صلبه فأنت فضض من لعنة الله.وفي لفظ الفائق: فأنت فظاظة ( 1 ) لعنة الله و ولعنة رسوله.
راجع مستدرك الحاكم 4 : 481 ، تفسير القرطبي 16 : 197 ، تفسير الزمخشري 3 : 99 ، الفائق له 2 : 325 ، تفسير ابن كثير 4 : 159 ، تفسير الرازي 7 : 491 : ، أسد الغابة لابن الاثير 2 : 34 ، نهاية ابن الاثير 3 : 23 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 55 ،
* (هامش ) * (1 ) قال الزمخشري : افتظظت الكرش اذا اعتصرت ماء‌ها ، كأنه عصارة قذرة من اللعنة.
تفسير النيسابوري هامش الطبري 26 : 13 ، الاجابة للزركشي ص 141 ، تفسير النسفي هامش الخازن 4 : 132 ، الصواعق لابن حجر ص 108 ، إرشاد الساري للقسطلاني
7 : 325 ، لسان العرب 9 : 73 ، الدر المنثور 6 : 41 ، حياة الحيوان للدميري 2 : 399 ، السيرة الحلبية 1 : 337 ، تاج العروس 5 : 69 ، تفسير الشوكاني 5 : 20 ، تفسير الآلوسي 26 : 20 ، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية 1 : 245.
- لفت نظر : يوجد هذا الحديث في المصادر جلها لولا كلها باللفظ المذكور غير أن البخاري أخرجه في تفسير صحيحه في سورة الاحقاف وحذف منه لعن مروان وأبيه وماراقه ذكرما قاله عبدالرحمن ، وهذا دأبه في جل مايرويه ، وإليك لفظه :
كان مروان على الحجاز إستعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه فقال له عبدالرحمن بن أبي بكر شيئا فقال : خذوه.فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه ، فقال مروان : إن هذا الذي أنزل الله فيه : والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني.فقالت عائشة من وراء الحجاب : ماأنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري.
وهذا الحديث يكذب ماعزاه القوم إلى أمير المؤمنين وابن عباس من قولهما بنزول آية : وأصلح لي في ذريتي.في أبي بكر كما مرفي الجزء السابع ص 6 32 ط 2.
وكان الحكم مع ذلك كله يدعو الناس إلى الضلال ويمنعهم عن الاسلام ، إجتمع حويطب بمروان يوما فسأله مروان عن عمره فأخبره فقال له : تأخر إسلامك ايها الشيخ حتى سبقك الاحداث.فقال حويطب : الله المستعان والله لقد هممت بالاسلام غير مرة كل ذالك يعوقني أبوك يقول : تضع شرفك ، وتدع دين آبائك لدين محدث ؟ وتصير تابعا ؟ فسكت مروان وندم على ماكان قال له ، " تاريخ ابن كثير 8 : 70 "
- الحكم في القرآن :
أخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال : قال مروان لما بايع الناس ليزيد : سنة أبي بكر وعمر " إلى آخر الحديث المذكور " فسمعت ذلك عائشة فقالت : إنها لم تنزل في عبدالرحمن ولكن نزل في أبيك : ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم الآية " سورة القلم 10 ".
راجع الدر المنثور 6 : 41 ، 251 ، السيرة الحلبية 1 : 337 ، تفسير الشوكاني 5 : 263 ، تفسير الآلوسي 29 : 28 ، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية 1 : 245 وأخرج ابن مردويه عن عائشة انها قالت لمروان : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لابيك وجدك " أبي العاص بن أمية " إنكم الشجرة الملعونة في القرآن.
ويقول لابيك وجدك " أبي العاص بن أمية " : إنكم الشجرة الملعونة في القرآن.
ذكره السيوطي في الدر المنثور 4 : 191 ، والحلبي في السيرة 1 : 337 ، و الشوكاني في تفسيره 3 : 231 ، والآلوسي في تفسيره 15 : 107.
وفي لفظ القرطبي في تفسيره 10 : 286.
قالت عائشة لمروان : لعن الله أباك وأنت في صلبه ، فأنت بعض من لعنة الله ثم قالت : والشجرة الملعونة في القرآن.
و أخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله رأيت بني أمية على منابر الارض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء ، واهتم رسول الله لذلك ، فأنزل الله: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن و نخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا." الاسراء 60 "
وأخرج ابن مردويه عن الحسين بن علي : ان رسول الله صلى الله عليه وآله أصبح وهو مهموم
فقيل ما لك يارسول الله ؟ فقال : إني أريت في المنام كأن بني امية يتعاورون منبري هذا فقيل : يارسول الله لاتهتم فانها دنيا تنالهم فأنزل الله : وما جعلنا الرؤيا التي.الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي ، وابن عساكر ، عن سعيد بن المسيب قال : رأى رسول الله صل الله عليه وسلم بني امية على المنابر فساء‌ه ذلك فأوحى الله تعالى اليه : إنما هي دنيا أعطوها.فقرت عينه وذلك قوله تعالى : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك.الآية.
وأخرج الطبري والقرطبي وغيرهما من طريق سهل بن سعد قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساء‌ه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات وأنزل الله تعالى : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك.الآية.
وروى القرطبي والنيسابوري عن ابن عباس : ان الشجرة الملعونة هو بنوأمية
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو ( 1 ) ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة فأنزل الله : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة.يعني الحكم وولده.
وفي لفظ : إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام ان ولد الحكم بن امية يتداولون منبره كما يتداولون الصبيان الكرة فساء‌ه ذلك.
وفي لفظ للحاكم والبيهقي في الدلائل وابن عساكر وأبي يعلى من طريق أبي هريرة : اني أريت في منامي كأن بني الحكم بن العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة.
فما رؤي النبي مستجمعا ضاحكاحتى توفي.
- مصادر مارويناه : تفسير الطبري 15 : 77 ، تاريخ الطبري 11 : 6 35 ، مستدرك الحاكم 4 : 48 ، تاريخ الخطيب 8 : 28 وج 9 : 44 ، تفسير النيسابوري هامش الطبراني 15 : 55 ، تفسير القرطبي 10 : 283 ، 286 ، النزاع والتخاصم للمقريزي ص 52 ، أسد الغابة 3 : 14 من طريق الترمذي ، م تطهير الجنان لابن حجر هامش الصواعق ص 148 فقال : رجاله رجال الصحيح إلا واحدا فثقة الخصايص الكبرى 2 : 118 ، الدر المنثور 4 : 191 ، كنز العمال 6 : 90 ، تفسير الخازن 3 : 177 ، تفسير الشوكاني 3 : 230 ، 231 ، تفسير الآلوسي 15 : 107 فقال الآلوسي :
ومعنى جعل ذلك فتنة للناس جعله بلاء لهم ومختبرا ، وبذلك فسره ابن المسيب و كان هذا بالنسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا ، وعدلوا عن سنن الحق وماعدلوا ومابعده بالنسبة إلى ما عدا خلفاء‌هم منهم ممن كان عندهم عاملا وللخبائث عاملا ، أو ممن كان أعوانهم كيف ماكان ، ويحتمل أن يكون المراد : ما جعلنا خلافتهم وما جعلنا أنفسهم إلا فتنة ، وفيه من المبالغة في ذمهم مافيه ، وجعل ضمير " نخوفهم " على هذا لما كان له أولادا أوشجرة باعتبار أن المراد بها بنوامية ، ولعنهم لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة ، والفروج المحصنة ، وأخذ الاموال من غير حلها ، ومنع الحقوق عن أهلها ، وتبديل الاحكام ، والحكم بغير ما أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام ، إلى غير ذلك من القبايح العظام والمخازي الجسام التي لاتكاد
* (هامش ) * (1 ) وفي بعض المصادر : ابن عمر.
تنسى مادامت الليالي والايام ، وجاء لعنهم في القرآن إما على الخصوص كمازعمته الشيعة ، أو على العموم كما نقول فقد قال سبحانه وتعالى : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة.وقال عزوجل : فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم.إلى آيات أخر ، ودخولهم في عموم ذلك يكاد يكون دخولا أوليا.إلى آخر كلامه.راجع نظرة في كلمتين
1- قال الطبري بعد روايته حديث الرؤيا : لا يدخل في هذا الرؤيا عثمان ولا عمربن عبدالعزيز ولا معاوية.
لايهمنا بسط القول حول هذا التخصيص ، ولا ننبس ببنت شفة في تعميم العموم الوارد في الاحاديث المذكورة وأمثالها الواردة في بني امية عامة وفي بني أبي العاص جد عثمان خاصة ، من قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح من طريق أبي سعيد الخدري : ان أهل بيتي سيلقون من بعدي من امتي قتلا وتشريدا ، وان أشد قومنا لنا بغضا بنو امية و بنو المغيرة وبنو مخزوم (1).
وقوله صلى الله عليه وآله من طريق أبي ذر : إذا بلغت بنوامية أربعين اتخذوا عباد الله خولا ،
ومال الله نحلا ، وكتاب الله دغلا ( 2 ).
وقوله صلى الله عليه وآله من طريق حمران بن جابر اليمامي : ويل لبني امية.ثلاث.أخرجه ابن مندة كمافي الاصابة 1 : 353 ، وحكاه عن ابن مندة وأبي نعيم السيوطي في الجامع الكبير كما في ترتيبه 6 : 39 ، 91.
وقوله صلى الله عليه وآله من طريق أبي ذر : إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا ، وعباد الله خولا ، ودين الله دغلا.قال حلام بن جفال : فأنكر على أبي ذر فشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إني سمعت رسول الله يقول : ماأظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ، واشهد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله.
أخرجه الحاكم من عدة طرق وصححه هو والذهبي كما في المستدرك 4 : 480
* (هامش ) * (1 ) مستدرك الحاكم 4 : 487 وصححه.
( 2 ) مستدرك الحاكم 4 : 479 ، وأخرجه ابن عساكر كما في كنز العمال 6 : 39.
وأخرجه أحمد وابن عساكر وأبويعلى والطبراني والدار قطني من طريق أبي سعيد و أبي ذر وابن عباس ومعاوية وأبي هريرة كمافي كنز العمال 6 : 39 ، 90.
وذكر ابن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق 147 بسند حسنه : ان مروان دخل على معاوية في حاجة وقال : إن مؤنتى عظيمة أصبحت أبا عشرة ، وأخاعشرة ، و عم عشرة ثم ذهب فقال معاوية لابن عباس وكان جالسا معه على سريره : انشدك بالله يابن عباس أماتعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا بلغ بنو أبي الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا آيات الله بينهم دولا ، وعبادالله خولا ، وكتابه دخلا ، فاذا بلغوا سبعة واربعمائة كان هلاكهم أسرع من كذا ؟ قال : أللهم نعم.
وقوله صلى الله عليه وآله باسناد حسنه ابن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق 143 : شر العرب بنوامية.وبنو حنيفة.وثقيف.وقال : صح قال الحاكم : على شرط الشيخين عن أبي برزة رضي الله عنه قال : كان أبغض الاحياء أوالناس إلى رسول الله ينوامية وقول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : لكل أمة آفة وآفة هذه الامة بنوأمية.كنز العمال 6 : 91 ".
فالحكم في هذه العمومات ولا سيما بعد ملاحظة ماأثبتته السير ومدونات التاريخ وغيرها ، وبعد الاحاطة بأحوال الرجال وما ارتكبوه وما ارتكبوا فيه ، أنت و وجدانك أيها القارئ الكريم .
2- قال ابن حجر في الصواعق ص 108 : قال ابن ظفر : وكان الحكم هذا يرمى بالداء العضال وكذلك أبوجهل كذا ذكره الدميري في حياة الحيوان.
ولعنته صلى الله عليه وسلم للحكم وإبنه لا تضرهما لانه صلى الله عيله وسلم تدارك ذلك بقوله مما بينه في الحديث الآخر : انه بشر يغضب كما يغضب البشر ، وانه سأل ربه ان من سبه أو لعنه أو دعاعليه أن يكون رحمة وزكاة وكفارة وطهارة.وما نقله " الدميري " عن ابن ظفر في أبي جهل لا تأويل عليه فيه بخلافه في الحكم فانه صحابي وقبيح أي قبيح أن يرمى صحابي بذلك فليحمل على أنه إن صح ذلك كان يرمى به قبل الاسلام.اه‍.
أنا لا أدري أيعلم ابن حجر مادايلوك بين أشداقه ؟ أهو مجد فيما يقول أم هازى ، ؟
أما مااعتذربه عن ان لعنته صلى الله عليه وآله لا تضر الحكم وابنه.الخ.فقد أخذه مما أخرجه السيخان في الصحيحين ( 1 ) من طريق أبي هريرة غير انه حرف منه كلما وزاد فيه اخرى واليك لفظه قال : اللهم إنمامحمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لم تخلفنيه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها اليك.
هذا حط من مقام الرسالة لاجل أموي ساقط ، وحسبان ان صاحبها كانسان عادي يثيره ما يثير غيره فيغضب لما لا ينبغي أن يغضب له ، ومخالف للكتاب العزيز من قوله سبحانه : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.نعم : هو صلى الله عليه وآله بشر غيرانه كما قال في الذكر الحكيم : قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي.فإن كان في الوحي أن يلعن الطريد وما ولد فماذا ينجيه من اللعن ؟ إلا أن يحسب ابن حجر ان الوحي ايضا يتبع الشهوات ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم.
وكيف يكون اللعن رحمة وزكاة وطهارة وكفارة وقد أصاب موضعه بأمر من الله سبحانه ؟
ومايصنع ابن حجر بالصحيح المتضافر من ان سباب المسلم فسوق ( 2 ) ؟
وكيف يسوغ له ايمانه أن يكون رسول الله سبابا أو لعانا أو مؤذيا لاحد أو جالدا لمسلم على غير حق ؟ وكل ذلك من منافيات العصمة والله سبحانه يقول : الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير مااكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا.وجاء في الصحيح : انه صلى الله عليه وآله لم يكن سبابا ولا فحاشا ولا لعانا ، وقد أبى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الدعاء على المشركين ، وقال صلى الله عليه وآله إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة ( 3 ) فهو صلى الله عليه وآله كان يأمل في اولئك المشركين الهداية فلم يلعنهم ولا دعاعليهم ، ولما كان لم يرج في الحكم وولده أي خير لعنهم لعنا يبقى عليهم خزي الابد.
نعم رواية الصحيحين المنافي لعصمة الرسول صلى الله عليه وآله اختلقتها يدالهوى على عهد
* (هامش ) * (1 ) صحيح البخاري 4 : 71 كتاب الدعوة.صحيح مسلم 2 : 391 كتاب البر والصلة ( 2 ) أخرجه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم من طريق ابن مسعود.
وابن ماجة من طريق جابر وسعد.والطبرانى عن عبدالله بن المغفل وعمرو بن النعمان.وصححه غير واحد من الحفاظ كالهيثمي والسيوطى والمناوى.
( 3 ) أخرجه البخاري 9 : 22 ، ومسلم في صحيحه 2 : 393.
معاوية تزلفا اليه ، وطمعا في رضيخته ، وتحببا إلى آل أبي العاص المقربين عنده.ومن أراد الوقوف على أبسط مما ذكرناه في المقام فليراجع كتاب " ابوهريرة " لسيدنا الآية السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي ص 118 129.
هبنا " العياذ بالله " ماشينا ابن حجر في أساطيره في نبي العصمة والقداسة فما حيلة المغفل فيما نزل من الذكر الحكيم في الحكم وبنيه ؟ هل فيه ضير ؟ أم يراه أيضا رحمة وزكاة وكفارة وطهارة.
وشتان بين رأي ابن حجر في الحكم وبين مايأتي من قول أبي بكر لعثمان فيه : عمك إلى النار وقول عمر لعثمان : ويحك يا عثمان تتكلم في لعين رسول الله و طريده وعدو الله وعدو رسوله؟.
وأما ماعالج به داء الحكم فهو يعلم أنه موصوم بما هو أفظع من ذلك من لعن رسول الله وطرده إياه ، وكان الخبيث يهزأ برسول الله صلى الله عليه وآله في مشيته حتى أخذته دعوته صلى الله عليه وآله ، وهل تجديه الصحبة وحاله هذه ؟ وهل تشمل الصحبة التي هي من أربى الفضائل اللص الذي ساكن الصحابة لاستراق أموالهم والقاح الفتن فيهم ؟ وهل تشمل المنافقين الذين كانوا في المدينة يومئذ ؟ " ومن أهل المدينة مردوا على النفاق " فان طهرت الصحبة أمثال الحكم فهي مطهرة اولئك بطريق أولى لانه لم يكشف عنهم الغطاء كماكشف عن الحكم على العهد النبوي وفي دور الشيخين حتى أراد ابن أخيه ينقذه من الفضيحة فزيد ضغث على أبالة ، ونبشت الدفائن ، وذكر ما كاد أن ينسى.
ثم هب أن الصحبة مزيحة لعلل النفس والامراض القلبية فهل هي مزيلة للادواء الجسمانية ؟ لم نجد في كتب الطب من وصفها بذلك ، ولاتعدادها في الصف الادوية المفيدة لداء من الادواء ، ولا لذلك الداء العضال الذي زعم ابن حجرانه منفي عن الحكم لمحض الاسلام والصحبة ، وجوز أن يكون قبل اتصاله بالمسلمين ، حيا الله هذا الطب الجديد.
إن من الممكن جدا أن يكون هذا الداء العضال من علل طرد الرجل من المدينة فلم يرد صلى الله عليه وآله أن يكون بين صحابة ه في عاصمة نبوء‌ته مخزي مثله.
إذا أنهاك البحث إلى هاهنا وعرفت الحكم ومقداره في أدوار حياته جاهلية واسلاما فاقرأ ماجاء به سالم بن وابصة تزلفا إلى معاوية بن مروان بن الحكم من قوله :
اذا افتخرت يوما امية أطرقت * قريش وقالوا : معدن الفضل والكرم
فإن قيل : هاتوا خيركم أطبقوامعا * على ان خير الناس كلهم الحكم
ألستم بني مروان غيث بلادنا * إذ السنة الشهباء سدت على الكظم ؟
سبحانك اللهم ماقيمة بشر خيره الحكم ؟ وماشأن جدوب غيثها بنومروان ؟ إن هي إلا أساطير الاولين نسجتها يد الغلو في الفضائل.
- المسائلة :
هلم معي نسائل الخليفة في إيواء لعين رسول الله وطريده ( الحكم ) وبمسمع منه ومرأى نزول القرآن فيه واللعن المتواصل من مصدر النبوة عليه وعلى من تناصل منه عدا المؤمنين ، وقليل ماهم ، ما هو المبرر لعمله هذا ورده إلى مدينة الرسول ؟
وقد طرده صلى الله عليه وآله وأبناء‌ه منها تنزيها لها من تلكم الارجاس والادناس الاموية وقد سأل أبابكر وبعده عمر أن يرداه فقال كل منهما : لاأحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وآله ( 1 )
وقال الحلبي في السيرة 2 : 85 : كان يقال له : طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه وقد كان صلى الله عليه وسلم طرده إلى الطائف ومكث به مدة رسول الله ومدة أبي بكر بعد أن سأله عثمان في إدخاله المدينة فأبى فقال له عثمان : عمي ، فقال : عمك إلى النار ، هيهات هيهات أن أغير شيئا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله لا رددته أبدا ، فلما توفي أبوبكر وولي عمر كلمه عثمان في ذلك فقال له : ويحك ياعثمان تتكلم في لعين رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريده وعدو الله وعدورسوله ؟ فلما ولي عثمان رده إلى المدينة فاشتد ذلك على المهاجرين والانصار فانكر ذلك عليه أعيان الصحابة ، فكان ذلك من أكبر الاسباب على القيام عليه.ه‍
ألم تكن للخليفة أسوة في رسول الله ؟ والله يقول : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكرالله كثيرا.( 2 ) أو كان قومه وحامته أحب إليه من الله ورسوله؟ وبين يديه الذكر الحكيم : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم
* (هامش ) * (1 ) الانساب للبلاذري 5 : 27 ، الرياض النضرة 2 : 143 ، أسدالغابة 2 : 35 ، السيرة الحلبية 1 : 337 ، الاصابة 1 : 345 ،
( 2 ) سورة الاحزاب : 21.
وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لايهدي القوم الفاسقين.التوبة.24.
ثم ما هو المبرر لتخصيص الرجل بتلك المنحة الجزيلة من حقوق المسلمين و إعطياتهم ؟ بعد تأمينه على أخذ الصدقات المشترط فيه الثقة والامانة واللعين لايكون ثقة ولا أمينا.
ثم نسائل الحكم والخليفة على تقريره لما ارتكبه من حمل صدقات قضاعة إلى دار الخلافة وقد ثبت في السند كما مر ص 245 انها تقسط على فقراء المحل و عليها أتت الاقوال قال أبوعبيد في الامول ص 596 : والعلماء اليوم مجمعون على هذه الآثار كلها : أن أهل كل بلد من البلدان ، أو ماء من المياه أحق بصدقتهم مادام فيهم من ذوي الحاجة واحد فمافوق ذلك وإن أتى ذلك على جميع صدقتها حتى يرجع الساعي ولا شئ معه منها ، بذلك جاء‌ت الاحاديث مفسرة.ثم ذكر أحاديثا فقال ص 597 :
قال أبوعبيد : فكل هذه الاحاديث تثبت ان كل قوم أولى بصدقتهم حتى يستغنوا عنها ، ونرى إستحقاقهم ذلك دون غيرهم إنما جاء‌ت به السنة لحرمة الجوار وقرب دراهم من دار الاغنياء.اه‍.
ألم يكن في قضاعة ذو حاجة فيعطى ؟ أو لم يكن في المدينة الطيبة من فقراء المسلمين أحد فيقسم ذلك المال الطائل بينهم بالسوية ؟ إنما الصدقات للفقراء و المساكين والعاملين عليها.الآية.فتخصيصها للحكم لماذا ؟.
وهلم معي إلى المسكين صاحب المال تؤخذ منه الصدقات شاء أو أبى وهو يعلم مصب تلكم الاموال ومدرها من أيدي أولئك الجبابرة أو الجباة الجباه السود ( نظراء الحكم ومروان والوليد وسعيد ) وما يرتكبونه من فجور ومجون ، وبعد لم ينقطع من اذنه صدى ما ارتكبه خالدبن وليد سيف.. مع مالك بن نويرة وحليلته وذويه وما يملكه ، وكان يسمع من وحي الكتاب قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهر هم بها وتزكيهم ( سورة التوبة 140 ) فهل يرى المسكين أن هذا الاخذ يطهره ويزكيه ؟ لا حكم إلا لله.
نعم يقول المغيرة بن شعبة زاني ثقيف : إن النبي صلى الله عليه وآله أمرنا أن ندفعها إليهم و عليهم حسابهم ( 1 ) ويقول ابن عمر : إدفعواها إليهم وإن شربوا بها الخمر.ويقول : إدفعها إلى الامراء وان تمزعوا بها لحوم الكلاب على موائدهم.( 2 )
نحن لا نقيم لامثال هذه الآراء وزنا ، ولا أحسب ان الباحث يقدر لها قيمة فانها ولائد ظنون مجردة.وقد جاء في اولئك الامراء باسناد صححه الحا كم والذهبي من طريق جابر بن عبدالله قال قال صلى الله عليه وآله لكعب بن عجرة : أعاذك الله ياكعب من إمارة السفهاء.قال : وما إمارة السفهاء يارسول الله ؟ قال : امراء يكونون بعدي لا يهدون بهديي ، ولا يستنون بسنتي ، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فاولئك ليسوا مني و لست منهم ، ولا يردون علي حوضي ( 3 ) فإعطاء الصدقات لاولئك الامراء من أظهر مصاديق الاعانة على الاثم والعدوان والله تعالى يقول : تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " سورة المائدة2".
ثم إن الصدقات كضرائب مالية في اموال الاغنياء لاعاشة الضعفاء من الامة قال مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام : إن الله عزوجل فرض على الاغنياء في أموالهم ما يكفي الفقراء فان جاعوا أو عروا أو جهدوا فبمنع الاغنياء ، وحق على الله تبارك وتعالى أن يحاسبهم ويعذبهم.(الاموال لابي عبيد ص 595 ، المحلى لابن حزم 6 : 158 ، و أخرجه الخطيب في تاريخه 5 : 208 من طريق علي مرفوعا )
وفي لفظ : إن الله سبحانه فرض في أموال الاغنياء أقوات الفقراء ، فما جاع فقير إلا بما متع به غني ، والله سائلهم عن ذلك ( نهج البلاغة 2 : 214 )
هذا هو مجرى الصدقات في الشريعة المطهرة ، وهو الذي يطهر صاحب المال و يزكيه ، ويكتسح عن المجتمع معرة الآراء الفاسدة من الفقراء ، المقلقة للسلام و المعكرة لصفو الحياة.
