إعداد وإخراج
موقع مؤسسة الإمام الكاظم عليه السلام ـ المكتبة العامة
www.alkadhum.org
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

التبيان

في تفسير القرآن


تأليف
شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي
385 ـ 460 هـ.


تحقيق وتصحيح:
أحمد حبيب قصير العاملي

المجلد العاشر

دار إحياء التراث العربي

===============
(3)
62 - سورة الجمعة
بسم الله الرحمن الرحيم

(يسبح لله مافي السموات ومافي الارض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (4) مثل الذين حملوا التورية ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لايهدي القوم الظالمين) (5) خمس آيات بلاخلاف.
لا خلاف بين القراء في هذه السورة إلا ماروي عن الاعمش انه قرأ (الجمعة) بسكون الميم. الباقون بضمها. وقد بينا معنى قوله (يسبح لله مافي السموات وما في الارض) وبينا وجه التكرار فيه. وإنما جاء - ههنا - على لفظ المضارعة.
وقوله (الملك) يعني المالك للاشياء كلها ليس لاحد منعه منها (القدوس) المستحق


===============
(4)
للتعظيم بتطهير صفاته من كل صفة نقص (العزيز) معناه القادر الذي لايقهر ولايغلب (الحكيم) في جميع افعاله.
وقوله (هوالذي بعث) يعني الله الذي وصفه بالصفات المذكورة هو الذي أرسل (في الاميين) قال قتادة ومجاهد: الاميون العرب. وقال قوم: هم أهل مكة، لانها تسمى أم القرى، والامي منسوب إلى انه ولد من أمه لايحسن الكتابة. ووجه النعمة في جعل النبوة في أمي موافقة ماتقدمت البشارة به في كتب الانبياء السالفة، ولما فيه من انه أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة.
وقوله (رسولا) مفعول (بعث) و (منهم) يعني من سميتهم الاميين ومن جملتهم (يتلو عليهم) أي يقرأ عليهم (آياته) أي حججه وبيناته من القرآن وغيرها (ويزكيهم) أي ويطهرهم من دنس الشرك بما يهدبهم إلى الايمان فيجعلهم أزكياء. وإنما يجعلهم كذلك بأن يدعوهم إلى طاعة الله التي يقع فيها الاجابة لانه لو دعاهم ولم يجيبوا لما قيل: إنه زكاهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة) قال قتادة:
يعلمهم القرآن والسنة، والحكمة نعم الكتاب والسنة، وكل ما أراده الله، فان الحكمة هي العلم الذي يعمل عليه فيما يخشى اويحبب من أمر الدين والدنيا (وإن كانوا من قبل) يعني من قبل أن يبعث فيهم ويتلو عليهم القرآن (لفي ضلال مبين)
أي في عدول عن الحق جائرين عن الصراط المستقيم مبين أي ظاهر.
وقوله (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) قال ابن زيد ومجاهد: هم كل من بعد الصحابة إلى يوم القيامة، فان الله بعث النبي منهم وشريعته تلزمهم، وإن لم يلحقوا بزمان الصحابة. (وآخرين) نصب على تقدير ويزكي آخرين منهم، لما يلحقوا بهم. ويجوز ان يكون جرا، وتقديره هو الذي بعث في الاميين وفي آخرين، (وهو العزيز) الذي لايغالب (الحكيم) في جميع أفعاله ومايأمر به.


===============
(5)
وقوله (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (ذلك) إشارة إلى بعث الرسول بين الله تعالى ان إرساله الرسول (فضل) من (الله) ونعمة (يؤتيه) أي يعطيه (من يشاء) بحسب مايعلمه من صلاحه مبعثة، وتحمل أعباء الرسالة (والله ذو الفضل العظيم) على عباده بما يفعل بهم من التفضل والاحسان ساعة بعد ساعة.
وقوله (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها) معنا (مثل الذين حملوا التوراة) يعني العمل بها وبما فيها، فحفظوها ودونوها في كتبهم ثم لم يعملوا بما فيها (كمثل الحمار يحمل اسفارا) قال ابن عباس: الاسفار الكتب واحدها سفر، لانها تكشف عن المعنى باظهار حاله، يقال: سفر الرجل عن عمامته إذا كشف، وسفرت المرأة عن وجهها وهي سافرة، وإنما مثلهم بالحمار لان الحمار الذي يحمل كتب الحكمة على ظهره لايدري بما فيها، ولايحس بها كمثل من يحفظ الكتاب ولايعمل به، وعلى هذا من تلا القرآن ولم يفهم معناه وأعرض عن ذلك اعراض من لايحتاج اليه كان هذا المثل لاحقا به. وإن من حفظه وهو طالب لمعناه وقد تقدم حفظه فليس من أهل هذا المثل.
وقوله (بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) معناه بئس القوم قوم هذا مثلهم، وهم الذين كذبوا بحجج الله وبيناته.
ثم قال (والله لايهدي القوم الظالمين) يعني الذين يظلمون نفوسهم بارتكاب المعاصي لايحكم بهدايتهم، ولايرشدهم إلى طريق الجنة. قوله تعالى:
(قل ياأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (6) ولايتمنونه


===============
(6)
أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (7) قل إن الموت الذي تفرون منه فأنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (8) ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فاذا قضيت الصلوة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10) وإذا رأوا تجارة أولهوا أنفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11)
ست آيات.
هذا أمر من الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) أن يخاطب اليهود، فيقول لهم (إن زعمتم انكم أولياء لله) فالزعم قول عن ظن او علم، ولهذا صارت من أخوات (ظن) في الظن والعلم وعملت ذلك العمل من الاعراب قال الشاعر:
فان تزعميني كنت أجهل فيكم * فأني شريت الحلم بعدك بالجهل (1)
والاولياء جمع ولي، وهو الحقيق بالنصرة التي يوليها عند الحاجة، فالله ولي المؤمنين، لانه يوليهم النصرة عند حاجتهم. والمؤمن ولي الله لهذه العلة. ويجوز أن يكون لانه يولي المطيع له بنصرته عند جاجته، فقال الله لهؤلاء اليهود: إن كنتم تظنون على زعمكم أنكم انصار الله وأن الله ينصركم (فتمنوا الموت ان كنتم

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 8 / 168 (*)


===============
(7)
صادقين) في ادعائكم أنكم أولياؤه دون الناس، فالتمني هو قول القائل - لما كان - ليته لم يكن، ولمالم يكن: ليته كان. وهو من صفات الكلام. وقال بعضهم: هو معنى في النفس.
ثم اخبر تعالى عن حالهم وكذبهم واضطرابهم في دعواهم، وانهم غير واثقين بمايدعونه فقال (ولايتمنونه ابدا بما قدمت ايديهم) ومعناه لايتمنون الموت أبدا فيما بعد (بما قدمت أيديهم) مما لايرجعون فيه إلى ثقة من التكذيب
بالنبي (صلى الله عليه وآله) والتحريف لصفته في التوراة (والله عليم بالظالمين) أي عالم بأحوالهم وافعالهم، لايخفى عليه شئ منها.
وفي الاية دليل على النبوة لانه اخبر بأنهم لايتمنون الموت ابدا، وما تمنوه فكان ذلك اخبارا بالصدق قبل كون الشئ، وذلك لا يعلمه، إلا الله تعالى.
وفيها بطلان ما ادعوه من انهم أولياء الله.
ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله) (قل) لهم (إن الموت الذي تفرون منه) أي تهربون منه (فانه ملاقيكم) وإنما قال (فانه) بالفاء، وسواء فروا منه او لم يفروا منه فانه ملاقيهم، مبالغة في الدلالة على أنه لاينفع الفرار منه لانه إذا كان الفرار منه بمنزلة السبب في ملاقاته فلا معنى للتعرض له لانه لا يباعد منه قال زهير:
ومن هاب اسباب المنايا ينلنه * ولو رام أن يرقى السماء بسلم (1)
وهن ينلنه هابها اولم يهبها، ولكنه إذاكانت هيبته بمنزلة السبب للمنية كان لا معنى للهيبة، وقال قوم: تقديره قل إن الموت هوالذي تفرون منه فجعلوا (الذي)
في موضع الخبر لاصلة: ويكون (فانه) مستأنف.
وقوله (ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة) معناه ثم ترجعون إلى الله تعالى

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 5 / 526 (*)


===============
(8)
يوم القيامة الذي يعلم سركم وعلانيتكم وظاهركم وباطنكم، لا يخفى عليه شئ من أحوالكم (فينبئكم) أي يخبركم (بما كنتم تعملون) في دار الدنيا ويجازيكم بحسبها على الطاعة بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب، ثم خاطب المؤمنين فقال (ياايها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) معناه إذا سمعتم، أذان يوم الجمعة فامضوا إلى الصلاة. قال قتادة: معناه امضوا إلى الصلاة مسرعين غير متثاقلين وبه قال ابن زيد والضحاك. وقال الزجاج: المعنى فامضوا إلى السعي الذي هو الاسراع قال وقرأ ابن مسعود (فامضوا) إلى ذكر الله ثم قال: لو علمت الاسراع لا سرعت حتى يقع ردائي عن كتفي. قال: وكذلك كان يقرأ (وأن ليس للانسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى) (1) يريد مضى فيه دون الاسراع. ومثله قوله (إن سعيكم لشتى) (2) وفرض الجمعة لازم على جميع المكلفين إلا صاحب العذر: من سفر او مرض او عمى او عرج او آفة وغير ذلك. وعند اجتماع شروط وهي:
كون سلطان عادل او من نصبه السلطان للصلاة، وتكامل العدد - عندنا - سبعة، وعند قوم اربعين. وعند آخرين أربعة، وثلاثة. وقد بينا الخلاف في ذلك في (خلاف الفقهاء)
وظاهر الاية متوجه إلى المؤمنين وإنما يدخل فيه الفاسق على التغليب، كما يغلب المذكر على المؤنث، هذا على قول من يقول إن الفاسق ليس بمؤمن. فأما من قال: إنه مؤمن مع كونه فاسقا، فالاية متوجهة اليهم كلهم. وقال مجاهد وسعيد ابن المسيب: المراد بالذكر موعظة الامام في خطبته. وقال غيرهما: يعني الصلاة التي فيها ذكر الله.
وقوله (وذروا البيع) معناه إذا دخل وقت الصلاة اتركوا البيع والشراء.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 53 النجم آية 39 (2) سورة 92 الليل آية 4 (*)


===============
(9)
قال الصحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء. وقال الحسن: كل بيع تفوت فيه الصلاة يوم الجمعة فانه بيع حرام، لا يجوز، وهو الذي يقتضيه ظاهر مذهبنا، لان النهي يدل على فساد المنهي عنه. ثم قال (ذلكم) يعني ما ذكره من السعي إلى الصلاة (خير لكم) في دينكم وانفع لكم عاقبة (إن كنتم تعلمون) صحة ما قلناه أي اعلموه.
وقوله تعالى (فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض) أي إذا صليتم الجمعة فانتشروا في الارض طلبا لرزق الله. وصورته صورة الامر وهو إباحة وإذن ورخصة - في قول الحسن والضحاك وابن زيد وغيره - (وابتغوا من فضل الله) أي اطلبوا من فضل الله بعمل الطاعة والدعاء به (واذكروا الله كثيرا) يا محمد على إحسانه وبالشكر على نعمه والتعظيم لصفاته (لعلكم تفلحون) ومعناه لتفلحوا وتفوزوا بثواب النعيم.
ثم اخبر تعالى عن حال جماعة كانوا مع النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يخطب وهم معه يصلي بهم، فقال (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا اليها) قال جابر بن عبدالله والحسن: قدم عير لدحية الكلبي فيها طعام المدينة بعدما أصابتهم مجاعة، فاستقبلوه باللهو والمزامير والطبول - في قول جابر بن عبدالله ومجاهد - وكانوا مع النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة فلما سمعوا صوت الطبول والمزامير (انفضوا) أي تفرقوا إلى العير يبصرونه وتركوا النبي (صلى الله عليه وآله) وحده قائما، فقال الله لنبيه (صلى الله عليه وآله) (قل) لهم يا محمد (ما عند الله) من الثواب على سماع الخطبة وحضور الموعظة (خير من اللهو ومن التجارة) وانفع واحمد عاقبة (والله خير الرازقين) أى ليس يفوتهم بترك البيع شئ من رزق الله والتقدير وإذا رأوا تجارة او لهوا انفضوا اليها وتركوك (ج 10 م 2 من التبيان)


===============
(10)
أى اليه، وإنما قيل (اليها) لانها كانت أهم اليهم، ذكره الفراء. وقيل: تقديره وإذا رأوا لهوا او تجارة انفضوا اليها، فرد الضمير إلى اقرب المذكورين، لانه كان أهم اليهم، وكذلك قرأ ابن مسعود في مصحفه.
63 - سورة المنافقون مدنية بلا خلاف وهو قول ابن عباس وعطا والضحاك وهي احدى عشرة آية بلا خلاف.
بسم الله الرحمن الرحيم (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) إتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2)
ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3)
وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون (4) وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم


===============
(11)
رسول الله لووا رؤسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون) (5)
خمس آيات.
قرأ (خشب) خفيفة ابن كثير وابوعمرو والكسائي. وقرأ الباقون (خشب) مثقل. وقرأ نافع وروح وزيد (لووا رؤسهم) خفيفة. الباقون (لووا) مشددة.
يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) (إذا جاءك) يامحمد (المنافقون) وهم الذين يطهرون الايمان ويبطنون الكفر (قالوا نشهد إنك لرسول الله) أى اخبروا بأنهم يعتقدون إنك رسول الله. فقال الله تعالى لنبيه (والله يعلم انك لرسوله) على الحقيقة (والله يشهد ان المنافقين لكاذبون) في قولهم إنهم يعتقدون إنك لرسول الله، وكان إكذابهم في اعتقادهم وأنهم يشهدون ذلك بقلوبهم ولم يكونوا فيما يرجع إلى ألسنتهم، لانهم شهدوا بها بألسنتم وهم صادقون في ذلك وفي ذلك دلالة على بطلان قول من يقول إن المعرفة ضرورية. وكسرت (إن)
لاجل اللام التي هي لام الابتداء التي في الخبر، لان لها صدر الكلام. وإنما زحلقت عن موضعها إلى موضع الخبر لئلا تجمع بين حرفي تأكيد، وكانت احق بالتأخير، لانها غير عامة. وإنما كان لها صدر الكلام، لانها نقلت الجملة إلى معنى التأكيد وكل حرف نقل الجملة عن معنى إلى معنى كان له صدر الكلام، لئلا تختلط الجمل.
ثم اخبر تعالى عن هؤلاء المنافقين فقال (اتخذوا أيمانهم جنة) أى سترة يتسترون بها من الكفر لئلا يقتلوا ولايسبوا ولا تؤخذ أموالهم. والجنة السترة المتخذة لدفع الاذية كالسلاح المتخذ لدفع الجراح، فالجنة السترة، والجنة البستان الذى يجنه الشجر. الجنه والجنون الذى يغطي على العقل. واصل ذلك كله الستر (فصدوا عن سبيل الله) أى منعوا غيرهم عن اتباع سبيل الحق. وقال الضحاك:


===============
(12)
أيمانهم حلفهم إنهم لمنكم. وقرئ (إيمانهم) بكسر الهمزة بمعنى أنهم اتخذوا تصديقهم ظاهرا جنة، فقال تعالى) انهم ساء ماكانوا يعملون) ومعناه بئس الذي يعملونه من اظهار الايمان مع إبطان الكفر والصد عن السبيل. وقال زيد بن أرقم: نزلت الاية في عبدالله بن ابي بن سلول، لماقال: لاتنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاغر منها الاذل، فملا وقف على ذلك جحده وحلف انه ماقاله حتى نزلت السورة. وقوله) ذلك بأنهم آمنوا) بألسنتهم عند الاقرار ب (لاإله إلا الله محمد رسول الله) (ثم كفروا) بقلوبهم لما كذبوا بهذا وهو قول قتادة (فطبع على قلوبهم) أى ختم عليها بسمة تميز الملائكة بينهم وبين المؤمنين على الحقيقة (فهم لايفقهون) ذلك بجحدهم توحيد الله ونفاقهم وإنكارهم نبوة رسوله الذى دعاهم إلى الحق.
ثم قال: وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) بحسن منظرهم وجميل زيهم (وان يقولوا) يعنى هؤلاء المنافقون (تسمع لقولهم) أى تصغى اليهم وتسمع مايقولون بحسن بيانهم وبلاغة لسانهم، فقال تعالى (كأنهم خشب مسندة) فشبههم الله بالخشب المسندة، قيل: إنهم شبهو بخشب نخرة متأكله لاخير فيها إلا أنها مسندة يحسب من يراها أنها صحيحة سليمة. وخشب جمع خشبة مثل بدن وبدنة فيمن سكن. ومن ضم قال: مثل ثمرة وثمر ثم وصفهم بالخور والهلع فقال (يحسبون كل صحيحة عليهم) أي يظنون أنها مهلكتهم، وأنهم المقصودون بها جبنا وخورا.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (هم العدو) لك وللمؤمنين (فاحذرهم) وتوقهم (قاتلهم الله)
وقيل: معناه أخزاهم الله. وقيل: معناه أحلهم الله محل من يقاتله عدو قاهر له، وهذا اشد مايكون من الذم والبلاء الذي ينزل بهم وأبلغ مايكون في البيان عن مكروههم (أنى يؤفكون) أي كيف يصرفون عن الحق. وإنما قال (فاحذرهم)


===============
(13)
لانهم كانوا ينقلون الاسرار إلى الكفار ويحيون من قدروا عليه من أهل الكفر.
ثم اخبر تعالى فقال (وإذا قيل لهم) يعني لهؤلاء المنافقين (تعالوا) أي هلموا (يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم) ومعناه أكثروا تحريكها بالهز لها استهزاء بدعائهم إلى ذلك.
فمن شدد أراد تكثير الفعل. وممن خفف فلانه يدل على القليل والكثير.
ثم قال: ورأيتهم يامحمد (يصدون) عن سبيل الحق (وهم مستكبرون) أي يطلبون الكبر ويتجبرون عن إتباع الحق.
قوله تعالى:
(سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر ا لله لهم إن الله لايهدي القوم الفاسقين (6) هم الذين يقولون لاتنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والارض
ولكن المنافقين لايفقهون (7) يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لايعلمون (9) ياأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون (9)
وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخر تني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10)


===============
(14)
ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون) (11)
ست آيات.
قرأ ابوعمرو وحده (وأكون) بالواو، الباقون (واكن) وفى المصاحف بلاواو فقيل لابي عمرو: لم سقطت من المصاحف؟. فقال كما كتبوا: (كلهن) وقرأ يحيى عن أبي بكر (يعملون) بالياء. الباقون بالتاء. ومن قرأ بالياء فعلى الخبر، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب.
لما اخبر الله تعالى عن حال المنافقين، وانه (إذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله) حركوا رؤسهم استهزاء بهذا القول، فقال الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) أي يتساوى الاستغفار لهم وعدم الاستغفار (فلن يغفر الله لهم) لانهم يبطنون الكفر وإن اظهروا الايمان، وبين انه تعالى (لايهدي القوم الفاسقين) إلى طريق الجنة، فلهذا يجب ان ييأسوا من المغفرة بالاستغفار.
وقال الحسن: اخبر الله تعالى أنهم يموتون على النفاق، فلم يستغفر لهم بعد.
وقيل: المعنى لايحكم الله بهدايتهم، وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) يستغفر لهم على ظاهر الحال بشرط حصول التوبة وأن يكون باطن المستغفر له مثل ظاهره، فبين بها أن ذلك لا ينفع مع ابطانهم الكفر والنفاق.
ثم حكى تعالى عنهم فقال (هم الذين يقولون) يعني بعضهم لبعض لا تنفقوا على من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المؤمنين المحتاجين (حتى ينفضوا) عنه ومعناه حتى يتفرقوا عنه لفقرهم وحاجتهم. والانفضاض التفرق، وفض الكتاب إذا فرقه ونشره، وسميت الفضة فضة لتفرقها في اثمان الاشياء المشتراة.


===============
(15)
فقال الله تعالى (ولله خزائن السموات والارض) بمعنى له مقدوراته في السموات والارض، لان فيها كل مايشاء إخراجه، وله خزائن السموات والارض يخرج منهما مايشاء. وهي داخلة في مقدوراته، والخزانة - بكسر الخاء - موضع يخبأ فيه الامتعة، وإذا كان لله خزائن السموات والارض، فلا يضرك يامحمد ترك انفاقهم بل لايضرون إلا أنفسهم دون اولياء الله والمؤمنين الذين يسبب الله قوتهم ولو شاء الله تعالى لاغنى المؤمنين، ولكن فعل ماهو اصلح لهم وتعبدهم بالصبر على ذلك لينالوا منزلة الثواب (ولكن المنافقين لايفقهون) ذلك على الحقيقة لجهلهم بعقاب الله تعالى.
ثم اخبر عنهم فقال (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز)
يعنون نفوسهم (منها الاذل) يعنون رسول الله والمؤمنين. وقيل: إن القائل لذلك في غزوة المريسيع، كان عبدالله بن ابي بن سلول، فقال الله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) دون المنافقين والكفار (ولكن المنافقين لايعلمون) ذلك فيظنون ان العزة لهم، وذلك بجهلهم بصفات الله وما يستحقه أولياؤه وما يعمل بهم. والاعز الاقدر على منع غيره وأصل الصفة المنع فلذلك لم يكن أحد اعز من الله ولا أذل من المنافق.
ثم خاطب المؤمنين فقال (ياايها الذين آمنوا لاتلهكم أموالكم) أي لاتشغلكم أموالكم (ولا أولادكم عن ذكر الله) قال قوم: الذكر المأمور به هو ذكر الله بالحمد والشكر والتعظيم بصفاته العليا واسمائه الحسنى، ويقال: ألهيته عن الامر اذا صرفته عنه بما يمنعه قال امرؤ القيس:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذي تمائم محول (1)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه (السندوبى) 147 (*)


===============
(16)
وقال قوم: ذكر الله جميع فرائضه ثم قال (ومن يفعل ذلك) أى من شغله ماله او ولده عن ذكر الله (فاولئك هم الخاسرون) الذين خسروا ثواب الله وحصل لهم عقابه. ثم أمرهم بأن ينفقوا مما رزقهم الله فيما تجب عليهم النفقة فيه من الزكاة والجهاد والحج والكفارات وغير ذلك من الواجبات. وفي ذلك دليل على ان الحرام ليس برزق من الله، لان الله لايأمر بالمعصية بالانفاق، ولانه ينهى عن التصرف فيه بلا خلاف (من قبل ان يأتي احدكم الموت فيقول لولا أخرتني إلى اجل قريب) اى هلا. وقيل: معناه إنه يتمنى أن يرد إلى دار الدنيا، وانما جاز التمني ب (لولا)، لان اصلها التقدير، والتمنى تقدير الخير للاستمتاع (فاصدق)
ومعناه فأتصدق، وانفق في سبيل الله (وأكن من الصالحين) أي من الذين يعملون الافعال الحسنة. وفي ذلك دليل على ان القدرة قبل الفعل، لانهم تمنوا ان يؤخروا ليعملوا ماكانوا قادرين عليه متمكنين منه. ودليل على ان الله تعالى لايخلق الكفر والنفاق فيهم، لانه لوفعل ذلك كان لامعنى لتمني التأخير والرد بل الواجب أن يطلبوا منه تعالى ان يكف عنهم الكفر ويخلق فيهم الايمان وقدرته بدل الكفر وقدرته.
وقوله (فاصدق) انتصب بأنه جواب التمني بالفاء، وكل جواب بالفاء نصب، إلا جواب الجزاء، فانه رفع على الاستئناف، لان الفاء في الجزاء وصلة إلى الجواب بالجملة من الابتداء والخير. وانما نصب الجواب بالفاء للايذ ان بأن الثاني يجب بالاول بدلالة الفاء في الجواب، وليس يحتاج إلى ذلك في الجزاء من قبل ان حرف الجزاء يكفي في الدلالة. ومن قرأ (واكن) فجزم عطف على موضع الفاء، لانها في موضع جزم. ومن قرأ (واكون) عطف على لفظ (فأصدق).
ثم قال (ولن يؤخر الله نفسا اذا جاء أجلها) يعني الاجل المطلق الذى


===============
(17)
حكم بأن الحي يموت عنده. والاجل المقيد هو الوقت المحكوم بأن العبد يموت عنده ان لم يقتطع عنه اولم يزد عليه او لم ينقص منه على مايعلمه الله من المصلحة. ثم قال (والله خبير) اى عالم (بما يعملون) فمن قرأ بالياء أراد عالم بعملهم على لفظ الغيبة. ومن قرأ بالتاء أراد بعملكم على الخطاب أى قل لهم.
64 - سورة التغابن.
مدنية بلا خلاف - في قول ابن عباس وعطاء والضحاك - وهي ثمان عشرة آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم.
(يسبح لله ما في السموات وما في الارض له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير (1) هوالذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (2) خلق السموات والارض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (3)
يعلم ما في السموات والارض ويعلم ماتسرون وماتعلنون والله عليم بذات الصدور (4) ألم يأتكم نبؤ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذبا أليم) (5) خمس آيات.
(ج 10 م 3 من التبيان)


===============
(18)
قد فسرنا معنى قوله (يسبح لله ما في السموات وما في الارض) وأن المراد بها ما في خلق السموات والارض، وما فيهما من الادلة الدالة على توحيده وصفاته التي باين بها خلقه، وأنه لايشبه شيئا ولايشبهه شئ وأنه منزه عن القبائح وصفات النقص، فعبر عن ذلك بالتسبيح من حيث كان معنى التسبيح التنزيه لله عما لايليق به.
وقوله (له الملك) معناه انه المالك لجميع ذلك والمتصرف فيه بما شاء، ولا أحد يمنعه منه، وله الحمد على جميع ذلك، لان خلق ذلك اجمع للاحسان إلى خلقه به والنفع لهم فاستحق بذلك الحمد والشكر (وهو على كل شئ قدير) يعني مما يصح أن يكون مقدورا له، فلا يدخل في ذلك مقدور العباد، لانه يستحيل أن يكون مقدورا لله.
وقوله (هوالذي خلقكم) معناه هو الذي اخترعكم وأنشأكم بأن أخرجكم من العدم إلى الوجود (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) معناه فمنكم من يختار الكفر بسوء اختياره ومنكم مؤمن بحسن اختياره للايمان. وقال الحسن: فيه محذوف وتقديره فمنكم كافر ومنكم مؤمن ومنكم فاسق. وقال غيره: ليس فيه حذف، لان الغرض ذكر الطرفين لا المنزلة بين المنزلتين كما أن قوله (خلقكم) خطاب يتوجه إلى جميع الخلق. وإن كان منهم الاطفال والمجانين الذين لاحكم لهم بالايمان ولابالكفر وقال الزجاج: معناه (فمنكم كافر) بالله بأن الله خلقه (ومنكم مؤمن) بذلك.
وقوله (والله بما تعملون بصير) معناه - ههنا - أنه خلق الكافر، وهو عالم بما يكون منه من الكفر، وكذلك خلق المؤمن وعلم بما يكون منه من الايمان، وكل ذلك على وجه الاحسان في الفعل الذي يستحق به الحمد والشكر. ثم قال (خلق السموات والارض) بمعنى اخترعهما وانشأهما (بالحق) أي للحق وهو انه


===============
(19)
خلق العقلاء تعريضا لهم للثواب العظيم، وما عداهم خلق تبعا لهم لما فيه من اللطف، وهذا الغرض لا يتأتى إلا على مذهب العدل، وأما على مذهب الجبر فلا.
(وصوركم متوجه إلى البشر كلهم (فأحسن صوركم) معناه من الحسن الذي يقتضيه العقل لا في قبول الطبع له عند رؤيته، لان فيهم من ليس بهذه الصفة. وقال قوم: لا بل هو من تقبل الطبع لانه إذا قيل: حسن الصورة لا يفهم منه إلا تقبل الطبع، وسبيله كسيل قوله لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم) (1) وإن كان فيهم المشوه الخلق لان هذا عارض لا يعتد به في هذا الوصف، والله تعالى خلق الانسان على أحسن صورة الحيوان كله. والصورة عبارة عن بنية مخصوصة كصورة الانسان والفرس والطير وما أشبه ذلك.
ثم قال (واليه المصير) يعني اليه المرجع يوم القيامة واليه المآل. ثم قال (يعلم)
يعني الله تعالى بعلم (ما في السموات والارض) من الموجودات (ويعلم ما تسرون وما تعلنون) أي ما تظهرونه وما تخفونه. وقيل: ما يسره بعضكم إلى بعض وما تخفوه في صدوركم عن غيركم. والفرق بين الاسرار والاخفاء أن الاخفاء أعم لانه قد يخفى شخصه وقد يخفى المعنى في نفسه والاسرار والمعنى دون الشخص (والله عليم بذات الصدور) معناه وهو عالم باسرار الصدور وبواطنها.
ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين فقال (ألم يأتكم نبؤ الذين كفروا من قبل)
يعني من قبل هؤلاء الكفار (فذاقوا وبال أمرهم) أي بما سلطه الله عليهم بأن أهلكهم الله عاجلا واستأصلهم (ولهم عذاب اليم) أي مؤلم يوم القيامة.
قوله تعالى:
(ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 95 التين آية 4 (*)


===============
(20)
أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد (6) زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبئون بما عملتم وذلك على الله يسير (7) فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيآته ويدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير) (10) خمس آيات.
قرأ رويس عن يعقوب (نجمعكم) بالنون على الاخبار من الله عن نفسه.
الباقون بالياء على تقدير يوم يجمعكم الله.
(أبشر) لفظه لفظ الواحد والمراد به الجمع بدلالة قوله (يهدوننا) لانه على طريق الجنس الذي لا يجمع ولا يثنى.
لما قرر الله تعالى خلقه بأنهم جاءهم اخبار من مضى من الكفار وأن الله تعالى أهلكهم بكفرهم، بين لم أهلكهم فقال (ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم)
أي تجيئهم رسلهم من الله بالحجج الواضحات (فقالوا) لهم (أبشر يهدوننا) وقد بينا أن لفظ (بشر) واحد والمراد به الجمع، ومعناه أخلق مثلنا يهدوننا إلى الحق؟ ! متعجبين من ذلك مستهزئين به (فكفروا) بالله وجحدوا رسله (وتولوا) أي اعرضوا عن القبول منهم (واستغنى الله) ومعناه أن الله لم يدعهم إلى عبادته لحاجته اليهم، لان الله تعالى غني عنهم وعن غيرهم، وإنما دعاهم لما يعود عليهم بالنفع حسب


===============
(21)
ماتقتضيه حكمته في تدبيرهم (والله غني) عن جميع خلقه (حميد) على جميع افعاله لانها كلها إحسان. وقيل (حميد) يدل على أنه يجب على عباده أن يحمدوه.
ثم حكى ما يقول الكفار فقال (زعم الذين كفروا بالله) وجحدوا رسله فقال المؤرج: (زعم) معناه كذب في لغة حمير. وقال شريح (زعم) كنية الكذب والحدة كنية الجهل (أن لن يبعثوا) أي لا يحشرهم الله في المستقبل للحساب والجزاء ف (قل) لهم يامحمد (صلى الله عليه وآله) (بلى وربي) أي وحق ربي، على وجه القسم (لتبعثن)
أي لتحشرن (ثم لتنبؤن) أي لتخبرن (بما عملتم) من طاعة ومعصية (وذلك على الله يسير) سهل لا يتعذر عليه ذلك، وإن كثروا وعظموا فهو كالقليل الذي لا يشق على من يأخذه لخفة أمره، ومثله قوله (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) (1) واصله من تيسير الشئ بمروره على سهولة.
ثم قال (فآمنوا بالله) معاشر العقلاء (ورسوله) أي وآمنوا برسوله (النور الذي أنزلنا) يعني القرآن، سماه نورا لما فيه من الادلة والحجج الموصلة إلى الحق فشبهه بالنور الذي يهتدى به على الطريق (والله بما تعملون خبير) أي عالم بأعمالكم لا يخفى عليه خافية منها.
وقوله (يوم يجمعكم) تقديره واذكروا يوم يجمعكم (ليوم الجمع) وهو يوم القيامة. وقوله (ذلك يوم التغابن) والتغابن هو التفاوت في اخذ الشئ بدون القيمة، والذين اخذوا الدنيا بالاخرة بهذه الصفة في أنهم اخذوا الشئ بدون القبمة، فقد غبنوا أنفسهم بأخذ النعيم المنقطع بالدائم واغبنهم الذين اشتروا الاخرة بترك الدنيا المنقطع اليها من هؤلاء الذين تغابنوا عليها، وقال مجاهد وقتادة: يوم التغابن غبن أهل الجنة أهل النار.
ثم قال (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا) أي من يصدق بالله ويعترف

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 31 لقمان آية 28 (*)


===============
(22)
بوحدانيته وإخلاص العبادة له ويقر بنبوة نبيه ويضيف إلى ذلك افعال الطاعات (يكفر عنه سيئآته) أي يكفر عنه سيئاته التي هي دونها، ويتفضل عليه باسقاط عقاب ما دونها من المعاصي (ويدخله جنات تجري من تحتها الانهار) يعني بساتين تجرى من تحت أشجارها الانهار (خالدين فيها) أي مؤبدين لا يفنى ماهم فيه من النعيم أبدا (ذلك الفوز العظيم) أي النجاح الذي ليس وراءه شئ من عظمه.
ثم قال (والذين كفروا) بالله وجحدوا وحدانيته وأنكروا نبوة نبيه وكذبوا بمعجزاته التي هي آيات الله (أولئك اصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير)
أي بئس المآل والمرجع. وقرأ (نكفر، وندخله) بالنون أهل المدينة واهل الشام على وجه الاخبار من الله تعالى عن نفسه. الباقون بالياء على تقدير يكفر الله عنهم ويدخلهم.
قوله تعالى:
(ما أصاب من مصيبة إلا باذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شئ عليم (11) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فان توليتم فانما على رسولنا البلاغ المبين (12) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فان الله غفور رحيم (14) إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) (15) خمس آيات.
يقول الله تعالى مخاطبا لخلقه انه ليس يصيبكم مصيبة إلا باذن الله. والمصيبة


===============
(23)
المضرة التي تلحق صاحبها كالرمية التي تصيبه. ومنه الصواب بأنه أصابه الحق كالرمية في اصابة البغية. وقيل: إنما عمم قوله (مااصاب من مصيبة إلا باذن الله)
وفي المصائب ما هو ظلم، والله لا يأذن في الظلم، لانه لا يحسن في الحكمة، الا ترى انه ليس منها إلا ما أذن الله في وقوعه او التمكن منه وذلك أذن للملك الموكل به كأنه قبل له لا تمنع من وقوع هذه المصيبة. وقد يكون ذلك بفعل التمكن من الله كأنه يأذن له ان يكون. وقال البلخي: معناه إلا بتخلية الله بينكم وبين من يريد فعلها. وقال قوم: هو خاص فيما يفعله الله تعالى او يأمر به، ويجوز ايضا ان يكون المراد بالاذن - ههنا - العلم، فكأنه قال لا يصيبكم من مصيبة إلا والله تعالى عالم بهاه ثم قال (ومن يؤمن بالله) أي من يصدق بالله ويعترف بواحدانيته (يهد قلبه)
أي يحكم بهدايته. ويجوز ان يكون المراد يشرح صدره للايمان. وقيل: معناه يهدي قلبه بأن المصيبة باذن الله ذكره ابن عباس وعلقمة - قال هو الرجل تصيبه المصيبة فيسلم ويرضى ويعلم أنها من عند الله، وقال الفراء: هو أن يقول: إنا لله وإنا اليه راجعون، وقال غيره: معناه إذا ابتلي صبر، وإذا انعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر.
وقرأ ابوبكر (يهد قلبه) - بفتح الدال - بمعنى يسكن قلبه (والله بكل شئ عليم) لا يخفى عليه شئ من ذلك. ثم أمرهم فقال (واطيعوا الله) فيما أمركم به (واطيعوا الرسول) فيما أمركم به ونهاكم عنه (فان توليتم) أي فان أعرضتم عن القبول منه وتوليتم عن الحق فليس على رسولنا قهركم إلى الرد إلى الحق (فانما على الرسول البلاغ المبين) الظاهر، وحذف ايجازا ثم قال (الله) الذي يحق له العبادة (لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون) فالتوكل هو تفويض الامر إلى الله بأنه يتولاه على الحق فيه وقد أمر الله بالتوكل عليه فينبغي للمسلم أن يستشعر


===============
(24)
ذلك في سائر احواله وقال قوم: التوكل تفويض الامر إلى مالكه لتدبره بالحق فيه. والوكيل المالك للتدبير فيمن فوض الامر اليه فيه.
ثم خاطب تعالى المؤمنين فقال (يا ايها الذين آمنوا إن من أزواجكم واولادكم عدوا لكم فاحذروهم) قال ابن عباس: نزلت الاية في قوم اسلموا بمكة وأرادوا الهجرة فمنعوهم من ذلك، وقال عطاء بن بشار: نزلت في قوم أرادوا البر فمنعهم هؤلاء. وقال مجاهد: هي في قوم إذا أرادوا طاعة الله منعهم أزواجهم واولادهم فبين الله تعالى أن في هؤلاء من هو عدولكم في الدين فاحذروهم فيه. و (من)
دخلت لتبعيض لانه ليس حكم جميع الازواج والاولاد هذا الحكم. والعداوة المباعدة من الخير بالبغضة ونقيضها الولاية وهي المقاربة من الخير بالمحبة. والاذن الاطلاق في الفعل، تقول: يسمع بالاذن، فهذا أصله، ثم قد يتسع فيه بما يقارب هذا المعنى.
ثم قال (وإن تعفوا) يعني تتركوا عقابهم (وتصفحوا) وتعرضوا عما كان منهم (وتغفروا) أي تستروا ذنوبهم إذا تابوا واقلعوا عنها (فان الله غفور)
أي ستار على خلقه (رحيم) بهم.
ثم قال (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) اي محنة وابتلاء. وقال قتادة:
يعني بلاء. والفتنة المحنة التي فيها مشقة تمنع النفس عما تدعو اليه الشهوة (والله عنده أجر عظيم) أي ثواب جزيل على الصفح والعفو وغيرهما من الطاعات.
قوله تعالى:
(فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لا نفسكم ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون (16) إن


===============
(25)
تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفرلكم والله شكور حليم (17)
عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم) (18) ثلاث آيات.
هذا أمر من الله تعالى للمكلفين يأمرهم بأن يتقوه بأن يتركوا معاصيه ويفعلوا طاعاته. فالاتقاء الامتناع من الردى باجتناب ما يدعو اليه الهوى. يقال: اتقاه بالترس إذا امتنع منه بأن جعله حاجزا بينه وبينه. وقوله (ما ستطعتم) معناه اتقوه بحسب طاقتكم، فان الله تعالى لا يكلف نفسا ما لا تطيقه، وإنما يكلفها ماتسعه له، ولا ينافي هذا قوله (اتقوا الله حق تقاته) (1) لان كل واحد من الامرين إنما هو إلزام ترك جميع معاصيه فمن ترك جميع المعاصي فقد اتقى عقاب الله، لان من لم يفعل قبيحا ولا أخل بواجب فلا عقاب عليه إلا أن في احد الكلامين تبيين أن التكليف لا يلزم العبد إلا فيما يطيق. وهذا يقتضي أن اتقاءه فيما وقع من القبيح ليس بأن لا يكون وقع وإنما هو بالندم عليه مع العزم على ترك معاودته. وكل أمر يأمر الله به فلا بد من أن يكون مشروطا بالاستطاعة، فان كانت الاستطاعة غير باقية على مذهب من يقول بذلك، فالامر بما يفعل في الثالث. وما بعده مشروط بأن يفعل له إستطاعة قبل الفعل بوقت وإلا لا يكون مأمورا بالفعل، وإن كانت ثابتة فالامر على صفة الاستطاعة، لانه لا يصح الشرط بالموجود، لان الشرط يحدث، فليس يخلو من ان يكون على شريطة وقوع القدرة او على صفة وجود القدرة وقال قتادة قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) ناسخ لقوله (اتقوا الله حق تقاته)
كأنه يذهب إلى أن فيه رخصة لحال التقية وما جرى مجراها ممايعظم فيه المشقة

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 3 آل عمران آية 102 (ج 10 م 4 من التبيان) (*)


===============
(26)
وإن كانت معه القدرة على الحقيقة. وقال غيره: ليس بناسخ، وإنما هو مبين لا مكان العمل بهما جميعا. وهو الصحيح، لان تقديره: اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم قوله (واسمعوا) أي اصغوا إلى ما يأمركم الله به (واطيعوا) فيما آمركم به (وانفقوا) فيما أمركم بالانفاق فيه من الزكاة والانفاق فيه سبيل الله وغير ذلك (خيرا لا نفسكم) انتصب (خيرا) بفعل محذوف يدل عليه (انفقوا) وتقديره وأنفقوا الانفاق خيرا لا نفسكم، ومثله انتهوا خيرالكم، وهو كقولهم: وذاك أوسع لك لانك إذا أمرته بشئ فهو مضمن بأن يأتي خيرا له.
وقوله (ومن يوق شح نفسه) أي من منع ووقى شح نفسه. والشح منع الواجب في الشرع. وقيل: الشح منع النفع على مخالفة العقل لمشقة البذل، ومثله البخل يقال: شح يشح شحا فهو شحيح وشحاح. وقال ابن مسعود: من الشح أن تعمد إلى مال غيرك فتأكله.
وقوله (فاولئك هم المفلحون) معنان إن من وقى شح نفسه وفعل ما اوجبه الله عليه فهو من جملة المنجحين الفائزين بثواب الله. وقوله (إن تقرضوا الله قرضا حسنا) والقرض أخذ قطعة من المال بتمليك الاخذ له على رد مثله وأصله القطع: من قرض الشئ يقرضه قرضا إذا قطع منه قطعة. وذكر القرض في صفة الله تلطفا في الاستدعاء إلى الانفاق في سبيل الله، وهو كالقرض في مثله مع اضعافه ولا يجوز أن يملك الله - عزوجل - لانه مالك للاشياء من غير تمليك ولان المالك لا يملك ما هو مالكه. وقوله (يضاعفه لكم) أي يضاعف ثوابه لكم بامثاله. ومن قرأ (يضعفه) بالتشديد، فلان الله تعالى بذل بالواحد عشرة إلى سبعين وسبعمائة (ويغفر لكم) أي ويستر عليكم ذنوبكم ولا يفضحكم بها (إن الله شكور حليم)
أي يجازي على الشكر (حليم) لا يعاجل العباد بما يستحقونه من العقاب. وقوله


===============
(27)
(عالم الغيب والشهادة) أي يعلم السر والعلانية وهو (العزيز) الذي لا يغالب (الحكيم، في جميع افعاله و (الشكور) في صفة الله مجاز ومعناه إنه يعامل المطيع في حسن الجزاء معاملة الشاكر و (الحلم) ترك المعاجلة بالعقوبة لداعي الحكمة.
و (الغيب) كون الشئ بحيث لا يشاهده العبد. و (الغائب) نقيض الشاهد وهو (الحكيم) في جميع أفعاله.
وقرأ (يضعفه) بالتشديد ابن كثير وابن عامر. الباقون (يضاعفه) وقد مضى تفسيره.
65 - سورة الطلاق مدنية في قول ابن عباس وعطاء والضحاك وغيرهم وهي اثنتا عشرة آية في الكوفي والمدنيين وعشر في البصري.
بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1) فاذا


===============
(28)
بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف و أشهدوا ذوي عدل منكم وأقموا الشهادة الله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الاخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا (3) واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (4) ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيآته ويعظم له أجرا) (5) خمس آيات.
قرأ حفص عن عاصم ونافع (بالغ أمره) على الاضافة. الباقون (بالغ) منون (أمره) منصوب. وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى. وقيل: إنه إذا نون معناه انه تعالى بالغ مراده، وإذا اضيف فمعناه أن امره تعالى يبلغ، فيكون اضافة إلى الفاعل.
يقول الله تعالى مخاطبا لنبيه والمراد به أمته (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء)
ومعناه إذا أردتم طلاق النساء، كما قال (إذا قمتم إلى الصلاة) (1) وروي عن ابن عباس انه قال: نزل القرآن باياك أعني واسمعي يا جارة، فيكون الخطاب للنبي والمراد به الامة من ذلك. وقال قوم: تقديره يا أيها النبي قل لامتك إذا طلقتم

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة آية 7 (*)


===============
(29)
النساء، فعلى هذا القول: النبي يكون خارجا من الحكم. وقال آخرون: هو على خطاب الرئيس الذي يدخل فيه الاتباع، فعلى هذا حكم النبي حكم أمته في هذا الحكم وأجمعت الامة على أن حكم النبي حكم الامة في الطلاق. والطلاق في الشرع عبارة عن تخلية المرأة بحل عقدة من عقد النكاح بأن يقول: أنت طالق يخاطبها او يقول هذه طالق ويشير اليها أو فلانة طالق بنت فلان. وعندنا لا يقع الطلاق إلا بهذا اللفظ المخصوص، ولا يقع بشئ من الكنايات طلاق أراد بها الطلاق أو لم يرد.
وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. واما الفراق فقد يحصل بغير الطلاق، كالارتداد واللعان والخلع - عند كثير من أصحابنا - وإن لم يسم ذلك طلاقا. وأما فسخ النكاح بالرد بالعيب. فقد يحصل بأشياء ولا يسمى طلاقا. ومن شرط وقوع الطلاق - عندنا - أن تكون المراة طاهرا طهرا لم يقر بها فيه بجماع بمحضر من شاهدين، ويقصد به ايقاع الطلاق، ويتلفظ بما قدمناه، فحينئذ يقع طلاقه تطليقة واحدة وهو أملك برجوعها ما لم تخرج من العدة. فان خرجت قبل ان يراجعها كان كواحد من الخطاب. ومتى تلفظ بثلاث تطليقات، فان كانت المرأة طاهرا مع باقي الشروط وقعت واحدة. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. وقالوا: يقع الثلاث. ثم اختلفوا فقال الشافعي، ومن وافقه: ويكون ذلك مسنونا. وقال اهل العراق: المسنون ان يطلقها طلقة واحدة بلفظ واحد، ومتى اوقع ثنتين او ثلاثا وقع. وأما غير المدخول بها فعند جميعهم يقع الثلاث، ولاعدة عليها، وعندنا لا يقع إلا واحدة، وفي أصحابنا من يقول: من تلفظ بالثلاث لا يقع شئ، والاعتماد على ما قلناه أولا، ومتى طلقها ثلاثا أو واحدة، وهي حائض وكان قد دخل بها ولا يكون غائبا عنها شهرا فصاعدا لا يقع عندنا شئ اصلا. وقال جميع الفقهاء: هو بدعة.
وتبين المرأة بذلك.


===============
(30)
وقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) معناه أن يطلقها وهي طاهر من غير جماع ويستوفي باقي الشروط. وقال ابن عباس: هو أن يطلقها طاهرا من غير جماع.
وبه قال مجاهد والحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي، فعلى هذا متى طلقها في الحيض فلا يقع طلاقها، لانه خلاف المأمور به، وهو منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه وعند الفقهاء إنه يقع الطلاق، وإن كان بدعة.
ثم قال (واحصوا العدة) فالعدة قعود المرأة عن الزواج حتى تنقضي المده المرتبة في الشريعة، وعدة المرأة على ضروب:
احدها - عدة التي لم تبلغ المحيض، ومثلها لا تحيض، وهي التي لم تبلغ تسع سنين، فهذه لا عدة عليها - عند اكثر اصحابنا - وفيهم من قال عدتها بالشهور، وبه قال باقي الفقهاء. وعدة التي لا تحيض ومثلها تحيض ثلاثة اشهر بلا خلاف.
وعدة التي تحيض ثلاثة أقراء وهي الاطهار - عندنا وعند كثير من الفقهاء - وعند قوم انها الحيض.
وعدة التي ارتفع حيضها ومثلها تحيض ثلاثة اشهر بلا خلاف. وقد حد ذلك أصحابنا بأن يكون سنها أقل من خمسين سنة.
وعدة الايسة من المحيض ومثلها لا تحيض، فلا عدة عليها - عند اكثر اصحابنا - وقال قوم: عدتها بالاشهر، وحد ذلك أصحابنا بأن يزيد سنها على خمسين سنة، والقرشية حدوها بستين سنة فصاعدا.
وعدة الحامل وضع ما في بطنها إذا كانت عدة الطلاق، فان كانت عدة الوفاة فأبعد الاجلين من وضع الحمل او مضي أربعة اشهر وعشرة أيام. وهو مذهب علي (عليه السلام) وابن عباس. وقال الفقهاء عدة المتوفى عنها زوجها وضع ما في بطنها وقوله (واحصوا العدة) يعني مدة زمان العدة.


===============
(31)
ثم قال (واتقوا الله ربكم) بان لا ترتكبوا المعاصي (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن) يعني زمان العدة، لانه لا يجوز إخراجها من بيتها - وعندنا وعند جميع الفقهاء - يجب عليه السكنى والنفقة والسكوة إذا كانت المطلقة رجعية، فان كانت بائنا فلا نفقة لها ولا سكنى. وقال الشافعي: فلا نفقة لها ولا سكنى إذا كانت بائنا. وقال أهل العراق: لها السكنى والنفقة.
وقوله (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) من فتح الياء أراد فاحشة أظهرت.
ومن خفض الياء أراد بفاحشة ظاهرة. وقال عطاء والضحاك وقتادة: لا يجوز ان تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها إلا عند الفاحشة. وقال الحسن وعامر والشعبي ومجاهد وابن زيد: الفاحشة - ههنا - الزنا تخرج لاقامة الحد. قال ابن عباس:
الفاحشة النداء على أهلها، وهو المروي عن ابي جعفر وابي عبدالله (عليهما السلام) وقال قتادة:
الفاحشة هو النشوز. وقال ابن عمر: هو خروجها قبل انقضاء العدة - وفي رواية عن ابن عباس - ان كل معصية لله ظاهرة فهي فاحشة.
وقوله (وتلك حدود لله) يعني ما تقدم ذكره من كيفية الطلاق والعدة وترك إخراجها عن بيتها إلا عند فاحشة حدود الله، فالحدود نهايات تمنع أن يدخل في الشئ ما ليس منه او يخرج منه ما هو منه، فقد بين الله بالامر والنهي الحدود في الطاعات والمعصية بما ليس لاحد ان يدخل في شئ من ذلك ما ليس منه او يخرج عنه ما هو منه.
وقوله تعالى (ومن يتعد حدود الله) معناه من يجاوز حدود الله بأن يخرج عن طاعته إلى معصيته، فقد تعدى حدا من حدود الله وكذلك من دخل في معصية، فقد خرج عن الطاعة. وليس كل من دخل في طاعة فقد خرج اليها عن معصية، لانها قد تكون نافلة. ثم بين تعالى فقال: ومن يجاوز حدود الله


===============
(32)
(فقد ظلم نفسه) بأن فعل ما يستحق معه العقاب ويحرم معه الثواب وقوله (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) قال قوم: معناه لا تدري لعل الله يغير رأي الزوج في محبة الطلاق، فتكون مطلقة على ما أمر الله به ويملك الرجعة فيما بين والواحدة والثانية وما بين الثانية والثالثة. وقال الضحاك والسدي وابن زيد (لعل الله يحدث بعد ذلك امرا) يعني الرجعة في العدة. وقيل معناه (لعل الله يحدث بعد ذلك) شهوة المراجعة.
وقوله (فاذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف) معناه فاذا قاربن أجلهن الذي هو الخروج عن عدتهن، لانه لا يجوز ان يكون المراد فاذا انقضى أجلهن، لانه عند انقضاء اجلهن لا يملك رجعتها. وقد ملكت نفسها وقد بانت منه بواحدة.
ثم تتزوج من شاءت هو او غيره. وإنما المعنى إذا قاربن الخروج من عدتهن فامسكوهن بأن تراجعوهن بمعروف بما يجب لها من النفقة والكسوة والمسكن وحسن الصحبة (أو قارقوهن بمعروف) بأن تتركوهن حتى يخرجن من العدة.
وقوله (واشهدوا ذوي عدل منكم) فعند أصحابنا أن الاشهاد شرط في وقوع الطلاق، لان ظاهر الامر بذلك يقتضيه. والامر عندنا على الوجوب.
وقال قوم: إن ذلك راجع إلى الرجعة، وتقديره واشهدوا على الامساك إن أمسكتم ذوي عدل منكم وهو الرجعة - في قول ابن عباس. وقال الشافعي:
الاشهاد على الرجعة أولى. ويجوز عند اكثرهم بغير إشهاد، وإنما ذكر الله الاشهاد كما ذكر في قوله (واشهدوا إذا تبايعتم) (1) وهو على الندب، وهذا ترك الظاهر ومتى حملنا الاشهاد على الفراق، وهو الطلاق حملناه على ظاهره من الوجوب وجعلناه

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 282 (*)


===============
(33)
شرطا في وقوع الطلاق. ثم قال (واقيموا الشهادة لله) إذا طولبتم باقامتها (ذلكم)
معاشر المكلفين (يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الاخر) فالوعظ معنى يدعو إلى الحق بالترغيب والترهيب. وإنما اضاف الوعظ إلى من يؤمن بالله واليوم الاخر دون غيره، لانه الذي ينتفع به دون الكافر الجاحد لذلك، فالطاعة الواجبة فيها وعظ بالترغيب فيها باستحقاق الثواب وفي تركها بالعقاب. والمندوبة فيها وعظ باستحقاق المدح والثواب على فعلها والمعاصي فيها وعظ بالزجر عنها والتخويف من فعلها باستحقاق العقاب والذم على فعلها والترغيب في تركها بما يستحق على الاخلال به من الثواب.
ثم قال (ومن يتق الله) يعني باجتناب معاصيه (يجعل له مخرجا) من عقابه (ويرزقه من حيث لا يحتسب) أى من حيث لا يتوقعه ولا يظنه (ومن يتوكل على الله) أى من اسند أمره إلى الله ووثق بحكمه وسكن إلى رحمته (فهو حسبه) أى كافيه جميع ذلك (إن الله بالغ أمره) أى يبلغ ما يريد ويشاء من أمره وتدبيره (قد جعل الله لكل شئ قدرا) أى قدر الله لكل شئ مقدارا واجلا، لا زيادة فيه ولا نقصان.
ثم بين كيفية العدد باختلاف احوال النساء، فقال (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهم ثلاثة اشهر) يعني ان اليائسة من المحيض إذا كانت ترتاب بنفسها ولا تدري أرتفع حيضها لكبر او عارض (فعدتها ثلاثة اشهر)
وهي التي قلنا اولا أن مثلها تحيض، لانها لو كانت في سن من لا تحيض لم يكن لريبتها معنى. وقال الزهري وعكرمة وقتادة (إن ارتبتم) فلم تدروا: للكبر او لدم الاستحاضة، فالعدة ثلاثة اشهر. وقال قوم: ان ارتبتم فلم تدروا الحكم في ذلك فعدتهن ثلاثة اشهر.
(ج 10 م 5 من التبيان)


===============
(34)
وقوله (واللائي لم يحضن) تقديره واللائي لم يحضن إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة اشهر، وحذف لدلالة الكلام الاول عليه والكلام فيها كالكلام في اليائسة.
وقال قتادة: اللائي يئسن الكبار، واللائي لم يحضن الصغار.
ثم قال (واولات الاحمال أجلهن ان يضعن حملهن) بين ان عدة الحامل من الطلاق وضع الحمل الذي معها، فان وضعت عقيب الطلاق فقد ملكت نفسها.
ويجوز لها أن تعقد لغيره على نفسها، غير أنه لا يجوز له وطؤها، لان نفاسها كالحيض سواء، وإذا طهرت من نفاسها حل له ذلك، فان كانت حاملا باثنين ووضعت واحدا لم تحل للازواج حتى تضع جميل الحمل، لقوله تعالى (أن يضعن حملهن) فاما انقطاع الرجعة، فقد روى أصحابنا أنها إذا وضعت واحدا انقطعت عصمتها من الاول، ولا يجوز لها العقد بغيره حتى تضع الاخر. فاما إذا توفى عنها زوجها، فعدتها - عندنا - أبعد الاجلين إن وضعت قبل الاربعة أشهر وعشر استوفت اربعة اشهر وعشرة أيام، وإن مضى بها أربعة اشهر وعشر ولم تضع انتظرت وضع الحمل. وقال ابن عباس: الاية في المطلقة خاصة، كما قلناه. وقال ابن مسعود وابي بن كعب وقتادة والسدي واكثر الفقهاء: إن حكم المطلقة والمتوفى عنها زوجها واحد في أنها متى وضعت حلت للازواج. والذي اخترناه هو مذهب علي (عليه السلام).
ثم قال (ومن يتق الله) باجتناب معاصيه (يجعل له من أمره يسرا)
يعني سهولة في أموره ولا يعسر عليه أمره.
وقوله (ذلك أمر الله أنزله اليكم) يعني حكم الطلاق والرجعة والعدة فيما أنزله الله وحكم به وأمركم بالعمل به.
ثم قال (ومن يتق الله) باجتناب معاصيه وفعل طاعاته (يكفر عنه شيئاته)
لتي هي دونها ويتفضل عليه باسقاط عقابها (ويعظم له اجرا) على ذلك يعني ثوابه


===============
(35)
ونعيمه في الجنة.
قوله تعالى:
(أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وائتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسر تم فستر ضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتيه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتيها سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا (8)
فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله ياأولي الالباب ألذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا) (10)
خمس آيات في الكوفي والبصرى والمدني الاخير: وست آيات في المدني الاول. عدوا (ياأولى الالباب) رأس آية.
قرأ (من وجدكم) بكسر الواو، روح. الباقون بضمها، و هما لغتان.
وحكى الفراء - فتح الواو - لغة ولم يحك الكسر. وحكى الزجاج: الكسرة ولم يحك بالفتحة. وقرأ ابن كثير (وكاين) خفيفة على وزن (كاهن) الباقون


===============
(36)
(كأين) مشددة الياء، والاصل (أى) إلا انه حذف للتضعيف، كما يحذف من رب، وقدمت الياء وأخرت الهمزة نحو شاك وشائك. ثم قلبت الياء ألفا، لانها في موضع حركة وقبلها فتحة نحو: رمي، وإنما احتمل هذا التغيير للعدول به عن معنى الاستفهام إلى معنى (كم) في التكثير على وجه الابهام. وقال قوم: في (كأين)
لغتان (كأين) مشددة الياء و (كاين) على وزن (قايل) وقد قرأ بهما. وحكي ان أهل الحجاز يقولون: بكاين تبيع هذا الثوب. أي بكم تبيعه.
يقول: الله تعالى مخاطبا لمن طلق زوجته يأمره أن يسكنها حيث يسكنه، وقد بينا أن السكني والنفقة يجب للرجعية بلا خلاف. فاما البائنة فلا سكنى لها ولا نفقة - عندنا - وهذا مذهب الحسن. وقد روت فاطمة بنت قيس عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: لانفقة للمبتوتة. وقال الشافعي ومالك لها السكنى والنفقة وهو قول معاوية وابن مسعود وعمر بن الخطاب.
وقوله (من وجدكم) قال السدي معناه من ملككم. وقال ابن زيد: هو إذا قال صاحب المسكن لا أترك هذه في بيتي فليس من وجده. ويجوز له حينئذ أن ينقلها إلى غيره، والوجد ملك ما يجده المالك، وذلك أنه قد يملك المالك ما يغيب عنه. وقد يملك ما هو حاضر له، فذلك وجده، يقال: وجدت في المال وجدا ووجدة، ووجدت الضالة وجدانا، ووجدت الرجل صالحا وجودا.
وقوله (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) معناه لا تدخلوا الضرر عليهن بالتقصير في النفقة والسكنى والكسوة وحسن العشرة لتضيقوا عليهن في السكنى والنفقة، وأمر بالسعة. والمضارة المعاملة بما يطلب به ايقاع الضرر والمضارة المعاملة بما يطلب به إيقاع الضرر بصاحبه. وقد تكون المضارة من واحد كما يقال: طارقت النعل، وعافاه الله، ويمكن أن يكون من كل واحد منهما لصاحبه. والتضيق تقليل

===============
(37)
ما يحتاج إلى التصرف فيه عن مقدار الكفاية. وقد يكون التضييق في الرزق وفى المكان وفى الامر. و (ان كن) يعني النساء المطلقات (أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) أمر من الله تعالى بالانفاق على الحامل المطلقة سواء كانت رجعية او مبتوتة، ولا خلاف في ذلك، وإنما يجب ان ينفق عليها بسبب ما في بطنها، وإنما تسقط نفقتها بالوضع. والحمل - بفتح الحاء - يكون على الظهر وفى البطن، ويقال للعدل - الحمل - بكسر الحاء.
وقوله (فان ارضعن لكم فآتوهن اجورهن) أمر من الله تعالى بأن الام المطلقة متى ولدت ورغبت في رضاع ولدها، كان على الاب أجرة الرضاع أجرة المثل، فان رضيت الاجنبية بشئ معلوم لاجرة الرضاع ورضيت بمثله الام كانت الام أولى، وإن لم ترض الام بذلك القدر كان للاب تسليمه إلى الا جنبية، وان كان الولد لا يقبل إلا لبن الام أجبرت عليه. وإلا أدى إلى هلاك الولد.
والرضاع سقي المرأة من لبنها للولد. ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله) (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) يعني ان المرضعة تصير بمنزلة الام، وأمها بمنزلة الجدة واختها خالة، وبنتها اختا وابنها اخا، وهكذا سائر المحرمات.
وقوله (واتمروا بينكم بمعروف) فالا ئتمار أمر كل واحد لصاحبه بفعل من الافعال كالائتمار بالمعروف الذي يصطلحان عليه.
وقوله (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) خطاب للرجل ولزوجته المطلقة أنهما متى اختلفا في رضاع الصبي واجرته أرضعته امرأة اخرى فالتعاسر التمانع يتعذر من الامر كالتمانع بما يتعسر به رضاع الام، فمتى كان كذلك فالحكم فيه أن ترضعه امرأة اخرى ثم امر تعالى فقال (لينفق ذو سعة من سعته...) ومعناه ان كل انسان يجب عليه النفقة بحسب حاله فالغنى ينبغي ان يوسع في النفقة والفقير بحسب حاله.

===============
(38)
وقوله (ومن قدر عليه زرقه) معناه من ضيق عليه، لانه أتى على مقدار البلغة التي تضيق عن غيره، فمن هذه صورته (فلينفق مما آتاه الله) على حسب امكانه وطاقته (لايكلف الله نفسا إلا ما آتاها) يعني إلا بقدر ما أعطاها من الطافة.
وفي ذلك دلالة على انه تعالى لايكلف أحدا مالا يقدر عليه ولا يطيفه.
ثم قال (سيجعل الله بعد عسر يسرا) أي سيفعل الله بعد شدة سهولة، فاليسر اتيان الامر من غير مشفة، وهو سهولة الامر، وضده العسر، وهو صعوبة الامر.
وقوله (وكأين من قرية) معناه و (كم من قرية) على التكثير، لانه يخبر ب (كم) عن الكثرة (عتت عن امر ربها) والعتو الخروج إلى فاحش الفساد. والمعنى كم من أهل القرية كفروا بالله وتجبروا عن طاعته وخرجوا بذلك إلى افحش الفساد (ورسله) معناه عتوا عن امر الله وامر رسوله (فحاسبناها حسابا شديدا) فالحساب
الاعمال مقابلة مايستحق على الطاعة وبما يستحق على المعصية والحساب الشديد مقابلة ذلك من غير تجاوز عن صغيرة ولا عفو عن ذنب، وذلك أن الكافر يعاقب على كل صغيرة وكبيرة من حيث انه لاطاعة معه تكفر معاصيه. وقوله (وعذبناها عذابا نكرا) معناه عذبنا أهل تلك القرية العاتية عذابا نكرا، وهو الذي ينكره الطبع وتأباه النفوس لصعوبته وشدته. والامر النكر الذي ينكره العقل. وقوله (فذاقت وبال أمرها) فالوبال عاقبة السوء، أسند الفعل إلى القرية، فلذلك أنث قوله (فذاقت) ولو قال: (عتوا، عن أمر ربهم، وعذبناهم فذاقوا) على المعنى كان جائزا. والوبال ثقل العائد من الضر. وقيل: ان معنى نكر أنه متجاوز في الشدة لكل ماعرفوه في الدنيا من العقوبة (وكان عاقبة أمرها حسرا) أي وكان آخر أمر تلك القرية العاتية خسرا أي هلاك أنفسهم، وأصله هلاك رأس المال.
ثم بين مالهم في الاخرة، فقال (اعد الله لهم عذابا شديدا) من عذاب النار

===============
(39)
يعاقبهم به على طريق التأبيد موجعا شديد الالم (فاتقوا الله) يامعاشر العقلاء (يااولوا الالباب الذين آمنوا) يعني المؤمنين منهم، وخصهم بالذكر والخطاب، لانهم المنتفعون بذلك دون الكفار. وقوله تعالى (قد أنزل الله اليكم ذكرا) قال قوم: أراد بالذكر القرآن لانه سماه ذكرا في قوله (إنا نحن نزلنا الذكر) (1)
ذهب اليه السدي وابن زيد، فعلى هذا تقديره انزل الله اليكم ذكرا وارسل اليكم رسولا، وسماه ذكرا لانه يتذكر به ما يجب العمل به والانتهاء عنه. وقيل إن معنى الذكر الشرف كأنه قال: أنزل الله اليكم شرفا. وقيل: المراد بالذكر الرسول لقوله (فاسألوا أهل الذكر) (2) ذهب اليه الحسن، فعلى هذا يكون (رسولا) بدلا منه، وتقديره أنزل الله اليكم ذكرا هو رسوله. قال الزجاج: تقديره فأنزل الله اليك ان ذكر رسولا هو جبرائيل (عليه السلام).
قوله تعالى:
(رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) ألله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما) (12) آيتان.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 15 الحجر آية 9 (2) سورة 16 النحل آية 43 وسورة 21 الانبياء آية 7 (*)

===============
(40)
قرئ (ندخله) مدني وشامي على وجه الاخبار من الله تعالى عن نفسه.
الباقون بالياء بمعنى يدخل الله. والياء أشبه بما قبله.
قيل في انتصاب قوله (رسولا) وجهان:
احدهما - أن يكون بدلا من ذكر، وهو بدلا الاشتمال، ويكون الذكر القرآن، كأنه قال رسولا ذكرا.
الثاني - ان يكون الذكر بمعنى الشرف، فيكون الذكر هو الرسول، كما قال (وإنه لذكر لك ولقولك) (1)
وفيه وجه ثالث وهو أنه لما قال: انزل ذكرا دل على انه جعل رسولا، وكأنه قيل وبعث رسولا كما قال الشاعر:
يارب غير آيهن مع البلى * إلا رواكد جمرهن هباء
ومشجج اما سواء قذاله * فبدا وغيب ساره المغراء (2)
لانه لما قال: إلا رواكد دل على ان بها رواكد فحمل مشجج على المعنى.
وقال الزجاج: يحتمل ان يكون نصبا بذكر، كأنه قال ذكر رسول، بمعنى أن ذكرا رسولا، يكون ذكر مصدر، والذي انزل جبرائيل لقوله (نزل به الروح الامين) (4)
وقوله (يتلو عليكم) أي يقرأ عليكم آيات الله يعني دلائله وحججه مبينات أي واضحات في من يفتح الياء ومن كسرها أراد انها تبيين الايات والتلاوة.
من قولهم جاء فلان ثم تلاه فلان أي جاء بعده، ومنه قوله تعالى (ويتلوه شاهد منه) (3) أي يأتي بعده، فالتلاوة جعل كلمة بعد كلمة على ما وضعت عليه من المرتبة في اللغة. والقراءة جمع كلمة إلى كلمة بما يسمع من الحروف المفصلة، وهو قولهم

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 43 الزخرف آية 44 (2) قد مر في 2 / 125 (3) سورة 11 هود آية 7 1 (4) سورة 26 الشعراء آية 193 (*)

===============
(41)
قرأت النجوم إذا اجتمعت وظهرت، ويقولون: ما قرأت الناقة سلاقط أي ما جمعت رحمها على ولد. والبيا هو الادلة. وقيل: هو ما أبان المعنى للنفس بما يفصل من غيره، وهو من قولهم: أبان العضو من غيره إذا قطعه منه.
وقوله (ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات) يعني ظلمات الكفر إلى نور الايمان، وذلك يدل على فساد قول المجبرة: إن الله تعالى بعث الانبياء ليكفر بهم قوم ويؤمن آخرون. وإنما خص (الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
بالاخراج، لانهم الذين خرجوا بدعائهم من الكفر إلى الايمان. والنور - ههنا - نور الحق الذي يهدي إلى الرشد والجنة، كما يهدي نور الشمس إلى المواضع المقصودة والظلمة - ههنا - الباطل الذي يعود إلى الغي، كما يعود الظلام من مر فيه من غير دليل إلى الهلاك.
ثم قال (ومن يؤمن بالله) أي من يصدق بوحدانيته وإخلاص العبادة له (ويعمل صالحا) أي يعمل الاعمال الصالحات (يدخله جنات تجري من تحتها الانهار) جزاء على ذلك وثوابا عليه (خالدين فيها) نصب على الحال (أبدا)
أي مؤبدين لا آخر لنعيمهم (قد أحسن الله لهم رزقا) أي اجزل الله لهم ما ينتفعون به ولا يمنعون منه، فالرزق النفع الجاري في الحكم، فلما كان النفع للؤمنين في الجنة جاريا في حكم الله كان رزقا لهم منه.
وقوله (الله الذي خلق سبع سموات) اخبار من الله تعالى انه الذي انشأ سبع سموات (ومن الارض مثلهن) أي وخلق من الارض مثلهن في العدد لا في الكيفية، لان كيفية السماء مخالفة لكيفية الارض. والمثل ما سد مسد غيره فيما يرجع إلى ذاته.
(ج 10 م 6 من التبيان)

===============
(42)
وقوله (يتنزل الامر بينهن) معناه يتنزل الامر بالتدبير من الله بين السموات وبين الارضين، بحياة بعض وموت بعض، وغنى إنسان وفقر غيره، وسلامة حي وهلاك آخر، وتصريف الامور على الحكمة لا يكون إلا من قادر عالم وهو معنى قوله (لتعلموا ان الله على كل شئ قدير) فالقادر، هو من كان له مقدور يصح منه إيقاعه على بعض الوجوه كما ان السامع هو من له مسموع موجود والقدير عبارة عمن يجب أن يكون قادرا على ما يصح ان يكون مقدورا له ك (سميع)
يفيد أنه على صفة يجب ان يسمع لا جلها ما يصح ان يكون مسموعا.
وقوله (وإن الله قد أحاط بكل شئ علما) معناه إن معلوماته متميزة له بمنزلة ما قد أحاط به فلم يفته منه شئ، ومثله (ولا يحيطون به علما) (1) أي إنه ليس بمنزلة مايحضره العلم بمكانه، فيكون كأنه قد احاط به وقوله (ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء) (2) معناه ولا يحيطون بشئ من معلومه إلا بما شاء أن يضطرهم اليه أو يدلهم عليه، فهو تذكير بالنعمة أي لا ينالون هذه المنزلة إلا بمشيئة، ولولا ذللك لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا بما شاء، لكن لما دخل التذكير بالنعمة حسن من هذه الجهة وليس في القرآن آية تدل على أن الارضين سبع، غير هذه - ذكره الجبائي - وقوله (لتعلموا ان الله على كل شئ قدير) دليل على بطلان مذهب المجبرة في أن الله أراد من قوم أن يجهلوا كونه على هذه الصفة، لانه تعالى بين انه ذكر ما تقدم وصفه ليعلم المكلفون أجمعون (أن الله على كل شئ قدير وانه) تعالى قادر (قد أحاط بكل شئ علما) وعلى مذهب المجبرة إن الله تعالى أراد من جماعة الكفار خلاف ذلك وأراد منهم ان يجهلوه ويجهلوا صفاته وذلك خلاف الظاهر. وقوله (علما) نصب على المصدر ودل عليه قوله تعالى

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 20 طه آية 110 (2) سورة 2 البقرة آية 255 (*)

===============
(43)
(أحاط بكل شئ علما) كأنه قال: علم كل شئ علما.
66 - سورة التحريم مدنية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما وهي اثنتا عشرة آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله موليكم وهو العليم الحكيم (2) وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنباك هذا قال نبأني العليم الخبير (3) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فان الله هو موليه وجبريل وصالح المؤمنين والملئكة بعد ذلك ظهير (4) عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات

===============
(44)
وأبكارا) (5) خمس آيات.
قرأ اهل الكوفة (تظاهرا) خفيفة. الباقون بالتشديد، يعني (تتظاهرا)
فأدغم. ومن خفف حذف أحداهما. وقرأ الكسائي وحده (عرف بعضه) خفيفا وهي قراءة الحسن وابي عبدالرحمن، وكان أبوعبدالرحمن إذا قرأ إنسان بالتشديد خطأه. وقرأ ابن كثير (جبريل) بفتح الجيم وكسر الراء من غير همزة. وقرأ - بكسر الجيم والراء من غير همز - نافع وابوعمرو وابن عامر وحفص عن عاصم.
وقرأ بفتح الجيم والراء وكسر الهمزة مقصور على وزن (جحمرش) أبوبكر عن عاصم. وقرأ بفتح الجيم والراء مهموزة بين الراء والياء على وزن (خزعيل) حمزة والكسائي وقد بينا الوجه في ذلك في سورة البقرة. قال ابوعلي: جبريل - بكسر الجيم - بلا همزة على وزن (قنديل) وبفتح الجيم والراء والهمزة مع المد على وزن (عندليب) وبفتح الجيم والراء وكسر الهمزة على وزن (جحمرش) وليس في العربية على وزن (قنديل) بفتح القاف غير أنه جاء خارجا على أوزان العربية.
هذا خطاب من الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) وعتاب له على تحريم ما أباحه الله له وأحله له، ولا يدل على انه وقعت منه معصية، لان العتاب قد يكون على أمر قد يكون الاولى خلافه، كما يكون على ترك الواجب.
وقيل في سبب نزول قوله (يا ايها النبي) قولان:
احدهما - قال زيد بن أسلم ومسروق وقتادة والشعبي وابن زيد والضحاك:
ان النبي (صلى الله عليه وآله) حرم على نفسه مارية القبطية بيمين انه لا يقربها طلبا لمرضاة حفصة زوجته، لانها غارت عليه من أجلها، وقال الحسن: حرم رسول الله أم ولده إبراهيم، وهي مارية القبطية على نفسه فأسر بذلك إلى زوجته حفصة فأفضت به إلى

===============
(45)
عائشة وكانت حفصة بنت عمر قد زارت عائشة، فحلا بيتها، فوجه رسول الله إلى مارية القبطية، وكانت معه وجاءت حفصة فأسر اليها التحريم.
والقول الثاني - ما رواه عبدالله بن شداد بن الهلال: ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان شرب عند زينب شراب عسل كانت تصلحه له، فكان يطول مكثه عندها فكره ذلك عائشة وحفصة، فقالت له إنا نشم منك ريح المغافير، وهي بقلة متغيرة الرائحة - في قول المفسرين - وقال الزجاج: هي بقلة منتنة، فحرم النبي (صلى الله عليه وآله) شراب العسل الذي كان يشربه عند زوجته زينب بنت جحش. وقيل: ذكرت ذلك له حفصة، فحرمه النبي (صلى الله عليه وآله) على نفسه. ومن قال: انها نزلت بسبب مارية قال:
انه قال: هي علي حرام، فجعل الله فيه كفارة يمين - ذكره ابن عباس والحسن - ومن قال: إن التحريم كان في شراب كان يعجبه قال: إنه حلف على انه لا يشربه فعاتبه الله على تحريم ما أحل الله له.
والتحريم تبيين ان الشئ حرام لا يجوز، ونقيضه الحلال. والحرام هو القبيح الممنوع بالنهي عنه، والحلال الحسن المطلق بالاذن فيه. وعندنا أنه لا يلزم بقوله أنت علي حرام شئ، ووجوده كعدمه، وهو مذهب مسروق. وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. وإنما اوجب الله الكفارة، لانه (صلى الله عليه وآله) كان حلف ألا بقرب جاريته أو لا يشرب الشراب المذكور، فعاتبه الله على ذلك وأوجب عليه ان يكفر عن يمينه ويعود إلى استباحة ما كان يفعله. وبين أن التحريم لا يحصل إلا بأمر الله ونهيه، وليس يصير الشئ حراما بتحريم محرم، ولا باليمين على تركه، فلذلك قال (لم تحرم ماأحل الله لك).
وقوله (تبتغي مرضات أزواجك) معناه إنك تطلب رضاء أزواجك في تحريم ما أحله الله لك. فالا بتغاء الطلب، ومنه البغي طلب الاستعلاء بغير حق،

===============
(46)
والبغية معتمد الطلب والبغي الفاجرة لطلبها الفاحشة.
وقوله (والله غفور رحيم) معناه ارجع إلى الاولى والاليق، فان الله يرجع للتائب إلى التولي، لانه غفور رحيم.
وقوله (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) أي قد قدر الله تعالى ما تحلون به يمينكم إذا فعلتموه، وذلك يدل على انه (صلى الله عليه وآله) كان حلف دون ان يكون قال: هي علي حرام، لان ذلك ليس بيمين - عند اكثر الفقهاء - وقال الحسن: فرض الله تحلة اليمين في الكفارة للؤمنين. فأما النبي (صلى الله عليه وآله) فلا كفارة عليه، لان الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وتحلة اليمين هو فعل ما يسقط تبعته في اليمين إما بكفارة او بتناول شئ من المحلوف عليه، فمن حلف ألا يأكل من هذا الطعام، فمتي أكله حنث، ولزمته كفارة، وينحل اليمين بها، ومن حلف أنه يأكل من هذا الطعام وأكل منه شيئا قليلا فقد انحلت يمينه، فلذلك سمي تحلة اليمين.
وقوله (والله مولاكم) معناه الله ناصركم، وهو أولى بكم منكم بأنفسكم، ومن كل احد (وهو العليم) بجميع الاشياء (الحكيم) في جميع أفعاله.
وقوله (وإذ أسر النبي) معناه واذكروا حين أسر النبي (إلى بعض أزواجه حديثا) فالاسرار القاه المعنى إلى نفس المحدث على وجه الاخفاء عن غيره، يقال:
أسر اليه كذا وكذا إسرارا والاسرار نقيض الاعلان. وقيل: إنه كان أسر إلى حفصة ألا تخبر عائشة بكونه مع مارية في يوم عائشة وقال إنه حرمها على نفسه، فأطلعت عليه عائشة. وقيل: إنه كان يوم حفصة، فأطلعت عليه عائشة فاستكتمها النبي فأخبرت حفصة بذلك فانتشر الخبر فعاتبهم الله على ذلك. وقال الزجاج والفراء: أسر اليها بأنه سيلي الامر بعده أبوبكر وعمر وعثمان فتباشروا بذلك فانتشر الخبر. وروى أصحابنا انه أسر إلى عائشة بما يكون بعده من قيام من

===============
(47)
يقوم بالامر ورفع علي (عليه السلام) عن مقامه فبشرت بذلك أباها فعاتبهم الله على ذلك.
وقوله (فلما نبأت به واظهره الله عليه عرف بعضه واعرض عن بعض) معناه لما أخبرت التي اسر اليها الذي خبرها به إلى غيرها وأعلم الله تعالى نبيه ذلك واظهره له (عرف بعضه وأعرض عن بعض) فمن قرأ بالتخفيف قال الفراء: معناه إنه عاتب على بعض ذلك وصفح عن الباقي. وروي انه طلق حفصة تطليقة جزاء على ذلك ثم راجعها بأمر الله تعالى، وقيل: معنى قراءة من شدد أراد انه (صلى الله عليه وآله) أعلمها جميع ذلك وعرفها إياه، فلما نبأها به يعني لما أخبر النبي (صلى الله عليه وآله)، زوجته بذلك وعرفها أنها افشت سره (قالت) له في الجواب (من أنبأك هذا) أي من اخبرك بهذا فقال النبي (صلى الله عليه وآله) (نبأني) أي اخبرني بذلك واعلمني (العليم) بجميع المعلومات (الخبير) بسرائر الصدور الذي لا يخفى عليه شئ من أمور عباده ظاهرا وباطنا.
ثم خاطبهما يعني عائشة وحفصة وقال قل لهما (إن تتوبا إلى الله) وترجعا إلى طاعته (فقد صغت قلوبكما) قال ابن عباس ومجاهد: معناه زاغت قلوبكما إلى الاثم. وقال عمر بن الخطاب وجميع أهل التأويل: انه عنى عائشة وحفصة، وقال بعضهم: معناه مالت قلوبكما إلى ما كرهه الله من تحريم ما حرمه. وقوله (فقد صغت قلوبكما) من صلة (إن تتوبا إلى الله) والجواب محذوف، وتقديره إن تتوبا إلى الله قبلت توبتكما، وقال قوم (فقد صغت قلوبكما) جواب كقول القائل إن تتابع المجئ الي فلقد جفوتني وقطعتني دهرا أي يحق لك ان تفعل ذلك، فقد صرمت فيما قبل. وإنما قال (قلوبكما) مع أن لهما قلبين، لان كلما تثبت الاضافة فيه معنى التثنية، فلفظ الجمع أحق به، لانه أمكن واخف باعراب الواحد وقلة الزائد. وذلك في كل شيئين من شيئين، ويجوز التثنية لانها الاصل، كما قال الراجز:

===============
(48)
ظهراهما مثل ظهور الترسين (1)
فجمع المذهبين. وقوله (وإن تظاهرا عليه) معناه وإن تعاونا على خلافه (فان الله هو مولاه) يعني الله الذي يتولى حفظه وحياطته ونصرته (وجبريل)
ايضا معين له وناصره (وصالح المؤمنين) قال الضحاك: يعنى خيار المؤمنين. وقال قتادة: يعني أتقياء المؤمنين. وقال الزجاج: (صالح المؤمنين) واحد في موضع الجمع، وقال أبومسلم محمد بن بحر الاصفهاني: هو صالحوا المؤمنين على الجمع، غير انه حذفت الواو للاضافة، وهذا غلط، لان النون سقطت للاضافة، فكان يجب ان يثبت الواو في الحظ، وفي المصاحف بلا واو، وروت الخاصة والعامة أن المراد بصالح المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وذلك يدل على انه أفضلهم، لان القائل إذا قال: فلان فارس قومه او شجاع قبيلته او صالحهم، فانه يفهم من جميع ذلك انه افرسهم واشجعهم واصلحهم.
وقوله (والملائكة بعد ذلك ظهير) معناه إن الملائكة بعد من ذكره معينون له، فالظهير المعين الذي هو كالظهر له في القوة.
وقوله (عسى ربه إن طلقكن) معاشر نساء النبي (ان يبدله أزواجا خيرا منكن) فمن خفف الدال، فلا نه يدل على القليل والكثير، ومن شدد أراد ان الله يبدلهن اكثر منهن. ومعنى (خيرا منكن) أي افضل منكن وأصلح له. ثم وصفهن تعالى فقال (مسلمات) وهن اللواتي يظهرن الاسلام والشهادتين مستسلمات لما أمر الله به (مؤمنات) أي مصدقات بتوحيد الله واخلاص العبادة له مقرات بنبوة نبيه (صلى الله عليه وآله) وقيل: معناه مصدقات في قولهن وفعلهن (قانتات) أي خاضعات متذللات لله تعالى. وقيل: معنى (قانتات) راجعات إلى الله بفعل ما يجب له

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مرفى 3 / 513 (*)

===============
(49)
- عزوجل - (عابدات) لله بما تعبدهن به من العبادات متذللات له (سائحات)
معناه ماضيات في طاعة الله. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: معنى سائحات صائمات. وقال زيد ابن اسلم: معنى (سائحات) مهاجرات، وهو اختيار الجبائي وقيل: للصائم سائح، لانه يستمر في الامساك عن الطعام والشراب، كمايستمر السائح في الارض (ثيبات) وهن الراجعات من عند الازواج بعد افتضاضهن مشتق من ثاب يثوب اذا رجع (وابكارا) جمع بكر، وهي التي على أول حالها قبل الافتضاض.
قوله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملئكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شئ قدير (8) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأويهم جهنم وبئس (ج 10 م 7 من التبيان)

===============
(50)
المصير (9) ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرات لوط كانتا تحت عبد ين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) (10)
قرأ (نصوحا) بضم النون حماد ويحيى الباقون بفتحها، وهما لغتان.
وقال قوم: من فتح النون جعله نعتا للتوبة وحمله على الكثرة. ومن ضمه جعله مصدرا هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين الذين صدقوا بتوحيد الله واخلاص العبادة له وأقروا بنبوة نبيه (صلى الله عليه وآله) يأمرهم بأن يقوا أنفسهم أي يمنعونها، ويمنعون أهليهم نارا، وانما يمنعون نفوسهم بأن يعملوا الطاعات، ويمنعون أهليهم بأن يدعوهم اليها ويحثوهم على فعلها، وذلك يقتضي أن الامر بالمعروف والنهي عن المنرك ينبغي ان يكون للاقرب فالاقرب. وقال مجاهد وقتادة: معنى (قوا انفسكم واهليكم نارا) مروهم بطاعة الله وانهوهم عن معصيته.
ثم وصف تعالى النار التي حذرهم منها فقال (وقودها الناس والحجارة)
قيل حطب تلك النار الناس والحجارة كوقود الكبريب وهو اشد ما يكون من العذاب (عليها ملائكة غلاظ) في الاخلاق وإن كانوا رقاق الاجسام، لان الظاهر من حال الملك انه روحاني فخروجه عن الروحانية كخروجه عن صورة الملائكة (شداد) في القوى (لا يعصون الله ماأمرهم) به. وفي ذلك دلالة على ان الملائكة المؤكلين بالنار وبعقاب العصاة معصومون عن فعل القبيح لا يخالفون الله في أمره ويمتثلون كل ما يأمرهم به، وعمومه يقتضي انهم لا يعصونه في صغيرة ولا كبيرة. وقال الرماني: لايجوز أن يعصي الملك في صغيرة ولا كبيرة لتمسكه بما يدعو اليه العقل دون الطبع. وكل من تمسك بما يدعو اليه العقل دون الطبع، فانه لا يقع

===============
(51)
منه قبيح. وقد اختارهم الله على ما في المعلوم منهم وقيل: هم غلاظ شداد يعذبون على قدر قواهم بأنواع العذاب. وقال الجبائي قوله (لا يعصون الله ماأمرهم ويفعلون مايؤمرون) يعني - في دار الدنيا - لان الاخرة ليست دار تكليف. وإنما هي دار جزاء. وإنما أمرهم الله بتعذيب اهل النار على وجه الثواب لهم بأن جعل سرورهم ولذاتهم في تعذيب أهل النار، كما جعل سرور المؤمنين ولذاتهم في الجنة.
ثم حكى ما يقال للكفار يوم القيامة فان الله تعالى يخاطبهم فيقول (يا ايها الذين كفروا) نعمتي وجحدوا ربوبيتي وأشركوا في عبادتي من لا يستحقها، وكذبوا أنبيائي ورسلي (لا تعتذروا اليوم) فان اليوم دار جزاء لا دار توبة واعتذار (إنما تجزون) على قدر (ما كنتم تعملون) في الدنيا على الطاعات بالثواب ولا طاعة معكم، وعلى المعاصي بالعقاب ودخول النار، وانتم مستحقون لذلك.
ثم عاد إلى خطاب المؤمنين في دار التكليف فقال (يا ايها الذين آمنوا توبوا إلى الله) من معاصيه وأرجعوا إلى طاعته (توبة نصوحا) أي توبة خالصة لوجه الله. فمن قرأ - بضم النون - وهو أبوبكر عن عاصم أراد المصدر، ومن فتح النون جعله صفة للتوبة ونعتا لها. والتوبة النصوح هي التي يناصح فيها الانسان نفسه باخلاص الندم مع العزم على ألا يعود إلى مثله في القبح. وقوله (عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئآتكم) معناه متى تبتم توبة نصوحا كفر الله عنكم سيئاتكم، وغفرلكم فان (عسى) من الله واجبة (ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار) مضافا إلى تكفير السيئآت والعفو عنها (يوم لا يخزي الله النبي) ولا يخزي (الذين آمنوا معه) أي لا يذلهم ولا يعاقبهم بل يعزهم بادخال الجنة.
ثم وصف النبي (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين معه فقال (يسعى نورهم بين أيديهم وبايمانهم)
قال ابن عباس: معناه يسعى نور كتابهم الذي فيه البشرى (يقولون ربنا) في

