أضواء على السنة المحمدية
محمود أبوريه
أضواء على السنة المحمدية
أو دفاع عن الحديث
الاهداء
أي ولدي العزيز مصطفى ( 1 )
كانت سعادتي في وجودك ، وحياتي تستضئ بنورك ، فلما أفل بدرك ،
وغاب عن عيني شخصك ، أطبقت على الدنيا بأحزانها وبأسائها ، وأصبحت غريبا
فيها وإن كنت من أبنائها .
فإليك ياولدي العزيز أهدي هذا الكتاب الذي ما قصدت بتأليفه إلا وجه
الحق الذي فطرك الله عليه ، وكنت دائما تؤثره وتسكن إليه ، وخدمة العلم الذي
أخلصت له نفسك ، وأفنيت فيه عمرك ، وجاهدت حق الجهاد في تحصيله ،
وقضيت نحبك في سبيله .
وإني والله يا بني لعلى ما عهدت من حب عميق لك لم يظفر بمثله أحد غيرك ،
ومكانك من قلبي لا تدنو منه نفس سواك .
لئن غبت عن عيني وشط بك النوى فأنت بقلبي حاضر وقريب
خيالك في وهمي وذكرك في فمي ومثواك في بقلبي فأين تغيب ؟
أما الاسى لك ، والحزن عليك ، فلا ينال منهما مرورالايام ، ولا يخففهما
تطاول الاعوام ، إذ لا صبرعليك ولا سلوان عنك .
كيف أرجو شفاء مابي ، ومابي دون سكناي في ثراك شفاء
شطر نفسي دفنت ، والشطر باق يتمنى ! ومن مناه الفناء
القاهرة - الجيزة محمود أبوريه
* ( هامش ) * ( 1 ) هو ولدي العزيز مصطفى صادق ، ترقبه القضاء وهو يتهيأ للخروج إلى الحياة بعد إتمام
دراسته الهندسية ا لكهربائية بجامعة القاهرة فعاجله بسهم مسوم نفذ إلى ( صدره ) فتلقته مصحة حلوان
ليعاني فيها برحاء المرض ، ويتلوى من غرز الابر ثلاث سنين سويا ، ثم فاضت روحه إل بارئها ،
وكان ذلك في فجر يوم الخميس غرة رمضان سنة 1359 - 3 أكتوبر سنة 1940 ولما يتجاوز الثانية
والعشرين من عمره ، ولم يدعني القضاء أتجرع الفجيعة التي قصمت ظهري فثنى بسهم آخر أصاب ( كبد )
أمه بعد أن ابيضت من الحزن عليه إحدى عينيها ، فخرت صريعة بيني وبين أولادها . وقد أضرحت لهامع
عزيزها لتأنس به ويأنس بها . وغادراني بعدهما في حزن مقيم وعذاب أليم ، إلى أن يلحقني الله بهما . ( * )
ـ 7 ـ
كلمة نصير الفكر والدين والعلم العلامة
الدكتور طه حسين
" ولا بأس عليه من هذه الهنات التي أشرت
إلى بعضها فالذين يبرءون من النقص والتقصير
أو الهفوات أحيانا لا يكادون يوجدون "
أضواء على السنة المحمدية
جهد وعبء ثقيل
لا يقوم به في هذه الايام إلا القليلون
هذا كتاب بذل فيه مؤلفه من الجهد ما لا يبذل مثله إلا الاقلون الذين يمكن
إحصاؤهم في هذه الايام التي انتشر فيها الكسل العقلى ، وعم فيها إيثار الراحة والعافية
على الجد والمشقة والعناء .
والذين يقرءون هذا الكتاب قراءة المتدبر المستأنى سيلاحظون مقدار هذا الجهد
العنيف الذى مكن المؤلف من أن يصبرنفسه السنين الطوال على قراءة طائفة
ضخمة من الكتب التي لا يكاد الباحثون يطيلون النظرفيها لكثرة ما يتعرضون له
من كثرة الاسانيد وتكرارها وتعدد الروايات واضطرابها وإعادة الخبر الواحد مرات
كثيرة في مواطن مختلفة .
وأقل ما يوصف به النظر في هذه الكتب أنه يعرض صاحبه لكثير من الملل
والضيق ، فليس قليلا أن يأخذ الانسان نفسه بقراءة المعروف من كتب السنة والموازنة
بين ما روى فيها من الحديث في النص وفي الاسانيد التي روى بها هذا النص والبحث
بعد ذلك عن الرجال الذين تتألف منهم هذه الاسانيد في الكتب المخصصة لذلك .
ويكفي أن نذكرأن المؤلف قرأ كتاب الموطأ لمالك رحمه الله وصحيح البخاري
وصحيح مسلم وسنن أبي داوود وكتاب الترمذي ، وكتاب ابن ماجة ومسند أحمد
ابن حنبل ، ونظر مع ذلك في شروح طوال لبعض هذه الكتب وفي كتب كثيرة
ـ 8 ـ
أحرى منها الطوال ومنها القصار كتبت في تفسير نصوص الحديث وفي رجال
الاسانيد وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي الطبقات ، وهو قد أثبت أسماء
الكتب التي قرأها والتي أطال النظر فيها أو رجع إليها في كتابه في آخر الكتاب ،
ويكفي أن تنظر إلى هذه الاسماء لتعرف مقدارما أخذ المؤلف نفسه من الصبر
والاناة والتعمق لما قرأ .
فهذا وحده يدل على جهد عنيف وعبء ثقيل لا ينهض بهما في هذه الايام
إلا الاقلون جدا كما قلت آنفا .
وهذه هي المزية الاولى التي تسجل لمؤلف هذا الكتاب ، وقد قرأته مرتين ،
وأشهد أنه قد ذكرفي أثناء كتابه كل الكتب التي أثبتها أو أشار إليها . وإذا كانت
لهذا دلالة فهو يدل على أنه لم يبالغ ولم يتكثر حين أثبت هذه الكتب في مراجعه
وإنما انتفع بها جميعا أدق الانتفاع وأقواه .
وموضوع الكتاب خطير حقا وقيم حقا لا يقف الناس عنده في هذه
الايام وإنما يشفقون منه أشد الاشفاق يخافون أن تزل أقلامهم أو أن يثيروا سخط
المحافظين الذين قرروا أن هذا النحو من العلم قد أصبح شيئا مقدسا أو كالمقدس
لا ينبغي التعرض له إلا بالنقل والاستشهاد . فأما النقد والتعمق وإصدار الاحكام
فأشياء لايستقيم الخوض فيها لاحد .
فقد أضاف المؤلف إذن إلى مزية الصبر والاناة وأخذ النفس بالعنف في
سبيل البحث والاستقراء مزية أخرى وهي الشجاعة على البحث عن الحق والجهر
به متى اطمأن إليه عقله لا يخاف في ذلك لوما ولا اعتراضا . وإنما هو مستعد
للجدال عن آرائه والنضال عما استقر في نفسه أنه الحق .
الموضوع إذن خطيرقيم وهو نقد ما وصل إلينا من الحديث الذي يحمل عن
النبي صلى الله عليه وسلم وتمييز الصحيح من غيره ليطمئن المسلمون إلى ما يروى
لهم عن رسول الله . وقد ألح المؤلف في تبيين أشياء تحمل على النبي وليست من
كلامه في شئ وإنما دست عليه لاغراض مختلفة بعضها دسه جماعة من اليهود
أظهروا الاسلام والورع واخترعوا أشياء من عند أنفسهم أضافوا بعضهاإلى النبي
ـ 9 ـ
وأضافوا بعضهاإلى التوراة . وليست هي من كلام النبي ولا من التوراة في شئ .
وبعضها دس أثناء الوعظ والقصص أريد بها دعوة الناس إلى الفضائل وحب الخير
واجتناب الآثام فرغبوا ورهبوا ولم يتحرجوا من إضافة أشياء إلى النبي يرون أن الناس
يتأثرون بها أكثرمما يتأثرون بكلام الوعاظ والقصاص . وأشياء أخرى دست تملقا
للخلفاء ورجال الحكم والتماسا للحظوة عندهم ، وأشياء أخرى اخترعها المختصمون في
الكلام والفقه دفاعا عن آرائهم في هذين النوعين من العلم ، وأشياء دست لنشر الدعوة
لبعض الاحزاب السياسية في العصور الاولى . ذلك إلى أفراد من الناس أكثروا من
اختراع الحديث ليلقوافي روع العامة وبعض الخاصة أنهم أصحاب علم غزير
ومعرفة دقيقة بأقوال النبي وأعماله .
وكان لهذا كله أثر أي أثر في إفساد العقول والانحراف بآراء كثيرمن الناس
عن الاستقامة في فهم الدين وتصور النبي كما ينبغي أن يتصوره المسلمون منزها
عن هذاالسخف الكثير الذى حمل عليه وهو منه برئ .
( وكان هذاأيضا مطمعا لكثيرمن خصوم الاسلام وأعدائه في نقد الدين
والتحامل عليه وعلى الرسول الذي جاء به ظلما وبهتانا ) .
* * * وقد فطن المحدثون القدماء لهذا كله واجتهدوا ما استطاعوا في التماس الصحيح
من الحديث وتنقيته من كذب الكذابين وتكلف المتكلفين ، وكانت طريقتهم
في هذا الاجتهاد إنما هي الدرس لحياة الرجال الذين نقلوا الحديث جيلا بعد جيل
حتى تم تدوينه . فكانوا يتتبعون كل واحد من هؤلاء الرجال ويتحققون من أنه
كان نقي السيرة صادق الايمان بالله ورسوله شديد الحرص على الصدق في حديثه
كله وفي حديثه عن النبي خاصة . وهو جهد محمود خصب بذله المتقنون من
علماء الحديث وأخلصوا فيه وجدو إلى الاخلاص سبيلا .
ولكن هذاالجهد على شدته وخصبه لم يكن كافيا ، فمن أعسر الاشياء وأشدها تعقيدا
أن تتبع حياة الناس بالبحث والفحص والتنقيب عن دقائقها ، فمن الممكن أن تبحث
وتفحص وتنقب دون أن تصل إلى حقائق الناس ودقائق الناس أسرارهم وما تضمر قلوبهم في
أعماقها وما يمعنون في الاستخفاء به من ألوان الضعف في نفوسهم وفي سيرتهم أيضا .
ـ 10 ـ
ولم يكن بد من أن يضاف إلى هذا الجهد جهد آخر وهو درس النص نفسه ،
فقد يكون الرجل صادقا مأمونا في ظاهر أمره بحيث يقبل القضاة شهادته إذا شهد
عندهم . ولكن الله وحده هوالذي إختص بعلم السرائر وما تخفيه القلوب أو تستره
الضمائر ، وقد يكون الرجال الذين روى عنهم حديثه صادقين مأمونين مثله
يقبل القضاة شهادتهم إن شهدوا عندهم ، ولكن سرائرهم مدخولة تخفي دخائلها
على الناس . فلا بد إذن من أن نتعمق نص الحديث الذي يرويه عن أمثاله من
العدول لنرى مقدار موافقته للقرآن الذي لا يتطرق إليه الشك ولا يبلغه الريب من
أي جهة من جهاته لانه لم يصل إلينا من طريق الرواة أفرادا أو جماعات وإنما
تناقلته أجيال الامة الاسلامية مجمعة على نقله في صورته التي نعرفها .
وهذه الاجيال لم تنقله بالذاكرة وإنما تناقلته مكتوبا ، كتب في أيام النبي
نفسه ، وجمع في خلافة أبي بكر وسجل في المصاحف وأرسل إلى الاقاليم في خلافة
عثمان . فاجتمعت فيه الرواية المكتوبة والرواية المحفوظة في الذاكرة وتطابقت كلتا
الروايتين دائما فلا معنى للشك في نص من نصوص القرآن لانها وصلت إلينا عن
طريق لايقبل فيهاالشك .
وكذلك طائفة من أعمال النبي لم ينقلها فرد أو جماعة وإنما تناقلتها الامة
الاسلامية كلها جيلا عن جيل كالصلوات الخمس المكتوبة التي أمرالله بها
ولم يفصلها ففصلها النبي حين صلى بأصحابه وتناقلتها الامة على نحو ما أداها النبي .
وقل مثل ذلك في الزكاة والحج وصيام رمضان الذي فصل الله في القرآن بعض
أحكامه وفصلها النبي بصيامه وتعليم أصحابه كيف يصومون ، فإذا وصل إلينا حديث
عن النبي فينبغي أن ندرس نص هذا الحديث ونتبين أنه لم يناقض القرآن ولم يناقض
ما تواتر من أعمال النبي . . فإن كان في مناقضة قليلة أو كثيرة رفضناه وإطمأنت
قلوبنا إلى رفضه لان النبي إنما كان مفسرا للقرآن ومفصلا للمجمل من أحكامه .
وكذلك كانت عائشة رحمها الله تفعل ، فقد نقل إليها أن بعض الصحابة يقولون
إن النبي رأى ربه ليلة المعراج ، فقالت لمن نقل إليها ذلك : لقد قف شعري مما قلت . .
وقرأت الآية الكريمة " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير " .
ـ 11 ـ
ونقل إليها عن بعض أصحاب النبي أن النبي قال إن الميت ليعذب ببكاء أهله
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 11 سطر 1 الى ص 20 سطر 25
ونقل إليها عن بعض أصحاب النبي أن النبي قال إن الميت ليعذب ببكاء أهله
عليه ، فرفضت هذا الحديث ، وقرأت قول الله تعالى : " ولا تزر وازرة وزر أخرى " .
وكان الصالحون من أصحاب النبي يتحرجون أشد التحرج من رواية الحديث
عن النبي ، وكان عمر رحمه الله يشتد على من أكثر الحديث عن النبي وربما ضربهم
بدرته كما فعل عمرمع أبي هريرة وأنذره بالنفي عن المدينة إلى أرض قومه في اليمن
إن عاد إلى الحديث .
ويروى أن النبي نفسه نهى عن كتابة أقواله وكره أن يكتب المسلمون عنه شيئا
غيرالقرآن .
وهذا كله سجله المؤلف في كتابه ولكنه يبتكره من عند نفسه وإنما هو
شئ كان المتقنون من علماء المسلمين يقولونه ويذيعونه في كتبهم كما فعل ابن تيمية
وتلميذه ابن القيم وغيرهما . ولكن المحدثين نسوا هذا أو أعرضوا عنه فاختلطت على
الناس أمور الحديث وكان فضل المؤلف في إظهارها في هذاالعصر ليقرأها الذين
يحبون أن يصلح دينهم ويعصم من التخليط الكثير .
ولكن المؤلف مع ذلك قد أسرف على نفسه في بعض المواطن ، ولست أريد أن
أذكر هذه المواطن كلها تجنبا للاسراف في الاطالة وإنما أكتفي بضرب الامثال .
فمنها مثلا هذه المؤامرة التي دبر فيها مقتل عمر بن الخطاب رحمه الله وشارك
فيهاكعب الاحبار وهو يهودي أسلم أيام عمر . والرواة يحدثوننا بأن كعبا هذاأنبأ
عمر بأنه مقتول في ثلاث ليال . فلما سأله عمرعن ذلك زعم أنه يجده في التوراة ،
فدهش عمر لان إسمه يذكر في التوراة ، ولكن كعبا أنبأه بأنه لا يجد إسمه في التوراة
وإنما يجد صفته . ثم غدا عليه في اليوم الثاني لهذا الحديث . فقال له :
بقي يومان . ثم غدا عليه في اليوم الثالث فقال له مضى يومان وبقي يوم : وإنك
مقتول من غد . فلما كان الغد في صلاة الصبح أقبل ذلك العبد الاعجمي فطعنه
وهو يسوي الصفوف للصلاة ، والمؤلف يؤكد أن عمر إنما قتل نتيجة لمؤامرة دبرها
الهرمزان وشارك فيها كعب ويؤكد أن هذه المؤامرة ثابتة لا يشك فيهاإلا الجهلاء .
وأريد أن أؤكد أنا للمؤلف أنى أنا أحد هؤلاء الجهلاء لاني أشك في هذه
المؤامرة أشد الشك وأقواه ولا أراها إلا وهما . فقد قتل ذلك العبد المشئوم نفسه قبل
ـ 12 ـ
أن يسأل . وتعجل عبيدالله بن عمر فقتل الهرمزان دون أن يسأل ، وعاش كعب لاحبار
هذا سبعة أعوام أو ثمانية دون أن يسأله أحد أو يتهمه أحد بالاشتراك في المؤامرة ،
وكان كثيرا ما يدخل على عثمان ، ثم ترك المدينة وذهب إلى حمص فأقام فيها حتى
مات سنة إثنتين وثلاثين للهجرة ثم أين استطاع المؤلف أن يؤكد وقوع هذه المؤامرة
أو لا ومشاركة كعب فيها ثانيا مع أن المسلمين قد غضبوا حين تعجل عبيدالله
ابن عمر حين قتل الهرمزان جهلا عليه ولم يقدمه إلى الخليفة ولم يقم عليه البينة لانه
شارك من قريب أو من بعيد في قتل أبيه . وقد ألح جماعة من المسلمين من أصحاب
النبي على عثمان أن يقيم الحد على عبيد الله لانه قتل مسلما دون أن يقاضيه إلى
الامام ودون أن يثبت عليه قتل عمر بالبينة . فعفا عنه عثمان مخافة أن يقول الناس
قتل عمرأمس ويقتل ابنه اليوم . وعد الثائرون على عثمان هذا العفو أحد أغلاطه ،
وكان علي حين تولى الخلافة مزمعا معاقبة عبيد الله على فعلته تلك . ولكنه هرب
من علي ولجأ إلى معاوية فعاش في ظله وقتل في موقعة صفين . ولم يسأل عثمان
كعبا عن شئ ولم يتهمه أحد بشئ وقد ذهب من المدينة إلى الشام ومعاوية أمير
عليها فعاش فيها حتى مات فلم يسأله عن شئ ، فمن أين يأتي هذا التأكيد الذي
ألح فيه المؤلف حتى لعن كعبا ولم يكن له ذلك ، فالمعروف من أمر كعب أنه أسلم
والمعروف كذلك أن لعن المسلمين غيرجائز .
ومثل آخر في الصفحة 154 حين زعم أن أبا هريرة رحمه الله لم يصاحب النبي
محبة له أو طلبا لما عنده من الدين والهدى وإنما صاحبه على ملء بطنه . كان مسكينا
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطعمه . والمؤلف يروي لاثبات ذلك حديثا رواه
أحمد بن حنبل ورواه البخاري أيضا ، ولكن مسلما روى هذا الحديث نفسه عن
أبي هريرة . ونص الحديث عند مسلم أصرح وأوضح من نصه عند البخاري وابن حنبل
فقد كان أبوهريرة يقول فيما روى مسلم أنه كان يخدم النبي على ملء بطنه . وفرق
بين من يقول إنه كان يخدم ومن يقول إنه كان يصاحب ، وحسن الظن في هذه
المواطن شر من سوئه ، وما أظن أباهريرة أقبل من اليمن مع من أقبل منهاإلى النبي
صلى الله عليه وسلم لا ليؤمن به ولا ليأخذ عنه الدين بل ليملا بطنه عنده .
هذاإسراف في التأويل وفي إساءة الظن .
والمؤلف شديد على أبي هريرة شدة أخشى أن يكون قد أسرف فيها شيئا .
ـ 13 ـ
فنحن نعلم أن أبا هريرة كان كثير الحديث عن النبي وأن عمر شدد عليه في ذلك
وأن بعض أصحاب النبي أنكروا بعض حديثه وأنه أخذ كثيرا عن كعب الاحبار .
وكان المؤلف يستطيع أن يسجل هذا كله تسجيلا موضوعيا كما يقال دون أن يقحم
فيه غيظا أو موجدة . فهو لا يكتب قصة ولا يكتب أدبا فيظهر شخصيته بما ركب
فيها من الغضب والغيظ والموجدة وإنما يكتب عالما وعالما يتصل بالدين وأخص مزايا
العلماء ولاسيما في هذاالعصر أنهم ينسون أنفسهم حين يكتبون العلم وأنهم يبحثون
ويقررون بعقولهم لا بعواطفهم . فمن الظلم لابي هريرة أن يقال إنه لم يصاحب النبي
إلا ليأكل من طعامه . والذي نعلمه أنه أسلم وصلى مع النبي وسمع منه بعض أحاديثه .
فليقل فيه المؤلف إنه لم يصاحب النبي إلا ثلاث سنين وقد روى من الحديث أكثر
مما روى المهاجرون الذين صحبوا النبي بمكة والمدينة ، وأكثرمن الانصار الذين
صاحبوا النبي منذ هاجر إلى المدينة حتى آثره الله بجواره . وهذايكفي للتحفظ
والاحتياط بإزاء ما يروى عنه من الحديث .
وأخرى أريد أن أثبتها هنا وهي أن المؤلف يقول في حديثه الطويل عن
أبي هريرة إنه لحرصه على الاكل ورغبته في الطيبات كان يأكل عند معاوية ويصلي مع
علي ويقول إن الاكل مع معاوية أدسم أو بعبارة أدق إن المضيرة عند معاوية أدسم ،
والمضيرة لون من الحلوى ، وأن الصلاة مع علي أفضل .
وأريد أن أعرف كيف كان يجتمع لابي هريرة أن يأكل عند معاوية ويصلي
مع علي وقد كان أحدهما في العراق والآخرفي الشام أو أحدهما في المدينة والآخر
في الشام إلا أن يكون قد فعل ذلك أثناء الحرب في صفين . وما أحسبه كان يسلم
لوفعله أثناء الحرب إذن لاتهمه أحد الفريقين بالنفاق والتجسس . وإنما هذا كلام
قيل في بعض الكتب وكان يجب على الاستاذ المؤلف أن يتحقق منه قبل أن يثبته .
فهذا أيسر ما يجب على العلماء .
وبعد فالمؤلف يطيل في تأكيد ما اتفقت عليه جماعة المسلمين من أن
الاحاديث التي يرويها الافراد والآحاد كما يقول المحدثون لا تفيدالقطع وإنما تفيد
الظن وحده ، ومن أجل ذلك لا يستدل المسلمون بهذه الاحاديث على أصول الدين
وعقائده ، وإنما يستدلون بها أحيانا على الاحكام الفرعية في الفقه وعلى فضائل الاعمال
ـ 14 ـ
ويستعان بهاعلى الترغيب في الخير والتخويف من الشر ، وكل الاحاديث التي اعتمد
عليها المؤلف في المواضع التي ضربنا لهاالامثال إنماهي أحاديث رواها الافراد
والآحاد فهي لا تفيد قطعا ولا يقينا ، فماباله يرغب عن الافراط في الثقة بهذه الاحاديث
ثم يستدل بها هو ليتهم الناس بأشياء لا سبيل له إلى إثباتها .
وملاحظة أخيرة اختتم بها هذا الحديث الذي أراه على طوله موجزا ، وهي أن المؤلف قد أخذ في كتابه وهو يؤمن فيما يظهر بأنه لن يظفر برضى الناس عنه ولن
يظفر برضى فريق من رجال الدين خاصة فعرض بهم أحيانا ، وإشتد عليهم أحيانا
أخرى ووصفهم بالجمود حينا وبالتقليد حينا وبالحشوية أحيانا فأغرى هؤلاء الناس
بنفسه وسلطهم على كتابه وخيل إليهم أنه يبغضهم ولايراهم أهلا للبحث القيم
والمحاولة لاستكشاف حقائق العلم . ولو أنه صبرحتى يخرج كتابه ويقرأه الناس
ويسمع رأيهم فيه ونقدهم له لكان هذا الصبر خيرا له وأبقى عليه .
وأنا بعد ذلك أجدد اعترافي للمؤلف بجهده العنيف الخصب في تأليف هذا
الكتاب وإخلاصه الصادق للعلم والحق في بحثه عن الحديث .
ولا بأس عليه من هذه الهنات التي أشرت إلى بعضها فالذين يبرءون من النقص
والتقصير أو الهفوات أحيانا لا يكادون يوجدون وصدق بشار حين قال :
إذ أنت لم تشرب مرارا على القذى ظمئت وأى الناس تصفو مشاربه !
طه حسين
ـ 15 ـ
هذه هي الكلمة النفيسة التي تفضل الدكتور طه حسين فنشرها عن كتاب ( أضواء
على السنة المحمدية ) بعد ما قرأه . وإذا كان قد وجب على أن أقدم له أخلص الشكر
وأعمقه - أن أولى كتابي هذامن بالغ العناية ما جعله يقرؤه غيرمرة . فإن مما يسرني
- واحمد الله عليه - أن سيادته وهوالعالم الجليل ، والناقد العظيم . لم يجد شيئا يتجه إليه
النقد بين مختلف مواضيع الكتاب - وهي خطيرة - لم يسبق أن حملها كتاب من
قبل ، وأن ما بدا من نقده إنماكان " هنات لا بأس علي منها " كما صرح بذلك
في كلمته ( 1 ) . "
أما هذه الهنات فإني أضع على هامشها هذا التعليق الوجيز ، وأرجو أن ينال
من لدنه رضا وقبولا .
كانت أولى هذه الهنات أن الدكتور قد شك في مؤامرة قتل عمر ، وفي أن
كعب الاحبار كان ممن اشتركوا فيها ، ولقد ابتسمت عندما قرأت كلامه في ذلك ،
وقلت كيف يغيب علم هذاالامرعن مثله وهو العالم النقاب وارتقبت كتابه
" الشيخان " لانظر ما سيقول في مقتل عمر ، وما كدت أقرأ ما كتبه في ذلك
حتى اطمأننت بما ذكرته في كتابي وحمدت الله أن ألفيت الشك الذي كان قد
إعترى الدكتورفي أمر مؤامرة قتل عمرقد زال والحمد لله ( 2 ) .
أماالهنة الثانية فهي أني قد أسرفت في التأويل عندما قلت : إن أبا هريرة قد
أسلم ليملا بطنه . وأني لم أذكر ذلك إلا لانه قد إعترف بنفسه في كتب الحديث الكثيرة ،
ففي رواية البخاري : صاحبت النبي على ملء بطني ، ورواية مسلم خدمت النبي
على ملء بطني ، والاعتراف كما يقول أئمة القانون سيد الادلة ، فأنا لم أتأول ولم أسرف
في التأويل ، على أن تأريخ أبي هريرة يؤيد اعترافه هذا ، فقبل إسلامه يروى ابن سعد
عنه : أنه كان أجيرالابن عفاف وابنة غزوان بطعام بطنه ، وبعد إسلامه عندما كان
نزيلا على الصفة جرى منه ما جرى مما بينه البخاري نفسه وغيره ولا داعي لبيانه هنا .
* ( هامش ) * ( 1 ) نشرت هذه الكلمة بجريدة الجمهورية الصادرة في يوم الثلاثاء 25 نوفمبرسنة 1958 .
( 2 ) ص 256 و257 من كتاب ( الشيخان ) . *
ـ 16 ـ
أماالهنة الثالثة وهي الاخيرة فهي شك الدكتور فيما رويناه من أن أبا هريرة
كان يأكل المضيرة عند معاوية ويصلي خلف علي - وكيف يفعل أبوهريرة .
ذلك ويأمن على نفسه من أن يتهمه أحد الفريقين بالنفاق والتجسس ! .
وإني قبل كل شئ أقول إن هذا الخبر قد ورد في مصادر كثيرة للمؤرخين
وكبار العلماء مثل : شذرات الذهب للعماد الحنبلي ، والسيرة الحلبية لبرهان الدين
الحلبي ، والزمخشري في ربيع الابرار وأساس البلاغة ، وبديع الزمان الهمذاني الذي لم
يكن من كبار الكتاب فحسب وإنما كان كما يعلم من تاريخه ثقة في الحديث يعرف
الرجال والمتون ، والثعالبي في المضاف والمنسوب ، ولا نستوفي ذكر كل المصادر التي
حملت هذاالخبر ، على أنه إن يفعل ذلك لا يخشى ضررا لانه كان معروفا بأنه
لا في العير ولا في النفير ولم يكن من المحاربين بل ظل طوال حياته رجلا سلما .
أماما لاحظه الدكتور على أسلوبي من الشدة ، فلو أنه عرف ما قوبلت به
من شتائم وسباب من يوم أن نشرت ما نشرت من فصول هذا الكتاب في مجلة
الرسالة قبل أن يطبع الكتاب لعذرني فيما كتبت .
على أني قد رجعت إلى كل ما رأيته شديدا فيما كتبت فحذفته من هذه الطبعة
وآثرت أن أدفع بالتي هي أحسن وأن أتبع قول الله فأمر على كل ما ينالني مرا
كريما ، وأن يكون خطابي لمن يسوءني سلاما سلاما .
أماالشدة على أبي هريرة التي أشار إليها الدكتور فليست منا ، وإنما هي
شدة الادلة التي أحاطت به .
هذه سطور وجيزة عن الهنات التي رآها الدكتور طه حسين في كتابي ، وإني
لمغتبط كثيرامن أن سيادته لم يلاحظ شيئا على أي موضوع من مواضيع الكتاب
وهي كثيرة وخطيرة لم يسبق أن نشرت في كتاب جامع وأن يسمى ما وجده
هنات ويقول في صراحة : " ولابأس عليه من هذه الهنات التي أشرت إلى بعضها
فالذين يبرءون من النقص والتقصير أو الهفوات أحيانا لا يكادون يوجدون " .
حفظه الله .
محمود أبوريه
بسم الله الرحمن الرحيم
ـ 17 ـ
( والذين اجتنبوا الطاغوت ( 1 ) أن يعبدوها وأنابوا إلى الله .
لهم البشرى ، فبشرعباد الذين يستمعون القول يتبعون
أحسنه . أولئك الذين هداهم الله . وأولئك هم أولوا الالباب )
( آية 17 ، 18 من سورة الزمر )
تعريف بالكتاب
مما لا يكاد يختلف فيه إثنان ، أو يحتاج في إثباته إلى برهان ، أن للحديث
المحمدي من جلال الشأن وعلوالقدر ما يدعو إلى العناية الكاملة به ، والبحث الدقيق
عنه ، حتى يدرس ما فيه من دين وأخلاق ، وحكم وآداب ، وغيرذلك مما ينفع
المسلمين في دينهم ودنياهم . وعلى أنه بهذه المكانة الجليلة ، والمنزلة الرفيعة ، فإن
العلماء والادباء لم يولوه ما يستحق من العناية والدرس ، وتركوا أمره لمن يسمون رجال
الحديث يتداولونه فيما بينهم . ويدرسونه على طريقتهم - وطريقة هذه الفئة التي
اتخذتها لنفسها قامت على قواعد جامدة لا تتغير ولا تتبدل . فترى المتقدمين منهم
وهم الذين وضعواهذه القواعد قد حصروا عنايتهم في معرفة رواة الحديث والبحث
- على قدرالوسع - في تاريخهم ، ولا عليهم بعد ذلك إن كان ما يصدر عن هؤلاء
الرواة صحيحا في نفسه أو غيرصحيح ، . معقولا أو غيرمعقول ، ذلك بأنهم وقفوا
بعلمهم عند ما يتصل بالسند فحسب ، أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شئ . ثم
جاء المتأخرون منهم فقعدوا وراء الحدود التي أقامها من سبقهم ، لا ي تجاوزونها
ولا يحيدون عنها ، وبذلك جمد علم الرواية منذ القرون الاولى لايتحرك ولا يتغير ،
* ( هامش ) * ( 1 ) الطاغوت ما تكون عبادته وطاعته سببا للطغيان والخروج عن الحق ، من مخلوق يعبد ورئيس
يقلد ، وهوى يتبع - وقال ابن القيم : الطاغوت كل ماتجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع ،
فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غيرالله ورسوله ، أو يعبدونه من دون الله ، أو يتبعونه على غير
بصيرة من الله ، ويطيعونه فيما يعلمون أنه طاعة لله . *
ـ 18 ـ
ووقف هؤلاء وهؤلاء عند ظواهر الحديث كما أدت إليه الرواية مطمئنين إليها ،
آخذين بها من غير بحث فيها ولا تمحيص لها .
وعلى أنهم قد بذلوا أقصى جهدهم في دراسة علم الحديث من حيث العناية
بسنده حتى قيل : " إن علم الحديث قد نضج واحترق " ( 1 ) . فإنهم قد أهملوا جميعا
أمرا خطيرا كان يجب أن يعرف قبل النظر في هذاالعلم ودرس كتبه - ذلك هو
البحث عن حقيقة النص الصحيح لما تحدث به النبي صلوات الله عليه . وهل أمر
بكتابة هذا النص بلفظه عند إلقائه - كما فعل بالقرآن الكريم . أو تركه ونهى عن
كتابته ؟ وهل دونه الصحابة ومن بعدهم ، أو إنصرفوا عن تدوينه ؟ وماذا كان
أمرهم - ومن تبعهم - عندما أخذوا في روايته ؟ وهل ما روى منه قد جاء مطابقا
لحقيقة ما نطق به النبي - لفظا ومعنى - أو كان مخالفا له ؟ وما هي العوامل التي
تدسست إليه من نزعات أعدائه ، و المؤثرات التي أصابته من أغراض أوليائه ، حتى
شيب بما ليس منه ، وتسرب إليه ما هو غريب عنه ؟ ثم في أي زمن دون ما حملته
الرواية منه ؟ هل اتخذ التدوين طريقة واحدة لم تتغير على مد العصور وتوالي
الاجيال ؟ وفي أية صورة خرج أخيرا إلى الناس في كتبه التي اعتمد عليها الجمهور ؟
وماذا كان موقف علماء الامة منه ؟ وما مبلغ ثقتهم به ، ومدى إختلافهم فيه ،
بعد أن عراه ماعراه وتأثر بما تأثر به ؟ وماإلى ذلك من الامور المهمة التي يجب
أن يعرفها كل مسلم أو باحث في الدين الاسلامي قبل النظر فيه ، والاخذ بما تؤدي
إليه ألفاظه ومعانيه .
أما هذا كله وغيره مما يتصل - بحياة الحديث وتاريخه - فقد انصرف عنه
العلماء والباحثون ، وتركوه أخبارافى بطون الكتب مبعثرة ، وأقوالا بين ضمائر الاسفار
مستترة ، لايضم نشرهاك تاب ولا يعنى بتصنيفها باحث نقاب ( 2 ) .
ولقد كان يجب عليهم قبل أن يشتغلوا بعلم الحديث أن يعرفوا تاريخ هذا
* ( هامش ) * ( 1 ) قالوا : العلوم ثلاثة : علم نضج وما احترق ، وهو علم النحو والاصول ، وعلم لا نضج ولا
احترق ، وهو علم البيان والتفسير ، وعلم نضج واحترق وهو علم الحديث والفقه .
( 2 ) يقال رجل نقاب أي نافذ الامور . *
ـ 19 ـ
العلم . ذلك بأن العلماء قد أوجبوا معرفة تاريخ كل علم قبل دراسته فقالوا : إن
تاريخ كل مادة يقع منها موقع البصرمن الجسم ( 1 ) .
أسباب تصنيف هذا الكتاب :
لما أنشأت أدرس ديني درس العقل والفكر ، بعد أن تلقيته تلقينا من نواحي
العاطفة والتقليد ، رأيت أن أرجع إلى مصادره الاولي وأسانيده الصحيحة ، ولما
وصلت من دراستي إلى كتب الحديث المعتمدة لدى الجمهور ، ألفيت فيها من
الاحاديث ما يبعد أن يكون - في ألفاظه أو معانيه أو أسلوبه - من محكم قوله ،
وبارع منطقه صلوات الله عليه ، ومما راعني أني أجد في معاني كثير من الاحاديث
مالا يقبله عقل صريح ، ولا يثبته علم صحيح ، ولا يؤيده حس ظاهر ، أو كتاب
متواتر ( 2 ) .
ووجدت مثل ذلك في كثيرمن الاحاديث التي شحنت بها كتب التفسير
والتأريخ وغيرها ! ومما كان يثير عجبي أني إذا قرأت كلمة لاحد أجلاف العرب
أهتز لبلاغتها ، وتعروني أريحية من جزالتها ، وإذا قرأت أكثر ما ينسب إلى النبي
من قول لا أجد له هذه الاريحية ، ولا ذلك الاهتزاز ، وكنت أعجب كيف
يصدر عنه صلوات الله عليه - مثل هذاالكلام المغسول من البلاغة والعارى عن
الفصاحة - وهو أبلغ من نطق بالضاد ، أو يأتي منه مثل تلك المعاني السقيمة وهو
أحكم من دعاإلى رشاد ! ! وما كان هذا العجب إلا لاني كنت أسمع من شيوخ
الدين - عفاالله عنهم - أن الاحاديث التي تحملها كتب السنة قد جاءت كلها
على حقيقتها ، بألفاظها ومعانيها ، وأن على المسلمين أن يسلموا بكل ما حملت ولو
كان فيها ما فيها ! !
ولما قرأت حديث " من كذب علي - متعمدا - فليتبوأ مقعده من النار "
غمرني الدهش لهذاالقيد الذي لا يمكن أن يصدرمن رسول جاء بالصدق وأمر
به ، ونهى عن الكذب وحذر منه ، إذ ليس بخاف أن الكذب هو الاخبار بالشئ
* ( هامش ) * ( 1 ) كتاب مناهج وتجديد للاستاذ أمين الخولى ص 88 .
( 2 )
الكتاب المتواتر هو القرآن الكريم فحسب . *
ـ 20 ـ
على خلاف ما هو عليه سواء أ كان عن عمد أم غيرعمد .
وظللت على ذلك حتى حفزني حب عرفان الحق إلى أن أبحث عن أصل
الحديث وروايته ، وتاريخ حياته من المصادر الصحيحة ، والاسانيد الوثيقة ، لعلى
أقف على شئ يذهب بما يحيك في صدري من حرج ، ويصرف ما يغمرنفسي
من ضيق . وذلك لان هذا الامر الجليل - لم يفرد من قبل بالتأليف
الجامع الذي يشبع نهم الباحث ، ويحقق بغية الطالب . ولبثت زمناطويلا أبحث
وأنقب فلا أدع كتابايمكن أن يستفاد منه كلمة لما أنا بسبيله إلا قرأته في طلبها ،
لا آلو في ذلك جهدا ، ولا أطاوع النفس عندماتسكن إلى الراحة ، مما يدركها
من ملل أو يغشاها من تعب ، بل آخذها بالصبر والاناة والمطاولة ، حتى انتهيت
إلى حقائق عجيبة ونتائج خطيرة ! ذلك أني وجدت أنه لا يكاد يوجد في كتب
الحديث كلها مما سموه صحيحا ، أو ما جعلوه حسنا - حديث - قد جاء على حقيقة لفظه ومحكم تركيبه ، كما نطق الرسول به ، ووجدت أن الصحيح منه على إصطلاحهم إن هوإلا معان ممافهمه بعض الرواة ! وقد يوجد بعض ألفاظ مفردة
بقيت على حقيقتها في بعض الاحاديث القصيرة وذلك في الفلتة والندرة ، وتبين لي
أن ما يسمونه في إصطلاحهم حديثا " صحيحا " إنماكانت صحته في نظر رواته ،
لا أنه صحيح في ذاته ، وأن ما يقال عنه " متفق عليه " ليس المرادأنه متفق على صحته
في نفس الامر ، إنما المراد أن البخاري ومسلم قد إتفقا على إخراجه - وليس من
شروط الحديث الصحيح أن يكون مقطوعا به في نفس الامر لجواز الخطأ والنسيان
والسهو على الثقة ، ومن أجل ذلك جاءت الاحاديث وليس عليهامن ضياء بلاغته
صلوات الله عليه إلا نورخافت أوشعاع ضئيل .
ولاأحصى هناكل ما إنكشف لي ، لانه كثيرجدا قد فصلناه في كتابنا
هذا تفصيلا .
كان أول ما بان لي من هذه الحقائق ، أن النبي صلوات الله عليه لم يجعل
لحديثه كتابا يكتبونه عندما كان ينطق به كماجعل للقرآن الحكيم ، وتركه ينطلق
من غيرقيد إلى أذهان السامعين ، تخضعه الذاكرة لحكمها القاهر ، الذي لا يستطيع
إنسان مهما كان أن ينكره أوينازع فيه ، من سهو أو وهم ، أوغلط أونسيان .
ـ 21 ـ
وبذلك تفكك نظم ألفاظه وتمزق سياق معانيه ، ولم يدع صلوات الله عليه الامر
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 21 سطر 1 الى ص 30 سطر 17
وبذلك تفكك نظم ألفاظه وتمزق سياق معانيه ، ولم يدع صلوات الله عليه الامر
على ذلك فحسب ، بل نهى عن كتابته ، فقال فيما رواه مسلم وغيره : " لا تكتبوا
عني شيئا سوى القرآن ، فمن كتب عني غيرالقرآن فليمحه . "
وقد إستجاب أصحابه لهذاالنهي فلم يكتبوا عنه غيرالقرآن ، ولم يقف الامر
بهم عند ذلك بل ثبت عنهم أنهم كانوا يرغبون عن رواية الحديث وينهون الناس
عنها ، ويتشددون فيما يروى لهم منها . وقد كان أبوبكر وعمرلا يقبلان الحديث
من الصحابي مهما بلغت منزلته عندهما ، إلا إذا جاء عليه بشاهد يشهد معه أنه
قد سمعه من النبي ، وكان علي يستحلف الصحابي على ما يرويه له رضي الله عنهم
جميعا . وكان ذلك في عصر الصحابة فترى ماذا يكون الامر بعد ذلك ؟ !
رواية الحديث بالمعنى :
ولمارأى بعض الصحابة أن يرووا للناس من أحاديث النبي ، وذلك في ا لمناسبات
التي تقتضي روايتها ، وقد يكون ذلك بعد مضي سنين طويلة علسماعها ، ووجدوا
أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بالحديث على أصل لفظه ، كما نطق النبي به ، إستباحوا
لانفسهم أن يرووا على المعنى ، ثم سارعلى سبيلهم كل من جاء من الرواة بعدهم ،
فيتلقى المتأخر عن المتقدم ما يرويه عن الرسول بالمعنى ثم يؤديه إلى غيره بماإستطاع
أن يمسكه ذهنه منه ، وهذا أمر معلوم لا يمترى فيه أحد حتى لقد قال وكيع كلمته
المشهورة : " إذا لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس " وقال سفيان الثورى : " إن
قلت إني أحدثكم كماسمعت فلا تصدقوني ! فإنما هوالمعنى " .
وهكذا ظلت الالفاظ تختلف والمعاني تتغير بتغير الرواة . فيهم - كما قال
السيوطي : الاعاجم والمولدون وغيرهم ممن ليسوا بعرب ولهجتهم العربية ليست
خالصة !
وكان البخاري - وهو شيخ رجال الحديث ، وكتابه ، كما هو مشهور بين
الجمهور - أصح كتاب بعد كتاب الله كما يقولون ، يروي على المعنى !
ولقد كان لرواية الحديث بالمعنى - ولاجرم - ضرر كبير على الدين واللغة
والادب ، كما ستراه فيما بعد .
ـ 22 ـ
وكذلك أباحوا لانفسهم أن يأخذوا الحديث إذاأصابه اللحن أو اعتراه الخطأ
أواختل نظمه بالتقديم والتأخير ، وأن يأخذوا ببعض الحديث ويدعوا بعضا .
وسيتبين ذلك كله في مواضعه من هذا الكتاب إن شاءالله .
حديث من كذب علي :
وقد عنيت بالبحث عن حقيقة هذا الحديث حتى وصلت بعد طول السعي إلى
أن كلمة " متعمدا " لم تأت في روايات كبار الصحابة . ويبدو أن هذه الكلمة
قد تسللت إلى هذا الحديث من سبيل " الادراج " المعروف عند رجال الحديث
لكي يتكئ عليها الرواة فيما يروونه عن غيرهم من جهة الخطأ أوالوهم ، أو الغلط
أو سوء الفهم ، ليدرءوا بذلك عن أنفسهم إثم الكذب ، ولا يكون عليهم في الرواية
أي حرج ، ذلك بأن المخطئ غيرمأثوم - أو أن هذه الكلمة قد وضعت ليسوغ
بهاالذين " يضعون الاحاديث " عن غير عمد عملهم ، ليسندوا بها أقوالهم ، وليثق
الناس فيهم ( 1 ) .
ا لموضوعات :
لم يرزأ الاسلام بشئ في حياته كلها مثل ما رزئ بتلك ا لموضوعات التي
تولى كبرها أعداء الاسلام وأحباؤه على السواء لاسباب كثيرة بيناها في موضعها ،
وناهيك بالاس رائيليات التي بثها اليهود ، أمثال كعب الاحبار ، ووهب بن منبه
وغيرهما . وكذلك ا لمسيحيات وغيرها مما تسلل إلى الدين من الاديان والنحل غير
الاسلامية وقبلها المسلمون من غيرأن يبحثوا فيها ، أو يفطنوا لها .
أبوهريرة :
ولما كان أبوهريرة أكثر الصحابة رواية عن رسول الله على حين أنه لم يصاحب
النبي إلا سنة واحدة وتسعة أشهر ، كما حققناه في كتابنا ( شيخ المضيرة ) ( 2 ) ،
* ( هامش ) * ( 1 ) كالقصاص وغيرهم .
( 2 ) طبع هذا الكتاب مرتين ونمده الآن للطبعة الثالثة إن شاء الله . *
ـ 23 ـ
وفي رواياته مافيها من مشكلات بقيت على وجه الدهر ، وستبقى ، فقد أفردنا له
ترجمة خاصة أدينا فيها حق العلم وتحرينا وجه الحق فأوردنا فيها ماله وما عليه بغير
أن نخشى أحدا في إظهارالحق ، أو نتحرج من شئ في بيان العلم ، ذلك بأن الحق
أولى من أبي هريرة وأكبرمن أبي هريرة .
جمع القرآن وتدوينه :
وقد رأينا قبل تفصيل القول في تدوين الحديث أن نوطئ بفذلكة صغيرة في
تدوين القرآن أتينا فيها على خلاصة كاملة من أمر هذا التدوين حتى يتجلى للناس
كيف كانوا يتحرون الدقة التامة والتثبت الفائق في جمع القرآن ، وبذلك جاء
كله " متواتر " يكفر من جحد شيئامنه . ولو أن الحديث قد دون في عصرالنبي
كما دون القرآن ، واتخذ له من وسائل التحرى والدقة مثل ما اتخذ القرآن ،
لجاء كله " متواتر " كذلك ولما اختلف المسلمون فيه هذاالاخلاف الشديد
الذي لم يستطع أحد - على مد العصور - تلافيه .
كتابة الحديث :
ومما كشف عنه البحث أن كتابة الحديث لم تقع إلا في القرن الثاني ، أي بعد
انتقال النبي إلى الرفيق الاعلى بأكثرمن مائة سنة ، ولم يكن ذلك بدافع من الرواة ،
وإنما كان بوازع من الولاة ، إذ كانوا يتحرجون من كتابته خشية أن يقعوا فيما نهى
النبي عنه - وقد كانت هذه الكتابة أول ما بدأت غيركاملة ثم تقلبت في أطوار
مختلفة ، إلى أن خرجت في صورتها الاخيرة حول منتصف القرن الثالث وأوائل
القرن الرابع الهجري .
ولقد كان لتأخير كتابة الحديث ضرر كبير بيناه في موضعه من الكتاب .
نشأة علم الحديث :
ولماكان علم الحديث يتصل ببحثنا ، فقد أتينا بإلمامة صالحة منه يهتدي بهامن
يريد معرفته . وتكلمنا عن كتب الحديث المشهورة لنبين حقيقتها وما استدرك عليها وقيل
فيها ، وألمعنا إلى أمرالجرح والتعديل واستطردنا من ذلك إلى " عدالة الصحابة "
ـ 24 ـ
وإختلاف العلماء فيها ، وإلى درجاتهم في العلم والفضل ، وخلصنا من ذلك كله إلى
المذهب الحق الذي يجانب ناحيتي الافراط والتفريط في هذه العدالة .
علماء الامة إزاء الحديث :
ولان الحديث لم ينشأ تدوينه إلا في القرن الثاني كما قلناو كتبه المشهورة بين
جمهورأهل السنة - وهي البخاري ، ومسلم ، وأبوداود ، والترمذي ، والنسائي -
لم تظهرإلا في القرنين الثالث والرابع ، وما فيها من الاحاديث قد روى من طريق
الآحاد الذى لا يعطي إلا الظن ، فإن علماء الامة لم يتلقوا أحاديثها بمحض التسليم
والاذعان ، كما تلقواما جاءهم آيات القرآن ، ولا اعتبروها من الاخبار المتواترة
التي يجب الاخذ بها ، ولا يجوزلاحدأن يخالف عن أمرها ، وإنما طاروا عليها
بددا وإختلفوا فيها طرائق قددا .
ف المتكلمون وعلماء الاصول - لماكان الخبر عندهم ينقسم إلى " متواتر وآحاد " ،
والمتواتر هوالذي يعطي العلم اليقيني ويؤخذ به في العقائد فحسب ، والآحاد لا يعطي
إلاالظن ، والظن لا يغني من الحق شيئا ، وببحثهم - لم يجدوا في كتب الحديث
خبرا ينطبق عليه حكم التواتر فتكون دلالته يقينية . وإن علماء الحديث لم يعرضوا
للبحث فيه لانه خارج عن علمهم . ورأوا ما يأتي من طريق الآحاد - الذي هو
ظني الدلالة ولايجوز البناء في العقائد على الظن ، فقد ردوا كل حديث لا يتفق
مع ما ذهبوا إليه من أصول ، وماوضعوه من قواعد - ومما إتفق عليه جميع النظار :
أن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد مهماقويت أسانيدها وتعددت طرقها .
وأمامقلدة المذاهب الذين يسمون أنفسهم علماء الفقه فقد كبلهم التقليد
فلم يعنوا بكتب الحديث التي ظهرت بعد موت أئمتهم ، ولم يعطوها حقها من البحث
والدرس كما أعطواكتب شيوخهم ، ولم يجعلوهامن أدلتهم في أحكامهم ، وإذا
وجد أحدهم من الاحاديث - حتى الواهية - ما يتفق ومذهبه تشبث به ورد ما سواه
وإن كان أقوى من الحديث الذي يعتمد عليه ، وقد يأخذ ببعض الحديث ويدع
بعضا ! أما ما يخالف مذهبه فينبذه ولايقبله ولوكان ممارواه الجماعة ( 1 ) ، وقد
* ( هامش ) * ( 1 ) الجماعة هم : أحمد ، والشيخان - البخاري ومسلم - وأبوداود ، والنسائي ، والترمذي . *
ـ 25 ـ
ساعدهم على ذلك أن دلائل الفقهاء كلها ظنية الثبوت ولا يشترط فيها التواتر .
ولكل إنسان أن يأخذ بما يطمئن به قلبه من الاحاديث بغيرماحرج .
ولوأنت رجعت إلى كتب المحققين وبخاصة كتاب " إعلام المرقعين "
لابن قيم الجوزية لوجدت فيه أحاديث كثيرة تبلغ المائة أو تزيد - لم يأخذ شيوخ الفقه
بها ، ولم يخالفوا مذاهبهم من أجلها ، وإذا سألتهم عن سبب استمساكهم بما وجدوه
في مذاهبهم وعدم الاخذ عن غيرها قالوا : إن أئمتهم لم يأخذوابما أخذوامن أحاديث
وفتاوى من قبلهم إلا بما إطمأنت به قلوبهم وسكنت إليه نفوسهم مماهوصحيح في
رأيهم ، وجرى عليه العمل في أزمانهم ، وإن هؤلاءالائمة الكبارقد كانوا لقربهم
من الصحابة وكبار التابعين أوسع علما ، وأعمق فقهامن أصحاب السنة الذين
لم تشتهر كتبهم إلا بعد انقضاء القرون الاولى التي هي خيرالقرون بنص الحديث
الذي رووه في ذلك .
وأما أئمة النحو فإنهم لم يجعلوا الحديث من النصوص التي يستشهدون بها على
قواعدهم في اللغة والنحو لانهم استيقنوا أن النص الصحيح للحديث قد ضاعت
معالمه ، وأن مايروى عن النبي لم يأت على حقيقة لفظه ، ولا يعلم أحدعلى اليقين
ماهي الصورة الصحيحة التي نطق النبي بها ، وبذلك لا يصح الاستشهاد بالحديث ،
وعلى أنهم لا يأخذون بالحديث الذي جاءهم عن نبيهم ، فإنهم يستشهدون بكلام
أجلاف العرب الذين كانوا يبولون على أعقابهم !
كلمة عامة :
لماإنكشف لي ذلك كله وغيره مما يحمله كتابنا - وبدت لي حياة الحديث
المحمدي في صورة واضحة جلية تتراءى في مرآة مصقولة ، أصبحت على بينة من
أمرمانسب إلى الرسول من أحاديث ، آخذ ماآخذ منه ونفسي راضية ، وأدع ماأدع
وقلبي مطمئن ، ولا علي في هذاأوذلك أي حرج أوجناج .
ولا يتوهمن أحد أني بدع في ذلك ، فإن علماء ( 1 ) الامة لم يأخذوابكل حديث
* ( هامش ) * ( 1 ) وقد قال أبوعمر وغيره من كبار العلماء ، أجمع الناس ، على أن المقلد ليس معدودامن أهل
العلم ، وأن العلم معرفة الحق بدليله . وقال إبن القيم تعليقا على القول : قد تضمن هذان الاجماعان = *
ـ 26 ـ
نقلته إليهم كتب السنة فليسعني ما وسعهم ، بعدما تبين لي ما تبين لهم ، وهذا
أمرمعلوم لذوي البصائرلا يختلف فيه عالم ، اللهم إلا الحشوية الذين يؤمنون بكل
ماحمله سيل الرواية سواءأكان صحيحا أم غيرصحيح ، مادام قدثبت سنده على
طريقتهم ، قال إبن أبي ليلى : " لا يفقه الرجل في الحديث حتى يأخذمنه ويدع " .
وقال عندالرحمن بن مهدي : " لايكون إماما في الحديث ، من تتبع شواذ الحديث ،
أوحدث بكل مايسمع أوحدث عن كل أحد " . والامثلة على ذلك كثيرة تجدها
في مواضعهامن كتابنا .
وهذا البحث لم يعن به أحد من قبل - كماقلنا - وكانت دراسته واجبة قبل النظر
في كتب الحديث والتفسير والفقه والاصول والتأريخ والنحو وكل ما إليها مما يتصل بالدين
الاسلامي ، وكان يجب أن يفرد بالتأليف منذ ألف سنة عندما ظهرت كتب الحديث
المعروفة بعد انتشار المذاهب الفقهية بين المسلمين حتى توضع هذه الكتب في
مكانها الصحيح من الدين ، ويعرف الناس حقيقة ماروى فيهامن أحاديث
ليكونوا منها في أمرهم على يقين ، ولو أنني ألفيت أمامي في المكتبة العربية على سعتها
كتاباقد انطوى على هذا الامر الخطير الذي يجب على كل مسلم أن يحيط به علما -
لانحط عن كاهلى هذا " العبء الثقيل ( 1 ) " الذي احتملته في سبيل البحث والتنقيب
بين مئات الكتب والاسانيد التي اطلعت عليها ، ورجعت إليها ، ثم أخذت منها ،
ونقلت عنها ، ولما أنفقت ما أنفقت من سنين طوال في اقتحام هذالطريق الشاق ،
الذي لم يعبدمن قبل ولم يضع له أحد فيماسبق منارا يهتدي به - حتى تسنى لي أن
أعثر على تلك المواد الغزيرة التي مكنتني من أن أسوي منها هذا الكتاب الجامع
الذي يعدالاول في موضوعه ، وأن أذيعه في الناس حتى يكونواعلى بينة من أمر
الحديث المحمدي ، يدرسونه على نورالعلم ، ويفهمونه بمنطق العقل .
ولان هذاالبحث - كماقلنا - طريف وغريب ، وقد ينبعث له من يتطال إلى
معارضته من بعض الحشوية والجامدين ، استكثرت فيه من بعض الادلة ، التي لايرقى الشك
* ( هامش ) * = اطراح المتعصب بالهوى ، والمقلد الاعمى من زمرة العلماء وأسقطوهما باستكمال من فوقهما الفروض من وراثة
الانبياء . وكان السلف يعبرون عن المقلد بالجاهل لان العالم من كان مستقلا في فهمه للعلم واستدلاله على
فهمه ، ويقولون مثل إنسان يقلد كبهيمة تقاد .
( 1 ) هذاهووصف الدكتورطه حسين لعملنافي كلمته النفيسة التي افتتحنا بها هذه الطبعة . *
ـ 27 ـ
إليها ، وأتزيد من الشواهد التي لا ينال الضعف منها ، وقد يتكرر بعض هذه
الادلة بين الابواب المناسبة تقتضيهاأو سبب يدعو إليها ، أو لان الكلام معقودبها
وسياق المعنى لا يتم بدونها ، وما يتقدمها أو يليهامن الكلام مفتقر إليها . وبرغمى
أن أنصرف في هذا الكتاب عن النقد والتحليل ، وهي الاصول التي يقوم التأليف
العلمي الصحيح في هذاالعصر عليها .
وقد اضطررت إلى ذلك لان قومنا حديثوا عهد بمثل هذاالبحث على أني
أنرجو أن يكون قد انقضى ذلك الزمن الذي لا يشيع فيه إلاالنفاق العلمي والرياء
الديني ، ولا ينشر فيه إلا ما يروج بين الدهماء ويرضى عنه من يزعمون للناس
أنهم من المحدثين أو العلماء ، وأن يكون قد أظللناعهد لا يثبت فيه غير القول الحق
ولا يستقربه إلاالعمل الصالح ، ولايقبل فيه إلا العلم النافع الذي يمكث في
الارض
وأرجو كذلك - وقد حسرت النقاب عن وجه الحق في أمر الحديث المحمدي
الذي جعلوه الاصل الثاني من الادلة الشرعية ، بعدالسنة العملية ، واتخذوا منه ، أسانيد لتأييد الفرق الاسلامية ، ودلائل على الخرافات والاوهام ، وقالوا بزعمهم إنها
دينية ، وكشفت القناع عما خفي على الناس من أمره ، وعرضت لهم صورة صادقة
من تأريخه - أرجو أن أكون قد وفقت إلى إصابة الغرض الاول الذي بذلت كل
ما بذلت من أجله ، وأنفقت من عمر وتعب في سبيله ، وهوالدفاع عن السنة
القولية وحياطتها مما يشوبها ، وأن يصان كلام الرسول من أن يتدسس إليه شئ
من افتراء الكاذبين أوينال منه كيد المنافقين وأعداء الدين ، وأن تنزه ذاته الكريمة
من أن يعزى إليهاإلا ما يتفق وسمو مكانتها وجلال قدرها ، إذ لم يكن صلوات الله
عليه - وهوفي أعلى أفق من العلم والحكمة والبلاغة - ليصدرعن جهل ، أوينطق
عن هوى .
وإذاكان هذا الكتاب سيغير - ولاريب - من آراء كثيرمن المسلمين
فيماورثوه من عقائد ، وما درسوه من أحكام ، فإنه سيقفهم إن شاء الله على حقائق
كثيرة تزيدهم تبصرة وعلما بدينهم ، ويحل لهم مشاكل متعددة مما تضيق به صدورهم ،
ويدفع شبهات ممايتكئ عليها المخالفون ، والصادون عن دينهم ، وبذلك يستقيم
ـ 28 ـ
النظر لي معرفة أصول الدين ، ويعتدل الرأي في فهم أغراضه من المسلمين ،
وغير المسلمين .
وسيبقى هذا الكتاب - إن شاءالله - منارة عالية تهدى إلى معالم تأريخ
الحديث المحمدي على مدالتاريخ كله مادام هذا الحديث يقرأأو يدرس بين
الناس في الارض .
وإني لاتوجه بعملي هذا - بعدالله سبحانه وله العزة - إلى المثقفين من المسلمين
خاصة ، وإلى المهتمين ب الدراسات الاسلامية عامة ، ذلك بأن هؤلاء وهؤلاء هم
الذين يعرفون قيمته ويدركون قدره . والله أدعو أن يجدوافيه جميعا ما يرضيهم
ويرضى العلم والحق معهم .
وأتضرع إليه سبحانه أن يجعل عملي هذاخالصا لوجهه ، وأن يكتب له
توفيقاو تأييدامن عنده ، حتى يبلغ ما أرجو له من خدمة الدين ، وإظهار الحق ،
ونفع الناس أجمعين إنه سميع الدعاء .
عن جيزة الفسطاط في يوم السبت 5 من جمادى الاولى سنة 1377
7 من ديسمبر 1957
محمود أبوريه
ـ 29 ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية ( 1 )
" ذلك هدى الله يهدي به من يشاءمن عباده .
ولوأشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ، أولئك
الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفربها
هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوابها بكافرين
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " . .
( 88 - 90 سورة الانعام ) أرى من الحق علي - وأناأقدم بين يدي هذه الطبعة الثانية من كتابي
" أضواءعلى السنة المحمدية ، أودفاع عن الحديث " أن آتي بكلمة صريحة
عن الطبعة الاولى منه - وكيف قوبلت من الناس على إختلاف طبقاتهم ونزعاتهم .
فأما كبار العلماء وقادة الفكر في بلادنا وغير بلادنا ، فقد ظفر منهم - والحمد
الله على فضله وتوفيقه - بالرضا والتقدير ، وأثنوا عليه ثناءجميلا ، جزاهم الله عنا
وعن العلم خيرالجزاء ، وأما أولئك الذين يكرهون التحقيق في البحث ، والاجتهاد في
الفهم ، والحرية في الفكر ، ولايرون العلم إلا فيما أخذوه عن شيوخهم تلقينا ،
فهؤلاء جميعا قد قابلوه بما كنا نتوقعه منهم ، وغضبوا عليه ، وثاروا حوله من
هاهنا ، وهاهناحتى ألفوا في ذلك كتبا ، فأعرضت عنهم جميعا ، ولم أعرض لهم .
على أننا لم نجد في أي من هذه الكتب - على ضخامتها وكثرتها - دراسة قيمة
ولا نقدا موضوعيا ، يقوم على الاسلوب العلمي الحديث ، الذي يظهرحقا ،
أويصحح غلطا ، أويعدل رأيا - وكل قيمتها أنها قد أظهرت أخلاق مؤلفيها
ومبلغ علمهم . وإذاكان مثل هذاالنقد سائغا عند بعضهم ، فإنه قد أصبح
* ( هامش ) * ( 1 ) قد حذفنا من هذه المقدمة أكثرمن سبع عشرة صفحة مما كنا قد بينا فيها موقف الذين ثاروا
عليناوعلى كتابنا ، وقد أثرناأن نتبع الحسنى وندفع بالحسنة السيئة فألقيناكل ماقالوه فينامن وراءظهرنا وأن
ندعوالله أن يغفرلكل الذين آذونا ، وأن يهديهم سواء السبيل . *
ـ 30 ـ
اليوم ممقوتا لا بعمد إليه إلا كل جاهل لا يعرف من أصول النقد شيئا .
ذلك أن النقد الصحيح في هذا العصر إنما يقوم على أصول ثابتة من العلم
الكامل ، والعقل الراجح والمنطق السليم ، وأن يكون الناقدقبل ذلك عف اللسان
مهذب الاسلوب - وبذلك كله يؤدي إلى النقد واجبه ، وإلى العلم حقه ، حتى يقع
نقده موقع القبول ، ويؤثرفى القلوب والعقول معا .
هذا هوالنقد الصحيح ، أما النقد المبني على غيرذلك ولايعمل له حساب
فهذالا يعدنقدا !
وممالا يقضى الانسان منه عجبا ، أن كل الذين ثاروا على كتابنا لم ينفذوا
إلى فهم الغاية منه ولم يدركوا أغراضه ، ولعل مردذلك إلى أنه من وراءعلمهم ،
وموضوعه غريب عليه ، وأن بحثه يقوم على المنهج العلمي الحديث وهم لا يحسنونه ،
فما كاد يخرج عليهم حتى روعهم فنكروه ، وأوجسوا منه خفية فعارضوه .
وليتهم لما لم يفهموا كلامنا أراحوا الناس بسكوتهم ، واستمعوا إلى نصيحة
الشاعر الحكيم في قوله :
ليت من لايحسن العل م كفانا شر علمه !
وإني بعد ذلك لاستعلن وقلبي مطمئن أي اطمئنان أنه لا ضيرعلى كتابي
هذامن مثل هذا النقد الهزيل الذي زادمن قيمته ، وأعلى من شأنه .
ـ 31 ـ
للحق والتاريخ
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 31 سطر 1 الى ص 40 سطر 28
للحق والتاريخ
هذه هي قصة كتابي مع العلماء المحققين وغير المحققين أسجلهاهنا للحق
والتاريخ في عبارة وجيزة لتبقى على وجه الدهر شاهدة صادقة يقرؤها الناس جيلابعد
جيل على مد العصور لكي يعرفو اكيف كان بعض شيوخ الدين - في عصرنا
هذا ، عصر النور والعرفان ، عصرالذرة - يقابلون كتب العلم التي تكتب بتحقيق
في البحث وإجتهاد في الفهم ، وحرية في الفكر ! !
وإني هناأرى أنه لامناص لي من أن أذكرأمرا لاحظته واضحافي نقد
المنتقدين ، وذلك أن حملاتهم قداشتدت فيمايتصل بأبي هريرة خاصة وفي عدالة
الصحابة عامة ، حتى بلغوافي ذلك حالة غيرمعقوله - ومن أجل ذلك رأيت
وفاء بحق التأريخ ورعاية لحرمة العلم أن أعود فأراجع كتابي كله لكي أعزز
أبوابه ، وأدعم فصوله بما كنت قدأمسكت عن نشره في الطبعة الاولى - وبماأعثر
عليه البحث بعد صدور هذه الطبعة - من المصادر الوثيقة والاسانيد المعتبرة لدى
الجمهورإن في هذين الموضوعين وإن في غيرهمامن سائر مواضيع الكتاب إلى
ما يدعوإليه إعادة النظرفي كل ما يكتب لاول مرة من تهذيب وتنقيح واستيفاء
وزيادة وتوضيح حتى أصبح الكتاب كاملا . فأما أبوهريرة فلان له وضعاخاصا
به لا يشاركه فيه سواه من سائر الصحابة وليس له مثيل منهم ، لا في سيرته ، ولا في تاريخه ، ولا في كثرة أحاديثه ، فقد كسرت له كتابا خاصاباسم " شيخ
المضيرة " وطبعناه على حدة مرتين ( 1 ) .
وأما الصحابة فقد رأيناأن نعززما كتبناه في الطبعة الاولى بنقل بعض ماجاء
عنهم من أصدق كتاب يرجع إليه المسلمون في مشارق الارض ومغاربها ذلكم
هوالقرآن الكريم ، فمن استطاع أن يمتري في آية من آياته ، أو يجادل في كلمة
من كلماته فليفعل ، ويكون بذلك شهماشجاعا .
ولعل بعضهم يقول : إن الآيات التي جاءت في وصف الصحابة قد نسخت !
* ( هامش ) * ( 1 ) طبع طبعتين الاولى في مدينة صور - لبنان ، والثانية بالقاهرة . *
ـ 32 ـ
وإن هذاكان شأنهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، أما بعد ذلك فقداصبحوا
مبرئين معصومين ( 1 ) ومن قال غيرذلك فهوزنديق . وإن إيمانه على حرف ( 2 ) .
وفي ختام كلمتي أقول : بأني سأتقبل كل ما قد يوجه إلي من نقد بالاغتباط
والسرور .
ورحم الله إبن حزم حيث يقول : من حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق ، وإن آلمتهافي أول
صدمة ، كان اغتباطه بذم الناس إياه ، أشد وأكثرمن اغتباطه بمدحهم إياه .
هداناالله جميعاإلى الصراط المستقيم وتولانا بفضله ، ورضوانه إنه هوالبر
الرحيم .
* ( هامش ) * ( 1 ) مما يتكئ عليه بعضهم بأن الصحابة كلهم عدول حديث يرددونه وهو : أصحابي كالنجوم . . .
وهو حديث لاأصل له ، انظركتاب المنتقى لابن تيمية ص 551 وغيره .
( 2 ) راجع كتابنا " شيخ المضيرة " لتجد إسم تمن قضى بهذاالحكم وهو - واأسفا - أستاذ يدرس الشريعة
الاسلامية بإحدى الجامعات المصرية . *
ـ 33 ـ
بيان لا بد منه
قبل أن أضع القلم من إعداد الطبعة الثانية لهذا الكتاب أجدمن الضروري أن
أنشر هذا البيان لاجيب فيه عن ملاحظتين دقيقتين أبدى إحداهما العالم الجليل الدكتور
طه حسين بعد أن قرأ الكتاب في طبعته الاولى مرتين - كماصرح بذلك حفظه
الله - في الفصل الممتع الذي تفضل فكتبه عن كتابناهذا ، وأثني فيه عليه وعلى مؤلفه
ثناء طيبا استحق من أجله أقدم له أجمل الشكر وأخلص الحمد ، وقد إستخرنا
الله في أن نجعل هذاالفصل مقدمة لهذه الطبعة .
أما الملاحظة الاولى فقد أبداهامع الدكتور بعض العلماء وهي :
أنى - وأناأقص على الناس قصة الحديث ، وأبين لهم ما أصابه من فعل
الرواة ، ومااعتراه من وضع الوضاعين وغيرهم ، وماإلى ذلك ممابينته في كتابي -
أعود فأستشهد ببعض الاحاديث وأجعلهامن أدلتي فيماأريد من إثبات أونفي ،
أو غيرذلك ! مماقد يبدوفي ظاهر الامر أنه تناقض .
وقديكون لهذه الملاحظة حظ من الاعتبار - إذاكنت أنا أعتقد صحة
الاحاديث التي أستشهدبها ، وأقطع بأنها قدجاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم
بألفاظها ومعانيها !
ولكي أدرأ عن نفسي هذه الشبهة أقول : إن الاحاديث التي أوردهافي
سياق كلامي للاستدلال بهاعلى ماأريد في كتابي ، إنما أسوقهالكي نقنع من
لايقتنع إلا بها ، على إعتبار أنها عنده من المسلمات التي يصدقها ولا يمارى فيها .
وأناإذ أفعل ذلك لم أخرج عن أصول المنطق وأساليب الحجاج والجدل ،
فهناك مايمسى " بالدليل الاقناعي " وهوأن يحتج على الخصم بماهومسلم عنده ،
كأن يحتج المسلم على النصراني بمافي الانجيل ، وهوفي نفسه غيرمؤمن بمايحتج
به ، أوعكس ذلك ، أوالذي يسمونه " دليل الالزام " الذي يقولون فيه " ألزموهم
أضواء على السنة المحمدية
ـ 34 ـ
بما ألزموا به أنفسهم " وهذا أمر مشهور بين العلماءفلا نحتاج إلى إيراد الادلة عليه .
على أن ذلك ليس عامافي كل ماأورده من أحاديث في كتابي ، فإن منها
ما يبدوعليه علائم الصحة - كأن يكون بيانا للقرآن الكريم ، أومتفقامع العقل
السليم ، أوجاء " على مقتضى الاصول التي قام عليها الدين ، وإليها قامت الدعوة ،
ولاجلها منحت النبوة " أو أتنور خلال معانيه شعاعامن نورالنبوة ، ولوكان خافتا
ضئيلا - وهذا أمر أحسه بوجداني ، فماكان من مثل ذلك ممايطمئن به القلب ويسلم
به العقل فأنا آخذ به وأرويه وأنامطمئن وأعتبره من بيان الرسول للكتاب العزيز -
وإن كنت على ثقة بعد ذلك كله من أنه من أحاديث الآحاد ، وأنه ظني الدلالة
بحيث لا يبلغ منزلة القطع الذي يفيد اليقين ، وأن روايته قدجاءت " بالمعنى "
لابأصل اللفظ الصحيح الذي نطق به النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن الاحاديث ماتقضي البداهة بصدقه كحديث : " لا تكتبواعني شيئاغير
القرآن " وهو الحديث الذي بنينا عليه كتابناهذا .
ذلك بأن القرائن كلهاتدل على صحته وجاء عمل الصحابة بتأييده ، فإنهم
جميعاقد اتبعوه وامتنعوا عن كتابة أحاديث الرسول صلى الله عليه سلم ثم منعوها
بالنهي عنها .
ومن أجل ذلك جاءت هذه الاحاديث كلها بالرواية لا بالكتابة كماجاء
القرآن .
أما الملاحظة الثانية التي لاحظها الدكتور الفاضل فكانت بلسانه فقال : إنك قد أكثرت من النقل عن السيد رشيدرضا " رحمه الله " ، وهذه الملاحظة سمعتها
كذلك من غيره من كبار العلماء ، وما لاحظه دكتورنا - ومن معه - هوحق
لاأمارى فيه !
وجوابي عن هذه الملاحظة أني لم أصنع ذلك عفواأو فقرامن الادلة - وإنما
كان ذلك مقصودا مني لاسباب مهمة .
منها : أن هذا السيد يعتبر في هذا العصر من كبارأئمة الفقه المجتهدين عند أهل السنة
ـ 35 ـ
الذين يعتد برايهم ، ويوتق بهم ، ويؤخذ عنهم ، وأنه لامنازع شيخ محدثي أهل
السنة في عصرنا ، بحيث يعلم من أمر الاحاديث التي حملتها الكتب المشهورة
لدى الجمهور ويدرك ما اعتراهامن فعل الرواة وغيرذلك ، ممايتصل بموضوع
كتابي ، مالم يعلم مثله سواه ، وبحسبك أن الازهر - هذا المعهد العظيم - لم يخرج -
في هذا العصر وفي عصوركثيرة - من يضارعه علماوبحثا ، وأناأعرف ما أقول .
على أنه فوق ذلك ورث علم الاستاذ الامام محمدعبده - وناهيك به علما
وفضلا ، بحيث لا يختلف إثنان في أنه من كبارأئمة الدين المجتهدين - فمايقوله
السيد رشيد إنما أعتبره كأنه صادرعن أستاذه الامام وذلك فيماأرى أنه من منهج
الاستاذ الامام وأسلوبه في النظرإلى الدين ( 1 ) .
ولانه قدجمع كل هذه الصفات تكون أقواله وآراؤه ولا ريب - عند الجمهور
- حججا دامغة ، وبراهين مقنعة ، لا يستطيع أحدمنهم أن يعارضها أو يمارى فيها .
من أجل ذلك أكثرنامن الاستشهاد في كتابنا بأقواله وآرائه ، وجعلنا ذلك
من الادلة القوية على مانأتي به .
والامر في هذاالعالم كالامرفي غيره ممن نستشهد بأقوالهم كإبن تيمية الذي
أكثرنا كذالك من النقل عنه ، ذلك أنه يلقب عندأهل السنة " بشيخ الاسلام " ،
وله لدى الجمهور مقام ، أي مقام ، وإذا كنا نعرف لهذين العالمين الكبرين
قدرهما ، فإنا لنعلم كذلك ما يؤخذ عليهما - وكل أحد يؤخذ من قوله ويردعليه ،
إلا صاحب الرسالة صلوات الله عليه .
وقد صنعنا ذلك لاننا على علم بما سيثور حول كتابنا من الذين يقولون إنهم
من أهل السنة - وذلك بما سبق أن قابلونا به عندما نشرنامن فصول هذا الكتاب
ما نشرناعلى مجلة الرسالة قبل طبع كتابنا - طبعته الاولى - ببضع سنين . قد
أيد ذلك ما ابتلينابه بعد ظهور الكتاب مطبوعة .
* ( هامش ) * قال العلامة الكبير الشيخ مصطفى عبدالرازق شيخ الازهر ( سابقا ) رحمه الله :
إذاكان الشيخ محمد عبده إمامافي الدين فالسيد رشيد رضا لا شك صاحبه ومفسر مذهبه ومكمله ،
وقد بذل منشئ المنار رحمة الله عليه مجهودافي هذه الناحية ضخما حافلا بالمباحث الدينية ، وا لمناقشات
الفقهية ، وكان لهذا المجهود العظيم أثر غير ضئيل في طلاب العلوم الدينية ومناهجهم ، وفي توجيه
الدراسات الشرعية في البلاد الاسلامية المختلفة ( ص 15 من كتاب رائد الفكر المصري ) . *
ـ 36 ـ
هذا هو جوابنا عما لاحظه الدكتورطه حسين وغيره - ونرجو أن يكون هذا
الجواب شافيا ومقنعا له ولسائر العلماء المثقفين - وحسبي ذلك .
وهنايتاح لي أن أزيد في هذاالبيان سطورا أعرض فيها لحقيقة ثابتة ضل في
فهمهابعض الناس . ذلك أنهم يزعمون أني أرمي من وراءكتابي هذاإلى غاية خفية وهي الصد
عن السنة القولية والاكتفاء بالقرآن الكريم وحده في أخذ أمورالدين ! ولست أدري
من أين جاءهم هذاالفهم الخاطئ ، ولا في أي موضع من كتابي هذا ذكرت ذلك ،
أوأشرت من قريب أومن بعيد إليه .
أماالذي صرحت به في عبارات واضحة لا لبس فيه ولاغموض ، أن يتحفظ
الناس في أخذ الحديث ، وأن يتحروا الصحيح الثابت منه ما إستطاعوا إلى ذلك
سبيلا ، أما غير الصحيح والموضوع فيدعونه ولايلتفتون إليه بعدما عراه من فعل الرواة
ما عراه ، ممافصلناه في كتابنا تفصيلا ، ولم أكن بدعا في ذلك فهذه سنة من قبلنامن
أئمة الاسلام ، وماجرى عليه عمل العلماء الاعلام .
هذا ما صرحت به مرارا وأكدته وأناعلى يقين من أن القرآن هوأصل الدين
القويم وأن السنة لم تكن إلا مبينة له ، ولابدأن يكون البيان صحيحا واضحا
لاشبهة فيه .
وعلى أن كلامي هذاواضح ، فقد سمعنا ما سمعناولكن هذا لا يهمنا ، ولا يضر
بشئ من قريب أو بعيد كتابنا .
عن جيزة الفسطاط في يوم الجمعة 8 من محرم سنة 1383 ه
31 من مايو سنة 1963 م *
ـ 37 ـ
مقدمة الطبعة الثالثة
نستخير الله في أن نقدم هذه الطبعة من كتابناإلى القراء ، ونستهلها بكلمة
مختصرة نبين فيها ما صنعناه لهامن تنقيح وزيادة على ما كانت عليه الطبعة الثانية
منه .
عندما عزمناعلى طبع كتابنا هذا للمرة الثالثة رأينامن التدبير أن نعيد النظر
في الطبعة الثانية ، وماإن انتهينامن قراءتها حتى بدا لنا أن بعض مواضيعها
يحتاج إلى مزيد من البيان والايضاح ، وقد يطول هذاالبيان أويقصر ، وذلك حسب
ما يقتضيه الموضوع ، وألفينا مواطن عديدة منها تستدعي شيئامن التصحيح أوالتنقيح ،
ثم عثرنا على أغلاط مطبعية قدشاعت في كلمات كثيرة وقد نجمت هذه الاغلاط
من أن الكتاب قد طبع في لبنان بعيداعنا .
ولا أفصل القول في بيان كل ماقمت به لتهيئة الكتاب وإخراجه للطبعة الثالثة
لان ذلك يعتبر تطويلا لا جداء فيه ، وإنماالذي يمكن أن أذكره عن طريق
الاجمال - وأنامطمئن - أني قد بذلت كل ماأستطيع من جهدوقوة في سبيل
تقويم كل ما وجدت في الطبعة الثانية بدقة وأناة حتى خرجت هذه الطبعة الحالية -
والحمدلله - كاملة مستوفاة . وقدجئنافى هذه الطبعة بخلاصة وجيزة من تاريخ
أبي هريرة بعد أن كنا قد حذفنا تأريخه من الطبعة الثانية وجعلناه في كتاب خاص
مفصل جامع .
وإذاكنت - وأناأقدم هذه الطبعة للناس قدأصبحت راضيا عنها مغتبطا
بها - فإني أرجو مخلصا أن ينفع الله بها ، وأن يزداد رضا العلماء الكمل عنها ، والحمد
لله في البدء والنهاية ونسأله دوام التوفيق والهداية ، إنه سميع مجيب .
ـ 38 ـ
السنة
نرى من الحق علينا قبل أن نتناول أطراف الحديث الذي أخذنا على أنفسنا
القيام به أن نمهد بصدر صالح من القول في تعريف " السنة " لغة واصطلاحا وبيان
حكم القولية منها التي هي أحاديث النبي ، ومكانها من الدين . ثم نمضي في سبيلنا
إن شاءالله .
عرفوا السنة لغة : بأنها الطريقة المعبدة ، والسيرة المتبعة ، أوالمثال المتبع -
وجمعهاسنن ، وذكروا أنها مأخوذة من قولهم : سن الماءإذا والى صبه . فشبهت
العرب الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب ، فإنه لتوالى جريانه على نهج واحديكون
كالشئ الواحد .
قال الشاعر ( 1 ) : فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها وأول راض سنة من يسيرها
وفي الاساس : سن سنة حسنة ، طرق طريقة حسنة ، واستن بسنته . وفلان
متسنن ، عامل بالسنة .
وقال إبن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم :
السنة هي العادة وهي الطريق التي تتكرر لنوع الناس مما يعدونه عبادة أو
لا يعدونه عبادة . قال تعالى : " قد خلت من قبلكم سنن ، فسيروافي الارض "
وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لتتبعن سنن من كان قبلكم " والاتباع هو الاقتفاء
والاستنان .
وسنة النبي طريقته التي كان يتحراها ، وسنة الله تعالى قد تقال لطريقة حكمته
وطريقة طاعته ، نحو : " سنة الله في الذين خلوامن قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا "
" ولن تجد لسنة الله تحويلا " .
وقال الجرجاني في ا لتعريفات : السنة في اللغة الطريقة مرضية كانت أوغير
* ( هامش ) * ( 1 ) هوخالدبن عتبة الهذلي وإبن أخت أبي ذؤيب الهذلي . *
ـ 39 ـ
مرضية ، وفي الشريعة هي الطريقة المسلوكة في الدين في غير إفتراض ولا وجوب ،
فالسنة ما واظب النبي عليهامع الترك أحيانا ، فإن كانت المواظبة المذكورة على
سبيل العبادة فسنن الهدى ، وإن كنت على سبيل العادة فسنن الزوائد .
وسنة رسول الله هي ماكان عليه هو وخاصة أصحابه عملاوسيرة ، وهذه السنة
تعرف من الصحابة بالعمل والاخبار ، كنحو : من السنة كذا . ثم أصطلح
المحدثون على تسمية كلام الرسول " حديثاوسنة " اه أي أنه أصطلاح مستحدث
لا تعرفه اللغة ولا يستعمل في أدبهاوقد جريناعلى هذا الاصطلاح في تسمية كتابنا
هذا وفيما يجري حديثنافيه - وكان الحق أن نسميه - دفاعا عن الحديث لانه وضع
في الحقيقة من أجل ذلك وقد زدناهافي تسمية هذه الطبعة .
وقالوا السنة تطلق في الاكثرعلى ما أضيف إلى النبي ، من قول أوفعل
أوتقرير .
مكان السنة في الدين
جعلوا السنة القولية في الدرجة الثالثة من الدين ، وأنها تلي السنة العملية ، وهذه
تلي القرآن في المرتبة ، ذلك بأن القرآن قد جاء من طريق متواتر بحيث لا يتطرق إليه
الشك ، فهومن أجل ذلك مقطوع به جملة وتفصيلا . أماالسنة فقدجاءت من
طريق غيرمتواتر ، فهي مظنونة في تفصيلها ، وإن كان مقطوعا بجملتها ، وأما
الذي هوفي الدرجة الثانية من الدين فهوالسنة العملية .
قال الامام الشاطبي في ا لموافقات ( 1 ) : رتبة السنة التأخرعن الكتاب في الاعتبار ، والدليل على ذلك أمور :
أحدها - أن الكتاب مقطوع به ، والسنة مظنونة ، والقطع بها إنمايصح في
الجملة لا في التفصيل ، بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به في الجملة والتفصيل ،
والمقطوع به متقدم على المظنون ، فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 3 ومابعدهاج 4 . *
ـ 40 ـ
الثاني - أن السنة إما بيان للكتاب ، أو زيادة على ذلك ، فإن كانت بيانا كانت
ثانياعلى المبين في الاعتبار - إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان ، ولايلزم من
سقوط البيان سقوط المبين - وماشأنه هذا فهو أولى في التقدم ، وإن لم يكن بيانا
فلا يعتبرإلا بعد ألايوجدفي الكتاب ، وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب .
الثالث - ما دل على ذلك من الاخبار والآثار كحديث معاذ ، بم تحكم ؟
قال بكتاب الله . قال فإن لم تجد ؟ قال : بسنة رسول الله . قال : فإن لم تجد ؟
قال : أجتهد رأيي ( 1 ) .
وبعدما أورد الشاطبي أدلة كثيرة عن عمروابن مسعودوابن عباس تثبت
ذلك قال : والمقطوع به في المسألة أن السنة ليست كالكتاب في مراتب الاعتبار .
ومما قاله : " إن السنة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني الاحكام الكتاب ، ودل
على ذلك قوله تعالى : ( لتبين للناس مانزل إليهم ) ، وأن السنة راجعة في معناهاإلى
الكتاب ، فهي تفصيل مجمله ، وبيان مشكله ، وبسط مختصره ، وذلك لانها بيان
له ، وهو الذي دل عليه قوله تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم )
فلا تجدفي السنة ( 1 ) أمرا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أوتفصيلية ،
وأيضافكل مادل على أن القرآن هوكلية الشريعة ( 3 ) وينبوع لها فهو دليل على
ذلك ولان الله قال : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) : وفسرت عائشة ذلك بأن خلقه القرآن ،
- وإقتصرت في خلقه على ذلك - فدل على أن قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن ،
لان الخلق محصورفي هذه الاشياء ، ولان الله جعل القرآن تبيانالكل شئ ( 4 ) ،
فيلزم من ذلك أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة ، لان الامر والنهي أول
مافي الكتاب ، ومثل قوله : ( مافرطنافى الكتاب من شئ ( 5 ) وقوله : اليوم
أكملت لكم دينكم ) وهو يريد بإنزال القرآن - فالسنة إذن في محصول الامربيان
* ( هامش ) * ( 1 ) رواه أبوداود والترمذي والدارمي
( 2 ) أي السنة الثابتة .
( 3 ) أي جامع لكليات الشريعة وأصولها .
( 4 ) قال تعالى في سورة النحل : " وأنزلنا عليك الكتاب تبيانالكل شئ وهدى ورحمة وبشرى
للمسلمين " .
( 5 ) أي من أمورالدين وغير الدين . *
ـ 41 ـ
لمافيه ، وذلك معنى كونها راجعة إليه ، وأيضا فالاستقراء التام دل على ذلك
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 41 سطر 1 الى ص 50 سطر 26
لمافيه ، وذلك معنى كونها راجعة إليه ، وأيضا فالاستقراء التام دل على ذلك
وقد تقدم في أول كتاب الادلة أن السنة راجعة إلى الكتاب ، وإلا وجب
التوقف عن قبولها وهو أصل كاف في هذاالمقام " إلى أن قال : " إن السنة تطاع
لانهابيان للقرآن ، فطاعة الله العمل بكتابه ، وطاعة الرسول العمل بمابين به
كتاب الله تعالى قولا أو عملا أو حكما . ولو كان في السنة شئ لا أصل له في
الكتاب لم تكن بيانا له ، ولا يخرج من هذامافي السنة - من التفصيل لاحكام
القرآن الاجمالية وإن كانت تتراءى أنهاليست منه كالصلاة المجملة في القرآن
والمفصلة في السنة ، ولكننا علمنا بهذا التفصيل أنه مرادالله في الصلاة التي ذكرهافي
كتابه مجملة " .
وقال ( 1 ) : إن السنة توضح المجمل ، وتقيد المطلق ، وتخصص العموم .
وقال ( 2 ) : إن السنة إنما جاءت مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه .
وسئل الامام أحمد عن الحديث الذي روى في أن السنة قاضية على الكتاب
فقال : ما أجسرعلى هذاأن أقوله ، ولكني أقول إن السنة تفسر القرآن وتبينه ( 3 ) .
وكان الامام مالك " يراعي كل المراعاة العمل المستمر والاكثر ويترك ما سوى
ذلك وإن جاءفيه أحاديث . وقال : أحب الاحاديث إلي ما اجتمع الناس عليه ( 4 ) .
وفي روح البيان للآلوسى أن الامام الشافي قال : جميع ما حكم به النبي فهو
مما فهمه من القرآن .
وقال الامام الشافعي : لاتخالف سنة لرسول الله كتاب الله بحال ( 5 ) .
وقال الفقيه المحدث السيد رشيد رضارحمه الله : والنبي مبين للقرآن بقوله
وفعله ويدخل في البيان التفصيل والتخصيص والتقييد ولكن لايدخل فيه إبطال
حكم من أحكامه أونقض خبرمن أخباره ، ولذلك كان التحقيق " أن السنة
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 21 ج 1 .
( 2 ) ص 43 ج 3 أكثرنامن النقل عن هذا الكتاب لانه كماقال أستاذنا الامام محمد عبده : " من
الكتب النفيسة التي لم يؤلف مثلها " .
( 3 ) ص 26 ج 4 ا لموافقات للشاطبي وص 23 - 1 تفسير القرطبي .
( 4 ) ص 66 و70 ج 3 ا لموافقات .
( 5 ) ص 576 من الرسالة طبعة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله . *
ـ 42 ـ
لا تنسخ القرآن " . . والعمدة في الدين كتاب الله تعالى في المرتبة الاولى والسنة العملية
المتفق عليها في المرتبة الثانية وماثبت عن النبي ، وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة
في الدرجة الثالثة - ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلما ناجيافى الآخرة مقربا عند
الله تعالى وقد قرر ذلك الغزالي ( 1 ) .
حكم كلام الرسول في الامور الدنيوية
هذاما رأينا إيراده من كلام كبارالائمة من حيث بيان درجة كلام الرسول
في الامور الدينية - أماكلامه صلوات الله عليه في الامور الدنيوية فإنه كماقالوا
من الآراء المحضة ويسميه العلماء " أمر إرشاد " ، أي أن أمره صلى الله عليه وسلم في أي
شئ من أمور الدنيا يسمى إرشادا - وهو يقابل " أمرتكليف " . ومن القواعد
الاصولية أن العمل بأمر الارشاد - لا يسمى واجباولا مندوبا ، لانه لا يقصد به
القربة ولا فيه معنى التعبد . ومن المعلوم أنه : لا دليل على وجوب أو ندب إلا بدليل
خاص .
وماذكره العلماءفي ذلك إنماهولان الرسل غير معصومين في غير التبليغ .
قال السفاريني في شرح عقيدته ( 2 ) :
قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين : وإنهم معصومون فيما يؤدونه عن الله تعالى
وليسوا بمعصومين في غيرذلك من الخطأ والنسيان والصغائر . وقال ابن عقيل في
الارشاد : إنهم عليهم السلام لم يعتصموافي الافعال - بل في نفس الاداء ولا يجوز
عليهم الكذب في الاقوال فيما يؤدونه عن الله تعالى . وهذاينكره علماء الشيعة فإنهم
أجمعواعلى أن الانبياء لا يخطئون ولا يعتريهم السهو والنسيان - وهم مجمعون على
أنهم معصومون في الكبر والصغر حتى في أمور الدنيا .
وقدثبت أن النبي كان يصدق بعض ما يفتريه المنافقون ، كما وقع في غزوة
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 694 ج 12 المنار وقرر الغزالي ذلك في كتابه القسطاس المستقيم .
( 2 ) 291 ج 2 . *
ـ 43 ـ
تبوك وغيرها وصدق بعض أزواجه ، وتردد ، في حديث الافك وضاق صدره به زمنا
حتى نزل عليه آيات البراءة فكشفت له الغطاء عن الحقيقة .
قال القاضي عياض ( 1 ) : أما أحواله في أمور الدنيا فقد يعتقدالشئ على
وجه ويظهر خلافه ، أويكون منه على شك أو ظن بخلاف أمورالشرع . عن
رافع بن خديج ( 2 ) قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل
فقال : ما تصنعون ؟ قالوا : كنا نصنعه ، قال : " لعلكم لولم تفعلواكان خيرا ،
فتركوه فنفضت ، فذكروا ذلك له . فقال : " إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم
فخذوابه وإذا أمرتكم بشئ من رأيي فإنما أنا بشر " . وفي رواية أنس " أنتم أعلم
بأمر دنياكم " وفي حديث آخر إنماظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن . وفي حديث ابن
عباس في قصة الخرص ( 3 ) فقال رسول الله : " إنما أنا بشر فما حدثتكم عن الله فهو
حق ، وماقلت فيه من قبل نفسي فإنماأنا بشر أخطئ أصيب " . وهذاعلى ما قررنا
فيماقاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها ، ولما نزل بأدنى مياه بدر
قال له الحباب بن المنذر : أهذا منزل أنزلكه الله ليس لناأن نتقدمه أم هوالرأي
والحرب والمكيدة ؟ قال : لابل الرأي والحرب والمكيدة . قال : فإنه ليس
بمنزل ! انهض حتى نأتي أدنى ماءمن القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب
فنشرب ولا يشربون . فقال : أشرت بالرأي . وفعل ما قاله . وأراد مصالحة بعض
عدوه على ثلث تمر المدينة فاستشار الانصار فلما أخبروه برأيهم رجع عنه . فمثل
هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لامدخل فيهاديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها
يجوز عليه فيهاما ذكرناه .
وقال ( 4 ) وأماما يعتقده في أمور أحكام البشر الجارية على يديه وقضاياهم
ومعرفة المحق من المبطل ، وعلم المصلح من المفسد فبهذه السبيل ، لقوله صلى الله
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 178 و179 ج 2 الشفاء .
( 2 ) هذه الاحاديث رواهامسلم في كتابه ، بألفاظ مختلفة وظاهرها هو في الضابط القطعي بين ماقاله
الرسول رأيا وإرشادا ، وبين ما قاله تشريعا .
( 3 ) كانواقد مروا بشجر مثمر يخرصونه يجربون حدسهم ، وخرصها النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت
على خلاف خرصه .
( 4 ) ص 180 ج 2 من الشفاء . *
ـ 44 ـ
عليه وسلم : " إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته
من بعض فأقضى له على نحوماأسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه بشئ
فلايأخذ منه شيئافإنما أقطع له قطعة من النار " ( عن أم سلمة ) . وفي رواية الزهري
عن عروة " فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضى له " .
وهوصلى الله عليه وسلم يجري أحكامه على الظاهر وموجب غلبات الظن بشهادة
الشاهد ويمين الحالف ومراعاة الاشبه . . . إلخ .
وقال ( 1 ) : فأما ماتعلق منها ( أي معارف الانبياء ) بأمر الدنيافلا يشترط في
حق الانبياء العمصة من عدم معرفة الانبياء ببعضها أو اعتقادها على خلاف ماهي
عليه ، ولا وصم عليهم فيه
وقال صلى الله عليه وسلم : إني لاأعلم إلا ما علمني ربي . وقال موسى للخضر
( هل أتبعك على أن تعلمن مماعلمت رشدا ) ( 2 ) .
وقال الوزير اليماني في الروض الباسم :
غيرخاف عمن له أنس بقواعد العلماء أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم
عند المحقيقين لا تدل بنفسها على الوجوب ، ولا على الندب ، وإنما تدل على
الاباحة - والقدر المقطوع به أنه لم يكن يفعل المعاصي المحرمة ، فإن فعل شيئامن
الصغائر سهوالم يقرعليه ، وبين الله تعالى ذلك - وقال المحققون : إذافعل فعلا
نظرنا ، هل دلت القرائن على أنه فعل ذلك متقربا به إلى الله تعالى أولا ، فإن لم تدل
القرائن على ذلك لم يستحب التأسي به وكان من فعله على الاباحة ، من شاءفعله
ومن شاءتركه ، ومن ذلك إقراره لعمربن الخطاب على مخالفة رأيه في قصة
أسرى بدر ( 3 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) 107 ج 2 .
( 2 ) ص 109 من نفس المصدر .
( 3 ) ص 142 ج 1 . *
ـ 45 ـ
مجرد أمر الرسول لا يقتضي الوجوب
روى محمدبن الحنفية رحمه الله عن أبيه أمي رالمؤمنين عليه السلام قال :
كان قد كثرعلى مارية القبطية أم إبراهيم في ابن عم لهاقبطي كان يزورها ،
ويختلف إليها ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : خذ هذاالسيف وانطلق ، فإن
وجدته عندها فاقتله . قلت : يارسول الله ، أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة
المحماة ، أمضى لما أمرتني ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال لي النبي
صلى الله عليه وسلم : " بل الشاهديرى ما لا يرى الغائب " فأقبلت متوشحا بالسيف
فوجدته عندها ، فاختلطت السيف فلما أقبلت نحوه ، عرف أني أريده ، فأتى
نخلة فرقى إليها ، ثم رمى بنفسه على قفاه ، وشغر برجليه ، فإذابه أجب أمسح ،
ما له مما للرجال قليل ولا كثير ، قال فغمدت السيف ، ورجعت إلى النبي صلى
الله عليه وسلم فأخبرته فقال : الحمد لله يصرف عناأهل البيت .
