الأربعون حديثاً
بسم الله الرحمن الرحيم
[21] المقـَدّمـــة الحمد لله رب العالمين والصّلاة على محمد وآله أجمعين
ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين. إلهي: -أنر مرآة القلب بنور الإخلاص،
وآجلُ عن صفحة القلب صدأ الشرك، وأهد هؤلاء المساكين في بيداء الحيرة
والضلالة إلى جادة السعادة والفــلاح الواسعة... ووفقنا للتخلق بالأخلاق
الكريمة وأجعل لنا نصيباً مما اختصصت بــه أولياءك من نفحاتك وألطافك
الخاصة... وأخرج من مملكة قلوبنا جنود الشيطان والجهل، وأحل محلها جنود
العلم والحكمة والرحمن... وأخرجنا من هذا العالم بحبك وحب من خصصتهم
بقربك... وعاملنا برحمتك حين الموت وبعده... وأقرن عاقبة أمرنا بالسعادة
بحق محمد وآله الطاهرين. وبعد... يقول هذا العبد الفقير الضعيف: كنت
أحدث نفسي منذ فترة، بأن أجمع أربعين حديثا من أحاديث أهل بيت العصمة
والطهارة، المدونة في الكتب المعتبرة للأصحاب والعلماء رضوان الله عليهم،
وأن أشرح كلّ حديثٍ شرحاً يتناسب وفهم العامة. ومن هذا المنطلق كتبتها
باللغة الفارسية كي ينتفع منها الذين ينطقون بالفارسية. ولعَلّي بذلك - إن
شاء الله - أصبح ممن يشمله الحديث [22] الشريف لخاتم الأنبياء صلّى الله
عليه وآله وسلم حيث يقول:"مَنْ حَفَظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثاً يَنْتَفِعُونَ بِها
بَعَثَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ فَقِيهاً عَالِماً"(صحيفة الرضا - ح 114 - وفي كتاب
عيون أخبار الرضا - ج2 - ح99. من حفظ من أمتي بدلاً على أمتي ) إلى أن
وفّقت للبدء بذلك. من الله تعالى أطلب التوفيق لإتمامه إنه ولي التوفيق. [23]
الحديـــث الأول "جهَـاد النفــس" [24] عن أبي عبدالله ( الإمام
جعفر الصادق عليه السلام ) أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بعث
سريّة، فلمَّا رجعوا، قال: مَرْحَباً بِقَومٍ قَضُوا الجهادَ الأصْغر وَبَقِي عَلَيهِمْ
الجِهادُ الأكْبر، فقِيل: يَا رَسُولَ الله وَمَا الجهَادُ الأكْبر؟ قال: جِهادُ النفس"(
فروع الكافي - ج 5 - كتاب الجهاد - باب وجوه الجهاد - ص 3 ).
[25] أخبرني ( لم يذكر الإمام رضوان الله تعالى عليه تاريخ بداية التأليف.
ولكن قدّس سرّه قد ذكر في نهاية كتابه هذا أنه فرغ منه يوم الجمعة 4 - محرم
- 1358 هـ الموافق 24 - 2 - 1939 م وعليه بمضي على تأليف الكتاب
نصف قرن تقريبا ) إجازة مكاتبةً ومشافهةً عدّة من المشايخ العظام، والثقاة
الكرام: منهم الشيخ العلامة المتكلم، الفقيه الأصولي الأديب المتبحر الشيخ
محمد رضا آل العلامة الوفي الشيخ محمد تقي الأصفهاني أدام الله توفيقه حين
تشرفه بقم المشرفة. والشيخ العالم الجليل المتعبد الثقة الثبت الحاج الشيح عباس
القمي دام توفيقه. وكلاهما عن المولى العالم الزاهد العابد الفقيه المحدث الميرزا
حسين النوري نوَّر الله مرقده الشريف عن العلامة اشيخ مرتضى الأنصاري
قدس الله سره. ومنهم السيد السند الفقيه المتكلم الثقة الثبت العلامة السيد
محسن الأمين العاملي أدام الله تأييداته، عن الفقيه العلامة صاحب المصنفات
العديدة السيد محمد بن هاشم الموسوي الرضوي الهندي المجاور في النجف
الأشرف حياً وميتاً قدس الله سره، عن العلامة الأنصاري. ومنهم العالم الثقة
الثبت السيد أبو القاسم الدهكردي الأصفهاني، عن السيد السند الأمجد الميرزا
محمد هاشم الأصفهاني قدس سره، عن العلامة الأنصاري. ولنا طرق أخرى
غير منتهية إلى الشيخ تركناها، عن المولي الأفضل أحمد النراقي، [26] عن
السيد مهدي الملقب"بحر العلوم"صاحب الكرامات - رضوان الله عليه- عن
أستاذ الكل الآقا محمد باقر البهبهاني، عن والده الأكمل محمد أكمل، عن المولى
محمد باقر المجلسي، عن والده المحقق المولى محمد تقي المجلسي، عن الشيخ المحقق
البهائي، عن والده الشيخ حسين، عن الشيخ زين الدين الشهير بالشهيد الثاني،
عن الشيخ علي بن عبدالعالي الميسي، عن الشيخ شمس الدين محمد ابن المؤذن
الجزيني، عن الشيخ ضياء الدين علي، عن والده الحائز للمرتبتين الشيخ شمس
الدين محمد بن مكي، عن الشيخ أبي طالب محمد فخر المحققين، عن والده آية
الله الحسن بن مطهر العلامة الحلي، عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن الحسن بن
سعيد الحلي المحقق على الإطلاق، عن السيد أبي علي فخار بن معد الموسوي،
عن الشيخ شاذان بن جبرائيل القمي، عن الشيخ محمد بن أبي القاسم الطبري،
عن الشيخ أبي علي الحسن، عن والده شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن
الطوسي، - رحمه الله - جامع"التهذيب والأستبصار"عن إمام الفقهاء
والمتكلمين، الشيخ أبي عبدالله محمد بن النعمان"الشيخ المفيد"عن شيخه رئيس
المحدثين الشيخ أبي جعفر بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي،
صاحب كتاب"من لا يحضره الفقيه" عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن
قولويه، عن الشيخ الأجل ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني،
صاحب"الكافي"، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن النوفلي عن السكوني،
عن أبي عبدالله ( الإمام جعفر الصادق عليه السّلام ) أن النبيَّ صلّى الله عليه
وآله وسلّم، بَعَثَ سَرَيَّةً، فَلَمَّا رَجَعُوا، قال: مرْحَباً بِقَوْم قضوا الجهادَ الأصْغَر
وَبَقِىَ عَلَيْهِمُ الجِهادُ الأكْبَر، فقيل: يَا رَسْولَ الله وَمَا الجِهَادُ الأَكْبَر؟
قال:"جِهَادُ النفسَ"( فروع الكافي، ج 5، كتاب الجهاد، باب وجوه الجهاد،
ص 3 ). الشرح: إن"السرية"قطعة من الجيش. ويقال خير السرايا أربعمائة
رجل. وأما باقي مفردات الحديث فواضحة. [27] اعلم أن الإنسان كائن
عجيب، له نشأتان وعالمان: نشأة ظاهرية ملكية دنيوية هي بدنه، ونشأة
باطنية غيبية ملكوتية تكون من عالم آخر، إن لروح الإنسان التي هي من عالم
الغيب والملك وت مقامات ودرجات قسَّموها بصورة عامة إلى سبعة أقسام
حيناً، وإلى أربعة أقسام حيناً ثانياً، وإلى ثلاثة أقسام حيناً ثالثاً، وإلى قسمين
حيناً رابعاً. ولكل من المقامات والدرجات جنود رحمانية وعقلانية تجذب النفس
نحو الملكوت الأعلى وتدعوها السعادة. وجنود شيطانية وجهلانية تجذب النفس
نحو الملكوت السفلي وتدعوها للشقاء. وهناك دائماً جدال ونزاع بين هذين
المعسكرين، والإنسان هو ساحة حربهما، فإذا تغلبت جنود الرحمن كان
الإنسان من أهل السعادة والرحمة و انخرط في سلك الملائكة وحُشِرَ في زمرة
الأنبياء والأولياء والصالحين. وأما إذا تغلب جند الشيطان ومعسكر الجهل،
كان الإنسان من أهل الشقاء والغضب ( مغضوب لله سبحانه )، وحُشِرَ في
زمرة الشياطين والكفار والمحرومين. وحيث أن هذه الأوراق ليست محلاً
للتفصيل والشرح، أشير هنا بصورة إجمالية إلى مقامات النفس وأوجه سعادتها
وتعاستها، وأوضّح كيفية مجاهدتها إن شاء الله. المقام الأول وفيه عدة فصول
فصل إشارة إلى المقام الأول للنفس اعلم أن مقام النفس الأول ومنزلها
الأدنى والأسفل، هو منزل الملك والظاهر وعالمهما. وفي هذا المقام تتألق
الأشعة والأنوار الغيبية في هذا الجسد المادي والهيكل الظاهري، وتمنحه الحياة
العرضية، وتجهز فيه الجيوش، فتكون ساحة معركة النفس وجهادها نفس هذا
الجسد، وجنودها هي قواها الظاهرية التي وجدت في الأقاليم الملكية السبعة
وهي:"الأذن والعين واللسان والبطن والفرج واليد والرجل". وتكون جميع
هذه القوى المتوزعة في تلك الأقاليم السبعة، تحت [28] تصرف النفس في
مقام الوهم، فالوهم سلطان جميع القوى الظاهرية والباطنية للنفس، فإذا تحكم
الوهم على تلك القوى سواء بذاته - مسقلاً - وبتدخل الشيطان، جعلها -
أي تلك القوى - جنوداً للشيطان، بذلك يجعل هذه المملكة تحت سلطان
الشيطان، وتنه زم عندها جنود الرحمن والعقل، وتتوارى وتخرج من نشأة
الملك وعالم الإنسان وتهاجر عنه، وتصبح هذه المملكة خاصة بالشيطان. وأما
إذا خضع الوهم لحكم العقل والشرع، وكانت حركاته وسكناته مقيدة بنظام
العقل والشرع، فقد أصبحت هذه المملكة مملكة روحانية وعقلانية، ولم يجد
الشيطان وجنوده محط قد لهم فيها. إذاً، يكون جهاد النفس في هذا المقام، عبارة
عن انتصار الإنسان على قواه الظاهرية، وجعلها مؤتمرة بأمر الخالق، وعن
تطهير المملكة من دنس وجود قوى الشيطان وجنوده. فصل في التفكر اعلم
أن أول شرط مجاهدة النفس والسير بإتجاه الحق تعالى، هو"التفكر"، وقد وضعه
بعض علماء الأخلاق في بدايات الدرجة الخامسة، وهذا -التصنيف - صحيح
في محله أيضا. التفكر في هذا المقام هو أن يفكر الإنسان بعض الوقت في أن
مولاه الذي خلقه في هذه الدنيا، ووفّر له كل أسباب الدعة والراحة، ووهبه
جسماً سليماً وقويسالمة ذات منافع تحيِّر ألباب الجميع، والذي رعاه وهيَّأ له
كل هذه السعة وأسباب النعمة والرحمة من جهة وأرسل جميع هؤلاء الأنبياء،
وأنزل كلّ هذه الكتب"الرسالات"، وأرشد ودعا إلى الهدى من جهة أخرى
... هذا المولى ماذا يستحق منا؟ وما هو واجبنا تجاه مالك الملوك هذا؟!. هل أن
وجود جميع هذه النعم، هو فقط لأجل هذه الحياة الحيوانية وإشباع الشهوات
التي نشترك فيها مع الحيوانات أو أن هناك هدفاً وغاية أخرى؟. هل أن للأنبياء
الكرام، والأولياء العظام، والحكماء الكبار، وعلماء كل أمة الذين يدعون
الناس إلى حكم العقل والشرع ويحذرونهم من الشهوات الحيوانية [29] ومن
هذه الدنيا البالية، عداءً ضد الناس أم أنهم كانوا مثلنا لا يعلمون طريق
صلاحنا نحن المساكين المنغمسين في الشهوات؟!. إن الإنسان إذا فكَّر لحظة
واحدة، عرف أن الهدف من هذه النعم هو شيء آخر، وأن الغاية من هذا
الخلق أسمى و أعظم، وأن هذه الحياة الحيوانية ليست هي الغاية بحدَّ ذاتها، وأن
على الإنسان العاقل أن يفكر بنفسه، وأن يترحم على حاله ونفسه المسكينة،
ويخاطبها قائلاً: أيتها النفس الشقية التي قضيت سني عمرك الطويلة في
الشهوات، ولم يكن نصيبك سوى الحسرة والندامة، ابحثي عن الرحمة،
وأستحي من مالك الملوك، وسيرى قليلاً في طريق الهدف الأساسي المؤدي إلى
حياة الخلد والسعادة السرمدية، ولا تبيعي تلك السعادة بشهوات أيام قليلة
فانية، التي لا تتحصل حتى مع الصعوبات المضنية الشاقة. فكّري قليلا في
أحوال أهل الدنيا، من السابقين واللاحقين وتأملي متاعبهم وآلامهم كم هي
أكبر وأكثر بالنسبة إلى هنائهم، في نفس الوقت الذي لا يوجد فيه هناء وراحة
لأي شخص. أن الذي يكون في صورة الإنسان ولكنه من جنود الشيطان
وأعوانه، والذي يدعوك إلي الشهوات، ويقول: يجب ضمان الحياة المادية، تأمل
قليلاً في حال نفس ذك الإنسان واستنطقه، و أنظر هل هو راضٍ عن ظروفه،
أم أنه مبتلٍ ويريد أن يبلي مسكيناً آخر؟!. وعلى أي حال، فادع ربك بعجز
وتضرع أن يعينك على أداء واجباتك التي ينبغي أن تكون أساس العلاقة فيما
بينك وبينه تعالى، والمأمول أن يهديك هذا التفكير المنبعث عن نية مجاهدة
الشيطان والنفس الأمارة إلى طريق آخر ويوفقك للرقي إلى منزلة أخرى من
منازل المجاهدة. فصل في العزم وهناك مقام آخر يواجه الإنسان المجاهد بعد
التفكر، وهو مقام العزم ( وهذا هو غير الإرادة التي عدّها الشيخ الرئيس في
الإشارات أولى درجات العارفين ). [30] يقول أحد مشايخنا أطال الله
عمره:"إنَّ‎‎ العزم هو جوهر الإنسانية، ومعيار ميزة الإنسان، وأن اختلاف
درجات الإنسان باختلاف درجات عزمه". والعزم الذي يتناسب وهذا المقام،
هو أن يوطن الإنسان نفسه على ترك المعاصي وأداء الواجبات، ويتخذ قراراً
بذلك، ويتدارك ما فات ه في أيام حياته، وبالتالي يسعى على أن يجعل من
ظاهره إنساناً عاقلاً وشرعياً، بحيث يحكم الشرع والعقل حسب الظاهر بأن
هذا الشخص إنسان. والإنسان الشرعي هو الذي ينظم سلوكه وفق ما يتطلبه
الشرع، يكون ظاهره كظاهر الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم،
يقتدي بالنبي العظيم صلّى الله عليه وآله وسلم ويتأسى به في جميع حركاته
وسكناته، وفي جميع ما يفعل وما يترك. وهذا أمر ممكن، لأن جعل الظاهر مثل
هذا القائد أمر مقدور لأيّ فرد من عباد الله. وأعلم ... أن طي أي طريق في
المعارف الإلهية، لا يمكن إلاّ بالبدء بظاهر الشريعة، وما لم يتأدب الإنسان
بآداب الشريعة الحقة، لا يحصل له شيء من حقيقة الأخلاق الحسنة، كما لا
يمكن أن يتجلى في قلبه نور المعرفة وتتكشف له العلوم الباطنية وأسرار
الشريعة. وبعد انكشاف الحقيقة، وظهور أنوار المعارف في قلبه لا بد من
الاستمرار في التأدب بالآداب اشرعية الظاهرية أيضاً. ومن هنا نعرف بطلان
دعوى من يقول: ( إنّ الوصول إلى العلم الباطن يكون بترك العلم الظاهر )، أو
( لا حاجة إلى الآداب الظاهرية بعد الوصول إلى العلم الباطن). وأن هذه
الدعوى ترجع إلى جهل من يقول بها، وجهله بمقامات العبادة ودرجات
الإنسانية. ولعلّي أتوفق لبيان بعض هذا الأمر في هذه الأوراق إن شاء الله
تعالى. فصل ( في السعي للحصول على العزم ) أيها العزيز ... أجتهد لتصبح
ذا عزم وإرادة، فإنك إذا رحلت من هذه الدنيا دون أن يتحقق فيك العزم (
على ترك المحرمات ) فأنت إنسان صوري، بلا لب، ولن تحشر في ذلك العالم (
عالم الآخرة ) على هيئة إنسان، لأن ذلك العالم هو محل كشف الباطن
وظهور السريرة، وأن التجرؤ على المعاصي يفقد الإنسان [31] تدريجياً، العزم
ويختطف منه هذا الجوهر الشريف. يقول الأستاذ المعظم دام ظله:"إنَّ أكثر
ما يسبب على فقد الإنسان العزم والإ رادة هو الاستماع للغناء". إذاً، تجنب
يا أخي المعاصي، وأعزم على الهجرة إلى الحق تعالى، وأجعل ظاهرك ظاهراً
إنسانياً، وأدخل في سلك أرباب الشرائع، وأطلب من الله تعالى في الخلوات
العون على بلوغ هذا الهدف وأستشفع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وأهل بيته عليهم السلام حتى يوفقك الله على ذلك، ويعصمك من المزالق التي
تعترضك، لأن هناك مزالق كثيرة تعترض الإنسان أيام حياته، ومن الممكن أنه
في لحظة واحدة يسقط في مزلق مهلك، يعجز من السعي لإنقاذ نفسه، بل قد
لا يهتم بإنقاذ نفسه، بل ربما لا تشمله حتى شفاعة الشافعين. نعوذ بالله منها.
فصل في المشارطة والمراقبة والمحاسبة ومن الأمور الضرورية
للمجاهد:"المشارطة والمراقبة والمحاسبة". فالمشارط هو الذي يشارط نفسه في
أول يومه على أن لا يرتكب اليوم أي عمل يخالف أوامر الله، ويتخذ قرارا
بذلك ويعزم عليه. وواضح أن ترك ما يالف أوامر الله، ليوم واحد، أمر يسير
للغاية، ويمكن للإنسان بكل سهولة أن يلتزم به. فاعزم وشارط وجرب، وأنظر
كيف أن الأمر سهل يسير. ومن الممكن أن يصور لك إبليس اللعين وجنده أن
الأمر صعب وعسير. فادرك أن هذه هي من تلبيسات هذا اللعين، فالعنة قلباً
وواقعاً، وأخرج الأوهام الباطلة من قلبك، وجرب ليوم واحد، فعند ذلك
ستصدق هذا الأمر. وبعد هذه المشارطة عليك أن تنتقل إلى"المراقبة"،
وكيفيتها هي أن تنتبه طوال مدة المشارطة إلى عملك وفقها، فتعتبر نفسك
ملزماً بالعمل وفق ما شارطت. وإذا حصل - لا سمح الله - حديث لنفسك
بأن ترتكب عملاً مخالفاً لأمر الله، فاعلم أن ذلك من عمل الشيطان وجنده،
فهم يريدونك أن تتراجع عمًّا اشترطته على نفسك، فالعنهم واستعذ بالله من
شرهم، واخرج تلك الوساوس الباطلة من قلبك، وقل للشيطان:"إني
اشترطت على نفسي أن لا أقوم في هذا اليوم - وهو يوم واحد - بأ ي عمل
يخالف أمر الله تعالى، وهو ولي نعمتي طول [32] عمري، فقد أنعم وتلطّف
عليًّ بالصحة والسلامة والأمن وألطاف أخرى، ولو أني بقيت في خدمته إلى
الأبد لما أديت حق واحدة منها، وعليه فليس من اللائق أن لا أفي بشرط بسيط
كهذا"، وآمل - إن شاء الله - أن ينصرف الشيطان، ويبتعد عنك، وينتصر
جنود الرحمن. والمراقبة لا تتعارض مع أي من أعمالك كالكسب والسفر
والدراسة، فكن على هذه الحال إلى الليل ريثما يحين وقت المحاسبة.
وأما"المحاسبة"فهي أن تحاسب نفسك لترى هل أدّيت ما اشترطت على
نفسك مع الله، ولم تخن ولي نعمتك في هذه المعاملة الجزئية؟ إذا كنت قد
وفيت حقاً فاشكر الله على هذا التوفيق، وإن شاء الله ييسر لك سبحانه التقدم
في أمور دنياك وآخرتك، وسيكون عمل الغد أيسر عليك من سابقه، فواظب
على هذا العمل فترة، والمأمول أن يتحول إلى ملكة فيك بحيث يصبح هذا
العمل بالنسبة إليك سهلا ويسيراً للغاية، وستحسُّ عندها باللذة والأنس في
طاعة الله تعالى وترك معاصيه، وفي هذا العالم بالذات، في حين أن هذا العالم
ليس هو عالم الجزاء لكن الجزاء الإلهي يؤثر ويجعلك مستمتعاً وملتذاً - بطاعتك
لله وابتعادك عن المعصية -. وأعلم أن الله لم يكلفك ما يشق عليك به، ولم
يفرض عليك ما لا طاقة لك به ولا قدرة لك عليه، لكن الشيطان وجنده
يصورون لك الأمر وكأنه شاق وصعب. وإذا حدث - لا سمح الله - في أثناء
المحاسبة تهاوناً وفتوراً تجاه ما اشترطت على نفسك، فاستغفر الله وأطلب
العفو منه، وأعزم على الوفاء بكل شجاعة بالمشارطة غداً، وكن على هذا
الحال كي يفتح الله تعالى أمامك أبواب التوفيق والسعادة، ويوصلك إلى
الصراط المستقيم للإنسانية. فصل في التذكر ومن الأمور التي تُعين الإنسان -
وبصورة كاملة - في مجاهدته للنفس والشيطان، والتي ينبغي للإنسان السالك
المجاهد الانتبـ اه إليـها جيداً هو"التذكر". [33] وبذكره نختم الحديث عن
هذا المقام، على الرغم من أنه لا زال هناك الكثير من المواضيع. والذكرى في
هذا المقام، هي عبارة عن ذكر الله تعالى ونعمائه التي تلطف بها على الإنسان.
وأعلم أن احترام المنعم وتعظيمه، هو من الأمور الفطرية التي جبل الإنسان
عليها والتي تحكم الفطرة بضرورتها، وإذا تأمل أي شخص في كتاب ذاته،
لوجده مسطوراً فيه أنه يجب تعظيم من أنعم نعمةً على الإنسان. وواضح أنه
كلما كانت النعمة أكبر وكان المنعم أقل غرضاً، كان تعظيمه أوجب وأكثر،
حسب ما تحكم به الفطرة. فهناك مثلاً فرق واضح في الاحترام والتقدير بين
شخص يعطيك"حصاناً"تلاحقه عيناه ويرمى من ورائه شيئاً، وبين الذي
يهبك مزرعة كاملة ولا يمنَّ عليك. أو مثلاً، إذا أنقذك طبيب من العمى،
فستقدره وتحترمه بصورة فطرية، وإذا أنقذك من الموت كان تقديرك
واحترامك له أكثر. لاحظ الن أن النعم الظاهرة والباطنة التي تفضل بها علينا
مالك الملوك جلَّ شأنه لو أجتمع الجن والإنس لكي يعطونا واحدة منها لما
استطاعوا. وهذه حقيقة نحن غافلون عنها، فمثلاً هذا الهواء الذي ننتفع به ليلاً
ونهاراً، وحياتنا وحياة جميع الموجودات مرهونة به، بحيث لو فُقد مدة ربع
ساعة لما بقى هناك حيوان على قيد الحياة، هذا الهواء كم هو نعمة عظيمة،
يعجز الجن والإنس جميعا عن منحنا مثيلا لها لو أرادوا أن يمنحونا ذلك؟ وعلى
هذا فقس وتذكر قليلا كافة النعم الإلهية مثل سلامة البدن والقوى الظاهرية
من قبيل البصر والسمع والتذوق واللمس، والقوى الباطنية مثل التخيّل
والواهمة والعقل وغير ذلك حيث يكون لكل واحدة من هذه النعم منافع
خاصة لا حد لها. وجميع هذه النعم وهبنا إياها مالك الملوك دون أن نطلب منه
أو يمنَّ علينا ولم يكتف بهذه النعم بل أرسل الأنبياء والرسل والكتب وأوضح
لنا طريق ا لسعادة والشفاء والجنة والنار، ووهبنا كلّ ما نحتاجه في الدنيا
والآخرة، دون أن يكون فقيرا ومحتاجا إلى طاعتنا وعبادتنا. فهو سبحانه لا
تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية وطاعتنا وعبادتنا، وطاعتنا ومعصيتنا بالنسبة له
على حد سواء، بل من أجل خيرنا ومنفعتنا نحن يأمر وينهي. وبعد تذكر هذه
النعم والكثير الكثير من النعم [34] الأخرى التي يعجز حقا جميع الشر عن
إحصاء الكليات منها، فكيف بعدّها واحداً واحداً؟ بعد ذلك يُطرح السؤال
التالي: ألا تحكم فطرتك بوجوب تعظيم منعم كهذا وما هو حكم العقل
تجـاه خيانة ولي نعمة كهذا ؟!. ومن الأمور الأخرى التي تقرّها الفطرة،
احترام الشخص الكبير العظيم، ويرجع كل هذا الاحترام والتقدير الذي يبديه
الناس تجاه أهل الدنيا والجاه والثروة والسلاطين والأعيان، يرجع إلى أنهم
يرون أولئك كبارا وعظماء، وأيّ عظمة تصل إلى مستوى عظمة مالك الملوك
الذي خلقهذه الدنيا الحقيرة الوضيعة والتي تعتبر من أصغر العوالم وأضيق
النشئات، رغم كل ذلك لم يتوصل عقل أي موجود إلى إدراك كنهها وسرّها
حتى الآن، بل ولم يطلع كبار المكتشفين في العالم بعد، على أسرار منظومتنا
الشمسية هذه، وهي أصغر المنظومات ولا تعد شيئا، قياسا بباقي الشموس.
أفلا يجب احترام وتعظيم هذا العظيم الذي خلق هذه العوالم وآلاف الآلاف
من العوالم الغيبية بإيمائه؟!. ويجب أيضا بالفطرة، احترام من يكون حاضرا،
ولهذا ترى بأن الإنسان إذا تحدث لا سمح الله عن شخص بسوء في غيبته، ثم
حضر في أثناء الحديث ذلك الشخص، أختار المتحدث حسب فطرته الصمت،
وأبدى له الاحترام. ومن المعلوم أن الله تبارك وتعالى حاضر في كل مكان
وتحت إشرافه تعالى تدار جميع ممالك الوجود، بل إن كلّ نفس تكون في
حضرة الربوبية، وكل علم يوجد ضمن محضره سبحانه وتعالى. فتذكري يا
نفسي الخبيثة أي ظلم فظيع، وأي ذنب عظيم تقترفين إذا عصيت مثل هذا
العظيم في حضرته المقدسة وبواسطة القوى التي هي نعمه الممنوحة لك؟ ألا
ينبغي أن تذوبي من الخجل وتغوري في الأرض لو كان لديك ذرة من الحياة؟.
إذاً: فيا أيها العزيز؛ كن ذاكرا لعظمة ربك، وتذكر نعمه وألطافه، وتذكر أنك
في حضرته - وهو شاهد عليك - فدع التمرد عليه، وفي هذه المعركة الكبرى
تغلب على جنود الشيطان، وأجعل من مملكتك مملكه رحمانية وحقانية، وأحلل
فيها عسكر الحق تعالى محل جنود الشيطان، كي يوفقك الله تبارك وتعالى في
مقام مجاهدة أخرى، وفي ميدان معركة أكبر تنتظرنا وهي الجهاد مع النفس في
العالم [35] الباطن، وفي المقام الثاني للنفس، وهذا ما سنشير إليه لاحقا إن
شاء الله. وأكرر التذكير بأنه في جميع الأحوال لا تعلق على نفسك الآمال لأنه
لا ينهض أحد يعمل غير الله تعالى. فاطلب من الحق تعالى نفسه بتضرع
وخشوع، كي يعينك في هذه المجاهة لعلك تنتصر. إنه ولي التوفيق. المقام
الثاني وفيه عدة فصول أيضا فصل صراع جنود الرحمن مع جنود الشيطان
الباطنية النفسية اعلم أن للنفس الإنسانية مملكة ومقاما آخر، وهي
مملكتها الباطنية ونشأتها الملكوتية، وفيها تكون جنود النفس أكثر وأهم مما في
مملكة الظاهر، والصراع والنزاع فيها بين الجنود الرحمانية والشيطانية أعظم
والغلبة والانتصار فيها أشد وأهم، بل وأن كل ما في مملكة الظاهر قد تنزَّل من
هناك وتظهر في عالم المُلك. وإذا تغلب أي من الجند الرحماني أو الشيطاني في
تلك المملكة، يتغلب أيضا في هذه المملكة. وجهاد النفس في هذا المقام مهم
للغاية عند المشايخ العظام من أهل السلوك والأخلاق، بل ويمكن اعتبار هذا
المقام منبع جميع السعادات والتعاسات، والدرجات والدركات. ويجب على
الإنسان الالتفات كثيرا إلى نفسه في هذا الجهاد. فمن الممكن لا سمح الله أن
تسفر هزيمة الج نود الرحمانية في تلك المملكة وتركها خالية للغاصبين والمحتلين
من جنود الشيطان، عن الهلاك الدائم للإنسان بالصورة التي يستحيل معها
تلافي الخسارة ولا تشمله شفاعة الشافعين، وينظر إليه أرحم الراحمين أيضا
بعين الغضب والسخط - نعوذ بالله من ذلك - بل ويصبح شفعاؤه خصماءه،
وويل لمن كان شفيعه خصمه. ويعلم الله أي عذاب وظلمات وشدائد
وتعاسات تلي هذا الغضب الإلهي. وتعقب معاداة أولياء الله حيث تكون كل
نيران جهنم وكل الزقوم والأفاعي والعقارب لا شيء أمام هزيمة جنود الرحمان
من قِبَلِ جنود الشيطان التي تترتب عليها [36] عقوبات تفوق جميع نيران
جهنم والزقوم والأفاعي. والعياذ بالله من أن يصب على رؤوسنا نحن الضعفاء
والمساكين ذلك العذاب الذي يخبر عنه الحكماء والعرفاء وأهل الرياضة
والسلوك، فإنّ جميع أشكال العذاب التي تتصورونها، يسيرة وسهلة في مقابلة،
وجميع النيران التي سمعتمبها، جنة ورحمة في قباله وبالنسبة إلى ذلك العذاب. إن
وصف النار والجنة الوارد في كتاب الله وأحاديث الأنبياء والأولياء، يتعلق غالبا
بنار الأعمال وجنتها اللتين أعدتا للأعمال الصالحة والسيئة. وهناك إشارة
خفية أيضا إلى جنة الأخلاق ونارها، وأهميتهما أكبر، وأحيانا يشار أيضا إلى
جنة اللقاء ونار الفراق، وهذه أهم من الجميع، ولكنها إشارات محجوبة عنا،
ولها أهلها، وأنا وأنت لسنا من أهلها، ولكن من الأجدر بنا أن لا نكون
منكرين لها. وليكن لدينا إيمان بكل ما قاله الله تعالى وأولياؤه. إذ يكون في هذا
الإيمان الإجمالي نفع لنا. ومن الممكن أن يكون الإنكار في غير محله، ولما رفض
في غير موقعه الصادرين عن غير علم وفهم، أضرارٌ كبيرة جدا علينا. وهذه
الدنيا ليست هي بعالم الالتفات لتلك الأضرار. فمثلا عند سماعك الحكيم
الفلاني أو العارف الفلاني أو المرتاض الفلاني، يقول شيئا لا يتل اءم وذوقك
الخاص، فلا تحكم عليه فورا بالبطلان والوهم، فقد يكون لذلك القول أصل في
الكتاب والسنّة ولكن عقلك لم يطلع عليه بعد. فما الفرق بين أن يفتي فقيه
بفتوى في باب الديات وأنتم لم تعرفوها، ثم من دون مراجعه دليله تردونه،
وبين أن يقول شخص سالك إلى الله أو عارف بالله، قولا بتعلق بالمعارف
الإلهية أو بأحوال الجنة والنار، وأنتم ودون مراجعة لدليله لا تردونه فحسب،
بل وتهينونه أو تتجرءون عليه؟ فمن الممكن لذلك الشخص وهو من أهل ذلك
الوادي وصاحب ذلك الفن أن يكون له دليل من كتاب الله، أو من أحاديث
الأئمة ولكنك لم تطلع عليه بعد، ففي هذه الحالة تكون قد رددت على الله
ورسوله دون مبرر مقبول. ومعلوم أن الاحتجاج بأسلوب"أن ذلك لا يتلاءم
مع ذوقي"أو"لم يصل إليه علمي"أو"سمعت خلاف ذلك من الخطباء"، فإن
هذا كله لا يشكل عذرا مقبولا. وعلى أي حال لنرجع إلي صلب الموضوع.
[37] فم قالوه بشأن جنة الأخلاق والملكات، وجهنم الأخلاق والدركات،
مصيبة لا يطبق العقل حتى سماعها. إذاً فيا أيها العزيز؛ فكِّر، وأبحث عن
العلاج، وأعثر على سبيل نجاتك ووسيلة خلاصك، وأستعن بالله أرحم
الراحمين، واطلب من الذات المقدس، في الليالي المظلمة، بتضرع وخضوع أن
يعينك في هذا الجهاد المقدس مع النفس، لكي تتغلب إن شاء الله، وتجعل مملكة
وجودك رحمانية، و تطرد منها جنود الشيطان، وتسلّم الدار إلى صاحبها حتى
يفيض الله عليك السعادة والبهجة والرحمة التي يهون جانبها كلّ ما سمعت عن
وصف الجنة والحور والقصور وتلك هي السلطة الإلِّهية العامة التي أخبر عنها
أولياء الله من هذه الأمة الحنيفة، مما لم يطرق سمع أحد ولم يخطر على قلب
بشر. فصل إشارة إلى بعض القوى الباطنية اعلم أن الله تبارك وتعالى قد خلق
بيد قدرته وحكمته في عالم الغيب وباطن النفس، قوىً لها منافع لا تحصى. وأن
ما نبحثه هنا هو ما يتعلق بهذه القوى الثلاث، وهي:"الوهمية والغضبية
والشهوانية"، ولكل واحدة من هذه القوى منافع كثيرة من أجل حفظ النوع
والشخص وإعمار الدنيا والآخرة كما ذكر ذلك العلماء. ولا حاجة لنا في
بيان ذلك في هذه اللحظة، وما يجب أن أنبه عليه في هذا المقام هو أن هذه
القوى الثلاث هي منبع جميع الملكات الحسنة والسيئة، وأصل جميع الصور
الغيبة الملكوتية. وتفصيل هذا الإجمال هو أن الإنسان كما أن له في هذه الدنيا
صورة مُلكيه دنيوية، خلقها الله تبارك وتعالى على كمال الحسن والجمال
والتركيب البديع، والتي تتحيّر أمامها عقول جميع الفلاسفة والعظماء، لم
يستطع علم معرفة الأعضاء والتشريح حتى الآن أن يتعرف على حقيقتها
بصورة صحيحة، وقد ميّزها الله تعالى عن جميع المخلوقات بحسن التقويم
وجودة جمال المنظر، كذلك فإن له - أي للإنسان - صورة وهيئة وشكلاً
ملكوتيا غيبياً، وهذه اصورة تابعة لملكات النفس والخلقة الباطنية. [38] وفي
عالم ما بعد الموت - سواء في البرزخ أو القيامة - إذا كانت خلقه الإنسان في
الباطن والمَلَكة والسريرة إنسانية، تكون الصورة الملكوتية له صورة إنسانية
أيضاً. وأما إذا لم تكن ملكاته ملكات إنسانية، فصورته - في عالم ما بعد
الموت - تكون غير إنسانية أيضا، وهي تابعة لتلك السريرة والملكة. فمثلا إذا
غلبت على باطنه ملكة الشهوة والبهيمية، وأصبح حكم مملكة الباطن حكم
البهيمة، كانت صورة الإنسان الملكوتية على صورة إحدى البهائم التي تتلاءم
وذلك الخُلُق. وإذا غلبت على باطنه وسريرته ملكة الغضب والسبعية، وكان
حكم مملكة الباطن والسريرة حكماً سبعياً، كانت صورته الغيبة الملكوتية
صورة أحد السباع والبهائم. وإذا أصبح الوهم والشيطنة هما المَـلَكة،
وأصبحت للباطن والسريرة ملكات شيطانية كالخداع والتزوير والنميمة
والغيبة، تكون صور ته الغيبة الملكوتية على صورة أحد الشياطين حسب ما
يتناسب وتلك الصورة. ومن الممكن أحياناً أن تتركب الصورة الملكوتية من
ملكتين أو عدة ملكات، وفي هذه الحالة لا تكون على صورة أي من
الحيوانات، بل تتشكل له صورة غريبة، هذه الصورة بهيئتها المرعبة المدهشة
والسيئة المخيفة، لن يكون لها مثيل في هذا العالم. ينقل عن رسول الله صلّى الله
عليه وسلم أن بعض الناس يحشرون يوم القيامة على صورة تكون أسوأ من
صورة القردة، بل وقد تكون لشخص واحد عدة صور في ذلك العالم، لأن
العالم لا يضاهي هذا العالم الذي لا يمكن لأي شيء، أن يتقبّل أكثر من صورة
واحدة له. وهذا الأمر يتطابق مع البرهان ويكون ثابتا في محله أيضاً. واعلم أن
المعيار لهذه الصورة المختلفة - والتي تعد صورة الإنسان واحدة منها، والباقي
صور أشياء أخرى - هو وقت خروج الروح من هذا الجسد، وظهور مملكة
البرزخ، واستيلاء سلطان الآرة، والذي أوله في البرزخ عند خروج الروح من
الجسد، فبأية ملكة يخرج بها الإنسان من الدنيا، تتشكل على ضوئها صورته
الأخروية، وتراه العين الملكوتية في البرزخ، وهو نفسه أيضا عندما يفتح عينه في
برزخه، ينظر إلى نفسه بالصورة التي هو عليها - في ذلك العالم - إذا كان
لديه [39] بصر. وليس من المحتم أن تكون صورة الإنسان في ذلك العالم على
نفس تلك الصورة التي كان عليها في هذه الدنيا. يقول سبحانه وتعالى على
لسان البعض: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا}(طه125).،
فيأتيه من الله الجواب: {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ
تُنسَى}(طه126).. فيا أيها المسكين؛ قد كانت لديك عين مُلكية ظاهرة
البصر، ولكنك في باطنك ومَلكوتك كنت أعمى، وقد أدركت ذلك - العمى
- فعلا. نعم إنك كنت أعمى منذ البداية، ولم تكن لديك عين البصير ة
الباطنية التي ترى بها آيات الله. أيها المسكين؛ أنت ذو قامة متناسقة وصورة
جميلة في التركيب المُلكي. ولكن معيار عالم الملكوت والباطن يختلف عن
المعايير المادية. عليك أن تحرز الاستقامة الباطنية كي تكون مستقيم القامة في
يوم القيامة. يجب أن تكون روحك روحا إنسانية، كي تكون صورتك في عالم
البرزخ صورة إنسانية ... أنت تظن أن عالم الغيب والباطن - وهو عالم
كشف السرائر وظهور الملكات - مثل عالم الظاهر والدنيا، حيث يمكن أن
يقع الخطأ والالتباس ... إن عينيك وأذنيك ويديك ورجليك وسائر أعضاء
جسدك، جميعها، ستشهد عليك بما فعلت بألسنة ملكوتية، بل وبعضها بصور
ملكوتية. أيها العزيز؛ أفتح سمع قلبك، وشدّ حزام الهمّة على وسطك، وأرحم
حال مسكنتك، لعلك تستطيع أن تجعل من نفسك إنساناً، وأن تخرج من هذا
العالم في صورة إنسان، لتكون عندها من أهل الفلاح والسعادة وحذاري من
أن تتصور أن كل م تقوم هو موعظة وخطابة. فهذا كله هو نتيجة أدلّة فلسفية
توصّل إليها الحكماء العظام. وثمرة كشف، أنكشف لأصحاب الرياضات،
وحصيلة أخبار مأثورة إخبار عن الصادقين والمعصومين عليهم السلام. ولا
نتوخَّى في هذه الأوراق عرض البراهين والأحاديث بصورة مشروحة ومفصلة.
[40] فصل في بيان لجم الأنبياء لطبيعة الإنسان اعلم أن الوهم والغضب
والشهوة يمكن أن تكون من الجنود الرحمانية، وتؤدي إلى سعادة الإنسان
وتوفيقه إذا سلّمتها للعقل السليم وللأنبياء العظام. ومن الممكن أن تكون من
الجنود الشيطانية إذا تركتها وشأنها، وأطلقت العنان للوهم ليتحكم في القوتين
الأخريين: الغضب والشهوة. وأيضاً لك يعد خافياً أن أياً من الأنبياء العظام
عليهم السلام لم يكبتوا الشهوة والغضب والوهم بصورة مطلقة، ولم يقل حتى
الآن أي داع إلى الله. بأن الشهوة يمكن أن تُقتل بصورة عامة، وأن يُخمد أوار
الغضب بصورة كام لة، وأن يترك تدبير الوهم بل قالوا: يجب السيطرة عليها
حتى تؤدي واجبها في ظل ميزان العقل والدستور الإِلهي لأن كل واحدة من
هذه القوى تريد أن تنجز عملها وتنال غايتها ولو استلزم ذلك الفساد
والفوضى. فمثلا النفس البهيمية المنغمسة في الشهوة الجامحة التي مُزّقت عنانها
تريد أن تحقق هدفها ومقصودها، ولو كان ذلك يتم بواسطة الزنا بالمحصنات
وفي الكعبة (والعياذ بالله ). والنفس الغضوب، تريد أن تنجز ما تريد حتى ولو
استلزم ذلك قتل الأنبياء والأولياء. والنفس ذات الوهم الشيطاني تريد أن تؤدي
عملها حتى ولو استلزم ذلك الفساد في الأرض، وقلب العالم بعضه على بعض.
لقد جاء الأنبياء عليهم السلام، وأتوا بقوانين، وأُنزلت عليهم الكتب
السماوية، من أجل الحيلولة دون الانفلات والإفراط في الطبائع، ومن أجل
إخضاع النفس الإنسانية لقانون العقل والشرع وترويضها وتأديبها حتى لا
يخرج تعاملها ن حدود العقل والشرع. إذاً؛ فكل نفس كيَّفت ملكاتها وفق
القوانين الإلهية والمعايير العقلية، تكون سعيدة ومن أهل النجاة، وإلاَّ فليستعذ
الإنسان بالله من ذلك الشقاء وسوء التوفيق وتلك الظلمات والشدائد المقبلة
التي منها تلك الصور المرعبة والمذهلة المصاحبة للإنسان في البرزخ والقبر
والقيامة وجهنم، والتي نتجت عن الملكات والأخلاق الفاسدة التي لازمته في
الدنيا. [41] فصل في بيان السيطرة على الخيال اعلم أن الشرط الأول
للمجاهد في هذا المقام ( جهاد النفس ) والمقامات الأخرى والذي يمكن أن
يكون أساس التغلّب على الشيطان وجنوده، هو إمساك طائر الخيال، لأن هذا
الخيال طائر متحلّق يستقرّ في كل آن على غصن ويجلب الكثير من الشقاء.
وأنه من إحدى وسائل الشيطان التي جعل الإنسان بواسطتـها مسكيناً عاجزاً
ودفـع به نحو الشقاء. وعلى الإنسان المجاهد الذي نهض لإصلاح نفسه،
وأراد أن يص فّي باطنه ويفرغه من جنود إبليس، عليه أن يمسك بزمام خياله
وأن لا يسمح له بأن يطير حيثما شاء، وعليه أن يمنع من التحليق في الخيالات
الفاسدة والباطلة، والمعاصي والشيطنة، وأن يوجه خياله دائما نحو الأمور
الشريفة. وهذا الأمر ولو أنه قد يبدو في البداية صعبا بعض الشيء، ويصوره
الشيطان وجنوده لنا وكأنه أمر عظيم، ولكنه يصبح يسيراً بعد شيء من المراقبة
والحذر. إن من الممكن لك - من باب التجربة - أن تسيطر على جزء من
خيالك، وتنتبه له جيدا. فمتى ما أراد أن يتوجَّه إلى أمر وضيع، اصرفه نحو
أمور أخرى كالمباحات أو الأمور الراجحة الشريفة. فإذا رأيت أنك حصلت
على نتيجة فاشكر الله تعالى على هذا التوفيق، وتابع سعيك، لعل ربك يفتح
لك برحمته الطريق أمامك للملكوت وتهتدي إلى صراط الإنسانية المستقيم،
ويسهل مهمة السلوك إليه سبحانه وتعالى. وانتبه إلى أن الخيالات الفاسدة
القبيحة واتصورات الباطلة هي من إلقاءات الشيطان، الذي يريد أن يوطن
جنوده في مملكة باطنك. فعليك أيّها المجاهد ضد الشيطان وجنوده وأنت تريد
أن تجعل من صفحة نفسك مملكة إلهية رحمانية، عليك أن تحذر كيد هذا
اللعين، وأن تبعد عنك هذه الأوهام المخالفة لرضا الله تعالى، حتى تنتزع - إن
شاء الله - هذا المتراس المهم جدا من يد الشيطان وجنوده في هذه المعركة
الداخلية. فهذا المتراس بمنزلة الحد الفاصل، فإذا تغلبت وانتصرت فتأمل خيرا.
[42] أيها العزيز... استعن بالله تبارك وتعالى في كل آن ولحظة، وأستغث
بحضرة معبودك، واطلب منه بعجز وإلحاح. قائلا: اللهم... إن الشيطان عدو
عظيم، كان له ولا يزال طمع بأنبيائك وأوليائك العظام. اللهم... فأعني وأنا
عبدك الضعيف المبتلى بالأوهام الباطلة والخيالات والخرافات العاطلة، كي
أستطيع أن أجابه هذا العدو القوي. اللهم... وساعدني في ساحة المعركة مع
هذا العد و القوي الذي يهدد سعادتي وإنسانيتي، لكي أستطيع أن أطرد
جنوده من المملكة العائدة لك، وأقطع يد هذا الغاضب من البيت المختص بك.
فصل في الموازنة ومن الأمور التي تعين الإنسان في هذا السلوك، والتي يجب عليه
الانتباه لها هي"الموازنة". فالموازنة هي أن يقارن الإنسان العاقل بين منافع
ومضارّ كل واحدة من الأخلاق الفاسدة والملكات الرذيلة التي تنشأ عن
الشهوة والغضب والوهم عندما تكون طليقة وتحت تصرف الشيطان وبين
منافع ومضار كل واحدة من الأخلاق الحسنة والفضائل النفسية والملكات
الفاضلة والتي هي وليدة تلك القوى الثلاث عندما تكون تحت تصرف العقل
والشرع، ليرى على أي واحدة منها يصح الإقدام ويحسن العمل؟!. فمثلا، إن
النفس ذات الشهوة المطلقة العنان المتعمقة فيها وأصبحت ملكة ثابتة لها،
وتولدت منها ملكات كثيرة في أزمنة متطاولة، هذه النفس لا تتورع عن أي
فجور تصل يدها إليه، ولا عرض عن أي مال يأتيها، ومن أي طريق كان،
وترتكب كل ما يوافق رغبتها وهواها - مهما كان- ولو أستلزم ذلك أي أمر
فاسد وحرام. وآثار الغضب الذي أصبح ملكة للنفس، وتولدت منه ملكات
ورذائل أخرى، هي أنه يظلم بالقهر والغلبة كل ما تصل إليه يده، ويفعل ما
يقدر عليه ضد كل [43] شخص يبدي أدنى مقاومة، ويثير الحرب بأقل
معارضة له، ويبعد المضرات وما لا يلائمه، بأية وسيلة مهما كانت، ولو أدى
ذلك إلى وقوع الفساد في العالم. فهذا هي العوائد على صاحب الواهمة
الشيطانية الذي ترسخت فيه هذه الملكة، فهو ينفذ عمل الغضب والشهوة بأية
شيطنة وخدعة كانت، ويسيطر على عباد الله بأية خطة باطلة تتم، سواء
بتحطيم عائلة ما، بإبادة مدينة أو بلاد ما. هذه هي آثار تلك القوى عندما
تكون تحت تصرف الشيطان. ولكن عندما تفكرون بصورة صحيحة،
وتلاحظون أحوال هؤلاء الأشخاص، تجدون أن أيَّ - شخص مهما كان
قوياً، و مهما حقق من آماله - وآمانيه - فإنه - رغم ذلك - لا يحصل حتى
على واحد من الألف من آماله، بل إن تحقق الآمال ووصول أي شخص إلى
أمانيه، أمر مستحيل في هذا العالم، فإن هذا العالم هو"دار التزاحم"وأن مواده
تتمرد على الإدارة. كما أن ميولنا وأمنياتنا أيضا لا يحدّها حدّ. فمثلا إن القوة
الشهوية في الإنسان، هي في صورة لو كانت بيده نساء مدينة كاملة - بفرض
المحال- لتوجه إلى نساء مدينة أخرى أيضاً، وإذا أصبحت بلاد بأكملها من
نصيبه لتوجه إلى بلاد أخرى، وعلى الدوام تجده يطلب ما لا يملك، رغم أن
ذلك من فرض المحال وأنه مجرّد خيال، ومع هذا يبقى مرجل الشهوة مشتعلا،
وأن الإنسان لم يصل بعد إلى أمنيته. وهكذا بالنسبة إلى القوة الغضبية فإنها قد
خلقت في الإنسان في صورة يملك الرقاب بشكل مطلق في مملكة ما، لذهب
إلى مملكة أخرى لم يسيطر عليها بعد، بل إن كلّ ما يحصل عليه تتزايد فيه هذ
القوة. وعلى كل منكر - لهذه الحقيقة- أن يراجع حاله وحال أهل هذا العالم،
كالسلاطين، والمتمولين، وأصحاب القوة والجاه، وحينذاك سيصدق كلامنا
هذا. إذاً، فالإنسان هو - على الدوام عاشق - لما لا يملك ولما ليس في يده.
وهذه فطرة أثبتها المشايخ العظام وحكماء الإسلام الكبار خصوصا أستاذنا
وشيخنا في المعارف الإلهية سماحة الكامل"ميرزا محمد علي شاه آبادي"روحي
له الفداء، وأثبتوا بها الكثير من المعارف الإلهية وهي لا ترتبط بموضوعنا
المبحوث عنه. وعلى أي حال؛ فلو وصل الإنسان إلى أهدافه، فكم يدوم تمتعه
واستفادته [44] منها؟ وإلى متى تبقى قوى شبابه؟ عندما ينقضي ربيع العمر،
ويحل خريفه، تذهب القوة من الأعضاء، وتتعطل الحاسة الذائقة، وتتعطل العين
والأذن وحاسة اللمس وباقي الحواس، وتصبح اللذات - عموما - ناقصة أو
تفني نهائيا. وتهجم الأمراض المختلفة، فلا تستطيع أجهزة الهضم والجذب
والدفع والتنفس أن تؤدي عملها بشكل صحيح. ولا يبقى للإنسان، شيء
سوى أنات التأوه الباردة والقلب المملوء بالألم والحسرة والندم. إذاً؛ فمدّة
استفادة الإنسان من تلك القوى الجسمانية لا تتجاوز الثلاثين أو الأربعين عاما
بالنسبة إلى أقوياء البنية والأصحاء السالمين وهي فترة ما بعد فهم الإنسان
وتمييزه الحسن من القبيح إلى زمن تعطيل القوى أو نقصانها، وهذا يصح إذا لم
يصطدم بالأمراض والمشاكل الأخرى التي نراها يوميا ونحن عنها غافلون.
وأفترض لكم بصورة عاجلة، فرضية خيالية ( وهذا أيضا ليس له واقع )
أفترض لكم عمرا هو مائة وخمسون عاما، مع توافر جميع أسباب الشهوة
والغضب والشيطنه، وأفترض بأنه لا يعترضكم أي شيء غير مرغوب فيه، ولا
يحدث أي شيء يخالف هد فكم ومع هذه الفرضية، ماذا ستكون عاقبتكم بعد
انقضاء هذه المدة القصيرة والتي تمر مر الرياح؟ فماذا ادخرتم من تلك اللذات
لأجلحياتكم الدائميه؟! لأجل يوم عجزكم ويوم فقركم ووحدتكم؟! لأجل
برزخكم وقيامتكم، لأجل لقاءكم بملائكة الله وأوليائه وأنبيائه؟! هل ادخرتم
سوى الأعمال القبيحة المنكرة، والتي ستقدم لكم صورها في البرزخ والقيامة،
وهي الصور التي لا يعلم حقيقتها إلا الله تبارك وتعالى؟ إن جميع نيران جهنم،
وعذاب القبر والقيامة وغيرها مما سمعت، هي جهنم أعمالك التي تراها هناك
كما يقول تعالى: {... وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ...} (الكهف49)..
لقد أكلت ما اليتيم وتلذذت بذلك ولكن الله وحده يعلم ما هي صورة هذا
[45] العمل في ذلك العالم والتي ستراها في جهنم، وما هي نتيجة اللذة التي
ستكون نصيبك هناك؟ الله يعلم أي عذاب شديد ينتظرك بسبب تعاملك
السيء مع الناس وظلمك لهم في ذلك العالم؟ ستفهم أي عذاب قد أعددت
لنفسك بنفسك، عندما اغتبت؟ فإنّ الصورة الملكوتية لهذا العمل قد أعدت
لك وسترد عليك وتحشر معها، وستذوق عذابها، وهذه هي جهنم الأعمال
وهي يسيرة وسهلة وباردة وملائمة للعاصين، وأما الذين زرعوا في نفوسهم
الملكة الفاسدة والرذيلة السيئة الباطلة كالطمع والحرص والجدال والشره
وجب المال والجاه والدنيا وباقي الملكات، فلهم جهنم لا يمكن تصورها، لأن
تصور تلك لا يمكن أن تخطر قلبي وقلبك، بل تظهر النار من باطن النفس
ذاتها، وأهل جهنم أنفسهم يفرون رعبا من عذاب أولئك، وفي بعض الروايات
الموثقة أن هناك في جهنم واديا للمتكبرين يقال له "سقر"، وقد شكا الوادي
إلى الله تعالى من شدة الحرارة وطلب منه سبحانه أن يأذن له بالتنفس، وبعد
أن أذن له تنفس، فأحرق سقر، جهنم. ( عن أبي عبدالله عليه السلام أن في
جهنم لوادياً للمتكبرين يقال له سقر، شكا إلى الله عز وجل شدة حرّه فسأله
أن يأذن له أن يتنفس فتنفس فأحرق جهنم. أصول الكافي - المجلد الثاني -
باب الكبر - ح 10 ). وأحياناً صبح هذه الملكات سببا في أن يخلد الإنسان
في جهنم لأنها تسلبه الإيمان كالحسد الذي ورد في رواياتنا الصحيحة عن أبي
عبدالله عليه السلام: قال: "إنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الإيمَانَ كَمَا تَأْكُلَ النَّارُ الحَطَبَ"(
أصول الكافي - المجلد الثاني - كتاب الإيمان والكفر - باب الحسد - ح 2
) . وكحب الدنيا والجاه والمال الذي ورد في الروايات الصحيحة أنها أكثر
إهلاكا لدين المؤمن من ذئبين أطلقا على قطيع بلا راع، فوقف أحدهما في
أول القطيع والثاني في آخره... عن أبي عبدالله عليه السلام "مَا ذِئْبَانَ ضَارِيَانِ
فِي غَنَمٍ قَدْ فَارَقَهَا رْعَاؤُهَا أَحَدَهُمَا فِي أوِّلِهَا وَالآخَرُ فِي آخِرِهَا بأفْسَدَ فِيها
مِنْ حُبِّ المَالِ والشَّرَفِ فِي دِينِ المُسْلِمِ"( أصول الكافي - المجلد الثاني -
كتاب الإيمان والكفر - باب حب الدنيا والحرص عليها -ح2). نسأل الله
أن لا تؤول عاقب ة المعاصي إلى الملكات والأخلاق الظلمانية القبيحة، والتي
تؤول إلى فقدان الإيمان وموت الإنسان كافرا، لأن جهنم الكافر وجهنم
العقائد الباطلة أشدّ بدرجات، وأكثر إحراقا وظلمة من ذينيك الجهنمين
[46] اللذين مرَّ ذكرهما ( جهنم الأعمال، وجهنم الملكات الفاسدة ). أيها
العزيز ... لقد ثبت في العلوم العالية أن درجات الشدّة غير محدودة، فمهما
تتصور أنت ومهما تتصور العقول بأسرها شدّة العذاب، فوجود عذاب أشدّ،
أمر ممكن أيضاً وإذا لم تر برهان الحكماء، ولم تصدق كشف أهل الرياضة
النفسية فأنت بحمد الله مؤمن تصدّق الأنبياء صلوات الله عليهم، وتقر بصحة
الأخبار الواردة في الكتب المعتبرة التي يقبلها جميع علماء الإمامية، وتقرّ بصحة
الأدعية والمناجاة الواردة عن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم. فعندما ترى
مناجاة مولى المتقين أمير المؤمنين سلام الله عليه، ومناجاة سيد الساجدين
عليهالسلام في دعاء أبي حمزة الثمالي... قف عندها قليلا وتأمّل في مضمونها،
وفكر قليلا في محتواها، وتمعن قليلا في فقراتها، وليس ضروريا أن تقرأ دعاء
طويلا دفعة واحدة وبسرعة من دون تفكر في معانيه. ليس لدي ولديك حال
سيد الساجدين عليه السلام كي تقرأ تلك الأدعية المفضلة بشوق وإقبال، فاقرأ
في كل ليلة ربع ذلك أو ثلثه وفكر في فقراته، لعلك تصبح صاحب شوق
وإقبال وتوجه، وفوق ذلك كله فكر قليلا في القرآن، وأنظر أي عذاب به
بحيث أن أهل جهنم يطلبون من الملك الموكّل بجهنم أن ينتزع منهم أرواحهم،
ولكن هيهات إذ لا مجال للموت هناك. أنظر إلى قوله تعالى: {...يَاحَسْرَتَا
عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ}(الزمر56). فأية
حسرة هذه التي يذكرها الله تعالى بتلك الشدة وبهذا التعبير؟ تدبّر في هذه الآية
القرآنية الشريفة ولا تمرّ عليها دون تأمل. وتدب ّر أيضا آية {يَوْمَ تَرَوْنَهَا
تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ
سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}(الحج2). حقا فكر يا
عزيزي! القرآن - أستغفر الله - ليس بكتاب قصة، ولا بممازح لأحد، أنظر
ما يقول ... أي عذاب هذا الذي يصفه الله تبارك وتعالى وهو العظيم [47]
الذي لا حد ولا حصر لعظمته ولا انتهاء لعزته وسلطانه، يصفه بأنه شديد
وعظيم ... فماذا وكيف سيكون هذا العذاب؟! الله يعلم، لأن عقلي وعقلك
وعقول جميع البشر عاجزة عن تصوره. ولو راجعت أخبار أهل بيت العصمة
والطهارة وآثارهم، وتأملت فيها، لفهمت أن قضية عذاب ذلك العالم، هي
غير أنواع العذاب التي فكّرت فيها، وقياس عذاب ذلك العالم بعذاب هذا
العالم، قياس باطل وخاطئ. وهنا أنقل لك حديثاً شريفا عن الشيخ الجليل
صدوق الطائفة، لي تعرف ماهية الأمر وعظمة المصيبة، مع أن هذا الحديث
يتعلق بجهنم الأعمال وهي أبرد من جميع النيران. وعليك أن تعلم أولاً أن
الشيخ الصدوق الذي يُنقل عنه الحديث، هو الشخص الذي يتصاغر أمامه
جميع العلماء الأعلام، إذ يعرفونه بجلالة القدر. وهذا الرجل العظيم هو المولود
بدعاء إمام العصر عليه السلام، وهو الذي حظي بألطاف الإمام المهدي عليه
السلام وعجل الله تعالى فرجه الشريف وإني أروي الحديث بطرق متعددة عن
كبار علماء الإمامية - رضوان الله عليهم -بإسناد متصلة بالشيخ الصدوق،
والمشايخ ما بيننا وبين الصدوق (ره)، جميعهم من كبار الأصحاب وثقاتهم.
إذاً فعليك الاهتمام بهذا الحديث إن كنت من أهل الإيمان. روى الصدوق،
بإسناده عن مولانا الصادق عليه السلام، قال: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وآله وسلم ذاتَ يَوْمٍ قَاعِداً إِذْ أَتَاهُ جَبْرائيلُ وَهُوَ كَئيبٌ حَزينٌ مُتَغَ يِّرُ اللَّونِ
فقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: يا جَبْرائِيلُ مَا لي أَرَاكَ كئِيْباً
حَزِيناً؟ فقال: يا مُحَمَّد فَكَيْفَ لا أكُونُ كَذَلِكَ وإِنَّما وُضِعَتْ مَنافيخُ جَهَنَّمَ
اليَوْمَ. فَقال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: وَمَا مَنَافيخُ جَهَنَّمَ يَا
جَبْرائِيل؟ فقال: إنَّ اللهَ تَعَالى أَمَرَ بالنَّارِ فأُوْقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ،
ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَأُوْقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عامٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَأُوْقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ
عامٍ حَتَّى اسودّت وهي سَوداءُ مُظلِمَةٌ فَلَوْ أنَّ حَلْقَهً مِنَ السِّلْسِلَةِ التي طُولُها
سَبْعُونَ ذِراعاً وُضِعَتْ عَلَى الدُّنْيَا، لَذَابَتْ الدُّنْيَا مُنْ حَرِّهَا وَلَوْ أَنِّ قَطْرةً مِنَ
الزَّقُومِ وَالضّريعِ قَطَرَتْ فِي شَرَابِ أَهْلِ الدُّنْيِا َمَاتُوا مِنْ نَتْنِهَا. قَالَ: فَبَكَى
رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلم وَبَكى جِبْرائيل فَبَعَثَ اللهُ إِلَيْهُمَا مَلَكاً.
إنَّ رَبَّكُمَا يَقْرَأُكُمَا السَّلامَ [48] وَيَقُولُ: إِنِّي أمِنْتُكُمَا مِنْ أَنْ تَذْنِبَا ذَنْباَ
أُعَذِّبكُمَا عَلَيْهِ"( علم اليقين - فيض الكاشاني - المقصد - 4- الباب - 15 -
فصل - 6 - ص 1032 ). أيها العزيز... إن أمثال هذا الحديث الشريف
كثيرة، ووجود جهنم والعذاب الأليم من ضروريات جميع الأديان ومن
البراهين الواضحة، وقد رأى نماذج لها في هذا العالم، أصحاب المكاشفة
وأرباب القلوب. ففكِّر وتدبره بدقة في مضمون هذا الحديث القاصم للظهر،
فإذا احتملت صحته، ألا ينبغي لك أن تهيم في الصحاري، كمن أصابه
المسّ؟!. ماذا حدث لنا لكي نبقى إلى هذا الحدّ في نوم الغفلة والجهالة؟! أنزلت
علينا مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجبرائي ل ملائكة أعطتنا
الأمان من عذاب الله، في حين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأولياء
الله، لم يقر لهم قرار إلى آخر أعمارهم من خوف الله، لم يكن لهم نوم ولا
طعام؟ علي بن الحسين وهو إمام معصوم، يقطع القلوب بنحيبه وتضرعه
ومناجاته وعجزه وبكائه، فماذا دهانا وصرنا لا نستحي أبدا فنهتك في محضر
الربوبية كل هذه المحرمات والنواميس الإلهية؟ فويل لنا من غفلتنا، وويل لنا من
شدة سكرات الموت، وويل لحالنا في البرزخ وشدائده، وفي القيامة وظلماتها
ويا ويل لحالنا في جهنم وعذابها وعقابها. فصل في معالجة المفاسد الأخلاقية
أيها العزيز؛ انهض من نومك، وتنبه من غفلتك، واشدد حيازيم الهمة، واغتنم
الفرصة ما دام هناك مجال، وما دام في العمر بقية، وما دامت قواك تحت
تصرفك، وشبابك موجوداً، ولم تتغلب عليك - بعد - الأخلاق الفاسدة، ولم
تتأصّل فيك الملكات الرذيلة، فابحث عن العلاج، أعثر على الدواء لإزالة تلك
الأخلاق الفاسدة والقبيحة، وتلمّس سبيلاً لإطفاء نائرة الشهوة والغضب ....
وأفضل علاج لدفع هذه المفاسد الأخلاقية، هو ما ذكره علماء الأخلاق وأهل
السلوك، وهو أن تأخذ كلّ واحدة من الملكات القبيحة التي تراها في نفسك،
[49] وتنهض بعزم على مخالفة النفس إلى أمد، وتعمل عكس ما ترجوه
وتطلبه منك تلك الملكة الرذيلة. وعلى أيّ حال؛ أطلب التوفيق من الله تعالى
لإعانتك في هذا الجهاد، ولا شك في أن هذا الخلق القبيح، سيزول بعد فترة
وجيزة، ويفرّ الشيطان وجنوده من هذا الخندق، وتحلّ محلهم الجنود الرحمانية.
فمثلاً من الأخلاق الذميمة التي تسبب هلاك الإنسان، وتوجب ضغطه القبر،
وتعذّب الإنسان في كلا الدارين، سوء الخلق مع أهل الدار والجيران أو الزملاء
في العمل أو أهل السوق والمحلة، وهو وليد الغضب والشهوة، فإذا كان
الإنسان المجاهد يفكر في السمو والترفع، ع ليه - عندما يعترضه أمر غير
مرغوب فيه حيث تتوهج فيه نار الغضب لتحرق الباطن، وتدعوه إلى الفحش
والسيء من القول - عليه أن يعمل بخلاف النفس، وأن يتذكر سوء عاقبة هذا
الخلق القبيحة، ويبدي بالمقابل مرونة، ويلعن الشيطان في الباطن ويستعيذ بالله
منه. إني أتعهد لك بأنك لو قمت بذلك السلوك، وكرّرته عدّة مرّات، فإن
الخلق السيء سيتغير كلياً، وسيحلّ الخلق الحسن في عالمك الباطن، ولكنك إذا
عملت وفق هوى النفس، فمن الممكن أن يبيدك في هذا العالم نفسه، وأعوذ
بالله تعالى من الغضب الذي يهلك الإنسان في آن واحد في كلا الدارين فقد
يؤدي ذلك الغضب - لا سمح الله - إلى قتل النفس. ومن الممكن أن يتجرأ
الإنسان في حالة الغضب على النواميس الإِلهية. كما رأينا أن بعض الناس قد
أصبحوا من جراء الغضب مرتدّين. وقد قال الحكماء"إن السفينة التي تتعرض
لأمواج البحر العاتية وهي بدون قبطان، لهي أقب إلى النجاة من الإنسان وهو
في حالة الغضب". أو إذا كنت - لا سمح الله - من أهل الجدل والمراء في
المناقشات العلمية كما عليه بعض طلاب العلوم الدينية نحن الطلبة، المبتلين
بهذه السريرة القبيحة، فاعمل فترة بخلاف النفس، فإذا دخلت في نقاش مع
أحد الأشخاص في مجلس ما، ورأيت أنه يقول الحق فاعترف بخطأك وصدّق
قول المقابل، والمأمول أن تزول هذه الرذيلة في زمن قصير. ونعوذ بالله من أن
ينطبق علينا قول بعض أهل العلم ومدعي المكاشفة، حيث [50] يقول:"لقد
انكشف في خلال إحدى المكاشفات أنَّ تخاصم أهل النار الذي يخبر عنه الله
تعالى في القرآن، هو الجدل الذي يدور بين أهل العلم وبين أهل الحديث".
والإنسان إذا احتمل صحة هذا الأمر فعليه أن يسعى كثيراً من أجل إزالة هذه
الخصلة. رُوِىَ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الأَصْحَابِ أَنَّهُمْ قَالُوا:"خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ
صلّى الله عليه وآله وسلم يَوْماً وَنَحْنُ نَتَمَارى فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدّين
فَغَضَبَ غَضَباً شَدِيداً لَمْ يَغضَب مِثْلَهُ، ثُمَّ قالَ إنَّما هَلَكَ مَنْ كَاَنَ قَبْلَكُم
بِهَذا. ذَرُوا المِرَاءَ فَإِنَّ المُؤْمِنَ لا يُمَارِي، ذَرُوا المِرَاءَ فَإِنَّ المُمَارِيَ قَدْ تَمَّتْ
خَسَارَتُةُ، ذَرُوا المِرَاء فَإنَّ المُمَارِي لا أَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ذَرُوا المِراءَ فَإِنِّي
زَعيمٌ بثَلاثِ أَبْيَاتٍ فِي الجَنَّةِ فِي رِياضِهَا وَأَوْسَطِهَا وَأعلاها لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ
وهُوَ صَادِقٌ ذَرُوا المِرَاءَ فَأَنَّ أَوَّلَ مَا نَهَانِي عَنْهُ رَبّي بَعْدَ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ
المِرَاءُ"( بحار الأنوار - المجلد الثاني ص 138 - 139 )."وعنه أيضا: لاَ
يَسْتَكْمِلُ عَبْدٌ حَقِيَقَة الإِيمَانَ حَتَّى يَدَعَ المِرَاءَ وَإنْ كَانَ مُحِقّاً"( بحار الأنوار -
المجلد اثاني ص 138 - 139 ). والأحاديث في هذا الباب كثيرة. فما أقبح أن
يحرم الإنسان شفاعة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة مغالبة
جزئية ليس فيها أي ثمر ولا أثر! وما أقبح أن تتحول مذاكرة العلم - وهي
أفضل العبادات والطاعات إذا كانت بنيَّة صحيحة - إلى أعظم المعاصي وتلو
مرتبة عبادة الأوثان بفعل الجدل والمراء!. وعلى أي حال؛ ينبغي للإنسان أن
يأخذ بنظر الاعتبار حد كل واحد من الأخلاق القبيحة الفاسدة، ويخرجها من
مملكة روحه بمخالفة النفس. وعندنا يخرج الغاصب، يأتي صاحب الدار نفسه،
فلا يحتاج - حينذاك - إلى مشقة أخرى أو إلى طلب العود منه إلى الدار.
وعندنا يكتمل جهاد النفس في هذا المقام، ويتوفق الإنسان إلى إخراج جنود
إبليس من هذه المملكة، وتصبح مسكناً لملائكة الله ومعبدا لعبادة الصالحين،
فحينذاك يصبح السلوك إلى الله يسيرا، ويتضح طريق الإنسانية المستقيم، وتفتح
أمام الإنسان أبواب البركان والجنات، وتغلق أمامه أبواب جهنم [51]
والدركات، وينظر الله تبارك وتعالى إليه بعين اللطف والرحمة، وينخرط في
سلك أهل الإيمان، ويصبح من أهل السعادة وأصحاب اليمين، ويفتح له طريقا
إلى باب المعارف الإلهية - وهي غاية خلق الجن والأنس - ويأخذ الله تعالى
بيده في هذا الطريق المحفوف المخاطر. وقد كنا نريد أن نشير إلى المقام الثالث
للنفس وكيفية المجاهدة فيه ‎ونذكِّر أيضاً بمكائد الشيطان في هذا المقام، ولكننا
لم نر المقام مناسبا لذلك، فصرفنا النظر، وأسأل الله تعالى التوفيق والتأييد
لكتابة رسالة خاصة في هذا الباب. [53] الحَديـــث الثَانـــــي
"الرِّيـــَــاء" [54] بالسَّنَدْ المُتَّصِلِ إِلى مُحمَّد بِنْ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ
إِبْراهيمَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أَبِي المَغْرا، عَنْ يَزِيدَ بْن خَلِيفَةَ قالَ: قال أَبُو عَبْدِاللهِ
عليه السلام:"كُلُّ رياء شِركٌ، إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِلنَّاسِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى النَّاسِ
وَمَنْ عَمِلَ للهِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى اللهِ"( أصول الكافي - المجلد الثاني - كتاب
الإيمان والكفر - باب الرياء - ح 3 ). [55] الشرح: اعلم أن الرياء هو
عبارة عن إظهار وإبراز شيء من الأعمال الصالحة أو الصفات الحميدة أو
العقائد الحقة الصحيحة، للناس لأجل الحصول على منزلة في قلوبهم والاشتهار
بينهم بالصلاح والاستقامة والأمانة والتدين، من دون أن تكون هناك نية إلهية
صحيحة. وهذا الأمر يتحقق في عدة مقامات. المقام الأول: وله درجتان:
الأولى: وهي أن يظهر العقائد الحقة والمعارف الإلهية، من أجل أن يشتهر بين
الناس بالديانة، ومن أجل الحصول على منزلة قي القلوب، كأن يقول:"إني لا
أعتبر أن هناك مؤثرا في الوجود إلا الله"، أو أن يقول:"إني لا أتوكل على أحد
سوى الله"أو أن يثني على نفسه كناية أو إشارة بامتلاك العقائد الحقة، وهذا
الأسلوب هو الأكثر رواجا. فمثلا عندما يجري حديث عن التوكل أو الرضا
بقضاء الله، يجعل الشخص المرائي نفسه في سلك أولئك الجمع بواسطة تأوّهه
أو هزّ رأسه. الثانية: وهي أن يبعد عن نفسه العقائد الباطلة وينزه نفسه عنها،
لأجل الحصول على الجاه والمنزلة في القلوب، سواء أكان ذلك بصراحة القول
أم بالإشارة والكتابة. المقام الثاني: وفيه أيضا مرتبتان: إحداهما: أن يظهر
الخصال الحميدة والملكات الفاضلة، والأخرى: أن [56] يتبرأ مما يقابلها، وأن
يزكّي نفسه للغاية نفسها التي أصبحت معلومة. المقام الثالث: وهو الرياء
المعروف عند الفقهاء الماضين - رضوان الله عليهم - وله أيضاً نفس تلكما
الدرجتين، إحداهما: أن يأتي بالأعمال والعبادات الشرعية، أو أن يأتي
بالأمور الراجحة عقلاً، بهدف مراءاة الناس وجلب القلوب، سواء أن يأتي
بالعمل نفسه بقصد الرياء، و بكيفيته، أو شرطه أو جزئه بقصد الرياء على
الشكل المذكور في الكتب الفقهية. ثانيهما: أن يترك عملاً محرماً أو مكروهاً
بنفس الهدف المذكور. ونحن نشرح في هذه الأوراق، بعضاً من مفاسد كلّ
واحد من هذه المقامات الثلاثة ونشير إلى ما يبدو علاجاً لها على نحو
الاختصار. المقام الأول ( الرياء ) وفيه عدة فصول فصل ( الرياء في أصول
العقائد والمعارف الإلهية ) اعلم أن الرياء في أصول العقائد والمعارف الإلهية
أشد من جميع أنواع الرياء عذاباً وأسوأها عاقبة، وظلمته أعظم وأشد من
ظلمات جميع أنواع الرياء. وصاحب هذا العمل إذا كان في واقعه لا يعتقد
بالأمر الذي يظهره، فهو من المنافقين، أي أنه مخلَّد في النار، وأن هلاكه أبديّ،
وعذابه أشدّ العذاب. وأما إذا كان معتقداً بما يظهر، لكنه يظهر من أجل
الحصول على المنزلة والرتبة في قلوب الناس، فهذا الشخص وإن لم يكن منافقاً
إلاّ أن رياءه ي ؤدي إلى اضمحلال نور الإيمان في قلبه، ودخول ظلمة الكفر
إلى قلبه، فإن هذا الشخص يكون مشركا في الخفاء، لأن المعارف الإلهية
والعقائد الحقة، التي يجب أن تكون خالصة لله، ولصاحب تلك الذات المقدسة،
قد حوّلها - المرائي - إلى الناس، وأشرك فيها غيره، وجعل الشيطان متصرفاً
فيه، فهذا القلب ليس لله. [57] ونحن سنذكر في أحد الفصول؛ أن الإيمان
من الأعمال القلبية، وليس هو مجرد علم، وقد جاء في الحديث الشريف:"كُلُ
رِيَاءٍ شِرْكٌ". ولكن هذه الفجيعة الموبقة، وهذه السريرة المظلمة، وهذه الملكة
الخبيثة، تؤدي بالإنسان في النهاية، إلى أن تصبح دار قلبه مختصة بغير الله،
وتؤدي ظلمة هذه الرذيلة بالإنسان تدريجياً إلى الخروج من هذه الدنيا بدون
إيمان. وهذا الإيمان الذي يمتلكه هو صورة بلا معنى، وجسد بلا روح، وقشر
بلا لب، ولا يكون مقبولاً عند الله تعالى، كما أشير إليه في حديث مذكور ف
كتاب الكافي، عن علي بن سالم، قال:"سـَمـِعـْتُ أبا عَبْدِاللهُ عليه
السّلام يقولُ: قالَ اللهِ عزَّ وجلَّ: أَنَا خُيْرُ شَرِيكٍ مَنْ أَشْرَكَ مَعِي غيرِي فِي
عَمَل عَمِلَهُ لَمْ أَقْبَلُهُ إلاّ مَا كَانَ لِي خَالِصاً"(أصول الكافي - المجلد الثاني -
كتاب الإيمان والكفر - باب الرياء - ح 9 ). وبديهي أن الأعمال القلبية في
حال عدم خلوصها لا تصبح مورداً لتوجه الحق تعالى ولا يتقبلها بل يوكلها
إلى الشريك الآخر، الذي كان يعمل له ذلك الشخص مراءاة. إذاً فالأعمال
القلبية تصبح مختصة بذلك الشخص، وتخرج من حدّ الشرك، وتدخل إلى
الكفر المحض. بل ويمكن القول إن هذا الشخص هو من جملة المنافقين. وكما
أن شركه خفي فنفاقه خفي أيضاً، فهذا المسكين يتصور أنه مؤمن ولكنه
مشرك منذ البداية، وفي النتيجة هو منافق. وعليه أن يذوق عذاب المنافقين،
وويل للذي ينتهي عمله إلى النفاق. فصل في بي ان أن العلم يغاير الإيمان
اعلم أن الإيمان غير العلم بالله ووحدانيته وسائر الصفات الكمالية الثبوتية
والجلالية السلبية، والعلم بالملائكة والرسل والكتب ويوم القيامة. وما أكثر من
يكون له هذا العلم ولكنه ليس بمؤمن. الشيطان عالم بجميع هذه المراتب بقدر
علمنا وعلمكم، ولكنه كافر. بل إن الإيمان عمل قلبي، وما لم يكن ذلك فليس
[58] هناك إيمان. فعلى الشخص الذي علم بشيءٍ عن طريق الدليل العقلي
أو ضروريات الأديان، أن يسلّم لذلك قلبه أيضاً، ولأن يؤدي العمل القلبي
الذي هو نحو من التسليم والخضوع، ونوع من التقبل والاستسلام - عليه أن
يؤدي ذلك - لكي يصبح مؤمناً. وكمال الإيمان هو الاطمئنان. فإذا قوي نور
الإيمان تبعه حصول الاطمئنان في القلب، وجميع هذه الأمور هي غير العلم.
فمن الممكن أن يدرك العقل بالدليل شيئا لكن القلب لم يسلم بعد، فيكون
العلم بلا فائدة. مثلاً أنتم أدركتمبعقولكم أن الميت لا يستطيع أن يضرّ أحداً،
وأن جميع الأموات في العالم ليس لهم حس ولا حركة بقدر ذبابة، وأن جميع
القوى الجسمانية والنفسانية قد فارقته ولكن حيث أن القلب لم يتقبل هذا الأمر
ولم يسلم أمره للعقل، فإنكم لا تقدرون على مبيت ليلة مظلمة واحدة مع
ميت!! وأما إذا سلّم القلب أمره للعقل، وتقبل هذا الحكم منه، فلن يكون في
هذا العمل - أي المبيت مع الميت - أي إِشكال بالنسبة إليكم، كما أنه وبعد
عدة مرات من الإقدام، يصبح القلب مسلّماً، فلن يبقى عنده بعدها بأس أو
خوف من الميت. إذاً؛ أصبح معلوماً أن التسليم - وهو من حظ القلب - غير
العلم الذي هو من حظ العقل. ومن الممكن أن يبرهن إنسان بالدليل العقلي،
على وجود الخالق تعالى والتوحيد والمعاد وباقي العقائد الحقة ولكن هذه
العقائد لا تسمى إيمانا، ولا تجعل الإنسان مؤمنا، وإنما هو من جملة الكفار أو
المنافقين أو المشر كين. فاليوم العيون مغشّاة، والبصيرة الملكوتية غير موجودة،
والعين الملكية لا تُدرك، ولكن عند كشف السرائر، وظهور السلطة الإلهية
الحقة، وخراب الطبيعة وانجلاء الحقيقة، سيعرف ويلتفت بأن الكثيرين لم
يكونوا مؤمنين بالله حقا، وأن حكم العقل لم يكن مرتبطا بالإيمان، فما لم
تكتب عبارة"لا إله إلا الله"بقلم العقل على لوح القلب الصافي لن يكون
الإنسان مؤمنا بوحدانية الله. وعندما ترد هذه العبارة النورانية الإلهية على
القلب، تصبح سلطة القلب لذات الحق تعالى، فلا يعرف الإنسان بعدها
شخصا آخر مؤثرا في مملكة الحق، [59] ولا يتوقع من شخص آخر جاها
ولا جلالا، ولا يبحث عن المنزلة والشهرة عند الآخرين. ولا يصبح القلب
مرائيا ولا مخادعا حينئذ. وإذا رأيتم رياء في قلوبكم، فاعلموا أن قلوبكم لم
تسلّم للعقل، وأن الإيمان لم يقذف نوره فيها، وأنكم تعدون شخصا آخر إلها
ومؤثرا في هذا العال، لا الحق تعالى، وأنكم في زمرة المنافقين أو المشركين أو
الكفار. فصل في وخامة أمر الرياء تأمل أيها الشخص المرائي... يا من
أودعت العقائد الحقة والمعارف الإلهية بيد عدو الله، وهو الشيطان، وأعطيت ما
هو مخصوص بالحق تعالى للآخرين، وبدّلتَ تلك الأنوار التي تضيء الروح
والقلب وهي رأسمال النجاة والسعادة الأبدية ومنبع اللقاء الإلهي وبذرة القرب
من المحبوب أبدلتها بظلمات موحشة وشقاء أبدي وجعلتها رأسمال البُعد
والابتعاد عن ساحة المحبوب المقدسة، والابتعاد عن لقاء الله تعالى. تهيأ، أيها
المرائي، للظلمات التي لا نور بعدها، وللشدائد التي لا فرج لها، وللأمراض التي
لا يرجى شفاؤها، وللموت الذي لا حياة معه، وللنار تخرج من باطن القلب
فتحرق ملكوت النفس وملك البدن حرقاً لم يخطر على قلبي وقلبك، والتي
يخبرنا عنها الله تعالى في كتابه المنزل في الآية الشريفة {نَارُ اللَّهِ الْ مُوقَدَةُ،
الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ }(الهمزة 6،7). حيث تحدثت عن نار الله، هذه النار
التي تتسلط على القلوب فتحرقها، وليست هناك نار تحرق سوى النار الإلهية
فإذا فقدت فطرة التوحيد - وهي فطرة الله - وحلَّ محلها الشرك والكفر،
حينئذ لن تكون شفاعة الشافعين من نصيب الإنسان بل يخلد الإنسان في
العذاب، وما أدراك ما العذاب؟ إنه العذاب الذي ينبعث عن الغضب الإلهي.
إذاً أيها العزيز... من أجل خيال باطل ومحبوبية بسيطة في أعين العباد [60]
الضعاف، ومن أجل جذب قلوب الناس المساكين، لا تعرض نفسك للغضب
الإلهي، ولا تبع ذلك الحب الإلهي وتلك الكرامات غير المحدودة، وتلك
الألطاف والعنايات الربانية، لا تبعها بمحبة بسيطة عند مخلوق ليس له أثر، ولا
تكسب منه أيّة ثمرة سوى الندامة والحسرة، عندما تقصر يداك عن هذا العالم -
وهو عالم الكسب -، وعندما ينقطع عملك، وليس للندم حينئ نتيجة ولا
للإنابة من فائدة. فصل تنبيه علمي لاستئصال جذور الرياء نذكر هنا أمراً
نأمل أن يكون مؤثراً في علاج هذا المرض القلبي سواء في هذا المقام أو
المقامات الأخرى، وهذا الأمر مطابق للبرهان - الدليل- والمكاشفة والعيان
وأخبار المعصومين وكتاب الله، وللعقل حيث يصدق عقول الناس. وهو أنه
نتيجة لإحاطة قدرة الله تبارك وتعالى بجميع الموجودات، وبسطة لسلطانه على
جميع الكائنات، وإحاطة قيمومته بجميع الممكنات، فإن قلوب العباد جميعا
تكون تحت تصرفه وبيد قدرته وفي قبضة سلطانه، ولا يتصرف - ولن
يتصرف - أحد في قلوب العباد بدون أذنه القيومي وإجازته التكوينية. وحتى
أصحاب القلوب أنفسهم ليست لهم القدرة على التصرف في قلوبهم بدون
إذن من الله تعالى. وبهذا المعنى وردت كلمات، إشارة وكناية وصراحة في
القرآن وفي أخبار أهل البيت (عليهم السلام). إذاً، فالله تعالى هو مالك القلب
وا لمتصرف فيه وأما العبد الضعيف العاجز فلا يستطيع أن يتصرف بقلبه بدون
إذنه، بل إن إرادته قاهر لإرادتك ولإرادة جميع الموجودات. إذن فرياؤك
وتملقك، إذا كانا لأجل جذب قلوب العباد، ولفت نظرهم، ومن أجل
الحصول على المنزلة والتقدير في القلوب والاشتهار بالصلاح، فإن ذلك خارج
كلية عن تصرفك، وهو تصرف الله، فإله القلوب وصاحبها يوجه القلوب نحو
من يشاء بل من الممكن أن تحصل على نتيجة عكسية. وقد رأينا وسمعنا أن
أشخاصا متملقين ومنافقين ممن لم تكن لهم قلوب طاهرة، قد افتضحوا وبان
زيفهم ففرض عل يهم عكس ما أرادوا الحصول عليه من النتائج في نهاية
[61] الأمر. لقد وردت الإشارة إلى هذا المعنى في الحديث الشريف في
الكافي:"عن جرّاحٍ المَدائني، عَنْ أبي عَبْدِالله عليه السّلام في قَوْلِ اللهِ عزَّ
وجلَّ: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشرِكْ بِعِبَادَةِ
رَبِّهِ أَحَدًا}(الكهف110).."قال عليه السلام: الرَّجُلُ يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الثَّوابِ
لاَ يَطْلبُ بِهِ وَجْهَ اللهِ، إِنَّما يَطْلُبُ تَزْكِيَةَ النَّاسِ يَشْتَهي أَنْ يَسْمَعَ به النَّاسُ
فَهذا الَّذي أَشْرَكَ بِعِبَادةِ رَبّه. ثُمَّ قال: مَا مِنْ عبد أَسَرَّ خَيْراً فَذَهَبَتِ الأَيّامُ
أَبَداً حتى يُظْهِرَ اللهُ لَهُ خَيْراً، وَمَا مِنْ عَبْدٍ أسرَّ شَرّاً فَذَهَبَتِ الأَيّامُ أَبداً حَتَّى
يُظْهِرُ اللهُ لَهُ شَراً"( أصول الكافي - المجلد الثاني - باب الرياء - ح 4) إذاً
أيها العزيز، أطلب السمعة والذكر الحسن من الله، التمس قلوب الناس من
مالك القلوب، أعمل أنت لله وحده فستجد أن الله تعالى - فضلاً عن
الكرامات الأخروية ونعم ذلك العالم - سيتفضل عليك في هذا العالم نفسه
بكرامات عديدة، فيجعلك محبوباً، ويعظم مكانتك في القلوب، ويجعلك مرف
وع الرأس - وجيهاً - في كلتا الدارين. ولكن إذا استطعت فخلّص قلبك
بصورة كاملة بالمجاهدة والمشقة، من هذا الحب أيضاً، وطهِّر باطنك، كي
يكون العمل خالصا من هذه الجهة، ويتوجه القلب إلى الله فقط حتى تطهر
الروح، وتزول أدران النفس. فأية فائدة تجني من حب الناس الضعاف لك، أو
بغضهم، أو من الشهرة والصيت عند العباد وهم لا يملكون شيئا من دون الله
تعالى؟ وحتى لو كانت له فائدة - على سبيل الفرض - فإنما هي فائدة تافهة
ولأيام معدودات، ومن الممكن أن يسوق هذا الحب عاقبة عمل الإنسان إلى
الرياء، وأن يجعل الإنسان - لا سمح الله - مشركا ومنافقا وكافرا. وأنه إذا لم
يفتضح في هذا العالم، فسيفتضح في ذلك العالم في محضر العدل الرباني، عند
عباد الله الصالحين وأنبيائه العظام وملائكته المقربين، ويهان ويصبح مسكينا.
إنها فضيحة ذلك اليوم، وما أدراك ما تلك الفضيحة، والله يعلم أي ظلمات
تلي تلك المهانة في ذلك المحضر! إن ذلك اليوم - كما يقول الله تعالى في
كتابه- يتمنى الكافر فيه قائلا: {يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}(النبأ40).، ولكن لا
جدوى لهذا التمني. [62] أيها المسكين، إنك ولأجل محبة بسيطة، جزئية،
ومنزلة عديمة الفائدة بين العباد، تجاوزت تلك الكرامات وفقدت رضا الله،
وعرضت نفسك لغضب الله. لقد استبدلت الأعمال التي كان ينبغي أن تهيئ
بها دار الكرامة في الآخرة، وتوفر الحياة السعيدة الدائمة وتصل بواسطتها إلى
أعلى عليين في الجنان استبدلتها بظلمات الشرك والنفاق وأعددت لنفسك
الحسرة والندامة والعذاب الشديد، وجعلت نفسك من أهل"سِجـِّين"،
بالصورة التي وردت في الحديث الشريف في الكافي عن الإمام الصادق عليه
السلام:" قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وَسَلَّم: إِنَّ المَلَكَ لَيَصْعَدُ
يِـِعَمَل العَبْدِ مُبْتَهِجَاً بِهِ فَإِذا صَعَدَ بِحَسَنَاتِهِ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، اجُعَلوهَا
فِي سّجِّينٍ، إِنَّهُ لَيْسَ إِيايَ أَرَادَ بِهَا"( أصول الكافي - المجلد الثاني - كتاب
الإيمان والكفر - باب الرياء - ح 7 ). إننا هنا وفي هذا الحال، لا نستطيع
أن نتصور"سجين"ولا أن نفهم ديوان، عمل"الفـُجـّارِ"، ولا أن نرى
صور هذه الأعمال وهي في سجين.. وسنرى حقيقة الأمر في أحد الأيام
ولكن عندها تقصر أيدينا عن العمل ولا سبيل حينئذ للنجاة. أيها العزيز..!