===============
(52)
موضع الحال، وتقديره قائلين (ربنا أتمم لنا نورنا) قال: يقول ذلك المؤمنون حين يطفئ نور المنافقين ويبقون في الظلمة فيسأل المؤمنون حينئذ إتمام نورهم (واغفر لنا) أي استر علينا معاصينا ولاتهلكنا بها (إنك على كل شئ قدير)
لا يعجزك شئ.
ثم خاطب النبي (صلى الله عليه وآله) فقال (يا ايها النبي جاهد الكفار والمنافقين) قيل:
معناه جاهد الكفار بالقتال والحرب، والمنافقين بالقول الذي يردع عن القبيح لا بالحرب إلا أن فيه بذل المجهود، فلذلك سماه جهادا. وفي قراءة اهل البيت (جاهد الكفار بالمنافقين) لانه (صلى الله عليه وآله) كان يجاهد الكفار وفي عسكره جماعة من المنافقين يقاتلون معه وقوله (واغلظ عليهم) أي اشدد عليهم. قال الحسن: اكثر من كان يصيب الحدود في ذلك الزمان المنافقون. فأمر الله أن يغلظ عليهم في إقامة الحدود. ثم قال (ومأواهم) يعني مأوى الكفار والمنافقين ومستقرهم (جهنم وبئس المصير)
لما فيها من أنواع العقاب.
وقوله (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين) قال ابن عباس: كانت امرأة نوح وأمرأة لوط منافقتين (فخانتاهما)
قال ابن عباس: كانت امرأة نوح كافرة، تقول للناس انه مجنون، وكانت امرأة لوط تدل على أضيافه، فكان ذلك خيانتهما لهما، وما زنت امرأة نبي قط، لما في ذلك من التنفير عن الرسول وإلحاق الوصمة به، فمن نسب أحدا من زوجات النبي إلى الزنا، فقد أخطأ خطاء عظيما، وليس ذلك قولا لمحصل. ثم قال (فلم يغنيا عنهما، أي لم يغن نوح ولوط عن المرأتين (من الله شيئا) أي لم ينجياهما من عقاب الله وعذابه (وقيل) لهما يوم القيامة (ادخلا النار مع الداخلين من الكفار.
وقال الفراء: هذا مثل ضربه الله تعالى لعائشة وحفصة، وبين انه لا يغنيهما ولا


(53)
ينفعهما مكانهما من رسول الله إن لم يطيعا الله ورسوله، ويمتثلا أمرهما، كما لم ينفع امرأة نوح وامرأة لوط كونهما تحت نبيين. وفي ذلك زجر لهما عن المعاصي وامر لهما أن يكونا كآسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران في طاعتهما لله تعالى وإمتثال أمره ونهيه.
قوله تعالى:
(وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين (11) ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين) (12) آيتان.
قرأ اهل البصرة وحفص عن عاصم ونافع في رواية خارجة (وكتبه) على الجمع. الباقون (وكتابه) على واحد، لانه اسم جنس يقع على القليل والكثير.
والفائدة في هذه الاية، وفي الاية التي قبلها: أن احدا لا ينفعه إلا عمله ولا يؤخذ بجرم غيره، ولايثاب على طاعة غيره، وإن كان خصيصا به وملازما له. وتبين ان امرأة نوح وامرأة لوط لم ينفعهما قربهما من نبيين واختصاصهما والتصاقهما بهما، لما كانتا كافرتين عاصيتين لله تعالى بل عاقبهما الله بالنار بكفرهما وسوء أفعالهما.
وبين في هذه الاية أن كفر فرعون لم يتعد إلى زوجته لما كانت مؤمنة طائعة لله تعالى خائفة من عقابه، بل نجاها الله من عقابه وأدخلها الجنة على إيمانها وطاعتها، فضرب المثل الاول للكفار لما كانت المرأتان كافرتين، وضرب المثل

===============
(54)
الثاني للمؤمنين، لما كانت امرأة فرعون مؤمنة، فقال (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون) واسمها آسية. والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالاول. فهذه الاية فيها قول فيه تشبيه حال المؤمنة التي زوجها كافر بحال امرأة فرعون في انه لايضرها كفره مع قربها منه، كما أن امرأة نوح وأمرأة لوط، لم ينفعهما نبوتهما وإيمانهما حين كانتا كافرتين.
وقوله (إذ قالت) أي حين قالت امرأة فرعون داعية الله (رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني) أي وخلصني (من فرعون وعمله) يعني من مثل سوء عمله (ونجني من القوم الظالمين) يعني الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله واستحقوا لذلك العقاب. وإنما دعت بالخلاص من عمل الكفار بأن سألت الله تعالى أن يلطف لها في التمسك بالايمان، وألا تعتر بتمكين الله لفرعون وكفار قومه وطول سلامته وسوابغ نعمته عليهم والانس به لطول مخالطته وصحبته، فربما أفتنت من هذه الوجوه، فدعت بهذا ليلطف الله لها في ذلك وتبقى على التمسك بالايمان.
وقوله (ومريم ابنت عمران) يحتمل ان يكون عطفا على قوله (امرأة فرعون) فلذلك نصبه. والعامل (وضرب) فكأنه قال: وضرب مثلا مريم ابنت عمران، ويحتمل ان يكون نصبا على تقدير واذكر أيضا مريم بنت عمران (التي احصنت فرجها) فاحصان الفرج منعه من دنس المعصية يقال: أحصن يحصن إحصانا، ومنه الحصن الحصين، لانه بناء منيع، والفرس الحصان الذي يمنع من ركوبه إلا مقتدرا على تلك الحال، وامرأة حصان - بفتح الحاء - لانها تمنع من لمس الحرام.
وقوله (فنفخنا فيه من روحنا) قال قتادة معناه فنفخنا في جيبها من روحنا وقال الفراء: كل شق فهو فرج فاحصنت فرجها منعت جيب درعها من جبرائيل (عليه السلام) والظاهر انه أراد الفرج الذي يكنى عنه. وقوله (فيه) يعني في الفرج، فلذلك

===============
(55)
ذكر في الانبياء (فيها) لانه رده إلى التي أحصنت فرجها. وقيل: إن جبرائيل (عليه السلام) نفخ في فرجها، فخلق الله - عزوجل - فيه المسيح (وصدقت بكلمات ربها) يعني بما تكلم الله به، وأوحاه إلى انبيائه وملائكته (وكتبه) أي وصدقت بكتبه التي أنزلها على انبيائه. فمن قرأ (وكتبه) جمع لانها كتب مختلفة. ومن وحد ذهب إلى الجنس، وهو يدل على القليل والكثير (وكانت من القانتين) وإنما لم يقل من القانتات لتغليب المذكر على المؤنث، فكأنه قال من القوم القانتين، فالقانت المقيم على طاعة الله. وقيل: معناه الداعي لله في كل حال. وقال الحسن: رفع الله آسية إمرأة فرعون إلى الجنة، فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها إلى يوم القيامة، فنجاها الله أكرم النجاة. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال (حسبك من نساء العالمين أربع: مريم ابنت عمران، وآسية إمرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) وروي أن فرعون امر أن تسمر آسية بأربع مسامير ويرفع فوقها حجر الرخام، فان رجعت عن قولها وإلا أرسل عليها الحجر فأراها الله منزلها من الجنة، فاختارت الجنة فنزع الله روحها، فلما ارسل الحجر وقع على جسد ميت

===============
(56)
67 - سورة الملك مكية في قول ابن عباس والضحاك وعطاء وغيرهم وهي ثلاثون آية في الكوفي والبصري والمدني الاول واحد وثلاثون في المدني الاخير وقال الفراء: سورة الملك تسمى المنجبة لانها تنجي قاريها من عذاب القبر وروي إن في التوراة مثل (سورة الملك)
بسم الله الرحمن الرحيم.
(تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير (1)
ألذي خلق الموت والحيوة وليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4)
ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير) (5) خمس آيات.
قرأ حمزة والكسائي (من تفوت) بتشديد الواو بلا ألف. الباقون (تفاوت)
على وزن تفاعل. ومعناهما واحد. وهو مثل: تصعر وتصاعر، وتعهد وتعاهد.
والتفاوت إختلاف التناقض، وهو تباعد مابين الشيئين في الصحة. والتباين

===============
(57)
امتناع كل واحد من المعنبين ان يصح مع الاخر.
يقول الله تعالى مخبرا عن عظمته وعلو شأنه (تبارك الذي بيده الملك)
فمعنى تبارك بأنه الثابت الذي لم يزل ولا يزال. وأصل الصفة من الثبوت من البرك وهو ثبوت الطائر على الماء. ومنه البركة ثبوت الخير بنمائه. وقيل: معناه تعاظم بالحق من لم يزل ولا يزال، وهو راجع إلى معنى الثابت الدائم. وقيل:
المعنى تبارك من ثبوت الاشياء به إذ لولاه لبطل كل شئ لانه لا يصح شئ سواه إلا مقدوره او مقدور مقدوره، الذي هو القدرة، لان الله تعالى هوالخالق لها.
وقيل: إن معناه تبارك لان جميع البركات منه، إلا ان هذا المعنى مضمن في الصفة غير مصرح به، وإنما المصرح به تعالى بستحقاق التعظيم.
وقوله (الذي بيده الملك) معناه الذي يجب كونه قادرا وانه السلطان العظيم الذي كل ملك له، ليس من ملك إلا داخل فيه لان الله تعالى مالك الملوك، وممكنهم منها. والملك هو إتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير.
وقوله (وهو على كل شئ قدير) معناه إن الذي بيده الملك والسلطان القادر على كل شئ يصح ان يكون مقدورا له وهو أخص من قولنا: وهو بكل شئ عليم، لانه تعالى يعلم كل مايصح أن يكون معلوما في نفسه، ولايوصف بكونه قادرا إلا على ما يصح ان يكون مقدورا له، لان مقدور القدرة لا يصح أن يكون مقدورا له، وكذلك ماتقضى وقته مما لا يبقى لا يصح ان يكون مقدورا في نفسه.
ثم وصف تعالى نفسه فقال (الذي خلق الموت والحياة) أي خلق الموت للتعبد بالصبر عليه، والحياة للتعبد بالشكر عليها. وقيل: وجه خلق الموت والحياة للابتلاء هو ما فيها من الاعتبار المؤدي إلى تثبيت قادر على الاضداد مع التحذير (ج 10 م 8 من التبيان)

===============
(58)
في كل حال من مجيئ الموت الذي ينقطع به استدراك ما فات، ومع التسوية بين الغني والفقير والملك والسوقة في الموت بما يقتضي قاهرا للجميع قد عمهم بحسن التدبير فقد أذل الله ابن آدم بالموت ليكون أبعد من الطغيان في حال التمكين من العصيان.
وفى كون الموت معنى خلاف بين الشيخين: أبي، وأبي هاشم.
وقوله (ليبلوكم) معناه ليعاملكم معاملة المختبر بالامر والنهي فيجازي كل عامل على قدر عمله، الابتلاء الاختبار. وقال الفراء والزجاج: في الكلام اضمار وتقديره ليبلوكم فيعلم أيكم، لان حروف الاستفهام لاتشغل إلا بفعل يتعلق بالجملة على تقدير المفرد كقولك: علمت أزيد في الدار أم عمرو، وتقديره وقد علمت ان احدهما في الدار (وعرفت، ونظرت) بمنزلة (علمت) في هذا، لانها توافقها في (عرفت انه في الدار) و (نظرت بقلبي انه في الدار) ومثله (سلهم أيهم بذلك زعيم) (1) أي سؤال من يطلب ان يعلم ايهم بذلك زعيم، ولو قلت اضرب ايهم ذهب لم يكن إلا نصبا، لانه بمعنى الذي. والقديم تعالى وإن كان عالما بالاشياء قبل كونها، فانما يبتلي الخلق ويختبرهم اختبار من يطلب العلم، حتى يجازي على الفعل بحسبه، ولما كان لم يحسن الثواب والعقاب والتعظيم والا جلال إلا بعد وجود الطاعة والمعصية لم يكن بد من التكليف، والامر والنهي فاجرى عليه الاختبار مجازا.
وقوله (وهوالعزيز) في انتقامه من اعدائه والكافرين لنعمه، لايقدر أحد على مغالبته ومقاهرته، غفور لمن تاب اليه، او إن يريد التفضل باسقاط عقابه ولا يصح التكليف إلا مع الترغيب والترغيب، لان التمكين من الحسن والقبيح يقتضي ذلك، والتكليف تحميل المشقة في الامر والنهي.
ثم عاد إلى صفات نفسه فقال (الذي خلق سبع سموات طباقا) أي انشأ

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 68 القلم آية 40 (*)

===============
(59)
واخترع سبع سموات واحدة فوق الاخرى (ماترى في خلق الرحمن من تفاوت)
يعني من اختلاف وتناقض، وذلك يدل على ان مافيه تفاوت من الكفر والمعاصي ليس من خلق الله، لانه نفى نفيا عاما أن يكون فيما خلقه تفاوت. وتفاوت وتفوت مثل تصاغر وتصعر.
ثم نبه تعالى العاقل على صحة ما قاله من انه ليس في خلق الله تفاوت.
فقال (فارجع البصر) أي فرد البصر وأدرها في خلق الله من السموات (هل ترى من فطور) أي من شقوق وصدوع يقال: فطره يفطره، فهو فاطر إذا شقه ومنه قوله (تكاد السموات يتفطرن منه) (1) أى يتصدعن. وقال ابن عباس:
معناه هل ترى من وهن، وقال قتادة: من خلل. وقال سفيان: من شقوق. ثم أكد ذلك بقوله (ثم ارجع البصر كرتين) أي دفعة ثانية، لان من نظر في الشئ كرة بعد أخرى بان له ما لم يكن بايناله.
ثم بين انه إذا فعل ذلك وتردد بصره في خلق الله انقلب اليه بصره ورجع اليه خاسئا يعني ذليلا صاغرا - في قول ابن عباس - وذلك كذلة من طلب شيئا لم يجده وأبعد عنه (وهو حسير) قال قتادة: معناه كال معيى، فالحسير الكليل، كما يحسر البعير.
ثم أقسم الله تعالى بقوله (ولقد زينا السماء الدنيا...) لان لام (لقد) هي التي يتلقى بها القسم بأنه زين السماء أي حسنها وجملها أي السماء الدنيا بالمصابيح، يعني الكواكب وسميت النجوم مصابيح لاضاءتها، وكذلك الصبح. والمصباح السراج وواحد المصابيح مصباح. قال قتادة: خلق الله تعالى النجوم لثلاث خصال: احدها زينة السماء. وثانيها رجوما للشياطين. وثالثها علامات يهتدى بها، فعلى هذايكون

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 19 مريم آية 91 (*)

===============
(60)
تقديره وجعلنا فيها.
وقوله (واعتدنا لهم عذاب السعير) معناه إنا جعلنا الكواكب رجما للشياطين أعتدنا لهم وادخرنا لاجلهم عذاب السعير يعني النار المسعرة، فالسعير النار المسعرة المشتعلة. وقيل: ينفصل من الكواكب شهاب بأن يكون رجوما للشياطين، فأما الكوكب نفسه، فليس يزول إلى أن يريد الله فناءه، ففي هذه الايات بيان مايجب من تعظيم الله تعالى لم يزل ولا يزال، وأن له الملك الكبير، وانه على كل شئ قدير. وفيها بيان ما يجب اعتقاده من أن جميع ما خلقه الله فللا بتلاء، بما يصح معه التكليف للعمل الذي يوجب الثواب جزاء على الاحسان مع رحمة من تاب بالغفران وشدة الانتقام ممن أقام على معصيته وفيها بيان مايجب اعتقاده من أن جميع ماخلقه الله محكم لا تفاوت فيه، لانه على ما تقتضيه الحكمة في المتعة والعبرة وما يصح به الزجر من السيئة. وفيها بيان ما يجب اعتقاده مما اقتضت الحكمة فيه التلاؤم من غير فطور، ولا عدول عن الصواب من أمر السموات والافلاك والنجوم، وماخلق فيها من المصابيح زينة لها ورجوما للشياطين مع ان عاقبتهم إلى عذاب السعير.
قوله تعالى:
(وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6)
إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا مانزل الله من شئ إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أونعقل ماكنا في

===============
(61)
أصحاب السعير (10) فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير) (11)
ست آيات.
قرأ ابوجعفر والكسائي (فسحقا) بضم الحاء مثقل. الباقون بالتخفيف، وهما لغتان.
لما ذكر الله تعالى ما أعد للشياطين من عذاب السعير، ذكر عقيبه وعيد الكفار وما أعد لهم لاتصال ذلك بوعيد النار، فقال (وللذين كفروا) يعني بتوحيد الله وإخلاص عبادته وجحدوا نبوة رسله وما جاءوا به (عذاب جهنم) ثم قال (وبئس المصير) أي بئس المآل والمرجع. وإنما وصفه ب (بئس) وهي من صفات الذم، والعقاب حسن، لما في ذلك من الضرر الذي يجب على كل عاقل أن يتقيه بغاية الجهد واستفراغ الوسع ومع هذا ليس يخفى المراد في ذلك على أحد ولا يجوز قياسا على ذلك أن يوصف به الفاعل، لانه لا يوصف به الفاعل إلا على وجه الذم، لانه لا يقال: بئس الرجل إلا لمن كان مستحقا للذم من حيث أن القادر قادر على الضدين.
ووجه الحكمة في فعل العقاب مافيه من الزجر المتقدم للمكلف، ولا يمكن ان يكون مزجورا إلا به ولولاه لكان مغرى بالقبيح.
ثم قال تعالى (إذا ألقوا فيها) ومعناه إذا طرح الكفار في النار (سمعوا لها) يعني للنار (شهيقا) وصوتا فظيعا بنفس كالنزع، فاذا اشتد لهيب النار سمع لها ذلك الصوت كأنها تطلب الوقود، قال رؤبة:
حشرج في الجوف سحيلا او شهق * حتى يقال ناهق ومانهق (1)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مرفى 6 / 67 (*)

===============
(62)
وقال ابوالعالية: الشهيق في الصدر، والزفير في الحلق وقوله (وهي تفور) أي ترتفع، فالفور ارتفاع الشئ بالغليان، يقال: فارت القدر تفور فورا ومنه الفوارة لارتفاعها بالماء ارتفاع الغليان. وفار الدم فورانا، وفار الماء يفور فورا.
وقوله (تكاد تميز من الغيظ) أي تكاد النار تتفرق وتنقطع من شدتها، وسمى شدتها والتهابها غيظا لان المغتاظ هو المتقطع بما يجد من الالم الباعث على الايقاع لغيره، فحال جهنم كحال المغتاظ، فالتميز التفرق والتمييز التفريق. وقال ابن عباس (تميز) أي تفرق، وهو قول الضحاك وابن زيد.
وقوله (كلما القي فيها فوج) يعني كلما طرح في النار فوج من الكفار (سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير) يعني تقول لهم الملائكة الموكلون بالنار على وجه التبكيت لهم في صيغة الاستفهام: ألم يجئكم مخوف من جهة الله يخوفكم عذاب هذه النار؟ ! فيقولون في جوابهم (بلى قد جاء نانذير) أي مخوف معلم (فكذبنا) ولم نصدقه ولم نقبل منه (وقلنا ما أنزل الله من شئ) مما تدعوننا اليه وتحذروننا منه فتقول لهم الملائكة (ان أنتم إلا في ضلال كبير) أي لستم اليوم إلا في عذاب عظيم.
(وقالوا) أيضا يعني الكفار (لوكنا نسمع) من النذر ماجاؤنا به (اونعقل)
مادعونا اليه وعملنا به (ماكنا في أصحاب السعير) فقال الله تعالى (فاعترفوا بذنبهم) يعني أقر اهل النار بمعاصيهم في ذلك الوقت الذي لم ينفعهم الاعتراف.
فالاعتراف هو الاقرار بالشئ عن معرفة، وذلك ان الافرار مشتق من قر الشئ يقر قرا إذا ثبت، فالمقر في المعنى مثبت له والاعتراف مأخوذ من المعرفة. فقال الله تعالى (فسحقا لاصحاب السعير) أي بعدا لهم عن الخير وعن ثواب الله ونعمه، فكأنه قال اسحقهم الله سحقا او ألزمهم الله سحقا عن الخير فجاء المصدر على غير

===============
(63)
لفظه، كماقال الله تعالى (والله أنبتكم من الارض نباتا) (1) وتقديره فأسحقهم الله إسحاقا لانه مأخوذ منه فأما سحقته سحقا فمعناه باعدته بالتفريق عن حال اجتماعه بما صار اليه كالغبار. وليس لاحد أن يقول: ماوجه اعترافهم بالذنب مع ما عليهم من الفضيحة به؟ ! وذلك أنهم قد علموا انهم قد حصلوا على الفضيحة اعترفوا او لم يعترفوا وانهم سواء عليهم أجزعوا أم صبروا، فليس يدعوهم إلى أحد الامرين إلا بمثل مايدعوهم إلى الاخر في أنه لا فرج فيه، فلا يصلح أن يقال لم جزعوا إلا بمثل مايصلح أن يقال لم صبروا، وكذلك لم اعترفوا بمنزلة لم لم يعترفوا على ما بيناه، والذنب مصدر لا يثنى ولا يجمع، ومتى جمع فلا ختلاف جنسه، كما يقال غطاء الناس واغطيتهم.
قوله تعالى:
(إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (12) وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13)
ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14) هوالذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) (15) أربع آيات.
لماوصف الله تعالى الكفار وما أعده لهم من أليم العقاب، ذكر المؤمنين وما أعده لهم من جزيل الثواب، فقال (إن الذين يخشون ربهم) أي يخافون عذاب ربهم باتقاء معاصيه وفعل طاعاته (بالغيب) أي على وجه الاستسرار بذلك

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 17 نوح آية 17 (*)

===============
(64)
لان الخشية متي كانت بالغيب على ماقلناه كانت بعيدة من النفاق، وخالصة لوجه الله. وخشية الله بالغيب تنفع بأن يستحق عليها الثواب، والخشية في الظاهر وترك المعاصي لايستحق بها الثواب وإنما لايستحق عليها العقاب. وإنما الخشية في الغيب أفضل لا محالة.
وقوله (لهم مغفرة وأجر كبير) أي لمن خشي الله واتقاه بالغيب ستر الله على معاصيه ولهم ثواب كبير لافناء له. وقيل: معنى (يخشون ربهم بالغيب) أي يخافونه، وهم لايرونه. وقيل (بالغيب) أي في سرهم وباطنهم، ومن علم ضمائر الصدور علم إسرار القائل إلى غيره. وقال الحسن: معناه يخشون ربهم بالاخرة لانها غيب يؤمنون به، وكل من خشي ربه بالغيب خشيه بالشهادة، وليس كل من خشيه بالشهادة يخشى بالغيب.
ثم قال مهددا للعصاة (وأسروا قولكم أو اجهروا به) ومعناه إن شئتم أظهروه وإن شئتم ابطنوه فانه عالم بذلك ل (انه عليم بذات الصدور) فمن علم ضمائر الصدور علم إسرار القول.
وقوله (ألا يعلم من خلق) معناه من خلق الصدور يعلم مافي الصدور ويجوز ان يكون المراد ألا يعلم من خلق الاشياء ما في الصدور. وقيل تقديره ألا يعلم سر العبد من خلقه يعني من خلق العبد، ويجوز أن يكون المراد ألا يعلم سر من خلق، وحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه. ولايجوز أن يكون المراد ألا يعلم من خلق افعال القلوب، لانه لو أراد ذلك لقال ألا يعلم ماخلق، لانه لايعبر عما لايعقل ب (من) ولا يدل ذلك على أن الواحد منا لا يخلق أفعاله من حيث أنه لا يعلم الضمائر، وإنا بينا أن المراد ألا يعلم من خلق الصدور أي خلق الاشياء والواحد منا لا يخلق ذلك فلا يجب أن يكون عالما بالضمائر.

===============
(65)
وقوله (وهو اللطيف الخبير) معناه هو اللطيف بعباده من حيث يدبرهم بلطف التدبير، فلطيف التدبير هو الذي يدبر تدبيرا نافذا لا يخفو عن شئ يدبره به (الخبير) معناه العالم بهم وبأعمالهم.
ثم قال تعالى ممتنا على خلقه ومعددا لانواع نعمه عليهم (هوالذي جعل لكم الارض ذلولا) يعني سهلا سهلها لكم تعملون فيها ما تشتهون (فامشوا في مناكبها) قال مجاهد: مناكبها طرقها وفجاجها. وقال ابن عباس وقتادة: مناكبها جبالها (وكلوا من رزقه) صورته صورة الامر والمراد به الاباحة والاذن، أذن الله تعالى أن يأكلوا مما خلقه لهم وجعله لهم رزقا على الوجه الذي أباحه لهم (واليه النشور) أي إلى الله المرجع يوم القيامة واليه المآل والمصير فيجازي كل واحد حسب عمله. وفي ذلك تهديد.
قوله تعالى:
(أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الارض فاذا هي تمور (16) أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن مايمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شئ بصير (19) أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور (20) أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في (ج 10 م 9 من التبيان)

===============
(66)
عتو ونفور) (21) ست آيات.
قرأ ابن كثير (واليه النشور وأمنتم) بواو في الوصل قلبا لهمزة الاستفهام واوا لضم ما قبلها. وقرأ اهل الكوفة واهل الشام بهمزتين على أصولهم. الباقون بتحقيق الاولى وتخفيف الثانية.
يقول الله تعالى مهددا للمكلفين وزاجرا لهم عن إرتكاب معاصيه والجحد لربوبيته على لفظ الاستفهام والمراد به تفخيم الامر وتعظيم التبكيت (أأمنتم من في السماء) فالا من هو اطمينان النفس إلى السلامة من الخوف، والامن علم بسلامة النفس من الضرر يقال أمن يأمن أمنا وأمنه يؤمنه إيمانا وأمانا، والمعنى أأمن من في السماء سلطانه وامره ونهيه كما قال (وهو الله في السموات وفي الارض يعلم سركم وجهركم) (1) أي وهوالله في السموات وفي الارض معلومه، لا يخفى عليه شئ منه. وقيل: ايضا يجوز ان يكون المراد (أأمنتم من في السماء) يعني الملك الكائن في السماء (ان يخسف بكم الارض) بأمر الله، فاذا هي تمور أي تردد، فالمور هو التردد في الذهاب والمجيئ، يقال: مار يمور مورا فهو مائر، ومثله ماج يموج موجا.
وقوله (أأمنتم من السماء أن يرسل عليكم حاصبا) فالحاصب الحجارة التي يرمى بها كالحصباء، حصبه بالحصباء يحصبه حصبا إذا رماه بها. ويقال الذي يرمى به حاصب أي ذو حصب كأن الحجر هوالذي يحصب. وقيل: تقديره آمنوا قبل ان يرسل عليكم حاصبا، كما أرسل على قوم لوط حجارة من السماء.
وقوله (فستعلمون كيف نذير) فيه تهديد أي ستعرفون كيف تخويفي

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 6 الانعام آية 3 (*)

===============
(67)
وترهيبي إن عصيتموني إذا صرتم إلى عذاب النار. ثم قال مقسما (ولقد كذب الذين من قبلهم) أي جحد من قبل هؤلاء الكفار من الامم وحدانيتي واشركوا بي غيري في العبادة وكذبوا رسلي (فاهلكتهم) واستأصلتهم (فكيف كان نكير)
أي ألم اهلكهم بضروب النقمات والمثلاث.
ثم قال منبها لهم على توحيده (اولم يروا إلى الطير فوقهم صافات) أي مصطفاة فوق رؤسهم في الجو باسطات أجنحتهم (ويقبضن) أي يضربن بها.
أى من الطير مايضرب بجناحيه فيدف، ومنه الصفيف والدفيف (مايمسكهن إلا الرحمن) أى ليس يمنعهن من السقوط إلى الارض إلا الرحمن الذى خلق لهم الالات التي يصفون بها ويدفون، وماخلق فيها من القدرة على ذلك، ولولا ذلك لسقطت إلى الارض. وقيل معنى مايمسكهن إلا الرحمن بتوطئة الهواء لها، ولولا ذلك لسقطت، وفي ذلك أكبر دلالة، وأوضح عبرة بأن من سخر الهواء هذا التسخير هو على كل شئ قدير. والصف وضع الاشياء المتوالية على خط مستقيم، والقبض جمع الشئ من حال البسط. والامساك اللزوم المانع من السقوط.
وقوله (إنه بكل شئ بصير) اخبار منه تعالى انه عالم بجميع الاشياء لايخفى عليه شئ منها (بصير) بماللخلق من النفع والضر. ثم قال (أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن) أى من لكم معاشر الكفار يدفع عنكم عذاب الله إذا حل بكم (إن الكافرون إلا في غرور) معناه ليس الكافرون بالله العابدون للاوثان إلا في غرور أى يتوهمون أن ذلك أنفع لهم والامر على خلاف ذلك من المكروه.
ثم قال (أم من هذا الذى يرزقكم إن أمسك) الله (رزقه) بأنت يزيله ويمنعه منكم، فينزل عليكم رزقه (بل لجوا في عتو ونفور) فاللجاج تقحم الامر

===============
(68)
كثيرا ردا للصارف عنه، يقال لجج في الامر يلج لجاجا، وقد لاجه ملاجة ولجج فلان في الحرب فهو يلج تلجيجا. ولما كان لهؤلاء المشركين صوارف كثيرة من عبادة الاوثان وهم يتقحمون على ذلك العصيان كانوا قد لجوا في عتوهم. والعتو الطغيان وهو الخروج إلى فاحش الفساد، يقال: عتا يعتو عتوا فهوعات وجمعه عتاة. والنفور الخروج عن الشئ هربا من الشعور بضروره، ونقيض النفور القبول
وقال الجبائي: قوله (أمن هذا الذى) إلى قوله (إن امسك رزقه) تعريف حجة عرفها الله لعباده فعرفوا وأقروا بها، ولم يردوا لها جوابا فقال الله (بل لجوا في عتو ونفور).
قوله تعالى:
(أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22) قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون (23) قل هو الذي ذرأكم في الارض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين) (26)
خمس آيات.
قوله (أفمن يمشي....) مثل ضربه الله قال ابن عباس: هو مثل ضربه الله عزوجل للكافر وشبهه بمن يمشى مكبا على وجهه. والمؤمن شبهه بمن يمشي سويا على صراط مستقيم. وقال قتادة: الكافر يحشر يوم القيامة يمشي على وجهه مكبا، والمؤمن يمشى على صراط مستقيم.

===============
(69)
وفى الاية دلالة على وجوب النظر في الدين، لانه تعالى ضرب المثل بالناظر في ما يسلكه حتى خلص إلى الطريق المستقيم فمدحه بهذا وذم التارك للنظر مكبا على وجهه لايثق بسلامة طريقه، يقال: اكب يكب اكبابا فهو مكب في مالا يتعدى قال الاعشى:
مكبا على روقيه يحفر عرقها * على ظهر عريان الطريقة أهيما (1)
فاذا تعدى قيل: كببت فلانا على وجهه، وأكبه الله لوجهه. ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) (قل) لهؤلاء الكفار إن الله تعالى (هو الذي أنشاكم) بأن أخرجكم من العدم إلى الوجود واخترعكم (وجعل لكم السمع والابصار) تسمعون بالسمع المسموعات وتبصرون بالبصر المبصرات (والافئدة) يعني القلوب تعقلون فيها أي بما فيها من المعلوم تعلمون بها وتميزون بها، فهذه نعم من الله تعالى يجب عليكم أن تشكروها وتحمدوا الله عليها فانتم (قليلا ماتشكرون) أي قليلا شكركم، ويجوز أن يكون المعنى إنكم تشكرون قليلا.
ثم قال (قل) لهم يامحمد (هو) الله تعالى (الذي ذرأكم في الارض)
أي خلقكم أولا وأوجدكم (واليه تحشرون) أي تبعثون اليه يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. ثم حكى تعالى ما كان يقوله الكفار فانهم كانوا (يقولون) مستهزئين مكذبين بأنه من عند الله (متى هذا الوعد) الذي تعدوننا به من العذاب والهلاك (إن كنتم صادقين) معاشر المؤمنين والمسلمين، فقال الله تعالى (قل) لهم يا محمد (إنما العلم عند الله) يعني علم وقت قيام الساعة على اليقين عند الله لم يطلع عليه احدا من البشر، كما قال (إن الله عنده علم الساعة) (2) (وإنما أنا نذير) لكم مخبر مخوف من عقاب الله تعالى

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه (دار بيروت) 188 (2) سورة 31 لقمان آية 34 (*)

===============
(70)
(مبين) مالكم فيه من الصلاح والنجاة من العقاب. والنذير هو الدال على موضع المخافة فكل من دعا إلى حق إما رغبة أو رهبة فهو نذير إلا انه صار علما في صفات الانبياء (عليهم السلام).
قوله تعالى:
(فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (27) قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أورحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم (28) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (29) قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) (30)
أربع آيات.
قرأ يعقوب (تدعون) خفيفة. الباقون بالتشديد. وقرأ الكسائي (فسيعلمون من هو) بالياء على الغيبة. الباقون بالتاء على الخطاب، أي قل لهم.
لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم استبطؤا عذاب الله واهلاكه لهم مستهزئين بذلك، فقالوا متي هذا الوعد، قال الله تعالى حاكيا عنهم إذا رأوا مايوعدون به (فلما رأوه زلفة) قال الحسن: معناه معاينة. وقال مجاهد: يعني قريبا. والزلفة المنزلة القريبة والاصل فيه القرب، يقال: أزدلف اليه أزدلافا إذا تقرب اليه.
ومنه (مزدلفة) لانها منزلة قريبة من مكة، وجمع زلفة زلف، قال العجاج:
ناج طواه الاين مما وجفا * طي الليالي زلفا فزلفا

===============
(71)
سماوة الهلال حتى احقوقفا (1)
وقوله (سئت وجوه الذين كفروا، أي ظهر فيها ما يفهم من الكآبة والحزن تقول: ساء يسوء سوأ، ومنه السوائي، ومنه أساء يسئ إساءة، فهو مسئ إذا فعل قبيحا يؤدي إلى الغم (وقيل هذا الذي كنتم به تدعون) أى ويقال لهؤلاء الكفار إذا شاهدوا العذاب (هذا الذي كنتم به تدعون) أي تطلبون به خلاف ما وعدتم به على طريق التكذيب بالوعد: كأنه قيل هذا الذي كنتم به تكذبون في إدعائكم انه باطل. والادعاء الاخبار بما يوعد اليه القائل دون المعنى، فاذا ظهر دليله خرج من الادعاء لانه حينئذ يدعو إليه المعنى، وكذلك الاخبار بما يدعو إلى نفسه في الفعل ليس بدعوى، قال الزجاج: (تدعون) يجوز ان يكون يريد يفعلون من الدعاء، ويجوز أن يكون من الدعوى، قال الفراء: والتشديد والتخفيف واحد مثل تذكرون وتذكرون وتدخرون وتدخرون.
ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله) (قل) لهم يا محمد (أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي)
بان يميتنا (أورحمنا) بتأخير آجالنا ما الذى ينفعكم من ذلك في رفع العذاب الذى استحققتموه من الله فلا تعللوا في ذلك بما لايغني عنكم شيئا. وقيل إن الكفار كانوا يتمنون موت النبي وموت أصحابه فقيل لهم (أرأيتم إن أهلكني الله) باماتتي وإماتة اصحابي فما الذى ينفعكم ذلك في النجاة من عذاب أليم. وقل لهم (فمن)
الذي (يجير الكافرين من عذاب أليم) حتى لا يعذبوا ولا يعاقبوا، فلا يمكنهم الاحالة على من يجيرهم من الله ويخلصهم من عذابه.
ثم قال (قل) لهم على وجه الانكار عليهم والتوبيخ لهم على فعلهم (هو الرحمن) يعني الله تعالى هو الذي عمت نعمه جميع الخلائق واستحق الوصف بالرحمن

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مرفي 6 / 79 و 8 / 29 و 9 / 280، 370 (*)

===============
(72)
(آمنابه) أي صدقنا بوحدانيته (وعليه توكلنا) أى اعتمدنا عليه وفوضنا أمورنا اليه، فالتوكل الاعتماد على تفضل الله وحسن تدبيره وقل لهم (فستعلمون) معاشر الكفار (من) الذى (هو في ضلال مبين) أى بين. ومن قرأ بالياء معناه فسيعلم الكفار ذلك.
ثم قال (قل) لهم يا محمد (أرأيتم) معاشر الكفار (إن أصبح ماؤكم غورا) أى غائرا وصف الغائر بالغور الذى هو المصدر مبالغة، يقال ماء غور، وما آن غور، ومياه غور كما يقال: هؤلاء زور فلان وضيفه، لانه مصدر - في قول الفراء وغيره - (فمن يأتيكم بماء معين) معناه من الذى يجيئكم بماء معين إذا غارت مياهكم. قال قوم:
الماء المعين الذى تراه العيون. وقال قتادة والضحاك: هو الجارى، فالاول مفعول من العين، كمبيع من البيع، والثاني من الامعان في الجرى، ووزنه (فعيل) كأنه قال ممعن في الجرى والظهور، وقال الحسن أصله من العيون. قال الجبائي قوله (قل أرايتم إن اصبح ماؤكم غورا) تعريف حجة الله لعباده عرفوها وأقروا بها ولم يردوا لها جوابا.

===============
(73)
68 سورة القلم مكية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما وهي اثنتان وخمسون آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2)
وإن لك لاجرا غير ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4) فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (7) فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) عتل بعد ذلك زنيم (13)
أن كان ذا مال وبنين (4) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين (15) سنسمه على الخرطوم) (16) ست عشرة آية.
قرأ الكسائي وابوبكر عن عاصم (ن والقلم) بالاخفاء. الباقون بالاظهار.
والاظهار اقوى، لان النية بها الوقف إذ هي حرف هجاء. ويجوز ادغام النون الثانية (ج 10 م 10 من التبيان)

===============
(74)
في الواو المقارنة على قياس (من واقد) ولم يقرأ به احد. وقرأ (آن كان ذا مال) بهمزة واحدة ممدودة يعقوب وابوجعفر وابن عامر - وبهمزتين - حمزة وابوبكر، الباقون بهمزة واحدة. واختلفوا في معنى (ن) في هذا الموضع.
فقال قوم: هو اسم من أسماء السورة مثل (حم، والم وص، وق) وما اشبه ذلك. وهو الذى قلنا إنه اقوى الاقوال. وقال ابن عباس - في رواية عنه - إن النون الحوت الذى عليه الارضون. وفي رواية أخرى عنه إن النون الدواة.
وهو قول الحسن وقتادة، وروي في خبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: (نون) لوح من نور. وقال قوم: تقديره ورب نون والقلم. والقلم آلة مبرية للكتابة. والمقلمة وعاء القلم، وجمعه أقلام، ومنه قلامة الظفر، لانه يؤخذ منه كالاخذ بالقط. وانجر القلم بالقسم. وقوله (ومايسطرون) (ما) في موضع جر بالعطف على (والقلم) وكان القسم بالقلم ومايسطر بالقلم، ويجوز ان تكون (ما) مصدرية، وتقديره: ن والقلم وسطركم، فيكون القسم بالكتابة، وعلى الاول بالمكتوب والسطر الكتابة، وهو وضع الحروف على خط مستقيم: سطر يسطر سطرا إذا كتب، وأسطر إذا كتب.
وجمع السطر سطور واسطار، قال رؤبة:
اني وأسطار سطرن سطرا (1)
والمسطرة آلة التسطير. وقوله (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) هو المحلوف عليه، وهو جواب القسم، ومعناه لست يامحمد بمجنون بنعمة ربك، كما تقول ما انت بنعمة ربك بجاهل، وجاز تقديم معمولها بعد الباء، لانها زائدة مؤكدة في ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وتقديره انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، وإنما قال (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) مع ان الجنة قد تكون نعمة، لان الجنة لاتكون

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 4 / 110 (*)

===============
(75)
نعمة من حيث هي جنة، وإنما تكون نعمة من حيث تؤدي إلى مصلحة في الدين.
والعافية تكون نعمة من حيث هي عافية، فلهذا حسن ما أنت بنعمة ربك بمجنون والجنون غمور العقل بستره عن الادراك به بما يخرج عن حكم الصحيح، وأصله الستر من قوله (جن عليه الليل) (1) إذا ستره. وقيل إن قوله (ماانت بنعمة ربك بمجنون) جواب لقول المشركين حين قالوا (يا ايها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون) (2) فقال الله تعالى (ما انت بنعمة ربك بمجنون)
وقوله (وإن لك) خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) يقول له (وإن لك) يا محمد (لاجرا)
أى ثوابا من الله على قيامك بالنبوة وتحملك بأعبائها (غير ممنون) أى غير مقطوع من قولهم منه السير يمنه منا إذا قطعه، ويقال: ضعفت منتي عن السفر، ورجل منين أى ضعيف، ويجوز ان يكون المراد به إنه غير مكدر بالمن الذى يقطع عن لزوم الشكر، من قولهم: المنة تكدر الصنيعة. وقال الحسن: معناه لا يمن عليك بأجرك. ثم وصف النبي (صلى الله عليه وآله) فقال (وإنك) يا محمد (لعلى خلق عظيم) قال الحسن: على دين عظيم، وهو الاسلام. وقيل أدب القرآن. وقال المؤرج:
معناه على دين عظيم بلغة قريش. وقالت عائشة: كانت خلق النبي (صلى الله عليه وآله) ما تضمنه العشر الاول من سورة (المؤمنون)، فالخلق المرور في الفعل على عادة، فالخلق الكريم الصبر على الحق وسعة البذل، وتدبير الامور على مقتضى العقل وفي ذلك الرفق والاناة والحلم والمداراة. ومن وصفه الله بأنه على خلق عظيم فليس وراء مدحه مدح. وقيل: وإنك لعلى خلق عظيم بحكم القرآن وكل ذلك عطف على جواب القسم.
وقوله (فستبصر ويبصرون) معناه فستعلم يا محمد يوم القيامة ويعلمون، يعني هؤلاء الكفار الذين يرمونك بالجنون تارة وبالكهانة أخرى (بأيكم المفتون)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 6 الانعام آية 76 (2) سورة 15 الحجر آية 6 (*)

===============
(76)
وقيل في معناه قولان:
احدهما - باي فرقكم المفتون بما يجري مجرى الجنون.
والثاني - ان يكون معنى (بأيكم المفتون) كما يقال: ليس له معقول أي عقل وتقديره ستعلم ويعلمون بمن منكم الجنون، وقيل: معنى الباء (في) وكأنه قال في أيكم الجنون المفتون المبتلى بتخييل الرأي كالمجنون، وذلك كما يبتلى بشدة الهوى المجنون. فيقال: فتن فلان بفلانة، وعلى هذا المعنى قال ابن عباس: بايكم المجنون وقال قتادة: معناه أيكم اولى بالشيطان جعل الباء زائدة كما قال الراجز:
نحن بنو جعدة اصحاب الفلج * نضرب بالسيف ونرجوا بالفرج (1)
ومعناه ونرجوا الفرج. وقال مجاهد: معناه أيكم المفتون كأنه قال في أيكم المفتون. ثم قال (ان ربك يا محمد هو أعلم بمن ضل عن سبيله) الذي هو سبيل الحق أى بمن عدل عنها وجار عن السلوك فيها (وهو اعلم بالمهتدين) أى بمن اهتدى اليها وعمل، بموجبها. ثم نهى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له (فلا تطع المكذبين) بتوحيد الله والجاحدين لنبوتك ولاتوافق ما يريدونه. وقوله (ودوا لوتدهن فيدهنون) قال ابن عباس: معناه ودوا لو تكفر فيكفرون، وهو قول الضحاك، وفى رواية أخرى عن ابن عباس: إن معناه ود هؤلاء الكفار لوتلين في دينك، فيلينون في دينهم، فشبه التليين في الدين بتليين الدهن. وقيل: معناه ودوا لو تركن إلى عبادة الاوثان فيما لونك. والادهان الجريان في ظاهر الحال على المقاربة مع إضمار العداوة. وهو مثل النفاق. ورفع (فيدهنون) بالعطف على قوله (لوتدهن) ولم يجعله جواب التمني.
ثم قال له (صلى الله عليه وآله) (ولا تطع) يا محمد (كل حلاف) أى من يقسم كثيرا

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 7 / 118، 358 و 8 / 81 (*)

===============
(77)
بالكذب (مهين) يعني مكشار في الشر - في قول الحسن وقتادة - والمهين الوضيع باكثاره من القبيح، ومن عرف بأنه يحلف على الكذب، فهو مهين. وقال البلخي:
المهين الفاجر - في هذا الموضع -.
وقوله (هماز مشاء بنميم) أى وقاع في الناس بما لى له أن يعيبهم به.
والاصل فيه الدفع بشدة اعتماد، ومنه الهمزة حرف من حروف المعجم، وهي همزة تخرج من الصدر بشدة اعتماد، وقال ابن عباس: الهماز المغتاب. وقوله (مشاء بنميم) فالنميم التضريب بين الناس بنقل الكلام يغلظ لقلوب بعضهم على بعض ومنه النمام المشموم، لانه يججد ريحه كالمخبر عن نفسه، والنميم والنميمة مصدران.
وهو نقل الاحاديث بالتضريب: نم ينم نميما ونميمة (مناع للخير) أى يمنع خيره ونفعه، فلا ينتفع أحد به (معتد) قال قتادة: معناه متجاوز للحد في المعاملة (أثيم)
أي آثم فهو (فعيل) بمعنى (فاعل) وهوالذي فعل ما يأثم به (عتل بعد ذلك)
فالعتل الجافي الغليظ. ومنه قوله (خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم) (1) أي اذهبوا به بعنف وغلظة يقال: عتله يعتله ويعتله عتلا إذا زعزعه بغلظ وجفاء. وقال ذو الاصبع:
والدهر يغدو معتلا جذعا (2)
وقيل: العتل الفاحش اللئيم. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك. و (الزنيم)
الدعي وهو الملصق بالقوم، وليس منهم. وأصله الزنمة وهي الهينة التي تتحرك تحت حلق الجدى وقال حسان:
وانت زنيم نيط في آل هاشم * كما نيط خلف الراكب القدح الفرد (3)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 44 الدخان آية 47 (2) مجاز القرآن 2 / 264 (3) ديوانه 160 اللسان (زنم) (*)

===============
(78)
و (بعد) هاهنا معناه (مع) وقال آخر زنيم ليس يعرف من أبوه * بغي الام ذو حسب لئيم (1)
ويقال للتيس: زنيم له زنمتان، والزنيم الدعي - عن ابن عباس - وقيل:
هوالذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقوله (أن كان ذا مال وبنين) من قرأ على الاستفهام، وهو حمزة وابو بكر عن عاصم أراد، ألان كان ذا مال وبنين؟ ! على وجه التوبيخ له (إذا تتلى عليه آياتنا قال اساطير الاولين) ويحتمل ان يكون المراد لان كان ذا مال وبنين يطاع. وقيل: كان له ألف دينار وعشرة بنين (إذا تتلى عليه آياتنا قال اساطير الاولين) أي أحاديث الاولين التي سطرت وكتبت لا أصل لها وواحد الاساطير أسطورة - في قول الزجاج. وقرأ حمزة وابوبكر عن عاصم (أأن كان ذا مال وبنين) بهمزتين. وقرأ ابن عامر بهمزة ممدودة. الباقون بهمزة واحدة. وقد فسرناه. فقال الله تعالى مهددا له ومتوعدا (سنسمه على الخرطوم) أي سنعلم على أنفه علامة يعرف بها الملائكة انه من أهل النار، فالسمة العلامة المفرقة بالرؤية بين الاشياء المختلطة، كسمة الخيل إذا أرسلت في المروج، وسمه يسمه توسما وسمة، فهو مرسوم. والخرطوم الانف، وهو الناتئ في الوجه الذي يقع به الشم. ومنه خرطوم الفيل، وخرطمه إذا قطع أنفه وجعله خراطيم. وقال ابن عباس: معنى (سنسمه على الخرطوم) نحطمه بالسيف في القتال، كما فعل بهم يوم بدر. وقال قتادة: معناه سنعلمه بشئ يبقى على الابد. وقال بعضهم معناه: سنسود وجهه فعبر عن الوجه بالخرطوم، لانه فيه.
وقيل: نزلت هذه الايات في الوليد بن المغيرة المخزومي، وقيل: نزلت

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبرى 29 / 14 والقرطبي 18 / 234 (*)

===============
(79)
في الاخنس بن شريق الثقفي، كانت به زنمة يعرف بها - ذكره ابن عباس - قوله تعالى:
(إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصر منها مصبحين (17) ولايستثنون (18) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) فأصبحت كالصريم (20) فتنادو ا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22)
فانطلقوا وهم يتخافتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) وغدوا على حرد قادرين) (25) تسع آيات.
يقول الله تعالى (إنا بلوناهم) يعني هؤلاء الكفار أي اختبرناهم (كما بلونا أصحاب الجنة) يعني البستان (إذ أقسموا) أي حين اقسموا فيما بينهم (ليصر منها مصبحين) ووجه الكلام إنا بلونا أهل مكة بالجدب والقحط، كما بلونا اصحاب الجنة بهلاك الثمار التي كانت فيها حين دعا النبي (صلى الله عليه وآله) عليهم، فقال (اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف) فالبلوى المحنة بشدة التعبد على ما يقتضيه الحال في صحة التكليف. والصرم قطع ثمر النخل: صرم النخلة يصرمها صرما، فهو صارم، ومنه الصريمة القطيعة عن حال المودة. وهم عشرة أولاد كانوا لرجل من بني إسرائيل، وكان يأخذ من بستانه كفاية سنته ويتصدق بالباقى، فقال أولاده: ليس يكفينا، وحلفوا أنهم يصرمون بستانهم ليلا وابى عليهم ابوهم، فأقسموا أنهم ليصرمون ثمر نخل البستان إذا اصبحوا، ولم يستثنوا، ومعناه لم يقولوا إن شاء الله فقول القائل: لا فعلن كذا إلا أن يشاء الله استثناء ومعناه إن شاء الله منعي او تمكين ما نعي، فقال الله تعالى (فطاف عليها) يعني على

===============
(80)
تلك الجنة (طائف من ربك) أي طرقها طارق من أمر الله، فالطائف الطارق ليلا، فاذا قيل أطاف به صلح في الليل والنهار، وانشد الفراء:
اطفت به نهارا غير ليلى * والهي ربها طلب الرخال (1)
الرخال أولاد الضان واحدها رخل وفى الانثى رخلة (وهم نائمون) أي في حال نومهم (فاصبحت) يعني الجنة (كالصريم) أي كالليل الاسود - في قول ابن عباس - وانشد ابوعمرو بن العلا:
ألا بكرت وعاذلنى تلوم * تجهلني وما انكشف الصريم (2)
وقال:
تطاول ليلك الجون البهيم * فيما ينجاب عن صبح صريم
إذا ما قلت اقشع او تناهى * جرت من كل ناحية غيوم (3)
وقال قوم: الصريم هو المصروم، وقال سعيد بن جبير: الصريم أرض معروفة باليمين لا نبات فيها تدعى صروان، وإنما قيل لليل صروم، لانه يقطع بظلمته عن التصرف في الامور. وقيل: إنما فعل الله بهم ذلك لانهم منعوا الحقوق اللازمة من ثمار هذه الجنة. والصرم قطع الثمر. والصريم المصروم جميع ثماره.
وقوله (فتنادوا مصبحين) اخبار عن حالهم أنهم لما اصبحوا نادى بعضهم بعضا يافلان يا فلان، والتنادي دعاء بعض الناس بعضا بطريقة يافلان وأصله من الندى بالقصر، لان النداء الدعاء بندى الصوت الذي يمتد على طريقة يافلان، لان الصوت إنما يمتد للانسان بندى حلقه. والنادي مجلس الرفد وهو الندي (ان اغدوا على حرثكم) أى نادى بعضهم بعضا بأن اغدوا، او قالوا: (اغدوا على حرثكم) والحرث الزرع الذي قد حرثت له الارض، حرث يحرث حرثا والحراث

ـــــــــــــــــــــــ
(1، 2، 3) تفسير الطبري 19 / 17 واللسان (صرم) (*)

===============
(81)
الذى يحرث الارض، ومنه الحارث، ومنه الحرث، كناية عن الجماع. ويقال:
احترث لاهله إذا اكتسب بطلب الرزق، كما يطلب الحراث (إن كنتم صارمين)
أى قاطعين لثماركم، فالصارم قاطع ثمر الشجر على الاستئصال. واكثر ما يستعمل ذلك في النخل، ويجوز في الشجر، وأصله القطع. وقد تصرم النهار إذا مضى قطعة قطعة حتى انقضى. وقيل: معناه إن كنتم حاصدين زرعكم. ثم قال (فانطلقوا)
أى ذهبوا، وهم (يتخافتون) فالتخافت التقابل في اخفاء الحركة، وأصله الخفاة من خفت فلان يخفت إذا اخفى نفسه ومعناه - ههنا - يتسارون بينهم (ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين) في - قول قتادة - وقوله (وغدوا على حرد) فالحرد القصد، حرد يحرد حردا فهو حارد. قال الشاعر:
اقبل سيل جاء من أمر الله * يحرد حرد الجنة المغلة (1)
أى يقصد، وقال الحسن: معناه على جهة من الفاقة. وقال مجاهد: معناه على جد من أمرهم، وهو قول قتادة وابن زيد: وقال سفيان: معناه على حنق، وذلك من قول الاشهب بن رميلة:
اسود شرى لاقت اسود خفية * فساقوا على حرد دماء الاساود (2)
أي على غضب. وقيل: معناه على منع من قولهم حاردت السنة إذا منعت قطرها، وحاردت الناقة إذا منعت لبنها. والاصل القصد.
وقوله (قادرين) معناه مقدرين انهم يصرمون ثمارهم، ويجوز ان يكون المراد وغدوا على حرد قادرين عند انفسهم على صرام جنتهم.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 217 (2) اللسان (حرد)
(ج 10 م 11 من التبيان) (*)

===============
(82)
قوله تعالى:
(فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن محرومون (27)
قال أو سطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30)
قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين (31) عسى ربنا أن يبد لنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) كذلك العذاب ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون) (33) ثمان آيات.
يقول الله تعالى مخبرا إن أولئك الكفار بنعم الله لما نادى بعضهم بعضا وانطلقوا إلى صرم ثمارهم وتساروا ألا يدخل عليهم مسكين يطلب منهم (فلما رأوها) أي حين جاؤا وجدوا البستان كالليل الاسود قالوا أهلكه الله وطرقه طارق من أمر الله فاهلكه، فلما رأوا تلك الجنة على تلك الصورة (قالوا إنا لضالون) أي اعترفوا بأنهم قد عدلوا عن طريق الحق وجازوا عن سبيل الواجب وذهبوا عن طريق الرشاد. ثم استدركوا فقالوا (بل نحن محرومون) ما كان لنا في جنتنا، وتقديره إنا لضالون عن الحق في أمرنا فلذلك عوقبنا بذهاب ثمرها، والضلال الذهاب عن طريق الرشاد إلى طريق الهلاك بالفساد. والحرمان منع الخير الذي كان ينال لولا ما حدث من سبب الانقطاع، يقال: حرمه يحرمه حرمانا فهو محروم في خلاف المرزوق. وقال قتادة: معنى قوله (إنا لضالون) أي اخطأنا الطريق ما هذه جنتنا، فقال بعضهم لبعض (بل نحن محرومون) وقوله (قال اوسطهم) معناه قال أعدلهم قولا - في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك - والاوسط

===============
(83)
الكائن بين الاكبر والاصغر. والمراد ههنا بين الاكبر والاصغر في الخروج عن القصد (ألم أقل لكم) على وجه التهجين لهم أما قلت لكم (لولا تسبحون) أى هلا تستثنون، والتسبيح التنزيه لله عما لا يجوز عليه من صفة، وهو التنزيه عن كل صفة ذم ونقص، فلذلك جاز أن يسمى الاستثناء بأن يشاء الله تسبيحا. وقيل معناه لولا تصلون.
ثم حكى انهم (قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين) ومعناه إنهم اعترفوا أن الله لم يظلمهم وانهم ظلموا انفسهم في عزمهم على حرمان المساكين من حصتهم عند الصرام من غير استثناء، فحرموا قطعها والانتفاع بها، ثم قال (فاقبل بعضهم على بعض يتلاومون) أي يلوم بعضهم بعضا ويذم بعضهم بعضا. ثم (قالوا ياويلنا) والويل غلظ المكروه الشاق على النفس، والويس دونه. والويح وسط بينهما، وإنما نودي بالويل بيانا عن حال الشدة، كأنه يقول ياويل تعال فانه من أحيانك (إنا كنا طاغين) أي علونا في الظلم وتجاوزنا الحد فيه، فالطغيان العلو في الظلم والداعي اليه طلب الارتفاع بغير استحقاق بالقهر والاعتصاب. وقيل: الطاغي المتجاوز للحد في الفساد وقال عمر وبن عبيد: يجوز أن يكون ذلك منهم توبة وإيمانا، ويجوز أن يكون ذلك على حد ما يقول الكافر إذا وقع في الشدة. ثم قالوا (عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها) أي لما تابوا ورجعوا إلى الله قالوا لعل الله تعالى يخلف علينا ويولينا خيرا من الجنة التي هلكت (إنا إلى ربنا راغبون) أي ترغب اليه ونسأله ونتوب اليه مما فعلناه. فالتبديل تثبيت شئ مكان غيره مما ينافيه، بدله تبديلا فهو مبدل. ومثله التغير إلا أن التبديل لا يكون إلا في شيئين والتغير قد يكون للشئ الواحد.
وقرئ بالتشديد والتخفيف، فالتخفيف من الابدال، والتشديد من التبديل

===============
(84)
ومعناهما واحد.
وقوله (كذلك العذاب) معناه مثل ما فعلنا بهؤلاء هذا العذاب عاجلا في دار الدنيا، ثم قال (ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون) إن هناك عقابا وعذابا. وخير من كذا أي اعظم نفعا منه وأحسن في العقل، ومثله الاصلح والاولى والاجل، والاكبر هو الذي يصغر مقدار غير منه بالاضافة اليه. وقد يكون أكبر شأنا واكبر شخصا.
قوله تعالى:
(إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم (34) أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) مالكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتاب فيه تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون (38) أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيمة إن لكم لماتحكمون (39) سلهم أيهم بذلك زعيم) (40) سبع آيات.
لما اخبر الله تعالى ما حل بالكفار، وما هو معد لهم في الاخرة أخبر بما للمؤمنين من أهل الطاعات، فقال (ان للمتقين) يعني للذين أمنوا عقاب الله باتقاء معاصيه وفعل طاعاته (عند ربهم جنات النعيم) أي بساتين يتنعمون فيها ويتلذذون بها.
ثم قال على وجه الانكار على الكفار وانه لا يسوى بينهم وبين المؤمنين فقال (افنجعل المسلمين) الذين أسلموا لله وانقادوا لطاعته وامتثلوا ما أمرهم به (كالمجرمين)
أى مثل من عصاه وخرج عن طاعته وارتكب ما نهاه عنه؟ ! فهذا لا يكون أبدا.
وقوله (مالكم كيف تحكمون) تهجين لهم وتوبيخ. ومعناه أعلى حال الصواب أم

===============
(85)
على حال الخطاء؟ وعلى حال الرشاد أم الغي، فعلى أي حال تحكمون في الاحوال التي تدعون إلى الفعل أحال الباطل أم حال الحق؟ وقوله (أم لكم كتاب فيه تدرسون) معناه ألكم كتاب تدرسون فيه خلاف ما قد قامت عليكم الحجة به فأنتم متمسكون به ولا تلتفتون إلى خلافه؟ ! وليس الامر على ذلك فاذ قد عدمتم الثقة بما أنتم عليه، وفي هذا عليكم أكبر الحجة وأوكد الموعظة، لان الكتاب الذي تقوم به الحجة حتى لا يجوز خلافه إلى أن تقوم الساعة هو الذي تشهد له المعجزة من غير اجازة نسخ له في حال ثانية، وهو القرآن الذي فيه معنى الاعجاز من غير نسح له فيما بعد في باقى الزمان.
وقوله (إن لكم فيه لما تخيرون) يحتمل امرين:
احدهما - أن يكون تقديره أم لكم كتاب فيه تدرسون بأن لكم ما تخيرون إلا انه حذفت الباء وكسرت (إن) لدخول اللام في الخبر، الثاني - ان يكون ذلك خرج مخرج التوبيخ، وتقديره وإن لكم لما تخيرون عند أنفسكم، والامر بخلاف ظنكم،، لانه لا يجوز ان يكون ذلك خبرا مطلقا.
وقوله (أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون) كسرت (إن) لدخول اللام في الخبر، والحكم خبر بمعنى يفصل الامر على جهة القهر والمنع وأصله المنع من قول الشاعر:
ابني حنيفة احكموا سفهاءكم * إني اخاف عليكم ان اغضبا (1)
أي امنعوهم. ومنه الحكمة، لانها معرفة تمنع الفساد يصرفها عنه بما يذم به.
والحكمة في الفعل المنعة من الفساد منه، ومنه حكمة الدابة لمنعها إياها من الفساد.
وقوله (سلهم ايهم بذلك زعيم) قال ابن عباس وقتادة: زعيم أي كفيل

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر تخريجه في 2 / 188 (*)

===============
(86)
والزعيم والكفيل والضمين والقبيل نظائر والمعنى سلهم أيهم زعيم ضامن يدعي علينا ان لهم علينا أيمانا بالغة؟ فلا يمكنهم ادعاء ذلك.
قوله تعالى:
(أم لهم شركاء فلياتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (41)
يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42)
خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43) فذرني (ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) وأملي لهم إن كيدي متين) (45)
خمس آيات.
قوله (أم لهم شركاء) توبيخ لهؤلاء الكفار وإنكار عليهم إتخاذ إله مع الله وتوجيه عبادتهم اليه، فقال (أم لهم شركاء) في العبادة مع الله (فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين) أي شركاؤهم الذين تفوم بهم الحجة، فلا سبيل لهم إلى ذلك فالحجة لازمة عليهم لان كل دعوى لم يكن صاحبهاأن يقيم البينة عليها فيلزمه أن يقيمها بغيره. والشريك عبارة عمن يختص بمعنى هو له ولغيره من غير إنفراد به.
وإنما قلنا من غير إنفراد به لنفرق بين ما هو له ولغيره وهوله ايضا كالغفران هو لهذا التائب ولتائب آخر، ولهذا التائب مطلقا، فليس فيه شريك، وكذلك هذا العبد هو ملك لله تعالى، ولهذا المولى، وهو لله على الاطلاق، فليس في هذا شركة وإنما قيل الشركاء في الدعوى، لانها مما لو انفرد بعضهم عن ان يدعيها لم يدعها الاخر، كأنهم تعاونوا عليها، فعلى هذا يحتمل أن يكون المعنى في الاية أم لهم

===============
(87)
شركاء يدعون مثل ما يدعيه هؤلاء الكفار، فليأتوا بهم إن كانوا صادقين أي شركاء هم الذين تقوم بهم الحجة، ولا سبيل لهم إلى ذلك فهو لازم عليهم.
وقوله (يوم يكشف عن ساق) قال الزجاج: هو متعلق بقوله (فليأتوا بشركائهم.. يوم يكشف عن ساق) وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك: معنا يوم يبدو عن الامر الشديد كالقطيع من هول يوم القيامة.
والساق ساق الانسان وساق الشجرة لما يقوم عليه بدنها وكل نبت له ساق فهو شجر قال الشاعر:
للفتى عقل يعيش به * حيث يهدي ساقه قدمه (1)
فالمعنى يوم يشتد الامر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى ان يقوم على ساق، وقد كثر في كلام العرب حتي صار كالمثل فيقولون: قامت الحرب على ساق وكشفت عن ساق قال (زهير بن جذيمة).
فاذا شمرت لك عن ساقها * فويها ربيع ولاتسأم (2)
وقال جد ابي طرفة:
كشفت لهم عن ساقها * وبدا من الشر الصراح (3)
وقال آخر:
قد شمرت عن ساقها فشدوا * وجدت الحرب بكم فجدوا والقوس فيها وتر غرد (4)
وقوله (ويدعون إلى السجود) قيل: معناه إنه يقال لهم على وجه التوبيخ:
اسجدوا (فلا يستطيعون) وقيل: معناه إن شدة الامر وصعوبة الحال تدعوهم

ـــــــــــــــــــــــ
(1) اللسان (سوق) (2) مجاز القرآن 2 / 266 (3) اللسان (سوق) والقرطبي 18 / 248 (4) القرطبي 18 / 48 (*)

===============
(88)
إلى السجود، وإن كانوا لاينتفعون به. ثم قال (خاشعة ابصارهم) أي ذليلة ابصارهم لايرفعون نظرهم عن الارض ذلة ومهانة (ترهقهم ذلة معناه تغشاهم ذلة يقال: رهقه يرهقه رهقا، فهو رهق إذا غشيه، ورهقه الفارس إذا أدركه، وراهق الغلام إذا أدرك.
وقوله (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) يعني دعاهم الله تعالى إلى السجود والخضوع له في دار الدنيا وزمان التكليف، فلم يفعلوا، فلا ينفعهم السجود في ذلك الوقت.
وقوله (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث) تهديد، ومعناه ذرني والمكذبين أي اوكل أمرهم إلي كما يقول القائل ادعني وإياه.
وقوله (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) معناه سآخذهم إلى العقاب حالا بعد حال.
وقوله (واملي لهم) أي واطيل آجالهم وأؤخرها (إن كيدي متين) أي قوي، فكانه قال سنستدرج أعمالهم إلى عقابهم وإن أطلناها لهم نستخرج ما عندهم قليلا قليلا. وأصله من الدرجة، لان الراقي ينزل منها مرقاة مرقاة فأشبه هذا.
ووجه الحكمة في ذلك أنهم لو عرفوا الوقت الذي يؤخذون فيه لكانوا آمنين إلى ذلك الوقت، وصاروا مغربين بالقبيح، والله تعالى لا يفعل ذلك.
قوله تعالى:
(أم تسئلم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) فاصبر لحكم ربك ولاتكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) لو لا أن تداركه نعمة من ربه


===============
(89)
لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتبيه ربه فجعله من الصالحين (50) وإن يكاد الذين كفروا ليزلفونك بابصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين) (52) ست آيات.
قرأ نافع وحده (ليزلقونك) بفتح الياء من زلفت. الباقون بضمها من أزلقت، وهما لغتان: زلقت، وأزلفت. قال الفراء: يقولون: زلقت شعره وأزلقته إذا حلقته. والمعنى ليرمون بك ويلقونك.
يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) على وجه التوبيخ للكفار (أم تسألهم) اي هل تسألهم (أجرا) يعني ثوابا وجزاء على دعائك إياهم إلى الله وتخويفك إياهم من المعاصي وأمرك إياهم بطاعة الله (فهم من مغرم) أي هم من لزوم ذلك (مثقلون) أي محملون، فالاجر القسط من الخير الذي يستحق بالعمل. والمغرم ما يلزم من الدين الذي يلج في اقتضائه. وأصله اللزوم بالالحاح، ومنه قوله (إن عذابها كان غراما) (1) أي لازما ملحا قال الشاعر:
يوم الجفار ويوم النسار * كانا عذابا وكانا غراما (2)
وقولهم دفع مغرم أي دفع الاقتضاء بالالحاح. والغرم مايلزم بالاقتضاء على وجه الالحاح فقط. والمثقل المحمل للثقل وهو ما فيه مشقة على النفس كالمشقة بالحمل الثقيل على الظهر، يقال: هو مثقل بالدين، ومثقل بالعيال ومثقل بما عليه من

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 25 الفرقان آية 65 (2) مر في 7 / 505 و 9 / 505 (ج 10 م 12 من التبيان) (*)

===============
(90)
الحقوق اللازمة والامور الواجبة.
وقوله (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) معناه هل عندهم علم أختصوا به لا يعلمه غيرهم، فهم يكتبونه ويتوارثونه بصحة ما يدعونه فينبغي ان يبرزوه ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله) (فاصبر لحكم ربك) الذي حكم عليك بالصبر وأمهلهم إلى وقت آجالهم (ولا تكن كصاحب الحوت) يعني ولاتكن في استعجال عقابهم مثل يونس حين طلب من الله تقديم عقاب قومه وإهلاكهم، ولا تخرج من بين ظهراني قومك قبل ان يأذن الله لك في ذلك كمافعل يونس (إذ نادى وهو مكظوم) قال ابن عباس ومجاهد: معناه مغموم، كأن الغم قد حبسه عن الانبساط في أمره، والمكظوم المحبوس عن التصرف في الامور، ومنه كظمت رأس القربة إذا شددت رأسها، وكظم غيظه إذا حبسه بقطعه عما يدعو اليه. وقال قتادة: لا تكن مثله في العجلة والمغاضبة، حتى نادى يونس وهو ممنوع بقعطه عن شفاء غيظه، والذى نادى به (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فجعله الله من الصالحين، بما بين لعباده من صلاحه، ويجوز بما لطف له حتى صلح في كل ما امره الله به. وفي الكلام حذف، وتقديره: ولا تكن كصاحب الحوت في استعجاله الخروج من بين قومه انتظارا لنزول العذاب بهم، فلما رفع الله عنهم العذاب مضى على وجهه، فعاتبه على ذلك وحبسه في بطن الحوت، فلجأ إلى الله تعالى. وقوله (إذ نادى) متعلق بتقدير: إذكر يا محمد حاله إذ نادى. ولا يجوز ان يكون متعلقا بقوله (ولاتكن كصاحب الحوت) حين نادى، لان الله لا ينهى نبيه أن يقول مثل ما قال يونس من الدعاء.
وقوله (لولا ان تداركه نعمة من ربه) معناه لولا أن الله رحم يونس ولحقته نعمة من جهته (لنبذ بالعراء) أي لطرح بالصحراء الواسعة (وهو مذموم) قالوا

===============
(91)
هي الارض العارية من النبات والابنية وكل حال ساترة. وقال الفراء: الفضاء من الارض العاري، قال الشاعر وهو قيس بن جعدة:
ورفعت رجلا لا أخاف عثارها * ونبذت بالبلد العراء ثيابي (1)
وقوله (وهو مذموم) قال ابن عباس: وهو مليم أي أتى بما يلام عليه، ولكن الله تعالى تداركه برحمة من عنده، فطرح بالعراء وهو غير مذموم. وقوله (فاجتباه ربه فجعله من الصالحين) معناه اختار الله يونسا فجعله من جملة الصالحين المطيعين لله التاركين لمعاصيه.
وقوله (وإن يكاد الذين كفروا) قال النحويون: (إن) هذه المخففة عن الثقيلة، لانها لو كانت للشرط لجزم (يكد) وتقديره، وإن يكاد الذين كفروا أي قارب الذين كفروا (ليزلقونك بابصارهم) أي يرمون بك عند نظرهم غيظا عليك قال الشاعر:
يتلاحظون إذا التقوا في محفل * نظرا يزيل مواقع الاقدام (2)
ويكاد يصرعه بحدة نظره. وقيل كان الرجل إذا أراد ان يصيب صاحبه بالعين تجوع ثلاثة أيام ثم نظره فيصرعه بذلك، والمفسرون كلهم على المراد بازلاقهم له بأبصارهم من الاصابة بالعين. وقال الجبائي منكرا لذلك: إن هذا ليس بصحيح، لان هذا من نظر العداوة وذلك عندهم من نظر المحبة على أن إصابة العين ليس بصحيح. قال الرماني: وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لانه لا يمتنع أن يكون الله تعالى أجرى العادة بصحة ذلك لضرب من المصلحة، فلا وجه للامتناع من ذلك، وعليه اجماع المفسرين، وهو المعروف بين العقلاء والمسلمين وغيرهم، فينبغي ان يكون مجوزا. وروي أن اسماء بنت عيس قالت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 8 / 530 (2) القرطبى 18 / 256 وهو مروي مع اختلاف (*)

===============
(92)
إن بني جعفر يصيبهم العين، فأسترقي لهم، قال: نعم، فلو كان شئ سابق القدر سبقة العين.
وقيل: إنهم كانوا يقولون مااظهر حججه، وما افصح كلامه، وما ابلغ خطابه، يريدون بذلك ان يعينوه به، قال البلخي: المعنى إنهم كانوا ينظرون اليه نظر عداوة وتوعد، ونظر من بهم به، كما يقول القائل: يكاد يصرعني بشدة نظره قال الشاعر:
يتعارضون إذا التقوا في موطن * نظرا يزيل مواضع الاقدام (1)
أي ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالبغضاء والعداوة، ونظر يزيل الاقدام عن مواضعها أي يكاد يزيل.
وقوله (لما سمعوا الذكر) يعني القرآن (ويقولون) مع ذلك (إنه لمجنون)
قد غلب على عقله، قالوا ذلك فيه مع علمهم بوقارة عقله تكذبا عليه ومعاندة له، فقال الله تعالى ردا عليهم (وما هو) أي ليس هذا القرآن (إلا ذكر للعالمين)
أي شرف إلى ان تقوم الساعة.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في الصفحة التي قبلها. وقد روي في غير هذا الكتاب مع هذا الاختلاف في الكلمات. (*)

===============
(93)
69 - سورة الحاقة:
مكية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما وهي اثنتان وخمسون آية في الكوفي والمدنيين. واحدى وخمسون في البصرى.
بسم الله الرحمن الرحيم.
(ألحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدريك ما الحاقة (3) كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4) فأما ثمود فاهلكوا بالطاغية (5) وأما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (7)
فهل ترى لهم من باقية (8) وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية) (10) عشر آيات قرأ اهل البصرة والكسائي (ومن قبله) بكسر القاف. الباقون بفتحها.
قال ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد وغيرهم: إن الحاقة اسم من اسماء القيامة وسميت بذلك لانها الساعة التي يحق فيها الجزاء على الاعمال: الضلال والهدى.
وقال الفراء: تقول العرب الحقة متى هربت والحقة والحاقة، كل ذلك بمعنى واحد.
والعامل في (الحاقة) أحد شيئين:

===============
(94)
احدهما - الابتداء، والخبر (ما الحاقة) كأنه قال: الحاقة أى شئ هي.
الثاني - أن يكون خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل هذه الحاقة، ثم قيل أى شئ الحاقة، تفخيما لشأنها، وتقديره هذه سورة الحاقة وقوله (ما أدراك ما الحاقة)
قال سفيان: يقال للمعلوم ما أدراك، ولما ليس بمعلوم: وما يدريك في جميع القرآن.
وإنما قال لمن يعلمها: ما أدراك لانه إنما يعلمها بالصفة، فعلى ذلك قال تفخيما لشأنها أى كأنك لست تعلمها إذا لم تعاينها وترى ما فيها من الاهوال.
وقوله (كذبت ثمود وعاد بالقارعة) اخبار من الله تعالى أن ثمود - وهم قوم صالح - وعادا - وهم قوم هود - كذبوا بيوم القيامة فأنكروا البعث والنشور والثواب والعقاب. قال ابن عباس وقتادة: القارعة إسم من اسماء القيامة، وسميت القارعة، لانها تقرع قلوب العباد بالمخافة إلى أن يصير المؤمنون إلى الامن. وإنما حسن أن يوضع القارعة موضع الكنية لتذكر بهذه الصفة الهائلة بعد ذكرها بأنها الحاقة، وإلا كان يكفي ان يقول: كذبت ثمود وعاد بها. وقوله الحاقة، والطامة (1)
والصاخة (2)، اسماء يوم القيامة. والوقف على الحاقة حسن وأتم منه (ما الحاقة)
و (ما أدراك) كل ما في القرآن بلفظ الماضي، فقد أدراه (صلى الله عليه وآله)، وما كان بلفظ يدريه، فلم يعلمه، يقال: دريت الشئ دراية أى علمته، ودريت الصيد أى ختلته ودرأته دفعته.
ثم اخبر تعالى عن كيفية إهلاكهم، فقال (فاما ثمود فأهلكوا بالطاغية)
فالطاغية مصدر مثل العاقبة، والمعنى فأهلكوا بطغيانهم - في قول ابي عبيدة - وقيل:
معناه أهلكوا بالخصلة المتجاوزة لحال غيرها في الشدة، أهلك الله تعالى بها اهل الفساد. وقد مضى فيما تقدم أن الله أهلك ثمود بالصيحة العظيمة التي اصبحوا بها

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 79 النازعات آية 34 (2) سورة 80 عبس آية 33 (*)

===============
(95)
جاثمين (1) أى ميتين هالكين قال الزجاج: تقديره فأهلكوا بالرجفة الطاغية.
ثم اخبر تعالى عن كيفية هلاك عاد، فقال (وأما عاد فاهلكوا بريح صرصر)
فالريح عبارة عن الهواء إذا كانت فيها حركة باعتماد ظاهرة فاذا سكن لا يسمى ريحا واشتقاقه من راح يروح روحا إذا رجع إلى منزله. والصرصر الريح الشديدة الصوت بما يسمع لها من الصرير في شدة حركتها، يقال: صر وصرصر، كأنه مضاعف منه فالصرصر الشديد العصوف المجاوزة لحدها المعروف وقال قتادة: صرصر باردة فكأنه يصطل الاسنان بما يسمع من صوتها لشدة بردها، ويقال: صرصر وصلصل إذا تكرر الصوت، وهو مضاعف صر وصل - في قول الزجاج - وقوله (عاتية) قيل عتت تلك الرياح على خزانها في شدة الهبوب. والعاتي الخارج إلى غلظ الامر الذى يدعو اليه قساوة القلب، يقال: عتا يعتو عتوا فهو عات والريح عاتية تشبيها بحال العاتي في الشدة.
وقوله (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية ايام) اخبار منه تعالى انه أهلكهم بهذه الريح في مدة سبع ليال، وثمانية أيام، لما في ذلك من الارهاب والتخويف، وما يتعلق به من المصلحة لغيرهم في التكليف.
وقوله (حسوما) أى قاطعة قطع عذاب الاستئصال، واصله القطع حسم طمعه من كذا إذا قطعه، حسم يحسم حسما إذا قطع، وانحسم الشر إذا انقطع.
وقال عبدالله بن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة: معنى (حسوما) تباعا متوالية مأخوذا من حسم الداء بمتابعة الكي عليه، فكأنه تتابع الشر عليهم حتى استأصلهم. وقيل (حسوما) قطوعا لم يتق منهم أحد، ونصب (حسوما) على المصدر أي يحسمهم حسوما.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) انظر 4 / 485 و 6 / 22 (*)

===============
(96)
ثم قال (فترى القوم فيها) أي تشاهد القوم الهلكى في تلك الايام والليالي صرعى مطرحين (كأنهم اعجاز نخل خاوية) أي كأنهم أصول نخل نخرة - في قول قتادة - وقال السدي: الخاوي الفارغ.
وقوله (فهل ترى لهم من باقية) أي من نفس باقية، وقيل: معناه فهل ترى لهم من بقاء، فالباقية بمعنى المصدر مثل العافية والطاغية. ومعناه فهل ترى لهم من بقية.
وقوله (وجاء فرعون ومن قبله) أي جاء فرعون ومن معه من قومه، على قراءة من قرأ (قبله) بكسر القاف وفتح الباء، ومن قرأ بفتح القاف وسكون الباء أراد والذين قبله من الكفار (والمؤتفكات) يعني وجاء اهل القرى المؤتفكات أي المنقلبات بأهلها - في قول قتادة - وهي قرى قوم لوط (بالخاطئة) أى بالافعال الخاطئة أو بالنفس الخاطئة، وقيل بالخاطئة أى اخطأت الحق إلى الباطل والفساد (فعصوا رسول ربهم فاخذهم) الله على كفرهم وعصيانهم (أخذة رابية) أى زائدة في الشدة من ربا يربو إذا زاد، وقرأ ابوعمرو، والكسائي، وابوبكر عن عاصم (ومن قبله) بكسر القاف وفتح الباء. الباقون بفتح القاف وسكون الباء. وحجة أبي عمرو أن في قراءة أبي (جاء فرعون ومن معه). وقرأ ابوموسى (ومن تلقاه).
وأراد الباقون انه جاء فرعون ومن قبل فرعون من الكفار.
قوله تعالى:
إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية (11) لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية (12) فاذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة (14)

===============
(97)
فيومئذ وقعت الواقعة (15) وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16)
والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17)
يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) (18) ثمان آيات.
قرأ (لا يخفى) بالياء أهل الكوفة، لان تأنيث (خافية) ليس بحقيقي.
وقد فصل بينها وبين الفعل فاصل. الباقون بالتاء على لفظ التأنيث. والتقدير لا يخفى عليه شئ منكم نفس خافية.
يقول الله تعالى مخبرا عما فعل بقوم نوح وفرعون وقومه على وجه الامتنان على خلقه بما فعل بهم من الهلاك الذي فيه زجر لغيرهم عن الكفر وإرتكاب المعاصي (إنا لما طغى الماء) ومعناه لما تجاوز الماء الحد المعروف في العظم حتى غرقت الارض بمن عليها إلا من شاء الله نجاته، وذلك في زمن نوح (عليه السلام) وغرق فرعون وقومه بانطباق البحر عليهم، وقال ابن عباس ومجاهد: معنى طغى الماء كثر، وغرق الله - عزوجل - قوم نوح. وقال قتادة: ارتفع على كل شئ خمس عشرة ذراعا. وقوله (حلمناكم في الجارية) أي حملنا أباكم نوحا ومن كان معه من ولده المؤمنين في السفينة، فالجارية السفينة التي من شأنها أن تجري على الماء، ومنه قوله (وله الجوار المنشآت في البحر كاعلام) (1) والجارية المرأة الشابة تسمى بذلك، لانها يجري فيها ماء الشباب. والحمل امساك الشئ بالوضع على غيره، تقول حملته حملا، والحمل - بفتح الحاء - ما كان في البطن او الشجر - وبكسر الحاء - ما كان على الظهر.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 5، الرحمن آية 24 (ج 10 م 13 من التبيان) (*)

===============
(98)
ووجه التذكرة بذلك أن نجاة من فيها وتغريق من سواهم يقتضي أنه من مدبر مختار وفي امر لم تجربه عادة، فيلتبس انه من فعل الطبيعة. ثم بين تعالى الغرض بما فعله فقال (لنجعلها) يعني السفينة (لكم تذكرة) تتذكرون بها أنعم الله وتشكرونه عليها وتتفكرون فيها (وتعيها أذن واعية) أي وتحفظها اذن حافظة، يقال: وعيت العلم، وأوعيت المتاع في الوعاء، ويقال: وعي قلبه العلم يعيه وعيا، وقال الشاعر:
إذا لم تكن واعيا حافظا * فجمعك للكتب لا ينفع
فمعنى (واعية) ممسكة ما يحصل فيها.
وقال ابن عباس: حافظة. وقيل قابلة سامعة. وقيل: إنه لما نزلت هذه الاية قال النبي (صلى الله عليه وآله) (اللهم اجعلها اذن علي عليه السللام) ورواه الطبري باسناده عن مكحول. ثم قال علي (عليه السلام) (فما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئا فنسيته) ورى الحلواني عن ابن كثير (وتعيها) بسكون العين جعله مثل فخذ وفخذ. الباقون بكسرها، لانه مضارع وعى يعي. واصله يوعي فحذفت الواو لوقوعها بين فتحة وكسرة ومعنى الاية تحفظها كل أذن ليكون عظة لمن يأتي بعدهم. روى الطبري باسناده عن عكرمة عن بريدة قال: سمعت رسول الله عليه واله يقول لعلى (عليه السلام) (يا على ان الله أمرني ان أدنيك ولا اقصيك وأن أعلمك)
وقوله (فاذا نفخ في الصور نفخة واحدة) فهي النفخة الاولى التي يصعق لها من في السموات ومن في الارض (وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة)
قال: ابن زيد: ضرب بعضها على بعض حتى صارتا غبارا. وقيل: معناه بسطتا بسطة واحدة، ومنه الدكان، ويقال: اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره.
وقيل: المعنى حملت الارض والجبال فصك بعضها على بعض حتى تندك، وإنما قيل:
فدكتا لانه جعل الجبال جملة والارض جملة. ومثله (أن السموات والارض كانتا

===============
(99)
رتقا) (1) لان السموات جملة واحدة.
ثم قال (فيومئذ) أي يوم تدك السموات والارض وتنفخ النفخة الواحدة (وقعت الواقعة) يعني القيامة وسميت واقعة لشدة وقعتها بما ليس لغيرها مثل تلك الشدة.
ثم قال (وانشقت السماء) أي انفرج بعضها عن بعض، يقال: انشق الشئ ينشق انشقاقا، وتشقق تشققا إذا تفطر واشتق منه كذا اشتقاقا، ومنه اشتقاق الصفة من المصدر، لان معناه وحروفه فيها دون صورته، فهي مأخوذة منه على هذا الوجه.
وقوله (فهي يومئذ واهية) أي شديدة الضعف بانتقاض بنيتها ولا ينظر أهول من رؤية السماء في هذه الهيأة، يقال: وهى الشئ يهي وهيا، فهو واه أي لا يستمسك لضعفه بنقض بنيته. وقيل: هو تغير السماء بعد صلابتها بمنزلة الصوف في الوهي والضعف، وقيل: السماء مكان الملائكة، فاذا وهت صارت في نواحيها.
وقوله (والملك على أرجائها) فالارجاء النواحي واحدها رجا، مقصور وتثنى رجوان بالواو، والرجا جانب البئر قال الشاعر:
فلا ترمي بي الرجوان اني * أقل القوم من يغني مكاني (2)
وهو من رجوت، لان الجانب يرجى فيه السلامة مع خوف السقوط، والملائكة ذلك اليوم على جوانب السماء تنتظر ما تؤمر به في اهل النار من السوق اليها، وفي اهل الجنة من التحية والتكرمة فيها.
وقوله (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) يعني فوق الخلائق (يومئذ)
يعني يوم القيامة (ثمانية) من الملائكة. وقيل: على أرجائها، لان الناس إذا رأوا

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 21 الانبياء آية 30 (2) تفسير القرطبي 18 / 266 (*)