قال الشريف المرتضى في تعليقه على هذاالخبر :
وممافيه من الاحكام اقتضاؤه أن مجرد أمرالرسول صلى الله عليه وسلم لايقتضي
الوجوب ، لانه لو اقتضى ذلك لما حسنت مراجعته ولا استفهامه ، وفي حسنها ووقوعها
موقعها دلالة على أنهالا تقتضي ذلك ( 1 ) .
وفي طبقات الاطباء والحكماء لابن جلجل عن سعدبن أبي وقاص قال :
مرضت مرضا فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : ائت الحارث بن
كلدة فإنه رجل بتطيب .
فأمر رسول الله بإتيان الاطباء ومسألتهم عمابين أيديهم ( 2 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 77 و78 ق 1 أمالي المرتضى .
( 2 ) ص 54 وهذا الكتاب من مطبوعات المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة . *
ـ 46 ـ
النهي عن كتابة الحديث
كان رسول الله صلوات الله عليه - كماقلنا - مبينا ومفسرا للقرآن بفعله
وقوله ، ولكن أقواله في هذاالبيان أوفى غيره لم تحفظ بالكتابة كما حفظ القرآن ،
فقد تضافرت الادلة النقلية الوثيقة ، وتواتر العمل الثابت الصحيح على أن أحاديث
الرسول صلوات الله عليه لم تكتب في عهده كماكان يكتب القرآن ولا كان لها
كتاب يقيدونها عند سماعهامنه وتلفظه بهاكماكان للقرآن كتاب ومعروفون يقيدون
آياته عندنزولها ، وقد جاءت أحاديث صحيحة وآثار ثابتة تنهى كلهاعن كتابة
أحاديثه صلى الله عليه وسلم نجتزئ هنابذكر بعضها :
روى أحمد ومسلم والدارمي ، والترمذي والنسائي ، عن أبي سعيد الخدرى
قال : قال رسول الله : " لا تكتبواعني شيئا سوى القرآن فمن كتب عني غيرالقرآن
فليمحه ( 1 ) " ، وأخرج الدارمي عن أبي سعيدكذلك : أنهم أستأذنوا النبي صلى الله
عليه وسلم في أن يكتبواعنه فلم يأذن لهم . وراية الترمذي عن عطاء بن يسار
عن أبي سعيد قال : استأذنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فلم يأذن لنا ( 2 ) .
( ومن مراسيل ابن أبي مليكة ) أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال :
إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تختلفون فيها ، والناس
بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثواعن رسول الله شيئا ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم
كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه ( 3 ) .
وروى حافظ المغرب ابن عبدالبر والبيهقي في المدخل عن عروة - أن عمر أراد
* ( هامش ) * ( 1 ) لهذا الحديث صيغ كلها تتفق في المعنى . والدارمي شيخ البخاري .
( 2 ) ص 91 ج 2 طبع الهند ، وقد أملى النبي صلى الله عليه وسلم كتابافي الشرائع والاحكام جهز بها
رسله وعماله في الاقطار المفتوحة بعضهافي الصدقات والفرائض ولا يتعدى ما كتب عن الرسول في عصره
عشرصحفات في أمور يجب أن تحفظ بنصوصها لكي لا يعتورها التغيير والتشويه .
( 3 ) ص 3 تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 . *
ـ 47 ـ
أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله في ذلك - رواية البيهقي - فاستشار ،
فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير الله شهرا ، ثم أصبح يوماوقد عزم الله
له ، فقال : إني كنت أريد أن أكتب السنن ، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم
كتبوا كتابا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشئ
أبدا . ورواية البيهقي " لا ألبس كتاب الله بشئ أبدا " .
وعن يحيى بن جعدة أن عمربن الخطاب أراد أن يكتب السنة ثم بدا له أن
لايكتبهاثم كتب في الامصارمن كان عنده شئ فليمحه ( 1 ) .
وروى ابن سعدعن عبدالله بن العلاءقال : سألت القاسم بن محمد أن يملي
علي أحاديث ، فقال : إن الاحاديث كثرت على عهد عمربن الخطاب ( 2 ) فأنشد
الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال : مثناة كمثناة أهل الكتاب ،
قال ( 3 ) فمنعنى الناس القاسم بن محمديومئذ أن أكتب حديثا .
ودخل زيدبن ثابت على معاوية فسأله عن حديث ، وأمر إنساناأن يكتبه فقال
له زيد : " إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمرنا ألا نكتب شيئامن حديثه ،
فمحاه . وعن عبدالله بن يسارقال : سمعت عليايخطب يقول : أعزم على كل من
عنده كتاب إلا رجع فمحاه ، فإنماهلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم
وتركوا كتاب ربهم .
وعن الاسود بن هلال قال : أتى عبدالله بن مسعود بصحيفة فيهاحديث
فدعابماء فمحاها ثم غسلها ثم أمر بها فأحرقت . ثم قال أذكرالله رجلا يعلمها عند
أحدإلا أعلمني به ، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها ، بهذاهلك أهل الكتاب
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 64 و65 ج 1 جامع بيان العلم وفضله وص 206 ج 1 / 3 طبقات ابن سعد طبعة ليدن
وماخشيه عمرقدوقع .
( 2 ) بدأت رواية الحديث تكثرفى عهد عمر فترى ماذايكون الامربعد وفاة عمر .
( 3 ) ص 140 ج 5 طبقات ابن سعدوص 52 تقييد العلم للبغدادي . ولعل عمريقصد أن يمثل
ذلك بماصنعه اليهود عند ما تركوا التوراة وعملوا بمجموعة الروايات ا لاسرائيلية وسموها " مثناة " ومن مختار
الصحاح عن أبي عبيدة أن الاحبار والرهبان وضعوا بعد موسى عليه السلام كتابا فيما بينهم على ما أرادوا من
غيركتاب الله فهو " المثناة " ويرويها بعضهم بالسين المهملة . وجاءفي كتاب مقالة في الاسلام بالشين -
المشناة . *
ـ 48 ـ
قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ! وهناك غيرذلك
أخبار كثيرة يرجع إليها في كتابي جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر وتقييد
العلم للبغدادي وغيرهما . ولئن كان هناك بعض أحاديث رويت في الرخصة بكتابة
الاحاديث إن أحاديث النهي أصح وأقوى ، بله ما جرى عليه العمل في عهد
الصحابة والتابعين .
وقدعقد الفقيه المحدث السيد رشيد رضا رحمه الله فصلاقيمافي التعادل
والترجيح بين روايات النهي وروايات الرخصة نأتي به هنا ليكون مقطع الحق في
هذاالامر . قال رحمه الله ( 1 ) :
إن أصح ما وردفى المنع من كتابة الحديث مارواه أحمدفي مسنده ومسلم
في صحيحه وابن عبدالبر في كتاب العلم وغيرهم عن أبي سعيد الخدرى مرفوعا :
" لا تكتبواعني شيئا إلا القرآن فمن كتب غيرالقرآن فليحمه " .
وإن أصح ما وردفي الاذن حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما مرفوعا :
" اكتبوالابي شاه " وهولا يعارض حديث أبي سعيد وما في معناه على قاعدتنا التي
مدارهاعلى أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن كتابة حديثه مراده به ألا تتخذ دينا
عاما كالقرآن ، وذلك أن ما أمر بكتابته لابي شاه هوخطبة خطبهاصلى الله عليه
يوم فتح مكة موضوعها تحريم مكة ولقطة الحرم ، وهذامن بيانه صلى الله عليه وسلم
للقرآن الذي صرح به يوم الفتح وصرح به في حجة الوداع وأمر بتبليغه -
فهوخاص مستثنى من النهي العام . قد صرح البخاري في باب اللقطة من صحيحه
بأن أباشاه اليمني طلب أن تكتب له الخطبة المذكورة فأمر صلى الله عليه وسلم
بإجابة طلبه .
ولو فرضنا أن بين أحاديث النهي عن الكتابة والاذن بها تعارضا يصح أن
يكون به أحدها ناسخا للآخر ، لكان لناأن نستدل على كون النهي هوالمتأخر
بامرين أحدهما استدلال من روى عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها
بالنهي عنها ، وذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . وثانيهما عدم تدوين الصحابة
الحديث ونشره ، ولو دونوا ونشروا لتوافر ما دونوه .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 766 وما بعدها من المجلد العاشر في المنار وص 511 وما بعدمامن المجلد 19 من *
ـ 49 ـ
فعزيمة على ( رضي الله عنه ) على من عنده كتاب أن يمحوه وقول أبي سعيد
الخدري : " تريدون أن تجعلوها مصاحف " ( 1 ) وقول عمربن الخطاب عند الفكر في
كتابة الاحاديث أوبعدم الكتابة " لاكتاب مع كتاب الله " في الرواية الاولى
وقوله في الرواية الثانية بعد الاستشارة في كتابتها : " والله إني لا أشوب كتاب الله
بشئ أبدا " ، وقول إبن عباس : " كنا نكتب العلم ولا نكتبه " . أي لا نأذن لاحد
أن يكتب عنا - ونهيه في الرواية الاخرى عن الكتابة . . ومحو زيدبن ثابت للصحيفة
ثم إحراقها وتذكيره بالله من يعلم أنه توجد صحيفة أخرى في موضع آخر ولو بعيدا
أن يخبره بهاليسعى إليها ويحرقها - وقول سعيد بن جبير عن ابن عمر ، إنه
لوكان يعلم بأنه يكتب عنه لكان ذلك فاصلا بينهما ، ومحو عبدالله بن مسعود
للصحيفة التي جاءه بها عبدالرحمن بن الاسود وعلقمة وقوله عندذلك " إن هذه
القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره " .
كل هذاالذي أورده ابن عبدالبر وأمثاله ممارواه غيره كإحراق أبي بكرلما كتبه ( 2 )
وعدم وصول شئ من صحف الصحابة إلى التابعين وكون التابعين لم يدونوا الحديث
لنشره إلابأمره الامراء - يؤيد ما وردمن أنهم كانوا يكتبون الشئ لاجل حفظه
ثم يمحونه . وإذاأضفت إلى هذاماورد في عدم رغبة كبار الصحابة في التحديث
بل في رغبتهم عنه بل في نهيهم عنه ( 3 ) - قوى عندك ترجيح كونهم لم يريدواأن
يجعلوا الاحاديث ( كلها ) دينا عاما دائما كالقرآن . ولو كانوا فهموا عن النبي
( صلى الله عليه وسلم ) أنه يريد ذلك لكتبوا ولامروا بالكتابة ، ولجمع الراشدون
ما كتب وضبطواما وثقوابه وأرسلوه إلى عمالهم ليبلغوه ويعملوابه ، ولم يكتفوا بالقرآن
* ( هامش ) * ( 1 ) عن أبي نضرة قال : قلت لابي سعيد الخدري : ألا نكتب ما نسمع منك ؟ قال : أتريدون أن
تجعلوها مصاحف ؟ إن نبيكم كان يحدثنا فنحفظ ( ص 27 تقييد العلم للخطيب البغدادي ) .
( 2 ) يشيرالسيد رشيدبذلك إلى الخبرالذى رواه الحاكم عن عائشة ونقله الحافظ الذهبي في تذكرة
الحفاظ ص 5 ج 1 الذي قالت فيه : جمع أبي الحديث عن رسول الله فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب
ولما أصبح قال : أي بنية هلمي الاحاديث التي عندك فجئته بها فأحرقها وقال : خشيت أن أموت وهي عندك
فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ، ولم يكن كماحدثني فأكون قد تقلدت ذلك !
والسيد رشيد إذا أشار إلى خبرفي مثل ذلك أواستشهد بحديث فثق بأنه صحيح لا ريب فيه لانه كان
من صيارفة الحديث .
( 3 ) سترى ذلك كله فيمابعد . *
ـ 50 ـ
والسنة المتبعة المعروفة للجمهور يجريان العمل بها .
وبهذايسقط قول من قال : إن الصحابة كانوا يكتفون في نشر الحديث
بالرواية ، وإذا أضفت إلى ذلك كله حكم عمربن الخطاب على أعين الصحابة
بمايخالف بعض تلك الاحاديث ، ثم ماجرى عليه علماء الامصار في القرن الاول
والثاني من اكتفاء الواحد منهم كأبي حنيفة بمابلغه ووثق به من الحديث وإن قل ،
وعدم تعينه في جمع غيره إليه ليفهم دينه ويبين أحكامه - قوى عندك ذلك
الترجيح .
بل تجد الفقهاء - بعد اتفاقهم على جعل الاحاديث أصلا من أصول الاحكام
الشرعية ، وبعد تدوين الحفاظ لهافي الدواوين وبيان ما يحتج به وما لا يحتج به -
لم يجمتعوا على تحرير الصحيح والاتفاق على العمل به ، فهذه كتب الفقه في المذاهب
المتبعة ولا سيما كتب الحنفية فالمالكية فالشافعية ، فيهامئات من المسائل المخالفة
للاحاديث المتفق على صحتها ، ولايعد أحدمنهم مخالفا لاصول الدين .
أما مارووه عن أبي هريرة من قوله : إن عبدالله بن عمروكان يكتب
ولاأكتب فليس حجة شرعية وهو لا يدل على أن ابن عمرو كان يكتب بأمرالنبي
ولا بإقراره فيصلح معارضا لحديث نهيه ( صلى الله عليه وسلم ) عن كتابة شئ عنه
غيرالقرآن - ( على أن ماكتبه عبدالله بن عمرو إنماكان أدعية كماسيتبين ذلك
في موضعه ) .
وقد أورد ابن القيم في أعلام الموقعين شواهد كثيرة جدا من رد الفقهاء
للاحاديث الصحيحة عملا بالقياس أو لغير ذلك - ومن أغربها أخذهم ببعض
الحديث الواحد دون باقيه - وقدأورد لهذا أكثر من ستين شاهدا ( 1 ) .
وقد ذكرواأن نهي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن كتابة حديثه إنما كان
لخوفه من إختلاط الحديث بالقرآن ، وهوسبب لا يقتنع به عاقل عالم ، ولا يقبله
* ( هامش ) * ( 1 ) انظر فيمابعد موقف علماء الفقه من كتب الحديث . وقال رحمه الله في ص 288 من تفسيره
السادس : " ونحن نجزم بأننا نسينا وأضعنامن حديث نبيناصلى الله عليه وسلم حظا عظيمالعدم كتابة
علماء الصحابة كل ما سمعوه ولكن ليس منه ماهوبيان للقرآن أو من أمورالدين . *
ـ 51 ـ
محقق دارس اللهم إلا إذا جعلنا الاحاديث من جنس القرآن في البلاغة وأن أسلوبها
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 51 سطر 1 الى ص 60 سطر 23
محقق دارس اللهم إلا إذا جعلنا الاحاديث من جنس القرآن في البلاغة وأن أسلوبها
في الاعجاز من أسلوبه - وهذاما لايقره أحد حتى الذين جاءوا بهذا الرأي ،
إذ معناه إبطال معجزة القرآن وهدم أصولهامن القواعد .
هذاعلى أن الاحاديث لوكانت قد كتبت فإنماذلك على أنها أحاديث
للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وبين الحديث والقرآن ولاريب فروق كثيرة يعرفهاكل
من له بصر بالبلاغة وذوق في البيان . ومن ثم كانت تؤثرعلى هذه الصفة - وإذا
كتبها الصحابة بعد إنتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الاعلى ووزعوا منها نسخا
على الامصار كما فعلوا بالقرآن فيكون ذلك على أنها أحاديث ، ويتلقاها المسلمون على أنها
كلام النبي ، ويظل أمرهاعلى ذلك جيلا بعدجيل فلا يدخلها الشوب ، ولايعتريها
التغيير ولا ينالها الوضع . على أن هذاالسبب الذي يتشبثون به قد زال بعد أن كتب
القرآن في عهدأبي بكرعلى مارووه وبعدأن نسخ في عهد عثمان ووزعت
منه نسخ على الامصار وأصبح من العسير بل من المستحيل أن يزيدواعلى القرآن
حرفاواحدا ، ومالهم يذهبون إلى اختراع الاسباب وابتداع العلل وقدبين كبار
الصحابة أنفسهم السبب الحق في عدم كتابة الحديث كماتبين لك من قبل .
وقديكون قريبامن الصواب في حكمة نهي النبي عن كتابة حديثه هولكي
لا تكثرأوامر التشريع ولاتتسع أدلة الاحكام ، وهوما كان يتحاشاه ( صلى الله
عليه وسلم ) حتى كان يكره كثرة السؤال - أو يكون من أحاديث في أمورخاصة
بوقتها بحيث لايصح الاستمرار في العمل بها ( 1 ) .
وقبل أن نفرغ من هذاالفصل لابد لناأن نشيرإلى حديث يروونه ليجعلوا
كل الاحاديث من وحي الله كالقرآن الكريم ، وهذا الحديث هو ( 2 ) :
* ( هامش ) * ( 1 ) ونضرب لذلك مثلا أن بعض الصحابة أولم للنبي وبعض الصحابة وليمة أكلوا فيها لحم
جزور ، وبعد أن فرغوامن طعامهم خرج من أحدهم ريح وصل إلى أنوف المدعويين ، فرأى النبي - لكي
لاينال من أحدث ذلك خزى - أن يقول لهم جميعا : " من أكل لحم جزور فليتوضأ " . ومن الغريب أن كثيرا
من الفقهاء قد جعلوا هذا الحكم عاما فيأمرون بأن يتوضأ كل من أكل لحم الجمال وفاتهم أن الوضوء إنما
يكون من شئ يخرج من السبيلين لا ممايدخل الجوف .
( 2 ) روى هذا الحديث أبوداود والدارمي وابن ماجة ولم يروه البخاري ومسلم وهومثل القرآن كما
يزعمون أو شطره كمايروون ! *
ـ 52 ـ
" ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه " وفي وراية : " إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه " .
وهذا الحديث من أغرب ما قذفته الرواية في سيلها ! لان النبي إذاكان قد أوتي مثل
" الكتاب " أو " مثل القرآن " فمعنى ذلك أنه قد أوتي ذلك ليكون تماماعلى القرآن
وإكمالا له لبيان دينه وشريعته - وإذاكان الامركذلك فلم لم يعن النبي بكتابة
هذا " المثل " في حياته ، عندما تلقاه عن ربه ، كماعنى بكتابة القرآن ؟ ولم لم يجعل
له كتابا يقيدونه عندنزوله ، كماجعل للقرآن كتابا ؟ ولم اقتصرفى النهي عن كتابة
غيرالقرآن وأغفل هذا المثل فقال : " لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن " ولم يقل -
غير ما أوتيته معه وهو " مثله ! ! " .
وهنايجوز لسائل أن يسأل :
هل يصح أن يدع النبي نصف ما أوحاه الله إليه يغدو بين الاذهان بغير
قيد ، يمسكه هذا ، وينساه ذاك ، ويتزيدفيه ذلك ! ممايصيب غيرالمدون في
كتاب محفوظ ؟ وهل يكون الرسول بعمله هذاقد بلغ الرسالة على وجهها ، وأدى
الامانة إلى أهلها ! ! وأين كان هذا الحديث عندماقال النبي في مرضه
الاخيرالذي انقلب بعده إلى ربه ، وبعد أن نزلت الآية : " اليوم أكملت لكم دينكم
وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الاسلام دينا " : إني والله ما تمسكوا علي
بشئ ، إني لم أحل إلاما أحل القرآن ، ولم أحرم إلا ماحرم القرآن ( 1 ) ، ثم أين كان
هذا الحديث عندماقال أبوبكر للناس : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله
وحرموا حرامه !
وعندماقال عمرعندما طلب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يحتضر أن
يكتب للناس كتابا لن يضلوابعده : حسبنا كتاب الله !
ولم لم يشفق عمرمن ضياع هذا " المثل " ، وهو بزعمهم نصف ما أوحى الله
به إلى النبي ، فيذكره لابي بكر عندما فزع إليه في أن يجمع القرآن ويكتبه بعد
وقعة اليمامة ؟ !
ثم أين كان هذاالمثل عند ما أجابت عائشة في خلق النبي ، إذكان عليهاأن
تقول كان خلقه القرآن ومثله معه ؟ ولكن اكتفت بقولها : كان خلقه القرآن !
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 332 ج 4 سيرة ابن هشام . *
ـ 53 ـ
وأين ذهبت عانية الصحابة بهذا " المثل " فلم يكتبوه كما كتبوا القرآن في زمن
أبي بكر وعند ما نسخ في عهدعثمان ووزعت نسخه على الامصار ؟
إلاإنهم بإهمالهم هذا الامر الخطير إنما يكونون قد تركوا " نصف الوحي "
بغيرتدوين ، ويصبحون بذلك جميعامن الآثمين ( 1 ) .
الصحابة ورواية الحديث
إذاكانت الآثار الصحيحة قدجاءت في نهي النبي ( صلى الله عليه وسلم )
عن كتابة حديثه ، والاخبار الوثيقة قد ترادفت بأن صحابته قد استمعوا إلى نهيه ،
ولم يكتبوا حديثه بعدموته - كماعلمت ممامر بك - فإنانجد هؤلاء الصحابة
لم يقف بهم الامر عند ذلك ، وإنما كانوا يرغبون عن رواية الحديث وينهون عنها
وأنهم كانوا يتشددون في قبول الاخبار تشديدا قويا .
روى الذهبي في تذكرة الحفاظ قال : من مراسيل إبن أبي مليكة ( 2 ) أن
الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال : إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث
تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثواعن رسول الله شيئا ، فمن
سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله ، وحرموا حرامه .
وروى ابن عساكرعن محمدبن إسحاق قال : أخبرني صالح بن إبراهيم
* ( هامش ) * ( 1 ) بعد صدور الطبعة الاولى من كتابنا هذا في سنة 1958 جاءنا كتيب من الهندبعث به إلينا
صديقنا العلامة عبدالحميد الخطيب رحمه الله من دمشق ووصل إلينافى يوم السبت الموافق 6 فبراير
سنة 1960 واسم هذا الكتيب رسالة " الذب عن العرب " تأليف عبدالعزيز إسماعيل الخالدي ومطبوع في
بلاد الهند في سنة 1368 ( 1948 ) وهي رسالة قيمة تنم عن علم مؤلفها وفضله ، بين فيهاما بثه
علماء الفرس في دين الاسلام إنتقاما منه لما دك عروش ملوكهم وقضى على دولتهم وملكهم ، وقدجعل هذا
الحديث الذي تكلمناعنه ممابثوه في الدين الاسلامي ( ص 14 ) وذلك ليفسدوابه الاحكام الدين بعدأن
عجزواعن أن ينالوامن القرآن الكريم . فالحمد لله على توفيقه وأن مانفهمه في ديننايقول به علماء كبار من
غيربلادنا .
( 2 ) ص 3 ج 1 - وابن أبي مليكة هو عبدالله بن عبيدالله بن أبي الملكية القرشي التميمى الملكي .
قاضي مكة في زمن ابن الزبيركان إماما فقيها فصيحا مفوها ، اتفقواعلى توثيقه ، وممن روى عنه الليث بن
سعد توفى ، توفى سنة 117 ه ، وص 63 من كتاب التشريع الاسلامي للشيخ محمد الخضري . *
ـ 54 ـ
ابن عبدالرحمن بن عوف قال : ما مات عمربن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب
رسول الله فجمعهم من الآفاق ، عبدالله بن حذيفة وأبا الدرداء وأبا ذر وعقبة
ابن عامر ، فقال : ما هذه الاحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق ؟ قالوا :
تنهانا ؟ قال : لا ، أقيموا عندي ، لا والله لا تفارقوني ما عشت فنحن أعلم ،
نأخذ منكم ، ونرد عليكم ، فما فارقوه حتى مات ( 1 ) . وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ
عن شعبة عن سعدبن إبراهيم عن أبيه عن عمرحبس ابن مسعود وأبا الدرداء
وأبا مسعود الانصاري فقال : قد أكثرتم الحديث عن رسول الله ( 2 ) ، وكان قد حبسهم
في المدينة ثم أطلقهم عثمان ( 3 ) .
وروى ابن عساكر عن السائب بن يزيدقال : سمعت عمربن الخطاب يقول
لابي هريرة : لتتركن الحديث عن رسول الله أو لالحقنك بأرض دوس ( أي بلاده ) .
وقال لكعب الاحبار : لتتركن الحديث عن الاول أو لالحقنك بأرض القردة .
وكذلك فعل معهما عثمان بن عفان ( 4 ) .
وروى ابن سعد وابن عساكرعن محمودبن لبيد - واللفظ لابن سعد قال :
سمعت عثمان بن عفان على المنبر يقول : لايحل لاحديروي حديثالم يسمع به في
عهد أبي بكرولا في عهد عمر ، فإنه لم يمنعني أن أحدث عن رسول الله أن لا أكون
من أوعى أصحابه ، إلا أني سمعته يقول : من قال علي مالم أقل فقد تبوأ مقعده من
النار .
وفي جامع بيان العلم وفضله ( 5 ) لحافظ المغرب ابن عبدالبرعن الشعبي عن قرظة
ابن كعب قال :
* ( هامش ) * ( 1 ) أخرجه ابن عساكر ومحمد بن إسحاق .
( 2 ) ص 7 ج 1 ، وص 123 تأريخ التشريع الاسلامي للخضري ، وص 161 من كتاب تمهيد
لتأريخ الفسلفة الاسلامية للشيخ مصطفى عبدالرازق .
( 3 ) قال أبوبكربن " العربي في العواصم من القواصم " وهويدافع عن عثمان فيما نسبوه إليه من
المظالم والمناكير ما نصه : ومن العجيب أن يأخذ عليه في أمر فعله عمر ! فقد روى أن عمربن الخطاب
رضي الله عنه سجن ابن مسعود في نفرمن الصحابة سنة بالمدينة حتى استشهد فأطلقهم عثمان ، وكان سجنهم
لان القوم أكثروا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - ص 75 و76 .
( 4 ) راجع كتابنا " الشيخ المضيرة " الطبعة الثالثة .
( 5 ) ص 120 ج 2 . *
ـ 55 ـ
خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى صرار ( 1 ) ثم قال لنا : أ تدرون
لم مشيت معكم ؟ قلنا : أردت أن تشيعنا وتكرمنا ؟ قال : إن مع ذلك
لحاجة خرجت لها . إنكم لتأتون بلدة لاهلهادوي كدوي النحل فلاتصدوهم
بالاحاديث عن رسول الله وأنا شريككم ، قال قرظة : فما حدثت بعده حديثا عن
رسول الله . وفي رواية أخرى : إنكم تأتون أهل قرية لها دوي بالقرآن كدوى النحل
فلا تصدوهم بالاحاديث لتشغلوهم . جودوا القرآن ، وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا
شريككم . فلما قدم قرظة قالوا : حدثنا ! فقال : نهانا عمر ( 2 ) .
وفي الام للشافعي رواية الربيع بن سليمان : فلماقدم قرظة قالوا حدثنا !
قال : نهاناعمر !
وكان عمريقول : أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيمايعمل به ( 3 ) .
ولا غرابة في أن يفعل عمرذلك ، لانه كان لا يعتمد إلا على القرآن والسنة
العملية ، فقد روى البخاري عن ابن عباس أنه لما حضر رسول الله ( أي حضرته الوفاة )
وفي البيت رجال فيهم عمربن الخطاب قال النبي : هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا
بعده ، فقال عمر : " إن النبي غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله " :
وفي رواية : أن النبي يهجر .
وروى ابن سعد في الطبقات عن السائب بن يزيد أنه صحب سعدبن أبي وقاص
من المدينة إلى مكة ، قال : فما سمعته يحدث عن النبي حديثا حتى رجع ،
وسئل عن شئ فاستعجم وقال : إني أخاف أن أحدثكم واحدا فتزيدوا عليه
المائة ! وسعد هذامن كبار الصحابة ومن العشرة المبشرين بالجنة ( 4 ) كمايقولون .
وعن عمروبن ميمون قال :
اختلفت إلى عبدالله بن مسعودسنة ، فماسمعته فيهايحدث عن رسول الله
* ( هامش ) * ( 1 ) صرار : بالكسر موضع قرب المدينة ، وفي رواية : خرجنا فشيعنا .
( 2 ) هذه الزيادة من تذكرة الحفاظ للذهبي . وصححه الحاكم في المستدرك ص 102 ج 1
( 3 ) أي السنة العملية ص 107 ج 8 البداية والنهاية .
( 4 ) ص 102 / 2 / 2 . *
ـ 56 ـ
ولايقول قال رسول الله ، إلا أنه حدث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه قال
رسول الله ! فعلاه الكرب حتى رأيت العرق يتحدرعن جبينه ! ! ثم قال : إن شاء
الله إمافوق ذاك ، أوقريب من ذاك ، وإمادون ذاك .
وفي رواية عندإبن سعدعن علقمة بن قيس ، أن عبدالله بن مسعودكان
يقوم قائماكل عشية خميس فماسمعته في عشية منهايقول : قال رسول الله غيرمرة
واحدة ، فنظرت إليه وهو يعتمد على عصا - فنظرت إلى العصا تزعزع . .
وأخرج الدارقطني عن عبدالرحمن بن كعب قال : قلت لابي قتادة ،
حدثني بشئ سمعته عن رسول الله ، قال أخشى أن يزل لساني بشئ لم يقله
رسول الله
وأخرج البخاري عن السائب بن يزيد قال : صحبت طلحة بن عبيدالله
وسعدبن أبي وقاص والمقداد بن الاسود و عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهم
فماسمعت أحدامنهم يحدث عن رسول الله ، إلا أني سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد .
وقال ابن حجرفي شرح هذا الحديث ، قال ابن بطال وغيره كان كثيرمن كبار
الصحابة لايحدثون عن رسول الله خشية المزيد والنقصان ( 1 ) .
وأخرج أحمد وأبويعلي عن دجين قال : قدمت المدينة فلقيت أسلم مولى
عمربن الخطاب فقلت : حدثني عن عمر . فقال : لا أستطيع ، أخاف أن أزيد
أوأنقص ، كنا إذا قلنا لعمر : حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال :
أخاف أن أزيد أو أنقص ، إن رسول الله قال : من كذب علي فهوفى النار .
وأخرج ابن ماجة عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال : قلت لزيد بن أرقم :
حدثناعن رسول الله ، قال : كبرنا ونسينا ، والحديث عن رسول الله شديد .
وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ( 2 ) : وكان كثيرمن جلة الصحابة
وأهل الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس
ابن ع بدالمطلب يقلون الرواية عنه ، بل كان بعضهم لا يكاد يروى شيئاكسعيد
ابن زيد بن عمروبن نفيل وهوأحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، كمايروون .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 28 ج 6 من الفتح الباري .
( 2 ) ص 49 قال ابن تيمية عن ابن قتيبة إنه كان لاهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة لانه خطيب
السنة كماأن الجاحظ خطيب المعتزلة ، وهذاالكلام في صفحة 121 من تفسيرسورة الاخلاص . *
ـ 57 ـ
ولو أنت تصفحت البخارى ومسلم لما فيهما حديثا واحدالامين هذه
لامة أبي عبيدة عامربن عبدالله بن الجراح ، وليس فيهما كذلك حديث لعتبة
ابن غزوان وأبي كبشة مولى رسول الله وكثيرين غيرهم .
والاخبارفي ذلك كثيرة لايمكن استقصاؤها وإليك كلمة صغيرة نختتم بها
هذاالفصل . قال ابن القيم : إن الصحابة كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ويعظمونها
ويقللونها - خوف الزيادة والنقص - ويحدثون بالشئ الذي سمعوه من النبي مرارا .
ولايصرحون بالسماع ولايقولون : قال رسول الله ( 1 ) .
تشديد الصحابة في قبول الاخبار
كان الخلفاء الراشدون وكبار الصحابة وأهل الفتيا منهم - كماعلمت -
يتقون الرواية عن النبي ويهابونها بل كانوا يرغبون عنها ، إذ كانوا يعلمون أنهم
لا يستطيعون أن يؤدواكل ماسمعوه عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه الصحيح
لان الذاكرة لايمكن أن تضبط كل ماتمسع ، وماتحفظه مماتسمعه لايمكن أن
يبقى فيهاعلى أصله مهما تحرى الانسان الضبط ، وكذلك لم يأمنوامن يسمع منهم
أن يغير فيما سمعه بالزيادة أوالنقص أوالغلط أوالتبديل أو التحريف أوبغير
ذلك ، وهم بما عرفوا من أصول الدين وفروعه كاملة عن رسول الله ما كانوا ليرضوا
بما رضي به بعضهم ومن جاءبعدهم من رواية الحديث " بالمعنى " لانهم كانوا
يعلمون أن تغيير اللفظ يغير المعنى في الغالب ، وكلام الرسول ليس كغيره من
الكلام ، إذ كل لفظة من كلامه صلى الله عليه وسلم يكمن وراءها معنى خاص
يقصده هو ( صلى الله عليه وسلم ) . من أجل ذلك كانوا يتشددون في قبول الاخبار
من إخوانهم في الصحبة مهمابلغت درجاتهم ، ويحتاطون في ذلك أشد الاحتياط ،
حتى كان أبوبكرلا يقبل من أحد حديثا إلا بشاهدة من غيره على أنه سمعه من
الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقدوضع بعمله هذاأول شروط علم الرواية وهوشرط
الاسناد الصحيح . قال الذهبي في ترجمته ( 2 ) : إنه أول من احتاط في قبول الاخبار .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 128 ج 4 من أعلام الموقعين .
( 2 ) ص 3 ج 1 من تذكرة الحفاظ . *
ـ 58 ـ
روى ابن شهاب عن قبيصة أن الجدة جاءت أبابكر تلتمس أن تورث
فقال : ماأجد لك في كتاب الله شيئا ، وماعلمت أن رسول الله ذكرلك شيئا ،
ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال ، كان رسول الله يعطيها السدس فقال له : هل
معك أحد ؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبوبكر .
هذاهوعمل أبي بكر ، أماعمر فقد كان أشد من ذلك إحتياطا وتثبتا .
قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ( 1 ) : " وكان عمرشديد على من
أكثر الرواية - أو أتى بخبرفي الحكم لا شاهد عليه ، وكان يأمرهم بأن يقلوا
الرواية - يريد بذلك أن لايتسع الناس فيها ويدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب
من المنافق والفاجر والاعرابي ( 2 ) . "
وقدبلغ من شدة حرصه على صيانة الحديث أن ضرب أباهريرة على رواية
الحديث وأنذره بالنفي إلى بلاده إذاهو روى .
وقال الذهبي في طبقات الحفاظ : " وهوالذي سنن للمحدثين التثبت في النقل
وربماكان يتوقف في خبرالواحد إذاإرتاب " .
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال كنت في مجلس - من مجالس
الانصار - إذ جاء أبوموسى كأنه مذعور ! فقال : إستأذت على عمرثلاث ،
فلم يؤذن لي فرجعت . قال عمر : ما منعك ؟ فقال إستأذنت ثلاث فلم يؤذن لي
فرجعت . قال رسول الله : " إذااستأذن أحدكم ثلاث فلم يؤذن له فليرجع " ، فقال
والله لتقيمن عليه بينة - زاد مسلم - وإلا أوجعتك - وفي رواية ثالثة : فوالله
لاوجعن ظهرك وبطنك ، أولتأتين بمن يشهد لك على هذا - أمنكم أحد سمعه من
النبي ؟ فقال أبي بن كعب : والله لايقوم معك إلا أصغر القوم ، فكنت أصغر
القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي قال ذلك .
فانظر كيف تشدد عمرفي أمر ليس فيه حلال ولاحرام ، وقدر ماذا يكون
الامرلوكان الحديث في غيرذلك من أصول الدين أو فروعه !
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 48 .
( 2 ) قد وقع ماخشيه عمربعد أن إتسع الناس في الرواية فدخلها الشوب ووقع فيها التدليس
والكذب . ولاحول ولاقوة إلا بالله . *
ـ 59 ـ
وقد استند إلى هذه القصة من يقولون : إن عمركان لايقبل خبرالواحد ،
واستدل بهامن قال : إن خبرالعدل بمفرده لايقبل حتى ينضم إليه غيره ،
كمافي الشهادة ، وقال ابن بطال : يؤخذ منه التثبت في خبرالواحد لمايجوز عليه
من السهو وغيره . وقد رأيت من قبل مافعله مع أبي هريرة وغيره ، ولم تكثر أحاديث
أبي هريرة إلا بعد وفاة عمر ( 1 ) ، فقد روى عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقلت له -
أكنت تحدث في زمان عمرهذا ؟ قال : لوكنت أحدث في زمان عمرمثل ماأحدثكم
لضربني بمخفقته .
الكذب على رسول الله
شر الرذائل كلها الكذب - لا يختلف في ذلك أحد . وليس في خلال
الانسان أسوأ خلة من الافتراء ، ولا في أدواء الجماعات أعضل من داء البهتان ،
ولئن كان الكذب بين الافراد و الجماعات ممايمكن تداركه والقضاء عليه . إن
بلاءه ولاريب إنمايكون عميما ، وضرره يكون عظيما ، إذاكان على مثل رسول الله ،
فإن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره ، لانه رسول دين عام وصاحب شريعة
للناس كافة .
أخرج الطبراني عن رافع بن خديج قال ، قال رسول الله : لا تكذبواعلي
فإنه ليس كذب علي ككذب على أحد ( 2 ) .
وقد أتت الرسالة المحمدية بأصول في العقائد ليس لانسان مهمابلغ من العلم
أن يغير أصلامن أصولها ، وجاءت بأحكام في العبادات لا يجوز لاحد أن يزيد
فيها أو ينقص منها ، أويبدل شيئامن صورهاولا أزمانها ، ذلك بأن الاعمال الدينية
مبنية على قاعدتين : إحدهماألا يعبدإلا الله ، والثانية أن يعبد بما شرعه ،
وما عدا ذلك من نظم العمران وقواعد الاجتماع وغيرهما ، فقد وضع له الدين أسسا
عامة من العدل والرحمة والخير والمصلحة والمساواة والحرية وعدم الضرر والصدق .
* ( هامش ) * ( 1 ) في تأريخ أبي هريرة " شيخ المضيرة " مزيدمن القول في هذا الامر فارجع إليه في طبعته الثالثة
( 2 ) ص 10 و11 من تحذير الخواص . *
ـ 60 ـ
والامانة والاحسان وماإلى ذلك من أمهات الفضائل .
ولما كان القرآن الكريم مصونا بالتدوين والحفظ ، وأحاديث الرسول لم تدون
فقد كان أشد ما يخشاه صلوات الله عليه أن يكذب أحد عليه وبخاصة بعد أن
ترك حديثه بغير تدوين محفوظ ، وقد شدد في هذاالامر تشديدا عظيما ، حتى
جعل جزاءه القتل في الدنيا ، وعذاب النار في الآخرة .
روى البخاري ( 1 ) عن ربعى بن خراش قال : سمعت عليايقول : قال النبي :
لا تكذبواعلي فإن من كذب علي فليلج النار . وقال الحافظ ابن حجر في شرح
هذا الحديث . يؤيده رواية مسلم من طريق غندرعن شعبة بلفظ " يلج النار " .
وروى البخاري عن أنس وأبي هريرة بزيادة لفظ " معتمدا " ، وكذلك أتت
أحاديث في غير البخاري بهذه الزيادة ، ولكن من حقق النظر ، وأبعد النجعة في
مطارح البحث ، يجد أن الروايات الصحيحة التي جاءت عن كبار الصحابة ،
ومنهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين تدل على أن هذا الحديث لم تكن فيه تلك الكلمة
" متعمدا " وكل ذي لب يستبعد أن يكون النبي قد نطق بها ، لمنافاة ذلك للعقل
والخلق اللذين كان الرسول متصفا بالكمال فيهما . ذلك بأن الكذب " هوالاخبار
بالشئ على خلاف ماهو عليه سواء أ كان عمداأم خطأ " ، ولعل هذه اللفظة قد
تسللت إلى هذا الحديث من طريق " الادراج " المعروف عند العلماء ليسوغ بها
الذين يضعون الحديث على رسول الله حسبة من غيرعمد ، كما كان يفعل الصالحون
من المؤمنين ويقولون " نحن نكذب له لا عليه " ! أو يتكئ عليها الرواة فيما يروونه
عن غيرهم على سبيل الخطأ ، أوالوهم أو سوء الفهم ، لكي لايكون عليهم حرج
في ذلك لان المخطئ غيرمأثوم - ومن أجل ذلك وضع هؤلاء الرواة قاعدتهم
المشهور : " إنما الكذب على من تعمده " .
* ( هامش ) * ( 1 ) أخرج هذا الحديث كذلك مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه و الدارقطني والحاكم في المدخل . *
ـ 61 ـ
الادلة القوية الصحيحة
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 61 سطر 1 الى ص 70 سطر 22
الادلة القوية الصحيحة
على حقيقة حديث من كذب علي
وإنانسوق هناطائفة من الادلة التي تؤيد ما ذهبنا إليه :
ففي رواية لاحمد عن " عمر " مرفوعا : من كذب علي فهوفي النار .
وروى ابن سعدفي طبقاته وابن عساكرعن محمودبن لبيد واللفظ لابن سعد
قال : سمعت عثمان بن عفان على المنبر يقول : لا يحل لاحد أن يروي حديثا
لم يسمع به في عهد أبي بكرو لا في عهدعمر ( 1 ) ، فإني لم يمنعني أن أحدث عن رسول
الله ألا أكون أوعى أصحابه ! إلا أني سمعته يقول : " من قال علي ما لم أقل فقد
تبوأمقعده من النار " .
وروى أحمد والدارمي وابن ماجة وآخرون من حديث أبي قتادة عن النبي
أنه قال : إياكم وكثرة الحديث عني ، فمن قال عني فلا يقولن إلا حقاوصدقا ،
فمن قال علي مالم أقل فليتبوأ مقعده من النار " .
وأقطع دليل في هذا الامر الحديث الذي رواه البخاري عن عامربن عبدالله
ابن الزبير فقد قال فيه : قلت للزبير : إني لاأسمعك تحدث عن رسول الله
كما يحدث فلان وفلان ! قال أماإني لم أفارقه ولكني سمعته يقول : " من كذب علي
فيتبوأ مقعده من النار ( 2 ) .
قال ابن حجرفي شرح هذا الحديث وهذا الحديث أخرجه الزبيربن بكارفي
كتاب النصب من وجه آخر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبدالله بن الزبيرقال :
" عناني ذلك " يعني قلة رواية الزبير فسألته - أي عن ذلك فقال : يابني كان
بيني وبينه ( صلى الله عليه وسلم ) من القرابة والرحم ماعلمت . وعمته أمي ، وزوجته
خديجة عمتي وأمه آمنة بنت وهب ، وجدتي هالة بنت وهب ابني عبدمناف بن
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 100 ج 2 ق 2 .
( 2 ) اختلاف صيغ هذا الحديث قدجاء من أنهم كانوا يروون أحاديث رسول الله بالمعنى
كماستراه في هذا الكتاب إن شاءالله . *
ـ 62 ـ
زهرة ، وعندي أمك وأختها عائشة عنده ، ولكن سمعته يقول : من كذب علي
فليتبوأ مقعده من النار " ( 1 ) ، وأخرجه الدارمي عن عبدالله بن الزبير بلفظ " من حدث
عني " كذباولم يذكرالعمد .
وهذا الحديث أخرجه كذلك أبوداود ( 2 ) والنسائي وابن ماجة والدارمي
و الدارقطني ( 3 ) وقال : والله ما قال متعمدا " ، وأنتم تقولون متعمدا ، ورواية ابن قتيبة في
كتاب تأويل مختلف الحديث ( 4 ) : من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار ، وقال أراهم
يزيدون فيها " متعمدا " ووالله ماسمعته قال " متعمدا ( 5 ) " ، وفي نسخة إنهم
يزيدون ! ورواية ابن سعد والله ماقال متعمدا وأنتم تقولون متعمدا ( 6 ) ، وقدقال
ابن حجرفي شرح هذا الحديث : " وفي تمسك الزبير بهذا الحديث على ماذهب
إليه في إختيار قلة التحديث ، دليل للاصح في أن الكذب هو الاخبار بالشئ على خلاف ماهوعليه سواء أكان عمداأم خطأ - والمخطئ وإن كان غيرمأثوم
بالاجماع ، لكن الزبيرخشي من الاكثارأن يقع في الخطأ وهو لا يشعر ، لانه
وإن لم يأثم بالخطأ ، لكن قد يأثم بالاكثارإذ الاكثار مظنة الخطأفحمل عنه -
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 162 ج 1 فتح الباري .
( 2 ) في مختصرسنن أبي داود للحافظ المنذري ومعالم السنن لابي سليمان الخطابي وتهذيب الامام ابن القيم
ص 248 ج 5 بعد أن أورد هذا الحديث قال : " وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجة وليس
في حديث البخاري والنسائي " متعمدا " والمحفوظ في حديث الزبير أنه ليس فيه " متعمدا " وقد روى
الزبيرأنه قال والله ماقال " متعمدا " وأنتم تقولون متعمدا . وهذا الكتاب اشترك في تحقيقه وطبعه الشيخ أحمد
شاكررحمه الله .
( 3 ) الدارقطني هوالامام الحافظ الكبيرقال فيه الحافظ ابن حجر : " إنه حافظ عصره وهو أشهر
المنتقدين على الصحيحين وأوسعهم تتبعا واستقصاء " توفى سنة 385 ه .
( 4 ) ص 49 .
( 5 ) على أن رواية " متعمدا " مرجوحة وواهية وأنها لم تثبت في رواية كبار الصحابة وأن العقل
يدفعها ، وخلق النبي يمنعها ، فإن بعض أدعياء السنة وعبيد الاسانيدفي عصرنالا يزالون يكابرون في إثباتها
وكأنهم أعلم بالحديث من ابن قتيبة والبخاري والنسائي والمنذري و الدارقطنى والخطابي وابن حجر وابن قيم
والسيوطي وغيرهم ، ومن إمعانهم في اللجاجة أن يزعم بعضهم أن الزبير بن العوام لم يقل : " والله ماقال
متعمداو أنتم تقولون متعمدا " وينسب هذه العبارة إلى أحدالذين رووا عنه في حين أن الرواية صحيحة ثابتة
من رواية كبارأئمة الحديث ولم يقل أحد منهم إنها لغيرابن الزبير ! !
( 6 ) ص 74 و75 ج 2 ق 2 *
ـ 63 ـ
وهولا يشعر أنه خطأ - ما يعمل به على الدوام للوثوق بنقله فيكون سببا للعمل
بمالم يقله الشارع ، فمن خشى من الاكثار الوقوع في الخطألا يؤمن عليه الاثم " ( 1 ) .
ولعلك تمعن الفكر كثيرا في هذا الحديث وشرحه وتجعله مرآة لغيره .
وقال الحاكم في المدخل : " إن موعد الكاذب عليه في النار ، وقد شدد في
ذلك وبين أن الكاذب عليه في النار ، تعمد الكذب أم لم يتعمد ( 2 ) في قوله ( صلى
الله عليه وسلم ) فيما رواه ابن عمر : " إن الذي يكذب علي يبني له بيتا في النار " ، وقد
زاد تشددا بقوله فيمارواه عثمان بن عفان : " من قال علي مالم أقل " فإنه إذانقله غير
متعمد للكذب استوجب هذا الوعيد من المصطفى ( 3 ) .
ومن روايات هذا الحديث : " من نقل عني مالم أقله فليتبوأ مقعده من النار " .
قالوا : وهذاأصعب ألفاظه وأشقها لشموله للمصحف واللحان والمحرف .
وهذا الامام الشافعي الذي قالوا عنه إنه عالم قريش ، والذي كان أقرب إلى معين
السنة الصافي من البخاري ومسلم وأصحاب السنن جميعاو أستاذا للامام أحمد ،
لو رجعنا إليه لنرى ما رواه في هذاالامر لوجدناه قد روى أحاديث كثيرة في هذا
المعنى ليس فيهاكلها كلمة " متعمدا " .
وإليك بعض ما رواه في رسالته المشهورة ( 4 ) :
عن واثلة بن الاسقع عن النبي قال : " إن أفرى الفرى من قولني مالم أقل
ومن أرى عينيه مالم تر ، ومن ادعى إلى غير أبيه " .
وعن ابن عمرأن النبي قال : " إن الذي يكذب علي يبني له بيتافي النار " .
وعن أم أسيدقالت : قلت لابي قتادة : مالك لا تحدث عن رسول الله
كمايحدث الناس عنه ؟ قال : سمعت رسول الله يقول : من كذب علي فليلتمس لجنبيه
مضجعامن النار .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 162 ج 1 شرح البخاري لابن حجر .
( 2 ) لعل هذايكون ميسمامن الخزى لوجوه أدعياء العلم الذين ينشرون بين الناس أن الكذب
غير المتعمد ليس كالكذب المتعمد .
( 3 ) ص 26 من رسالة تحذير الخواص للسيوطي .
( 4 ) ص 395 ومابعدها . *
ـ 64 ـ
هذابعض ما رواه الشافعي في رسالته ، وكله لم يرد فيه كلمة " متعمدا "
فليسمع من يعقل ! - وكذلك ليس فيما ننقله ممارواه هذه اللفظة .
وقال النووى في شرح حديث من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو
أحد الكاذبين ، الذي رواه مسلم ، ولا فرق في تحريم الكذب عليه ( صلى الله عليه
وسلم ) بين ما كان في الاحكام ، وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ ،
وغير ذلك ، وكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد
بهم في الاجماع - إلى أن قال : وقدأجمع أهل الحل والعقد على تحريم الكذب
على آحاد الناس ! فكيف بمن قوله شرع ، وكلامه وحي ، والكذب عليه كذب
على الله تعالى ( 1 ) .
وقال السيوطي : وللتحرز من ذلك كان الخلفاء الراشدون ، والصحابة المنتخبون ،
رضوان الله عليهم يتقون كثرة الحديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منهم
أبوبكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير و عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص
وعبدالله بن مسعود والمقداد بن الاسود وأبوأيوب الانصاري وثوابان مولى رسول
الله وزيد بن أرقم . . . إلخ .
وكان أبوبكر وعمر يطالبان من روى لهما حديثا عن رسول الله لم يسمعاه منه ،
إقامة البينة ويتوعدانه في ذلك ، وكان علي بن أبي طالب يستحلف عليه ، وكان
عبدالله بن مسعود يتغيرعند ذكر الحديث عن رسول الله وتنتفخ أوداجه ويسيل
عرقه وتدمع عيناه ويقول ، أوقريبامن هذا ، أونحوهذا ، أوشبه هذا ، كل
ذلك خوفا من الزيادة والنقصان ، أو السهو والنسيان ، واحتياطا للدين وحفظا
للشريعة ، وحسما لطمع طامع ، أو زيغ زائغ أن يجترئ فيحكي عن رسول الله ( صلى
الله عليه وسلم ) ما لم يقله ، أو يدخل في الدين ما ليس منه ، ويقتدى بهم من
يسمع منهم ويأخذ عنهم ، فيقوفو أثرهم ويسلك طريقهم ( 2 ) .
وعن مالك بن عبادة قال : إن النبي عهد إلينا في حجة الوداع فقال :
عليكم بالقرآن وإنكم سترجعون إلى قوم يشتهون الحديث عني ، فمن عقل شيئا
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 23 تحذير الخواص .
( 2 ) راجع صفحة 28 و29 من نفس المصدر . *
ـ 65 ـ
فليحدث به ومن إفترى علي فليتبوأ مقعده في جهنم ( 1 ) .
هذاما رأينا إيراده من الادلة على أن حديث الرسول " من كذب علي " لم يكن
فيه كلمة " متعمدا " وإنك لتجد مما أوردناه أن روايات كبار الصحابة ومنهم
ثلاثة من الخلفاء الراشدين والزبيربن العوام حوارى رسول الله قد اتفقت كلها
على أن الرواية الصحيحة للحديث لم يكن فيهاكلمة " متعمدا " ( 2 ) .
وإن العقل السليم والخلق الكريم ، لينفران من قبول رواية " متعمدا " لان
الكذب هو أ بوالرذائل كلها سواء أكان عن عمدأم غيرعمد .
الكذب على النبي في حياته
صلوات الله عليه
لعل النبي صلوات الله عليه قد حذر من الكذب عليه بعدأن سمع أن بعضهم
قد افترى عليه كذبا وهوحي ، فقد جاء في كتاب الاحكام لابن
حزم الظاهري ( 3 ) عن عبدالله بن بريدة عن ابن الخطيب الاسلمى قال : كان
حي من بني ليث على ميلين من المدينة فجاءهم رجل وعليه حلة فقال : إن رسول
الله كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم بما أرى ! وكان قدخطب
منهم إمرأة في الجاهلية فلم يزوجوه ، فانطلق حتى نزل على تلك المرأة ، فأرسلوا
إلى رسول الله فقال : كذب عدوالله ، ثم أرسل رجلا فقال : إن وجدته حيا
- ولاأراك تجده - فاضرب عنقه وإن وجدته ميتا فحرقه بالنار .
وأخرج ابن سعد في الطبقات والطبراني عن المقنع التميمي قال : أتيت النبي
بصدقة إبلنا فأمربها فقبضت - فقلت إن فيها ناقتين هدية لك : فأمر بعزل
الهدية عن الصدقة ، فمكثت أياما وخاض الناس أن رسول الله باعث خالدبن الوليد
إلى رقيق مضر فمصدقهم ، فقلت : والله ما عند أهلنامن مال ! فأتيت النبي صلى
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 171 ج 1 مشكل الآثار للطحاوى .
( 2 ) قال الحافظ ابن حجر : إن الصفات العلية من الرواة تقام مقام العدد أو تزيد عليه ( ص 164
ج 1 فتح البارى ) .
( 3 ) ص 582 ج 2 . *
ـ 66 ـ
الله عليه وسلم فقلت له : إن الناس خاضوافي كذا وكذا فرفع النبي يديه حتى
نظرت إلى بياض إبطه وقال : اللهم لا أحل لهم أن يكذبواعلي ، قال المقنع
فلم أحدث بحديث عن النبي إلا حديثانطق به كتاب أو جرت به سنة ( 1 ) .
وهذالمن يكذب عليه في حياته ! فكيف بعدموته ؟ - والاخبارفي ذلك كثيرة .
الكذب على النبي بعدموته
صلوات الله عليه
وإذاكان قد كذب عليه في حياته ، فإن الكذب قد كثرعليه وفشا بعد وفاته
والصحابة متوافرون والدين غض والناس ناس ، وقد استفاض هذاالكذب بعد
موت عمرلانه كما علمت كان يخيف الناس حتى أفزعت كثيرة مانسب إلى رسول
الله من أحاديث - كبار الصحابة وأمضتهم .
فقد روى مسلم في مقدمة كتابه بسنده عن طاووس قال : جاءهذاإلى
ابن عباس ( يعنى بشير ( 2 ) بن كعب ) فجعل يحدثه ، فقال له ابن عباس : عد
لحديث كذاوكذا ، فعاد ، فقال له : عد لحديث كذاوكذا ، فعاد له ، فقال :
ماأدري ؟ أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا ؟ أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا ؟
فقال ابن عباس : إنا كنا نحدث عن رسول الله إذ لم يكن يكذب عليه ! فلما
ركب الناس الصعبة والذلول تركنا الحديث عنه ( 3 ) .
وجاء بشيربن كعب العدوى إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول : قال رسول
الله ، قال رسول الله : قال فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظرإليه فقال :
ياابن عباس مالي أراك لا تسمع لحديثي ؟ أحدثك عن رسول الله ولاتسمع ! قال
* ( هامش ) * ( 1 ) أي سنة عملية إذالم تكن تعرف حينئذ إلا بذلك وفي هذاالقول فوائد كثيرة يدركهاكل
ذي لب .
( 2 ) بشير مصغر بشر محضرم يروى عن أبي ذر وأبي الدرداء وثقه ابن سعد والنسائي . وانظر فصل
" الوضع في الحديث وأسبابه " فيمابعد .
( 3 ) إذاكان الناس قد ركبوا الصبعة والذلول في عهد ابن عباس ، فترى ماذايكون الامربمن
جاءوا بعد هذا العهد ؟ . وفيما نقلناه لك من قول أبي بكرأنهم يحدثون عن رسول الله أحاديث يختلفون فيها ! *
ـ 67 ـ
ابن عباس : إنا كنا مدة إذاسمعنا رجلا يقول : قال رسول الله ، ابتدرته أبصارنا ،
واصغينا بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا
ما نعرف !
وروى عن ابن أبي مليكة قال كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي
كتابا ويخفى عني ، قال : ولد ناصح ، إني أختار له الامور اختيارا وأخفي عنه
قال : فدعا بقضاءعلي فجعل يكتب منه أشياءويمر بالشئ فيقول والله ماقضى
بهذاعلي إلا أن أكون قد ضل !
وروى عن أبي بكر بن عياش قال : سمعت المغيرة يقول : لم يكن يصدق على
علي في الحديث عنه إلا من أصحاب عبدالله بن مسعود .
نجتزئ بهذه النصوص التي تدل على أن الرسول صلوات الله عليه قد كذب
عليه في حياته وبعدمماته ، ولم يكن ذلك من أهل البدع والاهواء وأعداء الدين
فحسب ، وإنما كان كذلك من الصالحين ، كماسيتبين لك ذلك في فصل " الوضاع
الصالحون " من هذا الكتاب .
حكم من كذب على رسول الله
قال السمعاني : من كذب في خبر واحد على رسول الله ( صلوات الله عليه وسلم )
وجب إسقاط ما تقدم من حديثه ( 1 ) وقال أحمد بن حنبل وأبوبكر الحميدى
وأبوبكر الصيرفي : لا تقبل رواية من كذب في أحاديث رسول الله وإن تاب عن
الكذب بعد ذلك ( 2 ) وقال ابن حجر العسقلاني : اتفق العلماء على تغليظ الكذب
على رسول الله ( صلوات الله عليه وسلم ) لانه من الكبائر حتى بالغ الشيخ أبومحمد
الجويني فحكم بكفر من وقع منه ذلك ، وكلام القاضي أبوبكر بن العربي يميل
إليه ، وجهل من قال من الكرامية ، وبعض المتزهدة : إن الكذب على النبي يجوز
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 14 التقريب للنووي .
( 2 ) ص 111 اختصار علوم الحديث . *
ـ 68 ـ
فيمايتعلق بتقوية أمر الدين وطريقة أهل السنة والترغيب والترهيب ، واعتلوا بأن
الوعيد ورد في حق من كذب عليه ، لا في الكذب له ، وهواعتلال باطل لان
المراد بالوعيد من نقل عنه الكذب سواء أكان له أم عليه ، والدين بحمدالله كامل
غيرمحتاج إلى تقويته بالكذب ( 1 ) .
الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر
أخرج ابن عساكرفي تأريخه عن واثلة بن الاسقع قال :
سمعت رسول الله يقول : إن من الكبائرأن يقول الرجل علي ما لم أقل . وقال
النووي في شرح مسلم ، تحريم رواية الحديث الموضوع :
ولافرق في تحريم الكذب عليه ( صلى الله عليه وسلم ) بين ما كان في الاحكام
وما لاحكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغيرذلك ، وكله حرام من أكبر
الكبائر ، وأقبح القبائح بإجماع المسلمين إلى أن قال :
وقدأجمع أهل الحل والعقدعلى تحريم الكذب على آحاد الناس فكيف بمن
قوله شرع ، وكلامه وحي ، والكذب عليه كذب على الله تعالى .
درجات الصحابة ( 2 )
لم يكن الصحابة طرازا واحدا في الفقه والعلم ، ولا نمطا متساويا في الادراك
والفهم ، وإنما كانوافي ذلك طبقات متفاوتة ، ودرجات متباينة ، شأن الناس جميعا
في هذه الحياة على مرالدهور : سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا . قال
ابن خلدون في مقدمته ( 3 ) : " إن الصحابة كلهم لم يكونواأهل فتياولا كان الدين
يؤخذ عن جميعهم وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 389 ج 6 فتح الباري .
( 2 ) عقدنافيما بعد فصلا خاصا بعدالة الصحابة .
( 3 ) ص 446 من طبعة بيروت . *
ـ 69 ـ
ومنسوخه ، ومتشابهه ومحكمه ، وسائر دلالته ، بما تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم
أوممن سمعه منهم وعن عليتهم وكانوا يسمون لذلك ( القراء ) أي الذين يقرءون الكتاب
لان العرب كانواأمة أمية ، فاختص من كان منهم قارئا للكتاب بهذاالاسم لغرابته
يومئذ وبقي الامركذلك صدر المللة " .
وعن محمدبن سهل بن أبي خيثمة عن أبيه ( 1 ) قال : كان الذين يفتون على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفرمن المهاجرين ، وثلاثة من الانصار ،
عمرو عثمان وعلي ، وأبي بن كعب ومعاذبن جبل وزيدبن ثابت .
وعن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه : أن أبابكر الصديق رضي الله عنه
كان إذانزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي ، دعا رجالا من المهاجرين
والانصار ، دعا عمر وعثمان وعليا ، و عبدالرحمن بن عوف ومعاذبن جبل وأبي ابن كعب وزيدبن ثابت . وكل هؤلاءكان يفتي في خلافة أبي بكر وإنما تصير
فتوى الناس إلى هؤلاء فمضى أبوبكرعلى ذلك .
ثم ولى عمرفكان يدعو هؤلاء النفر .
وفي مسلم : عن مسروق قال : شاممت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
فوجدت علمهم انتهى إلى ستة : إلى عمر وعلي وعبدالله ومعاذ ( 2 ) وأبي الدرداء وزيد
ابن ثابت ، فشاممت هؤلاءالستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبدالله ( 3 ) .
وروى ابن القيم في إعلام الموقعين عن مسروق قال : جالست أصحاب محمد
( صلى الله عليه وسلم ) فكانوا كالاخاذة ( 4 ) ، الاخاذة تروى الراكب ، والاخاذة
تروى الراكبين ، والاخاذة لو نزل بهاأهل الارض لاصدرتهم ، وإن عبدالله من تلك
الاخاذة .
وروى البخاري ومسلم عن النبي قال : إن مثل مابعثنى به الله من الهدى
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 168 ج 4 طبقات ابن سعد .
( 2 ) رواية ابن القيم في إعلام الموقعين ، وأبي بن كعب بدل معاذ .
( 3 ) هوعبدالله بن مسعود .
( 4 ) الاخاذة : الغدير . *
ـ 70 ـ
والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضافكان منهانقية ( 1 ) قبلت الماء فأنبتت الكلا
والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بهاالناس فشربوا
وسقوا وزرعوا ، وأصاب بها طائفة أخرى ، إنماهي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت
كلا .
وعن عامرقال : كان علماء هذه الامة بعد نبيهاستة : عمر وعبدالله وزيد
ابن ثابت . فإذاقال عمر قولا وقال هذان قولا كان قولهما لقوله تبعا ، وعلي وأبي
بن كعب وأبوموسى الاشعري ، فأذاقال علي قولا كان قولهما لقوله تبعا ، وقال
قضاة هذه الامة أربعة : عمر وعلي وزيد وأبوموسى الاشعري . ودهاة هذه الامة
أربعة : عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة وزياد .
تفاوت الصحابة في صدق الرواية
فبعضهم أصدق من بعض
صدق عمر عبدالرحمن بن عوف وقال له : أنت عندنا العدل الرضا -
قال الذهبي في شرح الخبر فأصحاب رسول الله وإن كانواعدولا فبعضهم أعدل
من بعض فهاهنا عمر قنع بخبر عبدالرحمن ، وفي قصة الاستئذان يقول لابي موسى الاشعري : إئت بمن يشهد معك ( 2 ) .
رواية الصحابة بعضهم عن بعض
وروايتهم عن التابعين
ليس كل ما جاءمن الاحاديث عن الصحابة ممارووه عن رسول الله ودون
في الكتب قد سمعوه كله بآذانهم من النبي صلوات الله عليه مشافهة ، ولا أخذوه
* ( هامش ) * ( 1 ) في رواية طائفة طيبة . ارجع في هذه الاخبار كلها إلى طبقات ابن سعدص 109 و110
ج 2 ق 2 .
( 2 ) ص 48 ج 1 سيرأعلام النبلاء للذهبي ، راجع صفحة 58 . *
ـ 71 ـ
عنه تلقينا ، وإنماكان يروى بعضهم عن بعض ، فمن لم يسمع من الرسول كان
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 71 سطر 1 الى ص 80 سطر 28
عنه تلقينا ، وإنماكان يروى بعضهم عن بعض ، فمن لم يسمع من الرسول كان
يأخذ ممن سمع منه ( صلى الله عليه ومسلم ) ، وإذا رواه لغيره لم يعزه إلى الصحابي الذي
تلقاه عنه ، بل يرفعه إلى النبي بغيرأن يذكر اسم هذا الصحابي - ذلك أن مجالس
الرسول كانت متعددة ، وتقع في أزمنة وأمكنة مختلفة ، ولا يمكن أن يحضر
الصحابة جميعا كل مجلس من مجالسه ، فمايحضره منهابعض الصحابة لا يحضره
البعض الآخر .
وقد ذكر الآمدي في كتاب الاحكام في أصول الاحكام ( 1 ) : أن ابن
عباس لم يسمع من رسول الله سوى أربعة أحاديث لصغر سنه ولما روى عن النبي
صلى الله عليه وسلم " إنما الربافي النسيئة " وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي
حتى رمى حجرالعقبة ، قال في الجزءالاول لما روجع فيه ، قال : أخبرني به أسامة
ابن زيد ، وفي الخبر الثاني : أخبرني به أخي الفضل بن العباس . ولماروى أبوهريرة
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أصبح جنبافي رمضان فلا صوم له ،
راجعوه في ذلك ، فقال : ما أنا قلته ورب الكعبة ولكن محمداقاله ! ثم عادفقال :
حدثني به الفضل بن العباس ( 2 ) .
وروى عن البراءبن عازب قال : " ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله
صلى الله عليه وسلم ! ولكن سمعنابعضه وحدثنا أصحابنا ببعضه " .
وأما التابعون فقد كان من عادتهم إرسال الاخبار ( 3 ) . ويدل على ذلك ما روى
عن الاعمش أنه قال : قلت لابراهيم النخعي : إذا حدثتنى فأسند ( 4 ) فقال :
إذا قلت لك حدثنى فلان عن عبدالله فهو الذي حدثني وإذاقلت لك حدثني
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 178 - 180 ج 2 وقال إبن القيم في الوابل الصيب : إن ما سمعه ابن عباس عن النبي
صلى الله عليه وسلم لم يبلغ العشرين حديثا ، . وعن ابن معين والقاطان وأبي داودفي السنن أنه روى تسعة أحاديث
وذلك لصغرسنه ومع ذلك فقد أسند له أحمدفى مسنده 1696 حديثا !
( 2 ) لهذا الحديث قصة شائقة تقرؤهافي تأريخ أبي هريرة الذي طبعناه باسم " شيخ المضيرة " مرتين .
( 3 ) الرواية المرسلة للحديث هي التي لم يذكر فيها اسم الذي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
( 4 ) الحديث المسندما اتصل سنده إلى منتهاه ، وكان التابعون يتبعون في ذلك سبيل الصحابة فيما
يروون من الاحاديث التي لم يسمعوها من النبي وإنما تلقوها من إخوانهم فإنهم كانوا لا يذكرون أسماءمن
تلقواعنهم . *
ـ 72 ـ
عبدالله فقد حدثنى جماعة عنه ، وقدقال الآمدي بعد ذلك ، ولم يزل ذلك
مشهورا فيما بين الصحابة والتابعين من غير نكيرفكان إجماعا ( 1 ) اه .
وكماكان الصحابة يروي بعضهم عن بعض فإنهم كذلك كانوا يروون عن
التابعين . وهذا أمر نص عليه علماء الحديث في كتبهم فارجع إليه إن شئت .
وفي كلام ابن الصلاح وغيره في باب " رواية الاكابر عن الاصاغر " أن
ابن عباس والعبادلة الثلاثة وأباهريرة وغيرهم قد روواعن كعب الاحبار -
اليهودي الذي أسلم خداعافي عهد عمر وعدوه من كبار التابعين ثم سوده بعد
ذلك على المسلمين . وهاك ماقاله السيوطي في ألفيته ( 2 ) . وقد روى الكبارعن صغار في السنن أوفي العلم والمقدار
ومنه أخذ الصحب عن أتباع وتابع عن تابع الاتباع
كالبحر عن كعب وكالزهرى عن مالك ويحيى الانصاري
وقال شارح هذه الالفية الشيخ أحمد محمد شاكررحمه الله - ومن هذاالنوع
رواية الصحابة عن التابعين كرواية البحر عبدالله بن عباس وسائر العبادلة وأبي
هريرة ومعاوية وأنس وغيرهم عن كعب الاحبار !
على أن الصحابة في روايتهم عن إخوانهم أو عن التابعين لم يكونوا - كما أبنا -
يذكرون أن أحاديثهم قد جاءت من سبيل الرواية عن غيرهم ، بل يروون ما يروون
في ا لمناسبات التي تستدعي ذكر الحديث مهماطال الزمن من غيرعزو إلى من
سمعوامنه ثقة بهم ويرفعونها إلى النبي ، وظلواعلى ذلك إلى أن وقعت الفتنة ، ومن
ثم قالوا ، سموا لنا رجالكم !
قال ابن سيرين : لم يكونوا يسألون عن الاسناد ، فلما وقعت الفتنة ( 3 ) قالوا :
سموا لنا رجالكم .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 178 - 180 ج 2 .
( 2 ) ص 237 .
( 3 ) ذر قرن الفتنة بعد انقضاء بضع سنين من خلافة عثمان رضي الله عنه - وعلى ذكر الفتنة نسوق
هذاالخبر عن الزهرى قال : لما ولى عثمان عاش اثنتي عشرة سنة أميرا يعمل ستة سنين لا ينقم الناس عليه شيئا ،
وإنه لاحب إلى قريش من عمربن الخطاب ! لان عمر كان شديدا عليهم ، فلماوليهم عثمان لان لهم = *
ـ 73 ـ
وأخرج مسلم عنه : لقد أتى على الناس زمان وما يسأل عن إسناد حديث ،
فلما وقعت الفتنة سئل عن إسناد الحديث . . وفي سنن الترمذي عنه : كانوافي
الزمن الاول لايسألون عن الاسناد ! فلماوقعت الفتنة ، سألواعن الاسناد ، إن
الرجل ليحدثني فما أتهمه ولكن أتهم من هو فوقه .
وقد روى التابعون عن " تابعي التابعين " . ومن رواية التابعين عن تابعي
التابعين . . رواية الزهري ، ويحيى بن سعيد الانصارى عن مالك وهو تلميذهما .
ومن الطريف للفطن كما قال السيوطي في ألفيته - أن يروى الصحابي عن
تابعي ، عن صحابي آخر حديثا ، ومن ذلك حديث السائب بن يزيد الصحابي عن
عبدالرحمن بن عبد القارى التابعي عن عمربن الخطاب عن النبي ( صلى الله عليه
وسلم " من نام عن حزبه أوعن شئ منه فقرأه فيمابين صلاة الفجروصلاة
الظهر ، كتب له كأنماقرأه في الليل " رواه مسلم في كتابه ، ومن ذلك حديث
" لايستوى القاعدون " .
وقد جمع الحافظ العراقي من ذلك عشرين حديثا .
نقد الصحابة بعضهم لبعض
لم يقف الامر بالصحابة عند تشديدهم في قبول الاخبارمن إخوانهم في
الصحبة كما أسلفنا ، ولكنه تجاوز ذلك إلى أن ينقدبعضهم بعضا .
ولقدكان عمروعلي وعثمان وعائشة وابن عباس وغيرهم من الصحابة يتصفحون
على إخوانهم في الصحبة ، ويشكون في بعض ما يروونه عن الرسول ويردونه على
أصحابه .
عن محمود بن الربيع - وكان ممن عقل عن رسول الله وهو صغير - أنه سمع
* ( هامش ) * = ووصلهم ، ثم توانى في أمرهم ، واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الاواخر . وكتب لمروان بخمس خراج مصر
وأعطى أقرباءه المال وتأول في ذلك واتخذ الاموال واسثسلف من بيت المال وقال : إن أبابكر وعمر تركامن
ذلك ما هو لهماوإني أخذته فقسمته في أقربائي ! فأنكر الناس عليه ذلك ( ص 34 / 2 / 3 طبقات ابن سعد ) .
وارجع إلى فصل - " كيف قامت دولة بني أمية في كتابنا " شيخ المضيرة " . *
ـ 74 ـ
عتبان بن مالك الانصارى وكان ممن شهد بدرا ، أن رسول الله قال : إن الله حرم
النارعلى من قال : لا إله إلاالله يبغي بهاوجه الله - وكان الرسول في دارعتبان
فحدثها قوما فيهم أبوأيوب صاحب رسول الله - فأنكرها علي أبوأيوب وقال : والله
ما أظن رسول الله قد قال ما قلت ! وقد استدلت المرجئة ( 1 ) بهذا الحديث ونحوه
على مذهبهم . وردت عائشة حديث عمر وابن عمر : " إن الميت يعذب ببكاء
أهله عليه " ، فقالت : إنكم لتحدثون عن غيركاذبين ولكن السمع يخطئ والله
ما حدث رسول الله أن الله يعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ! وقالت : حسبكم القرآن
" ولانزر وازرة وزر أخرى " .
وفي رواية أنها لما سمعت أن إبن عمريحدث بهذا الحديث قالت : وهل !
إنما قال : إنه ليعذب بخطيئته وذنبه ، وإن أهله ليبكون عليه " وفي رواية ثالثة :
إنه لم يكذب ولكنه نسى أو أخطأ وقالت مثل قوله ( ابن عمر ) إن رسول الله قام
على القليب وفيه قتلى بدرمن المشركين فقال : إنهم ليسمعون ما أقول . وقالت :
إنماقال : إنهم الآن يعلمون أن ماكنت أقوله لهم حق ، ثم قرأت " إنك لا تسمع
الموتى ، وماأنت بمسمع من في القبور " حين تبوءوا مقاعدهم من النار . والحديثان
في البخاري ومسلم وغيرهما .
وردت عائشة كذلك حديث رؤية النبي لربه ليلة الاسراء الذي رواه
الشيخان عن عامربن مسروق الذى قال لعائشة : يا أمتاه . هل رأى محمد ربه ؟
فقالت : لقد قف شعري مماقلت ! أين أنت من ثلاث من حدثكم فقد كذب ( 2 ) :
من حدثك أن محمدارأى ربه فقدكذب ، ثم قرأت : " لا تدركه الابصاروهو
يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير . وماكان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من
وراء حجاب " ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ، ثم قرأت : " وما تدرى
نفس ماذاتكسب غدا " ، ومن حدثك أنه كتم شيئافقد كذب ، ثم قرأت :
" يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " .
* ( هامش ) * ( 1 ) المرجئة فرقة من كبارالفرق الاسلامية تقول لا يضرمع الايمان معصية ولا ينفع مع الكفر
طاعة .
( 2 ) في مسلم : فقد أعظم على الله الفرية . وأحاديث الرؤية بلغت كماذكر ابن القيم في حادي الارواح
ثلاثين حديثا ، والمرفوع منهاأكثر من عشرين حديثا ، دع الموقوف والآثار . *
ـ 75 ـ
وفي مسلم وكنت متكئا فجلست فقلت : ألم يقل الله " ولقد رآه نزلة أخرى "
فقالت : أناأول من سأل رسول الله عن هذافقلت يارسول الله ، هل رأيت
ربك ؟ فقال : لا ، أنا رأيت جبريل منهبطا . وفي حديث أبي ذرعند مسلم أنه
سأل النبي عن ذلك فقال : نور أنى أراه - ولاحمد رأيت نورا ( 1 ) .
وردت خبرابن عمروأبي هريرة : أن الشؤم في ثلاث : فقالت إنما كان ( 2 )
رسول الله يحدث عن أحوال الجاهلية ، وذلك لمعارضته الاصل القطعي من " أن
الامر كله لله " .
ولمابلغها قول أبي الدرداءمن أدرك الصبح فلا وتر له . قالت : لا - كذب
أبوادرداء ، كان النبي يصبح فيوتر ، ولما سمعت أن ابن عمر قال : اعتمررسول
الله عمرة في رجب ، قضت عليه بالسهو ، وقالت عن أنس بن مالك وأبي سعيد
الخدري ، ما علم أنس بن مالك وأبي سعيد بحديث رسول الله ، وإنما كانا غلامين
صغيرين ! وكانت عائشة ترد كل ما روى مخالفا للقرآن - وتحمل رواية الصادق
من الصحابة على خطأالسمع . أو سوءالفهم ( 3 ) - وكذب عمران بن حصين سمرة
في حديث أن للنبي سكتين في الصلاة عند قراءته ( 4 ) . والامثلة على ذلك كثيرة
وقد أتينافي تاريخ أبي هريرة بطائفة من الاحاديث التي إنتقدوه فيها ، وردوها
عليه فراجعها هناك ( 5 ) .
عدالة الصحابة
أما الكلام عن عدالة الصحابة فقد أرجأناه إلى مكانه من هذا الكتاب .
* ( هامش ) * ( 1 ) قال ابن حجرفي فتح الباري : وقد رجح القرطبي في المفهم قول الوقف في هذه المسألة
وعزاه لجماعة من المحققين ، وقواه أنه ليس في الباب دليل قاطع ، وغياية ما استدل به للطائفتين ظواهر
متعارضة قابلة للتأويل - وليست المسألة من العمليات فيكتفى فيها بالادلة الظنية - وإنما هي من ا لمتعقدات
فلا يكتفى فيها إلا بالدليل القطعي .
( 2 ) راجع كتابنا " شيخ المضيرة " تجد فيه هذه الاخبار وغيرها مبسوطة هناك .
( 3 ) جمع الامام الزركشي كتابا قيما فيما استدركته عائشة على الصحابة سماء " الاجابة لايراد
ما استدركته عائشة على الصحابة " ، توفى الزركشي 794 ه .
( 4 ) 154 ج 2 من الاستيعاب .
( 5 ) راجع كتاب " شيخ المضيرة " الطبعة الثالثة . *
ـ 76 ـ
كيف روى الحديث ؟
بعد نهى النبي عن كتابته
يحسب الذين لا خبرة لهم بالعلم ، ولا علم عندهم بالخبرة ، أن أحاديث الرسول
التي يقرءونها في الكتب ، أو يسمعونها ممن يتحدثون بها ، قد جاءت صحيحة المبنى
محكمة التأليف ، وأن ألفاظها قد وصلت إلى الرواة مصونة كمانطبق النبي بها ،
بلا تحريف فيهاولا تبديل .
وكذلك يحسبون أن الصحابة ومن جاء من بعدهم ، ممن حملوا عنهم أحاديث
النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى زمن التدوين ، قد نقلواهذه الاحاديث بنصها
كماسمعوها ، وأدوها على وجهها كماتلقوها ، فلم ينلها تغيير ولا اعتراها تبديل ،
ومما وقر في الاذهان الناس أن هؤلاء الرواة قد كانوا جميعا صنفا خاصا بين بني آدم
في جودة الحفظ ، وكمال الضبط وقوة الذاكرة ، وأن أذهانهم قد فطرت على صورة
خاصة غير ما فطرت عليه أذهان البشر جميعا ، فكل ما يسمعونه ينقش على
ألواحها ، فلا تفلت منه كلمة ، ولا يشذ عنه حرف .
ولقد كان ولا جرم لهذاالفهم أثربالغ في أفكارشيوخ الدين - إلا من
عصم ربك - فاعتقدوا أن هذه الاحاديث في منزلة آيات الكتاب العزيز ، من
وجوب التسليم بها ، وفرض الاذعان لاحكامها ، بحيث يأثم أو يرتد أو يفسق من
يخالفها ، ويستتاب من أنكرها أوشك فيها .
من أجل ذلك رأينا أن نشبع القول في هذاالامر ، ليعلم الناس وجه الحق
فيه ، ويدركوا أن الاحاديث التي جاءتهم عن رسول الله صلوات الله عليه قد رويت
عنه بمعناها ، لما لم يستطيعوا أن يأتوابها على حقيقة مبناها ، لنسيان أصلها أولمضى
الزمن عليهافي أذهانهم عندما رووها ، وأن كل راو قد روى ما بقى في ذهنه من هذا
المعنى بعد أن عجزت ذاكرته عن ضبط ألفاظه . ولم يكونوا قد عنوا في أول الامر
بتدوينه ، وعلى أن الامر قد جرى على رواية الحديث بالمعنى ، حتى لم يختلف
ـ 77 ـ
في ذلك أحد من العارفين ( 1 ) ، فقد وقع الاختلاف بعد ذلك بين العلماء في أمر
هذه الرواية ، فمنهم من منعها ومنهم من أجازها ، ولان هذا الامر مما يجب بيانه
لاهميته رأيناأن نذكرهنا طرفا من أدلة هؤلاء وهؤلاء ، ولم نجد أحدا
عرض بتحقيق شامل لهذا الامر مثل العلامة الشيخ طاهر الجزائري في كتابه النفيس
" توجيه النظر " وهاك ما قاله ( 2 ) :
رواية الحديث بالمعنى واختلاف العلماء في ذلك
" إختلف العلماء في رواية الحديث بالمعنى . فذهب قوم إلى عدم جواز ذلك
مطلقامنهم ابن سيرين وثعلب وأبوبكر الرازي ، ويروى ذلك عن ابن عمر ( 3 ) .
وذهب الاكثرون إلى جواز ذلك - إذا كان الراوي عارفا بدقائق الالفاظ بصيرا
بمقدار التفاوت بينها ، خبيرابما يحيل معانيها فإذا أبدل اللفظ الذي بلغه بلفظ آخر
مقامه بحيث يكون معناه مطابقا لمعنى اللفظ الذي بلغه جاز ذلك ( 4 ) .
وقد تعرض لهذه المسألة علماء الاصول - ولماكانت من المسائل المهمة جدا
فقد أحببت أن أروي من عباراتهم هنا ما يكون فيه الكفاية :
قال أبوإسحاق الشيرازي في اللمع : والاختيار في الرواية أن يروي الخبر
بلفظه ، لقوله صلى الله عليه وسلم نضرالله أمر أسمع مقالتي فوعاها ثم أداها كماسمع ،
* ( هامش ) * ( 1 ) قال ابن الصلاح في مقدمته : كثيراما كانوا ينقلون معنى واحدافي أمر واحد بألفاظ
مختلفة ، وماذلك إلا لان معولهم كان على المعنى دون اللفظ ( ص 90 ) .
( 2 ) ص 298 وما بعدها ببعض اختصار .
( 3 ) كان من الذين يجوزون رواية الحديث بالمعنى من الصحابة جماعة منهم : ابن عباس وأنس ،
أما التابعون فكان الذين يتشددون في رواية الحديث على لفظه محمدبن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن
حيوة ، والذين يتساهلون في ذلك الحسن والشعبي والنخعى .
( 4 ) إن معرفة دقائق الالفاظ والبصر بمقدار التفاوت بينها إنمايكون ذلك كله ولا ريب عند
ضبط اللفظ الاصلي للحديث ومعرفته حتى يمكن أن يغيره بلفظ آخر ، ولكن رواية الحديث بالمعنى إنما
تأتي من ذهاب شئ من معالم اللفظ الاصلي ونسيانه مما يدعوإلى تغييره - وإذاكان اللفظ الاصلي محفوظا
فليس هناك ما يسوغ تغييره ، ويكون هوأولى بالرواية من سواه . *
ـ 78 ـ
فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ( 1 ) فإن أورد الرواية نظر ! فإن كان ممن
لا يعرف معنى الحديث لم يجز لانه لايؤمن أن يغيرمعنى الحديث ،
وإن كان ممن
يعرف معنى الحديث نظر ! فإن كان ذلك في خبرمحتمل لم يجزأن يروي بالمعنى ،
لانه ربما نقله بلفظ لا يؤدي مراد الرسول فلايجوز أن يتصرف فيه ، إن كان خبرا
ظاهرففيه وجهان :
من أصحابنا من قال : لا يجوز ، لانه ربما كان التعبد باللفظ كتكبير الصلاة ،
والثاني أنه يجوز . وهو الاظهر لانه يؤدي معناه ولهذا روى عن النبي أنه قال :
إذاأصبت المعنى فلابأس .
وهذا الحديث قد رواه ابن منده في معرفة الصحابة والطبراني في المعجم الكبير
من حديث عبدالله بن سليمان بن أكيمة الليثي قال : قلت يارسول الله ، إني
أسمع منك الحديث لاأستطيع أن أؤديه كما أسمعه منك ، يزيد حرفا أو ينقص
حرفا ، فقال : " إذالم تحلوا حراما ولم تحرمواحلالا وأصبتم المعنى فلا بأس " ( 2 )
فذكرللحسن فقال : لولا هذاما حدثنا .
وقد احتج من منع الرواية بالمعنى بالنص والمعقول ، أما النص فقوله عليه
السلام " رحم الله أمرا سمع مقالتي فوعاها ثم أداهاكما سمعهافرب مبلغ أوعى من
سامع " ( 3 ) قالوا : وأداؤه كماسمع هو أداء اللفظ المسموع ، ونقل الفقيه إلى من هو
* ( هامش ) * ( 1 ) من العجيب أن هذا الحديث نفسه قد جاءت روايته بصيغ كثيرة ! وكل رواية تختلف من
الاخرى في اللفظ والمعنى ، ولولا خشية الاطالة لاوردناها كلها فليرجع إليهافي مظانها . وقد قال ابن الجوزي
بعد أن أورد قول الرسول " نضر الله امرأ سمع مقالتي فأداهاكما سمعها " : وتأدية الحديث كما يسمع لا يكاد
يحصل إلامن الكتابة لان الحفظ خوان . وقد كان أحمدبن حنبل رضي الله عنه يحدث بالحديث فيقال له :
أمله علينا : فيقول : لا بل من الكتاب . وقدقال علي بن المديني أمرني أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا
من الكتاب ( ص 221 من تلبيس إبليس ) .
( 2 ) ص 50 ج 3 فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي - وهذا الحديث يناقض ولا ريب حديث
" رحم الله امرأ سمع مقالتي . . " ولكن لا بد لكل فئة من أن تؤيد رأيها بحديث .
( 3 ) من وصية النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع :
" ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هوأوعى منه ، وفي رواية " رب مبلغ أوعى من سامع " .
رواهما البخاري وغيره ، وفي معنى هذا الحديث ما رواه الترمذي والضياء من حديث زيدبن ثابت مرفوعا
نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس
بفقيه - وفي معناه حديث " نضرالله امرأ سمع منا شيئافبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع . رواه
أحمد والترمذي وابن حبان . *
ـ 79 ـ
أفقه منه معناه - والله أعلم - أن الافطن ربما فطن بفضل فقهه من فوائد اللفظ بما لم
يفطن له الراوي ، لانه ربماكان دونه في الفقه .
وأما المعقول فمن وجهين :
الاول - إنا لما جربنا رأينا أن المتأخر ربما استبنط من فوائدآية أوخبر
مالم يتنبه له أهل الاعصار السالفة من العلماء والمحققين - فلو جوزنا النقل بالمعنى
فربما حصل التفاوت العظيم ، مع أن الراوي يظن أن لا تفاوت .
الثاني - أنه لو جاز للراوي تبديل لفظ الرسول بلفظ نفسه ، كان للراوي الثاني تبديل اللفظ الذي سمعه بلفظ نفسه - بل هذا أولى لان تبديل لفظ الراوى
أولى بالجوازمن تبديل لفظ الشارع ، وإن كان ذلك في الطبقة الثالثة والرابعة
فذلك يفضى إلى سقوط الكلام الاول ، لان الانسان وإن إجتهدفي تطبيق الترجمة
لكن لا ينفك عن تفاوت وإن قل ، فإذا توالت ا لتفاوتات كان التفاوت الاخير
تفاوتا فاحشا بحيث لا يبقى بين الكلام الاخير وبين الاول نوع مناسبة .
وقال القرافي في شرح تنقيح الفصول في الاصول : ونقل الخبر بالمعنى عند
أبي الحسين وأبي حنيفة والشافعي جائز خلافا لابن سيرين وبعض المحدثين بشروط
أن لا تزيد الترجمة ولاتنقص ولا تكون أخفى ولا أجلى - لان المقصود إنما هو
إيصال المعاني فلا يضر فوات غيرها ، ومتى زادت عبارة الراوي أو نقصت فقد
زاد الشرع أو نقص ، وذلك حرام إجماعا - ومتى كانت عبارة الحديث جلية
فغيرها بعبارة خفية ، فقد أوقع في الحديث وهنا يوجب تقديم غيره عليه بسبب
خفائه ، فإن الاحاديث إذا تعارضت في الحكم الواحد ، يقدم أجلاهاعلى أخفاها
فإذا كان أصل الحديث جليا فأبدله بخفي فقد أبطل منه مزية حسنة تخل به
عند التعارض ، وكذلك إذا كان الحديث خفي العبارة فأبدلها بأجلى منها ، فقد
أوجب له حكم التقديم على غيره - وحكم الله أن يقدم غيره عليه عند التعارض ،
فقد تسبب بهذا التغيير في العبارة إلى تغييرحكم الله تعالى - وذلك لا يجوز - فهذا
هو مستند هذه الشروط فإذاحصلت هذه الشروط فحينئذ يجري الخلاف في
الجواز ، أماعند عدمهافلا يجوز إجماعا .
ـ 80 ـ
ومن حجج المانعين حديث البراءبن عازب ( 1 ) .
وحجة " الجواز " أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسمعون الاحاديث
ولا يكتبونها ولايكررون عليها ، ثم يروونها بعد السنين الكثيرة ومثل هذايجزم
الانسان فيه بأن نفس العبارة لا تنضبط بل المعنى فقط ، ولان أحاديث كثيرة
وقعت بعبارات مختلفة وذلك مع إتحاد القصة ! وهو دليل جواز النقل بالمعنى ،
ولان لفظ السنة ليس متعبدابه ، بخلاف لفظ القرآن ، فإذا " ضبط المعنى " ( 2 )
فلايضر فوات ما ليس بمقصود .
وقال القاسمى في كتابه " قواعد التحديث " ( 3 ) :
رخص في سوق الحديث بالمعنى دون سياقه جماعة منهم : علي وابن عباس
وأنس بن مالك وأ بوالدرداء وواثلة بن الاسقع وأبوهريرة ثم جماعة من التابعين
يكثر عددهم ، منهم إمام الائمة حسن البصري ثم الشعبي وعمرو بن دينار وإبراهيم
النخعي ومجاهدو عكرمة .
وقد اختلفت ألفاظ الصحابة في رواية الحديث عن رسول الله ( صلى الله عليه
وسلم ) فمنهم من يرويه تاما ، ومنهم من يأتي بالمعنى ، ومنهم من يورده مختصرا ،
وبعضهم يغاير بين اللفظين ويراه واسعاإذا لم يخالف المعنى ، وكلهم لا يتعمد
الكذب وجميعهم يقصد الصدق ، ومعنى ما سمع ، فلذلك وسعهم ، وكانوا يقولون
" إنما الكذب على من تعمده " ، وقد روى عن عمران بن مسلم قال : قال رجل
* ( هامش ) * ( 1 ) حديث البراء بن عازب نصه ، كما رواه البخاري : قال رسول الله إذا أتيت مضجعك فتوضأ
وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الايمن وقل : اللهم أسلمت وجهي إليك ، وفوضت أمري إليك ،
وألجأت ظهري إليك ، رغبة ورهبة إليك ، ولا منجا ( يجوز فيها هذاالرسم ) إلا إليك آمنت بكتابك الذي
أنزلته وبنبيك الذي أرسلته . فإن مت فأنت على الفطرة ، واجعلهن آخر ما تقول ، فقلت : أسنذكرهن ،
ورسولك الذي أرسلت . قال : لا ونبيك الذي أرسلت . وهذا الحديث قد رواه كذلك مسلم والنسائي والترمذي
وفي بعض رواياته : فطعن بيده في صدري ثم قال " ونبيك الذي أرسلت " على أن الرسول هو نبي والنبي لا يكون
رسولا .
( 2 ) إذاضبط المعنى ولكن هيهات !
( 3 ) ص 207 ، نكتفي بهذا القدر من الادلة ، وفي كتاب الجزائري أدلة أخرى كثيرة إليهامن
يريد التوسع في ذلك . *
ـ 81 ـ
للحسن : يا أباسعيد إنما تحدث بالحديث أنت أحسن له سياق ، وأجود تحبيرا ،
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 81 سطر 1 الى ص 90 سطر 26
للحسن : يا أباسعيد إنما تحدث بالحديث أنت أحسن له سياق ، وأجود تحبيرا ،
وأفصح به لسانامنه إذاحدثنا به ! فقال ، إذاأصبت المعنى فلابأس بذلك .
وقد قال النضر بن شميل : " كان هشيم لحانا فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة
- يعنى بالاعراب - وكان النضربن شميل نحوياوكان سفيان يقول : " إذارأيت
الرجل يشدد في ألفاظ الحديث في المجلس فاعلم أنه يقول : اعرفوني ! وجعل رجل
يسأل يحيى بن سعيد القطان عن حرف في الحديث على لفظه فقال له يحيى : يا هذا ،
ليس في الدنياأجل من كتاب الله تعالى - قد رخص للقراءة فيه بالكلمة على سبعة
أحرف ، فلا تشدد " ( 1 ) وروى البيهقي عن مكحول قال دخلت أنا وأبوالازهر
على واثلة بن الاسقع فقلناله : حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ليس فيه وهم
ولا تزيدولا نسيان ! فقال : هل قرأأحد منكم من القرآن شيئا ؟ فقلنا : نعم وما
نحن له بحافظين جدا ، إنا نزيد الواو والالف وننقص ، فقال : هذاالقرآن مكتوب بين
أظهركم لا تألونه حفظا ، وإنكم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون فكيف بأحاديث سمعناها
من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عسى ألا يكون سمعنا لهامنه إلا مرة واحدة ؟
حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى .
وكان ابن أبي ليلى يروى الشئ مرة هكذاومرة هكذا بغير إسناد - وإنما جاء
هذامن جهة حفظه ، لان أكثرمن مضى من أهل العلم كانوا لا يكتبون ،
ومن كتب منهم فإنما كان يكتب لهم بعدالسماع ، وكان كثيرمنهم يروى بالمعنى
فكثيرا ما يعبرعنه بلفظ من عنده فيأتي قاصرا عن أداء المعنى بتمامه ، وكثيرا
مايكون أدنى تغييرمحيلا له وموجبا لوقوع الاشكال فيه - وقد أجاز الجمهور الرواية
بالمعنى ( 2 ) .
وفي سنن الترمذي - عن مكحول عن واثلة بن الاسقع قال : إذا حدثناكم
على المعنى فحسبكم ، ورواية الذهبي في سيرأعلام النبلاء : إذا حدثتكم بالحديث
* ( هامش ) * ( 1 ) كانت العرب لا ترى بأسا من تغيير كلمة بكلمة ، وقد روى عن ذي الرمة أنه قال لقيس
ابن عمر : اكتب شعري ، فالكتاب أحب إلي من الحفظ ، لان العربي ينسى الكلمة قد سهرفي طلبهاليلة
فيضع في موضعها كلمة في وزنهاثم ينشدها الناس ( ص 180 و181 من كتاب نقض الشعر الجاهلي ) للشيخ
الخضرحسين .
( 2 ) ص 76 توجيه النظر . *
ـ 82 ـ
على معناه فحسبكم ( 1 ) . وقال وكيع ( 2 ) عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال :
إذاأصبت المعنى أجزأك ، وقال : إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس ، وإنما
تفاضل أهل العلم بالحفظ والاتقان والتثبت عندالسماع - مع أنه لم يسلم من الخطأ
والغلط كبيرأحد من الائمة . وقال سفيان الثوري ( 3 ) إن قلت إني أحدثكم
كماسمعت فلا تصدقوني فإنما هو المعنى ، وقيل له : ياأبا عبدالله ، حدثنا كما سمعت .
قال : والله ماإليه سبيل ، وماهوإلا المعاني . ومن قوله : لو أردنا أن نحدثكم
بالحديث كماسمعناه ما حدثناكم بحديث واحد !
وقدقال الثقات من العلماء : إن الاولى هو إيراد الحديث بألفاظه دون
التصرف فيه . ولكن أنى ذلك وقد جرى الامرعلى غيرالاولى !
قال القاضي عياض : " ينبغي سدباب الرواية بالمعنى لئلا يتسلط من لايحسن
ممن يظن أنه يحسن ، كماوقع لكثيرمن الرواية قديما وحديثا والله الموفق !
ومماذكره المحققون ، أن الرواية بالمعنى لا تكون فيما يتعبد فيه باللفظ كالتكبير
و التشهدات . على أن التشهدات قد وردت بألفاظ مختلفة وإليك أكثرها .