استيقظ وأبعد عنك الغفلة والسكرة وزن أعمالك بميزان العقل قبل أن توزن في
ذلك العالم، وحاسب نفسك قبل أن تُحاسب، وآجلُ مرآة القلب من الشرك
والنفاق والتلوّن، ولا تدع صدأ الشرك والكفر يحيط به بمستوىً لا يمكن
جلاؤه حتى بنيران ذلك العالم، لا تدع نور الفطرة يتبدل بظلمة الكفر، لا
تدع هذه الآية {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاَ عَلَيْهَا..} (الروم30).. أن تضيع لا
تخنْ هذه الأمانة الإلهية بهذا النحو، نظّف مرآة قلبك لكي يتجلّى فيها نور
جمال الحق فيغنيك عن العالم وكل ما فيه. ولكي تتوهج نار الحب - العشق
- الإلهي في قلبك، فتحرق الأنواع الأخرى من الحب، ولا تستبدل حينذاك
جميع هذا العالم بلحظة واحدة من الحب الإلهي، ولكن تحصل على لذة في
مناجاة الله وذكره، تعتبر غيرها من جميع اللذات الحيوانية، لعباً ولهواً. وإذا لم
تكن من أهل هذه العوالم، وترى هذه المعاني غريبة وعجيبة لديك [63]
فإياك أن تضيع تلك النعم الإلهية في العالم الآخر المذكورة في القرآن المجيد
وأخبار المعصومين عليهم السلام وتخسرها من أجل جذب قلوب المخلوقين
... لا تُضيّع كل هذا الثواب من أجل شهرة وهمية في أيام معدودات،
لا تحرم نفسك من كل هذه الكرامات، لا تبع السعادة الأبدية بالشقاء الدائم.
فصل في الدعوة إلى الإخلا ص إعلم أن مالك الملوك الحقيقي وولي النعمة
الواقعي، الذي تفضّل علينا بكل هذه الكرامات، وهيأ لنا كل هذه النعم، قبل
المجيء إلى هذا العالم، من الغذاء الطيب ذي المواد النافعة المناسبة لمعدتنا
الضعيفة، ومن المربّي الخادم بلا منّة بل بفعل الحب الفطري الذاتي. وهيأ لنا
البيئة والهواء المناسبين وباقي النعم العظيمة الظاهرة والباطنة. كما أعدَّ لنا
الكثير في العالم الآخر وفي البرزخ قبل ذهابنا إلى هناك، هذا المتفضل قد طلب
منا قائلا: "أخلص قلبك لي ولأجل كرامتي، كي تحصل أنت على النتيجة،
وتحصل أنت على الفائدة "ومع ذلك لا يلقى منا أذناً صاغية بل يرى التمرد
والسير على خلاف رضاه، فأي ظلم عظيم نكون قد اجترحناه بذلك؟! وأي
مالك الملوك نحارب؟! ونتيجة ذلك كله تكون وبالاً علينا نحن، أما الله تعالى
فلا يصاب سلطانه بضرر ولا ينقص من ملكه شيء ولا نخرج من سلطنته
وسلطت، حتى إذا كنا مشتركين لأننا ألحقنا الضرر بأنفسنا، {... فَإِنَّ اللَّهَ
غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}(آل عمران/97). فهو غني عن عبادتنا وإخلاصنا
وعبوديتنا، ولا يؤثر تمرّدنا وشركنا وابتعادنا عنه شيئاً في مملكته، وحيث أنه
أرحم الراحمين فقد اقتضت رحمته الواسعة وحكمته البالغة أن يعرض لنا طريق
الهداية وسبيل الخير والشر والحسن والقبح ويدلنا على زلاّت طريق الإنسانية،
ومزالق طريق السعادة، ولله تعالى في هذه الهداية والإرشاد بل في هذه
العبادات والإخلاص والعبودية، له سبحانه علينا منن عظيمة وجسيمة بحيث
لا يمكن أن نفهمها ما لم تنفتح عين البصيرة والبرزخية التي ترى الواقع، وما
دمنا في [64] هذا العالم الضيق والمظلم، وفي ظلام الطبيعة، وما دمنا مقيدين
بسلاسل الزمان، معتقلين في هذا المكان السجن المظلم فإنّا لا ندرك منن الله
العظيمة علينا، ونتخيل بأن نعم الله علينا تتلخص في هذا الإخلاص وهذه
العبادة، وفي ذلك الإرشاد وتلك الهداية فحسب. لا تتوهم أبدا أن لنا المنة
على الأنبياء العظام والأولياء الكرام على علماء الأمة وهم الأدلاّء إلى سعادتنا
ونجاتنا، والذين أنقذونا من الجهل والظلمة والشقاء، أخذونا إلى عالم النور
والسرور والبهجة والعظمة والذين تحملوا ولا يتحملون كل هذه المشاق
والمصاعب من أجل تربيتنا وإنقاذنا من تلك الظلمات التي تلازم الاعتقادات
الباطلة، ومن الجهل المركب بكل أشكاله، ومن أنواع الضغوطات والعذاب
الذي هو صورة الملكات والأخلاق الرذيلة، ومن تلك الصور الموحشة
والمرعبة التي هي ملكوت أعمالنا وأفعالنا القبيحة - وكذلك - لأجل إيصالنا
إلى تلك الأنوار وأنواع البهجة والسرور والراحة والأنس والنعيم والحور
والقصور التي لا نقدر أن نتصورها، حيث أن عالم الملك هذا مع كل ما له
من عظمة، أضيق من أن يحتوي على واحدة ن حُلل الجنة، وأن أعيننا لا تطيق
رؤية شعرة واحدة من شعر حور العين، وتكون كل هذه المثوبات صورا
ملكوتية لتلك العقائد والأعمال والتي أدركها الأنبياء العظام، خصوصا
صاحب الكشف الكلي والكتاب الجامع خاتم الأنبياء صَلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ
وَسَلَّم، أدركوها بالوحي الإلهي ورأوها وسمعوها ودعونا إليها. ونحن المساكين
كالأطفال، المتمردين على حكم العقلاء بل المخطئين لهم، قد واجهناهم دائما
بالعناد والمحاربة والانفصال، ولكن تلك النفوس الزكية والأرواح الطيبة
الطاهرة - الأنبياء - بما يكمن فيهم من الرأفة والرحمة بعبادة الله، لم يقصّروا
أبدا في دعوتهم، على الرغم من جهلنا وعنادنا، بل ساقونا نحو الجنة والسعادة
بكل ما يملكون من القوة وأساليب الدعوة أن ينتظروا منا جزاءً ولا شكورا.
وحتى عندنا يحدد الرسول الأكرم صَلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وَسَلَّم أجره بـ"المودَّة
في القُرْبَى"، فإن صورة هذه المودة في العالم الآخر قد تكون بالنسبة إلينا
أعظم الصور نورا وعطاءا. وهذا هو أيضا من أجلنا نحن ومن أجل وصولنا
إلى السعادة [65] والرحمة. إذاً، فأجر الرسالة عائد إلينا أيضا، ونحن الذين
ننتفع به، فأية منّة لنا نحن المساكين عليهم؟! ... وأية فائدة تعود عليهم -
سلام الله عليهم - من إخلاصنا لهم وتعلقنا بهم؟! ... أية منّة لكم ولنا على
علماء الأمة؟ بدءاً من ذلك العالم الذي يوضح ويبين لنا الأحكام الشرعية، إلى
النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم وإلى ذات الله المقدسة جلَّ جلاله فإن
لكل منهم حسب درجته ومقامه من حيث إرشادهم لنا إلى طريق الهداية مِنَناً
لا نستطيع مكافـأتهم عليها في هذا العالم، فهـذا العالم لا يليق بجزائهم...
[فَلِلَّهِ وَلرَسُولـهِ وَلأولِيَائِـهِ المنّـة] وكما يقـول تعالى: {...قُلْ لاَ تَمُنُّوا
عَلَيَّ إِسْلاَمَكُْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ، إِنَّ
اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (الحجرات
17،18). إذاً، فإن كنّا صادقين في ادعاء الإيمان، فلله المنّة علينا في هذا
الإيمان نفسه. فالله بصير وعالم بالغيب، وهو يعلم ماهية صور أعمالنا، وكيفية
صورة إيماننا وإسلامنا في عالم الغيب. أما نحن المساكين حيث لا نعرف
الحقيقة، فإننا نتعلم العلم من العالم ونمنّ عليه، ونصلّي جماعة مع العالم ونمنّ
عليه، مع أن لهم المنّة علينا ونحن لا نعلم. بل وإن هذه المنّة التي نمنُّ بها عليهم
هي التي تحبط أعمالنا وتجرّها إلى"سجين"، وتذروها في الهواء لكي تفني
وتذهب. المقام الثاني ( الرياء ) وفي فصلان الفصل الأول الرياء في العمل
اعلم أن الرياء في هذا المقام، وإن لم يكن بحجم المقام الأول - من الدفع نحو
الكفر- إلاّ أنه، بعد الالتفات إلى موضوعه، قد يفضي بعمل المرائي أيضا في
هذا المقام ( العمل ) إلى الكفر فيصبح واحدا في النتيجة مع عمل المرائي في
ذلك المقام: مقام الرياء في العقيدة. لقد أوضحنا في شرح الحديث السابق، أنه
يمكن أن تكون للإنسان في عالم [66] الملكوت صورة تغاير الصورة
الإنسانية، وأن تلك الصور تتبع ملكوت النفس وملكاتها، فإذا كنتم ذوي
ملكات فاضلة إنسانية، فستجعل هذه الملكات صوركم، إنسانية عندنا يحشر
الإنسان ومعه تلك الملكات ما لم تخرج عن طريق الاعتدال، بل إن الملكات
إنما تكون فاضلة حين لا تتصرف النفس الأمارة بالسوء فيها، ولا يكون
لخطوات النفس دور في تشكيلها. يقول أستاذنا الشيخ محمد علي الشاه آبادي
دام ظله:"إن المعيار في الرياضة الباطلة والرياضة الشرعية الصحيحة هو
خطى النفس وخطى الحق، فإذا كان تحرك السالك بخطى النس وكانت
رياضته من أجل الحصول على قوى النفس وقدرتها وتسلطها، كانت رياضته
باطلة وأدى سلوكه إلى سوء العاقبة. وتظهر الدعاوى الباطلة - عادة - من
مثل هؤلاء الأشخاص. أما إذا كان تحرك السالك بخطى الحق وكان باحثا عن
الله، فإن رياضته هذه حقّه وشرعية وسيأخذ الله تعالى بيده ويهديه كما تنص
على ذلك الآية الشريفة التي تقـول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا...}(العنكبوت69). وسيؤول عمله إلى السعادة. فتسقط
عنه"الأنا"ويزول عنه الغرور. ومعلوم أن خطوات الشخص الذي يعرض
أخلاقه الحسنة وملكاته الفاضلة على الناس ليلفت أنظارهم إليه هي خطوات
النفس، وهو متكبر وأناتي ومعجب بنفسه، وعابد لها". ومع التكبر تكون
العبودية لله وهماً ساذجاً، وأمراً باطلا ومستحيلا، وما دامت مملكة وجودكم
مملوءة يجب النفس وحب الجاه والجلال والشهرة والترأس على عباد الله، فلا
يمكن اعتبار ملكاتكم ملكات فاضلة، ولا أخلاقكم أخلاقا إلهية. فالفاعل في
مملكتكم هو الشيطان، وليس ملكوتكم وباطنكم على صورة إنسان. وعند
فتح العيون البرزخية، ترون ملكوتكم على غير صورة الإنسان، وإنما هي
صورة أحد الشياطين مثلا. وحصول المعارف الإلهية والتوحيد الكامل أمر
مستحيل بالنسبة إلى قلب كهذا ما دام مسكنا للشيطان، وما دام ملكوتكم
غير إنساني، وما دامت قلوبكم غير مطهرة من هذه الانحرافات والأنانيات.
[67] ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى:"لا تسـعني أَرْضِي وَلاَ
سَمَائِي، بَلْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ"( إحياء العلوم - المجلد الثالث ص12.
اتحاف السادة المتقين - المجلد السابع ص 234 غوالي اللئالي - المجلد الرابع
ص7 وفيه ( ولكن يسعني ) ) ليس موجود يكون آية جمال المحبوب سوى
قلب المؤمن. إن المتصرف في قلب المؤمن هو الله، لا النفس. الفاعل ي
وجوده هو المحبوب، فلا يكون قلب المؤمن متمردا ولا تائها. "قَلْبُ المُؤْمِنِ
بَيْنَ إِصْبَعَي الرَّحْمنِ يُقَلِّبِه كَيْفَ يَشَاء"( صحيح مسلم - المجلد 18 - ص
51. إحياء العلوم - المجلد الأول ص 76. الجامع الصغير - المجلد الأول ص
83 والمجلد الثامن ص 151 ) وأنت أيها المسكين العابد للنفس، والذي
تركت الشيطان والجهل يتصرفان في قلبك، ومنعت يد الحق أن تتصرف في
قلبك، أيّ إيمان لديك حتى تكون محلا لتجلّي والسلطة المطلقة؟ فاعلم إذاً،
أنك ما دمت على هذه الحال، وما دامت رذيلة الغرور موجودة فيك، فأنت
كافر بالله، معدود من زمرة المنافقين، رغم زعمك بأنك مسلم ومؤمن بالله.
الفصل الثاني ( خلق الله الإنسان لنقسه سبحانه ) أيها العزيز! استيقظ وانتبه
وافتح أذنيك، وحرّم نوم الغفلة على عينيك، واعلم أن الله خلقك لنفسه كما
يقول في الحديث القدسي: "يا بنَ آدَمَ خَلَقْتُ الأَشْيَاءَ لأَجْلِكَ وَخَلَقْتُكَ
لأَجْلِي"( المنهج القوي - المجلد الخامس - ص 516. علم اليقين - المجلد
الأول - ص 381 ) واتخذ من قلبك منزلا له، فأنت وقلبك من النواميس
والحرمات الإلهية، والله تعالى غيور، فلا تهتك حرمته وناموسه إلى هذا الحدّ،
ولا تدع الأيادي تمتد إلى حرمه وناموسه. احذر غيرة الله، وإلا فضحك في
هذا العالم بصورة لا تستطيع إصلاحها مهما حاولت. أتهتك في ملكوتك وفي
محضر الملائكة والأنبياء العظام ستر الناموس الإلهي؟ وتقدم الأخلاق [68]
الفاضلة التي تخلَّق بها الأولياء إلى الحق، إلى غير الحق؟ وتمنح قلبك لخصم
الحق؟ وتشرك في باطن ملكوتك؟ كن على حذر من الحق تعالى فإنه مضافاً
إلى هتكه سبحانه لناموس مملكتك في الآخرة - وفضحه لك أمام الأنبياء
العظام والملائكة المقربين، سيفضحك في هذا العالم ويبتليك بفضيحة لا يمكن
تلافيها ... وبتمزيق عصمة لا يمن ترقيعها. إن الحق تعالى"ستارُ"ولكنه
غيور أيضا ... إنه"أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"ولكنه"أَشَدُّ المَعَاقِبِيَن"أيضا يستر ما لم
يتجاوز الحد. فقد تؤدي هذه الفضيحة الكبرى - لا سمح الله - إلى تغليب
الغيرة على الستر، كما سمعت في الحديث الشريف. فارجع إلى نفسك قليلا،
وعد إلى الله، فالله رحيم، وهو يبحث عن ذريعة لإفاضة الرحمة عليك. إذا
أنبت إليه، فإنه يستر بغفرانه معاصيك وعيوبك الماضية، ولن يطلع عليها
أحداً ويجعلك صاحب فضيلة، ويظهر فيك الأخلاق الكريمة، ويجعلك مرآة
لصفاته تعالى ويجعل إرادتك فعّالة في ذلك العالم كما أن إرادته نافذة في
جميع العوالم. كما ورد في حديث منقول: إن أهل الجنة عندما يستقرون في
الجنة، تبلغهم رسالة من الحق تعالى خلاصتها: من الحي الأبدي الذي لا
يموت، إلى الحي الأبدي الذي لا يموت إذا أردتُ شيئاً قلتُ له كن فيكون،
جعلتك هذا الي وم في مستوىً إذا أردتَ شيئاً قلت كن فيكون. لا تكن محباً
لنفسك، سلّم إرادتك للحق تعالى، فإن الذات المقدسة يتفضل عليك بجعلك
مظهراً لإرادته، ويجعلك متصرفاً في كافة الأمور. ويخضع لقدرتك مملكة
الإيجاد. وهذا هو غير التفويض الباطل، كما هو معلوم في محله. فيا أيها
العزيز. أنت أعرف بنفسك فاختر إمّا هذا وإمّا ذاك فالله غنيٌّ عنّا وعن كل
المخلوقات إنه غنيٌّ عن إخلاصنا وإخلاص كل الموجودات. [69] المقام
الثالث ( الرياء) وفيه فصول فصل ( تلاعب الشيطان مع الناس من خلال
المناسك والعبادات ) إعلم أن الرياء في هذا المقام، أكثر من المقامات
الأخرى وأوسع شيوعاً، إذ أننا نحن العامة من الناس، لسنا على العموم أهلاً
لذينك المقامين. ولهذا لا يدخل الشيطان إلينا من ذلك الطريق، ولكن بما أن
معظم الناس المتعبدين، هم من أهل المناسك والعبادات الظاهرية، فإن
الشيطان أثر حرية في التلاعب بهم، في هذا المقام ومن خلال العبادات. كما
أن مكائد النفس في هذه المرحلة أكثر. وبتعبير آخر: بما أن عامة الناس؛
يفوزون بالجنة بالأعمال الجسمانية، أنهم يحصلون على الدرجات الأخروية
بممارسة الأعمال الحسنة وترك الأعمال السيئة، فإن الشيطان يدخل عليهم
من هذا الطريق نفسه، ويسقى جذور الرياء والتملق في أعمالهم، فتفرّع
وتورق، ويبدل حسناتهم سيئات، ويدخلهم جهنم ودركاتها عن طريق
المناسك والعبادات، ويحوّل الأمور التي يريدون أن يعمّروا بها آخرتهم إلى
أدوات لتخريبها - الآخرة فيجعل الملائكة ما هو - الأعمال - من العليين
بأمر من الله في سجين. فعلى الذين يملكون هذا الجانب فقط، ولا زاد لهم
سوى زاد الأعمال، عليهم أن يكونوا حذرين كل الحذر لئلا يفقدوا - لا
سمح الله - الزاد والراحلة كليهما، وصبحوا من أهل جهنم، ولا يبقى لهم
طريق نحو السعاد ة، وتغلق في وجوههم أبواب الجنة، وتفتح لهم أبواب
النار. فصل في دقّة أمر الرياء كثيراً ما يتفق أن يكون الشخص المرائي نفسه
غافلاً أيضاً عن كون الرياء قد تسرب إلى أعماله، وأن أعماله صارت رياء
وهباء إذ أن مكائد الشيطان والنفس من الدقة والخفاء، وصراط الإنسانية من
الرهافة والظلمة بدرجة لا ينتبه الإنسان إلى ما [70] هو فيه إن لم يكن
حذرا جدا. إنه يحسب أن أعماله لله ولكنها تكون في الواقع للشيطان ولما
كان الإنسان مجبولاً على حب النفس، فإن حجاب حب النفس يستر عنه
معايب نفسه، وقد يأتي بيان بعض ذلك ضمن شرح بعض الأحاديث إن شاء
الله، ونسأل منه سبحانه التوفيق على ذلك. ففي دراسة علوم الدين مثلا -
وهي من الطاعات والعبادات المهمة- يبتلي الإنسان الكامل بالرياء من حيث
لا يدري وذلك بسبب الحجاب الغليظ لحب النفس. إن الإنسان يرغب أن
يتفرّد في استيعاب معضة علمية وحلّها لدى محضر العلماء والرؤساء
والفضلاء، ويبتهج أكثر، كلما كان توضيحه للمسألة العلمية أحسن، ولفت
انتباه الحاضرين أكثر. لأنه يحب أن ينتصر على كل من يناظره. إنه يشعر
بنوعٍ من الدلال العلمي والتفوق، وإذا اقترن ذلك بتصديق من إحدى
الشخصيات، لكان نور على نور. إن هذا المسكين غافل عن أنه أحرز هنا
موقعاً لدى الفضلاء والعلماء ولكنه سقط من عين ربهم ومالك ملوك العالم،
وأن عمله قد ترك بأمر الحق المتعال في سجين. ثم إن عمله هذا من الرياء
ممزوج بعده معاص أخرى، مثل فضحه وإذلاله وإيذائه أخاً له في الإيمان،
وأحياناً التجرؤ على مؤمن وهتكه، وكل واحد من هذه الأعمال هي من
الموبقات وكافية وحدها لإدخال الإنسان في جهنم. وإذا ألقت النفس مرة
أخرى شباك كيدها، لتقول لك: إن هدفي هو إعلان الحكم الشرعي وإظهار
كلمة الحق وهو من أفضل الطاعات، وليس لإظهار العلم والتكبر وحب
الظهور، فاسأل نفسك في الباطن أنه لو كان زميلي المساوي لي في الدرجة
العلمية هو الذي قال ذلك الحكم الشرعي وهو الذي حلَّ تلك المعضلة
وكنتِ أنتِ مغلوبة في ذلك المحضر، أكان ذلك على حدِ سواء عندك؟ إذا
كان كذلك فأنت صادق. وإذا لم تترك كيدها وقالت لك: إن إظهار الحق
فضيلة، وله ثواب عند الله تعالى، وأنا أريد أن أنال هذه الفضيلة، وأعمّر دار
الثواب، فقل لها: لنفرض أن الله تعالى أنعم عليكِ بتلك الفضيلة نفسها في
حالة مغلوبيتك وتصديقك بالحق، فهل تبقين طالبة للغلبة؟ فإذا رجعتم إلى
باطنكم ورأيتم أنكم ما زلتم تميلون الغلبة، والاشتهار بين العلماء بالعلم
والفضل، وأن بحثكم العلمي كان لأجل الحصول على [71] المكانة في
قلوب أولئك، إذاً، فاعلموا أنكم مراءون في هذا البحث العلمي الذي هو من
أفضل الطاعات والعبادات وأن عملكم هذا - بحسب الرواي الشريفة في
كتاب ( الكافي) هو في"سجين"، وأنكم مشركون بالله. وإن هذا العمل هو
لأجل حبّ الجاه والشرف وهما - بحسب الرواية - أشد ضررا على الإيمان
من ذئبين أُطلقا على قطيع بلا راعٍ. إذاً، فعليكم أنتم أهل العلم المتكفلين
بإصلاح الأمة والإرشاد إلى الآخرة الأطبَّاء للأمراض النفسية، أن تصلحوا
أنفسكم أولا وتجعلوا مزاجكم النفسي سالماً، كي لا تكونوا في زمرة"العالم
بلا عمل"وهو صنف معلوم الحال والعاقبة. اللّهم طهّر قلوبنا من كدر
الشرك والنفاق، وصفَّ مرآة قلوبنا من صدأ حب الدنيا وهي منشأ جميع
هذه الأمور. اللهم رافقنا، وخذ بأيدينا نحن المساكين المبتلين بهوى النفس
وحبِّ الجاه والشرف في هذا السفر المملوء بالخطر وفي هذا الطريق المليء
بالمنعطفات والصعاب والظلمات إنك على كل شيء قدير. إن صلاة
الجماعة واحدة من العبادات العظيمة في الإسلام، وفضل إمامتها أعظم.
ومن هنا فإن الشيطان ينفذ إلى هذه العبادة أكثر، وهو مع الإمام أشد عداوة،
ويسعى إلى أن ينتزع منه هذه الفضيلة، ويفرغ عمله من الإخلاص، ويدخله
إلى"سجين"، ويجعله مشركا بالله. ولأجل ذلك يدخل الشيطان إلى قلوب
بعض أئمة الجماعة بطرق مختلفة مثل: العُجُب ( سيأتي بيانه إن شاء الله لا
حقا ) ومثل: الرياء وهو إظهار هذه العبادة العظيمة، أمام الناس من أجل
الحصول على منزلةٍ في قلوب الناس والاشتهار بالعظمة لديهم. فمثلاً يرى
إمام الجماعة أن أحد المشهورين بالتقوى والدين قد حضر إلى صلاة جماعته،
ولأجل جذب قلبه، يكثر من خضوعه ويلتجأ إلى أساليب مختلفة، وحيل
كثيرة لصيده، ومن أجل تعظيم نفسه عند الغائبين الذين لم يحضروا صلاة
جماعته، يتحدث في المجالس عن ذلك المتديّن، ويحاول إفهام الناس أن فلانا يأتم
به ويشارك في صلاة جماعته. ثم هو أيضا يقابله بالود والح في قلبه، لأجل
حضوره في صلاة جماعته ويُكنّ له من الحب والإخلاص ما لم يُكنّ لحظة
طوال حياته، لله ولا لأولياء الله، خصوصا إذا كان هذا المتدين من التجار
المحترمين. وإذا حدث لا سمح الله أن ضلَّ أحد الأشراف طريقه والتحق
بصلاة الجماعة، فإن المصيبة [72] على إمام الجماعة من وسوسة الشيطان
تكون أعظم. إن الشيطان لا يترك حتى إمام جماعة قليلة الأفراد، فيذهب إليه
ويوحي له فيوسوس في نفسه: إنني قد أعرضت عن الدنيا، وأقضيها في
مسجد صغير، مع الفقراء والمساكين. وهذا أيضا مثل ذاك، أو أسوأ منه، لأنه
يثقل قلبه برذيلة الحسد أيضا، فهو فضلا عن كونه لم ينل من الدنيا شيئا
يسلبه الشيطان عدّته لآخرته، فيخسر الدنيا والآخرة. وفي الوقت نفسه لم يرفع
الشيطان يده عنّا: أنا وأنت نقصّر في الحضور في صلاة الجماعة ونحمل الهم
والأسى لعدم توفر الظروف والمناخ لإقامة صلاة الج ماعة بإمامتنا، فيدفعنا إلى
الإساءة إلى جماعة المسلمين والطعن بهم وخلق عيوب للجماعة، ونعد عدم
الاشتراك في الجماعة، عزلة، نظهر أنفسنا كأننا زاهدون في الدنيا ومنزّهون
عن حب الجاه والذات، في حين أننا أسوأ من كلتا الفئتين السالفتين، فلا نحن
نلنا الدنيا الكاملة التي نالتها الطائفة الأولى، ولا دنيا الطائفة الثانية الناقصة.
ولا نحن فزنا بالآخرة، مع أننا أيضاً لو أُتيح لنا ما نريد لكنّا أشد من كلتا
الطائفتين حباُ للجاه والمال. والشيطان لا يكتفي بإمام الجماعة وحده فلا
تنطفئ شعلة شهوته بجعله - إمام الجماعة - من أهل النار، بل يدخل إلى
صفوف المصلّين المؤمنين، فحيث أن فضيلة الصف الأول أعظم من سائر
الصفوف، وأنّ جانب يمين الإمام أكثر فضلا من جانب يساره، فهو يستهدفه
أكثر من غيره. مسكين هذا المتديِّن يجره الشيطان من بيته البعيد ويجلسه في
الجانب اليمن من الصف الأول، ثم يوسوس له كي يتباهى على الناس بهذه
الفضيلة، إذ لا يدري هذا المسكين ماذا يفعل؟ فيأخذ بإظهار فضله بتفاخر
ودلال، ويبرز شركة الباطن فيكون مصيره إلى"سجين"ثم يذهب الشيطان
إلي باقي الصفوف ويدفعهم إلى ن يطعنوا من في الصف الأول بالكتابة
والإشارة وأن يجعلوا ذلك المتدين المسكين هدفا لسهام الطعن والشتم،
معتبرين أنفسهم منزّهين عن مثل أطواره. وأحيانا قد يُرى شخص محترم،
خصوصا إذا كان من أهل الفضل والعلم، قد أخذ الشيطان بيده وأجلسه في
الصف الأخير، وكأنه يريد أن يقول للحاضرين: إني بمقامي هذا لا ينبغي أن
أُصلّي مع شخص كهذا، ولكن لكوني قد أعرضت عن [73] الدنيا وليس
لدي هوى في النفس، فقد جئت بل وجلست في الصف الأخير ولن ألتقي
أشخاصا من هذا القبيل في الصف الأول من صلاة الجماعة. ولا يكتفي
الشيطان بالإمام والمأموم، بل يأخذ بزمام بعض ا لمصلين المنفردين عن الجماعة
فيقوده من السوق أو المنزل، بدلال وتبختر، إلى زاوية في المسجد، حيث
يفرش سجادته منفردا، دون أن يرى أي إمام عادلا، ويصلّي في حضور
الناس ويطيل السجود والركوع والأذكار الطويلة. هذا الإنسان يضمر في
باطنه كلمة للناس هي:"إنني متدين ومحتاط إلى درجة أترك صلاة الجماعة لئلا
أبتلي بإمام غير عادل"هذا الإنسان، فضلا عن أنه معجب بنفسه ومُراء، فإنه
لا يعرف المسائل الشرعية أيضا، وذلك لأن مرجع تقليد هذا الشخص، قد
لا يشترط أكثر من مجرد حسن الظاهر في صحة الإقتداء ولكن عمله هذا
ليس من هذا الباب، بل من أجل الرياء أمام الناس، ولأجل الحصول على
المكانة والمنزلة في القلوب. وهكذا سائر أعمالنا، فهي تحت تصرف الشيطان
الملعون الذي ينزل في كل قلب كدر ملوث، ويحرق الأعمال الظاهرة
والباطنة ويجعلنا من أهل النار عن طريق الأعمال الحسنة. فصلفي الدعوة
إلى الإخلاص إذاً أيها العزيز، كن دقيقا في أعمالك وحاسب نفسك في كل
عمل، وأستنطقها عن الدافع في الأعمال الخيرة، والأمور الشريفة، فما الذي
يدفعها إلى السؤال عن مسائل صلاة الليل أو على ترديد الأذكار؟ هل تريد
تتفهّم أحكام صلاة الليل وتُعلمها قربة إلى الله، أو تريد أن توحي إلى الناس
بأنها من أهل صلاة الليل؟ لماذا تريد أن تخبر الناس بأي أسلوب كان، عن
الزيارة للمشاهد المشرفة وحتى عن عدد الزيارات؟ لماذا لا ترضى أن لا يطلع
أحد على الصدقات التي تعطيها في الخفاء، وتحاول أن تتحدث عنها ليطّلع
عليها الناس؟ إذا كان ذلك لله، وتريد أن يتأسىّ به الناس باعتبار أن"الدال
على الخير كفاعله"فإن إظهار حسن، وأشكر الله على هذا الضمير [74]
النقي والقلب الطاهر!. ولكن ليكن الإنسان حذر في المناظرة والجدال مع
النفس، وأن لا ينخدع بمكرها وإظهارها له العمل المرائي بصورة عمل
مقدس. فإن لم يكن لله، فتركه أولى، لأن هذا من طلب السمعة وهو من
شجرة الرياء الملعونة. ولن يقبل الله المنان عمله، بل يأمر بإلقائه في سجّين.
ويجب علينا أن نستعيذ بالله تعالى من شرِّ مكائد النفس، فإن مكائدها خفية
جداً، ولكننا نعلم إجمالاً أن أعمالنا ليست خالصة لله، وإلا فإذا كنا عباداً لله
مُخْلصين، فلماذا تكون للشيطان علينا هذه السيطرة وبهذا القدر؟ مع أنه
أعطى لربِّه عهدا أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين، وأنه لا يمدّ يده
إلى ساحتهم المقدسة، وعلى حد القول شيخنا ( الشيخ محمد علي الشاه
آبادي ) الكبير دام ظله: فإن الشيطان كلب أعتاب الحضرة الإلهية، فلا ينبح
في وجه من كانت له معرفة بالله ولن يؤذيه وكلب الدار لا يطارد معارف
صاحب الدار. ولكن الشيطان لا يسمح بالدخول لمن ليست له معرفة
بصاحب الدار، إذاً؛ إذا رأيت أن لليطان شأناً معك وسيطرة عليك فاعلم أن
أعمالك غير خالصة، وأنها ليست لله تعالى. وإذا كنت مخلصاً فلماذا لا تجري
ينابيع الحكمة من قلبك على لسانك مع أنك تعمل أربعين سنة قربة إلى الله
حسب تصورك؟ في حين أنه ورد في الحديث الشريف عن الرضا عن آبائه
عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"ما خَلُصَ عَبْدٌ
لِلّهِ عَزَّ وجلَّ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً إِلاَّ جَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ"(
بحار الأنوار - المجلد 70 - ص 242 ). إذاً؛ فاعلم أن أعمالنا غير خالصة
لله، ولكننا لا ندري، وها هنا الداء الذي لا دواء له!. ويل لأهل الطاعة
والعبادة والعلم والديانة الذين عندما يفتحون أبصارهم ويقيم سلطان الآخرة
قدرته، يرون أنفسهم من أهل كبائر المعاصي، بل وأسوأ من أهل الكفر
والشرك، بحيث أن صحفية أعمالهم تكون أشد سوادا من صحائف الكفار
والمشركين. الويل لمن يدخل بصلاته وطاعته جهنم، الويل لمن تكون صورة
صدقته وزكاته [75] وصلاته أبشع مما يمكن تصوره. أيها المسكين المرائي،
أنت مشرك، وأما العاصي فموحد. إن الله يرحم بفضله العاصي إن شاء،
لكنه يقول إنه لن يرحم المشرك إذا رحل من الدنيا بدون توبة ( إن الله لا يغفر
أن يشرك به ). لقد سمعت في الأحاديث الشريفة أن المرائي مشرك. إن من
يرائي بين الناس برياسته الدينية وإمامته وتدريسه وصومه وصلاته وبأعماله
الصالحة لأجل الحصول على المنزلة في قلوبهم، فهو مشرك. وإنه لن يكون
مشمولا بمغفرة الله تعالى حسب الآية الشريفة وأخبار أهل بيت العصمة -
صلوات الله عليهم -. إذاً؛ فيا ليتك كنت من أهل الكبائر، ومتجاهراً
بالفسق، ومنتهكا للحرمات الظاهرية، وكنت موحدا ولم تشرك بالله. فيا
أيها العزيز؛ فكّر لتجد سبيلا لنجاتك، واعلم أن الشهرة ين هؤلاء الناس
وَهمٌ باطل، إنها ليست بشيء. إن قلوب هؤلاء التي لو أكلها عصفورا لما
شبع، إن هي إلا قلوب ضعيفة تافهة، ولا طاقة لها على شيء وإن هذا
المخلوق الضعيف لا حول له ولا قوة. القوة هي قوة الله المقدسة، فهو الفاعل
المطلق ومسبب الأسباب. ولو اجتمع الناس جميعا وكان بعضهم لبعض ظهيرا،
لما استطاعوا أن يخلقوا ذبابة، وإذا سلبت منهم الذبابة شيئا لما استطاعوا
استرجاعه منها. كما جاء في الآية الكريمة: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ
فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ
وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ
وَالْمَطْلُوبُ}(الحج73). القوة لله تعالى وهو المؤثر في جميع الموجودات.
اكتب على قلبك بمداد العقل - مهما قاسيت في ذلك و عانيت - أن:"لا
مـؤثر في الوجود إلا الله"!. ادخل في قلبك بأية وسيلة كانت، التوحيد
العملي وهو أول درجات التوحيد، وأجعل قلبك مؤمنا ومسلما، وأختم على
قلبك بهذه الكلمة المباركة بالختم الشريف"لا إله إلا الله"وأجعل صورة
القلب صورة كلمة التوحيد، وأوصله إلى درجة [76] "الاطمئنان"،
وافهمه أن الناس لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فالله وحده هو النافع
والضار. أزل هذا العمى عن عينك، وإلا فستكون ممن يقول: {... رَبِّ لِمَ
حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا}(طه125). وتحشر يوم كشف السرائر،
أعمى. وأعلم أن إرادة الله تعالى قاهرة لجميع الإرادات، وإذا اطمأن قلبك
بهذه الكلمة المباركة وتسلّم لهذه العقيدة، فالأمل أن ينجز عملك، وتستأصل
جذور الشرك والرياء والكفر والنفاق من قلبك. واعلم أن هذه العقيدة الحقة
مطابقة للعقل والشرع وليس فيها شبهة الجبر، وهي الشبهة التي من المحتمل أن
يعتقد بها بعض من لا إطلاع لهم على مبادئ الموضوع ومقدماته ولم يطرق
سمعهم شيء من تلك الأمور، مع أن ذلك يرتبط بالجبر فهو توحيد والجبر
شرك، وهذه هداية والجبر ضلالة. وهذا ليس مكانا مناسبا لبيان الجبر
والتفويض، ولكن الأمر واضح عند أهله ولا حق لغيرهم بالدخول في هذه
المواضيع، بل وقد نهى صاحب الشريعة عن الدخول فيها. وعلى أي حال؛
أطلب من الله الرحيم في كل حين، وخصوصا في الخلوات، و بتضرع وعجز
وتذلل، أن يهديك بنور التوحيد، وأن ينوّر قلبك ببارقة غيب التوحيد في
الإيمان والعبادة، حتى تعلم أن جميع العالم الواهي وكل ما فيه يكون لا
شيء، واسأل الذات المقدس بكل تضرع أن يجعل أعمالك خالصة وأن
يهديك إلى طريق الخلوص والولاء. وإذا واتتك حالة السمو الروحي، فذكر
بالدعاء هذا العبد الضعيف العاطل الخالي من الحقيقة الذي ضيع عمره في ال
هوى، وأصبح قلبه بسبب كدر المعاصي والأمراض القلبية بحيث لم تعد تؤثر
فيه أية نصيحة ولا رواية ولا برهان ولا دليل ولا آية، لعله يجد بدعائكم
طريق النجاة، فإن الله لا يرد دعاء المؤمن في حضرة، بل يستجيب دعاءه. بعد
التذكير بهذه المطالب التي كنت تعرفها ولم تكن جديدة عليك، راقب قلبك
وأنتبه له، وأخضع أعمالك وتعاملك وحركاتك وسكناتك للملاحظة،
وفتش في خبايا قلبك، وحاسبه حسابا شديدا مثلما يحاسب شخص من أهل
الدنيا شريكه، وأترك [77] كل عمل فيه شبهة الرياء والتملق ولو كان
عملا شريفا جدا. وإذا رأيت أنك لا تستطيع أداء الواجبات بإخلاص في
العلن، فأدها في الخفاء مع أنه يستحب الإتيان بها في العلن. وقليل ما يتفق
أن يقع الرياء في أصل الواجب، والأغلب أن يقع في الخصوصيات
والمستحبات والإضافات، وعلى أية حال؛ طهّر قلبك من دنس الشرك بجد
ومجاهدة شديدتين، لئلا تنتل من هذا العالم - لا سمح الله - وأنت بهذه الحال
السيئة من دون أن يكون لك أمل بالنجاة أبدا، ويكون الحق المتعال غاضبا
عليك، كما ورد في الحديث الشريف المنقول في ( الوسائل ) عن ( قرب
الإسناد ) بسند متصل إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:"قَالَ رسُول اللهِ
صلّى اللهِ عليه وآله وسلم: مَنْ تَزيَّتَ للنَّاس بِمَا يُحبُّ الله وبارزَ لِلّهِ في
السرِّ بما يَكرَهُ اللهُ لَقِي اللهَ وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ ولَهُ ماقِتٌ"(وسائل الشيعة.
المجلد الأول - الباب الحادي عشر من أبواب مقدمة العبادات ح 14 ص
50 ). وفي هذا الحديث الشريف احتمالان: الأول: هو ذلك الذي يظهر
للناس الأعمال الصالحة ويخفى الأعمال القبيحة. والآخر: هو ذلك الذي
يظهر للناس هيكل العمل وفي الباطن يقصد الرياء، وكلتا الصورتين يشملهما
الرياء، لأن الإتيان بالواجبات والمستحبات، بغير قصد الرياء لا يستوجب
الغضب، بل يمكن القول أن المعنى الثاني أفضل لأن التجاهر بالأعمال
القبيحة أشد، وعلى كل حال؛ لا سمح الله أن يكون مالك الملوك وأرحم
الراحمين غاضبا على الإنسان"أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ الحَلِيمِ". فصل في بيان
حديث عَلَوي نختم هذا المقام بحديث شريف روي في كتاب ( الكافي )
عن أمير المؤمنين عليه السلام ونقل الشيخ الصدوق رضوان الله عليه مثل هذا
الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام وهو من جملة وصايا الرسول صلى
الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام وهو هذا: بإسناده؛ عن أبي
عبدالله عليه السلام: قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: [78] "ثلاثُ
علاماتٍ لِلْمُرَائِي يَنْشَطُ إِذا رَأَى النَّاسَ وَيَكْسَلُ إِذا كَانَ وَحْدَهُ، وَيْحّب
أَنْ يُحْمَدَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ"( أصول الكافي - المجلد الثاني - كتاب الإيمان
والفر - بال الرياء - ح 8 ). ولما كانت هذه السيئة - الرياء - الخبيثة
شديدة الخفاء، غابت حتى عن الإنسان نفسه بحيث يكون في الباطن من أهل
الرياء وهو يتوهم عمله خالصا، ولهذا ذكروا لها علامة، وبواسطة تلك
العلامة يطلع الإنسان على سريرته، وينهض لمعالجتها. وهذه العلامة هي أن
الإنسان يشاهد في نفسه عزوفا عن الطاعات عندما يكون وحده، وإذا تعبد
فمع كلفة أو من منطلق العادة لا تكون ذات إقبال وتوجه، بل يأتي بالعبادة
مقطعة الأوصال من غير كمال وتمام، ولكن عندما يحضر في المساجد
والمجامع، وفي المحافل العامة يؤدي تلك العبادة في الظاهر بنشاط وسرور
وحضور قلب ويميل إلى إطالة الركوع والسجود، ويؤدي المستحبات أداء
حسنا مع توفير كافة أجزائها وشروطها. إن الإنسان إذا كان منتبها بعض
الشيء، ليسأل نفسه عن سبب مثل هذا التصرف؟ ولماذا تنصب شباكها
باسم التقدس؟ لمّوهت على الإنسان وقالت: بما أن العبادة في المسجد أعظم
ثوابا أو أن في صلاة الجماعة كذا من الثواب، يشتد النشاط. أما إذا صلّيت
منفردا وفي غير المسجد، فيكون الاهتمام من أجل أنه:"يستحب أداء العمل
أمام الناس بصورة حسنة لكي يقتدي به الآخرون ويرغبون في الدين". أنها
- النفس - تخدع الإنسان بأية وسيلة كانت، ولهذا لا يفكر في العلاج.
وإن المريض الذي يعتقد نفسه سالما، لا يؤمل له الشفاء، إن هذا الشقي
يرغب في باطن ذاته ولب سريرته أن يظهر عمله للناس وهو غافل عن أن
ذلك بدافع من الشيطان، بل إن نفسه تظهر له المعصية في صورة العبادة، وتظهر
التكبر والغرور في شكل ترويج للدين. إن الإتيان بالمستحبات في الخلوات
مستحب، فلماذا ترغب النفس دائما في أن تؤديها في العلن؟ إنه يبكي من
خوف الله في المحافل العامة بحرقة وألم، ولكنه في الخلوات مهما ضغط على
نفسه لا تندى عينه. ما الذي حدث لكي يذهب عنه خوف الله إلا بين
الناس؟ تسمع له في ليالي القدر وفي جموع الناس الحسرات والنحيب والحرقة
والبكاء، يصلي مائة ركعة ويقرأ دعاء الجوشن الكبير والصغير وعدة أجزاء
من [79] القرآن المجيد في وسط الجموع، دون أن يتلكأ أو يحس بالتعب.
إذا كانت أعمال الإنسان لأجل رضا الله فقط أو لإستحصال رحمته أو خوفا
من النار وشوقا إلى الجنة، فلماذا يرغب في أن يمدحه الناس على كل عمل
عمله؟ فنجد أُذُنُه متوجهة إلى ألسن الناس وقلبه عندهم، لكي يسمع من
يمدحه، بقوله: ما أشد تدين والتزام هذا الإنسان؟ وما أحرصه على أداء
الفرائض في مواعيدها والمستحبات في أوقاتها؟ وإنه إنسان مستقيم وصادق في
معاملاته! إذا كان الله هو الهدف في عملك فما هذا الميل المفرط نحو الناس؟!
وإذا كانت الجنة والنار هما اللتان تدفعانك إلى العمل فما الذي يحكي لنا
هذا الانحراف؟! ان تبه، فإن هذا الحب هو من نفس شجرة الرياء الخبيثة،
فاسع ما استطعت لإصلاح نفسك من أمثال هذا الحب إذا كان ذلك ممكناً.
في هذا المقام أُنبّه إلى نقطة مهمة وهي أن لكل واحد من هذه الصفات
النفسانية، الحسنة منها والسيئة، درجات كثيرة جدا، بحيث أن مرتبة من
الصفات يعتبر الاتصاف بها من الحسنات والتخلي عنها من السيئات وتكون
من مختصات أولياء الله أو العرفاء بالله ولا يشاركهم فيها غيرهم من سائر
الناس. والصفة التي تعتبر نقصا لأولياء الله، والعرفاء بالله، لا تعتبر نقصا لغيرهم
من الناس حسب المقام الذي يتمتعون به، بل قد يكون بمعنى من المعاني
كمالاً لهم. وكذلك تكون حسنات فئة سيئات لفئة أخرى. والرياء من جملة
ما يدور كلامنا عليه حاليا. فالإخلاص من جميع مراتب الرياء هو من
مختصات أولياء الله والآخرون ليسوا شركاء في هذه المرتبة، واتصاف عامة
الناس بدرجة من رجات الإخلاص ليس نقصا بالنسبة إليهم بحسب المقام
الذي هم فيه، ولا يضر بإيمانهم وإخلاصهم. فمثلا تميل نفوس عامة الناس
بحسب الغريزة والفطرة إلى أن تظهر خيراتها أمام الناس، وإن لم يقصدوا أن
يظهروها، ولكن نفوسهم مفطورة على هذا الميل. وهذا ليس موجبا لبطلان
العمل أو الشرك أو النفاق أو الكفر، وإن كان ذلك نقص بالنسبة للأولياء
وشرك ونفاق لدى الولي أو العارف بالله. والتنزه عن مطلق الشرك
والإخلاص في جميع مراتبه هو أول مقامات الأولياء ولهم مقامات أخرى لا
يناسب هذا المجال ذكرها. [80] ثم إن قول الأئمة ( عليهم السلام )
أن"عـِـبـَادَتِنَا عِبَادَةُ الأحْرارِ"أي حبا لله، لا طمعا بالجنة ولا خوفا من
النار، فهو من المقامات الاعتيادية - بالنسبة إليهم - وهو أولى درجات
الولاية، ولهم في العبادات حالات لا يمكن أن تستوعبها عقولنا ولا عقولكم.
وبهذا البيان ال ذي سمعت يمكن الجمع بين الحديث السابق المنقول عن
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام، والحديث
الذي ينقله زرارة، عن أبي جعفر الإمام محمد الباقر عليه السلام وهو:
حديث محمد بن يعقوب بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال:"سَأَّلْتُهُ عَنِ
الرَّجُلِ يَعْمَلُ الشِّيْءَ مِنَ الخَيْرِ فَيَرَاهُ إِنْسانٌ فَيَسَرَّهُ ذلِكَ، قالَ: ثُمَّ لا بَأْسَ، مَا
مِنْ أَحَدٍ إِلاّ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ فِي النَّاسِ الخَيْرُ إِذا لَمْ يَكُنْ صَنَعَ ذلِكَ
لِذلِكَ"( أصـول الكافي، المجلد الثاني، كتـاب الإيمـان والكفر - باب في
أصـول الكفر وأركانه - ح). يعد في أحد الحديثين حب المدح علامة
الرياء، ويعد في الآخر السرور بظهور الخيرات أمرا لا بأس به. وبكون هذا
حسب اختلاف مراتب الأشخاص. وهناك وجه آخر للجمع بين الحديثين،
صرفنا النظر نه هنا. تتمة اعلم، أن السمعة وهي عبارة عن إيصال خصال
النفس إلى أسماع الناس لاجتذاب قلوبهم ولأجل الاشتهار، من شجرة الرياء
الخبيثة. ولهذا السبب. ذكرناها مع الرياء في باب واحد، ولم نعمد إلى ذكر
كل واحد منهما بصورة منفصلة. [81] الحَـديث الثَـالِث "العُـجْـب"
[82] بالسَّند المتّصل إلى محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه
عن عليّ بن أسباط، عن أحمد بن عمر الحلال، عن عليّ بن سويد، عن أبي
الحسن - عليه السّلام قال:"سألتُهُ عن العُجْبِ الذي يُفْسِدُ العَمَلَ، فقال:
العُجْبُ درجاتٌ منها أن يُزَيَّنَ لِلْعَبْدِ سُوءٌ عَمَلِه فَيَراهُ حَسَناً فَيُعْجِبهُ
وَيَحْسَبُ أنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً وَمِنْها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله عز
وجل ولله عليه فيه المن"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر،
باب العجب، ح 3 ). [83] الشرح ( الوسائل في مقصد العبادات، باب
تحريم الإعجاب بالنفس، ويقول العلامة المجلسي،"من الممكن أن يكون (
أبــو الحسن ) المذكور في هذا الحديث الشريف هو الإمام الرضا عليه
السلام لأن علي بن سويـد يروي عنهما كليهما ( عليهما السلام ) الإمام
موسى بن جعفر والإمام الرضا وإن يروي عن الكاظم عليه السلام أكثر من
روايته عن الإمام الرضـا عليه السلام. عفـى الله عنه"): العُجْب:هو
عبارة حسب ما ذكره العلماء رضوان الله عليهم عن:"تعظيم العمل الصالح
واستكثاره والسرور والابتهاج به، والتغنج والدلال بواسطته، واعتبار
الإنسان نفسه غير مقصرٍّ‎ وأما السرور بالعمل مع التواضع والخضوع لله
تعالى وشكره على هذا التوفيق وطلب المزيد منه، فإنه ليس بعجب بل هو
أمر ممدوح. ينقل المحدّث العظيم مولانا العلامة المجلسي طاب ثراه، عن المحقق
الخبير والعالم الكبير الشيخ بهاء الدين العامل رضوان الله عليه ( نقلاً عن بحار
الأنوار، المجلد 72، ص 306 ) أنه قال:"لا ريب في أن من عمل أعمالا
صالحة من صيام الأيام، وقيام الليالي، وأمثال ذلك يحصل لنفسه ابتهاج. فإن
كان من حيث كونها عطية من الله له، ونعمة منه تعلى عليه، وكان مع ذلك
خائفاً من نقصها شفيقاً من زوالها، طالباً من الله الازدياد منها، لم يكن ذلك
الابتهاج عُجباً. وإن كان من حيث كونها صفته وقائمة به ومضافة إليه،
فاستعظمها وركن إليها ورأي نفسه خارجا عن حدّ التقصير، وصار كأنّه
يمن على الله سبحانه بسببها فذلك هو العُجْب". [84] أقول، وأنا الفقير:
إن تفسير العُجب بالصورة التي ذكروها صحيح، ولكن يجب اعتبار العمل
أعم من العمل الباطني والظاهري، القلبي والشكلي، وكذلك أعم من العمل
القبيح والعمل الحسن. وذلك لأن العُجب مثلما يدخل على أعمال الجوارح،
يدخل أيضا على أعمال الجوانح فيفس دها، وكما أن صاحب الفضيلة
الحسنة يعجب بخصالة، كذلك يكون ذو العمل الشنيع أيضا، أي أنه يعجب
بخصلة، كما صرّح بهذا، الحديث الشريف خصهما بالذكر لأنهما خافيان
عن نظر أغلب الناس. وسيأتي ذكرهما إن شاء الله. ويجب أن تعلم أيضاً أن
السرور الخالي من العُجب والذي اعتبروه من الصفات الممدوحة إنما يلاحظ
بحسب نوعه، كما سيأتي بيانه في فصل من الفصول اللاحقة. واعلم أن
للعُجب، كما وردت الإشارة إليه في الحديث الشريف، درجات: الدرجة
الأولى: العـُجـْب بالإيمان والمعارف الحقّة، ويقابله العجب بالكفر
والشرك والعقائد الباطلة. الدرجة الثانية: العـُجب بالملكات الفاضلة
والصفات الحميدة ويقابله العجب بسيئات الأخلاق وباطل الملكات.
الدرجة الثالثة: العـُجب بالأعمال الصالحة والأفعال الحسنة ويقابلها العجب
بالأعمال القبيحة والأفعال السيئة. وهناك درجات أخرى غير ولكنه ليست
في هذا المقام. ونحن إن شاء الله سنشير ضمن فصول لاحقة، إلى تلك
الدرجات ومنشئها وما يمكن أن يكون علاجا لها. وبه نستعين. فصل في
مراتب العجب اعلم ( في هذا الفصل نشرح العُجب في الخصال الحسنة،
وسنشرح في بعض الفصول القادمة، العُجب بالخصال التي تقابل الصفات
الحسنة. أيضا ( منه عفى عنه ) أن لكل واحدة من الدرجات الآنفة الذكر
من العجب مراتب يكون [85] بعض هذه المراتب واضحة وبيِّنة ويمكن
للإنسان الإطلاع عليها بأقل تنبه والتفاوت. وبعضها الآخر دقيق وخفيّ
للغاية بحيث لا يمكن للإنسان أن يدركها ما لم يفتش ويدقّق بصورة
صحيحة. كما أن بعض مراتبها أشدّ وأصعب وأكثر تدميراً من بعضها
الآخر. المرتبة الأولى: وهي أشدّ المراتب وأهلكها، حيث تحصل في الإنسان
بسبب شدة العُجْب حالة يمنّ معها في قلبه بإيمانه أو خصاله الحميدة الأخرى
على ولي نعمته ومالك الملوك، فيتخيل أن الساحة الإلهية قد اتسعت بسبب
إيمانه، أو أن دين الله قد أكتسب رونقاً بذلك أو أنه بترويجه للشريعة أو
بإرشاده وهدايته أو بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أو بإقامته الحدود، أو
بمحرابه ومنبره، قد أضفى على دين الله بهاءً جديداً، أو أنه بحضوره جماعة
المسلمين، أو بإقامة مجالس التعزية لأبي عبدالله عليه السلام قد أضفى على
الدين جلالا، لذلك يمنّ على الله وعلى سيد المظلومين وعلى الرسول الأكرم
صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يظهر لأحد هذا المعنى، إلاّ أنه يمنّ في
قلبه. ومن هنا ومن هذا الباب بالذات تنشأ المنّة على عباد الله في الأمور
الدينية، كأن يمنّ على الضعفاء والفقراء بإعطائهم الصدقات الواجبة والمستحبة
ومساعدتهم، وأحيانا تكون هذه المنّة خافية حتى على الإنسان نفسه ( وقد
تقدم في الحديث الثاني شرح عدم إمكان امتنان الإنسان على الله، وإنا يمنّ
الله على الناس جميعا ). المرتبة الثانية: وهي التي يتدلل فيها الإنسان ويتغنج
بواسطة العُجب على الله تعالى وهذه غير المنّة، ولو أن البعض لم يفرّق بينهما.
أن صاحب هذا المقام يرى نفسه محبوبا لله تعالى، ويرى نفسه في سلك
المقرَّبين والسابقين، وإذا جيء باسم وليّ من أولياء الله أو جرى حديث عن
المحبوبين والمُحبين أو السالك المجذوب، اعتقد في قلبه أنه من أولئك. وقد
يبدي التواضع رياء وهو خلاف ذلك، أو أنه لكي يثبت ذلك المقام لنفسه
ينفيه [86] عن نفسه بصورة تستلزم الإثبات. وإذا ما ابتلاه الله تعالى ببلاء،
راح يعلن أن"البـَلاءَ لِلْوَلاءِ". إن مدعي الإرشاد من العرفاء والمتصوفة
وأهل السلوك والرياضة أقرب إلى هذا الخطر من سائر الناس. المرتبة الثالثة:
أن يرى العبد نفسه وبواسطة الإيمان أو الملكات أو الأعمال، دائنا لله وأنه
بذلك يكون مستحقا للث واب، ويرى واجباً على الله أن يجعله عزيزاً في هذا
العالم، ومن أصحاب المقامات في الآخرة، ويرى نفسه مؤمناً تقياً وطاهراً،
وكلما جاء ذكر المؤمنين بالغيب، قال في نفسه:"حتى لو عاملني الله بالعدل،
فإني أستحق الثواب والأجر"بل يتعدى بعضهم حدود القبح والوقاحة
ويصرّح بهذا الكلام. وإذا ما أصابه بلاء وصادفه ما لا يرغب، فإنه يعترض
على الله في قلبه، ويتعجب من أفعال الله العادل، حيث يبتلي المؤمن الطاهر،
ويرزق المنافق، ويغضب في باطنه على الله تبارك وتعالى وتقديراته، ولكنه
يظهر الرضا في الظاهر، ويصبُّ غضبه على ولي نعمته، ويظهر الرضا بالقضاء
أمام الخلق. وعندما يسمع أن الله يبتلي المؤمنين في هذه الدنيا، يسلّي نفسه
بذلك في قلبه، ولا يدري بأن المنافقين المبتلين كثيرون أيضاً وليس كل مُبْتَلٍ
مؤمناً. المرتبة الرابعة هي أن يرى الإنسان نفسه مُتميزاً عن ائر الناس
وأفضل منهم بالإيمان، وعن المؤمنين بكمال الإيمان، وبالأوصاف الحسنة عن
غير المتصفين بها، وبالعمل بالواجب وترك المحرَّم عمّا يقابل ذلك، كما أنّه
يرى في عمل المستحبات والتزام الجمعة والجماعات والمناسك الأخرى وترك
المكروهات يرى نفسه أكمل من عامة الناس، وأن له امتيازاً عليهم، فيثق
بنفسه وبأعماله، ويرى سائر الخلق زبداً ناقصين، وينظر إلى سائر الناس بعين
الاحتقار، ويطعن بقلبه أو بلسانه في عباد الله ويعيبهم، ويبعد كل شخص
بصورة مّا عن ساحة رحمة الله، ويجعل الرحمة خالصة له ولأمثاله. [87]
ومثل هذا الإنسان يصل إلى درجة بحيث يناقش كل عمل صالح يراه من
الناس، ويخدشه بقلبه على نحو ما، ويرى أعماله خالصة من ذلك الاعتراض
والنقاش ولا يرى الأعمال الحسنة من الناس شيئاً ولكن إذا صدرت هذه
الأعمال نفسها عنه يراها عظيمة. إنه يعرف جيدا عيوب الناس وهو غ افل
عن عيوبه. هذه علامات العُجْب، وإن كان الإنسان نفسه قد يكون غافلاً
عنها، وللعُجب درجات أخرى، لم أذكر بعضها، وأكون غافلاً عن بعضها
الأخر حتماً. فصل إن أهل الفساد يُعجبون بفسادهم يصل أهل الكفر
والنفاق والمشركون والملحدون وذوو الأخلاق القبيحة، والملكات الخبيثة
وأهل المعصية والعصيان، أحياناً إلى درجة الإعجاب بغرورهم وزندقتهم تلك،
أو بسيئات أخلاقهم وموبقات أعمالهم، ويسرّون بها، ويرون بها أنفسهم من
ذوي الأرواح الحرة، الخارجة عن التقليد وغير المعقّدة بالأوهام والخرافات،
ويرون أنفسهم أولي شهامة ورجولة، ويتصورون أن الإيمان بالله من الأوهام،
وأن التعبد بالشرائع من ضعف العقل وصغره، ويرون أن الأخلاق الحسنة
والملكات الفاضلة، هي من ضعف النفس والمسكنة، ويحسبون أن الأعمال
الحسنة والمناسك والعبادات هي من ضعف الإدراك ونقصان الإحساس،
ويرون أن أنفسهم ستحق المدح والثناء، بسبب الروح الحرة التي لا تعتقد
بالخرافات ولا تبالي بالشرائع. لقد تأصلت في قلوبهم الخصال القبيحة والسيئة
وأصبحوا يأنسون بها، وبها امتلأت أعينهم وآذانهم فرأونا حسنة، وتصوروها
كمالاً مثلما وردت الإشارة إلى ذلك في هذا الحديث الشريف حيث
قال:"العُجْبُ دَرَجَاتٌ، مِنْهَا أنْ يُزَيّنَ لِلْعَبْدِ سُوءُ عَمَلِهِ فَيَراهُ حَسَنَاً فَيُعْجِبُهُ
وَيَحْسَبُ أنَهُ يُحْسِنُ صَنْعَاً"وهذه إشارة إلى قول الله تعالى {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ
سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ...}(فاطر8). وكما يقول {وَيَحْسَبُ أَنَهُ يُحْسِنُ
صَنْعاً} يشير إلى قول الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ
ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَزْنًا} (الكهف 103-105). تلك المجموعة من الناس الذين هم في الواقع
جهلة ويحسبون أنفسهم علماء، أولئك هم أكثر الناس مسكنة وأسوأ الخلائق
حظّاً، أولئك يعجز أطباء النفوس عن علاجهم ولا تؤثر فيهم الدعوة
والنصيحة، بل قد تعطي أحياناً نتيجة عكسية. أولئك لا يعون الدليل بل
يسدّون أسماعهم عن هداية الأنبياء عليهم السلام وبرهان الحكماء ومواعظ
العلماء. وعليه فتجب الاستعاذة بالله من شرّ النفس ومكائدها التي تجر
الإنسان من المعصية إلى الكفر ومنه إلى العُجْب به. إن النفس والشيطان،
بتهوينها بعض المعاصي، يلقيان بالإنسان في المعصية، وبعد تأصيلها في قلبه
وتحقيرها في عينه يبتلى الإنسان بمعصية أخرى أكبر قليلاً من الأولى، ومع
التكرار تسقط المعصية الثانية من النظر وتبدو صغيرة وهيِّن في عين الإنسان،
فيبتلى بما هو أعظم. وهكذا يسير الإنسان نحو الهاوية خطوة فخطوة، وشيئا
فشيئا فتصغر كبائر المعاصي في عينه إلى أن تسقط جميع المعاصي في نظرة،
فيستهين بالشريعة والقانون الإلهي، ويؤول عمله إلى الكفر والزندقة
والإعجاب بهما. وقد يأتي الحديث عن ذلك فيما يأتي. فصل في بيان أن
حيل الشيطان دقيقة وعلى غرار ما يتدرج عمل أولي العُجب بالمعاصي من
مرتبة إلى أخرى حتى يصل إلى الكفر والزندقة، كذلك يتطور العجب
بالطاعات من العجب في الدرجة الناقصة إلى الدرجة الكاملة، فتصبح مكائد
النفس والشيطان في القلب على أساس تخطيط ودراسة. إن الشيطان لا يمكن
أبدا أن يعهد إليكم، أنتم المتقون الخائفون من الله، مهمة قتل النفس أو الزنا،
أو أن يقترح على الشخص الذي يتمتع بالشرف وطهارة النفس، السرقة أو
قطع الطريق، فلا يمكن أن يقول لك منذ البداية بأن مُنَّ على الله ب هذه
الأعمال أو ضع نفسك في زمرة المحبوبين والمحبين والمقرّبين من [89] الحضرة
الإلهية. وإنما يبدأ الأمر بالخطوة الأولى ثم يشق طريقه في قلوبكم، فيدفعكم نحو
الحرص الشديد على التزام المستحبات والأذكار والأوراد. وفي غضون ذلك
يزين أمامكم بما يناسب حالكم، عملا واحدا من أهل المعصية، ويوحي لكم
بأنكم بحكم الشرع والعقل أفضل من هذا الشخص، وأن أعمالكم موجبة
لنجاتكم، وأنكم بحمد الله طاهرون بعيدون عن المعاصي ومبرءون منها،
فيتحصل من هذه الإيحاءات نتيجتين: الأولى: هي سوء الظن بعباد الله،
والأخرى: العـُجب بالنفس. وكلاهما من المهلكات ومن معين المفاسد.
قولوا للشيطان والنفس: قد تكون لهذا الشخص المبتلي بالمعصية، حسنات، أو
أعمال أخرى فيشمله الله تعالى بها بوافر رحمته، ويجعل نور تلك الحسنات
والأعمال مناراً يهديه فيؤول عمله إلى حسن العاقبة. ولعل الله قد ابتلى هذا
لشخص بالمعصية لكي لا يبتلى بالعُجب، الذي يعدّ أسوأ من المعصية. مثلما
ورد في الحديث الشريف المنقول في الكافي، عن أبي عبدالله، قال:"إِنَّ اللهَ عَلِمَ
أن الذنب خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ العُجبِ ولولا ذلكَ ما ابْتَلى مؤمِناً بِذَنْبٍ أَبداً"(
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العجب، ح 1 ص
212 ) ولعل عملي أنا يؤول إلى سوء العاقبة بسبب سوء الظن هذا. وكان
شيخنا الجليل العارف الكامل الشاه آبادي"روحي فداه"يقول: "لا تعيبوا
على أحد، حتى في قلوبكم، وإن كان كافرا، فلعل نور فطرته يهديه،
ويقودكم تقبيحكم ولومكم هذا إلى سوء العاقبة إن الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر غير التعبير القلبي"بل كان يقول:"لا تلعنوا الكفار الذين لا يعلم
بأنهم رحلوا عن هذا العالم وهم حال في حال الكفر، فلعلهم اهتدوا في أثناء
الرحيل فتصبح روحانيتـهم مانعا لرقيكم". و على أي حال، فإن النفس
والشيطان، يدخلانكم في المرحلة الأولى من العُجب وقليلا قليلا ينقلانكم من
هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى، ومن هذه الدرجة إلى درجة أكبر إلى أن يصلا
بالإنسان في النهاية إلى المقام الذي يمنُّ فيه على ولي نعمته ومالك الملوك،
بإيمانه أو أعماله ويصل عمله إلى أسفل الدرجات. [90] فصل في مفاسد
العُجْب اعلم أن العجب بنفسه من المهلكات والموبقات ومما يحبط إيمان
الإنسان وأعماله ويفسدها، كما يجيب الإمام عليه السلام الراوي عندما يسأله
في هذا الحديث الشريف عن العُجْب الذي يفسد العمل فيحدد عليه السلام أن
درجة منه هي العجب في الإيمان. وقد سمعت في الحديث السابق أن العجب
أشد من الذنب في حضرة الله تعالى. ولهذا قد يبتلي الله سبحانه المؤمن بالمعصية
لكي يصبح آمنا من العجب. وكذلك الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله
وسلم يعتبر العجب من المهلكات. وفي أمالي الصوق، عن أمير المؤمنين عليه
السلام أنه قال:"مـَنْ دَخَلَهُ العُجْب هَلَكَ"( وسائل الشيعة، المجلد الأول،
الباب 3 من أبواب مقدمة العبادات ح 18 ) وصورة هذا السرو - الحاصل
من العجب - في البرزخ وما بعد الموت، تكون موحشة ومرعبة جدا، ولا
نظير لها في الهول. وأوضح ما يشير إلى ذلك قول الرسول الأكرم صلى الله عليه
وآله وسلم في وصيته لأمير المؤمنين عليه السلام:"ولا وَحْدَةَ أَوْحَشَ من
العُجْبِ"( وسائل الشيعة، المجلد الأول، الباب 23 من أبواب مقدمة العبادات
ح 8 ). سأل موسى ين عمران على نبينا وآله وعليه السلام
الشيطان:"أَخْبَرْنِي بِالْذَّنْبِ الَّذي إِذَا ارتَكَبَهُ ابنُ آدَمِ إِسْتَحْوَذتَ عَلَيه، قال:
إِذا أَعْجَبَتْهُ نَفْسُه، واسْتكْثَر عَمَلَهُ، وَصَغُر فِي عَيْنِه ذَنْبُه"( أصول الكافي،
المجلد الثاني، كتاب الإيمان، باب العجب، ح 8 ). وقال: قال الله تعالى لداود
عليه السلام:"يا داودَ بَشِّرِ المُذْنِبينَ وأُنْذِرِ الصِّدّيقِينَ"قال: يا ربّ كَيْفَ أُبَشِّر
المُذْنِبينَ وأُنْذِر الصِّدِّيقين؟ قال:"يا داود بَشِّر المُذْنبينَ أَنِي أَقْبَلُ التّوْبَةَ وأَعْفُو
عَنِ الذَّنب. وأُنْذِرِ الصِّدِّيقينَ أَلاّ يُعْجِبُوا بِأَعْمالِهِمْ، فَإِنهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَنْصِبُهِ
لِلْحِسابِ إِلاّ هَلَكَ"( خصال الصدوق، باب الثلاثة، ح 86 ) أعوذ بالله
تعالى من المناقشة في الحساب التي تهلك الصديقين ومن هو أعظم منهم.
[91] ينقل الشيخ الصدوق في الخصال مسندا إلى الإمام الصادق أن الشيطان
يقول:"إذا ظَفَرْتُ بِابنِ آدَمَ فِي ثَلاثٍ فَلا يُهِمّنِي عَمَلَهُ بَعْدَ ذلِكَ لأنَّه لَنْ
يُقْبَلَ مِنهُ: إِذا اسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ، وَنَسِيَ ذَنْبَهُ، وَتَسَرَّبَ إِلَيهِ العُجْبُ"! ( خصال
الصدوق، باب الثلاثة، ح 86 ). يضاف على ما سمعت من مفاسد العجب،
نه شجرة خبيثة، نتاجها الكثير من الكبائر والموبقات. فعندما يتأصل العجب في
القلب، يجرّ عمل الإنسان إلى الكفر والشرك وإلى ما هو أعظم من ذلك. ومن
مفاسده استصغار المعاصي. بل إن ذا العجب لا ينهض لإصلاح نفسه ويظن
أن نفسه زكية طاهرة، فلا يخطر على باله أبدا أن يطهرها من المعاصي، لأن
ستار الإعجاب بالنفس وحجابه الغليظ يحول بينه وبين أن يرى معايب نفسه.
وهذه مصيبة، إذ أنها تحجز الإنسان عن جميع الكمالات، وتبتليه بأنواع
النواقص، وتؤدي بعمل الإنسان إلى الهلاك الأبدي، ويعجز أطباء النفوس عن
علاجه... ومن مفاسده الأخرى أنها تجعل الإنسان يعتمد على نفسه في
أعماله، وهذا ما يصبح سببا في أن يحسب الإنسان الجاهل المسكين نفسه في
غنى عن الحق تعالى، ولا يرى عليه فضل الحق تعالى، ويرى - بحسب عقله
الصغير - أن الحق تعالى ملزم بأن يعطيه الأجر والثواب، ويتوهم أنه حتى لو
عومل بالعدل أيض ا لاستحق الثواب، وسيأتي فيما بعد ذكر هذا الأمر إن
شاء الله. ومن مفاسد العجب الأخرى، أن ينظر الإنسان باحتقار إلى عباد الله،
ويحسب أعمال الناس لا شيء وإن كانت أفضل من أعماله، فتكو ن هذه
النظرة وسيلة لهلاك الإنسان أيضاً، وشوكة في طريق خلاصه ونجاته. ومن
مفاسده الأخرى، أنه يدفع الإنسان إلى الرياء، لأن الإنسان بصورة عامة إذا
استصغر أعماله - وجدها لا شيء - ووجد أخلاقه فاسدة، وإيمانه لا
يستحق الذكر، وعندما لا يكون معجبا بنفسه ولا بصفاته ولا بأعماله، بل
وجد نفسه وجميع ما يصدر عنها سيئاً وقبيحاً، لا يطرحها ولا يتظاهر بها،
فإن البضاعة الفاسدة تكون [92] سيئة وغير صالحة للعرض. ولكنه إذا رأى
نفسه كاملا وأعماله جيدة، فإنه يندفع إلى التظاهر والرياء، ويعرض نفسه على
الناس. يجب اعتبار مفاسد الرياء المذكورة في الحديث الثاني من مفاسد
العجب أيضا. وهناك مفسدة أخرى هي أن ذه الرذيلة تؤدي إلى رذيلة الكبر
المهلكة، وتبعث على ابتلاء الإنسان بمعصية التكبر - وسيأتي إن شاء الله ذكر
الحديث عنها فيما بعد -. تنشأ من هذه الرذيلة مفاسد أخرى أيضا بصورة
مباشرة وغير مباشرة وشرح ذلك يوجب التفصيل. فليعلم المعجب أن هذه
الرذيلة هي بذرة رذائل أخرى، ومنشأ لأمور بشكل كل واحد منها سببا
للهلاك الأيدي والخلود في العذاب. فإذا عرف هذه المفاسد بصورة صحيحة
ولاحظها بدقة، ورجع إلى الأخبار والآثار الواردة بشأنها عن الرسول الأكرم
صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت ذلك القائد صلوات الله عليهم أجمعين،
فمن المحتم أن يعتبر الإنسان نفسه ملزما بالنهوض لإصلاح النفس، وتطهيرها
من هذه الرذيلة واستئصال جذورها من باطن النفس، لئلا ينتقل لا سمح الله
إلى العالم الآخر وهو بهذه الصفة، وإنه حينما يغمض عينيه المادية الملكوتية،
ويشرق عليه سلطان البرزخ والقيامة، يرى أن حال أهل كبائر المعاصي أفضل
من حاله حيث غمرهم الله برحمته الواسعة بسبب ندمهم أو بسبب ما كان
لديهم من رجاء بفضل الله تعالى. وأما هذا المسكين الذي رأى نفسه مستقلا،
وحسبها في باطن ذاته غنية عن فضل الله، فيرى بأن الله تعالى حاسبه لذلك
حسابا عسيرا، وأخضعه لميزان العدل كما أراد، وأفهمه بأنه لم يقم بأية عبادة
لله تعالى، وأن جميع عباداته أبعدته عن الساحة المقدسة، وأن كل أعماله وإيمانه
باطل وتافه. بل وأن تلك الأعمال والعبادات نفسها هي سبب الهلاك وبذرة
العذاب الأليم ورأس مال الخلود في الجحيم. الويل لمن يعامله الباري تعالى
بعدله، فإذا ما عومل الناس مثل هذا التعامل ما نجا أحد من الأولين والآخرين.
إن مناجاة صفوة الله - من الأنبياء والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم -
مشحونة بالاعتراف بالتقصير والعجز عن القيام بالعبودية. وعندما يعلن رسول
الله محمد صلى الله عليه 93] وآله وسلم أفضل الكائنات وأقربها إلى الله
قائلا:"مَـا عَرَفناكَ حقَّ معْرِفَتِكَ وما عَبَدْناكَ حقَّ عِبادَتِكَ"فماذا سيكون
حال سائر الناس؟.. نعم إنهم العارفون بعظمة الله تعالى، العالمون بحقيقة
نسبة"الممكن"إلى "الواجب"إنهم يعلمون، أنهم لو قضوا جميع أعمارهم في
الدنيا بالعبادة والطاعة والتحميد والتسبيح، لما أدّوا شكر نعم الله، فكيف يمكن
أداء حق الثناء على ذاته وصفاته المقدسة؟، إنهم يعلمون أن ليس لموجود
شيء. فالحياة والقدرة والعلم والقوة وسائر الكمالات الأخرى هي ملك
لكماله تعالى، و"الممكن"فقير، بل فقر محض يستطل بظله تعالى، وليس
بمستقل بذاته. أيّ كمالٍ يملكه"الممكن"بنفسه لكي يتظاهر بالكمال؟، وأية
قدرة يمتلكها لكي يتاجر بها؟ أولئك العارفون بالله وبجماله وجلاله شاهدوا
شهود عيان نقصهم وعجزهم وشاهدوا كمال"الواجب"تعالى، وإنما نحن
المساكين الذين قد ران حجاب الجهل والغفلة والعجب والمعاصي على قلوبنا
وقوالبنا وغشى أبصارنا وأسماعنا وعقولنا وكافة قوانا المدركة بحيث أخذنا
نستعرض عضلاتنا في مقابل قدرة الله القاهرة، ونعتقد أن لنا استقلالاً وشيئية
بذواتنا. أيها"الممكن"المسكين الجاهل بنفسك وبعلاقتك بالله!،
أيها"الممكن"السيّئ الحظ الغافل عن واجباتك إزاء مالك الملوك! إن هذا
الجهل هو سبب جميع ما يلحقك من سوء التوفيق، وهو الذي ابتلانا بجميع هذه
الظلمات والمكدّرات. أن الفساد قد ينشأ من الأساس، وأن تلوّث الماء قد
يكون من المعين. إن عيون معارفنا عمياء، وقلوبنا ميته، وهذا سبب جميع
المصائب ولكننا مع كل ذلك لسنا حتى بصدد إصلاح أنفسنا!. اللهم تفضل
علينا بتوفيق التوبة، وعرفنا أنت بواجباتنا، وتفضل علينا بنصيب من أنوار
معارفك التي ملأت بها قلوب العرفاء والأولياء، أظهر لنا إحاطة قدرتك
وسلطتك، وعرفنا بنواقصنا. فهّمْنا نحن الماكين الغافلين الذين ننسب جميع
المحامد إلى الخلق فَهّمنا معنى"الحمدُ لله رّبِّ العالَمِينَ"عرّف قلوبنا بأن ليست
هناك محمدة من مخلوق. أظهر لنا حقيقة {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا
أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ...}(النساء/79). أدخل كلمة التوحيد إلى
قلوبنا القاسية الكدرة، نحن [94] أهل الحجاب والظلمة، وأهل الشرك
والنفاق، نحن الأنانيون، عبّاد النفس، المعجبون بها، أخرج من قلوبنا حب
النفس وحب الدنيا، واجعلنا عشّاقاً لله وعبّاداً لك [إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ
قَدِير]. فصل في بيان أن حُـبّ النفس أساس العُجْب اعلم أن رذيلة العُجب
تنشأ من حب النفس، لأن الإنسان مفطور على حب الذات، فيكون أساس
جميع الأخطاء والمعاصي الإنسانيـة والرذائل الأخلاقية، حب النفس. ولهذا
فإن الإنسان يرى أعماله الصغيرة كبيرة، وبذلك يرى نفسه من الصالحين ومن
خاصة الل ه ويرى نفسه مستحقاً للثناء ومستوجباً للمدح على تلك الأعمال
الحقيرة التافهة. بل ويحدث أحياناً أن تلوح لنظرة قبائح أعماله حسنة وإذا ما
رأى من غيره أعمالا أفضل وأعظم من أعماله فلا يعيرها أهمية، ويصف
أعمال الناس الصالحة بالقبح، وأعماله السيئة القبيحة بالحسنة. يسيء الظن
بخلق الله ولكنه يحسن الظن بنفسه، وبسبب حبه لنفسه يرى بعمله الصغير
الممزوج بآلاف القذارات المبعدة عن الله، أن الله مدين له وأنه يستوجب
الرحمة. فلنفكر الآن قليلا في أعمالنا الصالحة ولنحكِّم العقل قليلا في الأفعال
العبادية الصادرة عنّا، ولننظر إليها بعين الإنصاف، لنرى هل أننا نستحق بها
المدح والثناء والثواب والرحمة، أو أننا جديرون باللوم والعتاب والغضب
والنقمة؟ وإذا ما أحرقنا الله بسبب هذه الأعمال، التي نراها حسنة، بنار القهر
والغضب ألا يكون ذلك عدلاً؟... إني أحكّمكم في هذا السؤال الذي
أطرحه، أريد منكم الجواب عليه بإنصاف -بعد إعمال الفكر والتأمل -.
والسؤال هو أنه إذا أخبركم الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله وسلم، وهو
الصادق المصدق، إنكم إذا عبدتـم الله طوال عمركـم وأطعتم أوامره
وتركتم شهوات النفـس ورغباتـها، أو تركتم عبادته وعملتم على خلاف
توجيهاته سبحانه وتعالى وعلى أساس رغبات النفس وشهواتها طيلة حياتكم،
إذا أخبركم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنكم سيّان - في كلتا [95]
الحالتين - لن تختلف درجاتكم في الآخرة إنكم على كل حال الناجون
وستذهبون إلى الجنة وتأمنون من العذاب، فلا فرق - حسب الفرض - بين أن
تصلوا أو تزنوا، ولكن مع ذلك يكون رضا الله تعالى في عبادته والثناء عليه
وحمده، والابتعاد عن الشهوات والرغبات النفسانية في هذا العالم، مع عدم
الإثابة على الطاعة. فهل كنتم تصبحون من أهل المعصية أو من أهل العبادة؟
هل كنتم تتركون الشهوات وتحرمون على أنفسكم اللذات النفسانية من أجل
رضا الله تعالى والرغبة فيه، أو لا؟ هل كنتم باقين من المتوسلين إليه تعالى
بالمستحبات والجمعة والجماعات؟ أو كنتم تغرقون في الشهوات وتلازمون
اللهو واللعب والملاهي وغير ذلك؟ أجيبوا بإنصاف ودون تظاهر ورياء. إنني
أعلن عن نفسي وعمن هو على شاكلتي بأنّا كنّا نصبح من أهل المعصية ونترك
الطاعات ونعمل بالشهوات النفسانية. وبعد ما تقدم نستنتج أن جميع أعمالنا
هي من أجل اللذات النفسانية ومن أجل الاهتمام بالبطن والفرج. إننا عُبّاد
للبطن وعُبّاد للشهوة، ونترك لذة صغيرة، للذة أعظم وإن وجهة أنظارنا وقبلة
آمالنا هي فتح بساط الشهوة. إن الصلاة التي هي معراج القرب إلى الله نؤديها
قربة لنساء الجنة ولا علاقة لها بالقرب إلى الله، ولا علاقة لها بطاعة الأمر، وهي
بعيدة آلاف الفراسخ عن رضا الله. أيها المسكين الغافل عن المعارف الإلهية، يا
من لا تهم سوى إرادة شهوتك وغضبك، أنت المتوسل بالأذكار والأوراد
والمستحبات والواجبات، والتارك للمكروهات والمحرّمات والمتخلق بالأخلاق
الحسنة، والمتجنب لسيئات الأخلاق، ضع أعمالك أمام عين الإنصاف، أتقوم
بها لأجل الوصول إلى الشهوات النفسانية والجلوس على سرر مطعّمة
بالزبرجد، ومعانقة الضحوكات والدعوبات في الجنة، ارتداء الحرير
والإستبرق، والسكنى في القصور الفارهة الجميلة، والوصول إلى الأماني
النفسية؟ أفينبغي أن تمن بهذه الأعمال على الله وهي جميعا لأجل النفس ومن
أجل عبادتها، وتعدّها عبادة لله؟ هل يختلف حالكم عن ذلك الأجير الذي
ينجز عملا من أجل الأجر، ثم يقول: إنني أنجزت ذلك العمل لأجل صاحب
العمل فحسب؟ أفلا تكذبوه؟ ألستم كاذبين حينما تقولون: إننا نصلّي تقرباً
إلى الله تعالى؟ ألأجل التقرب [96] إلى الله هذه الصلاة أو لأجل التقرب
لنساء الجنة وإشباع الشهوة؟ أقولها صراحة ، إن جميع عباداتنا هذه لهي من
كبائر الذنوب عند العرفاء بالله وأولياء الله. أيها المسكين! أنت في حضرة الله
جلّ جلاله، وفي محضر الملائكة المقربين، تعمل خلاف رضا الله تعالى، والعبادة
التي هي معراج القرب من الله، تؤديها لأجل النفس الأمّارة بالسوء ولأجل
الشيطان، وعندها لا تستحي أن تكذب في العبادة عدة أكاذيب في حضرة
الربّ والملائكة المقربين وتفتري عدة افتراءات، وتمنّ وتعجب وتتدلل أيضا،
ولا تخجل بعد كل ذلك! بماذا تختلف عبادتي هذه وعبادتك عن معصية أهل
العصيان، وأشدها الرياء؟ فالرياء شرك وقبحه ناشئ من أنك لم تؤد العبادة
لأجل الله. جميع عباداتنا شرك محض ولا أثر فيها للخلوص والإخلاص، بل
حتى أن رضا الله لا يشترك في الدافع إلى إنجاز هذه العبادة فهي لأجل
الشهوات وإعمار البطن والفرج فحسب. أيها العزيز، إن الصلاة التي تكون
لأجل المرأة، سواء أكانت في الدنيا أم في الجة، لا تكون لله، الصلاة التي تكون
من أجل الحصول على أمال الدنيا أو آمال الآخرة، لا علاقة لها بالله فلماذا إذاً
تتدلل إلى هذا الحد، وتنظر إلى عباد الله بعين الاحتقار، و تحسب نفسك من
خواص الله تعالى؟ أيها المسكين! أنت بهذه الصلاة مستحق للعذاب
ومستوجب لسلسلة طولها سبعون ذراعا. فلماذا إذاً تحسب نفسك دائناً لله،
وتهيأ لنفسك بهذا التدلل والعُجْب عذابا آخر؟ أعمل الأعمال التي أُمرت بها،
واعلم أنها ليست لأجل الله، واعلم أن الله يدخلك الجنة بتفضله وترحمه، وأن
الله تعالى خفف عن عباده لضعفهم بالتجاوز عن نوع من الشرك وأسدل عليه
بغفرانه ورحمته حجاب ستره، فحاذر أن يتمزق هذا الحجاب وليبق حجاب
غفران الله على هذه السيئات التي أسميناها عبادة. فإذا حدث لا سمح الله أن
انطوت صفحتك هذه ورحلت من هذه الدنيا وجاءت صفحة العدل فإن
عفونة عبادتنا عندئذ لن تقل عن عفونة المعاصي وال موبقات التي يرتكبها أهل
المعصية. وقد أشرنا فيما مضى إلى حديث ينقله ثقة الإسلام الكليني في كتاب
( الكافي ) بسنده إلى الإمام الصادق عليه السلام، وهنا ننقل قسماً من هذا
الحديث بنصه تبركاً وتيمناً:"عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم قال الله عزّ وجلّ لداود عليه السلام: [يا داودُ بَشِّر
المُذْنِبينَ وَأَنْذِرِ الصِّدِّيقينَ. قال: كَيْفَ أُبَشِّرُ المُذْنِبينَ وَأُنْذِرُ الصِّدِّيقينَ؟ قال يا
داوُدُ بَشِّرِ المُذْنِبينَ أنّي أَقْبَلُ التَّوْبَةَ وَأَعْفُو عـَنِ الذَّنْب وَأَنْذِرِ الصِّدّيقينَ أَنْ
لا يُعْجِبُوا بِأَعْمالِهِم فَإِنّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَنْصِبُهُ لِلْحِسابِ إلاّ هَلَكَ] ( الكافي، المجلد
الثاني، باب العجب، ح1 ص 314 ). لأنه مستحق للعذاب وفق العدالة فإن
ثواب عبادات العبد لا تعادل شكر واحد من نعمائـه. فإذا علمت أّ
الصديقين، على الرغم من أنهم مُطهَّرون من الذنب والمعصية، جميعاً هالكون
في الحساب، فماذا نقول أنا وأنتم؟... هذا كله عندما تكون أعمالي وأعمالكم
خالصة من الرياء الدنيوي ومن الموبقات والمحرمات وقلما يحصل لنا خلوص
عمل من الرياء والنفاق. وعليه إذا استدعى العمل العُجب والتدلل والتغنج،
فافعل. وإذا أستدعى الخجل والتذلل والاعتراف بالتقصير فيجب عليك بعد
كل عبادة أن تنوب من تلك الأكاذيب التي قلتها في حضرة الله تعالى، ومما
نسبته إلى نفسك دون دليل. ألا ترى أن عليك أن تنوب من قولك وأنت
تقف أمام الله قبل الدخول في الصلاة: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام/79).، {قُلْ إِنَّ
صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(الأنعام//162). فهل
وجوهكم متوجهة إلى فاط ر السماوات والأرض؟ هل أنتم مسلمون وخالصون
من الشرك؟ هل صلاتكم وعبادتكم وحياتكم ومماتكم لله؟ ألا يبعث على
الخجل - بعد هذا - أن تقولوا في الصلاة [الحمدُ لله رَبِّ العالمين]؟ فهل
حقا تقرّون بأن المحامد كلها لله؟، في حين أنك تقرّون بالحمد لعبادة، بل
ولأعدائه؟، أليس قولكم [ربّ العالمين] يكون كذبا لأنكم تقرون في الوقت
نفسه بالربوبية لغيره تعالى في هذا العالم، أفلا يحتاج ذلك إلى التوبة والخجل؟.