* (هامش ) * (1 ) سنن البيهقي 4 : 115.
( 2 ) سنن البيهقي 4 : 115 ، الاموال لابي عبيد ص.57.
( 3 ) مستدرك الحاكم 4 : 422.
ثم : الخليفة يدعي ( 1 ) ان رسول الله صلى الله عليه وآله وعده رد الحكم بعد أن فاوضه في ذلك ، إن كان هذا الوعد صحيحا فلم لم يعلم به أحد غيره ؟ ولا عرفه الشيخان قبله.
وهلا رواه لهما حين كلمهما في رده فجبهاه بما عرفت ؟ أو أنهما لم يثقا بتلك الرواية ؟
فهذه مشكلة أخرى.أو انهما صدقاه ؟ غيرانهما رأيا أن صلى الله عليه وآله وعده أن يرده هو صلى الله عليه وآله ولم يرده ، ولعل المصلحة الواقعية أو الظروف لم تساعده على إنجاز الوعد
حتى قضى نحبه ، فمن أين عرف الترخيص له في رده ؟ ولو كانت هناك شبهة رخصة ؟
لعمل بها الشيخان حين فاوضهما هو في ذلك ، لكنهما ماعرفا الشبهة ولا علما تلميحا للرخصة بل رأياه عقدة لرسول الله صلى الله عليه وآله لاتنحل ، وفي الملل والنحل للشهرستاني 1 : 25 : فما أجابا إلى ذلك ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخا.ه‍.
ومن هنا رأى ابن عبد ربه في العقد ، وأبوالفدا في تاريخه 1 : 168 : أن الحكم طريد رسول الله وطريد أبي بكر وعمر أيضا ، وكذلك الصحابة كلهم ماعرفوا مساغا لرد الرجل وأبناؤه وإلا لما نقموا به عليه ولعذروه على ما ارتكبه وفيهم من لا تخفى عليه مواعيد النبي صلى الله عليه وآله.
وللخليفة معذرة أخرى قال ابن عبد ربه في العقد الفريد 2 : 272 : لما رد عثمان الحكم طريد النبي صلى الله عليه وسلم وطريد أبي بكر وعمر إلى المدينة تكلم الناس في ذلك فقال عثمان : ماينقم الناس مني ؟ أني وصلت رحما وقريت عينا.اه‍ ونحن لا نخدش العواطف بتحليل كلمة الخليفة هذه ، ولا نفصل القول في مغزاها وانما نمر به كراما ، وأنت إذا عرفت الحكم وما ولد فعلمت أن ردهم إلى المدينة المشرفة وتوليهم على الامور ، وتسليطهم على ناموس الاسلام ، وإتخاذ الحمى لهم كمامر ص 242 جناية كبيرة على الامة لا تغتفر ، ولا تقر بها قط عين.
- أيادي الخليفة عند مروان :
أعطى مروان بن الحكم بن أبي العاص ابن عمه وصهره من ابنته أم أبان خمس غنائم أفريقية وهو خمسمائة ألف ديناد ، وفي ذلك يقول عبدالرحمن بن حنبل الجمحي الكندي مخاطبا الخليفة :
* (هامش ) * (1 ) الانساب للبلاذري 5 : 27 ، الرياض النضرة 2 : 143 ، مرآة الجنان لليافعي 1 : 85 الصواعق ص 68 ، السيرة الحلبية 2 : 86.
- الغدير 18 :
سأحلف بالله جهد اليمين ما ترك الله أمرا سدى
ولكن خلفت لنا فتنة * لكي نبتلى لك أو تبتلي
فإن الامينين قد بينا * منار الطريق عليه الهدى
فما أخذا درهما غيلة * وما جعلا در همافي الهوى
دعوت اللعين فأدنيته * خلافا لسنة من قد مضى
وأعطيت مروان خمس العبا د ظلما لهم وحميت الحمى هكذا رواه ابن قتيبة في المعارف ص 84 ، وأبوالفدا في تاريخه 1 : 168 ، و ذكر البلاذري الابيات في الانساب 5 : 38 ونسبها إلى اسلم بن أوس بن بجرة الساعدي الخزرجي الذي منع أن يدفن عثمان بالبقيع واليك لفظها :
ا قسم بالله رب العبا د ماترك الله خلقا سدى
دعوت اللعين فأدنيته * خلافا لسنة من قد مضى
قال : يعني الحكم والد مروان.
وأعطيت مروان خمس العبا د ظلما لهم وحميت الحمى
ومال أتاك به الاشعري * من الفئ أنهيته من ترى
فأما الامينان إذ بينا * منار الطريق عليه الصوى
فلم يأخذا درهما غيلة * ولم يصرفا درهما في هوى
وذكرها ابن عبدربه في العقد الفريد 2 : 261 ونسبها إلى عبدالرحمن ، وروى البلاذري من طريق عبدالله بن الزبير أنه قال : أغزانا عثمان سنة سبع وعشرين أفريقية فأصاب عبدالله بن سعدبن أبي سرح غنائم جليلة فاعطى عثمان مروان بن الحكم خمس الغنائم.وفي رواية أبي مخنف:فابتاع الخمس بمائتي ألف دينار فكلم عثمان فوهبها له فأنكر الناس ذلك على عثمان (1)
وفي رواية الواقدي كما ذكره ابن كثير : صالحه بطريقها على ألفي ألف دينار وعشرين ألف دينار فاطلقها كلها عثمان في يوم واحد لآل الحكم ويقال : لآل مروان ( 2 )
* (هامش ) * (1 ) الانساب 5 : 27 ، 28.
( 2 ) تاريخ ابن كثير 7 : 152.لايخفى على القارى تحريف ابن كثير رواية الواقدى والصحيح ما ذكره الطبرى عنه.
وفي رواية الطبري عن الواقدي عن اسامة بن زيد عن كعب قال : لما وجه عثمان عبدالله بن سعد إلى أفريقية كان الذي صالحهم عليه بطريق أفريقية ( جرجير )
الفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار ، فبعث ملك الروم رسولا وأمره أن يأخذمنهم ثلاثمائة قنطار كما أخذ منهم عبدالله بن سعد.إلى أن قال : كان الذي صالحهم عليه عبدالله بن سعد ثلثمائة قنطار ذهب ، فأمربها عثمان لآل الحكم.قلت : أو لمروان ؟
قال لاأدري.( تاريخ الطبري 5 : 50 ).
وقال ابن الاثير في الكامل 3 : 38 : وحمل خمس أفريقية إلى المدينة فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار فوضعها عنه عثمان ، وكان هذا مما أخذ عليه ، وهذا أحسن ما قيل في خمس أفريقية ، فان بعض الناس يقول : أعطى عثمان خمس أفريقية عبدالله بن سعد.وبعضهم يقول : أعطاه مروان الحكم ، وظهر بهذا انه أعطى عبدالله خمس الغزوة الاولى ، وأعطى مروان خمس الغزوة الثانية التي افتتحت فيها جميع أفريقية.والله أعلم.
وروى البلاذري وابن سعد : إن عثمان كتب لمروان بخمس مصر وأعطى أقرباء‌ه المال ، وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها ، واتخذ الاموال واستسلف من بيت المال وقال : إن أبابكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما ، وإني أخذته فقسمته في أقربائي.فأنكر الناس عليه ذلك.(1 )
وأخرج البلاذري في الانساب 5 : 28 من طريق الواقدي عن ام بكر بنت المسور قالت : لما بني مروان داره بالمدينة دعا الناس إلى طعامه وكان المسور فيمن دعا ، فقال مروان وهو يحدثهم : والله ما أنفقت في داري هذه من مال المسلمين درهما فمافوقه.
فقال المسور : لو أكلت طعامك وسكت لكان خيرا لك ، لقد غزوت معنا افريقية وإنك لاقلنا مالاو رقيقا وأعوانا وأخفنا ثقلا ، فأعطاك ابن عفان خمس افريقية وعملت على الصدقات فأخذت أموال المسلمين.فشكاه مروان إلى عروة وقال : يغلظ لي وأنا له مكرم متق.
قال ابن أبي الحديد في الشرح 1 : 67 : أمر ( عثمان ) لمروان بمائة ألف من بيت المال وقد زوجه ابنته ام أبان فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها
* (هامش ) * (1 ) طبقات ابن سعد 3 : 44 ط ليدن ، الانساب للبلاذري 5 : 25.
بين يدي عثمان وبكى فقال عثمان : أتبكي إن وصلت رحمي ؟ قال : لا.ولكن أبكي لاني أظنك إنك أخذت هذا المال عوضاعما كنت أنفقت في سبيل الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا.فقال : ألق المفاتيح يا ابن أرقم فانا سنجد غيرك ، وأتاه أبوموسى بأموال من العراق جليلة فقسمها كلها في بني أمية.
وقال الحلبي في السيرة 2 : 87 : وكان من جملة ما انتقم به على عثمان رضي الله تعالى عنه أنه أعطى ابن عمه مروان بن الحكم مائة ألف وخمسين أوقية.
مروان وما مروان ؟
مر في صفحة 246 ماصح من لعن رسول الله صلى الله عليه وآله على أبيه وعلى من يخرج من صلبه.وأسلفنا ماصح من قول عائشة لمروان : لعن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم أباك فأنت فضض من لعنة الله.
وأخرج الحاكم في المستدرك 4 : 479 من طريق عبدالرحمن بن عوف وصححه انه قال : كان لايولد لاحد بالمدينة ولد إلا أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فادخل عليه مروان بن الحكم فقال : هو الوزغ ابن الوزغ ، الملعون ابن الملعون.
وذكر الدميري في حيوة الحيوان 2 : 399 ، وابن حجر في الصواعق ص 108 ، والحلبي في السيرة 1 6 337 ولعل معاوية أشار إليه بقوله لمروان : يا ابن الوزغ لست هناك.فيما ذكره ابن أبي الحديد 2 : 56.
وأخرج ابن النجيب من طريق جبير بن مطعم قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فمر الحكم بن أبي العاص فقال النبي صلى الله عليه وآله : ويل لامتي مما في صلب هذا ( 1 ).
وفي شرح ابن أبي الحديد 2 : 55 نقلا عن الاستيعاب : نظر علي عليه السلام يوما إلى مروان فقال له : ويل لك وويل لامة محمد منك ومن بيتك إذا شاب صدغاك.
وفي لفظ ابن الاثير : ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك." أسد الغابة 4 : 348 "
ورواه ابن عساكر بلفظ آخر كما في كنز العمال 6 : 91.
وقال مولانا أميرالمؤ منين يوم قال له الحسنان السبطان : يبايعك مروان ياأمير
* (هامش ) * (1 ) أسد الغابة 2 : 34 ، الاصابة 1 : 346 ، السيرة الحلبية 1 : 337 ، كنز العمال 6 : 40.
المؤمنين : أو لم يبايعني قبل قتل عثمان ؟ لا حاجة لي في بيعته ، إنها كف يهودية لو بايعني بيده لغدر بسبته ، أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبوالاكبش الاربعة ( 1 ) وستلقى الامة منه ومن ولده يوماأحمر " نهج البلاغة ".
قال ابن أبي الحديد في الشرح 2 : 53 : قد روي هذا الخبر من طريق كثيرة ورويت فيه زيادة لم يذكرها صاحب " نهج البلاغة " وهي قوله عليه السلام في مروان : يحمل راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه وإن له إمرة.الخ.
هذه الزيادة أخذها ابن أبي الحديد من ابن سعد ذكرها في طبقاته 5 : 30 ط ليدن قال : قال علي بن أبي طالب يوما ونظر إليه : ليحملن راية ضلالة بعد مايشيب صدغاه ، وله إمرة كلحسة الكلب أنفه.اه‍.وهذا الحديث كما ترى غير ما في " نهج البلاغة "
وليس كما حسبه ابن أبي الحديد زيادة فيه ، ولا توجد تلك الزيادة في رواية السبط أيضا في تذكرته ص 45.والله العالم.
قال البلاذري في الانساب 5 : 126 : كان مروان يلقب خيط باطل لدقته وطوله شبه الخيط الابيض الذي يرى في الشمس ، فقال الشاعر ويقال : إنه عبدالرحمن بن الحكم أخوه :
لعمرك ماأدري وإني لسائل * حليلة مضروب القفا كيف يصنع ( 2 )
لحى الله قوماأمروا خيط باطل * على الناس يعطي مايشاء ويمنع ( 3 )
وذكر البلاذري في الانساب 5 : 144 في مقتل عمرو بن سعيد الاشدق الذي قتله عبدالملك بن مروان ليحيى بن سعيد أخي الاشدق قوله غدرتم بعمرو يابني خيط باطل * ومثلكم يبني البيوت على الغدر وذكر ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 55 لعبد الرحمن بن الحكم في أخيه قوله :
* (هامش ) * (1 ) هم بنو عبدالملك : الوليد.سليمان.يزيد.هشام.كذا فسره الناس وعند ابن ابى الحديد هم اولاد مروان : عبدالملك.بشر.محمد.عبدالعزيز.
( 2 ) أشار بقوله : مضروب القفا إلى ماوقع يوم الدار ، فان مروان ضرب يوم ذاك على قفاه
كما يأتى حديثه في الجزء التاسع ان شاء‌الله تعالى.
( 3 ) ورواهما وماقبلهما ابن الاثير في أسد الغابة 4 : 348.
وهبت نصيبي منك يامرو كله * لعمرو ومروان الطويل وخالد
ورب ابن ام زائد غير ناقص * وأنت ابن ام ناقص غير زائد
ومن شعر مالك الريب " المترجم في الشعر والشعراء لابن قتيبة " يهجو مروان قوله :
لعمرك ما مروان يقضي امورنا * ولكن ماتقضي لنا بنت جعفر ( 1 )
فياليتها كانت علينا أميرة * وليتك يامروان أمسيت ذاحر
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد 10 : 72 من طريق أبي يحيى قال : كنت بين الحسن والحسين ومروان يتسابان فجعل الحسن يسكت الحسين فقال مروان : أهل بيت ملعونون.فغضب الحسن وقال : قلت أهل بيت ملعونون.فوالله لقد لعنك الله وأنت في صلب أبيك.أخرجه الطبراني وذكره السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 : 90 نقلا عن ابن سعد وأبي يعلى وابن عساكر.
إن الذي يستشفه المنقب من سيرة مروان وأعماله انه ماكان يقيم لنواميس الدين الحنيف وزنا ، وإنما كان يلحظها كسياسات زمنية فلا يبالي بابطال شئ منها أو تبديله إلى آخر حسب ما تقتضيه ظروفه وتستدعيه أحواله ، وإليك من شواهد ذلك عظائم وعليها فقس مالم نذكره :
1- أخرج إمام الحنابلة أحمد في مسنده 4 : 94 من طريق عباد بن عبدالله بن الزبير قال : لما قدم عينا معاوية حاجا ، قدمنا معه مكة قال : فصلى بنا الظهر ركعتين ثم انصرف إلى دار الندوة قال : وكان عثمان حين أتم الصلاة فإذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعا أربعا ، فإذا خرج إلى منى وعرفات قصر الصلاة ، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة حتى يخرج من مكة ، فلما صلى بناالظهر ركعتين نهض اليه مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له : ما عاب أحد ابن عمك بأقبح ماعبته به.
فقال لهما : وماذاك ؟ قال : فقال له : ألم تعلم أنه أتم الصلاة بمكة ؟
قال : فقال لهما : ويحكما وهل كان غير ماصنعت ؟ قدصليتهما مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.قالا : فان ابن عمك قد أتمها وإن خلافك إياه
* (هامش ) * (1 ) بنت جعفر هى الهاشمية الشهيرة بام أبيها بنت عبدالله بن جعفر بن أبي طالب زوجة عبد الملك بن مروان.ثم طلقها فتزوجها على بن عبدالله بن عباس.
له عيب.قال : فخرج معاوية إلى العصر فصلاها بنا أربعا.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 156 نقلا عن أحمد والطبراني فقال :
رجال أحمد موثقون.
فاذاكان لعب مروان وخليفة وقته معاوية بالصلاة التي هي عماد الدين إلى درجة يقدم فيها التحفظ على عثمان في عمله الشاذ عن الكتاب والسنة على العمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أخضع معاوية لما ارتآه من الرأي الشائن في صلاة العصر ، فما ذا يكون عبثهما بالدين فيما هو دون الصلاة من الاحكام ؟.
وإن تعجب فعجب انه يعد مخالفة عثمان في رأيه الخاص له عيبا عليه يغير لاجله الحكم الديني الثابت ، ولا يعد مخالفة رسول الله وما جاء به محظورة تترك لاجلها الاباطيل والاحداث.
ومن العجب أيضا أن ينهى معاوية عن مخالفة عثمان ، ولا ينهى من خالف رسول الله صلى الله عليه وآله عن مخالفته.أهؤلاء من خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ؟ وأعجب من كل ذلك حسبان أولئك العابثين بدين الله عدولا وهذه سيرتهم ومبلغهم من الدين الحنيف.
2- أخرج البخاري من طريق أبي سعيد الخدري قال : خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر ، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثيربن الصلت فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت ثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة فقلت : غيرتم والله.فقال : أباسعيد قد ذهب ما تعلم.فقلت : ما أعلم والله خير مما لا أعلم.
فقال : إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة.
وفي لفظ الشافعي : ياأباسعيد ترك الذي تعلم.
أترى مروان كيف يغير السنة ؟ وكيف يفوه ملا فمه بمالايسوغ لمسلم أن يتكلم به ؟ كأن ذلك مفوض إليه ، وكأن تركها المنبعث عن التجري على الله ورسوله يكون مبيحا لادامة الترك ، لماذا ذهب ماكان يعلمه أبو سعيد من السنة ؟ ولماذا ترك ؟
نعم : كان لمروان في المقام ملحوظتان : الاولى اقتصاصه أثر ابن عمه عثمان ، والآخر انه كان يقع في الخطبة في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ويسبه ويلعنه فتتفرق عنه الناس لذلك فقدمها على الصلاة لئلا يجفلوا فيسمعوا العظائم ويصيخوا إلى ما يلفظ به من كبائر وموبقات.راجع تفصيلا أسلفناه صفحة 164 171 من هذا الجزء.
ويستظهر مما سبق ص 166 من كلام عبدالله بن الزبير : كل سنن رسول الله صلى الله عليه وآله قدغيرت حتى الصلاة.ان تسرب التغيير ولعب الاهواء بالسنن لم يكن مقصورا على الخطبة قبل الصلاة فحسب ، وإنما تطرق ذلك إلى كثير من الاحكام كما يجده الباحث السابر أغوار السير والحديث.
3- سبه لمولانا أميرالمؤمنين علي عليه السلام وكان الرجل كما قال أسامة بن زيد :
فاحشا متفحشا ( 1 ).
الحجر الاساسي في ذلك هو عثمان جرأ الوزغ اللعين على أمير المؤمنين يوم قال له : أقد مروان من نفسك.قال عليه السلام مم ذا ؟ قال : من شتمه وجذب راحلته.
وقال له : لم لايشتمك ؟ كأنك خير منه ؟ ( 2 ) وعلاه معاوية بكل ماعنده من حول وطول ، لكن مروان تبعه شر متابعة ، ولم يأل جهدا في تثبيت ذلك كلما أقلته صهوة المنبر ، أو وقف على منصة خطابة ، ولم يزل مجدا في ذلك وحاضا عليه حتى عاد مطردا بعد كل جمعة وجماعة في أي حاضرة يتولى أمرها ، وبين عماله يوم تولى خلافة هي كلعقة الكلب أنه " تسعة أشهر " كما وصفها مولانا أميرالمؤمنين ، ولم تكن هذه السيرة السيئة إلا لسياسة وقتية ، وقد أعرب عما في سريرته بقوله فيما أخرجه الدارقطني من طريقه عنه قال : ماكان أحد أدفع عن عثمان من علي.فقيل له : مالكم تسبونه على المنبر ؟ قال : إنه لا يستقيم لنا الامر إلا بذلك ( 1 )
قال ابن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق ص 142 : وبسند رجاله ثقات : ان مروان لما ولي المدينة كان يسب عليا على المنبر كل جمعة ، ثم ولي بعده سعيد بن العاص فكان لايسب ، ثم أعيد مروان فعاد للسب ، وكان الحسن يعلم ذلك فيسكت ولا يدخل المسجد إلا عند الاقامة ، فلم يرض بذلك مروان حتى أرسل للحسن في بيته
* (هامش ) * (1 ) الاستيعاب في ترجمة اسامة.
( 2 ) يأتى حديثه تفصيلا في قصة أبى ذر في هذا الجزء ان شاء الله تعالى.
( 3 ) الصواعق لابن حجر ص 33.
بالسب البليغ لابيه وله ، ومنه : ما وجدت مثلك إلا مثل البغلة يقال لها : من أبوك ؟
فتقول : أبي الفرس.فقال للرسول : ارجع إليه فقل له : والله لاأمحو عنك شيئا مما قلت بأني اسبك ، ولكن موعدي وموعدك الله ، فإن كنت كاذبا فالله أشد نقمة ، قد أكرم جدي أن يكون مثلي مثل البغلة.إلخ.
ولم يختلف من المسلمين إثنان في ان سب الامام ولعنه من الموبقات ، وإذا صح ماقاله ابن معين كما حكاه عنه ابن حجر في تهذيب التهذيب 1 : 509 من ان كل من شتم عثمان أوطلحة أو أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله دجال لايكتب عنه وعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين.اه‍.
فما قيمة مروان عندئذ ؟ ونحن مهما تنازلنا فانا لانتنازل عن أن مولانا امير المؤمنين كأحد الصحابة الذين يشملهم حكم كل من سبهم ولعنهم ، فكيف ونحن نرى انه عليه السلام سيد الصحابة على الاطلاق ، وسيد الاوصياء ، وسيد من مضى ومن غبر عدا ابن عمه صلى الله عليه وآله وهو نفس النبي الاقدس بنص الذكر الحكيم ، فلعنه وسبه لعنه وسبه وقد قال : صلى الله عليه وآله : من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ( 1 )
وكان مروان يتربص الدوائر على آل بيت العصمة والقداسة ، ويغتنم الفرص في ايذائهم قال ابن عساكر في تاريخه 4 : 227 : أبى مروان أن يدفن الحسن في حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ماكنت لادع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله ، قد دفن عثمان بالبقيع.ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية بذلك ، فلم يزل عدوا لبني هاشم حتى مات.اه‍.
أي خليفة هذا يجلب رضاه بايذاء عترة رسول الله ؟ ومن ومن أولى بالدفن في الحجرة الشريفة من السبط الحسن الزكي ؟ وبأي كتاب وبأية سنة وبأي حق ثابت كان لعثمان أن يدفن فيها ؟ ومن جراء ذلك الضغن الدفين على بني هاشم كان ابن الحكم يحث ابن عمر على الخلافة والقتال دونها.أخرج أبوعمر من طريق الماجشون وغيره : ان مروان دخل في نفر على عبدالله بن عمر بعد ما قتل عثمان رضي الله عنه فعرضوا عليه أن يبايعواله قال : وكيف لي بالناس ؟ قال : تقاتلهم ونقاتلهم معك.فقال :
* (هامش ) * (1 ) مستدرك الحاكم 3 : 121 ، مسند أحمد 6 : 323.وسيوافيك تفصيل طريقه.
والله لواجتمع علي أهل الارض إلا فدك ما قاتلتهم ، قال : فخرجوا من عنده ومروان يقول :
والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا ( 1 ) لماذا ترك الوزغ سنة الانتخاب الدستوري في الخلافة بعد إنتهاء الدور إلى سيد العترة ؟ وما الذي سوغ له ذلك الخلاف ؟ وحض ابن عمر على الامر ، وتثبيطه على القتال دونه ، بعد إجماع الامة وبيعتهم مولانا أميرالمؤمنين ؟ نعم : لم يكن من يوم الاول هناك قط انتخاب صحيح ، ورأى حر لاهل الحل والعقد ، أنى كان ثم أنى ؟
والملك بعد أبي الزهراء لمن غلبا هذا مروان فهلم معي إلى الخليفة نستحفيه الخبر عن هذا الوزغ اللعين في صلب أبيه وبعد مولده بماذا استباح ايواء‌ه وتأمينة على الصدقات والطمأنينة به في المشورة في الصالح العام ؟ ولم استكتبه وضمه إليه فستولي عليه ؟ ( 2 ) ونصب عينيه مالهج به النبي الاعظم صلى الله عليه وآله ، وما ناء‌به هو من المخاريق والمخزيات ، ومن واجب الخليفة تقديم الصلحاء من المؤمنين وإكبارهم شكرا لاعمالهم لا الاحتفال باهل المجانة والخلاعة كمروان الذي يجب الانكار والتقطيب تجاه عمله الشائن ، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من رأى منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسا نه ، فإن لم يستطع بلسانه فبقلبه ، وذلك أضعف الايمان ( 3 ) وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أدنى الانكار أن تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة.