صيغ التشهدات
تشهد ابن مسعود : في الصحيحين عن عبدالله بن مسعود قال : علمنى رسول
الله التشهد وكفى بكفه كمايعلمني السورة من القرآن : التحيات لله والصلوات والطيبات
السلام عليك أيهاالنبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عبادالله الصالحين .
أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمداعبده ورسوله - وكذلك رواه أصحاب السنن .
وفي رواية : " ولقننيه كلمة كلمة " وفي رواية : إذا قلت هذا ، أو قضيت هذا ،
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 259 ج 3 .
( 2 ) وكيع بن الجراح الامام الحافظ محدث العراق قال فيه أحمد بن حنبل : ما رأيت أوعى للعلم ،
ولا أحفظ من وكيع . وكان ثقة متقنا ورعا ، توفى سنة 197 ه .
( 3 ) سفيان الثوري سيدالحفاظ الكوفي الفقيه ، قال القطان فيه : ما رأيت أحفظ منه ، وإنه فوق
مالك في كل شئ . مات بالبصرة سنة 161 ه . *
ـ 83 ـ
فقد قضيت صلاتك - وقد إختاره أبوحنيفة وأحمد وأصحاب الحديث وأكثر
العلماء .
تشهدابن عباس : روى مسلم وأصحاب السنن عن ابن عباس وكذلك روى
الشافعي في الام قال :
كان رسول الله يعلمنا كما يعلمنا السورة من القرآن فيقول ، قولوا :
التحيات ا لمباركات الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيهاالنبي ورحمة الله
وبركاته السلام عليناوعلى عبادالله الصالحين . أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن
محمدارسول الله .
تشهد عمربن الخطاب : روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عروة
ابن الزبيرعن عبدالرحمن بن عبدالقارى أنه سمع عمربن الخطاب وهوعلى المنبر
يقول ، قولوا :
التحيات الزاكيات لله ، الطيبات الصلوات لله .
ورواية السرخسى في المبسوط : التحيات الناميات الزاكيات ا لمباركات
الطيبات لله .
قال مالك : أفضل التشهد تشهد عمربن الخطاب ، لان عمر قاله على المنبر
بمحضرمن الصحابة فلم ينكروه عليه إجماعا ، ورواه أبوداود وابن نردويه مرفوعا .
تشهد أبي سعيد الخدري : التحيات الصلوات الطيبات السلام عليك أيهاالنبي
ورحمة الله وبركاته السلام عليناوعلى عبادالله الصاحلين أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمدا رسول الله . قال أبوسعيد : وكنالا نكتب إلا القرآن والتشهد ( 1 ) !
تشهدجابر : وفي حديث جابر المرفوع عند النسائي وابن ماجة والترمذي في
العلل بلفظ : كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن " باسم الله
وبالله التحيات إلخ وصححه الحاكم .
تشهد عائشة : روى مالك في الموطأ عن عائشة زوج النبي أنها كانت تقول
إذاتشهدت : التحيات الطيبات الزاكيات لله . فتسقط ( لله ) عقب التحيات والصلوات
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 93 تقييد العلم للخطيب البغدادي . *
ـ 84 ـ
بخلاف ما في حديث عمر وابن مسعود من إثباتهما ، وهي مرفوعة ، وزادت على
حديث عمر " وحده لاشريك له " وكذلك ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى
مرفوعا عند مسلم .
تشهد أبي موسى الاشعري : روى مسلم وأبوداود أن التشهد عند أبي موسى
" التحيات الطيبات الصلوات لله " . وفيه " وحده لاشريك له " ( 1 ) .
تشهد سمرة بن جندب : التحيات الطيبات والصلوات والملك لله إلخ .
تشهد ابن عمر : روى مالك في الموطأعن نافع عن ابن عمر أنه كان يتشهد
فيقول باسم الله ( في أوله ) التحيات لله الصلوات لله السلام على النبي بإسقاط ( كاف
الخطاب ولفظ أيها ) إلخ وقال فيه : " فإذاقضى تشهده وأراد أن يسلم قال السلام على
النبي ورحمة الله وبركاته السلام عليناوعلى عبادالله الصالحين . وهذه زيادة تكرير
في التشهد . ورواية " السلام على النبي " التي جاءت في هذاالتشهد - قد وردت
في رواية البخاري عن ابن مسعود في " باب الاستئذان " فقد قال في آخره : وأشهد
أن محمداعبده ورسوله وهوبين ظهرانينا فلما قضى ( صلى الله عليه وسلم ) قلنا
السلام على النبي .
وقد علق ابن حجرعلى ذلك بقوله : ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود
مايقتضي المغيارة بين زمانه ( صلى الله عليه وسلم ) فيقال بلفظ الخطاب وأمابعده
فيقال بلفظ الغيبة ، وفي الاستئذان في صحيح البخاري من طريق أبي معمرعن ابن
مسعود بعد أن ساق حديث التشهد قال : وهو بين ظهرانينا فلما قضى قلناالسلام
يعني على النبي .
وقال السبكي في شرح المنهاج : إن صح هذاعن الصحابة دل على أن الخطاب
في السلام بعد النبي غير واجب فيقال السلام على النبي - قال الحافظ قد صح
بلاريب .
* ( هامش ) * ( 1 ) عن حطان بن عبدالله الرقاشى قال : صليت مع أبي موسى الاشعري وبعدالصلاة قال :
أماتعلمون كيف تقولون في صلاتكم . إن رسول الله خطبنافبين لنا سنتنا ، وعلمنا صلاتنا وذكر
التشهد فإذاهو التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك إلخ ص 13 ج 2 مسلم . *
ـ 85 ـ
قال عبدالرازق : أخبرناابن جريج أخبرنا عطاء أن الصحابة كانوا يقرءون
والنبي " حي " السلام عليك أيهاالنبي فلما مات قالوا : السلام على النبي وهذا
إسناد صحيح .
ولهذا الاختلاف ( 1 ) قال القاضي : هذايدل على أنه إذا أسقط لفظة هي
ساقطة في بعض التشهدات المروية صح التشهد ، فعلى هذايجوز أن يقال : أقل
مايجزئ في التشهد " التحيات لله السلام عليك أيهاالنبي ورحمة الله ، السلام علينا
وعلى عبادالله الصالحين ، أشهد أن لاإله إلا الله وأشهدا أن محمدا عبده ورسوله -
أو أن محمد رسول الله " .
هذه تشهدات تعسة ( 2 ) وردت عن الصحابة وقد إختلفت ألفاظها ، ولو أنها
كانت من الاحاديث القولية التي رويت بالمعنى لقلنا عسى ! ولكنها من الاعمال المتواترة
التي كان يؤديهاكل صحابي مرات كثيرة كل يوم وهم يعدون بعشرات الالوف ،
ومما يلفت النظرأن كل صاحب تشهديقول ، إن الرسول كان يعلمه التشهد
كمايعلمهم القرآن ، وأن تشهد عمرقد ألقاه من فوق منبررسول الله والصحابة جميعا
يسمعون فلم ينكرعليه أحد منهم ما قال ، كما ذكرمالك في الموطأ .
ومما يلفت النظر كذلك ، أن هذه التشهدات على تباين ألفاظها وتعدد صيغها
وكثرة رواتها ، قد خلت كلهامن الصلاة على النبي فكأن الصحابة كانوا كما قال
إبراهيم النخعي يكتفون بالتشهد والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله .
ولقد إختلفت الائمة في وجوب الصلاة المفروضة فأبوحنيفة
وأصحابه لا يوجبونها فيها وأما الشافعي فقد جعلها شرطا !
وفي البحر الزاخر لابن نجيم : وأما موجب الامرفي قوله تعالى : " صلواعليه "
فهو إفتراضها في العمرمرة واحدة في الصلاة أو خارجها ، لان الامرلا يقتضي
التكرار وهذا بلا خلاف .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 575 ج 1 المغنى والشرح الكبير .
( 2 ) هذا ما أمكن إحصاؤه من التشهدات ولم يتفق أئمة الفقه على تشهد واحد منها بل إختلفوا فيها
فاختار أبوحنيفة وأحمد تشهدابن مسعود وإختار مالك تشهد عمربن خطاب وإختار الشافعي تشهدابن
عباس . *
ـ 86 ـ
وقال بذلك السرخسي في المبسوط وابن همام في شرح فتح القدير والقسطلاني
في إرشاد السارى . وقال القاضي عياض في الشفاء ، وقد شذالشافعي فقال من
لم يصل علي فصلاته فاسدة ، ولاسلطان له في هذاالقول ولا سنة يتبعها ، وشنع
عليه في ذلك جماعة منهم الطبري والقشيري ، وخالفه من أهل مذهبه الخطابي
فقال إنهاليست بواجبة ولا أعلم له فيهاقدوة ، و التشهدات المرويات عن الصحابة
لم يذكر فيهاذلك أما حديث " لا صلاة لمن لم يصل علي " فقد ضعفه أهل الحديث ،
وحديث ابن مسعود " من صلى صلاة لم يصل فيهاعلي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه " فقد قال الدارقطني إنه من قول أبي جعفر محمد الباقر بن علي وبن الحسين .
ونص قوله : لو صليت صلاة لم أصل فيهاعلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولا على
أهل بيته لرأيت أنهالا تتم ( 1 ) .
. . . وكلمة التوحيد
وماقاله هؤلاءالائمة في صلاة على النبي ، قدجاءمثله في كلمة التوحيد
( لا إله إلاالله ) . قال العلامة سعيدبن حجى في رسالة " الكلام المنتقى فيمايتعلق
بكلمة التقوى - لا إله إلاالله " . وأما حكمها فقال " في فاكهة القلوب والافواه " :
" أماالمؤمن بالاصالة فيجب أن يذكرهامرة في عمره ، وينوي بها الوجوب " . ولانطيل
في ذلك حتى نستطردإلى ما ليس من موضوعنا .
وقال الفقيه المحدث رشيد رضا رحمه الله عند كلامه على أحاديث أشراط
الساعة في تفسيره ( 2 ) .
" لا شك في أن أكثر الاحاديث قد روى بالمعنى كما هو معلوم واتفق عليه
العلماء ، ويدل عليه اختلاف رواة الصحاح في ألفاظ الحديث الواحدحتى
المختصر منها ، ومادخل على بعض هذه الاحاديث ( في المدرجات ) وهي مايدرج
في اللفظ المرفوع من كلام الرواة فعلى هذا ، كان يروى كل أحد مافهمه ، وربما
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 55 ج 2 من الشفاء .
( 2 ) ص 506 ج 9 . *
ـ 87 ـ
وقع في فهمه الخطأ وربما فسر بعض ما فهمه ، بألفاظ يزيدها ، إلى أن قال :
فهل من الغرابة أن يقع الخلط والتعارض فيمايروى عنه بالمعنى بقدرفهم الرواة ؟
وسئل رحمه الله عن رأيه فيمن قال : إنه لم يثبت عن النبي إلا 12 أو 14
حديثا فأجاب ( 1 ) :
هذاالقول غيرصحيح ، ولم يقل به أحد بهذا اللفظ ، وإنماقيل هذاأو مادونه ،
في الاحاديث التي تواتر لفظها .
ولابأس من أن نثبت هناكلمة لنا نشرناها في العدد 957 من مجلة الرسالة
الصادرفي 5 نوفمبر 1951 تصحيحالما نشره الاستاذ عبدالسلام هارون في
كتاب البيان والتبيين للجاحظ وهاهي ذي :
هو سماع الحديث لاسماع الغناء !
يعثر الانسان أحيانا أثناء مطالعاته في الصحف على أشياء تستدعي النقد ،
وتستوجب التصحيح فيتجاوزها ولا يعنى بها ، لانه إذاتولى نقد أو تصحيح كل
ما يعثر عليه من الغلط فإنه لا يجدمن الوقت ما يسعه ، ولا من هدوءالبال ما يعينه ،
وقد ينشط أحيانا فينهض لبيان ما يجد من خطأ ، وبخاصة عندما يقف على أمر
لا يصح السكوت عليه أو الاغضاء عنه .
ومن ذلك أنى كنت أقرأفي الجزء الثاني من كتاب " البيان والتبيين " للجاحظ
الذي خرج بتحقيق وشرح الاستاذ عبدالسلام هارون فإذابي أجد في الصفحة
322 من هذا الجزء ما يلي :
" وقال ابن عون : أدركت ثلاثة يتشددون في السماع ، وثلاثة يتساهلون ( في
المغاني ) فأماالذين يتساهلون ، فالحسن والشعبي والنخعي ، وأماالذين يتشددون ،
فمحمد بن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة ( 2 ) " .
وقد حسب الاستاذ هارون أن السماع في هذا الخبر هو سماع الاغاني ! فآثر
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 260 ج 34 من مجلة المنار .
( 2 ) راجع صفحة 77 من هذا الكتاب . *
ـ 88 ـ
كلمة " المغاني " بالمعجمة التي وجدهافي بعض نسخ الاصول ، على لفظها بالمهملة
التي جاءت بأصول أخرى ، وأخذ يفسرهاعلى ما ظن تفسيرا لا أدرى إن كان
يرضى أئمة اللغة أم يغضبهم !
فقال في شرح الكلمة : " المغاني جمع مغنى مصدرميمي من غنى يغني ! وفي
التيمورية المعاني بالمهملة تحريف ، أي أن هذه الكلمة قد جاءت في نسخة مكتبة
كوبرلى والنسخة التيمورية بالمهملة وهو تحريف .
والذي قال عنه الاستاذ إنه تحريف هوالصحيح ، وإن صحة الكلمة المعاني
بالمهملة كما جاءت بهاتين النسختين ، والسماع هناهو سماع الحديث النبوي ،
لاسماع الاغاني !
وقد جاءت عبارة ابن عون هذه ، لان نقل حديث رسول الله على حقيقة لفظه
أوبمعناه ، كان موضع خلاف بين الصحابة ، ثم امتد هذاالخلاف إلى التابعين
ومن بعدهم ، فكان من الصحابة الذين يجوزون رواية الحديث بالمعنى ، كما يقولون ،
علي وابن عباس وأنس وجماعة معهم . وكان الذي يمنع ذلك ابن عمر ، أما التابعون
فكان الذين يتشددون في رواية الحديث على لفظه محمد بن سيرين والقاسم
ابن محمد ورجاءبن حيوة ، والذين يتساهلون في ذلك الحسن والشعبي والنخعي ( 1 ) ، ومن هناجاءت كلمة ابن عون التي رواها الجاحظ وأخطأفي فهمها الاستاذ
عبدالسلام هارون . . .
المنصورة محمد أبوريه
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 80 ج 1 جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر ، وص 308 توجيه النظر ، وقد ذكر
لابن سيرين أن الحسن والشعبي والنخعي يروون بالمعنى فقال ، إنهم لو حدثوا كما سمعوالكان أفضل ،
ص 206 من الكفاية للخطيب . *
ـ 89 ـ
أمثلة من رواية الحديث بالمعنى
حديث الاسلام والايمان
روى مسلم عن طلحة بن عبيدالله : جاءرجل إلى رسول الله من أهل نجد
ثائر الرأس ، نسمع دوى صوته ولانفقه ما يقول ، حتى دنامن رسول الله فإذاهو
يسأل عن الاسلام ، فقال رسول الله : خمسة صلوات في اليوم والليلة . فقال : هل
علي غيرهن ؟ فقال : لا ، إلا أن تطوع ، وصيام شهررمضان ، فقال : هل علي
غيره ؟ فقال : لا إلا أن تطوع . وذكر له رسول الله الزكاة . فقال ، هل علي
غيرها ؟ فقال : لا ، إلا أن تطوع ، قال : فأدبر الرجل وهويقول : والله لا أزيد
على هذا ، ولا أنقص منه . فقال رسول الله أفلح إن صدق ، وفي رواية أخرى
أفلح وأبيه إن صدق ، وفي رواية ثالثة دخل الجنة وأبيه إن صدق .
وعن أبي هريرة في حديث جبريل .
قال رسول الله : سلوني فهابوه فجاءرجل فجلس عند ركبتيه وقال : يارسول
الله ماالاسلام ؟ قال : لا تشرك بالله شيئا . وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم
رمضان . قال : صدقت ، ثم قال : يارسول الله ماالايمان ؟ قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله ، وتؤمن بالغيب ، وتؤمن بالقدركله قال : صدقت ،
قال : يارسول الله ما الاحسان ؟ قال أن تخشى الله كأنك تراه ، فإنك إن لا تكن
تراه فإنه يراك إلخ . وقدتكلمنا عن هذا الحديث في كتابنا " شيخ المضيرة " فيرجع
إليه ويقرأما قاله الدكتورطه حسين فيه ( 1 ) .
وعن أبي أيوب ( 2 ) قال : جاءرجل إلى النبي فقال : دلني على عمل أعمله
يدنيني من الجنة ، ويباعدني من النار . قال : تعبدالله لاتشرك به شيئا ، وتقيم
الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتصل ذا رحمك . قال رسول الله : إن تمسك بماأمربه
دخل الجنة .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 211 و212 مرآة الاسلام .
( 2 ) هو خالد بن زيد الانصاري ، ص 172 ج 1 شرح النووى على مسلم وص 119 من كتاب
المعارف لابن قتيبة . *
ـ 90 ـ
وفي رواية ابن أبي شيبة إن تمسك به .
وعن أبي هريرة : أن أعرابيا جاء إلى رسول الله فقال يارسول الله ، دلني على
عمل إذاعملته دخلت الجنة ، قال : تعبدالله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة
المكتوبة ، وتؤدى الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان ، قال والذي نفسي بيده ،
لا أزيد على هذاشيئاو لاأنقص منه . فلماولى قال النبي : من سره أن ينظر إلى
رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا .
قال الامام النووي معلقا على هذه الاحاديث مانصه ( 1 ) : " اعلم أنه لم يأت
في حديث طلحة - ذكر ( الحج ) ولا جاء ذكره في حديث جبريل من رواية
أبي هريرة ، وكذاغير هذه الاحاديث لم يذكرفى بعضها " الصوم " ولم يذكرفي
بعضها " الزكاة " وذكرفي بعضها صلة الرحم ، وفي بعضها أداء الخمس ، ولم يقع
في بعضها ذكر " الايمان " - فتفاوتت هذه الاحاديث في عدد خصال الايمان
زيادة ونقصا وإثباتا وحذفا .
وقدأجاب القاضي عياض وغيره رحمهم الله بجواب لخصه الشيخ أبوعمرو
ابن الصلاح وهذبه فقال : ليس هذا بإختلاف صادرمن رسول الله . بل هو من
تفاوت الرواة في الحفظ والضبط ، فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظه فأداه
ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولاإثبات ، وإن كان اقتصاره على ذلك يشعربأنه
( الكل ) فقد بان بماأتى به غيره من الثقات أن ذلك ليس " بالكل " وأن اقتصاره
عليه كان لقصورحفظه عن تمامه . ألا ترى حديث النعمان بن توقل الذي اختلفت
الرواية في خصاله بالزيادة والنقصان ، مع أن راوى الجميع راو واحد ؟ !
وهذا هو حديث النعمان بن توقل ( 2 ) : عن أبي سفيان عن جابرأتى
النبي ( صلى الله عليه وسلم ) النعمان بن توقل فقال : يارسول الله أرأيت إذا صليت
المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال أأدخل الجنة ؟
فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : نعم .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 215 ج 1 شرح النووى لمسلم على هامش القسطلاني .
( 2 ) ص 175 ج 1 شرح النووى على مسلم . *
ـ 91 ـ
وعن الاعمش عن أبي صالح وأبي سفيان عن جابرقال : قال النعمان بن
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 91 سطر 1 الى ص 100 سطر 25
وعن الاعمش عن أبي صالح وأبي سفيان عن جابرقال : قال النعمان بن
توقل : يارسول الله بمثله ، وزاد فيه ، ولم أزد على ذلك شيئا .
حديث زوجتكها بما معك ( 1 )
جاءت إمراة إلى النبي وأرادت أن تهب نفسها له ، فتقدم رجل فقال :
يارسول الله : أنكحنيها ؟ ولم يكن معه من المهر غير بعض القرآن ، فقال له النبي :
أنكحتكها بما معك من القرآن ، وفي رواية : " قد زوجتكها بما معك من القرآن "
وفي رواية ثالثة : " زوجتكها على ما معك " وفي رواية رابعة : " قد ملكتكها بما
معك " ، وفي رواية خامسة : " قد ملكتكها بما معك من القرآن " وفي رواية
سادسة : " أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها " ، وفي رواية سابعة : " أمكناكها . . " .
وفى رواية ثامنة : " خذها بما معك " فهذه إختلافات ثمانية - في لفظة واحدة .
قال ابن دقيق العيد : هذه لفظة واحدة في قصة واحدة واختلف فيهامع إتحاد
مخرج الحديث ! وقال العلائي : من المعلوم أن النبي لم يقل هذه الالفاظ كلهاتلك
الساعة فلم يبق إلا أن يكون قال لفظة منها ، وعبرعنه بقية الرواة بالمعنى ، فمن قال
بأن النكاح ينعقدبلفظ التملك ثم احتج بمجيئه في هذا الحديث ، إذا عورض ببقية
الالفاظ لم ينتهض احتجاجه ! فإن جزم بأنه هوالذي تلفظ به النبي - ومن قال
غيره ذكره بالمعنى ! - قلبه عليه مخالفه وادعى ضد دعواه ، فلم يبق إلا الترجيح بأمرخارجي .
وهذا الحديث ومثله كان مما دعا سيبويه وغيره إلى عدم جعلهم الحديث من
شواهدهم في إثبات اللغة والنحو كما ستراه في محله من هذا الكتاب .
* ( هامش ) * ( 1 ) لم نعرض هنا لاختلافات الفقهاءفي حكم هذا الحديث بسبب اختلاف ألفاظه فارجع إليها في
كتبهم لترى كيف تفعل الرواية بالمعنى ، ويراجع من ص 168 إلى ص 176 ج 9 فتح الباري . *
ـ 92 ـ
حديث الصلاة في بني قريظة
روى البخارى عن ابن عمرأن النبي قال يوم الاحزاب : لا يصلين أحد
" العصر " إلا في بني قريظة ، فأدرك بعضهم العصرفي الطريق ، فقال بعضهم
لا نصلى حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلى ، لم يردمنا ذلك ، فذكروا ذلك
للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدامنهم .
قال ابن حجرفي شرح هذا الحديث : كذاوقع في جميع النسخ عند البخاري
ووقع جميع النسخ عندمسلم " الظهر " مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته
عن شيخ واحد بإسناد واحد ، وقد وافق مسلما أبويعلى وآخرون ، وكذاأخرجه
ابن سعد ، وأما أصحاب المغازى فقد اتفقواعلى أنهاالعصر .
ثم قال ابن حجربعد ذلك : إن البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ
كما عرف من مذهبه ( 1 ) في تجويزذلك ، بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ
كثيرا ، ولم يجوز مثله لموافقة من وافق مسلما على لفظه بخلاف البخاري .
وقد بلغ من أمرهم أنهم كانوا يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم ثم يعزونه
إلى كتب السنة .
قال العراقي في شرح ألفيته :
إن البيهقي في السنن والمعرفة والبغوى في شرح السنة وغيرهما ، يروون الحديث
بألفاظهم وأسانيدهم ، ثم يعزونه إلى البخاري ومسلم مع إختلاف الالفاظ والمعاني ،
فهم إنما يريدون أصل الحديث لا عزو ألفاظه اه .
* ( هامش ) * ( 1 ) الذي قاله ابن حجرعن البخاري يؤيده ما رواه الخطيب البغدادي عن البخاري قال : رب
حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر ، فقيل له يا أ باعبدالله ،
بكماله . قال : فسكت ( ص 11 ج 2 من تاريخ الخطيب ) . وقال : حيدربن أبي جعفر والى بخارى :
قال لي محمدبن إسماعيل يوما : رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته
بمصر ، فقلت له : ياأبا عبدالله ، بتمامه ؟ فسكت ( ص 201 ج 2 هدى السارى مقدمة فتح الباري ) .
ويراجع الكلام عن كتاب البخاري بين كتب الحديث المشهورة في الفصل الذي عقدناه لذلك في كتابناهذا . *
ـ 93 ـ
ومن هذاالقبيل قول النووي في حديث " الائمة من قريش " أخرجه الشيخان
مع أن لفظ الصحيح " لايزال هذاالامرفي قريش ما بقي منهم إثنان " وبين
اللفظين والمعنيين تفاوت عظيم كماترى اه .
حديث تأبير النخيل
روى مسلم في كتابه عن موسى بن طلحة عن أبيه قال : مررت مع رسول
الله بقوم على رءوس النخل فقال : ما يصنع هؤلاء ؟ فقلت : يلقحونه ، يجعلون
الذكرفي الانثى فتلقح ! فقال رسول الله : ما أظن يغنى ذلك شيئا ! قال : فأخبروا
بذلك فتركوه ، فأخبررسول الله بذلك فقال : إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني
ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذاحدثتكم عن الله شيئا فخذوابه ،
فإني لن أكذب على الله عزوجل .
وعن رافع بن خديج قال : قدم نبي الله المدينة وهم يأبرون النخل فقال :
ما تصنعون ؟ قالوا : كنا نصنعه ، قال : لعلكم لو لم تفعلواكان خيرا ، قال : فتركوه
فنفضت ، أو قال فنقصت ، قال : فذكروا ذلك له فقال : إنما أنابشرإذا
أمرتكم بشئ من دينكم فخذوابه ، وإذا أمرتكم بشئ من رأيى فإنما أنا بشر . رواه
مسلم والنسائي .
وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعن أنس ، أن النبي مر بقوم يلقحون
فقال : لولم تفعلوا لصلح ، قال : فخرج شيصا : فمربهم فقال : ما لنخلكم ؟
قالوا : قلت كذاكذا ، قال : أنتم أعلم بأمر دنياكم .
وفي رواية أحمد : ما كان أمر دينكم فإلي ، وماكان من أمر دنياكم فأنتم
أعلم به ، وفي رواية رويت عن ابن رشد في كتاب التحصيل والبيان " ما أنابزارع
ولا صاحب نخل " .
ـ 94 ـ
حديث صحيفة علي رضي الله عنه
هذا الحديث رواه الجماعة أحمد والشيخان وأصحاب السنن بألفاظ مختلفة .
أما البخاري فقد رواه عن أبي جحيفة في كتاب العلم بلفظ قلت لعلى : هل عندكم
كتاب ؟ قال : لا ، إلا كتاب الله ، أو فهما أعطيه رجلامسلما ، أو مافي هذه
الصحيفة قلت : ومافي هذه الصحيفة ؟ قال : العقل وفكاك الاسير ، ولايقتل
مسلم بكافر . ورواية الكشميهنى " وإن لايقتل " إلخ .
وفي كتاب الجهاد بلفظ : قلت لعلي هل عندكم شئ من الوحي ، إلا مافي
كتاب الله ؟ قال : لا والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، وما أعلمه إلا فهما يعطيه
الله رجلا في القرآن ومافي هذه الصحيفة ؟ قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال
العقل وفكاك الاسير وأن لايقتل مسلم بكافر .
وفي باب الديات : سألت عليارضي الله عنه : هل عندكم شئ مما ليس في
القرآن ؟ فقال ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، ما عندناإلا ما في القرآن إلا فهما
يعطى رجل في كتابه ، ومافي هذه الصحيفة . قلت ومافي هذه الصحيفة ؟ قال :
العقل وفكاك الاسيرإلخ .
وفي باب حرم المدينة من كتاب الحج عن إبراهيم التيمي عن أبيه بلفظ
ماعندنا شئ إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) " المدينة
حرم ما بين عائرإلى كذا ، من أحدث فيها حدثا ، أو آوى محدثا ، فعليه لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين لايقبل منه صرف ولا عدل " وقال : " ذمة المسلمين
واحدة فمن أخفرمسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لايقبل منه صرف
ولا عدل ، ومن تولى بغيرإذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ،
لايقبل منه صرف ولا عدل " .
وفي باب ذمة المسلمين من كتاب الجزية بلفظ ، خطبنا علي فقال : ماعندنا
كتاب نقرؤه إلا كتاب الله ومافي هذه الصحيفة ، قالوا ، ومافي هذه الصحيفة
فقال ، فيها الجراحات وأسنان الابل والمدينة حرام مابين عير إلى كذا فمن أحدث
ـ 95 ـ
فيها حدثا ، أو آوى فيهامحدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه
صرف ولاعدل ، ومن تولى غيرمواليه فعليه مثل ذلك ، وذمة المسلمين واحدة ،
فمن أخفرمسلما فعليه مثل ذلك
وفي باب إثم من عاهد ثم غدر بلفظ ، عن علي قال : ماكتبناعن النبي
( صلى الله عليه وسلم ) إلاالقرآن ومافي هذه الصحيفة : قال النبي ( صلى الله عليه
وسلم ) : المدينة حرام مابين عائرإلى كذا فمن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة
الله والملائكة والناس أجمعين ، لايقبل منه صرف ولا عدل ، وذمة المسلمين واحدة
يسعى بهاأدناهم ، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ،
لايقبل منه صرف ولاعدل ، ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين لايقبل منه صرف ولاعدل .
وفي باب إثم من تبرأ من مواليه بلفظ : ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله
وغيرهذه الصحيفة ، وأخرجها فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الابل ، وفيها -
المدينة حرام إلخ وذكر مسألة الولاء فمسألة الذمة بمثل ما تقدم .
وفي باب كراهة التعمق والتنازع والغلوفي الدين من كتاب الاعتصام بلفظ :
خطبنا علي على منبرمن آجرفقال : والله ما عندنا من كتاب يقرأإلا كتاب
الله وما في هذه الصحيفة ، فنشرها فإذا فيها أسنان الابل ، وإذا فيها المدينة حرم من
عيرإلى كذا فمن أحدث فيها حدثافعليه لعنة الله . . . وذمة المسلمين واحدة يسعى
بها أدناهم فمن أخفرفعليه . . . وإذافيها : من والى قوما بغيرإذن مواليه فعليه . . .
( إلا أنه قال ) : لايقبل الله منه صرفا ولا عدلا ( هذه روايات البخاري ) .
وروايات مسلم وأصحاب السنن بمعنى روايات البخارى - وصحح مسلم بحدى
المدينة ، وهما عير وثور ( جبلان ) وقال الحافظ ابن حجرفي الكلام على حديث
علي رضي الله عنه من طريق إبراهيم التيمى عن أبيه : إن الصحيفة كانت مشتملة
على كل ما ورد - أي فكان يذكركل راو منهاشيئا ، إما لاقتضاء الحال ذكره
دون غيره ، وإما لان بعضهم لم يحفظ كل ما فيها ، أو لم يسمعه ، ولا شك أنهم
نقلواما نقلوه بالمعنى دون التزام اللفظ كله ، ولذلك وقع الخلاف في ألفاظهم
، ولم يقل الرواة " إنه قرأها عليهم " برمتها فحفظوها أو كتبوهاعنه بل ( تدل ألفاظهم )
ـ 96 ـ
على أنه كان يذكر مافيهاأو بعضه من حفظه ، ومن قرأها لهم كلها أو بعضها
لم يكتبوها ، بل حدثوابما حفظوا ، ومنه ماهومن لفظ الرسول ( صلى الله عليه وسلم )
ومنه ما هو إجمال للمعنى كقوله " العقل وفكاك الاسير " فإن المراد بالعقل دية القتل
وسميت عقلا لان الاصل فيهاأن تكون إبلا تعقل أي تربط بالعقل في فناء دار
المقتول أوعصبته المستحقين لها ، وقوله ( أسنان الابل ) في بعض الروايات ، معناه
ما يشترط في أسنان إبل الدية أو الصدقة إلخ . . . وجملة القول : أننا لا نعلم أن
أحدا كتب عن أمي رالمؤمنين ما كان في تلك الصحفية بنصه ، ولا أنه هوكتبها
بأمرالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) لانه قال في رواية قتادة عن أبي حسان إنه سمع
شيئافكتبه . اه باختصار .
وإذاكان لنا من كلمة نعلق بهاعلى أمرهذه الصحيفة المنسوبة إلى علي رضي
الله عنه - وماجاء فيهامن روايات مختلفة في كتب الحديث فهي أننالا نطمئن إلى
ما جاء فيها من روايات مهماكان رواتها ، وبحسبك أن تجد ابن حجرقد قال في
هذه الروايات ماقال .
ومرد شكناإلى أن عليارضي الله عنه إذا كان قد أراد أن يكتب عن رسول
الله ما يراه نافعا للدين وللمسلمين فلا تكفيه مثل هذه الصحيفة التي كان يضعها
كمايقولون في قراب سيفه وإنما كان يكتب آلاف الاحاديث في جميع مايهم
المسلمين وهوصادق في كل ما يكتب إذاأراد ، على أننا قد أفدنا من أخبار
هذه الصحيفة فائدة كبيرة إذ أثبتت لنا كيف تفعل الرواية بالمعنى فعلها ،
وأنها كانت ضرراعلى الدين وعلى اللغة والادب كما سنبينه قريباإن شاءالله .
ونختم هذاالفصل بكلمة صغيرة جامعة للحافظ ابن كثير جاءت في كتاب
الباعث الحثيث ( 1 ) ، قال بعد أن تكلم عمن جوزوا رواية الحديث بالمعنى :
" ومنع الرواية بالمعنى طائفة آخرون من المحدثين والفقهاءو الاصوليين ، وشددوا
في ذلك آكد التشديد - وكان ينبغي أن يكون هذاالواقع ، ولكن لم يتفق ذلك "
وذلك لان الذي جرى عليه الامر ، هورواية الحديث بالمعنى ، وهوماتجده في
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 165 و166 من كتاب الباعث الحثيث . *
ـ 97 ـ
جميع كتب الحديث بلااستثناء . وستعرف من تاريخ البخاري أنه ممن كانوا يروون
بالمعنى - ويراجع فصل " موقف النحاة من كتب الحديث ) في موضعه من هذا الكتاب .
ضرر رواية الحديث بالمعنى
لما كانت أحاديث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد جاء نقلها بالمعنى -
كمابينامن قبل - وأنهم قد أباحوا لرواتهاأن يزيدوا فيها ويختصروا منها ، وأن يقدموا
ويؤخروافي ألفاظها - بله ما سوغوه من قبول الملحون منها - لما كان الامر قد
جرى على ذلك فقد نشأ من أثرذلك كله - ولاجرم وبخاصة بسبب نقل الحديث
بالمعنى - ضرر عظيم .
وقال العلامة الجزائري في كتابه " توجيه النظر " ( 1 ) .
( بعدالبحث والتتبع تبين أن كيثرا ممن روى بالمعنى قدقصرفي الاداء ولذلك
قال بعضهم : ينبغي سدباب الرواية بالمعنى لئلايتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه
يحسن ، كماوقع لكثيرمن الرواة قديماو حديثا . وقد نشأ عن الرواية بالمعنى ضرر
عظيم حتى عد من جملة أسباب اختلاف الامة ، قال بعض المؤلفين ( 2 ) في ذلك في مقدمة
كتابه : إن الخلاف قد عرض للامة من " ثمانية أوجه " ، وجميع وجوه الخلاف
متولدة منها ، ومتفرعة عنها . " الاول " منها اشتراك الالفاظ واحتمالها للتأويلات الكثيرة ،
" الثاني " الحقيقة والمجاز ، " الثالث " الافراد والتركيب ، " الرابع " الخصوص والعموم ،
" الخامس " الرواية والنقل ، " السادس " الاجتهاد فيما لا نص فيه ، " السابع " الناسخ
والمنسوخ ، " الثامن " الاباحة والتوسيع - وقال في باب الخلاف العارض من جهة
الرواية والنقل : هذاالباب لاتتم الفائدة التي قصدناها منه إلا بمعرفة العلل التي
تعرض للحديث فتحيل معناه ، فربما أوهمت فيه معارضة بعضه لبعض ، وربما
ولدت فيه إشكالا يحوج العلماء إلى طلب التأويل البعيد . ونحن نذكرالعلل كم هي ؟
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 337 وما بعدها .
( 2 ) ظللنا نبحث عن هذا المؤلف حتى وجدناأنه أبومحمد عبدالله بن محمدبن السيد البطليوسى
الاندلسي المتوفى سنة 521 ه وهذاالكلام في كتابه " الانصاف في التنبيه على الاسباب التي أوجبت الاختلاف
بين المسلمين في آرائهم " وقدطبع في مصرسنة 1319 مصححابقلم الشيخ أحمد عمر المحمصاتي الازهري .
أضواءعلى السنة المحمدية *
ـ 98 ـ
ونذكر من كل نوع منها مثالا أو أمثلة يستدل بها على غيرهاإن شاءالله ( 1 ) .
قال البطليوسي : اعلم أن الحديث المأثورعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
وعن أصحابه والتابعين لهم ، تعرض له " ثماني علل " - أولاها : فساد الانساد ، ( الثانية )
من جهة نقل الحديث على معناه دون لفظه ، ( والثالثة ) من جهة الجهل بالاعراب ،
( والرابعة ) من جهة التصحيف ، ( والخامسة ) من جهة إسقاط شئ في الحديث
لايتم المعنى إلا به ، ( والسادسة ) أن ينقل المحدث الحديث ويغفل نقل السبب
الموجب له ، أو بسط الامرالذي جر ذكره ، ( السابعة ) أن يسمع المحدث بعض
الحديث ويفوته سماع بعضه ، ( الثامنة ) نقل الحديث من الصحف دون المشايخ ( 2 ) .
العلة الاولى
وهي فساد الاسناد ، وهذه العلة أشهرالعلل عندالناس حتى
إن كثيرمنهم يتوهم ( 3 ) أنه إذاصح الاسناد صح الحديث ! وليس كذلك فإنه
قديتفق أن يكون رواة الحديث مشهورين بالعدالة ، معروفين بصحة الدين
والامانة ، غيرمطعون عليهم ، ولا مستراب بنقلهم ، ويعرض مع ذلك لاحاديثهم
أعراض على وجوه شتى من غيرقصد منهم إلى ذلك - والاسناد يعرض له الفساد
من أوجه : ( منها ) الارسال وعدم الاتصال ، ( ومنها ) أن يكون بعض
رواته صاحب بدعة ، أو متهما بكذب وقلة ثقة ، أو مشهورا ببله وغفلة ، أو يكون
متعصبا لبعض الصحابة منحرفا عن بعضهم ، فإن كان مشهورا بالتعصب ثم روى
حديثا في تفضيل من يتعصب له ، ولم يرد من غيرطريقه ، لزم أن يستراب به ،
وذلك أن إفراط عصبية الانسان لمن يتعصب له وشدة محبته يحمله على افتعال
الحديث ، وإن يفتعله بدله وغيربعض حروفه . . . وممايبعث على الاسترابة
* ( هامش ) * ( 1 ) وننقل هذه العلل باختصارمن أصل كتاب البطليوسي .
( 2 ) قد لا يصح أن يعد ذلك من علل الحديث ، فقد ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لايتوقف العمل
بالحديث على سماعه . وقال أبوإسحاق ا لاسفرائيني : الاجماع على جوازالنقل من الكتاب المعتمدة ، وقال
الطبري : من وجد حديثا في كتاب صحيح جازله أن يرويه ويحتج به ، وكذلك قال العزبن عبدالسلام .
( 3 ) ومنهم حشوية دهرنا الذين يظهرون بين الناس في لباس العلماء . *
ـ 99 ـ
بنقل الناقل أن يعلم منه حرص على الدنيا وتهافت على الاتصال بالملوك ونيل المكانة
والحظوة عندهم - فإن من كان بهذه الصفة لم يؤمن عليه التغيير والتبديل والافتعال
للحديث والكذب حرصاعلى مكسب يحصل عليه ( 1 ) . وقد نبه رسول الله ( صلى
الله عليه وسلم ) على نحو هذا الذى ذكرنا بقوله : إن الاحاديث ستكثربعدي
كماكثرت عن الانبياء قبلي ، فماجاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافقه
كتاب الله فهوعني قلته أو لم أقله .
وقد روى أن قومامن الفرس واليهود ( 2 ) وغيرهم لما رأواالاسلام قد ظهر وعم
ودوخ وأذل جميع الامم ، ورأواأنه لا سبيل إلى مناصبته ، رجعواإلى الحلية والمكيدة
فأظهروا الاسلام من غيررغبة فيه ، وأخذوا أنفسهم بالتعبد والتقشف ، فلما حمد
الناس طريقتهم ولدوا الاحاديث والمقالات ، وفرقوا الناس فرقا . . .
وإذاكان عمربن الخطاب يتشدد في الحديث ويتوعد عليه والزمان زمان ،
والصحابة متوافرون ، والبدع لم تظهر ، والناس في القرن الذي أثنى عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فما ظنك بالحال في الازمنة التي ذمها ! وقدكثرت البدع
وقلت الامانة . . .
العلة الثانية
وهي نقل الحديث على المعنى دون اللفظ بعينه - وهذا الباب
يعظم الغلط فيه جدا . وقد نشأت منه بين الناس شغوب شنيعة ، وذاك أن أكثر
المحدثين لايراعون ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم التي نطق بها ، وإنما ينقلون إلى
من بعدهم معنى ماأراده بألفاظ أخرى ، ولذلك نجد الحديث الواحد في المعنى
الواحد يرد بألفاظ شتى ، ولغات مختلفة ، يزيد بعض ألفاظها على بعض .
على أن اختلاف ألفاظ الحديث قد تعرض من أجل تكرير النبي ( صلى الله
عليه وسلم ) له في مجالس عدة مختلفة وماكان من الحديث بهذه الصفة فليس
* ( هامش ) * ( 1 ) كماهوشأن بعضهم في عصرنا .
( 2 ) مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه وعبدالله بن سلام . *
ـ100ـ
كلامنافيه ، وإنما كلامنا في اختلاف الالفاظ التى تعرض من أجل نقل الحديث
على المعنى . ووجه الغلط الواقع من هذه الجهة ، أن الناس يتفاضلون في صورهم
وألوانهم وغيرذلك من أمورهم وأحوالهم ، فربمااتفق أن يسمع الراوي الحديث من
النبي صلى الله عليه وسلم أومن غيره ، فيتصور معناه في نفسه على غيرالجهة التي
أرادها ، وإذا عبرعن ذلك المعنى الذى تصورفي نفسه بألفاظ أخرى ، كان
قد حدت بخلاف ما سمع من غيرقصدمنه إلى ذلك - وذلك أن الكلام الواحد
قديحتمل معنيين وثلاثة ، وقدتكون فيه اللفظة المشتركة التى تقع على الشئ
وضده ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " قصوا الشارب واعفوا اللحي " ففي مثل
هذايجوز أن يذهب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المعنى الواحد ويذهب
الراوي عنه إلى المعنى الآخر ، فإذاأدى معنى ماسمع دون لفظه بعينه ،
كان قد روى عنه ضد ما أراده غيرعامد ، ولوأدى لفظه بعينه ، لاوشك أن
يفهم منه الآخرما لم يفهم الاول ، وقد علم ( صلى الله عليه وسلم ) أن هذاسيعرض
بعده فقال محذرامن ذلك : " نضرالله أمرا سمع مقالتى فوعاهاو أداها كماسمعها .
فرب مبلغ أوعى من سامع " . . .
العلة الثالثة
وهي الجهل بالاعراب ومباني كلام العرب ومجازاتها ، وذلك أن كثيرا
من رواة الحديث قوم جهال باللسان العربي لايفرقون بين المرفوع والمنصوب
والمحفوض . ولعمري لو أن العرب وضعت لكل معنى لفظايؤدي عنه لايلتبس
بغيره ، لكان لهم عذرفي ترك تعلم الاعراب ، ولم يكن بهم حاجة إليه في معرفة
الخطأمن الصواب . ولكن العرب قد تفرق بين المعنيين المتضادين بالحركات فقط ،
واللفظ واحد - ألا ترى أن الفاعل والمفعول ليس بينهما أكثرمن الرفع والنصب -
فربماحدث المحدث بالحديث ، فرفع لفظة منه ينوي بها أنها فاعلة ، ونصب أخرى
ينوي بها أنها مفعولة ، فنقل عنه السامع ذلك الحديث فرفع ما نصب ونصب مارفع
جهلا منه بما بين الامرين فانعكس المعنى إلى ضد ماأراده المحدث الاول . *
ـ101ـ
العلة الرابعة
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 101 سطر 1 الى ص 110 سطر 23
العلة الرابعة
وهي التصحيف ( 1 ) ، وهي أيضا باب عظيم الفسادفي الحديث
جدا - وذلك أن كثيرامن المحدثين لا يضبطون الحروف ، ولكنهم يرسلونها إرسالا
غيرمقيدة ولا مثقفة اتكالا على الحفظ ، فإذاغفل المحدث عماكتب مدة من
زمانه ثم احتاج إلى قراءة ما كتب ، أو قرأه غيره ، فربما رفع المنصوب ، ونصب
المرفوع - فانقلبت المعاني إلى أضدادها ، وربما تصحف له الحرف بحرف آخر
لعدم الضبط فيه ، فانعكس المعنى إلى نقيض المراد به - وذلك أن هذا الخط العربي
شديد الاشتباه ، وربمالم يكن بين المعنيين المتضادين غير الحركة أو النقطة ،
كقولهم مكرم بكسر الراء إذا كان فاعلا ، ومكرم بفتح الراء إذا كان مفعولا ، ورجل
أفرع بالفاء إذاكان تام الشعر ، وأقرع بالقاف لا شعرفي رأسه . وفي الحديث -
كان رسول الله أفرغ . وقد جاءت من هذاالباب أشياء طريفة من المحدثين نحو
ما يروى عن يزيدبن هارون أنه روى : كنا جلوسا حول بشربن معاوية وإنما هو
حول بسربن معاوية ، وكماروى عبدالرزاق : يقاتلون خوركرمان ، وإنما هوخوز
( بالزاي معجمة ) .
وهذاالنوع كثيرجدا وقد وضع فيه الدارقطني رحمه الله كتابا مشهورا سماه
" تصحيف الحفاظ " .
ومن ظريف ما وقع منه في كتاب مسلم ومسنده الصحيح : نحن يوم القيامة
على كذا - انظر - وهذاشئ لا يتحصل له معنى ، وهكذا تجده في كثيرمن
النسخ وإنماهو " نحن يوم القيامة على كوم ) والكوم جمع كومة وهو المكان
* ( هامش ) * ( 1 ) وقال ابن الصلاح في مقدمته عن التصحيف مايلي ، معرفة المصحف من أسانيد الاحاديث
ومتونهافن جليل ينهض بأعبائه الحذاق من الحفاظ ، و الدارقطني منهم وله فيه تصنيف مفيد ، وروينا
عن أبي عبدالله أحمد بن حنبل أنه قال : ومن يعرى من الخطأ والتصحيف ؟ وأتى إبن الصلاح بمثال
للتصحيف في السنن ، ما رواه ابن لهيعة عن كتاب موسى بن عقبة بإسناده إليه عن زيدبن ثابت أن
رسول الله احتجم في المسجد وإنما هوبالراء - احتجرفي المسجد بخص أو حصيرحجرة يصلى فيها فصحفه
ابن لهيعة ( ص 114 ) . *
ـ102ـ
المشرف . فصحفه بعض النقلة فكتب : نحن يوم القيامة على كذا ، فقرأمن قرأ
فلم يفهم ما هو ! فكتب في طرة الكتاب : انظر - يأمر قارئ الكتاب بالنطر
فيه وينبهه عليه ، فوجده ثالث فظنه من الكتاب فألحقه بمتنه .
العلة الخامسة
وهي إسقاط شئ من الحديث لايتم إلا به : وهذاالنوع أيضاقد وردت منه
أشياء كثيرة في الحديث كنحو ما رواه قوم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل
عن ليلة الجن ، فقال : ما شهدها مناأحد - وروى عنه من طريق آخرأنه رأى قوما
من الزط فقال : هؤلاءأشبه من رأيت بالجن ليلة الجن . فهذا الحديث يدل على
أنه شهدها - والاول يدل على أنه لم يشهدها - فالحديثان كماترى متعارضان - وإنما
أوجب التعارض بينهما - إن الذي روى الحديث الاول أسقط منه كلمة رواها
غيره - وإنما الحديث - ماشهدها منا أحد غيري .
العلة السادسة
وهي أن ينقل المحدث الحديث ويغفل عن نقل السبب الموجب له فيعرض من
ذلك إشكال في الحديث أومعارضة لحديث آخر ، كنحوما رواه قوم من أن النبي
صلى الله عليه وسلم أتى بالعرنيين الذين ارتدواعن الاسلام وأغاروا على لقاحه فأمر
بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل عيونهم وتركوا بالحرة يستسقون فلايسقون حتى
ماتوا . وقد وردت عنه الروايات من طرق شتى أنه نهى عن المثلة -
وإنماعرض التعارض من أجل أن الذي روى الحديث الاول أغفل نقل سببه
الذي أوجبه ، ورواه غيره فقال إنما فعل بهم ذلك لانهم مثلوا برعائه فجازاهم بمثل
فعلهم . . .
ـ103ـ
العلة السابعة
وهي أن يسمع المحدث بعض الحديث ويفوته سماع بعضه : كنحوما روى
من أن عائشة رضي الله عنها ، أخبرت أن أباهريرة حدث أن رسول الله ( صلى الله
عليه وسلم ) قال : " إن يكن الشوءم ففي ثلاث : الدار والمرأة والفرس ( 1 ) " ، وهذا
الحديث معارض لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا عدوي ولا هامة ولا صفرو لا غول " -
وقد روى في أحاديث عنه كثيرة أنه ( صلى الله عليه وسلم ) نهى عن التطير ، فغضبت
عائشة ( رضي الله عنها ) وقالت : والله ما قال هذارسول الله قط ، وإنماقال :
" أهل الجاهلية يقولون إن يكن الشؤم ففي ثلاث : الدار والمرأة والفرس " فدخل
أبوهريرة فسمع الحديث ولم يسمع أوله - وهذا غير منكر أن يعرض لان النبي
( صلى الله عليه وسلم ) كان يذكر في مجلسه الاخبار حكاية ويتكلم بما لا يريد به
أمرا ولا نهيا ولا أن يجعله أصلا في دينه وشيئا يستسن به ، وذلك معلوم من فعله ،
مشهورمن قوله .
العلة الثامنة
وهي نقل الحديث من الصحف دون لقاء الشيوخ والسماع عن الائمة - وهذا
باب عظيم البلية والضرر في الدين فإن كثيرمن الناس يتسامحون فيه جدا وأكثرهم
إنما يعول على إجازة الشيخ له دون لقائه ، والضبط عليه يأخذ بعد ذلك علمه من
الصحف المسودة والكتب التي لايعلم بصحتهامن سقمها .
وربما كانت مخالفة لرواية شيخه ، فيصحف الحروف ، ويبدل الالفاظ ،
وينسب جميع ذلك إلى شيخه ظالما له - وقد صار علم أكثر الناس في زماننا
هذاعلى هذه الصفة ليس بأيديهم من العلم غير أسماء الكتب اه باختصار ( 2 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) انظرالقول المفصل في الحديث وأشباهه في كتابنا " شيخ المضيرة " .
( 2 ) ص 100 وما بعدها . *
ـ104ـ
إلى هنا ينتهي مانقلناه من كتاب البطليوسي عن الخلاف العارض بين المسلمين
من جهة الرواية ، ونعودإلى العلامة الجزائري الذي وقف ينتظرنا لكي يسمعنا مابقي
من كلامه عن ضرر رواية الحديث بالمعني فإذابه يقول :
واعلم أن الرواية بالمعنى قد أحس بضررها كثير من العلماء وشكوا منها على
اختلاف علومهم ، غير أن معظم ضررهاكان في الحديث والفقه لعظم أمرهما .
وقدنسب لكثيرمن العلماء الاعلام أقوال بعيدة عن السدادجدا اتخذها كثيرمن
خصومهم ذريعة للطعن فيهم والازراء بهم ، ثم تبين بين البحث الشديد والتتبع أنهم
لم يقولوابها ، وإنما نشأت نسبتها إليهم من أقوال رواها الراوى عنهم بالمعنى ، فقصر
في التعبير عما قالوه فكان من ذلك ماكان .
هذا وقد تعرض العلامة النحرير نجم الدين أحمدبن حمدان الحراني الحنبلي
للضرر الذي نشأمن الرواية بالمعنى في مذهبه فقال في آخر كتاب " صفة المفتي "
في باب جعله لبيان عيوب التأليف وغير ذلك ليعرف المفتي كيف يتصرف في المنقول
ويقف على مراد القائل بما يقول ، ليصح نقله للمذهب وعزوه إلى الامام أو إلى
بعض من إليه ينسب .
" اعلم أن أعظم المحاذير في التأليف النقلي إهمال نقل الالفاظ بأعيانها والاكتفاء
بنقل المعاني مع قصور الناقل عن استيفاء مراد المتكلم الاول بلفظه ، وربما كانت
بقية الاسباب مفرعة عنه ، لان القطع بحصول مراد المتكلم بكلامه ، أوالكاتب
بكتابته مع ثقة الراوي ، تتوقف على انتفاء الاضمار والتخصيص والنسخ ، والتقديم
والتأخير ، والاشتراك والتجوز والتقدير ، والنقل ، والمعارض العقلي ، فكل نقل
لا يؤمن معه حصول بعض الاسباب ، لا نقطع بإنتفائها نحن ولا الناقل ، ولانظن
عدمها ، ولا قرينة تنفيها ولا نجزم فيه بمراد المتكلم ، بل ربما ظنناه أو توهمناه -
ولونقل لفظه بعينه وقرائنه وتأريخه وأسبابه ( 1 ) انتفى هذا المحذور أو أكثره ، وهذا
من حيث الاجمال ، وإنمايحصل الظن به حينئذ بنقل المتحرى ، فيعذر تارة لدعوى
الحاجة إلى التصرف لاسباب ظاهرة ، ويكفي ذلك في الامور الظنية وأكثر المسائل
* ( هامش ) * ( 1 ) آه لو كان كل ذلك يتحقق ! *
ـ105ـ
الفروعية ( 1 ) اه .
وإليك كلمات قيمة في رواية الحديث نستوفي بها هذا الفصل المهم من كتابنا :
قال الخطابي : ولايبدل لفظ بأظهرمنه ، إذالشارع ربماقصد باللفظ
الجلي تارة ، وبالخفي أخرى ، وكذا بالعكس .
وقال ابن حزم : وحكم الخبرعن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يورد بنص
لفظه ، لايبدل ولايغيرإلا في حال واحدة - وهي أن يكون المرء قد تثبت فيه ،
وعرف معناه يقينا ، فيسأل فيفتي بمعناه وموجبه فيقول : حكم رسول الله بكذا ،
وأباح عليه والسلام كذا ، ونهى عن كذا ، وحرم كذا ، والواجب في هذه القضية
ماصح عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو كذا ، وكذلك القول فيما جاءمن الحكم
في القرآن ولافرق ، جائز أن يخبر المرء بموجب الآية : ويحكيها بغير لفظها - وهذا
ما لا خلاف فيه من أحدفي أن ذلك مباح ، وأمامن حدث وأسند القول إلى
النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وقصد التبليغ لمابلغه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم )
فلايحل له إلا تحرى الالفاظ كما سمعها لا يبدل حرفا مكان آخر ، وإن كان
معناهما واحدا ، ولايقدم حرفا ولا يؤخر آخر - وكذلك من قصد تلاوة آية أوتعلمها
ولافرق . وبرهان ذلك ، أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) علم البراء بن عازب دعاء
وفيه " ونبيك " الذي أرسلت ، فلماأراد البراء أن يعرض ذلك الدعاءعلى النبي قال
وبرسولك الذي أرسلت ، فقال النبي : " لا . ونبيك الذي أرسلت " ( 2 ) فأمره
( صلى الله عليه وسلم ) أن لايضع لفظة " رسول " - في موضع لفظة " نبي " وذلك
حتى لايحيل معنى ، وهوعليه السلام رسول دين ، فكيف يسوغ للجهال المغفلين
أن يقولواإنه عليه السلام كان يجيز أن يوضع في القرآن مكان عزيزحكيم ، غفور
رحيم ، أوسميع عليم ، وهويمنع من ذلك في دعاء ليس قرآنا ، والله يقول مخبرا
عن نبيه : " مايكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي " ، ولا تبديل أكثرمن وضع
كلمة مكان أخرى ( 3 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) لكلام الحراني تفصيل دقيق نافع يمكن الرجوع إليه في كتابه أوفي كتاب توجيه النظر
للجزائري صفحة 340 ومابعدها
( 2 ) راجع صفحة 77 .
( 3 ) ص 86 و87 ج 2 من الاحكام في أصول الاحكام لابي محمدعلى بن حزم الاندلسي الظاهري . *
ـ106ـ
بعثت بجوامع الكلم
وقال ابن حجر العسقلاني في شرح قول الرسول صلوات الله عليه : " بعثت بجوامع
الكلم " من فتح الباري ( 1 ) : ما من الانبياء نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله
آمن عليه البشر ، وإنماكان الذي أوتيت وحيا ، أوحاه الله إلي ، فأرجو أني أكثرهم
تابعايوم القيامة .
معنى الحصرفي قوله " إنما كان الذي أوتيته " : أن القرآن أعظم المعجزات
وأفيدها وأدومها ، لاشتماله على الدعوة والحجة ودوام الانتفاع إلى آخرالدهر - فلما
كان لاشئ يقاربه فضلا عن أن يساويه ، وكان ماعداه بالنسبة إليه كأن لم يقع ،
قيل : يؤخذمن إيراد البخاري هذا الحديث عقب الذي قبله - أي بعثت بجوامع
الكلم - أن الراجح عنده أن المراد بجوامع الكلم القرآن ، وليس ذلك بلازم ، فإن
دخول القرآن في قوله : " بعثت بجوامع الكلم " لاشك فيه - وإنما النزاع هل يدخل غيره
من كلامه من غيرالقرآن ؟ وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلام في القرآن قوله تعالى :
" ولكم في القصاص حياة ياأولى الالباب لعلكم تتقون " ، وقوله : " ومن يطع الله ورسوله
ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون " إلى غيرذلك . ومن أمثلة جوامع الكلام من
الاحاديث النبوية حديث عائشة : " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " وحديث " كل
شرط ليس في كتاب الله فهوباطل " ، وحديث " إذاأمرتكم بأمرفأتوا منه ماإستطعتم "
وحديث المقدام " ماملاابن آدم وعاء شرامن بطنه " إلى غيرذلك مما يكثر بالتتبع
وإنما يسلم ذلك فيمالم تتصرف الرواة في ألفاظه ، والطريق إلى معرفة ذلك أن تقل
مخارج الحديث وتتفق ألفاظه ، وإلا فإن مخارج الحديث إذا كثرت قل أن تتفق
ألفاظه لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى بحسب ما يظهرلاحدهم
أنه واف به ، والحاصل لاكثرهم على ذلك إنهم كانوا - لايكتبون ويطول الزمان
فيتعلق المعنى بالذهن فيرتسم فيه ، ولايستحضر اللفظ فيحدث بالمعنى لمصلحة
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 210 و211 ج 13 . *
ـ107ـ
التبليغ ثم يظهر من سياق ما هوأحفظ منه أنه لم يوف بالمعنى . اه .
ولكي يزداد اليقين بمانجم من الضرر البالغ لعدم كتابة الحديث في حياته
صلوات الله عليه ، ومن أن هذا الحديث قد تغيرلفظه وضاع الكثيرمنه - نسوق
في ختام هذاالفصل دليلا من أقوى الادلة على إثبات ما نقول ، وهذا الدليل نأخذه
مما فعلت الرواية في خطبة الوداع التي ألقاها النبي في آخرحياته - وبعدثلاث
وعشرين سنة من بعثته وأجمل فيها وصاياه العظيمة وتعاليمه الجليلة - وكانت هذه
الخطبة في يوم مجموع له الصحابة كافة وكانوا حوال مائة وخمسين ألفا فقد كان المعقول
واليقين أن تأتي هذه الخطبة الجامعة محفظة بالالفاظها ومعانيها كما نطق النبي بها ،
وأن يحرص الصحابة جدالحرص على حفظها ، وأن يؤدوهاإلى من بعدهم كماسمعوها !
ولكنهم برغم ذلك كله قد تركوها بغير قيد كتابي أوذهني يعبث الرواة بها .
ولوأنك اطلعت على ما نشر منها متناثرا في كتب الحديث المشهورة والسير
الكبيرة ثم درستها دراسة لا تتأثرفيها بالعاطفة فإنك تجد ألفاظها متباينة ومعانيها
مختلفة ، وعباراتها غيرمؤتلفة ، مما يثير عندك الدهش ، ويبعث العجب !
ومن عجيب أمر الذين يكابرون في أن الحديث قد روى بالمعنى ما يقرع آذانهم
من جميع خطباء المساجد في أيام الجمع على مدار السنين من قولهم عندما يفرغون
من تلاوة حديث الخطبة " أو كما قال ! " حتى أصبحت هذه العبارة كأنها من
أصل الحديث - فلم هذا الاحتياط - الواجب ؟
ضرر الرواية بالمعنى
من الناحية اللغوية والبلاغية
هذابعض ما قالوه في ضرر نقل الحديث بالمعنى في الامور الدينية . أماالضرر
اللغوي والبلاغي فقدبينه في عبارة وجيزة الاديب الاسلامي الكبير السيد مصطفى
صادق الرافعي رحمه الله ، وذلك عند كلامه عن البلاغة النبوية في كتابه النفيس " إعجاز
القرآن " قال رحمه الله ( 1 ) : إن ألفاظ النبوة يعمرها قلب متصل بجلال خالقه ، ويصقلها
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 364 من إعجاز القرآن ، ولهذا الكلام البليغ بقية من هذاالطراز العالي يرجع إليه . حتى
ص 422 من إعجاز القرآن . *
ـ108ـ
لسان نزل عليه القرآن بحقائقه ، فهي إن لم تكن من الوحي ، فقد جاءت من
سبيله ، وإن لم يكن لهامنه دليل فقد كانت هي من دليله .
محكمة الفصول ، حتى ليس فيها عروة مفصولة ، محذوفة الفضول ، حتى
ليس فيها كلمة مفضولة ، وكأنماهي في اختصارها وإفادتها نبض قلب يتكلم ، وإنما
هي في سموها وإجادتها مظهر من خواطره صلى الله عليه وسلم " . . . إلخ ( 1 ) . وقال
وهويتحدث عن نسق البلاغة النبوية : " ليس كل ما يروى على أنه حديث يكون
من كلام النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بألفاظه وعبارته ، بل من الاحاديث مايروى
بالمعنى ، فتكون ألفاظه أو بعضهالمن أسندت إليه في النقل ، ولجواز الرواية بالمعنى
لم يستشهد سيبويه وغيره من أئمة المصرين ( أي البصرة والكوفة ) على النحو واللغة
بالحديث ، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصحيح النقل عن العرب ، ولوكان التدوين
شائعافي الصدرالاول ، وتيسرلهم أن يدونواكل ما سمعوه من النبي ( صلى الله
عليه وسلم ) ، بألفاظه وصوغه ، وبيانه ، لكان لهذه اللغة شأن غيرشأنها " .
وقدكان الاصل عندهم أن يضبط المحدث معنى الحديث ، فأما الالفاظ فمنها
مايتفق لهم بنصه ، وخاصة في الاحاديث القصار ، وفي حكمه وأمثاله ( صلى الله عليه
وسلم ) ، ومنهاما لايتفق فيلبسه الراوية من عبارته ، حتى قال سفيان الثوري : إن
قلت لكم إني أحدثكم كماسمعت فلاتصدقوني ، إنما هوالمعنى ( 2 ) .
وقد ألطلنا القول في هذاالباب ، لانه من الابواب المهمة في هذا الكتاب .
اللحن والخطأ في الحديث
بعد أن أباحوا لانفسهم رواية الحديث بالمعنى ، سوغوا كذلك أن يأتي
الحديث ملحونا ، ولايرون بأسا في إصلاح لحنه وخطئه .
قال حافظ المغرب ابن عبدالبرفي كتابه " جامع بيان العلم وفضله " ( 3 ) :
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 364 من إعجاز القرآن .
( 2 ) ص 422 من نفس المصدر .
( 3 ) ص 78 - 81 ج 1 . *
ـ109ـ
حدث الوليد بن مسلم قال : سمعت الاوزاعي يقول : لا بأس بإصلاح اللحن
والخطأ في الحديث . وقال كذلك سمعت الاوزاعي يقول : اعربوا الحديث فإن
القوم كانواعربا .
وعم جابرقال : سألت عامرا - يعني الشعبي - وأباجعفر - يعني محمدبن علي -
والقاسم - يعني ابن محمد - وعطاء - يعني ابن أبي رباح - عن الرجل يحدث بالحديث
فيلحن ، أأحدث به كماسمعت أم أعربه ؟ قالوا : لا ، بل أعربه !
وقال يحيى بن معين : لابأس أن يقوم الرجل حديثه على العربية .
وقال النضر بن شميل : كان هشيم لحانا فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة -
يعني بالاعراب . وحدث علي بن الحسن قال : قلت لابن المبارك : يكون في
الحديث لحن ، أقومه ؟ قال : نعم لان القوم لم يكونوا يلحنون ! اللحن منا .
وقد تعرض الامام ابن فارس لهذا الامر في رسالة سماها " مأخذالعلم " فقال ( 1 ) :
" ذهب أناس إلى أن المحدث إذا روى فلحن ، لم يجز للسامع أن يحدث عنه
إلا لحنا كماسمعه ، وقال آخرون : بل على السامع أن يرويه إذا كان عالما بالعربية
معربا صحيحا مقوما بدليل نقوله - وهو أنه معلوم أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
كان أفصح العرب وأعربها ، وقد نزهه الله عزوجل - وإذاكان كذافالوجه
أن يروي كلامه مهذبامن كل لحن .
وكان شيخنا أبوالحسن علي بن إبراهيم القطان يكتب الحديث على ما سمعه
لحنا . ويكتب على حاشية كتابه . ( كذا ) قال : يعني الذي حدثه والصواب كذا .
وهذاأحسن ماسمعت في هذاالباب .
وقال ابن الانباري في الانصاف في منع ( أن ) في خبر كاد ، وأماحديث
كاد الفقرأن يكون كفرا . فإنه من تغييرات الرواة لانه ( صلى الله عليه وسلم )
أفصح من نطق بالضاد ، والامثلة في ذلك كثيرة والكلام طويل .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 308 و309 توجيه النظر . *
ـ110ـ
التقديم والتأخير في الحديث والزيادة والنقص
وكذلك لم يروا بأسا من تقديم الحديث وتأخيره .
فعن أبي بكربن شيبة قال : حدثناحفص عن أشعث عن الحسن والشعبي
أنهما كانا لا يريان بأسا بتقديم الحديث وتأخيره ( 1 ) .
وروى عن جابربن عبدالله عن حذيفة أنه قال : إنا قوم عرب نورد الحديث
فنقدم ونؤخر ( 2 ) .
وبلغ من صنيعهم في رواية الحديث أن يأتي أحدالرواة بزيادة في الحديث
لا تكون في رواية غيره ، وقد وضعوا لذلك قاعدة هي " الزيادة من الحافظ مقبولة " .
رواية بعض الحديث واختصاره
ومما أجازوه اختاصر الحديث ورواية بعضه .
وفي سنن الترمذي عن مجاهد : أنقص من الحديث إن شئت ولاتزد فيه ( 3 ) .
وقال ابن حجرفي شرح النخبة :
أما اختصار الحديث فالاكثرون على جوازه ، بشرط أن يكون الذي يختصره
عالما .
وقال النووي في شرح مسلم : الصحيح الذي ذهب إليه الجماهير والمحققون
من أصحاب الحديث جواز رواية بعض الحديث من العارف ، ثم قال : وأما تقطيع
المصنفين الحديث في الابواب فهو بالجواز أولى - بل يبعد طردالخلاف فيه ، وقد
استمرعليه عمل الائمة الحفاظ الجلة من المحدثين وغيرهم ، من أصناف العلماء .
وممن ذهب إلى جواز اختصار الحديث مسلم ، وقد أشارإلى ذلك في مقدمته .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 80 ج 1 جامع بيان العلم .
( 2 ) هذا الخبر مذكور في كذلك في ص 136 ج 3 من عيون الاخبار .
( 3 ) ص 237 من طبعة الهند . *
ـ111ـ
وقال أبوشامة في كتاب مختصر كتاب المؤمل ( 1 ) :
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 111 سطر 1 الى ص 120 سطر 35
وقال أبوشامة في كتاب مختصر كتاب المؤمل ( 1 ) :
ممايفعله شيوخ الفقه في الاحاديث النبوية والآثار المروية ، كثرة استدلالهم
بالاحاديث الضعيفة على ما يذهبون إليه ، نصرة لقولهم ، وينقصون من ألفاظ الحديث
وتارة يزيدون فيه ، وماأكثره في كتب أبي المعالى وصاحبه أبي حامد . ومن
قبيح ما يأتي به بعضهم أن يحتج بخبرضعيف هو دليل خصمه عليه فيوردونه معرضين
عما كانوا ضعفوه .
تساهلهم فيما يروى في الفضائل وضرر ذلك
قال ابن مهدي : إذاروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام
والاحكام شددنافي الاسانيد ، وانتقدنا الرجال ، وإذا روينا في الفضائل والثواب
والعقاب تساهلنا في الاسانيد ، وتسامحنا في الرجال . أخرجه البهيقي في المدخل .
وممن جوزوا التساهل في رواية الحديث ، إذاكان في فضائل الاعمال أحمد
ابن حنبل وعبدالله بن المبارك ، وقال الحاكم سمعت أبا زكريا العنبري يقول : الخبر
إذالم يحرم حلالا ، ولم يحل حراما ، ولم يوجب حكما في ترغيب أو ترهيب ،
أغمض عنه وتسوهل في روايته . ولاحمد رأي آخر تراه فيمابعد .
وقال ابن عبدالبر : أحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى من يحتح به ، وقال :
أحاديث الفضائل تسامح العلماء قديما في روايتها عن كل ، ولم ينتقدوا فيها كانتقادهم
في أحاديث الاحكام ( 2 ) .
وقال السيد رشيد رضا في تعليقه على ماذكره صاحب الآداب الشرعية ( لابن
مفلح ( 3 ) من أنه قد جاء عن الامام أحمد مايدل على أنه لايعمل بالحديث
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 21 و22 .
( 2 ) ص 45 ج 1 جامع بيان العلم .
( 3 ) ص 313 و314 من الآداب الشرعية ج 2 ، لكن جاءت رواية أخرى عن أحمدبن حنبل
بأن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الاعمال . *
ـ112ـ
الضعيف في الفضائل وا لمستحبات : " رضي الله عن أحمد ما أوسع علمه وأدق فهمه !
إن القول بالعمل بالحديث الضعيف فيماذكر ، والتساهل في روايته قد فتح على
الامة بابا من الغلوفي الدين وتكثير العبادات المحرجة التي تنافي يسرالاسلام .
حتى جعلوا بعضها من الشعائر فيه ، مع تقصير الاكثرين في إقامة الفرائض
والتزام الواجبات ، وترتب عليه ما نقله المصنف بعده عن ابن تيمية في قبول
الاس رائيليات و المنامات وكذا الخرافات ، إن العبادات والفضائل الثابتة بالقطع من
الكتاب والسنة كافية للامة - وياليت يوجدفيها كثيرون ممن لايقصرفيها " اه .
وحقاما قاله هؤلاء الائمة وما بينوه من ضرر نقل الاحاديث الضعيفة على الامة
بله ما ذهب إليه بعضهم من العمل بهافي الفضائل .
ومن أجل ذلك قال القاضي أبوبكر بن العربي المالكي : إنه لايجوز العمل
بالاحاديث الضعيفة مطلقا ( 1 ) .
وللكاتب الاسلامي البليغ السيد مصطفى صادق الرافعي رحمه الله فصل ممتع
كبيرعلى الرواية - وذلك في كتابه النفيس " تاريخ آداب العرب " نقتطف منه
مايلي :
الرواية في الاسلام
كان الصحابة يأخذون عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أخذاعلميا
ليتفقهوا في الدين - فكانت مجالسه ( صلى الله عليه وسلم ) هي الحلقات العلمية
الاولى التي عرفت في سلسلة التاريخ العربي كله ، كماهو ( صلى الله عليه وسلم )
أول من علم . . .
فلما قبض ( صلى الله عليه وسلم ) بدأ من بعده علم الرواية . إذ لم يعدمن سبيل
إلى الاستدلال والفصل إلا بها . وكان أبوبكر لا يقبل من أحدإلا بشهادة على
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 129 ج 31 من المنار . *
ـ113ـ
سماعه من الرسول ( 1 ) والعهد يومئذ قريب ، والصحابة متوافرون ، والمادة لم تنقض
بعد . . .
ثم كان عمريتثبت في النقل إذكانت طائفة من الناس قدمردت على النفاق
وكانت الحاجة قداشتدت إلى الرواية - وكان عمر وعثمان وعائشة وجلة من الصحابة
يتصفحون الاحاديث ، ويكذبون بعض الروايات التي تأتي ، ويردونها على
أصحابها ، ثم خشى عمر أن يتسع الناس في الرواية ، فيدخلها الشوب ، ويقع
التدليس والكذب من النفاق والفاجر ووالاعرابي ، فكان يأمرهم أن يقلوا الرواية وكان
شديدا على من أكثر منها أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه ، لان المكثر وإن
جاء بالصحيح فقد لا يسلم من التحريف أو الزيادة أو النقصان في الرواية ، وقد
سمعوه ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار ( 2 ) . وعلى
هذه الجهة من التوقى والامساك في الرواية كان كثيرمن جلة الصحابة وأهل الخاصة
بالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس بن
ع بدالمطلب يقلون الرواية عنه بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئا كسعيدبن زيد
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة .
وكان أكثر الصحابة رواية أبوهريرة وقد صحب ثلاث سنين ( 3 ) وعمربعده
( صلى الله عليه وسلم ) نحوامن خمسين سنة ( 4 ) ولهذا كان عمر وعثمان وعائشة
ينكرون عليه ويتهمونه وهوأول راوية اتهم في الاسلام وكانت عائشة أشدهم إنكارا
عليه لتطاول الايام بهاوبه إذاتوفيت قبله بسنة . . .
ثم كانت الفتنة أيام عثمان وإضطرب من بعدها حبل الكلام في الخلافة
وخاض الناس في ضروب من الشك والحيرة والقلق فكان فيهم من لا يتوقى ولا يتثبت ،
وألف كثيرمن الناس أمرهؤلاء فلم يبالواأن يتبينوا فيرجعوا في الرواية إلى شهادة
* ( هامش ) * ( 1 ) وقال علي رضي الله إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله حديثا نفعني الله بما شاءمنه وإذا
حدثني عنه محدث استلفته فإن حلف لي صدقته .
( 2 ) هذه هي الرواية الصحيحة .
( 3 ) الصحيح أنه صحب النبي عاماوتسعة أشهركما حققناه في كتابنا " شيخ المضيرة "
فيرجع إليه .
( 4 ) توفى أبوهريرة سنة 59 هجرية . *
ـ114ـ
قاطعة أو دلالة قائمة . على أن كل ما كان يقع في الحديث قبلهم من خطأفإنما
كان من قبل مايعترض المحدث من السهو والاغفال . وقدقال عمران بن حصين
وهومن الصحابة ( 1 ) والله إن كنت لارى أني لوشئت لحدثت عن رسول الله
( صلى الله عليه وسلم ) يومين متتابعين ، ولكن بطأني عن ذلك أن رجالا من أصحاب
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) سمعواكما سمعت ، وشهدوا كما شهدت ، ويحدثون
أحاديث ما هي كما يقولون وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم ، فأعلمك أنهم
كانوا يغلطون لا أنهم كانوا يتعمدون ( 2 ) .
غيرأن الاعلام كانت يومئذ لا تزال قائمة ، والفروع لا تزال باسقة ، فكان
الخطب لم يستفحل حتى إذا خرجت الخوارج ، وتحزب الناس فرقا ، وجعلوا أهلها
شيعا ، بدءوا يتخذون من الحديث صناعة فيضعون ويصنعون ويصفون الكذب ،
ثم ظهر القصاص والزنادقة ، وأهل الاخبار المتقادمة ( 3 ) مما يشبه أحاديث خرافة ،
فوقع الشوب والفسادفي الحديث من كل هذه الوجوه في عصور مختلفة ، أما القصاص
فإنهم كانوا يميلون وجوه القوم إليهم ويستدرون ماعندهم بالمناكير والغرائب والاكاذيب
من الاحاديث ، ومن شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجيبا خارجا
عن قطر المعقول ، أوكان رقيقا يحزن القلوب ويستغزر العيون ، وللقوم في هذه
الفنون الاكاذيب العريضة والاخبار المستفيضة . وأما الزنادقة فقد جعلوا يحتالون
للاسلام ويهجنونه بدس الاحاديث المستشنعة و المستحيلة مما يشبه خرافات اليونان
والرومان وأساطير الهنود والفرس ليشنعوا بذلك على أهل السنة في روايتهم ما لايصح
في العقول ولايستقيم على النظر . وأماأهل الاخبار المتقادمة فقد قصدوامن ذلك
إلى إثبات الخرافات الجاهلية وجعلها بسبيل من الصحة للاستعانة بهاعلى التفسير
وماإليه . وأمثلة ذلك كله فاشية .
* ( هامش ) * ( 1 ) توفى عمران بن حصين سنة 52 هجرية .
( 2 ) انظر الكلام في قول عمران بن حصين بعدهذه الكلمة .
( 3 ) كأخبار اليهود ومن إليهم . *
ـ115ـ
إلى أن كان تدوين الحديث
واستمر الحديث بعدالطبقة التي كان منها صغار الصحابة وكبار التابعين -
كطبقة ابن عباس ، على ما يعترض فيه من عوارض السهو والاغفال ، وما يدخل
عليه من الشبه و التأويلات - وعلى أن بعض الثقات ربما أخذه عن غير الثقة حتى
كانت خلافة عمربن عبدالعزيز ( 1 ) . . . فخشى تزيد الناس وشيوع الكذب
إذاقل الصحيح ، وكانت قدفشت في زمنه أشياء مما يعتمد فيه الكذب لغيرمصلحة
يتأول عليها ، كالاحاديث التي كان يكذب فيهاعكرمة مولى ابن عباس ( 2 ) وبرد
مولى سعيدبن المسيب ( 3 ) وغيرهما - خشى عمر عاقبة ذلك وماأشبهه فكتب إلى
أبي بكر بن حزم نائبه في الامرة والقضاء على المدينة ( 4 ) أن انظر ماكان من
حديث رسول الله فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء .
وكان هذاأول البدءفي تدوين الحديث وجمعه ولم يكن الحديث يدون قبل
ذلك ( 5 ) . . . إلخ
ونختم هذاالبحث بذكر علة خطيرة من علل الرواية .
علة خطيرة من علل الرواية
كيف كانت رواياتهم
كان لرواية الحديث عن رسول الله - بعد نهى النبي ( صلى الله عليه وسلم )
عن كتابته علل كثيرة ، منها أنه كان لا يروى عندسماعه ، ومن أجل ذلك اضطر
* ( هامش ) * ( 1 ) بويع سنة 99 ه وتوفى سنة 101 ه .
( 2 ) توفى عكرمة سنة 105 ه .
( 3 ) توفى سعيدسنة 94 ه .
( 4 ) توفى أبوبكر سنة 120 ه .
( 5 ) من صفحة 276 - 281 من الجزء الاول من تاريخ آداب العرب المطبوع سنة 1329 ه
الموفق سنة 1911 م . *
ـ116ـ
الرواة إلى أن يرووا ( بالمعنى ) ، ومنهاأنهم كانوا " يدلسون " فيروى الصحابي حديث
رسول الله عن صحابي آخرمن غيرأن يذكراسم من روى عنه - وكانوا لا يرون
في ذلك بأسا ، كما ذكرذلك ابن قتيبة ، إذقال في كتابه " تأويل مختلف الحديث " ( 1 )
وهويتكلم عن روايات أبي هريرة التي لم يسمعهامن النبي : إنه كان يقول :
قال رسول الله " كذا " وإنما سمعه من الثقة " عنده " فحكاه ، وكذلك كان إبن
عباس يفعل وغيره من الصحابة . ومثل هذه الرواية يسميها رجال الحديث في علمهم
" بالتدليس " وقدقال الحافظ الذهبي وهو يؤرخ لابي هريرة " كان أبوهريرة
يدلس " وتدليس الصحابة " كثيرولا عيب فيه " ( 2 ) .
وقد بينا هذه العلل من قبل في كتابنا هذا وفي كتابنا " شيخ المضيرة " الذي
طبعناه على حدة وأظهرنا أضرارها ، ولكن ثم علة خطيرة لم نتكلم عنهامن قبل
كشف عنها الصحابي الكبير - عمران بن حصين ( 3 ) في كلامه الذي أقسم عليه :
إذاقال : " والله إن كنت لارى أني لوشئت لحدثت عن رسول الله يومين
متتابعين ، ولكن بطأني عن ذلك ، أن رجالا من أصحاب رسول الله سمعوا كما سمعت ،
وشهدوا كما شهدت ، ويحدثون أحاديث ماهي كمايقولون ، وأخاف أن يشبه لي
كماشبه لهم ، فأعلمك أنهم كانوا يغلطون - وفي رواية - يخطئون - لا أنهم كانوا
يتعمدون ( 4 ) .
وروى ابن الجوزى في كتاب " شبهة التشبيه ( 5 ) " قال : سمع الزبير ( ابن
العوام ) رجلا يحدث ، فاستمع الزبيرحتى قضى الرجل حديثه ، فقال له الزبير : أنت سمعت هذامن رسول الله ؟ فقال الرجل ؟ : نعم ! ! فقال الزبير : هذا وأشباهه
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 50
( 2 ) ص 437 و438 ج 2 من سيرأعلام النبلاء ويرجع إلى كتاب شيخ المضيرة .
( 3 ) عمران بن حصين بن عبيدخلف أسلم هووأبوه وأبوهريرة في وقت واحد سنة سبع ، وغزا
مع النبي عدة غزوات ، ولى قضاء البصرة وكان عمربعثه ليفقههم - وكان الحسن يحلف ما قدم عليهم
البصرة خيرلهم من عمران بن حصين ، توفى سنة 52 ه مسنده 180 حديثاوله في البخاري أربعة أحاديث
وفي مسلم 9 ص 363 - 366 ج 2 سيرأعلام النبلاء .
( 4 ) ص 49 و50 تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة .
( 5 ) ص 38 . *
ـ117ـ
مما يمنعاني أن أتحدث عن النبي ! قد لعمري سمعت هذامن رسول الله ، وأنا يومئذ
حاضرولكن رسول الله ابتدأ بهذا الحديث فحدثناه عن رجل من أهل الكتاب
حديثه يومئذ فجئت أنت بعدانقضاء صدر الحديث - وذكر الرجل الذي هو من
أهل الكتاب فظننت أنه من حديث رسول الله ! !
وقال بسربن سعيد اتقواالله وتحفظوافي الحديث ، فوالله لقد رأيتنا نجالس
أبا هريرة فيحدث عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ويحدثناعن كعب ، ثم
يقوم فأسمع بعض من كان معنا ، يجعل حديث رسول الله عن كعب ، ويجعل
حديث كعب عن رسول الله ( 1 ) .
هذاما ذكره عمران بن حصين ، والزبير بن العوام ، وبسربن سعيد ،
وإن على كل مسلم مفكر غير مغلول العقل ، أن يتدبره ، ويطيل النظر فيه .
فالصحابي عمران بن حصين يقسم بالله أنه لو شاءلحدث عن رسول الله يومين
متتابعين ولكنه يأبى ، لانه رأى رجالا من من أصحاب رسول الله ، يحدثون أحاديث
ماهي كمايقولون ، وإنما يغلطون - أو يخطئون - فإذاكان هذاشأن غير المتعمدين
من الصحابة الصادقين - فترى ماذايكون أمر المتعمدين ، ومن إليهم من المنافقين
وأعداء الدين ؟ إنهاوالله في الرواية لاحدى الكبر ! ومن يبصر الناس بذلك يقولون
عنه : إنه قد كفر .
ويصف الزبير علة أخرى ، هي أن يسمع بعضهم الحديث من النبي - بعد
انقضاءصدر منه ثم يخرج فيروي ما سمعه - على أنه حديث كامل .
ثم يأتي بسربن سعيد ، فينا شد الناس ، أن يتقواالله في الحديث لان بعضهم
كان يجعل حديث رسول الله عن كعب الاحبار ويجعل حديث كعب عن رسول الله
وكل ذلك وغيره قد حملته بطون الكتب ، وبقي على وجه الزمن ، يرويه الخلف
عن السلف إلى يوم القيامة - ولا حول ولاقوة إلا بالله .
وثم كلام كثيرفي التحفظ من الحديث تجده مسطورافي كتابنا " شيخ المضيرة "
فارجع إليه .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 436 ج 2 سير أعلام النبلاء للذهبي . *
ـ118ـ
الوضع في الحديث وأسبابه
كان من آثارتأخير تدوين الحديث وربط ألفاظه بالكتابة - إلى ما بعدالمائة
الاولى من الهجرة وصدركبير من المائة الثانية - أن اتسعت أبواب الرواية ، وفاضت
أنهار الوضع ، بغيرما ضابط ولاقيد ، حتى لقد بلغ ما روى من الاحاديث الموضوعة
عشرات الالوف ، لايزال أكثرها منبثا بين تضاعيف الكتب المنتشرة بين المسلمين
في مشارق الارض ومغاربها .
نشأة الاختراع في الرواية
والوضع على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
وقد أجمع الباحثون والعلماء المحققون - على أن نشأة الاختراع في الرواية
ووضع الحديث على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إنما كان في أواخر عهد عثمان
وبعد الفتنة التي أودت بحياته ، ثم اشتد الاختراع واستفاض بعد مبايعة علي رضي الله
عنه فإنه ما كاد المسلمون يبايعونه بيعة صحيحة حتى ذر قرن الشيطان الاموي ليغتصب
الخلافة من صاحبها ، ويجعلها حكما أمويا ! وقدكان وا أسفاه ! وإليك كلمة
صادقة دقيقة كتبها الاستاذ الامام محمدعبده رحمه الله في " مقدمات " رسالة
التوحيد بعد أن تكلم عن الفتنة الكبرى التي " هوى بها ركن عظيم من هيكل الخلافة ،
واصطدم الاسلام وأهله صدمة زحزحتهم عن الطريق التي إستقاموا عليها وبقى القرآن
قائماعلى صراطه " .
قال رضي الله عنه :
" توالت الاحاديث بعدذلك ونقض بعض المبايعين للخليفة الرابع ( 1 ) ماعقدوا ،
وكانت حروب بين المسلمين انتهى فيها أمر السلطان إلى الامويين ! غير أن بناء
* ( هامش ) * ( 1 ) أول من نقض البيعة : طلحة والزبير وأعانهما على ذلك أم المؤمنين عائشة لما كان بينها
وبين علي رضي الله عنه من حقد وموجدة ، وطلحة الزبيرمن العشرة الذين قالواإن النبي صلوات الله
عليه بشرهم بالجنة . *
ـ119ـ
الجماعة قدانصدع ، وانفصمت عرى الوحدة بينهم ، وتفرقت بهم المذاهب في
الخلافة ، وأخذت الاحزاب في تأييد آرائهم ، كل ينصررأيه على رأي خصمه ،
بالقول والعمل ، وكانت نشأة الاختراع في الرواية والتأويل ، وغلا كل قبيل فافترق
الناس . . . إلخ ( 1 ) .
الحديث الموضوع
والحديث الموضوع هو المختلق المصنوع المنسوب إلى رسول الله ( صلى الله عليه
وسلم ) زورا وبهتانا سواء أكان ذلك عمداأم خطأ .
ووضع الحديث على رسول الله كان - كماقال أحدالائمة - أشد خطراعلى
الدين وأنكى ضررا بالمسلمين من تعصب أهل المشرقين والمغربين . وإن تفرق
المسلمين إلى شيع وفرق ومذاهب ونحل لهو أثرمن آثارالوضع في الدين .
وقال المرتضى اليماني في كتابه " إيثارالحق " : إن معظم ابتداع المبتدعين من
أهل الاسلام إنما يرجع إلى هذين الامرين الواضح بطلانهما وهما : الزيادة في الدين
والنقص منه ، ومن أنواع الزيادة في الدين - الكذب عليه .
وقال النووي في شرح مسلم نقلا عن القاضي عياض :
الكاذبون ضربان : أحدهما - ضرب عرفوا بالكذب في حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهم أنواع : منهم من يضع ما لم يقله رسول الله ( صلى الله عليه
وسلم ) أصلا كالزنادقة وأشباههم ممن لم يرج لله وقارا إما حسبة بزعمهم وتدينا كجهلة
المتعبدين ( 2 ) الذين وضعوا الاحاديث في الفضائل والرغائب ، وإما إغرابا وسمعة
كفسقة المحدثين ، وإما تعصبا واحتجاجا كدعاة المبتدعة ومتعصبي المذاهب ،
وإما إشباعا لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه ، وطلب الفوز لهم فيما أتوه ( 3 ) . ومنهم من
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 7 و8 من الطبعة الاولى من رسالة التوحيد .
( 2 ) سنتكلم في آخرالفصل عن الوضاع الصالحين .
( 3 ) قالت دائرة المعارف الاسلامية : بعدوفاة محمد صلى الله عليه وآله لم تستطع الآراء و المعاملات الدينية
الاصلية التي سادت في الرعيل الاول أن تثبت على حالهامن غير تغيير - فقد حل عهد للتطور جديد ، = *
ـ120ـ
لايضع متن الحديث ولكن ربماوضع للمتن الضعيف إسنادا صحيحا مشهورا .
ومنهم من يقلب الاسانيد أو يزيد فيها ويعتمد ذلك إما للاغراب على غيره ،
* ( هامش ) * = وبدأ العلماء يدخلون شيئامن التطور في نظام مرتب من الاعمال والعقائد يتواءم والاحوال الجديدة . فقد
أصبح الاسلام بعدالفتوح العظيمة يبسط سيادته على مساحات شاسعة واستعيرمن الشعوب المغلوبة على أمرها
آراء ولظم جديدة وتأثرت حياة المسلمين وأفكارهم حين ذاك في كثيرمن النواحي لا ب النصرانية وا لاسرائيلية
وحدهما ، بل بالهلينية و الزردشتية والبوذية كذلك .
وعلى أية حال فإن المسلمين التزموا أيما التزام المبدأ القائل : إن سنة النبي والسابقين الاولين في الاسلام
هي وحدهاالتي يمكن أن تكون القانون الخلقي للمؤمنين ، وسرعان ماأدى هذا بالضرورة إلى وضع الاحاديث
فاستباح الرواة لانفسهم اختراع أحاديث تتضمن القول أو الفعل ، وينسبونها إلى النبي لكي تتفق وآراء
العصر التالي ، وكثرت الاحاديث الموضوعة وتداولها الناس منسوبة إلى النبي بحيث تجعله يقول أو يفعل
شيئامما كان بعدذلك العصرمن الامور المستحسنة ، وظهرت في الحديث أقوال مأخوذة من أقوال الرسل
والاناجيل المنحولة ، ومن الآراء ا لاسرائيلية والعقائد الفلسفية اليونانية إلخ تلك الآراء التي لقيت الحظوة
عندفريق معين من المسلمين ، ونسبت كل هذه الاقوال إلى النبي - ولم يتورع الناس عند ذاك أن يجعلوا
النبي يفصل على هذا النحو القصصي ( حذفنامن هناكلمة الاساطير لان قلمنالم يطاوعنا على إثباتها ) التي
وردت موجزة في القرآن ويدعو إلى آراء ومعتقدات جديدة إلخ بل كان كثيرمن هذه الاحاديث الموضوعة
المنسوبة إلى النبي تتناول الاحكام كالحلال والحرام والطهارة وأحكام الطعام والشريعة وآداب السلوك
ومكارم الاخلاق والعقائد ويوم الحساب والجنة والنار إلخ .
ومع مضي الزمن إزداد ماروى عن النبي من قول أو فعل شيئا فشيئا في عدده وفي غزارته ، وفي القرون
الاولى التى تلت وفاة الرسول عظم الخلاف بين المسلمين على جملة من الآراء في مسائل تختلف طبائعها أشد
الاختلاف ، وعملت كل فرقة على تأييد رأيهاعلى قدر ما تستطيع بقول أو تقرير منسوب إلى النبي ، ومن
استطاع أن يرد رأيه إلى أثر من آثار النبي فهوعلى الحق من غيرشك ، ولهذا كثرت الاحاديث الموضوعة
المتناقضة أشد التناقض في سنة محمد صلى الله عليه وآله - وفي الخلافات الكبيرة التي نشأت عن العصبية جرى كل
فريق على التوسل بمحمد " ص " . . فمثلا أنه قد نسب إلى النبي قول يتنبأبه بقيام دولة العباسين ، وجملة
القول أنهم جعلوه يتنبأ على نحوتمتزج فيه الرؤية بالنبوة بما جرى بعد ذلك من حوادث سياسية وحركات
دينية ، بل بالظواهر الاجتماعية الجديدة التي نشأت من الفتوح العظيمة " كازياد الشرف " وكان غرضهم
من ذلك " تبرير " كل أولئك في نظر الجماعة الاسلامية الجديدة .
وهناك قسم خاص من هذه الاحاديث التنبئية وضعت في صورة أقوال نسبت إلى محمد صلى الله عليه وآله تتعلق
بفضائل أماكن متعددة ونواح لم يفتحها المسلمون إلا في عصرمتأخر .
وعلى هذالا يمكن أن نعد للكثرة من الاحاديث وصفا تاريخيا صحيحا لسنة النبي بل هي على عكس
ذلك تمثل آراء اعتنقها بعض أصحاب النفوذ في القرن الاولى بعد محمد " ص " ونسبت إليه عندذلك فقط
( ص 330 - 335 ج 7 ) .
يظن بعض الجهلاء أن نقلنا لمثل هذه الكلمة هو لكي نجعلهامن أدلتناو يعدون ذلك من مآخذهم
علينا ، ولايدركون أنناإذ نفعل ذلك إنما نبين لهم ولاخوانهم من الجاهلين أن ا لمستشرقين يعلمون من أمر ديننا
ما لم يعلموا - وسبحان واهب العقول ! *
ـ121ـ
وإما لرفع الجهالة عن نفسه . ومنهم من يكذب فيدعي سماع ما لم يسمع ولقاء
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 121 سطر 1 الى ص 130 سطر 26
وإما لرفع الجهالة عن نفسه . ومنهم من يكذب فيدعي سماع ما لم يسمع ولقاء
من لم يلق ويحدث بأحاديثهم الصحيحة عنهم ، ومنهم من يعمدإلى كلام الصحابة
وغيرهم وحكم العرب والحكماء فينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
هذا ، وإن لوضع الحديث والكذب على رسول الله أسباب كثيرة غيرالتي
تكلم عنها النووي من قبل بينها العلماء نأتي هناعلى أهمها ( 1 ) .
أحدها - وهو أهمها ما وضعه الزنادقة اللابسون لباس الاسلام غشا ونفاقا وقصدهم
بذلك إفساد الدين وإيقاع الخلاف والافتراق في المسلمين - قال حماد بن زيد :
وضعت الزنادقة أربعة آلاف حديث ، وهذا بحسب ما وصل إليه علمه واختباره
في كشف كذبها ، وإلا فقد نقل المحدثون أن زنديقا واحدا وضع هذا المقدار
قالوا : لما أخذ ابن أبي العوجاء ليضرب عنقه قال : " وضعت فيكم أربعة آلاف
حديث ، أحرم فيهاالحلال وأحل الحرام " .
ثانيها - الوضع لنصرة المذاهب في أصول الدين وفروعه : فإن المسلمين لما
تفرقوا شيعا ومذاهب جعل كل فريق يستفرغ ما في وسعه لاثبات مذهبه لاسيمابعد
ما فتح عليهم باب المجادلة والمناظرة في المذاهب ، ولم يكن المقصودمن ذلك إلا
إفحام مناظره والظهور عليه حتى إنهم جعلوا " الخلاف " علما صنفوافيه المصنفات
مع أن دينهم ما عادى شيئا كما عادى الخلاف . وهذا السبب يشبه أن يكون أثرامن
آثار السبب الذي قبله - وقد استشهد لهذا بعض المحدثين الذين كتبوافي أسباب
الوضع بقوله : تاب رجل من المبتدعة فجعل يقول : انظرواعمن تأخذون هذا
الحديث ، فإنا كنا إذا هويناأمرا صيرناه حديثا . وليس الوضع لنصرة المذاهب
محصورافي المبتدعة وأهل المذاهب في الاصول ، بل إن من أهل السنة المختلفين في
الفروع من وضع أحاديث كثيرة لنصرة مذهبه أو تعظيم إمامه . . .