وحينما تقول {إيّاك نَعْبُدُ وإيّاك نَسْتَعينُ} فهل تراك تعبد الله أم تعبد بطنك
وفرجك؟ هل أنت تطلب الله أو الحور العين؟ هل تطلب العون من الله فقط؟
إن الشيء الذي لا يأخذ بعين الاعتبار في الأعمال هو الله، وأنت إذا ذهبت إلى
زيارة [98] بيت الله، فهل أن مقصدك ومقصودك هو الله، وأن مطلبك
ومطلوبك هو صاحب البيت؟ وهل قلبك مترنم بقول الشاعر: وما حُبُّ الديار
شغفنَ قَلبي ولن حُبُّ من سكنَ الديارا أباحثٌ أنت عن الله؟ أتطلب
آثار جمال الله وجلاله؟ ألأجل سيد المظلومين تقيم العزاء؟ ألأجله عليه
السلام تلطم على رأسك وصدرك أم لأجل الوصول إلى آمالك وأمانيك؟
أهي بطنك التي تدفعك لإقامة مجالس العزاء، وشهوة الظهور هي التي
تدفعك للذهاب إلى صلاة الجماعة، وهوى النفس هو الذي يجرك للمناسك
والعبادة؟. فيا أيها الأخ، كن حذرا تجاه مكائد النفس والشيطان، وأعلم أنه
لن يدعك أيها المسكين بأن تؤدي عملا واحدا بإخلاص، وحتى هذه
الأعمال غير الخالصة التي تقبّلها الله تعالى منك بفضله، لا يدعك - الشيطان
- أن تصل بها إلى الهدف فيعمل عملاً تحبط به أعمالك كلها، وتخسر حتى
هذا النفع بسبب هذا العجب والتدلل في غير موقعه. وبغض النظر عن بُعد
الوصول إلى الله ورضاه، فإنك لن تصل إلى الجنة ولا إلى الحور العين، بل
تخلد في العذاب وتعذب بنار الغضب كذلك. أنت تظن أنك ب هذه
الأعمال المتفسخة المتعفنة الهزيلة الممزوجة بالرياء وطلب السمعة وألف
مصيبة أخرى التي تحول دون قبول العبادات كلها، تظن إنك بها تستحق
الأجر مَن الحق تعالى أو أنك أصبحت بها من المحبين والمحبوبين. أيها المسكين
الجاهل بأحوال! يا سيئ الحظ الذي لم يطلع على قلوب المحبين، وعلى لهب
شوقها تجاه الحق سبحانه، أيها المسكين الغافل عن حرقة المخلصين ونور
أعمالهم! أو تظن أن أعمالهم أيضا مثل أعمالي وأعمالك؟ أوَ تتوهم أن ميزة
صلاة أمير المؤمنين عليه السلام عن صلاتنا أنه عليه السلام كان
يمدّ"الضالـّين"أكثر أو أن قراءته أصحّ أو أن سجوده أطول وأذكاره
وأوراده أكثر؟ أو أن ميزة ذلك الرجل العظيم في أنه كان يصلّي عدة مئات
من الركعات ليلياً؟ أو تظن أن مناجاة سيد الساجدين علي بن الحسين هي
مثل مناجاتي ومناجاتك؟ وإنه كان [99] يتحرق ويتضرع بتلك الصورة
من أجل الحور العين والكمثرىوالرمان من نعم الجنة؟. أقسم به صلوات الله
وسلامة عليه ( وإِنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ ) لو أن المحبين كان بعضهم ظهيرا للبعض
الآخر، وأرادوا أن يتفوهوا بكلمة ( لا إله إلا اللهَ ) مرة واحدة بمثل ما كان
يقولها أمير المؤمنين عليه السلام لما استطاعوا. فكم أكون تعيساً وشقيا أن لا
أكون على خطى علي عليه السلام وأنا من العار فين لمقام ولاية علي عليه
السلام؟. أقسم بمقام علي بن أبي طالب عليه السلام، لو أن الملائكة المقربين
والأنبياء المرسلين - عدا الرسول الخاتم الذي يكون مولى علي وغيره-
أرادوا أن يكبروا مرة واحدة، تكبيرا على غرار ما كان يكبر علي عليه
السلام، لما استطاعوا. وأما الوقوف على قلوبهم فلا يعرف أحد شيئا إلا
حملة تلك القلوب وأصحابها!. فيا أيها العزيز! لا تتباهى بقربك من الله ولا
تبالغ في حبك له، أيها العارف، أيها الصوفي، أيها الحكيم، أيها المجاهد، أيها
المرت اض، أيها الفقيه، أيها المؤمن، أيها المقدس، أيها المساكين المبتلون يا
سيئي الحظ المغلوبين بمكائد النفس وهواها، أيها المساكين المبتلون بالآمال
والأماني وحب النفـس، كلكم مساكين، كلكم بعيـدون فراسخ عن
الإخلاص وعبادة الله، لا تحسنوا الظنّ بأنفسكم إلى هذا الحد، لا تتغنجوا ولا
تتدللوا. اسألوا قلوبكم: هل تبحث عن الله، أم تريد ذاتها؟ هل هي موحدة
وتطلب الواحد أم مشركة وتعبد أثنين؟ فماذا يعني إذاً كل هذا العُجب؟
ماذا يعني إذاً التعالي بالعمل إلى الحد؟ وهو إذا صحّت جميع أجزائه
وشروطه وخلا من الرياء والشرك والعُجْب وباقي المفسدات، فهدفه
الوصول إلى إشباع شهوات البطن والفرج، فما قيمته كي تنقله الملائكة؟
هذه الأعمال من القبائح والفجائع، وينبغي للإنسان أن يخجل منها
ويسترها... إلهي ... بك نعوذ نحن المساكين من شر الشياطين والنفس
الأمارة بالسوء، اللهم فاحفظنا من مكائدهم بحق محمد وآله. [101]
الحَديـــث الرَابـــــــع " الكــــــبر" [102]
بالسند المتّصل إلى محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى،
عن يونس، عن أبان، عن حكيم، قال:"سألت أبا عبدالله - عليه السلام - عَنْ
أَدْنَى الإِلْحَادِ، فَقَاَل: الكِبْرُ أَدْنَاهُ"("أصول الكافي"المجلد الثاني - كتاب الإيمان
والكفر - باب الكبر - ح 1 ) [103] الشرح: الكبر عبارة عن حالة نفسية
تجعل الإنسان يترفع ويتعالى على الآخرين. ومن إماراته تلك الأعمال التي
تصدر عن الإنسان، والآثار التي تبدو منه بحيث يقال عنه أنه متكبر. وهذه
الصفة هي غير العُجب، بل هي كما سبق قوله، صفة رذيلة وخبيثة، تنجم
عن العجب، لأن العجب هو الإعجاب بالذات، والكبر هو التعالي والتعاظم
على الناس. فعندما يتوهم الإنسان أي فيه صفة من صفات الكمال، تنتابه
حالة، هي مزيج من السرور والتدلّل والتغنّج وغيرها. هذه ه ي
صفة"العُجب"ولكونه يرى الآخرين لا يملكون تلك الصفة التي يتوهمها في
نفسه، ينتابه شعور آخر هو تصور التفوق والتقدم، وهذا يؤدي إلى التعاظم
والترفع، وهذه هي صفة"الكـِبـَر". إن كل هذه الحالات تكون في
القلب وفي الباطن، وتظهر آثارها على الظاهر، في الملامح وفي الأفعال وفي
الأقوال. وبهذا يصبح الإنسان مغروراً وإذا ازداد أصبح معجبا بنفسه،
وعندما يطفح إعجابه بنفسه يتعاظم ويترفع ويتكبر. واعلم أن الصفات
النفسانية، سواء أكانت من صفات النقص والرذيلة أم من صفات الكمال
والفضيلة، فإنها دقيقه ومبهمة جدّاً. ولهذا فإن التمييز بينها والتعرّف عليها
يكون في غاية الصعوبة، ولربما يقع الكثير من الاختلاف بين العلماء الأعلام
عند تحديدها، أو أنه يصعب وضع تعريف لهذه الصفة الوحدانية من دون أن
تصيبها منقصة. لذلك فمن الخير ترك هذه الأمور للوجدان نفسه، ونحرر
أنفسنا من [104] اصطناع لمفاهيم حتى لا نتخلف عن الهدف المقصود
والمنشود. فلا بد أن نعرف أن للكبر درجات تشبه الدرجات التي ذكرناها في
العجب. ويضاف عليها درجات أخرى ذات صلة بالعجب أعرضنا عن
ذكرها هناك لعدم أهميتها، ولكننا نتعرض إليها هنا لكونها مهمة فنقول: أما
الدرجات التي ورد شبيهها في العجب فهي أيضاً ست: 1-الكبر بسبب الإيمان
والعقائد الحقّة. ويقابله الكبر بسبب الكفر والعقائد الباطلة. 2-الكبر بسبب
الملكات الفاضلة والصفات الحميدة. ويقابله الكبر بسبب الأخلاق الرذيلة
والملكات القبيحة. 3-الكبر بسبب العبادات والصالحات من الأعمال. ويقابله
الكبر بسبب المعاصي والسيئات من الأعمال. وكل درجة من هذه يمكن أن
تكون وليدة مثيلتها من الدرجات العجب. وقد تكون وليدة سبب آخر سوف
تأتي الإشارة إليه فيما بعد. أما الذي نحن بصدده هنا على وجه الخصوص فهو
الكبر بسبب أمور خارجية، مثل الحسب والنسب والمال وا لجاه والرئاسة
وغيرها. ولسوف نشير إن شاء الله خلال الفصول اللاحقة إلى بعض مفاسد
هذه الرذيلة وعلاجها قدر الإمكان، سائلين الله تعالى التوفيق لحصول تأثير
ذلك فينا وفي الآخرين. فصل في بيان درجات الكبر اعلم أن للكبر، من منظور
آخر، درجات: الأولى: التكبر على الله تعالى. الثانية:التكبر على الأنبياء
والرسل والأولياء صلوات الله عليهم. الثالثة: التكبر على أوامر الله تعالى، وهذا
يرجع إلى التكبر على الله. [105] الرابعة: التكبر على عباد الله تعالى، وهذا
أيضا يراه أهل المعرفة راجعا إلى التكبر على الله. أما التكبر على الله فهو أقبحها
وأشدها هلكة ويأتي على رأس درجات الكبر، وتراه في أهل الكفر والجحود
ومدّعي الألوهية، وقد تراه أحيانا في بعض أهل الدين ولا يناسب ذكره هنا.
وهذا هو منتهى الجهل وعدم معرفة"الممكن"حدود نفسه وعدم معرفة
مقام"واجب الوجود". وأما التكبر على الأنبيء والأولياء، فكثيرا ما كان
يحصل في زمان الأنبياء قال تعالى على لسانهم: {... أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ...}
(المؤمنون47). وقال تعالى على لسان آخرين منهم: - {... لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا
الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} (الزخرف31). وفي صدر الإٍسلام
وقع الكثير من التكبر على أولياء الله، وفي هذا الزمان أيضاً نجد نماذج منه في
بعض المحسوبين على الإسلام. وأما التكبر على أوامر الله فيظهر في بعض
العاصين، كأن يمتنع أحدهم عن الحج بحجة أنه لا يستسيغ مناسكه من إحرام
وغيره. أو يترك الصلاة لأن السجود لا يليق بمقامه، بل قد يظهر ذلك أحيانا
عند أهل النسك والعبادة وأهل العلم والتدين، كأن يترك الآذان تكبرا، أو لا
يتقبل مقولة الحق إذا جاءت ممن هو قريب له أو دونه منزلة. فقد يسمع
الإنسان قولاً من زميل له فيردّه بشدة ويطعن في قائلـه، ولكنه إذا سمع ذلك
الق ول نفسه، من كبير في الدين أو الدنيا، قَـبِلَهُ ( لا يخفى أن لترك القبول
ناحيتان: إحديهما تكبر على أوامر الله. ثانيهما تكبر على عباد الله تعالى ( منه
عُفي عنه ). بل قد يكون جادا في ردّ الأول وجادّاً أيضا في قبول الثاني. إن
شخصا هذا شأنه لا يكون من طلاب [106] الحق، بل يكون تكبره قد
أخفى عنه الحق، وأعماه تملّقه لذاك الكبير وأصمّه. ومثل هذا التكبر يتصف به
أيضا من يترك تدريس علم أو كتاب باعتباره لا يليق به، أو يرفض تدريس
أشخاص لا مركزية لهم، أو لأن عددهم قليل، أو يترك صلاة الجماعة في
مسجد صغير ولا يقتنع بعدد من المأمومين حتى وإن علم أن في مثل تلك
الجماعة رضا الحق تعالى. وقد تصبح هذه الحال من الدقة بحيث أن صاحبها لا
يدرك أن عمله هذا يرجع إلى الكبر، إلاّ إذا تدارك الأمر بإصلاح نفسه وتخلّص
من مكائد هذه الحال. أما التكبر على عباد الله فأقبحه التكبّر على العماء بالله،
ومفاسده أكثر من كل شيء وأهم. ومن هذا التكبر رفض مجالسة الفقراء،
والتقدم في المجالس والمحافل، وفي المشي، وفي السلوك. وهذا النوع من التكبر
رائج وشائع بين مختلف الطبقات، ابتداء من الأشراف والأعيان والعلماء
والمحدّثين والأغنياء حتى الفقراء والمعوزين، إلاّ من حفظة الله من ذلك. إن
التمييز بين التواضع والتملّق، والتكبر والإباء يصبح أحياناً على درجة كبيرة من
الصعوبة، فلابُدَّ للإنسان أن يتعوذ بالله ليهديه إلى طريق الهداية، وإذا تصدّى
الإنسان لإصلاح نفسه وتحرك نحو المقصود، فإن الله تعالى سوف يشمله برحمته
الواسعة وييسّر له سبيل الهداية. فصل في الأسباب الأساسية للتكبر للكبر
أسباب عديدة ترجع كلها إلى توهم الإنسان الكمال في نفسه، مما يبعث على
العُجب الممزوج بحب الذات، فيحجب كمال الآخرين ويراهم أدنى منه ويترفع
عليهم قلبياً أو ظاهرياً. فمثلاً، قد يحصل ب ين علماء العرفان أن يتصور
أحدهم نفسه من أهل العرفان والشهود ومن أصحاب القلوب والسوابق
الحسنى، فيترفع على الآخرين ويتعاظم عليهم. ويرى أن الحكماء والفلاسفة
سطحيون، وأن الفقهاء والمحدّثين لا يتجاوزون الظاهر في نظراتهم، وأن سائر
الناس كالبهائم. وينظر إلى عباد الله بعين التحقير والازدراء. ويذهب هذا
المسكين ينمق الحديث [107] عن الفناء في الله والبقاء بالله، ويدق طبل
التحقق. مع أن المعارف الإلهية تقضي حسن الظن بالكائنات، فلو أنه كان قد
تذوق حلاوة المعرفة بالله لما تكبّر على مظاهر جمال الله وجلاله بحيث أنه في
مقام العلم والبيان يصرح خلاف حاله، ولكن الحقيقة هي أن هذه المعارف لم
تدخل قلبه، بل إن هذا المسكين لم يبلغ حتى مقام الإنسان ولكنه يتشدق
بالعرفان، ومن دون أن يكون له حظ من العرفان يتحدث عن مقام التحقق.
إن من بين الحكماء أيضاً أناساً، يرون أنهم بما يملكون ن براهين ومن علم
بالحقائق، وبكونهم من أهل اليقين بالله وملائكته وكتبه ورسله، ينظرون إلى
سائر الناس يعين التحقير، ولا يعتبرون علوم الآخرين، علوما، ويرون عباد الله
جميعا ناقصي علم وإيمان، فيتكبرون عليهم في الباطن، ويعاملونهم في الظاهر
بكبرياء وغرور، مع أن العلم بمقام الربوبية، وفقر الممكن ( المخلوق )، يقضيان
بخلاف ذلك. والحكيم من تحلّى بملكة التواضع بوساطة العلم بالمبدأ والمعاد.
لقد وهب الله لقمان الحكمة بنص من القرآن الكريم ومن جملة وصايا ذلك
العظيم لإبنه، كما ورد في القرآن الكريم: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ
فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}(لقمان18). ونجد في
الذين يدّعون الإِرشاد والتصوف وتهذيب الباطن، أشخاصا يعاملون الناس
بالتكبر ويسيؤون الظن بالعلماء والفقهاء وأتباعهم، ويطعنون بالعلماء والح
كماء، ويرون الناس، عدا أنفسهم ومن يلوذ بهم، من أهل الهلاك. وبما أنهم
صفر اليدين من العلوم، يصفون العلوم بأنها أشواك الطريق، ويرون أصحابها
شياطين طريق السالك، مع أن كل ما يزعمونه لأنفسهم من مقام يقتضي
خلاف ذلك كله. إن من يدعي أنه هادي الخلائق ومرشد الضالّين يجب أن
يكون هو بنفسه منزّها عن المهلكات والمُوبقات، زاهداً في الدنيا، غارقاً في
جمال الله، لا يتكبر على حلقه ولا يسيء الظن بهم. [108] كذلك نجد
أحيانا بين الفقهاء وعلماء الفقه والحديث وطلاّبهما من ينظر إلى سائر الناس
بعين الإحتقار ويتكبّر عليهم، ويرى نفسه جديرا بكل إكرام وإعظام، ويعتقد
إن من المفروض على الناس أن يطيعوا أمره إطاعة عمياء، وأنه {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا
يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء23).، وما من أحد يستحق الجنة، في رأيه، إلاّ
هو مع أفراد معدودون مثله وكلما جاء ذكر طائفة مقترنا بأيعلم من العلوم
طعن فيهم، من دون أن يعترف بأي علم سوى علمه القليل الذي يتمتع به
ويرى أن تلك العلوم تافهة وغير نافعة ومدعاة للهلاك، فيرفض العلماء وسائر
العلوم جهلا وسفها، ويُظهر كأن تديّنه هو الذي يحتم عليه أن يحتقرهم
ويستهين بهم مع أن العلم والدين منزّهان عن أمثال هذه الأطوار والأخلاق.
إن الشريعة المطهرة تحرم التصريح بقول من دون علم. وتوجب الحفاظ على
كرامة المسلم. أما هذا المسكين الذي لا معرفة له بالدين ولا بالعلم، فيعمل على
خلاف قول الله ورسوله، ثم يقول إن ذلك من صلب الدين، مع أن سيرة
السلف والخلف من العلماء العظام تكون مغايرة لهذا. إن كل علم من العلوم
الشرعية يقضي بأن يتصف العلماء بالتواضع، وأن يقتلعوا جذور التكبر من
قلوبهم. ولا يوجد علم يدعو إلى التكبر ويرفض التواضع. وعليه، سوف نبيّن
العلة في كون علم هؤلاء الأشخاص يخالف عملهم. إن الكبر منتشر بين علم
اء سائر العلوم الأخرى أيضا، في الطب والرياضيات والطبيعة، وكذلك
أصحاب الصناعات الهامة، كالكهرباء والميكانيك وغيرهما. إنهم أيضا لا
يقيمون وزناً للعلوم الأخرى مهما تكن، ويحتقرون أصحابها، وكل منهم
يحسب أن ما عنده وجده هو العلم، وما عند غيره ليس بعلم، فيتكبر على
الناس في باطنه وظاهره، مع أن ما عنده من علم لا يستدعي مثل هذا التكبر.
وهناك من غير أهل العلم، مثل أهل النسك والعبادة، من يتكبّر أيضا على
الناس ويتعالى عليهم، ولا يعتبر الناس حتى العلماء من أهل النجاة، كلها جرى
حديث عن العـلم قـال: ما فائدة علم بلا عمل؟ العمل هو الأصل. إنهم
يهتمون بما يقومون به من عمل وطاعة، وينظرون بعين الاحتقار إلى جميع
الطبقات، مع أن المرء إذا كان من أهل الإخلاص والعبادة ينبغي لعمله أن
يصلحه. فالصلاة تنهى [109] عن الفحشاء والمنكر، وهي معراج المؤمن،
ولكن هذا الذي أمضى خمسين سنةفي الصلاة وأداء الواجبات والمستحبات
مصاب برذيلة الكبر التي هي من الإلحاد، وبالعُجب الذي هو أكبر من
الفحشاء، وبالتقرب من الشيطان وخلقه. إن الصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء
ولا تحافظ على القلب، بل لكثرتها تبعث على ضياع القلب، إن مثل هذه
الطاعة ليست بصلاة. إن صلاتك التي تحافظ عليها كثيرا وتحرص على إقامتها،
إذا كانت تقربك من الشيطان وخصيصته من الكبر، فهي ليست بصلاة، لأن
الصلاة لا تستدعي ذلك. كل هذه الأمور تحصل من العلم والعمل. أما الذي
يحصل من غير ذلك فيرجع أيضا إلى تصور المرء بأنه يمتلك إحدى الكمالات
وأن غيره يفتقر إليها. فهذا الذي يملك الحسب والنسب يتكبّر على من لا
يملكهما. وقد يتكبر صاحب الجمال على فاقده، وطالبه، أو إذا كان كثير
الأتباع والأنصار أو ذا قبيلة كبيرة أو له تلامذة كثيرون، وأمثال ذلك، فإنه
يتعالى ويكتبّر على الذي ليس له مثل ذلك. وبناء على ذلك ، فإن سبب الكبر
إنّما هو تصور وجود كمال موهوم، والابتهاج بذلك والعُجب به، ورؤية
الآخرين خلواً منه. وقد يحدث أحيانا أن صاحب الأخلاق الفاسدة والأعمال
القبيحة يتكبّر على غيره، ظانّاً أن ما فيه، ضرب من الكمال. وعلى الرغم من
أن المتكبر قد يمتنع أحيانا لسبب ما من إظهار التكبر علانية، ولا يفصح عن
أي أثر لذلك، إلا أن هذه الشجرة الخبيثة تمد جذورها في قلبه ولا بُدَّ أن يتبين
أثر ذلك منه إذا خرج عن طوره الطبيعي، كأن يستولي عليه الغضب فيفلت
منه الزمام، وإذا به تظهر عليه إمارات الكبرياء و التعاظم، ويباهي الآخرين بما
عنده من علم أو عمل أو أي شيء آخر ويفاخرهم به. وفي أحيان أخرى قد
لا يهتم بإخفاء تكبره على من حوله، كما لو كان العنان قد أفلت من يده
فتظهر آثار الكبر في أعماله وحركاته وسكناته، كأن يتقدم في المجالس ويسبق
الآخرين في الدخول والخروج، ولا يسمح للفقراء بحضر مجالسه، ولا يحضر
مجالسهم، ويحيط نفسه بهالة من الحرمة، ويظهر التعالي في مشيته وفي نظرته
وفي حديثه مع الناس. يقول أحد المحققين، والذي أخذنا منه الكثير من أصول
هذا البحث [110] وترجمناه:"إن أدنى درجة الكِبر في العالِم هي أن يدير
وجهه عن الناس كأنه يعرض عنهم، وفي العابد هي أن يعبس في وجوه الناس
ويقطب جبينه، وكأنه يتجنبهم أو أنه غاضب عليهم، غافلا من أن الورع ليس
في تقطيب الجبين، ولا في عبوس ملامح الوجه، ولا في البعد عن الناس
والإعراض عنهم، ولا في ليّ الجِيد، وطأطأة الرأس، ولملمة الأذيال، بل الورع
يكون في القلب"لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"هاهنا
التقوى"وأشار إلى صدره. وقد يظهر الكبر على اللسان بتبيان المفاخرة
والمباهاة وتزكية الذات. فهذا العابد، وهو في مقام التفاخر، يقول: إنني قمت
بكذا عمل. فينتقص بهذا من الآخرين عن طريق إضفاء الأهمية على أ عماله.
وأحيانا لا يصرح بذلك، ولكنه قد يتفوه بما يوحي بأنه يزكّي ذاته. والعالم
يقول للآخرين: ما أدراك أنت؟ إنني طالعت الكتاب الفلاني مرات عديدة،
وأمضيت سنوات لدى المجامع العلمية، ورأيت عددا من أساطين العلم
وأساتذته، لقد أجهدت نفسي كثيرا، صنّفت وألّفت الكتب الكثيرة، وما إلى
ذلك. وعلى كل حال. ينبغي أن نتعوذ بالله من شرَّ النفس ومكائدها. فصل في
مفاسد الكبر اعلم أن لهذه الصفة القبيحة بحد ذاتها مفاسد كثيرة، وهذه
المفاسد تتمخض عنها مفاسد أخرى كثيرة. إن هذه الرذيلة تحول دون وصول
الإنسان إلى الكمالات الظاهرية والباطنية والاستمتاع من الحظوظ الدنيوية
والأُخروية. إنها تبعث في النفوس الحِقد والعداوة، وتحط من قدر الإنسان في
أعين الخلق وتجعله تافهاً، وتحمل الناس على أن يعاملوه بالمثل تحقيراً له واستهانة
به. جاء في"الكافي"عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: [مَ مِنً عَبدٍ إلاَّ
وَفِي رَأْسِهِ حِكَمَة وَمَلِكٌ يُمْسِكِهَا، فَإِذَا تَكَبَّرَ قَالَ لَهُ: اتّضعْ وَضَعَكَ اللهُ، فَلا
يَزَالُ أَعْظَمُ النَّاسِ فِي نَفْسِهِ وَأَصْغَرُ النَّاسِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ. وَإِذَا تَوَاضَعَ رَفَعَهُ
اللهُ عَزَّ وجَلَّ. ثُمَّ قَالَ: انْتَعِشْ الله، فَلا يَزَالُ أَصْغَرُ النَّاسِ فِي نَفْسِهِ وَأَرْفَعُ
النَّاسِ [111] فِي أَعْيُنِ النَّاسِ] ("أصول الكافي"المجلد الثاني، كتاب الإيمان
والكفر، باب الكبر ح 16 ). أيها فيا أيها العزيز ما يحتوي عليه رأسك من
الدماغ، تحتويه رؤوس الآخرين أيضاً، إذا كنت متواضعا، احترمك الناس قهرا
واعتبروك كبيرا، وإذا تكبرت على الناس لم تنل منهم شيئا من الاحترام. بل إذا
استطاعوا أن يذلوك لأذلوك ولم يكترثوا بك. وإن لم يستطيعوا إذلالك، لكنت
وضيعا في قلوبهم، وذليلا في أعينهم، ولا مقام لك عندهم. افتح قلوب الناس
بالتواضع فإذا أقبلت عليك القلوب ظهرت آثارها عليك وإن أدبرت تكون
آثارها على خلاف رغباتك. فإذا فرضنا أنك كنت من المبتغين للاحترام والمقام
الرفيع، لكان اللازم عليك أن تسلك الطريق الذي يفضي بك إلى الاحترام
والسمو، وهو مجاراة الناس والتواضع لهم. إن التكبر ينتج ما هو على خلاف
طلبك وقصدك. إنك لا تكسب من وراء التكبر، نتيجة دنيوية مجديه، بل
ستحصد من ورائه نتيجة معكوسة. ويضاف إلى ذلك أن مثل هذا الخلق
يوجب الذل في الآخرة والمسكنة في ذلك العالم. فكما إنك احتقرت الناس في
هذا العالم، وترفعت على عباد الله وتظاهرت أمامهم بالعظمة والجلال والعزّة
والاحتشام، كذلك تكون صورة هذا التكبر في الآخرة، الهوان كما ورد في
الحديث الشريف من كتاب أصول الكافي: بإسناده، عن داود بن فرقد، عن
أخيه، قال: "سـَمـِعـْتُ أبا عَبْدِاللهِ عليه السّلام يقول: إِنَّ المُتَكَبِّرينَ
يُجْعَلُنَ في صُوَرِ الذَّرِّ يَتَوَطّاهُمُ النّاسُ حَتّى يَفْرَغَ اللهُ مِنَ الحِسابِ"( أصول
الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكبر ح 11 ). وجاء في
وصايا الإمام الصادق عليه السلام لأصحابه: "إِيّاكُمْ وَالعَظَمَةَ وَالكِبْر، فإنَّ
الكبرَ رِداءُ الله عَزَّ وجَلَّ فَمَنْ نازَعَ اللهَ رِداءَهُ قَصَمَهُ اللهُ وَأَذَلَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ"(
وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 9 ) .
ولا أعرف بأن الله تعالى إذا أذل شخصاً ماذا يصنع به؟ وبماذا يبتليه؟ لأن
[112] أمور الآخرة تختلف عن أمور الدنيا كثيراً، فإن الذل في الدنيا يغاير
الذل في الآخرة، كما أن نعم الآخرة وعذابها، لا تتناسب مع هذا العالم، إن
نعمها تفوق تصورنا، وإن عذابها لا يخطر على بالنا. إن كرامتها أسمى من
تصورنا، والذل فيها يختلف عن الذل والهوان الذي نعرفه، وتكون عاقب ة
المتكبر النار ففي الحديث"الكبرُ مَطايَا النّارِ"( وسائل الشيعة، المجلد 11،
أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 14 ) فلا يرى الجنة من كان في
قلبه كبراً. كما روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم"لَنْ يَدْخُلَ
الجَنّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ"( وسائل الشيعة، المجلد
11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 6 ). وقد حدث الإمام الباقر
والإمام الصادق - عليهما السلام - أيضاً بهذا المضمون. وفي حديث الكافي
الشريف أن الإمام الباقر عليه السلام قال: "العِـزُّ رِدَاءُ اللهِ، والكِبْرُ إِزَارُهُ،
فَمَنْ تَناوَلَ شِيْئاً مِنْهُ أَكبَّهُ اللهُ في جَهنَّمَ"(وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب
جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 2 ). وما أدراك ما جهنم التي أعدها الله
للمتكبرين. فهي غير جهنم التي أُعدَّت لسائر الناس. يكفي ن نورد هنا
الحديث الذي سبق أن ذكرناه: "عن محمّد بن يعقوب، عن عَليّ بن إبراهيم،
عن أبيه، عن أبن أبي عمير، عن أبن بكير، عن أبي عبدالله عليه السلام
قال:"إِنَّ في جَهَنَّمَ لَوادياً لِلْمُتَكَبِّرِينَ يُقالُ لَهُ"سقَرُ"شكى إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ
شِدَّةَ حَرِّه وِسَأَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّسَ فتَنَفَّسَ فَأَحْرَقَ جَهَنَّمَ"(وسائل الشيعة،
المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الكبر، ح 6). والحديث في غاية
الاعتبار (من حيث السند) بل هو كالصحيح. أعوذ بالله من مكان رغم كونه
دار عذاب، تشكو حرارته، فتتنفس فتحترق جهنم من جرّاء تنفسها. إننا لا
نستطيع أن ندرك شدة حرارة نار الآخرة في هذا العالم، إذ أن أسباب شدة
العذاب وضعفه تختلف مع أسباب شدة العذاب الدنيوي وخفتها من جهات
عديدة: فمن جهة، تتبع قوة الإدراك وضعفه؛ إذ كلما كان المدرك أقوى
والإدراك أتم و أنقى كان إدارك الألم والعذاب أكثر. ومن جهة أخرى، تعتمد
على اختلاف المواد التي يقوم بها الحس في تقبّل [113] الحرارة، لأن المواد
تختلف من حيث تقبل الحرارة. فالذهب والحديد، مثلاً، يتقبلان الحرارة أكثر
من الرصاص والقصدير. وهذان يتقبلانها أكثر من الخشب والفحم، وهذان
أكثر من الجلد واللحم. كما أن لمستوى ارتباط قوة الإدراك بالموضع المقابل
للحرارة أثراً في شدة وضعف العذاب. فمثلاً المخ الذي يكون تقبله للحرارة.
أقل من العظام، يكون تأثره أشد، لأن قوة الإدراك فيه أكبر. وأن للحرارة
نفسها من حيث كمالها ونقصانها، دوراً في الشدة والضعف فالحرارة التي
تصل إلى مائة درجة تؤلم أكثر من الحرارة التي تصل إلى درجة خمسين. كما
أن لمدى ارتباط المادة الحرارية الفاعلة بالمادة المتقبلة لها سبباً في تخفيف أو
تشديد العذاب. فمثلا، إذا كانت النار قريبة من اليد كان الاحتراق أخف مما
إذا لتصقت النار باليد. جميع هذه الأٍسباب الخمسة المذكورة تكون في هذه
الدنيا في منتهى النقص وفي الآخرة في منتهى كمال القوة والتمامية. إن جميع
إدراكاتنا في هذا العالم ناقصة وضعيفة ومحجوبة بحجب كثيرة لا يتسع المجال
لذكرها ولا تناسبه. إن أعيننا لا ترى اليوم الملائكة ولا جهنم، وآذاننا لا تسمع
الأصوات العجيبة والغريبة التي تصدر من البرزخ وأصحابه ومن القيامة
وأهلها، وحواسنا لا تحس بالحرارة هناك، كل ذلك لأنها ناقصة جميعاً. إن
الآيات والأخبار الواردة عن أهل البيت صلوات الله عليهم مشحونة بذكر هذا
الأمر، تلويحاً وتصريحاً. إن جسم الإنسان في هذا العالم لا يتحمل الحرارة، إذ لو
بقى ساعة واحدة في النار الباردة من الدنيا لاستحال إلى رماد. ولكن الله
القادر يجعل هذا الجسم يوم القيامة قابلا للبقاء في نار جهنم - التي شهد
جبرائيل بأنه لو جيء بحلقة واحدة من سلاسل جهنم التي طول الواحد منها
سبعون ذراعاً إلى هذه الدنيا لأذابت جميع الجبال من شدة حرارتها - من دون
أن يذوب. فقابلية جسم الإنسان للحرارة يوم القيامة لا تقاس بقابليته لها في
دار الدنيا. أما ارتباط النفس بالجسد في هذت الدنيا فضعيف وناقص، ففي هذا
العالمُ يستعصي على النفس أن تظهر فيه بكامل قواها، أما الآخرة فهي عالم
ظهور [114] النفس. إن نسبة النفس إلى الجسد نسبة الفاعلية والخلاقية،
كما هو ثابت في محله، وهي أتم مراتب النسبة والارتباط. ونار هذه الدنيا نار
باردة ذاوية وعرضية ومشوبة بمواد خارجية غير خالصة. أما نار جهنم، فنار
خالصة لا تشوبها شائبة، وجوهر حي قائم بذاته ذو إرادة يحرق أهله بإدراك
وإرادة، ويشدد الضغط عليهم بقدر الإمكان. ولقد سمعت الصادق المصدق
الأمين جبرائيل، وهو يصفها. والقرآن والأخبار مليئة بوصفها. أما ارتباط نار
جهنم والتصاقها بالجسم فلا شبيه له في هذا العال، ولو تجمّعت جميع نيران
العالم وأحاطت بإنسان لما أحاطت بغير سطح جسمه. أما نار جهنم، فتحيط
بالظاهر والباطن وبالحواس المدركة وما يتعلق بها. إنها نار تحرق ا لقلب
والروح والقوى، وتتحد بها بنحو لا نظير له في هذا العالم. فيتبيّن مما ذكر أن
هذا العالم لا تتوافر في وسائل العذاب بأي شكل من الأشكال، فلا مواده -
العالم - جديرة بالتقبل، ولا مصادره الحرارية تامة الفاعلية، ولا الإدراك تام.
إن النار التي تستطيع أن تحرق جهنم بنَفَسٍ منها، لا يمكن أن نتصورها ولا أن
ندركها، إلاّ إذا كنا - لا سمح الله - من المتكبرين، انتقلنا من هذا العالم إلى
الآخرة قبل أن نطهّر أنفسنا من هذا الخُلق القبيـح، حيث نراها رأي العين
{فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} (الزمر72). فصل في بيان بعض عوامل التكبر
اعلم إن من عوامل التكبر، فضلاً عمّا سبق ذكره من الأسباب، هو صغر
العقل، وضعف القابل ية، والضعة، وقلة الصبر. فالإنسان لضيق أُفقه ما أن يجد
في نفسه خصلة مميّزه حتى يتصور لها مقاماً ومركزاً خاصاً. ولكنه لو نظر بعين
العدل والإِنصاف إلى كل أمر يتقنه وكل خصلة يتميز بها، لأدرك أن ما
تصوره كمالاً يفتخر به ويتكبر بسببه، إمّا أنه ليس كمالاً أصلاً، وإمّا أنه إذا
كان كمالاً فإنه لا يكاد يساوي شيئاً إزاء كمالات الآخرين، وأنه كمن صفع
وجهه ليحسب الناس احمرار [115] وجهه نتيجة النشاط والحيوية. كما
قيل:"اِسْـتَسْمَنَ ذا وَرَمٍ". فعلى سبيل المثال أن العارف الذي ينظر من
خلال عرفانه إلى الناس جميعاً بعين الازدراء متكبّرا، أو يقول عنهم أنهم
قشريون وسطحيون. ترى أنه لا يملك شيئا من المعارف الإلهية، سوى حفنة
من المفاهيم التي لا تعدو جميعا من أن تكون حُجُباً تغطي الحقائق، أو مطبات في
الطريق، ومجموعة من المصطلحات ذات البريق الخادع مما لا علاقة لها
بالمعارف اإلهية، وبعيدة كل البعد عن معرفة الله وعن العلم بأسمائه وصفاته؟ إن
المعرفة صفة القلب. وكاتب هذه السطور يعتقد أن جميع هذه العلوم هي علوم
عملية، لا مجرد معرفة نظرية وحياكة مصطلحات. لقد رأينا خلال هذا العمر
القصير والمعرفة القليلة ضمن من يسمون بالعرفاء والعلماء في سائر العلوم،
أشخاصا - أقسم بالعرفان والعلم- إنهم لم يتأثروا قلبيا بهذه الاصطلاحات،
بل كان لها تأثير معكوس عليهم. أيها العزيز! إن العرفان بالله، كما تعلم، يحيل
القلب إلى محل تتجلى فيه أسماء الله وصفاته وينزل فيه السلطان الحقيقي الذي
يمحو آثار التلوث ويطرد التعيّن: {... إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا
وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} (النمل34). إنه يجعل القلب
أحدياً أحمدياً، فلماذا صار قلبك والهاً بجمالك، وزاد في تلونك، وضاعف في
تعيناتك وإضافاتك وأبعدك عن الحق تعالى وتجليات أسمائه، وجعل قلبك
موطناً للشيطان فتنظر عباد الله، وأصحاب أبواب الحق، ومظاهر جمال المحبوب،
نظرة تحقير وازدراء؟ إنك تتكبر على الله، وتتفرعن في حضرة ذات الله وأسمائه
وصفاته. يا طالب المفاهيم، ويا مضيّع الحقائق! تمهل، أنظر إلى ما لديك من
المعارف فما الأثر الذي تراه من الحق وصفاته في نفسك؟ ولعل علم الموسيقى
والإِيقاع أدق من علمك، واصطلاحات العلوم الأخرى كالفلك والميكانيك
وسائر العلوم الطبيعية والرياضية، تساوي اصطلاحات علمك ودقته تماماً، فكما
أن تلك [116] العلوم ليس لها عرفان بالله، فكذلك علمك الذي حجبته
الاصطلاحات وسجف المفاهيم والاعتبارات، لا يرجى منه تغير في نفس ولا
حال، بل إن تلك العلوم لدى منطق العلوم الطبيعية والرياضية أفضل مما هو
لديك من العلم، لأن تلك العلوم تنتج شيئا، وليس لعلمك ناتج، أو أن ناتجة
معكوس. فالمهندس ينالنتيجة هندسته والصائغ نتيجة صنعته، أمّا أنت فقد
قصرت يدك عن النتائج الدنيوية، ولم تصل إلى نتائج عرفانك. فحجابك أثقل
وأسمك، وما أن يدور الكلام عن الأحديّة حتى يغشاك ظلام غير متناه، وما
أن تسمع عن حضرة أسماء الله وصفاته حتى تتصور كثرة غير متناهية. إذاً لم
تعثر على الطريق إلى الحقائق والمعارف من هذه الاصطلاحات، بل صارت
مدعاة للتفاخر والتكبر على العلماء الحقيقيين. إن المعارف التي تزيد من كدر
القلب ليست بمعارف، والويل لمعارف تجعل عاقبة صاحبها وارثاً للشيطان!.
إن الكبر من أخلاق الشيطان الخاصة. فقد تكبّر على أبيك آدم، فطرد من
حضرة الله، وأنت أيضاً مطرود لأنك تتكبر على كل الآدميين من أبناء آدم.
ومن هنا أيضاً يجب أن تفهم حال سائر العلوم الأخرى. إن الحكيم إذا كان
حكيما وعرف نسبته إلى الخلق وإلى الحق، خرج الكبرياء من قلبه واستقام
أمره. ولكن هذا المسكين الذي يركض وراء المصطلحات والمفاهيم يظن أنها
هي الحكمة، وأنها هي التي تصنع العالم والحكيم، فمرة يرى نفسه متصفة
بالصفات الواجبة، فيقول:"الحكمةُ هِيَ التَشَبُّهُ بِالإِلـهِ"ومرة يحسب نفسه
فـي زمرة الأنبيـاء والمرسليـن، فيقرأ: {وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ }
(الجمعة2).، وأحيانا يقرأ:"الحـِكـْمـَةُ ضالَةُ المُؤْمِنِ"( نهج البلاغة- قصار
الحكم - 80 - ( الشيخ صبحي الصالح ) ) {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ
خَيْرًا كَثِيرًا} (البقرة/269).، ولكن ما أجهله بالحكمة وما أبعده عنها وعن
خيراتها؟! يقول الحكيم المتألّه وفيلسوف الإسلام الكبير، المحقق الداماد،
رضوان الله عليه: "الحكيم من كان جسده كالرداء له، متى ما شاء خلعه".
فانظر إلى ما يقوله [117] هو وما نقوله نحن! وما أدركه هو من الحكمة وما
أدركنا نحن منها! إذاً، فأنت الذي تتباهى ببضعة اصطلاحات ومفاهيموتتكبر
على الناس، إنما ذلك دليل ضيق نفسك وقلة صبرك وعدم أهليتك!. إن من
يرى نفسه مرشد الخلائق وهاديهم، ويجلس على كرسي التصوف والتوجيه،
يكون أسوأ حالا من المسعف والمتصوف، وأكثر دلالاً منهما. إنه سرق
المصطلحات منهما وأسبغ بعض المظاهر على بضاعته في السوق، وصرف
قلوب الناس عن الله ووجّهها نحو نفسه ودفع بذلك الإنسان الطيّب النقي
السريرة، على إساءة الظن بالعلماء وعامة الناس. ولكن يعطي أسواقهم شيئا
من الرواج، يطعمون الناس، عن وعي أو بدون وعي، بعضا من مصطلحاتهم
الجذّابة، ظانّين أن ألفاظاً مثل "مجذوب علي" أو "محبوب علي" سوف
تمنحهم حقا حالاً من الانجذاب والحب! نتيجة هذه الأسماء التي يستعملها
الدراوشة والمدعون للعرفان. أنت يا طالب الدنيا وسارق المفاهيم، إن عملك
هذا كما تظنه لا يدعو إلى الفخر والتكبر! إن المسكين لقلـة صبره وصغر
عقله ينخدع حتى بنفسـه، فيرى لنفسه م قاما، وقد امتزج فيه حب النفس
وحب الدنيا مع المفاهيم المسروقة والإضافات والاعتبارات، فأصبح مولودا
مشوهاً، إذ نشأ عن تجمعها مزيج عجيب وخليط غريب. وعلى الرغم من كل
هذه العيوب يحسب نفسه مرشد الخلائق وهادي الأمة إلى النجاة، ومالك سر
الشريعة! بل قد تتجاوز وقاحته الحدود، فيرى نفسه في مقام الولاية الكلية.
وهذا ناشئ أيضا من صغر العقل وضيق القلب والصدر وقلة الاستعداد
والأهلية. وأنت أيضا يا طالب علوم الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية، لا
تملك من علمك أكثر من حفنة من الاصطلاحات الخاصة بالأصول والحديث،
فإذا لم يضف إليك علمك هذا الذي كله عمل، شيئا ولم يستطع إصلاحك،
بل أنتج المفاسد الأخلاقية والعملية، فإن عملك أحط من عمل علماء العلوم
الأخرى وأتفه بل أقل عمل كل العوام. إن هذه المفاهيم العرضية والمعاني
الحرفية والدخول في منازعات لا طائل وراءها ولا علاقة لمعظمها بدن الله
بالعلوم حتى تسميها بالثمرة العلمية، أن هذه المفاهيم لا تستوجب كل هذا
الابتهاج و التكبر. والله [118] يشهد وكفى بالله شهيدا أنه لو كانت هذه
هي نتيجة العلم، دون أن تستطيع هدايتك، ودون أن تبعد عنك المفاسد
الأخلاقية والسلوكية، فإن أحط الأعمال خير من عملك لأن تلك نتائجها
عاجلة ومفاسدها الدنيوية والأخروية اقل. وأنت أيها المسكين لا تنال سوى
الوزر والوبال، ولا تحصد غير المفاسد الأخلاقية والأعمال القبيحة. وعليه، فإن
عملك من حيث الاعتبار العلمي ليس فيه ما يدعو إلى التكبر، بل كل ما في
الأمر إنك أفقك العلمي، ما أن تضع اصطلاحاً فوق اصطلاح حتى تحسب
نفسك عالما وسائر الناس جهلاء وتفترش أجنحة الملائكة تحت أقدامك وكأنها
تطير بك، وتضيّق على الناس في المجالس وفي الطرقات. ولكن الأحط من هذا
والأحقر مكانة هو ذلك الذي يتكبّر ويتباهى بالأمور الخارجية، مثل المال،
والجاه ، والخدم، والحشم والقبيلة. فهذا المسكين بعيد عن الخلق البشري
والأدب الإنساني فارغ اليد من كل العلوم والمعارف. ولكن بما أن ملابسه من
أجود الأصواف، وأباه فلان ابن فلان، فهو يتكبّر على الناس. فما أضيق عقله
وأشد ظلام قلبه! إنه يقتنع من كل الكمالات باللباس الجميل، ومن كل جمال
بالقبعة والرداء! يرتضي المسكين مقام الحيوانية ويقبل بحظها، ويقتنع من جميع
المقامات السامية الإنسانية بالصورة الخالية من كل شكل ومضمون، والفارغة
من الحقيقة، ظانّاً نفسه بهذا أنه ذو مقام. وفي الواقع إنه على درجة من الضعة
ومن عدم اللياقة، بحيث أنه إذا شاهد أحداً أعلى منه مرتبة واحدة دنيوية تخضّع
له كما يتخضّع العبد لسيده. لا شك أن من لا همّ له سوى الدنيا، لا يكون إلاّ
عبداً للدنيا ولأهلها. وأن يغدو ذليلا لدى من يتزلف ويستذل لديهم. وعلى
كل حال، يعتبر ضيق أُفق الفكر وانحطاط القابلية من هم عوامل الكِبرٍ، لذلك
فمن يتصف بهذا يتأثر بالأمور التي ليست من الكمال، أو ليست من الكمالِ
اللائق، تأثراً شديداً يدفع به إلى العُجْب والكبر. وكلما كثر حبه للنفس
وللدنيا، ازداد تأثرا بهذه الأمور. [119] فصل في بيان معالجة الكبر بعد
ما عرفت مفاسد الكبر، حاول أن تعالج نفسك مشمّراً عن ساعد الجد للبحث
عن العلاج، واشحذ همّتك لتطهير القلب من هذا الدرن، وأزل الغبار والأتربة
عن مرآته. فإذا كنت ممن قويت نفوسهم، واتسعت صدورهم، ولم يتجذر
حب الدنيا في قلبك، ولم يبهرك زبرجها وزخرفها، وكانت عين إنصافك
مفتوحة، فإن الفصل السابق خير علاج علمي لك. وإذا لم تكن قد دخلت هذه
المرحلة، ففكّر قليلا في حالك، فلعل قلبك يصحو. فيا أيها الإنسان الذي لم
تكن شيئا في أول أمرك، وكنت كامنا دهور العدم والآباد غير المتناهية، ما هو
الأقل من العدم و اللاشيء على صفحة الوجود؟ ثم لمّا شاء تْ مشيئة الله أن
يظهرك، إلى عالم الوجود فمن جرّاء قلة قابليتك الناقصة و تفاهتك وضعتك
وعدم أهليتك لتقبل الفيض، أخرجك من هيولى العالم - المادة الأولى - التي
لا تكون سوى القوة المحضة والضعف الصرف، إلى صورة الجسمية والعنصرية،
التي هي أخسّ الموجودات وأحطّ الكائنات، ومن هناك أخرجك نطفة لو
مسّتها يدك لاستقذرتها وتطهّرت منها، ووضعك في منزل ضيق رجس هو
خصيتي الأب، وأخرجك من مجرى البول في حالة مزرية قبيحة، وأدخلك في
رحم الأم من مكان تنفر من ذكر أسمه. وحوّلك هناك إلى علقة ومضغة،
وغذّاك بغذاء يزعجك سماع أسمه ويخجلك. ولكن بما أن الجميع هذا هو حالهم
وتلك هي بليتهم، زال الخجل "والبَلِيَّةُ إِذا عَمَّتْ طابَتْ". في كل هذه
التطورات كنت أرذل الموجودات وأذلها وأحطها، عاريا عن إدراك ظاهري
وباطني، بريئا من كل الكمالات. ثم شملتك رحمته وجعلك قابلا للحياة،
فظهرت فيك الحياةرغم كونك في أشد حالات النقص، بحيث أنك كنت
أحط من الدودة في أمور حياتك، فزادت برحمته تدريجيا قابليتك على إدارة
شؤون حياتك، إلى أن أصبحت جديرا بالظهور في محيط الدنيا، أظهرك في هذه
الدنيا من خلال أشد المجاري ضعة، وفي أوطأ الحالات، وأنت أضعف في
الكمالات وشؤون الحياة، وأدنى من جميع مواليد الحيوانات الأخرى. وبعد أن
منحك بقدرته [120] قواك الظاهرية والباطنية، ما زلت ضعيفاً وتافهاً بحيث
أن أيّاً من قواك ليست تحت تصرفك، فلست بقادر على المحافظة على صحتك،
ولا على قواك ولا على حياتك، ولست بقادر على الاحتفاظ بشبابك
وجمالك. وإذا ما هاجمتك آفة أو انتابك مرض فلست بقادر على دفعهما
عنك. وعلى العموم، ليس تحت تصرفك شيء من ذلك. لو جعت يوما
لتنازلت حتى لأكل الجيفة، ولو غلبك العطش لما امتنعت عن شرب أي ماء
آسن. وهكذا أنت في شؤونك الأخرى عبد ذليل مسكين لا قدرة لك على
شيء. ول و قارنت حظك من الوجود ومن الكمالات بما لسائر الموجودات،
لوجدت أن ك وكل الكرة الأرضية، بل وكل المنظومة الشمسية، لا قيمة لكم
مقابل هذا العالم الجسماني الذي هو أدني العوالم وأصغرها. أيها العزيز! إنك لم
تر سوى نفسك، والذي رأيته لم تضعه موضع الاعتبار والمقارنة. حاول أن
تنظر إلى نفسك وما تملك من شؤون الحياة وزخارف الدنيا وقارنها بمدينتك.
وقارن مدينتك بوطنك، ووطنك بسائر الدول في الدنيا التي لم تسمع بأكثر
من واحدة بالمائة منها، وقارن كل الدول بالكرة الأرضية، والأرض بالمنظومة
الشمسية، وبالكرات الواسعة التي تعيش على فتات أشعة الشمس المنيرة، وقارن
كل المنظومة الشمسية الخارجة عن محيط فكري وفكرك، بالمنظومات الشمسية
الأخرى التي تعد شمسنا وجميع سياراتها، واحدة من سيارات إحدى تلك
المنظومات التي لا يمكن أن تقارن شمسنا معها، والتي يقال أن ما اكتشف منها
حتى الآن يبلغعدة ملايين من المجّرات، وأن في هذه المجرة القريبة الصغيرة عدة
ملايين من المنظومات الشمسية التي تكبر أصغر شمسها على شمسنا ملايين
المرات وتسطع نور أكثر. هذه كلها من العوالم الجسمانية التي لا يعرفها إلا
خالقها، وإن ما اكتشفت منها لا يبلغ الجزء الضئيل منها. وكل عوالم الأجسام
هذه لا تكون شيئا بالقياس إلى عالم ما وراء الطبيعة، فهناك عوالم لا يمكن
للعقل البشري أن يتخيلها. هذه شؤون حياتك وحياتي وهذه حظوظنا ونصيبنا
من عالم الوجود. وعندما تشاء إرادة الله أن تتوفاك وتنقلك من هذه الدنيا،
فإنه يأمر جميع قواك بالاتجاه نحو الضعف وجميع حواسك بالتوقف عن العمل،
فتختل أجهزة وجودك، ويذهب [121] سمعك وبصرك وتضمحل قواك
وقدراتك، فتصبر قطعة جماد تزكم بعد أيام رائحتك العفنة، أنوف الناس
وتؤذي مشامّهم، ويهربون من صورتك وهيئتك، وما أن تمضي عليك أيام
أخر حتى تهترأ أعضاؤك وتتفسخ. هذه هي أحوال جسمك، أما أحوال
أموالك وثروتك فأمرها معروف. أما علم برزخك: فإنك إن انتقلت من هذه
الدنيا - لا سمح الله - قبل أن تصلحه فالله يعلم كيف تكون صورتك، وكيف
تكون أحوالك، إذ أن قوى الإدراك في هذا العالم عاجزة عن أن تسمع أو ترى
أو تشم شيئا من ذلك العالم. إن ما تسمعه عن ظلمة القبر ووحشته وضيقه إنما
تقيسه على ما في هذا العالم من ظلمة ووحشة وضيق، مع أن هذا القياس
وهذه المقارنة باطلة. نسأل الله أن ينجينا مما أعددنا لأنفسنا بأنفسنا!. إن
عذاب القبر أنموذج من عذاب الآخرة والمستفاد من بعض الأحاديث أن أيدينا
تقصر عن الوصول إلى شفاعة الشفعاء في القبر، فياله من عذاب! إن نشأة
الآخرة أشد وأفظع من جميع الحالات السابقة. إنه يوم تبرز فيه الحقائق،
وتنكشف فيه السرائر، وتتجسد فيه الأعمال والأخلاق. يوم تصفيه الحساب،
يوم الذلة في المواقف. تلك هي أحوال يوم القيامة!. ما حال جهنم التي تكون
بعد يوم القيامة فأمرها معلوم أيضاً. إنك تسمع أخباراً عن جهنم! إن النار
ليست وحدها عذاب جهنم. فلو أن باباً منها انفتحت على عينيك وعلى هذا
العالم لهلك أهلها خوفا. وكذلك لو انفتحت باب أخرى على أذنيك، وأخرى
على خياشيمك، لو أن أيّاً منها فتح على أهل هذا العالم لهلكوا جميعا من شدة
العذاب. يقول أحد علماء الآخرة: مثلما أن حرارة جهنم أشد ما تكون،
كذلك برودتها أشد ما تكون. والله تعالى قادر على أن يجمع الحرارة
والبـرودة. هكذا هي نهاية حالك. إذاً، فالذي أوله عدم غير متناه، وهو منذ
أن يضع قدمه في الوجود تكون جميع تطوراته قبيحة وغير جميلة، وكل حالاته
مخجلة، وكل من دنياه وبرزخه [122] وآخرته أفجع من الأخرى، بم يتكبر؟
بأي جمال أو كمال يتباهى؟ إن من كان جهله أكبر وعقله أصغر كان تكبره
أكثر ومن كان علمه أكثر وروحه أكبر وصدره أوسع، كان تواضعه أكثر.
النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان علمه من الوحي الإلهي،
وكانت روحه من العظمة بحيث أنها بمفردها غلبت نفسيات كل البشر، إن
هذا النبي قد وضع جميع العادات الجاهلية والأديان تحت قدميه، ونسخ جميع
الكتب، واختتم دائرة النبوة بشخصه الكريم، وكان هو سلطان الدنيا والآخرة
والمتصرف في جميع العوالم بإذن الله، ومع ذلك كان تواضعه مع عباد الله أكثر
من أي شخص آخر. كان يكره أن يقوم له أصحابه احتراما، وإذا دخل مجلسا
لم يتصدر ويتناول الطعام جالسا على الأرض قائلا: إنني عبد، أكل مثل العبيد
وأجلس مجلس العبيد. لقد نقل عن الإمام الصادق عليه السلام أن رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب أن يركب الحمار من دون سرج، وأن
يتناول الطعام مع العبيد على الأرض، وكان يعطي الفقراء بكلتا يديه. كان
ذلك الإنسان العظيم يركب الحمار مع غلامه أو غيره، ويجلس على الأرض
مع العبي، وفي سيرته أن ه كان يشترك في أعمال المنزل، ويحتلب الأغنام،
ويرقع ثيابه ويخصف نعله بيده، ويطحن مع خادمه ويعجن، يحمل متاعه
بنفسه، ويجالس الفقراء والمساكين ويأكل معهم. هذه وأمثالها، نماذج من سيرة
ذلك الإنسان العظيم وتواضعه، مع أنه فضلا عن مقامه المعنوي كان في أكمل
حالات الرئاسة الظاهرية. وهكذا قد اقتدى به أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب عليه السلام، إذ كانت سيرته من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم. فيا
أيها العزيز! إذا كان التكبر بالكمال المعنوي، فقد كان الرسول الأعظم صلى
الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام أرفع شأناً، وإذا كان بالرئاسة
والسلطان، فقد كانت لهما الرئاسة الحقة. ومع ذلك، كانا أشد الناس تواضعا.
واعلم، أن التواضع وليد العلم والمعرفة، والكبر وليد الجهل وانعدام المعرفة،
فامسح عن نفسك عار الجهل والانحطاط، وأتصف بصفات الأنبياء، واترك
صفات [1 23] الشيطان، ولا تنازع الله في ردائه - الكبرياء - فمن ينازع
الحق في ردائه فهو مغلوب ومقهور بغضبه، ويُكَبُّ على وجهه في النار. وإذا
عزمت على إصلاح نفسك، فطريقه العملي، أمر يسير مع شيء من المثابرة،
وإنه طريق لو اتصفت بهمة الرجال وحرية الفكر وعلو النظر، فلن تصادفك
أية مخاطر. فـإن الأسلوب الوحيد على النفس الأمّـارة، وقهر الشيطان،
ولإتّباع طريق النجاة، هو العمل بخلاف رغباتهما. إنه لا يوجد سبيل أفضل
لقمع النفس من الاتصاف بصفة التواضع ومن السير وفق مسيرة المتواضعين
فحيثما تكن درجة التكبر عندك، ومهما تكن طريقتك في العلم والعمل،
أعمل قليل بخلاف هوى نفسك، فإن مع الالتفات إلى الملاحظات العلمية تجاه
التكبر، والانتباه إلى النتائج المطلوبة. إذا رغبت بأن تتصدر المجلس متقدما على
أقرانك، فخالفها وأعمل عكس ما ترغب فيه. وإذا كانت نفسك تأنف من
مجالسة الفقراء والمساكين، فمرِّغ أنفها في التراب وجالسهم، وآكلهم،
ورافقهم في السفر، ومازحهم وقد تجادلك نفسك فتقول لك: إن لك مقاماً
ومنزلة، وإن عليك أن تحافظ على مقامك من أجل ترويج الشريعة والعمل في
سبيلها، فمجالستك الفقراء تذهب بمنزلتك من القلوب، وإن المزاح مع مَنْ هو
دونك، يقلل من عظمتك، وجلوسك في ذيل المجلس يحط من هيبتك، فلا
تقدر أن تؤدي واجبك الشرعي على خير وجه!! اعلم، أن هذه كلها من
مكائد الشيطان والنفس الأمارة. لقد كان مقام رسول الله صلى عليه وآله
وسلم في الدنيا من حيث الرئاسة والمركز أرفع منك، ومع ذلك كانت سيرته
هي التي قرأت عنها وسمعت بها. لقد عاصرت شخصيا من العلماء من كانت
لهم الرئاسة والمرجعية الدينية كاملة في دولة واحدة، بل ولكل الشيعة في العالم
وكانت سيرتهم تلي سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. منهم، الأستاذ
المعظم والفقيه المكرم الحاج الشيخ عبدالكريم الحائ ري اليزدي حيث كانت
له رئاسة الشيعة ومرجعيتهم من 1340هـ ( 1920 م ( المترجم) ) حتى
[124] 1355هـ ( 1935 م ( المترجم ) ). كان سيرته عجيبة، كان
يوافق الخدم في السفر، ويؤاكلهم، ويفترش الأرض، ويمازح صغار الطلبة.
وخلال أيام مرضه في أواخر حياته، كان يخرج بعد المغرب يتمشى في الشارع
وقد لفّ رأسه بقطعة قماش بسيطة متنعلاً حذاءاً بسيطاً من دون أي اهتمام
بالمظهر، وكان هذا يزيد من وقعة في القلوب، من دون أن تصاب هيبته بأي
اهتزاز أو وهن. وكان هناك آخرون من علماء قم ممن لم يلتفتوا أبدا إلى هذه
التقيدات التي يحيكها لك الشيطان. كانوا يشترون حاجياتهم من السوق
بأنفسهم، ويحملون الماء من مخازن المياه إلى بيوتهم، ويشتغلون في منازلهم.
وكان صدر المجلس وذيله سواء عندهم. وكانوا على درجة من التواضع بحيث
تبعث على التعجب ومع ذلك كله كان مقامهم محفوظا بل كانت منزلتهم
تسمو في قلوب اناس أكثر فأكثر. وعلى أي حال، إن صفة النبي الأكرم صلى
الله عليه وآله وسلم وصفة علي بن أبي طالب عليه السلام لا تقلل من قدر
الإنسان إذا اتصف بها. ولكن لا بُدَّ من ينتبه الإنسان إلى مكائد النفس في
هذه الحالات، لأنها كثيرا ما تكون قد أعدت لك فخّاً آخر لتوقعك فيه. فقد
يجلس - أحدهم من يريد التخلص من الكبير- في ذيل المجلس بهيئة من يريد أن
يقول أن مقامه أرفع من مقامات الحاضرين، ولكنه لتواضعه جلس حيث. وإذا
التبس على الناس الأمر وقدّموا عليه من يشك في أفضليته عليه، فإنه - من
يهرب من صفة التكبر - يقدم على نفسه من لا يشك في تأخره عنه لكي
يزيل ذلك الالتباس بالإيحاء بأن تأخيره في الدخول على المجالس وتقديم الآخرين
على نفسه يكون من باب التواضع. هذه ومئات الأمثلة الأخرى من هذا القبيل
هي من مكائد النفس التي تريد للإنسان التكبر والرياء. فلا بُدَّ من المجاهدة
الخالصة الص ادقة وبها يمكن إصلاح النفس. إن جميع الصفات النفسانية قابلة
للإصلاح، إلا أن الأمر في البداية يتطلب بعض العناء، ولكن ما أن يضع قدمه
على طريق الإصلاح حتى يسهل عليه الأمر. إنما المهم هو أن يشرع في التفكير
في تطهير نفسه وإصلاحها، والاستيقاظ من النوم. [125] إن المرحلة الأولى
من مراحل الإنسانية هي "اليقظة" وهي الاستيقاظ من نوم الغفلة، والصحوة
من سكر الطبيعة، والإدراك بأن الإنسان مسافر، وأنه لا بُدَّ للمسافر من زاد
وراحلة. وزاد الإنسان خصاله، وراحلته في هذه المرحلة الخطيرة المخيفة، وفي
هذه الطريق الضيقة، على الصراط الذي هو أحدَّ من السيف وأدق من الشعرة،
هي همّة الرجال وعزمهم. والنور الذي ينير ظلام هذا الطريق، هو نور الإيمان
والخصال الحميدة. فإذا تقاعس الإنسان ووهنت همته أخفق في العبور،
وانكب على وجهه في النار، وساوى تراب الذل، وانقلب في هاوية الهلاك.
فمن ل يستطع اجتياز هذا الصراط لا يستطيع اجتياز صراط يوم القيامة أيضا.
فيا أيها العزيز، أشدد عزيمتك، ومزّق عن نفسك سجف الجهل، وانج بنفسك
من هذه الورطة المهلكة! كان إمام المتقين وسالك طريق الحقيقة ينادي في
المسجد بأعلى صوته حتى يسمعه الجيران: "تـَجـَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللهُ فَقَدْ
نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحيلِ"( نهج البلاغة - الخطبة - 204 - ( الشيخ صبحي
الصالح ) )! وما زادٌ ينفعك سوى الكمالات النفسانية، وتقوى القلب،
والأعمال الصالحة، وصفاء الباطن، وخلوص النية من كل عيب وغش. فإذا
كنت من أهل الإيمان الناقص والصوري، فعليك أن تطهّر نفسك من هذا
الغش حتى تنضم إلى زمرة السعداء والصالحين. والغش يزول بنار التوبة والندم،
وبإدخال النفس في أتون العذاب واللوم، وصهرها في حرارة الندامة والعودة
إلى الله. عليـك أن تعمل فـي هذا العالم، وإلاّ فإن {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ، ال
َّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ}(الهمزة 6،7). سوف تذيب قلبك. والله أعلم كم
قرن من قرون الآخرة يستغرق إصلاحك هذا!! إن التطهر في هذه الدنيا سهل
يسير، فالتغّيرات والتصورات سريعة الوقوع فيها، أما في العالم الآخر فالتغيير
يكون بشكل آخر، فزوال صفة من صفات النفس قد يستغرق قرونا عديدة.
إذاً، أيها الأخ، ما دمت في مقتبل عمرك، وزهرة شبابك، وأوج قوتك،
وحرية إرادتك، سارع لإصلاح نفسك، ولا تلق بالاً لهذا الجاه والمقام، وطأ
على هذه الاعتبارات بقدميك إنك إنسان، فأبعد نفسك عن صفات الشيطان،
فلعلّ [126] الشيطان يهتم بهذه الصفة اهتماماً كبيراً لكونها صفة من
صفاته. وهي التي أدت إلى طرده من حضرة الله، ولذلك فهو يريد أن يوقع
الإنسان، عارفاً أو عاميّاً عالماً أو جاهلا، في مثل هذه الرذيلة، حتى إذا ما
لقيك يوم القيامة شَمَتَ بك قائلاً: "ويا أبن آدم، ألم يخبرك الأنبياء بأن اتكبر
على أبيك قد طردني من حضرة الحق. لقد نزلت عليّ لعنة الله لأني احتقرت
مقام آدم واستعظمت مقامي، فلماذا أوقعتك نفسك في هذه الرذيلة"؟.
وعندئذ تصبح، أيها المسكين! موضع شماتة أرذل مخلوقات الله وأحطها، فضلاً
عن عذابك وابتلاءاتك وندامتك وحسرتك مما يعجز الكلام عن وصفه. إن
الشيطان لم يكن قد تكبّر على الله، بل على أدم وهو من مخلوقات الحق، فقال:
{خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} (الأعراف/12). فاستعظم نفسه
واستحقر آدم. وأنت تستصغر بني آدم وتستكبر بنفسك عليهم، فـأنت أيضاً
تعصي أوامر الله. لقد قال لك تعالى: كن متواضعاً مع عباد الله، ولكنك تتكبر
وتتعالى عليهم. فلماذا، تلعن الشيطان وحده؟ أشرك نفسك الخبيثة معه في اللعن
أيضاً، مثلما أنت شريكه في هذه الرذيلة. إنك من مظاهر الشيطان، بل إنك
تجسّد الشيطان. ولربما كانت صورتك في البرزخ وفي يوم القيامة صورة
شيطانية. فإن المقياس في صورة الإنسان في الآخرة الملكات الحاصلة للنفس.
فليس هناك ما يمنع من أن تكون على صورة شيطان، أو على صورة نملة
صغيرة، إن موازين الآخرة تختلف عن موازين الدنيا. فصل قد يكون الحسد
سببا للتكبر اعلم أن من الممكن أحياناً أن يتكبّر فاقد الكمال على واجد
الكمال، كأن يتكبر الفقير على الغني والجاهل على العالم. ولا بُدَّ أن نعرف أنه
مثلما كان العُجب أحيانا مدخلا للتكبر، فإن الحسد قد يصبح أيضاً مدخلاً
إليه. فالإنسان الذي يفتقر إلى كمال موجود في غيره، يندفع إلى أن يحسده، ثم
يصير سبباً لكي يتكبر عليه ويسعى جهده لإذلالهِ وإهانته. [127] روى عن
الإمام الصادق عليه السلام أنه قال "الكِبَرُ قَدْ يَكونُ فِي شِرارِ النَّاسِ مِنْ كُلِّ
جِنْسٍ ..."ثُمَّ قَالَ "إِنَّ رَسولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَرَّ فِي بَعضِ
طُرقِ المَدِيَنِة وَسَوْدَاءَ تَلقطِ السرقين، فَقِيلَ لَهَا: تَنَحِّي عَنْ طَرِيقِ رَسُولِ اللهِ
صَلّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ الطَرِيقَ لَمَعرض. فَهَمَّ بِهَا بَعْضُ القَوْمِ
أنْ يَتَنَاوَلها، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ وَسَلَّم: "دَعُوهَا فإِنَّهَا
جَبَّارة"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الكبر، ح 2
). وقد تظهر هذه الصفة في بعض أهل العلم، مبرراً أن التواضع أمام الأغنياء
غير محمود، وتقول له نفسه الأمارة بالسوء إن التواضع للأغنياء منقصة للإيمان.
إن المسكين لا يميّز بين التواضع لغني من أجل غناه والتواضع لغير ذلك. فمرة
يتواضع الإنسان مدفوعا برذيلة حب الدنيا والانجذاب نحو طلب الجاه والمقام.
فليس هذا من خلق التواضع في شيء، بل إنه المداهنة والملق وأنه من الرذائل
النفسانية، وصاحبها لا ي تواضع للفقراء، إلا إذا طمع فيهم بشيء أو أراد
منهم شيئا. ومرة أخرى يكون طبع التواضع في الإنسان داعية له إلى احترام
الناس والتواضع لهم. فقراء كانوا أم أغنياء، مرموقين كانوا أم مغمورين. فهذا
تواضعه خالص من غير شائبة، وروحه طاهرة مطهرة، لم يجتذب قلبه الجاه
والمقام. إنه تواضع محمود للفقراء ومحمود للأغنياء، فلا بُدَّ من احترام كل
إنسان بما هو خليق به. أما تحقيرك لأهل الجاه والغنى والتكبر عليهم فلا يعني
أنك لست متملقا، بل يعني أنك حسود، وتكون في الوقت نفسه على خطأ.
ولهذا إذا رأيتهم يحترمونك على غير انتظار وتوقع، تتواضع لهم وتخفض لهم
جناحك. وعلى كل حال، إن مكائد النفس وأحابيلها من الدقة المتناهية بحيث
أن المرء لا يسعه إلا أن يستعيذ بالله منها. وَالحَمْدُ لله أوّلاً وآخِراً. [129]
الحَديــــث الــخَـــامِس" الــحسَـــــــد
[130] "بالسند المتصَّـل إلى محمَّـد ب يعقوب عن علــيّ بن
إبراهيم، عن محمّد بن عيســى، عن يونس، عن داود الرقي، عن أبي
عبدالله عليه السلام قال: قالَ رَسُــولُ اللّــه صَــلى اللّه عَليهِ
وآلِــهِ وسَــلَّم: قالَ اللّه عَزَّ وَجــلّ لِمَــوسَى بنِ عُـمْراِن: "يا
ابْــنَ عُمْـرانِ لا تًـحْسُدَنَّ النّــاسَ عَلى ما اتَـيْتُــهُمْ مِـنْ
فَضْلي ولا تَمُدَّنَّ عَيْنيــْكَ إِلى ذلِكَ وَلا تُتْبِــعْهُ نَفْسَكَ فَإنَّ الحاسِدَ
ساخِطٌ لِنِعَــمي صادٌ لِقِسْمِيَ الَّذي قَسَــمْتُ بَيْنَ عِبادي وَمَنْ
يَــكُ ذلِكَ فَلَــسْتُ مِنْهُ وَلَيْــسَ مِنّي"( أصول الكافي، المجلد الثاني،
كتاب الإيمان والكفر، باب الحسد، ح 6 ). [131] الـشرح: إن الحسد،
حالة نفسية يتمنى صاحبها سلب الكمال والنعمة التي يتصورهما عند الآخرين،
سواء أكان يملكها أم لا، وسواء أرادها لنفسه أم لم يردها. وهذا يختلف عن
الغبطة، لأن صاحب الغبط ة يريد النعمة التي توجد لدى الغير، أن تكون
لنفسه، من دون أن يتمنى زوالها عن الغير. وأما قولنا: "النعمة التي يتصورها
عند الآخرين" فنعني به أن تلك النعمة قد لا تكون بذاتها نعمة حقيقية. فطالما
تبين أن الأمور التي تكون بحد ذاتها من النقائص والرذائل، يتصورها الحسود
من النعم والكمالات، فيتمنى زوالها عن الآخرين. أو أن خصلة تعــدّ من
النقائص للإنسان ومن الكمال للحيوان ويكون الحاسد في مرتبة الحيوانية
فيراها كمالاً، ويتمنى زوالها. فهناك بين الناس، مثلا أشخاص يحسبــون
الفتك بالغير وسفك الدماء موهبة عظيمة، فإذا شاهدوا من هو كذلك
حسدوه. أو قد يحسبون سلاطة اللســان وبذاءته من الكمالات،
فيحسدون صاحبها. إذاً، فالمعيار في معرفة هذه الحالة النفسية هو توهّــم
الكمال وتصور وجود النعمة، لا النعمة نفسها، فالذي يرى في الآخرين نعمة
حقيقية كان، أو موهومة ويتمنى زوالها، يعـدّ حسوداً. اعلم أن للحسد
أنواعا ودرجات حسب حال المحسود، وحسب حال الحاسد، وحسب حال
الحسد ذاته. أما من حيث حال المحسود، فمثل أن يحسد شخصاً لما له من
كمالات عقلية، أو خصال حميدة، أو لما يتمتع به من الأعمال الصالحة
والعبادية، أو لأمور [131] خارجية أخرى، مثل امتلاكه المال والجاه والعظمة
والاحتشام وما إلى ذلك، أو أن يحسد على ما يقابل هذه الحالات من حيث
كونها من الكمال الموهوم الموجود في المحســود. أما من حيث حال
الحاسد، فقد ينشأ الحسد أحيانــا من العداوة، أو التكبّر، أو الخوف، وغير
ذلك من الأسباب والعوامل التي سيرد ذكرها فيما بعد. وأما من حيث حال
الحسد نفسه، الذي نستطيع أن نقوله أنها الدرجات والتقــسيمات
الحقيقية، للحسد دون ما سبق ذكره، فلشدته وخفته مراتب كثيرة، تختلف
باختلاف الأسباب، كما تختلف باختلاف الآثار. وسوف نشير، إن شاء الله،
في عدة فصول إلى مفاسد الحسد وعلاجه. قدر استطاعتنا، ومن الله التَّوفيق.
فـصل في ذكر بعض أسباب الحـسد للحسد أسباب كثيرة، يرجع أكثرها
إلى رؤية الذلة في النفس، تماما كمـا أن الكبر، - نوعا - يتم على عكس
ذلك. فكما أن المرء عندما يجد في نفــس كمالاً لا يجده في غيره، تنشأ عنده
حالة من الترفع والتعزز والتعالي في نفسه، فيتكبّر. وإذا لاحظ الكمال في غيره،
انتابته حالة من الذل والانكسار. ولولا وجود عوامل خارجية ولياقات
نفسانية، لنتج من ذلك الحسد. وقد ينشأ من تصور ذله في تساوي غيره معه،
مِثل أن يحسد صاحب الكمال والنعمة مثيله أو الذي يليه. ويمكن القول أن
الحسد هو ذلك الانقباض والذل النفسي اللذان تكون نتيجتهما الرغبة في زوال
النعمة والكمال عن الآخرين. وقـد حصـر بعضهـم - كالعلامة
المجلسـي قدس سره - ( بحار الأنوار، المجلد الثالث والسبعون، ص 240 )
أسباب الحسد في سبعة أمور: الأول: العداوة. لثاني: التعزز: أن يكون من
حيث يعلم أن يستكبر بالنعمة عليه وهو لا يطيق احتمال كبره وتفاخره لعزّة
نفسه. الثالث: الكبر: أن يكون في طبعه أن يتكبر على المحسود ويمتنع ذلك
عليه [133] بنعمته وهو المراد بالتكبر. الرابع: التعجب: أن تكون النعمة
عظيمة والمنصب كبيراً فيتعجب من فوز مثله بمثل تلك النعمة كما أخبر الله
تعالى عن الأمم الماضية إذ قالوا: {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا}(يس15). و{
أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} (المؤمنون47). وأمثال ذلك كثيرة فتعجبوا من أن
يفوزوا برتبة الرسالة والوحي والقرب مع أنهم بشر مثلهم فحسدوهم وهو
المراد بالتعجب. الخامس: الخوف: أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمة
بأن يتوصل بها إلى مزاحمته في أغراضه. السادس: حب الرئاسة: أن يكون يحّب
الرياسة التي تنبني على الاختصاص بنعمة لا يساوى فيها. السابع: خبث
الطينة: أن لا يكون بس بب من هذه الأسباب بل لخبث النفس وشحّها بالخير
لعباد الله". ولكنني أعتقد كما أشرت إليه سابقا، أن معظم هذه الأسباب بل
كلها تعود إلى رؤية ذل النفس، وإن السبب المباشر لحسد حسب التعريف
المشهور له ما ذكرناه - انبعاث الحسد من رؤية ذل النفس فلا مجال لذكر
هذه الأقسام -. وأما بناءًا على ما ذكرناه في معنى الحسد من أن نفس هذه
الحال تكون حسداً فلا اعتراض على صحة ذكر هذه الأقسام. وعل ى أي
حال يكون البحث حول هذه المعاني بعيداً عن مقصودنا وعن طبيعة
موضوعنا. فصل في بعض مفاسد الحسد اعلم أن الحسد نفسه أحد الأمراض
القلبية المهلكة، ويتولّــد منه أيضاً أمراض قلبية كثيرة، كالكبر
وفســـاد الأعمال وتعدّ كل واحدة منها من الموبقات. وتشكّـــل
سبباً مستقـــلاً لهلاك الإنسان. ولسوف نباشر بذكر المفاسد الواضحة
منها. ولا شك في أن هناك مفاسد خفيّــة عن نظر الكاتب. [134] وأما
مفاسدالحسد فسنكتفي بما نقل عن الصادق المصدق: ففي صحيحة معاوية بن
وهب قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: آفَــةُ الدّيــنِ الحَسَــد
والعُــجْبُ وَالــفَخْرُ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان
والكفر، باب الحسد، ح 5). وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه
السلام: "إِن الرَّجُــلَ لَيَــأْتى بِأي بادِرَةٍ فَــيُكَــفَّرُ، وَإنَّ
الحَسَــدَ لَيَــأْكُــلُ الإيمان كَمـــا تَــأْكُــلُ النّــار
الحَطَبَ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الحسد، ح
1 ). ومعلوم أن الإِيمان نور إلهي يجعل القلب موضع تجليات الحق جلّ جلاله،
كما جاء في الأحاديث القدسية: "لا يَسَعُنِي أَرْضي ولا سَمائي بل يَسَعُني
قَلْبُ عبدِي الْمؤمِنِ"( إحياء العلوم، المجلد الثالث، ص 12. إتحاف السادة
المتقين، المجلد السابع ص 234. غوالي اللئالي، المجلد الرابع ص 7). فهذا ا لنور
المعنوي، وهذه البارقة الإلهية التي تجعل القلب أوسع من كل الموجودات،
تتعارض مع هذا الضيق والظلام اللذين تسببهما هذه الرذيلة، رذيلة الحسد. إن
هذه الصفة القبيحة تضغط على القلب وتضيقه فتبدو آثارها في كل كيان
الإنسان، باطنه وظاهره. إنها تصيب القلب بالحزن والكدر، والصدر
بالاختناق والضيق، والوجه بالعبوس والغضب. وهذه الحال تطفئ نور الإيمان،
وتميت قلب الإنسان، وكلما اشتدت ازداد ضعف الإيمان. إن جميع الصفات
المعنوية والظاهرية للمؤمن، تتنافى والآثار التي يوجدها الحسد في ظاهر
الإنسان وباطنه. إن المؤمن يحسن الظن باللّه تعالى، وهو راض بقسمه الذي
يقسمه بين عباده. أما الحسود فساخط على اللّه تعالى، يشيح بوجهه عن
تقديراته. لقد جاء في الحديث الشريف: إن المؤمن لا يتمنى السوء للمؤمنين،
بل هم أعزاء عنده، والحسود بعكس ذلك. المؤمن لا يغلبه حب الدنيا،
والحسود بل إنما و مُبْـــتَلى بشدة حبه للدنيا. والمؤمن لا يداخله خوف ولا
حزن إلا من بارئ الخلق تعالى، أما الحسود فخوفه [135] وحزنه يدوران
حول المحسود. والمؤمن طلق المحيا، وبشراه في وجهه، والحسود مقطب الجبين
عبوس الوجه. والمؤمن متواضع، والحسود متكبر في معظم الحالات. فالحسد،
آفة الإيمان التي تأكله، كما تأكل النار الحطب. ويكفي في شناعة هذه الرذيلة
هو أن الحسد يقضي على الإيمان الذي يعدّ وسيلة النجاة في الآخرة، وباعثا
لحياة القلوب، ويجعل الإنسان مفلساً ومسكيناً. وإن من المفاسد الكبيرة التي لا
تنفك عن الحسد، سخط الحسود على الخالق وولي نعمته وإعراضه عن تقديراته
تعالى. في هذا اليوم أن حجب الطبيعة الدكناء والحجب الحاصلة من انشغالنا
بهذه الطبيعة قد حجبت جميع مشاعرنا، فأعمت أعيننا وأصمت آذاننا، فلا
ندري إننا غاضبون تجاه مالك الملوك ومعرضون عنه ولا نعلم ما هي صورة
هذا الغض ب والإعراض في الملكوت حيث مساكننا الأصلية الدائمية؟ وإنما
يصل إلى أسماعنا قول الإِمام الصادق عليه السلام: "ومَنَ يَـكُ كَذلكَ
فـَلَسْتُ مَنْهُ وَلَيْسَ مِنّي" ولا نفهم ماذا يحمل لنا تبرؤ الحق تعالى منّا
وإعراضه عنّا من مصائب؟ إن من يخرج عن ولاية اللّه ويطرد من ظل راية
أرحم الراحمين لن يكون له أمل في النجاة، ولن يشفع له أحد: {مَنْ ذَا الَّذِي
يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}(البقرة/255). من ذا الذي يتقدم ليشفع لمن يسخط
عليه اللّه ويكون خارجاً عن حرز ولايته، وقد انقطع حبل المودة بينه وبين
مالك الرقاب؟ واسوأتاه! واحسرتاه على ما نفعله بأنفسنا! لم يفتأ الأنبياء
والأولياء يصرخون في آذاننا ويريدون إيقاظنا من النوم، ولكننا نزداد غفلة
وشقاءً يوماً بعد يوم. ومن مفاسد هذا الخلق الذميم، كما يقول العلماء، ضيق
القبر وظلمته. إذ أنهم يقولون إن صورة هذا الخق الفاسد الرديء، التي فيها
ضيق نفساني وكدر قلبي، تشبه ضيق القبر وظلمته، إذ أن ضيق القبر أو
اتساعه منوط بضيق الصدر أو انشراحه. روي عن الإمام الصادق عليه
السلام - إلى أن قال -، وَأنَّ رَسولَ اللّه صَلى اللّه عَليه [136] وآله
وسلمَ خَرَجَ فِي جِنَــازَةِ "سَعْــد" وَقَــدْ شَيّعَــهُ سَبْــعُونَ
أًلْفَ مَلَكَ. فَرَفَعَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّه عَليهِ وَآله وسلم رَأسَهُ إلى
السَّــماءِ ثُمّ قالَ: مِثــلُ "سَعْد" يُضمّ؟ قال: قلت جعلت فداك أنّــا
نحدّث إنه كان يِسْــتَخِفُّ بِالْبَولِ فَقال مَعَاذَ اللّه، إنَّما كانَ مِنْ زعّارة في
خُـلُـقِه عَلى أَهْلِهِ ( فروع الكافي، المجلد الثالث، باب المسألة في القبر، ح
6، ص 236 ). إن الضيق والضغط والكدر والظلام الذي يحصل في القلب
بسبب الحسد قلّما يوجد في خلق فاسد آخر. ولى أي حال إن صاحب هذا
الخلق يعيش في الدنيا معذباً مبتلىً، ويكون له في القبر ضيق وظلمه، ويحشر في
الآخرة مسكيناً متألماً. هذه هي مفاسد الحسد نفسه دون المفاسد الخلقية
الأخرى، أو الأعمال الفاسدة الباطلة، التي يمكن أن تتولد عن الحسد،
وقــلّما يتفق أن لا تتولد عن الحسد مفاسد أخرى بل إن عدداً من
السيئات الأخلاقية والأعمال الباطلة الأخرى تكون وليدة الحسد، كالكِبر في
بعض الحالات، كما سبق، والغِيبة، والنميمة، والشتم، والإِيذاء، وغير ذلك
مما هو من الموبقات والمهلكات. فعلى الإنسان العاقل أن يشمّر عن ساعد الجد
لينقذ نفسه من هذا العار وإيمانه من هذه النار المحرقة والآفة الصعبة، وأن ينجو
بنفسه من ضغط الفكر وضيق الصدر في هذه الدنيا - وهما نوعان من العذاب
المرافقان للعمر كلّه - وكذلك من الضيق والظلمة في القبر وفي البرزخ، ومن
غضب اللّه تعالى. على الإنسان أن يفكر قليلاً ليدرك أن أمراً له هذا القدر من
المفسد يجب أن يعالج، مع العلم أن حسدك لن يضر المحسود. فلا تزول نعمته
بمجرد حسدك له، بل يكون له نفع دنيوي وأخروي، وذلك لأن شقائك
وحزنك وأنت عدوه وحاسده يعد نفعاً له. فهو يرى أنه متنعم وأنت معذب
بتنعمه، وهذه نعمة له. فإذا انتبهت لهذه النعمة الثانية التي تتوفر للمحسود
جلبت لنفسك عذاب وضغط فكري آخِرَيْن ويعتبر عذابك هذا نعمة له
وهكذا. وعليه، فإنك تكون دائما في عذاب وشقاء وتعاسة وغمّ، وهو في
نعمة وسرور وانبساط. وفي الآخرة أيضاً يكون حسدك له نفعاً له، وخصوصاً
إذا كان الحسد قد دفع بك إلى الغيبة والافتراء وسائر الرذائل، مما يستوجب
أخذ حسناتك وإعطائها له، فتعود أنت مفلساً، ويزداد هو نعمة وعظمة.
[137] لو أنك أمعنت الفكر في هذه الأمور لأقدمت على تطهير نفسك من
هذه الرذيلة وأنقذت نفسك من هذه المهلكة. ولا تظنن أن الرذائل النفسانية
والخلق الروحية غير ممكنة الزوال ، إن ظنوناً باطلة توحيها إليك النفس
الأمارة والشيطان لكي تنحرف عن سلوك الآخرة وإصلاح النفس. فما دام
الإنسان في دار الزوال وعالم التبدل هذا، فمن المم كن أن يتغيّر في جميع صفاته
وأخلاقه، ومهما تكن صفاته متمكنة، فإنها قابلة للزوال ما دام حياً في هذه
الدنيا، وإنما تختلف صعوبة التصفية وسهولتها نتيجة شدّة هذه الصفات
وخفّتها. ومن المعلوم أن إزالة صفة حديثة الظهور في النفس إنّما يتحقق بقليل
من الجهد والترويض، كالنبتة في أيامها الأولى التي لم ترسل جذورها إلى
الأعماق بعد ولم تتمكن من التربة. ولكن إذا تمكنت تلك الصفة من النفس
وأصبحت من الملكات المستقرة فيها، فإنه يصعب إزالتها، ورغم أن إزالتها
ممكنة، كاقتلاع شجرة ضخمة معمرّة ضربت بجذورها في أعماق التربة،
فكلما تقاعست وأبطأت في مساعيك لاقتلاع جذور المفاسد من قلبك
وروحك، ازداد تعبك وعنائك في اجتثاثها. فيا عيزي؛ إن الوقوف منذ البداية
دون تسرب المفاسد الأخلاقية أو العملية إلى مملكة ظاهرك وباطنك، أيسر
بكثير من إخراجها بعد توغلها، لأن ذلك يتطلب الكثير من العناء والجهد.
وإذا تسربت، فإنك كلما أخرت التصدي لإخراجها، ازداد الجهد المطلوب
منك وضعفت قواك الداخلية. يقول شيخنا الجليل والعارف الكبير الشاه آبادي
( روحي فداه ): إن الإنسان في عز شبابه وقوة فتوته يكون أقدر على الوقوف
بوجه المفاسد الأخلاقية، وأفضل في أداء واجبه الإنساني. فلا تتركوا هذه
القوى تضيع من أيديكم، ويستولي عليكم ضعف الشيخوخة، وعندئذٍ يصعب
عليكم التوفيق في مساعيكم، وحتى لو أنكم وفقتم، فإن ذلك الإصلاح
سوف يتطلب منكم الكثير من المشقة والتعب. وعليه، إذا فكّر الإنسان العاقل
في المفاسد ووجد أنه غير داخل فيها، فإنه يستطيع أن يمنع نفسه من التلوث
بها، وإذا وجد نفسه - لا سمح الـلّه - مبتلاةً بها، فخي ر له أن يسرع في
إصلاح نفسه قبل أن تتجذّر تلك المفاسد فيه، وإذا كانت - لا [138] سمح
اللّه - قد تجذّرت فيه فعليه أن يبذل كل جهد مستطاع في سب يل اقتلاع
تلك الجذور لئلا يصل إلى مرحلة اللاعودة في البرزخ والآخرة، لأنها إذا أعطت
ثمرها، وخرج صاحبها بخلقه الفاسد من هذه الدنيا المتبدلة في هيولاها والمتغيرة
في جوهرها، خرج أمر اقتلاعها من يديه، وهيهات أن يتبدّل خلق من
الأخلاق النفسانية في الآخرة أو في البرزخ. جاء في مضمون حديث عن
رسول الـلّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم، أن الخلود في الجنة أو في النار منوط
بنية الإنسان. فالنوايا الفاسدة، التي هي وليدة الأخلاق والرذيلة، لا يمكن أن
تزول إلا بزوال منشئها. إن الملكات في ذلك العالم تكون على درجة من شدّة
الظهور وقوته بحيث أن زوالها إما لا يكون ممكناً، فيكون صاحبها مخلداً في
النار. وإمّا إذا أمكن بالضغوطات والمشاق والنيان إزالتها، فإن ذلك قد يحدث
ولكن بعد قرون ربوبية. فيا أيها الإنسان العاقل! إن ما يمكن أن تصلحه في
شهر أو في سنة من التعب الق ليل الدنيوي وبمحض اختيارك واضعاً حدّاً
لشقائك في الدنيا والآخرة، لا تهمله لكيلا يوردك موارد الهلاك. فصـل في
بيان جذور المفاسد الخلقيـة سبق القول بأن الإيمان، الذي هو حظ القلب،
غير العلم الذي هو حظ العقل. ثم إن جميع المفاسد الأخلاقية والعملية تنشأ عن
كون القلب غافلاً عن الإيمان، وأن ما يدركه العقل عن طريق البرهان العقلي
أو عن طريق أخبار الأنبياء لم يوصله إلى القلب، ولذلك فالقلب لا يعرف عنه
شيئاً. إن من بين المعارف التي يصدّقها الحكماء والمتكلمون وعامّة الناس من
أهل الشرائع، ولا يشكون فيها أبداً، هو أن ما جرى به قلم الحكيم المطلق
جلّت قدرته من الوجود والكمال ومن بسط النعمة وتقسيم الآجال والأرزاق،
جاء على خير تقدير وأجمل نظام، وهو يت طابق كل التطابق مع المصالح
التامة والنظام الكلي لأتم نظام متصور. ولكن يعبر كل واحد - من الحكماء
والمتكلمين - بلسانه الخاص [139] واصطلاحه الذي يختص بفنه الذي اتخذه
وسيلة لتبيان هذه النعمة الإلهية والحكمة الكاملة. يقول العارف: ظلّ الجميل
جميل على الإطلاق. ويقول الحكيم: النظام العيني المطابق للنظام العلمي خال
من النقص والشرور، والشرور المتوهمة الجزئية هي من أجل إيصال الكائنات
إلى كمالاتها التي تليق بها. ويقول المتكلم وأهل الشرائع: أفعال الحكيم تكون
على أساس من الحكمة والصلاح، وأن أيدي العقول البشرية الجزئية المحدودة
قاصرة عن إدراك المصالح العالية في التقديرات الإلهية. هذا الموضوع يدور على
ألسنة الجميع، وكل ما يستدل على ذلك بأدلة تتناسب مع مدى سعة علمه
وعقله. ولكن بما أنه لم يتعد حدود الأقوال إلى حيث القلوب والأحوال، فإن
ألسنة الاعتراض مطلقة، وأن من لم يكن ه حظ من الإيمان يقوم بتفنيد برهانه
وتكذيب قوله. وعلى هذا الأساس تكون المفاسد الأخلاقية. وليعلم من يحسد
الناس ويتمنى زوال النعمة عن الآخرين، ويحقد في قلبه على أصحاب النعم، أنه
لا إيمان له بأن اللّه عزّ وجل من باب معرفة الصالح أسبغ نعمه على أولئك،
وأن إدراكنا لذلك قاصر. وليعلم أيضاً أنه لا يؤمن بعدل اللّه تعالى ولا يرى
التقسيم عادلاً. إنك في أصول العقائد تقول إن اللّه عادل، وما هذا إلاّ مجرد
لفظة على لسانك. إن الإيمان بالعدل يناقض الحسد. إنك إذا كنت ترى اللّه
عادلاً، لرأيت تقسيمه عادلاً أيضاً. وقد جاء في الحديث الشريف: يقول الـلّه
عزّ وجل: "إن الحسود يشيح بوجهه عمّا قسمته بين العباد، وهو ساخط
على نعمي". إن القلب يخضع بالفطرة للقسمة العادلة، وينفر بالفطرة كذلك
من العسف والجور. إن الفطرة الإلهية الكامنة في أعماق البشر حب العدل
والرضى به، وكراهة الظلم وعدم ا لانقياد له. فإذا رأى خلاف ذلك فليعلم أن
في المقدمات نقصاً. فإذا سخط على النعمة وأعرض عن القسمة، فذلك لأنه لا
يرى ذلك عدلاً، بل يراه - والعياذ باللّه - جوراً. وليس معناه أنه يرى القسمة
عادلة ثم يعرض عنها، أو أنه يرى الخطة المرسومة مطابقة للنظام الأتم
والمصلحة التامة، ثم يسخط عليها بل يرى أن هذا جور ومغاير للعدل. أسفاً
علينا! إن إيماننا ناقص، ولم تخرج أدلتنا العقلية من نطاق العقل لتصل إلى
حدود القلب. ليس الإيمان بالقول [140] والسماع والمطالعة والمباحثة
والنقاش فحسب وإنما يتطلب أيضاً خلوص النية. إن الباحث عن اللّه يجده لا
محالة، والذي يطلب المعارف يبحث عنها، {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي
الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً}(الإسراء72). {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا
لَهُ مِنْ نُورٍ} (النور40). فصـل في بيان المعالجة العملية لحسـد يوجد
فضلاً عن العلاج العلمي الذي ذكرنا بعضه، العلاج العملي لهذه الرذيلة، وذلك
بأن تتكلف إظهار المحبة للمحسود وترتب الأمور بحيث يكون هدفك هو
معالجة مرضك الباطني. إن نفسك تدعوك لإيذائه واعتباره عدواً، وتكشف لك
عن مساوئه ومفاسده. ولكن عليك أن تعمل خلافاً لما تريده النفس، وأن
تترحم عليه وتحترمه وتجلّه. وأحمل لسانك على أن يذكر محاسنه، وأعرض
أعماله الصالحة على نفسك وعلى الآخرين، وتذكّر صفاته الجميلة. صحيح أن
هذا سوف يكون متكلفاً في بادئ الأمر ومن باب المجاز دون الحقيقة ولكن لما
أن الهدف هو إصلاح النفس وإزالة هذه المنقصة والرذيلة، فإن نفسك سوف
تقترب في النهاية من الحقيقة، ويخف تكلفك شيئاً فشيئاً، وترجع نفسك إلى
حالها الطبيعي وتصبح ذات واقعية. قل لنفسك، على الأقل: إن هذا الإنسان
عبد من عباد اللّه، ولعل اللّه نظر إليه نظرة لطف فأنعم عليه بما أنعم، خصّه د
ون غيره بها، خصوصاً إذا كان المحسود من رجال العلم والدين، وأنه
محسـود على ذلك، فإن مثل هذا الحسد يكون أقــبح، ومعاداة أمثال هؤلاء
أسوأ عاقبة. ولا بُــدَّ من تفهيم النفس بأن هؤلاء هم من عباد اللّه
المُـخْـلَـصِين الذين شملهم توفيق منه، ووهبهم هذه النعم العظيمة. وهي نعم
يجب أن تبعث في القلوب المحبة لهم واحترامهم والخضوع لهم. فإذا رأى أن
هذه الأمور التي يجب أن تكون دافعاً على المحبة والاحترام توجب نقيض ذلك
فعليه أن يعلم أن الشقاء قد اكتنفه من كل جانب، وأن الظلام قد أحاط
[141] بباطنه، فلا بُــدَّ أن يبادر إلى إصلاح نفسه بالطرق العلمية
والعملية. وليعلم أنه إذا اتخذ طريق المحبة فإنه سرعان ما يكون موفقا، لأن نور
المحبة قاهر للظلمة ومزيل للكدر، ولقد وعد اللّه تعالى المجاهدين أن يهديهم
وأن يعينهم بلطفه الخفي ويوفقهم. إنّه وليّ التوفيق والهداية. فصـل في ذكـر
حــيـث الــرفـع اعلم أن ه ورد في بعض الأحاديث الشريفة ما
مضمونه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم قال: إن اللّه رفع عن أمتي
تسع... ومنها الحسد إذا لم يظهر من خلال يده أو لسانه. ومن المعلوم أنه يجب
أن لا تَــحُولَ أمثال هذا الحديث الشريف دون المساعي الجادة لقلع هذه
الشجرة الخبيثة من النفس، ولا تمنع المحاولات المبذولة في سبيل تطهير الروح من
هذه النار التي تحرق الإيمان، ومن هذه الآفة التي تقضي عليه، لأنه يندر أن
تدخل هذه الرذيلة المفسدة إلى نفس إنسان ولا تتوالد فيها المفاسد المختلفة، ثم
لا يظهر أثرها أبدا، ويحافظ على إيمان الإنسان. مع أنه قد ورد في الأحاديث
الصحيحة أن هذه الصفة تأكل الإيمان، وإنها آفة الإيمان، وأن اللّه تعالى بريء
من صاحبها، وإنه مطرود من حضرته، فيجب أن لا يغفل الإنسان عن مثل هذا
الأمر الخطير والفساد الكبير الذي يهدد كل وجوده وطاقاته، م تمسكاً
بالتفسير الظاهري لهذا الحديث الشريف. عليك إذاً، أن تقــوم جاهـداً،
بتقليـم فروع الحسد، والسعي لإصلاح النفس، ولا تدع شيئاً منه يترشح إلى
الخارج، وعندئذٍ تضعف جذوره، ويقف نموه. وإذا وافتك المنية وأنت ماضٍ في
سبيل الإصلاح والترويض للنفس، فإن رحمة اللّه سوف تشملك، ولسوف
ينالك العفو برحمة اللّه الواسعة وببركة الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله
وسلم، وإذا بقيت منه باقية فإن بوارق الرحمة الإلهية سوف تحرقها وتطهّر
النفس وتزكّيها. أما ما جاء في رواية حمزة بن حمران، عن أبي عبداللّه عليه
السلام أنه [142] قال: "ثَلاثَـــةٌ لَمْ يَـنْجُ مِنْها نَبِيٌّ فَمَنْ دُونَهُ فِي
الوَسْوَسَةِ فِي الْـخَلْـقِ والطِّيرَةُ والحَـسَدُ إِلاّ أنَّ المُؤْمِنَ لا يَسْتَعْمِلُ
حَـسَدَهُ"( وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس، باب تحريم الحسد،
ح 8 ) فإنه إما يكون من باب المالغة الدالة على كثرة الابتلاء بها، وإما أن
يكون التعبير كناية عن كثرة الابتلاء دون أن يكون القصد هو مضمون الكلام
بذاته، وإما أنه اعتبر الحسد أعم من الغبطة، من باب المجاز، وإما أنه يقصد
بالحسد تمنّي زوال بعض النعم المستعملة لدى الكفار في ترويج مذهبهم الباطل.