وهب أن الخليفة تأول وأخطأ لكنه ماهذا التبسط إليه بكله ؟ وتقريبه وهو ممن يجب إقصاء‌ه ، وايواء‌ه وهو ممن يستحق الطرد ، وتأمينه وهو أهل بأن يتهم ، ومنحه بأجزل المنح من مال المسلمين ومن الواجب منعه ، وتسليطه على أعطيات المسلمين ومن المحتم قطع يده عنها ؟.
أنا لاأعرف شيئا من معاذير الخليفة في هذه المسائل لعل لها عذرا وأنت تلومها
* (هامش ) * (1 ) الاستيعاب ترجمة عبدالله بن عمر.
( 2 ) كماذكره أبوعمرفى الاستيعاب ، وابن الاثير في أسد الغابة 4 : 348
( 3 ) مر الحديث في ص 169.
لكن المسلمين في يومه ما عذروه وهم الواقفون على الامر من كثب ، والمستشفون للحقايق الممعنون فيها ، وكيف يعذره المسلمون ونصب أعينهم قوله عزمن قائل : واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كمتم آمنتم بالله ؟ أليس إعطاء الخمس لمروان اللعين خروجا عن حكم القرآن ؟ أليس عثمان هو الذي فاوض بنفسه ومعه جبيربن مطعم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يجعل لقومه نصيبا من الخمس فلم يجعل ونص على أن بني عبد شمس وبني نوفل لا نصيب لهم منه ؟.
قال جبير بن مطعم : لما قسم رسول الله سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب ( 1 )
أتيته أنا وعثمان فقلت : يارسول الله هؤلاء بنوهاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم ، أرأيت بني المطلب اعطيتهم ومنعتنا ؟ وانما نحن وهم منك بمنزلة واحدة.
فقال : إنهم لم يفارقوني أو : لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام وإنما هم بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد وشبك بين أصابعه ، ولم يقسم رسول الله لبني عبد الشمس ولا لبني نوفل من ذلك الخمس شيئا كما قسم لبني هاشم وبني المطلب ( 2 )
ومن العزيز على الله ورسوله أن يعطى سهم ذوي قربى الرسول صلى الله عليه وآله لطريده ولعينه ، وقد منعه النبي صلى الله عليه وآله وقومه من الخمس ، فما عذر الخليفة في تزحزحه عن حكم الكتاب والسنة ، وتفضيل رحمه أبناء الشجرة الملعونة في القرآن على قربى رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم الذين أوجب الله مودتهم في الذكر الحكيم ؟ أنا لا أدري.والله من ورائهم
حسيب.
- إقطاع الخليفة وعطيته الحارث :
أعطى الحارث بن الحكم بن العاص أخامروان وصهر الخليفة من ابنته عائشة ثلاثمائة ألف درهم كمافي أنساب البلاذري 5 : 52 ، وقال في ص 28 : قدمت إبل الصدقة على عثمان فوهبها للحارث بن الحكم.
* (هامش ) * (1 ) المطلب أخوهاشم لاب وأم وامهما عاتكة بنت مرة.
( 2 ) صحيح البخاري 5 : 28 ، الاموال ص 331 ، سنن البيهقي 6 : 340 ، 342 ، سنن أبى
داود 2 : 31 ، مسند أحمد 4 : 81 ، المحلى 7 : 328.
وقال ابن قتيبة في المعارف ص 84 ، وابن عبدربه في العقد الفريد 2 : 261 ، و ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 67 ، والراغب في المحاضرات 2 : 212 : تصدق رسول الله صلى الله عليه وآله بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهزون ( 1 ) على المسلمين فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم.
وقال الحلبي في السيرة 2 : 87 : أعطى الحارث عشر مايباع في السوق ، أي سوق المدينة.
قال الاميني : لقد إصطنع الخليفة لهذا الرجل ثلاثا لا أظنه يخرج من عهدة النقد عليها :
1- إعطاء‌ه ثلاثمائة ألف ولم يكن من حر ماله.
2- هبته إبل الصدقة إياه وحده.
3- اقطاعه إياه ماتصدق به رسول الله صلى الله عليه وآله على عامة المسلمين.
أنا لاأدري بماذا استحق الرجل هذه الاعطيات الجزيلة ؟ وكيف خص به ما تصدق به رسول الله صلى الله عليه وآله على كافة أهل الاسلام ، وحرمه الباقون ؟ ولو كان الخليفة موفرا عليه بهذه الكمية من مال أبيه لاستكثر ذلك نظرا إلى حاجة المسلمين وجيوشهم ومرابطيهم ، فكيف به ؟ وقد وهبه مايملك من مال المسلمين ومن الاوقاف والصدقات ، وماكان الرجل يعرف بشئ من الاعمال البارة والمساعي المشكورة في سبيل الدعوة الالهية وخدمة المجتمع الديني حتى يحتمل فيه استحقاق زيادة في عطاء‌ه ، وهب أنا نجزنا ذلك الاستحقاق لكنه لايعدو أن يكون مخرج الزيادة مما يسوغ للخليفة التصرف فيه لامما لايجوز تبديله من إقطاع ما تصدق به النبي صلى الله عليه وآله وجعله وقفا عاما على المسلمين لايخص به واحد دون آخر ، ومن بدله بعد ماسمعه فإنما إثمه على الذين يبد لونه.
فلم يبق مبرر لتلكم الصنايع أو الفجايع إلا الصهر بينه وبين الخليفة والنسب لانه ابن عمه.ولك حق النظر في صنيع كل من الخليفتين :
1- عثمان وقد علمت ما ارتكبه هاهنا وفي غيره
2- مولانا علي عليه السلام يوم جاء‌ه عقيل يستميحه صاعا من البر
* (هامش ) * (1 ) في المعارف : مهزوز.وفى شرح ابن أبى الحديد : تهروز.وفى محاضرات الراغب : مهزور.
للتوسيع له ولعياله مما قدر له في العطاء ، فأدى عليه السلام ماهو حق الاخوة والتربية ، ولاسيما في مثل عقيل من الاشراف والاعاظم الذي يجب فيهم التهذيب أكثر من غيرهم فأدى إليه الحديدة المحماة فتأوه فقال عليه السلام : تجزع من هذه وتعرضني لنار جهنم ؟.( 1 ) وفي رواية ابن الاثير في أسد الغابة 3 : 423 من طريق سعد : ان عقيل بن أبي طالب لزمه دين فقدم على علي بن أبي طالب الكوفة فأنزله وأمر ابنه الحسن فكساه فلما أمسى دعا بعشائه فاذا خبز وملح وبقل فقال عقيل : ما هو إلا ماأرى.قال : لا.
قال : فتقضي ديني ؟ قال وكم دينك ؟ قال : أربعون ألفا.
قال : ماهي عندي ولكن اصبر حتى يخرج عطائي فانه أربعة الآف فادفعه إليك.
فقال له عقيل : بيوت المال بيدك و أنت تسوفني بعطائك ؟.
فقال : أتأمرني أن أدفع إليك أموال المسلمين وقد ائتمنوني عليها ؟.إقرأ ، فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى.
- حظوة سعيد من عطية الخليفة :
أعطى سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن امية مائة الف درهم قال أبومخنف والواقدي : أنكر الناس على عثمان إعطاء‌ه سعيد بن العاص مائة الف درهم فكلمه علي والزبير وطلحة وسعد وعبدالرحمن بن عوف في ذلك فقال : إن له قرابة ورحما.قالوا : أفما كان لابي بكر وعمر قرابة وذورحم ؟ فقال : إن أبابكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي ، قالوا : فهديهما والله أحب إلينا من هديك.
فقال : لاحول ولا قوة إلا بالله ( 2 ) قال الاميني : كان العاص أبوسعيد من جيران رسول الله صلى الله عليه وآله الذين كانوا يؤذونه ، وقتله مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام يوم بدر مشركا ( 3 ).وأما خلفه ( بالسكون ) سعيد فهو ذلك الشاب المترف كما في رواية ابن سعد ( 4 )
* (هامش ) * (1 ) الصواعق لابن حجر ص 79.
( 2 ) انساب البلاذري 5 : 28.
( 3 ) طبقات ابن سعد 1 : 185 ط مصر ، اسد الغابة 2 : 310.
( 4 ) الطبقات 5 : 21 ط ليدن.وننقل عنه كلما يأتى في سعيد بن العاص ، وذكره ابن
عساكر في تاريخه 6 : 135.
ورد الكوفة من غير سابقة واليا من قبل عثمان بعد عزله الوليد ولم يحمل أي حنكة فطفق يلهج من أول يومه بما يثير العواطف ويجيش الافؤدة ، فنسبهم إلى الشقاق والخلاف وقال : إن هذا السواد بستان لاغيلمة من قريش.
ولقد أزرى هذا الغلام بهاشم بن عتبة المرقال الصحابي العظيم صاحب راية مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام بصفين العبد الصالح الذي فقئت إحدى عينيه في سبيل الله يوم اليرموك ومات شهيدا في الجيش العلوي.
قال ابن سعد : قال سعيد مرة بالكوفة : من رأى الهلال منكم ؟ وذلك في فطر رمضان فقالوا له : مارأيناه.
فقال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص : أنا رأيته.
فقال له سعيد : بعينك هذه العوراء رأيته من بين القوم ؟ فقال هاشم : تعيرني بعيني وانما فقئت في سبيل الله ؟ وكانت عينه اصيبت يوم اليرموك ، ثم أصبح هاشم في داره مفطرا وغدى الناس
عنده ، فبلغ ذلك سعيدا فأرسل إليه فضربه وحرق داره.
ماأجرأ ابن العاص على هذاالعظيم من عظماء الصحابة فيضربه ويحرق داره لعمله بالسنة الثابتة في الاهلة بقوله صلى الله عليه وآله : إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فافطروا.وفي لفظ : صوموا لرؤيته ، وافطروا لرؤ يته ( 1 ) ؟
لم يكن يعلم هاشم المرقال بأن آراء الولاة وأهوائهم لها صولة وجولة في رؤية الهلال أيضا ، وان الشهادة بها قد تكون من الجرائم التي لا تغفر ، وإن السياسة الوقتية لها دخل في شهادات الرجال ، وان حملة النزعة العلوية لا تقبل شهاداتهم.
قد شكاه إلى الخليفة الكوفيون مرة فلم يعبأ بها فقال : كلما رأى أحدكم من أميره جفوة أرادنا أن نعزله ، فانكفئ سعيد إلى الكوفة ، وأضر بأهلها إضرارا شديدا ( 2 ) ونفى في سنة 33 بأمر من خليفته جمعا من صلحاء الكوفة وقرائها إلى الشام كما يأتي تفصيله.
ولم يفتأ على سيرته السيئة إلى أن رحل من الكوفة إلى عثمان مرة ثانية 34 والتقى هنالك بالفئة الشاكية إلى عثمان وهم : الاشتربن الحارث.يزيد بن مكفف.ثابت بن قيس.كميل بن زياد.زيد بن
* (هامش ) * (1 ) صحيح البخارى ، صحيح مسلم ، سنن أبى داود ، سنن الدارمى ، سنن النسائى 7 سنن ابن ماجة ، سنن البيهقي.
( 2 ) انساب البلاذري 5.
صوحان.صعصعة بن صوحان.الحارث الاعور.جندب بن زهير.أبوزينب الازدي أصغر بن قيس الحارثي.
وهم يسألون الخليفة عزل سعيد ، فأبى وأمره أن يرجع إلى عمله ، وقفل القوم قبله إلى الكوفة واحتلوها ودخلها من ورائهم ، وركب الاشتر مالك بن الحارث في جيش يمنعه من الدخول فمنعوه حتى ردوه إلى عثمان ، فجرى هناك ما جرى ، ويأتي نبأه بعد حين إنشاء الله تعالى.
لقد أراد الخليفة أن يصل رحمه من هذا الشباب المجرم باعطاء تلك الكمية الزائدة على حده وحقه من بيت المال ، إن كان له ثمة نصيب ، ولوكان هذا العطاء حقا لمانقده عليه أعاظم الصحابة وفي طليعتهم مولانا أميرالمؤمنين سلام الله عليه.
وأما ماتترس به من المعذرة من الاحتساب بصلة الرحم كما احتسب من قبله بمنع رحمهم عن الزيادة في إعطياتهم من بيت المال فتافه ، لان الصلة إنما تستحسن من الانسان إن كان الانفاق من خالص ماله لاالمال المشترك بين آحاد المسلمين ، ومن وهب مالا يملكه لايعد أمينا على أرباب المال ، فهو إلى الوزر أقرب منه إلى الاجر.
- هبة الخليفة للوليد من مال المسلمين :
أعطى الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية أخا الخليفة من امه مااستقرض عبدالله بن مسعود من بيت مال المسلمين ووهبه له.قال البلاذري في الانساب 5 : 30 : لما قدم الوليد الكوفة ألفى ابن مسعود على بيت المال فاستقرضه مالا وقد كانت الولاة تفعل ذلك ثم ترد ما تأخذ ، فأقرضه عبدالله ماسأله ، ثم إنه إقتضاه إياه فكتب الوليد في ذلك إلى عثمان فكتب عثمان إلى عبدالله بن مسعود : إنما أنت خازن لنا فلاتعرض للوليد فيما أخذ من المال.
فطرح ابن مسعود المفاتيح وقال :
كنت أظن أني خازن للمسلمين فأما إذكنت خاذنا لكم فلاحاجة لي في ذلك ، وأقام بالكوفة بعد إلقائه مفاتيح بيت المال.
وعن عبدالله بن سنان قال : خرج علينا ابن مسعود ونحن في المسجد وكان على بيت مال الكوفة وفي الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط فقال : يا أهل الكوفة فقدت من بيت مالكم الليلة مائة ألف لم يأتني بها كتاب أمير المؤمنين ولم يكتب لي بها برائة.
قال فكتب الوليد بن عقبة إلى عثمان في ذلك فنزعه عن بيت المال.العقد الفريد 2 : 272.
- الوليد ومن ولده : أما أبوه عقبة بن أبي معيط.
فكان أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله في ايذائه من جيرانه ، أخرج ابن سعد بالاسناد من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كنت بين شر جارين بين أبي لهب وعقبة بن معيط ، إن كانا ليأتيان ؟ فيطرحانها على بابي ، حتى أنهم ليأتون ببعض مايطرحون من الاذى فيطرحونه على بابي ( 1 ).
وقال ابن سعد في طبقات 1 : 185 : كان أهل العداوة والمناواة لرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين يطلبون الخصومة والجدل أبوجهل ، أبولهب " إلى أن عد " عقبة بن أبي معيط ، والحكم بن أبي العاص فقال : وذلك انهم كانو جيرانه ، والذي كان تنتهي عداوة رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم : أبوجهل ، أبولهب ، وعقبة بن أبي معيط.
وقال ابن هشام في سيرته 2 : 25 : كان النفر الذي يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته : أبولهب ، والحكم بن أبي العاص بن امية ، وعقبة بن أبي معيط.
وقال في ج 1 : 358 : كان أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط متصافيين حسنا ما بينهما ، فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه فبلغ ذلك أبيا فأتى عقبة فقال له : ألم يبلغني انك جالست محمدا وسمعت منه ؟ ثم قال : وجهي من وجهك حرام أن أكلمك ، واستغلظ له من اليمين إن أنت جلست اليه أو سمعت منه أو لم تأته فتتفل في وجهه.ففعل ذلك عدوالله عقبة بن أبي معيط لعنه الله ، فأنزل الله تعالى فيهما : ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا.ياويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاء‌ني ، وكان الشيطان للانسان خذولا ( 2 ).
وأخرج ابن مردويه وأبونعيم في الدلائل باسناد صححه السيوطي من طريق
* (هامش ) * (1 ) طبقات ابن سعد 1 : 186 ط مصر.
( 2 ) سورة الفرقان 28 29.
سعيدبن جبير عن ابن عباس : ان عقبة ( 1 ) بن أبي معيط كان يجلس مع النبي بمكة لا يؤذيه وكان له خليل ( 2 ) غائب عنه بالشام فقالت قريش : صبا عقبة.وقدم خليله من الشام ليلا فقال لامرأته : ما فعل محمد مما كان عليه ؟ فقالت : أشد ماكان أمرا.
فقال : ما فعل خليلي عقبة ؟ فقالت : صبا.فبات بليلة سوء فلما أصبح أتاه عقبة فحياه فلم يرد عليه التحية فقال : مالك لاترد علي تحيتي ؟ فقال : كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت ، قال : أو قد فعلتها قريش ؟ قال : نعم ، قال : فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلته ؟ قال : تأتيه في مجلسه فتبزق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم ، ففعل ، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن مسح وجهه من البزاق ثم التفت إليه فقال : إن وجدتك خارجا من جبال مكة أضرب عنقك صبرا.فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج فقال له أصحابه : أخرج معنا قال : وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرا ، فقالوا : لك جمل أحمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه.فخرج معهم فلما هزم الله المشركين وحمل به جمله في جدود من الارض فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيرا في سبعين من قريش وقدم اليه عقبة فقال : أتقتلني من بين هؤلاء ؟ قال : نعم ، بما بزقت في وجهي.وفي لفظ الطبري : بكفرك وفجورك وعتوك على الله ورسوله.
فأمر عليا فضرب عنقه فأنزل الله فيه : ويوم يعض الظالم على يديه.إلى قوله تعالى : وكان الشيطان للانسان خذولا.
وقال الضحاك : لما بزق عقبة رسول الله صلى الله عليه وآله رجع بزاقه على وجهه لعنه الله تعالى ولم يصل حيث اراد فأحرق خديه وبقي أثر ذلك فيهما حتى ذهب إلى النار.
وفي لفظ : كان عقبة يكثر مجالسة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واتخذ ضيافة فدعا اليها رسول الله صلى الله عليه وآله فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل ، وكان أبي من خلف صديقه فعاتبه وقال : صبأت يا عقبة ؟ قال : لا ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له والشهادة ليست في نفسي فقال : وجهي من وجهك
* (هامش ) * (1 ) وقع في الدر المنثور الاشتباه في اسم الرجل فجعله أبا معيط وتبعه على علاته من حكاه عنه كالشوكانى وغيره.
( 2 ) هوابى بن خلف كما سمعت وفي غير واحد من المصادر : أمية بن خلف حرام إن لقيت محمدا فلم تطأ قفاه وتبزق وجهه وتلطم عينه.
فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وآله : لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف الحديث.
وقال الطبري في تفسيره : قال بعضهم عني بالظالم عقبة بن ابي معيط لانه ارتد بعد اسلامه طلبا منه لرضا ابي بن خلف وقالوا : فلان هو أبي.
وروي عن ابن عباس انه قال : كان ابي بن خلف يحضر النبي صلى الله عليه وآله فزجره عقبة بن ابن معيط فنزل : ويوم يعض الظالم على يديه.الخ.قال : الظالم : عقبة وفلان : أبي.
وروي مثله عن الشعبي وقتادة وعثمان ومجاهد.
أخرج نزول الآيات الكريمة يوم يعض الظالم إلى قوله : خذولا.في عقبه و إن الظالم هو.ابن مردويه ، وأبونعيم في الدلائل ، وابن المنذر ، وعبدالرزاق في المصنف وابن ابي شيبة ، وابن ابي حاتم ، والفريابي ، وعبد بن حميد ، وسعيد بن منصور ، وابن جرير.راجع تفسير الطبري 19 : 6 ، تفسير البيضاوي 2 : 161 ، تفسير القرطبي 13 : 25 ، تفسر الزمخشري 2 : 326 ، تفسير ابن كثير 3 : 317 ، تفسير النسابوري هامش الطبري 19 ، 10 ، تفسير الرازي 6 : 369 ، تفسير ابن جزي الكلبي 3 : 77 ، إمتاع المقريزي ص 61 ، 90 ، الدر المنثور للسيوطي 5 : 68 ، تفسير الخازن 3 : 365 ، تفسير النسفي هامش الخازن 3 : 365 ، تفسير الشوكاني 4 : 72 ، تفسير الآلوسي 19 : 11.
هذا الوالد ، وما أدراك ما ولد ؟
أما الوليد الفاسق بلسان الوحي المبين ، الزاني ، الفاجر ، السكير ، المدمن للخمر المتهتك في أحكام الدين وتعاليمه ، المهتوك بالجلد على رؤس الاشهاد ، فسل عنه قوله تعالى : إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا ( 1 ) فان من المجمع عليه بين أهل العلم بتأويل القرآن نزوله فيه كما مر في ص 124.
وسل عنه قوله تعالى : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون.وهذه الآية كسابقتها تومي بالفاسق اليه كما أسلفناه في الجزء الثاني 42 ، 43 ط 1 ، و 46 ، 47 ط 2.
وسل عنه محراب جامع الكوفة يوم قاء فيه من السكر وصلى الصبح اربعا وأنشد فيها رافعا صوته :
* (هامش ) * سورة الحجرات 6.
علق القلب الربابا * بعد ما شابت وشابا
وقال : هل أزيدكم ؟ فضربه ابن مسعود بفردة خفه ، وأخذه الحصباء من المصلين ففر عنهم حتى دخل داره والحصباء من وراء‌ه ، كما فصلناه في هذا الجزء ص 124120
وسل عنه سوط عبدالله بن جعفر لما جلده حد الشارب بأمر مولانا أمير المؤمنين وهو يسبه بمشهد عثمان بعد ضوضاء من المسلمين على تأخير الحد كما مر ص 124.
وسل عنه إبن عمه سعيد بن العاص لما غسل منبر جامع الكوفة ومحرابه تطهيرا من أقذار الفاسق حين ولاه عثمان على الكوفة بعد الوليد.
وسل عنه الامام السبط الحسن المجتبى يوم تكلم عليه في مجلس معاوية فقال عليه السلام : وأما أنت يا وليد فوالله ما ألومك على بغض علي وقد جلدك ثمانين في الخمر وقتل أباك بين يدي رسول الله صبرا ، وأنت الذي سماه الله الفاسق ، وسمى عليا المؤمن حيث تفاخرتما فقلت له : اسكت يا علي فأنا أشجع منك جنانا ، واطول منك لسانا ،
فقال لك علي : اسكت يا وليد فأنا مؤمن ، وأنت فاسق.فانزل الله تعالى في موافقته
قوله : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون.ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضا :
إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا.ويحك يا وليد مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر ( 1 ) فيك وفيه :
أنزل الله والكتاب عزيز * في علي وفي الوليد قرانا
فتبوا الوليد إذ ذاك فسقا * وعلي مبوء ايمانا
ليس من كان مؤمنا عمرك الله كمن كان فاسقا خوانا
سوف يدعى الوليد بعد قليل * وعلي إلى الحساب عيانا
فعلي يجزى بذاك جنانا * ووليد يجزى بذاك هوانا
رب جد لعقبة بن أبان * لابس في بلادنا تبانا
وما أنت وقريش ؟ إنما أنت علج من أهل صفورية ، وأقسم بالله لانت اكبر في الميلاد واسن ممن تدعى اليه." شرح ابن ابي الحديد 2 : 103 ".
* (هامش ) * (1 ) هو حسان بن ثابت.راجع الجزء الثاني ص 42 ط 1 ، و 46 ط 2.
( 2 ) أبان اسم ابى معيط جد الوليد.
وإن شئت فسل الخليفة عثمان عن تأهيله إياه للولاية على صدقات بني تغلب ثم للامارة على الكوفة ، وإئتمانه على أحكام الدين وأعراض المسلمين ، وتهذيب الناس ودعوتهم إلى الدين الحنيف ، وإسقاط ماعليه من الدين لبيت مال المسلمين وإبراء ذمته عما عليه من مال الفقراء ، هل في الشريعة الطاهرة تسليط مثل الرجل على ذلك كله ؟
أنا لا أعرف لذلك جوابا ، ولعلك تجد عند الخليفة ما يبرر عمله ، أو تجد عند ابن حجر بعد اعترافه بصحة ما قلناه وانه جاء من طريق الثقات جوابا منحوتا لا نعرف المحصل منه قال في تهذيب التهذيب 11 : 144 : قد ثبتت صحبته وله ذنوب أمرها إلى الله تعالى والصواب السكوت.أ ه‍.
أما نحن فلا نرى السكوت صوابا بعد أن لم يسكت عنه الذكر الحكيم وسماه فاسقا في موضعين ، أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ، ومهما سكتنا عن أمر بينه وبين الله سبحانه فليس من السائغ أن نسكت عن ترتيب آثار العدالة عليه والرواية عنه وهو فاسق في القرآن ، متهتك بالجرائم على رؤس الاشهاد ، متعد حدود الله ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون.