وإليك حديثا واحداوهو " يكون في أمتي رجل يقال له محمدبن إدريس أضر
على أمتي من إبليس ، ويكون في أمتي رجل يقال له أبوحنيفة هو سراج أمتي " ،
قالوا : وفي إسناده وضاعان أحدهما مأمون بن أحمد السلمى والآخر أحمدبن عبدالله
الخونباري . وقد رواه الخطيب عن أبي هريرة مرفوعا ، واقتصرعلى ماذكره في
* ( هامش ) * ( 1 ) راجع المجلد الثالث من مجلة المنار . *
ـ122ـ
أبي حنيفة ، وقال ، موضوع وضعه محمدبن سعيد المروزى البورقى ، ثم قال : هكذا
حدث به في بلاد خراسان ثم حدث به في العراق وزاد فيه " وسيكون في أمتي رجل
يقال له محمدبن إدريس فتنته أضر على أمتي من فتنة إبليس " قالوا وهذا الافك
لايحتاج إلى بيان بطلانه - ومع هذا تجد الفقهاء المعتبرين يذكرون في كتبهم
الفقهية شق الحديث الذي يصف أباحنيفة بأنه سراج الامة ( 1 ) وسيكنون عليه ، بل
يستدلون به على تعظيم إمامهم على سائرالائمة ، وهم مع هذاقدرة الامة الذين يؤخذ
بأقوالهم في الدين ، ويتركون لهم الكتاب والسنة لانهما على قولهم يختصان ب المجتهدين .
قال أ بوالعباس القرطبي في شرح صحيح مسلم : أجاز بعض فقهاء أهل الرأي
نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلى إلى رسول الله نسبة قولية ، فيقولون في ذلك :
قال رسول الله : كذا ، ولهذانرى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها
موضوعة لانهاتشبه فتاوى الفقهاء ، ولاتليق بجزالة كلام سيد المرسلين ولانهم
لايقيمون لها إسنادا .
وقال أبوشامة في كتابه مختصر كتابه المؤمل :
مما يفعله شيوخ الفقه في الاحاديث النبوية والآثار المروية كثرة استدلالهم
بالاحاديث الضعيفة على مايذهبون إليه نصرة لقولهم ، وينقصون في ألفاظ الحديث
وتارة يزيدون فيه ، وما أكثره في كتب أبي المعالى وصاحبه أبي حامد ( 2 ) .
ثالثها - الغفلة عن الحفظ اشتغالا عنه بالزهد والانقطاع للعبادة : وهؤلاء
العباد والصوفية يحسنون الظن بالناس ويعدون الجرح من الغيبة المحرمة ، ولذلك
راجت عليهم الاكاذيب وحدثواعن غيرمعرفة ولابصيرة . . فيجب ألايعتمد
على الاحاديث التي حشيت بهاكتب الوعظ والرقائق والتصوف من غيربيان
* ( هامش ) * ( 1 ) اضطرت الشافعية إزاء ذلك إلى أن يرووافي إمامهم حديثا يفضلونه على كل إمام وهذا
نصه : قال رسول الله عليه وسلم : " أكرموا قريشا فإن عالمهايملا طباق الارض علما ! " .
وأنصار الامام مالك لم يلبثواأن وضعوافي إمامهم هذا الحديث : " يخرج الناس من المشرق إلى المغرب
فلا يجدون أعلم من عالم أهل المدينة " ثم حديث آخر عن أبي هريرة بهذا المعنى راجع كتاب الانتقاء
لابن عبدالبر .
( 2 ) ص 21 . *
ـ123ـ
تخريجها ودرجتها ، ولا يختص هذاالحكم بالكتب التي لايعرف لمؤلفها قدم في العلم
ككتاب " نزهة المجالس " المملوء بالاكاذيب في الحديث وغيره ، بل إن كتب
أئمة العلماء كالاحياء للغزالي لاتخلومن ا لموضوعات الكثيرة .
رابعها - قصد التقرب من الملوك والسلاطين والامراء كما نص على ذلك غير
واحد من الحفاظ . وكماكذب علماء السوء على الرسول صلى الله عليه وسلم لاجل
السلاطين ، كذبوا كذلك في وضع الاحكام والفروع الفقهية لاجلهم . ومن
الاحاديث الموضوعة في هذاالباب ما اشتمل على مدح السلاطين وتعظيم شأنهم ،
وهوما يتملق به الجهال للملوك في هذا العصر كما تملقوا لهم فيما قبله .
خامسها - الخطأ والسهو : وقع هذا لقوم ومنهم من ظهرله الصواب ،
ولم يرجع إليه أنفة واستنكافا أن ينسب إليهم الغلط . ولم تعرف رقة دين هؤلاءوعدم
إخلاصهم في الاشتغال برواية الحديث إلا بعد ما وقع لهم ما وقع .
سادسها - التحديث عن الحفظ ممن كانت له كتب يعتمد عليها فلم يتقن
الحفظ فضاعت الكتب فوقع الغلط ( 1 ) .
سابعها - إختلاط العقل في أواخر العمر - وقع هذالجماعة من الثقات فكانوا
معذورين ، دون من سلم بكل ما نسب إليهم من غيرتمييز بين ما روى عنهم في
طورالكمال والعقل ، وبين ما روى في طورالاختلاط والهرم .
ثامنها - الظهورعلى الخصم في المناظرة ولا سيما إذا كانت في الملا - وهوغير
الوضع لنصرة المذاهب ، قال ابن الجوزى : ومن أسباب الوضع ما يقع ممن لا دين له
عند المناظرة في المجامع ، من استدلال على ما يقوله كمايطابق هواه ، تنسيقا لجداله
وتقويما لمقاله ، واستطالة على خصمه ، ومحبة للغلب وطلبا للرياسة وفرارا من الفضيحة
إذاظهر عليه من يناظره .
تاسعها - إرضاء الناس وابتغاء القبول عندهم و إستمالتهم لحضور مجالسهم
* ( هامش ) * ( 1 ) هؤلاءهم كماقال ابن عساكرفي تأريخه : " تارة يرفعون المرسل ، ويسندون الموقوف ،
وتارة يقبلون الاسناد وتارة يدخلون حديثافي حديث " ( ص 10 ج 2 ) . *
ـ124ـ
الوعظية ، وتوسيع دائرة حلقاتهم ، وقد ألصق المحدثون هذا السبب بالقصص . . .
ولعل ابن الجوزي ما تصدى لتأليف كتابه في ا لموضوعات إلا بعد ما زاول الوعظ
واختبرما أفسد الوعاظ من دين الناس - وقد ذكر عن نفسه : أن الاحاديث
كانت ترد عليه في مجلس وعظه فيردها فيحقد عليه سائر القصاص ( 1 ) .
ضرر القصص والقصاص :
أخرج السلفي من طريق الفضل بن زياد قال : سمعت أحمدبن حنبل يقول :
أكذب الناس السؤال والقصاص .
وعن أبي قلابة قال : ما أمات العلم إلا القصاص .
وأخرج العقيلي عن عاصم قال : كان أبو عبدالرحمن يقول : إتقوا القصاص .
معاوية هو الذى أحدث القصص :
أخرج الزبير بن بكارفي أخبار المدينة عن نافع وغيره من أهل العلم قالوا
لم يقص في زمان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ولا في زمان أبي بكر ولا زمان عمر ،
وإنما القصص محدث أحديثه معاوية حين كانت الفتنة .
وأخرج ابن أبي شيبة مثل هذا الخبرعن ابن عمروكان عمرقد نهى عن
القصص .
عاشرها - شدة الترهيب وزيادة الترغيب لاجل هداية الناس ، ولعل الذي
سهل على واضعي هذاالنوع من الاحاديث المكذوبة - هو قول العلماءإن الاحاديث
الضعيفة يعمل بهافي فضائل الاعمال ( 2 ) ومافي معناهامما لا يتعلق بالاحكام والحقوق
* ( هامش ) * ( 1 ) ومنهم قوم من السؤال والمكدين يقفون في الاسواق والمساجد يضعون على رسول الله أحاديث
بأسانيد صحاح قد حفظوها فيذكرون ا لموضوعات بتلك الاسانيد ( ص 69 ج 1 من تفسير القرطبي ) .
( 2 ) كم جلب هذاالقول وأتباعه من الضرر العظيم للناس في دينهم ودنياهم . *
ـ125ـ
- وكأنهم رأواأن الدين ناقص يحتاج إلى إكمال وإتمام ، والله سبحانه وتعالى يقول :
" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " . وإن
جميع البدع الدينية التي يسميها الناس " بدعاحسنة " . . . هي من الزيادة في
الدين وياليتها كانت زيادة في الاعمال فقط ولكنها زيادة في العقائد أيضا - كاعتقاد
وساطة بعض الصالحين " الاموات " بين الله والناس في قضاء حوائجهم - إما بأن
يقضوها بأنفسهم لان لهم سلطة غيبية وراء الاسباب ، وإما بأن يقضيها الله تعالى
لاجلهم فتكون إرادة الله تابعة في ذلك لارادتهم ، كما اشتهر من قولهم " إن لله
عبادا إذا أرادوا أراد " ! وغيرذلك ، فإذا قلت لهم إن هذاشرع لم يأذن به الله
يأتونك بأمثال ينزه الله عنها ، كتشبيهه بالملوك والامراء الذين يتقرب إليهم بمن يحبون ( 1 )
ليفعلوا ما لم يكونوا يفعلونه لولاهم ، وفاتهم أن إرادة الله تعالى لا تتغير لاجل أحد ،
لان تخصيصهال وترجيحها إنما يكون بحسب العلم القديم الذي لا تغيرفيه ولاتبديل .
حادي عشرها - إجازة وضع الاسانيد للكلام الحسن ( 2 ) ليجعل حديثا ،
ذكروا هذا سببا مستقلا وهو يدخل فيماسبقه .
ثاني عشرها - تنفيق المدعى العلم لنفسه على من يتكلم عنده إذا عرض البحث
عن حديث - فيقول من في دينه رقة وفي علمه دغل ، هذا الحديث أخرجه فلان
وصححه فلان ويسندهذا إلى كتب يندر وجودها ، ليوهم أنه مطلع على ما لم يطلع
عليه غيره أو يخلق للحديث إسنادا جديدا . اه
وحكى السيوطي عن ابن الجوزي أنه من وقع في حديثه الموضوع " والكذب
والقلب أنواع : منهم من غلب عليهم الزهد فغفلواعن الحفظ ، أو ضاعت كتبه
فتحدث من حفظه فغلط ، ومنهم قوم ثقات لكن اختلطت عقولهم في آخر أعمارهم
ومنهم من روى الخطأ سهوافلما رأى الصواب وأيقن به لم يرجع أنفة أن ينسب إليه
الغلط ، ومنهم زنادقة وضعوا قصداإلى إفساد الشريعة ، وإيقاع الشك والتلاعب
بالدين . وقد كان بعض الزنادقة يتغفل الشيخ فيدس في كتابه ما ليس من حديثه ،
* ( هامش ) * ( 1 ) مماوضعوه في ذلك هذه القاعدة ( لولا الواسطة لذهب الموسوط ) .
( 2 ) يرجع إلى باب وضع الحديث للكلام الحسن في هذا الكتاب . *
ـ126ـ
ومنهم من يضع لنصرة مذهبه ، ومنهم من يضع حسبة وترغيبا ، ومنهم من أجاز
وضع الاسانيد بكلام حسن ، ومنهم من قصد التقرب إلى السلطان ، ومنهم القصاص
يروون أحاديث ترقق وتنفق ( 1 ) اه .
ولان الكلام قدطال في هذا الامر فإنا نكتفي بما أوردناه .
أما وضاع الحديث فكانوا كثيرين لا يحصيهم العدد وقد قالوا إن أشهرهم أربعة :
ابن أبي يحيى في المدينة ، والواقدي في بغداد ، ومقاتل بن سليمان بخراسان ، ومحمد
ابن سعيد بالشام ( 2 ) .
وإليك مثلا واحدامن أمثلة الوضع للتقرب من الملوك والامراء :
كان الرشيد يعجبه الحمام واللهو به ، فأهدى إليه حمام وعنده أ بوالبخترى
القاضي ( 3 ) فقال : روى أبوهريرة عن النبي أنه قال : لاسبق إلا في خف
أو حافرأو جناح - فزاد جناح ، وهي لفظة وضعها للرشيد ، فأعطاه جائزة سنية .
ولما خرج قال الرشيد والله لقد علمت أنه كذاب - وأمر بالحمام أن يذبح ، فقيل :
وما ذنب الحمام ؟ قال : من أجله كذب على رسول الله !
الوضع السياسي أو الوضع للسياسة
ولا بد لناقبل أن نختم هذاالفصل أن نكشف عن ناحية خطيرة من نواحي
الوضع في الحديث كان لهاأثر بعيدفي الحياة الاسلامية ، ولايزال هذاالاثر يعمل
عمله في الافكار العفنة والعقول المتخلفة والنفوس المتعصبة ، ذلك أن السياسة قد
دخلت في هذاالامر وأثرت فيه تأثيرا بالغا فسخرته ليؤيدهافي حكمها ، وجعلته
من أقوى الدعائم لاقامة بنائها . . وقد علا موج هذاالوضع السياسي وطغا ماؤه في عهد معاوية الذي أعان عليه
وساعده بنفوذه وماله ، فلم يقف وضاع الحديث عند بيان فضله والاشادة بذكره
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 409 ج 2 كشف الخفاء .
( 2 ) ص 113 ج 2 ابن خلكان .
( 3 ) كان أ بوالبختري قاضي مدينة النبي بعدبكاربن عبدالله ، ثم ولى قضاء بغداد بعد
أبي يوسف صاحب أبي حنيفة ، توفى سنة 200 ه في خلافة المأمون . ص 69 ج 1 تفسير القرطبي . *
ـ127ـ
بل أمعنوافي مناصرته ، والتعصب له حتى رفعوامقام الشام الذي يحكمه إلى درجة
لم تبلغها مدينة الرسول صلوات الله عليه ، ولا البلد الحرام التي ولد فيه ، وأسرفوافي
ذلك إسرافا كثيرا وأكثروا حتى ألفت في ذلك مصنفات خاصة .
وإذا كان هذا الموضوع وحده يحتاج إلى مؤلف برأسه فإنا - في حدود هذا
الكتاب - سنلتزم جانب الايجاز ولا نبدي إلا علائم وشواهد قليلة .
ومن أمثلة هذاالوضع :
مما وضعته البكرية وأخرجه ابن عساكرعن أبي هريرة : تباشرت الملائكة
يوم بدر ، فقالواأما ترون الصديق مع رسول الله في العرش . وأخرج الخطيب
عن ابن عباس عن النبي : هبط علي جبريل عليه السلام وعليه طنفسة وهو يتخلل ،
فقلت له ياجبريل ماهذا ؟ قال : إن الله تعالى أمر الملائكة أن تتخلل في السماء
كتخلل أبي بكرفي الارض .
وأخرج أبويعلى عن أبي هريرة ، قال رسول الله : عرج بي إلى السماءفما مررت
بسماء إلا وجدت فيها اسمي ( محمد رسول الله وأبوبكر الصديق خلفي ) .
وأخرج أبويعلى كذلك عن عمرأن النبي قال : إن الملائكة لتستحيى
من عثمان كما تستحيى من الله ورسوله .
وفي حديث أن رسول الله قال : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على
سائر الطعام . . . وفي حديث أن صورتها قد جاءت النبي في سرقة من حريرمع
جبريل وقال له : " هذه زوجتك في الدنيا والآخرة " ! !
وفي حديث آخر : خذوانصف دينكم عن هذه الحميراء وفي رواية " خذوا
شطردينكم . . . " إلخ .
وهذاباب واسع لايمكن إحصاء كل مافيه .
معاوية والشام
أما معاوية والشام الذي حكمه هو وأقاربه حقبة طويلة فهاك فذلكة مما وضعوه
في فضلهما .
ـ128ـ
ومعاوية كما هو معروف أسلم هو وأبوه يوم فتح مكة ، فهوبذلك من الطلقاء ،
وكان كذلك من المؤلفة قلوبهم الذين كانوا يأخذون ثمنا لاسلامهم ، وهوالذي هدم
مبدأ الخلافة الرشيدة في الاسلام فلم تقم لهامن بعده إلى اليوم قائمة ، وقداتخذ
" دمشق " حاضرة لملكه .
وإليك بعض ماوضعوه من الاحاديث في فضله :
أخرج الترمذي أن النبي قال لمعاوية : اللهم اجعله هاديا مهديا .
وفي حديث آخرأن النبي قال : اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب -
وهناك زيادة في هذا الحديث تقول : وأدخله الجنة .
وعلى كثرة ما جاءفي فضائل معاوية من أحاديث لا أصل لها ، فإن إسحاق
ابن راهويه وهوالامام الكبير وشيخ البخاري قدقال : إنه لم يصح في فضائل
معاوية شئ .
وقد ذكر البخاري في باب " فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " فقال :
باب ذكر معاوية رضي الله عنه ( 1 ) ، ولم يأت في هذاالباب بأحاديث مرفوعة
إلى النبي وإنما أورد قولين عن ابن عباس في وصف معاوية - قال في الاول : إنه
صحب رسول الله ، وقال في الثاني : إنه فقيه !
* ( هامش ) * ( 1 ) قال الحافظ ابن حجر في شرح هذاالباب : " تنبيه " عبر البخاري في هذه الترجمة بقوله " ذكر "
ولم يقل فضيلة ، ولا منقبة لكون الفضيلة لا تؤخذ من حديث الباب لان ظاهرشهادة ابن عباس له بالفقه
والصحبة دالة على الفضل الكثير - وقدصنف ابن أبي عاصم جزءا في مناقبة وكذلك أبوعمر غلام ثعلب
وأبوبكر النقاش وأورد ابن الجوزي في ا لموضوعات بعض الاحاديث التي ذكروها ثم ساق عن إسحاق بن راهويه
أنه قال : لم يصح في فضائل معاوية شئ - فهذه النكتة في عدول البخاري عن التصريح بلفظ " منقبة "
اعتمادا على قول شيخه " ابن راهويه " وقصة النسائي في ذلك مشهورة ، وكأنه اعتمد أيضا على قول شيخه
إسحاق وكذلك في قصة الحاكم ، وأخرج ابن الجوزي أيضا من طريق ابن عبدالله بن أحمد بن حنبل ،
سألت أبي ماتقول في علي ومعاوية ؟ فأطرق ثم قال : اعلم أن عليا كان كثير الاعداء ، ففتش أعداؤه له
عيبا فلم يجدوا فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كيدامنهم لعلي - فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من
الفضائل مما لا أصل له ، وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها مايصح من طريق الاسناد
وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما والله أعلم . انتهى كلام ابن حجرص 83 ج 7 من فتح الباري .
أما قصة النسائي التي أشارإليها ابن حجر - وهو صاحب أحد كتب الحديث المشهورة - فقد رواها
الذهبي فقال : سئل النسائي وهو بدمشق عن فضائل معاوية فقال ، ألا يرضى رأسا برأس ، حتى يفضل ؟
قال الذهبي فما زالوا يدفعونه حتى أخرج من المجلس وحمل إلى الكوفة فتوفى بهارحمه الله . *
ـ129ـ
أما الشام :
فقد ذكرواأنها أرض المحشر والمنشر وأرض الابدال . . . وأن نزول عيسى
سيكون بهذه الارض ، وإليك بعض ما جاء فيه من الاحاديث الكثيرة :
روى أحمد وأبوداود والبغوى والطبراني وغيرهم : عليكم بالشام فإنهاخيرة
الله من أرضه ، يجتبى إليها خيرته من عباده ، إن الله قد توكل بالشام وأهله .
وفي حديث آخر : الشام صفوة الله في بلاده يجتبى إليها صفوته من عباده
فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخطه ، ومن دخلهامن غيرها فبرحمته .
وروى البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة مرفوعا : الخلافة بالمدينة والملك بالشام .
وعن كعب الاحبار : أهل الشام سيف الله ينتقم الله بهم ممن عصاه !
ومن حديث : ستفتح عليكم الشام ، فإذا خيرتم المنازل فيها فعليكم بمدينة
يقال لها " دمشق " - وهي حاضرة الامويين - فإنهامعقل المسلمين في الملاحم ،
وفسطاطها منها بأرض يقال لهاالغوطة .
وقد جعلوادمشق ( 1 ) هذه - هي الربوة التي ذكرت في القرآن الكريم " وآويناهما
إلى ربوة ذات قرارومعين " وذلك في حديث مرفوع . وقد جعلها أبوهريرة من
مدائن الجنة في حديث رفعه إلى النبي هذانصه : أربعة مدائن من مدائن الجنة
مكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق . وأما مدائن النار : فال قسطنطينية وطبرية
وأنطاكية وصنعاء !
وبينما يجعلون ال قسطنطينية هذه في هذا الحديث من مدن النار إذا بهم يروون
هذا الحديث في فضلها وذلك بعد أن أصبحت مطمح الانظار : لتفتحن ال قسطنطينية
فنعم الامير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش ، ولعل هذا الحديث قد وضع من أجل
يزيدبن معاوية لانه كان أمير الجيش في غزوة ال قسطنطينية .
* ( هامش ) * ( 1 ) مماروى في فضل دمشق ما أخرجه أبوداود عن أبي الدرداء أن رسول الله قال : إن فسطاط
المسلمين يوم الملحمة بالغوطة ، إلى جانب مدينة يقال لهادمشق من خيرمدائن الشام .
أضواءعلى السنة المحمدية *
ـ130ـ
ولا نستقصى كل ماجاء في فضل الشام لانه يملا مصنفات كما قال ابن تيمية
في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم ( 1 ) :
وقد صنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من
البقاع التي بالشام ، وذكروا فيها من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب وعمن أخذ
عنهم ما لايحل للمسلمين أن يبنواعليه دينهم ، وأمثل من نقل عنه تلك الاس رائيليات
كعب الاحبار ، وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيرامن الاس رائيليات .
أصل قرية الابدال
كان مماخصوابه بلادالشام من الفضل - بعد أن وصفوها وأهلها بما وصفوا -
أن جعلوا منها " الابدال " ، وقد كانت هذه العقيدة من عوامل هدم الاسلام إذ
اتخذها الصوفية أصلا لطريقتهم ، وبنوا عليها مابنوا من أوهامهم وخرافاتهم .
روى الواقدي ( 2 ) أن معاوية لما عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن
( سنة 41 ه ) خطب فقال : أيها الناس إن رسول الله قال : إنك ستلى الخلافة من
بعدي ! فاختر الارض المقدسة فإن فيها الابدال - وقد أخبرتكم فالعنوا أبا تراب !
- أي علي بن أبي طالب - فلما كان من الغد كتب كتاباثم جمعهم فقرأه عليهم
وفيه هذاكتاب كتبه أمي رالمؤمنين معاوية صاحب وحي الله الذي بعث محمدا
نبيا وكان أميا لا يقرأولا يكتب ، فاصطفى له من أهله وزيرا كاتبا أمينا ، فكان
الوحي ينزل على محمد وأنا أكتبه وهو لايعلم ما أكتب ، فلم يكن بيني وبين الله
أحد من خلقه ، فقال الحاضرون : صدقت ( 3 ) !
وما كاد معاوية يذكر أن الشام أرض الابدال حتى ظهرت أحاديث مرفوعة
عن هؤلاء الابدال نذكر منها ما يلي ( 4 ) :
1 - الابدال في هذه الامة ثلاثون رجلا ، قلوبهم على قلب إبراهيم خليل
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 208 ويراجع كتابنا " شيخ المضيرة " .
( 2 ) ص 361 ج شرح نهج البلاغة .
( 3 ) لم يكن معاوية في كتاب الوحي ولا خط بقلمه لفظة واحدة من القرآن .
( 4 ) هذه الاحاديث أوردها السيوطي في الجامع الصغير . *
ـ131ـ
الرحمن كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا ( عن عبادة بن الصامت ) .
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 131 سطر 1 الى ص 140 سطر 25
الرحمن كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا ( عن عبادة بن الصامت ) .
2 - الابدال في أمتي ثلاثون بهم تقوم الارض ! وبهم تنصرون وبهم تمطرون !
( عن عبادة ) .
3 - الابدال في أهل الشام بهم ينصرون وبهم يرزقون ( عن عوف بن مالك ) .
4 - الابدال بالشام وهم أربعون رجلا ، كلما مات رجل أبدله الله مكانه
رجلا ، يسقى بهم الغيث وينتصربهم على الاعداء ، ويصرف عن أهل الشام بهم
العذاب - ( عن علي ) . . .
5 - الابدال أربعون رجلا وأربعون إمرأة ! كلما مات رجل أبدل الله مكانه
رجلا ، وكلما ماتت امرأة أبدل الله مكانها إمرأة - ( عن أنس بن مالك ) .
6 - الابدال من الموالي - ( عن عطاءبن أبي رباح ) .
وقد رفع سؤال عن هذه الاحاديث إلى الفقيه المحدث السيدرشيد رضا رحمه
الله ، وقال السائل في سؤاله : ومامعنى اختصاص الشام بهم ؟ وما معنى رفع
العذاب عن أهل الشام ونصرهم ورزقهم بالابدال ؟ وهل أهل الشام يرزقون وينصرون
ويرفع العذاب عنهم دون غيرهم من أهل الارض ؟ !
وقد أجاب السيد بجواب عالم مطلع دقيق نختصره هنا فيما يلي ( 1 ) :
بدأ رحمه الله جوابه بقوله : " إن هذه الاحاديث باطلة رواية ودراية ، سنداو متنا ،
وإنما راجت في الامة بعناية المتصوفة ، وقد ذكرها الحافظ ابن الجوزي في ا لموضوعات
وطعن فيها واحدا بعد واحد . . . وأحاديث الابدال اشترك فيها المتصوفة والشيعة ( 2 )
والباطنية ورواة الاس رائيليات ككعب الاحبار وغيره من أصحاب الترهات الصحاصح ،
دون أهل الاحاديث الصحائح ( 3 ) - قال حكيمنا المحقق ابن خلدون في سياق
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 747 - 754 ج 27 مجلة المنار .
( 2 ) ينفي الشيعة نفياباتا أن يكونواقد اشتركوافي وضع أحاديث الابدال لانه ليس عندهم أبدال
حتى يضعوالهم أحاديث ولا يعترفون بهم .
( 3 ) لسطان العلماء العز بن عبدالسلام رسالة مطبوعة في حلب عن الابدال والغوث والقطب
والنجباء ذكر فيهاأن هذه الاسماء ليس لها أصل في الدين الاسلامي وغير مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم
في حديث صحيح ولا ضعيف . *
ـ132ـ
كلامه في علم التصوف من مقدمة تاريخه ، بعد أن بين منشأ التصوف وحال أهله
في علمهم ، مانصه ( 1 ) :
" ثم إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس
توغلوافي ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة . وملاوا الصحف منه ، مثل
الهروى وغيره وتبعهم ابن العربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف . . . وكان سلفهم
مخالطين ل لاسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحاول وإلهية الائمة .
مذهبا لم يعرف لاولهم فأشرب كل واحد من الفرقين مذهب الآخر ، واختلط
كلامهم وتشابهت عقائدهم وظهرفي كلام المتصوفة القول بالقطب ومعناه رأس
العارفين يزعمون أنه لايمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ،
ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان . ثم قالوا بترتيب وجود الابدال بعدهذا
القطب ، كماقاله الشيعة في النقباء ، حتى إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف
ليجعلوه أصلا لطريقتهم وتخايهم ، رفعوه إلى علي رضي الله عنه ، وهو من هذاالمعنى
أيضا ، وإلا فعلي رضي الله عنه لم يختص من بين الصحابة بتخلية ولا طريقة في
لباس ولاحال ، بل كان أبوبكر وعمر رضي الله عنهماأزهد الناس بعد رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأكثرهم عبادة ، ولم يختص أحدمنهم في الدين بشئ يؤثرعنه
في الخصوص ، بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد والمجاهدة - ثم إن كثيرا
من الفقهاءو أهل الفتيا انتدبوا للرد على هؤلاء المتأخرين في هذه المقالات وأمثالها
وشملوا بالنكير سائر ما وقع لهم في الطريقة " .
وأما أهل الحديث المحققون فقد تكلموا في أسانيد هذه الاحاديث ( 2 ) فالحافظ
ابن الجوزي حكم بوضعها - وتابعه شيخ الاسلام ابن تيمية - وكذلك السخاوي ،
وهو والسيوطي من تلاميذ الحافظ ابن حجر ، إلا أن الاول أدق وأدنى إلى التحقيق
وقدقال خبرالابدال له طرق بألفاظ مختلفة كلهاضعيفة . وهذاالقول أصح من
كلام ابن حجر نفسه : منهاما يصح ومنهاما لا يصح ! "
وبعد أن فندالسيد رشيد هذه الاحاديث حديثا حديثا قال :
* ( هامش ) * ( 1 ) راجع صفحة 473 من المقدمة طبع بيروت .
( 2 ) أي أحاديث الابدال . *
ـ133ـ
وذكرملا على القارئ في ا لموضوعات عن ابن الصلاح أنه قال : أقوى
ماروينافي الابدال قول علي : إنه بالشام يكون الابدال . هذا يوافق ما قاله ابن
تيمية في رسالته ( 1 ) في أهل الصفة والصوفية من جهة الرواية ، وأماما حققه شيخ
الاسلام في المسألة من جهة الدراية فهو غاية الغايات . . ونذكر هنابعض جمل
مما قال : قال رحمه الله تعالى :
( فصل ) وأما الاسماء الدائرة على ألسنة كثيرمن النساك والعامة مثل الغوث
الذي يكون بمكة والاوتاد الاربعة ، والاقطاب السبعة والابدال الاربعين والنجباء
الثلثمائة - فهذه الاسماء ليست موجودة في كتاب الله تعالى ولا هي مأثورة عن
النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل ، إلا لفظ الابدال فقد
روى فيهم حديث شامي منقطع الاسناد عن علي بن أبي طالب ، مرفوعاإلى النبي
صلى الله عليه وآله أنه قال " إن فيهم - يعنى أهل الشام - الابدال أربعين رجلا كلما مات رجل
أبدله الله مكانه رجلا " ولا توجد هذه الاسماءفي كلام السلف كماهي على هذا
الترتيب . . . إلخ ، ثم ذكر أن لفظ الغوث والغياث لا يستحقه إلا الله تعالى - ثم تكلم
شيخ الاسلام في مسألة الاوتاد والقطب بكلام معقول موافق للغة ، وعاد إلى الابدال
فقال " فأما الحديث المرفوع فالاشبه أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ،
فإن الايمان كان بالحجاز واليمن قبل فتوح الشام وكانت الشام والعراق دار كفر ،
ثم في خلافة علي قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " تمرق مارقة على
خيرفرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق " فكان علي وأصحابه أولى بالحق
ممن قاتلهم من أهل الشام " .
ثم عاد السيد رشيد رحمه الله فقال : " إن سبب ما وردمن الاثر المروى عن
علي رضي الله عنه هو أن بعض جماعته كانوا يسبون أهل الشام ، فنهاهم عن ذلك
الاطلاق وقال : إن فيهم الابدال ، أي أن الله تعالى يبدل من أنصار معاوية
غيرهم أوما هذامعناه ، فزاد فيه الرواة المتزلفون لبني أمية ، ثم الصوفية ، ما زادوا
* ( هامش ) * ( 1 ) هي الرسالة الثالثة من مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية . *
ـ134ـ
وجعلوه حديثا مرفوعاكما وضعوا أحاديث أخرى للامصار المشهورة من مدح وذم
- روى ابن عساكرأن كعب الاحبار ( 1 ) قال : الابدال ثلاثون . وقال أيضا
الابدال بالشام والنجباء بالكوفة ، ثم ذكر كثيرامن هذه الاقوال عن أهل ذلك
العصرفي الابدال والنجباء النقباء والاخيار . ولفظ الابدال أشهرهذه الالفاظ
ولم يكن الناس يفهمون في القرن الثاني والثالث من هذا اللفظ ماادعاه الصوفية بعد ،
بل قال الامام أحمد " إن الابدال هم أهل الحديث " .
وأما ما في هذه الروايات من أن الله تعالى ينصر أهل الشام ويرزقهم بالابدال
فهو من علل متونها ، ودلائل وضعها فالله تعالى قدجعل للنصر أسبابا تعرف من
كتابه ومن سننه في خلقه ، وقد أخل أفضل الامم بقيادة أفضل الرسل ( عليهم
السلام ) ببعض أسبابه في غزوة أحد فانكسروا بعد انتصار ، وظهر المشركون عليهم ،
ولما استغربوا ذلك أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ما بين له ذلك
فقال ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم : أنى هذا ؟ قل هومن عند
أنفسكم . . . )
ومن هذه الاسباب الاجتماعية ، مابينه تعالى بقوله ( إن تنصروا الله ينصركم )
وقوله ( ولا تنازعوا فتفشلواو تذهب ريحكم ) ومن أسبابه الحسية ما أمربه بقوله :
( وأعدوالهم ما استطعتم من قوة ) ومن أسبابه الروحية المعنوية قوله تعالى : ( إذا
لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ) الآية .
وبعد أن بين ما كان عليه أهل الشام في سنة 1927 ( 2 ) من البؤس وضيق
الرزق ، والجيوش الفرنسية تدمر بلادهم ، وكثيرون منهم يهلكون جوعاوعريا
قال : فأين الابدال وأسرارهم ؟ ! واختتم كلامه رضي الله عنه بقوله : " إن هذه
الروايات قد أفسدت بأس الامة الاسلامية وصار المتصوفة وأهل الطريق المتمسكون
بهافتنة لنابتة المسلمين ينفرون أولى الاستقلال العقلي والعلوم العصرية من الاسلام ،
* ( هامش ) * ( 1 ) في كل واد أثر من ثعلبة .
( 2 ) السنة التي كتبت فيهاهذه الفتوى . *
ـ135ـ
فيعدونه كغيره دين خرافات وأوهام ، كماأنهم عار على المسلمين أمام شعوب البشر
الراقين ، وقد بلغ جهلهم وفساد دينهم وأخلاقهم أنهم صاروا أعوان فرنسة في
أفريقية من حدود تونس إلى ريف مراكش ، وقد آن لناأن نعقل ونفهم ديننا من
القرآن لا من هذه الروايات المنكرة التي صرفتنا عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله
التي لا تحتمل التأويل ، ولا ينال منها التضليل ، وآن لناأن ندوس هؤلاء المضلين
وكل من ينصرهم ويتأول لهم من سدنة القبور المعبودة ، لاعتقاد العامة أن الرزق
وسعادة الدنيا ، تطلب من المدفونين فيها ، فقدصارت أمتنابهذه الخرافات تحت أرجل
جميع الامم ، ولاتزال عامتها تعتقد أن الميتين ورجال الغيب هم سبب رزقها ودفع
البلاء عنها " اه ( 1 ) .
دولة بني العباس :
وإذا كانت قد رويت أحاديث في فضل معاوية والشام ، فإن دولة بني العباس
قد ظفرت هي الاخرى بأحاديث تشد أزرها بعد أن أدبرت دولة بني أمية وقامت هي
على أنقاضها ، وهاك بعض منها :
روى البزار : عن أبي هريرة أن رسول الله قال للعباس : فيكم النبوة والمملكة .
وأخرجه كذلك أبونعيم في الدلائل وابن عدي في الكامل - وابن عساكر وروايته
" فيكم النبوة وفيكم المملكة " .
وروى الترمذي عن ابن عباس ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دعا
للعباس بدعاء قال فيه : واجعل الخلافة باقية في عقبه .
وروى الطبراني ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : الخلافة في ولد
عمي وصنو أبى يسلموها إلى المسيح ( 2 ) .
وقد امتد وضع الحديث إلى السفاح ، فقد روى أحمد عن أبي سعيد الخدري
* ( هامش ) * ( 1 ) فليسمع من لا يزالون يكابرون في الحقائق .
( 2 ) وقد صحت نبوءة الحديث فظل الملك في بني العباس حتى تسلمه منهم المسيح ! ! *
ـ136ـ
أن رسول الله قال : يخرج رجل من أهل بيتي عندانقطاع الزمان وظهور الفتن ،
يقال له السفاح ! !
وبمناسبة الكلام عن دولة بني العباس نذكر مارواه السيوطى في كتابه " تاريخ
الخلفاء " عن المتوكل :
قال أظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها واستقدم المحدثين إلى سامراء وأجزل
عطاياهم وأكرمهم وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية - وتوفر دعاء الخلق
للمتوكل وبالغوافي الثناء عليه والتعظيم له - حتى قال قائلهم : الخلفاء ثلاثة :
أبوبكر الصديق في قتل أهل الردة ، وعمربن عبدالعزيز في ردالمظالم والمتوكل
في إحياء السنة وإماتة التجهم .
ودولة نبي العباس هذه التي رويت لهاكل هذه الاحاديث ، كان من آثارها
- كماقال بعض كبار المؤرخين - أن افترقت كلمة الاسلام ، وسقط اسم العرب
من الديوان وإستولت عليها الديلم ثم الاتراك ، وصارت لهم دولة عظيمة ، وانقسمت
ممالك الارض عدة أسقام !
ذم الاتراك :
ولمناسبة ذكر الاتراك نقول : إنه لمااستكثر المعتصم ( 1 ) من الاتراك حتى
امتلات بهم بغداد كانوا يؤذون الناس ويظلمونهم - فكره أهل بغداد مجيئهم إذ
كانوافي حلهم وترحالهم شؤما عليهم ، فأخذ المحدثون يروون في ذم الاتراك أحاديث
رفعوهاإلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ومنها ، أن الترك أول من يسلب أمتي
ما خولوا .
وعن ابن عباس : ليكونن المللك - أو الخلافة - في ولدى ، حتى يغلبهم على
عزهم الحمر الوجوه ، الذين كأن وجوههم المجان المطرقة .
وعن أبي هريرة : لاتقوم الساعة حتى يجئ قوم عراض الوجوه صغار
الاعين ، فطس الانوف ، حتى يربطوا خيولهم بشاطئ دجلة ، وقد رواه أحمد في
مسنده عن أبي هريرة بلفظ آخر نصه : قال رسول الله : لا تقوم الساعة حتى
تقاتلوا الترك صغار العيون حمر الوجوه ذلف الانوف كأن وجوههم المجان المطرقة .
* ( هامش ) * ( 1 ) كانت أم المعتصم تركية . *
ـ137ـ
وقد مر بك من قبل حديث " ال قسطنطينية " .
وإذا أردت المزيد من ذلك فارجع إلى كتاب " تاريخ الخلفاء للسيوطي " .
كيف استجازوا وضع الاحاديث
لم يشأ وضاع الحديث أن يدعوا عملهم بغيرأن يسندوه بأدلة تسوغ ما يضعون
فقد أخرج الطحاوى في المشكل عن أبي هريرة مرفوعا : إذا حدثتم عني حديثا
تعرفونه ولا تنكروبه فصدقوابه ، قلته أم لم أقله ! فإني أقول ما يعرف ولا ينكر ،
وإذاحدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه ، فكذبوابه ، فإني لا أقول ماينكر
ولا يعرف .
ويشبه هذا الحديث حديث آخر رواه أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
إذاسمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أبشاركم ، وترون أنه منكم قريب فأناأولاكم
به ، وإذاسمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفرمنه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه
منكم بعيد ، فأنا أبعدكم منه . قال السيد رشيدإن إسناده جيد ( 1 ) .
وقال خالدبن يزيدسمعت محمدبن سعيد الدمشقي يقول : إذاكان كلام
حسن ، لم أر بأسا من أن أجعل له إسنادا ( 2 ) .
وأخرج في الحلية عن ابن مهدي عن أبي لهيعة ، أنه سمع شيخامن الخوارج
يقول بعد أن تاب : إن هذه الاحاديث دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، فإنا
كنا إذ اهوينا أمرا صيرناله حديثا .
قال الحافظ ابن حجر : هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل ، إذ
بدعة الخوارج كانت في مبدأ الاسلام والصحابة متوافرون ، ثم في عصر التابعين
فمن بعدهم ، وهؤلاء إذا استحسنوا أمرا جعلوه حديثا وأشاعوه ، فربما سمع الرجل
الشئ فحدث به ولم يذكر من حدثه به تحسينا للظن ، فيحمله عنه غيره ويجئ
الذي يحتج با لمنقطعات فيحتج به ، مع كون أصله ماذكرت !
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 228 ج 9 تفسير المنار .
( 2 ) ص 32 ج 1 النووي على مسلم . *
ـ138ـ
الوضاع الصالحون
لم يكن وضع الحديث على رسول الله مقصوراعلى أعداء الدين وأصحاب
الاهواء فحسب - كما بينا - وإنماكان الصالحون من المسلمين يضعون كذلك
أحاديث على رسول الله ، ويجعلون ذلك حسبة لله بزعمهم ، ويحسبون أنهم بعملهم
هذايحسنون صنعا ، وإذاسألهم سائل . كيف تكذبون على رسول الله ، قالوا :
نحن نكذب له لا عليه ! وإن الكذب على من تعمده !
روى مسلم في كتابه عن يحيى بن سعيد القطان قال : لم نر الصالحين في شئ
أكذب منهم في الحديث - وفي رواية - لم نرأهل الخيرفي شئ أكذب منهم في
الحديث ، يعني أنه - كماقال مسلم : يجري على لسانهم ولا يتعمدون الكذب ( 1 ) .
وروى مسلم عن أبي الزناد قال : أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ، مايؤخذ
عنهم الحديث ( 2 ) . قال الحافظ ابن حجر ( 3 ) وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا
أحاديث الترغيب والترهيب وقالوا : نحن لم نكذب عليه ، بل فعلنا ذلك لتأييد
شريعته ! !
وما درواأن تقويله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل يقتضي الكذب على الله لانه
إثبات حكم من الاحكام الشرعية ، سواء كان في الايجاب أو الندب ، وكذا
مقابلهما وهو الحرام والمكروه ، ولايعتد بمن خالف ذلك من الكرامية حيث جوزوا
وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة واحتج بأنه
كذب له لا عليه وهو جهل باللغة العربية ( 4 ) .
قال عبدالله النهاوندي : قلت لغلام أحمد ، من أين لك هذه الاحاديث التي
تحدث بهافي الرقائق ؟ فقال وضعناها لنرقق بهاقلوب العامة ، قال ابن الجوزي
* ( هامش ) * ( 1 ) هذه من بلايا تلك الكلمة " معتمدا " التي يتشبث بها الذين يزعون أنهم من المحدثين
( ص 132 ج 1 فتح الملهم ) .
( 2 ) من قواعدهم : أن الورع لا يقتضي صحة الرواية .
( 3 ) ص 161 ج 1 فتح الباري .
( 4 ) ليت الحشوبة يفقهون ماقاله الحافظ الكبير ، ولكن أنى لهم الفقه ! أو الفهم . *
ـ139ـ
عن غلام أحمدهذا : إنه كان يتزهد ويهجر شهوات الدنيا ، ويتقوت الباقلاء
صرفا ، وغلقت أسواق بغداد يوم موته .
وكان أحمدبن محمد الفقيه المروزي - من أصلب أهل زمانه في السنة ،
وأكثرهم مدافعة عنها ، ويحقركل من خالفها ، وكان مع ذلك يضع الحديث
ويقلبه . وأخرج البخاري في التاريخ الاوسط عن عمربن صبيح بن عمران التميمي أنه
قال : أنا وضعت خطبة النبي ، وأخرج الحاكم في المدخل بسنده إلى أبي عمار
المروزي ، أنه قيل لابي عصمة : من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل
القرآن سورة سورة ، وليس عند أصحاب عكرمة هذا ؟ فقال إني رأيت الناس قد
أعرضواعن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ، ومغازى ، ابن إسحاق فوضعت هذا
الحديث حسبة .
لطيفة
وقد بلغ من أمرهم أنهم يضعون الحديث لاسباب تافهة ، ومن أمثلة ذلك
ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي ( 1 ) قال : كنت عندسعد بن
طريف فجاء إبنه من الكتاب يبكي ! فقال له مالك ؟ قال : ضربني المعلم . قال :
لاخزينهم اليوم !
حدثنا عكرمة عن ابن عباس مرفوعا : " معلمو صبيانكم شراركم ، أقلهم
رحمة لليتيم وأغلظهم على المساكين "
والاخبارفي ذلك أكثرمن أن تحصى
الوضع بالادراج
قد يأتي الوضع من الراوي للحديث غير مقصود له - وعدواذلك من باب
" الادراج " ، والحديث " المدرج " ما كانت فيه زيادة ليست منه . وقال أهل الاثر
إن الادراج نوعان . إدراج في الاسناد وإدراج في المتن .
* ( هامش ) * ( 1 ) وسيف بن عمرهذاكان كذاباوكان أشهرمن روى عنهم الطبري في التاريخ وغيره من كتبه . *
ـ140ـ
وإدراج المتن يكون في أول الحديث ، مثل حديث أبي هريرة الذي رواه
الخطيب أن رسول الله قال : " أسبغوا الوضوء ، ويل للاعقاب من النار " فقوله :
" أسبغوا الوضوء " مدرج من قول أبي هريرة .
ويكون الادراج في أثناء الحديث مثل حديث فضالة عند النسائي " أنا زعيم
- والزعيم الحميل - لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ، يبيت في ربض الجنة .
فقوله : والزعيم الحميل - مدرج في الحديث .
أما الادراج الذي في آخر الحديث ، فقد جاء في حديث الكسوف - وهو في
الصحيح : أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينخسفان لموت أحد ولا
لحياته - فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة . قال الغزالي إن هذه
الزيادة لم يصح نقلها فيجب تكذيب قائلها .
هل يمكن معرفة الموضوع
ذكر المحققون أمورا كلية يعرف بها أن الحديث موضوع ، منها :
مخالفته لظاهر القرآن ، أو السنة المتواترة ، أو الاجماع القطعي أو القواعد
القررة في الشريعة أو للبرهان العقلي أو للحس والعيان ، وسائر اليقينات أو اشتمال
الحديث على مجازفات في الوعد والوعيد ، والثواب والعقاب ، أو كان مناقضا
لماجاءت به السنة الصريحة ، أو كان باطلافي نفسه ، أوما تقوم الشواهد
الصحيحة على بطلانه ، أو لايشبه كلام الانبياء ، أوكان بكلام الاطباء أشبه ،
أو يشتمل على تواريخ الايام المستقبلة ، أو يكون سمجا أويسخر منه - وغير
ذلك . ومنها ، أن تقوم الشواهد الصحيحة ، أو تجارب العلم الثابتة ، على بطلانه
أويكون ركيكافي معناه .
وقال ابن حجر العسقلاني : المرادفي الركة على " المعنى " فحيثما وجدت دلت على
الوضع ، لان هذا الدين كله محاسن - أما ركاكة " اللفظ " فلاتدل على ذلك ،
لاحتمال أن يكون الراوي قد رواه بالمعنى فغير ألفاظه بغيرفصيح .
وقال ابن الجوزي : إن الحديث المنكر ، يقشعرله جلد الطالب للعلم ، وينفر
ـ141ـ
منه قلبه ، يعني الممارس لالفاظ الشارع الخبير بها ، وبرونقها وبهجتها .
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 141 سطر 1 الى ص 150 سطر 23
منه قلبه ، يعني الممارس لالفاظ الشارع الخبير بها ، وبرونقها وبهجتها .
وقال : إذارأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول أويناقض الاصول
فاعلم أنه موضوع .
وقال الرببع بن خيثم : إن للحديث ضوءاكضوء النهار تعرفه ، وظلمة كظلمة
الليل تنكره . رواه الخطيب .
وأخرج أبي حاتم عن ابن مسعود : إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه
من كتاب الله .
وعن ابن جبير ، ما بلغني حديث على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب
الله ( 1 ) .
وأخرج البيهقي بسنده عن ابن عباس قال : إذاحدثتكم بحديث عن رسول
الله فلم تجدوا تصديقه في الكتاب ( 2 ) ، أو هوحسن في أخلاق الناس ، فإنه
كاذب ( 3 ) . والاحاديث الموضوعة لا يمكن حصرها ، وقدجمع منهاابن الجوزي
والسيوطي وغيرهما مجلدات كثيرة يمكن الرجوع إليها .
وقد عقد العالم القاسمي في كتابه " قواعد التحديث " بابا عن الحديث الموضوع
ختمه بفصلين نلخصهما فيما يأتي وقدجعل عنوانهما :
هل يمكن معرفة الموضوعة بضابط من غيرنظر في سنده ؟
سئل الامام شمس الدين بن القيم : هل يمكن معرفة الحديث الموضوع
بضابط من غيرأن ينظر في سنده ؟ فقال :
هذاسؤال عظيم القدر ، وإنما يعرف ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة ،
وخلطت بلحمه ودمه وصار له فيها ملكة واختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار ،
ومعرفة سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام وهديه فيما يأمر به وينهى عنه ، ويخبرعنه
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 39 من كتاب المرقاة .
( 2 ) أي كتاب الله .
( 3 ) ص 17 من كتاب مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي . *
ـ142ـ
ويدعو إليه ، ويحبه ويكرهه ، ويشرعه للامة كأنه مخالط له ( صلى الله عليه وسلم ) .
فمثل هذانعرف من أحواله وهديه وكلامه وأفعاله وأقواله ، ومايجوزأن يخبر به ،
وما لايجوز ، مالايعرفه غيره - وهذاشأن كل متبوع مع تابعه فإن للاخص به
الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها ، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه
وما لا يصح ، ليس كمن لايكون كذلك . . . إلخ .
وقال ابن دقيق العيد : " كثيراما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى
المروى وألفاظ الحديث ، وحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم ، لكثرة محاولة ألفاظ
النبي صلى الله عليه وسلم ، هيئة نفسانية ، وملكة قوية عرفوابها مايجوزأن يكون
من ألفاظ النبوة ومالايجوز " .
للقلب السليم إشراف على معرفة الموضوع
وفي فصل لابي الحسن علي بن عروة الحنبلي :
" القلب إذاكان نقيا نظيفا زاكيا كان له تمييز بين الحق والباطل ، والصدق
والكذب ، والهدى والضلال ، ولا سيماإذا كان قد حصل له إضاءة وذوق من النور
النبوي ، فإنه حينئذ تظهر له خبايا الامور ودسائس الاشياء والصحيح من السقيم ،
ولو ركب على متن ألفاظ موضوعة على رسول إسنادصحيح أو على متن صحيح إسناد
ضعيف ، لميز ذلك وعرفه وذاق طعمه ، وميز بين غثه وسمينه ، وصحيحه وسقيمه ،
فإن ألفاظ الرسول لاتخفى على عاقل ذاقها ، ولهذاقال النبي صلى الله عليه وسلم :
" اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنورالله ( 1 ) " رواه الترمذي من حديث أبي سعيد .
وقال جماعة من السلف في قوله تعالى : " إن في ذلك لآيات للتموسمين " - أي
المتفرسين .
وقال معاذبن جبل : " إن للحق منارا كمنار الطريق " .
هذاوإن القلب الصافي له شعور بالزيغ والانحراف في الافعال والاعمال فإذا
* ( هامش ) * ( 1 ) قال أوس بن حجر :
الالمعى الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا *
ـ143ـ
سمع الحديث عرف مخرجه من أين ، وإن لم يتكلم فيه الحفاظ وأهل النقد .
فمن كانت أعماله خالصة لله موافقة للسنة ، ميزبين الاشياء كذبها وصدقها . .
والله سبحانه وتعالى يلهم الصادق الذكي معرفة الصدق من الكذب ، كما في الحديث :
" الصدق طمأنينة والكذب ريبة " وقال لوابصة : " استفت قلبك " ، وقدترك النبي
أمته على البيضاء ليلها كنهارها . . وكلام الرسول ولاريب عليه جلالة وفيه فحولة
ليست لغيره من الناس . .
وقال ابن تيمية : القلب المعمور بالتقوى إذارجح بمجرد رأيه فهو ترجيح
شرعي . . . فمتى ما وقع عنده ، وحصل في قلبه ما يظن معه أن هذاالامر ،
أو هذا الكلام أرضى لله ورسوله ، كان ترجيحا بدليل شرعي - والذين أنكروا
كون الالهام ليس طريقاإلى الحقائق مطلقا ، أخطأوا . فإذااجتهد العبدفي طاعة
الله وتقواه ، كان ترجيحه لمارجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة ، فإلهام هذادليل
في حقه وهو أقوى من كثيرمن الاقيسة الضعيفة والموهومة ، والظواهر والا ستصحابات
الكثيرة التي يحتج بها كثيرمن الخائضين في المذاهب والخلاف وأصول الفقه .
وقال عمر : " الحق أبلج لايخفى عن فطن " ، وقال حذيفة بن اليمان : " إن في
قلب المؤمن سراجا يزهر " ، وكلما قوى الايمان في القلب قوى انكشاف الامورله
وعرف حقائقهامن بواطلها ، وكلماضعف الايمان ضعف الكشف ، وذلك مثل
السراج القوي والسراج الضعيف في البيت المظلم . . وفي الصحيح عن النبي " قد
كان في الامم قبلكم محدثون ، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر " والمحدث هو
الملهم المخاطب في سره ، وقد كان أبوسليمان الداراني يسمى أحمد بن عاصم الانطاكي
" جاسوس القلب " لحدة فراسته . . اه ما قلناه ملخصامن هذين الفصلين ( 1 ) .
وممايجب أن يكون من موازين الحديث الصحيح ألا يمجه الذوق السليم
مثل حديث " الذباب " ، وألا يخالف أغراض الاسلام العليا التي ترمي إلى سعادة
الانسان في الدينا والاخرة .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 147 - 155 باختصار . *
ـ144ـ
الكاذبون وما جنوا
من الافتراء على النبي صلوات الله عليه
قال حمادبن زيد : وضعت الزنادقة على رسول الله اثنى عشرألف حديث .
وقال المهدي : أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع 400 حديث ، فهي تجول
في أيدي الناس .
وأخرج ابن عساكرعن الرشيد أنه جئ إليه بزنديق فأمر بقتله ، فقال :
يا أمي رالمؤمنين ، أين أنت عن أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم أحرم فيهاالحلال
وأحل فيها الحرام .
ولماأخذ عبدالكريم بن أبي العوجاء بضرب عنقه قال : لقد وضعت فيكم
أربعة آلاف حديث أحرم فيهاالحلال ، وأحلل الحرام .
وقال إسحاق بن راهويه وهو شيخ البخاري أحفظ أربعة آلاف حديث مزورة .
وعن سهل بن السري الحافظ قال : وضع أحمدبن عبدالله الجوبياري ،
ومحمدبن عكاشة الكرماني ، ومحمدبن تميم الفارابي على رسول الله أكثرمن عشرة
آلاف حديث .
وقال البخاري : أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غيرصحيح .
والاخبارفي ذلك أكثرمن أن تحصى ، ومن أراد أن يتزيد منها فليرجع إلى
مظانها ، وبخاصة كتاب تحذير الخواص للسيوطي .
ونقف من نقلنا عند ذلك وهو كفاية .
ـ145ـ
الاس رائيليات في الحديث
لما قويت شوكة الدعوة المحمدية واشتد ساعدها ، وتحطمت أمامها كل قوة
تنازعها ، لم يرمن كانوا يقفون أمامها ويصدون عن سبيلها ، إلا أن يكيدوا لها
من طريق الحيلة والخداع ، بعدأن عجزواعن النيل منهابعدد القوة والنزاع .
ولما كان أشدالناس عداوة للذين آمنوا ليهود ، لانهم بزعمهم شعب الله
المختار ، فلا يعترفون لاحد غيرهم بفضل ، ولايقرون لنبي بعدموسى برسالة ، فإن
رهبانهم وأحبارهم لم يجدوابدا - وبخاصة بعد أن غلبواعلى أمرهم وأخرجوا من
ديارهم ( 1 ) - من أن يستعينوا بالمكر ، ويتوسلوا بالدهاء ، لكي يصلواإلى مايبتغون ،
فهداهم المكر اليهودي إلى أن يتظاهروا بالاسلام ويطووا نفوسهم على دينهم ، حتى
يخفى كيدهم ، ويجوزعلى المسلمين مكرهم ، وقدكان أقوى هؤلاء الكهان دهاء وأشدهم
مكرا ، كعب الاحبار ووهب بن منبه ، وعبدالله بن سلام . ولما وجدواأن حيلهم
قد راجت بماأظهروه من كاذب الورع والتقوى ، وأن المسلمين قد سكنوا إليهم ،
واغتروا بهم ، جعلوا أول همهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم ، وذلك بأن
يدسواإلى أصوله التي قام عليها مايريدون من أساطير وخرافات ، وأوهام وترهات
لكي تهى هذه الاصول وتضعف . ولما عجزوا عن أن ينالوامن القرآن الكريم لانه
قد حفظ بالتدوين ، وإستظهره آلاف من المسلمين ، وأنه قد أصبح بذلك في منعة
من أن يزاد فيه كلمة أو يتدسس إليه حرف - اتجهواإلى التحدث عن النبي فافتروا
- ماشاءواأن يفتروا - عليه أحاديث لم تصدرعنه ( 2 ) ، وأعانهم على ذلك أن ماتحدث
به النبي في حياته لم يكن محدود المعالم ، ولا محفوظ الاصول ، لانه لم يكتب في
عهده صلوات الله عليه كماكتب القرآن ، ولا كتبه صحابته من بعده ، وأن في
* ( هامش ) * ( 1 ) أجلى عمريهود خيبرإلى أذرعات وغيرها سنة 20 ه ، وأجلى يهود نجران إلى الكوفة ، وقسم وادى
القرى ونجران بين المسلمين ( ص 108 ج 8 البداية والنهاية لابن كثير ) ، وذلك لمن لم يكن معه عهد من
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
( 2 ) قال ابن الجوزي : لما لم يستطيع أحد أن يدخل في القرآن ماليس منه أخذ أقوام يزيدون
في الحديث ويضعون ما لم يقل ( ص 14 ج 2 تاريخ ابن عساكر ) . *
ـ146ـ
استطاعة كل ذي هوى أو دخلة سيئة ، أن يتدسس إليه بالافتراء ، ويسطو عليه
بالكذب ، ويسر لهم كيدهم أن وجدوا الصحابة يرجعون إليهم في معرفة ما لايعلمون
من أمور العالم الماضية - واليهود بمالهم من كتاب ، ومافيهم من علماء ، كانوا
يعتبرون أساتذة العرب فيما يجهلون من أمور الاديان السابقة ، إن كانوا مخلصين
صادقين .
قال الحكيم بن خلدون ( 1 ) عندما تكلم عن التفسير النقلي ، وأنه كان يشتمل
على الغث والسمين والمقبول والمردود : والسبب في ذلك أن العرب لم كونواأهل كتاب
ولاعلم ، وإنما غلبت عليهم البداوة والامية ، وإذا تشوفواإلى معرفة شئ مما تتشوف
إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود ، فإنما يسألون
عنه أهل الكتاب قبلهم ، و يستفيدونه منهم ( 2 ) ، وهم أهل التوراة من اليهود
ومن تبع دينهم من النصارى ، مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه وعبدالله
ابن سلام وأمثالهم ، فامتلات التفاسير من المنقولات عندهم . . وتساهل المفسرون
في مثل ذلك وملاوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كلها كما قلنا من التوراة ،
أو مما كانوا يفترون .
وقال في موضع آخر من مقدمته ( 3 ) :
" وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين ، وأئمة النقل من المغالط في الحكايات
والوقائع ، لاعتمادهم فيهاعلى مجرد النقل غثا أو سمينا ، لم يعرضوها على أصولها ،
ولاقاسوها بأشباهها ، ولا سبروها بمعيار الحكمة ، والوقوف على طبائع الكائنات ،
وتحكيم النظر والبصيرة في الاخبار ، فضلواعن الحق ، وتاهوافي بيداء الوهم
والغلط .
وقال الدكتور أحمد أمين :
اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه وكعب الاحبار وعبدالله بن سلام ،
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 439 و440 من المقدمة .
( 2 ) كان ابن إسحق يحمل عن اليهود والنصارى ويسميهم في كتبه أهل العلم الاول - ص 8 ج 18
معجم الادباء .
( 3 ) ص 9 في المقدمة . *
ـ147ـ
واتصل التابعون بابن جريج - وهؤلاء كانت لهم معلومات يروونها عن التوراة
والانجيل وشروحها وحواشيها ، فلم ير المسلمون بأسا من أن يقصوها بجانب آيات
القرآن فكانت منبعامن منابع التضخم " اه ( 1 ) .
من أجل ذلك كله أخذ أولئك الاحبار يبثون في الدين الاسلامي أكاذيب
وترهات ، يزعمون مرة أنها في كتابهم أو مكنون علمهم ، ويدعون أخرى أنها
مما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي في الحقيقة من مفترياتهم ، وأنى
للصحابة أن يفطنو التمييز الصدق من الكذب من أقوالهم وهم من ناحية لا يعرفون
العبرانية ( 2 ) التي هي لغة كتبهم ، ومن ناحية أخرى كانواأقل منهم دهاء وأضعف
مكرا ، وبذلك راجت بينهم سوق هذه الاكاذيب ، وتلقى الصحابة ومن تبعهم كل
ما يلقيه هؤلاء الدهاة بغير نقد أو تمحيص ، مغتبرين أنه صحيح لا ريب فيه .
وقبل أن نعرض لبيان بعض الاس رائيليات التي إمتلات بها كتب التفسير
والحديث والتاريخ ، نؤرخ هنا بإيجاز لزعماء هؤلاء الاحبار : كعب ووهب ،
وعبدالله بن سلام .
كعب الاحبار ( 3 )
هو كعب بن ماتع الحميرى من آل ذي رعين ، وقيل من ذي الكلاع ،
ويكنى أبا إسحاق من كبار أحبار اليهود ، وعرف بكعب الاحبار وأسلم في عهد عمر
على التحقيق وسكن المدينة في خلافته ، وكان معه في فتح القدس ، ثم تحول إلى الشام
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 139 ج 2 ضحى الاسلام .
( 2 ) روى البخاري عن أبي هريرة : أن أهل الكتاب كانوا يقرءون التوراة ب العبرانية ، ويفسرونها
بالعربية لاهل الاسلام ( ص 285 ج 2 ) .
( 3 ) كان الاستاذ سعيد الافغاني قد نشربمجلة الرسالة مقالة ذكرفيها أن الصهيوني الاول هو
عبدالله بن سبأ ، فرددنا عليه بمقال مفصل أثبتنا فيه أن الصهيوني الاول هو كعب الاحبار ، ونشر هذاالرد
بالعدد 656 من الرسالة . *
ـ148ـ
في زمن عثمان فاستصفاه معاوية وجعله من مستشاريه لكثرة علمه ( 1 ) ، كماكانوا
يفهمون ، وهو الذي أمره أن يقص في بلاد الشام ( 2 ) وبذلك " أصبح أقدم الاخباريين في
موضوع الاحاديث اليهودية والاسلامية ، وبواسطة كعب وابن منبه وسواهمامن اليهود
الذين أسلموا تسربت إلى الحديث طائفة من أقاصيص التلمود - الاس رائيليات - وما لبثت
هذه الروايات أن أصبحت جزءا من الاخبار الدينية و التاريخية . وقال عنه الذهبي في
تذكرة الحفاظ إنه قدم من اليمن في دولة أمير المؤمنين عمرفأخذ عنه الصحابة
وغيرهم وروى عن جماعة من التابعين مرسلا مات بمحص ( 3 ) في سنة 32 أو 33
أو 38 بعدماملا الشام وغيرهامن البلاد الاسلامية اليهودية برواياته وقصصه
المستمدة من الاخبار ، كمافعل تميم الداري في الاخبار النصرانية ( 4 ) .
سبب إسلامه :
افتجر هذاالكاهن لاسلامه سببا عجيبا ليتسلل به إلى عقول المسلمين وقلوبهم !
فقد أخرج ابن سعد بسندصحيح عن سعيدبن المسيب قال :
قال العباس لكعب : ما منعك أن تسلم في عهدالنبي وأبي بكر ؟ فقال : إن
أبي كتب لي كتابامن التوراة ، فقال أعجل به ! وختم على سائر كتبه ، وأخذ
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 164 من الاسلام والحضارة العربية ، وكيف لايوصف كعب بكثرة العلم وقد قال
لقيس بن خرشة القيسي : ما من شبرفي الارض إلا وهومكتوب في التوراة التي أنزل على نبيه موسى عليه
السلام ما يكون عليه ومايخرج منه إلى يوم القيامة - رواه الطبري والبيهقي في الدلائل . وص 533 ج 2
من الاستيعاب لابن عبدالبر .
( 2 ) ص 323 ج 5 في الاصابة .
( 3 ) على أن كعب قد مات بحمص ودفن بها فإنهم في مصرقد جعلواله قبرا أقاموا عليه قبة عالية
يزورها الناس ويتبركون بها ، وهذه القبة بمسجد كبيرفي شارع الناصرية في القاهرة تنفق عليه
وزارة الاوقاف من أموالها ، وحمص التي دفن فيها كعب ليست كغيرها من بلدان المسلمين فقد رووا
فيها حديثا رفعوه إلى النبي صلى الله عليه وآله هذا لفظه : " ليبعثن الله تعالى من مدينة بالشام يقال لها " خمص "
سبعين ألفا يوم القيامة ، لاحساب عليهم ولاعذاب " ، ولا ريب أن هذاكله من بركات جثمان سيدنا
كعب . . ومن حقه على الله ! ! ومن العجيب أنهم أسندواهذا الحديث إلى عمر ! ! ( راجع الجزء الثاني
من الجامع الصغير للسيوطي ) .
وذكر ابن جبيرفي رحلته أن بالجيزة قبرا لكعب الاحبارص 25 .
( 4 ) ص 97 ج 2 ضحى الاسلام . *
ـ149ـ
على بحق الوالد على الولد - ألا أفض الختم عنها . فلمارأيت ظهور الاسلام ، قلت
لعل أبي غيب عنى علما ! ففتحتها فإذا صفة محمد وأمته ! فجئت الآن مسلما !
وروى عبدالله بن عمر ( 1 ) أن رجلامن أهل اليمن جاءإلى كعب الاحبار
فقال له : إن فلانا الحبر اليهودي أرسلني إليك برسالة ، فقال كعب : هاتها ، فقال له
الرجل : إنه يقول لك : ألم تكن سيدا شريفا مطاعا ! فما الذي أخرجك من دينك
إلى أمة محمد ؟ فقال له كعب : أتراك راجعاإليه ؟ قال : نعم ، قال : فإن رجعت إليه
فخذ بطرف ثوبه ، لئلا يفر منك ، وقل له : يقول لك : أسألك بالذي فلق البحر
لموسى ، وأسألك بالله الذي ألقى الالواح إلى موسى بن عمران فيها علم كل شئ !
ألست تجدفي كلمات الله تعالى : أن أمة محمد ثلاثة أثلاث ، فثلث يدخلون الجنة
بغير حساب ، وثلث يحاسبون حسابا يسيراثم يدخلون الجنة ، وثلث يدخلون الجنة
بشفاعة أحمد ، فإنه سيقول لك : نعم ، فقل له : يقول لك كعب : اجعلني في أي
الاثلاث شئت ! " اه .
وقال ابن حجر في الاصابة : إنه روى عن النبي مرسلا وروى عنه في الصحابة
ابن عمر وأبوهريرة وابن عباس وابن الزبير ومعاوية وغيرهم ( 2 ) .
وقال الذهبي في سيرأعلام النبلاء :
وحدث عنه عبدالله بن جنظلة ( 3 ) وأسلم مولى عمر وتبيع الحميري وأبوسلام
الاسود ، وروى عنه عدة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلا . وقع له رواية
في سنن أبي داود والترمذي والنسائي ( 4 ) .
وهب بن منبه
ذكر المؤرخون أنه فارسي الاصل جاء جده إلى اليمن في جملة من بعثهم
كسرى لنجدة اليمن على الحبشة ، فأقاموا هناك وتناسلوا وصاروا يعرفون بين العرب
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 266 ج 1 في حياة الحيوان .
( 2 ) ص 323 ج 5 في الاصابة ، وانظر كتابنا " شيخ المضيرة " .
( 3 ) ص 218 ج 3 .
( 4 ) ص 322 في نفس المصدر . *
ـ150ـ
" بالابناء " أي أبناء الفرس ، ومنهم طاوس بن كيسان التابعي المشهور .
وكان آباء وهب على دين الفرس ( المجوسية أو الزردشتية ) ، فلما أقاموابين
اليهود باليمن ، أخذواعنهم آداب اليهود وتقاليدهم فتعلموا شيئا من النصرانية ،
وكان يعرف اليونانية وعنده من علم أهل الكتاب شئ كثير . ولكن ضعفه
الفلاس ( 1 ) .
أدرك عدة من الصحابة وروى عنهم ، وكذلك روى عنه كثيرمن الصحابة
منهم أبوهريرة وعبدالله بن عمرو وابن عباس وغيرهم ، وكان للعرب ثقة بهم .
وذكرالامام أحمد أن والده منبها فارسي أخرجه كسرى إلى اليمن فأسلم ، وأن
إبنه وهبا كان يختلف من بعده إلى بلاده بعد فتحها .
ومن أقواله : إني قرأت من كتب الله 72 كتابا . . .
وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ : إنه عالم أهل اليمن ولد سنة 34 ه وتوفى
بصنعاء سنة 110 ه . أو بعد ذلك بسنة أو أكثر ، وقيل إنه توفى سنة 116 ( 1 ) ه .
عبدالله بن سلام
هو أ بوالحارث الاسرائيلي ، أسلم بعد أن قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ،
وهو من أحبار اليهود ، حدث عنه أبوهريرة وأنس بن مالك وجماعة ، وقال فيه
وهب بن منبه الاسرائيلي : كان أعلم أهل زمانه ، وكعب أعلم زمانه ، وقد مات
سنة 40 ه .
كيف استحوذوا على عقول المسلمين
اتبع هؤلاء الاحبار بدهائهم العجيب طرقا غريبة لكي يستحوذوا بها على
عقول المسلمين ، ويكونوا محل ثقتهم ، وموضع احترامهم ، وإليك طرفا من هذه
الاساليب العجيبة :
* ( هلمش ) * ( 1 ) ص 171 ج 2 مقدمة فتح الباري . *
ـ151ـ
أخرج الترمذي عن عبدالله بن سلام ( 1 ) - وهو أحدكبار اليهود الذين
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 151 سطر 1 الى ص 160 سطر 26
أخرج الترمذي عن عبدالله بن سلام ( 1 ) - وهو أحدكبار اليهود الذين
أسلموا - أنه مكتوب في التوراة في السطر الاول : محمد رسول الله عبده المختار ،
مولده مكة ومهاجره طيبة ، وأخرج كذلك ، مكتوب في التوراة صفة النبي
وعيسى بن مريم يدفن معه .
وهذا الذي أخرجه الترمذي عن ابن سلام قد أحكمه الداهية كعب : فقد
وى الدارمي عنه - في صفة النبي في التوراة قال : في السطر الاول محمدرسول الله
عبده المختار ، مولده مكة ومهاجره طيبة وملكه بالشام ( 2 ) .
وقد بحثنا عن السطر الثاني من هذه الاسطورة حتى وجدناه في سنن الدارمي
كذلك عن الداهية الاكبركعب : فقد روى ذكوان عنه قال :
في السطر الاول محمدرسول الله عبده المختار ، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب
بالاسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، مولده بمكة وهجرته
بطيبة وملكه بالشام ( 3 ) .
وفي السطر الثاني : محمد رسول الله أمته الحمادون ، يحمدون الله في السراء
والضراء ، يحمدون الله في كل منزل ، ويكبرون على كل شرف ، رعاة الشمس
يصلون الصلاة إذا جاء وقتهاولو كانواعلى رأس كناسة ، ويأتزرون على أوساطهم
ويوضئون أطرافهم ، وأصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النحل .
وهذاالكلام قد أورده ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس في جواب لكعب ،
وقدإمتدت هذه الخرافة إلى أحد تلاميذ كعب عبدالله بن عمرو بن العاص .
فقد روى البخاري عن عبدالله بن يسارقال : لقيت عبدالله بن عمروبن
العاص فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة ، قال : أجل ، والله ( 4 ) إنه
لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 274 ج 4 فتح الباري .
( 2 ) ممن روواعن عبدالله بن سلام أبوهريرة وأنس بن مالك .
( 3 ) تخصيص الملك بالشام في قول كعب إنما جاء لغرض سياسي خطير ، مربك شئ من خبره ،
وسيأتيك نبأ عنه فيما بعد .
( 4 ) هكذايورطه أستاذه حتى يقسم بالله . ولاحول ولاقوة إلا بالله ! *
ـ152ـ
ونذيرا وحرزا للاميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولاغليظ
ولاسخاب ( 1 ) في الاسواق ، ولايدفع بالسيئة السيئة ، بل يعفو ويغفر ، ولا يقبضه
الله حتى يقيم به المللة العوجاء بأن يقولوا : " لاإله إلاالله " ويفتح بها أعينا عميا وآذانا
صماوقلوبا غلفا . وزاد ابن كثير ، قال ابن يسار ، ثم لقيت كعبا الحبر فسألته
فما اختلفافي حرف . وكيف يختلفان وكعب هو الذي علمه !
وروى السيوطي في الاتقان ( 2 ) ، أن كعب الاحبارقال : في التوراة : يا محمد ،
إني منزل عليك توراة حديثة ، تفتح أعيناعميا ، وآذاناصما ، وقلوبا غلفا .
وروى الجواليقي في كتاب المغرب ( 3 ) قال : قال ابن الاعرابي : ذكرعن
كعب الاحبارأنه قال : أسماء النبي في الكتب السالفة : محمد وأحمد وحمياط -
أي حامي الحرم !
وروى القاضي عياض في الشفاء ( 4 ) أن وهب بن منبه قال : قرأت في أحد
وسبعين كتابا ، فوجدت في جميعها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلا ،
وأفضلهم رأيا ، وفي رواية أخرى : فوجدت في جميعهاأن الله تعالى لم يعط جميع
الناس من بدء الدنياإلى إنقضائها من العقل في جنب عقله ( صلى الله عليه وسلم )
إلا كحبة رمل من رمال الدينا .
كعب وعمر
لما قدم كعب إلى المدينة في عهد عمر وأظهر إسلامه ، أخذ يعمل بدهاءو مكر
لماأسلم من أجله ، من إفساد الدين وافتراء الكذب على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) .
ومما أغراه بالرواية أن عمربن الخطاب كان في أول أمره يستمع إليه على
اعتبارأنه قد أصبح مسلماصادق الايمان ، فتوسع في الرواية الكاذبة ماشاءأن
* ( هامش ) * ( 1 ) سخاب بالسين لغة أثبتها الفراء وغيره ، والاشهر بالصاد .
( 2 ) ص 53 ج 1 .
( 3 ) ص 122 .
( 4 ) ص 55 ج 1 . *
ـ153ـ
يتوسع . قال ابن كثير ( 1 ) : " لماأسلم كعب في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضي
الله عنه ، فربما استمع له عمر ، فترخص الناس في استماع ما عنده ، ونقلواما عنده
من غث وسمين " .
ولكن لم يلبث عمر أن فطن لكيده وتبين له سوء دخلته ، فنهاه عن الحديث ،
وتوعده إن لم يترك الحديث عن الاول أو ليلحقنه بأرض القردة ( 2 ) .
وعلى أن عمرقد ظل يترقب هذا الداهية بحزمه وحكمته ، وينفذإلى أغراضه
الخبيثة بنور بصيرته ، كما ترى في قصة الصخرة - فإن شدة دهاء هذا اليهودي
قد تغلبت على فطنة عمر وسلامة نيته ، فظل يعمل بكيده في السر والعلن ، حتى
انتهى الامربقتل عمر ، وتدل القرائن كلهاعلى أن هذا القتل كان بمؤامرة من جمعية
سرية ، وكان هذا الدهى من أكبر أعضائها وعلى رأسها الهرمزان ( 3 ) ملك الخوزستان
الذي كان قد جئ به إلى المدينة أسيرا ، وعهدوا بتنفيذها إلى أبي لؤلؤة الاعجمى .
قتل عمر ويد كعب فيه
ذكر المسور بن مخرمة ( 4 ) أن عمرلما انصرف إلى منزله بعد أن أوعده أبولؤلؤة
جاءكعب الاحبار ( 5 ) فقال : يا أمي رالمؤمنين " اعهد " فإنك ميت في ثلاث ليال ،
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 17 ج 4 تفسير .
( 2 ) ص 206 ج 8 البداية والنهاية ، ورواية الذهبي في سير أعلام النبلاء " لتتركن الحديث
أو لالحقنك بأرض القردة ص 433 ج 2 .
( 3 ) هو صاحب تسترمن أعظم قواد الفرس وكان على ميمنة جيش رستم وزيرملك فارس في حرب
القادسية ، ولما قتل رستم فر الهرمزان بمن بقي من جنده ، فما زال المسلمون يتابعونه حتى لجأ إلى مدينة تستر
وتحصن بها فحاصروه أشد حصارحتى أنزلوه على حكم الفاروق ، وأتوا إلى المدينة ( سنة 17 ه ) وكان
المسلمون يسبون أبناء فارس ويتخذونهم عبيدا . ومن كان منهم بالمدينة كانوا يختلفون إلى الهرمزان ،
ومن هؤلاء السبايا فيروز الملقب " بأبي لؤلؤة " وكان غلاما للمغيرة بن شعبة وهو الذي طعن عمر .
( 4 ) ص 24 / 3 تاريخ ابن الاثير والجزء الخامس من تاريخ الطبري .
( 5 ) كان لهذاالرجل أفانين عجيبة في اللعب بعقول المسلمين ، وإليك لعبة من ألاعيبه رواها
المؤرخون الثقات : قال كعب لعمر : أجدك في التوراة تقتل شهيدا ! قال عمر : وأنى لي بالشهادة وأنا
بجزيرة العرب ؟ وعن شداد بن أوس عن كعب قال : كان في نبي إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرناعمر ، = *
ـ154ـ
" رواية " الطبري " ثلاثة أيام " قال : وما يدريك ؟ قال : أجده في كتاب التوراة ،
قال عمر : أتجد عمربن الخطاب في التوراة ؟ قال : اللهم لا ولكن أجد حليتك
وصفتك ، وأنك قد فنى أجلك ، قال ذلك وعمر لا يحس وجعا فلما كان الغد ،
جاءه كعب فقال : " بقي يومان " فلما كان الغد جاءه فقال : مضى
يومان وبقي يوم - ورواية الطبري وبقي يوم وليلة - وهي لك إلى صبيحتها فلما
أصبح خرج عمر إلى الصلاة ، وكان يوكل بالصفوف رجالا ، فإذا إستوت كبر ،
ودخل أبولؤلؤة في الناس وبيده خنجر له رأسان نصابه في وسطه فضرب عمر ست
ضربات ، إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته . وكان أبولؤلؤة من سبي نهاوند .
ووقع في رواية أبي إسحاق عند ابن سعد : وأتى كعب عمرفقال : " ألم أقل
لك إنك لاتموت إلا شهيدا " وإنك تقول : " من أين وأنا في جزيرة العرب " ( 1 ) ؟
وإليك خبرا عجيبامن أخبارهذا الكاهن لعله يمتلخ منك عرق الشك في اشتراكه
في هذه المؤامرة ، فقد أخرج الخطيب عن مالك ، أن عمر دخل على أم كلثوم
بنت علي وهى زوجته فوجدها تبكي : فقال : ما يبكيك ؟ قالت هذا اليهودي ( 2 )
أي كعب الاحبار - يقول : إنك على باب من أبواب جهنم ، فقال عمر : ما شاء
الله ! ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه فقال : يا أمي رالمؤمنين - لا تعجل علي
والذي نفسي بيده ، لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة ؟ فقال عمر : ما هذا ؟
مرة في الجنة ، ومرة في النار ؟ ! قال كعب : ياأمير المؤمنين ، والذي نفسي بيده
إنا لنجدك في كتاب الله ( 3 ) على باب من أبواب جهنم تمنع الناس ان يقتحموا فيها ،
* ( هامش ) * = وإذا ذكرناعمر ذكرناه ، وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه فأوحى الله إلى النبي أن يقول له : اعهد عهدك
واكتب إلى وصيتك ، فإنك ميت إلى ثلاثة أيام ، فأخبره النبي بذلك - فلما كان اليوم الثالث وقع بين
الجدار والسرير ثم جاءإلى ربه فقال : اللهم إن كنت تعلم أني أعدل في الحكم وإذا اختلفت
الامور اتبعت هداك ، وكنت وكنت فزدفي عمري حتى يكبر طفلي ، وتربوا أمتي ، فأوحى الله إلى النبي أنه قال
كذا وكذا وقد صدق وقد زدته في عمره خمس عشرة ففي ذلك ما يكبرطفله وتربو أمته ، فلما طعن عمر
قال كعب : لئن سأل عمر ربه ليبقينه الله ، فأخبر بذلك عمر فقال : اللهم اقبضني إليك غيرعاجز
ولا ملوم - من ص 90 ، 98 تاريخ الخلفاءو 357 ج 2 في تاريخ الكامل لابن الاثير .
( 1 ) ص 236 / 3 / 1 طبقات ابن سعد .
( 2 ) حقا إنه يهودي ماكر ، هذا الخبر في فتح الباري ص 41 ج 13 وص 253 ج 3 ق 2
طبقات ابن سعد .
( 3 ) كان يعزو كل مفترياته إلى كتاب الله ، وكتاب الله منه برئ . *
ـ155ـ
فإذا مت لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة ! ولما طعن عمرجاء كعب فجعل يبكي
بالباب ويقول : والله لو أن أمير المؤمنين يقسم على الله أن يؤخر لاخره ( 1 ) .
وقد صدقت يمينه - لعنه الله - فقد قتل عمريوم الاربعاء لاربع ليال بقين
من ذي الحجة سنة 23 ه . ودفن يوم الاحد هلال المحرم 24 ه .
وهذه الادلة كلها تثبت أن قتل عمر على يد أبي لؤلؤة لم يكن إلا نتيجة لتلك
المؤامرة التي دبرها له الهرمزان لما كان يكنه من الحقد الموجودة للعرب ، بعد أن ثلوا
عرش الفرس ، ومزقوا دولتهم ، وممن اشترك فيها وكان له أثر كبير في تدبيرها كعب
الاحبار وهذا أمرلا يمترى فيه أحدإلا الجهلاء .
حديث الاستسقاء
روى التاريخ أن الارض أجدبت إجدابا شديدافي خلافة عمر ، وكان ذلك
في عام الرمادة ( 2 ) فلم يدع كعب هذه الفرصة تفلت من غير أن يتخذ منها وسيلة
ليرمي الاسلام طعنة من طعناته - فقال لعمر : إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم
مثل هذا استسقوا بعصبة الانبياء . وهنا جاءت روايات بأن عمر قال : هذا عم
رسول الله وصنو أبيه وسيد بني هاشم - العباس ، فمشى إليه ثم استسقوا . وقال أنس ( 3 )
إن عمر قال في هذا استسقاء : إنا كنانتوسل إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك
بعم نبينا فتسقينا .
ومما لا مراء فيه أن هذا اليهودي قد أراد بقوله هذاأن يخدع عمرعن أول
أساس قال عليه الدين الاسلامي - وهو التوحيد الخالص - ليزلقه إلى هوة التوسل
* ( هامش * ) ( 1 ) ص 262 ج 3 ق 2 طبقات ابن سعد .
( 2 ) ذكر ابن سعدوغيره أن عام الرمادة كان سنة 18 ه ودام تسعة أشهر ، والرمادة بفتح الراء
وتخفيف الميم ، سمي العام بهامن شدة الجدب فأغبرت الارض جدا من عدم المطر وهلكت الماشية وجاع
الناس وهلكواحتى كانوا يستفون الرماد ويحفرون نفق اليرابيع والجرذان يخرجون ما فيها 223 / 2 / 3
طبقات ابن سعد .
( 3 ) لا شك أن رواية أنس هذه أو غيرها لا تنهض أمام الروايات القوية التي جاءت بخلافها .
وأنس هذا من الذين لا يوثق كثيرا برواياتهم ، وكان أبوحنيفة لا يثق به ولابأبي هريرة ولا بسمرة بن جندب . *
ـ156ـ
الذي هو الشرك بعينه ، حتى إذا هوى فيها عمرو أثرت عنه بالعمل اتخذت سنة
من بعده وكان لهاأثر بالغ لدى المسلمين جميعافي العقيدة الاسلامية على مد
العصور ، فينهدم بذلك الاساس المتين للدين ، ولكن عمر وهو في الافق من البصيرة
بالدين والفقه فيه قد فطن لها ولم يقع في الفخ الذي نصبه له هذاالخدعة ، فلم
يستسق بأحد حتى بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يزد على الاستغفار .
قال أبوبكربن أبي الدنيافي كتاب المطر ، وفي كتاب مجابى الدعوة
عن خوات بن جبيرقال : خرج عمريستسقي بهم فصلى الركعتين فقال : اللهم
إنا نستغفرك ونستسقيك ، فما برح من مكانه حتى مطروا . وعن الشعبي قال : خرج
عمريستسقي بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع ، فقالوا يا أمي رالمؤمنين : ما نراك
استسقيت ؟ فقال : لقد طلبت المطر بمجاديح ( 1 ) السماء التي يستنزل بها المطر ،
ثم قرأ : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا " ، ثم قرأ :
" وأن استغفروا ربكم ثم توبواإليه " . . . الآية ( 2 ) .
وعن الشعبي : خرج يستسقي فقام على المنبر فقرأ هؤلاء الآيات :
" استغفروا ربكم إنه كان غفارا " ويقول " استغفروا ربكم ثم توبواإليه " ثم
نزل فقيل يا أمي رالمؤمنين : ما منعك أن تستسقي ؟ فقال : قد طلبت المطر بمجاديح
السماء التي ينزل بها القطر .
وعن عبدالله بن دينار الاسلمى عن أبيه قال : لما أجمع عمر على أن يستسقي
ويخرج بالناس كتب إلى عماله أن يخرجوايوم كذاوكذا ، وأن يتضرعوا إلى ربهم
ويطلبوا إليه أن يرفع هذاالمحل عنهم ، وخرج لذلك اليوم عليه برد رسول الله ( صلى
الله عليه وسلم ) حتى انتهى إلى المصلى فخطب الناس ، وتضرع وجعل الناس يلحون فماكان أكثردعائه إلا الاستغفار حتى إذا قرب أن ينصرف رفع يديه مادا وحول
رداءه وجعل اليمين على اليسار ، ثم اليسارعلى اليمين ، ثم مد يده ، وجعل يلح في
الدعاء ويبكي بكاء طويلا حتى اخضلت لحيته ( 3 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) في أساس البلاغة لجار الله في مادة " ج د ح " وخفق المجدح أي الدبران ونوءه غزير ، يقولون
أرسلت السماء مجاديح الغيث وفي حديث عمر " لقد استسقيت بمجاديح السماء " أراد الاستغفار .
( 2 ) ص 92 ج 7 البداية والنهاية لابن كثير .
( 3 ) ص 231 / 2 / 3 طبقات ابن سعد . *
ـ157ـ
وفي المغنى والشرح الكبير ، أن عمرخرج يستسقي فلم يزدعلى الاستغفار
وقال : لقد استسقيت بمجاديح السماء ( 1 ) .
وقال الجافظ : ولما صعد " عمر " المنبر قابضاعلى يدالعباس يوم الاستسقاء
لم يزدعلى الدعاء . فقيل له إنك لم تستسق وإنما تستغفر ، قال : قد استسقيت
بمجاديح السماء - ذهب إلى قوله تعالى : " استغفروا ربكم إنه كان غفارايرسل السماء
عليكم مدرارا " ( 2 ) .
وإذا كان الامرقد وقع على هذه الصورة فلا بأس به ماداموا جميعا كانوا
يدعون الله ، وإنا نكاد نقطع بأن عمر لم يتوسل بأحد في الاستسقاء ولم يتخذ من
وسيلة فيه إلى الله غير الدعاء والاستغفار ، كما جاءفي الاخبار الصحيحة المؤيدة
بآيات من كتاب الله العزيز .
من مكر وكيد كعب
في موطأ مالك أنه بلغه أن عمربن الخطاب أراد الخروج إلى العراق فقال له
كعب الاحبار : لاتخرج إليهايا أمي رالمؤمنين ! فإن بها تسعة أعشار السحر :
فسقة الجن وبها الداء العضال ( 3 ) .
ما بثه كعب ووهب من الاس رائيليات
ولكي تقف على بعض مابثه هذان الكاهنان من الاس رائيليات ، وكانت شبها
على الاسلام يحتج بها عليه أعداؤه ، ويضيق بها ذرعا أولياؤه ، والتي أصبحت
من المشكلات التي نعاني سيئاتها ، ويعسر علينا التخلص منها - نمد لك بطرف
* ( هامش ) * ( 1 ) 290 ج 2 .
( 2 ) ص 279 ج 4 البيان والتبيين ، وهذا الخبر رواه كذلك ابن قتيبة في تاريخ يزيد بن عبيد
في كتاب الشعر والشعراء ورواه الطبري في التفسير .
( 3 ) ص 538 من كتاب صيانة الانسان عن وسوسة ابن دحلان . *
ـ158ـ
صغير منها على سبيل المثال :
قال معاوية لكعب : أنت تقول إن ذاالقرنين كان يربط خيله بالثريا ! فقال
كعب : إن قلت ذلك فإن الله قال : وآتيناه من كل شئ سببا ! !
قال ابن كثيرفي تفسيره ( 1 ) وهذاالذي أنكره معاوية على كعب هوالصواب ،
والحق مع معاوية في ذلك الانكار ، فإن معاوية كان يقول عن كعب : إنا كنا
لنبلو عليه الكذب ، وذكر القرطبي في تفسيرسورة غافر عن خالدبن معدان
عن كعب أنه قال : لماخلق الله تعالى العرش قال : لم يخلق الله تعالى خلقاأعظم
مني ، واهتز تعاظما ، فطوقه الله بحية لها سبعون ألف جناح ، في كل جناح سبعون
ألف ريشة ، في كل ريشة سبعون ألف وجه ، في كل وجه سبعون ألف فم ، في كل
فم سبعون ألف لسان ! يخرج من أفواهها كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر ،
وعدد ورق الشجر ، وعدد الحصى والثرى ، وعدد أيام الدنيا ، وعدد الملائكة
أجمعين ، والتوت الحية على العرش - فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية عليه ،
فتواضع عند ذلك !
وفي التفسير ( 2 ) أن عبدالله بن قلابة خرج في طلب إبل له فوصل إلى جنة
شدادفحمل ما قدرعليه مماكان هناك ، وبلغ خبره معاوية فاستحضره وقص
عليه ، فبعث إلى كعب فسأله ، فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها رجل من
المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال . وعلى عنقه خال ، يخرج
في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصرابن قلابة فقال : هذاوالله هو ذلك الرجل ( 3 )
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 101 ج 3 .
( 2 ) اللفظ هنامنقول عن تفاسير الفخر الرازي والطبري وأبي السعود وا لنيسابوري على هامش تفسير
الطبري ص 87 ج 3 .
( 3 ) من أساطيرهم أنه كان لعاد ابنان ، شداد وشديد ، فملكا وقهرا البلاد ، ثم مات شديد وخلص
الامرلشداد ، فملك الدنيا ودانت له ملوكها ، فسمع بذكر الجنة فقال أبني مثلها . فبنى إرم في بعض
صحارى عدن في 300 سنة ، وكان عمر 900 سنة ، وهي مدينة عظيمة قصورهامن الذهب والفضة وأساطينها
من الزبرجد والياقوت ، وفيها أصناف الاشجار والانهار ، ولما تم بناؤها سار إليهابأهل مملكته ، فلما كان
منهاعلى مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا . . *
ـ159ـ
ولا يدخل المدينة أحد بعده إلى يوم القيامة ( 1 ) . ولمافرغ كعب من كلامه قال له
معاوية ( 2 ) : يا أبا إسحاق ، أخبرني عن كرسي سليمان بن داود وما كان عليه ومن أي
هو . فأخذ ينشي من خرافاته وأساطيره مالانستطيع إيراده ، فيرجع إليه في كتب
التفسير . . .
وأخرج أبوالشيخ في العظمة عن كعب قال : الارضون السبع على صخرة ،
والصخرة في كف ملك ، والملك على جناح الحوت ، والحوت في الماء ، والماءعلى
الريح ، والريح على الهواء ، ريح عقيم لا تلقح ، وإن قرونها معلقة في العرش .
وعن وهب بن منبه : أربعة أملاك يحملون العرش على أكتافهم ، لكل واحد
منهم أربعة وجوه ! وجه ثور ، ووجه أسد ، ووجه نسر ، ووجه إنسان ، ولكل واحد
منهم أربعة أجنحة ، أما جناحان فعلى وجهه ليحفظاه من أن ينظر إلى العرش
فيصعق فيهفو بهما ، ليس له كلام إلا أن يقول : قدوس الملك القوي ملات عظمته
السموات والارض ( 3 ) .
روى ابن الفقيه في تاريخه :
سئل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن الارض ، سبع هي ؟ قال : نعم والسموات
سبع . وقرأ - " الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن " . فقال رجل :
فنحن على وجه الارض الاولى ؟ قال : نعم ، وفي الثانية خلق يطيعون ، ولايعصون .
وفي الثالثة خلق ، وفي الرابعة صخرة ملساء ، والخامسة ضحضاح من الماء ، والسادسة
سجيل وعليها عرش إبليس ، والسابعة ثور ، والثورعلى سمكة ، والسمكة على الماء ،
والماءعلى الهواء ، والهواء على الثرى ، والثرى منقطع فيه علم العلماء ( 4 ) .
وقرأ معاوية آية " حتى بلغ مغرب الشمس " حتى إذا بلغ " عين حمئة "
قال ابن عباس إنهاعين حمئة ، فجعلا كعبا بينهما فأرسلوا إليه فسألوه فقال :
* ( هامش ) * ( 1 ) لقد أخذ الطريق على معاوية بذلك ، لان وصول غيره إليها ليبحث عنها سيفضحه ويفضح
رواياته وخرافاته .
( 2 ) ص 36 ج 4 تفسيرابن كثير .
( 3 ) ص 99 من كتاب التنبيه في الرد على أهل الاهواء والبدع للملطى .
( 4 ) ص 51 من تاريخ الادب الجغرافي العربي تأليف المستشرق أغناطيوس يوليا نوفتش تشكو فسكى . *
ـ160ـ
أما الشمس فإنها تغيب في " ثأط " والثأط الطين . وقال مرة أخرى : تغيب في طينة
سوداء .
ويروى أن ابن عباس وعمروبن العاص اتخلفا في قراءة هذه الآية " في عين
حمئة " وارتعفا إلى ( 1 ) كعب الاحبارفي ذلك .
وأخرج ابن خيثمة عن قتادة قال : بلغ حذيفة أن كعبايقول : إن السماء تدور
على قطب كالرحى فقال : كذب كعب ، إن الله يقول : " يمسك السموات والارض
أن تزولا ( 2 ) " .
وذكر الحافظ ابن حجر أن كعب الاحبار روى ، أن باب السماء الذي يقال
له " مصعد الملائكة " يقابل بيت المقدس ( 3 ) فأخذ منه بعض العلماءأن الحكمة في
الاسراءإلى بيت المقدس قبل العروج ، ليحصل العروج مستويا . من غير
تعويج . . .
وهكذاتنفذ الاس رائيليات إلى معتقداتنا ، وقال ابن حجربعد أن أورد تلك
الخرافة : وفيه نظر لورود أن في كل سماء بيتا معمورا ، وأن الذي في سماء الدنيا
حيال الكعبة ، وكان من المناسب أن يصعد من مكة ليصل إلى البيت المعمور بغير
تعويج ! لانه صعد من سماء إلى سماء إلى البيت المعمور ! !
وروى كعب أن في الجنة ملكا لوشئت أن أسميه لسميته ، يصوغ لاهل الجنة
الحلى منذ خلقه الله إلى يوم القيامة ، لوأبرز قلب منها ( أي سوار ) لرد شعاع
الشمس ، كما تردالشمس شعاع القمر .
ومما يدلك على أن الصحابة كانوا يرجعون إليه حتى فيماهو من علمهم وبخاصة
عندماقال : " ما من شئ إلا وهو مكتوب في التوراة " ، أن أبا عبدالرحمن محمد
ابن الحسين ا لنيسابوري ذكر أن عمرقال لكعب - وقد ذكر الشعر - ياكعب هل
تجد للشعرذكرا في التوراة ؟ فقال كعب : أجد في التوراة قوما من ولد إسماعيل
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 112 ج 2 سنن الترمذي طبع الهند .
( 2 ) ص 323 ج 5 من الاصابة في تمييز الصحابة .