وإلا فإن الأنبياء والأولياء مطّهرون من الحسد بمعناه الحقيقي. إن القلب الملوث
بالمساوئ الأخلاقية والقذارات الباطنية لا يمكن أن يهبط عليه الوحي والإلهام،
ولا يكون موطن التجليات الذاتية والصفاتية. إذاً، لا بُــدَّ أن يفسر هذا
الحديث بحسب ما ذكر، أو بشكل آخر، أو يرد علمه إلى قائلة صلوات اللّه
عليه. والحمد لله أولاً وآخراً. [143] الحَـــــديث
السَــــادِس "من أصبح وأمسى والدنيا أو الآخِرة أكـبر همـّه"
[144] بالسند المتَّصل إلى محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن
محمّد، عن ابن محبوب، عن عبدالله بن س نان وعبدالعزيز العبدي، عن
عبدالله بن أبي يعفور، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: "مَنْ أَصْبَــحَ
وأَمْسى وَالدُّنْـــيَا أَكْبَرُ هَمَّه، جَعَــلَ اللَّــهُ الفَقْـــرَ بَيْنَ
عَيــنَــيْــهِ وَشَتَّــتَ أَمْــرَهُ وَلَــمْ يَنَــلْ مِنَ الدُّنْــيَا
إلاّ مَـــا قُسِمَ لَــهُ وَمَنْ أَصْبَحَ وَأمْــسَى وَالآخِـرَةُ أَكْبَــرُ
هَمَّــه، جَعَــلَ اللَّــهُ الغِنَى فِي قَلْبِــهِ وَجَمَــعَ لَهُ أَمْــرَهُ"(
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب حب الدنيا، ح 15 ).
[145] الشرح: اعلمِ أن للدنيا والآخرة اطلاقات حسب آراء أرباب العلوم
ولدى مقاييس معارفهم وعلومهم ولا يكون البحث عن حقيقتها على ضوء
المصطلحات العلمية بمهمة لدينا، فإن بذل الجهد في فهم الاصطلاحات والرد
والقبول والجرح والتعديل يحول دون بلوغ القصد. وإنما المهم في هذا الباب
هم فهم الدنياالمذمومة التي على طالب الآخرة أن يتحرز منها. وما يعين
الإنسان على النجاة، وسوف نبين ذلك إنشاء الله في بضعة فصول، ونسأل
الـلّه تعالى التوفيق في سلوك هذا الطريق. فصل في بيان كلام مولانا المجلسي -
رحمة اللّه عليه - في حقيقة الدنيا المذمومة يقول المحقق الخبير والمحدث المنقطع
النظير مولانا المجلسي رحمة اللّه عليه: ( فاعلم أن الذي يظهر من مجموع
الآيات والأخبار على ما نفهمه أن الدنيا المذمومة مركبة من مجموع أمور تمنع
الإنسان من طاعة الـلّه وحبه وتحصيل الآخرة، فالدنيا والآخرة، ضرّتان
متقابلتان فكلما يوجب رضى الله سبحانه وقربه فهو من الآخرة، وإن كان
بحسب الظاهر من أعمال الدنيا كالتجارات والصناعات والزراعات التي يكون
المقصود منها تحصيل المعيشة للعيال لأمره تعالى به وصرفها [146] في وجوه
البر، وإعانة المحتاجين، والصدقات، وصون الوجه عن السؤال وأمثال ذلك،
فإن هذه كل ها من أعمال الآخرة وإن كان عامة الخلق يعدونها من الدنيا.
والرياضات المبتدعة والأعمال الريائية، وإن كان مع الترهب وأنواع المشقة فإنها
من الدنيا لأنها مما يبعد عن الله ولا يوجب القرب إليه كأعمال الكفار
والمخالفين ) انتهى كلامه ( بحار الأنوار، المجلد 73، باب حب الدنيا، ص 63
). ونقل المجلسي - رحمه اللّه - عن أحد المحققين: "دنياك وآخرتك عبارة
عن حالتين من أحوال قلبك، والقريب الداني منهما يسمى الدنيا وهي كل ما
قبل الموت، والمتراخي المتأخر يسمى آخرة، وهي ما بعد الموت. فكل مالك فيه
حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذ ة في عاجل قبل الوفاة، فهي الدنيا في
حقك..."( بحار الأنوار، المجلد 73، باب حب الدنيا، ص 25 ). يقول الفقير
إلى الله: إن الدنيا مرة تطلق على نشأة الوجود النازلة والتي هي دار تصرّم
وتغيّر ومجاز، والآخرة تطلق على الرجوع من هذه النشأة إلى ملكوت الإنسان
وباطنه والتي ه دار بقاء وخلود وقرار. وهاتان النشأتان متحققتان لكل نفس
من النفوس وشخص من الأشخاص. وعلى العموم، لكل كائن مقام ظهور
وملك وشهود. وتلك هي مرتبته النازلة الدنيوية. ومقام باطني، وملكوت
غيبي، وهي النشأة الصاعدة الأخروية. وهذه النشأة النازلة الدنيوية وإن كانت
ناقصة بذاتها وإنها آخر مراتب الوجود، ولكن لما كانت مهد تربية النفوس
القدسية، ودار تحصيل المقامات العالية، ومزرعة الآخرة، فإنها من أحسن
مشاهد الوجود وأعز النشآت، وهي المغنم الأفضل عند الأولياء وأهل سلوك
الآخرة. ولولا هذه الأمور الملكيّة والتغييرات والحركات الجوهرية، الطبيعية
والإرادية، ولولا أن يسلط الـلّه تعالى على هذه النشأة التبدّلات والتصرّمات،
لما وصل أحد من ذوي النفوس الناقصة إلى حد كماله الموعود ودار قراره
وثباته، ولحصل النقص الكلي في الملك والملكوت. [147] إن ما ورد في
القرآن والأحاديث عن ذم هذه الد نيا، لا يكون عائدا في الحقيقة إلى الدنيا من
حيث نوعها أو كثرتها، بل يعود إلى التوجه نحوها وانشداد القلب بها ومحبتها.
وعليه، يتبين من ذ لك أن أمام الإنسان دنياءان: دنيا ممدوحة ودنيا مذمومة.
فالممدوح هو الحصول في هذه النشأة وهي دار التربية ودار التحصيل ومحل
التجارة لنيل المقامات واكتساب الكمالات والإعداد لحياة أبدية سعيدة، مما لا
يمكن الحصول عليه دون الدخول إلى هذه الدنيا، كما جاء في خطبة لمولى
الموحدين أمير المؤمنين علي عليه السلام ردا على من ذم الدنيا: "... إنّ الدُّنْيَا
دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَها، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنىً لِمَنْ تَزَوَّدَ
مِنْهَا، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنْ اتّعـَظَ بِهَا. مَسْجِدُ أحِبّاءِ اللّهِ، وَمُصَلّى مَلائِكَةِ اللَّهِ،
وَمَهْبـَطُ وَحْي اللَّهِ، وَمَتْجَرُ أوْلِيَاءِ اللَّهِ. اكْتَسَبُوا فِهَا الَّحْمَةَ، وَرَبَحُوا فِيهَا
الجَنَّةَ ..."( نهج البلاغة، الحكمة رقم 131 ( الشيخ صبحي الصالح ) ) وقال
تعالى:{... وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ}(النحل30). وهي دار الدنيا حسب ما ورد في
تفسير العيّاشي عن الإمام الباقر عليه السلام. وعليه، فإن عالم الملك، وهو
مظهر الجمال والجلال وحضرة الشهادة المطلقة، ليس مذموماً بهذا المعنى، بل
المذموم هو دنيا الإنسان نفسه، أي التوجه إليها والتعلق بها وحبها، وهذا هو
منشأ كلّ المفاسد والخطايا القلبية والظاهرية. كما جاء في كتاب الكافي
الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام: قال عليه السلام: "رَأْسُ كُلّ خَطِيئَةٍ
حُبُّ الدُّنْيَا"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب حب
الدنيا، ح1 و 3 ). وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: "مَا ذِئْـــبَانِ
ضَارِيَان فِي غَنَمٍ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ هذا في أَوَّلِهَا وَهذا في آخِرِ هَا بِأَسْــرَعَ
فِيهَا مِنْ حُبِّ الـــمَالِ وَالشَّــرَفِ فِي دينِ المُــؤْمِنِ"( نهج البلاغة
- الخطبة 5 - ( الشيخ صبحي الصالح ). فتعلق القلب بالدنيا وحبها، هو
الدنيا المذمومة. وكلما كان التعلق بها أشد كان الحجاب بين الإنسان ودار
الكرامة، والحاجز بين القلب والحق سبحانه، [148] أسمك وأغلظ. وإن ما
جاء في الأحاديث الشريفة من أن لله سبعين ألف حجاب من النور والظلمة،
يمكن أن يكون المقصود من حجب الظلمة هذه الميول والتعلقات القلبية نحو
الدنيا. فكلما كان التعلق بالدنيا أقوى، كان عدد الحجب أكثر، وكلما كان
الحب لها أشد، كان الحجب أغلظ واختراقها أصعب. فصل في بيان سبب
ازدياد حب الدنيا اعلم أنه ولما كان الإنسان وليد هذه الدنيا الطبيعية، وهي
أمه، وهو ابن هذا الماء والتراب، فإن حب الدنيا يكون مغروساً في قلبه منذ
مطلع نشوئه ونموه، وكلما كبر في العمر، كبر هذا الحب في قبه ونما. وبما وهبه
الـلّه من القوى الشهوانية ووسائل التلذذ للحفاظ على ذاته وعلى البشرية،
يزداد حبه ويقوى تعلقه، ويظن أنّ الدنيا إنّما هي دار اللذات وإشباع الرغبات،
ويرى في الموت قاطعاً لتلك ا للذات، وحتى لو كان يعرف من أدلة الحكماء
أو أخبار الأنبياء صلوات اللّه عليهم أن هناك عالماً أخروياً فإن قلبه يبقى غافلاً
عن كيفية عالم الآخرة وحالاته وكمالاته ولا يتقبله، فضلاً عن بلوغه مقام
الاطمئنان. ولهذا يزداد حبّه وتعلقه بهذه الدنيا. وبما أن حب البقاء فِطري في
الإنسان، فهو يكره الزوال والفناء، ويظن أن الموت، فناء. ولو أنه آمن بعقله
بأن هذه الدنيا دار فناء ودار ممر، وأن العالم الآخر عالم بقاء سرمدي، فما دام
إيمانه العقلي هذا يكون موجوداً، ولم يدخل الإيمان قلب، بل ولم يحصل
الاطمئنان الذي هو المرتبة الكاملة للإيمان القلبي. فهو لا يزال يميل فطرةً، إلى
الدنيا والبقا ء فيها كما طلب إبراهيم خليل الرحمن من الحق المتعال هذا
الاطمئنان، فأنعم به عليه. إذاً، إما أن القلوب لا تؤمن بالآخرة، مثل قلوبنا،
وإن كنا نصدق بها تصديقاً عقلياً، وإما أنها لا اطمئنان فيها، فيكون حب
البقاء في هذا العالم، وكراهة الموت والخروج من هذا العالم في القلب موجوداً.
ولو أدركت القلوب أن هذه الدنيا هي أدنى العوالم، وأنها دار الفناء والزوال
والتصرم والتغيّر، وأنها دار الهلاك ودار النقص، وأن العوالم الأخرى التي تكون
بعد الموت عوالم باقية وأبدية، وأنها دار كمال وثبات وحياة وبهجة وسرور،
لحصل فيها بالفطرة حب تلك العوالم، ولنفرت من هذه الدنيا. ولو ارتفع
الإنسان عن هذا [149] العالم ووصل إلى مقام الشهادة والوجدان ورأى
الصورة الباطنية لهذا العالم وللتعلق به، والصورة الباطنية لذلك العالم - عالم
الآخرة - والتعلق به، لأصبح هذا العالم ثقيلاً عليه، وغصّة في حلقه ولنفر منه،
واشتاق للتخلص من هذا السجن المظلم ومن سلسلة قيود الزمان والتغير. كما
جاء في كثير من كلام الأولياء. يقول الإمام علي عليه السلام: "وَاللَّهِ لابْنُ
أَبِي طَالِبٍ آنـَسُ بِالمَوْتِ مِنَ الطِّفـْلِ بِثَـدْيِ أُمِّهِ"( نهج البلاغة - الخطبة
5 - ( الشيخ صبحي الصالح ). ذلك لأنه رأى بعين الولاية حقيقة هذه الدنيا،
فلا يؤثر على مجاورة رحمة الحق المتعال شيءٌ أبداً. ولولا المصالح لما ثبتت
نفوسهم الطاهرة، لحظة واحدة في سجن الطبيعة المظلمة. إن الوقوع في الكثرة،
ونشأة الظهور والاشتغال بالتدبرات المُلكية بل التأييدات الملكوتية، يعدّ كل
ذلك للمحبين والمنجذبين، ألم وعذاب ليس بقدورنا أن نتصورهما. إن أكثر
أنين الأولياء إنما هو ألم فراق المحبوب والبعد عن كرامته، كما أشاروا إلى ذلك
بأنفسهم في مناجاتهم، على الرغم من أنهم لا يحجبهم حجاب مُلكي أو
ملكوتي، وقد اجتازوا ج حيم الطبيعة الذي كان خامداً غير مستعر، وقد خلوا
من التعلق بالدنيا وتطهرت قلوبهم من الخطيئة الطبيعية. إلاّ أن الوقوع في عالم
الطبيعة هو بذاته تلذذ طبيعي وقسري، مما كان يحصل لهم، ولو بأقل مقدار،
فكان ذلك من باب الحجاب. وفي ذلك ي قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه
وآله وسلم: "لَيُرَانُ عـَلَى قَلْبِي وإنّي لأَسْــتَغفِرُ اللّه فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعينَ
مَرَّةً"(نهاية ابن أثير، ص 180، ج 3. الجامع الصغير، ج 1 ص 103.
صحيح مسلم، ج 8 ص 72 ). ولعل خطيئة آدم أبي البشر نجمت عن هذا
التوجه القسري نحو تدبير المُلِك والحاجة الاضطرارية إلى القمح وسائر الأمور
الطبيعية، وهذه خطيئة بالنسبة إلى أولياء الـلّه والمنجذبين إليه. ولو بقى آدم
عليه السلام في ذلك الانجذاب الإلهي، ولم ي دخل في قضية المُلك، لما حدث
كل هذا الشقاء والعناء في الدنيا والآخرة. [150] فصل في بيان تأثير
الحظوظالدنيوية في القلب ومفاسده اعلم أن ما تناله النفس من حظ في هذه
الدنيا، يترك أثراً في القلب، وهو من تأثير الملك والطبيعة، وهو السبب في تعلقه
بالدنيا. وكلّما ازداد التلذذ بالدنيا، اشتد تأثر القلب وتعلقه بها وحبه لها، إلى
أن يتجه القلب كـُلّياً نحو الدنيا وزخارفها، وهذا يبعث على الكثير من
المفاسد. إن جميع خطايا الإنسان وابتلاءه بالمعاصي والسيئات سببها هذا الحب
للدنيا والتعلق بها كما ورد في الحديث الذي أوردناه من كتاب أصول الكافي
قبل قليل. وإن من المفاسد الكبيرة لحب الدنيا - كما كان يقول شيخنا
العارف (روحي فداه)- هو أنه إذا انطبع حب الدنيا على صفحة قلب
الإنسان، واشتد الأنس بها، انكشف له عند الموت أن الحق المتعال يفصل بينه
وبين محبوبه، ويفرّق بينه وبين مطلوبه، فيغادر الدنيا ساخطاً مغتاظاً على ولي
نعمته. إن هذا القول القاصم للظهر يجب أن يوقظ الإنسان أيّما إي قاظ
للحفاظ على قلبه. فالعياذ باللّه من إنسان يسخط على ولي نعمته، مالك الملوك
الحق، إذ ليس أحد يعرف صورة هذا السخط والعداء، غير اللّه تعالى. ويقول
أيضاً شيخنا المعظم - دام ظله - نقلاً عن أبيه المعظم، إنه كان في أواخر
عمره خائفاً بسبب المحبة التي كان يكنّها لأحد أولاده، ولكنه بعد الانهماك
بالرياضات النفسية تخلص من ذلك الخوف، وانتقل إلى دار السرور مسروراً،
رضوان الـلّه عليه. جاء في "الكافي" بإسناده عن طلحة بن زيد، عن أبي
عبدالله عليه السّلام قال: "مَثَلُ الدُّنيا كَمَثـَلِ ماءِ البحرِ كُلَّما شَرِبَ مِنْهُ
العطشانُ ازدادَ عَطَشاً حَتَّى يقتل"(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان
والكفر، باب ذم الدنيا ح 54 ). إن حب الدنيا ينتهي بالإنسان إلى الهلاك
الأبدي، وهو أصل البلايا والسيّئات الباطنية والظاهرية وقد نقل عن رسول
الـلّه صلّى الـلّه عليه وآله وسلم قول: "إِنَّ الدِّرْهَمَ وَالدِّينَارَ أَهْلَـكَا مَنْ
كَانَ قَبْلَكُمْ، وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ". [151] وعلى فرض أن الإنسان لم يرتكب
معاصي أخرى - على الرغم من أن هذا الفرض بعيد، أو من المستحيل عادة -
فإن التعلق بالدنيا نفسه معصية، بل أن مقياس طول بقاء الإنسان في عالم القبر
والبرزخ هو أمثال هذه التعلقات. فكلّما كان التعلق بالدنيا أقل كان البرزخ
وقبر الإنسان أكثر نوراً وأوسع، ومكثه فيه أقصر. لذلك فقد ورد في بعض
الروايات: إن عالم القبر لأولياء الله لا يزيد عن ثلاثة أيام، وإنّما كان هذا
لأجل التعلق الطبيعي والعلاقة الجِبِلّية لأولياء الـلّه تجاه العالم. وإن من مفاسد
حب الدنيا والتعلّق بها هو أنه يجعل الإنسان يخاف الموت. وهذا الخوف
الناشئ من حب الدنيا، والتع لق القلبي بها المذموم جداً. غير الخوف من المرجع
- مآل الإنسان بعد الموت - المعدود من صفات المؤمنين. إن أهم صعوبة في
الموت هي ضغوطات لرفع هذه العلائق، والخوف من الموت. يقول المحقق
المدقق الإسلامي البارع، السيد العظيم الشأن، الداماد، كرّم اللّه وجهه، في
كتابه "القبسات" الذي يعد من الكتب النادرة: "لاَ يُخيِفنك الموتُ، فإنَّ
مَرارَته في خوفه"(قبسات ميرداماد، ص 72). ومن المفاسد الكبيرة لحب الدنيا
أنه يمنع الإنسان من الرياضات الشرعية والعبادات والمناسك، ويُقويّ جانب
الطبيعة في الإنسان بحيث يجعلها تعصي الروح وتتمرد عليها ويوهن عزم
الإنسان وإرادته، مع أن من أكبر أسرار العبادات والرياضات الشرعية هو أن
تجعل الجسم وقواه الطبيعية تابعة ومنقادة للروح بحيث يكون للإرادة دوراً مؤثراً
في الجسم ويخضع الجسم لأوامر الإرادة فيعمل ما تشاء، ويمتنع عمّا تشاء،
ويصبح مُلك الجسم وقواه الظاهرة مقهوراً ومسخّراً للملكوت بحيث أنه يقوم
بما يريد من دون مشقة ولا عناء. إن من الفضائل والأسرارالشاقة والصعبة
للعبادات تحقق هذا الهدف - تسخير مُلك الجسم للملكوت - أكثر حيث
يصير الإنسان بذلك ذا عزم، ويتغلب إلى الطبيعة والملك. فإذا اكتملت الإرادة
وقوي العزم واشتد، أصبح كمَــثَل الجسم وقواه الظاهرة والباطنة مَثَل
ملائكة اللّه الذين لا يعصون الله وإنما يطيعونه [152] في كل ما يأمرهم به
وينهاهم عنه، من دون أن يعانوا في ذلك عنتاً ولا مشقة. كذلك إذا أصبحت
قوى الإِنسان مسخّرة للروح، زال كل تكلف وتعب وتحوّل إلى الراحة
واليسر، واستسلمت أقاليم الملك السبعة للملكوت وأصبحت جميع القوى
عمّالاً له. فاعلم، يا عزيزي، أن العزم والإرادة القوية لذلك العالم ضروريان
وذات فعالية. إن البلوغ لأحد مراتب الجنة والذي يُعدّ من أفضلها هو العزم
والإرادة. فالإنسان الذي ليست له إرادة نافذة ولا عزم قوي لا ينال تلك الجنة
ولا ذلك المقام الرفيع. جاء في الحديث، أن أهل الجنة عندما يستقر ون فيها،
تنزل عليهم رسالة من ساحة القدس الإلهي جلّت عظمته بهذا المضمون: "هذه
رسالة من الحي الثابت الخالد إلى الحي الثابت الخالد إلى الحي الثابت الخالد. أنا
الذي أقول للشيء: كن، فيكون. وقد جعلتك اليوم أيضاً في مستوىً إذا أمرت
الشي: وقلت له كن، فيكون". فلاحظ أي مقام و سلطان هذا؟ وأية قدرة
إلهية هذه التي تجعل إرادة الإِنسان مظهراً لإرادة اللّه! فــيُلبس العدم لباس
الوجود؟ هذه القدرة وهذا النفوذ هما أفضل وأرفع من كل النعم الجسمانية.
وبديهي، أن تلك الرسالة لم تكتب عبثاً وجزافاً. إن من كانت إرادته تابعة
للشهوات الحيوانية، وعزيمته ميته خامدة، لا يصل إلى هذا المقام. إن أعمال اللّه
منزّهة عن العبث. فكما أن هذا العالم قائم على النظام والترتيب، على الأسباب
والمسببات، كذلك هي الحال في العالم الآخر، بل إن العالم الآخر ألْيَق بالنظام
والأسباب والمسببات، وإن جميع نظا عالم الآخرة ينبعث من المناسبات
والأسباب، وإن نفوذ الإرادة يجب أن يتهيأ من هذا العالم، فإن الدنيا مزرعة
الآخرة وإن هذا العالم مادة لكل نعم الجنة ونقم النار. إذاً، كل عبادة من
العبادات وكل منسكٍ من المناسك الشرعية، فضلاً عن إن لها صورة أخروية
وملكوتية، وبها يتم عمارة الجنة الجسمانية وقصورها، وتهيئة الغلمان والحور
- طبقاً للبراهين والأحاديث - فإن لكل عبادة من العبادات أيضاً أثراً يحصل في
النفس، مما يقوّي الإِرادة شيئاً فشيئاً ويصل بقدرتها إلى حد الكمال. [153]
لذلك كلّما كانت العبادات أشق كانت أرغب: "أَفْضَــلُ الأَعْمَــالِ
أَحْــمَزُهَا"(نهاية ابن الأثير، المجلد الأول، ص 440، مادة"همز"أهمزها أي
أقواها وأشدّها ). فالتنازل عن النوم اللذيذ في ليل الشتاء البارد، والانصراف
إلى عبادة الحق المتعـال، يزيد من قوة الروح وتغلبها على قوى الجسم، ويقوّي
الإرادة. وإذا ك ان هذا في أول الأمر على شيءٍ من المشقة والعناء، فإن ذلك
يخف تدريجاً كلّما واصل العبادة، وازدادت طاعة الجسم للنفس. إذ أننا نلاحظ
أن أهل العبادة يقومون بالأعمال دون مشقة وتكلف. أما نحن فشعورنا
بالكسل وبالمشقة ناشئ من أننا لا نبدأ بالعمل. فلو إننا بدأنا العمل وكررناه
عدة مرات، لتبدلت مشقته إلى راحة، بل إن أهلها يلتذون بها أكثر مما نلتذ نحن
بمشتهيات الدنيا. إذاً، الأمر يصبح عادياً بالتكرار. والخير عادة. ولهذه العبادة
ثمرات، منها: أن صورة العمل نفسه تصبح على قدر من الجمال في ذلك العالم
لا يكون له نظير في هذا العالم، ونكون عاجزين عن تصور مثلها. ومنها: أن
النفس تصبح ذات عزم واقتدار، فتكون لها نتائج كثيرة، وقد سمعت واحدة
منها. ومنها: أيضاً أنها تجعل الإِنسان يأنس بالذكر والفكر والعبادة، فإن المجاز
قد يقرّب الإنسان إلى الحقيقة، فيتوجه القلب إلى مالك الملوك، وتحل المحبة
لجمال المحبوب الحقيقي، ويخفّ تعلق القلب وحبه للدنيا والآخرة. إذ لو
حصلت الجاذبية الربوبية والحال الخاصة، لأمكن إدراك حقيقة العبادة والسر
الحقيقي للتذكر والتفكر، ولسقط كِلا العالمين- الدنيا والآخرة - من نظره،
ولأذهب تجلّي الحبيب غبار الرؤية الإثنينيّة من القلب ولا يعر ف أحد سوى
الـلّه الكرامة المعطاة لمثل هذا العبد؟ وكما يقوى عزم الإِنسان بالرياضات
الشرعية والعبادات والمناسك وترك الرغبات ويصبح الإنسان ذا عزم وإرادة،
فكذلك في المعاصي تتغلب الطبيعة لدى الإنسان وتضعف إرادته وعزمه. كما
سبق ذكر شيء منه. [154] فصــــــل الإنسان بفطرته يحب
الكمال التّام المطلق لا يخفى على كل ذي وجدان أن الإنسـان، بحسب
فطرته الأصيلة وجبلّته الذاتية، يعشق الكمال التام المطلق، ويتوجه قل به شطر
الجميل على الإطلاق والكامل من جميع الوجوه. وهذا من فطرة الله التي فطر
الناس علي ها وبهذا الحب للكمال، تتوفر إرادة المُلك والملكوت، وتتحقق
أسباب وصول عشّاق الجمال المطلق إلى معشوقهم. غير أن كل امرئ يرى
الكمال في شيء ما، حسب حاله ومقامه، فيتوجه قلبه إليه. فأهل الآخرة يرون
الكمال في مقامات الآخرة ودرجاتها، فقلوبهم متوجهة إليها. وأهل اللّه يرون
الكمال في جمال الحق، والجمال في كماله سبحانه يقولون {إِنِّي وَجَّهْتُ
وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ }(الأنعام//79). ويقولون: "لي مَعَ
اللَّهِ حال"( إشارة إلى الحديث المشهور المنقول عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه
وآله وسلم ( لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ) راجع
كتاب أحاديث المنوي ) وفيهم حب وصاله وعشق جماله. وأهل الدنيا عندما
رأوا أن الكمال في لذائذها، وتـبيّن لأعينهم جمالها، اتجهوا فطرياً نحوها. ولكن
على الرغم من كل ذلك، فإنه لمّا كانَ التوجه الفطري والعشق لذاتي قد تعلقا
بالكمال المطلق، كان ما عدا ذلك من التعلقات عرضياً ومن باب الخطأ في
التطبيق. إن الإنسان مهما كثر مُلكه وملكوته، ومهما نال من الكمالات
النفسية أو الكنوز الدنيوية أو الجاه والسلطان، ازداد اشتياقه شدّه، ونار عشقه
التهاباً. فصاحب الشهوة، كلّما ازدادت أمامه المشتهيات، ازداد تعلق قلبه
بمشتهيات أخرى ليست في متناول يده، واشتدّت نار شوقه إليها. وكذلك
النفس التي تطلب الرئاسة، فهي عندما تبسط لواء قدرتها على قطر من الأقطار،
تتوجه بنظرة طامعة إلى آخر، بل لو أنها سيطرت على الكرة الأرضية برمتها،
لرغبت في التحليق نحو الكرات الأخرى للاستيلاء عليها. إلاّ أن هذه النفس
المسكينة لا تدري بأن الفطرة إنّما تتطلع إلى شيءٍ آخر. إن العشق الفطري
الجبلّي يتجه إلى المحبوب المطلق، إن جميع الحركات [155] الجوهرية
والطبيعية والإرادية، وجميع التوجهات القلبية والميول النفسية تتوجه نحو جمال
الجميل الأعلى على الإِطلاق، ولكنهم لا يعلمون، فينحرفـون بهذا الحب
والعشق والاشتياق - التي هي براق المعراج وأجنحة الوصول - إلى وجهة هي
خلاف وجهتها، فيحرّروها ويقيدوها بلا فائدة. لقد بعدنا عن القصد، وهو
أنه لمّا كان الإنسان متوجهاً قلبياً إلى الكمال المطلق، فإنه مهما جمع من زخرف
الحياة فإن قلبه يزداد تعلقاً بها. فإذا اعتقد أن الدنيا وزخارفها هي الكمال
ازداد ولعه بها، واشتدت حاجته إليها، وتجلّى أمام بصره فقره إليها. بعكس
أهل الآخرة الذين أشاحوا بوجوههم عن الدنيا، فكلّما ازداد توجههم نحو
الآخرة، قلّ التفاتهم واهتمامهم بهذه الدنيا، وتلاشت حاجتهم إليها، وظهر
في قلوبهم الغِنى، وزهدوا في الدنيا وزخارفها. كما أن أهل الله مستغنون عن
كلا العالمين ( الدنيا والآخرة )، متحررون من كلتا النشأتين وكل حاجتهم
نحو الغنى المطلق، متجلّياً الغِنَى بالذات في قوبهم، فهنيئاً لهم. إذاً، مضمون
الحديث الشريف يمكن أن يكون إشارة لما مرّ شرحه من قوله: مَنْ أَصْبَحَ
وَأَمْسَى وَالدُّنْيَا أَكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللَّهُ الفقرَ بَيْنَ عَيْـنَيْهِ، وَشَتَّتَ أَمْرَه، وَلَمْ يَنَلْ
مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قـُسِمَ لَهُ، وَمَنْ أَصْبَحَ وَأَمْسَى وَالآخِرَةُ أَكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللَّهُ
الغِنَى فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ أَمْرَهُ". ومن المعلوم، أن من يتجه قلبه إلى الآخرة،
تغدو أمور الدنيا وصعابها في نظره حقيرة سهلة، ويجد هذه الدنيا متصرّمة،
ومتغيرة، ويراها معبراً ومتجراً وداراً للابتلاء والتربية، ولا يهتم بما فيها من ألم
وسرور، فتخف حاجاته ويقل افتقاره إلى أمور الدنيا وإلى الناس، بل يصل إلى
حيث لا تبقى له حاجة، فيجتمع له أمره، وتنتظم أعماله، ويفوز بالغِنى الذاتي
والقلبي. إذاً، كلّما نظرتَ إلى هذه الدن يا بعين المحبة والتعظيم، وتعلق قلبَك
بهـا، ازدادت حاجتك بحسب درجات حبك لها، وبان الفقر في باطنك
وعلى ظاهرك، وتشتـتّت أمورك واضطربت، وتزلزل قلبك، واستولى عليه
الخوف والهم، ولا تجري أمورك كما تشتهي، وتكثر تمنياتك ويزداد جشعك،
ويغلبك الغم والتحسر، ويتمكن اليأس من قلبك والحيرة، كما وردت الإشارة
إلى بعض ذلك في الحديث [156] الشريف. فقد روي في "الكافي" بإسناده
عن حفص بن قرط، عن أبي عبدالله الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "مَنْ
كَثُرَ اشْـتِبَاكُه بالدُّنْيَا كَانَ أَ شَدَّ لِحَسْرِتَهِ عِنْدَ فِرَاقِهَا"( أصول الكافي، كتاب
الإيمان والكفر، باب حب الدنيا، ح 16). وعن أبي يعفور قال، سمعت أبا
عبدالله ( الصادق ) عليه السلام يقول: "مَنْ تَعَلَّق قَلْبُهُ بِالدُّنْــيا
تَعَــلَّــقَ قَلْبُهُ بِثَلاثِ خِصَا لٍ هَمٍّ لاَ يَفْنَى وَأَمَلٍ لاَ يُدْرَكُ وَرَجَاءٍ لا
يُنالُ"( أصول الكفي، كتاب الإيمان والكفر، باب حب الدنيا، ح 17 ) . أما
أهل الآخرة، فإنهم كلّ ما ازدادوا قرباً من دار كرم الله، ازدادت قلوبهم
سروراً واطمئناناً، وازداد انصرافهم عن الدنيا وما فيها. ولولا أن الله قد عين
لهم آجالهم لما مكثوا في هذه الدنيا لحظة واحدة. فَهُم، كما يقول أمير المؤمنين،
علي بن أبي طالب عليه السّلام: "نُزِّلَتْ أَنْفُسَهُ فِي البَلاءِ، كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي
الرَّخَاءِ، وَلـَوْلا الأَجَلُ الّـَذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيهم، لَمْ تَسْتَقِر أّرْوَاحُهُم فِي
أَجْسَ ادِهم طَرَفَةَ عَيْنٍ شَوْقـاً إِلَى الــثَّوَابِ"( نهج البلاغة - الخطبة
193 ( الشيخ صبحي الصالح ) ). جعلنا الله وإياكم منهم، إن شاء الله. إذاً،
يا عزيزي، بعد أن عرفت مفاسد هذا التعلق والحب، وأدركت أن ذلك يفضي
بالإنسان إلى الهلاك، ويجرّده من الإيمان، ويجعل دنياه وآخرته متشابكتين
مضطربتين، فشم ّر عن ساعد الجد، وقـلّل حسب طاقتك، التعلق بهذه
الدنيا، واقتلع جذور حبها من نفسك، واحتقر الأيام القليلة التي تقضيها في
الحياة، وأزهد في خيراتها المشوبة بالألم والعذاب والنقمة، واطلب من اللّه أن
يعينك على الخلاص من هذا العذاب وهذه المحنة، ويجعل قلبك يأنس بدارِ كرمه
تعالى: "وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى". [157] الحَــديــث الـسَــابع
"الغـــضـــب" [158] بالسند المـتَّـصل إِلى محمدّ بن يعقوب
عن علي بن إبراهــيم، عن محمدّ بن عيسى، عن يونـس، عن داود بن
فــرقـد قـال: قال أبو عبدالله عـلـــيه السّــلام: "الغَـضبُ
مِــفْتاحُ كُـلِّ شَــر"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان
والكفر، باب الغضب، ح 3 ). [159] الشرح: قال المحقق الكبير أحمد بن
محمد، المعروف بابن مسكويه، في كتاب تهذيـب الأخلاق وتطهير الأعراق
القيم الذي يقل نظيره في حسن التــنظيم والبيان م نصه (تهذيب الأخلاق،
لأبي علي أحمد بن محمد مسكويه، ص 193 منشورات الجامعة الأمريكية -
بيروت): "والغضب بالحقيقة هو حركة للنفس يحدث بها غليان دم القلب
شهوة للانتقام. فإذا كانت هذه الحركة عنيفة، أججت نار الغضب وأضرمتها،
فاحتـدّ غليان دم القلب وامتلأت الشرايين والدماغ دخاناً مظلماً مضطرباً
يسوء منه حال العقل ويضعف فعله، ويصير مثل الإنسان عند ذلك على ما
حكته الحكماء مثل كهف مليء حريقاً وأضرم ناراً فاختنق فيها اللهيب
والدخان وعلا منه الأجيج والصوت المسمى وحي النار، فيصعب علاجه
ويتعذر إطفاؤه، ويصير كل ما تدنيه منه للإطفاء سبباً لزيادته ومادة لقوته.
فلذلك يعمى الإنسان عن الرشد ويصمّ عن الموعظة، بل تصير المواعظ في تلك
الحال سبباً للزيادة في الغضب ومادّة للّهيب والتأجج وليس يرجى له في تلك
الحال حيلة". ثم يقول ( تهذيب الأخلاق، لأبي علي أحمد بن محمد مسكويه،
ص 195 منشورات الجامعة الأمريكية - بيروت)"وأما سقراطيس( في كتاب
( الأربعون حديثا ) وأما بقراط... وفي كتاب تهذيب الأخلاق وأما
سقراطيس... ( المترجم ) ) قال أني للسفينة إذا عصفت بها الرياح [160]
وتلاطمت عليها الأمواج وقذفت بها إلى اللجج التي فيها الجبال، أرجى مني
للغضبان الملتهب، وذلك أن السفينة في تلك الحال يلطف لها الملاحون
ويخلصونها بضروب الحيل فأما النفس إذا استــشاطت غصباً فليس يرجى
لها حيلة البتة وذلكن كل ما رُقي به الغضب من التضرع والموعظة والخضوع
يصير له بمنزلة الجزل من الحطب يوهجه ويزيده استعاراً"انتهى. فصل في بيان
فوائد القوة الغـضبية اعلم أن غريزة الغضب من النعم الإلهية التي يمكن بها
عمارة الدنيا والآخـرة، وبها يتم الحفاظ على بقاء الفرد والجنس البشري
والنظام العائلي، ولها تأثير كبير في إيجاد المدينة الفاضلة ونظام المجتمع. فلولا
وجود هذه الغريزة الشريفة في الحيوان لما قام بالدفاع عن نفسه ضد هجمات
الطبيعة، ولآل أمره إلى الفناء والاضمحلال. ولولا وجودها في الإنسان، لما
استطاع، أن يصل إلى كثير من مراتب تطوره وكمالاته زائداً على تحقق ما
تقدم. بل إن التفريط والنقص من حال الاعتدال يعد من مثالب الأخلاق
المذمومة ومن نقائص الملكات التي يترتب عليها الكثير من المفاسد والمعايب،
كالخوف، والضعف، والتراخي، والتكاسل، والطمع، وقلة الصبر، وعدم الثبات
في المواقف التي تتطلب الثبات، والخمود، والخنوع، وتحمل الظلم، وقبول
الرذائل والاستسلام لما يصيبه أو يصيب عائلته، وانعدام الغيرة، وخور العزيمة...
إن الله سبحانه يصف المؤمنين بقوله: { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ }(
سورة الفتح/ 29). إن القيام بالأمر المعروف والنهي عن المنكر، وتنفيذ الحدود
والتعزيرات وسائر التعاليم السياسية الدينية والعقلية، لا يكون إلاّ في ظل القوة
الغضب ية الشريفة. وعلى ذلك، فإن الذين يظنون أن قــتل غريزة الغضب
بالكامل وإخماد أنفاسها يعد من الكمالات والمعارج النفسية إنّما يرتكبون
خطيئة عظيمة، ويغفلون عن حدّ الكمال ومقام الاعتدال. هؤلاء المساكين لا
يعلمون أن الله تبارك وتعالى لم [161] يخلق هذه الغريزة الشريفة في جميع
أصناف الحيوانات عبثـاً، وأنه جعل هذه الغريزة في بني آدم رأسمال الحياة
المُــلكية والملكوتية، ومفتاح الخيرات والبركات. إن الجهاد ضد أعداء الدين،
وحفظ النظام العائلي للإنسان، والدفاع عن النفس والمال والعِرض، وعن سائر
القوانين الإِلهيـة، والجهاد مع النفس وهي ألد أعداء الإِنسان، لا يكون كل
ذلك إلاّ بهذه الغريزة الشريفة. إن منع الاعتداءات والذب عن الحدود والثغور،
ودفع المؤذيات والمضرات عن الفرد والمجتمع، ويجري تحت لواء هذه الغريزة.
لذلك سعى الحكماء إلى معالجة خمود هذه الغريزة وركودها. وهناك معالجات
علمية وعملية لإيقاضها وتحريكها: مثل الإقدام على الأمور العظيمة المخيفة،
والذهاب إلى ميادين الحرب، والجهاد ضد أعداء الله. فقد نُقل عن بعض
المتفلسفين أنه كان يرتاد الأماكن المخوفة ويلبث فيها قليلاً ويلقى بنفسه في
المخاطر العظيمة، ويركب البحر في أوج تلاطم أمواجه، وذلك لكي يخلص
نفسه من الشعور بالخوف ويتحرر من الضعف والكسل. وعلى أي حال، فإن
غريزة الغضب موجودة لدى كل إنسان ومودعة في باطنه، ولكنها في بعضهم
خامدة منكمشة، كالنار تحت الرماد. فالواجب على من يلحظ في نفسه حال
الخمول والضعف وانعدام الغيرة أن يعالج الحالة بضدها، ويخرج نفسه مما هي
فيه إلى حال من الاعتدال. وهذه الحال المحاولة من الشجاعة التي تعدّ من
الملكات الفاضلة والصفات الحسنة، مما سوف ترد الإِشارة إليه. فصل في
بيـان ذم الإفراط في الغضـب إذا كانت حال التفريط ونقص الاعتدال من
الصفات المذمومة التي تؤدي إل ى كثير من المفاسد التي ذكرنا بعضها، كذلك
هي حال الإِفراط وتجاوز حد الاعتدال، فهي أيضاً تعدّ من الصفات المذمومة
التي تقود إلى مفاسد كثيرة. ويكفي لتبيان مفاسد هذه الحال ذكر هذا الحديث
الشريف الوارد في الكافي. عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال، قال رسول اللّه
صلّى اللّه عل يه وآله وسلم "الغَضَبُ يُفْسِدُ الإِيمانَ كما يُفْسِدُ الخَلُّ العَسَلَ"(
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 1).
[162] فقد يصل الغضب بالإنسان إلى حد الارتداد عن دين اللّه، وإطفاء
نور الإيمان، بحيث أن ظلام الغضب وناره تحرق الحقائق الحقّة. بل قد يصل
الأمر إلى الكفر الجحودي الذي نتيجته الهلاك الأبدي، ثم ينتبه على نفسه بعد
فوات الأوان وحين لا ينفع الندم ويمكن أن تكون نار الغضب، جمرة الشيطان،
التي وردت في كلام الإمام الباقر عليه السلام "إنَّ هـذَا الغـَضَب جَمْرَةٌ مِن
َ الشَّيْطانِ تُوقـَدُ في قَلْبِ ابْنِ آدَمَ" ( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب
الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 12) صورتها في ذلك العالم، صورة نار
الغضب الإلهي. كما ورد عنه عيه السلام فـي حديث شريف رواه
صاحب"الكافي": "مَكْتُوبٌ فِي الـتَّوْراةِ فيما ناجَى اللهُ عزّ وجلّ مُوسى: يا
مُوسى أَمْسِكْ غـَضَبَكَ عَمَّنْ مَلَّكْتُكَ عَلَيْهِ أكُفَّ عَنْكَ غـَضَبِي"( أصول
الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 7 ). ولا شك في
أنه ليست هناك نار أشد من نار غضب اللّه عذاباً. وقد جاء في كتب الحديث،
عن أبي عبدالله عليه السلام قال:"قَالَ الحَواريّـون لِعيسى عليه السّلام: أَيُّ
الأَشْياءِ أَ شَدّ؟ قٌالَ أَشَدُّ الأَشْياءِ غَضَبُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قالُوا بِمَ نَتقي غَضَبُ
اللّهِ؟ قالَ بَأْن لا تَغْضِبُوا"(وسائل الشيعة، المجلد 11، أبواب جهاد النفس،
ص289 ). وهكذا يتضح أن غضب الله من أصعب الأمور وأشدها، وأن نار
غضبه أشد إحراقـاً، وصورة الغضب للإنسان في هذه الدنيا هي صورة نار
غضب الله في العالم الآخر. وكما أن الغضب يظهر من القلب، فلعل نار
الغضب الإلهي الذي يكون مبدأه الغضب وسائر الرذائل القلبية الأخـرى،
تنبعث من باطن القلب، وتسري إلى الظاهر، وتخرج ألسنة نيرانها المؤلمة من
الأعضاء الظاهرية مثل العين والإذن واللسان وغيرها بل إن هذه الأعضاء تكون
أبوابا تنفتح على جهنم، فتحيط نار جهنم بالأعمال والآثار الجسمية التي في
ظاهر جسد الإنسان، لتتجه إلى باطنه، فيقع الإنسان في العذاب والشدّة بين
جهنمين: أحدهما يبرز من باطن القلب ويدخل ألسنة لهيبها بواسطة أم الدماغ
إلى عالم الجسم. وثانيهما صورة قبائح الأعمال وتجسم الأفعال، حيث تتصاعد
نيرانها من الظاهر إلى الباطن، والله [163] سبحانه وتعالى يعلم مدى هذا
الضغط؟ وهذا العذاب؟ إنه غير الاحتراق وغير الانصهار. أتظن أن إحاطة
جهنم تشبه هذه الإحاطات التي تتصوره؟ إن الإحاطة هنا إنما تكون بظاهر
السطح فقط. أما الإحاطة هناك فتكون بالظاهر وبالباطن، بالسطوح
وبالأعماق. وإذا أصبحت صورة الغضب عند الإنسان صفة راسخة لا سمح الله
- وصورة الغضب آخر مراحل الرسوخ - كانت المصيبة أعظم، وأصبح
للإنسان في البرزخ ويوم القيامة صورة السباع، السباع التي لا شبيه لها في
الدنيا. وذلك لأن سَبُعية الإنسان، وهو في حالة الغضب، لا يمكن مقارنتها
بسبعية أي حيوان آخر من الحيوانات. وكما أن الإنسان في حالة كماله
أعجوبة الدهر ولن تجد له نظيراً، كذلك في حال نقصه واتصافه بالرذائل
وبالصفات الخسيسة لن تجد بين الكائنات من يقف معه في ميزان المقارنة، لقد
وصفهم الله بقوله:{ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}(الفرقان44).
ووصـف قلوبهـم فقال:{فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَْ أَشَدُّ قَسْوَةً }( البقرة /74 ).
هذا الذي مرّ بك كان جانباً من مفاسد نار الغضب الحارقة، إذا لم يستتبع
الغضب معاص أخرى، بل بقى ناراً داخلية مظلمة تتعقدّ في الباطن وتنجس
وتختنق فتطفئ نور الإيمان، كالنار المشتعلة التي يخالطها الدخان الأسود الذي
يغشى النور فيطفئه. ولكن ذلك أمر بعيد، بل قد يكون من الأمور المستحيلة أن
يكون الإِنسان في حال غضب شديد مستعرة ناره، ثم يمتنع عن إرتكاب معاص
وموبقات مهلكة أخرى. فكثيراً ما يؤدي الغضب المستعر، وهذه الجمرة
الشيطانية الملعونة، في مدة دقيقة واحدة إلى إلقاء الإِنسان في هاوية الهلاك
والعدم، كأن يسبّ الأنبياء والمقدسات - والعياذ بالله - أو يقتل نفساً بريئة
مظلومة، أو يهتك الحرمات، فيخسر الدنيا والآخرة، كما جاء في الكافي عن
أبي عبدالله عليه السلام في حديث له: كان أبي يقول:"أَيُّ شَيْءٍ أشَــدُّ مِنَ
الغَـضَبِ؟ إِنَّ الـرَّجُـلَ لَيَـغْـضَبَ فَيَـقْـتُلَ النَّـفْـسَ الَّـتي حَرَّمَ
اللهُ وَيَــقْـذِفُ المُحْـصَنَةَ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان
والكفر، باب الغضب،ح 4 ). [164] لقد وقعت أفظع الفتن وارتكبت
أفجع الأعمال بسبب الغضب واشتعال ناره الحارقة. وعلى الإِنسان، وهو سليم
النفس، أن يكون على حذر كثير من حال غضبه. وإذا كان يعرف من نفسه
حدوث حالات الغضب، عليه، في أثناء هدوئه النفسي، أن يعالجها وأن يفكر
في مبادئها وفي مفاسدها عند اشتدادها وآثارها ونتائجها في النهاية، لعله يصل
إلى معرفة طريق لإنقاذ نفسه. فليفكر في أن هذه الغريزة التي وهبها الله تعالى
إياه لحفظ نظام الظاهر والباطن وعالم الغيب والشهادة، إذا استخدمها لغير
تلك الأهداف وبخلاف ما يريد الله سبحانه وضد المقاصد الإِلهية، فما مدى
خيانته؟ وما هي العقوبات التي يستحقها؟ وكم هو ظلوم جهول؟ لأنه لم يَصُنْ
أمانة الحق تعالى، بل استعملها في العداوات والمخاصمات. إن إِمرءً هذا شأنه
لا يمكن أن يأمن الغضب الإلهي. ثم إن عليه إن يفكر في المفاسد العملية
والأخلاقية التي تتولد من الغضب وسوء الخلق. إذ كل مفسدة من هذه المفاسد
يمكن أن تكون سبباً في ابتلاء الإِنسان بصورة دائمة ببلايا شديدة في الدنيا،
وبالعذاب والعقاب في الآخرة. أما المفاسد الأخلاقية التي تتولد من هذا الخلق
فهي الحقد على عباد الله، وقد ينتهي به الأمر إلى الحقد على الأنبياء والأولياء،
بل وحتى على ذات الله المقدسة الواجبة الوجود ووليّ النعم، وشدّة هذا القبح
وهذه المفسدة واضح للجميع، نعوذ بالله تعالى من شر نفس عنيدة إذا ما انفصم
وثاقها للحظة واحدة، جرّت الإِنسان إلى تراب الذل وقادته إلى أرض الهلاك
الأبدي. وكذلك الحسد الذي مرّت بك بعض مفاسده وشروره في شرح
الحديث الخامس. وغير ذلك من المفاسد الأخرى التي تتولد من الغضب. وأما
مفاسد الغضب المؤثرة في الأعمال فإنها ليست بمحصورة، فلعله يتفوه بما فيه
الارتداد أو سب الأنبياء والأولياء - والعياذ بالله - وهتك الحرمات الإِلهية،
وخرق النواميس المقدسة، وقتل الأنفس الزكية، والافتراء على العوائل المحترمة بما
يصمها بالعار والذل ويقضي على النظام العائلي بكشف الأسرار وهتك
الأستار. وغير ذلك من المفاسد التي لا تحصى والتي يبتلي بها الإنسان لدى
فورة الغضب الباعثة على نسف الإيمان وهدم البيوت. [165] لذلك يمكن أن
توصف هذه السجية بأنها أم الأمراض النفسية ومفتاح كل شر. و يقابلها كظم
الغيض وإخماد سعير الغضب فإنه من جوامع الكلم ودائرة تمركز الحسنات
ومجمع الكرامات. كما جاء في حديث ( الكافي ) عن أبي عبدالله عليه السلام
أنه قال سمعت أبي يقول:"أتى رَسُولَ اللهِ رَجُلٌ بَدَوِيٌ، فَقالَ: إنّي أسْكُنُ
البادِيَةَ فَعَلِّمْنِي جَوامِعَ الكَلامِ فَقالَ: آمُرُكَ أَنْ لاَ تَغْضَبَ. فَأعادَ عَلَيْهِ
الأعْرَابِيُّ المَسْأَلَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ حَتّى رَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى نَفْسِه. فَقالَ: لا أَسْأَلُ
عَنْ شيْء بَعْدَ هذَا. ما أمَرَنِي رَسُولُ اللهِ إِلاّ بِالْخَيْرِ. قالَ: وَكانَ أَبي يَقُولُ:
أَيُّ شَيْءٍ أشَدُّ مِنَ الغَضَبِ؟ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ فَيَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتي حَرَّم اللهُ
وَيَقْذِفُ المُحْصَنَةَ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب
الغضب، ح 4). بعد أن يدرك الإنسـان، في حال تعلقه وسكون نفسه وخمود
غضبه، المفاسد الناجمة عن الغضب، والمصالح الناجمة عن كظم الغيظ، يلزم أن
يحتم على نفسه أن يطفئ هذا اللهيب الحارق وهذه النار المشتعلة في قلبه، مهما
لاقى من عنت ونصب في سبيل ذلك، ليغسل قلبه من الظلام والكدر، ويعيد
إليه صفاءه ونقاءه. وهذا أمرٌ ممكن تماماً بشيءٍ من مخالفة النفس والعمل ضد
هواها، وبقليل م ن النصح والإرشاد والتدبر في عواقب الأمور. وهذه وسيلة
يمكن بها إزالة جميع الأخلاق الفاسدة والعادات القبيحة من ساحة النفس،
وإبدالها بجميع الصفات الحسنة والأخلاق المحمودة التي يجب أن يتحلّى بها
القلب. فصل في بيان علاج الغضب إن للغضب المشتعل علاجاً علمياً وعملياً
أيضاً. أما علاجه العملي فهو أن يتفكر الإِنسان في تلك الأمور التي ذكرت،
ويعدّ هذا من العلاج العملي أيضاً. أما العلاج العملي فأهمّه صرف النفس عن
الغضب عند أول ظهوره. وذلك لأن الغضب أشبه بالنار، فهو يزداد شيئاً
فشيئاً ويشتّد، حتى يتعالى لهيبه، وترتفع [166] حرارته ويفلت العنان من يد
الإنسـان، ويخمد نور العقل والإيمان، ويطفئ سراج الهداية، فيصبح الإنسان
ذليلاً مسكيناً. فعلى الإنسان أن يأخذ حذره قبل أن يزداد اشتعاله ويرتفع
سعيره، فيشغل نفسه بأمور أخرى، أو أن يغادر المكان الذي ثار فيه غضبه، أو
أن يغير من وضعه . فإذا كان جالساً فلينهض واقفاً، وإذا كان واقفاً فليجلس،
أو أن يشغل نفسه بذكر الله تعالى. بل هناك من يرى وجوب ذكر الله في حال
الغضب، أو أن يشغل نفسه بأي أمر آخر. على كل حال، يسهل كبح جماح
الغضب في بداية ظهوره. ولهذا العمل في هذه المرحلة نتيجتان: الأولى: هي أن
يهدئ النفس ويقلل من اشتعال الغضب. والثانية: هي أن يؤدي إلى المعالجة
الجذرية للنفس. فإذا راقب الإنسان حاله وعامل نفسه بهذه المعاملة تغيّرت
حاله تغيراً كُلياً واتجهت نحو الاعتدال. وقد وردت الإشارة إلى بعض ذلك
كتاب (الكافي) بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال:"إِنَّ هَذَا الغَضَبَ
جَمْرَةٌ مِنَ الشَّيطانِ تُوقَدُ في قَلْبِ ابْنِ آدَمَ وإِنَّ أحَدَكُمْ إِذا غضِبَ احْمَرَّتْ
عَيْناهُ وَانْتَـفَخَتْ أوْدَاجُهُ وَدَخَلَ الشَّيْطانُ فيه، فَإِذا خاف أَحَدُكُمْ ذلِكَ مِنْ
نَفْـسِهِ فَلْيَلْزَمِ الأرْضَ فَإنَّ رِ جْزَ الشَّيْطانِ يَذْهَبُ عَنْهُ عِنْدَ ذلِكَ"( أصول
الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح12). وبإسنـاده،
عن ميسر قال: ذُكر الغضب عند أبي جعفر الباقر عليه السلام فقال:"إِنَّ
الرَّجـلَ لَيَـغْـضَبُ فَما يرضى أبداً حَـتّى يَدْخُلَ النّـار فَأَيُّـما رَجُلٍ
غَضـبَ عَلى قَوْمٍ وَهُوَ قائِـمٌ فَـلْيَجْـلِسْ مِنْ فَوْرِه ذلِـكَ فَإنَّـهُ
سَيَذْهَبُ عَنْهُ رِجْزُ الشَّيْـطانِ وَأَيُّـما رَجُلٍ غَضِبَ عَلى ذي رَحِمٍ فَلْـيَدْنُ
مِنْهُ فَلْـيَمَسَّه، فَإنَّ الرَّحِمَ، إذا مُسَّـت، سَكَـنَتْ"( أصول الكافي، المجلد
الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 2. ). يستفاد من هذا الحديث
الشريف علاجان عمليان حال ظهور الغضب. الأول عام، وهو الجلوس من
القيام، أي تغيير وضعية الإِنسان، ففي حديث آخر أنه إذا كان جالساً عند
الغضب فليقم واقـفاً. وقد نقل عن الطرق ا لعامة أن رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم عندما كان [167] يغضب، يجلس، إذا كان واقفـاً، ويستلقي
على قفاه إذا كان جالساً، وبذلك يسكن غضبه. والعلاج العملي الآخر علاج
خاص بالأرحام، وهو أن يمسّـه فيسكن غضبه. هذه معالجات يقوم بها
الغاضب لنفسه. أما إذا أراد الآخرون معالجة الغاضب فعند ظهور بوادر
الغضب، عليهم أن يعالجوه بإحدى الطرق العلمية والعملية المذكورة. ولكن إذا
اشتدت حاله واشتعل غضبه، فإن النصائح تنتج عكس المطلوب. ولذلك يكون
علاجه وهو في هذه الحال صعباً، إلاّ بتخويفه من قبل شخص يهابه ويخشاه،
وذلك لأن الغاضب إنما يغضب عندما يرى نفسه أقوى ممن يغضب عليه، أو
يرى أنه، على الأقل، يتساوى معه في القوة. أمـا مع الذين يرى أنهـم أقوى
منه، فـلا يُـظهر الغضب أمامهم، بل تكون الفورة والاشتعال في باطنه
ويبقى محبوساً في داخله ويولد الحزن في قلبه. وعليه فإن العلاج في حالات
الانفعال الشديدة من الغضب والفورة يكون على جانب كبير من الصعوبة.
نعوذ بالله منه. فصل في بيان أن معالجة الغضب باقتلاع جـذوره من أهم
سبل معالجة الغضب هي اقتلاع جذوره بإزالة الأسباب المثيرة له. وهي أمور
عديدة، وسوف نتناول بعضاً منها مما يتناسب وهذا الكتـاب. من تلك
الأسباب حبّ الذات، ويتـفرّع عنه حب المال والجاه والشرف والنفوذ
والتسلط. وهذه كلها تتسبب في إشعال نار الغضب، إذ أن من كانت فيه هذه
الأنواع من الحب، يهتم بهذه الأمور كثيراً، ويكون لها في قلبه مكان رفيع. فإذا
اتفـق أن واجه بعض الصعوبات في واحدة منها، أو أحس بأن هناك من
ينافسه فيها، تنتابه حال من الغضب والهيجان دون سبب ظاهر، فلا يعود يملك
نفسه، ويستولي عليه الطمع وسائر الرذائل الناجمة عن حب الذات والجاه
وتمسك بزمامه، وتحيد بأعماله عن جادة العقل والشرع. ولكن إذا لم يكن
شديد التعلق والاهتمام بهذه الأمور ، فإن هدوء النفس والطمأنينة الحاصلة من
ترك حب الجاه والمقام [168] وسائر تفرعاته، تمنع النفس من أن تخطو
خطوات تخالف العدالة والرويّة. إن الإِنسان البسيط غير المتكلف يتحمل
المنغصات و لا تـتـقطع حبال صبره، فلا يستولي عليه الغضب المفرط في غير
وقته. أما إذا اقتـلع جذور حب الدنيا من قلبه اقتلاعاً، فإنّ جميع المفاسد تهجر
قلبه وتحل محلها الفضائل الأخلاقية السامية. ومن الأسباب الأخرى لإثارة
الغضب هو أن الإِنسان قد يظن الغضب، وما يصدر عنه من سائر الأعمال
القبيحة والرذائل السافلة، كمالاً، وذلك لجهله وقلة معرفته. فيحسب الغضب
من الفضائل ويراه بعض الجهال فتوّة وشجاعة وجرأة، فيتباهى ويطري على
نفسه في أنه فعل كذا وكذا، فيحسب هذه الصفة الرذيلة المهلكة شجاعة، هذه
الشجاعة التي تكون من أعظم صفات المؤمنين، والصفات الحسنة. فلا بد وأن
نعرف بأن الشجاعة غير الغضب، وأن أسبابها ومباد ئها وآثارها وخواصّها
تختلف عن أسباب الغضب ومبادئه وآثاره وخواصّه. مبدأ الشجاعة هو قوة
النفس والطمأنينة والاعتدال والإيمان وقلة المبالاة بزخارف الدنيا وتقلباتها. أما
الغضب فناشئ عن ضعف النفس وتزلزلها، وقلة الإِيمان، وعدم الاعتدال في
المزاج وفي الروح، وحب الدنيا والاهتمام بها، والتخوف من فقدان اللذائذ
البشرية. لذلك تجد هذه الرذيلة مستحكمة في المرضى أكثر مما هي في
الأصحاء، وفي الصغار أكثر مما هي في الكبار، وفي الشيوخ أكثر مما هي في
الشبان. فالشجاعة عكس الغضب تماماً. ومن كانت فيه رذائل أخلاقية كان
أسرع إلى الغضب ممن فيهم فضائل أخلاقية، إذ يكون البخيل أسرع في
الغضب من غيره إذا تعرّض ماله وثروته للخطر. هذا من حيث مبادئ
الشجاعة والغضب وما يوجبهما، وهما من حيث الآثار والنتائج مختلفان أيضاً.
فالغاضب، وهو في حال ثورة غضبه، يكون أشبه بالمجنون الذي فقد عنان عقله،
ويصبح مثل الحيوان المفترس الذي لا تهمّه عواقب الأمور، فيهجم دون تروّ أو
احتكام إلى العقل، فيسلك سلوكاً قبيحاً، يفقد سيطرته على لسانه ويده و
سائر أعضائه، وتلتوي شفتاه في هيئة قبيحة بحيث أنه لو أعطى مرآة، لخجل
من صورته التي يراها فيها. إن بعض أصحاب هذه الرذيلة يغضبون لأتفه
الأمور، بل يغضبون حتى على [169] الحيوانات والجمادات، ويلعنون حتى
الريح والأرض والبرد والمطر وسائر الظواهر الطبيعية إذا كانت خلاف
رغباتهم. ويغضبون أحياناً على القلم و الكتاب والأواني فيمزقونها أو
يحطمونها. أما الشجاع فهو بخلاف ذلك تماماً. فأعماله لا تكون إلاّ عن رويّة
ووفق ميزان العقل وطمأنينة النفس. يغضب في محله، ويحلم في محله، لا تهزّه
التوافه ولا تغضبه. وإذا غضب غضب بمقدار، وينتقم بعقل، ويعرف كيف
ينتقم ومتى وممـن؟ وكيف يعفو ومتى وممن؟ وفي حال غضبه لا يفقد زمام
نفسه، ولا يبادر بالكلام البذيء ول ا بالأعمال القبيحة، ويزن كل أعماله
بميزان العقل والشرع والعدل والإِنصاف، ويخطو خطوات لا يندم عليها بعد
ذلك. فعلى الإِنسان الواعي أن لا يخلط بين هذا الخُلق الذي يتصف به الأنبياء
والأولياء والمؤمنون، يعدّ من الكمالات النفسية. والخلق الآخر الذي هو من
النقائص والصفات الشيطانية ومن وسوسة الخناس. إلاّ أن حجاب الجهل وعدم
المعرفة وحب الدنيا وحب الذات، يعمي عين الإِنسان ويصمّ أذنه ويلقيه في
المسكنة والعذاب. وهناك أسباب أخرى ذكروها للغضب، مثل العُـجب
والزهو والكبرياء والمراء والعناد والمزاح وغيرها مما يطيل البحث الدخول في
تفاصيلها، ولعل أكثرها ينطوي تحت هذين الموضوعين المذكورين بصورة
مباشرة أو غير مباشرة. والحمد لله. [171] الحَديـــث الثَامــــن
"العصبيّة" [172] بسندي المتَّصل إلى مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَليِّ بْنِ
إِبْراهِيمَ، عَنْ أبيه، عَنِ النَّوْفَلي، عَن السَّكُوني، عَنْ أبي عَبدالله عليه
السلام قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلم:"مَنِ كانَ في قَلْبه
حَبَّةٌ مِنْ خَرْدلٍ مِنْ عَصَبَيَّةٍ، بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ أَعْرابِ الجَاهِليَّةِ"( أصول
الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية، ح 3 ). [173]
الشرح: الخردل، نبات معروف له خواص كثيرة، ويصنع منه الشمع،
والعصبيّ: هو الذي يعين قومه على الظلم ويغضب لعصبته ويحامي عنهم.
وعُصبة المرء أقرباؤه من جهة الأب، لأنهم يحيطون به فيقوى بهم، والتعصب
بمعنى الحماية والدفاع. يقول الفقير إلى الله: العصبية واحدة من السجايا
الباطنية النفسانية. ومن آثارها الدفاع عن الأقرباء، وجميع المرتبطين به
وحمايتهم، بما في ذلك الارتباط الديني أو المذهبي أو المسلكي، وكذلك الارتباط
بالوطن وترابه، وغير ذلك من ارتباط المرء بمعلّمه، أو بأستاذه، أو بتلم ذته وما
إلى ذلك. والعصبية من الأخلاق الفاسدة والسجايا غير الحميدة، وتكون سبباً
في إيجاد مفاسد في الأخلاق وفي العمل. وهي بذاتها مذمومة حتى وان كانت
في سبيل الحق، أو من أجل أمر ديني، من غير أن يكون مستهدفاً لإظهار
الحقيقة، بل يكون من أجل تفوقه أو تفوق مسلكه ومسلك عصبته، أما إظهار
الحق والحقيقة وإثبات الأمور الصحيحة والترويج لها وحمايتها والدفاع عنها،
فإما أنه ليس من التعصب، وإما أنه ليس تعصباً مذموماً. إن المقياس في
الاختلاف يتمثل في الأغراض والأهداف وخطوات النفس والشيطان أو
خطوات الحق والرحمن. وبعبارة أخرى، إن المرء إذا تعصّب لأقربائه أو أحبّتِهِ
ودافع عنهم، فما كان بقصد إظهار الحق ودحض الباطل، فهو تعصب محمود
ودفاع عن الحق والحقيقة. ويعدّ من أفضل الكمالات الإنسانية، ومن خلق
الأنبياء والأولياء. وعلامته المميزة هو أن يميل الإنسان إلى حيث يميل الحق
فيدافع [174] عنه، حتى وان لم يكن هذا الحق إلى جانب من يحبّ، بل حتى
لو كان الحق إلى جانب أعدائه. إن شخصاً هذا شأنه يكون من جملة حماة
الحقيقة، ومن زمرة المدافعين عن الفضيلة وعن المدينة الفاضلة، ومن الأعضاء
الصالحين في المجتمع، ومن المصلحين لمفاسده. أما إذا تحرّك بدافع قوميته
وعصبيته بحيث أخذ بالدفاع عن قومه وأحبته في باطلهم وسايَرَهم فيه ودافع
عنهم، فهذا شخص تجلت فيه السجية الخبيثة، سجية العصبية الجاهلية. وأصبح
عضواً فاسداً في المجتمع، وأفسد أخلاق المجتمع الصالح، وصار في زمرة أعراب
الجاهلية، وهم فئة من أعراب البوادي قبل الإسلام ممن كانوا يعيشون في ظلام
الجهل، وقد قويت فيهم هذه النزعة القبيحة، والسجية البشعة بل إن هذه الصفة
توجد في معظم أهل البوادي - عدى من اهتدى بنور الهداية كما ورد في
الحديث الشريف عن الأمام أمير المؤمنين عليه السلام: أن الله سبحانه يعذب
طوائف ستة بأمور ستة: أَهْلَ البَوَادِي بِالعَصَبِيَّةِ وَأَهْـلَ الْقُرَى بِالْكِبَرِ
وَالأُّمَرَاءِ بِالظُلْمِ، وَالفُقَهَاءِ بِالحَسَدِ، وَالتُّجَّارِ بِالخِيَانَةِ وَأَهْلِ الرَّسَاتِيقِ بِالجَهْلِ.
فصل في بيان مفاسد العصبية يستفاد من الأحاديث الشريفة عن أهل بيت
العصمة والطهارة أن العصبية من المهلكات والباعثة على سوء العاقبة والخروج
من عصمة الإيمان، وأنها من ذمائم أخلاق الشيطان. جاء في الكافي بسنده
الصحيح، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال:"مـَنْ تَعَصًّبَ أوْ تُعُصِّبَ
لَهُ فَقَدْ خُلِعَ رِبْقُ الإيمان مِنْ عُنُقِه"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان
والكفر، باب العصبية، ح 2.). أي أن المتعصب بتعصبه يكون قد خرج من
إيمانه، وأما المتعصب له، فبما أنه قد رضي بعمل المتعصب، يصبح شريكاً له في
العقاب. كما جاء في الحديث الشريف:"ومن رضي بعمل قوم حشر معهم.
أما إذا لم يرض به واستنكره فلن يكون منهم". [175] وعن أبي عبدالله
الصادق عليه السلام قال: مـَنْ تَعَصَّبَ عـَصـَّبَهُ اللهُ بِعصابَةٍ مِنَ النّارِ"(
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية، ح 4 ). وعن
أبي عبدالله عليه السلام قال:"لـَمْ َيْدُخِل الجَنَّةَ حَمِيَّةَ غَيْرُ حَمِيَّةِ حَمْزَةَ بْنِ
عَبْدِالمُطَّلِبِ وَذلِكَ حينَ أسْلَم غَضَباً للنَّبِيِّ"( أصول الكافي، المجلد الثاني،
كتاب الإيمان والكفر، ح 5 ). وقد وردت قصة إسلام حمزة بن عبدالمطلب
بعبارات مختلفة، وهي خارجة عن نطاق بحثنا هذا. وعلى كل حال، فمن
المعلوم أن الإيمان، وهو الفوز الإِلهي ومن الخِلَعِ الغيبية لله جل جلاله، الذي
يفيض بها على المخلصين من عباده، والخاصّة في محفل انسه، يتنافى مع مثل
هذه السجية الممقوتة التي تدوس الحق والحقيقة، وتطأ بأقدام الجهل على الصدق
والاستقامة. ولا شك في أن ا لقلب إذا غطّاه صدأ حب الذات والأرحام
والتعصب القومي الجاهلي، فلن يكون فيه مكان لنور الإِيمان، ولا موضع
للاختلاء مع الله ذي الجلال تعالى. إن ذلك الإنسان الذي تظهر في قلبه تجليات
نور الإيمان والمعرفة، ويطوق رقبته الحبل المتين والعروة الوثقى للإِيمان، ويكون
رهن الحقيقة والمعرفة، هو ذلك الإنسان الذي يلتزم بالقواعد الدينية وتكون
ذمته مرهونة لدى القوانين العقلية، ويتحرك بأمر من العقل والشرع، دون أن
يهز موقفه أيّ من عاداته وأخلاقه وما يأنس به من مألوفاته. فلا تحيد به عن
الطريق المستقيم. إن الإِنسان الذي يدعي الإِسلام والإيمان هو ذلك الذي
يستسلم للحقائق ويخضع لها، ويرى أهدافه، مهما عظمت، فانية في أهداف ولي
نعمته، ويضحي بنفسه وبإرادته في سبيل إرادة مولاه الحقيقي. ومن الواضح أن
مثل هذا الشخص لا يعرف العصبية الجاهلية، وانه بريء منها، ولا يتجه قلبه إلاّ
إلى حيث الحقائق ولا تغشي عينيه أستار العصبية الجاهلية السميكة وأنه يطأ
بقدميه في سبيل إعلاء كلمة الحق والإِعلان عن الحقيقة على كل العلاقات
والارتباطات، ويفدى بجميع الأقرباء والأحبة والعادات على أعتاب ولي النعم
المطلق. وإذا تعارضت العصبية الإِسلامية عنده مع العصبية الجاهلية، قدَّم
الإسلام وحب الحقيقة. إن الإنسان العارف بالحقائق يعلم أن جميع العصبيات
والارتباطات والعلاقات ليست سوى أمور عرضية زائلة، إلا تلك العلاقة بين
الخالق والمخلوق، وتلك هي العصبية الحقيقية التي هي أمر ذاتي غير قابل
للزوال، وهو أوثق من كل ارتباط، وأقوى من كل حسب وأسمى من كل
نسب. في حديث شريف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:"كـُلَّ
حَسَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ القِيامَةِ إلاّ حَسَبي وَنَسَبي"( وسائل الشيعة، كتاب
النكاح، الباب الثامن من أبواب مقدمات وآداب النكاح، ح 5 ). وذلك لأن
حسب رسول الله ص لّى الله عليه وآله وسلم روحاني وباق، وبعيد عن جميع
العصبيـّات الجاهلية، وهذا الحسب والنسب الروحانيين في ذلك العالم، يكون
ظهوره أكثر وكماله أوضح فإن نسبه علاقة إلهية لا تظهر على كمال حقيقتها
إلاّ في ذلك العالم. إن هذه العلائق الجسمانية المُلكية القائمة على العادات
البشرية إنما تتقطع بأتفه الأسباب، وليس لأي منها في ذلك العالم نفع ولا قيمة،
إلاّ تلك العلائق التي تتوثق في نظام ملكوتي الهي وتحت ظل ميزان القواعد
الشرعية والعقلية التي لا انفصام لها. فصل في بيان الصورة الملكوتيّة للعصبية
سبق في شرح بعض الأحاديث القول بأن المعيار في الصور الملكوتية والبرزخية
وفي يوم القيامة هو الملكات وقوتها، وإن ذلك العالم هو محل ظهور سلطان
النفس الذي لا يعصي له الجسم أمراً. فقد يحشر الإِنسان في ذلك العالم على
صورة حيوان أو شيطان. وقد مرّ بنا في الحديث في بداية المقال:"مـَنْ كَان
فِي قَلْبِهِ حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ عَصَبِية بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ أَعْرَابِ الجَاهِلِيَّةِ".
ولعله إشارة إلى ذلك الموضع الذي ذكرناه. إن الإنسان الذي فيه هذه الرذيلة،
لعله عندما ينتقل إلى العالم الآخر يرى نفسه من أعراب الجاهلية من غير إيمان
بالله تعالى ولا بالنبوة والرسالة، ويرى أنه في الصورة التي يحشر بها أولئك
الأعراب، ولا يعلم بأنه كان في الدنيا يعتنق العقيدة الحقة من الإيمان بالله
وبرسوله وأنه من أمة الرسول الخاتم صلّى الله عليه [177] وآله وسلم. كما
جاء في الحديث عن أهل جهنم ينسون اسم رسول الله، ولا يستطيعون أن
يعرفوا أنفسهم، إلاّ بعد أن يشاء الحق سبحانه أن يُنجيهـم. وبما أن هذه
السجية من سجايا الشيطان، كما ورد في بعض الأحاديث، فلعل أعراب
الجاهلية وأصحاب العصبية يحشرون يوم القيامة على هيئة الشياطين. في الكافي
في الصحيح، عن أبي عبدال له الصادق عليه السلام قال:"إِنَّ المَلائكَة كانُوا
يَحْسَبُونَ أنَّ إِبْـليسَ منْهُمْ وَكانَ في عِلْم اللهِ أنـَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ فَاسْـتَخْرَجَ
ما فِي نَفْسِهِ بالحَمِيَّةِ وَالغَضَبِ. فقال خَلَقْتَني مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طينٍ"( أصول
الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب العصبية ح 6 ). فاعلم أيها
العزيز أن هذه الخصلة الخبيثة، من الشيطان، وإنها من مغالطات ذلك الملعون
ومعاييره الباطلة. انه يغالط عن طريق هذا الحجاب السميك الذي يخفي عن
النظر كل الحقائق، بل يظهر رذائل النفس كلّها محاسن، وجميع محاسن الآخرين
رذائل، من الواضع أنه كيف يكون مصير الإِنسان الذي يرى جميع الأشياء على
غير حقيقتها وواقعيتها. وفضلا عن كون هذه الرذيلة هي نفسها تكون سبب
هلاك الإنسان، فإنها كذلك منشأ الكثير من المفاسد الأخلاقية والأعمال
القبيحة التي لا يتسع المجال لذكرها. و عليه، إذا عرف الإِنسان العاقل أن هذه
المفاسد ناشئة من تلك السجية الفاسدة، وأذعن للشهادة الصادقة المصدقة من
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام بأن هذه الرذيلة
تجر الإنسان إلى الهلاك وتدخله النار، فما عليه إلاّ أن يتصدى لعلاج نفسه من
هذه السجية، وأن يطهر قلبه حتى من حبة خردل منها، حتى يكون طاهراً عند
الانتقال من هذه الدنيا إلى العالم الآخر عند اقتراب أجله، فينتقل بنفس صافية.
إن على الإنسان أن يدرك أن الفرصة محدودة والوقت قصير جدا، لأنه لا يعلم
متى يحين موعد رحيله. أيتها النفس الخبيثة لكاتب هذه السطور، لعل الأجل
المقدر قد حان وأنت منهمكة في الكتابة، فينقلك بكل رذائلك إلى العالم الذي
لا عودة منه. [178] ويا أيها العزيز يا من تقرأ هذه الوريقات، خذ العبرة من
حال هذا الكاتب الذي يرزح الآن أو مستقبلاً تحت الثرى، وهو في العالم
الآخر مبتلى بأعما له وأخلاقه البشعة. لقد ضيّع الفرصة الثمينة التي كانت عنده
بالبطالة والأهواء، فأتلف ذلك الرأسمال الإلهي وأباده. فانتبه إلى نفسك لأنك
ستكون يوماً مثلي دون أن تعلم متى يكون ذلك. فلعلك الآن وأنت مشغول
بالقراءة، إذا تباطأت ذهبت الفرصة من يدك. يا أخي، لا تؤجل هذه الأمور
لأنها لا تحتمل التأجيل، فكم من إنسان سليمٍ وقويٍ فاجأه الموت في لحظة
وأخرجه من هذه الدنيا إلى العالم الآخر ولا نعلم عن مصيره شيئا. إذاً، لا تضيّع
الفرصة، بل اغتنم اللحظة الواحدة، لأن القضية عظيمة الأهمية، والرحلة
شديدة الخطورة. فإذا قصّر الإنسان في هذه الدنيا التي هي مزرعة الآخرة،
يكون السيف قد سبق العذل، ولن تستطيع إصلاح فساد النفس، ولا يكون
نصيبك سوى الحسرة والندم والـذل. إن أولياء الله لم يخلدوا إلى الراحة أبداً،
وكانوا دائمي الخوف من هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر. إن حالات علي بن
الحسين عليه ال سلام، الإمام المعصوم، تثير الحيرة. وأنين أمير المؤمنين علي عليه
السلام، الولي المطلق، تبعث على الدهشة. ما الذي جرى لنكون على هذا
القدر من الغفلة؟ من الذي جعلنا نطمئن؟ انه لا يغرينا أحد بتأجيل عمل اليوم
إلى الغد إلا الشيطان. انه يريد أن يزيد من أعداد أنصاره وأعوانه، وأن يجعلنا
نتخلّق بأخلاقه حتى نحشر مع أتباعه. إن ذلك الملعون هو الذي يسعى دائماً إلى
تهوين أمور الآخرة في أعيننا، وبتذكيرنا لرحمة الله ولشفاعة الشافعين يريد أن
ينسينا ذكر الله وطاعته. ولكن يا للأسف! فهذه كلها أمنيات باطلة، وهي من
أحابيل مكر ذلك الملعون وحيله. إن رحمة الله تحيط بك الآن، رحمته في
صحتك وسلامتك وحياتك وأمنك وهدايتك وعقلك وفرصتك وإرشادك إلى
إصلاح نفسك وأن آلاف الرحمة الإلهية المختلفة تحيط بك من جميع الجهات،
ولكنك لا تنتفع بها، بل تطيع أوامر الشيطان. فإذا لم تستطع أن تستفيد من
رحمات هذ الدنيا، فاعلم أنه لن تنالك في العالم الآخر رحمات الله اللامتناهية بل
تحرم من شفاعة الشافعيـن. إن مظهر شفاعة الشافعين في هذه الدنيا هو
الاهتداء بهداهم، وفي ذلك العالم هو الشفاعة لأنها باطن الهداية. فإذا حرمت
الهداية هنا، حرمت الشفاعة هناك. وعلى قدر اهتدائك تكون [179] لك
الشفاعة. إن شفاعة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم. مثل رحمة الله المطلقة
تنال من هو جدير بها. فإذا انتزع الشيطان - لا سمح الله - وسائل الإيمان من
يدك، فلن تكون جديراً بالرحمة والشفاعة. نعم، رحمة الله واسعة في الدارين.
فإذا كنت تطلب الرحمة، فلماذا لا تستفيد من فيوضات الرحمة المتتالية في هذه
الدنيـا، وهي بذور الرحمات الأخرى؟ إن هذا العدد الكبير من الأنبياء
والأولياء دعوك إلى مائدة ضيافة الله ونعمه، ولكنك رفضتها وهجرتها بوسوسة
من الخنّاس، وبإيحاء من الشيطان، وضحّيـت بمحكمات كتاب الله، والمتوا
ترات من أحاديث الأنبياء والأولياء، وببديهات عقول العقلاء، وببراهين
الحكماء الدامغة، على مذبح نزعات الشيطان والأهواء النفسية. الويل لي ولك
من هذه الغفلة والعمى والصمم والجهل!. فصل في عصبيات أهل العلم من
جملة عصبيات الجاهلية هو العناد في القضايا العلمية، والدفاع عن كلمة سبق
أن صدرت منه أو من معلمه أو شيخه، دون النظر إلى إحقاق الحق وإبطال
الباطل. ولا شك أن مثل هذا التعصب أقبح من كثير من العصبيات الأخرى
وأجدر بالذم من جوانب عديدة. فمن جانب المتعصب نفسه نرى أن أهل
العلم ينبغي أن يكونوا هم المربين لأبناء البشر، باعتبارهم فروع شجرة النبوة
والولاية، وعارفين بوخامة الأمور وعواقب فساد الأخلاق. فإذا اتصف العالم
- لا قدر الله - بالعصبية الجاهلية أو بالصفات الرذيلة الشيطانية، كانت
الحجة عليه أتم وعقابه أشد. إن من يعرف نفسه على أنه، وشمع محفل
العرفان، والهادي إلى السع ادة ومعرف طرق الآخرة، ثم لا يعمل - لا سمح
الله - بما يقول، ويختلف باطنه عن ظاهره، يكون في زمرة أهل الرياء
والنفاق، ويحسب من علماء السوء، ويكون عالماً بلا عمل. وهذا عقابه أكبر
وعذابه أشدّ. وقد أشار الله سبحانه إلى أمثال هذا في القرآن بقوله: {بِئْسَ
مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ}(الجمعة5). إذاً، من أهم التزامات أهل العلم هو أن يحافظوا على
هذه الأمور وهذه المقامات، وأن يطهروا أنفسهم كل التطهير من هذه المفاسد،
لكي يصلحوا بهذا أنفسهم والمجتمع، وتكون مواعظهم مؤثرة، وتقع نصائحهم
موقعها من القلوب. إن فساد العالِم يؤدي إلى فساد الأمة. ومن البديهي أن
الفساد الذي يتسبب في مفاسد أخرى والخطيئة التي تزيد خطايا أخرى
وتعظمها تكون أعظم عند وليّ النِعم من الفساد الجزئي الذي لا يتعدّى إلى
غيره. ومن ناحية أخ رى في قباحة هذه السجيّة لدى أهل العلم هو جانب
العلم نفسه، إذا أن هذه العصبية خيانة للعلم وتجاهل لحقه إذ أن من يتحمل
عبء هذه الأمانة ويلبس لبوسها، فعليه أن يرعى حرمتها واحترامها، وأن
يعيدها إلى صاحبها صحيحة سليمة. فإذا ما تعصّب، تعصّب الجاهلية يكون قد
خان الأمانة وأرتكب الظلم والعدوان، وهذه بذاتها خطيئة كبرى. والناحية
الثانية من جرّاء هذه السجيّة القبيحة إهانة أهل العلم فيما إذا كان التعصّب في
المباحث العلميّة مع العلم بأن أهل العلم من الودائع الإلهية الواجب احترامهم.
بينما يكون هتكهم هتكاً لحرمات الله ومن الموبقات الكبيرة. وقد تؤدي
العصبية التي لا تكون في محلها، إلى هتك حرمة أهل العلم. أعوذ بالله من هذه
الخطيئة الكبيرة!. وهناك جانب آخر هو جانب المتعصب له، أي الأستاذ وشيخ
الإنسان. وهذا يوجب العقوق، وذلك لأن المشايخ العظام والأساطين الكرام -
نضّر الله وجوههم - يميلون إلى جانب الحق، ويهربون من الباطل، ويسخطون
على من يتذرع بالتعصب لقتل الحق وترويج الباطل. ولا شك في أن العقوق
الروحي أشد من العقوق الجسمي، وحق الأبوة الروحية أسمى من حق الأبوة
الجسمية. إذاً، يتحتّم على أهل العلم - زادهم الله شرفاً وعظمة - أن يتبرءوا
من المفاسد الأخلاقية والعلمية، وأن يزينوا أنفسهم بحلية الأعمال الحسنة
والأخلاق الكريمة، وأن لا ينزلوا عن المركز الشريف الذي أنعم الله تعالى به
عليهم، إذ أن مدى الخسران في ذلك لا يعلمه إلا الله. والسلام.
[181]
الحَــديــث الـتَـاسِـــع "النـفــــاق" [182] بالسند المـتَّـصل
إلى ثقة الإِسلام محمّد بن يعقوب الكليني، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد بْنِ
عِيسى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ عَوْنٍ بْنِ القَلاَنِسي، عَنْ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ
الصادق عليه السلا م، قالَ:"مَنْ لَقِيَ المُسْلِمِين بِوَجْهَيْنِ وَلِسَانَيْنِ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَهُ
لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر باب ذي اللسانين، ح
1 ). [183] الشرح: لقاء المسلمين بوجهين هو: أن يبدي المرء ظاهر حاله وصورته
الخارجية لهم على خلاف ما تكون في باطنه وسريرته. كأن يبدي أنه من أهل المودة والمحبة
لهم، وأنه مخلص حميم، بينما يكون في الباطن على خلاف ذلك فيعامل بالصدق والمحبة في
حضورهم، ولا يكون كذلك لدى غيابهم. أما ذو اللسانين فهو أن يثني على كل من يلقاه
منهم ويمتدحه ويتملق له ويظهر المحبة له، ولكنه في غيابه يعمد إلى تكذيبه وإلى استغابته.
فبناء على هذا التفسير، تكون الحالة الأولى هي:"النفاق العملي"والحالة الثانية هي:"النفاق
القولي". ولعل الحديث الشريف يشير إلى صفة النفاق القبيحة. وباعتبار أن هاتين الحالتين
هي من أظهر صفات المنافقين وألصقها بهم، اقتصر الحديث الشريف على ذكرها خاصّة.
