إعداد وإخراج
موقع مؤسسة الإمام الكاظم عليه السلام ـ المكتبة العامة
www.alkadhum.org
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

التبيان

في تفسير القرآن


تأليف
شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي
385 ـ 460 هـ.


تحقيق وتصحيح:
أحمد حبيب قصير العاملي

المجلد التاسع

دار إحياء التراث العربي

===============
(3)
39 - سورة الزمر وتسمى ايضا (سورة الغرف) وهي مكية - في قول مجاهد وقتادة والحسن - ليس فيها ناسخ ولا منسوخ عدد آياتها خمس وسبعون آية - في الكوفي - وثلاث وسبعون - شامي - وسبعون حجازي وبصري.
بسم الله الرحمن الرحيم (تنزل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ماهم فيه يختلفون * إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3) لو أراد الله أن يتخذ ولدا لا صطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار (4) خلق السموات والارض بالحق يكورا لليل على النهار ويكور النهار

===============
(4)
على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى ألا هو العزيز الغفار) (5).
خمس آيات كوفي وست في ما عداه، عد الكوفي (يختلفون) رأس آية، ولم يعده الباقون.
قوله (تنزل الكتاب) رفع بالابتداء، وخبره (من الله). ويجوز ان يكون رفعا على انه خبر الابتداء. والابتداء محذوف، وتقديره: هذا تنزل، والمراد بالكتاب القرآن - في قول قتادة - وسمي كتابا لانه مما يكتب.
و (العزيز) هو القادر الذي لا يقهر ولا يمنع، و (الحكيم) هو العليم بما تدعو اليه الحكمة وما تصرف عنه. وعلى هذا يكون من صفات ذاته تعالى. وقد يكون بمعنى أن افعاله كلها حكمة ليس فيها وجه من وجوه القبيح. فيكون من صفات الافعال، وعلى الاول يكون تعالى موصوفا في مالم يزل بأنه حكيم، وعلى الثاني لا يوصف إلا بعد الفعل. وقيل (العزيز) في انتقامه من اعدائه (الحكيم) في ما يفعله بهم من انواع العقاب. والذي اقتضى ذكر (العزيز الحكيم) في إنزال الكتاب انه تعالى يحفظ هذا الكتاب حتى يصل إليك على وجهه من غير تغيير ولا تبديل لموضع جهته ولا لشئ منه، وفي قوله (العزيز الحكيم) تحذير عن مخالفته.
ثم اخبر تعالى عن نفسه انه أنزل الكتاب الذي هو القرآن (اليك) يا محمد (بالحق) أي بالدين الصحيح.
ثم امره فقال (فاعبدالله مخلصا له الدين) ومعناه توجه عبادتك اليه تعالى وحده مخلصا من شرك الاوثان والاصنام. وقوله (مخلصا له الدين) نصب

===============
(5)
(مخلصا) على الحال. ونصب (الدين) بأنه مفعول ل (مخلصا). وقال الفراء:
يجوز أن يرفع (الدين)، ولم يجزه الزجاج، قال: لانه يصير ما بعده تكريرا.
ثم قال تعالى (ألا لله الدين الخالص) والاخلاص لله أن يقصد العبد بطاعته وعمله وجه الله، لا يقصد الرياء والسمعة، ولا وجها من وجوه الدنيا، والخالص - في اللغة - مالا يشوبه شئ غيره، ومنه خلاصة السمن لانه تخلصه.
وقال الحسن: معناه الاسلام. وقال غيره: معناه ان له التوحيد في طاعة العباد التي يستحق بها الجزاء، فهذا لله وحده لا يجوز أن يكون لغيره، لاستحالة أن يملك هذا الامر سواه.
وقوله (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) معناه الحكاية عما يقول الكافرون الذين يعبدون الاصنام فانهم يقولون:
ليس نعبد هذه الاصنام إلا ليقربونا إلى الله زلفى أي قربى - في قول ابن زيد - وقال السدي: الزلفى المنزلة. و (الاولياء) جمع ولي، وهو من يقوم بأمر غيره في نصرته، وحذف (يقولون لدلالة الكلام عليه، وهو أفصح، واوجز.
ثم اخبر تعالى فقال (إن الله يحكم بينهم يوم القيامة في ما هم فيه يختلفون)
من إخلاص العبادة لله والاشراك به. ثم قال (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) معناه إن الله تعالى لا يهديه إلى طريق الجنة او لا يحكم بهدايته إلى الحق، (من هو كاذب) على الله في أنه أمره باتخاذ الاصنام، كافر بما أنعم الله عليه، جاحد لاخلاص العبادة، ولم يرد الهداية إلى الايمان، لانه قال (واما ثمود فهديناهم) (1).
ثم قال تعالى (لو أراد الله أن يتخذ ولدا) على ما يقول هؤلاء: من أن
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 7 (*)

===============
(6)
الملائكة بنات الله، أو على ما يقوله النصارى: من ان عيسى ابن الله، أو ما يقوله اليهود: من أن عزيزا ابن الله، (لاصطفى) أي لا ختار مما يخلق ما يشاء. ثم نزه نفسه عن ذلك فقال (سبحانه هو الله الواحد القهار) الذي لا نظير له، القهار لجميع خلقه. ومن هذه صفته كيف يجوز أن يتخذ الاولاد؟ !.
ثم بين عن قدرته فقال (خلق السموات والارض بالحق) أي لغرض حكمي دون العبث وما لا فائدة فيه. (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) أي يدخل كل واحد منهما على صاحبه، ومنه كور العمامة. وقال قتادة: معناه يغشي. (وسخر الشمس والقمر) بأن أجراهما على وتيرة واحدة وتقدير واحد، وكل ذلك يجرى (لاجل مسمى) يعني إلى مدة قدرها الله لهما ان يجريا اليها. وقيل: إلى قيام الساعة.
ثم قال (ألا هو العزيز الغفار) يعني الله الذي لا يقهر ولا يغالب، الغفار لمعاصي عباده إذا تابوا واقلعوا عن ذنوبهم. وفائدة الآية أن من قدر على خلق السموات والارض وتسخير الشمس والقمر. وإدخال الليل في النهار ينبغي ان ينزه عن اتخاذ الولد، واضافة شريك اليه لان جميع ذلك لا يليق به، لانه من صفات المحتاجين.
قوله تعالى:
(خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) إن تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضى

===============
(7)
لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور) (7) آيتان بلا خلاف.
قرأ السوسي، وابن فرج، وهبة عن الاخفش والترمذي إلا ابن فرج، ومدين من طريق عبدالله بن سلام، والبرجمي وخلف - بضم الهاء ووصلها بواو في اللفظ. الباقون - بضم الهاء من غير اشباع - وهذا خطاب من الله تعالى لجميع خلقه من البشر، يقول لهم على وجه تعداد نعمه عليهم وامتنانه لديهم (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) يعني آدم لان جميع البشر من نسل آدم.
وقوله (ثم جعل منها زوجها) قيل: أنه خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم. وقال قوم: خلقها من فضل طينته. وفى قوله (ثم جعل منها زوجها) و (ثم) تقتضي التراخي والمهملة، وخلق الوالدين قبل الولد، وذلك يقتضي أن الله تعالى خلق الخلق من آدم ثم بعد ذلك خلق حواء، وذلك بخلاف المعلوم، لان خلق حواء كان قبل خلق ولد آدم، فيه ثلاثة اقوال:
احدها - ان الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر. ثم خلق بعد ذلك حواء من ضلع من اضلاع آدم - على ما روي في الاخبار - وهذا ضعيف لما بيناه في غير موضع (1) في ما مضى.
والثاني - ان ذلك وإن كان مؤخرا في اللفظ فهو مقدم في المعنى، ويجري
ـــــــــــــــــــــــ
(1) انظر بالمجلد الخامس ص 34 - 35 (*)

===============
(8)
مجرى قول القائل: قد رأيت ما كان منك اليوم ثم ما كان منك أمس، وإن كان ما كان امس قبل ما يكون اليوم.
والثالث - انه معطوف على معنى واحدة كأنه قال من نفس واحدة بمعنى اوجدها.
وقيل: إنه لا يمتنع أن يكون المراد بقوله (زوجها) غير حواء، بل يريد المزدوج من نسل آدم من الذكور والاناث، فكأنه قال تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) وهي آدم (عليه السلام) ثم جعل المزدوج من نسل هذه النفس، وهذا لا محالة متأخر عن خلق النفس الواحدة التى هي آدم. وقيل ايضا: إن سبب دخول (ثم) أن الاعتداد بهذه النعمة، والذكر لها على الامتنان، انما كان بعد ذكر خلقنا من نفس واحدة، فكأنه قال: هو الذي ذكر لكم واعتد عليكم بأنه خلقكم من نفس واحدة، ثم عطف على هذا الاعتداد والامتنان ذكر نعمة اخرى، وهي ان زوج هذه النفس المخلوقة مخلوقة منها. فزمان الخلق المزوج وإن كان متقدما، فزمان ذكره والاعتداد به متزاوج، وزمان الذكر للنعم والاعتداد بها غير الترتيب في زمان الايجاد والتكوين، كما يقول احدنا لغيره: لي عليك من النعم كذا اليوم، ثم كذا امس، وإن كان المعطوف متقدما على المعطوف عليه إذا كان زمان الامتنان بذلك على خلاف ترتيب زمان ايصال النعم. وقيل:
إن المراد ب (ثم) الواو، فانه قد يستعمل الواو بمعنى (ثم) و (ثم) بمعنى الواو، لان معنى الجمع الانضمام، وإن أراد بعضه على بعض. قال الله تعالى (فالينا مرجعهم ثم الله شهيد) (1) ومعناه والله شهيد.
وقوله (وانزل لكم من الانعام ثمانية أزواج) قال الحسن: معناه وجعل لكم منها. وقال: أنزلها بعد ان خلقها في الجنة ويعني بها، الابل، والبقر،
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 10 يونس آية 46 (*)

===============
(9)
والضان، والمعز من كل صنف اثنين. وهما زوجان. وهو قول قتادة ومجاهد والضحاك.
وقوله (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق) قال قتادة ومجاهد والضحاك والسدي: معناه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم يكسي العظام لحما ثم ينشئ خلقا آخر. وقال ابن زيد: معناه الخلق في بطون الامهات بعد الخلق في ظهر آدم.
وقوله (في ظلمات ثلاث) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد: يعني ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة. وقيل: صلب الرجل وظلمة الرحم.
ثم خاطب خلقه فقال (ذلكم الله ربكم) يعني الذي خلق ما ذكره هو الذي أنشاكم وهداكم ويملك التصرف فيكم (له الملك) على جميع المخلوقات (لا إله إلا هو) مستحق للعبادة (فأنى تصرفون) المعنى تؤفكون أي يكف تنقلبون عن ذلك إلى اتخاذ الآلهة سواه.
ثم قال تعالى مخاطبا لهم (إن تكفروا فان الله غني عنكم) ومعناه إن تجحدوا نعم الله فلا تشكروه، فان الله غني عن شكركم (ولا يرضى العباده الكفر) وفى ذلك دلالة على ان الكفر ليس من فعل الله، ولا بارادته، لانه لو كان مريدا له لكان راضيا به، لان الرضا هو الارادة اذا وقعت على وجهه. ثم قال (وان تشكروا يرضه لكم) أي ان تشكروا نعمه وتعترفوا بها يرضه لكم ويريده منكم ويثيبكم عليه. واشباع الهاء أجود، لان الهاء أولها متحرك مثل (ج 9 م 2 من التبيان)

===============
(10)
(شرا يره و.. خيرا يره) (1)، والهاء اذا نفتح ما قبلها في نحو الفعل لم يجز الا الاشباع كقولهم كهلهو والهاء (في يرضه) كناية عن المصدر الذي دل عليه (وان تشكروا) كقولهم: من كذب كان شرا له أي كان الكذب شرا له. وشكر الله لعبده هو اثابته على الشكر والطاعات، والشكر من العبد الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. ومن أسكن الهاء قال ابوالحسن: هي لغة كقول الشاعر:
ونضواي مشتاقان له أرقان فعلى هذه اللغة يحمل دون أن يجري الوصل مجرى الوقف.
وقوله (ولا تزر وازرة وزر أخرى) معناه لا يؤاخذ بالذنب الا من يفعله ويرتكبه، ولا يؤاخذ به غيره، وذلك نهاية العدل. وفى ذلك دلالة على بطلان قول المجبرة في ان الله تعالى يعذب اطفال الكفار بكفر آبائهم.
وقوله (ثم اليه مرجعكم) ومعناه إن مصيركم يوم القيامة إلى حيث لا يملك الامر والنهي سواه (فينبئكم بما كنتم تعملون) أي يخبركم بما عملتموه ويواقفكم عليه ويجازيكم بحسب ذلك، انه عليم بذات الصدور لا يخفى عليه شئ لا سر ولا علانية.
قوله تعالى:
(وإذا مس الانسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 99 الزلزال آية 7 - 8 (*)

===============
(11)
عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار (8)
أمن هوقانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الالباب (9) قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (10) ثلاث آيات بلا خلاف.
قرأ ابن كثير ونافع وحمزة (أمن هو قانت) بتخفيف الميم. الباقون بتشديدها، من خفف أراد النداء وتقديره يامن هو قانت. قال ابن خالويه:
سمعت ابن الانباري يقول: ينادي العرب بسبعة الفاظ: زيد اقبل، وازيد اقبل ويا زيد اقبل، وهازيد أقبل، وأيا زيد اقبل، وأي زيد اقبل، وهيا زيد اقبل. وانشد:
هيا ظبية الوعشاء بين جلايد * وبين النقاء أنت أم أم سالم
ويجري ذلك مجرى قول القائل: فلان لا يصوم ولا يصلي، فيا من يصوم ويصلي ابشر. وقال ابوعلي: النداء - هنا - لا وجه له. والمعنى أمن هو قانت كمن هو بخلاف ذلك؟ ! لانه موضع معادلة، وإنما يقع في مثل هذا الموضع الجمل التي تكون اخبار وليس كذلك النداء. ويدل على الحذف قوله (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) لان التسوية لا تكون إلا بين شيئين وفى جملتين من الخبر. والمعنى أمن هو قانت كمن جعل الله أندادا ليضل عن سبيله، وقال أبوالحسن: القراءة بالتخفيف ضعيفة، لان الاستفهام إنما يبني على ما بعده، ولا

===============
(12)
يحمل على ما قبله، وهذا الكلام ليس قبله ما يبنى عليه إلا في المعنى ومن شدد احتمل أمرين:
احدهما - ان يريد أهذا خير أم من هو قانت.
والثاني - ان يكون جعل (أم) بمنزلة (بل) والف الاستفهام، وعلى هذا يكون الخبر محذوفا لدلالة الكلام عليه، كما قال الشاعر:
فأقسم لو شئ أتانا رسوله * سواك ولكن لم نجد لك مدفعا (1)
والمعنى له أتانا غيرك ما صدقناه، ولا أهتدينا فحذف. وقال تعالى (افمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) و " افمن يتقى بوجهه سوء العذاب " كل ذلك محذوف الجواب. والقانت الداعي، والقانت الساكت، والقانت المصلي قائما وانشد:
قانتا لله يتلو كتبه * وعلى عمد من الناس اعتزل
وقيل القانت الدائم على الطاعة لله (في قول ابن عباس والسدي -.
يقول الله عزوجل مخبرا عن حال الانسان وضعف يقينه وشدة تحوله من حال إلى حال إنه إذا مسه ضر من شدة فقر ومرض وقحط (دعا) عند ذلك (ربه منيبا اليه) أي راجعا اليه راغبا فيه (ثم إذا خوله نعمة منه) فانه إذا أعطاه نعمة عظيمة، فالتخويل العطية العظمية على جهة الهبة، وهي المنحة قال ابوالنجم:
اعطى فلم ينجل ولم يبخل * كوم الذرى من خول المخول (2)
" نسي ما كان يدعو اليه من قبل) يعني ترك دعاء الله، كما كان يدعو في حال ضره، قال الفراء: ويجوز أن تكون (ما) بمعنى (من) كما قال (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (3).
ــــــــــــــــــــــ
(1) مر تخربحه في 5 - 529 و 6 - 253 و 7 - 341 (2) مر في 4 - 224 (3) سورة 4 النساء آية 3 (*)

===============
(13)
" وجعل لله اندادا " أي وسمى له تعالى أمثالا في توجيه عبادته اليها من الاصنام والاوثان " ليضل عن سبيله " فمن ضم الياء أراد ليضل بذلك غيره عن سبيل الحق. ومن فتح الياء اراد ليضل هو عن ذلك، واللام لام العاقبة، لانهم لم يفعلوا ما فعلوه وغرضهم أن يضلوا عن سبيل الله، لكن عاقبتهم كان اليه.
فقال الله تعالى لنبيه (قل) له يا محمد على سبيل التهديد (تمتع بكفرك قليلا)
يعني مدة حياتك (إنك من اصحاب النار) في العاقبة، وهم الذين يلزمون عذاب جهنم. ثم قال (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما) فآناء الليل ساعات الليل واحدها آن، وإني بالياء (ساجدا وقائما) أي في هاتين الحالتين (يحذر الاخرة)
أي يخاف عذاب الاخرة (ويرجو رحمة ربه) كمن خالف ذلك، فانهما لا يتساويان ابدا، ثم قال (قل) لهم على وجه الانكار عليهم (هل يستوي الذين يعلمون) الحق ويعملون به (والذين لا يعلمون) ولا يعملون به، فانهما لا يتساويان أبدا (إنما يتذكر) في ذلك (اولوا الالباب) أي ذوو العقول وروى جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في تفسير هذه الآية انه قال: نحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (قل) لهم يا محمد (يا عبادي الذين آمنوا) بالله وصدقوا بوحدانيته وأقروا برسله (اتقوا ربكم) أي عقاب ربكم باجتناب معاصيه. ثم قال (للذين احسنوا) يعني فعلوا الافعال الحسنة وأحسنوا إلى غيرهم جزاء لهم على ذلك (في هذه الدنيا حسنة) يعني ثناء حسن وذكر جميل ومدح وشكر، وقيل: صحة وسلامة وعافية، ذكره السدي (وارض الله واسعة) فتهاجروا فيها عن دار الشرك - في قول مجاهد - وقيل: أرض الله يعني أرض الجنة واسعة (إنما يوفى الصابرون أجرهم) وثوابهم على طاعتهم وصبرهم على شدائد الدنيا

===============
(14)
(بغير حساب) أي لكثرته لا يمكن عده وحسابه. وقيل: إن معناه إنهم يعطون من المنافع زيادة على ما يستحقونه على وجه التفضل، فكان ذلك بغير حساب أي بغير مجازاة بل تفضل من الله تعالى.
قوله تعالى:
(قل إني أمرت أن أعبدالله مخلصا له الدين (11 وأمرت لان أكون أول المسلمين (12) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) قل الله أعبد مخلصا له ديني (14)
فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيمة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون) (16) ست آيات بلا خلاف.
ست آيات في الكوفى وخمس بصري واربع في ما عداه عد الكوفيون والبصريون (له الدين) وعد الكوفيون (له ديني) ولم يعد الباقون شيئا من ذلك.
هذا امر من الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) أن يقول لهؤلاء الكفار الذين تقدم ذكرهم (إني أمرت أن ا عبدالله مخلصا له الدين) أي اخلص طاعتي له وأوجه عبادتي نحوه، دون الاصنام والاوثان. والآية وإن توجهت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فالمراد بها جميع المكلفين (وامرت) أيضا (لان أكون اول المسلمين) أي المستسلمين

===============
(15)
لما أمر الله به ونهى عنه، وإنما أمر بأن يكون اول المسلمين وإن كان قبله مسلمون كثيرون لان المراد به أول المسلمين من هذه الامة، ففي ذلك أنه دعاهم إلى ما رضيه الله له ورضيه لنفسه، وأن يقول لهم ايضا (إني أخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم) يعني عذاب يوم القيامة. ثم قال (قل) لهم (الله اعبد)
أي ا عبدالله (مخلصا) بعبادتي (له) تعالى (ديني) وطاعتي (فاعبدوا)
أنتم معاشر الكفار (ما شئتم من دونه) من الاصنام والاوثان على وجه التهديد بذلك ثم قال (قل) لهم (إن الخاسرين) في الحقيقة هم " الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة " بأن فعلوا المعاصي، فخسروا بذلك أهاليهم الذين كانوا معدين لهم من الحور العين لو اطاعوه - في قول الحسن - وخسروا أنفسهم أي أهلكوها بالعذاب المهين الظاهر، لمن أدركه، ولا يخفى على احد الحال فيه.
ثم قال تعالى " ألا ذلك هو الخسران المبين " يعنى الظاهر الذي لا يخفى، ثم بين ذلك الخسران بأن قال " لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل " فالظلة السترة القائمة، وجمعها ظلل، ولذلك قيل من فوقهم ظلل ومن تحتهم ظلل إذ النار أدراك فهم بين أطباقها - نعوذ بالله منها - فما هو تحت هؤلاء ظلل لمن دونهم ويجوز أن يكون المراد من تحتهم مثل تلك الظلل لان الظلة لا تسمى كذلك إلا إذا كانت عالية فوق من هي ظلة له ثم قال " ذلك يخوف الله به عباده " أي ما اخبركم به من الوعيد وما أعده للكفار يحذر الله به عباده من إرتكاب معاصيه، ثم ناداهم فقال " يا عباد فاتقون " أي اتقوا معاصي وافعلوا طاعاتي والتخويف الاعلام بموضع المخافة لتتقى ومثله التحذير والترهيب.
وقرأ رويس " ياعبادي " باثبات الياء - في الحالين - الباقون بحذفها، لان الكسرة تدل على الياء.

===============
(16)
قوله تعالى:
(والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله واولئك هم أولوا الالباب (18) أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (19) لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الانهار وعدالله لا يخلف الله الميعاد) (20).
اربع آيات بلا خلاف، في جملتها، وقد اختلفوا في تفصيلها فعد العراقيون والشامي واسماعيل " فبشر عبادي " ولم يعدها المكي، ولا المدني الاول، وعد المكي والمدني الاول " من تحتها الانهار ".
لما اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار وما أعده لهم من انواع العقاب، اخبر - ههنا - عن حال المؤمنين وما أعده لهم من الثواب فقال " والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها " يعني الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت والتقرب اليها بأنواع القرب. والطاغوت جماعة الشياطين في قول مجاهد والسدي وابن زيد. وإنما انث تأنيث الجماعة، ولفظه لفظ المذكر. وقيل إن كل ما عبد من دون الله، فهو طاغوت " وأنابوا إلى الله " أي تابوا اليه، واقلعوا عما كانوا عليه " لهم البشرى فبشر عباد " جزاء على ذلك والبشرى والبشارة واحد وهو الاعلام بما يظهر السرور به في بشرة الوجه، وضده السوءى وهو الاعلام بما يظهر الغم به في

===============
(17)
الوجه بما يسوء صاحبه.
ثم امر نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال " فبشر عبادي " فمن اثبت الياء وفتحها، فلانه الاصل ومن حذف الياء اجتزأ بالكسرة الدالة عليها، ثم وصف عباده الذين أضافهم إلى نفسه على وجه الاختصاص فقال " الذين يستمعون القول " يعني يصغون إلى تلاوة القرآن والاقوال الدالة على توحيده " فيتبعون أحسنه " إنما قال " أحسنه " ولم يقل حسنه لانه اراد ما يستحق به المدح والثواب، وليس كل حسن يستحق به ذلك، لان المباح حسن ولا يستحق به مدح ولا ثواب. والاحسن الاولى بالفعل في العقل والشرع.
ثم اخبر تعالى فقال " أولئك " يعني هؤلاء الذين وصفهم من المؤمنين هم " الذين هداهم الله " يعني إلى الجنة وثوابها، وحكم بأنهم مهتدون إلى الحق " وأولئك هم أولوا الالباب " يعني اولوا العقول على الحقيقة، لانهم الذين انتفعوا بعقولهم من حيث اتبعوا ما يجب اتباعه، والكفار وإن كان لهم عقول فكأنهم لا عقول لهم من حيث أنهم لم ينتفعوا بما دعوا اليه.
ثم قال تعالى على وجه التنبيه " أفمن حق عليه كلمة العذاب " أي وجب عليه الوعيد بالعقاب جزاء على كفره كمن وجب له الوعد بالثواب جزاء على ايمانه وحذف لدلالة الكلام عليه تنبيها على أنهما لا يستويان.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) " أفأنت تنقذ من في النار " وتقديره افأنت تنقذه، لا يمكنك ذلك، لان العقاب وجب له بكفره، واخبر تعالى انه لا يغفر له وإنما اتى بالاستفهام مرتين تأكيدا، للتنبيه على المعنى، قال الزجاج: معناه معنى الشرط والجزاء، والف الاستفهام - ههنا - معناها التوقيف، والثانية في قوله " أفانت (ج 9 م 3 من التبيان)

===============
(18)
تنقذ " جاءت مؤكدة لما طال الكلام، لانه لا يصلح أن يأتي بالف الاستفهام تارة في الاسم والاخرى في الخبر، والمعنى أفمن حق عليه كلمة العذاب أنت تنقذه او في سياق الكلام حذف. وفيه دليل على المحذوف. والمعنى افمن حق عليه كلمة العذاب، فيتخلص منه او ينجو منه افانت تنقذه أي لا تقدر عليه ان تنقذه، وقال الفراء: هما استفهام واحد وتقديره: أفانت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب من النار. ومثله " أيعدكم أنكم إذا متم... أنكم مخرجون " (1) وتقديره أيعدكم إنكم تخرجون إذا متم. ثم فسر وبين ما أعده للمؤمن كما فسر ما أعده للكافرين فقال " لكن الذين اتقوا ربهم " يعني اتقوا معاصيه " لهم غرف من فوقها غرف مبنية " في مقابلة ما قال للكافرين لهم من فوقهم ظلل من النار، ومن تحتهم ظلل لانها تنقلب عليهم. وقيل: المعنى لهم منازل رفيعة في الجنة وفوقها منازل ارفع منها، فللمؤمنين الغرف " تجري من تحتها الانهار " وتقديره تجري من تحت اشجارها الانهار، ثم بين تعالى أن الذي ذكره من ثواب المؤمن " وعد " من " الله " وعد به المؤمن " لا يخلف الله الميعاد " أي لا يخلف الله وعده ولا يكون بخلاف ما اخبر به، ونصب " وعد الله " على المصدر.
قوله تعالى:
(ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتريه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لاولي الالباب (21) أفمن
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 23 المؤمنون آية 35 (*)

===============
(19)
شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22) ألله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيمة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون (24) كذب الذين من قبلهم فأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون) (25) خمس آيات بلا خلاف.
يقول الله تعالى مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله) والمراد به جميع المكلفين على وجه التنبيه لهم على الادلة الدالة على توحيده واختصاصه بصفات لا يشركه فيها غيره " ألم تر " يا محمد ومعناه ألم تعلم " أن الله انزل من السماء ماء " يعني مطرا " فسلكه ينابيع في الارض " يعني أدخله في عيون الارض ومنابعها. وقيل: السلوك دخول في الشئ، ولهذا حسن في صفة الماء الجارى، فقيل فسلكه ينابيع في الارض، ويقولون: دخل في الاسلام، ولا يقال سلك في الاسلام، والينابيع جمع ينبوع، وهو خروج الماء من العيون. وقيل: الينبوع المكان الذي ينبع منه الماء تقول: نبع الماء من موضع كذا إذا فار منه، وعيون الماء مستودع الماء، ونبع الماء إذا انفجرت به العيون.
وقوله " ثم يخرج به " يعني بذلك الماء " زرعا " وهو كل ما ثبت علي

===============
(20)
غير ساق، والشجر ماله ساق واغصان. والنبات يعم الجميع، يقال: تنبت النخلة والشجرة والحبة تنبت نباتا. وقوله " مختلفا ألوانه " يعني صنوفه وقيل:
مختلف الالوان من اخضر واصفر واحمر وأبيض: من البر والشعير والسمسم والارز والذرة والدخن وغير ذلك.
وقوله " ثم يهيج فتراه مصفرا " معناه يجف ويضطرب، فالهيج شدة الاضطراب بالانقلاب عن حال الاستقامة والصلاح، هاج يهيج هيجا وهياجا وهاج البعير هيجا. وقيل: معنى " يهيج " أي يحمى ويجف، فكأنه عما يلحق الجميع يخرج إلى تلك الحال فيتغير عن لون الخضرة إلى لون الصفرة. وقوله " ثم يجعله حطاما " فالحطام فتات النبن والحشيش. ثم قال " إن في ذلك " يعني في ما ذكره من انزال الماء من السماء وإنبات الزرع به ونقله من حال إلى حال " لذكرى " أي ما يتذكر به ويفكر فيه لاولي الالباب يعني ذوي العقول السليمة.
ثم قال تعالى على وجه التنبيه للحق " أفمن شرح الله صدره للاسلام " أي من لطف الله له حتى آمن وعرف الله ووحده وصدق نبيه " فهو على نور من ربه " يعني فهو على هداية من الله ودين صحيح، كمن كان بخلاف ذلك، وحذف لدلالة الكلام عليه. ثم قال " فويل للقاشية قلوبهم " يعني الويل والعقاب للذين قست قلوبهم (عن ذكر الله) حتى لم يعرفوه ولا وحدوه يقال قسى الشئ إذا صلب، كما قال " ثم قست قلوبكم من بعد ذلك " (1) ويقال: غسا وعثا وقسا بمعنى واحد، ويقال ما اقسى قلبه إذا كان لا يلين لشئ. والمعنى كلماتلي عليه ذكر الله قسى قلبه. وقوله " عن ذكر الله " معناه غلظ قلبه عن ذكر الله.
والقاسية قلوبهم هم الذين الفوا الكفر وتعصبوا له فلذلك قست قلوبهم. ثم قال
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 74 (*)

===============
(21)
تعالى " أولئك " يعني القاسية قلوبهم عن ذكر الله " في ضلال " أي عدول عن الحق " مبين " أي واضح ظاهر.
ثم قال " الله نزل أحسن الحديث " يعني القرآن " كتابا متشابها " نصب (كتابا) على البدل من قوله (احسن) ومعناه " متشابها " في الحكم التي فيه من الحجج والمواعظ والاحكام التي يعمل عليها في الدين وصلاح التدبير يشبه بعضه بعضا لا تناقض فيه " مثاني " أي يثنى فيه الحكم والوعد والوعيد بتصريفها في ضروب البيان، ويثنى ايضا في التلاوة فلايمل لحسن مسموعه في القرآن " تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم " أى تقشعر جلود المؤمنين الذين يخافون عذاب الله لما يسمعونه فيه من الوعيد " ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " وما ضمنه الله على ذلك من الثواب. ثم قال " ذلك " يعني ما وصف به المؤمن من اقشعرار قلوب المؤمنين تارة ولينها أخرجى " هدى الله يهدي به من يشاء " أي لطف الله الذى يلطف به لمن يشاء من عباده الذين يعلم انه لطف لهم. وقال الجبائي: انه خص به أمة محمد (صلى الله عليه وآله). ثم قال " ومن يضلل الله فما له من هاد " ومعناه من أضله الله عن طريق الجنة لا يقدر احد على هدايته اليها. ويحتمل ان يكون المراد من حكم الله بأنه ضال لا يقدر احد ان يحكم بأنه هاد. ثم قال منبها لخلقه " أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة " وتقديره كمن يدخل الجنة؟ ! وجاء في التفسير أن الكافر يلقى في النرا مغلولا، لا يمكنه ان يتقي النار إلا بوجهه.
ومعنى يتقي يتوفاها كما قال الشاعر:
إذا يتقون بي الاسنة لم اخم * عنها ولكني تضايق مقدمي
أي يقدمونني إلى القتال فيتوقون بي حرها. وحذف كمن كان بخلاف ذلك لدلالة الكلام عليه، فان هذا لا يكون ابدا. ثم حكى الله تعالى ما يقال

===============
(22)
للكلافرين الظالمين نفوسهم بالكفر بالله يوم القيامة إذا دخلوا النار (ذوقوا ما كنتم)
أي جزاء ما كنتم (تكسبون) من المعاصي. ثم اخبر تعالى عن الامم الماضية من أمثالهم من الكفار بأن قال (كذب الذين من قبلهم) بآيات الله وجحدوا توحيده وكذبوا رسله (فأتاهم العذاب) جزاء لهم على فعلهم وعقوبة عاجلة " من حيث لا يشعرون " أي حيث لا يعلمون به ولا يحتسبون.
قوله تعالى:
(فأذاقهم الله الخزي في الحيوة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (26) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون) (31) ست آيات بلا خلاف.
قال المبرد العرب تقول لكل شئ يصل اليك بجارحة من الجوارح: ذق أي يصل معرفته اليك، كما يصل اليك معرفة ماتذوقه بلسانك من حلو ومر ومنه قوله (فذاقوا وبال امرهم) (1) وقوله (ذق انك أنت العزيز الكريم) (2)
والخزي هو المكروه والهوان، وخزي فلان إذا وقع في المكروه، فالخزي افراط
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 64 التعابن آية 5 (2) سورة 44 الدخان 49 (*)

===============
(23)
الاستحيا، يقال ما استحيا وما تخزى، ورأيته خزيان نادما، قال الشاعر:
ولا أنت دياني فتخزوني قرأ ابن كثير، وابوعمرو، ويعقوب (ورجلا سالما) على وزن (فاعل)
معناه خالصا لا يشركه فيه غيره لان الله تعالى ضرب مثلا للمؤمن والكافر، فشبه الكافر بشركاء متنازعين مختلفين، والمؤمن من عبد إلها واحدا. الباقون " سلما لرجل " على المصدر من قولهم: سلم فلان الله سلما بمعنى خلص له خلوصا، كما يقولون:
ربح الرجل في تجارته ربحا وربحا: وسلم سلما وسلما وسلامة، وتقديره ذا سلم، فمعنى " اذا قهم الله " أي جعلهم يدركون الالم، كما يدرك الذائق الطعام، والخزي الذل الذي يستحيا من مثله بما فيه من الفضيحة، وخزيهم في الحياة الدنيا هو ما فعله بهم من العذاب العاجل من إهلاكهم واستئصالهم الذي يبقى ذكره على الابد. ثم قال تعالى " ولعذاب الآخرة اكبر " مما فعل بهم في دار الدنيا " لو كانوا يعلمون " صدق ما اخبرنا به.
ثم اقسم تعالى بأن قال " ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون " فالتذكر طلب الذكر بالفكر، وهذا حث على طلب الذكر المؤدي إلى العلم، والمعنى لكي يتذكروا، ويتعظوا فيجتنبوا ما فعل من تقدم من الكفر والمعاصي، لئلا يحل بهم كما حل بأولئك. وقوله " قرآنا عربيا " أي انزلناه قرآنا عربيا غيرذي عوج أي غير ذي ميل عن الحق بل هو مستقيم موصل إلى الحق، ويقال في الكلام عوج - بكسر العين - إذا عدل به عن جهة الصواب.
والمثل علم شبه به حال الثاني بالاول. والمثال مقياس يحتذى عليه، وإنما قال:
ضربنا مثلا واحدا، ولم يقل مثلين، لانهما جميعا ضربا مثلا واحدا، ومثله قوله

===============
(24)
تعالى " وجعلنا ابن مريم وأمه آية " (1) ولوثني لكان حسنا - في قول الفراء - وقوله " لعلهم يتقون " معناه لكي يتقوا معاصي الله خوفا من عقابه.
ثم قال تعالى " ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون " فالتشاكس التمانع والتنازع، تشاكسوا في الامر تشاكسا، وفي الشركاء تشاكس في البيع، وتدبير المملوك ونحو ذلك " ورجلا سلما لرجل " فضرب المثل للموحد بعبادته الله تعالى وحده - عزوجل - والمشرك بعبادته غيرالله - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد - (هل يستويان مثلا) في حسن الحال، لا يستويان لان الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وحياطته ما لا يستحقه صاحب الشركاء المختلفين في امره.
ثم قال (الحمد لله) يعني المستحق للشكر والثناء على الحقيقية هو الله تعالى (بل أكثرهم لا يعلمون) حقيقة، لجهلهم بالله ومواضع نعمه. ثم قال لنبيه (إنك يا محمد (ميت) أي عاقبتك الموت، وكذلك هؤلاء لان (كل نفس ذائقة الموت) (2) (ثم إنكم) يبعثكم الله (يوم القيامة) ويحشركم يوم القيامة فتختصمون عندالله. ومعناه كل طائفة منكم ترد على صاحبتها يوم القيامة وتخاصمها، فالاختصام رد كل واحد من الاثنين ما اتى به الآخر على وجه الانكار عليه. وقد يكون احدهما - محقا والآخر مبطلا كالموحد والملحد. وقد يكونان جميعا مبطلين كاختصام اليهودي والنصراني، وقد يكونان جميعا محقين إذا قطع كل واحد منهما على صواب اعتقاده دون غيره، ويكون اختصامهم في الآخرة بذم رؤساء الضلالة في ما دعوهم اليه ودفع اولئك عن أنفسهم، فيقول الاولون: لولا أنتم لكنا مؤمنين
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 23 المؤمنين آية 51 (2) سورة 3 آل عمران آية 185 وسورة 21 الانبياء آية 35 وسورة 29 العنكبوت آية 57 (*)

===============
(25)
ويقول الرؤساء ما كان لنا عليكم من سلطان إلا أن دعوناكم فاستجبتم لنا. واقبل بعضهم على بعض يتلاومون. وقال ابن زيد: الاختصام يكون بين المؤمنين والكافرين. وقال ابن عباس: يكون بين المهتدين والضالين: والصادقين والكاذبين وقال ابوالعالية: يكون بين أهل القبلة. ورجل مشكس إذا كان سئ الخلق. وقال السدي: هذا مثل ضربه الله لاوثانهم. وقال قتادة: هذا للمشرك تنازعه الشياطين مغريين بعضهم ببعض (ورجلا سالما) وهو المؤمن أخلص الدعوة الله والعبادة، وقال ابوعبيدة: متشاكسون الرجل الشكس ورجلا سالما الرجل الصالح. وقال ابو عمرو: معناه خالصا لله. وقال ابوعلي: رجلا فيه شركاء يعني في إتباعه أو في شيعته.
قوله تعالى:
(فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (32) والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاؤ المحسنين (34) ليكفرالله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون) (35) أربع آيات بلا خلاف.
قوله (فمن اظلم) صورته صورة الاستفهام والمراد به التقريع والتوبيخ، والمعنى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا فادعى أن له ولدا وصاحبة، أو أنه حرم ما لم يحرمه، أو أحل مالم يحله، وإنما كان من كذب على الله وكذب بالحق أظلم الخلق، لانه ظلم نفسه بأفحش الظلم من جهة كفره بربه وحجوده لحق نعمه حين أشرك به (ج 9 م 4 من التبيان)

===============
(26)
تعالى من لا نعمة له يستحق بها عبادته. وقال قتادة: (وكذب بالصدق إذ جاءه)
يعني بالقرآن.
ثم قال تعالى مهددا لمن هذه صفته (أليس في جهنم مثوى للكافرين)
والمثوى المقام يقال أثوى يثوي اثواء وثوى يثوي ثواء قال الشاعر:
طال الثواء على ربع بيسؤدي * أردى وكل جديد مرت مود
وقوله (والذي جاء بالصدق وصدق به) قال قتادة وابن زيد: المؤمنون جاؤا بالصدق الذي هو القرآن وصدقوا به، وهو حجتهم في الدنيا والآخرة.
وقيل الذي جاء بالصدق جبرائيل وصدق به محمد (صلى الله عليه وآله). وفي قراءة ابن مسعود (والذي جاؤا بالصدق) قال الزجاج: الذي - ههنا والذين بمعنى واحد يراد به الجمع. وقال: لانه غير موقت. وقيل: الذي جاء بالصدق النبي (صلى الله عليه وآله) من قول لا إله إلا الله، وصدق به ايضا هو (صلى الله عليه وآله) والصحيح أن قوله (وصدق به) من صفة الذين جاؤا بالصدق، لانه لو كان غيرهم لقال والذي جاء بالصدق والذي صدق به.
وقوله (اولئك هم المتقون) يعني من جاء بالصدق وصدق به هم المتقون معاصي الله خوف عقابه، وإنما جاء بلفظ الجمع (هم المتقون) مع أن لفظ (الذي)
واحد، لانه أراد به الجنس. ومعناه الجمع كقوله (والعصر ان الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) (1) وقال الاشهب بن رميلة:
إن الذي حلت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يالم خالد
ثم بين ما اعد لهم من النعيم فقال (لهم ما يشاؤن عند ربهم) جزاء على تقواهم، وبين أن لهم (ذلك) وانه (جزاء المحسنين) الذين يفعلون الطاعات.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 103 العصر آية 1 - 2 (*)

===============
(27)
وقوله (ليكفر الله عنهم أسوء الذي عملوا) أي يسقط عنهم عقاب الشرك والمعاصي التي فعلوها قبل ذلك بتوبتهم ورجوعهم إلى الله (ويجزيهم اجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون) يعني يثيبهم على طاعاتهم من الفرض والنفل، وهي أحسن افعالهم لان المباح وإن كان حسنا لا يستحق به ثواب ولا مدح لان الثواب والمدح إنما يستحق على الطاعات.
قوله تعالى:
(أليس الله بكاف عبده ويخو فونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38)
قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39)
من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) (40)
خمس آيات كوفي وثلاث في ما عداه عد الكوفيون (من هاد) وعدوا (فسوف تعلمون) ولم يعده الباقون. قرأ حمزة والكسائي وخلف (بكاف عباده)
على الجمع. الباقون بكاف عبده على التوحيد. من قرأ على التوحيد أراد النبي (صلى الله عليه وآله) لقوله (ويخوفونك) ومن جمع اراد النبي وسائر الانبياء، لان أمة

===============
(28)
كل نبي خاطبوا نبيهم بمثل ذلك، كما قال تعالى مخبرا عن قوم هود (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) (1) وقرأ ابوعمرو والكسائي عن أبي بكر (كاشفات ضره.. ممسكات رحمته) منون فيهما. الباقون بالاضافة. فمن أضاف فللتخفيف.
ومن نون، فلانه غير واقع، واسم الفاعل إنما يعمل إذا كان لما يستقبل قوله (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) (2) على الحكاية.
وقوله (اليس الله بكاف عبده) لفظه لفظ الاستفهام والمراد به التقرير يقرر عباده، فيقول: اليس الله الذي يكفي عبده كيد اعدائه ويصرف عنه شرهم، فمن وحد - اراد محمد (صلى الله عليه وآله) وهو قول السدي وابن زيد. ومن جمع - أراد انبيائه ك (إبراهيم ولوط وشعيب).
وقوله (ويخوفونك بالذين من دونه) خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) بأن الكفار يخوفونه بالاوثان التي كانوا يعبدونها - في قول قتادة والسدي وابن زيد - لانهم قالوا له: أما تخاف ان تهلكك آلهتنا. وقيل: إنه لما قصد خالد لكسر العزى بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) قالوا له ساداتها: إياك يا خالد إن بأسها شديد.
ثم قال (ومن يضلل الله فما له من هاد) يحتمل معناه شيئين:
احدهما - من أضله عن طريق الجنة بكفره ومعاصيه فليس له هاد يهديه اليها.
والثاني - ان من حكم الله بضلالته وسماه ضالا إذا ضل هو عن الحق فليس له من يحكم بهدايته وتسميته هاديا. ثم عكس ذلك فقال (ومن يهدي الله فما له من مضل) وهو يحتمل امرين:
احدهما - من يهديه الله إلى طريق الجنة فلا احد يضله عنها.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 11 هود آية 54 (2) سورة 18 الكهف آية 18 (*)

===============
(29)
والثاني - من يحكم بهدايته ويسميه هاديا فلا احد يمكنه ان يحكم بضلالته على الحقيقة.
ثم قرر خلقه فقال (اليس الله بعزيز) اي قادر قاهر لا يقدر أحد على مغالبته (ذي إنتقام) من اعدائه والجاحدين لنعمته.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (ولئن سالتهم) يا محمد يعني هؤلاء الكفار (من خلق السموات والارض) وانشأها واخترعها وأوجدها بعد أن كانت معدومة (ليقولن الله)
الفاعل لذلك، لانهم لو أحالوا على غيره لبان كذبهم وافتراؤهم، لانه لا يقدر على ذلك إلا القادر لنفسه الذي لا يعجزه شئ. ثم قال (قل) لهم (افرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته) فمن اضاف لم يعمل اسم الفاعل. ومن نون أعمله، وهما جميعا جيدان. والمعنى إن من يعجز عن النفع والضر وكشف الكرب عمن يتقرب اليه ولا يتأنى منه ذلك كيف يحسن عبادته؟ ! وإنما تحسن العبادة لمن يقدر على جميع ذلك ولا يلحقه عجز ولا منع، وهو الله تعالى.
والوجه في الزام من خلق السموات والارض إخلاص العبادة له أن من خلق السموات والارض هو القادر على النفع والضر بما لا يمكن أحد منعه ويمكنه منع كل أحد من خير او شر، والعبادة أعلى منزلة الشكر، لاجل النعم التي لا يقدر عليها غير الله، فمن اقر بخلق السموات والارض لزمه إخلاص العبادة لمن خلقهما ومن لم يقر دل عليه بما يلزمه الاقرار به.
ثم قال (قل) لهم يا محمد (حسبي الله) أي يكفني الله (عليه يتوكل المتوكلون) فالتوكل رد التدبير إلى من يقدر على الاحسان فيه، فلما كان لا يقدر على الاحسان في جميع التدبير الذي يصلح الانسان إلا الله تعالى وجب على

===============
(30)
كل عاقل التوكل عليه بما هو حسبه منه.
ثم قال (قل) لهم يا محمد (ياقوم إعملوا على مكانتكم) قال مجاهد:
على ناحيتكم، وقيل على مكانكم من العمل. وقيل: على مكانتكم أي ديانتكم على وجه التهدد لهم. وقيل: على مكانتكم أي جهتكم التي اخترتموها وتمكنتم في العمل بها.
ثم قال (إني عامل) بما أدعوكم اليه (فسوف تعلمون) عاقبة اعمالكم وآخر كفركم وتعرفون (من يأتيه عذاب يخزيه) في الدنيا ويهينه في الآخرة (ويحل عليه) أي ينزل عليه (عذاب مقيم) أي دائم لا يزول، وذلك غاية الوعيد والتهديد.
قوله تعالى:
(إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (41)
ألله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك الآيات لقوم يتفكرون (42) أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون (43) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والارض ثم إليه ترجعون (44)
وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة

===============
(31)
وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) (45) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ حمزة والكسائي إلا قتيبة وخلف (فيمسك التي قضي عليها) على ما لم يسم فاعله. الباقون (قضى) بفتح القاف، وهو الاجود لان اسم الله تعالى قد تقدم في قوله (الله يتوفى الانفس حين موتها) وقيل: إن الموت - ههنا - المراد به النوم. والتوفي - ههنا - توفى النفس لا الروح، لان ابن عباس قال في ابن آدم نفس وروح، فاذا نام قبضت نفسه وبقيت روحه. والروح والذي يكون بها الغظيط. والنفس هي التي يكون بها التميز، فاذا مات قبضت نفسه وروحه.
فان قيل: كيف قال ههنا (الله يتوفى الانفس) وقال في موضع آخر (توفته رسلنا) (1) (وقل يتوفاكم ملك الموت) (2). قيل: ان الذي يتولى قبض الارواح ملك الموت بأمر الله، ومعه رسل واعوان، فلذلك قال (توفته رسلنا).
وحجة من بنى الفعل للفاعل قوله (ويرسل الاخرى) ومن بنى للمفعول به، فلان المعنى يؤل اليه. وقال الفراء تقديره الله يتوفى الانفس حين موتها ويتوفى التي لم تمت في منامها عند انقضاء اجلها. وقيل: توفها نومها لقوله (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار) (3).
يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه (إنا انزلنا عليك) يا محمد (الكتاب) يعني القرآن (للناس بالحق). ومعناه أنزلناه على انه حق، فهذه فائدة الباء. وفي ذلك حجة على
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 6 الانعام آية 61 (2) سورة 32 الم السجدة آية 11 (3) سورة 6 الانعام آية 60 (*)

===============
(32)
من زعم ان الله سبحانه يريد بانزاله إضلال الكافرين عن الايمان، لانه لو كان كذلك لم يكن منزلا على انه حق وجب النظر في موجبه ومقتضاه، فما رغب فيه
وجب العمل به وما حذر منه وجب اجتنابه، وما صححه وجب تصحيحه وما أفسده وجب افساده، وما دعا اليه فهو الرشد، وما صرف عنه فهو الضلال.
ثم قال (فمن اهتدى) يعني بما فيه من الادلة (فلنفسه) لان منفعة عاقبته من الثواب تعود عليه (ومن ضل) عنه وحاد (فانما يضل عليها) يعني على نفسه، لان وخيم عاقبته من العقاب تعود عليه. ثم قال (وما أنت) يا محمد (عليهم بوكيل) أي بحفيظ ولا رقيب وإنما عليك البلاغ والوكيل القائم بالتدبير. وقيل (ما انت عليهم بوكيل) معناه وما انت عليهم برقيب في ايصال الحق إلى قلوبهم وحفظه عليهم حتى لا يتركوه ولا ينصرفوا عنه، ولا تقدر على إكراههم على الاسلام، وإنما الله تعالى القادر عليه.
قوله (الله يتوفى الانفس حين موتها) معناه انه يقبضها اليه إذا اراد إمانتها بأن يقبض روحها بأن يفعل فيها الموت " والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت " فلا يردها اليه " ويرسل الاخرى.. " التى يريد ابقائها إلى أن تستوفي اجلها الذي قدره لها. وقد ذكرنا ما روي عن ابن عباس من أن قبض الروح يكون منه ميتا. وقبض النفس يكون به فاقدا للتمييز والعقل، وإن لم يفقد حياته.
والفرق بين قبض النوم والموت ان قبض النوم يضاد اليقظة، وقبض الموت يضاد الحياة وقبض النوم تكون الروح معه في البدن، وقبض الموت يخرج الروح منه عن البدن، وقال سعيد بن جبير والسدي: ان أرواح الاحياء إذا ناموا تجتمع مع أرواح الاموات، فاذا أرادت الرجوع إلى الاجساد أمسك الله ارواح

===============
(33)
الاموات وأرسل ارواح الاحياء.
ثم قال (إن في ذلك) يعني في قبض الارواح تارة بالموت، وقبض الانفس بالنوم أخرى (لآيات) أي دلالات واضحات على توحيد الله، فانه لا يقدر عليه سواه (لقوم يتفكرون) أي يستعملون عقولهم بالفكر في ذلك فيعرفون الله تعالى بذلك.
ثم اخبر عن هؤلاء الكفار فقال (أم اتخذوا) معناه بل اتخذ هؤلاء الكفار (من دون الله شفعاء) بزعمهم، من الاصنام والاوثان فقال (قل) لهم يا محمد (اولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون) تنبيها لهم على انهم يتخذونهم شفعاء وإن كانوا لا يقدرون على شئ من الشفاعة ولا غيرهما ولا يعقلون شيئا. والالف في (اولو) الف الاستفهام يراد به التنبيه. ثم قال (قل) لهم يا محمد (لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والارض) أي الشفاعة لمن له التدبير والتصرف في السموات والارض ليس لاحد الاعتراض عليه في ذلك (ثم اليه ترجعون)
معاشر الخلق أي إلى حيث لا يملك احد التصرف والامر والنهي سواه، وهو يوم القيامة فيجازي كل إنسان على عمله على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب.
ثم اخبر عن حالهم وشدة عنادهم، فقال (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة) يعني نفرت نفوسهم عن التوحيد وانقبضت عنه يقال: فلان مشمئز عن كذا إذا انقبض عنه. وفي قوله: اشمأزت قلوبهم دليل على فساد قول من يقول المعارف ضرورة (وإذا ذكر الذين من دونه) قال السدي: يعني اوثانهم (إذا هم يستبشرون) أي يفرحون ويسرون حتى يظهر السرور في وجوههم.
(ج 9 م 5 من التبيان)

===============
(34)
قوله تعالى:
(قل اللهم فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) ولو أن للذين ظلموا ما في الارض جميعا ومثله معه لا فتدوا به من سوء العذاب يوم القيمة وبدالهم من الله مالم يكونوا يحتسبون (47)
وبدالهم سيات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (48)
فاذا مس الانسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49)
قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50)
خمس آيات.
هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) والمراد به جميع المكلفين ان يدعوه بهذا الدعاء فيقولوا (اللهم فاطر السموات والارض) أي خالقهما ومنشئهما ومبتدئهما (عالم الغيب والشهادة) أي عالم ما غاب علمه عن جميع الخلائق وعالم ما شهدوه وعملوه، لا يخفى عليك شئ من الاشياء (أنت تحكم بين عبادك)
يوم القيامة (في ما كانوا فيه يختلفون) في دار الدنيا من أمر دينهم ودنياهم وتفصل بينهم بالحق. و (فاطر السموات) عند سيبويه لا يجوز أن يكون صفة (اللهم) قال لانه غير الاسم في النداء، ولانه لا يذكر بهذا الذكر إلا بعد ما عرف

===============
(35)
كما لا يضمر الاسم إلا بعد ما عرف، فكما لا توصف المضمرات، فكذلك هذا الاسم، وليس يجب مثل ذلك في قولنا: (الله) لانه قد يذكره العارف لمن لا يعرفه فيعرفه إياه بصفته، فيقول: الله فاطر السموات والارض وخالق الخلق ورب العالمين ومالك يوم الدين. وقال ابوالعباس: يجوز أن يكون صفة (اللهم) حملا له على (يا الله فاطر السموات والارض).
ثم اخبر تعالى على وجه المبالغة في وقوع عقاب الكفار وعظمه بأنه لو كان لهم ملك جميع مافي الارض، ومثله معه، زيادة عليه وأراد الظالم لنفسه بارتكاب المعاصي أن يفتدي نفسه من شدة ذلك العذاب يوم القيامة لما قبل منه، ولما فودي به، وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه.
ثم قال (وبدالهم) يعني الكفار ما لم يكونوا يحتسبونه ولا يظنونه واصلا اليهم، والاحتساب الاعتداد بالشئ من جهة دخوله في ما يحسبه، فلما كان أهل النار لم يكونوا يدرون ما ينزل بهم من العذاب صح ان يقال (بدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) ولا قدروا أنهم يصيرون اليه.
ثم قال (وبدالهم) أي ظهر لهم ايضا (سيئآت ما كسبوا) أي جزاء سيئآت ما كسبوا من اعمالهم (وحاق بهم) أي نزل بهم " ما كانوا به يستهزؤن " في الدنيا من قول الله ووعده ووعيده.
ثم اخبر تعالى عن شدة تقلب الانسان وتحوله من حال إلى حال بأنه إذا مسه ضر من مرض ومصيبة وبلاء " دعانا " وفزع الينا " ثم " بعد ذلك " إذا خولناه " أي أعطيناه " نعمة منا " والتخويل العطاء بلا مكافات ولا مجازات بل تفضلا محضا " قال إنما اوتيته على علم " قال الحسن معناه أني اوتيته بحيلتي وعملي وقال غيره: معناه على علم برضاه عني فلذلك اعطاني ما أولاني من النعمة. وقال

===============
(36)
آخرون: معناه على علم بأن تسببت به للعافية وكشف البلية وانه لم ينلها من قبل ربه. ثم قال ليس الامر على ما يقوله " بل هي فتنة " أي بلية واختبار يبتليه الله به فيظهر كيف شكره في مقابلتها، فيجازيه بحسبها، لانه وإن كان عالما بحاله لم يجز ان يجازيه على علمه، وإنما يجازيه على فعله " ولكن اكثرهم لا يعلمون " صحة ما قلناه من ان ذلك محنة واختبار لقلة معرفتهم بالله وبصفاته. ثم قال " قد قالها الذين من قبلهم " يعني قد قال كلمة مثل ما قال هؤلاء " فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون " من الاموال ويجمعونه بل صارت وبالا عليهم.
قوله تعالى:
(فأصابهم سيآت ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيآت ما كسبوا وما هم بمعجزين (51) أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52) قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون) (55)
خمس آيات بلا خلاف.
يقول الله تعالى مخبرا عن حال هؤلاء الكفار في الآخرة وما يصيرون اليه

===============
(37)
فقال " فاصابهم سيئآت ما كسبوا " قيل في معناه قولان:
احدهما - فاصابهم عقاب سيئآت ما كسبوا وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه لدلالة الكلام عليه.
الثاني - انه اراد فأصابهم عقاب ما كسبوا من المعاصي وسماه سيئآت لازدواج الكلام، كما قال " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (1).
ثم قال " والذين ظلموا من هؤلاء " يعني من كفار قوم النبي (صلى الله عليه وآله) " سيصيبهم " أيضا " سيئآت ما كسبوا وما هم بمعجزين " أي ليس يفوتون الله، ثم قال على وجه التنبيه لهم على معرفته " اولم يعلموا ان الله يبسط الرزق لمن يشاء " أي يوسعه على من يشاء من عباده بحسب ما يعلم من مصلحته " ويقدر " أي ويضيق على من يشاء منهم بمثل ذلك " إن في تلك لآيات " أي دلالات واضحات " لقوم يؤمنون " أي يصدقون بتوحيد الله ويقرون بأنبيائه. وأضاف الآيات إلى المؤمنين لانهم الذين انتفعوا بها، ثم قال " قل " لهم يا محمد " يا عبادي الذين أسرفوا على انفسهم " بارتكاب المعاصي " لا تقنطوا من رحمة الله " أي لا تيأسوا من رحمة الله يقال: قنط يقنط قنوطا إذا يئس " ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم " وفى ذلك دلالة واضحة على انه يجوز ان يغفر الله بلا توبة تفضلا منه وبشفاعة النبى (صلى الله عليه وآله) لانه لم يشرط التوبة بل أطلقها. وروي عن فاطمة (عليها السلام) أنها قالت: إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي. وروي عن علي (عليه السلام) وابن عباس: أنهما قالا: إن لارجى آية في كتاب الله قوله (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " (2) فقال عبدالله بن عمرو بن العاص بل أرجى آية في كتاب الله قوله " قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم " وهو المروي عن علي ايضا.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 42 الشورى آية 40 (2) سورة 13 الرعد آية 7 (*)

===============
(38)
وقوله " وانيبوا إلى ربكم " امر مستأنف من الله لخلقه بالرجوع إلى الله والتوبة من معاصيهم. والانابة هي الرجوع " وأسلموا له " معناه آمنوا به وسلموا لا وامره " من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون " عند نزول العذاب بكم " واتبعوا أحسن ما أنزل اليكم من ربكم " إنما قال " أحسن ما أنزل " لانه اراد بذلك الواجبات والنفل التي هي الطاعات دون المباحات والمقبحات التي لا يأمر بها. وقال السدي (أحسن) أي ما أمر الله تعالى به في الكتاب، وقال قوم (أحسن ما انزل اليكم من ربكم) يريد به الناسخ دون المنسوخ، وهذا خطأ، لان المنسوخ لا يجوز العمل به بعد النسخ وهو قبيح، ولا يكون الحسن أحسن من قبيح، وقال الحسن احسنه ان يأخذوا بما أمرهم الله به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه " من قبل ان يأتيكم العذاب بغتة " أي فجأة في وقت لا تتوقعونه " وأنتم لا تشعرون " أي لا تعرفون وقت نزوله بكم.
قوله تعالى:
(أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) أو تقول لو أن الله هديني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59) ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (60)
خمس آيات.

===============
(39)
قرأ ابوجعفر من طريق ابن العلاف " يا حسرتاي " بياء ساكنة بعد الالف.
وفتح الياء النهرواني عن أبي جعفر. الباقون بلا ياء.
لما امر الله تعالى باتباع طاعاته والانتهاء عن معاصيه تحذيرا من نزول العذاب بهم بغتة وهم لا يعلمون، بين الغرض بذلك وهو لئلا تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله، وحذف (لا) كما حذف من قوله (يبين الله لكم أن تضلوا) (1) وقال الزجاج: معناه كراهية أن تقول نفس، ومثله قوله (والقى في الارض رواسي أن تميد بكم) (2) في قول الفراء. وعلى قول الزجاج:
كراهية ان تميد بكم، والنفس نفس الانسان. والفرق بين النفس والروح أن النفس من النفاسة، والروح من الريح. وأنفس ما في الحيوان نفسه، وهي جسم رقيق روحاني من الريح، ونفس الشئ هو الشئ بعينه. والتفريط إهمال ما يجب ان يتقدم فيه حتى يفوت وقته، ومثله التقصير، وضده الاخذ بالحزم، يقال:
فلان حازم وفلان مفرط.
وقوله (في جنب الله) معناه فرطت في طاعة الله او في أمر الله إلا أنه ذكر الجنب كما يقال: هذا صغير في جنب ذلك الماضي في أمره، وفي جهته، فاذا ذكر هذا دل على الاختصاص به من وجه قريب من معنى جنبه. وقال مجاهد والسدي: معنى (في جنب الله) أي في أمر الله. والالف في قوله (يا حسرتى)
منقلبة عن (ياء) الاضافة. ويفعل ذلك في الاستفهام والاستغاثة بمد الصوت.
والتحسر الاغتمام على مافات وقته لا نحساره عنه بما لا يمكنه إستدراكه، ومثله التأسف.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 4 النساء آية 175 (2) سورة 16 النحل آية 15 وسورة 31 لقمان آية 10 (*)

===============
(40)
وقوله (وإن كنت لمن الساخرين) قال قتادة والسدي: معناه المستهزئين بالنبي والكتاب الذي معه. وقيل: معناه كنت ممن يسخر بمن يدعوني إلى الايمان، ومعناه وما كنت إلا من جملة الساخرين إعترافا منهم على نفوسهم.
وقوله تعالى (او تقول لو ان الله هداني لكنت من المتقين) معناه فعلنا ذلك لئلا يقول: لو أراد الله هدايتي لكنت من المتقين لمعاصيه خوفا من عقابه (او تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فاكون من المحسنين) ومعناه إنا فعلنا ذلك لئلا يتمنوا إذا نزل بهم البلاء والعذاب يوم القيامة لو أن لي رجعة إلى دار الدنيا لكنت ممن يفعل الطاعات.
ونصب (فاكون) على انه جواب (لو) ويجوز أن يكون نصبا باضمار (ان)
بمعنى لو أن لي كرة فان اكون.
وفي ذلك دليل على بطلان مذهب المجبرة في أن الكافر لا يقدر على الايمان لانه لو كان إذا رد لا يقدر إلا على الكفر لم يكن لتمنيه معنى.
ثم قال تعالى منكرا عليهم " بلى قد جاءتك آياتي " أي حججي ودلالاتي " فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين " الجاحدين لنعمي عليك. وإنما خاطب بالتذكير والنفس مؤنثة لانه أراد يا إنسان.
ثم اخبر تعالى عن حال الكفار في الآخرة، فقال " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " جزاء على كفرهم. ثم قال " اليس في جهنم مثوى " أي موضع إقامة " للمتكبرين " الذين تكبروا عن طاعة الله وعصوا أوامره.

===============
(41)
قوله تعالى:
(وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم
يحزنون (61) ألله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل (62)
له مقاليد السموات والارض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63)
قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله فاعبدو كن من الشاكرين (66) ست آيات بلا خلاف.
قرأ روح " وينجي الله " بالتخفيف. الباقون بالتشديد. وقرأ ابن كثير " تامروني اعبد " مشددة النون مفتوح الياء. وقرأ نافع وابن عامر في رواية الداجوني خفيفة النون. وفتح الياء نافع، ولم يفتحها ابن عامر. وقرأ ابن عامر في غير رواية الداجوني " تأمرونني " بنونين. الباقون مشددة النون ساكنة الياء.
وقرأ اهل الكوفة إلا حفصا " بمفازاتهم " جماعة. الباقون " بمفازتهم " على واحدة. فمن وحده قال: هو بمنزلة السعادة والنجاة، كما قال الله تعالى " بمفازة من العذاب " (1) وقال قوم المفازة الصحراء، فهي مهلكة وتسمى مفازة تفاؤلا، كما قالوا - لمعوج الرجلين - احنف، وللحبشي ابوالبيضاء. وقال ابن الاعرابي:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 3 آل عمران آية 188 (ج 9 م 6 من التبيان)
(*)

===============
(42)
ليست مقلوبة بل المفازة المهلكة، يقولون: فوز الرجل إذا هلك ومات. ومن قرأ " تأمرونني " فلانه الاصل. ومن شدد أدغم احدى النونين في الاخرى. ومن خفف حذف احدى النونين، كما قال الشاعر:
تراه كالثغام يعل مسكا * بسوء الغانيا إذا قليني (1)
أراد قلينني فحذف. لما اخبر الله تعالى عن حال الكفار وأن الله يحشرهم يوم القيامة مسودة وجوههم، وأن مقامهم في جهنم، اخبر انه ينجي الذين اتقوا معاصي الله خوفا من عقابه، ويخلصهم. وقوله " بمفازتهم " بمنجاتهم من النار بطاعاتهم التي أطاعوا الله بها. واصل المفازة المنجاة، وبه سميت الفلاة مفازة على وجه التفاؤل بالنجاة منها، كما سموا اللديغ سليما. ومن وحد فلانه اسم جنس او مصدر يقع على القليل والكثير. ومن جمع أراد تخلصهم من مواضع كثيرة فيها هلاك الكفار وانواع عذابهم.
وقوله " لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون " معناه إن هؤلاء المؤمنين الذين يخلصهم الله من عقاب الآخرة وأهوالها لا يمسهم عذاب أصلا، ولا هم يغتمون على وجه. وقوله " لا يمسهم السوء " معناه نفيا عاما لسائر انواع العذاب، والعموم في قوله " ولا هم يحزنون " فيه تأكيد له، وقيل: لئلا يظن ظان انه لما لم يمسهم العذاب جاز أن يمسهم بعض الغم، ففي ذلك تفصيل واضح يزيل الشبهة.
ثم اخبر تعالى انه خلق كل شئ، ومعناه انه يقدر على كل شئ، " وهو على كل شئ وكيل " أي له التصرف في ما يريد حافظ له، وإن حملنا معنى الخلق على الاحداث، فالمراد به " خالق كل شئ " من مقدوراته من الاجسام والاعراض. وقوله " له مقاليد السموات والارض " والمقاليد المفاتيح واحده
ـــــــــــــــــــــــ
(1) قد مر في 6 - 341

===============
(43)
(مقليد) كقولك: منديل ومناديل، ويقال في واحده ايضا (إقليد) وجمعه (أقاليد) وهو من التقليد، والمعنى له مفاتيح خزائن السموات والارض يفتح الرزق على من يشاء ويغلقه عمن يشاء. وقوله " والذين كفروا بآيات الله " يعني كفروا بآياته من مقاليد السموات والارض وغيرها وقوله " أولئك هم الخاسرون " يعني هؤلاء الذين كفروا بأدلة الله وحججه " هم الخاسرون "، لانهم يخسرون الجنة ونعيمها ويحصلون في النار وسعيرها.
وقوله " قل أفغير الله تأمروني اعبد ايها الجاهلون " أمر للنبي (صلى الله عليه وآله) ان يقول لهؤلاء الكفار تأمروني أيها الكفار ان اعبد الاصنام من دون الله ايها الجاهلون بالله وبآياته؟ ! والعامل في قوله " أفغير " على احد وجهين:
احدهما - ان يكون " تأمروني " اعتراضا، فيكون التقدير: أفغير الله اعبد ايها الجاهلون في ما تأمروني.
الثاني - ان لا يكون اعتراضا ويكون تقديره: اتأمروني اعبد غير الله ايها الجاهلون في ما تأمروني فاذا جعلت " تأمروني " اعتراضا، فلا موضع لقوله " اعبد " من الاعراب، لانه على تقدير اعبد ايها الجاهلون، وإذا لم تجعله اعتراضا يكون موضعه نصبا على الحال، وتقديره اتأمروني عابدا غير الله، فمخرجه مخرج الحال ومعناه ان اعبد، كما قال طرفة:
ألا ايهذا الزاجري احضر الوغا * وأن اشهد اللذات هل انت مخلد (1)
أي الزاجر أن احضر، وحذف (أن) ثم جعل الفعل على طريقة الحال.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) " ولقد أوحي اليك " يا محمد " وإلى الذين من قبلك " من الانبياء والرسل " لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين "
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 1 - 327 و 8 - 243 (*)

===============
(44)
لثواب الله. وقال قوم: فيه تقديم وتأخير وتقديره: ولقد أوحي اليك لئن اشركت ليحبط عملك، وإلى الذين من قبلك مثل ذلك. وقال آخرون: هذا مما اجتزئ بأحد الخبرين عن الآخر، كما يقول القائل: لقد قيل لزيد وعمرو ليذهبن، ومعناه لقد قيل لزيد: ليذهبن وعمرو ليذهبن فاستغني بقوله وعمرو عن ان يقال ليذهبن بما صار لزيد.
وليس في ذلك ما يدل على صحة الاحباط على ما يقوله اصحاب الوعيد، لان المعنى في ذلك لئن اشركت بعبادة الله غيره من الاصنام لوقعت عبادتك على وجه لا يستحق عليها الثواب، ولو كانت العبادة خالصة لوجهه لا ستحق عليها الثواب، فلذلك وصفها بأنها محبطة، وبين ذلك بقوله " بل الله فاعبد " أي وجه عبادتك اليه تعالى وحده دون الاصنام ودون كل وثن " تكن من الشاكرين " الذين يشكرون الله على نعمه ويخلصون العبادة له. ونصب قوله " بل الله " بفعل فسره قوله " فاعبد " وتقديره اعبدالله فاعبدو قال الزجاج: هو نصب بقوله (فاعبد) وتقديره قد بلغت فاعبد الله وقال المبرد: ومعنى (ليحبطن) ليفسدن يقولون: حبط بطنه إذا فسد من داء معروف.
قوله تعالى:
(وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيمة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فاذا هم قيام ينظرون (68) وأشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ

===============
(45)
بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون (69)
ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون) (70) أربع آيات بلا خلاف.
يقول الله تعالى مخبرا عن حال الكفار أنهم ما عظموه حق عظمته إذ دعوك إلى عبادة غيره. وقال الحسن: معناه إذ عبدوا الاوثان من دونه.
والاول أقوى - وهو قول السدي - قال محمد بن كعب القرطي " ما قدروا الله حق قدره " معناه ما علموا كيف حق الله. قال المبرد إشتقاقه من قولك: فلان عظيم القدر يريد بذلك جلالته. والقدر اختصاص الشئ بعظم حجم او صغر أو مساواة.
وقوله " والارض جميعا قبضته. قال الفراء: كان بجوز في (قبضته)
النصب. وقال الزجاج لا يجوز ان يقال: زيد دارك أي في دارك على حذف (في) كقولهم شهر رمضان انسلاخ شعبان أي في انسلاخه. قال المبرد: الناصب ل (جميعا) محذوفة تقديره والارض إذا كانت جميعا قبضته، وخبر الابتداء (قبضته)
كأنه قال: والارض قبضته إذا كانت جميعا. ومثله: هذا بسر الطيب منه تمرا أي إذا كان. ومذهب سيبويه أي ثبتت جميعا في قبضته كقولك هنيئا مريئا أي ثبت ذلك، لانه دعاء في موضع المصدر، كما قلت سقيا ومثل الآية قول الشاعر:
إذا المرؤ اعيته المروءة ناشئا * فمطلبها كهلا عليه شديد
أي إذا كان كهلا. وقال الزجاج: هو نصب على الحال. والمعنى " والارض " في حال اجتماعها (قبضته يوم القيامة. والسموات مطويات بيمينه)
على الابتداء والخبر. ومعنى الآية أن الارض باجمعها في مقدوره كما يقبض عليه

===============
(46)
القابض، فيكون في قبضته وكذلك قوله (والسموات مطويات بيمينه) معناه أي في مقدوره طيها، وذكرت اليمين مبالغة في الاقتدار والتحقيق للملك. وقيل اليمين القوة قال الشاعر:
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين (1)
ثم نزه نفسه تعالى عن أن يكون له شريك في العبادة او معين في خلق شئ من الاشياء. وقال سبحانه وتعالى عما يشركون يعني ما يضيفه اليه الكفار من الاصنام والاوثان.
وقوله (ونفخ في الصور) قال قتادة هو جمع صورة، فكأنه ينفخ في صور الخلق وروى في الخبر ان الصور قرن ينفخ فيه الصور. ووجه الحكمة في ذلك انه علامة جعلها الله تعالى ليعلم بها العقلاء آخر أمرهم في دار التكليف. ثم تجديد الخلق، فشبه بما يتعارفونه من بوق الرحيل والنزول، ولا يتصور ذلك للنفس بأحسن من هذه الطريقة.
وقوله (فصعق من في السموات ومن في الارض) قيل: معناه يموت من شدة تلك الصيحة التي تخرج من الصور جميع من في السموات والارض، ومنه الصواعق التي تأتي عند شدة الرعد، وصعق فلان إذا مات بحال هائلة شبيهة بالصيحة الشديدة. وقوله (إلا من شاء الله) استثنى من جملة الذين يهلكون قوما من الملائكة، لان الملك الذي ينفخ فيه يبقى بعده، ويجوز أن يبقى غيره من الملائكة. وقال السدي: المستثنى جبرائيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت - وهو المروي في حديث مرفوع - وقال سعيد بن جبير: هم الشهدا. الذين قتلوا في سبيل الله. وقوله (ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون) فهذه النفخة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر تخريجه في 8 - 512 وهو في تفسير الشوكاني 4 - 462 (*)

===============
(47)
الثانية للحشر. وقال قتادة: وروي أيضا ان صاحب الصور إسرافيل (عليه السلام) وقيل:
يفني الله تعالى بعد الصعق وموت الخلق الاجسام كلها ثم يعيدها ومعنى فاذاهم قيام ينظرون إخبار عن سرعة إيجادهم، لانه إذا نفخ النفخة الثانية اعادهم عقيب ذلك فيقومون من قبورهم احياء ينظرون ما يراد ويفعل بهم.
وقوله (واشرقت الارض بنور ربها) قيل: معناه أضاءت بعدل ربها والحكم بالحق فيها. وقال الحسن: معناه بعدل ربها (ووضع الكتاب) يعني الكتب التي أعمالهم فيها مكتوبة (وجئ بالنبيين والشهداء) لانهم يؤتى بهم. والشهداء هم الذين يشهدون على الامم للانبياء بأنهم قد بلغوا، وانهم كذبتهم اممهم، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير (وقضي بينهم بالحق) أي يفصل بينهم بالحق ولا ينقص احد منهم شيئا مما يستحقه من الثواب ولا يفعل به مالا يستحقه من العقاب، وقوله (ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون) معناه انه يعطي كل نفس عاملة بالطاعات جزاء ما عملته على الكمال دون النقصان والله تعالى أعلم من كل احد بما يفعلون من طاعة أو معصية لا يخفى عليه شئ منها.
قوله تعالى:
(وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) وسيق الذين

===============
(48)
اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73)
وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين (74) وترى الملئكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين) (75) خمس آيات بلا خلاف قرأ اهل الكوفة إلا الكسائي عن أبي بكر (فتحت.. وفتحت) بالتخفيف فيهما. الباقون بالتشديد. من خفف قال: لانها تفتح دفعة واحدة، ومن شدد قال:
لانها تفتح مرة بعد اخرى. ولقوله (مفتحة لهم الابواب) (1).
لما اخبر الله تعالى عن حال الكافرين والمؤمنين وانه يحشر الخلق في ارض الموقف، وانه يعاقب كل احد على قدر استحقاقه، اخبر - ههنا - عن قسمة احوالهم فقال (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا) فالسوق الحث على السير يقال:
ساقه يسوقه سوقا، فهو سائق وذاك مسوق، ومنه قولهم: الكلام يجري على سياقة واحدة، ومنه السوق لان المعاملة فيها تساق بالبيع والشراء، ومنه الساق لانه ينساق به البدن، و (الزمر) جمع زمرة وهي الجماعة لها صوت المزمار، ومنه مزامير داود (عليه السلام) يعني اصوات له كانت مستحسنة، وقال الشاعر:
له زجل كأنه صوت حاد * إذا طلب الوسيقة اوزمير (2)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 28 (صلى الله عليه وآله) آية 50 (2) قائله الشماخ اللسان (زجل)
وسيبويه 1 - 11 (*)


(49)
قال ابوعبيدة: معناه جماعات في تفرقة بعضهم في أثر بعض (حتى إذا جاؤها) يعني جاؤا جهنم (فتحت أبوابها) أي ابواب جهنم (وقال لهم خزنتها) الموكلون بها على وجه الانكار عليهم والتهجين لفعلهم (ألم يأتكم رسل منكم) يعني من امثالكم من البشر (يتلون) أي يقرؤن (عليكم آيات ربكم) أي حجج ربكم، وما يدلكم على معرفته ووجوب عبادته (وينذرونكم لقاء يومكم هذا) أي ويخوفونكم من مشاهدة هذا اليوم وعذابه، فيقول الكفار لهم (بلى) قد جاءتنا رسل ربنا، وخوفونا لانه لا يمكنهم جحد ذلك لحصول معارفهم الضرورية (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) ومعناه أنه وجب العقاب على من كفر بالله، لانه تعالى اخبر بذلك وعلم من يكفر ويوافي بكفره، فقطع على عقابه، فلم يكن يقع خلاف ما علمه واخبر به، فصار كوننا في جهنم موافقا لما أخبر به تعالى وعلمه، فيقول لهم عند ذلك الملائكة الموكلون بجهنم (إدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها) أي مؤبدين لا آخر لعقابكم ثم قال تعالى (فبئس مثوى) أي بئس مقام (المتكبرين)
جهنم. ثم اخبر تعالى عن حال أهل الجنة بعد حال اهل جهنم فقال (وسيق الذين اتقوا ربهم " باجتناب معاصيه وفعل طاعاته " إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت ابوابها " وإنما جاء في الجنة، وفتحت ابوابها بالواو، وفى النار فتحت بغير واو، لانه قيل: أبواب النار سبعة، وابواب الجنه ثمانية، ففرق بينهما للايذان بهذا المعنى، قالوا: لان العرب تعد من واحد إلى سبعة وتسميه عشرا ويزيدون واوا تسمى واو العشر، كقوله " التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعرون " ثم قال (والناهون عن (ج 9 م 7 من التبيان)

===============
(50)
المنكر) (1) فاتى بالواو بعد السبعة، وقال (مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وابكارا) (2) فاتى بالواو في الثامنة. وقيل: ان المعنى واحد، وإنما حذفت تارة وجئ بها اخرى تصرفا في الكلام. قال الفراء:
الواو لا تقحم إلا مع (لما) و (حتى) و (إذا) وانشد.
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى (3)
أرار انتحى وقيل: دخلت الواو لبيان انها كانت مفتحة قبل مجيئهم وإذا كان بغير واو افادانها فتحت في ذلك الوقت وجواب (حتى إذا) في صفة اهل الجنة محذوف وتقديره حتى إذا جاؤها قالوا المنى او دخلوها او تمت سعادتهم او ما اشبه ذلك وحذف الجواب ابلغ لاحتماله جميع ذلك ومثله قول عبد مناف بن ربيع.
حتى إذا سلكوهم في قتائدة شلا * كما تطرد الجمالة الشردا (4)
وهو آخر القصيدة، فحذف الجواب. وقوله (وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم) أي طابت أفعالكم من الطاعات وزكت (فادخلوها) أي الجنة جزاء على ذلك (خالدين) مؤبدين لا غاية له ولا انقطاع، وقيل: معناه طابت أنفسكم بدخول الجنة.
ثم حكى تعالى ما يقول أهل الجنة إذا دخلوها، فانهم يقولون اعترافا بنعم الله عليهم (الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الارض) يعنون ارض الجنة.
وقيل: ورثوها عن أهل النار، وقيل: لما صارت الجنة عاقبة أمرهم كما يصير الميراث، عبر عن ذلك بأنه اورثهم وقوله (نتبؤ من الجنة حيث نشاء) معناه
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 9 التوبة آية 113 (2) سورة 66 التحريم آية 5 (3) مر تخريجه في 6 / 109 (4) مر في 1 / 128، 149 و 6 / 322، 459 و 7 / 363 (*)

===============
(51)
نتخذ متبوءا أي مأوى حيث نشاء، وأصله الرجوع من قولهم: باء بكذا أي رجع به. ثم قال (فنعم اجر العاملين) يعني المقام في الجنة والتنعم فيها.
ثم قال تعالى (وترى الملائكة حافين من حول العرش) أي محدقين به - في قول قتادة والسدي - (يسبحون بحمد ربهم) أي ينزهون الله تعالى عما لا يليق به ويذكرونه بصفاته التي هو عليها. وقيل: تسبيحهم ذلك الوقت على سبيل التنعم والتلذذ ثوابا على أعمالهم لا على وجه التعبد، لانه ليس هناك دار تكليف. وقيل: الوجه في ذلك تشبيه حال الآخرة بحال الدنيا، فان السلطان الاعظم إذا أراد الجلوس للمظالم والقضاء بين الخلق قعد على سريره واقام حشمه وجنده قدامه وحوله تعظيما لامره فلذلك عظم الله أمر القضاء في الآخرة بنصب العرش وقيام الملائكة حوله معظمين له تعالى مسبحين وإن لم يكن تعالى على العرش لان ذلك يستحيل عليه لكونه غير جسم، والجلوس على العرش من صفات الاجسام.
ثم قال تعالى (وقضي بينهم بالحق) أي فصل بين الخلائق بالحق لا ظلم فيه على أحد، وقيل (الحمد لله رب العالمين) اخبار منه تعالى أن جميع المؤمنين يقولون عند ذلك معترفين بأن المستحق للحمد والشكر الذي لا يساويه حمد ولا شكر (الله) الذي خلق العالمين ودبرها. وقيل لان الله خلق الاشياء الحمد لله الذي خلق السموات والارض، فلما أفنى الخلق ثم بعثهم واستقر اهل الجنة في الجنة ختم بقوله (الحمد لله رب العالمين).

===============
(52)
40 - سورة المؤمن مكية - في قول مجاهد وقتادة - ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. وقال الحسن هي مكية إلا آية واحدة وهي قوله (وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار) يعني بذلك صلاة الفجر والمغرب وقد ثبت أن فرض الصلاة كان بالمدينة. وهي خمس وثمانون آية في الكوفي وأربع في المدنيين واثنتان في البصري.
بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لآإله إلا هو إليه المصير (3) ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب) (5).
خمس آيات في الكوفى وأربع في ما عداه عد الكوفيون (حم) آية ولم يعدها الباقون.