===============
(100)
جهنم بدروا هاربين فتردهم الملائكة - في قول الضحاك - وقال الحسن وقتادة وسفيان (على أرجائها) يعني نواحيها. وقال ابن عباس (يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله. وروي في خبر مرفوع عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه يحمل العرش ثمانية أملاك، وهو قول ابن زيد، والمعنى في حمل العرش بثمانية أملاك. هو الاخبار بأنه عظيم محتاج أن يحمله من كل زاوية ملكان، لا يفي به لعظمه أقل من ذلك، وبهذا يتصور عظمه في النفس.
وقوله (يومئذ تعرضون) يعني يوم القيامة تعرضون معاشر المكلفين (لا يخفى منكم خافية) فروى في خبر مرفوع - ذكره ابن مسعود وقتادة - ان الخلق يعرضون ثلاث عرضات اثنتان فيها معاذير وجدال، والثالثة تطاير الصحف في الايدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، وليس يعرض الله الخلق ليعلم من حالهم ما لم يعلمه بل هو عالم بجميع ما كان منهم، لانه عالم لنفسه لكن ليظهر ذلك لخلقه.
قوله تعالى:
فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه (19)
إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية (21) في جنة عالية (22) قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الايام الخالية) (24) ست آيات قال الفراء: نزلت هذه الاية في أبي سلمة بن عبد الاسود، وكان مؤمنا، وكان أخوة الاسود بن عبد الاسود كافرا، نزلت فيه الاية التي بعدها.
قسم الله تعالى حال المكلفين يوم القيامة، فقال (فأما من أوتي) أي اعطي

===============
(101)
تابه) الذي فيه أعماله (بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا) قال ابن زيد: يقول المكلف تعالوا اقرأوا (كتابيه) ليعلمهم انه ليس فيه إلا الطاعات، فلا يستحيون أن ينظر، فيها غيرهم، واهل الحجاز يقولون: ها يارجل، وللاثنين هاؤما، وللجمع هاءموا، وللمرأة هاء - بهمزة - وليس بعدها ياء، وللمرأتين هاؤما، وللجماعة هاؤن يانسوة. وتميم وقيس يقولون: ها يارجل مثل قول أهل الحجاز، وللاثنين هاءا، وللثلاثة هاءوا، وللمرأة هائي، وربما قالوا: هاء يا هذه، وللثلاثة هان.
وبعض العرب يجعل مكان الهمزة كافا، فيقول: هاك بغير همزة، ويؤمر بها ولا ينهى و (هاء) بمنزلة خذ وتناول. ووقف الكسائي على (هاؤم) وابتدأ (اقرء واكتابيه)
ويقول أيضا (اني ظننت أني ملاق حسابيه) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معناه إني علمت، وإنما حسن هذا فيما يلزم العمل فيما يلزم العمل به لتأكد امره بالظن، كما يلزم بالعلم مع مقاومة الظن للعلم بالقوة في النفس إلا أن العلم معه قوة ينتهي إلى الثقة الثابتة بسكون النفس. والمعنى اني كنت متيقنا في دار الدنيا بأني ألقى حسابي يوم القيامة، واعلم أني اجازى على الطاعة بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب، وأعمل بما يجب علي من الطاعات واجتناب المعاصي.
ثم اخبر تعالى عن حال من أعطي كتابه بيمينه فقال (فهو في عيشة راضية) أي في عيشة مرضية تقول: عاش يعيش عيشا وعيشة، وهي الحالة التي تستمر بها الحياة ومنه المعاش الذي يطلب التصرف له بعائد النفع عليه، وراضية معناه مرضية.
ف (فاعلة) بمعنى (مفعولة) لانه في معنى ذات رضا، كما قيل: لابن وتامر، أي ذو لبن وذو تمر. قال النابغة:
كليني لهم ياأميمة ناصب * وليل اقاسيه بطئ الكواكب (1)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 5 / 368 و 6 / 90، 329 و 8 / 122، 567 (*)

===============
(102)
أي ذو نصب، فكأن العيشة أعطيت حتى رضيت، لانها بمنزلة الطالبة كما أن الشهوة بمنزلة الطالبة للمشتهى. وقيل: هو كقولهم: ليل نائم وسر كاتم وماء دافق، على وجه المبالغة في الصفة من غير التباس في المعنى: فعلى هذا جاء عيشة راضية ولا. يجوز على هذا القياس زيد ضارب بمعنى مضروب لانه يلتبس به.
وقوله (في جنة عالية) أي بستان أجنه الشجر مرتفعة، فالعلو الجهة المقابلة لجهة السففل. والعلو والسفل متضمن بالاضافة فيكون الغلو سفلا إذا أضفته إلى ما فوقه، ويكون علوا إذا اضيف إلى ما تحته، وقوله (قطوفها دانية) أي اخذ ثمرها، فالقطف اخذ الثمرة بسرعة من موضعها من الشجر، وهو قطوفها، كأنه قال دانية المتناول، قطف يقطف قطفا فهو قاطف، وقطف تقطيفا. والدنو القرب، دنا يدنو دنوا فهو دان، وتدانيا تدانيا وأحدهما أدنى الينا من الاخر. وقال قتادة: معناه قطوفها دانية لا يرد أيديهم عن ثمرها بعد ولا شوك.
ثم حكى تعالى ما يقال لهم فانه يقال لهم (كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم) وصورته صورة الامر والمراد به الاباحة، كما قال (وإذا حللتم
فاصطادوا) (1) وقال قوم: انه أمر على الحقيقة، لان الله يريد من أهل الجنة الاكل والشرب لما لهم في ذلك من زيادة السرور إذا علموا ذلك. وإنما لا يريد ذلك في الدنيا، لانه عبث لا فائدة فيه.
وقوله (هنيئا) معناه مريئا ليس فيه ما يؤذي، فليس يحتاج فيه إلى اخراج فضل لغائط ولا بول.
وقوله (بما اسلفتم) أي جزاء على ما عملتموه من الطاعة (في الايام الخالية)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المائدة آية 3 (*)

===============
(103)
أي الماضية في دار التكليف.
قوله تعالى:
(وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما حسابيه (26) ياليتها كانت القاضية (27)
ما أغني عني ماليه (28) هلك عني سلطانيه (29) خذوه فغلوه (30)
ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بآلله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين (34) فليس له اليوم ههنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله إلا الخاطؤن) (37) ثلاث عشرة آية.
لما حكى الله تعالى قصة أهل الجنة وشرح أحوالهم، حكى - ههنا - قصة أهل النار وشرح أحوالهم، فقال (وأما من أوتي كتابه) يعني من أعطي كتابه الذي فيه أعماله مثبتة (بشماله) وإنما يعطي الله هؤلاء كتابهم بشمالهم، لانه جعل ذلك إمارة للملائكة والخلائق على أن صاحبه من أهل النار، فهو إذا اعطي كتابه في شماله يقول عند ذلك متميا متحسرا على ما فرط (يا ليتني لم أوت كتابيه....)
أى ليتني لم اعط هذا الكتاب، والتمني هو قول القائل لما كان: ليته لم يكن، ولما لم يكن: ليته كان: فهو من صفات الكلام. وقال قوم: هو معنى في النفس فهؤلاء الذين يعطون كتابهم بشمالهم يتمنون أن لم يعطوا كتابهم أصلا، ولم يعلموا

===============
(104ـ) ما لهم وما عليهم، لان اعمالهم كلها معاصي، وهم يستحقون العقاب لا غير فلذلك يتمنون أن لا يعرفوا حسابهم، والحساب اخراج الكثير مما تضمن معنى العدة، وهو محتمل الزيادة والنقصان، والتمني في قول الكفار معناه التحسر والتندم وإن خرج مخرج التمني.
ثم حكى تعالى أنهم لعظم ما دفعوا اليه من العقاب والاهوال ينتدمون ويتحسرون ويتمنون أن لو كانت القاضية بدلا مما هم فيه. قال الفراء: معناه ليت الموتة الاولى التي متناها لم نجئ بعدها. والقاضية الفاصلة بالامانة، يقال: قضى فلان إذا مات، واصله فصل الامر، ومنه قضية الحاكم، وجمعها قضايا، ومنه قضاء الله وهو الاخبار بأنه يكون على القطع والهاء في (يا ليتها) كناية عن الحالة التي هم فيها، وقيل كناية عن الموتة. قال قتادة: يعني الموت ولم يكن عنده في الدنيا شئ اكره منه.
ثم حكى انه يقول (ما أغنى عني ماليه) ومعناه ما كفاني في صرف المكروه ولا صرف عني شيئا من عقاب الله تعالى يقال: أغنى يغني غنى واغناء، قال ابن زيد: معناه ما نفعني ملكي الذي كان لي في الدنيا.
وقوله (هلك عني سلطانيه) قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: هلك عني حجتي. وقال الحسن: قد جعل الله لكل إنسان سلطانا على نفسه ودينه وعيشه.
وقال قوم: معناه هلك عني تسلطي وأمري ونهيي في دار الدنيا على ما كنت مسلطا عليه لا أمر لي ولا نهي، فالهلاك ذهاب الشئ بحيث لايقع عليه احساس، هلك يهلك هلوكا، فهو هلك، قال الزجاج: والوجه أن يوقف على هذه الهاآت، ولا توصل، لانها ادخلت للوقف، وقد حذفها قوم. وفي ذلك مخالفة المصحف، فلا احب حذفها. قال: ولا احب ان اصل وأثبت الهاء، فان هذه رؤس الاي فالوجه

===============
(105)
الوقف عندها، وكذلك قوله (وما ادراك ماهيه) وقد وصل بلاهاء الكسائي.
الباقون بالهاء في الحالين.
ثم حكى مايقول الله تعالى للملائكة ويأمرهم به، فانه يقول لهم (خذوه)
يعني الكفار الذي أعطي كتابه بشماله (فغلوه) أى اوثقوه بالغل، وهو أن يشد احدى يديه او رجليه إلى عنقه بجامعة (ثم الجحيم صلوه) فالجحيم هي النار الغليظة لان النار قد تكون ضعيفة كنار السراج ونار القدح، وقد تكون قوية كنار الحريق فلا يقال لنار السراج: جحيم، وهو اسم علم على نار جهنم التي أعدها الله للكفار والعصاة، والتصلية إلزام النار، ومنه الاصطلاء وهو القعود عند النار للدفا، واصله لزوم الامر، فمنه المصلي الذي في أثر السابق ومنه قول الشاعر:
وصلى على دنها وارتسم (1)
أي لزم الدعاء لهاء. وقوله (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه)
تقديره: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا فاسلكوه فيها، فالسلسلة حلق منتظمة كل واحدة منها في الاخرى، ومنه يقال: سلسل كلامه إذا عقده شيئا بعد شئ، وتسلسل إذا استمر شيئا قبل شئ على الولاء والانتظام. والذرع اخذ قدر الذراع مرة او أكثر، ذرع الرجل الثوب يذرعه ذرعا، فهو ذراع، والثوب مذروع، مأخوذ من الذراع وهو العضو الذي يكون في طرف الكف من الانسان.
وقيل: اسلكوه في السلسلة، لانه يأخذ عنقه فيها، ثم يجر بها. وقال الضحاك:
إنها تدخل في فيه وتخرج من دبره. وقيل: المعنى ثم اسلك السلسلة فيه فقلب كما يقال: ادخلت القلنسوة في رأسي، وإنما أدخل رأسه فيها، وكما قال الاعشي:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر تخريجه في 2 / 41 (ج 10 م 14 من التبيان) (*)

===============
(106)
(غضوب من السوط زيافة) * إذا ما أرتدى بالسراه الاكم) (1)
وإنما السراة ترتدي بالاكم، ولكنه قلب، فهو يجري مجرى التقديم والتأخير اتساعا في اللغة من غير اخلال بالمعنى. ويقولون أيضا: ادخلت الخاتم في يدي، والخف في رجلي، وإنما تدخل اليد والرجل في الخاتم والخف، فقلب:
ثم بين تعالى لم فعل به ذلك؟ وعلى أي شئ استحقه، فقال (إنه كان لايؤمن بالله) أى لم يكن يوحد الله في دار التكليف ولم يصدق بالله (العظيم) في صفاته التي لايشاركه فيها غيره (ولايحض على طعام المسكين) أى لا يحث على ذلك مما يجب عليه من الزكاة والكفارات والنذور.
ثم قال تعالى (فليس له) يعني للكافر (اليوم ههنا) يعني يوم القيامة (حميم)
وهو القريب الذى يحمي لغضب صاحبه (ولاطعام الامن غسلين) يعنى من صديد أهل النار وما يجري منهم، فالطعام هو ما هيئ للاكل، فلذلك لايسمى التراب طعاما للانسان، والخشب طعام الارضة، وليس من طعام أكثر الحيوان.
فلما هيئ الصديد لاكل أهل النار كان ذلك طعاما لهم. والغسلين هو الصديد الذى يتغسل بسيلانه من ابدان أهل النار. ووزنه (فعلين) من الغسل وقال ابن عباس:
هو صديد أهل النار. وقيل: اهل النار طبقات منهم من طعامه الضريع، ومنهم من طعامه الغسلين، لانه قال في موضع آخر (ليس لهم طعام الامن ضريع) (2) وقال قطرب: يجوز أن يكون الضريع هو الغسلين، فعبر عنه بعبارتين، وقال قوم:
يجوز ان يكون المراد ليس لهم طعام إلا من ضريع ولا شراب الا من غسلين، فسماه طعاما كما قال الشاعر:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه (دار بيروت) 197 (2) سورة 88 الغاشية آية 6 (*)

===============
(107)
علفتها بتنا وماء باردا (1)
ثم قال تعالى (لا يأكله) أي لا يأكل هذا الغسلين (إلا الخاطئون) وهم الجائرون عن طريق الحق عامدين. والفرق بين الخاطئ والمخطئ أن المخطئ قد يكون من غير تعمد لما وقع به من ترك اصابة المطلوب، وخطئ خطأ فهو خاطئ قال امرؤ القيس:
يالهف نفسي إذ خطئن كاهلا * القائلين الملك الحلا حلا (2)
فهؤلاء الكفار قد جاروا عن طريق الحق وضلوا عن الصراط المستقيم وتبعوا الضلال في الدين.
قوله تعالى:
(فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) إنه لقول رسول كريم (40) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41)
ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) تنزيل من رب العالمين (43) ولو تقول علينا بعض الاقاويل (44) لا خذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) وإنه لتذكرة للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه لحسرة على الكافرين (50) وإنه لحق اليقين (51)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 1 / 65 و 3 / 456 و 5 / 469 وعجزه: حتى شتت همالة عيناها (2) ديوانه 176 واللسان (حلل). (*)

===============
(108)
فسبح باسم ربك العظيم) (52) خمس عشرة آية.
قرأ (قليلا ما يؤمنون، ويذكرون) بالياء فيهما مكي شامي ويعقوب، وسهل على الخبر عن الكفار. الباقون بالتاء على الخطاب لهم أي قل لهم.
وقيل في قوله (فلا اقسم) ثلاثة اقوال:
احدها - قال الفراء: انه رد لكلام قائل، فكأنه قال: ليس الامر على ما يقال أقسم إنه (لقول رسول كريم).
والثاني - قال قوم (لا) صلة مؤكدة وتقديره فأقسم.
الثالث - قال قوم: إنها نفي للقسم، ومعناه لا يحتاج إلى القسم لوضوح الحق في انه (لقول رسول كريم) وفى هذا الوجه يقع جوابه كجواب غيره من القسم.
وقيل: هو كقول القائل: لا والله لافعل ذاك، ولا والله لافعلن ذاك. وقال قتادة:
أقسم تعالى بالاشياء كلها مايرى ومالايرى، وقال الجبائي: إنما أراد إنه لا يقسم بالاشياء المخلوقات ما يرى وما لايرى، وإنما يقسم بربها، لان القسم لا يجوز إلا بالله. وقوله (إنه لقول رسول كريم) جواب القسم، قال الجبائي: هو قول الله على الحقيقة، وإنما الملك وجبرائيل والرسول يحكون ذلك، وإنما أسنده إليهم من حيث أن ما يسمع منهم كلامهم ولما كان حكاية كلام الله قيل: هو كلام الله على الحقيقة في العرف، وقرئ (إنه من قول رسول كريم) جواب القسم. وقال الحسن: فالرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) الذي أتى بهذا القرآن. وقال غيره: هو جبرائيل (عليه السلام) والاول اظهر، والكريم الخليق بالخير الواسع من قبله، يقال: كرم يكرم كرما فهو كريم، وضده لؤم يلؤم لؤما، فهو لئيم.
ولما اقسم تعالى أن هذا القرآن هو قول رسول كريم نفى بعده أن يكون

===============
(109)
قول شاعر فقال (وما هو بقول شاعر) فالشاعر هو المبتدئ بانشاء الشعر، ولا يكون حاكي الشعر شاعرا، كما يكون حاكي الكلام متكلما، لانه يحكي شعرا انشأه غيره، وإنما نزه الله تعالى نبيه عن الشعر ومنعه منه، لان الغالب من حال الشاعر أنه يدعو إلى الهوى، والرسول بأني بالحكمة التي يدعو اليها العقل للحاجة إلى العمل عليها والاهتداء بها، مع انه بين أن القرآن صنف من الكلام خارج عن الانواع المعتادة، وذلك أدل على إعجازه لبعده عما جرت به العادة في تأليف الكلام قال قتادة: طهر الله نبيه من الشعر والكهانة وعصمه منهما.
وقوله تعالى (قليلا ما تؤمنون) معناه قليلا بما ذكرناه إيمانكم (وما) مصدرية وقال قوم (ما) صلة، وتقديره قليلا تؤمنون بما ذكرناه أي لستم تؤمنون به.
وقوله (ولا بقول كاهن) فالكاهن هو الذي يسجع في كلامه على ضرب من التكلف لتشاكل المقاطع، وهو ضد ماتوجبه الحكمة في الكلام، لانها تقتضي أن يتبع اللفظ المعنى، لانه إنما يحتاج إلى الكلام للبيان به عن المعنى، وإنما البلاغة في الفواصل التي يتبع اللفظ فيها المعنى، فتشاكل المقاطع على ثلاثة أضرب: فواصل بلاغة، وسجع كهانة، وقواف تتبع الزنة، والكاهن الذي يزعم ان له خدمة من الجن تأتيه بضرب من الوحي. وقوله (قليلا ما تذكرون) أي تتفكرون قليلا فيما ذكرناه، فلذلك لا تعلمون صحة ما قلناه، ولو انعمتم النظر لعلمتم صحته.
ثم قال (تنزيل من رب العالمين) أي هو تنزيل نزله الله رب العالمين على رسوله.
وقوله (ولو تقول علينا بعض الاقاويل) اخبار من الله تعالى على وجه القسم أن هذا الرسول الذي حكى بأن القرآن نزل عليه من عند الله وهو محمد (صلى الله عليه وآله) لو تقول على الله في بعض كلامه، ومعناه لو كذب علينا في بعض ما لم يؤمر به،

===============
(110)
فالتقول تكلف القول من غير رجوع إلى حق، والتقول والتكذب والتزيد بمعنى واحد (لاخذنا منه باليمين) جواب القسم، ومعناه أحد وجهين:
احدهما - لاخذنا بيده التي هي اليمين على وجه الاذلال، كمايقول السلطان يا غلام خذ بيده فانه على وجه الاهانة، قال الحسن: معناه لقطعنا يده اليمين.
والثاني - لاخذنا منه بالقوة كما قال الشاعر:
إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين (1)
وقوله (لقطعنا منه الوتين) قال ابن عباس وسعيد بن جبير: الوتين نياط القلب. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: هو عرق في القلب متصل بالظهر إذا قطع مات الانسان، قال الشماخ بن ضرار الثعلبي:
إذا بلغتني وحملت رحلي * عرابة فأشر في ندم الوتين (2)
وقوله (فما منكم من أحد عنه حاجزين) معناه ليس أحد يمنع غيره من عقاب الله بأن يكون حائلا بينه وبينه، فالحاجز هو الحائل بين الشيئين. وإنما قال (حاجزين) بلفظ الجمع، لان (أحدا) يراد به الجمع وإن كان بصيغة الواحد.
ثم قال (وانه لتذكرة للمتقين) قسم من الله تعالى أن هذا القرآن تذكرة وعظة للمتقين، وهو قول قتادة، وإنما اضافه إلى المتقين، لانهم المنتفعون به، فالتذكرة العلامة التي يذكر بها المعنى، ذكره تذكرة، فهو مذكر، كقولك جزاه تجزية وجزاه تجزية، فالمتقى يتذكر القرآن بأن يعمل عليه في أمر دينه في اعتقاد او عمل به فيتميز الجائز مما لا يجوز، والواجب مما ليس بواجب، والصحيح مما لا يصح.
وقوله (وإنا لنعلم أن منكم مكذبين) عطف على جواب القسم، ومعناه

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 8 / 512 و 9 / 46 وقائله الشماخ (2) مجاز القرآن 2 / 268 والطبري 21 / 37 (*)

===============
(111)
التحذير من التكذيب بالحق وأنه ينبغي أن يتذكر أن الله تعالى يعلمه ويجازي عليه.
وقوله (وانه لحسرة على الكافرين) معناه إن هذا القرآن حسرة على الكافرين يوم القيامة حيث لم يعملوا به في الدنيا، فالحسرة الغم من أجل ما انحسر وقته كيف فات العمل الذي كان ينبغي فيه أن يفعل، فيحسر السرور عن النفس إلى الغم بانحساره. وقيل: إن التكذيب به حسرة على الكافرين.
ثم اقسم تعالى فقال (وانه) يعني القرآن الذي انزله والاخبار بما اخبر به وذكره (لحق اليقين) ومعناه الحق اليقين، وإنما اضافه إلى نفسه، والحق هو اليقين، كما قيل مسجد الجامع ودار الاخرة وبارحة الاولى ويوم الخميس وما اشبه ذلك، فيضاف الشئ إلى نفسه إذا اختلف لفظه كما اختلف الحق واليقين. والحق هو الذي معتقده على ما اعتقده، واليقين هو الذي لا شبهة فيه، ثم قال لنبيه (فسبح) يا محمد والمراد به جميع المكلفين ومعناه نزه الله تعالى (باسم ربك العظيم) ومعناه نزهه عما لا يجوز عليه من صفات خلقه و (العظيم)
هو الجليل الذي يصغر شأن غيره في شأنه بما يستحق من أوصافه. وروي انه لما نزلت هذه الاية قال النبي (صلى الله عليه وآله): اجعلوها في ركوعكم.

===============
(112)
70 - سورة المعارج:
مكية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما وهي أربع واربعون آية بلا خلاف.
بسم الله الرحمن الرحيم.
(سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين ليس له دافع (2) من الله ذي المعارج (3) تعرج الملئكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4) فاصبر صبرا جميلا (5)
إنهم يرونه بعيدا (6) ونريه قريبا (7) يوم تكون السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) ولا يسئل حميم حميما) (10) عشر آية.
قرأ اهل المدينة وأهل الشام (سال) بغير همز وهو يحتمل أمرين:
احدهما - ان يكون من السيل تقول: سال يسيل سيلا فهو سائل، وسايل واد في جهنم، كما قال (اعوذ برب الفلق) والفلق جب في جهنم. واجمعوا على همزة (سائل) لانه ولو كان من (سال) بغير همز، فالياء تبدل همزة إذا وقعت بعد الالف مثل البائع والسائر من (باع، وسار).
والثاني - بمعنى سأل بالهمزة، لانها لغة يقولون سلت أسال، وهما يتسالان.

===============
(113)
قال الشاعر:
سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هذيل بما سالت ولم تصب (1)
فهي لغة أخرى، وليست مخففة من الهمزة الباقون بالهمز من السؤال الذي هو الطلب. وقرأ الكسائي وحده (يعرج) بالياء، لان تأنيث الملائكة ليس بحقيقي، الباقون - بالتاء وقرأ ابن كثير - في رواية البزي - وعاصم في رواية البرجمي عن ابي بكر (ولا يسأل) بضم الياء. الباقون بفتح الياء اسندوا السؤال إلى الحميم.
حكى الله تعالى انه (سأل سائل بعذاب واقع) قال الفراء: الداعي بالعذاب هوالنضر بن كلدة أسر يوم بدر وقتل صبرا، هو وعقبة بن أبي معيط. وقال:
تقديره سأل سائل بعذاب (واقع للكافرين) قال ابن: خالويه قال النحويون:
إن الباء بمعنى (عن) وتقديره: سأل سائل عن عذاب واقع وانشد:
دع المعمر لا تسأل بمصرعه * واسأل بمصقله البكري ما فعلا (2)
أي لا تسأل عن مصرعه، وهذا الذي سأل العذاب الواقع إنما تجاسر عليه لما كذب بالحق ليوهم أنه ليس فيه ضرر، ولم يعلم انه لازم له من الله. وقال مجاهد:
سؤاله في قوله (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء) (3) وقال الحسن: سأل المشركون، فقالوا: لمن هذا العذاب الذي يذكره محمد؟ فجاء جوابهم بأنه (للكافرين ليس له دافع) وقيل: معناه دعا داع بعذاب للكافرين، وذلك الداعي هو النبي (صلى الله عليه وآله)، واللام في قوله (للكافرين) قيل في

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبى 18 / 280 (2) قائله الاخطل اللسان (صقل)
(3) سورة 8 الانفال آية 32 (ج 10 م 15 من التبيان) (*)

===============
(114)
معناها قولان: أحدهما - إنها بمعنى (على) وتقديره سأل سائل بعذاب واقع على الكافرين، ذهب اليه الضحاك.
والثاني - إنها بمعنى (عن) أي ليس له دافع عن الكافرين، وإنما ذكر وعيد الكافر - ههنا - مع ذكره في غير هذا الموضع، لان فيه معنى الجواب لمن سأل العذاب الواقع، فقيل له: ليس لعذاب الكافرين دافع، فاعمل على هذا، وتقدم نظيره وتأخر، والدافع هو الصارف للشئ عن غيره باعتماد يزيله، عنه دفعه عن كذا يدفعه دفعا، فهو دافع وذاك مدفوع.
وقوله (من الله ذي المعارج) يعني مصاعد الملائكة. وقيل: معناه ذي الفواضل العالية، فيكون وصفا لله تعالى، وتقديره من الله ذي المعالي التي هي الدرجات التي يعطيها أولياءه من الانبياء والمؤمنين في الجنة، لانه يعطيهم درجات رفيعة ومنازل شريفة، والمعارج مواضع العروج، واحدها معرج، عرج يعرج عروجا والعروج الصعود مرتبة بعد مرتبة، ومنه الاعرج لارتفاع احدى رجليه عن الاخرى وقال قتادة: معنى ذي المعارج ذي الفواضل والنعم، لانها على مراتب. وقال مجاهد: هي معارج السماء. وقيل: هي معالى الدرجات التي يعيها الله تعالى اولياءه في الجنة. وقال الحسن: معناه ذي المراقي إلى السماء. والذي اقتضى ذكر المعارج البيان عن العقاب الذي يجب ان يخافه، على خلاف هذا الجاهل الذي سأل العذاب الواقع على من كفر نعمته.
وقوله (تعرج الملائكة) معناه تصعد الملائكة (والروح) أي يصعد الروح أيضا معهم (اليه) والمعنى تعرج الملائكة والروح الذي هو جبرائيل إلى الموضع الذي يعطيهم الله فيه الثواب في الاخرة (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) لعلو

===============
(115)
درجاتهم، وإنما قال (اليه) لانه هناك يعطيهم الثواب، كما قال في قصة إبراهيم (اني ذاهب إلى ربي) (1) أى الموضع الذى وعدني ربي، وكذلك الموضع الذى وعدهم الله بالثواب فيه. وقيل: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره من عروج غيرهم خمسين الف سنة، وذلك من اسفل الارضين السبع إلى فوق السماوات السبع - ذكره مجاهد - وقوله (يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج اليه في يوم كان مقداره الف سنة مما تعدون) (2) فهو لما بين السماء الدنيا والارض في الصعود والنزول الف سنة: خمسمائة صعودا وخمسمائة نزولا - ذكره مجاهد - ايضا. وقيل: المعنى ان يوم القيامة يفعل فيه من الامور ما لو فعل في الدنيا كان مقداره خمسين الف سنة.
وقال قوم: المعنى إنه من شدته وهو له وعظم العذاب فيه على الكافرين كانه خمسون الف سنة، كما يقول القائل: ما يومنا إلا شهر أي في شدته، وعلى هذا قول امرء القيس:
ألا ايها الليل الطويل ألا انجل * بصبح وما الاصباح منك بأمثل
ويالك من ليل كأن نجومه * بكل مغار الفتل شدت بيذبل (3)
ويؤكد هذا ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه لما نزلت هذه الاية قيل له ما أطول هذا اليوم؟ ! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (والذي بعثني بالحق نبيا إنه ليخف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا) وقال الضحاك وقتادة:
هو يوم القيامة. وقال الزجاج: يجوز أن يكون (يوما) من صلة (واقع) فيكون المعنى سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين الف سنة وذلك العذاب يقع يوم القيامة. وقال الحسن: تعرج الملائكة بأعمال بني آدم في الغمام، كما قال

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 37 ص آية 99 (2) سورة 32 ألم السجدة آية 5 (3) ديوانه 152 (*)

===============
(116)
(ويوم تشقق السماء بالغمام) (1) وقال الزجاج: سماه يوما، لان الملائكة تعرجه في مقدار يوم واحد. ثم أمر نبيه فقال (فاصبر صبرا جميلا) أي لا شكوى فيه على ما تقاسيه من أذى قومك، وتكذيبهم إياك فيما تخبر به من أمر الاخرة. قال الزجاج: ذلك قبل أن يؤمر بالقتال.
وقوله تعالى (إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا) اخبار من الله تعالى أنه يعلم مجئ يوم القيامة وحلول العقاب بالكفار قريبا، ويراه أي يظنه الكفار بعيدا، لانهم لا يعتقدون صحته، وكل ما هو آت قريب، وهذا على وجه الانكار عليهم استبعادهم يوم الجزاء، وتوهمهم أنه بعيد. وبين أنه تعالى يراه قريبا بما يعلمه من حصوله، وإنما جاز أن يقال في توهمهم: يرونه لانهم يتوهمونه، وهم عند أنفسهم يرونه، فجاء على مزاوجة الكلام الذي ينبئ عن المعنى من غير اخلال. وقيل: معنى إنهم يرون العذاب الذي سألوا عنه بعيدا، لانهم لا يؤمنون به، ونراه قريبا لان كل ما هو آت قريب.
ثم وصف الله تعالى يوم القيامة فقال (يوم تكون السماء كالمهل) قال الزجاج:
المهل دردي الزيت، وقال مجاهد: هو عكر الزيت. وقال قوم: هوالصفر المذاب.
وقال قوم: المهل هو الجاري بغلظة وعكرة على رفق: من أمهله إمهالا، وتمهل تمهلا (وتكون الجبال كالعهن) فالعهن الصوف المنفوش، وذلك ان الجبال تقطع حتى تصير بهذه الصفة، كما أن السماء تشقق بالغمام وتكون كالمهل.
وقوله (ولا يسأل حميم حميا) فالحميم القريب النسب إلى صاحبه الذي يحمى لغضبه وأصله القرب قال الشاعر:
احم الله ذلك من لقاء * أحاد احاد في الشهر الحلال (2)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 25 الفرقان آية 25 (2) مر 8 / 503، 575 (*)

===============
(117)
وقال مجاهد: لا يسأل حميم حميما لشغل كل إنسان بنفسه عن غيره. وقال الحسن: لا يسأله ان يحمل عنه من اوزار ليأسه من ذلك في الاخرة. وقيل (لا يسأل حميم حميما) لانه (يعرف المجرمو بسيماهم) (1) ومن ضم الياء أراد لا يطالب قريب بأن يحضر قريبه كما يفعل أهل الدنيا بأن يؤخذ الحميم بحميمه والجار بجاره، لانه لا جور هناك، ويجوز أن يكون المراد لا يسأل حميم عن حميمه ليعرف شأنه من جهته، كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه، والقريب من قريبه.
ثم يحذف الجار ويوصل الفعل إلى المفعول به، ويقوي ذلك قوله (يبصرونهم)
أى يبصر الحميم حميمه. والفعل فيه قبل تضعيف العين بصرت به، كما قال حكاية عن السامري (بصرت بما لم يبصروا به) (2).
قوله تعالى:
(يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11) وصاحبته وأخيه (12) وفصيلته التي تؤيه (13) ومن في الارض جميعا ثم ينجيه (14) كلا إنها لظى (15) نزاعة للشوى (16) تدعو من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى (18) إن الانسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين في أموالهم حق معلوم (24) للسائل

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 55 الرحمن آية 41 (2) سورة 20 طه آية 96 (*)

===============
(118)
والمحروم) (25) خمس عشرة آية.
قرأ (نزاعة) - بالنصب - حفص عن عاصم على الحال. الباقون بالضم جعلوه بدلا من (لظى) و (لظى) اسم من اسماء جهنم معرفة، و (نزاعة) نكرة فلذلك نصبه حفص على الحال ومن جعلها بدلا من (لظى) وتقديره كلا إنها لظى، كلا إنها نزاعة للشوى، وضعف أبوعلي نصبه على الحال، قال: لانه ليس في الكلام ما يعمل في الحال، ولظى اسم معرفة لا يمكن أن يكون بمعنى التلظي، فلا يعمل فيه الاعلى وجه ضعيف بأن يقال: مع انها معرفة فمعناها بمعنى التلظي. قال والاجود أن ينصب بفعل آخر، وتقديره أعني نزاعة.
لما وصف الله تعالى القيامة وأهوالها، واخبر أن الحميم لا يسأل حميا لشغله بنفسه، قال (يبصرونهم) قال ابن عباس وقتادة: يعرف الكفار بعضهم بعضا، ثم يفر بعضهم عن بعض، وقال مجاهد: يعرفهم المؤمنون، وقال قوم: يعرف اتباع الضلال رؤساءهم، وقول ابن عباس أظهر، لانه عقيب ذكر الكفار. وقال هو كناية ينبغي ان يرجع اليهم.
وقوله (يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه) أى بتمنى العاصي، فالمودة مشتركة بين التمنى وبين المحبة تقول: وددت الشئ إذا تمنيته ووددته إذا احببته أود فيهما جميعا، وصفة ودود من المحبة. وقوله (لو يفتدي)، فالافتداء افتداء الضرر عن الشئ يبدل منه، فهؤلاء تمنوا سلامتهم من العذاب النازل بهم باسلام كل كريم عليهم. والفرق بين (يود لو يفتدي) و (يود أن يفتدي) أن (لو) تدل على التمني من جهة أنها لتقدير المعنى، وليس كذلك (أن) لانها لا ستقبال الفعل و (لو) للماضي، فلما كان الاعتماد على تصور المعنى صارفي حكم

===============
(119)
الواقع، فلو قال قائل: حسبت أن يقوم زيد، لما دل على التمنى، ولو قال حسبت لو يقوم زيد لدل على التمني فبان الفرق بينهما.
وقوله (ببنيه) يعني بأولاده الذكور (وصاحبته) يعني زوجته (واخيه)
يعني ابن أبيه وأمه (وفصيلته التي تؤويه) فافصيلة هي المنقطعة عن جملة القبيلة برجوعها إلى ابوة خاصة، وهي الجماعة التي ترجع إلى أبوة خاصة عن ابوة عامة (ومن في الارض جميعا ثم ينجيه) أى يتمنى هذا الكافر بان يتخلص من بعذاب الله بأن يفتدى بهؤلاء كلهم، فقال الله تعالى (كلا) أى ليس ينجيه من عقاب الله شئ وقال الزجاج (كلا) ردع وتنبيه أى لا ينجيه احد من هؤلاء فارتدعوا.
وقوله (إنها لظى) فلظى اسم من اسماء جهنم مأخوذ من التوقد، ومنه قوله (فانذرتكم نارا تلظى) (1) وموضع (لظى) رفع، لانها خبر (ان) و (نزاعة للشوى) خبر آخر - على قول من رفع - ومن نصب جعله حالا، ويجوز أن تكون الهاء في (إنها) عمادا،، و (لظى) ابتداء وخبرها (نزاعة) إذا رفع، قال الزجاج:
ويجوز أن يكون كقولهم: هذا حلو حامض، وتقديره النار لظى، وهي انزاعة ايضا.
ومعنى نزاعة كثيرة النزع وهو اقتلاع عن شدة. والاقتلاع أخذ بشدة اعتماد، والشوى جلدة الرأس. والشوى الكوارع والاطراف، والشوى ماعدا المقتل من كل حيوان، يقال: رمى فأشوى إذا اصاب غير المقتل، ورمى فأصمى إذا اصاب المقتل، ومنه الشوي، لان النار تأخذ الجلدة والاطراف بالتغير. والشوى الخسيس من المال. وقيل: ان جهنم تنزع جلدة الرأس واطراف البدن، والشوى جمع سواة قال الاعشى:
قالت قتيلة ماله * قد حللت شيبا شواته (2)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 92 الليل آية 14 (2) اللسان (شوا) (*)

===============
(120)
وقال ابن عباس: نزاعة للشوى للجلد وأم الراس. وقال ابوصالح: لحم الساق، وقال قتادة: الهام والاطراف. وقال الفراء: كل ما كان غير مقتل فهو شوى. وقال ابوعمر الدوري: كان الكسائي لا يقف على (كلا) في شئ من القرآن إلا على هذين في هذه السورة. وقال ابن خالويه: أعلم أن في القرآن ثلاثا وثلاثين موضعا (كلا) فليس في النصف الاول منه شئ، فمن وقف عليه جعله رد للكلام. ومن لم يقف جعله بمعنى حقا، قال الشاعر:
يقلن لقد بكيت فقلت كلا * وهل تبكي من الطرب الجليد (1)
فالطرب خفة تصيب الانسان لشدة الخوف قال الشاعر:
وأراني طربا في أثرهم * طرب الواله أو كالمختبل (2)
وقال في السرور:
اطربا وأنت قنسري * والدهر بالانسان دواري (3)
يقول أطربا وأنت شيخ. وقوله تعالى (تدعو من أدبر وتولى) قيل في معناه قولان:
احدهما - إنه لا يفوت هذه النار كافر، فكأنها تدعوه فيجيبها كرها.
والثاني - ان يخرج لسان من النار فيتناوله كأنها داعية بأخذها، وهو كقوله (تكاد تميز من الغيظ) (4) وقال الفراء: وغيره: إن النار تدعو الكافر والفاسق، فتقول إلي الي، وهذا يجوز إذا فعل الله تعالى فيها الكلام، ويضاف اليها مجازا.
وقال قتادة: تدعو من أدبر وتولى عن طاعة الله. وقال مجاهد: من تولى عن الحق وقيل: معناه تدعو زبانيتها من أدبر وتولى عن طاعة الله. وقوله (وجمع فاوعى)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مقاييس اللغة 3 / 454 (2) مر في 3 / 21 و 5 / 247 (3) مر في 4 / 377، 505 و 8 / 63 (4) سورة 67 الملك آية 8 (*)

===============
(121)
معناه عمل فجمع المال في الدنيا وأدبر عن الحق وتولى، فالنار تدعوه بما يظهر فيها من انه أولى بها. وقال مجاهد (جمع) المال (فاوعى) ولم يخرج حق الله منه، فكأنه جعله في وعاء على منع الحقوق منه.
وقوله (إن الانسان خلق هلوعا) اخبار منه تعالى بان الانسان خلق هلوعا والهلوع هو الشديد الحرص، الشديد الجزع من الضجر - في قول ابن عباس وعكرمة - وقيل: معناه خلق ضعيفا عن الصبر على الجزع والهلع، لانه لم يكن في ابتداء خلقه يهلع ولا يجزع ولا يشعر بذلك حال الطفولية، وإنما جاز ان يخلق الانسان على هذه الصفة المذمومة، لانها تجري مجرى خلق سهوه القبيح ليجتنب المشتهى، لان المحنة في التكليف لاتتم إلا بمنازعة النفس إلى القبيح ليجتنب على وجه الطاعة لله تعالى، كما لايتم إلا بتعريف الحسن من القبيح في العقل ليجتنب أحدهما ويفعل الاخر (إذا مسه الشر جزوعا) لو كان منقطعا عن الاول لكان مرفوعا، والجزع ظهور الفزع بحال تنبئ عنه (وإذا مسه الخير منوعا) معناه إذا نال الانسان الخير والسعة في الدنيا منع حق الله فيه من الزكاة وغيرها مما فرض الله عليه، فالمس الملاقاة من غير فعل، ويقال: مسه يمسه، وتماسا إذا التقيا من غير فعل، وماسه مماسة. والمنع هو القطع عن الفعل بما لا يمكن وقوعه معه، وهو على وجهين: احدهما - منع القادر ان يفعل. والاخر - منع صاحب الحق أن يعطى حقه. والبخل منع الحق صاحبه.
لما وصف الله تعالى الانسان بالصفات المذمومة اسنثنى من جملتهم من لا يستحق الذم، لان الانسان عبر به عن الناس، فهو لعموم الجنس، كما قال (إن الانسان لفي خسر ألا الذين) (1) وكذلك - ههنا - قال (إلا المصلين الذين هم

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 103 العصر آية 2 (*)

===============
(122)
على صلاتهم دائمون) ومعناه الذين يستمرون على اداء الصلاة التي أوجبها الله عليهم لا يخلون بها ولا يتركونها. وروي عن أبي جعفر (عليه السلام) أن ذلك في النوافل يديمون عليها وقوله (والذين هم على صلواتهم يحافظون) (1) في الفرائض والواجبات (والذين في أموالهم حق معلوم) فالحق وضع الشئ في موضعه على ما يقتضيه العقل والشرع من قولهم: حق الشئ يحق حقا، وحقه كقولك تحققه. والمال عبارة في الشرع عن مقدار معين من العين أو الورق يتعلق به وجوب الزكاة واكثر ما يستعمل في اللغة في المواشي من الابل والبقر والغنم. وقال ابن عباس: الحق المعلوم هو البر الذي يخرج في صدقة أو صلة رحم. وقال قتادة: هو الزكاة المفروضة (للسائل والمحروم) والسائل هو الذي يسأل ويطلب. والمحروم، قال ابن عباس: هو المحارف وقال الحسن: هو الذي حرم أن يعطى الصدقة بتركه المسألة. وقيل: هو الذي قد حرم الرزق وهو لا يسأل الناس.
وقوله (عذاب يومئذ) قرئ بالفتح والكسر من (يومئذ) فمن كسر الميم فعلى أصل الاضافة، لان الذي أضيف اليه الاول مخفوض أيضا بالاضافة فهذا مضاف إلى مضاف. ومن فتح فلانه مضاف إلى غير متمكن مضاف إلى (إذ) و (إذ) مبهمة ومعناه يوم إذ يكون كذا ويكون كذا فلما كانت مبهمة وأضيف اليها بني المضاف اليها على الفتح وانشد:
لم يمنع الشرب منها غيران نطقت * حمامة في غصون ذات او قال (2)
لما اضاف (غير) إلى (ان) بناها على الفتح، وهي في موضع رفع، وروي (غير أن) نطقت بالرفع.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 23 المؤمنون آية 9 (2) مر في 4 / 479 و 8 / 51 و 9 / 383 (*)

===============
(123)
قوله تعالى:
(والذين يصدقون بيوم الدين (26) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (27) إن عذاب ربهم غير مامون (28) والذين هم لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم أوما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين (30) فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون (31)
والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون (32) والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) أولئك في جنات مكرمون) (35) عشر ايات.
قرأ (شهاداتهم) على الجمع حفص ويعقوب وعياش وسهل، لا ختلاف الشهادات. الباقون (بشهادتهم) على التوحيد، لانه لفظ جنس يقع على القليل والكثير. وقرأ ابن كثير وحده (لامانتهم) على التوحيد، لانه اسم جنس. الباقون على الجمع لا ختلاف الامانات.
عطف الله تعالى على صفات المؤمنين وزاد في مدحهم، فقال (والذين يصدقون بيوم الدين) أي يؤمنون بأن يوم الجزاء والحساب يوم القيامة حق، ولا يشكون في ذلك، والتصديق الاقرار بأن الخبر صادق، فلما كان المؤمنون قد أقروا ان كل من اخبر بصحة يوم الدين فهو صادق، كانوا مصدقين به، فأما المصدق بيوم الدين تقليدا، فمن الناس من قال: هو ناج. ومنهم من قال: لا يطلق عليه مصدق بيوم الدين، لانها صفة مدح، وذلك أنه من أخلص هذا المعنى على جهة الطاعة لله تعالى

===============
(124)
به استحق المدح والثواب، والمقلد عاص بتقليده، لانه لا يرجع فيه إلى حجة.
وقوله (والذين هم من عذاب ربهم مشفقون) فالاشفاق رقة القلب عن تحمل ما يخاف من الامر، فاذا قسا قلب الانسان بطل الاشفاق، وكذلك إذا أمن كحال أهل الجنة إذقد صاروا إلى غاية الصفة بحصول المعارف الضرورية. وقيل:
من اشفق من عذاب الله لم يتعد له حدا ولم يضيع له فرضا.
وقوله (إن عذاب ربهم غير مأمون) اخبار منه تعالى بأن عذاب الله لا يوثق بأنه لا يكون، بل المعلوم أنه كائن لا محالة. والمعنى إن عذاب الله غير مأمون على العصاة، يقال: فلان مأمون على النفس والسر والمال، وكل ما يخاف انه لا يكون، ونقيضه غير مأمون.
وقوله (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)
ومعناه إنهم يمنعون فروجهم على كل وجه وسبب إلا على الازواج وملك الايمان فكأنه قال: لا يبذلون الفروج إلا على الازواج أو ملك الايمان، فلذلك جاز ان يقول (حافظون إلا على أزواجهم) وهم حافظون لها على الازواج، فانما دخلت (إلا) للمعنى الذي قلناه، وقال الزجاج تقديره: إلا من أزواجهم ف (على) بمعنى (من) او تحمله على المعنى، وتقديره فانهم غير ملومين على أزواجهم ويلامون على غير أزواجهم، وقال الفراء: لا يجوز أن تقول: ضربت من القوم إلا زيدا، وانت تريد إلا أني لم اضرب زيدا. والوجه في الاية أن نحملها على المعنى، وتقديره والذين هم لفروجهم حافظون، فلا يلامون إلا على غير أزواجهم. ومثله أن يقول القائل:
أصنع ما شئت إلا على قتل النفس، فانك غير معذب، فمعناه إلا إنك معذب في قتل النفس.
وقوله (فانهم غير ملومين) أي لا يلامون هؤلاء إذا لم يحفظوا فروجهم

===============
(125)
من الازواج، وما ملكت أ يمانهم من الاماء على ما أباحه الله لهم.
ثم قال (فمن ابتغى وراء ذلك) ومعناه فمن طلب وراء ما أباحه الله له من الفروج إما بعقد الزوجية أو بملك اليمين (فأولئك هم العادون) الذين تعدوا حدود الله وخرجوا عما أباحه الله لهم فالابتغاء الطلب ومعنى (وراء ذلك) ما خرج عن حده من أي جهة كان، وقد يكون وراءه بمعنى خلفه نقيض أمامه إلا أنه - ههنا - الخارج عن حده كخروج ما كان خلفه. والعادي الخارج عن الحق، يقال: عدا فلان فهو عاد إذا اعتدى، وعدا في مشيه يعدو عدوا إذا أسرع فيه، وهو الاصل. والعادي الظالم بالاسراع إلى الظلم.
وقوله (والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون) فالامانة المعاقدة بالطمأنينة على حفظ ما تدعو اليه الحكمة. وقيل: الامانة معاقدة بالثقة على ما تدعو اليه الحكمة.
وقد عظم الله أمر الامانة بقوله (إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فابين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان) (1) ومن وحد لفظ الامانة، فلانها للجنس تقع على القليل والكثير، ومن جمع أراد اختلاف ضروبها. وقال قوم: المراد بالامانة الايمان وما أخذه الله على عباده من التصديق بما أوجب عليهم والعمل بما يجب عليهم العمل به، ويدخل في ذلك الايمان وغيره، وقوله (راعون) معناه حافظون.
وقوله (والذين هم بشهاداتهم قائمون) مدح للمؤمنين بأنهم يقيمون الشهادة التي يلزمهم إقامتها. ومن وحد لفظ الشهادة، فكما قلناه في الامانة سواء، والشهادة الاخبار بالشئ على أنه على ما شاهده، وذلك أنه يكون عن مشاهدة للخبر به، وقد يكون عن مشاهدة ما يدعو اليه.
وقوله (والذين هم على صلاتهم يحافظون) وصف لهم بأنهم يحافظون على

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 33 الاحزاب آية 72 (*)


(126)
صلاتهم فلا يضيعونها وقيل إنهم يحافظون على مواقيتها فلا يتركونها حتى تفوت ثم قال (أولئك) يعني المؤمنين الذين وصفهم بالصفات المتقدمة (في جنات) أي بساتين يجنها الشجر (مكرمون) أي معظمون مبجلون بما يفعل بهم من الثواب والاكرام وهو الاعظام على الاحسان، والاكرام قد يكون بالاحسان، وقد يكون بكبر الشأن في صفة العالم القادر الغني الذي لا يجوز عليه صفات النقص، فالاعظام بالاحسان وبكبر الشأن في أعلى المراتب لله تعالى لا يستحقه سواه.
قوله تعالى:
فمال الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37) أيطمع كل أمرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (39) فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (42) يوم يخرجون من الاجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون) (44) تسع آيات.
قرأ (نصب) بضمتين أهل الشام، وحفص عن عاصم، وسهل، على انه جمع (نصب) مثل رهن ورهن - في قول ابي عبيدة - وقال غيره: هما لغتان، مثل ضعف وضعف. الباقون بفتح النون خفيفة. والنصب الصنم الذي كانوا يعبدونه،

===============
(127)
سمي بذلك. وقيل: النصب نصب الصنم الذى كانوا يعبدونه. وقيل: معناه إلى علم يسبقون اليه قد نصب لهم. وقرأ الاعشى (يخرجون) بضم الياء. الباقون بفتحها أضافوا الخروج اليهم.
يقول الله تعالى على وجه الانكار على الكفار (فما للذين كفروا) ومعناه أى شئ للذين كفروا بتوحيد الله وجحدوا نبوتك (قبلك مهطعين) أى نحوك مسرعين - في قول ابي عبيدة - وقال الحسن: معناه منطلقين. وقال قتادة: عامدين وقال ابن زيد: معناه لا يطرقون أى شاخصون. وجميع ذلك بمعنى الاسراع إلى الشئ فمرة بتشوقه ومرة بقصده ومرة بشخوصه. وقال الزجاج: المهطع المقبل ببصره على الشئ لا يزايله، وذلك من نظر العدو، وإنما أنكر عليهم الاسراع اليه لانهم أسرعوا اليه ليأخذوا الحديث منه ثم يتفرقون عزين بالتكذيب عليه - ذكره الحسن - وقيل: أسرعوا اليه شخوص المتعجب منه. وقيل: أسرعوا اليه لطلب عيب له. وقيل: معناه فما للذين كفروا مسرعين في نيل الجنة مع الاقامة على الكفر والاشراك بالله في العبادة.
وقوله (عن اليمين وعن الشمال عزين) قال ابن عباس: عن اليمين والشمال معرضين يستهزؤن، ومعنى (عزين) جماعات في تفرقة نحو الكراريس واحدهم عزة، وجمع بالواو والنون، لانه عوض مما حذف منه، ومثله سنة وسنون وأصل عزة عزوة من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره، وكل واحدة من هذه الجماعة مضافة إلى الاخرى، وقال الراعي:
أخليفة الرحمن إن عشيرتي * أمسى سوامهم عزين فلولا (1)
وقوله (ايطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم) فمن ضم الياء،

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجاز القرآن 2 / 27 والطبرى 29 / 47 (*)

===============
(128)
وهم أكثر القراء جعل الفعل لما لم يسم. فاعله. وفتح الحسن الياء لانهم إذا أدخلوا فقد دخلوا. ومعنى الاية الانكار عليهم قولهم: إن دخل أصحاب محمد الجنة، فانا ندخلها قبلهم لا محالة، فقيل وأي شئ لكم عند الله يوجب هذا؟ ولم تحتقرون هؤلاء؟ وقد خلقناهم جميعا مما يعلمون أي من تراب.
وقوله (كلا إنا خلقناهم مما يعلمون) قال الحسن: خلقناهم من النطفة.
وقال قتادة: إنما خلقت من قذر يابن آدم فاتق الله. وقال الزجاج: أي من تراب، ثم من نطفة، فأي شئ لهم يدخلون به الجنة، وهم لك على العداوة، وهذا حجاج لان خلقهم من ماء مهين يقتضى أنهم خلقوا للعبادة، فجعل في خلقهم من هذا عبرة، ولولا ذلك لابتدأهم في نعيم الجنة، ولم يكن لتنقلهم في الصور والاحوال معنى في الحكمة، وقال بعضهم: المعنى خلقناهم من الذين يعلمون أو من الخلق أو الجنس الذي يعلمون ويفقهون، وتلزمهم الحجة، ولم يخلقهم من الجنس الذي لا يفقه كالبهائم والطير، وإنما قال (مما يعلمون) فجمع، لانه قال قبل ذلك (خلقناهم) فجمع (يعلمون) ووجه أخر وهو أنه خلقهم من أجل ما يعلمون من الثواب والعقاب والتكليف للطاعات تعريضا للثواب، كما يقول القائل: غضبت عليك مما تعلم أى من أجل ما تعلم قال الاعشى:
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا * وشطت على ذى هوى أن تزاوا (1)
على انه لم يزمع من عندهم، وإنما أزمع من أجلهم للمصير اليهم.
وقوله (فلا أقسم برب المشارق والمغارب) قسم من الله تعالى برب المطالع والمغارب، و (لا) مفخمة وقد بينا القول في ذلك. وقال ابن عباس: الشمس لها ثلثمائة وستون مطلعا كل يوم مطلع لاتعود اليه إلا إلى قابل. وقوله (إنا لقادرون)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه 80 واللسان (زمع) (*)

===============
(129)
جواب القسم وفيه إخبار من الله تعالى بأنه قاد (على أن نبدل) بالكفار (خيرا منهم) فالتبديل تصبير الشئ موضع غيره، بدله تبديلا وأبدله إبدالا، والبدل الكائن في موضع غيره. وقوله (وما نحن بمسبوقين) عطف على جواب القسم، ومعناه إن هؤلاء الكفار لا يفوتون بأن يتقدموا على وجه يمنع من لحاق العذاب بهم فلم يكونوا سابقين، ولا العقاب مسبوقا منهم، فالسبق نقدم الشئ في وقت قبل وقت غيره. والتقدير وما نحن بمسبوقين بفوت عقابنا إياهم، وكأنه لوفاتهم عقابنا لكنا قد سبقنا، وما نحن بمسبوقين. وقيل: معناه وما أهل سلطاننا بمسبوقين. وقيل:
وما نحن بمغلوبين بالفوت. ثم قال على وجه التهديد لهم بلفظ الامر للنبي (صلى الله عليه وآله) (فذرهم) أي اتركهم (يخوضوا ويلعبوا) فان وبال ذلك عائد عليهم والعقاب المستحق على كفرهم حال بهم، واللعب عمل للترويج عن النفس بما هو حقير في العقل، كلعب الصبيان ومن جرى مجراهم من ناقصي العقل، ولا يجوز من الحكيم أن يفعل اللعب لغيره، لانه عمل وضيع في الحكمة (حتى يلافوا يومهم الذي يوعدون)
ومعناه حتى يروا اليوم الذي يوعدون فيه بالعقاب على المعاصي والثواب على الطاعات ثم بين صفة ذلك اليوم، فقال (يوم يخرجون من الاجداث) يعني من القبور وأحدها جدث وجدث. ونصب (سراعا) على الحال، ومعناه مسرعين (كأنهم إلى نصب يوفضون) شبههم في اسراعهم من قبورهم إلى أرض المحشر بمن نصب له علم أو صنم يستبقون اليه، والايفاض الاسراع أو فض يوفض ايفاضا إذا أسرع قال رؤبة.
يمشي بنا الجد على أو فاض (1)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) اللسان (وفض)
(ج 10 م 17 من التبيان) (*)

===============
(130)
إى على عجلة. والنصب نصب الصنم الذى كانوا يعبدونه. وقيل اسم الصنم نصب وجمعه نصب مثل رهن ورهن - في قول ابي عبيدة - وأنشد الفراء في الايفاض:
لانعتن نعامة ميفاضا * خرجاء ظلت تطلب الافاضا (1)
فخرجاء ذات لونبن، ويقال للقميص المرقع برقعة حمراء أخرج، لانه خرج عن لونه، والافاض طلب ملجأ يلجأ اليه، وقال بشر بن ابي حازم:
أهاجك نصب أم بعينك منصب وقال الاعشي:
وذا النصب المنصوب لا تنسكنه * لعافية والله ربك فاعبدا (2)
وقوله (خاشعة أبصارهم) أى ذليلة خاضعة (ترهقهم ذلة) أى يغشاهم ويركبهم ذل وصغار وخزي لما يرون نفوسهم مستحقة للعقاب واللعن من الله.
ثم قال تعالى (ذلك هو اليوم الذى كانوا يوعدون) به في دار التكليف فلا يصدقون به ويجحدونه، وقد شاهدوه في تلك الحال.
وقوله (إنا لقادرون على ان نبدل خيرا منهم) لا يدل على أنه تعالى قادر على ان يبدل بالكفار من هو خيرا منه ولم يخلقهم، فيكون قد أخل بالاصلح لانه اخبر عن انه قادر على خير منهم وقد خلق قوما آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله) وبذلوا نفوسهم وأموالهم.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) اللسان (وفض) (2) مر في 1 / 465 و 4 / 18 (*)

===============
(131)
71 - سورة نوح:
مكية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما. وهي ثمان وعشرون آية في الكوفي، وتسع عشرون في البصري، وثلاثون في المدنيين بسم الله الرحمن الرحيم (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن ياتيهم عذاب اليم (1) قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون (4)
قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) (6) ست آيات.
قرأ (ان عبدوا الله) بكسر النون عاصم وحمزة وابوعمرو، على اصل التقاء الساكنين. الباقون بالضم اتباعا للضمة على الباء في (عبدوا الله) وقرأ الفراء (دعائي) ممدوا إلا شبلا عن ابن كثير، فانه قصر، وفتح الياء مثل عصاي قال ابوعلي: فتح الياء وإسكانها حسنان، فاما قصر الكلمة فلم اسمعها، ويجوز أن

===============
(132)
تكون لغة.
يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه (إنا أرسلنا نوحا) أي بعثنا نوحا نبيا (إلى قومه أن انذر قومك) أي بأن انذر قومك، فموضع (أن) نصب بسقوط الباء.
وقال قوم: موضعه الجر لقوة حذفها مع (أن). وقال آخرون: يجوز أن تكون (أن) بمعنى أي المفسره، فلا يكون لها موضع من الاعراب. وقرأ ابن مسعود (أرسلنا نوحا إلى قومه أنذر) بلا (أن) لان معنى الارسال معنى القول فكأنه قال: قلنا له: أنذر قومك. والانذار التخويف بالاعلام بموضع المخافة ليتقى.
ونوح (عليه السلام) قد انذر قومه بموضع المخافة وهي عبادة غير الله، وإنتهاك محارمه، وأعلمهم وجوب طاعته وإخلاص عبادته. وقوله (من قبل أن يأتيهم عذاب اليم)
معناه اعلمهم وجوب عبادة الله وخوفهم خلافه من قبل أن ينزل عليهم العذاب المؤلم، فانه إذا نزل بهم العذاب لم ينتفعوا با لانذار ولاتنفعهم عبادة الله حينئذ، لانهم يكونون ملجئين إلى ذلك. وقال الحسن: أمره بأن ينذرهم عذاب الدنيا قبل عذاب الاخرة.
ثم حكى أن نوحا (عليه السلام) امتثل ما أمره الله به و (قال) لقومه (ياقوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه) أي مخوفكم عبادة غير الله اوأحذركم معصية الله مظهر ذلك لكم (واتقوه) بترك معاصيه (وأطيعون) فيما أمركم به لان طاعتي مقرونة بطاعة الله، وتمسككم بطاعتي لطف لكم في التمسك بعبادة الله، واتقاء معاصيه، فلذلك وجب عليكم ما أدعوكم اليه على وجه الطاعة، وطاعة الله، واجبة عليكم لمكن النعمة السابغة عليكم التي لا يوازيها نعمة منعم.
ثم بين لهم ما يستحقون على طاعة الله وطاعة رسوله فقال متى فعلتم ذلك (يغفر لكم من ذنوبكم) ودخلت (من) زائدة وقيل (من) معناها (عن)

===============
(133)
والتقدير يصفح لكم عن ذنوبكم، وتكون عامة. وقيل: إنها دخلت للتبعيض، ومعناها يغفر لكم ذنوبكم السالفة، وهي بعض الذنوب التي تضاف اليهم، فلما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لايجوز الوعد بغفرانها مطلقا - لما في ذلك من الاغراء بالقبيح - قيدت هذا التقييد. وقيل: معناها (يغفر لكم من ذنوبكم) بحسب ما تكون التوبة متعلقة بها، فهذا على التبعيض إن لم يقلعوا إلا عن البعض. وهذا على مذهب من
يقول: تصح التوبة من قبيح مع المقام على قبيح آخر يعلم قبحه. وقال الزجاج:
دخلت (من) لتخص الذنوب من سائر الاشياء، لا لتبعيض الذنوب.
وأكثر النحويين وأكثر القراء على إظهار الراء عند اللام في (يغفر لكم)
وأختار ابوعمرو الادغام، لان إذهاب التكرير لا يخل، لان الثاني مثل الاول.
وإنما يخل إذهاب ماله حس في المسموع، كالذي لحروف الصفير وبحروف المد واللين وقوله (ويؤخركم إلى أجل مسمى) عطف على الجزاء فلذلك جزمه، والمعنى إنكم إن اطعتم الله ورسوله غفر لكم ذنوبكم وأخركم إلى الاجل المسمى عنده وفي الاية دليل على الاجلين، لان الوعد بالاجل المسمى مشروط بالعبادة والتقوى، فلما لم يقع اقتطعوا بعذاب الاستئصال قبل الاجل الاقصى بأجل أدنى. وكل ذلك مفهوم هذا الكلام. وقيل تقديره إن الاجل الاقصى لهم إن آمنوا، وليس لهم إن لم يؤمنوا، كما أن الحنة لهم إن آمنوا وليست لهم إن لم يؤمنوا.
ثم اخبر (ان أجل الله) الاقصى اذا جاء لا يؤخر (لو كنتم تعلمون)
صحة ذلك وتؤمنون به، ويجوز ذلك أن يكون اخبارا من الله عن نفسه، ويجوز ان يكون حكاية عن نوح أنه قال ذلك لقومه.
ثم حكى تعالى ما قال نوح لله تعالى فانه قال يا (رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا) إلى عبادتك وخلع الانداد من دونك والى الاقرار بنبوتي (فلم يزدهم دعائي

===============
(134)
الا فرارا) أي لم يزدادوا بدعائي الا فرارا عن قبوله وبعدا عن استماعه، وانما سمي كفرهم عند دعائه زيادة في الكفر، لانهم كانوا على كفر بالله وضلال عن حقه، ثم دعاهم نوح إلى الاقرار به وحثهم على الاقلاع عن الشرك، فلم يقبلوا، فكفروا بذلك، فكان ذلك زيادة في الكفر، لان الزيادة اضافة شئ إلى مقدار بعد حصوله منفردا، ولو حصلا ابتداء في وقت واحد لم يكن أحدهما زيادة على الاخر، ولكن قد يكون زيادة على العطية. قيل: وإنما جاز أن يكون الدعاء إلى الحق يزيد الناس فرارا منه للجهل الغالب على النفس، فتارة يدعو إلى الفرار مما نافره، وتارة يدعو إلى الفساد الذي يلائمه ويشاكله فمن ههنا لم يمتنع وقوع مثل هذا، والفرار ابتعاد عن الشئ رغبة عنه او خوفا منه، فلما كانوا يتباعدون عن سماع دعائه رغبة عنه كانوا قد فروا منه.
قوله تعالى:
(وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا (9) فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) مالكم لا ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم أطوارا) (14) ثمان آيات.

===============
(135)
لماحكى الله تعالى عن نوح أنه قال يارب اني دعوت قومي إلى طاعتك ليلا ونهارا فلم يزدادوا عند دعائي إلا بعدا عن القبول قال (وإني كلما دعوتهم) إلى اخلاص عبادتك (لتغفر لهم) معاصيهم جزاء على ذلك (جعلوا أصابعهم في آذانهم) لئلا يسمعوا كلامي ودعائي (واستغشوا ثيابهم) أي طلبوا ما يستترون به من الثياب ويختفون به لئلا يرونه. وقال الزجاج: معناه إنهم كانوا يسدون آذانهم ويغطون وجوههم لئلا يسمعوا كلامه. فالاستغشاء طلب الغشى، فلما طلبوا التغشي بثيابهم فرارا من الداعي لهم، كانوا قد استغشوا (وأصروا) أي اقاموا على كفرهم ومعاصيهم عازمين على فعل مثله، فالاصرار الاقامة على الامر بالعزيمة عليه فلما كانوا مقيمين على الكفر بالعزم عليه كانوا مصرين. وقيل إن الرجل منهم كان يذهب بابنه إلى نوح، فيقول لابنه: احذر هذا لا يغوينك، فان ابي قد ذهب بي اليه وأنا مثلك، فحذرني كما حذرتك، ذكره قتادة. وقوله (واستكبروا استكبارا) أي طلبوا بامتناعهم من القبول مني واخلاص عبادتك تجبرا في الارض وعلوا فيها.
ثم حكى أنه قال (ثم اني دعوتهم جهارا) أي اعلانا (ثم اني أعلنت لهم) أي أظهرت الدعاء لهم إلى عبادتك تارة (وأسررت لهم) أي وأخفيت لهم الدعاء إلى مثل ذلك كرة أخرى (فقلت) لهم (واستغفروا ربكم) أي اطلبوا المغفرة على كفركم ومعاصيكم من الله تعالى (إنه كان غفارا) لكل من طلب منه المغفرة ويغفر فيما بعد لمن يطلب منه ذلك ومتى فعلتم ذلك واطعمتوه ورجعتم عن كفركم ومعاصيكم (يرسل) الله تعالى (السماء عليكم مدرارا) أي كثيرة الدرور بالغيث والمطر، وقيل: إنهم كانوا قحطوا وأجدبوا وهلكت اولادهم ومواشيهم، فلذلك رغبهم في ترك ذلك بالرجوع إلى الله، والدرور تجلب الشئ حالا بعد حال على الاتصال يقال: در درا ودرورا فهو دار، والمطر الكثير الدرور مدرارا. وقيل:

===============
(136)
ان عمر لما خرج يستسقي لم يزد على الاستغفار وتلا هذه الاية. وقوله (ويمددكم بأموال وبنين) عطف على الجزاء. وتقديره إنكم متى اطعتموه وعبدتموه مخلصين أرسل عليكم المطر مدرارا وأمدكم بأموال وبنين، فالامداد إلحاق الثاني بالاول على النظام حالا بعد حال، يقال: أمده بكذا يمده امدادا، ومد النهر وأمده نهر آخر. والاموال جمع الحال، وهو عند العرب النعم. والبنون جمع إبن، وهو الذكر من الولد (ويجعل لكم جنات) أى بساتين تجنها الاشجار (ويجعل لكم أنهارا)
وهو جمع نهر وهو المجرى الواسع للماء دون سعة البحر وفوق الجدول في الاتساع لان الجدول النهر الصغير يرى شدة جرية لضيقه ويخفى في النهر ضربا من الخفاء لسعته ثم قال لهم على وجه التبكيت (مالكم) معاشر الكفار (لا ترجون لله وقارا) أي عظمة - في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك - والمراد - ههنا - سعة مقدوراته تعالى، وأصل الوقار ثبوت ما به يكون الشئ عظيما من الحكم والعلم الذي يمتنع معه الخرق، ومنه قره في السمع ووعاه في القلب إذا ثبت في السمع وحفظه القلب. وقيل: معنى ترجون تخافون. قال أبوذؤيب:
اذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عوامل (1)
أي لم يخف، وكأنه قال: مالكم لاترجون لله عاقبة عظيمة من الثواب بالخلود في النعيم أو تخافون عاقبة عصيانه بالدخول في عذاب النار (وقد خلقكم أطوارا)
فالاطوار انتقال الاحوال حالا بعد حال. وقيل: معناه صبيا ثم شابا ثم شيخا ثم غير عاقل ثم عاقلا وضعيفا ثم قويا. وقال: ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد: نطفة ثم علقة ثم مضغة. وقيل: معناه على ألوان مختلفة بيضاء وسوداء وشقراء وصفراء.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مرفي 2 / 210 و 3 / 315 و 7 / 491 و 8 / 187 (*)

===============
(137)
قوله تعالى:
(ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) والله أنبتكم من الارض نباتا (17) ثم يعيد كم فيها ويخرجكم إخراجا (18) والله جعل لكم الارض بساطا (19) لتسلكوا منها سبلا فجاجا) (20)
ست آيات.
يقول الله تعالى مخاطبا لخلقه المكلفين، ومنبها لهم على توحيده وإخلاص عبادته (ألم تروا) ومعناه ألم تعلموا (كيف خلق الله سبع سموات) أي اخترع سبع سموات (طباقا) أي واحدة فوق الاخرى فالطباق مصدر طابقت مطابقة وطباقا والطباق منزلة فوق منزلة. ونصب (طباقا) على احد وجهين:
احدهما - على الفعل وتقديره وجعلهن طباقا.
والاخر - جعله نعتا ل (سبع). وجعل (القمر فيهن نورا) روي أن الشمس يضئ ظهرها لما يليها من السموات، ويضئ وجهها لاهل الارض، وكذلك القمر. والمعنى وجعل الشمس والقمر نورا في السموات والارض. وقال قوم: معنى (فيهن) معهن، وحروف الصفات بعضها يقوم مقام بعض. وقال قوم: معناه في حيزهن، وإن كان في واحدة منها، كما يقول القائل: إن في هذه الدور لبئرا وإن كان في واحدة منها، وكذلك يقولون: هذا المسجد في سبع قبائل وإن كان في احداها. والجعل حصول الشئ على المضى بقادر عليه. وقد يكون (ج 10 م 18 من التبيان)

===============
(138)
ذلك بحدوث نفسه. وقد يكون بحدوث غيره له. والجعل على أربعة اوجه:
اولها - أحداث النفس، كجعل البناء والنساجة وغير ذلك.
والثاني - بقلبه، كجعل الطين خزفا.
والثالث - بالحكم كجعله كافرا أو مؤمنا والرابع - بالدعاء إلى الفعل كجعله صادقا وداعيا.
والنور جسم شعاعي فيه ضياء كنور الشمس، ونور القمر، ونور النار، ونور النجوم، وشبه بذلك نور الهدى إلى الحق، فالله تعالى جعل القمر ضياء في السموات السبع - في قول عبدالله بن عمر - وقيل: جعله نورا في ناحيتهن (وجعل الشمس سراجا) فالسراج جسم يركبه النور للاستصباح به، فلما كانت الشمس قد جعل فيها النور للاستضاءة به كانت سراجا، وهي سراج العالم كما أن المصباح سراج هذا الانسان.
وقوله (والله أنبتكم من الارض نباتا) فالانبات إخراج النبات من الارض حالا بعد حال. والنبات هو الخارج بالنمو حالا بعد حال، والتقدير في (أنبتكم نباتا) أي فنبتم نباتا، لان أنبت يدل على نبت، من جهة انه متضمن به.
وقوله (ثم يعيدكم فيها) فالاعادة النشأة الثانية، فالقادر على النشأة الاولى قادر على الثانية، لانه باق قادر على اختراعه من غير سبب يولده، والمعنى إن الله يردكم في الارض بأن يميتكم فتصيروا ترابا كما كنتم أول مرة (ويخرجكم اخراجا)
منها يوم القيامة كما قال (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) (1)
ثم قال (والله جعل لكم الارض بساطا) أي مبسوطة يمكنكم المشي عليها والاستقرار فيها. وبين أنه إنما جعلها، كذلك (لتسلكوا منها سبلا فجاجا) فالفجاج

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 20 طه آية 55 (*)

===============
(139)
جمع (فج) وهى الطريقة المتسعه المتفرقة، وقيل: طرقا مختلفة - ذكره ابن عباس - والفج المسلك بين جبلين، ومنه الفج الذي لم يستحكم أمره، كالطريق بين جبلين.
وإنما عدد تعالى هذه الضروب من النعم امتنانا على خلقه وتنبيها لهم على استحقاقه للعبادة الخالصة من كل شرك، ودلالة لهم على انه عالم بمصالح خلقه، ومدبر لهم على ما تقتضيه الحكمة، فيجب أن يشكروه على هذه النعمة ولا يقابلونها بالكفر والجحود.
قوله تعالى:
(قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (21) ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا * ولا يغوث ويعوق ونسرا (23)
وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) مما خطيئاتهم أغرقوا فادخلوا نارا * فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25)
وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا) (28).
قرأ (ماله وولده) بالفتح نافع وعاصم وابن عامر. والباقون بضم الواو وسكون اللام، وهما لغتان مثل حزن وحزن ونخل ونخل وعدم وعدم. وقال قوم:
الولد - بالضم - جمع ولد مثل رهن ورهن وعرب وعرب وعجم وعجم. وقرأ نافع

===============
(140)
(ودا) بضم الواو. الباقون بفتحها، وهما لغتان، وهو اسم الصنم. وقال قوم:
بالضم المحبة، وبالفتح الصنم. والسواع - ههنا - صنم، وفى غير هذا الساعة من الليل. ومثله السعواء. وقرأ ابوعمرو (خطاياهم) على جمع التكسير. الباقون (خطيئاتهم) على جمع السلامة.
حكى الله تعالى عن نوح أنه (قال) داعيا الله (يا رب انهم) يعني قومه (عصوني) فيما آمرهم به وأنهاهم عنه، فالمعصية مخالفة المراد إلى المكروه المزجور عنه.
ومخالفة ما أراده الحكيم تكون على وجهين:
احدهما - على المأذون فيه من غير أن يريده.
والاخر - إلى المكروه المزجور عنه، فهو بالاول مقصر عن ما هو الاولى فعله.
وبالثاني عاص.
وقوله (واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا) تمام الحكاية عن نوح أنه وصف به قومه بأنهم عصوه فيما دعاهم اليه واتبعوا الذي لم يزده ماله وولده إلا خسارا يعني هلاكا، فالخسار الهلاك بذهاب رأس المال ففيه معنى الهلاك وليس كذلك الخسران، لانه محتمل للقليل الذي لا يجحفه ذهابه والكثير الذي يجحف وأما الخسار ففيه معنى ذهاب الكثير، ولهذا بني على صفة الهلاك.
وقوله (ومكروا مكرا كبارا) فالمكر الفتل بالحيلة الخفية إلى خلاف الجهة الموافقة بما فيها من المضرة، مكر يمكر مكرا، فهو ماكر، والشئ ممكور به، قال ذو الرمة:
عجزاء ممكورة خمصانة قلق * عنها الوشاح وتم الجسم والقصب (1)
أي ملتفة مفتولة. والكبار الكبير - في قول مجاهد وابن زيد - يقولون عجيب

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 4 / 513، 541 و 5 / 128 (*)

===============
(141)
وعجاب بالتخفيف والتشديد. ومثله جميل وجمال وجمال وحسن وحسان. (وقالوا)
يعني الكفار بعضهم لبعض (لاتذرن آلهتكم) أي لا تتركوا عبادة أصنامكم (ولا تذرن ودا ولا سواعا) وهما صنمان لهم كانوا يعبدونهما، فكانت (ود) لكلب (وسواع) لهمدان (ويغوث) لمذحج (ويعوق) لكنانة (ونسرا) لحمير - في قول قتادة -.
وقوله (قد أضلوا كثيرا) معناه ضل بهم خلق كثير. وقيل: معناه إن عبادتهم أضلت خلقا عن الثواب لمن استحق العقاب، وأضلهم بالذم والتحسر عن حال أهل الفلاح، وإنما جمع الاصنام بالواو لما أسند اليها ما يسند إلى العالم من استحقاق العبادة، ولم يصرفوا (يغوث) و (يعوق) لانه على لفظ المضارع من الافعال، وهي معرفة، وقد نونهما الاعمش، واخراجهما مخرج النكرات أي صنما من الاصنام.
ثم قال نوح (ولا تزد الظالمين إلا ضلالا) ومعناه إلا عذابا وسمي العذاب ضلالا كقوله (إن المجرمين في ضلالا وسعر) (1) وقيل: كانت هذه الاصنام المذكورة يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب فيما بعد - في قول ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد - ولا يجوز في صفة الحكيم الاضلال عن الايمان.
وقوله (مما خطاياهم) (ما) صلة وتقديره من خطاياهم بمعنى من أجل ما ارتكبوه من الخطايا والكفر (أغرقوا) على وجه العقوبة (فادخلوا) بعد ذلك (نارا)
ليعاقبوا فيها (فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا) أي من يدفع عنهم ما نزل بهم من العقاب المستحق على كفرهم.
ثم حكى ما قال نوح أيضا فانه قال (رب لا تذر على الارض من الكافرين

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 54 القمر آية 47 (*)

===============
(142)
ديارا) قال قتادة: ما دعا عليهم إلا بعد ما أنزل عليه (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) (1) فلذلك قال (إنك) يارب (ان تذرهم) يعني تتركهم ولا تهلكهم (يضلوا عبادك) عن الدين بالاغواء عنه والدعاء إلى خلافه (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) وإلا فلم يعلم نوح الغيب، وإنما قال ذلك بعد أن اعلمه الله ذلك وإنما جاز أن يقول (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) فيسيمهم بالكفر والفجور قبل أن يعملوه، لانه على وجه الحكاية والاخبار بما يكون منهم لو وجدوا لا على وجه الذم لهم، لاقتضاء العقل على أنه لا يذم على الكفر من لم يكن منه كفر، فكأنه قال ولا يلدوا إلا من إذا بلغ كفر، و (الديار) فيعال من الدوران، أي ولا تذر على الارض منهم أحدا يدور في الارض بالذهاب والمجئ قال الشاعر:
وما نبالي إذا ما كنت جارتنا * ألا يجاورنا إلاك ديار (2)
أي إلا ياك، فجعل المتصل موضع المنفصل ضرورة. وقال الزجاج: تقول ما في الدار أحد، ولا بها ديار، وأصله ديوار (فيعال) فقلبت الواو ياء. وأدغمت احداهما في الاخرى. والفاجر من فعل الفجور، وهي الكبيرة التي يستحق بها الذم. و (الكفار) من اكثر من فعل الكفر لانه لفظ مبالغة. وكافر يحتمل القليل والكثير.
ثم حكى ان نوحا سأل الله تعالى فقال (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات) قيل المراد بالبيت مسجده. وقيل أراد سفينته.
وذلك على وجه الانقطاع اليه تعالى، لانه لا يفعل معصية يستحق بها العقاب.
فأما والده والمؤمنون والمؤمنات الذين استغفر لهم فيجوز أن يكون منهم معاص يحتاج أن يستغفرها لهم.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 11 هود آية 36 (2) أوضح المسالك 1 / 60 (*)

===============
(143)
وقوله (ولا تزد الظالمين إلا تبارا) فالتبار الهلاك والعقاب، وكل من أهلك فقد تبر، ولذلك سمي كل شئ مكسر تبرا، ويجوز أن يكون معناه لا تزدهم إلا ضالا أي عذابا على كفرهم. وقال البلخي: لا تزدهم إلا منعا من الطاعات عقوبة لهم على كفرهم، فانهم إذا ضلوا استحقوا منع الالطاف التي يعفل بالمؤمنين فيطيعون عندها، ويمتثلون أمر الله، ولا يجوز أن يفعل بهم الضلال عن الحق، لانه سفه فتعال الله عن ذلك علوا كبيرا.