والنفاق من الرذائل النفسانية والملكات الخبيثة التي تنجم عنها آثار كثيرة منها هذين الأثرين
المذكورين. وللنفاق درجات ومراتب. وسوف نحاول. إن شاء الله، أن نذكر تلك الدرجات
والمراتب ومفاسدها ومعالجتها بقدر الإِمكان، خلال بضعة فصول. فصــــــل في
بيـــان مــراتب النفـــاق اعلم أن للنفاق، مثل سائر الأوصاف والملكات الخبيثة
أو الشريفة، درجات [184] ومراتب من حيث القوة والضعف. وإن كل رذيلة لم يتصدَّ
لها المرء بالعلاج الناجع، بل خضع لها وتبعها، مالت إلى الاشتداد، وإن درجات اشتداد
الرذائل، مثل درجات اشتداد الفضائل، غير متناهية ولا تقف عند حدّ. فالمرء إذا ترك النفس
الأمّارة على حاله، فبسبب ميلها الذاتي وعدم ارتياحها ومساعدة الشيطان لها والوسواس
الخنّاس اندفعت لأجل كل ذلك نحو الفساد. فيتـفاقم حالها، وتزداد قو ة وشدة يوماً بعد
يوم، حتى يصل الأمر بتلك الرذيلة التي تابعها أن تتخذ الصورة الجوهرية للنفس وفصلها
الأخير، وتصبح مملكة الإِنسان، ظاهرها وباطنها تحت سيطرة تلك الرذيلة. فإذا كانت
رذيلة شيطانية، كالنفاق والاتصاف بذي الوجهين، مما هو من صفات ذلك الشيطان الملعون
- كما جاء في القرآن الكريم: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ}(الأعراف/21)،
بينما كان الأمر خلاف ذلك - استسلمت مملكة الإِنسان للشيطان، وأصبحت الصورة
الأخيرة للنفس وباطنها وذاتها وجوهرها، صورة للشيطان، وقد تصبح صورته الظاهرة في
الدنيا أيضاً كصورة الشيطان، وإن كانت ملامحه هنا بشرية. فإذا لم يقف الإِنسان بوجه هذه
الصفة ولم يردعها، وترك نفسه وشأنها، فلن يمضي وقت طويل حتى يفلت الزمام منه،
ويصبح كلّ همّه واهتمامه منصباً على تلك الرذيلة، حتى أنه لا يلتقي شخصاً إلاّ وعامله
معاملة ذي الوجهين وذي ا للسانين، ولا يعاشر أحداً إلاّ وخالطت معاشرته تلك الصفة من
التلوّن والنفاق، دون أن يخطر له شيء سوى منافعه الخاصة وأنانيته وعبادته لذاته، واضعاً
تحت قدميه الصداقة والحميّة والهمة والرجولة. ومت سماً في كل حركاته وسكناته بالتلون،
ولا يمتنع عن أي فساد وقبح ووقاحة. إن شخصاً هذا شأنه يكون بعيداً عن البشرية
والإِنسانية، ومحشوراً مع الشياطين. كل هذا الذي استعرضناه يمثل القوة والضعف في جوهر
النفاق نفسه، ولكنه يختلف باختلاف متعلقة. فقد يكون النفاق في دين الله وقد يكون في
السجايا الحسنة والفضائل الأخلاقية، وقد يكون في الأعمال الصالحة والمناسك الإِلهية، وقد
يكون في الأمور العادية والمتعارف عليها. وهكذا قد ينافق المرء مع رسول الله [185]
صلّى الله عليه وآله وسلّم، أو مع أئمة الهدى عليهم السلام، أو مع الأولياء والعلماء
والمؤمنين، وقد يتسع النفاق فيكون مع المسلمين وسائر خلق الله من الملل الأخرى. بديهي
أن تكون هناك اختلافات في مدى قبح هذه الحالات التي عدّدناها ووقاحتها، على الرغم من
أنها جميعاً تشترك من حيث الأصل في الخبث والقبح، لأنها فروع وأغصان لشجرة خبيثة
واحدة. فصــــــل النفاق مصدر كثير من المفاسد إن النفاق والاتصاف بذي
الوجهين - وإن كانا في أنفسهما من الصفات القبيحة التي لا يتصف بها الإنسان الشريف،
ويُعتبر المتصف بها خارجاً عن المجتمع الإِنساني، بل لا يكون شبيهاً بأي حيوان ويبعثان على
الفضيحة والذل في هذه الدنيا أمام الأصحاب والأقـران، كما أنهما يوجبان الذل والعذاب
الأليم في الآخرة فقد جاء وصفه في الحديث الشريف وصف المنافق بأن صورته في ذلك
العالم"أَنَّـهُ يَحْـشَرُ بِلِـسَانَيْنِ مِنْ نَارٍ"ويسببان طأطأة الرأس والفضيحة أمام خلق الله
وفي حضرة الأنبياء المرسلين والملائكة المقربين. كما يتضح من هذا الحديث شدة عذاب
المنافق و ذي الوجهين، لأنه إذا أصبح جوهر الجسم جوهر النار، كان الإحساس أقوى
والألم أشدّ - أعوذ بالله من شدته -. عن علي عليه السلام قال: قال رسـول الله
صلّـى الله عليه وآله وسلم يَـجِيءُ يَـوْمَ القِـيَامَةِ ذُو الوَجْـهَيْـنِ دَالِـعاً لِـسَانَهُ
فِي قَفَـاهُ وَآخَرُ مِنْ قُـدّامِهِ يَـلْتَـهِبَانِ نَاراً حَـتَّى يَـلْهَبَا جَسَدَهُ. ثُـمَّ يُـقَالُ هذَا
الـذَّي كَـانَ فِي الـدُّنْـيَا ذَا وَجْهَـيْنِ وَلِسَـانَيْنِ يُعْرَفُ بِـذَلِـكَ يَوْمَ القِـيَامَةِ(
وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 143، من أبواب أحكام العشرة، ح 5 ). وَيَـكُونُ
مَشْـمُولاً بِالآيَـةِ الشرِيفَة: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ
أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}(الرعد/25). إن النفاق وذا الوجهين مضافاً إلى ما
تقدم يكونان مصدر ك ثير من المفاسد [186] والمهالك التي يمكن لأية واحدة منها أن
تحكم بالفناء على دنيا الإِنسان وآخرته، مثل"الفتنـة"التي ينص القرآن الكريم على
إنها"أَشَـدُّ مِـنَ الـقَـتْلِ"( سورة البقرة، آية: 191). ومثل"النميمة"التي يقول عنها
الإِمام الباقر عليه السلام: "مُـحَرَّمةٌ الجَـنَّةُ عَلَى القَـتَاتِين المَـشّائِين بالنَّمِـيمَةِ"( أصول
الكافي، المجلد الثامن، كتاب الإيمان والكفر، باب النميمة، ح 2، القـتّات: النمام ).
ومثل"الغيبة"التي قال عنها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم:"إِنَّـهَا أَشَدُّ مِـنَ
الزِّنَـا". ومثل إيذاء المؤمن وسبه وكشف الستر عنه وإفشاء سره، وغيرها مما يعد كل
واحد منها سبباً مستقلاً لهلاك الإِنسان. واعلم أنه تندرج في النفاق وذي الوجهين جملة أمور
هي: الغمز واللمز والكنايات التي يطلقها البعض على البعض الآخر، على الرغم من إظهار
المحبة والصداقة الحميم ة. فعلى الإِنسان أن يكون على حذر شديد، وأن يراقب سلوكه
وأعماله. فإن مكائد النفس والأساليب الشيطانية الماكرة خفية جداً، قلّ من استطاع
الإِفلات منها. فقد يصبح الإِنسان بإشارة من إشاراته التي تصدر في غير محلها، أو بغمز
وتعريض يصدر منه في غير موضعه، من ذوي الوجهين، وقد يكون الإِنسان مُـبْتَلى بهذه
الرذيلة حتى نهاية عمره، بينما هو يتصور نفسه سليمة وطاهرة. إذاً، على الإِنسان أن يكون
كمثل الطبيب العطوف الحاذق، والممرض الشفيق المطلع على حالات النفس، يراقب أعماله
وتطوراته دائماً ولا يغفل عن ذلك أبداً، وأن يعلم أنه ما من مرض أخفى، وفي الوقت نفسه
أفتك، من الأمراض القلبية، وأنه ما من ممرض يكون أشفق وأعطف على الإِنسان، من
نفسه. فصــــــل في معــالجــة النفــاق اعلم أن لعلاج هذه الخطيئة
الكبيرة طريقان: أحدهما: هو التفكير في المفاسد التي تنتج عنها. ذلك أن الإِنسان في هذه
الدنيا إذا عُـرف بهذه الصفة بين الناس سقط من أنظارهم، وافتضح بين الخاصة والعامة،
وفقد كرامته بين أصحابه، فيطردونه من مجالسهم، ويتخلف عن محافل [187] أنسهم،
ويقتصر عن اكتساب الكمالات وبلوغ المقاصد. فعلى الإِنسان ذي الشرف والضمير أن
يطهّر نفسه من هذا العار الملطخ للشرف، لكيلا يبتلى بأمثال هذه الحالات من الذل
والضعة. كذلك الأمر في عالم الآخرة، عالم كشف الأسرار. إذ كل ما هو مستور قي هذه
الدنيا عن أنظار الناس لا يمكن ستره في عالم الآخرة. فهناك يحشر وهو مشوّه الخلقة بلسانين
من نار، ويعذب من المنافقين والشياطين. إذاً، فالإِنسان العاقل إذا ما رأى هذه المفاسد، ولم
يجد لذلك الخلق نتيجة غير القبح والرذيلة، وجب عليه أن يتجنب الاتصاف بهذه الصفة
والسلوك للمعالجة وهو: الطريق الآخر: وهو الأسلوب العملي لعلاج النفس وهو أن يراقب
الإِنسان حركاته وسكناته بكل دقة وتمحيص لفترة من الوقت، وأن يعمد إلى العمل بما
يخالف رغبات النفس وتمنياتها، وأن يجاهد في جعل أعماله وأقواله في الظاهر والباطن واحدة
وأن يبتعد عن التظاهر والتدليس في حياته العملية، وأن يطلب من الله تعالى، خلال ذلك،
التوفيق والنجاح في التغلب على النفس الأمارة وأهوائها، ويعينه في محا ولاته العلاجية. إذ أن
فضل الله تعالى على الناس ورحمته بهم لا نهاية لها. وهو يشمل بعونه كل من خطا نحو
إصلاح نفسه، ويمدّ يد الرحمة لانتشاله. فإذا ثابر على ذلك بعض الوقت، كان له أن يرجو
لنفسه الصفاء و الانعتاق من النفاق ذي الوجهينية، وأن يصل إلى حيث يتطهّر قلبه من هذه
الرذيلة ليصبح موضع ألطاف الله ورحمة ولي نعمته الحقيقي. وذلك لأن التجربة والبراهين
تدل على أنه ما دامت النفس في هذه الدنيا، كانت منفعلة بما يصدر عنها من أفعال وأقوال،
الصالحة منها والطالحة، ويكون لكل ذلك أثر فيها. فإذا كان العمل صالحا، كن أثره نورانياً
كمالياً، وإذا كان خلاف ذلك، كان أثره مظلماً انتقاصياً، حتى يصبح القلب كله نيّراً أو
مظلماً، منخرطاً في سلك السعداء أو الأشقياء. إذاً، فما دمنا في دار العمل وفي هذه المزرعة،
فإننا نستطيع بإرادتنا أن ندفع بقلوبنا إما إلى السعا ة وإما إلى الشقاء، لأن المرء رهين بعمله
وفعله:{ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه }(الزلزلة/
7-8). [188] فصــــــل في بيــان بعــض أقســام النـفــاق
اعلم أيها العزيز أن من مراتب النفاق وذي اللسانين والوجهين، النفاق مع الله تعالى والتوجه
إلى مالك الملوك ووليّ النِعم بوجهين، حيث نكون المبتلين به في هذا العالمُ ونحن غافلون عنه.
لأن أستار الجهل الكثيفة وحجب الأنانية المظلمة وحب الدنيا وحب الذات مسدولة عليه
ومختفية عنّـا ومن الصعب جداً أن ننتبه له قبل انكشاف السر ائر، ورفع الحجب، والظعن
عن دنيا الطبيعة، وشدّ الرحال عن دار الغرور ودار الجهل والغفلة. إننا الآن غارقون في نوم
الغفلة، محكومون لسكر الطبيعة، والميول والرغبات التي تزيّن لنا كل قبائح الأخلاق وفساد
الأعمال، وإذا ما استيقظنا وصحونا من هذه السكرة العميقة يكون قد فات الأوان. إذ نجد
أنفسنا قد صرنا في زمرة المنافقين وذي الوجهين واللسانين وحُشرنا بلسانين من نار، أو
بوجهيـن مشوّهين بشعين! وعندئذٍ لـن تنفعنا نداءاتنا {رَبِّ ارْجِعُونِ}(المؤمنون99).
إننا نجاب بـ"كلاّ". إن صفة التلون هذه تكون بحيث أننا - أنا وأنت - نقضي كل عمرنا
ونحن نظهر التمسك بكلمة التوحيد، وندعي الإِسلام والإِيمان، بل المحبة والمحبوبية، وغير ذلك
من الادعاءات على قدر ما نشتهي ونحب. فإذا كنّا من عامة الناس وعوامهم ادّعينا الإِسلام
والإِيمان والزهد والخلوص. وإِذا كنا من أهل العلم و الفقه، ادّعينا كمال الإِخلاص والولاية
وخلافة الرسول، متشبثين بما نقل عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال:"اللهُمَّ
ارْحَمْ خُلَفَائِي"(وسائل الشيعة، المجلد الثامن عشر، أبواب صفات القاضي ص 100 _
101)، وبقول الإِمام صاحب الزمان روحي له الفداء:"إنّهم حجّتي"( وسائل الشيعة،
المجلد الثامن عشر، أبواب صفات القاضي ص 100 - 101 ). وغير ذلك من الأقوال
المنقولة عن أئمة الهدى سلام الله عليهم في شأن العلماء والفقهاء. [189] وإذا كنّا من أهل
العلوم العقلية، ادعينا الإِيمان الحقيقي المبرهن، وزعمنا أننا نملك علم اليقين، وعين اليقين،
وحق اليقين، معتقدين أن سائر خلق الله ناقصو علم وإيمان، ونستشهد بالآيات القرآنية
والأحاديث الشريفة الواردة بحقنا. وإذا كنا من أهل العرفان والتصوف، ادعينا المعارف
الإلهية والانجذاب الروحي والفناء في الله، والبقاء بالله، وولاية الأمر، وما إلى ذلك من الأقو
ال مما يخطر بالبال من الألفاظ الجذابة. وهكذا فإنّ كل طائفة منا تدعي بلسانها وظاهر
حالها أن لها مرتبتها وإظهار حقيقة من الحقائق الشائعة. فإذا كان هذا الظاهر مطابقاً
للباطن، واتفق العلن مع السرِّ، وكان صادقاً مصدقاً، فهنيئاً لأرباب النعيم نعيمهم. أما إذا
كان، مثل كاتب هذه السطور، الأسود الوجه، القبيح، المشوه الخلقة، فليعلم أنه من المنافقين
وذوي الوجهين واللسانين، وعليه أن يبادر إلى علاج نفسه، وأن يغتنم الفرصة قبل فواتها
للخروج من التعاسة والذل والظلام. أيها العزيز المدعي للإسلام: قد ورد في"الكافي"حديث
شريف عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال:"المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ
يَدِهِ وَلِسَانِهِ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب المؤمن وعلاماته ح
12) فلماذا نقوم أنا وأنت وعلى قدر ما نستطيع ونتمكن، على إيصال الأذى إلى من هم
أقل منّا ولا نمتنع عن ظلمهم والإِجحاف بحقهم؟ وإذا لم تصل أيدينا إليهم فلن نتوقف عن
تجريحهم بحدّ اللسان في حضورهم، أو حتى في غيابهم، فنعمد إلى هتك أسرارهم، والكشف
عن مكنوناتهم، واغتيابهم، وإلصاق التهم بهم. إذاً فادعاؤنا نحن الذين لا يسلم المسلمون من
أيدينا وألسنتنا، للإِسلام مخالف للحقيقة، وباطننا يخالف ظاهرنا، وأننا من زمرة المنافقين
ومن ذوي الوجهين. يا من تدّعي الإِيمان وخضوع القلب في حضرة الله ذي الجلال، إذا
كنت تؤمن بكلمة التوحيد، ولا يعبد قلبك غير الواحد، ولا يطلب غيره، ولا ترى الألوهية
[190] تستحق إِلاّ لذاته المقدسة، وإذا كان ظاهرك وباطنك يتفقان فيما تدّعي، فلماذا
نجدك وقد خضع قلبك لأهل الدنيا كل هذا الخضوع؟ لماذا تعبدهم؟ أليس ذلك لأنك ترى
لهم تأثيراً في هذا العالم، وترى أنّ إرادتهم هي النافـذة، وترى أنّ المال والقوة هما الطاقة
المؤثرة والفاعلة؟ وأ ن ما لا تراه فاعلاً في هذا العالم هو إرادة الحق تعالى، فتخضع لجميع
الأسباب الظاهرية، وتغفل عن المؤثر الحقيقي وعن مسبب جميع الأسباب، ومع كل ذلك
تدّعي الإِيمان بكلمة التوحيد. إذاً، فأنت أيضاً خارج عن زمرة المؤمنين، وداخل في زمرة
المنافقين ومحشور مع أصحاب اللسانين. وأنت يا من تدّعي الزهد والإِخلاص، إذا كنت
مخلصاً حقاً، وأنك لأجل الله ولأجل دار كرامته تزهد عن مشتهيات الدنيا، فما الذي
يحملك على أن تفرح بمدح الناس لك والثناء عليك بقولهم أنك من أهل الصلاح والسداد؟
فيملأ السرور قلبك، ولماذا لا تبخل بشيء في سبيل مجالسة أهل الدنيا وفي سبيل زخارفها،
وتفرّ من الفقراء والمساكين؟ فاعلم أن زهدك وإخلاصك ليسا حقيقيين، بل أن زهدك في
الدنيا هو من أجل الدنيا، وأن قلبك ليس خالصاً لوجه الله، وأنك كاذب في دعواك، وأنك
من المتلوّنين المنافقين. وأنت يا من تدّعـي الولاية مـن جانب ولي الله، والخلافة من
جانب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فإن كان واقعك مطابقاً للحديث المروي في
كتاب"الاحتجاج":"صَائِنَاً لِنَفْـسِهِ، حَافِـظاً لِدِينِهِ، مُخَالِـفاً لِهَواهُ، مُطِيعاً لأَمْرِ
مَوْلاه"( الاحتجاج، المجلد الثاني، احتجاجات الإمام الحسن العسكري عليه السلام ص
458 ). وإذا كنت ورقة على غصن الولاية والرسالة، ولا تميل إلى الدنيا، ولا تحب التقرب
إلى السلاطين والأشراف، ولا تنفر من مجالسة الفقراء، فإن اسمك يطابق مسماه، وأنك من
الحجج الإِلهية بين الناس، وإلاّ فإنك من علماء السوء، وفي زمرة المنافقين، وحالك أسوأ من
الطوائف التي ذكرناها، وعملك أقبح، ويومك أشد سواداً، لأن الحجة على العلماء أتم.
[191] وأنت يا من تدّعي امتلاك الحكمة الإِلهية، والعلم بحقائق المبدأ والمعاد، إذا كنتَ
عالماً بالحقائق في الأسباب والمسببات، وإذا كنت حقاً عالماً بالصور البرزخية وأحوال الجنة
والنار، فلا بُدّ أن لا يقر لك قرار، وعليك أن تصرف كل وقتك في إعمار عالم البقاء، وأن
تهرب من هذه الدنيا ومغرياتها، فأنت عالم بما هنالك من مصائب وظلام وعذاب لا يطاق.
إذاً، لماذا لا تتقدم ولو خطوة واحدة خارج حجب الكلمات والألفاظ والمفاهيم، ولم تؤثر
في قلبك البراهين الفلسفية قدر جناح ذبابة؟ إذاً، أنت خارج عن زمرة المؤمنين والحكماء،
ومحشور في زمرة المنافقين، وويل للذي يقضي عمره وسعيه في علوم ما وراء الطبيعة، دون
أن يسمح له انتشاؤه بخمر الطبيعة ولو بدخول حقيقة واحدة إلى قلبه. وأنت يا من تدعي
المعرفة والانجذاب والسلوك والمحبة والفناء، إذا كنت حقاً من أهل الله ومن أصحاب
القلوب، ومن ذوي السابقة الحسنة، فهنيئاً لك. ولكن كل هذه الشطحات وهذا التلون
وتلك الادعاءات اللامسؤولة التي تكشف عن حب الذات ووسوسة الشيطان، تتعارض مع
المحبة والانجذاب"إنَّ أَوْلِيَائِي تَحْتَ قِبَابِي لاَ يَعْرِفُهُمْ غَيْرِي"( إحياء العلوم، المجلد الرابع، ص
256 ) . فأنت إذا كنت من أولياء الله المنجذبين إليه ومحبيه، فإن الله يعلم بذلك، فلا تظهر
للناس مدى مقامك ومنزلتك بهذه الصورة، ولا تسعَ لتـلفت قلوب عباد الله الضعيفة من
وجهة خالقها إلى وجهة المخلوق ولا تغتصب بيت الله. وأعلم أن عباد الله أعزاء وقلوبهم
ثمينة ويجب إن تشتغل في محبة الله، فلا تتلاعب إلـى هذا الحـد ببيت الله ولا تتعرض
لحرماته"فَإنَّ لِـلْبَيْتِ رَبّـاً"فإذا لم تكن صادقاً في دعاواك، فأنت في زمرة أهل النفاق ومن
ذوي الوجهين. لنكتف بهذا القدر هنا، إذ ليس الإسهاب في هذا الموضوع مما يجدر بي وأنا
ذو الوجه المظلم!. يا أيتها النفس اللئيمة التي تتظاهرين بالتفكير للخروج من الأيام المظلمة
والنجاة من هذه التعاسة. إذا كنت صادقة، وقلبك يواكب لسانك، وسرّك يطابق علنك،
فلماذا أنتِ غافلة إلى ه ذا الحد؟ ولماذا يسيطر عليكِ القلب المظلم [192] والشهوات
النفسانية وتتغلب عليكِ، دون أن تفكري في رحلة الموت المليئة بالمخاطر؟ لقد تصرّم عمرك
دون أن تبتعد عن أهوائك ورغباتك. لقد أمضيت عمراً منغمساً في الشهوة والغفلة والشقاء
وسيحلّ الأجل قريباً، وأنت ما زلت تمارس أعمالك وأخلاقك القبيحة. فأنت نفسك واعظ
وغير متعظ، ومن زمرة المنافقين وذوي الوجهين. ولئن بقيت على هذا الحال فستحشر
بوجهين ولسانين من نار ... اللهم أيقضنا من هذه الرقدة المديدة، وصَـحِّنا من السُـكْر
والغفلة! وأنر قلوبنا بنور الإِيمان! وأرحم حالنا! إننا لسنا من رجال هذا الميدان. فـمُدَّ
إلـينا يدك وأعـنّا على النجاة من مخالب الشيطان وأهواء النفس، بحق أوليائك محمد وآله
الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. [193] الحــديــث العــاشر "إتبـــاع
الـهــوى وطول الأمل" [194] بالإسناد المتّـصلة إلى رئيس المحدِّثين م حمّد بن
يعقوب - رضوان الله عليه - عن الحسين بن محمّـد، عن معـلّى بن محمّـد، عن
الوشّـاء، عن عاصِـمِ بن حُمَـيْد، عَنْ أبي حَمْـزَةَ، عَنْ يَحْـيى بْنِ عَـقيل قالَ:
قال أمير المؤمنين - عليه السّلام -:"إِنَّـما أخَـافُ عَـلَيْكُمُ اثـْنَـتَيْنِ: اتِّبَاع الهَوى
وَطُـولَ الأمَـلِ، أمّـا إتِّباعُ الهَـوى فَـإِنَّـهُ يَصُدُّ عَنِ الحَـقِّ وَأمّـا طُـولُ
الأَمَـِل فَإِنَّـهُ يِـِـْنسِي الآخرة"( أصول الكافي،المجلد الثاني، الإيمان والكفر، باب إتباع
الهوى، ح 3. ). {195} الشرح: "الهوى"في اللغة"حب الشيء"و"اشتهاؤه"من دون
فرق في أن يكون المتعلقة أمراً حسناً ممدوحاً، أو قبيحاً مذموماً. أو أن النفس بمقتضى الطبيعة
تميل إلى الشهوات الباطلة والأهواء النفسية، لولا العقل والشرع اللذان يكبحانها( يبدو هنا
سقط في الكلام ( في نسخة الأصل ) ). أما احتمال الحقيقة الشرعية - كما يقول بعض
المحققين - فمستبعد. أما"الصدّ"عن الشيء فمعناه المنع والإعراض والانصراف عنه. وهي
معان تناسب الكلمة، إلاّ أن المعنى المقصود هنا هو المنع والانصراف عن الشيء، إذ أن الصدّ
بمعنى الإعراض يكون لازما لا متعديا. وسوف نحاول، إن شاء الله، من خلال مقامين اثنين
أن نوضح فساد هاتين الصفتين، وكيف تقوم الأولى بالمنع عن الحق. وتقوم الثانية بنسيان
الآخرة. طالبين من الله التوفيق. المقام الأول في ذم إتباع هوى النفس و فيه فصول
فصــــل في بيـان أن الإنسـان عند ولادته يكون حيوانـا بالفعـل اعلم أن
النفس الإنسانية، على الرغم من كونها - في معنى من المعاني الخارجة عن نطاق بحثنا -
مفطورة على التوحيد، بل هي مفطورة على جميع {196} العقائد الحقـة. ولكنها منذ
ولادتها وخروجها إلى هذا العالم تنمو معها الميول النفسية والشهوات الحيوانية، إلاّ من أيّده
الله وكان له حافظ قدسي. ولما كان هذا ال استثناء من النوادر فإنه لا يدخل في حسابنا،
لأننا نتناول نوع الإنسان عموما. لقد ثبت في محلّه بالبراهين أن الإنسان منذ أول ظهوره،
وبعد مروره بمراحل عدّة، لا يعدو أن يكون حيواناً ضعيفاً لا يمتاز عن سائر الحيوانات إلاّ
بقابلياته الإنسانية. وأن تلك القابليات ليست بمقياس إنسانيته الفعلية. فالإنسان حيوان
بالفعل عند دخوله هذا العالم، ولا معيار له سوى شريعة الحيوانات التي تديرها الشهوة
والغضب. ولكن لما كان أعجوبة الدهر هذا - الإنسان - ذات جامعة، أو قابلة على الجمع،
فإنه لكي يدبر هاتين القوتين، تجده يلتجأ إلى استعمال الصفات الشيطانية، مثل الكذب
والخديعة والنفاق والنميمة وسائر الصفات الشيطانية الأخرى. وهو بهذه القوى الثلاث -
الشهوة، الغضب، هوى النفس - التي هي أصل كل المفاسد المهلكة، يخطو نحو التقدم،
فتنمو فيه كذلك هذه القوى وتتـقدم وتتعاظم. وإذا لم تقع تحت تأثير مربّ أو معلم، فإنه
يصبح عند الرشد والبلوغ حيوانا عجيبا يفوز بقصب السبق في تلك الأمور المذكورة على
سائر الحيوانات والشياطين، ويكون أقوى وأكمل في مقام الحيوانية والصفات الشيطانية من
الجميع. وإذا ما استمرت حاله على هذا المنوال، ولم يتبع في هذه الشئون الثلاثة سوى أهوائه
النفسية، فلن يبرز فيه شيء من المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، بل
تنطفئ فيه جميع الأنوار الفطرية. فتـقع جميع مراتب الحق التي لا تعدو هذه المقامات الثلاثة
التي ذكرناها - أي المعارف الإلهية، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة - تحت أقدام
الأهواء النفسية. وعندئذ يصبح إتباع الأهواء النفسية والرغبات الحيوانية حائلاً دون أن
يتجلّى فيه الحق من خلال أية واحدة من تلك المراتب، ويطفئ ظلام النفس وأهوائها كل
أنوار العقل والإيمان، ولن تتاح له ولادة ثانية، أي الولادة الإنسانية، بل يمكث على تلك الح
ال ويكون ممنوعا ومصدودا عن الحق والحقيقة إلى أن يرحل عن هذا العالم. أن مثل هذا
الشخص إذا رحل عن هذا العالم بتلك الحالة، فلن يرى نفسه في ذلك العالم، عالم كشف
السرائر، إلاّ حيوانا أو شيطانا. لا تشمّ{197} منه رائحة الإنسان والإنسانية أبدا، فيبقى
في تلك الحال من الظلام والعذاب والخوف الذي لا ينتهي حتى يقضي الله أمرا كان
مفعولا. إذن هذه هي حال التبعية الكاملة لأهواء النفس والتي تُبعد الإنسان نهائيا عن الحق.
ومن هنا يمكن أن نعرف أن ميزان البعد عن الحق هو إتباع هوى النفس. ومسافة هذا البعد
تقدر أيضا بمقدار التبعية. فمثلا، لو أن هذا الإنسان، استطاع أن يجعل مملكة إنسانية هذا
الإنسان الذي اقترن منذ ولادته بالقوى الثلاثة وترعرعت وتكاملت تلك القوى أيضا مع نمو
الإنسان وتكامله، لو استطاع أن يجعل هذه المملكة متأثرة بتربية تعاليم الأنبياء والعلماء
والمرشدين لاستسلم شيئا فشي ئا لسلطة تربية الأنبياء والأولياء عليهم السلام، فقد لا يمضي
عليه وقت طويل حتى تصبح القوة الكاملة الإنسانية، التي أودعت فيه على أساس القابلية
فعلية تظهر للعيان، وترجع جميع شؤون مملكته وقواها إلى شأن الإنسانية بحيث يجعل شيطان
نفسه يؤمن على يديه كما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم:"إنَّ شَيْطَانِي آمَنَ
بِيَدي"( ورد مثل هذا الحديث في كتاب غوالي اللئالي المجلد 4 ص97. وفي كتاب علم
اليقين، المجلد 1، ص282) فتستسلم حيوانيته لإنسانيته، حتى تصبح مطيّه مروّضه على
طريق عالم الكمال والرقي، وبراقا يرتاد السماء نحو الآخرة، ويمتـنع عن كل معاندة وتمرد.
وبعد أن تستسلم الشهوة والغضب إلى مقام العدل والشرع تنتشر العدالة في المملكة،
وتتشكل حكومة عادلة حقه يكون فيها العمل والسيادة للحق وللقوانين الحقة، بحيث لا
تتخذ فيها خطوة واحدة ضد الحق، وتكون خالية من كل باطل وجور. وعلي ه، فكما أن
ميزان منع الحق والصدّ عنها إتباع الهوى، فكذلك ميزان اجتذاب الحق وسيادته هو متابعة
الشرع والعقل. وبين هذين المقياسين وهما التبعية التامّة لهوى النفس والتبعـيّة التامة المطلقة
للعقل منازل غير متناهية، بحيث أن كل خطوة يخطوها في إتباع هوى النفس، يكون بالمقدار
نفسه قد منع الحق، وحجب الحقيقة، وابتعد عن أنوار الكمال الإنساني وأسرار وجوده.
وبعكس ذلك، كلما خطا خطوة مخالفة لهوى النفس ورغبتها، يكون بالمقدار نفسه قد أزاح
الحجاب وتجلّى نور الحق في المملكة. {198} فصـل فـي ذم إتباع الهـوى يقول الله
تعالى في ذم اتّباع النفس وأهوائها: {وَلاَ تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}(ص/ 26 )
... {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ }(القصص/ 50 ). وجاء في الكافي
الشريف، بسنده عن الإمام الباقر عليه السلام قال:"قال رسول الله ص لّى الله عليه وآله
وسلم: يَقُولُ اللّهُ عَزَّ وجَـلَّ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَعَـظَمَتِي وَكِبْرِيائِي وَنُورِي وَعُـلوّي
وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لا يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَواهُ على هَوايَ إلاّ شَتَّتُّ عَليهِ أَمْرُهُ وَلَبَّسْتُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ
وَشَغَلْتُ قَلْبَهُ بِهَا وَلَمْ أوتِهِ مِنْها إلاّ ما قدَّرْتُ لَهُ وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي وَعَظَمَتِي وَنُورِي وَعُلُوّي
وَارْتِفَاع مَكَانِي لا يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوايَ عَلَى هَواهُ إلاّ اسْـتَحْفَظَـتْهُ مَلائِكَتِي وَكَفَّـلْتُ
السَّـمَواتِ والأَرْضَينَ رِزْقَـةُ وَكُنْتُ لَهُ مِـْن وَرَاءِ تِجارةِ كُلِّ تَـاجِرٍ وَأتَـتْهُ الدُّنْـيَا
وَهِيَ راغِمَةٌ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب اتباع الهوى، ح 2
). وهذا الحديث الشريف من محكمات الأحاديث التي يدل مضمونها على أنه ينبع من علم
الله تعالى الرائق ح تى وإن كان مطعوناً فيه بضعف السند، فنحن لسنا بصدد شرحه. وهناك
حديث آخر منقول عن الإمام علي عليه السلام قال فيه: "إنَّ أخْـوَفُ مَـا أَخَـاف
عَلَيْكُمُ اثْنَانِ إتِّـبَاعُ الهَوى، وَطُـولُ الأَمَـلِ"( نهج البلاغة، خطبة-42- (الشيخ
صبحي الصالح) ). وجاء في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "احْذَرُوا
أهْوائكُمْ كَما تْحذَرُونَ أَعْدَاءَكُمْ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أعْدى لِلرِّجَالِ مِن إتّباعِ أهْوائِهمْ وَحَصَائِد
ألْسِنَتـهم"( أصول الكافي،المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب إتباع الهوى، ح1)
اعلم أيها العزيز، أن رغبات النفس وآمالها لا تنتهي ولا تصل إلى حد أو غاية. فإذا اتبعها
الإنسان ولو بخطوة واحدة، فسوف يضطر إلى أن يتبع تلك الخطوة {199} خطوات،
وإذا رضي بهوى واحد من أهوائها، اجبر على الرضى بالكثير منها. ولئن فتحت بابا واحدا
لهوى نفسك، فإنّ عليك أن تف تح أبوابا عديدة له. إنك بمتابعتك هوى واحداً من أهواء
النفس توقعها في عدد من المفاسد، ومن ثم سوف تبتلى بآلاف المهالك، حتى تنغلق - لا
سمح الله - جميع طرق الحق بوجهك في آخر لحظات حياتك، كما أخبر الله بذلك في نص
كتابه الكريم، وكان هذا هو أخشى ما يخشاه أمير المؤمنين وولي الأمر، والمولى، والمرشد
والكفيل للهداية والموجِّـه للعائلة البشرية عليه السلام. بل إن روح النبي صلّى الله عليه وآله
وسلم وأرواح الأئمة عليهم السلام تكون جميعا في قلق واضطراب لئلا تسقط أوراق شجرة
النبوة والولاية وتذوي. قال صلّى الله عليه وآله وسلم: "تَـناكحوا تَـنَاسـلوا فَـإنّي
أُبَـاهي بِكُمُ الأُمَـمَ وَلَـوْ بِالسِّـقْـطِ"("مستدرك وسائل الشيعة"كتاب النكاح -
الباب الأول من أبواب مقدمات النكاح -ح17. لا تجد في الحديث هنا كلمة (ولو
بالسقط). ورد في تفسير أبو الفتوح الرازي (سورة النور - آيه 32 )"ت َنَاكَحُوا تَكْثُرُوا
فَإِنِي أُباهي بِكُمُ الأمَمُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَوْ بِالْسقطِ") لا شك في أنه لو سار الإنسان في مثل
هذه الطريق المحفوفة المحفوفة بالمخاطر مما قد يلقي به إلى هوّة الفناء ويجعله موضع عقوق
أبيه الحقيقي، أي النبي الكريم صلّى الله عليه وآله وسلم، ويبحث عن نمط العظيم الذي
هو رحمة للعالمين. فما أشد تعاسته، وما أكثر المصائب والبلايا التي يخبئها له الغيب!. فإذا
كنت على صلة برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وإذا كنت تحب أمير المؤمنين عليه
السلام وإذا كنت من محبي أولادهما الطاهرين، فاسْعَ لكي تزيل عن قلوبهم المباركة القلق
والاضطراب. لقد جاء في القرآن الكريم في سورة هود: {... فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ
مَعَكَ ...}(هود/ 112). وجاء في الحديث [200] الشريف أن النبي صلّى الله عليه وآله
وسلم قال:"شَـيَّـبَـتْـنِـي سُـورَةُ هُود لِمَكَانِ هذِهِ الآيـةِ"( تفسير مجمع البيان -
المجلد الخامس- ص 140) يقول الشيخ العارف الكامل الشاه آبادي - روحي فداه -"هذا،
على الرغم من أن هذه الآية قد جاءت في سورة الشورى أيضا، ولكن من دون {وَمَـنْ
تَـابَ مَـَعكَ} إلاّ أن النبي خصّ سورة هود بالذكر، والسبب أن الله تعالى طلب منه
استقامة الأمة أيضا، فكان يخشى أن لا يتحقق ذلك الطلب، وإلاّ فإنه بذاته كان أشدّ ما
يكون استقامة، بل لقد كان صلّى الله عليه وآله وسلم مثال العدل والاستقامة". إذاً، يا
أخي، إذا كنتَ تعرف أنك من أتباع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، وتريد أن تحقق هدفه،
فاعمل على أن لا تخجله بقبيح عملك وسوء فعلك. ألا ترى أنه إذا كان أحد من أولادك
والمقربين إليك يعمل القبيح وغير المناسب من الأعمال التي تتعارض وشأنك، فكم سيكون
ذلك مدعاة لخجلك من الناس وسبباً في طأطأة رأسك أمامهم؟ ولا بد أن تعلم أن رسول
الله صلّى الل ه عليه وآله وسلم، وعلي عليه السلام، هما أبوا هذه الأمة بنصّ ما قاله النبي
الكريم: "أنـا وَعَلِـيُّ أَبَـوا هذِهِ الأُمَّـة"( بحار الأنوار - ج 36 - ح 12 ص 11 ).
فلو أحضرنا في حضرة ربّ العالمين يوم الحساب وأمام نبينا وأئمتنا، ولم يكن في كتاب
أعمالنا سوى القبيح من الأعمال، فإن ذلك سوف يصعب عليهم ولسوف يشعرون بالخجل
في حضرة الله والملائكة والأنبياء. وهذا هو الظلم العظيم الذي نكون قد ارتكبناه بحقهم،
وإنها لمصيبة عظمى نبتلى بها، ولا نعلم ما الذي سيفعله الله بنا؟ فيا أيها الإنسان الظلوم
الجهول، يا من تظلم نفسك! كيف تكافئ أوليائك الذين بذلوا أموالهم وأرواحهم في سبيل
هدايتك، وتحمّلوا أشد المصائب، وأفظع القتل، وأقسى السبي لنسائهم وأطفالهم من أجل
إرشادك ونجاتك؟ فبدلاً من أن تشكرهم على ما فعلوا وتحفظ لهم أياديهم البيض نحوك، تقوم
بظلمهم ظنا منك أنك إنما تظلم نفسك وحدها! استيقظ من نوم الغفلة، واخجل من
نفسك، [201] واتركهم يعانون من الظلم الذي تحمّلوه من أعداء الدين من دون أن
تضيف على ظلامتهم ظلامة أخرى، لأن الظلم من المحب أشد ألماً وأكثر قبحـاً!.
فصــــــل في تعــدد هـوى النـفــس لا بُـدَّ أن نعرف أن أهواء النفس
متعددة ومتنوعة من حيث المراتب والمتعلقات، وقد تكون أحيانا من الدقة بحيث أن الإنسان
نفسه يغفل عن ملاحظة أنها من مكائد الشيطان ومن أهواء النفس، ما لم يـُنَبّه على ذلك،
ويوقظ من غفلته. إلاّ أنها جميعها تشترك في كونها تمنع الحق وتصدّ عن طريقه، رغم
اختلاف مراتبها ودرجاتها، فإن أصحاب الأهواء الباطلة من الذين يتخذون الآلهة من
الذهب وغيرهم - كما يخبر الله سبحانه عنهم في قوله {أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ }(
الجاثية/ 23) وغيرها من الآيات الشريفة - ينقطعون عن الله، بصورة معيّنة، وإن أتْبَـاع
الأهواء النفسية وال أباطيل الشيطانية في عقائدهم الباطلة وأخلاقهم الفاسدة يحتجبون عنه
سبحانه بصورة أخرى، وإن أصحاب المعاصي الكبيرة والصغيرة والموبقات والمهلكات كل
حسب درجة المعصية ومرتبتها يبتعدون عن سبيل الحق بصورة ثالثة. وإن أهل الأهواء في
الرغبات النفسية المباحة مع الانشغال والانهماك فيها يتخلّفون عن سبيل الحق بصورة رابعة.
وإن أهل المناسك والطاعات الظاهرية الذين يعبدون من أجل عمران الآخرة وتلبية الشهوات
النفسية ومن أجل البلوغ إلى الدرجات العلى أو الخشية من العذاب الأليم والنجاة من
الدركات السفلى يحتجبون عن الحق وسبيله بصورة خامسة، وإن أصحاب تهذيب النفس
وترويضها، لإظهار قدرتها والوصول إلى جنة الصفات، فيفصلون عن الحق ولقائه بشكل
آخر، وإن أهل العرفان والسلوك والانجذاب ومقامات العارفين الذين لا يهمهم سوى لقاء
الحق والوصول إلى مقام القرب، يحتجبون عن الحق وتجلياته الخاصة بنوع سابعلأن التلوّن
وآثار وجوده الخاص لا يزال عندهم موجودا. ثم توجد بعد هذه المراتب درجات أخرى لا
يناسب ذكرها في هذا المقام. [202] فإن على أصحاب هذه المراتب أن يراقبوا بدقة
حالهم، وأن يطهّروا أنفسهم من الأهواء لئلا يتخلّـفوا عن طريق الله ولا يظلّوا عن
مسالك الحقيقة، حتى تظلّ أبواب الرحمة مفتوحة عليهم، مهما تكن مقاماتهم ومنازلهم.
واللّهُ وَليُّ الهِدَايَةِ. المقام الثاني في ذم طـول الأمل وفيه فصلان فصل في بيــان أن
طول الأمــل ينسي الآخــرة اعلم أن المنزل الأول من منازل الإنسانية هو منزل
اليقظة كما يقوله كبار أهل السلوك في بيانهم لمنازل السالكين، ولهذا المنزل كما يقول
الشيخ العظيم الشأن الشاه آبادي - دام ظله - بيوت عشرة، لسنا الآن بصدد تعدادها.
ولكن ما يجب قوله هو أن الإنسان ما لم ينتبه إلى أنه مسافر، ولا بُدَّ من السير، وأن له
هدف وتجب الحركة نحوه، وأن البلوغ إلى ال مقصد ممكن، لما حصل له العزم والإرادة
للتحرك. ولكل واحد من هذه الأمور، شرح وبيان لو ذكرناه لطال بنا المقام. ويجب أن
نعرف أن من أهم أسباب عدم التيقظ الذي يؤدي إلى نسيان المقصد ونسيان لزوم المسير،
وإلى إماتة العزم والإرادة، هو أن يظن الإنسان أن في الوقت متسعاً للبدء بالسير، وأنه إذا لم
يبدأ بالتحرك نحو المقصد اليوم، فسوف يبدأه غداً، وإذا لم يكن في هذا الشهر، فسيكون
في الشهر المقبل. فإن طول الأمل هذا وامتداد الرجاء، وظن طول البقاء، والأمل في الحياة
والرجاء سعة الوقت، يمنع الإنسان من التفكير في المقصد الأساسي الذي هو الآخرة. ومن
لزوم السير نحوه ومن لزوم اتخاذ الصديق وتهيأة الزاد للطريق، ويبعث الإنسان على نسيان
الآخرة ومحو المقصد من فكره - ولا قدّر الله - إذا أصيب الإنسان بنسيان للهدف المنشود
في رحلة بعيدة وطويلة ومحفوفة بالمخاطر مع ضيق الوقت، وعدم توفّـر العُـدّ َة والعدد
رغم ضرورتهما في السفر، فإنه من الواضح لا يفكر في الزاد والراحلة، ولوازم السفر
وعندما يحين وقت السفر يشعر بالتعاسة، ويتعثر ويسقط في أثناء الطريق، ويهلك دون أن
يهتدي إلى سبيل. [203] فصــــــل ( موعظة حول طول الأمل ) اعلم إذاً،
أيها العزيز، أن أمامك رحلة خطرة لا مناص لك منها، وأن ما يلزمها من عدّة وعدد وزاد
وراحلة هو العلم والعمل الصالح. وهي رحلة ليس لها موعد معين، فقد يكون الوقت ضيقاً
جداً، فتفوتك الفرصة. إن الإنسان لا يعلم متى يقرع ناقوس الرحيل للانطلاق فوراً. إن
طول الأمل المعشعش عندي وعندك الناجم من حب النفس ومكائد الشيطان الملعون
ومغرياته، تمنعنا من الاهتمام بعالم الآخرة ومن القيام بما يجب علينا. وإذا كانت هناك مخاطر
وعوائق في الطريق، فلا نسعى لإزالتها بالتوبة والإنابة والرجوع إلى طريق الله، ولا نعمل
عل تهيئة زاد وراحلة، حتى إذا ما أزف الوعد الم وعود اضطررنا إلى الرحيل دون زاد ولا
راحلة. ومن دون العمل الصالح، والعلم النافع، اللذان تدور عليهما مئونة ذلك العالم، ولم
نهيأ لأنفسنا شيئاً منهما. حتى لو كنا قد عملنا عملاً صالحاً، فإنه لم يكن خالصاً بل مشوباً
بالغش، ومع آلاف من موانع القبول. وإذا كنا قد نلنا بعض العلم، فقد كان علماً بلا
نتيجة وهذا العلم إما أنْ يكون لغواً وباطلاً، وإما أنه من الموانع الكبيرة في طريق الآخرة.
ولو كان ذلك العلم والعمل صالحين، لكان لهما تأثير حتمي وواضح فينا نحن الذين صرفنا
عليهما سنوات طوالاً، ولغيّرا من أخلاقنا وحالاتنا. فما الذي حصل حتى كان لعملنا
وعلمنا مدة أربعين أو خمسين سنة تأثير معكوس بحيث أصبحت قلوبنا أصلب من الصخر
القاسي؟ ما الذي جنيناه من الصلاة التي هي معـراج المؤمنين؟ أين ذلك الخوف وتلك
الخشية الملازمة للعلم؟ لو أننا أجبرنا على الرحيل ونحن على هذه الحال - لا سمح اله -
لكان علينا أن نتحمل الكثير من الحسرات والخسائر العظيمة في الطريق، مما لا يمكن إزالته!.
إذاً، فنسيان الآخرة من الأمور التي يخافها علينا وليّ الله الأعظم، الإمام أمير المؤمنين عليه
السلام، ويخاف علينا من الباعث لهذا النسيان وهو طول الأمل، لأنه يعرف مدى خطورة
هذه الرحلة، ويعلم ماذا يجري على الإنسان الذي يجب أن لا يهدأ لحظة واحدة عن التهيؤ
وإعداد الزاد والراحلة، عندما ينسى العالم الآخر، ويستهويه النوم والغفلة من دون أن يعلم
أن هناك عالما آخر، وأن عليه أن يسير إليه [ 204] حثيثاً. وماذا سيحصل له وما هي
المشاكل التي يواجهها؟ يحسن بنا أن نفكر قليلاً في سيرة أمير المؤمنين والنبي الكريم صلّى
الله عليه وآله وسلم، وهما من أشرف خلق الله ومن المعصومين عن الخطأ والنسيان والزلل
والطغيان، لكي نقارن بين حالنا وحالهم. إن معرفتهم بطول السفر ومخاطره قد سلبت
الراحة منهم، وأن جهلنا أوجد النسيان والغفلة فينا. إن نبينا صلّى الله عليه وآله وسلم قد
روّض نفسه كثيرا في عبادة الله، وقام على قدميه في طاعة الله حتى ورمت رجلاه،
فنزلـت الآيـة الكريمة تقول له: {طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}(طه/1-2 ).
وعبادات علي عليه السلام وتهجّـده وخوفه من الحق المتعال معروف للجميع. إذاً، اعلم
أن الرحلة كثيرة المخاطر، وإنما هذا النسيان الموجود فينا ليس إلاّ من مكائد النفس
والشيطان، وما هذه الآمال الطوال ألاّ من أحابيل إبليس ومكائده. فتيقظ أيها النائم من
هذا السبات وتنّبه، واعلم أنك مسافر ولك مقصد، وهو عالم آخر، وأنك راحل عن هذه
الدنيا، شئت أم أبيت. فإذا تهيأت للرحيل بالزاد والراحلة لم يصبك شيء من عناء السفر،
ولا تصاب بالتعاسة في طريقه، وإلاّ أصبحت فقيراً مسكيناً سائراً نحو شقاء لا سعادة فيه،
وذلّه لا عـزّة فيها وفقر لا غناء معه وعذاب لا راحة منه. إنها النـار التي لا تنطفئ
والضغط الذي لا يخفف، والحزن الذي لا يتبعه سرور، والندامة التي لا تنتهي أبداً. أنظر
أيها الأخ إلى ما يقوله الإمام في دعاء كميل وهو يناجي الحق عـزَّ وجـلَّ: "وَأَنْـتَ
تَـعْـلَمُ ضَعْفِي عَـنْ قَلِيلٍ مِـنْ بَلاَءِ الدُّنْـيَا وَعُـقُوبَاتِهَا"إلى أن يقـول :"وَهـذَا
مَـا لا تَـقُومُ لَـهُ السَّـمَوَاتُ وَالأَرْضُ". ترى ما هذا العذاب الذي لا تطيقه
السماوات والأرض، الذي قد أعـدّ لك؟ أفلا تستيقظ وتنتبه، بل تزداد كل يوم استغراقاً
في النوم والغفلة؟ فيا أيها القلب الغافل! انهض من نومك وأعـدّ عدتك للسفر،"فـَقـَدْ
نُـودِيَ فِـيكُمْ [205] بِالـرَّحِـيلِ"( نهج البلاغة - الخطبة-204- ( الشيخ
صبحي الصالح ) )، وعمّـال عزرائيل منهمكون في العمل ويمكن في كل لحظة أن
يسوقوك سوقاً إلى العالم الآخر. ولا تـزال غارقاً في الجهل والغفلة؟ "الـلّ َهُمَّ إِنّـي
أَسْـأَلُكَ التَّجَافِيَ عَنْ دَارِ الغُـرُورِ، وَالإِنَـابَةَ إِلَى دارِ السُّـرُورِ والاسْـتِعْـدَادَ
لِلْمَوْتِ قَبْـلَ حُـلُولِ الْـفَـوْتِ"( مفاتيح الجنان، دعاء ليلة السابع والعشرين من شهر
رمضان ). [207] الحَديث الحَادي عـشرَ "الفطـرة" بالسند المُتَّـصِلِ إلى محمّد بن
يعقوب، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَن ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَلِـيِّ بْنِ
رِئابِ، عن زُرارَةَ قال:"سألتُ أبَا عبْدِالله عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَـلَّ: {فِطْرَتَ
اللهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها}. قال:"فَطَرَهُم جَميعاً على الـتّوحيد".( أصول الكافي، المجلد
الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب فطرة الخـلق على التوحيد، ح 3 ) [209] الشرح:
يقول أهل اللغة والتفسير: إن"الفطـرة"تعني الخلـق. وفي
الصحاح:"الفِطرة"بالكسر"الخِلقة". ويمكن أن تكو ن الكلمة مأخوذة من"فَطَرَ"أي"شقّ
ومزّق"كأن الخلق أشبه بشق حجب العدم والغيب. وبهذا المعنى يكون إفطار الصائم،
فكأنه يمزق استمرارية الإمساك المتصل. على كل حال، البحث اللغوي خارج عن نطاق
بحثنا. إنما هذا الحديث الشريف إشارة إلى الآية المباركة في سورة الروم: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}(الروم30). فصـــــــل فــي معنــى
الفطـــرة اعلم أن المقصود من"فـِطـْرَة الله"التي فطر الناس عليها هو الحال
والكيفية التي خلق الناس وهم متّصفون بها والتي تعد من لوازم وجودهم.
ولذلك"تخمّرت"طينتهم بها في أصل الخلق. والفطرة الإلهية - كما سيتبيّن فيما بعد - من
الألطاف التي خصّ الله تعالى بها الإنسان من بين جميع المخلوقات، إذ إن الموجودات
الأخرى غير الإنسان إمّا أنها لا تملك مثل هذه الفطرة المذكورة وإما أن لها حظاً ضئيلا
منها. [210] وهنا لا بـُدَّ من معرفة أن الفطرة، وإن فسرت في هذا الحديث الشريف
وغيره من الأحاديث بالتوحيد، إلاّ أن هذا هو من قبيل بيان المصداق، أو التفسير بأشرف
أجزاء الشيء، كأكثر التفاسير الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام، وفي كل مرة
تفسر بمصداق جديد بحسب مقتضى المناسبة، فيحسب الجاهل أن هناك تعارضا. والدليل
على أن المقام كذلك هو أن الآية الشريفة تعتبر"الدين"هو"فطرة الله"مع أن الدين يشمل
التوحيد والمبادئ الأخرى. وفي صحيحة عبدالله بن سنان فسرت الفطرة على أنها
تعني"الإسلام". وفي حسنة زرارة فسرت بالمعرفة، وفي الحديث المعروف:"كلُّ مولودٍ يولَدُ
عَلَى الفِطْرَةِ"(غوالي اللئالي، المجلد الأول، ص 35 ) جاءت في
قبال"التهوّد"و"التنصـّر"و"التمجّس". كما أن الإمام البا قر عليه السلام في حسنة زرارة
المذكورة فسّرها بالمعرفة. وعليه، فالفطرة ليست مقصورة على التوحيد، بل إن جميع المبادئ
الحقة هي من الأمور التي فَطَرَ الله تعالى الإنسان عليها. فصـــــــل فــي
تحــديد أحكــام الفطــرة لا بُدَّ أن تعرف بأن ما هو من أحكام الفطرة لا
يمكن أن يختلف فيه اثنان. من ناحية أنها من لوازم الوجود وقد تخمّرت في أصل الطبيعة
والخلقة. فالجميع، من الجاهل والمتوحش والمتحضر والمدني والبدوي، مجمعون على ذلك.
وليس ثمّة منفذ للعادات والمذاهب والطرق المختلفة للتسلّل إليها والإخلال بها. إن اختلاف
البلاد والأهواء والمأنوسات والآراء والعادات، التي توجب وتسبّب الخلاف والاختلاف في
كل شيء، حتى في الأحكام العقلية، ليس لها مثل هذا التأثير أبداً في الأمور الفطرية. كما
أن اختلاف الإدراك والإفهام قوة وضعفاً لا تؤثر فيها. وإذا لم يكن الشيء بتلك الكيفية
فليس من أ حكام الفطرة ويجب إخراجه من فصيلة الأمور الفطرية. ولذلك تقول الآية:
{فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}( الـروم/ 30 ) أي أنها لا [211] تختص بفئة خاصة ولا طائفة
من الناس. ويقول تعالى أيضا:{لاَ تبديلَ لِخَلْقِِ الله} (الروم/ 30 ) أي لا يغيـّره شيء،
كما هو شأن الأمور الأخرى التي تختلف بتأثير العادات وغيرها. ولكن مما يثير الدهشة
والعجب أنه على الرغم من عدم وجود أي خلاف بشأن الأمور الفطرية، من أول العالم
إلى آخره، فإن الناس يكادون أن يكونوا غافلين عن أنهم متفقون، ويظنون أنهم مختلفون،
ما لم ينبههم أحد على ذلك، وعند ذلك يدركون أنهم كانوا متفقين رغم اختلافهم في
الظاهر - كما سيتضح ذلك فيما يأتي من البحث إن شاء الله -. هذا ما تشير إليه الجملة
الأخيرة من الآية الشريفة: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}(الروم/ 30 ) فيتضح مما سبق
ذكره أن أحكام الفطرة أكثر بداهة من كل أمر بديهي. إذ لا يوجد في جميع الأحكام
العقلية حكم مثلها في البداهة والوضوح، حيث لم يختلف فيه الناس ولن يختلفوا. وعلى هذا
الأساس تكون الفطرة من أوضح الضروريات وأبده البديهيات، كما أن لوازمها أيضاً يجب
أن تكون من أوضح الضروريات. فإذا كان التوحيد أو سائر المعارف من أحكام الفطرة أو
من لوازمها، وجب أن يكون من أوضح الضروريات وأجلى البديهيات {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. فصـــــــل ( الدين فطرة الله ) اعلم أن المفسرين، من
العامة والخاصة، فسّروا كلٌ على طريقته، كيفية كون الدين أو التوحيد من الفطرة. ولكننا
في هذه الوريقات لا نجري مجراهم وإنما نستفيد في هذا المقام من آراء الشيخ العارف الكامل
( الشاه آبادي ) الذي هو نسيج وحده في هذا الميدان. فقد أشار أن بعضها قد ورد بصورة
الإشارة والرمز في بعض [212] كتب المحققين من أهل المعارف، وبعضها الآخر مما خطر
في فكري القاصر. إذاً، لا بُـدَّ أن نعرف أن من أنواع الفطرة الإلهية ما يكون على"أصل
وجود المبدأ"تعالى وتقدس ومنها الفطرة على"التوحيد"وأخرى على"استجماع ذات الله
المقدسة لجميع الكمالات"وأخرى على"المعاد ويوم القيامة"وأخرى على"النبوة"و"وجود
الملائكة والروحانيين وإنزال الكتب وإعلان طريق الهداية". وهذه الأمور بعضها من
الفطرة، وبعضها من لوازم الفطرة. فالإيمان بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله وبيوم القيامة،
هو الدين القـيم المحكم المستقيم والحق على امتداد حياة المجموعة البشرية. ولسوف نشير
إلى بعض منها مما يتناسب والحديث الشريف، طالبين التوفيق من الحق تعالى. المقام الأول
في بيان أن أصل وجود المبدأ المتعالي جل وعلا من الأمور الفطرية وهذا يتضح بعد التنبيه
إلى مقدمة واحدة هي: أن من الأمور الفطرية التي جبلت عليها سلسلة بني البشر بأكملها،
بحيث أنك لن تجد فرداً واحداً ف ي كل المجموعة البشرية يخالفها، ولن تستطيع العادات
والأخلاق والمذاهب والمسالك وغيرها لا يمكن أن تبدلها ولا أن تحدث فيها خللاً،
إنّها"الفطرة التي تعشق الكمال". فأنت إن تجولت في جميع الأدوار التي مـرّ بها الإنسان،
واستنطقت كل فرد من الأفراد، وكل طائفة من الطوائف، وكل ملّة من الملل، يجد هذا
العشق والحب قد جبل في طينته، فتجد قلبه متوجهاً نحو الكمال. بل إن ما يحدد الإنسان
ويدفعه في سكناته وتحركاته، وكل العناء والجهود المضنية التي يبذلها كل فرد في مجال عمله
وتخصصه، إنما هو نابع من حب الكمال، على الرغم من وجود منتهى الخلاف بين الناس
فيما يرونه من الكمال؟ وأين يوجد الحبيب ويشاهد المعشوق؟. فكلٌ يجد معشوقه في شيء،
ظاناً أن ذلك هو الكمال وكعبة الآمال، فيتخيله في أمر معيّن، فيتوجه إليه، فيتفانى في
سبيله تفاني العاشق. إن أهل الدنيا وزخارفها يحسبون الكمال في الثروة، ويجدو ن
معشوقهم فيها، فيـبذلون من كل [213] وجودهم الجهد والخدمة الخالصة في سبيل
تحصيلها فكل شخص، مهما يكن نوع عمله، ومهما يكن موضع حبه وتعشقه، فإنه
لاعتقاده بأن ذلك هم الكمال يتوجه نحوه. وهكذا حال أهل العلوم والصنايع، كلٌ يرى
الكمال في شيء ويعتقد أنه معشوقه، بينما يرى أهل الآخرة والذكر والفكر غير ذلك ...
وعليه، فجميعهم يسعون نحو الكمال. فإذا ما تصوّره في شيءٍ موجود أو موهوم تعلّقوا به
وعشقوه. ولكن لا بُدَّ أن نعرف أنه علـى الرغم من هذا الذي قيل، فإن حب هؤلاء
وعشقهم ليس في الحقيقة لهذا الذي ظنوه بأنه معشوقهم، وإن ما توهّموه وتخيّلوه ويبحثون
عنه ليس هو كعبة آمالهم. إذ لو أن كل واحد منهم رجع إلى فطرته لوجد أن قلبه في
الوقت الذي يظهر العشق لشيءٍ مّا فإنه يتحوّل عن هذا المعشوق إلى غيره إذا وجد الثاني
أكمل من الأول، ثم إذا عثر على أكمل من الثاني، ترك الثاني وانتقل بحبه إلى الأكمل
منه، بل أن نيران عشقه لتزداد اشتعالاً حتى لا يعود قلبه يلقى برحاله في أية درجة من
الدرجات ولا يرضى بأي حد من الحدود. مثلاً، إذا كنتَ تحب جمال القدود ونضارة
الوجوه، عثرت على ذلك عند من تراها كذلك، توجّه قلبك نحوها. فإذا لاح لك جمالٌ
أجمل، لا شك في أنك سوف تتوجه إلى الجميل الأجمل، أو أنك على الأقل تطلب الاثـنين
معا، ومع ذلك لا تخمد نار الاشتياق عندك، ولسان حال فطرتك يقول: كيف السبيل
إليهما معا؟ ولكن الواقع هو أنك تطلب كل جميل تراه أجمل، بل قد تزداد اشتياقا بالتخيل،
فقد تتخيل أن هناك جميلاً أجمل من كل ما تراه بعينك، في مكان ما، فيحلق قلبك طائراً
إلى بلد الحبيب، ولسان حالك يقول: أنا بين الجمع وقلبي في مكان آخر. وقد تعشق ما
تتمنى. فأنت إن سمعت بأوصاف الجنة وما فيها من الوجوه الساحرة- حتى وإن لم تكن
تؤمن بالجنة لا سمح الله - قالت فطرتك: ليت هذه الجنة موجودة وليتهن كـُنَّ من
نصيبي!. وهكذا الذين يرون الكمال في السلطان والنفوذ واتساع الملك، يتّجه حبهم
واشتياقهم إلى ذلك. فهم إذا بسطوا سلطانهم على دولة واحدة، توجّهت أنظارهم إلى دولة
أخرى، فإذا دخلت تلك الدولة أيضاً تحت سيطرتهم، تطلعت أعينهم إلى [214] أكثر
من ذلك. فهم كلما استولوا على قطر، اتجه حبهم إلى الاستيلاء على أقطار أخرى، بل
تزداد نار تطلعاتهم لهيباً، وإذا بسطوا سلطانهم على الأرض كلها، وتخيلوا إمكان بسط
سلطتهم على الكواكب الأخرى، تمنّت قلوبهم لو كان بالإمكان أن يطيروا إلى تلك العوالم
كي يخضعوها لسيطرتهم. وقس على ذلك أصحاب الصناعات ورجال العلم، وغيرهم،
وكل أفراد الجنس البشري، مهما تكن مهنتهم وحِرَفهم، فهم كلما تقدموا فيها مرحلة
متقدمة، ورغبوا في بلوغ مرحلة أكمل من سابقتها، ولهذا يشتدّ شوقهم وتطلّعهم. إذاً،
فنور الفطرة قد هدانا إلى أن نعرف أن قلوب جميع أ بناء البشر، من أهالي أقصى المعمورة
وسكان البوادي والغابات إلى شعوب الدول المتحضرة في العالم، ابتداءً بالطبيعيين والماديين
وانتهاء بأهل الملل والنِحل، تتوجه قلوبهم بالفطرة إلى الكمال الذي لا نقص فيه، فيعشقون
الكمال الذي لا عيب فيه ولا كمال بعده، والعلم الذي لا جهل فيه، والقدرة التي لا تعجز
عن شيء، والحياة التي لا موت فيها، أي أن"الكمال المطلق"هو معشوق الجميع. إن جميع
الكائنات والعائلة البشرية، يقولون بلسان فصيح واحد وبقلب واحد: إننا نعشق الكمال
المطلق، إننا نحب الجمال والجلال المطلق، إننا نطلب القدرة المطلقة، والعلم المطلق. فهل
هناك في جميع سلسلة الكائنات، أو في عالم التصور والخيال، وفي كل التجويزات العقلية
والاعتبارية، كائن مطلق الكمال ومطلق الجمال، سوى الله تقدست أسماؤه، مبدأ العالم
جلّت عظمته؟ وهل الجميل على الإطلاق الذي لا نقص فيه إلاّ ذلك المحبوب المطلق؟ فيا
أيها الهائمون في وادي الحسرات والضائعون في صحاري الضلالات. بل أيتها الفراشات
الهائمة حول شمعة جمال الجميل المطلق، ويا عشّاق الحبيب الخالي من العيوب والدائم
الأزلي، عودوا قليلاً إلى كتاب الفطرة وتصفحوا كتاب ذاتكم لتروا أن قلم قدرة الفطرة
الإلهية قد كتب فيه {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا
مِنْ الْمُشْرِكِينَ}(الأنعام/79). فهل أن"فطر الله التي فطر الناس عليها"هي فطرة التوجه
نحو [215] المحبوب المطلق؟ وهل أن الفطرة التي لا تتبدل"لا تبديلَ لِخلقِِ الله"هي فطرة
المعرفة؟ فإلى متى توجه هذه الفطرة التي وهبك الله إياها نحو الخيالات الباطلة، نحو هذا
وذاك من المخلوقات لله؟ إذا كان محبوبك هو هذا الجمال الناقص والكمالات المحدودة،
فلماذا عندما تصل إليـها يبقى اشتياقك ملتهباً لا يخمد، بل يزداد ويشتد؟. تيقّظ من نوم
الغفلة واستبشر فرحاً بأن لك محبوباً لا يزول، ومعشوقاً لا نقص فيه، ومطلوباً من دون
عيب، وأن لك مقصوداً يكون نور طلعته هو النور{الله نُورُ السمواتِ والأرض}، وأن
محبوبك ذو إحاطة واسعة"لو دُلّيتُمْ بِحَبْلٍ إِلى الأرضين السُّـفلى لَهِبَطْتُمْ على الله"(
راجع كتاب معجم الأحاديث النبوية. مادة (د ل و ) ). إذن يستوجب عشقك الحقيقي
معشوقاً حقيقياً، ولا يمكن أن يكون شيئاً متوهماً متخيلاً، إذ أن كل موهوم ناقص،
والفطرة إنّما تتوجه إلى الكمال. فالعاشق الحقيقي والعشق الحقيقي لا يكون من دون
معشوق، ولا يكون غير الله الكامل، معشوقاً تتجه إليه الفطرة. فلازم تعشق الكمال المطلق
وجود الكمال المطلق. وقد سبق أن عرفنا أن أحكام الفطرة ولوازمها أوضح من جميع
البديهيات {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }(إبراهيم/ 10 ). المقام
الثانــــي في بيان أن توحيد الحق المتع الي وصفاته الأخرى فطرية في بيان أن
توحيد الحق - تعالى شأنه - واستجماع ذاته لكل الكمالات من الأمور الفطرية، وبالانتباه
إلى ما جاء في المقام الأول يتضح ذلك أيضا إلا أننا سنبرهن على ذلك ببيان آخر هنا أيضاً.
اعلم أن من الأمور الفطرية التي"فـَطـَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا"هو النفور من النقص، ولذلك فإن
الإنسان ينفر من كل ناقص، قد وجد فيه نقصاً وعيباً. إذاً، فالفطرة تنفر من النقص والعيب
كما أنها تنجذب إلى الكمال. فالفطرة لا بد وأن تتوجه إلى الواحد الأحد، لأن كل كثير
ومركب ناقص، ولا تكون الكثرة دون محدودية مع [216] أن المحدودية نقص. وكل
ناقص مرغوب عنه من جانب الفطرة وليس بمرغوب فيه. إذاً، أمكن من هاتين
الفطرتين:"فطرة حب الكمال"و"فطرة النفور من النقص"إثبات التوحيد. بل إن
استجماع الله لجميع الكمالات، وخلو ذاته المقدسة من كل نقص، قد ثبت بالفطرة أيضاً.
وسورة التوحيد المبا ركة التي تبيّن نسب الحق المتعالي، وبحسب رأي شيخنا( الشيخ محمد
علي الشاه آبادي ) ( روحي فداه ) إن الهوية المطلقة، التي تتوجه إليها الفطرة، والتي أشير
إليها في صدر سورة التوحيد المباركة بكلمة"هو"المباركة، تعد برهاناً على الصفات الستّ
المذكورة بعد ذلك. إذ لمّا كانت ذات الله المقدسة هوية مطلقة، والهوية المطلقة يجب أن
تكون كاملة مطلقة، وإلاّ لكانت محدودة، ولم تكن مطلقة، فهو مستجمع لجميع
الكمالات، فهو"اللهُ". وفي الوقت الذي يكون مستجمعاً لجميع الكمالات يكون بسيطاً،
وإلاّ فالهوية لا تكون مطلقة، إذاً فهو"أحد"ولازم الأحدية هو الواحدية ولما كانت الهوية
المطلقة المستجمعة لجميع الكمالات منزهة عن جميع النقائص، التي تعود بأجمعها إلى الماهية،
إذاً فتلك الذات المقدسة هي"الصـَّمـَدْ"وليست جوفاء. ولما كانت الهوية مطلقة، فلن
يتولد منها شيء ولا ينفصل عنها شيء، ولا ينفصل هو عن يء [لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ] وإنما
هو مبدأ كل شيء ومرجع جميع الموجودات، بدون الانفصال الذي يوجب النقصان.
والهوية المطلقة أيضاً ليس لها كفو. إذ لا يمكن تصور التكرار في الكمال الصرف. إذاً
فالسورة المباركة (الإِخلاص ) من أحكام الفطرة ولبيان نسب الحق المتعال. المقام الثالث في
بيان أن المعاد فطري إن"المعاد"أو يوم القيامة من الأمور الفطرية المجبولة عليها طينة
البشر. وهذا أيضاً، مثل المقامين السابقين، يمكن البرهنة عليه بطرق كثيرة وأمور فطرية
عديدة، ونحن هنا نشير إلى بعض منها. اعلم إن من الفطريات الإلهية التي فُطِرت عليها
العائلة البشرية كافة هي [217] فطرة حب الراحة. فلو أنك في كل أدوار التمدن
والتوحش. والتدين والعناد رجعت إلى هذا الإنسـان، الجاهل والعالم، والوضيع والشريف،
والمدني والبـدوي، وسألته:"لِمَ كل هذا التعلق المتنوع والأهواء الشتى، وما الغاية من
تحمل ك ل هذه المشقات والصعوبات والمعاناة في الحياة؟"فإنهم جميعاً وبكلمة واحدة
وبلسان الفطرة الصريح يجيبون قائلين: بأن كل ما يتوخونه إنما هو لراحتهم، والغاية النهائية
والمرام الأخير وأقصى ما يتمنونه هو الراحة المطلقة الخالية من العناء. فلما كانت هذه
الراحة التي لا تمازجها مشقة والتي لا يشوبها ألم ونقمة هي معشوقة الجميع، وكانت هذه
المعشوقة المفقودة لدى كل إنسان مقصورة في شيء، لذلك فهو عندما يحب شيئاً يتصور
محبوبه فيه، مع أن مثل هذه الراحة المطلقة لا وجود لها في كل أرجاء العالم وزواياه. إذ ليس
من الممكن أن تعثر على راحة غير مشوبة بالألم. إن جميع نِعم هذا العالم يصاحبها العناء
والعذاب المضني، وما من لذة إلاّ وفيها ألم. إن العذاب والتعب والألم والحزن والهم والغم
تملأ أرجاء الأرض. وعلى امتداد حياة الإنسان لن تجد فرداً واحداً يتساوى عذابه وراحته،
ونعمته توازي تعبه ونقمته ونصبه، ناهيك عن الراحة الخالصة المطلقة. وبناءً على ذلك فإن
معشوق الإنسان لا يوجد في هذا العالم الدنيوي. إن العشق الفطري الذي جبل عليه أبناء
البشر لا يكون من دون معشوق موجود فعلا. إذاً، لا بُدَّ من أن يكون هناك في دار التحقق
وعالم الوجود عالم لا تشوب راحته شائبة من ألم وعذاب وتعب، راحة مطلقة لا يخالطها
شيء من العناء والشقاق، سرور دائم خالص لا يعتوره حزن ولا همّ. ذلك العالم هو"دار
نعيم الله"عالم كرم ذات الله المقدسة. وهو عالم يمكن إثباته بفطرة الحرية ونفوذ الإرادة
الموجودة في فطرة كل إنسان. ولما كانت مواد هذا العالم وما به من العسر والضيق مما
يستعصي على حرية الإنسان وإرادته، فلا بُدَّ إذاً، أن يكون هناك عالم آخر تكون للإرادة
فيه كلمة نافذة، ولا تستعصي مواده على إرادة الإنسان، ويكون الإنسان في ذلك العالم
فعّالاً لما يشاء والحاكم بما يريد، حسبما تقتضيه الفطرة. [218] إذاً، يعتبر العشق للراحة
والعشق للحريّة هما الجانبان المودعان لدى الإنسان، بموجب فطرة الله التي لا تتبدل، فيحلق
بهما في عالم الملكوت الأعلى متقرباً إلى الله. وفي المقام مواضيع أخرى لا تسعها هذه
الأوراق؛ وفيها فطرات أخرى لإثبات المعارف الحقّه، مثل إثبات النبوة، وبعثة الرسل،
وإنزال الكتب السماوية. بل بفطرة واحدة من هذه الفطر المذكورة يمكن إثبات جميع
المعارف. ولكننا نكتـفي بهذا القدر لئلا نخرج عن الموضوع ولكيلا نشرح ما لا يناسب
مع الحديث الشريف. إلى هنا عرفنا أن العالم بالمبدأ، والكمالات، ووحدتها، والمعاد، وعالم
الآخرة كلها من الأمور الفطرية. والحمد لله. [219] الحــَديث الثــاني عشــرَ
"التفكــــر" [220] بسندي المتـَّصل إلى محمـّد بن يعقوب - رضوان الله عليه -
عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النَّوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام
قال:"كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: نَبَّهْ بَالتَفَكُّـرِ قَلْبَكَ وَجافِ عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ
وَاتَّقِ اللهَ رَبَّكَ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر،باب التفكر، ح 1).
[221] الشرح: "كـَانَ يَـقُولُ"يختلف عن"قـَالَ"أو"يـَقـُولُ"من حيث الدلالة،
لأنه يفيد الاستمرار والدوام. وهذا يعني أن الإِمام عليه السلام كان يكرر هذا
الكلام."وَالتَّـنْبِيهُ"هو الإخراج من الغفلة والإِيقاظ من النوم. وكلا المعنيين مناسب
هنا. فالقلوب قبل التفكر غافلة، وقبل الإيقاظ نائمة، والتنبيه يخرجها من الغفلة،
ويوقظها من النوم. والنوم واليقظة، والغفلة والفطنة، لكل من مُلك الجسد وملكوت
النفس، مختلفان. فقد تكون العين الظاهرة يقظة وجانب المُلك واعياً، ولكن عين الباطن
والبصيرة تغط في نوم والبصيرة تغطّ في نوم ثقيل، وجانب ملكوت النفس في غفلة ومن
دون وعي. و"التـَّفـَكـُّرُ" إعمال الف كر، وهو ترتيب الأمور المعلومة للوصول إلى
النتائج المجهولة. فهو أعمَّ من التفكر الذي يعدّ من مقامات السالكين. لأن الخواجه
الأنصاري يعرفه بقوله:"إِعلَمْ أَنَّ التّفكرَ تَلَمُّسُ البَصيرَةِ لاِسْتِدْراكِ البُغْيَةِ"("منازل
السائرين"ج 1، ص 57 ) . ومعلوم أن مطلوبات القلب هي المعارف، ولهذا فإن المراد
بالتفكر في هذا الحديث الشريف هو المعنى الخاص الذي يعود إلى القلوب وحياتها. وللقلب
تعريفات واصطلاحات كثيرة: فإذا عُرّف عند الأطباء وعامة الناس، كان المراد منه تلك
القطعة من اللحم الصنوبرية الشكـل التي بانقباضها وانبساطها يجري الدم في الشرايين،
ومن ذلك تتولد الروح الحيوانية التي هي بخار لطيف. [222] وعند الحكماء يطلق على
بعض مقامات النفـس. وله عند أصحاب العرفان مقامات ومراتب، يكون التعمق في بيان
هذه المصطلحات خارجاً عن قصدنا. وفي القرآن الكريم والأحاديث الشريفة يطلق (ال
قلب) في المواضيع المختلفة على كل واحد من المعاني المتداول بين العامة والخاصـة،
مثـل {وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}(الأحزاب/ 10) . وهو بمعناه المتداول بين الأطباء،
{... لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا}(الأعراف/ 179) وهو
المعنى المتداول على ألسنة الحكماء. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى
السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}(ق37). وهو الاصطلاح الجاري عند العرفاء. وما جاء في الحديث
الشريف بشأن التفكر هو المتداول عند الحكماء. أما القلب في اصطلاح العرفاء، فلا علاقة
له بالتفكر، وخصوصاً في بعض مراتبه، كما يعرف ذلك أهل الإصلاح. وقول الإمام عليه
السلام:"جافِ عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ"، الجفاء بمعنى"البُعد"و"جافاه عنه، فتجافى جنبه عن
الفراش"أي"نبا"كما في الصحاح. ونسبة المجافاة إلى الليل من الإسناد إلى المجاز، أو من
جعل الليل فراشاً ادعاءً، أو أن الكلمة استعملت في معناها الحقيقي وأن الإسناد يكون
حقيقياً ولكن الفرق في الإرادة الجدية والاستعمالية، كما احتملوه في مطلق المجازات،
وحسبما أسهب في شرحه الشيخ الفقيه والأصولي والأديب المتبحر ( الشيخ رضا
الأصفهاني ) في"جليّة الحال". ومهما يكن، فتلك كناية عن النهوض عن فراش النوم في
الليل من أجل العبادة. وبعد ذلك سوف يتم بيان التقوى ومراتبها، إن شاء الله... ولكننا
سوف نبيّن ضمن فصول عديدة مناسبات الحديث الشريف فيما يلي: فصل في بيان فضيلة
التفكر اعلم أن للتفكر فضائل كثيرة. فالتفكر هو مفتاح أبواب المعارف وخزائن
الكمالات والعلوم، وهو مقدّمة لازمة وحتمية للسلوك الإنساني، وله في القرآن [223]
الكريم والأحاديث الشريفة تعظيم بليغ وتمجيد كامل، كما أن تاركه معيّر ومذموم. وقد
جاء في ( الكافي ) الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام: "أفـْضَلُ الْعِبَادَةِ إدمانُ
التَّفَكّرِ فِي الله وَفِي قُدْرَتِهِ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب
التفكر، ح 3). ويرد ذكر لهذا الحديث فيما بعد. وفـي حديث آخر:"تـَفـَكـُّرَ
سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيامِ لَيْلَةٍ". وفي حديث عن رسول الله صلـّى الله عليه وأله وسلم:"إِنَّ
تـَفَكُّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ". وفي حديث غيره:"إِنَّ تَفَكُّـرَ سَاعَـةٍ خَيْـرٌ مِنْ
عِبَـادَةِ سِتِّيـنَ سَنَةٍ"، وفي رواية:"سـَبـْعـِينَ سَنَةٍ"، وعن بعض علماء الفقه
والحديث:"أَلْفَ سَنَةٍ"وعلى كل حال، إن للتفكر درجات ومراتب، ولكل مرتبة نتيجة أو
نتائج، وسوف نتناول بعضها. الأول: هو التفكر في الحق تعالى، وأسمائه وصفاته وكمالاته.
ونتيجة ذلك هو العلم بوجوده وبأنواع تجلياته، التي منها الأعيان الواقعية والمظاهر
الخارجية. وهذا أفضل مراتب التفكر، وأع لى مراتب العلوم، وأتقن مراتب البرهان. إذ أن
الانتباه إلى ذات العلة، والتفكر في السبب المطلق، يدفع بالإنسان إلى العلم به وبالمسبَّبات
والمعلومات. وهذا هو رسم تجليات قلوب الصدّيقين، ولذلك سمي باسم:"برهان
الصديقين". فالصدّيقون بمشاهدة الذات يشهدون الأسماء والصفات، وفي مرآة الأسماء،
يشهدون الأعيان والمظاهر. وما تسمية هذا القسم من البرهان باسم"برهان الصدّيقين"إلاّ
لأن الصدّيق إذا أراد أن يظهر مشاهداته في صورة برهان، وأن يضع ما وجده ذوقاً وشهوداً
في قالب الألفاظ، لكان هكذا. ولا يعني هذا الاسم أن كل من استدل بهذا البرهان على
ذات الله وتجلياته كان من الصديقين، ولا أن معارف الصدّيقين هي من نسخ البراهين، فإن
لهم براهين خاصة وهيهات أن تكون علومهم من جنس التفكر، أو أن تكون ثمّة مشابهة
بين مشاهداتهم وبين البرهان ومقدّماته. فما دام القلب في حجاب البرهان، وخطوته هي
خطوة لتفكر، لا يكون قد وصل إلى أول مراتب الصدّيقين. وإذا ما خرج من حجاب
العلم والبرهان السميك، فلا علاقة له بالتفكر، بل يفوز في آخر الأمر ومنتهى السلوك
بمشاهدة جمال الجميل المطلق، من دون واسطة البرهان، وحتى من دون واسطة أي كائن،
ويذوق اللذة الدائمة السرمدية، ويتحرر من الدنيا وما [224] فيها، ويبقى في الفناء التام
تحت قباب الكبرياء، ولا يبقى منه اسم ولا رسم ويصبح مجهولاً مطلقاً، إلا إذا شملته العناية
الإلهية وأرجعته إلى مملكته وممالك الوجود على قدر سعة وجود عينه الثابتة، ويتم له في هذا
الرجوع كشف سبحات الجمال والجلال، ويشهد في مرآة الذات الأسماء والصفات، ومنها
يفوز بمشاهدة عينه الثابتة وكل ما هو تحت ظل حمايته، وتتكشف كيفية سلوك المظاهر
والرجوع إلى الظاهر، على قلبه، ثم يتشرف برداء النبوة. إذ في هذا المقام يظهر اختلاف
مقامات الأنبياء والرسل، وتنكشف لهم في هذا المق ام سعة دائرة الرسالة أو ضيقها
والمبعوث منه والمبعوث إليه. إن الإسهاب في المقال بهذا الشأن لا يتناسب مع هذه
الأوراق، حتى أننا تغاضينا عن برهان الصدّيقين أيضاً لأن له مقدمات يطول شرحها هنا.
تتميم في بيان التفكر الممنوع والمرغوب في ذات الحق لابُدَّ أن نعرف أن قولنا:"التفكر في
الذات والأسماء والصفات"قد يحمل الجاهل على الظنّ بأن التفكر في ذات الله ممنوع بحسب
الروايات، دون أن يعلم أن التفكر الممنوع هو التفكر في اكتناه الذات وكيفيتها، حسب ما
يستفاد من الأحاديث الشريفة ("تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا
قدره""المحجة البيضاء "ج 8 ص 193 ). وقد يـُمنع غير المؤهل، من النظر في بعض
المعارف ذات المقدمات الدقيقة. وهذان المقامان يتفق بشأنهما الحكماء أيضاً. إلاَّ أن
استحالة اكتناه الذات الإلهية مبرهنة في كتبهم، ومنع التفكر فيها مسلّم به عند الجميع. أم ا
شرائط الدخول في هذه العلوم، ومنع تعليم غير المؤهل، فمذكورة في كتبهم، ووصاياهم في
خصوص شرائط الدخول ومسطورة في أوائل كتبهم أو أواخرها، كما فعل إماما الفن
وفيلسوفا الإسلام العظيمان،"الشيخ ابن سينا"في آخر"الإشارات"(الإشارات
والتنبيهات"ج 3، ص 419 ط. الحيدري طهران. ) و"صدر المتألهين"في
آخر"الأسفار"("الأسفار الأربعة ج 1، ص 10 (دار المعارف الإسلامية ) ) حيث أوردا
وصاياهما [225] البليغة في ذلك ( فراجع )( الكتابين المذكورين ) . أما النظر في ذات
الله لغرض إثبات وجوده وتوحيده وتنزيهه و تقديسه، فهو الغاية من إرسال الأنبياء
والمقصد لآمال العرفاء. والقرآن الكريم والأحاديث الشريفة مشحونة بالأخبار حول العلم
بذات الله وكمالاته وأسمائه. وكتب الأخبار المعتبرة، مثل"الكافي"و"توحيد"الشيخ
الصدوق، تتعمق في إثبات ذات الله وأسمائه وصفاته. والفرق بين المأثورات عن الأنبياء
وكتب ا لحكماء إنما هو في الاصطلاحات والإِيجاز والتفصيل فقط، مثلما أن الفرق بين
الفقه والأخبار الخاصة بالفقه هو الاصطلاحات والإيجاز والتفصيل أيضاً، لا في المعنى. لكن
المصيبة في أن هناك بعض الجهلاء في لباس أهل العلم الغير عارفين بالكتاب والسنَّة
والجاهلين بهما، ظهروا في القرون الأخيرة، من دون أية رؤية صحيحة أو اعتماد على
معيار صحيح أو معرفة بالكتاب والسنة، وجعلوا جهلهم وحده دليلاً على بطلان العلم
بالمبدأ والمعاد، ولكي يروجوا بضاعتهم حرّموا النظر في المعارف التي هي غاية ما يقصده
الأنبياء والأولياء سلام الله عليهم، والتي امتلأ بها كتاب الله وأخبار أهل البيت عليهم
السلام وراحوا يرمون أهل المعرفة بكل شتيمة واتهام، وسبّبوا انحراف قلوب عباد الله عن
العلم بالمبدأ والمعاد، وكانوا سبباً في تفريق الكلمة وتشتيت شمل المسلمين. ولو سأل سائل:
لِمَ كل هذا التكفير والتفسيق؟ لتشبث ال مجيب بالحديث القائل:"لا تـَتـَفـَكـّرُوا في
ذاتِ اللهِ". إن هذا الجاهل المسكين مخطئ وجاهل من جهتين: الأولى: أنه ظن أن الحكماء
يقومون بالتفكر في ذات الله، مع أنهم يرون أن التفكر في ذات الله واكتناهها ممتنع، وهذا
من المسائل المبرهن عليها في هذا العلم. والثاني: إنه لم يفهم معنى الحديث، فظن أنه لا
يجوز التفوّه بأي شيءٍ عن ذات الله المقدسة مطلقاً. إننا سنذكر بعض الأحاديث ونجمع
بينها وبين ما في نظرنا القاصر، ونجعل الإنصاف هو الحكم، على الرغم من أن هذا يخرج
قليلاً [226] عن موضوعنا، ولكن لعل فيه بعض الضرورة لرفع الشبهة وإبطال الباطل.
الكافي بإسناده عن أبي بصير: قال أبو جعفر عليه السلام:"تَكَلَّمُوا في خَلْقِ اللهِ وَلا
تَتَكَلَّمُوا فِي اللهِ فَإِنَ الكَلامَ في اللهِ لا يَزْدادُ صاحِبَهُ إلاّ تَحَيُّراً"( أصول الكافي، المجلد
الأول، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكل ام في الكيفية، ح1 ). يدل هذا الحديث بذاته
على أن المراد هو التكلم في اكتناه ذات الله وكيفيته ومحاولة تعليله. وإلاّ فإن الكلام في
إثبات ذاته تعالى وسائر كمالاته وتوحيده وتنزيهه لا يوجب التحيّر. ولعل النهي موجّه إلى
الذين يكون التكلم حتى في هذه الأمور موجباً لحيرتهم. وقد احتمل المرحوم المحدّث
المجلسي رحمه الله هذيـن الاحتمالين، اللذين قربناهما، من دون تعليق، ولكن قوّى
الاحتمال الأول. وفي رواية أخرى عـن حريـز:"تـَكـَلـَّمـُوا فـِي كـُلِّ شَيءٍ
وَلا تَتَكَلَّمُوا في ذاتِ اللهِ"( أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النهي عن
الكلام في الكيفية، ح 1 و ح 7.) وهناك روايات أخرى بهذا المضمون أو قريبة منه، مما
لا نجد ضرورة لذكرها. وفي"الكافي"عن أبي جعفر (محمد الباقر) عليه السلام قال:"إِيَّاكُمْ
وَالتَّفَكُّرَ فِي اللهِ وَلَكِنْ إِذا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْظُروا إلى عَظَمَتِهِ، فَاْنْظُرُوا إِلى عَظيمِ خَلْقِهِ"( أصول
الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفية، ح 1و ح 7) .
الظاهر أن هذا الحديث أيضاً يشير إلى التفكر في كنه ذات الله، لأنه يقول في نهايته:"إذا
أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه". أي استدلوا من عظمة المخلوق على
عظمة الخالق عزَّ وجلَّ. ويكون هذا على سبيل المثال لمختلف طبقات الناس الذين يمر
طريق معرفتهم من خلال المخلوق. هذه الأحاديث وأمثالها التي تنهى عن التكلم في ذات
الله والتفكر فيه هي نفسها دليل على ما نقصده. والحديث الذي يوضح هذا الأمر هو
الحديث الشريف في"الكافي"في باب التفكر. عن أبي عبد الله ( جعفر ) الصادق عليه
السلام قال:"أَفْضَلُ العِبَادَةِ إدْمَانُ التَّفَكُّرِ فِي اللهِ وَفِي قدرَتِهِ"( أصول الكافي، المجلد الثاني،
كتاب الإيمان والكفر، باب التفكر، ح3 ). [227] وفي حديث آخر في"الكافي": سئل
علي بن الحسين ( عليهما السلام ) عن التوحيد، فقال: "إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ
فِي آخرِ الزَّمَانِ أقْوامٌ متعمقون فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ]، والآياتِ مِنْ سُورةَ
الحَديدِ إِلى قَوْلِهِ:{وَهُو عَليمٌ بِذاتِ الصُّدورِ} فَمَنْ رامَ وَراءَ ذلك فَقَدْ هَلَكَ"( أصول
الكافي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النسبة، ح 3 ). إذاً، يتضح أن هذه الآيات التي
تشير إلى التوحيد، وتنزيه الله، والبعث، ورجوع الكائنات [ إلى الله ] نزلت للمتعمقين
وأهل التفكير العميق. فهل مع كل هذا يمكن القول إن التفكر في ذات الله حرام؟ أي
حكيم أو عارف جاء بمعارف أكثر مما جاء في أول (سورة الحديد)؟ إن منتهى معرفتهم هو
الوصول إلى قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }. هل هناك أفضل بياناً
في وصف الله تعا لى وتجلّى ذاته المقدسة من الآية الشريفة: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ
وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(الحديد3). أقسم بحياة الحبيب أنه لو لم تكن لبيان حقيّة
كتاب الله الكريم غير هذه الآية الشريفة لكفت ذوي القلوب. ارجعوا قليلاً إلى كتاب الله،
وإلى خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبار خلفائه المعصومين سلام الله
عليهم، وقارنوا لتروا مَن مِن الحكماء والعارفين جاء ببيانات أجلى وأوضح مما جاء بها
أولئك في كل موضوع من مواضيع المعارف؟ إن أقوالهم مشحونة بوصف الحق والاستدلال
على ذات الله وصفاته المقدسة، بحيث أن كل طائفة تحظى على قدر سعتها وإدراكها. إذاً،
يتضح من مجموع هذه الأخبار أن التفكر في ذات الله ممنوع إذا كان ذلك في مرتبة التفكر
في كنه ذات الله وكيفيته. كما جاء في حديث"الكافي":"مـَنْ نَظَرَ فِي اللهِ كَيْفَ هُوَ،
هَلَكَ"( أصول الكاف ي، المجلد الأول، كتاب التوحيد، باب النسبة، ح 3)،أو أن الجمع
بين الأخبار الناهية والآمرة يستدعي منع فريق من الناس الذين لا تطيق قلوبهم الاستماع
إلى البرهان وليس لهم [228] الاستعداد للدخول في مثل هذه البحوث. والدليل على
هذا الجمع موجود في الأخبار نفسها. أما الذين لهم الاستعداد والأهلية، فيكون من الراجح
لهم التفكر، بل هو أفضل من جميع العبادات. على كل حال، لقد خرجنا كليّـاً عن
المقصد. ولكن لم يكن لنا مناص من أن نتعرض لهذا الرأي الفاسد والتهمة التي لا ترضي
الحق، والمتداولة في هذا الزمان على الألسنة، لعل ذلك يُحدث بعض التأثير في قلوب
بعضهم. ولو تم تأثير هذا القول في قلب شخص واحد لكفاني. والحمد لله وإليه المشتكي.