===============
(53)
قرأ اهل الكوفة إلا حفصا وابن ذكوان (حاميم) بامالة الالف. الباقون بالفتح من غير امالة وهما لغتان فصيحتان. وقال قوم (حم) موضعه نصب، وتقديره اتل (حم) اقرأ (حم) وقال آخرون: موضعه جر بالقسم. ومن جزم قال: لانها حروف التهجي وهي لا يدخلها الاعراب، وقد فتح الميم عيسى ابن عمر، وجعله اسم السورة، فنصبه ولم ينون، لانه على وزن (هابيل) ويجوز ان يكون فتح لالتقاء الساكنين. والقراء على تسكين الميم وهو الاجود لما بيناه.
وقد بينا اختلاف المفسرين واهل العربية في مبادئ السور بحروف التهجي ومعناها، وأن اقوى ما قيل في ذلك انها اسماء للسور، وذكرناها في الاقوال، فلا نطول باعادته.
وقال قتادة والحسن: (حم) اسم السورة. وقال شريح بن أوفى العبسي:
يذكرني (حم) والرمح شاهر * فهلا تلا (حم) قبل لتقدم وقال الكميت:
وجدنا لكم في آل حم آية * تأولها مناتقي ومعرب
وقوله (تنزل الكتاب) أي هو تنزيل (من الله) أنزله على نبيه (العزيز) معناه القادر الذي لا يغالب ولا يقهر المنيع بقدرته على غيره ولا يقدر عليه غيره. وهذه الصفة لا تصح إلا لله تعالى واصل الصفة المنع من قولهم: عز كذا وكذا أي امتنع، وفلان عزيز أي منيع بسلطانه او عشيرته أو قومه " والعليم " الكثير العلوم والعالم الذي له معلوم.
وقوله (غافر الذنب) جر بأنه صفة بعد صفة، ومعناه من شأنه غفران الذنب في ما مضى وفي ما يستقبل، فلذلك كان من صفة المعرفة (وقابل التواب)

===============
(54)
قال الفراء: إنما جعلها نعتا للمعرفة وهي نكرة، لان المعنى ذي الغفران، وذي قبول التوبة كقوله " ذي الطول " وهو معرفة وإن جعلته بدلا كانت النكرة والمعرفة سواء، ومعنى " قابل التوب " إنه يقبل توبة من تاب اليه من المعاصي بأن يثيب عليها ويسقط عقاب معاصي ما تقدمها تفضلا منه، ولذلك كان صفة مدح، ولو كان سقوط العقاب عندها واجبا لما كان فيه مدح و (التوب)
يحتمل وجهين:
احدهما - ان يكون جمع توبة كدوم ودومة وعوم وعومة.
والثاني - ان يكون مصدر (تاب يتوب توبا).
وقوله " شديد العقاب " معناه شديد عقابه وذكر ذلك عقيب قوله " غافر الذنب " لانه أراد لئلا يعول المكلف على العفو بل يخاف عقابه أيضا لانه كما انه يغفر لكونه غافرا فقد يعاقب لكونه شديد العقاب. وفرق بين شدة العقاب وتضاعف الالام بان الخصلة الواحدة من الالم يكون اعظم من خصال كثيرة من ألم آخر كالالم في أجزا كثيرة من قرض برغوث.
وقوله " ذي الطول " قال ابن عباس وقتادة: معناه ذي النعم. وقال ابن زيد: معناه ذي القدرة. وقال الحسن: ذي التفضل على المؤمنين. وقيل (الطول) الانعام الذي تطول مدته على صاحبه كما أن التفضل النفع الذي فيه افضال على صاحبه. ولو وقع النفع على خلاف هذا الوجه لم يكن تفضلا. ويقال:
لفلان على فلان طول أي فضل.
وقوله " لا إلا إلا هو " نفي منه تعالى أن يكون معبود على الحقيقة يستحق العبادة غيره تعالى. ثم قال " اليه المصير " ومعناه تؤل الامور إلى حيث لا يملك أحد الامر والنهي والضر والنفع غيره تعالى، وهو يوم القيامة، لان دار الدنيا

===============
(55)
قد ملك الله كثيرا من خلقه الامر والنهي والضر والنفع. ثم قال " ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا " معناه لا يخاصم في دفع حجج الله وإنكارها وجحدها إلا الذين يجحدون نعم الله ويكفرون بآياته وأدلته. ثم قال لنبيه " فلا يغررك " يا محمد " تقلبهم في البلاد " أي تصرفهم لقولهم: لفلان مال يتقلب فيه أي يتصرف فيه. والمعنى لا يغررك سلامتهم وإمهالهم، فان عاقبتهم تصير إلي ولا يفوتونني.
وفي ذلك غاية التهديد.
ثم بين ذلك بأن قال " كذبت قبلهم " أي قبل هؤلاء الكفار " قوم نوح " بان جحدوا نبوته " والاحزاب من بعدهم " أيضا كذبوا رسلهم " وهمت كل أمة برسولهم " وإنما قال برسولهم لانه اراد الرجال. وفي قراءة عبدالله " برسولها ليأخدوه " قال قتادة هموا به ليقتلوه " وجادلوا بالباطل " أي وخاصموا في دفع الحق بباطل من القول. وفي ذلك دليل على ان الجدال إذا كان بحق كان جائزا " ليد حضوا به الحق " أي ليبطلوا الحق الذي بينه الله واظهره ويزيلوه، يقال: أدحض الله حجته. وقال تعالى " حجتهم داحضة عند ربهم " (1)
أي زائلة. ثم قال " فاخذتهم " أي فأهلكتهم ودمرت عليهم " فكيف كان عقاب " فما الذي يؤمن هؤلاء من مثل ذلك؟ ! قوله تعالى:
(وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار (6) ألذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 42 الشورى آية 16

===============
(56)
كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8)
وقهم السيآت ومن تق السيآت يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9) إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الايمان فتكفرون) (10)
خمس آيات بلا خلاف.
قرأ نافع وابن عامر " حقت كلمات " على الجمع. الباقون على التوحيد.
من وجد فلان الكلمة تقع على القليل والكثير مفردة. ومن جمع فلان ذلك قد يجمع إذا اختلف اجناسها، كما قال " وصدقت بكلمات ربها " (1) يعني شرائعه لان كتبه قد ذكرت. والمعنى وحقت كلمات ربك، كقولهم: الحق لازم.
ووجه التشبيه في قوله " وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا " أن الكفار يعاقبون في الآخرة بالنار، كما عوقبوا في الدنيا بعذاب الاستئصال إلا انهم في الآخرة على ملازمة النار والحصول فيها، وقد حقت الكلمة عليهم في الامرين جميعا، فحقت الكلمة على هؤلاء كما حقت الكلمة على اولئك، وموضع " إنهم اصحاب النار " يحتمل أن يكون نصبا على تقدير بأنهم أو لانهم. ويحتمل أن يكون رفعا على البدل من (كلمة). وقال الحسن: حقت كلمة ربك على مشركي
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 66 التحريم آية 12 (*)

===============
(57)
العرب كما حقت على من قبلهم.
ثم اخبر تعالى عن حال الملائكة وعظم منزلتهم بخلاف ما عليه الكفار من البشر، فقال " الذين يحملون العرش " عبادة لله تعالى وامتثالا لامره " ومن حوله " يعني الملائكة الذين حول العرش يطوفون به ويلجئون اليه " يسبحون بحمد ربهم " أي ينزهونه عما لا يليق به ويحمدونه على نعمه " ويؤمنون به " أي ويصدقون به ويعترفون بوحدانيته " ويستغفرون للذين آمنوا " أي يسألون الله المغفرة للذين آمنوا - من البشر - أي صدقوا بوحدانيته واعترفوا بالالهية.
ويقولون: ايضا مع ذلك " ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما " ونصبهما على التميز ومعناه وسعت رحمتك أي نعمتك ومعلومك كل شئ. فنقل الفعل إلى الموصوف على وجه المبالغة، كما قالوا: طبت به نفسا، وجعل العلم في موضع المعلوم، كما قال " ولا يحيطون بشئ من علمه " (1) أي بشئ من معلومه على التفصيل، وتقديره:
وسعت رحمتك وعلمك كل شئ، ويقولون أيضا ربنا " فاغفر للذين تابوا " من معاصيك ورجعوا إلى طاعتك " واتبعوا سبيلك " الذي دعوت خلقك اليه من التوحيد وإخلاص العبادة " وقهم عذاب الجحيم " أمنع منهم عذاب جهنم لا يصل اليهم، وحذف يقولون قبل قوله " ربنا " لانه مفهوم من الكلام.
واستغفارهم للذين تابوا يدل على ان اسقاط العقاب غير واجب لانه لو كان واجبا لما كان يحتاج إلى مسألتهم بل الله تعالى كان يفعله لا محالة.
ثم حكى تمام ما يدعوا به حملة العرش والملائكة للمؤمنين، فانهم يقولون ايضا " ربنا وأدخلهم " مع قبول توبتك منهم ووقاية النار (جناب عدن التي
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 256 (ج 9 م 8 من التبيان)
(*)

===============
(58)
وعدتهم) أي الجنة التي وعدت المؤمنين بها وهي جنة عدن أي إقامة وخلود ودوام (ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) كل ذلك في موضع نصب. ويحتمل أن يكون عطفا على الهاء والميم في (وأدخلهم) وتقديره وادخل من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم الجنة ايضا. ويحتمل ان يكون عطفا على الهاء والميم في (وعدتهم) وتقديره أدخلهم جنات عدن التي وعدت المؤمنين ووعدت من صلح من آبائهم (إنك انت العزيز) في انتقامك من اعدائك (الحكيم) في ما تفعل بهم وبأولئك، وفي جميع أفعالك. وقولهم (وقهم السيئات) معناه وقهم عذاب السيئات ويجوز أن يكون العذاب هو السيئات وسماه سيئات، كما قال (وجزاء سيئة سيئة) (1) للاتساع وقوله (ومن تق السيئات) أي تصرف عنه شر عاقبة سيئاته من صغير اقترفه او كبير تاب منه فتفضلت عليه (يومئذ)
يعني يوم القيامة (فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم) أي صرف العذاب عنهم هو الفلاح العظيم، والفوز الظاهر.
ثم اخبر تعالى (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم انفسكم إذ تدعون إلى الايمان فتكفرون) قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد:
مقتوا أنفسهم حين عاينوا العقاب، فقيل لهم: مقت الله إياكم اكبر من ذلك.
وقال الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا لمقت الله اكبر من مقتكم انفسكم. وقال البلخي: لما تركوا الايمان وصاروا إلى الكفر فقد مقتوا انفسهم أعظم المقت، كما يقول احدنا لصاحبه: إذا كنت لا تبالي بنفسك فلما أبالي بك؟ ! وليس يريد انه لا يبالي بنفسه لكنه يفعل فعل من هو كذلك. وقال قوم: لمقت الله اكبر من مقت بعضكم لبعض. والمقت اشد العداوة والبغض
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 42 الشورى آية 40 (*)

===============
(59)
ثم بين أن مقت الله إياهم حين دعاهم إلى الايمان على لسان رسله فكفروا به وبرسلهم فمقتهم الله عند ذلك، وتقدير (ينادون لمقت الله) ينادون إن مقت الله إياكم، ونابت اللام مناب (إن) كما تقولون ناديت إن زيدا لقائم وناديت لزيد قائم. وقال البصريون هذه لام الابتداء، كما يقول القائل: لزيد أفضل من عمرو أي يقال لهم والنداء قول.
قوله تعالى:
(قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (11) ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (12)
هو الذى يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب (13) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) رفيع الدرجات ذوالعرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (15) يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (16) أليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب) (17).
سبع آيات عند الكل إلا ان الشامي قد خالفهم في التفصيل، وهي عندهم سبع عدوا (يوم التلاق) ولم يعده الشامي، وعد الشامي (يومهم بارزون) ولم

===============
(60)
يعده الباقون.
حكى الله تعالى عن الكفار الذين تقدم وصفهم انهم يقولون بعد حصولهم في النار والعذاب يا (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) قال السدي الاماتة الاولى في الدنيا والثانية في البرزخ إذا أحيي للمسألة قبل البعث يوم القيامة، وهو اختيار الجبائي والبلخي. وقال قتادة: الاماتة الاولى حال كونهم نطفا فاحياهم الله، ثم يميتهم، ثم يحيهم يوم القيامة. وفي الناس من استدل بهذه الآية على صحة الرجعة، بأن قال: الاماتة الاولى في دار الدنيا والاحياء الاول حين إحيائهم للرجعة، والاماتة الثانية بعدها. والاحياء الثاني يوم القيامة، فكأنهم اعتمدوا قول السدي، ان حال كونهم نطفا لا يقال له إماتة، لان هذا القول يفيد اماتة عن حياة والاحياء يفيد عن إماتة منافية للحياة وإن سموا في حال كونهم نطفا مواتا. وهذا ليس بقوي لانه لو سلم ذلك لكان لابد من أربع احياآت وثلاث إماتات أول إحياء حين أحياهم بعد كونهم نطفا، لان ذلك يسمى احياء بلا شك. ثم اماتة بعد ذلك في حال الدنيا. ثم أحياء في القبر ثم إماتة بعده ثم إحياء في الرجعة ثم إماتة بعدها. ثم إحياء يوم القيامة لكن يمكن أن يقال: إن إخبار الله عن الاحياء مرتين والاماتة مرتين لا يمنع من احياء آخر وإماتة أخرى، وليس في الآية انه احياهم مرتين وأماتهم مرتين بلا زيادة، فالآية محتملة لما قالوه ومحتملة لما قاله السدي، وليس للقطع على احدهما سبيل. قال ابن عباس وعبدالله والضحاك:
هو كقوله (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحيكم ثم اليه ترجعون) (1).
وقوله (فاعترفنا بذنوبنا) إخبار منه تعالى أن الكفار يعترفون بذنوبهم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 28 (*)

===============
(61)
التي اقترفوها في الدنيا لا يمكنهم جحدها، وإنما تمنوا الخروج مما هم فيه من العذاب، فقالوا (فهل إلى خروج من سبيل) والمعنى فهل إلى خروج لنا من سبيل فنسلكه في طاعتك وإتباع مرضاتك. ولو علم الله تعالى انهم يفلحون لردهم إلى حال التكليف، لانه لا يمنع احسانا بفعل ما ليس باحسان. ولا يؤتى احد من عقابه إلا من قبل نفسه، وكذلك قال في موضع آخر (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) (1) تنبيها أنهم لو صدقوا في ذلك لاجابهم إلى ما تمنوه، وإنما يقولون هذا القول على سبيل التمني بكل ما يجدون اليه سبيلا في التلطف للخروج عن تلك الحال، وإنه لا يمكن احدا أن يتجلد على عذاب الله، كما يمكن ان يتجلد على عذاب الدنيا. ووجه إتصال قوله (فاعترفنا بذنوبنا) بما قبله هو الاقرار بالذنب بعد الاقرار بصفة الرب، كأنه قيل: فاعترفنا بانك ربنا الذي أمتنا وأحييتنا وطال امهالك لنا فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج لنا من سبيل فنسلكه في طاعتك وإتباع مرضاتك. وفي الكلام حذف وتقديره: فاجيبوا ليس من سبيل لكم إلى الخروج (ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم) أي إذا دعي الله وحده دون آلهتكم جحدتم ذلك (وإن يشرك به تؤمنوا) أي إن يشرك به معبودا آخر من الاصنام والاوثان تصدقوا. ثم قال (فالحكم الله) في ذلك والفاصل بين الحق والباطل (العلي الكبير) فالعلي القادر على كل شئ يجب ان يكون قادرا عليه، ويصح ذلك منه وصفة القادرين تتفاضل، فالعلي القادر الذي ليس فوقه من هو أقدر منه ولا من هو مساو له في مقدوره، وجاز وصفه تعالى بالعلي، لان الصفة بذلك قد تقلب من علو المكان إلى علو الشأن يقال: استعلى عليه بالقوة، واستعلى عليه بالحجة وليس كذلك الرفعة فلذلك لا يسمى بأنه رفيع، والكبير العظيم في صفاته
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 6 الانعام آية 28 (*)

===============
(62)
التي لا يشاركه فيها غيره. وقال الجبائي: معناه السيد الجليل. ثم قال تعالى (هو الذي يريكم آياته) يعني حججه ودلائله (وينزل من السماء رزقا) من الغيث والمطر الذي ينبت ما هو رزق الخلق (وما يتذكر إلا من ينيب) أي ليس يتفكر في حقيقة ذلك إلا من يرجع اليه. وقال السدي: معناه إلا من يقبل إلى طاعة الله.
ثم امر الله تعالى المكلفين، فقال (فادعوا الله مخلصين له الدين) أي وجهوا عبادتكم اليه تعالى وحده (ولو كره) ذلك (الكافرون) فلا تبالوا بهم.
ثم رجع إلى وصف نفسه فقال (رفيع الدرجات) وقيل معناه رفيع طبقات الثواب التي يعطيها الانبياء والمؤمنين في الجنة (ورفيع) نكرة أجراها على الاستئناف أو على تفسير المسألة الاولى، وتقديره، وهو رفيع (ذو العرش) بانه مالكه وخالقه ومعناه عظيم الثواب لهم والمجازاة على طاعتهم (يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده) قيل: الروح القرآن وكل كتاب أنزله الله على نبي من انبيائه وقيل: معنى الروح - ههنا - الوحي، لانه يحيا به القلب بالخروج من الجهالة إلى المعرفة ومنه قوله (وكذلك اوحينا اليك روحا من أمرنا) (1) ذكره قتادة والضحاك وابن زيد. وقيل: الروح - ههنا - النبوة، وتقديره لينذر من يلقي عليه الروح يوم التلاق: من يختاره لنبوته ويصطفيه لرسالته. وقوله (لينذر يوم التلاق) أي ليخوف يوم يلتقي فيه اهل السماء واهل الارض - في قول قتادة والسدي وابن زيد - وقيل يوم يلقى فيه المرؤ عمله، وهو يوم القيامة حذر منه، وقيل يوم يلتقي فيه الاولون والآخرون. والضمير في قوله (لينذر كناية)
عن النبي (صلى الله عليه وآله). ويحتمل ان يكون فيه ضمير الله، والاول أجود، لانه قد قرئ
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 42 الشورة آية 52 (*)

===============
(63)
بالتاء، وهو حسن. ومن أثبت الياء فلانها الاصل، ومن حذف اجتزأ بالكسرة الدالة عليها.
وقوله (يوم هم بارزون) أي يظهرون من قبورهم ويهرعون إلى ارض المحشر وهو يوم التلاق ويوم الجمع ويوم الحشر. ونصب (يوم) على الظرف. وقوله لا يخفى على الله منهم شئ) إنما خصهم بأنه لا يخفى عليه منهم شئ وإن كان لا يخفى عليه لا منهم ولا (من) غيرهم شئ لاحد أمرين:
احدهما - أن تكون (من) لتبيين الصفة لا للتخصيص والتبعيض.
والآخر - ان يكون بمعنى يجازيهم من لا يخفى عليه شئ منهم، فذكر بالتخصيص لتخصيص الجزاء بمن يستحقه دون مالا يستحقه ولا يصحل له من المعلوم.
وقيل: لا يخفى على الله منهم شئ فلذلك صح أنه انذرهم جميعا.
وقوله (لمن الملك اليوم) قيل في معناه قولان:
احدهما - انه تعالى يقرر عباده، فيقول لمن الملك؟ فيقر المؤمنون والكافرون بأنه لله الواحد القهار.
والثاني - انه القائل لذلك وهو المجيب لنفسه، ويكون في الاخبار بذلك مصلحة للعباد في دار التكليف. والاول أقوى لانه عقيب قوله (يوم هم بارزون)
وإنما قال (لمن الملك اليوم) مع أنه يملك الانبياء والمؤمنين في الآخرة الملك العظيم لاحد وجهين:
احدهما - لانه على تخصيص يوم القيامة قبل تمليك اهل الجنة ما يملكهم.
والثاني - لا يستحق إطلاق الصفة بالملك إلا الله تعالى، لانه يملك جميع الامور من غير تمليك مملك، فهو أحق باطلاق الصفة. وقوله (اليوم تجزى كل نفس ما كسبت لا ظلم اليوم) اخبار منه تعالى أن يوم القيامة تجزى كل نفس على قدر

===============
(64)
عملها لا يؤاخذ أحد بجرم غيره، لا يظلم ذلك اليوم أحد ولا يبخس حقه (إن الله سريع الحساب) لا يشغله محاسبة واحد عن محاسبة غيره، فحساب جميعهم على حد واحد.
قوله تعالى:
(وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (18) يعلم خائنة
الاعين وما تخفي الصدور (19) والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ إن الله هو السميع البصير) (20)
ثلاث آيات في الكوفي وأربع في ما سواه عدوا (كاظمين) رأس آية ولم يعده الكوفيون.
قرأ نافع وهشام عن ابن عامر (والذين تدعون) بالتاء. الباقون بالياء.
من قرأ بالتاء فعلى الخطاب، وتقديره: قل لهم يا محمد. ومن قرأ بالياء جعل الاخبار عن الغائب.
امر الله تعالى نبيه محمدا أن يخوف المكلفين عقاب يوم الآزفة، يخبرهم بما فيه من الثواب والعقاب. والازقة الدانية من قولهم: ازف الامر إذا دنا. وازف الوقت اذا دنا يأزف أزفا، ومنه (ازفة الآزفة) (1) أي دنت القيامة. والمعنى دنوا للمجازاة، وهو يوم القيامة.
وقوله (اذ القلوب لدى الحناجر) أي في الوقت الذي تنتزع فيه القلوب من أمكنتها، وهي الصدور، فكظمت به الحناجر، فلم تستطيع ان تلفظها
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 53 النجم آية 57 (*)

===============
(65)
ولم تعد إلى أماكنها وقيل: الكاظم الساكت على امتلائه غيظا او غما. ونصب (كاظمين) على الحال - في قول الزجاج - وتقديره قلوب الظالمين لدى الحناجر (كاظمين) أي في حال كظمهم، والحناجر جمع حنجرة وهي الحلقوم. وقيل:
انما خصت الحناجر بذلك لان الفزع ينتفخ منه سحره أي رئته فيرتفع القلب من مكانه لشدة انتفاخه حتى يبلغ الحنجرة. والكاظم للشئ الممسك على ما فيه، ومنه قوله (والكاظمين الغيظ) (1) ومنه قولهم: كظم قربته اذا شد رأسها، لان ذلك الشد يمسكها على ما فيها، فهؤلاء قد اطبقوا أفواههم على ما في قلوبهم لشدة الخوف.
وقوله (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) نفي من الله أن يكون للظالمين شفيع يطاع، ويحتمل ان يكون المراد بالظالمين الكفار، فهؤلاء لا يلحقهم شفاعة شافع اصلا، وان حملنا على عموم كل ظالم من كافر وغيره جاز أن يكون انما اراد نفي شفيع يطاع، وليس في ذلك نفي شفيع يجاب، ويكون المعنى ان الذين يشفعون يوم القيامة من الانبياء والملائكة والمؤمنين إنما يشفعون على وجه المسألة اليه والاستكانة اليه لا أنه يجب على الله ان يطيعهم فيه. وقد يطاع الشافع بأن يكون الشافع فوق المشفوع اليه. ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله) لبريرة (انما أنا شافع) لكونه فوقها في الرتبة ولم يمنع من إطلاق اسم الشفاعة على سؤاله، وليس لاحد أن يقول الكلام تام عند قوله (ولا شفيع) ويكون قوله (يطاع) ابتداء بكلام آخر لان هذا خلاف لجميع القراء لانهم لا يختلفون ان الوقف عند قوله (يطاع) وهو رأى آية وهو يسقط سؤال وأيضا فلو وقفت عند قوله (ولا شفيع) لما كان لقوله " يطاع "
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 3 آل عمران آية 134 (*)
(ج 9 م 9 من التبيان)

===============
(66)
تعلق به ولا معنى، لان الفعل لايلي فعلا، فان قدر يطاع الذي يعلم كان ذلك شرطا ليس هو في الظاهر، فحمل الآية على مالا يحتاج إلى زيادة أولى.
وقوله تعالى (يعلم خائنة الاعين) أي يعلم ما تختان به الاعين من النظر إلى غير ما يجوز النظر اليه على وجه السرقة " وما تخفي الصدور " أي تضمره لا يخفى عليه شئ من جميعه. وقيل: النظرة الاولى مباحة والثانية محرمة.
فقوله " خائنة الاعين " في النظرة الثانية " وما تخفي الصدور " في النظرة الاولى فان كانت الاولى تعمدا كان فيها الاثم ايضا، وإن لم تكن تعمدا، فهى مغفورة ثم قال " والله يقضي بالحق " أي يفصل بين الخلائق بمر الحق فيوصل كل واحد إلى حقه " والذين يدعون من دونه " من الاصنام لا يقضون بشئ من الحق. ومن قرأ بالياء فعلى الاخبار عنهم. ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب للكفار.
ثم اخبر تعالى " ان الله هو السميع " أي من يجب ان يسمع المسموعات اذا وجدت المسموعات " البصير " أي يجب ان يبصر المبصرات اذا وجدت المبصرات، وحقيقتهما يرجع إلى كونه حيا لا آفة به. وقال قوم: معناه العالم بالمسموعات العالم بالمبصرات.
قوله تعالى:
(أو لم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانواهم أشد منهم قوة وآثارا في الارض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق (21)
ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم

===============
(67)
الله إنه قوي شديد العقاب (22) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (23) إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (24) فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال) (25) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ ابن عباس " اشد منكم " بالكاف. الباقون بالهاء. قال ابوعلي: من قرأ بالهاء فلان ما قبله " او لم يسيروا " على ان لفظه لفظ الغيبة، فحمله على ذلك فقرأ " اشد منهم " ومن قرأ بالكاف انصرف من الغيبة إلى الخطاب، كقوله " إياك نعبد " بعد قوله " الحمدلله " وحسن - هنا - لانه خطاب لاهل مكة.
يقول الله تعالى منبها لهؤلاء الكفار على النظر في ما نزل بالماضين جزاء على كفرهم فيتعظوا بذلك وينتهوا عن مثل حالهم، فقال " او لم يسيروا في الارض " والسير والمسير واحد، وهو الجواز في المواضع، يقال: سار يسير سيرا وسايره مسايرة وسيرة تسييرا، ومنه قوله " السيارة " (1) والثياب المسيرة: التى فيها خطوط وقوله " فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم " أي يتكفروا في عواقب الكفار من قوم عاد وقوم لوط، فيرون بلادهم هالكه وآثارهم دارسة ومنازلهم خالية بما حل بهم من عذاب الله ونكاله جزاء على جحودهم نعم الله واتخاذهم معه إلها غيره، وكان الامم الماضية أشد قوة من هؤلاء. والقوة هي القدرة، ومنه قوله " القوي العزيز " (2) وقد يعبر بالقوة عن الصلابة، فيقال:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 12 يوسف آية 10 (2) سورة 11 هود آية 66 وسورة 42 الشورى آية 19 (*)

===============
(68)
خشبة قويه وحبل قوي أي صلب، وأصله من قوى الحبل، وهو شدة الفتل ثم نقل إلى معنى القدرة، كما نقل (كبر) عن كبر الجثة إلى كبر الشأن، والاثر حدث يظهر به أمر، ومنه الآثار التي هي الاحاديث عمن تقدم بما تقدم بها من احوالهم وطرائقهم في أمر الدنيا والدين. وقوله " فاخذهم الله بذنوبهم " ومعناه فأهلكهم الله جزاء على معاصيهم " وما كان لهم من الله من واق " في دفع العذاب عنهم ومنعهم من نزوله بهم - وهو قول قتادة -.
ثم بين تعالى انه إنما فعل بهم ذلك لانهم " جاءتهم رسلهم بالبينات " يعني بالمعجزات الظاهرات والدلالات الواضحات فكذبوهم وجحدوا رسالتهم فاستحقوا العذاب " فاخذهم الله بذنوبهم " أي اهلكهم الله جزاء على معاصيهم " انه قوي شديد العقاب " أي قادر شديد عقابه.
ثم ذكر قصة موسى (عليه السلام) فقال " ولقد ارسلنا موسى بآياتنا " أي بعثناه بحججنا وادلتنا " وسلطان مبين " أي حجة ظاهرة نحو قلب العصى حية وفلق البحر وغير ذلك " إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب " يعني موسى. ثم قال تعالى " فلما جاءهم " يعني موسى (عليه السلام) " بالحق من عندنا قالوا " يعني فرعون وهامان وقارون " اقتلوا ابناء الذين آمنوا " بموسى ومن معه " واستحيوا نساءهم " أي استبقوهم، قال قتادة: كان هذا الامر بقتل الابناء والاستحياء للنساء امرا من فرعون بعد الامر الاول. وقيل استحياء نسائهم للمهنة. وقيل:
معناه استحيوا نساءهم وقتلوا الابناء ليصدوهم بذلك عن اتباعه ويقطعوا عنه من يعلونه، وإنما ذكر قصة موسى ليصبر محمد (صلى الله عليه وآله) على قومه كما صبر موسى قبله.
ثم اخبر تعالى ان ما فعله من قتل الرجال واستحياء النساء لم ينفعه وان كيده، وكيد الكافرين لا يكون الا في ضلال عن الحق واسم (كان) الاولى قوله (*)

===============
(69)
" عاقبة " وخبرها (كيف) وانما قدم لان الاستفهام له صدر الكلام، واسم (كان) الثانية الضمير الذي دل عليه الواو، وخبره (من قبلهم)، واسم (كان)
الثالثة الضمير، و (هم) فصل عند البصريين، وعماد عند الكوفيين " واشد " خبر (كان) الثالثة. فان قيل: الفصل لا يكون الا بين معرفتين (واشد) نكرة كيف صار (هم) فصلا؟ قيل: ان (افعل) الذى معه (من) بمنزلة المضاف إلى المعرفة.
قال الله تعالى " وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عندالله هو خيرا " كان خيرا خير في الاصل فحذفت الهمزة تخفيفا.
قوله تعالى:
(وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الارض الفساد (26)
وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (27) وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الارض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) وقال الذي آمن

===============
(70)
ياقوم إني أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب) (30) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب " اوان " بالف قبل الواو. الباقون " وأن " بغير الف. وقرأ نافع ويعقوب وابوجعفر وابوعمرو وحفص عن عاصم " يظهر " بضم الياء " الفساد " نصبا. الباقون " يظهر " بفتح الياء " الفساد " رفعا. من نصب (الفساد) أشركه مع التبديل، وتقديره إني أخاف ان يبدل دينكم واخاف ان يظهر الفساد، ومن رفع لم يشركه، وقال تقديره إني اخاف ان يبدل دينكم، فاذا بدل ظهر في الارض الفساد. وكلتا القراءتين حسنة فأما (او) فقد تستعمل بمعنى الواو، كما قلناه في " وأرسلناه إلى مئة الف او يزيدون " (1)
أي ويزيدون أو بل يزيدون. ولا تكون الواو بمعنى (او) في قول أبي عبيدة.
وقال ابن خالويه إذا كانت (او) اباحة كانت الواو بمعناها، لان قولك: جالس الحسن او ابن سيرين بمنزلة الاباحة، وكذلك قوله " ولا تطع منهم آثما او كفورا " (2) لان معناه ولا كفورا. وقال ابوعلي: من قرأ (وأن) فالمعنى إني أخاف هذا الضرب منه كما تقول كل خبزا او تمرا أي هذا الضرب. ومن قرأ (وأن) المعنى إني اخاف هذين الامرين وعلى الاول يجوز ان يكون الامران يخافا، ويجوز أن يكون احدهما، وعلى الثاني هما معا يخافان، ومن ضم الياء في قوله " ويظهر " فلانه اشبه بما قبله، لان قبله يبدل فأسند الفعل إلى موسي وهم كانوا في ذكره، ومن فتح الياء اراد انه إذا بدل الدين ظهر الفساد بالتبديل او اراد يظهر الفساد بمكانه. وقال قوم: اراد ب (او) الشك لان فرعون قال إني
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 37 الصافات آية 147 (2) سورة 76 الدهر (الانسان) آية 24 (*)

===============
(71)
أخاف ان يبدل موسى عليكم دينكم، فان لم يفعله فيوقع الفساد بينكم، ولم يكن قاطعا على احدهما به. وروي رواية شاذة عن أبي عمرو: انه قرأ " وقال رجل " باسكان الجيم. الباقون بضمها وذلك لغة قال الشاعر:
رجلان من ضبة اخبرانا * إنا راينا رجلا عريانا
اراد رجلين فأسكن وهو مثل قولهم: كرم فلان بمعنى كرم.
حكى الله تعالى عن فرعون انه قال لقومه " ذروني " ومعناه أتركوني اقتل موسى، وذلك يدل على ان في خاصة فرعون كان قوم يمنعونه من قتل موسى، ومن معه ويخوفونه ان يدعو ربه فيهلك، فلذلك قال ذروني اقتله وليدع ربه، كما تقولون. وقال قوم: ذلك حين قالوا لو هو ساحر فان قتلته قويت الشبهة بمكانه بل " ارجه واخاه وابعث في المدائن حاشرين " (1) " وليدع ربه " في دفع القتل عنه، فانه لا يخشى من دعائه شئ، وهذا عنف من فرعون وتمرد وجرأة على الله وإيهام لقومه بأن ما يدعو به موسى لا حقيقة له.
ثم قال فرعون " إني اخاف ان يبدل " يعني موسى " دينكم " وهو ما تعتقدونه من إلهيتي " او ان يظهر في الارض الفساد " بأن يتبعه قوم نحتاج ان نقاتله فيخرب في ما بين ذلك البلاد، ويظهر الفساد. وقال قتادة: الفساد عند فرعون ان يعمل بطاعة الله. فمن قرأ " اوان " فانه جعل المخوف احد الامرين وإن جعل (او) بمعنى الواو جعل الامرين مخوفين معا، ومن قرأ بالواو جعل المخوف الامرين معا: تبديل الدين وظهور الفساد. والتبديل رفع الشئ إلى غيره في ما يقع موقعه إلا انه بالعرف لا يستعمل إلا في رفع الجيد بالردي، والفساد انتقاض الامر بما ينافي العقل او الشرع او الطبع، ونقيضه الصلاح. والاظهار
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 26 الشعراء آية 36 (*)

===============
(72)
جعل الشئ بحيث يقع عليه الادراك.
ثم حكى تعالى ما قال موسى عند ذلك فانه قال " إني عذبت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب " والعياذ هو الاعتصام بالشئ من عارض الشر، عذت بالله من شر الشيطان واعتصمت منه بمعنى واحد. ومن أظهر ولم يدغم. قال: لان مخرج الذال غير مخرج التاء. ومن ادغم فلقرب مخرجهما، والمعنى اني اعتصمت بربي وربكم الذي خلقني وخلقكم من كل متكبر على الله متجبر عن الانقياد له لا يصدق بالثواب والعقاب فلا يخاف.
وقوله " وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه " اتقتلون رجلا ان يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات " يعني الحجج الواضحة " من ربكم " قال السدي كان القائل ابن عم فرعون، فعلى هذا يكون قوله " ادخلوا آل فرعون اشد العذاب " (1) مخصصا، وقال غيره كان المؤمن إسرائيليا يكتم إيمانه عن آل فرعون، فعلى هذا يكون الوقف عند قوله (وقال رجل مؤمن) ويكون قوله (من آل فرعون) متعلقا بقوله (يكتم) أي يكتم إيمانه من آل فرعون.
والاول اظهر في اقوال المفسرين. وقال الحسن: كان المؤمن قبطيا. وقوله (وإن يك كاذبا فعليه كذبه) معناه إن المؤمن قال لفرعون إن يك موسى كاذبا في ما يدعوكم اليه فوبال ذلك عليه وان يك صادقا في ما يدعيه يصيبكم بعض الذي يعدكم، قيل: انه كان يتوعدهم بأمور مختلفة، قال ذلك مظاهرة في الحجاج والمعنى انه يلقي بعضه. والمراد يصيبكم بعضه في الدنيا. وقيل: هو من لطيف الكلام، كما قال الشاعر:
قد يدرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزلل (2)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) آية 46 من هذه السورة (2) قائله عمر القطامي تفسير القرطبى 15 / 307 (*)

===============
(73)
ثم قال (ان الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) أي لا يحكم بهداية من كان مسرفا على نفسه ومتجاوز الحد في معصية الله كذابا على الله. ويحتمل ان يكون المراد ان الله لا يهدي إلى طريق الثواب والجنة من هو مسرف كذاب ويجوز ان يكون ذلك حكاية عما قال المؤمن من آل فرعون. ويجوز ان يكون ذلك ابتداء خبر من الله تعالى بذلك، ثم قال يعني مؤمن آل فرعون (ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الارض فمن ينصرنا من بأس الله ان جاءنا) أي لكم الملك والسلطان على اهل الارض وذلك لا يمنع من بأس الله (قال فرعون ما أريكم الا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد) في ما ادعوكم من الهيتي وتكذيب موسى. ثم حكى ما قال المؤمن فقال (وقال الذي آمن يا قوم اني اخاف عليكم) عذابا (مثل) عذاب " يوم الاحزاب " قال قوم: القائل لذلك موسى نفسه، لان مؤمن آل فرعون كان يكتم ايمانه، وهذا ضعيف لان قوله هذا كقوله (اتقتلون رجلا ان يقول ربي الله) (1) وكما اظهر هذا جاز ان يظهر ذلك.
قوله تعالى:
(مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31) ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد (32) يوم تولون مدبرين مالكم من الله
ـــــــــــــــــــــــ
(1) آية 28 من هذه السورة (ج 9 م 10 من التبيان)
(*)

===============
(74)
من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد (33) ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتيهم كبر مقتا عندالله وعندالذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) (35) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ ابوعمرو، والاخفش والداجوني عن هشام وقتيبة (على كل قلب متكبر) منون. الباقون على الاضافة. من نون جعله نعتا للقلب، لان القلب اذا تكبر تكبر صاحبه، كما قال (فظلت اعناقهم لها خاضعين) (1) لان الاعناق إذا خضعت خضع اربابها، وتكبر القلب قسوته وإذا قسا القلب كان معه ترك الطاعة. ومن اضاف قال: لان في قراءة ابن مسعود على (قلب كل متكبر جبار) قال الفراء: وسمعت احدهم يقول: ان فلانا مرجل شعره يوم كل جمعة يقوم. والجبار: هو الذى يقتل على الغضب، ويقال: اجبره فهو جبار مثل ادرك فهو دراك. قال الفراء: ولا ثالث لهما، قال ابن خلويه: وجدت لهما ثالثا اسأر فهو سئار.
لما حكى الله تعالى عن مؤمن آل فرعون انه حذر قومه بالعذاب مثل عذاب يوم الاحزاب، فسر ذلك فقال (مثل داب قوم نوح) يعني كعادته مع قوم نوح.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 26 الشعرء آية 4 (*)

===============
(75)
والدأب العادة يقال: دأب يدأب دأبا فهو دائب في عمله إذا استمر فيه. والعادة تكرر الشئ مرة بعد مرة. وانما فعل بهم ذلك حين كفروا به، فاغرقهم الله وكقوم هود وهم عاد. وكقوم صالح: وهم ثمود والذين من بعدهم من الانبياء واممهم الذين كذبوهم، فأهلكهم الله بأن استأصلهم جزاء على كفرهم.
ثم اخبر انه تعالى لا يريد ظلما للعباد، ولا يؤثره لهم. وذلك دال على فساد قول المجبرة الذين يقولون إن كل ظلم في العالم بارادة الله.
ثم حكى ايضا ما قال لهم المؤمن المقدم ذكره، فانه قال (ياقوم اني اخاف عليكم) عقاب " يوم التناد " وقيل: هو اليوم الذي ينادي بعض الظالمين بعضا بالويل والثبور، لما يرى من سوء عقاب الكفر والمعصية. وقيل: انه اليوم الذي ينادي أصحاب الجنة اصحاب النار " أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا " (1) وينادي اصحاب النار اصحاب الجنة " أن أفيضوا علينا من الماء او مما رزقكم الله " (2) في قول الحسن وقتادة وابن زيد، وقيل: " يوم التناد " هو اليوم الذي يدعى فيه " كل أناس بامامهم " (3) ومن أثبت الياء في (التنادي) فلانها الاصل، ومن حذفها فلا جتزائه بالكسرة الدالة عليها، ولانها آخر الآية، فهي فصل شبهت بالقوافي. وقرئ " يوم التناد " بالتشديد من قولهم ند البعير إذا هرب (روي ذلك عن ابن عباس -.
وقوله " يوم تولون مدبرين " قال الحسن وقتادة: معناه منصرفين إلى النار وقال مجاهد: مارين غير معوجين ولا معجزين. وقيل: يولون مدبرين والمقامع تردهم إلى ما يكرهونه من العقاب.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 7 الاعراف آية 43 (2) سورة 7 الاعراف آية 49 (3) سورة 17 الاسرى آية 71 (*)

===============
(76)
وقوله " مالكم من الله من عاصم " أي مانع من عذاب ينزل بكم، واصله المنع، وشبه بذلك من فعل به ذلك اللطف الذي يمتنع عنده، يقال عصمه فهو عاصم وذاك معصوم إذا فعل به ذلك اللطف. ومنه قوله (لا عاصم اليوم من امر الله إلا من رحم) (1) أي لا مانع. ثم قال (ومن يضلل الله فما له من هاد)
أي من يحكم الله بضلاله فليس له من يحكم بهدايته على الحقيقة. ويحتمل ان يكون المراد ومن يضله الله عن طريق الجنة فما له من يهديه اليها.
ثم قال تعالى حاكيا ما قال لهم موسى فانه قال لهم: (ولقد جاءكم يوسف من قبل) قيل: هو يوسف ابن يعقوب كان قبل موسى جاءهم (بالبينات) يعني الحجج الواضحات (فما زلتم في شك) من موته حتى إذا هلك ومات (قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا) آخر. ثم قال (كذلك يضل الله) أي مثل ما حكم الله بضلال أولئك يحكم بضلال (كل مسرف) على نفسه بارتكاب معاصيه (مرتاب) أي شاك في أدلة الله، ثم بينهم فقال (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان اتاهم) أي يسعون بغير سلطان أي بغير حجة آتاهم الله، وموضع الذين نصب لانه بدل من (من) ويجوز ان يكون رفعا بتقدير (هم) ثم قال (كبر مقتا)
أي كبر ذلك الجدال منهم مقتا (عندالله) أي عداوة من الله. ونصبه على التمييز (وعند الذين آمنوا) بالله مثل ذلك. ثم قال (كذلك) أي مثل ما طبع على قلوب اولئك بان ختم عليها علامة لكفرهم يفعل مثله (ويطبع على كل قلب متكبر جبار) من نون (قلب) جعل (متكبر جبار) من صفة القلب ومن اضافه جعل (القلب) للمتكبر الجبار. قال ابوعلي: من اضاف لا يخلو ان يترك الكلام على ظاهره او يقدر فيه حذفا، فان تركه على ظاهره كان تقديره:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 11 هود آية 43 (*)

===============
(77)
يطبع الله على كل قلب متكبر أي على جملة القلب من المتكبر، وليس ذلك المراد وإنما المراد يطبع على قلب كل متكبر، والمعنى انه يطبع على القلوب إذا كانت قلبا قلبا من كل متكبر بمعنى انه يختم عليها.
قوله تعالى:
(وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الاسباب (36) أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لاظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصدعن السبيل وماكيد فرعون إلا في تباب (37) وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) ياقوم إنما هذه الحيوة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) (40) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ حفص وعاصم (فاطلع) نصبا على جواب (لعلي) الباقون رفعا عطفا على قوله تعالى (لعلي ابلغ الاسباب... فأطلع) وقيل: إن هامان اول من طبخ الآجر لبناء الصرح، وقرأ اهل الكوفة (وصد) بضم الصاد على مالم يسم فاعله. الباقون بفتحها، فمن ضم اراد صده الشيطان عن سبيل الحق وطابق قوله تعالى (زين لفرعون سوء عمله) ومن فتح الصاد اراد انه صد غيره

===============
(78)
عن سبيل الحق. وقرأ ابن كثير وابوعمرو وابوبكر عن عاصم (يدخلون)
بالضم كقوله (يرزقون). الباقون بفتح الياء، لانهم إذا ادخلوا، فقد دخلوا، حكى الله تعالى ان فرعون قال لهامان (ياهامان) وقيل: إنه كان وزيره (ابن لي صرحا) أي بناء ظاهرا عاليا لا يخفى على الناظر وان بعد، وهو من التصريح بالامر وهو اظهاره بأتم الاظهار (لعلي ابلغ الاسباب) ثم فسر تلك الاسباب فقال (اسباب السموات) وقال ابن عامر اراد به منزل السماء.
وقال قتادة: معناه ابواب طرق السموات. وقال السدي طرق السموات. وقيل:
هي الامور التي يستمسك بها. فهي أسباب لكونها على ما هي به ولا تضطرب ولا تسقط إلى الارض بثقلها، ولا تزول إلى خلاف جهتها، وقوله " فاطلع إلى إله موسى " معناه فأشرف عليه لا راه. وقيل: إن فرعون كان مشبها فطلب رؤية الاله في السماء كما ترى الاشخاص إذا أشرف عليها. وقيل: يجوز ان يكون اراد، فاطلع إلى بعض الآيات التي يدعيها موسى الدالة على إله موسى، لانه كان يعلم أن الصرح لا يبلغ السماء، فكيف يرى من الصرح ما هو في السماء، ولو كان فيها على قول المجسمة، ويجوز ان يكون قال ذاك تمويها لما علم من جهل قومه.
وقوله " وإني لاظنه كاذبا " حكاية ما قال فرعون وإنه يظن أن ما يقوله موسى أن له إله خلق السماء والارض كاذب في قوله. وقال الحسن: إنما قال فرعون هذا على التمويه وتعمد الكذب، وهو يعلم ان له إلها. وقوله " وكذلك زين لفرعون سوء عمله " أي مثل ما زين لهؤلاء الكفار أعمالهم كذلك زين لفرعون سوء عمله، وقال المزين له سوء عمله جهله بالله تعالى والشيطان الذي اغواه ودعاه اليه لانه الجهل بالقبح في العمل يدعو إلى انه حسن وصواب، فلما جهل فرعون ان له إلها يجب عليه عبادته وتوهم كذب ما دعاه اليه نبيه موسى،

===============
(79)
سولت له نفسه ذلك من أمره. وقد بين الله تعالى ذلك في موضع آخر فقال " زين لهم الشيطان أعمالهم " (1).
وقوله " وصد عن السبيل " من ضم اراد انه صده غيره. ومن فتح اراد انه صد نفسه وغيره. ثم قال تعالى " وماكيد فرعون إلا في تباب " يعني في هلاك. والتباب الهلاك بالانقطاع، ومنه قوله " تبت يدا أبي لهب " (2) أي خسرت بانقطاع الرجاء، ومنه تبا له. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معنى " تباب " خسران.
ثم حكى تعالى ما قال مؤمن آل فرعون في قوله " وقال الذي آمن ياقوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد " وهو الايمان بالله وتوحيده وإخلاص العبادة له والاقرار بموسى (عليه السلام) وقال لهم ايضا على وجه الوعظ لهم والزجر عن المعاصي " ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع " يعني انتفاع قليل، ثم يزول بأجمعه ويبقى وزره وآثامه " وإن الآخرة هي دار القرار " أي دار مقام، وسميت دار قرار لاستقرار الجنة بأهلها واستقرار النار بأهلها. والقرار المكان الذي يستقر فيه.
ثم قال (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها) ومعناه أي من عمل معصية فليس يجازى إلا مقدار ما يستحقه عليها من العقاب لا اكثر من ذلك (ومن عمل صالحا من ذكر او اننى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة) جزاء على إيمانهم (يرزقون فيها بغير حساب) أي زيادة على ما يستحقونه تفضلا منه تعالى، ولو كان على مقدار العمل فقط لكان بحسابه. قال الحسن: هذا كلام مؤمن آل فرعون. ويحتمل أن يكون ذلك اخبارا منه تعالى عن نفسه.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 8 الانفال آية 49 (2) سورة 111 اللهب آية 1 (*)

===============
(80)
قوله تعالى:
(ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) تدعونني لاكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42) لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) فوقيه الله سيآت ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب (45)
النار يعرضون عليها عدوا وعشيا * ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) (46) ست آيات بلا خلاف.
قرأ اهل الكوفة إلا ابابكر (ادخلوا آل فرعون) بقطع الهمزة على انه يؤمر الملائكة بادخالهم النار. الباقون بوصلها بمعنى انهم يؤمرون بدخولها، وعلى الاول يكون (آل فرعون) نصبا على انه مفعول به (وأشد) المفعول الثاني. وعلى الثاني يكون نصبا على النداء.
حكى الله تعالى ان مؤمن آل فرعون قال لهم (مالي أدعوكم إلى النجاة)
يعني إلى ما فيه خلاصكم: من توحيدالله وإخلاص العبادة له والاقرار بموسى (عليه السلام) - وهو قول الحسن وابن زيد - و (تدعونني) انتم (إلى النار) لانهم إذا دعوا إلى عبادة غير الله التي يستحق بها النار، فكأنهم دعوا إلى النار، لان من

===============
(81)
دعا إلى سبب الشئ فقد دعا اليه، ومن صرف عن سبب الشئ فقد صرف عنه، فمن صرف عن معصية الله فقد صرف عن النار، ومن دعا اليها فقد دعا إلى النار. والدعاء طلب الطالب الفعل من غيره، فالمحق يدعو إلى عبادة الله وطاعته وكل ما أمر الله به او نهى عنه والمبطل يدعو إلى الشر والعصيان، فمنهم من يدري انه عصيان ومنهم من لا يدري ثم بين ذلك فقال (تدعونني لا كفر بالله) واجحد نعمه (واشرك به) في العبادة (ما ليس لي به علم) مع حصول العلم ببطلانه. لانه لا يصح ان يعلم شريك له ومالا يصح أن يعلم باطل، فدل على فساد اعتقادهم للشرك من هذه الجهة ثم قال (وأبا أدعوكم) معاشر الكفار (إلى) عبادة (العزيز) يعني القادر الذي لا يقهر، ولا يمنع لاستحالة ذلك عليه (الغفار) لمن عصاه إذا تاب اليه تفضلا منه على خلقه. وقوله (لا جرم إن ما تدعونني اليه) قال الزجاج: هو رد الكلام كأنه قال لا محالة إن لهم النار. وقال الخليل: لا جرم لا يكون إلا جوابا تقول: فعل فلان كذا فيقول المجيب: لا جرم إنه عوين والفعل منه جرم يجرم.
وقال المبرد معناه حق واستحق (ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة) والمعنى ليس له دعوة ينتفع بها في أمر الدنيا ولا في الآخرة فأطلق ليس له دعوة، لانه ابلغ وإن توهم جاهل ان له دعوة ينتفع بها، فانه لا يعتد بذلك لفساده وتناقضه.
وقال السدي وقتادة والضحاك: معناه ليس لهذه الاصنام استجابة دعاء احد في الدنيا ولا في الآخرة. وقيل: معناه ليس لها دعوة تجاب بالآلهية في الدنيا، ولا في الآخرة (وإن مردنا إلى الله) أي وجب ان مردنا إلى الله، ووجب (أن المسرفين) بارتكاب المعاصي. وقال مجاهد: يعني بقتل النفس من غير حلها.
وقال قتادة بالاشراك بالله (هم اصحاب النار) يعني الملازمون لها. قال الحسن:
(ج 9 م 11 من التبيان)

===============
(82)
هذا كله من قول مؤمن آل فرعون.
ثم قال لهم على وجه التخويف والوعظ (فستذكرون) صحة (ما اقول لكم) إذا حصلتم في العقاب يوم القيامة. ثم اخبر عن نفسه فقال (وافوض أمري إلى الله) أي اسلمه اليه (إن الله بصير بالعباد) أي عالم بأحوالهم، وما يفعلونه من طاعة ومعصية. وقال السدي: معنى أفوض اسلم اليه. ثم اخبر تعالى فقال (فوقاه الله سيئات ما مكروا) وقال قتادة: صرف الله عنه سوء مكرهم، وكان قبطيا من قوم فرعون فنجى مع موسى. وقوله (وحاق بآل فرعون)
أي حل بهم ووقع بهم (سوء العذاب) لان الله تعالى غرقهم مع فرعون، وبين انهم مع ذلك في (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا) يعني صباحا ومساء، ورفع النار بدلا من قوله (سوء العذاب) (ويوم تقوم الساعة) يعني إذا كان يوم القيامة يقال للملائكة (ادخلوا آل فرعون اشد العذاب) فيمن قطع الهمزة.
ومن وصلها اراد ان الله يأمرهم بذلك. والعرض إظهار الشئ ليراه الذي يظهر له. ومنه قوله (وعرضوا على ربك) (1) أي اظهروا (صفا) كما يظهرون المرائي لهم. ومنه قولهم: عرضت الكتاب على الامير، فهؤلاء يعرضون على النار لينالهم من ألمها والغم بالمصير اليها. والغدو المصير إلى الشئ بالغداة غدا يغدو غدوا. وقولهم: تغدى أي اكل بالغداة، وغدا أي سابق إلى الامر بالغداة.
و (قيام الساعة) وجودها، ودخولها على استقامة بما يقوم من صفتها، وقامت السوق إذا حضر أهلها على ما جرت به العادة و (اشد العذاب) اغلظه.
وفى الآية دلالة على صحة عذاب القبر لانه تعالى اخبر انهم يعرضون على النار غدوا وعشيا. وقال الحسن: آل فرعون اراد به من كان على دينه.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 18 الكهف 49 (*)

===============
(83)
وكان السدي يقول: ارواحهم في اجواف طير سود يعرضون على النار غدوا وعشيا، ويجوز ان يحيهم الله بالغداة والعشي ويعرضهم على النار، ووجه الاحتجاج على رؤساء الضلال بالاتباع انهم كانوا يدعونهم إلى اتباعهم بما يدعون من صواب مذاهبهم. وهذا يلزمهم الرفع بها عنهم وأن يسعوا في تخفيف عذابهم، فاذا هي سبب عذابهم. وقال الفراء وقوم من المفسرين - ذكره البلخي - في الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره وحاق بآل فرعون سوء العذاب، ويوم تقوم الساعة يقال: لهم ادخلوا آل فرعون اشد العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، ويكون معنى غدوا وعشيا مع انهم فيها أبدا أنه تتجدد جلودهم بعد الاحتراق غدوا وعشيا. وقال قوم: يجوز ان يكون المراد انهم بعرضها، كما يقال: فلان يعرضه شر شديد أي يقرب من ذلك. وقال قوم: يجوز ان يكون المراد إن اعمالهم اعمال من يستحق النار، فكأنهم يغدون ويروحون اليها باعمالهم. وقال قوم:
المعنى يعرضون عليها وهم أحياء بالزجر والتحذير والوعد والوعيد، فاذا كان يوم القيامة - وماتوا على كفرهم - ادخلوا اشد العذاب.
قوله تعالى:
(وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47)
قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (48) وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) قالوا أو لم تك تأتيكم

===============
(84)
رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) (50) أربع آيات بلا خلاف.
يقول الله تعالى لنبيه واذكر يا محمد (إذ) أي الوقت الذي (يتحاجون في النار) ويخاصم بعضهم بعضا يعني الرؤساء والاتباع (فيقول الضعفاء) وهم الاتباع (للذين استكبروا) وهم الرؤساء (انا كنا لكم) معاشر الرؤساء (تبعا)
ويحتمل ان يكون ذلك جمع تابع كغايب وغيب وحايل وحول، ويجوز أن يكون مصدرا أي تبعناكم تبعا (فهل انتم مغنون عنا نصيبا من النار) لانه يلزم الرئيس الدفع عن اتباعه والمنقادين لامره، فيسألونهم هؤلاء أن يغنوا عنهم قسطا من النار أي طائفة منها، فيقول الرؤساء الذين استكبروا (إنا كل فيها) أي نحن وأنتم في النار، فكيف ندفع عنكم. ورفع " كل فيها " على انه خبر (إنا) كقوله (إن الامر كله لله) (1) ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء، وخبره (فيها) (ان الله حكم) بذلك (بين العباد) وانه يعاقب من اشرك به وعبد معه غيره ثم حكى ما يقوله (الذين) حصلوا (في النار) من الاتباع والمتبوعين (لخزنة جهنم) وهم الذين يتلون عذاب اهل النار " ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب) ويقولون ذلك، لانه لاصبر لهم على شدة العذاب لا انهم يطمعون في التخفيف، لان معارفهم ضرورية يعلمون ان عقابهم لا ينقطع ولا يخفف عنهم.
ثم حكى ما يجيب به الخزنة لهم فانهم يقولون لهم " او لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات " يعني بالحجج والدلالات على صحة توحيده ووجوب إخلاص العبادة له؟ فيقولون في جوابهم " بلى " قد جاءتنا الرسل بالبينات فكذبناهم وجحدنا نبوتهم وانكرنا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 3 آل عمران آية 154 (*)

===============
(85)
بيناتهم فيقول لهم الخزنة اذا " فادعوا " بمالا ينفعكم ويقولون ايضا " وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " لانه في وقت لا ينفع.
قوله تعالى:
(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحيوة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد (51) يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرآئيل الكتاب (53) هدى وذكرى لاولي الالباب (54)
فأصبر إن وعدالله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار) (55)
اربع آيات في الشامي وفى عدد اسماعيل وخمس في ما عداهما عدوا " بني اسرائيل الكتاب " ولم يعده الاولان.
قرأ نافع واهل الكوفة (يوم لا ينفع الظالمين) بالياء، لان المعذرة ليس تأنيثها حقيقيا ولانهم ارادوا عذرهم. الباقون بالتاء لتأنيث المعذرة.
اخبرالله تعالى عن نفسه بأنه ينصر رسله الذين بعثهم بالحق إلى خلقه وينصر الذين آمنوا به وصدقوا رسله في دار الدنيا، وينصرهم ايضا يوم يقوم الاشهاد. والنصر المعونة على العدو، وهو على ضربين: نصر بالحجة ونصر بالغلبة في المحاربة بحسب ما يعلم الله تعالى من المصلحة وتقتضيه الحكمة، هذا إذا كان في دار التكليف. فأما نصره إياهم يوم القيامة فهو اعلاء كلمتهم وظهور حقهم وعلو منزلتهم وإعزازهم بجزيل الثواب وإذلال عدوهم بعظيم العقاب. والاشهاد جمع شاهد مثل صاحب واصحاب

===============
(86)
وهم الذين يشهدون بالحق للمؤمنين وأهل الحق وعلى المبطلين والكافرين بما قامت به الحجة يوم القيامة وفى ذلك سرور المحق وفضيحة المبطل في ذلك المجمع العظيم والمحفل الكبير. وقال قتادة الاشهاد الملائكة والانبياء والمؤمنون وقال مجاهد: هم الملائكة. ثم بين سبحانه وتعالى اليوم الذي يقوم فيه الاشهاد، فقال " يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم " فالمعذرة والاعتذار واحد. وإنما نفى ان تنفعهم المعذرة في الآخرة مع كونها نافعة في دار التكليف لان الآخرة دار الالجاء إلى العمل، والملجأ غير محمود على العمل الذي ألجئ اليه، لانه لا يعمله لداعي الحكمة إلى ما يمكنه أن يعمله ولا يعمله فيضمن الحمد على فعله. وقيل: إنما لم يقبل معذرتهم، لانهم يعتذرون بالباطل - في قولهم والله ربنا ماكنا مشركين.
ثم بين تعالى إن لهم مع بطلان معذرتهم اللعنة، وهي الابعاد من رحمة الله والحكم عليهم بدوام العقاب ولهم سوء الدار وهو عذاب النار نعوذ بالله منها. والظالمين الذين لا تنفعهم المعذرة هم الذين ظلموا أنفسهم او غيرهم بارتكاب المعاصي التي يستحق بها دوام العقاب.
ثم اخبر تعالى على وجه القسم فقال " ولقد آتينا موسى الهدى " أي اعطيناه التوراة فيها أدلة واضحة على معرفة الله وتوحيده وانزلنا عليه الكتاب وأورثناه بني إسرائيل يعني التوراة، وهدى يعني أدلة واضحة على معرفة الله وتوحيده و " ذكرى " أي ما يتذكر به أولوا الالباب، وإنما خص العقلاء بذلك، لانهم الذين يتمكنون من الانتفاع به دون من لا يعقل.
ثم أمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال " فاصبر " يا محمد على أذى قومك وتحمل المشقة في تكذيبهم إياك " إن وعد الله حق " الذي وعدك به من الثواب والجنة لمن اطاعك والنار والعقاب لمن عصاك حق لا خلف له. واطلب ايضا المغفرة لذنبك.

===============
(87)
ويجوز ان يكون الخطاب له والمراد به أمته " وسبح بحمد ربك " أي نزه الله تعالى واعترف بشكره بما أنعم الله عليك (بالعشي والابكار) أي صباحا ومساء.
وقيل (وسبح بحمد ربك) معناه صل بحمد ربك و (بالعشي) معناه من زوال الشمس إلى الليل. و (الابكار) من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.
قوله تعالى:
(إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتيهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) لخلق السموات والارض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) وما يستوي الاعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ قليلا ما تتذكرون (58) إن الساعة لآتية لا ريب فيما ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (59) وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (60) خمس آيات. وست في المدني الاخير.
قرأ اهل الكوفه " تتذكرون " بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الاخبار عنهم. وقرأ ابوجعفر وابن كثير ورويس ويحيى والبرجمي وابن غالب " سيدخلون " بضم الياء. على مالم يسم فاعله. الباقون بفتح الياء على اسناد الفعل اليهم.

===============
(88)
يقول الله تعالى " ان الذين يجادلون " أي يخاصمون " في " رفع " آيات الله " وابطالها " بغير سلطان " أي بغير حجة " اتاهم " اعطاهم الله إياها يتسلط بها على إنكار مذهب يخالف مذهبهم " إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه " أي ليس في صدورهم إلا كبر. قال مجاهد: معناه الاعظمة وجبرية ماهم ببالغي تلك العظمة، لان الله تعالى مذلهم. وقيل: معناه إلا كبر بحسدك على النبوة التي اكرمك الله بها (ما هم ببالغيه) لان الله يرفع بها من يشاء. وقيل، منعا إلا كبر ماهم ببالغي مقتضاه ولا نالوه لان الكبر إنما يعمله صاحبه لمقتضى ان يعظم حاله، وهؤلاء يصير حالهم إلى الاذلال والتحقير بكفرهم فلا يبلغون ما في صدورهم من مقتضي كبرهم. وقيل:
الآية نزلت في اليهود وان الكبر الذي ليس هم ببالغيه توقعهم امر الدجال، فاعلم الله تعالى ان هذه الفرقة التي تجادل ألا تبلغ خروج الدجال. فلذلك قال تعالى " فاستعذ بالله " ثم امر نبيه بأن يستعيذ بالله من شر هؤلاء المخاصمين " انه هو السميع البصير " ومعناه انه يسمع ما يقول هؤلاء الذين يخاصمون في دفع آيات الله بصير بما يضمرونه وفي ذلك تهديد لهم في ما يقدمون عليه. وقيل: فيه وعدله بكفاية شرهم.
ثم قال تعالى " لخلق السموات والارض اكبر من خلق الناس " معناه إن خلق السموات والارض على ما هما عليه من العظم والثقل مع وقوفهما من غير عمد وجريان الفلك والكواكب من غير سبب اعظم في النفس وأهول في الصدر من خلق الناس، وإن كان عظيما لما فيه من الحياة والحواس المهيأة لانواع مختلفة من الادراكات إلا ان امر السموات والارض خارج عن مقتضى الطبيعة، او ان يكون فاعلهما وخالقهما يجرى مجرى العباد في الجسمية، فهو اكبر شأنا من هذه الجهة " من لكن اكثر الناس لا يعلمون " لعدولهم عن الفكر فيه والاستدلال على

===============
(89)
صحته وإدخال الشبهة على نفوسهم فيه، وذكر كبر خلق السموات والارض وما هو خارج عن الطبيعة حجة على المشركين في انكار النشأة الثانية مما هو خارج عن عادة الولادة.
ثم قال " وما يستوي الاعمى والبصير " أي لا يتساوى من عمي عن طريق الرشد والصواب فلم يهتد اليها، والبصير الذي أبصرها واهتدى اليها " والذين آمنوا وعملوا الصالحات. ولا المسيئ " أي ولا يتساورى ايضا الذين آمنوا بالله تعالى وعملوا الصالحات من الاعمال والذين اساؤا وظلموا نفوسهم بارتكاب المعاصي.
ثم قال " قليلا ما تتذكرون " أي ما أقل ما تتفكرون في ذلك.
والوقف على قوله " قليلا ".
وقوله " ما تتذكرون " يجوز أن تكون (ما) صلة ويجوز أن تكون بمعنى المصدر وتقديره قليلا ما تذكركم. ومن قرأ بالتاء اراد قل لهم وخاطبهم به.
ومن قرأ بالياء فعلى وجه الاخبار عنهم بذلك.
ثم اخبر " إن الساعة " يعني القيامة (آتية لا ريب فيها) أي جائية واقعة لا شك في مجيئها (ولكن اكثر الناس لا يؤمنون) أي لا يصدقون بذلك لجهلهم بالله وشكهم في اخباره.
ثم قال " وقال ربكم ادعوني استجب لكم " يعني استجب لكم إذا اقتضت المصلحة اجابتكم. ومن يدعوالله ويسأله فلا بد أن يشترط المصلحة إما لفظا او اضمارا، وإلا كان قبيحا، لانه إذا دعا بما يكون فيه مفسدة ولا يشترط انتفاؤها (ج 9 م 12 من التبيان)

===============
(90)
كان قبيحا.
ثم قال تعالى مخبرا (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) أي من يتكبر، ويتعظم عن إخلاص العبادة لله تعالى (سيدخلون جهنم داخرين) من ضم الياء ذهب إلى انهم تدخلهم الملائكة كرها ومن فتح الياء قال: لانهم إذا دخلوا فقد دخلوا، فاضاف الفعل اليهم. ومعنى (يستكبرون عن عبادتي) أي عن دعائي بالخضوع لي. وقال السدي (داخرين) معناه صاغرين.
قوله تعالى:
(ألله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو فأتي تؤفكون (62) كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (63) ألله الذي جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين ألحمد لله رب العالمين) (65)
خمس آيات بلا خلاف.
يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه بأنه " الله الذي جعل لكم) معاشر الخلق (الليل) وهو ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني (لتسكنوا فيه) أي

===============
(91)
وغرضه منه سكونكم واستراحتكم فيه من كد النهار وتعبه (وجعل لكم النهار)
أيضا وهو ما بين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس (مبصرا) تبصرون فيه مواضع حاجاتكم فجعله (مبصرا) لما كان يبصرون فيه المبصرون. ثم اخبر تعالى (إن الله لذو فضل) أي لذو زيادة كثيرة من نعمه (على الناس ولكن اكثر الناس لا يشكرون)
نعمه أي لا يعترفون بها بل يجحدونها ويكفرون بها. ثم قال مخاطبا لخلقه (ذلكم الله) يعني الذي قدم وصفه لكم هو الذي خلقكم (ربكم خالق كل شئ) من مقدوراته من السموات والارض وما بينهما مما لا يقدر عليه سواه (لا إله إلا هو)
أي لا يستحق العبادة سواه تعالى (فأتى تؤفكون) أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره مع وضوح الدلالة على توحيده، ثم قال مثل ما انقلب وانصرف هؤلاء (كذلك يؤفك) أي يصرف (الذين كانوا بآيات الله يجحدون) ومعناه كما خدع هؤلاء بما كذب لهم كذب من كان قبلهم من الكفار (الذين كانوا بآيات الله يجحدون) أي بدلالات الله وبيناته، ولا يفكرون فيها.
ثم عاد إلى ذكر صفاته تعالى فقال (الله الذى جعل لكم الارض قرارا)
أي هيأها لكم بحيث تستقرون عليها (والسماء بناء) أي وجعل السماء بناء مرتفعا فوقنا ولو جعلهما رتقا لما أمكن الخلق الانتفاع في ما بينهما. ثم قال (وصوركم فأحسن صوركم) لان صور ابن آدم أحسن من صور الحيوان. والصور جمع صورة مثل سورة وسور (ورزقكم من الطيبات) لانه ليس لشئ من الحيوان من الطيبات المآكل والمشارب مثل ما خلق الله لابن آدم، فان انواع الطيبات واللذات التي خلقها الله لهم لا تحصى لكثرتها من الثمار وفنون النبات واللحوم وغير ذلك. ثم قال (ذلكم) يعني الذى تقدم وصفه هو الذى يحق له العبادة على الحقيقة وهو (الله ربكم فتبارك الله رب العالمين) أي جل بأنه الثابت

===============
(92)
الدائم الذى لم يزل ولا يزال.
ثم قال (هو الحي) ومعناه الحي على الاطلاق هو الذى يستحق الوصف بأنه حي لا إلى اجل (لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين)
قال ابن عباس وسعيد بن جبير: إذا قال احدكم (لآإله إلا الله وحده) فليقل في آخرها (الحمدلله رب العالمين).
قوله تعالى:
(قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66) هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (67) هو الذى يحيي ويميت فاذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون (68) ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون) (70)
خمس آيات بلا خلاف.
هذا امر من الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) ان يقول الكفار قومه (إني نهيت)
أى نهاني الله (ان اعبد) أى اوجه العبادة إلى (الذين تدعون من دون الله)
التي تجعلونها آلهة (لما جاءني البينات من ربي) أى حين أتاني الحجج والبراهين

===============
(93)
من جهة الله دلتني على ذلك (وامرت) مع ذلك (أن اسلم لرب العالمين) أى استسلم لامر رب العالمين الذى خلقكم وأوجدكم ويملك تدبير الخلائق اجمعين.
ثم وصفه فقال (وهو الذى خلقكم) معاشر البشر (من تراب) ومعناه خلق أباكم آدم من تراب وانتم نسله واليه ترجعون واليه تنتمون (ثم من نطفة..)
اى ثم انشأ من ذلك الاصل الذى خلقه من تراب النطفة ثم قلبها إلى علقة وهي القطعة من الدم لانها تعلق بما يمربه لظهور اثرها فيه وخلقكم منها (ثم يخرجكم طفلا) أى اطفالا واحدا واحدا، فلهذا ذكره بالتوحيد، كما قال " بالاخسرين اعمالا " (1) لان لكل واحد منهم اعمالا قد خسر بها " ثم لتبلغوا اشدكم " وهو حال استكمال القوة وهو جمع شدة واشد كنعمة وانعم. واصل الشدة اللف الذى يصعب منه الانحلال، ثم " لتكونوا شيوخا " بعد ذلك " ومنكم من يتوفى من قبل " ان يصير شيخا ومن قبل ان يبلغ اشدة " ولتبلغوا اجلا مسمى " أى يبلغ كل واحد منكم ما سمى له من الاجل. وقال الحسن: هو النسل الذى يقوم عليه القيامة والاجل المسمى القيامة (ولعلكم تعقلون) أى خلقكم لهذه الاغراض التي ذكرها ولكي تفكروا في ذلك فتعقلوا ما انعم الله عليكم من انواع النعم واراده منكم من اخلاص العبادة. ثم قال (هو الذى يحيى ويميت) يعني من خلقكم على هذه الاوصاف التي ذكرها هو الذى يحييكم وهو الذي يميتكم فأولكم من تراب وآخركم إلى تراب تعودون (فاذا قضى امرا) اى اراد امرا من الامور (فانما يقول له كن فيكون) ومعناه انه يفعل ذلك من غير ان يتعذر عليه ولا يمتنع منه فهو بمنزلة ما يقال له كن فيكون، لا انه خاطب المعدوم بالتكوين، لان ذلك محال.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 18 الكهف 104 (*)

===============
(94)
والله لا يأمر بالمحال.
ثم قال (الذين يجادلون في آيات الله) يعني المشركين الذين يخاصمون في دفع آيات الله وابطالها (أنى يصرفون) أى كيف ومن أين ينقلبون عن الطريق المستقيم إلى الضلال ولو كانوا يخاصمون في آيات الله بالنظر في صحتها والفكر فيها لما ذمهم الله. قال ابن زيد اراد بذلك المشركين. ثم وصفهم فقال (الذين كذبوا بالكتاب يعني بالقرآن جحدوه وكذبوا بما ارسلنا به من الكتب في الشرائع رسلنا قبلك (فسوف يعلمون) عاقبة أمرهم إذا حل بهم وبال ما جحدوه ونزل بهم عقاب ما ارتكبوه ويعرفون ان ما دعوتهم اليه حق وما ارتكبوه ضلال وفساد.
قوله تعالى:
(إذ الاغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار يسجرون (72) ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين (74) ذلكم بما كنتم تفرحون في الارض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75)
خمس آيات كوفي وشامي وأربع في ما عداهما سوى البصري عد إسماعيل والكوفى والشامي " يسبحون " وعد المدني الاول والمكى " في الحميم " وعد الكوفي والشامي " تشركون " وهي ثلاث آيات بصري لانه عندهم آخر الاولى " يسبحون والثانية " الكافرون " والثالثة " تمرحون ".

===============
(95)
قوله " إذا الاغلال " متعلق بقوله " فسوف يعلمون.. إذ الاغلال " أي يعلمون في حال ما تجعل الاغلال وهي جمع غل، وهو طرق يدخل في العنق للالم والذل. وأصله الدخول من قولهم: انغل في الشئ إذا دخل فيه. والغلول الخيانة التي تصير كالغل في عنق صاحبها، والاعناق جمع عنق وهو مركب الرأس بين البدن وبينه، وقوله " فاضربوا فوق الاعناق " (1) أي اصل الرأس وما والاه، وقوله " والسلاسل " أي وتجعل السلاسل ايضا في اعناقهم. وقرأ ابن عباس " والسلاسل " بالنصب " يسحبون " بفتح الياء بمعنى يسحبون السلاسل.
وحكي عنه الجر أيضا بتقدير، وهم في السلاسل يسبحون. والجر ضعيف عند النحويين، لان حرف الجر لا يجوز إضماره وأجاز بعضهم ذلك على ضعفه بأن يتوهم أن التقدير إذ الاغلال في الاعناق. والسلاسل جمع سلسلة وهي حلق منتظمة في جهة الطول مستمرة. ويقال: تسلسلت المعاني إذا استمرت شيئا قبل شئ كالسلسلة الممدوة، وقوله " يسحبون " أي يجرون على الارض. وموضع " يسحبون " النصب على الحال، وتقديره إذ الاغلال والسلاسل في أعناقهم مسحوبين على النار والسحب جر الشئ على الارض، هذا أصله يقال: سحب عليه ما يلزمه من الاصل الفاسد، ويسحب الكافر على وجهه في النار سحبا " في الحميم " وهو الماء الذي يبلغ الغاية في الحرارة " ثم في النار يسجرون " فالسجر القاء الحطب في معظم النار كالتنور الذي يسجر بالوقود، فهؤلاء الكفار لجهنم كالسجار للتنور " ثم قيل لهم " على وجه التوبيخ لا يلام قلوبهم كايلام ابدانهم بالتعذيب " اينما كنتم تشركون من دون الله " فتوجهون العبادة اليه من الاصنام والاوثان فيخلصوكم وينصروكم من عذاب الله " قالوا " في الجواب " ضلوانا عنا " ثم يستدركون
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 8 الانفال آية 12 (*)

===============
(96)
فيقولون: بل لم نكن ندعو من قبل شيئا " ومعناه لم نكن ندعو من قبل شيئا يستحق العبادة وما ينتفع بعبادته، فلذلك أطلق القول فقال الله تعالى " كذلك يضل الله الكافرين " قال الحسن: معناه كذلك يضل اعمالهم بأن يبطلها. وقيل:
معناه كذلك يضل الله الكافرين عن نيل الثواب. وقيل: كذلك يضل الله الكافرين عما اتخذوه إلها بأن يصرفهم عن الطمع في نيل منفعته من جهتها. ثم يقول موبخا لهم " ذلكم " أي ما فعل بكم جزاء " بما كنتم تفرحون في الارض " والفرح والمرح والبطر والاشر نظائر " بغير الحق " أي كنتم تفرحون بالباطل والفرح بالحق لا يوبخ عليه " بما كنتم تمرحون " أي وجزاء بما كنتم تبطرون في معاصي الله. والمرح الاختيال في السرور والنشاط قال الشاعر:
ولا ينسني الحدثان عرضي * ولا ارخي من الفرح الازارا (1)
قوله تعالى:
(أدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76)
فاصبر إن وعد الله حق فاما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فالينا يرجعون (77) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن ياتي بآية إلا باذن الله فاذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون (78) ألله الذي جعل لكم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 8 / 107 (*)

===============
(97)
الانعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون) (80)
خمس آيات بلا خلاف.
لما حكى الله تعالى ما يقال للكفار من قوله " ذلكم بما كنتم تفرحون في الارض بغير الحق وبما كنتم تمرحون " حكى ايضا انه يقال لهم " ادخلوا ابواب جهنم خالدين فيها " أي مؤبدين فيها لا انقطاع لكونكم فيها ولا نهاية لعقابكم.
وقيل: إنما جعل لجهنم ابواب كما جعل فيها الادراك تشبيها بما يتصور الانسان في الدنيا من المطابق والسجون والمطامير، فان ذلك أهول واعظم في الزجر.
وقيل: لجهنم ابواب، كما قال تعالى " لها سبعة ابواب " (1) وقوله " فبئس مثوى المتكبرين " أي بئس مقام الذين تكبروا عن عبادة الله وتجبروا عن الانقياد له، وإنما اطلق عليه اسم بئس مع كونه حسنا لان الطبع ينفر عنه كما ينفر العقل عن القبيح بالذم عليه، فحسن لهذه العلة اطلاق اسم بئس عليه. ووصف الواحد منا بانه متكبر اسم ذم. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) " فاصبر " يا محمد على أذى قومكك وتكذيبهم إياك ومعناه اثبت على الحق، فسماه صبرا للمشقة التي تلحق فيه كما تلحق بتجرع المر، ولذلك لا يوصف اهل الجنة بالصبر. وإن وصفوا بالثبات على الحق. وكان في الوصف به في الدنيا فضل، ولكن يوصفون بالحلم، لانه مدح ليس فيه صفة نقص. وقوله (إن وعد الله حق) معناه إن ما وعد الله به المؤمنين على الصبر من الثواب في
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 15 الحجر آية 44 (ج 9 م 13 من التبيان)
(*)

===============
(98)
الجنة وتوعد الكفار من العقاب (حق) لاشك فيه بل هو كائن لا محالة ثم قال (فاما نرينك بعض الذي نعدهم او نتوفينك فالينا يرجعون) معناه إنا إن أريناك يا محمد بعض ما نعدهم من العقاب عاجلا وإهلاكهم في دار الدنيا، وإن لم نفعل ذلك بهم وقبضناك إلينا، فالينا يرجعون يوم القيامة، فنفعل بهم ما وعدناهم من العقاب وأليم العذاب. وقال الحسن: تقديره إما نرينك بعض الذي نعدهم فنرينك ذلك في حياتك او نتوفينك، فيكون ذلك بعد موتك فأي ذلك كان (فالينا يرجعون).
ثم قال تعالى (ولقد ارسلنا) يا محمد (رسلا من قبلك منهم) أي من جملتهم (من قصصنا عليك) قصتهم (ومنهم من لم نقصص عليك) وروي عن علي (عليه السلام) انه قال (من بعث الله نبيا اسود لم يذكره الله) وقيل: بعث الله ثمانية آلآف نبي اربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من غيرهم. ولم يذكر إلا نفرا يسيرا. ثم قال (وما كان لرسول أن يأتي بآية) أي بمعجزة ولا دلالة (إلا باذن الله) وامره (فاذا جاء امرالله) يعني قيام الساعة (قضي بالحق) أي فصل بين الخلائق (وخسر هنالك المبطلون) لانهم يخسرون الجنة ويحصلون في النار بدلا منها (وذلك هو الخسران المبين) ثم قال تعالى على وجه تعداد نعمه على الخلق (الله الذي جعل لكم الانعام) من الابل والبقر والغنم (لتركبوا منها ومنها تأكلون) اي خلقها لتنتفعوا بركوبها وتأكلوا منها، فانه جعلها للامرين. وقال قوم: المراد بالانعام - ههنا - الابل خاصة، لانها التي تركب ويحمل عليها في اكثر العادات. واللام في قوله (لتركبوا) لام الغرض، فاذا كان الله تعالى خلق هذه الانعام واراد ان ينتفع خلقه بها، وكان تعالى لا يريد القبيح ولا المباح، فلابد ان يكون اراد انتفاعهم بها على وجه الطاعة والقربة اليه

===============
(99)
(ولكم فيها مناع) أخرى من ألبانها واصوافها وأشعارها (ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم) ان تركبوا وتبلغوا المواضع التي تقصدونها لحوائجكم (وعليها)
يعني على الانعام (وعلى الفلك) وهي السفن (تحملون) ايضا لانه تعالى هو الذي يسيرها في البحر بالريح إلى حيث تقصدون وتبلغون أغراضكم منها. وقال ابوعبيدة معنى (وعلى الفلك) في الفلك كما قال (ولا صلبنكم في جذوع النخل) (1) واراد عليها، فحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض.
قوله تعالى:
(ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (81) أفلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الارض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (83)
فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) (85)
خمس آيات بلا خلاف.
يقول الله تعالى مخاطبا للكفار الذين جحدوا آياته وانكروا أدلته الدالة على
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 20 طه آية 71 (*)

===============
(100)
توحيده وإخلاص العبادة له (ويريكم آياته) أي يعلمكم حججه ويعرفكم إياها، منها إهلاك الامم الماضية على ما اخبر عنهم ووجه الآية فيه انهم بعد النعمه العظيمة صاروا إلى النقم لانهم عصوا فاقتضى ذلك العصيان أولا النقمان ثانيا. وكان فيه اوضح الدليل على تثبيت القديم تعالى الذي لولاه لم يصح فعل ولا تدبير. ومنها الآية في خلق الانعام التي قدم ذكرها، ووجه الآية فيه تسخيرها لمنافع العباد بالتصرف في الوجوه التي قد جعل كل شئ منها لما يصلح له وذلك يقتضي ان الجاعل لذلك قادر على تصريفه عالم بتدبيره، وانما يرى الآيات بالبيان عنها الذي يحضر للناس معناها ويخطرها ببالهم، وينبه عليها، فانه يحتاج اولا في الآية احضارها للنفس ثم الاستدلال عليها والتمييز بين الحق والباطل منها، فأول الفائدة إخطارها بالبال والتنبيه عليها. والثاني الاستدلال عليها إلى الحق.
ثم قال (فاي آيات الله تنكرون) توبيخا لهم على جحدها، وقد يكون الانكار للآية تارة بجحدها أصلا. وقد يكون تارة بجحد كونها دالة على صحة ما هي دالة عليه، والخلاف في الدلالة يكون من ثلاثة اوجه: اما في صحتها في نفسها، او في كونها دلالة، او فيهما. وإنما يجوز من الجهال دفع الآية بالشبهة مع قوة الآية وضعف الشبهة لامور:
منها اتباع الهوى ودخول الشبهة التي تغطي الحجة حتى لا يكون لها في النفس منزلة.
ومنها التقليد لمن ترك النظر في الامور.
ومنها السبق إلى اعتقاد فاسد لشبهة فيمتنع ذلك من توليد النظر للعلم.
ثم نبههم فقال (افلم يسيروا في الارض) بأن يمروا في جنباتها (فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اكثر منهم) عددا (واشد قوة) أي

===============
(101)
واعظم آثارا في الارض بالابنية العظيمة التي نبوها والقصور المشيدة التي شيدوها.
وقال مجاهد: بمشيهم على أرجلهم على عظم خلقهم، فلما عصوا وكفروا بالله اهلكهم الله واستأصلهم " فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون " معناه لم يغن عنهم ما كسبوه من الاموال والبنيان. وقيل ان (ما) بمعنى أي، وتقديره فأي شئ اغنى عنهم كسبهم؟ ! على وجه التهجين لفعلهم والتقريع لهم، فتكون (ما) الاولى نصبا وموضع الثانية رفعا.
ثم قال تعالى " فلما جاءتهم رسلهم بالبينات " يعني لما أتى هؤلاء الكفار رسلهم الذين دعوهم إلى توحيده وإخلاص العبادة له " فرحوا بما عندهم من العلم " وفى الكلام حذف، وتقديره لما جاءتهم رسلهم بالبينات فجحدوها وانكروا دلالتها وعد الله تعالى الرسل باهلاك اممهم ونجاة الرسل فرح الرسل بما عندهم من العلم بذلك. وقيل: إن المعنى فرحوا بما عندهم من العلم يعني الكفار بما اعتقدوا انه علم إذ قالوا: نحن اعلم منهم لن نعذب ولن نبعث، فكان ذلك جهلا واعتقدوا انه علم، فاطلق الاسم عليه بالعلم على اعتقادهم، كما قال " حجتهم داحضة " (1) وقال " ذق انك انت العزيز الكريم " (2) يعني عند نفسك وعند قومك، فالاول قال به الجبائي، والثاني قول الحسن ومجاهد. وقيل: المعنى إن الكفار فرحوا بما عند الرسل فرح استهزاء وسخرية لا فرح سرور وغبطة وقوله " وحاق بهم " أي حل بهم " ما كانوا به يستهزؤن " أي جزاء ما كانوا به يسخرون برسلهم من الهلاك والعذاب.
ثم اخبر تعالى عنهم انهم " فلما رأوا بأسنا " بأس الله ونزول عذابه " قالوا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 42 الشورى آية 16 (2) سورة 44 الدخان آية 49 (*)

===============
(102)
آمنا بالله وحده " وخلعنا الانذاد من دونه " وكفرنا بما كنابه مشركين " في عبادة الله من الاصنام والاوثان فقال الله سبحانه " فلم يك ينفعهم إيمانهم " عند رؤيتهم بأس الله وعذابه، لانهم يصيرون عند ذلك ملجئين وفعل الملجأ لا يستحق به الثواب. ثم قال " سنة الله التي قد خلت في عباده " نصب " سنة الله " على المصدر، والمعنى طريقة الله المستمرة من فعله بأعدائه والجاحدين لنعمه واتخاذ الولايج من دونه في ما مضى مع عباده الذين كفروا به " وخسر هنالك الكافرون " لنعمه لفوتهم الثواب والجنة واستحقاقهم العذاب والكون في النار.

===============
(103)
41 - سورة حم السجدة هي مكية في قول قتادة ومجاهد ليس فيها ناسخ ولا منسوخ وهي اربع وخمسون.
آية كوفي وثلاث في المدنيين واثنتان وخمسون في البصري والشامي.
بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون (3) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون) (5).
خمس آيات في الكوفي وأربع في الباقي عد الكوفيون " حم " ولم يعده الباقون قرأ بعض الكوفيين (حم) رفع ب (تنزيل) ر (تنزيل) رفع ب (حم) وقال الفراء: ارتفع (تنزيل) باضمار (ذلك) او هذا تنزيل. وقال البصريون (تنزيل)
رفع بالابتداء، وخبره " كتاب فصلت آياته " و " قرانا " نصب على المصدر او

===============
(104)
الحال ذهب اليه قوم.
قد بينا اختلاف المفسرين في معنى قوله (حم) فلا وجه لا عادته. وقيل:
في وجه الاشتراك في اسماه هذه السور السبع ب (حم) انه للمشاكلة التي بينهما بما يختص به بما ليس لغيرها، لانه إسم علم أجري على الصفة الغالبة بما يصح فيه الاشتراك، والتشاكل الذي اختصت به هو ان كل واحدة منها استفتحت بصفة الكتاب مع تقاربها في الطول والقصر ومع شدة تشاكل الكلام في النظام، وحكم الكتاب البيان عن طريق النجاة الذي يصغر كل شئ في حنب الفائدة به من طريق الهلاك الذي لا صبر للنفس عليه، وهو على وجوه: منها تبيين الواجب مما ليس بواجب، وتبيين الاولى في الحكمه مما ليس بأولى، وتبيين الجائز مما ليس بجائز، وتبيين الحق في الدين من الباطل، وتبيين الدليل على الحق مما ليس بدليل، وتبيين ما يرغب فيه مما لا يرغب فيه، وما يحذر منه مما لا يحذر مثله. وغير ذلك من وجوه أحكامه وهي اكثر من ان تحصى.
وقوله " تنزل من الرحمن الرحيم " وصف الكتاب بأنه تنزيل لان جبرائيل (عليه السلام) نزل به على محمد (صلى الله عليه وآله) وفى ذلك دلالة على حدوثه، لان التنزيل لا يكون إلا محدثا.
وقوله " كتاب فصلت آية " أي هذا كتاب، وإنما وصف القرآن بأنه كتاب وإن كان المرجع فيه إلى كلام مسموع، لانه مما ينبغي أن يكتب ويدون لان الحافظ ربما نسيه او نسي بعضه، فينذكر، وغير الحافظ فيتعلم منه. وقوله " فصلت آياته " معناه ميزت دلائله. وإنما وصفه بالتفصيل دون الاجمال، لان التفصيل يأتى على وجوه البيان، لانه تفصيل جملة عن جملة او مفرد عن مفرد، ومدار أمر البيان على التفصيل والتمييز في ما يحتاج اليه من أمور الدين إذ العلم

===============
(105)
علمان: علم دين وعلم دنيا وعلم الدين أجلهما واشرفهما لشرف النفع به. وقيل:
" فصلت آياته " بالامر والنهي والوعد والوعيد والترغيب والترهيب.
ونصب قوله " قرآنا عربيا " على الحال - في قول الزجاج - وتقديره فصلت آياته في حال جمعه. ووصف بأنه قرآن، لانه جمع بعضه إلى بعض، وبأنه عربي لانه يخالف جميع اللغات التي هي ليست عربية " لقوم يعلمون " أي لمن يعلم العربية.
وقوله " بشيرا " أي مبشرا بالجنة وثوابها " ونذيرا " أي مخوفا من النار وعقابها.
وقوله " فاعرض اكثرهم " اخبار منه تعالى عن الكفار أن اكثرهم يعدل عن التفكر فيه وعن سماعه " فهم لا يسمعون " لعدولهم عنه. ويجوز أن يكون مع كونهم سامعين إذا لم يفكروا فيه ولم يقبلوه فكأنهم لم يسمعوه. وقال البلخي:
معناه إنهم يفعلون فعل من لا يسمعه، لانهم مع سماعه يستثقلونه ويعرضون عن الفكر فيه.
ثم حكى ما قاله الكفار من قولهم " قلوبنا في أكنة مما تدعونا اليه " قال مجاهد والسدي: معناه في أغطية وإنما قالوا ذلك لييؤسوا النبي (صلى الله عليه وآله) من قبولهم دينه، فهو على التمثيل، فكأنهم شبهوا قلوبهم بما يكون في غطاء فلا يصل اليه شئ مما وراءه، وفيه تحذير من مثل حالهم في كل من دعي إلى امر أن لا يمتنع ان يكون هو الحق، فلا يجوز ان يدفعه بمثل ذلك الدفع " وفي آذاننا وقر " أي ثقل عن استماع هذا القرآن " ومن بيننا وبينك حجاب " قيل الحجاب الخلاف الذى يقتضي أن يكون بمعزل عنك. قال الزجاج: معناه حاجز في النحلة والدين أي لا نوافقك في مذهب " فاعمل اننا عاملون " معناه فاعمل بما يقتضيه دينك، فانا عاملون بما يقتضيه ديننا، وقال الفراء: معناه فاعمل في هلاكنا، فاننا عاملون (ج 9 م 14 من التبيان)

===============
(106)
في هلاكك، تهديدا منهم.
قوله تعالى:
(قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكوة وهم بالآخرة هم كافرون (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (8) قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين (9)
وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين) (10) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ ابوجعفر " سواء " رفعا. وقرأه يعقوب خفضا. وقرأه الباقون نصبا.
فمن رفعه فعل الاستئناف. ومن خفضه جعله نعتا للايام. ومن نصبه فعلى المصدر.
امر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) أن يقول لهؤلاء الكفار " إنما انا بشر مثلكم " لحم ودم، ومن ولد آدم، وإنما خصني الله بنبوته وأمرني برسالته وميزني منكم بأني " يوحى إلي أنما إلهكم " الذي يستحق العبادة " إله واحد " لا شريك له في العبادة (فاستقيموا اليه) أي استمروا على وجه واحد في الطاعة له وإخلاص العبادة له على ما تقتضيه الحكمة " واستغفروه " أي واطلبوا المغفرة من جهته لذنوبكم.
ثم اخبر فقال " فويل للمشركين " الذين اشركوا بعبادة الله غيره من

===============
(107)
الاصنام والاوثان ووصفهم بانهم " الذين لا يؤتون الزكاة " وقال الحسن: معناه لا يؤتون ما يكونون به ازكياء اتقياء من الدخول في دين الله. وقال الفراء: الزكاة في هذا الموضع ان قريشا كانت تطعم الحاج وتسقيهم فحرموا ذلك على من آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله). وقال قوم: إنما توعدهم على ترك الزكاة الواجبة عليهم لانهم متعبدون بجميع العبادات ويعاقبون على تركها وهو الظاهر. وقال الزجاج: معناه وويل للمشركين الذين لا يؤمنون بأن الزكاة واجبة. وإنما خص الزكاة بالذكر تقريعا لهم على شحهم الذي يأنف منه أهل الفضل ويتركون ما يقتضي انهم ان يعملوه عملوه لاجله. وفي ذلك دعاء لهم إلى الايمان وصرف لهم عن الشرك. وكان يقال: الزكاة قنطرة الايمان فمن عبرها نجا. وقال الطبري: معناه الذين لا يعطون الله الطاعة التي يطهرهم بها ويزكي أبدانهم، ولا يوحدونه. وقال عكرمة: هم الذين لا يقولون: لاإله إلا الله. وقد بينا أن الاقوى قول من قال إن الذين لا يؤدون زكاة اموالهم، لان هذا هو حقيقة هذه اللفظة " وهم بالآخرة هم كافرون " معناه وهم مع ذلك يجحدون ما أخبرالله به من الثواب والعقاب في الآخرة.
ثم اخبر الله تعالى عن المؤمنين فقال " ان الذين يؤمنون بالآخرة " أي يصدقون بأمر الآخرة من الثواب والعقاب " وعملوا الصالحات " أي الطاعات " لهم اجر غير ممنون " أي لهم جزاء على ذلك غير مقطوع، بل هو متصل دائم، ويجوز ان يكون معناه انه لا أذى فيه من المن الذي يكدر الصنيعة.
ثم امر النبي (صلى الله عليه وآله) ان يقول لهم على وجه الانكار عليهم بلفظ الاستفهام " أئكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين " أي تجحدون نعمة من خلق الارض في يومين " وتجعلون له اندادا " أي تجعلون له اشباها وامثالا في استحقاق العبادة.