- هبة الخليفة لعبد الله من مال المسلمين :
أعطى لعبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ثلاثمائة ألف درهم و لكل رجل من قومه ألف درهم.وفي العقد الفريد 2 : 261 ، والمعارف لابن قتيبة ص 84 ، وفي شرح ابن أبي الحديد 1 : 66 : انه أعطى عبدالله أربعمائة الف درهم.
قال أبومخنف : كان على بيت مال عثمان عبدالله بن الارقم فاستسلف عثمان من بيت المال مائة الف درهم وكتب عليه بها عبدالله بن الارقم ذكر حق للمسلمين واشهد عليه علياا وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبدالله بن عمر ، فلما حل الاجل رده عثمان ثم قدم عليه عبدالله بن خالد بن اسيد من مكة وناس معه غزاة فأمر لعبدالله بثلاثمائة الف درهم ولكل رجل من القوم بمائة الف درهم ، وصك بذلك إلى ابن أرقم فاستكثره ورد الصك له.ويقال : إنه سال عثمان أن يكتب عليه به ذكر حق فأبى ذلك فامتنع ابن الارقم من ان يدفع المال إلى الاقوم ، فقال له عثمان : إنما أنت خازن لنا فما حملك على ما فعلت ؟ فقال ابن الارقم : كنت اراني خازنا للمسلمين وإنما خازنك غلامك والله لا ألي لك بيت المال أبدا.وجاء بالمفاتيح فعلقها على المنبر ، ويقال : بل ألقاها إلى عثمان فدفعها عثمان إلى ناتل مولاه ، ثم ولى زيد بن ثابت الانصاري بيت المال واعطاء المفاتيح.
ويقال : انه ولي ببيت المال معيقيب بن ابي فاطمة ، وبعث إلى عبدالله بن الارقم ثلاثمائة الف درهم فلم يقبلها " أنساب البلاذري 5 : 58 ".
وذكر أبوعمر في " الاستيعاب " وابن حجر في " الاصابة " حديث عبدالله بن أرقم في ترجمته ورده ما بعث إليه عثمان من ثلاثمائة الف.وفي رواية الواقدي : قال عبدالله : مالي إليه حاجة وماعملت لان يثيبني عثمان والله لئن كان هذا من مال المسلمين ما بلغ قدر عملي ان اعطى ثلاثمائة ألف درهم ، ولئن كان من مال عثمان ما أحب أن آخذ من ماله شيئا.
وقال اليعقوبي في تاريخه 2 : 145 : زوج عثمان ابنته من عبدالله بن خالد بن أسيد و أمر له بستمائة الف درهم ، وكتب إلى عبدالله بن عامر أن يدفعها اليه من بيت مال البضرة.
قال الاميني : أنا لا أدري هل قررت الشريعة لبيت مال المسلمين حسابا وعددا ؟ أو أنها أمرت أن يكال ويوزن لاي أحد بغير حساب ؟ إذن فمن ذا الذي أمرته بالقسمة على السوية ، والعدل في الرعية ؟ لقد بلغ الفوضى في الاموال على عهد هذا الخليفة حدا لم يسطع معه أمناء‌ه على بيت المال أن تستمروا على عملهم ، فكانوا يلقون مفاتيحه إليه لما كانوا يجدونه من عدم تمكنهم من الجري على النواميس المطردة في الاموال الثابتة في السنة الشريفة ، ولا على ما مضى الاولان عليه من الحصول على مرضاة العامة في تقسيمها ، فرأوا التنصل من هذه الوظيفة أهون عليهم من تحمل تبعاتها الوبيلة وقد ناقشوا الحساب فلم يجدوا لعبدالله بن خالد اي جدارة للتخصص بهذه الكميات فهو لو عد في عداد غيرهم لم يحظ بغير عطاء‌ه زنة أعطيات المسلمين ، لكن صهر الخلافة والاتصال بالنسب الاموي لعلهما يبرران ما هو فوق الناموس المالي المطرد في الشريعة.
- عطية الخليفة أبا سفيان :
أعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة الف من بيت المال قاله إبن ابي الحديد في الشرح 1 : 67 ،
قال الاميني : لا أرى لابي سفيان المستحق للمنع عن كل خير أي موجب لذلك العطاء الجزل من بيت مال المسلمين وهو كما في " الاستيعاب " لابي عمر عن طائفة : كان كهفا للمنافقين منذ أسلم وكان في الجاهلية ينسب إلى الزندقة.قال الزبير يوم اليرموك لما حدثه ابنه أن أبا سفيان كان يقول : ايه بني الاصفر : قاتله الله يأبى إلا نفاقا أو لسنا خيرا له من بني الاصفر ؟.وقال له علي عليه السلام : ما زلت عدوا للاسلام وأهله.
ومن طريق ابن المبارك عن الحسن : ان أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة اليه فقال : صارت اليك بعد تيم وعدي فادرها كالكرة ، واجعل اوتادها بني امية فانما هو الملك ولا ادري ما جنة ولا نار.فصاح به عثمان : قم عني فعل الله بك وفعل " الاستيعاب " 2 : 690.
وفي تاريخ الطبري 11 ص 357 : يا بني عبد مناف تلقفوها تلقف الكرة ، فما هناك جنة ولا نار.
وفي لفظ المسعودي : يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبوسفيان ما زلت ارجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة.( مروج الذهب 1 : 440 ).
وأخرج ابن عساكر في تاريخه 6 : 407 عن أنس : ان أبا سفيان دخل على عثمان بعدما عمي فقال : هل هنا أحد ؟ فقالوا : لا.فقال : أللهم اجعل الامر أمر جاهلية ، والملك ملك غاصبية ، واجعل أوتاد الارض لبني امية.
وقال ابن حجر : كان رأس المشركين يوم احد ويوم الاحزاب ، وقال ابن سعد في اسلامه : لما رأى الناس يطؤن عقب رسول الله حسده فقال في نفسه : لو عاودت الجمع لهذا الرجل.
فضرب رسول الله في صدره ثم قال : إذا يخزيك الله : وفي رواية : قال في نفسه : ما أدري لم يغلبنا محمد ؟ فضرب في ظهره وقال : بالله يغلبك.الاصابة 2 : 179.
وإن سألت مولانا أمير المؤمنين عن الرجل فعلى الخبير سقطت قال في حديث له : معاوية طليق ابن طليق ، حزب من هذه الاحزاب ، لم يزل لله عزوجل ولرسوله صلى الله عليه وآله وللمسلمين عدوا هو وأبوه حتى دخلا في الاسلام كارهين ( 1 ).
وحسبك ما في كتاب له إلى معاوية بن أبي سفيان من قوله : يا ابن صخر يا ابن
* (هامش ) * (1 ) تاريخ الطبري 6 : 4.
اللعين ( 1 ) ولعله عليه السلام يوعز بقوله هذا إلى ما رويناه من ان رسول الله صلى الله عليه وآله لعنه وابنيه معاوية ويزيد لما رآه راكبا وأحد الولدين يقود والآخر يسوق فقال : أللهم اللعن
الراكب والقائد والسائق ( 2 ).
وذكر ابن ابي الحديد في الشرح 4 : 220 من كتاب للامام عليه السلام كتبه إلى معاوية قوله : فلقد سلكت طرائق ابي سفيان ابيك وعتبة جدك وأمثالهما من أهلك ذوي الكفر والشقاق والاباطيل.
ويعرفك أبا سفيان قول ابي ذر لمعاوية لما قال له ( يا عدو الله وعدو رسوله ) :
ما أنا بعدو لله ولا لرسوله بل أنت وأبوك عدوان لله ولرسوله ، اظهرتما الاسلام و أبطنتما الكفر.إلي آخر ما يأتي في البحث عن مواقف أبي ذر مع عثمان.
هذا حال الرجل يوم كفره وإسلامه ولم يغير ما هو عليه حتى لفظ نفسه الاخير فهل له في أموال المسلمين قطمير أونقير فضلا عن الآلاف ؟ لولا أن النسب الاموي برر الخليفة أن يخصه بمنائحه الجمة من مال الناس ، وافق السنة أم خالفها.
- عطاء الخليفة من غنائم افريقية :
أعطى عبدالله بن سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة الخمس من غنائم افريقية في غزوها الاول كمامر في صفحة 259 وقال ابن كثير : أعطاه خمس الخمس وكان مائة ألف دينار على ما ذكره أبوالفدا من تقدير ذلك الخمس بخمسائة الف دينار وكان حظ الفارس من تلك الغنيمة العظيمة ثلاثة آلاف ، ونصيب الراجل ألف كما ذكره إبن الاثير في اسد الغابة 3 : 173 ، وابن كثير في تاريخه 7 ، 152.
وقال ابن ابي الحديد في شرحه 1 : 67 : أعطى عبدالله بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح افريقية بالمغرب ، وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة ، من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين.
وقال البلاذري في الانساب 5 ، 26 : كان ( عثمان ) كثيرا ما يولي من بني امية
* (هامش ) * (1 ) شرح ابن ابى الحديد 3 : 411 ، وج 4 : 51.
( 2 ) راجع ما أسلفناه في الجزء الثالث صفحة 222 ط 1 ، و 252 ط 2.
من لم يكن له مع النبي صلى الله عليه وآله صحبة فكان يجئ من امرأته ما ينكره أصحاب محمد
صلى الله عليه وآله وكان يستعتب فيهم فلا يعزلهم ، فلما كان في الست الاواخر استأثر ببني عمه فولاهم وولى عبدالله بن أبي سرح مصر ، فمكث عليها سنين فجاء أهل مصر يشكونه و يتظلمون منه ( إلى ان قال : ) فلما جاء أهل مصر يشكون إبن ابي سرح كتب اليه كتابا يتهدده فيه فأبى ان ينزع عما نهاه عثمان عنه ، وضرب بعض من كان شكاه إلى عثمان من أهل مصر حتى قتله ، فخرج من أهل مصر سبع مائة إلى المدينة فنزلوا المسجد وشكوا ما صنع بهم إبن أبي سرح في مواقيت الصلاة إلى اصحاب محمد ، فقام طلحة إلى عثمان فكلمه بكلام شديد ، وأرسلت اليه عائشة رضي الله عنها تساله أن ينصفهم من عامله ، ودخل عليه علي بن أبيطالب وكان متكلم القوم فقال له : إنما يسئلك القوم رجلا مكان رجل وقدادعوا قبله دما فاعزله عنهم واقض بينهم ، فإن وجب عليه حق فانصفهم منه.فقال لهم : اختاروا رجلا أوليه عليكم مكانه.فأشار الناس عليهم بمحمد بن أبي بكر الصديق فقالوا : استعمل علينا محمد بن أبي بكر فكتب عهده على مصر ووجه معهم عدة من المهاجرين والانصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح.وسيأتي تمام الخبر وكتاب عثمان إلى ابن أبي سرح يأمره بالتنكيل بالقوم.
قال الاميني : ابن ابي سرح هذا هو الذي أسلم قبل الفتح وهاجر ثم ارتد مشركا وصار إلى قريش بمكة فقال لهم : إني أضرب محمدا حيث اريد.فلما كان يوم الفتح أمر صلى الله عليه وآله بقتله وأباح دمه ولو وجد تحت أستار الكعبة ، ففر إلى عثمان فغيبه حتى أتى به رسول الله بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له فصمت رسول الله صلى الله عليه وآله طويلا ثم قال : نعم فلما انصرف عثمان قال صلى الله عليه وآله لمن حوله : ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه وقال رجل من الانصار : فهلا أومأت الي يا رسول الله ؟ فقال : إن النبي لا ينبغي أن يكون له خائنة الاعين ( 1 ).
ونزل القرآن بكفره في قوله تعالى : ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال
* (هامش ) * (1 ) سنن أبى داود 2 : 220 ، أنساب البلاذري 5.49 ، مستدرك الحاكم
3 : 100 ، الاستيعاب 1 : 381 ، تفسير القرطبى 7 : 40 ، أسد الغابة 3 : 173 ، الاصابة
2 : 317 ، تفسير الشوكاني 2 : 134.
أوحي إلي ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ماأنزل الله.الآية ( الانعام 93 ) أطبق المفسرون على ان المراد بقوله : سأنزل مثل ما أنزل الله هو عبدالله بن أبي سرح وسبب ذلك فيما ذكروه : أنه لما نزلت الآية التي في المؤمنين : ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين.دعاه النبي صلى الله عليه وآله فأملاها عليه فلما انتهى إلى قوله : ثم أنشأناه خلقا آخر.عجب عبدالله في تفصيل خلق الانسان فقال : تبارك الله أحسن الخالقين.فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هكذا أنزلت علي ، فشك عبدالله حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلي كما أوحي اليه ، وان كان كاذبا لقد قلت كما قال.
فارتد عن الاسلام ولحق بالمشركين فذلك قوله : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله.
راجع الانساب للبلاذري 5 : 49 ، تفسير القرطبي 7 : 40 ، تفسير البيضاوي 1 : 391 ، كشاف الزمخشري 1 : 461 ، تفسير الرازي 4 : 96 ، تفسير الخازن 2 : 37 ، تفسير النسفي هامش الخازن 2 ؟ 37 ، تفسير الشوكاني 2 : 133 ، 135 نقلا عن ابن أبي حاتم ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن جريج ، وابن جرير ، وأبي الشيخ.
كان الرجل أموي النزعة والنشأة ارضعته وعثمان ثدي الاشعرية فقربته الاخوة من الرضاعة إلى الخليفة ، وآثرته نزعاته الاموية على المسلمين ، وأوصلته إلى الحظوة والثروة من حظام الدنيا ، وحللت له تلك المنحة الطائلة وان لم تساعد الخليفة على ذلك النواميس الدينية ، إذ لم يكن امر الغنائم مفوضا اليه وإنما خمسها لله ولرسوله ولذي القربى ، ادى الرجل شكر تلكم الايادي بامتناعه عن بيعة علي امير المؤمنين بعد قتل أخيه الخليفة ، والله يعلم منقلبهم ومثواهم.
هذه يسيرة عثمان وسنته في الاموال وفي لسانه قوله على صهوة الخطابة : هذا مال الله اعطيه من شئت وامنعه من شئت ، فارغم الله أنف من رغم.ولا يصيخ إلى قول عمار يوم ذاك : اشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك.
وبين شفتيه قوله : لنأخذن حاجتنا من هذا الفئ وإن رغمت أنوف اقوام.
ولا يعبأ بقول مولانا أمير المؤمنين في ذلك الموقف : إذا تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه ( 1 ).
نعم : هذا عثمان وهذا قيله ، والمشرع الاعظم صلى الله عليه وآله يقول فيما أخرجه البخاري
* (هامش ) * (1 ) سيوافيك تفصيل الحديثين في الجزء التاسع ان شاء الله تعالى.
في صحيحه 5 : 15 : إنما انا قاسم وخان والله يعطي.ويقول : ما اعطيكم ولا أمنعكم إنما أنا قاسم حيث امرت.
وفي لفظ : والله ما اوتيكم من شئ ولا أمنعكموه ، إن أنا إلا خازن أضع حيث امرت ( 1 ).وقد حذر صلى الله عليه وآله امته من التصرف في مال الله بغير حق بقوله : إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة ( 2 ).
تلك حدود الله فلا تقربوها ، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون.
- الكنوز المكتنزة ببركة الخليفة :
إقتنى جماعة من رجال سياسة الوقت ، وأصحاب الفتن والثورات من جراء الفوضى في الاموال ضياعا عامرة ، ودورا فخمة ، وقصورا شاهقة ، وثروة طائلة ، ببركة تلك السيرة الاموية في الاموال الشاذة عن الكتاب والسنة الشريفة وسيرة السلف ، فجمعوا من مال المسلمين مالا جما ، وأكلوه أكلا لما.
- منهم : الزبير بن العوامخلف كما في صحيح البخاري في كتاب الجهاد باب بركة الغازي في ماله ج 5 : 21 : لحدى عشرة دارا بالمدينة ، ودارين بالبصرة ، ودارا بالكوفة ، ودارا بمصر ، وكان له اربع نسوة فأصاب كل إمراة بعد رفع الثلث الف الف ومائتا الف.
قال البخاري : فجميع ماله خمسون الف الف ومائتا الف.
وقال ابن الهائم : بل الصواب أن جميع ماله حسبما فرض : تسعة وخمسون الف الف وثمانمائة
ألف ( 3 ) وصرح ابن بطال والقاضي عياض وغيرهما : بأن الصواب ما قاله ابن الهائم ، و
إن البخاري غلط في الحساب.
كذا نجدها في صحيح البخاري وغيره من المصادر غير مقيدة بالدرهم أو الدينار غير أن في تاريخ ابن كثير 7 : 249 قيدها بالدرهم.
وقال ابن سعد في الطبقات 3 : 77 طليدن : كان للزبير بمصر خطط ، وبالاسكندرية خطط ، وبالكوفة خطط ، وبالبصرة دور ، وكانت له غلات تقدم عليه من أعراض المدينة.
*(هامش )*(1 ) صحيح البخاري 5 : 17 ، سنن ابى داود 2 : 25 ، طرح التثريب 7 : 160.
( 2 ) صحيح البخاري 5 : 17.
( 3 ) ذكره شراح البخاري ، راجع فتح البارى ، ارشاد السارى ، عمدة القارى ، شذرات
الذهب 1 : 43.
وقال المسعودي في المروج 1 : 434 ، خلف ألف فرس وألف عبد وألف أمة وخططا.
- ومنهم : طلحة بن عبيدالله التيمي : ابتنى دارا بالكوفة تعرف بالكناس بدار الطلحتين ، وكانت غلته من العراق كل يوم الف دينار ، وقيل اكثر من ذلك وله بناحية سراة ( 1 ) أكثر مما ذكر ، وشيد دارا بالمدينة وبناها بالآجر والجص والساج.
وعن محمد بن ابراهيم قال : كان طلحة يغل بالعراق ما بين اربعمائة الف إلى خمسمائة الف ، ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار أو أكثر أو أقل.
وقال سفيان بن عيينة : كان غلته كل يوم الف وافيا.والوافي وزنه وزن الدينار ، وعن موسى بن طلحة : انه ترك الفي الف درهم ومائتي الف درهم ومائتي الف دينار ، وكان ماله قد اغتيل.
وعن ابراهيم بن محمد بن طلحة قال : كان قيمة ما ترك طلحة من العقار والاموال وما ترك من الناض ( 2 ) ثلثين الف الف درهم ، ترك من العين الفي الف ومائتي الف درهم ومائتي الف دينار والباقي عروض.
وعن سعدى ام يحيي بن طلحة : قتل طلحة وفي يد خازنه الفا الف درهم ومائتا الف درهم ، وقومت اصوله وعقاره ثلاثة الف الف درهم.
وعن عمرو بن العاص : أن طلحة ترك مائة بهار في كل بهار ثلاث قناطر ذهب وسمعت ان البهار جلد ثور.وفي لفظ ابن عبد ربه من حديث الخشني : وجدوا في تركته ثلاثمائة بهار من ذهب وفضة.
وقال ابن الجوزي : خلف طلحة ثلثمائة جمل ذهبا.
وأخرج البلاذري من طريق موسى بن طلحة قال : أعطى عثمان طلحة في خلافته مائتي الف دينار.
راجع طبقات ابن سعد 3 : 158 ط ليدن ، الانساب للبلاذري 5 : 7 ، مروج الذهب 1 : 434 ، العقد الفريد 2 : 279 ، الرياض النضرة 2 : 258 ، دول الاسلام للذهبي 1 : 18.الخلاصة للخزرجي ص 152.
* (هامش ) * (1 ) بين تهامة ونجد ادناها الطائف وأقصاها قرب صنعاء.
( 2 ) الناض : الدرهم والدينار.
وسيأتي عن عثمان قوله : ويلي على ابن الحضرمية ( يعني طلحة ) أعطيته كذا وكذا بهارا ذهبا وهو يروم دمي يحرض على نفسي.
- ومنهم : عبدالرحمن بن عوف الزهري.قال ابن سعد : ترك عبدالرحمن ألف بعير ، وثلاثة آلاف شاة ، ومائة فرس ترعى بالبقيع ، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحا.
وقال : وكان فيماخلفه ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه ، وترك أربع نسوة فاصاب كل إمرأة ثمانون الفا.وعن صالح بن ابراهيم بن عبدالرحمن قال : صالحنا إمرأة عبدالرحمن التي طلقها في مرضه من ربع الثمن بثلاثة وثمانين ألفا.
وقال اليعقوبي : ورثها عثمان فصولحت عن ربع الثمن على مائة ألف دينار.
وقيل : ثمانين الف.وقال المسعودي : إبتنى داره ووسعها وكان على مربطه مائة فرس ، وله ألف بعير ، وعشرة آلاف من الغنم ، وبلغ بعد وفاته ثمن ماله اربعة وثمانين ألفا.
راجع طبقات ابن سعد 3 : 96 ليدن ، مروج الذهب 1 : 434 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 146 ، صفة الصفوة لابن الجوزي 1 ، 138 ، الرياض النضرة لمحب الطبري 2 : 291
- ومنهم : سعد بن ابي وقاص ، قال ابن سعد : ترك سعد يوم مات مائتي ألف وخمسين الف درهم ، ومات في قصره بالعقيق.وقال المسعودي : بني داره بالعقيق فرفع سمكها ووسع فضاء‌ها وجعل أعلاها شرفات.طبقات ابن سعد 3 : 105 ، مروج الذهب 1 : 434.
- ومنهم : يعلى بن أمية.خلف خمسمائة ألف دينار.وديونا على الناس و عقارات وغير ذلك من التركة ما قيمته مائة ألف دينار.كذا ذكره المسعودي في مروج الذهب 1 : 434.
- ومنهم : زيد بن ثابت المدافع الوحيد عن عثمان ، قال المسعودي : خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ماخلف من الاموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار." مروج الذهب
1 : 434 ".
هذه نبذ مما وقع فيه التفريط المالي على عهد عثمان ، ومن المعلوم ان التاريخ لم يحص كلما كان هنا من عظائم شأنه في أكثر الحوادث والفتن ولا سيما المتدرجة منها في الحصول.
وأما ما اقتناه الخليفة لنفسه فحدث عنه ولا حرج ، كان ينضد اسنانه بالذهب ويتلبس بأثواب الملوك قال محمد بن ربيعة : رأيت على عثمان مطرف خز ثمن مائة دينار فقال : هذا لنائلة (1) كسوتها إياه ، فأنا ألبسه أاسرها به.وقال أبوعامر سليم : رأيت على عثمان بردا ثمنه مائة دينار ( 2 ).
قال البلاذري : كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله ، فاظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه فقال : هذا مال الله أعطيه من شئت وأمنعه من شئت فأرغم الله أنف من رغم
وفي لفظ : لنأخذن حاجتنا من هذا الفئ ولن رغمت انوف أقوام.
فقال له علي : إذا تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه.
إلي آخر الحديث الآتي في مواقف الخليفة مع عمار وجاء اليه أبوموسى كيلة ذهب وفضة فقسمها بين نسائه وبناته ، وأنفق أكثر بيت المال في عمارة ضياعه ودوره ( 3 ).
وقال ابن سعد في الطبقات 3 : 53 ط ليدن : كان لعثمان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف الف درهم وخمسمائة درهم ، وخمسون ومائة ألف دينار فانتبهت وذهبت وترك ألف بعير بالربذة وصدقات ببراديس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي الف دينار.
وقال المسعودي في المروج 1 : 433 : بنى في المدينة وشيدها بالحجر والكلس وجعل أبوابها من الساج والعرعر ، وأقتنى أموالا وجنانا وعيونا بالمدينة ، وذكر عبدالله بن عتبة : ان عثمان يوم قتل كان عند خازنه من المال خمسون ومائة الف دينار والف الف درهم ، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار ، وخلف خيلا كثيرا وابلا.
وقال الذهبي في دول الاسلام 1 : 12 كان قد صار له أموال عظيمة رضي الله عنه وله ألف مملوك.
* (هامش ) * (1 ) هى حليلة عثمان بنت الفرافصة.
( 2 ) طبقات ابن سعد 3 : 40 ط ليدن ، أنساب البلاذرى : 3 : 4 ، الاستيعاب في ترجمة عثمان 2 : 476.
( 3 ) الصواعق المحرقة ص 68 ، السيرة الحلبية 2 : 87.