( 3 ) ص 156 ج 7 فتح الباري . *
ـ161ـ
أناجيلهم في صدورهم ، ينطقون بالحكمة ، ويضربون الامثال ، لا نعلمهم
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 161 سطر 1 الى ص 170 سطر 25
أناجيلهم في صدورهم ، ينطقون بالحكمة ، ويضربون الامثال ، لا نعلمهم
إلا العرب ( 1 ) .
وروى يزيد بن حبيب أن معاوية بن أبي سفيان سأل كعب الاحبار : هل تجد
لهذاالنيل في كتاب الله خبرا ؟ قال : إي والذي فلق البحر لموسى عليه السلام ،
إني لاجد في كتاب الله عزوجل : أن الله يوحى إليه في كل عام مرتين . يوح
إليه عند جريه : أن الله يأمرك أن تجرى فيجري كما كتب الله ، ثم يوحى إليه بعد
ذلك ، عد حميدا ( 2 ) .
وروى البيهقي في الاسماء والصفات بسند صحيح عن ابن عباس قال : في قوله
تعالى " الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن " قال سبع أرضين في كل
أرض نبي كنبيكم ، وآدم كآدمكم ، ونوح كنوح ، وإبراهيم كإبراهيم ، وعيسى
كعيسى - ولم يذكرلموسى مثيلا !
قال البيهقي في الشعب : هو شاذ بالمرة ، قال السيوطي - هذا من البيهقي في
غاية الحسن ، فإنه لايلزم من صحة الاسناد صحة المتن ، لاحتمال صحة الاسناد
مع أن في المتن شذوذا أو علة تمنع صحته " .
وقال ابن كثيربعد عزو هذا الحديث لابن جريربلفظ " كل أرض في الخلق
مثل ما في هذه من آدم كآدمكم وإبراهيم ك إبراهيمكم " هومحمول - إن صح عن
ابن عباس - على أنه أخذه من ا لاسرائيات .
وعن مكحول ، قال كعب : أربعة من الانبياء أحياء أمان لاهل الارض ،
إثنان في الارض : الخضر وإلياس ، وإثنان في السماء : إدريس وعيسى ( 3 ) .
وفي تفسير الطبري أن ابن عباس سأل كعبا عن " سدرة المنتهى " فقال : إنهاعلى رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي علم الخلائق ، وليس لاحد وراءها علم ، ولذلك
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 8 من كتاب العمدة لابن رشيق .
( 2 ) ص 33 ج 1 من النجوم الزاهرة .
( 3 ) ص 337 ج 6 فتح الباري . *
ـ162ـ
سميت " سدرة المنتهى " لانتهاء العلم بها ، هذا ماقاله لتلميذه الثاني . أما تلميذه
الاول فهو أبوهريرة ، ففي حديث له أنها شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء
غيرآسن ، وأنهار من لبن ، وأنهار من خمر ، وأنهارمن عسل - وهي شجرة يسير
الراكب في ظلهاسبعين عاما لا يقطعها ، والورقة منها تغطي الامة كلها - ياحفيظ !
وفي حديث المعراج أنه لمافرض الله خمسين صلاة على العبادفي النهار وفي الليل
لم يستطع أحدمن الرسل جميعا غير موسى - أن يفقه استحالة أدائها على البشر !
فهو وحده الذي فطن لذلك وحمل محمداصلى الله عليه وسلم على أن يراجع ربه عشر
مرات في حديث ، وخمس مرات في حديث ثان ، وبضع مرات في حديث ثالث -
وفيها كلها أنه صلوات الله عليه كلما نزل بعدد منها من عندالله ، أعاده موسى إلى
ربه لينقصها حتى رجعت إلى خمس صلوات . وكأن الله سبحانه وتعالى لما فرض
الصلاة على المسلمين ، كان لايعلم مبلغ قوة احتمال عباده على أدائها - تعالى الله
عن ذلك علوا كبيرا - وكذلك لايعلم محمدالذي اصطفاه للرسالة العامة إلى الناس
كافة - والله أعلم حيث يجعل رسالته - لا يعلم إن كان من أرسل إليهم يستطيعون
احتمال هذه العبادة أو لايستطيعون . حتى بصره موسى ! وهكذا ترى الاس رائيليات
تنفذ إلى ديننا وتسرى في معتقداتنا فتعمل عملهاولا تجد أحدا إلا قليلا يزيفها
أو يردها ، بل نرى - واأسفاه - من يصدقها ويعتقدها من حشوية آخر الزمان ، الذين
يتجرون بالدين ولايهمهم أن ينسب الجهل الخاتم المرسلين ، صلوات الله عليه ،
ولا يزالون يذكرون إسم كعب الاحبار مقرونا بالسيادة ( 1 ) ، ونكتفي بهذه
الامثلة فإنها مجزئة ( 2 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) كانوا يعتبرون كعبافي الطبقة الاولى من التابعين ص 90 ج من النجوم الزاهرة - ولايزال
الحشويون يعتبرونه كذلك .
( 2 ) انظر ما أوردناه من الاس رائيليات التي تلقاها أبوهريرة عن أستاذه كعب الاحبار وذلك
في كتابنا " شيخ المضيرة " . *
ـ163ـ
هل يجوز رواية الاس رائيليات
جاءت الشريعة الاسلامية فنسخت ما قبلهامن الشرائع . وإن كانت قدأبقت
على أصول العقائد وما لا يتعارض معهامن الامور التي أرسل الله بها جميع الرسل
إلى خلقه - وقدبين القرآن الكريم أن أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) قدكتبوا
من عند أنفسهم كتبا ليشتروا بها ثمنا قليلا .
ومن أجل ذلك نهى رسول الله أن يأخذ المسلمون على أهل الكتاب أمرا يخالف
أصول دين الله وأحكامه وآدابه ، وكان يغضب أشد الغضب إذا رأى أحداينقل
عنهم شيئا ، فقد روى أحمد عن جابربن عبدالله أن عمربن خطاب أتى النبي :
بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي فغضب وقال : أمهوكون فيها
يابن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده لو أن موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني ، وفي
رواية : فغضب وقال : لقد جئتكم بها بيضاءنقية ، لا تسألوا أهل الكتاب عن
شئ فيخبروكم بحق فتكذبوابه أو باطل فتصدقوابه .
وروى البخاري عن أبي هريرة : لا تصدقواأهل الكتاب ولا تكذبوهم ،
وقولوا آمنابالله وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحدونحن له مسلمون .
وروى البخاري من حديث الزهري عن ابن عباس أنه قال : كيف تسألون
أهل الكتاب عن شئ ، وكتابكم الذي أنزل الله على رسول الله أحدث الكتب
تقرءونه محضا لم يشب ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه ،
وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عندالله ليشتروابه ثمناقليلا ! ألا ينهاكم
ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي
أنزل إليكم !
وروى ابن جريرعن عبدالله بن مسعود أنه قال : لاتسألوا أهل الكتاب عن
شئ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، إما أن تكذبوابحق أو تصدقوا بباطل !
هذه هي الروايات الصحيحة التي تتفق مع الدين والعقل ، والتي كانت معروفة
عند المحققين . *
ـ164ـ
هذابعض ما روى عن النبي صلوات الله عليه في النهي عن الاخذ عن أهل
الكتاب ، ولكن ما لبث الامرأن انقلب بعد أن اغتربعض المسلمين بمن أسلم من
أحبار اليهود خدعة - فظهرت أحاديث رفعوهاإلى النبي صلى الله عليه وسلم تبيح
الاخذ وتنسخ ما نهى عنه .
فقد روى أبوهريرة وعبدالله بن عمروبن العاص وغيرهماأن رسول الله قال :
حدثواعن بني إسرائيل ولاحرج ، وأبوهريرة وعبدالله بن عمرو من تلاميذ كعب
الاحبار ، وقدجاءت الاخباربأن الثاني - وهو عبدالله بن عمروبن العاص -
أصاب يوم اليرموك - زاملتين من علوم أهل الكتاب فكان يحدث منها . وزاد
ابن حجر " فتجنب الاخذ عنه لذلك كثيرمن أئمة التابعين " ( 2 ) .
رواية بعض الصحابة عن أحبار اليهود
كان من أثر وثوق الصحابة بمسلمة أهل الكتاب واغترارهم بهم أن صدقوهم
فيما يقولون ، ويروون عنهم مايفترون - وقد نص رجال الحديث في كتبهم أن
العبادلة الثلاثة ( 3 ) وأباهريرة ( 4 ) ومعاوية وأنس وغيرهم ، قد روواعن كعب
الاحبار وإخوانه - وكان أبوهريرة أكثر الصحابة وثوقا به ، وأخذا عنه ،
وانقيادا له ، كما يتبين لك من تاريخه الذي نشرناه في كتاب خاص باسم ( شيخ
المضيرة فيرجع إليه .
وقداستطاع هذا اليهودي ( كعب الاحبار ) كما دعته السيدة الجليلة أم كلثوم
- بوسائله الشيطانية أن يدس من الخرافات والاوهام والاكاذيب في الدين
ماامتلات به كتب التفسير والحديث والتاريخ فشوهتها وأدخلت الشك إليها ،
ومازالت تمدنا بأضرارها إلى ما شاءالله وقد حدثناك بشئ منهامن قبل لان استيعابها
يحتاج إلى مصنفات مفردة .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 4 ج 1 تفسيرابن كثير . ( 2 ) ص 167 ج 1 فتح الباري .
( 3 ) العبادلة الثلاثة : عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر وعبدالله بن عمرو .
( 4 ) يرجع إلى كتابنا " شيخ المضيرة " ليعلم كيف اتصل أبوهريرة بكعب الاحبار وكيف
وقع في فخه . *
ـ165ـ
تكذيب الصحابة لكعب
كان الصحابة - كما علمت - يثقون بكعب أول الامر ، ولكن ما لبث بعضهم
أن فطن له بعدما تبين من كذبه وإنكشف من أمره ، فنزعواعنه ثوب الثقة وشكوا
في أخباره ، بل كذبوه وإن كان بعضهم أمثال أبي هريرة والعبادلة وغيرهم قد
ظلوا على تصديقه ، والاخذ عنه حتى لقي ربه .
وقدنهى عمركعب عن الحديث وأوعده بالنفي إلى بلاده ، وقال له : لتتركن
الحديث أو لاحقنك بأرض القردة ( 1 ) - وكان علي يقول : إنه لكذاب .
وروى البخاري عن الزهري أن حميد بن عبدالرحمن سمع معاوية يحدث رهطا
من قريش وذكر كعبافقال : إنه من أصدق ( 2 ) هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب
وإن كنامع ذلك لنبلو عليه الكذب .
وأخرج ابن أبي خيثمة بسند حسن عن قتادة قال : بلغ حذيفة أن كعبا
يقول : إن السماء تدور على قطب كالرحى ، فقال : كذب كعب ، إن الله
يقول : " إن الله يمسك السموات والارض أن تزولا " ( 3 ) ، وقال ابن عباس لرجل مقبل
من الشام : من لقيت ؟ قال : كعبا ، قال : وماسمعته يقول ؟ قال : سمعته يقول
إن السموات تدورعلى منكب ملك . فقال : كذب كعب . أما ترك يهوديته بعد !
ثم قرأ : " إن الله يمسك السموات والارض " . . . الآية ( 4 ) .
والاخبارفي ذلك كثيرة فنجتزئ بماقدمناه .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 106 ج 8 البداية والنهاية .
( 2 ) هناك رواية أخرى ( أمثل ) .
( 3 ) ص 323 ج 1 من الاصابة لابن حجر .
( 4 ) ص 139 من كتاب الكافي الشاف لابن حجر العسقلافي . *
ـ166ـ
قصة الصخرة بين عمروكعب
لما افتتحت إيليا وأرضها على يدى عمر في ربيع الآخرسنة 16 ه ودخل عمر
بيت المقدس دعاكعب الاحبار وقال له : أين ترى أن نجعل المصلى ؟ فقال كعب
الاحبار : إلى الصخرة ( 1 ) ! ! فقال له عمر : ضاهيت والله اليهودية ( 2 ) ياكعب -
وفي رواية - يابن اليهودية خالطتك يهودية أبنيه في صدرالمسجد ؟ فإن لناصدور
المساجد - وقد رأيتك وخلعك نعليك ! فقال : أحببت أن أباشره بقدمي ! ولما أخذ
في تنظيف بيت المقدس من الكناسة التى كانت الروم قد دفنتها به ( 3 ) سمع التكبير
من خلفه - وكان يكره سوء الرعة ( 4 ) في كل شئ فقال : ما هذا ؟ فقالوا : كبركعب
وكبر الناس بتكبيره فقال : علي به ، فقال : يا أمي رالمؤمنين - إنه قد تنبأ على
ما صنعت اليوم نبي منذ خمسمائة سنة ! ! قال : وكيف ؟ قال : إن الروم أغاروا
على بني إسرائيل فأديلوا عليهم فدفنوه - إلى أن وليت فبعث الله نبياعلى الكناسة
فقال أبشرى أورى شلم ، عليك الفاروق ينقيك مما فيك ( 5 ) ، وفي رواية أتاك الفاروق
في جندي المطيع ويدركون لاهلك بثأرك من الروم إلخ هذه الخرافات التي افتجرها
هذاالدجال الافاك . .
" وقدظللت الصخرة مكشوفة في خلافة عمروعثمان مع حكمهماعلى الشام ،
وكذلك في خلافة علي رضي الله عنه ، وإن كان لم يحكم عليها ، ثم كذلك في إمارة
معاوية وابنه وابن ابنه ، فلما كان في زمن عبدالملك وجرى بينه وبين ابن الزبير
من الفتنة ما جرى كان هو الذى بنى القبة على الصخرة ( 6 ) وعظم عبدالملك شأن
* ( هامش ) * ( 1 ) وفي رواية إن أخذت عني صليت خلف الصخرة ، أي أن تكون الصخرة قبلة .
( 2 ) مضاهاة اليهودية مشابهتها في استقبال الصخرة . لمافيه من مشابهة من يعتقدها قبلة باقية .
( 3 ) كان نصارى الروم قد ألقوا هذه الكناسة معاندة لليهود الذين يعظمون الصخرة ، ويصلون إليها .
( 4 ) سوءالتقية والورع . ( 5 ) لخصنا هذا الكلام من الطبري ص 160 ومابعدهاج 4 .
( 6 ) على ذكر عبدالملك بن مروان الذي بنى الصخرة نوردما رواه عنه ابن الاثيرفي الصفحة
190 من الجزء الرابع قال :
حج عبدالملك بن مروان بالناس سنة 75 فخطب الناس بالمدينة فقال : أما بعد فإني لست الخليفة
المستضعف يعني عثمان ، ولاالخليفة المداهن يعني معاوية ، ولا الخليفة المأفون يعني يزيد ، ألا وإني
لا أداوي هذه الامة إلا بالسيف حتى تستقيم لى قناتكم ، وإنكم تحفظون أعمال المهاجرين الاولين ،
ولا تعملون مثل أعمالهم . وإنكم تأمروننا بتقوى الله وتنسون أنفسكم والله لا يأمر أحد بتقوى الله بعد مقامي
هذاإلا ضربت عنقه . *
ـ167ـ
الصخرة بما بناه عليهاوجعل عليها من الكسوة في الشتاء والصيف ، ليكثرقصد الناس
للبيت المقدس فيشتغلوا بذلك عن قصدابن الزبير - والناس على دين الملوك .
وظهرمن ذلك الوقت من تعظيم الصخرة ما لم يكن المسلمون يعرفونه ، وصاربعض
الناس ينقل الاس رائيليات في تعظيمها ، حتى روى بعضهم عن كعب الاحبارعند
عبدالملك بن مروان - وعمروة بن الزبير حاضر - أن الله قال للصخرة : أنت عرشي
الادنى . وقدصنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من
البقاع التي بالشام ، وذكروا من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب وعمن أخذ عنهم
مالا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم ، وأمثل من ينقل عنه تلك الا سرائليات
كعب الاحبار - وكان الشاميون قد أخذواعنه كثيرامن الاس رائيليات .
وفي مرآة الزمان لسبط بن الجوزي : توقفهم فيما رواه كعب الاحبارعن الرسول
عليه الصلاة والسلام ، لانه أسلم على يد الفاروق ، وكان يضربه بالدرة ويقول له :
دعنامن يهوديتك ( 1 ) .
الاس رائيليات - في فضل بيت المقدس
قال كعب : إن الله نظر إلى الارض فقال : إني واطئ على بعضك ، فاستبقت
له الجبال ، وتضعضعت الصخرة ، فشكر لهاذلك ، فوضع عليها قدمه !
وقال : إن العرض والحساب من بيت المقدس . وإن مقبور بيت المقدس
لايعذب .
وقال : هي أقرب إلى السماء بثمانية عشرميلا - وهي أرض المحشر والمنشر .
وقال : لاتقوم الساعة حتى يزور البيت الحرام بيت المقدس فينقادان جميعا
إلى الجنة وفيهما أهلوهما .
وقال : إن في التوراة أنه يقول لصخرة بيت المقدس : أنت عرشي الادنى ،
ومنك ارتفعت إلى السماء ، ومن تحتك بسطت الارض ، وكل مايسيل من ذروة
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 35 ج 1 . *
ـ168ـ
الجبال من تحتك - من مات فيك فكأنما مات في السماءإلخ .
وعن أبي هريرة - تلميذ كعب الاحبار - أن النبي قال : الانهار كلها
والسحاب والبحار والرياح تحت صخرة بيت المقدس .
وقال كعب : قال الله عزوجل ليت المقدس : أنت جنتي وقدسي وصفوتي
من بلادي ، من سكنك فبرحمة مني ، ومن خرج منك فبسخط مني عليه .
وعن كعب : اليوم في بيت المقدس كألف يوم ، والشهر كألف شهر ، والسنة فيه
كألف سنة ، ومن مات فيه فكأنما مات في السماء ، ومن مات حوله فكأنما
مات فيه ( 1 ) .
عن وهب بن منبه قال : أهل بيت المقدس جيران الله ، وحق الله عزوجل
ألا يعذب جيرانه ، ومن دفن في بيت المقدس نجا من فتنة القبر وضيقه .
وفي حديث أن الطائفة من أمته الظاهرين على الحق ، والذين لا يضرهم من
خالفهم حتى يأتيهم أمرالله ، أنهم في بيت المقدس وأكنافه .
وقال العلامة الاستاذ نعمة الله السلجوقي رئيس فخر المدارس ( بهرات ) من
بلاد أفغانستان وهو يقرظ كتابنا " أضواءعلى السنة المحمدية " في كتاب قيم بعث
به إلينا .
أما الاحاديث المروية في فضل الشام فنحن نعترف بأن أكثرها دسائس
إسرائيلية . وفي ذلك ما روى في بعض الكتب أن من أهل من المسجد الاقصى
للحج غفر له ماتقدم من ذنبه وماتأخر ، فهذه الرواية - مع ماتدل على أفضلية
المسجد الاقصى - تؤدي إلى الالحاد وعدم المبالاة بارتكاب المعاصي وتفتح
أبواب الفسوق ، ومن الخرافات التي دسها اليهود وأدرجت في كتب السير وبعض
التفاسير : أن السموات بعضها من الفضة وبعضهامن الزبرجد ، وأن السيارات
مركوزة في السموات على الترتيب المذكور في كتب اليونان ، مثل إن القمر مركوز
بسماء الدنيا ، والعطارد بالثانية ، وهكذاإلى السابعة . وهكذاأن السموات موضوعة
على رأس جبل محيط بالارض يقال له قاف . وأن الارض موضوعة على قرن ثور
* ( هامش ) * ( 1 ) ارجع إلى ص 332 ج 1 وما بعدها من نهاية الارب للنويرى فترى هذه الاخبار وأعجب منها . *
ـ169ـ
قائم فوق ظهرحوت يسبح في الماء .
كل ذلك من غفلة العلماء ، وعدم مبالاتهم بوخامة عاقبة ما دس أعداء الدين
بين المسلمين .
ماقيل في المسجد الاقصى
كانت الاحاديث الصحيحة أول الامرفي فضل المسجد الحرام ومسجدرسول
الله ولكن بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الاقصى .
وقد روى أبوهريرة : لا تشدالرحال إلا إلى ثلاث مساجد ، مسجدي هذا
ومسجد الحرام . ومسجد الاقصى . وفي رواية : يسافر إلى ثلاثة مساجد ، الكعبة
ومسجدي ومسجد إيليا : وروى مالك في الموطأ ومسلم في كتابه عن أبي هريرة :
صلاة في مسجدي هذاخيرمن ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام .
وعنه أيضا : " صلاة في مسجد رسول الله أفضل من ألف صلاة فيماسواه من
المساجدإلا المسجد الحرام " ، وفي رواية : كألف صلاة فيما سواه من المساجد ، إلا أن
يكون المسجد الحرام ، وعن أبي عمر : صلاة في مسجدي هذاأفضل من ألف صلاة
فيماسواه إلا المسجد الحرام .
وعن ابن عباس : أن امرأة اشتكت شكوى ، فقالت : إن شفاني الله لاخرجن
فلاصلين في بيت المقدس ، فبرئت ثم تجهزت تريد الخروج فجاءت ميمونة
زوج النبي تسلم عليها فأخبرتها بذلك ، فقالت : إجلسي ، فكلي ما صنعت وصلى
في مسجد رسول الله ، فإني سمعت رسول الله يقول :
صلاة فيه أفضل من ألف فيماسواه إلا مسجد الكعبة .
ولو أن المسجد الاقصى كان قد ورد فيه تلك الاحاديث ، لمامنعت ميمونة
هذه المرأة من أن توفي بنذرها .
ـ170ـ
اليد اليهودية في تفضيل الشام
ذكرنا لك من قبل ( 1 ) أن إشادة كهان اليهود إلى أن ملك النبي سيكون
بالشام إنما هوالامرخبئ في أنفسهم ، ونبين هناأن الشام ما كان لينال من الاشادة
بذكره ، والثناء عليه ، إلا لقيام دولة بني أمية فيه ، تلك الدولة التي قلبت الحكم
من خلافة عادلة إلى ملك عضوض ، والتي تحت كنفهاوفي أيامها نشأت الفرق
الاسلامية التي فتت في عضد الدولة الاسلامية ومزقها تمزيقاو استفاض فيها وضع
الحديث ، فكان جديرا بكهنة ليهود أن ينتهزوا هذه الفرصة وينفخوافي نار الفتنة ،
ويمدوها بجيوش الاكاذيب والكيد وكان من هذه الاكاذيب أن بالغوافي مدح الشام
وأهله ، وأن الخير كل الخيرفيه ، والشر كل الشرفي غيره .
وعلى أنه قد مربك ذرو مما قاله هؤلاء الكهنة في أن ملك النبي سيكون
بالشام ، وأن معاوية قدزعم أن رسول قد قال له إنه سيلى الخلافة من بعده .
وطلب منه أن يختار الارض المقدسة التي فيها الابدال ، فإنانكشف هناعن جانب
آخرمن كيد الدهاء اليهودي للمسلمين ودينهم وملكهم ، ذلك أنهم لم يكتفوابما
قالوه في الشام مما أتينا على بعضه من قبل ، بل زادواعلى ذلك بأن جعلوا الطائفة
الظاهرة على الحق تكون في الشام كذلك ، وحتى نزول عيسى الذي قالواعنه
سيكون بأرضه . . .
فقدجاءفي الصحيحين : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لايضرهم
من خذلهم ولامن خالفهم حتى يأتي أمرالله وهم كذلك ، روى البخاري هم بالشام ( 2 ) .
وفي مسلم عن أبي هريرة أن النبي قال : لايزال أهل الغرب ظاهرين على
الحق حتى تقوم الساعة . قال أحمد وغيره : هم أهل الشام .
ولمافتحت بلاد الاندلس جعلوها هذا الغرب المقصود ، في الحديث وأطلقوا
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 151 .
( 2 ) في رواية أبي أمامة الباهلي أنهم لما سألوا النبي قال : بيت المقدس وأكناف بيت المقدس .
ص 333 ج 1 نهاية الارب . *
ـ171ـ
الحديث على بلادهم ، ففي المعجب في تلخيص أخبار المغرب عن سعدبن أبي
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 171 سطر 1 الى ص 180 سطر 26
الحديث على بلادهم ، ففي المعجب في تلخيص أخبار المغرب عن سعدبن أبي
وقاص أن رسول الله قال : لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق لايضرهم من
خذلهم حتى تقوم الساعة ( 1 ) .
وفي كشف الخفاءأن كعب الاحبار قال : أهل الشام سيف من سيوف
الله ينتقم الله بهم من العصاة . ولعل العصاة هنا هم الذين لا ينضوون تحت لواء
معاوية ويتبعون غيره وغيره ، هو علي رضي الله عنه !
قال عروة بن رويم : إن رجلا لقي كعب الاحبار فسلم عليه ودعا له ،
فسأله كعب : ممن هو ؟ فقال : من أهل الشام ، قال : لعلك من الجند الذين
يدخل الجنة منهم سبعون ألفابغير حساب ، ولا عذاب ، قال : ومن هم ، قال
: أهل دمشق ! فقال : لست منهم ؟ قال لعلك من الجند الذين ينظر الله إليهم في
كل يوم مرتين . قال : ومن هم ؟ قال : أهل فسلطين . قال : أنا منهم ! وفي لفظ
قال : لعلك من الجند الذين يشفع شهيدهم بسبعين ؟ قال : ومن هم ؟ قال : أهل
حمص ( 2 ) .
وقال كعب : أول حائط وضع على وجه الارض بعد الطوفان : حائط حران
ودمشق ثم بابل ( 3 ) .
وعن نافع عن ابن عمرعن كعب قال : تخرج نار تحشد الناس فإذا سمعتم
بها فاخرجوا إلى الشام ( 4 ) . وابن عمرهو أحد تلاميذ كعب .
ومن أحاديث الجامع الصغير للسيوطي التي أشرعليها بالصحة :
الشام صفوة الله من بلاده ، إليها يجتبي صفوته من عباده ، فمن خرج من
الشام إلى غيرها فبسخطة ، ومن دخلها فبرحمة !
طوبى للشام إن الرحمن لباسط رحمته عليه . .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 15 .
( 2 ) ص 57 ج 1 من تاريخ ابن عساكر - المخطوط - وحمص هذه هي التي دفن فيها جثمانه الطاهر !
( 3 ) ص 14 من نفس المصدر .
( 4 ) ص 69 ج 13 من فتح الباري *
ـ172ـ
ليبعثن الله من مدينة بالشام يقال لها " حمص " سبعين ألفا يوم القيامة ،
لاحساب عليهم ولاعذاب ، يبعثهم فيما بين الزيتون والحائط . . إلخ .
ومدينة حمص هذه يجب أن يكون لها هذا الشأن العظيم حتى في الآخرة بحيث
لا يدانيهافي ذلك مدينة أخرى حتى مدينة النبي . . وذلك لان الكاهن اليهودي
- الذي يعده كثيرمن شيوخ المسلمين أنه من كبار التابعين - قد اتخذها مقاما له ،
ثم ضمت رفاته بعد موته . ولانطيل بإيراد كل مالدينامن هذه الاخبارلان
ما جئنا به فيه الكفاية .
قول المحققين في الاس رائيليات ورواتها
وقبل أن نفرغ من الكلام عن الاس رائيليات التي منى بها الدين الاسلامي
نسوق إليك بعض ماقاله المحققون من أئمة المسلمين في هؤلاء الكهنة الذين أظهروا
الاسلام ، وفي رواياتهم المدخولة .
قال ابن تيمية عن الاس رائيليات التي قيلت في بيت المقدس وغيره من بقاع
الشام ما يأتي :
وقدصنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من
البقاع التي بالشام ، وذكرواما فيهامن الآثار المنقولة عن أهل الكتاب وعمن
أخذ عنهم ، ما لايحل للمسلمين أن يبنواعليه دينهم - وأمثل من ينقل عنه تلك
الاس رائيليات كعب الاحبار . وكان الشاميون قدأخذوا عنه كثيرا من الاس رائيليات ،
وقد قال معاوية : ما رأينافي هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من كعب ،
وإن كنا لنبلو عليه الكذب أحيانا ، قدثبت في الصحيح عن النبي ( صلى الله
عليه وسلم ) أنه قال : إذا حدثكم أهل الكتاب فلاتصدقوهم ولاتكذبوهم ، فإما
أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه ، وإماأن يحدثوكم بحق فتكذبوه ( 1 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) هذا هو الحديث الصحيح الذى يسطع منه نورالنبوة ، ولكن أحد تلاميذ كعب هو
عبدالله بن عمروبن العاص يأتي فيروى عن النبي هذا الحديث : " بلغوا عني ولو آية وحدثواعن بني إسرائيل
ولا حرج " ثم يخالف عن أمرالنبي ويغضبه فيحدث عن الزاملتين وراجع صفحة 163 و164 من
هذا الكتاب . *
ـ173ـ
ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة ( 1 ) المحروسة ، مع هذه الامة المعصومة
التي لاتجتمع على ضلالة - إذا حدث بعض أعيان التابعين عن النبي ( صلى الله
عليه وسلم ) كعطاءبن أبي رباح والحسن البصرى وأبي العالية ونحوهم - وهم من
خيار علماء المسلمين وأكابر أئمة الدين - توقف أهل العلم في مراسيلهم فمنهم من
يرد المراسيل مطلقا ، ومنهم من يتقبلها بشروط ، إلى أن قال : وهؤلاءليس بين
أحدهم وبين النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلا رجل ، أو رجلان ، أو ثلاثة مثلا .
وأما ما يوجد في كتب المسلمين في هذه الاوقات من الاحاديث التي يذكرها
صاحب الكتاب مرسلة ، فلا يجوز الحكم باتفاق العلماء - فكيف بما ينقله
كعب الاحبار وأمثاله عن الانبياء - وبين كعب وبين النبي الذي ينقل عنه ألف
سنة وأكثر وأقل ، وهو لم يسندذلك عن ثقة بعد ثقة بل غايته أن ينقل عن بعض
الكتب التي كتبهاشيوخ اليهود ( 2 ) ، وقد أخبرالله عن تبديلهم وتحريفهم ، فكيف
يحل للمسلم أن يصدق شيئامن ذلك بمجرد هذاالنقل ، بل الواجب ألا يصدق
ذلك ولا يكذبه أيضا ، إلا بدليل على كذبه .
وهكذا أمرنا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) . وفي هذه الاس رائيليات مماهوكذب
على الانبياءأو ماهومنسوخ في شريعتنا ما لا يعلمه إلاالله اه ( 3 ) .
وقال ابن كثير في تفسيرسورة النمل ، بعد أن ذكر ماجاء في قصة ملكة سبأ
مع سليمان من الاس رائيليات ما يلي :
" والاقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في
صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله تعالى فيما نقلاه إلى هذه الامة من
أخباربني إسرائيل من الاوابد والغرائب والعجائب مماكان ومما لم يكن ومماحرف
وبدل ونسخ ، وقدأغنانا الله بماهوأصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ ولله الحمد والمنة .
وقد أشار الحكيم ابن خلدون في مواضيع كثيرة من مقدمته إلى كعب ووهب
وماجاء عنهما فليرجع إليه من أراد زيادة في البيان .
* ( هامش ) * ( 1 ) أي الشريعة الاسلامية .
( 2 ) هذا على فرض أنهم ينقلون عن شيوخهم ، ولكنهم كانوا يفترون من عند أنفسهم !
( 3 ) ص 208 و209 من كتاب اقتضاء الصراط المستقيم . *
ـ174ـ
ولم نجد في هذاالعصر ، بل في العصور الاخيرة من فطن لدهاءكعب ووهب
وكيدهما ، مثل الفقيه المحدث السيدمحمد رشيد رضا رحمه الله . وإني أنقل هنا
بعض ماقاله في كعب خاصة ، وفيه وفي زميله وهب عامة .
قال في كعب رداعلى من وصفوه بأنه كان من أوعية العلم مايلي ( 1 ) :
إن ثبوت العلم الكثيرلا يقتضي نفي الكذب . وكان جل علمه عندهم ،
ما يرويه عن التوراة ليقبل وغيرهامن كتب قومه وينسبه إليها ليقبل ، ولاشك أنه
كان من أذكى علماء اليهود قبل إسلامه وأقدرهم على غش المسلمين بروايته بعده .
وقال عنه إنه كان من زنادقة اليهود الذين أظهروا الاسلام والعبادة لتقبل
أقوالهم في الدين . وقد راجت دسيسته حتى إنخدع به بعض الصحابة ورووا عنه ،
وصاروا يتناقلون قوله بدون إسناد إليه ، حتى ظن بعض التابعين ومن بعدهم أنها
مما سمعوه عن النبي ، وأدخلها بعض المؤلفين في ا لموقوفات التي لها حكم المرفوع كماقال
الحافظ ابن كثيرفي مواضع من تفسيره ( 2 ) .
وقال عنه : إنه كان بركان الخرافات وأجزم بكذبه بل لاأثق بإيمانه ( 3 ) . وقال
فيهمامعا - أي كعب ووهب ( 4 ) .
" إن شر رواة هذه الاس رائيليات ، أو أشد تلبيسا وخداعا للمسلمين
هذان الرجلان . فلا تجد خرافة دخلت في كتب التفسير والتاريخ الاسلامي في
أمورالخلق والتكوين والانبياءو أقوامهم ، والفتن والساعة والآخرة ، إلا وهي منهما
مضرب المثل - في كل واد أثرمن ثعلبة - ولا يهولن أحد انخداع بعض
الصحابة والتابعين بمابثاه وغيرهمامن هذه الاخبار - فإن تصديق الكاذب لا يسلم
منه أحدمن البشرولا المعصومين من الرسل : فإن العصمة إنما تتعلق بتبليغ الرسالة
والعمل بها ، فالرسل معصومون من الكذب ومن الخطأ في التبليغ ومن العمل بماينافي
ما جاءوا به التشريع ، لان هذاينافي القدوة ويخل بإقامة الحجة . ولكن الرسول
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 541 وما بعدها 27 مجلة المنار .
( 2 ) ص 752 ج 27 من نفس المصدر .
( 3 ) ص 697 ج 27 .
( 4 ) ص 783 ج 27 من نفس المصدر . *
ـ175ـ
إذا صدق الكاذب في أمريتعلق به وبعمله ، أو بمصلحة الامة ، فإن الله تعالى
يبين له ذلك ومنه ماكان ، من بعض أزواجه ، الذي نزل فيه أول سورة التحريم ،
وعلم من قوله تعالى فيها " قالت من أنبأك هذا ؟ ؟ قال نبأني العليم الخبير " أي
أنه لم يعلم المكيدة بملكة العصمة ، بل بوحى الله تعالى بعد وقوعها . ومنه قوله
تعالى فيما كان كذب عليه بعض المنافقين الذين اعتذرواعن الخروج معه ( صلى
الله عليه وسلم ) إلى تبوك ، " عفاالله عنك ، لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين
صدقوا وتعلم الكاذبين " .
وما نقله الزرقاني من رأيه : أن ماروى عن الصحابي ممالامجال للرأي فيه
موقوفا عليه ، فإن له حكم المرفوع ، ( وإن احتمل أخذ الصحابي له عن أهل الكتاب
تحسينا للظن به ) فهو رأى باطل مردود عليه ، لا نتخذه قاعدة وأصلا في ديننا
وما علله به ظاهر البطلان ، إذ لا محل هنا لتحسين الظن ، ولا لمقابله ، فمن المعتاد
المعهود من طباع البشرأن يصدقوا كل خبرلا يظهر لهم دليل على تهمة قائله فيه
ولا على بطلانه في نفسه ، فإذاصدق بعض الصحابة كعب الاحبارفي بعض
مفترياته التي كان يوهمهم أنه أخذها من التوراة أو غيرها من كتب أنبياء بني
إسرائيل وهومن أحبارهم ، أو في غيرذلك ، فلا يستلزم هذا إساءة الظن فيهم ،
وإذا كانت هذه الخرافات ا لاسرائيلية مما يصد عن الاسلام ويجري الالسنة والاقلام
بالطعن فيه ، مع العلم بأنها مروية عمن لا تعد أقوالهم ولاآراؤهم نصوصا دينية ،
ولا أدلة شرعية ، وإن كانوا من أفراد علماء السلف - كما هو واقع بالفعل -
فكيف يكون موقفنامع هؤلاء الطاعنين فيه من الملاحدة ودعاة الاديان المعادين
للاسلام ، والمسلمين من زنادقة المسلمين أيضاإذا قلناإن كل تلك الترهات
و الخرافات ا لاسرائيلية إذاكان بعض رواتهامن الصحابة فإنها تنتظم في سلك
الاحاديث المرفوعة إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ويجب الايمان بها ؟ ألا إن هذا
باب واسع في الطعن في الاسلام والصد عنه ، لو فتحه علينامن هوأكبرمن
الزرقاني من مقلدة القرون الوسطى المظلمة لاغلقناه في وجهه وقلنا له ، إن علماء
الاصول قد اتفقوا على أن طروء الاحتمال في المرفوع من وقائع الاحوال ، يكسوها
ـ176ـ
ثوب الاجمال فيسقط بها الاستدلال .
وهذا الاحتمال أولى من ذاك أن يمنع عد الموقوف مرفوعا ، وجعله دليلاشرعيا .
وقال رحمه الله ( 1 ) : وإنا بعد اختبارنا ثلث قرن قضيناه في معالجة الشبهات
ومناظرة الملاحدة وأمثالهم من خصوم الاسلام والرد عليهم قولا وكتابة ، قد ثبت
عندنا أن روايات كعب ووهب في كتب التفسير والقصص والتاريخ ، كانت
شبهات كثيرة للمؤمنين ، لا للملاحدة والمارقين وحدهم . وإن المستقلين في الرأي
لا يقبلون ماقالوه : إن كل من قال جمهوررجال الجرح والتعديل بعدالته فهو
عدل ، وإن ظهرلمن بعدهم فيه من أسباب الجرح مالم يظهرلهم .
وقال رحمه الله : رأيناالشئ الكثيرفي رواياتهما ( 2 ) مما نقطع بكذبه ، لمخالفة
ما روياه مما كانا يعز وانه للتوراة وغيرها من كتب الانبياء - فجزمنا بكذبهما وهو
ممالم يكن يعلمه المتقدمون . لانهم لم يطلعواعلى كتب أهل الكتاب ، والطعن في
روايتهما يدفع شبهات كثيرة عن كتب الاسلام ولاسيما تفسير كتاب الله المحشو
ب الخرافات .
وقال كذلك عن روايتهما : إن أكثرها خرافات إسرائيلية شوهت كتب
التفسير وغيرهامن الكتب ، وكانت شبهاعلى الاسلام يحتج بهاأعداؤه الملاحدة
أنه كغيره دين خرافات وأوهام ، وما كان فيها غير خرافة فقد تكون الشبهة فيه
أكبر كالذي ذكره كعب من صفة النبي في التوراة ( 3 ) .
وعلى أن الائمة المحققين قد طعنوافي رواية هذين الكاهنين ، لايزال يوجد
بيننا - واأسفاه - من يثق بهما ، ويصدق ما يرويانه ، ولايقبل أي كلام فيهما .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 539 ج 27 من مجلة المنار .
( 2 ) أي كعب ووهب .
( 3 ) ص 618 ج 27 . *
ـ177ـ
الكيد السياسي
ولكي نستوفي القول في بيان مدى الكيد اليهودي للاسلام والمسلمين - وإن
كان ذلك يعد استطرادا ينحرف بناعما نحن بسبيله - نكشف لك عن جانب
آخر من عمل دهاة اليهود ، ذلك هو الجانب السياسي ، فلقد كان كيدهم في محاربة
الاسلام يتجه إلى ضربه من ناحيتين : ناحية دينية ، وأخرى سياسية ، أما طعنهم
في الناحية الدينية فقد حدثناك به من قبل ، وهاك ذروا صغيرامن كيدهم السياسي .
عبدالله بن سبأ
قال رفيق العظم في أشهر مشاهير الاسلام ( 1 ) :
" إن بذار الفتنة بذرت في أنحاء المملكة ( الاسلامية ) وعواصمها الكبيرة كمصر
والبصرة والكوفة بدعوة سرية قام ببثها عبدالله بن سبأ المعروف " بابن السوداء "
وكان يهوديامن حمير أسلم على عهد عثمان بإيعاز جمعية سرية تريد بهذاأحد أمرين :
إما تفريق المسلمين في الدين ، أو تفريقهم في السياسة .
وهذاالرجل لما أسلم نزل في البصرة على حكيم بن جبلة العبدي ، وإجتمع
إليه نفرفأخذ يغريهم بالدعوة التي قام بها ، فقبلوامنه ، وبلغ ابن عامرأمره فطرده
من البصرة ، فأتى الكوفة فأخرج منها أيضا ، فأتى مصرواستقر فيها ، والتف عليه
ناس من أهل مصر ، منهم كنانة بن بشر ، وسودان بن حمران ، وخالدبن ملجم
وأشباههم فقال لهم : العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع ، ويكذب أن محمدايرجع ،
فوضع لهم الرجعة فقبلت منه
اه . ومن قول ابن سبأ هذا : إن لكل نبي وصيا ، وعلي وصي محمد ، والرجعة بعد
محمد لعلي - وهذاهو متعقد الشعية ، وإن عثمان قد أخذ حق علي .
وقال عنه الدكتور أحمد أمين في فجرالاسلام ( 2 ) إنه " هوالذي حرك أبا ذر
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 763 .
( 2 ) ص 330 و331 .
أضواءعلى السنة المحمدية *
ـ178ـ
الغفاري للدعوة الاشتراكية ( 1 ) ، وكان من أكبر من ألب الامصارعلى عثمان وأله
عليا ، والذي يؤخذ من تاريخه أنه وضع تعاليم لهدم الاسلام ، وألف جمعية سرية
لبث تعاليمه ، واتخذ الاسلام ستارا يستر به نياته - وأشهر تعاليمه الوصاية والرجعة ،
وقد بدأ قوله بأن محمدا يرجع ، فكان مما قاله : " العجب ممن يصدق أن عيسى
يرجع ، ويكذب أن محمدايرجع " . ثم تحول إلى القول بأن عليايرجع ، وقال
ابن حزم ، لماقتل علي قال : " لو أتيتمونا بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته ، ولايموت
حتى يملاالارض عدلا كما ملئت جورا . وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأمن
اليهودية ، فعندهم أن النبي " إلياس " صعدإلى السماء وسيعود فيعيد الدين والقانون ،
ووجدت الفكرة في النصرانية أيضا في عصورها الاولى .
وصفوة القول في هؤلاء اليهود - كما قال بعض الباحثين - أن سلاحهم كان
الافتراء والكذب ، والمكر والدس ، وتحريف الكلم ، وإثارة الشكوك والشبهات
بين المسلمين وإيقاع الضغينة بينهم .
وقد تبين لك أن قتل عمر كان من تدبير جمعية سرية اشترك فيها كعب الاحبار
اليهودي . وقتل عثمان كان بعضه بتأثير دسائس عبدالله بن سبأ اليهودي ، وإلى
جمعية السبئيين وجمعيات الفرس ، ترجع جميع الفتن السياسية ، وأكاذيب الرواية
في الصدر الاول .
كتبنا ذلك في الطبعة الاولى من كتابنا إعتمادا على ما كتبه كبار المؤرخين ومن
جاء بعدهم عن ابن سبأ ، وقد ظهر كتاب نفيس اسمه " عبدالله بن سبأ " من تأليف
العالم العراقي الكبير الاستاذ مرتضى العسكرى أثبت بأدلة قوية مقنعة أن هذا
الاسم لا حقيقة له ، لان المصدر الاول الذي اعتمد عليه كل المؤرخين من الطبري
إلى الآن في إثبات وجوده هوسيف بن عمر التميمي المتوفى سنة 170 ه ، وقد طعن
أئمة السنة جميعافي روايته ، وقال فيه الحاكم : اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط .
وإنا - إنصافا للعلم والحق نقول : إن الدكتورطه حسين قدشك قبل ذلك في
* ( هامش ) * ( 1 ) لما لقي ابن السوداء أبا ذرفي الشام قال ياأبا ذر : ألا تعجب إلى معاوية يقول : المال
مال الله ؟ ألا إن كل شئ لله ، كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين - 734 أشهر مشاهير الاسلام . *
ـ179ـ
وجود عبدالله بن سبأهذا ، وإليك بعض ما أثبته في كباته العظيم " الفتنة الكبرى "
الجزء الثاني " علي وبنوه " وهو يتحدث عن وقعة صفين ( 1 ) :
أقل مايدل عليه إعراض المؤرخين عن السبئية وعن ابن السوداء في حرب صفين
أن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء إنما كان متكلفا منحولا وقد إخترع بأخرة حين
كان الجدال بين الشيعة وغيرهم من الفرق الاسلامية . أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا
في أصول هذا المذهب عنصرا يهوديا إمعانا في الكيد لهم ، والنيل منهم ، ولو قد
كان أمر ابن السوداء مستندا إلى أساس من الحق والتاريخ الصحيح لكان من الطبيعي
أن يظهر أثره وكيده في هذه الحرب المعقدة المعضلة التي كانت بصفين ، ولكان
من الطبيعي أن يظهر أثره حين اختلف أصحاب علي في أمر الحكومة ، ولكان من
الطبيعي بنوع خاص أن يظهر أثره في تكوين هذاالحزب الجديد ، الذي كان
يكره الصلح وينفرمنه ويكفرمن مال إليه ، أو شارك فيه .
ولكنا لا نرى لابن السوداء ذكرا في أمر الخوارج ، فكيف يمكن تعليل هذا
الاهمال ؟ أو كيف يمكن أن نعلل غياب ابن سبأعن وقعة صفين وعن نشأة حزب
المحكمة ؟ أما أنا فلا أعلل الامرين إلا بعلة واحدة . وهي أن ابن السوداءلم يكن
إلا وهما وإن وجد بالفعل فلم يكن ذا خطر كالذي صوره المؤرخون وصوروا
نشاطه أيام عثمان وفي العام الاول من خلافة علي ! وإنما هو شخص ادخره خصوم
الشيعة للشيعة وحدهم ولم يدخروه للخوارج . . . إلخ .
وإليك مثلا من هذا الكيدفي أمر خطير تحول به التاريخ الاسلامي عن مجراه :
كعب ومعاوية
قرأت فيماسبق وبيناه ( 2 ) أن عمر بن الخطاب كان قد نهى كعب الاحبارعن
الحديث وتوعده بالنفي إذاهو روى من إس رائيلياته أو ما يزعم أنه عن النبي ( صلى
الله عليه وسلم ) ذلك بعد أن فطن لكيده ، وتبين له سوء دخلته ، ولم يجدكعب
تلقاء هذا التهديد الشديد مناصا من أن يذعن في غيظ وموجدة ، ثم أخذ يسعى في
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 98 و99 .
( 2 ) ص 153 في هذا الكتاب . *
ـ180ـ
الخفاءلكن يحقق أغراضه التي أسلم من أجلها ، ورأى أن ذلك لايتسنى إلا بعد
التخلص من هذه الصخرة العاتية التي اعترضت طريقه ، وحالت بينه وبين
ما يريد ، وما لبث أن أتيحت له فرصة المؤامرة التي دبرتها جمعية سرية لقتل عمر
فاشترك فيهاونفخ في نارها !
ولما خلا له الجو بقتله ، وأمن من خوفه ، أطلق العنان لنفسه لكي يبث
ما شاء الكيد اليهودي أن يبث من الخرافات والاس رائيليات التي تشوه بهاء الدين
يعاونه في ذلك تلاميذه الكبار أمثال : عبدالله بن عمرو وعبدالله بن عمر ،
وأبوهريرة . .
ولم يكفه ذلك ، ولا أقنعه أن يصبح ولامعارض له فيمايريد ، وأن يجد من
غفلة المسلمين ، وعون الحاكمين إصغاءلكل ما يفترى وتقديرا ، بل ظل على مكره
يهتبل كل فرصة لكي يضرب الاسلام من ضرباته الخبيثة .
ولنضرب لذلك هنامثلا واحدا نجتزئ به ، ذلك أنه لما اشتعلت نيران الفتنة
في زمن عثمان واشتد زفيرها ، حتى التهمت عثمان فقتلته وهو في بيته ، لم يدع هذا
الكاهن الماكرهذه الفرصة تمر دون أن يهتبلها بل أسرع ينفخ في نارها ويسهم
بكيده اليهودي فيها ما استطاع على ذلك سبيلا ، وقد كان من كيده في هذه الفتنة أن
أرهص بيهوديته بأن الخلافة بعد عثمان ستكون لمعاوية !
فقد روى وكيع عن الاعمش عن أبي صالح ( 1 ) أن الحادي كان يحدو بعثمان
( رضي الله عنه ) يقول :
إن الاميربعده علي وفي الزبيرخلق رضي
فقال كعب الاحبار : بل هوصاحب البغلة الشهباء ! ( يعني معاوية ) ، وكان يراه
يركب بغلة . فبلغ ذلك معاوية فأتاه فقال : ياأبا إسحاق ماتقول هذا ! وهاهنا
علي والزبير وأصحاب محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ! قال : أنت صاحبها . ولعله
أردف ذلك بقوله : إني وجدت ذلك في الكتاب الاول ! !
وقدر معاوية هذه اليد الجليلة لكعب ، وأخذ يغمره بأفضاله ، وقد عرف من تاريخ
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 51 من رسالة النزاع والتخاصم فيمابين بني أمية وبني هاشم للمقريزي . *
ـ181ـ
هذاالكاهن أنه تحول إلى الشام في عهد عثمان وعاش تحت كنف معاوية فاستصفاه
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 181 سطر 1 الى ص 190 سطر 31
هذاالكاهن أنه تحول إلى الشام في عهد عثمان وعاش تحت كنف معاوية فاستصفاه
لنفسه وجعله من خلصائه لكي يروي من أكاذيبه وإس رائيلياته ما شاء أن يروى في
قصصه لتأييده ، وتثبيت قوائم دولته . وقد ذكرابن حجر العسقلاني في الاصابة
بأن معاوية هو الذي أمر كعبابأن يقص في الشام ( 1 ) ، وحسبك ما وقفت عليه من
قبل ، وماوصل إلينا مما رواه في تفضيل الشام وأهله ( 2 ) .
ومن العجيب أن هذه الاس رائيليات لاتزال تجدإلى اليوم من يصدقها بل
يقدسها ، وإذا بصرناهم بتخفيفها هب في وجهنا أدعياء العلم في عصرنا وبخاصة من
كانوامن حفدة الامويين ورمونا بالسب والشتم تعصبالهم وحماقة .
هذامثل واحد نسوقه هنافي مواقف كعب مع معاوية خاصة ، وماأصاب
الاسلام من كيده ومكره عامة ، ولان عليا هو ابن عم النبي صلى الله عليه وآله الذي أرصد له
هؤلاء الكهان كل قواهم لمحاربة شريعته ، ولوشئنا أن نستوفي كل ما أتاه هذا
الكاهن من كيد للاسلام وأهله لاقتضى مناذلك أن نعقد مؤلفاخاصا كما فعلنا
لتلميذه الاكبر أبي هريرة ( 3 ) .
ولاننسى أن عليا رضي الله عنه كان يقول عن كعب إنه لكذاب ( 4 ) .
ا لمسيحيات في الحديث
حديث الحساسة - حديث طعن الشيطان
لكل بني آدم إلا عيسى وأمه - ابن جريح
إذا كانت الاس رائيليات قد شوهت بهاء الدين الاسلامي ب مفترياتها ، فإن
ا لمسيحيات كان لها كذلك نصيب مماأصاب هذاالدين ، وأول من تولى كبرهذه
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 323 ج 5 .
( 2 ) ص 158 وما بعدها في هذا الكتاب .
( 3 ) راجع كتاب " شيخ المضيرة " .
( 4 ) صفحة 156 في هذا الكتاب . *
ـ182ـ
ا لمسيحيات هو تميم بن أوس الداري وهومن نصارى اليمن ، وكان مقامه مع قبيلته
في الشام في ناحية فلسطين ، وفد على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعد غزوة تبوك
سنة 9 ه وأسلم قال أبونعيم : كان راهب أهل عصره ، وعابد أهل فلسطين ،
وهو أول من أسرج السراج وأول من قص ، وقد صحب النبي ( صلى الله عليه وسلم )
وغزامعه ، ولم يزل بالمدينة حتى تحول إلى الشام بعدقتل عثمان ( 1 ) ، ومات في خلافة علي سنة 40 .
وكان يحدث بروايات وقصص عن الجساسة والدجال ، وإبليس ، وملك
الموت ، والجنة والنار فملاالارض بهذه الروايات ، كمافعل زميلاه من قبل كعب
الاحبار ووهب بن منبه ، ولايعجب القارئ من أن يدخل في الاسلام مسيحيات
بعد أن دخل فيه إس رائيليات ، فإنه قد شيب بأشياءمن كل دين ومن كل نحلة .
ولكن المجال لايتسع لبيان كل ما دخل عليه والملل والنحل الاخرى ،
لان ذلك يحتاج إلى مؤلف برأسه .
حديث الجساسة :
مما بثه تميم الدارى من مسيحياته ، ماذكره للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) من
قصة الجساسة والدجال ونزول عيسى وغير ذلك .
أما حديث الجساسة فقد رواه مسلم ( 2 ) في كتابه من طرق يخالف بعضها
بعضا . وها هو ذامن طريق فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس وكانت
من ا لمهاجرات الاول .
قال رسول الله بعد أن جمع الناس : إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ، ولكن
* ( هامش ) * ( 1 ) ممايلفت النظر ويسترعى الفكر أننا نجد هؤلاء الكهان جميعامن اليهود والنصارى وذوى
الهوى من المسلمين يتحولون كلهم إلى الشام بعد مقتل عثمان . ويبدو أن هذاالتحول لم يكن لله ، وإنما
كان ذلك ليتعاونوا على نشر الفتنة وليشعلوا نار البغضاء بين المسلمين ، لكي تنضج دولة الامويين ،
ويتمزق شمل المسلمين . ويملئوا أيديهم بعد ذلك من غنائم الامويين .
( 2 ) ص 520 ج 2 . *
ـ183ـ
جمعتكم لان تميما الدارى ( 1 ) كان رجلا نصرانيا ، فجاء فبايع وأسلم ، وحدثني أنه
ركب سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام ، فلعب بهم الموج شهرا
في البحر ثم أرفأواإلى جزيرة في البحر ( 2 ) حتى مغرب الشمس ، وأنهم دخلوا
الجزيرة فليقتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره ، فقالوا : ويلك ما أنت ؟ فقالت : أنا الحساسة ، ثم أشارت عليهم أن يتطلعوا إلى رجل في الدير وأشارت إليه .
فدخلوا الدير فإذافيه أعظم إنسان رأيناه خلقا ، وأشد وثاقا مجموعة يداه إلى عنقه
ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد ، ولماعرف أمرهم وأنهم من العرب سألهم جملة
أسئلة ، وهم يجيبون عنهاإلى أن قال لهم : أخبروني عن نبي الاميين مافعل ؟
قالوا : قد خرج من مكة ونزل يثرب ، قال : أقاتله العرب ؟ قلنا : نعم . قال : كيف
صنع بهم ! فأخبروه بأنه قدظهر على من يليه من العرب وأطاعوه ، قال : وإني
مخبركم عني : إني أناالمسيح وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير
في الارض أربعين يوما فلاأدع قرية إلا هبطتهافي أربعين ليلة غير مكة وطيبة
فإنهما محرمتان علي كلتاهما . كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني
ملك بيده السيف مصلتا يصدني عنها ، وبعد ما ذكر ذلك ، طعن الرسول بمخصرته
في المنبر وقال : هذه طيبة ، هذه طيبة ، هذه طيبة ، يعنى المدينة .
ولم يشأ أبوهريرة أن يدع هذاالخبر بغيرأن يمسه بنفحة من غرائبه ، فروى
أن بين قرنى الجساسة فرسخ للراكب !
وقد رأينا تعليق على هذا الحديث للعلامة السيدرشيد رضا رحمه الله نثبته
هنا في محله .
" حديث الجساسة الذي حدث به تميم الدارى رسول الله وأخرجه مسلم في
صحيحه مرفوعامن الطرق يخالف بعضها بعضا في متنه - فهذا الخلاف في المتن علته
* ( هامش ) * ( 1 ) جاء هو وأخوه نعيم المدينة سنة 9 ه وأسلما كماقلنا .
( 2 ) لعل علماء الجغرافيا يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانهامن البحر ! ثم يخبروننا
حتى نرى ما فيهامن الغرائب التى حدثنابها - سيدنا - تميم الدارى رضي الله عنه .
( 3 ) هذا الوشك كان حوالي سنة 9 ، ونحن الآن في 1386 ه ولم نر لهذا المسيح وجهاو لا لمسنا له
أثرا ! *
ـ184ـ
من بعض رواة الصحيح ، ولا يظهرحمله على تعدد القصة ( 1 ) ثم إن رواية الرسول
له من تميم الدارى - إن سلم سندهامن العلل - هل تجعل الحديث ملحقا بما حدث
به النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من تلقاءنفسه ، فيجزم بصدق أصله قياساعلى
إجازته ( صلى الله عليه وسلم ) أو تقريره للعمل ، إذ يدل حله وجوازه ؟ الظاهر لنا
أن هذا القياس لامحل له هنا - والنبي ما كان يعلم الغيب فهو كسائر البشر
يحمل كلام الناس على الصدق ، إذا لم تحف به شبهة ، وكثيراما صدق المنافقين
والكفارفي أحاديثهم وحديث العرينيين ( 2 ) وأصحاب بئر معونة مما يدل على ذلك ،
وإنما كان يعرف كذب بعض الكاذبين بالوحي ، أو ببعض طرق الاختبار ،
أو إخبار الثقات ونحو ذلك ، من طرق العلم البشري ، وإنما يمتاز الانبياء على
غيرهم بالوحي والعصمة من الكذب - وماكان الوحي ينزل إلا في أمر الدين
ومايتعلق بدعوته وحفظه وحفظ من جاء به ، وتصديق الكاذب ليس كذبا ،
وحسبك أن تتأمل في هذاالباب عتاب الله لرسوله ، إذ أذن لبعض المعتذرين
من المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك وما علله به وهو قوله " عفا الله عنك
لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " .
وإذا جاز على الانبياء والمرسلين أن يصدقوا الكاذب فيما لا يخل بأمرالدين
ولا يترتب عليه حكم شرعي ، ولا شئ ينافي منصب الرسالة ، أفلا يجوز على من
دونهم أن يصدقوا الكاذب في أي خبرلا تقوم القرينة على كذبه فيه ؟ ومن صدق
شيئايجوز أن يحدث به من غير عزو إلى من سمعه منه ( 3 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) يشيررحمه الله إلى صنيع رجال الحديث عندما يرون اختلافا في متن حديث فإنهم لايلبثون
أن يقدروا تعدد القصة التي قيل فيها الحديث ، ويحسبون أنهم بذلك قد حلو عقدة التناقض .
( 2 ) حديث العرينيين : أن ناسامن عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي وأسلمواثم قالوا : يا نبي الله إناكنا
أهل ضرع مولم نكن أهل ريف ، فآوناو أطعمنا ، وكانواقد استوخموا المدينة ، فأمر لهم النبي بذود وراع ،
وأمرهم أن ير خرجوا فيه فيشربوامن ألبانها ، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحيرة كفروا بعد إسلامهم
وقتلوا راعى النبي ، واستاقوا الذود فبلغ النبي فبعث الطلب في أثارهم وأمربهم فقطعوا أيديهم وأرجلهم وتركو
في ناحية الحيرة حتى ماتواعلى حالتهم - وأما أصحاب بئر معونة : فإن ناسا من رعل وذكوان وعصية
وبنى لحيان أتواالنبي صلى الله عليه وسلم وزعموا له أنهم قد أسلموا واستمدوه على قومهم فأمدهم بسبعين من
الانصار فإنطلقوا بهم حتى بلغوابئر معونة ، فغدروا بهم وقتلوهم ، فقنت النبي شهرا ، يدعو على رعل وذكوان
وبنى لحيان .
( 3 ) ص 99 و100 ج 19 مجلة المنار . *
ـ185ـ
وقال رحمه الله في أمر نزول عيسى من السماء وخروج الدجال والمهدي ( 1 ) :
إن الاحاديث الواردة في نزول عيسى كثيرة في الصحيحين والسنن وغيرها ،
وأكثرها واردة في أشراط الساعة وممزوجة بأحاديث الدجال ، وفي تلك الاشراط -
ولا سيما أحاديث الدجال والمهدي - إضطراب واختلاف وتعارض كثير ، والظاهر
من مجموعها ، أنه يظهر في اليهود دجال بل أكبر دجال عرف في تاريخ الامم
فيدعى أنه هو المسيح الذي تنتظره اليهود فيفتتن به خلق كثير ، وفي آخر مدته
يظهر المسيح الذي هوعيسى بن مريم ، ويكون نزوله في المنارة البيضاء شرقي
دمشق - ويلتقي بالمسيح الدجال بباب لد بفلسطين ، وهناك يقتل المسيح الصادق
عيسى بن مريم الدجال ( 2 ) بعد حرب طويلة تكون بين المسلمين واليهود . . فنزول
عيسى عقيدة أكثر النصارى وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهر الاسلام إلى الآن
بثها في المسلمين ، وممن حاولوا ذلك بإدخالها في التفسير وهب بن منبه الركن الثاني
بعدكعب الاحبار لتشويه تفسير القرآن بما بثه من الخرافات .
حديث طعن الشيطان لكل بنى آدم إلا عيسى وأمه :
ومن ا لمسيحيات في الحديث ما رواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي قال :
كل بابن آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد ، غير عيسى بن مريم ، ذهب
يطعن فطعن في الحجاب . وفي رواية : سمعت رسول الله يقول : ما من بني آدم
مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها " .
وفي رواية ثالثة : كل بني آدم قدطعن الشيطان فيه حين ولد غير عيسى بن مريم
وأمه ، جعل الله دون الطعنة حجابا فأصاب الحجاب ولم يصبها !
وفي رواية عند مسلم " إلا نخسة الشيطان " و" إلا يستهل من نخسة الشيطان " .
وفقه هذا الحديث الذي سمعه الصحابي الجيل من الرسول ، أن الشيطان يطعن
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 756 ج 28 مجلة المنار .
( 2 ) في الباب الثاني في الرسالة الثانية لبولس إلى أهل تسالونيقي والباب التاسع عشر من ا لمشاهدات
أن عيسى سيقتل الدجال ص 191 ج 2 إظهارالحق . *
ـ186ـ
كل ابن آدم ، أو ينخسه إلا عيسى بن مريم وأمه ، وبذلك لم يسلم من طعن الشيطان
أحد غيرهما من بني آدم أجمعين ، حتى الرسل : نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم ،
وخاتهم محمد صلوات الله عليه وعلى جميع النبيين ، فانظر واعجب ! ( 1 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) إتكأ المسيحيون على هذا الحديث في إثبات عقيدتين من عقائدهم ، أن أولاهما : أن البشر جميعاقد
سقطوا في الخطيئة واقتراف الآثام إلا عيسى بن مريم الذي ارتفع عن طبقة البشر ، والاخرى نزول عيسى بن
مريم من السماءإلى الارض ليحكم بين الناس ويجازيهم .
قال القس إبراهيم لوقا في كتابه " المسيحية في الاسلام " - بعد أن ذكر ارتفاع مقام عيسى عن طبقة
البشر ، وأنه وحده قد استحق العصمة والصون من الآثام : " جاءفي سورة مريم : ( وإن منكم إلا واردها
كان على ربك حتمامقضيا ) فهذه الآية قد حكمت على جميع البشر بورود جهنم والعياذ بالله ، ومعلوم أن
العقاب لايكون إلا لذنب وإلا كان ظلما - وما ربك بظلام للعبيد ، فهذه الآية تدل على أن البشر جميعا
معرضون للوقوع في أسر الشهوات والخطايا . ثم قال : لتقرأهذه الآية مرة أخرى ، ثم لتقرأ بعدها آية سورة
آل عمران : " وإني أعيذهابك وذريتها ( أي المسيح ) من الشيطان " . تر أن الله قد حفظ العذراء والمسيح
من غواية الرجيم ، ثم لنقرأ بعد هذا الحديث الذي تضمن هاتين الحقيقتين معا - سقوط البشر أجمعهم ،
وعصمة المسيح دون سواه وهو كما أورده البخاري : " كل ابن آدم يطعنه الشيطان في جنبه بأصبعيه حين يولد ،
غير عيسى بن مريم ، ذهب يطعنه في الحجاب " .
فإقرار الاسلام بأن البشر جميعا قد زاغوا وفسدوا ، وأنهم مجردون عن العصمة ، معرضون لاقتراف
الخطاياو الآثام ، بجانب إقراره للمسيح وحده بالعصمة ، وأنه مصون عن مس الشيطان ، يرفع المسيح عن طبقة
البشر وبالتالي يقر بلاهوته الممجد ( ص 127 من الطبعة الثالثة من هذا الكتاب ) ولهذا الحديث روايات
أخرى - راجع الجزء السادس من فتح الباري .
وذكر في صحفة 135 : إن الذي روى هذا الحديث هو أبوهريرة .
وفي ص 149 من الكتاب قال تحت هذا العنوان " دينونة المسيح " روى البخاري : " لا تقوم الساعة
حتى ينزل فيكم ابن مريم حكمامقسطا " فهذا الحديث ناطق بأن المسيح سيأتي ديانا عادلا ، وهذا مايعلنه
الوحي الالهي في الانجيل المقدس ( يو 5 : 22 ) قال المسيح " لان الآب لا يدين أحدا بل قد أعطى كل الدينونة
للابن " ، وفي ختام سفر الرؤيا ( رؤيا 22 : 12 ) " وهاأنا آتي سريعا وأجرتي معى لاجازي كل واحد كما
يكون عمله " .
ومن العجب أن يصرح أبوهريرة في حديثي البخاري بطعن الشيطان ونزول عيسى أنه سمعهما من النبي ،
كما صرح بسماع حديث خلق الله التربة يوم السبت - وأثبت المحققون أنه قد رواه عن كعب الاحبار -
وهكذا يبث راويتنا المكثار من الاحاديث بين الناس مايكون مشكلات في دينناو حججا لتأييد عقائد غيرنا !
وحديث طعن الشيطان الذي رواه البخاري قال ابن حجر في شرحه : " وقد طعن صاحب الكشاف في
معنى هذا الحديث وتوقف في صحته ، وكذلك طعن فيه الرازي وقال " إن الحديث خبر واحد ورد على خلاف
الدليل " . *
ـ187ـ
ولم يقفوا عند ذلك بل كان من رواياتهم أن النبي صلوات الله عليه ولم ينج من
نخسة الشيطان إلا بعد أن نفذت الطعنة إلى قلبه - وكان ذلك بعملية جراحية
تولتها الملائكة بآلات جراحية مصنوعة من الذهب ! ونصب هذه الروايات أن
صدره صلوات الله عليه قد شق وأخرجت منه العلقة السوداء ! وحظ الشيطان -
كما يقولون - وكأن العملية الاولى لم تنجح فأعيد شق صدره ، ووقع ذلك مرات
عديدة بلغت خمسا ، وأربع منها بإتفاق كمايقولون ، في الثالثة من عمره ، وفي العاشرة ،
وعندمبعثه ، وعند الاسراء . ومرة خامسة فيها خلاف ( 1 ) وقدقالوا ، إن تكرار
الشق إنما هوزيادة في تشريف النبي !
وإن هذه العملية الجراحية لتشبه من بعض الوجوه عملية صلب السيد المسيح
عليه السلام ، وهو لم يرتكب ذنبا يستوجب هذاالصلب ، وإنما ذكرواذلك لكي
يغفرالله خطيئة آدم التي احتملهاهو وذريته من بعده إلى يوم القيامة ، وأصبحت
في أعناقهم جميعا ، وتنص العقيدة المسيحية أنه لا يظفر بهذا الغفران إلا من يؤمن
بعقيدة الصلب .
ولئن قال المسلمون لاخوانهم المسيحيين : ولم يغفر الله لآدم خطيئته بغير
هذه الوسيلة القاسية التي أزهقت فيها روح طاهرة بريئة ، هي روح عيسى عليه
السلام بغير ذنب ؟ قيل لهم : ولم لم يخلق الله قلب رسوله الذي اصطفاه كماخلق
قلوب إخوانه من الانبياء المرسلين - والله أعلم حيث يجعل رسالته - نقيامن العلقة
السوداء وحظ الشيطان بغير هذه العملية الجراحية التي تمزق فيهاصدره وقلبه مرار
عديدة !
* ( هامش ) * ( 1 ) نظم بعضهم أمرشق صدر النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
أيا طالبا نظم الفرائد في عقد مواطن فيهاشق صدر لذي رشد
لقد شق صدر للنبي محمد مرار التشريف وذا غاية المجد
فأولى له التشريف فيها مؤثل بتطهيره من مضغة في بني سعد
وثانية كانت له وهو يافع وثالثة للمبعث الطيب الند
ورابعة عندالعروج لربه وذاباتفاق فاستمع يا أخا الرشد
وخامسة فيها خلاف تركتها لفقدان تصحيح لهاعند ذي النقد
ص 154 - 156 ج 1 سيرة ابن هشام ، وسبحان واهب العقول للانام ! *
ـ188ـ
ولا أدري والله أين يذهبون مما جاء في سورة الحجر من الكتاب العزيز في قوله
تعالى : " قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين . إلاعبادك
منهم المخلصين . قال هذا صراط علي مستقيم . إن عبادي ليس لك عليهم
سلطان إلا من اتبعك من الغاوين " ( 1 ) . وكيف يدفعون الكتاب بالسنة ، أو يعارضون
المتواتر الذي يفيد اليقين ، بأحاديث الآحاد التي لا تفيد إلاالظن ؟ ! هذا إذا كانت
هذه الاحاديث صحيحة .
على أن حديث نخس الشيطان هذا قد طعن فيه الزمخشري في الكشاف وقال
فيه فخر الدين الرازي في تفسيره ( 2 ) " طعن القاضي في هذاالخبر وقال إنه خبر
واحد ، ورد على خلاف الدليل فوجب رده ، وإنما قلنا على خلاف الدليل لوجوه ،
أحدها : أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير والشر - والصبي ليس
كذلك !
الثاني : أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثرمن ذلك ، من
إهلاك الصالحين وإفساد أحوالهم .
الثالث : لم خص بهذا الاستثناء مريم وعيسى عليهما السلام دون سائر الانبياء
عليهم السلام ؟
الرابع : أن ذلك النخس لو وجد بقى أثره ، ولو بقي أثره لدام الصراخ والبكاء -
فلما لم يكن ذلك علمنا بطلانه .
وقال أستاذنا الامام محمد عبده رضي الله عنه ( 3 ) :
" والمحقق عندنا أنه ليس للشيطان سلطان على عبادالله المخلصين ، وخيرهم
الانبياء والمرسلون - وأما ماورد في حديث مريم وعيسى من أن الشيطان لم يمسهما ،
وحديث إسلام شيطان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وحديث إزالة حظ الشيطان من
قلبه ( صلى الله عليه وسلم ) ، فهو من الاخبار الظنية لانه من رواية الآحاد -
* ( هامش ) * ( 1 ) سورة الحجر : 39 - 41 .
( 2 ) ص 459 ج 2 .
( 3 ) ص 291 ، 392 ج 3 تفسير القرآن الحكيم . *
ـ189ـ
ولما كان موضعها عالم الغيب ، والايمان بالغيب من قسم العقائد ، وهي لا يؤخذ فيها
بالظن لقوله تعالى : " إن الظن لا يغني من الحق شيئا " - كناغير مكلفين الايمان
بمضمون تلك الاحاديث في عقائدنا .
إبن جريج
وممن كان يبث في الدين الاسلامي ممايخفيه قلبه - ابن جريج الرومي ، الذي
مات سنة 150 ه وكان البخاري لايوثقه وهو على حق في ذلك . قال الذهبي في
تذكرة الحفاظ إنه من أصل رومي فهو نصراني الاصل . ويقول عنه بعض العلماء
إنه كان يضع الحديث ، وإنه تزوج بتسعين امرأة زواج متعة .
ومن ا لمسيحيات التي تدسست إلى الاسلام ما ذكروه من إقعاد النبي ( صلى
الله عليه وسلم ) على العرش ! ذلك أنهم لما رأواأن من عقائد المسيحيين أن عيسى
عليه السلام يقعد بجوار الله على العرش ( 1 ) عزعليهم ألا يعقد محمد ( صلى الله عليه
وسلم ) هو الآخر على العرش ، فرووا هذا الخبر الذي ننقله لك بنصه عن كتاب
بدائع الفوائد لابن القيم ص 39 و40 ج 4 .
" قال القاضي : صنف المروزي كتابافي فضيلة النبي ( صلى الله عليه وسلم )
وذكرفيه " إقعاده على العرش " قال القاضي : وهو قول أبي داود وأبي جعفر
الدمشقي وإسحاق بن راهويه وإبراهيم الحربي وعبدالله بن الامام أحمد ، والمروزي ،
وبشر الحافي ، ثم ذكر أسماء أكثر من خمسة عشر عالما يقولون بذلك .
* ( هامش ) * ( 1 ) يعتقد المسيحيون أن المسيح عليه السلام قد ارتفع بجسمه بعدصلبه وأنه يجلس هناك مع أبيه .
وعند ال كاتوليكية الرومانية عقيدة جوهرية تقضي بأن أمه مريم العذراء قد ارتفعت هي الاخرى بجسدها
إلى السماء وأنها لم تمت . ومنذ سبع عشرة سنة انعقد مجمع ديني مقدس برياسة البابا بيوس الثاني عشر بميدان
القديس بطرس اشترك فيه 35 كردينالا ونحو 500 بطريرك من جميع أنحاء العالم واحتشد له مليون
مسيحي وقرر هذا المجمع هذه العقيدة الدينية ، وقال إنها لا تقبل الجدل أو المناقشة ومن يناقشها أو يشك فيها
يعتبرمن وجهة نظر الكنيسة ال كاثوليكية ملحدا أو كافرا ( يراجع رجريدة الوفد المصري في 31 / 10 ،
و1 و2 و3 / 11 / 1950 ) والاقباط المصريون جميعا يؤمنون بهذه العقيدة وتحتفل كل طوائفهم في يوم
16 مسرى من كل سنة بعيد انتقال السيدة مريم بجسدها إلى السماء ، ويطلقون على هذا الاحتفال اسم " عيد
العذراء الكبير " ، وليس لاحد أن يعترض على هذه العقيدة أو يمارى فيها إذ ما دام المسيح عليه السلام قد
ارتفع إلى السماء وجلس بجوار أبيه فإنه لا مانع من أن تصعد إليه أمه من بعده لتقيم وإياه مع الله في السماء ويحيون
جميعاحياة طيبة في هناء وصفاء ! *
ـ190ـ
قلت ( أي ابن القيم ) : وهو قول ابن جرير الطبري ، وإمام هؤلاءكلهم مجاهد
إمام التفسير ، وهو قول أبي الحسن الدارقطني ومن شعره فيه :
حديث الشفاعة عن أحمد إلى أحمد المصطفى مسنده
وجاء ( حديث بإقعاده على العرش ) أيضا فلا تجحده
أمروا الحديث على ووجهه ولا تدخلوافيه ما يفسده
ولا تنكروا ( أنه قاعد ) ولا تنكروا أنه يقعده ( 1 )
وإليك هذه الكلمة الصغيرة ننقلها من كتاب العقيدة والشريعة للمستشرق
الكبير جولد تسيهر ص 42 و43 :
وهناك جمل أخذت من العهد القديم والعهد الجديد ، وأقوال للربانيين ، أو
مأخوذة من الاناجيل الموضوعة وتعاليم من الفلسفة اليونانية ، وأقوال من حكم
الفرس والهنود ، كل ذلك أخذ في الاسلام عن طريق " الحديث " حتى لفظ
" أبونا " لم يعدم مكانه في الحديث المعترف به ، وبهذا أصبحت ملكا خالصا
للاسلام بطريق مباشر أو غير مباشر ! وقد تسرب إلى الاسلام كنز كبيرمن
القصص الدينية حتى إذا ما نظرناإلى المواد المعدودة في الحديث ونظرناإلى الادب
الديني اليهودي فإننا نستطيع أن نعثرعلى قسم كبير دخل الادب الديني الاسلامي
من هذه المصادر اليهودية .
* ( هامش ) * ( 1 ) نقلنا هذاالخبر عن ابن القيم في الطبعة الثانية ، ولكن تبين أن ابن القيم هذا وهو " حنبلي " لم
يكن صادقا فيما نسبه إلى ابن جرير الطبري ، فقد جاء في تاريخه الذي ذكره صاحب معجم الادباءأنه لما
قدم إلى بغدادمن طبرستان تعصب عليه قوم وسأله الحنابلة عن حديث الجلوس على العرش فقال : أما حديث
الجلوس على العرش فمحال ، ثم أنشد :
سبحان من ليس له أنيس ولا له في عرشه جليس
فلما سمع ذلك الحنابلة وأصحاب الحديث وثبوا ورموه بمحابرهم فدخل داره ، فرموا داره بالحجارة حتى
صار على بابه كالتل العظيم ، فركب صاحب الشرطة في عشرات ألوف من الجند يمنع عنه العامة ووقوف
على بابه يوما إلى الليل ، وأمر برفع الحجارة وكان قد كتب على بابه هذا البيت الذي أوردناه آنفا فأمر
صاحب الشرطة بمحوه وكتب مكانه بعض أصحاب الحديث هذه الابيات :
لاحمد منزل لا شك عال إذا وافى إلى الرحمن وافد
فيدنيه ويقعده كريما على رغم لهم في أنف حاسد
على عرش يغلفه بطيب على الاكباد من باغ وعاند
له هذا المقام الفرد حقا كذاك رواه ليث عن مجاهد
ص 57 - 59 ج 18 . *
ـ191ـ
ولانستقصى كل ما دخل الاسلام من ا لمسيحيات .
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 191 سطر 1 الى ص 200 سطر 24
ولانستقصى كل ما دخل الاسلام من ا لمسيحيات .
ومن شاء أن يستزيد من معرفة الاس رائيليات وا لمسيحيات وغيرها في الدين
الاسلامي ، فليرجع إلى كتب التفسير والحديث والتاريخ وإلى كتب ا لمستشرقين
أمثال جلد تسيهر ، وفون كريمر وغيرهما ، فقد نقلت فيهمامن هذه الاس رائيليات
وا لمسيحيات أشياء كثيرة .
وقبل أن نخرج من هذاالباب نتحفك بشئ مما رواه أبوهريرة في نزول
عيسى من السماء .
عيسى بن مريم ونزوله
ذكروا أن من علامات الساعة نزول المسيح من السماء . وفي الصحيحين وغيرهما
عن أبي هريرة قال رسول الله : " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم
حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويقتل القرد ولايقبل
إلا الاسلام " .
ولا ينزل بشريعة مستقلة ، ويتسلم الامر من المهدي ، ويكون المهدي من أصحابه
وأتباعه . وكل أعماله تشابه الاعمال التي ذكروا أن المهدي سيقوم بها .
محل نزوله :
محل نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعاكفيه على أجنحة ملكين
إذا طأطأ رأسه قطر ، وإذا رفع رأسه تحدر منه جمان كاللؤلؤ ، ويكون نزوله لست
ساعات مضت من النهار ويقعد على المنبر ، فيدخل المسلمون والنصارى واليهود المسجد ،
ويصلي بالمسلمين صلاة العصر بمسجد دمشق ، ثم يخرج بمن معه من أهلها في
طلب الدجال ، والارض تقبض له إلى أن يأتي بيت المقدس فيجده مغلقا قد حصره
الدجال .
ـ192ـ
مقدار مدته :
في حديث أبي هريرة عند الطبراني وابن عساكر عن النبي ( صلى الله عليه وسلم )
" يمكث عيسى في الناس أربعين سنة " ، ثم يدفنه المسلمون عند نبينا ( صلى الله
عليه وسلم ) . وعن ابن عمرمرفوعا : يتزوج ويلد ولدين ذكرين أحدهما يسمى
موسى والآخر محمدا ، ويمكث خمسا وأربعين سنة ثم يموت ويدفن معي في قبري ،
فأقوم أنا وعيسى من قبر واحد بين أبكر وعمر !
وقالوا إنه يمكث سبع سنين ، وبعد أن يقتل الدجال يذهب إلى المدينة فيزور
قبر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ويحج البيت الحرام ويتوفى بالمدينة !
وهناك أخبار من هذاالقبيل كثيرة أعرضنا عنها لعدم فائدتها .
ما استشكلوه :
وقد قالوا : الروايات ثابتة أن نزول عيسى مع الفجر على منارة دقشق الشرقية ( 1 ) ،
ولكن كيف يقال في رواية أخرى إن النزول كان لست ساعات مضت من النهار !
وكذلك المعروف عند أهل العلم أن عيسى إنما يصلي وراء المهدي صلاة
الصبح لاالعصر !
كثرة الاحاديث المروية
رأيت فيما تقدم أن الوضع كان له أسباب كثيرة ، وبواعث متعددة ، وأن
أبوابه قد ظلت مفتحة قرونا ، يخرج منها كل يوم ألوان مختلفة من الاحاديث التي
يفتن الوضاع في صوغها وإسنادها إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
ولقد كان من رواء ذلك أن كثرت الاحاديث المنسوبة إلى النبي كثرة هائلة ،
* ( هامش ) * ( 1 ) لم جعلوا نزول عيسى على منارة دمشق الاموية ؟ *
ـ193ـ
حتى بلغت مئات الالوف ( 1 ) مما جعل الحافظ الدارقطني يقول : إن الحديث
الصحيح في الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الاسود ( 2 ) .
وقد أفزعت هذه الكثرة العلماء فنهضوا لكشف القناع عن الاحاديث الموضوعة ،
ووضعوا فيها المؤلفات الكثيرة ، ومن أشهر من تجرد لذلك ابن الجوزى السيوطي
والصاغاني والملا على القاري وغيرهم .
وقد عرض الدكتور أحمد أمين رحمه الله لامركثرة الاحاديث هذه فقال ( 3 ) :
" ومن الغريب أننا لواتخذنا رسما بيانيا للحديث لكان شكل " هرم " طرفه
المدبب هو عهدالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ثم يأخذ في السعة على مر الزمان ،
حتى نصل إلى القاعدة أبعد ما نكون على عهد الرسول - مع أن المعقول كان
العكس . فصحابة رسول الله أعرف الناس بحديثه ، ثم يقل الحديث بموت بعضهم
مع عدم الراوي عنه وهكذا ، ولكنا نرى أن أحاديث العهد الاموي أكثر من
أحاديث عهد الخلفاء الراشدين ، وأحاديث العصر العباسي أكثر من أحاديث العهد
الاموي .
* ( هامش ) * ( 1 ) قال الامام أحمد في مسنده : هذا كتاب جمعته وانتقيته من 750 ألف حديث : وقال
أبوبكر محمدبن عمر الرازي الحافظ : كان أبوزرعة يحفظ 700 ألف حديث ، وكان يحفظ 140 ألف
حديث في التفسير ، وإختار مالك الموطأ من مائة ألف حديث ، وسترى عند الكلام عن البخاري أنه اختار
كتابه من 600 ألف حديث ، وأن مسلماقد اختار كتابه كذلك من 600 ألف حديث ، وأن أبا داود قد
كتب عن رسول الله 500 ألف حديث - وعلى أنهم قد رووا عشرات الآلاف من الاحاديث في التفسير فإن
ابن تيمية قد ذكر في كتابه " في أصول التفسير " أن الامام أحمد قدقال : ثلاثة أمورليس لها إسناد :
التفسير والملاحم والمغازى ( ص 14 ) . ولذلك قال شعبة : تسعة أعشار الحديث كذب .
ونأتي هنابكلمة قيمة من كتاب " وجهة الاسلام " الذي ترجمه الاستاذ محمد عبدالهادي أبوريدة
منقولة عن كتاب " روح الاسلام " الذي ألفه سيد أمير على للدفاع عن الاسلام : " إن الاصلاح يجب أن
يسبقه التعليم وتحرر العقل من القيود ويجب أن نطرح التمسك بالظواهر تمسكا صوريا ، لانه أصبح عديم
الاثر ، ويجب أن تكون أحكامنا صادرة عن استعمال العقل ، وعما نستشعرأنه حق وملائم في ظرف ما . للاسلام
قدرة على صبغ ما عداه بصبغته وسيبقى جوهره ، وإن تغير مظهره - ولو أن الائمة كانوا أحرارا في استعمال
رأيهم ونبذوا بشجاعة خمسمائة ألف من الاحاديث واستبقوا منها ثمانية آلاف إذا لجعلنا لانفسنامثل هذه
الحرية ، ولماذا يظن إنسان أن الاسلام صار مسبوكا في قالب لا يتغير بعد الاجماع على الكتب السنة ؟
ص 126 .
( 2 ) ص 215 من كتاب الاسلام الصحيح .
( 3 ) ص 128 و129 ج 2 ضحى الاسلام . *
ـ194ـ
قد يكون ضمن الاسباب الصحيحة أن الهجرة لطلب الحديث في العصر
العباسي وجمعه من مختلف الامصار كانت أتم وأنشط ، لكن ليس هذا كل
السبب ، بل من أكبر الاسباب في تضخم الحديث - الوضع - فاليهود والنصارى
وغيرهم ( 1 ) من أهل الديانات الاخرى أدخلوا في الاحاديث أشياء كثيرة من دياناتهم
وأخبارهم ، فملئت الاحاديث بما في التوراة وحواشيها ، وبعض أخبار النصرانية . .
وبعض تعاليم الشعوبية كالاحاديث التي تدل على فضل الفرس والروم اه .
أبوهريرة
لوكانت أحاديث رسول الله كلها من الدين العام - كالقرآن - لا يقوم
إلا عليها ، ولا يؤخذ إلا منها ، وأنه يجب على كل مسلم أن يعرفها ويتبع ما فيها ،
كما يتبع مافي القرآن ، وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد أمر أصحابه أن يحفظوا
هذه الاحاديث لكي تؤثر من بعده - لكان أكثر الصحابة رواية لها ، أعلاهم
درجة في الدين ، وأثبتهم قدما في الايمان ، وأسناهم مرتبة في العلم - ولكان المقلون
منهم في الرواية دون المكثرين في رتبة الدين ، ووراءهم في درجة العلم والفضل ، وخلفهم
في منزلة الاعتبار ، ولكنا نجد الامر - على ما بدا في كتب الحديث المعروفة -
قد جرى على خلاف ذلك ! ! فإن أفضل الصحابة في المرتبة ، وأرفعهم في المنزلة
وأوسعهم علما بالدين ، وأشدهم عناية به ، وأقواهم حياطة له ، الذين نيط بهم حمل
أحكام الدين بما تلقوه عن أستاذهم الاكبر - كالخلفاء الراشدين والعشرة الذين
قالواإنه ( صلى الله عليه وسلم ) قد مات وهو راض عنهم - أو بشرهم بالجنة ، وكبار
المهاجرين والانصار وغيرهم - كل أولئك كانوا أقل الصحابة تحديثا عنه ، وأنزرهم
رواية ، حتى لقد بلغ الامر ببعضهم أنه لم يرو عن الرسول حديثا واحدا ! !
ولم يقف الامر بهم عند ذلك فحسب ، بل قد وجدنا كبار الصحابة يرغبون
عن رواية الحديث وينهون إخوانهم عنها ، ولقد أدى بهم فرط الاحياط ألى أن كانوا
* ( هامش ) * ( 1 ) لم يذكر هنا الوضاع الصالحون من المسلمين وغيرهم فليرجع إلى فصل الوضع في الحديث وأسبابه
في هذا الكتاب ص 118 . *
ـ195ـ
يحرقون مايكتبون منها - كما علمت ذلك كله من قبل - وهذا الامر قد دعاناإلى
أن نفرد ترجمة خاصة لمن كان أكثر الصحابة تحديثا عن رسول الله ، وأوسعهم
رواية ، على حين أنه كان من عامة الصحابة ، وكان بينهم لا في العير ولا في النفير
ذلكم هو " أبوهريرة " .
ولولا أن هذه الكثرة البالغة - بفضل ثقة الجمهور بها - قد استفاضت في
كتب الحديث ، وأخذت مكان الاعتبار والتصديق من قلوب المسلمين ، وسيطرت
على عقولهم وأفكارهم . وجعلوهامن عام دينهم ، على ما فيهامن مشكلات تحار فيها
عقول المؤمنين ، وشبهات وخرافات تتخذ مطاعن على الدين ، وأسانيد يتكأ عليها
في إثبات الاس رائيليات وا لمسيحيات وغيرهامن الملل والنحل - لولا ذلك كله ما
جرى بهذا البحث قلمنا ، ولا اتجه إليه بالعناية همنا .
الاختلاف في اسمه :
لم يختلف الناس في اسم أحد - في الجاهلية والاسلام - كما اختلفوا في اسم
" أبي هريرة " فلا يعرف أحدعلى التحقيق الاسم الذي سماه به أهله ، ليدعى بين
الناس به
قال النووي : اسم أبي هريرة عبدالرحمن بن صخر على الصحيح من ثلاثين
قولا . . .
وقال حافظ المغرب ابن عبدالبر في الاستيعاب ( 1 ) :
اختلفوا في اسم أبي هريرة وإسم أبيه إختلافا كثيرا لا يحاط به ولا يضبط في
الجاهلية والاسلام - ومثل هذا الاختلاف والاضطراب لا يصح معه شئ يعتمد
عليه - وقد غلبت عليه كنيته ، فهو كمن لا اسم له غيرها وأولى المواضع باسمه المكنى .
وقال صاحب المشكاة : قد اختلف الناس في اسم أبي هريرة ونسبه اختلافا
كثيرا ، وقد غلبت عليه كنيته فهو كمن لا اسم له وإشتهرت الكنية حتى نسى الاسم
الاصلي لانه قد اختلف فيه اختلافا كثيرا .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 718 ، 719 *
ـ196ـ
ومما تبين لك يكون الجزم باسم خاص يطلق عليه ، من ضروب التخمين فنكتفي
بذكر كنيته التي التصقت به - وهذه الكنية قد بين هو نفسه سببها فقال :
كنت أرعى غنم أهلي - وكانت لي هرة صغيرة ، فكنت أضعها بالليل في شجرة ،
وإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها فكنوني " أباهريرة " ! !
نشأته وأصله :
وإذا كانوا قد اختلفوا في اسم أبي هريرة ، كذلك لم يعرفوا شيئا عن
نشأته ، ولا عن تاريخه قبل إسلامه ، غير ما ذكر هو عن نفسه ، من أنه كان
يلعب بهرة صغيرة . وأنه كان فقيرا معدما ، يخدم الناس بطعام بطنه - وكل ما يعرف
عن أصله أنه من عشيرة سليم بن فهم من قبيلة أزد ثم من دوس .
ومن قوله في ذلك : نشأت يتيما ، وهاجرت مسكينا ، وكنت أجيرا بطعام بطني .
وقال ابن قتبية في ترجمته بكتاب " المعارف " بعد أن ذكر اختلاف الناس
في اسمه ، وأنه من قبيلة باليمن يقال لها دوس ما نصه :
" وقال أبوهريرة نشأت يتيما وهاجرت مسكينا . وكنت أجيرا لبسرة بنت
غزوان بطعام بطني ، وعقبة رجلي ، فكنت أخدم إذا نزلوا ، وأحدوا إذاركبوا ،
وكنيت بأبي هريرة بهرة صغيرة كنت ألعب بها .
قدومه إلى المدينة وذهابه إلى خيبر :
قدم أبوهريرة بعد أن تخطى الثلاثين من عمره - وكان النبي ( صلى الله عليه
وسلم ) حينئذ في غزوة خيبر ، التي وقعت في سنة 7 من الهجرة : قال ابن سعدفي
الطبقات الكبرى : قدم الدوسيون فيهم أبوهريرة ورسول الله بخيبر فكلم رسول الله
أصحابه في أن يشركوا أبا هريرة في الغنيمة ففعلوا - ولفقره إتخذ سبيله إلى الصفة ( 1 )
بعد ما عادإلى المدينة فعاش بها ما أقام بالمدينة ، وكان من أشهر من أمها .
* ( هامش ) * ( 1 ) الصفة موضع مظلل في مؤخرة مسجدالنبي بالمدينة من الناحية الشمالية .
وأهل الصفة - كما قال أبوالفداء في تاريخه المختصر - : أناس فقراء لا منازل لهم ولا عشائر ،
ينامون على عهد رسول الله في المسجد ويظللون فيه ، وكانت صفة المسجد مثواهم ، فنسبوا إليها - وكان
إذا تعشى رسول الله يدعو منهم طائفة يتعشون معه ، ويفرق منهم طائفة على الصحابة ليعشوهم . *
ـ197ـ
سبب صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم :
كان أبوهريرة صريحا صادقا في الابانة عن سبب صحبته للنبي ( صلى الله
عليه وسلم ) ، كما كان صريحا صادقا في الكشف عن حقيقة نشأته . فلم يقل إنه
صاحبه للمحبة والهداية - كماكان يصاحبه غيره من سائر المسلمين - وإنما قال :
" إنه قد صاحبه على ملء بطنه " . ففي حديث رواه أحمد والشيخان عن سفيان عن
الزهري عن عبدالرحمن الاعرج ( 1 ) قال : " سمعت أبا هريرة يقول : إني كنت امرأ
مسكينا أصحب رسول الله على ملءبطني " . وراية مسلم : أخدم رسول الله ، وفي
رواية " لشبع بطني " .
وفي رواية لمسلم : كنت رجلا مسكينا أخدم رسول الله على ملء بطني . وفي
رواية له أيضا : وكنت ألزم رسول الله على ملء بطني . وسجل التاريخ أنه كان أكولا نهما ، يطعم كل يوم في بيت النبي ، أو في بيت
أحد أصحابه ، حتى كان بعضهم ينفرمنه .
ومما رواه البخاري عنه أنه قال : كنت أستقرئ الرجل الآية وهي معي كى
ينقلب بي فيطعمني - وكان خير الناس للمساكين جعفربن أبي طالب ، كان
ينقلب بنا فيطعمناما كان في بيته ، وروى الترمذي عنه : وكنت إذا سألت جعفر
عن آية لم يجبني حتى يذهب إلى منزله . ومن أجل ذلك كان جعفر هذا في رأي
أبي هريرة أفضل الصحابة جميعا ، فقدمه على أبي بكر وعمر وعلي وعثمان وغيرهم
من كبار الصحابة رضي الله عنهم جميعا .
فقد أخرج الترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة : ما احتذى النعال
ولا ركب المطايا ، ولا وطئ التراب ، بعد رسول أفضل من جعفر بن أبي طالب ( 2 ) .
شيخ المضيرة :
كان أبوهريرة يلقب " بشيخ المضيرة " وقد نالت هذه المضيرة من عناية العلماء
والكتاب والشعراء ما لم ينله مثلهامن أصناف الحلوى ، وظلوا يتندرون بها ،
ويغمزون أبا هريرة قرونا طويلة من أجلها ، وإليك بعض ما أرسلوه فيها .
* ( هامش ) * ( 1 ) الاعرج تلميذه وصاحبه .
( 2 ) ص 62 ج 7 فتح الباري . *
ـ198ـ
قال الثعالبي في كتابه " ثمار القلوب في المضاف والمنسوب " مايلي ( 1 ) :
شيخ المضيرة : كان أبوهريرة رضي الله عنه على فضله واختصاصه بالنبي
( صلى الله عليه وسلم ) مزاحا أكولا ، وكان مروان بن الحكم يستخلفه على المدينة
فيركب حمارا قد شد عليه برذعة فيلقى الرجل فيقول : الطريق ! الطريق ! قدجاء
الامير . . وكان يدعي الطب . . .
وبعدأن ذكر الثعالبي شيئا من طبه وكله طعام يشفى
داءالامعاء ، ويداوي نهم الطبن ، قال : وكان يعجبه المضيرة جدا فيأكل مع
معاوية ، فإذا حضرت الصلاة صلى خلف علي رضي الله عنه ، فإذاقيل له في
ذلك قال : مضيرة معاوية أدسم وأطيب ، والصلاة خلف علي أفضل ، وكان
يقال له " شيخ المضيرة " وختم الثعالبي قوله ببيتين لشاعر هجا فيهما أبا هريرة
أعرضنا عنهما .
وعقد بديع الزمان الهمذاني مقامة خاصة - من مقاماته - لهذه المضيرة ، غمز
فيها أبا هريرة غمزة أليمة فقال :
حدثنا عيسى بن هشام قال : كنت بالبصرة ومعي أبوالفتح الاسكندري
رجل الفصاحة يدعوها فتجيبه ، والبلاغة يأمرها فتطيعه ، وحضرنا معه دعوة بعض
التجار ، فقدمت إلينا مضيرة تثنى على الحضارة ، وتترجرج في الغضارة ، وتؤذن
بالسلامة ، وتشهد لمعاوية رحمه الله بالامامة . . .