===============
(108)
ثم قال الذي يستحق العبادة " ذلك رب العالمين " الذي خلق الخلائق وملك التصرف فيهم.
وقوله " وجعل فيها رواسي من فوقها " أي وخلق في الارض جبالا راسيات ثابتات فوق الارض " وبارك فيها " بما خلق فيها من المنافع " وقدر فيها اقواتها في أربعة ايام سواء للسائلين " روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال (إن الله خلق الارض يوم الاحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وخلق الشجر والماء والعمران والخراب يوم الاربعاء فتلك أربعة ايام وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة الشمس والقمر والنجوم والملائكة وآدم). وقال الحسن والسدي: وابن زيد " قدر فيها اقواتها " أي ارزاقها. وقال قتادة: معناه قدر فيها مافيه صلاحها. قال ابوعبيدة، الاقوات جمع قوت وهي أرزاق الخلق وما يحتاجون اليه. وقيل: إنما خلق ذلك شيئا بعد شئ في هذه الاربعة ايام لتعتبر به الملائكة وقيل: لاعتبار العباد في الاخبار عن ذلك إذا تصوروه على تلك الحال. وقال الزجاج: الوجه فيه تعليم الخلق التأني في الامور وألا يستعجلوا فيها بأن الله تعالى كان قادرا على ان يخلق ذلك في لحظة. لكن خلقها في هذه المدة لما قلنا. وقال قوم إنما خلق ذلك في هذه المدة ليعتبروا بذلك على انها صادرة من قادر مختار عالم بالمصالح وبوجوه الاحكام إذ لو كان صادرا عن مطبوع او موجب لحصلت في حالة واحدة. وقال الزجاج:
" في اربعة ايام " معناه في تتمة اربعة أيام.
وقوله " سواء للسائلين " قال قتادة والسدي: معناه سواء للسائلين عن ذلك لان كلا يطلب القوت ويسأله. وفي قراءة عبدالله " وقسم فيها اقواتها " ومعناه خلق في هذه البلدة ما ليس في هذه ليتعايشوا ويتجروا. ومن نصب (سواء) فعلى تقدير استوت سواء واستواه لمن سأل في كم خلقت السموات

===============
(109)
والارض؟ فقيل في اربعة أيام سواء لا زيادة ولا نقصان.
قوله تعالى:
(ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللارض أئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) فقضيهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (12) فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا له شاء ربنا لانزل ملئكة فانا بما أرسلتم به كافرون (14)
فأما عاد فآستكبروا في الارض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون) (15).
اربع آيات في البصري والشامي وخمس في ما عداه. إختلفوا في قوله " وثمود " فلم يعدها البصريون والشاميون وعدها الباقون.
اخبر الله تعالى انه بعد خلق الارض والجبال وتقدير الاقوات فيها " استوى إلى السماء وهي دخان " قال الحسن: معناه استوى امره ولطفه إلى السماء.
وقال غيره: معنى الاستواء إلى السماء العمد والقصد اليها، كأنه قال: ثم قصد اليها. واصل الاستواء الاستقامة والقصد للتدبير المستقيم تسوية له. وقوله

===============
(110)
" ثم استوى على العرش " (1) معناه ثم استوى تدبيره بتقدير القادر عليه. وقيل إن الاستوى بمعنى الاستيلاء، كما قال الشاعر:
ثم استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق (2)
فاما الاستواء عن اعوجاج فمن صفات الاجسام لا يجوز ذلك على الله تعالى. وقوله " ثم استوى إلى السماء " يفيد انه خلق السماء بعد خلق الارض وخلق الاقوات فيها، ولا ينافي ذلك قوله " أأنتم اشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها " إلى قوله (والارض بعد ذلك دخاها) (3) لان ذلك يفيد أن الارض كانت مخلوقة غير مدحوة، فلما خلق الله السماء دخا بعد ذلك الارض فبسطها، وإنما جعل الله السموات أولا دخانا ثم سبع سموات طباقا ثم زينها بالمصابيح، لما في ذلك من الدلالة على أن صانعها وخالقها ومدبرها ليس كمثله شئ من الموجودات غني عن كل شئ سواه، وإن كل ما سواه يحتاج اليه من حيث انه قادر لنفسه لا يعجزه شئ، عالم لنفسه لا يخفى عليه شئ. و (الدخان) جسم لطيف مظلم، فالله تعالى خلق السموات اولا دخانا ثم نقلها إلى حال السماء من الكثافة والالتئام لما في ذلك من الاعتبار واللطف لخلقه.
وقوله (فقال لها وللارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين) قال ابن عباس أتت السماء بما فيها من الشمس والقمر والنجوم وأتت الارض بما فيها من الانها والاشجار والثمار، وليس هناك أمر بالقول على الحقيقة ولا إطاعة، ولا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 7 الاعراف آية 53 وسورة 10 يونس آية 3 وسورة 13 الرعد آية 2 وسورة 25 الفرقان آية 59 وسورة 32 الم السجدة آية 4 وسورة 57 الحديد آية 4 (2) مر في 1 / 125 و 2 / 396 و 4 / 452 و 5 / 386 (3) سورة 79 النازعات آية 30 (*)

===============
(111)
جواب لذلك القول بل أخبرتعالى عن اختراعه السموات والارض وانشائه لهما من غير تعذر ولا مشقة ولا كلفومن غير ملابسة ولا معاناة بمنزلة ما قيل:
للمأمور افعل ففعل من غير تلبث ولا توقف، فعبر عن ذلك بالامر والطاعة وهو كقوله (كن فيكون) (1) وقد بينا الوجه في ذلك ويكون التقدير كأنه قيل:
أتينا بمن فينا طائعين أي سبحانه فعل الطبائع في ما أمر به وإنما قلنا ذلك لانه تعالى لا يأمر المعدوم ولا الجماد، لان ذلك قبيح يتعالى الله عن ذلك ومثل ذلك قول الشاعر:
امتلا الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملات بطني (2)
ونظائر ذلك كثيرة بيناها في ما مضى وإنما قال (طائعين) ولم يقل طائعتين، لانه لما اسند الفعل اليهما وهو مالا يكون إلا من العقلاء اخبر عنهما بالياء والنون، وقال قطرب: لان المعنى أتينا بمن فينا من العقلاء فغلب حكم العقلاء.
وقال الشاعر:
فاجهشت للتوباد حين رأيته * وكبر للرحمن حين رآني
فقلت له اين الذين عهدتهم * بجنبيك في حفض وطيب زمان
فقال مضوا واستودعوني بلادهم * ومن ذاالذي يبقى على الحدثان (3)
وقوله (فقضاهن سبع سموات في يومين) معناه جعلهن سبع سموات على اتمام خلقهن لان القضاء جعل الشئ على إتمام وإحكام ولذلك قيل: انقضى أي قدتم ومضى، وقضى فلان إذا مات، لان عمره تم ومضى. وقيل: إن السماء موج مكفوف، روي ذلك في الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله). وقال الحسن: هي سبع ارضين
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 36 يس آية 82 وغيرها (2) مر في 1 / 431 و 8 / 85، 369 (3) قد مر في 8 / 369 (*)

===============
(112)
بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام. وقوله (في يومين) قال السدي: خلق الله السموات وسواها يوم الخميس والجمعة وسمي جمعة لانه جمع في خلق السموات والارض، وإنما خلقها في يومين نظير خلق الارض في يومين، فان قيل: قوله (خلق الارض في يومين) وخلق الجبال والاقوات في اربعة أيام وخلق السموات في يومين يكون ثمانية ايام، وذلك مناف لقوله (إن ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة ايام) (1) قلنا: لا تنافي بين ذلك، لانه خلق السموات والارض وخلق الجبال والاشجار والاقوات في اربعة أيام منها اليومان المتقدمان، كما يقول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة ايام ثم إلى الكوفة في خمسة عشر يوما أي في تمام هذه العدة، ويكون قوله (فقضاهن سبع سموات في يومين) تمام ستة أيام. وهو الذي ذكره في قوله في ستة أيام. وزال الاشكال.
وقوله (واوحى في كل سماه أمرها) قال السدي معناه جعل فيها ما اراده من ملك وغيره. وقيل معناه أوحي في كل سماء بما يصلحها " وزينا السماء الدنيا بمصابيح " روي ان الكواكب في السماء الدنيا، وهي الاقرب إلى الارض دون ما فوقها من السموات.
وقوله (وحفظا) منصوب على المعنى وتقديره جعلناها زينة وحفظا أي وجعلناها حفظا من استراق الشياطين السمع بالكواكب التي جعلت فيها. وقيل:
حفظا من ان تسقط على الارض (ذلك تقدير العزيز العليم) يعني القادر الذي لا يغالب العليم بجميع الاشياء لا يخفى عليه شئ منها.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (فان أعرضوا) يعني ان عدل الكفار عن الفكر في ما ذكرنا والتدبر لما بينا وأبوا إلا الشرك والجحود (فقل) لهم مخوفا لهم (انذرتكم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 7 الاعراف آية 53 وسورة 10 يونس آية 3 (*)

===============
(113)
صاعقة) أي خوفتكم إياها ان ينزل بكم كما نزل بمن قبلكم ونصب (صاعقة)
على انه مفعول ثان (مثل صاعقة عاد وثمود) التي أرسلها الله عليهم واهلكهم بها، فقال السدي: الصاعقة اراد بها العذاب، وقال قتادة: معناه وقيعة. وقيل:
إن عادا اهلكت بالريح والصاعقة جميعا. وقوله (إذ جاءتهم الرسل من بين ايديهم)
ف (إذ) متعلقة بقوله (صاعقة) أي نزلت بهم إذ جاءتهم الرسل من بين ايديهم ومن خلفهم، منهم من تقدم زمانه ومنهم من تأخر عنه، وقال الفراء:
اتت الرسل إياهم ومن كان قبلهم ومن خلفهم أي وجاءتهم انفسهم رسل من بعد اولئك الرسل فيكون الهاء والميم في خلفهم للرسل، ويكون لهم بجعل ما خلفهم ما معهم. وقال قوم: معناه قبلهم وبعد أن بلغوا وتعبدوا بأمر الرسل الذين تقدموهم، قال البلخي: ويجوز أن يكون المراد أتتهم اخبار الرسل من ههنا وههنا مع ما جاءهم منهم (ألا تعبدوا إلا الله) أي ارسلناهم بأن لا يعبدوا إلا الله وحده لا شريك له وألا يشركوا بعبادته غيره، فقال المشركون عند ذلك (لو شاء ربنا) أن نؤمن ونخلع الانداد " لا نزل ملائكة " يدعوننا إلى ذلك ولم يبعث بشرا مثلنا، فكأنهم انفوا من الانقياد لبشر مثلهم وجهلوا أن الله يبعث الانبياء على ما يعلم من مصالح عباده ويعلم من يصلح للقيام بها وقالوا لهم ايضا (إنا) معاشر قومنا (بما أرسلتم به) من إخلاص العبادة والتوحيد (كافرون) جاحدون، ثم فصل تعالى اخبارهم فقال (فاما عاد فاستكبروا في الارض بغير الحق) أي تجبروا وعتوا وتكبروا على الله بغير حق جعله الله لهم بل للكفر المحض والظلم الصراح (وقالوا من أشد منا قوة) لما كان الله تعالى اعطاهم من فضله قوة تقوا بها على اهل زمانهم، فقال الله تعالى (او لم يروا)
(ج 9 م 15 التبيان)

===============
(114)
ومعناه او لم يعلموا (ان الله الذي خلقهم) واخترعهم وخلق فيهم هذه القوة (اشد منهم قوة) واعظم اقتدارا (وكانوا) مع ذلك (بآيات الله) وادلته (يجحدون) أي ينكرونها، ولا يعترفون بها.
قوله تعالى:
(فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحيوة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون (17) ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون) (20) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ ابن كثير وابوعمرو ونافع (نحسات) ساكنة الحاء، الباقون بكسرها، لان (نحسات) صفة، تقول العرب، يوم نحس مثل رجل هرم. وقيل:
هما لغتان، وقرأ نافع ويعقوب (ويوم نحشر) بالنون كقوله (ونحشره يوم القيامة اعمى) (1) وقوله (ونجينا الذين آمنوا) بالنون. الباقون بضم الياء على مالم يسم فاعله، لانه عطف عليه. قوله (فهم يوزعون) فطابق بينهما.
لما حكى الله عن عاد وثمود انه ارسل اليهم رسلا وأمرهم بعبادة الله وحده
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 20 طه آية 124 (*)

===============
(115)
وأن لا يشركوا به شيئا وانهم كفروا بذلك وجحدوه. واخبر انه أهلكهم بأن أرسل عليهم ريحا صرصرا أي شديدا صوته واشتقاقه من الصرير ولذلك ضوعف اللفظ اشعارا بمضاعفة المعنى، يقال صريصر صريرا، وصرصر يصرصر صرصرة وريح صرصر شديد هبوبها. وقال قتادة: يعني باردة وقال السدي: باردة ذات صوت. وقال مجاهد: شديدة السموم. وقيل: اصله صرر قلبت الراء صادا، كما قيل: رده، ورد ده، ونههه ونهنهه. وقال رؤية:
فاليوم قد نهنهني تنهنهي * وأولى حلم ليس بالمتقه (1)
وكما قيل: كففه وكفكفه، قال النابغة:
اكفكف عبرة غلبت عبراتي * إذا نهنتها عادت ذباحا (2)
ومنه سمي نهر صرصر لصوت الماء الجاري فيه، وقوله (في أيام نحسات) قال مجاهد وقتادة والسدي: يعني مشومات، والنحس سبب الشر، والسعد سبب الخير، وبذلك سميت سعود الايام ونحوسها وسعود النجوم ونحوستها، ومن سكن الحاء خففه، ومن جرها فعلى الاصل.
وقال ابوعبيدة: معناه ايام ذات نحوس أي مشائيم العذاب.
وقوله (لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا) إخبار منه تعالى انه انما يفعل بهم ذلك ليذيقهم حال الهوان في الدنيا، والخزي الهوان الذي يستحيا منه خوفا من الفضيحة، يقال: خزي يخزي خزيا واخزاه الله إخزاء فهو مخزي.
ثم بين تعالى ان عذاب الآخرة اخزى وافضح من ذلك فقال (ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون) أي لا يدفع عنهم العذاب الذي ينزل بهم.
ثم قال تعالى (واما ثمود فهديناهم) فالذي عليه القراء رفع الدال، وقرأ
ـــــــــــــــــــــــ
(1، 2) تفسير الطبري 24 / 59، 60 (*)

===============
(116)
الحسن بالنصب على تقدير هديناثمود هديناهم، والرفع اجود، لان (اما) لا يقع بعدها إلا الاسماء، فالنصب ضعيف. والمعنى واما ثمود دللناهم على طريق الرشاد فعدلوا عنها إلى طريق الغي والفساد، والهدي يتصرف على وجوه بيناها في ما مضى. وقال ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد: معناه بينا لهم، وإنما لم يصرف ثمود لانه اسم القبيلة او الامة، وهو معرفة. وإنما رفع لان (أما) رفع الاسم بعدها اولى.
وقوله (فاستحبوا العمى على الهدى) معناه اختاروا العمى على طريق الحق والاهتداء اليها وبئس الاختيار ذلك - وهو قول الحسن.
وفى الآية دلالة على بطلان قول المجبرة في ان الله يضل الكفار عن الدين
ولا يهديهم اليه لانه صرح بأنه هدى ثمود إلى الدين وانهم اختاروا العمى على الهدى، وذلك واضح لا اشكال فيه. وقوله (فاخذتهم صاعقة العذاب الهون)
أي ارسل عليهم الصاعقة التي بعثها للعذاب دون غيره، والهون والهوان واحد - في قول ابي عبيدة - وقال السدي: معناه الهوان (بما كانوا يكسبون) أي جزاء على ما كسبوه من الشرك والكفر.
وقوله (ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) اخبار من الله تعالى انه خلص من جملتهم من آمن بالله واتقى معاصيه خوفا من عقابه نجاهم الله من ذلك العذاب.
ثم قال تعالى (ويوم يحشر اعداء الله) يبعثون وهو يوم القيامة. فمن قرأ بالنون فعلى الاخبار من الله عن نفسه بذلك. ومن قرأ بالياء المضمومة فعلى انهم يبعثون ويجمعون إلى النار (فهم يوزعون) أي يمنعون من التفرق ويحبسون ويكفون، يقال: وزعت الرجل إذا منعته، ومنه قول الحسن لابد للناس من وزعة وقوله (اوزعني) أي الهمني. وقول الشاعر:


(117)
وإني بها باذا المعارج موزع ويروى موزع (حتى إذا ماجاؤها) معناه حتى إذا أتي هؤلاء الكفار النار، واراد الله إلقاءهم فيها (شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون)
وقيل: في شهادة هذه الجوارح قولان:
احدهما - انها تبنى بنية حي وتلجأ إلى الشهادة والاعتراف بما فعله اصحابها.
والآخر - ان يفعل فيها الشهادة ويضاف اليها مجازا.
ووجه ثالث - قال قوم: إنه يظهر فيها امارات تدل على كون اصحابها مستحقين للنار، فسمى ذلك شهادة مجازا. كما يقال: عيناك تشهد بسهرك أي فيها ما يدل على سهرك. وقيل: المراد بالجلود الفروج، على طريق الكناية. وقيل:
لا: بل الجلود المعروفة وهو الظاهر.
قوله تعالى:
(وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21)
وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22)
وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرديكم فأصبحتم من الخاسرين (23) فان يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فماهم من المعتبين (24) وقيضنا لهم قرناء فزينوا له ا بين أيديهم

===============
(118)
وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والانس إنهم كانوا خاسرين) (25) خمس آيات بلا خلاف.
هذا حكاية من الله من الكفار في الآخرة بعد ما شهدت عليهم ابصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون من المعاصي في دار الدنيا أنهم يقولون (لجلودهم لم شهدتم علينا) منكرين عليهم إقامة تلك الشهادة. وقيل: اشتقاق الجلد من التقوية من قولهم: فلان يتجلد على كذا، وهو جلد أي قوي، فتقول جلودهم في الجواب عن ذلك (أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ) فالانطاق جعل القادر على الكلام ينطق إما بالالجاء إلى النطق أو الدعاء اليه. فهؤلاء يلجئهم الله إلى ان ينطقوا بالشهادة. والنطق إدارة اللسان في الفم بالكلام، ولذلك لا يوصف تعالى بأنه ناطق، وإن وصف بأنه متكلم. ومعنى (أنطق كل شئ) أي كل شئ لا يمتنع منه النطق كالاعراض والموات، والفائدة في الاخبار عنهم بذلك التحذير من مثل حالهم في ما ينزل بهم من الفضيحة بشهادة جوارحهم عليهم بما كانوا يعملون من الفواحش. فلم يكن عندهم في ذلك اكثر من هذا القول الذي لا ينفعهم وقال قوم: إن الجوارح تشهد عليهم حين يجحدون ما كان منهم.
وقوله (وهو خلقكم أول مرة) اخبار منه تعالى وخطاب لخلقه بأنه الذي حلقهم في الابتداء (واليه ترجعون) في الآخرة إلى حيث لا يملك احد النهي والامر سواه.
وقوله (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ابصاركم ولا جلودكم)
قال مجاهد (وما كنتم تستترون) أي تتقون. وقال السدي: معناه لم تكونوا في دار الدنيا تستخفون عن معاصي الله بتركها. وقيل: إن الآية نزلت في ثلاثة

===============
(119)
نفر تساروا، فقال بعضهم لبعض: أترى الله يسمع إسرارنا؟ وقال الفراء: معناه لم تكونوا تخافون ان تشهد عليكم جوارحكم فتستتروا منها ولم تكونوا تقدروا على الاستتار منها، ويكون على وجه التغيير أي ولم تكونوا تستترون منها.
وقوله (ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون) وصف لهؤلاء الكفار بأنهم ظنوا انه تعالى يخفى عليه أسرارهم ولا يعلمها، فبين الله بذلك جهلهم به تعالى، وانهم وإن علموه من جهة انه قادر غير عاجز وعالم بما فعلوا فاذا ظنوا انه يخفى عليه شئ منها فهو جاهل على الحقيقة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وفي قراءة عبدالله (ولكن زعمتم) قال الفراء: الزعم والظن يكونان بمعنى واحد وقد يختلفان.
ثم حكى ما يخاطبهم به فانه يقال لهم (وذلكم ظنكم) معاشر الكفار (الذي ظننتم بربكم أرادكم) أي اهلككم يقال: ردى فلن يردى إذا هلك قال الاعشى:
أي الطوف خفت علي الردى * وكم من رد أهله لم يرم (1)
وقوله (فاصبحتم من الخاسرين) معناه فظللتم من جملة من خسر في تجارته لانكم خسرتم الجنة وحصل لكم النار. ثم قال (فان يصبروا فالنار مثوى لهم)
قال البلخي: معناه فان يتخيروا المعاصي فالنار مصيرلهم، وقال قوم: معناه وإن يصبروا في الدنيا على المعاصي فالنار مثواهم (وإن يستعتبوا) - بضم الياء - قرأ به عمرو ومعناه إن طلب منهم العتبى لم يعتبوا أي لم يرجعوا ولم ينزعوا.
وقال قوم: المعنى فان يصبروا أو يجزعوا فالنار مثوى لهم، (وإن يستعتبوا)
معناه فان يجزعوا فيستعتبوا (فماهم من المعتببن) لانه ليس يستعتب إلا من قد جزع مما قد اصابه، فطلب العتبى حينئذ، كما قال (اصلوها فاصبروا او لا تصبروا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه (دار بيروت) 200 وقد مر في 8 / 499 (*)

===============
(120)
سواء عليكم) (1) ومعنى الآية (فان يصبروا) على ماهم فيه فمقامهم في النار (وإن يستعتبوا) أي وإن يطلبوا العتبي وهي الرضا (فما هم من المعتبين) أي ليس بمرضي عنهم، لان السخط من الله تعالى بكفرهم قد لزمهم وزال التكليف عنهم، فليس لهم طريق إلى الاعتاب، والمعتب الذي قبل عتابه وأجيب إلى ما سأل.
وقوله (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين ايديهم وما خلفهم) قال الحسن:
معناه خلينا بينهم وبين الشياطين الذين اغووهم ودعوهم إلى ما استوجبوا العقاب به، ولم نمنعهم منهم، جزاء على ما استحقوه من الخذلان، فمعنى (قيضنا) خلينا ومكنا. قال الجبائي: (التقييض) إحواج بعض العباد إلى بعض كحاجة الرجل إلى المرأة، والمرأة إلى الرجل، وكحاجة الغني إلى الفقير يستعمله وحاجة الفقير إلى ان يستعمله الغني وغير ذلك من احواج بعضهم إلى بعض. وقال قوم: التقييض المماثلة، والمقايضة المقايسة، قال الشماخ:
تذكرت لما اثقل الدين كاهلي * وغاب يزيد ما اردت تعذرا
رجالا مضوا عني فلست مقايضا * بهم أبدا من سائر الناس معشرا
فالمعنى على هذا إنا نضم إلى كل كافر قرينا له من الجن مثله في الكفر في نار جهنم كما قال (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين) (2)
ومعنى (فزينوا لهم) يعني فعل اهل الفساد الذين في زمانهم، وفعل من كان قبلهم، وقيل (ما بين ايديهم) من أمر الدنيا (وما خلفهم) من أمر الآخرة - في قول الحسن والسدي - وذلك بدعائهم إلى انه لا بعث ولا جزاء. وقال الفراء (فزينوا لهم ما بين ايديهم) من أمر الآخرة، فقالوا: لا جنة ولا نار
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 52 الطور آية 16 (2) سورة 43 الزخرف آية 36 (*)

===============
(121)
ولا بعث ولا حساب (وما خلفهم) من امر الدنيا فزينوا لهم اللذات وجمع الاموال وترك انفاقها في سبيل الله. وقيل: زينوا لهم اعمالهم التي يعملونها، وهي (ما بين ايديهم) وزينوا لهم ما عزموا عليه أن يعملوه وهو (ما خلفهم).
وقوله (وحق عليهم القول) يعني وجب عليهم القول بتصييرهم إلى العذاب الذي كان اخبر انه يعدب به من عصاه (في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والانس) أي حق على هؤلاء الكفار وعلى امم من الجن والانس انهم متى عصوا الله حق القول بأنهم يعاقبون. ثم قال تعالى (انهم كانوا خاسرين) خسروا الجنة وحصلت لهم النار.
قوله تعالى:
(وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون (28)
وقال الدين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والانس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الاسفلين (29) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشر بالجنة التي كنتم توعدون) (30) خمس آيات بلا خلاف (ج 9 م 16 من التبيان)

===============
(122)
حكى الله تعالى عن الكفار انهم يقول بعضهم لبعض (لا تسمعوا لهذا القرآن) الذي يقرؤه محمد (صلى الله عليه وآله) ولا تصغوا إليه (والغوا فيه) لكي تغلبوه، ويجوز ان تغلبوه فاللغو هو الكلام الذي لا معنى له يستفاد، وإلغاء الكلمة إسقاط عملها، ويقال: لغا يلغو لغوا، ولغا، قال الراجز:
عن اللغا ورفث التكلم (1)
وإذا كانت جملة الكلام لغوا لا فائدة فيه لم يحسن وإذا كان تأكيدا لمعنى تقدم - وإن لم يكن له معنى في نفسه مفرد - حسن لانه يجري مجرى المتمم للكلمة التي تدل معها على المعنى، وإن لم يكن له معنى في نفسه. وقال مجاهد: قالوا خلطوا عليهم القول بالمكاء والصفير، وقال غيره: هو الضجيج والصياح، وأقسم تعالى فقال (فلنذيقن الذين كفروا) بالله وجحدوا آياته (عذابا شديدا ولنجزينهم
أسوأ الذي كانوا يعملون) قيل: معناه أسوأ الذي كانوا يعملون من المعاصي من جملة ما كانوا يعملون دون غيرها مما لا يستحق به العقاب. وقال قوم: خص بذلك الكبائر - زجرا وتغليظا - بعينها. واقتصر في الصغير على الجملة في الوعيد. ثم قال (ذلك) يعني ما تقدم الوعيد به (جزاء اعداء الله) الذين عادوه بالعصيان وكفروا به، وعادوا أولياءه: من الانبياء والمؤمنين وهي (النار) والكون فيها. ف (النار) رفع بأنه بدل من قوله (ذلك) جزاؤهم وهو دخولهم فيها (لهم فيها دار الخلد) أي منزل دوام وتأييد (جزاء) لهم وعقوبة على كفرهم به تعالى في الدنيا وجحدهم لآياته. قال الفراء: هو كقولهم: لاهل الكوفة فيها دار صالحة، والدار هي الكوفة، وحسن ذلك لما اختلف لفظاهما، فكذلك قوله (ذلك جزاء اعداء الله النار) ثم قال (لهم فيها دار الخلد) وهي النار بعينها.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 2 / 132، 164، 230 و 7 / 138 و 8 / 163 (*)

===============
(123)
وفي قراءة عبدالله (ذلك جزاء أعداء الله النار دارالخلد)، فهذا بين لا شئ فيه لان الدار هي النار، فأعداء الله العصاة الذين يعاديهم الله - عزوجل - وليس هو من عداوة الانسان لغيره إلا أن يراد به أنه يعمل عمل المعادي، كما قال (يخادعون الله والذين آمنوا..) (1).
ثم حكى ما يقول الكفار ايضا، فانهم يقولون (ربنا ارنا اللذين اضلانا من الجن والانس) قيل: أراد به إبليس الابالسة وهو رأس الشياطين، وابن آدم الذي قتل أخاه، وهو قابيل. روي ذلك عن علي (عليه السلام)، لان قابيل أسس الفساد في ولد آدم. وقيل: هم الدعاة إلى الضلال من الجن والانس.
وقوله (نجعلهما تحت أقدامنا) انهم لشدة عداوتهم وبغضهم لهم بما أضلوهم وأغووهم يتمنون ان يجعلوهما تحت اقدامهم ويطؤهم (ليكونا من الاسفلين) وقيل: المعنى فيكونا في الدرك الاسفل من النار.
وقوله (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) اخبار منه تعالى أن الذين يقرون بلسانهم بتوحيد الله ويصدقون أنبياءه ويعترفون بالله (يقولون ربنا الله ثم استقاموا) أي استمروا على ما توجبه الربوبية. وقال الحسن وقتادة وابن زيد: معناه ثم استقاموا على طاعة الله (تتنزل عليهم الملائكة) قال مجاهد والسدي: يعني عند الموت. وقال الحسن: تتنزل عليهم الملائكة تستقبلهم إذا خرجوا من قبورهم في الموقف بالبشارة. ويقولون لهم (لا تخافوا) عقاب الله " ولا تحزنوا " لفوات الثواب (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) بها في دار الدنيا جزاء على الطاعات. وموضع (أن لا تخافوا) النصب وتقديره تتنزل عليهم والملائكة بأن لا تخافوا، فلما حذف الباء نصب، وفي قراءة عبدالله (لا تخافوا) بلا (أن)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 9 (*)

===============
(124)
قبلها، وتقديره يقولون لهم: لا تخافوا، وقال مجاهد: معنى لا تخافوا على ما تقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما تخلفونه في دار الدنيا. وقيل البشرى في ثلاثة مواضع: عند الموت، وفي القبر، وفي البعث.
قوله تعالى:
(نحن أولياؤكم في الحيوة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (31) نزلا من غفور رحيم (32) ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (33) ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34) وما يلقيها إلا الذين صبروا وما يلقيها إلا ذوحظ عظيم) (35) خمس آيات بلا خلاف.
لما حكى الله تعالى أن الملائكة تتنزل على المؤمنين المستقيمين على طاعة الله التاركين لمعصيته وتبشرهم بالجنة وتؤمنهم من عقاب الله. ذكر ايضا انهم يقولون لهم مع ذلك (نحن أولياؤكم) وهو جمع ولي أي انصاركم واحباؤكم في الحياة الدنيا وأولياؤكم أيضا في الآخرة، ففي ذلك البشارة للمؤمنين بمودة الملائكة لهم وفي الآية بشارة لهم بنيل مشتهاهم في الجنة. وتفيد الآية وجوب اعتقاد تودد الملائكة إلى من كان مستقيما على طاعاته. وفيها حجة على شرف الاستقامة بالطاعة على كل ما عداه من أعمال العباد يتولى الملائكة لصاحبه من اجله.

===============
(125)
وقوله (ولكم فيها ما تشتهي انفسكم) يعني ما تشتهونه وتتمنونه من المنافع ما تدعي انه لك فهو لك بحكم الله لك بذلك. وقوله (نزلا من غفور رحيم) تقديره انزلكم ربكم في ما تشتهون من النعمة نزلا. فيكون نصبا على المصدر. ويجوز ان يكون نصبا على الحال، وتقديره: لكم فيها ما تشتهي انفسكم منزلا كما تقول: جاء زيد مشيا تريد ماشيا. وقال الحسن (نزلا من غفور رحيم) ليس منا. وقيل: معناه إن هذا الموعود به مع جلالته في نفسه له جلالة لمعطيه بعد ان غفر الذنب حتى صار بمنزلة مالم يكن رحمة منه لعباده فهو أهنأ لك واكمل للسرور به.
وقوله " ومن احسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال انني من المسلمين " صورته صورة الاستفهام، ونصب " قولا " على التفسير، ومعناه النفي وتقديره وليس أحد أحسن قولا ممن دعا إلى طاعة الله واضاف إلى ذلك أن يعمل الاعمال الصالحات، ويقول مع ذلك إنني من المسلمين الذين استسلموا لامر الله وانقادوا إلى طاعته. وقيل: المعني بالآية النبي (صلى الله عليه وآله) لانه الداعي إلى الله.
وروي أنها نزلت في المؤذنين. وفى الآية دلالة على من يقول: أنا مسلم إن شاء الله من أصحاب عبدالله بن مسعود، لانه لا أحد احسن قوله منه، فيجب عليه أن يقول: إني مسلم ويقطع في الحكم إذا لم يكن فاسقا.
ثم قال " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة " أي لا يتماثلان، ودخلت (لا) في " ولا السيئة " تأكيدا. وقيل: دخلت لتحقيق انه لا يساوي ذا ذاك، ولا ذاك ذا، فهو تبعيد المساواة.
وقوله " أدفع بالتي هي احسن " أمر للنبي (صلى الله عليه وآله) ان يدفع بالتي هي احسن

===============
(126)
وقيل: معنى الحسنة - ههنا - المداراة. والسيئة المراد بها الغلظة. فأدب الله تعالى عباده بهذا الادب. ثم قال " فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " معناه دار القوم ولا تغلظ عليهم حتى كأن عدوك الذي يعاديك في الدين بصورة وليك من حسن عشرتك له وبشرك له. ويدعو ذلك ايضا عدوك إلى أن يصير لك كالولي الحميم. وقيل: المراد ان من اساء اليك فأحسن اليه ليعود عدوك وليك. وكأنه حميمك. والحميم القريب الذي يحم لغضب صاحبه.
وقوله " وما يلقاها إلا الذين صبروا " معناه ما يعطى هذه الخصلة في رفع السيئة بالحسنة إلا ذو نصيب في الخير عظيم. وقيل: معناه وما يلقاها يعني البشرى بالجنة والامان من العذاب إلا الذين صبروا على طاعة الله والجهاد في دينه " وما يلقاها " ايضا " إلا ذو حظ عظيم " من الثواب والخير وقد لقي الله تعالى جميع الخلق مثل ما لقي من صبر، غير ان فيهم من لم يتلقه كما يتلقاه من صبروا وقبلوا ما امرهم الله به.
قوله تعالى:
(وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) فان استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون (38) ومن آياته أنك ترى الارض خاشعة فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن

===============
(127)
الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شئ قدير (39) إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيمة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير) (40) خمس آيات بلا خلاف.
قوله " واما ينزغنك " اصله (إن) التي للشرط وزيد عليها (ما) تأكيدا فاشبه ذلك القسم، فلذلك دخلت نون التأكيد في قوله " ينزغنك " كما تقول:
والله ليخرجن. والنزغ النخس بما يدعوا إلى الفساد ومنه قوله " من بعد ان نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي " (1) فنزغ الشيطان وسوسته ودعاؤه إلى معصية الله بايقاع العداوة بين من يجب موالاته، يقال نزغ ينزغ نزغا فهو نازغ بين رجلين.
وفلان ينزغ فلانا كأنه ينخسه بما يدعوه إلى خلاف الصواب. والمعنى وإن ما يدعوك إلى المعاصي نزغ من الشيطان بالاغواء والوسوسة " فاستعذ بالله " ومعناه اطلب الاعتصام من شره من جهة الله واحذر منه وامتنع من جهته بقوة الله، فنحن نستعيذ بالله من شر كل شيطان وشر كل ذي شر من انس وجان.
وقوله " إنه هو السميع العليم " يعني انه سميع لاقوالكم من الاستعاذة وغيرها عليم بضمائركم قادر على إجابة دعائكم وقوله " ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر " معناه ومن أدلته وحججه الباهرة الدالة على توحيده وصفاته التي باين بها خلقه الليل بذهاب الشمس عن بسيط الارض والنهار بطلوعها على وجهها بالمقادير التي أجريا عليه ورتبا فيه بما يقتضي تدبير عالم بهما قادر على تصريفهما،
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 12 يوسف آية 100 (*)

===============
(128)
لان ذلك لا يقدر عليه غير الله. والشمس والقمر وجه الدلالة فيهما أن الاجرام الثقيلة لا تقف بغير عمد ولا تتصرف على غير قرار ولا عماد إلا أن يصرفهما قادر ليس كالقادرين من الاجسام التي تحتاج في نقلها وتمسكها إلى غيرها، وكل جسم ثقيل يصرف من غير عماد فمصرفه هو الله تعالى. والافعال الدالة على الله تعالى على وجهين:
احدهما - مالا يقدر عليه إلا هو كخلق الحياة والقدرة والاجسام وغير ذلك والآخر - أنه إذا وقع على وجه مخصوص لا يتأتى من القادر بقدرة وإن كان جنسه مقدورا للعباد كتسكين الارض من غير عمد وتصرف الشمس والقمر بكونها مرة صاعدة ومرة هابطة ومرة طالعة ومرة غاربة مع ثقل أجرامهما وبعدهما من عماد لها اعظم دلالة على ان لهما مصرفا ومدبرا لا يشبههما ولا يشبهه شئ. قال تعالى " لا تسجدوا للشمس ولا للقمر " كما يفعل قوم من المجوس بل " اسجدوا لله الذي خلقهن " وانشاهن. وإنما قال " خلقهن " لانه أجري مجرى جمع التكسير، ولم يغلب المذكر على المونث، لانه في مالا يعقل. وقال الزجاج: تقديره الذي خلق هذه الآيات " إن كنتم إياه تعبدون " أي ان كنتم تقصدون بعبادتكم الله فوجهوا العبادة اليه دون الشمس والقمر. ثم قال " فان استكبروا " يعني هؤلاء الكفار أي تكبروا عن توجيه العبادة إلى الله وابوا إلا عبادة الاصنام " فالذين عند ربك " يعني من الملائكة " يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون " أي لا يفترون من عبادته ولا يملونه. والسجود عند اصحابنا عند قوله " إن كنتم إياه تعبدون "
وهو مذهب أبي عمرو بن العلا. وعند الباقين عند قوله " وهم لا يسأمون ".
ثم قال تعالى " ومن آياته " أي من ادلته الدالة على توحيده وإخلاص العبادة له " إنك ترى الارض خاشعة " يعني دارسة مهشمة - في قول قتادة

===============
(129)
والسدي - والخاشع الخاضع فكان حالها حال الخاضع المتواضع " فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت " أي تحركت بالنبات " وربت " قال السدي: معناه انفتحت وارتفعت قبل ان تنبت. وقرئ " ربأت " بمعنى عظمت، ومعنى ربأت ارتفعت - ذكره الزجاج - ثم قال " إن الذي أحياها " يعني من أحيا الارض بما انزله من الماء حتى تنبت " لمحيي الموتى " مثل ذلك بعد ان كانوا أمواتا ويرد فيها الارواح، لانه قادر على ذلك. ومن قدر على ذلك قدر على هذا، لانه ليس احدهما بأعجب من الآخر " انه على كل شئ قدير " يصح أن يكون مقدورا له، وهو قادر لا تتناهى مقدوراته.
ثم قال " إن الذين يلحدون في آياتنا " معناه الذين يميلون عن الحق في أدلتنا يقال: الحد يلحد إلحادا. وقيل: لحد يلحد أيضا. وقال مجاهد: معناه ما يفعلونه من المكاء والصفير. وقال ابوروق: يعني الذين يقعون فيه " لا يخفون علينا " بل نعلمهم على التفصيل، لا يخفى علينا شئ من احوالهم.
ثم قال على وجه الانكار عليهم والتهجين لفعلهم والتهديد لهم " أفمن يلقى في النار " جزاء على كفره ومعاصيه " خير أم من يأتي آمنا " من عذاب الله جزاء على معرفته بالله وعمله بالطاعات. ثم قال " اعملوا ما شئتم " ومعناه التهديد وإن كان بصورة الامر، لانه تعالى لم يخيرنا، ويجبنا أن نفعل ما شئنا، بل نهانا عن القبائح كلها. ثم قال " إنه بما تعملون بصير " أي عالم بأفعالكم لا يخفى عليه شئ منها فيجازيكم بحسبها.
قوله تعالى:
(إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب (ج 9 م 17 من التبيان)

===============
(130)
عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (43) ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد (44) ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب) (45) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ " أعجمي وعربي " على الخبر حفص والحلواني عن هشام وابن مجاهد عن قنبل في غير رواية ابن الحمامي عن بكار. الباقون بهمزتين. وحففهما اهل الكوفة إلا حفصا وروح. والباقون بتخفيف الاولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بألف اهل المدينة إلا ورشا وابوعمر. ومن قرأ بلفظ الاستفهام اراد الانكار، فادخل حرف الاستفهام على الف " أعجمي " وهي الف قطع. ومن حققها، فلانها الاصل. ومن خففهما او فصل بينهما فلكراهة اجتماع الهمزتين. ومن قرأ على الخبر، فالمعنى هلا كان النبي عربيا والقرآن اعجميا. والنبي اعجميا والقرآن عربيا، فكان يكون ابهر في باب الاعجاز.
يقول الله تعالى مخبرا " إن الذين كفروا بالذكر " الذي هو القرآن وجحدوه وسمي القرآن ذكرا، لانه تذكر به وجوه الدلائل المؤدية إلى الحق، والمعاني التي

===============
(131)
يعمل عليها فيه. واصل الذكر ضد السهو وهو حضور المعنى للنفس " لما جاءهم " أي حين جاءهم، وخبر (ان) محذوف، وتقديره: إن الذين كفروا بالذكر هلكوا به وشقوا به ونحوه. وقيل تقديره: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به، فحذف لدلالة الكلام عليه. وقيل خبره " أولئك ينادون من مكان بعيد " وقيل قوله " وانه لكتاب عزيز " في موضع الخبر، وتقديره الكتاب الذي جاءهم عزيز، وقوله " وإنه " الهاء كناية عن القرآن، والمعنى وإن القرآن لكتاب عزيز بأنه لا يقدر احد من العباد على ان يأتي بمثله، ولا يقاومه في حججه على كل مخالف فيه. وقيل: معناه إنه عزيز باعزاز الله - عزوجل - اياه اذ حفظه من التغيير والتبديل. وقيل: هو عزيز حيث جعله على أتم صفة الاحكام. وقيل:
معناه انه منيع من الباطل بما فيه من حسن البيان ووضوح البرهان، ولان احكامه حق يقضي بصحتها العقل.
وقوله " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " قيل في معناه اقوال خمسة:
احدها - انه لا تعلق به الشبهة من طريق المشاكلة، ولا الحقيقة من جهة المناقضة وهو الحق المخلص والذي لا يليق به الدنس.
والثاني - قال قتادة والسدي: معناه لا يقدر الشيطان أن ينقص منه حقا ولا يزيد فيه باطلا.
الثالث - ان معناه لا يأتي بشئ يوجب بطلانه مما وجد قبله ولا معه ولا مما يوجد بعده. وقال الضحاك: لا يأتيه كتاب من بين يديه يبطله ولا من خلفه أي ولا حديث من بعده يكذبه.
الرابع - قال ابن عباس: معناه لا يأتيه الباطل من أول تنزيله ولا من آخره.
والخامس - ان معناه لا يأتيه الباطل في اخباره عما تقدم ولا من خلفه

===============
(132)
ولا عما تأخر.
ثم وصف تعالى القرآن بأنه " تنزيل من حكيم حميد " فالحكيم هو الذي افعاله كلها حكمة فيكون من صفات الفعل، ويكون بمعنى العالم بجميع الاشياء واحكامها فيكون من صفات الذات. و (الحميد) هو المحمود الذي يستحق الحمد والشكر على جميع افعاله لان افعاله كلها نعمة يجب بها الشكر.
وقوله " ما يقال لك الا ما قد قيل للرسل من قبلك " قيل في معناه اقوال:
احدها - من الدعاء إلى الحق في عبادة الله تعالى ولزوم طاعته.
والثاني - ما حكاه تعالى بعده من " ان ربك لذو مغفرة وذو عقاب اليم " فيكون على جهة الوعد والوعيد.
والثالث - قال قتادة والسدي: وهو تعزية للنبي (صلى الله عليه وآله) بأن ما يقول لك المشركون مثل ما قال من قبلهم من الكفار لانبيائهم من التكذيب والجحد لنبوتهم.
وقوله " إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب اليم " أي وقد يفعل العقاب بالعصاة من الكفار قطعا ومن الفساق على تجويز عقابهم، فلا ينبغي ان يغتروا ويجب عليهم أن يتحرزوا بترك المعاصي وفعل الطاعات.
ثم قال تعالى " ولو جعلناه " يعني الذكر الذي قدم ذكره " قرآنا أعجميا " أي مجموعا بلغة العجم، يقال: رجل أعجمي إذا كان لا يفصح وإن كان عربي النسب، وعجمي إذا كان من ولد العجم وإن كان فصيحا بالعربية. قال ابوعلي:
يجوز ان يقال: رجل أعجمي يراد به اعجم بغير ياء كما يقال: أحمري واحمر، ودواري ودوار " قالوا لولا فصلت آياته " ومعناه هلا فصلت آياته وميزت. وقالوا " اعجمي وعربي " أي، قالوا القرآن أعجمي ومحمد عربي - ذكره سعيد بن جبير - وقال السدي: قالوا اعجمي وقوم عرب. ومن قرأ على الخبر حمله على أنهم يقولون ذلك

===============
(133)
مخبرين. ومن قرأ على الاستفهام أراد انهم يقولون ذلك على وجه الانكار، وإنما قوبل الاعجمي في الآية بالعربي، وخلاف العربي العجمي لان الاعجمي في انه لا يبين مثل العجمي عندهم من حيث اجتمعا في انهما لا يبينان، قوبل به العربي في قوله " أعجمي وعربي " وحكى ان الحسن قرأ " اعجمي " بفتح العين قابل بينه وبين قوله " وعربي " فقال الله تعالى لنبيه " قل " لهم يا محمد " هو " يعني القرآن " للذين آمنوا " بالله وصدقوا بتوحيده وأقروا بنبوة نبيه " هدى " يهتدون به " وشفاء " من سقم الجهل " والذين لا يؤمنون " بالله ولا يصدقون بتوحيده " في آذانهم وقر " يعني ثقل إذهم بمنزلة ذلك من حيث لم ينتفعوا بالقرآن فكانهم صم او في آذانهم ثقل " وهو عليهم عمى " حيث ضلوا عنه وجاروا عن تدبيره فكانه عمى لهم. وقوله " اولئك ينادون من مكان بعيد " على وجه المثل، فكأنهم الذين ينادون من مكان بعيد ويسمعوا الصوت ولا يفهموا المعنى من حيث لم ينتفعوا به. وقال مجاهد: لبعده عن قلوبهم. وقال الضحاك: ينادون الرجل في الآخرة كبأشنع اسمائه، وقيل: معناه أولئك لا يفهمون ذلك كما يقال لمن لا يفهم شيئا:
كبأنك تنادى من مكان بعيد.
ثم اقسم تعالى بأنه آنى " موسى الكتاب " يعني التوراة " فاختلف فيه " لانه آمن به قوم وجحدوه آخرون، تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله) عن جحود قومه وإنكارهم نبوته. ثم قال " ولو لا كلمة سبقت من ربك " في انه لا يعاجلهم بالعقوبة وانه يؤخرهم إلى يوم القيامة " لقضي بينهم " أي لفصل بينم بما يجب من الحكم.
ثم اخبر عنهم فقال: وإنهم لفي شك منه " يعني مما ذكرناه " مريب " يعني اقبح الشك لان الريب افظع الشك. وفى ذلك دلالة على جواز الخطأ على اصحاب المعارف لانه تعالى بين انهم في شك وانهم يؤآخذون مع ذلك.

===============
(134)
قوله تعالى:
(من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46) إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد (47) وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص (48) لا يسئم الانسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط (49) ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ) (50) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ اهل المدينة وابن عار وحفص " ثمرات " على الجمع. الباقون " ثمرة " على التوحيد من قرأ على الجمع فلا ختلاف أجناس الثمار، ولانه في المصاحف مكتوبا بتاء ممدودة. ومن وحده قال: الثمرة تفيد الجمع والتوحيد فلا يحتاج إلى الجمع، لانه في مصحف عبدالله مكتوب بالهاء، و " الاكمام " جمع (كم) في قول الفراء، و (كمة) في قول ابي عبيدة. وهي الكفرى. قال ابن خالويه: يجوز أن يكون (الاكمام) جمع (كم) و (كم) جمع كمة، فيكون جمع الجمع.

===============
(135)
يقول الله تعالى " من عمل صالحا " أي فعل افعلا هي طاعة " فلنفسه " لان ثوابه واصل اليه، وهو المنتفع به دون غيره " ومن أساء " يعني فعالا فعلا قبيحا، من الاساءة إلى غيره او غيرها " فعليها " أي فعلى نفسه لان وبال ذلك وعقابه يلحقه دون غيره.
ثم قال تعالى على وجه النفي عن نفسه مالا يليق به من فعل القبيح والتمدح به " وما ربك " أي وليس ربك " بظلام للعبيد " وإنما قال (بظلام)
على وجه المبالغة في نفي الظلم عن نفسه مع انه لا يفعل مثقال ذرة لامرين:
احدهما - انه لو فعل فاعل الظلم، وهو غير محتاج اليه مع علمه بقبحه وبأنه غني لكان ظلاما، وما هو تعالى بهذه الفصة لانه غني عالم.
الثاني - إنه على طريق الجواب لمن زعم انه يفعل ظلم العباد. فقال: ماهو بهذه الصفة التي يتوهمها الجهال، فيأخذ احدا بذنب غيره، والظلام هو الفاعل لما هو من افحش الظلم. والظالم من فعل الظلم، وظالم صفة ذم، وكذلك قولنا فاعل الظلم هما سواء، وكذلك آثم فاعل الاثم، وسيئ فاعل الاساءة.
وقوله " اليه يرد علم الساعة " معناه اليه يرد علم الساعة التي يقع فيها الجزاء للمطيع والعاصي فاحذروها قبل ان تأني، كما يرد اليه علم إخراج الثمار وما يكون من الاولاد والنتاج، فذاك غائب عنكم وهذا مشاهد لكم، وقد دل عليه ولزم، وكل من سئل متى قيام الساعة؟ وجب أن يقول: الله تعالى العالم به حتى يكون قد رده إلى الله " وما يخرج من ثمرة من اكمامها " معناه وعنده علم ذلك. وآكمام الثمرة وعائها الذي تكون فيه. وقيل: الآكمام جمع كمة، وهو الطرف المحيط بالشئ. وقال الحسن: الآكمام - ههنا - ليف النخيل. وقيل: من أكمامها معناه خروج الطلع من قشره " وما تحمل من أنثى وما تضع إلا بعلمه " أي وعنده

===============
(136)
تعالى علم ما تحمله كل انثى من حمل ذكرا كان او انثى ولا تضع الانثى إلا بعلمه أي إلا في الوقت الذي علمه انه تضع فيه.
وقوله (ويوم يناديهم اين شركائي) أي ويوم يناديهم مناد اين شركاء الله الذين كنتم تعبدونهم من دون الله (قالوا أذناك ما منا من شهيد) معناه إنهم يقولون اعلمناك مامنا من شهيد لمكانهم. ثم بين ذلك فقال (وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص) قال السدي: معناه ايقنوا وقال ابن عباس أذناك معناه أعلمناك. وقيل المنادي هو الله تعالى، وقال السدي:
مامنا من شهيد ان لك شريكا. وقيل: معناه أذناك اقررنا لك مامنا من شهيد بشريك له معك. وقيل قوله أذناك من قول المعبودين مامنا من شهيد لهم بما قالوا:
وقيل هذا: من قول العابدين مامنا من شهيد بأنهم آلهة. وقال آخرون: يجوز ان يكون العابدون والمعبودون يقولون ذلك.
وقوله (وظنوا مالهم من محيص) أي ايقنوا ليس لهم من مخلص.
ودخل الظن على (ما) التي للنفي كما تدخل (علمته) على لام الابتداء، وكلاهما له صدر الكلام.
وقوله (لا يسأم الانسان من دعاء الخير) أي لا يمل الانسان من طلب المال وصحة الجسم - وهو قول ابن زيد - وقال بعضهم: معناه لا يمل الانسان من الخير الذي يصيبه (وإن مسه الشر) أي إن ناله بذهاب مال او سقم في جسمه (فيؤس قم ط) أي يقنط من رحمة الله وييأس من روحه، ففي ذلك إخبار عن سرعة؟ الانسان وتنقله من حال إلى حال. ثم قال تعالى (ولئن اذقناه رحمة منا) يعني لئن أذقنا الانسان نعمة وأنلناه إياها (من بعد ضراء مسته) أي من بعد شدة لحقته (ليقولن هذا لي) قال مجاهد: يقول أنا حقيق بهذا الفعل (وما

===============
(137)
اظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي ان لي عند للحسنى) أي لو قامت لكان لي الحسني يعني الجنة. فقال الله تعالى على وجه التهديد لمن هذه صفته (فلننبئن الذين كفرا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ) أي فلنجزين الكفار بعد ان نعلمهم ما عملوه من كفرهم ومعاصيهم ثم نجازيهم عليها بأن نذيقهم من عذاب غليظ قدر ما يستحقونه.
قوله تعالى:
(وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونآ بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض (51) قل أرأيتم إن كان من عندالله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد (52) سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد (53) ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شئ محيط) (54) أربع آيات بلا خلاف.
اخبرالله تعالى عن جهل الانسان الذي تقدم وصفه بمواضع نعم الله وما يجب عليه من الاعتراف بشكره، بتركه النظر المؤدي إلى معرفته، فقال (وإذا انعمنا على الانسان) بنعمة من اعطاء مال او ولد او صحة جسم (اعرض) عن القيام بشكر الله على ذلك حسب ما يلزمه (ونآء بجانبه) أي بعد بجانبه كبرا وتجبرا عن الاعتراف بنعم الله. وقيل: معناه وبعد عن الواجب (وإذا مسه الشر) يعني إذا ناله مرض او مصيبة في مال او نفس (فذو دعاء عريض) قال السدي يدعو (ج 9 م 18 من التبيان)

===============
(138)
الله كثيرا عند ذلك. وإنما قال (فذو دعاء عريض) ولم يقل: طويل، لانه ابلغ، لان العرض يدل على الطول، ولا يدل الطول على العرض إذ قد يصح طويل ولا عرض له. ولا يصح عريض ولا طول له، لان العرض الانبساط في خلاف جهة الطول، والطول الامتداد في أي جهة كان.
وفى الآية دلالة على بطلان قول المجبرة: انه ليس الله على الكافر نعمة، لانه اخبر تعالى بأنه ينعم عليه وانه يعرض عن موجبها من الشكر وفي دعائه عند الشدة حجة عليه، لانه يجب من اجل قلة صبره على الشدة ان يشكر برفعها عنه إلى النعمة، فقال الله تعالى لهم على وجه الانكار عليهم (قل ارأيتم إن كان) هذه النعمة (من عند الله وكفرتم به) أي وجحدتموه (من اضل ممن هو في شقاق بعيد) أي في مشاقة الله بخلافه له بعيد عن طاعته. والشقاق المبل إلى شق العداوة لا لاجل الحق كأنه قال لا احد اضل ممن هو في شقاق بكفره، وبه يذم من كان عليه، كما قال علي (عليه السلام) (يا اهل العراق يا اهل الشقاق والنفاق ومساوى، الاخلاق)
وقيل: الشقاق فراق الحق إلى العداوة وأهله.
وقوله (سنربهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم) معناه إن الدلائل في آفاق السماء بسير النجوم وجريان الشمس والقمر فيها بأتم التدبير، وفي أنفسهم جعل كل شئ لما يصلح له من آلات الغذاء ومخارج الانفاس، ومجاري الدم، وموضع العقل والفكر، وسبب الافهام، وآلات الكلام. وقال السدي: آياتنا في الآفاق بصدق ما يخبر به النبي (صلى الله عليه وآله) من الحوادث عنها. وفي ما يحدث من انفسهم، وإذا رأوا ذلك تبينوا وعلموا أن خبره حق، وانه من قبل الله تعالى.
وقوله (او لم يكف بربك انه على كل شئ شهيد) أي هو عالم لجميع ذلك والباء زائدة، والتقدير او لم يكف ربك انه عالم بجميع الاشياء. والمعنى اليس في

===============
(139)
الله كفاية في معاقبة هؤلاء الكفار على كفرهم إذ كان عالما بكل شئ مشاهدا لجميع ما يفعلونه قادرا على مجازاتهم عليه، وكما انه شهيد على ذلك هو شهيد على جميع الحوادث ومشاهد لجميعها وعالم بها لا يخفى عليه شئ من موضعها.
وقوله (إنه) يحتمل ان يكون موضعه رفعا ب (يكف) ويحتمل ان يكون جرأ بالباء. وتقديره بأنه على كل شئ شهيد.
ثم قال (ألا انهم في مرية من لقاء ربهم) أي هم في شك من لقاء ثواب ربهم وعقابه، لانهم في شك من البعث والنشور (ألا انه بكل شئ محيط) أي هو عالم بكل شئ قادر عليه.

===============
(140)
42 - سورة الشورى مكية في قول قتادة ومجاهد، وليس فيها ناسخ ولا منسوخ، وهي ثلاث وخمسون آية في الكوفى، وخمسون في البصري والمدنيين.
بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) عسق (2) كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم (3) له ما في السموات وما في الارض وهو العلي العظيم (4) تكاد السموات يتفطرن من فوقهن والملئكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الارض ألا إن الله هو الغفور الرحيم) (5).
خمس آيات في الكوفى وثلاث في ما عداه عد الكوفيون (حم) وعدوا (عسق) ولم يعده الباقون.
قال ابوعبدالله بن خالويه سألت ابن مجاهد، فقلت: إن القاف أبعد من الميم، فلم اظهر حمزة النون عند الميم في (طسم) ولم يظهرها عند القاف في (عسق)
فقال والله ما فكرت في هذا قط، قال ابوعبدالله الحجة في ذلك ان (طسم)
اول سورة النمل ثم جاءت سورتان فيهما الميم، فبين ليعلم ان الميم زائدة على هجاء

===============
(141)
السين واتفق اهل الكوفة على ان لم يفردوا السين بين حرفين في الكلام هذا على الاصل. واما الحجة من جهة التخفي، فان النون تدغم في الميم وتخفى عند القاف والمخفي بمنزلة المظهر، فلما كره التشديد في (طسم) اظهروا لما كان المخفي بمنزلة الظاهر ولم يحتج إلى اظهار القاف، قال الفراء: ذكر عن ابن عباس انه قال (حمسق) بلا عين. وقال السين كل فرقة تكون. والقاف كل جماعة كانت، قال الفراء وكانت في بعض مصاحف عبدالله مثل ذلك. وقرأ ابن كثير وحده (يوحى اليك) بفتح الحاء على مالم يسم فاعله، فعلى هذا يكون اسم الله مرتفعا بمحذوف يدل عليه المذكور قال الشاعر:
ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط مما تطيح الطوائح (1)
أي يبكيه ضارع، فيكون التقدير يوحى اليك يوحي الله. قال ابوعلي: ذكر أن مثل هذه السورة أوحى إلى من تقدم من الانبياء، فعلى هذا يكون التقدير يوحي اليك هذه السورة كما اوحى إلى الذين، وقال الزجاج، والفراء: يقال إن (حمعسق) اوحيت إلى كل نبي كما اوحيت إلى محمد (صلى الله عليه وآله) قال ابن عباس: وبها كان علي (عليه السلام) يعلم الفتن. وقرأ الباقون يوحي - بكسر الحاء - فيكون على هذا إسم الله مرتفعا بأنه فاعل (يوحي) وقد قرئ شاذا (نوحي) بالنون مع كسر الحاء فعلى هذا يحتمل رفع اسم الله لوجهين:
احدهما - ان يكون رفعا بالابتداء.
والثاني - ان يكون مرتفعا بفعل مقدر يدل عليه (يوحي) الاول، كما قلناه في من فتح الحاء. ويجوز أن يكون بدلا من الضمير. ويجوز أن يجعل اسم الله خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو الله العزيز الحكيم. وقرأ ابوعمرو وعاصم في
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر هذا البيت في 4 / 310 و 6 / 329 و 7 / 440 (*)

===============
(142)
رواية أبي بكر (يكاد) بالياء (ينفطرن) بالياء والنون، لان تأنيث السموات غير حقيقي، وقد تقدم الفعل ولذلك أتتتفطرن) لما تأخر الفعل عن السموات وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة في رواية حفص (تكاد) بالتاء لتأنيث السموات (وينفطرن) بالياء والنون لما قدمناه. وقرأ نافع والكسائي (يكاد) بالياء لما قلناه من ان التأنيث غير حقيقي (يتفطرن) بياء، وتاء و (يتفطرن) في معنى تنفطر وهو مضارع فطرته فتفطر وفطرته بالتخفيف فانفطر، ومعنى بتفطرن يتشققن.
قيل إنما عدوا (حم) و (عسق) آية ولم يعد (طس) لان (طس)
لما انفرد عن نظيره من (طسم) فاشبه الاسم حمل عليه، ولما لم ينفرد (حم) عن نظيره جرى عليه حكم الجملة التامة التي تعد آية من اجل انها آية. فلما اجتمع في (طس) الانفراد عن النظير وأشبه (قابيل) وكل واحد من هذين الوجهين يقتضي مخالفة حكم (طسم) وجب الخلاف. وأما إنفراد (حاميم) بالزنة فقط، لم يجب الخلاف كما وجب في ما اجتمع فيه سببان. وفى (حم) من الفائدة تعظيم الله - عزوجل - السورة وتسميتها وتشريفا لها وتنويها باسمها وإجراؤها في التفصيل مجرى ما يعقل في فضله على مالا يعقل من الاجسام والاعراض. وقيل ان (حم عسق) انفردت بأن معاينها اوحيت إلى سائر الانبياء، فلذلك خصت بهذه التسمية. وقيل إنما فصل (حم عسق) من سائر الحواميم ب (عسق) لان جميعها استفتح بذكر الكتاب على التصريح به إلا هذه السورة فانه دل عليه دلالة التضمين بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب، والوحي أعم من الكتاب في معناه إلا انه دال في هذا الموضع على الكتاب بهذه الصفة.
وقوله (كذلك يوحي اليك وإلى الذين من قبلك) قيل في المشبه به في قوله (كذلك) وجها:

===============
(143)
احدهما - كالوحي الذي تقدم يوحي اليك.
والثاني - هذا الوحي الذي يأتي في هذه السورة يوحى اليك، لان مالم يكن حاضرا يراه صلح فيه (هذا) لقرب وقته و (ذلك) لبعده في نفسه. ومعنى التشبيه في (كذلك) أن بعضه كبعض في انه حكمة وصواب بما تضمنه من الحجج والمواعظ والفوائد التي يعمل عليها في الدنى (وإلى الذين من قبلك) معناه مثل ذلك اوحى إلى الذين من قبلك من الانبياء وتعبدهم بشريعة كما تعبدك بمثل ذلك.
وقوله (العزيز الحكيم) معناه القادر الذي لا يغالب الحكيم في جميع أفعاله.
ومن كان بهاتين الصفتين خلصت له الحكمة في كل ما يأتي به، لانه العزيز الذي لا يغالب والغني الذي لا يحتاج إلى شئ، ولا يجوز أن يمنعه مانع مما يريده، وهو الحكيم العليم بالامور لا يخفى عليه شئ منها لا يجوز أن يأتي إلا بالحكمة. فاما الحكيم غيره يحتاج فلا يوثق بكل ما يأتي به إلا أن يدل على ذلك الحكمة دليل.
قوله (له ما في السموات والارض) معناه أنه مالكهما ومدبرهما وله التصرف فيهما ولا احد له منعه من ذلك ويكون (العلي) مع ذلك بمعنى المستعلي على كل قادر العظيم في صفاته التي لا يشاركه فيها احد.
وقوله (تكاد السموات يتفطرن من فوقهن " قيل في معناه قولان:
احدهما - قال ابن عباس وقتادة والضحاك: يتفطرن من فوقهن من عظمة الله وجلاله.
والثاني - ان السموات تكاد تتفطرن من فوقهن استعظاما للكفر بالله والعصيان له مع حقوقه الواجبة على خلقه، وذلك على وجه التمثيل ليس لان السموات تفعل شيئا او تنكر شيئا، وإنما المراد ان السموات لو انشقت لمعصيته استعظاما لها أو لشئ من الاشياء لتفطرت استعظاما لكفر من كفر بالله وعبد

===============
(144)
معه غيره.
وقوله (الملائكة يسبحون بحمد ربهم) معناه ينزهونه عما لا يجوز عليه من صفات، ومالا يليق به من افعال (ويستغفرون لمن في الارض) من المؤمنين. وفي ذلك صرف الاهلاك لهم ولغيرهم من اهل الارض يصرفه عنهم.
ثم قال (ألا إن الله هو الغفور الرحيم) لعباده عصيانهم تارة بالتوبة وتارة ابتداء منه كل ذلك تفضلا منه ورأفة بهم ورحمة لهم.
قوله تعالى:
(والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل (6) وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7) ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون مالهم من ولي ولا نصير (8)
أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شئ قدير (9) وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب) (10) خمس آيات بلا خلاف.
هذا اخبار من الله تعالى (أن الذين اتخذوا من دونه اولياء) يعني الكفار الذين اتخذوا الاصنام آلهة ووجهوا عبادتهم اليها. وجعلوهم أولياء لهم وانصارا

===============
(145)
من دونه. وإنما قال (من دونه) لان من اتخذ وليا بأمر الله لم يتخذه من دون الله.
وقوله (الله حفيظ عليهم) أي حافظ عليهم أعمالهم وحفيظ عليها بأنه لا يعزب عنه شئ منها، وانه قد كتبها في اللوح المحفوظ مظاهرة في الحجة عليهم وما هو اقرب إلى افهامهم إذا تصوروها مكتوبة لهم وعليهم.
وقوله (وما انت عليهم بوكيل) معناه إنك لم توكل بحفظ اعمالهم، فلا يظن ظان هذا، فانه ظن فاسد وإنما بعثك الله نذيرا لهم وداعيا إلى الحق ومبينا لهم سبيل الرشاد، وقيل: معناه إنك لم توكل عليهم أي تمنعهم من الكفر بالله، لانه قد يكفر من لا يتهيأ له منعه من كفره بقتله.
وقوله (وكذلك أوحينا اليك قرآنا عربيا) معناه مثل ما اوحينا إلى من تقدمك من الانبياء بالكتب التي أنزلناها عليهم أوحينا اليك ايضا قرآنا عربيا لتنذر أم القرى أي لتخوفهم بما فيه من الوعيد وتبشرهم بما فيه من الوعد. قال السدي: أم القرى مكة والتقدير لتنذر اهل أم القرى (ومن حولها) من سائر الناس. وسميت أم القرى، لانه روي أن الله تعالى دحا الارض من تحت الكعبة قال المبرد: كانت العرب تسمي مكة أم القرى (ومن حولها) ومن يطيف بها (وتنذر يوم الجمع) معناه وتخوفهم يوم الجمع أيضا، ونصب (يوم) لانه مفعول ثان وليس بظرف، لانه ليس ينذر في يوم الجمع، وإنما يخوفهم عذاب الله يوم الجمع.
وقيل هو يوم القيامة (لا ريب فيه) أي لا شك فيه وفى كونه.
ثم قسم اهل يوم القيامة فقال (فريق) منهم (في الجنة) بطاعتهم (وفريق)
منهم (في السعير) جزاء على معاصيهم. ثم قال (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة)
معناه الاخبار عن قدرته بأنه لو شاء ان يلجئهم إلى الايمان ودين الاسلام، لكان (ج 9 م 19 من التبيان)

===============
(146)
قادرا على ذلك وفعله، لكن ذلك يبطل الغرض بالتكليف وهو ان يفعلو العبادة على وجه يستحقون بها الثواب، ومع الالجاء لا يمكن ذلك، فلذلك لم يشأ ذلك.
فالآية تفيد قدرته على الالجاء وتأتي ذلك. ثم قال (ولكن يدخل من يشاء في رحمته) أي يدخلهم في الجنة وثوابها من يشاء منهم إذا اطاعوا واجتنبوا معاصيه وبين أن (الظالمين) نفوسهم بارتكاب معصية الله (مالهم من ولي) يواليهم (ولا نصير) يمنعهم من عذاب الله إذا اراد فعله بهم جزاء على معاصيهم، ثم قال (أم اتخذوا من دونه اولياء) معناه بل هؤلاء الكفار اتخذوا من دون الله أولياء من الاصنام والاوثان يوالونهم وينصرونهم. ثم قال (فالله هو الولي)
معناه المستحق في الحقيقة للولاية والتقرب اليه هو الله تعالى دون غيره (وهو يحيي الموتى وهو على كل شئ قدير) يصح ان يكون مقدورا له قادر. ومن كان بهذه الصفة فهو الذي يجب ان يتخذ وليا.
وقوله (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) معناه ان الذي تختلفون فيه من أمر دينكم ودنياكم وتتنازعون فيه (فحكمه إلى الله) يعني أنه الذي يفصل بين المحق فيه وبين المبطل، لانه العالم بحقيقة ذلك، فيحكم على المحق باستحقاق الثواب وعلى المبطل باستحقاق العقاب.
وقيل: معناه فحكمه إلى الله، لانه يجب ان يرجع إلى أمره في الدنيا وفصل القضاء في الآخرة. ثم قال لنبيه قل لهم (ذلك) الذي وصفته من أنه يحيي الموتى وهو على كل شئ قدير (هو الله ربي) ومدبري (عليه توكلت) بمعنى فوضت أمري اليه واسندت ظهري اليه (واليه انيب) أي ارجع اليه في جميع أموري واحوالي.

===============
(147)
قوله تعالى:
(فاطر السموات والارض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الانعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير (11) له مقاليد السموات والارض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شئ عليم (12) شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ألله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13)
وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (14) فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهوءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لاعدل بينكم ألله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ألله يجمع بيننا وإليه المصير (15)
خمس آيات بلا خلاف.
لما قال الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) قل لهم الذي وصفته بأنه الذي يحيي ويميت

===============
(148)
هو ربي واليه ارجع في أموري كلها، زاد في صفاته تعالى (فاطر السموات والارض)
أي هو فاطر السموات، ومعنى فاطر خالق السموات ابتداء. وحكي عن ابن عباس انه قال لم اكن أعرف معنى (فاطر) حتى تحاكم إلى اعرابيان في بئر فقال احدهما انا فطرته بمعنى أنا ابتدأته، والفطر ايضا الشق. ومنه قوله تعالى (تكاد السموات يتفطرن منه) وقوله (جعل لكم من انفسكم أزواجا) يعني اشكالا مع كل ذكر أنثى يسكن اليها ويألفها. ومن الانعام أزواجا من الضان اثنين ومن المعز اثنين ومن البقر اثنين ومن الابل اثنين، ذكورا وإناثا ووجه الاعتبار بجعل الازواج ما في ذلك من إنشاء الشئ مالا بعد حال على وجه التصريف الذي يقتضي الاختيار، وجعل الخير له أسباب تطلب كما للشر أسباب تجتنب، فخعل لكل حيوان زوجا من شكله على ما تقتضيه الحكمة فيه.
وقوله (يذرؤكم فيه) أي يخلقكم ويكثركم فيه يعني في التزويج وفي ما حكم فيه. وقال الزجاج والفراء: معناه يذرؤكم به أي بما جعل لكم أزواجا وانشد الازهري قول الشاعر يصف امرأة:
وارغب فيها عن لقيط ورهطه * ولكنني عن سنبس لست ارغب (1)
أي ارغب بها عن لقيط. فالذرء إظهار الشئ بايجاده يقال: ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا واصله الظهور، ومنه ملح ذرآني لظهور بياضه. والذرية لظهورها ممن هي منه. وقوله (ليس كمثله شئ) قيل في معناه ثلاثة اقوال:
احدها - إن الكاف زائدة وتقديره ليس مثل الله شئ من الموجودات ولا المعدومات كما قال أوس بن حجر:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 278 (*)

===============
(149)
وقتلى كمثل جذوع النخيل * يغشاهم سيل منهر (1)
وقال آخر:
سعد بن زيد إذا ابصرت فضلهم * ما إن كمثلهم في الناس من احد (2)
وقال الراجز:
وصاليات ككما توثقين (3)
الثاني - قال الرماني: إنه بلغ في نفي الشبيه إذا نفى مثله، لانه يوجب نفي الشبهة على التحقيق والتقدير، وذلك انه لو قدر له مثل لم يكن له مثل صفاته ولبطل ان يكون له مثل ولنفرده بتلك الصفات، وبطل ان يكون مثلا له فيجب أن يكون من له مثل هذه الصفات على الحقيقة لامثل له أصلا إذ لو كان له مثل لم يكن هو بصفاته وكان ذلك الشئ الآخر هو الذي له تلك الصفات، لانها لا تصح إلا لواحد في الحقيقة وهذا لا يجوز أن يشبه بشبه حقيقة، ولا بلاغة فوجب التبعيد من الشبه لبطلان شبه الحقيقة.
الثالث - وجه كان المرتضى علي بن الحسين الموسوى (رحمة الله عليه)
جارانا فيه فاتفق لي بالخاطر وجه قلته فاستحسنه واستجاده، وهو ان لا تكون الكاف زائدة ويكون المعنى انه نفى ان يكون لمثله مثل وإذا ثبت انه لا مثل لمثله فلا مثل له ايضا. لانه لو كان له مثل لكان له امثال، لان الموجودات على ضربين:
احدهما - لا مثل له، كالقدرة فلا أمثال لها ايضا. والثاني - له مثل كالسواد والبياض واكثر الاجناس فله امثال ايضا وليس في الموجودات ماله مثل واحد فحسب، فعلم بذلك ان المراد انه لا مثل له اصلا من حيث لا مثل لمثله.
وقوله (وهو السميع البصير) معناه انه على صفة يجب ان يسمع المسموعات
ـــــــــــــــــــــــ
(1، 2، 3) تفسير الطبري 25 / 8 والقرطبى 16 / 8 والشوكاني 4 / 514 (*)

===============
(150)
إذا وجدت ويبصر المبصرات إذا وجدت وذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة به، وفائدة ذكره - ههنا - هو انه لما نفى ان يكون له شبه على وجه الحقيقة والمجاز، وعلى وجه من الوجوه بين انه مع ذلك سميع بصير، لئلا يتوهم نفي هذه الصفة له على الحقيقة فقط، فانه لا مدحة في كونه مما لا مثل له على الانفراد، لان القدرة لا مثل لها، وإنما المدحة في انه لا مثل له مع كونه سميعا بصيرا، وذلك يدل على التفرد الحقيقي.
وقوله (له مقاليد السموات والارض) معناه له مفاتيح الرزق منها بانزال المطر من السماء واستقامة الهواء فيها وابنات الثمار والاقوات من الارض. ثم قال (يبسط الرزق لمن يشاء) أي يوسعه له (ويقدر) أي يضيق لمن يشاء ذلك على ما يعلمه من مصالحهم (إنه بكل شئ عليم) مما يصلحهم او يفسدهم.
ثم خاطب تعالى خلقه فقال (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) معنى شرع بين وأظهر، وهو (الذي اوحينا اليك) يا محمد (صلى الله عليه وآله) وهو (ما وصينا به إبراهيم وموصى وعيسى) وسائر النبيين، وهو أنا أمرناهم بعبادة الله والشكر له على نعمه وطاعته في كل واجب وندب مع اجتناب كل قبيح، وفعل ما أمر به مما أدى إلى التمسك بهذه الاصول مما تختلف به شرائع الانبياء.
ثم بين ذلك فقال (ان أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) وموضع (ان أقيموا) يحتمل ثلاثة اوجه من الاعراب:
احدها - ان يكون نصبا بدلا من (ما) في (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا).
الثاني - ان يكون جرا بدلا من الهاء في (به).
الثالث - ان يكون رفعا على الاستئناف، وتقديره هو ان أقيموا الدين.
وقوله (كبر على المشركين ما تدعوهم اليه) معناه كبر عليهم واستعظموا كونك

===============
(151)
داعيا إلى الله، ودعاؤك يا محمد وأنث مثلهم بشر ومن قبيلتهم إنك نبي، وليس لهم ذلك، لان الله يجتبى لرسالته من يشاء على حسب ما يعلم من قيامه باعباء الرسالة وتحمله لها، فاجتباك الله تعالى كما اجتبى موسى ومن قبلك من الانبياء، ومعنى (يجتبى) يختار. وقوله (ويهدي اليه من ينيب) معناه ويهديه إلى طريق الثواب ويهدي المؤمنين الذين أنابوا اليه وأطاعوه. وقيل: يهديه إلى طريق الجنة والصواب بأن يلطف له في ذلك إذا علم ان له لطفا، ثم قال (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) ومعناه إن هؤلاء الكفار لم يختلفوا عليك إلا بعد أن اتاهم طريق العلم بصحة نبوتك، فعدلوا عن النظر فيه بغيا بينهم للحسد والعداوة والحرص على طلب الدنيا وإتباع الهوى. وقيل: إن هؤلاء لم يختلفوا إلا عن علم بأن الفرقة ضلالة، لكن فعلوا ذلك للبغي.
ثم قال (ولولا كلمة سبقت من ربك) بأن اخبر بأنه يبعثهم (إلى أجل مسمى) ذكر انه يبقيهم اليه لم يجز مخالفته، لانه يصير كذبا (لقضي بينهم) أي لفصل بينهم الحكم وانزل عليهم ما يستحقونه من العذاب عاجلا. ثم قال (وإن الذين اورثوا الكتاب من بعدهم) قال السدي: يعني اليهود والنصارى من بعد الذين أورثوا الكتاب الذي هو القرآن (لفي شك منه مريب) أي من الدين. وقال غيره: الذين اورثوا الكتاب من بعد اليهود والنصارى في شك من الدين مريب، وهم الذين كفروا بالقرآن وشكوا في صحته وانه من عند الله من سائر الكفار والمنافقين.
وقوله (فلذلك فادع واستقم) معناه فالى ذلك فادع، كما قال (بأن ربك أوحى لها) (1) أي اوحى اليها يقال دعوته لذا وبذا وإلى ذا. وقيل:
(1) سورة 99 الزلزال آية 5

===============
(152)
معنا فلذلك الدين فادع. وقيل: معناه فلذلك القرآن فادع. والاول احسن واوضح وقوله (ولا تتبع أهواءهم) نهي للنبي (صلى الله عليه وآله) عن إتباع ما هو به المشركون والمراد به أمته. وقيل: ثلاث من كن فيه نجا: العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والخشية في السر والعلانية. وثلاث من كن فيه هلك: شح مطاع، وهوى متبع، وعجب المرء بنفسه.
وقوله (وقل آمنت بما انزل الله من كتاب) أي قل لهم صدقت بما انزل الله من القرآن وبكل كتاب انزله الله على الانبياء قبلي (وأمرت لاعدل بينكم). وقيل في معناه قولان: احدهما - امرت بالعدل. والثاني - أمرت كي اعدل. وقل لهم أيضا (الله ربنا وربكم) أي مدبرنا ومدبركم ومصرفنا ومصرفكم (لنا اعمالنا ولكم اعمالكم)
ومعناه أن جزاء أعمالنا لنا من ثواب او عقاب وجزاء اعمالكم لكم من ثواب او عقاب، لا يؤاخذ احد بذنب غيره، كما قال (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (1) (لا حجة بيننا وبينكم) أي لا خصومة بيننا - في قول مجاهد وابن زيد - أي قد ظهر الحق فسقط الجدال والخصومة. وقيل: معناه إن الحجة لنا عليكم لظهورها، وليست بيننا بالاشتباه والالتباس. وقيل: معناه لا حجة بيننا وبينكم لظهور أمركم في البغي علينا والعداوة لنا والمعاندة، لا على طريق الشبهة، وليس ذلك على جهة تحريم إقامة الحجة، لانه لم يلزم قبول الدعوة إلا بالحجة التي يظهر بها الحق من الباطل فاذا صار الانسان إلى البغي والعداوة سقط الحجاج بينه وبين اهل الحق. ثم قال (الله يجمع بيننا يوم القيامة واليه المصير) أي المرجع حيث لا يملك احد الحكم فيه ولا الامر والنهي غيره، فيحكم بيننا بالحق. وفي ذلك غاية التهديد. وقيل: إن
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 6 الانعام آية 164 وسورة 17 الاسرى آية 15 وسورة 35 آية فاطر آية 18 وسورة 39 الزمر آية 7 (*)

===============
(153)
ذلك كان قبل الامر بالقتال والجهاد.
قوله تعالى:
(والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (16) ألله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17)
يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألآ إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) ألله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19)
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) (20) خمس آيات بلا خلاف.
يقول الله تعالى إن (الذين يحاجون في الله) أي يجادلون في الله بنصرة مذهبهم (من بعد ما استجيب له) وقيل في معناه قولان:
احدهما - من بعد ما استجاب له الناس لظهور حجته بالمعجزات التي اقامها الله - عزوجل - والآيات التي أظهرها الله فيه، لانهم بعد هذه الحال في حكم المعاندين بالبغي والحسد. قال مجاهد: كانت محاجتهم بأن قولوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن أولى بالحق منكم، فلذلك قال الله تعالى " حجتهم (ج 9 من 20 من التبيان)

===============
(154)
داحضة " لان ما ذكروه لا يمنع من صحة نبوة نبينا بأن ينسخ الله كتابهم وما شرعه النبي الذي كان قبله.
والثاني - معناه من بعد ما استجيب للنبي دعاءه بالمعجزات التي اجاب الله تعالى دعاءه في إقامتها له. قال الجبائي: أجاب الله تعالى دعاءه في كفار بدر حتى قتلهم الله بأيدي المؤمنين، وأجاب دعاءه عليهم بمكة وعلى مضر من القحط والشدائد التي نزلت بهم، وما دعا به من إنجاء الله المستضعفين من أيدي قريش فأنجاهم الله وخلصهم من ايديهم وغير ذلك مما يكثر تعداده، فقال الله تعالى " حجتهم داحضة عند ربهم " وهي شبهة، وإنما سماها حجة - على اعتقادهم - فلشبهها بالحجة أجرى عليها اسمها من غير اطلاق الصفة بها، و (داحضة) معناه باطلة " عند ربهم وعليهم غضب من الله " أي لعن واستحقاق عقاب والاخبار به عاجلا " ولهم " مع ذلك " عذاب شديد " يوم القيامة.
وقوله تعالى " الله الذي انزل الكتاب " يعني القرآن " بالحق والميزان " فقوله " بالحق " فيه دلالة على بطلان مذهب المجبرة: بأن الله أنزله ليكفروا به واراد منهم الضلال والعمل بالباطل. وانزل " الميزان " يعني العدل، لان الميزان إظهار التسوية من خلافها في ما للعباد اليه الحاجة في المعاملة او التفاضل ومثل الموازنة المعارضة والمقابلة والمقايسة، فالقرآن إذا قوبل بينه وبين ما يدعونه، وقويس بينهما ظهرت فضيلته، وبانت حجته، وعلمت دلالته، فلذلك وصفه بالميزان.
وقال مجاهد وقتادة: الميزان - ههنا - العدل. وقال الجبائي: انزل الله عليهم الميزان من السماء وعرفهم كيف يعملون به بالحق وكيف يزنون به. وقيل: إن الحق الذي انزل به الكتاب وصفه على عقد معتقده على ما هو به من ثقة. والحق قد يكون بمعنى حكم ومعنى امر او نهي ومعنى وعد او وعيد ومعنى دليل.


(155)
وقوله " وما يدريك " يا محمد ولا غيرك " لعل الساعة قريب " إنما قال (قريب) مع تأنيث الساعة، لان تأنيثها ليس بحقيقي. وقيل: التقدير لعل مجيئها قريب. وإنما اخفى الله تعالي الساعة ووقت مجيئها عن العباد، ليكونوا على خوف ويبادروا بالتوبة، ولو عرفهم عنها لكانوا مغريين بالقبيح قبل ذلك تعويلا على التأني بالتوبة.
وقوله " يستعجل بها " يعني بالساعة " الذين لا يؤمنون بها " أي لا يقرون بها ولا يصدقون لجهلهم بما عليهم في مجيئها من استحقاق العقاب وما للمؤمنين من الثواب. وقال " والذين آمنوا " أي صدقوا بها " مشفقون منها " أي خائفون من مجيئها لعلمهم بما فيها من استحقاق العقاب والاهوال فيحذرونها " ويعلمون انها الحق " أي ويعلمون ان مجيئها الحق الذي لا خلاف فيه. ثم قال تعالى ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد أي يجادلون في مجيئها على وجه الانكار لها لفي ضلال عن الصواب وعدول عن الحق بعيد.
ثم قال تعالى " الله لطيف بعباده " فلطفه بعباده إيصاله المنافع اليهم من وجه يدق على كل عاقل إدراكه، وذلك في الارزاق التي قسمها الله لعباده وصرف الافات عنهم، وإيصال السرور اليهم والملاذ، وتمكينهم بالقدرة والآلات إلى غير ذلك من ألطافه التي لا تدرك على حقيقتها ولا يوقف على كنهها لغموضها. ثم قال تعالى " يرزق من يشاء وهو القوي " يعني القادر الذي لا يعجزه شئ " العزيز " الذي لا يغالب.
وقوله " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه " قيل: معناه إنا نعطيه بالحسنة عشرا إلى ما شئنا من الزيادة " ومن كان يريد حرث الدنيا " أي من عمل الدنيا " نؤته " أي نعطيه نصيبه " منها " من الدنيا لا جميع ما يريده بل على

===============
(156)
ما تقتضيه الحكمة دون الآخرة، وشبه الطالب بعمله الآخرة بالزارع في اطلب النفع لحرثه، وكذلك الطالب بعمله نفع الدنيا. ثم قال " وماله " يعني لمن يطلب الدنيا دون الآخرة " في الآخرة من نصيب " من الثواب والنعيم في الآخرة. وقيل:
إن الذي وعدهم الله به أن يؤتيهم من الدنيا إذا طلبوا حرث الدنيا هو ما جعل لهم من الغنيمة والفئ إذا قاتلوا مع المسلمين، لانهم لا يمنعون ذلك مع إظهارهم الايمان لكن ليس لهم في الآخرة نصيب من الثواب.
قوله تعالى:
(أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21)
ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور (23)
أم يقولون افترى على الله كذبا فان يشا الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24) وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيآت ويعلم ما تفعلون) (25) خمس آيات بلا خلاف.