- صورة متخذة من أعطيات الخليفة والكنوز العامرة ببركته :
الدينار الاعلام الدرهم الاعلام
500.000 مروان 300.000 الحكم
000 , 100 ابن أبي سرح 2.020.000 آل الحكم
200.000 طلحة 300.000 الحارث
2.560.000 عبدالرحمن 000 , 100 سعيد
500.000 يعلى بن أمية 000 , 100 الوليد
100.000 زيد بن ثابت 000 , 300 عبدالله
150.000 عثمان الخليفة 000 , 600 عبدالله
200.000 عثمان الخليفة 000 , 200 أبوسفيان
4.310.000 الجمع 000 , 100 مروان
أربعة ملايين وثلاثمائة وعشرة 000 , 200 , 2 طلحة
آلاف دينار.000 , 000 , 30 طلحة
إقرأ ولا تنس قول مولانا أمير 000 , 800 , 59 الزبير
المؤمنين في عثمان : قام نافجا حضينه 000 , 250 ابن أبي وقاص
بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه 000 , 500 , 30 عثمان الخليفة
يخضمون مال الله خضمة الابل
نبتة الربيع.000 ، 770 ، 126 المجموع
وقوله الآتي بعيد هذا : ألا إن مائة وستة وعشرون مليونا
كل قطيعة أقطعها عثمان ، وكل وسبعمائة وسبعون الف درهما.
مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال.
بقي هنا أن نسأل الخليفة عن علة قصر هذه الاثرة على المذكورين ومن جرى مجراهم من زبانيته ، أهل خلقت الدنيا لاجلهم ؟ أو أن الشريعة منعت عن الصلات وإعطاء الصدقات للصلحاء الابرار من امة محمد صلى الله عليه وآله كأبي ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، وعبدالله بن مسعود إلى نظرائهم ؟ فيجب عليهم أن يقاسوا الشدة ، ويعانوا البلاء ، و يشملهم المنع بين منفي ومضروب ومهان ، وهذا سيدهم أمير المؤمنين يقول : إن بني أمية ليفوقوننى تراث محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفويقا ( 1 ) اي يعطونني من المال قليلا قليلا كفواق الناقة.
وهل الجود هو بذل الرجل ماله وما تملكه ذات يده ؟ أو جدحه من سويق غيره ؟ ( 2 ) كما كان يفعل الخليفة.ليتني وجدت من يحير جوابا عن مسئلتي هذه ؟ أما الخليفة فلم ادركه حتى استحفي منه الخبر ، ولعله لو كنت مستحفيا منه لسبقت الدرة الجواب.
نعم يعلم حكم تلكم الاعطيات والقطائع وقد أقطع أكثر اراضي بيت المال ( 3 ) من خطبة لمولانا أمير المؤمنين ، ذكرها الكلبي مرفوعة إلى ابن عباس قال : إن عليا عليه السلام خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة فقال : الا إن كل قطيعة أقطعها عثمان ، وكل مال أعطاه من مال الله ، فهو مردود في بيت المال ، فإن الحق القديم لا يبطله شئ ، ولو وجدته قد تزوج به النساء ، وفرق في البلدان ، لرددته إلى حاله ، فإن في العدل سعة ، ومن ضاق عنه الحق فالجور عنه اضيق ( 4 ).
قال الكلبي : ثم أمر عليه السلام بكل سلاح وجد لعثمان في داره مما تقوى به على المسلمين فقبض ، وأمر بقبض نجائب كانت في داره من إبل الصدقة فقضبت ، وأمر بقبض سيفه ودرعه ، وأمر أن لا يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمين ، وبالكف عن جميع أمواله التي وجدت في داره وغير داره ، وأمر أن ترجع الاموال التي أجاز بها عثمان حيث اصيبت أو اصيب اصحابها ، فبلغ ذلك عمرو بن العاص وكان بأيلة من
* (هامش ) * (1 ) نهج البلاغة 1 : 126.
( 2 ) يقال : جدح جوين من سويق غيره.مثل يضرب لمن يجود بأموال الناس.
( 3 ) السيرة الحلبية 2 : 87.
( 4 ) نهج البلاغة 1.46 ، شرح ابن ابى الحديد 1 : 90.
ارض الشام أتاها حيث وثب الناس على عثمان فنزلها ، فكتب إلى معاوية : ما كنت صانعا فاصنع إذ قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تقشر عن العصا لحاها.
وقال الوليد بن عقبة " المذكور آنفا " يذكر قبض علي عليه السلام نجائب عثمان وسيفه وسلاحه:
بني هاشم رد واسلاح ابن اختكم * ولا تنهبوه لا تحل مناهبه
بني هاشم كيف الهوادة بيننا ؟ * وعند علي درعه ونجائبه
بني هاشم كيف التودد منكم ؟ * وبز ابن أروى فيكم وحرائبه
بني هاشم إلا ترد وافإننا * سواء علينا قاتلاه وسالبه
بني هاشم إنا وما كان منكم * كصدع الصفا لا يشعب الصدع شاعبه
قتلتم أخي كيما تكونوا مكانه * كما غدرت يوما بكسرى مرازبه
فأجابه عبدالله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب بأبيات طويلة من جملتها :
فلا تسألونا سيفكم إن سيفكم * اضيع وألقااه لدى الروع صاحبه
وشبهته كسرى وقد كان مثله * شبيها بكسرى هديه وضرائبه
قال : اي كان كافرا كما كان كسرى كافرا ، وكان المنصور رحمه الله تعالى اذا انشد
هذا البيت يقول : لعن الله الوليد هو الذي فرق بين نبي عبد مناف بهذا الشعر ( 1 )
هذه الابيات المعزوة إلى عبدالله نسبها المسعودي في مروج الذهب 1 : 443 إلى
الفضل بن العباس بن أبي لهب وذكر منها :
سلوا أهل مصر عن سلاح ابن اختنا * فهم سلبوه سيفه وحرائبه
وكان ولي العهد بعد محمد * علي وفي كل المواطن صاحبه
علي ولي الله اظهر دينه * وأنت مع الاشقين فيما تحاربه
وأنت امرؤ من أهل صيفور مارح * فما لك فينا من حميم تعاتبه
وقد أنزل الرحمن إنك فاسق * فما لك في الاسلام سهم تطالبه
- الخليفة والشجرة الملعونة في القرآن :
كان مزيج نفس الخليفة حب بني أبيه آل امية الشجرة الملعونة في القرآن و
* (هامش ) * (1 ) شر ابن ابي الحديد 1 : 90.
تفضيلهم على الناس ، وقد تنشب ذلك في قلبه وكان معروفا منه من أول يومه ، وعرفه بذلك من عرفه قال عمر بن الخطاب لابن عباس : لو وليها عثمان لحمل بني ابي معيط على رقاب الناس ولو فعلها لقتلوه ( 1 ).
وفي لفظ الامام ابي حنيفة : لو وليتها عثمان لحمل آل ابي معيط على رقاب الناس ، والله لو فعلت لفعل ، ولو فعل لاوشكوا أن يسير وإليه حتى يجزوا راسه ، ذكره القاضي أبويوسف في الآثار ص 217.
ووصى إلى عثمان بقوله : إن وليت هذا الامر فاتق الله ولا تحمل آل ابي معيط على رقاب الناس ( 2 ).
وبهذه الوصية أخذه علي وطلحة والزبير لما ولى الوليد بن عقبة على الكوفة وقالوا له : ألم يوصك عمر ألا تحمل آل ابي معيط وبني امية على رقاب الناس ؟ فلم يجبهم بشئ.
( انساب البلاذري 5 : 30).
كان يبذل كل جهده في تأسيس حكومة أموية قاهرة في الحواضر الاسلامية كلها تقهر من عداهم ، وتنسي ذكرهم في القرون الغابرة ، غير أن القدر الحاتم راغمه على منوياته فجعل الذكر الجميل الخالد والبقية المتواصلة في الحقب والاجيال كلها لآل علي عليه وعليهم السلام ، وأما آل حرب فلا تجد من ينتمي إليهم غير متوار بانتسابه ، متخافت عند ذكر نسبه ، فكأنهم حديث أمس الدابر ، فلا ترى لهم ذكرا ، ولا تسمع لاحد منهم ركزا.
كان الخليفة يمضي وراء نيته هاتيك قدما ، وراء أمل ابي سفيان فيما قال له يوم استخلف : فادرها كالكرة واجعل أوتادها بني امية.فولى على الامر في المراكز الحساسة والبلاد العظيمة أغلمة بني امية ، وشبابهم المترف المتبختر في شرح الشبيبة وغلوائها وأمر فتيانهم الناشطين للعمل ، الذين لم تحنكهم الايام ولم يأدبهم الزمان ، وسلطهم على رقاب الناس ، ووطدلهم السبل ، وكسح عن مسيرهم العراقيل ، وفتح باب الفتن والجور بمصراعيه على الجامع الصالح في الامصار الاسلامية ، وجر الويلات بيد أولئك الطغام
* (هامش ) * (1 ) أنساب البلاذري 5 : 16.
( 2 ) طبقات ابن سعد 3 : 247 ، أنساب البلاذري 5 : 16 ، الرياض النضرة 2 : 76.
على نفسه وعلى الامة المرحومة من يومه وهلم جرا.
قال أبوعمر : دخل شبل بن خالد على عثمان رضي الله عنه حين لم يكن عنده غير أموي فقال : ما لكم يا معشر قريش ؟ أما فيكم صغير تريدون.أن ينبل ؟ أو فقير تريدون غناه ؟ أو خامل تريدون التنويه باسمه ؟ علام أقطعتم هذا الاشعري يعني أبا موسى العراق يأكلها هضما ؟ فقال عثمان : ومن لها ؟ فأشاروا بعبدالله ( 1 ) بن عامر وهو ابن ستة عشر سنة ( 2 ) فولاه حينئذ.
وكان هؤلاء الاغلمة لا يبالي أحدهم بما يفعل ، ولا يكترث لما يقول ، والخليفة لا يصيخ إلى شكاية المشتكي ، ولا يعي عذل اي عاذل ، ومن اولئك الاغلمة والي الكوفة سعيد بن العاص ذاك الشاب المترف ، كان يقول كما مر في ص 270 على صهوة المنبر إن السواد بستان لاغلمة من قريش.
وهؤلاء الاغلمة هم الذين أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله : إن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش.( 3 )
وبقوله صلى الله عليه وآله : هلاك هذه الامة على يد أغيلمة من قريش.( 4 )
واولئك السفهاء الامراء هم المعنيون بقوله صلى الله عليه وآله لكعب بن عجزة : أعاذك الله يا كعب من إمارة السفهاء.قال : وما إمارة السفهاء يا رسول الله ؟ قال : أمراء يكونون بعدي لا يهدون بهديي ولا يستنون بسنتي.الحديث مر في صفحة 256.
وأولئك هم المعنيون بقوله صلى الله عليه وآله : إسمعوا هل سمعتم ؟ إنه سيكون بعدي
* (هامش ) * (1 ) كان ابن خال عثمان لان ام عثمان أروى بنت كريز.وعبدالله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس.
( 2 ) أحسبه تصحيفا قال أبوعمر في ترجمة عبدالله بن عامر : عزل عثمان أبا موسى الاشعرى
عن البصرة وعثمان بن ابي العاص عن فارس وجمع ذلك كله لعبدالله.قال صالح : وهوابن اربع و عشرين سنة.وقال ابواليقظان : قدم ابن عامر البصرة واليا عليها وهو ابن اربع أو خمس و عشرين سنة.
( 3 ) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الفتن 10 : 146 ، والحاكم في المستدرك 4 : 470 صححه هو والذهبي وقال الحاكم : شهد حذيفة بن اليمان بصحة هذا الحديث.
( 4 ) مستدرك الحاكم 4 : 479 : فقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولهذا الحديث توابع وشواهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الطاهرين والائمة من التابعين لم يسعنى الا ذكرها ثم ذكر بعض ما اسلفنا في الحكام ومروان وبنى ابى العاص.
أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم ، فليس مني ولست منه وليس بوارد علي الاحوض ، ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض ،
وفي لفظ : سيكون امراء يكذبون و يظلمون فمن صدقهم بكذبهم.الخ.( 1 )
وفي لفظ أحمد في المسند 4 : 267 : ألا انه سيكون بعدى امراء يكذبون و يظلمون ، فمن صدقهم بكذبهم ومالاهم على ظلمهم فليس مني ولا أنا منه ، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه.
وهم المعنيون بقوله صلى الله عليه وآله : سيكون امراء بعدي يقولون ما لا يفعلون ، و يفعلون ما لا يؤمرون ( مسند أحمد 1 : 456 ).
يستعملهم عثمان وهو أعرف بهم من اي ابن أنثى وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله : من استعمل عاملا من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين.( 2 ) وفي تمهيد الباقلاني ص 190 من تقدم على قوم من المسلمين وهو يرى أن فيهم من هو افضل منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين فعهد أولئك الاغيلمة عهد هلاك أمة محمد ودور فسادها ، منهم بدأت الفتن و عليهم عادت ، فترى الولادة يوم ذاك من طريد لعين إلى وزغ مثله ، ومن فاسق مهتوك بالذكر الحكيم إلى طليق منافق ، ومن شاب مترف إلى اغيلمة سفهاء.
وكان للخليفة وراء ذلك كله أمل بانه لو بيده مفاتيح الجنة ليعطيها بني امية حتى يدخلوها من عند آخرهم ، أخرج احمد في المسند 1 : 62 من طريق سالم بن ابي الجعد قال : دعا عثمان رضي الله عنه ناسا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم عمار بن ياسر فقال : إني سائلكم وإني أحب أن تصدقوني ، نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يؤثر قريشا على سائر الناس ، ويؤثر بني هاشم على سائر قريش ؟ فسكت القوم فقال عثمان رضي الله عنه : لو أن بيدي مفاتيح الجنة لاعطيتها بني امية حتى يدخلوا من عند آخرهم.(إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح ).
* (هامش ) * (1 ) تاريخ الخطيب البغدادى 2 : 107 ، ج 5 : 362.
( 2 ) سنن البيهقي 10 : 118.مجمع الزوائده : 211.
فكأن الخليفة يحسب ان الهرج الموجود في العطاء عنده سوف يتسرب معه إلى باب الاجنة يحابي قومه بالنعيم كما حاباهم في الدنيا بالاموال ، فما حظي الخليفة بما أحب لهم في الدنيا يوم طحنهم بكلكله البلا ، وأجهزت عليهم المآثم والجرائم ، وأما الآخرة فان بينهم وبين الجنة لسدا بما اقترفوه من الآثام ، فلا أرى الخليفة يحظى بامنيته هنالك ، ونحن لا نعرف نظرية الخليفة في أمر الثواب والعقاب ، ولا ما يأول به الآي الواردة فيهما في الذكر الحكيم ، ولا رأيه في الجنة والنار وأهلهما ، أيطمع كل امرء منهم أن يدخل جنة نعيم ؟ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ؟
كلا إن الابرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين.
كلا إن كتاب الفجار لفي سجين.
كلا لينبذن في الحطمة وما ادراك ما الحطمة ؟
نار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة.أزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين ، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات واخبتوا إلى ربهم اولئك اصحاب الجنة.
فهؤلاء الامويون لم يكونوا في أمل الخليفة ولا أغنوا عنه شيئا يوم ضحى نفسه وجاهه وملكه لاجلهم حتى قتل من جراء ذلك ، ولا أحسب أنهم مغنون عنه شيئا غدا عند الله يوم لا يغني عنه مال ولا بنون.
الا تعجب من خليفة لا يروقه ايثار نبيه بني هاشم على سائر قريش وتدعوه عصبيته العمياء إلى أن يعارض بمثل هذا التافه المخزي قوله صلى الله عليه وآله فيما أخرجه أحمد :
يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبيا لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم .( 1 ).
- تسيير الخليفة أبا ذر إلى الربذة :
روى البلاذري : لما اعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه ، وأعطى الحارث ابن الحكم بن ابي الاعاص ثلاثمائة الف درهم ، وأعطى زيد بن ثابت الانصاري مائة الف درهم جعل أبوذر يقول : بشر الكانزين بعذاب أليم ويتلو قول الله عزوجل : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ( 2 ) فرفع ذلك
* (هامش ) * (1 ) الصواعق ص 95.
( 2 ) سورة التوبة.آية 34.
مروان بن الحكم إلى عثمان فأرسل إلى أبي ذر ناتلا مولاه أن انته عما يبلغني عنك فقال : أينهاني عثمان عن قرائة كتاب الله ، وعيب من ترك أمر الله ؟ فوالله لان ارضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أسخط الله برضاه.فأغضب عثمان ذلك و أحفظه فتصابر وكف ، وقال عثمان يوما : أيجوز للامام أن يأخذ من المال فاذا أيسر قضى ؟
فقال كعب الاحبار : لا بأس بذلك.
فقال أبوذر : يا ابن اليهوديين أتعلمنا ديننا ؟
فقال عثمان : ما أكثر أذاك لي وأولعك بأصحابي ؟
إلحق بمكتبك وكان مكتبه بالشام إلا أنه كان يقدم حاجا ويسال عثمان الاذن له في مجاورة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فيأذن له في ذلك ، وإنما صار مكتبه بالشام لانه قال لعثمان حين رأى البناء قد بلغ سلعا : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إذا بلغ البناء سلعا فالهرب.
فأذن لي آتي الشام فأغزو هناك.
فأذن له ، وكان أبوذر ينكر على معاوية اشياء يفعلها وبعث اليه معاوية بثلاث مائة دينار فقال : إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا ؟ قبلتها ، وإن كانت صلة ؟ فلا حاجة لي فيها.وبعث اليه حبيب بن مسلمة الفهري بمائتي دينار فقال : أما وجدت أهون عليك مني حين تبعث الي بمال ؟ وردها.
وبنى معاوية الخضراء بدمشق فقال : يا معاوية إن كانت هذه الدار من مال الله ؟
فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك ؟ فهذا الاسراف.فسكت معاوية ، وكان أبوذر يقول : والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه ، والله إني لارى حقا يطفأ ، وباطلا يحيى ، وصادقا يكذب ، وأثرة بغير تقى ، وصالحا مستأثرا عليه.
فقال حبيب بن مسلمة لمعاوية : إن أبا ذر مفسد عليك الشام فتدارك أهله إن كانت لكم به حاجة.فكتب معاوية إلى عثمان فيه فكتب عثمان إلى معاوية : أما بعد فاحمل جندبا الي على أغلظ مركب وأوعره فوجه معاوية من ساربه الليل والنهار ، فلما قدم أبوذر المدينة جعل يقول : تستعمل الصبيان ، وتجمي الحمى ، وتقرب أولاد الطلقاء.
فبعث إليه عثمان : ألحق بأي أرض شئت.
فقال : بمكة.
فقال : لا.
قال : فبيت المقدس.
قال : لا.قال : فبأحد المصرين.
قال : لا.ولكني مسيرك إلى الربذة.
فسيره اليها فلم يزل بها حتى مات.
ومن طريق محمد بن سمعان قال لعثمان : إن أبا ذر يقول : إنك أخرجته إلى الربذة.
فقال : سبحان الله ما كان من هذا شئ قط ، واني لاعرف فضله ، وقديم اسلامه وما كنا نعد في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله أكل شوكة منه.
ومن طريق كميل بن زياد قال : كنت بالمدينة حين أمر عثمان أبا ذر باللحاق بالشام وكنت بها في العام المقبل حين سيره إلى الربذة.
ومن طريق عبدالرزاق عن معمر عن قتادة قال : تكلم أبوذر بشئ كرهه ( 1 ) عثمان فكذبه (2) فقال : ما ظننت ان أحدا يكذبني بعد قول رسول الله صلى الله عليه وآله : ما أقلت الغبراء وما أطبقت الخضراء على ذي لهجة اصدق من أبي ذر ، ثم سيره إلى الربذة فكان أبوذر يقول : ما ترك الحق لي صديقا.فلما سار إلى الربذة قال : ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا.
قال : وشيع علي ابا ذر فأراد مروان منعه منه فضرب علي بسوطه بين أذني راحلته ، وجرى بين علي وعثمان في ذلك كلام حتى قال عثمان : ما أنت بأفضل عندي منه.وتغالظا فأنكر الناس قول عثمان ودخلوا بينهما حتى اصطلحا.
وقد روي أيضا : انه لما بلغ عثمان موت ابي ذر بالربذة قال : رحمه الله.
فقال عمار بن ياسر : نعم.فرحمه الله من كل أنفسنا.
فقال عثمان : يا عاض أيرأبيه أتراني ندمت على تسييره ؟ " ياتي تمام الحديث في ذكر مواقف عمار ".
ومن طريق ابن حراش الكعبي قال : وجدت ابا ذر بالربذة في مظلة شعر فقال : ما زالا بي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يترك الحق لي صديقا.
ومن طريق الاعمش عن ابراهيم التيمي عن أبيه قال : قلت لابى ذر : ما أنزلك الربذة ؟ قال : أنصح لعثمان ومعاوية.
ومن طريق بشر بن حوشب الفزاري عن أبيه قال : كان أهلي بالشربة ( 3 ) فجلبت غنما لي إلى المدينة فمررت بالربذة وإذا بها شيخ أبيض الراس واللحية قلت.من هذا ؟
قالوا : أبوذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.وإذا هو في حفش ( 4 ) ومعه قطعة من غنم فقلت :
* (هامش ) * (1 ) في رواية الواقدي والمسعودى كما يأتى : انه قال : لسمعت رسول الله يقول: اذا بلغ بنو أبى العاص ثلاثين رجلا الحديث.
( 2 ) في لفظ الواقدى : قال عثمان : ويلك يا ابا ذر أتكذب على رسول الله ؟.
( 3 ) الشربة بفتح أوله وثانيه وتشديد الموحدة : موضع بين السليلة والربذة في طريق مكة.
( 4 ) الحفش بكسر المهملة : البيت الصغير ، أو هو من الشعر.
والله ما هذا البلد بمحلة لبني غفار فقال أخرجت كارها.
فقال بشر بن حوشب : فحدثت بهذا الحديث سعيد بن المسب فأنكر أن يكون عثمان أخرجه وقال: إنما خرج أبوذر إليها راغبا في سكناها ( 1 ).
وأخرج البخاري في صحيحه من حديث زيد بن وهب قال : مررت بالربذة فقلت لابي ذر : ما أنزلك هذا ؟ قال : كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية : الذين يكنزون الذهب والفضة.فقال : نزلت في أهل الكتاب.فقلت : فينا وفيهم.فكتب يشكوني إلى عثمان فكتب عثمان : إقدم المدينة.فقدمت فكثر الناس علي كأنهم لم يروني قبل ذلك فذكر ذلك لعثمان فقال : إن شئت تنحيت فكنت قريبا.فذلك الذي أنزلني هذا المنزل.
قال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث : وفي رواية الطبري انهم كثروا عليه يسألونه عن سبب خروجه من الشام فخشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشام.وقال بعد قوله : إن شئت تنحيت.في رواية الطبري : تنح قريبا.
قال : والله لن ادع ماكنت اقوله.
ولابن مردويه : لا ادع ما قلت.
وذكر المسعودي أمر أبي ذر بلفظ هذا نصه : إنه حضر مجلس عثمان ذات يوم فقال عثمان : أرأيتم من زكى ماله هل فيه حق لغيره ؟ فقال كعب : لا يا أمير المؤمنين فدفع أبوذر في صدر كعب وقال له : كذبت يا ابن اليهودي ثم تلا : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المالا على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا.الآية ( 2 ).
فقال عثمان : أترون باسا أن نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فنفقه فيما ينوبنا من امورنا ونعطيكموه ؟ فقال كعب : لا باس بذلك.فرفع ابو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال : يا ابن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا ؟ فقال له عثمان : ما أكثر أذاك لي غيب وجهك عني فقد آذيتني.فخرج أبوذر إلى الشام فكتب معاوية إلى عثمان : أن أبا ذر تجتمع اليه الجموع ولا آمن أن يفسدهم عليك ، فإن كان في
* (هامش ) * (1 ) انظر إلى ابن المسيب يكذب أبا ذر لتبرير عثمان من تسييره ولا يكترث لاستلزامه تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله،وسيوافيك البحث عنه.(2) سورة البقرة: 177.
القوم حاجة فاحمله اليك.فكتب اليه عثمان يحمله فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به حتى أتوا به المدينة قد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف ، فقيل له : إنك تموت من ذلك.
فقال : هيهات لن أموت حتى أنفى ، وذكر جوامع ما نزل به بعد ومن يتولى دفنه ، فأحسن اليه في داره أياما ثم دخل اليه فجلس على ركبتيه وتكلم بأشياء وذكر الخبر في ولد أبي العاص : اذا بلغوا ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولا.ومر في الخبر بطوله وتكلم بكلام كثير وكان في ذلك اليوم قد أتي عثمان بتركة عبدالرحمن بن عوف الزهري من المال فنضت البدر حتى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم فقال عثمان : إني لارجو لعبد الرحمن خيرا لانه كان يتصدق ويقري
الضيف وترك ما ترون.
فقال كعب الاحبار : صدقت يا أمير المؤمنين فشال أبوذر العصا فضرب بها راس كعب ولم يشغله ما كان فيه من الالم وقال : يا ابن اليهودي تقول لرجل مات و ترك هذا المال ان الله اعطاه خير الدنيا وخير الآخرة وتقطع على الله بذلك وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطا.فقال له عثمان : وارعني وجهك.