وقال أستاذنا الامام محمد عبده في شرح ذلك : " ومعاوية ادعى الخلافة بعد
بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فلم يكن من يشهد له بها في حياة على
إلا طلاب اللذائذ ، وبغاة الشهوات ، فلو كانت هذه المضيرة من طعام معاوية
لحملت آكليهاعلى الشهادة له بالخلافة ، وإن كان صاحب البيعة الشرعية حيا -
وإسناد الشهادة إليها لانها سببها الحامل عليها . والامامة والخلافة في معنى واحد "
وفي الاساس لجار الله : علي مع الحال المضيرة ، خير من معاوية مع المضيرة .
وأخرج أبونعيم في الحلية قال : كان أبوهريرة يطوف بالبيت هو يقول :
ويل لي بطني ، إذا أشبعته كظنى ، وإن أجعته سبني ، ورواية ابن كثيرفي البداية
والنهاية : أضعفني .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 86 ، 87 . *
ـ199ـ
وفي خاص الخاص للثعالبي ( 1 ) :
كان أبوهريرة يقول : ماشممت رائحة أطيب من رائحة الخبز الحار ،
وما رأيت فارسا أحسن من زبد على تمر
. قد جعل أبوهريرة الاكل من المروءة ، فقد سئل : ماالمرءوة ؟ قال :
تقوى الله وإصلاح الصنيعة ، والغداء والعشاء بالافنية .
وقد أضربنا عن أخبار كثيرة لان في بعضها ما يزيدفي إيلام بعض الناس .
حديث زر غبا تزدد حبا :
قال رسول صلى الله عليه وسلم لابي هريرة ذات يوم : زر غبا تزدد حبا ، وقد
كان صلوات الله عليه نعم المؤدب لاصحابه ، وكان دائما يتولاهم بحكمته ، ويغرس فيهم
مكارم أخلاقه بسيرته ، وماكان له ( صلى الله عليه وسلم ) أن يذر مثل أبي هريرة
على ماكان عليه من غشيان البيوت في كل وقت ، يقبله هذاويصده ذاك ، من
غير أن يؤبه بأدبه العالى ، وكان سبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال له : أين
كنت أمس يا أباهريرة ؟ قال زرت أناسا من أهلي ، فقال يا أباهريرة : زر غبا
تزدد حبا .
وقد ذكر أبوحيان التوحيدي في كتابه " الصداقة والصديق " قال أبوهريرة :
لقد دارت كلمة العرب " زرغبا تزدد حبا " إلى أن سمعت من رسول الله ( صلى
الله عليه وسلم ) " ولقد قالها لي " .
قال العسجدي : " ليست هذه الكلمة محمولة على العام ، ولكن لها مواضع
يجب أن تقال فيها ، لان الزائر يستحقها ! ألا ترى أنه صلوات الله عليه لايقول
ذلك لابي بكر ، ولا لعلي بن أبي طالب وأشباههما ، فأما أبوهريرة فأهل ذاك !
لبعض الهنات التي يلزمه أن يكون مجانبا لها ، وحائدا عنها ( 2 ) " .
وهنات أبي هريرة التي يغمزه بها العسجدي ، أنه كان لنهمه يغشى بيوت
الصحابة في كل وقت ، وكان بعضهم يزور عنه ، وينزوى منه ، فأراد الرسول أن
يلقي عليه درسا في أدب الزيارة وغشيان البيوت ، فذكر له المثل العربي " زر غبا
تزدد حبا " . وكان صلوات الله عليه لا يفتأ يتعهد أصحابه بالتأديب وتحرى حسن الخلق .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 43 . ( 2 ) ص 51 . *
ـ200ـ
مزاحه وهذره :
أجمع مؤرخو أبي هريرة على أنه كان مزاحا مهذارا ، يتودد إلى الناس ويسليهم
بكثرة الحديث ، والاغراب في القول ليتشد ميلهم إليه ، ويزداد إقبالهم عليه ،
وإليك بعض ما رووه في ذلك .
قالت عنه عائشة ، وهي أعلم الناس به لامتداد العمر بهما ، في حديث
المهراس : إنه كان رجلا مهذار .
التهكم به :
ولقد كانوا يتهكمون برواياته ويتندرون عليها لما تفنن فيها وأكثر منها .
فعن أبي رافع : أن رجلا من قريش أتى أبا هريرة في حلة وهو يتبختر فيها ،
فقال يا أباهريرة : إنك تكثر الحديث عن رسول الله ، فهل سمعته يقول في
حلتي هذه شيئا ؟ ! ! فقال سمعت أباالقاسم يقول : إن رجلا ممن كان قبلكم
بينما هويتبختر في حلة ، إذ خسف الله به الارض ، فهويتجلجل فيهاحتى تقوم
الساعة ، فوالله ما أدري لعله كان من قومك أو من رهطك ( 1 ) .
ويبدو من سؤال هذاالرجل أنه لم يكن مستفهما وإنماكان متهكما ، إذ لم يقل
له : إنك تحفظ أحاديث رسول الله ! وإنما قال : تكثر الحديث عن رسول الله ،
وسياق الحكاية يدل كذلك على أنه كان يهزأ به ، ويسخرمنه .
كثرة أحاديثه :
أجمع رجال الحديث على أن أباهريرة كان أكثر الصحابة حديثا عن رسول
الله ! على حين أنه لم يصاحب النبي إلا عاما وتسعة أشهر ! ( 2 ) وقد ذكر أبومحمد
ابن حزم أن مسند بقى بن مخلد قد احتوى من حديث أبي هريرة على 5374 روى
البخاري منها 446 .
وقدقال هوعن نفسه - كماروى البخاري - ما من أصحاب النبي صلى الله
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 108 ج البداية والنهاية . ( 2 ) راجع كتابنا " شيخ المضيرة " .
ـ201ـ
عليه وسلم أحد أكثرحديثا مني ، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو ( 1 ) فقد كان
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 201 سطر 1 الى ص 210 سطر 26
عليه وسلم أحد أكثرحديثا مني ، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو ( 1 ) فقد كان
يكتب ولا أكتب ( 2 ) ! ولو بحثنا عن كل ما رواه ابن عمرو هذا لوجدناه 700
حديث عند ابن الجوزي وفي مسند أحمد 722 روى البخاري منهاسبعة ومسلم 20 ،
وقدأفزعت كثرة رواية أبي هريرة عمربن الخطاب فضربه بالدرة وقال له :
أكثرت ياأبا هريرة من الرواية ، وأحر بك أن تكون كاذباعلى رسول الله .
ثم هدده وأوعده إن لم يترك الحديث عن رسول الله فإنه ينفيه إلى بلاده .
وقد أخرج ابن عساكر من حديث السائب بن يزيد : لتتركن الحديث عن
رسول الله أو لالحقنك بأرض دوس .
ومن أجل ذلك كثرت أحاديثه بعد وفاة عمر وذهاب الدرة ، إذ أصبح
لايخشى أحدابعده . ومن قوله في ذلك : إني أحدثكم بأحاديث لو حدثت بها زمن
عمرلضربني بالدرة - وفي رواية لشج رأسي . وعن الزهري عن أبي سلمة : سمعت
أبا هريرة يقول : ما كنا نستطيع أن نقول قال رسول الله حتى قبض عمر ! ثم يقول :
أفكنت محدثكم بهذه الاحاديث وعمر حي ؟ أما والله إذن لايقنت أن المخفقة
ستباشر ظهري ، فإن عمركان يقول : اشتغلوا بالقرآن فإن القرآن كلام الله .
وقد قال الفقيه المحدث السيد رشيد رضارحمه الله في ذلك : لوطال عمر
عمر حتى مات أبوهريرة لما وصلت إلينا تلك الاحاديث الكثيرة ( 3 ) ، وقال عن
أحاديثه المشكلة : " لا يتوقف على شئ منها إثبات أصل من أصول الدين " ( 4 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) أحد العبادلة الثلاثة الذين رووا عن كعب الاحبار وكان قد أصاب زاملتين من كتب :
أهل الكتاب ، كان يرويها للناس فتجنب الاخذ عنه كثير من أئمة التابعين - وكان يقال له
لا تحدثنا عن الزاملتين . أما صحيفته التي كان يسميها " الصادقة " ويحرص عليها ، فهي أدعية وصلوات
كما قال الخطيب البغدادي - وقال فيهامغيرة " ماتسرني أنها لي بفلسين - ص 93 تأويل مختلف الحديث ) .
( 2 ) قال ابن حجر في الفتح : ثبت أن أبا هريرة لم يكن يكتب - ص 167 ج 2 فتح الباري .
وكذلك لم يحفظ القرآن .
( 3 ) ص 851 ج 10 مجلة المنار . ( 4 ) ص 100 ج 19 المنار *
ـ202ـ
كيف سوغ كثرة الرواية !
كان أبوهريرة يسوغ كثرة الرواية عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بأنه ما دام
لا يحل حراما ولا يحرم حلالا ، فإنه لابأس من أن يروي . وقد أيد صنيعه هذا
بأحاديث رفعهاإلى النبي ، ومنها ما رواه الطبراني في الكبيرعن أبي هريرة أن رسول الله قال :
" إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتهم ، المعنى فلابأس " .
وقال أيضاإنه سمع النبي يقول :
" من حدث حديثا هو لله عزوجل رضا فأنا قلته وإن لم أكن قلته " ،
روى ذلك ابن عساكرفي تاريخه .
وأخرج الطحاوى عن أبي هريرة : " إذاحدثتم عني حديثا تعرفونه ولا تنكرونه
فصدقوا به ، قلته أم لم أقله ، فإني أقول ما يعرف ولا ينكر ، وإذاحدثتم عني حديثا
تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوابه ، فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف " ( 1 ) .
روى ذلك وغيره على حين أن الثابت عن النبي أنه قال : " من نقل عني مالم أقله
فليتبوأ مقعده من النار " وقد اضطر عمرأن يذكره بهذا الحديث لما أوغل في الرواية .
تدليسه :
ذكر علماء الحديث أن أبا هريرة كان يدلس - والتدليس كماعرفوه أن يروي
عمن لقيه مالم يسمعه منه أو عمن عاصره ولم يقله ، موهماأنه سمعه منه ، والتدليس
أنواع كثيرة ، وحكمه أنه مذموم كله على الاطلاق ( 2 ) ، وقد كره التدليس جماعة
من العلماء ، وكان شعبة ( 3 ) أشدالناس إنكارا لذلك حتى قال : لان أزني أحب
إلي من أن أدلس ! وقال أيضا : التدليس أخوالكذب .
ومن الحفاظ من جرح من عرف بهذا التدليس من الرواة فرد روايته مطلقا
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 23 ج 2 ا لموافقات للشاطبي .
( 2 ) ص 35 من شرح ألفية السيوطي للشيخ أحمد شاكر .
( 3 ) شعبة بن الحجاج إمام أهل الحديث توفى بالبصرة سنة 160 ه وكان صريحا فيمايقول
ومن صراحته أنه كان يقول : " والله لانا في الشعر أسلم مني في الحديث ، ولو أردت الله ماخرجت لكم
ولوأردتم الله ماجئتموني ولكنا نحب المدح ونكره الذم " . *
ـ203ـ
وإن أتى بلفظ الاتصال ، ولولم يعرف أنه دلس إلا مرة واحدة . كما نص على ذلك
الشافعي رحمه .
وروى مسلم بن الحجاج عن بسربن سعيد قال : إتقواالله وتحفظوامن
الحديث ، فوالله لقد رأيتنا نجالس أباهريرة فيحدث عن رسول الله ( صلى الله
عليه وسلم ) ويحدثناعن كعب الاحبار ، ثم يقول فأسمع بعض من كان معنايجعل
حديث رسول الله عن كعب ، وحديث كعب عن رسول الله ! وفي رواية - يجعل
ماقاله كعب عن رسول الله ، وماقاله رسول الله عن كعب ! فاتقوا الله وتحفظوا
في الحديث .
وقال يزيد بن هارون : سمعت شعبة يقول : أبوهريرة كان يدلس - أي
يروي ماسمعه من كعب وماسمعه من رسول الله ، ولا يميز هذامن هذا - ذكره
ابن عساكر - وكأن شعبة يشير بهذاإلى حديث " من أصبح جنبا فلا صيام له " ،
فإنه لماحوقق عليه قال : أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله ( 1 ) .
وقال ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " : ( 2 ) وكان أبوهريرة يقول ، قال
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كذا وإنما سمعه من الثقة عنده فحكاه .
أول راوية اتهم في الاسلام :
قال إبن قتيبة في تأويل متخلف الحديث : " إنه لماأتى أبوهريرة من الرواية عنه
صلى الله عليه وسلم ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه والسابقين الاولين
إتهموه وأنكروا عليه وقالوا : كيف سمعت هذا وحدك ؟ ومن سمعه معك ؟ وكانت
عائشة رضي الله عنها أشدهم إنكارا عليه لتطاول الايام بها وبه ( 3 ) وممن إتهم أباهريرة
بالكذب ، عمروعثمان وعلي وغيرهم وبذلك كان - كماقال الكاتب الاسلامي الكبير
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 109 ج 8 البداية والنهاية لابن كثير ، وفي كتاب الخاص بأبي هريرة بسط هذا
القول فارجع إليه .
( 2 ) ص 50 .
( 3 ) ص 48 . *
ـ204ـ
مصطفى صادق الرافعي ( 1 ) - " أول راوية اتهم في الاسلام " .
ولماقالت له عائشة : إنك لتحدث حديثاما سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم
أجابها بجواب لا أدب فيه ولا وقار ، إذ قال لها - كمارواه ابن سعد والبخاري وابن كثير وغيرهم : شغلك عنه صلى الله عليه وسلم المرآة والمكحلة ! وفي رواية -
ماكانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب ، ولكن أرى ذلك شغلك ! !
على أنه لم يلبث أن عاد فشهد بأنهاأعلم منه ، وأن المرآة والمكحلة لم يشغلاها ،
ذلك أنه لماروى حديث " من أصبح جنبافلا صوم عليه " أنكرت عليه عائشة
هذا الحديث فقالت : إن رسول الله كان يدركه الفجر وهو جنب من غيراحتلام
فيغتسل ويصوم ، وبعثت إليه بأن لا يحدث بهذا الحديث عن رسول الله ،
فلم يسعه إزاء ذلك إلا الاذعان . وقال : إنها أعلم مني ، وأنا لم أسمعه من النبي ،
وإنما سمعته من الفضل بن العباس - فاستشهد ميتاوأوهم الناس أنه سمع الحديث
من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كما قال ( 2 ) ابن قتيبة في تأويل مختلف
الحديث .
وكان علي رضي الله عنه سيئ الرأي فيه ، وقال عنه ألاإنه أكذب الناس
- أوقال : أكذب الاحياءعلى رسول لابو هريرة . ولماسمع أنه يقول : حدثني
خليلي ! قال له : متى كان النبي خليلك ؟ ولما روى حديث : متى استيقظ أحدكم
من نومه فليغسل يده قبل أن يضعهافي الاناء ، فإن أحدكم لا يدري أين باتت
يده - لم تأخذ به عائشة وقالت : كيف نصنع بالمهراس ( 3 ) .
ولما سمع الزبير أحاديثه قال : صدق ، كذب ( 4 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 278 تاريخ آداب العرب ج 1 ويراجع فصل نقد الصحابة بعضهم لبعض في هذا الكتاب .
وفي اختصار علوم الحديث قال ابن حنبل وأبوبكر الحميدي وأبوبكر الصيرفي : لاتقبل رواية من كذب
في أحاديث رسول الله وإن تاب عن الكذب بعد ذلك ص 111 وقال السمعاني من كذب في خبر واحد
وجب إسقاط ماتقدم من حديثه ( ص 14 من التقريب للنووي ) وقال الحافظ ابن حجراتفق العلماء
على تغليط الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه من الكبائر حتى بالغ الشيخ أبومحمد الجوينى فحكم بكفر
من وقع منه ذلك ، وكلام القاضي أبي بكر بن العربي يميل إليه .
( 2 ) ص 28 .
( 3 ) المهراس صخر ضخم منقور لا يحمله الرجال ولا يحركونه ، يملاونه ماء ويتطهرون به . ( 4 ) ص 109 ج 8 البداية والنهاية . *
ـ205ـ
وعن أبي حسان الاعرج أن رجلين دخلا على عائشة رضي الله عنها فقالا :
إن أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الطيرة في المرأة والدابة
والدار " ، فطارت شفقا ثم قالت : كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ، من
حدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! إنماقال رسول الله - كان أهل
الجاهلية يقولون : إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار ، ثم قرأت : " ما أصاب من مصيبة
في الارض ولافي أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها " ( 1 ) .
وأنكر عليه ابن مسعود قوله : من غسل ميتا ، ومن حمله فليتوضأ - وقال فيه
قولا شديدا ثم قال : يا أيها الناس لا تنجسوامن موتاكم ( 2 ) .
وروى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أنه قال : أقلد من كان من القضاة المفتين
من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعبادلة الثلاثة ولا أستجيز خلافهم
برأيي إلا ثلاثة نفر - وفي رواية - أقلد جميع الصحابة ولا أستجيز خلافهم برأيى
إلا ثلاثة نفر ( أنس بن مالك وأبوهريرة وسمرة بن جندب ) فقيل له في ذلك فقال :
أما أنس فاختلط في آخر عمره وكان يستفتى فيفتي من عقله ، وأنا لا أقلد عقله ،
وأما أبوهريرة فكان يروي كل ماسمع من غير أن يتأمل في المعنى ومن غيرأن
يعرف الناسخ من المنسوخ ( 3 ) " .
وروى أبويوسف قال : قلت لابي حنيفة : الخبر يجيئني عن رسول الله يخالف
قياسنا ، مانصنع به ؟ فقال : إذاجاءت به الرواة الثقات عملنابه وتركنا الرأي .
فقلت : ما تقول في رواية أبي بكر وعمر ؟ قال ناهيك بهما . فقلت : وعلي وعثمان ؟
قال : كذلك . فلما رآني أعد الصحابة - قال : والصحابة كلهم عدول ما عدا
رجالا . وعد منهم أباهريرة وأنس بن مالك ( 4 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 126 و127 تأويل مخلف الحديث .
( 2 ) ص 85 ج 2 جامع بيان العلم .
( 3 ) ص 31 و32 من كتاب مختصر كتاب المؤمل لابي شامة .
( 4 ) هذا هو رأي أبي حنيفة فيه وهو من نعلم ، والذي ولد في المائة الاولى والذي أدرك عصر
الصحابة ولجلال قدره سموه الامام الاعظم ولد سنة 80 ه ومات سنة 150 ه . *
ـ206ـ
وعن إبراهيم النخعى قال : كان أصحابنا يدعون من حديث أبي هريرة .
ورواية الاعمش عنه - ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة !
وقال الثوري عن منصورعن إبراهيم : كانوايرون في أحاديث رسول الله
شيئا ، وما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلا ماكان من حديث صفة جنة
أو نار ، أو حث على عمل صالح ، أو نهى عن شرجاء في القرآن ( 1 ) .
وروى أبوشامة عن الاعمش قال : كان إبراهيم صحيح الحديث ( 2 ) ، فكنت
إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه ، فأتيته يوما بأحاديث من حديث أبي صالح
عن أبي هريرة فقال : دعني من أبي هريرة ! إنهم كانوا يتركون كثيرامن حديثه .
وقال أبوجعفر الاسكافي - وأبوهريرة مدخول عند شيوخنا غيرمرضي
الرواية ، ضربه عمروقال : أكثرت من الحديث وأحربك أن تكون كاذبا على
رسول الله ( 3 ) .
وقال ابن الاثير : أمارواية أبي هريرة فشك فيهاقوم لكثرتها ( 4 ) .
وفي الاحكام الآمدي :
أنكر الصحابة على أبي هريرة كثرة روايته وذلك الان الاكثار لا يؤمن معه
اختلاط الضبط الذي لايعرض لمن قلت روايته .
وجرت مسألة المصراة ( 5 ) في مجلس الرشيد فتنازع القوم فيها ، وعلت أصواتهم
فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبوهريرة ، فردبعضهم الحديث وقال :
أبوهريرة متهم فيمايرويه ، ونحا نحوه الرشيد .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 109 ج 8 البداية والنهاية .
( 2 ) كانوا يسمونه صيرفي الحديث .
( 3 ) ص 360 ج 1 شرح نهج البلاغة .
( 4 ) ص 81 من كتاب المثل السائر .
( 5 ) المصراة هي الناقة أو البقرة يجمع اللبن في ضرعها ويحبس أياما بغير حلب ، لايهام المشتري
أنهاغزيرة اللبن - وسبب در الحنيفة لحديث " المصراة " أنه مخالف لاقيسة بأسرهافإن حلب اللبن تعد ،
وضمان التعدي يكون بالمثل أو بالقيمة والصاع من التمرليس بواحد منها . *
ـ207ـ
أخذه عن كعب الاحبار :
ذكر علماء الحديث في باب " رواية الصحابة عن التابعين ، أو رواية الاكابر
عن الاصاغر " أن أباهريرة والعبادلة ومعاوية وأنس وغيرهم ، قد رووا عن كعب
الاحبار اليهودي الذي أظهر الاسلام خداعا وطوى قلبه على يهوديته - ويبدو أن
أبا هريرة كان أكثر الصحابة انخداعا به ، وثقة فيه ، ورواية عنه وعن إخوانه ،
كماكان أكثرهم رواية للحديث ، ويتبين من الاستقراء أن كعب الاحبارقد سلط
قوة دهائه على سذاجة أبي هريرة لكي يستوحذ عليه وينيمه ليقلنه كل مايريد
أن يبثه في الدين الاسلامي من خرافات وأوهام ، وكان له في ذلك أساليب غريبة ،
وطرق عجيبة .
فقد روى الذهبي في طبقات الحفاظ - في ترجمة أبي هريرة - أن كعبا قال
فيه - أي في أبي هريرة - ما رأيت أحدالم يقرأ التوراة أعلم بما فيهامن أبي هريرة ! !
فانظر مبلغ دهاء هذا الكاهن ومكره بأبي هريرة الذي يتجلى في درس تاريخه
أنه كان رجلا فيه غفلة وغرة ! إذ من أين يعلم أبوهريرة مافي التوراة وهو لم يعرفها ،
ولو عرفها لما استطاع أن يقرأها ( 1 ) لانهاكان باللغة العبرية وهولا يستطيع أن
يقرأحتى لغته العربية ، إذ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب .
وممايدلك على أن هذا الحبر الداهية قد طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى
جعله يردد كلام هذاالكاهن بالنص ويجعله حديثا مرفوعاإلى النبي ما نورد لك
شيئا منه :
روى البزار عن أبي هريرة أن النبي قال : إن الشمس والقمر ثوران في النار
يوم القيامة !
فقال الحسن : وماذنبهما ؟ فقال : أحدثك عن رسول الله وتقول ماذنبهما ؟
* ( هامش ) * ( 1 ) روى البخاري عن أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة ب العبرانية ويفسرونها
بالعربية لاهل الاسلام ، ولو كان يعرف العبرانية لقال : وكنت من الذين يفسرون التوراة . *
ـ208ـ
وهذاالكلام نفسه قد قاله كعب بنصه ، فقد روى أبويعلى الموصلى ، قال
كعب : يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم
يراهمامن عبدهما ( 1 ) .
وروى الحاكم في المستدرك والطبراني - ورجاله رجال الصحيح - عن
أبي هريرة : أن النبي قال : إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك رجلاه في الارض
وعنقه مثبتة تحت العرش وهويقول : سبحانك ما أعظم شأنك ! قال : فيرد عليه
مايعلم ذلك من حلف بي كاذنا .
وهذا الحديث من قول كعب الاحبار ونصه : إن لله ديكا عنقه تحت العرش
وبراثنه في أسفل الارض فإذاصاح صاحت الديكة فيقول : سبحان القدوس
الملك الرحمن لاإله غيره ( 2 ) .
وروى أبوهريرة أن رسول الله قال : النيل وسيحان وجيحان والفرات من
أنهار الجنة ، وهذا القول نفسه رواه كعب إذ قال : أربعة أنهار الجنة وضعهاالله
عزوجل في الدنيا فالنيل نهرالعسل في الجنة ، والفرات نهر الخمر في الجنة ،
وسيحان نهرالماء في الجنة ، وجيحان نهراللبن في الجنة .
وقال ابن كثيرفي تفسيره إن حديث أبي هريرة في يأجوج ومأجوج ونصه
كما رواه أحمد عن أبي هريرة " إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى
إذا كادوا يرون شعاع الشمس ، قال الذين عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون . . .
إلخ ، وقد روى أحمد هذا الحديث عن كعب - قال ابن كثيرلعل أباهريرة
تلقاه من كعب فإنه كان كثيرا مايجالسه ويحدثه - وبين في مواضع كثيرة
من تفسيره ماأخذه أبوهريرة من كعب ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة
أن الله خلق آدم على صورته - وهذاالكلام قد جاء في الاصحاح الاول من التوراة
( العهد القديم ) ونصه هناك : وخلق الله الانسان على صورته ، على صورة الله
خلقه ( 3 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 222 حياة الحيوان .
( 2 ) ص 220 ج 1 نهاية الارب للنويري .
( 3 ) من روايات هذا الحديث . وطوله - أي آدم - ستون ذراعا ، وفي رواية على صورة الرحمن . وقد = *
ـ209ـ
ولما ذكر كعب صفة النبي في التوراة : قال أبوهريرة في صفته صلى الله
عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الاسواق - وهذاهونص كلام
كعب كما أوردناه من قبل .
وروى مسلم عن أبي هريرة : أخذ رسول الله بيدي ! فقال : خلق الله التربة
يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الاحد ! وخلق الشجر يوم الاثنين ! وخلق
المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الاربعاء ! وبث فيها الدواب يوم الخميس !
وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخرالخلق من آخرساعة
من ساعات الجمعة فيمابين العصر إلى الليل . وقد روى هذا الحديث كذلك أحمد
والنسائي عن أبي هريرة ! !
وقد قال البخاري وابن كثير وغيرهما إن أباهريرة قدتلقى هذا الحديث عن
كعب الاحبارلانه يخالف نص القرآن في أنه خلق السموات والارض في ستة أيام .
ومن العجيب أن أبا هريرة قدصرح في هذا الحديث ( بسماعه ) من النبي
صلى الله عليه وسلم وأنه قد أخذ بيده حين حدثه به - وإني لاتحدى الذين يزعمون
أنهم على شئ من علم الحديث عندنا ، وجميع من هم على شاكلتهم ، في غير
بلادناأن يحلو لنا هذا المشكل .
إن الحديث صحيح السند على قواعدهم - لاخلاف في ذلك - وقد رواه مسلم
في صحيحه ولم يصرح بسماعه من النبي فقط ، بل زعم أن رسول الله قدأخذ بيده
وهو يحدثه به ، وقدقضى أئمة الحديث بأن هذا الحديث مأخوذ عن كعب الاحبار
وأنه مخالف للكتاب العزيز ، فمثل هذه الرواية تعد ولا ريب كذباصراحا ، وإفتراء
على رسول الله ، فماحكم من يأتي بها ؟ وهل تدخل تحت حكم حديث الرسول :
من كذب علي فيتبوأ مقعده من النار ؟ أم هناك مخرج لراوي هذا الحديث بذاته !
إني والله لفي حاجة إلى الانتفاع بعلمهم في هذا الحديث وحده الذي يكشف
ولاريب عن روايات أبي هريرة التي يجب الاحتياط الشديد في تصديقها !
* ( هامش ) * = انتقد هذا الحديث من إحدى نواحيه ابن حجرفي الفتح فقال ويشكل على هذا من الآن - الآثار للامم
السالفة كديارعاد وثمود فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة في الطول على حسب ما يقتضيه
الترتيب الذي ذكره أبوهريرة . وأنكر مالك هذا الحديث . *
ـ210ـ
وقد بلغ من دهاء كعب الاحبار واستغلاله لسذاجة أبي هريرة وغفلته ، أن
كان يلقنه ما يريد بثه في الدين الاسلامي من خرافات وترهات حتى إذارواها
أبوهريرة عاد هو فصدق أباهريرة ، وذلك ليؤكد هذه الاس رائيليات وليمكن لها
في عقول المسلمين - كأن الخبر قد جاء عن أبي هريرة وهوفي الحقيقة عن كعب
الاحبار .
وإليك مثلامن ذلك نختم به ماننقله من الاحاديث التي رواها أبوهريرة عن
النبي ، وهي في الحقيقة من الاس رائيليات حتى لايطول بناالقول :
روى الامام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله قال :
إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ، اقرءواإن شئتم " وظل
ممدود " .
ولم يكد أبوهريرة يروى هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال : صدق
والذي أنزل التوراة على موسى ، والفرقان على محمد ، لوأن رجلاركب حقة
أو جذعة ثم دار بأعلى تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما ! إن الله تعالى
غرسهابيده ونفخ فيهامن روحه ، وإن أفنانها لمن وراء أستار الجنة ومافي الجنة
نهر إلا وهو يخرج من أصل هذه الشجرة . وهكذا يتعاونان على نشرمثل هذه
الخرافات ، ومن العجيب أن يروى هذاالخبر الغريب وهب بن منبه في أثر غريب
فيرجع إليه من أراده ( 1 ) .
وفي فصل الاس رائيليات الذي مر بك أحاديث كثيرة من مثل ذلك .
ولما روى أن رسول الله قال : " لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا ودما خيرمن
أن يمتلئ شعرا " قالت عائشة : لم يحفظ إنما قال : " . . من أن يمتلئ شعرا
هجيت به ( 2 ) " .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 513 ، 514 ج 4 تفسير ابن كثير .
( 2 ) اتخذ الذين لايعلمون قول أبي هريرة هذا حجة على أن النبي صلوات الله عليه كان يكره الشعر ،
وفشاذلك بين المسلمين وغير المسلمين ، في حين أنا نجده صلى الله عليه وسلم كان يصغي إلى الشعر ويمدحه
ويثيب عليه ، فقد روى أبي بن كعب أن رسول الله قال إن من الشعرحكمة وأخرج أبي داود عنه صلى الله عليه وسلم = *
ـ211ـ
حفظ الوعاءين :
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 211 سطر 1 الى ص 220 سطر 26
حفظ الوعاءين :
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال : حفظت عن رسول الله وعاءين ( 1 ) فأما
أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم .
وهذا الحديث معارض بحديث رواه الجماعة ( 2 ) بألفاظ متقاربة عن علي
رضي الله عنه ، فقد سئل : هل عندكم كتاب ؟ فقال : لا ، إلا كتاب الله أو فهم
أعطيه رجل مسلم ، أو أما في هذه الصحيفة .
وكذلك يعارضه ما رواه البخاري عن عبدالعزيز بن رفيع قال :
دخلت أناوشداد بن معقل على ابن عباس فقال له شداد ، أ ترك النبي من
شئ ؟ فقال : ما ترك إلا مابين الدفتين .
ولوكان هناك شئ يؤثربه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أحد خواصه ويحجبه
عن سائر أصحابه ، لكان علي أول الناس جميعا بذلك ، ذلك بأن ربيبه وابن عمه
وأول من أسلم وزوج إبنته ، ولم يفارقه لا في سفر ولا في حضر ، وشهد معه المشاهد
كلها - سوى تبوك - ولما استخلفه النبي فيها على المدينة قال له علي : أتخلفني في
النساء والصبيان ؟ فقال له النبي : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ !
إلا أنه لا نبي بعدي ، رواه البخاري والترمذي .
حقا كان علي أولى الناس جميعا بذلك ، فإن لم يكن علي فالصديق أبوبكر
أو عمر ، أو أبوعبيدة أو الزبير حواريه وابن عمته أوعائشة أحب أزواجه إليه
بعد خديجة ، أوالعاقلة الرزينة أم سلمة أو ابن مسعود الذي قال له النبي : أذنك
على أن ترفع الحجاب وتسمع سوادي أي سرارى ، حتى كانوا لشدة ملازمته للنبي
( صلى الله عليه وسلم ) لايرون إلا أنه رجل من أهل بيته صلى الله عليه وسلم ،
وعرف بين الصحابة جميعابأنه صاحب السواد والوساد ، الذي لا يعرفه غيره
رضي الله عنهم جميعا .
* ( هامش ) * = " إن من البيان سحرا ، وإن من العلم جهلا ، وإن الشعرحكمة " ، ورواية البخاري في الادب المفرد
وأبي داود والترمذي وابن ماجة " إن من الشعرحكما " ، واستشهد صلى الله عليه وآله من شعر أمية بن أبي الصلت .
( 1 ) في رواية أخرى جرابين وفي ثالثة أجربة .
( 2 ) الجماعة أحمد والشيخان وأصحاب السنن . *
ـ212ـ
كان هؤلاء هم أولى الناس بأن يؤثرهم النبي بمالا يريد أن يظهره لاحد من
سائر أصحابه ، وإذا كان هناك أمر يريد أن يسره لاحد من خواصه .
ومن هو أبوهريرة حتى يؤثره النبي بشئ يخصه بشئ يخصه به ويكتمه ويخفيه عن أصفيائه
وأحبابه وأقرب الناس إليه ؟ ! إنه لم يكن له أي فضل يدنو به إلى النبي - ولا عد
بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الاعلى من أية طبقة ( 1 ) من طبقات الصحابة ، فلا هو
من السابقين الاولين ولا من المهاجرين ، ولا من الانصار ، ولا من المجاهدين
بأموالهم أو بأنفسهم ( 2 ) ولا في النقباء ، ولا من العرفاء ، ولا من الكلمة في الجاهلية
وأول الاسلام ، ولامن شعراء النبي الذين نافحوا عنه ولا من المفتين ، ولا من
القراء - الذين حفظوا القرآن - ولاجاء في فضله حديث عن الرسول ( 3 ) ، وكل
ماعرف عنه أنه كان من أهل الصفة لا أكثر ولا أقل !
تشيع أبي هريرة لبنى أمية :
علمت مماكشفناه لك من تاريخ أبي هريرة أنه لم يصاحب النبي إلا على ملء
بطنه ، كماذكر هو مراراعن نفسه ، وأنه قد اتخذ الصفة ملاذا له لفقره ، يأكل
فيها كما يأكل سائر أهلها ، أو يأكل عندالنبي أو أحد أصحابه .
ومن كان هذا شأنه لا يكون ولاجرم إلا من عامة الصحابة لا شأن له ولا خطر ،
وقدظل على ذلك زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكروعمر - ثم أخذ يظهر
في زمن عثمان بعد انزوائه ، ويبدو للناس بعد خفائه .
* ( هامش ) * ( 1 ) قسموا الصحابة من حيث فضلهم إلى إثنتى عشرة درجة . فما وجدناه في واحدة منها ! وهي
( 1 ) قدماء السابقين الذين أسلموا بمكة ( 2 ) أصحاب دارالندوة ( 3 ) مهاجرة الحبشة
( 4 ) أصحاب العقبة الاولى ( 5 ) أصحاب العقبة الثانية ( 6 ) أول المهاجرين الذين وصلواإلى النبي
بقباء قبل أن يدخل المدينة ( 7 ) أهل بدر ( 8 ) المهاجرون بين بدر والحديبية ( 9 ) أهل بيعة الرضوان
( 10 ) من هاجر بين الحديبية وفتح مكة ( 11 ) مسلمة الفتح ( 12 ) صبيان - وأطفال رأوا رسول الله
يوم الفتح وفي حجة الوداع ، ويصح أن نعده في الطبقة مع الصبيان - ص 69 و70 ج 1 الروض
الباسم للوزير اليماني .
( 2 ) أثبت التاريخ أنه فر يوم مؤتة ولما عيروه بذلك لم يحر جوابا .
( 3 ) روى البخاري وغيره أحاديث كثيرة في فضل طائفة كبيرة من أجلاء الصحابة لم نر بينهم
أبا هريرة . *
ـ213ـ
ولماشبت نارالحرب بين علي رضي الله عنه ومعاوية ، وإن شئت فقل
لما انبعث الصراع بين الاموية والهاشمية ( 1 ) بعدأن توارى - فرقا من القوة - في زمن
النبي وخليفتيه أبي بكر وعمر ، وانقسم المسلمون فرقا إتجه أبوهريرة إلى الناحية
التي يميل إليها طبعه ، وتتفق مع هوى نفس - وهي ناحية معاوية - إذ كانت
تملك من أسباب السلطان والترف والمال والنعيم ما لم تملك ناحية على التي ليس فيها
إلا الفقر والجوع والزهد - وليس بغريب على من نشأنشأة أبي هريرة وعاش
عيشته ، أن يتنكب الطريق التي تؤدي إلى علي ، وأن يتخذ سبيله إلى معاوية
ليشبع نهمه من ألوان موائده الشهية ، ويقضي وطره من رفده وصلاته وعطاياه السنية .
وإذا كان قدبلغ من فاقة أبي هريرة وجوعه أن يخر مغشياعليه ( 2 ) ، فيضع
الناس أرجلهم على عنقه ! فهل تراه يدع دولة بني أمية ذات السلطان العريض
والاطعمة الناعمة ، وينقلت إلى علي الزاهد الفقير الذي كان طعامه القديد ؟
إن هذا لمما تأباه الطباع الانسانية ، ولا يتفق والغرائز النفسية ! اللهم إلا من عصم
ربك ، وقليل ما هم .
ولقدعرف بنو أمية صنيعة معهم ، وقدروا موالاته لهم ، فأغدقوا عليه من
أفضالهم ، وغمروه برفدهم وأعطيتهم ! فلم يلبث أن تحول حاله من ضيق إلى سعة ،
ومن شظف العيش إلى دعة ، ومن فقر إلى ثراء ، وبعد أن كان يسترجسمه بنمرة
بالية ( 3 ) صار يلبس الخز والكتان الممشق ( 4 ) .
ولقد كانت أول لفتة من عين الامويين إلى أبي هريرة لقاء مناصرته إياهم أن
* ( هامش ) * ( 1 ) ارجع إلى كتابنا المطول عن أبي هريرة تجد فيه فصلا خاصا عنوانه " كيف قامت دولة
بني أمية " .
( 2 ) من قول أبي هريرة - كماروى البخاري : لقد رأيتني وإني لاخرفيما بين منبررسول الله إلى حجرة
عائشة مغشياعلى ، فيجئ الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون - وما بي من جنون - ما بي إلا
الجوع .
( 3 ) ومن قوله - كما جاء في الحلية - نزعت نمرة على ظهري فبسطتها بين يديه صلى الله عليه وآله كأني أنظر
إلى القمل يدب عليها ، وهذه النمرة كان يربطها في عنقه فتبلغ ساقيه فيجمعها بيده لئلا تبدو عورته .
( 4 ) في طبقات ابن سعد أن أباهريرة كان يلبس الخز والساج المزرور بالديباج ، وروى
البخاري أنه كان يلبس الكتان الممشق . *
ـ214ـ
ولاه بسربن أرطأة على المدينة بعد أن بعثه معاوية إلى أهل الحجاز يفعل فعلاته
بهم وبأموالهم وذراريهم - وكذلك كان مروان ينيبه عنه على ولاية المدينة ، ثم
زادت أياديهم عليه فبنواله قصرا بالعقيق وأقطعوه أرضا بالعقيق وبذى الحليفة ،
ولم يكتفوا بذلك بل زوجوه بسرة بنت غزوان أخت الاميرعتبة بن غزوان وهي
التي كان يخدمها أيام عريه وفقره بطعام بطنه ( 1 ) .
ولقد
استخفه أشره وزهوه ، ونم عليه أصله ونحيزته ، فخرج عن حدود الادب
والوقارمع هذه السيدة الكريمة ، فكان يقول بعد هذا الزواج الذي ماكان ليحلم به :
" إني كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني ، فكنت إذا ركبوا سقت بهم وإذا
نزلوا خدمتهم - والآن تزوجتها ، فأنا الآن أركب فإذا نزلت خدمتني ! " ويقول :
وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت فقالت لا أريم حتى تجعل لي عصيدة !
فهاأنا إذاأتيت على نحو من مكانها قلت لها : لا أريم حتى تجعلي لي عصيدة !
ومماأخرجه ابن سعد أنه قال : أكريت نفسي من ابنة غزوان على طعام بطني
وعقبة رجلي . . فكانت تكلفني أن أركب قائماو أورد حفيا ، فلما كان بعد ذلك
زوجنيها الله فكلفتها أن تركب قائمة وأن توردح افية ( 2 ) .
ولم يكن ماقدم أبوهريرة لمعاوية جهادا بسيفه أو بماله ، وإنما كان جهاده
أحاديث ينشرها بين المسلمين يخذل بهاأنصار على ويطعن فيهاعليه ، ويجعل الناس
يبرءون منه ، ويشيدبفضل معاوية ودولته .
وقدكان ممارواه أحاديث في فضل عثمان ومعاوية وغيرهما ممن يمت بأواصر
القربى إلى آل أبي العاص وسائربني أمية .
روى البيهقي عنه أنه لمادخل دارعثمان وهومحصور ، استأذن في الكلام
ولماأذن له قال : إني سمعت رسول الله يقول ، إنكم ستلقون بعدي فتنة واختلافا ،
* ( هامش ) * ( 1 ) ممايدل على أن أبا هريرة قد ظل على فقره وعريه إلى أواخر عهد عمر - أن عمرقال له عندما
استدعاه من البحرين لماأتى أشياء استوجبت عزله وكان قد ولاه عليهاسنة 21 ه : هل علمت من حين
أني استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين ! !
( 2 ) انظر إلى هذا الكلام الذي تعرى عن كل مروءة وكرم - فتجده يباهي بامتهان زوجه والتشفى
منها - وهل يفعل مثل ذلك رجل كريم . *
ـ215ـ
فقال له قائل من الناس فمن لنا يارسول الله ؟ . . أوما تأمرنا ؟ فقال : عليكم
بالامين وأصحابه ، وهويشير إلى عثمان ، وقد أورده أحمد بسند جيد .
ولمانسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبوهريرة فقال ( 1 ) :
أصبت ووفقت ! أشهد لسمعت رسول الله يقول : إن أشد أمتي حبا لي ، قوم
يأتون من بعدي يؤمنون ولم يروني ، يعملون بماجاء في الورق المعلق . . حتى رأيت
المصاحف . قال فأعجب ذلك عثمان ، وأمر لابي هريرة بعشرة آلاف .
وهذا الحديث من غرائبه ، وهوينطق ولاريب بأنه ابن ساعته .
ومما وضعه في معاوية ما أخرجه الخطيب عنه : ناول النبي صلى الله عليه وسلم
معاوية سهما فقال : خذ هذا السهم حتى تلقاني به في الجنة .
وأخرج ابن عساكر وابن عدى والخطيب البغدادي عنه : سمعت رسول الله
يقول : إن الله ائتمن على وحيه ثلاثة : أنا وجبريل ومعاوية ، وفي رواية أخرى ( 2 )
عن أبي هريرة مرفوعا : الامناء ثلاثة ، جبريل وأنا ومعاوية .
ونظر ( أبوهريرة ) إلى عائشة بنت طلحة وكانت مشهورة بالجمال الفائق -
فقال : سبحان الله ، ماأحسن ماغذاك أهلك ! والله ما رأيت وجهاأحسن منك
إلا وجه معاوية على منبر رسول الله ( 3 ) . والاخبارفي ذلك كثيرة .
ولقدبلغ من مناصرته لبني أمية أنه كان يحث الناس على ما يطالب به عمالهم
من صدقات ، ويحذرهم أن يسبوهم .
قال العجاج الراجز : قال لي أبوهريرة : ممن أنت ؟ قلت : من أهل العراق ،
قال : يوشك أن يأتيك بقعان الشام ( 4 ) فيأخذوا صدقتك ، فإذا أتوك فتلقهم بها
فإذا دخلوها فكن في أقاصيها ، وخل عنهم وعنها ، وإياك أن تسبهم فإنك إن سببتهم
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 216 ج 7 البداية والنهاية لابن كثير
( 2 ) ص 120 ج 8 البداية والنهاية لابن كثير
( 3 ) ص 109 ج 6 من العقد الفريد
( 4 ) بقعان الشام خدمهم وعبيدهم ومماليكهم *
ـ216ـ
ذهب أجرك وأخذوا صدقتك وإن صبرت جاءت في ميزانك يوم القيامة ( 1 ) .
وضعه أحاديث على علي :
قال أبوجعفر الاسكافي ( 2 ) إن معاوية حمل قوما من الصحابة ، وقوما من
التابعين ، على رواية أخبار قبيحة على علي تقتضي الطعن فيه ، والبراءة منه ، وجعل
لهم في ذلك جعلا ، فاختلقوا له ماأرضاه ، منهم أبوهريرة ، وعمرو بن العاص ،
والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير .
وروى الاعمش : لما قدم أبوهريرة العراق مع معاوية عام الجماعة ( 3 ) جاء
إلى مسجد الكوفة فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب
صلعته مراروقال : يا أهل العراق أتزعمون أني أكذب على الله ورسول الله ( 4 )
وأحرق نفسي بالنار . والله لقد سمعت رسول الله يقول : لكل نبي حرماوإن
حرمي بالمدينة ما بين عير وإلى ثور ، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين ، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها . فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه
وولاه إمارة المدينة .
على أن الحق لا يعدم أنصارا ، وأن الصحابة إذا كان فيهم مثل أبي هريرة
ممن يستطيع معاوية أن يستوحذ عليه ، فإن فيهم كثرة غالبة لا يستهويها وعد ، ولايرهبها
وعيد . فقد روى سفيان الثوري عن عبدالرحمن بن القاسم عن عمربن عبدالغفار
أن أبا هريرة ، لما قدم الكوفة مع معاوية ، كان يجلس بالعشيات بباب كندة
ويجلس الناس إليه ، فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه فقال : ياأبا هريرة ،
أنشدك الله ، أسمعت رسول الله يقول لعلي بن أبي طالب ، اللهم وال من والاه
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 572 الشعر والشعراء لابن قتيبة .
( 2 ) ص 358 ج 1 شرح نهج البلاغة .
( 3 ) هوالعام الذي نزل فيه الحسن رضي الله عنه عن الحكم إلى معاوية حقنا لدماء المسلمين سنة 41 ه
وسموه عام الجماعة وهو في الحقيقة كان عام الفرقة .
( 4 ) يدل هذاالقول على أن كذب أبي هريرة على النبي قد اشتهرحتى عم الآفاق - لانه قال ذلك
وهو بالعراق . وإن الناس جميعا كانوا يتحدثون عن هذاالكذب في كل مكان . *
ـ217ـ
وعاد من عاداه ؟ فقال : اللهم نعم . فقال : فأشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت
وليه ، ثم قام عنه - بعد أن لطمه هذه اللطمة الاليمة .
وروى مسلم :
أن معاوية بن أبي سفيان قال لسعد بن أبي وقاص : مايمنعك أن تسب أبا تراب ( 1 ) ؟
فقال : أما ذكرت ثلاثا قالهن له الرسول ؟ فلن أسبه - لان تكون لي واحدة
منهن أحب إلي من حمرالنعم ! سمعت رسول الله يقول له ، لما خلفه في بعض
مغازيه ( 2 ) يارسول الله : خلفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول الله : " أما
ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه لا نبوة بعدي " وسمعته يقول
يوم خبير ، " لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله " ، فتطاولنا
لها فقال : ادعوا عليا فأتي به أرمد . فبصق في عينيه ، ودفع الرية إليه ، ففتح
الله عليه - ولما نزلت هذه الآية " قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم " الآية دعا رسول
الله - عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وقال : اللهم هؤلاءأهلي .
ومن فضائل علي أن النبي قال له : أنت مني وأنا منك . وقال له : من كنت
مولاه فعلي مولاه . وقال أحمد بن حنبل ما بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا
عن علي . وقال هو والنسائي وا لنيسابوري وغيرهم : لم يردفي حق أحد من الصحابة
بالاسانيد الجياد أكثرمما جاءفيه .
وأخرج مسلم عن علي : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد إلي : " أنه
لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " وقد جمع النسائي في مناقبه كتاب
الخصائص .
سيرته في ولايته :
استعمل عمر أبا هريرة على البحرين حوالى سنة 21 ه ثم بلغه عنه أشياء تخل
بأمانة الوالي العادل فعزله وولى مكانه عثمان بن أبي العاص الثقفى - واستدعاه وقال
* ( هامش ) * ( 1 ) أبوتراب هوعلي رضي الله عنه - وكان مما فعله معاوية ومن جاءوا بعده من ملوك بني أمية أن
طلبوا من الناس أو ألزموهم أن يسبوا علياو يلعنوه على المنابر ، وظلت هذه السنة السيئة حتى أبطلها عمر
ابن عبدالعزيز رحمه الله .
( 2 ) هي غزوة تبوك . *
ـ218ـ
له : هل علمت من حين أنى استخلفتك على البحرين وأنت بلا نعلين ! ثم بلغني
أنك ابتعت أفراسا بألف دينار وستمائة دينارا ! ! فقال : كانت لناأفراس تناتجت
وعطايا تلاحقت ! قال : قد حسبت لك رزقك ومؤونتك ، وهذا فضل فأده . فقال
له : ليس لك ذلك ! فأجابه عمر : بلى والله وأوجع ظهرك ، ثم قام إليه بالدرة
فضربه حتى أدماه . ثم قال له : إئت بها - قال : احتسبتها . فقال له عمر : ذلك
لوأخذتها من حلال وأديتها طائعا ! أجئت من أقصى حجر بالبحرين يجبي الناس
لك ، لا لله ولا للمسلمين ؟ ما رجعت بك أميمة ( أم أبي هريرة ) إلا لرعية الحمر ( 1 ) .
وفي رواية عن أبي هريرة نفسه : أن عمرقال : ياعدو الله وعدو كتابه ،
سرقت مال الله ، من أين اجتمعت لك عشرة آلاف .
ونكتفي بما أوردناه ففيه بلاغ .
وفاته :
مات أبوهريرة سنة 59 ه عن ثمانين سنة بقصره بالعقيق وحمل إلى المدينة
ودفن بالبقيع وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وكان يومئذ أميراعلى المدينة
تكريما له . ولما كتب الوليد إلى عمه معاوية ينعى له أبا هريرة أرسل إليه معاوية
" انظر من ترك ، وادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم وأحسن جوارهم وافعل إليهم
معروفا " . وهكذا يترادف رفدهم له حتى بعد وفاته .
كلمة مجملة فيه :
وإذ وصلنامن تاريخ أبي هريرة إلى هنا ، فإنا نردف ما سقناه بكلمات للعالم
الكبير المحدث السيد رشيد رضا رحمه الله ( 1 ) قالها في أبي هريرة :
كان إسلامه في سنة 7 ه فصحب رسول الله ثلاث سنين ونيفا ، فأكثر
أحاديثه لم يسمعها من النبي ، وإنما سمعها من الصحابة والتابعين ، فإذا كان جميع
* ( هامش ) * ( 1 ) أي ما ولدتك أمك إلا لرعية الحمر . وانظر هل تجد عمريخاطب غير أبي هريرة بمثل هذه اللهجة
القاسية التى تنم عن الاحتقار الشديد ، وأي احتقار أبلغ من أن يصفه بأنه لا يصلح إلا لرعية الحمر . .
والحقيقة أنه صحب النبي عاماوتسعة أشهر ( راجع كتابناشيخ المضيرة ) . *
ـ219ـ
الصحابة عدولا في الرواية - كما يقول جمهور المحدثين ، فالتابعون ليسوا كذلك ،
وقد ثبت أنه كان يسمع من كعب الاحبار ، وأكثر أحاديثه عنعنة ، على أنه صرح
بالسماع ( 1 ) في حديث " خلق الله التربة يوم السبت " وقد جزموا بأن هذا الحديث
أخذه من كعب الاحبار ( 2 ) .
وقال إنه يكثر في أحاديثه الرواية بالمعنى والارسال ( 3 ) لان الكثيرمنه قد
سمعه من الصحابة وكذا بعض التابعين - ورواية الحديث بالمعنى كانت مثارا
لمشكلات كثيرة .
وقال : إنه إنفرد بأحاديث كثيرة كان بعضها موضع الانكارأو مظنته لغرابة
موضوعها كأحاديث الفتن وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم ببعض المغيبات التي
تقع بعده ، ويزاد على ذلك أن بعض تلك المتون غريب في نفسه ، ولوانفرد بمثله
غير صحابي لعد من العلل التي يتثبت بهافي روايته - كما هو المعهود عند نقاد
الحديث ، أهل الجراح والتعديل ( 4 ) ولذلك نرى الناس ما زالوا يتكلمون في بعض
روايات أبي هريرة ( 5 ) .
وقد أخرج البخاري لابي هريرة 446 حديثا في صحيحه وأخرج لابن عباس
217 حديثا . وهذا القدر من روايتهما للاصول الموصولة من الاحاديث لم ينفردا به ،
وإنما شاركهما في رواية الكثير منه غيرهما ، ولوأحصينا ماانفرد بروايته أبوهريرة
وحده من أحاديث الاحكام الشرعية لرأيناه قليلا جدا ، وعلمناأنه لولم يروه
* ( هامش ) * ( 1 ) أي أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
( 2 ) يثبت السيد رحمه الله وهو المحدث الكبير بل شيخ المحدثين في هذاالعصر - كما يثبت غيره أنه
غيرصادق في إدعائه أنه سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم . وقد مربك نص هذا
الحديث وقصته ص 43 ج 29 مجلة المنار .
( 3 ) الحديث المرسل لا يذكر فيه اسم الصحابي الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وآله .
( 4 ) ولكن أني لانسان مهما كان أن يجرؤ على تجريح أبي هريرة وقد أوصدوا باب الجرح
والتعديل دون الصحابة جميعا وفتحوه على مصراعيه ليدخل فيه الناس كافة ، ولو نفذ الجرح والتعديل إلى
الصحابة لاستفاد الاسلام فوائد جليلة .
( 5 ) ص 97 ج 19 مجلة المنار . *
ـ220ـ
لما نقصت كتب الاحكام شيئا كثيرا ، وأن ما عسى أن تنقصه يمكن أن يعرف
حكمه من قواعد الشريعة الثابتة وأصولها القطعية ، كقاعدة رفع الحرج
والعسر ، وإثبات اليسر وترجيحه ، وقاعدة كون الاصل براءة الذمة ، وكون الاصل
في كل الخبائث والمضرات الحرمة ، وفي كل الطيبات الحل ، وكون الضرورات
تبيح ا لمحظورات وغيرذلك ( 1 ) .
وقال وهو يبين أن بطلى الاس رائيليات وينبوعى الخرافات هما كعب الاحبار
ووهب بن منبه :
" وما يدرينا أن كل الروايات - أو الموقوفة منها - ترجع إليهما ، فإن الصحابة
رضي الله عنهم لم يكونوا يذكرون ما يسمع بعضهم من بعض ومن التابعين على
سبيل الرواية والنقل ، بل يذكرونه با لمناسبات من غير عزو غالبا ، وكثير من
التابعين كذلك ، بل أكثرما روى عن أبي هريرة من الاحاديث المرفوعة لم يسمعه
منه صلى الله عليه وسلم ، ولذلك روى أكثره عنه بالعنعنة أو بقوله قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وأقله بلفظ سمعت رسول الله يقول كذا ( 2 ) ، وقد روى عن
بعض الصحابة وعن بعض التابعين وثبت أنه روى عن كعب الاحبار . ومن هنا
نجزم بأن موقوفات الصحابة التي لامجال فيها للاجتهاد والرأي لايكون لها قوة
المرفوع - كماقال المحدثون إلا إذاكانت ليست من قبيل الاس رائيليات ( 3 ) .
هذه ترجمة مختصرة لابي هريرة التزمنا فيها الناحية التقريرية ولم نسلك الطريقة
التحليلة و الموضوعية ، التي لاتكمل التراجم الصحيحة إلا بها ، ولا تتم دراسة الرجال
والاحداث إلا بإتباعها ، ذلك بأننا لم نصل بعد إلى احتمال سطوتها ، وبخاصة إذا كان
الامريتصل بأحد الصحابة الذين قالوافيهم " إنهم كلهم عدول " فلا يجوزلاحد
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 101 من المصدر نفسه ، ويلاحظ أن السيد قال هذا الكلام في رد له على دعاة النصرانية
الذين انتقدوا أبا هريرة ، ولذلك نجد فيه روح الدفاع عن أبي هريرة ظاهرة .
( 2 ) ولقد علمت قيمة صحة روايته فيماقال " إنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم من قبل
في حديث خلق الله التربة يوم السبت !
( 3 ) 476 ج 9 من تفسير المنار . *
ـ221ـ
أن ينتقد بالعلم والبرهان والحجة أحدا منهم ، لا في روايته ولا في شهادته ، ولافي
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 221 سطر 1 الى ص 230 سطر 25
أن ينتقد بالعلم والبرهان والحجة أحدا منهم ، لا في روايته ولا في شهادته ، ولافي
سيرته ، ومما قالوه في ذلك أيضا " إن بساطهم قد طوى " كأن العدالة موقوفة عليهم
وحدهم وكأنهم في ذلك قد ارتفعواعن درجة الانسانية ، فلايعتريهم مايعترى كل
إنسان من سهو أو خطأ ، أو وهم أو نسيان - ولا نقول الكذب والبهتان !
على أننا لوسلمنا لهم بأن كل صحابي معصوم فيما يقع فيه غيره من بني الانسان وأنه
لا ينسى ولا يخطئ ولا يهم ، ولا يعتريه سوء فهم أو غلط ، وأنه لم يكن في
الصحابة منافقون ، ولم يرتكب أحد منهم كبيرة ولا صغيرة ولا وقع بينهم ماوقع ،
ولا ارتد بعضهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا غير ذلك كله مما حملته
كتب التاريخ الصحيحة عنهم - فإن أمرأبي هريرة يباين أمر الصحابة جميعا ،
فقد جرحه كبار الصحابة ومن جاءبعدهم وشكوافى روايته ، كماأبنا ذلك من
قبل وبخاصة في كتابنا المطول عنه .
ويعجبني قول علماء الكلام - أصحاب العقول الصريحة - في هذاالامر
نفسه ، فقدجاءت عنهم هذه الكلمة الحكيمة وهي " ومن عجيب شأنهم - أي
رجال الحديث - أنهم ينسبون ( الشيخ ) ( 1 ) إلى الكذب ولا يكتبون عنه ما يوافقه
عليه المحدثون - بقدح يحيى بن معين وعلي بن المدينى وأشباههما ( 2 ) ويحتجون
بحديث أبي هريرة فيما لا يوافقه عليه أحد من الصحابة ، وقد أكذبه عمر وعلي وعثمان
وعائشة ( 3 ) .
وما بيناه من تاريخ أبي هريرة قد سقناه لك على حقيقته ، وأظهرنا شخصيته
كما خلقها الله ولم نأت فيهابشئ من عند أنفسنا ، بل أتينا ب الروايات الصحيحة
فيها ، ورجعنا إلى مصادر ثابتة لا يرقى الشك إليها ، ولا يدنو الريب منها وعلى أننا
قد طوينا كثيرا مما أثبته التاريخ الصحيح ، لان بعض الناس في دهرنا لا يزالون
يخشون سطوة الحق ، ولايحتملون قوة البرهان .
وأبوهريرة لم يكن له - كما قلنا - أي شأن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم
* ( هامش ) * ( 1 ) ليس المراد به شيخا معينا ، بل المراد به أي شيخ من الاشياخ .
( 2 ) أي علماء الجرح والتعديل .
( 3 ) ص 10 و11 من كتاب تأويل مختلف الحديث . *
ـ222ـ
ولافي عهد الخلفاء الاربعة ، ولم يستطع أن يفتح فاه بحديث واحد إلا بعدقتل
عمر ، ولم يجرؤ على الفتوى إلا بعد الفتنة الاولى ( 1 ) وهي قتل عثمان وعلو شأن بني
أمية ، وناهيك بالبخاري فإنه لم يذكره بين الصحابة الذين جاءت في فضلهم
أحاديث عن رسول الله .
على أنه لا يفوتنا أن نذكر أن فيما رواه أحاديث يبدو منها شعاع من نور
النبوة ، ينفذ إلى القلوب السليمة ، ولعلها مما يكون قد سمعه ( وضبطه ) والحديث
الصحيح له ضوء كضوء النهار .
أمثلة مما رواه أبوهريرة :
أخرج البخاري ومسلم عنه قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام فلما جاءه صكه ( 2 ) فرجع إلى ربه ! فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ،
فرد الله عليه عينيه ! وقال ارجع فقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت
يده بكل شعرة سنة ! فقال : أي رب ، ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت ، قال : فالآن
فاسأل الله أن يدنيه من الارض المقدسة رمية حجر ! قال رسول الله : فلو كنت ثم
لاريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الاحمر ! !
وفي رواية لمسلم قال : فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها .
* ( هامش ) * ( 1 ) قال ابن سعد وهو يترجم لابن عباس مايلي : عن زيادة بن مينا كان ابن عباس وابن عمر
وأبوسعيد الخدري وأبوهريرة وعبدالله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبدالله ورافع بن خديج وسلمة بن
الاكوع أبوواقد الليثى وعبدالله بن بحينة مع أشباه لهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتون
بالمدينة ويحدثون عن رسول الله من لدن توفى عثمان إلى أن توفوا ، وإذا رجعت إلى من كانوا يفتون
على عهدرسول الله وعهد صاحبيه أبي بكر وعمر ، فإنك لا تجد أبا هريرة بينهم ، وكذلك لم نجد أحدا
من الصحابة كان يرجع إليه في شئ إلا بعد موت عثمان ، وكانت عائشة تفتي في خلافة أبي بكر وعمر
وعثمان وعلي إلى أن ماتت ، وكان الاكابر من أصحاب رسول الله يسألونها عن السنن .
( 2 ) لما أورد الثعالبي في كتابه " ثمار القلوب " هذا الخبر تحت عنوان " لطمة موسى " قال :
ومن أساطير الاولين ، أن موسى سأل ربه إلخ القصة ومماقاله : إن ملك الموت أعور حتى قيل فيه : ياملك الموت لقيت منكرا لطمة موسى تركتك أعورا ! !
وختم الثعالبي قوله بهذه العبارة " وأنا برئ من عهدة هذه الحكاية " . وله الحق في هذه البراءة . *
ـ223ـ
وفي تاريخ الطبري عن أبي هريرة أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى
أتى موسى فلطمه ففقأ عينه ، ومن بعد حادثة موسى - يأتي الناس خفيااه
وإن رائحة ا لاسرائيلية لتفوح من هذا الحديث !
وأخرجا كذلك عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : تحاجت الجنة والنار !
فقالت النار أوثرت ب المتكبرين و المتجبرين . وقالت الجنة مالي لا يدخلني إلاضعفاء
الناس وسقطتهم ! قال الله تبارك وتعالى للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء
من عبادي ، وقال للنار إنماأنت عذاب أعذب بك من أشاء من عبادي ، ولكل
واحدة ملؤها ، فأما النارفلا تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله فتقول قط ،
قط ، فهناك تمتلئ ويزوى بعضهاإلى بعض
وروى البخاري عنه " مابين منكبى الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع " .
وأخرج أوله مسلم عنه مرفوعا ، وزاد : وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام .
وروى البخاري وابن ماجة عنه عن النبي : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم
فليغمسه كله ثم يطرحه فإن أحد جناحيه داءوالآخر شفاء ( 1 ) .
وروى الطبري في الاوسط عنه عن النبي : أتاني ملك برسالة من الله عزوجل ،
ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والاخرى في الارض لم يرفعها .
وروى الترمذي عنه قال رسول الله : العجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السم .
وروى الحاكم وابن ماجة من حديثه بسند صحيح :
خمروا الآنية وأوكئوا الاسقية وأجيفوا الابواب واكفتوا صبيانكم عن النساء
فإن للجن انتشارا وخطفة ، وأطفئوا المصابيح عندالرقاد ، فإن الفويسقة ( أي الفأرة )
ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت .
* ( هامش ) * ( 1 ) نص هذا الحديث : إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه ، فإن في أحد
جناحيه داء وفي الآخر شفاء . رواه البخاري وابن ماجة عن أبي هريرة ، وفي رواية بزيادة " فإنه يتقى
بجناحه الذي فيه داء . وفي رواية ثالثة : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله منه فإن في أحد جناحيه
سما وفي الآخر شفاء وأنه يقدم السم ويؤخر الشفاء . وفي رواية رابعة إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه
كله أو ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاءوفي الآخر داء .
وفي رواية خامسة : فإنه يتقى بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله . *
ـ224ـ
وروى مسلم عنه أن رسول الله قال : إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في
ظلهامائة سنة .
وروايات أبي هريرة من هذاالقبيل ، وأدهى منه تفهق الكتب بها ولا نستطيع
إيرادها هنا لان ذلك يحتاج إلى مجلدات برأسها .
مارواه كبار الصحابة :
علمت مما تقدم أن أبا هريرة روى عن رسول الله 5374 روى البخاري منها
446 على حين أنه لم يصاحب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلا عاما وبضعة أشهر -
وبقي أن تعرف مقدار ما رواه الذين سبقوه بالايمان وكانوا أدنى منه إلى رسول الله
وأعلم بالدين وأبعد في الفضل والجهادمن المهاجرين والانصار وغيرهم وقضوامع
الرسول سنين طويلة - لنرى كم روى كبارهم من أحاديث رسول الله .
ما رواه أبوبكر :
فهذا أبوبكر أول الرجال إسلامابعد علي ، وشيخ الصحابة جميعاوقضى مع
النبي ماقضى بمكة والمدينة وكان نسابة العرب ، ترى كم من حديث رواه ؟
قال النووى في تهذيبه : روى الصديق عن النبي 142 حديثا ، أورد السيوطي
منها في تاريخ الخلفاء 104 وله في البخاري 22 حديثا .
مارواه عمر :
أسلم سنة ست وظل مع النبي إلى آخر حياته ( صلى الله عليه وسلم ) ومن قوله :
كنت وجارامن الانصار نتناوب النزول على رسول الله ، ينزل يوما ، وأنزل يوما ،
فإذا نزلت جئته بخبرذلك اليوم من الوحي وغيره ، وإذانزل فعل مثل ذلك -
وبرغم ذلك كله لم يصح عنه إلا حوال خمسين حديثا كما أثبت ذلك ابن حزم .
مارواه علي :
أول من أسلم وتربى في حجر النبي وعاش تحت كنفه من قبل البعثة وظل معه إلى
أن انتقل النبي إلى الرفيق الاعلى لم يفارقه لا في سفر وفي حضروهوابن عمه وزوج
ابنته فاطمة الزهراء ، شهد المشاهد كلهاسوى تبوك فقد استخلفه النبي فيها على المدينة
ـ225ـ
فقال : يارسول الله ، أتخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال رسول أماترضى أن
تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه لانبي بعدي .
هذاالامام الذي لا يكاد يضارعه أحد من الصحابة جميعافي العلم - قد
أسندوا له كماروى السيوطي 58 حديثا ، وقال ابن جزم : لم يصح منهاإلا خمسون
حديثالم يرو البخاري ومسلم منهاإلا من عشرين حديثا .
عثمان :
أما عثمان فقد روى البخاري له تسعة أحاديث ومسلم خمسة .
الزبيربن العوام روى له البخاري تسعة أحاديث ومسلم حديث .
طلحة بن عبيدالله روى له البخاري أربعة أحاديث .
عبدالرحمن بن عوف روى له البخاري تسعة أحاديث .
أبي بن كعب له في الكتب الستة ستون حديثاو نيف .
زيد بن ثابت روى له البخاري ثمانية أحاديث ، واتفق الشيخان على خمسة .
سلمان الفارسي أخرج له البخاري 4 أحاديث ومسلم ثلاثة . . . إلخ .
وقد ثبت أن كثيرا من الصحابة لم يرووا عن النبي شيئا ، منهم سعيد بن زيد
ابن نفيل أحدالعشرة وأبي بن عمارة . . . إلخ .
أحاديث مشكلة
قلنا من قبل : إن الرواية قد حملت عن رسول الله فيماحملت أحاديث كثيرة
مشكلة وغريبة ، وإنا نورد هنا بعض هذه الاحاديث على طريق المثال لان استيعابها
يحتاج إلى أسفار .
عن ابن عباس أن الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء ،
قلمه نور ، وكتابه نور ، عرضه ما بين السموات والارض ينظر فيه كل يوم نظرة ،
أضواء على السنة المحمدية
ـ226ـ
ويحيى ويميت ويعز ويذل ، ويفعل مايشاء فذلك قوله " كل يوم هوفي شأن " .
رواه عبدالرزاق وابن المنذر والطبراني والحاكم .
وروى الشيخان وبعض السنن والمسانيد والتفسير المأثور عن أبي ذر ، قال
رسول الله لابي ذرحين غربت الشمس أتدري أين تذهب ؟ قلت الله ورسوله أعلم !
قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ، فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن
تسجد فلا يقبل منها ، وتستأذن فلا يؤذن لها ، فيقال لها إرجعى من حيث شئت
فتطلع من مغربها ، فذلك قوله تعالى : " والشمس تجري لمستقرلها " . . . الآية .
وروى مسلم في مقدمته كتابه عن عبدالله بن عمروبن العاص صاحب
الزاملتين قال : إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان بن داود ، يوشك أن
تخرج فتقرأ على الناس قرآنا .
وروى البخاري في " باب الدواء بالعجوة للسحر " عن عامربن سعد بن أبي
وقاص عن أبيه قال ، قال النبي : " من اصطبح كل يوم تمرات عجوة لم يضره
سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل - وفي رواية سبع تمرات عجوة - وكذا المسلم عن
سعدبن أبي وقاص .
وعند النسائي من حديث جابر : العجوة من الجنة وهي شفاء من السم .
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة إذا نودي للصلاة أبدر الشيطان وله ضراط
حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين أقبل حتى إذاثوب بالصلاة أدبر حتى
إذاقضى التثويب أقبل حتى يخطربين المرء ونفسه - وقال العلماء المحققون في
شرح هذا الحديث : لئلا يسمع فيضطر أن يشهد له بذلك يوم القيامة . . .
وروى مسلم عن أبي سفيان أنه قال للنبي : يا رسول الله أعطني ثلاثا ، تزوج
ابنتي أم حبيبة ، وابنى معاوية اجعله كاتبا ، وأمرني أن أقاتل الكفار كما قاتلت
المسلمين . . .
وأم حبيبة تزوجها رسول الله وهو بالحبشة وأصدقها النجاشي ، وأبوسفيان
أسلم عام الفتح وبين الهجرة والفتح عدة سنين .
ـ227ـ
وروى مسلم عن عمرو بن الشريد قال : ردفت النبي ( صلى الله عليه وسلم )
قال : هل معك من شعرأمية ؟ قلت : نعم ، فأنشدته مائة بيت ، فقال : لقد
كاديسلم في شعره .
وروى أحمد في مسنده عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ( صلى الله عليه
وسلم ) قال : صدق أمية في شئ من شعره ، وفي رواية قال رسول الله : صدق
أمية ابن أبي الصلت في شئ من شعره فقال :
زحل وثور تحت رجل يمينه والنسر للاخرى وليث مرصد
فقال رسول الله : صدق وقال :
والشمس تطلع كل آخرليلة حمراء يصبح لونها يتورد
تأتي فما تطلع لنا في رسلها ( 1 ) إلا معذبة وإلا تجلد
وهذا الحديث صحيح الاسناد وهو في مجمع الزوائد ، ورواه أبويعلى والطبراني
ورجاله ثقات .
ولما اعترض عليه في قوله : " إلا معذبة وإلا تجلد " ! قال ابن عباس ( 2 )
والذي نفسي بيده ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك فيقولون
لها : اطلعي ، اطلعي ! فتقول : لاأطلع على قوم يعبدونني من دون الله ! فيأتيها
ملك فتشتعل لضياء بني آدم ، فيأتيها شيطان فيريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع
بين قرنيه فيحرقه الله تحتها ، وذلك قول رسول الله : ما طلعت شمس إلا بين
قرني شيطان ، ولا غربت إلا بين قرني شيطان ، وما غربت الشمس قط إلا خرت
ساجدة ، فيأتيها شيطان فيريد أن يصدها عن السجود فتغرب بين قرنيه فيحرقه
الله تحتها . وروى الطبراني عن أبي أمامة ، أن الله وكل بالشمس تسعة أملاك
يرمونها بالثلج كل يوم ، ولولا ذلك ما أتت على شئ إلا أحرقته . .
وروى الشيخان واللفظ لمسلم عن أنس بن مالك : أن رجلا سأل النبي قال :
* ( هامش ) * ( 1 ) رسلها ، الرسل الرفق التؤدة - إرجع إلى ص 7 ج 4 من تفسيرابن كثير .
( 2 ) ابن عباس هو من كبارتلاميذ كعب الاحبار ويلقب بحبرالامة ، وقد تهكم المعرى بأسلوبه
اللاذع بهذا الحديث وجعله من أكاذيبهم التى يفترونها على النبي صلى الله عليه وآله فقال : *
ـ228ـ
متى تقوم الساعة ؟ قال : فسكت رسول الله هنيهة ثم نظر إلى غلام بين يديه من
أزد شنوءة فقال : " إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة " قال أنس : ذاك
الغلام من أترابى يومئذ .
وقد مات أنس في سنة 93 ه على المشهور وهو ترب الغلام الذي قال النبي إنه
لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة ، وبذلك يكون قيام الساعة قبل إنقضاء القرن
الاول الهجري ( 1 ) كما نص الحديث !
فماقول عباد الاسانيد ؟ ! لعل بعضهم ينبرى فيقول : ومايدريك لعل هذا
الغلام لم يدركه الهرم إلى الآن ! !
حديث فيم يختصم الملا الاعلى :
وروى أحمد في مسنده ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خرج عليهم
ذات غداة وهو طيب النفس مسفر الوجه فسئل عن السبب فقال : وما يمنعني !
أتاني ربي عزوجل في أحسن صورة قال : يا محمد قلت لبيك ربي وسعديك !
قال : فيم يختصم الملا الاعلى ؟ قلت : لا أدري أي ربي ! قال : فوضع كفيه بين كتفى
فوجدت بردهما بين ثديي حتى تجلى لي ما في السموات ومافي الارض !
ورواية ا لشهرستاني : لقيني ربي فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفي
حتى وجدت برد أنامله .
ثورالجنة :
وفي بدائع الفوائد ( 2 ) لابن القيم ثبت عن النبي أن المؤمنين ينحر لهم يوم
القيامة ثورالجنة الذي كان يأكل منها فيكون نزلهم ، قال ابن القيم : فهذا حيوان
قد كان يأكل من الجنة فينحر نزلا لاهلها .
* ( هامش ) * = وقد كذبوا حتى على الشمس أنها تهان إذا حان الشروق وتضرب
ص 207 ج 1 من ا للزوميات .
( 1 ) جاءت آثار أخرى عن عمر الدنيا تراها فيما بعد .
( 2 ) ص 177 ج 3 . *
ـ229ـ
رؤية النبي لله 11 مرة ، والاسراء كان يقظة :
قال القاضي ( 1 ) : نص أحمد على أن الاسراء كان يقظة ، وحكى له أن موسى
ابن عقبة قال : أحاديث الاسراء منام فقال : هذا كلام الجهمية ( 2 ) - وقال
أبوبكر النجار : رآه إنحدى عشرة مرة ! تسع مرات ليلة المعراج حينما كان يتردد
بين موسى وبين ربه عزوجل ، ومرتين بالكتاب .
ملك من حملة العرش :
في منتخب كنز العمال في سنن الاقوال والافعال :
عن أنس عن النبي أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش رجلاه
في الارض السفلى وعلى قرنه العرش وبين شحمة أذنه وعاتقه خفقات الطير 700 عام
يقول : أنت الملك سبحانه حيث كنت .
الرعد :
عن ابن عباس : الرعد ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب معه مخاريق من
نار يسوق بها السحاب حيث شاءالله تعالى ( 3 ) - وعنه أيضا الحيات مسخ الجن
كما مسخت القردة والخنازير زمن بني إسرائيل - وعنه : أول ماخلق الله من شئ
" القلم " ، ثم خلق النون فكبس الارض على ظهرالنون ( 4 )
الحجر الاسود :
عن ابن عباس : الحجر الاسود يمين الله تعالى في الارض يصافح بها من يشاء
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 39 ج 4 من نفس المصدر ( بدائع الفوائد ) وفي البخاري من حديث شريك أن الاسراء
كان مناما .
( 2 ) ص 455 ج 2 .
( 3 ) ص 459 من نفس المصدر .
( 4 ) ص 449 من نفس المصدر . والنون هوالحوت . *
ـ230ـ
من خلقه ( 1 ) وفي رواية أخرى عنه أنه قال : الحجر الاسود من الجنة ، وكان أشد
بياضا من الثلج حتى سودته خطايا الشرك ، وقالوا إنه يأتي يوم القيامة ، وله لسان
وشفتان ليشهد لمن استلمه بحق .
وهذا الحديث إسرائيلي منقول عن وهب بن منبه الذي قال فيه :
كان لؤلؤة بيضاء فسوده المشركون ( 2 ) .
وقداستهزأ الحاحظ بهذا الحديث فقال : كان يجب أن يبيضه المسلمون
حين أسلموا . . .
فضل بسم الله الرحمن الرحيم :
عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبدالله قال : لمانزل بسم الله الرحمن
الرحيم هرب الغيم إلى المشرق وسكنت الرياح وهاج البحر ، وأصغت البهائم بآذانها
ورجمت الشياطين من السماء ، وحلف الله تعالى بعزته وجلاله ألا يسمى اسمه على
شئ إلا بارك فيه ( 3 ) .
أحد حملة العرش :
عن جابرقال رسول الله : " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من
حملة العرش مابين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام . رواه أبوداود
والبيهقي .
جبريل له سمائة جناح :
وروى الامام أحمد عن عبدالله قال : رأى رسول الله جبريل في صورته له
ستمائة جناح ، كل جناح منها يسدالافق ، يسقط من جناحه من الدر والياقوت ،
ماالله به أعلم .
( إسناده قوي )
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 271 من كتاب تأويل مختلف الحديث .
( 2 ) ص 368 من نفس المصدر .
( 3 ) ص 17 ج 1 تفسيرابن كثير . *
ـ231ـ
وعن عبدالله بن مسعود قال : رأى رسول الله جبريل في حلة خضراء وقد ملا
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 231 سطر 1 الى ص 240 سطر 23
وعن عبدالله بن مسعود قال : رأى رسول الله جبريل في حلة خضراء وقد ملا
بين السماء والارض . ( رواه مسلم )
يكشف ربنا عن ساقه :
روى الشيخان عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن الله عزوجل يكشف عن
ساقه .
وفي البخاري عن أبي سعيد قال : سمعت النبي يقول : يكشف ربناعن ساقه
فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة .
وقال ابن مسعود : يكشف الله عن ساقه اليمنى فيضئ من نورساقه الارض .
الشاة من دواب الجنة :
وفي سنن ابن ماجة من حديث ابن عمر ، أن النبي قال : الشاة من دواب الجنة .
قدم الجبار :
في الصحيحين من حديث أنس ، أن النبي قال : لاتزال جهنم يلقى فيها
وتقول : هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فيزوى بعضها إلى بعض .
شجرة في الجنة :
روى البخاري عن ابن سعيدعن النبي قال :
إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد ، أو المضمر السريع مائة عام ما يقطعها .
وفي رواية : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلهامائة عام ولا يقطعها .
أصدق الحديث ما عطس عنده :
رواه الطبراني في الاوسط والترمذي وغيرهما عن أنس .
ـ232ـ
طوبى شجرة في الجنة :
رواه أحمد وابن حبان وفي رواية ، طوبى شجرة في الجنة غرسها الله بيده ونفخ
فيها من روحه تنبت بالحلى والحلل ، وإن أغصانها لترى من وراء سورالجنة .
والمشكلات لايمكن حصرها ، وبحسبك أن تجد الطحاوى قد ألف كتاب
" مشكل الآثار " في أربعة مجلدات كبار ، ولم يستوعب فيها كل المشكلات .
وهذا الكتاب طبع في الهند .
أحاديث المهدي :
ممايبدو من مشكلات الرواية تلك الاحاديث المختلفة التي جاءت في كتب
السنة المشهورة عند الجمهور عن " المهدي المنتظر " والتي تذكر أنه يخرج في آخر
الزمان ليملا الدنيا عدلا - كما ملئت جورا .
وهو عندأهل السنة " محمدبن عبدالله " وفي رواية : أحمدبن عبدالله -
والشيعة الامامية متفقون على أنه " محمدبن الحسن المهدي " من الائمة المعصومين
ويلقبونه بالحجة والقائم المنتظر .
وتقول الكيسانية : إن المهدي هو : محمدبن الحنفية وهو حي يقيم بجبل
رضوى بين أسدين يحفظانه ، وعنده عينان نضاختان تفيضان ماءوعسلا ومعه أربعون .
والمشهور في نسبه أنه علوي فاطمي من ولدالحسن ، وعند الشيعة الامامية
أنه من ولدالحسين رضي الله عنهما . وقد قال الحكيم ابن خلدون ( 1 ) في مقدمته إن
المشهور بين الكافة من أهل الاسلام على مرالاعصار ، أنه بد في آخرالزمان
من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ، ويظهر العدل ، ويتبعه المسلمون ،
ويستولى على الممالك الاسلامية ويسمى " بالمهدي " ، ويكون خروج الدجال
وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره ، وأن عيسى ينزل بعده
فيقتل الدجال وينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته ، ويحتجون في
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 311 من طبعة بيروت . *
ـ233ـ
الباب بأحاديث خرجها الائمة وتكلم فيها المنكرون لذلك ، وربما عارضوها ببعض
الاخبار . . . إلخ ) .
وقد طعن ابن خلدون في أكثر أحاديث المهدي التي جاءت في كتب السنة
عند الجمهور .
أما الشيعة - وبخاصة الامامية فإن لهم أدلة يروونهاعن أئمتهم وهم يعتمدون
عليها في إثبات ظهور المهدي - ولكل قوم سنة وإمامها .
المهدي العباسي :
وهناك عدة أحاديث مصرحة بأنه سيكون من ولد العباس ، ولكثرة هذه
الاحاديث نكتفي بالاشارة إليها ، ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إليها في مظانها .
المهدي السفياني :
وإذا كان للعلويين مهدي ، و للعباسيين آخر ، فلم لا يكون للامويين مهدي
ثالث ! مادام باب الوضع يسع كل مايدخل فيه ، وبخاصة بعد أن أصبحوامن
القوة والسلطان بحيث يتقرب الوضاعون إليهم لينالوا من عطائهم ، وقد جاءت
آثاربأن لهم مهدي يسمى " السفياني " لا نطيل بذكر أخباره وماجاء فيه .
الخلفاء الاثناعشر :
وإليك بعض ماجاءفي الخلفاء الاثنى عشر ، لكي تقف على ناحية من
نواحي الاختلاق في رواية الحديث وهومما يعنينافي هذاالبحث أما ما وراء ذلك
فليس من غرضناولا من حقنا مناقشة الناس في معتقداتهم .
جاءت أحاديث كثيرة تنبئ أن الخلفاء سيكونون إثنى عشرخليفة . وإنا نورد
هنا ماوقفنا عليه من مختلف ألفاظها ، ولا نعرض لمعاني متونها !
روى الشيخان واللفظ للبخاري عن جابربن سمرة : يكون إثنا عشر أميرا
كلهم من قريش .
ـ234ـ
ورواية مسلم : " لايزال أمرالناس ماضيا ما وليهم إثنا عشر رجلا وكلهم
من قريش " .
وفي رواية أخرى : " إن هذاالامرلا ينقضي حتى يمضي له فيهم إثناعشر
خليفة " .
وفي رواية ثالثة : " لايزال الاسلام عزيزا منيعاإلى إثنى عشرخليفة " .
ووقع عندأبي داودبلفظ : " لايزال هذاالدين عزيزا إلى إثنى عشرخليفة " .
وفي حديث أبي جحيفة عند البزار والطبراني بلفظ " لايزال أمرأمتي صالحا "
وأخرج أبوداود عن جابر بن سمرة نحوه وزاد ( 1 ) .
" فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا : ثم يكون ماذا ؟ فقال : الهرج "
أي الفتنة والقتال .
وعند أبي داود : " لا يزال هذاالدين قائماحتى يكون عليكم إثنا عشر خليفة
كلهم تجتمع عليهم الامة " .
وعند أحمد : " لا تزال هذا الامر صالحا ، ورواية أخرى عنده ، لايزال هذا
الامرمرضيا ، وأخرجه الطبراني بلفظ " لاتضرهم عداوة من عاداهم " .
ووقع عند أبي داود وأخرجه أحمد والبزارمن حديث ابن مسعود ، أنه سئل
كم يملك هذه الامة من خليفة ؟ قال : سألنا عنهارسول الله فقال : إثنا عشر كعدة
نقباء نبي إسرائيل .
وأخرج الطبراني من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رفعه : إذا ملك
إثنا عشرمن بني كعب بن لؤى ، كان النقف والنقاف إلى يوم القيامة .
وعن كعب الاحبار - ولابد من كعب الاحبار ! ! ، وفي كل واد أثرمن
ثعلبة ! ! - يكون إثنا عشر مهديا ثم ينزل روح الله فيقتل الدجال .
وعلى أن هذه الاحاديث قدجعلت الخلفاء إثنى عشر ، فقد رووا حديثا
يعارض هذه الاحاديث جميعا ، وهو حديث سفينة الذي أخرجه أصحاب السنن
* ( هامش ) * ( 1 ) يلاحظ أن أكثر أحاديث المهدي التي جاءت في كتب السنة من رواية جابر بن سمرة . *
ـ235ـ
وصححه ابن حيان وغيره " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا " .
وكذلك أخرج أبوداودمن حديث ابن مسعود رفعه " تدور رحى الاسلام
لخمس وثلاثين سنة أو ست وثلاثين ، فإن هلكوا فسبيل من هلك ،
وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما " زاد الطبراني والخطابي : فقالوا : سوى
مامضى ؟ قال : نعم .
أقوال بعض العلماءفي هذه الاحاديث :
قال القاضي عياض : توجه على هذاالعدد " أي الاثنى عشر " سؤالان
أحدهما أنه يعارضه ظاهرقوله صلى الله عليه وسلم في حديث سفينة " الخلافة بعدي
ثلاثون سنة ثم يكون ملكا " لان الثلاثين سنة لم يكن فيهاإلا الخلفاء الاربعة ،
وأيام الحسن بن علي ، والثاني أنه ولى الخلافة أكثرمن هذاالعدد .
وقال ابن الجوزى في كشف المشكل : قد أطلت البحث عن معنى هذا
الحديث ، وتطلبت مظانه ، وسألت عنه فلم أقع على المقصود ، لان ألفاظه مختلفة
ولاأشك أن التخليط فيها من الرواة .
أما السيوطي فبعدأن أورد ماقاله العلماء في هذه الاحاديث المشكلة . خرج
برأي غريب نورده هنا تفكهة للقراء وهو :
وعلى هذا فقد وجد من الاثنى عشر ، الخلفاء الاربعة والحسن ومعاوية
وابن الزبير وعمربن عبدالعزيز - وهؤلاء ثمانية ويحتمل أن يضم إليهم المهدي من
العباسيين لانه فيهم كعمربن عبدالعزيز في بني أمية ، وكذلك الظاهر ، لما أوتيه
من العدل وبقى الاثنان المنتظران ! ! أحدهما المهدي ! لانه من أهل البيت محمد -
ولم يبين المنتظر الثاني - ورحم الله من قال في السيوطي : إنه حاطب ليل ( 1 ) .
وقبل أن نختم الكلام عن المهدي نثبت هنا كلمة عنه للعلامة الكبير الاستاذ
مرتضى العسكري من كبار علماء العراق تبين عقيدة الشيعة الامامية الاثنا عشرية
في المهدي .
* ( هامش ) * ( 1 ) يرجع إلى ص 179 - 183 ج 13 من فتح الباري وتاريخ الخلفاء . *
ـ236ـ
قال حفظه الله من جواب طويل بعث به إلينا : الشيعة الاثنا عشرية يعتقدون أن الارض لم تخل من حجة لله على خلقه
ولا تخلو منه كذلك ، وهوإماأن يكون نبيا يوحى إليه أو من يعين من قبله على
شريعته من بعده ، ويبينها لامته .
وهم يرون في الاحاديث الاثنى عشرالتى أوردتموها في كتابكم ص 210 - 211 ( 1 )
تحت عنوان " الخلفاء الاثنا عشر " بيانا لعدد الائمة الاثنى عشرالذين يلون
أمرالدين بعدالنبي ، فإن هذاالعدد لاينطبق على الراشدين ، ولا الامويين ولا غيرهم
مضافاإلى مئآت الاحاديث التى يروونها بطرقهم الخاصة عن رسول الله ممافيه
التنصيص على ذلك . وثاني عشر هؤلاء الائمة عندهم هو المهدي ابن الحسن العسكري
المولود بسامراء سنة 255 ه والذين يعتقدون فيه أنه لايزال حياكحياة نوح ألف
سنة إلا خمسين عامابين قومه ، وكحياة عيسى الذي ما قتلوه وماصلبوه ولكن شبه لهم
بل رفعه الله إليه . . .
وهم يعتقدون بأن المهدي موجود وحي بقدرة الله التي جعلت الطين طيرا
لابراهيم ، والنار برداوسلاما له ، والايمان بوجوده كل هذه المدة دليل على الايمان
بقدرة الله ، ويعتقدون أنه موجود بين الناس ، وقد يعاينهم كأحدهم دون أن
يشخصوه .
ومما يذكرمن فوائد وجوده أنه إذااحتاج المسلمون إلى بيان رأي خفي فيه وجه
الصواب يقوم بإرشاد بعض العلماء إلى صواب الرأي في الامر .
أما موعد ظهوره فإنهم يجمعون على أنه من الغيب الذي لا يعرفه إلا الله
وأن لظهوره علائم منها ما هوحتمي الوقوع ، وأخرى غير حتمية على مافي
الاحاديث ، وأنه يبدأ ظهوره من مكة على الاشهر ، وتكون حملته الاولى من جيش
عدده كعدد جيش رسول الله في بدر ، وأنه يملا الارض عدلا ، وأنه يحكم بين
الناس بالواقع وإن خالف ذلك شهادة الشاهدين ، أما سرداب الغيبة الذي قيل عنه في
الحلة أو سامراء فلم أسمع بشيعي يقول بغيبة المهدي فيه ، أو بوجوده فيه ، أوبخروجه
* ( هامش ) * ( 1 ) أي كتابنا " الاضواء " في الطبعة الاولى . *
ـ237ـ
منه ، ولعل السرداب الموجود في سامراء كان مصلى للامامية على الهادي والحسن
العسكري اتخذاه مصلى لهما للعبادة فقد كانوا يتخذون في بيوتهم مصلى يعبدون
الله فيه ، ثم بقى كذلك حتى اليوم .
هذابعض ما حضر آن عصرالجمعة 2 ربيع الآخرسنة 1381 .
ـ238ـ
الدجال ( 1 )
جاء في الدجال الذي أشارإليه ابن خلدون في كلمة عن المهدي أحاديث
كثيرة بعضهايصرح بأن النبي صلى الله عليه وآله كان يرى أن من المحتمل ظهور الدجال في
زمنه ، وأنه يكفي المسلمين شره ، وبعضها يصرح ، أنه يخرج بعد فتح المسلمين
لبلادالروم وال قسطنطينية ، وبعض الاحاديث تقول بأنه سيكون معه جبال من
خبز وأنهارمن ماء وعسل ! كما رواه أحمد والبيهقي وزادمسلم جبال من لحم !
وأخرج نعيم بن حماد من طريق كعب " أن الدجال تلده أمه بقوص من
أرض مصر ، وبين مولده ومخرجه ثلاثون سنة . . . !
ومن أخباره أنه ينزل عند باب دمشق الشرقي ثم يظهر بالمشرق فيعطي الخلافة
ثم يأتي النهر فيأمره أن يسيل فيسيل ، ثم يأمره أن يرجع فيرجع ، ثم يأمره أن ييبس
فييبس ، ثم يأمر الجبال أن تتناطح فتتناطح ، ويأمر الريح أن تثيرسحابا فتمطر
الارض ، ويخوض البحرفي كل يوم ثلاث خوضات فلا يبلغ حقويه - وإحدى
يديه أطول من الاخرى ، فيمد الطويلة في البحر فتبلغ مقره فيخرج من الحيتان
مايريد !
وفي رواية عن مسلم أنه يخرج من أصبهان - وفي حديث الجساسة عندمسلم
أنه محبوس بدير أو قصرفي جزيرة في الشام أو بحر اليمن - وروى الحاكم وأحمد
أنه يخرج من خراسان ، وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم أنه يخرج بين
الشام والعراق .
الدجالة في خطبة الوداع :
روى البخاري عن ابن عمر قال : كنا نتحدث بحجة الوداع والنبي بين
أظهرناولا ندري ماحجة الوداع ، فحمدالله وأثنى عليه ثم ذكر المسيح الدجال
فأطنب في ذكره وقال : مابعث الله من نبي إلا أنذرأمته أنذره نوح والنبيون
* ( هامش ) * ( 1 ) سبق لنا فيما مضى كلام آخر عن الدجال في حديث الجساسة . *
ـ239ـ
من بعده ، وأنه يخرج فيكم فماخفى عليكم من شأنه فليس يخفي عليكم ! إن ربكم
ليس على مايخفى عليكم ثلاثا ! إن ربكم ليس بأعور ، وإنه أعور عين اليمنى
كأن عينه عنية طافية ، ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم
هذا في بلدكم هذافي شهركم هذا ، ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم ، قال : اللهم
اشهد ثلاثا ويلكم أو يحكم انظروا : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض .
وقال ابن حجرفي شرح هذا الحديث : ذكر الخطبة في حجة الوداع جماعة
من آ الصحابة ولم يذكر أحد منهم قصة الدجال فيهاإلاابن عمر
ولعل ابن حجر فاته أن ابن عمرهذاأحد تلاميذ كعب الاحبار .
وهاك حديثا غير بآخر في الدجال .
في الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن النبي أنه ذكرالدجال فقال :
إلا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور .
وقال الفخر الرازي في " أساس التقديس " عندالكلام على هذا الحديث :
إن هذا الخبر مشكل لان ظاهره يقضي أن النبي أظهر الفرق بين الاله تعالى
وبين الدجال بكون الدجال أعور ! وكون الله تعالى ليس بأعور ! وذلك بعيد .
وخبر الواحد إذا بلغ هذه الدرجة في ضعف المعنى وجب أن يعتقد أن الكلام كان
مسبوقا بمقدمة لوذكرت لزال هذاالاشكال .
وهناك أحاديث أخرى عن هذاالدجال أعرضناعن ذكرها وكلها مرفوعة إلى
النبي . . ولكي يمكنوا لهذه العقيدة في عقول المسلمين ، أوردوا حديثا عن النبي
بأن " من كذب بالمهدي فقد كفر ، ومن كذب بالدجال فقد كفر " ( 1 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) نقل هذا الحديث ابن حجر الهيثمي في كتابه الفتاوى الحديثة عن أبي جعفر الاسكافي عن
النبي بلفظ من كذب بالدجال فقدكفرومن كذب بالمهدي فقد كفر - ص 60 من كتاب الامام
المنتظر للسيد محمد الكاظمي القزويني . *
ـ240ـ
عمر الدنيا
في تفسير الآلوسى أن السيوطي أخرج عدة أحاديث في أن عمر الدنيا سبعة
آلاف سنة . . وذكر أن مدة هذه الامة تزيد على ألف سنة ولا تبلغ الزيادة
خمسمائة سنة ، واستدل على ذلك بأخبار وآثار ذكرها - أي السيوطي - في رسالته
التي سماها " الكشف عن مجاوزة هذه الامة الالف " ( 1 ) ، وقدقال الآلوسى :
وإذا لم يظهر المهدي على رأس المائة التي نحن فيها ينهدم جميع مانبأه فيها - كما
لا يخفى وكأني بك تراه منهدما .
وقد مضت المائة التي كان فيها الآلوسى وهي المائة الثالثة عشرة من الهجرة
ومضى بعدها ست وثمانون سنة من المائة الرابعة عشرة ، ولم يظهر المهدي وبذلك
ينهدم يقيناما نبأه السيوطي وخلط فيه .
وذكرابن خلدون في مقدمته قالوا : إن خروج الدجال يكون سنة 743 ه ( 2 ) ،
والكلام في ذلك يطول بغير طائل ، وقد أعرضنا كذلك عن إيراد أخبار الفتن
وأشراط الساعة ونزول عيسى التي زخرت بها كتب السنة المعتمدة بين المسلمين ،
والمقدسة من شيوخ الدين ، وكذلك أهملنا هنا ذكر الاحاديث الواردة في
خروج النيل والفرات وسيحون وجيحون من أصل سدرة المنتهى فوق السماء السابعة
وهي في البخاري وغيره ، وخلق كل شئ من نورالنبي صلى الله عليه وسلم وبشارة
الوحوش به ، وماإلى ذلك من هذه الاخبار الغريبة .