===============
(157)
قرأ ابن كثير، ونافع، وابوعمرو، وابن عامر، وابوبكر عن عاصم " يفعلون " بالياء. الباقون بالتاء.
من قرأ بالياء، فعلى أن الله يعلم ما يفعله الكفار فيجازيهم عليه. ومن قرأ بالتاء فعلى وجه الخطاب لهم بذلك.
لما اخبر الله تعالى ان من يطلب بأعماله الدنيا أنه يعطيه شيئا منها، وانه ليس له حظ من الخير في الآخرة. وقال (أم لهم شركاء) يعني بل هؤلاء الكفار لهم شركاء في ما يفعلونه أي اشركوهم معهم في أعمالهم بأن " شرعوا لهم من الدين " الذي قلدوهم فيه " مالم يأذن به الله " أي لم يأمر به ولا أذن فيه. ثم قال " ولو لا كلمة الفصل " أي كلمة الحكم الذي قال الله: إني اؤخر عقوبتهم، ولا أعاجلهم به في الدنيا " لقضي بينهم " وفصل الحكم فيهم وعوجلوا بما يستحقونه من العذاب. ثم قال " وإن الظالمين " لنفوسهم بارتكاب المعاصي " لهم عذاب اليم " أي مؤلم أي هم مستحقون لذلك يوم القيامة. ثم قال " ترى الظالمين " يا محمد " مشفقين " أي خائفين " مما كسبوا " يعني من جزاء ما كسبوا من المعاصي وهو العقاب الذي استحقوه " وهو واقع بهم " لا محالة لا ينفعهم اشفاقهم منه، ولا خوفهم من وقوعه، والاشفاق الخوف من جهة الرقة على المخوف عليه من وقوع الامر، واصل الشفقة الرقة من قولهم ثوب مشفق أي رقيق ردئ، ودين فلان مشفق أي ردئ.
ثم قال " والذين آمنوا " بالله وصدقوا رسله " وعملوا " الافعال " الصالحات " من الطاعات " في روضات الجنات " فالروضة الارض الخضرة بحسن النبات، والجنة الارض التي يجنها الشجر، والبستان التي عمها النبات أي هم مستحقون للكون فيها " لهم ما يشاؤن عند ربهم " ومعناه لهم ما يشتهون من اللذات، لان

===============
(158)
الانسان لا يشاء الشئ إلا من طريق الحكمة او الشهوة او الحاجة في دفع ضرر ودفع الضرر لا يحتاج اليه في الجنة، وإرادة الحكمة تتبع التكليف، فلم يبق بعد ذلك إلا انهم يشاؤن ما يشتهون. وقوله " عند ربهم " يعني يوم القيامة الذي لا يملك فيه الامر والنهي غيره، وليس يريد ب " عند ربهم " من قرب المسافة، لان ذلك من صفات الاجسام.
ثم قال " ذلك " يعني الكون عند ربهم وأن لهم ما يشاؤن " هو الفضل الكبير " يعني الزيادة التي لا يوازيها شئ في كثرتها. ثم قال " ذلك " يعني ما تقدم ذكره مما يشاؤنه هو " الذي يبشر الله عباده " به ومن شدد الشين أراد التكثير، ومن خفف، فلانه يدل على القليل والكثير. وقيل: هما لغتان، وحكى الاخفش لغة ثالثة: أبشرته. ثم وصفهم فقال " الذين آمنوا " بالله وصدقوا رسله " وعملوا " الاعمال " الصالحات ".
ثم قال " قل " لهم يا محمد (صلى الله عليه وآله) " لا أسألكم عليه " أي على ادائي اليكم " أجرا " عن الرسالة، وما بعثني الله به من المصالح " إلا المودة في القربى " وقيل في هذا الاستثناء قولان:
احدهما - إنه استثناء منقطع لان المودة في القربى ليس من الاجر ويكون التقدير لكن أذكركم المودة في قرابتي.
الثاني - إنه استثناء حقيقة ويكون أجرى المودة في القربي كأنه أجر، وإن لم يكن أجر واختلفوا في معنى " المودة في القربى " فقال علي بن الحسين (عليهما السلام) وسعيد ابن جبير وعمرو بن شعيب: معناه أن تودوا قرابتي، وهو المروي عن أبي جعفر وابي عبدالله (عليهما السلام) وقال الحسن: معناه " إلا المودة في القربى " إلى الله تعالى والتودد بالعمل الصالح اليه. وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي والضحاك

===============
(159)
وابن زيد وعطاه بن دينار: معناه إلا ان تودوني لقرابتي منكم. وقالوا: كل قرشي كانت بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) قرابة، ويكون المعنى إن لم تودوني لحق النبوة افلا تودوني لحق القرابة. والاول هو الاختيار عندنا، وعليه اصحابنا. وقال بعضهم:
إلا ان تصلوا قرابتكم. وقال آخرون: معناه إلا ان تتقربوا إلى الله بالطاعات.
ثم قال تعالى " ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا " أي من فعل طاعة نزد له في تلك الطاعة حسنا بأن نوجب له عليها الثواب. والاقتراب الاكتساب واصله من قرفت الشئ إذا كشفت عنه، كقولك قرفت الجلد وهو من الاعتماد والاكتساب " إن الله غفور " أي ستار على عباده معاصيهم بالتوبة وغير التوبة تفضلا منه تعالى وإحسانا منه إلى عباده " شكور " ومعناه إنه يعاملهم معاملة الشاكر في توفية الحق حتى كأنه ممن وصل اليه النفع فشكره. وقيل: معناه يجازيهم على شكرهم إياه فسماه شكرا على عادتهم في تسمية الشئ باسم ما كان سببه مجازا، كما قال " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (1).
ثم قال " ام يقولون افترى على الله كذبا " بمعنى بل يقولون هؤلاء الكفار إنك يا محمد افتريت على الله كذبا في ادعائك رسالة على الله فقال له تعالى " فان يشأ الله يختم على قلبك " قال قتادة: معناه يختم على قلبك بأن ينسيك القرآن.
وقيل: معناه لو حدثتك نفسك بأن تفتري على الله كذبا لطبعت على قلبك واذهبت الوحي الذي أتيتك، لاني أمحوا الباطل واحق الحق. وقال الزجاج: معناه فان يشأ الله ان يربط على قلبك بالصبر على أذاهم لك وعلى قولهم افترى على الله كذبا " ويمحوا الله الباطل " وقوله " ويمحوا الله الباطل " رفع إلا أنه حذف الواو من المصاحف كما حذف من قوله " سندع الزبانية " (2) على اللفظ وذهابه لا لتقاء
ـــــــــــــــــــــــ
(1) آية 40 من هذه السورة (2) سورة 96 العلق آية 18 (*)

===============
(160)
الساكنين، وليس بعطف على قوله " يختم " لانه رفع " وبين ذلك بقوله " ويحق الحق بكلماته " أي ويثبت الحق بأقواله التي ينزلها على انبيائه يتبين بها كذب من ادعى على الله كذبا في أنه نبي، ولا يكون كذلك " إنه عليم بذات الصدور " أي بأسرار ما في الصدور، لا يخفى عليه شئ منها. ثم قال " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون " فتمدحه بأن يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات بأن لا يعاقب عليها دليل على ان إسقاط العقاب عندها تفضل، ويعلم ما تفعلونه من التوبة وغيرها فيجازيكم عليها. فمن قرأ بالتاء فعلى الخطاب ومن قرأ بالياء فعلى وجه الاخبار عن الغائب.
قوله تعالى:
(ويستجيب الذين آمنوا وعملو الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد (26) ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير (27) وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28) ومن آياته خلق السموات والارض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير (29) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) (30)
خمس آيات بلا خلاف.
قرأ ابن عامر ونافع " بما كسبت " بلا فاء، وكذلك هو في مصاحف اهل

===============
(161)
المدينة واهل الشام. الباقون بالفاء، وكذلك في مصاحفهم، فعلى هذا يكون جزاء وعلى الاول يكون المعنى الذي أصابكم من مصيبة بما كسبت ايديكم.
لما اخبر الله تعالى انه يقبل التوبة عن عباده وانه يعلم ما يفعلونه من طاعة او معصية وانه يجازيهم بحسبها، ذكر انه " يستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات " يجيبهم بمعنى و (الذين) في موضع نصب، وأجاب واستجاب بمعنى واحد، قال الشاعر:
وداع دعايا من يجيب إلى الندا * فلم يستجبه عند ذاك مجيب (1)
وقيل: الاستجابة موافقة عمل العامل ما يدعو اليه، لاجل دعائه اليه، فلما كان المؤمن يوافق بعمله ما يدعو النبي (صلى الله عليه وآله) من اجل دعائه كان مستجيبا له، وكذلك من وافق بعمله داعي عقابه كان مستجيبا للداعي بالفعل. وعن معاذ بن جبل: إن الله تعالى يجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات في دعاء بعضهم لبعض.
وقيل: معناه ويجيب المؤمنون ربهم في ما دعاهم اليه، فبكون (الذين) في موضع رفع، ويكون قوله " ويزيدهم " راجعا إلى الله أي يزيدهم الله من فضله. وقيل:
معناه ويستجيب دعاع المؤمنين، ولا يستجيب دعاء الكافرين، لانه ثواب ولا ثواب للكافرين. وقيل: بل يجوز ان يكون ذلك إذا كان فيه لطف للمكلفين.
وقوله " ويزيدهم من فضله " معناه ويزيدهم زيادة من فضله على ما يستحقونه من الثواب. وقال الرماني: الزيادة بالوعد تصير اجرا على العمل إذا كان ممن يحسن الوعد بها من طريق الوعد، كما لو كان إنسان يكتب مئة ورقة بدينار، ورغبه ملك في نسخ مئة ورقة بعشرة دنانير، فانه يكون الاجرة حينئذ عشرة دنانير وإذا بلغ غاية الاجر في مقدار لا يصلح عليه اكثر من ذلك، فانما تستحق
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر تخريجه في 2 / 131 و 3 / 88 و 6 / 232 (ج 9 م 21 من التبيان)
(*)

===============
(162)
الزيادة بالوعد.
وقوله " والكافرون لهم عذاب شديد " اخبار عما يستحقه الكافر على كفره من العقاب المؤلم الشديد.
وقوله " ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض " إخبار منه تعالى بأنه لو وسع رزقه على عباده وسوى بينهم لبطروا النعمة وتنافسوا وتغالبوا، وكان ذلك يؤدي إلى وقوع الفساد بينهم والقتل وتغلب بعضهم على بعض واستعانة بعضهم ببعض ببذل الاموال، ولكن دبرهم على ما علم من مصلحتهم في غناء قوم وفقر آخرين، وإحواج بعضهم إلى بعض وتسخير بعضهم لبعض، فلذلك قال " ولكن ينزل بقدر ما يشاء " مما يعلمه مصلحة لهم " إنه بعباده خبير بصير " يعني عالم بأحوالهم بصير بما يصلحهم مما يفسدهم.
ثم قال " وهو الذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا " أى ينزله عليهم من بعد أياسهم من نزوله، ووجه إنزاله بعد القنوط انه أدعى إلى شكر الآتي به وتعظيمه والمعرفة بمواقع إحسانه، وكذلك الشدائد التي تمر بالانسان، ويأتي الفرج بعدها، تعلق الامل بمن يأتي به وتكسب المعرفة بحسن تدبيره في ما يدعو اليه من العمل بأمره والانتهاء إلى نهيه. ونشر الرحمة عمومها لجميع خلقه، فهكذا نشر رحمة الله مجددة حالا بعد حال. ثم يضاعفها لمن يشاء، وكل ذلك على مقتضى الحكمة وحسن التدبير الذي ليس شئ لحسن منه " وهو الولي الحميد " معناه هو الاولى بكم وبتدبيركم المحمود على جميع افعاله لكونها منافعا وإحسانا.
ثم قال " ومن آياته " أي من حججه الدالة على توحيده وصفاته التي باين بها خلقه " خلق السموات والارض " لانه لا يقدر على ذلك غيره لما فيهما من العجائب والاجناس التي لا يقدر عليها قادر بقدرة " وما بث فيهما من دابة " أي

===============
(163)
من سائر اجناس الحيوان " وهو على جمعهم إذا يشاء قدير " أي على جمعهم يوم القيامة وحشرهم إلى الموقف بعد إماتتهم قادر، لا يتعذر عليه ذلك.
ثم قال " وما اصابكم من مصيبة " معاشر الخلق (فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) قال الحسن: ذلك خاص في الحدود التي تستحق على وجه العقوبة. وقال قتادة: هو عام. وقال قوم: ذلك خاص وإن كان مخرجه مخرج العموم لما يلحق من المصائب على الاطفال والمجانين ومن لا ذنب له من المؤمنين. وقال قوم: هو عام بمعنى ان ما يصيب المؤمنين والاطفال إنما هو من شدة محنة تلحقهم، وعقوبة للعاصين كما يهلك الاطفال والبهائم مع الكفار بعذاب الاستئصال. ولانه قد يكون فيه استصلاح اقتضاه وقوع تلك الاجرام.
وقيل قوله (ولو بسط الله الرزق لعباده) بحسب ما يطلبونه ويقترحونه (لبغوا في الارض) فانه لم يمنعهم ذلك لعجز، ولا بخل. وقوله (إذا يشاء) يدل على حدوث المشيئة، لانه لا يجوز ان يكون إذا قدر على شئ فعله ولا إذا علم شيئا فعله.
ويجوز إن شاء ان يفعل شيئا فعله.
وقوله (أصابكم) قال ابوعلي النحوي: يحتمل أمرين احدهما - ان يكون صلة ل (ما). والثاني - ان يكون شرطا في موضع جزم، فمن قدره شرطا لم يجز سقوط الفاء - على قول سيبويه - واجاز ذلك ابوالحسن والكوفيون. وإن كان صلة فالاثبات والحذف جائزان على معنيين مختلفين، فاذا ثبت الفاء كان ذلك دليلا على ان الامر الثاني وجب بالاول كقوله (الذين ينفقون اموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم) (1) فثبوت الفاء يدل على وجوب الانفاق وإذا حذف احتمل الامرين.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 274 (*)

===============
(164)
قوله تعالى:
(وما أنتم بمعجزين في الارض ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) ومن آياته الجوار في البحر كالاعلام (32)
إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لا يات لكل صبار شكور (33) أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35)
خمس آيات كوفي وأربع في ما عداه عد الكوفيون (كالاعلام) ولم يعد، الباقون.
قرأ ابوعمرو، ونافع (الجواري في البحر) بياء في الوصل، ووقف / ابن كثير بياء ايضا. الباقون بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ نافع وابوجعفر وابن عامر (ويعلم الذين) رفعا على الاستئناف، لان الشرط والجزاء قدتم، فجاز الابتداء بما بعده. الباقون بالنصب. فمن نصبه فعلى الصرف، كما قال النابغة:
فان يهلك ابو قابوس يهلك * ربيع الناس والبلد الحرام
ونأخذ بعده بذناب عيش * اجب الظهر ليس له سنام (1)
قال الكوفيون: هو مصروف من مجزوم إلى منصوب، وقال البصريون:
هو نصب بأضمار (أن) وتقديره ان يعلم، كما قال الشاعر:
ولبس عباءة وتقر عيني * احب إلي من لبس الشفوف
وتقديره وأن تقر عيني، قال ابوعلي: ومن نصب (ويعلم) فلان قبله
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبي 16 / 34 والشوكاني 4 / 525 والطبري 25 / 20 (*)

===============
(165)
شرط وجزاء، وكل واحد منهما غير واجب، تقول في الشرط إن تأتني وتعطيني اكرمك فينصب وتعطيني، وتقديره إن يكون منك اتيان وإعطاء أكرمك، والنصب بعد الشرط إذا عطفته بالفاء أمثل من النصب بالفاء بعد جزاء الشرط فأما العطف على الشرط نحو إن تأتني وتكرمني اكرمك، فالذي يختار سيبويه في العطف على الشرط نحو إن تأتني وتكرمني الجزم، فيختار (ويعلم الذين) إذا لم يقطعه عن الاول فيرفعه، وإن عطف على جزاء الشرط، فالنصب أمثل. ومن اثبت الياء في الحالين في قوله (الجواري) فلا أنها الاصل، لكن خالف المصحف، ومن اثبتها وصلا دون الوقف استعمل الاصل وتبع المصحف، ومن حذفها في الحالين يتبع المصحف، واجتزأ بالكسوة الدالة على الياء. وواحد الجواري جارية، وهي السفينة، وحكي عن ابن مسعود انه قرأ بضم الراء كأنه قلب، كما قالوا (شاك) في (شائك) فأراد الجوائر فقلب.
قوله (وما انتم بمعجزين في الارض) خطاب من الله تعالى للكفار بأنكم لستم تفوتون الله بالهرب منه في الارض ولا في السماء، فانه يقدر عليكم في جميع الاماكن ولا يمكن النجاة من عذابه إلا بطاعته، فواجب عليكم طاعته، ففي ذلك استدعاء إلى عبادة الله وترغيب في كل ما أمر به وتحذير عما نهى عنه. ووجه الحجة بذلك على العبد انه إذا كان لا يعجز الله، ولا يجد دافعا عن عقابه خف عليه عمل كل شئ في جنب ما توعد به.
وقوله (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) اي ليس لكم من يدفع عنكم عقاب الله إذا اراد فعله بكم ولا ينصركم عليه، فيجب أن ترجعوا إلى طاعة من هذه صفته.
وقوله (ومن آياته الجواري في البحر كالاعلام) معناه من آياته الدالة على

===============
(166)
انه تعالى مختص بصفات لا يشركه فيها احد، السفن الجارية في البحر مثل الجبال، لانه تعالى يسيرها بالريح لا يقدر على تسييرها غيره، ووجه الدلالة في السفن الجارية هو ان الله خلق الماء العظيم وعدل الريح بما يمكن أن يجري فيه على حسب المراد لانه إذا هبت الريح في جهة وسارت بها السفينة فيها، فلو اجتمعت الخلائق على صرفها إلى جهة أخرى لما قدروا، وكذلك لو سكنت الريح لوقفت. وما قدر احد على تحريكها، ولا إجرائها غيره تعالى.
ثم بين ذلك بأن قال (إن يشأ يسكن الريح) وتقديره إن يشأ يسكن الريح أسكنها او إن يشأ ان يسكنها سكنت، وليس المعنى إن وقعت منه مشيئة أسكن لا محالة، لانه قد وقعت منه مشيئة لاشياء كثيرة ولم تسكن الريح. والجواري السفن - في قول مجاهد والسدي - والاعلام الجبال - في قولهما - وقوله (فيظللن رواكد على ظهره) قال ابن عباس: معناه تظل السفن واقفة على ظهر الماء، قال الشاعر:
وإن صخرا لتأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار
وقوله (إن في ذلك) يعني في تسخير البحر وجريان السفن فيها لآيات أي حججا واضحات (لكل صبار) على أمر الله (شكور) على نعمه، وإنما اضاف الآيات إلى كل صبار وإن كانت دلالات لغيرهم أيضا من حيث هم الذين انتفعوا بها دون غيرهم، ممن لم ينظر فيها.
وقوله (او يوبقهن بها كسبوا) معناه يهلكهن بالغرق - في قول ابن عباس والسدي ومجاهد - (بما كسبوا) أي جزاء على ما فعلوا من المعاصي (ويعفو عن كثير) اخبار منه تعالى انه يعفو عن معاصيهم لا يعاجلهم الله بعقوبتها.
وقوله (ويعلم الذين يجادلون في آياتنا مالهم من محيص) اخبار منه تعالى أن

===============
(167)
الذين يجادلون في إبطال آيات الله تعالى ويدفعونها سيعلمون انه ليس لهم محيص أي ملجأ يلجؤن اليه - في قول السدي -.
قوله تعالى:
(فما أوتيتم من شئ فمتاع الحيوة الدنيا وما عندالله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلوة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) وجزاؤ سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) (40) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ اهل الكوفة إلا عاصما (كبير الاثم) على التوحيد. الباقون (كبائر)
على الجمع جمع التكسير. ومن وحد قال: إنه اسم جنس يقع على القليل والكثير. وقال قوم: اراد الشرك فقط. ومن جمع، فلان انواع الفواحش، واختلاف اجناسها كثيرة.
يقول الله تعالى مخاطبا لمن تقدم وصفه (وما اوتيتم) يعني ان الذي اوتيتموه وأعطيتموه (من شي ء) من الاموال، (فمتاع الحياة الدنيا) أى هو شئ ينتفع به عاجلا لا بقاء له ولا محصول له. والمتاع يخير به عن الامتاع ويعبر به عن الاثاث، ففي ذلك تزهيد في الدنيا وحث على عمل الآخرة. ثم قال (وما عند الله) يعني من الثواب في الجنة (خير وأبقى) من هذه المنافع العاجلة التي هي قليلة والآخرة

===============
(168)
باقية دائمة، وهذه فانية منقطعة. ثم بين انها حاصلة (للذين آمنوا) بتوحيد الله وتصديق رسله (وعلى ربهم يتوكلون) أى يفوضون أمرهم اليه تعالى دون غيره فالتوكل على الله تفويض الامر اليه باعتقاد أنها جارية من قبله على احسن التدبير مع الفزع اليه بالدعاء في كلما ينوب. والتوكل واجب، الترغيب فيه كالترغيب في جملة الايمان.
وقوله (والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش) يحتمل ان يكون (الذين)
في موضع جر بالعطف على قوله (للذين) فكأنه قال وحا عندالله خير وأبقى المؤمنين المتوكلين على ربهم المجتنبين كبائر الاثم والذنوب. والفواحش جمع فاحشة، وهي اقبح القبيح. ويحتمل ان يكون في موضع رفع بالابتداء، ويكون الخبر محذوفا، وتقديره الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش (واذا ما غضبوا) مما يفعل بهم من الظلم والاساءة (هم يغفرون) ويتجاوزون عنه ولا يكافونهم عليه لهم مثل ذلك.
والعفو المراد في الآية هو ما يتعلق بالاساءة إلى نفوسهم الذى لهم الاختصاص بها فمتى عفوا عنها كانوا ممدوحين. فأما ما يتعلق بحدود الله ووجوب حدوده فليس للامام تركها ولا العفو عنها، ولا يجوز له ان يعفو عن المرتد وعمن يجرى مجراه. ثم زاد في صفاتهم فقال (والذين استجابوا لربهم) في ما دعاهم اليه (واقاموا الصلاة)
على حقها (وامرهم شورى بينهم) أى لا ينفردون بأمر حتى يشاوروا غيرهم، لانه قيل: ما تشاور قوم إلا وفقوا لاحسن ما يحضرهم (ومما رزقناهم ينفقون) في طاعة الله وسبيل الخير.
ثم قال (والذين اذا أصابهم البغي) من غيرهم وظلم من جهتهم (هم ينتصرون)
يعني ممن بغى عليهم من غير ان يعتدوا فيها فيقتلوا غير القاتل ويجنوا على غير الجاني، وفي قوله (والذين إذا اصابهم البغي هم ينتصرون) ترغيب في انكار

===============
(169)
المنكر. ثم قال (وجزاء سيئة سيئة مثلها) قال ابونجيح والسدى: معناه إذا قال أخزاه الله متعديا قال له مثل ذلك اخزاه الله. ويحتمل ان يكون المراد ما جعل الله لنا إلا الاقتصاص منه من (النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص) (1) فان للمجني عليه أن يفعل بالجاني مثل ذلك من غير زيادة وسماه سيئة للاردواج، كما قال (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) (2) وقال (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (3) ثم مدح العافي عما له أن يفعله، فقال (فمن عفى وأصلح) عما له المؤاخذة فيه " فأجره " في ذلك وجزاؤه " على الله " فانه يثيبه على ذلك.
وقوله (إنه لا يحب الظالمين) قيل في معناه وجهان:
احدهما - إني لم ارغبكم في العفو عن الظالم لاني أحبه، بل لاني أحب الاحسان والعفو.
والثاني - إني لا أحب الظالم لتعديه ما هو له إلى ما ليس له في القصاص ولا غيره.
وقيل الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنات، وعقوق الوالدين، واكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، واكل الحرام.
وعندنا كل معصية كبيرة، وإنما تسمى صغيرة بالاضافة إلى ما هو اكبر منها لا انها تقع محبطة، لان الاحباط باطل عندنا. وقيل إن هذه الآيات نزلت في قوم من المهاجرين والانصار.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 5 المائدة آية 48 (2) سورة 16 النحل آية 126 (3) سورة 3 البقرة آية 194 (ج 9 م 22 من التبيان)
(*)

===============
(170)
قوله تعالى:
(ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل (41)
إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الامور (43) ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) وتريهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيمة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم) (45) خمس آيات بلا خلاف قوله (ولمن انتصر من بعد ظلمه) اخبار من الله تعالى أن من انتصر لنفسه بعد أن كان ظلم وتعدي عليه، فاخذ لنفسه بحقه، فليس عليه من سبيل. قال قتادة: بعد ظلمه في ما يكون فيه القصاص بين الناس في النفس او الاعضاء او الجراح، فأما غير ذلك فلا يجوز أن يفعل لمن ظلمه ولا ذم له على فعله. وقال قوم: معناه إن له أن ينتصر على يد سلطان عادل بأن يجمله اليه ويطالبه بأخذ حقه منه، لان السلطان هو الذي يقيم الحدود، ويأخذ من الظالم للمظلوم، ويمكن أن يستدل بذلك على أن من ظلمه غيره بأخذ ماله كان له إذا قدر أن يأخذ من ماله بقدره، فلا إثم عليه، والظالم هو الفاعل للظلم. وقد بينا حكم الظالم في غير موضع، فلما بين أن للمظلوم أن يقتص منه، وانه متى اخذ بحقه لم يكن عليه سبيل

===============
(171)
بين (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس) ويأخذون ما ليس لهم ويتعدون عليهم (ويبغون) عليهم (في الارض بغير الحق) لانه متى سعى فيها بالحق لم يكن مذموما به إن طلب بذلك ما أباحه الله له (اولئك لهم عذاب اليم) اخبار منه تعالى أن من قدم وصفه لهم عذاب موجع مؤلم. ثم مدح تعالى من صبر على الظلم ولم ينتصر لنفسه ولا طالب به ويغفر لمن أساء اليه بأن قال (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الامور)
أي من ثابت الامور التي أمر الله بها فلم ينسخ. و (عزم الامور) هو الاخذ بأعلاها في باب نيل الثواب والاجر وإحتمال الشدائد على النفس وإيثار رضا الله على ما هو مباح. وقيل: (ان ذلك لمن عزم الامور) جواب القسم الذي دل عليه (لمن صبر وغفر) كما قال (لئن اخرجوا لا يخرجون معهم) (1) وقيل: بل هي في موضع الخبر. كأنه قال إن ذلك منه لمن عزم الامور، وحسن ذلك مع طول الكلام.
وقوله (ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده) يحتمل أمرين:
احدهما - ان من اضله الله عن طريق الجنة إلى عذاب النار فليس له ناصر ينصره عليه ويرفعه عنه من بعد ذلك بالتخليص منه.
والثاني - أن من حكم الله بضلاله وسماه ضالا عن الحق فما له من ولي ولا ناصر يحكم بهدايته ويسميه هاديا.
ثم قال (وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل)
اخبار منه تعالى إنك يا محمد ترى الظالمين إذا شاهدوا عذاب النار يقولون هل إلى الرجوع والرد إلى دار التكليف. من سبيل تمنيا منهم لذلك وإلتجاء إلى هذا القول لما ينزل بهم من البلاء. مع علمهم بأن ذلك لا يكون، لان معارفهم ضرورية.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 59 الحشرآية 12 (*)

===============
(172)
ثم قال (وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي)
قال ابن عباس: من طرف ذليل. وقال الحسن وقتادة: يسارقون النظر، لانهم لا يجبرؤن أن ينظروا إلى النار بجميع أبصارهم لما يرون من هول النار وألوان العذاب. وقيل: يرون النار بقلوبهم، لانهم يحشرون عميا (وقال الذين آمنوا)
يعني الذين صدقوا الله ورسوله ذلك اليوم إذا رأوا حصول الظالمين في النار واليم العقاب (إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم) باستحقاق النار (وأهليهم)
لما حيل بينهم وبينهم (يوم القيامة ألا إن) هؤلاء (الظالمين في عذاب مقيم)
أي دائم لا زوال له. وقد منعوا من الانتفاع بنفوسهم واهليهم ذلك اليوم.
قوله تعالى:
(وما كان لم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل (46) استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله مالكم من ملجا يومئذ وما لكم من نكير (47) فان أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الانسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فان الانسان كفور (48)
لله ملك السموات والارض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير) (50) خمس آيات بلا خلاف

===============
(173)
لما اخبر الله تعالى أن الظالمين انفسهم بارتكاب المعاصي وترك الواجبات في عذاب مقيم دائم غير منقطع، اخبر في الآية التي بعدها انهم لم يكن لهم أولياء في ما عبدوه من دون الله، ولا فيمن أطاعوه في معصية الله، أي انصار ينصرونهم من دون الله ويرفعون عنهم عقابه. وقيل: المراد من يعبدونه من دون الله او يطيعونه في معصية الله لا ينفعهم يوم القيامة. فالفائدة بذلك اليأس من أي فرج إلا من قبل الله، فلهذا من كان هلاكه بكفره لم يكن له ناصر يمنع منه.
ثم قال (ومن يضلل الله) أي من أضله الله عن طريق الجنة وعدل به إلى النار (فما له من سبيل) يوصله إلى الجنة والثواب. ويحتمل ان يكون المراد ومن يحكم الله بضلاله ويسميه ضالا لم يكن لاحد سبيل إلى ان يحكم بهدايته. ثم قال تعالى لخلقه (استجيبوا لربكم) يعني اجيبوه إلى ما دعاكم اليه ورغبكم فيه من المصير إلى طاعته والانقياد لامره (من قبل ان يأتي يوم لامرد له من الله مالكم من ملجأ يومئذ) أي لا مرجع له بعد ما حكم به. وقيل معناه لا يتهيأ لاحد رده ولا يكون لكم ملجأ تلجؤن اليه في ذلك اليوم. والملجأ والمحرز نظائر (ومالكم من نكير) أى تعيير انكار. وقيل: معناه من نصير ينكر ما يحل بكم ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (فان اعرضوا) يعني هؤلاء الكفار وعدلوا عما دعوناهم اليه ولا يستجيبون اليه (فما ارسلناك عليهم حفيظا) أي حافظا تمنعهم من الكفر (إن عليك) أي ليس عليك (إلا البلاغ) وهو ايصال المعنى إلى افهامهم وتبين لهم ما فيه رشدهم، فالذي يلزم الرسول دعاؤهم إلى الحق، ولا يلزمه ان يحفظهم من اعتقاد خلاف الحق. ثم اخبر تعالى عن حال الانسان وسرعة تنقله من حال إلى حال فقال (وانا اذا أذقنا الانسان منا رحمة) واوصلنا اليه نعمة (فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم) أي عقوبة جزاء بما قدمته ايديهم من المعاصى (فان الانسان كفور) يعدد المصائب

===============
(174)
ويجحد النعم وقوله (لله ملك السموات والارض) ومعناه له التصرف في السموات والارض وما بينهما وسياستهما بما تقتضيه الحكمة حسب ما يشاء (ويخلق ما يشاء)
من انواع الخلق (يهب لمن يشاء) من خلقه (اناثا) يعني البنات بلا ذكور (ويهب لمن يشاء) من خلقه (الذكور) بلا اناث (او يزوجهم ذكرانا واناثا) قال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي: معناه ان يكون حمل المرأة مرة ذكرا ومرة انثى ويحتمل ان يكون المراد ان يرزقه. تواما ذكرا وانثى او ذكرا وذكرا. وانثى وانثى وهو قول ابن زيد (ويجعل من يشاء عقيما)
فالعقيم من الحيوان الذي لا يكون له ولد ويكون قد عقم فرجه عن الولادة بمعنى منع (انه عليم) بمصالحهم (قدير) أي قادر على خلق ما اراد من ذلك.
قوله تعالى:
(وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي باذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51)
وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52)
صراط الله الذي له ما في السموات وما في الارض ألا إلى الله تصير الامور) (53) ثلاث آيات بلا خلاف قرأ نافع وابن عامر في رواية الداحوني عن صاحبه (او يرسل.. فيوحي)
بالرفع على تقدير او هو يرسل فيوحى ويكون المعنى يراد به الحال بتقدير إلا موحيا

===============
(175)
او مرسلا وذلك كلامه اياهم. الباقون بالنصب ويرسل فيوحي على تأويل المصدر، كأنه قال إلا ان يوحي او يرسل. ومعنى (او) في قوله (او يرسل رسولا)
يحتمل وجهين:
احدهما - العطف، فيكون ارسال الرسول احد اقسام بكلام كما يقال عتابك السيف كانه قيل الا وحيا او ارسالا.
الثاني - ان يكون (الا ان) كقولك لالزمنك او تعطيني حقي، فلا يكون الارسال في هذا الوجه كلاما. ولا يجوز ان يكون (او يرسل) فيمن نصب عطفا على قوله (أن يكلمه الله) لانك لو حملته على ذلك لكان المعنى وما كان لبشر أن يكلمه الله او ان يرسل رسولا، ولم يخل قولك (او يرسل رسولا) من ان يكون المراد به او يرسله رسولا او يكون المراد او يرسل اليه رسولا، والتقدير ان جميعا فاسدان، لاناء نعلم أن كثيرا من البشر قد ارسل رسولا، وكثيرا منهم ارسل اليه رسولا، فاذا بطل ذلك صح ما قدرناه اولا، ويكون التقدير ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي وسيا او يرسل رسولا، فيوحي، ويجوز في قوله (إلا وحيا) أمران:
احدهما - ان يكون استثناء منقطعا.
والآخر - ان يكون حالا، فان قدرته استثناء منقطعا لم يكن في الكلام شئ توصل به (من) لان ما قبل الاستثناء لا يعمل في ما بعده، لان حرف الاستثناء في معنى حرف النفي، ألا ترى أنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدا، فالمعنى قام القوم لا زيد. فكما لا يعمل ما قبل حرف النفي في - ما بعده كذلك لا يعمل ماقبل الاستثناء - إذا كان كلاما تاما - في ما بعده إذ كان بمعنى النفي، وكذلك لا يجوز أن يعمل ما بعد (إلا) في ما قبلها، فاذا كان كذلك لم يتصل الجار بما قبل (إلا)

===============
(176)
ويمتنع أن يتصل به الجار من وجه آخر، وهو ان قوله (أو من وراء حجاب) من صلة (يوحي) الذي هو بمعنى (أن يوحي) فاذا كان كذلك لم يجز ان يحمل الجار الذي هو في قوله (من وراء حجاب) على (أو يرسل) لانك تفصل بين الصلة والموصول بما ليس منهما. ألا ترى أن المعطوف على الصلة من الصلة إذا حملت العطف على ما ليس في الصلة فصلت بين الصلة والموصول بالاجنبي الذي ليس منها، فاذا لم يجز حمله على (يكلمه)
في قوله (ما كان لبشر أن يكلمه الله) ولم يكن بد من ان يعلق الجار بشئ، ولم يكن في اللفظ شئ يحمل عليه أضمرت (بما يكلم) وجعلت الجار في قوله (او من وراء حجاب) متعلقا بفعل مراد في الصلة محذوف حذفا للدلالة عليه، ويكون في المعنى معطوفا على الفعل المقدر صلة، لان الموصول يوحي، فيكون التقدير: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحى اليه، او يكلمه من وراء حجاب، فحذف (يكلم) من الصلة، لان ذكره قد جرى وإن كان خارجا من الصلة، فحسن لذلك حذفه من الصلة.
ومن رفع (أو يرسل رسولا) فانه يجعل (يرسل) حالا والجار في قوله (او من وراء حجاب) يتعلق بمحذوف، ويكون في الظرف ذكر من ذى الحال، ويكون قوله (إلا وحيا) على هذا التقدير مصدرا وقع موقع الحال، كقولك جئت ركضا او اتيت عدوا. ومعنى (او من وراء حجاب) فيمن قدر الكلام استثناء منقطعا او حالا: يكلمهم غير مجاهر لهم بكلامه، يريد ان كلامه يسمع ويحدث من حيث لا يرى، كما ترى سائر المتكلمين، ليس ان ثم حجابا يفصل موضعا من موضع، فيدل ذلك على تحديد المحجوب.
ومن رفع (يرسل) كان (يرسل) في موضع نصب على الحال. والمعنى هذا كلامه كما تقول: تحبتك الضرب وعتابك السيف.

===============
(177)
يقول الله تعالى إنه ليس لبشر من الخلق أن يكلمه الله إلا أن يوحي اليه وحيا (او من وراء حجاب) معناه او بكلام بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب، لانه تعالى لا يجوز عليه مالا يجوز إلا على الاجسام من ظهور الصورة للابصار (او يرسل رسولا) فان جعلناه عطفا على إرسال الرسول، كان احد أقسام الكلام كما قلناه في قولهم: عتابك السيف، كأنه قال إلا وحيا او إرسالا، وإن لم تجعله عطفا لم يكن احد اقسامه، ويكون كقولهم: لالزمنك او تعطيني حقي، فلا يكون الارسال في هذا الوجه كلاما، فيكون كلام الله لعباده على ثلاثة اقسام:
اولها - ان يسمع منه كما يسمع من وراء حجاب، كما خاطب الله به موسى (عليه السلام).
الثاني - بوحى يأتي به الملك إلى النبي من البشر كسائر الانبياء.
الثالث - بتأدية الرسول إلى المكلفين من الناس، وقيل في الحجاب ثلاثة اقوال:
احدها - حجاب عن إدراك الكلام لا المكلم وحده.
الثاني - حجاب لموضع الكلام.
الثالث - إنه بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب (فيوحي باذنه ما يشاء)
معناه إن ذلك الرسول الذي هو الملك يوحي إلى النبي من البشر بامر الله ما شاءه الله (إنه علي حكيم) معناه إن كلامه المسموع منه لا يكون مخاطبة يظهر فيها المتكلم بالرؤية، لانه العلي عن الادراك بالابصار وهو الحكيم في جميع افعاله وفي كيفية خطابه لخلقه.
وقال السدي: معنى الآية إنه لم يكن لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا بمعنى إلا إلهاما بخاطر او في منام او نحوه من معنى الكلام اليه في خفاء (او من وراء حجاب) يحجبه عن إدراك جميع الخلق إلا عن المتكلم الذي يسمعه كما سمع موسى (ج 9 م 23 من التبيان)

===============
(178)
كلام الله (او يرسل رسولا) يعني به جبرائيل.
وقوله (وكذلك اوحينا اليك روحا من أمرنا) معناه مثل ما اوحينا إلى من تقدم من الانبياء اوحينا اليك كذلك الوحي من الله إلى نبيه روح من أمره وهو نور يهدي به من يشاء من عباده إلى صراط مستقيم بصاحبه إلى الجنة والصراط المستقيم الطريق المؤدي إلى الجنة، وهو صراط الله الذي له ما في السموات وما في الارض، ملك له يتصرف فيه كيف يشاء، وهو صراط من تصير الامور اليه، ولا يبقى لاحد أمر ولا نهي ولا ملك ولا تصرف، وهو يوم القيامة. وقوله " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " يعني ما كنت قبل البعث تدري ما الكتاب ولا ما الايمان قبل البلوغ " ولكن جعلناه " يعني الروح الذي هو القرآن " نورا نهدي من نشاء من عبادنا " يعني من المكلفين، لان من ليس بعاقل وإن كان عبدالله، فلا يمكن هدايته لانه غير مكلف.
ثم قال " وانك لتهدي " يا محمد " إلى صراط مستقيم " أي طريق مفض إلى الحق، وهو الايمان، وإنما جر (صراط الله) بأنه بدل من قوله " صراط مستقيم " ثم قال " ألا إلى الله تصير الامور، أي اليه ترجع الامور والتدبير وحده يوم القيامة

===============
(179)
43 - سورة الزخرف هي مكية في قول مجاهد وقتادة وهي تسع وثمانون آية بلا خلاف في جملتها.
بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (3) وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4)
أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين) (5).
خمس آيات في الكوفى وأربع في ما سواه، عد الكوفيون " حم " ولم بعده الباقون.
قرأ نافع وحمزة والكسائي وخلف " ان كنتم " بكسر الهمزة جعلوه شرطا مستأنفا واستغنى عما تقدم، كقولك: انت عالم ان فعلت، فكانه قال: ان كنتم قوما مسرفين نضرب. الباقون بفتحها جعلوه فعلا ماضيا أي اذا كنتم، كما قال " أن جاءه الاعمى " (1) والمعنى اذ جاءه الاعمى، فموضع (ان) نصب عند البصريين، وجر عند الكسائي، لان التقدير افنضرب الذكر صفحا لان كنتم، وبأن كنتم قوما مسرفين. والمسرف الذي ينفق ماله في معصية الله، ولا اسراف في الطاعة.
قد بينا معنى " حم " في ما مضى، واختلاف المفسرين فيه، فلا معنى لا عادته
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 8 (عبس آية 2

===============
(180)
(*)
وقوله " والكتاب " خفض بالقسم. وقيل: تقديره ورب الكتاب، والمراد بالكتاب القرآن، والمبين صفة له وانما وصف بذلك لانه أبان عن طريق الهدى من الضلالة، وكل ما تحتاج اليه الامة في الديانة. والبيان هو الدليل الدال على صحة الشئ وفساده. وقيل: هو ما يظهر به المعنى للنفس عند الادراك بالبصر والسمع، وهو على خمسة أوجه: باللفظ، والحظ، والعقد بالاصابع، والاشارة اليه، والهيئة الظاهرة للجاسة، كالاعراض عن الشئ، والاقبال عليه، والتقطيب وضده وغير ذلك. واما مايوجد في النفس من العلم، فلا يسمى بيانا على الحقيقة وكل ما هو بمنزلة الناطق بالمعنى المفهوم فهو مبين.
وقوله " انا جعلناه قرآنا عربيا " اخبار منه تعالى انه جعل القرآن الذي ذكره عربيا بأن يفعله على طريقة العرب في مذاهبها في الحروف والمفهوم. ومع ذلك فانه لا يتمكن أحد منهم من انشاء مثله والاتيان بما يقاربه في علو طبقته في البلاغة والفصاحة، اما لعدم علمهم بذلك أو صرفهم على حسب اختلاف الناس فيه.
وهذا يدل على جلالة موقع التسمية في التمكن به والتعذر مع فقده. وفيه دلالة على حدوثه لان المجعول هو المحدث. ولان ما يكون عربيا لا يكون قديما لحدوث العربية. فان قيل: معنى جعلناه سميناه لان الجعل قد يكون بمعنى التسمية. قلنا:
لا يجوز ذلك - ههنا - لانه لو كان كذلك لكان الواحد منا اذا سماه عربيا فقد جعله عربيا، وكان يجب لو كان القرآن على ما هو عليه وسماه الله اعجميا أن يكون اعجميا او كان يكون بلغة العجم وسماه عربيا ان يكون عربيا، وكل ذلك فاسد.
وقوله " لعلكم تعقلون " معناه جعلناه على هذه الصفة لكي تعقلوا وتفكروا في ذلك فتعلموا صدق من ظهر على يده.
وقوله " وانه " يعني القرآن " في ام الكتاب لدنيا " يعنى اللوح المحفوظ

===============
(181)
الذي وكتب الله فيه ما يكون إلى يوم القيامة لما فيه من مصلحة ملائكته بالنظر فيه وللخلق فيه من اللطف بالاخبار عنه " وأم الكتاب " أصله لان أصل كل شئ أمه.
وقوله " لعلي حكيم " معناه لعال في البلاغة مظهر ما بالعباد اليه الحاجة مما لا شئ منه إلا يحسن طريقه ولا شئ أحسن منه. والقرآن بهذه الصفة علمه من علمه وجهله من جهله لتفريطه فيه و (حكيم) معناه مظهر المعنى الذي يعمل عليه المؤدي إلى العلم والصواب. والقرآن من هذا الوجه مظهر للحكمة البالغة لمن تدبره وأدركه.
ثم قال لمن جحده ولم يعتبر به على وجه الانكار عليهم " أفنضرب عنكم الذكر صفحا " معناه أنعرض عنكم جانبا باعراضكم عن القرآن والتذكر له والتفكر فيه " أن كنتم قوما مسرفين " على نفوسكم بترككم النظر فيه والاعتبار بحججه.
ومن كسر الهمزة جعله مستأنفا شرطا. ومن فتحها جعله فعلا ماضيا أي إذ كنتم كما قال " أن جاءه الاعمى " (1) بمعنى إذ جاءه الاعمى، فموضع (أن) نصب عند البصريين وجر عند الكسائي، لان التقدير الذكر صفحا، لان كنتم وبأن كنتم.
قال الشاعر:
اتجزع ان بان الخليط المودع * وجعل الصفا من عزة المتقطع (2)
والمسرف الذي ينفق ماله في معصية الله، لان من انفقه في طاعة او مباح لم يكن مسرفا وقال علي (عليه السلام) (لا إسراف في المأكول والمشروب) و (صفحا) نصب على المصدر، لان قوله " افنضرب عنكم الذكر " يدل على ان اصفح عنكم صفحا وكأن قولهم: صفحت عنه أي أعرضت ووليته صفحة العنق. والمعنى افنضرب ذكر الانتقام منكم والعقوبة لكم أن كنتم قوما مسرفين، كما قال " ايحسب الانسان
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 80 عبس آية 2 (2) مر في 1 / 349 و 7 / 9 (*)

===============
(182)
أن يترك سدى " (1) ومن كسر فعلى الجزاء واستغنى عن جوابه بما تقدم كقولهم:
انت ظالم ان فعلت كانه قال إن كنتم مسرفين نضرب، وقال المبرد: المعنى متى فعلتم هذا طلبتم أن نضرب الذكر عنكم صفحا. قال الفراء: تقول العرب:
أضربت عنك وضربت عنك بمعنى تركتك واعرضت عنك. وقال الزجاج:
المعنى افنضرب عنكم الذكر أي نهلكم فلا نعرفكم ما يجب عليكم لان أسرفتم وأصل ضربت عنه الذكران الراكب إذا ركب دابة فأراد أن يصرفها عن جهة ضربها بعصا او سوط لتعدل به إلى جهة أخرى يريدها ثم يوضع الضرب موضع الصرف والعدل. وصفحا مصدر أقيم قيام الفاعل، ونصب على الحال. والمعنى افنضرب عنكم تذكيرنا إياكم الواجب صافحين او معرضين، يقال صفح فلان بوجهه عني أي اعرض قال كثير:
صفوح فما تلقاك إلا بخيلة * فمن مل منها ذلك الوصل ملت
والصفوح في صفات الله معناه العفو يقال: صفح عن ذنبه إذا عفا. وقال بعضهم: المعنى افظننتم أن نضرب عنكم هذا الذكر الذي بينا لكم فيه امر دينكم صفحا، فلا يلزمكم العمل بما فيه، ولا نؤاخذكم لمخالفتكم إياه إن كنتم قوما مسرفين على أنفسكم، وجرى ذلك مجرى قول أحدنا لصاحبه وقد أنكر فعله أأتركك تفعل ما تشاء أغفل عنك إذا أهملت نفسك، ففي ذلك إنكار ووعيد شديد.
قوله تعالى:
(وكم أرسلنا من نبي في الاولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزؤن (7) فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضي
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 75 القيامة آية 36 (*)

===============
(183)
مثل الاولين (8) ولئن سألتهم من خلق السموات والار ض ليقولن خلقهن العزيز العليم (9) الذي جعل لكم الارض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون) (10) خمس آيات بلا خلاف يقول الله تعالى مخبرا " وكم أرسلنا من نبي في الاولين " يعني في الامم الماضية (وكم) موضوعة للتكثير في باب الخبر، وهي ضد (رب) لانها للتقليل.
ثم اخبر عن تلك الامم الماضية انه كان ما يجيئهم نبي من قبل الله إلا كانوا يستهزؤن به بمعنى يسخرون منه. فالاستهزاء إظهار خلاف الابطان استصغارا او استحقارا فالامم الماضية كفرت بالانبياء واحتقروا ما أتوا به، وظنوا انه من المخاريق التي لا يعمل عليها لجهلهم وفرط عنادهم، فلذلك حملوا أنفسهم على الاستهزاء بهم، وهو عائد بالوبال عليهم.
فان قيل: لم بعث الله الانبياء مع علمه بأنهم يستهزؤن بهم ولا يؤمنون عنده؟ قيل: يجوز أن يكون قوم آمنوا وإن قلوا. وإنما اخبر الله بالاستهزاء عن الاكثر، ولذلك قال في موضع " ومن آمن وما آمن معه إلا قليل " (1) وايضا فكان يجوز ان يكون لولا إرسالهم لوقع منهم من المعاصي أضعاف ما وقع عند إرسالهم، فصار إرسالهم لطفا في كثير من القبائح، فلذلك وجب وحسن، على ان في إرسالهم تمكينهم مما كلفوه، لانه إذا كان هناك مصالح لا يمكنهم معرفتها إلا من جهة الرسل وجب على الله أن يبعث اليهم الرسل ليعرفوهم تلك المصالح، فاذا لم يؤمنوا بهم وبما معهم من المصالح أتوا بالقبائح من قبل نفوسهم، والحجة قائمة عليهم وقوله " فاهلكنا اشد منهم بطشا " اخبار منه تعالى انه اهلك الذين هم اشد
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 11 هود آية 40 (*)

===============
(184)
بطشا من هؤلاء المشركين الذين كانوا في عصر النبي (صلى الله عليه وآله)، فلذلك قال " او مضى مثل الاولين " أي وهو مثل هؤلاء الباقين، ومعناه انكم قد سلكتم في تكذيب الرسل مسلك من كان قبلكم فاحذروا أن ينزل بكم من الخزي ما نزل بهم. قال الحسن: أشد قوة من قومك. ثم قال " ولئن سألتهم " يعني الكفار " من خلق السموات والارض " بأن انشاءها واخترعها " ليقولن " أي لم يكن جوابهم في ذلك إلا أن يقولوا " خلقهن " يعني السموات والارض " العزيز " الذي لا يغالب ولا يقهر " العليم " بمصالح الخلق، وهو الله تعالى، لانهم لا يمكنهم أن يحلفوا في ذلك على الاجسام والاوثان لظهور فساد ذلك، وبليس في ذلك ما يدل على انهم كانوا عالمين بالله ضرورة، لانه لا يمتنع أن يكونوا عالمين بذلك استدلالا وإن دخلت علهيم شبهة في انه يستحق العبادة، سواه. وقال الجبائي لا يمتنع أن يقولوا بذلك تقليدا لانهم لو علموه ضرورة لعلموا أنه لا يجوز أن يعبد معه غيره وهو الذي يليق بمذهبنا في المواقاة.
ثم وصف العزيز العليم الخالق للسموات والارض فقال هو " الذي جعل لكم الارض مهدا وجعل لكم فيها سبلا " تسلكونها لكي تهتدوا إلى مقاصدكم في اسفاركم.
وقيل: معناه لتهتدوا إلى الحق في الدين والاعتبار الذي جعل لكم بالنظر فيها.
قوله تعالى:
(والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) والذي خلق الازواج كلها وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون (12) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي

===============
(185)
سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14)
وجعلوا له من عباده جزءا إن الانسان لكفور مبين) (15) خمس آيات بلا خلاف.
يقول الله تعالى إن الذي جعل لكم الارض مهدا لتهتدوا إلى مراشدكم في دينكم ودنياكم هو " الذي نزل من السماء ماء " يعني غيثا ومطرا (بقدر) أي على قدر الحاجة لا زيادة عليها فيفسد ولا ناقصا عنها فيضر ولا ينفع، بل هو مطابق
للحاجة وبحسبها وذلك يدل على انه واقع من مختار يجعله على تلك الصفة قد قدره على ما تقتضيه الحكمة لعلمه بجميع ذلك.
وقوله " فانشرنا به بلدة ميتا " أي احييناها بالنبات بعد أن كانت ميتا بالقحل والجفاف تقول: أنشر الله الخلق فنشروا أي احياهم فحييوا، ثم قال " وكذلك تخرجون " أي مثل ما أخرج النبات من الارض اليابسة فأحياها بالنبات مثل ذلك يخرجكم من القبور بعد موتكم، وإنما جمع بين أخراج الانبات وإخراج الاموات لان كل ذلك متعذر على كل قادر إلا القادر لنفسه الذي لا يعجزه شي ء ومن قدر على احدهما قدر على الآخر بحكم العقل.
وقوله " والذي خلق الازواج كلها " معناه الذي خلق الاشكال من الحيوان والجماد من الحيوان الذكر والانثى ومن غير الحيوان مما هو متقابل كالحلو والحامض والحلوا والمر والرطب واليابس وغير ذلك من الاشكال. وقال الحسن: الازواج الشتاء والصيف، والليل والنهار، والشمس والقمر، والسماء والارض، والجنة والنار (ج 9 م 24 من التبيان)

===============
(186)
وقوله " وجعل لكم من الفلك " يعني السفن " والانعام ما تركبون " يعني الابل والبقر وما جرى مجراهما من الدواب والحمير التي تصلح المركوب.
ثم بين انه خلق ذلك وغرضه (لتستورا على ظهوره) وإنما وحد الهاء في قوله " على ظهوره " لانها راجعة إلى (ما) كما قال " مما في بطونه " (1) وفي موضع آخر (بطونها) ردها إلى الانعام، فذكر في (ما) وانث في الانعام.
وقال الفراء: اضاف الظهور إلى الواحد، لان الواحد فيه بمعنى الجميع، فردت الظهور إلى المعنى. ولم يقل ظهره، فيكون كالواحد الذي معناه ولفظه واحد.
ومعنى الآية ان غرضه تعالى ان تنتفعوا بالاستواء على ظهورها " ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه " فتشكروه على تلك النعم وتقولوا معترفين بنعم الله ومنزهين له عن صفات المخلوقين " سبحان الذي سخر لنا هذا " يعني هذه الانعام والفلك " وما كنا له مقرنين " أي مطيقين، يقال: أنا لفلان مقرن أي مطيق أي انا قرن له، ويقال: أقرن يقرن إقرانا إذا اطاق وهو من المقارنة كأنه يطيق حمله في تصرفه. وقيل " مقرنين " أي مطيقين أي يقرن بعضا ببعض حتى يسيرها إلى حيث يشاء، وليقولوا أيضا " وإنا إلى ربنا لمنقلبون " أي راجعون اليه يوم القيامة.
فان قيل: قوله " ولتستورا على ظهوره " يفيد ان غرضه بخلق الانعام والفلك ان يستورا على ظهورها، وإنه يريد ذلك منهم. والاستواء على الفلك والانعام مباح، ولا يجوز ان يريده الله تعالى؟ ! قيل: يجوز ان يكون المراد بقوله " لتستورا على ظهوره " في المسير إلى
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 16 النحل آية 66 (*)

===============
(187)
ما أمر الله بالمسير اليه من الحج والجهاد وغير ذلك من العبادات، وذلك يحسن إرادته، وإنما لا يحسن إرادة ما هو مباح محض. وايضا، فانه تعالى قال " ثم تذكروا نعمة ربكم " أي تعترفون بنعم الله بالشكر عليها وتقولوا " سبحان الذي سخر لنا هذا " وذلك طاعة يجوز ان يكون مرادا تتعلق الارادة به.
وقوله " وجعلوا له من عباده جزءا " اخبار منه تعالى ان هؤلاء الكفار جعلوا لله من عباده جزءا. وقيل فيه وجهان:
احدهما - انهم جعلوا لله جزءا من عبادته لانهم اشركوا بينه وبين الاصنام.
وقال الحسن: زعموا ان الملائكة بنات الله وبعضه فالجزء الذي جعلوه له من عباده هو قولهم " الملائكة بنات الله " ثم قال تعالى مخبرا عن حال الكافر لنعم الله فقال " إن الانسان لكفور " لنعم الله جاحد لها " مبين " أي مظهر لكفره غير مستتر به.
قوله تعالى:
(أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفيكم بالبنين (16) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم (17)
أو من ينشؤ في الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسئلون (19) وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) (20) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ اهل الكوفة إلا أبابكر " او من ينشأ " بضم الياء وتشديد الشين.

===============
(188)
الباقون بفتح الياء والتخفيف. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر " عند الرحمن " بالنون. الباقون " عباد " على الجمع وقرأ نافع " أأشهدوا " بضم الالف وفتح الهمزة من (اشهدت) الباقون " اشهدوا " من (شهدت) من قرأ (ينشأ)
بالتشديد جعله في موضع مفعول لانه تعالى قال " إنا انشأناهن إنشاء " (1) فانشأت ونشأت بمعنى إذا ربيت. وتقول: نشأ فلان ونشأه غيره وغلام ناشئ أي مدرك. وقيل في قوله " ثم انشأناه خلقا آخر " (2) قال هو نبات شعر ابطه ومن خفف جعل الفعل لله، لان الله انشأهم فنشؤوا، ويقال للجوار الملاح: النشأ قال نصيب:
ولولا ان يقال صبا نصيب * لقلت بنفسى النشأ الصغار (3)
ومن قرء عباد فجمع (عبد) فهو كقوله " لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون " (4) فاراد الله أن يكذبهم في قولهم: إن الملائكة بنات الله، وبين انهم عباده. ومن قرأ " عند " بالنون، فكقوله " إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته " (5) وقال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس في مصحفي " عباد " فقال: حكه. ووجه قراءة نافع " أأشهدوا " انه جعله من اشهد يشهد جعلهم مفعولين وقال تعالى (ما اشهدتهم خلق السموات والارض ولا خلق أنفسهم) (6) من قرأ بفتح الهمزة جعله من شهد يشهد فهؤلاء الكفار إذا لم يشهدوا خلق السموات والارض ولا خلق انفسهم من اين علموا ان الملائكة بنات الله وهم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 56 الواقعة آية 35 (2) سورة 23 المؤمنون آية 14 (3) مر في 4 / 304 و 8 / 194 (4) سورة 4 النساء آية 171 (5) سورة 7 الاعراف آية 205 (6) سورة 18 الكهف آية 52 (*)

===============
(189)
لم يشهدوا ذلك، ولم يخبرهم عنه مخبر؟ !.
لما اخبر الله تعالى عن الكفار انهم جعلوا له من عباده جزءا على ما فسرناه، وحكم عليهم بأنهم يجحدون نعمه ويكفرون أياديه، فسر ذلك وهو انهم قالوا " ام اتخذ مما يخلق بنات واصفاكم بالبنين " في هذا القول حجة عليهم لانه ليس بحكيم من يختار لنفسه أدون المنزلتين ولغيره اعلاهما، فلو كان على ما يقول المشركون من جواز اتخاذ الولد عليه لم يتخذ لنفسه البنات ويصفيهم بالبنين فغلطوا في الاصل الذي هو جواز إتخاذ الولد عليه، وفي البناء على الاصل باتخاذ البنات، فنعوذ بالله من الخطاء في الدين. ومعنى (أصفاكم) خصكم وآثركم بالذكور واتخذ لنفسه البنات.
ثم قال تعالى " واذا بشر احدهم بما ضرب للرحمن مثلا " يعني إذا ولد لواحد منهم بنت حسب ما اضافوها إلى الله تعالى ونسبوها اليه على وجه المثل لذلك " ظل وجهه مسودا " أي متغيرا مما يلحقه من الغم بذلك حتى يسود وجهه ويربد " وهو كظيم " قال قتادة معناه حزين، وفى هذا ايضا حجة عليهم لان من اسود وجهه بما يضاف اليه مما لا يرضى فهو احق ان يسود وجهه باضافة مثل ذلك إلى من هو اجل منه، فكيف إلى ربه.
ثم قال تعالى على وجه الانكار لقولهم " او من ينشؤ في الحلية " قال ابن عباس " او من ينشوء في الحلية " المراد به المرأة. وبه قال مجاهد والسدي، فهو في موضع نصب والتقدير او من ينشؤ في الحلية يجعلون. ويجوز ان يكون الرفع بتقدير أولئك ولده على ما قالوا هم بناته يعني من ينشؤ في الحلية على وجه التزين بها يعني النساء في قول اكثر المفسرين. وقال ابوزيد: يعني الاصنام. والاول اصح " وهو في الخصام غير مبين " في حال الخصومة، فهو ناقص عمن هو بخلاف هذه الصفة من

===============
(190)
الشبيه على ما يصلح للجدال ودفع الخصم الالد بحسن البيان عند الخصومة، فعلى هذا يلزمهم ان يكونوا باضافة البنات قد اضافوا ادنى الصفات اليه.
ثم قال تعالى " وجعلوا " يعني هؤلاء الكفار " الملائكة الذين هو عباد الرحمن " متذللون له خلضعون له. ومن قرأ بالنون اراد الذين هم مصطفون عند الله " إناثا " فقال لهم على وجه الانكار " اشهدوا خلقهم " ثم قال " ستكتب شهادتهم " بذلك " ويسألون " عن صحتها. وفائدة الآية أن من شهد بمالا يعلم فهو حقيق بأن يوبخ ويذم على ذلك وشهادته بما هو متكذب به على الملائكة اعظم من الفاحشة، للاقدام على تنقصهم في الصفة، وإن كان في ذلك على جهالة.
ثم حكى عنهم إنهم قالوا " لو شاء الرحمن ما عبدناهم " كما قالت المجبرة بأن الله تعالى أراد كفرهم، ولو لم يشأ ذلك لما كفروا، فقال الله لهم على وجه التكذيب " مالهم بذلك من علم ان هم إلا يخرصون " أي ليس يعلمون صحة ما يقولونه وليس هم إلا كاذبين. ففي ذلك إبطال مذهب المجبرة في ان الله تعالى يريد القبيح من افعال العباد. لان الله تعالى قطع على كذبهم في ان الله تعالى يشأ عبادتهم للملائكة، وذلك قبيح لا محالة وعند المجبرة الله تعالى شاءه. وقد نفاه تعالى عن نفسه وكذبهم في قولهم فيه.
قوله تعالى:
(أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا

===============
(191)
آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (23) قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون (24) فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم (قال اولو جئتكم) على انه فعل ماض، وتقديره قال النذير. الباقون (قل) على الامر على وجه الحكاية لما اوحى الله إلى النذير. قال كأنه قال اوحينا اليه أي فقلنا له (قل اولو جئتكم) وقرأ ابو جعفر (جئناكم) بالنون على وجه الجمع.
لما حكى الله تعالى تخرص من يضيف عبادة الاصنام والملائكة إلى مشيئة الله، وبين انه لا يشاء ذلك قال (أم آتيناهم كتابا) والمعنى التقريع لهم على خطئهم بلفظ الاستفهام، والتقدير أهذا الذي ذكروه شئ تخرصوه وافتروه (أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون)؟ ! فاذا لم يمكنهم ادعاء ان الله أنزل بذلك كتابا علم انه من تخرصهم ودل على حذف حرف الاستفهام (أم) لانها المعادلة.
ثم قال ليس الامر على ما قالوه (بل قالوا) يعني الكفار (إنا وجدنا آباءنا على أمة) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: يعني على ملة وسميت الديانة أمة لاجتماع الجماعة على صفة واحدة فيها. وقرئ " على إمة " - بكسر الهمزة - والمراد به الطريقة (وانا على آثارهم) أي على آثار آبائنا (مهتدون) نهتدي بهداهم. ثم قال مثل ما قال هؤلاء في الحوالة على تقليد آبائهم في الكفر كذلك لم نرسل من قبلك في قرية ومجمع من الناس نذيرا - لان (من) زيادة - (إلا قال

===============
(192)
مترفوها) وهم الذين آثروا الترفة على طلب الحجة، وهم المتنعمون الروساء (إنا وجدنا آباءنا على أمة) يعني على ملة (وانا على آثارهم مقتدون) نقتدي بهم فأحال الجميع على التقليد للاباء فحسب، دون الحجة، والتقليد قبيح بموجب العقل لانه لو كان جائزا للزم فيه أن يكون الحق في الشئ ونقيضه، فيكون عابد الوثن يقلد أسلافه، وكذلك يقلد اسلافه اليهودي والنصراني والمجوسي، وكل فريق يعنقد أن الآخر على خطأ وضلال. وهذا باطل بلا خلاف، فاذا لابد من الرجوع إلى حجة عقل او كتاب منزل من قبل الله، فقال الله تعالى للنذير (قل) لهم (او لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم) فهل تقبلونه؟ وفي ذلك حسن التلطف في الاستدعاء إلى الحق، وهو انه لو كان ما تدعونه حقا وهدى على ما تدعونه، لكان ما جئتكم به من الحق اهدى من ذلك واوجب ان يتبع ويرجع اليه، لان ذلك، إذا سلموا أنه اهدى مما هم عليه بطل الرد والتكذيب، وإذا بطل ذلك لزم اتباعه في ترك ما هم عليه.
ثم حكى ما قالوا في الجواب عن ذلك فانهم قالوا (انا بما أرسلتم به)
معاشر الانبياء (كافرون) ثم اخبر تعالى فقال (فانتقمنا منهم) بأن اهلكناهم وعجلنا عقوبتهم (فانظر) يامحمد (كيف كان عاقبة المكذبين) لانبياء الله والجاحدين لرسله.
قوله تعالى:
(وإذ قال إبراهيم لابيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26)
إلا الذي فطرني فانه سيهدين (27) وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28) بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق

===============
(193)
ورسول مبين (29) ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون) (30) خمس آيات بلا خلاف.
يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) واذكر يا محمد (إذ قال ابراهيم لابيه وقومه)
حين رآهم يعبدون الاصنام والكواكب (إنني براء مما تعبدون) أي برئ من عبادتكم الاصنام والكواكب فقوله (براء) مصدر وقع موقع الوصف، لايثنى ولا يجمع ولا يؤنث. ثم استثنى من جملة ما كانوا يعبدونه الله تعالى فقال (إلا الذي فطرني) معناه إني برئ من كل معبود سوى الله تعالى الذي فطرني أي خلقني وابتدأني، وتقديره إلا من الذي فطرني. وقال قتادة: كانوا يقولون الله ربنا مع عبادتهم الاوثان (فانه سيهدين) في ما بعد. والمعنى انه سيهديني إلى طريق الجنة بلطف من ألطافه يكون داعيا إلى ان اتمسك به حتى يؤديني اليها، وإنما قال ذلك ثقة بالله تعالى ودعاء لقومه إلى ان يطلبوا الهداية من ربه. والتبري من كل معبود من دون الله واجب بحكم العقل، كما يجب ذمهم على فعل القبيح لما في ذلك من الزجر عن القبيح والردع عن الظلم، فكذلك يجب قبول قول من أخلص عبادة الله، كما يجب مدحه على فعله.
وقوله (وجعلها كلمة باقية في عقبه) معناه جعل هذه الكلمة التي قالها إبراهيم كلمة باقية في عقبه بما اوصى به مما أظهره الله من قوله إجلالا له وتنزيها له ورفعا لقدره بما كان منه من جلالة الطاعة والصبر على أمر الله. وقال قتادة ومجاهد والسدي: معنى قوله (وجعلها كلمة باقية في عقبه) قوله: لا إله إلا الله لم يزل في ذريته من يقولها وقال ابن زيد: هو الاسلام بدلالة قوله (هو سماكم (ج 9 م 25 من التبيان)

===============
(194)
المسلمين) (1). وقال ابن عباس: في عقبه من خلفه. وقال مجاهد: في ولده وذريته. وقال السدي: في آل محمد (عليهم السلام). وقال الحسن: عقبه ولده إلى يوم القيامة. وقوله (لعلهم يرجعون) قال الحسن: معناه راجع إلى قوم إبراهيم. وقال الفراء: معناه (لعلهم يرجعون) عما هم عليه إلى عبادة الله، وقال قتادة: معناه لعلهم يعترفون ويذكرون الله. وقال الله تعالى إنا لم نعاجل هؤلاء الكفار بالعقوبة (بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق) يعني القرآن (ورسول مبين) أي مظهر للحق، يعني محمدا (صلى الله عليه وآله).
ثم قال تعالى (ولما جاءهم الحق) يعني القرآن (قالوا هذا سحر) وهو حيلة خفية توهم المعجزة (وإنا به) يعني بالقرآن (كافرون) أي جاحدون لكونة من قبل الله تعالى وإنما كان من نسب الحق والدين إلى السحر كافرا بالله، لانه بمنزلة من عرف نعمة الله وجحدها في عظيم الجرم، فسمي باسمه ليدل على ذلك.
قوله تعالى:
(وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (33) ولبيوتهم أبوابا وسررا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 22 الحجج آية 78 (*)

===============
(195)
عليها يتكؤن (34) وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحيوة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين) (35) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ ابن كثير وابوعمرو (سقفا) على التوحيد - بفتح السين - الباقون (سقفا) بضم السين والقاف - على الجمع - وقرأ حمزة والكسائي (لما متاع الحياة الدنيا) مشددة الميم. الباقون خفيفة. من شدد الميم جعل (لما) بمعنى (إلا) ومن خفف جعل (ما) صلة إلا ابن عامر فانه خفف وشدد. قال ابوعلي: من خفف جعل (إن) المخففة من الثقيلة وأدخل اللام للفصل بين النفي والايجاب، كقوله (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) (1) ومن نصب بها مخففة، فقال إن زيدا منطلق استغنى عن اللام، لان النافية لا ينتصب بعدها الاسم، و (ما) زائدة. والمعنى:
وإن كل ذلك لمتاع الحياة.
حكى الله عن هؤلاء الكفار الذين حكى عنهم أنهم قالوا لما جاءهم الحق الذي هو القرآن (لولا نزل) إن كان حقا (على رجل من القريتين عظيم) يعني بالقريتين مكة والطائف، ويعنون بالرجل العظيم من احد القريتين - في قول ابن عباس - الوليد ابن المغيرة المخزومي القرشي من أهل مكة، أو حبيب بن عمرو ابن عمير من الطائف، وهو الثقفي. وقال مجاهد: يعني بالذي من أهل مكة عقبة بن ربيعة، والذي من اهل الطائف ابن عبد باليل. وقال قتادة: الذى من أهل مكة يريدون الوليد ابن المغيرة، والذى من اهل الطائف عروة بن مسعود الثقفي. وقال السدى: الذى من أهل الطائف كنانة بن عمرو. وإنما قالوا ذلك لان الرجلين كانا عظيمي قومهما، وذوى الاموال الجسيمة فيهما، فدخلت الشبهة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 7 الاعراف آية 101 (*)

===============
(196)
عليهم فاعتقدوا أن من كان كذلك كان أولى بالنبوة. وهذا غلط لان الله تعالى يقسم الرحمة بالنبوة كما يقسم الرزق في المعيشة على حسب ما يعلم من مصالح عباده فليس لاحد ان يتحكم في شئ من ذلك. فقال تعالى على وجه الانكار عليهم والتهجين لقولهم (أهم يقسمون رحمة ربك) أى ليس لهم ذلك بل ذلك اليه تعالى.
ثم قال تعالى (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) وقيل: الوجه في إختلاف الرزق بين الخلق في الضيق والسعة زيادة على ما فيه من المصلحة إن في ذلك تسخير بعض العباد لبعض باحواجهم اليهم، لما في ذلك من الاحوال التي تدعو إلى طلب الرفعة وارتباط النعمة ولما فيه من الاعتبار بحال الغنى والحاجة، وما فيه من صحة التكليف على المثوبة.
ثم قال تعالى (ورحمة ربك خير مما يجمعون) يعني رحمة الله ونعمه من الثواب في الجنة خير مما يجمعه هؤلاء الكفار من حطام الدنيا.
ثم اخبر تعالى عن هوان الدنيا عليه وقلة مقدارها عنده بأن قال (ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة) أي لولا انهم يصيرون كلهم كفارا (لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون) استحقارا الدنيا وقلة مقدارها ولكن لا يفعل ذلك، لانه يكون مفسدة. والله تعالى لا يفعل ما فيه مفسدة.
ثم زاد على ذلك وكنا نجعل لبيوتهم على كون سقفهم من فضة معارج، والسقف بالضم سقف مثل رهن ورهن. وقال مجاهد: كل شئ من السماء فهو سقف، وكل شئ من البيوت فهو سقف بضمتين، ومنه قوله (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) (1)
قال الفراء قوله (لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا) يحتمل أن تكون اللام
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 21 الانبياء آية 32 (*)

===============
(197)
الثانية مؤكدة للاولى، ويحتمل أن تكون الثانية بمعنى (على) كأنه قال لجعلنا لمن يكفر بالرحمن على بيوتهم سقفا، كما تقول: جعلنا لك لقومك العطاء أي جعلته لاجلك (ولبيوتهم ابوابا وسررا) جمع سرير (عليها يتكؤن) من فضة ايضا وحذف لدلالة الكلام عليها. وقوله (وزخرفا) قال ابن عباس: هو الذهب.
وبه قال الحسن وقتادة والضحاك. وقال ابن زيد: هو الفرش ومتاع البيت، والمزخرف المزين. وقال الحسن المزخرف المنقوش والسقف جمع سقوف كرهون ورهن. وقيل:
هو جمع سقف ولا نظير له والاول أولى، لانه على وزن زبور وزبر. والمعارج الدرج - في قول ابن عباس وقتادة - وهي المراقي قال جندب بن المثنى:
يارب رب البيت ذي المعارج (1)
(ومعارج) درجا (عليها يظهرون) أي يصعدون. وقال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي لولا ان يكون الناس أمة واحدة أي يجتمعون كلهم على الكفر. وقال ابن زيد: معناه يصيرون كلهم أمة واحدة على طلب الدنيا.
ثم قال (وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا) معناه ليس كل ذلك يعني ما ذكره من الذهب والفضة والزخرف إلا متاع الحياة الدنيا الذي ينتفع به قليلا ثم يفنى وينقطع.
ثم قال (والآخرة) أي العاقبة (عند ربك) الثواب الدائم (للمتقين)
الدين يتقون معاصيه ويفعلون طاعاته فصار كل عمل ما للدنيا صغير بالاضافة إلى ما يعمل للاخرة، لان ما يعمل للدنيا منقطع وما يعمل للآخرة دائم.
قوله تعالى:
(ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجاز القرآن 2 / 204 (*)

===============
(198)
قرين (36) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) وينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39) أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين) (40) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ حمزة والكسائي وابوعمرو وحفص عن عاصم (جاءنا) بالتوحيد.
الباقون (جاءانا) على التثنية. من قرأ على التثنية أراد الكافر وقرينه من الشياطين كقوله (وإذا النفوس زوجت) (1) أي قرنت بنظيرها. ومن أفرد قال: لان الكافر هو الذي أفرد بالخطاب في الدنيا وأقيمت عليه الحجة بانفاذ الرسول اليه فاجتزى بالواحد عن الاثنين، كما قال (لينبذن في الحطمة) (2) والمراد لينبذان يعني هو وما له. وقرأ يعقوب والعليمي (يقيض) بالياء على لفظ الخبر عن الغائب. الباقون بالنون على وجه الخبر عن الله تعالى.
يقول الله تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن) أي يعرض عن ذكر الله لا ظلامه عليه لجهله، يقال: عيشا يعشو عشوا وعشوا إذا ضعف بصره وأظلمت عينه كأنه عليها غشاوة قال الشاعر:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا (3)
واذا ذهب بصره قيل: عشى يعشى عشاء، ومنه رجل أعشى وامرأة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 81 كورت آية 7 (2) سورة 104 الهمزة آية 4 (3) تفسير الطيري 25 / 39 والكتاب لسيبويه 1 / 396 (*)

===============
(199)
عشواء، فعشى يعشى مثل عمي يعمى، وعشا يعشو إذا نظر نظرا ضعيفا. وقرئ (من يعش) بفتح الشين. ومعناه يعمى يقال: عشا إلى النار إذا تنورها فقصدها وعشى عنها إذا أعرض قاصدا لغيرها كقولهم مال اليه ومال عنه. وقيل: معناه بالعين من يعرض عن ذكره. وقوله (نقيض له شيطانا) قيل في معناه ثلاثة أقوال:
احدها - قال الحسن: نخلي بينه وبين الشيطان الذي يغويه ويدعوه إلى الضلالة فلا نمنعه منه.
الثاني - وقيل: نجعل له شيطانا قرينا، يقال قيض له كذا وكذا أي سهل ويسر.
الثالث - قال قتادة: نقيض له شيطانا في الآخرة يلزمه حتى يصير به إلى النار فحينئذ يتمنى البعد عنه. وأما المؤمن فيوكل به ملك فلا يفارقه حتى يصير به إلى الجنة. وإنما جاز ان يقيض له الشيطان إذا أعرض عن ذكر الله حتى يغويه لانه اذا كان ممن لا يفلح فلو لم يغوه الشيطان لفعل من قبل نفسه مثل ذلك كالفساد الذي يفعله باغواء الشيطان او أعظم منه فلم يمنع لطفا، وقيض له الشيطان عقابا.
وفى ذلك غاية التحذير عن الاعراض عن حجج الله وآياته.
ثم قال تعالى (وانهم) يعني الشياطين (ليصدونهم) يعني الكفار (عن السبيل) يعني عن سبيل الحق الذي هو الاسلام (ويحسبون انهم مهتدون) إلى طريق الحق. وقوله (حتى اذا جاءانا) على التثنية أراد حتى اذا جاء الشيطان ومن أغواه يوم القيامة إلى الموضع الذي يتولى الله حساب الخلق فيه وجزاءهم.
ومن قرأ على التوحيد فالمراد حتى اذا جاء الكافر وعلم ما يستحقه من العقاب ضرورة قال ذلك الوقت لقربه (ياليت بيني وبينك بعد المشرقين) قيل في معناه قولان:
احدهما - أنه عنى المشرق والمغرب الا انه غلب احدهما، كما قيل سنة العمرين

===============
(200)
وقال الشاعر:
اخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم طوالع (1)
يعني الشمس والقمر، وقال المفضل: أراد النبي محمد وابراهيم (عليها السلام) وقال الآخر:
وبصرة الازد منا والعراق لنا * والموصلان ومنا مصر والحرم (2)
يعني الموصل والجزيرة.
الثاني - انه أراد مشرق الشتاء ومشرق الصيف، كما قال (رب المشرقين ورب المغربين) (3) وإنما اراد (ياليت بيني وبينك بعد المشرقين) مسافة فلم أرك ولا اغتررت بك (فبئس القرين) كنت أنت، يقول لهذا الشيطان الذي اغواه، فقال الله تعالى (ولن ينفعكم اليوم) هذا الندم (إذ ظلمتم) نفوسكم بارتكاب المعاصي (إنكم في العذاب مشتركون) أي لانكم في العذاب شركاء، فلذلك لا ينفعكم هذا القول. وقيل: إن المراد لا يسليكم عما أنتم فيه من انواع العذاب أن أعداءكم شركاؤكم فيها لانه قد يتسلى الانسان عن محنة يحصل فيها اذا رأى ان عدوه في مثلها فبين الله تعالى أن ذلك لا ينفعكم يوم القيامة ولا يسليكم عن العذاب ولا يخفف عنكم ذلك يوم القيامة.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (أفانت) يا محمد (تسمع الصم او تهدي العمي)
شبه الكفار في عدم انتفاعهم بما يسمعونه من إنذار النبي (صلى الله عليه وآله) ووعظه بالصم الذين لايسمعون، وفى عدم انتفاعهم بما يرونه بالعمي الذين لا يبصرون شيئا (ومن كان في ضلال) عن الحق (مبين) أي بين ظاهر لا شبهة فيه. ومن لا يطلب الحق ولا يجتهد فيه لسبقه إلى الباطل وإغتباطه به، فهو الذي يمتنع هدايته ولا حيلة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبي 16 / 91 والطبري 25 / 40 (2) تفسير الطبرى 25 / 40 (3) سورة 55 الرحمن آية 17 (*)

===============
(201)
فيه ولا طريق إلى ارشاده وصار بمنزلة الاصم والاعمى عنه.
وقرأ ابن عامر وحده (ولن ينفعكم اليوم إنكم) بكسر الهمزة، جعل تمام الآية والوقف على قوله (إذ ظلمتم) ثم استأنف (إنكم) وفتح الباقون، جعلوا (أن) اسما في موضع رفع.
قوله تعالى:
(فاما نذهبن بك فانا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي وعدناهم فانا عليهم مقتدرون (42) فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون (44) وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) (45) خمس آيات بلا خلاف قوله (فاما نذهبن بك فانا منهم) معناه إن نذهب بك، فلما دخلت (ما) على حرف الشرط اشبه القسم في التأكيد والايذان بطلب التصديق، فدخلت النون في الكلام لذلك لان النون تلزم في جواب القسم ولا تلزم في الجزاء، لانه شبه به، وإنما وجب باذهاب النبي إهلاك قومه من الكفار، لانه علامة اليأس من فلاح أحد منهم، كما اسرى لوط بأهله، وموسى بقومه وغيرهما من النبيين وكأنه قال: فاما نذهبن بك على سنتنا فيمن قبلك فيكون إذهابه به إخراجه من بين الكفار. وقال قوم: إنما أراد إذهابه بالموت، ويكون قوله (فانا منهم منتقمون) على هذا ما كان من نقم الله على أهل الكفر اكرم بها نبيه حيث أعلمه ما كان من النقمة في أمته بعده - ذهب اليه (ج 9 م 26 من التبيان)

===============
(202)
الحسن وقتادة - وهو الذي روي عن اهل البيت (عليه السلام) ورووا أن التأويل: فانا بعلي منهم منتقمون، وقال الاولون إن ذلك في المشركين، وقووا ذلك بان الله ذكر ذلك عقيب ذكر المشركين، قالوا: وهو ما كان من نقم الله على المشركين يوم بدر بعد إخراج النبي من مكة وإنه استعلى عليهم واسر منهم مع قلة اصحابه وضعف عددهم وكثرة الكفار وشدة شوكتهم وكثرة عدتهم، فقتلوهم كيف شاؤا واسروا من احبوا وكان ذلك مصداقا لما قاله لهم. وقوله (او نرينك الذي وعدناهم فانا عليهم مقتدون) يعني ما أراهم بهم يوم بدر في ما قدمناه. وبين تعالى أنه على ذلك قادر وكان كما قال، ومن قال بالتأويل الاخير، قال معنى (او نرينك) او نعلمنك ما وعدناهم وفعلنا بهم. ثم قال لنبيه (فاستمسك بالذى أوحي اليك) من إخلاص العبادة لله تعالى وإتباع أوامره والانتهاء عما نهى عنه (إنك على صراط مستقيم) وصف الاسلام بانه صراط مستقيم لانه يؤدى إلى الحق المطلوب حيث يستقيم بصاحبه حتى يوصله اليه.
وقوله (وإنه لذكر لك ولقومك) قيل في معناه قولان:
احدهما - ان هذا القرآن شرف لك بما اعطاك الله - عزوجل - من الحكمة ولقومك بما عرضهم له من إدراك الحق به وانزاله على رجل منهم.
الثاني - انه حجة تؤدي إلى العلم لك ولكل أمتك. والاول اظهر. وقال الحسن: ولقومك لامتك. وقيل: إنه لذكر لك ولقومك يذكرون به الدين ويعلمونه وسوف تسألون عما يلزمكم من القيام بحقه والعمل به.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) قال قتادة والضحاك: سل من أرسلنا يعني أهل الكتابين التوراة والانجيل، وقال ابن زيد:
إنما يريد الانبياء الذين جمعوا ليلة الاسراء. وهو الظاهر، لان من قال بالاول

===============
(203)
يحتاج ان يقدر فيه محذوفا، وتقديره وإرسال أمم من أرسلنا من قبلك. وقيل:
المراد سلهم فانهم وإن كانوا كفارا، فان تواتر خبرهم تقوم به الحجة. وقيل:
الخطاب وإن توجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فالمراد به الامة كأنه قال واسألوا من أرسلنا كما قال (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) (1) وقوله (اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) معناه سلوا من ذكرناه هل جعل الله في ما مضى معبودا سواه يعبده قوم: من الاصنام او غيرها، فانهم يقولون لكم إنا لم نأمرهم بذلك ولا تعبدناهم به.
قوله تعالى:
(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب العالمين (46) فلما جاءهم بآياتنا إذاهم منها يضحكون (47) وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يا أية الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون) (50) خمس آيات بلا خلاف.
هذا قسم من الله تعالى بأنه أرسل موسى بالآيات الباهرات والحجج الواضحات إلى فرعون واشراف قومه وخص الملاء بالذكر، وان كان مرسلا إلى غيرهم، لان من عداهم تبع لهؤلاء، فقال موسى له (اني رسول من رب العالمين) الذي خلق الخلق أرسلني اليكم. ثم اخبر تعالى فقال (فلما جاءهم بآياتنا) يعني موسى جاء إلى فرعون وملائه بالآيات والحجج (إذا هم منها) يعني من تلك
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 65 لطلاق آية 1 (*)

===============
(204)
الآيات (يضحكون) جهلا منهم بما عليهم من ترك النظر فيها، وما لم من النفع بحصول علمهم بها. وفى الخبر عن ضحك أولئك الجهال عند ظهور الآيات زجر عن مثل حالهم ودعاء إلى العلم الذي ينافي الجهل. وفيه ايضا أنه لا ينبغي ان يلتفت إلى تضاحك أمثالهم من الادلة إذا كان الانسان على يقين من أمره.
والانبياء كلهم يشتركون في الدعاء إلى الله باخلاص عبادته وطاعته في جميع ما يأمر به او ينهى عنه، ودعوتهم إلى محاسن الافعال ومكارم الخلاق وإن اختلفت شرائعهم وتبانيت مللهم ونسخت بعضها بعضا.
وقوله (وما نريهم من آية إلا هي اكبر من أختها) معناه إنه تعالى لا يريهم يعني فرعون وقومه معجزة ولا دلالة إلا وهي اكبر من الاخرى عند إدراك الانسان لها لما يهوله من أمرها، فيجد نفسه يقضي أنها اكبر كما يقول الانسان:
هذه العلة التي نزلت بي اعظم من كل علة، وهو يريد أن لها مزية اعظم منهاء لا انه ذهب هول الاولى بانصرافها وحكم الثانية بحضورها. وقال قوم: المعنى وما نريهم من آية إلا هي أهول في صدورهم من التي مضت قبلها.
ثم قال تعالى (واخذناهم بالعذاب) إذ عصوا فيها، وفكروا بها (لعلهم يرجعون) إلى طاعته وإنما جاز أخذهم بالعذاب ليرجعوا مع العلم بأنهم لا يرجعون لا مكان أن يرجعوا اليه، لان كلما في المعلوم أنه لا يقع لا يجوز أن يفعل العالم شيئا من أجل انه سيقع ولكن يجوز أن يفعل شيئا لا مكان أن يقع والمعنى - ههنا - لعلهم يرجعون إلى طريق الحق الذي ذهبوا عنه إلى طريق الباطل.
ثم حكى تعالى ما قال فرعون وملاءه لموسى عند ذلك فانهم (قالوا يا أيها الساحر أدع لنا ربك بما عهد عندك إنا لمهتدون) وقال قوم: إنما قالوا له يا أيها الساحر لجهلهم بنبوته وصدقه واعتقادهم انه سحرهم بذلك. وقال قوم:

===============
(205)
كان الساحر عندهم هو العالم ولم يكن صفة ذم. وقال الحسن: إنما قالوا ذلك على وجه الاستهزاء بموسى، كما قال المشركون (يا ايها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) (1) وقال الزجاج: وجه ذلك انه جرى ذلك على ألسنتهم على عادتهم فيه قبل ذلك. وقال قوم: أرادوا يا أيها الفطن يا أيها العالم، لان السحر عندهم دقة النظر والعلم بالشئ كالسحر الحلال، يقال فلان: يسحر بكلامه.
وقال قوم: وخاطبوه بما تقدم تشبيها له بالساحر، فقالوا له (ادع لنا ربك بما عهد عندك) معناه أن يا موسى ادع لنا ربك ليكشف عنا العذاب - في قول مجاهد - فانه متى كشف عنا ذلك اهتدينا ورجعنا إلى الحق الذي يدعونا اليه. وفى الكلام حذف لان تقديره فدعا موسى وسأل ربه وضرع اليه أن يكشف عنهم العذاب، فكشف الله عنهم ذلك فاذا هم عند ذلك ينكثون. ومعناه ينقضون ما عقدوا على أنفسهم. وقال قتادة: معناه يغدرون، وإنما أخبر الله تعالى وقص خبر موسى وما جرى له تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله) والمعنى إن حال موسى مع قومه وحالك مع قومك سواء، فاصبر إن أمرك يؤل إلى الاستعلاء، كما آل أمر موسى (عليه السلام).
قوله تعالى:
(ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الانهار تجري من تحتي أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين * ولا يكاد يبين (52) فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملئكة مقترنين (53) فاستخف قومه
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 15 الحجر آية 6 (*)

===============
(206)
فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين (55) فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56)
ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا ءآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ولو نشاء لجعلنا منكم ملئكة في الارض يخلفون) (60).
عشر آيات كوفي وشامي. واحدى عشرة في ما عداه، عدوا (مهين) ولم يعده الكوفيون والشاميون.
قرأ حفص عن عاصم (اسورة) بغير ألف. الباقون (أسلورة) بألف.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف " سلفا " بضم السين واللام. الباقون بفتحهما. فمن قرأ بالضم فيهما أراد جمع سليف أي جمع قد مضى من الناس. ومن قرأ " أسورة " أراد جمع سوار، وقال أبوعبيدة: وقد يكون أسوار جمع أسورة. ومن قرأ " سلفا " بضم السين واللام جعله جمع سليف. وقال ابوعلي: ويجوز أن يكون جمع (سلف)
مثل أسد واسد، ووثن ووثن. ومن فتح فلان (فعلا) جاء في حروف يراد بها الكثرة، فكأنه اسم من اسماء الجمع، كقولهم خادم وخدم. والفتح اكثر. وقد روي - بضم السين - وقرأ الكسائي ونافع وابن عامر " يصدون " بضم الصاد بمعنى يعرضون أي يعدلون. الباقون - بفتح الياء وكسر الصاد - بمعنى يضجون.