===============
(144)
72 - سورة الجن مكية في قول قتادة وابن عباس والضحاك وغيرهم وهي ثمان وعشرون آية ليس فيها اختلاف. قال الحسن: نزلت هذه السورة فقرأها رسول الله (صلى الله عليه وآله) على نفر من الجن فآمنوا به فأتوا قومهم فقالوا (إنا سمعنا قرآنا عجبا) وكان يقول بعث الله محمدا إلى الجن والانس وقال غيرهم من المفسرين: لما رميت الشياطين بالشهب ومنعوا من صعود السماء، قال لهم ابليس ما هذا الحادث؟ فبث شياطينه في الارض فبعث قوما من جن اليمن فلقوا النبي (صلى الله عليه وآله) بمكة يصلي بأصحابه ويقرأ القرآن فاعجبهم ذلك وآمنوا به، وأخبروا قومهم فقال ابليس لهذا رجمتم.
بسم الله الرحمن الرحيم (قل أوحي إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2)
وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) وأنا ظننا أن لن تقول الانس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن

===============
(145)
فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الان يجد له شهابا رصدا (9) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الارض أم أراد بهم ربهم رشدا) (10) عشر آيات.
قال الفراء: قرأ حوبة بن عابد (قل أحي إلي) أراد وحي الي مثل وعد فقلبت الواو همزة، كما قلبها في قوله (وإذا الرسل اقتت) (1) وأصله وقتت.
والعرب تقول: وحيت اليه، واوحيت بمعنى واحد وومأت اليه وأومات، قال الراجز:
وحى لها القرار فاستقرت (2)
وقرأ ابن كثير وابوعمرو (قل أوحى إلى أنه استمع) و (أن لو استقاموا)
(وأن المساجد لله) و (أنه لما قام عبدالله) أربعة أحرف - بفتح الالف - والباقي من أول السورة إلى ههنا بكسر الالف. وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر كذلك، إلا قوله (وانه لما قام عبدالله) فانه قرأ بالكسر. الباقون بفتح جميع ذلك إلا ما جاء بعد (قول) او (فاء جزاء) فانهم يكسرونه من فتح جميع ذلك جعله عطفا علي (أوحي إلي انه) وأنه. ومن كسر عطف على قوله (إنا) وإنا. قال

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 77 المرسلات آية 11 (2) مر في 2 / 459 و 3 / 84 و 4 / 61 و 6 / 403 (ج 10 م 19 من التبيان) (*)

===============
(146)
قوم: ومن نصب فعلى تقدير آمنا به وبكذا فعطف عليه. قال الزجاج: إن عطف على الهاء كان ضعيفا، لان عطف المظهر على المضمر ضعيف، ومن جعله مفعول (آمنا)
فنصبه به كأنه قال: آمنا بكذا وكذا، وأسقط الباء فنصب على المعنى، لان معنى (آمن) صدق، فكأنه قال: صدقنا بكذا وكذا، وحذف الجار. ومن كسر من هؤلاء بعد القول أو فاء الجزاء، فلانه لا يقع بعد القول والفاء إلا ما هو ابتداء، أو ما هو في حكم الابتداء. ومن كسر جميع ذلك جعله مستأنفا، ولم يوقع (آمنا)
عليه، وما نصب من ذلك جعله مفعولا بايقاع فعل عليه. فأما قوله (أوحي الي انه استمع) فمفعول (أوحي) لا غير بلا خلاف. وقرأ ابوجعفر (أن لن تقول الانس) على معنى تكذب. الباقون بتخفيف الواو من القول.
يقول الله تعالى آمرا لمحمد نبيه (صلى الله عليه وآله) (قل) يا محمد لقومك ومن بعثت اليه (اوحي الي) فالايحاء القاء المعنى إلى النفس خفيا كالالهام، وانزال الملائكة به لخفائه عن الناس إلا على النبي الذي انزل اليه كالايماء الذي يفهم به المعنى. والمراد - ههنا - انزال الملك به عليه. ثم بين ما أوحي اليه فقال (انه استمع نفر من الجن)
فالاستماع طلب سماع الصوت بالاصغاء اليه، وهو تطلب لفهم المعنى، وتطلب ليستدل به على صاحبه. وقيل: ان الجن لما منعوا من استراق السمع طافوا في الارض، فاستمعوا القرآن، فآمنوا به، فانزل بذلك الوحي على النبي صلى الله عليه اله ذكره ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم. والنفر الجماعة. والجن جيل رقاق الاجسام خفية على صور مخصوصة بخلاف صورة الملائكة والناس. وقيل: العقلاء من الحيوان ثلاثة اصناف: الملائكة، والناس، والجن. والملك مخلوق من النور، والانس من الطين والجن من النار.
ثم ذكر انه قالت الجن بعضها لبعض (إنا سمعنا قرآنا عجبا) والعجب هو

===============
(147)
كل شئ لا يعرف سببه. وقيل: هو ما يدعو إلى التعجب منه لخفاء سببه وخروجه عن العادة في مثله، فلما كان القرآن قد خرج بتأليفه عن العادة في الكلام، وخفي سببه عن الانام كان عجبا، وقوله (يهدي إلى الرشد) حكاية ما قالت الجن ووصفت به القرآن، فانهم قالوا: هذا القرآن يهدي إلى ما فيه الرشاد والحق (فآمنا به) أي صدقنا بأنه من عند الله (ولن نشرك) فيما بعد (بربنا احدا) فنوجه العبادة اليه بل نخلص العبادة له تعالى (وانه تعالى جد ربنا) من كسر الهمزة عطفه على قوله (إنا سمعنا)
وحكى أنهم قالوا (إنه) ويجوز أن يكون استأنف الاخبار عنهم، ومن فتح فعلى تقدير فآمنا بأنه تعالى جد ربنا، ومعناه تعالى عظمة ربنا، لانقطاع كل شئ عظمة عنها لعلوها عليه. ومنه الجد ابوالاب، والجد الحظ لانقطاعه بعلو شأنه. والجد ضد الهزل لانقطاعه عن السخف، ومنه الجديد لانه حديث عهد بالقطع في غالب الامر. وقال الحسن - في رواية - ومجاهد وقتادة: معناه تعالى جلالته وعظمته.
وفى رواية اخرى عن الحسن: تعالى غني ربنا، وكل ذلك يرجع إلى معنى وصفه بأنه عظيم غني. ويقال: جد فلان في قومه إذا عظم فيهم. وروي عن أحدهما (عليهم السلام) انه قال: ليس لله جد وإنما قالت ذلك الجن بجهلها فحكاه كما قالت. وقال الحسن:
ان الله تعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) إلى الانفس والجن، وانه لم يرسل رسولا قط من الجن ولا من أهل البادية، ولا من النساء، لقوله (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي اليهم من أهل القرى) (1).
وقوله (ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) على ما قال قوم من الكفار.
وقوله (وانه كان يقول سفيهنا على الله شططا) من كسر استأنف. ومن

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 12 يوسف آية 109 (*)

===============
(148)
نصب عطف على قوله (وانه تعالى جد ربنا) ونصب ذلك بتقدير آمنا، وقدر للباقي فعلا يليق به، ويمكن أن يعمل فيه، كما قال الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما * وزججن الحواجب والعيونا (1)
على تقدير: وكحلن العيون، وقال مجاهد وقتادة: أرادوا ب (سفيههم)
ابليس و (الشطط) السرف في ظلم النفس والخروج عن الحق، فاعترفوا بأن ابليس كان يخرج عن الحد بما يغري به الخلق ويدعوهم إلى الضلال.
وقوله (وأنا ظننا أن لن تقول الانس والجن على الله كذبا) اخبار عن اعترافهم بأنهم ظنوا أن لا يقول أحد من الجن والانس كذبا على الله في اتخاذ الشريك معه والصاحبة والولد، وأن ما يقولونه من ذلك صدق حتى سمعنا القرآن وتبينا الحق به.
وقوله (وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن) قال البلخي:
قال قوم: المعنى إنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الانس من أجل الجن، لان الرجال لا يكون إلا في الناس دون الجن. ومن قال بالاول قال في الجن رجال مثل ما في الانس. وقال الحسن وقتادة ومجاهد: كان الرجل من العرب إذا نزل الوادي في سفره قال: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه. ومعنى (يعوذون) يستجيرون، وهذا اخبار من الله تعالى عن نفسه دون الحكاية عن الجن. والعياذ الاعتصام وهو الامتناع بالشئ من لحاق الشر. والرجال جمع رجل وهو الذكر البالغ من الذكران. والانسان يقع على الذكر والمرأة، والصغير والكبير ثم ينفصل كل واحد بصفة تخصه وتميزه من غيره.
وقوله (فزادوهم رهقا) أي اثما إلى اثمهم الذي كانوا عليه من الكفر والمعاصي - في قول ابن عباس وقتادة - وقال مجاهد: يعني طغيانا. وقال الربيع وابن زيد:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 9 / 492 (*)

===============
(149)
يعني فرقا. وقيل سفها. قال الزجاج: يجوز ان يكون الجن زادوا الانس، ويجوز أن يكون الانس زادوا الجن رهقا. والرهق لحاق الاثم، وأصله اللحوق. ومنه راهق الغلام إذا لحق حال الرجال قال الاعشى:
لا شئ ينفعني من دون رؤيتها * هل يشتفى وامق ما لم يصب رهقا (1)
أي لم يعش اثما. ثم حكى تعالى (وأنهم ظنوا كما ظننتم) معاشر الانس (ان لن يبعث الله احدا) أي لا يحشره يوم القيامة ولا يحاسبه. وقال الحسن:
ظن المشركون من الجن، كما ظن المشركون من الانس (ان لن يبعث الله احدا)
لجحدهم بالبعث والنشور، واستبعدوا ذلك مع اعترافهم بالنشأة الاولى، لانهم رأوا إمارة مستمرة في النشأة الاولى، ولم يروها في النشأة الثانية، ولم ينعموا النظر فيعلموا أن من قدر على النشأة الاولى يقدر على النشأة الاخرى.
وقال قتادة: ظنوا أن لا يبعث الله احدا رسولا.
ثم حكى ان الجن قالت (إنا لمسنا السماء) أي مسسناها بايدينا. وقال الجبائي: معناه إنا طلبنا الصعود إلى السماء، فعبر عن ذلك باللمس مجازا، وانما جاز من الجن تطلب الصعود مع علمهم بأنهم يرمون بالشهب لتجويزهم أن يصادفوا موضعا يصعدون منه ليس فيه ملك يرميهم بالشهب، او اعتقدوا أن ذلك غير صحيح، ولم يصدقوا من أخبرهم بأنهم رموا حين أرادوا الصعود (فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا) نصب (حرسا) على التمييز و (شديدا) نعته و (شهبا)
عطف على (حرسا) فهو نصب ايضا على التمييز. وتقديره ملئت من الحرس.
والشهب جمع شهاب، وهو نور يمتد من السماء من النجم كالنار. قال الله تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) (2) والحرس جمع

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه (دار بيروت) 124 (2) سورة 67 الملك آية 5 (*)

===============
(150)
حارس. وقيل: إن السماء لم تحرس قط إلا لنبوة أو عقوبة عاجلة عامة.
ثم حكى أنهم قالوا ايضا (إنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الان يجد له شهابا رصدا) أي لم يكن فيما مضى منع من الصعود في المواضع التي يسمع منها صوت الملائكة وكلامهم، ويسمع ذلك، فالان من يستمع منا ذلك يجدله شهابا يرمى به ويرصد و (شهابا) نصب على أنه مفعول به و (رصدا) نعته.
ثم حكى انهم قالوا (وإنا لاندري) بما ظهر من هذه الاية العجيبة (أشر أريد بمن في الارض) من الخلق أي اهلاكا لهم بكفرهم وعقوبة على معاصيهم (أم أراد بهم ربهم رشدا) وهداية إلى الحق بأن بعث نبيا، فان ذلك خاف عنا وقال قوم: إنا الشهب لم تكن قبل النبي (صلى الله عليه وآله) وإنما رموا به عند بعثه صلى الله عليه وا له وقال آخرون: الشهب معلوم أنها كانت فيما مضى من الزمان، ولكن كثرت في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وعمت لا أنها لم تكن أصلا. قال البلخي: الشهب كانت لا محالة غير انه لم تكن تمتنع بها الجن عن صعود السماء، فلما بعث النبي (صلى الله عليه وآله) منع الجن من الصعود قوله تعالى:
(وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قدادا (11)
وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الارض ولن نعجزه هربا (12)
وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فاولئك تحروا رشدا (14) وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) وأن لو استقاموا على الطريقة لاسقينا هم ماء غدقا (17) لنفتنهم فيه ومن

===============
(151)
يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (17) وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبدالله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا) (20) عشر آيات.
قرأ اهل الكوفة ويعقوب وسهل (يسلكه) بالياء بمعنى يسلكه الله. الباقون بالنون على وجه الاخبار منه تعالى عن نفسه بنون العظمة. وقرأ ابوجعفر وعاصم وحمزة (قل إنما ادعوا ربي) بلفظ الامر. الباقون (قال) على فعل ماض. وقرأ هشام بن عماد عن ابن عامر (لبدا) بضم اللام. الباقون بكسر اللام. واللبد واللبد بمعنى واحد، وجمع اللبدة لبد، مثل ظلمة وظلم. ويقال: لابد ولبد، مثل راكع وركع.
يقول الله تعالى في تمام الحكاية عما قالته الجن الذين امنوا عند سماع القرآن فانهم قالوا (وانا منا الصالحون) وهم الذين عملوا الصالحات وسمي صالحا، لانه عمل ما يصلح به حاله في دينه. وأما المصلح فهو فاعل الصلاح الذي يقوم به أمر من الامور، ولهذا وصف تعالى بأنه مصلح، ولم يجز وصفه بأنه صالح. والصلاح يتعاظم استحقاق المدح عليه والثواب كما يختلف استحقاق الشكر بالنعم، ففي النعم ما يستحق به العبادة وفيها ما لا يستحق به ذلك وإن استحق به الشكر، فلذلك قال (ومنادون ذلك) والمعنى ان منا الصالحين في مراتب عالية ومنادون ذلك في الرتبة.
وقوله (كنا طرائق قددا) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني على مذاهب مختلفة: مسلم، وكافر، وصالح، ودون الصالح. والطرائق جمع طريقة وهي الجهة

===============
(152)
المستمرة مرتبة بعد مرتبة. والمعنى فيها إنا كنا في طرق مختلفة. والقدد جمع قدة.
وهي المستمرة بالقد في جهة واحدة. والقدد مضمن بجعل جاعل، وهو القاد، وليس كذلك الطريقة في تضمن الصفة، وإنما هي كالمذهب الذي يمكن فيه على استمرار إلى حيث انتهى اليه. والمعنى إنا كنا على طرائق متباينة كل فرقة يتباين صاحبها كما بين المقدود بعضه من بعض.
وقوله (وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الارض) فالظن - ههنا - بمعنى العلم والمعنى اعترافهم بأن علموا أنه لايفوت الله شئ يذهب في الارض، ولا إذا هرب منه بسائر ضروب الهرب، واعترفوا ايضا فقالوا (وانا لما سمعنا الهدى) يعنون القرآن الذي فيه هدى كل حي (آمنا به) أي صدقناه. ثم قالوا (فمن يؤمن بربه)
أي من يصدق بتوحيد الله وعرفه على صفاته (فلا يخاف بخسا) أي نقصانا فيما يستحقه من الثواب (ولارهقا) أي ولا يخاف ظلما، فالرهق لحاق السرف في الامر، وكأنه قال لا يخاف نقصا قليلا ولا كثيرا، وذلك أن اجره وثوابه موفر على أتم ما يكون فيه. وقال ابن عباس: معناه لا يخاف نقصا من حسناته ولا زيادة في سيئاته، وهو قول الحسن وقتادة وابن زيد، والتقدير فمن يؤمن بربه فانه لا يخاف ثم قالوا ايضا (وانا منا المسلمون) يعني الذين استسلموا لما أمرهم الله به، وانقادوا له (ومنا القاسطون) يعني الجائرون عن طريق الحق. والقاسط الجائر عن طريق الحق (فمن اسلم) أي استسلم لامر الله (فأولئك تحروا رشدا) أي طلبوا الهدى إلى الحق، (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) أي استحقوا بذلك أن يكونوا وقود النار يوم القيامة يحرقون بها. وقوله (وأن لو استقاموا على الطريقة)
اخبار من الله تعالى عن نفسه. وقيل (ان) يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، فيكون محمولا على الوحي، فكانه قال (اوحي الي أن لو استقاموا) وفصل لو بينها وبين

===============
(153)
الفعل، كما فصل (السين) و (لا) في قوله (علم ان سيكون منكم مرضى) (1)
وقوله (ان لا يرجع اليهم) (2) ويحتمل أن تكون (لو) بمنزلة اللام في قوله (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم) (3)
فيسقط مرة ويلحق أخرى، لان (لو) بمنزلة فعل الشرط، فكما لحقت اللام زائدة قبل (إن) الداخلة على الشرط قبل فعل الشرط، كذلك لحقت (أن) هذه قبل (لو) ومعنى (وأن لو استقاموا) أحد أمرين:
احدهما - لو استقاموا على طريقة الهدى بدلالة قوله (ولو أنهم أقاموا التوراة والانجيل وما انزل اليهم من ربهم لا كلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) (4)
وقوله (ولو ان اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا) (5)، الثاني - لو استقاموا على طريقة الكفر بدلالة قوله (ولولا أن يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة) (6) وقيل: انه دخلت (ان) في (وأن لو استقاموا) لانه جواب القسم. ويجوز أن يحذف، كما قال الشاعر:
فأقسم لو شئ أتانا رسوله * سواك ولكن لم نجد لك مدفعا (7)
وقال آخر:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 73 المزمل آية 20 (2) سورة 20 طه آية 89 (3) سورة 33 الاحزاب 60 (4) سورة 5 المائدة آية 69 (5) سورة 7 الاعراف آية 95 (6) سورة 43 الزخرف آية 33 (7) مر في 5 / 529 و 6 / 253 و 7 / 341 و 9 / 12 (ج 10 م 20 من التبيان) (*)

===============
(154)
اما والله إن لو كنت حرا * وما بالحر انت ولا العتيق (1)
والاستقامة الاستمرار في جهة العلو. والمستقيم من الكلام المستمر على طريقة الصواب. وهو نقيض المحال. والاستقامة على طريق الحق التي يدعو اليها العقل طاعة الله. والمعنى - ههنا - في قول أكثر المفسرين: إنه لو استقام العقلاء على طريقة الهدى استمروا عليها وعملوا بموجبها لجازاهم على ذلك بأن اسقاهم ماء غدقا، يعني كثيرا. والغدق بفتح الدال المصدر، وبكسرها اسم الفاعل، وفي ذلك ترغيب في الهدى. قال الفراء: معناه وأن لو استقاموا على طريقة الكفر لفعلنا بهم ما ذكرناه تغليظا للمحنة في التكليف، ولذلك قال (لنفتنهم فيه) أي نختبرهم بذلك ونبلوهم به وغدق المكان يغدق غدقا إذا كثر فيه الماء والندى، وهو غدق - في قول الزجاج - وقوله (لنفتنهم فيه) معناه لنختبرهم ونعاملهم معاملة المختبر في شدة التعبد بتكليف الانصراف عما تدعو شهواتهم اليه، على ما تقتضيه الحكمة في ذلك والفتنة المحنة الشديدة، والمثوبة على قدر المشقة في الصبر عما تدعوا اليه الشهوة.
ثم قال تعالى مهددا لهم ومتوعدا (ومن يعرض عن ذكر ربه) والمعنى من يعدل عن الفكر فيما يؤديه إلى معرفة الله وتوحيده واخلاص عبادته، فالذكر حضور المعنى الدال على المذكور للنفس، وضده السهو، ومثله حضور المعنى بالقلب. والفكر في وجوه السؤال عن المعنى طلب للذكر له. والفكر في البرهان طلب للعلم بصحة المعنى المذكور وأنه حق ونقيضه باطل. وقوله (يسلكه عذبا صعدا) اى متصعدا في العظم. وقيل: متصعدا قد غمره وأطبق عليه. ومعناه عذبا أشهد العذاب من قوله (سأرهقه صعودا) (2) فاما قول العرب: تنفس الصعداء على وزن (فعلاء) أكثر كلامهم، ومنه قيل تنفس صعدا على وزن غرب والصعود العقبة الشاقة. وقال الفراء:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبى 18 / 17 (2) سورة 74 المدثر آية 17 (*)

===============
(155)
الصعود صخرة ملساء في النار ويكلف الصعود عليها، فكلما بلغ رأسها أحد هوى إلى أسفلها وقوعا.
وقوله (وان المساجد لله فلا تدعو مع الله احدا) عطف عند جميع المفسرين على قوله (أوحي) كأنه قال: أوحي الي أن المساجد لله، وقال الخليل: التقدير، ولان المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا مثل قوله (وان هذه أمتكم) وتقديره:
ولان هذه أمتكم (أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (1) والمعنى الاخبار منه تعالى بأن لا يذكر مع الله في المساجد - وهي المواضع التي وضعت للصلاة - أحد على وجه الاشتراك في عبادته، كما يدعوا النصارى في بيعهم والمشركون في الكعبة. وقال الحسن: من السنة إذا دخل المسجد أن يقول: لا إله الا الله، لا أدعو مع الله أحدا. وقيل: معناه إنه يجب أن يدعوه بالوحدانية. وقال الفراء والزجاج: المساجد مواضع السجود من الانسان: الجبهة، واليدان، والرجلان وزاد أصحابنا عيني الركبتين. والمعنى انه لا ينبغي أن يسجد بهذه الاعضاء لاحد سوى الله تعالى.
وقوله (وأنه لما قام عبدالله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا) معناه إنه لما قام محمد (صلى الله عليه وآله) يدعو الله، فيقول: لا إله الا الله كادوا يكونون عليه جماعات متكاثفات بعضها فوق بعض ليزيلوه بذلك عن دعوته باخلاص الالهية. وقال ابن عباس والضحاك: معناه إن الجن كادوا يركبونه حرصا على سماع القرآن منه.
وقال الحسن وقتادة: معناه تلبدت الانس والجن على هذ الامر ليطفئوه فابي الله الا أن ينصره ويظهره على من ناواه، كما قال (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون) (2) وقال ابن عباس: هذا من قول الجن، لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب رسول الله وإئتمامهم به في الركوع

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 21 الانبياء آية 92 (2) سورة 61 الصف آية 8 (*)

===============
(156)
والسجود، وهو قول سعيد بن جبير: واللبد القطع المتكاثفة على الشئ واحدها لبد، ومنه اللبد لتكاثف صفوفه بعضه على بعض. ولبد رأسه إذا ألصق بعض شعره ببعض قال عبد مناف بن ربع:
صابوا بستة أبيات واربعة * حتى كأن عليهم جابيا لبدا. (1)
فالجابي الجراد الذي يجبي كل شئ يأكله.
ثم حكى ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال (انما أدعوا ربي) ومن قرأ (قل) فمعناه إن الله أمره بأن يقول: إنما أدعو ربي وحدة ولا أشرك به أحدا من الاصنام والاوثان.
والمعنيان متقاربات، لان الله تعالى إذا أمره بأن يقول فانه يقول لا محالة فقد حصل الامران.
قوله تعالى:
(قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا (24) قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه

ـــــــــــــــــــــــ
(1) اللسان (لبد) (*)

===============
(157)
رصدا (27) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شئ عددا) (28) ثمان آيات.
قرأ (ليعلم) بضم الياء يعقوب. الباقون بفتح الياء. أمر الله تعالى نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) أن يقول للمكلفين (اني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا) ومعناه إني لا أقدر على دفع الضرر عنكم ولا إيصال الخير اليكم، وانما يقدر على ذلك الله تعالى.
وانما أقدر على أن ادعوكم إلى الخير وأهديكم إلى طريق الرشاد، فان قبلتم نلتم الثواب والنفع، وان رددتموه نالكم العقاب وأليم العذاب، ثم قال ايضا (قل) لهم يا محمد (اني لن يجيرني من الله احد) أي لا يقدر أن يجير على الله حتى يدفع عنه ما يريده به من العقاب (ولن اجدا) أيضا انا (من دنه) أي من دون الله (ملتحدا) يعنى ملتجأ ألجأ اليه أطلب به السلامة مما يريد الله تعالى فعله من العذاب والالم. وأضافه إلى نفسه، والمراد به أمته، لانه لايفعل قبيحا فيخاف العقاب. والمعنى ليس من دون الله ملتحد أى ملجأ.
وقوله (الابلاغ من الله ورسالاته) معناه لكن املك البلاغ من الله الذي هو بلاغ الحق لكل من ذهب عنه وأعرض عن اتباعه بأن أرشده إلى الادلة التي نصبها الله له وأمر بالدعاء إليها سائر عباده المكلفين، كما أمر أنبياءه بتبليغ رسالاته، فيكون التقدير لا أملك إلا بلاغا من الله ورسالاته. وقيل يجوز ان يكون المراد لن يجيرني من الله أحد إن لم أبلغ رسالاته، فيكون نصب البلاغ على اضمار فعل من الجزاء، كقولك إن لا قياما فقعودا وان لا عطاء فردا جميلا فتكون (لا) منفصلة من (إن)
وتقديره إن لا أبلغ بلاغا من الله ورسالاته. ثم قال (ومن يعص الله ورسوله) بأن خالف ما أمراه به وارتكب مانهياه

===============
(158)
عنه (فان له نار جهنم) جزاء على ذلك (خالدين فيها ابدا) أي مقيمين فيها على وجه التأبيد والقراء على كسر (فان) على الابتداء. وروي عن طلحة بن مصروف انه فتح على تقدير فجزاءه أن له. وقال ابن خالويه: سألت ابن مجاهد عن ذلك، فقال: هو لحن. وقال بعض أهل النظر: زعم ابوعبيدة: ان ما كان من قول الجن فهو مكسور نسقا على قوله (إنا سمعنا) ومن فتح فعلى قوله (قل اوحي)
الي، وهو اختيار ابن خالويه. وقوله (حتى إذا رأوا ما يوعدون) يعني ما يوعدون به من العقاب على المعاصي (فسيعلمون) عند ذلك (من اضعف ناصرا) يدفع منه عقاب الله ومن (أقل عددا) يستنصر بهم آلكفار أم المؤمنون؟. وقيل معناه أجند الله أم الذين عبده المشركون؟ وإنما قال (من أضعف ناصرا) ولا ناصر لهم في الاخرة، لانه جاء على جواب من توهم انه إن كانت لهم أخوة فناصرهم أقوى وعددهم اكثر.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (قل إن ادري) أي قل لهم لست اعلم (أقريب ماتوعدون) به من العقاب (أم يجعل له ربي امدا) أي غاية ينتهي اليها بعينها أم يؤخره الله تعالى إلى مدة لا يعلمها بعينها إلا الله تعالى الذي هو (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا) ثم قال (إلا من ارتضى من رسول) فانه ربما أطلعه على ماغاب عن غيره من الخلائق بأن يوحي اليهم بما شاء من الغيب - ذكره قتادة - (فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) ومعناه إن الله إذا نزل الملك بالوحي ارسل معه رصدا يحفظون الملك من أن يأتي احد من الجن ويسمع الوحي، ونصب (رصدا)
على المفعول، كأنه قال يجعل رصدا يسلك من بين يديه ومن خلفه (ليعلم ان قد ابلغوا) معناه ليظهر المعلوم من التبليغ. وقال قتادة: معناه ليعلم محمد أن الرسل قبله قد ابلغوا رسالات ربهم. وقال سعيد بن جبير: ليعلم الرسل أن قد ابلغوا رسالات

===============
(159)
ربهم على احاطة بهم وتحصين لما بلغوا من رسالاته. وقال الزجاج: ليعلم الله أن قد ابلغوا.
وقوله (واحاط بما لديهم) معناه انه يعلم ما عندهم فيحيط بما لديهم فيصير في معلومه بمنزلة ما احيط به (وأحصى كل شئ عددا) معناه انه يعلم الاشياء مفصلة بمنزلة من يحصيها ليعلمها كذلك. وقال الزجاج: نصب (عددا) يحتمل شيئين احدهما - واحصى كل شى في حال العدد، فيكون العدد بمعنى المعدود، كما يقال: للمنقوص نقص، فلا يخفى عليه شئ من الاشياء، لا سقوط ورقة، ولا حبة في ظلمات الارض.
والثاني - ان يكون بمعنى المصدر، وتقديره وأحصى كل شئ احصاء. وقال الجبائي معنى (ليعلم ان قد ابلغوا) أي ليبلغوا (رسالات ربهم) فعبر عن المعلوم بالعلم كما يقال: ما علم الله مني ذلك أي ما فعلته، لانه لو فعله لعلم الله ذلك (واحصى كل شئ عددا) معناه انه لا شئ يعلمه عالم او يذكره ذاكر إلا وهو تعالى عالم به ومحص له. والاحصاء فعل، وليس هو بمنزلة العلم، فلا يجوز ان يقال احصى مالا يتناهى كما يجوز ان يقال: علم ما لا يتناهى، لان الاحصاء مثل المحصي لا يكون إلا فعلا متناهيا، فاذا لم يجز ان يفعل ما لا يتناهى لم يجز ان يقال يحصي ما لا يتناهى.
والفرق بينهما واضح.

===============
(160)
73 - سورة المزمل:
مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي عشرون آية في الكوفي والمدني الاول وتسع عشرة في البصري وثماني عشرة في المدني الاخير بسم الله الرحمن الرحيم (ياأيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا (6) إن لك في النهار سبحا طويلا (7) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) واصبر على مايقولون واهجرهم هجرا جميلا) (10) عشر آيات.
قرأ ابن عامر وابوعمرو (وطاء) بكسر الواو والمد جعله مصدرا ل (واطأ)
يواطئ مواطأة، ووطاء. ومعناه إن ناشئة الليل وعمل ناشئة الليل يواطئ لسمع القلب اكثر مما يواطئ ساعات النهار، لان البال افرغ للانقطاع عن كثير مما يشغل

===============
(161)
بالنهار. الباقون - بفتح الواو - مقصورة، وروي عن الزهري - بكسر الواو - مقصورة، ومنه قوله (صلى الله عليه وآله): اللهم اشدد وطاءك على مضر، وقرأ (رب المشرق) بالجر كوفي غير حفص ويعقوب بدلا من (ربك). الباقون بالرفع على الاستئناف، فيكون رفعا بالابتداء وخبره (لا إله إلا هو) ويجوز أن يكون خبر الابتداء بتقدير هو رب المشرق.
هذا خطاب من الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) وقيل: إن المؤمنين داخلون فيه على وجه لتبع. يقول الله له (يا أيها المزمل) ومعناه الملتف في ثيابه، يقال تزمل في ثيابه، فهو متزمل إذا التف. والاصل (متزمل) فأدغم التاء في الزاي لان الزاي قريبة المخرج من التاء، وهو ابدى في المسموع من التاء. وقال قتادة: معناه المتزمل بثيابه، وقال عكرمة: المتزمل بعباء النبوة، وكل شئ لفف، فقد تزمل، قال امرء القيس:
كأن ابانا في أفانين ودقه * كبير اناس في بجاد مزمل (1)
يعني كبير اناس مزمل في يجاد وهو الكساء، وجره على المجاورة للبجاد.
وقوله (قم الليل إلا قليلا) أمر من الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) بقيام الليل إلا القليل منه، وقال الحسن: إن الله فرض على النبي والمؤمنين أن يقوموا ثلث الليل فما زاد، فقاموه حتى تورمت أقدامهم، ثم نسخ تخفيفا عنهم. وقال غيره: هو نفل لم ينسخ، لانه لو كان فرضا لما كان مخيرا في مقداره - ذكره الجبائي - وإنما بين تخفيف النفل. وقال قوم: المرغب فيه قيام ثلث الليل او نصف الليل او الليل كله
إلا القليل. ولم يرغب بالاية في قيام جميعه لانه تعالى قال (إلا قليلا نصفه

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه (السندوبي) 158 (ج 10 م 21 من التبيان) (*)

===============
(162)
او انقص منه قليلا او زد عليه) يعني على النصف. وقال الزجاج (نصفه) بدل من (الليل) كقولك ضربت زيدا رأسه. والمعنى: قم نصف الليل إلا قليلا او انقص منه قليلا. والمعنى قم نصف الليل او انقص من نصف الليل أو زد على نصف الليل، وذلك قبل ان يتعبد بالخمس صلوات. وقال ابن عباس والحسن وقتادة:
كان بين أول السورة وآخرها - الذي نزل فيه التخفيف - سنة. وقال سعيد بن جبير:
عشر سنين. وقال الحسن وعكرمة: نسخت الثانية بالاولى. والاولى أن يكون على ظاهره، ويكون جميع ذليك على ظاهرة مرغبا في جميع ذلك إلا أنه ليس بفرض وإن كانت سنة مؤكدة. والنصف أحد قسمي الشئ المساوى للاخر في المقدار.
والقليل من الشئ الناقص عن قسمه الاخر، وكلما كان أنفص كان أحق باطلاق الصفة، وما لا يعتد به من النقصان لا يطلق عليه.
(ورتل القرآن ترتيلا) أمر من الله تعالى له بأن يرتل القرآن والترتيل ترتيب الحروف على حقها في تلاوتها، وتثبت فيها، والحدر هو الاسراع فيها وكلاهما حسنان إلا أن الترتيل - ههنا - هو المرغب فيه. وقال مجاهد: معناه ترسل فيه ترسلا. وقال الزجاج: معناه بينه تبيينا أي بين جميع الحروف، وذلك لايتم بأن يعجل في القراءة.
وقوله (انا سنلقي عليك قولا ثقيلا) اخبار من الله تعالى لنبيه أنه سيطرح عليه قولا ثقيلا. وقال الحسن وقتادة: إنه يثقل العمل به لمشقة فيه. وقال ابن زيد: معناه العمل به ثقيل في الميزان والاجر، ليس بشاق. وقيل: معناه قول عظيم الشأن، كما تقول هذا الكلام رزين، وهذا قول له وزن إذا كان واقعا موقعه.
وقوله (إن ناشئة الليل هي أشد وطأ) قال مجاهد: ناشئة الليل التهجد في الليل. وقال الحسن وقتادة: هو ما كان بعد العشاء الاخرة، وعن ابي جعفر


(163)
وابي عبدالله (عليهما السلام) أنهما قالا: هو القيام آخر الليل إلى صلاة الليل. وقال قوم:
ناشئة الليل ابتداء عمل الليل شيئا بعد شئ إلى آخره. والناشئة الظاهرة بحدوث شئ بعد شئ، واضافته إلى الليل توجب انه من عمل الليل الذي يصلح أن ينشأ فيه.
وقوله (هي أشد وطأ) من قرأ - بالفتح - مقصورا، قال معناه: لقوة الفكر فيه أمكن موقعا. وقيل: هو أشد من عمل النهار، وقال مجاهد: معناه واطأ اللسان القلب مواطأة ووطاء والوطاء المهاد المذلل للتقلب عليه، فكذلك عمل الليل الذي هو أصلح له فيه تمهيد للتصرف في الدلائل وضروب الحكم ووجوه المعاني.
وقوله (واقوم قيلا) أي أشد استقامة وصوابا لفراغ البال، وانقطاع ما يشغل القلب. والمعنى إن عمل الليل أشد ثباتا من عمل النهار، وأثبت في القلب من عمل النهار، والاقوم الاخلص استقامة، لانه القول يشمل المعنى على ما فيه استقامة.
وفيه اضطراب. وقد يقل ذلك ويكثر، وهو في القول ظاهر كما هو في الخط، ففيه الحرف المقوم وفيه الحرف المضطرب. وقال ابن زيد: معناه أقوم قراءة لفراغه من شغل الدنيا، وقال أنس: معناه أصوب. وقال مجاهد: معناه اثبت.
وقوله (إن لك في النهار سبحا طويلا) قال قتادة: معناه إن لك يا محمد في النهار متصرفا ومنقلبا أي ما تقضي فيه حوائجك. وقرأ يحيى ابن معمر بالخاء، وكذلك الضحاك، ومعناه التوسعة. يقال اسبخت القطعن إذا وسعته للندف: ويقال لما تطاير من القطن وتفرق عند الندف سبائخ، والسبح المر السهل في الشئ، كالمر في الماء، والسبح في عمل النهار هو المر في العمل الذي يحتاج فيه إلى الضياء. وأما عمل اللياء فلايحتاج فيه إلى ضياء لتمكن ذلك العمل كالفكر في وجوه البرهان وتلاوة القرآن. وقال الجبائي في نوادره (لك في النهار سبحا) أي نوما، وقال الزجاج:

===============
(164)
معناه إن فاتك شئ بالليل فلك في النهار فراغ تقضيه.
ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (واذكر اسم ربك) يعني اسماء الله الحسنى التي تعبد بالدعاء بها (وتبتل اليه تبتيلا) أي انقطع اليه انقطاعا، فالتبتل الانقطاع إلى عبادة الله، ومنه مريم البتول وفاطمة البتول، لانقطاع مريم إلى عبادة الله، وانقطاع فاطمة عن القرين، ومنه قول الشاعر:
كأن لها في الارض نسيا تقصه * إذا ماغدت وإن تكلمك تبلت (1)
أي بقطع كلامها رويدا رويدا، وقيل: الانقطاع إلى الله تأميل الخير من جهته دون غيره، وجاء المصدر على غير الفعل، كما قال (انبتكم من الارض نباتا) (2) وقيل: تقديره تبتل نفسك اليه تبتيلا، فوقع المصدر موقع مقاربه. وقوله (رب المشرق والمغرب) من رفع فعلى انه خبر مبتدا محذوف، وتقديره: هو رب المشرق، ومن جر جعله بدلا من قوله (ربك) وتقديره إذكر اسم رب المشرق وهو مطلع الشمس موضع طلوعها ورب المغرب، يعني موضع غروبها، وهو المتصرف فيها والمدبر لما بينهما (لا إله إلا هو) أي لا احد تحق له العبادة سواه (فاتخذه وكيلا) أي حفيظا للقيام بامرك فالوكيل الحفيظ بأمر غيره. وقيل:
معناه اتخذه كافلا لما وعدك به.
ثم قال (واصبر) يا محمد (على ما يقول) هؤلاء الكفار من أذاك وما يشغل قلبك (واهجرهم هجرا جميلا) فالهجر الجميل اظهار الجفوة من غير ترك الدعاء إلى الحق على وجه المناصحة.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 7 / 117 (2) سورة 71 نوح آية 17 (*)

===============
(165)
قوله تعالى:
(وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما (12) وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) يوم ترجف الارض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14) إنا إرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16)
فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (17) السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) (19) تسع آيات.
لما امر الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله) بالصبر على اذى قومه، وأن يهجرهم هجرا جميلا قال على وجه التهديد للكفار (وذرني) يا محمد (والمكذبين) الذين يكذبونك فيما تدعوهم اليه من التوحيد وإخلاص العبادة والاعتراف بالبعث والنشور، والثواب والجزاء، كما يقول القائل: دعني وإياه إذا أراد أن يهدده، يقال: يذر بمعنى يترك، ويدع، ولا يستعمل ماضيه، ولا ماضي (يدع) ولا يقال: وذر، ولا ودع، استغناء بقولهم ترك عن ذلك، لان الابتداء بالواو عندهم مكروه، ولذلك أبدلوا منها الهمزة في قولهم (أقتت) والاصل (وقتت)، وقالوا (تخمة) والاصل (وخمة) وكذلك كل ما يصرف منه مما في أوله واو إلا قولهم: وادع من الدعة فلم يستغنوا عنه بتارك.

===============
(166)
وقوله (اولي النعمة) معناه ذوي النعمة أي اصحاب النعمة، والنعمة - بفتح النون - لين الملمس وضدها الخشونة، ومعناه (وذرني والمكذبين) أي ارض بعقاب المكذبين لست تحتاج إلى اكثر من ذلك كما يقال: دعني وإياه، فانه يكفيه ماينزل به من غير تقصير مما يقع به، وهذا تهدد شديد.
وقوله (ومهلهم قليلا) أي اخرهم في المدة قليلا فالتمهيل التأخير في المدة، وقد يكون التأخير في المكان، فلا يسمى تمهيلا، فاذا كان في المدة فهو تمهيل كما ان التأخير في الاجل تأجيل آخر.
وقوله (إن لدينا انكالا) أي قيودا - في قول مجاهد وقتادة - واحدها نكل (وجحيما) أي نارا عظيمة، وجحيم اسم من اسماء جهنم (وطعاما ذا غصة)
قال ابن عباس: معناه ذا غصة بشوك يأخذ الحلق، فلا يدخل ولا يخرج. وقيل:
معناه يأخذ بالحلقوم لخشونته وشدة تكرهه (وعذابا اليما) أي عقابا موجعا مؤلما.
ثم بين متى يكون ذلك فقال (يوم ترجف الارض) أي اعتدنا هذه الانواع من العذاب في يوم ترجف الارض أي تتحرك باضطراب شديد (والجبال) أي وترجف الجبال معها إيضا (وكانت الجبال كثيبا مهيلا) قال ابن عباس: تصير الجبال رملا سائلا متناثرا، فالكثيب الرمل المجتمع الكثير، ومهيل مفعول من هلت الرمل اهيله وذلك إذا حرك اسفله فسال أعلاه، ويقال: مهيول كما يقال مكيل ومكيول، وانهال الرمل انهيالا و (الغصة) تردد اللقمة في الفم لا يسيغها الذي يروم أكلها قال الشاعر:
لو بغير الماء حلقي شرق * كنت كالغصان بالماء اعتصاري (1)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 1 / 130، 421 و 6 / 151 (*)

===============
(167)
يقال غص بريقه يغص غصصا، وفي قلبه غصة من كذا، وهي كاللذغة التي لا يسيغ معها الطعام ولا الشراب.
وقوله (إنا أرسلنا اليكم رسولا شاهدا عليكم) اخبار من الله تعالى وخطاب للمكلفين في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) ومن بعده بأنه أرسل اليهم رسولا يدعوهم إلى عبادته وإخلاص توحيده (شاهدا عليكم) بقبولهم إن قبلوا وعليهم إن لم يقبلوا (كما أرسلنا) أي ارسلناه اليكم مثل ما أرسلنا (إلى فرعون رسولا) يعني موسى ابن عمران (عليه السلام). ثم اخبر عن فرعون فقال (فعصى فرعون الرسول) يعني موسى، فلم يقبل منه ما أمره به ودعاه اليه (فأخذناه أخذا وبيلا) أي اخذا ثقيلا شديدا عقوبة له على عصيانه موسى رسول الله، وكل ثقيل وبيل، ومنه: كلا مستوبل أي متوخم لا يستمرء لثقله، ومنه الوبل، والوابل، وهو المطر العظيم القطر، ومنه الوبال وهو ما يغلظ على النفس وأصله الغلظ قال طرفة:
فمرت كهاة ذات خيف جلالة * عقيلة شيخ كالوبيل يلندد (1)
الوبيل - ههنا - الغليظ من العصى و (كهاة) ناقة مسنة و (الخيف) جلد الضرع و (يلندد) شديد الخصومة.
قوله (فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا) أي إن كفرتم بالله وجحدتم نعمه، وكذبتم رسوله، وإنما جعل الولدان، وهم الاولاد الصغار شيبا لشدته، وعظم أهواله، كما يقال: قد حدث أمر تشيب منه النواصي. وقيل:
(يوما يجعل الولدان شيبا) على وجه المثل، والشيب جمع أشيب، يقال: شاب الانسان يشيب شيبا إذا ابيض شعره. ثم زاد في صفة شدة ذلك اليوم أيضا فقال (السماء منفطر به) أي متصدع بشدة ذلك اليوم، وإنما لم يقل منفطرة، لانه جرى

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه 38 وتفسير القرطبي 18 / 48 (*)

===============
(168)
على طريق النسبة أي ذات انفطار، ولم يجر على طريق (فاعلة) كما قالوا للمرأة:
مطفل أي ذات طفل. وقال الزجاج: تقديره السماء منفطر باليوم مثقلة به. وقال الحسن: معناه السماء مثقل به. وقال غيره: السماء مثقلة بذلك اليوم من شدته.
وقال قوم: معناه متشقق بالامر الذي يجعل الولدان شيبا. والسماء يؤنث ويذكر، فمن ذكر أراد السقف.
وقوله (كان وعده مفعولا) معناه إن ما وعد الله به فلا بد من كونه، فلذلك عبر عنه بلفظ الماضي فكأنه قد وجد. ثم قال (إن هذه تذكرة) أي هذه القصة التي ذكرناها وبيناها (تذكرة) أي عظة لمن انصف من نفسه وفكر فيها، فالتذكرة التبصرة، وهي الموعظة التي يذكر بها ما يعمل عليه.
وقوله (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) معناه إن من شاء من المكلفين اتخذ إلى ثواب ربه سبيلا، لانه قادر على الطاعة التي لو فعلها وصل إلى الثواب. والله تعالى قد دعاه إلى ما يوصله اليه ورغبه فيه، وبعث رسولا يدعوه ايضا اليه. وإن لم يفعل فسبوء اختياره انصرف عنه.
قوله تعالى:
(إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه

===============
(169)
وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) (20) آية واحدة. قرأ نافع وابوعمرو وابن عامر (ونصفه وثلثه) بكسر الفاء والثاء بمعنى إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه ومن ثلثه أي وادني من نصفه وأدنى من ثلثه. الباقون بالنصب بمعنى أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصف وثلثه. والثلث يخفف ويثقل، لغتان، ومثله ربع وعشر. وقال ابوعبيدة:
الاختيار الخفض في (ثلثه ونصفه) لانه قال (علم أن لن تحصوه) وكيف يقدرون على أن يقوموا نصفه أو ثلثه، وهم لا يحصونه، وقال غيره: ليس المعنى على ما قال.
وإنما المعنى علم أن لن يطيقوه، يعني قيام الليل، فخفف الله ذلك، قال والاختيار النصب، لانها أوضح في النظر، لانه قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) (قم الليل إلا قليلا) ثم نقله عن الليل، كله إلا شيئا يسيرا ينام فيه، وهو الثلث. والثلث يسير عند الثلثين.
ثم قال (نصفه) أي قم نصفه (أو انقص منه قليلا) أي قم نصفه، واكتفى بالفعل الاول من الثاني، لانه دليل عليه أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث (أو زد)
هكذا إلى الثلثين جعله موسعا عليه. وفى الناس من قال: هذه الاية ناسخة لما ذكره في أول السورة من الامر الحتم بقيام الليل إلا قليلا أو نصفه او انقص منه. وقال آخرون: إنما نسخ ما كان فرضا إلى ان صار نفلا.
وقد قلنا: ان الامر في أول السورة على وجه الندب، فكذلك - ههنا - فلا وجه للتنافي حتى ينسخ بعضها ببعض يقول الله تعالى لنبيه ان ربك يا محمد ليعلم انك (ج 10 م 22 من التبيان)

===============
(170)
تقوم اقل من ثلثي الليل واقل من نصفه ومن ثلثه فيمن جر ذلك، ومن نصب فمعناه إنك تقوم أقل من ثلثي الليل وتقوم نصفه وثلثه وتقوم طائفة من الذين معك على الايمان (والله يقدر الليل والنهار) لتعملوا فيه بالصواب على ما يأمركم به (علم أن لن تحصوه) قال الحسن: معناه علم أن لن تطيقوه (فتاب عليكم) أي لم يلزمكم إثما كما لا يلزم التائب أي رفع التبعة فيه كرفع التبعة عن التائب. وقوله (فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم ان سيكون منكم مرضى) فتاب عليكم بما رغبتم فيه وذلك يقتضي التخفيف عنكم (وآخرون يضربون في الارض) أي ومنكم قوم آخرون يضربون أي يسافرون في الارض ومنكم قوم (آخرون يقاتلون في سبيل الله) وكل ذلك يقتضي التخفيف عنكم (فاقرءوا ما تيسر منه واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) ومعناه اقيموا الصلاة بحدودها التي أوجبها الله عليكم واستمروا عليها وأعطوا ما وجب عليكم من الزكوة المفروضة (واقرضوا الله قرضا حسنا) أي وانفقوا في سبيل الله والجهات التي أمركم بها وندبكم إلى النفقة فيها، وسمي ذلك (قرضا) تلطفا في القول، لان الله تعالى من حيث أنه يجازيهم على ذلك بالثواب، فكأنه استقرض منهم ليرد عوضه وإنما قال (حسنا) أي على وجه لا يكون فيه وجه من وجوه القبح.
ثم قال (وما تقدموا لانفسكم من خير) أي ما فعلتم من الطاعات (تجدوه)
أي تجدوا ثوابه وجزاءه (عند الله) وقوله (هو خيرا وأعظم أجرا) أي تجدوه خيرا لكم، وهو أفضل واعظم ثوابا، وهو عطف على (خير). ثم قال (واستغفروا الله) على معاصيكم معاشر المكلفين (إن الله غفور) أي ستار لذنوبكم صفوح لاجرامكم إذا تبتم واقلعتم ورجعتم اليه (رحيم) بكم منعم عليكم. وقال ابن زيد: القرض في الاية النوافل سوى الزكاة.

===============
(171)
74 - سورة المدثر:
مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك هي مدنية وهي خمسون وست آيات في الكوفي والبصري والمدني الاول، وخمس في المدني الاخير. وقال ابوسلمكة ابن عبدالرحمن أول ما نزل من القرآن (يا أيها المدثر) وحكى ذات ابوسلمة عن جابر بن عبدالله. قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (جاوزت بحراء فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا فنظرت عن شمالي فلم أر شيئا فنظرت أمامي فلم أر شيئا فنظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فلم أر شيئا، فاتيت خديجة فقلت دثروني وصبواعلي ماء باردا قال فدثروني فصبوا علي ماء باردا فنزلت (يا ايها المدثر) وقال الزهري: أول ما نزل قوله (اقرأ باسم ربك الذي خلق).
بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها المدثر (1) قم فانذر (2) وربك فكبر (3)
وثيابك فطهر (4) والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6)
ولربك فاصبر (7) فاذا نقر في الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) على الكافرين غير يسير) (10) عشر آيات.

===============
(172)
هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) يقول له (يا أيها المدثر) واصله المتدثر بثيابه، فادغمت التاء في الدال، لانها من مخرجها مع أن الدال اقوى بالجهر فيها، يقال: تدثر تدثرا ودثره تدثيرا، ودثر الرسم يدثر دثورا إذا محي أثره، فكأنه قال: يا ايها الطالب صرف الاذى بالدثار اطلبه بالانذار.
وقوله (قم فانذر) أمر من الله تعالى له أن يقوم وينذر قومه، والانذار الاعلام بموضع المخافة ليتقى، فلما كان لا مخافة أشد من الخوف من عقاب الله كان الانذار منه اجل الانذار، وتقديره قم إلى الكفار فانذر من النار.
وقوله (وربك) منصوب ب (كبر) والتكبير وصف الاكبر على اعتقاد معناه كتكبير المكبر في الصلاة بقوله الله اكبر، والتكبير نقيض التصغير، ومثله التعظيم. والكبير الشأن هو المختص باتساع المقدور والمعلوم من غير مانع من الجود فالله تعالى قادر لا يعجزه شئ، وعالم لا يخفى عليه شئ لا يمنعه من الجود على عباده شئ، فهو اكبر من كل كبير بما لا يساويه شئ، واختصاصه بالمقدور والمعلوم بأنه ما صح من مقدور او معلوم فهو قادر عليه عالم به فهو لنفسه كبير واكبر من كل كبير سواه.
وقوله (وثيابك فطهر) أي وطهر ئيابك فهو منصوب به. والطهارة النظافة بانتفاء النجاسة، لان النظافة قد تكون بانتفاء الوسخ من غير نجاسة، وقد تكون بانتفاء النجاسة. فالطهارة في الاية هوالقسم الاخير. وقال ابن عباس (وثيابك فطهر) معناه من لبسها على معصيته، كما قال سلامة بن غيلان الثقفي - انشده ابن عباس:
وإني بحمد الله لا ثوب فاجر * لبست ولا من غدة أتقنع (1)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 489 (*)

===============
(173)
وقال الزجاج: معناه لم أكن غادرا، قال يقال: للغادر دنس الثياب أي لم أعص قط وقيل: معناه شمر ثيابك - وفي رواية عن ابن عباس وإبراهيم وقتادة - ان معناه وثيابك فطهر من الذنوب. وقال ابن سيرين وابن زيد: اغسلها بالماء.
وقيل معناه شمر ثيابك، وقيل: معناه وثيابك فطهر للصلاة فيها.
وقوله (والرجز) منصوب بقوله (فاهجر) وقال الحسن: كل معصية رجز وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والزهري: معناه فاهجر الاصنام. وقال ابراهيم والضحاك: الرجز الاثم. وقال الكسائي: الرجز - بكسر الراء - العذاب، وبفتحها الصنم والوثن. وقالوا: المعنى اهجر ما يؤدي إلى العذاب، ولم يفرق احد بينهما.
وبالضم قرأ حفص ويعقوب وسهل. الباقون بالكسر إما لانهما لغتان مثل الذكر والذكر او بما قاله الكسائي. وقال قوم: الرجز بالضم الصنم. وقال: كان الرجز صنمين: أساف ونائلة، نهى الله تعالى عن تعظيمهما.
وقوله (ولا تمنن تستكثر) قال ابن عباس وابراهيم والضحاك وقتادة ومجاهد: معناه لا تعط عطية لتعطى أكثر منها، وقال الحسن والربيع وانس: معناه لا تمنن حسناتك على الله مستكثرا لها، فينفصل ذلك عبدالله. وقال ابن زيد:
معناه لا تمنن ما أعطاك الله من النبوة والقرآن مستكثرا به الاجر من الناس.
وقال ابن مجاهد: معناه لا تضعف في عملك مستكثرا لطاعتك، وقال قوم: معناه لا تمنن على الناس بما تنعم به عليهم على سبيل الاستكثار لذلك. وقال جماعة من النحويين:
إن (تستكثر) في موضع الحال ولذلك رفع. وأجاز الفراء الجزم على أن يكون جوابا للنهي، والرفع هو الوجه. والمن ذكر النعمة بما يكدرها، ويقطع حق الشكر بها، يقال: من بعطائه يمن منا إذا فعل ذلك، فأما من على الاسير إذا أطلقه، فهو قطع أسباب الاعتقال عنه. ويقال: لمن أنعم على وجه المن، لانه بهذه المنزلة، وأصله

===============
(174)
القطع من قوله (فلهم أجر غير ممنون) (1) أى غير مقطوع. والاستكثار طلب الكثرة يقال: استكثر فلان من المال والعلم، والمراد - ههنا - هو طلب ذكر الاستكثار للعطية.
وقوله (ولربك فاصبر) قال ابراهيم: من أجل ربك فاصبروا على عطيتك.
وقال مجاهد: لاجل الله فاصبر على أذى المشركين. وقيل: معناه (ولربك فاصبر)
على ما أمرك به من أداء الرسالة وتعليم الدين، وماينالك من الاذى والتكذيب، فاحتمله لتنال الفوز من الله بالنعيم والصبر الذى هو طاعة الله هو الصبر على الضرر الذى يدعو اليه العقل، لان ما يدعو اليه العقل فخالق العقل يريده، لانه بمنزلة دعاء المر إلى الفعل، والسبب الذى يتقوى به على الصبر هوالتمسك بداعي العقل دون داعي الطبع، لان العقل يدعو بالترغيب فيما ينبغي أن يرغب فيه. والطبع داعي الهوى يدعو إلى خلاف ما في العقل.
وقوله (فاذا نقر في الناقور) معناه إذا نفخ في الصور، وهو كهيأة البوق - في قول مجاهد - وقيل: ان ذلك في اول النفختين، وهو أول الشدة الهائلة العامة، والناقور على وزن (فاعول) من النقر، كقولك: هاضوم من الهضم وحاطوم من الحطم، وهو الذي من شأنه أن ينقر فيه للتصويت به.
وقوله (فذلك يومئذ) يعني اليوم الذي ينفر فيه في الناقور (يوم عسير)
أى يوم شديد عسر (على الكافرين) لنعم الله الجاحدين لاياته (غير يسير)
فاليسير القليل الكلفة، ومنه اليسار وهو كثرة المال لقلة الكلفة به في الانفاق، ومنه تيسر الامر لسهولته وقلة الكلفة فيه. وقال الزجاج: قوله (يوم عسير) مرتفع بقوله (فذلك) والمعنى فذلك يوم عسير يوم النفخ في الصور، ويومئذ يجوز أن يكون

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 95 التين آية 6 (*)

===============
(175)
نصبا على معنى فذلك يوم عسير في يوم ينفخ في الصور، ويجوز الرفع، وإنما بني على الفتح لاضافته إلى (إذ) لان (إذ) غير متمكنة.
قوله تعالى:
(ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12)
وبنين شهودا (13) ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15)
كلا إنه كان لا ياتنا عنيدا (16) سارهقه صعودا (17) إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20)
ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر) (25) خمس عشرة آية.
يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) على وجه التهديد للكافر الذى وصفه (ذرني ومن خلقت وحيدا) ومعناه دعني وإياه فاني كاف في عقابه كما تقول العرب: دعني وإياه لا أن الله تعالى يجوز عليه المنع حتى يقول: ذرني وإياه. ولكن المعنى ما قلناه.
وقوله (وحيدا) قال الزجاج: يحتمل ان يكون من صفة الخالق، ويحتمل أن يكون من صفة المخلوق، فاذا حملناه على صفة الخالق كان معناه دعني ومن خلقته متوحدا بخلقه لا شريك لي في خلقه وجعلته على الاوصاف التي ذكرتها، وإذا حمل على صفه المخلوق، كان معناه ومن خلقته في بطن أمه وحده لاشئ له ثم جعلت له كذا وكذا - ذكره مجاهد وقتادة - وقوله (وجعلت له مالا ممدودا) أى مالا كثيرا له مدد يأتي شيئا بعد شئ، فوضفه بأنه ممدود يقتضي هذا المعنى. وقال مجاهد

===============
(176)
وسعيد بن جبير: نزلت الاية في الوليد بن المغيرة المخزومي. وقالا: كان ماله الف دينار. وقال سفيان: كان ماله أربعة آلاف دينار. وقال النعمان بن سالم: كان أبرص. وقال عطاء عن عمر: كان غلة شهر شهر. وقال مجاهد: كان بنوه عشرة (وبنين شهودا) أي واولادا ذكورا معه يستمتع بمشاهدتهم، وينتفع بحضورهم. وقيل كان بنوه لا يغيبون عنه لغنائهم عن ركوب السفر في التجارة بخلاف من هو غائب عنهم.
وقوله (ومهدت له تمهيدا) أي سهلت له التصرف في الامور تسهيلا وقد يكون التسهيل من المصيبة ليخف الحزن بها، وقد يكون لما يتصرف فيه من المبالغة.
وقوله (ثم يطمع أن ازيد) أي لم يشكرني على هذه النعم، وهو مع ذلك يطمع ان أزيد في إنعامه. والتمهيد والتوطئة والتذليل والتسهيل نظائر.
ثم قال تعالى على وجه الردع والزجر (كلا) كأنه قال: ارتدع عن هذا وانزجر كما ان (صه) بمنزلة اسكت (ومه) بمنزلة اكفف. إنما هي أصولت سمي الفعل بها، فكأنه قال: انزجر، فليس الامر على ما تتوهم.
ثم بين لم كان كذلك فقال (إنه كان لا ياتنا) أي إنما لم أفعل به ذلك، لانه لحجتنا وأدلتنا (عنيدا) أي معاندا، فالعنيد الذاهب عن الشئ على طريق العداوة له، يقال عند العرق يعند عنودا، فهو عاند إذا نفر، وهو من هذا، والمعاندة منافرة المضادة، وكذلك العناد، وهذا الكافر يذهب عن آيات الله ذهاب نافر عنها. وقيل معنى (عنيد) عنود أي جحود بتكذيب المعاندة - في قول ابن عباس وقتادة - وقيل: معناه معاند، وبعير عنود أي نافر قال الشاعر:
إذا نزلت فاجعلوني وسطا * إني كبير لا أطيق العندا (1)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 14، 283 (*)

===============
(177)
أي نفرا، وقوله (سأرهقه صعودا) فالارهاق الاعجال بالعنف والصعود العقبة التي يصعب صعودها، وهي الكؤد والكدود في ارتقائها ونقيض الصعود الهبوط، وقيل: صعود جبل من نار في جهنم يؤخذون بارتقائه، فاذا وضع يديه ذابت، فاذا رفعها عادت وكذلك رجلاه، في خبر مرفوع. وقيل: صعود جبل في جهنم من نار يضرب بالمقامع حتى يصعد عليه، ثم يضرب حتى ينزل ذلك دأبه ابدا.
ثم قال (إنه فكر) أى فكر فكرا يحتال به للباطل، لانه لو فكر على وجه طلب الرشاد لم يكن مذموما بل كان ممدوحا، ولذلك مدح الله قوما فقال (إن في ذلك لايات لقوم يتفكرون) (1) أى على وجه طلب الحق. وقوله (وقدر) أي قدر فقال: إن قلنا شاعر كذبتنا العرب باعتبار ما أتى به، وإن قلنا كاهن لم يصدقونا، لان كلامه لا يشبه كلام الكهان، فنقول ساحر يأثر ما أتى به عن غيره من السحرة. فقال الله تعالى (فقتل) أي لعن (كيف قدر) هذا. ثم كرر تعالى فقال (ثم قتل كيف قدر) أى عوقب بعقاب آخر كيف قدر من ابطال الحق تقديرا آخر. وقيل: لعن بما يجري مجرى القتل، ومثله (قتل الخراصون) (2)
وقال الحسن: هو شتم من الله لهذا الكافر.
وقوله (ثم نظر) نظر من ينكر الحق وبدفعه، ولو نظر طلبا للحق كان ممدوحا وكان نظره صحيحا. وقوله (ثم عبس) أى قبض وجهه تكرها للحق، يقال: عبس يعبس عبوسا، فهو عابس وعباس فالعبوس والتكليح والتقطيب نظائر

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 13 الرعد آية 3 وسورة 30 الروم آية 21 وسورة 39 الزمر آية 42 وسورة 45 الجائية آية 12 (2) سورة 51 الذاريات آية 10 (ج 10 م 23 من التبيان) (*)

===============
(178)
في اللغة، وضده الطلاقة والبشاشة. وقوله (وبسر) فالبسور بدو التكره الذى يظهر في الوجه وأصله من قولهم: بسر بالامر إذا عجل به قبل حينه، ومنه البسر لتعجيل حاله قبل الارطاب قال توبة:
وقد رابني منها صدود رأيته * وإعراضها عن حاجتي وبسورها (1)
فكأنه قيل: قبض وجهه وبدي التكره فيه. وقوله (ثم أدبر) فالادبار الاخذ في جهة الدبر خلاف جهة الاقبال، فذلك ادبار وهذا إقبال، يقال: دبر يدبر دبورا وأدبر إدبارا، وتدبر نظر في عاقبة الامر، ودبره أى عمله على إحكام العاقبة وكل مأخوذ من جهة الخلف مدبر.
وقوله (واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر) أى طلب كبرا ليس له، ولو طلب كبرا هو له لم يكن مذموما، وفي صفات الله تعالى (الجبار المتكبر) (2)
لان له الكبرياء، وهو كبير الشأن في أعلى المراتب لاختصاصه باتساع مقدوراته والمعلوم في أعلى المراتب. وقيل: ان الوليد قال في القرآن: والله ليعلو وما يعلا وما هو بشعر ولاكهانة، ولكنه سحر يؤثر من قول البشر، والسحر حيلة يخفى سببها فيوهم الشئ على خلاف ما هو به وذلك منفي عن كل ما يشاهد ويعلم انه قد خرج عن العادة مما لا يمكن عليه معارضة، ولو كان القرآن من قول البشر لا مكنهم أن يأتوا بمثله، كما لو كان قلب العصاحية من فعل ساحر لا مكن السحرة أن يأتوا بمثله. ثم قال يعني الوليد (إن هذا إلا قول البشر) أى ليس هذا إلا قول البشر وليس من كلام الله عنادا منه وبهتانا.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجاز القرآن 2 / 275 والقرطبي 19 / 74 (2) سورة 59 الحشر آية 23 (*)

===============
(179)
قوله تعالى:
(ساصليه سقر (26) وما أدريك ما سقر (27) لا تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) عليها تسعة عشر (30) وما جعلنا أصحاب النار إلا ملئكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31)
كلا والقمر (32) والليل إذ أدبر (33) والصبح إذا أسفر (35) إنها لا حدى الكبر) (35) عشر ايات.
قرأ نافع وحمزة وحفص عن عاصم (إذ أدبر) باسكان الذال وقطع الهمزة من (أدبر) الباقون بفتح الذال والالف معها (دبر) بغير الف. وقرأ ابن مسعود بزيادة الف، ومن قال (دبر، وأدبر) فهما لغتان. قيل: هو مثل قبل واقبل والاختيار عندهم (أدبر) لقوله (إذا أسفر) ولم يقل إذا سفر، لان ابن عباس، قال لعكرمة: حين دبر الليل، لان العرب تقول: دبر فهو دابر، وحجة نافع وحمزة قول النبي (صلى الله عليه وآله) (إذا اقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصيام) ثم قال ابوعبيدة: أدبر ولى، ودبرني جاء خلفي.
لما حكى الله تعالى صفات الكافر الذي ذكره، وهو الوليد بن المغيرة، وانه

===============
(180)
فكر وقدر إلى ان قال: هذا القرآن سحر مأثور، وهو قول البشر، قال الله تعالى مهددا له ومتوعدا (سأصليه سقر) أى ألزمه جهنم، والاصلاء إلزام موضع النار أصلاه يصليه إصلاه واصطلى فهو يصطلي اصطلاء، وصلاه يصليه، واصله اللزوم.
وسقر اسم من اسماء جهنم، ولم يصرف للتعريف والتأنيث وأصله من سقرته الشمس تستقره سقرا إذا آلمت دماغه. وقد سميت النار سقر لشدة إيلامها، ومنه الصقر بالسين والصاد، لان شدته في نفسه كشدة الالم في أذى صيده.
وقوله (وما أدراك ما سقر) إعظاما للنار وتهويلا لها أي ولم يعلمك الله سقر على كنهها وصفتها، ثم وصف بعض صفاتها فقال (لا تبقي ولا تذر) وقال مجاهد: معناه لا تبقي من فيها حيا، ولا تذره ميتا. وقال غيره: لا تبقي احدا من أهلها إلا تناولته، ولا تذره من العذاب. والابقاء ترك شئ مما اخذ، يقال أبقى شيئا يبقيه ابقاء، وأبقاه الله أي اطال مدته. والباقي هو المستمر الوجود.
وقوله (لواحة للبشر) أي مغيرة لجلد الانسان الذي هو البشرة - في قول مجاهد - وقال المؤرج: لواحة بمعنى حراقة، وبه قال الفراء. وقال غيرهما: معناه تلوح لجميع الخلق حتى يروها، كما قال (وبرزت الجحيم لمن يرى) (1) لانه لا يجوز أن يصفها بأنها تسود البشرة مع قوله (إنها لا تبقي ولا تذر) والتلويح تغير اللون إلى الاحمر والتلويح بالنار تغير بشرة أهلها إلى الاحمرار، يقال: لوحته الشمس تلوحه تلويحا فهي لواحة على المبالغة في كثرة التلويح، والبشر جمع بشرة، وهي ظاهر الجلدة، ومنه سمي الانسان بشرا، لانه ظآهر الجلدة، بتعريه من الوبر والريش والشعر الذي يكون في غيره من الحيوان في غالب أمره.
وقوله (عليها تسعة عشر) أي على سقر تسعة عشر من الملائكة. وإنما خص بهذه العدة لتوافق صحة الخبر لما جاء به الانبياء قبله (صلى الله عليه وآله)، ويكون في

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 79 النازعات آية 36 (*)

===============
(181)
ذلك مصلحة للمكلفين. وقد بين ذلك بقوله (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم) أي لم نجعل من يتولى تدبير النار إلا من الملائكة ولم نجعلهم على هذه العدة (إلا فتنة) ومحنة وتشديدا في التكليف (للذين كفروا) نعم الله وجحدوا ربوبيته ليلزمهم النظر في ذلك، فلما كانت هذه العدة التي جعلت عليها الملائكة يظهر عندها ما كان في نفس الكافر مما يقتضيه كفره، كان فتنة له، لان الفتنة هي المحنة التي تخرج ما في النفس من خير او شر باظهار حاله كاظهار الحكاية للمحكي والملك عبارة عما كان على خلاف صورة الجن والانس من المكلفين. وقال قوم: لا يكون ملكا إلا رسولا لانه من الرسالة، كما قال الهذلي:
الكني اليها وخير الرسو * ل أعلمهم بنواحي الخبر (1)
واصله ملاك بالهمز كما قال الشاعر:
فلست لا نسى ولكن بملاك * تنزل من جو السماء يصوب (2)
والملك عظيم الخلق شديد البطش كريم النفس. والاصل نفسه منشرحة بالطاعة إنشراح الكريم بالجود، وأصله من النور، ووجه دلالة هذه العدة من الملائكة على نبوة النبي (صلى الله عليه وآله) هو انه اذا كان الله - عزوجل - قد اخبر به في الكتب المتقدمة ولم يكن محمد (صلى الله عليه وآله) ممن قرأها ولا تعلمها من أحد من الناس دل على أن الله أعلمه وانزل عليه به وحيا أبانه به من جميع الخلق ليدل على صدقه مع انه احد الاشياء التي أخبر بها على هذه الصفة (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب) والتقدير ليعلم أهل الكتاب يقينا ان محمدا صادق من حيث اخبر بما هو في كتبهم من غير قراءة لكتبهم ولا تعلم منهم (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) أي ويزداد بذلك ايضا المؤمنون الذين عرفوا الله إيمانا مضافا إلى ايمانهم. ووجه المحنة على الكفار بتكليفهم ان يستدلوا حتى

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 8 / 11، 299 (2) اللسان (ملك) (*)

===============
(182)
يعرفوا ان الله تعالى قادر ان يقوي هذه العدة من الملائكة بما يفي بتعذيب أهل النار على ما هم عليه من الكثرة (ولا يرتاب) أي لا يشك (الذين أوتوا الكتاب)
في خبره ولا يرتاب أيضا (المؤمنون) في خبره.
وقوله (وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون) ومعناه لئلا يقول الذين في قلوبهم شك ونفاق (ماذا أراد الله بهذامثلا) اي أي شئ ارادالله بهذا مثلا، وقيل اللام في قوله (وليقول الذين في قلوبهم مرض) لام العاقبة كما قال (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) (1) فقال الله تعالى (كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء) أى مثل ما فضح الله هؤلاء الكفار وذمهم مثل ذلك يضل من يشاء من الكفار. والاضلال - ههنا - اظهار فضيحة الكفار بما يوجب الذم، ومعناه الحكم عليهم بالضلال عن الحق، والاخبار بأنهم يستحقون اللعن بتكذيبهم النبي (صلى الله عليه وآله)، وما انزل عليه. ونقيضه الهداية أي ويحكم بهداية المؤمنين إلى الحق ومصيرهم إلى الطاعة، وتصديقهم بالحق عند نزوله وقبولهم له. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك:
عدة الملائكة الموكلين بالنار في التوراة والانجيل تسعة عشر.
ثم اخبر تعالى فقال (وما يعلم جنود ربك إلا هو) أي لا يعلم جنود الله إلا الله. ثم قال (وما هي إلا ذكرى للبشر) قيل معناه إن النار في الدنيا تذكير بالنار في الاخرة. وقال قتادة ومجاهد: النار الموصوفة بهذه الصفة ذكرى للبشر وعظة لهم. وقال البلخي: إلا ذكرى للبشر أي الجنود ذكرى أي عظة للبشر، لان الله تعالى لا يحتاج إلى ناصر ومعين.
ثم قال (كلا والقمر) أي حقا ثم اقسم بالقمر (والليل إذ ادبر) قيل معناه إذا ولى يقال: دبر وادبر، وقد قرئ بهما. وقيل: إنما دبر الليل بان جاء

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 28 القصص آية 8 (*)

===============
(183)
بعده النهار وآخره. وتقول العرب: قبح الله ما قبل منك وما دبر (والصبح إذا اسفر) أي اضاء وأنار - في قول قتادة - وهو قسم آخر. وقال قوم: التقدير ورب هذه الاشياء، لان اليمين لا يكون إلا بالله. وقال قوم: معنى قوله (والصبح اذا اسفر) أي كشف عن الظلام وأنار الاشخاص. وقوله (انها لاحدى الكبر)
جواب القسم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: معناه إن النار لاحدي الكبر. وقال قوم: ان هذه الاية لاحدى الكبر. والكبر جمع الكبرى، وهي العظمى وروي عن ابن كثير أنه (قرأ إنها لحدى الكبر) لا يهمزه ولا يكسر يسقط الهمزة تخفيفا، كقولهم في زيد الاحمر زيد لحمر. وفي أصحاب الايكة اصحاب ليكة.
والاختيار قطع الالف، لان العرب اذا حذفت مثل هذا نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها، واللام قبل هذه الهمزة متحركة، واللام في الاحمر لام التعريف ساكنة.
قوله تعالى:
(نذيرا للبشر (36) لمن يشاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37)
كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا أصحاب اليمين (39) في جنات يتساءلون (40) عن المجرمين (41) ماسلككم في سقر (42)
قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتينا اليقين (47) فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كانهم حمر مستنفرة (50) فرت من

===============
(184)
قسورة (51) بل يريد كل امرئ منهم إن يؤتى صحفا منشرة (52)
كلا بل لا يخافون الاخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة) (56) احدى وعشرون آية.
قرأ نافع وابن عامر وابوجعفر (مستنفرة) بفتح الفاء. الباقون بكسرها ومعناهما متقارب، لان من فتح الفاء أراد أنه نفرها غيرها، ومن كسر الفاء اراد أنها نافرة، وانشد الفراء:
امسك حمارك إنه مستنفر * في أثر أحمرة عمدن لغرب (1)
والنفور الذهاب عن المخوف بانزعاج، نفر عن الشئ ينفر نفورا فهو نافر، والتنافر خلاف التلاؤم، واستنفر طلب النفور (ومستنفرة) طالبة للنفور. وقرأ نافع ويعقوب (وما تذكرون) بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر.
لما اخبر الله تعالى ان الاية التي ذكرها لاحدى الكبر، بين أنه بعث النبي (نذيرا للبشر) أي منذرا مخوفا معلما مواضع المخافة، والنذير الحكيم بالتحذير عما ينبغي ان يحذر منه، فكل نبي نذير، لانه حكيم بتحذيره عقاب الله تعالى على معاصيه.
(ونذيرا) نصب على الحال. وقال الحسن: إنه وصف النار وقال ابن زيد: هو وصف النبي. وقال أبورزين: هو من صفة الله تعالى، فمن قال: هو للنبي قال كأنه قيل: قم نذيرا. وقوله (لمن شاء منكم أن يتقدم او يتأخر) معناه إن هذا الانذار متوجه إلى من يمكنه ان يتقي عذاب النار بأن يجتنب معاصيه ويفعل طاعاته، فيقدر

ـــــــــــــــــــــــ
(1) اللسان (نفر)

===============
(185)
على التقدم والتأخير في أمره بخلاف ما يقوله المجبرة الذين يقولون بتكليف ما لايطاق لمنع القدرة. وقال قتادة: معناه لمن شاء منكم أن يتقدم في طاعة الله أو يتأخر عنها بمعصيته. والمشيئة هي الارادة.
وقوله (كل نفس بما كسبت رهينة) معناه إن كل نفس مكلفة مطالبة بما عملته وكسبته من طاعة او معصية، فالرهن أخذ الشئ بأمر على أن لا يرد إلا بالخروج منه رهنه يرهنه رهنا قال زهير:
وفارقتك برهن لافكاك له * يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا (1)
وكذلك هؤلاء الضلال قد أخذوا برهن لا فكاك له. قال الرماني: في ذلك دلالة على القائلين باستحقاق الذم، لانه عم الارتهان بالكسب في هذا الموضع، وهم يزعمون انه يرتهن بأن لم يفعل ما وجب عليه من غير كسب شئ منه، فكانت الاية حجة على فساد مذهبهم. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لان الذي في الظاهر ان الانسان رهن بما كسبت يداه. ولم يقل: ولا يرهن إلا بما كسب له إلا من جهة دليل الخطاب الذي هو فاسد عند اكثر الاصوليين، على ان الكسب هو ما يجتلب به نفع او يدفع به ضرر، ويدخل في ذلك الفعل، وألا يفعل، فلا تعلق في الاية.
ولما ذكر تعالى أن (كل نفس بما كسبت رهينة) استثنى من جملة النفوس فقال (إلا اصحاب اليمين) والاستثناء منقطع، لان اصحاب اليمين ليسوا من الضلال الذين هم رهن بما كسبوه، وتقديره لكن أصحاب اليمين (في جنات) أي بساتين آجنها الشجر، واصحاب اليمين هم كل من لم يكن من الضالين: وقال الحسن:
هم اصحاب الجنة. وقال قوم: هم الذين ليس لهم شئ من الذنوب. وقال قوم:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه 39 (دار بيروت)
(ج 10 م 24 من التبيان) (*)

===============
(186)
هم اطفال المؤمنين. وقوله (يتساءلون) اى يسأل بعضهم بعضا (عن المجرمين)
العصاه في طاعة الله، فيقولولن لهم (ما سلككم في سقر) أي ما أدخلكم في جهنم فالمجرم هو القاطع بالخروج عن أمر الله ونهيه إلى إرتكاب الكبائر من القبيح، والجاروم القاطع. والسلوك الدخول. وسقر اسم من السماء جهنم. ثم حكى ما يجيبهم به اصحاب النار فانهم يقولون لهم: ادخلنا في النال لانا (لم نك من المصلين) أي لم نك نصلى ما أوجب علينا من الصلاة المفروضه على ما قررها الشرع، وفي ذات دلالة على ان الخلال بالواجب يستحق به الذم والعقاب، لانهم لم يقولوا انا فعلنا تركا للصلاة بل علقوا استحقاقهم للعقاب بالاخلال بالصلاة وفيها دلالة على أن الكفار مخاطبون بالعبادة.
لان ذلك حكاية عن الكفار بدلالة قوله في آخر الاية (كنا نكذب بيوم الدين).
وقوله (ولم نك نطعم المسكين) أي لم نكن نخرج الزكوات التي وجبت علينا، والكفارات التي يلزمنا دفعها إلى المساكين. وهم الفقراء. وهم الفقراء، فالمسكين الذي سكنته الحاجة إلى ما في ايدي الناس عن حال النشط. وحال الفقير اشد من حال المسكين. قال الله تعالى (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) (1) فسماهم الله مساكين مع أن لهم مركبا في البحر قال الشاعر:
أنا الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سبد (2)
(وكنا نخوض مع الخائضين) قال قتادة: معناه كلما غوي غاويا لدخول في الباطل غوينا معه أي كنا نلوث انفسنا بالمرور في الباطل كتلويث الرجل بالخوض فلما كان هؤلاء يخرجون مع من يكذب بالحق مشيعين لهم في القول كانوا خائضين معهم (وكنا) مع ذلك (نكذب بيوم الدين) اي كنا نجحد يوم الجزاء وهو يو القيامة، فالتكذيب تنزيل الخبر على انه كذب باعتقاد ذلك فيه أو الحكم به.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 18 الكهف آية 80 (2) مر تخريجه في 5 / 283 (*)

===============
(187)
فهؤلاء اعتقدوا ان الخبر يكون يوم الدين كذب. والدين الجزاء، وهو الايصال إلى كل من له شئ او عليه شئ ما يستحقه، فلذلك يوم الدين، وهو يوم الجزاء وهو يوم أخذ المستحق بالعدل. وقوله (حتى أتانا اليقين) معناه حتى جاءنا العلم واليقين الذي يوجد برد الثقة به في الصدر أو دليله، يقال: وجد فلان برد اليقين وثلج في صدره، ولذلك لا يوصف الله تعالى بأنه متيقن، فقال الله تعالى لهم (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) الذين يشفعون لهم، لان عذاب الكفر لا يسقطه الله بالشفاعة بالاجماع. ثم قال (فما لهم عن التذكرة) أي أي شئ لهم؟ ولم أعرضوا وتولوا عن النبوة والرشد؟ ! ولم يتعظوا به إلى ان صاروا إلى جهة الضلال على وجه الانكار عليهم. ثم شبههم، فقال (كأنهم حمر مستنفرة) أي مثلهم في النفور عما تدعوهم اليه من الحق واعراضهم، مثل الحمر إذا نفرت ومرت على وجهها إذا (فرت من قسورة) وهو السبع يعني الاسد، يقال نفر، واستنفر، مثل علامتنه واستعلاه وسمع إعرابي رجلا يقرأ (كأنهم حمر مستنفرة) فقال: طلبها قسورة، فقيل له:
ويحك إن في القرآن (فرت من قسورة) قال (مستنفرة) إذا، فالفرار الذهاب عن الشئ خوفا منه، فريفر فرا وفرارا، فهو فار إذا هرب والفار الهارب.
والهرب نقيض الطلب، واصل الفرار الانكشاف عن الشئ، ومنه فر الفرس يفره فرا إذا كشف عن سنه. والقسورة الاسد. وقيل: هو الرامي للصيد. وأصله الاخذ بالشدة من قسره يقسره قسرا أي قهره. وقال ابن عباس: القسورة الرماة وقال سعيد بن جبير: هم القناص. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: جماعة الرجال وقال ابوهريرة: هو الاسد. وهو قول زيد بن اسلم، وفى رواية عن ابن عباس وابي زيد: القسور بغير هاء تأنيث.
وقوله (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة) اخبار من الله

===============
(188)
تعالى بأنهم ليسوا كالحمر المستنفرة الفارة من القسورة، بل لان كل رجل منهم يريد أن يعطى صحفا منشرة. قال قال الحسن وقتادة ومجاهد: انهم يريدون صحفا منشرة اي كتبا تنزل من السماء كتابا إلى فلان وكتابا إلى فلان: أن آمنوا بمحمد (صلى الله عليه وآله). وقيل: إنهم قالوا كانت بنو إسرائيل إذا اذنب منهم مدنب أنزل الله كتابا أن فلانا أذنب فما بالنا لا ينزل علينا مثل ذلك إن كنت صادقا به؟ والصحف جمع صحيفة، وهي الورقة التي من شأنها ان تقلب من جهة إلى جهة، لما فيها من الكتابة، وتجمع الصحيفة صحفا وصحائف، ومنه مصحف ومصاحف. والنشر بسط ما كان مطويا او ملتفا من غير التحام. وقيل: معناه إنهم يريدون صحفا من الله تعالى بالبراءة من العقوبة واسباغ النعمة حتى يؤمنوا وإلا أقاموا على أمرهم. وقيل: تفسيره ما ذكره الله تعالى في قوله (ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) (1) فقال الله تعالى (كلا) أي حقا ليس الامر على ما قالوه (بل لا يخافون) هؤلاء الكفار (الاخرة)
بجحدهم صحته. ثم قال (انه تذكرة) يعني القرآن تبصرة وموعظة لمن عمل به واتعظ بما فيه، وهو قول قتادة. ثم قال (فمن شاء ذكره) أي من شاء أن يتعظ بما فيه وهو يتذكر به، فعل، لانه قادر عليه. ثم قال (وما يذكرون إلا ان يشاء الله)
من قرأ بالتاء، فعلى الخطاب، ومن قرأ بالياء، فعلى الاخبار عنهم. ومعناه ليس يتذكرون ولا يتعظون بالقرآن إلا ان يشاء الله، ومعناه إلا والله شاءه له، لانه طاعة والله يريد الطاعات من خلقه. وقوله (هو اهل التقوى واهل المغفرة) معناه هو اهل ان يتقى عقابه، واهل ان يعمل بما يؤدي إلى مغفرته. وقيل: معناه هو اهل ان يغفر المعاصي إذا تاب المذنب من معاصيه.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 17 الاسرى آية 93 (*)

===============
(189)
75 - سورة القيامة:
مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي أربعون آية في الكوفي وتسع وثلاثون في البصري والمدنيين.
بسم الله الرحمن الرحيم.
(لا أقسم بيوم القيمة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2)
أيحسب الانسان ألن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) بل يريد الانسان ليفجر أمامه يسئل أيان يوم القيمة (6) فاذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) يقول الانسان يومئذ أين المفر) (10)
عشر آيات.
قرأ (برق) بفتح الراء اهل المدينة وأبان عن عاصم، الباقون بكسر الراء وقرأ القواس عن ابن كثير (لا قسم) باثبات القسم جعل اللام لام تأكيد، واقسم، والاختيار لمن قصد هذا (لا قسمن) وقد روي ذلك عن الحسن، قال: لان الله تعالى اقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة. وقال مقاتل: لم يقسم الله تعالى

===============
(190)
بالقيامة إلا في هذه السورة فقط. الباقون (لا اقسم) التقدير بنفي اليمين في اللفظ واختلف في ذلك النحويون فقال ابوعبيدة والكسائي (لا) صلة والتقدير اقسم.
وقال قوم (لا) تزيدها العرب لا إبتداء، لكن (لا) ههنا رد لقوم انكروا البعث وكفروا بالتنزيل. فقال الله (لا) أي ليس كما تقولون. ثم قال (اقسم بيوم القيامة) قال ابن خالويه: (لا) تنقسم اربعين قسما ذكرته في كل مفرد.
قوله (لا أقسم) معناه اقسم و (لا) صلة في قول سعيد بن جبير. وقال ابن عباس (لا) تأكيد كقولك: لا والله. بلى والله ما كان كذا، فكأنه قال لا، اقسم بيوم القيامة ما الامر على ما توهموه. والقسم تأكيد الخبر بما جعله في حيز المتحقق. والمعنى اقسم بيوم القيامة ويوم القيامة هو النشأه الاخيرة التي تقوم فيها الناس من قبورهم للمجازاة، وبذلك سميت القيامة، ويومها يوم عظيم، على خطر عظيم جسيم.
وقوله (ولا اقسم بالنفس اللوامة) قسم ثان، ومعناه معنى الاول. وقال الحسن: أقسم تعالى بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة، بل نفى ان يقسم بها.
قال الرماني: وهذا يضعف، لانه يخرج عن تشاكل الكلام. وقيل: ان جواب القسم محذوف، وتقديره ما الامر على ما تتوهمون. وقال قوم: جواب القسم قوله (بلى قادرين)
واللوامة الكثيرة اللوم لقلة رضاها بالامر وتمييز ما يرضى مما لا يرضى، وما يلام عليه مما لا يلام عليه. وقال ابن عباس: اللوامة من اللوم.
وقال مجاهد: تلوم على ما مضى وفات. وقال قتادة: اللوامة الفاجرة، كأنه قال ذات اللوام الكثير. وقال سعيد بن جبير: هي التي تلوم على الخير والشر وقيل: معناه لاصبر لها على محن الدنيا وشدائدها، فهي كثيرة اللوم فيها. وقال

===============
(191)
الحسن: اللوامة هي التي تلوم نفسها على ما ضيعت من حق الله يوم القيامة، وهي نفس الكافر. وقيل: معناها أنها تلوم نفسها في الاخرة على الشر لم عملته وعلى الخير هلا استكثرت منه.
وقوله (ايحسب الانسان أن لن نجمع عظامه) صورته صورة الاستفهام ومعناه الانكار على من أنكر البعث والنشور، فقال الله له ايظن الانسان الكافر أن لن نجمع عظامه ونعيده إلى ما كان أولا عليه. ثم قال: ليس الامر على ما ظنه (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) قال ابن عباس: يجعل بنانه كالخف والحافر فيتناول المأكول بفيه، ولكننا مننا عليه. وقال قتادة كخف البحير او حافر الدابة. ونصب (قادرين) على أحد وجهين:
احدهما - على تقدير بلى نجمعها قادرين.
والاخر - بلى نقدر قادرين إلا أنه لم يظهر (نقدر) لدلالة (قادرين)
عليه، فاستغني به. وقيل: معناه بلى قادرين على ان نسوي بنانه حتى نعيده على ما كان عليه خلقا سويا.
وقوله (بل يريد الانسان ليفجر أمامه) اخبار منه ان الانسان يفجر أمامه ومعناه يمضي أمامه راكبا رأسه في هواه - في قول مجاهد - أي فهذا الذي يحمله على الاعراض عن مقدورات ربه، فلذلك لا يقر بالبعث والنشور. وقال الزجاج:
إنه يسوف بالتوبة ويقدم الاعمال السيئة. قال: ويجوز أن يكون المراد ليكفر بما قدامه من البعث بدلالة قوله (يسأل أيان يوم القيامة) فهو يفجر أمامه بأن يكذب بما قدامه من البعث. وقوله (يسأل أيان يوم القيامة) معناه ان الذي يفجر أمامه يسأل متى يكون يوم القيامة؟ فمعنى (أيان) (متى) إلا ان السؤال ب (متى) اكثر من السؤال ب (أيان)، فلذلك حسن ان يفسر بها لما دخلها من الابهام الذي يحتاج

===============
(192)
فيه إلى بيان ما يتصل بها من الكلام. والسؤال على ضربين: سؤال تعجيز، وسؤال طلب للتبيين.
وقوله (فاذا برق البصر) فالبرق اللمعان بالشعاع الذي لا يلبث، لانه مأخوذ من البرق، يقال: برق يبرق برقا، وإنما قيل (برق البصر) لان ذلك يلحقه عند شدة الامر، والبارقة الذين تلمع سيوفهم إذا جردوها كالبرق، وانشد ابوعبيدة للكلابي:
لما اتاني ابن عمير راغبا * اعطيته عيسا صهابا فبرق (1)
بكسر الراء وانشد الفراء:
نعاني حنانة طوبا له * يسف يبسا من العشرق
فنفسك فانع ولا تنعنى * وداو الكلوم ولا تبرق (2)
بالفتح، أي لا تفزع من هول الجراح، و (حنانة) اسم رجل و (طويا) له نعجة، وقال ابن خالويه: من كسر قال: لان (برق) بالفتح لا يكون إلا في الضوء يقال برق البرق إذا لمع، وبرق الحنظل، فاما برق بالكسر، فمعناه تحير والذي قاله اهل اللغة إنهما لغتان، وتقول العرب، لكل داخل: برقة أي دهشة. وقال الزجاج: برق إذا فزع وبرق اذا حار.
وقوله (وخسف القمر) أي ذهب نوره بغيبة النور عن البصر، وخسف وكسف بمعنى كأنه يذهب نوره في خسف من الارض فلا يرى.
وقوله (وجمع الشمس والقمر) أي جمعا في ذهاب نورهما بما يراه الانسان والجمع جعل احد الشيئين مع الاخر. والجمع على ثلاثة اقسام: جمع في المكان، وجمع

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجاز القرآن 2 / 277 والقرطبي 19 / 94 (2) قائله طرفة بن العبد ديوانه 70 (دار بيروت) البيت الثاني فقط (*)

===============
(193)
في الزمان، وجمع الاعراض في المحل. وجمع الشيئين في حكم او صفة مجاز، وقوله (يقول الانسان يومئذ اين المفر) اخبار من الله تعالى بأن الانسان يقول في ذلك الوقت: اين المهرب؟ والفرار بفتح الفاء. وروي عن ابن عباس (أين المفر) بكسر الفاء، قال الزجاج: المفر بفتح الفاء مصدر، وبالكسر مكان الفرار. وهذا سؤال تعجيز عن وجود مفر يهرب اليه من عذاب الله في ذلك اليوم.
وقيل فيه معنى جواب هذا السائل، كأنه قيل يوم القيامة إذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر. والمفر مصدر. ويجوز فيه الكسر، ومثله مدب ومدب وقال البصريون: الكسر لمكان الفرار. وقال الفراء الفتح والكسر لغتان.
قوله تعالى:
(كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر (12) ينبأ الانسان يومئذ بما قدم وأخر (13) بل الانسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15) لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) فاذا قرأناه فاتبع قرآنه (18)
ثم إن علينا بيانه (19) كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الاخرة (21) وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة) (25) خمس عشرة آية قرأ (كلا بل يحبون العاجلة ويذرون الاخرة) بالياء فيهما ابن كثير (ج 10 م 25 من التبيان)

===============
(194)
وابوعمرو وابن عامر على وجه الاخبار عنهم. الباقون بالتاء على وجه الخطاب لهم، لما حكى الله تعالى عن الكافر انه يقول يوم القيامة (اين المفر) والمهرب حكى ما يقال له، فانه يقال له (كلا لا وزر) أي لا ملجأ. والوزر الملجأ من جبل يتحصن به او غيره من الحصون المنيعة. ومنه الوزير المعين الذي يلجأ اليه في الامور، يقال وزرت الحائط إذا قويته بأساس يعتمد عليه. وقال ابن عباس ومجاهد: لا وزر، معناه لا ملجا. وقال الحسن: لا جبل، لان العرب إذا دهمتهم الخيل بغتة، قالوا: الوزر، يعنون الجبل، قال ابن الدمينة:
لعمرك ما للفتى من وزر * من الموت ينجو به والكبر (1)
وقال الضحاك: معناه لا حصن. وقيل معناه لا منجا ينجو اليه، وهو مثل الملجأ. ثم قال تعالى (إلى ربك يومئذ المستقر) أي المرجع الذي يفر فيه. ومثله المأوى والمثوى، وخلافه المرتحل. والمستقر على وجهين: مستقر إلى أمد، ومستقر على الابد.
وقوله (ينبؤ الانسان يومئذ بما قدم واخر) أي يخبر بجميع ما عمله، وما تركه من الطاعات والمعاصي، فالنبأ الخبر بما يعظم شأنه، وحسن في هذا الموضع لان ما جرى مجرى اللغو والمباح لا يعتد به في هذا الباب. وإنما الذي يعظم شأنه من عمل الطاعة والمعصية هو ما يستحق عليه الجزاء. فأما ما وجوده كعدمه، فلا اعتبار به. والتقديم ترتيب الشئ قبل غيره. وضده التأخير وهو ترتيب الشئ بعد غيره، ويكون التقديم والتأخير في الزمان، وفى المكان، وفى المرتبة، كتقديم المخبر عنه في المرتبة، وهو مؤخر في الذكر، كقولك: في الدار زيد، وكذلك الضمير في (غلامه ضرب زيد) وهو مقدم في اللفظ ومؤخر في المرتبة. وقال ابن عباس: ينبأ بما قدم

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجاز القرآن 2 / 277 والقرطبى 19 / 96 (*)

===============
(195)
من المعصية وأخر من الطاعة. وقال مجاهد: يعني بأول عمله وآخره. وقال ابن زيد: ما أخذ وترك. وفي رواية عن ابن عباس، وهو قول ابن مسعود: بما قدم قبل موته، وما اخر من سنة يعمل بها بعد موته، وقيل ما قدم وأخر جميع أعماله التي يستحق بها الجزاء.
وقوله (بل الانسان على نفسه بصيرة) أي شاهد على نفسه بما تقوم به الحجة - ذكره ابن عباس - كما يقال: فلان حجة على نفسه. وقد قال تعالى (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) (1) وقال الزجاج: معناه بل الانسان تشهد عليه جوارحه كما قال (يوم تشهد عليهم) (2) والهاء في (بصيرة) مثل الهاء في (علامة) للمبالغة. وقيل شهادة نفسه عليه اولى من اعتذاره. وقيل تقديره بل الانسان على نفسه من نفسه بصيرة: جوارحه شاهدة عليه يوم القيامة ولو اعتذر كان شاهدا عليه من يكذب عذره. وقوله (ولو القى معاذيره) معناه ولو اقام الاعتذار عند الناس، وفى دار التكليف واستسر بالمعاصي بارخاء الستر. وقال ابن عباس: معناه ولو اعتذر. وقال السدي: معناه ولو ارخى الستور وأغلق الابواب. وقال الزجاج:
معناه لو أتى بكل حجة عنده. والمعاذير التنصل من الذنوب بذكر العذر، واحدها معذرة من قوله (لا ينفع الظالمين معذرتهم) (3) وقيل: المعاذير ذكر مواقع تقطع عن الفعل المطلوب. والعذر منع يقطع عن الفعل بالامر الذي يشق. والاعتذار الاجتهاد في تثبيت العذر.
وقوله (لا تحرك به لسانك لتعجل به) قال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك: كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا نزل عليه القرآن عجل بتحريك لسانه لحبه إياه،