ومن يرد أن يقف على هذه الاخبار كلها فليرجع إلى كتب السنة وإلى ماجاء
في الفصل الثاني والخمسين من مقدمة ابن خلدون وهوالفصل الذي عقده على
" أمر الفاطمي ومايذهب إليه الناس في شأنه وكشف الغطاء عن ذلك " .
* ( هامش ) * ( 1 ) في حديث للشيخين أن الساعة تقوم قبل إنتهاء القرن الاول الهجري .
( 2 ) ص 325 من الطبعة الشامية . ارجع إلى هذه الاحاديث في كتاب " شيخ المضيرة " . *
ـ241ـ
كلمة جامعة في أحاديث أشراط الساعة - وأمثالها
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 241 سطر 1 الى ص 250 سطر 29
كلمة جامعة في أحاديث أشراط الساعة - وأمثالها
انتهى العلامة السيد رشيد رضا في تفسيره ، بعد أن طعن في أحاديث أشراط
الساعة وأماراتها - مثل الفتن والدجال والجساسة وظهور المهدي وغيرذلك - إلى
هذه النتائج القيمة ( 1 ) :
1 - أن النبي لم يكن يعلم الغيب " قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ماشاء
الله ، ولوكنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوءإن أناإلا نذير
وبشيرلقوم يؤمنون " وهو معلوم من الدين بالضرورة ، وإنما أعلمه الله ببعض الغيوب
بماأنزل عليه في كتابه ، وهوقسمان صريح ، ومستنبط .
2 - لاشك أن أكثر الاحاديث قد روى بالمعنى كما هو معلوم واتفق عليه
العلماء ، ويدل على ذلك إختلاف رواة الصحاح في ألفاظ الحديث الواحد حتى
المختصر منها ، ومادخل على بعض الاحاديث من المدرجات وهو مايدرج في اللفظ
المرفوع من كلام الرواة - فعلى هذاكان يروي كل أحد ما فهمه وربما وقع في
فهمه الخطأ ، لان هذه أمور يد غيبية وربمافسر بعض ما فهمه بألفاظ يزيدها ( 2 ) .
وإذا كان النبي لم يطلعه الله تعالى على ماأطلعه عليه من هذه المغيبات بالتفصيل .
وكان يجتهد في بعضها ويقدر ، ويأخذ بالقرائن كماقال النووى وابن الجوزي في
تجويزه صلى الله عليه وسلم أن يكون ابن صياد اليهودي المعاصر له هوالدجال
المنتظر ، وكذا تجويزه أن يظهرفي زمنه وهو حي ، فهل من الغرابة أن يقع الخلط
والتعارض فيما يروى عنه بالمعنى بقدر فهم الرواة . إن العابثين بالاسلام ومحاولي
إفساد المسلمين وإزالة ملكهم من زنادقة اليهود والفرس وغيرهم من أهل الابتداع ،
وأهل العصبيات العلوية والاموية والعباسية ، وقد وضعوا أحاديث كثيرة افتروها
وزادوا في بعض الآثار المروية دسائس دسوها ، وراج كثير منها بإظهار رواتها
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 504 - 507 ج 9 تفسير القرآن الحكيم .
( 2 ) راجع فصل رواية الحديث بالمعنى في هذا الكتاب ص 77 . *
ـ242ـ
للصلاح والتقوى ، ولم تعرف بعض الاحاديث الموضوعة إلا باعتراف من تاب إلى الله
من واضعيها . ولقدكان الاستاذ الامام محمد عبده رحمه الله يقول : إن الاسلام
الصحيح هو ما كان عليه أهل الصدرالاول قبل ظهور الفتن - وإن بعض
الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم مؤمن صادق ،
وما كانوا يفرقون في الاداء بين ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من غيره ،
ومابلغهم عنه بمثل سمعت وحدثني - وأخبرني - ومثل - عن النبي أنه قال -
أو قال رسول الله - كمافعل المحدثون من بعد ، عند وضع مصطلح الحديث - وقد
ثبت أن الصحابة كان يروي بعضهم عن بعض ( 1 ) وعن التابعين حتى كعب
الاحبار وأمثاله - والقاعدة عندأهل السنة أن جميع الصحابة عدول ( 2 ) فلا يخل
جهل اسم راو منهم بصحة السند ! وهي قاعدة أغلبية لا مطردة ، فقد كان في
عهدالنبي منافقون قال تعالى : ( 9 - 102 ) " وممن حولكم من الاعراب منافقون .
ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم " مردوا عليه ، أحكموه
وصقلوه أو صقلوا فيه حتى لم يعد ظهر في سيماهم وفحوى كلامهم ، كالذين قال
الله فيهم - منهم ( 47 - 31 ) : " ولونشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في
لحن القول " ، ولكن البلية من الرواية عن مثل كعب الاحبار وممن روى عنه أبوهريرة
وابن عباس ( 3 ) ومعظم التفسير المأثور مأخوذ عنه وعن تلاميذه ، ومنهم المدلسون
كقتادة وغيره من كبار المفسرين وكإبن جريج ( 4 ) . فكل حديث مشكل المتن
أو مضطرب الرواية ، أو مخالف لسنن الله تعالى في الخلق ، أو لاصول الدين .
أو نصوصه القطعية أو للحسيات وأمثالها من القضايا اليقينية ، فهو مظنة لما ذكرنا . .
فمن صدق رواية مما ذكر - ولم يجد فيها إشكالا فالاصل فيها الصدق ، ومن إرتاب
* ( هامش ) * ( 1 ) راجع فصل رواية الصحابة بعضهم عن بعض في هذا الكتاب ص 70 .
( 2 ) راجع فصل عدالة الصحابة في هذا الكتاب .
( 3 ) وكذلك كان يروى عنه سائر العبادلة وطائفة كبيرة من الصحابة .
( 4 ) ابن جريج كان من النصارى . *
ـ243ـ
في شئ منها ، أو أورد عليه بعض المرتابين أو المشككين إشكالا في متونها ،
فيحمله على ماذكرنامن عدم الثقة بالرواية ، لاحتمال كونها من دسائس
الا سرائليات ، أو خطأ الرواية بالمعنى ، أو غيرذلك مما أشرنا إليه ، وإذا لم يكن
شئ منهاثابتا بالتواتر القطعي فلا يصح أن يجعل شبهة على صدق الرسول صلى الله
عليه وسلم المعلوم بالقطع ، ولا على غيرذلك من القطعيات .
نقلنا هذاالكلام الجامع ليهتدي الناس إلى دراسة الحديث - لا أحاديث
أشراط الساعة فحسب ، بل في كل ماروى منسوبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
ونختم هذاالفصل بهذه الاحاديث المتناقضة :
أحاديث متناقضة
ولا يدري المسلمون ، بأيها يأخذون !
روى البخاري عن عمران بن حصين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
خيرأمتي قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم - قال عمران : فلا أدري
أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ، ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ،
ويخونون ، ولايؤتمنون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم السمن .
وعن عبدالله رضي الله عنه أن النبي قال : " خيرالناس قرني ، ثم الذين
يلونهم ، ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته .
وقال ابن حجر العسقلاني :
قد سبق في صفة النبي صلى الله عليه وآله قوله : بعثت في خير قرون بني آدم - وفي
رواية بريدة عندأحمد : خبرهذه الامة القرن الذي بعثت فيهم . وقد ظهر
أن الذي بين البعثة وآخرمن مات من الصحابة 120 سنة أو دونها ، أو فوقها بقليل
على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل ، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته صلى الله عليه وآله فيكون
مائة سنة أو تسعين ، أوسبعا وتسعين !
ـ244ـ
وأما قرن التابعين فإن اعتبرمن سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين ، إلى أن
قال : واتفقوا أن آخر من كان أتباع التابعين ممن يقبل قوله ، من عاش
حدود العشرين ومائتين ، وفي هذاالوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا ، وأطلقت
المعتزلة ألسنتها ، ورفعت الفلاسفة رؤوسها ! وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق
القرآن ! وتغيرت الاحوال تغيرا شديدا ( 1 ) ، ولم يزل الامر في نقص إلى الآن ، وظهر
قوله صلى الله عليه وآله ثم يفشو الكذب ظهورابينا ( 2 ) حتى يشمل الاقوال والافعال وا لمعتقدات
والله المستعان ! !
وقداقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين والتابعون أفضل
من أتباع التابعين . . وقد احتج ابن عبدالبر بحديث : مثل أمتي مثل المطر ،
لا يدري أوله خيرأم آخره ( 3 ) ، وهو حديث حسن له طرق قد يرتقى بها إلى الصحة .
وقد روى ابن أبي شيبة من حديث عبدالرحمن بن جبرقال رسول الله ليدركن
المسيح أقواما إنهم لمثلكم أو خير - ثلاثا ، وروى أبوداود والترمذي من حديث
أبي ثعلبة رفعه : يأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين ، قيل : منهم أومنا يارسول الله ؟
قال : بل منكم . وهو شاهد لحديث ، مثل أمتي مثل المطر - وروى أحمد والدارمي
والطبراني من حديث أبي جمعة قال : قال أبوعبيدة يارسول الله أ أحد خير منا !
أسلمنا معك وجاهدنا معك ! قال : قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني .
وإسناده حسن وقد صححه الحاكم .
وقد تعقب كلام ابن عبدالبر بأن مقتضى كلامه أن يكون فيمن يأتي بعد
الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة وبذلك صرح القرطبي ، ولكن كلام
ابن عبدالبر ليس على الاطلاق في حق جميع الصحابة فإنه صرح في كلامه
باستثناء أهل بدر والحديبية ، ولابن حجر كلام كثير في ذلك يرجع إليه .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 4 وما بعدها ج 7 من فتح الباري .
( 2 ) كأن الكذب لم يفش إلا في القرن الثالث . . .
( 3 ) هذا الحديث رواه الترمذي وأبويعلى و الدارقطني عن أنس مرفوعا ، وأخرجه الخطيب في الرواة
عن مالك ووكذا أبوالحسن القطان في العلل ، وله شاهد عن عمار بن ياسر أخرجه ابن حبان في صحيحه
وفي لفظ عند الطبراني الكبير : مثل أمتي كالمطر يجعل الله في أوله خيراوفي آخره خيرا ، وأخرجه البزار
بسند جيد عن عمران بن حصين ( وهو راوى الحديث الاول ) . *
ـ245ـ
ونحن نقول إن قرن النبي صلوات الله عليه وقع فيه من الاحداث الجسام ماوقع
مثل فتنة عثمان وماجرت على المسلمين من بلايا ، ومثل ما فعل الامويون في حكمهم
من تقويض قاعدة الشورى في الاسلام ! ولا نطيل بذكر ماوقع في هذاالقرن
مماسجله التاريخ على صفحاته .
ومن أجل ذلك نرجح أن الحديث الصحيح الذي يتفق مع روح الرسالة
المحمدية هو حديث " مثل أمتي مثل المطرلا يدري أوله خير أم آخره " .
هذا والاحاديث المتناقضة كثيرة تؤلف منها كتب
كتابة القرآن
رأيناقبل أن نعرض للكلام عن كتابة الحديث ، أن نأتي بفذلكة وجيزة
من تأريخ جمع القرآن وكتابته لنبين كيف كانت عناية الرسول صلى الله عليه وآله وكذا
صحابته من بعده بكتابة هذا الكتاب العظيم ، وكيف كانوا يبالغون في التدقيق في
جمعه وحفظه حتى أوفوا على الغاية من الكمال ، وخرج إلى الناس في أصدق صورة
بلغها كتاب على مد الزمن كله ، وبذلك استحق صفة التواتر الصحيح الذي
لا يمترى فيه إنسان ، ولا يختلف عليه إثنان . وتلقاه المسلمون جميعافي مشارق
الارض ومغاربها على اختلاف مذاهبهم بالثقة التامة واليقين الكامل ، لا يشذ في
ذلك منهم أحد .
ولو أن النبي صلى الله وسلم كان قد عنى بكتابة الحديث كما عنى بكتابة
القرآن وعنى الصحابة من بعده بكتابته ، لجاءت أحاديث الرسول كلها متواترة في
لفظها ومعناها ، ليس شئ فيها اسمه صحيح ، ولاشئ اسمه حسن ، ولا شئ
اسمه ضعيف ، ولا غير ذلك من الاسماء التي اخترعوها مما لم يكن معروفا زمن النبي
وصحابته ، وبذلك كان يرتفع الخلاف في حقيقته ، وينحط عن كاهل العلماء أعباء
البحث عن صحته ، ووضع المؤلفات الكثيرة التى صنفت في " علوم الحديث "
والبحث عن أحوال الرواة ، من حيث العدالة والضبط والجرح والتعديل وغيرذلك ،
وكان فقهاء الدين يسيرون على نهج واحد لا اختلاف بينهم في أصله ولا تباين ،
ـ246ـ
اللهم إلا في الفهم والادراك ، إذ تكون أدلتهم كلها متواترة كالقرآن الكريم فلايأخذون
بماسموه الظن الغالب الذي فتح أبواب الخلاف ومزق صفوف الامة وجعلها مذاهب
وفرقا ، مما لا يزال أمره بينهم إلى اليوم وما بعد اليوم قائما . ثم كانت الاحاديث
تصبح كذلك من أهم المصادر لعلماء النحو ورجال اللغة والبلاغة .
كيف كانت كتابة القرآن في عهدالنبي صلى الله عليه وسلم ؟
كان النبي حينماينزل عليه من القرآن ماينزل يأمر كتابه بأن يسارعوا إلى
كتابته عندالنطق به حتى لقد بلغ من حرصه على أدائه كما أوحى إليه ، أن كان
يحرك لسانه بما يتلقاه من الوحي حتى لايتفلت منه شئ ، فقد أخرج البخاري
وغيره عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى " لا تحرك به لسانك . . " الآية ، قال :
كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة ، وكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن يتفلت
منه - يريد أن يحفظه - فأنزل الله : " لاتحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه
وقرآنه " ويقول إن عليناأن نجمعه في صدرك ثم نقرأه فإذا قرأناه - إذا أنزلناه عليك
" فاتبع قرآنه " فاسمع له وأنصت ، ثم إن علينا بيانه أي تبيينه بلسانك . . . إلخ .
وكان النبي يحض صحابته على حفظه وضبطه ، والمداومة بالليل والنهار على تلاوته
وكذلك كان يحث على قراءته في الصلاة وفي غيرالصلاة وبذلك كثرالقراء
" الحفاظ " وقد كان بعضهم يكتب ما ينزل " ابتداء من عند أنفسهم أو بأمرالنبي "
ومنهم من حفظ بعضه ، ومنهم من حفظ أكثره ، ومنهم من حفظه كله
وهم قليل .
كتاب الوحي :
كان كتاب الوحي - كما ذكروا - الخلفاء الاربعة وسعيد بن العاص وغيرهم ،
وقالوا كذلك إن أكثرهم كتابة وأشهرهم بينهم كان زيد بن ثابت وإن كان أول من
كتب للنبي بمكة من قريش عبدالله بن سعدبن أبي سرح الذي ارتد ، ثم عاد
إلى الاسلام يوم الفتح ، وأول من كتب بالمدينة أبي بن كعب وزيدبن ثابت ( 1 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) كان بين نزول أول القرآن وآخره ، 20 سنة ، و23 ، 25 ، وهو مبني على
الاختلاف في مدة إقامته بمكة بعدالبعثة ، فقيل عشروقيل 13 وقيل 15 ، ولم يختلف في مدة = *
ـ247ـ
وفي المواهب الفتحية ( 1 ) :
إن الزبيربن العوام وجهم بن الصلت كانا يكتبان أموال الصدقة ، وكان
حذيفة يكتب خرص النخل ، وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير ، يكتبان
ا لمداينات و المعاملات .
جمع القرآن وسببه :
قضى رسول الله ولم يكن القرآن جمع في شئ وذلك أنه كان في الصدور ،
وفيما كتب متفرقا ، في عهد النبي ، ولما تولى أبوبكر ونشبت حرب الردة وقتل فيها كثير
من الصحابة - خشى عمر من ضياع القرآن بموت الصحابة ، فدخل على أبي بكر
وقال له : إن أصحاب رسول الله باليمامة يتهافتون تهافت الفراش في النار ، وإني
أخشى ألا يشهدوا موطنا إلا فعلوا ذلك حتى يقتلواوهم حملة القرآن ( 2 ) فيضيع
القرآن وينسى ، ولو جمعته وكتبته ؟ فنفر منها أبوبكر ، ولما تراجعا أرسل أبوبكر
إلى زيدبن ثابت وقال له : إن عمرقد دعاني إلى أمر فأبيت ، وأنت كنت كاتب الوحي
فإن تكن معه اتبعتكما ، فنفر زيد كذلك ، وقال : نفعل مالم يفعل رسول الله ؟
فقال عمر : وماعليكما لو فعلتما ذلك ؟ فشرح الله صدري لذلك ، ورأيت في ذلك
مارأى عمر ، ثم تتبعت القرآن أجمعه من العسب ( 3 ) واللخاف ، والاكتاف وقطع
* ( هامش ) * = إقامته بالمدينة أنها عشر سنين - وكان القرآن ينزل بحسب الحاجة ، خمس آيات ، وعشرآيات
وأكثر وأقل ، وصح نزول " غير أولى الضرر " وحدها وهي بعض آية - 29 من كتاب التبيان للجزائري .
( 1 ) ص 85 ج 2 .
( 2 ) مما يلفت النظر البعيد ، ويسترعى العقل الرشيد ، أن عمرلما راعه تهافت الصحابة في
حرب اليمامة تهافت الفراش في النار - وفزع إلى أبي بكرلكي يسارع إلى جمع القرآن وكتابته ،
لم يقل عنهم إنهم حملة الحديث ، بل قال إنهم حملة القرآن ولم يطلب جمع الحديث وكتابته ، عندما
فزع إلى أبي بكر ، بل جعل همه في جمع القرآن وحده وكتابته ، ولم يقف الامر عندذلك فحسب ،
بل إننا لم نجدهم وهم يجمعون القرآن ويكتبونه - وكان ذلك على عين الصحابة جميعا - قد اقترح واحد
منهم أن يجمعوا الحديث ويكتبونه ، بل انحصرت عنايتهم جميعافي جمع القرآن فحسب ، وفي ذلك
أقوى الادلة وأصدق البراهين على أنهم لم يكونوا يعنون بأمر الحديث ، ولاأن يكون لهم فيه كتاب
محفوظ ، يبقى على وجه الدهر كالقرآن الكريم .
( 3 ) العسب جمع عيسب وهو جريدالنخل ، كانوا يكشطون الخوص عنه ويكتبون في الطرف
العريض ، واللخاف جمع لخفة بفتح وسكون ، وهي صفائح الحجارة .
وهذه الاشياءهي التى كانوا يكتبون فيها عند نزول القرآن . *
ـ248ـ
الاديم ، وصدور الرجال ( 1 ) . . . وقداختص أبوبكر زيدا بذلك لانه من كتاب
الوحي ، وكان حافظا للقرآن ، وهذا الجمع هو ضم متفرق القرآن من صحف لتكون
هذه الصحف في مصحف .
تحريهم في جمع القرآن :
لمااتفق الرأي على جمع القرآن وتدوينه قام عمرفي الناس وقال :
من تلقى من رسول الله شيئامن القرآن فليأت به . وقال أبوبكر لعمروزيد :
اقعد على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه ،
وكان عمر - كماعلمت - لايقبل من أحد حديثا عن رسول الله حتى يشهد
شاهدان على أنهما قدتلقياه من النبي ، وعهدوا إلى بلال أن ينادي بأنحاء المدينة ،
أن من كان عنده قطعة عليها شئ من كتاب الله فليأت بهاإلى الجامع وليسلمها
إلى الكتبة . قال أبوشامة وكان غرضهم ألا يكتب إلا من عين ماكتب بين
يدي النبي لا من مجرد الحفظ ، ولذلك قال زيد في آخرسورة التوبة لم أجدهامع
غيره - أي لم أجدها مكتوبة مع غيره - لانه كان لايكتفي بالحفظ دون الكتابة .
وقد روى ابن وهب في موطئه عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبدالله
ابن عمر أنه قال : قد جمع أبوبكر القرآن في قراطيس اه ، وبذلك يكون أبوبكر
هوأول من جمع القرآن في الصحف وهذاهو الجمع الاول .
هذا ما أمكن نشره هنافي هذاالحيز الضيق من الكلام في موضوع كتابة القرآن
الكريم ، ولم نعرض لشئ من التفصيل عماجاءفي هذا الامر الخطير الذي تشعبت فيه
الرواية ، واختلف فيها كلام الرواة لان ذلك ليس من همنا ، ولا هو من موضوع كتابنا .
ومن شاء أن يقف على كل ماقيل في هذاالامر فليرجع إلى كتاب الاتقان
للسيوطي ، وكتاب التبيان للجزائري والجزء الاول من " البيان في تفسير القرآن " للعلامة
المحقق الكبير السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي .
وهذا الكتاب وحده كاف في بيان هذاالامرلان مؤلفه الجليل قد درسه درسا
* ( هامش ) * ( 1 ) ارجع إلى حديث زيدبن ثابت الذين رواه البخاري في ذلك . *
ـ249ـ
وافيا ، وفصل فيه القول تفصيلا بحيث لا تجد مثله في كتاب آخرحتى ليجب على
كل مسلم أن يقرأه ليستفيد منه علما ومعرفة .
غريبة توجب الحيرة :
من أغرب الامور ، وممايدعو إلى الحيرة أنهم لم يذكروااسم علي رضي الله عنه
فيمن عهدإليهم بجمع القرآن وكتابته ، لافي عهدأبي بكرولا في عهد عثمان !
ويذكرون غيره ممن هم أقل منه درجة في العلم والفقه ! فهل كان علي لايحسن
شيئامن هذاالامر ؟ أوكان من غير الموثوق بهم ؟ أو ممن لايصح استشارتهم
أو إشراكهم في هذاالامر ؟
اللهم إن العقل والمنطق ليقضيان بأن يكون علي أول من يعهدإليه بهذاالامر ،
وأعظم من يشارك فيه وذلك بما أتيح له من صفات ومزايا لم تهيأ لغيره من بين
الصحابة جميعا - فقد رباه النبي صلى الله عليه وآله على عينه ، وعاش زمنا طويلا تحت
كنفه ، وشهدالوحي من أول نزوله إلى يوم انقطاعه ، بحيث لم يند عنه آية من آياته ! !
فإذا لم يدع إلى هذا الامر الخطير فإلى أي شئ يدعى ؟ !
وإذا كانوا قد انتحلوا معاذير ليسوغوا بها تخطيهم إياه في أمرخلافة أبي بكر
فلم يسألوه عنهاولم يستشيروه فيها ، فبأي شئ يعتذرون من عدم دعوته لامركتابة
القرآن ؟ فبماذا نعلل ذلك ؟ وبماذا يحكم القاضي العادل فيه ؟ حقاإن الامر
لعجيب وما علينا إلا نقول كلمة لا نملك غيرهاوهي :
لك الله ياعلي ! ما أنصفوك في شئ :
الجمع الثاني في عهد عثمان :
لبثت الصحف التي كتبت في عهد أبي بكرعنده إلى أن قضى نحبه - رضي
الله عنه - ثم حفظت عنه عمرمدة ولايته ، وقبل موته دفع بها إلى ابنته حفصة ،
وظلت عندها حتى طلبها عثمان ليراجعوا عليها المصحف الذي كتب في عهده .
كتابة القرآن في عهد عثمان :
ماكاد عمر رضي الله عنه ينقلب إلى ربه ، ويتولى عثمان الخلافة حتى أخذ
أمر المسلمين يتحول ، وإختلف المسلمون حتى في قراءة القرآن .
ـ250ـ
أخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق أبي قلابة أنه قال :
لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل ، والمعلم يعلم قراءة
الرجل ، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون ، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين ، حتى
كفر بعضهم بعضا ، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال ، أنتم عندي تختلفون فمن نأى
عني من الامصارأشد اختلافا . وروى البخاري عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم
على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمنينة وأذربيجان مع أهل العراق ،
فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة وقال لعثمان : يا أمير المؤمنين : أدرك هذه الامة
قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى اه .
ومماذكره حذيفة : رأيت أناسامن أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خيرمن
قراءة غيرهم وأنهم أخذوا القرآن عن " المقداد " ، ورأيت أهل دمشق يقولون
إن قراءتهم خيرمن قراءة غيرهم ، فإنهم قرءوا بقراءة " أبي بن كعب " ورأيت أهل
الكوفة يقولون مثل ذلك وأنهم قرءوا على " أبي موسى " ، ويسمون مصحفه " لباب
لقلوب " .
وفي رواية عمارة بن غزية ذكرها ابن حجرفي الفتح ( ص 14 ج 9 ) أن حذيفة
قدم من غزوة فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان فقال : يا أمي رالمؤمنين أدرك الناس !
قال : وماذاك ؟ قال غزوت فرج أرمينية فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة " أبي بن كعب "
فيأتون بما لم يسمع أهل العراق ، وإذاأهل العراق يقرءون بقراءة عبدالله بن مسعود
فيأتون بمالم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضا .
ولما بلغ كل ذلك عثمان ورأى الامرقد حزب أرسل إلى حفصة ( 1 ) ابنة
* ( هامش ) * ( 1 ) كانت حفصة رضي الله عنهاوصية من قبل أبيها عمر على أوقافه وتركته ، ويبدو أن عمر كان لا
يثق بابنه عبدالله فقد روى السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء قال : أخرج النخعي أن رجلا قال لعمر : ألا
تخلف عبدالله بن عمر ؟ فقال له : قاتلك الله ! والله ما أردت الله بهذا ! أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلق
إمرأته ؟ ( ص 98 ) وقد ثبت عنه أنه قال : لوكان سالم مولى حذيفة حيا لوليته ( ص 123 ج 1 سيرأعلام
النبلاء ) . أما خبرهذا الطلاق الذي أشار إليه عمرفقد رواه البخاري عن نافع عن عبدالله بن عمرأنه طلق
إمرأته وهي حائض على عهدرسول الله ، فقال رسول الله مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهرثم تحيض ثم تطهر
ثم إن شاءأمسك بعد ، إن شاءطلق قبل أن يمس . فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لهاالنساء ( ص 288
ج 9 فتح الباري ) .
وقد ذكرابن دقيق العيداأن النبي صلى الله عليه وسلم تغيظ ممافعل ابن عمر . *
ـ251ـ
عمرأن أرسلي إلينا بالصحف ننسخهافي المصاحف ثم نردها إليك ، فأرسلت بها
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 251 سطر 1 الى ص 260 سطر 29
عمرأن أرسلي إلينا بالصحف ننسخهافي المصاحف ثم نردها إليك ، فأرسلت بها
حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص
و عبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان للرهط
القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان
قريش فإنما نزل بلسانهم ، ففعلوا ، حتى إذانسخوا الصحف في المصاحف رد
عثمان الصحف إلى حفصة ، فأرسل إلى كل أفق بمصحف ، مما نسخوا ، وأمر
بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق .
قال الحافظ ابن حجر - وكان ذلك في أواخرسنة 24 وأوائل سنة 25 ه .
الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان :
قال ابن التين وغيره : الفرق بين جمع أبي بكروجمع عثمان ، أن جمع
أبي بكركان الخشية أن يذهب من القرآن شئ بذهاب حملته ، لانه لم يكن مجموعا
في موضع واحد ، فجمعه في صحائف مرتبا لآيات سوره على ماوقفهم عليه النبي
صلى الله عليه وسلم ، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة ، حتى
قرءوا بلغاتهم من اتساع اللغات ، فأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضا ، فخشى
من تفاقم الامر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره
واقتصرمن سائر اللغات على لغة قريش ، محتجا بأنه نزل بلغتهم ، وإن كان قد
وسع في قراءته بلغة غيرهم ، رفعا للحرج والمشقة في ابداءالامر ، فرأى أن الحاجة
في ذلك قدانتهت فاقتصرعلى لغة واحدة
عدد المصاحف التي أرسلها عثمان إلى الآفاق :
اختلف في عدة المصاحف التي أمرعثمان بكتابتها ، والمشهور أنها كانت
خمسة ، أرسل أربعة منها إلى الآفاق وأمسك عنده واحدا منها .
هذه لمعة ضئيلة مماجمعناه في هذاالبحث رأينا إيرادها هنا ، ولعل الله يهيئ
لنا نشر البحث الطويل الذي أعددناه لكتاب برأسه في هذا الموضوع الجليل لينتفع
به المسلمون خاصة ، والمعنيون بالمباحث الاسلامية عامة .
ـ252ـ وقفة قصيرة :
ولا بد لي هنا من أن أقف وقفة قصيرة أستعلن فيهاما عراني من حيرة فيما أوردوه
من أنباء هذا الجمع ومافيها من تناقض كثير . فنبأيقول : إن عمرهوالذي فزع
إلى أبي بكرفي هذاالجمع ، وخبريقول : إن هذاالجمع لم يكن في عهد أبي بكر ،
وإنما هو عمر الذي تولاه ، ورواية ثالثة تفيد أن عمر قد قتل قبل أن يكمل هذا
الجمع ، وأن عثمان هوالذي أتمه ، وثم روايات أخرى كثيرة تحمل مثل هذا
التناقض ، لا نتوسع بإيرادها .
ونحن لوأخذنا بالاخبار المشهورة ، التي رواها البخاري ، وهي التي فزع فيهاعمر
إلى أبي بكرلكي يجمع القرآن لما رأى القتل قداستحر في وقعة اليمامة وأنه قد قتل
فيها من الصحابة مئات وهم ، حملة القرآن ، وإذا استمر الامر على ذلك فإن القرآن
يضيع وينسى !
لونحن أخذنا بهذاالنبأ فإنه يتبين منه أن الصحابة وحدهم هم الذين كانوا في
هذاالعهد يحملون القرآن ، فإذا ما ماتواأو قتلواضاع القرآن ونسى ، وأنه ليس هناك
مصدر آخر يحفظ القرآن على مد الزمان إذ كانوا مادته وكانوا كتابه ؟
على حين ذكروا قبل ذلك في أخبار وثيقة يرضى بها العقل ويؤيدها العلم أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب كل ماينزل عليه من قرآن وقت نزوله على
العسب واللخاف وقطع الاديم وغيرها ، وأنه اتخذ لذلك كتابا أحصى التاريخ أسماءهم ،
فأين ذهبت هذه النسخة ، التي لا يشك فيها أحد ولا يمتري فيهاإنسان ؟ لانهاهي
التي حفظ الله بهاالقرآن الكريم في قوله تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون "
وفي قوله تعالى " إنا عليناجمعه وقرآنه " .
إن هذه النسخة الفريدة التي تحمل الصورة الصحيحة للقرآن التي ستبقى
على وجه الزمن خالدة لو كانت موجودة لاغنتهم عما وجدوه في سبيل عملهم من
عناء ، ولاصبحت هي المرجع الاول للقرآن في كل عصرومصر والتي كان يجب على
عثمان أن يراجع عليها مصاحفه التي كتبهاقبل أن يوزعها على الامصار .
ـ253ـ
تعقيب لا بد منه :
وإذا كانوا - كماقلنا - قد أوفوا على الغاية من التحقيق في كتابة القرآن
الكريم وحفظه حتى لا يستطيع أحد أن يمارى في ذلك ، أو يحيك بصدره شئ من
الريب فيه ، فقد قامت حول هذا الامر الخطير أمور سموها مشكلات نرى من
الواجب أن نشيرإلى بعضها حتى لا يأخذ علينا أحد أننا قد أغفلنا شيئا مما يجب أن
يعلمه قراء كتابنا عن الرواية وما جنت ، وهو مايتصل بموضوعنا
" وفي كل واد أثر
من ثعلبة " !
قال العلامة طاهر الجزائري في كتابه " التبيان " ( 1 ) وهو يتكلم عن وجوب
تواتر القرآن وماورد على ذلك من مشكلات :
وهنا مشكلات تردعلى أصل وجوب تواتر القرآن نذكرها مع الجواب عنها :
المشكل الاول :
نقل عن ابن مسعودأنه كان ينكرسورة الفاتحة و المعوذتين من القرآن وقد
أنكرصحة النقل عنه كثيرمن العلماء ، قال النووي في شرح المهذب : أجمع
المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحدشيئا منهاكفر ،
ومانقل عن ابن مسعودباطل ليس بصحيح . وقال ابن حزم في كتاب القدح المعلى
تتميم المحلى : هذاكذب على ابن مسعود وموضوع ، وإنماصح عنه قراءة عاصم
عن زر عنه ، وفيها المعوذتان والفاتحة .
وقال ابن حجر في شرح البخاري : قد صح عن ابن مسعود إنكار ذلك
فأخرج أحمد وابن حبان عنه أنه كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه - وبعدأن
أورد كل الروايات التي جاءت في أن ابن مسعود كان يحك المعوذتين من مصاحفه
قال ( ابن حجر ) : فقول من قال إنه كذب عليه مردود ، والطعن في الروايات
الصحيحة بغيرمستند لا يقبل ! !
وقال ابن قتيبة في مشكل القرآن : ظن ابن مسعود أن المعوذتين ليستامن القرآن
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 96 - 101 ، وكتاب التبيان هومهذب كتاب الاتقان للسيوطي . *
ـ254ـ
لانه رأى النبي صلى الله عليه وآله يعوذ بهماالحسن والحسين فأقام على ظنه ، ولا نقول
إنه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والانصار - وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه
فليس لظنه أنها ليست من القرآن ، معاذ الله ! ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب
وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان ، والزيادة والنقصان ، ورأى أن ذلك
مأمون في سورة الحمد لقصرها ووجوب تعلمها على كل أحد . . .
وممايشاكل ما نقل عن ابن مسعود ، مانقل عن أبي بن كعب ، أنه كتب
في مصحفه سورتين تسميان سورتي الخلع والحقد ، كان يقنت بهماوهما : اللهم إنا
نستعينك ، ونستغفرك ونثني عليك الخيرولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يفجرك ،
اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نخشى عذابك ونرجو
رحمتك إن عذابك بالكفار ملحق . وقد تعرض القاضي لذكرذلك في الانتصار
فقال : إن كلام القنوت المروي أن أبي بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم الحجة بأنه
قرآن منزل بل هوضرب من الدعاء ، وإنه لوكان قرآنا لنقل نقل القرآن وحصل
العلم بصحته ، وإنه يمكن أن يكون منه كلام كان قرآنا منزلا ثم نسخ وأبيح الدعاء به
وخلط بكلام ليس بقرآن - ولم يصح ذلك عنه - وإنماروى عنه أنه أثبته في
مصحفه ، وقد أثبت في مصحفه ماليس بقرآن من دعاء وتأويل .
المشكل الثاني :
نقل عن زيدبن ثابت أنه قال في أثناء ذكره لحديث جمع القرآن في المصحف
- وهو الجمع الاول - وكان ذلك في عهدأبي بكرالصديق : فقمت فتتبعت
القرآن أجمعه من الرقاع والاكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة
التوبة آيتين مع أبي خزيمة الانصاري ، لم أجدهمامع أحد غيره " لقدجاءكم
رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم . . . " إلى آخرها ، ونقل عنه أنه
قال : لما نسخنا المصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الاحزاب ، كنت
أسمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقرؤها لم أجدهامع أحدإلا مع خزيمة الانصارى الذي
جعل رسول الله صلى الله عليه وآله شهادته شهادة رجلين : " من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا
الله عليه " ، وقد وقع هذاالجمع الثاني ، وكان ذلك في عهدعثمان ، وقداختلف
ـ255ـ
المتكلمون في ذلك ، فقال بعضهم : إن هذاالخبر وإن كان مخرجا في الصحيحين ،
غيرصحيح ، لاقتضائه أن الآيات الثلاث المذكورة قدثبتت بغيرطريق التواتر ،
وهوخلاف ما يقتضيه الدليل المذكور ، وقال بعضهم : ليس في الخبر المذكور
مايقتضي ثبوت الآيات المذكورة بغيرطريق التواتر ، لاحتمال أن يكون زيد قد
أراد بقوله : لم أجدهامع غيرفلان : لم أجدها مكتوبة عند غيره ، وهو لا يقتضي
أنه لم يجدها محفوظة عند غيره . . وقال بعضهم : إن الدليل المذكور إنما يتقضي
كون القرآن قد نقل على وجه يفيدالعلم - وإفادة العلم قد تكون بغيرطريق التواتر ،
فإن في أخبار الآحاد ما يفيد العلم ، وهي الاخبار التي احتفت بها قرائن توجب
ذلك - وعلى هذا فنحن لا نستبعد أن يكون في القرآن ما نقل على هذاالوجه ،
وذلك كالآيات الثلاث المذكورة ، إذ المطلوب حصول العلم على أي وجه كان ،
وقد حصل بهذاالوجه .
وهذاالقول في غاية القوة والمتانة ، ولايرد عليه شئ ممايردعلى من أفرط
في هذاالامرأو فرط عليه .
المشكل الثالث :
روى البخاري عن قتادة أنه قال : سألت أنس بن مالك ، من جمع القرآن
على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال : أربعة كلهم من الانصار ، أبي بن كعب ،
ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبوزيد ، قلت : من أبوزيد ؟ قال :
أحد عمومتي ، وروى من طريق ثابت عن أنس أنه قال : مات النبي صلى الله عليه وآله ولم يجمع
القرآن غيرأربعة ، أ بوالدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبوزيد .
وفيه مخالفة لحديث قتادة من وجهين : التصريح بصيغة الحصرفي الاربعة ،
والآخرذكر أ باالدرداء بدل أبي بن كعب ، وقداستنكر جماعة من الائمة
الحصر في الاربعة . وقال المازري : لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم ، أن
يكون الواقع في نفس الامركذلك ، لان التقدير أنه لايعلم أن سواهم جمعه ،
وإلا فكيف الاحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد ، وهذا لايتم
إلا إن كان لقى كل واحد منهم على انفراده ، وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع
ـ256ـ
القرآن في عهدالنبي صلى الله عليه وآله وهذا في غاية البعد في العادة ، وإذاكان المرجع إلى
ما في علمه ، لم يلزم أن يكون الواقع كذلك . .
وأخرج النسائي بسند صحيح عن عبدالله بن عمرو أنه قال : جمعت القرآن
فقرأت به كل ليلة ( 1 ) فبلغ النبي صلى الله عليه وآله فقال : اقرأه في شهر الحديث .
وأخرج ابن أبي داود بسند حسن عن محمد بن كعب القرظي قال : جمع
القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله خمسة من الانصار ، معاذ بن جبل ، وعبادة
ابن الصامت ، وأبي بن كعب ، وأ بوالدرداء ، وأبوأيوب الانصاري .
وقد اعترض الاسماعيلي على إخراج حديث أنس معا في الصحيح مع اختلافهما
فقال : هذان الحديثان مختلفان ، ولا يجوز أن يكونا في الصحيح مع تباينهما ، بل
الصحيح أحدهما . وجزم البيهقي بأن ذكر أبي الدرداء وهم والصواب أبي بن كعب ،
وقال الداودي لا أرى ذكر أبي الدرداء محفوظا ، والصحيح هوالرواية الاولى ،
وأما الرواية الثانية فالظاهر أن بعض الرواة " رواها بالمعنى " فزاد فيها الحصر لتوهمه
أنه مراد وذهل في ذكر الاسماء ، فأبدل اسم أبي بن كعب باسم أبي الدرداء ! ومن
أمعن النظر في أمر الرواية بالمعنى - لم يستبعد ذلك . اه مانقلناه من كتاب
التبيان .
ولم يقف فعل الرواية عند ذلك بل تمادت إلى ما هو أخطر من ذلك حتى
زعمت أن في القرآن نقصا ولحناوغير ذلك مما أورد في كتب السنة ، ولوشئناأن
نأتي به كله لطال الكلام - ولكنا نكتفي بمثالين مما قالوه في نقص القرآن ، ولم نأت
بهما من كتب السنة العامة بل مما حمله الصحيحان ، ورواه الشيخان البخاري
ومسلم .
أخرج البخاري وغيره عن عمر بن الخطاب أنه قال - وهو على المنبر : إن
الله بعث محمدا بالحق نبياوأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل آية الرجم فقرأناها
وعقلناهاو وعيناها . رجم رسول الله صلى الله عليه وآله ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس
زمان أن يقول قائل : مانجد آية الرجم في كتاب الله فيضل بترك فريضة أنزلها الله
* ( هامش ) * ( 1 ) هل هذا ممكن ؟ إن الشك ليبدو على هذاالخبر . *
ـ257ـ
- والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء . ثم إنا كنا
نقرأ فيما يقرأ في كتاب الله ، ألا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفربكم أن ترغبوا عن
آبائكم .
وأخرج مسلم عن أبي الاسود عن أبيه قال : بعث أبوموسى الاشعري ، إلى
قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلثمائة رجل قد قرءوا القرآن فقال : أنتم خيار أهل
البصرة وقراؤهم ، ولا يطولن عليكم الامد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان
قبلكم - وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها ، غير أني قد
حفظت منها " لوكان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف
ابن آدم إلا التراب " ، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني
حفظت منها " ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، فتكتب شهادة في أعناقكم
فتسألون عنها يوم القيامة " .
نجتزئ بما أوردنا وهو كاف هنا لبيان كيف تفعل الرواية حتى في الكتاب
الاول للمسلمين وهو القرآن الكريم ! ولا ندري كيف تذهب هذه الروايات
التي تفصح بأن القرآن فيه نقص وتحمل مثل هذه المطاعن مع قول الله سبحانه
" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " وأيهما نصدق ؟ !
اللهم إن هذا أمر عجيب يجب أن يتدبره أولو الالباب .
أضواءعلى السنة
ـ258ـ
تدوين الحديث ( 1 )
كيف نشأ تدوين الحديث :
عندما شرعوا في تدوين الحديث دونوه على الهيئة التي وصل بها إليهم ، فجمع
كل منهم ما جمع مما رواه الرواة بالاسانيد التي رووه بها ، وبعدذلك بحثواعن
أحوال هؤلاء الرواة لكي يعرفوا من تقبل روايته ومن ترد .
وعلى أنهم قد بذلوا في هذه السبيل ما بذلوا ، لكنهم لم يصلوا إلى الغرض
المرجو منه ولا بلغوا مستقر اليقين الذي تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب من
أن ما دونوه هو نفس ما نطق النبي به بحيث لا يدنو منه شك ، أو يعروه شبهة .
وأنى لهم أن ينفذوا إلى دخائل النفوس وبواطنها حتى يطلعواعلى حقيقتها ؟
ومن أجل ذلك جاءت كتبهم ( كلها ) وليس فيها مما جاء عن رسول الله - حديث
يعتبر متواترا ، بل نجدها قد جمعت بين ما هو صحيح في نظر الرواة وما هوموضوع
لاأصل له ، ولايخلو من ذلك كتاب حتى التي سموها الصحاح وهي البخاري ومسلم
لانها لم تسلم من سهام النقدالتي وجهها إلى كتب الحديث أئمة الحديث وعلماء
الاصول وعلم الكلام .
وسيتبين لك كل ذلك فيما سيقابلك في مواضيعه من هذا الكتاب .
وقد رأيت فيما تقدم من الفصل السابق أن الصحابة في عهد أبي بكر قد جمعوا
القرآن في موضع واحد ، مما كان قد كتب في حياة الرسول صلوات الله عليه ،
وماحفظ في الصدور ، وأنهم قد عنوا بذلك عناية فائقة ، أما أحاديث الرسول
فإنهم لم يكتبوها ولم يجمعوها لانها لم تكتب في عهدالنبي كما كتب القرآن ، إذ كان
* ( هامش ) * ( 1 ) التدوين هو تقييد المتفرق المثبت وجمعه في ديوان أي في كتاب تجمع فيه الصحف فيضم الشمل
ويحفظ من الضياع ، وهو أوسع من التقييد بمعناه المحدود . في تاج العروس دونه تدوينا جمعه ، وقال نقلا عن
الف يروزابادي : الديوان مجمع الصحف .
والتصنيف أدق من التدوين فهو ترتيب ما دون في فصول محدودة ، وأبواب متميزة . قال في تاج
العروس - وصنفه تصنيفا جعله أصنافا وميز بعضها عن بعض ، وقال الزمشخري ومنه تصنيف الكتاب . *
ـ259ـ
النبي قد نهي عن كتابتها ، وكانت صدورهم ، هي التي تحملها ، ومن أجل
ذلك كانوا ينشرونها بالرواية ، إما بنفس الالفاظ التي سمعوها من النبي - إن بقيت
في أذهانهم وهذا نادر جدا - وإن وقع ذلك ففي بعض الاحاديث القصيرة ، أو
بما يؤدي معناهاإذا غابت عنهم ، وهذا كان غالب أمرهم ، ولم يروا حرجا من
ذلك " لان المقصود من الحديث عندهم - كماقالوا - هو المعنى ولايتعلق في
الغالب حكم بالمبني " بخلاف القرآن فإن لالفاظه مدخلا في الاعجاز ، فلايجوز
إبدال لفظ بلفظ آخر ، ولوكان مرادفاله خشية النسيان مع طول الزمان ، فوجب
أن يقيد بالكتابة ولا يكتفي بالحفظ - وإعجازه قائم ولا جرم على تأليف ألفاظه .
قال الامام الخطابي في كتابه إعجاز القرآن : إنما يقوم الكلام بهذه الاشياء
الثلاثة : لفظ حاصل ، ومعنى قائم ، ورباط لهما ناظم .
وقال الشيخ أبوبكر بن عقال الصقلى في فوائده على ما رواه ابن بشكوال :
إنما لم يجمع الصحابة سنن رسول الله صلى الله عليه وآله في مصحف كما جمعوا القرآن ،
لان السنن انتشرت وخفى محفوظهامن مدخولها ، فوكل أهلهافي نقلها إلى حفظهم
ولم يوكلوامن القرآن إلى مثل ذلك ، وألفاظ السنن غير محروسة من الزيادة والنقصان
كما حرس الله كتابه ببديع النظم الذي أعجز الخلق عن الاتيان بمثله ، فكانوافي
الذي جمعوه من القرآن مجتمعين ، وفي حروف السنن ونقل نظم الكلام نصا
مختلفين ، فلم يصح تدوين مااختلفوا فيه ( 1 ) .
وقد ظل الامرفي رواية الحديث على ماذكرنا ، تفعل فيه الذاكرة ما تفعل ،
لا يكتب ولا يدون طوال عهد الصحابة وصدرا كبيرامن عهد التابعين إلى أن
حدث التدوين - على ماقالوا - في آخر عهد التابعين ( 2 ) قال الهروى ( 3 ) :
لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الاحاديث إنما كانوا يؤدونها لفظا ويأخذونها
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 48 و49 من شرح شروط الائمة الخمسة للحازمي .
( 2 ) آخر عصر التابعين هوحدود الخمسين ومائة . والحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس
سنة 300 ه .
( 3 ) ص 7 ص ج 1 إرشاد السارى شرح القسطلاني وص 10 ج 1 شرح الزروقاني على الموطأ . *
ـ260ـ
حفظا ، إلا كتاب الصدقات والشئ اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء ،
حتى خيف عليه الدروس وأسرع في العلماء الموت ، أمر عمربن عبدالعزيز
أبابكر الحزمي ( 1 ) ، فيما كتب إليه : انظر ماكان من سنة أو حديث فاكتبه .
وقال مالك في الموطأ رواية محمد بن الحسن : أن عمر بن عبدالعزيز كتب إلى
أبي بكر بن حزم : أن انظر ماكان من حديث رسول الله ، أو سننه فاكتبه
لي فإني حفت دروس العلم وذهاب العلماء ، وأوصاه أن يكتب له ما عند عمرة
بنت عبدالرحمن الانصارية - وكانت تلميذة عائشة رضي الله عنها - والقاسم
ابن محمدبن أبي بكر .
أماأمرعمر بن عبدالعزيز فقدكان على رأس المائة الاولى ( 2 ) .
ويبدو أنه لماعاجلت المنية عمر بن عبدالعزيز انصرف ابن حزم عن كتابة
الحديث ، وبخاصة لما عزله يزيد بن عبدالملك عندماتولى بعد عمربن عبدالعزيز
سنة 101 ، ه وكذلك انصرف كل من كانوا يكتبون مع أبي بكروفترت حركة
التدوين إلى أن تولى هشام بن عبدالملك سنة 105 ه فجد في هذاالامر
ابن شهاب الزهري ( 3 ) ، بل قالوا إنه أكرهه على تدوين الحديث لانهم كانوا يكرهون كتابته
- كما سيتبين لك بعد - ولكن لم تلبث هذه الكراهية أن صارت رضا ولم يلبث
ابن شهاب أن صار حظيا عند هشام فحج معه وجعله " معلم أولاده " إلى أن توفى قبل
هشام بسنة ، وتوفى هشام سنة 125 ه ، وبموته تزعزع ملك بني أمية ودب فيه الاضطراب .
* ( هامش ) * ( 1 ) أبوبكربن محمد الانصاري ، لجده صحبة وهو تابعي فقيه ، استعمله عمربن عبدالعزيز على
إمرة المدينة وقضائها ، قال مالك : لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاءما كان عندأبي بكر بن حزم .
مات سنة 120 ه .
( 2 ) تولى عمربن عبدالعزيز سنة 99 ه ومات سنة 101 ه لعدله بلسم ، وإليك كلمة بليغة للجاحظ
في هذاالامام العادل .
قال في كتاب فضل هاشم على عبد شمس : والذي حسن أمره - يريد عمر بن عبدالعزيز - وشبه على
الاغبياء حاله ، أنه قام بعقب قوم قد بدلواعامة شرائع الدين وسنن النبي صلى الله عليه وسلم وكان الناس قبله
من الظلم والجور والتهاون بالاسلام في أمر صغر في جنبه ما عاينوا منه ألفوه عليه فجعلوه لما نقص من تلك
الامور الفظيعة في عداد الائمة الراشدين - ص 91 من رسائل الجاحظ جمع السندوبي ، وص 204 من كتاب
تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية للعلامة مصطفى عبدالرازق .
( 3 ) هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أحد الائمة توفى سنة 124 ه . *
ـ261ـ
ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلى طبقة الزهري ، وكان ذلك بتشجيع
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 261 سطر 1 الى ص 270 سطر 27
ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلى طبقة الزهري ، وكان ذلك بتشجيع
العباسيين .
وقد اعتبرابن شهاب الزهري أول من دون الحديث ، ولعل سبب ذلك أخذ
بني أمية عنه - وجاء في تذكرة الحفاظ : أن خالد بن معدان الحمصى لقى 70
صحابيا . وكان يكتب الحديث وله مصنفات ، ولكن لم يأت لهذه المصنفات ذكر
في كتب الحديث ، ومات ابن معدان سنة 104 ه .
وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري ، بعد أن بين أن آثارالنبي لم
تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة لانهم نهوا عن ذلك
كما ثبت في صحيح مسلم : " ثم حدث في أواخر التابعين تدوين الآثار وتبويب
الاخبار ، لما إنتشر العلماءفي الامصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض . . . إلخ .
وروى البخاري والترمذي عن أبي هريرة أنه قال : مامن أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم أحد أكثرحديثا مني إلا ما كان من عبدالله بن عمرو ، فإنه كان
يكتب ولا أكتب ( 1 ) ، والمحدثون لا يعدون ما يوجدفي صحيفة محدث أو عالم رواية
صحيحة عنه إلاإن حدث أنه سمعهامن صحابها ويسمونها " الوجادة " .
وقال العلامة الشيخ مصطفى عبدالرازق : " مما أكد الحاجة لتدوين السنن شيوع
رواية الحديث وقلة الثقة ببعض الرواة وظهور الكذب في الحديث عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم لاسباب سياسية أو مذهبية - أما أول تدوين للسنن بالمعنى
الحقيقي فيقع ما بين سنة 120 ه وسنة 150 ه ( 2 ) .
لم يدونوا الحديث إلا مكرهين :
لماأمروا بتدوين الحديث لم يستجيبوا للامر إلا مكرهين ، ذلك بأنهم كانوا
يتحرجون من كتابته بعد أن مضت سنة من كان قبلهم من الصحابة على عدم
* ( هامش ) * ( 1 ) ذكر البغدادي أن ما دونه عبدالله بن عمروفي صحيفته التي يسميها " الصادقة " وكان يحرص
عليها حرصه على نفسه إنما كانت أدعية وصلوات كان يرجع إليها . يرجع إلى كتاب " شيخ المضيرة " لمعرفة
ما في هذه الصحيفة .
( 2 ) ص 195 و198 من كتاب " تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية " . *
ـ262ـ
تدوينه ، فقد حدث معمرعن الزهري قال : كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا
عليه ( 1 ) هؤلاء الامراء فرأينا ألا نمنعه أحدا من المسلمين ( 2 ) .
وقال الزهري كذلك : استكتبني الملوك فأكتبتهم فاستحييت الله إذ كتبها
الملوك ألا أكتبها لغيرهم ( 3 ) .
وذلك لان المسلمين كان همهم في أول الاسلام مقصوراعلى كتابة القرآن ،
أما الحديث فقد كانوا يتناقلونه من طريق الرواية معتمدين في ذلك على ذاكرتهم .
لم يعتبروا التدوين في عصربني أمية تدوينا منسقا :
لم يعتبر العلماء عصر بني أمية عصر تصنيف منسق ، لانهم لم يجدوا من آثار
هذا العصر كتبا جامعة مبوبة ، وإنما وجدوا أن ما صنعوه إنما كان في مجموعات
لا تحمل علما واحدا ، وإنما كانت تضم الحديث والفقه والنحو واللغة والخبر
وماإلى ذلك .
قال الاستاذ العالم أحمد السكندري في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية ( 4 ) :
انقضى عصر بني أمية ولم يدون فيه غير قواعد النحو وبعض الاحاديث
وأقوال فقهاء الصحابة في التفسير ، ويروى أن خالدبن يزيد ( 5 ) وضع كتبافي
الفلك والكيمياء وأن معاوية استقدم عبيدبن سارية ( 6 ) من صنعاء فكتب له كتاب
* ( هامش ) * ( 1 ) قال أبوالمليح : كان هشام هوالذي أكره الزهري على كتاب الحديث فكان الناس يكتبون
بعدذلك ، ورواية ابن سعدفي الطبقات " فرأيناألا يمنعه أحدمن المسلمين " - ص 135 ج 2 ق / 2 .
( 2 ) ص 107 من تقييد العلم للخطيب البغدادي .
( 3 ) ص 77 ج جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر .
( 4 ) ص 72 .
( 5 ) ذكروا أن خالد بن يزيد بن معاوية ترجم كتب الفلاسفة والنجوم والكيمياء والطب والحروب
وغيرها وكانت الترجمة أحيانامن لغة يونان إلى العبرانية ، ومن العبرانية ، إلى السريانية ، ومن السريانية إلى
العربية ، وهوأول من جمعت له الكتب وجعلها في خزانة - توفى سنة 85 ه .
( 6 ) عبيد بن سارية وفي رواية شرية الجرهمى ، استحضره معا معاوية من اليمن إلى الشام ليسأله عن
أخبار ملوك العرب والعجم ، وأمر أن يدون ما يقول وينسب إليه ، فكان ذلك أول التدوين في التاريخ
" الفهرست " لابن النديم طبعة ليبسك - ص 89 . وقال الجاحظ في البخلاءإنه كان لايعرف إلا ظاهر
اللفظ أي أنه كان راوية فقط . *
ـ263ـ
" الملوك والاخبار الماضية " وأن وهب بن منبه والزهري وموسى بن عقبة كتبوا في
ذلك أيضاكتبا ، ولكن ذلك لم يقنع الباحثين في تاريخ العلوم وتصنيفها أن يعتبروا
عصر بني أمية عصرتصنيف ، إذ لم تتم فيه كتب جامعة حافلة مبوبة مفصلة
وإنما كان كل ذلك مجموعات تدون حسب ورودها واتفاق روايتهااه ( 1 ) .
وقال الغزالي في الاحياء : بل الكتب و التصانيف محدثة لم يكن شئ منهمافي
زمن الصحابة وصدر التابعين وإنما حدث بعدسنة 120 ه وبعدوفاة جميع الصحابة
وجلة التابعين رضي الله عنهم ، وبعد وفاة سعيد بن المسيب ( توفى سنة 105 ه )
والحسن ( توفى سنة 110 ه ) وخيار التابعين ، بل كان الاولون يكرهون كتب التحديث ،
وتصنيف الكتب ، لئلا يشتغل الناس بها عن الحفظ وعن القرآن وعن التدبر
والتذكر ، وقالوا : احفظوا كما كنا نحفظ . . . ( 2 )
والذي يخلص من ذلك كله أن أول تدوين الحديث قد نشأ في أواخر
عهد بني أمية وكان على طريقة غير مرتبة من صحف متفرقة تلف وتدرج بغير
أن تقسم على أبواب وفصول ، ولعل هذا التدوين كان يجري على نمط ماكان
يدرس في مجالس العلم في زمنهم - إذ كانت غير مخصصة لعلم من العلوم ، وإنما
كان المجلس الواحد يشتمل على علوم متعددة ، قال عطاء ( 3 ) مارأيت مجلسا أكرم
من مجلس ابن عباس ، ولا أكثر فقهاولا أعظم هيبة ، أصحاب القرآن يسألونه وأصحاب
العربية يسألونه ، وأصحاب الشعر يسألونه ، فكلهم يصدر من واد فسيح ، وقال عمربن
دينار : مارأيت مجلسا أجمع لكل خيرمن مجلسه ( ابن عباس ) الحلال والحرام
وتفسير القرآن والعربية والشعر . وهذاهو الطورالاول من التدوين ولم يصل إلينا منه
أي كتاب .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 72 من تاريخ آداب اللغة العربية للسكندري .
( 2 ) ص 79 ج 1 من طبعة بولاق سنة 1296 ه .
( 3 ) عن عبدالحسن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال ، كنانكتب الحلال والحرام وكان ابن شهاب
يكتب كل ماسمع - ص 73 ج 1 جامع بيان العلم . *
ـ264ـ
التدوين في العصر العباسي
وقال السكندري :
هب العلماءفي العصر العباسي إلى تهذيب ما كتب في الصحف وتدوين
ماحفظ في الصدور ، ورتبوه وبوبوه وصنفوه كتبا ، وكان من أقوى الاسباب في
إقبال العلماء على التصنيف في هذا العصرحث الخليفة أبي جعفر المنصور ( 1 ) عليه
وحمله الائمة الفقهاء على جمع الحديث ، والفقه ، وأنه قد بذل - على بخله - في
هذاالسبيل أموالا طائلة ، وذكروا أن عنايته بالعلم لم تقف عند تعضيد العلوم
الاسلامية ، بل إنه حمل العلماء و المترجمين من السريان والفرس أن ينقلواإلى العربية
من الفارسية و اليونانية علوم الطب والسياسة والحكمة والفلك والتنجيم والآداب والمنطق
وغيرها ( 2 ) . فكان بذلك أول حاكم ترجمت له الكتب من اللغات الاخرى
إلى العربية ، على أن عنايته بالحديث وجمعه وتدوينه كانت فائقة ، حتى لقد قيل له :
هل بقى من لذات الدنياشئ لم تنله ؟ فقال : بقيت خصلة ، أن أقعد في مصطبة
وحولي أصحاب الحديث . وهو الذي أشار على مالك بن أنس أن يضع كتاب " الموطأ "
في بعض الروايات .
وقال الصولى : كان المنصور أعلم الناس بالحديث والانساب .
ولاعجب في أن يكثررجال الحديث في عهد المنصور ولا في أن يشتد العلماء
في طلب آثار الرسول وفي أن يرغبوا في جمعها وتدوينها ، وقدقال عمربن عبدالعزيز
إن السلطان بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها ، فإن كان برا أتوه ببرهم ، وإن
كان فاجراأتوه بفجورهم ( 3 ) ، قال ابن تغرى بردى في حوادث 143 مايلي :
قال الذهبي : وفي هذاالعصر ( سنة 143 ه ) شرع علماء الاسلام في تدوين الحديث
* ( هامش ) * ( 1 ) كان أبوجعفر أول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والاعجمية بالعربية ، وأول من أوقع
الفرقة بين بني العباس والعلويين ، بعدأن كان أمرهم واحدا - تولى سنة 136 ه ومات سنة 158 ه .
( 2 ) ص 72 من كتاب تاريخ آداب اللغة العربية للسكندري .
( 3 ) هناك رواية أخرى ، أن أباحازم الاعرج قال لسليمان بن عبدالملك : إنما السلطان سوق فما
ينفق عنده حمل إليه . *
ـ265ـ
والفقه والتفسير فصنف ابن جريح ( 1 ) التصانيف بمكة ( مات سنة 150 ه ) ،
وصنف سعيدبن أبي عروبة ( مات سنة 156 ) وحماد بن سلمة ( مات سنة 167 )
وغيرهما بالبصرة ، وصنف أبوحنيفة الفقه والرأي بالكوفة ( مات سنة 150 ) ، وصنف
الاوزاعي بالشام ( مات سنة 156 أو 157 ) ، وصنف مالك الموطأ بالمدينة ( مات
سنة 179 ) وصنف ابن إسحاق المغازي ( مات سنة 151 ) ، وصنف معمر باليمن
( مات سنة 153 ) وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع بالكوفة ( مات سنة 161 )
ثم بعديسير صنف هشام ( 2 ) كتبه ( مات سنة 188 ) وصنف الليث بن سعد
( سنة 175 ) وعبدالله بن لهيعة ( سنة 174 ) ثم ابن المبارك ( سنة 181 ) والقاضي أبويوسف
يعقوب ( سنة 182 ) وابن وهب ( سنة 197 ) وكثر تبويب العلم وتدوينه ورتبت ودونت
كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس ، وقبل هذا العصركان سائر العلماء
- وفي رواية ( كان الائمة ) - يتكلمون عن حفظهم ويروون العلم عن صحف غير
مرتبة . اه كلام الذهبي ( 3 ) .
ولانهم في عصر واحد فإنه لايعلم على التحقيق أيهم كان الاسبق
بالتدوين ، فبعضهم قال : إن أول من صنف سعيدبن أبي عروبة . وبعضهم قال :
ابن جريج ، وبعضهم قال : الربيع بن صبيح وبعضهم قال : حمادبن سلمة ، وقال
ابن حجر : أول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة - إلى أن قام
كبار الطبقة ( 4 ) الثالثة فدونوا الاحكام ، فصنف مالك الموطأ وتوخى فيه القوى
من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم .
وقال الحافظ ابن حجر والعراقي : وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يدري أيهم
أسبق ، ثم تلاهم كثيرمن أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض
الائمة منهم أن يفرد حديث النبي خاصة ، وذلك على رأس المائتين ، ولم يصل إلينا
من هذه ا لمجموعات إلا موطأ مالك ، ووصف لبعض ا لمجموعات الاخرى ، وكذلك
* ( هامش ) * ( 1 ) هو عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج الرومي .
( 2 ) هو هشيم وكان بواسط .
( 3 ) ص 351 ج 1 من النجوم الزاهرة وص 101 تاريخ الخلفاء للسيوطي .
( 4 ) الطبقة في اصطلاح المحدثين عبارة عن جماعة اشتركوا في السن ولقاء المشايخ . *
ـ266ـ
كان التدوين في هذا العصريمزج الحديث بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن
بعدهم كما قال ابن حجر ، وظل على ذلك إلى تمام المائتين .
وهذاهو الطور الثاني من أطوار التدوين .
التدوين بعد المائتين :
أخذت طريقة تدوين الحديث بعد المائتين صورة أخرى ، ذلك أن يفرد
حديث النبي خاصة بالتدوين ، بعد أن كان مشوبا بغيره مماليس بحديث ،
فصنف عبيدالله بن موسى العبسي الكوفي ( 213 ) مسندا ، وصنف مسدد بن مسرهد
البصري ( 228 ) مسندا ، وصنف الحميدي ( 219 ) مسندا وغيرهم .
واقتفى الائمة بعد ذلك أثرهم كالامام أحمد ( 241 ) وإسحاق بن راهويه
( 237 ) وغيرهما ، ولئن كانت هذه المسانيد قد أفردت الحديث وحده بالتدوين ولم
تخلط به غيره من أقوال الصحابة ولاغيرهم - إنها كانت تجمع بين الصحيح
وغير الصحيح . مماكان يحمله سيل الرواية في هذا الزمن من الاحاديث ، إذ لم يكن
قد عرف إلى هذا العصر تقسيم الحديث إلى ما تعارفوا عليه من صحيح وحسن وضعيف
ولذلك كانت هذه المسانيد دون كتب السنن في المرتبة ولا يسوغ الاحتجاج بهامطلقا ،
وسنتكلم عن هذه المسانيد فيمابعد وعن منزلتها بين كتب الحديث المعروفة .
وقد استمر التدوين على هذاالنمط إلى أن ظهرت طبقة البخاري . ومن
ثم أخذ صورة أخرى ودخل في دور جديد ، هو دور التنقيح والاختيار .
قال الحافظ ابن حجرفي مقدمة فتح الباري :
لما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها ، وانتشق رياها واستجلى محياها
وجدها بحسب الوضع جامعة بين مايدخل تحت التصحيح والتحسين ، والكثير
منها يشمله التضعيف ( 1 ) فلا يقال لغة سمين ، فحرك همته لجمع الحديث الصحيح
الذي لا يرتاب فيه أمين ، وقوى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمي رالمؤمنين
في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلى المعروف بابن راهويه . . قال
أ بوعبدالله بن إسماعيل البخاري : كنا عندإسحاق بن راهويه فقال : لوجمعتم
* ( هامش ) * ( 1 ) بل الوضع كماسيتبين لك . *
ـ267ـ
كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال فوقع ذلك في قلبي
فأخذت في جمع الجامع الصحيح ( 1 ) .
الاطوار التي تقلب فيها التدوين :
تبين لك فيما تقدم أن أحاديث رسول الله صلوات الله عليه لم تدون في حياته
ولا في عصر الصحابة وكبار تابعيهم ، وأن التدوين لم ينشأ إلا في القرن الثاني
للهجرة في أواخرعهد بني أمية ، وأنه لم يتخذ طريقا واحدا بل تقلب في أطوار
مختلفة .
فكان في أول أمره جمعا من رواية الرواة مما وعت الذاكرة من أحاديث
رسول الله ، وكان ذلك في صحف لا يضمها مصنف جامع مبوب ، وكانت هذه
الصحف تضم مع الحديث فقها ونحوا ولغة وشعرا وما إلى ذلك ، مما تقضى به طفولة
التدوين ، وهذا هو " الطورالاول " من التدوين ولم يصل إلينامنه شئ في كتاب
خاص جامع ثم أخذ التدوين " طوره الثاني " في عصر العباسيين فهذب العلماء - بما
اقتبسوا من مدينة فارس - ما في هذه الصحف ورتبوه ، بعد أن ضمواإليه
ما زادته الرواية في هذاالعصر ، وصنفوا من كل ذلك كتابا كسروها على الحديث
ومايتصل به من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين ولم يدخلوا فيها أدبا ولا شعرا . وكان
كثيرمن المتقدمين يطلقون اسم الحديث على مايشمل آثار الصحابة والتابعين ،
وأخذ التدوين هذاالنمط تبعا لارتقاء التأليف في العصر العباسي ، وتميزت العلوم
بعضها من بعض وجمعت مسائل كل علم على حدة ، وظل التأليف يجري على هذا
السنن إلى آخرالمائة الثانية ولم يصل إلينامن الكتب المبوبة في هذا الطور إلا موطأ
مالك رحمه .
وبعد المائة الثانية أخذ التدوين يسير في طريق أخرى دخل بها في " الطور
الثالث " فأنشأ العلماء يفردون كل ماروى من الاحاديث في عهدهم بالتدوين بعد
أن كان من قبل مشوبا بأقوال الصحابة وغيرهم - كمابينا - وصنفت في ذلك
مسانيد كثيرة أشهرها مسند أحمد وهو لا يزال موجودا بيننا ، وسنتحدث عنه عند
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 4 من مقدمة فتح الباري لابن حجر . *
ـ268ـ
الكلام على كتب الحديث ونبين منزلته من الصحة وقيمته بينها .
والمسند - أن يجعل جميع ما يروى عن كل صحابي - أي مايسند إليه -
في باب على حدة مهما كان موضوع الحديث ، وأيا كانت درجته من الصحة
إذ لم يكن قد ظهرتمييز الصحيح من غيرالصحيح في التأليف .
ولقد كانت هذه المسانيد تحمل الاحاديث الصحيحة والموضوعة كما قلنا ، وجرى
العمل على هذا النهج حتى ظهر البخاري وطبقته فإنتقل التدوين إلى :
" الطور الرابع " وهو طور " التنقيح والاختيار " كما ذكرنا آنفا ، فوضعوا كتبا
مختصرة في الحديث اختاروا فيها مارأوا أنه من الصحيح على طريقتهم في البحث ،
كمافعل البخاري ومسلم ومن تبعهما ، وسنتكلم عن هذه الكتب كلها عندالكلام على
كتب الحديث ، وهذا الطورمن التصنيف هوالاخير ، إذ أصبحت هذه الكتب
هي المعتمدة عند أهل السنة ، أما الشيعة فلهم كتب في الحديث يعتمدون عليها
ولايثقون إلا بها ، ولكل قوم سنة وإمامها .
وبهذا يخلص لك أن التدوين المعتمد لدى المجهور لم يقع إلا حوالي
منتصف القرن الثالث إلى القرن الرابع . .
أثر تأخير التدوين :
لما تركت أحاديث الرسول صلوات الله عليه بغير تدوين في عهده ولم ينهض
الصحابة من بعده لكتابتها كما كتبوا القرآن ، اتسعت أبواب الرواية عن رسول
الله لكل ذي هوى زائغ ، أو دخلة سيئة ، من غير خوف من ضمير ولا وازع من دين
فرووا ما شاءوا أن يرووا ( 1 ) .
ولو أن المسلمين الاولين أو دخلوا في الاسلام - من بعد - كانواطبقة
واحدة في الصدق ، ودرجة متساوية في العدل وكمال السيرة ، أو لو أن الرواية قد
وقفت على من أطلقوا عليهم اسم الصحبة الصحيحة ، وربطت الكتابة ماروى في
عهد الخلفاء الراشدين ، لكان عسى أن يكون النقل مقصوراعلى ما قاله النبي صلوات
الله عليه بغير زيادة ولانقص ، ولجاءت الاحاديث كلهاصحيحة لا شك فيها - ومن ثم
* ( هامش ) * ( 1 ) راجع فصل وضع الحديث وأسبابه فيماسبق ص 118 . *
ـ269ـ
كانت الامة تتلقاها بالرضا والتسليم ، كماتلقت من قبلها آيات القرآن الحكيم ،
ويأخذها الخلف عن السلف بألفاظها ومعانيها ولا يخالف أحد من المسلمين وغير
المسلمين فيها ، ثم تسير الامة على نورها وتهتدي بهديها ، من غير تمذهب ولاتفرق
كماهوالاصل في الدين الذي يقول كتابه " وإعتصموا بحبل الله جميعاولا تفرقوا -
إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ " ، ولكن الناس هم الناس في
كل عصر ، والبشر لهم طباع لا تتغير ، وغرائز لاتتبدل ، وأهواء لا تتحول ،
وماكان الصحابة رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم من التابعين بدعامن الناس
ولا هم ب المعصومين ( 1 ) ، سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تدبيلا .
وبحسبك أن تعرف أنه ماكاد الرسول صلوات الله عليه ينتقل إلى الرفيق
الاعلى ، حتى ذرقرن الخلاف بين أصحابه حتى قبل دفن جثمانه الطاهر ثم ارتد
كثير ممن صحب النبي ، ولولا حزم أبي بكر وصرامة عمر ومن عاونهمامن خيار
الصحابة وصالحيهم لاندك صرح الاسلام وهوفي المهد .
ومن أجل ذلك كان كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعلي لا يصدقون من
يروي لهم من الصحابة - حتى من كبارهم - حديثا إلا إذاجاء بشهيد يشهد معه أنه
قد سمعه من النبي ، أو يحلف أنه تلقاه عنه ، ولوكانوا كلهم مبرئين من الخطأ
والكذب كما قالوا عنهم لقبلت رواية كل من يروي منهم في عهد هؤلاء الخلفاء
الكبار ، والدين في عنفوانه والاعلام ظاهرة - بغيرشاهد أو يمين ، وبخاصة أنهم
كانوا هم الناس الذين تلقوا الدين مشافهة عن نبيهم - ولا يزال نورالنبوة يشرق
في قلوبهم .
إن الذي يريد أن يدرس تاريخ الاسلام على حقه إنما يجب عليه أن يحيط
علما بما كان عليه العرب قبل الاسلام عامة وبخاصة بين بني هاشم وبين بني أمية
في الجاهلية ( 2 ) ثم في الاسلام . وبما شجر بين الصحابة منذ عهد عثمان والحروب
التي وقعت بين علي رضي الله عنه وبين معاوية ، وجنودهما أكثرهم من الصحابة ، وماكان
* ( هامش ) * ( 1 ) راجع فصل عدالة الصحابة من هذا الكتاب
( 2 ) ارجع إلى كتاب النزاع والتخاصم فيمابين نبي أمية وبني هاشم للمقريزي . وإلى كتابنا " شيخ
المضيرة " لكي تعرف قامت دولة بني أمية . *
ـ270ـ
بعد ذلك بين الامويين و العباسيين ، وكذلك ماكان بين النبي صلى الله عليه وسلم
وبين اليهود - وما تكنه قلوب أهل الاديان والامم الاخرى للاسلام من بغض
وشنآن .
حقا يجب على كل من يريد أن يقف على تاريخ الاسلام الصحيح أن يحيط
بذلك كله علما فتنكشف أمامه آفاق بعيدة ينبعث منها نور قوي يهدي إلى تحليل
الحوادث تحليلا صادقا ، وتعليل الوقائع تعليلا صحيحا ، فإن كل هذه الامور
كان لهاولاريب أثربعيد في تكوين التاريخ الاسلامي وفيما تدسس إلى تفسير القرآن
من أساطير ، وما نسب إلى النبي - كذبا - من أحاديث .
وإن التاريخ لينبئك أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما كاد ينتقل إلى الرفيق الاعلى حتى
بدا ما كان يكنه بنو أمية من الموجدة لبني هاشم مماكان قدإستسر بغطاء الاسلام
حينا ، فحاولوا إغراء بني هاشم بالمطالبة بالخلافة لكي تقع الفتنة ، ولكن يقظة علي
أحبطت كيدهم فسكنوا وطووا على مابين جوانحهم حتى يهيئوا فرصة تسنح لهم
إلى أن تهيأت في خلافة عثمان رضي الله عنه .
ذلك بأنه ما كاد يتولى الامرحتى كشف الامويون عماكانت تخفى
صدورهم - وكان رضي الله عنه أمويا - وأخذوا ينفذون خطتهم بدقة ومهارة حتى
أصبح الامر كله في عهده لهم ، وإنقلب نظام الحكم كله في السنين الاخيرة
من حكم عثمان من خلافة عادلة ، إلى ملك تتعاوره الاهواء ، وتتداوله الاغراض .
ولما انشقت العصا بعد وفاة عثمان واستعرت نارالفتنة ، وإنشعب الناس إلى
شعب متعددة ، أخذ كل فريق يؤيد حزبه بكل مايستطيع من وسائل التأييد المادية
والمعنوية والقولية ، فهذا يشايع الهاشميين ، وذاك يناصر الامويين ، وهكذا .
وقد رأوا أن أقوى أسلحة الغلب أن يستعين كل فريق بأدلة مأثورة عن النبي
تشد أزر فرقته وتقوى دعوتها ، من أجل ذلك أخذوا جميعا يروون أحاديث ينسبونها
إلى الرسول صلوات الله عليه ، وبخاصة في الفضائل ، كما رأيت ذلك في أسباب
وضع الحديث من قبل .
وإنهم لم يفعلوا ذلك إلا لانهم وجدوا أن شخص الرسول صلوات الله عليه
مما تعنوا له الهام ، وأن مقامه بينهم جميعا فوق كل مقام ، ولكن الغلب كتب
ـ271ـ
لبني أمية على بني هاشم بماكان لهم من قوة ومكر ، وماكان في أيديهم من مال
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 271 سطر 1 الى ص 280 سطر 31
لبني أمية على بني هاشم بماكان لهم من قوة ومكر ، وماكان في أيديهم من مال
وسلطان وقهر .
وثم ناحية أخرى كان لها حظ كبير - في العبث بالرواية - وكان عمل
أصحابها دينيا خفيا ، وغايتها التي تسعى إليهاأن تفسد عقائد الدين النقية ، بأن تدخل
فيها ماليس منها وتدس إليها من التعاليم الزائفة ما يشوه جمالها ، أولئك هم أهل
الكتاب من اليهود والنصارى الذين أظهروا الاسلام خدعة ، ثم ألقوا ماشاءلهم الكيد
والهوى من الاس رائيليات وا لمسيحيات والاكاذيب في دين العرب الجديد - كما مر
بك - ومن هذا ، ومن أسباب كثيرة بيناهامن قبل ، أخذ الوضع والكذب يفشوان
بين الناس ، واستبحرت الرواية عن رسول الله حتى ركب الناس في ذلك - كما قال
ابن عباس - الصعبة والذلول .
وإذا كان القرآن وهو الذي جعل له الرسول كتابا يقيدونه ساعة الوحي
وكتب مرة أخرى في عهد أبي بكر ، وكان يحفظه كثيرمن الصحابة ، وقضى الله
بحفظه في قوله تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ، قداختلف المسلمون
في قراءته حتى كفر بعضهم بعضا ، ووقع هذا الاختلاف قبل انقضاء حوالى
عشرسنين على موت الرسول صلوات الله عليه حتى اضطر عثمان في سنة 25 ه
إلى كتابة مصاحف تحمل الصورة الصحيحة منه ، ويبعث بهاإلى الامصار ،
ويأمر بما سواهامن المصاحف التى تحمل القرآن المختلف في قراءته أن يحرق - إذا
كان أمرالقرآن هكذا ، فترى ماذا يكون أمر الحديث وهولم يكتب في عهدالنبي ،
ولا في عهد أبي بكرولافي عهدعثمان وظل أمره مطلقا من قيد التدوين تكتنفه
تلك الاهواء المختلفة ، وتترامى به تيارات الاغراض المتباينة قرنا وبعض قرن ؟ ؟ ! !
من أجل ذلك كان الوصول إلى معرفة الاحاديث الصحيحة شاقا ، والبحث
عن معرفة حقيقة ضمائر الرواة أشق . وإذا علم ذلك كله بدا - ولاريب - أن تأخير التدوين كان له ضرر بالغ ، إذ كان سببا في اتساع آفاق الرواية ، واختلاط
الصحيح بالموضوع ، وتعذر التمييز بينهما على مر الدهور .
ـ272ـ
تدوين الحديث عندالشيعة :
بعد أن فرغنا من الكلام على تدوين الحديث عند أهل السنة رأينا أن نتم بحثنا
عن تاريخ تدوينه عندالشيعة حتى نستوفي الكلام في هذاالامر من كل نواحيه
فنقول :
إن الشيعة يقولون : إن أول من جمع الحديث ورتبه على الابواب أبورافع مولى
رسول الله ( 1 ) وله كتاب السنن والاحكام والقضايا ، وقالوا : فلا أقدم منه في ترتيب
الحديث وجمعه في الابواب ( 2 ) .
وقال العالم الكبير محمد الحسين آل كاشف الغطاء النجفي في كتابه " ا لمطالعات
وا لمراجعات والردود " ( 3 ) : إن أول من دون الحديث ابن أبي رافع كاتب أمي رالمؤمنين
علي بن أبي طالب عليه السلام وخازنه على بيت المال ، بل الحق أن أول من دونه
هو نفس أمير المؤمنين عليه السلام كما يدل عليه خبر الصحيفة في الصحيحين ( 4 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) أبورافع مولى رسول الله وإسمه أسلم وكان للعباس بن ع بدالمطلب فوهبه لرسول الله ، وهو
الذي عمل منبررسول الله من أثل الغابة ، وكانت سلمى مولاة رسول الله عند أبي رافع فولدت له عبيدالله بن
أبي رافع كاتب علي عليه السلام .
( 2 ) ص 27 ، 28 من كتاب " الشيعة وفنون الاسلام " لمؤلف السيد حسن الصدر من علماء العراق -
مطبعة العرفان بصيدا سنة 1331 .
( 3 ) ص 56 .
( 4 ) أوردنا من قبل حديث الصحفية بين الاحاديث التى استشهدنا بها على إثبات الرواية بالمعنى . *
ـ273ـ
نشأة علم الحديث
بينا من قبل أنه لو أن أحاديث الرسول كانت قدكتبت عندماكان ينطق
بها ، وحفظ ماكتب على وجه الدهرمنها ، لتلقاها الناس كما تلقوا كتاب الله
بغيربحث في صحتها ، ولا تنقيب عن حقيقتها ، ولكن عدم تدوينها في عهد صاحب
الرسالة وأصحابه ، وإتيانها من ناحية الرواية قد ألزم العلماء أن يبحثوا في أمرها لكي
يعرفوا الصحيح والموضوع منها ، وغيرذلك من أمور هذاالعلم .
أول من ألف علم الحديث :
قال الحافظ ابن حجر ( 1 ) : أول من صنف في الاصطلاح القاضي أبومحمد
ال رامهرامزي ( 2 ) فعمل كتاب " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي " لكنه لم
يستوعب ، والحاكم أ بوعبدالله ا لنيسابوري المتوفى سنة 405 ، ولكنه لم يهذب
ولم يرتب ، وتلاه أبونعيم الاصبهاني ( 430 م ) فعمل على كتابه مستخرجا وأبقى أشياء
للمنقب . . . . ثم جاءبعده الخطيب البغدادي ( 463 ) إلى أن جاءالحافظ
الامام تقي الدين أبوعمر وعثمان بن الصلاح ( 643 ) فجمع كتابه المشهور فهذب
فنونه ، ولهذاعكف الناس عليه ، وساروا بسيره ، فمنهم المختصرله ، كالنووي
في تقريبه والناظم له كالعراقي ( 806 ) . انتهى باختصار .
المراد من علم الحديث :
وقال ابن خلدون في فصل " علوم الحديث " من مقدمته ( 3 ) :
ومن علوم الحديث النظر في الاسانيد ومعرفة ما يجب العمل به من الاحاديث
بوقوعه على السند الكامل الشروط ، لان العمل إنما وجب بمايغلب على الظن صدقه
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 9 من تدريب الراوي .
( 2 ) المتوفى سنة 360 هو ورامهرمز بلدة من بلاد فارس وكتابه " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي "
توجد نسخة خطية منه بدار الكتب المصرية .
( 3 ) ص 417 . *
ـ274ـ
من أخباررسول الله ، فيجتهد في الطريق التي تحصل ذلك الظن ، وهومعرفة رواة
الحديث بالعدالة والضبط . . . إلخ .
وقال النووي في شرح خطبة مسلم :
المراد من علم الحديث ( 1 ) تحقيق معاني المتون وتحقيق علم الاسناد والمعلل ،
والعلة عبارة عن معنى في الحديث خفي يقتضي ضعف الحديث مع أن ظاهره
السلامة منها ، وتكون العلة تارة في المتن ، وتارة في الاسناد ، وليس المرادمن هذا
العلم مجرد السماع ولاالاسماع ولاالكتابة ( 2 ) بل الاعتناء بتحقيقه والبحث عن خفي
معاني المتون والاسانيد والفكر في ذلك ودوام الاعتناء به مراجعة أهل المعرفة ومطالعة
كتب أهل التحقيق فيه ( 3 ) .
سند الحديث ومتنه :
" السند " في اللغة مااستندت إليه من جدار وغيره ، وهوفي عرف أهل
الحديث طريق متن الحديث ، وسمى " سندا " الاعتماد الحفاظ عليه في صحة الحديث
ووضعه . وقد يقال للطريق " الوجه " فيقال : هذا الحديث لايعرف إلا من هذا
الوجه . " والمتن " في اللغة الظهر وما صلب من الارض وارتفع ، ثم استعمل في العرف
بما ينتهي إليه السند ، مثال ذلك قول يحيى : أخبرنا مالك عن نافع عن عبدالله بن
عمر أن رسول الله قال : لا يبع بعضكم على بيع بعض ، فسند الحديث ، هم الرواة
ومتن الحديث " لايبع بعضكم . . . إلخ " .
من يؤخذ منه الحديث :
اتفق علماء الحديث على أنه لا يؤخذ بالحديث إلا إذا كان رواته موصوفين
بهاتين الصفتين : العدالة ، والضبط . والعدالة هي الركن الاكبر في الرواية .
* ( هامش ) * ( 1 ) وصف هذاالعلم عالم جليل فقال : إنه علم اصطلاحي محض يوعى بكد الحافظ ويستنبط بقوة
الذاكرة ، فلا يستلذه الفكر الغواص على حقائق المعقولات ، ولا الخيال الجوال في جواء الشعريات ، ولا
الروح المرفوف في رياض الادب أو المحلق في سماء الالهيات - ص 10 من مقدمة كتاب قواعد التحديث
للقاسمي - طبعة دمشق .
( 2 ) فليسمع حشوية دهرنا الذين لم يبلغوا في علم الحديث حتى أن يسمعوا أو يسمعوا ، وإنما كل
علمهم أن يقرءوا بعض كتب الحديث أو يطبعوها ليغنموا أثمانها . ( 3 ) ص 28 . *
ـ275ـ
" والعدالة " وحدها غيركافية ، وقد اختلفوا في صفتها اختلافا شديدا حتى قالوا :
" إن من الصعب الوقوف على رسم العدالة فضلا عن حدها ، وخاضوافي ذلك كثيرا ،
ولانطيل فيماقالوه في ذلك ، وقد عرفوا " الضابط " ( 1 ) في الرواية بأنه هوالذي
يقل خطؤه في الرواية - وغير الضابط هوالذي يكثر غلطه ( 2 ) ووهمه ، سواء أ كان
ذلك لضعف استعداده ، أم لتقصيره في اجتهاده ، وقد وضعوا صفات كثيرة للضابط
لانعرض لها ( 3 ) . لان كلا من العدالة والضبط له مراتب عليا ووسطى ودنيا ،
ويحصل من تركيب بعضهامع بعض مراتب للحديث مختلفة في القوة والضعف ( 4 ) .
و" الثقة " هوالذي يجمع بين العدالة والضبط ، وليس كل مايرويه " الحافظ
المتقن " صوابا لاحتمال أن يكون قد زل في بعض المواضع ، وكذلك ليس كل
ما يرويه " غير الحافظ المتقن " خطأ لاصابته في كثيرمن المواضع ، والعاقل اللبيب
هوالذي يعسى لمعرفة صواب كل فريق ليأخذ به .
الخبر وأقسامه :
لماكان الحديث عبارة عن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله كما عرفوه ،
وكان من لم يدرك هذه الاقوال بطريق الحس لا سبيل له إلى إدراكها إلا بطريق
الخبر ، اعتنى العلماء ببيان أقسام الخبر مطلقا ، وجعلوا للحديث الذي هوقسم
من أقسام الخبر بحثا خاصا به .
وقد قسم " علماء الكلام والاصول " الخبرإلى قسمين : خبرمتواتر ، وخبر
آحاد " فالخبر المتواتر " هو خبرعن محسوس أخبر به جماعة بلغوا في الكثرة مبلغا
تحيل العادة تواطؤهم على الكذب فيه ، وهو مفيد للعلم بنفسه ( 5 ) لانه صحيح قطعا
* ( هامش ) * ( 1 ) الراوي الضابط في الحقيقة هوالذي يؤدي ما سمع إلى غيره بغيرتغيير ولا تبديل كما جاء في
الحديث : وأداها كما سمعها لفظا ومعنى .
( 2 ) قال ابن تيمية : وأماالغلط فلم يسلم منه أكثر الناس بل في الصحابة من قد يغلط أحيانا
وفيمن بعدهم ولهذا كان فيما صنف في الصحيح أحاديث يعلم أنها غلط .
( 3 ) قسموا الرواة الجامعين بين العدالة والضبط باعتبار تفاوت درجاتهم إلى تسعة أنواع بينوها في
كتبهم . ( 4 ) ص 407 من توجيه النظر .
( 5 ) لم يسلم المتواتر من شبهة على إفادته - علم اليقين - فمن هذه الشبهة أنه يجوز أن تخبر جماعة
لايمكن تواطؤهم على الكذب بأمر حياة فلان وتخبر جماعة أخرى مثلهم بماينقض خبرهم . = *
ـ276ـ
ويجب الاخذ به من غيرتوقف في العقائد وهو دليلها .
و" خبرالآحاد " ويسمى أيضا خبرالواحد - هو الخبر الذي لم تبلغ نقلته في
الكثرة مبلغ الخبر المتواتر ، سواء أكان المخبر واحداأم إثنين أم ثلاثة أم أربعة
أم خمسة ، إلى غيرذلك من الاعداد التي لايشعر بأن الخبردخل بهافي خبر
المتواتر ( 1 ) . وهو يفيدالظن ويؤخذ به في العبادات و المعاملات ، ولايؤخذ به في
العقائد .
وفي شرح النوري على مسلم : أن الخبر ضربان ، متواتر وآحاد .
فالمتواتر ما نقله عدد لايمكن مواطأتهم على الكذب عن مثلهم ويستوي
طرفاه والوسط ويخبرون عن حس غير مظنون ويحصل العلم بقولهم ( 2 ) ، والمختار الذي
عليه المحققون والاكثرون أن ذلك لا ينضبط بعدد مخصوص ولايشترط في المخبرين
الاسلام ولاالعدالة . وأما " خبرالواحد " فهوما لم يوجد فيه شرط " المتواتر " سواء
كان الراوي له واحدا أو أكثر ( 3 ) اه . وفيه الصحيح ، وغير الصحيح ، وكل كتب
الحديث تدخل في قسم " الآحاد " .
حكم المتواتر والآحاد :
إذا كان الخبر متواترا أفاد " العلم قطعا " ، وإذا كان خبرآحاد لم يفدالعلم
قطعا ، وقد يوجد في أخبار الآحاد ماتسكن إليه النفس .
* ( هامش ) * = وقال الغزالي : إن العدد الكثير ربما يخبرون عن أمر تقتضي أيالة الملك وسياسته إظهاره والمخبرون من
رؤساء جنود الملك ، فيتصور إجماعهم تحت ضغط الايالة على الاتفاق على الكذب .
والفرق التى أنكرت إفادة المتواتر العلم اليقيني قالت إن الحاصل منه هوالظن القوي الغالب .
( 1 ) ص 33 توجيه النظر .
( 2 ) صرح كثيرمن علماء الاصول بأن المتواتر لا بد فيه من القرائن ، فلايبقى حنيئذ فرق بينه وبين
خبرالآحاد الذي إن احتفت به القرائن أوجبت العلم بصدقه ويكون إيجاب كل منهما العلم إنما هوبمعونة
القرائن وسبب اختلافهم هو غموض هذاالبحث ودقته .
( 3 ) ص 169 ج 1 : ومما نورده من فكاهات أئمة الادب في " أخبار الآحاد " أن الثعالبي قال عنها
في ثمار القلوب " هي التي لم يروها إلا الآحاد ولا يحكم بها سائر الفقهاء " ، ومن فصل للصاحب بن عباد فيها :
مولاي يعرف أخبار الآحاد ، وكم أهلكت من العباد ، وله كذلك :
لا تع ماجاءك الوشاة به فإن هذه أخبار آحاد
وعد إلى الرسم في مواصلتي وأعطف على عبدك ابن عباد *
ـ277ـ
وقال الجهور : إن أخبار الآحاد لا تفيدالعلم قطعاولو كانت مخرجة في
البخاري ومسلم ، وإن تلقى الامة لهما بالقبول إنما يفيدالعمل بما فيهما بناء على أن
الامة مأمورة ، بالاخذ بكل خبريغلب على الظن صدقه ( 1 ) ، ولا يفيد أن ما فيهما ثابت
في نفس الامر قطعا . كالقاضي فإنه مأمور بالحكم بشهادة من كان عدلا في
الظاهر ، وكونه مأمورا بذلك لا يدل على أن شهادة العدل لابد أن تكون مطابقة للواقع
وثابتة في نفس الامر ، لاحتمال أن يكون قدشهد بخلاف الواقع ، إما لوهم وقع له إذا
كان عدلا في نفس الامر ، أو لكذب لم يخرج منه إذا كان عدلا فيما يبدو للناس -
هذا ماقاله الجمهور .
وقال كثيرمن العلماءفي أخبار الآحاد ، إنه يعمل بهاولا يشهد أن النبي قالها .
وأطلق ابن عبدالبر وجماعته : إنه قول جمهورأهل العلم والنظر حتى قال
بعضهم : ولومع قرينة أي أنه لايفيد العلم ولومع قرينة .
وقال الرازي في تفسيره : ورواية الواحد إنما تفيدالظن .
وقال في كتاب معالم أصول الدين ( 2 ) ، بعد أن عدد العناصر الذاتية التي
تشتمل عليها البراهين النقلية المبنية على الروايات : " وإذا ثبت هذاظهر أن الدلائل
النقلية ظنية ، وأن العقلية قطعية والظن لا يعارض القطع " .
المتواتر ليس من مباحث علم الاسناد :
قال ابن الصلاح : إن المتواتر لايبحث عنه في علم الاثر .
وقال الجزائري في توجيه النظر : ما قاله ابن الصلاح من أن المتواترلا يبحث
عنه في علم الاثرمما لا يمترى فيه .
وقال بعض العلماء : ليس المتواتر من مذهب علم الاسناد ، إذ هو ( 3 ) علم
* ( هامش ) * ( 1 ) ترى هل هذه القاعدة التي قرروها قد أمر الله بهاورسوله ؟ وترى هل هي تخرجنا من حكم اتباع
الظن الذي جاءفي آيات كثيرة من القرآن مثل " ومايتبع أكثرهم إلا ظناوإن الظن لا يغني من الحق شيئا -
وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا " ومثل قوله تعالى " ما لهم به من علم
إلا اتباع الظن " ؟
( 2 ) ص 9 .
( 3 ) أي علم الاسناد . *
ـ278ـ
يبحث فيه عن صحة الحديث وضعفه ، من حيث صفات رواته وصيغ أدائهم ،
ليعمل به أو يترك .
وقالوا : إنه ( 1 ) يفيد " علم اليقين " وإن ورد عن غيرالابرار بل عن الكفار ،
ولا بد في الخبر المتواتر من استواء الطرفين - وهما الطبقة الاولى والطبقة الاخيرة -
والوسط - وهو ما بينهما - والمراد بالاستواء في الكثرة المذكورة ، لا الاستواء في العدد
بأن يكون في كل طبقة مستويا فإنه لا يضر الاختلاف فيه - إذا كان كل عدد
منها فيها الكثرة مثل أن يكون عدد الطبقة ألفا وعدد الثانية تسعمائة وعدد الثالثة
ألفا وتسعمائة .
ابن الصلاح ومخالفوه :
قال النووي في التقريب : وإذا قالوا ، صحيح متفق عليه ، أوعلى صحته
فمرادهم اتفاق الشيخين ، وذكرالشيخ ( 2 ) أن ماروياه أو أحدهما فهو مقطوع
بصحته ، والعلم القطعي حاصل فيه ، وخالفه المحققون والاكثرون فقالوا : يفيد
الظن مالم يتواتر .
وقال في شرحه على مسلم : هذاالذي ذكره الشيخ في هذه المواضع خلاف
ما قاله المحققون والاكثرون ، فإنهم قالوا : أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة
إنما تفيد الظن فإنهاآحاد ، والآحاد تفيدالظن على ما تقرر ، ولا فرق بين البخاري
ومسلم وغيرهما في ذلك . وتلقى الامة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما . .
ولا يلزم من إجماع ( 3 ) الامة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه
كلام النبي صلى الله عليه وسلم . وقد أنكر ابن برهان الامام على من قال بما قاله
الشيخ وبالغ في تغليظه - اه .
وقد كثر الرادون على ابن الصلاح و المنتصرون له ، ومما قاله الرادون عليه إنه
* ( هامش ) * ( 1 ) أي المتواتر .
( 2 ) هوابن الصلاح .
( 3 ) إذاكانوا لم يتفقوا على الاجماع في ذاته فإن هنا غير مسلم لان كثيرامن المذاهب الاسلامية
كالشيعة والزيدية والاباضية وغيرهم لايلتزمون بالعمل بمافي البخاري وغيره من كتب السنة المعروفة لدى
الجمهور وحتى أصحاب المذاهب الفقهية عندأهل السنة قد استمسكوا في مذهبهم بما أخذوه عن أئمتهم ولم
يعرجوا عن كتب السنة بل تراهم قد خالفوا أكثر ما جاء فيها كما سيتبين لك فيمابعد . *
ـ279ـ
خالف جمهور أرباب الكلام والاصول ، فإنهم ذهبوا إلى أن أخبار الآحاد لاتفيد
العلم وإنما تفيدالظن ، وذهب هوإلى أن أخبار الآحاد التي في الصحيحين - سوى
مااستثنى منهما - تفيدالعلم ولو إكتفى بذلك لامكن أن يقال لعله يريد بالعلم
الظن القوي - فلايكون الخلاف بينه وبينهم شديدا ، ولكنه زاد فوصف العلم
بكونه يقينيا ، فلم يبق وجه للصلح بينه وبينهم - ولا يخفى أن مخالفة أهل الكلام
والاصول ليست بالامر السهل . وهناشئ ، وهو أن بعض المحققين منهم ذهب إلى
أن أخبار الآحاد قد تفيدالعلم - مع القرائن - وقد اختلفوا في أن القرائن ،
أتدل على صدق الخبر أم لا ، فذهب النظام وإمام الحرمين والغزالي إليه ، وأنكره
الباقون ( 1 ) . .