===============
(207)
وقيل: هما لغتان.
لما حكى الله تعالى عن قوم فرعون أنه حين كشف العذاب عنهم نكثوا عهدهم وعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، نادى فرعون في قومه الذين اتبعوه على دينه، وقال لهم " ياقوم " على وجه التقرير لهم " أليس لي ملك مصر " أتصرف فيها كما أشاه لا يمنعني احد منه " وهذه الانهار " كالنيل وغيرها " تجري من تحتي " أي من تحت أمري. وقيل: إنها كانت تجري تحت قصره، وهو مشرف عليها " أفلا تبصرون " أن ما ادعيه حق وأن ما يقوله موسى باطل. وقيل:
قوله " من تحتي " معناه إن النيل كانت تجري منه أنهار تحت قصره. وقيل (من تحتي) من بين يديه لارتفاع سريره. ثم قال لهم فرعون " أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين " وقال قوم: معنى (أم) بل. فكانه قال: بل أنا خير من موسى، وقال قوم: مخرجها مخرج المنقطعة، وفيها معنى المعادلة لقوله " أفلا تبصرون " أم انتم بصراء، لانهم لو قالوا نعم لكان بمنزلة قولهم انت خير.
والاصل في المعادلة على أي الحالين أنتم على حال البصر أم على حال خلافه. ولا يجوز ان يكون المعنى على أي الحالين أنتم على حال البصر أم حال غيرها في أني خير من هذا الذي هو مهين، وإنما المعادلة تفصيل ما أجمله. وقيل له - ههنا - بتقدير أنا خير من هذا الذي هو مهين أم هو إلا أنه ذكر ب (أم) لاتصال الكلام بما قبله. وحكى الفراء (اما أنا) وهذا شاذ على انه جيد المعنى. والمهين الضعيف - في قول قتادة والسدي - وقيل: معناه فقير. وقيل يمتهن نفسه في جميع ما يحتاج اليه ليس له من يكفيه، ولا يكاد يبين - وقال الزجاج للثة كانت في لسانه. وقال قتادة: كانت في لسانه آفة - وبه قال السدي. وقيل: إنه كان احترق لسانه بالجمر الذي وضعه في فيه حين أراد أن يعتبر فرعون عقله لما لطم وجهه، وأراد أن

===============
(208)
يأخذ غير النار فصرب جبرائيل يده إلى النار، فدفع عنه القتل، وقال الحسن:
كان في لسانه ثقل، فنسبه إلى ما كان عليه أولا.
وقوله " فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب " معناه هلا إن كان صادقا في نبوته طرح عليه أساورة من ذهب. فمن قرأ (أساورة) بألف أراد جمع أسورة وأسورة جمع سوار وهو الذي يلبس في اليد. وأما اسوار، فهو الرامي الحاذق بالرمي، ويقال أسوار - بالضم - ومن جعله جمع أسورة اراد أسلوير، فجعل الهاء عوضا عن الياء. مثل الزنادقة، فلذلك صرفه، لانه صار له نظير في الآحاد.
ومثله في الجمع الزنادقة. والاسورة الرجل الرامي الحاذق بالرمي من رجال العجم.
وقوله " أو جاء معه الملائكة مقترنين " قال قتادة ومعناه متتابعين، وقال السدي معناه يقارن بعضهم بعضا. وقيل معناه متعاضدين متناصرين كل واحد مع صاحبه مماليا له على أمره. وقال مجاهد: معناه مقترنين يمشون معه.
وقوله " فاستخف قومه " يعني فرعون استخف عقول قومه، فأطاعوه في ما دعاهم اليه، لانه احتج عليهم بما ليس بدليل، وهو قوله " أليس لي ملك مصر وهذه الانهار تجري من تحتي " ولو عقلوا وفكروا لقالوا ليس في ملك الانسان ما يدل على انه محق لكون ملوك كثيرة يخالفونك مبطلين عندك، وليس يجب ان يأتي مع الرسل ملائكة، لان الذي يدل على صدق الجميع المعجز دون غيره.
ثم اخبر الله تعالى عنهم بأنهم كانوا قوما فاسقين خارجين عن طاعة الله إلى معصيته. ثم قال " فلما اسفونا انتقمنا منهم " قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: معنى اسفونا أغضبونا، لان الله تعالى يغضب على العصاة بمعنى يريد عقابهم، ويرضى عن المطيعين بأن يريد ثوابهم بما يستحقونه من طاعاتهم ومعاصيهم كما يستحقون المدح والذم. وقيل الاسف هو الغيظ من المغتم إلا انه - ههنا - بمعنى

===============
(209)
الغضب. ثم بين تعالى بماذا انتقم منهم، فقال " فاغرقناهم اجمعين " ثم قال " فجعلناهم سلفا ومثلا للاخرين " فالسلف المتقدم على غيره قبل مجيئ وقته، ومنه السلف في البيع. والسلف نقيض الخلف. ومن قرأ - بضم السين واللام - فهو جمع سليف من الناس، وهو المتقدم أمام القوم. وقيل: معناه " جعلناهم سلفا " متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. وقال قتادة: جعلناهم سلفا إلى النار ومثلا أي عظة للآخرين. والمثل بيان عن أن حال الثاني كحال الاول بما قد صار في الشهرة كالعلم، فحال هؤلاء المشركين كحال من تقدم في الاشراك بما يقتضي أن يجروا مجراهم في الاهلاك إن اقاموا على الطغيان.
ثم قال الله تعالى " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون " قيل: المراد بذلك لما ضرب الله المسيح مثلا بآدم في قوله " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم " (1) اعترض على النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك قوم من كفار قريش، فانزل الله تعالى هذه الآية. ووجه الاحتجاج في شبه المسيح بآدم ان الذي قدر أن ينشئ آدم من غير ذكر قادر على إنشاء المسيح من غير ذكر، فلا وجه لاستنكاره من هذا الوجه. وقيل: إنه لما ذكر المسيح بالبراءة من الفاحشة وانه كآدم في الخاصة، قالوا: هذا يقتضي ان نعبده كما عبده النصارى. وقيل: انه لما نزل قوله " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " (2) قالوا قد رضينا أن يكون آلهتنا مع المسيح. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال يوما لعلي (عليه السلام) (لولا أني اخاف ان يقال فيك ما قالت النصارى في عيسى لقلت فيك قولا لا تمر بملاء إلا اخذوا التراب من تحت قدميك) انكر ذلك جماعة من المنافقين، وقالوا: لم برض
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 3 آل عمران آية 59 (2) سوره 21 الانبياء آية 98 (ج 9 م 27 من التبيان)
(*)

===============
(210)
ان يضرب له مثلا إلا بالمسيح، فانزل الله الآية.
وقوله " يصدون " بكسر الصاد وضمها لغتان. وقد قرئ بهما مثل يشد ويشد وينم وينم من النميمة. وقيل: معنى يصدون - بكسر الصاد - يضجون أي يضجون سرورا منهم بأنهم عبدوا الاوثان كما عبد النصارى المسيح ومن ضمها أراد يعرضون.
ثم حكى عن الكفار انهم قالوا آلهتنا خير أم هو؟ ! قال السدي: يعنون أم المسيح. وقال قتادة: يعنون أم محمد (صلى الله عليه وآله) وقيل: معنى سؤالهم آلهتنا خير ام هو؟ انهم ألزموا مالا يلزم على ظن منهم وتوهم، كأنهم قالوا: ومثلنا في ما نعبد مثل المسيح، فأيهما خير أعبادة آلهتنا أم عبادة المسيح، على انه إن قال عبادة المسيح اقر بعبادة غير الله، وكذلك إن قال عبادة الاوثان. وإن قال ليس في عبادة المسيح خير، قصر به عن المنزلة التي ليست لاحد من سائر العباد. وجوابهم عن ذلك إن اختصاص المسيح بضرب من التشريف والانعام عليه لا يوجب العبادة له كما لا يوجب ذلك انه قد أنعم على غيره النعمة. ووجه اتصال سؤالهم بما قبله انه معارضة لالهية الاوثان بالهية المسيح كمعارضة إنشاء المسيح عن غير ذكر بانشاء آدم (عليه السلام) من غير ذكر. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) ما ضربوه يعني المسيح مثلا " إلا جدلا " أي خصومة لك ودفعا لك عن الحق، لان المجادلة لا تكون إلا وأحد المجادلين مبطلا. والمناظرة قد تكون بين المحقين، لانه قد يعارض ليظهر له الحق.
ثم قال تعالى " بل هم قوم خصمون " أي جدلون في دفع الحق بالباطل.
ثم وصف المسيح (عليه السلام) فقال " إن هو الا عبد انعمنا عليه " أي ليس هو سوى عبد خلقناه وانعمنا عليه " وجعلناه مثلا لبني إسرائيل " قال السدي وقتاة:
يعني موعظة وعبرة لهم يعتبرون به ويتعظون به. ثم قال " ولو نشاء لجعلنا منكم

===============
(211)
ملائكة " أي بدلا منكم معاشر بني آدم ملائكة في الارض " يخلفون " بني آدم غير انه انشأ بني آدم لاسباغ النعمة عليهم. وقرأ قالون عن نافع " آلهتنا " بهمزة واحدة بعدها مدة. الباقون بهمزتين على اصولهم، غير انه لم يفصل احد بين الهمزتين بألف، وانما حققهما اهل الكوفة وروح. ولين الباقون الثانية. وقال ابوعبدالله بن خالويه: هي ثلاث ألفات الاولى للتوبيخ والتقرير بلفظ الاستفهام والثانية الف الجمع والثالثة اصلية. والاصل " ءالهتنا " فصارت الهمزة الثانية مدة ثم دخلت الف الاستفهام.
قوله تعالى:
(وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62)
ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولا بين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63) إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (64) فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم) (65) خمس آيات بلا خلاف.
الضمير في قوله " وانه لعلم للساعة " يحتمل أن يكون راجعا إلى عيسى (عليه السلام) لان ظهوره يعلم به مجيئ الساعة، لانه من أشراطها، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد. وقيل: إنه اذا نزل المسيح رفع التكليف

===============
(212)
لئلا يكون رسولا إلى اهل ذلك الزمان في ما يأمرهم به عن الله وينهاهم عنه.
وقيل: انه (عليه السلام) يعود غير مكلف في دولة الهدي وإن كان التكليف باقيا على اهل ذلك الزمان. وقال قوم: إن الضمير يعود إلى القرآن يعلمكم بقيامها ويخبركم عنها وعن احوالها. وهو قول الحسن، والفائدة بالعلم بالساعة انه يجب التأهب لها من اجل انها تقوم للجزاء لا محالة، وفى الشك فيها فتور في العمل لها، ويجب لاجلها اجتناب القبائح التي يستحق بها الذم والعقاب واجتناء المحاسن التي يستحق بها المدح والثواب. وروي عن ابن عباس شاذا أنه من - العلم - بفتح العين واللام بمعنى انه علامة ودلالة على الساعة وقربها.
ثم خاطب الامة فقال " فلا تمترن بها " أي لا تشكن فيها. والمرية الشك ويدل على ان المراد به جميع الامة قوله " وأتبعوني هذا صراط مستقيم " أي ما أخبرتكم به من البعث والنشور والثواب والعقاب " صراط مستقيم " ثم نهاهم فقال " ولا يصدنكم الشيطان " أي لا يمنعكم الشيطان عن اتباع الطريق المستقيم الذي بينه الذي يفضي بكم إلى الجنة، ولا يعدل بكم إلى الطريق المؤدي إلى النار " إنه لكم عدو مبين " فالعداوة طلب المكروه والمكيدة والايقاع في كل مهلكة من أجل العداوة التي في هلاك صاحبها شفاء لما في صدره منها.
ثم اخبر تعالى عن حال عيسى (عليه السلام) حين بعثه الله نبيا فقال " ولما جاء عيسى بالبينات " يعني بالمعجزات. قال قتادة يعني بالانجيل " قال " لهم " قد جئتكم بالحكمة " أي بالذي من عمل به من العباد نجا ومن خالفه هلك. وقوله تعالى " ولا بين لكم بعض الذي تختلفون فيه ". قال مجاهد: يعني من احكام التوراة وقال قوم: تقديره قد جئتكم بالانجيل، وبالبينات التي يعجز عنها الخلق. والذي جاء به عيسى هو بعض ما اختلفوا فيه، وبين لهم فيه. وقال قوم: البعض يراد به

===============
(213)
- ههنا - الكل كأنه قال: ولابين لكم جميع ما تختلفون فيه. وقيل أراد به من أمر دينكم دون أمر دنياكم. والاختلاف اصل كل عداوة. والوفاق أصل كل ولاية لان الخلاف يوجب البغضة، ثم يقوى بالكثرة حتى يصير عداوة، ثم قال لهم يعني عيسى (عليه السلام) " فاتقوا الله " بأن تجتنبوا معاصيه وتفعلوا طاعاته " واطيعون " في ما أدعوكم اليه من العمل بطاعة الله. ثم قال لهم ايضا " إن الله " الذي تحق له العبادة " هو ربي وربكم فاعبدوه " خالصا ولا تشركوا به معبودا آخر. ثم قال " هذا صراط مستقيم " يفضي بكم إلى الجنة وثواب الله.
وقوله " فاختلف الاحزاب من بينهم " قال السدي يعني اليهود والنصارى.
وقال قتادة: يعني الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى (عليه السلام) فقال الله تعالى " فويل للذين ظلموا " نفوسهم بارتكاب معاصي الله " من عذاب يوم اليم " وهو يوم القيامة.
قوله تعالى (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) ألاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67)
يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (68) ألذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) أدخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون) (70) خمس آيات بلا خلاف.
يقول الله تعالى مخاطبا لخلقه وموبخا لهم " هل ينظرون " أي هؤلاء الكفار، ومعناه هل ينتظرون " إلا الساعة " يعني القيامة. وقيل: معناه هل ينتظر بهم لانهم لم يكونوا ينتظرونها، فاضاف اليهم مجازا. وقيل: سميت القيامة الساعة لقرب أمرها، كأنها تكون في ساعة. ثم يحصل اهل الجنة في الجنة واهل

===============
(214)
النار في النار، وقيل: سميت بذلك لانها ابتداء أوقات الآخرة، فهي ابتداء تجديد الساعات.
وقوله " بغتة " أي فجأة، وإنما كانت الساعة بغتة مع تقديم الانذاربها، لانهم مع الانذار لا يدرون وقت مجيئها، كما لا يدري الانسان وقت الرعد والزلازل، فتأتي بغتة وإن علم انها تكون.
ثم قال تعالى " الاخلاء " وهو جمع خليل " يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " يعني من كانت خلته في دار الدنيا في غير طاعة الله بل كانت في معصية الله، فان تلك الخلة تنقلب عليه عداوة، لان صاحبها يتبين فساد تلك الخلة يوم القيامة وإنما كان كذلك، لان كل واحد من المتخالين في غير طاعة الله يزين لصاحبه خلاف الحق ويدعوه إلى ما يوبقه ويورثه سوء العاقبة بدل ما كان يلزمه من النصيحة له في الدعاء إلى ترك القبيح وفعل الحسن ثم استثنى من جملة الاخلاء الذين اخبر عنهم أنهم يصيرون اعداءا " المتقين " لان من كانت مخالته في طاعة الله وعلى ما أمر الله به فانها تتأكد ذلك اليوم ولا تنقلب عداوة.
ثم اخبر تعالى بما يقال للمؤمنين المطيعين من عباده فانه يناديهم فيقول لهم " يا عبادي " وخصهم بأنهم عباده من حيث أطاعوه واجتنبوا معاصيه " لا خوف عليكم اليوم " من العقاب " ولا انتم تحزنون " من فوت الثواب. ثم وصف عباده وميزهم من غيرهم فقال " الذين آمنوا بآياتنا " يعني الذين صدقوا بحجج الله فاتبعوها " وكانوا مسلمين " أي مستسلمين لما امرهم الله به منقادين له.
ثم بين انه يقال لهم " ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم " اللاتي كن مؤمنات " تحبرون " أي تسرون فيها، والحبور السرور الذي يظهر في بشرة الوجه اثره، وحبرته حسنة بما يظهر أثر السرور به. وقال قتادة وابن زيد: معنى " تحبرون "

===============
(215)
تنعمون - قال السدي: معناه تكرمون، والمراد بالازواج من كان مستحقا للثواب ودخل الجنة. وقيل: المراد بالازواج اللاتي يزوجهم الله بهن من الحور العين في الجنة.
قوله تعالى:
(يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين وأنتم فيها خالدون (71) وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (73) إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (74) لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون) (75) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم " ما تشتهيه " الانفس ب (هاء). الباقون " تشتهي " بلاهاء. وحذف الهاء من الصلة إذا كانت للمفعول حسن، كقوله تعالى " أهذا الذي بعث الله رسولا " (1) ومن أثبتها، فلانه الاصل.
لما استثنى الله تعالى المتقين من جملة الاخلاء الذين ثنقلب خلتهم عداوة وأن خلتهم باقية وأنه يقال لهم ولازواجهم إدخلوا الجنة محبورين، اخبر بما لهم فيها من انواع اللذات، فقال " يطاف عليهم بصحاف من ذهب واكواب " وتقديره تنقل ألوان الطعام اليهم في صحاف الذهب. ثم يؤتون باكواب الشراب على جهة الاستمتاع في جميع تلك الاحوال. والصحاف الجامات التي يؤكل فيها الوان
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 25 الفرقان آية 41 (*)

===============
(216)
الاطعمة واحدها صحفة. والذي يطوف بذلك الوصف او الوصايف من الحور العين الذين يخلقهم الله في الجنة واكتفى بذكر الصحاف والاكواب عن ذكر الطعام والشراب. وواحد الاكواب كوب وهو إناء على صورة الابريق لا أذن له ولا خرطوم قال الاعشى:
صليفية طيبا طعمها * لها زبد بين كوب ودن
وهو كالكأس للشراب. وقال السدي: الصحاف القصاع.
وقوله تعالى " وفيها " يعني في الجنة " ما تشتهى الانفس وتلذ الاعين " وإنما اضاف الالتذاذ إلى الاعين وهو للسان لان المناظر الحسنة سبب من اسباب اللذة، فاضافتها إلى هذه الجهة احسن وأبلغ لما فيه من البيان مع الايجاز، لانه الموضع الذى يلتذ الانسان به عند رؤيته بعينه.
ثم قال " وانتم فيها " يعني في الجنة وفي هذه الانواع من اللذات " خالدون " أى مؤبدون. وقوله " وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون " قال الحسن: ورث الله تعالى الذين اطاعوه وقبلوا امره ونهيه منازل الذين عصوه ولم يقبلوه أمره ونهيه. ويجوز ان يكون المراد لما كانت الجنة جزاء على أعمالهم التي عملوها وعقيب ذلك عبر عن ذلك بأنهم أورثوها. ثم بين مالهم في الجنة ايضا فقال " لكم " معاشر المتقين " فيها " يعني في الجنة " فاكهة كثيرة " أى ثمار عظيمة " منها تأكلون ".
ثم اخبر تعالى عن حال أهل النار والعصاة فقال " إن المجرمين " يعني الذين عصوا الله " في عذاب جهنم " وعقابها " خالدون " أى دائمون " لا يفتر عنهم العذاب " واصل الفتور ضعف الحرارة " وهم فيه " يعني في العذاب (مبلسون)
أى يائسون من رحمة الله وفرجه - وهو قول قتادة - والابلاس اليأس من الرحمة


(217)
من شدة الحيرة، يقال أبلس فلان إذا تجبر عند انقطاع الحجة.
قوله تعالى:
(وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (77) لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون (78) أم أبرموا أمرا فانا مبرمون (79) أم يحسبون أنالا نسمع سرهم ونجويهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون) (80) خمس آيات بلا خلاف.
لما بين الله تعالى ما يفعله بالفساق والمجرمين من انواع العذاب بين انه لم يظلمهم بذلك لانه تعالى غني عن ظلمهم عالم بقبح الظلم، ومن كان كذلك لا يفعل القبيح، والظلم قبيح. وبين انهم هم الذين ظلموا أنفسهم بارتكابهم المعاصي وفعل القبائح. ثم حكى تعالى ما ينادي به هؤلاء العصاة في حال العذاب، فانهم ينادون مالكا خازن النار فيقولون (يا مالك ليقض علينا ربك) أي ليميتنا حتى نتلخص من العذاب، فيقول مالك مجيبا لهم (إنكم ماكثون) أى لا بثون فيها. وقال ابن عباس والسدي: إنما يجيبهم مالك خازن جهنم بذلك بعد الف سنة، وقال عبدالله بن عمر: بعد أربعين سنة. وقال نوف: بعد مئة عام.
ثم اخبر تعالى إنه جاء الخلق بالحق في ما أخبر به من حال اهل الجنة واهل النار. ولكن اكثركم معاشر الخلق كارهون للحق. وإنما لا يكره ذلك المؤمنون منكم.
(ج 9 من 28 من التبيان)

===============
(218)
ثم قال (أم ابرموا أمرا فانا مبرمون) أي اجمعوا على التكذيب أي عزموا عليه فانا مجمعون على الجزاء لهم بالتعذيب - وهو قول قتادة - ويكون ذلك على وجه الازدواج، لان العزم لا يجوز عليه تعالى، ومثله (وجزاء سيئة سيئة مثلها) (1)
وقيل: معناه أم احكموا أمرا في المخالفة، فانا محكمون أمرا في المجازاة.
ثم قال (ام يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم) أي يظن هؤلاء الكفار انا لا نسمع سرهم ونجواهم أي ما يخفونه بينهم وما يعلنونه. ثم قال تعالى (بلى)
نسمع ذلك وندركه ومع ذلك (رسلنا لديهم يكتبون) قال السدي وقتادة:
معناه إن رسلنا الذين هم الحفظة لديهم يكتبون ما يفعلونه ويقولونه.
وقد روي إن سبب نزول هذه الآية ما هو معروف في الكتب لا نطول بذكره قوله تعالى:
(قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81)
سبحان رب السموات والارض رب العرش عما يصفون (82)
فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (83) وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله وهو الحكيم العليم (84)
وتبارك الذي له ملك السموات والارض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون) (85) خمس آيات بلا خلاف.
قيل في معنى قوله (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) اقوال:
احدها - فانا أول الآنفين من عبادته، لان من كان له ولد لا يكون إلا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 42 الشورى آية 40 (*)

===============
(219)
جسمامحدثا ومن كان كذلك لا يستحق العبادة، لانه لا يقدر على النعم التي يستحق بها العبادة تقول: العرب عبدت فصمت قال الفرزدق:
واعبد ان يهجى كليب بدارم (1)
وقال آخر:
ألا هذيت أم الوليد واصبحت * لما أبصرت في الرأس مني تعبد (2)
الثاني - ما قاله ابن زيد وابن أسلم وقتادة: إن (ان) بمعنى (ما) وتقديره ما كان للرحمن ولد فأنا اول العابدين لله.
الثالث - هو انه لو كان له ولد لعبدته على ذلك كما تقول لو دعت الحكمة إلى عبادة غير الله لعبدته لكنها لا تدعوا إلى عبادة غيره، وكما تقول: لو دل الدليل على أن له ولدا لقلت به، لكنه لا يدل، فهذا تحقيق نفي الولد لانه تعليق محال بحال.
الرابع - قال السدي: لو كان له ولد لكنت اول من عبده بأن له ولدا، لكن لا ولد. وهذا قريب من الوجه (الثالث).
الخامس - إن كان لله ولد على قولكم، فأنا أول من وحده وعبده على ان لا ولد له - ذهب اليه مجاهد - وإنما لم يجز على الله تعالى الولد لانه لا يخلو من ان يضاف اليه الولد حقيقة او مجازا، وحقيقته أن يكون مخلوقا من مائه او مولودا على فراشه، وذلك مستحيل عليه تعالى. ومجازه أن يضاف اليه على وجه التبني وإنما يجوز فيمن يجوز عليه حقيقته، ألا ترى انه لا يقال تبنى شاب شيخا لما لم يمكن أن يكون له ولد حقيقة، وانما جاز ان يضاف إلى شيخ شاب على انه تبناه لما
ـــــــــــــــــــــــ
(1) القرطبي 16 / 120 والشوكاني 4 / 550 (2) تفسير الطبرى 25 / 55 (*)

===============
(220)
كان حقيقته مقدورة فيه، وكذلك لا يقال تبنى انسان بهيمة لما كان يستحيل أن يكون مخلوقا من مائه او على فراشه، فلما استحال حقيقته على الله تعالى استحال عليه مجازه ايضا. وإنما جاز أن يقال روح الله، ولم يجز ان يقال ولد الله لان روح الله بمعنى ملك الله للروح، وإنما اضيف اليه تشريفا. وإن كانت الارواح كلها لله بمعنى انه مالك لها. ولا يعرف مثل ذلك في الولد. ثم نزه نفسه تعالى عن اتخاذ الولد فقال (سبحان رب السموات والارض) يعني الذي خلقهن (رب العرش) أي خالقه ومدبره (عما يصفون) من اتخاذ الولد، لان من قدر على خلق ذلك وإنشائه مستغن عن اتخاذ الولد.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) على وجه التهديد للكفار (فذرهم) أي اتركهم (يخوضوا) في الباطل (ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذين يوعدون) بمعنى يوعدون فيه بالعذاب الابدي. وقال تعالى (وهو الذي في السماء إله) أي يحق له العبادة في السماء ويحق له العبادة في الارض، وإنما كرر لفظة إله في قوله (وفي الارض إله) لاحد امرين:
احدهما - للتأكيد ليتمكن المعنى في النفس لعظمه في باب الحق.
الثاني - إن المعنى هو في السماء إله، يجب على الملائكة عبادته، وفي الارض اله يجب على الآدميين عبادته (وهو الحكيم) في جميع افعاله (العليم) بجميع المعلوماتتبارك) وهو مأخوذ من البرك وهو الثبوت، ومعناه جل الثابت الذي لم يزل ولا يزال. وقيل: معناه جل الذي عمت بركة ذكره (الذي له ملك السموات والارض) أي الذى له التصرف فيهما بلا دافع ولا منازع (وما بينهما وعنده علم الساعة) يعني علم يوم القيامة، لانه لا يعلم وقته على التعيين غيره (واليه ترجعون) يوم القيامة فيجازي كلا على قدر عمله.

===============
(221)
فمن قرأ بالتاء خاطب الخلق. ومن قرأ بالياء رد الكناية إلى الكفار الذين تقدم ذكرهم.
قوله تعالى:
(ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (86) ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) وقيله يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88)
فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون) (89) أربع آيات بلا خلاف قرأ عاصم وحمزة (وقيله) بكسر اللام على تقدير وعنده علم الساعة وعلم قيله. والباقون بالنصب. وقال الاخفش: ردا على قوله (أم يحسبوا أنا لا نسمع سرهم... وقيله) وهو نصب على المصدر. وقال قوم: معناه أم يحسبون انا لا نسمع سرهم ولعلمهم وقيله، لانه لما قال (وعنده علم الساعة) كان تقديره ويعلم قيله، وقرأ قتادة (وقيله) بالرفع جعله ابتداء.
يقول الله تعالى مخبرا إن الذي يدعونه الكفار إلها ويوجهون عبادتهم اليه من الاصنام والاوثان وغيرها لا يملكون من دون الله الشفاعة. وهي مسألة الطالب العفو عن غيره وإسقاط الضرر عنه، لان حقيقة الشفاعة ذلك. وعند قوم يدخل فيها المسألة في زيادة المنافع. ثم استثنى من جملتهم من شهد بالحق وهم عالمون بذلك وهم الملائكة وعيسى وعزير. وقيل: المعنى ولا يشفع الملائكة وعيسى وعزير لامن شهد بالحق، وهو يعلم الحق - ذكره مجاهد - وقال قوم (الا من شهد بالحق)
الملائكة وعيسى وعزير لهم عند الله شهادة بالحق. وقيل: المعنى إلا من يشهد بأنه

===============
(222)
أهل العفو عنه (وهم يعلمون) ذلك. وهؤلاء أصحاب الصغائر والذين تابوا من الكبائر.
ثم قال تعالى و (لئن سألتهم) يا محمد يعني هؤلاء الكفار (من خلقهم)
وأخرجهم من العدم إلى الوجود (ليقولن الله) لانهم يعلمون ضرورة أن الاصنام لم تخلقهم. فقال الله تعالى معنفا لهم (فأني يؤفكون) مع علمهم بأن الله هو خالقهم، فكيف ينقلبون عن عبادته إلى عبادة غيره.
وقوله (وقيله يارب) من نصبه احتمل ان يكون بقوله (إلا من شهد بالحق) وقال (قيله يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) على وجه الانكار عليهم.
وقيل: المعنى أم يحسبون انا لا نسمع سرهم ونجواهم... وقيله. وقال الزجاج:
الاختيار (وعنده علم الساعة) ويعلم (قيله) ومن جر فعلى تقدير وعنده علم الساعة وعلم قيله يارب. وقيل: معنى (وقيله) أنه شكا محمد (صلى الله عليه وآله) شكوة إلى ربه. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (فاصفح عنهم) أي اعف عنهم. قال قتادة: وكان ذلك قبل أمره إياه بقتالهم (وقل سلام) رفع على تقديره وهو عليكم سلام أي ما سلم به من شرهم وأذاهم. وقال الحسن: يعني (وقل سلام) احلم عنهم ثم هددهم فقال (فسوف تعلمون) بالتاء على وجه الخطاب. الباقون بالياء على الخبر عن الكفار الذين مضى ذكرهم.

===============
(223)
44 - سورة الدخان وهي مكية في قول قتادة ومجاهد وهي تسع وخمسون آية في الكوفى وسبع في البصرى وست في المدنيين والشامي وسنذكر اختلافهم.
بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم) (6).
ست آيات في الكوفي وخمس في الباقين.
قد بينا معنى (حم) في ما مضى وإختلاف الناس فيه وان أقوى الوجوه انه اسم للسورة. وإنما كرر ذكر (حم) لانه ينبئ عن استفتاح السورة بذكر الكتاب على وجه التعظيم إذ على ذلك جميع الحواميم، فهو اسم علم للسورة مضمن بمعنى الصفة من وجهين:
احدهما - انها من الحروف العربية. والآخر أنه استفتحت بذكر الكتاب على طريق المدحة.

===============
(224)
وقوله (والكتاب المبين) فالمراد بالكتاب القرآن، وجره بأنه قسم.
وقال قوم: تقديره ورب الكتاب المبين، وإنما أقسم به لينبئ عن تعظيمه. لان القسم يؤكد الخبر بذكر المعظم منعقدا بما يوجب أنه حق كما أن تعظيمه حق. وإنما وصف بأنه مبين وهو بيان مبالغة في وصفه بأنه بمنزلة الناطق بالحكم الذي فيه من غير أن يحتاج إلى استخراج الحكم من مبين غيره، لانه يكون من البيان مالا يقوم بنفسه دون مبين حتى يظهر المعنى فيه.
وقوله (إنا انزلناه في ليلة مباركة) إخبار منه تعالى أنه انزل القرآن في الليلة المباركة، وهي ليلة القدر - في قول قتادة وابن زيد - وقال قوم: هي ليلة النصف من شعبان. والاول أصح لقوله تعالى (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن) (1) وقيل هي في كل شهر رمضان فيها تقسم الآجال والارزاق وغيرهما من الالطاف - في قول الحسن - وقيل: انزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر.
ثم انزل نجوما على النبي (صلى الله عليه وآله) وقيل ينزل في ليلة القدر قدر ما يحتاج اليه في تلك السنة. وقيل المعنى إن ابتداء انزاله في ليلة مباركة، ووصفها. بأنها مباركة لان فيها يقسم الله تعالى نعمه على عباده من السنة إلى السنة. والبركة نماء الخير، وضده الشؤم وهو نماء الشر، فالليلة التي انزل فيها كتاب الله مباركة، فان الخير ينمى فيها على ما دبره الله لها من علو الخير الذي قسمه فيها.
وقوله (إنا كنا منذرين) فالانذار الاعلام بموضع الخوف ليتقى وموضع الامن ليرتجى، فالله تعالى قد انذر العباد بأتم الانذار من طريق العقل والسمع وقوله (فيها يفرق كل أمر حكيم) فحكيم - ههنا - بمعنى محكم، وهو ما بيناه من انه تعالى يقسم في هذه الليلة الآجال والارزاق وغيرها.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 185 (*)

===============
(225)
وقوله (امرا من عندنا) يحتمل أن يكون نصبا على الحال، وتقديره انزلناه آمرين. ويحتمل أن يكون على المصدر وتقديره يفرق كل أمر فرقا، ووضع امرا موضعه.
وقوله (إنا كنا مرسلين) اخبار منه تعالى انه يرسل الرسل (رحمة) أي نعمة. ونصبه على المصدر واختار الاخفش النصب على الحال أي انزلناه آمرين راحمين. ويجوز ان يكون نصبا على انه مفعول له أي انزلناه للرحمة. وسميت النعمة رحمة، لانها بمنزلة ما يبعث على فعله رقة القلب على صاحبه ومع داعي الحكمة إلى الاحسان اليه يؤكد أمره.
وقوله (إنه هو السمع العليم) معناه إنه يسمع ما يقوله خلقه من المبطلين والمحقين فيجيب كلا منهم على ما يعلمه من مصلحته من إرساله الرسل اليه وإنعامه عليه قوله تعالى:
(رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين (7)
لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الاولين (8)
بل هم في شك يلعبون (9) فارتق يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) يغشى الناس هذا عذاب أليم) (11) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ اهل الكوفة إلا حفصا (رب السموات) خفضا بدلا من قوله (رحمة من ربك.. رب السموات) الباقون بالرفع على الاستئناف. ويجوز أن يكون (ج 9 م 29 من التبيان)

===============
(226)
خبر (إن) في قوله (إنه هو السميع العليم).
لما ذكر الله تعالى أنه - عزوجل - السميع العليم، وصف نفسه ايضا بأنه الذي خلق السموات والارض ودبرهما، ودبر ما فيهما (إن كنتم موقنين)
بهذا الخبر محققين له، وقيل: إن وجه الاحتجاج بذكر رب السموات والارض - ههنا - أن الذي دبرهما على ما فيه مصالح العباد هو الذي دبر الخلق بارسال الرسول رحمة منه بعباده على ما فيه مصالحهم. ومعنى (إن كنتم موقنين) أي إن كنتم ممن يطلب اليقين، فهذا طريق اليقين يلج الصدور بالعلم، وهو حال يجده الانسان من نفسه عند التعقل. ولهذا يقال: من وجد برد اليقين كان من المتقين. ولذلك لا يوصف الله تعالى باليقين وإن وصف بأنه عالم وعليم.
ثم بين تعالى انه لا أحد يستحق العبادة سواه بقوله (لا إله إلا هو)
وانه (يحيي) الخلق بعد موتهم (ويميت) أي ويميتهم بعد احيائهم (ربكم)
الذى خلقكم ودبركم (ورب آبائكم) الذى خلقهم، دبرهم (الاولين) الذين سبقوكم وتقدموكم.
ثم اخبر تعالى عن الكفار فقال ليس هؤلاء بموقنين بما قلناه (بل هم في شك) يعني بما أخبرناك به ووصفنا الله تعالى به (يلعبون) مع ذلك ويسخرون.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (فارتقب) قال قتادة: فانتظر (يوم تأتي السماء بدخان مبين) والدخان الظلمة التي كانت تغشى أبضار المشركين من قريش لشدة الجوع وحين دعا عليهم النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال (اللهم سنين كسنين يوسف) - في قول ابن مسعود والضحاك - وقال ابن عباس والحسن وهو المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) إن الدخان آية من اشراط الساعة تدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالرأس الحنيذ ونصيب المؤمن منه مثل الزكمة. و (يغشى الناس) يعني الدخان يغشى

===============
(227)
الناس. ثم حكى تعالى بأن هؤلاء الكفار يقولون عند ذلك (هذا عذاب أليم)
أي مؤلم موجع. والغشى اللباس الذي يغمر الشئ، لان الانسان قد يلبس الازار ولا يغشيه. فاذا غمه كان قد غشاه. والغاشية من الناس الجماعة يغشون، وغاشية السرج من ذلك، ومنه قوله (يغشى الليل النهار) (1) والعذاب استمرار الالم ووصفه ب (أليم) مبالغة في سببه، لاجل استمراره وصار بالعرف عبارة عن العقاب، لان الالم الذي يفعل للعوض والاعتبار، كأنه لا يعتد به لما يؤل اليه من النفع.
قوله تعالى:
(ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون (15) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون) (16) خمس آيات بلا خلاف.
لما اخبرالله تعالى أن الدخان يغشى الناس عذابا لهم وعقابا للكفار، وحكى أنهم يقولون هذا عذاب أليم، حكى ايضا انهم يقولون ويدعون (ربنا اصرف عنا العذاب) الذي أنزلته من الدخان إنا موقنون) بأنه لا إله غيرك، وأن لا يستحق العبادة سواك. فقال تعالى (أني لهم الذكرى) قال ابن عباس معناه (كيف)؟ وقال غيره معناه من أين لهم الذكرى (وقد جاءهم رسول مبين)
وحثهم على ذلك فلم يقبلوا منه، وهذا زمان سقوط التكليف لكونهم ملجئين
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 7 الاعراف آية 53 وسورة 13 الرعد آية 3 (*)

===============
(228)
فلا تقبل لهم توبة.
وقوله (ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون) قال مجاهد: المعنى ثم تولوا عن محمد (صلى الله عليه وآله) وقالوا هو معلم يعلمه غيره، ونسبوه إلى الجنون، وأنه مجنون. ثم قال تعالى (إنا كاشفوا العذاب قليلا) على وجه التبكيت لهم على شدة عنادهم إنا لو كشفنا عنكم العذاب ورفعناه عنكم (إنكم عائدون) فمن قال إن العذاب بالدخان عند رفع التكليف قال (إنكم عائدون) في العذاب، وهو قول قتادة ومن ذهب إلى انه في الدنيا مع بقاء التكليف، قال معناه (انكم عائدون) في الضلال. وهو قول جماعة.
وقوله (يوم نبطش البطشة الكبرى) فالبطش الاخذ بشدة وقع الالم، بطش به يبطش بطشا، ومثله عرش يعرش ويعرش، وهو باطش، واكثر ما يكون بوقوع الضرب المتتابع، فأجري افراغ الالم المتتابع مجراه و (البطشة الكبرى) قال ابن مسعود ومجاهد وابوالعالية، وروى عن ابن عباس وابى بن كعب والضحاك وابن زيد: هو ما جرى عليهم يوم بدر - وفي رواية أخرى عن ابن عباس والحسن انه يوم القيامة، وهو اختيار الجبائي.
وقوله (إنا منتقمون) اخبار منه تعالى أنه ينتقم من هؤلاء الكفار بانزال العقوبة بهم، وقد فرق قوم بين النقمة والعقوبة: بأن النقمة ضد النعمة، والعقوبة ضد المثوبة، فهي مضمنة بأنها بعد المعصية في الصفة، وليس كذلك النقمة وإنما تدل الحكمة على انها لا تقع من الحكيم إلا لاجل المعصية.
قوله تعالى:
(ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17)

===============
(229)
أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين (18) وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19) وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون) (21) خمس آيات بلا خلاف.
أقسم تعالى انه فتن قبلهم يعني قبل كفار قوم النبي (صلى الله عليه وآله) (قوم فرعون)
أى اختبرناهم، وشددنا عليهم بأن كلفناهم، لان الفتنة شذة التعبد في الاخذ بالسراء والضراء، وأصلها الاحراق بالنار لخلاص الذهب من الغش، فهذه الشدة كشدة الاحراق للخلاص. وقيل: الفتنة معاملة المختبر ليجازى بما يظهر دون ما يعلم مما لم يعلم (وجاءهم رسول كريم) أى حقيق بالتكرم في الدعاء إلى الله والبرهان الواضح والدليل القاهر حتى يسلكوا طريق الهدى المؤدي إلى ثواب الجنة ويعدلوا عن طريق الردى المؤدي إلى العقاب. وقيل: معناه كريم عندالله بما استحق بطاعته من الاكرام والاجلال.
وقوله (أن ادوا إلي عباد الله) قال الحسن: هو مثل قوله (إن ارسل معنا بني إسرائيل) (1) ف (عبادالله) منصوب ب (أدوا) وقيل: هو منصوب على النداء. أي يا عباد الله أدوا ما أمركم به، في قول الفراء (إني لكم رسول أمين) على ما اؤديه اليكم وادعوكم اليه، (وأن لا تعلوا على الله)
قال ابن عباس: معناه أن لا تطغوا عليه بافتراء الكذب عليه. وقال قتادة: معناه ان لا تبغوا عليه بكفر نعمه، وقيل معناه أن لا تتكبروا على الله بترك طاعته
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 26 الشعراء آية 17 (*)

===============
(230)
وإتباع أمره. وقيل: معناه أن لا تبغوا على أولياء الله بالبغي عليهم. وقال الحسن:
معناه لا تستكبروا عليه بترك طاعته (إني آتيكم بسلطان مبين) أي بحجة واضحة لان السلطان الحجة والمبين الظاهر الذي مع ظهوره يظهر الحق، فكأنه اظهره.
ثم قال لهم (وإني عذت بربي) الذي خلقني (وربكم) الذي خلقكم (أن ترجمون)
قال ابن عباس وابوصالح: الرجم الذي استعاذ منه موسى هو الشتم، كقولهم:
هو ساحر كذاب ونحوه، وقال قتادة: هو الرجم بالحجارة. ثم قال لهم (وان لم تؤمنوا لي فاعتزلون) أي لم تؤمنوا بي، فاللام بمعنى الباء ومعناه وإن لم تصدقوني في أني رسول الله اليكم وأن ما ادعوكم اليه حق يجب عليكم العمل به فلا أقل من أن تعتزلون بصرف أذاكم عني، لانكم إن لا تجاوزا الاحسان بالاحسان، فلا اساءة. وإنما دعاهم إلى ترك ملابسته بسوء إن اصروا على الكفر ولم يقبلوا إلى الايمان لان هذا أمر يدعو اليه العقل ببديهته ولا يحتاج إلى برهان.
قوله تعالى:
(فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24)
كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26)
ونعمة كانوا فيها فاكهين (27) كذلك وأورثناها قوما آخرين (28)
فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين) (29) ثمان آيات بلا خلاف.
قرأ ابوجعفر (فاكهين) بغير الف - ههنا - وفى المطففين. وفي الطور

===============
(231)
وافقه الداجوني وحفص في المطففين.
حكى الله تعالى أن موسى حين يئس من قومه ان يؤمنوا به (دعا) الله (ربه)
فقال (إن هؤلاء قوم مجرمون) وقيل إنه دعا بما يقتضيه سوء افعالهم وقبح إجرامهم وسوء معاملتهم له، فكأنه قال: اللهم عجل لهم بما يستحقونه باجرامهم ومعاصيهم بما به يكونون نكالا لمن بعدهم، وما دعا بهذا الدعاء إلا بعد إذن الله له في الدعاء عليهم.
وقوله (فاسر بعبادي) الفاء وقعت موقع الجواب، وتقديره فدعا فأجيب بأن قيل له (فاسر بعبادي) فهي عطف وقع موقع جواب الدعاء. وأمره الله تعالى بأن يسير بأهله والمؤمنين به لئلا يروهم إذا خرجوا نهارا، واعلمه (إنكم متبعون) أنه سيتبعهم فرعون وقومه ويخرجون خلفهم، وامره بأن (يترك البحر رهوا) أي ساكنا على ماهو به من كثرته إذا قطعه، ولا يرده إلى ما كان ويقال: عيش راه إذا كان خفضا وادعا. وقال قوم: معناه اترك البحر يبسا.
وقيل: طريقا يابسا. وقال ابن الاعرابي: معناه واسعا ما بين الطاقات. وقال خالد ابن خيبري: معناه رمثا أي سهلا ليس برمل ولا حزن. ذكره الازهري يقال:
جاء الخيل رهوا أي متتابعة. وقال ابن الاعرابي الرهو من الخيل والطير السراع. وقال العكلي: المرهي من الخيل الذي تراه كأنه لا يسرع، وإذا طلب لا يدرك، ويقال: أعطاه سهوا رهوا أي كثيرا لا يحصى. وإنما قيل ذلك، لانه كان أمره أولا ان يضرب البحر بعصاه ليفلق فيه طرقا لقومه ثم أمره بأن يتركه على الحالة الاولى ليغرق فيه فرعون وجنده، قال الشاعر:
طيرا رأت بازيا نضح الدماء به * وأمة اخرجت رهوا إلى عيد (1)
أي سكونا على كثرتهم.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري 25 / 67 (*)

===============
(232)
ثم اخبره عن فرعون وقومه ب (إنهم جند مغرقون) أي سيغرقهم الله.
وفي الكلام حذف، لان تقديره ان موسى سار بقومه وتبعه فرعون وجنده وأن الله أهلكهم وغرقهم.
ثم اخبر عن حالهم بأن قال (كم تركوا من جنات) يعني من بساتين لهم تركوها لم تنفعهم حين نزل بهم عذاب الله (وعيون) جارية لم تدفع عنهم عقاب الله (وزروع جمع زرع ومقام كريم) قيل: هو المجلس الشريف. وقيل:
مقام الملوك والامراء والحكماء. وقيل: المنازل الحسنة. وقال قتادة: يعني مقام حسن بهج. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: هي المناظر. وقيل: المنابر. وقيل:
المقام الكريم هو الذي يعطي اللذة، كما يعطي الرجل الكريم الصلة (ونعمة كانوا فيها فاكهين)، فالنعمة - بفتح النون - التنعيم - وبكسرها - منفعة يستحق بها الشكر، وإن كانت مشقة، لان التكليف نعمة وإن كانت فيه مشقة. ومعنى الآية انهم كانوا متمتعين. فالفاكة المتمتع بها بضروب اللذة، كما يتمتع الآكل بضروب الفاكة، يقال: فكه يفكه فكها، فهو فاكه، وفكه وتفكه يتفكه تفكها، فهو متفكه.
وقوله (كذلك وأورثناها قوما آخرين) فتوريثه النعمة إلى الثاني بعد الاول بغير مشقة كما يصير الميراث إلى أهله على تلك الصفة، وتوريث العلم شبه بذلك، لان الاول تعب في إستخراجه وتوطئة الدلالة المؤدية اليه، ووصل إلى الثاني وهو رافه وادع، لم يكل لطول الفكر وشدة طالب العلم، فلما كانت نعمة قوم فرعون وصلت بعد هلاكهم إلى غيرهم، كان ذلك توريثا من الله لهم. قال قتادة:
يعني بقوم آخرين بني اسرائيل، لان بني اسرائيل رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون على ما قيل، وكذلك قال في موضع آخر (وأورثناها بني اسرائيل) (1).

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 26 الشعراء آية 60 (*)

===============
(233)
وقوله (فما بكت عليهم السماء والارض) قيل في معناه ثلاثة اقوال:
احدها - قال الحسن فما بكى عليهم - حين اهلكهم الله - أهل السماء واهل الارض، لانهم مسخوط عليهم مغضوب عليهم بانزال الخزي بهم.
الثاني - إن التقدير ان السماء والارض لو كانتا ممن يبكى على أحد إذا هلك لما بكتا على هؤلاء، لانهم ممن أهلكهم الله بالاستحقاق وانزل عليهم رجزا بما كانوا يكفرون. والعرب تقول: إذا أرادت أن تعظم موت إنسان: اظلمت الشمس وكسف القمر لفقده وبكت السماء والارض، وإنما يريدوا المبالغة قال الشاعر:
الريح تبكي شجوها * والبرق يلمع في الغمامه (1)
وقال آخر:
والشمس طالعة ليست بكاسفة * تبكي عليك نجوم الليل والقمر (2)
الثالث - انهم لم يبك عليهم ما يبكى على المؤمن إذا مات، مصلاه ومصعد علمه - ذكره ابن عباس وابن جبير - ومعناه لم يكن لهم عمل صالح. وقال السدي:
لما قتل الحسين (عليه السلام) بكت السماء عليه وبكاؤها حمرة أطرافها. وقال الحسن: ما بكى عليهم المؤمنون والملائكة، بل كانوا بهلاكهم مسرورين.
وقوله " وما كانوا منظرين " أي عوجلوا بالعقوبة ولم يمهلوا.
قوله تعالى:
(ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30)
من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين (31) ولقد اخترناهم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبى 61 / 140 نسبه إلى يزيد بن يربوع الحميرى، وقد مر في 2 / 400 (2) تفسير القرطبى 16 / 140 نسبه إلى جرير (ج 9 م 30 من التبيان)
(*)

===============
(234)
على علم على العالمين (32) وآتيناهم من الآيات ما فيه بلؤ مبين (33) إن هؤلاء ليقولون (34) إن هي إلا موتتنا الاولى وما نحن بمنشرين (35) فأتوا بآباثنا إن كنتم صادقين) (36)
سبع آيات كوفي وست في ما عداه، عد الكوفيون " ليقولون " ولم يعده الباقون.
اقسم الله تعالى أنه نجى أي خلص بني اسرائيل الذين آمنوا بموسى من العذاب المهين الذي كان يفعله بهم فرعون وقومه لانهم كانوا استعبدوهم، وكانوا يكلفونهم المشاق ويحملوهم القذارات ويكلفونهم كنسها وتنظيفها وغير ذلك، فخلصهم الله تعالى حين أهلك فرعون وقومه ووفقهم للايمان بموسى.
ثم اخبر تعالى ان فرعون كان عاليا من المسرفين أي متجبرا متكبرا من المسرفين في الارض الذين يتجاوزون حد ما يجوز فعله إلى مالا يجوز فعله استكبارا وعلوا وعتوا، يقال: اسرف يسرف اسرافا فهو مسرف، ومثله الافراط، وضده الاقتار، وإنما وصف المسرف بأنه عال، وإن كان وصف عال قد يكون صفة مدح، لانه قيده بأنه عال في الاسراف، لان العالي في الاحسان ممدوح والعالي في الاسراف مذموم، واطلاق صفة عال تعظيم، وإذا اطلق فالمدح به أولى.
ثم اخبر تعالى مقسما بأنه اختارهم يعني موسى وقومه على علم على العالمين، فالاختيار هو اختيار الشئ على غيره بالارادة له لتفضيله عليه. ومثله الايثار، وليس في مجرد الارادة تفضيل شئ على غيره، لانه قد يمكن أن يريد شيئا من غير أن يخطر بباله ما هو فيه أولى منه في العقل، فلا يكون اختياره تفضيلا. وإما ان يريد الاولى ولا يدري انه أولى، فيختاره عليه لجهله بأنه أولى او يختاره وهو يعلم انه غير

===============
(235)
أولى، ويختاره لحاجته اليه من جهة تعجل النفع به، ومن اختار الادون في الصلاح على الاصلح كان منقوصا مذموما، لانه بمنزلة من اختار القبيح على الحسن.
وقيل: المعنى اخترناهم على عالمي زمانهم بدلالة قوله لامة نبينا " كنتم خير أمة اخرجت للناس " (1) وذلك يوجب انه ما اختارهم على من هو خير منهم، وإنما اختارهم على من هو في وقتهم من العالمين. وقال قتادة، ومجاهد: على عالمي زمانهم. وإنما قال " اخترناهم على علم على العالمين " بما جعل فيهم من الانبياء الكثيرين، فهذه خاصة لهم ليست لغيرهم، لما في العلوم من مصالح المكلفين بأنبيائهم.
ثم بين ما بن اختارهم بأن قال " وآتيناهم " يعني أعطيناهم " من الآيات " يعني الدلالات والمعجزات " ما فيه بلاء مبين " قال الحسن: يعني ما فيه النعمة الظاهرة. قال الفراء: البلاء قد يكون بالعذاب، وقد يكون بالنعمة، وهو ما فعل الله بهم من إهلاك فرعون وقومه، وتخليصهم منه وإظهار نعمه عليهم شيئا بعد شئ.
ثم اخبر تعالى عن كفار قوم نبينا (صلى الله عليه وآله) فقال " ان هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الاولى " أي ليس هذا الا الموتة الاولى " وما نحن " أي لسنا بعدها بمبعوثين ولا معاد بن " بمنشرين " ويقولون " فأتوا بآبائنا " الذين ماتوا قبلنا واعيدوهم " ان كنتم صادقين " في ان الله تعالى يقدر على اعادة الاموات واحيائهم لان من قدر على النشأة الثانية قدر على اعادة الآباء، وهذا باطل لان النشأة الثانية انما وجبت للجزاء لا للتكليف، فلا تلزم اعادة الآباء ولا تجب.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 3 آل عمران آية 110 (*)

===============
(236)
قوله تعالى:
(أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لا عبين (38) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون (39)
إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين) (40) أربع آيات بلا خلاف.
ان قيل: لم لم يجابوا عن شبهتهم في الآية، ولم يبين لهم أن ذلك لا يلزم، وما الوجه في جوابهم؟ " أهم خير أم قوم تبع " قلنا: من تجاهل في الحجاج الذي يجري مجرى الشغب الذي لا يعتقد بمثله مذهب لنفي الشبهة فيه، فانه ينبغي أن يعدل عن مقابلته إلى الوعظ له بما هو اعود عليه، فلذلك عدل تعالى معهم إلى هذا الوعيد الشديد، وقال " أهم " هؤلاء الكفار " خير أم قوم تبع والذين من قبلهم " فانا " اهلكناهم " لما جحدوا الآيات وكفروا بنعم الله وارتبكوا معاصيه فما الذي يؤمن هؤلاء من مثل ذلك. وقيل: تبع الحميري كان رجل من حمير سار بالجيوش إلى الحيرة حتى حيرها، ثم أتى سمرقند فهدمها، وكان يكتب باسم الذي ملك بحرا وبرا وضحا وريحا، ذكره قتادة. وقال سعيد بن جبير وكعب الاخبار ذم الله قومه، ولم يذمه ونهى أن يسب. وحكى الزجاج: ان تبعا كان مؤمنا، وان قومه كانوا كافرين. وقيل: انه نظر إلى كتاب على قبرين بناحية حمير (هذا قبر رضوي وقبر جي ابني تبع لا يشركان بالله شيئا) وقيل: سمي تبعا، لانه تبع من كان قبله من ملوك اليمن. والتبايعة اسم ملوك اليمن.
ثم قال تعالى " وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لا عبين " أي لم نخلق ذلك لا لغرض حكمي بل خلقناهم لغرض حكمي، وهو ان ننفع به المكلفين

===============
(237)
ونعرضهم الثواب وننفع الحيوان بالمنافع لهم فيها واللذات. وفي الآية دلالة على من انكر البعث، لانه لو كان على ما توهموه انه لا يجر به إلى الجزاء في دار أخرى مع ما فيه من الالم لكان لعبا، لانه ابتدأ باختيار ألم لا يجر به إلى عوض.
ثم قال تعالى " وما خلقناهما " يعني السموات والارض " الا بالحق " قال الحسن معناه الا للحق الذى يصل اليه في دار الجزاء. وقيل فيه قولان آخران:
احدهما - ما خلقناهما الابداعي العلم إلى خلقهما، والعلم لا يدعو الا إلى الصواب.
الثاني - وما خلقناهما الا على الحق الذى يستحق به الحمد خلاف الباطل الذى يستحق به الذم.
ثم قال " ولكن اكثرهم لا يعلمون " بصحة ما قلناه لعدو لهم عن النظر فيه، والاستدلال على صحته. وفي ذلك دلالة على بطلان قول من قال: المعارف ضرورية، لانها لو كانت لما نفى تعالى علمهم بذلك.
ثم قال تعالى " ان يوم الفصل ميقاتهم اجمعين " يعني اليوم الذى يفصل فيه بين المحق والمبطل بما يضطر كل واحد منهما إلى حاله من حقه او باطله فيشفي صدور المؤمنين ويقطع قلوب الكافرين بما يرون من ظهور الامر وانكشافه، وهو يوم القيامة، وبين انه ميقات الخلق أجمعين وهو من له ثواب وعوض او عليه عقاب يوصله اليه.
قوله تعالى:
(يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون (41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) إن شجرت الزقوم (43)

===============
(238)
طعام الاثيم (44) كالمهل يغلي في البطون (45) كغلي الحميم (46)
خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) ذق إنك أنت العزيز الحكيم (49) إن هذا ما كنتم به تمترون) (50).
عشر آيات كوفي وبصري وتسع في ما عداه، عد الكوفيون والبصريون " الزقوم " ووافقهم عليه الشاميون والمدني الاول. وعد أيضا العراقيون " يغلي في البطون " ووافقهم عليه المكبون والمدني الاخير.
قرأ " يغلي " بالياء كثير وابن عامر وحفص عن عاصم. الباقون بالتاء.
من قرأ بالياء رده إلى المهل. ومن قرأ بالتاء رده إلى الشجرة. قال ابوعلي: من قرأ بالياء حمله على الطعام، لان الطعام هو الشجرة في المعنى ألا ترى انه خبر الشجرة والخبر هو المبتدأ بعينه إذا كان مفردا في المعنى، ولا يحمل على (المهل) لان المهل إنما ذكر ليشبه به في الذوق، لان التقدير إن شجرة الزقوم طعام الاثيم تغلي في البطون كالمهل على الحميم.
لما ذكر الله تعالى أن يوم الفصل ميقات الخلق يحشرهم الله فيه ويفصل بينهم بالحق أي يوم هو؟ فوصفه انه " يوم لا يغني فيه مولى عن مولى شيئا "، لان الله تعالى أيأس من ذلك، لما علم فيه من صلاح العباد، ولولا ذلك لجاز أن يغرى.
والمعنى إنه ليس لهم من ينتصر لهم من عقاب الله تعالى، فلا ينافي ذلك ما نقوله:
من أنه يشفع النبي والائمة والمؤمنون في إسقاط كثير من عقاب المؤمنين، لان الشفاعة لا تحصل إلا بأمر الله واذنه. والمراد في الآية أنه ليس لهم من يغني عنهم

===============
(239)
من غير أن يأذن الله له فيه على وجه الدفع عنه والنصر له، وبين ذلك بقوله " ولاهم ينصرون " والمولى - ههنا - الصاحب الذي شأنه أن يتولى معونة صاحبه على أموره، فيدخل في ذلك ابن العم والحليف وغيره ممن هذه صفته وقد استثنا ما اشرنا اليه بقوله " إلا من رحم الله " فان من يرحمه الله اما أن يسقط عقابه ابتداء او يأذن في إسقاط عقابه بالشفاعة فيه.
ثم وصف نفسه بأنه القادر الذي لا يغلب ولا يقهر بدفع العقاب عمن يريد فعله به " الرحيم " أي المنعم لمن يريد العفو عنه باسقاط عقابه.
ثم اخبر تعالى " إن شجرة الزقوم طعام الاثيم " الذي يستحق العقاب بمعاصيه وعنى به - ههنا - أبوجهل، فالزقوم ما أكل بتكره شديد له، لانه يخشو به فمه ويأكله بشره شديد، ولهذا حكي عن أبي جهل انه أتى بتمر وزبد، فقال:
نحن نتزقم هذا أي نملا به أفواهنا فما يضرنا.
ثم شبه ذلك بأنه مثل المهل، وهو الشئ الذي يذاب في النار حتى يشتد حره كالفضة والرصاص وغيرهما مما يماع بالنار، وهو مهل، لانه يمهل في النار حتى يذوب. وقال ابن عباس: المهل ما أذيب بالنار كالفضة، وهو قول ابن مسعود وروي عن ابن عباس ايضا أن المهل دردي الزيت في النار. ثم وصف (المهل)
بأنه " يغلي في البطون " من حرارته، كما يغلي الحميم وهو الماء المغلي على النار، فالمهل يغلي في بطون أهل النار، كما يغلي الماء بحر الايقاد والغلي إرتفاع المائع من الماء ونحوه بشدة الحرارة. والحميم الحار ومنه أحم الله ذلك من لقاء أي ادناه وقربه لان ما حم فللا سراع وما برد فللا بطاء، ومنه حمم ريش الطائر إذا قرب خروجه.
ثم بين أنه تعالى يأمر الملائكة بأن يأخذوا الكافر وأن يعتلوه " إلى سواء الجحيم " يعني إلى وسطه. والعتل زعزعة البدن بالجفاء والغلظة للاهانة، فمعنى

===============
(240)
" اعتلوه " اعملوا به هذا العمل، ومنه العتل، وهو الجافى الغليظ يقال: عتله يعتله ويعتله عتلا إذا ساقه دفعا وسحبا. قال الفرزدق:
ليس الكرام بنا حليك إباءهم * حتى ترد إلى عطية تعتل (1)
و " سواء الجحيم " وسطه - في قول قتادة - وسمي وسط الشئ سواء، لا ستواء المسافة بينه وبين أطرافه المحيطة به، والسواء العدل كقولهم: هذا سواء بيننا وبينكم أي عدل.
ثم بين تعالى أنه يأمرهم بأن يصبوا فوق رأس الكافر من عذاب الحميم.
وهو ما فسرناه. ثم يخاطبه فيقول له " ذق إنك أنت العزيز الكريم " على وجه التهجين له بما كان يدعي له مما ليس به أي أنت كذلك عند نفسك وقومك.
ويجوز ان يكون على معنى النقيض، كأنه قيل: إنك انت الذليل المهين إلا أنه قيل: على تلك الجهة للتبعيد منها على وجه الاستخفاف به. وقيل إن الآية نزلت في أبي جهل، وقد كان قال: (أنا أعز من بها وأكرم) - ذكره قتادة - وقيل:
المعنى أنت الذي كنت تطلب العز في قومك والكرم بمعصية الله. وقيل: المعنى إنك انت العزيز في قومك، الكريم عليهم، فما أغنى عنك.
ثم قال " إن هذا " يعني العذاب " ما كنتم به تمترون " أي تشكون فيه في دار الدنيا. وفى الآية دلالة على بطلان قول من قال المعارف ضرورة.
وقرأ الكسائي " ذق أنك " بفتح الهمزة بمعنى لانك أنت العزيز أو بأنك الباقون - بكسر الهمزة - على وجه الابتداء بالخبر عنه، ويكون التقدير ذق العذاب.
ثم ابتدأ إنك. وقرأ " فاعتلوه " - بضم التاء - ابن كثير ونافع وابن عامر. الباقون بكسر التاء وهما لغتان على ما حكيناه.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبرى 25 / 73 (*)

===============
(241)
قوله تعالى:
(إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات وعيون (52)
يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (53) كذلك وزوجناهم بحور عين (54) يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى ووقيهم عذاب الجحيم (56)
فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) فانما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) فارتقب إنهم مرتقبون) (59) تسع آيات بلا خلاف.
قرأ ابن عامر ونافع " في مقام " بضم الميم، وهو موضع الاقامة. الباقون بفتح الميم، وهو موضع القيام.
لما اخبر الله تعالى عن الكفار وما يفعله بهم من انواع العقاب، أخبر عن حال المطيعين وما أعده لهم من الثواب، فقال " إن المتقين " يعني الذين يجتنبون معاصيه لكونها قبائح، ويفعلون طاعاته لكونها صاعة " في مقام أمين " أي موضع إقامة - فيمن ضم الميم - ومن فتحها يريد أنهم في موضع قيامهم، ووصفه بأنهم في " مقام أمين " من كل ما يخاف، وليس هذا في الدنيا، لانه لا يخلو منها احد من موقف خوف من مرض او أذى او غير ذلك.
ثم بين ذلك المقام فقال " في جنات " يعني بساتين تجنها الاشجار " وعيون " (ج م 9 31 من التبيان)

===============
(242)
ماء نابعة فيها " يلبسون من سند واستبرق " فالسندس الحرير - في قول الحسن.
والاستبرق الديباج الغليظ - في قول قتادة - وإنما رغبهم في ذلك بحسب ما كانوا يعرفونه، وإن كان - ههنا - ما هو ارفع منها واحسن " متقابلين " أي يقابل بعضهم بعضا بالمحبة، لا متدابرين بالبغضة. ثم قال ومثل ما فعلنا بهم " كذلك زوجناهم بحور عين " فالحور جمع حوراء من الحور، وهو شدة البياض. وقال قتادة " بحور " أي ببيض، ومنه الحور لبياضه، وحورته أي بيضته من حار يحور أي رجع إلى الحالة الاولى كما يرجع إلى حال الابيض، ومنه المحور " والعين " جمع عيناء وهي الواسعة العين الحسنة، وكذلك لهم في حكم الله. وقال الحسن: العيناء الشديدة السواد سواد العين، الشديدة البياض بياضها " يدعون فيها بكل فاكهة آمنين " أي يستدعون أي ثمرة شاؤا غير خائفين فوتها. ثم قال " لا يذوقون فيها " يعني في الجنة " الموت إلا الموتة الاولى " شبه الموت بالطعام الذي يذاق وينكر عند المذاق. ثم نفى ذلك، وانه لا يكون ذلك في الجنة، وإنما خصهم بأنهم لا يذوقون الموت مع أن جميع الحيوان يوم القيامة لا يذوقون الموت، لما في ذلك من البشارة لهم بانتهاء ذلك إلى الحياة الهنيئة في الجنة، فأما من يكون فيها هو كحال الموت في الشدة، فلا يطلق له هذه الصفة، لانه يموت موتات كثيرة بما يلاقي ويقاسي من الشدة، واما غير المكلفين، فليس مما يعقل، فتلحقه هذه البشارة وإن عم ذلك اهل الجنة.
وقوله " إلا الموتة الاولى " قيل ان (إلا) بمعنى (بعد) كأنه قال بعد الموتة الولى. وقيل: معنى (إلا) سوى كأنه قال: سوى الموتة الاولى. وقيل:
إنها بمعنى (لكن) وتقديره لكن الموتة الاولى قد ذاقوها. وقال الجبائي: هذا حكاية حال المؤمنين في الآخرة، فلما اخبرهم بذلك في الدنيا، وهم لم يذوقوا بعد

===============
(243)
الموت جاز أن يقال لا يذوقون الموت في المستقبل إلا الموتة الاولى يخرجون بها من دار التكليف، وهذا ضعيف، لان في ذلك خبر عن حكمهم في الجنة وأنهم لا يذوقون فيها الموت ثم استثنى من ذلك الموتة الاولى، وكيف يرد إلى دار الدنيا؟ ! وحقيقة (إلا) إخراج بعض عن كل وحقيقة (بعد) إخراج الثاني عن الوقت الاول.
وقوله " ووقاهم عذاب الجحيم " أي يصرف عنهم عذاب النار، وليس في ذلك ما يدل على أن الفاسق إلملي لا يعذب ويخرج من النار، من حيث أنه لا يكون قد وقي النار، لانه يحتمل أمرين:
احدهما - ان يكون ذلك مخصوصا بمن لا يدخل النار ممن لا يستحقه او بمن عفي عنه.
والثاني - ان يكون المراد " ووقاهم عذاب الجحيم " على وجه التأييد او على الوجه الذي يعذب عليه الكفار.
ثم بين أن ذلك فضل من الله، ونصبه على المصدر، وتقديره فضل فضلا منه تعالى. واخبر بأن " ذلك هو الفوز العظيم " يعني الفلاح العظيم.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) " إنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون " يعنى باللغة العربية ليفقهوه ويتفكروه فيه، فيعلموا ان الامر على ما قلناه. ثم أمره (صلى الله عليه وآله) فقال " فارتقب " أي انتظر يا محمد مجئ ما وعدتك به " إنهم منتظرون " ايضا وهو قول قتادة، وإنما قال فيهم " إنهم منتظرون " لانهم في مثل حال المنتظر في انه سيأتيه عاقبة حاله كما يأتي المنتظر.

===============
(244)
45 - سورة الجاثية مكية في قول قتادة ومجاهد وهي سبع وثلاثون آية في الكوفي وست في البصري والمدنيين.
بسم الله الرحمن الرحيم.
(حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) إن في السموات والارض لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الارض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون) (5).
خمس آيات في الكوفي واربع في الباقي، عد الكوفيون " حم " ولم يعده الباقون.
قرأ اهل الكوفة إلا عاصما " لآيات " بالكسر في الثلاث مواضع. الباقون بالرفع في الثاني. والثالث. من خفض التاء فعلى أنه في موضع نصب ردا على (إن) وإنما كسرت التاء، لانها تاء جمع التأنيث. وقال المبرد: هذا بعد الواو لانه عطف على عاملين على " إن " و " في " بحرف الواو، لانه يكون عطف " وإختلاف " على (في) وعطف على (إن) بهذه الواو وحدها، فأما " آيات " الثانية

===============
(245)
فأجاز عطفها على الاولى، لان معها (في) وتقديره إن في خلقكم. قال ابن خالويه ليس ذلك لحنا، لان من رفع أيضا فقد عطف على عاملين، فيكون عطف جملة على جملة ويحتمل ان يكون عطف على موضع (إن) لان موضعها الرفع، والاخفش كان يجيز العطف على عاملين، فيقول مررت بزيد في الدار والحجرة عمرو، ويحتج بقول الشاعر:
اكل امرئ تحسبين امرأ * ونار تأجج للحرب نارا (1)
عطف على ما عملت فيه (كل) وما عملت فيه (تحسبين) وأجود من العطف على عاملين أن يجعل (آيات) الثانية بدلا من الاول، فيكون غير عاطف على عاملين، وتقديره إن في السموات والارض لآيات للمؤمنين لآيات، كما تقول:
ضربت زيدا زيدا، فلا يحتاج إلى حرف العطف، ومن رفع آيات الثانية حملها على الابتداء والخبر، وجعل الثالثة تكرير الثانية بالرفع، قال الزجاج: لانه يرفع (آيات) عطفا على ما قبلها، كما خفض (وإختلاف) عطفا على ما قبلها. وقال ابو علي: وجه قراءة الكسائي أنه لم يحمل على موضع (إن) كما حمله من رفع (آيات)
في الموضعين أو قطعه واستأنف، لكنه حمله على لفظ (إن) دون موضعها، فحمل (آيات) في الموضعين على نصب (إن) في قوله " إن في السموات والارض لآيات للمؤمنين) ويكون على تقدير إن، وإن كانت محذوفة من اللفظ ويجعلها في حكم المثبت فيه، لان ذكره قد تقدم في قوله " إن في السموات " وقوله " وفي خلقكم " فلما تقدم الجار في هذين الموضعين قدر في الاثبات في اللفظ، وإن كان محذوفا منه كما قدر سيبويه في قوله:
اكل امرئ تحسبن امرءا * ـ ونار تأجج للجر نارا ـ

ـــــــــــــــــــــــ
(1) قائله ابوذؤاد الايادي، تفسير القرطبى 16 / 157 (*)

===============
(246)
وقيل (كل) في حكم الملفوظ به واستغني عن إظهاره بتقدم ذكره، وكذلك فعلت العرب في الجار ألا ترى أنهم لم يجيزوا (من تمرر أمرر) واجازوا (بمن تمرر أمرر) و (على أيهم تنزل انزل) فحذف الجار حسن لتقدم ذكر الجار، وعلى هذا قول الشاعر:
ان الكريم وأبيك يعتمل * إن لم يجد يوما على من يتكل
لما ذكر (على) و (إن) كانت زائدة - في قول سيبويه - حسن حذف الجار من الصلة، ولو لم تذكر لم يجزه. وحكي في بعض القراءات عن أبي إنه قرأ في المواضع الثلاث " لآيات في خلقكم وما يبث من دابة لآيات " وكذلك الآخر فدخول اللام يدل على أن الكلام محمول على (إن) وإذا كان محمولا عليها حسن النصب على قراءة حمزة والكسائي وصار كل موضع من ذلك كأن (إن) مذكورة فيه بدلالة دخول اللام، لان هذه اللام إنما تدخل على خبر (إن) أو اسمها، وحكي أن أبيا قرأ " لآيات " بالرفع مع إدخال اللام عليها، وهذا لا يجيزه اكثر النحويين كالكسائي وغيره، كما لا يجوز في الدار لزيد، واجازه الفراء وانشد لحميد بن ثور:
إن الخلافة بعدهم لذميمة * وخلائف طرف لميما أحقر (1)
وحكى الفراء أنه يقول العرب (إن) لي عليك مالا وعلى أبيك مال بالرفع والنصب، وحكى ابوعلي: إنه يجوز أن يعمل الثاني على التأكيد للاول وكذلك في الثالث، ولا يكون عطفا على عاملين، كما قال بعض شيوخنا في قوله " ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فان له " (2) حمل الثاني على أنه تأكيد للاول.
قد ذكرنا في ما تقدم ان (حم) اسم للسورة، وانه أجود الاقوال. قال الرماني: وفي تسمية السورة ب (حم) دلالة على ان هذا القرآن المعجز كله من
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري 25 / 77 (2) سورة) التوبة إية 64 (*)

===============
(247)
حروف المعجم، لانه سمي به ليدل عليه بأوصافه، ومن اوصافه انه مفصل قد فصلت كل سورة من اختها. ومن اوصافه أنه هدى ونور، فكأنه قيل: هذا اسمها الدال عليه بأوصافه. ثم وصف تعالى الكتاب بأنه تنزيل من الله في مواضع من السور لاستفتاحه بتعظيم شأنه على تصريف القول بما يقتضي ذلك فيه من أضافته إلى الله تعالى من اكرم الوجوه وأجلها وما يتفق الوصف فيه يقتضى انه كالاول في علو المنزلة وجلالته عند الله وإذا أفاد هذا المعنى باقتضائه له لم يكن تكريرا، ويقول القائل: اللهم اغفر لي اللهم ارحمني اللهم عافني اللهم اوسع علي في رزقي فيأتى بما يؤذن أن تعظيمه لربه منعقد بكل ما يدعو به.
وقوله " من الله " يدل على ان ابتداءه منه تعالى " العزيز " ومعناه القادر الذي لا يغالب " الحكيم " معناه العالم. وقد يكون بمعنى أن أفعاله حكمة وصواب ثم أخبر تعالى ان في السموات والارض لآيات للمؤمنين الذين يصدقون بالله ويقرون بتوحيده وصدق انبيائه وإنما اضاف الآيات إلى المؤمنين وإن كانت ادلة للكافرين ايضا، لان المؤمنين انتفعوا بها دون غيرهم من الكفار. والآيات هي الدلالات والحجج. وفي السموات والارض دلالات على الحق من وجوه كثيرة، منها أنه يدل بخلقها على ان لها خالقا، وانه قادر لا يعجزه شئ وانه مخالف لها، فلا يشبهها وعلى انه عالم بما فيها من الاتقان والانتظام. وفي استحالة تعلق القدرة بها دلالة على ان صانعها قديم غير محدث وبوقوفها مع عظمها وثقل اجرامها بغير عمد ولا سند يدل على أن القادر عليها قادر على الاتيان بمالا يتناهى ولا يشبه احد من القادرين وانه خارج عن حد الطبيعة.
ثم بين تعالى ان في خلقنا آيات، والوجه في الدلالة في خلقنا ضروب كثيرة: منها خلق النفس على ما هو به من وضع كل شئ موضعه لما يصلح له.
ـ248ـ
وفي ذلك دلالة على أن صانعه عالم لانه فعل الحواس الخمس على البنية التي تصلح له مما يختص كل واحد منها بادراك شئ بعينه، لا يشركه فيه الآخر، لان العين لا تصلح إلا لادراك المبصرات وكذلك الفم يصلح للذوق، والانف للشم، والبشرة للمس، وكل شئ من ذلك يختص بمالا يشركه فيه الآخر وفى ذلك أوضح دلالة على ان صانعها عالم بها، وأنه لا يشبهه شئ، ولو لم يكن إلا خلق العقل الذي يهدي إلى كل أمر، ويتميز به العاقل من كل حيوان، ولا يشبهه شئ في جلالته وعظم منزلته لكان فيه كفاية على جلالة صانعه وعظم خالقه. وقيل: معنى اختلاف الليل والنهار تعاقبهما. وقيل: زيادتهما ونقصانهما، وإنزال الماء من السماء من الغيث والمطر واحياء الارض بالنبات بعد الجدب والقحط فيثبت الله بذلك رزق الحيوان.
وقوله " وبث فيها من كل دابة " أي فرق فيها من جميع الحيوان بأن خلقها وأوجدها، وتصريف الرياح بأن يجعلها تارة جنوبا وتارة شمالا ومرة دبورا ومرة صبا - في قول الحسن - وقال قتادة: يجعلها رحمة مرة وعذابا أخرى. وقال الحسن:
كثافة السماء مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء إلى سماء فتق مسيرة خمسمائة عام وبين كل أرضين فتق مسيرة خمسمائة عام، وكثافة الارض مسيرة خمسمائة عام.
قوله تعالى:
(تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم

===============
(249)
عذاب مهين (9) من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم) (10) خمس آيات بلاخلاف.
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " تؤمنون " بالتاء على وجه الخطاب للكفار على تقدير قل لهم يا محمد. الباقون بالياء على وجه الاخبار عنهم والتعجب منهم.
لما اخبر الله تعالى عن القرآن بأنه تنزيل من الله وأن في السموات والارض آيات ودلالات لمن نظر فيها تدل على الحق وأن في أنفس الخلق وإنزال الماء من السماء وإخراج النبات وبث انواع الحيوان أدلة لخلقه تدلهم على توحيدالله وحكمته لمن انعم النظر فيها، بين ههنا أن ما ذكره أدلة الله التي نصبها لخلقه المكلفين لازاحة علتهم وانه يتلوها بمعنى يقرؤها على نبيه محمد ليقرءها عليهم بالحق دون الباطل.
والتلاوة الاتيان بالثانى في أثر الاول في القراءة، فتلاوة الحروف بعضها بعضا يكون في الكتابة والقراءة، وفلان يتلو فلانا أي يأتي بعده، وفلان يتلو القرآن أي يقرؤه، والحق الذي تتلى به الآيات هو كلام مدلوله على ما هو به في جميع أنواعه. والفرق بين حديث القرآن وإياته ان حديثه فصص تستخرج منه عبر تدل على الحق من الباطل، والآيات هي الادلة التي تفصل بين الصحيح والفاسد فهو مصروف في الامرين ليسلك الناظر فيه الطريقين، لما له في كل واحد منهما من الفائدة في القطع بأحد الحالين في أمور الدين.
ثم قال على وجه التهجين لهم إن هؤلاء الكفار إن لم يصدقوا بما تلوناه فبأي شئ بعده يؤمنون.
(ج 9 م 32 من التبيان)

===============
(250)
ثم قال مهددا لهم " ويل لكل أفاك أثيم " فالويل قيل: إنه واد سائل من جهنم صديد أهلها. وقيل: إن الويل كلمة يتلقى بها الكفار والفساق تتضمن استحقاقهم العقاب، والافاك الكذاب ويطلق ذلك على من يكثر كذبه او يعظم كذبه وإن كان في خبر واحد، ككذب مسيلمة في ادعاه النبوة. والاثيم ذو الاثم، وهو صاحب المعصية التي يستحق بها العقاب.
ثم وصف هذا الافاك الاثيم، فقال " يسمع آيات الله " أي حججه " تتلى عليه " أي تقرأ " ثم يصر " أي يقيم مصرا على كفره " مستكبرا " متجبرا عن النظر في آيات الله لا ينظر فيها ولا يعتبر بها " كأن لم يسمعها " أصلا.
ثم أمر نبيه (صلى الله عليه وآله) أن يبشر من هذه صفته فقال " فبشره بعذاب اليم " أي مؤلم موجع. ثم عاد تعالى إلى وصفه فقال (وإذا علم من آياتنا شيئا) اتخذها هزوا أي إذا علم هذا الافاك الاثيم من حجج الله تعالى وأدلته شيئا وسمعها (اتخذها هزوا) أي سخر منها وتلهى بها، كما فعل ابوجهل حين سمع قوله (إن شجرة الزقوم طعام الاثيم) (1) ثم قال أولئك يعني من هذه صفته (لهم عذاب مهين) أي مذل لهم. ثم قال (من وارئهم جهنم) أي من بين أيديهم يعني يوم القيامة (جهنم) معدة لهم وإنما قيل: لما بين ايديهم من ورائهم، والوراء هو الخلف، لانه يكون مستقبل أوقاتهم بعد تقضيهم ومعناه ما توارى عنهم قد يكون قداما وخلفا فهو لهذه العلة يصلح فيه الوجهان ثم قال تعالى " ولا يغني عنهم " إذا جعلوا في جهنم ما كسبوه في دار الدنيا من جمع الاموال (ولا شيئا يغني عنهم أيضا (ما اتخذوا من دون الله أولياء) يتولونهم ويحبونهم لينصروهم ويدفعوا عنهم (ولهم عذاب عظيم) ووصفه بأنه عظيم، لانه مؤبد نعوذ بالله منه.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 44 الدخان آية 44 (*)

===============
(251)
قوله تعالى:
(هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم (11) ألله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (13) قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (14) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون) (15) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ ابن كثير وحفص (من رجز اليم) بالرفع جعلاه صفة للعذاب. الباقون بالخفض جعلوه صفة للرجز، فكأن قال: من رجز اليم، والرجز هو العذاب فلذلك صح وصفه بأنه أليم. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي (لنجزي) قوما بالنون على وجه الاخبار من الله عن نفسه بأنه يجازيهم، الباقون بالياء ردا إلى (الله)
على الاخبار عنه.
معنى قوله (هذا هدى) أي هذا القرآن الذي تلوناه والكلام الذي ذكرناه (هدى) أي دلالة موصلة إلى الفرق بين ما يستحق به الثواب والعقاب، ويفرق به بين الحق والباطل من امر الدين والدنيا. ثم قال تعالى (والذين كفروا بآيات الله) وجحدوها " لهم عذاب " من عندالله جزاء على كفرهم (من رجز اليم).

===============
(252)
ثم نبه تعالى خلقه على وجه الدلالة على توحيده، فقال (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بامره) ووجه الدلالة من تسخير البحر لتجري الفلك فيه بأمره، لنبتغي بتسخيره من فضل الله، فهو محسن في فعله يستحق الشكر به على وجه لا يجوز لغيره، وإن احسن، لانه أعظم من كل نعمة. وبين انه إنما فعل ذلك لكي يشكروه على نعمه. ثم قال (وسخر لكم) معاشر الخلق (ما في السموات وما في الارض جميعا) من شمس وقمر ونجم وهواء وغيث وغير ذلك وجعل السماء سقفا مزينا وجوهرا كريما وسخر الارض للاستقرار عليها وما يخرج من الاقوات منها من ضروب النبات والثمار والبر فيها إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة من ضروب نعمه مما لا يحاط به علما، وسهل الوصول إلى الانتفاع به تفضلا (منه)
على خلقه. ثم بين (إن في ذلك) يعني في ما بينه (لآيات) ودلالات (لقوم يتفكرون) فيه ويعتبرون به.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (قل الذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله)
أي لا يخافون عذاب الله إذا أنالوكم الاذى والمكروه، ولا يرجون ثوابه بالكف عنكم. وقيل: معناه لا يرجون ثواب الله للمؤمنين، إن الله يعرفهم عقاب سيآتهم بما عملوا من ذلك وغيره. ومعنى (يغفروا) ههنا يتركوا مجازاتهم على أذاهم ولا يكافوهم ليتولى الله مجازاتهم. وقال ابن عباس وقتادة وابن زيد والضحاك: هو من المنسوخ. وقال ابوصالح: نسخها قوله (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) (1)
و (يغفروا) جواب أمر محذوف دل عليه الكلام، وتقديره: قل لهم اغفروا يغفروا وصار (قل لهم) على هذا الوجه يغني عنه. وقال الفراء: معناه في الاصل حكاية بمنزلة الامر كقولك: قل للذين آمنوا اغفروا، وإذا ظهر الامر مصرحا فهو مجزوم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 22 الحجج آية 39 (*)

===============
(253)
لانه أمر وإن كان على الخبر مثل قوله (قل للذين آمنوا يغفروا) (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة) (1) فهذا مجزوم تشبيها بالجزاء.
وقوله (ليجزي قوما بما كانوا يكسبون) يحتمل معنيين:
احدهما - قل لهم يغفروا لهم، فان الله يجازيهم يعني الكفار، فانهم اليه يرجعون.
الثاني - ان يكون المعنى ليجزيهم الله يعني المؤمنين، ويعظم أجرهم على احتمالهم وصبرهم ولن يفوتوه يعني الكافرين بل اليه مرجعهم.
ثم قال تعالى (من عمل صالحا) يعني طاعة وخيرا (فلنفسه) لان ثواب ذلك عائد عليه (ومن اساء) بأن فعل المعصية (فعليها) أي على نفسه لان عقاب معصيته يناله دون غيره. ثم قال (ثم إلى ربكم ترجعون) الذي خلقكم ودبركم تردون يوم القيامة اليه أي إلى حيث لا يملك أحد الامر والنهي والضر والنفع غيره، فيجازي كل إنسان على قدر علمه.
قوله تعالى:
(ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين (16) وآتيناهم بينات من الامر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون (17) ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (18) إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 14 ابراهيم آية 31 (*)

===============
(254)
وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين (19)
هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون) (20) خمس آيات بلا خلاف.
هذا قسم به من الله تعالى بأنه أعطى بني إسرائيل الكتاب يعني التوارة وآتاهم الحكم، وهو العلم بالفصل بين الخصمين وبين المحق والمبطل، يقال: حكم في الامر يحكم حكما، وحكمته في أمري تحكيما، واحكم العمل إحكاما، واستحكم الشئ استحكاما، وحاكمته إلى الحاكم محاكمة (ورزقناهم من الطيبات) فالرزق العطاء الجاري على توقيت وتوظيف في الحكم، وإنما قلنا في الحكم، لانه لو حكم بالعطاء الموقت في الاوقات الدائرة على الاستمرار لكان رازقا وإن أقتطعه ظالم عن ذلك العطاء. ثم قال (وفضلناهم على العالمين) والتفضيل جعل الشئ أفضل من غيره باعطائه من الخير مالم يعط غيره أو بالحكم لانه افضل منه، فالله تعالى فضل بني إسرائيل بما أعطاهم على عالمي زمانهم. قال الحسن: فضلهم الله على أهل زمانهم وقال قوم: فضلهم بكثرة الانبياء منهم على سائر الامم، وإن كانت أمة محمد (صلى الله عليه وآله) أفضل في كثرة المطيعين لله، وكثرة العلماء منهم، كما تقول هذا أفضل في علم النحو، وذاك في علم الفقه، فأمة محمد (صلى الله عليه وآله) افضل في علو منزلة نبيها عند الله على سائر الانبياء، وكثرة العلماء منهم والعاملين بالحق لقوله تعالى (كنتم خير أمة اخرجت للناس) (1)
فأولئك خالف اكثرهم أنبياءهم ووافق كثير من هؤلاء علماءهم واخذوا عنهم واقتبسوا من نورهم، والفضل الخير الزائد على غيره وأمة محمد (صلى الله عليه وآله) أفضل
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 3 آل عمران آية 110 (*)

===============
(255)
بفضل نبيها.
ثم قال (وآتيناهم) يعني اعطيناهم (بينات من الامر) أي دلالات وبراهين واضحات من الامر ثم قال (فما اختلفوا) أي لم يختلفوا (إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) فالاختلاف اعتقاد كل واحد من النفيسين ضد ما يعتقده الآخر إذا كان اختلافا في المذهب، وقد يكون الاختلاف في الطريق بأن يذهب احدهما يمنة، والآخر يسرة، وقد يكون الاختلاف في المعاني بأن لا يسد احدهما مسد الآخر في ما يرجع إلى ذاته. وإختلاف بني إسرائيل كان في ما يرجع إلى المذاهب.
وقوله (بغيا بينهم) نصب على المصدر، ويجوز ان يكون على انه مفعول له أي اختلفوا للبغي وطلب الرياسة. ومعنى البغي الاستعلاء بالظلم، وهو خلاف الاستعلاء بالحجة. والبغي يدعو إلى الاختلاف لما فيه من طلب الرفعة بما لا يرجع إلى حقيقة ولا يسوغ في الحكمة، وإنما كان ذلك طلبا الرياسة والامتناع من الانقياد للحق بالانفة، ثم قال (إن ربك) يا محمد (يقضي بينهم يوم القيامة)
أي يحكم ويفصل بين المحق منهم والمبطل في ما كانوا يختلفون في دار التكليف، وقيل: الحكم العلم بالفصل بين الناس في الامور.
ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) (ثم جعلناك) يا محمد (على شريعة من الامر)
فالشريعة السنة التي من سلك طريقها أدته إلى البغية كالشريعة التي هي طريق إلى الماء، وهي علامة منصوبة على الطريق إلى الجنة كأداء هذا إلى الوصول إلى الماء، فالشريعة العلامات المنصوبة من الامر والنهي المؤدية إلى الجنة، ثم قال (فاتبعها)
يعني اعمل بهذه الشريعة (ولا تتبع اهواء الذين لا يعلمون) الحق ولا يفصلون بينه وبين الباطل.
ثم اخبر النبي (صلى الله عليه وآله) فقال (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا) يعني هؤلاء

===============
(256)
الكفار لا يغنون عنك شيئا (وإن الظالمين) نفوسهم (بعضهم أولياء بعض) بفعل المعاصي (والله ولي المتقين) الذين يجتنبون معاصيه ويفعلون طاعاته.
ثم قال (هذا) يعني هذا الذي ذكرناه (بصائر للناس) أي ما يتبصرون به واحدها بصيرة (وهدى) أي ودلالة واضحة (ورحمة) أي ونعمة من الله عليهم (لقوم يوقنون) بحقيقة ذلك. وإنما اضافه إلى المؤمنين لانهم الذين انتفعوا به دون الكفار الذين لا يفكروا فيه.
قوله تعالى:
(أم حسب الذين اجترحوا السيآت أن تجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (21)
وخلق الله السموات والارض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون (22) أفرأيت من اتخذ إلهه هويه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين) (25) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ اهل الكوفة إلا أبابكر (سواء) نصبا. الباقون بالرفع. وقرأ اهل

===============
(257)
الكوفة إلا عاصما (غشوة) على التوحيد الباقون (غشاوة) على الجمع. من رفع (سواء) جعله مبتدأ وما بعده خبرا عنه، ويكون الوقف على قوله (وعملوا الصالحات) تاما. ويجعل الجملة في موضع النصب، لانها خبر ل (جعل) ورفع (سواء) لانه اسم جنس لا يجري على ما قبله كما لا تجري الصفة المشبهة بالمشبهة إذا كانت لسبب الاول كذلك نحو قولك: مررت بزيد خير مه أبوه. فمثل هذا في الحال والخبر والصفة سبيلة واحد إذا كانت لسبب الاول. ومن نصب (محياهم ومماتهم) جعل (سواء) في موضع (مستو) وعامله تلك المعاملة، فجعل في موضع المفعول الثاني (أن نجعلهم) والهاء والميم المفعول الاول، وإن جعلت (كالذين آمنوا) المفعول الثاني نصب (سواء) على الحال وهو وقف حسن.
ويرفع (محياهم) بمعنى استوى محياهم ومماتهم. ومن قرأ (غشوة) جعله كالرجفة والخطفة. ومن قرأ (غشاوة) جعله مصدرا مجهولا، والفعلة المرة الواحدة، وقال قوم هما لغتان بمعنى واحد. وحكي الضم ايضا. وقيل: في الضمير في قوله (سواء محياهم ومماتهم) قولان:
احدهما - إنه ضمير للكفار دون الذين آمنوا.
والثاني - انه ضمير للقبيلين. فمن جعل الضمير للكفار قال (سواء) على هذا القول مرتفع بأنه خبر ابتداء متقدم وتقديره محياهم ومماتهم سواء أي محياهم محيا سواء ومماتهم كذلك، فعلى هذا لا يجوز النصب في (سواء) لانه إثبات الخبر بأن محياهم ومماتهم يستويان في الذم والبعد من رحمة الله. ومن قال الضمير يرجع إلى القبيلين قال يجوز ان ينتصب (سواء) على انه مفعول ثان لانه ملتبس بالقبيلين جميعا، وليس كذلك الوجه الاول، لانه للكفار دون المؤمنين، فلا يلتبس بالمؤمن حيث كان للكفار دونهم (ج 9 م 33 من التبيان)

===============
(258)
يقول الله تعالى على وجه التوبيخ للكفار على معاصيهم بكفرهم بلفظ الاستفهام (أم حسب) ومعنى (أم) يحتمل ان تكون الهمزة وتقديره أحسب الذين اجترحوا السيئات، والحسبان هو الظن. وقد بيناه في ما مضى. والاجتراح الاكتساب اجترح السيئة اجتراحا أي اكتسبها من الجراح، لان له تأثيرا كتأثير الجراح.
ومثله الاقتراف، وهو مشتق من قرف القرحة. والسيئة التي يسواء صاحبها، وهي الفعلة القبيحة التي يستحق بها الذم، والحسنة هي التي يسر صاحبها بأستحقاق المدح بها عليها، ووصفها بهذا يفيد هذا المعنى. وقال الرماني: القبيح ما ليس للقادر عليه ان يفعله. والحسن هو ما للقادر عليه أن يفعله قال: وكل فعل وقع لا لامر من الامور، فهو لغو لا ينسب إلى الحكمة ولا السفه. والجعل تصيير الشئ على صفة لم يكن عليها، وهو انقلاب الشئ عما كان قادرا عليه. والمعنى أيظن هؤلاء الكفار المرتكبون للمعاصي الذين اكتسبوا القبائح أن يحكم لهم بحكم المؤمنين المعترفين بتوحيد الله المصدقين لرسله العاملين بطاعته؟ !.
ثم اخبر عن الكفار فقال (سواء محياهم ومماتهم) أي هم متساون حال كونهم أحياء وحال كونهم أمواتا، لان الحي متى لم يفعل الطاعات فهو بمنزلة الميت وقال مجاهد: المؤمن يموت على ايمانه ويبعث عليه. والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. ثم قال (ساء ما يحكمون) أي بئس الشئ الذي يحكمون به في هذه القصة. وإنما قال (يحكمون) مع ان الحكم مأخوذ من الحكمة، وهي حسنة لان المراد على ما يدعون من الحكمة، كما قال (حجتهم داحضة عند ربهم) (1) وقوله (وما كان حجتهم الا أن قالوا ائتوا بآبائنا ان كنتم صادقين).