فقال : أسير إلى مكة.قال : لا والله.قال : فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت ؟
قال : اي والله.قال : فإلى الشام.قال : لا والله.قال : البصرة.قال : لا والله فاختر غير هذه البلدان.
قال : لا والله ما أختار غير ما ذكرت لك ولو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئا من البلدان ، فسيرني حيث شئت من البلاد.
قال : فاني مسيرك إلى الربذة.
قال : الله اكبر صدق رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخبرني بكل ما أنا لاق.
قال عثمان : وما قال لك ؟
قال : أخبرني بأني امنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة ويتولى مواراتي نفر ممن يردون من العراق نحو الحجاز وبعث أبوذر إلى جمل له فحمل عليه امرأته و قيل ابنته ، وأمر عثمان أن لا يتجافاه الناس حتى يسير إلى الربذة ، فلما طلع عن المدينة ومروان يسيره عنها إذ طلع عليه علي بن أبيطالب رضي الله عنه ومعه ابناه وعقيل أخوه وعبدالله بن جعفر وعمار بن ياسر فاعترض مروان فقال : يا علي ان امير المؤمنين قد نهى الناس ان يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيعوه فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك.
فحمل عليه علي بن ابي طالب بالسوط بين اذني راحلته وقال : تنح نحاك الله إلى النار :
ومضي مع أبي ذر فشيعه ثم ودعه وانصرف ، فلما أرادا الانصراف بكى أبوذر وقال :
رحمكم الله أهل البيت اذا رأيتك يا أبا الحسن وولدك ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وآله فشكا مروان إلى عثمان ما فعل به علي بن أبي طالب فقال عثمان : يا معشر المسلمين من يعذرني من علي ، رد رسولي عمار وجهته له وفعل كذا والله لنعطينه حقه.فلما رجع علي استقبله الناس ( 1 ) فقالوا : إن أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر.
فقال علي : غضب الخيل على اللجم.ثم جاء فلما كان بالعشي جاء إلى عثمان فقال له : ما حملك
على ما صنعت بمروان واجترأت علي ورددت رسولي وأمر ؟ قال : أما مروان فانه استقبلني يردني فرددته عن ردي ؟ وأما أمرك فلم أرده ، قال عثمان : أولم يبلغك اني قد نهيت الناس عن أبي ذر وعن تشييعه ؟ فقال علي : أو كل ما أمرتنا به من شئ يرى طاعة لله والحق في خلافه اتبعنا فيه امرك ؟ بالله لا نفعل.
قال عثمان : أقد مروان.
قال : وما أقيده ؟
قال : ضربت بين أذني راحلته ( 2 ) قال علي : أما راحلتي فهي تلك فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل ، وأما أنا فوالله لئن شتمني لاشتمنك أنت مثلها بمالا أكذب فيه ولا أقول إلا حقا.
قال عثمان : ولم لا يشتمك اذا شتمته فوالله ما أنت عندي بأفضل منه.فغضب علي بن ابي طالب وقال : إلي تقول هذا القول ؟ وبمروان تعدلني ؟ فأنا والله أفضل منك ، وأبي افضل من أبيك ، وأمي افضل من أمك ، وهذه نبلي قد نثلتها وهلم فاقبل بنبلك.فغضب عثمان واحمر وجهه فقام ودخل داره وانصرف علي فاجتمع اليه أهل بيته ورجال من المهاجرين والانصار ، فلما كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان شكا اليهم عليا وقال : إنه يعيبني ويظاهر من يعيبني يريد بذل أبا ذر وعمار بن ياسر وغيرهما فدخل الناس بينهما وقال له علي : والله ما اردت تشييع أبي ذر إلا لله.
وفي رواية الواقدي من طريق صهبان مولى الاسلميين قال : رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان فقال له : أنت الذي فعلت ما فعلت ؟ فقال له أبوذر : نصحتك فاستغششتني ونصحت صاحبك فاستغشني.
فقال عثمان : كذبت ولكنك تريد الفتنة وتحبها قد أنغلت
* (هامش ) * (1 ) هذه الجملة تعرب عن غيبة الامام عليه السلام عن المدينة المشرفة في تشييع ابى ذر أياما وتقرب ما قاله الاستاذ عبدالحميد جودت السحار المصرى في كتابه (الاشتراكى الزاهد ) ص 192 ومضى على ورفائه مع أبى ذر حتى بلغوا الربذة فنزلوا عن رواحلهم وجلسوا يتحدثون.
( 2 ) في العبارة سقط يظهر من الجواب وسيأتى صحيحها بعيد هذا ان شاء الله.
الشام علينا فقال له أبوذر : إتبع سنة صاحبك لا يكن لاحد عليك كلام.
قال عثمان : مالك وذلك ؟ لا أم لك قال أبوذر : والله ما وجدت لي عذرا إلا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فغضب عثمان وقال : أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب إما أن اضربه أو احبسه أو أقتله فانه قد فرق جماعة المسلمين أو أنفيه من أرض الاسلام.
فتكلم علي عليه السلام وكان حاضرا وقال : اشير عليك بما قاله مؤمن آل فرعون : فإن يك كاذبا فعليه كذبه ، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب.
قال : فأجابه عثمان بجواب غليظ لا أحب ذكره وأجابه علي بمثله.
قال : ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر ويكلموه فمكث كذلك اياما ثم أمر أن يؤتى به فاتي به فلما وقف بين يديه قال : ويحك يا عثمان أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ورأيت أبا بكر وعمر ؟ هل رأيت هذا هديهم ؟ إنك لتبطش بي بطش الجبار فقال : أخرج عنا من بلادنا.
فقال أبوذر : ما أبغض إلي جوارك فإلى أين أخرج ؟ قال : حيث شئت.
قال : فاخرج إلى الشام ارض الجهاد.
قال : إنما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها ، افأردك اليها ؟ قال : فأخرج إلى العراق.
قال : لا.
قال : ولم ؟ قال : تقدم على قوم أهل شبه وطعن في الامة ؟ قال : فأخرج إلى مصر.
قال : لا.
قال : فإلى أين أخرج ؟
قال : حيث شئت.
قال أبوذر.
فهو إذن التعرب بعد الهجرة أخرج إلى نجد فقال عثمان : الشرف الابعد أقصى فالاقصى إمض على وجهك هذا ولا تعدون الربذة فسر اليها فخرج اليها.
وقال اليعقوبي : وبلغ عثمان أن أبا ذر يقعد في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ويجتمع اليه الناس فيحدث بما فيه الطعن عليه وأنه وقف بباب المسجد فقال : أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أبوذر الغفاري ، أنا جندب بن جنادة الربذي ، إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.
محمد الصفوة من نوح فالاول من إبراهيم والسلالة من إسماعيل و العترة الهادية من محمد ، إنه شرف شريفهم واستحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة ، وكالكعبة المستورة ، أو كالقبلة المنصوبة ، أو كالشمس الضاحية ، أو كالقمر الساري ، أو كالنجوم الهادية ، أو كالشجر الزيتونية اضاء زيتها وبورك زيدها ( 1 ) ومحمد
* (هامش ) * (1 ) ولعل الصحيح زندها.كما في بعض المصادر.
وارث علم آدم وما فضلت به النبيون إلى أن قال :
وبلغ عثمان أن أبا ذر يقع فيه ويذكر ما غير وبدل من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسنن أبي بكر وعمر فسيره إلى الشام إلى معاوية ، وكان يجلس في المجلس فيقول كما كان يقول ويجتمع اليه الناس حتى كثر من يجتمع اليه ويسمع منه ، وكان يقف على باب دمشق اذا صلى صلاة الصبح فيقول : جاء‌ت القطار تحمل النار ، لعن الله الآمرين بالمعروف والتاركين له ، ولعن الله الناهين عن المنكر والآتين له.
فقال : وكتب معاوية إلى عثمان انك قد افسدت الشام على نفسك بابى ذر فكتب اليه ان احمله على قتب بغير وطاء فقدم به إلى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه ، فلما دخل اليه وعنده جماعة قال: بلغنى أنك تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إذا كملت بنو امية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا ، وعباد الله خولا ، ودين الله دغلا ؟
فقال : نعم سمعت رسول الله يقول ذلك.
فقال لهم : أسمعتم رسول الله يقول ذلك ؟ فبعث إلى علي بن أبيطالب فأتاه فقال : يا أبا الحسن أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبوذر ؟ وقص عليه الخبر فقال علي : نعم.
قال : فكيف تشهد ؟
قال لقول رسول الله : ما اظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر.
فلم يقم بالمدينة إلا أياما حتى أرسل اليه عثمان : والله لتخرجن عنها ،
قال : أتخرجني من حرم رسول الله ؟ قال : نعم وأنفك راغم ،
قال : فإلى مكة ؟
قال : لا.
قال : فإلى البصرة ؟
قال : لا.
قال : فإلى الكوفة ؟
قال : لا.
ولكن إلي الربذة التي خرجت منها حتى تموت فيها.
يا مروان أخرجه ولا تدع أحدا يكلمه حتى يخرج.فأخرجه على جمل ومعه امرأته وابنته فخرج علي والحسن والحسين وعبدالله بن جعفر وعمار بن ياسر ينظرون فلما رأى أبوذر عليا قام اليه
فقبل يده ثم بكى وقال : إني إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول الله فلم اصبر حتى أبكي.فذهب علي يكلمه ، فقال مروان : إن أمير المؤمنين قد نهى أن يكلمه أحد.فرفع علي السوط فضرب وجه ناقة مروان وقال : تنح نحاك الله إلى النار.ثم شيعه وكلمه بكلام يطول شرحه ، وتكلم كل رجل من القوم وانصرفوا والنصرف مروان إلى عثمان ، فجرى بينه وبين علي في هذا بعض الوحشة وتلاحيا كلاما.
وأخرج ابن سعد من طريق الاحنف بن قيس قال : أتيت المدينة ثم أتيت الشام فجمعت فإذا أنا برجل لا ينتهي إلى سارية إلا خر أهلها يصلى ويخف صلاته.
قال : فجلست إليه فقلت له : يا عبدالله من أنت ؟ قال : أنا ابوذر.فقال لي : فأنت من أنت ؟
قال : قلت أنا الاحنف بن قيس.
قال : قم عني لا أعدك بشر.
فقلت له : كيف تعدني بشر ؟
قال : إن هذا يعني معاوية نادى مناديه ألا يجالسني أحد.
وأخرج أبويعلى من طريق ابن عباس قال : استأذن أبوذر عثمان فقال : إنه يؤذينا فلما دخل قال له عثمان : أنت الذي تزعم انك خير من أبي بكر وعمر ؟
قال : لا ، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إن أحبكم إلي وأقربكم مني من بقي على العهد الذي عاهدته عليه وأنا باق على عهده ( 1 ) قال : فأمره أن يلحق بالشام وكان يحدثهم ويقول : لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم إلا ما ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم.
فكتب معاوية إلى عثمان : إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي ذر.فكتب اليه عثمان :
أن اقدم علي فقدم.
راجع الانساب 5 : 5452 ، صحيح البخاري في كتابي الزكاة والتفسير ، طبقات ابن سعد
4 : 168 ، مروج الذهب 1 : 438 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 148 ، شرح ابن أبي الحديد
1 : 242240 فتح الباري 3 : 213 ، عمدة القاري 4 : 291.
- كلمة أمير المؤمنين لما أخرج أبوذر إلى الربذة :
يا ابا ذر إنك غضبت لله فارج من غضبت له ، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك ، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه ، واهرب منهم بما خفتهم عليه ، فما أحوجهم إلى ما منعتهم ، وما أغناك عما منعوك ، وستعلم من الرابح غدا ، والاكثر حسدا ، ولو ان السماوات والارضين كانتا على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا ، لا يؤنسنك إلا الحق ، ولا يوشنك إلا الباطل ، فلو قبلت دنياهم لاحبوك ، ولو قرضت منها لامنوك ( 2 ).
ذكر ابن أبي الحديد في الشرح 2 : 387375 تفصيل قصة أبي ابي ذر ورآه
* (هامش ) * (1 ) حديث العهد أخرجه أحمد في مسنده.
( 2 ) نهج البلاغة 1 : 247.
مشهورا متضافرا وإليك نصه قال :
واقعة أبي ذر وإخراجه إلى الربذة أحد الاحداث التي نقمت على عثمان وقد روى هذا الكلام أبوبكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتاب السقيفة عن عبدالرزاق عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما أخرج ابوذر إلى الربذة أمر عثمان فنودي في الناس : أن لا يكلم أحد أبا ذر ولا يشيعه ، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به فخرج به وتحاماه الناس إلا علي بن ابي طالب عليه السلام وعقيلا أخاه وحسنا وحسينا عليهما السلام وعمارا فانهم خرجوا معه يشييعونه فجعل الحسن عليه السلام يكلم أبا ذر فقال له مروان : أيها يا حسن الا تعلم أن أمير المؤمنين قد نهى عن كلام هذا الرجل ؟ فان كنت لا تعلم فاعلم ذل.فحمل علي عليه السلام على مروان فضرب بالسوط بين أذني راحلته وقال : تنح نحاك الله إلى النار.فرجع مروان مغضبا إلى عثمان فأخبره الخبر فتلظى على علي عليه السلام ووقف أبوذر فودعه القوم ومعه ذكوان مولى أم هاني بنت ابي طالب قال ذكوان : فحفظت كلام القوم وكان حافظا فقال علي عليه السلام :
يا أبا ذر إنك غضبت لله أن القوم خافوك على دنياهم ، وخفتهم على دينك ، فامتحنوك بالقلى ونفوك إلى القلا ، والله لوكانت السموات والارض على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل له منها مخرجا ، يا أبا ذر لا يؤنسنك إلا الحق ، ولا يوحشن إلا الباطل.
ثم قال لاصحابه : ودعوا عمكم.وقال لعقيل : ودع أخاك فتكلم عقيل فقال :
ما عسى ما نقول يا أبا ذر ؟ وأنت تعلم أنا نحبك وأنت تحبنا ، فاتق الله فإن التقوى نجاة ، واصبر فان الصبر كرم ، واعلم أن استثقالك الصبر من الجزع ، واستبطاء‌ك العافية من اليأس ، فدع الياس والجزع.
ثم تكلم الحسن فقال : يا عماه لولا انه لا ينبغي للمودع أن يسكت وللمشيع ان ينصرف لقصر الكلام وإن طال الاسف ، وقد أتى من القوم إليك ما ترى ، فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها ، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها ، واصبر حتى تلقى نبيك صلى الله عليه وآله وهو عنك راض.
ثم تكلم الحسين عليه السلام فقال : يا عماه إن الله تعالى قادر أن يغير ما قد ترى ، الله كل يوم هو في شأن ، وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك ، فما أغناك عما منعوك ، وأحوجهم.
إلى ما منعتهم ؟ فاسأل الله الصبر والنصر ، واستعذبه من الجشع والجزع ، فإن الصبر من الدين والكرم ، وإن الجشع لا يقدم رزقا ، والجزع لا يؤخر أجلا.
ثم تكلم عمار مغضبا فقال : لا آنس الله من أوحشك ، ولا آمن من أخافك ، أما و الله لو أردت دنياهم لامنوك ، ولو رضيت أعمالهم لاحبوك ، وما منع الناس ان يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا والجزع من الموت ، ومالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه ، والملك لمن غلب ، فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دنياهم ، فخسروا الدنيا والآخرة ، الا ذل هو الخسران المبين.
فبكى أبوذر رحمه الله وكان شيخا كبيرا وقال : رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وآله ، مالي بالمدينة سكن ولاشجن ، غيركم ، إني ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام ، وكره أن اجاور اخاه وابن خاله بالمصرين ( 1 ) فافسد الناس عليهما فسيرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله ، والله ما اريد إلا الله صاحبا ، وما أخشى مع الله وحشة.
ورجع القوم إلى المدينة فجاء علي عليه السلام إلى عثمان فقال له : ما حملك على رد رسولي وتصغير أمري ؟ فقال علي عليه السلام : اما رسولك فأراد ان يرد وجهي فرددته ، و أما أمرك فلم اصغره ،
قال : أما بلغت نهيي عن كلام ابي ذر ؟
قال : أو كلما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه ؟
قال عثمان : أقد مروان من نفسك.
قال : م ذا ؟
قال : من شتمه و جذب راحلته.
قال : أما راحلته فراحلتي بها ، وأما شتمه إياي فوالله لا يشتمني شتمة إلا شتمتك مثلها لا أكذب عليك.
فغضب عثمان وقال : لم لا يشتمك ؟ كأنك خير منه ؟
قال علي : اي والله ومنك.ثم قام فخرج فأرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين والانصار وإلى بني أمية يشكو إليهم عليا عليه السلام فقال القوم : أنت الوالي عليه وإصلاحه أجمل.
قال : وددت ذاك.فأتوا عليا عليه السلام فقالوا : لو اعتذرت إلى مروان وأتيته.
فقال : كلا أما مروان فلا آتيه ولا اعتذر منه ، ولكن إن أحب عثمان أتيته.فرجعوا إلى عثمان فأخبروه فأرسل عثمان إليه فأتاه ومعه بنو هاشم فتكلم علي عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه
* (هامش ) * (1 ) يعنى مصر والبصرة ، كان والى مصر عبدالله بن سعيد بن ابي سرح أخا عثمان من الرضاعة وكان على البصرة عبدالله بن عامر ابن خاله كمامر ص 290.
ثم قال : أما ما وجدت علي فيه من كلام أبي ذر ووداعه فوالله ما أردت مساء‌تك ولا الخلاف عليك ولكن أردت به قضاء حقه ، وأما مروان فانه اعترض يريد ردي عن قضاء حق الله عزوجل فرددته ، رد مثلي مثله ، وأما ما كان مني إليك فإنك أغضبتني فأخرج الغضب مني ما لم أرده.
فتكلم عثمان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما ما كان منك إلي فقد وهبته لك ، وأما ما كان منك إلى مروان فقد عفى الله عنك ، وأما ما حلفت عليه فأنت البر الصادق ، فادن يدك.فأخذ يده فضمها إلى صدره ، فلما نهض قالت قريش وبنو امية لمروان :
أأنت رجل جبهك علي وضرب راحلتك ؟ وقد تفانت وائل في ضرع ناقة ، وذبيان و عبس في لطمة فرس ، والاوس والخزرج في نسعة ( 1 ) افتحمل لعلي عليه السلام ما أتاه اليك ؟
فقال مروان : والله لو أردت ذلك لما قدرت عليه.
فقال ابن ابي الحديد : واعلم أن الذي عليه أكثر ارباب السيرة وعلماء الاخبار والنقل : ان عثمان نفى أبا ذر أولا إلى الشام ثم استقدمه إلى المدينة لما شكى منه معاوية ، ثم نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام ، اصل هذه الواقعة : ان عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الاموال واختص زيد بن ثابت بشئ منها جعل ابوذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع : بشر الكانزين ( 2 ) بعذاب أليم ، ويرفع بذلك صوته ويتلو قوله تعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم.
فرفع ذلك إلى عثمان مرارا وهو ساكت ثم انه أرسل اليه مولى من مواليه أن انته عما بلغني عنك فقال أبوذر : أينهاني عثمان عن قراء‌ة كتاب الله تعالى ، وعيب من ترك أمر الله تعالى ؟ فوالله لان ارضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أسخط الله برضا عثمان ، فأغضب عثمان ذلك واحفظ فتصابر وتماسك إلى أن قال عثمان يوما والناس حوله : أيجوز للامام أن يأخذ من المال شيئا قرضا فإذا ايسر قضى ؟
فقال كعب الاحبار : لا بأس بذلك.
فقال أبوذر : يا ابن اليهوديين أتعلمنا ديننا ؟
فقال عثمان : قد كثر اذاك لي وتولعك بأصحابي ، الحق بالشام.
فأخرجه إليها فكان
* (هامش ) * (1 ) النسعة بكسر النون : حبل عريض طويل تشد به الرحال.
( 2 ) في النسخة : الكافرين.والصحيح ما ذكرناه كما مر عن البلاذري.
أبوذر ينكر على معاوية اشياء يفعلها فبعث اليه معاوية يوما ثلثمائة دينار فقال أبوذر لرسوله :
إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا ؟ اقبلها ، وإن كاتنت صلة ؟ فلا حاجة لي فيها.
وردها عليه ، ثم بنى معاوية الخضراء بدمشق فقال أبوذر : يا معاوية إن كانت هذه من مال الله؟ فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك ؟ فهي الاسراف ، وكان أبوذر يقول بالشام ، والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وآله ، والله إني لارى حقا يطفأ ، وباطلا يحيا ، وصادقا مكذبا ، وأثرة بغير تقى ، وصالحا مستأثرا عليه.فقال حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية : إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة.
وروى شيخنا أبوعثمان الجاحظ في كتاب السفيانية عن جلام بن جندل الغفاري قال : كنت غلاما لمعاوية على قنسرين والعواصم في خلافة عثمان فجئت اليه يوما اساله عن حال عملي إذ سمعت صارخا على باب داره يقول : أتتكم القطار بحمل النار ، اللهم العن الآمرين بالمعروف والتاركين له ، اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له.
فازبأر ( 1 ) معاوية وتغير لونه وقال : يا جلام أتعرف الصارخ ؟
فقلت : الله لا.
قال : من عذيري من جندب بن جناده يأتينا كل يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت ثم
قال : ادخلوه علي فجئ بأبي ذر قوم يقودونه حتى وقف بين يديه فقال له معاوية :
يا عدو الله وعدو رسوله تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع ، أما إني لو كنت قاتل رجل من اصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك ولكنك استاذن فيك.
قال جلام : وكنت أحب ان ارى أبا ذر لانه رجل من قومي فالتفت إليه فإذا رجل أسمر ضرب (2) من الرجال خفيف العارضين في ظهره حناء فأقبل على معاوية وقال : ما أنا بعدو لله ولا لرسوله ، بل أنت وأبوك عدوان لله ولرسوله ، اظهرتما الاسلام وأبطنتما الكفر ، ولقد لعنك رسول الله صلى الله عليه وآله ودعا عليك مرات أن لا تشبع ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إذا ولي الامة الاعين ( 3 ) الواسع البلعوم الذي يأكل
* (هامش ) * (1 ) ازبأر الرجل ازبئرارا : تهيأ للشر.
( 2 ) الضرب : الرجل الماضى الندب.
( 3 ) في لفظ الحديث سقط كما لا يخفى.
ولا يشبع فلتأخذ الامة حذرها منه ( 1 ).فقال معاوية : ما أنا ذاك الرجل.
قال أبوذر : بل أنت ذلك الرجل أخبرني بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعته يقول وقد مررت به : اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب.وسمعته صلى الله عليه وآله يقو : ل إست معاوية في النار.فضحك معاوية وأمر بحبسه وكتب إلى عثمان فيه فكتب عثمان إلى معاوية : أن احمل جندبا الي على أغلظ مركب وأوعره.فوجه به مع من ساربه الليل والنهار وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب حتى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد فلما قدم بعث اليه عثمان : الحق بأي أرض شئت قال : بمكة.
قال : لا.
قال : بيت المقدس.
قال : لا.
قال : بأحد المصرين.
قال : لا ، ولكني مسيرك إلى الربذة فسيره اليها فلم يزل بها حتى مات.
وفي رواية الواقدي : أن أبا ذر لما دخل على عثمان قال له :
لا أنعم الله بقين عينا * نعم ولا لقاه يوما زينا تحية السخط إذا التقينا فقال أبوذر : ما عرفت إسمي قينا فط.وفي رواية أخرى : لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب.
فقال أبوذر : أنا جندب وسماني رسول الله صلى الله عليه وآله عبدالله فاخترت اسم رسول لله صلى الله عليه وآله الذي سماني به على اسمي ، فقال له عثمان : أنت الذي تزعم إنا نقول : يد الله مغلولة وإن الله فقير ونحن اغنياء ؟ فقال أبوذر : لو كنتم لا تقولون هذا ؟ لانفقهم مال الله على عباده ، ولكني اشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إذا بلغ بنو ابي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا ، وعباده خولا ، ودينه دخلا.فقال عثمان لمن حضر :
اسمعتوها من رسول الله ؟ قالوا : لا.
قال عثمان : ويلك أبا ذر أتكذب على رسول الله ؟
فقال أبوذر لمن حضر : أما تدرون اني صدقت ؟
قالوا : لا والله ما ندري.
فقال عثمان : ادعوا لي عليا.
فلما جاء قال عثمان لابي ذر : اقصص عليه حديثك في بني ابي العاص.