فصل في التفكر في المصنوع ومن مراتب التفكر، التفكر في روائع الصنع واتقانه ودقائق
الخلق، بما يتناسب وقدرة الإنسان من طاقة للتفكر. ونتيجة هذا التفكر هي مع رفة المبدأ
الكامل والصانع الحكيم، وهذا على العكس من"برهان الصدّيقين". إذ أن مبدأ البرهان في
ذاك المقام هو الحق تعالى عزَّ اسمه، ومنه يحصل العلم بالتجلّيات والمظاهر والآيات. وأما في
هذا المقام فمبدأ البرهان هو "المخلوقات التي عن طريقها يتم العلم بالمبدأ والصانع". وهذا
البرهان يكون للعامة من الناس الذين لاحظّ لهم من برهان الصدّيقين. ولهذا، قد ينكر
الكثيرون أن يصبح التفكر في الحق مبدأ العلم به، وأن يؤدي العلم بالمبدأ إلى العلم
بالمخلوق. وملخّص الكلام، أن التفكر في لطائف الصنعة ودقائقها وفي اتقان نظام الخليقة،
من العلوم النافعة، ومن أفضل الأعمال القلبية، وخير من جميع العبادات، لأن نتيجته أشرف
نتيجة. وعلى الرغم من أن النتيجة الأصلية لجميع العبادات والسرّ الحقيقي لها هو الحصول
على المعرفة. فإن كشف هذا السر والحصول على تلك النتيجة ليسا متيسرين للجميع، بل
إن ل ذلك أهلاً تكون لهم في كل عبادة بذرة لمشاهدة أو لمشاهدات. وعلى أيّ حال أن
الإطلاع على لطائف الصنعة وأسرار الخليقة بحسب الحقيقة والواقع لم يتيسّر للبشر، حتى
الآن. إن [229] أساس الخليقة ونظامها يكون من الدقة والاستحكام ومن الجمال
والكمال في مستوى لو أن الإنسان أمعن النظر في أي كائن مهما كان حقيراً، مستخدماً
كل علومه التي اكتسبها خلال قرون، لما استطاع أن يطلع على نسبة واحد بالألف، من
ذلك، فكيف له أن يتمكن من إدراك النظام الكلي الجميل، ساعياً عن طريق الأفكار
البشرية الجزئية الناقصة، لفهم بدائعه ودقائقه. إننا سنلفت انتباهك إلى إحدى دقائق الخلق
مما هو قريب بعض الشيء من الإِفهام ويعدّ من المحسوسات، (اقرأ الحديث المفصل عن هذا
المجمل). أيها العزيز، انظر وتأمل في العلاقة التي بين هذه الشمس والأرض. وفي المسافة
المعينة بين الأرض والشمس، وحركة الأرض حول نفسها وحول الشم س. تلك الحركة
التي تكون على مدار محدّد فيحصل منها الليل والنهار والفصول. فما أتقنه من صنع وما
أكملها من حكمة؟ ولولا هذا التنظيم، أي لو كانت الشمس أقرب أو أبعد، لما تكوّن في
الأرض - في الحالة الأولى من الحر، وفي الحالة الثانية من البرد - معدن، ونبات، وحيوان.
وكذلك لو توقّفت الأرض عن الحركة، على ما هي عليه من البعد عن الشمس لما كان
الليل أو النهار، ولا كانت الفصول، ولما تكونت الأرض نهائياً أو القسم الأكبر منها. ولا
يقتصر على هذا أيضاً، فإن الأوج، أو أقصى نقطة للأرض عن الشمس، يقع في جهة
الشمال لكيلا تزداد الحرارة فتصاب الكائنات بالضرر. وكذلك الحضيض، أو أقرب نقطة
بين الشمس والأرض، يقع في جهة الجنوب، لكيلا يصاب أهل الأرض بضرر. ولا يكتفي
بهذا أيضا، فالقمر المؤثر في تربية موجودات الأرض، يعاكس الأرض في سيرها، بحيث
عندما تكون الشمس في شمال الأرض، يكون القمر في جن وبها، والعكس بالعكس، إذا
كان هذا في الشمال، كانت تلك في الجنوب، وذلك لانتفاع سكان الأرض منهما. هذه
كلها من الأمور الضرورية المحسوسة. غير أن الإحاطة ببدائع النظام ودقائقه لا تكون إلا
للخالق الذي يحيط علمه بكل شيء. ولكن لِمَ ابتعدنا كل هذا البعد؟ فليفكّر المرء في خلقه
هو، على قدر طاقته وسعة علمه: أولاً في الحواس الظاهرة التي صنعت وفق المدركات
[230] والمحسوسات، إذ أن لكل مجموعة من المدركات، التي توجد في هذا العالم، قوة
مدركة بأدق ما تكون من الدقة والترتيب المحيّرين للعقول. والأمور المعنوية، التي لا تدرك
بالحواس الظاهرة، تدرك على ضوء الحواس الباطنية. دع عنك علم الروح والقوى الروحية
للنفس، مما تقصر مدارك الإِنسان عن فهمها، واتجه بنظرك إلى علم الأبدان وتشريحها
وبنائها الطبيعي، وخصائص كل عضو من الأعضاء الظاهرية والباطنية. انظر ما أغرب هذا
النظام وما أعجب هذا ا لترتيب؟! على الرغم من أن علم البشر لم يبلغ حتى الآن، ولن يبلغ
حتى بعد مائة قرن، إلى معرفة واحد بالألف منه، حسب الاعتراف الصريح بأفصح لسان
من جميع العلماء بعجزهم، مع أن جسم الإنسان بالنسبة إلى كائنات الأرض الأخرى، لا
يزيد على مجرد ذرة تافهة، وأن الأرض وجميع كائناتها، لا تعدل شيئاً إزاء المنظومة
الشمسية، وأن كل منظومتنا الشمسية لا وزن لها إزاء المنظومات الشمسية الأخرى، وأن
كل هذه المنظومات، الكبيرة منها والصغيرة، مبنية وفق ترتيب منظّم، ونظام مرتب، بحيث
أن أيّ نقد لا يمكن أن يوجّه إلى أتفه ذرّة فيها، وأن عقول البشر كافة عاجزة عن فهم
دقيقة من دقائقها. فهل بعد هذا التفكّر يحتاج عقلك إلى دليل آخر ليذعن بأن كائناً عالماً،
حكيماً، لا يشبه الكائنات الأخرى، هو الذي أوجد هذه الكائنات بكل حكمة ونظام
وترتيب واتقان؟ {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } (إبراهيم/ 10). إن كل
هذا الخلق المتقن الذي يعجز عقل الإنسان عن فهمه، لم يظهر عبثاً وتلقائياً! فلتعمَ عين
القلب التي لا ترى الله، ولا تشاهد جمال جميله في هذه المخلوقات! وليمحق الذي يبقى في
الشك والتردد بعد كل هذه الآيات والآثار؟ ولكن ما الذي يستطيع هذا الإنسان المسكين
عمله بالأوهام؟. لو أنك عرضت مسبحتك وزعمت أن حبّاتها قد انتظمت تلقائياً من دون
أن ينظمها منظم، لاستهزأت بك البشرية. والأدهى من ذلك أنك لو أخرجت ساعتك
[231] من جيبك وزعمت نفس الزعم أيضاً بالنسبة إليها، ألا يخرجونك من زمرة
العقلاء؟ وألا يرميك كل عقلاء العالم بالجنون؟ فإذا وُصِفَ الذي يُخْرِجُ نظام هذه الساعة
من قاعدة العلة والمعلول، بأنه مجنون ويجب أن يحرم من حقوق العقلاء فما الوصف
المناسب الذي يجب أن يوصف به من يزعم أن نظام هذا العالم، لا بل هذا الإنسان ونظام
روحه وجسمه قد ظهر تلقائياً؟ هل يجب إ بقاؤه في زمرة العقلاء؟ ترى أي بله أشد من
هذا؟. {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}(عبس17). فصل في التفكر في أحوال النفس من
درجات التفكر أيضاً التفكر في أحوال النفس يؤدي إلى نتائج كثيرة ومعارف عديدة. وإننا
سنلقي نظرة على نتيجتين اثنتين: الأولى: العلم بيوم المعاد. والثانية: العلم بإرسال الرسل
وإنزال الكتب، أي النبوة العامة، والشرائع الحقة. إن من حالات النفس هو تجرّدها، وهي
حالة لم يُولِ الحكماء العظام أهمية لأية مسألة حكمية فلسفية أخرى مثلما أَوْلُوا هذه
المسألة وأثبتوها بالأدلة والبراهين. ولكننا لسنا الآن في صدد إثبات تجرد النفس بصورة
مفصلة، وإنما نكتفي ببعض الأدلة التي لا تستعصي مبادئها على الفهم، للوصول إلى
المقصود. فنقول: يجمع الأطباء وعلماء الأبدان، وفي ظل التجارب، على أن جميع أعضاء
الجسم، من أم الدماغ التـي هي مركز الإدراكات ومحل ظهور قوى النفس، وحتى آخر
أجزائه الصلبة، تبدأ، من سن الخامسة والثلاثين، أو الثلاثين فما فوق، بالانحدار نحو
الانحطاط والنقصان، والاقتراب من الضعف والانحلال. ولقد جربنا بأنفسنا أيضاً كيف
يبدو الضعف في القوى كلها. ولكن في هذه الفترة نفسها، أي من سن الثلاثين أو
الأربعين فما فوق، تزداد القوى الروحية والإدراكات العقلية كمالاً ورقياً وسداداً. ويتضح
من هذا أن القوى العقلية ليست جسمانية، إذ لو كانت [232] جسمانية لانحدرت، مثل
سائر قوى الجسم، نحو الضعف والوهن. كما لا يمكن القول بأن القوى العقلية تزداد قوة
بكثرة أعمال القوة الفكرية وحصول التجربة، إذ أن القوى الجسمانية ينتابها التعب
والانحلال، لا القوة والكمال، نتيجة لكثرة العمل وبذل الجهد. وهذا بذاته دليل على أن
القوى العقلية ليست جسمية ولا من آثار الجسم. والاعتراض على هذا الكلام بضعف
القوى الفكرية أيام الكهولة، كالضعف الجسماني، لا محل له، وذلك لأنه: أولاً: ليست
هناك قوة جسمانية تنمو وتشتد حتى سن الكهولة بحيث يمكن أن نقول بأن الموضع الفلاني
من الجسم هو موضع الإِدراكات العقلية وأنه كان يشتد ويزداد قوة حتى سن الكهولة،
والآن بعد أن ضعف هذا الموضع ضعفت بضعفه القوة الفكرية أيضاً. ثانياً: هل إن هذا
الضعف في الكهولة يعود إلى الفكر كقوة حالّة في الجسم، أم أن الفكر يحتاج إلى قوة
جسمانية فعند وهن الجسم - محل الفكر - لا يؤدي دور الفكر؟ هذا كله بالنسبة إلى القوة
الفكرية. وأما الإدراكات المحضة والملكات الفاضلة في فترة الكهولة تكون أقوى أيضاً مما
كانت عليه من قبل، حتى وإن قل ظهورها أو إظهارها. وعلى كل حال، يكفي لإثبات
دعوانا تجرد النفس ما قلناه من قوة الإدراك في سنّ الأربعين أو الخمسين مع أن
الجسم ينحدر نحو الوهن والضعف. وأما الإجابة على الاعتراض والنقض فهو أن النفس لمَّا
تستجمع قواها من مُلك الب دن، وتعود القوى إلى باطن ذاتها، كلما كانت القوى أقرب
إلى عالم الجسم والجسماني، كلما كان أسرع إلى الضعف والكلال، وكلما كانت أبعد
كانت أبطأ في الإصابة بالضعف. أما القوى التي تنتمي إلى عالم التجرد والملكوت فتقوى
وتزداد شدّة عندما يزداد عمر الإنسان. وهذا دليل على أن النفس ليست جسماً ولا هي
قوة جسمانية. وأيضاً أن خصائص النفس وآثارها وأفعالها على النقيض من خصائص
الأجسام وآثارها وأفعالها بصورة مطلقة. وهذا دليل على أن النفس ليست جسماً. فمثلاً،
نحن نعلم أن الجسم لا يتقبل بالضرورة سوى صورة واحدة، وإذا [233] أريد إعطاؤه
صورة أخرى كان لا بُدَّ للصورة الأولى أن تفارقه لكي يمكنه تقبل الصورة الثانية. فإذا
رسمت مثلاً، صورة على صفحة الورق، لا يمكن رسم صورة أخرى مكانها إلاّ إذا أزيلت
الصورة الأولى تماماً. وهذا الحكم يجري في جميع الأجسام بالضرورة العقلية. أما النفس
فتختلف تم اماً، ففي الوقت الذي تكون هناك صورة مرسومة فيها، يمكن رسم صورة
أخرى مضادة لها من دون زوال الصورة الأولى. وأيضاً إن الجسم ترتسم فيه الصور
المتـناهية. أما في النفس فترتسم الصور غير المتناهية. ولهذا فهي تحكم على الأمور غير
المتناهية. وأيضاً أن الجسم الذي تزول منه الصورة، لا تعود إليه من دون استئناف السبب،
ولكن النفس إذا غابت عنها بعض الصور عادت إليها من دون سبب خارجي. إذاً، يتبين
أن النفس تضاد جميع الأجسام في خصائصها وآثارها وأفعالها. أي أن النفس مجردة وليست
من سنخ الأجسام والجسمانيات، والمجردات لا تفسد، كما هو مبرهن عليه في محله. وذلك
لأن الفساد لا يكون من دون مادة قابلة للفساد، والمجردات منزهة عن مادة قابلة للفساد. إذ
أن ذلك من لوازم الأجسام. إذاً، لا تفسد النفس. ومن هنا يستنتج أن النفس لا تفسد
بفساد البدن وبمفارقتها له، بل تبقى في عالم آخر، ولا تفنى. وهذا هو المعاد الروحي
للنفوس والأرواح قبل يوم القيامة إلى أن يشاء الله لها أن تعود إلى الأبدان. إننا الآن في صدد
إثبات المعاد المطلق في قبال المنكر المطلق وقد اتضحت الفكرة من خلال هذه المقدمات. ولا
بُدَّ أن نعرف أن النفوس صحّة ومرضاً، وصلاحاً وفساداً، وسعادة و شقاء، وأن إدراك
طرقها ودقائق مصالحها ومفاسدها لا يتسنّى لأحد سوى ذات الله المقدسة. لذلك ففي
النظام الأتم - الذي هو أحسن نظام، وقد تبين من قبل أن منظِّمة حكيم على الإطلاق
ومحيط بكل شيء - لا يمكن أن يهمل بيان طرق السعادة والشقاء، والطرق الهادية إلى
الصلاح والفساد، وطرق علاج النفوس، إذ أن مثل هذا الإهمال يقتضي النقص في العلم
أو النقص في القدرة، أو الظلم [234] والبخل من دون سبب. ولقد تبيّن أن ذات الله
المقدسة منزهة عن كل ذلك، فهو الكامل على الإِطلاق والمفيض على الإطلاق، وأن
إهمال بيان الطرق الموصلة إلى السعاد ة والشقاء يعدّ خللاً كبيراً في الحكمة، ويبعث على
الفساد والاختلال في النظام والحكم. إذاً، أصبح من اللازم بيان طرق السعادة والهداية في
النظام الأتم. وقد حصلت من هذا نتيجتان واضحتان: الأولى: هي أن الشريعة - وهي
الوصفة الخاصة بإصلاح الأمراض النفسية - لا توجد إلاّ عند ذات الحق المقدس. والثانية:
هي أن الله تعالى يعلنها - الشريعة - حتماً. ومعلوم أن مثل هذا الهدف العظيم، وهذا العلم
الكامل الدقيق الذي يعجز عن إدراكه أعقل العقلاء، الذي يربط بين المُلك والملكوت وتأثير
الصور الملكية في باطن النفس، لا يقع لأحد إلاّ عن طريق الوحي والإِلهام. أي يجب أن
يكون تعليمه من جانب الحق تعالى. وبديهي، أن جميع أفراد البشر ليسوا خليقين بمثل هذه
الهبة، وليست لهم القابلية والقدرة على القيام بمثل هذه المهمة. ولكن يظهر خلال بضعة
قرون من يكون جديراً بالاضطلاع بمثل هذا الواجب وتحقيق مثل هذا الهدف العظيم،
فيبعثه الحق تعالى ليبيّن للناس الطريق إلى السعادة والطريق إلى الشقاء، ليعلم الناس كيف
يصلحون أنفسهم. وهذه هي النبوة العامة. ولمّا انتهى بنا الحديث إلى هنا، خطر لي أن
أشير استطراداً إلى موضوع أراه من البديهيات. وهو أننا وبعد أن علمنا ضرورة وجود
شريعة إلهية لبني البشر، ولزوم رجوعنا إلى الشرائع السائدة بين الناس، وهي على الأغلب
الشرائع الإِلهية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإِسلام، نرى بأن الشريعة الإسلامية هي أكمل
من الشرائع الأخرى في أبعادها الثلاثة، التي هي أساس الشرائع ومدار التـشريع، -
أحدها ما يعود إلى العقائد الحقة، والمعارف الإِلهية وتوصيف الحق وتنزيهه. وكيفية ذلك.
والعلم بالملائكة وتوصيف الأنبياء ( عليهم السلام ) وتنزيههم، مما هو أصل الشريعة
[235] وأساسها. وثانيها ما يعود إلى الخصال الحميدة والأخلاق الفاضلة وإصلاح
النفس. وثالثها هو جانب الأعمال الفردية والاجتماعية والسياسية والمدنية وغير ذلك -
بل إن كل ناظر منصف وغير مغرض في هدفه يدرك أن الإِسلام أرقى من أن يقارن بدين
آخر، وأن الحياة البشرية لم تشهد قانوناً ولا شريعة بهذا الإتقان بحيث تكون تامة وكاملة
في جميع مراحل الحياتين الدنيوية والأخروية. وهذا بذاته خير دليل على أحقية الإسلام
وصدقه. وعليه، وبعد إثبات النبوة العامة، وأن الله قد شرع لبني البشر شريعة، وبيّن لهم
طريق الهداية، ووضعهم ضمن إطار نظم ونظام، لم يعد إثبات أحقية الدين الإسلامي
بحاجة إلى مقدمات أبداً، سوى التمعن فيه ومقارنته بسائر الأديان والشرائع في جميع
المراحل التي يمكن تصورها، ابتداء من حاجة الإِنسان إلى الملكات الحقّة والمعارف
النفسانية، وحتى بلوغ الواجبات النوعية الفردية والاجتماعية. وهذا معنى من معاني
الحديث الشريف:"الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى عليه"(وسائل الش يعة، المجلد 17، كتاب
الفرائض والمواريث، ح 32365) إذ كلما ازداد العقل البشري تقدماً وتطوراً في مدركاته
وتمعّنا في حجج الإسلام وبراهينه، ازداد خضوعاً لنور هدايته، وقوّة أمام الحجج فلا تظهر
حجة ودليل في العالم ضد الإسلام إلاّ وينتصر عليه. والمستخلص من أدلتنا على إثبات نبوة
خاتم النبيين صلّى الله عليه وآله وسلم هو أنه لمَّا كان اتقان خلق الكائنات وحسن تربيتها
وتنظيمها دليلاً يهدينا إلى الاعتراف بوجود الخالق والمنظِّم الذي يحيط علمه بكل الدقائق
واللطائف والجلائل، كذلك يهدينا إتقان أحكام شريعة وحسن نظامها وتربيتها الكامل
وكونها تتكفل بكل الحاجات المعنوية والمادية، الدنيوية والأخروية، الفدية والاجتماعية،
إلى أن مشرّعها ومنظمها عالم محيط بجميع حاجات العائلة البشرية. وكما أن العقل يهدينا
إلى أن عقل ذلك الإنسان، الذي كتب تاريخه جميع المؤرخين من مختلف الأمم قائلين إن ه
كان أمياً وعاش في محيط خال من الكمالات والمعارف، لا يمكن أن يكون قادراً على
وضع مثل هذا الترتيب الكامل والنظام التام بنفسه. كذلك ندرك بالضرورة أن هذه
الشريعة قد شرعت في الغيب وفيما وراء الطبيعة، [236] ونزلت عن طريق الوحي
والإلهام على ذلك الإنسان العظيم. والحمد لله على وضوح الحجة. كنت ناوياً الإشارة
إلى نوع آخر من أنواع التفكر، وهو التفكر في عالم المُلك الذي تكون نتيجته الزهد.
ولكن عنان القلم في المقالات السابقة قد أفلت من يدي، فشرحت ذلك بصورة مطولة،
أدّت إلى الخروج عن الموضوع ولهذا غضضت الطرف عنه. فصل في فضيلة صلاة الليل
بقي علينا شرح جملتين أخريتين من الحديث الشريف حيث يقول صلوات الله عليه"جافِ
عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ وَاتَّقِ اللهَ رَبَّـكَ". في هذا الكلام المبارك يقرن الإمام عليه السلام
الأعمال القلبية والتفكر المنبّه، وتقوى الله تعالى، بإحياء اللي ل ومجافاة الفراش من أجل
العبادات. وهذا دليل على كمال صلاة الليل وفضيلتها وأهميتها. كما أن الأحاديث
الشريفة تمجد هذا العمل الشريف كثيراً. ويُستدل من سيرة أئمة الهدى عليهم السلام
والمشايخ العـظام والعلماء الأعلام أنهم كانوا مثابرين على أدائها. بل كانوا يحرصون
على اليقظة في الهزيع الأخير من الليل، بصرف النظر عن التعبد فيه. لقد جاء في
كتاب"وسائل الشيعة"- الذي يعتبر من أعظم كتب الإمامية، ومدار المذهب ومرجع
العلماء والفقهاء - واحد وأربعون حديثاً في فضلها، والعديد من الأحاديث في كراهية
تركها. وفضلاً عن ذلك يشير إلى السابقات واللاحقات من الأحاديث في شأنها.
وهناك، بالطبع، أحاديث كثيرة جداً في كتب الأدعية وغيرها، ولكننا، من أجل التيمن
والتبرك نورد بعضاً منها: "عـَنِ الكافِي بإسْنَادِه عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ عَمّارِ قَالَ: سَمِعْتُ أبا
عَبْد اللهِ عليه السّلام يَق ُولُ: كانَ فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ صلَّى اله عليه وآله وسلم لِعَليٍّ
قوله: يا عَلِيُّ! أوصيكَ في نَفْسِكَ بِخِصالٍ فَاحْفَظْهَا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ أَعِنْهُ... إلى أنْ قالَ:
وَعَلَيْكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ [237] وَعَلَيْكَ بِصَلاةِ اللَّيْلِ وَعَلَيْكَ بِصَلاةِ اللَّيْل"( وسائل
الشيعة، المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب بقية الصلوات المندوبة،ح1) يتبيّن من صدر
هذا الحديث وذيله ما لصلاة الليل من أهمية. "وعـَنِ الخِصالِ بِإسْنادِهِ عَنْ أبي عَبْدِ اللهِ
عليه السَّلام قالَ: قالَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لِجَبْرَئيلَ: عِظْنِي، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ
عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وأحْبِبْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفارِقُهُ، وَاعْمَلْ ما شِئْتَ فَإنَّكَ
مُلاقِيهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفِ المُؤْمِنِ قيامُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزُّهُ كَفُّهُ عَنْ أَعْراضِ النّ َاسِ"(وسائل
الشيعة،المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب الصلوات المندوبة، ح3) . إن تخصيص
الموعظة المقدسة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بهذا الأمر ليدل أيضاً على أهميته
البالغة. ولو كان جبرائيل الأمين يرى أهمية أكبر لأجر آخر لكان قدّمه في هذا المقام: وفي
المجالس بإسْنادِه عَنْ ابْنِ عَبّاس قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلم في
حَدِيثٍ:"فَمَنْ رُزِقَ صَلاةَ اللَّيْلِ مِنْ عَبْدِ أوْ أمَةٍ قامَ للهِ مُخْلِصاً فَتَوضَّـأ وضُوءاً سابِغاً
وصَلّى لله عَزّ وجلّ بِنِيَّةٍ صادِقة وقَلْبٍ سَليم [ وَبَدَنٍ خاشِعٍ ] وَعَيْنٍ دامِعَة جَعَلَ اللهُ
تَعَالَى خَلْفَهُ سَبْعَةَ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ فِي كُلِّ صَفِّ ما لا يُحْصَى عَدَدَهُمْ إلاّ اللهُ أحَدُ
طَرَفَيْ كُلِّ صَفٍّ بِالمَشْرِقِ وَالآخَرُ بِالمَغْرِبِ، فَإذا فَرَغَ، كَتَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِعَدَدِهِمْ
دَرَجاتٍ"( المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب بقية الصلوات المندوبة، ح 29 و ح 31
و ح 30) وَعَنِ العِلَل بِإسْنادِه إلى أَنسٍ قالَ:"سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وآله
وسلم يَقُولُ: الرَّكْعَتانِ في جَوْفِ اللَّيْل أحَبُّ إليّ مِنَ الدُّنْيا وَما فِيها"( المجلد الخامس،
الباب 39، من أبواب بقية الصلوات المندوبة، ح 29 و ح 31 و ح 30 ) وثمة أحاديث
كثيرة أشير فيها إلى صلاة الليل هي شرف المؤمن، وزينة الآخرة، مثلما أن المال والبنين
زينة الحياة الدنيا. وَعَنِ العِلَلِ بِإسْنادِه إِلى جَابِرِ بْنْ عَبْدِ اللهِ الأنْصارِيِّ قالَ:"سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلم يقولُ: مَا اتَّخَذَ اللهُ إبْراهيمَ خَليلاً إِلاّ لإطْعامِ
الطَّعامِ وَالصَّلاةِ بِاللَّيْلِ وَالنّاسُ نِيامٌ"( المجلد الخامس، الباب 39، من أبواب بقية الصلوات
المندوبة، ح 29 و ح 31 و ح 30). [238] ولو لم تكن لصلاة الليل سوى تلك
الفضيلة لأهلها لكفتها، ولكنهم ليسوا بأمثالي. إننا لا نعلم شيئاً عن عظمة رداء الخَلّة وما
يعني مقام اتخاذ الله تعالى العبد حبيباً وخليلاً. فكل العقول تعجز عن تصور ذلك. فلو
أنهم أكرموا الخليل بكل ما في الجنة من نعم، فإنه لا يلتفت إليها ( ما دام مع خليله ).
وأنت أيضاً إذا كان لك محبوب عزيز، أو كان لك صديق حميم ودخل عليك، فإنك تترك
كل نعمة ورفاه، وتستغني عن ذلك بجمال المحبوب ولقاء الصديق، بالرغم من أن هذا المثل
بعيد عن المقام بعد المشرقين. وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ إبْرَاهيمَ بِإسْنادِهِ عَنْ أبي عَبْدِ اللهِ عليه السَّلام
قالَ:"ما مِنْ عَمَلِ حَسَنٍ يَعْمَلَه العَبْدُ إلاّ وَلَهُ ثَوابٌ فِي القُرْآنِ إلاّ صَلاةَ اللَّيْلِ فَإنَّ الله لَمْ
يُبّيِّنْ ثَوابَها لِعَظِيم خَطَرِهَا عِنْدَهُ فـَقال"تَتَجافى جُنوبُهُ م عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعونَ رَبَّهُمْ
خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون * فـَلا تـَعْلـَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلونَ"( وسائل الشيعة، المجلد الخامس، الباب 40، من أبواب بقية
الصلوات المندوبة، ح13) ترى ما قرة العين هذه التي يدخرها الله ويخفيها حتى لا يعلم
أحد عنها شيئاً، وما يمكن أن تكون؟ فلو كانت من قبيل"أنهار جارية"و"قصور
عالية"ومن نِعم الجنة المختلفة، لذكرها الله، مثلما بيّن ما للأعمال الأخرى وأطلع الملائكة
عليها. ولكن يبدو أنها ليست من ذلك السنخ، وأنها أعظم من أن ينوّه بها لأحد،
وخصوصاً لأحد من أهل هذه الدنيا. إنه لا تقارن نِعم ذلك العالم بالنعم هنا، ولا تظنن
أن الفردوس والجنان تشبه بساتين الدنيا، أو ربما أوسع وأبهى. هناك دار كرامة الله ودار
ضيافته. فكل هذه الدنيا لا شيء إزاء شعرة وا حدة من الحور العين في الجنة. بل ليست
شيئاً إزاء خيط من خيوط الحلل الفردوسية التي أعدّت لأهل الجنة. ومع كل هذا
الوصف، لم يجعلها الله ثواب من يؤدي صلاة الليل، وإنما ذكرها من باب التعظيم له.
ولكن هيهات! نحن الضعفاء في الإيمان لسنا من أصحاب اليقين، وإلاّ لما كنا نستمر في
غفلتنا، ونعانق النوم حتى الصباح. لو أن يقظة الليل تكشف للإنسان حقيقة الصلاة
وسرّها، لأنس بذكر الله والتفكر في الله، ولجعل الليالي مركوبه للعروج إلى قربه تعالى، ولما
كان ثمّة ثواب له إلا جمال [239] الحق الجميل وحده. الويل لنا نحن الغافلين الذين لا
نستيقظ من النوم حتى آخر العمر. نبقى في سُكر الطبيعة غارقين، بل نزداد كل يوم سكراً
وغفلة، ولا نفهم شيئاً سوى الحالة الحيوانية من مأكل ومشرب ومنكح، ومهما فعلنا، وإن
كان من سنخ العبادات، فإنما نفعله في سبيل البطن والفرج. أتحسب أن صلاة خليل
الرحمن كانت مثل صلاتنا؟ الخليل لم يطلب حاجة حتى من جبرئيل، ونحن نطلب
حاجاتنا من الشيطان نفسه ظناً منا بأنه يقضي الحاجات! ولكن علينا أن لا نيأس. فلعلك
بعد مدة من سهر الليالي والاستئناس بذلك والاعتياد عليه، يلبسك الله بلطفه الخفي خلعة
الرحمة. كما أن عليك ألاّ تغفل عن سرّ العبادة بصورة عامة، ولا تقصر همك على
التجويد في القراءة وتصحيح الظاهر فقط. ولئن لم تـقدر أن تكون خالصاً لله تعالى،
فاسعَ، على الأقل، من أجل قرة العين التي يخفيها الله عزَّ وجلَّ، وتذكر الفقير، العاصي،
الحيواني السيرة الذي اكتفى من كل المراتب، بالحيوانية. وإذا وجدت في نفسك الرغبة،
فقل بخلوص نية: "اللهمّ ارزقني التَّجافِيَ عَنْ دارِ الغُرُورِ، وَالإنابة إلى دارِ الخلودِ،
وَالإسْتِعْدَادِ للموت قبل خُلُولِ الفوت"("مفاتيح الجنان"أعمال ليلة السابع والعشرين من
شهر رمضان) فصل في بيان التقوى اعلم أن التق وى من"الوقاية"بمعنى المحافظة.
وهي في العرف وفي مصطلح الأخبار والأحاديث تعني:"وقاية النفس من عصيان أوامر
الله ونواهيه وما يمنع رضاه"وكثيراً ما عرفت بأنها"حفـظ النفس حفظـاً تاماً عن
الوقوع في المحظورات بترك الشبهات"فقد قيـل:"وَمَنْ أَخَذَ بِالشُّبَهاتِ وَقَعَ فِي
المُحَرَّماتِ وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُ"(أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب فضل العلم،
باب إختلاف الحديث، ح9 ) "فـَمـَنْ رَتَعَ حَوْلَ الحِمى أوشِكَ أَنْ يَقَعَ فيهِ"( وسائل
الشيعة، المجلد 18، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، باب وجوب التوقف
والاحتياط في القضاء و الفتوى،ح39 ). [240] لا بُدَّ أن نعرف أن التقوى، وإن لم
تكن من مدراج الكمال والمقامات، ولكنّه لا يمكن بدونها بلوغ أي مقام، وذلك لأن
النفس ما دامت ملوثة بالمحرمات، لا تكون داخلة في الإنسانية، ولا سالكة طريقها، وما
دامت تميل إلى المشتهيات و اللذائذ النفسية وتستطيب حلاوتها، لن تصل إلى أول مقامات
الكمال الإنساني، وما دام حب الدنيا والتعلق بها في القلب، فلا يمكن أن يصل إلى مقام
المتوسطين والزاهدين، وما دام حب الذات باقياً في دخيلة ذاته. لن ينال مقام المخلصين و
المحبين، وما دامت الكثرة المُلكيّة والملكوتية ظاهرة في قلبه، لن ينال مقام المنجذبين، وما
دامت كثرة الأسماء متجلية في باطنه، لن يصل إلى الفناء الكلي، وما دام القلب يلتفت إلى
المقامات، لن يبلغ مقام كمال الفناء، وما دام هناك تلوين، لن يصل إلى مقام التمكين ولن
تتجلى في سرّه الذاتُ في مقام الاسم الذاتي تجلياً أزلياً وأبدياً. فتقوى العامة إذاً تكون من
المحرمات، وتقوى الخاصة تكون من المشتهيات، وتقوى الزاهدين من حب الدنيا،
والمخلصين من حب الذات، والمنجذبين من كثرة ظهور الأفعال، والفانيـن من كثرة
الأسمـاء، والواصلين من التوجه إلى الفنـاء، والمتمكنن من التلوينات {فَاسْتَقِمْ كَمَا
أُمِرْتَ}(هود/ 112) . ولكل من هذه المراتب شرح وتفصيل لا يحصل لأمثالنا منه
سوى الحيرة والضياع في المصطلحات، والتلفع في حجب المفاهيم، إذ لكل معركة
رجال. والآن نعود إلى بيان نبذة من التقوى المذكورة في بدأ الأمر، لأهميتها للناس
بصورة عامة: فصل في بيان تقوى العامة اعلم أيها العزيز أنه مثلما يكون لهذا الجسد
صحة ومرض، وعلاج ومعالج، فإن للنفس الإنسانية أيضاً صحة ومرضاً، وسقماً
وسلامة، وعلاجاً ومعالجاً. إن صحة النفس وسلامتها هي الاعتدال في طريق
الإنسانية، ومرضها وسقمها هو الاعوجاج والانحراف عن طريق الإنسانية، وإن
الأمراض النفسية أشد فتكاً آلاف [241] المرات من الأمراض الجسمية. وذلك لأن
هذه الأمراض إنّما تصل إلى غايتها بحلول الموت. فما أن يحل الموت، وتفارق الروح
البدن، حتى تزول جميع الأمراض الجسيمة والاختلافات المادية، ولا يبقى أثر للآلام أو
الأسقام في الجسد. ولكنه إذا كان ذا أمراض روحية وأسقام نفسية - لا سمح الله - فإنه
ما أن تفارق الروح البدن، وتتوجه إلى ملكوتها الخاص، حتى تظهر آلامها وأسقامها.
إن مَثَل التوجه إلى الدنيا والتعلق بها، كمثل المخدر الذي يسلب الإنسان شعوره بنفسه.
فعندما يزول ارتباط الروح بدنيا البدن، يرجع إليها الشعور بذاتها، ومن ثَمّ الإحساس
بالآلام والأسقام التي كانت في باطنها، فتظهر مهاجمة لها بعد أن كانت مختفية كالنار تحت
الرماد. وتلك الآلام والأسقام إما أن تكون ملازمة لها (للروح) ولا تزول عنها أبداً، وإما
أن تكون قابلة للزوال. وفي هذه الحال يقتضيها أن تبقى آلاف السنين تحت الضغط
والعناء والنار والاحتراق قبل أن تزول، إذ أن آخر الدواء الكي. قال رسول الله تعالى:{
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ }( التوبة/35
). إن الأنبياء هم بمنزلة الأطباء المشفقين، الذين جاءوا بكل لطف ومحبة لمعالجة
المرضى، بأنواع العلاج المناسب لحالهم، وقاموا بهدايتهم إلى طريق الرشاد."إننا أطبّاء
وتلاميذ الحق"وإن الأعمال الروحية القلبية والظاهرية والبدنية هي بمثابة الدواء للمرض
كما أن التقوى، في كل مرتبة من مراتبها، بمثابة الوقاية من الأمور المضرة للأمراض.
ومن دون الحميّة لا يمكن أن ينفع العلاج، ولا أن يتبدل المرض إلى صحة. قد يغلب
الدواء والطبيعة على المرض في الأمراض الجسيمة حتى مع عدم الحمية جزئياً. وذلك لأن
الطبيعة هي نفسها حافظة للصحة ودواء لها. ولكن الأمر في الأمراض النفسية صعب،
وذلك لأن الطبيعة قد تغلبت على النفس منذ البداية، فتوجهت هذه نحو الفساد والانتكاس
{إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ }(يوسف/ 52 )، وعليه، فإن من [242] يتهاون في
الحمية، تصرعه الأمراض، وتجد مناطق للنفوذ إليه، حتى تقضي على صحته قضاء مبرماً.
إذاً، فالإنسان الراغب في صحة النفس، والمترفق بحاله، إذا تنبه أن وسيلة الخلاص من
العذاب تنحصر في أمرين: الأول: الإتيان بما يصلح النفس ويجعلها سليمة. والآخر، هو
الامتناع عن كل ما يضرها ويؤلمها. ومن المعلوم أن ضرر المحرمات أكثر تأثيراً في النفس
من أي شيءٍ آخر، ولهذا كانت محرّمة، كما أن الواجبات لها أكبر الأثر في مصلحة
الأمور، ولهذا كانت واجبة وأفضل من أي شيء، ومقدمة على كل هدف، وممهدة
للتطور إلى ما هو أحسن. إن الطريق الوحيد إلى المقامات والمدارج الإنسانية يمر عبر
هاتين المرحلتين، بحيث أن من يواظب عليهما يكون من الناجين السعداء، وأهمهما هي
التقوى من المحرمات، وأن أهل السلوك يحسبون هذه المرحلة مقدمة على المرحلة
الأولى، إذ يتضح من الرجوع إلى الأخبار والروايات وخطب"نهج البلاغة"أن
المعصومين عليهم السلام كانوا يعتنون كثيرا بهذه المرحلة. إذاً، أيها العزيز! بعد أن
عرفت بأن المرحلة مهمة جداً. ثابر عليها بدقة، فإذا أنت خطوت الخطوة الأولى
وكانت صحيحة، وبنيت هذا الأساس قوياً، كان هناك أمل بوصولك إلى مقامات
أخرى، وإلاّ امتنع الوصول، وصعبت النجاة. كان شيخنا العارف الجليل يقول: إن
المثابرة على تلاوة آخر آيات سورة الحشر المباركة، من الآية الشريفة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ }(الحشر/ 18 ). إلى آخر السورة المباركة، مع
تدبر معانيها، في تعقيبات الصلوات، وخصوصاً في أواخر الليل حيث يكون القلب فارغ
البال، مؤثرة جداً في إصلاح النفس، وفي الوقاية من شر النفس والشيطان. وكان يوصي
بدوام حال الوضوء، قائلاً: إن الوضوء مثل"بزّة جندي". وعلى كل حال، عليك أن
تطلب من القادر ذي الجلال، من الله المتعال جلّ جلالة، مع التضرع والبكاء والالتماس
كي [243] يوفقك في هذه المرحلة ويعينك في الحصول على خصلة التقوى. واعلم، أن
بدايات الأمر صعبة وشاقة، ولكن بعد فترة من الاستمرار والمثابرة تتحول المشقة إلى
راحة، والعسر إلى يُسر، بل تتبدل إلى لذة روحية، خصوصاً، وأن أصحاب هذه اللذة
لا يستبدلونها بجميع اللذائذ. ويمكن، إن شاء الله، وبعد المواظبة الشديدة والتقوى
التامة، أن تنتقل من هذا المقام إلى مقام تقوى الخاصة. وهي التقوى التي تتلذذ الروح
بها. إذ أنك بعد أن تذوق طعم اللذة الروحية تترك شيئاً فشيئاً اللذائذ الجسدية
وتتجنبها. وعندئذٍ يسهل عليك المسير حتى لا تعود تقيم وزناً للذات الجسدية الزائلة،
بل تنفر منها، وتقبّح زخارف الدنيا في عينيك، وتنظر في باطنك فتجد أن كل لذة من
لذّات هذا العالم قد أوجدت في النفس أثراً وأبقت في القلوب لطخة سوداء تبعث على
شدة الإنس بهذه الدنيا والتعلق بها. وهذه هي نفسها تكون سبب الإخلاد إلى
الأرض. وعند سكرات الموت تتبدل إلى صعوبة ومشقة ومعاناة. والواقع أن صعوبة
سكرات الموت وحالة النزع الأخير القاسية ناجمة عن هذه اللذات وحب الدنيا، كما
سبقت الإشارة إلى ذلك. فإذا أدرك الإنسان هذا المعنى سقطت لذات العالم من عينه
كلياً، ونفر من الدنيا وما فيها من مباهج وزخارف. وهذا هو التقدم الثاني إلى المقام
الثالث من التقوى. وبذلك يصبح سبيل السلوك إلى الله سهلاً ميسوراً، وطريق
الإنسانية نيّراً واسعاً، وتصبح خطوته شيئاً فشيئاً خطوة الحق، ورياضته رياضة الحق،
ويتهرب من النفس وآثارها وأطوارها. إذ يجد في ذاته عشق للحق، فلا يعود يقنع
بوعود الجنة والحور العين والقصور، بل يكون مطلوبة ومقصوده أمراً آخر، وينفر من
الأنانية حب الذات. فيتقي حب النفس ويتقي ذاته وأنانيته. وهذا مقام على قدر كبير
من الشموخ والرفعة، وهو أول مراتب هبوب نسيم الولاية، فيدرجه الحق المتعال في
كنف لط فه ويعينه ويجعله موضع ألطافه الخاصة. أما ما يحدث للسالك بعد ذلك
فخارج عن قدرة القلم. والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطـناً، والصلاة والسلام على
محمد وآله الطاهرين. [245] الحَديث الثَالِث عشرَ "التوكل" [246] بالسَّنَدِ المُتَّصل
إلى الشَّيْخِ الجَلِيلِ ثِقَةِ الإِسْلاَمِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدِ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ غَيْر وَاحِدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أسْبَاطٍ، عَنْ أَحْمَدِ بْنِ عُمَرَ الحَلاّل، عَنْ عَلِيِّ
بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي الحَسَنِ الأَوَّلِ عليه السَّلام قالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَمَنْ
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} فَقَاَل"التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ دَرَجَاتٌ مِنْهَا أَنْ تَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فِي
أُمُورِكَ كُلِّهَا فَمَا فَعَلَ بِكَ كُنْتَ عَنْهُ رَ اضِياً تَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَأْلُوكَ خَيْرَاً وَفَضْلاً وَتَعْلَمُ أَنَّ
الحُكْمَ فِي ذلِكَ لَهُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ بِتَفْويضِ ذلِكَ إِلَيْهِ وَثِقْ بِهِ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا"( أصول
الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التفويض إلى الله والتوكل عليه، ح
5). [247] الشرح: "الحلاّل"بتشديد اللام: بائع الحِلّ، وهو دهن السمسم. وأبو
الحسن الأول هو الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام. ويكنى أيضاً بأبي الحسن
المطلق. وأبو الحسن الثاني هو الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، وأبو الحسن
الثالث هو الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام. و"التوكل"كما في اللغة، هو إظهار
العجز والاعتماد على طرف آخر: واتكلت على فلان في أمر اعتمدته. وأصله:
اوتكلت. و"حسبه"أي مُحْسِبُه وكافيه. و"يألوك": من ألا، يألو، ألواً. ويعني التقصير.
وقد قال بعضهم: إذا عدّى هذا الفعل إ لى مفعولين تضمن معنى المنع، وهذا حسن،
لأن المعنى يكون أسلس، وإن لم تكن ثَمَّة حاجة إلى ذلك، فمعنى التقصير وحده يكفي،
كما يستفاد خلاف ذلك من"الصحاح"الذي جاء فيه:"ألا، يألو: أي قصّر. وفلان لا
يألوك نصحاً". فيتبيّن من ذلك أن المعنى واحد حتى مع المفعولين.
و"التوكل"غير"التفويض"، وكلاهما غير"الرضا"وغير"الوثوق"كما سيأتي بيانه. وسوف
نشرح في ما يلي ما يحتاج من الحديث الشريف إلى شرح. فصل في بيان معنى التوكل
ودرجاته اعلم إن للتوكل معاني متقاربة، ولكن بتعبيرات مختلفة، بحسب المسالك
المختلفة، كما يقول صاحب"منازل السائرين": {التَّوَكُّلُ كِلَهُ الأمْرِ كُلهِ إِلَى مَالِكِهِ
[248] وَالتَّعْوِيلُ عَلَى وِكَالَتِهِ}("منازل السائرين" - التوكل). ويقـول بعض أصحاب
العرفان:"التـَّوَكُّلُ طَرْحُ البَدَنِ فِي العُبُودِيَّةِ وَتَعَـلُّقُ القَلْبِ بِالرُّبُوبِيَّـةِ". وقال
آخرون:"ا لتـَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ انْقِطَاعُ العَبْدِ فِي جَمِيعِ مَا يَأْمُلُهُ مِنَ المَخْلُوقِينَ". وهكذا
تجد هذه المعاني متقاربة، ولا حاجة للبحث في المفهوم. وكل ما يتطلب القول هو أن
للتوكل درجات مختلفة بحسب اختلاف مقامات العباد. ولما كانت معرفة درجات
التوكل مبنية على العلم بدرجة معرفة العباد بربوبية الحق جلّ جلاله، كان لا بُدَّ من
الإشارة إلى ذلك. فاعلم، أن أحد أصول معارف السالكين ومقاماتهم، التي لا تكون إلاّ
به، هو العلم بربوبية الحق تعالى، ومالكيته وكيفية تصرف الذات المقدسة في الأمور. إننا
لا ندخل هذا البحث من الناحية العلمية، لأن ذلك يتطلب التحقيق في"الجبر
والتفويض"وذلك ما لا يتناسب مع هذه السطور. وإنما نقتصر على ذكر درجات الناس
في معرفة ذلك. وعليه، نقول أن الناس في معرفة الربوبية مختلفون متباينون إلى حدّ
كبير: فالموحّدون عموماً يعرفون أن الحق تعالى هو خالق م بادئ الأمور، وكلّيات
الجواهر، وعناصر الأشياء، ويرون بأنّ تصرفه محدود، ولا يقولون بإحاطته بالربوبية.
فهؤلاء تراهم تارة يقولون: مقدِّر الأمور حق؟ وهو المتصرف في كل شيء، فما في كائن
يكون إلاّ بإرادته المقدسة. ولكنهم ليسوا أصحاب هذا المقام، لا علماً، ولا إيماناً، ولا
شهوداً، ولا وجداناً. إن هذا الفريق من الناس - والظاهر أننا منهم - ليس لهم علم
كامل بربوبية الله بل يكون توحيدهم ناقصاً، حيث حجبت عنهم ربوبية الحق وسلطنته
لعللٍ وأسباب ظاهرة، وليس لهم مقام التوكل وهو ما يدور كلامنا عليه إلاّ لفظاً
وادعاءً. لهذا، فإنهم في الأمور الدنيوية، لا يعتمدون على الحق سبحانه، بأيّ شكل من
الأشكال، ولا يتشبثون إلا بالأسباب الظاهرية والمؤثرات الكونية. وإذا ما اتفق أحياناً
أن توجهوا إلى الحق تعالى وطلبوا منه حاجة، أو رجوا منه رجـاء، فذلك من [249]
باب التقليد، أو من باب الاحتياط، ل أنه لا يرون في ذلك ضرراً عليهم، بل ربما
يحتملون فيه الفائدة. وفي هذه الحال توجد رائحة التوكل. ولكنهم إذا رأوا الأسباب
الظاهرة ملائمة ومطابقة لأهوائهم، غفلوا كليا عن الله تعالى وعن تصريفه للأمور. إن
المقولة القائلة بأن التوكل لا يتنافى مع العمل والتكسب، صحيحة، بل هي مطابقة
للبرهان وللنقل، ولكن الاحتجاب عن ربوبية الحق وتصريفه للأمور واعتبار الأسباب
مستقلة، يتنافى والتوكل. إن هؤلاء الذين لا يتمسكون حتى بأدنى درجات التوكل في
أعمالهم الدنيوية، يتحدثون فيما يتعلق بالأمور الأخروية عن التوكل بزهو ومباهاة، وإذا
ما ظهر منهم أيّ تهاون وضعف وكسل في العلم أو في تهذيب النفس والعبادات
والطاعـات، وبادروا إلى إظهار اعتمادهم وتوكلهم على الحق تعالى وفضله. وكأنهم
يريدون بمجرد تلفظهم بأن"الله عظيم"و"إننا متوكلون على فضل الله"أن ينالوا
الدرجات الأخروية! فإنهم يقولون في الشؤون ال دنيوية: إن السعي والعمل لا يتنافيان
مع التوكل على الله، وفي الأمور الأخروية يرون السعي والعمل ينافيان الاعتماد
والتوكل عليه. وما هذا إلاّ من مكائد النفس والشيطان. فهؤلاء ليسوا متوكلين على
الله، لا في الأمور الدنيوية ولا في الأمور الأخروية، ول هم يعتمدون عليه في أي أمر من
الأمور. ولكنهم، لاهتمامهم بالأمور الدنيوية، تشبثون بالأسباب، دون الاعتماد على
الحق تعالى وتصريفه للشؤون في العالم. وعلى العكس من ذلك، فهم، لعدم اهتمامهم
بأمور الآخرة، وعدم إيمانهم إيماناً صادقاً بيوم المعاد وتفاصيله، ويصطنعون لذلك
الأعذار. فمرة يقولون:"الله عظيم"ومرة يظهرون الاعتماد على الله وعلى شفاعة
الشفعاء، مع أن هذا كله ليس سوى لقلقة لسان لا أساس لها من الحقيقة في شيء. وثمّة
فريق آخر من الناس اقتنعوا، إما بالبرهان وإما بالنقل، وصدّقوا بأن الحق تعالى هو مقدِّر
الأمور، ومسبّب الأسباب، وا لمؤثر في الوجود، ولا حدود لقدرته وتصرّفه. هؤلاء
يتوكلون على الله سبحانه عن طريق العقل، أي أن أركان التوكل تامة عندهم، بحسب
الأدلة العقلية والنقلية ولهذا فهم يرون أنفسهم من المتوكلين، ويقيمون الدليل أيضاً
على لزوم التوكل، لأنهم أثبتوا أركان التوكل، والتي هي أمور: [250] أن الحق تعالى
عالمٌ بحاجات العباد. أنه قادر على تلبية تلك الحاجات. أنه ليس في ذاته المقدسة بخل.
أنه رحيم بالعباد و رءوف بهم. وإذاً، يجب التوكل على عالم قدير كريم رحيم بالعباد،
قائم بمصالحهم، لا يفوّت عليهم شيئاً فيها، حتى وإن لم يميزوا هم بين ما ينفعهم وما
يضرهم. هؤلاء وإن كانوا من المتوكلين عملياً، إلاّ أنهم لم يبلغوا مرتبة الإيمان. فهم لهذا
مضطربون في اتخاذ أمر من أمورهم، وعقولهم مغلوبة في الصراع مع قلوبهم، لأنها
بالأسباب متعلقة، وعن تصرف الحق سبحانه في الأشياء محجوبة. أما الطائفة الثالثة، ف
هم الذين توصّلوا بقلوبهم إلى معرفة تصرّف الحق تعالى في الكائنات، فآمنت تلك
القلوب بأن مقدّر الأمور، والسلطان ومالك الأشياء، هو الحق تعالى، وكتبوا بقلم
العقل على ألواح القلوب أركان التوكل. هؤلاء هم أصحاب مقام التوكل. غير أن
هؤلاء أيضاً يختلفون من حيث مراتب الإيمان ودرجاته اختلافاً كبيراً، قبل أن يصلوا إلى
درجة الاطمئنان الكامل. وعند ذاك تظهر في قلوبهم درجة التوكل الكاملة، ولا تتعلق
بالأسباب، بل تتشبث بمقام الربوبية، فتطمئن إليه وتعتمد عليه، كما وصف العارفُ
المتقدم، التوكلَ قائلاً إنـه:"طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية". وكل ما
قلناه يعود إلى ما إذا كان القلب في مقام الكثرة الأفعالية، وإلاّ فإنه يتجاوز مقام التوكل
ويخرج عن المقصود. إذاً، فقد اتضح أن للتوكل درجات. ولعل الدرجة التي تعرض لها
الحديث الشريف هي توكل الطائفة الثانية. إذ أنه جعل العلم من م بادئه، وربما أشار
أيضاً إلى درجات أخرى ذات اعتبارات مختلفة. إذ أن للتوكل درجات أخرى في
تقسيمات مختلفة، مثلما هي الحال في درجات سلوك أصحاب العرفان والرياضات،
حيث يصلون من مقام الكثرة إلى مقام الوحدة تدريجاً، فلا يحصل فناء أفعالي مطلق،
دفعة واحدة، بل يشاهد أولاً في مقامه، ومن ثم في سائر الكائنات. فكذلك يحصل
التوكل والرضا والتسليم وسائر المقامات بالتدرّج أيضاً. [251] وربما يبدأ أول الأمر
بالتوكل على الأسباب الغائبة والخفية، ومن ثم يصل إلى مقام المطلق تدريجاً، سواء
أكانت له أسباب ظاهرة جليّة، أم أسباب باطنة خفيّة، وسواء أكان ذلك في أعماله هو
أم في أعمال أقربائه ومقرّبيه. ولذلك جاء في الحديث:"إِنَّ مِنْ دَرَجَاتِ التَوكّلِ أَن تَتَوَكَّلَ
عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي كُلِّ أُمُورك". فصل في بيان الفرق بين"التوكل"و"الرضا" اعلم أن
مقام"الرضا"غير مقام"التوكل"، وهو أسمى منه وأرفع. وذلك لأن المتوكل يطلب الخير
والصلاح لنفسه، فيوكل الحق تعالى، بصفته فاعل الخير، للحصول على الخير
والصلاح. أما الشخص"الراضي"فيكون قد أفنى إرادته في إرادة الله، فلا يختار لنفسه
شيئاً. ولقد سئل أهل السلوك: "مَا تُرِيدُ؟". فـَقـَالَ:"أُرِيدُ أَنْ لا أُرِيدَ". فمطلوبه
هو مقام الرضا. أما ما جاء في الحديث الشريف:"فـَمـَا فَعَلَ بِكَ كُنْتَ عَنْهُ رَاضِياً"فإنه
لا يعني مقام الرضا، ولذلك جاء بعد ذلك قوله:"تـَعـْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَأْلُوكَ خَيراً وَفَضلاً"،
وكأنه صلّى الله عليه وآله وسلم أراد أن يوجد في السامع مقام التوكل، وذلك بوضع
المقدمات، فقال أولاً:"تعلم أنه لا يألوك خيراً وفضلاً"ثم قال:"تعلم أن الحكم في ذلك
له"طبيعي أن من يعلم أن الله تعالى قادر على كل شيء، وأنه لا يفوّت على نفسه خيره
وفضله، فإن مقام التوكل يحصل له، وذلك لأن ركني التوكل الأساسيين قد ذكرهما،
بينما الركنين أو الثلاثة الأخرى لوضوحهما. إذاً، تكون نتيجة المقدمات المذكورة
المطوية والمعلومة هي أن ما يفعله الحق تعالى يبعث على الرضا والسرور. إذ أن فيه الخير
والصلاح، وبذلك يحصل مقام التوكل. ولذلك فرّع عليه السلام في الحديث الشريف
قوله:"فتوكل على الله". فصل في بيان الفرق بين"التفويض"و"التوكل"و"الثقة" ثم اعلم
أن"التفويض"أيضاً غير التوكل، وأن"الثقة"غيرهما. ولذلك فقد أشير إليهما في مقامات
السالكين بصورة منفصلة. [252] يقول الخواجة عبد الله الأنصاري:"التَّفْويضُ ألْطَفُ
إشَارةُ وَأَوْسَعُ مَعْنىً مِنَ التَّوَكُّلِ ثُمَّ قَالَ: التَّوَكُّلُ شُعْبَةٌ مِنْهُ". وذلك لأن التفويض هو أن
لا يرى العبد في نفسه حولا ولا قوة، ولا يجد أن له التصرف في شيء، ويرى الحق تعالى
هو المتصرف في كل الأمور. أما في التوكل فليس الأمر كذلك، لأن المتوكل يجعل الحق
سبحانه قائماً مقامه في التصرف واجتلاب الخير والصلاح. وأما أن التفويض أوسع، لأن
التوكل فرع منه، لأن التوكل يكون في المصالح والتفويض يكون في الأمور كافة. ولأن
التوكل لا يكون إلاّ بعد وقوع سبب يستوجبه، أي عند وجود أمر يتوكل فيه العبد على
الله، مثل توكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على الله في أن يحفظهم من
المشركين، حينما قيل لهم: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(آل عمران/173). وأما التفويض فيكون قبل وقوع السبب،
كما جاء في الدعاء المروي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم:"اللـَّهــُمَّ إِنِّي
أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيكَ"( كتاب من لا
يحضره الفقيه، ح 1351) وقد يكون بعد وقوع السبب، مثل تمثيل مؤمن آل فرعون. إن
ما ذكرناه يكون حاصل ترجمة شرح العارف المعروف"عبد الرزاق الكاشاني"للتوكل
والتفويض مأخوذاً من كلام العارف الكامل"الخواجة عبد الله"مع شيء من الاختصار
وفي كلام الخواجة ما يدل على ذلك. ولكن في اعتبار التوكل شعبة من التفويض
يستدعي النظر. كما أن في جعل التفويض من التوكل مسامحة واضحة. وكذلك ليس ثَمّة
دليل على أن التوكل يقع بعد وقوع السبب. إذ في كِلتا الحالتين قبل وبعد وقوع السبب
يصحّ معنى التوكل. أما الحديث الشريف الذي يقول:"فـَتـَوَكَّل عَلَى اللهِ بِتَفْوِيضِ
ذلِكَ إِلَيْهِ"فيمكن القول بأنه لا توكل إلاّ مع رؤية تصرفه بنفسـه، ولهذا يتخذ لنفسه
وكيلا في أمر من أمور الخاصة به. إلاّ أن الرسول الأكرم أراد أن يرفع ذلك من مقام
التوكل إلى مقام التفويض، وليفهمه أن الحق تعالى لا يقوم مقامك في [253] التصرف، بل
هو المتصرف في ملكه ومملكته. وقد نبّه على ذلك الخواجة نفسه في"منازل السائلين"بشأن
الدرجة الثالثة من درجات التوكل. وأما"الثقة"فهي غير"التوكل"و"التفويض"، كما
يقول الخواجة:"الثـِقـَةُ سَوَادُ عَيْنِ التَوَكُّلِ، وَنُقْطَةُ دَائِرَةِ التَّفْوِيضِ، وَسُوَيْداءُ قَلْبِ
التَّسْلِيمِ". أي أن المقامات الثلاثة لا تحصل من دون"ثقة"، بل إن روح تلك المقامات
هي الثقة بالله تعالى. فما لم يثق العبد بالحق تعالى، لا يمكن أن ينالها. فتبين السرّ في قول
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، بعد التوكل والتفويض،"ثـِقْ بِهِ فِيْهَا وفِي غَيْرِهَا".
[255] الحديث الرَابع عشَر "الخوف والرَّجـــــــاء" [256] بِسَنَدِي
المُتَّصِلِ إلى مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، ثِقَةِ الإِسْلاَم وَعِمَادِ المُسْلِمِينَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ
أَحْمَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ المُغَيرَةِ أَوْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِاللَّهِ عليه السَّلام قالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا كَانَ فِي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ؟ قالَ:"كَانَ
فِيهَا الأَعَاجِيبُ وَكَانَ أَعْجَبَ مَا كَانَ فِيهَا أَنْ قَالَ لابْنِهِ: خَفِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خيفةً لَوْ
جِئْتَهُ بِبِرِّ الثِّقَلَيْنِ لَعَذَّبَكَ، وَارْجُ اللَّهَ رَجاءً لَوْ جِئْتَهُ بِذُنُوبِ الثِّقَلَيْنِ لَرَحِمَكَ. ثُمَّ قَالَ أبو
عَبْدِ اللَّهِ - عَليه السّلام - كان أبِي يَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إلاّ وَفِي قَلْبِه نُورَانِ
نُورُ خَيفَةٍ وَ نُورُ رَجَاءً، لَوْ وُزِنَ هذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى هذَا وَلَوْ وُزِنَ هذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى هذَا"(
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء، ح 1). [257]
يقول"الجوهري"في الصحاح:"أعاجيب"كأنهم أرادوا جمع"أُعْجُوبَة"مثل أحدوثة
وأحاديث. وقال: إن"الأعْجُوبة"هي ما يكون حسنة أو قبحه مثيراً للتعجب. ويكون
المقصود في هذا الحديث هو المعنى الأول وكأنّ اللفظ في الأصل مختص بما يثير حسنه
العجب، وإن استعملت تطفلاً في الأعم. "والبِّرُّ"خلاف"العقوق"و"فـُلان يَبِرّ
خَالقَه"يعني أنه يطيعه، كما يقوله الجوهري. و"الثقلان"هما الجن والإنس. ويدل هذا (
الحديث الشريف ) على أن كلاً من الخوف والرجاء يجب أن يصل إلى مرتبة الكمال، ولا
يجوز اليأس من رحمة الله تعالى أبداً، ولا الأمان من مكره مطلقاً. فهناك الكثير من
الأحاديث التي تؤكد ذلك، كما ينص القرآن الكريم على ذلك أيضاً. ثم يجب ألاّ يرجح
أحدهما على الآخر. وسوف نقوم، بشرح ذلك وبيان المواضيع الأخرى من الحديث - إن
شاء الله - ضمن فصول عديدة. فصل في بيان الإنسان العارف اعلم، أن للإِنسان العارف
بالحقائق والمطلع على النسبة بين الممكن والواجب جلّ وعلا نظرتين: الأولى: نظرته إلى
نقصه الذاتي وإلى نقص جميع الممكنات وانحطاط الكائنات فهو يدرك في هذه النظرة، عيناً
أو علماً، أن الممكن غارق بكلّيته في الذل والنقص وفي بحر ظلام الإِمكان والفقر
والاحتياج أزلاً وأبداً، [258] وأنه لا يملك بذاته شيئاً إطلاقاً،وهو محض لا شيء، ومجرد
ضعة، ونقص مطلق، بل إن هذه التعبيرات نفسها لا تصدق عليه حقيقة وإنما هي من ضيق
أفق التعبير والكلام، وإلاّ فإن النقص والحاجة من سمات الشيئية، وليس لجميع الممكنات
والخلائق كافة، شيئية بذواتها. وهو في هذه النظرة، لو تقدم إلى أعتاب الربوبية بكل
العبادات والطاعات والعلوم والمعارف، فلن يكون أمامه سوى أن يطأطأ رأسه خَجَلاً وذلاً
وخوفاً، فما هذه العبادة والطاعة؟ ممن؟ ولمن؟ إن كل المحامد تعود إليه تعالى، وليس
للممكن أي تصرف فيه، بل إن تصرف الممكن يبعث على نقص في إظهار محامد الله
والثناء عليه. وهذا ما سألوي عنه عنان القلم، ففي هذا المقام يقول عزَّ وجلّ:{ مَا أَصَابَكَ
مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ...}(النساء/ 79 ). كما يقول في
المقام الأول {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ }(النساء/ 78 ). يقول الشاعر في هذا المقام: قال
مُرشدنا: أن قلم الصانع لم يخطأ.......... . ( فإن الأخطاء منّا ). بُوركت نظرته السديدة
الساترة للعيوب...... وهي: ( قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ). إن قول المرشد ( الشطر الأول )
راجع إلى المقام الثاني ( مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمـِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ
نَفْسِكَ ). وأما ( الشطر الثاني من الشعر ) فيعود إلى المقام الأول ( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )
وفي هذا المقام يستولي على الإنسان الخوف والحزن والخجل والخزي. والنظرة الأخرى
نظرته إلى الكمال الواجب، وبسط رحمته، وسعة لطفه تعالى وعنايته. فهو يرى أنه سبحانه
قد بسط هذه النِعم والرحمات المتنوعة، التي لا يمكن الإحاطة بها ولا حصرها وتحديدها،
من دون استعداد وتهيأ مسبق لها. وإنه قد فتح أبواب لطفه وعفوه على العباد دون
استحقاق. فنعمه مبتدءة لا يسبقها سؤال. كما أشار إلى ذلك حضرة الإمام زين العابدين
وسيد الساجدين كثيراً في أدعية الصحيفة وغيرها، فيقوى رجاؤه برحمة الحق تعالى ويزداد
أمله، بالكريم [259] الذي لا يسبغ كرمه إلاّ من باب الرحمة واللطف، وبمالك الملوك
الذي يفيض علينا بنعمه من دون سؤال أو استعداد. تلك النعم التي تعجز العقول عن
إدراك بعضها وتقصر. والمالك الذي لا تنقص من ملكه الواسع معصية العاصين، ولا
تزيده طاعة المطيعين، بل إن هداية ذاته المقدسة لنا إلى طرق الطاعات، ومنعه إيّانا عن
العصيان، إنما هو من عناياته الكريمة ونعمه وآلائه، لأجل وصولنا إلى مقامات الكمال
ومدارجه الرفيعة، وللتنزه عن النقص والقبح والتشوه. فإذا جثونا عند أعتاب رحمته
وعنايته، لوجب أن نقول: اللهم إنك إذ ألبستنا لباس الوجود، ووهبتنا كل أسباب الحياة
والرفاه بما يفوق إدراك المدركين، وأريتنا طرق الهداية، وأسبغت علينا من نعمك، إنما كان
ذلك لمصلحتنا لننعم بأفضالك ونعمك. وها نحن وفدنا إلى دار كرامتك، وعلى أعتاب
سلطنتك، مثقلين بذنوب الثقلين، مع أن ذنوب المذنبين لم تنقص من خزائن رحمتك، ولم
تخلّ خطاياهم بمملكتك. فماذا أنت صانع بقبضة تراب لا تساوي شيئاً عند أعتاب عظمتك
سوى أن تشملها برحمتك وعنايتك؟ أيمكن أن نأمل غير الرحمة من لطفك؟ فعلى الإنسان،
إذاً، أن يتردد بين هاتين النظرتين. فلا هو يغمض عينيه عمّا فيه من نقص وقصور في القيام
بالعبودية، ولا هو ينسى سعة رحمة الحق جلّ جلاله وعنايته وشموليتهما. فصل في بيان
مراتب الخوف ودرجاته اعلم أيها العزيز، أن للخوف والرجاء مراتب ودرجات حسب
حالات العباد ومراتب معرفتهم. فخوف العامة يكون من العذاب وخوف الخاصة يكون
من العتاب، وخوف أخص الخاصة يكون من الاحتجاب. ولكننا لسنا الآن بصدد شرح
ذلك، وإنما سنشير إلى الموضوع السابق ببيان آخر. فاعلم أن ليس أحد من المخلوقات
بقادرٍ على عبادة الحق تعالى حق عبادته. لأن العبادة هي الثناء على مقام ذات الله المقدسة،
وثناء كل شخص فرغ [260] معرفته بمن يُثني عليه. ولمّا كانت يد أرجاء العباد، في
الحقيقة قصيرة، عن عِزَّ جلال معرفة ذاته المتعال، فهم إذاً ليسوا قادرين بالثناء على جماله
وجلاله. وقد اعترف بذلك أشرف الخلائق وأعرف الكائنات بمقام الربوبية: "مَا عَبَدْنَاكَ
حَقَّ عِبَادَتِكَ وَمَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ"("سفينة البحار"ج 2 ص 180 وما بعدها) حيث
الجملة الثانية هي بمثابة التعليل للجملة الأولى، إذ قال: "أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى
نَفْسِكَ"("سفينة البحار" ج 2 ص 181 وما بعدها ). إذاً، فالقصور الذاتي من حق
الممكن، والعلو الذاتي خاص بذات كبرياء الله جلّ جلاله. ولمّا كان العباد قاصرين عن
الثناء على الله تعالى وعن عبادة ذاته المقدسة. ومن دون معرفة الحق سبحانه وعبوديته لا
يمكن لأحد من عباده أن يبلغ المقامات الكمالية والمدارج الأخروية، كما هو ثابت ومبرهن
عليه عند علماء الآخرة في محله، ولكن العامة غافلون عن ذلك، ويحسبون المدارج الأخروية
جزافاً أو شبيهة بالجزاف - تعالى الله عن ذلك عـُلواً كبيراً - لمّا كان كذلك فقد فتح الله
تعالى بلطفه الشامل ورحمته الواسعة باباً من الرحمة والرعاية بالعباد عن طريق تعليمات
الوحي الغيبية والإلهام، وبوساطة الملائكة والأنبياء. ذلكم هو باب العبادة والمعرفة. فعلّم
العباد طرق عبادته، وفتح لهم سبيلاً إلى المعارف لكي يخففوا من نقائصهم قدر الإمكان،
ويسعوا لنيل الكمالات الممكنة، ويهتدوا بأشعة نور العبودية للوصول إلى عالم كرامة الحق،
وإلى الروح والريحان وجنات النعيم، بل إلى رضوان الله الأكبر. إذاً، ففتح باب العبادة
والعبودية من النِعم الكبرى التي تدين لها الكائنات كافة، دون أن تستطيع الوفاء بحق
الشكر، بل إن كل شكر هو فتح باب كرامة لا تقدر على شكره أيضاً. فإذا علم الإنسان
مشربه هذا، واطّلع قلبه عليه، اعترف بتقصيره. وحتى لو أنه تقدم إلى أعتاب الله جلّ
جلاله بعبادة الجن والإِنس والملائكة المقربين، لكان مع ذلك خائفاً ومقصراً. وكذلك إن
عباد الله العارفين وأولياءه المختصين به الذين فتح لهم باباً من سرّ القَدر، واستنارت قلوبهم
بنور [261] المعرفة، لارتجفت قلوبهم من الخوف، ونفوسهم من الخشية، بحيث لو اتجهت
إليهم الكمالات كلها، وأعطوا مفاتيح المعارف كلها، وأُترعت قلوبهم بالتجلّيات، لما قلّ
من خوفهم قدر ذرة، ولا من خشيتهم قدر شعرة، كما يقول أحدهم: الناس تخاف النهاية
وأنا أخاف البداية. سُبْحَان الله وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِالله، أعوذ بالله تعالى. يعلم الله يجب
أن يتقطع قلب الإنسان من هذا الكلام، ويذوب خوفاً، ويهيم على وجهه في البراري فإلى
أيّ حدّ يكون الإنسان غافلاً؟ ثم أنه سبق منا في شرح أحد الأحاديث السابقة وقلنا بأننا
في كل عبادتنا وطاعتنا إنّما نريد مصالحنا الخاصة، ودافِعُنا إليها هو حبّ النفس. وما الزهد
في الدنيا في الحقيقة إلاّ من أجل الآخرة. وهو أشبه بالزهد في الدنيا من أجل الدنيا عند
الأحرار. فلو ذهبنا بعبادة الثقلين إلى محضر قدسه الربوبي، لما كان استحقاقنا سوى البعد
عن ساحته المقدسة. لقد دعانا الحق تبارك وتعالى إلى مقام قربه وأُنسه. قال:"وَخَلَقْتُكَ
لأَجْلِي"وجعل غاية الخلق معرفته، وهدانا إلى طرق المعارف والعبودية، ولكننا مع هذا لم
نشغل أنفسنا إلاّ بتعمير البطن والفرج، ولا همَّ لنا سوى الأنانية وحب الذات. فيا أيها
الإِنسان المسكين، الذي لم تجنِ من عبادتك ومناسكك إلاّ البعد عن ساحة الله المقدسة،
والاستحقاق للعتاب والعقاب، علامَ اعتمادك؟ ولماذا لا يقلقك ولا يزعجك الخوف من
شدة بأس الحق؟ أعندك متكأ تتكئ عليه؟ أتثق بعملك وتطمئن إليه؟ إذا كان الأمر كذلك
فالويل لك من معرفتك بحالك وحال مالك الملوك! وإذا كان اعتمادك على فضل الحق
وسعة رحمته وشمول عناية ذاته المقدس، لكان ذلك في محلّه جدّاً. لقد اعتمدت على أمر
وثيق، ولجأت إلى أوثق ملجأ. إلهي، وربي! إن أيدينا عن كل شيء قاصرة، ونحن عارفون
بأننا ناقصون وتافهون، ولا نملك ما يليق بأعتاب قدسك. كلنا نقص وعيب. ظاهرنا
وباطننا ملوث بالمهالك والموبقات. فمن نحن حتى نرجو القدرة على الثناء عليك، فيما
يعترف الولي من أوليائك قائلاً:"أَفَبِلِسَانِي الكالّ هذَا أَشْكُرُكَ!"مقراً بعجزه وقصوره،
فكيف بنا نحن أهل المعصية المحجوبين عن ساحة كبريائك؟ ما عسانا نقول سوى [262]
أن نحرك ألسنتنا قائلين: إن رجائنا موكول إلى رحمتك، وأن أملنا وثقتنا بفضلك ومغفرتك
وجودك وكرمك، كما على ألسنة أوليائك. في الكافي، بإسناده عن أبي جعفر الباقر عليه
السلام قال:"قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلم: قَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى:{لاَ يَتَّكِلُ
العَامِلُونَ لِي عَلَى أَعْمَالِهِمُ الَّتِي يَعْمَلُونَها لِثَوابِي، فَإِنَّهُمْ لَوِ اجْتَهَدُوا وَأَتْعَبُوا أَنْفُسَهُمْ -
أعمارَهُمْ - في عِبَادَتِي كَانُوا مُقَصِّرِينَ غَيْرَ بالِغَينَ فِي عِبَادَتِهِمْ كُنْهَ عِبَادَتِي فِيمَا يَطْلُبُونَ
عِنْدِي مِنْ كَرَامَتِي وَالنَّعِيمِ فِي جَنّاتِي وَرَفِيعِ الدَّرَجَاتِ العُلَى فِي جِوارِي، وَلكِنْ بِرَحْمَتِي
فَلْيَثِقُوا، وَفَضْلِي فَلْيَرْجُوا، وَإِلَى حُسْنِ الظَّنِ بِي فَلْيَطْمَئِنُّوا، فَإِنَّ رَحْمَتِي عِنْدَ ذلِكَ
تُدْرِكُهُمْ، وَمِنّي يُبْلِّغُهُمْ رِضْوانِي، وَمَغْفِرَتِي تُلْبِسُهُمْ عَفْوي، فَإِنِّي أَنَا الله الرّحْمنُ الرَّحيمُ،
وَبِذلِكَ تَسَمّيْتُ}( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب حسن الظن
بالله، ح 1 ) . ومن أسباب الخوف أيضاً التفكر في شدة بأس الله تعالى، وفي دقة سلوك
طريق الآخرة، والأخطار التي تحيط بالإنسان في حياته وعند موته، وشاقّ البرزخ، ويوم
القيامة، ومناقشــات الحساب والميزان، مع ملاحظة الآيات والأخبار التي تنبئ عمّا وعد
الله تعالى عباده، مما يُحيـى كامل الأمل والرجاء. لقد جاء في الأحاديث، أن الحق تعالى
يبسط يوم القيامة بساط رحمته بصورة يطمع حتى الشيطان بالمغفرة منه. وأن الحق سبحانه
لم ينظر إلى هذا العالم منذ تكوينه وخلقه، نظرة لطف كما ورد في الرواية وأنه سبحانه
وتعالى لم يبعث إلى هذا العالم رحمته إلاَّ بمقدار ذرة بالنسبـة إلى العوالم الأخرى، هذه
الذرة قد بعثت على إحاطة النِعم الإلهية، وألطافه ورحمته وغفرانه، بالجميع من جميع
جوانبهم، وأن الظاهر من النعم والباطن منها تعتبر مائدة نِعم الله تبارك وتعالى وعطاياه التي
لا يقدر العالم برمّته على الإِحاطة بجزء منها، فكيف إذاً بنعمه سبحانه في عالم هو عالم
كرامته، ودار ضيافته، وموضع رحمته، حيث يبسط رحيميته ورحمانيته؟ فيحقّ للشيطان أن
يطمع في نيل رحمة الله، ويرجو عطيته! إذاً، فأكمل حسن ظنك بالله وثق بفضله {إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}(الزمر/ 53 ) . فالله يغرق الجميع في بحر جوده وكرمه، والله لا
يخلف وعده، وإن كان الخلف في الوعيد مكن، كثيراً ما يقع [263] فعلاً. فليستبشر
قلبك برحمته التامة. ولولا شمولك برحمته الواسعة لما كنت قد خلقت، فكل مخلوق مرحوم:
{وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ}( مقتبس من آية 156 في سورة الأعراف ). فصل في الفرق
بين الرجاء والغرور ولكن أيها العزيز كن على حذر، لئلا تخلط بين الرجاء والغرور. فقد
تكون مغتراً وتحسب نفسك من أهل الرجاء. إن من السهل التمييز بين الحالين في مباديهما.
أنظر إلى هذه الحال التي فيك والتي تظن نفسك بها بأنّك من أهل الرجاء. فهي إمّا أن
تكون ناشئة من التهاون في أوامر الحق سبحانه والتقليل منها، وإمّا أن تكون ناجمة عن
الاعتقاد بسعة رحمة الله وعظمة ذاته المقدسة. وإذا عسر عليك التمييز بينهما أيضاً، أمكنك
التمييز من خلال الآثار. فإذا كان الإحساس بعظمة الله في القلب، وكان قلب المؤمن محاطاً
برحمة ذاته المقدسة وعطاياه، لقام القلب بواجب العبودية والطاعة. لأن تعظيم العظيم المُنعم
وعبادته من الأمور الفطرية التي لا خلاف فيها. وإذا لم تكن في أداء واجبات العبودية، وفي
بذل الجُهد والجدّ في الطاعة والعبادة، معتمداً على أعمالك، ولم تحسب لها حساباً، وكنت
آملاً رحمة الله وفضله وعطائه، ووجدت نفسك مستحقاً للّوم والذم والسخط والغضب
بسبب أعمالك، ولم تعتمد إلاّ على رحمة الجواد المطلق، فأنت من أهل الرجاء. فاشكر الله
تبارك وتعالى، واطلب من ذاته المقدسة أن يثبّت ذلك في قلبك، ويمنحك أعلى منه مقاماً.
أما إذا كنت - لا سمح الله - متهاوناً في أوامر الحق تعالى ومستحقراً ومستهيناً لتعاليمه،
فاعلم أنه الغرور الحاصل في قلبك وأنه من مكائد الشيطان، ومن نفسك الأمّارة بالسوء.
فلو آمنت بسعة الله ورحمته وعظمته. لظهر أثر ذلك فيك. إن [264] المدعي الذي
يخالف عمله دعواه يكذب نفسه بنفسه. والشواهد على هذا في الأحاديث المعتبرة كثيراً.
ففي الكافي بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ عليه السّلام
قالَ:"قُلْتُ لَهُ: قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالمَعَاصِي وَيَقولُونَ نَرْجُو فَلاَ يَزَالونَ كَذلِكَ حَتّى يَأْتِيَهُمُ
المَوْتُ. فقَالَ: هؤُلاَءِ قَوْمٌ يَتَرَجَّحُونَ فِي الأَمَانِي. كَذَّبُوا لَيْسُوا بِرَاجِينَ، إِنَّ مَنْ رَجَا شَيْئاً
طَلَبَهُ وَمَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْهُ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر،
باب الخوف والرجاء ح 5 و ح 11 ) . وبهذا المضمون رواية أخرى في كتاب الكافي
الشريف: وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الحُسَيْنِ بْنِ أَبِي سَارَةَ قَالَ:"سَمِعْتُ أَبَا عَبْداللَّهِ عليه السّلام
يَقُولُ: لاَ يَكُونُ المُؤْمِنُ مُؤْمِناً َحَتّى يَكُونَ خَائِفاً رَاجِياً وَلاَ يَكُونَ خَائِفاً رَاجِياً حَتّى يَكُونَ
عَامِلاً لِمَا يَخَافُ وَيَرْجُو"(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف
والرجاء ح 5 و ح 11) . قال بعضهم: إنّ مَثَلَ من لا يعمل وينتظر رحمة ربه ويرجو
رضوانه مَثَلُ من يرجو المسبِّب دون أن يُعِدَّ الأسباب، وَمَثَلُ الفلاّح الذي ينتظر الزرع من
دون أن يبذر الأرض أو يهتم بها وبإروائها أو يقضي على موانع الزرع. إن مثل هذا
الانتظار لا يسمى بالرجاء، بل هو بله وحماقة. وإن مَثَلُ من لم يُصلح أخلاقه أو لم يبتعد
عن المعاضي فينهض بأعمال راجياً تزكية نفسه، مَثَلُ من يودع البذر في أراضي سبخة،
ومن الواضح أن هذا الزرع لا يثمر النتيجة المتوخاة. فالرجاء المستحسن والمحبوب هو تهيأة
كافة الأسباب التي يمتلكها الإنسان كما أمر الله بها واستغلالها حسب القدرة التي زوده بها
الحق المتعال بعنايته الكاملة، وحسب هدايته - عز وجل - إياه إلى طرق الصلاح والفساد،
ثم ينتظر ويرجو الحق المتعال أن يتمّ عنايته السابقة تجاه الأسباب التي وفّرها من قبل،
ويحقق الأسباب التي لا تدخل تحت إرادته واختياره من بعد، ويزيل الموانع والمفاسد. فإذا
نظف العبد قلبه من أشواك الأخلاق الفاسدة وأحجار الموبقات [265] وسباختها، وبذر
فيها بذور الأعمال، وسقاها بماء العلم الصافي النافع والإيمان الخالص، وخلصها من
المفسدات والموانع مثل العجب والرياء وأمثالها التي تعد بمثابة الأعشاب الضارة العائقة لنمو
الزرع، ثم انتظر ربه المتعالي ورجاه أن يثبّته على الحق، ويجعل عاقبة أمره إلى خير، كان هذا
الرجاء مستحسناً. كما يقول الحق المتعالي: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ}(البقرة/ 218 ). فصل في سبب تعادل الخوف
والرجاء ورد في نهاية هذا الحديث الشريف - الحديث الرابع عشر - أنه لا بد من تعادل
الخوف والرجاء وعدم تفوق أحدهما على الآخر، كما ورد هذا المضمون في مرسلة ابن
أبي عمير عن الإمام الصادق عليه السلام أيضاً. إن الإنسان عندما يدرك منتهى قصوره في
النهوض بالعبودية، ويرى صعوبة وضيق طريق الآخرة، يتولد فيه الخوف بأعلى درجة،
وعندما يجد ذنوبه ويفكر في أناس كانت عاقبة أمرهم الموت من دون إيمان وعمل صالح،
رغم حسن أحوالهم في بدء الأمر ولكنهم انتهوا إلى سوء العاقبة، يشتدّ فيه الخوف. ففي
الحديث الشريف في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام: قال:"المُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ ذَنْبِ
قَدْ مَضَى لاَ يَدْرِي مَا صَنَعَ اللَّهُ فِيهِ وَعُمْرٍ قَدْ بَقِيَ لاَ يَدْرِي مَا يَكْتَسِبُ فِيهِ مِنَ المَهَالِكِ
فَهُوَ لاَ يُصْبحُ إلاّ خَائِفاً وَلاَ يُصْلِحُهُ إلاّ الخَوْفُ"(أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان
والكفر، باب الخوف والرجاء، ح 12). ونقل الكافي في حديث آخر عن الإمام - عليه
السلام - خطبة عن رسول الله - صلّى الله عليه وآله وسلم - بهذا المضمون. وعلى أي حال
يرى الإنسان نفسه في منتهى النقص والتقصير، ويرى الحق في منتهى العظمة والجلال،
وسعة الرحمة والعطاء، ويعيش العبد بين هاتين [266] النظرتين دائماً في حال متوازية بين
الخوف والرجاء. وحيث أن الأسماء الجلالية والجمالية تتجليان في قلب السالك متعادلة لا
يترجح كل من الخوف والرجاء على الآخر. وقال ( بحار الأنوار، المجلد 70، باب الخوف
والرجاء ص355) بعض أن الخوف في بعض الأحيان أنفع للإنسان مثل أيام الصحة
والعافية، حتى يجهد الإنسان نفسه في كسب الكمال والعمل الصالح. وفي بعض الأحيان
الرجاء أفضل مثل أيام ظهور علامات الموت، حتى يلاقي الإنسان الحق المتعالي مع حال
مفضلة أكثر عنده سبحانه -. ولكن هذا الكلام لا يتطابق مع الكلمات السابقة
والأحاديث المذكورة، لأن الرجاء المحبوب يدفع الإنسان أيضاً نحو العمل واكتساب الآخرة،
والخوف من الحق سبحانه محبوب لديه - عز وجل - ولا يتنافى مع الرجاء المؤكد. وقال
بعضهم ( بحار الأنوار، المجلد 70، باب الخوف والرجاء ص 355) أن الخوف لا يعتبر من
الفضائل النفسية والكمالات العقلية في عالم الآخرة وإنما يعدّ من الأمور النافعة في دار الدنيا
التي هي دار العمل، حيث يحرص الإنسان على فعل العبادات وترك المعاصي وينتهي دوره
بعد الخروج من هذه الدنيا. في حين أن الرجاء لا ينقطع ويستمر حتى في عالم الآخرة. لأن
العبد كلما نال رحمة الله أكثر، ازداد طعمه نحو فضل الحق المتعالي أكثر، لأن خزائن رحمة
الحق الجليل لا تتناهى. فالخوف ينقطع بالموت ويبقى الرجاء حتى إلى ما بعد الموت. يقول
( بحار الأنوار، المجلد 70، باب الخوف والرجاء ص 355 ) المحدث المحقق المجلسي - رحمه
الله تعالى-"والحق أن العبد ما دام في دار التكليف لا بد له من الخوف والرجاء وبعد
مشاهدة أمور الآخرة يغلب عليه أحدهما لا محالة بحسب ما يشاهده من أحوالها". يقول
الكاتب: إن ما قيل من غلبة الخوف والرجاء في عالم الآخرة، لا يتلاءم مع ما ذكر من
معنى الرجاء. وعلى فرض صحة الكلام المذكور فهو صحيح بالنسبة إلى المتوسطين حيث
يكون خوفهم ورجاؤهم عائدين إلى الثواب والعقاب. [267] وأما حال الخواصّ
والأولياء فيختلف المر عما ذكروا، لأن الخوف والرجاء الناجمان عن مشاهدة عظمة وجلال
وتجلّي أسماء اللطف والجمال، والحاصلان في القلب لا يزولان بمشاهدة أمور الآخرة. ولا
يترجح أحدهما على الآخر، بل إن آثار الجلال والعظمة وتجليات الجمال واللطف في عالم
الآخرة أكثر، فيصبح الخوف الحاصل من عظمة الحق من اللذائذ الروحانية، ولا يتنافى هذا
مع الآية الكريمة {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}(يونس/62). كما
يتبين ذلك بالتمعن في الآية المباركة. وما نقل - قبل أسطر - من أن الخوف ليس بفضيلة
نفسية، ليس هو الخوف من الجلال والعظمة، لأن مثل هذا الخوف يكون كمالاً ومن
صفات الكاملين والمكملين. كما أن خوف غيرهم يكون أكثر. والحمد لله على جماله
وجلاله والصَلاة على محمّد وآله. [269] الحَديـث الخَامِــس عشَــر
"البــــلاء" [270] بِسَنَدِنَا المُتَّصِلِ إلى سُلْطانِ المُحَدِّثينَ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الكُلَيْنيِّ
- رضوان الله عليه - عَنْ عَليِّ بْنِ إبْراهيمَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ ابْنِ مَحْبُوب، عَنْ سَماعَةَ، عَنْ
أبي عَبْدِ اللهِ عليه السَّلام قالَ: إنَّ في كِتاب عَليٍّ عليه السَّلام:"إِنَّ أَشَدّ النّاسِ بَلاءً
النَّبِيُّونَ ثُمَّ الوَصِيُّونَ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ وَإِنَّما يُبْتَلَى المُؤْمِنُ عَلى قَدرِ أَعْمالِهِ الحَسَنَةِ، فَمَنْ
صَحَّ دِينُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، اشْتَدَّ بَلاؤُه وَذلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلِ الدُّنْيا ثَواباً لِمُؤْمِنٍ وَلا
عُقُوبَةً لِكافِرٍ وَمَنْ سَخُفَ دينُهُ وَضَعُفَ عَقْلُهُ، قَلَّ بَلاؤهُ وَإِنَّ البَلاء أسْرَعُ إِلَى المُؤْمِنِ
التَّقِيِّ مِنَ الْمَطَرِ إِلى قَرارِ الأْرْضِ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر،
باب شدّة ابتلاء المؤمن، ح29 ) . [271] الشرح: قال بعض بأن المقصود من الناس في
أمثال هذا الحديث الشريف، الكاملون من قبيل الأنبياء والأولياء والأوصياء، فإنهم الناس
حقاً. وأمّا عامة الناس فهم النسناس كما ورد في الأحاديث. ولكن لا مرجح لهذا الكلام،
بل المناسب في المقام إرادة عموم البشر وهو واضح تماماً. ويكون - هذا المعنى - مستفاداً
من الأحاديث الموجودة في هذا الباب من كتاب الكافي. وإذا عثرنا في حديث على
كلمة"الناس"وكان المقصود منها الكاملين، فليس ذلك مبرراً لإرادة هذا المعنى من هذه
اللفظة حيثما وردت. إن"البـَلاءَ"هو الاختبار و الامتحان، في الحسن و القبح. كما
صرح بذلك أهل اللغة. يقول الجوهري في الصحاح ( و البلاء الاختبار يكون بالخير
والشر، يقال أبلاه الله بلاءاً حسناً وابتلاه معروفاً ) ويقول الحق المَتعال {بَلاَءً
حَسَنًا}(الأنفال/ 17) وعلى أي حال إن كل ما يمتحن به الحق جل جلاله عباده يدعى
بلاءً أو ابتلاءً سواءً كان بالأمراض والأسقام والفقر والذل وإدبار الدنيا أو بما يقابل هذه
الأمور، كأن يُختبر بكثرة الجاه والاقتدار و المال والمنال و بالزعامة و العزّة و العظمة.
ولكن متى ما ذكر البلاء أو البلية أو الابتلاء بصورة مطلقة انصرف وانسبق إلى الذهن من
اللفظ، البلاء من القسم الأول. [272] و"أَمْـثَلْ"بمعنى أفضل وأشرف يقال: هذا أمثل
من هذا أي أفضل وأدنى إلى الخير. وأماثل الناس، خيارهم. فمعنى"ثـُمَّ الأَمْثَلْ
فَالأَمْثَلُ"هو أن من كان أفضل وأحسن - بعد الأئمة الأوصياء عليهم السلام - فبلاؤه أشدّ
من الآخرين. ومَنْ كان - من غير الفئة المذكورة - أفضل فبلاؤه أكثر من غيره من الناس.