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 42 الشورى آية 16 (*)

===============
(259)
ثم قال تعالى (وخلق الله السموات والارض بالحق) أي للحق لم يخلقهما عبثا، وانما خلقهما لمنافع خلقه بأن يكلفهم فيها ويعرضهم للثواب الجزيل (ولتجزى كل نفس بما كسبت) من ثواب طاعة او عقاب على معصية (وهم لا يظلمون) أي لا يبخسون حقوقهم.
ثم قال (أفرايت من اتخذ) يا محمد (الهه هواه) وانما سمي الهوى إلها من حيث أن العاصي يتبع هواه ويرتكب ما يدعوه اليه ولم يريد انه يعبد هواه أو يعتقد أنه يحق له العبادة، لان ذلك لا يعتقده احد. قال الحسن: معناه اتخذ إلهه بهواه، لان الله يحب أن يعرف بحجة العقل لا بالهوى. وقال سعيد بن جبير كانوا يعبدون العزى وهو حجر أبيض حبنا من الدهر، فاذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الاول وعبدوا الآخر. وقال ابن عباس: معناه أفرايت من اتخذ دينه ما يهواه لانه يتخذه بغير هدى من الله ولا برهان. وقوله (وأضله الله على علم)
معناه حكم الله بضلاله عالما بعدوله عن الحق. ويحتمل ان يكون المعنى يعدل الله به عن طريق الجنة إلى طريق النار جزاء على فعله، عالما بأنه يستحق ذلك (وختم على سمعه وقلبه) وقد فسرناه في ما مضى. ومعناه أنه يجعل عليهما علامة تدل على كفره وضلاله واستحقاقه للعقاب، لا أنه يفعل فيهما ما يمنع من فعل الايمان والطاعات (وجعل على بصره غشاوة) شبهه بمن كان على عينه غشاوة تمنعه من الابصار، لان الكافر إذا كان لا ينتفع بما يراه ولا يعتبر به، فكأنه لم يره، ثم قال (فمن يهديه) إلى طريق الجنة او من يحكم بهدايته (من بعدالله) إن حكم الله بخلافه (أفلا تذكروه) أي افلا تتفكرون فتعلمون ان الامر على ما قلناه.
ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم (قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا) أي ليس الحياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها في دار الدنيا (نموت ونحيا) وقيل في

===============
(260)
معناه ثلاثة اقوال:
احدها - انه على التقديم والتأخير وتقديره ونحيا ونموت من غير رجوع ولا بعث على ما تدعون.
والثاني - ان يكون المراد نموت ويحيا أولادنا كما يقال ما مات من خلف ابنا مثل فلان والثالث - ان يكون المعنى يموت بعضنا ويحيا بعضنا، كما قال تعالى (فاقتلوا أنفسكم) (1) أي ليقتل بعضكم بعضا. ثم حكى انهم يقولون (وما يهلكنا إلا الدهر) يعنون مرور الليل والنهار والشهور والاعوام ثم اخبر تعالى فقال (وما لهم بذلك من علم) أي ليس لهم بما يقولونه علم (إن هو إلا يظنون) أي وليس هم في ما يذكرونه إلا ظانين وإنما الامر فيه بخلافه. ثم قال تعالى (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) أي إذا قرئت عليهم حججنا الظاهرة (ما كان حجتهم إلا أن قالوا) يعني لم يكن لهم في مقابلتها حجة إلا قولهم (ائتوا بآبائنا) الذين ماتوا وبادوا (إن كنتم صادقين)
في أن الله يعيد الاموات ويبعثهم يوم القيامة. وإنما لم يجبهم الله إلى ذلك، لانهم قالوا ذلك متعنتين مقترحين لا طالبين الحجة.
قوله تعالى:
(قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيمة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (26) ولله ملك السموات والارض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها أليوم تجزون ما كنتم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 54 (*)

===============
(261)
تعملون (28) هذاكتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين) (30) خمس آيات بلا خلاف.
يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) (قل) لهم يا محمد (الله يحييكم) في دار الدنيا، لانه لا يقدر على الاحياء احد سواه تعالى لانه قادر لنفسه (ثم يميتكم) بعد هذا (ثم يجمعكم إلى يوم القيامة) بأن يبعثكم ويعيدكم أحياء، وإنما احتج بالاحياء في دار الدنيا، لان من قدر على فعل الحياة في وقت قدر عليها في كل وقت. ومن عجز عنها في وقت وتعذرت عليه مع كونه حيا ومع إرتفاع الموانع عجز عنها في كل وقت. ثم بين أن يوم القيامة (لا ريب فيه) أي لاشك في كونه (ولكن اكثر الناس لا يعلمون) ما قلناه لعدولهم عن النظر الموجب للعلم بصحة ذلك. ثم قال تعالى (ولله ملك السموات والارض ويوم تقوم) أي وله الملك يوم تقوم (الساعة يخسر فيه المبطلون) ثواب الله. والمبطل هو من فعل الباطل وعدل عن الحق.
ثم اخبر تعالى عن حال يوم القيامة فقال (وترى كل أمة جاثية) فالامة الجماعة التي على مقصد، واشتقاقه من أمه يؤمه أما إذا قصده، والامم أمم الانبياء (جاثية) وقال مجاهد والضحاك وابن زيد: معناه باركة مستوفرة على ركبها والجثو البروك. والجثو البروك على طرف الاصابع، فهو ابلغ من الجثو.
وقوله (كل أمة تدعى إلى كتابها) قيل معناه إلى كتابها الذي كان

===============
(262)
يستنسخ لها ويثبت فيه أعمالها. وقال بعضهم: كتابها الذي انزل على رسولها - حكي ذلك عن الجاحظ - والاول الوجه.
ثم حكى إنه يقال لهم (اليوم تجزون ما كنتم تعملون) من طاعة او معصية على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. ثم قال تعالى (هذا كتابنا) يعني الذي أستنسخ (ينطق عليكم بالحق) جعل ثبوت ما فيه وظهوره بمنزلة النطق، وإنه ينطق بالحق دون الباطل. ثم قال تعالى " إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون " قال الحسن: نستنسخ ما حفظت عليكم الملائكة الحفظة. وقيل: الحفظة تستنسخ ما هو مدون عندها من أحوال بني آدم الجزائية في قول ابن عباس - وروي عن علي (عليه السلام) أن الله ملائكة ينزلون في كل يوم يكتبون فيه أعمال بني آدم، ومعنى نستنسخ نستكتب الحفظة ما يستحقونه من ثواب وعقاب ونلقي ما عداه مما أثبته الحفظة، لانهم يثبتون جميعه.
ثم قسم تعالى الخلق فقال " فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات " أي صدقوا بواحدانيته وصدقوا رسله وعملوا الاعمال الصاحات " فيدخلهم ربهم في رحمته " من الثواب والجنة. ثم بين ان " ذلك هو الفوز المبين " أي الفلاح الظاهر.
قوله تعالى:
(وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبر ثم وكنتم قوما مجرمين (31) وإذا قيل إن وعدالله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) وبدالهم سيئآت ما عملوا وحاق

===============
(263)
بهم ما كانوا به يستهزؤن (33) وقيل اليوم ننسيكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأويكم النار وما لكم من ناصرين (34)
ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحيوة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (35) فلله الحمد رب السموات ورب الارض رب العالمين (36) وله الكبرياء في السموات والارض وهو العزيز الحكيم) (37) سبع آيات بلا خلاف قرأ حمزة وحده " والساعة لا ريب فيها " نصبا عطفا على " ان وعده " وتقديره ان وعدالله حق وإن الساعة آتية. الباقون بالرفع على الاسيئناف او عطفا على موضع (إن).
لما اخبر الله تعالى عن حال المؤمنين العاملين بطاعة الله وانه يدخلهم الجنة أخبر عن حال الكفار، فقال " واما الذين كفروا " أي جحدوا وحدانيتي وكذبوا رسلي، يقال لهم " افلم تكن آياتي " وحججي " تتلى عليكم " قال الزجاج:
جواب (إما) محذوف والفاء في " أفلم " دلالة عليه بتقدير فيقال لهم " أفلم " ومثله قوله " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم " (1) وتقديره فيقال لهم اكفرتم بعد إيمانكم. وقال قوم: جواب " اما " الفاء في " أفلم تكن آياتي " إلا أن الالف تقدمته، لان لها صدر الكلام.
وقوله (فاستكبرتم) فالاستكبار هو طلب التعظيم في أعلى المراتب فهو صفة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 3 آل عمران آية 106 (*)

===============
(264)
ذم في العباد وكذلك متكبر، لانها تقتضي التعظيم في أعلى المراتب، ولا يستحق التعظيم في اعلى المراتب إلا من لا يجوز عليه صفة النقص بوجه من الوجوه " وكنتم قوما مجرمين " أي عاصين، فالاجرام الانقطاع إلى الفساد، واصله قطع الفعل عما تدعو اليه الحكمة. ثم حكى تعالى انه " إذا قيل ان وعدالله حق " أي ما وعدوا به من الثواب والعقاب كائن لامحة " وان الساعة لا ريب فيها " أي لاشك في حصولها " قلتم " معاشر الكفار " ما ندري ما الساعة " أي لا نعرفها " إن نظن إلا ظنا " ليس نعلم ذلك " وما نحن بمستيقنين " أى لسنا بمستيقنين ذلك.
ثم اخبر تعالى فقال " وبدالهم سيئات ما عملوا " ومعناه ظهر لهم جزاء معاصيهم التي عملوها في دار التكليف من العقاب " وحاق بهم، أي حل بهم جزاء " ما كانوا به يستهزؤن " باخبار الله واخبار نبيه " وقيل " لهم " اليوم ننساكم " أى نترككم في العقاب - في قول ابن عباس - ونحرمكم ثواب الجنة " كما نسيتم " أى كما تركتم التأهب ل " لقاء يومكم هذا " فلم تعملوا الطاعات وارتكبتم المعاصي وقال مجاهد: كنسيانكم يومكم " ومأواكم النار " أي مستقركم جهنم " ومالكم من ناصرين " يدفعون عنكم عذاب الله ولا لكم من مستنقذ من عذاب الله. ثم بين تعالى لم فعل بهم ذلك بان قال " ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا " يعني حججه وآياته (هزوا) أي سخرية تسخرون منها " وغرتكم الحياة الدنيا " أي خدعتكم زينتها ومعناه اغتررتم بها، " فاليوم لا تخرجون منها " يعني من النار.
وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما " يخرجون " بفتح الياء وبضم الراء. الباقون بضم الياء وفتح الراء. ومن فتح الياء، فلقوله " يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها " (1) ومن ضم فلقوله " ولا هم يستعتبون " وطابق بينهما
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 5 المائدة آية 40 (*)

===============
(265)
ومعنى " ولا هم يستعتبون " أي لايطلب منهم العتبى والاعتذار، لان التكليف قد زال. وقيل: معناه لا يقبل منهم العتبى. وقيل: الوجه في ظهور أحوالهم وسيئاتهم في الآخرة التبكيت بها والتقريع بالتكذيب لما كان يمكنهم معرفته لظهور حججه على خلقه.
ثم قال تعالى " فلله الحمد رب السموات ورب الارض رب العالمين " أي الشكر التام والمدحة التي لا يوازيها مدحة لله الذي خلق السموات والارض ودبرهما وخلق العالمين " وله الكبرياء في السموات والارض " أي له السلطان القاهر وله العظمة العالية التي هي في أعلى المراتب لا يستحقها سواه " وهو العزيز " أي القادر الذي لا يغالب " الحكيم " في جميع أفعاله. وقيل: (عزيز) في انتقامه من الكفار (حكيم) في ما يفعل بهم وبالمؤمنين من الثواب.
(ج 9 م 34 من التبيان)

===============
(266)
46 - سورة الاحقاف مكية بلا خلاف، وهي خمس وثلاثون آية في الكوفي واربع وثلاثون في البصري والمدنيين عد أهل الكوفة (حم) آية ولم يعده الباقون. والباقي لا خلاف فيه بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ما خلقنا السموات والارض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون (3) قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أرني ماذا خلقوا من الارض أم لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4)
ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجب له إلى يوم القيمة وهم عن دعائهم غافلون) (5).
خمس آيات في الكوفي واربع في ما عداه عد الكوفي (حم) ولم يعده الباقون.
وقد بينا معنى قوله (حم) وإختلاف العلماء في ذلك، وبينا ايضا تأويل قوله " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " فلا وجه لا عادته. وقيل: الوجه في

===============
(267)
تكرير ذلك الا بانة عن أن هذه السورة حالها حال السورة التي قبلها في أنه تعالى نزلها وشرفها وكرمها في الاضافة إلى العزيز الحكيم. والعزيز القادر الذي لا يغالب ولا يقهر. وقيل هو العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في افعاله. وقد يكون الحكيم بمعنى العالم بتصريف الامور الذي لا يوقعها الا على مقتضى العلم في التدبير وهو صفة مدح، وضده السفيه، وضد العزيز الذليل.
ثم قال تعالى مخبرا إنا " ما خلقنا السموات والارض وما بينهما إلا بالحق " ومعناه إنا لم نخلق السموات والارض وما بينهما إلا بالحق ومعناه إنه لم توجد السموات والارض وما بينهما من الاجناس إلا للحق وتعريض الخلق لضروب النعم وتعريض المكلفين للثواب الجزيل ولم ونخلقها عبثا ولا سدى بل عرضناهم للثواب بفعل الطاعات وزجرناهم بالعقاب عن فعل المعاصي، وقدرنا لهم اوقات نبعثهم اليها وأوقات نجازيهم فيها " واجل مسمى " أى مذكور للملائكة في اللوح المحفوظ.
ثم قال " والذين كفروا " بوحدانية الله تعالى وجحدوا ربوبيته " عما انذروا " به معرضون وعما خوفوا العمل من خلافه بالعقاب " معرضون " أى عادلون عن الفكر فيه والاعتبار به.
ثم قال " قل " يامحمد (صلى الله عليه وآله) لهؤلاء الكفار الذين يعبدون الاصنام ويدعون مع الله إلها آخر " أرايتم ما تدعون من دون الله " آلهة وتوجهون عبادتكم اليها بأي شئ استحقوا ذلك " أروني ماذا خلقوا من الارض " فاستحقوا بخلق ذلك العبادة والشكر " أم لهم شرك في السموات " أى في خلقها، فانهم لا يقدرون على ادعاء ذلك.
ثم قال لهم " ائتوني بكتاب من قبل هذا " يعني هاتوا بكتاب انزله الله يدل على صحة قولكم قبل هذا القرآن " او أثارة من علم " يعني شئ يستخرج منه

===============
(268)
فيثار فيعلم به ماهو منفعة لكم - وهو قول الحسن - وقال مجاهد: معناه او علما تأثرونه عن غيركم - ويؤدى أثره، وهما لغتان: اثره واثاره، ومنه الحديث المأثور أى المرفوع - يدل على صحة ما تذهبون اليه. وقال ابوبكر وابن عباس: معناه او بقية من علم يشهد بصحة قولكم وصدق دعواكم " إن كنتم صادقين " في ما تذكرونه وتذهبون اليه. ويقال: اثر الشئ اثارة مثل قبح قباحة وسمح سماحة، قال الراعي:
وذات أثارة اكلت عليه يعني ذات بقية من شحم. ثم قال تعالى " ومن أضل " أى من اضل عن طريق الصواب " ممن يدعو من دون الله " أي يضرع اليه ويوجه عبادته إلى " من لا يستجيب له إلى يوم القيامة " مع ظهور الدلالة على توحيدالله ووضوح آثار نعمه على خلقه " وهم " مع ذلك " عن دعائهم " إياهم " غافلون " أى ذاهبون عن الفكر فيه، لانهم لا يعقلون ولا يفقهون. والغفلة ذهاب المعنى عن نفس العاقل بمعنى يمتنع به إدراكه. وضده اليقظة، وهو حضور المعنى لنفس العاقل بما يجد إدراكه، وانما كنى عن الاصنام بالواو والنون مع أنها لا تعقل لما أضاف اليها ما يكون من العقلاء، كنى عنها بكناياتهم، كما قال " والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " (1) وقوله " كل في فلك يسبحون " (2).
قوله تعالى:
(وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (6) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 12 يوسف آية 4 (2) سورة 36 يس آية 40 (*)

===============
(269)
للحق لما جاءهم هذا سحر مبين (7) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) قل أرأيتم إن كان من عندالله وكفرتم به وشد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) (10) خمس آيات بلا خلاف.
لما قال تعالى إنه لا أحد أضل عن طريق الحق ممن يدعو من لا يستجيب له، يعني الاصنام التي عبدوها وإنهم عن دعائهم غافلون ايضا، ذكر انه " إذا حشر الناس " يوم القيامة وبعثهم الله للثواب والعقاب " كانوا لهم اعداء " يعني هذه الاوثان التي عبدوها ينطقهم الله حتى يجحدوا أن يكونوا دعو إلى عبادتها او شعرت بذكر من أمرها " وكانوا بعبادتهم كافرين " يعني يكفرون بعبادة الكفار لهم ويجحدون ذلك. ثم وصفهم ايضا فقال " وإذا تتلى عليهم " يعني هؤلاء الكفار الذين وصفهم " آياتنا " أى أدلتنا التي انزلناها من القرآن ونصبناها لهم.
والآية الدلالة التى تدل على ما يتعجب منه، قال الشاعر:
بآية يقدمون الخيل زورا * كأن على سنابكها مداما (1)
ويروى مناكبها و " بينات " أى واضحات " قال الذين كفروا " بوحدانية
ـــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 63 (*)

===============
(270)
الله وجحدوا نعمه " للحق لما جاءهم " يعني القرآن، والمعجزات التي ظهرت على يد النبي (صلى الله عليه وآله) " هذا سحر مبين " أى حيلة لطيفة ظاهرة، ومن اعتقد ان السحر حيلة لطيفة لم يكفر بلا خلاف. ومن قال انه معجزة كان كافرا، لانه لا يمكنه مع هذا القول ان يفرق بين النبي والمتنبي.
ثم قال " أم يقولون افتراه " أي بل يقولون اختلقه واخترعه فقال الله تعالى له " قل " لهم " إن " كنت (افتريته) وأخترعته (فلا تملكون لي من الله شيئا) أي ان كان الامر على ما تقولون إني ساحر ومفتر لا يمكنكم أن تمنعوا الله مني إذا أراد اهلاكي على افترائي عليه (هو أعلم بما تفيضون فيه) يقال:
أفاض القوم في الحديث إذا مضوا فيه، وحديث مستفيض أي شائع، من قولكم هذا سحر وافتراء، ثم قل لهم (كفى به) يعني بالله (شهيدا بيني وبينكم)
يشهد للمحق منا والمبطل (وهو الغفور) لذنوب عباده (الرحيم) بكثرة نعمه عليهم. وفي ذلك حث لهم على المبادرة بالتوبة والرجوع إلى طريق الحق، ثم قال (قل) يا محمد (صلى الله عليه وآله) (ما كنت بدعا من الرسل) فالبدع الاول في الامر يقال:
هو بدع من قوم أبداع قال عدي بن زيد:
فلا أنا بدع من حوادث تعتري * رجالا عرت من بعد يؤمن واسعد (1)
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معناه ما كنت بأول رسول بعث وقوله (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) قال الحسن: معناه لا أدري ما يأمرني الله تعالى فيكم من حرب او سلم او تجعيل عقابكم او تأخيره. وقال قل لهم (إن اتبع إلا ما يوحي إلي) أي لست اتبع في أمركم من حرب او سلم او امر او نهي إلا ما يوحي الله إلي ويأمرني به (وما أنا إلا نذير مبين) أي لست إلا مخوفا من
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري 26 / 4 (*)

===============
(271)
عقاب الله ومحذرا من معاصيه ومرغبا في طاعاته. وقيل: إن اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) شكوا إليه ما يلقون من اهل مكة من الاذى، فقال لهم (إني رأيت في المنام أني اهاجر إلى ارض ذات نخل وشجر) ففرحوا بذلك، فلما تأخر ذلك، قالوا:
يارسول الله ما نرى ما بشرتنا به فانزل الله الآية. وقوله (مبين) معناه مظهر لكم الحق فيه.
ثم قال (قل) لهم يا محمد (أرأيتم إن كان من عند الله) يعني هذا القرآن (وكفرتم به) يعني بالقرآن (وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وعون بن مالك الاشجعي صحابي، وابن زيد: نزلت الآية في عبدالله بن سلام، وهو الشاهد من بني إسرائيل، فروي أن عبدالله بن سلام جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: يا رسول الله سل اليهود عني فهم يقولون هو أعلمنا، فاذا قالوا ذلك قلت لهم إن التوراة دالة على نبوتك وأن صفاتك فيها واضحة، فلما سألهم عن ذلك، قالوا ذلك، فحينئذ اظهر ابن سلام إيمانه وأوقفهم على ذلك، فقالوا هو شرنا وابن شرنا. وقال الفراء: هو رجل من اليهود.
وقال مسروق: الشاهد من بني إسرائيل هو موسى (عليه السلام) شهد على التوراة كما شهد النبي (صلى الله عليه وآله) على القرآن، قال: لان السورة مكية وابن سلام أسلم بالمدينة.
وقوله (فآمن واستكبرتم) عن الايمان وجواب (إن كان من عندالله محذوف. قال الزجاج: تقديره (فآمن واستكبرتم) فلا تؤمنون. وقال غيره تقديره فآمن واستكبرتم إنما تهلكون. وقال الحسن: جوابه فمن أضل منكم.
ثم اخبر تعالى فقال (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) ويحتمل أمرين:
احدهما - إنه لا يهديهم إلى الجنة لاستحقاقهم العقاب.
والثاني - إنه لا يحكم بهداهم لكونهم ضلالا ظالمين. ولا يجوز ان يكون

===============
(272)
المراد لا يهديهم إلى طريق الحق، لانه تعالى هدى جميع المكلفين بأن نصب لهم الادلة على الحق ودعاهم إلى اتباعه، ورغبهم في فعله. وقد قال (واما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) (1) فبين أنه هداهم إلى الحق وإن اختارواهم الضلال.
قوله تعالى:
(وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11) ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (14) ووصينا الانسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضيه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين) (15) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ ابن كثير - في إحدى الروايتين عنه - ونافع وابوجعفر وابن عامر
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 41 حم السجدة آية 17 (*)

===============
(273)
ويعقوب (لتنذر) بالتاء على وجه الخطاب. ويجوز ان يكون مردودا إلى اللسان وهو مؤنث. الباقون بالياء على وجه الاخبار عن الكتاب او القرآن. وقرأ اهل الكوفة (إحسانا) بالف. الباقون (حسنا) بضم الحاء بلا ألف. وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وابوعمرو (كرها) بفتح الكاف. الباقون بضمها، وهما لغتان.
وقرأ يعقوب (وفصله) بفتح الفاء وسكون الصاد من غير الف. الباقون (وفصاله)
بكسر الفاء وإثبات ألف، وهما لغتان وباثبات الالف كلام العرب. وفي الحديث (لا رضاع بعد فصال) وروى بعد (فطام).
اخبرالله تعالى عن الكفار الذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) أنهم قالوا (للذين آمنوا) وصدقوا رسوله (لو كان) هذا الذي يدعوننا هؤلاء المسلمون اليه: محمد ومن اتبعه (خيرا) أي نفعا عاجلا أو آجلا يظهر لنا ذلك (ما سبقونا) يعني الكفار الذين آمنوا به (اليه) أي إلى إتباعه لانا كنا بذلك أولى وبه اجرى، وحكى ان اسلم وغفار وجهينة ومزينة لما اسلموا قال بنو عامر ابن صعصعة وغطفان واسد واشجع هذا القول، فحكاه الله. والسبق المصير إلى الشئ قبل غيره، وكذلك السابق إلى الخير والتابع فيه، فقال الله تعالى (وإذ لم يهتدوا به) يعني هؤلاء الكفار بهذا القرآن ولا استبصروا به ولا حصل لهم العلم بأنه مرسل داع إلى الله (فسيقولون هذا أفك قديم) أي كذب متقدم حيث لم يهتدوا به، وصفه بالقديم للمبالغة في التقدم أي ليس أول من ادعى الكذب في ذلك بل قد تقدم اشباهه. والقديم في عرف اللغة هو المتقدم الوجود، وفى عرف المتكلمين هو الموجود الذي لا أول لوجوده.
ثم قال تعالى (ومن قبله) يعني من قبل القرآن (كتاب موسى) يعني (ج 9 م 35 من التبيان)

===============
(274)
التوراة (إماما ورحمة) أي جعلناه إماما ورحمة وانزلناه إماما يهتدى به ورحمة أي نعمة على الخلق. ثم قال (وهذا) يعني القرآن (كتاب مصدق) لذلك الكتاب (لسانا عربيا) نصبه على الحال، ويجوز ان يكون حالا من هذا الكتاب ويجوز ان يكون حالا لما في (مصدق) من الضمير. وقوله (لينذر الذين ظلموا)
أي ليخوفهم، ويعلمهم استحقاق العقاب على المعاصي واستحقاق الثواب على الطاعات.
فمن قرأ بالتاء جاز أن يكون خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله) ويجوز ان يكون ردا على اللسان على ما قدمناه، وهو مؤنث. ومن قرأ بالياء رده إلى الكتاب الذي هو القرآن.
وقوله (وبشرى للمحسنين) معناه ان يكون هذا القرآن بشارة لمن فعل الصالحات واختار الحسنات، ويجوز في (بشرى) ان يكون رفعا عطفا على (مصدق) ويجوز ان يكون نصبا لوقوعه موقع (وبشيرا) فيكون حالا، كما تقول: اتيتك لازورك وكرامة لك وقضاء لحقك.
ثم اخبر تعالى (إن الذين قالوا) بلسانهم (ربنا الله) واعتقدوا ذلك بقلوبهم (ثم استقاموا) على ذلك لم يعدلوا عنه (فلا خوف عليهم) من العقاب في الآخرة (ولا هم يحزنون) من أهوال القيامة.
ثم اخبر عنهم فقال (أولئك) يعني من تقدم ذكرهم (اصحاب الجنة) أي الملازمون لها (خالدين فيها جزاء) لهم (بما كانوا يعلمون) في الدنيا من الطاعات.
ثم قال تعالى (ووصينا الانسان بوالديه إحسانا) أي امرناه بأن يحسن إلى والديه إحسانا. فمن قرأ بلا الف فالمعنى أن يحسن فعله معهما حسنا، فالحسن والحسن. لغتان، يقال: حسن يحسن حسنا ومن قرأ " إحسانا " جعله مصدر احسن ". وكرها " بفتح الكاف المصدر وبضمها الاسم. وقيل هما لغتان. وقوله " حملته أمه كرها ووضعته كرها " قال الحسن وقتادة ومجاهد: أي بمشقة. ثم

===============
(275)
قال " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " نبه بذلك على ما يستحقه الوالدان من الاحسان اليهما ومعاملتهما من حيث أنهما تكفلا به وربياه، وانه " حملته أمه كرها ووضعته كرها " أي بمشقة في حال الولادة وارضعته مدة الرضاع. ثم بين ان أقل مدة الحمل وكمال مدة الرضاع ثلاثون شهرا، وأنهما تكفلا به حتى بلغ حد الكمال " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة " قيل اكثر الفصال واكثر مدة الرضاع اربعة وعشرون شهرا واقل مدة الحمل ستة اشهر، والمعنى وصية بذلك ليكون إذا بلغ اشده أي حال التكليف وحال الاربعين، قال هذا القول علمه الله إياه. وقال قتادة وابن عباس: أشده ثلاث وثلاثون سنة. وقال الشعبي: هو وقت بلوغ الحلم. وقال الحسن: اشده وقت قيام الحجة عليه. ثم " قال رب اوزعني ان اشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي " فالايزاع المنع من الانصراف عن الشئ فالايزاع الشكر المنع من الانصراف عنه باللطف، ومنه قولهم يزع الله بالسلطان مالا يزع بالقرآن. ومنه قول الحسن: لابد للسلطان من وزعة. قال النابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصبا * فقلت ألما تصح والشيب وازع
اي مانع. وقيل: إيزاع الشكر هو الهام الشكر وقيل الاعزاء بالشكر " وأن أعمل صالحا ترضاه واصلح لي في ذريتي إني تبت اليك وإني من المسلمين " تمام ما علمه الله للانسان ووصاه ان يدعو به إذا بلغ اشده: أن يقول: إني تائب إلى الله من المعاصي وإني من جملة المسلمين لامر الله.
قوله تعالى:
(أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيآتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16)
والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت

===============
(276)
القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الاولين (17) أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والانس إنهم كانوا خاسرين (18) ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون (19) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الارض بغير الحق وبما كنتم تفسقون) (20) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ " نتقبل، ونتجاوز " بالنون فيهما حمزة والكسائي وخلف، على وجه الاخبار من الله عن نفسه ولقوله " ووصينا " الباقون بالياء فيهما، على مالم يسم فاعله. وروى هشام " اتعداني " بنون مشددة. الباقون بنونين. وقرأ ابن كثير وأهل البصرة وعاصم إلا الكسائي عن ابي بكر والحلواني عن هشام (وليوفينهم)
بالياء. الباقون بالنون. وقرأ ابن ذكوان وروح (أاذهبتم) بهمزتين مخففتين على الاستفهام. وقرأ ابن كثير وابوجعفر وهشام بتخفيف الاولى وتليبن الثانية وفصل بينهما بالف ابوجعفر والحلواني عن هشام. الباقون بهمزة واحده على الخبر.
لما اخبر تعالى بما أوصى به الانسان ان يعمله ويقوله عند بلوغ أشده اخبره بعده بما يستحقه من الثواب إذا فعل ما أمره به تعالى فقال (أولئك)
يعني الذين فعلوا ما وصيناهم به من التائبين المسلمين هم (الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا)
من قرأ بالنون اضاف الفعل إلى الله وانه أخبر عن نفسه بأنه يفعل بهم. ومن

===============
(277)
قرأ بالياء والضم فيهما لم يذكر الفاعل لانه معلوم أن المراد به أن الله الذي يتقبل الطاعات ويجازي عليها. وقوله (أحسن ما عملوا) يعني ما يستحق به الثواب من الواجبات والمندوبات، لان المباحات وإن كانت حسنة لا يستحق بها الثواب ولا توصف بأنها متقبلة، لانه لا يتقبل إلا ما ذكرناه من واجب او ندب.
ثم قال (ونتجاوز عن سيئاتهم) التي اقترفوها فلا نؤاخذهم بها إذا تابوا منها أو اردنا أن نتفضل عليهم باسقاطها، وقوله (في اصحاب الجنة) أي هم في اصحاب الجنة (وعد الصدق) أي وعدهم وعد الصدق لا الكذب، فهو نصب على المصدر (الذي كانوا يوعدون) به في دار الدنيا إذا اطاعوا الله.
ثم اخبر تعالى عن حال (الذي قال) أي الذي يقول (لوالديه أف لكما)
ومعناه أنه في موضع ضجر منهما، وقيل: معناه نتنا وقذرا لكما، كما يقال عند شم الرائحة الكريهة. وقال الحسن: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه المكذب بالبعث وانه يتأفف بهما إذا دعواه إلى الاقرار بالبعث والشنور. وقال قوم: نزلت الآية في عبدالرحمن بن ابي بكر قبل ان يسلم.
ثم بين أنه يقول لهما (أتعدانني أن اخرج) من القبر وأحيا وابعث (وقد خلت القرون من قبلي) أي مضت امم قبلي وماتوا فما أخرجوا ولا اعيدوا وهما) يعني والديه (يستغيثان الله) ويقولان له (ويلك آمن إن وعد الله حق)
والبعث والنشور والثواب والعقاب (فيقول) في جوابهما (ما هذا إلا اساطير الاولين) أي ليس هذا إلا أخبار الاولين وسطروها، وليس لها حقيقة، فقال تعالى (أولئك الذين حق عليهم القول) باستحقاق العقاب وإدخالهم النار (في أمم) أي مع أمم وجماعات (قد خلت من قبلهم من الجن والانس) على مثل حالهم ومثل اعتقادهم. وقال قتادة: قال الحسن: الجن لا يموتون، قال قتادة:

===============
(278)
فقلت (أولئك الذين حق عليهم القول..) الآية تدل على خلافه، ويجوز ان يكون الحسن أراد انهم لا يموتون في دار الدنيا ويبقون إلى وقت قيام الساعة.
ثم يميتهم الله كما ان ذلك سبيل كل خلق من الملائكة.
ثم قال تعالى مخبرا عن حالهم (إنهم) يعني الذين وصفهم (كانوا قوما خاسرين) في أمورهم، لانهم خسروا الثواب الدائم وحصل لهم العقاب المؤبد.
ثم قال (ولكل درجات مما غملوا) أي لكل مطيع درجات ثواب، وإن تفاضلوا في مقاديرها.
وقوله (وليوفيهم) من قرأ بالياء معناه ليوفيهم الله. ومن قرأ بالنون فعلى وجه الاخبار من الله عن نفسه انه يوفيهم ثواب اعمالهم من الطاعات " وهم لا يظلمون " أي من غير ان ينقص منه شيئا.
ثم قال تعالى (ويوم يعرض الذين كفروا على النار) يعني يوم القيامة (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) أي يقال لهم على وجه التهجين والتوبيخ (أذهبتم طيباتكم) أي انفقتم ذلك في ملاذ الدنيا، وفي معاصي الله، ولم تستعملوها في طاعاته. فمن خفف الهمزتين أراد بالف الاستفهام التوبيخ. ومن لين الثانية كره الجمع بين الهمزتين. ومن قرأ على الخبر، فعلى تقدير يقال لهم (أذهبتم) أو يكون حذف احدهما تخفيفا ويكون المحذوفة الاصلية، لان همزة الاستفهام ادخلت لمعنى.
وقوله (واستمتعتم بها) يعني بالطيبات. ثم حكى ما يقال لهم بعد ذلك فانه يقال لهم (فاليوم تجزون عذاب الهون) يعني عذاب الهوان - في قول مجاهد (بما كنتم تستكبرون في الارض) أي جزاء بما كنتم تطلبون التكبر والتجبر على الناس (بغير الحق) أي بغير استحقاق (وبما كنتم تفسقون) أي تخرجون


(279)
من طاعة الله إلى معاصيه.
قوله تعالى:
(واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (22) قال إنما العلم عندالله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أريكم قوما تجهلون (23) فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (24) تدمر كل شئ بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين) (25) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ عاصم وحمزة وخلف (لايرى) بالياء مضمومة، على ما لم يسم فاعله (إلا مساكنهم) برفع النون. الباقون - بالتاء - ونصب النون. من ضم الياء فعلى ما لم يسم فاعله. ومن فتح التاء، فعلى الخطاب، والمعنيان متقاربان.
يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) (واذكر) يا محمد (أخا عاد) يعني هودا (عليه السلام) (اذ أنذر قومه) أي خوفهم من الكفر بالله وحذرهم معاصيه ودعاهم إلى طاعته (بالاحقاف) قال ابن عباس: هو واد بين عمان ومهوة، وقال ابن اسحاق:
الاحقاف الرمل في ما بين عمان إلى حضرموت. وقال قتادة: الاحقاق رمال

===============
(280)
مشرفة على البحر بالشجر من اليمن، وقال الحسن: الاحقاف أرض خلالها رمال.
وقال الضحاك: جبل بالشام يسمى بذلك، قال العجاج:
بات إلى ارطات حقف أحقفا (1)
أي رمل مشرف، وقال ابن زيد: الحقف الرمل يكون كهيئة الجبل.
وقال المبرد: الحقف هو كثيب المكثر غير العظيم وفيه اعوجاج، قال العجاج:
سماوة الهلال حتى احقوقفا (2)
وهو انحناؤه. وقوله (وقد خلت النذر) أي مضت الرسل (من بين يديه ومن خلفه) أي قدامه ووراءه (ألا تعبدوا إلا الله) أي انذرهم وخوفهم بان لا تعبدوا إلا الله. وقال لهم (إني اخاف عليكم عذاب يوم عظيم) يعني عذاب يوم القيامة.
ثم حكى ما اجاب به قومه وانهم (قالوا اجئتنا) ياهود (لتأفكنا)
أي لتلفتنا وتصرفنا (عن) عبادة (آلهتنا) بالكذب والافك (فأتنا بما تعدنا) من العذاب (إن كنت) صادقا (من الصادقين) فانا لا نصدقك في ما تقوله، فقال هود لهم (إنما العلم عندالله) يريد العلم بوقت إنزال العذاب بكم عندالله، وهو العالم به ولا أعلمه مفصلا (وابلغكم ما أرسلت به) أي أؤدي اليكم ما بعثت به اليكم من الدعاء إلى عبادة الله وإخلاص القربة اليه، فلست اراكم تقبلون ذلك (ولكني أراكم قوما تجهلون) أي تفعلون ما يفعله الجهال.
وقوله " فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم " معناه فلما رأو العذاب وشاهدوه أطل عليهم " قالوا هذا عارض " أي سحاب " ممطرنا " والعارض المار بمعنى انه
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبى 16 / 203 ومجاز القرآن 2 / 213 والطبرى 26 / 15 (2) تفسير القرطبي 16 / 203 وقد مر في 6 / 79 و 8 / 29 (*)

===============
(281)
لا يلبث من خير أو شر، فلما رأو العارض ظنوا انه عارض خير بالمطر، فقيل لهم ليس الامر كما ظننتم " بل هو ما استعجلتم " أي هو عارض من العذاب الذي استعجلتموه وطلبتموه مكذبين به، وقال (عارض) نكرة و (ممطرنا) معرفة، وإنما وصفه به لان التقدير ممطر إيانا، كقولك: مررت برجل مثلك أي مثل لك ثم فسره فقال " هو ريح فيه عذاب عظيم " أي مؤلم، وسمي السحاب عارضا، لاخذه في عرض السماء، وقال الاعشى:
يامن رأى عارضا قدبت أرمقه * كأنما البرق في حافاته الشعل (1)
وقيل: كانت الريح ترفع الظعينة بحملها حتى ترى كأنها جرادة - في قول عمرو بن ميمون - وقوله تعالى " تدمر كل شئ " أي تخرب وتلقي بعض الاشياء على بعض حتى تهلك، قال جرير:
وكان لهم كبكر ثمود لما رغا * ظهرا فدمر هم دمارا (2).
وقوله " فاصبحوا " يعني اهل الاحقاف " لا يرى إلا مساكنهم " وما عداها قد هلك. فمن فتح التاء نصب النون من (مساكنهم) على وجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله). ومن ضم الياء ضم النون وتقديره فأصبحوا لا يرى شئ في مساكنهم وقرأ الحسن بالتاء والضم. وقال النحويون: القراءة بالياء ضعيفة في العربية، لان العرب تذكر ما قبل (الا) في الجحد، فتقول: ما قام إلا اختك، لان المحذوف (أحد) وتقديره ما قام احد إلا اختك قامت.
ثم قال تعالى مثل ما أهلكنا اهل الاحقاف وجازيناهم بالعذاب " كذلك نجزي القوم المجرمين " الذين سلكوا مسلكهم.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه (دار بيروت) 146 (2) تفسير الطبري 26 / 16 (ج 9 م 36 من التبيان)
(*)

===============
(282)
قوله تعالى:
(ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (26) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون (27) فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (28)
وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) (30) خمس آيات بلا خلاف.
يقول الله تعالى على وجه القسم في خبره أنه مكن هؤلاء الكفار الذين اخبر عنهم بأنه اهلكهم انه مكنهم من الطاعات ومن جميع ما أمرهم به من انه جعلهم قادرين متمكنين بنصب الدلالة على توحيده، ومكنهم من النظر فيها، ورغبهم في ذلك بما ضمن لهم من الثواب وزجرهم عما يستحق به العقاب، ولطف لهم وازاح عللهم في جميع ذلك، لان التمكين عبارة عن فعل جميع مالا يتم الفعل إلا معه، ثم قال " وجعلنا لهم سمعا " يسمعون به الادلة " وأبصارا " يشاهدون بها الآيات " وافئدة " يفكرون بها ويعتبرون بالنظر فيها " فما اغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم

===============
(283)
ولا افئدتهم من شئ " أي لم ينفعهم جميع ذلك، لانهم لم يعتبروا بها ولا فكروا فيها " إذ كانوا يجحدون بآيات الله " وأدلته " وحاق بهم " أي حل بهم عذاب " ما كانوا به يستهزؤن " ويسخرون منه.
وقوله " ما ان مكناكم فيه " قال ابن عباس وقتادة: معناه في مالم نمكنكم فيه. وقال المبرد: (ما) الاولى بمعنى (الذي) و (إن) بمعنى (ما) وتقديره في الذي ما مكناكم، والمراد بالآية وعيد كفار قريش وتهديدهم وأن الله قد مكن قوم عاد بما لم يمكن هؤلاء منه، من عظيم القوة وشدة البطش والقدرة على جميع ما يطلبونه، وأنهم مع تمكينهم لم ينفعهم ذلك لما نزل بهم عذاب الله حين كفروا به وجحدوا ربوبيته ولم يغنهم جميع ذلك.
ثم قال " ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى " يعني قوم هود وصالح، لانهم كانوا مجاورين لبلاد العرب وبلادهم حول بلادهم، فاذا أهلكهم الله بكفرهم كان ينبغي أن يعتبروا بهم " وصرفنا الآيات " وتصريف الآيات تصييرها في الجهات وتصريف الشئ تصييره في الجهات، وتصريف المعنى تصييره تارة مع هذا الشئ وتارة مع ذلك، وتصريف الآيات تصييرها تارة في الاعجاز وتارة في الاهلاك، وتارة في التذكير بالنعم وتارة في وصف الابرار، وتارة في وصف الفجار، ليجتنب مثل فعلهم " لعلهم يرجعون " أي لكي يرجعوا إلى طاعته.
ثم قال " فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة " ومعناه فهلا نصرهم الذين اتخذوا آلهة من دون الله من الاصنام، توبيخا لهم على فعلهم واعلاما بأن من لا يقدر على نصرة أوليائه كيف تصح عبادته " قربانا آلهة " أي يقربون اليهم قربانا وسموها آلهة.
ثم قال لم ينصرونهم " بل ضلوا عنهم " واخبر أن " ذلك إفكهم وما كانوا

===============
(284)
يفترون " أي كذبهم الذي كذبوه، والذي كانوا يفترونه، ويخترعونه.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) واذكر يامحمد " إذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه " يعني القرآن او النبي " قالوا " بعضهم لبعض " انصتوا فلما قضي " أي حين فرغ من تلاوته " ولوا إلى قومهم منذرين " لهم مخوفين من معاصي الله. وقال قوم: إن الله تعالى أمر نبيه ان يقرأ القرآن على الجن، وأمره بأن يدعوهم إلى عبادته. وقال قوم: هم يسمعون من قبل نفوسهم لقراءة القرآن فلما رجعوا " قالوا " لقومهم " يا قومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه " يعني التوراة " يهدي إلى الحق " أي يرشد اليه " ويهدي إلى طريق مستقيم " من توحيد الله ومعرفة نبيه المؤدي إلى الجنة. وقال ابن عباس وسعيد ابن جبير: صرفوا اليه بالرجم بالشهب، فقالوا عند ذلك إن هذا الامر كبير.
وقال قتادة: صرفوا اليه من جهة. وفي رواية عن ابن عباس من نصيبين. وقيل:
ان نصيبين من أرض اليمن. وقال رزين بن حبيش: كانوا تسعة نفر، وقال ابن عباس: كانوا سبعة نفر. وقال قوم: صرفوا اليه بالتوفيق.
قوله تعالى:
(يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (31) ومن لا يجب داعي الله
فليس بمعجز في الارض وليس له من دونه أولياء ألئك في ضلال مبين (32) أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والارض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل

===============
(285)
شئ قدير (33) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34)
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) (35) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ يعقوب " يقدر " بالياء جعله فعلا مستقبلا. الباقون - بالياء - اسم فاعل.
لما حكى الله تعالى أن نفرا من الجن استمعوا القرآن وتدبروه ورجعوا به إلى قومهم مخوفين لهم من معاصي الله وأنهم قالوا إنا سمعنا كتابا يعني القرآن انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يعني التوراة يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، حكى انهم قالوا ايضا " يا قومنا أجيبوا داعي الله " يعنون محمدا (صلى الله عليه وآله) إذ دعاهم إلى توحيده وخلع الانداد دونه، وقال قوم: يجوز ان يكون المراد كل من دعا إلى الله تعالى. والاجابة موافقة الفعل الدعاء اليه بأنه عمل من أجله، ولهذا لا تكون موافقة الكافر - وإن كان إذا دعا به - إجابة له إذ لم يعمل من أجل دعائه اليه، وإنما عمل لامر آخر. وعلى هذا قال بعضهم: إنه لا يجيب الله دعاء الكافر لان فيه إجلالا له كمالا يعمل شيئا لان فيه مفسدة.
فان قيل: لو ان الكافر دعا إلى حق هل تلزم اجابته؟ قلنا: يجب العمل بما يدعو اليه، ولا تلزم إجابته، وإنما يجب العمل به، لانه حق. وقيل: يجوز إجابته إذا لم يكن فيه مفسدة.

===============
(286)
وقالوا لهم " آمنوابه " أي آمنوا بالله " يغفر لكم من ذنوبكم " (من)
زائدة، والمعنى يغفر لكم ذنوبكم " ويجركم من عذاب اليم " فالاجارة من النار جعلهم في جوار الاولياء المباعدين من النار. وفي الدعاء: اللهم أجرني من النار واللهم اعذنى منها.
ثم قالوا ايضا " ومن لا يجب داعي الله " تاركا له إلى خلافه " فليس بمعجز " أي بفائت " في الارض وليس له من دونه اولياء " ينصرونهم ويدفعون عنهم العذاب إذا نزل بهم، ويجوز ان يكون ذلك من كلام الله ابتداء. ثم قال " اولئك " يعني الذين لا يجيبون داعي الله " في ضلال " أي في عدول عن الحق " مبين ".
ثم قال تعالى منبها لهم على قدرته على الاعادة والبعث " او لم يروا " أي او لم يعلموا " ان الله الذي خلق السموات والارض " وانشأهما " ولم يعي بخلقهن " أي لم يصبه في خلق ذلك إعياء ولا تعب " بقادر " فالباء زائدة وموضعه رفع بأنه خبر (أن) ودخول الباء في خبر (ان) جائز إذا كان اول الكلام نفيا نحو ما ظننت أن زيدا بقائم ولو قلت: إن زيدا بقائم لا يجوز، لانه إثبات " على ان يحيي الموتى " ثم قال " بلى " هو قادر عليه " إنه على كل شئ قدير " ثم قال " ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق " أي يقال لهم على وجه الاحتجاج عليهم أليس هذا الذي جزيتم به حق لا ظلم فيه لانكم شاهدتموه الآن " قالوا بلى وربنا " فيحلفون على ذلك، فيقال لهم عند ذلك " ذوقو العذاب " جزاء " بما كنتم تكفرون " أي بما كنتم تجحدون من نعمه وتنكرون من وحدانيته ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) " فاصبر " يامحمد على أذى هؤلاء الكفار على ترك إجابتهم لك " كما صبر اولوالعزم من الرسل " قبلك على اممهم. وقال قوم: أولوا العزم

===============
(287)
هم الذين يثبتون على عقد القيام بالواجب وإجتناب المحارم، فعلى هذا الانبياء كلهم أولوا العزم، ومن قال ذلك جعل (من) ههنا للتبيين لا للتبعيض. ومن قال: إن أولى العزم طائفة من الرسل وهم قوم مخصوصون قال (من) ههنا للتبعيض وهو الظاهر في روايات اصحابنا، وأقوال المفسرين، ويريدون بأولي العزم من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدم من الانبياء، قالوا وهم خمسة أولهم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمد (صلى الله عليه وآله).
ثم قال " ولا تستعجل لهم " العقاب " كأنهم يوم يرون ما يوعدون " من يوم القيامة لقرب مجيئه " لم يلبثوا إلا ساعة من نهار " من قلة لبثهم في الدنيا.
وقوله " بلاغ " قيل في معناه قولان:
احدهما - ذلك اللبث بلاغ. والآخر - هذا القرآن بلاغ.
ثم قال " فهل يهلك " بهذا النوع من الاهلاك على وجه الاستحقاق " إلا القوم الفاسقون " الذين خرجوا من طاعة الله إلى معصيته ومن ولايته إلى عداوته.

===============
(288)
47 - سورة محمد (صلى الله عليه وآله) هي مدينة كلها إلا آية واحدة قال ابن عباس وقتادة: فالآية الواحدة نزلت حين خرج النبي (صلى الله عليه وآله) من مكة وجعل ينظر إلى البيت، وهو يبكي حزنا عليه فنزل قوله " فكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي اخرجتك.. " الآية وهي ثمان وثلاثون آية في الكوفي وتسع وثلاثون في المدنيين واربعون في البصري.
بسم الله الرحمن الرحيم (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1)
والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيآتهم وأصلح بالهم (2) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لا نتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في

===============
(289)
سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) سيهديهم ويصلح بالهم) (5).
خمس آيات كوفي وست في ما عداه.
قرأ اهل البصرة وحفص عن عاصم " والذين قتلوا " على ما لم يسم فاعله بضم القاف وكسر التاء. الباقون " قاتلوا " بألف من المفاعلة. وقرئ شاذا " قتلوا " بفتح القاف وتشديد التاء. من قرأ بألف كان أعم فائدة، لانه يدخل فيه من قتل. ومن قرأ بغير الف لم يدخل في قراءته القاتل الذى لم يقتل وكلاهما لم يضل الله أعمالهم، فهو اكثر فائدة. ومن قرأ بغير الف خص هذه الآية بمن قتل. وقال: علم أن الله لم يضل اعمال من قاتل بدليل آخر ولان من قاتل لم يضل عمله بشرط ألا يحبط عند من قال بالاحباط، وليس من قتل كذلك، لانه لا يضل الله أعمالهم على وجه بلا شرط، ولانه لا يقتل إلا وقد قاتل فصار معناهما واحد.
قال مجاهد عن ابن عباس إن قوله " الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله " نزلت في أهله مكة. وقوله " والذين آمنوا وعملوا الصالحات " في الانصار.
يقول الله تعالى مخبرا بأن الذين جحدو توحيد الله وعبدوا معه غيره وكذبوا محمدا نبيه (صلى الله عليه وآله) في الذي جاء به وصدوا من أراد عبادة الله والاقرار بتوحيده وتصديق نبيه عن الدين، ومنعوه من الاسلام " أظل اعمالهم " ومعناه حكم الله على أعمالهم بالضلال عن الحق والعدول من الاستقامة وسماها بذلك لانها عملت على غير هدى وغير رشاد. والصد عن سبيل الله هو الصرف عن سبيل الله بالنهي عنه والمنع منه. والترغيب في خلافه، وكل ذلك صد، فهؤلاء كفروا في أنفسهم ودعوا (ج 9 م 37 من التبيان)

===============
(290)
غيرهم إلى مثل كفرهم، والضلال الاهلاك حتى يصير بمنزلة مالم يعمل، وليس في الآية ما يدل على القول بصحة الاحباط إذا حملناها على ما قلناه. ومن قال بالتحابط بين المستحقين لابد ان يترك ظاهر الآية.
ثم قال " والذين آمنوا وعملو الصالحات " يعني صدقوا بتوحيد الله والاقرار بنبوة نبيه واضافوا إلى ذلك الاعمال الصالحات " وآمنوا بما انزل على محمد " من القرآن والعبادات وغيرها " وهو الحق من ربهم " الذي لا مرية فيه " كفر الله عنهم سيئاتهم " وقوله " وهو الحق " يعني القرآن - على ما قاله قوم - وقال آخرون إيمانهم بالله وبالنبي (صلى الله عليه وآله) " هو الحق من ربهم " أي بلطفه لهم فيه وجثه عليه وأمره به. ومعنى تكفير السيئات هو الحكم باسقاط المستحق عليها من العقاب، فاخبر تعالى انه متى فعل المكلف الايمان بالله والتصديق لنبيه أسقط عقاب معاصيه حتى يصير بمنزلة ما لم يفعل. وقوله " وأصلح بالهم " قال قتادة:
معناه وأصلح حالهم في معائشهم وأمر دنياهم. وقال مجاهد: واصلح شأنهم، والبال لا يجمع، لانه ابهم أخواته من الحال والشأن.
ثم بين تعالى لم فعل ذلك ولم قسمهم هذين القسمين فقال " ذلك بأن الذين كفروا " فعلنا ذلك بهم وحكمنا بابطال أعمالهم جزاء على انهم " اتبعوا الباطل " والمعاصي، وفعلنا بالمؤمنين من تكفير سيئاتهم لانهم " اتبعوا الحق " الذي أمر الله باتباعه. وقيل الباطل هو الشيطان - ههنا - والحق هو القرآن، ويجوز ان يكون التقدير الامر ذلك، وحذف الابتداء.
ثم قال تعالى (كذلك يضرب الله للناس امثالهم) أي هؤلاء الذين حكمنا بهلاكهم وضلالهم بمنزلة من دعاه الباطل فاتبعه، والمؤمن بمنزلة من دعاه الحق من الله فاتبعه ويكون التقدير يضرب الله للناس صفات أعمالهم بأن بينها وبين ما يستحق

===============
(291)
عليها من ثواب وعقاب.
ثم خاطب تعالى المؤمنين فقال (فاذا لقيتم) معاشر المؤمنين " الذين كفروا " بالله وجحدوا ربوبيته من أهل دار الحرب (فضرب الرقاب) ومعناه اضربوهم على الرقاب، وهي الاعناق (ختى إذا اثخنتموهم) أي اثقلتموهم بالجراح وظفرتم بهم (فشدوا الوثاق) ومعناه احكموا وثاقهم في الامر. ثم قال (فاما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها) ومعناه اثقالها.
وقوله (فاما منا بعد) نصب على المصدر والتقدير إما أن تمنوا منا وإما أن تفدوا فداء، وقال قتادة وابن جريج: الآية منسوخة بقوله (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) (1) وقوله (فاما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم) (2)
وقال ابن عباس والضحاك: الفداء منسوخ. وقال ابن عمر والحسن وعطا وعمر ابن عبد العزيز: ليست منسوخة. وقال الحسن يكره أن يفادى بالمال، ويقال يفادي الرجل بالرجل، وقال قوم: ليست منسوخة، والامام مخيز بين الفداء والمن والقتل بدلالة الآيات الاخر (حتى تضع الحرب أوزارها) أي اثقالها، وقال قتادة: حتى لا يكون مشرك. وقال الحسن: إن شاء الامام أن يستفد الاسير من المشركين، فله ذلك بالسنة، والذي رواه اصحابنا ان الاسير إن اخذ قبل انقضاء الحرب والقتال بأن تكون الحرب قائمة والقتال باق، فالامام مخير بين أن يقتلهم أو يقطع ايديهم وأرجلهم من خلاف ويتركهم حتى ينزفوا، وليس له المن ولا الفداء. وإن كان أخذ بعد وضع الحرب أوزارها وانقضاء الحرب والقتال كان مخيرا بين المن والمفادات. إما بالمال او النفس، وبين الاسترقاق، وضرب الرقاب، فان أسلموا في الحالين سقط جميع ذلك وصار حكمه حكم المسلم.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 9 التوبة آية 6 (2) سورة 8 الانفال آية 58 (*)

===============
(292)
وقوله (ذلك) أي الذي حكمنا به هو الحق الذي يجب عليكم إتباعه (ولو يشاء الله لا نتصر منهم) وأهلكهم بانزال العذاب عليهم (ولكن ليبلو بعضكم ببعض) ويختبرهم ويتعبدهم بقتالهم إن لم يؤمنوا.
ثم اخبر تعالى أن (الذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم) قال قتادة هم الذين قتلوا يوم احد. ومن قرأ (قاتلوا) أراد قاتلوا سواء قتلوا او لم يقتلوا لن يهلك الله أعمالهم ولا يحكم بضلالهم وعدولهم عن الحق. ثم قال (سيهديهم)
يعني إلى طريق الجنة (ويصلح بالهم) أي شأنهم او حالهم، وليس في ذلك تكرار البال، لان المعنى يختلف، لان المراد بالاول انه يصلح حالهم في الدين والدنيا وبالثاني يصلح حالهم في النعيم، فالاول سبب النعيم، والثاني نفس النعيم.
قوله تعالى:
(ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (9) أفلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها) (10) خمس آيات بلا خلاف.
لما خبر الله تعالى انه سيهدي المؤمنين إلى طريق الجنة، ويصلح حالهم فيها، بين أنه ايضا (يدخلهم الجنة عرفها لهم) وقيل في معنى (عرفها لهم) قولان:
احدهما - بانه عرفها لهم بان وصفها على ما يسوق اليها، ليعملوا بما يستوجبونها

===============
(293)
به من طاعة الله وإجتناب معاصيه.
والثاني - عرفها لهم بمعنى طيبها بضروب الملاذ، مشتقا من العرف، وهي الرائحة الطيبة التي تتقبلها النفس تقبل ما تعرفه ولا تنكره. وقال ابوسعيد الخدري وقتادة ومجاهد وابن زيد: معناه انهم يعرفون منازلهم فيها كما كانوا يعرفون منازلهم في الدنيا. وقال الحسن: وصف الجنة في الدنيا لهم، فلما دخلوها عرفوها بصفتها.
ثم خاطب المؤمنين فقال (يا ايها الذين آمنوا) بتوحيد الله وصدقوا رسوله (إن تنصروا الله ينصركم) ومعناه إن تنصروا دينه بالدعاء اليه، واضافه إلى نفسه تعظيما كما قال (من ذاالذي يقرض الله قرضا حسنا) (1) وقيل معناه (تنصروا الله) تدفعوا عن نبيه (ينصركم) الله، أي يدفع عنكم اعداءكم في الدنيا عاجلا، وعذاب النار آجلا (ويثبت أقدامكم) في حال الحرب. قيل: ويثبت أقدامكم يوم الحساب.
ثم قال (والذين كفروا) بنعم الله وجحدوا نبوة نبيه (فتعسا لهم) أي خزيا لهم وويلا لهم، فالتعس الانحطاط والعثار عن منازل المؤمنين (وأضل اعمالهم) أي أهلكها وحكم عليها بالضلال. وإنما كرر قوله (وأضل أعمالهم)
و (احبط أعمالهم) تأكيدا، ومبالغة في الزجر عن الكفر والمعاصي وكرر ذكر النعيم إذا ذكر المؤمنين مبالغة في الترغيب في الطاعات. وإنما عطف قوله (واضل)
وهو (فعل) على قوله (فتعسا) وهو اسم، لان المعنى اتعسهم الله وأضل اعمالهم فلذلك حسن العطف.
ثم بين تعالى لم فعل ذلك، فقال فعلنا (ذلك) جزاء لهم على معاصيهم (بأنهم كرهوا ما انزل الله) من القرآن والاحكام وأمرهم بالانقياد لها، فخالفوا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 245 وسورة 57 الحديد آية 11 (*)
===============
(294)
ذلك (فاحبط أعمالهم) من أجل ذلك أي حكم ببطلانها، لانها وقعت على خلاف الوجه الامور به.
ثم نبههم على الاستدلال على صحة ما دعاهم اليه من توحيده وإخلاص العبادة له، فقال (أفلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) حين أرسل الله اليهم الرسل فدعوهم إلى توحيده وإخلاص العبادة له، فلم يقبلوا منهم وعصوهم وعملوا بخلافه، فأهلكهم الله جزاء على ذلك (ودمر عليهم)
مثل ما فعل بعاد وثمود وقوم لوط وأشباههم. ثم قال (وللكافرين) بك يا محمد إن لم يقبلوا ما تدعوهم إليه (أمثالها) أي امثال تلك العقوبات أي هم يستحقون مثلها، وإنما يؤخر عذابهم تفضلا منه.
قوله تعالى:
(ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم (11) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملو الصالحات جنات تجري من تحتها الانهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام والنار مثوى لهم (12) وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم (13) أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم (14) مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل

===============
(295)
مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم) (15).
ست آيات بصري، وخمس في ما عداه، عد البصريون (للشاربين) ولم يعده الباقون.
قرأ ابن كثير (أسن) على وزن (فعل). الباقون على وزن (فاعل)
ومعناهما واحد، لان المعنى من ماء غير متغير.
لما اخبر الله تعالى انه أهلك الامم الماضية بكفرهم وأن للكافرين أمثالها بين أنه لم كان كذلك؟ فقال (ذلك) أي الذي فعلناه في الفريقين (بأن الله مولى الذين آمنوا) ينصرهم ويدفع عنهم لان الله مولى كل مؤمن (وأن الكافرين لا مولى لهم) ينصرهم من عذابه إذا نزل بهم ولا أحد يدفع عنهم لا عاجلا ولا آجلا.
ثم اخبر تعالى انه (يدخل الذين آمنوا) بتوحيده وصدقوا نبيه (وعملوا الصالحات) مضافة اليها (جنات) أي بساتين تجنها الاشجار (تجري من تحتها الانهار) وقيل: ان أنهار الجنة في أخاديد من الارض، فلذلك قال من تحتها.
ثم قال (والذين كفروا) بتوحيده وكذبوا رسله (يتمتعون) في دار الدنيا ويلتذون فيها (ويأكلون) المآكل فيها (كما تأكل الانعام) أي مثل ما تأكل الانعام والبهائم، لانهم لا يعتبرون ولا ينظرون ولا يفكرون ولا يفعلون ما أوجبه الله عليهم، فهم بمنزلة البهائم. وقيل: إن المعنى بذلك الاخبار عن خستهم في أكلهم بأنهم يأكلون للشره والنهم، لانهم جهال. ثم قال (والنار مثوى لهم) أى موضع مقامهم الذي يقيمون فيه.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) مهددا لكفار قومه (وكأين من قرية في أشد قوة من

===============
(296)
قريتك) يعني مكة (التي اخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم) الآن فما الذي يؤمن هؤلاء أن يفعل بهم مثل ذلك. ومعنى (وكأين) (وكم) والاصل فيها (أي)
قرية إلا أنها إذا لم تضف تؤنث. ثم قال على وجه التهجين للكفار والتوبيخ لهم (أفمن كان على بينة من ربه) أي حجة واضحة. قال قتادة: يعني محمدا (صلى الله عليه وآله).
وقال قوم: يعني به المؤمنين الذين عرفوا الله تعالى وأخلصوا العبادة (كمن زين له سوا عمله) من المعاصي زينها لهم الشيطان وأغواهم بها (واتبعوا أهواءهم) أي شهواتهم في ذلك، وما تدعوهم اليه طباعهم.
ثم اخبر تعالى عن وصف الجنة التي وعد المتقين بها، فقال (مثل الجنة أي وصف الجنة (التي وعد المتقون) بها (فيها أنهار من ماء غير آسن) أي غير متغير لطول المقام (وأنهار من لبن لم يتغير طعمه) لمثل ذلك (وأنهار من خمر لذة للشاربين) يلتذون بشر بها ولا يتأذون بها ولا بعاقبتها (وأنهار من عسل مصفى) من كل أذى (ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم) تلحقهم أي لا يلحقهم في الجنة توبيخ بشئ من معاصيهم، لان الله قد تفضل بسترها عليهم فصارت بمنزلة مالم يعمل بابطال حكمها.
وقوله (مثل الجنة) مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، وتقديره ما يتلى عليكم مثل الجنة التي وعد المتقون، ولو جعل المثل مقحما جاء الخبر المذكور عن الجنة كأنه قيل الجنة التي وعد المتقون فيها كذا وفيها كذا.
وقوله (كمن هو خالد في النار) أي يتساون من له نعيم الجنة على ما وصفناه ومن هو في النار مؤبد !؟ ومع ذلك (سقوا ماء حميما) أي حارا (فقطع أمعاءهم) من حرارتها، ولم يقل أمن هو في الجنة لدلالة قوله (كمن هو خالد) عليه. وقيل: معنى قوله (كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع

===============
(297)
أمعاءهم) أي هل يكون صفتهما وحالهما سواء؟ !. ويتماثلان فيه؟ ! فانه لا يكون ذلك أبدا.
قوله تعالى:
(ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16) والذين اهتدوا زادهم هدى وآيتهم تقويهم (17) فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكريهم (18) فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثويكم (19) ويقول الذين آمنو لولا نزلت سورة فاذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم) (20)
خمس آيات بلا خلاف.
قرأ ابن كثير في احدى الروايتين (انفا) على وزن (فعل) الباقون (آنفا) بالمد على وزن (فاعل) قال ابوعلي الفارسي: جعل ابن كثير ذلك مثل (حاذر، وحذر. وفاكه، وفكه) والوجه الرواية الاخرى.
حكى الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) أن من الكفار من إذا جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) واستمع (ج 9 م 38 من التبيان)

===============
(298)
لقراءة القرآن منه وسمع ما يؤديه إلى الحق من الوحي وما يدعوه اليه، فلا يصغي اليه ولا ينتفع به حتى إذا خرج من عنده لم يدر ما سمعه ولا فهمه، ويسألون أهل العلم الذين آتاهم الله العلم والفهم من المؤمنين (ماذا قال آنفا) اي أي شئ قال الساعة؟ وقيل: معناه قرينا مبتديا. وقيل: إنهم كانوا يتسمعون للخطبة يوم الجمعة وهم المنافقون، والآنف الجائي باول المعنى ومنه الاستئناف، وهو استقبال الامر بأول المعنى، ومنه الانف لانه اول ما يبدو من صاحبه، ومنه الانفة رفع النفس عن أول الدخول في الرتبة. وإنما قال (ومنهم من يستمع اليك) فرده إلى لفظة (من) وهي موحدة. ثم قال (حتى إذا خرجوا) بلفظ الجمع برده إلى المعنى، لان (من) يقع على الواحد والجماعة.
ثم قال تعالى (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم) أي وسم قلوبهم وجعل عليها علامة تدل على انهم كفار لا يؤمنون، وهو كالختم وإن صاحبه لا يؤمن فطبع الله على قلوب هؤلاء الكفار ذما لهم على كفرهم أي لكونهم عادلين عن الحق واخبر أنهم (اتبعوا) في ذلك (اهواءهم) وهو شهوة نفوسهم وما مال اليه طبعهم دون ما قامت عليه الحجة يقال: هوى يهوي هوى فهو هاو، واستهواه هذا الامر أي دعاه إلى الهوى.
ثم وصف تعالى المؤمنين فقال (والذين اهتدوا) إل الحق، ووصلوا إلى الهدى والايمان (زادهم هدى) فالضمير في زادهم يحتمل ثلاثة اوجه:
احدها - زادهم الله هدى بما ينزل عليهم من الآيات والاحكام، فاذا اقروا بها وعرفوها زادت معارفهم.
الثاني - زادهم ما قال النبي (صلى الله عليه وآله) هدى.
الثالث - زادهم استهزاء المنافقين إيمانا.

===============
(299)
والوجه في إضافة الزيادة في الهدى إلى الله هو ما يفعله تعالى بهم من الالطاف التي تقوي دواعيهم إلى التمسك بما عرفوه من الحق وتصرفهم عن العدول إلى خلافه. ويكون ذلك تأكيدا لما عملوه من الحق وصارفا لهم عن تقليد الرؤساء من غير حجة ولا دلالة. ثم قال (وآتاهم) على زيادة الهدى (تقواهم) أي خوفا من الله من معاصيه ومن ترك مفترضاته بما فعل بهم من الالطاف في ذلك.
وقيل معناه (آتاهم) ثواب (تقواهم) ولا يجوز ان يكون المراد خلق لهم تقواهم لانه يبطل أن يكون فعلهم.
ثم قال (فهل ينظرون إلا الساعة) أي ليس ينتظرون إلا القيامة (أن تأتيهم بغتة) أي فجأة، فقوله (أن تأتيهم) بدل من الساعة، وتقديره إلا الساعة إتيانها بغتة، فان حذف الساعة كان التقدير هل ينظرون إلا إتيانهم الساعة بغتة.
ثم قال تعالى (فقد جاء أشراطها) أي علاماتها. وقيل: منها إنشقاق القمر في وقت النبي (صلى الله عليه وآله) ومنها مجئ محمد (صلى الله عليه وآله) بالآيات لانه آخر الانبياء، فالاشراط العلامات واحدها شرط قال جرير:
ترى شرط المعزى مهور نسائهم * وفي شرط المعزى لهن مهور (1)
وأشرط فلان لنفسه إذا علمها بعلامة، وقال أوس بن حجر:
فاشرط فيها نفسه وهو مقصم * والقى باسباب له وتوكلا (2)
والفاء في قوله (فقد جاء أشراطها) عطف جملة على جملة فيها معنى الجزاء، والتقدير إن تأتهم بغتة، فقد جاء اشراطها. وقد قرئ شاذا عن أبي عمرو (الا إن)
والقراءة بفتح (أن) وقال المبرد: هذا لا يجوز لانه تعالى أخبر انه لا تأتي الساعة إلا بغتة، فكيف تعلق بشرط. وقال تعالى (فأنى لهم) أي من اين لهم (إذا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الطبري 26 / 30 (2) الطبري 26 / 31 (*)

===============
(300)
جاءتهم) يعني الساعة (ذكراهم) أي ما يذكرهم أعمالهم من خير او شر، فانه لا ينفعهم في ذلك الوقت الايمان والطاعات لزوال التكليف عنهم.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) والمراد به جميع المكلفين (فاعلم) يا محمد (أنه لا إله إلا الله) أي لا معبود يحق له العبادة إلا الله. وفي ذلك دلالة على ان المعرفة بالله اكتساب، لانها لو كانت ضرورية، لما أمر بها (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) فالخطاب له والمراد به الامة لانه (صلى الله عليه وآله) لا ذنب له يستغفر منه، ويجوز ان يكون ذلك على وجه الانقطاع اليه تعالى.
ثم قال (والله يعلم متقلبكم ومثواكم) أي الموضع الذي تتقلبون فيه وكيف تتقلبون وموضع استقراركم، لا يخفى عليه شئ من أعمالكم طاعة كانت او معصية.
وقيل: يعلم متقلبكم في أسفاركم ومثواكم في اوطانكم، وقيل: متقلبكم في أعمالكم ومثواكم في نومكم.
ثم قال تعالى حكاية عن المؤمنين أنهم كانوا يقولون (لولا نزلت سورة)
أي هلا نزلت سورة لانهم كانوا يأنسون بنزول الوحي ويستوحشون من ابطائه فقال الله تعالى حاكيا عن حالهم عند نزول السورة فقال (وإذا أنزلت سورة محكمة) أي ليس فيها متشابه ولا تأويل (وذكر فيها القتال) أي أوجب عليهم القتال (رأيت الذين في قلوبهم مرض) أي نفاق وشك (ينظرون اليك نظر المغشي عليه من الموت) لثقل ذلك عليهم وعظمه في نفوسهم (فأولى لهم)
قال قتادة: هو وعيد، وكأنه قال العقاب اولى بهم، وهو ما يقتضيه قبح أحوالهم.
وروي عن ابن عباس، انه قال: قال الله تعالى (فأولى) ثم استأنف فقال (لهم طاعة وقول معروف) يعني للمؤمنين فصارت أولى للذين في قلوبهم مرض.
وقيل: المعنى (أولى لهم طاعة وقول معروف) من أن يجزعوا عن فرض الجهاد

===============
(301)
عليهم. وقال الجبائي: معنى الكلام ينظرون اليك نظر المغشى عليه من الموت فأولى لهم أن يعاقبوا (فلو صدقوا الله) في ما أمرهم به (لكان خيرا لهم) ودخل بين الكلامين (طاعة وقول معروف) وليس من قصته وإنما هي من صفة المؤمن يأمره الله أن يطيعه، ويقول له قولا معروفا. وقرأ ابن مسعود " سورة محدثة " وهو شاذ.
قوله تعالى:
(طاعة وقول معروف فاذا عزم الامر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم (21) فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم (22) أولئكم الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24)
إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم) (25) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ ابوعمرو " وأملي لهم " على مالم يسم فاعله. الباقون " وأملى لهم " بمعنى الشيطان أملى لهم ويجوز أن يريد ان الله أملى لهم كما قال " إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم " (1) وقرأ يعقوب مثل أبي عمرو إلا انه أسكن الياء بمعنى الاخبار عن الله عن نفسه وابوعمرو جعله لما لم يسم فاعله. وقرأ رويس " توليتم " بضم التاء والواو وكسر اللام. الباقون بفتحهما. وقوله " طاعة وقول معروف " قيل في معناه قولان:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 3 آل عمران آية 178 (*)

===============
(302)
احدهما - قولوا أمرنا طاعة وقول معروف. قال مجاهد أمر الله بذلك المنافقين. وقيل هو حكاية عنهم أنهم يقولون " طاعة وقول معروف " مثل فرض الجهاد. لانه يقتضيه قوله " فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ".
الثاني - طاعة وقول معروف أمثل أي اولى بالحق من أقوال هؤلاء المنافقين وقيل: طاعة وقول معروف خير لهم من جزعهم عند نزول فرض الجهاد - ذكره الحسن - والطاعة موافقه الارادة الداعية إلى الفعل بطريق الترغيب فيه. والقول المعروف هو القول الحسن، وسمي بذلك لانه معروف صحته، وكذلك الامر بالمعروف أي المعروف أنه حق. والباطل منكر، لانه تنكر صحته، فعلى هذا المعنى وقع الاعتراف والانكار.
وقوله " فاذا عزم الامر " معناه إذا انعقد الامر بالارادة انه يفعله فاذا عقد على انه يفعل قيل عزم الامر على طريق البلاغة. وقيل معنى عزم أي جد الامر (فلو صدقوا الله) يعني في ما أمرهم به من القتال وامتثلوا أمره (لكان خيرا لهم) لانهم كانوا يصلون إلى نعيم الابد.
ثم خاطبهم فقال " فهل عسيتم " يا معشر المنافقين أن توليتم. وقيل في معناه قولان:
احدهما - " إن توليتم " الاحكام وجعلتم ولاة " أن تفسدواك " في الارض بأخذ الرشا. وقيل أن اعرضتم عن كتاب الله ان تعودوا إلى ما كنتم من أمر الجاهلية أن يقتل بعضكم بعضا كما كنتم تفعلونه.
والثاني - ان توليتم الامر أن يقطع بعضكم رحم بعض، ويقتل بعضكم بعضا كما قتلت قريش بني هاشم، وقتل بعضهم بعضا. وقيل المعنى ان اعرضتم عن كتاب الله والعمل بما فيه من وجوب القتال " أن تفسدوا في الارض " بان

===============
(303)
تعملوا فيها بالمعاصي " وتقطعوا أرحامكم " فلا تصلونها، فان الله تعالى يعاقبكم عليه بعذاب الابد ويلعنكم.
ثم قال " أولئك الذين لعنهم الله " أي أبعدهم الله عن رحمته " فأصمهم وأعمى ابصارهم " أي سماهم عميا وصما، وحكم عليهم بذلك، لانهم بمنزلة الصم والعمي من حيث لم يهتدوا إلى الحق ولا أبصروا الرشد، ولم يرد الاصمام في الجارحة والاعماء في العين، لانهم كانوا بخلافه صحيحي العين صحيحي السمع.
ثم قال موبخا لهم " افلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " معناه أفلا يتدبرون القرآن بأن يتفكروا فيه ويعتبروا به أم على قلوبهم قفل يمنعهم من ذلك تنبيها لهم على ان الامر بخلافه. وليس عليها ما يمنع من التدبر والتفكر والتدبر في النظر في موجب الامر وعاقبته، وعلى هذا دعاهم إلى تدبر القرآن.
وفى ذلك حجة على بطلان قول من يقول لا يجوز تفسير شئ. من ظاهر
القرآن إلا بخبر وسمع.
وفيه تنبيه على بطلان قول الجهال من اصحاب الحديث انه ينبغي ان يروى الحديث على ما جاء وإن كل مختلا في المعنى، لان الله تعالى دعا إلى التدبر والفقه وذلك مناف للتاجل والتعامي.
ثم قال " إن الذين ارتدوا على ادبارهم " أي رجعوا عن الحق والايمان " من بعد ما تبين لهم الهدى " أي ظهر لهم الطريق الواضح المفضي إلى الجنة.
وليس في ذلك ما يدل على ان المؤمن على الحقيقة يجوز ان يرتد، لانه لا يمتنع ان يكون المراد من رجع عن إظهار الايمان بعد وضوح الامر فيه وقيام الحجة بصحته.
ثم قال " الشيطان سول لهم " أي زين لهم ذلك. وقيل: معناه أعطاهم سؤلهم من خطاياهم " وأملى لهم " أي أمهلهم الشيطان، وأملى لهم بالاطماع والاغتراز.

===============
(304)
وقيل: المعنى واملى الله لهم أي اخرهم فاغتروا بذلك. ومن قرأ - على مالم يسم فاعله - احتمل الامرين ايضا.
وقيل الآية نزلت في اليهود، لانهم عرفوا صفات النبي (صلى الله عليه وآله) في التوراة فلما جاءهم كفروا به. وقيل نزلت في المنافقين حين صدوا عن القتال معه من بعد ما علموا وجوبه في القرآن، قوله تعالى:
(ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الامر والله يعلم إسرارهم (26) فكيف إذا توفتهم الملئكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) ولو نشاء لاريناكم فلعرفتهم بسيميهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم) (30) خمس آيا بلا خلاف.
قرأ اهل الكوفة إلا أبابكر " إسرارهم " بكسر الهمزة على انه مصدر.
الباقون بفتحها على انه جمع سر.
لما اخبرالله تعالى عن حال المرتدين على اعقابهم والراجعين عن إظهار الحق خلافه، بين لم فعلوا ذلك، فقال " ذلك بأنهم " يعني الشياطين " قالوا للذين كرهوا ما انزل الله " من القرآن وما أمرهم به من الامر والنهي والحلال والحرام

===============
(305)
وشبهوا عليهم ذلك ومالوا إلى خلافه. وقيل: هذا قول اليهود للمنافقين " سنطيعكم في بعض الامر " أي نفعل بعض ما تريدونه من الميل اليكم وإعطاء شهواتكم.
ثم قال " والله يعلم اسرارهم " أي بواطنهم - فمن فتح الهمزة، ومن كسرها - أراد يعلم ما يسرونه. ثم قال " فكيف إذا توفتهم الملائكة " والمعنى كيف حالهم إذا توفتهم الملائكة وحذف تفخيما لشأن ما ينزل بهم " يضربون وجوههم وأدبارهم، على وجه العقوبة لهم في القبر ويوم القيامة.
ثم بين تعالى لم يفعل الملائكة بهم ذلك، فقال " ذلك بأنهم اتبعوا ما اسخط الله " يعني المعاصي التى يكرهها الله ويعاقب عليها " وكرهوا رضوانه " أي كرهوا سبب رضوانه من الايمان والطاعات والامتناع من القبائح " فأحبط أعمالهم " أي حكم بأنها باطلة محبطة لا يستحق عليها الثواب.
ثم قال " أم حسب الذين في قلوبهم مرض " أي نفاق وشك يظنون " أن لن يخرج الله اضغانهم " أي احقادهم مع المؤمنين ولا يظهرها ولا يبدي عوراتهم للنبي (صلى الله عليه وآله) " ولو نشاء لاريناكهم " يعني المنافقين بأعيانهم، ولو شئت لعرفتكهم حتى تعرفهم. ثم قال " فلعرفتهم بسيماهم " أي بعلاماتهم التي نصبها الله لكم، يعرفهم بها يعني الامارات الدالة على سوء نياتهم. ثم قال " ولتعرفنهم في لحن القول " أي في فحوى أقوالهم ومتضمنها. ومنه قوله (صلى الله عليه وآله) (ولعل بعضكم ألحن بحجنه)
أي أذهب بها في الجهات لقوته على تصريف الكلام، واللحن الذهاب عن الصواب في الاعراب، واللحن ذهاب الكلام إلى خلاف جهته. ثم قال " والله يعلم أعمالكم " الطاعات منها والمعاصي، فيجازيكم بحسبها. (ج 9 م 39 من التبيان)

===============
(306)
قوله تعالى:
(ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم (31) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (33) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم (34) فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم) (35) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ ابوبكر عن عاصم " وليبلونكم حتى يعلم... ويبلو أخباركم " بالياء فيهن ردا على اسم الله في قوله " والله يعلم أعمالكم " الباقون بالنون على وجه الاخبار من الله عن نفسه. وقرأ حمزة وابوبكر عن عاصم " إلى السلم " بكسر السين. الباقون بفتحها، وهما لغتنان على ما بيناه في ما تقدم في الاسلام والمصالحة (1)
يقول الله تعالى مقسما إنا نبلو هؤلاء الكفار، ومعناه نختبرهم بما نكلفهم من الامور الشاقة، فالابتلا والاختبار واحد. وقوله " حتى نعلم المجاهدين منكم " قيل في معناه قولان:
احدهما - حتى نعلم جهادكم موجودا لان الغرض ان تفعلوا الجهاد فيثيبكم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) انظر 5 / 175 (*)

===============
(307)
على ذلك، لانكم لا تستحقون الثواب على ما يعلم الله انه يكون.
الثاني - حتى نعاملكم معاملة من كأنه يطلب ان يعلم.
وقيل: معناه حتى يعلم أوليائي المجاهدين منكم، وأضافه إلى نفسه تعظيما لهم وتشريفا، كما قال " إن الذين يؤذون الله ورسوله " (1) يعني يؤذن أولياء الله. وقيل:
معناه حتى يتميز المعلوم في نفسه، لانهم إنما يتميزون بفعل الايمان. وقيل: المعنى حتى تعلموا أنتم، واضافه إلى نفسه تحسنا كما أن الانسان العالم إذا خولف في ان النار تحرق الحطب يحسن ان يقول: نجمع بين النار والحطب لنعلم هل تحرق ام لا، ولا يجوز ان يكون المراد حتى نعلم بعد ان لم نكن عالمين، لانه تعالى عالم في مالم يزل بالاشياء كلها، ولو تجدد كونه عالما لاحتاج إلى علم محدث كالواحد منا وذلك لا يجوز أن يكون غرضا بالتكليف، لكن يجوز ان يكون الغرض ظهور حق الذم على الاساءة، وإنما جاز في وصف الله الابتلاء، لان المعنى انه يعامل معاملة المبتلي المختبر مظاهرة في العدل بالجزاء لها. والجهاد احتمال المشقة في قتال المشركين واعداء دين الله. وافضل الاعمال علم الدين، والجهاد في سبيل الله، لان علم الدين به يصح العمل بالحق والدعاء اليه. والجهاد داع إلى الحق مع المشقة فيه. والصابر هو الحابس نفسه عما لا يحل له. وهي صفة مدح. ومع ذلك ففيها دليل على حاجة الموصوف بها، لانه إنما يحبس نفسه ويمنعها مما تشتهيه او تنازع اليه من القبيح " ونبلو أخباركم " أي نختبر اخباركم ونعلم المطيع من العاصي.
ثم اخبر تعالى " إن الذين كفروا " بوحدانيته وجحدوا نبوة نبيه " وصدوا " أي منعوا غيرهم " عن " إتباع " سبيل الله " بالقهر تارة وبالاغراء أخرى " وشاقوا الرسول " أي عاندوه وباعدوه بمعاداته " من بعدما تبين لهم الهدى " ووضح لهم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 33 الاحزاب آية 57 (*)

===============
(308)
سبيله " لن يضروا الله " بذلك " شيئا " وإنما ضروا نفوسهم " وسيحبط اعمالهم " ويستحقون عليها العقاب. والهدى الدلالة المؤدية إلى الحق. والهادي الدال على الحق وفي الآية دلالة على أن هؤلاء الكفار كان قد تبين لهم الهدى فارتدوا عنه او يكون ظهر لهم أمر النبي، فلم يقبلوه. وقيل: تبين لهم الهدى، لانهم كانوا قد عرفوا الايمان ورجعوا عنه.
ثم خاطب المؤمنين فقال " يا ايها الذين آمنوا " بالله وصدقوا رسوله " اطيعوا الله وأطيعوا الرسول " أي افعلوا الطاعات التي أمركم الله بها وامركم بها رسوله " ولا تبطلوا اعمالكم " بأن توقعوها على خلاف الوجه المأمور به فيبطل ثوابكم عليها وتستحقون العقاب.
ثم اخبر تعالى فقال " إن الذين كفروا " أي جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله " وصدوا عن سبيل الله " بالمنع والاغراء والدعاء إلى غيره " ثم ماتوا وهم كفار " أي في حال كفرهم " فلن يغفرالله لهم " معاصيهم بل يعاقبهم عليها. ثم قال " فلا تهنوا " أي لا تتوانوا. وقال مجاهد وابن زيد: لا تضعفوا " وتدعوا إلى السلم " يعني المصالحة " وأنتم الاعلون " أي وانتم القاهرون الغالبون - في قول مجاهد - " والله معكم " اي ناصركم والدافع عنكم فلا تميلوا مع ذلك إلى الصلح والمسالمة بل جاهدوا واصبروا عليه. وقوله " ولن يتركم اعمالكم " أي لن ينقصكم اجور اعمالكم يقال: وتره يتره وترا إذا أنقصه. وهو قول مجاهد. وقال ابن عباس وقتادة وابن زيد والضحاك: لن يظلمكم واصله القطع، فمنه البتر القطع بالقتل. ومنه الوتر المنقطع بانفراده عن غيره. وقوله " وتدعوا " يجوز ان يكون جرا عطفا على " تهنوا " أي لا تهنوا ولا تدعوا إلى السلم، ويجوز ان يكون في موضع نصب على الظرف (1)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) المقصود من (الظرف) واو المعصية الذي تضمر (ان) بعدها (*)

===============
(309)
قوله تعالى:
(إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم أموالكم (36) إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) (38) ثلاث آيات بلا خلاف.
يقول الله تعالى مزهدا لخلقه في الانعكاف على الدنيا، ومرغبا لهم في التوفر على عمل الآخرة (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) وإنما زهدهم في الدنيا لكونها فانية ورغبهم في الآخرة لكونها باقية، فمن اختار الفاني على الباقي كان جاهلا ومنقوصا ومعنى (الحياة الدنيا لعب ولهو) أي ذات لعب ولهو، لان غالب أمر الناس في الدنيا اللعب واللهو، وذلك عبث وغرور وانصراف عن الحد الذي يدوم به السرور والحبور، وقيل: شبهت باللعب واللهو لانقطاعها عن صاحبها بسرعة، فالتقدير على هذا إنما الحياة الدنيا كاللعب واللهو في سرعة الانقضاء، والآخرة كالحقيقة في اللزوم والامتداد، فاحداهما كالحقيقة، والاخرى كالمخرقة. ثم قال (وإن تؤمنوا)
بوحدانيته وتصديق رسوله (وتتقوا) معاصيه (يؤتكم أجوركم) على ذلك وثوابكم على طاعتكم (ولا يسألكم أموالكم) أن تدفعوها اليه. وقيل (لا يسألكم أموالكم)
كلها وإن أوجب عليكم الزكاة في بعض أموالكم. وقيل المعنى (لايسألكم أموالكم)
بل أمواله، لانه تعالى مالكها والمنعم بها.

===============
(310)
ثم بين تعالى لم لا يسألهم أموالهم، فقال (إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم) فالاحفاء الالحاح في المسألة حتى ينتهى إلى مثل الحفاء، والمشي بغير حذاء، احفاه بالمسألة يحفيه إحفاء. وقيل الاحفاء طلب الجميع (تبخلوا) أي تمنعونه. والبخل قال قوم: هو منع الواجب. وقال الرماني: البخل منع النفع الذي هو أولى في العقل، قال: ومن زعم أن البخل منع الواجب عورض بأن البخل منع ما يستحق بمنعه الذم، لان البخيل مذموم بلا خلاف، وقد يمنع الواجب الصغير فلا يجوز وصفه بأنه بخيل (ويخرج أضغانكم) لان في سؤال الاموال بالاحفاء خروج الاضغان وهي الاحقاد التي في القلوب والعداوات الباطنة. وقيل (الاضغان)
هي المشاق التي في القلوب، ولذلك ذكر الاخراج. وقيل: ويخرج الله المشقة التي في قلوبكم بسؤال أموالكم. وإنما قدم المخاطب على الغائب في قوله (أن يسألكموها)
لانه ابتداء بالاقرب مع انه المفعول الاول، ويجوز مع الظاهر أن يسألها جماعتكم، لانه غائب مع غائب، فالمتصل أولى بأن يليه من المنفصل.
ثم قال (ها انتم هؤلاء) وإنما كرر التنبيه في موضعين للتوكيد، فقال (ها أنتم هؤلاء) وقيل (ها) للتقريب، ودخل على المضمر لمشاكلة (اليهم) في انه معرفة تصلح صيغته لكل مكنى عنه على جهة جماعة المخاطب، كما يصلح (هؤلاء)
لكل خاص مشاراليه، ولم يجز مع الظاهر لبعده من المبهم. وقال بعضهم: العرب إذا زادت التقريب جعلت المكنى بين (ها) وبين (ذا)، فيقولون ما أنت ذا قائما، لان التقريب جواب الكلام فربما اعادت (ها) مع (ذا) وربما اجتزأت بالاولى وحذفت الثانية، ولا يقدمون (أنتم) على (ها) لان (ها) جواب، فلا يقرب بها بعد الكلمة. وقوله (تدعون لتنفقوا في سبيل الله) لينيلكم الجزيل من ثوابه وهو غني عنكم وعن جميع خلقه (فمنكم من يبخل) فلا ينفق ماله في سبيل الله.

===============
(311)
ثم قال (ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه) أي عن داعي نفسه، لا عن داعي ربه لان الله قد صرفه عن البخل بالنهي عنه والذم له. ثم قال (والله الغني) الذي ليس بمحتاج لا اليكم ولا إلى احد (وانتم الفقراء اليه وإن تتولوا) أي ان تعرضوا عن أمره ونهيه ولا تقبلونهما، ولا تعملون بما فيهما (يستبدل قوما غيركم) قال قوم يستبدل الله بهم من في المعلوم أنهم يخلقون بعد، ويجوز أن يكونوا من الملائكة وقيل: هم قوم من اليمن، وهم الانصار. وقيل: مثل سلمان واشباهه من ابناء فارس، ولم يجز الزجاج أن يستبدل الملائكة، لانه لا يعبر بالقوم عن الملائكة، لا يكونوا أمثالكم، لانهم يكونون مؤمنين مطيعين، وأنتم كفار بماصون. وقال الطبري لا يكونوا أمثالكم في البخل والانفاق في سبيل الله، ولما نزلت هذه الآية فرح النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: هي أحب إلي من الدنيا.

===============
(312)
48 - سورة الفتح مدينة بلا خلاف وهي تسع وعشرون آية بلا خلاف.
بسم الله الرحمن الرحيم (إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا (3) هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والارض وكان الله عليما حكيما (4) ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيآتهم وكان ذلك عندالله فوزا عظيما) (5)
خمس آيات.
يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) قال البلخي: الفتح يكون في القتال وبالصلح، وباقامة الحجج، ويكون المعنى (إنا فتحنا لك) بحجج الله وآياته (فتحا مبينا) لينصرك الله بذلك على من ناواك. وقال قتادة: نزلت

===============
(313)
هذه الآية عند رجوع النبي (صلى الله عليه وآله) من الحديبية، بشر في ذلك الوقت بفتح مكة، وتقديره (إنا فتحنا لك) مكة. وقال البلخي عن الشعبي في وقت الحديبية بويع النبي (صلى الله عليه وآله) بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهدي محله. والحديبية بئر، فروي انها غارت فمج النبي (صلى الله عليه وآله) فيها فظهر ماؤها حتى امتلاءت به. وقال قتادة: معنى (فتحنا) قضينا لك بالنصر. وقيل: معناه اعلمناك علما ظاهرا في ما أنزلناه عليك من القرآن واخبرناك به من الدين، وسمي العلم فتحا، كما قال (وعنده مفاتح الغيب) (1) أي علم الغيب. وقال (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) (2) وقال الزجاج: معناه ارشدناك إلى الاسلام، وفتحنا لك الدين بدلالة قوله (ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات) (3) وقال مجاهد (فتحنا لك فتحا مبينا) يعني نحره بالحديبية وحلقه. وقال قتادة: معناه قضينا لك قضاء بينا. وفي الحديبية مضمض رسول الله (صلى الله عليه وآله) في البئر وقد غارت فجاشت بالرواء. والفتح هو القضاء من قولهم:
اللهم أفتح لي. وقوله تعالى (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) (4) والفتح الفرج المزيل اللهم. ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان ما يؤدي إلى المطلوب، ومنه فتح عليه القراءة، لانه متعلق بالسهو، وينفتح بالذكر والفتح المبين هو الظاهر، وكذلك جرى فتح مكة.
وقوله (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) قيل جعل غفرانه جزاء عن ثوابه على جهاده في فتح مكة. وقيل في معناه اقوال:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 6 الانعام آية 59 (2) سورة 8 الانفال آية 19 (3) سورة 33 الاحزاب آية 73 (4) سورة 7 الاعراف آية 88 (ج 9 م 40 من التبيان)
(*)

===============
(314)
احدها - ما تقدم من معاصيك قبل النبوة وما تأخر عنها.
الثاني - ما تقدم قبل الفتح وما تأخر عنه.
الثالث - ما قد وقع منك وما لم يقع على طريق الوعد بأنه يغفره له إذا كان.
الرابع - ما تقدم من ذنب أبيك آدم، وما تأخر عنه.
وهذه الوجوه كلها لا تجوز عندنا، لان الانبياء (عليهم السلام) لا يجوز عليهم فعل شئ من القبيح لا قبل النبوة ولا بعدها، لا صغيرها ولا كبيرها فلا يمكن حمل الآية على شئ مما قالوه، ولا صرفها إلى آدم لان الكلام فيه كالكلام في نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) ومن حمل الآية على الصغائر التي تقع محبطة فقوله فاسد، لانا قد بينا أن شيئا من القبائح لا يجوز عليهم بحال. على ان الصغائر تقع مكفرة محبطة لا يثبت عقابها، فكيف يمتن الله تعالى على النبي (صلى الله عليه وآله) أنه يغفرها له وهو تعالى لو آخذه بها لكان ظالما وإنما يصح التمدح بما له المؤاخذة أو العفو عنه، فاذا غفر استحق بذلك الشكر. وللاية وجهان من التأويل:
احدهما - ليغفر لك ما تقدم من ذنب امتك. ما تأخر بشفاعتك ولمكانك.
وأضاف الذنب إلى النبي وأراد به أمته، كما قال (واسأل القرية) (1) يريد اهل القرية فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه وذلك جائز لقيام الدلالة عليه، كما قال (وجاء ربك) (2) والمراد وجاء أمر ربك.
الثاني - أراد يغفر ما اذنبه قومك اليك من صدهم لك عن الدخول إلى مكة في سنة الحديبية، فازال الله ذلك وستر عليك تلك الوصمة بما فتح عليك من مكة ودخلتها في ما بعد، ولذلك جعله جزاء على جهاده في الدخول إلى مكة.
والذنب مصدر تارة يضاف إلى الفاعل وتارة إلى المفعول، فيكون - ههنا - مضافا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 12 يوسف آية 82 (2) سورة 89 الفجر آية 22 (*)

===============
(315)
إلى المفعول، والذنب وإن كان غير متعد إلى مفعول جاز ان يحمل على المصدر الذي هو في معناه، والصد متعد كما قال الشاعر:
جئني بمثل بني بدر لقومهم * او مثل اسرة منظور بن سيار (1)
لما كان معنى جئني هات أعطني عطف او (مثل) على المعنى فنصبه، ومثله كثير في اللغة.
وقوله (ويتم نعمته عليك) فاتمام النعمة فعل ما يقتضيها من تبقيتها على صاحبها والزيادة منها، فالله تعالى قد أنعم على النبي (صلى الله عليه وآله) وتممها بنصره على اعدائه الرادين لها المكذبين بها حتى علا بالحجة والقهر لكل من ناواه. وقيل يتم نعمته عليك بفتح مكة وخيبر والطائف. وقيل بخضوع من تكبر وطاعة من تجبر.
وقوله (ويهديك صراطا مستقيما) أي يرشدك إلى الطريق الذي إذا سلكته اذاك إلى الجنة، لا يعدل بك إلى غيرها (وينصرك الله نصرا عزيزا) فالنصر العزيز هو الذي يمنع من كل جبار عنيد وعات أثيم. وقد فعل الله تعالى ذلك بنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) فصار دينه أعز الاديان وسلطانه أعظم السلطان.
وقوله (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين) وهو ما يفعل الله تعالى بهم من اللطف الذي يحصل لهم عنده بصيرة بالحق تسكن اليها نفوسهم ويجدون الثقة بها بكثرة ما ينصب الله لهم من الادلة الدالة على الحق فهذه النعمة التامة للمؤمنين خاصة. فأما غيرهم فتضطرب نفوسهم لاول عارض من شبهة ترد عليهم، لانهم لا يجدون برد اليقين في قلوبهم. وقيل: السكينة ما تسكن اليه قلوبهم من التعظيم لله ورسوله والوفاء له.
وقوله (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) أي ليزدادوا معارف أخر بما أوجب
ـــــــــــــــــــــــ
(1) قدمر في 3 / 455 و 6 / 30 (*)

===============
(316)
الله عليهم زيادة على المعرفة الحاصلة، فبين الله تعالى ما لنبيه عنده وللمؤمنين ليزدادوا ثقة بوعده. وقوله (ولله جنود السموات والارض) قيل: معناه انصار دينه ينتقم بهم من اعدائه. وقيل: معناه إن جميع الجنود عبيده (وكان الله عليما) بالاشياء قبل كونها وعالما بعد كونها (حكيما) في افعاله لانها كلها محكمة وصواب.
وقوله (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار) إنما لم يدخل واو العطف في (ليدخل) اعلاما بالتفصيل، كأنه قال إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله، إنا فتحنا لك فتحا ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات أي بساتين تجري من تحت اشجارها الانهار " خالدين فيها " أي مؤبدين لا يزول عنهم نعيمها (ويكفر عنهم سيئاتهم) أي عقاب معاصيهم التي فعلوها في دار الدنيا (وكان ذلك عندالله فوزا عظيما) أي الظفر، والصلاح بما طلبوه من الثواب العظيم.
قوله تعالى:
(ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) ولله جنود السموات والارض وكان الله عزيزا حكيما (7) إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8)
لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9)
إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يدالله فوق أيديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) (10) خمس آيات.