فأعاده فقال عثمان لعلي عليه السلام : أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال : لا وقد صدق أبوذر فقال : كيف عرفت صدقه ؟ قال : لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه ونله وسلم يقول : ما اظلت
* (هامش ) * (1 ) وفي حديث على عليه السلام : لا يذهب أمر هذه الامة الاعلى رجل واسع السرم ، ضخم البلعوم.
ذكره ابن الاثير في النهاية 1 : 112 ، لسان العرب 14 : 322 ، تاج العروس 8 : 206.
الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من ابي ذر.
فقال من حضر : أما هذا فسمعناه كلنا من رسول الله.فقال ابوذر : أحدثكم اني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله فتتهموني ؟ ما كنت اظن اني اعيش حتى اسمع هذا من اصحاب محمد صلى الله عليه وآله.
وروى الواقدي في خبر آخر باسناده عن صهبان مولى الاسلميين قال : رأيت ابا ذر يوم دخل به على عثمان فقال له : أنت الذي فعلت وفعلت ؟
فقال أبوذر : نصحتك فاستغششتني ونصحت صاحبك فاستغشني قال عثمان : كذبت ولكنك تريد الفتنة وتحبها قد انغلت الشام علينا قال له ابوذر : إتبع سنة صاحبيك لا يكن لاحد عليك كلام فقال عثمان : مالك وذل ؟ لا أم لك.
قال أبوذر : والله ما وجدت لي عذرا إلا الامر بالمعروف و النهي عن المنكر.فغضب عثمان وقال : أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب ، إما أن أضربه أوأحبسه أو أقتله فانه قد فرق جماعة المسلمين ، أو أنفيه من ارض الاسلام.
فتكلم علي عليه السلام وكان حاضر فقال : اشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون فإن يك كاذبا ؟
فعليه كذبه ، وإن يك صادقا ، يصبكم بعض الذي يعدكم ، إن الله يهدي من هو مسرف كذاب.
فأجابه عثمان بجواب غليظ وأجابه علي عليه السلام بمثله ولم نذكر الجوابين تذمما منهما.
قال الواقدي : ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا ابا ذر ويكلموه فمكث كذلك أياما ثم أتي به فوقف بين يديه فقال أبوذر : ويحك يا عثمان أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ورأيت أبا بكر وعمر ؟ هل هديك كهديهم ؟ أما إنك لتبطش بي بطش جبار.
فقال عثمان : اخرج عنا من بلادنا.
فقال ابوذر : ما أبغض إلي جوارك فإلى إين أخرج ؟
قال : حيث شئت.
قال : اخرج إلى الشام ارض الجهاد.
قال : إنما جلبتك من الشام لما قد افسدتها ، أفاردك اليها ؟
قال : أفأخرج إلى العراق ؟
قال : لا إنك إن تخرج اليها تقدم على قوم أولي شقة وطعن على الائمة والولاة.
قال : افاخرج إلى مصر ؟
قال : لا ،
قال : فإلى أين أخرج ؟
قال : إلى البادية.
قال أبوذر : أصير بعد الهجرة أعرابيا ؟
قال : نعم.
قال أبوذر : فأخرج إلى بادية نجد.
قال عثمان : بل إلى الشرق الابعد أقصى فأقصى امض على وجهك هذا فلا تعدون الربذة فخرج اليها.
وروى الواقدي أيضا عن مالك بن أبي الرجال عن موسى بن ميسرة : إن ابا الاسود الدؤلي قال: كنت أحب لقاء أبي ذر لاساله عن سبب خروجه إلى الربذة فجئته فقلت له : ألا تخبرني أخرجت منا المدينة طائعا ؟ أم أخرجت كرها ؟
فقال كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغني عنهم فأخرجت إلى المدينة فقلت : دار هجرتي وأصحابي ، فاخرجت من المدينة إلى ما ترى ، ثم قال : بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله إذ مر بي عليه السلام فضربني برجله وقال : لا أراك نائما في المسجد.
فقلت : بابي أنت وامي غلبتني عيني فنمت فيه.قال : فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟
قلت : إذا الحق بالشام فانهاارض مقدسة وارض الجهاد.
قال : فكيف تصنع إذا أخرجت منها ؟
قلت : ارجع.إلى المسجد.
قال : فكيف تصنع إذا اخرجوك منه ؟
قلت : آخذ سيفي فأضربهم به فقال : الا
ادلك على خير من ذلك ؟ انسق معهم حيث ساقوك وتسمع وتطيع.فسمعت وأطعت و أنا أسمع وأطيع ، والله ليلقين الله عثمان وهوآثم في جنبي.
ثم ذكر ابن ابي الحديد الخلاف في أمر أبي ذر وحكى عن ابي علي حديث البخاري الذي اسلفناه ص 295 فقال : ونحن نقول : هذه الاخبار وإن كانت قد رويت لكنها ليست في الاشتهار والكثرة كتلك الاخبار ، والوجه أن يقال في الاعتذار عن عثمان و حسن الظن بفعله : انه خاف الفتنة واختلاف كلمة المسلمين فغلب على ظنه ان اخراج ابي ذر إلى الربذة أحسم للشغب وأقطع لاطماع من يشرئب إلى شق العصا ، فأخرجه مراعاة للمصلحة ومثل ذلك يجوز للامام ، هكذا يقول اصحابنا المعتزلة وهو الاليق بمكارم الاخلاق فقد قال الشاعر :
إذا ما أتت من صاحب لك زلة * فكن أنت محتالا لزلته عذرا
وإنما يتأول أصحابنا لمن يحتمل حاله التأويل كعثمان ، فاما من لم يحتمل حاله التأويل وإن كانت له صحبة سالفة كمعاوية وأضرابه فانهم لا يتأولون لهم ، إذا كانت أفعالهم وأحوالهم لا وجه لتأويلها ولا تقبل العلاج والاصلاح.انتهي.
من المستصعب جدا التفكيك بين الخليفتين وبين أعمالهما ، فانهما من شجرة واحدة ، وهما في العمل صنوان ، لا يشذ أحدهما عن الآخر ، فتربص حتى حين ، وسنوقفك على جلية الحال.
هلم معى إلى نظارة التنقيب
قال الاميني : هل تعرف موقف ابي ذر الغفاري من الايمان ، وثباته على المبدأ ، ومحله من الفضل ، ومبلغه من العلم ، ومقامه من الصدق ، ومبوأه من الزهد ، ومرتقاه من العظمة ، وخشونته في ذات الله ، ومكانته عند صاحب الرسالة الخاتمة ؟ فإن كنت لا تعرف ؟ فإلى الملتقى.
تعبده قبل البعثة.سبقه في الاسلام.ثباته على المبدأ
1- أخرج ابن سعد في الطبقات 4 ، 161 من طريق عبدالله بن الصامت قال :
قال أبوذر.
صليت قبل الاسلام قبل أن القى رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث سنين.
فقلت : لمن ؟ قال.لله.
فقلت : أين توجه ؟
قال : أتوجه حيث يوجهني الله.
وأخرج من طريق ابي معشر نجيح قال : كان أبوذر يتأله في الجاهلية ويقول :
لا إله إلا الله ، ولا يعبد الاصنام ، فمر عليه رجل من أهل مكة بعد ما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا أبا ذر إن رجلا بمكة يقول مثل ما تقول : لا إله إلا الله.ويزعم انه نبي.وذكر حديث اسلامه ص 164.
وفي صحيح مسلم في المناقب 7 : 153 ، بلفظ ابن سعد الاول ، وفي ص 155 بلفظ : صليت سنتين قبل مبعث النبي ، قال : قلت : فأين كنت توجه ؟
قال : حيث و وجهني الله.
وفي لفظ ابي نعيم في الحلية 1 : 157 : يا ابن أخي صليت قبل الاسلام باربع سنين وذكره ابن الجوزي في صفوة الصفوة 1 : 238.
وفي حديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه 7 : 218 : أخذ أبوبكر بيد ابي ذر وقال : يا أبا ذر هل كنت تتأله في جاهليتك ؟
قال : نعم لقد رأيتني أقوم عند الشمس فما أزال مصليا حتى يؤذيني حرها فأخر كأني خفاء ، فقال : فأين كنت تتوجه ؟
قال : لا ادري إلا حيث وجهني الله.
2- أخرج ابن سعد في الطبقات 4 : 161 من طريق ابي ذر قال : كنت في الاسلام خامسا.
وفي لفظ أبي عمر وابن الاثير : أسلم بعد أربعة.
وفي لفظ آخر.يقال : اسلم بعد ثلاثة.
ويقال : بعد اربعة.وفي لفظ الحاكم : كنت ربع الاسلام ، اسلم قبلى ثلاثة نفر وأنا الرابع.
وفي لفظ ابي نعيم : كنت رابع الاسلام ، اسلم قبلي ثلاثة وأنا الرابع.
وفي لفظ المناوي : أنا رابع الاسلام.وفي لفظ ابن سعد من طريق ابن ابي وضاح البصري : كان اسلام ابي ذر رابعا أو خامسا.
راجع حلية الاولياء 1 : 157 ، مستدرك الحاكم 3 : 342 ، الاستيعاب 1 : 83 ، ج 2 : 664 ، اسد الغابة 5 : 186 ، شرح الجامع الصغير للمناوي 5 : 423 ، الاصابة 4 : 63.
3- أخرج ابن سعد في الطبقات 4 : 161 من طريق ابي ذر قال : كنت أول من حياه صلى الله عليه وآله وسلم بتحية الاسلام فقلت : السلام عليك يا رسول الله فقال : وعليك ورحمة الله.
وفي لفظ ابي نعيم : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وآله حين قضى صلاته فقلت : السلام عليك فقال : وعليك السلام.
وأخرجه مسلم في " المناقب " من الصحيح 7 : 154 ، 155 ، وأبونعيم في " الحلية "
1 : 159 ، وأبوعمر في " الاستيعاب " 2 : 664.
4- أخرج ابن سعد والشيخان في الصحيحين من طريق ابن عباس واللفظ للاول قال : لما بلغه أن رجلا خرج بمكة يزعم انه نبي ارسل اخاه فقال : إذهب فائتني بخبر هذا الرجل وبما تسمع منه.فانطلق الرجل حتى أتى مكة فسمع من رسول الله صلى الله عليه وآله فرجع إلى ابي ذر فاخبره انه : يامر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بمكارم الاخلاق فقال أبوذر : ما شفيتني.فخرج أبوذر ومعه شنة فيها ماء‌ه وزاده حتى أتى مكة ففرق أن يسال أحدا عن شئ ولما يلق رسول الله صلى الله عليه وآله فأدركه الليل فبات في ناحية المسجد فلما اعتم مر به علي فقال : ممن الرجل ؟
قال : رجل من بني غفار.
قال : قم إلى منزلك
قال : فانطلق به إلى منزله ولم يسال واحد منهما صاحبه عن شئ وغدا أبوذر يطلب فلم يلقه وكره أن يسال احدا عنه ، فعاد فنام حتى أمسى فمر به علي فقال : أما آن للرجل أن يعرف منزله ؟ فانطلق به فبات حتى أصبح لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ فاصبح اليوم الثالث فأخذ على علي لئن افشى اليه الذي يريد ليكتمن عليه وليسترنه ، ففعل فأخبره انه بلغه خروج هذا الرجل يزعم انه نبي فأرسلت أخي ليأتيني بخبره وبما سمع منه فلم يأتيني بما يشفيني من حديثه فجئت بنفسي لالقاه ، فقال له على إني غاد فاتبع أثري فإني إن رأيت ما أخاف عليك إعتللت بالقيام كأني اهريق الماء فآتيك ، وإن لم أر أحدا فاتبع أثري حتى تدخل حيث ادخل.ففعل حتى دخل على أثر علي على النبي صلى الله عليه وآله فأخبره الخبر وسمع قول رسول الله صلى الله عليه وآله فأسلم من ساعته ثم قال : يا نبي الله ما تأمرني ؟
قال : ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري.قال : فقال له : والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام في المسجد.
قال : فدخل المسجد فنادى بأعلى صوته : اشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله.
قال : فقال المشركون : صبأ الرجل ، صبأ الرجل ، فضربوه حتى صرع فأتاه العباس فأكب عليه وقال : قتلتم الرجل يا معشر قريش أنتم تجار وطريقكم على غفار فتريدون أن يقطع الطريق فامسكوا عنه.ثم عاد اليوم الثاني فصنع مثل ذلك ثم ضربوه حتى صرع فأكب عليه العباس وقال لهم مثل ما قال في أول مرة فأمسكوا عنه.
وذكر ابن سعد في حديث اسلامه : ضربه لاسلامه فتية من قريش فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله أما قريش فلا أدعهم حتى أثأرمنهم ، ضربوني ، فخرج حتى أقام بعسفان وكلما أقبلت عير لقريش يحملون الطعام ينفر لهم على ثنية غزال فتلقى أحمالها فجمعوا الحنط فقال لقومه : لا يمس أحد حبة حتى تقولوا : لا إله إلا الله.فيقولون :
لا إله إلا الله ، ويأخذون الغرائر.
راجع طبقات ابن سعد 4 : 165 ، 166 ، صحيح البخاري كتاب المناقب باب اسلام ابي ذر
6 : 24 ، صحيح مسلم كتاب المناقب 7 : 156 ، دلائل النبوة لابي نعيم 2 : 86 ، حلية الاولياء له 1 : 159 ، مستدرك الحاكم 3 : 338 ، الاستيعاب 2 : 664
وأخرج أبونعيم في الحلية 1 : 158 من طريق ابن عباس عن ابي ذر قال : أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة فعلمني الاسلام وقرأت من القرآن شيئا ، فقلت : يا رسول الله إني اريد أن أظهر ديني.فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني أخاف عليك أن تقتل.
قلت : لا بد منه وإن قتلت.
قال : فسكت عني فجئت وقريش حلق يتحدثون في المسجد فقلت أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله.فانتقضت الحلق فقاموا فضربوني حتى تركوني كأني نصب أحمر ، وكانوا يرون انهم قد قتلوني فأفقت فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأى ما بى من الحال فقال لي : ألم أنهك.فقلت : يا رسول الله كانت حاجة في نفسي فقضيتها ، فأقمت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ألحق بقومك فاذا بلغك ظهور فأتني
وأخرج من طريق عبدالله بن الصامت قال : قال لي أبوذر رضي الله عنه : قدمت مكة فقلت : أين الصابئ ؟ فقالوا : الصابئ.فأقبلوا يرمونني بكل عظم وحجر
حتى تركوني مثل النصب الاحمر.
وأخرجه أحمد في " المسند " 5 : 174 بصورة مفصلة ، ومسلم في " المناقب " ، و الطبراني كما في مجمع الزوائد 9 : 329.
- حديث علمه :
1- أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى 5 : 170 طليدن من طريق زاذان سئل علي عن أبي ذر فقال : وعى علما عجز فيه ، وكان شحيحا حريصا على دينه ، حريصا على العلم ، وكان يكثر السؤال فيعطى ويمنع ، أما أن قد ملئ له في وعائه حتى امتلا.
وقال أبوعمر : روى عنه جماعة من الصحابة وكان من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع والقول بالحق ، سئل علي عن ابي ذر فقال : ذلك رجل وعى علما عجز عنه الناس ، ثم أوكأ فيه فلم يخرج شيئا منه " الاستيعاب 1 : 83 ، ج 2 : 664 ".
وحديث علي عليه السلام ذكره ابن الاثير في أسد الغابة 5 : 186 ، والمناوي في شرح الجامع الصغير 5 : 423 ولفظه : وعاء ملئ علما ثم أوكأ عليه ، وابن حجر في الاصابة 4 : 64 وقال: أخرجه أبوداود بسند جيد.
2- أخرج المحاملي في أماليه والطبراني من طريق ابي ذر قال : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا مما صبه جبرئيل وميكائيل في صدره إلا وقد صبه في صدري.الحديث.
مجمع الزوائد 9 : 331 ، الاصابة 3 : 484.
قال أبونعيم في الحلية 1 : 156 : العابد الزهيد ، القانت الوحيد ، رابع الاسلام ورافض الازلام قبل نزل الشرع والاحكام ، تعبد قبل الدعوة بالشهور والاعوام ، وأول من حيا الرسول بتحية الاسلام ، لم يكن تأخذه في الحق لائمة اللوام ، ولا تفزعه سطوة الولاة والحكام ، أول من تكلم في علم البقاء والفناء ، وثبت على المشقة والعناء ، وحفظ العهود والوصايا ، وصبر على المحن والرزايا ، واعتزل مخالطة البرايا ، إلى أن حل بساحة المنايا.
أبوذر الغفاري رضي الله عنه.خدم الرسول ، وتعلم الاصول ، ونبذ الفضول.
وفي ص 169 : قال الشيخ رحمه الله تعالى : كان أبوذر رضي الله تعالى عنه للرسول صلى الله عليه وآله ملازما وجليسا ، وعلى مسائلته والاقتباس منه حريصا ، وللقيام على ما استفاد منه أنيسا ، ساله عن الاصول والفروع ، وسأله عن الايمان والاحسان ، وسأله عن رؤية ربه تعالى ، وسأله عن أحب الكلام إلى الله تعالى ، وساله عن ليلة القدر أترفع مع الانبياء أم تبقى ؟ وسأله عن كل شئ حتى مس الحصى في الصلاة.
ثم أخرج من طريق عبدالرحمن بن ابي ليلى عن ابي ذر قال : سالت رسول الله صلى الله عليه وآله عن كل شيئ حتى سألته عن مس الحصى.
فقال : مسه مرة أودع.
وأخرج أحمد في " مسند " 5 : 163 عن أبي ذر قال : سألت النبي صلى الله عليه وآله عن كل شئ حتى سألته عن مسح الحصي فقال : واحدة أودع.
وقال ابن حجر في الاصابة 4 : 64 : كان يوازي ابن مسعود في العلم.
- حديث صدقه وزهده :
1- أخرج ابن سعد والترمذي من طريق عبدالله بن عمرو بن العاص ، وعبدالله بن عمر ، وابي الدرداء مرفوعا : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء اصدق من أبي ذر.
وأخرج الترمذي بلفظ : ما اظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة اصدق ولا أوفى من أبي ذر ، شبه عيسى بن مريم.فقال عمر بن الخطاب كالحاسد : يا رسول الله افتعرف ذلك له ؟ قال : نعم فاعرفوه.
وفي لفظ الحاكم.ما تقل الغبراء ولا تظل الخضراء من ذي لهجة أصدق ولا أو في من أبي ذر شبيه عيسى بن مريم.فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله فنعرف ذلك له ؟ قال : نعم فاعرفوه له.
وفي لفظ ابن ماجة من طريق عبدالله بن عمرو : ما اظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء بعد النبيين اصدق من ابي ذر.
وفي لفظ أبي نعيم من ريق ابي ذر : ما تظل الخضراء ولا تقل الغبراء على ذي لهجة اصدق من ابي ذر شبيه إبن مريم.
وفي لفظ ابن سعد من طريق ابي هريرة : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من ابي ذر ، من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر.
وفي لفظ لابي نعيم : أشبه الناس بعيسى نسكا وزهدا وبرا.
وفي لفظ من طريق الهجنع بن قيس : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من ابي ذر ثم رجل بعدي ، من سره أن ينظر إلى عيسى بن مريم زهدا وسمتا فلينظر إلى ابي ذر.
وفي لفظ من طريق علي عليه السلام : ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء من ذي لهجة
أصدق من أبي ذر ، يطلب شيئا من الزهد عجز عنه الناس.
وفي لفظ من طريق ابي هريرة : ما اظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من ابي ذر ، فإذا أردتم أن تنظروا إلى اشبه الناس بعيسى بن مريم هديا وبرا ونسكا فعليكم به.
وفي لفظ من طريق أبي الدرداء : ما اظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من ابي ذر.
وفي لفظ ابن سعد من طريق مالك بن دينار : ما اظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من ابي ذر ، من سره أن ينظر إلى زهد عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر.
أخرجه على اختلاف الفاظه.ابن سعد ، الترمذي ، ابن ماجة ، احمد ، ابن أبي شيبة ، ابن جرير ، ابوعمر ، ابونعيم ، البغوي ، الحاكم ، ابن عساكر ، الطبراني ، ابن الجوزي.
راجع طبقات ابن سعد 4 : 167 ، 168 ط ليدن ، صحيح الترمذي 2 : 221 ، سنن ابن ماجة 1 : 68 ، مسند احمد 2 : 163 ، 175 ، 223 ، ج 5 : 197 ، ج 6 : 442 ، مستدرك الحاكم 3 : 342 صححه واقره الذهبي ، وج 4 : 480 صححه ايضا واقره الذهبي ، مصابيح السنة
2 : 228 ، صفة الصفوة 1 240 ، الاستيعاب 1 : 84 ، تمييز الطيب لابن الديبع ص 137 ، مجمع الزوائد 9 : 329 ، الاصابة لابن حجر 3 : 622 ، وج 4 : 64 ، الجامع الصغير للسيوطي من عدة طرق ، شرح الجامع الصغير للمناوي 5 : 423 فقال : قال الذهبي : سنده جيد وقال الهيثمي : رجال احمد وثقوا وفي بعضهم خلاف ، كنز العمال 6 : 169 ، وج 8 : وج 8 : 1715.
2- اخرج الترمذي في صحيحه 2 : 221 مرفوعا : أبوذر يمشي في الارض بزهد عيسى بن مريم.
وفي لفظ أبي عمر في " الاستيعاب " 2 : 664 : أبوذر في امتي على زهد عيسى بن مريم وفي ص 84 من ج 1 : أبوذر في امتي شبيه عيسى بن مريم في زهده.وبلفظ : من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى ابي ذر.
وذكره ابن الاثير في اسد الغابة 5 : 186 بلفظ ابي عمر الاول.
3- اخرج الطبراني مرفوعا : من أحب أن ينظر إلى المسيح عيسى بن مريم إلى برده وصدقه وجده فلينظر إلى ابي ذر.
كنز العمال 6 : 169.مجمع الزوائد 9 : 330.
4- أخرج الطبراني من طريق ابن مسعود مرفوعا : من سره أن ينظر إلى شبه عيسى خلقا وخلقا فلينظر إلى ابي ذر.
مجمع الزوائد 9 : 330 ، كنز العمال 6 : 169.
5- أخرج الطبراني من طريق ابن مسعود مرفوعا : إن أبا ذر ليباري عيسى بن مريم في عبادته.كنز العمال 6 : 169.
- حديث فضله :
1- عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وآله : إن الله عزوجل امرني بحب أربعة وأخبرني انه يحبهم : علي وأبوذر والمقداد وسلمان.
اخرجه الترمذي في صحيحه 2 : 213 ، وابن ماجة في سننه 1 : 66 ، والحاكم في المستدرك 3 : 130 وصححه ، وأبونعيم في الحلية 1 : 172 ، وأبوعمر في الاستيعاب 2 : 557 ، وذكره السيوطي في الجامع الصغير وصححه وأقر تصحيحه المناوي في شرح الجامع 2 : 215 ، وابن حجر في الاصابة 3 : 455 ، وقال السندي في شرح سنن ابن ماجة : الظاهر انه أمر ايجاب ويحتمل الندب ، وعلى الوجهين فما امر به النبي صلى الله عليه وآله فقد أمر به امته ، فينبغي للناس أن يحبوا هؤلاء الاربعة خصوصا.
2- أخرج ابن هشام في السيرة 4 : 179 مرفوعا : رحم الله ابا ذر يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده.
وأخرج ابن هشام في السيرة ، وابن سعدفي الطبقات الكبرى 4 : 170 في حديث دفنه قال : فاستهل عبدالله بن مسعود يبكي ويقول : صدق رسول الله : تمشي وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك.
وذكره أبوعمر في " الاستيعاب " 1 : 83 ، وابن الاثير في " اسد الغابة " 5 : 188 ، وابن حجر في " الاصابة " 4 : 164.
3- أخرج البزار من طريق انس بن مالك مرفوعا : الجنة تشتاق إلى ثلاثة : علي وعمار وابي ذر.
ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 330 فقال : إسناده حسن.
4- أخرج ابويعلى من طريق الحسين بن علي قال : أتى جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن الله يحب من إصحابك ثلاثة فأحبهم : علي بن أبي طالب ، وأبوذر ، والمقداد
بن الاسود.مجمع الزوائد 9 : 330.
5- أخرج الطبري من طريق أبي الدرداء انه ذكر أبا ذر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأتمنه حين لا يأتمن أحدا ، ويسر إليه حين لا يسر إلى أحد.كنز العمال 8 : 15.