فمراتب الابتلاء على قدر درجات الفضل - عند الله سبحانه -. ولا يوجد مثل هذا التعبير
- الأمثل فالأمثل - في الأدب الفارسي حتى أذكره. والـ"سـُخـْفَ"هو ضعف العقل
وخفته، كما ورد في الصحاح وغيره من الكتب اللغوية. والـ"قَرَارَ"هو المستقر والمكان،
كما يستفاد من معاجم اللغة. وفي - كتاب - قاموس اللغة:"القرار والقرارة ما قُرَّ فيه
والمطمئن من الأرض"ووجه الشبه - بين المؤمن التقي وقرار الأرض - هو أن الأرض محل
الأمطار و مستقرها، حيث تهطل قطرات السماء عليها وتستقر، وكذلك المؤمن حيث
تهجم عليه البلايـا، و تستقر عنده ولا تفارقه. ونحن إن شاء الله سنشرح ما يحتاج إليه
الحديث الشريف في غضون فصول عدّة. فصل في بيان معنى الامتحان وآثاره وكيفية
نسبته إلى الحق المقدس المتعالي اعلم أن النفوس البشرية منذ ظهورها و تعلقها بالأجساد،
وهبوطها إلى عالم المُلُك- عالم المادة - تكون على نحو القوّة - الأهلية والقابلية - تجاه
جميع العلوم والمعارف والملكات - الحالات الراسخة المتمركزة في الإنسان - الحسنة
والسيئة، بل تجاه جميع الإدراكات والفعليّات - الحاضرة التي هي ذات آثار - ثم تتدرج
بعناية الحق - جل جلاله - نحو الفعلية شيئاً فشيئاً، فتبدو أولاً الإدراكات الضعيفة الجزئية
مثل حاسة اللمس والحواس الظاهرية الأخرى الأخسّ فالأخسّ ثم تظهر ثانياً الإدراكات
الباطنية متدرجة أيضاً. ولكن الملكات لا تزال موجودة بالقوة، فإن لم تتأثر بعوامل تفجر
فيها الطاقات الخيرة وتركت لوحدها لانتصرت الخبائث [273] وتحققت الملكات
الفاسدة وانعطفت نحو القبائح والمساوئ، لأن الدواعي الداخلية الباطنية كالشهوة والغضب
وغيرها يسوقان الإنسان إلى الفجور والتعدي والظلم وبعد انقياده لهما يتحوّل في فترة
قصيرة إلى حيوان عجيب وشيطان غريب. ولما كانت عناية الحق تعالى ورحمته قد وسعت
بني الإنسان في الأزل، جعل لهم سبحانه حسب تقدير دقيق نوعين من المربي والمهذب،
بمثابة جناحين يطير بهما من حضيض الجهل والنقص والقباحة والشقاء إلى أوج العلم
والمعرفة والكمال والجمال والسعادة ويحرر نفسه من ضغط ضيق عالم الطبيعة إلى الفضاء
الرحب الملكوتي الأعلى. وهما: المربي الباطني المتجسد في العقل والقدرة على التمييز بين
الحسن والقبح. والمربي الخارجي المتمثل في الأنبياء والأدلاّء لطرق السعادة والشقاء. وكل
منهما لا يؤدي دوره بدون الآخر، إذ أن العقل البشري عاجز عن معرفة طرق السعادة
والشقاء واكتشاف الطريق إلى عالم الغيب، ونشأة الآخرة، كما أن هداية الأنبياء،
وإرشادهم لا تكون مؤثرة بدون إدراك العقل والقدرة على التمييز. فالحق - تبارك وتعالى
- منحنا هذين النوعين من الموجّه لكي نجعل الطاقات المكتنزة والاستعدادات الكامنة في
النفوس تتحرك من القوة إلى الفعلية و الظهور. وقد وهبنا الحق المتعالي هاتين النعمتين
الكبيرتين لنا امتحاناً واختباراً، لأن الإنسان يتميز أفراده بعضهم عن بعض، ويتم الفصل بين
السعيد والشقي والمطيع والعاصي والكامل والناقص كما قال ولي المؤمنين عليه
السلام:"وَالَّذي بَعَثَهُ بِالحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً"( نهج البلاغة. خطبة 16 (
الشيخ صبحي صالح ) ) وفي كتاب الكافي الشريف في باب التمحيص والامتحان عن ابن
أبي يعفور عن الإمام الصادق عليه السلام:"لاَ بُدَّ للنّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا وَيُمَيَّزُوا وَيُغَرْبَلُوا
وَيُسْتَخْرَج فِي الغِرْبالِ خـَلـْقٌ كَثيرُ"( أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب
التمحيص و الامتحان، ح2، ح3، ح4) وبـِإسْنادِهِ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللهِ
عليه السّلام:"يا مَنْصُورُ إِنَّ هذَا{ [274] الأمْر لا يَأْتيكُمْ إلاّ بَعْدَ إياسٍ وَلا وَاللهِ حَتّى
تُمَيَّزُوا وَلا وَاللهِ حَتّى تُمَحَّصُوا وَلا وَاللهِ حَتّى يَشْقَى مَنْ يَشْقَى وَيَسْعَدَ مَنْ يَسْعَدُ"(
أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب التمحيص و الامتحان، ح2، ح 3، ح4.
) وفي حديث آخر عن أبي الحسن عليه السلام قال:"يـُخـَلـَّصُونَ كَما يُخَلَّصُ
الذَّهَبُ"( أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب التمحيص و الامتحان، ح2،
ح3، ح4) وفي كتاب الكافي الشريف في باب الابتلاء والاختبار بسنده إلى الإمام الصادق
عليه السلام قال:"مـَا مـِنْ قَبْضٍ وَلا بَسْطٍ إلاَّ وَللهِ مَشِيئَةٌ وَقَضاءٌ وَابْتِلاءٌ"(أصول
الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة باب الابتلاء والاختبار، ح1، ح2) و في حديث آخر
عنه عليه السلام قال:"إنـَّهُ لَيْسَ شَيءٌ فيهِ قَبْضٌ أوْ بَسْطٌ مِمّا أمَرَ اللهُ أوْ نَهى عَنْهُ إلاّ
وَفِيهِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ ابْتِلاءٌ وَقَضاءٌ"(أصول الكافي، المجلد الأول، كتاب الحجة، باب الابتلاء
والاختبار،ح 1، ح2) و"القـْبـْضُ"في اللغة الإمساك والمنع والأخذ، و"البَسْطُ"بمعنى
النشر والعطاء: فكل عطاء وتوسعة ومنع امتحان للإنسان، كما أن كل أمر ونهي وتكليف
يكون للامتحان أيضاً. فإن بعث الرسل ونشر الكتب السماوية لغربلة الناس، ولفصل
الأشقياء عن السعداء، والمطيعين من العاصيين. ومعنى امتحان الحق المتعالي للناس واختبارهم
هو الفصل الحقيقي الواقعي على صعيد الخارج - للناس بعضهم عن بعض، لا العلم
بالفصل، لأن علم الحق جل جلاله أزلي ومتعلق ومحيط بكل شيء قبل إيجاده. والحكماء قد
أسهبوا الحديث في معنى الابتلاء والامتحان، ولا يتناسب نقله في هذا الكتاب. فنتيجة
الاختبار بصورة مطلقة - ورغم أن الأمرين المذكورين من أهم نتائجه- هو فصل السعيد
عن الشقي على صعيد الخارج الواقعي. وتتم في هذا الامتحان والتمحيص حجة الله على
خلقه أيضاً، وتكون تعاسة وسعادة وهلاك وحياة كل شخص عن حُجّة وبينة، ولا يبقى
لأحد مجال للاعتراض، فمن سعى في طريق السعادة والحياة الأبدية، كان سعيه توفيقاً من
الله وهدايةً له، لأنه سبحانه قد وفر جميع أسباب هذا السبيل. ومن جدّ في طريق [275]
الشقاء ووجه وجّهه نحو الهلاك ومتابعة الهوى والشيطان مع توفر كل طرق الهداية وأسباب
السعادة، فقد اختار بنفسه الهلاك والتعاسة رغم نهوض الحجَة البالغة للحق تبارك وتعالى
على خلاف ما أرتآه {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ }(البقرة/ 286 ). فصل
في بيان فلسفة شدّة ابتلاء الأنبياء والأوصياء والمؤمنين اعلم وقد سبق منا الحديث بأن
كل عمل يصدر من الإنسان، بل كل ما يقع منه في عالم مُلك الجسم، وكان مدرَكاً
للنفس، يترك أثراً لدى النفس، من دون فرق بين الأعمال الحسنة أو السيئة، ومن دون فرق
بين أن يكون العمل من نوع الأفراح أو نوع الأتراح. وقد عُبّر عن هذا الأثر في الأخبار
بنقطة بيضاء ونقطة سوداء فمثلاً: إن كل لذة مما يلتذ الإنسان به من المطعومات أو
المشروبات أو المنكوحات أو غيرها، يترك أثراً في النفس، ويحصل تعلقاً ومحبة في عمق
الروح تجاهه - الشيء الذي تمتع فيه - ويزداد توجه النفس إليه. وكلما توغل في اللذائذ
والمشتهيات أكثر، ازداد تعلق النفس وحبّهاً لهذا العالم أكثر. وغدا ركونه واعتماده على
هذا العالم أكبر، فتتربى النفس وترتاض على التعلق بالدنيا. وكلما كانت المتع في ذائقته
أحلى، كانت جذور محبّة الدنيا في قلبه أكثر. وكلما توفرت وسائل العيش والعشرة
والراحة بشكل أوفى، أصبحت دوحة التعلق بالدنيا أقوى وكلما أقبلت النفس على الدنيا
أكثر، كلما كانت غفلته عن الحق وعالم الآخرة أكثر. فإن نفس الإنسان إذا ركنت إلى
الدنيا كلياً وصار توجهها مادياً ودنيوياً، انصرف عن الحق المتعال ودار الكرامة نهائياً و
{أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ }(الأعراف/176 ). فالانهماك في بحر اللذائذ والمشتهيات
يصرف الإنسان إلى حب الدنيا من دون اختيار، وحب الدنيا يوجب النفور عن غيرها،
والإقبال على المُلُك - الماديات - يسبب الغفلة عن الملكوت - عالم الغيب -. وكذلك
العكس فلو أن الإنسان استاء من شيء وشعر ببشاعته، استدعت صورة ذلك الشيء
الكراهية والنفور، وكلما كانت تلك الصورة في النفس أقوى كان النفور والانزجار منها
أكثر. [276] فمثلاً: إذا دخل شخص على بلد وابتلى بأسقام وآلام فيه وعانا من ورائه
مشاكل داخلية وخارجية لكرهه وتنفّر منه وكلما كانت معاناته أكثر كان هروبه ونفوره
منه أكثر وإذا وجد مدينة أفضل منه لأقبل عليها وإن لم يستطع التحرك نحوها، لاشتاق
إليها وتوجّه قلبه نحوها. فالإنسان إذا عاش هموم الدنيا وآلامها وأسقامها ومشاكلها و
عنائها و شعر بأن أمواج الفتن و المحن تزحف نحوه، خفّ تعلقه بها - أي الدنيا - و قل
ركونه إليها و نفر قلبه منها. و إذا اعتقد بوجود عالم آخر، وفضاء رحب فارغ من جميع
أنواع الشقاء و التعاسة، ارتحل إليه. وإذا لم يتمكن من السفر بجسمه لذهب بروحه و بعث
بقلبه إلى ذلك العالم. وواضح جداً أن المفاسد الروحية و الخلقية والسلوكية بأسرها تنجم
عن حب الدنيا والغفلة عن الله سبحانه و عالم الآخرة، و إن حبّ الدنيا رأس كل خطيئة.
في حين أن الصلاح الروحي والخلقي والسلوكي ينبعث من التوجه نحو الحق، ودار الكرامة
- عالم الآخرة - ومن اللامبالاة بالدنيا وعدم الانبهار بزخارفها. إذاً، علمنا من هذا
التمهيد بأن لطف الحق تبارك و تعالى وعنايته كلما شملت لشخص أكثر، ووسعته رحمة
الذات المقدسة بصورة أوفى، كلما أبعد سبحانه عن هذا العالم وزخرفه أكثر، ودفع عنه
أمواج المحن والفتن أكثر، حتى تنقلع رغبته في الدنيا وزركشتها، ووجه وجَّهه حسب
مستوى إيمانه إلى عالم الآخرة وارتبطت روحه بذلك العالم. وإن لم تكن جدوى من
احتمال شدائد المحن إلاّ هذه الجهة - الانزجار والإعراض عن الدنيا والإقبال نحو الآخرة -
لوحدها، لكفى. وفي الأحاديث الشريفة إشارة إلى هذا المعنى: محمّدُ بْنِ يَعْقُوب بِإسْنادِهِ
عَنْ أبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قالَ:"إنَّ الله تَعالَى لَيَتَعاهَدَ المؤمِنَ بالْبَلاءِ كَما يَتَعاهَدُ الرَّجُلُ
أهْلَهُ بِالهَدِيَّةَ مِنَ الغَيبَةِ وَيحْمِيهِ الدُّنْيا كَما يَحْمِي الطَّبيبُ الْمَريضَ"( أصول الكافي، المجلد
الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح17) [277] ونقل هذا المعنى في
حديث آخر. ولا يحسبن أحد إن محبة الحق وشدة عناية ذاته الأقدس، لبعض عباده جزاف
ومن دون جهة - والعياذ بالله - بل كل خطوة يخطوها مؤمن وعبد من عباده، غمرته
رحمة الحق المتعالي وأقبل على عبده قدر ذراع. إن مَثَلَ الإيمان وتوفير بواعث التوفيق، مَثَلُ
إنسان قد حمل مصباحاً وسلك طريقاً مظلماً فكلما تقدم خطوة، أضاء أمامه واهتدى
للخطوة اللاحقة. فكلما رفع الإنسان قدماً نحو عالم الآخرة، اتضح السبيل أكثر، وغمرته
عنايات الحق بصورة أكبر، وتوفرت عوامل التوجه إلى عالم القرب - الآخرة - والانزعاج
عن عالم البعد - الدنيا -. والعنايات الأزلية للحق المتعالي إنما تسع الأنبياء والأولياء لعلمه
- سبحانه - الأزلي بطاعتهم أيام التكليف. كما أنكم لو علمتم أيام طفولة ولديكم بأن
أحدهما سيطيعكم ويسعى في تأمين رضاكم وثانيهما يبعث على سخطكم وامتعاضكم،
فمن المعلوم أن ألطافكم ستشمل المطيع أكثر من الثاني منذ الأيام الأولى. ومن فوائد شدّة
ابتلاء الخواص من العباد، أن هؤلاء من خلال المحن والمعاناة يذكرون الحق ويناجونه.
ويتضرّعون على أعتابه المقدسة في ساحة ذاته الأقدس ويعيشون مع ذكره وفكره. ومن
الطبيعي أن نوع بني الإنسان يتشبث حين الشدة بكل ما يرجو فيه النجاة، وعند الرخاء
والراحة يغفل عنه. ولما كان الخواص من العباد، لا يعرفون ملجأً إلا الحق، توجهوا نحوه،
وانقطعوا إلى مقامه المقدس، وإن الحق المتعال يوفر لهم سبب الانقطاع إليه من خلال عنايته
الخاصة بهم. ولا تستساغ هذه الفائدة - من الابتلاء - وحتى الفائدة السابقة، لدى الأنبياء
والأولياء الكُمَّـلين، لتنزّه مقامهم الشامخ عن ذلك، وعدم انعطاف قلوبهم تجاه الدنيا، ولا
تتبدل في الانقطاع إلى الحق من جراء تغيّر الأحوال. ويمكن أن يكون إيثار الأنبياء والأولياء
للفقر على الغنى، والابتلاء على الراحة، والمعاناة على غيرها نتيجة أنهم وقفوا من خلال
النور الباطني والمكاشفات [278] الروحانية على أن الحق المتعالي لا ينظر بعين اللطف إلى
هذا العالم ولا إلى زخارفه، ولا يكون للدنيا وما فيها موقع أمام ساحته المقدسة إلاّ الذل
والهوان. والأحاديث الشريفة شاهدة على ذلك. ففي الحديث أن جبرائيل قد نزل على
رسول الله صلّى الله عليه وأله وسلم ومعه مفاتيح خزائن الأرض وقال لو اخترتها لما هبط
من درجاتك الأخروية، شيء أبدا. ولكن رسول الله صلّى الله عليه وأله وسلم قد امتنع عن
القبول تواضعا للحق سبحانه، واختار الفقر. وفي الكافي الشريف في حديث بسنده عن
الإمام الصادق عليه السلام:"إنَّ الكَافِرَ لَيَهُونُ عَلَى اللهِ لَوْ سَأَلَهُ الدُّنْيَا بِمَا فيها أَعْطَاهُ
ذلِكَ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان و الكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح
28 ) وذلك من جرّاء هوان الدنيا في عين الحق الكبير المتعالي. وفي حديث أن الحق جل
وعلا منذ أن خلق العالم المادي لم ينظر إليه نظرة لطف وعناية. ومن فوائد شدة ابتلاء
المؤمنين حسب ما أشير إليها في الأخبار، أن لهم درجات لا ينالونها إلاّ من وراء المصائب
والأسقام والآلام. ويحتمل أن تكون هذه الفوائد صورة - غيبية - للإعراض عن الدنيا
والإقبال على الحق المتعالي. ويمكن أن تكون صورة ملكوتية لهذه المحن حيث لا تبلغ إلا بعد
حصولها -البليّات - في عالم المُلك وابتلاء الإنسان بها، كما ورد في الحديث الشريف
المأثور في الكافي بسنده إلى الإمام الصادق عليه السلام قال:"إِنَّهُ لَيَكُونُ لِلْعَبْدِ مَنْزِلَةُ عِنْدَ
اللهِ فَمَا يَنالُها إِلاّ بِإِحْدَى الخَصْلَتَيْنِ إمّا بِذَهابِ مالِ أوْ بِبَلِيَّةٍ في جَسَدِهِ‎‎"( أصول الكافي،
المجلد الثاني، كتاب الإيمان و الكفر، باب شدة ابتلاء المؤمـن،ح23 وح3 ). وفي رواية
شهادة الإمام أبي عبدالله الحسين عليه السلام أنه رأى جده رسول الله صلّى الله عليه وآله
وسلم في المنام وأخبره بـ {أَنَّ لَكَ دَرَجَةً فِي الجَنَّةِ لاَ تَنَالُهَا إِلاَّ بِالشَّهَادَةِ}( بحار الأنوار،
المجلد 67، ص250) ومن المعلوم أن الصورة الملكوتية للشهادة في سبيل الله لم تحصل إلا
بعد وقوع الشهادة في عالم الملك - عالمنا الحاضر- كما برهن على ذلك في العلوم
[279] العالية. وورد في الأخبار المذكورة أن لكل عمل في هذا العالم صورة في عالم
آخر. وفي الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام قال:"إِنَّ عَظيمَ الأَجْرِ لَمَعَ عَظيمِ البلاءِ
وَما أحَبَّ اللهُ قَوْماً إِلاَّ ابْتَلاهُمْ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب
شدة ابتلاء المؤمن، ح23 وح3). فصل الأنبياء مبرؤون من العيوب الجسدية
يقول المحدث الكبير المجلسي - عليه الرحمة - ( في هذه الأحاديث - أحاديث ابتلاء الأنبياء
- الواردة من طرق الخاصة والعامة، دلالة واضحة على أن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام
في الأمراض الحسية والبلايا الجسمية كغيرهم بل هم أولى بها من الغير تعظيماً لأجرهم
الذي يوجب التفاضل في الدرجات ولا يقدح ذلك في رتبتهم بل هو تثبيت لأمرهم وأنهم
بشر إذ لو لم يصبهم ما أصاب سائر البشر مع ما يظهر في أيديهم من خرق العادة لقيل
فيهم ما قالت النصارى في نبيهم ) انتهى ( بحار الأنوار، المجلد67، ص250). وقال المحقق
المدقق الطوسي والحكيم العظيم القدوسي - عطّر الله مرقده - في كتاب التجريد في بحث
ما يجب كونه فـي كل نبي (... وكلما ينفر عنه الخلق... )( بحار الأنوار، المجلد67،
ص250). وقال علامة علماء الإسلام - رضوان الله عليـه - في شـرح هذه الجمـلة:(
وأن يكون منزهاً عن الأمراض المنفّرة نحو الأُنبَة وسلس الريح والجذام والبرص لأن ذلك
كله مما ينفر عنه فيكون منافياً للغرض من البعثة)( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان
والكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح23 وح3 ). يقول الكاتب: إن درجة النبوة و إن كانت
تابعة للكمالات النفسية و الدرجات الروحانية، و لا علاقة لها بالجسم. و أن النقائص
الجسمانية و أمراضها لا تسيء إلى [280] المقام الروحاني للأنبياء. و أن الأمراض المنفرة
لا تقلل شيئاً من علو شأنهم وعظمة رتبتهم، إن لم تؤكد كمالاتهم و تدعم درجاتهم،
كما أشير إليها. ولكن ما ألمح إليه المحققان لا يخلو عن وجه، لأن عوام الناس لا يفرقون
بين المقامات - الجسمية والروحية - ويحسبون أن النقص الجسماني نتيجة النقص
الروحاني أو ملازم له، ويعتبرون أن من عناية الحق سبحانه أن لا يصيب الأنبياء
أصحاب الشريعة والمبعوثين بالرسالة، بأمراض تسبب نفرة الطباع واستيحاش الناس.
فعدم ابتلائهم لا يكون نتيجة أن هذه المصائب والبلايا تحط من مقام النبوة، بل لأجل
فائدة هي إكمال التبليغ والإرشاد. وعليه لا مانع من ابتلاء بعض الأنبياء الذين لم يحظوا
بالشريعة، وابتلاء الأولياء الكبار والمؤمنين بمثل هذه المحن. كما أن النبي أيوب والمؤمن
حبيب النجار مبتليين. وقد وردت أحاديث كثيرة في ابتلاء النبي أيوب عليه السلام:
فمن ذلك ما روي عن تفسير علي بن إبراهيم، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله عليه
السلام في حديث طويل قال:"فَسَلَّطَهُ عَلى بَدَنِهِ ما خَلا عَقْلَهُ وَعَيْنَيْهِ فَنَفَخَ فِيهِ إبْلِيسُ
فَصارَ قُرْحَةً واحِدَةً مِنْ قَرْنِه إِلى قَدَمِهِ فَبَقِيَ في ذلِكَ دَهْرَاً طَويلاً يَحْمَدُ اللهَ وَيَشْكُرُهُ
حَتّى وَقَعَ في بَدَنِهِ الدُّودُ وَكانَتْ تَخْرُجُ مِنْ بَدَنِهِ فَيَرُدُّها وَيَقُولُ لَها ارْجِعي إلى مَوْضِعِكِ
الَّذي خَلَقَكِ اللهُ مِنْهُ وَنَتَنَ حَتّى أخْرَجَهُ أهْلُ القَرْيَةِ مِنَ القَرْيَةِ وَألْقوْهُ في المَزْبَلَةِ خارِجَ
القَرْيَةِ"( بحر الأنوار، ح12، ص 342 ) . وفي الكافي بإسْنَادِهِ عَنْ أبي بَصيرٍ، عَنْ أبـي
عَبْدِ الله عليـه السلام قالَ:"قُلْتُ لَهُ: فَإذا قَرَأْتَ القرآنَ فَاستَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطان
الرَّجيمِ * إنّه ليسَ لَهُ سُلْطانٌ على الّذين آمنوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". فَقَال:"يا أَبَا
مُحَمَّدٍ يُسَلَّطُ وَاللهِ مِنَ المُؤْمِنِ عَلى بَدَنِهِ وَلا يُسَلَّطُ عَلى دِينِه، قَدْ سُلِّطَ عَلى أيُّوبَ فَشَوِّهَ
خَلْقَهُ وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلى دِينِه وَقَدْ يُسَلَّطْ مِنَ المُؤْمِنينَ عَلى أَبْدانِهِمْ وَلا يُسَلَّطُ عَلى دِينِهِم"(
روضة الكافي ص 288 ح 433) وبـِإسـْنادِهِ عَنْ نَاجيَةَ قَالَ:"قُلْتُ لأبي جَعْفَرٍ عليه
السلام: إنَّ المُغيرَةَ يَقُولُ: إنَّ المُؤْمِنَ لا يُبْتَلى بِالْجُذام وَلا باِلبَرَص وَلا بكَذا ولاَ بِكَذا،
فَقالَ: إنْ كانَ لَغافِلاً عَنْ [281] صاحِبِ ياسِينَ إنَّهُ كانَ مُكَنَّعاً - ثُمَّ رَدَّ أصابِعَهُ فَقالَ:
كَأنّي أنْظُرُ إلى تَكْنِيعِه، أتاهُمْ فَأَنْذَرهُمْ ثُمَّ عادَ إِلَيْهمْ مِنَ الغَدِ، فَقَتَلُوهُ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ المُؤْمِنَ
يُبْتَلى بِكُلِّ بَلِيَّةٍ وَيَمُوتُ بِكُلِّ بَلِيَّةٍ إِلا أنَّهُ لا يَقْتُلُ نَفْسَهُ"( أصول الكافي، المجلد الثاني،
كتاب الإيمان و الكفر، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح12) إن"صاحب ياسين"هو حبيب
النجار و"التكنيع"مع النون كما هو في أكثر النسخ بمعنى التشنج والمُثلة كما في البحار.
قال المجلسي"كأنّه كان الجذام سبباً لتكنيع أصابعه"( بحار الأنوار، المجلد 67 ص 250)
وفي هذا الكلام تأمل. ويستفاد من هذه الأحاديث والروايات الأخرى أن الأنبياء والمؤمنين
قد يصابون بأمراض منفرة لأجل بعض المصالح. وتقابل هذه الأخبار، أحاديث أخرى تنفي
تشويه جسم النبي أيوب عليه السلام بسبب الأمراض، وانبعاث الرائحة الكريهة من جسده
المبارك. ولا جدوى في الجمع بين هذه الروايات وإطالة البحث فيها. وملخص الحديث أن
مثل هذه الأمراض لا تسيء إلى المؤمنين ولا تعدّ نقصاً لهم ولا للأنبياء عليهم السلام بل
تبعث على رفعة درجتهم وعلو شأنهم والله تعالى أعلم بالصوّاب. فصل في بيان أن الدنيا
ليست محلا لثواب الحق المتعالي و عقابه اعلم أن هذا العالم الدنيوي لما فيه من النقص
والقصور والضعف لا يكون دار كرامة ولا محلاً لثواب الحق سبحانه ولا محلاًّ لعذابه
وعقابه، لأن دار كرامة الحق عز وجل عالم تكون نعمه خالصة وغير مشوبة بالنقم، وراحته
غير مخلوطة بالشقاء والتعب، ومثل هذه النعم غير متوفرة في هذا العالم، لأنه دار التزاحم
والصراع. وإن كل نعمة من نعم هذا العالم محفوفة بأنواع من العذاب والآلام والمحن. بل
قال الحكماء أن لذّات هذا العالم هي دفع للآلام ونستطيع أن نقول [282] إن لذّاته
تبعث على الآلام لأن إثر كل لذّة، شقاء ونصب وألم، بل إن مادة هذا العالم تتمرّد على
قبول الرحمة الخالصة والنعمة المحضة غير المشوبة بالمكاره. وهكذا العذاب والشقاء والألم
والتعب في هذا العالم لا يكون خالصاً، بل يكون كل ألم وتعب محفوفاً بنعمة أو نعم، وكل
واحد من الآلام والأسقام والشقاء والمحن في هذا العالم لا يكون محضاً وغير مشوب بنعمة
ورحمة: فإن مادّة هذا العالم تتمرّد على قبول العذاب الخالص المطلق. إن دار عذاب الحق
سبحانه ودار عقابه، دار فيها العذاب المحض والعقاب الخالص، وأن آلامها وأسقامها لا
تضاهى بآلام وأسقام هذا العالم كأن يمس العذاب عضواً دون عضو، أو يكون عضو سالماً
وفي راحة والآخر في تعب وشقاء. وقد أشير إلى بعض ما ذكرنا في الحديث الشريف الذي
شرحناه عندما يقول:"وَذِلكَ - السبب في ابتلاء المؤمن بالبليات - أنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلِ
الدُّنْيا ثَواباً لِمُؤْمِنٍ وَلا عُقُوبَةً لِكافِرٍ"هنا - عالم الدنيا - دار تكليف، ومزرعة الآخرة،
وعالم الكسب. وهناك - عالم الآخرة - دار جزاء ومكافأة وثواب وعقاب. إن الذين
يتوقعون من الحق سبحانه أن ينتقم في هذا العالم من كل مرتكب معصية أو فاحشة أو جور
أو اعتداء، بأن يضع - عز وجل - حدّاً له، فيقطع يده ويقلع العاصي من الوجود إنهم
غافلون بأن مثل هذا العقاب خلاف النظم والسُّنَّة الإِلهية التي أقرّها الله سبحانه. إن هذه
الدار، دار امتحان وتفريق بين الشقي والسعيد والمطيع والعاصي، وعالم ظهور الفعاليات
وليس بدار تبيّن نتائج الأعمال والملكات. وإذا انتقم الحق المتعالي من ظالم نادراً، لأمكننا
القول بأن عناية الحق عز وجل شملته. وإذا ترك أهل الموبقات والظلم في ضلالهم وغيّهم،
كان ذلك استدراجاً. كما يقول الله سبحانه: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ،وَأُمْلِي
لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}(القلم/ 44-45 ). [283] ويقول: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}(آل
عمران/178). وفي مجمع البيان عن الصادق عليه السلام أنه قال:"إِذا أحْدَثَ الْعَبْدُ ذَنْباً
جُدِّدَ لَهُ نِعْمَةٌ فَيَدَعُ الاستغفارَ فَهُوَ الاستدراجُ"( مجمع البيان، المجلد الخامس، ص 340 )
. فصل أن شدة المعاناة الروحية توازي شدة الإدراك يظهر من نهاية الحديث الشريف
- المذكور في بداية الموضوع -"وَمَنْ سَخُفَ دينُه وَضَعُفَ عَقْلَهُ، قَلَّ بَلاؤُهُ"إن البليـّة
تعمّ الجسمانية والروحانية، فإن الأشخاص الضعاف في عقولهم وإدراكهم في أمان من
المعاناة الروحية والانزعاجات العقلية، على خلاف من يتمتع بالعقل الكامل والإدراك[A1]
الحذق، حيث تزداد معاناته ومصائبه. ومن المحتمل أن يعود إلى هذا المعنى كلام الرسول
صلّى الله عليه وأله وسلم القائل:"مـَا أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثْلَ مَا أوذيتُ"( الجامع الصغير، المجلد
الثاني، ص 144 ) لأن كل من يدرك جلال الربّ وعظمته أكثر، ويقف على المقام
المقدس للحق جل وعلا بشكل أعمق، يتألم ويتعذّب من جراء عصيان العباد وهتكهم
للحرمة أكثر. وأيضاً كل من كانت رحمته وعنايته وشفقته على عباد الله أكثر، تأذَّى من
اعوجاج العباد وشقائهم أكثر. وقطعاً كان خاتم النبيين صلّى الله عليه وأله وسلم في كل
هذه المقامات والمنازل الكمالية، أكمل من جميع النبيين والأولياء وبني الإنسان فتكون محنه
وآلامه أعمق. وأيضاً هناك توجيه آخر - لكلام الرسول صلّى الله عليه وأله وسلم - لا
يتناسب مع هذا المقام. والله العالم ولـَهُ الحمد. [285] الحَديث السَـادسِ عشـَر
"الصَّـبر" [286] بِأسَانِيدِنَا المُتَّصِلَةِ إِلى ثِقَةِ الإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ، فَخْرِ الطَائِفَةِ الحَقَّةِ
وَمُقَدَّمِهِمْ مُحَمَّد بْنِ يَعْقُوبَ الكُلَيْنِيّ _ رضي الله عنه _ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ
بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعمانِ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْكانَ، عَنْ أَبِي
بَصِير قَالَ:"سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللهِ عليه السّلام يَقُولُ: إنَّ الحُرَّ حُرٌّ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، إِنْ
نَابَتْهُ نَائِبَةٌ صَبَرَ لَهَا، وَإِنْ تَدَاكَّتْ عَلَيْهِ المَصَائِبُ لَمْ تَكْسِرْهُ، وَإِنْ أُسِرَ وَقُهِرَ، وَاسْتُبْدِلَ
بِاليُسْر عُسْراً، كَمَا كَانَ يُوسُفُ الصِّدّيقُ الأمينُ لَمْ يُضْرِرْ حُرِيَّتَهُ أَنِ استُعْبِدَ وَقَهُرَ، وَأُسِرَ
وَلَمْ تُضْرِرْهُ ظُلْمَةُ الجُبِّ وَوَحْشَتُهُ وَمَا نَالَهُ أنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ الجَبَّارَ العَاتِيَ لَهَ عَبْداً
بَعْدَ إِذْ كَانِ [ لَهُ ] مَالِكاً، فَأَرْسَلَهُ وَرَحِمَ بِهِ أُمَّةً وَكَذلِكَ الصَّبْرُ يُعَقِّبُ خَيْراً فَاصْبِرُوا
وَوَطِّنُوا أنْفُسَكُمْ عَلَى الصَّبْرِ تُؤجَرُوا"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر،
باب الصبر، ح 6 ). [287] الشرح: إن الـ"نَائِبَةُ"مفرد وجمعها نوائب وهي الحوادث
والكوارث النازلة. وفي الصحاح أنها المصيبة. و"دَكَّ"بمعنى دقّ. وفي الصحاح: ( وقد
دككت الشيء أدكَّه دكاً إذا ضربته وكسرته حتى سويته بالأرض. انتهى ). وتداكّت عليه
أي تداقت واستعملت أيضاً بمعنى الاجتماع والازدحام. كما نقل عن
كتاب"النهاية"حديثاً عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام "ثـُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكُكُ
الإِبِلِ الهيم عَلَى حِيَاضِهَا"(نهاية ابن الأثير، المجلد الثاني، ص 128 ) أي ازدحمتم. ونقل
عن النهاية أيضاً أن أصل دكَّ بمعنى الكسر وأن استعماله في هذا الحديـث بالمعنـى الأول
- الاجتماع - أنسب لمكان"لم تكسره"وان كان المعنى الثاني - الكسر - أيضاً مناسباً.
وكلمة ( إن ) في"وَإِنْ أُسِرَ"وصلية وقوله"وَقَهَرَ وَاسْتَبْدَلَ"معطوفان على"أُسر". وقال
المجلسي رحمه الله أن في بعض النسخ"واستبدل بالعسر يسراً"- بتقديم العسر على اليسر -
وعليه تكون جملة (واستبدل ) معطوفة على"لـَمْ تَكْسِرْهُ"فيتبين بذلك منتهى الصبر.
وجملة"أَن اسْتُعْبِدَ"مبني على المفعول وفاعل لقوله"لم يضرر". وفي نسخة مرآة
العقول"استبعد"بتقديم الباء على العين المهملة. وفي كتاب وسائل
الشيعة"استعبد"بتقديم العين على الباء، ولكن المظنون أن نسخة مرآة العقول من سهو
الكاتب وان كان معناه - استبعد - لا يخلو عن الصحة. ولكن المناسب مع المقام ومع
الحديث الشريف هو ما ورد في نسخة وسائل الشيعة. [288] وقوله"وَمَا نَالَهُ"معطوف
على ظلمة الجـُبّ أي لم يضرره ما ناله من إخوته ومن ظلمة الجُبّ والوحشة
والبليّات. وقوله"أن مـَنَّ الله"الأظهر أنه بتقدير إلى - حرف الجر - ومتعلق بـ"لم
تضرر"( فالظرف متعلق بلم يُضرر في الموضعين - ما ناله وأن استعبد - على سبيل
التنازع )( بحار الأنوار، المجلد 71، ص70 ). وأورد المرحوم المجلسي احتمالات كثيرة
في ذلك - أن منّ الله ولم تُضرر - لا يخلو ذكرها عن التطويل ( بحار الأنوار، المجلد
71، ص70 ). والمقصود من قوله"عبداً بعد إذ كان مالكاً"أنه أطاعه. فصل في بيان
أن أسر الشهوة مصدرٌ لكل أسر اعلم أن الإنسان إذا أصبح مقهوراً لهيمنة الشهوة
والميول النفسية، كان رقُّه وعبوديته وذلته بقدر مقهوريته لتلك السلطات الحاكمة عليه،
ومعنى العبودية لشخص هو الخضوع التام له وإطاعته. والإنسان المطيع للشهوات
المقهور للنفس الأمارة يكون عبداً منقاداً لها. وكلما توحي هذه السلطات بشيء أطاعها
الإنسان في منتهى الخضوع، ويغدو عبداً خاضعاً ومطيعاً أمام تلك القوى الحاكمة،
ويبلغ الأمر إلى مستوىً يفضّل طاعتها على طاعة خالق السماوات والأرض، وعبوديتها
على عبودية مالك الملوك الحقيقي، وفي هذا الحال تزول عن نفسه العزة والكرامة
والحرية ويحل محلّها الذل والهوان والعبودية، ويخضع لأهل الدنيا، وينحني قلبه أمامهما
وأمام ذوي الجاه والحشمة، ويتحمل لأجل البلوغ إلى شهواته النفسية الذل والمنّة،
ويستسيغ لأجل الترفيه عن البطن والفرج الهوان، ولا يتضايق من اقتراف ما فيه خلاف
الشرف والفتوة والحرية عندما يكون أسيراً لهوى النفس والشهوة. وينقلب إلى أداة
طيّعة أمام كل صالح وطالح، ويقبل امتنان كل وضيع عنده لمجرد احتمال نيل ما يبتغيه
حتى إذا كان ذلك الشخص أحط وأتفه إنسان، وذلك الاحتمال موهوماً، حيث
يزعمون أن الوهم في دائرة الأطماع حجة. [289] إن عبيد الدنيا وعبيد الرغبات
الذاتية، والذين رسن عبودية الميول النفسية في رقابهم، يعبدون كل من يعلمون أن لديه
الدنيا أو يحتملون أنه من ذوي الدنيا، ويخضعون له، وإذا تحدثوا عن التعفف وكبر
النفس كان حديثهم تدليساً محضاً، وأن أعمالهم أقوالهم تكذّب حديثهم عن عفة النفس
ومناعتها. وهذا الأسر والرق من الأمور التي تجعل الإنسان دائماً في المذلّة والعذاب
والنَصَب. ويجب على الإنسان ذي النبل والكرامة أن يلتجأ إلى كل وسيلة لتطهير نفسه
منها. ويتم التطهير من هذه القذارات، والتحرير من كل خفّة وهوان، بمعالجة النفس،
وهي لا تكون إلا بواسطة العلم والعمل الناجع. أما العمل فيكون بالرياضة الشرعية
وبمخالفة النفس فترة يتم فيها الوازع للنفس تجاه حبها المفرط للدنيا والشهوات والأهواء
حتى تتعوّد النفس على الخيرات والكمالات. وأما العلم فيتم بتلقين النفس وإبلاغ
القلب: بأن الناس الآخرين يضاهونه في الفقر والضعف والحاجة والعجز، وأنهم يشبهونه
أيضاً في الاحتياج إلى الغنيّ المطلق القادر على جميع الأمور الجزئية والكلية، وأنهم غير
قادرين على إنجاز حاجة أحد أبداً، وأنهم أتفه من أن تنعطف النفس إليهم، ويخشع
القلب أمامهم، وان القادر الذي منحهم العزة والشرف والمال والوجاهة، قادر على
المنح لكل أحد. ومن العار حقيقة على الإنسان أن يتذلّل وينحطّ في سبيل بطنه وشهوته،
ويتحمل الامتنان من مخلوق فقير ذليل لا حول له ولا علم ولا وعي. إذا أردت - أيها
الإنسان - أن تقبل المنّة فلتكن من الغني المطلق وخالق السماوات والأرض، فإنك إذا
وجهت وجهك إلى الذات المقدسة، وخشع في محضره قلبك تحرّرت من العالَمين - ما
سوى الله - وخلعت من رقبتك طوق العبودية."العـُبُوديَّةُ جَوْهَرَةٌ كُنْهُهَا الرُبُوبِيَّةُ "(
مصباح الشريعة، الباب المائة، في حقيقة العبودية). ونتيجةً لعبودية الحق والانتباه إلى
نقطة واحدة مركزية، وإفناء كل القوى [290] والسلطات - النفس وأهوائها - في
السلطة الإلهية المطلقة، تنجم حالة في القلب تقهر العوالم الأخرى ويستولي عليها، وتظهر
للروح حالة من الشموخ والعظمة تأبى الطاعة إلا أمام الرب سبحانه وأمام من تكون
طاعتهم طاعة ذات الحق المقدس، وإذا كان من جراء الظروف الطارئة محكوماً لأحد،
لما تزلزل قلبه منه ولحافظ على حرية نفسه واستقلالها، كما كان الشأن في النبي يوسف
ولقمان حيث لم تنعكس سلباً عبوديتهما الظاهرية على حرية وانطلاقة نفسيهما. كم من
أصحاب القدرة والسلطة الظاهرية لم يستنشقوا نسمة حرية النفس الشخصية والاعتداد
بها ويكونون أذلاء وعبيداً للنفس وأهوائها، ويتزلفون نحو المخلوق التافه؟. نقل عن
الإمام علي بن الحسين عليه السّلام أنه قال في حديث"إنّي لآنّفُ أنْ أطْـلُبَ الدُّنْيَا مِنْ
خَالِقِهَا فَكَيْفَ مِنْ مَخْلُوقٍ مِثْلِي"( علل الشرائع، المجلد الأول، باب 165، العلة التي من
أجلها سمي علي بن الحسين زين العابدين ). أيها العزيز إن لم تشعر بالنقص في طلب
الدنيا، فعلى الأقل لا تطلبها من إنسان ضعيف مثلك. وافهم بأنه لا حول للمخلوق في
أعمال دنياك. فلو فرضنا بأنك استطعت مع الذل والامتنان المتكرر أن تكسب رأي
الإنسان الذي تطلب منه إعمار دنياك فان رأيه وإرادته لا تكون فاعلة في مُلك الحق
سبحانه. إذ لا يوجد أحد يتصرف في مملكة مالك الملوك. فلا تتملق لتأمين حياتك
الدنيوية المعدودة، وشهواتك المحدودة، تجاه مخلوق معدم. ولا تغفل عن إلهك، وحافظ
على حريتك، وارفع أغلال العبودية والأسر عن رقبتك، وكن حراً في جميع حالاتك كما
ورد في الحديث الشريف"إن الحُرَّ حُرٌّ عَلَى جَميعِ أَحْوَالِهِ". واعلم أن الغِنى - غنى
النفس - وأن عدم الحاجة من حالات الروح، وغير مرتبطة بأمور خارجة عن الإنسان.
وإنني رأيت أناساً من أهل الثراء والمال والجاه يتفوهون بكلمات يندي لها الجبين ولا
يقولها المستجدي المتهتك. انه المسكين الذي ضُربت على روحه الذلة والمسكنة. [291]
إن شعب اليهود بالنسبة إلى عددهم يعدّون من أغنى الشعوب القاطنين على ظهر
الأرض كافة ولكنهم يعيشون طيلة حياتهم في الشقاء والتعاسة والشدة والهوان، وتبدو
على ملامحهم الحاجة والفقر والذل المسكنة، ولا يكون ذلك الأمن وراء الفقر النفسي
والذل الروحي. ورأينا في أصحاب الزهد وذوي الحياة البسيطة - الدراوشة - أشخاصاً
قلوبهم مفعمة بالغنى والكفاف، ويلقون نظرة اللامبالاة على الدنيا وكل ما فيها، ولا
يجدون أحداً أهلاً الاستنجاد به إلا الحق المقدس المتعالي . وأنت أيضاً تمعّن وابحث في
أحوال أهل الدنيا وذوي الرغبة في الرئاسة، كي ترى ذلهم وتزلفهم وخضوعهم أمام
الناس أكثر من الآخرين . إن أدعياء الإِرشاد والتوجيه، يتحملون الذل بعد الذل
ويبدون الخضوع اثر الخضوع في سبيل ترفيه بطونهم وفروجهم. إن خضوع الحالة
القلبية للمراد - المربِّي - الطالب للدنيا، تجاه المُريد - المُربَّى- أكثر من خضوع قلب
المُريد تجاه المُراد، رغم البون الشاسع بين نوعية الإرادتين. فإن إرادة المريد روحانية
وآلهية حتى إذا كان على خطأ واشتباه - من جهة متعلق الإرادة - في حين أن إرادة
المراد دنيوية وشيطانية. إن ما ذكرناه بأسره، هو الذل الدنيوي والمفاسد الدنيوية. فإذا
ارتفعت الحجب تتجلى الصورة الملكوتية للأسر في أغلال الشهـوات، وسلاسل
الرغبات النفسانية وأنها كيف تكون؟. ولعل هذه السلسلة التي طولها سبعون ذراعاً والتي
أخبر عنها الله تعالى والتي تكون أصفادَاً وأغلالاً لنا في يوم الآخرة هي الصورة الملكوتية لهذا
الأسر والرق في ظل أوامر القوة الشهويّة والغضبية. يقول الله تعالى {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا
حَاضِرًا }(الكهف/ 49 ). ويقول {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } (البقرة/ 286
). فما يصل إلينا في ذلك العالم هو صور أعمالنا. فلذلك مزّق سلاسل الشهوة والأهواء
المتعرجة بعضها على بعض، وحطم أصفاد القلب، وأُخْرج من قيود الأسر، وكن حراً في
هذا العالم، حتى تكون حراً في ذلك العالم. ولولا ذلك [292] لوجدت الصورة الملكوتية
لهذا الأسر حاضرة في ذلك العالم، واعلم بأنها مؤلمة جداً. إن أولياء الله رغم تحررهم التام
من الأسر والرق، وبلوغهم الحرية المطلقة فإن قلوبهم كانت مضطربة وكانوا يجزعون
وينحبون بدرجة تثير دهشة العقول. فصل ( أسر الشهوة أساس البلاء ) إن أبحاث هذه
الأوراق وان كانت من الأمور الرائجة الشائعة ومن المكـررات، ولكن لا بأس في ذلك
فإن تذكير النفس وتكرار قول الحق، أمر مطلوب. ولهذا يستحب تكرار الأذكار
والأوراد والعبادات والمناسك. والسبب الرئيسي هو تعويد النفس وترويضها. فلا
تضجر عزيزي من التكرار. واعلم أنه ما دام الإنسان يرزح في قيود النفس والشهوات،
وما دامت سلاسل الشهوة والغضب الطويلة على رقبته لا يستطيع أن يبلغ المقامات
المعنوية والروحانية، ولا تظهر فيه السلطة الباطنية للنفس وإرادتها الثاقبة، ولا يحصل له
مقام استقلال النفس وعزّتها، الذي هو أرقى مقام لكمال الروح، بل إن هذا الأسر
والرق يقيّده ولا يسمح له بالتمرّد على النفس في جميع الأحوال. ولما قويت هيمنة
النفس الأمارة والشيطان في الباطن، وانقادت القوى جميعها لهما في العبودية والطاعة
وأبدت لهما الخضوع والتسليم التامّين، لما اقتصرتا على المعاصي بل دفعتا بالإنسان من
المعاصي الصغيرة رويداً رويداً إلى المعاصي الكبيرة، ومنها إلى ضعف في العقائد ثم إلى
الأفكار المظلمة ثم إلى الطريق المغلق للجحود ثم إلى بغض وعداوة الأنبياء والأولياء.
وحيث إن النفس مضطهدة وتعيش حالة الرق، لا تستطيع أن تخرج على رغباتها. وعليه
تكون عاقبة أمر الطاعة والتقيّد - للنفس الأمارة - وخيمة جداً، وستدفع بالإنسان إلى
أماكن خطيرة ومخيفة. إن الإنسان العاقل الروؤف بنفسه لا بد له من السعي واللجوء
إلى كل سبيل لإنقاذ نفسه من الأسر، والنهوض أمام النفس الأمارة والشيطان الباطني،
ما دامت الفرصة سانحة، وقواه الجسدية سالمة وما دام أنه على قيد الحياة وفي صحة
موفورة [293] وفتوّة موجودة، وأن قواه لم تتسخر كلياً، ثم يراقب حياته فترة من
الوقت، ويتأمل في أحوال نفسه وأحوال الماضين، ويتمعن في سوء عاقبة بعضهم. ويُفهم
نفسه أن هذه الأيام القليلة، تبلى، ويوقظ قلبه ويفهمه الحقيقة التالية المنقولة عن الرسول
الأكرم - صلّى الله عليه وسلم - حيث خاطبنا قائلاً:"الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ"( إحياء
العلوم للغزالي، المجلد الرابع، ص14. كنوز الحقائق ( المطبوع على هامش كتاب الجامع
الصغير ) ج1 ص133 ). فلو إننا لم نزرع في هذه الأيام المعدودة، ولم نعمل عملاً صالحاً،
لفاتتنا الفرصة، وإذا غشينا الموت، وحلّ العالم الأخر، لانقطعت أعمالنا جميعاً وذهبت آمالنا
نهائياً. وإذا جاء ملك الموت ونحن لا نزال عبيد الشهوات وأسارى قيود أهواء النفس
المتشعبة - والعياذ بالله - لكان من الممكن للشيطان أن يسرق إيماننا الذي هو غايته
القصوى وأن يحتال ويتراءى أمام قلبنا بصورة نخرج من الدنيا ونحن أعداء الحق المتعالي
والأنبياء والأولياء. والله سبحانه يعرف ماذا وراء هذا الحجاب من الشقاوات والظلمات
والوحشة؟. فيا أيتها النفس الدنيئة ويا أيها القلب الساهي استيقظا وأنهضا أمام هذا
العدو الذي ألجمكما منذ سنين وربطكما بأغلال الأسر وقادكما إلى كل جهة حيث
يريد، ودفع بكما إلى كل عمل قبيح وسلوك بشع وأجبركما عليه. وحطّما هذه القيود،
وكسَّرا هذه السلاسل، وكن أيها الإنسان حراً، وادفع عن نفسك الذل والهوان، وضع
في رقبتك طوق العبودية للحق - جلّ وجلاله - حتى تتحرر من كل عبودية وترقى إلى
السلطة الإلهية في العالمين. أيها العزيز على الرغم من أن هذا العالم ليس بدار الجزاء
والمكافأة وليس بمحل لظهور سلطة الحق المتعالي، وإنما هو سجن المؤمن، فلو تحررت من
أسر النفس، وأصبحت عبداً للحق المتعالي، وجعلت القلب موحداً، وأجليت مرآة
روحك من غبار النفاق والأثنينيّة، وأرسلت قلبك إلى النقطة المركزية للكمال المطلق،
لشاهدت بعينك آثار ذلك في هذا العالم، ولتوسع قلبك بقدر يغدو محلاً لظهور السلطنة
التامة الإلهية حيث تصير مساحتها أوسع من جميع العوالم"لاَ يَسعُني [294] أَرْضِي وَلاَ
سَمَائِي وَلكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِن"( غوالي اللئاليء، المجلد الرابع، ص7) ولشعرت
غنى واضحاً في النفس، حيث لم تعبأ بكل العوالم الغيبية والمادية، ولأصبحت إرادتك
قوية، حيث لم تفكر في عالمي المُلك والملكوت، ولم تجد لهما اللياقة لاحتضانك. بيت
شعر: هل رأيت تحليق الطير؟. انسلخ من أغلال الشهوة حتى ترى تحليق الإنسان!.
فصل معنى الصبر وأنه نتيجة التحرر من قيود النفس من النتائج الكبيرة والثمار العظيمة
لتحرّر الإنسان من عبودية النفس، الصبر في البلايا والنوائب. وعلينا أن نشرح معنى
الصبر بصورة مختصرة مع ذكر أقسامه ونتائجه، وارتباطه بالتحرر من أسر النفس. قال
محقّق الطائفة الحقّة ومدقّق الفرقة المحقّة، الكامل في العلم والعمل نصير الدين الطوسي -
قدّس الله نفسه القدوسية - في تعريف الصبر: إنه كفّ النفس عن الجزع عند حلول
مكروه. وقال العارف المحقق المشهور في كتاب"منازل السائرين"انه: امتناع النفس عن
الشكوى على الجزع المستور.( انتهى ). واعلم إن الصبر يعتبر من مقامات المتوسطين،
لأن النفس ما دامت تكره المصائب والبليات، وتجزع منها، يكون مقام معرفته ناقصاً،
كما أن مقام الرضا بالقضاء، والابتهاج من إقبال المصائب عليه، مقام أرقى من مقام
الصبر، رغم كون مقام الرضا من مقامات المتوسطين أيضاً. وهكذا يكون الصبر على
المعصية والطاعة، من جراء نقص المعرفة بأسرار العبادة وصور المعاصي والطاعات. فان
الإنسان إذا أدرك حقيقة العبادة وآمن بصورها البهيّة البرزخية، وكذلك آمن بالصور
البرزخية الموحشة للمعاصي لما كان للصبر على الطاعة أو المعصية وقعٌ. بل الأمر يغدو
معكوساً. فإنه إذا واجه ابتهاجاً وراحةً أو أفضى به الأمر إلى ترك عبادة أو فعل [295]
معصية، لأصبحت هذه الأمور مكروهة عنده وكان جزعه الباطني - النفسي - أكثر
من جزع ذوي الصبر في البليّات والمصائب. نقل عن العبد الصالح، العارف بوظائف
العبودية وصاحب المقامات والكرامات علي بن طاووس - قدس الله نفسه - أنه كان
يحتفل في كل عام يوم ذكرى بلوغه للتكليف الشرعي، ويتّخذه عيداً وينثر الهدايا على
الأصدقاء والأهل، وذلك لِما شرّفه الله سبحانه وتعالى في اليوم بالإذن في فعل العبادات
والطاعات. هل إن فعل الطاعات يعدُّ لهذا الروحاني من الصبر على المكروهات الكامنة
في أعماق الإنسان؟ أين نحن وأين هؤلاء العباد المنقادون للحق تبارك وتعالى؟ نحن نحسب
بأن الحق تبارك وتعالى قد كلفنا وشدد علينا، ونعتبر الأحكام الشرعية كلفة وازعاجاً.
وإذا بذل أحدنا الجهد في أول الوقت لأداء الفريضة، لقال أنه المفروض عليَّ، ويجب في
أقرب وقت أن أرتاح منه! كل هذه التعاسة من جهلنا وقلة علمنا ونقص أو فقدان
إيماننا. وعلى أيّ حال فالحقيقة أن الصبر هو الامتناع عن الشكوى على الجزع الكامن.
وما ورد في أئمة الهدى أو الأنبياء العظام من نعتهم بالصبر، فمن المحتمل أنه من الصبر
على الآلام الجسدية التي تسبب الانفعال والتأثر - حسب طبيعة الإنسان - أو من
الصبر على فراق الأحبة وهو حينئذٍ من المقامات الكبيرة للمحبين فيصحّ الحديث عنه في
تراجم حياتهم. وأما الصبر على الطاعات أو المعاصي أو النوائب عدا ما ذكرنا - الآلام
الجسمية - فلا معنى لها في حقهم ولا في حق شيعتهم. يقول العارف المعروف كمال
الدين عبد الرزاق الكاشاني في كتابه شرخ المنازل: إن هدف خواجة الأنصاري من قوله
إن الصبر كف النفس عن الشكوى. هو الشكوى إلى المخلوق وأما الشكوى عند الحق
المتعالي واظهار الجزع والفزع أمام قدسيته فلا تتنافى مع الصبر. كما اشتكى النبي أيوب
عند الحق سبحانه قائلا: [296] {أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}(ص41). رغم
أن الله تعالى أثنى عليه بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}(ص44). وقال
النبي يعقوب { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}(يوسف/ 86) مع أنه كان من
الصابرين. بل إن ترك الشكوى إلى الحق المتعالي إظهار للجلادة وللدعوى ( انتهى ).
ويبدو من تراجم حياة الأنبياء العظام والأئمة المعصومين - صلوات الله عليهم أجمعين -
رغم أن مقاماتهم كانت أرفع من مقام الصبر ومقام الرضا والتسليم. انهم لم يمتنعوا من
الدعاء والتضرع والعجز أمام المعبود، وكانوا يسألون حاجاتهم من الحق سبحانه. وهذا
لا يكون مغايراً للمقامات الروحية، بل إن تذكر الحق جل وعلا والخلوة والمناجاة مع
المحبوب وإظهار العبودية والذل أمام عظمة الكامل المطلق، غاية آمال العارفين وثمرة
سلوك السالكين. فصل في نتائج الصبر اعلم أن للصبر نتائج كثيرة التي منها ترويض
النفس وتربيتها: إذا صبر الإنسان حيناً من الوقت على المفاجئات المزعجة ونوائب
الدهر، وعلى مشّاق العبادات والمناسك وعلى مرارة ترك الملذات النفسية امتثالاً لأوامر
وليّ النعم، وتَحَمّل الصعاب مهما كانت شديدة ومؤلمة، تروضت النفس شيئاً فشيئاً،
واعتادت وتخلّت عن طغيانها، وتذلَّلت صعوبة تحمل المشاق، عليها، وحصلت للنفس
ملكة راسخة نورية، بها يتجاوز الإنسان مقام الصبر ليبلغ المقامات الأخرى الشامخة. بل
إن الصبر على المعصية يبعث على تقوي النفس، والصبر على الطاعة يسبب الاستيناس
بالحق عز وجل، والصبر على البلايا يوجب الرضا بالقضاء الإلهي، وكل ذلك من
المقامات الشامخة لأهل الإيمان، بل لأهل العرفان. وقد ورد في الأحاديث الشريفة عن
أهل بيت العصمة ثناءٌ بليغٌ على الصبر. كما جاء في [297] الكافي الشريف عن الأمام
الصادق عليه السلام: قالَ:"الصَّبْرُ مِنَ الإيْمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ فَإِذَا ذَهَبَ
الرَّأْسُ، ذَهَبَ الجَسَدُ، وَكَذلِكَ إذَا ذَهَبَ الصَّبْرُ، ذَهَبَ الإِيْمَانُ"( أصول الكافي، المجلد
الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح 2). وفي حديث آخر عن الأمام السجّاد علي
بن الحسين عليهما السلام: قالَ:"الصَّبْرُ مِنَ الإِيْمَان بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ وَلاَ إِيْمَانَ
لِمَنْ لاَ صَبْرَ لَهُ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح 4 ).
والأحاديث كثيرة في هذا الباب. ونحن سنأتي على ذكر بعضها عند توفر المناسبة. إن
الصبر مفتاح أبواب السعادات، وباعث للنجاة من المهالك بل الصبر يهوّن المصائب،
ويخفف الصعاب، ويقوي العزم والإرادة، ويبعث على استقلالية مملكة الروح. وأما
الفزع و الجزع فمضافاً على أنه عيب، وكاشف عن الضعف في النفس، يجعل الإنسان
مضطرباً، والإرادة ضعيفة والعقل موهوناً. يقول المحقق الخبير الخواجة بصير الدين
الطوسي: "وهو - أي الصَّبْرُ - يَمْنَعُ البَاطِنَ عَنِ الاضْطِرَابِ، وَاللِّسَانَ عَنِ الشِّكَايَة،
والأَعْضَاءَ عَنِ الحَرَكَاتِ الغَيْرِ المُعْتَادَةِ". وعلى العكس فإن الإنسان غير الصابر، قلبه
مضطرب، وباطنه موحش ونفسه قلقة ومهزوزة. وهذا بنفسه بليّة فوق جميع البلايا،
ومصيبة من أعظم المصائب التي تحل بالإنسان، وتسلب منه الراحة والقرار. وأما بالصبر
فتخفّ الرزية، ويتغلّب القلب على النوائب والبلايا، وتنتصر إرادة الإنسان على
المصائب. ولذا نجد الإنسان الغير صابر، يشكو عند من هو أهل للشكاية، ومن هو ليس
أهل للشكاية، وهذا الأمر زائداً على أنه يؤدي إلى الفضيحة لدى الناس. والاشتهار
بالضعف بينهم وعدم الجلادة، فإنه يسقطه من أعين الناس ويحطّ من كرامته لدى ملائكة
الله، وأمام جلال القدس الربوبي. إن العبد الذي لا يتحمّل مصيبة واحدة نازلة عليه من
الحق المتعالي [298] والحبيب المطلق والذي إذا واجه بليّة واحدة رفع صوته بالشكوى
من ولي نعمه أمام المخلوق، رغم نزول البركات عليه وتلقيه آلاف آلاف النعم، مثل
هذا العبد أي إيمان له؟ وأي تسليم له أمام المقام المقدسي للحق؟ فيصحّ أن يقال: من لا
صبر له لا إيمان له. لو كنت مؤمناً بالحضرة الربوبية، ورأيت مجاري الأمور بيد قدرته
الكاملة، ولا يكون لأحد يد في الحوادث والأمور، لما اشتكيت من حوادث الأيام
والبليّات أمام غير الحق تعالى، بل لاستقبلتها بكل حفاوة وتكريم وشكرت نعم الحق
سبحانه. فكلّ الاضطرابات النفسية والشكاوى اللسانية والحركات الغير اللائقة والغير
المعتادة للأعضاء، تشهد بأننا لسنا من ذوي الإيمان، فما دامت النعمة موفورة، شكرنا
ربنا شكراً ظاهرياً لا لبّ له، بل يكون لأجل طمع الزيادة، وحينما تواجهنا مصيبة
واحدة أو يحلّ بنا ألم ومرض، اشتكينا من الحق المتعالي لدى الناس وغمزنا فيه، واعترضنا
عليه، وأبدينا الشكوى أمام كل من هو أهل ومن هو ليس بأهل وتتحول الشكاوى
والجزع والفزع في النفس إلى بذور البغض تجاه الحق والقضاء الإلهي، ثم ينمو شيئاً
فشيئاً ويشتد حتى يتحول إلى ملكة، بل - لا سمح الله - تتحول الصورة الداخلية
للذات صورة البغض لقضاء الحق، والعداء للذات المقدس. وحين ذلك يفلت الزمام من
اليد، ويزول الاختيار عن الإنسان، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً لتحسين الوضع وضبط
الأوهام، ويتلّون الظاهر والباطن بلون العداء للحق سبحانه تعالى، وينتقل من هذا العالم
وهو قطعة من البغض والعداء لمالك النعم، فيبتلي بالشقاء الأبدي والظلام الدائم.
وأعوذ بالله من سوء العاقبة والإيمان المستعار المستودع. فيكون كلام المعصوم عليه
السلام صحيحاً حيث يقول: عندما يذهب الصبر يذهب الإيمان. فيا أيها العزيز أن
الموضوع خطير، والطريق محفوف بالمخاطر، فابذل من كل وجودك الجهد واجعل الصبر
والثبات من طبيعتك، أمام حوادث الأيام وانهض أمام النكبات والرزايا، ولقن النفس
بأن الجزع والفزع مضافاً إلى أنهما عيبان فادحان، لا جدوى من ورائهما للقضاء على
المصائب والبليات، ولا فائدة من الشكوى على القضاء الإلهي وعلى إرادة الحق عز
وجل أمام المخلوق الضعيف [299] الذي لا حول له ولا قوة. كما أشير إلى ذلك في
الحديث الشريف المنقول في الكافي: "مُحَمَّد بْنُ يَعْقُوبَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَمَاعَةَ بْنَ مِهْرَانَ، عَنْ
أَبِي الحَسَنِ - عليه السّلام - قالَ: قَالَ لِي: مَا حَبَسَكَ عَنِ الحَجِّ؟ قَالَ: قُلْتُ: جْعِلْتُ فِدَاكَ،
وَقَعَ عَلَيَّ دَيْنٌ كَثِيرٌ وَذَهَبَ مَالِي، وَدَيْنِي الَّذي قَدّ لَزَمَنِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَهَابِ مَالِي، فَلَوْلاَ
أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِنَا أَخْرَجَنِي مَا قَدَرْتُ أَنْ أَخْرُجَ، فَقَالَ لِي: إِنْ تَصْبِرْ تُغْتَبَطْ وَإِلاّ تَصْبِرْ
يُنْفِذِ اللهُ مَقَادِيرَهُ رَاضِياً كُنْتَ أَمْ كَارِهاً"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان
والكفر، باب الصبر، ح 10 ). فاعلم بأن الجزع والفزع لا يجديان، بل لهما أضرار
مخيفة ومهالك تنسف الإيمان. وأم الصبر والجلادة فلهما الثواب الجزيل والأجر الجميل
والصورة البهيّة البرزخية الشريفة كما ورد في ذيلَ الحديث الشريف الذي نحن بصدد
شرحه حيث يقول:"وَكَذلِكَ الصَّبْرُ يُعَقِّبُ خَيْراً فَاصْبِرُوا وَوَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الصَّبْرِ
تُؤجَرُوا". فعاقبة الصبر إلى الخير في هذه الدنيا كما يستفاد من التمثيل بالنبي يوسف
عليه السلام - في الحديث المذكور - يبعث على الأجر والثواب في يوم الآخرة. وفي
الحديث الشريف المنقول في الكافي بسنده إلى أبي حمزة الثمالي - رحمه الله - قال:"مَنِ
ابْتُلِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِبَلاءٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ أَلْفِ شَهيـدٍ".(أصول الكافي، المجلد
الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح 17. ) ووردت أحاديث كثيرة في هذا
المضمار. ونحن سنذكر بعضها في الفصل القادم. وأما أن للصبر صورة بهية برزخية،
فمضافاً إلى أنها تتطابق مع بعض الأدلة نجد الأحاديث الشريفة أيضاً تتحدث عنها. كما
في الكافي الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام قال: إِذَا دَخَلَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ كَانَتِ
الصَّلاَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَالزَّكَاةُ عَنْ يَسَارِهِ والبِرُّ مُطلٌّ عَلَيْهِ وَيَتَنَحَّى الصَّبْرُ نَاحِيةً، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ
المَلَكَانَ اللَّذَانِ يَلِيَانِ مُسَاءَلَتَهُ قَالَ الصَّبْرُ لِلصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالبِرِّ: دُونَكُمْ صَاحِبَكُمْ فَإِنْ عَجَزْتُمْ
مِنْهُ فَأَنَا دُونَهُ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح8 ).
[300] فصل في درجات الصبر اعلم أن للصبر درجات حسب ما يفهم من الأحاديث
الشريفة.ويختلف الأجر والثواب عليه على ضوء مراتبه. كما في الكافي الشريف مستندا
إلى مولى المتقين الإمام أمير المؤمنين عليه السلام."قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلَّى الله عليه
وآله وسلم - الصَّبْرُ ثَلاَثَةٌ: صَبْرٌ عِنْدَ المُصِيبَةِ وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ وَصَبْرٌ عَنِ المَعْصِيَةِ. فَمَنْ
صَبَرَ عَلَى المُصِيبَةِ حَتّى يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزَائِهَا، كَتَبَ اللهُ لَهُ سِتَّمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى
الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ كَتَبَ اللهُ لَهُ سِتَّمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ
الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الأَرْضِ إِلَى العَرْشِ، وَمَنْ صَبَرَ عَنِ المَعْصِيَة كَتَبَ اللهُ لَهُ
تِسْعَمِائَةِ دَرَجَةٍ ما بَيْنَ الدَّرَجَةِ إِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الأَرْضِ إِلَى مُنْتَهَى العَرْشِ"(
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر،ح 15 ). ويفهم من هذا
الحديث بأن الصبر على المعصية أفضل من كل مراتب الصبر حيث تكون درجات أكثر،
والفواصل بين درجاته كبيرة جداً. ويفهم أيضاً بأن مساحة الجنة أوسع مما في أوهامنا نحن
المحجوبين والمقيدين. ولعل ما ورد في تحديد الجنة من قوله تعالى: {عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ
وَالأَرْضُ}(آل عمران/ 133). عائد إلى جنة الأعمال، وما ورد في هذا الحديث
الشريف، جنة الأخلاق، والمقياس في جنة الأخلاق، قوّة الإرادة وكمالها، وهي غير
محدودة بحدّ. وقال بعض بأن المقصود في الحديث الشريف تحديد الجنة من جهة العلو
والارتفاع، وفي الآية المباركة من جهة العرض، ولا تنافس بينهما إذ أنه من الممكن أن
يتّحدا من ناحية العرض ويختلفان من ناحية الارتفاع. وهذا بعيد، لأن الظاهر
من"العرض"المساحة لا ما يقابل الطول. كما أنه ليس للسماوات والأرض عرضاً بالمعنى
المقابل للطول حسب المتفاهم العرفي [301] واللغوي، وان كان لهما عرض بمعنى البُعد
الثاني في مصطلح الطبيعيين، والقرآن الكريم لا يتكلم على أساس المصطلحات العلمية.
وفي الكافي الشريف مستنداً إلى الإمام الصادق عليه السلام قال:"قـَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى
الله عليه وأله وسلم -: سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يُنَالُ فِيهِ المُلْكُ إِلاَّ بِالقَتْلِ وَالتَّجَبِّرِ، وَلاَ
الغِنَى إِلاَّ بِالغَضْبِ وَالبُخْلِ، وَلاَ المَحَبَّةُ إِلاَّ بِاسْتِخْرَاجِ الدَّينِ وَاتِّبَاعِ الهَوى، فَمَنْ أَدْرَكَ ذلِكَ
الزَّمَانَ فَصَبَرَ عَلَى الفَقْرِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الغِنَى وَصَبَر عَلَى البِغْضَةِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى المَحَبَّةِ
وَصَبَرَ عَلَى الذُّلِّ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى العِزِّ أَتَاهُ اللهُ ثَوَابَ خَمْسِينَ صِدِّيقاً مِمَّنْ صَدَّقَ بِي"(
أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح 12 ). ونقل
حديث آخر أيضاً عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بهذا المضمون وعلى أي حال فإن
الأحاديث في هذا الموضوع كثيرة. ونحن نكتفي بهذا القدر من الأحاديث الشريفة.
فصل في بيان درجات صبر أهل المعرفة اعلم أن ما ذكرناه إلى هنا، يعود إلى عامة الناس
والمتوسطين كما ذكرت في أول فصل من هذه الفصول - المذكورة - من أن الصبر قد
عُدَّ من مقامات المتوسطين من الناس. ولكن للصبر درجات أخرى ترجع إلى أهل
السلوك والعرفاء والكُمَّلين والأولياء. حيث أن منها: ( الصـَبـْرُ فِي اللهِ ) وهو الثبات
في المجاهدة وترك ما هو متعارف عليه لدى الناس ومألوف عندهم. بل ترك نفسه في
سبيل الحبيب. وهذا المقام عائد لأهل السلوك. والمرتبة الأخرى ( الصـَبـْرُ مَعِ اللهِ )
وهو لأهل الحضور ومشاهدي الجمال حين الخروج من جلباب الإنسانية، والتجرد عن
ملابس الأفعال والصفات ولدى تجلي القلب بتجليات الأسماء والصفات، وتوارد
واردات الأُنس والهيبة، وحفظ النفس من التلّونات، والغياب عن مقام الأنس والشهود.
[302] والمرتبة الثالثة ( الصـَبـْرُ عَنِ اللهِ ) وهو من درجات العشاق والمشتاقين من
أهل الشهود والعيان عندما يعودون إلى عالَمِهم ويرجعون إلى عالم الكثرات والصحو.
وهذا من أصعب مراتب الصبر وأقسى المقامات. وقد أشار إلى هذه المرتبة مولى
السالكين وإمام الكُملين أمير المؤمنين عليه السلام في الدعاء الشريف الموسوم بدعاء
كميل:"فـَهبني يَا إلهِي وَسَيِّدي وَمَوْلاَيَ صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِك فَكَيْفَ أصْبِرُ عَلَى فِرَاقِكَ".
وَرُوِيَ أَنَّ شَابّاً مِنَ المُحِبّينَ سَأَلَ الشِّبْلِي عَنِ الصَّبْرِ فَقَالَ: أيُّ الصَّبْرِ أَشَدُّ؟ فَقَالَ: الصَّبْرُ للهِ.
فَقَالَ: لاَ. فَقَالَ: الصَّبْرُ بِاللهِ. فَقَالَ: لاَ. فَقَالَ: الصَّبْرُ عَلَى اللهِ. فَقَالَ: لاَ. فَقَالَ: الصَّبْرُ فِي
اللهِ. فَقَالَ: لاَ. فَقَالَ: الصَّبْرُ مَعَ الله. فَقَالَ: لاَ. فَقَالَ: وَيْحَكَ فَأَيٌّ؟ فَقَالَ: الصَّبْرُ عَنِ اللهِ
فَشَهِقَ الشِّبْلِي وَخَرَّ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ"( شرح منازل السائرين، باب الصبر، ص 88 ).
والمرتبة الرابعة ( الصـَّبـْرُ باللهِ ) وهو لأهل التمكين والاستقامة حيث يحصل بعد
الصحو والبقاء بالله وبعد التخلّق بأخلاق الله، ولا نصيب فيه إلاّ للكملين. وحيث أنه لا
حظّ لنا في هذه المراتب ولا نصيب، لم نتطرق في هذه الأوراق للبحث المفصل عن ذلك.
والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. [303] الحديث السـَابع
عشـَر "التــوبة" [304] بالسَّنَدِ المُتَّصِلِ إِلَى الإِمَامِ الأقْدَمِ حُجَّة الفِرْقَةِ وَرَئِيسِ
الأُمَّةِ، مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الكُلَيْنِي - رضي الله عنه - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، عَنْ أَحْمَدِ
بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهَبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ
اللهِ عَلَيْهِ السَّلام يَقُولُ:"إِذَا تَابَ العَبْدُ تَوْبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ اللهُ فَسَتَرَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا
وَالآخِرَةِ. فَقُلْتُ: وَكَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يُنْسى مَلَكَيْهِ مَا كَتَبَا عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوب، ثُمَّ
يُوحى إِلَى جَوَارِحِهِ: اكْتُمِي عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ وَ يُوحي إِلى بِقَاعِ الأَرْضِ: اكْتُمِي عَلَيْهِ مَا كَانَ
يَعْمَلُ عَلَيْكِ مِنَ الذُّنُوبِ. فَيَلْقَى الله حِيْنَ يَلْقَاهُ وَ لَيْسَ شَيْءٌ يَشْهَدُ عَلَيِْ بِشَيْءٍ مٍنَ
الذُّنُوبِ ).( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان و الكفر، باب التوبة، ح 1 )
[305] في حقيقة التوبة الشرح: اعلم أن التوبة من المنازل المهمة الصعبة. و هي عبارة
عن الرجوع من عالم المادة إلى روحانية النفس، بعد أن حُجبت هذه الروحانية و نور
الفطرة، بغشاوات ظلمانية من جراء الذنوب و المعاصي. وتفصيل هذا الإجمال بإيجاز هو:
أن النفس في بدء فطرتها خالية من كل أنواع الكمال و الجمال و النور و البهجة، كما
أنها تكون خالية أيضاً من أضداد هذه الصفات - المذكورة الأربعة - فكأنّ النفس صفحة
نقية من كل رسم و نقش، لا توجد فيها الكمالات الروحية و لا تتصف بالنعوت المضادة
لها. ولكن قد أودع فيها نور الاستعداد والأهلية لنيل أي مقام رفيع أو وضيع، وأنشأت
فطرتها على الاستقامة، وعجنت طينتها بالأنوار الذاتية. وعندما تجترح سيئة، تحصل في
القلب ظلمة و سواد. و كلما ازدادت المعاصي تضاعفت الظلمة و السواد، إلى أن يغشى
الظلام و السواد القلب كله، وينطفئ نور الفطرة و يبلغ مرتبة الشقاء الأبدي. فإذا انتبه
الإنسان قبل أن يستوعب الظلام القلب كله، ثم اجتاز منزل اليقظة و دخل على منزل
التوبة و استوفى حظوظ هذا المنزل حسب الشرائط التي سنأتي على ذكرها إجمالاً في هذه
الصفحات، زالت الحالات الظلمانية والكدورات الطبيعية و عاد إلى الحالة الفطرية النورية
الأصيلة والروحانية الذاتية و كأنّها تنقلب - النفس - إلى صفحة خالية من جميع
الكمالات و أضدادها. كما ورد في الحديث الشريف المشهور"التـَّائـِبُ مِنَ الذَّنْبِ
كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ"( أصول الكافي، كتاب الإيمان و الكفر، باب التوبة، ج 10 ).
[306] فتبين أن حقيقة التوبة هي الرجوع من عالم الطبيعة وآثارها ومضاعفاتها إلى عالم
الروحانية والفطرة. كما أن حقيقة الإنابة رجوع من الفطرة و الروحانية إلى الله و السفر
والهجرة من بيت النفس نحو بيت القصيد. فمنزل التوبة سابق ومقدم على منزل الإنابة، ولا
يناسب تفصيل ذلك في هذا المقال. فصل نقطة هامة على سالك طريق الهداية والنجاة،
الانتباه إلى نقطة هامة: هي أن التوفيق إلى التوبة الصحيحة الكاملة مع توفير شرائطها - التي
سنذكرها - من الأمور الصعبة، وقليلاً ما يستطيع الإنسان أن يصل إلى هذا المقصد. بل
إن اقتراف الذنوب وخاصة المعاصي الكبيرة يجعلان الإنسان غافلاً عن ذكر التوبة نهائياً.
وإذا ما أثمرت وقويت شجرة المعاصي في مزرعة قلب الإنسان وتحكّمت جذورها، ستكون
لها نتائج وخيمة: منها حثّ الإنسان على الانصراف كلياً عن التفكير في التوبة، وإذا
تذكرها أحياناً تكاسل في إجرائها وأجّلها وقال:"اليوم أو غداً و هذا الشهر أو الشهر
المقبل، و يخاطب نفسه قائلاً إنني أتوب آخر العمر وأيام الشيخوخة توبة صحيحة". وإنه
يغفل عن أن هذا مكر مع الله {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}(آل عمران/54). فلا يتوقع
الإنسان أنه بعد أن تقوى جذور الذنوب في نفسه، يستطيع أن يتوب أو يقوم بتوفير شروط
التوبة. إن أفضل أيام التوبة و ربيعها هي فترة أيام الشباب. لأن الذنوب أقل و شوائب
القلب و ظلمات الباطل أخف، و شروط التوبة أسهل و أيسر. و قد يكثر في سن
الشيخوخة حرص الإنسان وطمعه و حبه للمال و يزداد طول أمله و قد أثبتت التجربة
ذلك. والحديث النبوي الشريف أفضل شاهد على هذه المقولة. وإذا افترضنا أن الإنسان
يستطيع القيام بهذا العمل ( التوبة ) في سنّ الشيخوخة. فما هو الضمان للوصول إلى سن
الشيخوخة وعدم إدراكه الأجل المحتوم أيام الشباب على حين غرّة، وهو مشغول بارتكاب
الذنوب والعصيان؟ إن انخفاض عدد المسنين، دليل [307] على أن الموت أقرب إلى
الشباب منه إلى الشيخ. إننا في المدينة التي يبلغ تعدادها على خمسين ألف نسمة لم نجد
خمسين شيخاً يناهز عمر كل منهم ثمانين عاماً!. فيا أيها العزيز كن على حذر من مكائد
الشيطان ولا تمكر على الله ولا تحتال عليه بأن تقول أعيش خمسين عاماً أو أكثر مع
الأهواء، ثم استغفر ربي لدى الموت وأستدرك الماضي، لأن هذه أفكار واهية. إذا سمعت
أو علمت من الحديث الشريف أن الله سبحانه وتعالى قد تفضّل على هذه الأمة بتقبل
توبتهم قبل مشاهدة آثار الموت أو عند الموت فذلك صحيح، ولكن هيهات أن تتحقق
التوبة من الإنسان في ذلك الوقت. هل تظن أن التوبة مجرد كلام يقال؟ إن القيام بالتوبة
لعمل شاق. إن الرجوع إلى الله والعزم على عدم العودة إلى الذنب يحتاج رياضة علمية
وعملية، إذ نادراً ما يحدث للإنسان أن يفكر لوحده بالتوبة أو يتوفق إليها أو يتوفق إلى
توفير شرائط صحة التوبة وقبولها أو إلى توفير شرائط كمالها. إذ من الممكن أن يدركه
الموت قبل التفكير في التوبة أو إنجازها وينقله من هذه النشأة مع المعاصي التي تنوء بالإنسان
ومع ظلمات الذنوب اللامتناهية وفي ذلك الوقت يعلم الله وحده المصائب والمحن التي
سوف يواجهها!. ليس من السهل أن يتدارك الإنسان في العالم الآخر معاصيه، فإذا كان من
أهل النجاة وممّن عاقبة أمره سعيدة: إذ لابد من متاعب و ضغوطات و نيراناً حتى يصبح
الإنسان أهلاً لرحمة أرحم الراحمين. إذاً أيها العزيز! عجّل في شدّ حيازيمك، وأحكام
عزيمتك وقوّتك الحاسمة وأنت في أيام الشباب أو على قيد الحياة في هذه الدنيا وتب إلى
الله، ولا تسمح لهذه الفرصة التي أنعم الله بها عليك أن تخرج من يدك، ولا تعبأ بتسويف
الشيطان ومكائد النفس الأمارة. نقطة هامة ويجب الانتباه إلى نقطة هامّة أخرى: هي أن
الشخص التائب بعد توبته لا يستعيد الصفاء الداخلي الروحاني و النور الخالص الفكري
السابق كما أنك لو [308] سوّدت صفحة بيضاء ثم حاولت أن تعالج السواد وتزيله
عنها لم تعد الصفحة إلى حالتها الأولى من البياض الناصع. وكذلك الإناء المكسور إذا
أصلحناه فمن الصعب أن يعود إلى حالته السابقة. إنه لبون شاسع بين خليل يكون مخلصاً
مع الإنسان طوال العمر، وصديق يخونك ثم يعتذر عن تقصيره. فضلاً عن أن قليلاً ما
ترى شخصاً يستطيع القيام بوظائف التوبة بشكل صحيح. إذاً، يجب على الإنسان أن
يتجنب ما أمكن ارتكاب المعاصي والذنوب، لأن إصلاح النفس بعد إفسادها من الأعمال
الشاقة. وإذا تورط لا سمح الله في مصيبة وجب عليه بشكل عاجل أن يفكر في العلاج لأن
إصلاح الفساد القليل يتم أسرع وبكيفية أحسن. أيها العزيز! لا تمر على هذا المقام من دون
مبالاة ولا اهتمام. فكّر في حالك وعاقبة أمرك، وراجع كتاب الله وأحاديث خاتم الأنبياء
وأئمة الهدى - سلام الله عليهم أجمعين - وكلمات علماء الأمة وأحكام العقل الوجدانية.
افتح على نفسك هذا الباب الذي يعدّ مفتاح الأبواب الأخرى، وادخل في هذا المقام الذي
يعتبر من أهمّ المنازل الإنسانية، بالنسبة إلينا وكن مهتماً فيه وواظب عليه وأطلب من الله
عز وجل التوفيق في الوصول إلى المطلوب، واستعن بروحانية الرسول الأكرم وأئمة الهدى
- سلام الله عليهم - والتجئ إلى ولي الأمر وناموس الدهر إمام العصر عجل الله فرجه -
وبالطبع إنه ينجّي الضعفاء والعجزة ويعين المحتاجين. فصل في أركان التوبة اعلم أن
للتوبة الكاملة أركاناً وشروطاً. ولولا تحققها لما تحققت التوبة الصحيحة. ونحن نذكر
الأركان وشرائطها الهامّة: إن من أهم الشروط الذي يعتبر ركناً ركيناً للتوبة هو الندامة
على الذنوب والتقصير في أداء التكاليف الشرعية. ومنها: العزم على عدم العودة إلى
الذنوب [309] نهائياً. وفي الحقيقة أن هذين الأمرين يحققان حقيقة التوبة ويعتبران من
مقوماتها الذاتية. والعمدة في هذا الباب تحصيل هذا المقام وإنجاز هذه الحقيقة على نحو
يتذكر الإنسان تأثير معاصيه في روحه وعواقبها في عالم البرزخ ويوم القيامة كما هو مقرر
في المعقول والمنقول ومبرهن عليه لدى أهل العلم والمعرفة، ومأثور في أخبار أهل بيت
العصمة - عليهم السلام- من أن للمعاصي في عالم البرزخ والقيامة صوراً تتناسب معها
وهذه الصور في ذلك العالم تكون ذات حياة وإرادة حيث تعذّب الإنسان المذنب وتسئ
إليه عن شعور وإرادة. وإن نار جهنم أيضاً تحرق الإنسان عن إرادة ووعي لأن تلك النشأة
نشأة الحياة. ففي ذلك العالم صوراً تحشر معنا من جراء أعمالنا الحسنة أو القبيحة. وقد ورد
في القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة صراحة وتلويحاً ذكرٌ لهذا الموضوع. ويتطابق مع
مسلك الحكماء الإشراقيين، وذوق أهل السلوك ومشاهدات أصحاب العرفان. وكذلك
تترك كل معصية في الروح أثراً عُبّر عنه في الأحاديث الشريفة بالنقطة السوداء وهي ظلام
ظهر في القلب و الروح ثم تتوسع هذه النقطة حتى تسوق الإنسان إلى الكفر و الزندقة و
الشقاوة الأبدية . وقد فصّلنا ذلك في الفصول السابقة. فالإنسان العاقل لو انتبه لهذه
المعاني واعتنى بكلام الأنبياء و الأولياء - عليهم السلام- والعرفاء والحكماء والعلماء -
رضوان الله عليهم - بقدر اعتنائه بقول طبيب معالج، لابتعد لا محالة عن المعاصي ولم
يقترب منها أبداً. و إذا ابتلي بالمعصية لا سمح الله أبدى بسرعة تبرمه و انزعاجه منها و ندم
عليها و ظهرت صورة ندمه في قلبه و تكون نتيجة هذه الندامة عظيمة جداً، و آثارها
حسنة و كثيرة ثم يحصل من جراء ندمه العزم على ترك المعصية و ترك مخالفة رب العالمين.
و عندما يتوفر هذان الركنان - الندم على اقتراف المعصية و العزم على عدم العودة إليها -
يتيسّر أمر سالك طريق الآخرة، و تغمره التوفيقات الإلهية ليصبح حسب النص القرآني
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}(البقرة/222). وهذه ( الحديث السابع
عشر المذكور لدى أول هذا البحث (التوبة) ) الرواية الشريفة، محبوباً لله تعالى إذا كان
مخلصاً في توبته. إنه يجب على الإنسان [310] بالرياضة العلمية و العملية و بالتفكر و
التدبر اللائق أن يسعى في سبيل تحقيق التوبة ويجب عليه أن يفهم بأن المحبوبية عند الله لا
تقدّر في حساب. و الله يعلم بأن صورة حب الحق في تلك العوالم من أي نوع من الأنوار
المعنوية والتجلّيات الكاملة تكون؟ وإن الله سبحانه كيف يتعامل مع محبوبه؟ أيها الإنسان
كم أنت ظلوم و جهول؟!و لا تقدّر نعم وليّ النعم. إنك تعصي و تعادي سنين و سنين
وليّ نعمك الذي وفّر لك كل وسائل الرفاه والراحة من دون أن تعود منها عليه - و العياذ
بالله - بجدوى و فائدة، و طيلة هذه الفترة قد هَتكت حرمته و طَغيت عليه و لم تخجل منه
أبداً و لكنك إذا ندمت على ما فعلت و رجعت إليه، أحبك الله وجعلك محبوباً له {إنَّ
اللهَ يُحِبُّ التَّوَابِينَ} فما هذه الرحمة الواسعة و النعم الوافرة؟. إلهي! نحن عاجزون عن شكر
آلائك، وأَلْسِنَةُ البشر وجميع الأحياء في هذا الكون مصابة باللكنة - تجاه الحمد و الثناء
عليك - و لا يسعنا إلا أن ننكـّس رؤوسنا ونعتذر لك لعدم حيائنا منك. مَنْ نحن حتى
نستحق رحمتك؟ ولكنّ سعة رحمتك و شمول نعمتك أوسع من تقديرنا لها"أَنْتَ كَما
أَثْنَيْتَ عـَلَى نَفسك"(راجع معجم الأحاديث النبوية ج 1، ص 304 ). وأيضاً، يجب
على الإنسان أن يقوي في قلبه صورة الندامة كي يحترق القلب إن شاء الله تعالى. و ذلك
بأن يفكّر في الآثار الموحشة للمعاصي وعواقبها. ويعمل على تقوية الندامة في قلبه و يضرم
النار في قلبه على غرار {نَارُ اللهِ المُوقَدة} ويحرق قلبه في نار الندامة حتى تحترق مع نار
الندامة جميع المعاصي و تزول الكدورة عن القلب وصدئه. و ليعلم أنه إذا لم يضرم بنفسه
هذه النار - الندامة - و لم يفتح في وجهه باب جهنم هذه التي تكون بذاتها الباب
الرئيسي لأبواب الجنة، فعندما ينتقل من هذا العالم تهيأت له لا محالة في ذلك العالم نار
عاتية، وتفتح في وجهه أبواب جهنم و توصد في وجهه أبواب الجنة و الرحمة. إلهي ألهمنا
صدراً محترقاً واقذف في قلوبنا جذوة من نار الندامة و احرقه مع هذه
النار"الندامة"الدنيوية، وأزل عن قلوبنا الكدر والغبرة، واخرجنا من هذا العالم من دون
مضاعفات المعاصي إنك ولي النعم و على كل شيء قدير. [311] فصل في شروط التوبة
ذكرنا في الفصل السابق أركان التوبة. وسوف نذكر شروط قبولها وشروط كمالها مرتباً.
ثم أن عمدة شروط القبول أمران كما أن عمدة شروط الكمال أمران أيضاً. ونحن نذكر في
هذا الفصل الكلام الشريف لمولى الموالي الذي هو في الواقع من جوامع الكلام، ومن كلام
الملوك وملوك الكلام. رُوِيَ فِي نَهْجِ البَلاَغَةِ أَنَّ قَائِلاً قَالَ بِحَضْرَتِهِ عَلَيه السَّلام:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ، فَقَالَ لَهُ:"ثَكِلَتْك أُمُّكَ أَتَدْرِي مَا الاستغفارُ؟ إنَّ الاسْتِغْفَارَ دَرَجَةُ العِليِّينَ وَهُوَ
اسمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ: أَوَّلُهَا النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى. الثَّانِي العَزْمُ عَلَى تَرْكِ العَوْدِ إِلَيْهِ
أَبَداً. والثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى المَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَي اللهَ سُبْحَانَهُ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ
تَبِعَةٌ. الرَّابعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا. والخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى
اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فَتُدِيبَهُ بِالأَحْزَانِ حَتّى تُلْصِقَ الجِلْدَ بِالعَظْمِ وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا
لَحْمٌ جَدِيدٌ. والسّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ المَعْصِيَةِ فَعِنْدَ ذلِكَ
تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللهَ". ( نهج البلاغة، قصار الحكم، الرقم 417، (الشيخ صبحي الصالح ) ).
يشتمل هذا الحديث الشريف على ركنين من أركان التوبة هما: الندامة والعزم على العودة
وعلى شرطين مهمين للقبول: هما إرجاع حقوق المخلوق لأهلها ورد حقوق الخالق لله
سبحانه. ولا تقبل التوبة من الإنسان بقوله أستغفر الله. إن على الإنسان التائب أن يردَّ كل
ما أخذه من الناس من دون حق إلى أصحابه وإذا وجد حقوقاً أخرى للناس في ذمته
واستطاع أن يؤديها إلى أصحابها أو يطلب السماح منهم، يجب أن لا يتوان في ذلك. وأن
يقضي كل الفرائض الإلهية أو يؤديها. وإذا تعذر عليه إنجاز ذلك أدّى المقدار الميسور منه.