===============
(317)
قرأ ابن كثير وابوعمرو (دائرة السوء) بضم السين. الباقون بفتحها، وقد فسرناه في ما تقدم. فالسوء المصدر والسوء الاسم. وقال قوم - بالفتح - الفساد مثل قوله (وظننتم ظن السوء) لانهم ظنوا أن النبي (صلى الله عليه وآله) لا يعود إلى موضع ولادته أبدا. وقرأ ابن كثير وابوعمرو (ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزروه ويوقروه وسبحوه) بالياء أربعهن، على وجه الاخبار من الله عزوجل عن نفسه.
لما اخبر الله تعالى عن نفسه أنه يدخل المؤمنين والمؤمنات جنات، ووصفها اخبر في هذه الآية انه يعذب المنافقين والمنافقات وهم الذين يظهرون الايمان ويبطنون الشرك. والنفاق إسرار الكفر وإظهار الايمان، فكل نفاق هو إظهار خلاف الابطان. وأصله من نافقا اليربوع، وهو أن يجعل لسربه بابين يظهر أحدهما ويخفي الآخر، فاذا أتي من الظاهر خرج من الآخر، فالمنافق يقوي الباطل على الحق بالظن له، وإلقاء خلافه لتضييعه الدليل المؤدي اليه، (والمشركين والمشركات) وهم الذين يعبدون مع الله غيره، ويدخل في ذلك جميع الكفار. ثم وصفهم فقال (الظانين بالله) يعني الذين يظنون بالله (ظن السوء) أي يتوهمون ان الله ينصرهم على رسوله، وذلك قبيح لا يجوز وصف الله بذلك. ثم قال تعالى (عليهم دائرة السوء) فالدائرة هي الراجعة بخير او شر قال حميد بن ثور:
ودائرات الدهر ان تدورا (1)
ومن قرأ (دائرة السوء) بضم السين - أراد دائرة العذاب، ومن قرأ - بالفتح - أراد ما عاد عليهم من قتل المؤمنين وغنمهم أموالهم، فهدا حسن.
وقيل (عليهم دائرة السوء) أي جزاء ظنهم السوء من العذاب. ومن ضم اراد الشر، ويقال: رجل سوء - بالفتح - أي رجل فساد. ثم قال (وغضب الله
ـــــــــــــــــــــــ
(1) قد مر في 3 / 543 او 551 (*)

===============
(318)
عليهم) أي لعنه لهم وعذابه (ولعنهم) أي أبعدهم من رحمته. وقوله (وأعد لهم جهنم) يجعلهم فيها.
ثم قال (وساءت مصيرا) أي ساءت جهنم مآلا ومرجعا، لما فيها من انواع العقاب.
وقوله (ولله جنود السموات والارض وكان الله عزيز حكيما) قد فسرناه، وإنما أعيد ذكر (ولله جنود...) لانه متصل بذكر المنافقين أي وله الجنود التي يقدر على الانتقام منكم بها، وذكر أولا، لانه متصل بذكر المؤمنين أي له الجنود التي يقدر ان يغنيكم بها. والعزيز القادر الذي لا يقهر. وقيل (هو العزيز) في إنتقامه من أعدائه " الحكيم " في جميع أفعاله. ثم خاطب نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) فقال " إنا أرسلناك " يا محمد " شاهدا " يعني على أمتك بالبلاغ والدعاء إلى إخلاص عبادته. أو شاهدا بما عملوه من طاعة ومعصية (وشاهدا) نصب على حال مقدر على القول الاول، وعلى حال غير مقدرة على القول الثاني. (ومبشرا) نصب على الحال الحاصلة. والمعنى ومبشرا بالجنة لمن أطاع " ونذيرا " أي مخوفا من النار لمن عصى - ذكره قتادة - ثم بين الغرض بالارسال، فقال: أرسلناك بهذه الصفة " لتؤمنوا " ومن قرأ - بالياء - أي ليؤمنوا هؤلاء الكفار " بالله ". ومن قرأ - بالتاء - وجه الخطاب إلى الخلق أي أرسلته اليكم " لتؤمنوا بالله " فتوحدوه " ورسوله " فتصدقوه و " تغرروه " أي تنصروه، فالهاء راجعة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وقال المبرد: معنى (تعزروه) تعظموه يقال: غررت الرجل إذا كبرته بلسانك " وتوقروه " أي تعظموه يعني النبي (صلى الله عليه وآله) - في قول قتادة - وقال ابن عباس (تعزروه) من الاجلال (وتوقروه) من الاعظام.
وقوله " وتسبحوه " يعني الله تعالى أى تنزهوه عما لا يليق به " بكرة

===============
(319)
واصيلا " أى بالغداة والعشي. وقيل معناه تصلوا له بالغدوات والعشيات.
وقوله " لتؤمنوا بالله ورسوله " فيه دلالة على بطلان قول المجبرة إن الله تعالى يريد من الكفار الكفر، لانه تعالى بين انه أراد من جميع المكلفين الطاعة، ولم يرد أن يعصوا.
ثم قال " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " فالمراد بالبيعة المذكورة - ههنا - بيعة الحديبية، وهي بيعة الرضوان - في قول قتادة ومجاهد - والمبايعة معاقدة على السمع والطاعة، كالمعاقدة في البيع والشراء بما قد مضي فلا يجوز الرجوع فيه. وقيل: إنها معاقدة على بيع أنفسهم بالجنة للزومهم في الحرب النصرة.
وقوله " يدالله فوق أيديهم " قيل في معناه قولان:
احدهما - عقدالله في هذه البيعة فوق عقدهم لانهم بايعوا الله ببيعة نبيه (صلى الله عليه وآله) والآخر - قوة الله في نصرة نبيه (صلى الله عليه وآله) فوق نصرتهم.
وقيل يدالله في هدايتهم، فوق أيديهم بالطاعة.
وقوله " فمن نكث فانما ينكث على نفسه " والنكث النقض للعقد الذي يلزم الوفاء به، فبين تعالى أن من نقض هذه المبايعة، فانما ينكث على نفسه، لان ما في ذلك من استحقاق العقاب عائد عليه " ومن أوفى " يقال: اوفى بالعقد، ووفى. وأو في لغة الحجاز. وهي لغة القرآن " بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما " أي إذا اوفى بالبيعة ونصر دينه ونبيه آتاه الله في ما بعد أجرا عظيما وثوابا جزيلا.
ومن ضم الهاء في " عليه " وهو حفص، فلانها الاصل. ومن كسرها فللمجاورة للياء قوله تعالى:
(سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا

===============
(320)
فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يؤمن بالله ورسوله فانا أعتدنا للكافرين سعيرا (13) ولله ملك السموات والارض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما (14) سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) (15)
خمس آيات.
قرأ اهل الكوفة إلا عاصما " كلم الله " على الجمع. الباقون " كلام الله " على التوحيد، لانه يدل على الكثير من حيث هو اسم جنس، قال ابوعلي " كلام الله " يقع على ما يفيد، والكلم يقع أيضا على الكلام، وعلى ما لا يفيد والكلم جمع كلمة.
وقرأ حمزة والكسائي " ضرا " بالفتح. الباقون بالضم. فمن قرأ - بالفتح - أراد المصدر. ومن قرأ بالضم أراد الاسم. وقيل بالفتح ضد النفع وبالضم سوء

===============
(321)
الحال، كقوله " مسني الضر " (1) ويقال: ضرني الشئ وأضرني، ولا يقال:
أضربي، وضره يضره وضاره يضيره بمعنى واحد.
هذا اخبار عن الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) انه " سيقول لك " يامحمد " المخلفون من الاعراب " قال ابن اسحاق ومجاهد: لما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخروج إلى مكة عام الحديبية أحرم بعمرة ودعا الاعراب الذين حول المدينة إلى الخروج، فتثاقلوا: أسلم وغفار وجهينة ومزينة، فاخبر الله تعالى بذلك. والمخلف هو المتروك في المكان خلف الخارجين عن البلد، وهو مشتق من المتخلف وضده المتقدم. تقول خلفته كما تقول قدمته تقديما، وإنما تخلفوا لتثاقلهم عن الجهاد وإن اعتذروا بشغل الاموال والاولاد. والاعراب الجماعة من عرب البادية، وعرب الحاضرة ليسوا بأعراب، ففرقوا بينهما، وإن كان اللسان واحد.
وقوله " شغلتنا أموالنا وأهلونا " أخبار بما اعتلوا به، فالشغل قطع العمل عن عمل، لا يمكن الجمع بينهما لتنافى أسبابهما كالكتابة والرمي عن القوس والله لا يشغله شأن عن شأن لانه لا يعمل بآلة. وقوله " فاستغفر لنا " حكاية ما قالوه للنبي وسألوه أن يستغفر لهم والاستغفار طلب المغفرة بالدعاء مع التوبة عن المعاصي فهؤلاء سألوا الدعاء بالمغفرة، وفي قلوبهم خلاف ما أظهروه بافواههم ففضحهم الله وهتك أستارهم، وأبدى ما نافقوا به في جهادهم، فقال " يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ".
ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله) " قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا " لا يقدر احد على دفعه " أو اراد بكم نفعا " لا يقدر احد على إزالته " بل كان
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 21 الانبياء آية 83 (ج 9 م 41 من التبيان)
(*)

===============
(322)
الله بما تعملون خبيرا " أي عالما نافعا لكم لا يخفى عليه شئ منها، ثم قال له قل لهم " بل ظننتم ان لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم ابدا " أي ظننتم انهم لا يرجعون ويقتلون ويصطلمون. وهو قول قتادة " وزين ذلك في قلوبكم " زينه الشيطان ذلك وسوله لكم " وظننتم ظن السوء " في هلاك النبي والمؤمنين، وإن الله ينصر عليهم المشركين " وكنتم قوما بورا " والبور الفاسد وهو معنى الجمع وترك جمعه في اللفظ لانه مصدر وصف به قال حسان:
لا ينفع الطول من نوك القلوب * وقد يهدي الا له سبيل المعشر (1)
البور والبوار الهلاك وبارت السلعة إذا كسدت والبائر من الفاكهة مثل الفاسدة. وقال قتادة " بورا " أي فاسدين. وقال مجاهد: هالكين. ثم قال تعالى مهددا لهم " ومن لم يؤمن بالله ورسوله " أي لم يصدق بهما " فانا أعتدنا للكافرين سعيرا " أي نارا تسعرهم وتحرقهم. ثم قال " ولله ملك السموات والارض " بأن يتصرف فيهما كما يشاء لا يعترض أحد عليه فيها " يغفر لمن يشاء " معاصيه (ويعذب من يشاء) إذا استحق العقاب بارتكاب القبائح (وكان الله غفورا رحيما) أي ساترا على عباده معاصيهم إذا تابوا لا يفصحهم بها رحيما باسقاط عقابهم الذي استحقوها بالتوبة على وجه الابتداء.
ثم قال تعالى (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها) يعني غنائم خيبر (ذرونا نتبعكم) أي اتركونا نجئ معكم، فقال الله تعالى (يريدون أن يبدلوا كلام الله قل) لهم يا محمد (لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل) قال مجاهد وقتادة: يعني ما وعد به أهل الحديبية أن غنيمة خيبر لهم خاصة، فارادوا تغيير ذلك بأن يشاركوهم فيها فمنعهم الله من ذلك. وقال ابن زيد: أراد بقوله
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري 26 / 45 (*)

===============
(323)
(لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) وهذا غلط لان هذه الآية نزلت في الذين تأخروا عن تبوك بعد خيبر وبعد فتح مكة، فقال الله تعالى لهم (لن تخرجوا معي ابدا) لان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يخرج بعد ذلك في قتال ولا غزو إلى أن قبضه الله تعالى. ثم قال (كذلك قال الله من قبل) أي مثل ذلك حكم الله وقال ابن زيد: غنيمة خيبر لاهل الحديبية خاصة لا يشركهم فيها أحد. ثم حكى ما قالوه بأنهم (فسيقولون) عند ذلك ليس الامر كذلك (بل تحسدوننا) فقال ليس الامر على ما قالوه (بل كانوا لا يفقهون)
الحق وما يدعون اليه (إلا قليلا) وقيل معناه لا يفقهون الحق إلا القليل منهم، وهم المعاندون. وقال بعضهم لا يفقهون إلا فقها قليلا أو الاشياء قليلا. وإنما قالوا: تحسدوننا، لان المسلمين لما توجهوا إلى خيبر وأخذوا غنائمها، قال المخلفون (ذرونا نتبعكم) قالوا نعم على ان لا شئ لكم من الغنيمة، فقالوا عند ذلك تحسدوننا، فقال تعالى (بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا).
قوله تعالى:
(قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فان تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسبا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما (16)
ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17) لقد رضي الله عن

===============
(324)
المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما) (20) خمس آيات.
قرأ اهل المدينة، وابن عامر (ندخله ونعذبه) بالنون على وجه الاخبار من الله عن نفسه. الباقون - بالياء - ردا على اسم الله. يقول الله تعالى لنبيه (قل للمخلفين من الاعراب) أي لهؤلاء المخلفين الذين تخلفوا عنك في الخروج إلى الحديبية (ستدعون) في ما بعد (إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم او يسلمون) قال ابن عباس: اولوا البأس الشديد أهل فارس. وقال ابن أبي ليلى والحسن: هم الروم. وقال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة: هم هوازن بحنين. وقال الزهري:
هم بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب، وكانوا بهذه الصفة.
واستدل جماعة من المخالفين بهذه الآية على إمامة أبي بكر، من حيث ان أبابكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، وكانوا قد حرموا القتال مع النبي (صلى الله عليه وآله) بدليل قوله (لن تخرجوا معي ابدا، ولن تقاتلوا معي عدوا) وهذا الذي ذكروه غير صحيح من وجهين:
احدهما - أنه غلط في التاريخ ووقت نزول الآية.
والثاني - أنه غلط في التأويل، ونحن نبين فساد ذلك أجمع، ولنا في الكلام في تأويل الآية وجهان:

===============
(325)
احدهما - إنه تنازع في اقتضائها داعيا يدعو هؤلاء المخلفين غير النبي (صلى الله عليه وآله) ويبين أن الداعي لهم في ما بعد كان النبي (صلى الله عليه وآله) على ما حكيناه عن قتادة وسعيد ابن جبير في ان الآية نزلت في اهل خبير، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) هو الداعي إلى ذلك.
والآخر - ان يسلم ان الداعي غيره، ونبين انه لم يكن أبابكر ولا عمر بل كان أمير المؤمنين (عليه السلام).
فاما الوجه الاول فظاهر، لان قوله (سيقول لك المخلفون) إلى قوله (وكنتم قوما بورا) قد بينا انه أراد به الذين تخلفوا عن الحديبية باجماع المفسرين ثم قال (سيقول المخلفون إذا انطلقتم...) إلى آخر الآية، فبين أن هؤلاء المخلفين سألوا ان يخرجوا إلى غنيمة خيبر فمنعهم الله من ذلك، وأمر نبيه (صلى الله عليه وآله) ان يقول لهم (قل لن تتبعونا...) إلى هذه القرية، لان الله تعالى حكم من قبل بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية وانه لاحظ فيها لمن لم يشهدها، وهذا هو معنى قوله (يريدون أن يبدلوا كلام الله) وقوله (كذلك قال الله من قبل)
ثم قال (قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم او يسلمون) وإنما أراد الرسول سيدعوهم في ما بعد إلى قتال قوم بهذه الصفة، وقد دعاهم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة. وقال قوم: أولي بأس شديد، كموقعه حنين وتبوك وغيرها، فمن أين يجب أن يكون الداعي لهم غير النبي (صلى الله عليه وآله) فأما قولهم إن معنى قوله (كذلكم قال الله من قبل) هو انه أراد قوله (فان رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) مملؤ بالغلط الفاحش في التاريخ، لانا قد بينا أن هذه الآية التي في التوبة نزلت ب (تبوك) سنة تسع. وآية سورة الفتح نزلت سنة ست، فكيف تكون قبلها، وينبغي لمن تكلم في تأويل القرآن أن يرجع إلى التاريخ ويراعي اسباب نزول

===============
(326)
الآية على ما روي، ولا يقول على الآراء والشهوات. وتبين أيضا أن هؤلاء المخلفين غير أولئك، وإن لم يرجع إلى تاريخ. ونقول قوله (فان تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما) فلم يقطع على طاعة، ولا على معصية بل ذكر الوعد والوعيد على ما يتعلق به من طاعة او معصية وحكم المذكورين فيهم في سورة التوبة، بخلافه لانه تعالى قال بعد قوله (إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين) إلى قوله (وهم كافرون) (1)
فاختلاف احكامهم يدل على اختلافهم، وقد حكينا عن سعيد بن جبير انه قال هذه الآية نزلت في هوازن يوم حنين. وقال الضحاك: هم ثقيف، وقال قتادة:
هم هوازن وثقيف، وأما الوجه الذي يسلم معه أن الداعي غير النبي (صلى الله عليه وآله) فهو ان نقول الداعي أمير المؤمنين (عليه السلام)، لانه قاتل بعده أهل الجمل وصفين وأهل النهروان، وبشره النبي (صلى الله عليه وآله) بقتالهم، وكانوا أولي بأس شديد، فان قالوا من قاتلهم علي (عليه السلام) كانوا مسلمين، وفى الآية قال تقاتلونهم او يسلمون ! كيف تتناولهم الآية؟ ! قلنا ! أول ما نقوله: إنهم غير مسلمين عندنا، ولا عند جميع من خالفنا من المعتزلة، لان عندهم صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، ولا مسلم. وأما مذهبنا في تكفير من قاتل عليا (عليه السلام) معروف، وقد ذكرناه في كتب الامامة لقوله (صلى الله عليه وآله) (حربك يا علي حربي) وغير ذلك من الاخبار والادلة التي ذكرناها في غير موضع واستوفينا ما يتعلق بذلك في كتاب الامامة، ويمكن على تسليم أن الداعي ابو بكر وعمر، أن يقال: ليس في الآية ما يدل على مدح الداعي ولا على امامته، لانه قد يدعو إلى الحق من ليس عليه، ويجب ذلك من حيث كان واجبا من
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 9 التوبة آية 84 - 86 (*)

===============
(327)
أجل دعاه الداعي، وابوبكر دعاهم إلى الدفاع عن الاسلام، وهذا واجب على كل واحد بلا دعاء داع، ويمكن ان يكون المراد بقوله (ستدعون) دعاء الله لهم بايجاب القتال عليهم، لانه إذا دلهم على وجوب قتال المرتدين ودفعهم عن بيضة الاسلام، وقد دعاهم إلى القتال ووجبت عليهم طاعته، والكلام في هذه الآية كالتي قبلها في أنا إذا قلنا لا تدل على إمامة الرجلين، لا نكون طاعنين عليهما، بل لا يمتنع أن يثبت فضلهما وإمامتهما بدليل غير الآية، لان المحصلين من العلماء يذهبون إلى امامتهما من جهة الاخبار لا من جهة الآية.
وقوله (تقاتلونهم او يسلمون) بالرفع معناه إن احد الامرين لابد أن يقع لا محالة، وتقديره أوهم يسلمون. وقرئ شاذا بالنصب، والوجه فيه حتى يسلموا ولو نصبه، فقال او يسلموا لكان دالا على ان ترك القتال من أجل الاسلام.
وقوله (ليس على الاعمى حرج..) الآية، فالاعمى هو من لا يبصر بجارجة العين. والاعرج الذي برجله آفة تمنعه من المشي مأخوذ من رفعها عند محاولة المشي بغيرها، ومنه العروج الصعود إلى السماء، والمريض من به علة تمنعه من الحركة من اضطراب في البدن حتى يضعف وتحصل فيه آلام، بين الله تعالى انه ليس على وجه هؤلاء الذين بهم هذه الآفات من ضيق ولا حرج في ترك الحصول مع المؤمنين والحضور معهم في الجهاد. قال قتادة: كل ذلك في الجهاد. ثم قال (ومن يطع الله ورسوله) في ما أمره به ونهاه عنه (يدخله جنات تجري من تحتها الانهار ومن يتول) عن إتباعهما وامتثال أمرهما ونهيهما (يعذبه) الله (عذابا أليما) فمن قرأ بالياء رده إلى الله. ومن قرأ بالنون أراد الاخبار من الله عن نفسه.
وقوله (لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة) إخبار


(328)
من الله تعالى انه رضي عن الذين بايعوا تحت الشجرة النبي (صلى الله عليه وآله) وكانوا مؤمنين في الوقت الذي بايعوه (فعلم ما في قلوبهم) من إيمان ونفاق فرضي عن المؤمنين وسخط على المنافقين. وقيل معناه فعلم ما في قلوبهم من صدق النية في القتال وكراهتهم له، لانه بايعهم على القتال - ذكره مقاتل - (فانزل السكينة عليهم)
يعني على المؤمنين، والسكينة الصبر لقوة البصيرة (وأثانهم فتحا قريبا) قال قتادة وابن أبي ليلى: يعني فتح خيبر وقال قوم: فتح مكة (ومغانم كثيرة يأخذونها)
فالغيمة ملك أموال اهل الحرب من المشركين بالقهر والغلبة في حكمه تعالى، وكان القتال من أجلها. و (المغانم) ههنا يراد به غنائم خيبر.
وقوله (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها) يعني سائر الغنائم وقال قوم: أراد بها ايضا غنائم خيبر. وقوله (فعجل لكم هذه) يعني الصلح وسميت بيعة الرضوان لقول الله تعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين) وقال ابن عباس كان سبب بيعة الرضوان بالحديبية تأخر عثمان حين بعثه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى قريش أنهم قتلوه، فبايعهم على قتال قريش، وقال ابن عباس: كانو ألفا وخمسمائة نفس. وقال جابر: كانوا ألفا وأربعمائة نفس، وقال ابن أوفى ألفا وثلثمائة. والشجرة التي بايعوا تحتها هي السمرة.
واستدل بهذه الآية جماعة على فضل أبي بكر، فانه لا خلاف أنه كان من المبايعين تحت الشجرة. وقد ذكر الله أنه رضي عنهم، وانه أنزل السكينة عليهم وانه علم ما في قلوبهم من الايمان، واثابهم فتحا قريبا.
والكلام على ذلك مبنى على القول بالعموم، وفي أصحابنا من قال لا صيغة للعموم ينفرد بها. وبه قال كثير من المخالفين، فمن قال بذلك كانت الآية عنده مجملة لا يعلم المعنى بها، وقد بايع (صلى الله عليه وآله) جماعة من المنافقين بلا خلاف، فلابد

===============
(329)
من تخصيص الآية على كل حال. على انه تعالى وصف من بايع تحت الشجرة بأوصاف قد علمنا أنها لم تحصل في جميع المبايعين، فوجب أن يختص الرضا بمن جمع الصفات لانه قال (فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا) ولا خلاف بين أهل النقل ان الفتح الذى كان بعد بيعة الرضوان بلا فصل هو فتح خيبر. وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند ذلك قال: (لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يده) فدعا عليا فأعطاه الراية، وكان الفتح على يده، فوجب ان يكون هو المخصوص بحكم الآية، ومن كان معه في ذلك الفتح لتكامل الصفات فيهم. على ان ممن بايع بيعة الرضوان طلحة والزبير، وقد وقع منهما من قتال علي (عليه السلام) ما خرجا به عن الايمان وفسقا عند جميع المعتزلة ومن جرى مجراهم، ولم يمنع وقوع الرضاء في تلك الحال من مواقعة المعصية في ما بعد، فما الذي يمنع من مثل ذلك في غيره. وليس إذا قلنا:
أن الآية لا تختص بالرجلين، كان طعنا عليهما بل إذا حملناها على العموم دخلا، وكل متابع مؤمن معهما، فكان ذلك أولى.
وقوله (ومغانم كثيرة تأخذونها) يعني ما غنتموه من خيبر من انواع الغنائم (وكان الله عليما) بمصالح عباده (حكيما) في جميع أفعاله. ثم قال (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذ - ه) يعني غنائم خيبر. والباقي كل ما يغنمه المسلمون من دار الحرب (وكف ايدي الناس عنكم) يعني أسدا وغطفان، فانهم كانوا مع خيبر فصالحهم النبي (صلى الله عليه وآله) فكفوا عنه. وقيل: يعني اليهود كف ايديهم عنكم بالمدينة من قبل الحديبية ومجئ قريش، فلم يغلبوكم (ولتكون آية للمؤمنين) يستدلون بها على صحة قولكم (ويهديكم) أي ويرشدكم (صراطا (ج 9 م 42 من التبيان)

===============
(330)
مستقيما) يفضي بكم إلى الحق وما يؤدي إلى الثواب. والواو في قوله (ولتكون)
معناه إنا وعدناكم الغنائم لكف أيدي الناس عنكم وليكون ذلك آية للمؤمنين إذ وقع الخبر على ما أخبر به، لانه علم غيب لا يعلمه إلا الله.
قوله تعالى:
(وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا (21) ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الادبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا (24) هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) (25) خمس آيات.
قرأ ابوعمرو " بما يعملون بصيرا " بالياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب لما ذكر الله تعالى انه وعد المؤمنين مغانم كثيرة يأخذونها وانه عجل لهم هذه منها، يعني غنائم خيبر وعدهم بالغنائم الاخر، فقال (وأخرى لم تقدروا عليها) أي

===============
(331)
وغنيمة أخرى - عن ابن عباس والحسن - إنها فارس والروم. وقال قتادة:
هي مكة (قد أحاط الله بها) أي قدر الله عليها واحاط بها علما فجعلهم بمنزلة ما قد أدير حولهم بما يمنع ان يفلت احد منهم (وكان الله على كل شئ قديرا) أي ما يصح أن يكون مقدورا له، فهو قادر عليه. ثم قال (ولو قاتلكم الذين كفروا)
يعني من قريش يا معشر المؤمنين (لولوا الادبار) منهزمين بخذلانه إياهم ونصرة الله إياكم، ومعونته لكم - في قول قتادة - (ثم لا يجدون) يعني الكفار (وليا)
يواليهم (ولا نصيرا) يدفع عنهم.
وقوله (سنة الله التي قد خلت من قبل) معناه سنة الله جارية في خذلانه أهل الكفر ونصرة أهل الايمان في ما مضى من الامم السالفة، ونصره هو أمره بالقتال (ولن تجد) يا محمد " لسنة الله تبديلا " أي لن تجد لسنة الله ما يدفعها فالسنة الطريقة المستمرة في معنى ومن ذلك قوله (صلى الله عليه وآله) (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها. ومن سن سنة سيئة فعليه اثمها واثم من عمل بها) والتبديل رفع احد الشيئين وجعل الآخر مكانه، في ما حكم أن يستمر على ماهو به ولو رفع الله حكما يأتي بخلافه لم يكن تبديلا لحكمه لانه لا يرفع شيئا إلا في الوقت الذي تقتضي الحكمة رفعه، وقال ابن عباس: كان المشركون بعثوا أربعين رجلا ليصيبوا من المسلمين، فأتى بهم رسول الله، فخلى سبيلهم، وهو المراد بقوله " وهو الذي كف أيديهم عنك " بالرعب " وأيديكم عنهم " بالنهي نزلت في أهل الحديبية واهل مكة، لا في أهل خيبر. وقيل لهم ينهوا عن قتالهم، لانهم لا يستحقون القتل بكفرهم وصدهم لكن للابقاء على المؤمنين الذين في ايديهم " ببطن مكة من بعد أن اظفركم عليهم " يعني فتح مكة " وكان الله بما تعملون بصيرا " يدبركم بحسب ما تقتضيه مصالحكم وقوله " هم الذين كفروا " أي بوحدانية الله، وهم كفار قريش " وصدوكم

===============
(332)
عن المسجد الحرام " في الحديبية، وصدوكم أن تعتمروا وتطوفوا بالبيت " والهدي معكوفا أن يبلغ محله " أي المحل الذي يحل نحره فيه. والمعكوف المحبوس أي منعوا الهدي ايضا ليذبح بمكة، لان هدي العمرة لا يذبح إلا بمكة كما لا يذبح هدي الحج إلا بمنى، ثم قال " ولولا رجال مؤمنون " بالله ومصدقون بالنبي " ونساء مؤمنات " مثل ذلك بمكة - في قول قتادة - " لم تعلموهم " أي لم تعلموا بايمانهم " أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم " أي ينالكم أثم لاجلهم من غير علم منكم بذلك - في قول ابن زيد - وقال قوم: معناه عنت. وقال ابن اسحاق: هو غرم الدية في كفارة قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة ومن لم يطق فصيام شهرين، وهو كفارة قتل الخطأ في الحرب. وجواب لولا محذوف، وتقديره ولولا المؤمنون الذين لم تعلموهم لو طئتم رقاب المشركين بنصرنا إياكم. والمعكوف الممنوع من الذهاب في جهة بالاقامة في مكانه، ومنه الاعتكاف، وهو الاقامة في المسجد للعبادة، وعكف على هذا الامر يعكف عكوفا إذا اقام عليه. وقوله " ليدخل الله في رحمته من يشاء لو نزيلوا " أي لو تميز المؤمنون منهم، وقيل لو تفرقوا والمعنى واحد " لعذبنا الذين كفروا منهم " يعني من أهل مكة " عذابا أليما " بالسيف والقتل والاليم المؤلم، وكان النبي (صلى الله عليه وآله): ساق سبعين بدنة في عام الحديبية، ودخل في العام المقبل لعمرة القضاء في الشهر الذي صد فيه ونزل قوله " الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص " (1) ذكره قتادة.
قوله تعالى:
(إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 194 (*)

===============
(333)
الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شئ عليما (26) لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم مالم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا (27) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا (28) محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تريهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التورية ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) (29) أربع آيات.
قرأ ابن كثير إلا ابن فليح " شطأه " بفتح الطاء ومثله ابن ذكوان.
الباقون باسكانها. وقرأ اهل الشام " فازره " مقصور، الباقون بالمد، وهما لغتان من فعل الشئ وفعله غيره نحو كسبت مالا وكسبني غيرى، ونزحت البئر ونزحتها ويقال: أزر النبت وآزره غيره. وقوله " إذ جعل " متعلق بقوله " لعذبنا الذين

===============
(334)
كفروا منهم عذابا أليما إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية " يعني الانفة. ثم فسر تلك الانفة، فقال " حمية الجاهلية " الاولى يعني عصبتهم لآلهتم من أن يعبدوا غيرها. وقال الزهري: هي انفتهم من الاقرار لمحمد بالرسالة. والاستفتاح ب (بسم الله الرحمن الرحيم) على عادته في الفاتحة، حيث أراد ان يكتب كتاب العهد بينهم. ودخولهم مكة لاداء العمرة.
ثم قال تعالى " فأنزل الله سكينته على رسوله " أي فعل به (صلى الله عليه وآله) من اللطف والنعمة ما سكنت اليه نفسه وصبر على الدخول تحت ما أرادوه منه " وعلى المؤمنين " أي ومثل ذلك فعل بالمؤمنين " وألزمهم كلمه التقوى " قال ابن عباس وقتادة: كلمة التقوى قول: لا إلا إلا الله محمد رسول الله. وقال مجاهد: هي كلمة الاخلاص " وكانوا أحق بها وأهلها " يعني المؤمنين كانوا أهلها واحق بها. قال الفراء: ورأيتها في مصحف الحارث بن سويد التميمي من أصحاب عبدالله (وكانوا أهلها واحق بها) وهو تقديم وتأخير، وكان مصحفه دفن أيام الحجاج. وقيل:
ان التقدير كانوا أحق بنزول السكينة عليهم وأهلالها. وقيل: المعنى فكانوا أحق بمكة أن يدخلوها وأهلها. وإنما قال " أحق " لانه قد يكون حق أحق من حق غيره، لان الحق الذي هو طاعة يستحق به المدح أحق من الحق الذي هو مباح لا يستحق به ذلك " وكان الله بكل شئ عليما " لما ذم الكفار تعالى بحمية الجاهلية ومدح المؤمنين بالسكينة والزوم الكلمة الصادقة بين علمه ببواطن أمورهم وما تنطوي عليه ضمائرهم إذ هو العالم بكل شئ من المعلومات.
وقوله " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام " قسم من الله تعالى ان النبي (صلى الله عليه وآله) صادق في قوله انه رأى في المنام انه يدخل هو والمؤمنون المسجد الحرام، وانه لابد من كون ذلك. وقوله " إن شاء الله آمنين " قال قوم

===============
(335)
تقييد لدخول الجميع او البعض. وقال قوم: ليس ذلك شرطا لانه بشارة بالرؤيا التي رآها النبي (صلى الله عليه وآله) وطالبه الصحابة بتأويلها وحققها. قوله " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " ثم استؤنف على طريق الشرح والتأكيد " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله " على الفاظ الدين، كأنه قيل بمشيئة الله، وليس ينكر أن يخرج مخرج الشرط ما ليس فيه معنى الشرط، كما يخرج مخرج الامر ما ليس في معنى الامر لقرينة تصحب الكلام. وقال البلخي: معنى " إن شاء الله " أي أمركم الله بها، لان مشيئة الله تعالى بفعل عباده هو أمره به. وقال قوم: هو تأديب لنا، كما قال " ولا تقولن لشئ.. " (1) الآية.
وقوله " آمنين " أي بلا خلاف عليكم " محلقين رؤسكم ومقصرين " أي منكم من يحلق رأسه ومنكم من يقصر " لا تخافون " احدا في ذلك، وكذلك جرى الامر في عمرة القضاء وفي السنة الثانية للحديبية، وروي أن عمر قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قاضا اهل مكة يوم الحديبية، وهم بالرجوع إلى المدينة: أليس وعدتنا يا رسول الله أن تدخل المسجد الحرام محلقين ومقصرين، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) (قلت لكم إنا ندخلها العلم)؟ ! فقال: لا، فقال (صلى الله عليه وآله) (فانكم تدخلونها إن شاء الله) فلما كان في القابل في ذي القعدة خرج النبي (صلى الله عليه وآله) لعمرة القضاء، ودخل مكة مع أصحابه في ذي القعدة واعتمروا، وقام بمكة ثلاثة ايام، ثم رجع إلى المدينة.
ثم قال " فعلم " يعني علم الله " وما لم تعلموا " انتم من المصلحة في المقاضاة وإجابتهم إلى ذلك. وقيل المعنى فعلم النبي (صلى الله عليه وآله) من دخولهم إلى سنة ما لم تعلموا معاشر المؤمنين. وقيل: فعلم ان بمكة رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 18 الكهف آية 24 (*)

===============
(336)
" فجعل من دون ذلك فتحا قريبا " قال ابن زيد: يعني بذلك فتح خيبر. وقال الزهري: هو فتح الحديبية.
ثم قال تعالى " هو الذي ارسل رسوله " يعني محمدا (صلى الله عليه وآله) " بالهدى يعني الدليل الواضح، والحجة البينة " ودين الحق " يعني الاسلام وإخلاص العبادة " ليظهره على الدين كله " قيل بالحجج والبراهين. وقيل: لان الاسلام ظاهر على الاديان كلها. وقيل: إنه إذا خرج المهدي صار الاسلام في جميع البشر، وتبطل الاديان كلها.
ثم قال (وكفى بالله شهيدا) بذلك من إظهار دين الحق على جميع الاديان.
ثم اخبر تعالى فقال (محمد رسول الله) (صلى الله عليه وآله) ارسله إلى خلقه (والذين معه) من المؤمنين يعني المصدقين بوحدانية الله المعترفين بنبوته الناصرين له (اشداء على الكفار) لانهم يقاتلونهم ويجاهدونهم بنية صادقة (رحماء بينهم) أي يرحم بعضهم بعضا ويتحنن بعضهم على بعض (تراهم ركعا سجدا) لقيامهم بالصلاة والاتيان بها، فهم بنى راكع وساجد (يبتغون فضلا من الله ورضوانا) اي يلتمسون بذلك زيادة نعيمهم من الله ويطلبون مرضاته من طاعة وترك معصية (سيماهم في وجوههم من اثر السجود) قال ابن عباس: اثر صلاتهم يظهر في وجوههم.
وقال الحسن. هو السمت الحسن. وقال قوم: هو ما يظهر في وجوههم من السهر بالليل. وقال مجاهد: معناه علامتهم في الدنيا من اثر الخشوع. وقيل:
علامة نور يجعلها الله في وجوههم يوم القيامة - في قول الحسن وابن عباس وقتادة وعطية - و (ذلك مثلهم في التوراة) اي وصفهم، كأنه مثلهم في التوراة (ومثلهم في الانجيل) اي وصفهم الله في الانجيل (كمثل زرع اخرج شطأه)
يشبههم بالزرع الذي ينبت في حواليه بنات ويلحق به، فالشطأ فراخ الزرع الذي

===============
(337)
ينبت في جوانبه ومنه شاطئ النهر جانبه، يقال أشطأ الزرع، فهو مشطئ إذا أفرخ في جوانبه " فازره " أي عاونه فشد فراخ الزرع لاصول النبت وقواها يقال أزرت النبت وآزره غيره بالمد، ويقال أزر النبت وازرته مثل رجع ورجعته وقال ابوالحسن: هما لغتان. وقال ابوعبيدة: أزره ساواه فصار مثل الام، وفاعل (آزر) الشطأ أي أزر الشطأ الزرع، فصار في طوله " فاستغلظ " أي صار غليظا باجتماع الفراخ مع الاصول " فاستوى " معه أي صار مثل الام " على سوقه " وهو جمع ساق وساق الشجرة حاملة الشجر، وهو عوده الذي يقوم عليه، وهو قصبته. ومثله قوى المحبة بما يخرج منها، كما قوي النبي (صلى الله عليه وآله) باصحابه.
وقوله " يعجب الزراع " يعني الذين زرعوا ذلك " ليغيظ بهم الكفار " قيل: معناه ليغيظ بالنبي وأصحابه الكفار المشركين. ووجه ضرب هذا المثل بالزرع الذي أخرج شطأه هو ان النبي (صلى الله عليه وآله) حين ناداهم إلى دينه كان ضعيفا فأجابه الواحد بعد الواحد حتى كثر جمعه وقوي أمره كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفا فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ ساقه وفراخه، وكان هذا من أصح مثل وأوضح بيان وقال البلخي: هو كقوله " كمثل غيث أعجب الكفار نباته " (1) يريد بالكفار - ههنا - الزراع واحدهم كافر، لانه يغطي البذر، وكل شئ غطيته فقد كفرته.
ومنه قولهم: تكفر بالسلاح. وقيل: ليل كافر لانه يستر بظلمته كل شئ قال الشاعر:
في ليلة كفر النجوم غمامها (2)
أي غطاها. ثم قال " وعد الله الذين آمنوا " يعني من عرف الله ووحده
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 57 الحديد آية 20 (2) مر في 1 / 60 (ج 9 م 43 من التبيان)
(*)

===============
(338)
وأخلص العبادة له وآمن بالنبي (صلى الله عليه وآله) وصدقه " وعملوا " مع ذلك الاعمال " الصالحات منهم " قيل: انه بيان يخصهم بالوعد دون غيرهم. وقيل يجوز ان يكون ذلك شرطا فيمن أقام على ذلك منهم، لان من خرج عن هذه الاوصاف بالمعاصي فلا يتناوله هذا الوعد " مغفرة " أي سترا على ذنوبهم الماضية " وأجرا " أي ثوابا " عظيما " يوم القيامة.
وقرأ ابن كثير وحده " على سؤقه " بالهمزة. الباقون بلا همزة، وهو الاصح. قال ابوعلي: من همز فعلى قولهم (أحب المؤفدين إلى موسى) واستعمال السوق في الزرع مجاز.

===============
(339)
49 - سورة الحجرات مدينة إلا آية واحدة وهي قوله تعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم.. " إلى آخرها. وقال قوم: كلها مدينه، وهي ثمان عشر آية بلا خلاف.
بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم (1) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم) (5) خمس آيات.
قرأ يعقوب " لا تقدموا " بفتح التاء والدال. الباقون بضم التاء وكسر الدال

===============
(340)
من التقديم. وقيل: انهما لغتان. قدم وتقدم مثل عجل وتعجل وقال ابن عباس والحسن: الآية " لا تقدموا " في الحكم أو في الامر قبل كلامه (صلى الله عليه وآله) - بفتح الدال والتاء - وقال الحسن: ذبح قوم قبل صلاة العيد يوم النحر، فأمروا باعادة ذبيحة اخرى. وقال الزجاج: المعنى لا تقدموا أعمال الطاعة قبل الوقت الذي أمر الله والنبي (صلى الله عليه وآله) به حتى قيل لا يجوز تقدم الزكاة قبل وقتها. وقال قوم:
كانوا إذا سألوا عن شئ قالوا فيه قبل النبي (صلى الله عليه وآله) نهوا عن ذلك، والاولى حمل الآية على عمومها فيقال: كل شئ إذا فعل كان خلافا لله ورسوله فهو تقدم بين أيديهما فيجب المنع من جميع ذلك.
هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين الذين اعترفوا بتوحيده وإخلاص عبادته وأقروا بنبوة نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) ينهاهم أن يتقدموا بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) بأن يفعلوا خلاف ما أمر به او يقولوا في الاحكام قبل ان يقول او يخالفوا أوقات العبادة، فان جميع ذلك تقدم بين يديه، وأمرهم ان يتقوا الله بأن يجتنبوا معاصيه ويفعلوا طاعاته " إن الله سميع " لما يقولونه " عليم " بما ينطوون عليه ويضمرونه. ثم أمرهم ثانيا بأن قال " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " على وجه الاستخفاف به (صلى الله عليه وآله)، فان مجاهد وقتادة قالا: جاء أعراب اجلاف من بني تميم، فجعلوا ينادون من وراء الحجرات: يا محمد إخرج إلينا، ولو أن إنسانا رفع صوته على صوت النبي (صلى الله عليه وآله) على وجه التعظيم له والاجابة لقوله لم يكن مأثورما. وقد فسر ذلك بقوله " ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض " فان العادة جارية أن من كلم غيره ورفع صوته فوق صوته أن ذلك على وجه الاستخفاف به، فلذلك نهاهم عنه.
وجهر الصوت اشد من الهمس، ويكون شديدا وضعيفا ووسطا. والجهر ظهور الصوت بقوة الاعتماد، ومنه الجهارة في المنطق. ويقال: نهارا جهارا، وجاهر

===============
(341)
بالامر مجاهرة. ونقيض الجهر الهمس.
ثم بين تعالى انهم متى فعلوا ذلك بان يرفعوا الصوت على صوت النبي (صلى الله عليه وآله) على الوجه الذي قلناه أن يحبط اعمالهم، والتقدير لا ترفعوا أصواتكم لان لا تحبط قال الزجاج: ويكون اللام لام العاقبة، والمعنى يحبط ثواب ذلك العمل، لانهم لو أوقعوه على وجه الاستحقاق لاستحقوا به الثواب، فلما فعلوه على خلاف ذلك استحقوا عليه العقاب، وفاتهم ذلك الثواب فذاك إحباط أعمالهم، فلا يمكن أن يستدل بذلك على صحة الاحباط في الآية على ما يقوله أصحاب الوعيد، ولانه تعالى علق الاحباط في الآية بنفس العمل، وأكثر من خالفنا يعلقه بالمستحق على الاعمال، وذلك خلاف الظاهر.
ثم مدح تعالى من كان بخلاف من يرفع الصوت بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال " إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله " اعظاما للنبي وإجلالا له، والغض الحط من منزلة على وجه التصغير له بحالة، يقال: غض فلان عن فلان إذا ضعف حاله عن حال من هو أرفع منه، وغض بصره إذا ضعف عن حدة النظر، وغض صوته إذا ضعف عن الجهر، وقال جرير:
فغض الطرف إنك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا (1)
ثم قال " اولئك " يعني الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله هم " الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى " أي لا خلاص التقوى فعاملهم معاملة المختبر كما يمتحن الذهب لا خلاص جيده. وقيل " امتحن الله قلوبهم للتقوى " اخلصها - في قول مجاهد وقتادة - وقال قوم: معناه أولئك الذين علم الله التقوى في قلوبهم، لان الامتحان يراد به العلم، فعبر عن العلم بالامتحان.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه والطبري 26 / 69 (*)

===============
(342)
ثم قال تعالى " لهم مغفرة " من الله لذنوبهم " وأجر عظيم " على افعالهم وطاعاتهم ثم خاطب النبي (صلى الله عليه وآله) على وجه الذم لمن يرفع صوته من اجلاف الاعراب على النبي (صلى الله عليه وآله) " إن الذين ينادونك " يا محمد " من وراء الحجرات " وهي جمع حجرة وكل (فعلة) بضم الفاء يجمع بالالف والتاء، لانه ليس بجمع سلامة محضة إذ ما يعقل من الذكر ألحق به، لانه اشرف المعنيين، فهو احق بالتفصيل، قال الشاعر:
اما كان عباد كفيا لدارم * بلى ولابيات بها الحجرات (1)
أي بلى ولبني هاشم. وقرأ ابوجعفر الحجرات بفتح الجيم. قال المبرد:
أبدل من الضمة الفتحة الستثقالا لتوالي الضمتين، ومنهم من أسكن مثل (عضد وعضد) وقال ابوعبيدة: جمع حجرة وغرفة يقال: حجرات وغرفات.
ثم قال " اكثرهم لا يعقلون " لانهم بمنزلة البهائم لا يعرفون مقدار النبي (صلى الله عليه وآله) وما يستحقه من التوقير والتعظيم. وقيل: إن الذين رفعوا أصواتهم على النبي (صلى الله عليه وآله) قوم من بني تميم. وفي قراءة ابن مسعود (اكثرهم بنو تميم لا يعقلون).
ثم قال " ولو أنهم صبروا " فلم ينادوك " حتى تخرج اليهم " من منزلك " لكان خيرا لهم " من أن ينادونك من وراء الحجرات (والله غفور رحيم) أي ساتر لذنوبهم إن تابوا منها لان ذلك كفر لا يغفره الله إلى بالتوبة.
قوله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبا فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم ولكن
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الطبري 26 / 69 (*)

===============
(343)
الله حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحديهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فان فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) (10) خمس آيات.
قوله (يا ايها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ) خطاب من الله - عزوجل - للمؤمنين بأنه (إذا جاءكم فاسق) وهو الخارج من طاعة الله إلى معصيته (بنبأ)
أي بخبر عظيم الشأن (فتبينوا) صدقه من كذبه ولا تبادروا إلى العمل بمتضمنه (أن تصيبوا قوما بجهالة) لانه ربما كان كاذبا وخبره كذبا، فيعمل به فلا يؤمن بذلك وقال ابن عباس ومجاهد ويزيد بن رومان وقتادة وابن أبي ليلا: نزلت الآية في الوليد ابن عقبة بن أبي معيط، لما بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في صدقات بني المصطلق خرجوا يتلقونه فرحا به وإكراما له، فظن أنهم هموا بقتله، فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: انهم منعوا صدقاتهم، وكان الامر بخلافه.
وفي الآية دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم ولا العمل، لان المعنى إن جاءكم فاسق بالخبر الذي لا تأمنون أن يكون كذبا فتوقفوا فيه، وهذا التعليل موجود في خبر العدل، لان العدل على الظاهر يجوز أن يكون كاذبا في خبره،

===============
(344)
فالامان غير حاصل في العمل بخبره. وفى الناس من استدل به على وجوب العمل بخبر الواحد إذا كان راويه عدلا، من حيث انه اوجب تعالى التوقف في خبر الفاسق، فدل على أن خبر العدل لا يجب التوقف فيه. وهذا الذي ذكروه غير صحيح، لانه استدلال بدليل الخطاب ودليل الخطاب ليس بدليل عند جمهور العلماء. ولو كان صحيحا فليست الآية بأن يستدل بدليلها على وجوب العمل بخبر الواحد إذا كان عدلا بأولى من ان يستدل بتعليلها في دفع الامان من أن يصاب بجهالة إذا عمل بها على ان خبر العدل مثله، على أنه لا يجب العمل بخبر الواحد، وإن كان راويه عدلا.
فان قيل: هذا يؤدي إلى أن لا فائدة في إيجاب التوقف في خبر الفاسق إذا كان خبر العدل مثله في الفائدة.
قلنا: والقول بوجوب العمل بخبر الواحد يوجب أنه لا فائدة في تعليل الآية في خبرالفاسق الذي يشاركه العدل فيه، فاذا تقابلا سقط الاستدلال بها على كل حال وبقي الاصل في انه لا يجوز المل بخبر الواحد إلا بدليل.
ومن قرأ (تبينوا) أراد تعرفوا صحة متضمن الخبر الذي يحتاج إلى العمل عليه، ولا تقدموا عليه من غير دليل، يقال: تبين الامر إذا ظهر، وتبين هو نفسه بمعنى واحد، ويقال ايضا: تبينته إذا عرفته. ومن قرأ (فتثبتوا) - بالتاء والثاء - أراد توقفوا فيه حتى يتبين لكم صحته.
وقوله (فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) معناه حتى عملتم بخبر الواحد وبان لكم كذب راويه أصبحتم نادمين على ما فعلتموه.
ثم خاطبهم يعني المؤمنين فقال (واعلموا) معاشر المؤمنين (أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم) ومعناه لو فعل ما تريدونه في كثير من

===============
(345)
الامور (لعنتم) أي اصابكم عنت ومكروه، يقال: أعنت الرجل إذا حملت عليه عامدا لما يكره، يقال: اعنته فعنت، وسمي موافقته لما يريدونه طاعة لهم مجازا لان الطاعة يراعى فيها الرتبة، فلا يكون المطيع مطيعا لمن دونه، وإنما يكون مطيعا لمن فوقه إذا فعل ما أمره به، ألا ترى انه لا يقال في الله تعالى: إنه مطيع لنا إذا فعل ما أردناه. ويقال فينا إذا فعلنا ما أراده الله: انه مطيع. والنبي (صلى الله عليه وآله) فوقنا فلا يكون مطيعا لنا، فاطلاق ذلك مجاز.
وقوله (ولكن الله حبب اليكم الايمان) بما وعد من استحقاق الثواب عليه (وزينه في قلوبكم) بنصب الادلة على صحته (وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان) بما وصفه من العقاب عليه - وهو قول الحسن - وفي الآية دلالة على أن اضداد الايمان ثلاثة كفر وفسوق وعصيان.
ثم قال (أولئك) يعني الذين وصفهم الله بالايمان، وزين الايمان في قلوبهم وانه كره اليهم الفسوق وغيره (هم الراشدون) أي المهتدون إلى طريق الحق الذين أصابوا الرشد.
ثم قال (فصلا من الله ونعمة) أي فعل الله ذلك بهم فضلا منه على خلقه ونعمة مجددة، وهو نصب على المفعول له - في قول الزجاج - (والله عليهم) بالاشياء كلها (حكيم) في جميع أفعاله.
ثم قال (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) يقتل بعضهم بعضا (فأصلحوا بينهما) حتى يصطلحا، وقرأ يعقوب (بين أخوتكم) حمله على أنه جمع (أخ)
أخوة لان الطائفة جمع. ومن قرأ على التثنية رده إلى لفظ الطائفتين، وقرأ زيد ابن ثابت وابن سيرين وعاصم الجحدري (بين اخويكم) والمعاني متقاربة.
(ج 9 م 44 من التبيان)

===============
(346)
وقوله (وإن طائفتان من المؤمنين) لا يدل على أنهما إذا اقتتلا بقيا على الايمان، ويطلق عليهما هذا الاسم، بل لا يمتنع ان يفسق احد الطائفتين او يفسقا جميعا، وجرى ذلك مجرى ان تقول: وإن طائفة من المؤمنين ارتدت عن الاسلام فاقتلوها. ثم قال (فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ)
أي فان بغت إحدى الطائفتين على الاخرى بأن تطلب ما لا يجوز لها وتقابل الاخرى ظالمة لها متعدية عليها (فقاتلوا التي تبغي) لانها هي الظالمة المتعدية دون الاخرى (حتى تفئ إلى أمر الله) أي حتى ترجع إلى أمر الله وتترك قتال الطائفة المؤمنة. ثم قال (فان فاءت) أي رجعت وتابت وأقلعت وأنابت إلى طاعة الله (فأصلحوا بينهما) يعني بينها وبين الطائفة التى كانت على الايمان ولم تخرج عنه بالقول، فلا تميلوا على واحدة منهما (وأقسطوا) أي اعدلوا (إن الله يحب المقسطين) يعني العادلين، يقال: أقسط إذا عدل، وقسط إذا جار. قال الله تعالى (وأما القاسطون فكانوا الجهنم حطبا) (1).
وقيل: إن الآية نزلت في قبيلتين من الانصار وقع بينهما حرب وقتال - ذكره الطبري -.
ثم اخبر تعالى (إنما المؤمنون) الذين يوحدون الله تعالى ويعملون بطاعاته ويقرون بنبوة نبيه ويعملون بما جاء به (أخوة) يلزمهم نصرة بعضهم بعضا (فأصلحوا بين أخويكم) يعني إذا رجعا جميعا إلى الحق وما أمر الله به (وأتقوا الله) أي اجتنبوا معاصيه وافعلوا طاعته واتقوه في مخالفتكم (لعلكم ترحمون) معناه لكي ترحمون لان (لعل) بمعنى الشك والشك لا يجوز على الله تعالى، قال الزجاج: سموا المؤمنين إذا كانوا متفقين في دينهم بأنهم أخوة، لا تفاقهم في الدين ورجوعهم إلى اصل النسب
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 72 الجن آية 15 (*)

===============
(347)
لانهم لآدم وحواء.
قوله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فاولئك هم الظالمون (11) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم (12) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عندالله أتقيكم إن الله عليم خبير (13) قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (14) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) (14)
خمس آيات.

===============
(348)
قرا اهل البصرة (لا يألتكم) بالهمزة. الباقون (لا يلتكم) بلا همزة، وهما لغتان، يقال: ألت يألت إذا أنقص، ولات يليت مثل ذلك. وفى المصحف بلا الف وقال الشاعر:
وليلة ذات ندى سريت * ولم يلتني عن سراها ليت (1)
ومعنى الآية لا ينقصكم من أعمالكم شيئا، ومنه قوله (وما ألتناهم من عملهم من شئ) (2) أي ما نقصناهم. وقرأ يعقوب (ميتا) بالتشديد. الباقون بالتخفيف. والتشديد الاصل، وهو مثل سيد وسيد.
يقول الله مخاطبا للمؤمنين الذين وحدوده وأخلصوا العبادة له وصدقوا نبيه وقبلوا ما دعاهم الله اليه (لا يسخر قوم من قوم) ومعناه لا يهزأ به ويتلهى منه، وقال مجاهد: لا يسخر غني من فقير لفقره بمعنى لا يهزأ به، والسخرية بالاستهزاء ولو سخر المؤمن من الكافر احتقارا له لم يكن بذلك مأثوما، فأما في صفات الله، فلا يقال إلا مجازا كقوله (فانا نسخر منكم كما تسخرون) (3) معناه إنا نجازيكم جزاء السخرية.
ثم قال (عسى أن يكونوا خيرا منهم) لانه ربما كان الفقير المهين في ظاهر الحال خيرا عند الله وأجل منزلة واكثر ثوابا من الغني الحسن الحال. وقال الجبائي: يجوز ان يكونوا خيرا منهم في منافع الدنيا، وكثرة الانتفاع بهم. وقوله (ولا نساء من نساء) أي ولا يسخر نساء من نساء على هذا المعنى (عسى أن يكن خيرا منهن) ويقال: هذا خير من هذا بمعنى أنفع منه في ما يقتضيه العقل، وكذلك كان نسب رسول الله (صلى الله عليه وآله) خير من نسب غيره، ثم قال (ولا تلمزوا أنفسكم)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبرى 26 / 82 وقد مر في 6 / 445 (2) سورة 52 الطور آية 21 (3) سورة 11 هود آية 38 (*)

===============
(349)
فاللمز هو الرمي بالعيب لمن لا يجوز ان يؤذى بذكره، وهو المنهي عنه، فأما ذكر عيبه، فليس بلمز، وروي انه (صلى الله عليه وآله) قال (قولوا في الفاسق ما فيه كي يحذره الناس) وقال الحسن: في صفة الحجاج أخرج الينا نباتا قصيرا قل ما عرفت فيها إلا عنه في سبيل الله ثم جعل يطبطب بشعيرات له، ويقول: يابا سعيد. ولو كان مؤمنا لما قال فيه ذلك. وقال ابن عباس وقتادة: معناه لا يطعن بعضكم على بعض كما قال (ولا تقتلوا أنفسكم) (1) لان المؤمنين كنفس واحدة، فكأنه بقتله اخاه قاتل نفسه.
وقوله (ولا تنابزوا بالالقاب) قال ابوعبيدة: الانباز والالقاب واحد فالنبز القذف باللقب، نهاهم الله أن يلقب بعضهم بعضا. وقال الضحاك: معناه كل اسم او صفة يكرة الانسان أن يدعى به، فلا يدع به. وإنما يدعى بأحب اسمائه اليه. وقوله (بئس الاسم الفسوق بعد الايمان) لا يدل على ان المؤمن لا يكون فاسقا لان الايمان والفسق لا يجتمعان، لان ذلك يجري مجرى ان يقال: بئس الحال الفسوق مع الشيب على ان الظاهر يقتضي ان الفسوق الذي يتعقب الايمان بئس الاسم، وذلك لا يكون إلا كفرا، وهو بئس الاسم.
ثم قال (ومن لم يتب) يعني من معاصيه ويرجع إلى طاعة الله ومات مصرا (فاولئك هم الظالمون) الذين ظلموا نفوسهم بأن فعلوا ما يستحقون به العقاب.
ثم خاطبهم ايضا فقال (يا ايها الذين آمنوا) أي صدقوا بوحدانيته (اجتنبوا كثيرا من الظن) وإنما قال (كثيرا) لان في جملته ما يجب العمل عليه، ولا يجوز مخالفته. وقوله (ان بعض الظن أثم) فالظن الذي يكون إثما
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 4 النساء آية 28 (*)

===============
(350)
إنما هو ما يفعله صاحبه وله طريق إلى العلم بدلا منه مما يعمل عليه، فهذا ظن محرم لا يجوز فعله، فأما مالا سبيل له إلى دفعه بالعلم بدلا منه، فليس باثم، فلذلك كان بعض الظن أثم، دون جميعه، والظن المحمود قد بينه الله ودل عليه في قوله (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا) (1): يلزم المؤمن أن يحسن الظن به ولا يسئ الظن في شئ يجد له تأويله جميلا، وإن كان ظاهره القبيح. ومتى فعل ذلك كان ظنه قبيحا.
وقوله (ولا تجسسوا) أي لا تتبعوا عثرات المؤمن - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - وقال ابوعبيدة التجسس والتجسس واحد وهو التبحث يقال:
رجل جاسوس، والجاسوس والناموس واحد. وقيل للمؤمن حق على المؤمن ينافي التجسس عن مساوئه. وقيل: يجب على المؤمن أن يتجنب ذكره المستور عند الناس بقبيح، لان عليهم أن يكذبوه ويردوا عليه، وإن كان صادقا عندالله، لان الله ستره عن الناس، وإنما دعى الله تعالى المؤمن إلى حسن الظن في بعضهم ببعض للالفة والتناصر على الحق، ونهوا عن سوء الظن لما في ذلك من التقاطع والتدابر.
وقوله (ولا يغتب بعضكم بعضا) فالغيبة ذكر العيب بظهر الغيب على وجه تمنع الحكمة منه. ويروى في الخبر إذا ذكرت المؤمن بما فيه مما يكرهه الله، فقد اغتبته وإذا ذكرته بما ليس فيه، فقد بهته.
وقوله (ايحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه) معناه ان من دعي إلى اكل لحم أخيه فعافته نفسه، فكرهته من جهة طبعه، فانه ينبغي إذا دعي إلى عيب أخيه فعافته نفسه من جهة عقله، فينبغي أن يكرهه، لان داعي العقل أحق بأن يتبع من داعي الطبع لان داعي الطبع أعمى وداعي العقل بصير، وكلاهما
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 24 النور آية 12 (*)

===============
(351)
في صفة الناصح، وهذا من أحسن ما يدل على ما ينبغي ان يجتنب من الكلام.
وفي الكلام حذف، وتقديره أيحب احدكم ان يأكل لحم أخيه ميتا فيقولون: لا، بل عافته نفوسنا، فقيل لكم فكرهتموه، فحذف لدلالة الكلام عليه. وقال الحسن:
معناه فكما كرهتم لحمه ميتا فأكرهوا غيبته حيا، فهذا هو تقدير الكلام.
وقوله (واتقوا الله) معطوف على هذا الفعل المقدر، ومثله (ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك) (1) والمعنى ألم نشرح، قد شرحنا فحمل الثاني على معنى الاول، لانه لا يجوز ان يقول ألم وضعنا عنك.
ثم قال (واتقوا الله) باجتناب معاصيه وفعل طاعاته (ان الله تواب)
أي قابل لتوبة من يتوب اليه (رحيم) بهم.
ثم قال (قالت الاعراب آمنا) قال قتادة: نزلت الآية في اعراب مخصوصين انهم قالوا (آمنا) أي صدقنا بالله وأقررنا بنبوتك يا محمد، وكانوا بخلاف ذلك في بواطنهم، فقال الله تعالى لنبيه (قل) لهم (لن تؤمنوا) على الحقيقة في الباطن (ولكن قولوا أسلمنا) أي استسلمنا خوفا من السبي والقتل - وهو قول سعيد بن جبير وابن زيد - ثم بين فقال (ولما يدخل الايمان في قلوبكم) بل أنتم كفار في الباطن. ثم قال لهم (وإن تطيعوا الله ورسوله) وترجعوا إلى ما يأمرانكم به من طاعة الله والانتهاء عن معاصيه (لا يلتكم من أعمالكم شيئا) أي لا ينقصكم من جزاء أعمالكم شيئا (ان الله غفور رحيم) أي ساتر لذنوبهم إذا تابوا رحيم بهم في قبول توبتهم.
ثم وصف المؤمن على الحقيقة فقال (إنما المؤمنون) على الحقيقة (الذين آمنوا بالله) وصدقوا وأخلصوا بتوحيده (ورسوله) أي واقروا بنبوة نبيه
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 94 الانشراح آية 1 - 2 (*)

===============
(352)
(ثم لم يرتابوا) أي لم يشكوا في شئ من أقوالهما (وجاهدوا بأموالهم وانفسهم في سبيل الله) ثم قال (اولئك هم الصادقون) في أقوالهم دون من يقول بلسانه ما ليس في قلبه.
وقوله " يا ايها الناس " خطاب للخلق كافة من ولد آدم يقول لهم " إنا خلقناكم " باجمعكم " من ذكر وانثى " يعني آدم وحوا (عليهما السلام) وقال مجاهد:
خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة بدلالة الآية " وجعلناكم شعوبا وقبائل " فالشعوب النسب الابعد، والقبائل الاقرب - في قول مجاهد وقتادة - وقيل الشعوب أعم، والقبائل اخص. وقال قوم: الشعوب الافخاذ والقبائل اكثر منهم. والشعوب جمع شعب، وهو الحي العظيم، والقبائل مأخوذ من قبائل الرأس، وقبائل الحقبة التي يضم بعضها إلى بعض، فاما الحي العظيم المستقر بنفسه فهو شعب، قال ابن احمر:
من شعب همدان او سعد العشيرة او * خولان او مذحج جواله طربا (2)
والقبائل جمع قبيلة، وقوله " لتعارفوا " معناه جعلكم كذلك لتعارفوا، فيعرف بعضكم بعضا. ومن قرأ بالياء مشددة، أدغم أحداهما في الاخرى، ومن خفف حذف أحداهما. ثم قال " إن اكرمكم عندالله أتقاكم " لمعاصيه، واعملكم بطاعته قال البلخي: اختلف الناس في فضيلة النسب، فانكرها قوم، واثبتها آخرون والقول عندنا في ذلك انه ليس احد أفضل من مؤمن تقي، فان الحسب والنسب والشرف لا يغنيان في الدين شيئا، لان لهما فضلا كفضل الخز على الكرباس والكتان على البهاري وكفضل الشيخ على الشاب. فان الطبائع مبنية والاجماع واقع على بأن شيخا وشابا لو باستويا في الفضل في الدين لقدم الشيخ على الشاب
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الطبرى 26 / 80 نسبة إلى ابن عمر الباهلي وروايته (هاجرا له)
بدل (جواله)
(*)

===============
(353)
وزيد في تعظيمه وتبجيله، وكذلك الاب والابن لو استويا في الفضل في الدين لقدم الاب، وكذلك السيد وعبده. وهذا مما لا خلاف فيه بين العقلاء، وكذلك لو أن رجلين استويا في الدين ثم كان احدهما له قرابة برسول الله أو بالخيار الصالحين لوجب أن يقدم المتصل برسول الله وبالصالح، ويزاد إكرامه في تعظيمه وتبجيله، وكذلك إذا استويا وكان في آباء احدهما أنبياء ثلاثة وأربعة، وكان في آباء الآخر نبي واحد كان الاول مستحقا للتقديم، وكذلك لو كان لاحدهم أب نبي إلا انه من الانبياء المتقدمين، وكان ابوالآخر هو النبي الذي بعث الينا كان الثاني اعظم حقا وأحق بالتقديم، وكذلك لو كان احدهما له آباء معروفون بالفضل والاخلاق الجميلة والافعال الشريفة وبالوقار وبالنجدة والادب والعلم كانت الطبايع مبنية على تقديمه على الآخر. فان قيل: الطبائع مبنية على تقديم ذوي المال فيجب ان يكون الغنى وكثرة المال شرفا. قلنا: كذلك هو لا ننكر هذا ولا ندفعه. فان قيل:
إذا كان لاحدهما مال لا يبذل، والآخر قليل المال يبذل قدر ما يملكه من الحقوق ويضعه في مواضعه؟ قلنا الباذل أفضل من الذي لا يبذل. وإنما تكلمنا في الرجلين إذا استويا في خصالهما وفضل أحدهما كثرة المال وكان واضعا له في موضعه باذلاله في حقوقه وكذلك لو أن رجلا كان ذا حسب وشرف في آبائه إلا انه كان فاسقا او سخيفا او وضيعا في نفسه كان الذي لا حسب له وهو عفيف نبيل افضل منه بالاوصاف التي لا تخفى. وكان حسب ذلك السخيف مما يزيده وبالا، ومعنى الحسب أنه يحسب لنفسه آباء أشرافا فضلا، وعمومة وأخوة - انتهى كلام البلخي -.
وقوله " إن الله عليم خبير " يعني بمن يعمل طاعاته ويتقي معاصيه " خبير " (ج 9 م 45 من التبيان)

===============
(354)
بذلك لا يخفى عليه شئ من ذلك. ثم وصف المؤمنين الذين تقدم ذكرهم فقال " اولئك هم الصادقون " على الحقيقة الذين يستحقون ثواب الله تعالى.
قوله تعالى:
(قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الارض والله بكل شئ عليم (16) يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هديكم للايمان إن كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السموات والارض والله بصير بما تعملون) (18) ثلاث آيات.
قرأ ابن كثير وحده " بما يعملون " بالياء على الغيبة. الباقون بالتاء على الخطاب.
يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) " قل " لهؤلاء الكفار " أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الارض والله بكل شئ عليم " فالتعليم تعريض من لا يعلم حتى يعلم بافهام المعنى او خلق العلم له في قلبه، فعلى هذا لا يجوز ان يعلم العالم لنفسه الذي يعلم المعلومات كلها بنفسه، ولا يحتاج إلى من يعلمه ولا إلى علم يعلم به، كما انه من يكون قديما بنفسه استغنى عن موجد يوجده، وإنما يحتاج إلى التعليم من يجوز أن يعلم وألا يعلم، ومن يخفى عليه شئ دون شئ، ففي الآية دلالة على ان العالم بكل وجه لا يجوز ان يعلم. والمعني بالآية هم الذين ذكرهم في الآية الاولى وبين أنهم منافقون لقول الله لهم " أتعلمون الله بدينكم " إنا آمنا بالله وبرسوله، وهو تعالى يعلم منكم خلاف ذلك من الكفر والنفاق، فلفظه لفظ الاستفهام والمراد

===============
(355)
به الانكار.
ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال " يمنون عليك أن أسلموا " فالمن القطع بايصال النفع الموجب للحق، ومنه قوله " فلهم اجر غير ممنون " (1) أي غير مقطوع، ومنه قولهم: المنة تكدر الصنيعة وقيل: إذا كفرت النعمة حسنت المنة. ومن لا أحد إلا وهو محتاج اليه، فليس في منه تكدير النعمة، لان الحاجة لازمة لامتناع أن يستغنى عنه بغيره. واكثر المفسرين على ان الآية نزلت في المنافقين. وقال الحسن: نزلت في قوم من المسلمين قالوا: أسلمنا يا رسول الله قبل ان يسلم بنو فلان، وقاتلنا معك بني فلان. وقال الفراء: نزلت في اعراب من بني أسد قدموا على النبي (صلى الله عليه وآله) بعيالاتهم طمعا في الصدقة، وكانوا يقولون أعطنا، فانا أتيناك بالعيال والاثقال وجاءتك العرب على ظهور رواحلها، فأنزل الله فيهم الآية. ثم قال " بل الله يمن عليكم " بانواع نعمه و " بأن هداكم للايمان " وارشدكم اليه بما نصب لكم من الادلة عليه ورغبكم فيه " إن كنتم صادقين " في إيمانكم الذي تدعونه.
ومتى كنتم صادقين يجب أن تعلموا ان المنة الله عليكم في إيمانكم، لا لكم على الله ورسوله.
وموضع " أن اسلموا " نصب ب " يمنوا " وهو مفعول به. وقيل: موضعه الجر، لان تقديره بأن اسلموا. ثم قال إن الله يعلم غيب السموات والارض والله بصير بما يعملون من طاعة ومعصية وإيمان وكفر في باطن او ظاهر لا يخفى عليه شئ من ذلك.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 95 التين آية 6 (*)

===============
(356)
50 - سورة ق مكية بلا خلاف: وهي خمس وأربعون آية بلا خلاف.
بسم الله الرحمن الرحيم (ق والقرآن المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شئ عجيب (2) ءإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) قد علمنا ما تنقص الارض منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج) (5)
لم يعد أحد (ق) آية، وكذلك نظائره مثل (ن) و(صلى الله عليه وآله) لانه من المفرد، وكل مفرد فانه لا يعد لعبده عن شبه الجملة. وأما المركب فما اشبه الجملة ووافق رؤس الآي، فانه يعد مثل (طه) و (حم) و (ألم) وما أشبه ذلك.
و (قاف) قيل هو اسم للجبل المحيط بالارض. وقيل: هو اسم من اسماء السورة ومفتاحها على ما بيناه في حروف المعجم. وهو الاقوى. وقيل: (ق) من قضى الامر و (حم) من حم أي دنا.
وقوله " والقرآن " قسم من الله تعالى بالقرآن. وجواب القسم محذوف، وتقديره لحق الامر الذي وعدتم به انكم لمبعوثون، تعجبوا فقالوا " أئذا متنا

===============
(357)
وكنا ترابا " ! وقيل: تقديره، ورب القرآن. واستدل بذلك على حدوثه، وهو خلاف الظاهر. والمجيد العظيم الكرم. ووصف القرآن وبعثه بأنه مجيد معناه انه عظيم القدر عالي الذكر. ويقال مجد الرجل ومجد مجدا وهما لغتان إذا عظم كرمه وأمجد كرمت فعاله، والمجيد في اسم الله تعالى العظيم الكرم، ومجده خلقه: عظموه بكرمه، ورجل ماجد عظيم الكرم. وتماجد القوم تماجدا، وذلك إذا تفاخروا باظهار مجدهم. والمجد مأخوذ من قولهم: مجدت الابل مجودا، وذلك إذا عظمت بطونها لكثرة أكلها من كلا الربيع. وأمجد القوم ابلهم وذلك في الربيع، كأنهم أصابوا أكلا عظيما كريما قال الشاعر:
رفعت مجد تميم باهلال لها * رفع الطراف على العلياء بالعمد (1)
وقوله " بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شئ عجيب " اخبار منه تعالى عن حال الكافرين الذين بعث الله اليهم النبي (صلى الله عليه وآله) من كفار قريش وغيرهم مخوفا لهم من معاصيه وترك طاعاته باستحقاق العقاب على ذلك وانه تعالى سيبعثهم ويجازيهم على ذلك بعد الموت، فقال الكافرون جوابا لهذا القول:
هذا شئ عجيب، والتعجب بثير النفس تعظيم الامر الخارج عن العادة الذي لا يقع بسببه معرفة، يقال عجب عجبا وتعجب تعجبا، فالذي يتعجب منه عجب.
وقيل: العجب هو كل مالا يعرف علته ولا سببه، وأفحش العجب التعجب مما ليس بعجب على طريق الانكار للحق، لانه يجتمع فيه سببا القبيح، فهؤلاء تعجبوا من مجئ النذير من الله تعالى اليهم فقد فحشوا غاية التفحش، مع انه مما يعظم ضرر الجهل به. ثم قالوا أيضا في الجواب عن ذلك ائذا متنا وخرجنا من كوننا أحياء وكنا ترابا يبعثنا الله !؟ وحذف لدلالة الكلام عليه. ثم قالوا " ذلك رجع بعيد "
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 34 (*)

===============
(358)
أي يبعد عندنا أن نبعث بعد الموت، لان ذلك غير ممكن، فقال الله تعالى " قد علمنا ما تنقص الارض منهم " أي علمنا الذي تأكل الارض من لحومهم، لا يخفى علينا شئ منه " وعندنا كتاب حفيظ " أي ممتنع الذهاب بالبلى والدروس، كل ذلك ثابت فيه ولا يخفى منه شئ وهو اللوح المحفوظ ثم قال " بل كذبوا بالحق لما جاءهم " يعني بالنبي والقرآن الذي جاء به دالا على صدقه، وبالبعث والنشور، الذي أنذرهم به فهم في أمر مريج أي مختلط ملتبس واصله ارسال الشئ مع غيره في المرج من قولهم: مرج الخيل الذكور مع الاناث وهو مرج بالخيل أي المسرح الذي يمرج فيه، و " مرج البحرين " ارسلهما في مرج " يلتقيان " ولا يختلطان.
قوله " من مارج من نار " أي مرسل الشعاع بانتشاره. قال ابوذؤيب فحالت فالتمست به حشاها * فخر كانه غصن مريج (1)
أي قد التبس بكثرة تشعبه ومرجت عهودهم وأمرجوها أي خلطوها، ولم يفوا بها. وقال ابوعبيدة: مرج أمر الناس إذا اختلط، قال ابوذؤيب (فخر كأنه خوط مريج) أي سهم مختلط الامر باضطرابه، فهؤلاء الكفار حصلوا في أمر مختلط ملتبس من أمر النبي (صلى الله عليه وآله)، فقالوا تارة هو مجنون وأخرى هو كاهن وأخرى هو شاعر، فلم يثبتوا على شئ واحد، فلذلك كانوا في أمر مريج.
قوله تعالى:
(أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج (6) والارض مددناها وألقينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) تبصرة وذكرى لكل عبد
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الطبري 26 / 86 وروايته (فحط كأنه حوط مريج)
(*)

===============
(359)
منيب (8) ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد (9) والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج) (11) ست آيات.
لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم كذبوا بالحق الذي هو القرآن وجحدوا البعث والنشور والثواب والعقاب، وتعجبوا من ذلك نبههم الله تعالى على ذلك وبين لهم الطريق الذي إذا نظروا فيه علموا صحته، فقال " أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها " ومعناه أفلم يفكروا في بناء هذه السماء وعظمها، وحسن تزيينها فيعلموا أن لها بانيا بناها وصانعا صنعها وانه لابد أن يكون قادرا عليها، وانه لا يعجزه شئ، لانه لا يقدر على مثل ذلك إلا القادر لنفسه الذي لا يجوز عليه العجز ويعلمه، لانه عالم بما يرون من إحكام الصنعة فيها وانه الذي لا يخفى عليه خافيه وقوله " وزيناها " يعني حسنا صورتها بما خلقنا فيها من النجوم الثاقبة والشمس والقمر، وانه " مالها من فروج " أي ليس فيها فتوق يمكن السلوك فيها وإنما يسلكها الملائكة بأن يفتح لها أبواب السماء إذا عرجت اليها.
ثم قال " والارض مددناها " أي بسطناها، وتقديره ومددنا الارض مددناها، كما قال " والقمر قدرناه " (1) فيمن نصب ولو رفع كان جائزا، والنصب أحسن - ههنا - لكونه معطوفا على بنيناها، فعطف الفعل على الفعل احسن.
ثم قال " والقينا فيها رواسي " أي طرحنا جبالا تمنعها من الحركة ليتمكن استقرار الحيوان عليها " وانبتنا فيها من كل زوج بهيج " قال ابن زيد: البهيج الحسن المنظر والبهجة الحسن الذي له روعة عند الرؤية، كالزهرة والاشجار الملتفة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 36 يس آية 39 (*)

===============
(360)
والرياض الخضرة في الانواع المتشاكلة والمباري المصطفة خلالها الانهار الجارية.
وقوله " تبصرة وذكرى لكل عبد منيب " أي فعلنا ذلك وخلقناه على ما وصفناه ليتبصر به ويتفكر به كل مكلف كامل العقل يريد الرجوع إلى الله والانابة اليه.
ثم قال " ونزلنا من السماء ماء مباركا " يعني مطرا وغيثا " فانبتنا به " بذلك الماء " جنات " أي بساتين فيها أشجار تجنها " وحب الحصيد " يعني البر والشعير، وكل ما يحصد - في قول قتادة - لان من شأنه ان يحصد، والحب هو الحصيد، وإنما أضافه إلى نفسه، كما قال " لحق اليقين " (1) وكما قالوا: مسجد الجامع وغير ذلك. وقوله " والنخل " عطف على (جنات) فلذلك نصبه و " باسقات " أي عاليات يقال: بسقت النخلة بسوقا قال ابن نوفل لابن هبيرة:
يابن الذين بفضلهم * بسقت على قيس فزاره (2)
وقال ابن عباس " باسقات " طوال النخل، وبه قال مجاهد وقتادة " لها طلع نضيد " أي لهذه النخل التي وصفها بالعلو " طلع نضيد " نضد بعضه على بعض - في قول مجاهد وقتادة - وقوله " رزقا للعباد " أي خلقنا ما ذكرنا من حب الحصيد والطلع النضيد رزقا للعباد وغذاء لهم، وهو نصب على المصدر أي رزقناهم رزقا، ويجوز أن يكون مفعولا له أي لرزق العباد والرزق هو ما للحي الانتفاع به على وجه ليس لغيره منعه منه، والحرام ليس برزق، لان الله تعالى منع منه بالنهي والحظر وكل رزق فهو من الله تعالى إما بأن يفعله او يفعل سببه، لانه مما يريده. وقد يرزق الواحد منا غيره، كما يقال: رزق السلطان الجند.
وقوله " واحيينا به بلدة ميتا " أي احيينا بذلك الماء الذي انزلنا من السماء
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 69 الحاقة آية 51 (2) تفسير الطبرى 26 / 87 (*)

===============
(361)
بلدة ميتا أي جدبا قحطا، لا تنبت شيئا، فأنبتت وعاشت ثم قال " كذلك الخروج " أي مثل ما أحيينا هذه الارض الميتة بالماء، مثل ذلك نحيي الموتى يوم القيامة فيخرجون من قبورهم لان من قدر على أحدهما قدر على الآخر، وإنما دخلت على القوم شبهة من حيث انهم رأوا العادة جارية باحياء الارض الموات بنزول المطر عليها، ولم يروا إحياء الاموات، فظنوا انه يخالف ذلك، ولو انعموا النظر لعلموا ان القادر على احدهما قادر على الآخر.
قوله تعالى:
(كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12)
وعاد وفرعون وإخوان لوط (13) وأصحاب الايكة وقوم اتبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) أفعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد) (15) أربع آيات.
يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) تسلية له عن كفر قومه وتركهم الايمان به مهددا لكفار قومه أنه كما كذبوك يا محمد هؤلاء وجحدوا نبوتك مثل ذلك كذب قبلهم من الامم الماضية قوم نوح فأهلكهم الله واغرقهم واصحاب الرس وهم اصحاب البئر الذين قتلوا نبيهم ورسوه فيها - في قول عكرمة - وقال الضحاك: الرس بئر قتل فيها صاحب ياسين. وقيل: الرس بئر لم يطو بحجر ولا غيره. قال الجعدي:
تنابلة يحفرون الرساسا (1)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 7 / 490 (ج 9 م 46 من التبيان)
(*)

===============
(362)
و " ثمود " هم قوم صالح حيث كذبوه ونحروا ناقة الله التي اخرجها آية له من الجبل " وعاد " وهم قوم هود، فكذبوه فأهلكهم الله " وفرعون واخوان لوط " أي كذب فرعون موسى، وقوم لوط لوطا، وسماهم اخوته لكونهم من نسبه " واصحاب الايكة " وهم قوم شعيب، والايكة الغيظة " وقوم تبع " روي في الحديث لا تلعنوا تبعا، فانه كان اسلم، وإنما ذم الله قومه.
ثم اخبر تعالى عنهم كلهم فقال " كل كذب الرسل " المبعوثة اليهم، وجحدوا نبوتهم " فحق وعيد " فاستحقوا بما وعدهم به من العقاب، فاذا كانت منازل الامم الخيالية إذا كذبوا الرسل الهلاك والدمار، وأنتم معاشر الكفار قد سلكتم مسلكهم في التكذيب فحالكم كحالهم في استحقاق مثل ذلك.
ثم قال الله تعالى على وجه الانكار عليهم، بلفظ الاستفهام " أفعيينا بالخلق الاول " قال الحسن الخلق الاول آدم وقد يكون ذلك المراد لاقرارهم به وأنهم ولده يقال: عييت بالامر إذا لم يعرف وجهه واعييت إذا تعبت، وكل ذلك من التعب في الطلب. والمعنى إنا كما لم نعي بالخلق الاول لا نعيا بخلقهم على وجه الاعادة، والعي عجز بانقلاب المعنى على النفس، ثم قال " بل هم في لبس من خلق " فاللبس منع من إدراك المعنى بما هو كالستر له " من خلق جديد " وهو القريب الانشاء، يقال: بناء جديد وثوب جديد، وخلق جديد وأصله القريب العهد، بالقطع للبس لانه من جددته أجده جدا إذا قطعته فهو كفرت العهد بالقطع للبس.
قوله تعالى:
(ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (16) إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين

===============
(363)
وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد) (20) خمس آيات.
يقول الله تعالى مقسما إنه خلق الانسان أي اخترعه وانشأه مقدرا. والخلق الفعل الواقع على تقدير وترتيب. والمعنى إنه يوجده على ما تقتضيه الحكمة من غير زيادة ولا نقصان. وأخبر انه يعلم ما يوسوس به صدر الانسان. فالوسوسة حديث النفس بالشئ في خفى، ومنه قوله " فوسوس اليه الشيطان " (1) ومنه الواسوس كثرة حديث النفس بالشئ من غير تحصيل قال رؤبة:
وسوس يدعو مخلصا رب الفلق (2)
ثم اخبر تعالى انه اقرب إلى الانسان من حبل الوريد. قال ابن عباس ومجاهد: الوريد عرق في الحلق وهما وريدان في العنق: من عن يمين وشمال، وكأنه العرق الذي يرد اليه ما ينصب من الرأس، فسبحان الله الخلاق العليم الذي احسن الخلق والتدبير، وجعل حبل الوريد العاتق، وهو يتصل من الحلق إلى العاتق هذا العرق الممتد للانسان من ناحيتي حلقه إلى عاتقه، وهو الموضع الذي يقع الرداء عليه لانه يطلق الرداء من موضعه. قال رؤبة:
كان وريديه رشاخلب أي ليف. وقال الحسن: الوريد الوتين: وهو عرق معلق به القلب، فالله تعالى أقرب إلى المرء من قلبه. وقيل: المعنى ونحن أقرب اليه ممن كان بمنزلة حبل
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 20 طه آية 120 (2) مرفي 4 / 397 (*)

===============
(364)
الوريد في القرب في أني أعلم به. وقيل: معناه اقرب اليه بما يدركه من حبل الوريد لو كان مدركا. وقيل: ونحن أملك به من حبل الوريد في الاستيلاء عليه، وذلك أن حبل الوريد في حيز غير حيزه. والله تعالى مدرك له بنفسه ومالك له بنفسه.
وقوله " إذ يتلقى المتلقيان " (إذ) متعلقة بقوله " ونحن اقرب اليه " حين يتلقى المتلقيان، يعني الملكين الموكلين بالانسان " عن اليمين وعن الشمال قعيد " أي عن يمينه وعن شماله. وإنما وحد " قعيد " لاحد وجهين:
احدهما - إنه حذف من الاول لدلالة الثاني عليه، كما قال الشاعر:
نحن بما عندنا وانت بما * عندك راض والرأى مختلف (1)
أي نحن بما عندنا راضون، فتقدير الآية عن اليمين قعيد، وعن الشماء قعيد الثاني - إنه يكون القعيد على لفظ الواحد، ويصلح للاثنين والجمع كالرسول لانه من صفات المبالغة، وفيه معنى المصدر، كأنه قيل: ذو المراقبة. وقال مجاهد:
القعيد الرصيد. وقيل: عن اليمين ملك يكتب الحسنات، وعن الشمال ملك يكتب السيئات - في قول الحسن ومجاهد - وقال الحسن: حتى إذا مات طويت صحيفة عمله وقيل له يوم القيامة " إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " (2) فقد عدل - والله - عليه من جعله حسيب نفسه. وقال الحسن: الحفظة أربعة: ملكان بالنهار وملكان بالليل.
وقوله " ما يلفظ من قول الالديه رقيب عتيد " أي لا يتكلم بشئ من القول إلا وعنده حافظ يحفظ عليه، فالرقيب الحافظ والعتيد المعد المزوم الامر.
وقوله " وجاءت سكرة الموت بالحق " قيل في معناه قولان:
احدهما - جاءت السكرة بالحق من أمر الآخرة حتى عرفه صاحبه واضطر اليه
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 1 / 172، 203، 263 و 5 / 246، 289 و 8 / 457 (2) سورة 17 الاسرى آية 14 (*)

===============
(365)
والآخر - وجاءت سكرة الموت بالحق الذي هو الموت. وروي ان أبا بكروابن مسعود كانا يقرآن " وجاءت سكرة الحق بالموت " وهي قراءة اهل البيت (عليهم السلام) و (سكرة الموت) غمرة الموت التي تأخذه عند نزع روحه فيصير بمنزلة السكران.
وقوله " ذلك ما كنت منه تحيد " أي يقال له عند ذلك هذا الذى كنت منه تعرب وتروغ. وقوله " ونفخ في الصور " قيل فيه وجهان:
احدهما - إنه جمع صورة ينفخ الله في الصور بأن يحييها يوم القيامة.
الثاني - ان الصور قرن ينفخ اسرافيل فيه النفخة الاولى فيموت الخلق، والنفخة الثانية فيحيون يوم القيامة، وهو يوم الوعيد الذي وعد الله أن يعاقب فيه من يكفر به ويعصى أمره، ويثيب من يؤمن به ويمتثل.
قوله تعالى:
وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22)
وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23) ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24) مناع للخير معتد مريب) (25) خمس آيات.
يقول الله تعالى إن يوم الوعيد الذي بينه تجئ كل نفس من المكلفين " معها سائق " يسوقها " وشهيد " يشهد عليها، وهما ملكان احدهما يسوقه ويحثه على السير، والآخر يشهد عليه بما يعلمه من حاله ويشاهده منه وكتبه عليه، فهو يشهد بذلك على مابينه الله ودبره.