ليس في الحديث متواتر :
قال الحازمي في شروط الائمة الخمسة ( 2 ) .
الحديث الواحد لا يخلو إمايكون من قبيل التواترأو من قبيل الآحاد ،
وإثبات التواترفي الحديث عسر جدا ، لا سيما على مذهب من لم يعتبر العدد في
تحديده - وأما الآحاد فعند أكثر الفقهاء توجب العمل دون العلم .
وقال الامام الشاطبي في الجزءالاول من الاعتصام ( 3 ) وهو يتكلم عن
خبرالواحد :
إن عامة التكليف مبني عليه ، لان الامر إنما يردعلى المكلف من كتاب
الله ، أو من سنة رسوله ، وما تفرع منهماراجع إليها ، فإذا كان واردامن السنة
فمعظم نقل السنة " بالآحاد " بل قد أعوز أن يوجد حديث عن رسول الله متواتر .
وقال ابن حبان البستي : وأما الاخبار فإنها كلهاأخبار الآحاد ، لانه ليس
يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر من رواية عدلين روى أحدهماعن عدلين
* ( هامش ) * ( 1 ) من شاء أن يتوسع في الاطلاع على هذاالبحث فليرجع إلى كتاب توجيه النظر للجزائري الذي
نقلناعنه هذاالكلام .
( 2 ) ص 37 من شروط الائمة الخمسة للجازمي .
( 3 ) ص 130 ج 1 . *
ـ280ـ
وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ، فلما استحال هذا
وبطل ، ثبت أن الاخبار كلها أخبار الآحاد ( 1 ) .
وقال النووي في التقريب .
المتواتر المعروف في الفقه وأصوله ولا يذكره المحدثون وهوقليل لايكاد يوجد
في رواياتهم ( 2 ) ، ونفي بعضهم المتواتر اللفظي في السنة إلا حديث " من كذب
علي " وحديث الحوض ( 3 ) وبضعة أحاديث أخرى .
أحاديث الآحاد :
بينا لك - أن الخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد ، ووقفناك على تعريف كل منهما
وحكمه - ونتم القول هنا في بيان مااصطلح عليه أهل الحديث ، من تقسيم أحاديث
الآحاد وما يتعلق بذلك مما هو موضوع علم الحديث ، ومايتصل بما نحن بسبيله .
إن الحديث بالنظر - إلى الواقع ونفس الامر - لايكون إلا صحيحا أو غير
صحيح ، فالصحيح ماثبتت صحة نسبته إلى النبي ، وغير الصحيح مالم تثبت صحته ،
ولكن المحدثين يقسمون الحديث إلى صحيح ، وحسن وضعيف ( 4 ) يريدون به
الحديث المروي من طريق الآحاد . وأما المتواتر فهو خارج عن مورد القسمة كمابينا .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 32 من شروط الائمة الخمسة للحازمي . ( 2 ) ص 31 .
( 3 ) نص هذا الحديث : حوضي بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل
وأكوابه عدد نجوم السماء ! ! من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها . وأول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين
الشعث رءؤسا ، الدنس ثيابا ، الذين لا ينكحون المنعمات ، ولا تفتح لهم السدود ! ! هذامثل من المتواتر عندهم ،
ولهذا الحديث روايات متعددة تختلف ألفاظها ويختلف مقدار هذا الحوض اختلافا كثيرفيها ! !
( 4 ) هناك أقسام أخرى للحديث لم نعرض لها لانها من مباحث فن الحديث . وأول من قسم الحديث
ثلاثة أقسام : صحيح وحسن وضعيف هو أبوعيسى الترمذي المتوفى سنة 279 ه في جامعه ولم تعرف هذه القسمة
عن أحد قبله ، وقد بين أبوعيسى مراده بذلك فذكر أن الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن فيهم متهم بالكذب ولم
يكن شاذا وهو دون " الصحيح " الذي عرفت عدالة ناقليه وضبطهم - والضعيف الذي عرف أن ناقله متهم
بالكذب ردئ الحفظ - وقال ابن تيمية في فتاويه بعد ذلك .
أما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي ولكن كانوا يقسمونه إلى صحيح
وضعيف والضعيف كان عندهم نوعين : ضعيف لا يمتنع العمل به ، وهو يشبه الحسن في اصطلاح
الترمذي ، وضعيف ضعفا يوجب تركه وهوالواهي . وكذلك تقسيم الاخبار ، ولاسيما الناسخ والمنسوخ والعام
والخاص ، والمحكم والمتشابه ، وعلل الحديث تقسيم فني حديث بعد عصر الصحابة والتابعين ممااصطلح عليه
المصنفون في أصول الفقه بعدالشروع في تدوين الحديث ولم يكن مما يدور على ألسنتهم ولا مما يروونه عن النبي
وما ورد في القرآن من هذه الالفاظ لم يرد كله بهذه المعاني الاصطلاحية التي حددوها . *
ـ281ـ
الصحيح :
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 281 سطر 1 الى ص 290 سطر 25
الصحيح :
الحديث الصحيح كما عرفوه هوالذي يكون متصل الاسنادمن أوله إلى منتهاه
بنقل العدل الضابط عن مثله ، ولايكون فيه شذوذ ولا علة .
وقال النووي في التقريب : هوما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير
شذوذ ولا علة ، وإذا قيل - صحيح فهذامعناه ، لا أنه مقطوع به ، وإذا قيل غير
صحيح فمعناه لم يصح إسناده - والمختار أنه لايجزم في إسناد أنه أصح الاسانيد
مطلقا . وإذاقالوا : صحيح متفق عليه ، أو على صحته فمرادهم اتفاق الشيخين .
وقديكون أجمع تعريف له : " أنه المروي على وجه تسكن إليه النفس ،
مع السلامة من الشذوذ ، والعلة " .
وقال الجرجاني في تعريفاته :
الحديث الصحيح ماسلم لفظه من ركاكة ، ومعناه من مخالفة آية أو خبر
متواترأو إجماع ، وكان راويه عدلا - وفي مقابله السقيم .
والصحيح تتفاوت رتبه بسبب تفاوت الاوصاف المقتضية للتصحيح في القوة
فإنهالما كانت مفيدة لغلبة الظن الذي عليه مدار الصحة - اقتضت أن يكون لها
درجات بعضها فوق بعض بحسب الامور القوية - وإذا كان كذلك فما يكون
رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التي توجب الترجيح
كان أصح مما دونه - وإذا كانوا قد جعلوا الاسانيد متفاوتة فإنهم كذلك قد جعلوا
الرواة والبلاد درجات ، فقدموا رواة المدينة على رواة البصرة ، وجعلوا رواة
الشام أقل من رواة البصرة وهكذا ، وللصحيح أقسام تعرف من كتبهم .
الحسن :
اختلف رجال الحديث في تعريف الحسن اختلافا كثيرا وإليك بعض ما قالوه
في تعريفه :
ـ282ـ
قال الخطابي : هوما عرف مخرجه واشتهر رجاله وعليه مدار أكثر الحديث
ويقبله أكثر العلماء ، ويستعمله عامة الفقهاء ، وقال ابن الصلاح هوقسمان :
" أحدهما " مالا يخلو إسناده من مستور لم تتحقق أهليته وليس مغفلا كثيرالخطأ
ولا ظهر منه سبب مفسق ، ويكون الحديث معروفا برواية مثله أو نحوه من وجه
آخر ، " الثاني " أن يكون راويه مشهورا بالصدق والامانة ولم يبلغ درجة الصحيح
لقصوره في الحفظ والاتقان ، وهومرتفع عن حال من يعد تفرده منكرا ، والحسن
كالصحيح في الاحتجاج به وإن كان دونه في القوة .
الضعيف :
هومالم يجمع صفة الصحيح أو الحسن ، ويتفاوت ضعفه كصحة الصحيح .
وقال النووي في شرح مسلم : وأنواعه : الموضوع والمقلوب والشاذ والمنكر
والمضطرب وغيرذلك مما هو مبين في علم الحديث .
وقال بعض العلماء إنه يعمل به في فضائل الاعمال ولكن منع ذلك كبار
الائمة .
وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية ( 1 ) :
وعن الامام أحمد ما يدل على أنه لا يعمل بالحديث الضعيف في الفضائل
وا لمستحبات .
وقال الشيخ تقي الدين " ابن تيمية " عن قول العلماء في العمل بالحديث
الضعيف في فضائل الاعمال :
العمل به بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب ، أو تخاف ذلك العقاب ، ومثال
ذلك في الترغيب والترهيب بالاس رائيليات و المنامات وكلمات السلف والعلماء ووقائع
العالم وغيرذلك مما لايجوز إثبات حكم شرعي به لااستحباب ولا غيره - لكن يجوز
أن يذكر في الترغيب والترهيب فيما حسنه أو قبحه بأدلة الشرع ، فإن ذلك ينفع
ولا يضر ، وسواءكان في نفس الامرحقاأم باطلا .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 313 و314 ج 2 . *
ـ283ـ
وقد علق بعض كبار العلماء على قول الامام أحمدبأن - لا يعمل بالحديث
الضعيف في الفضائل وا لمستحبات فقال : رضي الله عن أحمد ما أوسع علمه
وأدق فهمه ، إن القول بالعمل بالحديث الضعيف فيماذكر ، والتساهل في روايته
قد فتح على الامة بابا من الغلو في الدين وتكثير العبادات المحرجة التى تنافي يسر
الاسلام ، حتى جعلوا بعضها من الشعائر فيه ، مع تقصير الاكثرين في إقامة
الفرائض والتزام الواجبات ، وترتب عليه مانقله المصنف بعده عن تقي الدين من
قبول الاس رائيليات و المنامات وكذا الخرافات ، إن العبادات والفضائل الثابتة بالقطع
في الكتاب والسنة كافية للامة ، وياليت يوجد فيها كثيرون ممن لا يقصرون
فيها " اه .
وقال القاضي أبوبكر بن العربي المالكي : " إنه يجوز العمل بالاحاديث
الضعيفة مطلقا " وهو الصواب ( 1 ) .
تعدد طرق الحديث لا يقويها :
قال العلامة السيد رشيدرضا :
يقول المحدثون في بعض الاحاديث - حتى لم يصح لهاسند ، إن تعدد
طرقها يقويها - وهي قاعدة للمحدثين لم يشر إليها الله في كتابه ، ولا ثبتت في
سنة عن رسوله - وإنما هي مسألة نظرية غير مطردة ، فتعدد الطرق في مسألة مقطوع
ببطلانها شرعا كمسألة الغرانيق ، أو عقلا ، لاقيمة له ، لجواز اجتماع تلك الطرق
على الباطل .
ليس من شرط الحديث الصحيح أن يكون مقطوعا به في نفس الامر :
قال الحافظ ابن الصلاح ( 2 ) : ومتى قالوا : هذاحديث صحيح فمعناه أنه اتصل سنده مع سائر الاوصاف
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 128 ج 31 من مجلة المنار .
( 2 ) ص 6 من كتاب علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح ويطلق عليه عند رجال
الحديث اسم الشيخ توفى سنة 643 ه . *
ـ284ـ
المذكورة : وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في نفس الامر ، إذ منه ماينفرد
بروايته عدل واحد ، وليس من الاخبار التي أجمعت الامة على تلقيها بالقبول .
وكذلك إذاقالوا في حديث إنه غيرصحيح ، فليس ذلك قطعابأنه كذب في
نفس الامر ، إذ قد يكون صدقا في نفس الامر ، وإنما المراد أنه لم يصح إسناده
على الشرط المذكور . وقال في فتاويه : قالت الائمة : في الحديث ، حديث إسناده
صحيح ومتنه غيرصحيح ، وإسناده غيرصحيح ومتنه صحيح ، أو إسناده مجهول ومتنه
مجهول ، أو إسناده صحيح ومتنه صحيح أوإسناده ضعيف ومتنه ضعيف ( 1 ) .
وقال الزين العراقي في ألفيته ( 2 ) المتوفى سنة 806 ه :
وحيث قال أهل الحديث : هذا الحديث صحيح ، فمرداهم فيما ظهر لنا عملا
بظاهر الاسناد ، لا أنه مقطوع بصحته في نفس الامر ، لجواز الخطأ والنسيان على
الثقة ( 3 ) ، هذا هوالصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم خلافا لمن قال إن خبر
الواحد يوجب العلم الظاهر . . وكذا قولهم هذا حديث ضعيف فمرادهم ، لم تظهرلنا
فيه شروط الصحة لا أنه كذب في نفس الامر ، لجواز صدق الكذاب وإصابته
من كثير الخطأاه ، وقال : لايلزم من كون الشئ له أصل صحيح أن يكون هو
صحيحا ، وذكر السمعاني في القواطع : أن الصحيح لا يعرف برواية الثقات فقط ،
وإنما يعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة .
وقالوا : إن صحة الحديث لا توجب القطع به في نفس الامرلجواز الخطأ
والنسيان على الثقة ، وعزاه النووي في التقريب للاكثرين والمحققين وأنهم قالوا : إنه
يفيدالظن مالم يتواتر ، وقال في شرح مسلم : لان ذلك شأن الآحاد ، ولا فرق في
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 19 .
( 2 ) ص 12 من فتح المغيث بشرح ألفية الحديث .
( 3 ) ولنضرب لذلك مثلا : الحديث الذي روى عن النبي عند رجوعه إلى المدينة مغزوة أحد بعد أن
أمر المسلمين أن يصطفوا خلفه واصطف الناس خلفهم والذي قال فيه : استووا حتى أثنى على ربي - والذي
ختمه بقوله : اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق - فهذا الحديث قد أخرجه أحمد والبخاري
في الادب المفرد والنسائي وغيرهم - قال الذهبي فيه : إنه على نظافة إسناده منكر ، وأخشى أن يكون
موضوعا . وكتب الحديث فيها كثير من مثل هذه الروايات . *
ـ285ـ
ذلك بين الشيخين وغيرهما . .
والمحدثون لايعنون بغلط المتون ، ويقولون : متى صح السند صح المتن .
كان إهتمامهم بالسند أولا :
قال الذهبي في كتابه سيرأعلام النبلاءوهو يؤرخ ليحيى بن سعيد القطان
إن يحيى قال :
" لا تنظرواإلى الحديث ولكن انظروا إلى الاسناد ، فإن صح الاسناد
وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الاسناد " .
وقال الذهبي - كان السلف يزجرون عن التعمق ويبدعون أهل الجدل !
وقفة هنالا بد منها
يصح لنا هناأن نقف وقفة لا نطيل فيها تلقاء ما نقلناه آنفا من أقوال ابن
الصلاح والعراقي والحاكم وغيرهم من أئمة الحفاظ في أمر الحديث الذي اعتبروه صحيحا .
وإذا نحن استعرضنا مع ذلك بعض ما بيناه في أمر الحديث عامة من قبل
وماسنبينه من بعد ، وجدنا أمورا كثيرة تسوغ لناهذه الوقفة بل تدفعنا إليها دفعا .
وإن أول مايبدو لنافي ذلك : أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكتب حديثه في حياته كما
كتب القرآن حتى يأتي من بعده متواترا كما أتى القرآن - ولم يكتف بذلك بل نهى عن
كتابته ، واتبع أصحابه ومن تبعهم أمره فلم يكتبوه ، وكانوا يكتفون بنقله بالرواية ،
ولكن لا على أصل لفظه الذي نطق النبي به ، وإنما كانوا يروونه بالمعنى .
وظل الامرعلى ذلك إلى أن شرعوا في تدوينه - وكان ذلك حوالي منتصف
القرن الثاني الهجري ، وقد كان لتأخير التدوين على الدين واللغة ضرر أي ضرر - بله
ماأدخله الوضاع والكاذبون من أعداء الدين ، وأصحاب الاهواء ، حتى الصالحون
من المسلمين .
ولما أخذ علماء الجرح والتعديل في البحث عن أحوال الرواة لكي يعرفوامن
ـ286ـ
تقبل روايته منهم ومن ترد ، لم يستطيعوا على كثرة ما بذلوا في هذاالبحث من تعب
أن يصلوا إلى ماكان ينبغي أن يبلغوه ، ولا تم لهم ما أرادواأن يحققوه ، لان بحثهم
قد جرى على قدر وسعهم وإمكانهم الانساني ، ولم يتجاوزوا الظاهرمن أحوال الرواة ،
ولا تثريب عليهم في ذلك ، لان الوقوف على أسرار الرجال وبواطنهم محال بل مستحيل .
وفي ذلك يقول الوزير اليماني في الروض الباسم .
نجد كثيرامن أئمة الجرح والتعديل يترددون في الراوي فيوثقونه مرة ويضعفونه
مرة ! لان دخول وهمه في حيز ( الكثرة ) مما لا يوزن بميزان معلوم وإنما يظن ويرجع
فيه إلى التحرى والاجتهاد ، فصار النظر فيه كنظر الفقهاء في الحوادث الظنية ،
فلذا يكون لابن معين ( 1 ) في الراوي قولان ، التوثيق والتضعيف ونحو ذلك - والاحتراز
عن الوهم غير ممكن ، والعصمة مرتفعة عن العدول ، بل العصمة ( أي عصمة
الرسول ) لا تمنع من الوهم إلا في التبليغ ( أي تبليغ الوحي ) فقد وهم رسول الله أنه
صلى بعض الفرائض على الكمال . . فقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت ( 2 ) .
ومن أجل ذلك جاءت كل كتب الحديث تحمل الصحيح وغير الصحيح
حتى ما كان موضوعا مكذوبا ، ولم يسلم من ذلك كتاب حتى البخاري ومسلم
اللذين سموهما بالصحيحين فقد نالهما ضربات قوية من سهام الناقدين .
ولما كانت هذه الكتب قد جاءت بهذه المثابة وأنها قد خلت من الاحاديث
المتواترة التي تعطي اليقين بل كل ما فيها أحاديث آحاد التي لا تفيد غير الظن ،
فإن علماءالامة من فقهاء وأصوليين وكلاميين ويأخذوا بها ، ولا تقيدوا بما فيها .
وكذلك علماء النحو ، فإنهم لم يجعلوا الحديث مما يستشهدون به على اللغة والنحو بعد
ما ثبت عندهم أنه لم يأت صحيح متواترا كما نطق النبي به ، وإنما جاءت روايته
بالمعنى ، ومن حججهم في ذلك حديث زوجتها بما معك ( 3 ) فقد جاء بثمان صيغ على
حين أنه كلمتان !
* ( هامش ) * ( 1 ) يحيى بن معين من كبار علماء الجرح والتعديل .
( 2 ) راجع ص 81 ج 1
( 3 ) راجع قصة هذا الحديث في صحفة 91 من هذا الكتاب . *
ـ287ـ
هذاما أردنا استعراضه قبل الاخذ في نقل أقوال العلماء الذين جعلونا نقف
أمامها هذه الوقفة .
قال ابن الصلاح :
ومتى قالوا : هذاحديث صحيح فمعناه أنه اتصل سنده مع سائر الاصناف
المذكورة ، وليس من شرطه ، أن يكون مقطوعا به في نفس الامر .
وأكد ذلك العراقي في شرح ألفيته فقال :
وحيث قال أهل الحديث ، هذا حديث صحيح فمرادهم - فيما ظهرلنا عملا
بظاهر الاسناد - لا أنه مقطوع بصحته في نفس الامر ، لجواز الخطأ والنسيان
على الثقة .
وقال السمعاني في القواطع : إن الصحيح لايعرف برواية الثقات فقط وإنما
يعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة .
وقال الحاكم : كم من حديث ليس في إسناده إلا ثقة ثبت وهومعلول واه .
وقال عبدالرحمن بن مهدي ( 1 ) : معرفة الحديث إلهام ! فلو قلت للعالم
بعلل الحديث ، من أين هذا ؟ لم يكن له حجة .
هذابعض ماقاله العلماءفي الحديث الذي جعلوه صحيحا فترى ماذا يكون
الشأن فيما نزل عن درجة الصحيح عندهم من أنواع الحديث التي بينوهافي كتبهم ؟
وماذا يصنع بعدذلك كله من يريد أن يعرف الحديث الصحيح الذي يطمئن
به القلب وتسكن إليه النفس ؟ وأي سبيل يسلكه لكي يهتدي إلى تمييزه من غيره وهو
يجد تلقاءه هذه الاقوال وغيرهامما يوجب الحيرة ويدعو إلى الشك والاسترابة ! وأي
حديث يأخذ وأيها يدع ؟ وبخاصة بعد أن يطلع على ما نقله ابن الصلاح في
فتاويه عن الائمة فيما ذكروه من أصناف الحديث إذ قال :
قالت الائمة : في الحديث ( 1 ) حديث إسناده صحيح ومتنه غير صحيح .
( 2 ) أو إسناده غير صحيح ومتنه صحيح . ( 3 ) أوإسناده مجهول ومتنه مجهول .
( 4 ) أو إسناده صحيح ومتنه صحيح . ( 5 ) أوإسناده ضعيف ومتنه ضعيف ! !
* ( هامش ) * ( 1 ) عبدالرحمن بن مهدي من كبار علماء الجرح والتعديل . *
ـ288ـ
فهذه خمسة أصناف من الحديث يتيه الباحث بين أوديتها الغامضة ولا يدري شيئا
عن منفذ فيها يخلص منه ، ذلك بأنهم لم يبينوا حدودها ولا ميزوا بين أصنافها
ولا وضعوا موازين لتقديرها حتى يكون الناس على علم بها .
وهب الطالب قد اهتدى إلى القسم الصحيح منهافإن قلبه لا يطمئن إلى الاخذ
به بعد أن صرحوابأن صحة الحديث لاتوجب القطع به في نفس الامر لجواز الخطأ
والنسيان على الثقة !
هذه كلمة صغيرة نذكرهافي وقفتنا هذه ولا نتوسع فيها ، وليس لنابعدها
إلا أن ندعو الله فنقول : اللهم أدركنا برحمتك وهيئ لنامن أمرنا رشدا .
بعض أنواع الحديث
جعلوا للحديث أنواع كثيرة ووضعوا في ذلك كتبا مستفيضة ، وإذا كنا كما قلنا
لا نعرض إلى الناحية الفنية من هذاالعلم ، وإنما نكتب في تاريخ الحديث فحسب ، فقد
رأيناأن نشير إلى بعض ما يفيد موضوعنا من هذه الانواع ، لان ذلك مما يعين على معرفة
ماأصاب الرواية من تباين وإختلاف ، وماتأثرت به من تغيير وتبديل ، وهذاغير
مابيناه من قبل .
المضطرب :
قال ابن الصلاح : المضطرب من الحديث هوالذي تختلف الرواية فيه ،
فيرونه بعضهم على وجه ، وبعضهم على وجه آخر مخالف له . . . وقد يقع
الاضطراب في متن الحديث ، وقديقع في الاسناد ، وقديقع ذلك من راو واحد ،
وقديقع من رواة له جماعة ، والاضطراب موجب ضعف الحديث لاشعاره بأنه لم
يضبط اه .
ومثال الاضطراب في المتن حديث أبي بكرالصديق أنه قال : يارسول الله
أراك شبت ! قال شيبتني هود وأخواتها ، فهذا مضطرب ، فإنه لم يرو إلا من طريق
أبي إسحاق السبيعي وقداختلف عليه فيه ، فمنهم من رواه عنه مرسلا ، ومنهم
ـ289ـ
من رواه موصولا ، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر ، ومنهم من جعله من مسندسعد
ومنهم من جعله من مسند عائشة ، وقد وقع الاختلاف فيه على نحو عشرة أوجه
أوردها الدارقطني ، ورواته ثقات لايكمن ترجيح بعضهم على بعض والجمع متعذر .
المحدثون لا يعنون بغلط المتون ونقدها :
قال الجزائري : إن المحدثين قلما يحكمون على الحديث بالاضطراب . إذاكان
الاختلاف فيه واقعافي نفس المتن - لان ذلك ليس من شأنهم من جهة كونهم
محدثين ، وإنماهومن شأن المجتهدين وإنما يحكمون على الحديث بالاضطراب
إذاكان الاختلاف فيه في نفس الاسناد ، لانه من شأنهم .
وقد وقع الاختلاف في الصلاة الكائنة في قصة ذي اليدين ( 1 ) - فإن الراوي
شك فيها مرة - ولم يدر أ هي الظهر أو العصر ! وقال مرة هي إحدى صلاتي العشى
إما الظهر وإماالعصر ، وجزم مرة بالظهر ومرة بالعصر ، وقال مرة ، أكبرظني
أنها العصر ، وقد روى النسائي مايشهد بأن الشك فيها كان من أبي هريرة ولفظه :
صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشى ، قال أبوهريرة ولكني
نسيت ( 2 ) أنا . . . وقدحاول بعضهم الجمع فذهب إلى أن القصة وقعت مرتين .
وكثيرا ما يسلك بعضهم مثل ذلك في الجمع توصلا إلى تصحيح كل من الروايات
صونا للرواة من أن ينسب الغلط أو السهو أوالنسيان إليهم ، وكأن عناية هؤلاء
بالرواة فوق عنايتهم ب المرويات فجمعهم كلا جمع ، لاسيماإن كان مما ينبو عنه
السمع ( 3 ) .
وبمناسبة ماذكره العلامة الجزائري من عدم عناية المحدثين بالمتون نسوق هنا
كلمة قيمة في هذا الامر للعلامة السيدرشيد رضا رحمه الله . قالهاوهو يتكلم عن
* ( هامش ) * ( 1 ) قصة ذي اليدين كما جاءت في الصحيحين عن أبي هريرة ، قال صلى بناالنبي صلى الله عليه
وسلم الظهر ، أو العصرفسلم ، فقال له ذو اليدين : الصلاة يارسول الله ، انقصت ؟ فقال النبي لاصحابه :
أحق مايقول ؟ قالوا : نعم ، فصلى ركعتين أخريين ثم سجد سجدتين .
( 2 ) وكيف ينسى ؟ وقد زعم أن النبي أمره أن يبسط ثوبه ثم أفرغ فيه من بركاته حتى لا ينسى
شيئاسمعه أبدا . راجع كتابنا " شيخ المضيرة " .
( 3 ) ص 257 من توجيه النظر . *
ـ290ـ
حديث ذهاب الشمس بعد الغروب وهو من الاحاديث المشكلة التى مرت بك :
إن علماء الحديث قلما يعنون بغلط المتون فيما يخص معانيهاو أحكامها - وإنما
كانت عنايتهم التامة بالاسانيد وسياق المتون وعبارتها ، والاختلاف فيها
والمرفوع والموقوف منها ، وما عساه يكون مدرجا فيها من كلام بعض الرواة
( مما ) ليس من النص المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يظهر معاني غلط
المتون للعلماء الباحثين في شروحها من أصول الدين وفروعه وغيرذلك ، ولو لم يكونوا
من المحدثين في الاصطلاح ، على أنهم يرجعون في ذلك إلى أصول المحدثين كقولهم :
إن صحة السند لا تقتضي صحة المتن في الواقع ونفس الامرحتما ، وعدم صحة السند
لا تقتضي وضعه في الواقع ونفس الامر حتما .
وقولهم : - إن من علامات وضع الحديث - وإن صح سنده - أن يكون
مخالفا لنص القرآن القطعي ، وفي معناه كل قطعي شرعي ، كبعض أصول العقائد ،
أو الاعمال المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة ، بحيث يتعذر الجمع بينهما .
ولهذا جزموابغلط حديث أبي هريرة عندمسلم في خلق السموات والارض في سبعة أيام .
وإذا كانت مخالفة القطعي سببا للحكم إما بعدم صحة الحديث لعدم الثقة
برواته ، وإما لغلطهم في سياق متنه ، فمن الضروري أن تختلف الافهام في ذلك
باختلاف مدارك أصحابها ومعارفهم ، فالذين لا يعلمون أن الشمس لا تغيب عن
الارض ولا تحتجب عن جميع سكانهامن البشر ساعة ولا دقيقة - لا يرون شيئا
من إشكال في حديث أبي ذر ، في بيان أين تكون بعد غروبها ، لانهم يظنون
أن غروبها عنهم غروب عن جميع العالم ( 1 ) .
وقال : لو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها ، كما تنتقد من جهة سندها
لقضت المتون على كثير من الاسانيد بالنقض ( 2 ) .
وقال رحمه الله وهويتكلم عن الاشكالات التي تعرض في بعض الاحاديث
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 40 و41 ج 29 تفسير المنار .
( 2 ) ص 141 ج 3 تفسير المنار . *
ـ291ـ
كحديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم وحديث سجود الشمس تحت العرش
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 291 سطر 1 الى ص 300 سطر 24
كحديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم وحديث سجود الشمس تحت العرش
ما يلي :
إن أمثال هذه المشكلات في الروايات لا يهتدي إلى تحقيق الحق فيها ،
إلا الذي يعطى لعقله حرية الاستقلال فيماقاله أصناف العلماء ، وقال : إن علماء
الاصول الاعتقادية والفقهية أعلم من المحدثين بنقد المتون وما يوافق المعقول وأصول
العقائد منها وما لايوافقها .
وقداتفق الفريقان على أنه : ليس كل ماصح سنده من الاحاديث المرفوعة
يصح متنه ، لجواز أن يكون في بعض الرواة من أخطأ في الرواية عمدا أوسهوا ،
وما كل ما لم يصح سنده يكون متنه باطلا ، بل قالوا : إن الموضوع من حيث
الرواية قد يكون صحيحا في الواقع ، وإن الصحيح السند قد يكون موضوعافي
الواقع - وإنما علينا أن نأخذ بالظواهر مع مراعاة القواعد ، فماصح سنده قبلنا
روايته وحكمنا قواعد الاعتقاد ودلائل العقل في متنه إن كان مشكلا ، وما كان
غيرصحيح السند لا يجوز لنا أن نسميه حديثا نبوياوإن كان معناه صحيحا ( 1 ) .
ونضيف إلى ماقاله السيد رشيد أن مما اتفقوا عليه كذلك : أن صحة الاسناد
أو حسنه لا تقتضي صحة الحديث أو حسنه . وقال الحاكم ( 2 ) : كم من حديث
ليس في إسناده إلا ثقة ثبت وهومعلول واه ، فالصحيح لا يعرف برواته فقط
وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع .
وإن الدارقطني وغيره من أئمة النقد ، لم يتعرضوا لاستيفاء النقد فيما يتعلق
بالمتن كما تعرضوا لذلك في الاسناد - وذلك لان النقد المتعلق بالاسناد دقيق غامض
لا يدركه إلا أفراد من أئمة الحديث المعروفين بمعرفة علله ، بخلاف النقد المتعلق
( بالمتن ) فإنه يدركه كثيرمن العلماء الاعلام المشتغلين بالعلوم الشرعية ، والباحثين
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 101 و102 المنار والازهر .
( 2 ) ذكر الحاكم ذلك وهو يبين النوع التاسع عشرمن علوم الحديث ، من كتابه " معرفة
علوم الحديث " ، وقدقال في هذا البيان - إن هذا النوع من هذه العلوم غيرالجرح والتعديل . *
ـ292ـ
عن مسائلها الاصلية والفرعية ، ككثير من المفسرين والفقهاء وأهل أصول الفقه
وأصول الدين .
وقدتعرض كثير من أئمة الحديث للنقد من جهة المتن إلا أن ذلك قليل
جدا بالنسبة لما تعرضواله من النقدمن جهة الاسناد . فمن ذلك قول الاسماعيلي
بعدأن أورد الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة قال : يلقى إبراهيم أباه
آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة - الحديث - هذاخبر في صحته نظر من جهة
أن إبراهيم عالم بأن الله لايخلف الميعاد ، فكيف يجعل ما بأبيه خزيا له مع إخباره أن
الله قد وعده أن لا يخزيه يوم يبعثون ، وأعلمه أنه لا خلف لوعده . وقد أعل
الدارقطني هذا الحديث من جهة الاسناد فقال : هذارواه إبراهيم بن طهمان عن
ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة - - وأجيب عن ذلك بأن
البخاري قد علق حديث إبراهيم بن طهمان في التفسير فلم يهمل حكاية الخلاف
فيه ، وينبغي للناظر في الصحيحين أن يبحث عما انتقد عليهمامن الجهتين ، فبذلك
تتم الدراية فيما يتعلق بالرواية ( 1 ) .
المعلل في الحديث :
المعلل من الحديث هومن أجل أنواع علوم الحديث وأدقهاو أغمضها - ولا
يقوم به إلا من كان له فهم ثاقب ، وحفظ واسع ، ومعرفة تامة بالاسانيد والمتون ،
وأحوال الرواة : والحديث المعلل ويسميه أهل الحديث المعلول - هوالذي اطلع
فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها ، ويتطرق ذلك إلى الاسناد الذي
رجاله ثقات ، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر . وقدتقع العلة في إسناد
الحديث وهوالاكثر وقد تقع في متنه ، ثم مايقع في الاسناد قد يقدح في صحة
الاسناد والمتن جميعا .
ونكتفي بإيراد مثل واحد لعلة المتن . ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس من
اللفظ المصرح بنفي قراءة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فعلل قوم رواية اللفظ المذكور ،
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 334 من كتاب توجيه النظر . *
ـ293ـ
لما رأوا الاكثرين إنما قالوا فيه ، فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين
من غيرتعرض لذكر البسملة ، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه
في الصحيح ، ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له . ففهم
من قوله كانوا يستفتحون بالحمد ، أنهم كانوالا يبسلمون ، فرواه على مافهم وأخطأ ،
لان معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السورهي الفاتحة ، وليس فيه
تعرض لذكر التسمية ، وإنضم إلى ذلك أمور : منهاأنه ثبت عن أنس أنه سئل عن
الافتاح بالتسمية ، فذكر أنه لايحفظ شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد يطلق اسم العلة على غيرذلك من الاسباب القادحة في الحديث المخرجة
له من حال الصحة إلى حال الضعف ، المانعة من العمل به على ماهو مقتضى لفظ
العلة في الاصل ، ولذلك نجدفي كثير من كتب علل الحديث الكثيرمن الجرح
بالكذب والغفلة وسوء الحفظ ، ونحو ذلك من أنواع الجرح - وعلة الحديث تكثر
في أحاديث الثقات ، بأن يحدثوا له علة فيخفي عليهم علمها ، فيصير
الحديث معلولا ، والحجة فيه الحفظ والفهم والمعرفة لا غير .
وقال عبدالرحمن بن مهدي - معرفة الحديث " إلهام " فلو قلت للعالم يعلل
الحديث من أين هذا ؟ لم يكن له حجة .
ومن أنواع الحديث : المصحف والمحرف
ذكرنامن قبل ( 1 ) نقلا عن العلامة البطليوسى أن من أسباب الخلاف الذي
عرض للامة ، التصحيف ولم نتكلم عنه هناك ، وإليك شيئا منه هنا .
والمصحف هوما وقعت المخالفة فيه بتغير النقط في الكلمة مع بقاء صورة
الخط فيها ، ومثاله حديث : من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال ، فجعلت شيئا
والتصحيف كما يقع في المتن ، يقع في الاسناد ، ومثال فيه تصحيف بعض
المحدثين ابن مراجم وهو بالراء والجيم بابن مزاحم . ويراجع ماقاله فيه البطليوسى هناك .
وقال ابن الصلاح :
معرفة المصحف من أسانيد الاحاديث ومتونها - فن جليل ينهض بأعبائه
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 103 . *
ـ294ـ
الحذاق من الحفاظ ، و الدارقطني منهم ، وله فيه تصنيف مفيد . وروينا عز
أبي عبدالله أحمدبن حنبل أنه قال : ومن يعرى من الخطأ والتصحيف !
ومن التصحيف في " المتن " ما رواه ابن لهيعة عن كتاب موسى بن عبقة
بإسناده إليه عن زيدبن ثابت أن رسول الله إحتجم في المسجد وإنما هو ( بالراء )
احتجر ، في المسجد بخص أو حصير ، حجرة يصلي فيها فصحفه ابن لهيعة ( 1 ) .
ومن أنواع الحديث المحرف :
والمحرف : هو ماوقعت المخالفة فيه بتغيير الشكل في الكلمة مع بقاءصورة
الخط فيها ، ومثال ذلك ماوقع لبعض الاعراب . فإنه رأى في كتاب من كتب
الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى نصبت بين يديه عنزة - والعنزة
الحربة ( 2 ) - فظنها بسكون النون ثم روى ذلك بالمعنى حسب وهمه ، فقال : كان
النبي إذاصلى نصب بين يديه شاة ! !
المقلوب :
هو ماوقعت فيه المخالفة بالتقديم والتأخير كما في حديث أبي هريرة عند
مسلم في السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة تحت ظل عرشه فإن فيه " ورجل تصدق
بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ماتنفق شماله ، فهذا ما انقلب على أحد الرواة
- وإنما هو : حتى تعلم شماله ماتنفق يمينه - كماورد في البخاري وفي مسلم في
بعض طرقه - والامثلة كثيرة في مصنفاتهم .
كتب الحديث المشهورة
ذكرنا لك أن أقسام حديث ( الآحاد ) هي الصحيح ، والحسن ، والضعيف ،
وأتينالك بشئ قليل من أقوالهم في الصحيح ، لان ماقالوه فيه جد كثيرلا يمكن
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 114 من مقدمة ابن الصلاح .
( 2 ) ومن معانيها العصا . *
ـ295ـ
إيراده كله هنا . وإذا كانوا قد قالوا أن الكتب المشهورة التي تحمل هذه الاقسام
هي : البخاري ومسلم وأبوداود والترمذي والنسائي . فقد وجب عليناأن نتكلم
باختصار عن كل كتاب منها ، وإتماما للفائدة رأينا أن نتكلم كذلك عن كتاب
الموطأ للامام مالك لانه هوالذي بقى لنا ممادون في القرن الثاني ، وصاحبه ذو قدر
كبير وله مذهب بين المذاهب مشهور . وكذلك سنتكلم عن مسند أحمد لشهرته
ولان لصاحبه كذلك مذهبا يقلده كثيرمن المسلمين .
وسنبدأ بالكلام عن الموطأ لانه أسبق هذه الكتب جميعافي الزمن والتأليف .
مالك وموطؤه
هوالامام مالك بن أنس من ذي أصبح من حمير ، كان إماما جليلا أدرك
خيار التابعين ، اختلف في تاريخ مولده بين سنة 91 وسنة 93 ه أما وفاته فكانت
سنة 179 ه .
قال عبدالرحمن بن مهدي : أئمة الناس في أزمانهم أربعة سفيان الثوري
بالكوفة ، ومالك بالحجاز ، والاوزاعى بالشام ، وحماد بن زيد بالبصرة .
ومن قول مالك : إن هذاالعلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ، لقد أدركت
سبعين ممن يقولون : قال رسول الله عند هذه الاساطين ( 1 ) فما أخذت عنهم شيئا ،
وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت المال لكان أمينا - وكان يتكلم برأيه على الاجتهاد
وعلى ماأدرك عليه أهل العلم ببلده ( 2 ) .
قال الشافعي : أصح الكتب بعد كتاب الله ، موطأمالك ( 3 ) ، وقال الدهلوي
في حجة الله البالغة : إن الطبقة الاولى من كتب الحديث منحصرة بالاستقراء في
* ( هامش ) * ( 1 ) عمدالمسجد .
( 2 ) بلده هي المدينة " يثرب " .
( 3 ) هناك روايات أخرى منها : ماعلى ظهر الارض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب
مالك ، ولا أعلم كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك ، ما على الارض كتاب هو أقرب إلى القرآن
من كتاب مالك - ما بعد كتاب الله أنفع من الموطأ . وأطلق جماعة على الموطأ اسم الصحيح ص 9 ج 1
شرح الزرقاني على الموطأ . *
ـ296ـ
ثلاثة كتب : الموطأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم ، والثانية ، كتب لم تبلغ مبلغ
الموطأ والصحيحين ولكنها تتلوها ، سنن أبي داوود والترمذي والنسائي . والثالثة
مسانيد ومصنفات صنفت قبل البخاري ومسلم ، وفي زمانهما وبعدهما - جمعت
بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف ، والغريب والشاذ والمنكر والخطأ
والصواب ، والثابت والمقلوب - وعلى الطبقة الثانية إعتماد المحدثين .
ونقل السيوطي في تنوير الحوالك عن القاضي أبي بكر بن العربي : أن الموطأ
هوالاصل الاول والبخاري هوالاصل الثاني . وإن مالكا روى مائة ألف حديث
إختارمنها في الموطأ عشرة آلاف ، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ( أي السنة
العملية ) حتى رجعت إلى 500 حديث - أي الحديث المسند ( 1 ) ، ورواية ابن الهباب :
ثم لم يزل يعرضه على الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار والاخبار حتى رجعت إلى
500 حديث .
وذكر ابن فرحون في الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب ( أي المالكي )
قال عتيق الزبيدي : وضع مالك الموطأ على نحو من عشرة آلاف حديث ، فلم يزل
ينظرفيه كل سنة ويسقط منه حتى بقى هذا ، ولو بقى قليلا لاسقطه كله ( 2 ) .
وفي شرح الزرقاني على الموطأ : أنه ظل يخلصها عاما فعاما بقدر ما يرى أنه
أصلح للمسلمين وأمثل في الدين ( 3 ) .
وذكر ابن الهباب أن مالكا روى مائة ألف حديث جمع منها الموطأ عشرة
آلاف ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار والاخبار حتى رجعت
إلى 500 حديث .
وقال الكيا الهراس : موطأ مالك كان تسعة آلاف حديث ، ثم لم يزل ينتقى حتى
رجعت إلى 500 حديث ( ص 11 من مقدمة شرح الزرقاني على موطأ مالك ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) " المسند " مرفوع صحابي بسنده ظاهر الاتصال - والمرسل ما سقط من سند ه الصحابي بأن
يرويه التابعي عن رسول الله مباشرة ، والموقف ما أضيف إلى الصحابي قولا أو فعلا أو نحوه متصلا
كان أو منقطعا - والمرفوع هو ما أخبر فيه الصحابي عن رسول الله .
( 2 ) ص 25 .
( 3 ) ص 11 ج 1 . *
ـ297ـ
وقال الابهري أبوبكر : جملة ما في موطأ مالك من الآثارعن النبي صلى الله
عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين 1720 حديث ، المسند منها 600 والمرسل 222
والموقوف 613 ومن أقوال التابعين 285 . وقال السيوطي في تقريبه نقلا عن
ابن حزم : أحصيت ما في الموطأ وما في حديث سفيان بن عيينه فوجدت في كل
واحد منها من السنن 500 ونيفا و300 مرسل ، وفيه نيف وسبعون حديثا قدترك
مالك نفسه العمل بها .
وقال بعض العلماء : إن مالكا أول من ألف في الصحيح غيرأنه لم يقتصر في
كتابه عليه ، بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات ، ومن بلاغاته أحاديث
لا تعرف ، كما ذكره الحافظ ابن عبدالبر فهو لم يجرد الصحيح .
اختلاف رواياته :
روى عن مالك روايات مختلفة تختلف في ترتيب الابواب ، وتختلف في عدد
الاحاديث حتى بلغت هذه الروايات عشرين نسخة وبعضهم قال إنها ثلاثون ( 1 ) .
وقال الشيخ عبدالعزيز الدهلوي ( 2 ) في كتابه " بستان المحدثين " : إن نسخ
الموطأ التي توجد في بلاد العرب في هذه الايام متعددة ، عد منها 16 نسخة ، كل
نسخة عن راو خاص .
وقال أبوالقاسم بن محمدبن حسين الشافعي :
الموطآت المعروفة عن مالك أحد عشر ، ومعناها متقارب والمستعمل منها أربعة :
موطأ يحيى بن يحيى " وموطأ ابن بكر ، وموطأ أبي مصعب ، وموطأ ابن وهب ثم ضعف
استعمال الآخرين .
وبين الروايات اختلاف كبيرمن تقديم وتأخير وزيادة ونقص ، ومن أكبرها
وأكثرها زيادات رواية أبي مصعب ( 3 ) قال ابن حزم ، في رواية أبي مصعب زيادة
* ( هامش ) * ( 1 ) ذكر مثل ذلك الزرقاني في شرحه الموطأص 7 ج 1 .
( 2 ) المتوفى سنة 1139 ه .
( 3 ) أ بوالمصعب الزهري كان آخر من روى الموطأ عن مالك لصغر سنه وعاش بعدمالك 63
سنة وموطؤه أكمل الموطأت لان فيه 590 حديثا بالمكرر وبإسقاط المتكرر فيه 559 - ص 17 من
توجيه النظر . *
ـ298ـ
على سائر الموطآت نحو مئة حديث .
وقال السيوطي : في رواية محمد بن الحسن أحاديث يسيرة زيادة عن سائر الموطآت ،
وقد علل الدكتور أحمد أمين سبب هذا الاختلاف فقال :
إن مالكا لم ينته من نسخة يؤلفها ويقف عندها ، بل قد كان دائم التغيير فيها ،
كما روينا من أنه كان دائم المراجعة للاحاديث وحذف مالم يثبت صحته منها ، فالذين
سمعوا الموطأ سمعوه من مالك في أزمان مختلفة ، فكان من ذلك الاختلاف في النسخ
وقد بقي من هذه النسخ بين أيدينا رواية يحيى بن الليثي وهي التي شرحها الزرقاني ،
ورواية محمد بن الحسن الشيباني صحاب أبي حنيفة وفيها أشياء كثيرة ليست في رواية
يحيى وهو يمزج ما روى عن مالك بآرائه فكثيرا مايقول " قال محمد ( 1 ) " .
سبب تأليفه وزمن تأليفه ( 2 ) :
ألف الموطأفي أواخر عهد المنصور وكان ذلك في سنة 148 ه وكان سبب
ذلك كما روى الشافعي أن أبا جعفر المنصور بعث إلى مالك لما قدم المدينة وقال له :
إن الناس قد إختلفوا في العراق فضع للناس كتابا نجمعهم عليه ، فوضع " الموطأ " .
وفي رواية لغير الشافعي ، أنه قال له مع ذلك : اجتنب فيه شواذ ابن عباس
وتشددات ابن عمر ورخص ابن مسعود ، فقال له مالك : ما ينبغي يا أمير المؤمنين
أن نحمل الناس على قول رجل واحد يخطئ ويصيب . وقد كان المنصور كما بينا
من قبل معنيا بأمر الحديث ودراسته - وقد أخرج ابن عبدالبر أن أول من عمل
كتابا بالمدينة على معنى الموطأ - من ذكرما أجمع عليه أهل المدينة - عبدالعزيز بن
عبدالله بن سلمة الماجشون المتوفى في سنة 164 ه ونظر فيه مالك قبل أن يضع موطأه .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 215 ج 2 منجى الاسلام .
( 2 ) قال الحافظ ابن البرفي كتاب الانتقاءص 41 أن محمد بن سعد قال :
سمعت مالك بن أنس يقول : لما حج أبوجعفر المنصور دعاني فدخلت عليه ، فحادثته وسألني فأجبته
فقال : إني عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعت ( يعني الموطأ ) فتنسخ نسخا ، ثم أبعث إلى كل مصر
من أمصار المسلمين منها نسخة ، وآمرهم أن يعملوا بما فيهاولا يتعدوها إلى غيرها ! فإني رأيت أصل العلم
رواية أهل المدينة وعلمهم ، قال ، فقلت يا أمي رالمؤمنين : لا تفعل هذا ، فإن الناس قد سبقت إليهم
أقاويل ، وسمعوا أحاديث ، ورووا روايات ، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا من إختلاف
أصحاب رسول صلى الله عليه وآله وغيرهم ، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد فدع الناس وما هم عليه ، وما اختار أهل
كل بلد لانفسهم ، فقال لعمري ، لو طاوعتني على ذلك لامرت به . وفي روايات أخرى أن المنصور طلب
منه أن يضع للناس كتابا يتجنب فيه تشديدات ابن عمر ، ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود . *
ـ299ـ
نقد ابن معين لمالك :
قال ابن معين ، إن مالكا لم يكن صاحب حديث بل كان صاحب رأي . وقال
الليث بن سعد - أحصيت على مالك سبعين مسألة وكلها مخالفة لسنة الرسول .
وقد اعترف مالك بذلك ، وألف الدارقطني جزءا فيما خولف فيه مالك من
الاحاديث في الموطأ وغيره ، وفيه أكثر من عشرين حديثا ، وهو من محفوظات
الظاهرية بدمشق .
البخاري وكتابه
البخاري هو أ بوعبدالله محمد بن إسماعيل البخاري الفارسي رحمه الله . ولد
ببخارى سنة 194 ه وارتحل بطلب الحديث ، وتنقل في البلاد وابتدأ في تراجم
أبواب كتابه بالحرم الشريف ، ولبث في تصنيفه ست عشرة سنة بالبصرة وغيرها
حتى أتمه ببخارى ، ومات بخرتنك قرب سمرقند سنة 256 ه .
روى ابن حجر في مقدمة فتح الباري ( 1 ) أن أبا على الغساني روى عنه أنه
قال خرجت الصحيح من 600 ألف حديث .
وروى عنه إسماعيلي أنه قال : لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا ( 2 )
وما تركت من الصحيح أكثر ( 3 ) وقال : أحفظ مائة ألف حديث صحيح ، وأحفظ
مائتي ألف حديث غيرصحيح ( 4 ) ولا يهولنك وجود مثل هذه المئات من آلاف الاحاديث
في عصر البخاري ، فقد نقل عن الامام أحمد أنه قال : صح من الحديث سبعمائة
ألف وكسر . . وهذا الفتى - يعنى أبا أزرعة - قد حفظ سبعمائة ألف . . .
وقال أبوبكر محمد بن عمر الرازي الحافظ : كان أبوزرعة يحفظ سبعمائة
ألف حديث ، وكان يحفظ مائة وأربعين ألفا في التفسير . . ( ص 4 توجيه النظر ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 4 .
( 2 ) أي عنده وفي رأيه كما أدت إليه وروايته .
( 3 ) ص 4 من هدى الساري مقدمة فتح الباري .
( 4 ) ص 201 ج 2 من المصدر السابق . *
ـ300ـ
سبب جمع البخاري لكتابه :
قال الحافظ ابن حجرفي مقدمته : إن الذي حرك همة البخاري لجمع الحديث
الصحيح وقوى عزمه على ذلك ماسمعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه
إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه ، قال أ بوعبدالله محمد بن
إسماعيل البخاري :
كنا عندإسحاق بن راهويه فقال : لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة الله ؟
فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح ، وخرجت الصحيح من ستمائة
ألف حديث ( 1 ) .
كان البخاري يروي بالمعنى :
روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أنه قال يوما عن البخاري إنه قال :
رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته
بمصر ! فقيل له : ياأبا عبدالله ، بكماله ؟ فسكت ( 2 ) .
وقال أحيدر بن أبي جعفر والي بخارى : قال لي محمد بن إسماعيل يوما : رب
حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر !
فقلت له : يا أ باعبدالله بتمامه ؟ فسكت ( 3 ) .
وقال محمد بن الازهر السجستاني : كنت في مجلس سليمان بن حرب والبخارى معنايسمع ولايكتب ، فقيل لبعضهم : ما له لا يكتب ؟ فقال يرجع إلى
بخارى ويكتب من حفظه ( 4 ) .
وقال ابن حجر العسقلاني : من نوادر ما وقع في البخاري ، أنه يخرج الحديث
تاما بإسناد واحد بلفظين ( 5 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 4 مقدمة فتح الباري . ( 2 ) ص 11 ج
2 .
( 3 ) ص 201 ج 2 من هدى الساري .
( 4 ) ص 194 من المصدر السابق . ( 5 ) ص 186 ج 1 من فتح الباري . *
ـ301ـ
مات البخاري قبل أن يبيض كتابه :
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 301 سطر 1 الى ص 310 سطر 25
مات البخاري قبل أن يبيض كتابه :
يظهر أن البخاري مات قبل أن يتم تبييض كتابه ، فقد ذكر ابن حجرفي
مقدمة الفتح ، أن أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملى قال : انتسخت كتاب
البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمدبن يوسف الفربري ، فرأيت فيه
أشياء لم تتم ، وأشياء مبيضة ، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئا ، ومنها أحاديث لم يترجم
لها ، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض . قال أبوالوليد الباجى : وممايدل على صحة هذا
القول رواية أبي إسحاق المستملى ، ورواية أبي محمد السرخسى ورواية أبي الهيثم
الكشميهي ورواية أبي زيد المروزي مختلفة بالتقديم والتأخير مع أنهم انتسخوا من
أصل واحد ! وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيماكان في طرة أو رقعة
مضافة أنه من موضع ما ، فأضافه إليه ، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر
من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث ( 1 ) .
وقال ( 2 ) في الجزء السابع من فتح الباري ( 3 ) :
لم أقف في شئ من نسخ البخاري على ترجمة " عبدالرحمن بن عوف " ولا
" لسعيد بن زيد - " - وهما من العشرة ، وإن كان قدأفرد ذكرإسلام سعيد
ابن زيد بترجمة في أوائل السيرة النبوية ، وأظن أن ذلك من تصرف الناقلين لكتاب
البخاري ، كما تقدم مرارا أنه ترك الكتاب مسودة ، فإن أسماء من ذكرهم هنا لم يقع
فيهم مراعاة الافضلية ولاالسابقة ولا الاسنية - وهي جهات التقدم في الترتيب ، فلما
لم يراع واحدا منهادل ذلك على أنه كتب كل ترجمة على حدة فضم بعض النقلة
بعضها إلى بعض حسبما اتفق .
والبخاري أول من ميز الصحيح - في نظره - من غيره ، فاختار كتابه مما تبين
له أنه صحيح - ذلك أن التدوين قبله كان يجمع - كما بينا - كل ما روى من غير
تمييز بين صحيح وغير صحيح - كماترى ذلك في مسند أحمد وغيره من المسانيد -
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 5 ج 1 من نفس المصدر .
( 2 ) أي ابن حجر .
( 3 ) ص 74 . *
ـ302ـ
أو يضم إلى أحاديث الرسول أقوال الصحابة وفتاوى التابعين - كما تجد ذلك في
موطأ مالك ، ومن أجل ذلك قالوا في كتاب البخاري : إنه أول كتاب ألف في
الصحيح .
وقد انتقده الحفاظ في عشرة ومائة حديث منها 32 حديثا ، وافقه مسلم على
تخريجه ، و78 حديثا انفرد هو بتخريجه ( 1 ) .
والذين انفرد البخاري بالاخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضعة وثلاثون رجلا ،
المتكلم فيه بالضعف منهم ثمانون رجلا ( 2 ) ، والذين انفرد مسلم بالاخراج لهم دون
البخاري 620 رجلا المتكلم بالضعف منهم 160 رجلا . . والاحاديث التي انتقدت
عليهما بلغت مائتي حديث وعشرة ، اختص البخاري منها بأقل من ثمانين وباقي
ذلك يختص بمسلم ( 3 ) . وقال ابن حجر في الاحاديث التي انتقدها الدارقطني : إن
هذه المواضع متنازع في صحتها فلم يحصل لهامن التلقى ماحصل لمعظم الكتاب .
في البخاري إشكالات كثيرة :
وقال السيد محمد رشيد رضا بعد أن عرض لاحاديث المنتقدة على البخاري
ما يلي :
وإذا قرأت ما قاله الحافظ فيها رأيتها كلها في صناعة الفن . . ( 4 ) ولكنك
إذا قرأت الشرح نفسه " فتح الباري " رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات في
معانيها أو تعارضهامع غيرها ، مع محاولة الجمع بين ا لمختلفات وحل المشكلات
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 81 ج 2 مقدمة فتح الباري .
( 2 ) هذا هوعدد الرجال المتكلم فيهم بالضعف الذين أخرج لهم البخاري دون مسلم أما الذين طعن
فيهم من رجال البخاري فقد عقد لهم ابن حجر فصلا خاصا في الجزء الثاني من مقدمة فتح الباري " سرد فيه
أسماءهم ، مع حكاية ذلك الطعن والتنقيب عن سببه والقيام بجوابه " كما يرى هو ، وقد بلغت هذه الاسماء نحو
أربعمائة استغرقت 65 صفحة من رقم 113 - 176 ، وسنذكر بعض هذه الاسماءفي باب اختلافهم
في الجرح والتعديل .
( ص 7 من مقدمة الفتح وص 111 ج 2 من نفس المصدر . وص 119 ج 2 ضحى الاسلام )
( 3 ) ص 7 و8 من نفس المصدرج 1 .
( 4 ) أي فن مصطلح الحديث أي من ناحية السند أما من ناحية متون أحاديث البخاري فلم يعرض
لنقدها ، ولو تجرد لها عالم فقيه متحرر لوجد فيها أحاديث كثيرة تستحق النقد . *
ـ303ـ
- بما يرضيك بعضه دون بعض ( 1 ) .
وقال الدكتور أحمد أمين - بعد أن ذكر عدد الاحاديث التي انتقدت على
البخاري كمابيناها - مايلى ( 2 ) :
إن بعض الرجال الذي روى لهم ( 3 ) غير ثقات ، وقد ضعف الحفاظ من
رجال البخاري نحو الثمانين ، وفي الواقع هذه مشكلة المشاكل ، فالوقوف على أسرار
الرجال محال ، نعم إن من زل زلة واضحة سهل الحكم عليه ، ولكن ماذا يصنع
بمستور الحال ؟ ثم إن أحكام الناس على الرجال تختلف كل الاختلاف ، فبعض
يوثق رجلا وآخريكذبه ، والبواعث النفسية على ذلك لا حصر لها ، ثم كان
المحدثون أنفسهم يختلفون في قواعد التجريح والتعديل ، فبعضهم يرفض حديث
المبتدع مطلقا كالخارجي والمعتزلي ، وبعضهم يقبل روايته في الاحاديث التي لا تتصل
ببدعته ، وبعضهم يقول ، إن كان داعيا لها لا تقبل روايته وإن كان غير داع
قبلت ! وبعض المحدثين يتشدد فلا يروى حديث من اتصلوا بالولاة ودخلوافي أمر
الدنيا مهما كان صدقهم وضبطهم ، وبعضهم لا يرى في ذلك بأسا ، متى كان
عدلا صادقا ، وبعضهم يتزمت فيأخذ على المحدث مزحة مزحها ، كالذي روى
أن بعض مجان البصرة كانوا يضعون صرر نقود في الطريق ويختفون ، فإذا انحنى المار
لاخذها صاحوا به فتركهاخجلا وضحكوا منه ، فأفتى بعض المحدثين أن يملا صرة
من زجاج مكسر فإذا صاحوا به وضع صرة الزجاج وأخذ صرة الدراهم عقابا لهم
وتأديبا ، فجرحه بعض المحدثين من أجل ذلك ، وعدله بعضهم إذ لم ير به بأسا ،
إلى غيرذلك من أسباب يطول شرحها ، ومن أجل هذا اختلفوا اختلافا كثيرا في
الحكم على الاشخاص ، وتبع ذلك اختلافهم في صحة روايته والاخذ عنه ، ولعل من
أوضح لمثل في ذلك - عكرمة مولى ابن عباس وقد ملاالدنيا حديثا وتفسيرا ، فقد
رماه بعضهم بالكذب وبأنه يرى رأي الخوارج وبأنه كان يقبل جوائز الامراء ،
ورووا عن كذبه شيئا كثيرا ، فرووا أن سعيد بن المسيب قال لمولاه " برد " :
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 41 ج 29 منار .
( 2 ) ص 117 و118 ج 2 ضحى الاسلام .
( 3 ) أي البخاري . *
ـ304ـ
لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس ( 1 ) وأكذبه سعيد بن المسيب في
أحاديث كثيرة ، وقال القاسم : إن عكرمة كذاب يحدث غدوة بحديث يخالفه
عشية ، وقال ابن سعد : " كان عكرمة بحرا من البحور وتكلم الناس فيه وليس
يحتج بحديثه " هذا على حين أن آخرين يوثقونه ويعدلونه فابن جرير الطبري يثق به
كل الثقة ويملا تفسيره وتاريخه بأقواله والرواية عنه ، وقد وثقه أحمد بن حنبل
وإسحاق بن راهويه ويحيى ابن معين وغيرهم من كبار المحدثين . من أجل هذا كله
وقف جامعو الصحيح منه مواقف مختلفة ، فالبخاري ترجح عنده صدقه فهو
يروي له في صحيحه كثيرا ، ومسلم ترجح عنده كذبه ، فلم يرو له إلا حديثا واحدا
في الحج ، ولم يعتمد فيه عليه وحده وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن جبير
في الموضوع نفسه .
من هذاترى صعوبة الحكم على مستوى الحال ، ولم يسلم جامع كتاب
حديث من ذلك لاختلاف الناس في الحكم على الرجال .
أحاديث البخاري وحكم من أنكر شيئا منها :
قال السيد رشيد رضا رحمه الله في جواب عن سؤال قدم له في ذلك :
لا شك في أن أحاديث الجامع الصحيح للبخاري في جملتها أصح في صناعة
الحديث وتحرى الصحيح من كل ما جمع في الدفاترمن كتب الحديث ، ويليه
في ذلك صحيح مسلم ، ومما لا شك فيه أيضاأنه يوجد في غيرهما من دواوين السنة
أحاديث أصح من بعض ما فيهما ، وما روى من رفض البخاري وغيره لمئات الالوف
من الاحاديث التي كانت تروى يؤيد ذلك ، فإنما نفوا مانفوا لينتقوا الصحاح
الثابتة ( 2 ) : ودعوى وجود أحاديث موضوعة في أحاديث البخاري المسندة بالمعنى الذي
* ( هامش ) * ( 1 ) ورد كذلك عن ابن عمر أنه قال لمولاه نافع : لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس .
وذكر ابن تيمية في مقدمة أصول التفسير ، أن رجلا سأل سعيد بن المسبب عن آيات من القرآن ، فقال له :
لا تسألني عن القرآن ، وسل من يزعم أنه لايخفى عليه منه شئ ! يعنى عكرمة ( ص 39 ) .
( 2 ) أي في رأيهم لا أنهاصحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله . *
ـ305ـ
عرفوا به الموضوع في علم الرواية - ممنوعة لا يسهل على أحد إثباتها ، ولكنه لايخلو
من أحاديث قليلة في متونها نظر قد يصدق عليه بعض ما عدوه من علامة الوضع .
كحديث سحر بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم الذي أنكره بعض العلماء
كالامام الجصاص من المفسرين المتقدمين والاستاذ الامام " محمد عبده " من
المتأخرين لانه معارض بقوله تعالى ( وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا -
انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوافلا يستطيعون سبيلا . . هذا وإن في
البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين ولا فروعه ،
فإذا تأملتم هذاوذاك علمتهم أنه ليست - لعلها " ليس " - من أصول الايمان
ولامن أركان الاسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري مهما يكن
موضوعه ، بل لم يشترط أحد في صحة الاسلام ولا في معرفته التفصيلية الاطلاع على
صحيح البخاري والاقرار بكل ما فيه - وعلمتم أيضاأن المسلم لايمكن أن ينكر
حديثا من هذه الاحاديث بعدالعلم به إلا بدليل يقوم عنده على عدم صحته متنا
أو سندا ، فالعلماء الذين أنكرواصحة بعض هذه الاحاديث لم ينكروهاإلا بأدلة
قامت عندهم قد يكون بعضها صوابا وبعضها خطأ ، ولا يعد أحدهم طاعنا في دين
الاسلام ( 1 ) .
" وما كلف الله مسلما أن يقرأ صحيح البخاري ويؤمن بكل ما فيه ، وإن لم
يصح عنده ، أو اعتقد أنه ينافي أصول الاسلام .
سبحان الله ! ! يقول ملايين المسلمين من الحنفية إن رفع اليدين عندالركوع
والقيام منه مكروه شرعا وقد رواه البخاري في صحيحه وغير صحيحه عن عشرات
من الصحابة بأسانيد كثيرا جدا ، ولا إثم عليهم ولا حرج لان إمامهم لم يصح
عنده لانه لم يطلع على أسانيد البخاري فيه ، وكل من اطلع من علماء مذهبه
عليها يوقن بصحتها - ثم يكفر مسلم ( 2 ) من خيار المسلمين علما وعملا ودفاعا عن
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 104 و 105 ج 29 المنار .
( 2 ) هذاالمسلم هو الدكتور محمد توفيق صدقي وكان قد طعن في حديث الذباب فكفره شيوخ
الازهر بذلك كماهي عادتهم . *
ـ306ـ
الاسلام ودعوة إليه ، بدليل أو شبهة على صحة حديث رواه البخاري عن رجل يكاد
يكون مجهولا واسمه يدل على أنه لم يكن أصيلا في الاسلام هوعبد بن حنين ،
وموضوع متنه ليس من عقائد الاسلام ولا من عباداته ولا من شرائعه ، ولا التزم
المسلمون العمل به ، بل ما من مذهب من مذاهب المقلدة إلا وأهله يتركون العمل
ببعض ما صح عند البخاري وعند مسلم أيضا من أحاديث التشريع المروية عن كبار
أئمة الرواة لعلل إجتهادية أو لمحض التقليد . وقد أورد المحقق ابن القيم أكثر من مائة
شاهد على ذلك في كتابه أعلام الموقعين ، وهذا المكفر للدكتور منهم . . مع هذا
نقول بحق إن صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله ، ولكنه ليس معصوماهو
ورواته من الخطأ . وليس كل مرتاب في شئ من روايته كافرا ! ماأسهل التكفير
على مقلدة أقوال المتأخرين وحسبنا الله ونعم الوكيل ( 1 ) .
وفي الانتصار لابن الجوزي جملة أحاديث لم تأخذ بها الشافعية من أحاديث
الصحيحين لماترجح عندهم مما يخالفها وكذا في بقية المذاهب .
البخاري وأهل الشام :
ذكرالذهبي عن أبي عمرو حمدان : سألت ابن عقدة أيهما أحفظ ،
البخاري أم مسلم ؟ فقال كان محمد عالما ، ومسلم عالم ، فأعدت عليه مرارا ،
فقال : يقع لمحمد ( 2 ) الغلط في أهل الشام وذلك لانه أخذ كتبهم ونظر فيها فربما
ذكر الرجل بكنيته ، ويذكره في موضع آخر باسمه يظنهما اثنين ، وأما مسلم فقلما
يوجد له غلط في العلل ، لانه كتب المسانيد ولم يكتب المقاطيع ولا المراسيل اه ( 3 ) .
البخاري أدركته محنة مسألة " خلق القرآن " :
قال الحاكم أ بوعبدالله في تاريخه : قدم البخاري نيسابور في سنة 250 ه
فأقبل عليه الناس ليسمعوا منه ، وفي أحد الايام سأله رجل عن " اللفظ بالقرآن "
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 51 ج 29 مجلة المنار .
( 2 ) أي البخاري .
( 3 ) ص 5 من شروط الائمة الستة للمقدسي . *
ـ307ـ
فقال : أفعالنا مخلوقة ، وألفاظنا من أفعالنا ، فوقع بذلك خلاف ولم يلبث أن
حرض الناس عليه محمد بن يحيى الذهلي وقال : من قال ذلك فهو مبتدع ، ولايجالس
ولا يكلم ! ومن ذهب بعد ذلك إلى البخاري فاتهموه ، فإنه لايحضر مجلسه إلا من
كان على مذهبه ! فانقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة
فقال الذهلى : ألا من قال باللفظ - فلا يحل له أن يحضر مجلسنا ! فأخذ مسلم
رداءه فوق عمامته وقام على رءوس الناس ، وبعث جميع ما كان قد كتبه عنه ،
وقد خشى البخاري على نفسه فسافر من نيسابور ( 1 ) اه ملخصا .
ومن المعلوم أن مسلما منسوب أيضا إلى اللفظ .
روايات البخاري تختلف في العدد :
فعدد أحاديث البخاري يزيد في رواية الفربري على عدده في رواية إبراهيم
ابن معقل النسفى بمائتين ، ويزيد عدد النسفى على عدد حماد بن شاكر النسفى
بمائة كما ذكره العراقي ( 2 ) .
وقد حررالحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن عدة ما في البخاري
من المتون الموصولة بلا تكرار 2602 ، ومن المتون المعلقة المرفوعة 159 ، فمجموع
ذلك 2761 ، وقال في شرح البخاري إن عدته على التحرير 2513 حديث ( 3 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 203 و204 ج 2 من هدى الساري .
( 2 ) 58 شروط الائمة الخمسة .
( 3 ) ص 70 ج 1 . *
ـ308ـ
مسلم وكتابه
هو أبوالحسين مسلم بن الحجاج القشيري ا لنيسابوري رحمه الله ولد بنيسابور
سنة 204 ه وتوفى بهاسنة 268 ه جرد الصحاح ولم يتعرض للاستنباط ونحوه وفاق
البخاري في جمع الطرق وحسن الترتيب ، وكتابه سهل التناول ، إذ جعل لكل حديث
موضعا واحدا يليق به جمع فيه طرقه التي ارتضاها ، وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه
المختلفة ، وكان لا يروي بالمعنى بخلاف البخاري وكان لا يخلط مع الاحاديث شيئامن
أقوال الصحابة ومن بعدهم - ومن مزاياه كماقال ابن حجر في مقدمة الفتح :
أنه قد صنفه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه فكان يتحرز في
الالفاظ ويتحرى في السياق ولا يتصدى لما تصدى له البخاري من استنباط الاحكام
ليبوب عليها ، ولزم من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه ، بل جمع مسلم الطرق كلها
في مكان واحد واقتصر على الاحاديث دون ا لموقوفات فلم يعرج عليها إلا في بعض
المواضيع على سبيل الندورة تبعا لا مقصودا ( 1 ) .
وقد نقل عنه أنه صنف مسنده من 300 ألف حديث مسموعة أما عدد
أحاديث كتابه فأربعة آلاف حديث دون المكرر .
وقال النووي في شرح مسلم : قول مسلم ليس كل شئ صحيحا عندي وضعته
هنا " أي في كتابه " وإنما وضعت هنا ماأجمعوا عليه ، فمشكل ، فقد وضع فيه
أحاديث كثيرة مختلفافي صحتها لانهامن حديث من اختلفوا في صحة حديثه ،
وكذلك قال ابن الصلاح . وقال ابن تيمية في تفسير سورة الاخلاص إن الحديث
الذي رواه مسلم في خلق التربة يوم السبت ( 2 ) حديث معلول قدح فيه أئمة الحديث
كالبخاري وغيره وقالواإنه من قول كعب الاحبار ولهذا الحديث نظائر عند مسلم
فقد روى أحاديث عرف أنها غلط مثل قول أبي سفيان لما أسلم أريد أن أزوجك
أم حبيبة ( أي بنته ) ولا خلاف بين الناس أن النبي قد تزوجهاقبل إسلام
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 8 .
( 2 ) هذا الحديث رواه أبوهريرة وصرح فيه بسماعه من النبي . راجع كتابنا " شيخ المضيرة " . *
ـ309ـ
أبي سفيان ، ومثل حديث صلاة الكسوف أن النبي صلاها بثلاث ركوعات .
والصواب أنه لم يصلها إلا مرة واحدة بركوعين اه ( 1 ) .
وقد بلغت الاحاديث انتقدت على مسلم 132 ، وعدد من انتقدوهم هم
رجاله 110 .
وقال الحافظ أبوزرعة الرازي ( 2 ) - وقد ذكر له كتاب مسلم - هؤلاء قوم
أرادوا التقدم قبل أوانه فعملوا شيئا يتسوقون به ، ألفوا كتابالم يسبقوا إليه ، ليقيموا
لانفسهم رياسة قبل وقتها .
وأتاه ذات يوم رجل بكتاب الصحيح من رواية مسلم فجعل ينظر فيه فإذا
حديث عن أسباط بن نصر . . ثم رأى في الكتاب قطن بن نسير فقال : وهذا اطم
من الاول ! قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت جعلها عن أنس ، ثم نظر
فقال : يروى عن أحمد بن عيسى المصري في كتاب الصحيح ! ثم قال : أيحدث
عن هؤلاء ويترك محمد بن عجلان ونظراءه ويطرق لاهل البدع عليها فيجدوا السبيل
بأن يقولوا للحديث إذااحتج عليهم به ، ليس هذا من كتاب الصحيح .
وكان أبوزرعة يذم وضع هذا الكتاب .
وروى مسلم عن أبي الزبير عن جابر أحاديث كثيرة بالعنعنة وقد قال الحفاظ :
أبوالزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي يدلس في حديث جابر ، وروى عن جابر
وابن عمر في حجة الوداع حديثا بروايتين قال ابن حزم فيهما : إحداهما كذب
بلا شك . وروى حديث ( خلق الله التربة يوم الست ) .
وقال الحفاظ : إن مسلما لماوضع كتابه الصحيح عرضه على أبي زرعة الرازي
فأنكرعليه وتغيظ وقال : سميته الصحيح ! فجعلت سلما لاجل البدع وغيرهم
فإذاروى لهم المخالف حديثا يقولون : هذاليس في صحيح مسلم .
ولما قدم مسلم الري خرج إلى أبي عبدالله محمد بن مسلم بن واره فجفاه وعاتبه
على هذا الكتاب ، وقال له نحوا مماقال أبوزرعة ، فإعتذر إليه مسلم وقال له :
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 16 .
( 2 ) قال الامام أحمد عنه إنه حفظ 700 ألف حديث ، وقال أبوبكر محمد بن عمرالرازي الحافظ
كان أبوزرعة يحفظ 700 ألف حديث ، وكان يحفظ 140 ألفا في التفسير - ص 4 من توجيه النظر . *
ـ310ـ
إنما أخرجت هذا الكتاب ، وقلت ( هوصحاح ) ولم أقل : إن ما لم أخرجه من
الحديث في هذا الكتاب ضعيف ! ولكن إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح
ليكون مجموعا عندي وعند من يكتبه عني ، ولا يرتاب في صحتها ، ولم أقل إن
ماسواه ضعيف ، فقبل عذره وحدثه ( 1 ) اه باختصار .
وأخرج مسلم أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم لشبهة وقعت في نفسه ( 2 )
ذلك بأن أئمة النقل على إختلاف مذاهبهم وتباين أحوالهم - في تعاطى اصطلاحاتهم
يختلفون في أكثرها - فرب راو هوموثوق به عند عبدالرحمن بن مهدي ومجروح
عند يحيى بن سعيد القطان وبالعكس ، وهما إمامان عليهما مدارالنقد في النقل ومن
عندهما يتلقى معظم شأن الحديث ( 3 ) .
والكلام في نقد البخاري ومسلم طويل فنكتفي بما نورده هنا .
البخاري ومسلم - وما قيل فيهما
قال الحافظ زين الدين العراقي في شرح ألفيته في علوم الحديث - عندما
ذكرمراتب الصحيح - قال محمد بن طاهرفي كتابه في شروط الائمة : شرط
البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجتمع على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور - قال
العراقي في شرح ألفيته : ليس ماقاله ابن طاهريجيد لان النسائي ضعف جماعة
أخرج لهم الشيخان أو أحدهما اه .
وقال البدر العيني : في الصحيح جماعة جرحهم بعض المتقدمين .
وفي العلم الشامخ قال المقبلي : في رجال الصحيحين من صرح كثير من الائمة
يجرحهم ، وتكلم فيهم من تكلم بالكلام الشديد ، وإن كان لا يلزمهما إلا العمل
ب إجتهادهما .
وقال ابن الصلاح : احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح له كعكرمة
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 60 - 63 شروط الائمة الخمسة للحازمي وشرحها .
( 2 ) ص 10 و11 شروط الائمة الستة للقدسي .
( 3 ) 58 - 59 شروط الائمة الخمسة للحازمي . *
ـ311ـ
مولى ابن عباس وكإسماعيل بن أبي أويس وعاصم بن علي ، وعمرو بن مرزوق وغيرهم
............................................................................
- أضواء على السنة المحمدية من ص 311 سطر 1 الى ص 320 سطر 27
مولى ابن عباس وكإسماعيل بن أبي أويس وعاصم بن علي ، وعمرو بن مرزوق وغيرهم
واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم وهكذا فعل أبوداود ( 1 )
قال الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله في شرحه لالفية السيوطي : وقد وقع
في الصحيحين أحاديث كثيرة من رواية بعض المدلسين ( 2 ) .
ومعلوم أن التدليس ( 3 ) كان من أسباب الجرح .
وفي شرح شروط الائمة الخمسة للشيخ محمد زاهد الكوثري نقلا عن ابن الهمام ( 4 ) .
وقد أخرج مسلم عن كثير ممن لم يسلم من غوائل الجرح ، وكذا في البخاري
جماعة تكلم فيهم ، فدارالامر في الرواية على اجتهاد العلماء فيهم وكذافي الشروط
،
حتى إن اعتبر شرطا وألغاءه آخر ، يكون مارواه الآخر مما ليس فيه هذاالشرط
عنده مكافئا لمعارضة المشتمل على ذلك الشرط ، وكذافيمن ضعف روايا
ووثقه الآخر .
وأما الانتقاد عليهما من جهة ما يتعلق بالمتون من جهة مخالفتهما للكتاب أو
للسنة المتواترة ونحو ذلك فلم يتصدوا له ، لان ذلك من متعلقات علماء الكلام
والاصول ( 5 ) .
تجافي الرواية - عن أهل الرأي :
قال القاسمي : تجافي أرباب الصحاح الرواية عن أهل الرأي - كالامام
أبي يوسف والامام محمد بن الحسن فقد لينهما أهل الحديث كما ترى في ميزان
الاعتدال وآثارهما تشهد بسعة علمهماو تبحرهما بل تقدمهما على كثير من الحفاظ ( 6 )
وكذلك تجافي البخاري عن الرواية عن أئمة أهل البيت النبوي ، وإليك كلمة قيمة في
هذاالامر .
قال العلامة عبدالحسين شرف الدين في كتابه الفصول المهمة في تأليف الامة ( 7 )
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 41 من مقدمة ابن الصلاح .
( 2 ) ص 36 .
( 3 ) راجع ما كتبناه عن التدلس و المدليسين في كتابنا شيخ المضيرة .
( 4 ) ص 58 من شرح الشروط الخمسة . ( 5 ) ص 131 توجيه النظر .
( 6 ) ص 24 من كتاب الجرح والتعديل للقاسمي . ( 7 ) ص 168 و169 من الطبعة الثانية . *
ـ312ـ
وأنكى من هذا كله عدم احتجاج البخاري في صحيحه بأئمة أهل البيت
النبوي ، إذ لم يرو شيئا عن الصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والزكي العسكري
وكان معاصرا له ، ولا روى عن الحسن بن الحسن ولا عن زيد بن علي بن الحسين .
ولاعن يحيى بن زيد ولا عن النفس الزكية محمد بن عبدالله الكامل بن الحسن
الرضا بن الحسن السبط ولا عن أخيه إبراهيم بن عبدالله ولا عن الحسين الفخي بن
علي بن الحسن بن الحسن ، ولا عن يحيى بن عبدالله بن الحسن ولا عن أخيه إدريس
ابن عبدالله ولا عن محمد بن جعفر الصادق ، ولا عن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل
ابن إبراهيم بن الحسن بن الحسن المعروف بابن طباطبا ولا عن أخيه القاسم الشرسي ،
ولا عن محمد بن زيد بن علي ، ولا عن محمد بن القاسم بن علي بن عمرالاشرف بن زين
العابدين صاحب الطالقان المعاصر للبخاري - ولا عن غيرهم من أعلام العترة الطاهرة
وأغصان الشجرة الزاهرة ، كعبد الله بن الحسن وعلي بن جعفر العريضي وغيرهما . ولم يرو
شيئا من حديث سبطه الاكبر وريحانته من الدنيا أبي محمد الحسن المجتبى سيد
شباب أهل الجنة مع إحتجاجه بداعية الخوارج وأشدهم عداوة لاهل البيت ( عمران
ابن حطان ) القائل في ابن ملجم وضربته لامير المؤمنين عليه السلام :
يا ضربة من تقى ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لاذكره يوما فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا
هل أصح الاحاديث ما في الصحيحين :
قال الامام كمال الدين ابن الهمام في شرح الهداية : وقول من قال : أصح
الاحاديث ما في الصحيحين ثم ماانفرد به البخاري ، ثم ماانفرد به مسلم ، ثم
مااشتمل على شرطهما ، ثم ما اشتمل على شرط أحدهما ، تحكم لا يجوز التقليد فيه ،
إذ الاصحية ليست إلا لاشتمال رواتهما على الشروط التي إعتبراها ، فإن فرض وجود تلك
الشروط في رواة حديث في غير الكتابين ، أفلا يكون الحكم بأصحية ما في الكتابين
عين التحكم ( 1 ) ؟ .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 120 توجيه النظر وص 25 من شرح شروط الائمة الخمسة . *
ـ313ـ
الاستدراك على البخاري ومسلم :
قال النووي في شرح مسلم : استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث
أخلا بشرطيهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه . وقد ألف الامام الحافظ الدارقطني
في بيان ذلك كتابه المسمى ( بالا ستدراكات والتتبع ) ، وذلك في مائتي حديث مما في
الكتابين ، ولابي مسعود الدمشقي ( صاحب الاطراف ) استدراك عليهما وكذا
لابي علي الغساني في كتابه تقييد المهمل . وقال : في أول شرح مسلم : وما يقوله
الناس أن من روى له الشيخان فقد جاوز القنطرة ! هذا من التجوه ولا يقوى .
مثل غريب مما اتفق البخاري ومسلم على روايته :
روى البخاري عن ابن عمر قال النبي يوم الاحزاب : أن لا يصلين أحد
( العصر ) إلا في بني قريظة - قال ابن حجر : كذاوقع في جميع النسخ عند
البخاري ووقع في جميع النسخ عندمسلم ( الظهر ) مع اتفاق البخاري ومسلم على
روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد من مبدئه إلى منتهاه ! قال : ويظهر من تغاير
اللفظين أن عبدالله بن محمد شيخ الشيخين لما حدث به حدث فيه بلفظين أو أن
البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ - كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك
بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ .
وفي الصحيحين ما ينوف على مائتي حديث من الغرائب وقد ألف الحافظ
الضياء المقدسي في ذلك مؤلفاسماه ( غرائب الصحيحين ) ذكر فيه ما يزيد على
مائتي حديث من الغرائب والافراد المخرجة في الصحيحين ( 1 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 31 من شرح شروط الائمة الخمسة للحازمي . *
ـ314ـ
أصحية البخاري ومسلم وعند من تكون ؟
قال ابن أمير الحاج في شرح التحريرما معناه ( 1 ) :
ثم مما ينبغي التنبه له أن أصحيتهما على ما سواهما تنزلا إنما تكون بالنظر إلى من
بعدهما ، لا المتجهدين المتقدمين عليهما ، فإن هذا مع ظهوره قديخفى على بعضهم ،
أو يغالط به والله سبحانه أعلم .
وقال الشارح لهذا الكلام : يريد أن الشيخين وأصحاب السنن جماعة
متعاصرون من الحفاظ أتوا بعد تدوين الفقه الاسلامي ، واعتنوا بقسم من الحديث
وكان الائمة المجتهدون قبلهم أوفر مادة ، وأكثر حديثا ، بين أيديهم المرفوع والموقوف
والمرسل وفتاوى الصحابة والتابعين - ونظر المجتهد ليس بمقصور على قسم من
الحديث - ودونك الجوامع و المصنفات في كل باب منها تذكر هذه الانواع التي
لا يستغني عنها المجتهد ، وأصحاب الجوامع و المصنفات قبل الستة من الحفاظ " أي
أصحاب الكتب الستة " أصحاب هؤلاء المتجهدين وأصحاب أصحابهم ، والنظر في
أسانيدها كان أمرا هينا عندهم لعلو طبقتهم ، لا سيما أو استدلال المجتهد بحديث
تصحيح له - والاحتياج إلى الستة والاحتجاج بهاإنما هو بالنظر إلى من تأخر
عنهم فقط - ومما يلفت إليه النظر هناأن بعض الحفاظ المتأخرين يتساهلون في
عزو ما يرووقه إلى الاصول الستة وغيرها على اختلاف عظيم في اللفظ والمعنى .
قال العراقي في شرح ألفيته : إن البيهقي في السنن والمعرفة ، والبغرى في شرح
السنة وغيرهما يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم ثم يعزونه إلى البخاري ومسلم
مع إختلاف الالفاظ والمعاني ، فهم إنما يريدون أصل الحديث لا غزو ألفاظه اه .
ومن هذا القبيل قول النووي في حديث " الائمة من قريش " أخرجه الشيخان ،
مع أن لفظ الصحيح " لا يزال هذاالامرفي قريش مابقي منهم اثنان " وبين
اللفظين والمعنيين تفاوت عظيم كماترى اه .
وقد وضع الحافظ الرشيد العطار كتابا على الاحاديث المقطوعة المخرجة في مسلم
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 58 و59 من هامش شروط الائمة الخمسة للحازمي . *
ـ315ـ
سماه ( الفوائد المجموعة في شأن ماوقع في مسلم من الاحاديث المقطوعة ) وما يقوله
الناس : إن من روى له الشيخان فقد جاوز القنطرة فهو من التجوه ولا يقوى ، فقد
روى مسلم في كتابه عن ليث بن أبي سليم وغيره من الضعفاء . . واعلم أن " أن وعن "
مقتضيان للانقطاع " أي من المدلس " عند أهل الحديث ، ووقع في مسلم
والبخاري من هذا النوع شئ كثير ، فيقولون على سبيل التجوه : ما كان من هذا
النوع في غير الصحيحين فمنقطع ، وماكان في الصحيحين فمحمول على
الاتصال ! ! وروى مسلم في كتابه عن أبي الزبير عن جابر أحاديث كثيرة بالعنعنة
وقد قال الحفاظ : أبوالزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي يدلس في حديث
جابر ، فماكان بصيغة العنعنة لا يقبل ذلك - وقد روى مسلم أيضا في كتابه عن
جابر وابن عمرفي حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وآله توجه إلى مكة يوم النحر فطاف
طواف الافاضة ثم صلى الظهربمكة ثم رجع إلى منى ، وفي رواية الاخرى ، أنه طاف طواف الافاضة ثم رجع فصلى الظهر بمنى فيتجوهون ( 1 ) ويقولون : أعادها لبيان
الجواز ! وغير ذلك من التأويلات ! ! قال ابن حزم في هاتين الروايتين : إحداهما
كذب بلا شك .
وروى مسلم أيضا حديث الاسراء وفيه ( ذلك قبل أن يوحى إليه ) وقد تكلم
الحفاظ في هذه اللفظة وضعفوها - وروى مسلم أيضاحديث " خلق الله التربة يوم
السبت " ( 2 ) ، وفي مسلم أيضا عن أبي سفيان أنه قال للبني " ص " لما أسلم : يا رسول
الله أعطني ثلاث ، تزوج ابنتبي أم حبيبة ، وابني معاوية اجعله كاتبا ، وأمرني أن
أقاتل الكفار ، فأعطاه النبي ما سأل الحديث ، وفي هذا من الوهم مالا يخفى ! فأم حبيبة
تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وهي بالحبشة وأصدقها النجاشي ، وأبوسفيان أسلم عام
الفتح وبين الهجرة والفتح سنين - وأما إمارة أبي سفيان فقد قال الحفاظ :
إنهم لا يعرفونها . . . ويذكرون عن الزبير بن بكار بأسانيد ضعيفة ، أن النبي صلى الله عليه وآله
أمره في بعض الغزوات ، وهذا لا يعرف وماحملهم على هذا كله إلا بعض التعصب .
وقد قال الحفاظ أن مسلما لما وضع كتابه الصحيح عرضه على أبي زرعة
الرازي ، فأنكر عليه وتغيظ وقال : سميته الصحيح ، فجعلت سلما لاهل البدع
* ( هامش ) * ( 1 ) تجره - تعظم - تكلف الجاه وليس به ذلك .
( 2 ) ارجع في الكلام عن هذا الحديث إلى كتابنا " شيخ المضيرة " . *
ـ316ـ
وغيرهم ، فإذا روى لهم المخالف حديثا يقولون ، هذاليس في صحيح مسلم ( 1 ) .
وقد أوردنامن قبل كلاماغير ذلك مما قاله أبوزرعة وغيره في مسلم وكتابه .
قال الحازمي في شروط الائمة الخمسة تحت هذا العنوان مايلي :
( باب في إبطال قول من زعم أن شرط البخاري إخراج الحديث عن
عدلين وهلم جرا ، إلى أن يتصل الخبر بالنبي صلى الله عليه وسلم )
إن هذاحكم من لم يمعن الغوص في خبايا الصحيح ، ولو استقرأ الكتاب
حق الاستقراء لوجد جملة من الكتاب ناقضة عليه دعواه .
وأما قول الحاكم : إن اختيار البخاري ومسلم إخراج الحديث عن عدلين إلى
النبي ( 2 ) صلى الله عليه وسلم فهذا غير صحيح طردا وعكسا ، بل لو عكس القضية
وحكم كان أسلم له ، وقد صرح بنحو ما قلت من هو أمكن منه في الحديث -
وهو أبوحاتم محمد بن حبان البستي فقد قال : وأما الاخبار فإنها كلهاأخبار
الآحاد لانه ليس يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر من رواية عدلين روى
أحدهما عن عدلين ، وكل واحد منهاعن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فلما استحال هذا وبطل ثبت أن الاخبار كلهاأخبار الآحاد
ومن اشترط ذلك فقد عمد إلى ترك السنن كلها لعدم وجودالسنن إلا من رواية
الآحاد . انتهى كلام ابن حبان .
ومن سبرمطالع الاخبار عرف أن ما ذكره ابن حبان أقرب إلى الصواب .
انتهى ( 3 ) كلام الحازمي .
هذه هي كتب الطبقة الاولى من كتب الحديث أما الطبقة الثانية فهاك الكلام عنها
بإيجاز وهي سنن أبي داود والترمذي والنسائي ( 4 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 61 و62 من هامش شروط الائمة الخمسة للحازمي ويراجع صفحة 310 من هذا الكتاب .
( 2 ) أول حديث في البخاري وهو حديث إنما الاعمال بالنيات وآخر حديث فيه أعنى حديث
( كلمتان خفيفتان ) فردان غريبان باعتبار المخرج كما نص على ذلك الحفاظ البرهان البقاعي وغيره
ص 31 من نفس المصدر .
( 3 ) ص 31 نفس المصدر .
( 4 ) ذكر رجال الحديث أن الكتب التي تأتي درجتها بعد البخاري ومسلم هي سنن أبي داود المتوفى
سنة 275 ه وسنن النسائي - 303 - وجامع الترمذي - 279 - وقد جعلوا هذه الكتب الخمسة
هي الاصول ، وزاد بعضهم عليها كتاب سنن ابن ماجة - 375 وقال بعضهم إن الاحق بأن يكون الكتاب = *
ـ317ـ
أبوداود
هو الامام الفقيه أبوداود سليمان بن الاشعث الازدي السجستاني رحمه الله
ولد سنة 202 ه قدم بغداد مرارا ومات بالبصرة سنة 275 ه . قال الخطابي : لم
يصنف في علم الحديث مثل سنن أبي داود وهو أحسن وضعا وأكثر فقهامن
الصحيحين ، حدث عنه الترمذي والنسائي ، وقال ابن كثير في مختصر علوم الحديث :
إن الروايات لسنن أبي داود كثيرة ، في بعضها ما ليس في الاخرى . ومن أشهر
رواة السنن عنه أبوسعيد بن الاعرابي ، وأبوعلى اللؤلؤي وأبوبكر بن داسه .
وكانت همة أبي داود جمع الاحاديث التي استدل بها فقهاء الامصار وبنوا
عليها الاحكام ، فصنف سننه وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل ،
ومن قوله : ماذكرت في كتابي حديثا أجمع الناس على تركه . وماكان به من
حديث فيه وهن شديد فقد بينته .
وقال أبوبكر بن داسه : سمعت أبا داود يقول : كتبت عن رسول الله
500 ألف حديث انتخبت منها ماضمنته هذا الكتاب - جمعت فيه أربعة آلاف
وثمانمائة حديث - ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه .
وقد قالوا : إن سنن أبي داود تكفي المجتهد . وإنه يكفي منها لدينه أربعة
أحاديث " 1 " إنما الاعمال بالبيات " 2 " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه
" 3 " لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضي لاخيه ما يرضاه لنفسه " 4 " الحلال بين والحرام
بين وبينهما أمور مشتبهات . وقد . فضلها بعضهم على البخاري .
وقد تفقه أبوداود هو والبخاري على فقهاء العراق .
* ( هامش ) * السادس هو سنن الدارمي المتوفى سنة 255 لان ابن ماجة قد أخرج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب
وسرقة الاحاديث أما سنن الدارمي فإنه قليل الرجال الضعفاء ويندر أن يكون فيه أحاديث منكرة أو شاذة
وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة فهو مع ذلك أولى منه وهو حقا كما قالوا . *
ـ318ـ
الترمذي
هوأبوعيسى محمد بن عيسى الترمذي الضرير رحمه الله ، ولد سنة 209 ه
بترمذ وتوفى بها سنة 279 ه . قال ابن الاثير : في سنن الترمذي ماليس في غيرها
من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن
والغريب .
جمع كتابه واختصر فيه طريق الحديث اختصارا لطيفا وبين أمر كل حديث
من أنه صحيح أو ضعيف أو منكر . أما كتابه الجامع الصحيح له ففيه أحاديث
كثيرة منكرة ( 1 ) .
قال الحفاظ ابن رجب في " شرح علل الترمذي " اعلم أن الترمذي خرج في
كتابه الحديث الصحيح والحديث الحسن وهو ما نزل عن درجة الصحيح وكان
فيه بعض ضعف والحديث الغريب ، والغرائب التي خرجها ، فيها بعض المناكير
ولا سيما في كتاب الفضائل ولكنه يبين ذلك غالبا ولا يسكت عنه ، ولا أعلم أنه
خرج عن متهم بالكذب متفق على إتهامه - حديثا بإسناد منفرد إلا أنه قد يخرج
حديثا مرويا من طرق أو مختلفا في إسناده وفي بعض طرقه متهم وعلى هذا الوجه
خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب ومحمد بن السائب الكلبي ، نعم قد يخرج
عن سيئ الحفظ وعمن غلب على حديثه الوهم ، ويبين ذلك غالبا ولا يسكت عنه وقد
شاركه أبوداود في التخريج عن كثير من هذه الطبقة مع السكوت على حديثهم
كإسحاق ابن أبي فروة . والترمذي يخرج حديث الثقة الضابط ومن يهم قليلا ومن
يهم كثيرا ومن يغلب عليه الوهم يخرج حديثه قليلا ويبين ذلك ولا يسكت عنه .
الترمذي أول من قسم الحديث :
الترمذي هوأول من قسم الحديث صحيح ، وحسن ، وضعيف ، وكان قبله
لايقسم إلا إلى صحيح وغيرصحيح .
* ( هامش ) * ( 1 ) ص 18 من كتاب اختصار علوم الحديث . *
ـ319ـ
النسائي
هو أبو عبدالرحمن أحمد بن شعيب النسائي ولد في نسا من نيسابور سنة
215 ه . قال الدارقطني خرج حاجا فامتحن بدمشق وأدرك الشهادة ، فقال احملوني
إلى مكة فحمل وتوفى بها ودفن بين الصفا والمروة وكانت وفاته سنة 303 ه .
قال الذهبي : سئل بدمشق عن فضائل معاوية ، فقال : ألا يرضى رأسا برأس
حتى يفضل ! قال : فما زالوا يدفعونه حتى أخرج من المسجد . ثم حمل إلى مكة
فتوفى بها - كذا في هذه الرواية إلى ( مكة ) وصوابه ( الرملة ) - وأنه قال : دخلت دمشق
والمنحرف عن على بها كثير ، فصنفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم الله .
وروايات النسائي تختلف اختلافا كثيرا ، والذي عد من " الاصول الخمسة " -
هو " المجتبى " المعروف بسنن النسائي الصغير ، رواية ابن السنى ، وأما رواية
ابن حيوة وابن الاحمر وابن قاسم فيقال لها النسائي الكبير . وقال ابن كثير إن في
سنن النسائي رجالا مجهولين إما اعتبارا وإما حالا ، وفيهم المجروح وفيه أحاديث
ضعيفة ومعللة ومنكرة ( 1 ) .
وهناك كتب أخرى لانطيل