وليعلم أن لكل هذه الحقوق أصحاب سيطالبونه بها في النشأة الأخرى بأشق الأحوال وليس
له في ذلك العالم وسيلة لأداء هذه الحقوق، إلا أن يتحمل ذنوب الآخرين، ويدفع إليهم
[312] أعماله الحسنة فيصير حينذاك عاجزاً وشقياً ولا يملك طريقاً للخلاص وملجأ
للاستخلاص. أيها العزيز إياك أن تسمح للشيطان والنفس الأمارة بالبهيمة عليك والوسوسة
في قلبك فيصوران لك العملية جسيمة وشاقة ويصرفانك عن التوبة. اعلم بأن إنجاز الشيء
القليل من هذه الأمور يكون أفضل. ولا تيأس من رحمة الله ولطفه، حتى وإن كانت عليك
صلاة كثيرة وصيام غير قليل، وكفارات عديـدة، وحقوق إلهية كثيرة، وذنوب متراكمة،
وحقوق الناس لا تعدّ، والخطايا لا تحصى. لأن الحق المتعالي يسهّل عليك الطريق عندما تقوم
بخطوات حسب قدرتك في اتجاهه، ويهديك سبيل النجاة. واعلم بأنّ اليأس من رحمة الحق
من أعظم الذنوب، ولا أظن أن هناك ذنباً أسوأ وأشدّ تأثيراً في النفس من القنوط من رحمة
الله. فإنّ الظلام الدامس إذا غشي قلب الإنسان اليائس من الرحمة الإلهية، لما أمكن إصلاحه،
ولتحوَّل إلى طاغية، لا يوجد سبيل للهيمنة عليه. فإيّاك أن تغفل من رحمة الحق عزّ وجلّ،
وإيّاك أن تستعظم الذنوب وتبعاتها. إن رحمة الحق سبحانه أعظم وأوسع من كل شيء.
نصف بيت شعر: "إن عطاء الحق غير مشروط بقابليّة المعطى إليه" ماذا كانت في بدء
الأمر؟ كنت في غياهب العدم ولا توجد فيك القابلية والأهليّـة، ولكن الحق جلّ وعلا، قد
وهبك نعمة الوجود وكمالاته وبسط مائدة النعم اللامحدودة، والرحمة اللامتناهية، وسخر
لك كافة الموجودات، من دون استحقاق واستعداد ومن دون سؤال ودعاء مسبق. ثم إنك
في هذا اليوم لا يكون وضعك أسوأ، من اليوم الذي كنت فيه عدماً صرفاً، ولا شيئاً بحتاً.
إن الله قد وعد بالرحمة والمغفرة. تقدم إلى الأمام خطوة واحدة، باتجاه عتبة قدسه. فإنه
سيأخذ بيدك مهما كلّف الأمر. إنك إن لم تستطع أن تؤدي حقوقه، فهو سيتنازل عنها.
وإن لم تستطع أن تدفع حقوق الناس، فإنه سيجبرها. هل سمعت قصة الشاب الذي كان
ينبش القبور في عهد الرسول صلّى الله عليه وأله وسلم ؟ [313] أيها العزيز إنّ طريق
الحق سهل بسيط، ولكنّه يحتاج إلى انتباه يسير، فيجب العمل، لأن التباطئ والتسويف،
ومضاعفة المعاصي في كل يوم، تبعث على صعوبة الأمر، وأمّا الإقبال على العمل، والعزم
على إصلاح السلوك والنفس، فيقرّب الطريق ويسهّل العمل. جرّبه، واعمل في الاتجاه
المذكور، فإذا حصلت على النتيجة تبين لك صحة الموضوع. وان لم تصل إلى النتيجة
المتوخاة فإن طريق الفساد مفتوح ويد المذنب طويلة. وأما الأمران الآخران - الخامس
والسادس المذكوران في الرواية المنقولة عن نهج البلاغة المتقدمة - اللذان ذكرهما الإمام
أمير المؤمنين عليه السلام، فهما من شروط كمال التوبة، والتوبة الكاملة، لأن التوبة لا
تتحقق ولا تقبل من دونهما ليست بكاملة. اعلم أن لكل منزل من منازل السالكين مراتب
ودرجات تختلف حسب اختلاف حالات قلوبهم. وإن التائب إذا أراد البلوغ إلى مرتبة
الكمال، فلا بد من تدارك ما تركه، وتدارك الحظوظ أيضاً، يعني لا بد من تدارك اللذائذ
النفسانية التي لحقت به أيام الآثام والمعاصي وذلك بالسعي لمحو كل الآثار الجسمية والروحية
التي حصلت في مملكة جسمه ونفسه من جراء الذنوب حتى تعود النفس مصقولة كما
كانت في بدء الأمر، وتعود الفطرة إلى روحانيتها الأصلية. وتحصل له الطهارة الكاملة. لقد
علمت بأن لكل معصية ومتعة انعكاس وأثر في الروح، كما قد يحصل أثر من بعض الذنوب
واللذائذ في الجسم، فلا بد للتـائب أن ينتـفض ويستأصل تلك الآثار ويقوم بالرياضة
البدنية والروحية حتى تزول منهما كل تبعات ومضاعفات الخطايا والآثام، كما أمرنا الإمام
علي عليه الصلاة والسلام. فعن طريق ممارسة الرياضة الجسمية من الإمساك عن أكل
المقويات والمنشطات والصيام المستحب أو الواجب إذا كان في ذمته صيام واجب، يذيب
اللحوم التي نشأت على جسمه من الحرام والمعصية أو أيام الخطايا والآثام. وعن طريق
الرياضة الروحية من العبادات والمناسك يتدارك اللذائذ الطبيعية، لأن صورة المتع الطبيعية لا
تزال ماثلة في ذائقة النفس، وما دامت عالقة [314] بها فإن النفس ترغب إليها، ويعشقها
القلب ويُخشى من لحظة طغيان النفس وتمرّدها على صاحبها - والعياذ بالله -. فلا بد على
السالك لسبيل الآخرة والتائب عن المعاصي أن يُذيق الروح ألم الرياضة الروحية ومشقّة
العبادة. فإذا سهر ليلة في المعصية تداركها بليلة من العبادة. وإذا عاش يوماً واحداً مع اللذائذ
الطبيعية تداركه بالصوم والمستحبات المناسبة حتى تطهر النفس من كل آثار المعاصي وتبعاته
التي هي عبارة عن تعلق حب الدنيا بالنفس و رسوخه فيها، وتتطهر من كل ذلك. نعم
تكون التوبة في الصورة أكمل، ويعود النور إلى فطرة النفس، ولا بد في غضون اشتغاله
بهذه الأمور التـفكر والتدبر في نتائج المعاصي وشدّة بأس الحق المتعالي ودقة ميزان الأعمال
وشدّة عذاب عالم البرزخ والقيامة. وليعلم وليلقّن النفس والقلب، بأن كل ذلك نتاج
وصور هذه الأعمال القبيحة والمخالفة مع مالك الملوك. ونأمل بعد هذا العلم والتمعن أن
تنفر النفس عن المعاصي، وترتدع بشكل كامل ونهائي، وينتهي بالتوبة إلى النتيجة المطلوبة،
وتتم توبته وتكمل. فهذان المقامان من المتممات والمكملات لمنزل التوبة. والإنسان في بدء
الأمر عندما يريد أن يدخل مقام التوبة ويتوب إلى الله لا يظن بأن المطلوب منه المرتبة
الأخيرة من التوبة حتى يجد الطريق صعباً وعملية التوبة شاقة فينصرف عنها ويتركها. إن
كل مقدار يساعد عليه حال السالك، في سلوكه لطريق الآخرة، يكون مطلوباً ومرغوباً
فيه، وعندما تطأ قدماه الطريق ييسّر الله تعالى له الطريق. فلابد أن لا تمنع صعوبة الطريق،
الإنسان عن الهدف الأصيل، لأنه مهمّ جداً وعظيم جداً. وإذا انتبهنا إلى جلال الهدف
وعظمته، تذلَّلت جميع الصعاب من أجله. وأي شيء أعظم من النجاة الأبدية والروح
والريحان الدائميان؟ وأي بلاء أعظم من الهلاك الدائمي والشقاء السرمدي؟ ومع ترك التوبة
والتسويف والتأجيل قد يبلغ الإنسان إلى الشقاء الأبدي والعذاب الخالد والهلاك الدائم.
وعند الورود على مقام التوبة قد يتحول الإنسان إلى سعيد مطلق، ومحبوب للحق سبحانه.
فإذا كان الهدف جليلاً على هذا المستوى، فلا بأس من المعاناة والآلام لأيام يسيرة. واعلم أن
الدخول في مقام التوبة بالمقدار الممكن والميسور مهما كان قليلاً [315] فهو مجد وناجع.
قارن أمور الآخرة بالأمور الدنيوية فإن العقلاء إذا لم يستطيعوا أن يحققوا مبتغاهم الأعلى
والأرفع، لم يتركوا الهدف الأقل، وإذا لم يستطيعوا من تحصيل الهدف الكامل المنشود فإنهم
لم يغضوا الطرف عن المطلوب الناقص. وأنت أيضاً إذا لم تستطع أن تحقق التوبة الكاملة،
فلا تعدل عن التوبة ولا تعرض عنها وحاول أن تحققها بالمستوى المستطاع والممكن.
فصـــــــل فـي نتيجــة الاستغفــار من الأمور الهامة التي لا بد
للتائب أن يقدم عليها، اللجوء إلى مقام غفارية الله تعالى وتحصيل حالة الاستغفار،
والطلب من الحق جل جلاله ومن مقام غفارية ذاته المقدس بلسان مقاله وحاله وفي السرّ
والعلن وفي الخلوات. الطلب منه بكل مذلة ومسكنه وتضرع وبكاء بأن يستر عليه
ذنوبه وانعكاساته. نعم إن مقام الغفارية والستارية للذات المقدس يستدعي ستر العيوب
وغفران تبعات الذنوب، لأن الصور الملكوتية للأعمال بمثابة وليد الإنسان، بل ألصق من
ذلك. وإن حقيقة التوبة وكلمات الاستغفار بمثابة اللعان ونفي الولد. إن الحق تبارك
وتعالى بسبب غفّاريته وستّاريته يقطع الصلة بين وليد الإنسان - الصور الملكوتية للأعمال
المحرمة - والإنسان، بواسطة لعان المستغفر. ويحجب عن تلك المعصية كل الكائنات التي
اطّلعت على أحوال الإنسان من الملائكة، وكُتّاب صحائف الجرائم، والزمان والمكان
وأعضاء نفس الإنسان وجوارحه، وينسيهم جميعاً تلك المعصية. كما أشير إليه في الحديث
الشريف حيث يقول"يُنْسِي مَلَكَيْه مَا كَتَبَا عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوب"ومن المحتمل أن يكون
المقصود وحيه تعالى للأعضاء والجوارح وبقاع الأرض، بكتمان المعاصي الوارد في الحديث
الشريف هو إنساء المعاصي. كما يحتمل أن يكون المقصود من وحيه، الأمر بعدم الإدلاء
بالشهادة. ويمكن أن يكون المقصود رفع الآثار التي تركتها المعاصي على الأعضاء والتي بها
تتم الشهادة التكوينية. [316] كما أنه لو لم يتب لأمكن أن يشهد كل عضو بلسان
مقاله أو حاله على أفعاله الأثيمة. وعلى أيّ حال كما أن مقام الغفّارية والستّارية اقتضى
الآن ونحن في هذا العالم أن لا تشهد أعضائنا وجوارحنا ضدنا وأن يستر الزمان والمكان
أفعالنا المشينة، كذلك يقتضي ستر أعمالنا في العوالم الأخرى، عندما نتوب توبة صحيحة
ونستغفر استغفاراً خالصاً ونرحل من هذا العالم، أو أن الناس يحجبون عن أعمالنا. ولعل
مقتضى كرامة الحق - جل جلاله - هو الثاني حتى لا يكون الإنسان التائب مطأْطأَ رأسه
ومفضوحاً أمام الآخرين والله العالم. فصـــــــل فـي تفسيـر التوبـة
النصـوح أعلم أن هناك تفسيرات مختلفة في بيان المقصود من التوبة النصوح. ومن
المناسب أن نذكرها هنا بصورة مجملة. ونحن نكتفي بنقل كلام المحقق الجليل الشيخ
البهائي قدس الله نفسه. نقل المحدث الخبير المجلسي - رحمة الله - ( بحار الأنوار- المجلد 16
ص 17 - الطباعة الحديثة ) عن الشيخ البهائي أنه قال: "ثم اعلم أن المفسرين اختلفوا في
تفسير التوبة النصوح على أقوال: منها: أن المراد توبة تـنصح الناس أي تدعوهم إلى أن
يأتوا بمثلها لظهور آثارها الجميلة في صاحبها أو ينصح صاحبها فيقلع عن الذنوب ثم لا
يعود إليها أبداً. ومنها أن النصوح ما كانت خالصة لوجه الله سبحانه من قولهم عسل
نصوح إذا كان خالصاً من الشمع، بأن يندم على الذنوب لقبحها، وكونها خلاف رضى
الله تعالى لا لخوف النار مثلاً. وحكم المحقق الطوسي في التجريد"بأن الندم من الذنوب
للخوف من النار، ليس بتوبة"ومنها أن النصوح من النصاحة وهي الخياطة لأنها تنصح من
[317] الدين ما مزقته الذنوب أو يجمع بين التائب وبين أوليائه وأحبائه كما تجمع الخياطة
بين قطع الثوب. ومنها أن النصوح وصف للتائب وإسناده إلى التوبة من قبيل الإسناد
المجازي أي توبة تنصحون بها أنفسكم بأن تأتوا بها على أكمل ما ينبغي أن تكون عليه حتى
تكون قالعة لآثار الذنوب من القلوب بالكلية. ويكون ذلك بذوب النفوس بالحسرات ومحو
ظلمات القبائح بنور الأعمال الحسنة. تكميـــل في بيان أن جميع الموجودات ذات
علم وحياة اعلم أن للتوبة حقائق ولطائف وأسرار، ولكل واحد من أهل السلوك إلى الله
توبة خاصة تتناسب مع مقامه. وحيث أن لا حظّ ولا نصيب لنا في تلم المقامات، فلا
يناسب شرحها والإسهاب فيها في هذا الكتاب. والأفضل أن ننهي الحديث بذكر فائدة
دقـيقة تستكشف من الحديث الشريف - المذكور في أول فصل التوبة - وتتـفق مع ظاهر
الكتاب الكريم والأحاديث الكثيرة المأثورة في الأبواب المتـفرقة. وتلك الفائدة هي أن
لكل واحد من الموجودات علم وحياة ومعرفة، بل أن جميع الموجودات تحظى بالمعرفة لمقام
الحق المقدس جل وعلا. فإن الوحي إلى الأعضاء والجوارح وبقاع الأرض، بالكتمان،
وإطاعتها للأمر الإلهي، وتسبيح الموجودات بأسرها الذي نص عليه القرآن الكريم {يُسَبِّحُ
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}(الجمعة1).
وأوردته الأحاديث الشريفة كثيراً، كل ذلك دليل على علم وشعور وحياة الموجودات، بل
دليل على الارتباط الخاص بين الخالق والمخلوق، لا يطلع عليه أحد إلا ذاته المقدس جل
وعلا ومن ارتضى من عباده. وهذه الفائدة الدقيقة إحدى المعارف التي لمّح إليها القرآن
الكريم وأحاديث الأئمة المعصومين، وتتطابق مع برهان الفلاسفة الإشراقيين وذوق أهل
العرفان ومشاهدات أصحاب السلوك والرياضة الروحانية. [318] وقد ثبت في أبحاث ما
وراء الطبيعة من الفلسفة أن حقيقة الوجود عين الكمالات والأسماء والصفات، وعندما
يظهر في كل مرتبة - من مراتب الوجود- الوجود، ويتجلى في مرآة للأعين، يكون ظهوره
مع جميع الشؤون والكمالات - لأن الوجود عين هذه الكمالات السبعة - من الحياة والعلم
وبقيّة الأمهات السبعة (القدرة، الإرادة، الرحمانيه، الرحيميه، القيوم ( المترجم ) ) ولكل من
مراحل تجلي حقيقة الوجود ومراتب تنزلات نور الجمال الكامل للمعبود تعالى شأنه، ارتباط
خاص مع مقام الأحدية، ومعرفة كامنة خفية مع مقام الربوبية. كما تقول الآية الكريمة {مَا
مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا }(هود / 56 ). وقالوا إنّ ( هو ) إشارة إلى مقام غيب
الهوية. و{آخِذٌ بِالنَّاصيةِ} هو الربط الأصيل الغيبي السرّي الوجودي الذي لا مجال لأحد
في معرفته. [319] الحَديث الثـَــامِن عشـــرَ "
الذَّكـــــــــــر" [320] بالسَّــنَدِ المُـتَّصِلِ إلى فَخْــرِ الطّائِفَةِ
وَذُخْرِها مُحَمَّــدِ بْنِ يَعْــقُوبَ الكُلَيْني - رضوان الله عليه - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى،
عَنْ أحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عيسى، عَنِ ابْـنِ مَحْبُوب، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سِنان، عَنْ أبي
حَمْــزَةَ الثُمالـِـي، عَنْ أَبي جَعْــفَرَ عليه السَّلام قالَ:"مَكْــتُوبٌ فِي
التَّــوراةِ الَّتي لَمْ تُغَيَّر أَنَّ مُوسى عليه السَّلام سَأَل رَبَّهُ فَقـالَ: يا رَبِّ أَقَريبٌ أنْتَ مِنّي
فَأُناجيك، أمْ بَعيدٌ فَأُناديكَ؟ فَأَوْحَى الــلَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَـيْهِ: يــا مُوسى أَنَا جَليسُ
مَنْ ذَكَرَنِي. فَقالَ مُوسى: فَمَنْ في سِتْرِك يَوْمَ لا سِتْرَ إِلاّ سِتْرُكَ. فَقالَ: الَّذينَ يَذْكُرُونَني
فَأَذْكُرُهُمْ وَيَتحابُّــونَ فِيَّ فَأُحِبُّهُمْ فَاؤُلئِكَ الَّذينَ إِذا أرَدْتُ أنْ أُصيبَ أهْلَ الأرْضِ
بِسُوءٍ ذَكَرْتُــهُمْ فَدَفَعْتُ عَنْهُمْ بِهِم"(أصول الكافي، المجلد كتاب الثاني، الدعاء، باب ما
يجب من ذكر الله في كل مجلس، ح4 ). [321] الشرح: يفهم من هذا الحديث الشريف
بأن التوراة الرائجة بين اليهود محرّفة ومزورة. وإن محتوى التوراة الصحيحة يتواجد عند أهل
البيت - عليهم السلام -. ويعرف أيضاً من منطويات التوراة والإنجيل المتداولين - لتدني
مستواهما على جميع الأصعدة - إنهما ليسا بحديث إنسان عادي، بل إنه حديث ينسجم
مع أوهام بعض أهل الشهوات وذوي الأهواء النفسية. يقول المحدث المحقق المرحوم
المجلسي:"كان الغرض من السؤال عن آداب الدعاء مع علمه بأنه أقرب إلينا من حبل
الوريد بالعلم والقدرة والعِليّة أي تحب أن أناجيك كما يناجى القريب أو أناديك كما ينادى
البعيد؟ وبعبارة أخرى إذا نظرت إليك فأنت أقرب من كل قريب، وإذا نظرت إلى نفسي
أجدني في غاية البعد عنك فلا أدري في دعائي أنظر إلى حالي أو إلى حالك؟. ويحتمل أن
يكون السؤال للغير أو من قبلهم كسؤال الرواية"( مرآة العقول، المجلد 12، ص122)
انتهى كلامه. في الإحاطة القيومــيّة لله تعالى من المحتمل أن النبي موسى عليه السلام -
في الحديث المذكور - يعرض عجزه عن كيفية دعائه لله تعالى فيقول: إلـهي أنت منزّه من
الاتصاف بالقرب والبعد [322] حتى أدعوك دعاء من يكون دانياً أو قاصياً، فأنا متردّد في
أمري ولا أجد دعاءاً يليق بعظمتك وجلالك. فاسمح لي أن أناديك، وعلّمني كيفية ندائك
واهدني إلى ما يتناسب ومقام قدسك في هذا المجال. فأتي الجواب من مصدر الجلال والعزّة:
بأنني حاضر حضور القيومية في جميع النشآت وأن هذه العوالم بأسرها حاضرة لديّ. أنا
جليس من يذكرني ونديم من يتحدث معي. وبالطبع أن ذاته المقدس لا يتصف بالقرب
والبعد وأنّ له إحاطة قيوميّة، وسعة وجوديّة تعمّ جميع دائرة الوجود وكافة سلسلة
الموجودات. وما ورد في الآيات الشريفة من الكتاب الإلهي الكريم من توصيف الحق المتعالي
بالقرب مثل قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} (البقرة / 186 ) وقوله
- عـزّ من قائل - {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}(ق16). وغيرها من الآيات فمن
باب المجاز والاستعارة. لأن ساحته المقدسة تتنزه عن القرب والبعد الحسيان والمعنويان. إذ
يستلزم ذاك - القرب والبعد الحسيان والمعنويان - نوع من التحديد والتشبيه، والحق المتعالي
منزّه عن ذلك، بل إن حضور قاطبة الموجودات أمام وجوده المقدس، حضور تعلّقي،
وإحاطة ذاته المتعالية لكل دقائق الكائنات وسلسلة الموجودات، إحاطة قيّوميّة وهذا الحضور
وهذه الإحاطة يختلفان عن الحضور الحسي والمعنوي وعن الإحاطة الظاهريّة والباطنيّة.
ويستفاد من هذا الحديث وبعض الأحاديث الأخرى رجحان الذكر - ذكر الله - الخفيّ،
واستحباب الذكر السرّي والقلبي، كما يقول الله سبحانه أيضاً في الآية المباركة {وَاذْكُرْ
رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً}(الأعراف/205). وجاء في الحديث الشريف أنه لا يعلم
أحدٌ ثواب ذكر الله سبحانه، إلاّ الله تعالى لعظمته وكِبَره. وقد يكون الإجهار في الذكر
وإظهاره راجحاً في بعض [323] الحالات والمقامات ولدي طُروّ بعض العناوين، مثل
الذكر لدي أهل الغفلة لكي ينتبهوا. ففي الحديث الشريف من الكافي قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ
عَلَيْهِ السَّلام الذَّاكِرِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الغَافِلِينَ، كَالمُقَاتِلُ فِي المُحَارِبِينَ( أصول الكافي، المجلد
الثاني، كتاب الدعاء، باب ذكر الله عز وجل في الغافلين، ح1 ) ونقل عن عدة الداعي
للشيخ ابن فهد:"قالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم: مَنْ ذَكَرَ اللهَ فِي السُّوقِ مُخْلِصاً عِنْدَ
غَفْلَةِ النَّاسِ وَشُغْلِهِمْ بِما فِيهِ كَتَبَ اللهُ لَهُ ألْفَ حَسَنَةٍ وَغَفَر اللهُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مَغْفِرَةً لَمْ
تَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب ذكر اللّه عز وجل
في الغافلين، ح1 ). وكذلك يستحب الإجهار بالذكر في أذان الأعلام والخطبة وغيرها.
فصـــل ( خصائص ذكر الله تعالى ) يستفاد من هذا الحديث الشريف، أن لذكر الله
والتحابّ بين الأشخاص في سبيل الله، خصائص: إحداها - وهي الأهم - أن ذكر العبد
لله، يبعث على ذكر الله لعبـده، كما نطقت بهذا المضمون أحاديث أخرى أيضاً. ويقابل
هذا الذكر النسيان، قد قال سبحانه وتعالى عن الناسي في القرآن {كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا
فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}(طه126). فكما أن نسيان الآيات والعمى الباطني عن
رؤية مظاهر جمال الحق وجلاله يسبب عمىً في العالم الآخر، يكون التذكّر للآيات
والأسماء والصفات وتذكّر الحق سبحانه وجماله وجلاله باعثاً على حِدّة في البصيرة،
وإزاحة للحجب، بقدر قوة التذكر ونورانيته. هذا وأن تذكر آيات الحق سبحانه،
وصيرورته - هذا التذكر - ملكة - راسخة - في الإنسان يجعل لبصيرته قوّة، فيرى من
خلال الآيات، جمال الحق. [324] وأن تذكّر الأسماء والصفات يبعث على مشاهدة الحقّ
في تجـلّيات أسمائه وصفاته. وأن تذكر الذات عـزّ شأنه من دون حجاب الآيات والأسماء
والصفات، يوجب رفع الحجب بأسرها ومشاهدة الحبيب من دون غشاء وحجاب. ويعتبر
هذا - التفسير - واحداً من التوجيهات والتفسيرات للفتوحات الثلاثة التي هي قرة عين
العرفاء والأولياء وهي: الفتح القريب. الفتح المبين. الفتح المطلق. الذي هو فتح الفتوح.
وكما أن التذكّرات الثلاثة - المذكورة - تزيل الحجب الثلاثة، وكذلك التحابب بين الناس
في الله سبب لمحبة الله، وتكون نتيجته رفع الحجب حسب ما يقوله العرفاء الشامخون. ومن
الواضح أن للتحابب بين الناس مراتب ودرجات، كما أن للحبّ في الله من جهة الخلوص
والخلوِّ من الشوائب مراتب كثيرة ودرجاتٍ عديدةٍ أيضاً، والحب الخالص التام هو الحب
المحض الفارغ من شوب كثرات الأسماء والصفات، وهو الموجب لحصول الحب التام.
والمحبوب المطلق في الشريعة العشاق، لا يكون محجوباً عن الوصال، ولا يبقى بينه وبين
محبوبه حجاباً. وبهذا البيان نستطيع أن نوفّق بين سؤالي النبي موسى عليه السلام، لأنه -
عليه السلام - عندما سمع من حضرته تعالى بأنه - عزّ وجل - جليس من ذكره، وسمع من
محبوبه، أُمنّيته من الوعد بالوصال والوصول إلى الجمال، أراد أن يستقصي أهل الوصال حتى
ينهض بالمسئوليــة مع كافـــة الشؤون المتوجبة عليه، فقال:"فـَمـَنْ في سِتْرِكَ
يَوْمَ لا سِتْرَ إِلاّ سِتْرُكَ لِي؟ وَمَنْ يَكُونُ فِي سِتْرِكَ، بَعْدَ إَنّ تَخَلَّصَ مِنَ التَعَلُّــقِ بِغيْرِكَ،
وَحَطَّمَ قُيُودَ الحُجَبِ، وَوَصَلَ إِلَى جَمَالِكَ الجَمِيلِ؟"فقال هم طائفتان: الذين يذكرونني
ابتداءاً، والذين يتحابّون لأجلي حيث يكون تذكراً في مظهر جمالي التام، الذي هو الإنسان.
إنهما - طائفتان - في مأمني وجلسائي وأنا جليسهم. فتبين أن لهذين الطائفتين خصلة
واحدة عظيمة، ولها نتاج عظيم آخر، إذ أنهم يذكرون الله فينقلبوا - بذكرهم له - محبوبين
للحق المتعالي ونتيجته أنهم يستقّرون [325] في ستره سبحانه وملجأه يوم لا ستر فيه،
ويختلي بهم الحق عز وجل في المحلّ الأرفع. ومن خصال هاتين الطائفتين أن الله سبحانه
يرفع لكرامتهم، العذاب عن عباده بمعنى أنه ما دامت الطائفتان تعيشان بين العباد، لا يُنزل
الله سبحانه العذاب على الناس. فصل في الفرق بين مقام التفكر والتذكر اعلم أن
التذكّر من نتائج التفكّر، ولهذا يعتبرون مقام التفكر مقدماً على مقام التذكر. يقول العارف
عبد الله الأنصاري"التـَّذَكُّر فَــوْقَ التَّفَكُرِ، فَإِنَّ التَّفَكُّر طَلَبٌ وَالتَّـذَكُّر وُجُودٌ" إذ
أن التفكر طلب للمحبوب والتذكر حصول للمطلوب. فما دام الإنسان يطلب ويبحث
يكون محجوباً عن مطلوبه وعندما يصل إلى محبوبة يتحرّر من عناء البحث والتفتيش. إن قوّة
التذكّر وكماله، يرتبطان بقوة التفكر وكماله. والتفكر الذي يفضي إلى التذكر التام
للمعبود، لا يساوي الأعمال الأخرى ولا يقاس في الفضيلة بها. ففي الأحاديث الشريفة أن
تفكّر ساعة أفضل من عبادة سنة واحدة أو ستين عاماً أو سبعين عاماً. ومن الواضح أن
الغاية من العبادات وثمرتها المهمة، حصول المعرفة والتذكر للمعبود الحق. وستُحصل على
هذه الخاصيّة من التفكّر الصحيح، أحسن من الحصول عليها عن طريق العبادة. إذ لعلّ تفكر
ساعة واحدة، يفتح أبواباً من المعارف على السالك، لا تفتحها عبادة سبعين سنة، أو إن في
تفكر ساعة واحدة تذكّر للإنسان بحبيبه سبحانه، ما لا يحصل من المشاق والمساعي المجهدة
فترة سنين عديدة مثل هذا التذكّر. واعلم أيها العزيز أن تذكر الحبيب، والتفكر فيه دائماً،
يثمر نتائج كثيرة لكافة الطبقات. أما الكُمّلون والأولياء والعرفاء فإن تذكر الحبيب في نفسه،
غاية آمالهم وفي [326] ظلّه يبلغون جمال حبيبهم. هـَنـِيئـاً لَهُمْ. وأما عموم الناس
والمتوسطين منهم، فهو أفضل مصلح للأخلاق والسلوك وللظاهر والباطن. إذا عاش الإنسان
مع الحق سبحانه وتعالى في جميع الأحوال وكافة المستجدات، وشاهد نفسه أمام الذات
المقدس عزّ شأنه، لأحجم عن الأمور التي تسخط الله، وردع نفسه عن الطغيان. إن المشاكل
والمصائب المنبثقة من النفس الأمارة والشيطان الرجيم قد نشأت عن الغفلة عن ذكر الحق
وعذابه وعقابه. إن الغفلة عن الحق تضاعف كدورة القلب، وتمكّن النفس والشيطان من
التحكّم في الإنسان وتسبّب زيادة المفاسد على مرّ الأيام. وأن التذكر للحق جلّ شأنه
يبعث على صفاء النفس وصقلها، ويجعلها مظهراً للمحبوب ويوجب صفاء الروح ونقائها،
ويحرّر الإنسان من أغلال الأسـر، ويُخرج حب الدنيا الذي هو رأس الخطايا ومصدر
السيئات من القلب، ويجعل الهموم هماً واحداً، والقلب نظيفاً وطاهراً لورود صاحبه - الحق
جلّ وعلا -. فيا أيها العزيز مهما تتحمل من الصعاب في سبيل الذكر والتذكر للحبيب
- الحق سبحانه - كان ذلك قليلاً. روّض قلبك على التذكر للمحبوب، لعل الله يجعل
صورة القلب، صورة لذكر الحق، وكلمة لا إله إلا الله الطيبة، الصورة النهائية والكمال
الأقصى للنفس، فإنه لا زاد أفضل منه للسلوك إلى الله، ولا مصلح أحسن منه لعيوب النفس،
ولا رفيق أجدى منه في المعارف الإلهية. فإذا كنت طالباً للكمالات الصورية والمعنوية،
وسالكاً لطريق الآخرة ومهاجراً ومسافراً إلى الله، اجعل قلبك معتاداً على تذكّر المحبوب،
واعجن قلبك مع ذكر الحق تبارك وتعالى. فصـــل في بيان أن الذكر التام هو الذكر
البالغ إلى كل أطراف المملكة - جسـم الإنسـان - إن ذكر الحق والتذكر لذاته
المقدس من صفات القلب،وإن القلب إذا تذكر [327] ترتبت عليه - القلب - جميع
الفوائد المذكورة للذكر، ولكن الأفضل أن يعقب الذكر القلبي، الذكر اللساني. وإن أفضل
وأكمل مراتب الذكر كافّة هو الذكر الساري في نشآت مراتب الإنسانية، والجاري على
ظاهر الإنسان وباطنه، سرّه وعلنه. فيكون الحق سبحانه مشهوداً في سرّ الوجود، وتكون
الصورة الباطنية للقلب والروح، صورة تذكر المحبوب. ويطغى على الأعمال القلبية والقالبية
- الظاهريـة - التذكر لله سبحانه. وتنفتح الأقاليم السبع الظاهرية، والممالك الباطنية، على
ذكر الحق، وتتسخّر لتذكر الجميل المطلق. بل لو أن حقيقة الذكر تحوّلت إلى صورة باطنية
للقلب، وانفتحت مملكة القلب على يديه - الذكر - لجرى حكمه في كل الممالك والأقاليم
- القوى الجسمية الظاهرية والباطنية - ولكانت حركة وسكون العين واللسان واليد
والرجل، وأفعال كل القوى والجوارح مع ذكر الحق. ولم تقم -القوى الظاهرية والباطنية
في جسم الإنسان - بإنجاز ما يخالف الوظائف الشرعية المقررة. فتكون حركاتها وسكناتها
مبدوّة ومختومة بذكر الحق، وتَنْفُـــذُ {بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا }(هود/41 ) في
جميع أطراف المملكة - جسم الإنسان بما فيه القوى الظاهرية والباطنية -. وفي النتيجة
يتحول الإنسان إلى حقيقة الأسماء والصفات، بل إلى صورة اسم الله الأعظم، ومظهره.
وهذه هي الغاية القصوى لكمال الإنسان ومنتهى رجاء أهل الله. وكلما حصل انخفاض عن
هذا المستوى الرفيع، وقـلّ نفوذ الذكر - في الإنسان - انتـقص وبنفس النسبة من كمال
الإنسان، وأثّر نقصان كل من الظاهر والباطن، في الآخر، لأن نشآت وجود الإنسان
مترابطة ومتأثرة بعضها ببعض. ومن هنا يعلم أن ذكر الحق بالنطق واللسان الذي يعدّ من
أقل مراتب الذكر، يكون مجدياً ونافعاً أيضاً لأنه: أولاً: قام اللسان بوظيفته بواسطة ذكره
وإن كان هذا الذكر قالباً لا روح له. وثانياً: يمكن أن يصير هذا الذكر باللسان سبباً لتفتّح
لسان القلب أيضاً بعد فترة من المواظبة على ذكر اللسان والاستمرار عليه بشروطه.
[328] قال شيخنا الكامل العارف الشاه آبادي - روحي فداه - يجب أن يكون الإنسان
الذاكر مثل المعلم الذي يريد أن يعلم الطفل الصغير الذي لم ينطق بعد الكلمات، حيث
يكرر الكلمة، حتى ينفتح لسان الطفل وينطق الكلمة، ثم نرى المعلم يداعب الطفل ويردد
الكلمة بمثل ما سمعها من الطفل فيزول تعب المعلم وكأن مددا يبلغه من الطفل. كذلك
الذاكر يجب أن يعلم قلبه الذكر إذا لم ينفتح لسانه - القلب - على الذكر. وسبب تكرار
الذكر هو انفتاح لسان القلب على الذكر. وآية انفتاحه - لسان القلب - أن لسان الفم
يتبع القلب، فيزول نصب تكرار الذكر وعنائه. في البدء كان اللسان ذاكرا والقلب استمد
الذكر منه، وبعد انفتاح لسان القلب بالذكر، يتبعه لسان الفم، ويستمد اللسان منه - القلب
- الذكر، أو من الغيب. ولا بُدَّ من معرفة أن الأعمال الظاهرية الصورية لا تليق بمقام
الغيب، ولا تحشر في عالم الملكوت، إلاّ إذا بلغها من باطن الروحانية ولُباب القلب مدداً،
ووهبها حياة ملكوتية، ولا يكون ذلك إلاّ بالنفحة الروحية التي هي بمثابة الروح والباطن،
لصورة خُلوص النية، والنية الخالصة، وبموجبها يحشر الجسم في عالم الملكوت ويعتبر لائقاً
للقبول في مقام الغيب القدسي. ولهذا أورد في الروايات الشريفة أن قبول الأعمال على قدر
توجه القلب. ومع كل ذلك أيضاً يكون الذكر باللسان محبوباً ومستحباً، ويقود الإنسان في
نهاية المطاف إلى الحقيقة. ومن هذا المنطلق ورد في الأحاديث الشريفة مدح عظيم للذكر
اللساني. وقليلاً ما تجد موضوعاً يشتمل على أحاديث كثيرة مثل موضوع الذكر. وقد
أثــنت أيضاً الآيات الكريمة كثيراً على ذكر الله باللسان. وإن كانت هذه الآيات غالباً
ما تتحدث عن الذكر القلبي أو الذكر مع الروح، ولكن تذكر الحق في كل مرتبة محبوب
ومطلوب. ونحن نختم الكلام في هذا المقام بعرض بعض الأحاديث الشريفة للتيمّن والتبرك.
فصـل في ذكر بعض الأحاديث في فضل ذكر الله في الكافي بِسَنَدٍ صَحيح عَنِ
الفُضَيْـلِ بْنِ يَسارِ قالَ : قالَ أبُوعَبْدِاللهِ عليه السَّـلام:"ما مِنْ مَجْلِـــسٍ يَجْـتَمِعُ
فِيهِ أبْرارٌ وَفُجّــارٌ فَيَقُومُونَ عَلى غَيْرِ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وجلَّ إِلاّ كــانَ حَسْرَةً [329]
عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء باب ما يجب من ذكر الله
في كل مجلس، ح1 ) . من الواضح أن الإنسان عندما تنكشف عليه يوم القيامة، النتائج
العظيمة لذكر الله، ويرى نفسه بعيداً عنها، ويعلم بأنه قد حرم من نعم كثيرة، ولا يستطيع
تداركها، تستولي عليه الحسرة والندامة. فيجب على الإنسان أن يغتنم الفرصة ولا يُخلي
مجالسه ومحافله من ذكر الله. الكافي بِسَنَدٍ مُوَثَّقٍ عَنْ أبي جَعْفَرٍ عليه السَّلام:"مَنْ أَرادَ أنْ
يَكْتالَ بِالْمِكْيالِ فَلْيَقُلْ إذا أرادَ أنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِه."سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ
* وَسَلامٌ عَلَى المُرْسَلينَ * وَالْحَمْدُ لِلِّهِ رَبِّ العالَمينَ "( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب
الدعاء، باب ما يجب ذكر الله في كل مجلس، ح 3 ). وَنُقِلَ عَنِ الإِمَامِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ
السَّلام بأَنَّ أَمِيرَ المُؤمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلام قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْونَ يَومَ القِيَامَةِ كَيْلَهُ تَامّاً مِنَ
الثَّوَابِ فَلْيَتْـلُوا هذِهِ الآيَاتِ المُبَارَكةِ - سبحان ربك إلى آخره - فـِي دَبْرِ كُلِّ صَلاةٍ (
جامع الأحاديث، كتاب الصلاة، ح 3487 ). وَعَنِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلام مُرْسَلاً،
كَفَّارَاتُ المَجَالِسِ أَنْ تَقُولَ عِنْدَ قيَامِكَ مِنْهَا سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ
عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ(وسائل الشيعة، المجلد 15، ح 28901 ). الكافي
بِإِسْنادِهِ عَنْ ابْنِ فَضّالٍ رَفَعَهُ قَالَ:"قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلام: يَا عِيسى
اذْكُرْنِي فِي نَفْسِكْ أذْكُرْكَ في نَفْسِي وَاذْكُرْنِي فِي مَلإك أذْكُرْكَ فِي ملأ خَيْرٍ مِنْ مَلأ
الآدَميّينَ. يا عيسى ألِنْ لي قَلْبَكَ وَأكْثِرْ ذِكْري فِي الخَلَواتِ وَاعْلَمْ أنَّ سُرُوري أنْ
تُبَصْبِصَ إِلَيَّ وَكُنْ فِي ذلِكَ حَيّاً وَلا تَكُنْ مَيِّتاً"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب
الدعاء، باب ذكر اللّه في السر، ح 3). "التبصبص"هو حركة ذنب الكلب نتيجة الخوف
أو الطمع. وهذا كناية عن شدّة الالتماس والمسكنة. و( كـُنْ فِي ذلِكَ حَيًّا وَلا تَكُنْ مَيِّتاً
) بمعنى انتباه القلب وحضوره. الكافي بِإِسْنَادِهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلام: قالَ"إنَّ اللهَ
عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: مَنْ {330} شُغِلَ بِذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي مَنْ
سَأَلَنِي ( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الدعاء، باب الاشتغال بذكر اللّه، ح 1 ). عَنْ
أحْمَد بْنِ فَهْدٍ في عُدَّة الدّاعي عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى الله عليه وأله وسلم قالَ: "....
وَاعْـلَمُوا أنَّ خَيْرَ أعْمالكُمْ [ عِنْدَ مَليكِكُمْ ] وَأزْكاها وَأرْفَعَها في دَرَجاتِكُم وَخَيْرَ ما
طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ذِكْرُ اللهِ سبحانه وتعالى فَإِنَّه أخْبَر عَنْ نَفْسِه فَقالَ: أَنَا جَليسُ مَنْ
ذَكَرَنِــي"( عدة الداعي، ص 238 ). إن الأحاديث المأثورة في فضل ذكر الله وكيفيته
وآدابه وشرائطه تفوق استيعاب هذه الصفحات. والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
[331] الحديث التاسع عشرَ "الغيـــــبة" [332] بِسَنَدِيَ المُتَّصِلِ إِلى ثِقَةِ الإسْلامِ
وَالمُسْلِمينَ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الكُلَيْني - رضوان الله تعالى عليه - عَنْ عَلِيّ بْنِ إبْراهِيمَ، عَنْ
أبيه عَنِ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبي عَبْدِ اللهِ عليه السَّلام قال: قال رَسُولُ اللهِ صلّى الله
عليه وآله وسلم: "الغِيبَةُ أَسْرَعُ في دينِ الرَّجُلِ المُسْلِمِ مِنَ الأَكْلَةِ فِي جَوْفه ".قالَ: وَقالَ
رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلم:"الجُلُوسُ فِي المَسْجِد إِنْتِظارَ الصَّلاةِ عِبادَةٌ ما لَمْ
يُحْدِثْ. قيلَ يا رَسُولَ اللهِ وَما يُحْدثُ قالَ: الاغتيابِ "(أصول الكافي، المجلد الثاني،
كتاب الإيمان والكفر، باب الغيبة والبهت، ح1 ). [333] الشرح: الغيبة كما في اللغة
مصدر"غاب"، واسم مصدر لـ"اغـْتـِيـَاب". قـال الجوهري:"اغتابه اغتيابا إذا وقع
فيه، والاسم الغيبة وهو أن يتكلم خلف إنسان مستور بما يغمه لو سمعه، فإن كان صدقاً
سمّي غيبة، وإِنْ كانَ كذباً سمّي بهتاناً. انتهى "( بحار الأنوار المجلد 75 ص 221). قال
المحقق المحدث المجلسي عليه الرحمة: هذا بحسب اللغة( بحار الأنوار، المجلد 75، ص 221 ).
انتهى. ولكن يبدو بأن صاحب الصحاح - الجوهري - ذكر المعنى الاصطلاحي لا اللغوي.
لأن المعنى اللغوي لِـ غاب واغتاب وجميع مشتقاته ليس بذلك. وإنما هو معنى أعم من
ذلك، وقد يكتب اللغويون المعنى الاصطلاحي أو الشرعي للكلمة في كتبهم. وينقل عن
صاحب القاموس إنّ غاب بمعنى عاب. وعن المصباح المنير:"اغتابه إذا ذكره بما يكرهه من
العيوب وهو حقّ". وحسب اعتقاد الكاتب أن هذه المعاني المذكورة لا تمتّ إلى المعنى
اللغوي بشيء، بل في كل منها قيود تداخلت مع المعنى المصطلح. وعلى أيّ حال لا
جدوى في البحث عن المعنى اللغوي، فإن المهم هو الوصول إلى الموضوع الشرعي الذي
أصبح متعلقاً للتكليف الشرعي - الحرمة -. وحسب الظاهر يكون لهذا الموضوع - الغيبة
- قيود شرعية لا يرقى إليها الفهم العرفي والمعنى اللغوي. ونتطرق للبحث في ذلك بعد
قليل. [334] والأكَلَةُ كفرحة، داءٌ في العضو يأتَكِلُ منه كما في القاموس وغيره وقد يقرأ
بمدّ الهمزة على وزن فاعلة أي العلّة الّتي تأكل اللحم والأوّل أوفق باللغة كذا قال
المجلسي(بحار الأنوار، المجلد 75، ص 220 ) . وعلى أي حال فالمقصود هو أن مرض
الأكلة عندما يحلّ في العضو وخاصّة الأعضاء اللطيفة من الجسم مثل الباطن منه يأكله
بسرعة ويقضي عليه، كذلك الغيبة تأكل دين الإنسان أسرع من ذلك وتفسده وتقضي
عليه. "مـَا لـَمْ يُحْدِث"من باب الأفعال، والضمير المستتر فيه يعود إلى"الجالس"
المستفاد من"الجلوس"المذكور في الرواية. "والاغـْتـِيـَابَ" منصوب ومفعول لفعل
مقدر - يحدث - مفهوم من كلام السائل. وفي بعض النسخ - "ما الحدث"في مكان"ما
يحدث" وعليه يكون"الاغتياب" مرفوع على الخبرية. فصل في تعريف الغيبة اعلم أن
الفقهاء - رضوان الله عليهم أجمعين - ذكروا تعاريف كثيرة للغيبة، لا يتناسب عرضها
ومناقشة كل واحد منها من ناحية الجامعيّة - الشمول لكل أفراد الغيبة - والمانعية - عدم
الاستيعاب لما ليس من الغيبة - مع حجم هذا الكتاب، إلاّ إذا اقتصرنا على ذكر
التعاريف إجمالا . يقول الشيخ المحقق السعيد الشهيد في ( كشف الريبة ) وأما في
الاصطلاح فلها تعريفان : أحدهما مشهور: "هـُوَ ذِكْرُ الإنْسانِ حالَ غَيْبَتِه بِما يَكْرَهُ
نِسْبَتَهُ إلَيْهِ مِمّا يُعَدُّ نُقْصاناً فِي العُرْفِ بِقَصْدِ الانْتِقاص وَالذَّمِّ". وثانيهما:"التـَّنـْبـِيهُ عَلَى
مَا يَكْرَهُ نِسْبَتَهُ إِلَيْهِ وَهُوَ أَعم من الأَوَّل"( بحار الأنوار، المجلد 75، ص221) وحاصل
معنى الأول: أن الغيبة عبارة عن ذكر إنسان في غيبته بما يكره نسبته إليه، مما يُعَدُّ نقصاً
[335] وذمّاً لدى الناس، وكون هذا الذكر بقصد الانتقاص والطعن. وحاصل المعنى
الثاني هو التنبيه إلى ما هو كذلك. ثم إن التعريف الثاني يكون أعمّ من الأول فيما إذا
كان الذكر - في الأول - بمعنى القول كما هو المتفاهم العرفي، فيكون التنبيه - في الثاني
- أعم أن من القول والكتابة والحكاية وغيرها من سائر طرق التفهيم. وإذا كان الذكر
أهم من القول كما هو الموافق للّغة، كان مرجع التعريفين واحداً. والمستفاد من الأخبار
أيضاً يدل على هذين التعريفين. مثل ما في مجالس الشيخ في حديث أبي بصير في وصيّة النبيّ
- صلّى الله عليه وآله وسلم - لأبي ذَرٍّ - رضوان الله عَليهِ - وفيه -"قـُلـْتُ: يا رَسُولَ
اللهِ ما الغيبَةُ؟ قالَ: ذِكْرُكَ أخاكَ بِما هُوَ فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِذا ذَكَرْتَهُ بِما لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ
بَهَتَّهُ(وسائل الشيعة، المجلد الثامن، باب 152 من أبواب أحكام العشرة ح 9 ) . وورد في
الحديث النبوي الشريف:"هل تـَدْرُونَ مَا الغيبَةُ؟ فَقالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذِكْرُكَ
أخاكَ بِما يَكْرَهُ ... الخ"( المحجة البيضاء، المجلد 5، ص 256 ) ويرجع هذا المعنى الأول
حسب المتفاهم العرفي إلى معنى الذكر، أو إلى المعنى الثاني بناءً على أن الذكر أشمل من
القول. ولم يذكر الحديث غياب الأخ، لأنه مفهوم من معنى الغيبة فلا حاجة لذكره. ومن
الواضح أيضاً أن المقصود من الأخ هو الأخ في الإيمان لا في النسب. و( مـَا يـَكـْرَهُ )
تعبير عن كل ما فيه نقص عرفاً. وإرادة الانتقاص والطعن وإن لم تذكر في الحديثين
الشريفين: لأبي ذر، والنبوي المشهور، ولكنها مستفادة من فحوى الكلام. بل أن صدر
رواية أبي ذر يدلّ إلى ذلك، فكان مستغنياً عن ذكره. لأن في صدر الرواية "الغَيْبَةُ أشَدُّ مِنَ
الزِّنا . قُلْتُ: وَلِمَ ذاكَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: لأنَّ الرَّجُلَ يَزْني فَيَتُوبُ إِلَى اللهِ فَيَتُوبُ اللهُ
عَلَيْهِ، والغِيبَةُ لا تُغْفَرُ حَتّى يَغْفِرَها صاحِبُها ثمّ قال: ... وأكـْلُ لَحْمِه مِنْ مَعاصِي اللهِ"(
وسائل الشيعة، المجلد 8، ح16312). ويفهم من هاتين الجملتين أن الذكر مع قصد
الانتقاص، يكون غيبةً وإن كان ذكر الغير بقصد الشفقة عليه لما كانت غيبة حتى يحتاج إلى
طلب المغفرة. ولما كانت من أكل لحمه. ويستفاد من رواية عائشة أن الغيبة أعم من الذكر
القولي:"قَالَتْ: [336] دَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةُ فَلَمّا وَلَّتْ أَوْمَأتُ بِيَدي أَنَّها قَصِيرَةٌ فَقَالَ - صلّى
الله علية وآله وسلم-: اغْتَبْتِها"( جامع السعادات، المجلد 2، ص 294 ). بل العرف لا
يفهم من أخبار الغيبة، خصوصية للفظ، وإنما تعرض له من جهة أنه أسلوب من أساليب
التفهيم، بمعنى إن الغيبة غالباً ما تكون باللفظ، لا من جهة أن للّفظ خصوصية مميزة.
يبقي مطلب واحد وهو أن المستفاد من أخبار الغيبة أن كشف ستر المؤمنين حرام بمعنى
أنه يحرم إظهار عيوب المؤمنين المستورة، من دون فرق بين أن تكون هذه العيوب خلقية
أو خُلقية أو سلوكية، سواء كان الشخص المتصف بالعيب راضياً بكشف عيبه أو لا.
وسواء كان هناك قصد انتقاص أم لا. ولكن يستفاد من مراجعة عدّة روايات في المقام
أن لقصد الانتقاص والطعن دور في حرمة الغيبة، إلاّ إذا كان العمل بنفسه من الأمور التي
يحرم شرعاً ذكره وإشاعته. بأن يكون معصيةً وتعدّياً على حقوقه سبحانه حيث لا يجوز
لصاحب المعصية إظهارها للآخرين، وإنها من إشاعة الفاحشة. وهذا لا يكون مرتبطاً
بحرمة الغيبة. ولا يبعد أن يكون إظهار المستور من عيوب المؤمنين عند عدم رضاهم
بذلك محرّماً، حتى وإن لم يكن هناك قصد للانتقاص منهم. وعلى أي حال إن التفصيل في
هذا الموضوع، أكثر مما ذكرنا، يكون خارجاً عن المطلوب. فصل ( الغيبة ومساوئها )
اعلم أن حرمة الغيبة محل اتفاق إجمالاً، بل تعدّ من ضروريّات الفقه ومن المعاصي الكبيرة
والموبقات المهلكة. ويكون البحث في ذلك والموارد التي ستثنى منها، خارجة عن نطاق
هذا الكتاب. واللازم في هذا المقام التنبيه على فساد هذه السيئة الموبقة وعلى
مضاعفاتهـا، حتى نبتعد عنها ولا نبتلي بها إنشاء الله أو إذا ابتلينا - لا سمح الله -
لتراجعنا وتُبنا، واستئصلنا مادة الفساد، ولا نفسح المجال للرحيل من هذا العالم مع هذا
الدنس والابتلاء بهذه المعصية الكبيرة الماحقة للإيمان. لأن لهذه الخطيئة الكبيرة في عالم
الغيب، وراء حجاب [337] الملكوت، صورة مشوهة بشعة، تبعث - مضافاً إلى قبح
منظرها - على الفضيحة في الملأ الأعلى ولدى محضر الأنبياء المرسلين والملائكة المقربين.
والصورة الملكوتية لها، هي التي أشار إليها سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وشرحتها
الأحاديث الشريفة صراحةً وتلويحاً أيضاً. قال الله تعالى:{ وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ
أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ }( الحجرات/ 12 ). نحن غافلون عن أن
أعمالنا بأنفسها في صور تناسب معها، تعود إلينا، في عالم آخر. وغافلون عن أن لهذا
العمل، صورة أكل الميتة . إن صاحب هذا العمل - المغتاب - يضاهي الكلاب الجارحة،
في افتراسه لأعراض الناس ولحومهم، وسترجع إليه الصورة الملكوتية لهذا العمل - كلب
ينهش لحم الميت - في نار جهنم. وفي رواية أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لمّا رجم
الرجل في الزنا قال رجل لصاحبه:"هذا أُقْعِصَ كَما يُقْعَصُ الكَلْبُ فَمَرَّ النَّبِيّ مَعَهُما بِجيفَةٍ
فَقالَ: إِنْهَشا مِنْها، فَقالا: يا رَسْولَ اللهِ نِنْهَشُ جيفَةً؟ فَقالَ: ما أصَبْتُما مِنْ أخيكُما أنْتَنُ
مِنْ هذِه"(القعص: القتل ) (المحجة البيضاء، المجلد الخامس، ص253 ). نعم أن رسول الله
صلّى الله عليه وآله وسلم قد شاهد نتيجة قوّة نور بصيرته وحدّة مشاهدته - النبوية
الغيبية - عملهم - المغتابين - وعرف بأن جيفة الغيبة أشدّ من جيفة الميتة وصورة عمل
الغيبة أشدّ قبحاً وفظاعة من صورة الميتة المتفسخة. وفي رواية أخرى أن المغتاب يأكل من
لحمه يوم القيامة. وفي وسائل الشيعة عن كتاب "المجالس"لصدوق الطائفة - رضوان الله
عليه - عن نوف البّكالي قال أتى أمير المؤمنين عليه السلام ( إلى أن قال ) قلت زدني
قال:"أجـْتـَنـِبْ الغيبَةَ فَإنِّها أدام كِلابِ النَّارِ ثُمَّ قالَ: يا نُوفُ كَذَبَ مَنِ زَعَمَ أنَّهُ وُلِدَ
مِنْ حَلالٍ وَهوَ يَأْكُلُ لُحُومَ النّاس بِالغيْبَةِ"( وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 152 من
أبواب أحكام العشرة، ح 16 ) [338] ولا تهافت بين هذه الأحاديث الشريفة. إذ
يمكن أن يتحقق كل ذلك: يأكل - المغتاب - لحم الميتة ويأكل لحم جسده أيضاً. يكون
على صورة الكلب فيأكل الجيفة، ويكون على صورة الميتة تأكله كلاب جهنم أيضاً.
هناك - في عالم الآخرة - إن الصورة تابعة للحيثيات التي توجد في الفاعل فيمكن أن
تكون لموجود واحد صورٌ مختلفة. كما هو مقرّر في محله العلوم الفلسفية والعرفانية -.
وعن عقاب الأعمال بإسناده ... عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في حديث:"...
وَمَنْ مَشى في غيبَةِ أخيهِ وَكَشْفِ عَوْرَتِهِ كانَتْ أَوَّلُ خُطْوَةٍ خَطاها وَضَعَها في جَهنَمَّ
وَكَشَفَ اللهُ عَوْرَتَهُ عَلى رُؤوسِ الخَلائق"( عقاب الأعمال، ص 340 ). هذا وضعه يوم
القيامة وفي جهنم حيث يفضحه الله تعالى بين الناس وأمام الملكوتيين. وفي وسائل الشيعة
عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام في حديث المناهي أن رسول الله صلّى
الله عليه وآله وسلم ... ونهى عن الغيبة وقال:"مـِنْ اغْتابَ امْرَءً مُسْلِماً بَطَلَ صَوْمُهُ
وَنَقَضَ وُضُوءَهُ وَجاءَ يَوْمَ القِيامَة يَفُوحُ مِنْ فيه رائِحَةٌ أنْتَنُ مِنَ الجيفَةِ يَتَأَذّى بِه أَهْلُ
المَوْقِفِ وَإِنْ ماتَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ ماتَ مُسْتَحِلاًّ لِما حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ"( وسائل الشيعة،
المجلد 8 الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح13 ) . وهذا حاله قبل وروده على نار
جهنم حيث يكون أمره مفضوحاً على رؤوس الأشهاد ويعتبر من الكفار، لأن المستحل لما
حرّمه الله يكون كافراً، وتكون نهاية المغتاب - يوم القيامة - حسب هذه الرواية تضاهي
نهاية الكافر لأنهما يستحلان ما حرّمه الله. وروي أيضاً عن رسول الله صلّى الله عليه وآله
وسلم في بيان حال المغتاب في البرزخ الرواية التالية:"عن أَنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلّى
الله عليه وآله وسلم: مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلى قَوْمٍٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ بِأَظافِيرِهِمْ، فَقُلْتُ:
يا جَبْرَائيلَ ! مَنْ هؤُلاءِ؟ قَالَ: هؤلاء [339] الَّذينَ يَغْتابُونَ النَّاسَ وَيَقَعُونَ في أَعْراضِهِمْ "(
المحجة البيضاء، المجلد 5، ص 251]. فتبين أن المغتاب مفضوح في عالم البرزخ وعلى
استحياء أمام أهل المحشر يوم الوقوف بين يدي رب العالمين، وفي حالّ من الذلّ والمسكنة
عندما يزجّ به في نار جهنم، بل إن بعض مراتب الغيبة يدفع بصاحبها على الفضيحة في هذا
العالم أيضاً. ففي أصول الكافي عـَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَمّارٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللهِ عليه
السَّلام يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلم: يا مَعْشَرَ مَنْ أسْلَمَ بِلِسانِهِ وَلَمْ
يَخْلُصِ الإيْمانُ إِلى قَلْبِه لا تَذُمُّوا المُسْلِمينَ وَلا تَتَبَّعُوا عَوْراتهِمْ فَإنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْراتِهِم تَتَبَّعَ
اللهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحُهُ وَلَوْ فِي بَيْتِه"( أصول الكافي، المجلد 2، كتاب
الإيمان والكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين، ح2 ) إن الله سبحانه وتعالى غيور، ويكون
هتك ستر المؤمنين وكشف عوراتهم هتكاً لناموس إلهي وكرامته. ولو أن إنساناً تجاوز في
الاستهتار الحدود، وهتك حرمات الله، كشف الله الغيور عيوبه التي سترها عن الآخرين
بلطفه وستّاريته، وهتك أسراره وفضح أمره في هذا العالم أمام الناس وفي عالم الآخرة أمام
الملائكة والأنبياء والأولياء - عليهم السلام -. وفي الحديث الشريف في الكافي عن أبي
جعفر عليه السلام:"قالَ: لَمّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيّ صلّى الله عليه وآله وسلم قالَ: يارَبِّ ما حالُ
المُؤْمِنِ عِنْدَكَ: قالَ: يا مُحَمَّدُ مَنْ أهانَ لي وَليًّا فَقَدْ بارَزَني بِالْمُحارَبَةِ وَأنَا أسْرَعُ [ شَيْءٍ ]
إِلى نُصْرَة أوْلِيائي"( أصول الكافي، المجلد 2، كتاب الغيمان والكفر، باب من آذى
المسلمين، ح 8 ). والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة. وعن الشيخ الصدوق عن الإمام
الصادق عليه السلام أنه قال: "وَمَنْ اغْتابَهُ بِما فيهِ فَهُوَ خارِجٌ مِنْ وِلايَةِ اللهِ تَعالَى داخِلٌ في
ولايَةِ الشَّيْطانِ"( بحار الأنوار، المجلد 75، باب الغيبة،ح 12 ). ومن الواضح أن من يخرج
عن ولاية الله تعالى ويدخل في ولاية الشيطان، لا يكون من أهل النجاة والإيمان. كما
ورد في حديث إسحاق بن عمار المتقدم( المنقول عن أصول الكافي) [340] أيضاً من أن
إسلام المغتاب بلسانه ولم يخلص الإيمان في قلبه. ومعلوم أم من يؤمن بالله ويـُصدِّق بيوم
الجزاء ويعتقد إعتناقه - يوم القيامة - لصور أعماله وحقائق سيئاته، لا يقترف موبقة
كبيرة، تفضحه في عوالم الغيب والشهادة وفي عالم الدنيا والبرزخ والآخرة، وتقوده إلى
شرّ المصائب، التي هي نار جهنم، وتخرجه عن ولاية الحق المتعالي وتدخله تحت ولاية
الشيطان. لو أننا اجترحنا مثل هذه المعصية العظيمة لوجب أن نعرف بأن الأساس غير
سليم، وأن حقيقة الإيمان لم يدخل في قلبنا. ولو أن الإيمان تغلغل في القلب، لصلحت
الأمور، لأن آثاره - الإيمان - تتسرب إلى الظاهر والباطن والسرّ والعلن. فلابد من
معالجة الباطن وأمراض القلب. ويستفاد من الأحاديث أن ضعف الإيمان وعدم خلوصه
كما يسبب فساداً في الأخلاق وانحرافاً في الأعمال، كذلك توجب الفاسد الأخلاقية
نقصاً في الإيمان بل زواله. وهذا الكلام يتطابق مع بعض البراهين. كما تقرر في محلّه.
واعلم أن هذه المعصية من جهة أخرى أشد من كافة المعاصي، وأن آثارها أخطر من آثار
الذنوب الأخرى، لأن الغيبة مضافاً إلى أنها تمسّ حقوق الله، تمسّ حقوق الناس أيضاً.
ولا يغفر الله للمغتاب حتى يرضى صاحب الغيبة. كما ورد هذا المضمون في الحديث
الشريف المأثور بطرق مختلفة. عن محمّد بن الحسن في المجالس والإخبار بإسْناده عن أبي
ذَرٍّ، عَنِ النَّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم في وَصِيَّةٍ لَهُ قَالَ:"يا أبا ذَرٍّ إِيّاكَ وَالغيبَةَ، فَإنَّ
الغيبَةَ أشَدُّ مِنَ الزِّنا. قُلْتُ: وَلِمَ ذاكَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: لأنَّ الرَّجُلَ يَزْني فَيَتُوبُ إِلَى اللهِ
فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ وَالغيبَةُ لا تُغْفَرُ حَتّى يَغْفِرَها صاحبها"( وسائل الشيعة، المجلد الثامن،
الباب 152 من أبواب أحكام العشرة، ح9 ). وفي كتاب علل الشرائع والخصال ومجمع
البيان وأخوان الصفا أحاديث بهذا المعنى أو قريب من هذا المعنى. ولو أن الإنسان
والعياذ بالله مات وعليه حقوق الناس، كان أمره صعباً جداً. إذ أن علاقة الإنسان في
حقوق الله تكون مع الكريم الرحيم الذي لا يتطرق إلى [341] ساحته القدسية شيء من
البغض والضغينة والعداوة والتشفي و- لكنه - في حقوق العباد قد يرتبط بإنسان فيه
تلك الصفات الفاسدة ولا يتجاوز عنه بسرعة أو لا يرضى عنه نهائياً. فلا بد للإنسان
من المواظبة على نفسه كثيراً، والانتباه إلى الملاحظات التي ذكرناها فإن الأمر خطير جداً
وصعب للغاية. والأحاديث في خطورة الغيبة أكثر من مجال هذه الصفحات. ونحن نقتصر
على ذكر بعضها. مثل ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيّ صلّى الله عليه وآله وسلم أنَّهُ خَطَبَ يَوْماً فَذَكَرَ
الرِّبا وَعَظَّمَ شَأْنَهُ فَقالَ: إنَّ الدرْهَمَ يُصيبُهُ الرَّجُلُ مِنَ الرِّبا أعظْمُ مِنْ سَتِّ وَثَلاثينَ زَنْيَةً وَإِنَّ
أرْبى الرَّبا عِرْضُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ"( المحجة البيضاء، المجلد الخامس، ص 253 و ص 264
). ورُوِيَ عنه صلّى الله عليه وآله وسلم أنَّهُ قالَ:"مَا النّارُ في اليَبْس بِأسْرَعَ مِنَ الغيبَةِ في
حَسَناتِ العَبْدِ".( المحجة البيضاء المجلد الخامس، ص253 وص 264 ). وَعَنِ النَّبِيّ صلّى
الله عليه وآله وسلم:"يُؤْتى بِأحَدٍ يَوْمَ القِيامَةِ يُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ الربِّ عَزَّ وَجَلَّ وَيُدْفَعُ إلَيْهِ
كِتابُهُ فَلا يَرى حَسَناتِهِ فيهِ فَيَقُولُ إلهي لَيْسَ هذا كِتابِي [ فإنّي ] لا أرى فيهِ حَسَناتي.
فَيُقالُ لَهُ إنَّ رَبَّكَ لا يَضِلُّ وَلا يَنْسى ذَهَبَ عَمَلُكَ بِاغْتِيابِ النّاسِ. ثُمَّ يُؤْتى بِآخَرَ وَيُدْفَعُ
إلَيْهِ كِتابُهُ فَيَرى فيهِ طاعاتٍ كَثيرةً فَيَقُولُ: إلهي ما هذا كِتابي فَإنّي ما عَمِلْتُ هذِهِ
الطّاعاتِ، فَيُقَالُ لَهُ: إنَّ فُلاناً اغْتابَكَ فَدُفِعَ حَسَناتُهُ إِلَيْكَ"( جامع الأخبار، ص 171 ).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم "أَدْنَى الكُفْرِ أَنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ مِنْ أَخِيْهِ كَلِمَةً،
يَحْفَظُهَا عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنْ يَفْضَحَهُ بِهَا أولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ"( أصول الكافي، المجلد 2، كتاب
الإيمان والكفر، باب من طلب عثرات المؤمنين، رواية تضاهي هذه الرواية ). هذه
الأخبار المأثورة في خصوص الغيبة. في حين أن عناوين أخرى من المعاصي المذكورة في
الروايات تنطبق أيضاً على الغيبة وتعمـّها تلك الآثام مع مضاعفاتها الفاسدة مثل: إهانة
المؤمن سبب مستقل لهلاك الإنسان , والأحاديث [342] في تشنيع كل واحد منها
قاصمة للظهر. ونحن أعرضنا عن نقلها للمحافظة على الاختصار. فصل المفاسد
الاجتماعية للغيبة كما أن هذه المعصية الكبيرة وهذه الجريرة العظيمة، من المفسدات
للإيمان والأخلاق والظاهر والباطن، وممَّا تدفع بصاحبها إلى الفضيحة في الدنيا والآخرة.
حيث ذكرنا سلفاً في الفصل السابق نبذة يسيرة منها، كذلك تشتمل هذه الرذيلة على
مفاسد إجتماعية ونوعية أيضاً، ولهذا يكون فسادها وقبحها أعظم من كثير من المعاصي.
إن من الأهداف الكبيرة للشرائع الإلهية والأنبياء العظام - سلام الله عليهم - مضافاً إلى
كونه - الهدف الذي نذكره - هدفاً مستقلاًّ وليس بمجرد أداة وواسطة وإنّما هي
الوسيلة التي تبعث على إنجاز الأهداف الأساسية الكبيرة، وشرط ضروري لتحقيق المدينة
الفاضلة. مضافاً على ذلك، هو توحيد الكلمة وتوحيد العقيدة والاتفاق في الأمور
الهامة، والحدّ من ظلم الجائرين الباعث على فساد بني الإنسان ودمار المدينة الفاضلة،
ولا يتحقق هذا الهدف الكبير المصلح للمجتمع والفرد إلا في ظل وحدة النفوس وإتحاد
الهمم والتآلف والتآخي، والصداقة القلبية والصفاء الباطني والظاهري، وتربية أفراد
المجتمع على نمط يساهم كلهم في بناء شخص واحد، يحوّل المجتمع إلى فرد، ويجعل
الأفراد بمنزلة الأعضاء والأجزاء لذلك الفرد وتدار كافة الجهود والمساعي حول الهدف
الإلهي الكبير، والأمر الهامّ العقلي العظيم - الوحدة والاخوة - الذي فيه مصلحة الفرد
والمجتمع. ولو أن مثل هذه الوحدة والاخوة ظهرت في طائفة أو نوع، لتغلبوا على جميع
الطوائف والأمم التي لا تحظى بالأخوة والوحدة كما يتضح ذلك من مراجعة التاريخ
وخاصة دراسة الحروب الإسلامية والفتوحات العظيمة، حيث تمتع المسلمون لدى بزوغ
القانون الإلهي - الإسلام - بشيء من الوحدة والاتحاد، واقترنت مساعيهم بشيء من
الخلوص في النية، فحققوا في فترة قصيرة إنجازات عظيمة، وهزموا القوى الجبارة [343]
آنذاك المتمثلة في إيران والروم وانتصروا رغم قلة عددهم وعُدّتهم على الجيوش المدجّجة
بالسلاح وعلى المجتمعات الكبيرة. إن نبي الإسلام قد أجرى عقد الأخوة في الأيام الأولى
بين المسلمين، فسادت الأخوّة حسب الآية الكريمة {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }(الحجرات/
10). بين جميع المؤمنين. وفي الكافي الشريف: عـَنْ العَرْقُوفي قالَ: سَمِعْتُ أبا عَبْدِاللهِ عليه
السَّلام يقول لأصْحابه:"إِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا إِخْوَةً بَرَرَةً فِي اللهِ مُتَواصِلينَ مُتَراحِمينَ. تَزاوَرُوا
وَتَلاقَوْا وَتَذاكَرُوا أمْرَنا وَأحْيُوهُ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب
التراحم والتعاطف، ح 1 و 4 و3 ) وَعَنْ أبي عَبْدِاللهِ عليه السَّلام قالَ:"يَحِقُّ عَلَى
المُسْلِمِينَ الإجْتِهادُ فِي التواصُلِ وَالتَّعاوُنَ عَلَى التَّعاطُفِ وَالمُواسَاةِ لأَهْلِ الحاجَةِ وَتَعاطُفِ
بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ حَتَّى تَكُونُوا كَما أمَرَكُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: "رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ..."( أصول
الكافي، المجلد الثاني ، كتاب الإيمان والكفر، باب التراحم والتعاطف، ح 1 و 4 و3 )
وعنه عليه السـَّلام:"تـَواصـَلـُوا وَتَبارُّوا وَتَراحَمُوا وَكُونُوا إِخْوَةً بَرَرَةً كَما أمَرَكُمُ
اللهُ عَزَّ وَجَلَّ"( أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب التراحم
والتعاطف، ح 1و 4 و 3). ومن المعلوم أنه كلما يبعث على ازدياد هذه الصفات،
يكون محبوباً ومرغوباً فيه وكلما ينقض هذه الاخوة ويفرّط عقد التواصل ويدفع نحو
التمزّق، يعتبر مبغوضاً عند صاحب الشريعة ومناقضاً لأهدافه الكبيرة. ومن الواضح
لدى الجميع بأن هذه المعصية الكبيرة الخطيرة - الغيبة - إذا أشيعت في المجتمع، أصبحت
سبباً للضغينة والحسد والعداوة والبغض وترسيخ جذور الفساد في المجتمع، وغرس
شجرة النفاق فيه، وضعضعة وحدة المجتمع وتضامنه، ووهن أساس الديانة، وفي النهاية
تزداد في المجتمع القبائح والفساد. فيجب على كل مسلم غيور ملتزم، لصيانة نفسه من
الفساد، أهل دينه من النفاق وللمحافظة على المجتمع الإسلامي ووحدته ولتحكيم عقد
الأخوة أن يبتعد عن هذه الرذيلة، ويمنع المغتابين من هذه الموبقة القبيحة، ويتوب إلى الله
من هذا [344] العمل الكريه، إذا كان مبتلياً به، ويسترضي مَنْ اغتابه إذا أمكن، من
دون أن يفضي إلى مشكلة، ويستحلّه فإذا جعله في حلٍّ، وإلاّ استغفر له. وتخلّى عن هذه
الخطيئة، وأنعش من جديد في قلبه جذور الصداقة والاتحاد، حتى يصبح من الأعضاء
الصالحين في المجتمع وينقلب إلى جزء هامّ في عجلة الإسلام والله الهادي إلى سبيل الرشاد.
فصل في علاج هذه الموبقة اعلم أن معالجة هذه الخطيئة العظيمة وغيرها من الخطايا تكمن
في العلم النافع والعمل. أما العلم النافع فهو أن يفكر الإنسان في الآثار الناجعة التي
تترتب على معالجة هذه الموبقة، ويقارنها مع المضاعفات السيئة والآثار الشنيعة التي تترتب
على الغيبة، ثم يعرض كلا الأمرين على العقل ويستهديه لما فيه الحسن والخير والصلاح.
إن الإنسان لا يعادي نفسه البتة من اقترافه للمعصية، وإنما يجترح السيئات من جرّاء
الجهل والغفلة عن بواعثها ونتائجها. ومن جرّاء الفائدة الموهومة المترتبة على تلك
المعصية، من إرضاء رغباته النفسية في ذكر مساوئ الناس وكشف عوراتهم دقائق
محدودة، ومن تضييع الوقت في ذكر اللطائف اللاذعة والأحاديث الشنيعة المنسجمة مع
الطبيعة الحيوانية أو الشيطانية ولهوه في جلسته مع أصدقائه وإشفاء غيظه ممن يحسدهم.
ولكن آثار الغيبة القبيحة قد عرفت قسماً منها في الفصول السابقة وعليك أن تقف على
قسم أخر وتتعظ منه، وتأخذه بعين الاعتبار لدى المقارنة بين حسنات الكفّ عن الغيبة
- بالمعالجة - وسيئات الانهماك فيها. وتنجم عن هذا التفكر والمقارنة، آثار طيبة. أما
آثارها الشنيعة في هذا العالم فهو سقوط الإنسان من أعين الناس وسحب ثقتهم به. إن
طبائع الناس مجبولة على حب الكمال والجمال والحسن، [345] والنفور من كل نقص
وقبح وانحطاط. وملخّص الحديث أن الناس يفرّقون بين من يتجنّب، هتك أستار الناس
وكشف أعراضهم وأسرارهم، وبين غيره، حتى إن الذي يتولّى الغيبة يرى في نفسه فطرة
وعقلاً، الإنسان الذي يكون على حذر من هذه الأمور - هتك الأستار وكشف
الأعراض والأسرار - مفضّلاً على نفسه. وإذا تمادى الإنسان وتجاوز الحدود، وهتك
أسرار وأعراض الناس، فضحه الله في هذه الدنيا. كما صُرِّح بذلك في حديث إسحاق
بن عمار المتقدم. ويجب أن يكون على حذر من فضيحة يريدها الله للإنسان حيث لا
يمكن تداركها. أعوذ بالله من غضب الحليم. إن من المحتمل أن يفضي هتك حرمات
المؤمنين وكشف عوراتهم بالإنسان، إلى سوء العاقبة. لأن هذا العمل الشنيع إذا أصبح
ملكة راسخة لدى الإنسان، ترك آثاراً في النفس: منها الضغينة والعداوة تجاه المستغاب
التي تزداد شيئاً فشيئاً فعندما يدنو منه الأجل، وتنكشف عنه حجب الملكوت، ويرى
المقامات الشامخة للذين اغتابهم وتعظيم الحق لهم، قد تحصل عنده الكراهية للحق
سبحانه، لأن الإنسان يعادي، المحب لعـدوه، ويبغض المحب لمبغوضه، فيخرج من الدنيا
وهو كاره للحق والملائكة ويمنى بالخذلان الأبدي والشقاء الدائم. عزيزي تصادق مع
عباد الله الذين تشملهم رحمة الله ونعمه، ويتزينون بالإسلام والإيمان وأحببهم في قلبك.
وإيّاك أن تعادي محبوب الحق المتعالي، لأنه سبحانه يعادي أعداء أحبائه وسوف يبعدك
عن ساحة رحمته. إن عباد الله المخلصين مجهولون بين سائر عباده، ومن الممكن أن يعود
عداءك لمؤمن وهتكك حرمته وكشفك عورته، إلى هتك حرمة الله تعالى ومعاداته!. إن
المؤمنين أولياء الحق، والتحابّ معهم، تحابّ مع الحق، والتخاصم معهم تخاصم مع الحق.
إياك وإثارة غضب الحق سبحانه، ومعاداة شفعاء يوم القيامة"ويلٌ لِمَنْ شُفَعاؤه
خُصَماؤه". فكـّر قليلاً في النتائج الدنيوية والأخروية لهذه المعصية، وتأمل يسيراً في تلك
الصور - صور تجسّد الأعمال - الموحشة المدهشة التي يبتلى بها الإنسان في القبر
والبرزخ ويوم القيامة. وراجع الكتب المعتبرة لعلمائنا العظام - رضوان الله عليهم -
والأحاديث المأثورة عن الأئمة الأطهار [346]- عليهم سلام الله - التي تقصم الظهر،
من شدة العقاب المتوعد عليه. ثم قارن بين ربع ساعة من اللغو في الحديث والثرثرة في
ظل تحقيق رغبة وهميّة، وبين آلاف السنين من المعاناة، إذا كنت من أهل النجاة
وارتحلت عن هذه الدنيا مع الإيمان. وإلاّ تكن - من أهل الإيمان والنجاة - فقارن تلك
الدقائق اليسيرة مع الخلود في نار جهنم والعذاب الأليم - المؤبّد - نعوذ بالله منه -.
يضاف إلى ذلك أنك إذا خاصمت الشخص الذي تستغيبه، فمقتضى إيمانك بالأحاديث
الشريفة أن تكفّ عن استغابته. لأنه ورد في الخبر أن حسنات المستغيب تنتقل إلى صحيفة
عمل المستغاب، وسيئات المستغاب تنتقل إلى سجلّ عمل المستغيب. فإنك أردت أن
تعاديه، ولكنك في الحقيقة قد عاديت نفسك. إذن اعلم أنك لا تستطيع أن تحارب الله.
إن الله قادر على أن يجعل المغتاب نتيجة غيبتك إياه عزيزاً ومقدراً بين الناس، ويجعلك
حقيراً وذليلاً. ويقوم سبحانه أمام الكروبيّيّن - المقربين - بنفس العملية، فيملأ صحيفة
عملك من السيئات ويفضحك، ويملأ صحيفة عمله من الحسنات معزّزاً مكرّماً. فافهم
أنك تحارب - بغيبتك - أيّ قادر جبار، وكن على حيطة وحذر من معاداته. وأما من
الناحية العملية فلا بد من كفّ النفس عن هذه المعصية لبعض الوقت مهما كان صعباً،
ولجم اللسان، والمراقبة الكاملة للنفس، ومعاهدة النفس بعدم اقتراف هذه الخطيئة،
ومراقبتها والحفاظ عليها ومحاسبتها. حيث يمكن أن يتم إصلاح النفس بعد مضي فترة
قصيرة بمشيئته تعالى. واستئصال مادة هذا الفساد، ويسهل عليك الأمر قليلاً قليلاً .
وبعد فترة تحسّ بأنك تتـنفر منها بحسب طبيعتك وتنزجر عنها. ثم تكون راحة النفس
ومتعتها في ترك هذه المعصية. فصل الأولى ترك الغيبة في الموارد الجائزة إعلم بأن العلماء
والفقهاء - رضوان الله عليهم - استثنوا موارداً من حرمة الغيبة تبلغ في كلمات بعضهم
العشرة ولسنا بصدد عرضها وتعدادها، حتى لا تكون [347] هذه الصفحات ساحة
لبيان الأبحاث الفقهية. والذي يجب أن نذكره هنا هو أن على الإنسان أن لا يعيش حالة
الاطمئنان أبداً من مكائد النفس، بل يجب أن يتحرك في منتهى الحذر والاحتياط، ولا
يكون في صدد التبرير - لغيبته - بالأعذار بأن يقول أن هذا المورد هو من الموارد
المستثناة فيسمح لنفسه بالبحث عن عيوب الناس وإشاعتها في المجتمع. إن مكائد النفس
بالغة الدقة، فيمكن أن تَخدع الإنسان عن طريق الشرع، وتزِجّه في مهلكة. فمثلاً إن
غيبة المتجاهر بالفسق جائزة، وإذا توقف ردعه بعض الأحيان على استغابته وجبت غيبته
من باب النهي عن المنكر، ولكن يجب أن يتأمل الإنسان بأن الدافع النفسي لغيبته هو
الداعي الشرعي الإلهي - النهي عن المنكر - أو أن الباعث، أهواء شيطانية ، ورغبة
نفسانية - العداوة والتشفي و ... - فإن كان الهدف الدافع الإلهي - النهي عن المنكر -
كان عمله من العبادات، بل كانت غيبته هذه بنيّة إصلاح المتجاهر بالفسق والإساءة
إليه، من أوضح مصاديق الإحسان والإنعام إليه وإن لم يشعر المغتاب بذلك. ولكن إذا
كان قصده مشوباً بالفساد والميول النفسانية، فلا بد من تخليص النية - من غير الدافع
الإلهي - والصفح عن أعراض الناس وحرماتهم عند عدم وجود هدف صحيح. بل إن
تعويد النفس على الغيبة في الأحوال الجائزة، يضرّ بحالها أيضاً. لأن النفس تميل نحو
الشرور والقبائح، فمن المحتمل أن ينجرّ رويداً رويداً من الموارد الجائزة إلى مرحلة أخرى
وهي الموارد المحرمة , كما أن الدخول في الشبهات غير محمود، رغم جوازه، لأنها حمى
المحرمات ومن الممكن أن الاقتحام في الحمى يفضي إلى الدخول في المحرمات. يجب على
الإنسان مهما أمكن أن يبعد النفس عن الغيبة في الأحوال المسموحة، ويحترز عن الأمور
التي يحتمل أن يكون فيها طغيان للنفس. نعم في الأحوال التي تجب الغيبة فيها، مثل غيبة
المتجاهر بالفسق بهدف منعه إذا كان لا يرتدع إلا بها، والموارد الأخرى التي ذكرها
العلماء، فلا بد من الإقدام عليها، مع السعي الحثيث لتخليص النية عن هوى النفس
ومتابعة الشيطان. ولكن ترك الغيبة في الموارد الجائـزة، أولى وأحسن ومن الأجدر أن لا
نفعل كل [348] عمل جائز وخاصة الأمور التي يكون فيها لمكائد النفس والشيطان
دور بارزٌ. في الحديث: مـَرَّ عِيْسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيـْهِ السَّلامُ وَمَعَهُ الحَوَارِيُّونَ عَلَى جِيْفَةِ
كَلْبٍ، فَقَالَ الحَوَارِيُّونَ مَا أَنْتَنَ رِيْحَ هذَا الكَلْبِ فَقَالَ عِيْسَى عَلَيْهِ السَّلامُ:"مَا أَشَدَّ بَيَاضَ
أَسْنَانِهِ"( المحجة البيضاء، المجلد 5 ص 254 ). إن المربي والموجه للإنسان لا بد وأن
يكون ذا نفس طاهرة نقيّة. إن عيسى لم يسمح أن يذكر مخلوق الله بالسوء. إنهم
شاهدوا عيبه وهو قد لوّح بكماله. سمعت رواية منقولة عن السيد المسيح عليه السلام أنه
قال لا تكونوا مثل البعوض الذي يفتش عن الأوساخ والقاذورات فلا تركزوا على
عيوب الناس. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:"طوبى لـِمـَنْ
شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ"( المحجة البيضاء، المجلد الخامس، ص 264 ). من الجدير
بالإنسان أن يبحث عن عيوبه قليلاً بمثل ما يتحرَّى عن عيوب الناس. وكم هو قبيح على
الإنسان الذي فيه آلاف العيوب، أن يغفل عن عيوبه، ويتنبه لعيوب الآخرين وبذلك
يضيف عيباً آخر على عيوبه. إذا تأمل الإنسان قليلاً في أحواله وأخلاقه وأعمله وانصرف
إلى إصلاحها، لصلحت أعماله. وإذا اعتقد بأنه خال عن العيوب، كانت عقيدته هذه
نتيجة جهله المطبق. ولا يوجد عيب أعظم من عيب عدم التفات الإنسان إلى عيبه،
ويكون غافلاً عنه ومن أن الإنسان مجموعة عيوب ونقائص، فيترك عيوبه وينعطف على
عيوب الآخرين. فصل في بيان أن الاستماع إلى الغيبة، محرم إن الاستماع إلى الغيبة محرّم،
كما أن الاستغابة تكون محرّمة بل يظهر في بعض الروايات أن المستمع مثل المغتاب في كل
الأمور حتى وجوب التسامح منه، وإنه من الكبائر. عن النبي صلّى الله عليه وآله
وسلم"المـُسـْتـَمـِعُ أحَدُ المُغْتابَيْنِ"( المحجة البيضاء، المجلد الخامس، ص 260 ).
[349] وعن علي عليه السلام:"الـْسامـِعُ أحَدُ الْمُغْتابَيْنِ"( غرر الحكم، المجلد الثاني،
ص 12 ). بل يظهر من الروايات الكثيرة وجوب ردّ الغيبة. عَنِ الصَّدُوقِ بِإسْنادِهِ عَنِ
الصّادِقِ عليه السَّلام في حَدِيثِ مَناهِي النَّبِي صلّى الله عليه وآله وسلم"أنَّ رَسُولَ الله
صلّى الله عليه وآله وسلم نَهى عَنِ الغيْبَةِ والإِسْتِماعِ إِلَيْها إِلى أنْ قالَ: ألا وَمَنْ تَطَوَّلَ
عَلى أَخيه في غِيْبَةٍ سَمِعَها فيهِ في مْجْلسٍ فَرَدَّها عَنْهُ رَدَّ اللهُ عَنْهُ ألْفَ بابٍ مِنَ الشَّرِّ فِي
الدُّنْيا وَالآخِرَةِ فَإنْ هُوَ [ لَمْ يَرُدَّها وَهُوَ ] قادِرٌ عَلَى رَدِّها كانَ عَلَيْهِ كَوِزْرَ مَنِ اغْتابَهُ
سَبْعِينَ مَرَّةً ".( وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 151، من أبواب أحكام العشرة، ح
13 ). وَعَنِ الصَّدوق بِإسْنادِه عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليهما السلام عَنْ آبائِه في وَصِيَّةِ
النبِيِّ لعليّ عليهما السلام:"يا عَلِيُّ! مَنِ اغْتيبَ عِنْدَهُ أخُوهُ المًسْلِمُ فَاسْتَطاعَ نَصْرَهُ فَلَمْ
يَنْصُرْهُ خَذَلَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ".( وسائل الشيعة، المجلد الثامن، الباب 156، من
أبواب أحكام العشرة، ح 1 ). وَعَنْ عِقابِ الأعْمالِ بِسَنَدِهِ عَنِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وآله
وسلم :"مَنْ رَدَّ عَنْ أَخيه غيبَةً سَمِعَها في مَجْلِسٍ رَدَّ اللهُ عَنْهُ ألْفَ بابٍ مِنَ الشرِّ فِي الدُّنيا
وَالآخِرَةِ فَإنْ لَمْ يَرُدَّ عَنْهُ وَأعْجَبَهُ كانَ عَلَيْهِ كَوِزْرِ مَنِ اغْتابَ".( وسائل الشيعة، المجلد
الثامن، الباب 156، من أبواب أحكام العشرة، ح 5). يقول علامة علماء المتأخرين المحقق
الجليل الجامع لفضيلتي العلم والعمل الشيخ الأنصاري - رضوان الله تعالى عليه - :
"والظاهر أن الردّ غير النهي عن الغيبة، والمراد به الانتصار للغائب بما يناسب تلك الغيبة فإن
كان عيباً دنيوياً انتصر له بأن العيب ليس إلا ما عاب الله به من المعاصي التي من أكبرها
ذكرك أخاك بما لم يعبأ الله به وإن كان عيباً دينياً وجّهه بمحامل تخرجه عن المعصية فإن لم
يقبل التوجيه انتصر له بأن المؤمن قد يبتلى بالمعصية فينبغي أن تستغفر له وتهتم له لا أن
تعيره، وأن تعييرك إياه لعله أعظم عند الله من معصيته"(المكاسب، شرح السيد الكلانتر -
المجلد الرابع، ص 69) انتهى كلامه رفع مقامه. [350] ويلاحظ أحياناً أن المستمع فضلاً
عن أنه لم يمنع الغيبة، يعمد إلى تحريض الشخص المستغيب، أو يشجّعه عليها من خلال
مشاركته معه في الاستغابة، أو تحسينه إياه على غيبته وإذا كان المستمع من أهل الصلاح،
رغّب المستغيب في الاستغابة نتيجة موقفه ذات الطابع الديني لدى استماع الغيبة، من
الاشتغال بذكر الله أو الاستغفارأو الأمور الأخرى التي تعدّ من الوسائل الشيطانية لأنه
بموقفه هذا يدفع المستغيب إلى الاستغابة . ومن الممكن أن يكون الحديث الشريف الذي
يضاعف وزر المستمع للغيبة سبعين مرّة بالنسبة إلى وزر المستغيب، إشارة لهؤلاء
الأشخاص - يستمعون الغيبة ويشجعون المستغيب من خلال مواقفهم الدينية الظاهرية
على المضي فيها - نعوذ بالله منه. تتميم كلام الشهيد الثاني - رحمه الله -للشيخ الجليل
والمحقق العظيم الشهيد السعيد الثاني - رضوان الله عليه - كلام نختم به هذا المقام حيث
قال: "ومن أضرّ أنواع الغيبة، غيبة المتّسمين بالفهم والعلم المرائين فإنهم يفهمون المقصود
إلى صفة أهل الصلاح والتقوى ليظهروا من أنفسهم التعفّف عن الغيبة ويفهمون
المقصود ولا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين الرياء والغيبة، وذلك مثل أن يذكر
عنده إنسان فيقول الحمد لله الذي لم يبتلينا بحب الريّاسة أو حبّ الدنيا أو بالتكيف
بالكيفية الفلانية، أو يقول نعوذ بالله من قلّة الحياء أو من سوء التوفيق أو نسأل الله أن
يعصمنا من كذا بل مجرد الحمد على شيء إذا علم منه اتصاف المحدّث عنه بما ينافيه
ونحو ذلك فإنه يغتابه بلفظ الدعاء وسَمْتِ أهل الصلاح. وإنما قصده أن يذكر عيبه
بضرب من الكلام المشتمل على الغيبة والرياء، ودعوى الخلاص من الرذائل، وهو
عنوان الوقوع فيها،بل في أفحشها ومن ذلك أنّه قد يُقدم مدح من يريد غيبته فيقول ما
أحسن أحوال فلان ما كان يقصّر في العبادات، ولكن قد اعتراه فتور وابتلى بما يبتلي به
كلّنا وهو قلّة الصبر فيذكر [351] نفسه بالذمّ، ومقصودة أن يذم غيره، وأن يمدح نفس
بالتشبّه بالصالحين في ذمّ أنفسهم فيكون مغتاباً مرائياً، مزكّياً نفسه، فيجمع بين ثلاث
فواحش، وهو يظنّ بجهله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة، هكذا يلعب الشيطان
بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعلم والعمل من غير أن يتقنوا الطريق فيتبعهم ويحبط بمكائده
عملهم ويضحك عليهم ويسخر منهم. ومن ذلك أن يذكر ذاكر عيب إنسان فلا ينتبه
له بعض الحاضرين فيقول سبحانه الله ما أعجب هذا حتى يُصغي الغافل إلى المغتاب
ويعلم ما يقوله، فيذكر الله سبحانه، ويستعمل اسمه آلة في تحقيق خبثه وباطلة وهو يمنّ
على الله بذكره جهلاً وغروراً ومن ذلك أن يقول جرى من فلان كذا وابتلى بكذا، بل
يقول جرى لصاحبنا أو صديقنا كذا، تاب الله عليه وعلينا، يظهر الدعاء له والتألم
والصداقة والصحبة والله مطلع على خبث سريرته وفساد ضميره، وهو بجهله لا يدري
أنّه قد تعرّض لمقت أعظم مما ي