===============
(366)
وقوله " لقد كنت في غفلة " أي يقال له " لقد كنت في غفلة " أي في سهو ونسيان " من هذا " اليوم، فالغفلة ذهاب المعنى عن النفس، وضده اليقظة.
وقوله " فكشفنا عنك غطاءك " أي أزلنا الغطاء عنك حتى ظهر لك الامر، وإنما تظهر الامور في الآخرة بما يخلق الله فيهم من العلوم الضرورية، فيصير بمنزلة كشف الغطاء عما يرى، والمراد به جميع المكلفين: برهم وفاجرهم، لان معارب الجميع ضرورية، وقوله " فبصرك اليوم جديد " معناه إن عينك حادة النظر لا يدخل عليها شك ولا شبهة. وقيل: المعنى فعلمك بما كنت فيه من أحوال الدنيا نافذ ليس يراد به بصر العين، كما يقال: فلان بصير بالنحو أو بالفقه. وقال الرماني:
حديد مشتق من الحد، ومعناه منيع من الادخال في الشئ ما ليس منه والاخراج عنه ما هو منه، وذلك في صفة رؤيته للاشياء في الآخرة، وقوله " وقال قرينه " قال الحسن وقتادة وابن زيد: يعني الملك الشهيد عليه. وقال بعضهم: قرينه من الشياطين. والاول الوجه " هذا مالدي عتيد " أي معد محفوظ " ألقيا في جهنم كل كفار عنيد " إنما قيل: ألقيا، لان المأمور به إلقاا كل كافر في النار إثنان من الملائكة. وقيل: يجوز ان يكون على لفظ الاثنين والمأمور واحد، لانه بمنزلة إلقاء اثنين في شدته، كما قال الشاعر:
فان تزجراني يابن عفان انزجر * وإن تدعاني احم عرضا ممنعا (1)
والاول اظهر، وحكى الزجاج عن بعض النحويين: ان العرب تأمر الواحد بلفظ الاثنين تقول: قوما، واقعدا، قال الحجاج: (يا حرسي إضربا عنقه)
وإنما قالوا ذلك، لان اكثر ما يتكلم به العرب فيمن تأمر به بلفظ الاثنين نحو، خليلي مرابى على أم جندب (2)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبي 17 / 16 (2) قائله امرؤ القيس ديوانمه 27 القصيدة 2 (*)

===============
(367)
وقوله: قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل (1)
وقال المبرد هذا فعل مبني للتأكيد، كأنه قال: ألق ألق، والعنيد الذاهب عن الحق وسبيل الرشد " مناع للخير " الذي أمر الله به من بذل المال في وجوهه من الزكاة وغيرها، لانه صفة ذم تعم منع الخير الذي يجب بذله. ويدخل فيه الاول على وجهه التبع " معتد " أي متجاوز للحق في قوله وفعله (مريب) أي آت من المنكر بما يشكك في أمره.
قوله تعالى:
(ألذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد (26) قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد (28)
ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (29) يوم نقول لجهنم هل امتلات وتقول هل من مزيد) (30) خمس آيات.
قرأ نافع وابوبكر عن عاصم (يوم يقول) بالياء بمعنى يقول الله تعالى (لجهنم) الباقون بالنون على وجه الاخبار من الله عن نفسه و (يوم) متعلق بقوله (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) وقيل: إنه متعلق بمحذوف بتقدير (إذكر) يا محمد يوم، وقوله (الذي جعل) موضعه الجر، لانه من صفة (كفار عنيد مناع للخير معتد مريب.. الذى جعل مع الله إلها آخر) أى اتخذ مع الله معبودا آخر من الاصنام والاوثان، ووجه قرباته اليه. والجعل تكوين الشئ على
ـــــــــــــــــــــــ
(1) قائله امرؤ القيس ديوانه 43، قصيدة 53 (*)

===============
(368)
غير ما كان بقادر عليه فمن جعل مع الله إله آخر فقد صير ذلك الشئ على غير ما كان عليه باعتقاده انه إله آخر مع الله وذلك جعل منه عظيم وذهاب عن الصواب بعيد، فيقول الله للملكين الموكلين به يوم القيامة (ألقياه) أى الرحاه (في العذاب الشديد) والالقاء الرمي بالشئ إلى جهة السفل، وقولهم: ألقي عليه مسألة بمعنى طرحها عليه مشبه بذلك. واصل إللقاء المماسة، والالتقاء من هذا ففي الالقاء طلب مماسة الشئ الارض بالرمي (قال قرينه ربنا ما اطغيته) قال ابن عباس: قرينه - ههنا - شيطانه. وبه قال مجاهد وقتادة والضحاك. وسمي قرينه لانه يقرن به في العذاب، وهو غير قرينه الذى معه يشهد عليه، والقرين نظير الشئ من جهة مصيره بازائه.
حكى الله عن شيطانه الذي أغواه انه يقول " ماأطغيته " فالاطغاء الاخراج إلى الطغيان، وهو تجاوز الحد في الفساد أطغاء وطغى يطغى طغيانا، فهو طاغ.
والاول مطغى. وقال الحسن: ما اطغيته باستكراه، وهو من دعاه إلى الطغيان.
والمعنى لم أجعله طاغيا " ولكن كان " هو بسوء اختياره " في ضلال " عن الايمان " بعيد " عن إتباعه. ومثله قوله " وما كان لي عليكم من سلطان إلا ان دعوتكم فاستجبتم لي " (1) فيقول الله تعالى لهم " لا تختصموا لدي " أي لا يخاصم بعضكم بعضا عندي (وقد قدمت اليكم بالوعيد) في دار التكيف، فلم تنزجروا وخالفتم امري (ما يبدل القول لدي) معناه إن الذي قدمته اليكم في الدنيا من أني أعاقب من جحدني وكذب برسلي وخالفتي في أمري لا يبدل بغيره، ولا يكون خلافه (وما أنا بظلام للعبيد) أي لست بظالم لاحد في عقابي لمن استحقه بل هو الظلام لنفسه بارتكاب المعاصي التي استحق بها ذلك. وإنما قال: بظلام للعبيد على وجه المبالغة ردا لقول من أضاف جميع الظلم اليه - تعالى الله عن ذلك -.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 14 ابراهيم آية 22 (*)

===============
(369)
وقوله (يوم نقول لجهنم) من قرأ بالنون فعلى وجه الاخبار من الله عن نفسه. ومن قرأ - بالياء - وهو نافع وابوبكر، فعلى تقدير يقول الله لجهنم (هل امتلات) من كثرة من ألقي فيك من العصاة (فتقول) جهنم (هل من مزيد)
أي ما من مزيد؟ أي ليس يسعني اكثر من ذلك. وقال قوم: هذا خطاب من الله لخزنة جهنم على وجه التقريع والتقرير لهم هل امتلات جهنم، فتقول الخزنة هل من مزيد؟ وقال قوم: وهو الاظهر إن الكلام خرج مخرج المثل أي ان جهنم من سعتها وعظمها في ما يظهر من حالها بمنزلة الناطقة التي إذا قيل لها هل امتلات فتقول هل من مزيد أي لم امتلئ اي في سعه كثرة، ومثله قول الشاعر:
امتلا الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملات بطني (1)
والحوض لم يقل شيئا، وإنما أخبر عن امتلائها وانها لو كانت ممن تنطق لقالت قطني مهلا رويدا قد ملات بطني. وكذلك القول في الآية. وقال الحسن وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء: معنى هل من مزيد ما من مزيد، وانه بمعنى لا مزيد وانكروا أن يكون طلبا للزيادة، لقوله (لاملان جهنم من الجنة والناس اجمعين) (2) وقال بعضهم: هذا ليس بمنكر من وجهين:
احدهما - أن يكون ذلك حكاية عن الحال التي قبل دخول جميع اهل النار فيها ولم تمتلا بعد وان امتلات في ما بعد.
والآخر - ان يكون طلب الزيادة بشرط ان يزاد في سعتها. وقال قوم:
هل من مزيد بمنزلة قول النبي (صلى الله عليه وآله) يوم فتح مكة وقد قيل له ألا تنزل دارك، فقال (وهل ترك لنا عقيل من ربع) لانه كل قد باع دور بني هاشم لما خرجوا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 1 / 431 و 8 / 85، 369، 471 (2) سورة (11) هود آية 119 (ج 9 م 47 من التبيان)
(*)

===============
(370)
إلى المدينة، وإنما أراد ان يقول: لم يترك لنا دارا. وقال انس بن مالك: هل من مزيد طلبا للزيادة. وقال مجاهد: هو بمعنى الكفاية.
قوله تعالى:
(وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (31) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد) (35) خمس آيات.
لما حكى الله تعالى ما أعده للكافرين والعصاة من جهنم وعظم موضعها وسعتها أخبر عما اعده للمتقين المجتنبين لمعاصيه الفاغلين لطاعاته فقال (وأزلفت الجنة للمتقين) والازلاف التقريب إلى الخير، ومنه الزلفة، والزلفى. ويقولون:
أزدلف اليه أي اقترب والمزدلفة قريب من الموقف. وهو المشعر وجمع، ومنه قول الراجز:
ناج طواه الاين مما وجفا * طي الليالي زلفا فزلفا سماؤه الهلال حتى احقوقفا (1)
والجنة التي وعد الله المتقين بها هي البستان الذي يجمع من اللذة ارفع كل نوع في الزينة من الابنية الفاخرة بالياقوت والزمرد وفاخر الجوهر، ومن الانهار والاشجار وطيب الثمار ومن الازواج الكرام والحور الحسان وكريم الخدم من الولدان الذين هم زينة لكل ناظر ومتعة لكل مبصر، قد أمن اهلها العلة وانواع
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 79 و 8 / 29 (*)

===============
(371)
الاذى من فضول الاطعمة والاشربة، نسال الله حسن الاستعداد لها بالعمل الصالح المقرب منها الموجب لرضوان مالكها.
وقوله (غير بعيد) أي ليس ببعيد مجئ ذلك، لان كل آت قريب، ولذلك قال الحسن: كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل.
ثم قال (هذا ما توعدون) من قرأ بالتاء فعلى الخطاب أي هذا الذي ذكرناه هو ما وعدتم به من الثواب (لكل أواب) أي رجاع إلى الله تائب اليه (حفيظ) لما أمر الله به يتحفظ من الخروج إلى مالا يجوز من سيئة تدنسه او خطيئة تحط منه وتشينه. وقال ابن زيد: الاواب التواب، وهو من آب يؤب اوبا إذا رجع.
وقوله (من خشى الرحمن بالغيب) فالخشية انزعاج القلب عند ذكر السيئة وداعي الشهوة حتى يكون في اعظم حال من طلبه سبع يفترسه او عدو يأتي على نفسه او طعام مسموم يدعى إلى اكله هذه خشية الرحمن التي تنفعه والتي دعا اليها ربه ومعنى (بالغيب) أي في باطنه وسريرته (وجاء بقلب منيب) أي راجع إلى الله من اناب ينيب إنابة، وموضع (من) يحتلم وجهين من الاعراب:
احدهما - الجر على البدن من (كل) كأنه قيل لمن خشى.
والثاني - الرفع على الاستئناف كأنه قال (من خشى الرحمن بالغيب) يقال لهم (ادخلوها بسلام) أي بأمان من كل مكروه ويحيون بذلك على وجه الاكرام.
وقوله (ذلك يوم الخلود) أي الوقت الذي يبقون فيه في النعيم مؤبدين لا إلى غاية.
وقوله (لهم ما يشاؤن فيها) أي ما يريدونه ويشتهونه يجعل لهم فيها (ولدينا مزيد) من نعم الله الذي يعطيهم زيادة على مقدار استحقاقهم بعملهم.

===============
(372)
قوله تعالى:
(وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص (36) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد (37) ولقد خلقنا السموات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (38) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (39) ومن الليل فسبحه وأدبار السجود) (40) خمس آيات قرأ (وإدبار) بكسر الالف ابن كثير ونافع واهل الحجاز وحمزة على المصدر من أدبر إدبارا، وتقديره وقت إدبار السجود. والمصادر تجعل ظرفا على إرادة اضافة اسماء الزمان اليها وحذفها، كقولهم جئتك مقدم الحاج وخلوق النجم ونحو ذلك يريدون في ذلك كله وقت كذا وكذا فحذفوه. الباقون بفتح الالف على انه جمع (دبر):
يقول الله تعالى مخبرا (وكم أهلكنا) ومعناه وكثيرا أهلكنا وذلك أن (كم) تكون إستفهاما تارة في معنى الخبر للتكثير وإنما خرجت عن الاستفهام إلى التكثير لتكون نقيضة (رب) في التقليل وكانت احق به، لانها (اسم) مع إحتمالها للتقليل، فأما رب في الكلام، فهي حرف يجري مجرى حرف النفي، لان التقليل أقرب إلى النفي، وإنما وجب ل (كم) صدر الكلام في الخبر إعلاما بأنها خرجت عن الاستفهام مع انها نقيضة (رب) التي هي بمنزلة حروف النفي، ودخلت (من) على مفسر (كم) في الخبر بمنزلة عدد يفسر بالمضاف كقولك عشر أثواب، وعشرة من الاثواب. فجاز حرف الاضافة

===============
(373)
كما جازت الاضافة، وليس كذلك عشرون درهما، وجاز ان يفسر في الخبر بالواحد وبالجمع: والقرن المقدار من الزمان الذي يقترون بالبقاء فيه أهله على مجرى العادة. وقال قوم: هو مئة وعشرون سنة. وقيل: ثمانون سنة وقال آخرون:
هو سبعون سنة. وقال قوم: أربعون سنة. وقيل ثلاثون سنة. وقيل: عشر سنين " هم اشد منهم بطشا " أى الذين أهلكناهم مثل هؤلاء الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء واكثر عدة كقوم عاد وغيرهم فلم يتعذر علينا ذلك، فما الذي يؤمن هؤلاء من مثل ذلك.
وقوله (فنقبوا في البلاد) أى فتحوا مسالك في البلاد بشدة بطشهم فالتنقيب التفتيح بما يصلح للسلوك من نقض البنية، ومنه النقب الفتح الذى يصلح للمسلك وقد يفتح الله على العباد في الرزق بأن يوسع عليهم في رزقهم، ولا يصلح فيه النقب. وكل نقب فتح. وليس كل فتح نقبا، فالنقب نقض موضع بما يصلح للسلوك. وقال مجاهد: نقبوا في البلاد أى ضربوا في الارض ضرب جاعل المسالك بالنقب، قال امرؤ القيس:
لقد نقبت في الافاق حتى * رضيت من الغنيمة بالآياب (1)
وقوله (هل من محيص) أى هل من محيد، وهو الذهاب في ناحية عن الامر للهرب منه، حاص يحيص حيصا فهو حايص مثل حاد يحيد حيدا فهو حايد والمعنى إن أولئك الكفار الذى وصفهم بشدة البطش لما نزل بهم عذاب الله لم يكن لهم مهرب ولا محيص عنه. وقيل هل من محيد من الموت، ومنجا من الهلاك.
قال الزجاج: هؤلاء الكفار طوفوا في البلاد، فلم يجدوا مخلصا من الموت.
وقوله (إن في ذلك لذكرى) يعني في ما أخبرته وقصصته لك لذكرى أى
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه 48 ومجاز القرآن 2 / 224 الشاهد 836 (*)

===============
(374)
ما يتفكر فيه ويعتبر به (لمن كان له قلب) قيل معنى القلب - ههنا - العقل من قولهم اين ذهب قلبك، وفلان ذاهب القلب، وفلان قلبه معه، وإنما قال (لمن كان له قلب) لان من لا يعيي الذكر لا يعتد بماله من القلب.
وقوله (او القى السمع وهو شهيد) قال ابن عباس: معناه استمع ولم يشغل قلبه بغير ما يستمع، فهو شهيد لما يسمع ويفقهه غير غافل عنه، وهو قول مجاهد والضحاك وسفيان، يقال ألق إلي سمعك أى استمع. وقال قتادة: وهو شهيد على صفة النبي (صلى الله عليه وآله) في الكتب السالفة، وهذا في أهل الكتاب. والاول اظهر.
ثم أقسم الله تعالى فقال (ولقد خلقنا السموات والارض وما بينهما في ستة أيام) وقد مضى تفسير مثله في غير موضع (1) (وما مسنا من لغوب) أى من نصب وتعب - في قول ابن عباس ومجاهد - واللغوب الاعياء. قال قتادة: أكذب الله تعالى بذلك اليهود، فانهم قالوا: استراح الله يوم السبت، فهو عندهم يوم الراحة.
وقيل: إنما خلق الله السموات والارض وما بينهما في ستة أيام مع قدرته على ان يخلفهما في وقت، لان في ذلك لطفا للملائكة حين شاهدوه يظهر حالا بعد حال وقيل: لان في الخبر بذلك لطفا للمكلفين في ما بعد إذا تصوروا أن ذلك يوجد شيئا بعد شئ مع أدب النفس به في ترك الاستعجال إذا جرى في فعل الله لضروب من التدبير.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (فاصبر) يامحمد (على ما يقولون) من قولهم: هو ساحر، وكذاب، ومجنون، واحتمل ذلك حتى يأتي الله بالفرج (وسبح بحمد ربك) أى نزهه عما لا يليق به (قبل طلوع الشمس) صلاة الفجر (وقبل الغروب)
صلاة العصر - في قول قتادة وابن زيد - (ومن الليل) يعني صلاة الليل يدخل
ـــــــــــــــــــــــ
(1) انظر 4 / 451 و 5 / 385، 517 و 7 / 500 و 8 / 293 و 9 / 9 1 (*)

===============
(375)
فيه صلاة المغرب والعتمة. وقال ابن زيد: هو صلاة العتمة (وأدبار السجود)
الركعتان بعد المغرب - في قول الحسن بن علي (عليهما السلام) ومجاهد والشعبي وابراهيم.
وقال الحسن (وقبل الغروب) صلاة الظهر والعصر. وقال الركعتان بعد المغرب تطوعا. وقيل: التسبيح بعد الصلاة - عن ابن عباس ومجاهد - وقيل: النوافل -
عن ابن زيد - وأصل التسبيح التنزيه لله عن كل ما لا يجوز في صفة، وسميت الصلاة تسبيحا لما فيها من التسبيح، يقال: سبحان ربي العظيم، وروي ايضا أراد ب (ادبار السجود) الركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم الركعتان قبل طلوع الفجر. وروي في الشواذ عن أبي عمر وأنه قرأ " فنقبوا " بتخفيف القاف، وهي لغة في التشديد. ورجل نقاب أى حاذق فظن عالم كان ابن عباس نقابا، والنقبة الحرب ونقب خف البعير إذا انتقب وقرئ على لفظ الامر وهو شاذ.
قوله تعالى:
(واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (41) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (42) إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير (43) يوم تشقق الارض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) (45) خمس آيات.
قرأ ابن كثير (يوم تشقق) مشددة الشين على معنى تتشقق وحذف احدى التائين: والتشقق التفطير. يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) والمراد به جميع المكلفين (واستمع) أي اصغ إلى النداء وتوقعه (يوم ينادي المنادي) فالنداء الدعاء بطريقة

===============
(376)
يا فلان، وكأن الناس يدعون فيقال لهم: يا معشر الناس قوموا إلى الموقف للجزاء والحساب، وقيل: ينادي المنادي من الصخرة التي في بيت المقدس، فلذلك قال (من مكان قريب) فيقول: يا أيها العظام البالية قومي لفصل القضاء وما اعد من الجزاء - في قول قتادة - (من مكان قريب) أي يسمع الخلق كلهم على حد واحد، فلا يخفى على احد لا قريب ولا بعيد وقوله (يوم يسمعون الصيحة بالحق) فالصيحة المرة الواحدة من الصوت الشديد ونقيضها الخدة تقول صاح يصيح صياحا وصيحة، فهو صائح، وتصايح وتصايحوا في الامر تصايحا، وصيح تصييحا وصايحه مصايحة، وهذه الصيحة هي النفخة الثانية للحشر إلى أرض الموقف (ذلك يوم الخروج).
وقوله (إنا نحن نحيي ونميت والينا المصير) اخبار منه تعالى عن نفسه بأنه هو الذي يحيي الخلق بعد ان كانوا جمادا أمواتا. ثم يميتهم بعد أن كانوا أحياء ثم يحييهم يوم القيامة وإلى الله يصيرون ويرجعون يوم القيامة (يوم تشقق الارض عنهم سراعا) أي الينا المصير في اليوم الذي تشقق الارض عن الاموات (سراعا)
أي بسرعة لا تأخير فيها ثم قال (ذلك حشر علينا يسير) أي سهل علينا غير شاق. والحشر الجمع بالسوق من كل جهة.
ثم قال (نحن اعلم بما يقولون) يعني هؤلاء الكفار من حجدهم نبوتك وإنكارهم البعث والنشور، لا يخفى علينا من أمرهم شئ (وما أنت عليهم) يامحمد (بجبار) قال الحسن: ما أنت عليهم برب تجازيهم بأعمالهم. وإنما أنا المجازي لهم. وقيل: وما انت عليهم بفظ في دعائهم إلى توحيدالله وإخلاص عبادته.
والجبار العالي السلطان بأنه قادر على اذلال جميع العصاة بحسب الاستحقاق وهذه الصفة لا تصح إلا لله تعالى وحده، فان وصف بها الانسان كان ذما، لانه جعل

===============
(377)
لنفسه من المقدرة ما ليس لها، وانشد الفضل:
عصينا حرمة الجبار حتى * صبحنا الخوف الفا معلمينا (1)
وقيل (وما أنت بجبار) أي لا تتجبر عليهم، قال الفراء: يجوز ان يكون لا يجبرهم على الاسلام يقال: جبرته على الامر واجبرته بمعنى واحد. وقال غيره:
لم يسمع (فعال) من (أفعلت) إلا (دراك) من (أدركت) ويكون الجبار العالي السلطان على كل سلطان باستحقاق، ويكون العالي السلطان بادعاء. ا ثم قال (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) إنما خص بالتذكير من يخاف وعيد الله، لانه الذي ينتفع به وإن كان تذكيره متوجها إلى جميع المكلفين. قال الزجاج:
إنما قال الله للنبي (صلى الله عليه وآله) ذلك قبل ان يأمره بالقتال.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبرى 26 / 103 (ج 9 م 48 من التبيان)
(*)

===============
(378)
51 - سورة الذاريات مكية بلا خلاف. وهي ستون آية بلا خلاف.
بسم الله الرحمن الرحيم (والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) فالمقسمات أمرا (4) إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) والمساء ذات الحبك (7) إنكم لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9) قتل الخراصون (10) الذين هم في غمرة ساهون (11) يسئلون أيان يوم الدين (12) يوم هم على النار يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون) (14) أربع عشر آية.
روى عن أميرالمؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) وابن عباس (رحمة الله عليه) ومجاهد ان (الذاريات) الرياح يقال: ذرت الريح التراب تذروه ذروا، وهي ذارية إذا طيرته وأذرت تذري إذراء بمعنى واحد وسأل ابن الكوا أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يخطب على المنبر (ما الذاريات ذروا) قال: الرياح، قال ما

===============
(379)
(الحاملات وقرا) فقال السحاب. فقال ما (الجاريات يسرا) قال السفن.
والمعنى إنها تجري سهلا، فقال ما (المقسمات أمرا) قال الملائكة. وهو قول ابن عباس ومجاهد والحسن، وهذا قسم من الله تعالى بهذه الاشياء. وقال قوم: التقدير القسم برب هذه الاشياء لانه لا يجوز القسم إلا بالله. وقد روي عن أبي جعفر وابي عبدالله (عليهما السلام) أنه لا يجوز القسم إلا بالله. والله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه.
وقيل: الوجه في القسم بالذاريات تعظيم ما فيها من العبرة في هبوبها تارة وسكونها اخرى، وذلك يقتضي مسكنا لها ومحركا لا يشبه الاجسام، وفي مجيئها وقت الحاجة لتنشئة السحاب وتذرية الطعام ما يقتضي مصرفا لها قادرا عليها، وما في عصوفها تارة ولينها أخرى ما يقتضي قاهرا لها ولكل شئ سواها.
والوجه في القسم بالحاملات وقرا، ما فيه من الآيات الدلالة على محمل حملها الماء وأمسكه من غير عماد واغاث بمطره العباد واحيي البلاد وصرفه في وقت الغنى عنه بما لو دام لصاروا إلى الهلاك، ولو انقطع اصلا، لا ضربهم جميعا. والوجه في القسم بالجاريات يسرا ما فيها من الدلائل وبتسخير البحر الملح والعذب بجريانها وتقدير الريح لها بمالو زاد لغرق ولو ركد لاهلك، وبما في هداية النفوس إلى تدبير مصالحها وما في عظم النفع بها في ما ينقل من بلد إلى بلد بها.
والوجه في القسم بالملائكة ما فيها من اللطف وعظم الفائدة وجلالة المنزلة بتقسيم الامور بأمرالله تعالى من دفع الآفة عن ذا واسلام ذاك ومن كتب حسنات ذا وسيئات ذاك، ومن قبض روح ذا وتأخير ذاك. ومن الدعاء للمؤمنين ولعن الكافرين، ومن استدعائهم إلى طريق الهدى وطلب ما هو أولى بصد داعي الشيطان والهوى عدو الانسان.

===============
(380)
وقوله (إن ما توعدون لصادق) جواب القسم. ومعناه إن الذي وعدتم به من الثواب والعقاب والجنة والنار وعد صدق لابد من كونه (وإن الدين لواقع)
معناه إن الجزاء لكائن يوم القيامة، وهذا يفيد ان من استحق عقابا، فانه يجازى به ويدخل في ذلك كل مستحق للعقاب، كأنه قال: إن جميع الجزاء واقع بأهله يوم القيامة في الآخرة. ثم استأنف قسما آخر فقال (والسماء ذات الحبك)
فالحبك الطرائق التي تجري على الشئ كالطرائق التي ترى في السماء. وترى في الماء الصافي إذا مرت عليه الريح، وهو تكسر جار فيه. ويقال للشعر الجعد حبك والوحد حبيك وحبيكة، والحبك أثر الصنعة في الشئ واستوائه، حبكه يحبكه ويحبكه حبكا " والسماء ذات الحبك " أي ذات حسن الطرائق، وحبك الماء طرائقه قال زهير:
مكلل باصول النجم تنسجه * ريح خريق لصافي مائه حبك (1)
وتحبكت المرأة بنطاقها إذا شدته في وسطها، وذلك زينة لها، وحبك السيف إذا قطع اللحم دون العظم وقال الحسن وسعيد بن جبير: ذات الحبك ذات الزينة بالنجوم والصنعة وللطرائق الحسنة. وقيل: الحبك النسج الحسن، يقال:
ثوب محبوك. وقوله (إنكم لفي قول مختلف) معناه إنكم في الحق لفي قول مختلف، لا يصح إلا واحد منه، وهو أمر النبي (صلى الله عليه وآله) وما دعا اليه، وهو تكذيب فريق به وتصديق فريق. ودليل الحق ظاهر، وفائدته أن احد الفريقين في هذا الاختلاف مبطل، لانه اختلاف تناقض فاطلبوا الحق منه بدليله وإلا هلكتم. وقوله (يؤفك عنه من أفك) معناه يصرف عنه من صرف، ومنه قوله (أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا) (2) أي لتصرفنا، وتصدنا. وإنما قيل (يؤفك) عن الحق
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه 176 ومجاز القرآن 2 / 225 والقرطبي 17 / 32 (2) سورة 46 الاحقاف آية 22 (*)

===============
(381)
لانه يمكن فيه ذلك من غيره، ولا يمكن من نفسه، لان الحق يدعو إلى نفسه ولا يصرف عنها إلى خلافه.
وقوله ((قتل الخراصون) معناه لعن الكذابون، ومثله (قتل الانسان ما اكفره) (1) والخراص الكذاب. وأصله الخرص وهو القطع من قولهم: خرص فلان كلامه واخترصه إذا افتراه، لانه اقتطعه من غير أصل. والخرص جريد يشقق ويتخذ منه الحصر قال الشاعر:
ترى قصد المران فيهم كأنه * تذرع خرصان بأيدي شواطب (2)
والخرص حلقة القرط المنقطعة عن ملاصقة الاذن، والخريص الخليج من من البحر، والخرص الخرز من العدد والكيل، ومنه خارص النخل، وهو خارزه وجمعه خراص. وقوله (الذين هم في غمرة ساهون) صفة للخراصين وموضعه رفع وتقديره في غمرة ساهون عن الحق كقوله (طبع الله على قلوبهم) (3) والغمرة المرة من علو الشئ على ما هو فائض فيه، غمره الماء يغمره غمرا وغمرة، فهو غامر له، والانسان مغمور، ويقال: غمره الشغل وغمره الموت وغمره الحياء وغمره الجهل وأصل الغمرة من الغمر وهو السيد الكثير العطاء، لانه يغمر بعطائه، والغمر الفرس الكثير الجري، لانه يغمر بحريه، والغمر الذي لم يجرب الامور والغمر الحقد والغمرة رائحة الزهومة في اليد، وغمار الناس مجتمعهم، وغمرة المرأة ما تطلى به من الطيب وغيره مما يحسن اللون. والغمر القدح الصغير، والغمر النبت الصغار، لانه تغمره الكبار والمعنى ان هؤلاء الكفار لجهلهم بما يجب عليهم معرفته ساهون عما يلزمهم العلم به أي غافلون عن الحق متعامون عنه (يسألون أيان يوم الدين) يعني يسأل
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 80 عبس آية 7 (2) مر في 4 / 269 مع اختلاف يسير (3) سورة 9 التوبة آية 94 وسورة 16 النحل آية 108 وسورة 47 محمد آية 16 (*)

===============
(382)
هؤلاء الكفار الذين وصفهم بالجهل والغمرة: متى يوم الجزاء؟ ! على وجه الانكار لذلك لا على وجه الاستفادة لمعرفته، فاجيبوا بما يسوءهم من الحق الذي لا محالة انه نازل بهم فقيل (يوم هم على النار يفتنون) أي يحرقون بالنار ويعذبون فيها وأصل الفتنة تخليص الذهب باحراق الغش الذى فيه، فهؤلاء يفتنون بالاحراق كما يفتن الذهب. ومنه قوله (وفتناك فتونا) (1) أى أخلصناك للحق، ورجل مفتون بالمرءة أى مخلص بحبها، وهي صفة ذم، (وفتناهم) أى اختبرناهم بما يطلب به خلاصهم للحق. وقيل: يفتنون أى يحرقون، كما يفتن الذهب في النار - في قول مجاهد والضحاك - وقوله (يوم هم) يصلح أن يكون في موضع رفع، لانك أضفته إلى شيئين، ويصلح فيه النصب على الظرف والبناء، وكله على جواب (أيان)
وقوله (ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون) معناه انه يقال للكفار الذين يعذبون بها هذا الذي كنتم به تستعجلون في دار التكليف إستبعادا له، فقد حصلتم الآن فيه وعرفتم صحته.
قوله تعالى:
(إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتيهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين (16) كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالاسحار هم يستغفرون (18) وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19) وفي الارض إيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء رزقكم وما توعدون (22)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 20 طه آية 40 (*)

===============
(383)
فورب السماء والارض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) (23) تسع آيات.
قرأ حمزة والكسائي وابوبكر عن عاصم (لحق مثل) بالرفع على أنه صفة للحق الباقون بالنصب، ويحتمل نصبه وجهين:
أحدهما - قول الجرمي أن يكون نصبا على الحال، كأنه قيل: حق مشبها لنطقكم في الثبوت.
الثاني - قال المازني إن (مثل) مبني، لانه مبهم أضيف إلى مبني، كما قال الشاعر:
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت * حمامة في غصون ذات او قال (1)
وقال: فجعل (مثل) مع (ما) كالامر الواحد، كما قال (لاريب فيه) (2)
وقولهم: خمسة عشر، فيكون على هذا (ما) زائدة وأضاف (مثل) إلى (إنكم تنطقون) فبناه على الفتح حين أضافه إلى المبني، ولو كان مضافا إلى معرب لم يجز البناء نحو: مثل زيد. وقيل: يجوز أن يكون نصبا على المصدر، وكأنه قال إنه لحق حقا كنطقكم.
لما حكى الله تعالى حكم الكفار وما أعده لهم انواع العذاب، أخبر بما أعده للمؤمنين المطيعين الذين يتقون معاصي الله خوفا من عقابه، ويفعلون ما أوجبه عليهم فقال (إن المتقين في جنات وعيون) أي في بساتين تجنها الاشجار (وعيون) ماء تجري لهم في جنة الخلد، فهؤلاء ينعمون وأولئك يعذبون (آخذين ما آتاهم ربهم)
من كرامته وثوابه بمعنى آخذين ما أعطاهم الله من ذلك ونصب (آخذين) على الحال (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) يفعلون الطاعات وينعمون على غيرهم
ـــــــــــــــــــــ
(1) مر في 4 / 479 (2) سورة 2 البقرة آية 1 (*)

===============
(384)
بضروب الاحسان، ثم وصفهم فقال (كانوا) يعني المتقين الذين وعدهم بالجنات (قليلا من الليل ما يهجعون) في دار التكليف أي كان هجوعهم قليلا - في قول الزهري وإبراهيم - وقال الحسن: (ما) صلة وتقديره كانوا قليلا يهجعون، وقال قتادة: لا ينامون عن العتمة ينتظرونها لوقتها، كأنه قيل هجوعهم قليلا في جنب يقظتهم للصلاة والعبادة. وقال الضحاك: تقديره كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا، ثم ابتدأ فقال (من الليل ما يهجعون) وتكون (ما) بمعنى النفي والمعنى إنهم كانوا يحيوون الليل بالقيام في الصلاة وقراءة القرآن وغير ذلك. ولا يجوز ان تكون (ما) جحدا لانه لا يقدم عليها معمولها. والهجوع النوم - في قول قتادة وابن عباس وإبراهيم والضحاك (وبالاسحارهم يستغفرون) أي يطلبون من الله المغفرة والستر لذنوبهم في قول الحسن وابن زيد - وقال مجاهد: معناه يصلون في السحر.
وقوله (وفي أموالهم حق) وهو ما يلزمهم لزوم الديون من الزكوات وغير ذلك أو ما التزموه من مكارم الاخلاق، فهو الذي رغب الله فيه بقوله (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) فالسائل هو الذي يسأل الناس، والمحروم هو المحارف - في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك - وقال قتادة والزهري: المحروم هو المتعفف الذي لا يسأل. وقال إبراهيم: المحروم الذي لا سهم له في الغنيمة. وقيل: المحروم الممنوع الرزق بترك السؤال أو إذهاب مال او سقوط سهم او خراب ضيعة إذا صار فقيرا من هذه الجهة. وقال الشعبي: اعياني أن أعلم ما المحروم. وفرق قوم بين الفقير والمحروم بأنه قد يحرمه الناس بترك الاعطاء، وقد يحرم نفسه بترك السؤال، فاذا سأل لا يكون ممن حرم نفسه بترك السؤال، وإنما حرمه الغير، وإذا لم يسأل فقد حرم نفسه وحرمه الناس.
وقوله (وفى الارض آيات) أي دلالات واضحات وحجج نيرات (للموقنين)

===============
(385)
الذين يتحققون بتوحيد الله، وإنما أضافها إلى الموقنين، لانهم الذين نظروا فيها وحصل لهم العلم بموجبها وآيات الارض جبالها ونباتها ومعادنها وبحارها، ووقوفها بلا عمد لتصرف الخلق عليها.
وقوله (وفى أنفسكم أفلا تبصرون) معناه وفى أنفسكم أفلا تتفكرون بأن تروها مصرفة من حال إلى حال ومنتقلة من صفة إلى أخرى، فكنتم نطفا فصرتم أحياء ثم كنتم أطفالا فصرتم شبابا، ثم صرتم كهولا وكنتم ضعفاء فصرتم أقوياء، فهلا دلكم ذلك على ان لها صانعا صنعها ومدبرا دبرها يصرفها على ما تقتضيه الحكمة ويدبرها بحسب ما توجبه المصلحة. وقيل: المعنى أفلا تبصرون بقلوبكم نظر من كأنه يرى الحق بعينه.
وقوله (وفي السماء رزقكم) ينزله الله اليكم بأن يرسل عليكم الغيث والمطر فيخرج به من الارض أنواع ما تقتاتونه وتلبسونه وتنتفعون به (وما توعدون) به من العذاب ينزله الله عليكم إذا استحققتموه، وقال الضحاك: وفي السماء رزقكم يعني المطر الذي هو سبب كل خير وهو من الرزق الذي قسمه الله وكتبه للعبد في السماء. وقال مجاهد: وما توعدون يعني من خير او شر، وقيل وما توعدون الجنة، لانها في السماء الرابعة.
ثم قال تعالى (فو رب السماء والارض) قسما منه تعالى (إنه لحق) ومعناه إن ما وعدتكم به من الثواب والعقاب والجنة والنار لابد من كونه " مثل ما تنطقون " أي مثل نطقكم الذي تنطقون به فكما لا تشكون في ما تنطقون، فكذلك لا تشكوا في حصول ما وعدتكم به. وقيل الفرق بين قوله " حق مثل ما إنكم تنطقون " وبين ما تنطقون مثل الفرق بين أحق منطقك وبين أحق إنك تنطق أي أحق إنك ممن (ج 9 من 49 من التبيان)

===============
(386)
ينطق، ولم يثبت له نطقا. والاول قد أثبته إلا أنه قال: أحق هو أم باطل، ذكره الفراء. ومعنى الآية أن هذا القرآن وأمر محمد (صلى الله عليه وآله) وما توعدون به من أرزاقكم حق ككلامكم، كقول القائل: إنه لحق مثل ما أنت ههنا أي كما أنت ههنا. وقال الفراء: وإنما جمع بين (ما) و (إن) مع انه يكتفى باحدهما، كما يجمع بين اللائي والذين، وأحدهما يجزي عن الآخر قال الشاعر:
من النفر اللائي والذين إذاهم * يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا (1)
فجمع بين اللائي والذين، ولو أفرده ب (ما) لكان المنطق في نفسه حقا، ولم يرد ذلك، وإنما أراد أنه لحق كما حق أن الآدمي ناطق، ألا ترى ان قولك أحق منطقك معناه أحق هو أم كذب، وقولك أحق إنك تنطق معناه إن للانسان النطق لا لغيره، فادخلت (أن) ليفرق بين المعنيين. قال وهذا أعجب الوجهين إلي قوله تعالى:
(1) هل أتيك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27)
فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم (28)
فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29)
قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم (30) سبع آيات.
يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) " هل أتاك " يامحمد " حديث ضيف إبراهيم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبرى 26 / 113 (*)

===============
(387)
المكرمين " قال الحسن: يعني المكرمين عندالله. وقيل: اكرمهم إبراهيم برفع مجالسهم في الاكرام والاعظام الذي يسر بالاحسان. والاجلال هو الاعظام بالاحسان، وكذلك يلزم اعظام الله وإجلاله في جميع صفاته، ولا يجوز مثل ذلك في الاكرام، ولكن الله يكرم أنبياءه والمؤمنين على طاعتهم.
وقوله " إذ دخلوا عليه " يعني حين دخلوا على إبراهيم " فقالوا " له " سلاما " على وجه التحية له أي اسلم سلاما " فقال " لهم جوابا عن ذلك " سلام " وقرئ سلم، فلما ارتاب (عليه السلام) بهم قال " قوم منكرون " أى انتم قوم منكرون، والانكار بنفي صحة الامن ونقيضه الاقرار، ومثله الاعتراف. وإنما قال: منكرون، لانه لم يكن يعرف مثلهم في أضيافه، وسماهم الله أضيافيا، لانهم جاؤه في صفة الاضياف وعلى وجه مجيئهم. ومعنى (سلاما) أي اسلم سلاما، وقوله " قال سلام " أي سلام لنا. وقوله " فراغ إلى أهله " أي ذهب اليهم خفيا، فالروغ الذهاب في خفى، راغ يروغ روغا وروغانا، وراوغه مراوغة ورواغا، وأراغه على كذا إذا أراده عليه في خفى أنفا من رده. وقوله " فجاء بعجل سمين " فالعجل واحد البقر الصغير مأخوذ من تعجيل أمره بقرب ميلاده، وسمي عجولا وجمعه عجاجيل. وقال قتادة: كان عامة مال نبي الله إبراهيم (عليه السلام) البقر. والسمين الكثير الشحم على اللحم، سمن يسمن سمنا، وسمنه تسمينا واسمنه اسمانا وتسمن تسمنا، ونقيض السمن الهزال. وقوله " فقربه اليهم " أي ادناه لهم وقدمه بين أيديهم وقال لهم: كلوه، فلما رآهم لا يأكلون عرض عليهم ف " قال ألا تأكلون " وفي الكلام حذف، لان تقديره فقدمه اليهم فأمسكوا عن الاكل فقال ألا تأكلون فلما أمتنعوا من الاكل " أوجس منهم خيفة " أي خاف منهم وظن أنهم يريدون به سوء، فالايجاس الاحساس بالشئ خفيا، أوجس يوجس إيجاسا وتوجس توجسا.

===============
(388)
ومنه قوله " فاوجس في نفسه خيفة موسى " (1) فقالت حينئذ له الملائكة " لا تخف " يا إبراهيم فانا رسل الله وملائكته أرسلنا الله إلى قوم لوط لنهلكهم. وقيل: إنهم دعوا الله فأحيا العجل له فعلم إبراهيم عند ذلك انهم من الملائكة (عليهم السلام) " وبشروه " عند ذلك " بغلام عليم " أي يكون عالما إذا كبر وبلغ. قال مجاهد: المبشر به إسماعيل. وقال غيره: هو اسحاق، لانه من سارة، وهذه القصة لها لا لهاجر، سمعت البشارة امرأته سارة " فأقبلت في صرة " يعني في صيحة - في قول ابن عباس ومجاهد وسفيان - وقال مجاهد وسفيان أيضا في رنة " فصكت وجهها " قال ابن عباس لطمت وجهها. وقال السدي: ضربت وجهها تعجبا، وهو قول مجاهد وسفيان، فالصك الضرب باعتماد شديد " وقالت عجوز عقيم " فالتقدير أنا عجوز عقيم كيف ألد؟ ! والعقيم الممتنعة من الولادة لكبر او آفة. وقال الحسن: العقيم العاقر. وأصل العقم الشدة مما جاء في الحديث (يعقم أصلاب المشركين) أى يشد، فلا يستطيعون السجود، وداء مقام إذا أعيا، أي اشتد حتى أيأس ان يبرأ، ومعاقم الفرس مفاصله يشد بعضها إلى بعض، والعقم والعقمة ثياب معلمة أي شدت بها الاعلام، وعقمت المرأة، فهي معقومة وعقيم، وقالوا عقمت ايضا ورجل عقيم مثل المرأة من قوم عقيمين والريح العقيم التي لا تنشئ السحاب للمطر، والملك عقيم يقطع الولاء لان الابن يقتل أباه على الملك، فقالت الملائكة عند ذلك لها " كذلك " أي مثل ما بشرناك به " قال ربك " ما بشرناك به فلا تشك فيه " إنه هو الحكيم " في أفعاله " العليم " بخفايا الامور لا يخفى عليه خافية والمعنى كما ان إخبارنا وبشارتنا لاشك فيه، كذلك قال الله ما بشرناك به.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 20 طه آية 67 (*)

===============
(389)
قوله تعالى:
(قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35)
فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم) (37) سبع آيات.
لما سمع إبراهيم (عليه السلام) بشرى الملائكة له بالغلام العليم، وعلم أنهم ليسوا ببشر ولا أضياف " قال " لهم " فما خطبكم أيها المرسلون " أي ما شأنكم. والخطب هو الامر الجليل، فكأنه قال قد بعثتم لامر جليل، فما هو؟ ومنه الخطبة، لانها كلام بليغ لعقد أمر جليل تستفتح بالتحميد والتمجيد. والخطاب أجل من الابلاغ.
وقوله " أيها " لا يثنى ولا يجمع لانه مبهم يقتضي البيان عنه ما بعده من غير أن يلزم ما قبله، كما يلزم (الذي وهذا) كقولك مررت بالرجلين هذين، فتبعه في تثنيته، كما تبعه في اعرابه.
فاجابته الملائكة فقالوا: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين " عاصين لله كافرين لنعمه أستحقوا العقاب والهلاك " لنرسل عليهم حجارة من طين مسمومة عند ربك للمسرفين " فالمسرف المكثر من المعاصي، وهو صفة ذم، لانه خروج عن الحق.
ونقيض الاسراف الاقتار، وهو التقصير عن بلوغ الحق. وليس في الاكثار من طاعة الله سرف، ولا في نعمه اقتار، لانه سائغ على مقتضى الحكمة، وإرسال الرسول إطلاقه بالامر إلى المصير إلى من أرسل اليه، فالملائكة أمروا بالمصير إلى


(390)
قوم لوط لاهلاكهم وإرسال الحجارة إطلاقها. وليست برسل ولكن مرسلة.
والمسومة المعلمة بعلامات ظاهرة للحاسة، لان التسويم كالسيماء في انه يرجع إلى العلامة الظاهرة من قولهم: عليه سيماء الخير. ومنه قوله " يمددكم ربكم بخمسة الآف من الملائكة مسومين " والمجرم القاطع للواجب بالباطل، فهؤلاء أجرموا بقطع الايمان بالكفر. وأصل الصفة القطع. وقال ابن عباس: التسويم نقطة في الحجر الاسود بيضاء، او نقطة سوداء في الحجر الابيض. وقيل: كان عليها أمثال الخواتيم وقوله " حجارة من طين " أي أصلها الطين لا حجارة البرد التي أصلها الماء.
والمسومة هي المعلمة بعلامة يعرفها بها الملائكة أنها مما ينبغي أن يرمى بها الكفرة عند أمر الله بذلك. وقيل: حجارة من طين كأنها آجر - في قول ابن عباس - وقال الحسن: مسومة بأنها من حجارة العذاب. وقيل: مسومة بأن جعل على كل حجر اسم من يهلك به.
وقوله " فاخرجنا من كان فيها من المؤمنين " أي اخرجنا من كان في قرية لوط من المؤمنين، نحو لوط وأهله وخلصناهم من العذاب والاهلاك. وقوله " فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين " يدل على ان الاسلام هو الايمان والايمان هو التصديق بجميع ما اوجب الله التصديق به. والاسلام هو الاستسلام لوجوب عمل الفرض الذي اوجبه الله والزمه. والمسلم هو المخلص لعمل الفرض على ما أمر الله به، لان صفة (مسلم) كصفة مؤمن في انها مدح. والبيت الذي وجده في تلك القرية من المؤمنين هم أتباع لوط ووجدان الضالة هو إدراكها بعد طلبها، ووجدت الموجدة إدراك ما يوجب العتاب والائمة في القلب، ووجدت المال أجده أدركت ملكا لي كثيرا، ووجدت زيدا الصالح بمعنى علمته، ووجدت الضالة وجدانا. والبيت هو البناء المهيأ للايواء اليه والمبيت فيه.

===============
(391)
وقوله " وتركنا فيها آية " فالترك في الاصل ضد الفعل ينافي الاخذ في محل القدرة عليه، والقدرة عليه قدرة على الاخذ. والمعنى في الآية أبقينا فيها آية، ومثله قوله " وتركهم في ظلمات " (1) بمعنى لم ينفها مع انه قادر على نفيها، وفلان ترك السوق أي قطعها بأن صار لا يمضي اليها. ومعنى " تركنا فيها آية " بمنزلة ما فعل ضدما تنافيه الآية. وقيل: إن الآية اقتلاع البلدان لا يقدر عليه إلا الله تعالى وقوله " للذين يخافون العذاب الاليم " إنما خص الخائفين من العذاب الاليم بالآية لانهم الذين يعتبرون بها وينتفعون بها.
قوله تعالى:
(وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38)
فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40) وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42)
وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون (44) فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين) (45) ثمان آيات.
قرأ الكسائي " الصعقة " الباقون " الصاعقة "، فالصعقة مصدر صعق يصعق صعقا وصعقة واحدة. والصاعقة الاسم تقول: صاقعة وصاعقة مقدما ومؤخرا،
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 17 (*)

===============
(392)
وصواعق وصواقع، وقيل: هما اغتان.
قوله " وفي موسى " عطف على قوله " وتركنا فيها آية " فكأنه قال:
وتركنا في موسى آية حين أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين أي بحجة ظاهرة " فتولى بركنه " قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: معناه بقوته. وقيل: معناه تولى بما كان يتقوى به من جنده وملكه. والركن الجانب الذي يعتمد عليه. والمعنى ان فرعون أعرض عن حجة موسى ولم ينظر فيها بقوته في نفسه " وقال ساحر " أي هو ساحر " او مجنون " فالسحر حيلة توهم المعجزة بحال خفية. واصله خفاء الامر فمنه السحر الوقت الذي يخفى فيه الشخص. والسحر الرئة لخفاء سببها في الترويح عن القلب بها. والسحارة لخفاء السبب في تلون خيطها. والمجنون الذي أصابته جنة فذهب عقله. وقال الزجاج (او) ههنا بمعنى الواو، والتقدير ساحر ومجنون. وقال غيره: في ذلك دلالة على عظم جهل فرعون، لان الساحر هو اللطيف الحيلة وذلك ينافي صفة المجنون المختلط العقل، فكيف يوسف شخص واحد بهاتين الصفتين فقال الله تعالى مخبرا عن نفسه " فأخذناه وجنوده فنبذناه " يعني إنا نبذنا فرعون وجنوده " في اليم " أي طرحناه في البحر كما يلقى الشئ في البر " وهو مليم " أي آت بما يلام عليه من الكفر والجحود والعتو والتجبر والتكبر واحد. والملوم الذي وقع به اللوم، والمليم الذي أتى بما يلام عليه.
وقوله " وفي عاد " عطف ايضا على قوله " وتركنا فيها " أي وتركنا في عاد ايضا آية أي دلالة فيها عظة " إذ ارسلنا " أي اطلقنا " عليهم الريح العقيم " وهي التي عقمت عن ان تأتي بخير من تنشئة سحاب او تلقيح شجرة او تذرية طعام او نفع حيوان، فهي كالممنوعة من الولادة. وجمع الريح أرواح ورياح، ومنه راح الرجل إلى منزله أي رجع كالريح، والراحة قطع العمل المتعب. وقال ابن عباس:

===============
(393)
الريح العقيم التي لا تلقح الشجر ولا تنشئ السحاب. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال (نصرت بالصبا واهلكت عاد بالدبور).
وقوله " ما تذر من شئ أتت عليه " أى لم تترك هذه الريح شيئا تمر عليه " إلا جعلته كالرميم " وهو السحيق الذي انتفى رمه بانتفاء ملاءمة بعضه لبعض، وأما رمه يرمه رما فهو رام له والشئ مرموم فهو المصلح بملاءمة بعضه لبعض، وهو اصل الرميم الذي رمه بنقصه. وقيل: الرميم الذى ديس من يابس النبات.
وقيل: الرميم العظم البالي المنسحق.
وقوله " وفي ثمود إذ قيل لهم " أيضا عطف على قوله " وتركنا فيها آية..
وفي ثمود " وهم قوم صالح لما كفروا وجحدوا نبوة صالح وعقروا ناقة الله واستحقوا الاهلاك " قيل لهم تمتعوا حتى حين " أى انتفعوا في اسباب اللذات من المناظر الحسنة والروائح الطيبة والاصواب السجية وكل ما فيه منفعة على هذه الصفة " حتى حين " أى إلى حين قدر الله ابقاءكم اليه. وقيل: إلى حين آجالكم إن اطعتم الله - في قول الحسن - " فعتوا عن أمر ربهم " فالعتو الامتناع عن الحق، وهو الجفاء عنه ترفعا عن إتباع الداعي اليه " فاخذتهم الصاعقة وهم ينظرون " أى ارسل الله اليهم الصاعقة التي أهلكتهم واحرقتهم وهم يبصرونها " فما استطاعوا من قيام " أى لم يقدروا على النهوض به " وما كانوا منتصرين " أى طالبين ناصرا يمنعهم من عذاب الله - عزوجل - وقرأ الكسائي " الصعقة " بغير الف. وقد بيناه.
قوله تعالى:
(وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (46)
(ج 9 م 50 من التبيان)

===============
(394)
والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والارض فرشناها فنعم الماهدون (48) ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50)
ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين (51) كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (52)
أتوا صوابه بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فما أنت بملوم (54)
وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين) (55) عشر آيات.
قرأ ابوعمرو وحمزة والكسائي " وقوم نوح " جرا عطفا على قوله " وفي عاد " وتقديره وفي قوم نوح آية. الباقون بالنصب على تقدير وأهلكنا قوم نوح، ويحتمل ان يكون على تقدير فأخذت صاعقه العذاب قوم نوح، إذ العرب تسمى كل عذاب مهلك صاقعة. الثالث على تقدير: واذكر قوم نوح، كقوله " وإبراهيم الذي وفي " (1) والقوم الجماعة الذين من شأنهم أن يقوموا بالامر، واضافتهم اليه تقتضي انه منهم في النسب. ولم يفرد ل (قوم) واحد. ثم بين لما أهلكهم فقال " إنهم كانوا قوما فاسقين " خارجين من طاعة الله - عزوجل - إلى الكفر بالله فاستحقوا لذلك الاهلاك.
وقوله " والسماء بنيناها بأيد " معناه بقوة - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد - والايدي القوة، ووجه اتصال قوله " والسماء بنيناها بأيد " بما قبله
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 53 النجم آية 37 (*)

===============
(395)
وهو ان في قوم نوح آية وفي السماء ايضا آية فهو متصل به في المعنى.
وقوله " وإنا لموسعون " قيل في معناه ثلاثة أقوال:
احدها - قال الحسن: التوسعة في الرزق بالمطر. الثاني - قال ابن زيد: بقوة وإنا لموسعون السماء. الثالث - انا لقادرون على الاتساع باكثر من اتساع السماء.
والاتساع الاكثار من إذهاب الشئ في الجهات بما يمكن أن يكون اكثر مما في غيره يقال أوسع يوسع ايساعا، فهو موسع. والله تعالى قد اوسع السماء بما لابناء اوسع منه وايساع الرحمة هو الاكثار منها بما يعم.
وقوله " والارض فرشناها " عطف على قوله " والسماء بنيناها " وتقديره وبنينا السماء بنيناها وفرشنا الارض فرشناها أي بسطناها " فنعم الماهدون " والماهد الموطئ للشئ المهئ لما يصلح الاستقرار عليه، مهد يمهد مهدا، فهو ماهد، ومهد تمهيدا، مثل وطأ توطئة.
وقوله " ومن كل شئ خلقنا زوجين " معناه خلقنا من كل شئ اثنين مثل الليل والنهار، والشمس والقمر والارض والسماء، والجن والانس - في قول الحسن ومجاهد - وقال ابن زيد " خلقنا زوجين " الذكر والانثى. وفى ذلك تذكير بالعبرة في تصريف الخلق والنعمة في المنفعة والمصلحة " لعلكم تذكرون " معناه لتتذكروا وتفكروا فيه وتعتبروا به.
وقوله " ففروا إلى الله " أي فاهربوا إلى الله من عقابه إلى رحمته باخلاص العبادة له. وقيل: معناه ففروا إلى الله بترك جميع ما يشغلكم عن طاعته ويقطعكم عما أمركم به " اني لكم منه نذير " مخوف من عقابه " مبين " عما اوجب عليكم من طاعته.
ثم نهاهم فقال " ولا تجعلوا مع الله الها آخر " أي لا تعبدوا معه معبودا

===============
(396)
آخر من الاصنام والاوثان " اني لكم منه نذير مبين " أي من الله مخوف من عقابه مظهر ما اوجب عليكم وأمركم به. وقيل: الوجه في تكرار (اني لكم منه نذير مبين) هو ان الثاني منعقد بغير ما انعقد به الاول اذ تقديره اني لكم منه نذير مبين في الامتناع من جعل اله آخر معه، وتقدير الاول اني لكم منه نذير مبين في ترك الفرار اليه بطاعته فهو كقولك: انذرك أن تكفر بالله انذرك ان تتعرض لسخط الله، ويجوز أن يقول الله ولا تجعلوا مع الله قديما آخر، كما قال (ولا تجعلوا مع الله الها) لان جعلهم ذلك باعتقادهم الها معه او اظهارهم انه مذهب لهم. ولا يجوز ان يقول: لا تكونوا قدماء مع الله لانه نهي عما لا يمكن، وهو محال، وكذلك لا يجوز ان يقول لا تصيروا قدماء ولا آلهة، لانه محال.
والنذير هو المخبر بما يحذر منه ويصرف عنه وهو يقتضي المبالغة. والمنذر صفة جارية على الفعل تقول: انذر ينذر انذارا، فهو منذر، ونذره أي علم به واستعد له والمبين الذي يأتي ببيان الحق من الباطل.
ثم قال مثل ما أتى هؤلاء الكفار نبي فكذبوه (كذلك ما أتى الذين من قبلهم) من الامم (رسول إلا قالوا) هو (ساحر او مجنون) فالساحر هو الذي يحتال بالحيل اللطيفة. والمجنون الذي به جنون. وإنما قال الجهال ذلك في الرسل لان الاقدام عندهم على إنكار عبادة الاوثان لا يكفي فيه الشبهة دون الجنة، فالمجنون المغطى على عقله بمالا يتوجه للادراك به، فكذلك شبه حال قريش في التكذيب بحال. الامم حتى قالوا: سحر او مجنون. وإنما جاز منهم الاتفاق على تكذيب الرسل من غير تواص ولا تلاق، لان الشبهة الداعية اليه واحدة.
وقوله (اتوا صوا) فالتواصي هو إيصاء بعض القوم إلى بعض بوصية، والوصية التقدمة في الامر بالاشياء المهمة مع النهي عن المخالفة، كالوصية بقضاء الدين ورد

===============
(397)
الوديعة والحج والصدقة وغير ذلك، فكأن هؤلاء الجهال قد تواصوا بعبادة الاوثان بما هم عليه من الملازمة وشدة المحافظة وصورة الكلام صورة الاستفهام والمراد به الانكار والتوبيخ.
وقوله (بل هم قوم طاغون) معناه لم يتواصوا بذلك لكنهم طاغون طغوا في معصية الله وخرجوا عن الحد.
ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله) (فتول عنهم) أي اعرض عنهم يامحمد - في قول مجاهد - (فما أنت بملوم) في كفرهم وجحودهم بل اللائمة والذم عليهم من حيث لا يقبلون ما تدعوهم اليه، وليس المراد أعرض عن تذكيرهم ووعظهم، وإنما أراد أعرض عن مكافأتهم ومقابلتهم ومباراتهم وما أنت في ذلك بملوم (وذكر) بالموعظة (فان الذكرى تنفع المؤمنين) الذين يتعظون بمواعظ الله ويستدلون بآياته. قال حسين بن صمصم.
أما بنو عبس فان هجينهم * ولى فوارسه وافلت اعورا (1)
قوله تعالى:
(وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58) فان للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون) (60) خمس آيات.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجاز القرآن 2 / 228 (*)

===============
(398)
هذا اخبار من الله تعالى أنه لم يخلق الجن والانس إلا لعبادته، فاذا عبدوه أستحقوا الثواب، واللام لام الغرض ولا يجوز أن يكون لام العاقبة لحصول العلم بأن كثيرا من الخلق لا يعبدون الله. وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبره القائلين: بأن الله خلق كثيرا من خلقه للكفر به والضلال عن دينه وخلقهم ليعاقبهم بالنيران، لانه لا يجوز أن يكون في كلام الله تعالى تناقض، ولا إختلاف وقوله (ولقد ذرانا لجهنم) (1) قد بينا في ما مضى أن اللام لام العاقبة. والمعنى إنه خلق الخلق كلهم لعبادته وتصير عاقبة كثير منهم إلى جهنم بسوء اختيارهم من الكفر بالله وإرتكاب معاصيه.
فان قيل: أليس قد خلق الله كثيرا من خلقه لطفا لغيرهم، فكيف يكون خلقهم لعبادته؟ !.
قلنا: ما خلقه الله تعالى على ضربين: مكلف، وغير مكلف، فما ليس بمكلف خلقه للطف المكلفين، جمادا كان او حيوانا. وما هو مكلف خلقه لعبادته وإن كان في خلقه أيضا لطف للغير، وكأنه يكون خلقه للامرين ويكون بمنزلة ما خلقته إلا ليعبد مع عبادة غيره لان عبادة غيره مما هو غرض في خلقه، ولولا ذلك لم يكن في خلق النبي عليه لطف لغيره، فالتقدير ما خلقته إلا لعبادته مع عبادة غيره به، وهو بمنزلة قول القائل ما أدبت ولدي إلا ليصلح جميعهم أي بتأديبي له مع تأديب غيره الذي يدعوه إلى خلافه، وليس المعنى ما خلقت كل مكلف إلا ليعبد هو فقط.
وفى الآية دلالة على انه تعالى لا يريد المباح، لانه ليس من العبادة.
وقوله (ما أريد منهم من رزق وما أريد ان يطعمون) معناه نفي الايهام عن خلقهم لعبادته ان يكون ذلك لفائدة تقع وتعود عليه تعالى، فبين انه لفائدة (1) سورة 7 الاعراف آية 178

===============
(399)
النفع العائد على الخلق دونه تعالى لا ستحالة النفع عليه ودفع المضار، لانه غني بنفسه لا يحتاج إلى غيره، وكل الناس محتاجون اليه. ومن زعم ان التأويل ما اريد ان يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم، فقد ترك الظاهر من غير ضرورة. وقال ابن عباس: معنى (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) الا ليتقربوا لي بالعبودية طوعا وكرها.
ثم بين تعالى انه - عزوجل - هو الرزاق لعباده فقال (ان الله هو الرزاق)
والخلق له يرزقونه (ذو القوة) صاحب القدرة (المتين) ومعناه انه القوي الذي يستحيل عليه العجز والضعف، لانه ليس بقادر بقدرة، بل هو قادر لنفسه، ولانه ليس بجسم، والجسم هو الذي يحلقه ضعف. ومن خفض (المتين) - وهو يحيى ابن وثاب - جعله صفة للقوة، وذكره لانه ذهب إلى الحبل والشئ المفتون يريد القوة، قال الشاعر:
لكل دهر قد لبست أثوبا * من ريطة واليمنية المعصبا (1)
فذكر لان اليمنية ضرب من الثياب وصنف منها، ومن فسر (المتين)
بالشديد فقد غلط، لان الشديد هو الملتف بما يصعب معه تفكيكه. ووصف القوة بأنها أشد يؤذن بالمجاز، وانه بمعنى أعظم.
ثم اخبر تعالى بأن (للذين ظلموا) نفوسهم بارتكاب المعاصي (ذنوبا)
أي نصيبا وأصله الدلو الممتلئ ماء، كما قال الراجز:
لنا ذنوب ولكم ذنوب * فان ابيتم فلنا القليب (2)
وقال علقمة:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) اللسان (ثوب) وتفسير القرطبي 17 / 57 (2) مر في 2 / 405 (*)

===============
(400)
وفي كل حي قد خبطت بنعمة * فحق لشاش من نداك ذنوب (1)
أي نصيب، وإنما قيل الدلو: ذنوب، لانها في طرف الحبل، كأنها في الذنب. وقيل: معناه لهم بلاء وويل. والذنوب الدلو العظيمة يؤنث ويذكر، وقوله (مثل ذنوب أصحابهم) أي مثل نصيب اصحابهم من الكفار الذين تقدموهم (فلا تستعجلون) قل لهم لا تستعجلون بانزال العذاب عليهم، فانهم لا يفوتون.
ثم قال (فويل للذين كفروا) وحدانيتي وجحدوا نبوة رسولي (من يومهم الذي يوعدون) فيه بانزال العذاب بالعصاة وهو يوم القيامة، والويل كلمه تقولها العرب لكل من وقع في مهلكة.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبي 17 / 57 (*)

===============
(401)
52 - سورة الطور مكية بلا خلاف وهي تسع وأربعون آية في الكوفي، وثمان في البصري، وسبع في المدنيين.
بسم الله الرحمن الرحيم (والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3)
والبيت المعمور (4) والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6)
إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من دافع) (8).
سبع آيات حجازي وثمان في ما عداه، عد الكوفيون والشاميون (والطور)
ولم يعده الحجازيون.
الوجه في القسم بالطور هو ما قدمناه في قوله (والذاريات) وغير ذلك، وهو أن الله تعالى له أن يقسم بما يشاء من خلقه، وليس للعباد ان يقسموا إلا به. وقيل: الطور هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى. وقال مجاهد: الطور جبل. وقال المبرد: يقال لكل جبل طور. فاذا ادخلت عليه الالف واللام كان (ج 9 م 51 من التبيان)

===============
(402)
معرفة لشئ بعينه. ومنه قوله (ورفعنا فوقهم الطور) (1) وقيل: إنه سرياني (وكتاب مسطور) أي مكتوب - في قول قتادة والضحاك - قال رؤية:
إني واسطار سطرن سطرا (2)
وقيل: الكتاب المسطور: هو الذي كتبه الله على خلقه من الملائكة في السماء يقرؤن فيه ما كان ويكون. وقيل: هو القرآن مكتوب عندالله في اللوح المحفوظ، وهو الرق المنشور. وقال الفراء: الكتاب المسطور صحائف الاعمال فمن أخذ كتابه بيمينه، ومن أخذ كتابه بشماله. والسطر ترتيب الحروف. والمسطور المرتب الحروف على وجه مخصوص، سطرته أسطره سطرا، فأنا ساطر وذلك مسطور (في رق منشور) فالرق جلد رقيق يصلح للكتابة. وقال ابوعبيدة:
الرق هو الورق. وقيل: إنما ذكر الرق، لانه من أحسن ما يكتب عليه، فذكر لهذه العلة، فاذا كتبت الحكمة في ماهو على هذه الصفة كان أبهى وأولى. والمنشور المبسوط. وإنما قيل: منشور، لانه أبهى في العيون.
وقوله (والبيت المعمور) قيل: هو بيت في السماء الرابعة بحيال الكعبة، تعمره الملائكة بما يكون منها فيه من العبادة. وروي ذلك عن علي (عليه السلام) وابن عباس ومجاهد. قال على (عليه السلام) يدخل كل يوم سبعون الف ملك ثم لا يعودون فيه.
وقال الحسن البيت المعمور: البيت الحرام. وقال أميرالمؤمنين (عليه السلام) ومجاهد وقتادة وابن زيد (السقف المرفوع) هو السماء. وقوله (والبحر المسجور) فالبحر المجري الواسع العظيم من مجاري الماء، واصله الاتساع. والبحيرة الناقة التي يوسع شق أذنها وتخلى في المرع. وتبحر فلان في العلم إذا اتسع فيه، والمسجور المملؤ.
ومنه سجرت التنور إذا ملاته نارا. وعين سجرا ممتلئة فيها حمرة كأنها احمرت
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 63، 93 (2) مر في 4 / 110 (*)
===============
(403)
مما هو لها كسجار التنور. وقال مجاهد وابن زيد: البحر المسجور الموقد. وقال قتادة: هو المملوء قال لبيد:
فتوسطا عرض السري وصدعا * مسجورة متجاوز أقدامها (1)
وروي في الحديث ان البحر يسجر، فيكون نارا في جهنم.
وقوله (إن عذاب ربك لواقع) جواب القسم، أقسم الله تعالى بالاشياء التي تقدم ذكرها ليتحقق عند العباد أن عذابه واقع لا محالة لمن وافى على الصفة التي يستحق بها العقوبة، وأن لا يطمع أن ينفعه سؤال حميم او قريب منه قال النمر ابن تولب العكلي: شاهدا في المسجور:
إذا شاء طالع مسجورة * ترى حولها النبع والسما سما (2)
وإنما هي بقعة مملوة شجرا.
قوله تعالى:
(يوم تمور السماء مورا (9) وتسير الجبال سيرا (10) فويل يومئذ للمكذبين (11) ألذين هم في خوض يلعبون (12) يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (13) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (15) إصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون) (16).
ثمان آيات كوفي وشامي، وسبع في ما عداهما، عد الكوفيون والشاميون
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 7 / 118 (2) تفسير القرطبي 17 / 61 ومجاز القرآن 2 / 230 (*)

===============
(404)
(دعا) ولم يعده الباقون.
قوله (يوم تمور السماء مورا) يعني يوم القيامة، وهو متعلق بقوله (إن عذاب ربك لواقع.. يوم تمور السماء مورا) والمور تردد الشئ بالذهاب والمجيئ كما يتردد الدخان ثم يضمحل، مار يمور مورا فهو مائر. وقيل: يمور مورا بمعنى يدور دورا - في قول مجاهد - وقال الضحاك: معناه يموج موجا قال الاعشى انشده أبوعبيدة:
كان مشيتها من بيت جارتها * مور السحابة لا ريث ولا عجل (1)
ورواه غيره مر السحابة (وتسير الجبال سيرا فويل يومئذ للمكذبين)
الذين ينكرون اخبار الله تعالى فهؤلاء الجهال أنكروا ما اخبر به الانبياء بأن نسبوه إلى الكذب (الذين هم في خوض يلعبون) فالخوض الدخول في الماء بالقدم وشبه به الدخول في الامر بالقول، يقال خاض يخوض خوضا، فهو خائض.
وخوضه في الشراب تخويضا، ومنه المخوض. واللعب طلب الفرح بمثل حال الصبي في إنتفاء العمل على مقتضى العقل، لعب لعبا فهو لاعب، ودخلت الفاء في (فويل) لما فيه من معنى الجزاء، لان تقديره إذا كان كذا وكذا فويل، ومعنى الآية إني سأعلمهم بكفرهم وتصير عاقبتهم العذاب.
وقوله (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا) معناه يوم يدعون إلى نار جهنم للعذاب فيها، دعه يدعه دعا إذا دفعه. ومثله صكه يصكه صكا، والداع الدافع وقيل: الدع الدفع بانزعاج وإرهاق - في قول قتادة والضحاك -.
وقوله (هذه النار التي كنتم بها تكذبون) أي يقال لهم على وجه التوبيخ:
هذه النار التي كنتم تكذبون بها في دار التكليف حين جحدتم الثواب والعقاب
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوان الاعشى 144 ومجاز القرآن 2 / 231 (*)

===============
(405)
والنشور. ويقال لهم على وجه الانكار عليهم (أفسحر هذا) قد غطى على ابصاركم (أم انتم لا تبصرون) ثم يقال لهم (اصلوها) يعني النار (فاصبروا او لا تصبروا)
سواء عليكم) كونكم في العقاب صبرتم أو لم تصبروا، فانه لا يحيف عليكم (إنما تجزون ما كنتم) أي جزاء ما كنتم (تعملون) في الدنيا من المعاصي والصلي لزوم النار المعذب بها صلى يصلي صليا، ومنه الصلاة للزوم الدعاء فيها، ومنه:
صلى على دنها وارتسم (1)
أي لزم، والمصلي الذي يجئ في اثر السابق على لزوم أثره والاصل لزوم الشئ، والصبر حبس النفس على الامر بالعمل فكأنه قال: احبسوا أنفسكم على النار لتعاملوا بالحق او لا تحبسوا سواء عليكم في ان الجزاء لا محالة واقع بكم ولا حق لكم. والجزاء مقابلة العمل بما يقتضيه في العقل من خير او شر. والسواء والاستواء والاعتدال بمعنى واحد. والاستواء إمتناع كل واحد من المقدارين من ان يكون زائدا على الآخر او ناقصا عنه، فالصبر وترك الصبر لا ينفع واحد منهما في رفع العذاب عن أهل النار.
قوله تعالى:
(إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتيهم ربهم ووقيهم ربهم عذاب الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) متكئين على سرر مصفوقة وزوجناهم بحور عين) (20) أربع آيات بلا خلاف.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 1 / 56، 193 و 2 / 41 و 5 / 327 (*)

===============
(406)
لما اخبر الله تعالى عن حال الكفار وما أعد لهم من أليم العقاب، اخبر أيضا بما أعده للمؤمنين المتقين من أنواع الثواب فقال (إن المتقين) الذين يجتنبون معاصي الله خوفا من عقابه (في جنات) أي بساتين تجنها الاشجار (ونعيم فاكهين بما آتاهم ربهم) أي؟؟ بما أعطاهم ربهم من أنواع النعم وقال الزجاج:
معنى (فاكهين) معجبين بما آتاهم. وقال الفراء: مثل ذلك (وقاهم ربهم) أي منع عنهم عذاب الجحيم. والفاكه الكثير الفاكهة، كقولهم لابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر. والفكه المسرور بأحواله اكسرور آكل الفاكهة بفاكهته.
وقوله (متكئين على سرر مصفوقة) قيل متكئين على النمارق وهي الوسائد إلا انه حذف ذكرها. والمعنى (عليه)، لانه أصل الاتكاء، وتقديره متكئين على النمارق الموضوعة على السرر، وهو جمع سرير. وقوله (مصفوقة) أي مصطفة.
وقوله (وزوجناهم بحور عين) فالحور البيض النقيات البياض في حسن وكمال، والعين الواسعة الاعين في صفاء وبهاء، والمعنى قرنا هؤلاء المتقين بالحور العين على وجه التنعيم لهم والتمتيع.
قوله تعالى:
(والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ كل امرئ بما كسب رهين (21) وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون (22) يتنازعون فيها كأسالا لغو فيها ولا تأثيم (23) ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) وأقبل بعضهم على بعض

===============
(407)
يتساءلون) (25) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ ابن كثير وأهل الكوفة (واتبعتهم) بالتاء (ذريتهم) على واحدة (بهم ذريتهم) على واحدة أيضا. وقرأ نافع (واتبعتهم) بالتاء (ذريتهم) على واحدة (بهم ذرياتهم) على الجمع. وقرأ ابن عامر (واتبعتهم ذرياتهم) بالتاء على الجمع (بهم ذرياتهم) جماعة ايضا. وقرأ ابوعمرو (أتبعناهم) بالنون (ذرياتهم)
جماعة (ألحقنا بهم ذرياتهم) جماعة ايضا. وقرأ ابن كثير وحده (وما ألتناهم)
بفتح الالف وكسر اللام. الباقون - بفتح الالف واللام - وقرأ ابن كثير وأبوعمرو (لا لغوا فيها ولا تأثيم) نصبا. الباقون بالرفع والتنوين. قال الزجاج: فمن رفع فعلى ضربين: احدهما - على الابتداء و (فيها) الخبر، والثاني - أن تكون (لا)
بمعنى ليس رافعة وانشد سيبويه:
من فرعن نيرانها * فأنا ابن قيس لابراح (1)
ومن نصب بنى كقوله (لا ريب فيه) (2) والاختيار عند النحويين إذا كررت (لا) الرفع. والنصب جائز حسن.
يقول الله تعالى (والذين آمنوا) بالله وأقروا بتوحيده وصدقوا رسله (وأتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم) من قرأ بالنون معناه، وألحقنا بهم ذرياتهم أي ألحق الله بهم ذرياتهم يعني حكم لهم بذلك. ومن قرأ (واتبعتهم)
نسب الاتباع إلى الذرية. والمعنى إنهم آمنوا كما آمنوا، فمن جمعه فلا ختلاف اجناس الذرية، ومن وحد، فلانه يقع على القليل والكثير، وإنما قرأ ابوعمرو
ـــــــــــــــــــــــ
(1) اللسان (برح) وسيبويه 1 / 28، 354 (2) سورة 2 البقرة آية 2 (*)

===============
(408)
تبعناهم) بالنون لقوله بعد ذلك (ألحقنا) وقال البلخي: معنى الآية إن ثواب الذرية إذا عملوا مثل أعمال الاباء يثابون مثل ثواب الاباء، لان الثواب على قدر الاعمال. ولما قال (واتبعناهم ذرياتهم) بين أن ذلك يفعل بهم من غير ان ينقص من أجورهم، لئلا يتوهم انه يلحقهم نقص أجر. وقال الزجاج: معنى الآية إن الابناء إذا كانوا مؤمنين فكانت مراتب آبائهم في الجنة أعلا من مراتبهم ألحق الابناء بالآباء، ولم ينقص الآباء من أعمالهم، وكذلك إن كان اعمال الآباء انقص ألحق الآباء بالابناء. والاتباع إلحاق الثاني بالاول في معنى عليه الاول، لانه لو ألحق به من غير أن يكون في معنى هو عليه لم يكن إتباعا، وكان إلحاقا.
وإذا قيل: اتبعه بصره فهو الادراك، وإذا قيل: تبعه فهو يصرف البصر بتصرفه.
وقوله (ألحقنا بهم ذرياتهم) قال ابن عباس والضحاك وابن زيد: الحقوا الاولاد بالاباء إذا آمنوا من أجل إيمان الاباء. وفى رواية أخرى عن ابن عباس:
أن التابعين الحقوا بدرجة آبائهم، وإن قصرت اعمالهم تكرمة لآبائهم والاول هو الوجه. وإنما وجب بالايمان إلحاق الذرية بهم مع أنهم قد يكون ليس لهم ذرية لانه إنما يستحق ذلك السرور على ما يصح ويجوز مع أنه إذا اتبع الذرية على ما أمر الله به استحق الجزاء فيه، فان أبطلته الذرية عند البلوغ بسوء عمل، وفي سروره في أمر آخر كما أن اهل الجنة من سرورهم ما ينزل باعدائهم في النار، فلو عفى عنهم لوفوا سرورهم بأمر آخر.
وقوله (وما ألتناهم) معناه ما نقصناهم يقال: ألته يألته ألتا، وألاته يلته إلاتة، ولاته يليته ثلاث لغات - ذكرها ابوعبيدة: إذا نقصه، فبين - عزوجل - أنه لا يجوز عليه نقصان شئ من جزاء عمله، لانه لا يجوز عليه الظلم لا قليله ولا كثيره ولا صغيره ولا كبيره، وقال ابن عباس ومجاهد والربيع (وما ألتناهم) ما نقصناهم

===============
(409)
قال الشاعر:
ابلغ بني ثعل عني مغلغلة * جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا (1)
وقوله (كل امرئ بما كسب رهين) أي كل إنسان يعامل بما يستحقه ويجازى بحسب ما عمله إن عمل طاعة أيثب عليها وإن عمل معصية عوقب بها لا يؤاخذ احد بذنب غيره. والرهين والمرهون والمرتهن هو المحتبس على أمر يؤدى عنه بحسب ما يجب فيه، فلما كان كل مكلف محتبسا على عمله، فان صح له اداؤه على الواجب فيه تخلص، وإلا هلك، فلهذا قال (كل امرئ بما كسب رهين).
قوله (وامددناهم بفاكهة) فالامداد هو الاتيان بالشئ بعد الشئ يقال:
مد الجرح وأمد النهر، والفاكهة هي الثمار (ولحم مما يشتهون) أي وامددناهم ايضا بلحم من الجنس الذي يشتهونه.
وقوله (يتنازعون فيها كأسا) أي يتعاطون كأس الخمر، قال الاخطل:
نازعتهم طيب الراح الشمول وقد * صاح الدجاج وحانت وقعة الساري (2)
والكأس الاناء المملوء بالشراب، فان كان فارغا فلا يسمى كأسا - ذكره الفراء - وقوله (لا لغو فيها ولا تأثيم) معناه لا يجري بينهم باطل ولا ما يلغى
فيه ولا ما فيه أثم كما يجري في الدنيا عند شرب الخمر. وقوله (ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون) يعني في صفائه وبياضه وحسن منظره، والمكنون المصون.
وقيل: ليس على الغلمان مشقة في خدمة أهل الجنة، بل لهم في ذلك لذة، لانه ليس هناك دار محنة. وقوله (واقبل بعضهم على بعض يتساءلون) أي يسأل بعضهم بعضا عن حاله، وما هو فيه من انواع النعيم فيسرون بذلك ويزداد فرحهم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبرى 27 / 15 (2) تفسير الطبرى 27 / 16 والقرطبى 17 / 68 (ج 9 م 52 من التبيان)
(*)

===============
(410)
وقيل: يسأل بعضهم بعضا عما فعلوه في دار الدنيا مما استحقوا به المصير إلى الثواب والكون في الجنان بدلالة قوله (إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين).
قوله تعالى:
(قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ووقينا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28) فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون (29)
أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون) (30) خمس آيات بلا خلاف.
قرأ نافع والكسائي (ندعوه أنه) بفتح الحمزة على تقدير أنه او لانه.
الباقون بكسر الهمزة على الاستئناف.
لما حكى الله تعالى ان اهل الجنة يقبل بعضهم على بعض ويسأل بعضهم بعضا عن احوالهم ذكر ما يقولونه فانهم يقولون (إنا كنا) في دار الدنيا (في أهلنا مشفقين) أي خائفين رقيقي القلب، فالاشفاق رقة القلب عما يكون من الخوف على الشئ، والشفقة نقيض الغلظة. واصله الضعف من قولهم: ثوب شفق أي ضعيف النسج رديئه، ومنه الشفق، وهو الحمرة التي تكون عند غروب الشمس إلى العشاء الآخرة، لانها حمرة ضعيفة. والاهل هو المختص بغيره من جهة ما هو اولى به، وكلما كان أولى به فهو احق بأنه أهله، فمن ذلك اهل الجنة وأهل النار. ومن ذلك اهل الجود والكرم، وفلان من اهل القرآن، ومن أهل العلم، ومن أهل الكوفة. ومن هذا قيل: لزوجة الرجل: أهله، لانها مختصة به من جهة هي أولى

===============
(411)
به من غيره.
فقوله (في أهلنا مشفقين) اي من يختص به ممن هو أولى بنا.
وقوله (فمن الله علينا) فالمن القطع عن المكاره إلى المحاب، يقال: من على الاسير يمن منا إذا اطلقه واحسن اليه، وامتن عليه بصنيعه أي اقتطعه عن شكره بتذكير نعمته والمنية قاطعة عن تصرف الحي (وأجر غير ممنون) (1) أي غير مقطوع.
وقوله (ووقانا عذاب السموم) الوقا: منع الشئ من المخوف بما يحول بينه وبينه، ومنه الوقاية، ووقاه يقيه وقاء فهو واق، ووقاه توقية قال الراجز:
إذا الموقي مثل ما وقيت عذاب السموم فالسموم الحر الذي يدخل في مسام البدن بما يوجد ألمه، ومنه ريح السموم، ومسام البدن الخروق الدقاق.
ثم قالوا (إنا كنا من قبل ندعوه) يعني في دار التكليف ندعوه (أنه هو البر الرحيم) أي ندعوه بهذا، فيمن فتح الهمزة، ومن كسرها أراد إنا كنا ندعوه ونتضرع اليه، ثم ابتدأ فقال (إنه هو البر الرحيم) قال ابن عباس:
البر هو اللطيف وأصل الباب اللطف مع عظم الشأن، ومنه البر للطفها مع عظم النفع بها، ومنه البر لانه لطف النفع به مع عظم الشأن، ومنه البرية للطف مسالكها مع عظم شأنها، والبر بالكسر الفاره، والبر بر الوالدين، وقولهم: فلان لا يعرف هره من بره قيل في معناه ثلاثة اشياء:
احدها - لا يعرف السنور من الفاره.
الثاني - لا يعرف من يبره ممن يكرهه.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 95 التين آية 6 (*)

===============
(412)
الثالث - لا يعرف دعاء الغنم وهو برها من سوقها.
ثم قال تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) (فذكر) يا محمد أي اعظ هؤلاء المكلفين (فما أنت بنعمة ربك) قسم من الله تعالى بنعمته (بكاهن ولا مجنون) على ما يرمونك به. وقال البلخي: معناه ما أنت بنعمة الله عليك بكاهن، ولا يلزم ان يكون الله تعالى لم ينعم على الكاهن، لان الله تعالى قد عم على جميع خلقه بالنعم وإن كان ما انعم به على النبي اكثر، وقد مكن الله الكاهن وسائر الكفار من الايمان به، وذلك نعمة عليه. فالكاهن الذي يذكر انه يخبر عن الجن على طريق العزائم، والكهانة صنعة الكاهن، والكاهن الموهم انه يعلم الغيب بطريق خدمة الجن والمجنون المؤف بما يغطي على عقله حتى لا يدرك به في حال يقظة، وقد علموا أنه ليس بشاعر، كما علموا أنه ليس بمجنون، لكن قالوا ذلك على جهة التكذيب عليه ليستريحوا إلى ذلك كما يستريح السفهاء إلى التكذب على أعدائهم.
ثم قال (أم) ومعناه بل (يقولون شاعر نتربص به ريب المنون) قال مجاهد: ريب المنون حوادث الدهر. وقال ابن عباس وقتادة: الموت، والمنون المنية، وريبها الحوادث التي تريب عند مجيئها وقال الشاعر:
تربص بها ريب المنون لعلها * سيهلك عنها بعلها وشحيح (1)
قوله تعالى:
(قل تربصوا فاني معكم من المتربصين (31) أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (34) أم
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبرى 27 / 17 (*)

===============
(413)
خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السموات والارض بل لا يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون (37) أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ولكم البنون (39) لم تسئلهم اجرا فهم من مغرم مثقلون) (40) عشرة آيات بلا خلاف.
لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا في النبي (صلى الله عليه وآله) أنه كاهن ومجنون، وانه شاعر نتربص به ريب المنون أي نتوقع فيه حوادث الدهر والهلاك، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واهل (قل) لهم يا محمد (تربصوا فاني معكم من المتربصين) فالتربص هو الانتظار بالشئ إنقلاب حال إلى خلافها. والمعنى إنكم إن تربصتم بي حوادث الدهر والهلاك، فاني معكم من المنتظرين لمثل ذلك، فتربص الكفار بالنبي (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين قبيح، وتربص النبي والمؤمنين بالكفار وتوقعهم لهلاكهم حسن، وقوله (فتربصوا) وإن كان بصيغة الامر فالمراد به التهديد.
وقوله (أم تأمرهم أحلامهم بهذا) على طريق الانكار عليهم ان هذا الذي يقولونه ويتربصون بك من الهلاك. أحلامهم أي عقولهم تأمرهم به، وتدعوهم اليه والاحلام جمع الحلم، وهو الامهال الذي يدعو إليه العقل والحكمة، فالله تعالى حليم كريم، لانه يمهل العصاة بما تدعو اليه الحكمة، ويقال: هذه أحلام قريش أي عقولهم. ثم قال تعالى ليس الامر على ذلك (بل هم قوم طاغون) والطاغي هو الطالب للارتفاع بالظلم لمن كان من العباد، ومنه قوله (انا لما طغى الماء) (1) لانه
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 69 الحاقة آية 11 (*)

===============
(414)
طلب الارتفاع كطلب الظالم للعباد في الشدة، فحسن على جهة الاستعارة.
وقوله (أم يقولون تقوله) معناه بل يقولون أفتراه واخترعه وافتعله، لان التقول لا يكون إلا كذبا، لانه دخله معنى تكلف القول من غير حقيقة معنى يرجع اليه، وكذلك كل من تكلف أمرا من غير اقتضاء العقل أن له فعله فهو باطل. ثم قال (بل) هؤلاء الكفار (لا يصدقون) بنبوتك ولا بأن القرآن انزل من عند الله. والآية ينبغي ان تكون خاصة فيمن علم الله انه لا يؤمن.
ثم قال على وجه التحدي لهم (فليأتوا بحديث مثله) يعني مثل القرآن وما يقاربه (إن كانوا صادقين) في انه شاعر وكاهن ومجنون وتقوله، لانه لا يتعذر عليهم مثله. وقيل المثل الذي وقع التحدي به هو ما كان مثله في أعلا طبقة البلاغة من الكلام الذي ليس بشعر. واعلا طبقات البلاغة كلام قد جمع خمسة أوجه:
تعديل الحروف في المخارج، وتعديل الحروف في التجانس وتشاكل المقاطع مما تقتضيه المعاني وتهذيب البيان بالايجاز في موضعه والاطناب في موضعه، والاستعارة في موضعها والحقيقة في موضعها. واجراء جميع ذلك في الحكم العقلية بالترغيب في ما ينبغي ان يرغب فيه. والترهيب مما ينبغي ان يرهب منه، والحجة التي يميز بها الحق من الباطل. والموعظة التي تليق للعمل بالحق.
وقوله (أم خلقوا من غير شئ) معناه أخلقوا من غير خالق (أم هم الخالقون) لنفوسهم فلا يأتمرون لا مرالله ولا ينتهون عما نهاهم عنه. وقيل:
معنى (أخلقوا من غير شئ) أخلقوا لغير شئ أي أخلقوا باطلا لا لغرض.
وقيل: المعنى أخلقوا من غير أب ولا أم فلا يهلكون، كما أن السموات والارض خلقتا من غير شئ، فاذا هم أضعف من السماء الذي خلق لامن شئ، فاذا كان ما خلق لامن شئ يهلك فما كان دونه بذلك أولى. وقوله (أم خلقوا السموات

===============
(415)
والارض) واخترعوها فلذلك لا يقرون بالله أنه خالقهم. ثم قال تعالى (بل لا يوقنون) بان لهم إلها يستحق العبادة وحده ولا يقرون بانك نبي من جهة الله.
وقوله (أم عندهم خزائن ربك) معناه اعندهم خزائن نعمة ربك وخزائن الله مقدوراته، لانه يقدر من كل جنس على ما لا نهاية له فشبه ذلك بالخزائن التي تجمع اشياء مختلفة. والمعنى كأنه قال: أعندهم خزائن رحمة ربك فقد أمنوا أن تجئ الامور على خلاف ما يحبون " أم هم المسيطرون " على الناس فليس عليهم مسيطر ولا لهم ملزم ومقوم، فالمسيطر الملزم غيره امرا من الامور قهرا، وهو مأخوذ من السطر يقال: سيطر يسيطر سيطرة، وهو (فيعل) من السيطرة، ونظيره بيطر بيطرة.
وقيل: المسيطر الملك القاهر. وقيل: هو الجبار المتسلط، ومنه قوله " لست عليهم بمسيطر " (1) يقولون: سيطر علي أي اتخذني خولا، وقال ابوعبيدة: المسيطرون الارباب، والمسيطر والمبيقر والمبيطر والمهيمن والكميت اسماء جاءت مصغرة لا نظير لها. وقرأ قتادة " بمسيطر " بفتح الطاء، بمعنى لست عليهم بمسلط. وقرأ ابن كثير وابوعمرو وابن عامر والكسائي " المسيطرون " بالسين. الباقون بالصاد إلا ان حمزة يشم الصاد زايا.
وقوله " أم لهم سلم يستمعون فيه " فالسلم مرتقى إلى العلو من مشيد الدرجة مرتقى إلى علو من بناء مصمت. ويقال: جعلت فلانا سلما لحاجتي أي سببا.
وقال ابن مقبل:
لا يحرز المروء احجاء البلاد ولا * تبنى له في السموات السلاليم (2)
فكأنه قيل أم يستمعون الوحي من السماء، فقد وثقوا بما هو عليه وردوا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 88 الغاشية آية 22 (2) تفسير الطبري 27 / 19 ومجاز القرآن 2 / 234 (*)

===============
(416)
ماسواه " فليأت مستمعهم بسلطان مبين " أي بحجه يظهر صحة قولهم. والاستماع الاصغاء إلى الصوت، وإنما قيل لهم ذلك، لان كل من ادعى ما لم يعلم ببداهة العقول فعليه إقامة الحجة.
وقوله " أله البنات ولكم البنون " معناه ألكم البنون ولله البنات، فصاحب البنين أعلى كلمة من صاحب البنات، وهذا غاية التجهيل لهم والفضيحة عليهم.
وقيل: لو جاز اتخاذ الاولاد عليه لم يكن يختار على البنين البنات فدل بذلك على افراط جهلهم في ما وصفوا الله تعالى به من اتخاذ الملائكة بنات.
وقوله " أم تسألهم اجرا " أي ثوابا على اداء الرسالة اليهم بدعائك إياهم إلى الله " فهم من مغرم مثقلون " فالمغرم إلزام الغرم - في المال - على طريق الابذال، والمغرم انفاق المال من غير إبذال. واصله المطالبة بالحاح فمنه الغريم، لانه يطالب بالدين بالحاح، ومنه " ان عذابها كان غراما " (1) أي ملحا دائما.
والمغرم لانه يلزم من جهة المطالبة بالحاح لا يمكن دفعه. والمثقل المحمول عليه ما يشق حمله لثقله.
قوله تعالى:
(أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) أم يريدون كيدا فالذين كفرواهم المكيدون (42) أم لم إله غير الله سبحان الله عما يشركون (43) وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 25 الفرقان آية 65 (*)

===============
(417)
يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون (46)
وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47)
واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) (49) تسع آيات بلا خلاف.
قرأ عاصم وابن عامر (يصعقون) بضم الياء - على ما لم يسم فاعله - الباقون بفتح الياء على اضافة الفعل اليهم، وهما لغتان. يقال: صعق فلان فهو مصعوق وصعق فهو صاعق. وروي عن عاصم أيضا " يصعقون " بضم الياء وكسر العين بمعنى يحصلون في الصاعقة. وقيل: الصعق الهلاك بصيحة تصدع القلب. وقيل:
الصعق عند النفخة الاولى. قال قوم: إن قوله " أم عندهم الغيب فهم يكتبون " جواب لقولهم ان ان امر الآخرة على ما تدعون حقا فلنا الجنة كقولهم " ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى " (1) ذكره الحسن. والغيب الذي لا يعلمه إلا الله هو مالم يعلمه العاقل ضرورة ولا عليه دلالة. والله تعالى عالم به، لانه يعلمه لنفسه، والعالم لنفسه لا يخفى عليه شئ من وجه من الوجوه.
وقوله " أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون " فالكيد هو المكر.
وقيل: هو فعل ما يوجب الغيظ في خفى يقال: كاده يكيده كيدا، فهو كائد، والمفعول مكيد وكايده مكايدة مثل غايظة مغايظة. والكيد من الله هو التدبير الذي