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 17 الاسرى آية 14 (2) سورة 24 النور آية 24 (3) سورة 40 المؤمن آية 52 (*)

===============
(196)
فنهاه الله عن ذلك. والتحريك تغيير الشئ من مكان إلى مكان او من جهة إلى جهة بفعل الحركة فيه والحركة ما به يتحرك المتحرك. والمتحرك هوالمنتقل من جهة إلى غيرها. واللسان آلة الكلام. والعجلة طلب عمل الشئ قبل وقته الذي ينبغي أن يعمل فيه. ونقيضه الابطاء، والسرعة عمل الشئ في أول وقته الذي هو له، وضده الاناة.
وقوله (إن علينا جمعه وقرآنه) قال ابن عباس والضحاك: معناه ان علينا جمعه في صدرك، وقراءته عليك حتى يمكنك تلاوته. وقال قتادة: معناه إن علينا جمعه في صدرك وتأليفه على ما نزل عليك. وقال ابن عباس - في رواية اخرى - إن معناه إن علينا بيانه من حلاله وحرامه بذكره لك. وقال قتادة: معناه نذكر احكامه ونبين لك معناه إذا حفظته. وقال البلخي: الذي أختاره انه لم يرد القرآن وإنما اراد قراءة العباد لكتبهم يوم القيامة، لان ما قبله وبعده يدل على ذلك، وليس فيه شئ يدل على انه القرآن، ولا على شئ من أحكام الدنيا، وفي ذلك تقريع للعبد وتوبيخ له حين لا تنفعه العجلة. والقرآن من الضم والتأليف، قال عمرو بن كلثوم:
ذراعي عيطل أدماء بكر * هجان اللون لم تقرأ جنينا (1)
أي لم تضم رحما على ولد. وقوله (فاذا قرأناه فاتبع قرآنه) قال ابن عباس:
معناه إذا قرأناه أي تلوناه فاتبع قراءته بقرائتك، وقال قتادة والضحاك: معناه بأن يعمل بما فيه من الاحكام والحلال والحرام. وقيل: معناه فاذا قرأه جبرائيل عليك فاتبع قراءته. والاتباع مراجعة الثاني للاول في ما يقتضيه، ومثله الاقتداء والاحتذاء والائتمام، ونقيضه الخلاف. والبيان إظهار المعنى للنفس بما يتمير به من غيره بان الشئ يبين إذا ظهر وأبانه غيره أي اظهره بيانا وإبانة، ونقيض البيان

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر تخريجه في 2 / 238 (*)

===============
(197)
الاخفاء والاغماض. وقال قتادة (ثم إن علينا بيانه) معناه إنا نبين لك معناه إذا حفظته.
وقوله (كلا بل تحبون العاجلة) معناه الاخبار من الله تعالى أن الكفار يريدون المنافع العاجلة ويركنون اليها ويريدونها (وتذرون الاخرة) أي وتتركون عمل الاخرة الذي يستحق به الثواب، وتفعلون ما يستحق به العقاب من المعاصي والمحارم.
ثم قسم تعالى اهل الاخرة فقال (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)
أي مشرقة مضيئة، فالنضرة الصورة الحسنة التي تملا القلب سرورا عند الرؤية نضر وجهه ينضر نضرة ونضارة فهو ناضر. والنضرة مثل البهجة والطلاقة، وضده العبوس والبسور، فوجوه المؤمنين المستحقين للثواب بهذه الصفة بما جعل الله عليها من النور علامة للخلق، والملائكة على انهم مؤمنون مستحقون الثواب. وقوله (إلى ربها ناظرة) معناه منتظرة نعمة ربها وثوابه ان يصل اليهم. وقيل (ناضرة)
أي مشرفة (إلى) ثواب ربها (ناظرة) وليس في ذلك تنغيص لان الانتظار إنما يكون فيه تنغيص إذا كان لا يوثق بوصوله إلى المنتظر أو هو محتاج اليه في الحال.
والمؤمنون بخلاف ذلك، لانهم في الحال مستغنون منعمون، وهم ايضا واثقون انهم يصلون إلى الثواب المنتظر. والنظر هو تقليب الحدقة الصحية نحو المرئي طلبا للرؤية ويكون النظر بمعنى الانتظار، كما قال تعالى (واني مرسلة اليهم بهدية فناظرة) (1)
أى منتظرة وقال الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظرات * إلى الرحمن تأتي بالفلاح (2)
أى منتظرة للرحمة التي تنزل عليهم، وقد يقول القائل: انما عيني ممدودة

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 27 النمل آية 35 (2) مر في 1 / 229 (*)

===============
(198)
إلى الله، والى فلان، وانظر اليه أى انتظر خيره ونفعه وأؤمل ذلك من جهته، وقوله (ولا ينظر اليهم يوم القيامة) (1) معناه لا ينيلهم رحمته. ويكون النظر بمعنى المقابلة، ومنه المناظرة في الجدل، ومنه نظر الرحمة أى قابله بالرحمة، ويقال: دور بني فلان تتناظر أى تتقابل، وهو وينظر إلى فلان أى يؤمله وينتظر خيره، وليس النظر بمعنى الرؤية اصلا، بدلالة انهم يقولون: نظرت إلى الهلال فلم أره فلو كان بمعنى الرؤية لكان متناقضا، ولانهم يجعلون الرؤية غاية للنظر يقولون: مازلت أنظر إليه حتى رأيته، ولا يجعل الشئ غاية لنفسه لا يقال: بمازلت أراه حتى رأيته، ويعلم الناظر ناظرا ضرورة، ولا يعلم كونه رائيا بل يسأل بعد ذلك هل رأيت أم لا؟ ودخل (إلى) في الاية لا يدل على ان المراد بالنظر الرؤية، ولا تعليقه بالوجوه يدل على ذلك، لانا أنشدنا البيت، وفيه تعليق النظر بالوجه وتعديه بحرف (إلى)
والمراد به الانتظار، وقال جميل بن معمر:
وإذا نظرت اليك من ملك * والبحر دونك جدتني نعماء (2)
والمراد به الانتظار والتأميل، وايضا، فانه في مقابلة قوله في صفة اهل النار (تظن أن يفعل بها فاقرة) فالمؤمنون يؤمنون بتجديد الكرامة وينتظرون الثواب، والكفار يظنون الفاقرة، وكله راجع إلى فعل القلب، ولو سلمنا أن النظر يعد الرؤية لجاز أن يكون المراد أنها رؤية ثواب ربها، لان الثواب الذي هو انواع اللذات من المأكول والمشروب والمنكوح تصح رؤيته. ويجوز ايضا أن يكون إلى واحد إلا لاء وفى واحدها لغات (ألا) مثل قفا، و (ألى) مثل معى و (إلى) مثل حدى و (ألى)
مثل حسى، فاذا اضيف إلى غيره سقط التنوين، ولا يكون (إلى) حرفا في الاية وكل ذلك يبطل قول من أجاز الرؤية على الله تعالى.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 3 آل عمران آية 77 (2) مر في 1 / 229 (*)

===============
(199)
وليس لاحد ان يقول: إن الوجه الاخير يخالف الاجماع، أعني اجماع المفسرين، وذلك لانا لا نسلم لهم ذلك، بل قد قال مجاهد وابوصالح والحسن وسعيد بن جبير والضحاك: إن المراد نظر الثواب. وروي مثله عن علي (عليه السلام)، وقد فرق اهل اللغة بين نظر الغضبان ونظر الراضي، يقولون: نظر غضبان، ونظر راض، ونظر عداوة ونظر مودة، قال الشاعر:
تخبرني العينان ما الصدر كاتم * ولا حن بالبعضاء والنظر الشزر
والرؤية ليست كذلك فانهم لا يضيفونها، فدل على أن النظر غير الرؤية، والمرئي هوالمدرك، والرؤية هي الادراك بالبصر، والرائي هوالمدرك، ولا تصح الرؤية وهي الادراك إلا على الاجسام او الجوهر او الالوان. ومن شرط المرئي أن يكون هو او محله مقابلا او في حكم المقابل، وذلك يستحيل عليه تعالى، فكيف تجيز الرؤية عليه تعالى؟ ! ! ! ثم ذكر القسم الاخر فقال (وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة)
يعني وجوه اهل الكفر. والبسور ظهور حال الغم في الوجه معجلا قبل الاخبار عنه ومثله العبوس إلا انه ليس فيه معنى التعجيل. والفاقرة الكاسرة لفقار الظهر بشدة ومثل الفاقرة الداهية والابدة. وقال الحسن: ناظرة بهجة حسنة. وقال مجاهد:
مسرورة. وقال ابن زيد: ناعمة. وقال مجاهد وقتادة: معنى باسرة كاشرة كالحة.
وقال مجاهد: الفاقرة الداهية. وقال ابن زيد الابدة بدخول النار.
قوله تعالى:
(كلا إذا بلغت التراقي (26) وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفت الساق بالساق (29) إلى ربك يومئذ

===============
(200)
المساق (30) فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32)
ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) أولى لك فاولى (34) ثم أولى لك فاولى (35) أيحسب الانسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من مني يمنى (37) ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والانثى (39) أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) (40) خمس عشرة آية.
قرأ ابن عامر وحفص ورويس (من مني يمنى) بالياء على التذكير ردوه إلى المني. الباقون بالتاء حملا على النطفة.
يقول الله تعالى (كلا إذا بلغت) يعني النفس أو الروح، ولم يذكر لدلالة الكلام عليه كما قال (ماترك على ظهرها) (1) يعني على ظهر الارض. وإنما لم يذكر لعلم المخاطب به، و (التراقي) جمع ترقوة وهي مقدم الحلق من أعلى الصدر، تترقى اليه النفس عند الموت، واليها يترقى البخار من الجوف، وهناك تقع الحشرجة، وقوله (وقيل من راق) فالراق طالب الشفاء يقال: رقاه يرقيه رقية إذا طلب له شفاء باسماء الله الجليلة وآيات كتابه العظيمة. وأما العوذة فهي رفع البلية بكلمات الله تعالى. وقال ابوقلابة والضحاك وابن زيد وقتادة: معنى (راق) طبيب شاف.
أي اهله يطلبون له من يطببه ويشفيه ويداويه فلا يجدونه. وقال ابن عباس وابو الجوزاء: معناه قالت الملائكة: من يرقا بروحه أملائكة الرحمة أم ملائكة العقاب.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 35 فاطر آية 45 (*)

===============
(201)
وقال الضحاك: أهل الدنيا يجهزون البدن، وأهل الاخرة يجهزون الروح.
وقوله (وظن أنه الفراق) معناه علم عند ذلك انه فراق الدنيا والاهل والمال والولد. والفراق بعاد الالاف وهو ضد الوصال يقال: فارقه يفارقه فراقا.
وقد صار علما على تفرق الاحباب وتشتت الالاف.
وقوله (والتفت الساق بالساق) قال ابن عباس ومجاهد: معناه التفت شدة أمر الاخرة بأمر الدنيا. وقال الحسن: التفت حال الموت بحال الحياة. وقال الشعبي وابومالك: التفت ساقا الانسان عند الموت - وفي رواية أخرى عن الحسن - انه قال: إلتفات الساقين في الكفن. وقيل: ساق الدنيا بساق الاخرة. وهو شدة كرب الموت بشدة هول المطلع. وقال الحسن: معناه التفت شدة أمر الدنيا بشدة أمر الاخرة. وقيل: معناه اشتداد الامر عند نزع النفس حتى التفت ساق على ساق عند تلك الحال، يقولون: قامت الحرب على ساق عند شدة الامر قال الشاعر:
فاذا شمرت لك عن ساقها * فويها ربيع ولا تسأم (1)
وقوله (إلى ربك يومئذ المساق) معناه إن الخلائق يساقون إلى المحشر الذي لا يملك فيه الامر. النهي غير الله. والمساق مصدر مثل السوق.
وقوله (فلا صدق ولا صلى) قال الحسن: معناه لم يتصدق ولم يصل (ولكن كذب) بالله (وتولى) عن طاعته. وقال قوم (فلا صدق) بربه (ولا صلى)
وقال قتادة: معناه فلا صدق بكتاب الله ولا صلى لله (ولكن كذب) به (وتولى)
عن طاعته. وقال قوم: معناه (فلا صدق) بتوحيد الله، ولا نبيه بل كذب به.
والصدقة العطية للفقراء والزكاة الصدقة الواجبة على المال المعلق بنصاب مخصوص.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسر الطبري 29 / 107 وقد مر في 10 / 87 (ج 10 م 26 من التبيان) (*)

===============
(202)
والصلاة عبادة أولها التكبير وآخرها التسليم، وفيها قراءة وأركان مخصوصة. والتولي هو الاعراض عن الشئ، فلما كان هذا الجاهل معرضا عن الحق بتركه إلى خلافه من الباطل لزمه الذم بهذا الوصف.
وقوله (ثم ذهب إلى أهله يتمطى) فالتمطي تمدد البدن من الكسل إما كسل مرض او كسل تثاقل عن الامر. والذم بكسل التثاقل عن الداعي إلى الحق. وقال مجاهد وقتادة: معنى يتمطى بتختر. وقيل: الاصل في يتمطى يلوي مطاه، والمطاء الظهر، ونهي عن مشية المطيطيا، وذلك ان يلقي الرجل بدنه مع التكفي في مشيه.
وقيل: نزلت الاية في أبي جهل بن هشام بن المغيرة المخزومي.
وقوله (أولى لك فاولى ثم اولى لك فاولى) قال قتادة: هو وعيد على وعيد. وقيل معنى (أولى لك) وليك الشر يا أبا جهل، وقيل: معناه الذم اولى لك من تركه إلا انه حذف، وكثر في الكلام حتى صار بمنزلة الويل لك. وصار من المتروك المحذوف الذي لا يجوز اظهاره. وقيل أولى لك، فاولى لك على الاول والذم لك على الثاني والثالث. والاولى في العقل هو الاحق بالقرب من داعي العقل، كأنه أحق بوليه.
ثم قال على وجه الوعيد والتهديد للكفار (ايحسب الانسان) ومعناه أيظن الانسان الكافر بالبعث والنشور الجاحد لنعم الله (أن يترك سدى) ومعناه أن يترك مهملا عن الامر والنهي، فالسدى همل من غير أمر يؤخذ به، ويكون فيه تقويم له، واصلاح لما هو أعود عليه في عاقبة أمره واجمل به في دنياه وآخرته.
وقال ابن عباس ومجاهد: معنى (أن يترك سدى) أي هملا لا يؤمر ولا ينهى.
وقيل: أيحسب الانسان أن يترك مهملا فلا يؤمر ولا ينهى مع كمال عقله وقدرته.
ثم قال على وجه التنبيه على أن الله خلقه للتكليف والعبادة، وعلى انه قادر

===============
(203)
على اعادته واحيائه بعد موته (ألم يك نطفة من مني يمني) فالمني نطفة الذكر التي يجيئ منها الولد (ثم كان علقة) أي قطعة من الدم المنعقد جامدة لا تجري فخلق الله منها هذا الانسان الذي هو في احسن تقويم، فسبحان من قدر على ذلك. وقوله (فخلق فسوى) أي خلق من العلقة خلق سويا شق له السمع والبصر. وقال الفراء:
معنى (فسوى) فسواه (فجعل منه) من ذلك المني (الزوجين الذكر والانثى)
فمن قدر على ذلك لا يقدر على ان يحيي الموتى بعد ان كانوا أحياء؟ ! بلى والله قادر على ذلك، لان جعل النطفة علقة وخلق العلقة مضغة وخلق المضغة عظما وكسو العظم لحما ثم إنشاؤه خلقا آخر حيا سليما مركبا فيه الحواس الخمس كل واحدة منها يصلح لما لا يصلح له الاخرى، وخلق الذكر والانثى اللذين يصح منهما التناسل على ما قدره الله أعجب وابدع من اعادة الميت إلى ما كان من كونه حيا، فمن قد ر على الاول أولى بأن يكون قادرا على الثاني، فالاحياء ايجاد الحياة، والاماتة ايجاد الموت عند من قال أن الموت معنى، ومن قال: ليس بمعنى، قال: هو نقض بنية الحي على وجه الاختراع.
وقوله (فجعل منه) قيل يعني من الانسان (الزوجين الذكر والانثى) وقيل من المني (أليس ذلك بقادر على ان يحيي الموتى) وقال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وا له إذا ختم السورة، يقول: سبحانك الله بلى، وهو المروي عن أبي جعفر وابي عبدالله (عليهما السلام) وفي الاية دلالة على صحة القياس العقلي، وهو أن من قدر على احياء الانسان قادر على احيائه بعد الاماتة، وقال الفراء: يجوز في العربية يحيي الموتى بالادغام بأن ينقل الحركة إلى الحاء وتدغم احدى اليائين في الاخرى وانشد:
وكأنها بين النساء سبيكة * تمشي بسدة بيتها بتعي (1)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 5 / 147 (*)

===============
(204)
76 - سورة الدهر:
وتسمى سورة الانسان، وتسمى سورة الابرار، وهي مكية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما. وقال قوم: هي مدنية وهي احدى وثلاثون آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3)
إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (4) إن الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا) (10)
عشر آيات.
قرأ (سلاسلا) منونا نافع والكسائي وابوبكر عن عاصم اتباعا للمصحف

===============
(205)
ولتشاكل ما جاوره من رأس الاية. الباقون بغير تنوين، لان مثل هذا الجمع لا ينصرف في معرفة ولا في نكرة، لانه على (فعائل) بعد الفه حرفان.
يقول الله تعالى (هل أتي على الانسان) قال الزجاج: معناه ألم يأت على الانسان (حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) يعني قد كان شيئا إلا انه لم يكن مذكورا، لانه كان ترابا وطينا إلى أن نفخ فيه الروح. وقال قوم (هل) يحتمل معناه أمرين: احدهما - أن يكون بمعنى (قد أتى) والثاني أن يكون معناها اتى على الانسان، والاغلب عليها الاستفهام والاصل فيها معنى (قد) لتجرى على نظائرها بمعنى ضمن معنى الالف واصله من ذلك قول الشاعر:
أم هل كبير بكى لم تقض عبرته * أثر الاحبة يوم البين مشكوم
والمعنى بالانسان - ههنا - آدم - في قول الحسن - والمعنى قد أنى على آدم (حين من الدهر) وبه قال قتادة وسفيان. وقيل: ان آدم لما خلق الله جثته بقي أربعين سنة لم تلج فيه الروح كان شيئا، ولم يكن مذكورا، فلما نفخ فيه الروح وبلغ إلى ساقه كاد ينهض للقيام، فلما بلغ عينيه ورأى ثمار الجنة بادر اليها ليأخذها فلذلك قال الله تعالى (خلق الانسان من عجل) (1) وقال غيره: هو واقع على كل إنسان، والانسان في اللغة حيوان على صورة الانسانية، وقد تكون الصورة الانسانية، ولا إنسان، وقد يكون حيوان ولا إنسان، فاذا حصل المعنيان صح إنسان لا محالة. والانسان حيوان منتصب القامة على صورة تنفصل من كل بهيمة.
و (الحين) مدة من الزمان، وقد يقع على القليل والكثير. قال الله سبحانه (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) (2) أي وقت تمسون ووقت تصبحون. وقال (تؤتي أكلها كل حين) يعني كل ستة أشهر، وقال قوم: كل سنة. وقال - ههنا

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 21 الانبياء آية 37 (2) سورة 30 الروم آية 17 (*)

===============
(206)
(هل أتى على الانسان حين) أي مدة طويلة. والدهر مرور الليل والنهار وجمعه أدهر ودهور، والفرق بين الدهر والوقت أن الوقت مضمن بجعل جاعل، لان الله
جعل لكل صلاة مفروضة وقتا، وجعل للصيام وقتا معينا، وقد يجعل الانسان لنفسه وقتا يدرس فيه مايحتاج إلى درسه ووقتا مخصوصا لغذائه.
وقوله (لم يكن شيئا مذكورا) أي لم يكن ممن ذكره ذاكر، لانه كان معدوما غير موجود، وفي الاية دلالة على أن المعدوم لا يسمى شيئا، وإنما سمى زلزلة الساعة شيئا مجازا. والمعنى إنها إذا وجدت كانت شيئا عظيما.
وقوله (إنا خلقنا الانسان من نطفة) اخبار من الله تعالى أنه خلق الانسان سوى آدم وحواء من نطفة، وهو ماء الرجل والمرأة الذي يخلق منهما الولد، فالنطفة الماء القليل في أناء كان او غير إناء قال الشاعر:
وما النفس إلا نطفة بقراره * إذا لم تكدر صار صفوا غديرها
وقوله (امشاج) قال ابن عباس أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة. وقال الحسن والربيع بن أنس ومجاهد مثل ذلك. وقال قتادة: معنى أمشاج أطوار طورا نطفة وطورا مضغة وطورا عظما إلى أن صار إنسانا ليختبره بهذه الصفات. وقال مجاهد: معناه ألوان النطفة. وقال عبدالله: عروق النطفة وواحد الامشاج مشيج، وهو الخلط، وسمى النطفة بذلك، لانه جعل فيها اخلاطا من الطبائع التي تكون في الانسان من الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة. ثم عداها له، ثم بناه البنية الحيوانية المعدلة الاخلاط. ثم جعل فيها الحياة ثم شق له السمع والبصر فتبارك الله رب العالمين، وذلك قوله (فجعلناه سميعا بصيرا).
وقوله (نبتليه) أي نختبره بما نكلفه من الافعال الشاقة لننظر ما طاعته وما عصيانه فنجازيه بحسب ذلك، ويقال مشجت هذا بهذا إذ اخلطته به، وهو ممشوج به

===============
(207)
ومشيج أي مخلوط به قال رؤبة:
يطرحن كل معجل نشاج * لم تكس جلدا في دم أمشاج (1)
وقال ابو ذؤيب:
كأن الريش والفوقين منه * خلاف النصل سيط به مشيج (2)
وقوله (إنا هديناه السبيل) معناه انا أرشدناه إلى سبيل الحق وبيناه له ودللناه عليه. وقال الفراء: معناه هديناه إلى السبيل أو للسبيل. والمعنى واحد.
وقوله (اما شاكرا واما كفورا) قال الفراء: معناه إن شكر وإن كفر على الجزاء ويجوز أن يكون مثل قوله (إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) (3) والمعنى اما يختار يحسن اختياره الشكر لله تعالى والاعتراف بنعمه فيصيب الحق، واما أن يكفر نعمه ويجحد إحسانه فيكون ضالا عن الصواب، وليس المعنى انه مخير في ذلك، وإنما خرج ذلك مخرج التهديد، كما قال (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (4) بدلالة قوله (انا اعتدنا للظالمين نارا) وإنما المراد البيان عن انه قادر عليهما فابهما اختار جوزي بحسبه.
وفي الاية دلالة على انه تعالى قد هدى جميع خلقه المكلفين، لان قوله (انا هديناه السبيل) عام في جملتهم وذلك يبطل قول المجبرة: إن الله لم يهد الكافر بنصب الدلالة له على طريق الحق واجتناب الباطل، وليس كل من ترك الشكر كان كافرا، لانه قد يترك في بعض الاحوال على سبيل التطوع، لان الشكر قد يكون تطوعا كما يكون واجبا، وإنما لم يذكر الله الفاسق، لانه اقتصر على اعظم الحالين

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجاز القرآن 2 / 279 والطبرى 29 / 109 (2) مجاز القرآن 2 / 279 والقرطبي 19 / 119 (3) سورة 9 التوبة آية 107 (4) سورة 18 الكهف آية 29 (*)

===============
(208)
وألحق الادون على التبع، ويجوز أن يدخل في الجملة، ولا يفرد، فليس للخوارج أن يتعلقوا بذلك في انه ليس بين الكفر والايمان واسطة. ثم بين انه تعالى إنما ذكره على وجه التهديد بقوله (انا اعتدنا للكافرين) أي ادخرنا لهم جزاء على كفرهم ومعاصيهم وعقوبة لهم (سلاسل وأغلالا وسعيرا) يعذبهم بها يعاقبهم فيها، والسلاسل جمع سلسلة والاغلال جمع غل، والسعير هي النار المسعرة الملهبة.
ولما اخبر بما للكافرين من العقوبات على كفرهم، ذكر ايضا ما للمؤمنين على إيمانهم فقال (إن الابرار) وهو جمع البر، وهو المطيع لله المحسن في أفعاله (يشربون من كأس) والكاس اناء الشراب إذا كان فيه، ولايسمى كأسا إذا لم يكن فيه شراب - ذكره الزجاج - قال الشاعر:
صددت الكأس عنا أم عمرو * وكان الكأس مجراها اليمينا (1)
وقوله (كان مزاجها كافورا) قيل مايشم من ريحها لا من جهة طعمها وقوله (عينا يشرب بها عباد الله) قوله (عينا) نصب على البدل من (كافورا) ويجوز أن يكون على تقدير ويشربون عينا، ويجوز أن يكون نصبا على الحال من (مزاجها)
وقال الزجاج: معناه من عين. وقال الفراء: شربها وشرب منها سواء في المعنى كما يقولون: تكلمت بكلام حسن وكلاما حسنا. وقيل: يمزج بالكافور، ويختم بالمسك وقيل: تقديره يشربون بها وأنشد الفراء:
شربن بماء البحر ثم ترفعت * متى لجج خضر لهن نئيج (2)
متى لجج. أي من لجج. وعين الماء حفيرة في الارض ينبع منها، وهذه العين المذكورة في أرض الجنة في كونها فوارة بالماء متعة، لا هلها. ثم يفجر فيجري لهم

ـــــــــــــــــــــــ
(1) القرطبي 19 / 123 والشوكاني 5 / 336 (2) الطبرى 29 / 112 والقرطبي 19 / 125 (*)

===============
(209)
إلى حيث شاؤا منها. قال مجاهد: معناه إنهم يقودونها حيث شاؤا والتفجير تشقيق الارض بجري الماء ومنه انفجار الصبح، وهو انشقاقه من الضوء، ومنه الفجور، وهو الخروج من شق الالتئام إلى الفساد. وعباد الله المراد به المؤمنون المستحقون للثواب ثم وصف هؤلاء المؤمنين فقال (يوفون بالنذر ويخافون) ويجوز أن يكون ذلك في موضع الحال، فكأنه قال يشرب بها عباد الله الموفون بالنذر الخائفون (يوما كان شره مستطيرا) فالمستطير الظاهر. والتقدير القائلون إنما نطعمكم القائلون إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا فمطريرا، ويجوز ان يكون على الاستئناف، وتقديره هم الذين يوفون بالنذر وكذلك في ما بعد، فالوفاء بالنذر هو أن يفعل ما نذر عليه فالوفاء إمضاء العقد على الامر الذي يدعو اليه العقل، ومنه قوله (ياايها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) (1) أي الصحيحة، لانه لا يلزم أحدا أن يفي بعقد فاسد، وكل عقد صحيح يجب الوفاء به، يقال أوفي بالعقد، ووفى به، فأوفى لغة أهل الحجاز وهي لغة القرآن، و (وفى) لغة أهل تميم واهل نجد، وقد بينا فيما مضى شواهده.
والنذر عقد على فعل على وجه البر بوقوع أمر يخاف ألا يقع، نذر ينذر نذرا فهو ناذر، وقال عنترة:
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما * والناذرين إذا لم ألقهمادمي (2)
أي يقولان: لئن لقينا عنترة لنقتلنه، ومنه الانذار وهو الاعلام بموضع المخافة ليعقد على التحرز منها. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال (لانذر في معصية)
وعند الفقهاء إن كفارة النذر مثل كفارة اليمين. والذي رواه أصحابنا إن كفارة النذر مثل كفارة الظهار، فان لم يقدر عليه كان عليه كفارة اليمين. والمعنى انه إذا

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 5 المائدة آية (1) مر في 4 / 526 (ج 10 م 27 من التبيان) (*)

===============
(210)
فات الوقت الذي نذر فيه صار بمنزلة الحنث. وقوله (ويخافون يوما) من صفة المؤمنين (كان شره مستطيرا) أي منتشرا فاشيا ذاهبا في الجهات بلغ أقصى المبالغ، قال الاعشى:
فبانت وقد أورثت في الفؤا * د صدعا على نأيها مستطيرا (1)
والمراد بالشر - ههنا - أهوال القيامة وشدائدها.
وقوله (ويطعمون الطعام على حبه) قال مجاهد: معناه على شهوتهم له، ويحتمل أن يكون المراد على محبتهم لله (مسكينا) أي يطعمونه فقيرا (ويتيما)
وهوالذي لا والد له من الاطفال (واسيرا) والاسير هو المأخوذ من أهل دار الحرب - في قول قتادة - وقال مجاهد: وهو المحبوس. وقوله (إنما نطعمكم لوجه الله) اخبار عما يقوله المؤمنون بأنا إنما نطعمكم معاشر الفقراء واليتامى والاسرى لوجه الله، ومعناه لله، وذكر الوجه الذكره بأشرف الذكر تعظيما له، ومنه قوله (فاينما تولوا فثم وجه الله) وقيل: معناه فثم جهة الله التي ولاكم اليها ومنه قوله (ويبقى وجه ربك) (2)
أي ويبقي الله. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: علم الله مافي قلوبهم فأثنى عليهم من غير أن يتكلموا به (لا نريد منكم جزاء) أي لا نطلب بهذا الاطعام مكافأة عاجلة (ولا شكورا) أي لا نطلب أن تشكرونا عليه عند الخلائق بل فعلناه لله (إنا نخاف من ربنا) أي من عقابه (يوما عبوسا) أي مكفهرا عابسا (قمطريرا) أي شديدا، والقمطرير الشديد في الشر. وقد اقمطر اليوم اقمطرارا، وذلك أشد الايام وأطوله في البلاء والشر، ويوم قمطرير وقماطير كأنه قد التف شر بعضه على بعض، قال الشاعر:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه 85 (دار بيروت)
(2) سورة 55 الرحمن آية 27 (*)

===============
(211)
بني عمنا هل تذكرون بلاءنا * عليكم إذاما كان يوم قماطر (1)
وقد روت الخاصة والعامة أن هذه الايات نزلت في علي (عليه السلام) وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، فانهم آثروا المسكين واليتيم والاسير ثلاث ليال على إفطارهم وطووا (عليهم السلام)، ولم يفطروا على شئ من الطعام فأثنى الله عليهم هذا الثناء الحسن، وأنزل فيهم هذه السورة وكفاك بذلك فضيلة جزيلة تتلى إلى يوم القيامة، وهذا يدل على أن السورة مدنية.
قوله تعالى:
(فوقيهم الله شر ذلك اليوم ولقيهم نضرة وسرورا (11)
وجزيهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على الارائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم بآثية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قوارير من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18)
ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19)
وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) (20) عشر آيات.
قرأ الشعبي وعبيد بن عمير (قدروها) بضم القاف. الباقون بفتحها. من فتح القاف قال معناه قدروها في أنفسهم، فجاءت كما قدروا، ومن ضم أراد ان

ـــــــــــــــــــــــ
(1) الشوكاني 5 / 338 والقرطبي 19 / 133 (*)

===============
(212)
ذلك قدر لهم أي قدره الله لهم كذلك. قرأ نافع والكسائي وابوبكر عن عاصم (قواريرا قواريرا) بالتنوين فيهما. وقرأ بغير تنوين ولا الف في الوقف حمزة وابن عامر، وقرأ الاولى بالتنوين والثانية بغير تنوين ابن كثير. وقرأ ابوعمرو فيهما بغير تنوين إلا انه يقف عليه بالالف. من نون الاولى اتبع المصحف، ولانه رأس آية، ثم كرهوا أن يخالفوا بينهما فنونوا الثانية، وكذلك قرأ الكسائي (ألا ان ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود) (1) صرفهما لئلا بخالف بينهما مع قربهما، ومن لم يصرفهما فعلى موجب العربية، لانه جمع على (فواعيل) بعد ألفه حرفان. ومن صرف الاولى فلانها رأس آية ولم يصرف الثانية على أصل العربية.
لما اخبر الله تعالى عن المؤمنين الذين وصفهم في الايات الاولى وما اوفوا به من النذر في إطعامهم لوجه الله مااطعموه وإيثارهم على نفوسهم المسكين واليتيم والاسير وإنهم فعلوا ذلك لوجه الله خالصا، ومخافة من عذاب يوم القيامة، اخبر بما أعد لهم من الجزاء على ذلك، فقال (فوقاهم الله شر ذلك اليوم) أي كفاهم الله ومنع عنهم أهوال يوم القيامة وشدائده، فالوقاء المنع من الاذى يقال: وقاه يقيه وقاء، فهو واق، ووقاه توقية قال رؤبة.
إن الموقي مثل ما وقيت (2)
ومنه اتقاه اتقاء وتوقاه توقيا، والشر ظهور الضر، وأصله الظهور من قولهم:
وحتى أشرت بالاكف المصاحف (3)
أي اظهرت، ومنه شررت الثوب إذا اظهرته للشمس او الريح، ومنه شرار

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 11 هود آية 68 (2) اللسان (وقى)
(3) قائله كعب بن جعيل، مقاييس اللغة 3 / 181 وصده:
فما برحوا حتى رأى الله صبرهم (*)

===============
(213)
النار لظهوره بتطايره وانتشاره، وقيل: الشر الضر والقبيح، ويستعار في غيره، وليس ما يوجب هذا. والمراد - ههنا - أهوال يوم القيامة وشدائده فالوقاء المنع من الاذى يقال: وقاه يقيه وقاء فهو واق ووقاه توقية وقوله (ولقاهم نضرة وسرورا)
مغنى لقاهم استقبلهم به، والنضرة حسن الالوان، ومنه نبت نضر وناضر ونضر والنضار الذهب. وقيل: ناضرة ناعمة. وقيل: حسنة الصورة. والسرور اعتقاد وصول المنافع اليه في المستقبل. وقال قوم: هو لذة في القلب بحسب متعلقه بما فيه النفع، سره يسره سرورا وكل سرور فلا بدله من متعلق، كالسرور بالمال والولد والسرور بالا كرام والا جلال، والسرور بالشكر والحمد، والسرور بالثواب.
وقوله (وجزاهم بما صبروا) أي كافاهم واثابهم على صبرهم على محن الدنيا وشدائدها وتحمل مشاق التكليف (جنة) أي بستانا أجنة الشجر (وحريرا)
يلبسونه. وقوله (متكئين) نصب على الحال (فيها) يعني في الجنة (على الارائك) وهي الحجال فيها الاسرة - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - واحدها اريكة وهي الحجلة سرير عليه شبه القبة. وقال الزجاج: الاريكة كل ما يتكأ عليه من مسورة أو غيرها، وقد شوق الله تعالى إلى تلك الحال وهي غاية الرفاهية والامتاع (لايرون فيها) يعني في الجنة (شمسا) يتأذون بحرها (ولازمهريرا)
يتأذون ببرده، فالزمهريرا شد ما يكون من البرد، وقال مجاهد: الزمهرير البرد الشديد وقوله (ودانية عليهم ظلالها) يعني افياء اشجار تلك الجنة قريبة منهم، ونصب (دانية) بالعطف على (متكئين) ويجوز ان يكون عطفا على موضع (لا يرون فيها شمسا) فان موضعها النصب على الحال، ويجوز على المدح كقولهم عند فلان جارية جميلة وشابة طرية. وقوله (وذللت قطوفها تذليلا) معناه إن قام ارتفعت بقدرة الله وإن قعد نزلت حتى ينالها وإن اضطجع نزلت حتى ينالها - ذكره مجاهد - وقيل: معناه لا يرد



(214)
أيديهم عنها بعد ولا شوك.
وقوله (ويطاف عليهم) يعني على هؤلاء المؤمنين الذين وصفهم الله (بآنية من فضة واكوب) وهو جمع كوب وهو إناء الشراب من غير عروة. وقال مجاهد: الاكواب الاقداح. وقال ابن عباس ومجاهد: هي صغار القوارير وهي فضة، فلذلك قال (كانت قواريرا) وقيل: الاكواب الاباريق التي ليس لها خراطيم. وقيل: الاكواب من فضة في صفاء القوارير لا تمنع الرؤية. وقوله (قوارير من فضة) أي هي من فضة. وقوله (قدروها تقديرا) معناه إنها على قدر ما يشتهون من غير زيادة ولا نقصان حتى تستوفي الكمال، ويجوز ان يكونوا قدروها قبل مجيئها على صفة فجاءت على ما قدروا جنسه لشبه التمنى، وقال الحسن: على قدرهم، والتقدير وضع المعنى على المقدار الذي يتخيل فيه المساواة للاعتبار بالمعاني العقلية بقدر عرف التقدير على طريقة لو كان كذا لكان كذا، وإذا كان كذا كان كذا، وبهذا يظهر القياس يميز به ما يلزم على الاصل مما لا يلزم، والطوف الدور بالنقل من واحد إلى واحد. وقد يكون الدور بالطبع من غير تنقل من واحد إلى آخر، فلا يكون طوافا، طاف يطوف طوفا، واطاف بها إطافة وتطوف تطوفا واطوف اطوافا وقوله (ويسقون فيها) يعني في الجنة (كأسا) وهي الانية إذا كان فيها شراب (كان مزاجها زنجبيلا) فالزنجبيل ضرب من القرفة طيب الطعام يلذع اللسان يربى بالعسل يستدفع به المضار إذا مزج به الشراب فاق في الالذاذ. والعرب تستطيب الزنجبيل جدا قال الشاعر:
كأن القرنفل والزنجبي * ل باتا بفيها واريا مشورا (1)
قيل: إن هذا الشراب في برد الكافور وذكاء المسك ولذع الزنجبيل، كما

ـــــــــــــــــــــــ
(1) قائله الاعشى ديوانه 85 واللسان (شور) وفيه اختلاف في الرواية. (*)

===============
(215)
قال في صفة القوارير إنها في صفاء الفضة وجوهرها يرى ما وراءها كالقوارير.
وقيل: الكافور والزنجبيل من اسماء العين التي يسقون منها وقوله (عينا) نصب على انه بدل من الزنجبيل (فيها تسمى سلسبيلا) فالسلسبيل الشراب السهل اللذيذ، وقيل: سلسبيل معناه منقاد ماؤها حيث شاؤا - عن قتادة - وقيل شديد الحربة.
وقيل: يتسلسله. وقيل: سمي سلسبيلا من لزوم الطيب والالذاذ بها، وانشد يونس:
صفراء من نبع يسمى سهمها * من طول ماصرع الصيود الصيب (1)
فرفع الصيب على صفة السهم. وقيل: اسم العين معرفة إلا أنه نون لانه رأس آية. ثم قال (ويطوف عليهم ولدان مخلدون) قال قتادة: لا يموتون. وقال الحسن: خلدوا على هيئة الوصفاء، فلا يشبون أبدا. وقيل: مخلدون مستورون بلغة حمير قال بعض شعرائهم:
ومخلدات باللجين كأنما * اعجازهن اقاوز الكثبان (2)
وكأنه يرجع إلى بقاء الحسن (إذا رأيتهم) يعني إذا رأيت هؤلاء الولدان (حسبتهم لؤلؤا منثورا) أي من كثرتهم وحسنهم، فكأنهم اللؤلؤ المنثور - ذكره قتادة - وقوله (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) تقديره وإذا رأيت الاشياء ثم رأيت نعيما لاهل الجنة عظيما وملكا كبيرا. قال سفيان: من الملك الكبير استئذان الملائكة عليهم واستقبالهم لهم بالتحية. وقوله (وإذا رأيت ثم) ف (ثم)
يريد به الجنة. والعامل فيه معنى (رأيت) وتقديره وإذا رأيت ببصرك ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا. وقال الفراء: وإذا رأيت ماثم رأيت نعيما. وانكره الزجاج وقال (ما) موصولة يتم على تفسيره، ولايجوز اسقاط الموصول مع بقاء الصلة، ولكن (رأيت) متعد في المعنى إلى (ثم).

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري 29 / 118 (2) مقاييس اللغة 2 / 208 واللسان (خلد، قوز) (*)

===============
(216)
قوله تعالى:
(عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقيهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) إنا نحن نزلنا عليك القران تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24)
واذكر اسم ربك بكرة واصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبييلا (29) وماتشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما (30)
يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما) (31)
احدى عشرة آية.
قرأ (عاليهم) باسكان الياء أهل المدينة وحمزة وعاصم - في رواية حفص وأبان والمفضل - جعلوه اسما لاظرفا كما تقول: فوقك واسع ومنزلك باب البرد، بأن يجعل الباب هو المنزل، وكذلك يجعل الثياب هي العالي. الباقون بالنصب على الظرف، لانه ظرف مكان. وهو الاحسن، لان الثاني غير الاول. وإنما يجوز في مثل ما كان آخر الكلام هو الاول كقولهم: أمامك صدرك، وفوقك رأسك،

===============
(217)
فان قلت فوقك السقف وأمامك الاسد بالنصب لا غير. وقرأ نافع وحفص عن عاصم (خضر واستبرق) بالرفع فيهما. وقرأ حمزة والكسائي بالجر فيهما. وقرأ ابن كثير وعاصم - في رواية أبي بكر (خضر) جرا (واستبرق) رفعا. وقرأ ابن عامر وابوعمرو (خضر) رفعا و (استبرق) جرا، من رفعهما جعل (خضر) نعتا للثياب، وعطف عليه (واستبرق) ومن جرهما جعل (خضر) من نعت (سندس) وعطف عليه (استبرق) وتقديره عاليهم ثياب استبرق. ومن رفع الاول جعله من نعت الثياب وجر الثاني على انه عطف على (سندس) كأن عليهم ثياب سندس. ومن جعل (خضر) نعتا ل (سندس)، فلانه اسم جنس يقع على الجميع، فلذلك قال (خضر) ومن جعله نعتا للثياب فعلى اللفظ. وقرأ ابن كثير وابوعمرو (وما يشاؤن) بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون بالتاء على الخطاب.
لما قال الله تعالى على وجه التعظيم لشأن المؤمنين الذين وصفهم وعظم ما اعطوا من أنواع النعيم والولدان وأنواع الشراب وغير ذلك مما وصف، ووصف ذلك بأنه ملك كبير قال (عاليهم) وقيل معناه عالي حجالهم السندس. وفى نصب (عاليهم) قولان: قال الفراء: هو نصب على الظرف كقولك: فوقهم، وحكى ان العرب تقول: قومك داخل الدار. وانكر الزجاج ذلك وقال نصبه لا يجوز إلا على الحال من الضمير في (عاليهم) او من ضمير الولدان في (رايتهم) وانما انكر ذلك لانه ليس باسم مكان كقولك هو خارج الدار وداخل الدار، وهذا لايجوز على الظرف عند سيبويه، وما حكاه الفراء شاذلا يعول عليه. ومن أسكن الياء أراد رفعه على الابتداء وخبره (ثياب سندس) والسندس الديباج الرقيق الفاخر الحسن (ج 10 م 28 من التبيان)

===============
(218)
وهو (فعلل) مثل برثن. وقوله (خضر) فمن جر جعله صفة ل (سندس) خضر ووصف (سندس) بخضر وهو لفظ جمع، لان سندنا اسم جنس يقع على الكثير والقليل. ومن رفعه جعله نعتا ل (ثياب) كأنه قال: ثياب خضر من سندس.
وقوله (واستبرق) من رفعه عطفه على (ثياب سندس) فكأنه قال عليهم ثياب سندس، وعاليهم استبرق. ومن جره عطفه على (سندس) فكأنه قال: عاليهم ثياب سندس وثياب استبرق.
والاستبرق الديباج الغليظ الذي له بريق، فهم يتصرفون في فاخر اللباس كما يتصرفون في لذيذ الطعام والشراب. وقيل الاستبرق له غلظ الصفاقة لا غلظ السلك كغلظ الديبقي، وإن كان رقيق السلك.
وقوله (وحلوا اساور من فضة) فالتحلية الزينة بما كان من الذهب والفضة والتحلية تكون للانسان وغير الانسان كحلية السيف وحلية المركب والفضاضة الشفافة هي التي يرى ما وراءها كما يرى البلورة، وهي أفضل من الدر والياقوت، وهما افضل من الذهب فتلك الفضة افضل من الذهب، والفضة والذهب في الدنيا هما أثمان الاشياء، وإن كان قد ثمن بغيرهما شاذا. وقيل: يحلون الذهب تارة وتارة الفضة ليجمعوا محاسن الحلية، كماقال تعالى (يحلون فيها من اساور من ذهب) (1) والفضة وإن كانت دنية في الدنيا، فهي في غاية الحسن خاصة إذا كانت بالصفة التي ذكرها والغرض في الاخرة ما يكثر الالتذاذ والسرور به لا باكثر الثمن، لانه ليست هناك أثمان. وفى الناس من ترك صرف (استبرق) وهو غلط، لان الاعجمي إذا عرب في حال تنكيره انصرف، ودليله الاستبرق، وهما مما يحكى عن ابن محيص.
وقوله (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) قيل معناه يسقون شرابا طهورا ليس

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 18 الكهف آية 31 وسورة 22 الحج آية 23 وسورة 35 فاطر آية 33 (*)

===============
(219)
كالذي يخالطه الانجاس من أنهار الدنيا. وإن قل ذلك وكان مغمورا. وقيل انه ليس كشراب الدنيا الذي قد نجسه الفساد الذي فيه، وهو السكر الداعي إلى القبائح، فقد طهره الله في الجنة من ذلك لتخلص به اللذة، كما قال (من خمر لذة للشاربين) (1) وقيل: شرابا طهورا لا ينقلب إلى البول بل يفيض من أعراضهم كرشح المسك ذكره ابراهيم التيمي.
وقوله (إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا) اخبار من الله تعالى انه يقال للمؤمنين إذا فعل بهم ما تقدم من انواع اللذات وفنون الثواب: إن هذا كان لكم جزاء على طاعاتكم واجتناب معاصيكم في دار التكليف، وإن سعيكم في مرضات الله وقيامكم بما أمركم الله به كان مشكورا أي جوزيتم عليه، فكأنه شكر لكم فعلكم.
ثم اخبر تعالى عن نفسه فقال (إنا نحن نزلنا عليك) يا محمد (القرآن تنزيلا) فيه شرف وتعظيم لك. ثم أمره بالصبر على ما أمره من تحمل اعباء الرسالة فقال (فاصبر) يا محمد (لحكم ربك ولا تطع منهم) يعني من قومه الذين بعث اليهم (آثما او كفورا) وهو نهي عن الجمع والتفريق أي لا تطع آثما ولا كفورا، كما يقول القائل: لا تفعل معصية صغيرة او كبيرة أي لا تفعلهما ولا واحدة منهما.
ثم امره بان يذكر الله بما يستحقه من الصفات والاسماء الحسنى، فقال (واذكر اسم ربك بكرة واصيلا) والبكرة الغداة والاصيل العشي، وهو اصل الليل وجمعه آصال.
وقوله (ومن الليل فاسجد) دخلت (من) للتبعيض بمعنى فاسجد له في بعض الليل، لانه لم يأمره بقيام جميع الليل، كما قال (إن ربك يعلم أنك تقوم ادنى من

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 47 محمد آية 15 (*)

===============
(220)
ثلثي الليل ونصفه وثلثه) (1) والسجود وضع الجبهة على الارض على وجه الخضوع وأصله الانخفاض كما قال الشاعر:
ترى الاكم فيها سجدا للحوافر (2)
والسجود من العبادة التي اكد الله الامر بها لما فيها من صلاح العباد. ثم قال (وسبحه ليلا طويلا) أي نزهه عمالا يليق به في الليل الطويل. ثم قال (إن هؤلاء) يعني الكفار والذين يجحدون نبوتك (يحبون العاجلة) أي يؤثرون اللذات والمنافع العاجلة في دار الدنيا من إرتكاب شهواتهم. والعاجلة المقدمة قبل الكرة الثانية (ويذرون) أي ويتركون (وراءهم) أي خلفهم (يوما ثقيلا) أي هو ثقيل على اهل النار أمره، وإن خف على اهل الجنة للبشارة التي لهم فيه. والثقيل ما فيه اعتمادات لازمة إلى جهة السفل على جهة يشق حمله. وقد يكون ثقيلا على انسان خفيفا على غيره بحسب قدرته، فيوم القيامة مشبه بهذا. وقيل: معنى (وراءهم) أي خلف ظهورهم العمل للاخرة. وقيل (وراءهم) أمامهم الاخرة، وكلاهما محتمل، والاول أظهر.
ثم قال تعالى (نحن خلقناهم) أي نحن الذين اخترعنا هؤلاء الخلائق (وشددنا أسرهم) قال ابن عباس الاسر الخلق، وهو من قولهم: أسر هذا الرجل فأحسن اسره أي خلق فأحسن خلقه أي شد بعضه إلى بعض أحسن الشد، وقال ابوهريرة:
الاسر المفاصل. وقال ابن زيد: الاسر القوة. وقولهم: خذ بأسره أي بشده قبل ان يحل، ثم كثر حتى جاء بمعنى خذ جميعه قال الاخطل:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 73 المزمل آية 20 (2) مر في 1 / 148، 263، 311 و 4 / 233، 383 و 6 / 95 وغيرها (*)

===============
(221)
من كل مجتلب شديد أسره * سلس القياد تخاله مختالا (1)
واصل الاسر الشد، ومنه قتب مأسور أي مشدود، ومنه الاسير، لانهم كانوا يشدونه بالقيد، وجاء في التفسير وشددنا مفاصلهم. ثم قال (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا) معناه إذا شئنا أهلكنا هؤلاء وأمثالهم وجئنا بقوم آخرين بدلهم نخلفهم ونوجدهم.
وقوله (إن هذه تذكرة) قال قتادة: معناه إن هذه السورة تذكرة، والتذكرة دلالة تخص بها المعاني الحكمية، وكل موعظة تدعو إلى مكارم الاخلاق ومحاسن الافعال تذكرة (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) أي اتخذ إلى رضا ربه طريقا بأن يعمل بطاعته وينتهي عن معصيته، وذلك يدل على انه قادر على ذلك قبل ان يفعله بخلاف ما يقوله المجبرة.
وقوله (وما تشاؤن إلا ان يشاء الله) أي وليس تشاؤن شيئا من العمل بطاعته وبما يرضاه ويوصلكم إلى ثوابه إلا والله يشاؤه ويريده لانه يريد من عباده أن يطيعوه، وليس المراد أن يشاء كل ما يشاؤه العبد من المعاصي والمباحات، لان الحكيم لا يجوز أن يريد القبائح ولا المباح، لان ذلك صفة نقص ويتعالى الله عن ذلك. وقد قال الله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (2) والمعصية والكفر من اعظم العسر فكيف يكون الله تعالى مشيئا له وهل ذلك إلا تناقض ظاهر؟ ! وقوله (إن الله كان عليما حكيما) اخبار بأنه - عزوجل - كان عالما بجميع المعلومات وبما يفعله عباده من الطاعة والمعصية (حكيما) في جميع ما يفعله ويأمر به.
ثم قال (يدخل من يشاء في رحمته) من الجنة وثوابها اذا أطاعوه في عمل ما رغبهم

ـــــــــــــــــــــــ
(1) القرطبي 19 / 149 والطبرى 29 / 122 (2) سورة 2 البقرة آية 185 (*)

===============
(222)
فيه (والظالمين أعد لهم عذابا اليما) نصب (الظالمين) على تقدير وعاقب الظالمين باعداد العذاب الاليم أي أعد للظالمين اعد لهم، وحذف لدلالة الثاني عليه ولا يظهر ذلك، لان تفسيره يغني عن إظهاره.
77 - سورة المرسلات:
مكية في قول ابن عباس وهي خمسون آية بلا خلاف.
بسم الله الرحمن الرحيم والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا (3) فالفارقات فرقا (4) فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون لواقع (7) فاذا النجوم طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) وإذا الجبال نسفت (10) وإذا الرسل أقتت (11)
لاي يوم أجلت (12) ليوم الفصل (13) وما أدريك ما يوم الفصل (14) ويل يومئذ للمكذبين) (15) خمس عشرة آية.
قرأ (عذرا) مثقل ابوجعفر والبرجمي وقرأ (اونذرا) خفيف أهل الكوفة غير ابي بكر وابوعمرو. من ثقل الاول فلان الثاني مثقل، ومن خفف الثاني فلان

===============
(223)
الاول مخفف. والعذر بالتخفيف والنذر بمعنى الاعذار والانذار. ومن ثقل (نذرا)
أراد جمع نذير. والعذر والمعذرة والتعذير بمعنى قال ابوعلي النحوي: النذر بالتثقيل والنذير مثل النكر والنكير جميعا مصدران، ويجوز في النذر أمران: احدهما - ان يكون معناه المنذر. والثاني - أن يكون مصدار. وقرأ ابوعمرو وحده (وقتت) بالواو على الاصل، وافقه ابوجعفر في ذلك إلا انه خفف الواو. الباقون (أقتت) بالهمزة أبدلوها من الواو كراهة الضمة على الواو، كما قالوا في (وحد) وقال الشاعر:
يحل أخيذه ويقال ثعل * بمثل تمول منه افتقار (1)
هذا قسم من الله تعالى بالمرسلات، كما اقسم بصاد وقاف ويس وغير ذلك وقال قوم: تقديره ورب المرسلات، لانه لا يجوز القسم إلا بالله. وقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة وابوصالح: المرسلات - ههنا - الرياح، وفى رواية اخرى عن ابن مسعود وأبي صالح انها الملائكة. وقال قوم (المرسلات عرفا)
الانبياء جاءت بالمعروف. والارسال نقيض الامساك ومثله الاطلاق ونقيضه التقييد والارسال ايضا انفاد الرسول. وقوله (عرفا) أي متتابعة كعرف الفرس. وقيل:
معروفا إرسالها. وإرسال الرياح اجراء بعضها في أثر بعض (فالعاصفات عصفا)
يعني الرياح الهابة بشدة. والعصوف مرور الريح بشدة، عصفت الريح تعصف عصفا وعصوفا إذا اشتدت هبوبها، فعصوف الريح شدة هبوبها. وقوله (والناشرات نشرا) قال ابن مسعود ومجاهد وقتادة وابوص الح: هي الرياح، لانها تنشر السحاب للغيث، كما تلحقه للمطر. وقال ابوصالح - في رواية - هي الملائكة تنشر الكتب عن الله. وفي رواية اخرى عن ابي صالح إنها الامطار لانها تنشر النبات. وقيل الرياح تنشر السحاب في الهواء.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) الطبرى 29 / 126 (*)

===============
(224)
وقوله (فالفارقات فرقا) قال ابن عباس وابوصالح: هي التي تفرق بين الحق والباطل، وهي الملائكة وقال قتادة: هي آيات القرآن. وقال الحسن: هي آي القرآن تفرق بين الهدى والضلال (فالملقيات ذكرا) قال ابن عباس وقتادة هم الملائكة. والالقاء طرح الشئ على غيره، والالقاء الشئ على غيره، فالذكر يلقى بالبيان والافهام وهو من صفة الملائكة فيما تلقيه إلى الانبياء، ومن صفة الانبياء فيما تلقيه إلى الامم، ومن صفة العلماء فيما تلقيه إلى المتعلمين وقيل لما جمعت الاوصاف للرياح لاختلاف فوائدها. وقال بعضهم (المرسلات عرفا) الانبياء جاءت بالمعروف (فالعاصفات عصفا) الرياح (والناشرات نشرا) الامطار نشرت النبات (فالفارقات فرقا) آي القرآن (فالملقيات ذكرا) الملائكة تلقي كتاب الله تعالى إلى الانبياء.
وقوله (عذرا او نذرا) يحتمل نصبه وجهين:
احدهما - على انه مفعول له أي للاعذار والانذار.
والثاني - مفعول به أي ذكرت العذر والنذر. واختار ابوعلي أن يكون بدلا من قوله (ذكرا) وقيل معناه اعذارا من الله وانذارا إلى خلقه ما القته الملائكة من الذكر إلى أنبيائه والعذر أمر في امر ظهوره دفع اللوم بأنه لم يكن يستحق لاجل تلك الحال مع وقوع خلاف المراد. فالعقاب على القبيح بعد الانذار يوجب العذر في وقوعه. وإن كان بخلاف مراد العبد الذي استحقه. قال الحسن (عذرا) معناه يعتذر به إلى عباده في العقاب أنه لم يكن الا على وجه الحكمة. والنذر والانذار وهو الاعلام بموضع المخافة ليتقي. ومن خفف (عذرا) كره توالى الضمتين.
وقوله (إنما توعدون لواقع) جواب القسم ومعناه إن الذي وعدكم الله به من البعث والنشور والثواب والعقاب: كائن لا محالة. وقيل: الفرق بين الواقع

===============
(225)
والكائن أن الواقع لا يكون إلا حادثا تشبيها بالحائط الواقع، لانه من أبين الاشياء في الحدوث، والكائن أعم منه لانه بمنزلة الموجود الثابت يكون حادثا وغير حادث.
وقوله (فاذا النجوم طمست) معناه محيت آثارها وذهب نورها. والطمس محو الاثر الدال على الشئ فالطمس على النجوم كالطمس على الكتاب، لانه يذهب نورها والعلامات التي كانت تعرف بها (وإذا السماء فرجت) أي شققت وصدعت (وإذا الجبال نسفت) نسف الجبال إذهابها حتى لا يبقى لها في الارض أثر، والنسف تحريك الشئ بما يخرج ترابه وما اختلط به مما ليس منه، ومنه سمي المنسف ونسف الحبوب كلها تجري على هذا الوجه، وقوله (نسفت) من قولهم: أنسفت الشئ اذا اخذته بسرعة.
وقوله (وإذا الرسل أقتت) أي أعلمت وقت الثواب ووقت العقاب، فالتوقيت تقدير الوقت لوقوع الفعل، ولما كانت الرسل (عليهم السلام) قد قدر أرسالها لاوقات معلومة بحسب صلاح العباد فيها كانت قد وقتت لتلك الاوقات بمعنى اعلمت وقت الثواب ووقت العقاب. وقال مجاهد وابراهيم وابن زيد: أقتت بالاجتماع لوقتها يوم القيامة قال تعالى (يوم يجمع الله الرسل) (1) والمواقيت الاجال ومثله (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) (2) وقيل: معنى اقتت اجلت لوقت ثوابها، وهو يوم الفصل. وقيل: معناه أجلت فيما بينها وبين أمتها (ليوم الفصل) ثم بين تعالى فقال (لاي يوم اجلت) أي أخرت إلى اجل فالتأجيل التأخير إلى أجل، فالرسل قد أجلت بموعودها إلى يوم الفصل، وهو يوم القيامة وسمي يوم الفصل، لانه يفصل فيه بين حال المهتدي والضال بما يعلم الله لاحدهما من

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 5 المائدة آية 112 (2) سورة 2 البقرة آية 189 (ج 10 م 29 من التبيان) (*)

===============
(226)
حال الثواب بالاجلال والاكرام، وللاخر من حال العقاب بالاستخفاف والهوان بما لا يخفى على انسان. وقيل: الوجه في تأجيل الموعود إلى يوم الفصل تحديد الامر للجزاء على جميع العباد فيه بوقوع اليأس من الرد إلى دار التكليف، لان في تصور هذا مايتأكد به الدعاء إلى الطاعة والانزجار عن المعصية.
وقوله (ويل يومئذ للمكذبين) تهديد ووعيد لمن جحد يوم القيامة وكذب بالثواب والعقاب، وإنما خص الوعيد في الذكر بالمكذبين لان التكذيب بالحق يتبعه كل شئ، فخصال المعاصي تابعة له وإن لم يذكر معه، مع أن التكذيب قد يكون في القول والفعل المخالف للحق، ومنه قولهم: حمل فما كذب حتى لقي العدو فهزمه.
قوله تعالى:
(ألم نهلك الاولين (16) ثم نتبعهم الاخرين (17) كذلك نفعل بالمجرمين (18) ويل يومئذ للمكذبين (19) ألم نخلقكم من ماء مهين (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم (22)
فقدرنا فنعم القادرون (23) ويل يومئذ للمكذبين (24) ألم نجعل الارض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين (28)
ثلاث عشرة آية.
قرأ أهل المدينة والكسائي (فقدرنا) مشددة. الباقون بالتخفيف وهما لغتان. ومن اختار التخفيف فلقوله (فنعم القادرون).
يقول الله تعالى على وجه التهديد للكفار (ألم نهلك الاولين) يعني قوم نوح

===============
(227)
وعاد وثمود، والاخرون قوم لوط وابراهيم إلى فرعون ومن معه من الجنود أهلكهم الله تعالى بأنواع الهلاك جزاء على كفرهم لنعم الله وجحدهم لتوحيده واخلاص عبادته وقوله (ثم نتبعهم الاخرين) إنما رفعه عطفا على موضع (ألم) كأنه قال:
لكنا نهلك الاولين ثم نتبعهم الاخرين. وقال المبرد تقديره ثم نحن نتبعهم لا يجوز غيره. لان قوله (ألم نهلك) ماض، وقوله (ثم نتبعهم) مستقبل فلا يكون عطفا على الاول ولا على موضعه. والاهلاك إبطال الشئ بتصييره إلى حيث لا يدرى اين هو إما باعدامه او باخفاء مكانه. وقد يكون الاهلاك بالاماتة، وقد يكون بالنقل إلى حال الجمادية. والاول هو الكائن قبل غيره. والثاني هو الكائن بعد غيره.
والاول قبل كل شئ هو الله تعالى الذي لم يزل. (والاولين) في الاية هم الذين تقدموا على أهل العصر الثاني، والاخر الكائن بعد الاول من غير بقية منه، وبهذا ينفصل عن الثاني، لان الثاني قد يكون بعد بقية من الشئ ثالثا ورابعا وخامسا إلى حيث انتهى، فاذا صار إلى الاخر فليس بعده شئ كالكتاب الذي هو أجزاء كثيرة وقوله (كذلك نفعل بالمجرمين) أي مثل مافعلنا بأولئك نفعل مثله بالعصاة ثم قال (ويل يومئذ) يعني يوم الجزاء والثواب والعقاب (للمكذبين) فانهم يجازون بأليم العقاب. والاتباع الحاق الثاني بالاول بدعائه اليه، والتبع الحاق الثاني بالاول باقتضائه له، تبع تبعا فهو تابع وأتبع اتباعا.
وقوله (ألم نخلقكم من ماء مهين) والمهين القليل الغناء، ومثله الحقير الذليل وفى خلق الانسان على هذا الكمال من الحواس الصحيحة والعقل والتميز من ماء مهين أعظم الاعتبار وأبين الحجة على ان له مدبرا وصانعا وخالقا خلقه وصنعه فمن جحده كان كالمكابر لما هو من دلائل العقول.
ثم قال الله تعالى مبينا انه جعل ذلك الماء المهين الحقير (في قرار مكين)

===============
(228)
فالقرار المكان الذي يمكن أن يطول فيه مكث الشئ، ومنه قولهم: قر في المكان إذا ثبت على طول المكث فيه يقر قرارا، ولا قرار لفلان في هذا المكان أي لا ثبات له.
وقوله (إلى قدر معلوم) فالقدر المقدار المعلوم الذي لا زيادة فيه ولا نقصان وكأنه قال إلى مقدار من الوقت المعلوم، والقدر مصدر من قولهم: قدر يقدر قدرا وقدر يقدر - بالتخفيف، والتشديد - إلا أن التشديد للتكثير. وقوله (فقدرنا فنعم القادرون) معناه في قول من خفف فقدرنا من القدرة، فنعم القادرون على تدبيره. ومن شدد أراد فقدرنا، فنعم المقدرون لاحوال النطفة ونقلها من حال إلى حال حتى صارت إلى حال الانسان. والعرب تقول: قدر عليه الموت وقدر: بالتخفيف والتشديد. ومن شدد وقرأ القادرون جمع بين اللغتين كما قال الاعشى:
وانكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا (1)
وقوله (ألم نجعل الارض كفاتا) نصب (كفاتا) على الحال، وتقديره ألم نجعل الارض لكم ولهم كفاتا، والكفات الضمام فقد جعل الله الارض للعباد تكفتهم (احياء وامواتا) أي تضمهم في الحالين كفت الشئ يكفته كفتا وكفاتا إذا ضمه وقيل (كفاتا) وعاء وهذا كفته أي وعاؤه، ويقال كفيته أيضا، وقال الشعبي ومجاهد: فظهرها للاحياء وبطنها للاموات، وهو قول قتادة ونصب أحياء وامواتا على الحال، ويجوز على المفعول به، قال ابوعبيدة وغيره (كفاتا) أي اوعية يقال:
هذا النحى كفت هذا وكفيته.
وقوله (احياء وأمواتا) أي منه ما ينبت، ومنه ما لا ينبت.
وقوله (وجعلنا فيها رواسي شامخات) أي وجعلنا في الارض جبالا ثابتة

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 28 (*)

===============
(229)
عالية، فالشامخات العاليات، شمخ يشمخ شمخا، فهو شامخ، ومنه شمخ بأنف إذا رفعه كبرا، وجبل شامخ وشاهق وبازخ كله بمعنى واحد والرواسي الثوابت.
وقوله (واسقيناكم ماء فراتا) أي وجعلنا لكم شرابا من الماء الفرات، وهو العذاب وهو صفة يقال: ماء فرات وماء زلال وماء غدق وماء نمير كله من العذوبة والطيب، وبه سمي النهر العظيم المعروف بالفرات قال الشاعر:
إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا * وإن شهد أجدى فضله وجداوله (1)
وقال ابن عباس أصول الانهار العذبة أربعة: جيحان ومنه دجلة، وسيحان نهر بلخ، وفرات الكوفة، ونيل مصر. وقوله (ويل يومئذ للمكذبين)
قد فسرناه.
قوله تعالى:
(إنطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (29) إنطلقوا إلى ظل ذي ثلث شعب (30) لا ظليل ولا يغني من اللهب (31) إنها ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه جمالت صفر (33) ويل يومئذ للمكذبين (34) هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ويل يومئذ للمكذبين (37) هذا يوم الفصل جمعناكم والاولين (38) فان كان لكم كيد فكيدون (39) ويل يومئذ للمكذبين) (40) اثنتا عشرة آية.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 4 / 194 (*)

===============
(230)
قرأ رويس (انطلقوا إلى ظل) على فتح اللام بلفظ الماضي. وقرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر (جمالة) وضم الجيم يعقوب. الباقون (جمالات) من قرأ (جمالة) على لفظ الواحد قال معناه الجمع لقوله (صفر) ومن قرأ (جمالات).
بكسر الجيم قال: جمالة وجمالات جميعا جمعان، كأنه جمع الجمع مثل: رجال ورجالات، وبيوت وبيوتات، والهاء في قوله (كأنه) كناية عن الشرر.
وهذا حكاية ما يقول الله تعالى للكفار المكذبين بيوم الدين يوم القيامة فانه يقول لهم (انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون) من العقاب على الكفر ودخول النار جزاء على المعاصي، فكنتم تجحدون ذلك وتكذبون به ولا تعترفون بصحته، فامضوا اليوم اليه. فالانطلاق الانتقال من مكان إلى مكان من غير مكث الاعتقال، وهو من الاطلاق خلاف التقييد، والانتقال من حال إلى حال، ومن اعتقاد إلى اعتقاد لا يسمى انطلاقا. ثم ذكر الموضع الذي أمرهم بالانطلاق اليه، فقال (انطلقوا إلى)
ظل ذي ثلاث شعب) قيل: معناه يتشعب من النار ثلاث شعب: شعبة فوقه، وشعبة عن يمينه وشعبة عن شماله فيحيط بالكافر. وقال مجاهد وقتادة (ظل) دخان من جهنم ينقسم ثلاث شعب كما قال تعالى (أحاط بهم سرادقها) (1) أي من الدخان الاخذ بالانفاس (لا ظليل) معناه غير مانع من الاذى يسترعنه، فالظليل المانع من الاذى بستره عنه، ومثله الكنين، فالظليل من الظلة، وهي السترة، والكنين من الكن، فظل هذا الدخان لا يغني الكفار من حر النار شيئا. وبين ذلك بقوله (ولا يغني من اللهب) والاغناء إيجاد الكفاية بما يكون وجود غيره وعدمه سواء يقال: أغنى عنه أي كفى في الدفع عنه. واللهب إرتفاع الشرر، وهو اضطرام النار، إلتهب يلتهب إلتهابا وألهبتها إلهابا ولهبا.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 18 الكهف آية 29 (*)

===============
(231)
وقوله (انها) يعني النار (ترمي بشرر) وهي قطع تطاير من النار في الجهات وأصله الظهور من شررت الثوب إذا اظهرته للشمس والشرر يظهر متبددا من النار. وقوله (كالقصر) أي ذلك الشرر كالقصر أي مثله في عظمه، وهو يتطاير على الكافرين من كل جهة - نعوذ بالله منه - والقصر واحد القصور من البنيان - في قول ابن عباس ومجاهد - وفي رواية أخرى عن ابن عباس وقتادة والضحاك: القصر أصول الشجر واحدته قصرة مثل جمرة وجمر، والعرب تشبه الابل بالقصور، قال الاخطل:
كأنه برج رومي يشيده * لز بجص وآجر وأحجار (1)
والقصر في معنى الجمع إلا انه على طريق الجنس. ثم شبه القصر بالجمال، فقال (كأنه جمالات صفر) قال الحسن وقتادة: كأنها انيق سود، لما يعتري سوادها من الصفرة. وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: قلوس السفن، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: هي قطع النحاس. قال الزجاج (جمالات) بالضم جمع جمالة وهو القلس من قلوس البحر، ويجوز أن يكون جمع (جمل) وجمالات، كما قيل (رحال) جمع (رحل) ومن كسر فعلى انه جمع جمالة، وجمالة جمع جمل مثل حجر وحجارة، وذكر وذكارة. وقرئ في الشواذ (كالقصر) بفتح الصاد جمع كأنها أعناق الابل (وجمالات) جمع جمل كرجل ورجالات، وبيت وبيوتات، ويجوز أن يكون جمع جمالة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (جملة)
بغير الالف على التوحيد لانه لفظ جنس يقع على القليل والكثير. الباقون جمالات بألف، مكسور الجيم.
وقوله (ويل يومئذ للمكذبين) قد فسرناه ثم قال تعالى (هذا يوم لا ينطقون

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 7 / 53 (*)

===============
(232)
ولا يؤذن لهم فيعتذرون) اخبار من الله تعالى أن ذلك اليوم لا ينطق الكفار.
وقيل في معناه قولان:
احدهما - ان ذلك اليوم مواطن، فموطن لا ينطقون، لانهم مبلسون من هول مايرونه، وموطن يطلق فيه عن ألسنتهم فينطقون، فلذلك حكى عنهم أنهم (قالوا ربنا أمتنا إثنتين واحييتنا إثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل) (1)
وقد يقال هذا يوم لا ينطقون إذا لم ينطقوا في بعضه كما يقال: كان كذا يوم قدم فلان وإن كان قدم في بعضه، لان المعنى مفهوم.
والثاني - انهم ينطقون بنطق لا ينتفعون به، وكأنهم لم ينطقوا، واضاف الزمان إلى الافعال كقولك أتيتك يوم قدم زيد، وآتيك يوم يخرج عمرو، وأجاز النحويون هذا يوم لا ينطقون بالنصب على انه يشير إلى الجزاء، ولا يشير إلى اليوم وقوله (ولا يؤذن لهم) فالاذن الاطلاق في الفعل، تقول: يسمع بالاذن فهذا أصله وقد كثر استعماله حتى صار كل دليل ظهر به أن للقادر أن يفعل كذا فهو أذن له، وكل ما اطلق الله فيه بأي دليل كان، فقد أذن فيه.
وقوله تعالى (فيعتذرون) فالاعتذار الانتفاء من خلاف المراد بالمانع من المراد، وليس لاحد عذر في معصية الله، لانه تعالى لا يكلف نفسا ما لا يطاق. وقد يكون له عذر في معصية غيره، لانه قد يكلف خلاف الصواب وقد يكلف ما لا يمكن لعارض من الاسباب.
وقوله (فيعتذرون) رفع عطفا على قوله (لايؤذن) قال الفراء: تقديره لا ينطقون ولا يعتذرون، وقد يجوز في مثله النصب علي جواب النفي، ومعنى الاية لا يؤذن لهم في الاعتذار فكيف يعتذرون.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 40 المؤمن آية 11 (*)

===============
(233)
وقوله (هذا يوم الفصل) يعني يفصل بين الخلائق بالحكم لكل أحد بما له وعليه. والفصل قطع علق الامور بتوفية الحقوق، وهذا الفصل الذي هفصل القضاء يكون ذلك في الاخرة على ظاهر الامر وباطنه، وأما في الدنيا، فهو على ظاهر الامر، لان الحاكم لا يعرف البواطن.
وقوله (جمعناكم والاولين) معناه إن الله يجمع فيه الخلائق في يوم واحد في صعيد واحد، والجمع جعل الشئ مع غيره إما في مكان واحد أو محل واحد أو في يوم واحد أو وقت واحد، أو يجعل مع غيره في حكم واحد أو معنى واحد كجمع الجماد والحيوان في معنى الحدوث.
وقوله (فان كان لكم كيد فكيدون) معناه توبيخ من الله تعالى وتقريع للكفار واظهار عجزهم عن الدفع عن أنفسهم فضلا عن أن يكيدوا غيرهم، وإنما هو على أنكم كنتم في دار الدنيا تعملون ما يغضبني، فالان عجزتم عن ذلك وحصلتم على وبال ما عملتم. وقيل: المعنى إن كان لكم حيلة تحتالونها في التخلص فاحتالوا. والكيد الحيلة و (ويل يومئذ للمكذبين) قد مضى تفسيره.
قوله تعالى:
(إن المتقين في ضلال وعيون (41) وفواكه مما يشتهون (42)
كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك نجزي المحسنين (44) ويل يومئذ للمكذبين (45) كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46) ويل يومئذ للمكذبين (47) وإذا قيل لهم (ج 10 م 30 من التبيان)

===============
(234)
اركعوا لا يركعون (48) ويل يومئذ للمكذبين (49) فبأي حديث بعده يؤمنون) (50) عشر آيات.
لما ذكر الله تعالى الكفار وما أعد لهم من ضروب العقاب وانواع العذاب ترهيبا وتزهيدا في مثله، ذكر المؤمنين المتقين للمعاصي وبين ما أعده لهم من أنواع النعيم وضروب اللذات فقال (إن المتقين) ومعناه الذين اتقوا عقاب الله باجتناب معاصيه وطلبوا ثوابه بفعل طاعاته (في ظلال) وهو جمع ظل، وهو الحجاب العالي المانع من كل أذى، فلاهل الجنة حجاب من كل أذى لان هواء الجنة مناف لكل أذى، فهم من طيبة على خلاصة. وقيل في ظلال من قصور الجنة وأشجارها (وعيون) وهي ينابيع الماء التي تجري في ظل الاشجار. وقيل: ان تلك العيون جارية في غير أخدود، لان ذلك امتع بما يرى من حسنه وصفأته على كنهه من غير ملابسة شئ له، وليس هناك شئ إلا على أحسن صفاته، لان الله تعالى قد شوق اليه أشد التشويق ورغب فيه أتم الترغيب (وفواكه) وهي جمع فاكهة، وهي ثمار الاشجار التي من شأنها أن تؤكل، وقد يكون من الثمر ما ليس كذلك كالثمر المر، فانه ليس من الفاكهة.
وقوله (مما يشتهون) يعني لهم فاكهة من جنس ما يشتهونه.
ثم قال تعالى (كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون) صورته صورة الامر والمراد به الاباحة. وقال قوم: هو أمر على الحقيقة، لان الله تعالى يريد منهم الاكل والشرب في الجنة، وإنهم إذا علموا ذلك زاد في سرورهم، فلا تكون إرادته لذلك عبثا، والهنئ هو الذي لا أذى فيه فيما بعد. وقيل: الهنئ النفع الخالص من شائب الاذى. والشهوة معنى في القلب إذا صادفت المشتهى كان لذة، وضده النفار إذا

===============
(235)
صادفه كان ألما، وجاء الكلام على التقابل للكافرين من قوله (في ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب) مقابل أهل الجنة في ظلال قصور الجنة واشجارها وقوله (انا كذلك نجزي المحسنين) اخبار منه تعالى أنه كما جازى هؤلاء المتقين بما ذكره من النعيم مثل ذلك يجازي كل محسن عامل بطاعة الله. وفى ذلك دلالة على أن كل احسان خالص للعبد فله به الثواب والحمد، وانه طاعة لله، وإن ما ليس باحسان من فعل خارج عن هذا الحكم. وقوله (ويل يومئذ للمكذبين) قد مضى تفسيره.
ثم عاد إلى خطاب الكفار فقال لهم على وجه التهديد والوعيد (كلوا وتمتعوا)
في دار الدنيا وتلذذوا بما تريدون وانتفعوا بم اتشتهون (قليلا) لان أيام الدنيا قليلة، فالتمتع الحصول في أحوال تلذ، تمتع تمتعا واستمتع استمتاعا وأمتعه غيره امتاعا والتمتع والتلذذ واحد ونقيضه التألم.
وقوله (إنكم مجرمون) اخبار منه تعالى للكفار بأنكم وإن تمتعتم قليلا في الدنيا فانكم عصاة وكفار ومآ لكم إلى النار وعذابها. والاجرام فعل ما يقطع المدح ويحصل بدله الذم، يقال: أجرم إجراما واجترم اجتراما وتجرم عليه أي تطلب له الجرم (ويل يومئذ للمكذبين) بينا معناه.
وقوله (وإذا قيل لهم إركعوا لا يركعون) فالركوع هو الانخفاض على وجه الخضوع، ويعبر به عن نفس الصلاة ويقال: قد ركعت وبقي على ركوع أي صلاة والمراد به ههنا - الصلاة، والمعنى إن هؤلاء الكفار إذا دعوا إلى الصلاة لا يصلون لجهلهم بما في الصلاة من الخير والبركة. وقيل: انه يقال لهم ذلك في الاخرة كما قال (يدعون إلى السجود فلا يستطيعون) ذكره ابن عباس. وقال قتادة، يقال لهم ذلك في الدنيا، فان الصلاة من الله بمكان. وقال مجاهد: عنى بالركوع - هنا - الصلاة

===============
(236)
وقوله (ويل يومئذ للمكذبين) قد فسرناه، فكأنه قيل لهم يجب عليكم الركوع بالخضوع لله فاركعوا فأخبر عنهم أنهم لا يركعون تكذيبا بهذا الخبر، فلذلك قال عقيب ذلك (ويل يومئذ للمكذبين) وإلا فقوله (اركعوا) أمر من الله تعالى، ولا يقال فيمن أمر بالشئ فلم يفعل انه كذب، وقيل: إن ما تكرر في هذه السورة من قول (ويل يومئذ للمكذبين) ليس على وجه التكرار في المعنى، لان معناه ويل للمكذبين بما ذكره قبله من الاخبار، وقيل يريد أنه كذب بالمخبر الذي يليه، وهو وجه القول الثاني والثالث والرابع إلى آخر السورة، على هذا المنهاج من أنه يلزمه الويل بالتكذيب بالذي يليه والذي قبله على التفصيل لا على الاجمال في أنه لا يلزمه حتى يكذب بالجميع. وقوله (فبأي حديث بعده يؤمنون) معناه إنه اذا أتى القرآن باظهر البرهان وكفروا به فليس ممن يفلح بالايمان بكلام غيره، لان من لم يؤمن بما فيه المعجزة الظاهرة والاية الباهرة لايؤمن بغيره.

===============
(237)
78 - سورة النبا:
مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي أربعون آية في الكوفي والمدنيين واحدى وأربعون في البصري بسم الله الرحمن الرحيم (عم يتساءلون (1) عن النبا العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الارض مهادا (6) والجبال أوتادا (7) وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) وجعلنا الليل لباسا (10) وجعلنا النهار معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا) (16) ست عشرة آية.
وقف يعقوب على (عم) بالهاء، الباقون بلا هاء وقرأ ابن عامر (كلا ستعلمون) بالتاء على الخطاب فيهما أي قل لهم ستعلمون عاقبة أمركم الباقون - بالياء - على الغيبة، وهو الاقوى لقوله (عم

===============
(238)
يتساءلون) وقوله (الذي هم فيه مختلفون) ولم يقل أنتم، وإن كانت التاء جائزة لان العرب تنتقل من غيبة إلى خطاب، ومن خطاب إلى غيبة.
قيل في سبب نزول هذه الاية: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا حدث قريشا وعرفهم أخبار الامم السالفة ووعظهم كانوا يهزؤن بذلك، فنهاه الله تعالى أن يحدثهم فقال (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزء)
إلى قوله (حتى يخوضوا في حديث غيره) (1) فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحدث اصحابه فاذا أقبل واحد من المشركين أمسك فاجتمعوا على بكرة أبيهم وقالوا: والله يا محمد إن حديثك عجب، وكنا نشتهي أن نسمع كلامك وحديثك، فقال إن رب نهاني أن أحدثكم، فأنزل الله تعالى (عم يتساءلون عن النبأ العظيم) وقوله (عم يتساءلون) أصله عن ما، فحذفت الالف لاتصالها بحرف الجر حتى صارت كالجزء منه لتدل على شدة الاتصال مع تخفيف المركب في الكلام، فحذف حرف الاعتلال وأدغمت النون في الميم لقربها منها من غير أخلال، وصورته صورة الاستفهام والمراد تفخيم القصة والانكار والتهديد. وقوله (يتساءلون) معناه عن ماذا يسأل بعضهم بعضا، فالتساؤل سؤال احد النفيسين للاخر، تساءلا تساؤلا وسأله مسألة، والسؤال طلب الاخبار بصيغة مخصوصة في الكلام، وكل ما يزجر العقل عنه بما فيه من الداعي إلى الفساد لا يجوز السؤال عنه كسؤال الجدل لدفع الحق ونصرة الباطل، وكالسؤال الذي يقتضي فاحش الجواب، لانه كالامر بالقبيح. والنبأ معناه الخبر العظيم الشأن كمعنى الخبر عن التوحيد في صفة الاله وصفة الرسول، والخبر عما يجوز عليه وما لا يجوز. وقال مجاهد: النبأ العظيم الشأن القرآن، وقال قتادة وابن زيد:
هوالسؤال عن البعث بعد الموت، لانهم كانوا يجمعون على التكذيب بالقرآن

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 4 النساء آية 139 وقريب منه في سورة 6 الانعام آية 68 (*)

===============
(239)
(الذي هم فيه مختلفون) قال قتادة: معناه الذي هم فيه بين مصدق ومكذب، فقال الله سبحانه مهدد الهم ومتوعدا (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) ومعنى (كلا) ردع وزجر، كأنه قال أرتدعوا وانزجر واليس الامر كما ظننتم. وقال قوم: معناه حقا سيعلمون عاقبة أمرهم وعائد الوبال عليهم. وقال الضحاك: معناه كلا سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم، وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم. وقال قوم: كلا سيعلمون ما ينالهم يوم القيامة من العذاب، ثم كلا سيعلمون ما ينالهم في جهنم من العذاب، فلا يكون تكرارا.
والاختلاف ذهاب كل واحد من النفيسين إلى نقيض ما ذهب اليه الاخر، يقال:
اختلفا في المعنى فذهب أحدهما إلى كذا، وذهب الاخر إلى كذا.
ثم نبههم على وجه الاستدلال على صحة ذلك فقال (ألم نجعل الارض مهادا)
أي وطاء، وهو القرار المهيأ للتصرف فيه من غير أذية. وقال قتادة: للهاد البساط ومهد الارض تمهيدا مثل وطأه توطئة، لان ذلك لا يقدر عليه غير الله، لانه الذي يسكن الارض حالا بعد حال حتى يمكن الاستقرار عليها والتصرف فيها (والجبال أوتادا) أي وجعلنا الجبال أوتادا للارض لئلا تميدبهم، فالجبال جمع جبل، وهو بغلظه وثقله يبلغ أن يكون ممسكا للارض عن أن تميد بثقله، فعلى ذلك دبره الله، وذكر العباد به وما فيه من العبرة بعظمة من يقدر عليه. والوتد المسمار إلا أنه اغلظ منه، لذلك يقال: مسامير العناء إذا دقت كالمسمار من الحديد في القوة والدقة، ولو غلظت صارت أو تادا فكذلك وصفت الجبال بأنها أوتاد للارض إذ جعلت بغلظها ممسكة لها عن أن تميد باهلها.
وقوله (وجعلناكم أزواجا) أي اشكالا كل واحد يشاكل الاخر. وقيل:
معناه ذكرا وأنثى حتى يصح منكم التناسل.
وقوله (وجعلنا نومكم سباتا) أي نعاسا في أوله تطلب النفس الراحة به.