وأخرج احمد في المسند 5 : 197 من طريق عبدالرحمن بن غنم قال : إنه زار أبا الدرداء بحمص فمكث عنده ليالي وأمر بحماره فأوكف فقال أبوالدرداء : ما أراني إلا متبعك فأمر بحماره فاسرج فسارا جميعا على حماريهما فلقيا رجلا شهد الجمعة بالامس عند معاوية بالجابية فعرفهما الرجل ولم يعرفاه فأخبرهما خبر الناس ، ثم إن الرجل قال : وخبر آخر كرهت أن أخبر كما أراكما تكرهانه.فقال أبوالدرداء : فلعل أباذر نفي ؟ قال : نعم والله ، فاسترجع أبوالدرداء وصاحبه قريبا من عشر مرات ثم قال : أبو الدرداء : إرتقبهم واصطبر.كما قيل لاصحاب الناقة ، اللهم إن كذبوا أبا ذر فاني لا أكذبه ، أللهم وإن اتهموه فاني لا أتهمه ، اللهم وإن استغشوه فاني لا استغشه ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأتمنه حين لا يأتمن أحدا ، ويسر إليه حين لا يسر إلى احد ، أما و الذي نفس ابي الدرداء بيده لو أن أبا ذر قطع يميني ما ابغضه بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ما اظلت الخضراء.الحديث.
وأخرجه الحاكم ملخصا في المستدرك 3 344 وصححه وقال الذهبي : سند جيد.
6- من طريق ابن الحارث عن أبي الدرداء انه قال وذكرت له أبا ذر : والله إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله ليدنيه دوننا إذا حضر ، ويتفقده إذا غاب ، ولقد علمت انه قال : ما تحمل الغبراء ولا تظل الخضراء للبشر بقول أصدق لهجة من أبي ذر.
كنز العمال 8 : 15 ، مجمع الزوائد 9 : 330 ، الاصابة 4 : 63 ، نقلا عن الطبراني لفظه : كان رسول الله صلى الله عليه وآله يبتدئ أبا ذر إذا حضر ويتفقده إذا غاب.
7- أخرج أحمد في مسنده 5 : 181 من طريق ابي الاسود الدؤلي انه قال : رأيت اصحاب النبي صلى الله عليه وآله فما رأيت لابي ذر شبيها.
وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 331.
8- روى شهاب الدين الابشيهي في المستطرف 1 : 166 قال : مر أبوذر على النبي صلى الله عليه وآله ومعه جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي فلم يسلم فقال جبريل : هذا أبوذر لو سلم لرددنا عليه.
فقال : أتعرفه يا جبريل ؟
قال : والذي بعثك بالحق نبيا لهو في ملكوت السماوات السبع اشهر منه في الارض قال : بم نال هذه المنزلة ؟
قال : بزهده في هذه الحطام الفانية.
وذكره الزمخشري في ربيع الابرار باب 23.
عهد النبي الاعظم إلى ابي ذر
1- أخرج الحاكم في " المستدرك " 3 : 343 من طريق صححه عن ابي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبا ذر كيف أنت إذا كنت في حثالة ؟ وشبك بين اصابعه ، قلت : يا رسول الله فما تأمرني ؟
قال : اصبر اصبر اصبر ، خالقوا الناس بأخلاقهم ، وخالفوهم في أعمالهم.
2- أخرج ابونعيم في الحلية 1.162 من طريق سلمة بن الاكوع عن أبي ذر رضي الله عنه قال: بينا أنا واقف مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي : يا أبا ذر أنت رجل صالح وسيصيبك بلاء بعدي.
قلت : في الله ؟
قال : في الله.
قلت : مرحبا بأمر الله.
3- اخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى 4 ص 166 ط ليدن من طريق ابي ذر قال : قال البني صلى الله عليه وآله : يا أبا ذر كيف أنت إذا كانت عليك امراء يستأثرون بالفئ ؟
قال : قلت : إذا والذي بعثك بالحق أضرب بسيفي حتى الحق به.فقال : أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك ؟ اصبر حتى تلقاني.
وفي لفظ احمد وابي داود : كيف أنت وائمة من بعدي تستأثرون بهذا الفئ ؟
قال : قلت : إذا والذي بعثك بالحق اضع سيفى على عاتقي ثم اضرب به حتى ألقاك ؟ أو : الحق بك.
قال : أولا ادلك على ما هو خير من ذلك ؟ تصبر حتى تلقاني
وفي لفظ : كيف انت عند ولاة يستأثرون بهذا الفئ ؟.
مسند احمد 5 : 180 ، سنن ابي داود 2 : 282 ، لاحمد طريقان كلاهما صحيحان رجالهما كلهم ثقات ، وهم :
1- يحيى بن آدم ، مجمع على ثقته من رجال الصحاح الست.
2- زهير بن معاوية الكوفي ، متفق على ثقته من رجال الصحاح الست.
3- يحيى بن أبي بكير الكوفي مجمع على ثقته من رجال الصحاح الست.
4- مطرف بن طريف ، متفق على ثقته من رجال الصحاح الست.
5- ابوالجهم سليمان بن الجهم الحارثي تابعي لا خلاف في ثقته.
6- خالد بن وهبان ، تابعى ثقة.
4- أخرج أحمد في المسند 5 : 178 من طريق ابي السليل في حديث عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : يا أبا ذر كيف تصنع إن اخرجت من المدينة ؟
قال : قلت : إلى السعة والدعة انطلق حتى أكون حمامة من حمام مكة.
قال : كيف تصنع إن اخرجت من مكة ؟
قال : قلت : إلى السعة والدعة إلى الشام والارض المقدسة.
قال : وكيف تصنع إن أخرجت من الشام ؟
قال : إذا والذي بعثك بالحق اضع سيفي على عاتقي
قال : أو خير من ذلك ؟
قال : قلت : أو خير من ذلك ؟
قال : تسمع وتطيع وإن كان عبدا حبشيا.
رجال الاسناد كلهم ثقات وهم :
1- يزيد بن هارون بن وادي.مجمع على ثقته من رجال الصحيحين.
2- كهمس بن الحسن البصري.ثقة من رجال الصحيحين.
3- ابوالسليل ضريب بن نقير البصري.ثقة من رجال مسلم والصحاح الاربعة غير البخاري.
وفي لفظ : كيف تصنع إذا خرجت منه ؟ اي المسجد النبوي.قال : آتي الشام.
قال : كيف تصنع اذا خرجت منها ؟
قال : أعود اليه اي المسجد.قال : كيف تصنع إذا خرجت منه ؟
قال : اضرب بسيفي.قال : ادلك على ما هو خير لك من ذلك وأقرب رشدا ؟
قال : تسمع وتطيع وتنساق لهم حيث ساقوك.
فتح الباري 3 : 213 ، عمدة القاري 4 : 291.
5- اخرج الواقدي من طريق ابي الاسود الدؤلي قال : كنت احب لقاء ابي ذر لاساله عن سبب خروجه فنزلت الربذة فقلت له : الا تخبرني أخرجت من المدينة طائعا ، أم خرجت مكرها ؟ فقال : كنت في ثغر من ثغور المسلمين اغنى عنهم فاخرجت إلى مدينة الرسول عليه السلام فقلت : اصحابي ودار هجرتي فأخرجت منها إلى ما ترى ثم
قال : بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد إذ مر بي رسول الله فضربني برجله وقال : لا اراك نائما في المسجد فقلت : بأبي أنت وأمي غلبتني عيني فنمت فيه فقال : كيف تصنع إذا أخرجوك منه؟ فقلت : إذن الحق بالشام فانها ارض مقدسة وارض بقية الاسلام وارض الجهاد
فقال : فكيف تصنع اذا اخرجت منها ؟ فقلت : ارجع إلى المسجد قال : فكيف تصنع اذا اخرجوك منه ؟ قلت : إذن آخذ سيفي فأضرب به فقال صلى الله عليه وآله : الا أدلك على خير
من ذلك ؟ انسق معهم حيث ساقوك وتسمع وتطيع.فسمعت واطع وأنا اسمع وأطيع والله ليلقين الله عثمان وهو آثم في جنبي.شرح ابن ابي الحديد 1 : 241.
وبهذا الطريق واللفظ اخرجه احمد في المسند 5 : 156 والاسناد صحيح رجاله كلهم ثقات وهم :
1- علي بن عبدالله المديني ، وثقه جماعة وقال النسائي : ثقة مأمون احد الائمة في الحديث.
2- معمر بن سليمان أبومحمد البصري ، متفق على ثقته من رجال الصحاح است
3- داود بن ابي الهند أبومحمد البصري ، مجمع على ثقته من رجال الصحاح غير البخاري وهو يروي عنه في التاريخ من دون غمز فيه.
4- أبوالحرب بن الاسود الدؤلي ، ثقة من رجال مسلم.
5- أبو الاسود الدؤلي ، تابعي متفق على ثقته من رجال الصحاح الست.
6- مر في ص 296 في حديث تسيير أبي ذر : قال " عثمان " : فاني مسيرك
إلى الربذة.قال " أبوذر " الله اكبر صدق رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخبرني بكل ما أنا لاق قال عثمان : وما قال لك ؟ قال : أخبرني بأني أمنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة.
- الحديث :
هذا أبوذر وفضايله وفواضله وعلمه وتقواه وإسلامه وإيمانه ومكارمه وكرائمه ونفسياته وملكاته الفاضلة وسابقته ولاحقته وبدء أمره ومنتهاه ، فأيا منها كان ينقمه الخليفة عليها فطفق يعاقبه ويطارده من معتقل إلى منفي ، ويستجلبه على قتب بغير وطاء ، يطير مركبه خمسة من الصقالبة الاشداء حتى أتوا به المدينة وقد تسلخت بواطن افخاذه وكاد أن يتلف ، ولم يفتأ يسومه سوء العذاب حتى سالت نفسه في منفاه الاخير " الربذة " على غير ماء ولا كلاء يلفحه حر الهجير ، وليس له من ولي حميم يمرضه ، ولا أحد من قومه يواري جثمانه الطاهر ، مات رحمه الله وحده ، وسيحشر وحده كما أخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي خوله بتلكم الفضائل ، والله سبحانه من فوقهما نعم الخصيم للمظلوم ، فانظر لمن الفلج يومئذ.
لقد كان الخليفة يباري الريح في العطاء لحامته ومن إزدلف اليه ممن يجري مجراهم ، فملكوا من عطاياه وسماحه الملايين ، وليس فيهم من يبلغ شأوابي ذر في السوابق والفضائل ، ولا يشق له غبارا في أكرومة ، فماذا الذي أخر أبا ذر عنهم حتى قطعوا عنه عطائه الجاري ؟ ومنعوه الحظوة بشئ من الدعة ، واجفلوه عن عقر داره وجوار النبي الاعظم ، وضاقت عليه الارض بما رحبت ، ولماذا نودي عليه في الشام ان لا يجالسه احد ( 1 ) ؟ ولماذا يفر الناس منه في المدينة ؟ ولماذا حظر عثمان على الناس أن يقاعدوه ويكلموه ؟ ولماذا يمنع الخليفة عن تشييعه ويأمر مروان أن لا يدع أحدا يكلمه ؟ فلم يحل ذلك الصحابي العظيم إلا محلا وعرا ، ولم يرتحل الا إلى متبوأ الارهاب كأنما خلق أبوذر للعقوبة فحسب ، وهو من عرفته الاحاديث التي ذكرناها ، وقصته لعمر الله وصمة على الاسلام وعلى خليفته لا تنسى مع الابد.
* (هامش ) * (1 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات 4 : 168.
نعم إن أبا ذر ينقم ما كان مطردا عند ذاك من السرف في العطاء من دون اي كفائة في المعطى (بالفتح ) ومخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك وفي كلما يخالف السنة الشريفة وإضطهاد اهل السوابق من الامة بيد امراء البيت الاموي رجال العيث والعبث ، وكانوا يحسبون عرش ذلك اليوم قد استقر على تلكم الاعمال ، فرأوا أن في الاصاخة إلى قيل ابي ذر وشاكلته من صلحاء الصحابة تزحزحا لذلك العرش عن مستقره ، أو أن مهملجة الجشع الذين حصلوا على تلكم الثروات الطائلة خافوه أن يسلب ما في أيديهم إن وعى واع إلى هتافه ، فتألبوا عليه واغروا خليفة الوقت به بتسويلات متنوعة حتى وقع ما وقع ، والخليفة أسير هوى قومه ، ومسير بشهواتهم ، مدفوع بحب بني ابيه وإن كانوا من الشجرة المنعوتة في القرآن.
وما كان ابوذر يمنعهم عن جلب الثروة من حقها ، ولا يبغي سلب السلطة عمن ملك شيئا ملكا مشروعا ، لكنه كان ينقم اهل الاثرة على اغتصابهم حقوق المسلمين ، وخضمهم مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ، وما كان يتحرى إلا ما أراد الله سبحانه بقوله عز من قائل : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم ، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله في الجهات المالية.
أخرج أحمد في مسنده 5 : 164 ، 176 من طريق الاحنف بن قيس قال : كنت بالمدينة فإذا أنا برجل يفر الناس منه حين يرونه قال : قلت : من أنت ؟ قال : أنا أبوذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله قال : قلت : ما يفر الناس منك ؟ قال : إني أنهاهم عن الكنوز بالذي كان ينهاهم عنه رسول الله.
وفي لفظ مسلم في صحيحه 3 : 77 قال الاحنف بن قيس : كنت في نفر من قريش فمر ابوذر رضي الله عنه وهو يقول : بشر الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم ، وبكي من أقفيتهم بخرج من جباههم قال : ثم تنحى فقعد إلى سارية فقلت : من هذا ؟
قالوا : هذا أبوذر فقمت اليه فقلت : ما شئ سمعتك تقول قبيل ؟ قال : ما قلت إ شيئا سمعته من نبيهم صلى الله عليه وآله قال : قلت : ما تقول في هذا العطاء ؟ قال : خذه فان فيه اليوم معونة فإذا كان ثمنا لدينك فدعه." سنن البيهقي 6 : 359 ".
وأخرج أبونعيم في الحلية 1 : 162 من طريق سفيان بن عيينة باسناده عن أبي ذر
قال : إن بني أمية تهددني بالفقر والقتل ، ولبطن الارض أحب إلي من ظهرها ،
وللفقر أحب إلي من الغنى ، فقال له رجل : يا ابا ذر مالك إذا جلست إلى قوم قاموا وتركوك ؟ قال : إني أنهاهم عن الكنوز.
وفي فتح الباري 3 : 213 نقلا عن غيره : الصحيح ان انكار ابي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون المال لانفسهم ولا ينفقونه في وجهه.وتعقبه النووي بالابطال لان السلاطين حينئذ كانوا مثل ابي بكر وعمر وعثمان وهؤلاء لم يخونوا.ا ه‍.
وفي هذا التعقيب تدجيل ظاهر فان يوم هتاف ابي ذر بمناويه لم يكن العهد لابي بكر وعمر ، وإنما كان ذلك يوم عثمان المخالف لهما في السيرة مخالفة واضحة ، والمبائن للسيرة النبوية في كل ما ذكرناه ، ولذلك كله كان سلام الله عليه ساكتا عن هتافه في العهدين وكان يقول لعثمان : ويحك يا عثمان أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ؟
ورأيت أبا بكر وعمر ؟ هل رأيت هذا هديهم ؟ إنك تبطش بي بطش الجبار.ويقول : إتبع سنة صاحبيك لا يكن لاحد عليك كلام.راجع ص 298 و 306.
ولم يكن لابي ذر منتدح من نداء‌ه والدعوة إلى المعروف الضايع ، والنهي عن المنكر الشايع وهو يتلو آناء الليل واطراف النهار قوله تعالى : ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون ( 1 ).
قال ابن خراش : وجدت أبا ذر بالربذة في مظلة شعر فقال : ما زال بي الامر بالمعروف والنهي
عن المنكر حتى لم يترك الحق لي صديقا ( 2 ).
وكان ينكر مع ذلك على معاوية المتخذ شناشن الاكاسرة والقياصرة بالترفه والتوسع والاستيثار بالاموال وكان في العهد النبوي صعلوكا لا مال له ووصفه به رسول الله صلى الله عليه وآله (3)
وفي لفظ : ان معاوية ترب خفيف الحال ( 4 )
* (هامش ) * (1 ) سورة آل عمران 104.
( 2 ) الانساب 5 : 55 ، ومر مثله من طريق آخر ص 301.
( 3 ) صحيح مسلم كتاب النكاح والطلاق4: 195،سنن النسائي 6 : 75 ، سنن البيهقي 7 : 135.
( 4 ) صحيح مسلم 4 : 199.
فما واجب أبي ذر عندئذ ؟ وقد أمره النبي الاعظم في حديث ( 1 ) السبعة التي أوصاه بها ، بأن يقول الحق وإن كان مرا ، وأمره بأن لا يخاف في الله لومة لائم.وما الذي يجديه قول عثمان : مالك وذلك ؟ لا أم لك ؟ ولابي ذر أن يقول له كما قال : والله ما وجدت لي عذرا إلا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولم تكن لما رفع به أبوذر عقيرته جدة ليس لها سلف من العهد النبوي ، فلم يهتف إلا بما تعلمه من الكتاب والسنة ، وقد أخذه من الصادع الكريم من فلق فيه ، ولم يكن صلى الله عليه وآله يسلب ثروة احد من أصحابه وكان فيهم تجار وملاك ذوويسار ، ولم يأخذ منهم زيادة على ما عليهم من الحقوق الالهية ، وعلى حذوه حذا أبوذر في الدعوة والتبليغ.
كان صلى الله عليه وآله أخبره بما يجري عليه من البلاء والعناء وما يصنع به من طرده من الحواضر الاسلامية : مكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة.ووصفه عند ذلك بالصلاح وأمره بالصبر وأن ما يصيبه في الله ، فقال أبوذر : مرحبا بأمر الله.فصلاح ابي ذر يمنعه عن الامر بخلاف السنة بما يخل نظام المجتمع ، وكون بلاء‌ه في الله يابي ان يكون ماجر اليه ذلك البلاء غير مشروع.
وإن كان ذلك خلاف الصالح العام ولم تكن فيه مرضاة الله ورسوله لوجب عليه صلى الله عليه وآله ان ينهاه عما سينوء به من الانكار وهو يعلم أن تلك الدعوة تجر عليه الاذى والبلاء الفادح ، وتشوه سمعة خليفة المسلمين ، وتسود صحيفة تاريخه ، وتبقى وصمة عليه مع الابد.
وما كانت الشريعة السمحاء تأتي بذلك الحكم الشاق الذي اتهم به ابو ذر ، ولم يكن قط يقصده وهو شبيه عيسى في امة محمد صلى الله عليه وآله زهدا ونسكا وبرا وهديا وصدقا وجدا وخلقا.
هكذا وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله غير ان عثمان قال لما غضب عليه : اشيروا علي
* (هامش ) * (1 ) اخرجه ابن سعد في الطبقات 164 من طريق عبادة بن الصامت عن ابي ذر قال : اوصانى خليلى بسبع : بحب المساكين والدنو منهم.وأمرني ان انظر إلى من هو دونى ولا انظر إلى من هو فوقى.وامرنى ان لا اسال احدا شيئا.وامرنى ان اصل الرحم وان ادبرت.وامرنى ان اقول الحق وان كان مرا.وامرنى ان لا اخاف لومة لائم.وامرنى ان اكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله.فانهن من كنز تحت العرش.
في هذا الشيخ الكذاب إما أن اضربه أوأحبسه أو اقتله.وكذبه حين رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله حديث بني العاص ، عجبا هذا جزاء من نصح لله ورسوله وبلغ عنهما صادقا ؟ لاها الله هذا ادب يخص بالخليفة.واعجب من هذا جواب عثمان لمولانا أمير المؤمنين لما دافع عن ابي ذر بقوله : اشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون.اجابه بجواب غليظ أخفاه الواقدي وما أحب أن يذكره ونحن ولن وقفنا عليه من طريق آخر لكن ننزه الكتاب عن ذكره.
وقد تجهم عثمان مرة اخرى امام المؤمنين عليه السلام بكلام فظ لما شيع هو و ولداه السبطان ابا ذر في سبيله إلى المنفى ومروان يراقبه وقد مر تفصيله ص 294 ، 297 وفيه قوله لعلي عليه السلام : ما أنت بأفضل عندي من مروان.
إن من هوان الدنيا على الله ان يقع التفاضل بين علي ومروان الوزغ ابن الوزغ اللعين ابن اللعين ، انا لا أدري هل كان الخليفة في معزل عن النصوص النبوية في مروان ؟ أو لم يكن مروان ونزعاته الفاسدة بمرأى منه ومسمع ؟ أو القرابة والرحم بعثته إلى الاغضاء عنها فرأى ابن الحكم عدلا لمن طهره الجليل ورآه نفس النبي الاعظم في الذكر الحكيم.كبرت كلمة تخرج من أفواهم..
افحكم الجاهلية يبغون ؟
ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟
- جناية التاريخ :
ما أكثر جناية التاريخ على ذوي الفضل والاحساب الذين تستفيد الامة من تاريخ حياتهم ، ورائم أخلاقهم وآثار مآثرهم ، ونفسياتهم الكاملة ، ومعاقد أقوالهم وبوالغ عظاتهم ، ودرر حكمهم ، وموارد إقدامهم وإحجامهم.
تجد التاريخ هنا يسرع السير فينسي ذكرهم ، ويغمط فضلهم ، أو يأتي بمجمل من القول في صورة مصغرة ، أو يحور الكلام ومزيجه الخبر المائن أو رواية شائنة ، كل ذلك تأييدا لمبدأ ، وأخذا بناصر نزعة ، وسترا على أقوام آخرين تمس الحقيقة الراهنة بهم وبكرامتهم ، وتبعا لاهواء وشهوات من ساسة الوقت أو زعماء الزمن.
فمن هذه النواحي كلها أغفل التاريخ عن التبسط في حياة ابي ذر الماثلة بالفضائل والفواضل الشاخصة بالعبقرية والكمال ، التي يجب أن تتخذ قدوة في السلوك و التهذيب ، وأن تكون للامة بها أسوة وقدوة في التقوى والمبدأ.
- البلاذري :
فتجد البلاذري يذكر حديث إخراج أبي ذر إلى الربذة من عدة طرق بصورة مرت في صفحة 292 ويروي قول أبي ذر لحوشب الفزاري " وأبوذر هو الذي ما أظلت الخضراء.الخ ".أخرجت كارها.ثم عقبه باكذوبة سعيد بن المسيب " الذي كان من مناوي العترة الطاهرة وشيعتهم " من إنكار إخراج عثمان إياه ، وانه خرج اليها راغبا في سكناها.
ولا يعلم المغفل ان في ذلك تكذيبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخبر أبا ذر بأنه يخرج من المدينة كما مر ص 316 بطرق صحيحة.وتكذيبا لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال لعثمان بعد وفاة أبي ذر في المنفى وقد صمم عثمان أن يتبع ذلك بنفي عمار : يا عثمان إتق الله فانك سيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسيير ( 1 ) وتكذيبا
* (هامش ) * سيوافيك الحديث بتمامه ان شاء الله تعالى.
لابي ذر في قوله الآنف فيما رواه البلاذري نفسه من طريق صحيح : ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا.
وتكذيبا لعثمان الذي روى عنه البلاذري أيضا انه لما انهى إليه نعي أبي ذر قال : رحمه الله.
فقال عمار : نعم فرحمه الله من كل أنفسنا فقال عثمان : يا عاض أيرأبيه أتراني ندمت على تسييره " يأتي تمام الحديث في مواقف عمار ".
وتكذيبا لما رواه البلاذري ايضا عن كميل بن زياد النخعي في حديث أسلفناه ص 294 وتكذيبا ، وتكذيبا.
ولا يعلم المسكين ان تلك الحادثة الفجيعة المتعلقة بعظيم من عظماء الصحابة كأبي ذر وقد كثر حوله الحوار او الاخذ والرد وتوفرت النقمة والنقد حتى عدت من عظائم الحوادث ، وسار بحديثها الركبان ، وتذمر لها المؤمنون ، وشمت فيها من شمت ، و نقم بها على الخليفة ، وكان مما استتبعها : ان ناسا من أهل الكوفة قالوا لابي ذر وهو بالربذة : إن هذا الرجل فعل بك وفعل ، هل أنت ناصب لنا رأية ؟ يعني نقاتله.
فقال : لا ، لو أن عثمان سيرني من المشرق إلى المغرب سمعت واطعت ( 1 ).
وقال ابن بطال كما في عمدة القاري للعيني 4 : 291 : إنما كتب معاوية يشكو أبا ذر لانه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له وكان في جيشه ميل الي ابي ذر فأقدمه عثمان خشية الفتنة لانه كان رجلا لا يخاف في الله لومة لائم.
فما كنت يومئذ تمر بحاضرة من الحواضر الاسلامية إلا وتجد توغلا من أهلها في هذا الحديث ، وتغلغلا بين ارجائها من جراء ذلك الحادث الجلل.
إن حادثة كمثلها لا