===============
(240)
وقيل: معناه جعلنا نومكم راحة. وقيل: معناه جعلنا نومكم طويلا ممتدا تعظم به راحة أبدانكم ويكثر به انتفاعكم، ومنه سبت من الدهر أي مدة طويلة منه. وقال ابوعبيدة: معناه جعلنا نومكم سباتا ليس بموت، ورجل مسبوت فيه روح، والسبات قطع العمل للراحة، ومنه سبت أنفه إذا قطعه، ومنه يوم السبت أي يوم قطع العمل للراحة على ما جرت به العادة في شرع موسى، وصار علما على اليوم الذي بعد الجمعة بلا فصل.
وقوله (وجعلنا الليل لباسا) فاللباس غطاء ساتر مماس لما ستر، فالليل ساتر للاشخاص بظلمته مماس لها بجسمه الذي فيه الظلمة قال الشاعر:
فلما لبسن الليل أوجن نصبت * له من حذا آذانها وهي جنح (1)
(وجعلنا النهار معاشا) أي متصرفا للعيش والعيش الانعاش الذي تبقى معه الحياة على حال الصحة عاش يعيش عيشا والنهار اتساع الضياء المنبث في الافاق وأصله من انهر الدم إذا وسع مجراه، ومنه النهر وهو المجرى الواسع من مجاري الماء، ومنه الانتهار الاتساع في الاغلاظ، وفى خلق النهار تمكين من التصرف للمعاش وفي ذلك أعظم النعمة واكبر الاحسان.
وقوله (وبنينا فوقكم سبعا شدادا) يعني سبع سموات. والبناء جعل الطاق الاعلى على الادنى، فالسماء مبنية كهيئة القبة مزينة بالكواكب المضيئة، فسبحان الذي زينها وخلقها وبناها على هذه الصفة لعباده. وإنما جعلها سبع سموات لما في ذلك من الاعتبار للملائكة، ولما في تصور الطبقات من عظم القدرة، وهول تلك الامور، وما فيه من تمكين البناء حتى وقفت سماء فوق سماء، فسبحان من يمسكها بما هو قادر عليها ومدبر لها.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) الطبرى 30 / 3 (*)

===============
(241)
وقوله (وجعلنا سراجا وهاجا) يعني الشمس جعلها الله سراجا للعالم يستضيئون به، فالنعمة عامة لجميع الخلق. والوهاج الوقاد، وهو المشتعل بالنور العظيم وقال مجاهد وقتادة: يعني وهاجا متلا لئا.
وقوله (وأنزلنا من المعصرات) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني الرياح، كأنها تعصر السحاب. وقيل هي السحاب تتحلب بالمطر. وقوله (ماء ثجاجا) فالثجاج الدفاع في انصبابه كثج دماء البدن، يقال ثججت دمه أثجه ثجا، وقد ثج الدم يثج ثجوجا (لنخرج به حبا ونباتا) أي نخرج بذلك الماء حبا وهو كل ما تضمنه الزرع الذي يحصد. والنبات الكلا من الحشيش والزرع (وجنات الفافا) أي بساتين ملتفة بالشجر يخرجها الله تعالى لعباده بالمطر. وإنما قال (جنات) لان الشجر يجنها أي يسترها و (الالفاف) الاخلاط المتداخلة يدور بعضها على بعض واحدها (لف) يقال: شجر ملتف وأشجار ملتفة. والمعاني الملففة المتداخلة باستتار بعضها ببعض حتى لا تبين إلا في خفى. وقيل: واحده لف ولفف. وقيل: في واحده شجرة لفا، وشجر لف. وقال مجاهد وقتادة وابن عباس: ألفافا ملتفة. والتقدير فيه ويخرج به شجر جنات الفافا ملتفة إلا انه حذف لدلالة الكلام عليه.
قوله تعالى:
(إن يوم الفصل كان ميقاتا (17) يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا (18) وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم كانت مرصادا (21) للطاغين (ج 10 م 31 من التبيان)

===============
(242)
مآبا (22) لا بثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24)
إلا حميما وغساقا (25) جزاء وفاقا (26) إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) وكذبوا بآياتنا كذابا (28) وكل شئ أحصيناه كتابا (29) فذقوا فلن نزيدكم إلا عذابا) (30) اربع عشرة آية.
قرأ (وفتحت) بالتخفيف أهل الكوفة إلا الاعشى والبرجمي. الباقون بالتشديد. وقرأ حمزة وروح (لبثين فيها) بغير الف مثل (مزجين، وفرهين)
الباقون (لا بثين) بألف على اسم الفاعل، وهو الاجود، لانه من (لبث) فهو (لابث) وحجة حمزة أنه مثل (طمع) و (طامع). واللبث البطئ. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما عن المفضل (غساقا) مشددة. الباقون بالتخفيف، وهما لغتان.
فالغساق صديد أهل النار - في قول ابراهيم وقتادة وعكرمة وعطية - وقال أبوعبيدة:
الغساق ماء وهو من الغسل أي سيال. وقال غيره: هو البارد. وقيل: المنتن.
يقول الله تعالى (إن يوم الفصل) يعني يوم الدين وهو يوم القيامة الذي يفصل الله فيه بالحكم بين الخلائق (كان ميقاتا) أي جعله الله وقتا للحساب والجزاء فالميقات منتهى المقدار المضروب لوقت حدوث أمر من الامور، وهو مأخوذ من الوقت، كما أن الميعاد من الوعد، والميزان من الوزن والمقدار من القدر. والمفتاح من الفتح.
وقوله (يوم ينفخ في الصور) فالنفخ إخراج ريح الجوف من الفم، ومنه نفخ الزق، والنفخ في البوق، ونفخ الروح في البدن يشبه بذلك، لانها تجري فيه كما تجري الريح، يجرى مجرى الريح في الشئ، والصور قرن ينفخ فيه في حديث مرفوع عن النبي (صلى الله عليه وآله)

===============
(243)
وقال الحسن: هو جمع صورة. وبه قال قتادة. ومعناه: إذكر يوم ينفخ في الصور (فتأتون أفواجا) فالفوج جماعة من جماعة. والافواج جماعات من جماعات، فالناس يأتون على تلك الصفة إلى أن يتكاملوا في أرض القيامة. وكل فريق يأتي مع شكله. وقيل تأتي كل أمة مع نبيها، فلذلك جاؤا أفواجا أي زمرا.
وقوله (وفتحت السماء فكانت أبوابا) معناه وشققت السماء، فكانت كقطع الابواب. وقيل: صار فيها طرق ولم يكن كذلك قبل.
وقوله (وسيرت الجبال فكانت سرابا) معناه زيلت الجبال عن أماكنها وأذهب بها حتى صارت كالسراب.
وقوله (ان جهنم كانت مرصادا) إخبار منه تعالى بأن جهنم تكون يومئذ مرصادا. والمرصاد هو المعد لامر على ارتقابه الوقوع فيه، وهو مفعال من الرصد.
وقيل: المعنى ذات ارتقاب لاهلها تراصدهم بنكالها. والرصد عمل ما يترقب به الاختطاف.
وقوله (للطاغين) يعني جهنم للذين طغوا في معصية الله وتجاوزوا الحد (مآبا) أي مرجعا، وهو الموضوع الذي يرجع اليه، فكأن المجرم قد كان باجرامه فيها ثم رجع اليها، ويجوز أن يكون كالمنزل الذي يرجع اليه.
وقوله (لابثين فيها أحقابا) أي ما كثين فيها أزمانا كثيرة، وواحد الاحقاب حقب من قوله (او أمضي حقبا) (1) أي دهرا طويلا. وقيل واحده حقب، وواحد الحقب حقبة، كما قال الشاعر:
وكنا كندماني جذيمة حقبة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا وإنما قال (لابثين فيها احقابا) مع انهم مخلدون مؤبدون: لا انقضاء لها

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 18 الكهف آية 61 (*)

===============
(244)
إلا انه حذف للعلم بحال أهل النار من الكفار باجماع الامة عليه (لابثين فيها احقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا) ثم يعذبون بعد ذلك بضرب آخر كالزقوم والزمهرير ونحوه من أصناف العذاب، ومن قرأ (لبثين) بلا الف استشهد في تعدي (فعل) بقول الشاعر:
ومسحل سح عضاده سحج * بسراتها ندب له وكلوم (1)
وقال ابن عباس: الحقب ثمانون سنة. وقال الحسن: سبعون سنة. وقال قوم: هو اكثر من ذلك.
وقوله (لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا) قال ابوعبيدة: البرد ههنا النوم قال الكندي:
فيصدني عنها وعن قبلتها البرد أي النوم، قكأنهم لا ينامون من شدة ما هم فيه من العذاب، ولا يجدون شرابا يشربوه (إلاحميما وغساقا) فالحميم الحار الشديد الحرارة والغساق صديد أهل النار - في قول إبراهيم وقتادة وعطية وعكرمة - يقال: غسقت القرحة غسقا إذا سال صديدها، وكذلك الجروح، ومنه قوله (ومن شر غاسق إذا وقب) (2)
والغاسق الليل إذا لبس الاشياء بظلمته. كأنه يسيل عليه بظلامه، وقال الحسن:
الجنة والنار مخلوقتان في الايام الستة الاول، وهي الجنة التي سكنها آدم، وهي الجنة التي يسكنها المتقون في الاخرة. ثم يفنيها الله لهلاك الخلائق. ثم يعيدها، فلا يفنيها أبدا. وقال قوم: المخلوقتان، ولا يفنيهما الله. وقال آخرون: هما غير مخلوقتين.
والجنة التي كان فيها جنة أخرى ليست جنة الخلد.
وقوله (جزاء وفاقا) قال ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة: معناه وافق

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري 30 / 7 (2) سورة 113 الفلق آية 3 (*)

===============
(245)
الجزاء أعمالهم، فالوفاق الجاري على المقدار، فالجزاء وفاق لانه جار على مقدار الاعمال في الاستحقاق، وذلك أنه يستحق على الكفر أعظم مما يستحق على الفسق الذي ليس بكفر. ويستحق على الفسق أعظم مما يستحق على الذنب الصغير.
وقوله (إنهم كانوا لا يرجون حسابا) أي لا يرجون المجازاة على الاعمال ولا يتوقعونه - وهو قول الحسن وقتادة - وقيل: معناه إنهم كانوا: لا يرجون حسن الجزاء في الحساب لتكذيبهم فالرجاء التوقع لوقوع أمر يخاف ألا يكون، فهؤلاء كان يجب عليهم أن يتوقعوا الحساب على يقين أنه يكون، فلم يفعلوا الواجب في هذا، ولا قاربوه لا عتقادهم أنه لا يكون فاللوم أعظم لهم والتقريع لهم أشد. وقيل:
معنى لا يرجون لا يخافون كما قال الهذلي:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وحالفها في بيت نوب عوامل (1)
وقوله (وكذبوا بآياتنا كذابا) معناه جحدوا بآيات الله وحججه، ولم يصدقوا بها. وإنما جاء المصدر على فعال للمبالغة مع اجرائه على نظيره الذي يطرد قبل آخره الف نحو الانطلاق والاقتدار والاستخراج والقتال والكرام، والمصدر الجاري على فعل التفعيل نحو التكذيب والتحسين والتقديم، وقد خرج التفعيل عن النظير لما تضمن من معنى التكثير، كما خرج التفاعل والمفاعلة للزيادة على أقل الفعل، فانه من اثنين. ومثل كداب، حملته حمالا وحرقته حراقا.
وقوله (وكل شئ احصيناه كتابا) معناه وأحصينا كل شئ أحصيناه في كتاب، فلما حدف حرف الجر نصبه، وقيل: إنما نصبه لان في احصيناه معنى كتبناه، فكأنه قال كتبناه كتابا، ومثل كذبته كذابا قصيته قصاء قال الشاعر:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 2 / 210 و 3 / 315 و 7 / 491 و 8 / 187 (*)

===============
(246)
لقد طال ما تبطتني عن صحابتي * وعن جوح قصاؤها من شقائيا (1)
والوجه في إحصاء الاشياء في الكتاب ما فيه من الاعتبار للملائكة بموافقة ما يحدث لما تقدم به الاثبات مع أن تصور ذلك يقتضي الاستكثار من الخير والاجتهاد فيه، كما يقتضي إذا قيل للانسان ما تعمله فانه يكتب لك وعليك.
وقوله (فذوقوا) أي يقال لهؤلاء الكفار ذوقوا ما كنتم فيه من العذاب (فلن نزيدكم إلا عذبا) لان كل عذاب يأتي بعد الوقت الاول فهو زائد عليه.
قوله تعالى:
(إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب أترابا (33) وكأسا دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35)
جزاء من ربك عطاء حسابا (36) رب السموات والارض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) يوم يقوم الروح والملئكة صفا لا يتكلمون إلا من أذنت له الرحمن وقال صوابا (38) ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذا إلى ربه مآبا (39) إنا أنذرناكم عذابا قريبا * يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ياليتني كنت ترابا) (40) أحدى عشرة آية في البصري وعشر آيات عند الباقين قرأ (ولا كذابا) خفيفا الكسائي (رب السموات) بالرفع محارب وابو بكر، و (الرحمن) جرا عن عاصم وابن عامر ويعقوب وسهل.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) القرطبي 19 / 179 والطبرى 30 / 10 (*)

===============
(247)
لما ذكر الله تعالى حال الكفار وما أعده لهم من أنواع العقاب ذكر ما للمؤمنين المتقين لمعاصي الله تعالى، فقال (إن للمتقين) الذين يتقون عقاب الله باجتناب معاصيه وفعل طاعته (مفازا) وهو موضع الفوز بخلوص الملاذ. وأصل الفوز النجاة إلى حال السلامة والسرور، ومنه قيل للمهلكة مفازة على وجه التفاؤل، لانه قيل منجاة وقيل مفازا منجى إلى مبرة. ثم بين ذلك فقال (حدائق واعنابا) فالحدائق جمع حديقة، وهي البستان المحوط، ومنه أحدق به حائطه. والحديقة الجنة المحوطة، ومنه أحدق القوم بفلان إذا أطافوا به، وسميت الحدقة حدقة لما يحيط بها من جفنها والاعناب جمع عنب، وهو ثمر الكرم قبل أن يجف فاذا جف فهو الزبيب، ونظيره الرطب ثمر النخل قبل أن يصير تمرا فاذا صار تمرا زال عنه اسم الرطب.
وقوله (وكواعب أترابا) قال ابن عباس: الكواعب النواهد، والكاعب الجارية قد نهد ثدياها، يقال: كعب ثدي الجارية ونهد إذا ابتدأ بخروج حسن.
والاتراب جمع ترب، وهي التي تنشأ مع لدتها على سن الصبي الذي يلعب بالتراب فكأنه قيل هم على سن واحدة قال قتادة: أترابا يعني في سن واحدة.
وقوله (وكأسا دهاقا) فالكأس الاناء إذا كان فيه شراب. وقيل الكاس أناء الخمر الذي يشرب منه، قال الشاعر:
يلذه بكأسه الدهاق (1)
فان لم يكن فيه الخمر لم يسم كأسا، والدهاق ملاى بشدة الضغط، والدهق شدة الضغط في الكأس ملاى مترعة ليس فيها فرجة ليستوفي حال اللذة. وقال قتادة:
دهاقا مترعة. وقال مجاهد: معناه متتابعة على شاربها مأخوذ من متابعة الشد في الدهن.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) القرطبي 19 / 181 (*)

===============
(248)
وقوله (لا يسمعون فيها لغوا) أي لا يسمعون في الجنة كلاما لا فائدة فيه (ولا كذابا) أي ولا تكذيب بعضهم لبعض. ومن قرأ (كذابا) بالتخفيف أراد مصدر كاذبه مكاذبة، وكذابا قال الشاعر:
فصدقتني وكذبتني * والمرء ينفعه كذابه (1)
وقال الفراء: قال اعرابي في طريق مكة: يارب القصار أحب اليك أم الحلق يريد أقصر شعري أم احلق.
وقوله (جزاء من ربك عطاء حسابا) أي فعلنا بالمؤمنين المتقين ما فعلنا جزاء على تصديقهم بالله ونبيه، فالجزاء إعطاء المستحق بعمل الطاعة أو المعصية.
وقوله (عطاء حسابا) أي بحساب العمل كل إنسان على قدر عمله من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، ثم سائر أخيار المؤمنين، وعند الله المزيد.
وقيل: معناه عطاء كافيا من قولهم: أعطاني ما أحسبني أي كفاني، وحسبك أي اكتف، وحسبي الله أي كفاني الله. وقال الحسن: معناه إنه أعطاهم ذلك محاسبة.
وقوله (رب السموات والارض) من رفع استأنف الكلام وجعله مبتدأ.
وقوله (الرحمن) خبره، ومن جره رده على قوله (من ربك) رب السموات، وجعل (الرحمن) جرا بأنه نعته. ومن رفع الرحمن وجر الاول قطعه عن الاول وتقديره: هو الرحمن. والمعنى إن الذي يفعل بالمؤمنين ما تقدم ذكره هو الله رب السموات والارض ومديرهما، ومدبر ما بينهما، والمصرف لهما على ما يريده (لا يملكون منه خطابا) ومعناه لا يملكون أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه، كما قال (لا يشفعون إلا لمن ارتضى) (2) وفي ذلك أتم التحذير من الاتكال. والخطاب توجيه الكلام إلى مدرك بصيغة مبينة كاشفة عن المراد بخلاف صيغة الغائب عن الادراك

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 8 / 390 و 9 / 425 (2) سورة 21 الانبياء آية 28 (*)

===============
(249)
على طريقة أنت وبك. والاضمار على ثلاثة أضرب: إضمار المتكلم، وإضمار المخاطب وإضمار الغائب.
وقوله (يوم يقوم الروح والملائكة) معناه إذكر يوم يقوم الروح، قال الضحاك والشعبي: الروح هو جبرائيل (عليه السلام) وقال ابن مسعود وابن عباس: هو ملك من أعظم الملائكة خلقا، وهو المروي في أخبارنا. وقال الحسن وقتادة: الروح بنو آدم وقال ابن عباس: أرواح بني آدم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل رد الارواح إلى الاجساد.
وقوله (والملائكة صفا لا يتكلمون) أي مصطفين لا يتكلم احد بشئ (إلا من أذن له الرحمن) أي أذن الله له في الكلام (وقال صوابا) والصواب موافقة الغرض الحكمي كأنه إصابة ذلك الغرض الذي تدعو اليه الحكمة. ونقيضه الخطأ، وهو مخالفة الغرض الحكمي ولما كانت الحكمة قد تدعو إلى أمر بأوكد مما تدعو إلى أمر، كدعائها إلى الفعل الاصلح، والفعل الادون، صح ان صوابا أصوب من صواب.
ثم قال (ذلك اليوم) يعني اليوم الذي وصفه وأخبر عنه هو (الحق) الذى لا شك في كونه وحصوله.
وقوله (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا) فيه دلالة على أن العباد قادرون على اتخاذ المآب وتركه. وإنما قال (فمن شاء اتخذ) لانه قادر عليه ومزاح العلة فيه.
والمآب المرجع، وهو (مفعل) من آب يؤب أوبا. وقال سفيان: معناه مرجعا.
قال عبيد:
وكل ذى غيبة يؤوب * وغائب الموت لا يؤوب (1)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 468 (ج 10 م 32 من التبيان) (*)

===============
(250)
وقوله (إنا انذرناكم عذابا قريبا) معناه الاخبار من الله تعالى أنه خوف عباده وأعلمهم المواضع التي ينبغي أن يحذروها. ثم بين ما يكون بعد ذلك فقال (يوم ينظر المرؤ ما قدمت يداه) ومعناه ينتظر جزاء ما قدمه، فان قدم طاعة انتظر الثواب، وإن قدم معصية انتظر العقاب (ويقول الكافر) في ذلك اليوم (ياليتني كنت ترابا) أى يتمنى أن لو كان ترابا لا يعاد ولا يحاسب ليتخلص من عقاب ذلك اليوم، لانه ليس معه شئ يرجوه من الثواب. وقيل: ان الله يحشر البهائم وينتصف للجماء من القرناء فاذا انصف بينها جعلها ترابا فيتمنى الكافر عند ذلك لو كان مثل أولئك ترابا. وقيل: هو مثل قوله (ياليتني لم أوت كتابيه) (1)
79 - سورة النازعات مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي ست وأربعون آية في الكوفي وخمس وأربعون في البصري والمدنيين.
بسم الله الرحمن الرحيم (والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا (3) فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 69 الحاقة آية 25 (*)

===============
(251)
الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) قلوب يومئذ واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) يقولون ءإنا لمردودون في الحافرة (10) ءإذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) فانما هي زجرة واحدة (13) فاذاهم بالساهرة) (14) أربع عشرة آية.
قرأ أهل الكوفة إلا حفصا (عظاما ناخرة) بألف، الباقون (نخرة) بلا ألف من قرأ (ناخرة) اتبع رؤس الاي نحو (الساهرة، والحافرة) ومن قرأ نخرة - بلا ألف - قال لانه الاكثر في كلام العرب، ولما روي عن علي (عليه السلام) انه قرأ (نخرة) وقال النحويون: هما لغتان مثل ياخل وبخل، وطامع وطمع وقال الفراء النخرة البالية والناخرة المجوفة.
وقوله (والنازعات) قسم من الله تعالى بهذه الاشياء التي عددها. وقال قوم: تقديره ورب النازعات وما ذكر بعدها، لانه لا يجوز اليمين إلا بالله تعالى.
وهو ترك الظاهر. وقد روينا عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) أن لله تعالى أن يقسم بما يشاء من خلقه، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به. وإنما كان كذلك، لانه من باب المصالح التي يجوز أن تختلف به العبادات، وإنما جاز أن يقسم هو تعالى بما شاء من خلقه، للتنبيه على موضع العبرة فيه إذ القسم يدل على عظم شأن المقسم به.
ومعنى (النازعات) الملائكة تنزع الارواح من الابدان، فالنازعات الجاذبات الشئ من أعماق ما هو فيه. وقال الحسن وقتادة: هي النجوم أي تنزع من أفق السماء إلى أفق آخر. وقال عطاء: هي القسى تنزع بالسهم. وقال السدي: هي النفوس تنزع بالخروج من البدن.

===============
(252)
وقوله (غرقا) معناه إغراقا أي ابعادا في النزع.
وقوله (والناشطات نشطا) قيل: هى الخارجات من بلد إلى بلد بعيد الاقطار ينشط كما ينشط الوحش بالخروج من بلد إلى بلد. والهموم تنشط بصاحبها أي تخرج به من حال إلى حال، قال هيبان بن قحافة:
أمست همومي تنشط المناشطا * الشام طورا ثم طورا واسطا (1)
وقال ابن عباس: هي الملائكة أي تنشط بأمر الله إلى حيث كان. وقال قوم: هو ملك الموت ينشط روحه من خلقه، وقال قوم: هي النجوم تنشط من المشرق إلى المغرب. وقال عطاء: هى الوحش تنشط من بلد إلى بلد قال رؤية:
تنشط منها كل معلاه الوهق.
يعني بقر الوحش. قال الفراء: تنشط نفس المؤمن كما ينشط العقال من يد البعير. قال ابن خالويه، واكثر ما سمعته أنشطته بالالف، قالوا: كأنه انشط من عقال. فاذا شددت الحبل في يد البعير قلت: نشطته وإذا حللته قلت أنشطته.
وقوله (والسابحات سبحا) معناه المارات بغوص معظمها في المائع وقد يكون ذلك في الماء وقد يكون فيما جرى مجراه، وذلك كسبح دود الخل، وقد يكون السبح في الهواء تشبيها بالماء. وقال مجاهد: السابحات الملائكة، لانها تسبح في نزولها بأمر الله كما يقال:
الفرس يسبح في جريه إذا أسرع. وقال قتادة: هي النجوم أي تسبح في فلكها.
وقال عطاء: هي السفن. وقال قوم: هو ملك الموت يقبض روح المؤمن وحده سهلا سرحا كالسابح في الماء.
وقوله (فالسابقات سبقا) يعني الكائنات قبل غيرها على معنى صفة من الصفات. وقال مجاهد: هي الملائكة، لانها سبقت إلى طاعة الله. وقال قوم: لانها

ـــــــــــــــــــــــ
(1) القرطبي 19 / 190 ومجاز القرآن 2 / 284 (*)

===============
(253)
تسبق الشياطين إلى الوحي. وقال عطاء: هي الخيل السابقة. وقيل: هي النجوم - ذكره قتادة - أي يسبق بعضها بعضا في السير.
وقوله (فالمدبرات أمرا) قال ابن عباس وقتادة وعطاء بن السائب: هي الملائكة تدبر الاشياء. وقيل: تدبير الملائكة في ما وكلت به من الرياح والامطار ونحو ذلك من الامور. وجواب القسم محذوف، كأنه قال: ليبعثن للجزاء والحساب ثم بين أي وقت يكون الجزاء والثواب والعقاب، فقال (يوم ترجف الراجفة)
فالرجف حركة الشئ من تحت غيره بترديد واضطراب، وهي الزلزلة العظيمة رجف يرجف رجفا ورجفا ورجوفا، وأرجفوا إذا أزعجوا الناس باضطراب الامور، كما ينزعج الذي يرجف ما تحته، ومنه الرجفة وهي الزعزعة الشديدة من تحت ما كان من الحيوان. وقيل: ان الارض مع الجبال تتزعزع.
وقوله (تتبعها الرادفة) ومعناه تتبع الراجفة الرادفة أي تجئ بعدها، وهي الكائنة بعد الاول في موضع الردف من الراكب، ردفهم الامر ردفا فهو رادف، وارتدف الراكب إذا اتخذ رديفا، وقال الحسن وقتادة: هما النفختان: أما الاولى فتميت الاحياء، وأما الثانية فتحي الموتى باذن الله.
وقوله (قلوب يومئذ واجفة) أي كائنة على الانزعاج والاضطراب، وجفت تجف وجفا ووجيفا وأوجف في السير إذا أزعج الركاب فيه. وقال ابن عباس:
معنى (واجفة) أي خائفة.
وقوله (أبصارها خاشعة) أي خاضعة ذليلة من هول ذلك اليوم قال الشاعر:
لما اتى خبر الزبير تهدمت * سور المدينة والجبال الخشع (1)
وقوله (يقولون أإنا لمرددون في الحافرة) حكاية عما قاله الكافرون

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 1 / 312، 204 و 7 / 152، 209 و 8 / 369 (*)

===============
(254)
المنكرون للبعث والنشور، فانهم ينكرون النشر ويتعجبون من ذلك، ويقولون على وجه الانكار أئنا لمردودون في الحافرة. وقيل: حافرة، بمعنى محفورة، مثل (ماه دافق) (1) بمعنى مدفوق. وقال ابن عباس والسدي: الحافرة الحياة الثانية.
وقيل: الحافرة الارض المحفورة. أي نرد في قبور نابعد موتنا احياء؟ ! قال الشاعر:
احافرة على صلع وشيب * معاذ الله من جهل وعار (2)
فالحافرة الكائنة على حفر أول الكرة يقال: رجع في حافرته إذا رجع من حيث جاء، وذلك كرجوع القهقرى، فردوا في الحافرة أى ردوا كما كانوا أول مرة، ويقال: رجع فلان على حافرته أى من حين جاء. وقولهم: النقد عند الحافرة معناه إذا قال بعتك رجعت عليه بالثمن. وقال قوم: معناه النقد عند حافر الدابة.
وقوله (فانما هي زجرة واحدة) أى النفخة الثانية (فاذاهم بالساهرة)
أى على وجه الارض، فالعرب تسمي وجه الارض من الفلاة ساهرة أى ذات سهر لانه يسهر فيها خوفا قال أمية بن أبي الصلت:
وفيها لحم ساهرة وبحر * وما فاهوا به لهم مقيم (3)
وقال آخر:
فانما قصرك ترب الساهره * ثم تعود بعدها في الحافره
من بعد ما كانت عظاما ناخره (4)
وقال الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك: الساهرة وجه الارض. وقال قوم

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 86 الطارق آية 8 (2) تفسير القرطبي 19 / 195 والطبري 30 / 19 (3) القرطبي 19 / 197 (4) اللسان (نخر) (*)

===============
(255)
(بالساهرة) أي من بطن الارض إلى ظهرها. وقالوا أيضا منكرين للبعث (أئذا كنا عظاما نخرة) نرد ونبعث. والعظام جمع عظم، وهي مأخوذة من العظم وذلك لعظم صلابتها وعظمها في نفسها والنخرة البالية بما حدث فيها من التغيير وإختلال البنية، جذع نخر إذا كان بهذه الصفة، وإذا لم تختل بنيته لم يكن نخرا وإن بلي بالوهن والضعف وقيل: ناخرة مجوفة ينخر الرياح فيها بالمرور في جوفها وقيل: ناخرة ونخرة سواء، مثل ناخل ونخل، ونخرة أوضح في المعني، وناخرة اشكل برؤس الاى. وقيل: نخرة بالية مجوفة بالبلى.
ثم حكى ايضا ما قالوه، فانهم (قالوا تلك إذا كرة خاسرة) فالكرة المرة من المر وهي الواحدة من الكر، كر يكر كرة، وهي كالضربة الواحدة من الضرب، والخاسر الذاهب رأس ماله فتلك الكرة كأنه قد ذهب رأس المال منها، فكذلك الخسران. وإنما قالوا (كرة خاسرة) أى لا يجئ منها شئ كالخسران الذى لا يجئ منه فائدة. وكأنهم قالوا: هو كالخسران يذهاب رأس المال، فلا يجئ به تجارة، فكذلك لا يجئ بتلك الكرة حياة. وقيل معنا (تلك إذا كرة خاسرة)
على ما تعدنا من العذاب. وقال الحسن: معناه كاذبة ليست كائنة.
قوله تعالى:
(هل أتيك حديث موسى (15) إذ ناديه ربه بالواد المقدس طوى (16) إذهب إلى فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) فاريه الاية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر

===============
(256)
فنادى (23) فقال أنا ربكم الاعلى (24) فأخذه الله نكال الاخرة والاولى) (25) احدى عشرة آية.
قرأ ابن كثير وابوعمرو ونافع (طوى اذهب) غير منونة. الباقون (طوى إذهب) منونة. وقرأ نافع (تزكى) مشددة الزاي بمعنى تتزكى، فادغم التاء في الزاي. الباقون خفيفة الزاي، فحذفت احدى التاءين. قال ابوعمرو:
يقال: تزكى مشددا إذا أردت تتصدق، ولم يدع موسى فرعون إلى ان يتصدق، وهو كافر. وإنما قال له هل لك ان تصير زاكيا، قال: فالتخفيف هو الاختيار.
ومن نون (طوى) جعله اسم واد، ومن لم ينون جعله اسم الارض، لانه معدول من (طاو). ومن كسر الطاء قال: قدس مرتين، وتبين فيه البركة مرتين، مثل ثنى وعدى.
هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) يقول له (وهل اتاك) يامحمد (حديث موسى) فلفظه لفظ الاستفهام والمراد به التقرير (إذ ناداه ربه) أى حين ناداه الله (بالواد المقدس طوى) فالنداء الدعاء على طريقة يافلان، والندا مد الصوت بندائه، فمعنى (ناداه) قال له ياموسى. ثم أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي و (الوادى المقدس) يعني المطهر و (طوى) قال مجاهد وقتادة: واد، وقيل طوى التقديس. وقرأ الحسن (طوى) بكسر الطاء. وقيل طوي بالبركة والتقديس بندائه مرتين، قال طرفة بن العبد:
أعاذل إن اللوم في غير كنهه * علي طوى من غيك المتردد (1)
أى اللوم المكرر، و (طوى) غير مصروف، لانه اسم البقعة من الوادي

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 7 / 165 (*)

===============
(257)
وهو معرفة، ويجوز أن يكون معدولا من (طاوى) في قول الزجاج.
وقوله (إذهب إلى فرعون إنه طغى) اخبا رمن الله - عزوجل - عن حال فرعون بأنه طغى، ومعناه تجاوز الحد في الاستعلاء، والتمرد والفساد، يقال طغى يطغى طغيانا فهو طاغ، ونظيره البغي، بغى على الناس يبغي بغيا فهو باغ وهم البغاة والطغاة، ونظير الطغيان العدوان، وهو المجاوزة لحد الصغيرة، وكل من طغى فقد عتا واستدى.
ثم ذكر ما أمره أن يقول له بأن قال (فقل هل لك إلى أن نزكى) أي ادعوه إلى الله وطريق الجنة، و (قل) على وجه التلطف في الكلام (هل لك إلى أن تزكى) وتطهر من المعاصي، فالتزكي طلب الطالب أن يصير زاكيا، تزكي يتزكى تزكيا، والزاكي النامي في الخير، والزكاء النماء في الخير، ولو نمى في الشر لم يكن زاكيا (وأهديك إلى ربك فتخشى) معناه وأهديك إلى طريق الحق الذي إذا سلكته وصلت إلى رضى الله وثوابه، فالهداية الدالة على طريق الرشد من الغي.
وقد يكون دلالة على معنى ليس برشد ولاغي كالدلالة على الحركة فقط. وقوله (فتخشى) فالخشية توقع المضرة من غير قطع بها لا محالة، والخشية والخوف والتقية نظائر، يقال: خشي يخشى خشية، فهو خاش، وذاك مخشي. وفى الكلام حذف وتقديره فأتاه فدعاه (فأراه الاية الكبرى) وقوله (فكذب وعصى) حكايه عن فرعون أنه كذب موسى في ما دعاه اليه وجحد نبوته وعصاه في ما أمره به من طاعة الله (ثم أدبر يسعى) أي ولى فرعون الدبر بعد ذلك، فالادبار تولية الدبر، ونقيضة الاقبال وأقبل فلان إذا استقامت له الامور على المثل أي هو كالمقبل إلى الخير، وأدبر فلان إذا اضطربت عليه حاله، ففرعون ولى الدبر ليطلب ما يكسر به حجة (ج 10 م 33 من التبيان)

===============
(258)
موسى (عليه السلام) في الاية الكبرى، وهي المعجزة العظيمة، فما ازداد إلا غواية، لانه لا يقاوم الضلال الحق.
وقوله (ثم ادبر يسعى، فالسعي الاسراع في المشي، وفي إدباره يسعى في هذه الحال دليل على خوفه. وقيل: إنه لما رأى العصا انقلبت حية في عظمها خاف منه، فادبر يسعى.
وقوله (فحشر فنادى) فالحشر الجمع من كل جهة، وقد يكون الجمع بضم جزء إلى جزء، فلا يكون حشرا، فاذا جمع الناس من كل جهة، فذلك الحشر، ولهذا سمى يوم الحشر. والحاشر الذي يجمع الناس من كل جهة إلى الخراج، وإنما طلب السحرة، فلما اجتمعوا ناداهم فقال لهم (أنا ربكم الاعلى) فالاعلى المختص بعلو معنى صفته على غيره مما لا يناله بكيد وينال هو به، ومن هنا خرج بالغلو إلى التعظيم، ولم يكن مثل ذلك في جهة من الجهات، وكأنه قال: أنا الذي أنال بالضرر من شئت ولا ينالني غيري. وكذب - لعنه الله - إنما هذه صفة الذي خلقه وخلق جميع الخلق، ومعنى (نادى) ههنا قال: يامعشر الناس أنا ربكم الاعلى، إذ نادى بهذا القول. وقيل: كلمته الاولى (ما علمت لكم من إله غيرى) (1) وقوله الاخر هذا (أنا ربكم الاعلى) ذكره ابن عباس ومجاهد والشعبي والضحاك.
ثم حكى تعالى ما عامله به من العقاب فقال (فأخذه الله نكال الاخرة والاولى)
فالنكال عقاب بنكل من الاقدام على سببه بشدته، نكل به تنكيلا إذا شوه به في عقابه بما يكون زاجرا لغيره عن مثل حذيه أشد الزجر الذي يزعج النفس. وقال الحسن وقتادة: معناه عذاب الدنيا وعذاب الاخرة. وقال مجاهد: أول عمله وآخره وقال بعضهم: نكاله فعلته الاولى، وهو قوله (ما علمت لكم من إله غيري)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 28 القصص آية 38 (*)

===============
(259)
وفعلته الاخيرة هو قوله (أنا ربكم الاعلى) وقال قوم: معناه نكال الدنيا بالغرق ونكال الاخرة ما صار اليه بعد الموت من العقاب. وقال الحسن (الاية الكبرى)
اليد البيضاء. وقال غيره: قلب العصا حية.
قوله تعالى:
(إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26) ءأنتم أشد خلقا أم السماء بنيها (27) رفع سمكها فسويها (28) وأغطش ليلها وأخرج ضحيها (29) والارض بعد ذلك دحيها (30) أخرج منها ماءها ومرعيها (31) والجبال أرسيها (32) متاعا لكم ولا نعامكم (33)
ثمان آيات.
يقول الله تعالى بعد ما ذكر ما تقدم من قصة موسى وفرعون وما فعله الله بقوم فرعون من الاهلاك والدمار (إن في ذلك لعبرة) يعني فيما قصه واخبر به دلالة يمكن أن يعتبر بها العامل العاقل، فيعرف الحق ويميز بينه وبين الباطل، يقال: اعتبرته اعتبارا وعبرة، ومنه العبارة لانه يعبر بالمعنى فيها إلى نفس المخاطب للافهام، ومنه عبور النهر وتعبير الرؤيا باخراج ما فيها بعبورها المعنى إلى النفس السائلة عنها.
وقوله (لمن يخشى) إنما خص من يخشى بالعبرة، لانه الذي يعتبر بها وينتفع بالنظر فيها دون الكافر الذي لا يخشى عذاب الله، كما قال (هدى للمتقين) (1).

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 2 (*)

===============
(260)
ثم خاطب الكفار الجاحدين بالله تعالى على وجه التبكيت لهم والتوبيخ (أأنتم اشد خلقا) ومعناه أانتم اشد أمرا بصغر حالكم (أم السماء) في عظم جرمها وشأنها في وقوفها وسائر نجومها وافلاكها. قال بعض النحويين (بناها) من صلة السماء.
والمعنى أم التي بناها. وقال آخرون (السماء) ليس مما يوصل، ولكن المعنى أأنتم اشد خلقا أم السماء اشد خلقا. ثم بين كيف خلقها فقال (بناها) والله تعالى لا يكبر عليه خلق شئ اشد من خلق غيره، وإنما أراد انتم أشد خلقا عندكم وفى ظنكم مع صغركم أم السماء مع عظمها وشدة إحكامها؟ وبين انه تعالى بنى السماء و (رفع سمكها) يعني ارتفاعها، فالسمك مقابل للعمق، وهو ذهاب الجسم بالتأليف في جهة العلو، وبالعكس منه العمق. والطول ذهاب الجسم في جهة الطول. والعرض ذهابه في جهة العرض، وهو بالاضافة إلى ما يضاف اليه.
وقوله (فسواها) فالتسوية جعل أحد الشيئين على مقدار الاخر على نفسه او في حكمه، وكل ما جعل في حقه على ترتيبه مع غيره فقد سوي، فلما كان كل شئ من السماء مجعولا في صفة على ترتيبه مع غيره كانت قد سويت على هذا الوجه.
وقوله (واغطش ليلها) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد:
معناه اظلم ليلها. وقال ابوعبيدة: كل أغطش لا يبصر. وقال: ليلها اضاف الظلام إلى السماء لان فيها ينشأ الظلام والضياء بغروف الشمس وطلوعها على ما دبرها الله.
وقوله (واخرج ضحاها) قال مجاهد والضحاك أخرج نورها.
وقوله (والارض بعد ذلك دحاها) قال مجاهد والسدي: معناه دحاها مع ذلك، كما قال (عتل بعد ذلك) أي مع ذلك. وقال ابن عباس: ان الله دحا الارض بعد السماء، وإن كانت الارض خلقت قبل السماء، ومعنا دحاها بسطحها دحا يدحو دحوا ودحيت ادحي دحيا لغتان، قال أمية بن أبي الصلت:

===============
(261)
دار دحاها ثم أعمر بابها * واقام بالاخرى التي هي أمجد (1)
وقال اوس بن حجر:
ينفي الحصا عن جديد الارض مبترك * كأنه فاحص أو لاعب داح (2)
وقوله (اخرج منها) يعني من الارض (ماءها) يعني المياه التي تخرج من الارض وفيها منافع جميع الحيوان، وبه قوام حياتهم كما قال (وجعلنا من الماء كل شئ حي) (3) (ومرعاها) أي واخرج المرعى من الارض، وهو النبات الذي يصلح أن ترعاه الماشية، فهي ترعاه بأن تأكله في موضعه، رعت ترعى رعيا ومرعى، وسمي النبات الذي يصلح أن يرعى به.
وقوله (والجبال أرساها) أي واثبت الجبال في الارض. والارساء الاثبات بالثقل. فالسفينة ترسو أي تثبت بثقلها فلا تزول عن مكانها، وربما ارست بالبحر بما يطرح لها. فأما الجبال فانها أوتاد الارض، وأرسيت بثقلها، وفى جعلها على الصفة التي هي عليها اعظم العبرة.
وقوله (متاعا لكم ولا نعامكم) أي خلقنا ما ذكرناه من الارض وما يخرج منها من المياه والمراعي نفعا ومتعة تنتفعون بها معاشر الناس وينتفع بها أنعامكم: الابل والبقر والغنم، ففي الاشياء التي عددها اعظم دلالة واوضح حجة على توحيد الله، لان الارض مع ثقلها الذي من شأنه ان يذهب سفلا هي واقفة بامساك الله تعالى، وهي على الماء. ومن شأن الماء أن يجري في المنحدر، وهي وافقة بامساك الله تعالى فقد خرجت عن طبع الثقيل، وذلك لا يقدر عليه غير القادر لنفسه الذي يخترع

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري 30 / 26 (2) ديوانه 16 ومقاييس اللغة 1 / 230 (3) سورة 21 الانبياء آية 30 (*)

===============
(262)
الاشياء إختراعا، دون القادر بقدرة الذى لا يقدر أن يفعل في غيره إلا على وجه التولية بأن يعتمد عليه، فدل ذلك على ان الفاعل لهذه الاشياء لا يشبه الاشياء ولا تشبهه. وفى اخراج الماء من الارض عبر لا تحصى كثرة بما فيه من المنفعة، وما له من المادة على موضع الحاجة، وسد الخلة مع ما فيه من المنفعة والتوفيق في السير إلى المكان البعيد بالسهولة، كل ذلك من الله تعالى به على خلقه وأنعم به عليهم.
وقوله (متاعا) نصب على المفعول له، وتقديره اخرج منها ماءها ومرعاها للامتاع لكم لان معنى أخرج منها ماءها ومرعاها امتع بذلك.
قوله تعالى:
(فاذا جاءت الطامة الكبرى (34) يوم يتذكر الانسان ما سعى (35) وبرزت الجحيم لمن يرى (36) فأما من طغى (37) وآثر الحيوة الدنيا (38) فان الجحيم هي المأوى (40) وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فان الجنة هي المأوى 41)
يسئلونك عن الساعة أيان مرسيها (42) فيم أنت من ذكريها (43)
إلى ربك منتهيها (44) إنما أنت منذر من يخشيها (45) كانهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحيها) (46) ثلاث عشرة آية.
قرأ ابوجعفر وعياش عن أبي عمرو (إنما أنت منذر من يخشاها) بالتنوين.
الباقون على الاضافة. والمعنى واحد. فمن نون جعل (من) في موضع النصب.

===============
(263)
وإنما اختار ذلك، لانه جعله (منذرا) في الحال. ومن اضافه استخف ذلك كما استخف في قوله (عارضا مستقبل اوديتهم) (1) والتنوين مقدر، لان المعنى إنه منذر في الحال، وفيما بعد. ومن اضاف جعلها في موضع جر. والمنذر النبي (صلى الله عليه وآله) قال الله تعالى (انما انت منذر ولكل قوم هاد) (2) قال قوم: المنذر النبي (صلى الله عليه وآله) والهادي علي (عليه السلام). وقيل (لكل قوم هاد) داع يدعوهم إلى الخلق.
يقول الله تعالى مهددا للمكلفين من خلقه (فاذا جاءت الطامة الكبرى)
قال ابن عباس: الطامة القيامة. وقال الحسن: الطامة هي النفخة الثانية. وقيل: هي الصيحة التي تطم على كل شئ، وهى الصيحة التي يقع معها البعث والحساب والعقاب والثواب وقيل هى الطامة الغامرة الهائلة، وفى المثل: ما من طامة إلا وفوقها طامة قال الفراء: يقال: تطم على كل شئ يطم. وقال قوم: الطامة الغامرة، لما يتدفق بغلظها وكثرتها. وقيل: هي الغاشية المجللة التي تدفق الشئ بالغلظ، ثم بين متى مجيئها فقال (يوم يتذكر الانسان ما سعى) ومعناه تجيئ الطامة في يوم يتذكر الانسان ما عمله في دار التكليف من خير او شر وسعى فيه، ويعلم ما يستحقه من ثواب وعقاب (وبرزت الجحيم لمن يرى) أي لمن يراها ويبصرها شاهدا، فالتبريز اظهار الشئ بمثل التكشيف الذي يقضي اليه بالاحساس، ويقال: فلان مبرز في الفضل إذا ظهر به اتم الظهور، وبارز قرنه أي ظهر اليه من بين الجماعة.
ثم قسم احوال الخلق في ذلك اليوم من العصاة والمطيعين، فقال (فأما من طغى) بأن تجاوز الحد الذي حده الله، وارتكب المعاصي والطغيان والعصيان بمجاوزة الحد فيه إلى الافراط فيه، فكل كافر طاغ بافراطه في ظلم نفسه، وظلم النفس كظلم غيرها في التعاظم، وقوله (وآثر الحياة الدنيا) معناه اختار منافع الحياة الدنيا

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 46 الاحقاف آية 24 (3) سورة 13 الرعد آية 8 (*)

===============
(264)
بارتكاب المعاصي وترك ما وجب عليه، فالايثار إرادة الشئ على طريقة التفضيل له على غيره، ومثله الاختيار، لانه يختاره على انه خير من غيره، فمن آثر الادنى على الاولى فهو منقوص بالحاجة، كما ان من آثر القبيح على الحسن كان منقوصا.
وقيل: المعنى من آثر نعيم الحياة الدنيا على نعيم الاخرة والحياة حياتان: حياة الدنيا وهى المنقطعة الفانية، وحياة الاخرة، وهي الدائمة، فمن آثر الباقي الدائم على الفاني المنقطع كان حسن الاختيار، ومن آثر الفاني على الباقي كان سيئ الاختيار مقبحا.
ثم بين تعالى ما له في الاخرة فقال (فان الجحيم هي المأوى) اي النار مثواه ومستقره وموضع مقامه.
ثم ذكر من هو بضد ذلك فقال (وأما من خاف مقام ربه) ومعناه من خاف مقام مسألة ربه عما يجب فعله أو تركه وعمل بموجب ذلك بأن فعل الطاعة وأمتنع من المعصية (ونهى نفسه عن الهوى) وما تدعو اليه شهواته، فالهوى اريحية في النفس تدعو إلى ما لا يجوز في العقل، فاتباع الهوى مذموم، وليس يجوز أن يعمل شيئا لداعي الهوى وإن عمل لداعي العقل على موافقة الهوى لم يضره. وقيل:
هم قوم صغرت الدنيا في عينهم حين رأوا الاخرة - ذكره قتادة - وقيل: الزهد في الدنيا، والرغبة في الاخرة هو التمسك بطاعة الله وأجتناب معصيته.
ثم بين تعالى ما له في مقابلة ذلك من الثواب فقال (فان الجنة هي المأوى)
أي هي مقره ومأواه، فالالف واللام تعاقب الضمير كقولهم مررت بحسن الوجه أي حسن وجهه. وقال الزجاج: تقديره هي المأوى له ولا يكون بدلا من الهاء كما لا يكون بدلا من الكاف في قولك غض الطرف، وقال: وقال الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير * فلا سعدا بلغت ولا كلابا (1)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 9 / 341 (*)

===============
(265)
ويروى (فلا كعبا) والجنة البستان الذي يجنه الشجر فجنة الخلد بهذه الصفة على ما فيها من القصور والابنية الحسنة التي قد جمعت كل تحفة وطرفة مما تشتهي الانفس وتلذ الاعين، من غير أذى ملحق بحال في عاجل ولا آجل. وروي أن قصورها مبنية بفاخر الجوهر من الياقوت والزبرجد، ومنه ما هو بلبنة من فضة ولبنة من ذهب، فتعظيم الله لها وتشويقه اليها يدل على أنها على اجل حال تشتهي فيها مع أنه لا يتعاظم في مقدور الله - عزوجل -.
ثم خاطب النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال (يسألونك عن الساعة أيان مرساها) أى متى يكون قيامها على ما وصفها ف (أيان) بمعنى (متى) الا أن (متى) أكثر استعمالا في السؤال عن الزمان ونظيرها (أين) في السؤال عن المكان. ولذلك فسرت (أيان) ب (متى) والارساء الثبوت من قولهم: رست السفينة ترسو رسوا فهي راسية إذا ثبتت ومنه. قوله (أرساها) ويجوز أن يكون المراد بالمرسى المصدر.
ويجوز أن يكون وقت الارساء والمعنى متى ثبت أمرها بقيامها.
وقوله (فيم أنت من ذكراها) أى انه ليس عندك علم متى تكون، وإنما عندك علم أنها تكون - ذكره الحسن - وقال غيره: هي حكاية قولهم، أى قد اكثرت من ذكرها، فمتى تكون؟. وقوله (إلى ربك منتهاها) أى قل لهم إلى الله تعالى إجراؤها، فالمنتهى موضع بلوغ الشئ، وكأنه قيل: إلى ربك منتهى أمرها باقامتها لان منتهى أمرها بذكرها ووصفها والاقرار بها إلى الرسول باقامتها، ومنتهى أمرها اقامتها إلى الله تعالى لا يقدر عليه إلا الله تعالى. وقيل: المعنى إلى ربك منتهى علمها أى لا يعلم إلا هو متى وقت قيامها - ذكره الحسن - وقوله (إنما انت منذر من يخشاها) خطاب من الله للنبي (صلى الله عليه وآله) بأنه إنما (ج 10 م 34 من التبيان)

===============
(266)
يخوف من يخاف ذلك اليوم وهو يوم القيامة، وإنما خص الانذار بمن يخشى، لانه لما كان المنتفع بالانذار من يخشى فكأنه خص بالانذار. والكافر لما لم ينتفع بذلك فكأنه لم ينذر أصلا.
ثم بين تعالى سرعة مجيئها وقرب حضورها فقال (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أوضحاها) وقال قتادة: معناه إنهم إذا رأوا الاخرة صغرت الدنيا في أعينهم حتى كأنهم لم يقيموا بها إلا مقدار عشية أو مقدار ضحاها يعني ضحى العشية. وأضيف الضحى إلى العشية، وضحوة الضحى اليوم الذي يكون فيه، فاذا قلت أتيتك صباحا ومساء، فالمعنى أتيتك العشية أو غداتها، قال الفراء: وانشدني بعض بني عقيل:
نحن صبحنا عامرا في دارها * عشية الهلال أو سرارها.
قبل اصفرار الشمس واحمرارها (1)
أراد عشية الهلال أو عشية سرار العشية فهذا أشد من ذلك،

ـــــــــــــــــــــــ
(1) القرطبي 19 / 208 والطبري 30 / 28 (*)

===============
(267)
80 - سورة عبس مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي أثنتان واربعون آية في الكوفي والمدنيين واحدى وأربعون في البصري.
بسم الله الرحمن الرحيم (عبس وتولى (1) أن جاءه الاعمى (2) وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) أما من استغنى (5)
فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى) (10) عشر آيات.
قرأ عاصم وحده (فتنفعه الذكرى) بالنصب على أنه جواب (لعل) فجرى مجرى جواب الامر والنهي، لان (لعل) للترجمي فهي غير واجبة، كما أن الامر غير واجب في حصول ما تضمنه. الباقون بالرفع عطفا على (يذكر). وقرأ نافع وابن كثير (تصدى) مشددة الصاد على أن معناه تتصدى فأدغم، أحدى التائين في الصاد لقرب مخرجهما. الباقون (تصدى) بتخفيف الصاد باسقاط أحدى التائين.
وقرأ ابن ابي بزة وابن فليح عن ابن كثير (تلهى) بتشديد اللام بمعنى تتلهي، فأدغم احدى التائين في اللام. الباقون بتخفيف اللام وحذف احدى التائين

===============
(268)
يقول الله تعالى (عبس وتولى) ومعناه قبض وجهه وأعرض، فالعبوس تقبض الوجه عن تكره، والعبوس البسور وهو التقطيب وعبس فلان في وجه فلان مثل كلح، ومنه اشتق اسم عباس، ومعنى (تولى) أعرض وذهب بوجهه عنه فصرفه عن ان يليه يقال: تولى عنه بمعنى أعرض عنه، وتولاه بخلاف تولى عنه، فان تولاه بمعنى عقد على نصرته، وتولى عنه أعرض.
وقوله (أن جاءه الاعمى) معناه عبس لان جاءه الاعمى، وقال ابن خالويه:
تقديره إذ جاءه الاعمى المراد به عبدالله بن أم مكتوم - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد - وقال الفراء: كانت أم مكتوم أم ابيه.
وقال غيره: كانت أمه. وقال ابن خالويه ابوه يكنى أبا السرج. واختلفوا فيمن وصفه الله تعالى بذلك، فقال كثير من المفسرين وأهل الحشو: إن المراد به النبي (صلى الله عليه وآله) قالوا وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان معه جماعة من أشراف قومه ورؤسائهم قد خلابهم فاقبل ابن أم مكتوم ليسلم فأعرض النبي (صلى الله عليه وآله) عنه كراهية أن تكره القوم إقباله عليه فعاتبه الله على ذلك. وقيل: إن ابن أم مكتوم كان مسلما، وإنما كان يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله) وهو لا يعلم أن رسول الله مشغول بكلام قوم، فيقول يا رسول الله.
وهذا فاسد، لان النبي (صلى الله عليه وآله) قد أجل الله قدره عن هذه الصفات، وكيف يصفه بالعبوس والتقطيب، وقد وصفه بأنه (على خلق عظيم) (1) وقال (ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك) (2) وكيف يعرض عمن تقدم وصفه مع قوله تعالى (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (3) ومن عرف النبي (صلى الله عليه وآله) وحسن أخلاقه وما خصه الله تعالى به من مكارم الاخلاق وحسن

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 68 القلم آية 4 (2) سورة 3 آل عمران آية 159 (3) سورة 6 الانعام آية 52 (*)

===============
(269)
الصحبة حتى قيل إنه لم يكن يصافح احدا قط فينزع يده من يده، حتى يكون ذلك الذي ينزع يده من يده. فمن هذه صفته كيف يقطب في وجه أعمى جاء يطلب الاسلام، على أن الانبياء (عليهم السلام) منزهون عن مثل هذه الاخلاق وعما هو دونها لما في ذلك من التنفير عن قبول قولهم والاصغاء إل دعائهم، ولا يجوز مثل هذا على الانبياء من عرف مقدارهم وتبين نعتهم.
وقال قوم: إن هذه الايات نزلت في رجل من بني أمية كان واقفا مع النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما اقبل ابن أم مكتوم تنفر منه، وجمع نفسه وعبس في وجهه وأعرض بوجهه عنه فحكى الله تعالى ذلك وانكره معاتبة على ذلك.
وقوله (وما يدريك) خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) وتقديره (قل) يا محمد (وما يدريك لعله يزكى) وإنما اضاف العبوس إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من أضاف (وما يدريك)
أنه رآه متوجها اليه ظن انه عتب له دون أن يكون متوجها اليه على أن يقول لمن فعل ذلك ويوبخه عليه. ومعنى قوله (يزكى) أي يتزكي بالعمل الصالح، فأدغم التاء في الزاي، كما أدغمت في الذال في قوله (يذكر) ومعناه يتذكر، ولا يجوز وإدغام الزاي في التاء، لانها من حروف الصفير، وهي الصاد والسين والزاي.
وقوله (او يذكر) معناه أو يتذكر ما أمره الله تعالى به، ويفكر فيما أمره بالفكر فيه. وقد حث الله تعالى على التذكير في غير موضع من القرآن فقال) وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين) (1) وقال (إنما يتذكر أولو الالباب) (2) وينبغي للانسان أن يستكثر من ذكر ما يدعو إلى الحق ويصرف عن الباطل.
ثم بين انه متى يذكر (فتنفعه الذكرى) أي الفكر فيما أمره الله به من

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 51 الذاريات آية 55 (2) سورة 23 الرعد آية 21 وسورة الزمر آية 9 (*)



(270)
القرآن وغيره من الادلة.
وقوله (أما من استغنى) معناه أما من كان غنيا أو وجدته موسرا، فالاستغناء الاكتفاء بالامر فيما ينفي الضرر وقد يكتفى الاناء في ملئه بما فيه، فلا يستغني استغناء في الحقيقة. وقوله (فانت له تصدي) فالتصدى هو التعرض للشئ كتعرض العطشان للماء. وأصله الصدى، وهو العطش. ورجل صديان أي عطشان والصدى الصوت الذي يرده الجبل أو الحمام ونحوهما، قال مجاهد: المراد ب (من استغنى) عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة. وقال سفيان: نزلت في العباس، فقال الله تعالى (وما عليك ألا يتزكى) أي قل له وما عليك ألا يتزكى، فالتزكي هو التطهر من الذنوب، واصله الزكاء وهو النماء، فلما كان الخير ينمي للانسان بالتطهر من الذنوب كان تزكيا.
ثم قال (وأما من جاءك يسعى وهو يخشى) يعني عبدالله بن أم مكتوم جاء إلى النبي صلى الله عليه اله، وهو يخشى معصية الله والكفر، والخشية هي الحذر من مواقعة المعصية خوفا من عقاب الله تعالى (فانت عنه تلهى) أي تعرض عنه فالتلهي عن الشئ هو التروح بالاعراض عنه والتلهي به التروح والاقبال عليه ومنه قولهم إذا استأثر الله بشئ فاله عنه أي اتركه وأعرض عنه.
قوله تعالى:
(كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة (13) مرفوعة مطهرة (14) بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16) قتل الانسان ما أكفره (17) من أي شئ خلقه (18)
من نطفة خلقه فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم أماته

===============
(271)
فأقبره (21) ثم إذا شاء أنشره (22) كلا لما يقض ماأمره)
(23) ثلا ث عشرة آية.
يقول الله تعالى (كلا) أي ليس الامر ينبغي أن يكون على هذا، وقوله (إنها تذكرة) أي كلا إن السورة تذكرة (فمن شاء ذكره) أي التنزيل أو الوعظ.
وقال قوم: الهاء عماد، والمبتدأ محذوف وتقديره إنها هي تذكرة. والتذكرة حضور الموعظة ففيها أعظم الفائدة وفي الغفلة اكبر الافة.
والفرق بين التذكرة والمعرفة أن التذكرة ضد الغفلة والمعرفة تضاد الجهل والسهو، فكلاهما يتعاقبان على حال الذكر دون السهو، كتعاقب العلم وأضداده على حال الذكر دون السهو، والذكر معظم، لانه طريق إلى العلم بالحق من الباطل والصحيح من الفاسد. وقيل: إن قوله (كلا) دال على أنه ليس له ان يفعل ذلك في ما يستأنف. فاما الماضي فلم يدل على انه معصية، لانه لم يتقدم النهي عنه.
وقوله (فمن شاء ذكره) دليل على بطلان مذهب المجبرة في أن القدرة مع الفعل، وأن المؤمن لا قدرة له على الكفر، وأن الكافر لا يقدر على الايمان، لانه تعالى:
بين أن من شاء ان يذكره ذكره لانه قادر عليه.
وقوله (في صحف مكرمة) أي ما ذكرناه تذكرة في صحف مكرمة أي معظمة مبجلة، ووصفت الصحف بأنها مكرمة تعظيما لما تضمنته على الحكمة. وقوله (مرفوعة مطهرة) أي مصونة عن ان تنالها أيدي الكفار الانجاس. وقال الحسن:
مطهرة من كل دنس. وقوله (مرفوعة مطهرة) أي رفعها الله عن دنس الانجاس ونزهها عن ذلك. وقوله (بأيدي سفرة) قيل السفرة ملائكة موكلون بالاسفار من كتب الله. والسفرة الكتبة لاسفار الحكمة، واحدهم سافر، كقولك كاتب

===============
(272)
وكتبة، وواحد الاسفار سفر. وأصله الكشف من الامر، سفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها، فالكاتب يسفر بالكتاب عما في النفس. وقال ابن عباس: السفرة الكتبة، وفي رواية أخرى عنه إنها الملائكة. وقال قتادة: هم القراء: وقيل: هم الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله ورسوله، وسفير القوم الذي يسفر بينهم في الصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم، قال الشاعر:
ولم أدع السفارة بين قومي * وما أمشي بغش إن مشيت (1)
واسفر الصبح إذا أضاء. وقوله (كرام بررة) من صفة السفرة، وصفهم الله بأنهم كرام، وهو جمع كريم، وهو الذي من شأنه أن يأتي بالخير من جهته مهنا من غير شائب يكدره. وهي صفة مدح ومنه أخذت الكرمة لشرف ثمرتها، والكرم يتعاظم فالنبي أكرم ممن ليس بنبي، والمؤمن اكرم ممن ليس بمؤمن. و (البررة)
جمع بار، تقول بر فلان فلانا يبره فهو بار إذا أحسن اليه ونفعه. والبر فعل النفع اجتلابا للمودة. والبار فاعل البر، وجمعه بررة مثل كاتب وكتبة. وأصله اتساع النفع منه ومنه البر سمي به تفاؤلا باتساع النفع به، ومنه البر لاتساع النفع به.
ورجل بر، وامرأة برة والجمع بررة ولا يجمع الا على هذا استغنا به.
وقوله (قتل الانسان ما اكفره) معناه لعن الانسان، قال مجاهد: وهو الكافر. وقيل: معناه إنه حل محل من يدعى عليه بالقتل في ما له بقبح الفعل، فيخرجه مخرج الدعاء عليه ولا يقال: إن الله دعا عليه بالقتل لقبح اللفظ بذلك لما يوهم من تمني المدعو به. ومعنى (ما اكفره) أي شئ اكفره؟ ! على وجه التقريع له والتوبيخ. وقيل معناه النفي، وتقديره ما أجحده لنعم الله مع ظهورها (من أى

ـــــــــــــــــــــــ
(1) الطبرى 30 / 30 والقرطبي 19 / 214 (*)

===============
(273)
شئ خلقه) تعجيبا له، لانه يعلم أن الله خلقه من نطفة، ثم بين تعالى مماذا خلقه فقال (من نطفة خلقه فقدره) فالتقدير جعل الشئ على مقدار غيره، فلما كان الانسان قد جعل على مقدار ما تقتضيه الحكمة في أمره من غير زيادة ولا نقصان كان قد قدر أحسن التقدير، ودبر أحسن التدبير (ثم السبيل يسره) أي سهل له سبيل الخير في دينه ودنياه بأن بينه له وأرشده اليه ورغبه فيه، فهو يكفر هذا كله ويجحده ويضيع حق الله عليه في ذلك من الشكر وإخلاص العبادة. وقال ابن عباس وقتادة والسدي: يسر خروجه من بطن أمه. وقال مجاهد: سهل له طريق الخير والشر، كقوله (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) (1). وقال الحسن: سبيل الخير، وقال ابن زيد: سبيل الثواب، وقال الحسن (يسره) معناه بصره طريق الهدى والضلال. وقيل يسر خروجه من بطن أمه، فانه كان رأسه إلى رأس أمه ورجلاه إلى رجليها، فقلبه الله عند الولادة ليسهل خروجه منها. وقالوا: يسرى ويسراة جمعوه على (فعلة) وأجروه مجرى (فاعل) من الصحيح.
وقوله (ثم اماته فاقبره) فالاماتة أحداث الموت. وفي الناس من قال:
الاماتة عرض يضاد الحياة مضادة المعاقبة على الحال الواحدة، وهي حال تعديل البنية الحيوانية، وذلك أن ما لا يصح أن تحله حياة لا يصح أن يحله موت. وقال قوم: الموت عبارة عن نقض البنية الحيوانية أو فعل ما ينافي ما تحتاج اليه الحياة من الرطوبات والمعاني. وقوله (فاقبره) الاقبار جعل القبر لدفن الميت فيه، يقال:
أقبره إقبارا، والقبر الحفر المهيأ للمدفن فيه، ويقال: أقبرني فلانا أي جعلني اقبره فالمقبر هو الله تعالى يأمر عباده أن يقبروا الناس إذا ماتوا، والقابر الدافن للميت

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 76 الانسان آية 3 (ج 10 م 35 من التبيان) (*)

===============
(274)
بيده قال الاعشى:
لو اسندت ميتا إلى نحرها * عاش ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر (1)
وقوله (ثم إذا شاء انشره) فالانشار الاحياء للتصرف بعد الموت كنشر الثوب بعد الطي انشر الله الموتى فنشروا كقولهم احياهم فحيوا، والمشيئة هي الارادة والمعنى إذا شاء الله تعالى أن يحيي الميت احياه - وهو قول الحسن - للجزاء بالثواب والعقاب.
وقوله (كلا لما يقض ما أمره) معناه كلا لما لم يقض ما عليه مما أمره الله به، لانه قد أمره بأشياء واجبة فلم يفعلها: من إخلاص عبادته وشكره بحسب مقتضى نعمه. وقال مجاهد: لا يقضي أحد أبدا كل ما افترض الله عليه.
قوله تعالى:
(فلينظر الانسان إلى طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا 25)
ثم شققنا الارض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ولانعامكم) (32) تسع آيات.
قرأ اهل الكوفة (أنا صببنا) بفتح الالف على البدل من) طعامه) أو على انه خبر مبتدإ محذوف. الباقون بالكسر على الاستئناف.
يقول الله تعالى لخلقه منبها لهم على قدرته على احياء الخلق بعد موتهم ونشرهم

ـــــــــــــــــــــــ
(1) قد مر في 4 / 460 و 7 / 496 وهو في ديوانه 93 (*)

===============
(275)
ومجازاتهم بأن أمره ان ينظر إلى طعامه الذي يأكله ويتقوته، ويفكر كيف يخلقه الله ويوصله اليه ويمكنه من الانتفاع به. وبين كيفية ذلك فقال (إنا صببنا الماء صبا) أي انزلنا الغيث إنزالا (ثم شققنا الارض شقا) فالشق قطع الشئ طولا ومثله الصدع والفرج والفطر، ومن ذلك شق الارض وشق الخشبة وشق الشعرة فأما قطع الليطة، وقطع الشجر، فعلى خلاف ذلك، فبين تعالى أنه يشق الارض ويخرج منها ما أنبته من أنواع النبات. ومن فتح (أنا) على البدل، فعلى انه بدل اشتمال، ويكون موضعه جرا فتقديره فلينظر إلى أنا صببنا. وقال آخرون: موضعه نصب، لان الاصل ب (أنا) و (لانا) فلما أسقط الخافض نصب على المعنى، فتقديره فلينظر الانسان إلى حدوث طعامه او نبات طعامه، لانه موضع الاعتبار.
وقال المبرد: تقديره فلينظر الانسان إلى طعامه، لانا صببنا فأخرجنا أي لهذه العلة كان طعامه، لان قوله (إنا صببنا) ليس من الطعام في شئ، وقال ابوعلي:
وهو بدل الاشتمال، لان ما ذكره يشتمل على الطعام فهو بمنزلة قوله (قتل اصحاب الاخدود النار) (1).
وقوله (فانبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا...) فالانبات إخراج النامي حالا بعد حال، يقال أنبته الله انباتا فنبت نباتا، ففاعل النبات والانبات واحد إلا أن الانبات يؤخذ منه صفة المنبت، والنبات يؤخذ منه النابت. وليس النبات فاعلا لكنه الصائر على تلك الصفة بتصيير غيره، غير انه لما أسند الفعل اليه اشتق له منه اسم الفاعل. والحب جمع الحبة مثل الشعير والحنطة والسمسم والدخن والارز وغير ذلك، وكذلك يسمى حب اللؤلؤ تشبيها بذلك في تدويره. والقضب الرطبة - في قول الضحاك، والفراء - وأهل مكة يسمون القث قضبا. وأصله فيما يقطع رطبا من

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 85 البروج آية 4 - 5 (*)

===============
(276)
قولهم: قضبته وأقضبته قضبا إذا قطعته رطبا، ومنه القضيب والمقتضب. والزيتون معروف. وإنما ذكره الله تعالى لعظم النفع به والدهن الذي يكون منه (ونخلا)
أي وانبتنا من الارض نخلا وهو شجر الرطب والتمر (وحدائق غلبا) فالحديقة البستان المحوط وجمعه حدائق، ومنه أحدق به القوم إذا أحاطوا به، ومنه الحدقة لمااحاط بها من جفنها. والغلب جمع أغلب وغلبا، وهي الغلاظ بعظم الاشجار، وشجرة غلباء إذا كانت غليظة قال الفرزدق:
عوى فاثار اغلب ضيغميا * فويل ابن المراغة ما استثارا (1)
وقوله (وفاكهة وأبا) يعني ثمر الاشجار التي فيها النفع والالذاذ، يقال تفكه بكذا إذا استعمله للاستمتاع به والفاكهة تكون رطبة ويابسة. والاب المرعى من الحشيش وسائر النبات الذي ترعاه الانعام والدواب، ويقال أبا إلي سيفه فاستله كقولك هب اليه وبدر اليه، فيكون كبدور المرعى بالخروج قال الشاعر:
جدنا قيس ونجد دارنا * ولنا الاب بها والمكرع (2)
وقوله (متاعا لكم ولانعامكم) فالمتاع كل شئ فيه الذاذ الامساس من مأكل او منظر أومشمم أو ملمس، وأصله المصدر من قولهم: امتعته امتاعا ومتاعا ومتع النهار إذا ارتفع، لان ارتفاعه يستمتع به. فبين تعالى انه خلق ما خلق وانبت ما انبت من الارض لامتاع الخلق به من المكلفين وأنعامهم التي ينتفعون بها.
والانعام الماشية بنعمة المشي من الابل والبقر والغنم بخلاف الحافر بشدة وطئه بحافره من الخيل والبغال والحمير.
قوله تعالى:
(فاذا جاءت الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه 2 / 443 (2) القرطبي 19 / 220 (*)

===============
(277)
وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل أمرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39)
ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها قترة (41) أولئك هم الكفرة الفجرة) (42) عشر آيات.
قوله (فاذا جاءت الصاخة) قال ابن عباس: هي القيامة. وقيل: هي النفخة الثانية التي يحيا عندها الناس. وقال الحسن: الصاخة هي التي يصيخ لها الخلق، وهي النفخة الثانية. والصاخة هي الصاكة بشدة صوتها الاذان فتصمها، صخ يصخ صيخا، فهو صاخ. وقد قلبها المضاعف باكراهه التضعيف، فقال: أصاخ يصيخ اصاخة قال الشاعر:
يصيخ للنبأة أسماعه * إصاخة الناشد للمنشد (1)
ومثله تظنيت، والاصل تظننت. ثم بين شدة أهوال ذلك اليوم فقال (يوم يفر المرء من أخيه و) من (أمه وابيه و) من (صاحبته) التي هي زوجته في الدنيا (وبنيه) يعني أولاده الذكور نفر من هؤلاء حذرا، من مظلمة تكون عليه. وقيل: لئلا يرى ما ينزل به من الهوان والذل والعقاب. وقيل: نفر منه ضجرا به لعظم ما هو فيه. وقيل: لانه لا يمكنه ان ينفعه بشئ ولا ينتفع منه بشئ وقوله (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) فالمراد به الذكر من الناس وتأنيثه امرأة، فالمعنى إن كل انسان مكلف مشغول بنفسه لا يلتفت إلى غيره، من صعوبة الامر وشدة أهواله. والشأن الامر العظيم، يقال: لفلان شأن من

ـــــــــــــــــــــــ
(1) القرطبي 19 / 222 (*)

===============
(278)
الشأن أي له أمر عظيم، وأصله الواحد من شؤن الرأس، وهو موضع الوصل من متقابلاته التي بها قوام أمره. ومعنى (يغنيه) أي يكفيه من زيادة عليه أي ليس فيه فضل لغيره لما هو فيه من الامر الذي قد اكتنفه وملا صدره، فصار كالغني عن الشئ في أمر نفسه لا تنازع اليه.
ثم قسم تعالى احوال العصاة والمؤمنين، فقال (وجوه يومئذ مسفرة) أي مكشوفة مضيئة، فالاسفار الكشف عن ضياء من قولهم: أسفر الصبح إذا أضاء، وسفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها، ومنه السفر، لانه يكشف عن أمور تظهر به، قال توبة الحميري.
وكنت إذا فاجأت ليلى تبرقعت * فقد رابني منها الغداة سفورها (1)
أي كشفها قناعها. وقوله (ضاحكة مستبشرة) أي من فرحها بما اعددنا لها من الثواب تكون ضاحكة مسرورة. والضحك الاستبشار وإن إضيف إلى الوجه، فالمراد به أصحاب الوجوه، فأما الاسفار والاشراف فيجوز ان يكون للوجوه خاصة بما جعل الله فيها من النور، لتفرق الملائكة بين المؤمنين والكفار.
ثم قال (ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة) أي يكون على تلك الوجوه غبار وجمعه غبرة (ترهقها) أي تغشاها (قترة) وهي ظلمة الدخان، ومنه قترة الصائد موضعه الذي يدخن فيه للتدفي به.
ثم اخبر أن من كان على وجهه الغبرة التي تغشاها القترة (هم الكفرة) جمع كافر (الفجرة) جمع فاجر، كما أن كاتبا يجمع كتبة، وساحرا يجمع سحرة. وليس في ذلك ما يدل على مذهب الخوارج من ان من ليس بمؤمن لابد أن يكون كافرا من حيث أن الله قسم الوجوه هذين القسمين. وذلك انه تعالى ذكر قسمين من

ـــــــــــــــــــــــ
(1) الطبري 30 / 34 (*)

===============
(279)
الوجوه متقابلين، وجوه المؤمنين ووجوه الكفار، ولم يذكر وجوه الفساق من أهل الملة. ويجوز ان يكون ثم صفة اخرى بخلاف ما لهذين، بان يكون عليها غبرة لا يغشاها قترة او يكون عليها صفرة، ولو دل ذلك على ما قالوه لوجب أن يدل قوله (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) (1) على أن كل من لا يبيض وجهه من المؤمنين يجب ان يكون مرتدا، لانه تعالى قال لهم (اكفرتم بعد إيمانكم) (2)
والخوارج لا تقول ذلك، لان من المعلوم ان - ههنا - كفارا في الاصل ليسوا مرتدين عن الايمان.
81 - سورة التكوير مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي تسع وعشرون آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت (3) وإذا العشار عطلت (4) وإذا الوحوش حشرت (5)
وإذا البحار سجرت (6) وإذا النفوس زوجت (7) وإذ الموؤدة

ـــــــــــــــــــــــ
(1، 2) سورة 3 آل عمران آية 106 (*)

===============
(280)
سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) وإذا الصحف نشرت (10)
وإذا السماء كشطت (11) وإذ الجحيم سعرت (12) وإذا الجنة أزلفت (13) علمت نفس ما أحضرت (14) أربع عشرة آية.
قرأ ابن كثير واهل البصرة (سجرت) خفيفة الجيم. الباقون بتشديدها وقرأ اهل المدينة وابن عامر وحفص عن عاصم (نشرت) خفيفة الشين. الباقون بالتشديد. وقرأ نافع وباقي أهل المدينة وابن عامر في رواية ابن ذكوان وعاصم إلا يحيى ورويس (سعرت) بتشديد العين. الباقون بتخفيفها. وقرأ ابوجعفر (قتلت)
مشددة التاء، الباقون بتخفيفها.
يقول الله تعالى مخبرا عن وقت حضور القيامة وحصول شدائدها (إذا الشمس كورت) فاللفظ وإن كان ماضيا فالمراد به الاستقبال، لانه إذا اخبر تعالى بشئ فلابد من كونه، فكأنه واقع. والفعل الماضي يكون بمعنى المستقبل في الشرط والجزاء، وفى أفعال الله، وفى الدعاء إذا تكرر كقولك حفظك الله وأطال بقاءك.
ومعنى كورت) - في قول ابن عباس وابي بن كعب ومجاهد وقتادة والضحاك - ذهب نورها. وقال الربيع بن خيثم: معناه رمي بها، والتكوير تلفيف على جهة الاستدارة ومنه كور العمامة، كور يكور تكويرا، ومنه الكارة، ويقال: كورت العمامة على رأسي اكورها كورا وكورتها تكويرا. ويقال: طعنه فكوره أى رمى به، ذكره الازهرى، ومنه قولهم: اعوذ بالله من الحور بعد الكور أى من النقصان بعد الزيادة فالشمس تكور بأن يجمع نورها حتى يصير كالكارة الملقاة فيذهب ضوءها ويجدد الله - عزوجل - للعباد ضياء غيرها.
وقوله (وإذا النجوم انكدرت) فالنجوم جمع نجم، وهو الكوكب وجمعه

===============
(281)
كواكب. ومنه نجم النبت إذا طلع ينجم نجما فهو ناجم، وكذلك نجم القرن، ونجم السن. والانكدار انقلاب الشئ حتى يصير الاعلى الاسفل بما لو كان ماء لتكدر. وقيل: اصل الانكدار الانصباب. قال العجاج:
ابصر خربان فضاء فانكدر (1)
وقال مجاهد والربيع بن خيثم وقتادة وابوصالح وابن زيد: انكدرت معناه تناثرت. وقوله (وإذا الجبال سيرت) فمعنى تسيير الجبال تصييرها هباء وسرابا وقوله (وإذا العشار عطلت) فالعشار جمع عشراء، وهي الناقة التي قد أنى عليها عشرة اشهر من حملها، وهو مأخوذ من العشرة. والناقة إذا وضعت لتمام ففي سنة، وقال الفراء: العشار لقح الابل التي عطلها أهلها الاشتغالهم بأنفسهم. وقال الجبائي:
معناه ان السحاب يعطل ما يكون فيها من المياه التى ينزلها الله على عباده في الدنيا.
وحكى الازهري عن ابي عمرو انه قال: العشار الحساب. قال الازهرى: وهذا لا اعرفه في اللغة. والمعنى إن هذه الحوامل التى يتنافس اهلها فيها قد اهملت وقوله (وإذا الوحوش حشرت) قال عكرمة: حشرها موتها. وغيره قال: معناه تغيرت الامور بأن صارت الوحوش التي تشرد في البلاد تجتمع مع الناس وذلك ان الله تعالى يحشر الوحوش ليوصل اليها ما تستحقه من الاعواض على الالام التي دخلت عليها، وينتصف لبعضها من بعض، فاذا عوضها الله تعالى، فمن قال:
العوض دائم قال تبقى منعمة على الابد. ومن قال: العوض يستحق منقطعا اختلفوا فمنهم من قال: يديمها الله تفضلا لئلا يدخل على العوض غم بانقطاعه. ومنهم من قال: إذا فعل بها ما تستحقه من الاعواض جعلها ترابا.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 8 / 146 (ج 10 م 36 من التبيان) (*)

===============
(282)
وقوله (وإذا البحار سجرت) معناه ملئت نارا كما يسجر التنور، وأصل السجر الملا قال لبيد:
فتوسطا عرض السري وصدعا * مسجورة متجاوز أقدامها (1)
أي مملوءة، ومنه (البحر المسجور) (2) قال ابن عباس وأبي بن كعب:
سجرت او قدت، فصارت نارا. وقال شمر بن عطية: صارت بمنزلة التنور المسجور وقال الحسن ووالضحاك: معناه ملئت حتى فاضت على الارضين فتنسقها حتى تكون لحج البحار ورؤس الجبال بمنزلة واحدة، وقيل: معنى (سجرت) جعل ماؤها شرابا يعذب به أهل النار. وقال الفراء: معناه افضي بعضها إلى بعض فصارت بحرا واحدا. ومن ثقل أراد التكثير، ومن خفف، فلانه يدل على القليل والكثير.
وقوله (وإذا النفوس زوجت) معناه ضم كل واحد منها إلى شكله، والنفس قد يعبر به عن الانسان ويعبر به عن الروح، وقال عمر بن الخطاب وابن عباس ومجاهد وقتادة: كل إنسان بشكله من أهل النار وأهل الجنة. وقال عكرمة والشعبي: معنى زوجت ردت الارواح إلى الاجساد. وقيل: معناه يقرن الغاوي بمن اغواه من شيطان أو إنسان وقوله (وإذا الموؤدة سئلت) فالموؤدة المقتولة بدفنها حية، فكانت العرب تئد البنات خوف الاملاق، وأدها يئدها وأدا، فهي موؤدة أي مدفونة حية، وعلى هدا جاء قوله (ولا تقتلوا أولادكم من املاق) (3) وقال قتادة: جاء قيس ابن عاصم التميمي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: اني وأدت ثماني بنات في الجاهلية، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) (فاعتق عن كل واحدة رقبة) قال اني صاحب أبل. قال (فاهد إلى

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 7 / 118 و 9 / 403 (2) سورة 52 الطور اية 6 (3) سورة 6 الانعام آية 151 (*)

===============
(283)
من شئت عن كل واحدة بدنة) وقيل موؤدة للثقل الذي عليها من التراب وقوله (ولا يؤوده حفظهما) (1) أي لا يثقله، قال الفرزدق:
ومنا الذي منع الوائدا * ت وأحيا الوئيد فلم يوأد (2)
وإنما يسأل عن الموؤدة على وجه التوبيخ لقاتلهما، وهو أبلغ من سؤاله، لان هذا مما لا يصلح إلا بذنب، فاي ذنب كان لك، فاذا ظهر انه لا ذنب لها جاءت الطامة الكبرى على قاتلها، لانه رجع الامر اليه بحجة يقربها. وقال قوم:
تقديره سئلت قتلها بأي ذنب قتلت، فالكناية عنها أظهر. وروي في الشواذ، وهو المروي عن ابن عباس وغيره من الصحابة أنهم قرءوا (وإذا المؤودة سألت بأي ذنب قتلت) جعلوها هي السائلة عن سبب قتلها لا المسئولة وهو المروي في اخبارنا وقوله (وإذا الصحف نشرت) فالنشر بسط المطوي، والنشر للصحف والثياب ونحوها. والصحف جمع صحيفة وهي الصحيفة التى فيها اعمال الخلق من طاعة ومعصية، فتنشر عليه ليقف كل انسان على ما يستحقه.
وقوله (وإذا السماء كشطت) فالكشط القلع عن شدة التزاق كشط جلدة الرأس يكشطها كشطا إذا قلعها وفقلع السماء عن مكانها على شدة ما فيها من اعتماد كقلع جلدة الرأس عن مكانها، والكشط والنشط واحد. وفى قراءة عبدالله (وإذا السماء نشطت).
وقوله (وإذا الجحيم سعرت) معناه اشتعلت واضرمت، فالتسعير تهيج النار حتى تتأجج، ومنه السعر، لانه حال هيج الثمن بالارتفاع والانحاط، واسعرت الحرب والشربين القوم من هذا ومن شدد أراد التكثير، ومن خفف فلانه يدل على القليل والكثير. وقال قتادة: يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 255 (2) ديوانه 1 / 203 واللسان (وأد) (*)

===============
(284)
وقوله (وإذا الجنة أزلفت) أى قربت من أهلها يوم القيامة فالازلاف إدناء ما يجب، ومنه الزلفة القربة، وأزدلف إلى الامر اقترب منه. ومنه المزدلفة لانها قريب من مكة. وقوله (علمت نفس ما أحضرت) هو جواب (إذا الشمس كورت) وما بعدها من الشروط، والمعنى إن عند ظهور الاشياء التي ذكرها وعددها تعلم كل نفس ما عملته من طاعة أو معصية، وقد كان غافلا عنه. وهو كقوله (أحصاه الله ونسوه) (1)، قوله تعالى:
(فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19)
ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) ولقد رآه بالافق المبين (23) وما هو على الغيب بضنين (24) وما هو بقول شيطان رجيم (25) فأين تذهبون (26)
إن هو إلا ذكر للعالمين (27) لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاؤن إأن يشاء الله رب العالمين (29) خمس عشرة آية.
قرأ ابن كثير وابوعمرو والكسائي ورويس (بظنين) بالظاء أي ليس على الغيب، بمتهم، والغيب هو القرآن، وما تضمنه من الاحكام وغير ذلك من اخباره عن الله. الباقون بالضاد - بمعنى انه ليس بخيلا لا يمنع أحدا من تعليمه ولا يكتمه

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 58 المجادلة آية 6 (*)

===============
(285)
دونه. وفى المصحف بالضاد.
قوله (فلا اقسم بالخنس) معناه إقسم و (لا) صلة. وقد بينا نظائره فيما مضى. و (الخنس) جمع خانس، وهو الغائب عن طلوع، خنست الوحشية في الكناس إذا غابت فيه بعد طلوع. وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أن الخنس
النجوم لانها تخنس بالنهار وتبدو بالليل. وقيل: تخنس في مغيبها بعد طلوعها، وبه قال الحسن ومجاهد. وقال ابن مسعود وسعيد بن جبير والضحاك: هي الظباء.
وقيل: القسم بالنجوم الخنس بهرام وزحل والمشتري وعطارد والزهرة. وقوله (الجوار الكنس) معناه النجوم التى تجري في مسيرها ثم تغيب في مغاربها على ما دبره تعالى فيها ففي طلوعها، ثم جريها في مسيرها، ثم غيبتها في مواقفها من الاية العظيمة والدلالة الباهرة المؤدية إلى معرفته تعالى ما لا يخفى على متأمل معرفته وعظيم شأنه، فالجارية النجوم السيارة، والجارية السفن في البحار، والجارية المرأة الشابة.
وقوله (الكنس) نعت ل (الجوار) وهو جمع (كانس) وهي الغيب في مثل الكناس، وهو كناس الوحشية بيت تتخذه من الشجرة تختفي فيه، قال طرفة:
كأن كناسي ضالة مكنفانها * واطرقسي تحت صلب مؤيد (1)
وقوله (والليل إذا عسعس) قسم آخر، ومعنى (عسعس) أدبر بظلامه - في قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد - وقال الحسن ومجاهد في رواية والفضل بن عطية: أقبل بظلامه، وتقول العرب:
عسعس الليل إذا أدبر بظلامه. قال علقمة بن قرط:
حتى إذا الصبح لها تنفسا * وانجاب عنها ليلها وعسعسا (2)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه 25 وتفسير القرطبي 19 / 236 (2) مجاز القرآن 2 / 288 والطبري 30 / 43 (*)

===============
(286)
وقيل: عسعس دنا من أوله واظلم، والعس طلب الشئ بالليل، عس يعس عسا، ومنه أخذ العسس. وقال صاحب العين: العس نقض الليل عن أهل الريبة والعس قدح عظيم من خشب أو غيره، وكأن أصله امتلاء الشئ بما فيه، فقدح اللبن من شأنه أن يمتلئ به، ويمتلى، الليل بما فيه من الظلام، وعسعس أدبر بامتلاء ظلامه. وقال الحسن (والليل إذا عسعس) معناه إذا أظلم والصبح إذا تنفس إذا أسفر.
وقوله (والصبح إذا تنفس) قسم آخر بالصبح إذا أضاء وامتد ضوءه يقال:
تنفس الصبح وتنفس النهار إذا امتد بضوئه، والتنفس امتداد هواء الجوف بالخروج من الفم والانف يقال: تنفس الصعداء وقوله (إنه لقول رسول كريم) جواب الاقسام التى مضت، ومعنى (انه لقول) يعني القرآن (رسول كريم) وهو جبرائيل (عليه السلام) - في قول قتادة والحسن - بمعنى إنه سمعه من جبرائيل، ولم يقله من قبل نفسه. وقال: يجوز أن يراد به محمد (صلى الله عليه وآله) فانه أتى به من عند الله. وقوله (ذي قوة) معناه قوي على أمر الله. وقيل: معناه قوي في نفسه - في قول من قال: عنى به جبرائيل - لان من قوته قلبه قريات لوط بقوادم اجنحته.
وقوله (عند ذي العرش) معناه عند الله صاحب العرش (مكين) أى متمكن عنده وفي الكلام تعظيم للرسول بأنه كريم، وأنه مكين عند ذي العرش العظيم وأن الله تعالى أكد ذلك اتم التأكيد. وقوله (مطاع ثم أمين) من قال المراد بالرسول جبرائيل، قال معناه إنه مطاع في الملائكة، أمين على وحي الله. وقال: عنى به الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: معناه إنه يجب أن يطاع وأن من أطاعه فيما يدعوه اليه كان فائزا بخير الدنيا والاخرة. ويرجو بطاعته الثواب ويأمن

===============
(287)
من العقاب، وإنه (صلى الله عليه وآله) كان يدعى الامين قبل البعث فالامين هو الحقيق بأن يؤتمن من حيث لا يخون، ولا يقول الزور، ويعمل بالحق في الامور.
ثم خاطب تعالى جماعة الكفار فقال (وما صاحبكم بمجنون) أي ليس صاحبكم الذي يدعوكم إلى الله وإخلاص عبادته بمؤف العقل على ما ترمونه به من الجنون.
والمجنون المغطى على عقله حتى لا يدرك الامور على ما هي به للافة الغامرة له، فبغمور الافة يتميز من النائم، لان النوم ليس بآفة ولا عاهة.
وقوله (ولقد رآه بالافق المبين) معناه إن النبي (صلى الله عليه وآله) رأى جبرائيل (عليه السلام) على صورته التى خلقه الله عليها بالافق المبين، فالافق ناحية من السماء يقال: هو كالنجم في الافق، وفلان ينظر في أفق السماء. وقوله (مبين) أي هو ظاهر انه في أفاق السماء من غير تخيل لا يرجع إلى يقين. وقال الحسن وقتادة: الافق المبين حيث تطلع الشمس. وقوله (وما هو على الغيب بضنين) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وابراهيم والضحاك:، معناه ليس على وحي الله وما يخبر به من الاخبار بمتهم أي ليس ممن ينبغي أن يظن به الريبة، لان أحواله ناطقة بالصدق والامانة، ومن قرأ بالضاد معناه ليس ببخيل على الغيب.
وقوله (وما هو بقول شيطان رجيم) معناه أنه ليس هذا القرآن قولا لشيطان رجيم، قال الحسن: معناه رجمه الله باللعنة. وقيل رجيم بالشهب طردا من السماء، فهو (فعيل) بمعنى (مفعول). وقوله (فأين تذهبون) معناه أين تذهبون عن الحق الذي قد ظهر أمره وبدت أعلامه إلى الضلال الذي فيه البوار والهلاك، وهو استبطاء لهم في القعود عن النبي (صلى الله عليه وآله)، والعمل بما يوجبه القرآن، فالذهاب هو المصير عن شئ إلى شئ بالنفوذ في الامر. قال بعض بني عقيل:

===============
(288)
تصيح بنا حنفية إذ رأتنا * وأي الارض نذهب بالصباح (1)
يعني إلى أي الارض، وقيل معناه فأي طريق يسلكون أبين من الطريق الذي بينه لكم (إن هو إلا ذكر للعالمين) يمكنكم أن تتوصلوا به إلى الحق. والذكر ضد السهو وعليه يتضاد العلم وأضداده، لان الذاكر لا يخلو من أن يكون عالما او جاهلا مقلدا أو شاكا، ولا يصح شئ من ذلك مع السهو الذي يضاد الذكر.
وقال الرماني: الذكر إدراك النفس الذي يضاد للمعنى بما يضاد السهو. و (العالمين) جمع عالم. وقد فسرناه في ما مضى.
وقوله (لمن شاء منكم ان يستقيم) على أمر الله ووعظ. وقوله (وما تشاؤه إلا أن يشاء الله رب العالمين) قيل في معناه ثلاثة اقوال:
احدها - وما تشاؤن من الاستقامة إلا وقد شاءها الله، لانه قد جرى ذكرها فرجعت الكناية اليها، ولا يجوز أن يشاء العبد الاستقامة إلا وقد شاءها الله، لانه أمر بها ورغب فيها أتم الترغيب، ومن ترغيبه فيه إرادته له.
والثاني - وما تشاؤن شيئا إلا أن يشاء الله تمكينكم منه، لان الكلام يقتضي الاقتدار على تمكينهم إذا شاء ومنعهم إذا شاء.
الثالث - وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ان يلطف لكم في الاستقامة لما في الكلام من معنى النعمة.
وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال شيبتني (هود) وأخواتها (الواقعة) و (إذا الشمس كورت) وهو جميع ما وعظ الله به عباده.
فان قيل: اليس ان أنسا لما سئل هل اختضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ما شأنه الشيب، فقال: أو شين هو ياأبا حمزة. فقال كلكم يكرهه؟

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبي 19 / 241 (*)

===============
(289)
قيل عنه جوابان احدهما - أنه روي أن عليا (عليه السلام) لما غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجد في لحيته شعرات بيضاء، وما لا يظهر إلا بعد التفتيش لا يكون شيبا. الثاني - أنه أراد لو كان أمر يشيب منه إنسان لشبت من قراءة ما في هذه السورة، وما فيها من الوعيد كما قال (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) (1) وإنما أراد عظم الاهوال على ما بيناه.
82 - سورة الانفطار مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي تسع عشرة آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار فجرت (3) وإذا القبور بعثرت (4) علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي خلقك فسويك فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8) كلا بل

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 22 الحج آية 2 (ج 10 م 37 من التبيان) (*)

===============
(290)
تكذبون بالدين (9) وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11)
يعلمون ما تفعلون) (12) اثنتا عشرة آية.
قرأ أهل الكوفة (فعدلك) خفيفا. الباقون مشددا. وقرأ ابوجعفر (بل يكذبون) بالياء على الخبر الباقون بالتاء على الخطاب. وادغم حمزة والكسائي اللام في التاء ووافقهم الحلواني عن هشام.
هذاخطاب من الله تعالى للمكلفين من عباده، وفيه تهديد ووعيد فانه يقول (إذا السماء انفطرت) يعني انشقت، فالانفطار انقطاع الشئ من الجهات مثل تفطر، ومنه الفطير قطع العجين قبل بلوغه بما هو مناف لا ستوائه، فطره يفطره اذا أوجده بما هو لقطع ما يصد عنه. والانفطاره والانشقاق والانصداع واحد.
وقوله (وإذا الكواكب انتثرت) معناه إذا النجوم تساقطت وتواقعت، فالانتثار تساقط الشئ من الجهات يقال: انتثر ينثر انتثارا ونثره ينثره نثرا، واستنثر استنثارا والنثر من الكلام خلاف النظم (وإذا البحار فجرت) أي خرق بعض مواضع الماء إلى بعض يقال فجر الانهار يفجرها تفجيرا، ومنه الفجر لا نفجاره بالضياء، ومنه الفجور الانحراق لا نخراق صاحبه بالخروج إلى كثير من الذنوب. وقال قتادة معنى فجرت أى تفجر عذبها في مالحها، ومالحها في عذبها وقوله (وإذا القبور بعثر) معناه بحثر يقال: بعثر فلان حوضه وبحثره بمعنى واحد إذا جعل اسفله أعلاه، والبحثرة إثارة الشئ بقلب باطنه إلى ظاهره.
وقل ابن عباس: بعثرت بحثت.
وقوله (علمت نفس ما قدمت واخرت) جواب الشرط في قوله (إذا السماء انفطرت) وما بعده من الشروط. ومعنى (ما قدمت وأخرت) ما اخذت

===============
(291)
وتركت مما يستحق به الجزاء. وقيل: معناه كل ما يستحق به الجزاء مماكان في اول عمره اوآخره. وقيل: معناه ما قدمت من عملها وما أخرت من سنة سنتها يعمل بها - ذكره القرطي - وقال ابن عباس وقتادة: معناه ما قدمت من طاعة أو تركت وقيل ما قدمت بعمله.
وقوله (ياأيها الانسان) خطاب لجميع الناس من المكلفين يقول الله لهم لكل واحد منهم (ما غرك بربك الكريم) أي أي شئ غرك بخالقك حتى عصيته فيما أمرك به ونهاك عنه، فالغرور ظهور أمر يتوهم به جهل الامان من المحذور تقول:
غر يغر غرورا واغتره يغتره اغترارا قال الحلوث ابن حلزة:
لم يغروكم غرورا ولكن * رفع الال جمعهم والضحاء (1)
والكريم القادر على التكرم من غير مانع، ومن هذه صفته لا يجوز الاغترار به، لان تكرمه على ما يقتضيه الحكمة من مجازاة المحسن باحسانه والمسيئ باساءته.
قال قتادة: غر الشيطان غرورا، وقيل: غره بجهله الوجه في طول الامهال، وقوله (الذي خلقك فسواك) نعت ل (ربك)، وهو في موضع الجر. وقوله (فسواك)
التسوية التعديل، والمراد - ههنا - تسوية الله تعالى آلته من اليدين والرجلين والعينين ونحو ذلك (فعدلك) في المزاج على وجه يصح معه وجود الحياة. ومن خفف الدال أراد صرفك إلى أي صورة شاء من حسن أو قبح، ومن ثقل أراد جعلك معدل الخلق معتدلا. واختار الفراء التشديد، لان (في) مع التعديل أحسن و (إلى) مع العدل.
قوله (في أي صورة ما شاء ركبك) فالصورة البنية التي تميل بالتأليف إلى ممايلة الحكاية وهي من صاره يصوره صورا إذا ماله، ومنه قوله (فصرهن

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 8 / 322 (*)

===============
(292)
اليك) (1) أى املهن اليك، ولو كانت بنية من غير مما يلة لم يكن صورة. وقال مجاهد: معناه (في أي صورة ما شاء ركبك) من شبه أب او أم او خال او عم.
وقال قوم: معناه في أي صورة ما شاء ركبك من ذكر او أنثى وجسيم اونحيف وطويل اوقصير ومستحسن أو مستقبح، ومن قال: الانسان غير هذه الجملة أستدل بقوله (في أي صورة ما شاء ركبك) قالوا لانه بين أنه يركب القابل في أى صورة شاء، فدل على أنه غير الصورة. وقد بينا القول في تأويل ذلك، على أن عندهم أن ذلك الحي لا يصح عليه التركب والله تعالى بين أنه يركبه كيف شاء، وفي أي صورة شاء وذلك خلاف مذهبهم.
ثم قال (كلا بل تكذبون بالدين) ومعنى (كلا) الردع والزجر أي ارتدعوا وانزجروا، وقيل: معناه حقا بل تكذبون معاشر الكفار بالدين الذي هو الجزاء من الثواب والعقاب لانكاركم البعث والنشور - ذكره مجاهد وقتادة - وقيل: بل تكذبون بالدين الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) ثم قال مهددا لهم (وإن عليكم لحافظين)
يعني من الملائكة يحفظون عليكم ما تعملون من الطاعة والمعصية. ثم وصفهم فقال (كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) أي لا يخفى عليهم شئ من الذي تعملونه فيثبتون ذلك كله. وقيل: إن الملائكة تعلم مايفعله العبد إما باضطرار كما تعلم أنه يقصد إلى خطابنا وأمرنا ونهينا وإما باستدلال إذا رآه وقد ظهر منه الامور التي لا تكون إلا عن علم وقصد من نحو التحري في الوزن والكيل، ورد الوديعة وقضاء الدين مما يتعمد فيه أهل الحقوق دون غيرهم، وقال الحسن: يعلمون ما تفعلون من الظاهر دون الباطن. وقيل: بل هو على ظاهر العموم لان الله تعالى يعلمهم إياه.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 260 (*)

===============
(293)
قوله تعالى:
(إن الابرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14)
يصلونها يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدريك ما يوم الدين (17) ثم ما أدريك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله) (19) سبع آيات.
قرأ ابن كثير وأهل البصرة (يوم لا تملك) برفع الميم. الباقون بالنصب على الظرف، ويجوز أن ينصبه باضمار فعل أى نقول يوم لا تملك، ومن رفع استأنف ويجوز أن يجعله بدلا مما يفعله. وقيل: ان (يوم) إذا أضيف إلى فعل مضارع رفع وإذا اضيف إلى فعل ماض نصب، نحو قولهم: يوم يفعل، ويوم فعل، وقال ابو علي: من رفع جعله خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو يوم: ومن نصب فعلى أن يكون الخبر على الجزاء، فكأنه قال الجزاء يوم لا تملك نفس.
يقول الله تعالى مخبرا (إن الابرار لفي نعيم) وهم الذين يفعلون الطاعات التي يستحقون بها الجنة والثواب بأنواع اللذات جزاء على طاعاتهم، واخبر ايضا (وإن الفجار) وهم الذين خرجوا عن طاعة الله إلى معصيته والمرادبه - ههنا - الكفار (لفي جحيم) جزاء على كفرهم ومعاصيهم (يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين)
يعني لا يكونون غائبين عن الجحيم بل يكونون مؤبدين فيها، وليس يدل ذلك على أن فساق أهل الملة لا يخرجون من النار، لانا بينا أن الاية مخصوصة بالكفار من حيث بينا في غير موضع أن معهم ثوابا دائما على - إيمانهم لم ينحبط لبطلان القول بالتحابط، فاذا لابد من إخراجهم من النار ليوفوا ثوابهم. وقوله (يصلونها يوم

===============
(294)
الدين) معناه إن الفجار يصلون في الجحيم يو م الجزاء على الاعمال. وسمي الاسلام دينا لانه يستحق به الجزاء لان أصل الدين الجزاء، ودين اليهودية وغيرها يستحق بها العقاب. ومعنى قوله (يصلونها) يلزمونها بكونهم فيها ومنه المصطلي الملازم للنار متدفيا، صلى يصلي صلا واصطلي يصطلي اصطلاء.
وقوله (وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين) تعظيم ليوم الجزاء بلفظ الاستفهام، والغرض فيه التنبيه على عظم حاله وما يستحق به من ثواب وعقاب ليعمل العباد بما يؤديهم إلى الثواب والجنة والنجاة من العقاب، وعظم يوم الدين لشدة الحاجة إلى نعيم الجنة، والنجاة من النار ومن جملة العصاة، فلا يوم أعظم من ذلك.
ثم فسر تعالى ذلك وبينه بعد أن عظمه فقال (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا) ومعناه لا يملك أحد الدفاع عن غيره ممن يستحق العقاب كما يملك كثير من الناس ذلك في الدنيا، فان الامر في ذلك اليوم لله وحده لم يملك أحدا شيئا من الامور كما ملكهم اشياء كثيرة في دار الدنيا. وقيل: معناه إنه لا يمكن أحدا أن يجازي احدا إلا بالحق بأمر الله تعالى.

===============
(295)
83 - سورة المطففين مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك هي مدنية وهي ست وثلاثون آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم أووزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين) (6) ست آيات.
(ويل) كلمة موضوعة للوعيد والتهديد، ويقال ذلك لمن وقع في هلاك وعقاب. وقيل: إن ويلا واد في جهنم قعره سبعون سنة. وقيل (ويل) دعاء عليهم. وقال ابن عباس: كان أهل المدينة من أخبث الناس كلا إلى أن انزل الله تعالى (ويل للمطففين) فاحسنوا الكيل، فهدد الله تعالى بهذا الخطاب كل من بخس غيره وحقه ونقصه ماله من مكيل اوموزون، فالمطفف المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أووزن. والطفيف النزر القليل، وهو مأخوذ من طف الشئ وهو جانبه، والتطفيف التنقيص على وجه الخيانة في الكيل أو الوزن، وأما التنقيص

===============
(296)
في ما يرجع إلى مقدار الحق فلا يكون تطفيفا، ولفظة (المطفف) صفة ذم لا تطلق على من طفف شيئا يسيرا إلى أن يصير إلى حال تتفاحش، وفي الناس من قال:
لا يطلق حتى يطفف أقل ما يجب فيه القطع في السيرقة، لانه المقطوع على أنه كبيرة.
وقوله (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون) فالاكتيال الاخذ بالكيل ونظيره الاتزان وهو الاخذ بالوزن، والاعتداد الاخذ بالعدد، يقال: اكتان يكتال اكتيالا، وكاله يكيله كيلا وكايله مكايلة وتكايل تكايلا، وإنما ذكر في الذم (إذا اكتالوا على الناس يستوفون) ليبين منزلتهم في تعدي الحق بأنهم لم ينقصوا الناس عن طريق مسامحة يعاملون الناس بمثل ذلك بل على محض الظلم في البخس. ويقال:
اكتالوا ما عليهم بمعنى اخذوا ما عليهم، واكتالوا منهم أى استوفوا منهم. وقيل:
على الناس، فكنى عنهم. وقوله (وإذا كالوهم أووزنوهم يخسرون) كان عيسى ابن عمر يجعل (هم) فصلا في موضع رفع بمعنى الفاعل. والباقون يجعلونه في موضع نصب، وهو الصحيح، وهو قول اكثر المفسرين. وأهل الحجاز يقولون:
وزنتك حقك وكلتك طعامك. وغيرهم يقولون: كالوالهم ووزنوا لهم، وفي الكتاب (كالوهم أووزنوهم) بلا الف. ومن قال تقديره: كالواهم أووزنوا لهم، قال حذف (لهم) للايجاز من غير اخلال بالمعنى، ويقال أخسر وخسر لغتان إذا نقص الحق.
وقوله (ألا يظن أولئك انهم مبعوثون ليوم عظيم) تبكيت للكافر ولكل ظالم وباخس حق غيره في صورة الاستفهام. و (الظن) ههنا بمعنى العلم، وتقديره ألا يعلم انه يبعث يوم القيامة ويجازى على افعاله من طاعة او مصية فيجازى بحسبها في اليوم الذى وصفه بأنه يوم عظيم. ويحتمل أن يكون المراد بالظن الحسبان ايضا من ظن الجزاء والبعث وقوي في نفسه ذلك، وإن لم يكن عالما يجب عليه أن

===============
(297)
يتحرز ويجتنب المعاصي خوفا من العقاب الذي يجوزه ويظنه، كما أن من ظن العطب في سلوك طريق وجب أن يتجنب السلوك فيه. قال البلخي: قال قوم:، المعنى افما يوقنون انهم مبعوثون، جعله خطايا للمؤمنين المصدقين بالبعث. ثم زاد في صفة يوم القيامة الذي وصفه بأنه يوم عظيم وبينه فقال (يوم يقوم الناس لرب العالمين) أي يوم يبعثون يوم تقوم الناس من قبورهم ويجتمعون في ارض المحشر، وإنما يقومون من قبورهم إلى ارض المحشر لجزاء رب العالمين، وحذف ذلك الدلالة عليه، ويحتمل (يوم يقوم) ثلاث أوجه: النصب على ذلك اليوم يقوم او مبعوثون يوم يقوم. والرفع على الاستئناف، والجر على البدل من (ليوم عظيم) وقال قتادة: يقومون مقدار ثلثمائة سنة ويقصر على المؤمنين حتى يكون كأحدى صلاة المكتوبة، وروي في الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) ان أحدهم ليغيب في رشجه إلى انصاف أذنيه.
قوله تعالى:
(كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) وما أدريك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) ويل يومئذ للمكذبين 10) ألذين يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12)
إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين (13) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون) (17) احدى عشرة آية.
(ج 10 م 38 من التبيان)

===============
(298)
روى حفص عن عاصم والمسيبئ إلا هبة (بل ران) باظهار اللام. الباقون بالادغام. وأمال اهل الكوفة إلا الاعشى والبرجمي (ران)
قيل في اصل قوله (كلا) قولان:
احدهما - إنها كلمة واحدة من غير تركيب وضعت المردع والزجر، وجرى ذلك مجرى الاصوات من نحو (صه، ومه) وما اشبههما والثاني - أن يكون الكاف للتشبيه دخلت على (لا) وشددت للمبالغة في الزجر مع الايذان بتركيب اللفظ.
ومعنى الاية ارتدعوا أيها الكفار والعصاة وانزجروا عن المعاصي معاشر الكفار، ليس الامر على ما تظنون بل (إن كتاب الفجار) يعني كتابهم الذي نبتت أعمالهم من المعاصي والفجور (لفي سجين) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني في الارض السابغة السفلى، وهو قول الضحاك. وقال مجاهد: تحت صخرة في الارض السابعة السفلى، وروي في الخبر أن (سجين) جب في جهنم. وقال ابو عبيدة: سجين شديد، وأنشد:
ضربا تواصى به الابطال سجينا (1)
يعني شديدا، فكأنه كشدة السجن، ويكون معناه شديد عذابه. وقيل:
السجين هوالسجن على التخليد فيه، فهو (فعيل) من سجنته أسجنه سجنا، وفيه مبالغة، كما يقال: شريب من الشرب، وسكير من السكر، وشرير من الشر.
وقيل: الوجه في جعل كتاب الفجار في سجبن أن تخليده فيه يقوم مقام التقريع وإن عقابهم لايفنى ولا يبيد كما لا يفنى كتاب سيئاتهم ولا يبيد، ثم قال على وجه التعظيم والتفخيم و (ما أدراك ما سجين) أي تفصيله لاتعلمه وإن علمته

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 45 (*)

===============
(299)
مجملا. ثم قال مفسرا لذلك (كتاب مرقوم) فالرقم طبع الخط بما فيه علامة لامر يقال: رقمه يرقمه رقما فهو راقم والشئ مرقوم ومنه قمت الثوب بعلامة لئلا يختلط، والمعنى إن هذا الكتاب الذي هو في السجن كتاب قد كتب فيه جميع أفعاله من المعاصي والكفر.
ثم قال (ويل يومئذ للمكذبين) فهو تهديد لمن كذب بيوم الجزاء ولم يصدق بصحة الخبر بكونه، ثم فسر من عنى من المكذبين، فقال (الذين يكذبون بيوم الدين) يعني يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، لان من كذب بالباطل وجحده لا يتوجه اليه الوعيد بل هو ممدوح فلو أطلق كان فيه إبهام. ثم قال (وما يكذب به) أي ليس يكذب بيوم الجزاء (الا كل معتد أثيم) فالمعتدي المتجاوز الحق إلى الباطل، يقال: اعتدى اعتداء، فهو معتد. والعادي الخارج عن الحق، عدا يعدو عدوانا وأصله مجاوزة الحد ومن ذلك العداوة وهي مجاوزة الحد في الابغاض، والعدو مجاوزة الحد في اسراع المشي، والاثيم مكتسب القبيح أثم يأثم إثما فهو آثم واثيم وأثمه تأثيما إذا نسبه إلى الاثم، وتأثم من فعل كذا كقولك تحرج منه للاثم به وقال قتادة: اثيم في مريته، ثم وصف المعتدي الاثيم، فقال (إذا تتلى عليه آياتنا)
أي اذا قرئت عليه حجج الله من القرآن وما فيه من الادلة (قال الساطير الاولين)
فواحد الاساطير أسطورة مثل أحدوثه وأحاديث. وقيل: معناه أباطيل الاولين.
وقيل: معناه هذا ما سطره الاولون أي كتبوه، ولا أصل له. ثم قال تعالى (كلا بل ران على قلوبهم) معناه ليس الامر على ما قالوه بل غلب على قلوبهم يقال منه: رانت الخمر على عقله ترين رينا إذا سكر فغلبت على عقله، فالرين غلبة السكر على القلب. قال ابوزبيد الطائي:
ثم لما رأوه رانت به الخمر * وإن لا يرينه بالقاء
أي مخافة يسكر، فهي لا تبقيه وقال الراجز:

===============
(300)
لم تروحني نكرت ورين بي * ورين بالسافي الذي أمسى معي
وقال الحسن: وقتادة: الرين الذنب على الذنب حتى يموت القلب. وقال ابن زيد: غلبت الذنوب على القلوب، فلا يخلص اليها خير العلوم. وقيل: معنى (ران)
غطى وعشى. وقوله (ما كانوا يكسبون) (ما) في موضع رفع، لانها الفاعلة لران وما يكسبون يعني من المعاصي، لان الطاعات وان كسبوها فما رانت على قلوبهم قال البلخي: وفي ذلك دلالة على صحة ما يقوله أهل العدل في تفسير الطبع والختم والاضلال، لانه تعالى اخبر انهم الذين يجعلون الرين على قلوبهم.
ثم قال (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) قال الحسن وقتادة: هم محجوبون عن احسانه. وقيل: عن كرامته. وقيل: لممنوعون. وأصل الحجب المنع. ومنه قولهم: الاخوة تحجب الام عن الثلث إلى السدس.
ثم بين تعالى ما يفعل بهم فقال (ثم انهم لصالوا الجحيم) ومعناه لازموا الجحيم بكونهم فيها لا يغيبون عنها يقال: صلى بالنار يصلي صليا، فهو صال والمصطلي الملازم للنار للتدفي بها.
ثم حكى انه يقال لهم على وجه التقريع والتبكيت: هذا الذي فعل بكم من العقاب (هوالذى كنتم به تكذبون) في دار التكليف، وانما سمي مثل هذا الخطاب تقريعا لانه خبر بما يقرع بشدة الغم على وجه الذم، فكل خبر على هذا الوصف فهو تقريع وتوبيخ.
قوله تعالى:
(كلا إن كتاب الابرار لفي عليين (18) وما أدريك ما عليون (19) كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) إن الابرار

===============
(301)
لفي نعيم (22) على الارائك ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة النعيم (24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك فليتنا فس المتنافسون (26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون) (28) احدى عشرة آية. قرأ الكسائي وحده (خاتمه مسك) بألف قبل التاء. الباقون (ختامه مسك) فالختام مصدر، والخاتم صفة، ونظيره: رجل كريم الطابع والطباع قال الفرزدق:
فبتن خبابتي مصرعات * وبت افض اغلاق الختام (1)
وقرأ ابوجعفر ويعقوب (تعرف) بضم التاء وفتح الراء (نضرة) بالرفع على ما لم يسم فاعله. الباقون بفتح التاء وكسر الراء ونصب (نضرة).
لما ذكر الله تعالى الفجار وما أعده لهم من أنواع العقاب وأليم العذاب ذكر الابرار وهو جمع بر مثل جبل واجبال. والابرار الذين فعلوا الطاعات واجتنبوا المعاصي، واخبر (إن كتاب الابرار لفي عليين) أي مراتب عالية محفوفة بالجلالة، فقد عظمها الله تعالى بما يدل على عظم شأنها في النعمة، وجمعت بالواو والنون تشبيها بمن يعقل في الفضل وعظم الشأن. وقال ابن عباس: العليون الجنة. وقال كعب وقتادة ومجاهد والضحاك: أرواح المؤمنين في السماء السابعة، وقال الضحاك - في رواية - عليون سدرة المنتهى، وهي التي اليها ينتهي كل شئ من أمر الله تعالى.
وقيل: عليون علو على علو مضاعف، ولهذا جمع بالواو والنون تفخيما لشأنه

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه 2 / 665 والقرطبى 19 / 263 (*)

===============
(302)
قال الشاعر:
فاصبحت المذاهب قد أذاعت * به الاعصار بعد الوابلينا
يريد مطرا بعد مطر غير محدود العدد، وكذلك تفخيم شأن العد الذي ليس على الواحد، نحو ثلاثين إلى تسعين، وجرت العشرون عليه. وقيل: عليون أعلى الامكنة. وقال الحسن: معنى في عليين في السماء. وقال الجبائي: معناه في جملة الملائكة العيين، فلذلك جمع بالواو والنون.
ثم قال تعالى على وجه التعظيم لشأن هذه المنازل وتفخيم أمرها (وما ادراك ما عليون) لان تفصيلها لا يمكن العلم بها إلا بالمشاهدة دون علم الجملة. ثم قال (كتاب مرقوم) أي الكتاب الذي ثبت فيه طاعتهم (مرقوم) أي مكتوب فيه جميع طاعاتهم بما تقربه أعينهم وتوجب سرورهم بضد الكتاب الذي للفجار، لان فيه ما يسؤهم ويسخن أعينهم (يشهده المقربون) أي يشهد هذا الكتاب الملائكة المقربون أي يشاهدون جوائزهم ويرونها. ومعنى المقربون - ههنا - هم الذين قربوا إلى كرامة الله في أجل المراتب.
ثم اخبر تعالى (إن الابرار) وهم أهل البر الذين فعلوه لوجهه خالصا من وجوه القبح، فالبر النفع الذي يستحق به الشكر والحمد يقال: بر فلان بوالده فهو بار به وبر به، وجمعه أبرار (لفي نعيم) أي ويحصلون في ملاذ وأنواع من الفنع (على الارائك ينظرون) قال ابن عباس: الارائك الاسرة. وقال مجاهد: هي من اللؤلئ والياقوت، واحدها أريكة، وهو سرير في حجلة ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الملك والكرامة، والحجلة كالقبة على الاسرة، ثم قال (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) أي تتبين في وجوههم إشراق النعمة والسرور بها.
وقوله (بسقون من رحيق) فالرحيق الخمر الصافية الخالصة من كل غش.

===============
(303)
قال الخليل: هي أفضل الخمر وأجودها قال حسان:
يسقون من ورد البريص عليهم * بردا يصفق بالرحيق السلسل
وقوله (مختوم) قيل إن هذا الخمر مختوم في الانية بالمسك، وهو غير الذي يجري في الانهار. وقوله (ختامه مسك) قيل في معناه قولان:
أحدهما - ان مقطعه مسك بأن يوجد ريح المسك عند خاتمة شربه - ذكره ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك.
والثاني - أنه ختم اناؤه بالمسك بدل الطين الذي يختم بمثله الشراب في الدنيا - ذكره مجاهد وابن زيد - ومن قرأ (خاتمه) مسك أراد آخر شرابه مسك ويفتح التاء في (خاتمه لان العرب تقول: خاتم وخاتم وخاتام وخيتام. ومن قرأ (ختامه) أراد شرابهم مختوم بالمسك. والمسك معروف، وهو أجل الطيب سمي مسكا، لانه يمسك النفس لطيب ريحه والمسك - بالفتح - الجلد لامساكه ما فيه (وفي ذلك) يعني في ذلك النعيم الذي وصفه الله (فليتنافس المتنافسون)
فالتنافس تمني كل واحد من النفسين مثل الشئ النفيس الذي للنفس الاخرى أن يكون له تنافسوا في الشئ تنافسا ونافسه فيه منافسة، والجليل الذي ينفس بمثله نفيس، ونفس عليه بالامر ينفس نفاسة إذا ضن به لجلالته.
وقوله (ومزاجه) أي مزاج ذلك الشراب الذي وصفه (من تسنيم)
فالمزاج خلط المائع بالمائع كما يمزج الماء الحار بالبارد، والشراب بالماء. يقال أمزجه مزجا وامتزج امتزاجا ومازجه ممازجة وتمازجا تمازجا. والتسنيم عين الماء يجري من علو إلى سفل يتسنم عليهم من الغرف، واشتقاقه من السنام، وقال عكرمة: من تشريف، ويقال: سنام البعير لعلوه من بدنه.
وقوله (عينا يشرب بها المقربون) قيل في نصب (عين) وجوه:

===============
(304)
أولها - أن (تسنيم) معرفة و (عينا) قطع منها، أو حال.
الثاني - أن يكون (تسنيم) مصدرا فيجري مجرى (او إطعام في يوم ذى مسغبة يتيما) (1).
الثالث - على تقدير أعني عينا، مدحا.
الرابع - يسقون عينا، والباء زائدة، يقال: شربت عينا وشربت العين وقد فسرناه في (هل أتى).
قوله تعا لى:
(إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون (29)
وإذا مروا بهم يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34)
على الارائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون) (36)
ثمان آيات.
قرأ حفص (فكهين) بغير الف بمعنى فرحين مرحين. الباقون (فاكهين)
بألف بمعنى لاهين، وهو بمنزلة طامع وطمع، فالفاكه الطالب ما يتفكه به من نوادر الامور والفاكه الناعم المعجب بحاله والتفكه التمتع بالمأكول من غير أخذه للقوت. وقرأ ابوعمرو - في رواية هارون - وحمزة والكسائي (هل ثوب)
بالادغام، لقرب مخرج اللام من الثاء، الباقون واليزيدي عن ابي عمرو بالاظهار.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 9 البلد آية 15 (*)

===============
(305)
قيل إن هذه الاية نزلت في جماعة من كفار قريش كانوا يعيرون جماعة من المسلمين الذين سبقوا إلى الايمان، ويهزؤن منهم، فقال الله تعالى مخبرا بأن المجرمين كانوا من الذين آمنوا بالله. ووحدوه وأخلصوا له العبادة وصدقوا أنبياءه (يضحكون) على وجه الاستهزاء بهم والسخرية منهم (وإذا مروا بهم) يعني إذا مر بهم المؤمنون وجازوا عليهم غمز بعضهم بعضا عليهم على وجه التعجب منهم والسخرية (وإذا انقلبوا إلى أهلهم) يعني الكفار إذا انقلبوا إلى اهلهم واصحابهم (انقلبوا فاكهين) أي لاهين. ومن قرأ (فكهين) أراد مرجين (معجبين)
بحالهم (وإذا رأوهم) يعني الكفار إذا رأوا المؤمنين في دار الدنيا (قالوا) يعني بعضهم لبعض (إن هؤلاء) وأشاروا به إلى المؤمنين (لضالون) عن طريق الحق وعادلون عن الاستقامة، فقال الله تعالى (وما أرسلوا عليهم حافظين) أي لم يرسل هؤلاء الكفار حافظين على المؤمنين، فيحفظون ما هم عليهم، والمراد بذلك الذم لهم بعيب المؤمنين بالضلال من غير أن كلفوا منعهم من المراد وأن ينطقوا في ذلك بالصواب، فضلوا بالخطأ في نسبهم إياهم إلى الضلال، فكانوا ألوم منهم لو اخطئوا فيه، وقد كلفوا الاجتهاد.
ثم قال (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) معناه إن يوم القيامة الذي يجازي الله تعالى كل احد على عمله فيجازي المؤمن بالثواب والنعيم، ويجازي الكافر بالعذاب والجحيم، ففي ذلك اليوم يضحك المؤمنون من الكفار، كما كان الكفار يضحكون من المؤمنين في الدنيا، وقيل الوجه في ضحك أهل الجنة من أهل النار أنهم لما كانوا أعداء الله تعالى وأعداءهم جعل لهم سرورا في تعذيبهم ولو كان العفو قدوقع عنهم لم يجز أن يجعل السرور في ذلك، لانه مضمن بالعداوة (ج 10 م من 39 من التبيان)

===============
(306)
وقد زالت بالعفو.
وقوله (على الارائك ينظرون) معناه إن المؤمنين على سرر في الحجال واحدها أريكة ينتظرون ما يفعله الله بهم من الثواب والنعيم في كل حال، وما ينزل بالكفار من اليم العقاب وشديد النكال.
ثم قال (هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون) وقيل في معناه قولان:
احدهما - هل جوزي الكفار إذا فعل بهم هذا الذي ذكر بما كانوا يفعلون.
الثاني - ينظرون هل جوزي الكفار، فيكون موضعه نصبا ب (ينظرون) والاول استئناف لا موضع له. وإنما قال (هل ثوب) لان الثواب في أصل اللغة الجزاء الذي يرجع على العامل بعمله، وإن كان الجزاء بالنعيم على الاعمال في العرف، يقال: ثاب الماء يثوب ثوبا إذا رجع، وثاب اليه عقله إذا رجع. ومنه التثاؤب.
وقال قوم: يقول المؤمنون بعضهم لبعض: هل جوزي الكفار ما كانوا يفعلون سرورا بما ينزل بهم. ويجوز أن يكون ذلك من قول الله أو قول الملائكة للمؤمنين تنبيها لهم على أنه جوزي الكفار على كفرهم وسخريتهم بالمؤمنين وهزئهم، بأنواع العذاب ليزدادوا بذلك سرورا إلى سرورهم.

===============
(307)
84 - سورة الانشقاق مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي خمس وعشرون آية في الكوفي والمدنيين وثلاث في البصري.
بسم الله الرحمن الرحيم (إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الارض مدت (3) وألقت ما فيها وتخلت (4) وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6)
فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8)
وينقلب إلى أهله مسرورا) (9) تسع آيات.
يقول الله تعالى لنبيه وهو متوجه إلى جميع المكلفين على وجه الوعيد لهم والتخويف من عقابه والتنبيه لهم على قرب أو ان مجيئه (إذا السماء انشقت) وتقديره إذكر إذا السماء انشقت، ومعناه إذا انفطرت السماء وتصدعت وانفرجت، فالانشقاق افتراق إمتداد عن إلتئام، فكل انشقاق افتراق وليس كل افتراق انشقاقا وقيل: الانشقاق الانفطار، والانصداع الانفراج.
وقوله (وأذنت لربها وحقت) قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد

===============
(308)
وقتادة: معناه سمعت وأطاعت أي كأنها سمعت بأذن وأطاعت بانقياد لتدبير الله.
تقول العرب أذن لك هذا الامر أذنا بمعنى أسمع لك قال عدي بن زيد:
ايها القلب تعلل بددن، إن همي في سماع وأذن وقال آخر:
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم اذنوا (1)
أي سمعوا وقال عدي بن زيد:
في سماع يأذن الشيخ له * وحديث مثل ما ذي مشار 2)
وقيل إن معنى و (حقت) حق لها أن تأذن بالانقياد لامر ربها، يقال: حق له أن يكون على هذا الامر بمعنى جعل ذلك حقا.
وقوله (وإذا الارض مدت روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (تمد الارض يوم القيامة مثل الاديم) ومعنى (مدت) بسطت إن الله تعالى يأمر بأن تمد مد الاديم العكاظي حتى يزيد في سعتها. وقيل معناه إنها تبسط باندكاك جبالها وآكامها حتى تصير كالصحيفة الملساء.
وقوله (والقت ما فيها وتخلت) معناه القت ما فيها من المعادن وغيرها، وتخلت منها، وذلك مما يؤذن بعظم الامر كما تلقي الحامل ما في بطنها عند الشدة وقال قتادة ومجاهد: أخرجت الارض أثقالها. وقوله (وأذنت لربها وحقت) قد فسرناه وليس هذا على وجه التكرار، لان الاول في صفة السماء والثاني في صفة الارض فليس بتكرار وهذا كله من أشراط الساعة وجلائل الامور التى تكون فيها. وجواب (إذا السماء انشقت) محذوف وتقديره إذا كانت هذه الاشياء التي ذكرها وعددها رأى الانسان ما قدم من خير اوشر، وقيل جوابه في (إنك كادح) قال ابن خالويه الفاء مقدرة

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 5 / 44 (2) مر في 5 / 287 (*)

===============
(309)
والتقدير إذا السماء انشقت إلى قوله (وحقت) فيا أيها الانسان إنك كادح. وقال البلخي: الواو زائدة وجواب قوله (أذنت لربها) (وحقت) وهو كقوله (حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها) والاول هو الوجه.
وقوله (يا أيها الانسان) خطاب لجميع المكلفين من البشر من ولد آدم يقول الله لهم ولكل واحد منهم (يا أيها الانسان إنك كادح) والكدح السعي الشديد في الامر يقال: كدح الانسان في أمره يكدح، وفيه كدوح وخدوش أي آثار من شدة السعي في الامر، ومعنى (كادح إلى ربك كدحا) ايها الانسان إنك في امرك بشدة ومشقة إلى أن تلقى جزاء عملك من ربك، فانت لا تخلو في الدنيا من مشقة، فلا تعمل لها، واعمل لغيرها فيما تصير به إلى الراحة من الكدح، فالغني والفقير كل واحد منهما يكدح ما يقتضيه حاله. وقوله (فملاقيه) تفخيم لشأن الامر الذي يلقى من جهته، فجعل لذلك لقاء جزائه، لقاءه وهذا من المعاني العجيبة والحكمة البالغة والهاء في (فملاقيه) يحتمل أمرين: أن تكون كناية عن الله، وتقديره فملاقي ربك أي تلاقى جزاء ربك، ويحتمل أن تكون كناية عن الكدح، وتقديره فملاقي كدحك الذي هو عملك. وقال تميم بن مقبل:
وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت واخرى ابتغى العيش اكدح (1)
أي ادؤب وأسعى في طلب العيش. ثم قسم تعالى أحوال الخلق يوم القيامة فقال (فأما من أوتي كتابه بيمينه) يعني من أعطي كتابه الذي فيه ثبت أعماله من طاعة او معصية بيده اليمنى (فسوف يحاسب حسابا يسيرا) أي يواقف على ما عمل من الحسنات وماله عليها من الثواب، وماحط عنه من الاوزار إما بالتوبة أو المغفرة، فالحساب اليسير التجاوز عن السيئات، والاحتساب بالحسنات. ومن

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 3 / 212 و 4 / 77 و 8 / 243 (*)

===============
(310)
نوقش بالحساب هلك، روي عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وقوله (وينقلب إلى أهله مسرورا أي فرحا مستبشرا. وقيل المراد بالاهل - ههنا - هم الذين أعد الله لهم من الحور العين، ويجوز أن يكون المراد أقاربه إذا كانوا من أهل الجنة والسرور هو الاعتقاد أو العلم بوصول نفع اليه في المستقبل أو دفع ضرر عنه وقال قوم: هو معنى في القلب يلتذ لاجله بنيل المشتهى يقال: سر بكذا من مال أو ولد أو بلوغ أمل يسر سرورا.
قوله تعالى:
(وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعو ثبورا (11)
ويصلي سعيرا (12) إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن يحور (14) بلى إن ربه كان به بصيرا) (15) ست آيات.
قرأ نافع وابن عامر وابن كثير والكسائي (يصلى) بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام. الباقون بفتح الياء وإسكان الصاد خفيفة. وأماله أهل الكوفة إلا عاصما.
لما ذكر الله تعالى حكم من يعطى كتابه بيمينه من المؤمنين وأهل الطاعات وما أعدلهم من أنواع النعيم وإنقلابه إلى أهله مسرورا، ذكر حكم الكفار الذين يعطون كتاب أعمالهم وراء ظهورهم، وروي أنه يخرج شماله من ظهره، ويعطي كتابه فيه. والوجه في ذلك ما قدمناه من كون ذلك امارة للملاكة والخلائق أنه من أهل النار كما أن إعطاء الكتاب باليمين علامة على أنه من أهل الجنة.
ثم حكى ما يحل به فقال (فسوف يدعو ثبورا) فالثبور الهلاك أى يقول واهلاكاه. والمثبور الهالك. وقيل: إنه يقول واثبوراه. وقال الضحاك يدعو

===============
(311)
بالهلاك. وأصل الثبور الهلاك يقال: ثبره الله يثبره ثبرا إذا أهلكه. ومثبر الناقة الموضع الذى تطرح ولدها فيه، لانها تشفي به على الهلاك، وثبر البحر إذا جزر لهلاكه بانقطاع مائه، يقال: تثابرت الرجال في الحرب إذا تواثبت، لاشفائها على الهلاك بالمواثبة. والمثابر على الشئ المواظب عليه لحمله نفسه على الهلاك بشدة المواظبة.
وثبير جبل معروف والمثبرة تراب شبيه بالنورة إذا وصل عرق النخل اليه وقف، لانه يهلكه، وإنما يقول: واويلاه والهفاه واهلاكاه، لانه ينزل به من المكروه لاجله مثل ما ينزل بالمتفجع عليه.
وقوله (ويصلى سعيرا) معناه إن من هذه صفته يلزم الكون في السعير، وهي النار المتوقدة على وجه التأبيد.
وقوله (إنه كان في أهله مسرورا) معناه إنه اقتطعه السرور بأهله عما يلزمه أن يقدمه. فهو ذم له بهذا المعنى، ولو لم يكن إلا السرور بأهله لم يذم عليه وقيل: معناه إنه كان في أهله مسرورا بمعاصي الله ثم اخبر عنه (إنه ظن) في دار التكليف (أن لن يحور) أى لن يبعثه الله للجزاء، ولا يرجع حيا بعد أن يصير ميتا يقال: حار يحور حورا إذا رجع، وتقول: كلمته فما أحار جوابا أى مارد جوابا. وفى المثل (نعوذ بالله من الحور بعد الكور) أى من الرجوع إلى النقصان بعدالتمام، وحوره إذا رده إلى البياض والمحور البكرة، لانه يدور حتى يرجع إلى مكانه، والمعنى إنه ظن ان لن يرجع إلى حال الحياة في الاخرة، فلذلك كان يرتكب المآثم وينتهك المحارم. فقال الله ردا عليه ليس الامر على ما ظنه (بلى)
إنه يرجع حيا ويجازي على أفعاله.
وقوله (إنه كان به بصيرا) معناه إنه يخبر عن أنه لن يجوز، بلى ويقطع الله عليه بأنه يجوز على انه بصير به وبجميع الامور.

===============
(312)
قوله تعالى:
(فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق (18) لتركبن طبقا عن طبق (19) فما لهم لا يؤمنون (20)
وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم (24)
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) 25)
عشر ايات.
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتح الباء من (لتركبن) ومعناه لتركبن أنت يا محمد. الباقون بضم الباء على أن يكون خطابا للجميع.
يقول الله تعالى مقسما بالشفق، وقد بينا أن (لا) صلة في مثل هذا، والتقدير أقسم، وقد بينا أن لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لاحد أن يقسم إلا بالله. وقال بعضهم: أقسم برب الشفق، والشفق هو الحمرة التي تبقى عند المغرب في الافق، وقال الحسن وقتادة: الشفق الحمرة بين المغرب والعشاء الاخرة. وقال قوم: هو البياض. والصحيح أن الشفق هو الحمرة الرقيقة في المغرب بعد مغيب الشمس وأصله الشفق في العمل، وهو الرقة على خلل فيه، وأشفق على كذا إذا رق عليه وخاف هلاكه. واشفق إذا رق بالخوف من وقوعه. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: علي ثوب كأنه الشفق يريد حمرة. والاعتبار بالشفق أنه علامة لوقت بعينه لا يختلف اقتضى اثبات علم به.
وقوله (والليل وما وسق) قسم آخر بالليل وإتساقه. وقيل: معنى وسق

===============
(313)
جمع إلى مسكنه ما كان منتشرا بالنهار في تصرفه، يقال: وسقته أسقه وسقا إذا جمعته، وطعام موسوق أى مجموع في الغرائر والاوعية. والوسق الطعام المجتمع وقدره ستون صاعا.
وقوله (والقمر إذا اتسق) قسم آخر بالقمر واتساقه أى اجتماعه على تمام وهو افتعال من الوسق، فاذا تم نور القمر واستمر في ضيائه، فذلك الاتساق له.
وقال قتادة: معناه إذا استدار. وقال مجاهد: إذا استوى.
وقوله (لتركبن طبقا عن طبق) جواب القسم، ومعناه منزلة عن منزلة وطبقة عن طبقة وذلك أن من كان على صلاح دعاه إلى صلاح فوقه، ومن كان على فساد دعاه إلى فساد فوقه، لان كل شئ يحن إلى شكله. وقيل: معنى (طبقا عن طبق) جزاء عن عمل. وقيل: معناه شدة عن شدة. وقيل: طبقات السماء بعروج الارواح. وقيل: معناه حالا عن حال من أحياء وإماتة، ثم أحياء. وقيل:
معناه لتصيرن إلى الاخرة عن الدنيا. وقال ابوعبيدة: معناه لتركبن سنة الاولين ومن كان قبلكم. ثم قال على وجه التبكيت لهم والتفريع (فما لهم لا يؤمنون) أى أى شئ لهم لاجله لا يصدقون بالله واليوم الاخر ولا يعترفون بالثواب والعقاب.
وقيل: معناه ما لهم لا يؤمنون أى ما وجه الارتياب الذى يصرفهم عن الايمان.
وقوله (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) عطف على قوله (لا يؤمنون)
والمعنى ما الذى يصرفهم عن الايمان وعن السجود لله والخضوع له والاعتراف بوحدانيته إذا بلي عليهم القرآن الذى أنزلته على محمد (صلى الله عليه وآله) الذى يلين القلب للعمل من الوعظ والوعد والوعيد يميز به بين الحق والباطل، وهو مع ذلك معتذر عليهم الاتيان بمثله، فهو معجز له (صلى الله عليه وآله).
(ج 10 م 40 من التبيان)

===============
(314)
ثم قال تعالى (بل الذين كفروا يكذبون) معناه إن الذى يمنعهم من السجود عند تلاوة القرآن تكذيبهم جهلا بما عليهم وعدولا عن الحق. وفي ذلك التحذير من الجهل والحث على طلب العلم. وقيل: معناه ما لهم لا يؤمنون، ولا بد من الجزاء على الاعمال ثم قال: تكذيبهم عن جهل منهم يصرفهم عن ذلك.
وقوله (والله اعلم بما يوعون) قال قتادة ومجاهد: معناه بما يوعون في صدورهم وإنما قال: يوعون، لانهم يحملون الاثام في قلوبهم، فشبه ذلك بالوعاء، يقال:
أوعيت المتاع ووعيت العلم، قال الفراء: الاصل جعل الشئ في وعاء، والقلوب شبه أوعية لما يحصل فيها من معرفة او جهل.
ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله) (فبشرهم) يا محمد جزاء على كفرهم (بعذاب اليم) أي مؤلم. ثم استثنى من جملة من يخاطبه فقال (إلا الذين آمنوا) بالله (وعملوا)
الاعمال (الصالحات لهم أجرا غير ممنون) أي غير منقوص، في قول ابن عباس وقال غيره: غير مقطوع، وقيل: غير منغص بالمن الذى يؤذي. وإنما قيل له:
من، لانه قطع له عن شكر النعمة. قال الزجاج: تقول العرب: مننت الحبل إذا قطعته قال لبيد:
لمعفر قهد تنازع شلوه * غبس كواسب ما يمن طعامها (1)
أى ما ينقص، وقيل ما يكدر، وكان ابن مجاهد ومحمد بن القاسم الانبارى يقفان على قوله (فبشرهم بعذاب اليم) ويبتدؤن بقوله (إلا الذين آمنوا) قال ابن خالويه: فسألتهما عن ذلك فقالا: الاستثناء منقطع ومعناه (لكن).
(الهامش) مر في 1 / 322 (*)

===============
(315)
85 - سورة البروج مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي اثنتان وعشرون آية بلا خلاف.
بسم الله الرحمن الرحيم (والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قتل اصحاب الاخدد (4) النار ذات الوقود (5)
إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) ألذي له ملك السموات والارض والله على كل شئ شهيد (9) إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق) (10) عشر ايات.
قوله: (السماء ذات البروج) قسم من الله تعالى بالسماء، ومنهم من قال تقديره برب السماء. وقد بينا ما في ذلك في غير موضع. ثم وصف السماء بأنها ذات البروج. فالبروج المنازل العالية. والمراد - ههنا - منازل الشمس والقمر - في قول المفسرين - ومثل ذلك قوله (ولو كنتم في بروج مشيدة) (1) أى في

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 4 النساء آية 77 (*)

===============
(316)
منازل عالية. وقيل: السماء اثنى عشر برجا يسير القمر في كل برج منها يومين وثلثا، فذلك ثمانية وعشرون منزلا. ثم يستتر ليلتين، ومسير الشمس في كل برج منها شهر. وقيل: البروج النجوم التي هي منازل الشمس والقمر.
وقوله (واليوم الموعود) قسم آخر بهذا اليوم. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه اليوم الذى يجازى فيه ويفصل فيه القضاء، وهو يوم القيامة - وهو قول الحسن وقتادة وابن زيذ -.
قوله (وشاهد ومشهود) قسم آخر بالشاهد والمشهود، فالشاهد النبي (صلى الله عليه وآله) والمشهود يوم القيامة - في قول الحسن بن علي (عليه السلام) وتلا قوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) (1) وقال (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) (2)، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب، وفي رواية اخرى عن ابن عباس إن الشاهد هو الله، والمشهود يوم القيامة. وقال قتادة:
الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. وقال الجبائي: الشاهد هم الذين يشهدون على الخلائق، والمشهود هم الذين يشهدون عليهم، قال: ويجوز أن يكون المراد المدركين والمدركات. وجواب القسم محذوف، وتقديره الامر حق في الجزاء على الاعمال. وقيل الجواب قوله (قتل اصحاب الاخدود) وقال الاخفش: يجوز أن يكون على التقديم والتأخير، وتقديره (قتل اصحاب الاخدود.. والسماء ذات البروج) وقوله (قتل أصحاب الاخدود) معناه لعن. وقيل لعنوا بتحريقهم في الدنيا قبل الاخرة. وقال الجبائي: يحتمل أن يكون المعنى بذلك القاتلين، ويحتمل أن يكون المقتولين، فاذا حمل على القاتلين، فمعناه لعنوا بما فعلوه من قتل المؤمنين وإن حمل على المقتولين، فالمعنى انهم قتلوا بالاحراق بالنار. وذكر الله هؤلاء.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 4 النساء آية 40 (2) سورة 11 هود آية 104 (*)

===============
(317)
المؤمنين بحسن بصيرتهم في الصبر على دينهم حتى أحرقوا بالنار، لا يعطون التقية بالرجوع عن الايمان. والاخدود هو الشق العظيم في الارض، ومنه ما روي في معجزة النبي (صلى الله عليه وآله) أن الشجرة دعاها النبي (صلى الله عليه وآله) فجعلت تخد الارض خدا، حتى اتته. ومنه الخد المجاري الدموع. والمخدة لوضع الخد عليها، وتخدد لحمه إذا صار فيه طرائق كالشقوق.
وقوله (النار ذات الوقود) فجر النار على البدل من الاخدود، وهو بدل الاشتمال، ووصفها بأنها ذات الوقود، فالوقود - بفتح الواو - ما يشعل من الحطب وغيره - وبضم الواو - الايقاد. وإنما وصفها بأنها ذات الوقود مع ان كل نار ذات وقود لامرين:
أحدهما - انه قد يكون نار ليست ذات وقود كنار الحجر ونار الكبد.
والثاني - انه أراد بذلك وقودا مخصوصا، لانه معروف، فكأنه أراد الوقود بأبدان الناس، كما قال (وقودها الناس والحجارة) (1)
وقوله (إذ هم عليها قعود) أي حين هم قعود عليها أي بالقرب منها، وقال الربيع بن أنس: الكفار الذين كانوا قعودا على النار خرج لسان منها فأحرقهم عن آخرهم. وروي عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) (أنهم كانوا من المجوس) وقال الضحاك:
كانوا من بني إسرائيل. وقيل: كانوا من اليمين. ومعناه هم عليها قعود حين كان أولئك الكفار قعودا عند النار. والقعود جمع قاعد كقولك: شاهد وشهود، وراكع وركوع، والقعود أيضا مصدر قعد يقعد قعودا.
وقوله (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) أي حضور على مشاهدتهم لهم، فكل حاضر على ما شاهده إما بسمع أو بصر، فهو شاهد. والمشاهد هو

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 2 البقرة آية 24 وسورة 66 التحريم آية 6 (*)

===============
(318)
المدرك بحاسة.
وقوله (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) معناه انه لم ينقم هؤلاء الكفار من أولئك المؤمنين الذين أحرقوهم بالنار إلا لايمانهم بالله تعالى القاهر الذى لا يقهر (الحميد) في جميع أفعاله، فالنقمة ايجاب مضرة على حال مذمومة.
ونقيض النقمة النعمة، فهؤلاء الجهال نقموا حال الايمان، لانهم جعلوها بجهلهم حالا مذمومة قال الشاعر:
ما نقموا من بني أمية * إلا أنهم يحلمون إن غضبوا (1)
والداعي لهم إلى ان ينقموا من الايمان الجهل والخلاف، لان ما سبقوا اليه من الجهل يدعوهم إلى عداوة من خالفهم وسخف آرائهم، وإن ذلك يفسد عليهم ملكهم. ويصرف الوجوه عنهم.
وقوله (الذي له ملك السموات والارض) صفة (العزى الحميد) والمعنى ان هؤلاء الكفار نقموا من المؤمنين إيمانهم بالله تعالى العزيز، ومعناه القاهر الذي لا يغالب الحميد ومعناه المستحق للحمد على جميع أفعاله (الذى له ملك السموات والارض)
ومعناه له التصرف في السموات والارض ولا اعتراض لاحد عليه. ثم قال (والله على كل شئ شهيد) أي عالم بجميعه لا يخفى عليه شئ من ذلك.
وقوله (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) قال ابن عباس وقتادة والضحاك:
حرقوهم بالنار (ثم لم يتوبوا) إنما شرط عدم التوبة، لانهم لو تابوا لما توجه اليهم الوعيد، وإن لم يتوبوا توجه اليهم الوعيد بقوله (فلهم عذاب جهنم) يعني في الاخرة (ولهم عذاب الحريق) في الدنيا - في قول الربيع - قال الفراء: لما خددوا للمؤمنين الاخاديد وطرحوا فيها النار وطرحوا فيها المؤمنين أرتفعت النار عليهم،

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 3 / 559، 570 و 5 / 304 (*)

===============
(319)
فاحرقتهم فرق الاخاديد ونجا المؤمنون.
وقال قوم (إن الذين فتنوا المؤمنين) جواب القسم في أول السورة، وهذا غير صحيح، لان الكلام قد طال وانقطع بالاخبار ما بينها، وقال الزجاج: لهم عذاب بكفرهم، وعذاب باحراقهم المؤمنين قوله تعالى:
(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الانهار ذلك الفوز الكبير (11) إن بطش ربك لشديد (12)
إنه هو يبدئ ويعيد (13) وهو الغفور الودود (14) ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) هل أتيك حديث الجنود (17)
فرعون وثمود (18) بل الذين كفروا في تكذيب (19) والله من ورائهم محيط (20) بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ) (22)
اثنتا عشرة آية.
قرأ حمزة والكسائي إلا قتيبة وخلف (المجيد) بالخفض جعلوه نعتا للعرش.
الباقون بالرفع على أنه نعت لله تعالى، وقرأ نافع (محفوظ) بالرفع. الباقون بالخفض نعتا للوح. ومن رفع جعله نعتا القرآن.
اخبر الله تعالى عن صفة المؤمنين، فقال (إن الذين آمنوا) أي صدقوا بتوحيد الله واخلاص عبادته (وعملوا الصالحات) من الاعمال، واجتنبوا القبائح (لهم جنات تجري من تحتها الانهار) أى لهم بساتين تجري من تحت أشجارها

===============
(320)
الانهار (ذلك الفوز الكبير) فالفوز النجاة بالنفع الخالص، وأصله النجاة، وقيل للمهلكة مفازة تفاؤلا كأنه قيل: منجاة، وفاز فلان بكذا أى خلص له نفعه، يفوز فوزا. ولا يقال إلا في تعظيم النفع الذى صار له، وإنما ذكر الكبير - ههنا - لان النعيم لهؤلاء العاملين كبير بالاضافة إلى نعيم من لا عمل له ممن يدخل الجنة، لما فيه من الاجلال والاكرام والمدح والاعظام. وقيل: الفوز الحظ الواقع من الخير.
ثم قال متوعدا ومتهددا للكفار والعصاة (إن بطش ربك لشديد) يا محمد
والبطش الاخذ بالعنف، بطش به يبطش بطشا ويبطش ايضا، فهو باطش، وإذا وصف بالشدة فقد تضاعف مكروهه وتزايد إيلامه. وقوله (إنه هو يبدئ ويعيد) قال ابن عباس: معناه إنه يبدأ العذاب ويعيده لاقتضاء ما قبله ذلك. وقال الحسن والضحاك وابن زيد: يبدأ الخلق ويعيده لان الاظهر في وصفه تعالى بأنه المبدئ المعيد العموم في كل مخلوق (وهو الغفور) يعني الستار على خلقه معاصيهم (الودود) أى وادلهم ومحب لمنافع خلقه (ذوالعرش المجيد) ومعناه صاحب العرش، العظيم المجيد وقال ابن عباس: معناه الكريم. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما المجيد بالجر جعلوه نعتا للعرش. ومعناه ذو العرش الرفيع. الباقون بالرفع جعلوه نعتا للغفور أى هو الغفور الودود المجيد ذو العرش، قال المبرد: يجوز أن يكون نعتا لقوله (ان بطش ربك....
المجيد) فيكون قد فصل بينهما، وفيه بعد لانه قال (لشديد) وقال (أنه هو يبدئ ويعيد، وهو الغفور الودود ذو العرش) وفصل بهذا كله، يقال: مجدت الابل تمجد مجودا إذا رعيتها فرعت وشبعت. ولا فعل لك، او أمجدتها أمجدها إمجادا إذا اشبعتها من العلف وملات بطونها ولا فعل لها في ذلك، وفي المثل في كل شجر نار واستمجد المرح والغفار. ومعناه كثر ناره لانه ليس في الشجر أكثر نارا من الغفار.
وقوله تعالى (فعال لما يريد) معناه ما يشاؤه ويريده من أفعال نفسه يفعله

===============
(321)
لا يمنعه من ذلك مانع ولا يعترض عليه معترض، ولا يجوز أن يكون المراد إنه فعال لكل ما يريد لان ذلك يقتضي انه فعال لكل ما يريد أن يفعله العباد، وذلك انه يستحيل أن يفعل ما يريد أن يفعله العباد، لان في ذلك ابطال الامر والنهي والطاعة والمعصية والثواب والعقاب، إذ لا يأمرهم أن يفعلوا ما قد فعله، ولا ينهاهم عنه، ولانه قد أراد من الكفار أن يؤمنوا، لانه قد أمرهم بالايمان وما فعل إيمانهم وقد قال الله تعالى (وما الله يريد ظلما للعالمين) (1) ولو فعل ظلمهم لكان قد أراد ظلمهم. وقوله (هل اتاك حديث الجنود فرعون وثمود) معناه تذكر يا محمد حديثهم تذكر معتبر، فانك تنتفع به، وهذا من الايجاز الحسن والتفخيم الذي لا يقوم مقامه
التصريح لما يذهب الوهم في أمرهم كل مذهب ويطلب الاعتبار كل مطلب.
وقوله (بل الذين كفروا في تكذيب) معناه بل هؤلاء الكفار الذين كفروا كذبوا بالبعث والنشور فاعرضوا عما يوجبه الاعتبار بفرعون وثمود، واقبلوا على ما يوجبه الكفر والتكذيب من التأكيد، ولم يعلموا أن (الله من ورائهم محيط) يقدر أن ينزل بهم ما انزل بفرعون. وقيل المعنى (هل أتاك حديث الجنود) وما كان منهم إلى انبيائهم فاصبر كما صبر الرسل قبلك (بل الذين كفروا في تكذيب) ايثارا منهم لاهوائهم واتباعا لسنن آبائهم.
وقوله (والله من ورائهم محيط) أي هم مقدور عليهم كما يكون فيما احاط الله بهم، وهذا من بلاغة القرآن.
وقوله (بل هو قرآن مجيد) أي كريم فالمجيد الكريم العظيم الكريم بما يعطي من الخير، فلما كان القرآن يعطي المعاني الجليلة والدلائل النفيسة كان كريما مجيدا بما

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 3 آل عمران 108 (ج 10 م 41 من التبيان) (*)


(322)
يعطي من ذلك، لان جميعه حكم. وقيل: الحكم على ثلاثة أوجه لارابع لها: معنى يعمل عليه فيما يخشى ويتقى، وموعظة تلين القلب للعمل بالحق، وحجة تؤدي إلى تمييز الحق من الباطل في علم دين أو دنيا، وعلم الدين أشرفهما وجميع ذلك موجود في القران.
وقوله (في لوح محفوظ) عن التغيير والتبديل والنقصان والزيادة. وقال مجاهد: المحفوظ أم الكتاب، وقيل: انه اللوح المحفوظ الذي كتب الله جميع ما كان ويكون فيه - ذكره أنس بن مالك - أي كأنه بما ضمن الله من حفظه في لوح محفوظ ومن رفع (محفوظ) جعله صفة القرآن. ومن قرأه بالخفض جعله صفة اللوح.
86 - سورة الطارق مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي سبع عشرة آية في الكوفي والبصري والمدني الاخير وست عشرة آية في المدني الاول بسم الله الرحمن الرحيم (والسماء والطارق (1) وما أدريك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3) إن كل نفس لما عليها حافظ (4) فلينظر الانسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب

===============
(323)
والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى السرائر (9) فما له من قوة ولا ناصر) (10) عشر ايات.
قرأ (لما) بالتشديد عاصم وحمزة وابن عامر بمعنى (إلا) وقد جاء (لما)
مشددا بمعنى (إلا) في موضعين: إن، والقسم، كقولهم سئلتك لما فعلت بمعنى إلا فعلت قال قوم: تقديره لمما، فحذفت إحدى الميمات كراهة اجتماع الامثال. وقرأ الباقون بالتخفيف جعلوا (ما) صلة مؤكدة. وتقديره لعليها حافظ، واللام لام الابتداء التي يدخل في خبر (إن) و (أن) مخففة من الثقيلة.
هذا قسم من الله تعالى بالسماء وبالطارق، وقد بينا القول فيه فالطارق هو الذي يجيئ ليلا وقد فسره الله تعالى وبينه بأنه (النجم الثاقب) فالنجم هو الكوكب قال الحسن: المراد بالنجم جميع النجوم. وقال ابن زيد: هو زحل.
وقوله (وما أدراك) معناه أنه لم تدر حتى أعلمتك، وكل ما يعلمه الانسان فالله أعلمه بالضرورة أو بالدليل قال قتادة: طروق النجم ظهورها بالليل وخفاؤها بالنهار.
وقوله (والطارق) تبيين عن معنى وصفه بالطارق. وقوله (النجم الثاقب)
تبيين عن ماهيته نفسه يقال: طرقني فلان إذا أتاني ليلا وأصل الطرق الدق، ومنه المطرقة، لانه يدق بها، والطريق لان المارة تدقه بارجلها، والطارق لانه يحتاج إلى الدق للتنبيه، والنجم هو الكوكب الطالع في السماء، يقال لكل طالع ناجم تشبيها به، ونجم النجم إذا طلع، وكذلك السن والقرن. ويوصف بالطالع والغارب، لانه إذا طلع من المشرق غاب رقيبه من المغرب، والثاقب المضئ المنير، وثقوبه توقده وتنوره، تقول العرب: اثقب نارك أي اشعلها حتى تضئ. وثقب لسانها

===============
(324)
بخروج الشعاع منها والثاقب أيضا العالي الشديد العلو، تقول: العرب للطائر اذا ارتفع ارتفاعا شديدا قد ثقب. كله كأنه ثقب الجو الاعلى. وقال مجاهد وقتادة وابن عباس: الثاقب المضئ. وقال ابن زيد: هو العالي وهو زحل.
وقوله (إن كل نفس لما عليها حافظ) جواب القسم و (إن) ههنا المخففة من الثقيلة التي يتلقى بها القسم، والمعنى إن كل نفس لعليها حافظ - فيمن خفف - ومن شدد قال: (ان) بمعنى (ما) وتقديره ليس كل نفس إلا عليها حافظ. وقال قتادة: حافظ من الملائكة يحفظون عمله ورزقه وأجله، فالحافظ المانع من هلاك الشئ حفظه يحفظه حفظا واحتفظ به احتفاظا فأما أحفظه فمعناه أغضبه، وتحفظ من الامر إذا أمتنع بحفظ نفسه منه وحافظ عليه إذا واظب عليه بالحفظ.
وقوله (فلينظر الانسان مم خلق) أمر من الله تعالى للمكلفين من الناس أن يفكروا ويعتبروا مماذا خلقهم الله. ثم بين تعالى مماذا خلقهم فقال (خلق من ماء دافق) فالدفق هو صب الماء الكثير باعتماد قوي، ومثله الدفع، فالماء الذي يكون منه الولد يكون دفقا وهي النطفة التي يخلق الله منها الولد إنسانا أو غيره، وماء دافق معناه مدفوق، ومثله شر كاتم، وعيشة راضية.
ثم بين ذلك من أي موضع يخرج هذا الماء، فقال (يخرج من بين الصلب والترائب) فالصلب هو الظهر، والترائب جمع تريبة وهو موضع القلادة من صدر المرأة - في قول ابن عباس - وهو مأخوذ من تذليل حركتها كالتراب. قال المثقب.
ومن ذهب يشن إلى تريب * كلون العاج ليس بذي غصون (1)
وقال آخر:
والزعفران على ترائبها * شرقا به اللبات والنحر (2)

ـــــــــــــــــــــــ
(1) اللسان والتاج (ترب) ومجاز القرآن 2 / 294 (2) قائله المخبل تفسير القرطبي 20 / 5 (*)

===============
(325)
وقيل: إن نطفة الرجل تخرج من ظهره، ونطفة المرأة من صدرها، فاذا غلب ماء الرجل خرج الولد إلى شبه أهل بيت أبيه وإذا غلب ماء المرأة خرج إلى شبه أهل بيت أمه.
وقوله (إنه على رجعه لقادر) قال عكرمة ومجاهد: معناه إنه تعالى على رد الماء في الصلب قادر. وقال الضحاك: إنه على رد الانسان ماء كما كان قادر، والرجع الماء وأنشد ابوعبيدة: للمنخل في صفة سيف:
ابيض كالرجع رسوب إذا * ما ثاخ في محتفل يختلي (1)
ومعنى الاية إن الذي ابتدأ الخلق من ماء دافق أخرجه من بين الصلب والترائب حيا قادر على اعادته (يوم تبلى السرائر) لان الاعادة أهون من ابتداء.
النشأة، وقال الحسن وقتادة معناه أنه على رجع الانسان بالاحياء بعد الممات قادر.
وقوله (يوم تبلى السرائر) معناه تختبر باظهارها وإظهار موجبها لان الابتلاء والاختبار والاعتبار كله إنما هو باظهار موجب المعنى، ففي الطاعة الحمد والثواب وفى المعصية الذم والعقاب، وواحد السرائر سريرة وهي الطوية في النفس، وهو اسرار المعنى في النفس، وقد يكون الاسرار من واحد بعينه مع إطلاع غيره عليه فلا يكون سريرة. وقيل: إن الله يفضح العاصي بما كان يستر من معاصيه ويجل المؤمن باظهار ما كان يسره من طاعته ليكرمه الناس بذلك ويجلوه.
ثم بين تعالى أنه لاقدرة لهذا الانسان الذي يعيده الله - على معاصيه - ويعاقبه على دفع ذلك عن نفسه ولا ناصر له يدفعه فالقدرة هي القوة بعينها.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبي 20 / 10 (*)

===============
(326)
قوله تعالى:
(والسماء ذات الرجع (11) والارض ذات الصدع (12)
إنه لقول فصل (13) وما هو بالهزل (14) إنهم يكيدون كيدا (15)
وأكيد كيدا (16) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا) (17) سبع آيات.
هذا قسم من الله تعالى بالسماء ذات الرجع. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: ذات المطر. وقال ابن زيد: يعني شمسها وقمرها ونجومها تغيب ثم تطلع.
وقيل: رجع السماء إعطاؤها الخير يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الازمان رجعه يرجعه رجعا إذا أعطاه مرة بعد مرة. وقيل: الرجع الماء الكثير تردده بالرياح التي تمر عليه قال المنخل في صفة سيف:
أبيض كالرجع رسوب إذا * ما ثاخ في محتفل يختلى.
وقال الفراء: تبتدئ بالمطر ثم ترجع به في كل عام. وقوله (والارض ذات الصدع) قسم آخر بالارض ذات الصدع. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك
وابن زيد: ذات الصدع انشقاقها بالنبات لضروب الزروع والاشجار: صدع يصدع صدعا وتصدع الشئ تصدعا وانصدع إنصداعا وصدعه تصديعا (وقوله إنه لقول فصل) جواب القسم، ومعناه ان ما ذكره من اعادة الخلق وإنشائهم النشأة الثانية قول فصل أي هو قول يفصل الحق من الباطل. ومثله فصل القضاء، وكل معنى فانه يحتاج فيه إلى فصل حقه من باطله. ثم قال (وما هو بالهزل) أي مع أنه فصل ليس بهزل والهزل نقيض الجد ومثله اللهو واللعب والعبث

===============
(327)
يقال: هزل يهزل هزلا.
ثم اخبر تعالى عن الكفار فقال (إنهم يكيدون كيدا) أي يحتالون في رفع الحجج وإنكار الايات ويفعلون ما يوجب الغيظ يقال: كاده يكيدا كيدا وكايده مكايدة وتكايد القوم تكايدا أي يحتالون في رفع الحجج وإنكار الايات، فقال تعالى (وأكيد كيدا) أي أجازيهم على كيدهم، وسمي الجزاء على الكيد باسمه لازدواج الكلام. وقيل: المعنى أنهم يحتالون لهلاك النبي وأصحابه، وأنا أسبب لهم النصر والغلبة وأقوي دواعيهم إلى القتال، فسمى ذلك كيدا من حيث يخفى عليهم ذلك.
وقوله (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا) خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) بأن يمهلهم قليلا وأجرى المصدر على غير لفظه كما قال (أنبتكم من الارض نباتا) (1) و (رويدا)
معناه إمهالا يقال: أرودته اروادا وتصغيره رويد. وقال قتادة: معناه قليلا، والمعنى لا تعجل على طلب هلاكهم بل اصبر عليهم قليلا، فان الله يهلكهم لا محالة بالقتل والذل في الدنيا وما ينزل عليهم في الاخرة من أنواع العقاب، وإن ما وعدتك لا يبعد عنهم.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 71 نوح آية 17 (*)

===============
(328)
87 - سورة الاعلى مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك هي مدنية، وهي تسع عشرة آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (سبح اسم ربك الاعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء أحوى (5)
سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (7)
ونيسرك لليسرى (8) فذكر إن نفعت الذكرى (9) سيذكر من يخشى) (10) عشر آيات.
قرأ الكسائي وحده (قدر فهدى) خفيفا. الباقون بالتشديد وهما لغتان على ما فسرناه فيما مضى.
هذا امر من الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) ويدخل في ذلك جميع امته يأمرهم بأن يسبحوا الله، ومعناه ان ينزهوه عن كل ما لا يليق به من الصفات المذمومة والافعال القبيحة والاخلال بالواجبات، لان التسبيح هو التنزيه لله عما لا يجوز عليه كوصفه بأنه لا إله إلا هو، فينفي ما لا يجوز في صفته من شريك في عبادته مع الاقرار بأنه

===============
(329)
لا إله إلا هو وحده. وقال ابن عباس وقتادة: معنا (سبح...) قل سبحان ربي الاعلى، وروي أنه لما نزلت هذه السورة، قال النبي (صلى الله عليه وآله) ضعوا هذا في سجودكم وقيل: معناه أن نزه إسم ربك بأن لاتسمي به سواه. وقيل: معناه نزه ربك عما يصفه به المشركون وأراد بالاسم المسمى، وقيل معناه صل باسم ربك الاعلى.
وقيل: ذكر الاسم والمرادبه تعظيم المسمى، كما قال الشاعر:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (1)
والاعلى معناه القادر الذي لا قادر أقدر منه. وصفة الاعلى منقولة إلى معنى الاقدر حتى لو بطل معنى علو المكان لم يبطل أن يفهم بحقيقتها او هي غير مضمنة بغيرها ولم ينقل إلى صفة الارفع وإنما يعرف في رفعة المكان.
وقوله (الذي خلق فسوى) نعت لقوله (ربك) وموضعه الجر ومعناه الذى خلق الخلق فسوى بينهم في باب الاحكام. وقيل: معنا فسوى أي عدل خلقهم، فالتسوية الجمع بين الشيئين بما هما فيه (والذى قدر فهدى) فالتقدير تنزيل الشئ على مقدار غيره، فالله تعالى خلق الخلق وقدرهم على ما اقتضته الحكمة (فهدى) معناه أرشدهم إلى طريق الرشد من الغي، وهدى كل حيوان إلى ما فيه منفعته ومضرته حتى انه تعالى هدى الطفل إلى ثدي أمه وميزه من غيره، واعطى الفرخ حتى طلب الرزق من أبيه وأمه. والعصفور على صغره يطلب مثل ذلك بهداية الله تعالى له إلى ذلك (والذي اخرج المرعى) معناه الذي أنبت الحشيش من الارض لمنافع جميع الحيوان (فجعله غثاء أحوى) فالغثاء ما يقذف به السيل على جانب الوادي من الحشيش والنبات. والاحوى الاسود، والحوة السوداء قال ذو الرمة:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 5 / 569 (ج 10 م 42 من التبيان) (*)

===============
(330)
لمياء في شفتيها حوة لعس * وفي اللثات وفي أنيابها شنب (1)
وقيل: أحوى معناه يضرب إلى السواد وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير وتقديره الذي أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء، وقيل: الغثاء الهشيم اليابس المتفتت اسود من احتراقه بعد خضرته ونعمته، قال ذو الرمة:
فرخاء حواء أشراطية وكفت * فيها الذهاب وحفتها البراعيم (2)
وقوله (سنقرئك فلا تنسى) معناه سنأخذ عليك قراءة القرآن، فلا تنسى ذلك، فالاقراء اخذ القراءة على القاري بالاستماع لتقويم الزلل، والقراءة التلاوة والقاري التالي، والنسيان ذهاب المعنى عن النفس بعد ان كان حاضرا لها، ونقيضه الذكر، ومثله السهو، يقال: نسي ينسى نسيانا فهو ناس، والشئ منسي.
والتذكير لما نسي والتنبيه لما غفل. وقيل (فلا تنسى إلا ما شاء الله) أي ما شاء نسيانه مما لا يكلفك القيام بأدائه، لان التكليف مضمن بالذكر. وقيل: إلا ما شاء الله كالاستثناء في الايمان، وإن لم يقع مشيئة النسيان وقيل: معناه إلا ما شاء الله.
أن يؤخر انزاله. وقال الفراء: لم يشأ الله أن ينسى شيئا فهو كقوله (خالدين فيها ما دامت السموات والارض إلا ما شاء ربك) ولا يشاء. ويقول القائل: لا عطينك كل ما سألت إلا ما شئت وإلا أن اشاء أن امنعك، والنية ألا يمنعه، ومثله الاستثناء في الايمان.
وقوله (إنه يعلم الجهر وما يخفى) معناه إن الله تعالى يعلم السر والعلانية، فالجهر رفع الصوت ونقيضه الهمس، وهو ضعف الصوت أي يحفظ عليك ما جهرت به وما أخفيته مما تريد أن تعيه، جهر بالقراءة يجهر جهرا. ومنه قوله (ولا تجهر

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 1 / 15 و 5 / 308 (2) اللسان والصحاح والتاج (ذهب، برعم) (*)

===============
(331)
بصلاتك ولا تخافت بها) (1).
قوله (ونيسرك لليسرى) أي نسهل لك العمل المؤدي إلى الجنة فاليسرى عبارة عن الجنة هنا، واليسرى الكبرى في تسهيل الخير بها واليسرى الفعلى من اليسر، وهو سهولة عمل الخير. وقوله (فذكر) أمر للنبي (صلى الله عليه وآله) أن يذكر الخلق ويعظهم (إن نفعت الذكرى) وإنما قال ذلك، وهى تنفع لا محالة في عمل الايمان والامتناع من العصيان، كما يقال: سله إن نفع السؤال أي فيما يجوز عندك، وقيل:
معناه ذكرهم ما بعثتك به قبلوا أولم يقبلوا، فان إزاحة علتهم تقتضي اعلامهم وتذكيرهم وإن لم يقبلوا. وقوله (سيذكر من يخشى) معناه سيتعظ وينتفع بدعائك وذكرك من يخاف الله ويخشى عقابه: لان من لا يخافه لا ينتفع بها.
قوله تعالى:
(ويتجنبها الاشقى (11) الذي يصلي النار الكبرى (12)
ثم لا يموت فيها ولا يحيى (13) قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى (15) بل تؤثرون الحيوة الدنيا (16) والاخرة خير وأبقى (17) إن هذا لفي الصحف الاولى (18) صحف إبرهيم وموسى) (19) تسع آيات.
قرأ ابوعمر ووحمزة (بل يؤثرون) بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون بالتاء على الخطا ب للمواجهين، وأدغم اللام في التاء حمزة والكسائي إلا قتيبة والحلوائي عن هشام في كل موضع.
لما أمر الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله) بالتذكرة وبين انه ينتفع بها من يخاف عقابه

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 17 الاسرى آية 110 (*)

===============
(332)
ذكر - ههنا - يتجنبها أي يتجنب الذكرى الاشقى، فالتجنب المصير في جانب عن الشئ بما ينافي كونه، فهذا الشقي تجنب الذكرى بأن صار بمعزل عنها بما ينافي كونها، فالشقوة حالة تؤدي إلى شدة العقاب ونقيضها السعادة، شقي يشقى شقوة وشقاء وأشقاه الله يشقيه اشقاء عاقبه عقابا بكفره وسوء عمله.
ثم بين ان هذا الشقي هو (الذي يصلى النار الكبرى) يعني نار جهنم، ووصفها بالكبرى لان الحاجة إلى اتقائها أشد وذلك من كبر الشأن إذ الكبير الشأن هو المختص بشدة الحاجة اليه أولى باتقائه، فكلما كان اكبر شأنا فالحاجة اليه أشد. وقال الحسن: النار الكبرى نار جهنم، والنار الصغرى نار الدنيا، وقال الفراء: النار الكبرى التي في الطبقة السفلى من جهنم.
وقوله (ثم لا يموت فيها ولا يحيى) معناه إن هذا الشقي لا يموت في النار فيتخلص من العذاب، ولا يحيى حياة له فيها لذة، بل هو في ألوان العذاب وفنون العقاف. وقيل: لا يجد روح الحياة. وقوله (قد أفلح من تزكى) معناه قد فاز من تزكى يعني صار زاكيا بأن عمل الطاعات - في قول ابن عباس والحسن - وقال ابو الاحوص وقتادة: يعني من زكى ماله (وذكر اسم ربه) على كل حال (وصلى) على ما أمره الله به. ثم خاطب الخلق فقال (بل تؤرون الحياة الدنيا) أي تختارون الحياة الدنيا على الاخرة بأن تعملوا الدنيا ولا تعملوا للاخرة، وذلك على وجهين:
احدهما - يجوز للرخصة. والاخر - محظور معصية لله ثم قال تعالى (والاخرة خير وأبقى) أي منافع الاخرة من الثواب وغيره خير من منافع الدنيا وأبقى، لانها باقية وهذه فانية منقطعة.
وقوله (إن هذا لفي الصحف الاولى صحف إبراهيم وموسى) يعني ما ذكره الله وفصله من حكم المؤمن والكافر وما أعد الله لكل واحد من الفريقين مذكور في

===============
(333)
كتب الاولين في الصحف المنزلة على إبراهيم والتوراة المنزلة على موسى: وقيل من قوله (قد أفلح من تزكى) إلى آخر السورة هو المذكور فيها، وقيل (من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) فهو ممدوح في الصحف الاولى، كما هو ممدوح في القرآن.
وقيل: كتب الله كلها أنزلت في شهر رمضان فأما القرآن فانه أنزل لاربع عشرة منه. وفى ذلك دلالة على أن إبراهيم كان قد أنزل عليه كتاب بخلاف قول من ينكر نبوته ويزعم أنه لم ينزل عليه كتاب، ولا يكون نبي إلا ومعه كتاب، حكي ذلك عن النصارى أنهم قالوا: لم يكن ابراهيم نبيا، وإنما كان رجلا صالحا.
88 - سورة الغاشية مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي ست وعشرون آية بلا خلاف.
بسم الله الرحمن الرحيم (هل أتيك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2)
عاملة ناصبة (3) تصلى نارا حامية (4) تسقى من عين آنية (5)
ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) لا يسمن ولا يغني من جوع (7)
وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في جنة عالية) (10)
عشر آيات.

===============
(334)
قرأ اهل البصرة وأبوبكر عن عاصم (تصلى) بضم التاء على مالم يسم فاعله يعني تصلى الوجوه (نارا حامية) الباقون بفتح التاء على أن تكون الوجوه هي الفاعلة هذا خطاب من الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) يقول له هل أتاك يامحمد ومعناه قد أتاك (حديث الغاشية) قال ابن عباس والحسن وقتادة: الغاشية يوم القيامة تغشى الناس بالاهوال. وقال سعيد بن جبير: الغاشية النار تغشى وجوه الكفار بالعذاب والشواظ. والغاشية المجللة لجميع الجملة، غشيت تغش غشيانا فهي غاشية، وأغشاها غيرها إغشاء إذا جعلها تغشى. وغشاها تغشية، وتغشى بها تغشيا.
وقوله (وجوه يومئذ خاشعة) معناه إن وجوه العصاة والكفار في ذلك ذليلة خاضعة من ذلك المعاصي التي فعلتها في دار الدنيا. والمراد بالوجوه أصحاب الوجوه وإنما ذكر الوجوه، لان الذل والخضوع يظهر فيها.
وقوله (عاملة ناصبة) قال الحسن وقتادة: معناه لم تعمل لله في الدنيا، فاعمالها في النار. وقال قوم: معناه عاملة ناصبة في دار الدنيا بما يؤديها إلى النار، وهو مما اتصلت صفتهم في الدنيا بصفتهم في الاخرة. ومعنى الناصبة والنصبة التعبة وهي التي اضعفها الانتصاب للعمل يقال: نصب الرجل ينصب نصبا إذا تعب في العمل ثم بين تعالى ما يعمل بمن وصفه من ذوي الوجوه، فقال (تصلى نارا حامية).
أي تلزم الاحراق بالنار الحامية التي في غاية الحرارة و (تسقى) أيضا (من عين آنية) قال ابن عباس وقتادة: آنية بالغة النهاية في شدة الحر.
وقوله (ليس لهم طعام الا من ضريع) فالضريع نبات تأكله الابل يضر ولا ينفع كما وصفه الله (لا يسمن ولا يغني من رجوع) وإنما يشتبه الامر عليهم فيتوهموا انه كغيره من النبت الذى ينفع، لان المضارعة المشابهة، ومنه أخذ الضرع وقيل: الضريع الشرق. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هو سم. وقال الحسن:

===============
(335)
لا أدري ما الضريع لم أسمع من اصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) فيه شيئا. وقال قوم: ضريع بمعنى مضرع أي يضرعهم يذلهم. وقيل: من ضريع يضرع آكله في الاعفاء منه لخشونته وشدة كراهته.
ثم بين وجوه المطيعين المؤمنين الذين عملوا الطاعات فقال (وجوه يومئذ ناعمة) أي منعمة في أنواع اللذات (لسعيها راضية) بما أداها اليه من الثواب والجزاء والكرامة جزاء لطاعاته التى عملها في الدنيا. وقوله (في جنة عالية) أي في بستان أجنه الشجر على الشرف والجلالة وعلو المكان والمنزلة، بمعنى أنها مشرفة على غيرها من البساتين وهي انزه ما يكون.
قوله تعالى:، (لا تسمع فيها لاغية (11) فيها عين جارية (12) فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق مصفوفة (15)
وزرابي مبثوثة (16) أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت (17)
وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19)
وإلى الارض كيف سطحت) (20) عشر آيات.
قرأ (لا يسمع) بالياء المضمومة (فيها لاغية) رفعا على ما لم يسم فاعله لان التأنيث ليس بحقيقي وقد فصل بينهما ب (فيها) ابن كثير وأب وعمرو وريس. وقرأ نافع وحده (لا تسمع) بالتاء مضمومة (لاغية) مرفوعة، لان اللفظ لفظ التأنيث.
الباقون بفتح التاء على الخطاب (لاغية) منصوبة، لانها مفعول بها.
لما ذكر الله تعالى ان المؤمنين يحصلون في جنة عالية في الشرف والمكان

===============
(336)
بين انه (لا يسمع فيها) في تلك الجنة (لاغية) وهي كلمة لا فائدة فيها قال الشاعر:
عن اللغا ورفث التكلم (1)
واللغو واللغا بمنزلة واحدة، ولغي يلغي، ولغا يلغو، والغاه الغاه. وقيل (لاغية) بمعنى ذات لغو، كقولهم نابل ودارع أي ذو نبل ودرع، وتامر ذو تمر قال الحطيئة:
وغررتني وزعمت إنك * لابن باليضف تامر (2)
وقيل: إنها المصدر مثل العاقية. ويجوز أن يكون نعتا، وتقديره لا يسمع فيها كلمة لاغية والاول أصح، لقوله (لا لغو فيها ولا تأثيم) (3) وإنم انفى اللاغية عن الجنة، لان في سماع ما لا فائدة فيه ثقلا على النفس، ثم بين أن فيها أيضا أي في تلك الجنة عينا من الماء جارية، لان في العين الجارية متعة ليس في الواقف.
وقوله (فيها سرر مرفوعة) ليرى المؤمن بجلوسه عليها جميع ما حوله من الملك.
وقوله (واكواب موضوعة) أي على حافة العين الجارية، كلما أراد شربها وجدها مملوءة، فالاكواب جمع ركوب، وهي الاباريق التى ليس لها خراطيم، فهي للشراب من الذهب والفضة والجوهر يتمتعون بالنظر اليها بين أيديهم ويشربون بها ما يشتهون من لذيذ الشراب، وهي كأفخر الاكواز التى توضع بين يدي الملوك.
وقيل: الاكواب كالا باريق لاعرى لها ولا خراطيم وهي آنية تتخذ للشراب فاخرة حسنة الصورة. وقوله (ونمارق مصفوفة) قال قتادة: النمارق الوسائد واحدها نمرقة وهي الوسادة، وهي تصلح للراحة، ورفع المنزلة. وقوله (وزرابي مبثوثة) فالزرابي البسط الفاخرة واحد هما زربية. وقيل قد سمع (نمرقة) بضم النون والراء وكسرهما

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 2 / 132، 164، 230 و 7 / 38 و 8 / 193 و 9 / 120 (2) مر في 8 / 468 (3) سورة 52 الطور آية 23 (*)

===============
(337)
ثم نبه تعالى على الادلة التي يستدل بها على توحيده ووجوب إخلاص العبادة له فقال (أفلا ينظرون) أي أفلا يتفكرون بنظرهم (إلى الابل كيف خلقت)
ويعتبرون بما خلقه الله عليه من عجيب الخلق، ومع عظمه وقوته يذلله الصبي الصغير فينقاد له بتسخير الله ويبركه ويحمل عليه ثم يقوم، وليس ذلك في شئ من الحيوان، بتسخير الله لعباده ونعمته به على خلقه (وإلى السماء) أى وينظرون إلى السماء (كيف رفعت) رفعها فوق الارض وجعل بينهما هذا الفضاء الذي به قوام الخلق وحياتهم. ثم ما خلقه فيه من عجائب الخلق من النجوم والشمس والقمر والليل والنهار الذي بجميع ذلك ينتفع الخلق وبه يتم عيشهم ونفعهم (والى الجبال كيف نصبت) * أي ويفكرون في خلق الله تعالى الجبال اوتاد الارض ومسكه لها ولولاها لمادت الارض بأهلها، ولما صح من الخلق التصرف عليها (وإلى الارض كيف سطحت) أى وينظرون إلى الارض كيف بسطها الله وسطحها ووسعها ولولا ذلك لما صح الانتفاع بها والاستقرار عليها، وهذه نعم من الله تعالى على خلقه لا يوازيها نعمة منعم، ولا يقاربها إحسان محسن فيجب أن يقابل ذلك باعظم الشكر.
قوله تعالى:
(فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22)
إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله العذاب الاكبر (24) إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم) (26) ست آيات.
قرأ ابوعمرو والكسائي بمسيطر بالسين باختلاف عنهما. الباقون بالصاد إلا حمزة، فانه اشم الصاد زايا.
(ج 10 م 43 من التبيان)

===============
(338)
لما بين الله تعالى الدلالة على وحدانيته ونبه على الاستدلال بها، قال لنبيه محمد صلى الله عليه وا له (فذكر) يامحمد (إنما أنت مذكر) فالتذكير التعريف للذكر بالبيان الذي يقع به الفهم، والنفع بالتذكير عظيم، لانه طريق للعلم بالامور التي نحتاج اليها وملين القلب للعمل بها، ومذكر يعني بنعم الله تعالى عندهم وما يجب عليهم في مقابلتها من الشكر والعبادة فقد أوضح الله تعالى طريق الحجج في الدين وأكده غاية التأكيد بما لا يسع فيه التقليد بقوله (إنما أنت مذكر) وقوله (وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين) (1) وقوله (إن في ذلك لاية لقوم يعقلون) (2) و (آية لقوم يتفكرون) (3) و (آية لقوم يذكرون) (4) و (لايات لاولى الالباب) (5) وقوله (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) (6) وقوله (وجادلهم بالتي هي احسن) (7)
ومحاجة إبراهيم (عليه السلام) للكافر بربه (8) وقوله (فاعتبروا يااولى الابصار) (9)
وقوله (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها) (10)
وقوله (لست عليهم بمسيطر) فالمسيطر المسلط على غيره بالقهر له يقال تسيطر فلان على فلان، وسيطر إذا تسلط، وعلى وزن مسيطر مبيطر. وقال ابوعبيدة:
لا ثالث لهما من كلام العرب، وقيل: كان هذا قبل فرض الجهاد، ثم نسخ،
ــــــــــــــــــــ
(1) سورة 51 الذاريات آية 55 (2) سورة 16 النحل آية 67 (3) سورة 16 النحل آية 11، 69 (4) سورة 16 النحل آية 13 (5) سورة 3 آل عمران آية 190 (6) سورة 2 البقرة آية 111 وسورة 27 النمل آية 64 (7) سورة 16 النحل آية 25 (8) انظر 2 / 316 من هذا الكتاب (9) سورة 59 الحشر آية 2 (10) سورة 47 محمد آية 24 (*)

===============
(339)
ويجوز أن يكون غير منسوخ، لان الجهاد ليس باكراه القلوب.
وقوله (إلا من تولى وكفر) قيل في هذا الاستثناء قولان:
احدهما - انه منقطع وتقديره، لكن من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الاكبر الثاني - إلا من تولى فانك مسلط عليه بالجهاد، فالله يعذبه العذاب الاكبر.
وقال الحسن المعنى: إلامن تولى وكفر، فكله إلى الله. وقيل معناه إلامن تولى وكفر فلست له بمذكر، لانه لا يقبل منك، فكذلك لست تذكرة.
وقوله (إن الينا إيابهم) فالاياب الرجوع، آب يؤب أوبا وإيابا وتأوب تأوبا وأوب يؤوب تأويبا، ويقال: أيب إيابا على (فيعل، فيعالا) من الاوب وعلى هذا قرئ في الشواذ (أيابهم) بالتشديد، قال عبيد:
وكل ذي غيبة يؤوب * وغائب الموت لا يؤوب (1)
والمعنى ان مرجع الخلق يوم القيامة - إلى الله فيحاسبهم ويجازي كل واحد منهم على قدر عمله، فحساب الكفار مقدار ما لهم وعليهم من استحقاق العقاب، وحساب المؤمن بيان ما له وعليه حتى يظهر استحقاق الثواب.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 468 (*)

===============
(340)
89 سورة الفجر مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك هي مدنية وهي ثلاثون آية في الكوفى وتسع وعشرون في البصري واثنتان وثلاثون في المدنيين بسم الله الرحمن الرحيم (والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر (4) هل في ذلك قسم لذي حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7) التى لم يخلق مثلها في البلاد (8)
وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) وفرعون ذي الاوتاد (10)
الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد (12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد) (14) أربع عشرة آية قرأ حمزة والكسائي وخلف (والوتر) بكسر الواو. الباقون بفتحها وهما لغتان. قال ابوعبيدة: الشفع الزكا والوتر الخسا. وقرأ نافع وابوعمرو (يسري)
بياء في الوصل دون الوقف. وقرأ ابن كثير بياء في الوصل والوقف، وكذلك (بالوادي) الباقون بغير ياء في وصل ولا وقف. من أثبت الياء، فلانها الاصل ومن حذفها، فلانها رأس آية والفواصل تحذف منها الياآت.

===============
(341)
هذا قسم من الله تعالى بالفجر وليال عشر، وقسم منه بالشفع والوتر والليل إذا يسري، وجواب القسم قوله (إن ربك لبالمرصاد) و (الفجر) شق عمود الصبح فجره الله لعباده يفجره فجرا إذا أظهره في أفق المشرق ومبشرا بادبار الليل المظلم وإقبال النهار المضئ، والفجر فجران: احدهما المستطيل، وهوالذي يصعد طولا كذنب السرحان، ولا حكم له في الشرع، والاخر هو المستطير، وهو الذي ينشر في افق السماء، وهوالذي يحرم عنده الاكل والشرب لمن أراد الصوم في شهر رمضان، وهو ابتداء اليوم. وقال عكرمة والحسن: الفجر فجر الصبح.
وقوله (وليال عشر) قال ابن عباس والحسن وعبدالله بن الزبير ومجاهد ومسروق والضحاك وابن زيد: وهي العشر الاول من ذي الحجة شرفها الله تعالى ليسارع الناس فيها إلى عمل الخير واتقاء الشر على طاعة الله في تعظيم ماعظم وتصغير ما صغره، وينالون بحسن الطاعة الجزاء بالجنة. وقال قوم: هي العشر من أول محرم، والاول هوالمعتمد.
وقوله (والشفع والوتر) قال ابن عباس وكثير من أهل العلم: الشفع الخلق بما له من الشكل والمثل، والوتر الخالق الفرد الذي لامثل له، وقال الحسن: الشفع الزوج، والوتر الفرد من العدد، كأنه تنبيه على ما في العدد من العبرة بما يضبط لانه من المقادير التى يقع بها التعديل. وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفه، ووجه ذلك أن يوم النحر مشفع بيوم نحر بعده، وينفرد يوم عرفه بالموقف وفي رواية أخرى عن ابن عباس ومجاهد ومسروق وابي صالح:، أن الشفع الخلق، والوتر الله تعالى. وقال ابن زيد: الشفع والوتر كله من الخلق.
فقال عمران بن حصين: الصلاة فيها شفع وفيها وتر، وقال ابن الزبير: الشفع:
اليومان الاولان من يوم النحر والوتر اليوم الثالث. وفي رواية أخرى عن ابن

===============
(342)
عباس: الوتر آدم والشفع زوجته. قال ابوعبيدة: يقال أوترت ووترت.
وقوله (والليل اذا يسري) معناه يسير ظلاما حتى ينقضي بالضياء المبتدئ ففي تسييره على المقادير المرتبة، ومجيئه بالضياء عند تقضيه في الفصول أدل دليل على أن فاعله يختص بالعز والاقتدار الذي يجل عن الاشباه والامثال.
وقوله (هل في ذلك قسم لذي حجر) أى لذي عقل - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن - وقيل العقل الحجر، لانه يعقل عن المقبحات ويزجر عن فعلها، يقال: حجر يحجر حجرا إذا منع من الشئ بالتضييق، ومنه حجر الرجل الذي يحجر على ما فيه، ومنه الحجر لا متناعه بصلابته.
وقوله (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد) خطاب من الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله)، وتنبيه للكفار على ما فعل بالامم الماضية لما كفروا بوحدانية الله، واعلام لهم كيفية إهلاكهم. وقيل: عاد الاولى عاد ابن آرم. وقيل: إن (إرم) بلد منه الاسكندرية - في قول القرطي - وقال المعري: هو دمشق. وقال مجاهد: هم أمة من الامم. وقال قتادة: هم قبيلة من عاد. وقوله (ذات العماد) قال ابن عباس ومجاهد: ذات الطول من قولهم: رجل معمد إذاكان طويلا. وقيل ذات عمد للابيات ينتقلون من مكان إلى مكان، للانتجاع - ذكره قتادة - وقال ابن زيد: ذات العماد في إحكام البنيان. وقال الضحاك: معناه ذات القوى الشداد.
وقال الحسن: العماد الابنية العظام. وقيل: ان (ارم) هو سام بن نوح، وترك صرفه لانه أعجمي معرفة.
وقوله (التى لم يخلق مثلها في البلاد) يعني في عظم أجسامهم وشدة قوتهم وقوله (وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي) موضع (ثمود) جر بالعطف على قوله (بعاد) أى وثمود ولم يجره لانه أعجمى معرفة، ومعنى (جابوا الصخر) أى

===============
(343)
قطعوا الصخر من الجبال بشدة قوتهم، يقال: جاب يجوب إذا قطع قال النابغة:
اتاك ابوليلي يجوب به الدجى * دجى الليل جواب الغلاة غشمشم
قال مجاهد: قطعوا الجبال بيوتا كما قال (وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين) (1) وقوله (وفرعون ذى الاوتاد) قال ابن عباس: معناه ذي الجنود الذين كانوا يشدون أمره. وقال مجاهد: كان يوتد الاوتاد في ايدي الناس. وقال قتادة: ملاعب كان يلعب له فيها، ويضرب تحتها بالاوتاد. وقيل: ذى الاوتاد لكثرة الاوتاد التي كانوا يتخذونها للمضارب ولكثرة جموعهم، وكان فيهم أكثر منه في غيرهم، وقيل: إن فرعون كان إذا غضب على الرجل مده بين أربعة أوتاد حتى يموت.
وقوله (الذين طغوا في البلاد) معناه إن هؤلاء الذين ذكرناهم تجاوزوا في الظلم الحد في البلاد، وخرجوا عن حد القلة وفسر ذلك بقوله (فاكثروا فيها الفساد) يعني اكثروا في البلاد الفساد، ثم بين ما فعل بهم عاجلا فقال (فصب عليهم ربك) يا محمد (صلى الله عليه وآله) (سوط عذاب) أى قسط عذاب كالعذاب بالسوط الذى يعرف إلا أنه اعظم، ويجوز أن يكون عنى قست عذاب يخالط اللحوم والدماء كما يخالط بالسوط من قولهم: ساطه يسوطه سوطا فهو سائط قال الشاعر:
أحارث إنا لو تساط دماؤنا * تزايلن حتى لا يمس دم دما (2)
وقيل: المعنى إنه جعل سوطه الذى ضربهم به انه صب عليهم العذاب. وقوله (إن ربك لبالمرصاد) معناه إن ربك يا محمد لا يفوته شئ من اعمال العباد كما لا يفوت من بالمرصاد. والمرصاد مفعال من رصده يرصده رصدا، فهو راصد إذا راعى ما يكون منه ليقابله بما يقتضيه، وقيل لامير المؤمنين (عليه السلام) اين كان ربنا قبل

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 26 الشعراء آية 149 (2) تفسير الشوكاني 5 / 424 (*)

===============
(344)
أن يخلق السموات والارض؟ فقال: (أبن) سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان. وقيل لا عرابي: أين ربك يااعرابي؟ ! قال بالمرصاد. وقال ابن عباس معناه إنه يسمع ويرى أعمال العباد. وقال الحسن والضحاك: لبالمرصاد بانصاف المظلوم من الظالم، ومعناه لا يجوزه ظلم ظالم حتى ينصف المظلوم منه.
قوله تعالى:
(فأما الانسان إذا ما ابتليه ربه فاكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ابتليه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث أكلا لما (19)
وتحبون المال حبا جما (20) كلا إذا دكت الارض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا صفا (22) وجئ يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الانسان وأنى له الذكرى (23) يقول ياليتني قدمت لحياتي (24) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق وثاقه أحد (26) يا أيتها النفس المطمئنة (27) إرجعي إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلي في عبادي (29) وادخلي جنتي) (30)
ست عشرة آية.
قرأ ابن عامر وابوجعفر (فقدر) مشدد الدال. وقرأ ابوعمرو واهل

===============
(345)
البصرة (بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث)
ثلاثتهن بالياء. الباقون ثلاثتهن بالتاء. والاول على وجه الخبر عن الذين تقدم ذكرهم من الكفار. والثاني على وجه الخطاب، وتقديره قل لهم يا محمد (صلى الله عليه وآله). وقرأ اهل الكوفة (تحاضون) بالتاء والالف. الباقون بغير الف والياء في جميع ذلك مفتوحة يقال:
حضضته وحثثته و (تحاضون) مثل فاعلته وفعلته إلا أن المفاعلة بين إثنين فأكثر وقرأ الكسائي ويعقوب (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد)
على ما لم يسم فاعله، والفعل مسند إلى (أحد)، والمعنى لا يعذب عذابه أحد فداء له من العذاب، لانه المستحق له، فلا يؤخذ بذنب غيره. الباقون بكسر ا لذال (ولا يوثق) بكسر الثاء وتأويله لا يعذب عذاب الله أحد، ولا يوثق وثاقه احد وهو قول الحسن وقتادة.
لما توعد الله تعالى الكفار وجميع العصاة بما قدمه من الوعيد على المعاصي وأخبرهم بما فعل بالامم الماضية جزاء على كفرهم. وحكى أنه لبالمرصاد لكل عاص قسم أحوال الخلق من البشر، فقال (فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه) أى اختبره والابتلاء هو إظهار ما في العبد من خير أو شر من الشدة والرخاء والغنى والفقر حسب ما تقتضيه المصلحة، فان عمل بداعي العقل ظهر الخير، وإن عمل بداعي الطبع ظهر الشر. ومثل الابتلاء الامتحان والاختبار.
وقوله (فاكرمه ونعمه) معناه أعطاه الخير وأنعم عليه به، والاكرام إعطاء الخير للنفع به على ما تقتضيه الحكمة إلا إنه كثر فيما يستحق بالاحسان، ونقيض الاكرام الهوان (فيقول) العبد عند ذلك (ربي أكرمني) أي أنعم علي وأحسن الي. ومن أثبت الياء، فلانها الاصل ومن حذفها فلانها رأس آية، واجتز أبكسرة والنون الدالة على حذفها.
(ج 10 م 44 من التبيان)

===============
(346)
ثم قال (وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه) أي اختبره بعد ذلك بأن يضيق عليه رزقه قدر البلغة والاصل القدر، وهو كون الشئ على مقدار، ومنه تقدير الشئ طلب قدره من مقدار غيره (فيقول) العبد عند ذلك (ربي اهانني) فقال الله تعالى ردا لتوهم من ظن أن الاكرام بالغنى والاهانة بالفقر بأن قال (كلا) ليس الامر على ما توهمه. وإنما الاكرام في الحقيقة بالطاعة، والاهانة بالمعصية، وقوله (كلا) معناه ليس الامر على ما ظن هذا الانسان الكافر الذي لا يؤمن بالله واليوم الاخر - ذكره قتادة - ثم بين ما يستحق به الهوان بقوله (بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين) أي الهوان لهذا، لا لما توهمتم، تقول: حضضته بمعنى حثثته و (تحاضون) بمعنى تحضون فاعلته وفعلته إلا أن المفاعلة بين اثنين فأكثر. وقال الفراء: لا تحاضون بمعنى لا تحافضون، واصله تتحاضون، فحذف إحدى التائين.
وقوله (وتأكلون التراث، أكلا لما) أي جمعا، يقال لممت ما على اهوان ألمه لما إذا أكلته اجمع، والتراث الميراث. وقيل: هو من يأكل نصيبه ونصيب صاحبه. وقوله (وتحبون المال حبا جما) قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: معناه كثيرا شديدا يقال: جم الماء في الحوض إذا أجتمع وكثر قال زهير:
فلما وردن الماء زرقا جماعه * وضعن عصي الحاضر المتخيم (1)
وقوله (كلا إذا دكت الارض دكا دكا) معناه التهديد والوعيد الشديد أي حقا إذا دكت الارض بأن جعلت مثل الدكة مستوية لا خلل فيها ولا تلول، كما قال (لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) (2) وهو يوم القيامة، فالدك حط المرتفع بالبسط، يقال اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره وناقة دكاء إذا كانت كذلك، ومنه الدكان لاستوائه فكذلك

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 7 / 143 (2) سورة 20 طه آية 107 (*)

===============
(347)
الارض إذا دكت استوت في فراشها فذهبت دورها، وقصورها وسائر أبنيتها حتى تصير كالصحراء الملساء بها. قال ابن عباس: يوم القيامة تمد الارض مدا كالاديم.
وقوله (وجاء ربك والملك صفا صفا) معناه وجاء أمر الله أو عذاب الله وقيل: معناه وجاء جلائل آياته، فجعل مجيئ جلائل الايات مجيئا له تفخيما لشأنها وقال الحسن: معناه وجاء قضاء الله، كما يقول القائل: جاءتنا الروم أي سيرتهم.
وقال بعضهم: معنى (جاء) ظهر بضرورة المعرفة، كما توصف الاية إذا وقعت ضرورة تقوم مقام الرؤية.
وقوله (والملك صفا صفا) معناه كصفوف الناس في الصلاة يأتي الصف الاول ثم الصف الثاني ثم الثالث على هذا الترتيب، لان ذلك أشكل بحال الاستواء من التشويش والتخليط بالتعديل في الامور، والتقويم أولى.
وقوله (وجيئ يومئذ بجهنم) أي احضرت جهنم ليعاقب بها المستحقون لها ويرى أهل الموقف هو لها، وعظم منظرها. وقوله (يتذكر الانسان) اخبار منه تعالى بأن الانسان يتذكر ما فرط فيه في دار التكليف من ترك الواجب وفعل القبيح ويندم عليه. ثم قال تعالى (وأنى له الذكرى) ومعناه من اين له الذكرى التي كان أمر بها في دار الدنيا، فانها تقوده إلى طريق الاستواء وتبصره الضلال من الهدى، فكأنه قال وأنى له الذكرى التي ينتفع بها، كما لو قيل يتندم وأنى له الندم.
ثم حكى ما يقول الكافر المفرط الجائي على نفسه ويتمناه، فانه يقول (ياليتني قدمت لحياتي) أي يتمنى انه كان عمل الصالحات لحياته بعد موته أو عمل للحياة التي تدوم له، فكان أولى بي من التمسك بحياة زائلة. ثم قال (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد) معناه في قراءة من كسر الذال إخبار من الله تعالى أنه لا يعذب عذاب الله

===============
(348)
أحد في ذلك اليوم. ومن فتح الذال قال: المعنى لا يعذب عذاب الجائي الكافر الذي لم يقدم لحياته أحد من الناس لانا علمنا أن إبليس أشد عذابا من غيره بحسب إجرامه وإذا أطلق الكلام لقيام الدلالة على ذلك قيل معناه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، لانه المستحق للعذاب ولا يؤاخذ الله أحدا بجرم غيره.
وقوله (ولا يوثق وثاقه) أي لا يشد بالسلاسل والاغلال (أحد) على المعنيين اللذين ذكرناهما.
وقوله (يا ايتها النفس المطمئنة) قال ابن زيد عن أبيه: إن النفس المطمئنة التى فعلت طاعة الله وتجنبت معاصيه تبشر عند الموت ويوم البعث بالثواب والنعيم. وقيل: ان المطمئنة بالمعرفة لله وبالايمان به - في قول مجاهد - وقيل:
المطمئنة بالبشارة بالجنة. وقال الفراء: تقديره ياأيتها النفس المطمئنة بالايمان والمصدقة بالثواب والبعث (ارجعي) تقول لهم الملائكة إذا اعطوهم كتبهم بايمانهم (ارجعي إلى ربك) أي إلى ما اعده الله لك من الثواب، وقد يجوز أن يقولوا لهم هذا القول يريدون ارجعوا من الدنيا إلى هذا المرجع.
ثم بين ما يقال لها وتبشر به بأنه يقال لها (ارجعي إلى ربك) أي إلى الموضع الذي يختص الله تعالى بالامر والنهي به دون خلقه (راضية) بثواب الله وجزيل عطائه (مرضية) الافعال من الطاعات، وإنه يقال لها (ادخلي في عبادي) الذين رضيت عنهم ورضيت أفعالهم (وادخلي جنتي) التي وعدتكم بها وأعددت نعيمكم فيها، وروي عن ابن عباس أنه قرأ ادخلي في عبدي بمعنى في جسم عبدي، قال ابن خالويه: هي قراءة حسنة. قال المبرد: تقديره ياايتها الروح ارجعي إلى ربك فادخلي في عبادي في كل واحد من عبادي تدخل فيه روحه.

===============
(349)
90 - سورة البلد مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك، انزلت حين افتتحت مكة وهي عشرون آية بلا خلاف.
بسم الله الرحمن الرحيم (لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) ووالد وما ولد (3) لقد خلقنا الانسان في كبد (4) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره أحد (7)
ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) وهديناه النجدين) (10)
عشر آيات.
قرأ ابوجعفر (لبدا) بتشديد الباء. الباقون بالتخفيف.
قوله (لااقسم) معناه أقسم، ولا صلة، كما قال الشاعر:
ولا ألوم البيض ان لا تسخرا (1)
أي ان تسخر. وقيل: هي ردا لكلام على طريق الجواب، لمن قد ظهر منه

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 1 / 45 (*)

===============
(350)
الخلاف أى ليس الامر على ما يتوهم. وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى. فاذا أثبت انه اقسم، فلا ينافي قوله (وهذا البلد الامين) لان هذا قسم آخر مثله. وإنما يكون مناقضة لو أراد نفي القسم بقوله (لا اقسم) فأما إذا كان الامر على ما بيناه فلا تنافي بينهما. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: يعني بالبلد مكة.
وقوله (وانت حل بهذا البلد) فمعناه في قول ابن عباس أنه حلال لك به قتل من رأيت حين أمر بالقتال، فقتل ابن حنظل صبرا، وهو آخذ باستار الكعبة ولم يحل لاحد بعده. وبه قال مجاهد وابن زيد والضحاك. وقال عطاء: لم يحل إلا لنبيكم ساعة من النهار. وقال الحسن: معناه وأنت فيه محسن وأنا عنك راض.
وقيل: معناه أنت حل بهذا البلد أي انت فيه مقيم، وهو محلل. والمعنى بذلك التنبيه على شرف البلد بشرف من حل فيه من الرسول الداعي إلى تعظيم الله وإخلاص عبادته المبشر بالثواب والمنذر بالعقاب، ويقال: رجل حل أي حلال وقالوا: حل معناه حال. أي ساكن.
وقوله (ووالد وما ولد) قسم آخر بالوالد وما ولد، قال ابن عباس وعكرمة:
المعني بذلك كل والد وما ولد يعني العاقل. وقال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وسفيان وابوصالح: يعني آدم وولده. وقال ابوعمران الحوبي: يعني به إبراهيم (عليه السلام) وولده.
وقوله (لقد خلقنا الانسان في كبد) جواب القسم، ومعنى كبد قال ابن عباس والحسن: في شدة. وقال قتادة: معناه يكابد الدنيا والاخرة. قال مجاهد وابو صالح وإبراهيم النخعي وعبدالله بن شداد: معناه في إنتصاب قامة، فكأنه في شدة قوام مخصوص بذلك من سائر الحيوان، قال لبيد:

===============
(351)
يا عين هلا بكيت أربد إذ * قمنا وقام الخصوم في كبد (1) أي في شدة نصب، فالكبد في اللغة شدة الامر يقال: تكبد اللبن إذا غلظ واشتد، ومنه الكبد، كأنه دم يغلظ ويشتد، وتكبد الدم إذا صار كالكبد، والانسان مخلوق في شدة أمر بكونه في الرحم. ثم في القماط والرباط. ثم على خطر عظيم عند بلوغه حال التكليف، فينبغي له أن يعلم ان الدنيا دار كد ومشقة، وأن الجنة هي دار الراحة والنعمة.
وقوله (ايحسب أن لن يقدر عليه أحد) معناه أيظن هذا الانسان أن لن يقدر على عقابه أحد إذا عصى الله تعالى وارتكب معاصيه فبئس الظن ذلك. وقيل: إنها نزلت في رجل يقال له أبوالاسدين كان من القوة بحيث يقف على أديم عكاظي فيجري العسرة من تحته، فتنقطع ولا يبرح من عليه فقال الله تعالى (أيحسب)
لشدته وقوته (أن لن يقدر عليه احد) ثم حكى ما يقول هذا الانسان من قوله (أهلكت مالا لبدا) قال الحسن: معناه يقول أهلكت مالا كثيرا، فمن يحاسبني عليه، حميق ألم يعلم ان الله قادر على محاسبته، اللبد الكثير الذي قد تراكب بعضه على بعض، ومنه تلبد القطن والصوف إذا تراكب بعضه على بعض، وكذلك الشعر ومنه اللبد ومن قرأ (لبدا) بتشديد الباء، فهو جمع لابد.
وقوله (ايحسب أن لم يره احد) ايظن هذا الانسان انه لم يبصره أحد فيطالبه من اين كسب هذا المال، وفي أي شئ أنفقه - ذكره قتادة - وقيل: معنا ايظن أن لم يره أحد في انفاقه، لانه كاذب.. وقال الحسن: يقول: أنفقت مالا كثيرا فمن يحاسبني عليه. وقيل الايه نزلت في رجل من بني جمح يكنى أبا الاسدين، وكان قويا شديدا.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه 1 / 19 ومجاز القرآن 2 / 299 (*)

===============
(352)
ثم نبهه تعالى على وجوه النعمة التي أنعم بها عليه ليستدل بها على توحيده وخلع الانداد دونه بقوله (ألم نجعل له عينين) ليبصر بهما (ولسانا وشفتين)
لينطق بهما (وهديناه النجدين) ليستدل بهما. وفي ذلك دليل واضح على أنه صادر من مختار لهذه الافعال التي فعلها بهذه الوجوه، فأحكمها لهذه الامور، فالمحكم المتقن لا يكون إلا من عالم، وتعليقه بالمعاني لا يكون إلا من مختار، لانه لا يعلق الفعل بالمعاني إلا في الارادة. وقال ابن مسعود: وابن عباس: معنى هديناه النجدين: نجد الخير والشر، وبه قال الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة، وفي رواية عن ابن عباس أنهما الثديان، والنجدان الطريقان للخير والشر. وأصل النجد للعلو ونجد بلد سمي نجد العلوة عن انجفاض تهامة، وكل عال من الارض نجد، والجمع نجود، ورجل نجد بين النجدة إذا كان جلدا قويا، لاستعلائه على قوته، واستنجدت فلانا فانجدني أي استعنته على خصمي فأعانني، والنجد الكرب والغم، والنجاد ما على العاتق من حمالة السيف، وشبه طريق الخير والشر بالطريقين العاليين لظهوره فيهما.
قوله تعالى:
فلا اقتحم العقبة (11) وما أدريك ما العقبة (12) فك رقبة (13)
أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) أولئك أصحاب الميمنة (18) والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة (19) عليهم نارمؤصدة) (20)
عشر ايات.

===============
(353)
قرأ ابن كثير وابوعمرو والكسائي (فك رقبة أو اطعم في يوم ذي مسغبة)
بغير الف على انه فعل ماض. الباقون (فك رقبة) على الاضافة ويكون الاضافة إلى مفعول (او إطعام) فوجه الاول قوله (فلا أقتحم العقبة فك رقبة) الثاني أنه على جواب و (ما أدراك ما العقبة) فيكون الجواب بالاسم وتلخيصه هلا اقتحم العقبة ولا يجوز الصراط إلا من كان بهذه الصفة يفك رقبة او يطعم يتيما في يوم ذي مسغبة مجاعة، فلا اقتحم بمعنى لم، كما قال (فلا صدق ولاصلى) (1) ومعناه لم يصدق ولم يصل، وإنما لم يكرر (لا) لان معنا (ثم كان من الذين آمنوا) يدل على انه لم يقتحم ولم يؤمن، وقرأ ابوعمرو وحمزة وحفص وخلف (مؤصدة)
بالهمز. الباقون بغير همز وهما لغتان، يقال: أصدت الباب او صده إيصادا فهو مؤصد بالهمز، وأوصدته فهو موصد بغير همز. والوصيد الباب من أوصدت.
لما نبه الله تعالى الانسان على وحدانيته وإخلاص عبادته بقوله (ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين) وما فيهما من الدلالة على قدرته وعلمه وانه هدى الانسان طريق الخير والشر ورغبه في اتباع الخير وزجره عن إتباع الشر، قال حاثا له على فعل الخير بقوله (فلا أقتحم العقبة) قال الحسن: عقبة - والله شديدة - مجاهدة الانسان نفسه وهواه وعدوه والشيطان، ولم يكرر (لا) في اللفظ، وهي بمنزلة المكرر في المعنى كأنه قال: أفلا اقتحم العقبة وحذف الاستفهام، والمراد به التنبيه، والاقتحام الدخول على الشدة يقال اقتحم اقتحاما، واقحم إقحاما تقحم تقحما وقحم تقحيما ونظيره الادخال والايلاج. والمعنى هلا دخل في البر على صعوبة كصعوبة اقتحام العقبة، والعقبة الطريقة التي ترتقى على صعوبة. ويحتاج فيها إلى معاقبة الشدة بالتضييق

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 75 القيامة آية 31 (ج 10 م 45 من التبيان) (*)

===============
(354)
والمخاطرة، وقيل: العقبة الننئة الضيقة في رأس الجبل يتعاقبها الناس، فشبهت بها العقبة في وجوه البر التى ذكرها الله تعالى. وعاقب الرجل صاحبه إذا صار في موضعه بدلا منه. وقال قتادة: فلا اقتحم العقبة إنها قحمة شديدة، فاقتحموها بطاعة الله.
وقال أبوعبيدة: معناه فلم يقتحم في الدنيا.
ثم فسر العقبة فقال (وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو اطعام في يوم ذي مسغبة) وتقديره إقتحام العقبة فك رقبة، لان العقبة جثة والفك حدث، فلا يكون خبرا عن جثة. قال ابوعلي و (لا) إذا كانت بمعنى (لم) لم يلزم تكرارها.
ثم بين تعالى ما به يكون اقتحام العقبة فقال (فك رقبة) فالفك فرق يزيل المنع، ويمكن معه أمر لم يكن ممكنا قبل، كفك القيد والغل، لانه يزول به المنع، ويمكن به تصرف في الارض لم يكن قبل، ففك الرقبة فرق بينها وبين حال الرق بايجاب الحرية وإبطال العبودية. وقوله (او إطعام في يوم ذي مسغبة) فالمسغبة المجاعة سغب يسغب سغبا إذاجاع، فهو ساغب قال جرير:
تعلل وهي ساغبة بنيها * بأنفاس من الشبم القراح (1)
وقوله (يتيما) نصب ب (إطعام) في قراءة من نون نصبه بالمصدر. ومن قرأ على الفعل الماضي نصبه به، فهو مفعول به في الحالين، واليتيم الصبي الذي قد مات ابوه وأمه، والاغلب في اليتيم من الاب في الناس. وقوله (ذا مقربة) معناه ذا قرابة، ولا يقال: فلان قرابتي وإنما يقال ذو قرابتي، لانه مصدر، كما قال الشاعر:
يبكي الغريب عليه حين يعرفه * وذو قرابته في الناس مسرور
وقوله (او مسكينا) عطف على يتيما. و (ذا متربة) معناه ذا حاجة شديدة

ـــــــــــــــــــــــ
(1) اللسان (قرح) (*)

===============
(355)
من قولهم: ترب الرجل إذا افتقر - في قول ابن عباس - أيضا ومجاهد، يقال:
أترب الرجل إذا استغنى، وترب إذا افتقر.
وقوله (ثم كان من الذين آمنوا) معناه كان الانسان من جملة المؤمنين إذا فعل ذلك وعقد الايمان، ثم أقام على إيمانه (وتواصوا) أي وصى بعضهم بعضا (بالصبر) على الشدائد والمحن والمصائب (وتواصوا) أيضا (بالمرحمة) أي وصى بعضهم بعضا بأن يرحموا الفقراء وذوي المسكنة.
وقوله (أولئك اصحاب الميمنة) معناه إنهم متى فعلوا ذلك كانوا أصحاب الميمنة الذين يعطون كتابهم بأيمانهم أو يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، والميمنة اليمن والبركة، والمرحمة حال الرحمة.
وقوله (والذين كفروا بآياتنا) معناه إن الذين يجحدون نعم الله ويكذبون أنبياءه (هم اصحاب المشأمة) أي ذات الشمال فيؤخذ بهم إلى النار، ويعطون كتابهم بشمالهم، واشتقاقه من الشؤم خلاف البركة (عليهم نار مؤصدة) قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: معناه عليهم نار مطبقة.

===============
(356)
91 - سورة الشمس مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي خمس عشرة آية في الكوفي والبصري وست عشرة في المدنيين بسم الله الرحمن الرحيم (والشمس وضحيها (1) والقمر إذا تليها (2) والنهار إذا جليها (3) والليل إذا يغشيها (4) والسماء وما بنيها (5) والارض وما طحيها (6) ونفس وما سويها (7) فألهمها فجورها وتقويها (8)
قد أفلح من زكيها (9) وقد خاب من دسيها) (10) عشر آيات.
قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم (وضحاها) بفتح أواخر هذه السورة.
وقرأ الكسائي بامالة ذلك كله. وقرأ ابوعمرو ونافع جميع ذلك بين الكسر والفتح.
وقرأ حمزة (وضحها) كسرا وفتح (تلاها) و (طحاها) فمن فتح، فلانه الاصل، والامالة تخفيف. وبين بين تخفيف يشعر بالاصل. فأما حمزة فأمال بنات الياء. وفخم بنات الواو.
هذا قسم من الله تعالى بالشمس وضحاها، وقد بينا أن له تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه تنبيها على عظم شأنه وكثرة الانتفاع به، فلما كانت الشمس قد عظم الانتفاع بها وقوام العالم من الحيوان والنبات بطلوعها وغروبها، جاز القسم

===============
(357)
بها، ولما فيها من العبرة بنشئ الضوء حتى تقوى تلك القوة العظيمة باذن الله.
وقوله (وضحا) يعني ضحاها الشمس، وهو صدر وقت طلوعها، وضحى النهار صدر وقت كونه، قال الشاعر:
أعجلها اقدحي الضحاء ضحى * وهي تناصي ذوائب السلم (1)
وأضحى يفعل كذا إذا فعله في وقت الضحى، ويقال: ضحى بكبش أو غيره إذا ذبحه في وقت الضحى من ايام الاضحى. ثم كثر حتي قيل لو ذبحه آخر النهار.
وقوله (والقمر إذا تلاها) قسم آخر بالقمر وتلوه الشمس ووجه الدلالة من جهة تلو القمر للشمس من جهة المعاقبة على أمور مرتبة في النقصان.
والزيادة، لانه لا يزال ضوء الشمس ينقص إذا غاب جرمها، ويقوى ضوء القمر حتى يتكامل كذلك دائبين، تسخيرا من الله للعباد بما ليس في وسعهم أن يجروه على شئ من ذلك المنهاج. وقال ابن زيد: القمر إذا اتبع الشمس في النصف الاول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر بالطلوع، وفى آخر الشهر يتلوها في الغروب وقال الحسن (والشمس وضحاها) أي يضئ نورها (والقمر إذا تلاها) يعني ليلة الهلال. وقيل: تلاها في الضوء.
وقوله (والنهار إذا جلاها) قسم آخر بالنهار إذا جلاها يعني الشمس بضوءها المبين بجرمها. وقيل معناه إذا جلا الظلمة، فالهاء كناية عن الظلمة، ولم يتقدم لها ذكر لانه معروف غير ملتبس (والليل إذا يغشاها) قسم آخر بالليل إذا يغشاها يعني الشمس بظلمته عند سقوط الشمس.
وقوله (والسماء وما بناها) قال قتادة: معناه والسماء وبنائها جعل (ما)
مع ما بعدها بمنزلة المصدر. وقال مجاهد والحسن: معنى والسماء وما بناها والسماء

ـــــــــــــــــــــــ
(1) قائله النابغة الجعدي اللسان (ضحا) (*)

===============
(358)
من بنى السماء وهو الله تعالى. وقوله (والارض وما طحاها) قسم آخر بالارض ما طحاها، ويحتمل ذلك وجهين:
احدهما - ان يكون المعنى والارض وطحوها.
والثاني - والارض ومن طحاها، وهو الله تعالى ومعنى طحاها بسطها حتى مكن التصرف عليها. وقال مجاهد والحسن: طحاها ودحاها واحد، بمعنى بسطها يقال طحى يطحو طحوا ودحا يدحو دحوا وطحا بك عمك. ومعناه انبسط بك إلى مذهب بعيد، فهو يطحو بك طحوا قال علقمة:
طحا بك قلب في الحسان طروب.
ويقال: القوم يطحي بعضهم بعضا عن الشئ أي يدفع دفعا شديد الانبساط والطواحي النسور تنبسط حول القتلي، وأصل الطحو البسط الواسع. وقوله (ونفس وما سواها قسم آخر بالنفس وما سواها، وهو محتمل ايضا لامرين: احدهما - ونفس وتسويتها، والثاني - ونفس ومن سواها، وهو الله تعالى. وقال الحسن يعني بالنفس آدم ومن سواها الله تعالى. وقيل: ان (ما) في هذه الايات بمعنى (من)
كما قال (فانكحوا ما طاب لكم) (1) وإنما أراد (من) وقال ابوعمرو بن العلا: هي بمعنى الذي، وأهل مكة يقولون إذا سمعوا صوت الرعد: سبحان ما سبحت له بمعنى سبحان من سبحت له.
وقوله (فألهمها فجورها وتقواها، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وسفيان: معناه عرفها طريق الفجور والتقوى ورغبها في التقوى وزهدها في الفجور.
وقال قوم: خذلها حتى اختارت الفجور وألهمها تقواها بأن وفقها لها. وقوله (قد أفلح من زكاها) جواب القسم واللام مقدرة، وتقديره لقد أفلح من زكاها أي

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 4 النساء آية 3 (*)

===============
(359)
من زكى نفسه بالصدقة، وقد خاب من دساها وأخفى عن التصديق، والمعنى قد أفلح من زكى نفسه بالعمل الصالح أو اجتناب المعصية - وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - وقال قوم: معناه قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دساها نفسه وقوله (وقد خاب من دساها) معناه قد خاب أي خسر من دس نفسه في معاصي الله منهمكا في القبائح التي نهاه الله عنها. وقيل: معناه دساها بالبخل، لان البخيل يخفي نفسه ومنزلة لئلا يطلب نائله، ودسا نفسه نقيض زكاها بالعمل الصالح، وكذلك دساها بالعمل الفاسد حتى صيرها في محاق وخسران. ويقال دسا فلان يدسو دسوا ودسوة فهو داس نقيض زكا يزكو زكا فهو زاك. وقيل معنى دساها أي دسها، بمعنى حملها ووضع منها بمعصية. وأبدل من أحدى السينين ياء، كما قالوا تظنيت بمعنى تظننت قال الشاعر:
تقضي البازي إذا الباري كسر (1)
بمعنى تقضض.
قوله تعالى:
(كذبت ثمود بطغويها (11) إذ انبعث أشقيها (12) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقييها (13) فكذبوه فعقروها (14) فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسويها (15) ولا يخاف عقبيها) (16) ست آيات قرأ اهل المدينة وابن عامر (فلا يخاف) بالفاء وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام. الباقون بالواو، وكذلك في مصاحفهم.
يقول الله تعالى مخبرا عن ثمود وهم قوم صالح (كذبت ثمود بطغواها) قال

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 1 / 286 و 7 / 358 و 8 / 146 (*)

===============
(360)
ابن عباس: يعني بعذابها أي بعذاب الطاغية فأتاها ما كذبت به. وقال مجاهد: بمعصيتها - وهو قول ابن زيد - وهو وجه التأويل، والطغوى والطغيان مجاوزة الحد في الفساد وبلوغ غايته، تقول: طغى يطغي إذا جاوز الحد، ومنه قوله (لما طغى الماء) (1) أي لما تجاوز المقدار على ما جرت به العادة وكثر. وقوله (إذا انبعث أشقاها) أى كان تكذيبها حين انبعث أشقى ثمود، وقيل اسمه قدار بن سالف.
وقال قوم: عقر الناقة الناقة هو تكذيبهم. وقيل: لان، بل هو غيره. وقيل: كانوا أقروا بأن لها شربا ولهم شرب غير مصدقين بأنه حق. والشفاء شدة الحال في مقاساة الالام، فالاشقا هو الاعظم شقاء، ونقيض الشقاء السعادة، ونقيض السعود النحوس يقال: شقي يشقى شقاء، فهو شقي نقيض سعيد، واشقاه الله اشقاء.
وقوله (فقال لهم رسول الله) يعني صالحا، فانه قال لهم: ناقة الله وتقديره فاحذروا، ناقة الله، فهو نصب على الاغراء كما تقول: الاسد الاسد، أي احذره (وسقياها) فالسقاء الحظ من الماء. وهو النصيب منه، كما قال تعالى (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم) (2) والسقي التعريض للشرب.
وقوله (فكذبوه) أي كذب قوم صالح صالحا ولم يلتفتوا إلى قوله (فعقروها)
يعني الناقة. فالعقر قطع اللحم بما يسيل الدم عقره يعقره عقرا فهو عاقر، ومنه عقر الحوض وهو أصله، والعقر نقض الشئ عن أصل بنية الحيوان، وعاقر الناقة أحمر ثمود، وهم يروه وكلهم رضوا بفعله. فعمهم البلاء بأن عاقبهم الله تعالى لرضاهم بفعله. وقوله (فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها) معناه أهلكهم الله تعالى عقوبة على ذنوبهم من تكذيب صالح وعقر الناقة. وقيل: معنى دمدم عليهم دمر

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 69 الحاقة آية 11 (2) سورة 26 الشعراء آية 155 (*)

===============
(361)
عليهم. وقيل: معناه أطبق عليهم بالعذاب يقال دمدمت على الشئ إذا ضيقت عليه، وناقة مدمدمة قد ألبسها الشحم، فاذا كررت الاطباق قلت دمدمت. وقيل (دمدم عليهم) أي غضب عليهم، فالدمدمة ترديد الحال المتكرهة، وهي مضاعفة ما فيه المشقة، فضاعف الله تعالى على ثمود العذاب بما ارتكبوا من الطغيان.
وقوله (فسواها) أي جعل بعضها على مقدار بعض في الاندكاك واللصوق بالارض، فالتسوية تصيير الشئ على مقدار غيره.
وقوله (ولا يخاف عقابها) قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: معناه لا يخاف الله تعالى تبعة الدمدمة. وقال الضحاك: معناه لم يخف الذي عقرها عقباها والعقبي والعاقبة واحد، وهو ما أدى اليه الحال الاولى، قال ابوعلي: من قرأ بالفاء فللعطف على قوله (فكذبوه فعقروها) فلا يخاف كأنه تبع تكذيبهم عقرهم أي لم يخافوا. ومن قرأ (ولا) بالواو جعل الجملة في موضع الحال، وتقديره فسواها غير خائف عقباها أي غير خائف أن يتعقب عليه في شئ مما فعله.
(ج 10 م 46 من التبيان)

===============
(362)
92 - سورة الليل مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي إحدى عشرون آية بلا خلاف.
بسم الله الرحمن الرحيم.
(والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والانثى (3) إن سعيكم لشتى (4) فأما من أعطى واتقى (5)
وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8)
وكذب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10) وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) إن علينا للهدى (12) وإن لنا للاخرة والاولى) (13)
ثلاث عشرة آية.
هذا قسم من الله تعالى بالليل إذا غشية الظلام، فاظلم وادلهم وغشى الانام لما في ذلك من الهول المحرك للنفس بالاستعظام.
ثم اقسم بالنهار إذا تجلى، ومعناه إذا أنار وظهر للابصار لمافى ذلك من الاعتبار. وقيل التقدير والليل إذا يغشى النهار، فيذهب بضوئه (والنهار إذا تجل) أي جلى الليل، فأذهب ظلمته، ذكره الحسن. والغشي إلباس الشئ ما يغمر ويستر جملته، وإنما كرر ذكرهما في السورتين لعظم شأنهما، وجلالة موقعهما في باب

===============
(363)
الدلالة على توحيد الله - ذكره قتادة -.
وقوله (وما خلق الذكر والانثى) للتناسل بينهما. ويحتمل أن يكون المراد ومن خلق الذكر والانثى، وفى قراءة عبدالله (والذي خلق الذكر والانثى)
لان (ما) بمعني الذي، وهو الله، فيكون القسم بالله. وعلى الاول يكون القسم بخلق الله. وقيل: المراد بالذكر والانثى آدم وحواء (عليهما السلام).
وقوله (إن سعيكم لشتى) جواب للقسم، ومعناه إن سعيكم لمختلف، فسعي المؤمن خلاف سعي الكافر. ومعنى (شتى) أي متفرق على تباعد ما بين الشيئين جدا، ومنه شتان أي بعد ما بينهما جدا كبعد ما بين الثرى والثريا. ويقال:
تشتت أمر القوم وشتتهم ريب الزمان.
وقوله (فاما من اعطى واتقى) معناه من أعطى حق الله واتقى محارم الله - ذكره قتادة - (وصدق بالحسنى) قال ابن عباس وعكرمة: وصدق بالخلف.
وقال الضحاك: صدق بتوحيد الله، وقال مجاهد والحسن: يعني صدق بالجنة. وقال قتادة: بوعد الله، والحسنى النعمة العظمى بحسن موقعها عند صاحبها، وهذه صفة الجنة التي أعدها الله تعالى للمتقين وحرمها من كذب بها.
وقوله (فسنيسره لليسرى) معناه يسهل عليه الامر، فالتيسير تصيير الامر سهلا. ومثله التسهيل والتخفيف، ونقيض التيسير والتعسير وهو تصير الامر صعبا.
واليسير نقيض العسير، يقال: أيسر إذا كثر ماله ويوسر ايسارا. وتقديره فسنيسره للحال اليسرى، فلذلك أنث فحال اليسير اليسرى، وحال العسير العسرى والتيسير لليسرى يكون بأن يصيرهم إلى الجنة، والتيسير للعسرى بأن يصبرهم إلى النار. ويجوز أن يكون ا لمراد بالتمكين من سلوك طريق الجنة، والتمكين من سلوك طريق النار. ومعناه إنا لسنا نمنع المكلفين من سلوك أحد الطريقين ولا نضطرهم

===============
(364)
اليه، وإنما نمكنهم بالاقرار عليهما ورفع المنع، والترغيب في احداهما، والتزهيد في الاخرى. فان احسن الاختيار اختار ما يؤديه إلى الجنة. وإن أساء فاختار ما يؤد به إلى النار فمن قبل نفسه أتى.
وقوله (وأما من بخل واستغنى) يعني به من منع حق الله الذي أوجب عليه من الزكاة والحقوق الواجبة في ماله، واستغنى بذلك وكثر ماله، فسنيسره للعسرى يعني طريق النار. وقد بينا كيفية تيسير الله لذلك من التمكين أو التصيير فلا حاجة لا عادته. والعسرى البلية العظمى بما تؤدي اليه، ونقيضها اليسرى، وهو مأخوذ من العسر واليسر، فحال العسر العسرى وحال اليسر اليسرى، ومذكره الايسر، والامر الاعسر. وقال الفراء: المعنى فسنيسره للعود إلى الصالح من الاعمال ونيسره من الاعمال للعسرى على مزاوجة الكلام. والاولى أن تكون الايتان على عمومهما في كل من يعطي حق الله، وكل من يمنع حقه، لانه ليس - ههنا - دليل قاطع على أن المختص بها إنسان بعينه، وقد روي أنها نزلت في أبي الدحداح الانصاري، وسمرة بن حبيب، ورووا في ذلك قصة معروفة. وروي في غيره وقوله (وما يغنى عنه ماله إذا تردى) معناه أي شئ يغني عن هذا الذي بخل بماله، ولم يخرج حق الله منه (إذا تردى) يعني في نار جهنم - في قول قتادة وابي صالح - وهو المروي عن ابي جعفر (عليه السلام). وقال مجاهد: معناه إذا مات.
وقال قوم: معناه (إذا تردى) في القبر أي شئ يغنيه. وقيل (إذا تردى) في النار فما الذي يغنيه.
وقوله (إن علينا للهدى قال قتادة: معناه إن علينا لبيان الطاعة من المعصية وقيل في قوله (إن علينا للهدى) دلالة على وجوب هدى المكلفين إلى الدين، وإنه

===============
(365)
لا يجوز إضلالهم منه. وقوله (وإن لنا للاخرة) معناه الاخبار من الله بأن له دار الاخرة والجزاء فيها على الاعمال، والامر والنهي ليس لاحد سواه، لان دار الدنيا قد ملك فيها أقواما التصرف، وقوله (والاولى) معناه وإن لنا الاولى ايضا يعني دار الدنيا فانه الذي خلق الخلق فيها، وهو الذي مكنهم من التصرف فيها وهو الذى ملكهم ما ملكهم، فهي ايضا ماله على كل حال.
قوله تعالى:
(فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصليها إلا الاشقى (15)
الذي كذب وتولى (16) وسيجنبها الاتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لاحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى (20) ولسوف يرضى) 21) ثمان آيات.
قوله (فانذرتكم نارا تلظى) وعيد من الله تعالى للمكلفين. تقول خوفتكم المعاصي التي تؤديكم إلى نار تلظى.
وقرأ ابن كثير (نارا تلظى) بتشديد التاء ادغم احدى التاءين في الاخرى، لان الاصل تتلظى. وقيل: انه ادغم نون التنوين في التاء. الباقون بالتخفيف فحذفوا احدى التاءين. والتلظي تلهب النار بشدة الايقاد تلظت النار تتلظى تلظيا ولظى اسم من اسماء جهنم.
وقوله (لا يصلاها إلا الاشقى الذى كذب) وقصر عما أمرته كما تقول: لقي فلان العدو فكذب: إذا نكل ورجع - ذكره الفراء - فكأنه كذب في الطاعة أى لم يتحقق. وقال المفسرون فيها قولان:

===============
(366)
احدهما - الانذار بنار هذه صفتها، وهي درك مخصوص من أدراك جهنم فهي تختص هذا المتوعد الذى كذب بآيات الله وجحد توحيده (وتولى) عنها بأن لم ينظر فيها أو رجع عنها بعد أن كان نظر فيها فصار مرتدا. والثاني محذوف لما صحبه من دليل الاي الاخر، كأنه قال ومن جرى مجراه ممن عصى فعلى هذا لا متعلق للخوارج في أن مرتكب الكبيرة كافر.
وقوله (وسيجنبها الاتقى) معناه سيبعد من هذه النار من كان اتقى الله باجتناب معاصيه (الذي يؤتي ماله) أي يعطي ماله (يتزكى) يطلب بذلك طهارة نفسه، فالتجنب تصيير الشئ في جانب عن غيره، فالاتقى يصير في جانب الجنة عن جانب النار يقال: جنبه الشر تجنيبا وتجنب تجنبا وجانبه مجانبة، ورجل جنب، وقد اجنب إذا أصابه ما يجانب به الصلاة حتى يغتسل.
وقوله (وما لاحد عنده من نعمة تجزى) معناه ليس ذلك ليد سلفت تكافي عليها ولا ليد يتخذها عند أحد من العباد، وقوله (إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى)
معناه بل إنما فعل ذلك طلب رضوان الله، وذكر الوجه طلبا لشرف الذكر. والمعنى إلا ابتغاء ثواب الله وطلب رضوانه. وقوله (ولسوف يرضى) معناه إن هذا العبد الذي فعل ما فعله لوجه الله سوف يرضى بما يعطيه الله على ذلك من الثواب وجزيل النعيم يوم القيامة.

===============
(367)
93 - سورة الضحى مكية في قول ابن عباس الضحاك، وهي إحدى عشرة آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) وللاخرة خير لك من الالولى (4) ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7)
ووجدك عائلا فأغنى (8) فأما اليتيم فلا تقهر (9) وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث) (11) احدى عشرة آية.
روي أن عروة ابن الزبير قرأ (ما ودعك ربك بالتخفيف من قولهم:
ودع يدع أي ترك يترك، وهو قليل، لان سيبويه قال: استغنوا ب (ترك) عن (ودع) فلم يستعملوه. والباقون بالتشديد.
هذا قسم من الله تعالى بالضحى، وهو صدر النهار، وهو الضحى المعروف - في قول قتادة - وقال الفراء: هو النهار كله من قولهم: ضحى فلان للشمس إذا ظهر لها. وفي التنزيل (وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) (1).

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 20 طه آية 119 (*)

===============
(368)
وقوله (والليل إذا سجى) قسم آخر، وقال الحسن: معنى (سجى) غشي بظلامه وقال قتادة: معنى (سجى) سكن وهذا من قولهم: بحر ساج أي ساكن، وبه قال الضحاك، يقال: سجا يسجو سجوا إذا هدئ وسكن، وطرف ساج قال الاعشى:
فما ذنبنا ان جاش بحر ابن عمكم * وبحرك ساج لا يواري الدعا مصا (1)
وقال الراجز:
يا حبذا القمراء والليل الساج * وطرق مثل ملاء النساج (2)
وقوله (ما ودعك ربك وما قلى) جواب القسم. وقيل: إنه لما تأخر عنه الوحي خمس عشرة ليلة، قال قوم من المشركين: ودع الله محمدا وقلاه، فانزل الله تعالى هذه السورة تكذيبا لهم وتسلية للنبي (صلى الله عليه وآله)، لانه كان اغتم بانقطاع الوحي عنه - ذكره ابن عباس وقتادة والضحاك - ومعنى (ما ودعك) ماقطع الوحي عنك، ومعنى (قلى) أبغض - في قول ابن عباس والحسن وابن زيد - والقالي المبغض يقال: قلاه يقلاه قلا إذا ابغضه. والعقل دال على انه لا يجوز ان يقلا الله احدا من أنبيائه، والتقدير ما قلاك، فحذف الكاف لدلالة الكلام عليه، ولان روس الاي بالياء، فلم يخالف بينها، ومثله (فآوى، وفهدى، وفأغنى) لان الكاف في جميع ذلك محذوفة، ولما قلناه.
وقوله (وللاخرة خير لك من الاولى) خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) يقول الله تعالى له إن ثواب الاخرة والنعيم الدائم فيها خير لك من الاولى يعني من الدنيا، والكون فيها لكونها فانية. قال ابن عباس: له في الجنة الف قصر من اللؤلؤ ترابه المسك، وفيه من كل ما يشتهي على اعم الوصف.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القرطبي 20 / 91 وديوانه 100 (2) مجاز القرآن 2 / 302 واللسان (سحى) والكامل 204 (*)

===============
(369)
وقوله (ولسوف يعطيك ربك فترضى) وعد من الله له أن يعطيه من النعيم والثواب وفنون النعم ما يرضى النبي (صلى الله عليه وآله) به ويؤثره.
ثم عدد عليه النعمة في دار الدنيا فقال (ألم يجدك يتيما فآوى) ومعناه تقريره على نعم الله عليه حين مات أبوه وبقي يتيما فآواه بأن سخر له عبدالمطلب أولا، ولما مات عبدالمطلب آواه إلى إبي طالب، وسخره للاشفاق عليه والحنين على حفظه ومراعاته.
وقوله (ووجدك ضالا فهدى) قيل في معناه أقوال:
احدها - وجدك لا تعرف الحق فهداك اليه بأن نصب لك الادلة وارشدك اليها حتى عرفت الحق، وذلك من نعم الله.
وثانيها - وجدك ضالا عما أنت عليه الان من النبوة والشريعة، فهداك اليها وثالثها - وجدك في قوم ضلال أي فكأنك واحد منهم.
ورابعها - وجدك مضلولا عنك فهدى الخلق إلى الاقرار بنبوتك والاعتراف بصدقك فوجدك ضالا بمعنى مضلول كما قيل ماء دافق بمعنى مدفوق، وسر كاتم بمعنى مكتوم.
وخامسها - أنه لما هاجر إلى المدينة ضل في الطريق، وضل دليله فأرشدهم الله إلى الطريق الواضح حتى وصلوا فاذا قيل: السورة مكية أمكن أن يقال: المراد بذلك الاستقبال والاعلام له أنه يكون هذا على وجه البشارة له به، ولم يكن فعلا له معصية، لانه ليس ذهابا عما كلف.
وقوله (ووجدك عائلا فاغنى) فالعائل الفقير، وهو ذو العيلة من غير جدة عال يعيل عيلة إذا كثر عياله وافتقر قال الشاعر:
(ج 10 م 47 من التبيان)

===============
(370)
وما يدرى الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل (1)
أي متى يفتقر. وقيل ان ذكر النعم من المنعم يحسن على وجهين:
احدهما - التذكير للشكر وطلب الزيادة منها فهذا جود وكرم.
والاخر - عند كفر المنعم عليه، فهذا التذكير على الوجه الاول.
وقوله (فاما اليتيم فلا تقهر) أي لا تقهره لظلمه بأخذ ماله فكذلك من لا ناصر له لا تغلظ في أمره، والخطاب متوجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو نهي لجميع المكلفين وقيل: معناه لا تقهره على ماله.
وقوله (وأما السائل فلا تنهر) فالانتهار هوالصياح في وجه السائل الطالب للرفد، يقال: نهره وانتهره بمعنى واحد، وهو متوجه إلى جميع المكلفين.
وقوله (وأما بنعمة ربك فحدث) معناه اذكر نعم الله واظهرها وتحدث بها.
وقد قيل: من شكر النعمة الحديث بها.
فان قيل: في هذا ونظائره مما عدده الله على خلقه من النعم وامتنائه عليهم كيف يمنن الله تعالى على خلقه بالنعم وذلك من فعل النجل، لان الواحد منا لو من على غيره بما يسدي اليه كان مقبحا؟ ! قبل: إنما يقبح الامتنان إذا كان الغرض الازراء بالنعم عليه والتفضيل به، فاما إذا كان الغرض تعريف النعمة وتعديدها وإعلامه وجوهها ليقابلها بالشكر فيستحق به الثواب والمدح، فانه نعمة اخرى وتفضل آخر يستحق به الشكر فبطل ما قالوه.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجاز القرآن 2 / 302 وقد مر في 3 / 109 و 5 / 235 (*)

===============
(371)
94 - سورة الانشراح مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي ثمان آيات بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2)
الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك (4) فان مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) فاذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب) (8) ثمان آيات.
روى اصحابنا ان ألم نشرح من الضحى سورة واحدة لتعلق بعضها ببعض ولم يفصلوا بينهما ب (بسم الله الرحمن الرحيم) وأوجبوا قراءتهما في الفرائض في ركعة وألا يفصل بينهما. ومثله قالوا في سورة (ألم ترك كيف) و (الايلاف) وفى المصحف هما سورتان فصل بينهما ببسم الله.
والمعني بهذه الايات تعداد نعم الله تعالى على النبي (صلى الله عليه وآله) في الامتنان بها عليه فقال (ألم نشرح لك صدرك) فالشرح فتح الشئ باذهاب ما يصد عن إدراكه فالله تعالى قد فتح صدر نبيه باذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق وتعظيمه بما يجب له. ومنه قول القائل: أشرح صدري لهذا الامر. وشرح فلان كتاب كذا، ومنه تشريح اللحم إذا فتحه ورققه، ومنه قوله (أفمن شرح الله صدره

===============
(372)
للاسلام) (1) وقال البلخي: كان النبي (صلى الله عليه وآله) ضاق صدره بمغاضبة الجن والانس له فآتاه الله من آياته ووعده ما اتسع قلبه لكل ما حمله الله وأمره به. وقال الجبائي:
شرح الله صدره بأن فعل له لطفا بسنن منه إلى ما كلفه الله وسهل عليه، وكان ذلك ثوابا على طاعاته لا يجوز فعله بالكفار. وعكسه ضيق الصدر كما قيل في قوله (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) (2) والصدر الموضع الارفع الذي فيه القلب، ومنه أخذ صدر المجلس تشبيها بصدر الانسان.
وصدرته بكذا إذا جعلته في أول كلامك. والصدر لان الاوامر تصدر عنه.
وصادره إذا اخذ ما يصدر عنه والاصل الانصراف عن الشئ.
وقوله (ووضعنا عنك وزرك) قال الحسن: يعني بالوزر الذي كان عليه في الجاهلية قبل النبوة. وقال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: يعني ذنبك. قالوا:
وإنما وصفت ذنوب الانبياء بهذا الثقل مع انها صغائر مكفرة لشدة اغتمامهم بها وتحسرهم على وقوعها مع ندمهم عليها. وهذان التأويلان لا يصحان على مذهبنا، لان الانبياء (عليهم السلام) لا يفعلون شيئا من القبائح لا قبل النبوة ولا بعدها ولا صغيرة ولا كبيرة، فاذا ثبت هذا، فمعنى الاية هو أن الله تعالى لما بعث نبيه وأوحى اليه وانتشر أمره وظهر حكمه كان ما كان من كفار قومه وتتبعهم لاصحابه باذاهم له وتعرضهم إياهم ما كان يغمه ويسؤه ويضيق صدره ويثقل عليه، فازال الله ذلك بأن أعلى كلمته وأظهر دعوته وقهر عدوه. وانجز وعده ونصره على قومه، فكان ذلك من اعظم المنن وأجزل النعم.
فاذا قيل: السورة مكية، وكان ما ذكرتموه بعد الهجرة؟ !

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 39 الزمر آية 22 (2) سورة 6 الانعام آية 125 (*)


(373)
قيل: ليس يمنع أن يكون الله أخبره بأن ذلك سيكون فيما بعد ليبشره به ويسليه عما هو عليه فجاء بلفظ الماضي وأراد الاستقبال، كما قال (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) (1) وكما قال (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك) (2) والوزر الثفل في اللغة، ومنه اشتق اسم الوزير لتحمله أثقال الملك. وإنما سميت الذنوب أوزارا لما فيها من العقاب العظيم.
وقوله (الذي انقض ظهرك) نعت الوزر، ووصفه بأنه انقض ظهره بمعنى أثقله، والانقاض الاثقال الذي ينتقض به ما حمل عليه. أنقض ينقض انقاضا والنقض والهدم واحد، ونقض المذهب إبطاله بما يفسده. وقال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد: معنى انقض أثقل، وبعير نقض سفر إذا أثقله السفر.
وقوله (ورفعنا لك ذكرك) قال الحسن ومجاهد وقتادة: معناه إني لا اذكر إلا ذكرت معي يعني ب (لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وقوله (فان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا) يدل على أن التأويل في قوله (ووضعنا عنك وزرك) ما قلناه، لان الله بشره أنه يكون مع العسر يسرا وروي عن ابن عباس أنه قال: لن يغلب عسر واحد يسرين، لانه حمل العسر في الايتين على انه واحد لكونها بالالف واللام، واليسر منكر في تثنية الفائدة، والثاني غير الاول، والعسر صعوبة الامر وشدته، واليسر سهولته.
ثم قال له (فاذا فرغت فانصب) قال ابن عباس: معناه فاذا فرغت من فرضك فانصب إلى ما رغبك الله فيه من العمل. وقال قتادة: معناه فاذا فرغت من صلاتك فانصب إلى ربك في الدعاء. وقال مجاهد: معناه فاذا فرغت من أمر دنياك فانصب إلى عبادة ربك. ومعنى (فانصب) ناصب يقال: ناله هم ناصب أي ذو

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 7 الاعراف آية 43 (2) سورة 43 الزخرف آية 77 (*)

===============
(374)
نصب. ويقال: أنصبني الهم فهو منصب قال الشاعر:
تعناك هم من أميمة منصب (1)
وقال النابغة:
كليني لهم يا اميمه ناصب (2)
أي فيه نصب كقوله (عيشة راضية) (3) أي ذات رضى. والخطاب وإن كان متوجها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فالمراد به جميع المكلفين من أمته، والفراغ انتفاء كون الشئ المضاد لكون غيره في المحل. ونقيضه الشغل، وهو كون الشئ المضاد في المحل ومنه أخذ شغل الافعال، ولهذا لا يوصف تعالى بأنه يشغله شئ عن شئ، لانه تعالى يخترع ما شاء من الافعال.
وقوله (وإلى ربك فارغب) حث له على الرغبة في الطلب من الله تعالى دون غيره.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 8 / 567 (2) مر في 5 / 368 و 6 / 95 329 و 8 / 122، 567 (3) سورة 69 الحاقة آية 21 وسورة 101 القارعة آية 7 (*)

===============
(375)
95 - سورة التين مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي ثمان آيات بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الامين (3) لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم (4) ثم رردناه أسفل سافلين (5) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) فما يكذبك بعد بالدين (7) أليس الله بأحكم الحاكمين) (8) ثمان آيات.
هذا قسم من الله تعالى بالتين والزيتون، وقال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة:، هو التين الذي يؤكل والزيتون الذي يعصر. وقال ابن زيد: التين مسجد دمشق والزيتون بيت المقدس. قال الفراء: سمعت رجلا من أهل الشام، وكان صاحب تفسير، قال: التين جبال ما بين حلوان إلى همدان، والزيتون الذي يعصر (وطور سينين) هو قسم آخر، وقال مجاهد وقتادة (الطور) جبل. و (سينين)
معناه مبارك، فكأنه قيل: جبل فيه الخير الكثير، لانه أضافه إضافة تعريف. وقال الحسن: طور سينين هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران (عليه السلام)، فهو عظيم

===============
(376)
الشأن. وقيل: سينين بمعنى حسن، لانه كثير النبات والشجر - في قول عكرمة - وقوله (وهذا البلد الامين) قسم آخر، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وابراهيم: البلد الامين مكة، والامين بمعنى آمن، كما قال الله تعالى (أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا) (1) قال الشاعر:
ألم تعلمي يا اسم ويحك انني * حلفت يمينا لا أخون أميني (2)
يريد أمني، وقوله (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم) جواب القسم قال ابن عباس: خلق الله تعالى الانسان في أحسن تقويم منتصب القامة وسائر الحيوان منكب. وقال الفراء: معناه إنا لنبلغ بالادمى أحسن تقويمه، وهو اعتداله واستواء شبابه، وهو أحسن ما يكون. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: معناه في أحسن صورة والتقويم تصبير الشئ على ما ينبغي أن يكون عليه من التأليف والتعديل، قومه تقويما فاستقام، وتقوم.
وقوله (ثم رددناه أسفل سافلين) قال ابن عباس وابراهيم وقتادة: معناه إلى ارذل العمر، وقال الحسن ومجاهد وابن زيد: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة ثم استثنى من جملتهم (إلا الذين آمنوا) بالله تعالى واخلصوا العبادة له (وعملوا الصالحا ت) أي وأضافوا إلى ذلك الاعمال الصالحات، وبين أن من هذه صفته (لهم أجر) أي ثواب على طاعاتهم (غير ممنون) أي غير منقوص. وقيل غير مقطوع، وقال مجاهد: غير محسوب، وقيل غير مكدر بما يوذي ويغم.
وقوله (فما يكذبك بعد بالدين) معناه أي شئ يكذبك أيها الانسان بعد هذه الحجج بالدين الذي هو الجزاء. وقال قتادة: معناه فمن يكذبك أيها الانسان

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 29 العنكبوت آية 67 (2) تفسير القرطبي 20 / 113 (*)

===============
(377)
بعدها بالدين الذي هو الجزاء والحساب، وهو قول الحسن وعكرمة.
وقوله (أليس الله بأحكم الحاكمين) تقرير للانسان على الاعتراف بأنه تعالى أحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا، لانه لا خلل فيه ولا اضطراب يخرج عما تقتضيه الحكمة وفى ذلك دلالة على فساد مذهب المجبرة في أن الله يخلق الظلم والفساد. والحكم الخبر بما فيه فائدة بما تدعو اليه الحكمة، فاذا قيل: حكم جائر فهو بمنزلة حجة داحضة مجازا بمعنى أنه حكم عند صاحبه كما أنها حجة عنده. وليست حجة في الحقيقة. وقيل:
المعنى أي شئ يكذبك بالدين: ويحملك على جحد الجزاء يوم القيامة وأنا أحكم الحاكمين. وروي عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ (اليس الله بأحكم الحاكمين)
قال: سبحانك اللهم بلى. وروى أبوهريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال (إذا قرأ احدكم والتين والزيتون فأتى على آخرها فليقل: بلى).
(ج 10 م 48 من التبيان (*)

===============
(378)
96 - سورة العلق مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي تسع عشرة آية في الكوفي والبصري وعشرون في المدنيين بسم الله الرحمن الرحيم (إقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الانسان من علق (2)
إقرأ وربك الاكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الانسان مالم يعلم (5) كلا إن الانسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى) (10)
عشر آيات.
روي عن عائشة ومجاهد وعطاء وابن سيار: ان أول آية نزلت قوله (إقرأ باسم ربك الذي خلق) وهو قول أكثر المفسرين. وقال قوم: أول ما نزل قوله (ياايها المدثر) وقد ذكرناه فيما مضى.
هذا أمر من الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) ان يقرأ باسم ربه الذي خلق الخلق، وأن يدعوه بأسمائه الحسنى. وفى تعظيم الاسم تعظيم المسمى، لان الاسم وصف ليذكر به المسمى بما لا سبيل إلى تعظيمه إلا بمعناه، فلهذا لايعظم اسم الله حق

===============
(379)
تعظيمه إلا من هو عارف به ومعتقد العبادة ربه فهو معتقد بتعظيم المسمى لاوجه له يعتد به إلا تعظيم المسمى، ولهذا قال الله تعالى (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الاسماء الحسنى) (1) وقال (فسبح باسم ربك) (2) وقال الله تعالى (تبارك اسم ربك ذي الجلال والاكرام) (3) والباء زائدة، وتقديره اقرأ إسم ربك.
وقوله (الذي خلق) في موضع جر، نعت ل (ربك) الذي خلق الخلائق وأخرجهم من العدم إلى الوجود. وقوله (خلق الانسان من علق) تخصيص لبعض ما ذكره بقوله (الذي خلق) لانه يشتمل على الانسان وغيره، وإنما أفرد الانسان بالذكر تشريفا له وتنبيها على ما خصه الله به من سائر الحيوان، وبين أنه مع ذلك خلقه الله من علق، وهو القطعة الجامدة من الدم، وإنما قال (علق) وهو جمع علقة لان المراد بالانسان الجمع، لانه إسم جنس، وسمي به قطع العدم التي تعلق لرطوبتها بما تمر به، فاذا جفت لا تسمى علقا، وواحدها (علقة) مثل شجرة وشجر. وعلق في معنى الجمع، لان الانسان جمع على طريق الجنس، والنطقة تستحيل في الرحم علقة ثم مضغة ويسمى ضرب من الدود الاسود العلق، لانه يعلق على الشفتين لداء يصيبها فيمتص الدم. وفي خلق الانسان من علق دليل على ما يصح أن ينقلب اليه الجوهر.
وقوله (اقرأ وربك الاكرم) معناه اقرأ القرآن وربك الاكرم ومعنى الاكرم:
الاعظم كرما وفي صفة الله تعالى معناه الاعظم كرما بما لا يبلغه كرم، الذي يثيبك على عملك بما يقتضيه كرمه، لانه يعطي من النعم ما لا يقدر على مثله غيره، فكل نعمة من جهته تعالى، إما بأن اخترعها أو سيبها وسهل الطريق اليها.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 17 الاسرى آية 110 (2) سورة 69 الحاقة آية 52 (3) سورة 55 الرحمن آية 78 (*)

===============
(380)
وقوله (الذي علم بالقلم) (الذي) في موضع رفع، لانه نعت لقوله (وربك)
والمعنى إنه تعالى امتن على خلقه بما علمهم من كيفية الكتابة بالقلم، لما في ذلك من كثرة الانتفاع لخلقه، فقد نوه الله بذكر القلم إذ ذكره في كتابه، وقد وصف بعض الشعراء القلم فقال:
لعاب الافانمي القاتلات لعابه * وأري الجنا اشتارته أيد عواسل
وقوله (علم الانسان ما لم يعلم) امتنان من الله تعالى على خلقه بأن علمهم ما لم يكونوا عالمين به إما بخلق العلوم في قلوبهم من الضروريات أو بنصب الادلة لهم على الوصول اليها فيما لم يعلموه ضرورة، وذلك من أعظم نعم الله تعالى على خلقه، وفي ذلك دلالة على انه تعالى عالم لان العلم لا يقع إلا من عالم.
وقوله (كلا) ردع وزجر وتقديره ارتدعوا وانزجروا معاشر المكلفين، ثم اخبر (إن الانسان ليطغي) ويحتمل أن يكون بمعنى حقا على وجه القسم بأن الانسان ليطغى أي ليجاوزا الحد في العصيان والخروج عن الطاعة (أن رآه استغنى)
أي إذا كثر ماله واستغنى بطر وطغى، وخرج عن الحد الحدود له، ويجوز أن يقال: زيد رآه استغنى من الرؤية بمعنى العلم، ولا يجوز من رؤية العين، زيد (رآه)
حتى تقول رأى نفسه، لان الذي يحتاج إلى خبر جاز فيه الضمير المتصل لطول الكلام بلزوم المفعول الثاني. وقرأ ابوعمرو (رآه) بفتح الراء وكسر الهمزة.
وقرأ نافع وحفص عن عاصم بالفتح فيهما. الباقون بفتح الراء وبعد الهمزة الف على وزن (وعاه) على أمالة الفتحة، وابوعمرو يميل الالف.
ثم قال على وجه التهديد لهم (ان إلى ربك الرجعي) فالرجعي والمرجع والرجوع واحد أى مصيرهم ومرجعهم إلى الله فيجازيهم الله على أفعالهم على الطاعات بالثواب، وعلى المعاصي بالعقاب.

===============
(381)
وقوله (أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى) تقرير للنبي (صلى الله عليه وآله) وإعلام له ما يفعله بمن ينهاه عن الصلاة. وقيل: إن الايات نزلت في أبي جهل بن هشام، والمراد بالعبد في الاية النبي (صلى الله عليه وآله) فان أبا جهل كان ينهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن الصلاة وكان النبي (صلى الله عليه وآله) لما قال ابوجهل: ألم انهك عن الصلاة انتهره واغلظ له، فقال أبوجهل، أنا اكثر أهل هذا الوادي ناديا - ذكره ابن عباس وقتادة - والمعنى أرأيت يامحمد (صلى الله عليه وآله) من فعل ما ذكرناه من منع الصلاة، وينهى المصلين عنها؟ ماذا يكون جزاؤه؟ وما يكون حاله عند الله؟ وما الذى يستحقه من العقاب؟ قوله تعالى:
(أرأيت إن كان على الهدى (11) أوأمر بالتقوى (12)
أرأيت إن كذب وتولى (13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة (16)
فليدع ناديه (17) سندع الزبانية (18) كلا لا تطعه واسجد واقترب) (19) تسع آيات.
لما قال للنبي (صلى الله عليه وآله) (أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى) بين ما ينبغي أن يقال له فانه يقال له (أرايت إن كان) هذا الذي صلى (على الهدى) والطريقة الصحيحة (أرأمر بالتقوى) أي بأن يتقي معاصي الله كيف يكون حال من ينهاه عن الصلاة ويزجره عنها؟ ! ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله) (أرايت إن كذب وتولى) بما يقال له وأعرض عن قبوله. والاصغاء اليه (ألم يعلم بأن الله يرى) أي يعلم ما يفعله ويدرك ما يصنعه، فالهدى البيان عن الطريق المؤدي إلى الغرض الحكمي يقال:

===============
(382)
هداه إلى الحق في الدين يهديه هدى، والعمل بالبيان عن طريق الرشد هدى، وكذلك باللطف فيه. والتقوى تجنب ما يؤدي إلى الردى، اتقاه اتقاء وتقوى والاصل وقيا. فابدلت الواو تاء، والياء واوا، لان التاء أحسن أولا من الواو مع مناسبتها بالقرب وإمتناع المخرج، والتقدير أرايت الذي فعل هذا الفعل ما الذي يستحق بذلك من الله من العقاب. ثم قال على وجه التهديد (كلا لئن لم ينته)
عن هذا الفعل والقول (لنسفعا بالناصية) أي لنغيرن بها إلى حال تشويه، يقال:
سفعته النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تشويه، وقيل: هو أن يجر بناصيته إلى النار، والناصية شعر مقدم الرأس. وهو من ناصى يناصي مناصاة إذا واصل قال الراجز:
قي يناصيها بلاد قي (1)
فالناصية متصلة بشعر الرأس. وقوله (ناصية) بدل من (الناصية)
بدل النكرة من المعرفة ووصفها بأنها (كاذبة خاطئة) ومنعاه أن صاحبها كاذب في اقواله خاطئ في أفعاله وأضاف الفعل اليها لما ذكر الخبر بها، وقوله (فليدع ناديه) وعيد للذي قال: أنا اكثر هذا الوادي ناديا بأن قيل له (فليدع ناديه)
إذا حل عقاب الله به. وقال ابوعبيدة: تقديره، فليدع أهل ناديه، كقوله (واسأل القرية) (2) والنادى الفناء ومنه قوله (وتأتون في ناديكم المنكر) (3) ثم قال (سندع)
نحن (الزبانية) يعني الملائكة الموكلين بالنار - في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك - وقال ابوعبيدة: واحد الزبانية زبينة، وقال الكسائي واحدهم زبني.
وقال الاخفش: واحدهم زابن. وقيل: زبنية. ويجوز أن يكون اسما للجمع مثل

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 11 و 9 / 477، 508 (2) سورة 12 يوسف آية 82 (3) سورة 29 العنكبوت آية 29 (*)

===============
(383)
ابابيل، والزبن الدفع، والناقة تزبن الحالب أى تركضه برجلها، وقال الشاعر:
ومستعجب مما يرى من أناتنا * ولو زبنته الحرب لم يترمرم
ثم قال (كلا) أى ارتدع وانزجر (فلا تطعه) أى لا تطع هذا الكافر، فانه ليس الامر على ما يظن هذا الكافر وهو أبوجهل الذى نزلت الايات فيه (واسجد) لله تعالى وأطعه (واقترب) من ثوابه بطاعته. وقيل: معناه تقرب اليه بطاعته دون الرياء والسمعة. والسجود - هنا - فرض وهو من العزائم، وهي أربعة مواضع: ألم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك. وما عداها في جميع القرآن مسنون ليس بمفروض. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف.

===============
(384)
97 - سورة القدر مدنية في قول الضحاك. وقال عطاء الخراساني هي مكية، وهي خمس آيات بلا خلاف.
بسم الله الرحمن الرحيم (إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدريك ما ليلة القدر (2)
ليلة القدر خير من ألف شهر (3) تنزل الملئكة والروح فيها باذن ربهم من كل أمر (4) سلام هي حتى مطلع الفجر) (5) خمس آيات قرأ الكسائي وخلف (مطلع الفجر) بكسر اللام على معنى وقت طلوعه.
الباقون بالفتح على المصدر، وروي عن ابن عباس انه قرأ (من كل أمرئ) بمعنى من الملائكة. الباقون (من كل أمر) بمعنى الواحد من الامور.
يقول الله تعالى مخبرا انه أنزل القرآن في ليلة القدر، فالهاء كناية عن القرآن، وإنما كنى عما لم يجر له ذكر، لانه معلوم لا يشتبه الحال فيه. وقال ابن عباس:
أنزل الله القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر. وقال الشعبي: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، وليلة القدر هي الليلة التي يحكم الله فيها و. يقضي بما يكون في السنة بأجمعها من كل أمر - في قول الحسن ومجاهد - يقال: قدرالله هذا الامر يقدره قدرا إذا جعله على مقدار ما تدعو اليه الحكمة. وقيل: فسر الله تعالى ليلة

===============
(385)
القدر بقوله (فيها يغرق كل أمر حكيم) (1) وقيل: سميت ليلة القدر لعظم شأنها وجلالة موقعها من قولهم: فلان له قدرو الاول أظهر، وليلة القدر في العشر الاواخر من شهر رمضان بلا خلاف، وهي ليلة الافراد بلا خلاف. وقال اصحابنا هي احدى الليلتين إما ليلة احدى وعشرين او ثلاث وعشرين، وجوز قوم: أن يكون سائر ليالي الافراد إحدى وعشرين وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين وتسع وعشرين، وجوزوا أيضا تقديهما في سنة وتأخيرها في أخرى، وإنما لم تعين هذه الليلة ليتوفر العباد على العمل في سائر الليالي. والقدر كون الشئ على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان، ففي ليلة القدر تجدد الامور على مقاديرها جعلها الله في الاجال والارزاق والمواهب التي يجعلها الله للعباد، ويقع فيها غفران السيئات ويعظم منزلة الحسنات على مالا يقع في ليلة من الليالي، فينبغي للعاقل أن يرغب فيما رغبة الله بالمبادرة إلى ما أمر به على ما شرط فيه. والاوقات إنما يفضل بعضها على بعض بما يكون من الخير الجزيل والنفع الكثير فيها دون غيرها فلما جعل الله تعالى الخير الكثير يقسم في ليلة القدر بما جعله الله فيها من هذا المعنى، ولذلك قال (وما أدراك ما ليلة القدر) تعظيما لشأنها وتفخيما، وانك يا محمد لا تعلم حقيقة ذلك.
ثم بين تعالى ذلك فقال (ليلة القدر خير من الف شهر) والمعنى إن الثواب على الطاعة فيها خير يفضل على ثواب كل طاعة تفعل في الف شهر ليس فيها ليلة القدر. وقيل إن الله يتفضل على خلقه في هذه الليلة وينعم عليهم بما لا يفعل في الف شهر ليس فيها ليلة القدر وبما لا يكون مثله في الف شهر وكانت افضل من الف شهر

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 44 الدخان آية 4 (ج 10 م 49 من التبيان) (*)

===============
(386)
ليس فيها ليلة القدر. والشهر في الشرع عبارة عن ما بين هلالين من الايام، وسمي شهرا لاشتهارة بالهلال. وقد يكون الشهر ثلاثين ويكون تسعة وعشرين إذا كانت هلالية، فان لم تكن هلالية فهي ثلاثون. وقوله (تنزل الملائكة والروح فيها) معناه تنزل الملائكة والروح الذي هو جبرائيل بكل أمر في ليلة القدر إلى سماه الدنيا حتى يعلمه أهل سماء الدنيا، فيكون لطفا لهم وحتى يتصوره العباد ينزل بأمر الله اليها، فتنصرف آمالهم إلى ما يكون منها فيقوى رجاؤهم بما يتجدد من تفضل الله فيها.
وقيل: إن نزولها بالسلامة والخير والبركة إلى تلك الساعة (باذن ربهم من كل أمر) أي ما ينزلون به كله بأمر الله، ويكون الوقف - ههنا - تاما على ما قرأ به القراء المشهورون، وعلى ما حكيناه عن ابن عباس وهو قول عكرمة والضحاك:
لا يكون تاما.
وقوله (سلام هي حتى مطلع الفجر) قل هو سلام الملائكة (عليهم السلام) بعضهم على بعض إلى طلوع الفجر. وقيل: معناه سلام هي من الشر حتى مطلع الفجر - ذكره قتادة - وقيل إن فضل الصلاة فيها والعبادات على الف شهر يراد بها إلى وقت طلوع الفجر، وليست كسائر الليالي التي فضلت بالعبادة في بعضها على بعض والمطلع الطلوع، والمطلع موضع الطلوع، وجر (مطلع) ب (حتي) لانها إذا كانت بمعنى الغاية خفضت الاسم باضمار (إلى) ونصبت الفعل باضمار (إلى أن) كقولك:
دخلت الكوفة حتى مسجدها، أي حتى انتهيت إلى مسجدها، والفعل كقولك:
أسير حتى ادخلها، بمعنى إلى ان أدخلها.

===============
(387)
98 - سورة البينة مدنية في قول ابن عباس والضحاك، وهي ثمان آيات في الكوفي والمدنيين، وتسع في البصري.
بسم الله الرحمن الرحيم (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة (1) رسول من الله يتلو صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين * حنفاء ويقيموا الصلوة ويؤتوا الزكوة وذلك دين القيمة (5) إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (7) جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا * رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) (8) ثمان آيات.

===============
(388)
قرأ نافع وابن عامر - في رواية ابن ذكوان (خير البرئية) و (شر البرئية)
مهموزتان الباقون بغير همز. من همز جعله من (برأ الله الخلق يبرؤهم) ومنه البارئ ومن لم يهمز يجوز أن يكون خفف. ويجوز أن يكون من البري الذى هو التراب، كما يقال: بغاك من سار إلى القوم البرئ، وروى أبونشيط من طريق القرطي (لمن خشي ربه) بضم الهاء من غير اشباع. الباقون بضم الهاء، ووصلها بواو في اللفظ يقول الله تعالى (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة) قال الحسن وقتادة معناه لم يكونوا منتهين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة. وقال قوم: معناه لم يكونوا منفكين من كفرهم أي زائلين. وقيل: معناه لم يكونوا ليتركوا منفكين من حجج الله حتى تأتيهم البينة التى تقوم بها الحجة عليهم وقال الفراء: منعاه لم يكونوا منفكين من حجج الله بصفتهم للنبي (صلى الله عليه وآله) أنه في كتابهم وقيل معناه لم يكونوا زائلين من الدنيا، والانفكاك على وجهين: على لا يزال ولابد لها من خبر وحرف الجحد. ويكون على الانفصال فلا يحتاج إلى خبر ولا حرف جحد، كقولك انفك الشئ من الشئ قال ذو الرمة:
قلايص ما تنفك إلا مناخة * على الخسف أو يرمى بها بلدا قفرا (1)
فجعله الفراء من (انفك الشئ من الشئ) وجعله غيره من (ما يزال) إلا أنه ضرورة. والانفكاك إنفصال عن شدة اجتماع. واكثر ما يستعمل ذلك في النفي كما أن (ما زال) كذلك تقول: ما انفك من هذا الامر أي ما انفصل منه لشدة ملابسته له والمعني أن هؤلاء الكفار من أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى ومن المشركين يعني عباد الاصنام لا يفارقون الكفر إلى أن تأتيهم البينة يعني الحجج الظاهرة التي يتميز بها الحق من الباطل، وهي من البينونة. وفصل الشئ من غيره

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه 173 (كمبريج) وروايته (حرجح) بدل (قلايص) (*)

===============
(389)
فالنبي (صلى الله عليه وآله) حجة وبينة، وإقامة الشهادة العادلة بينة، وكل برهان ودلالة فهو بينة، وقوله (رسول من الله) هو بيان تلك البينة، بينها بأنه رسول من قبل الله يتلو عليهم صحفا مطهرة، يعني في السماء لا يمسها إلا الملائكة المطهرون من الانجاس وقوله (فيها كتب قيمة) معناه في تلك الصحف كتب جمع كتاب (قيمة)
فالقيمة المستمرة في جهة الصواب، فهو على وزن (فيعلة) من قام الامر يقوم به إذا أجراه في جهة الاستقامة. وقال قتادة: صحفا مطهرة يعني من الباطل وهو القرآن يذكره بأحسن الذكر ويثني عليه بأحسن الثناء.
وقوله (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جائتهم البينة) اخبار من الله تعالى أن هؤلاء الكفار لم يختلفوا في نبوة النبي (صلى الله عليه وآله) لانهم مجمعين على نبوته بما وجدوه في كتبهم من صفاته، فلما أتاهم بالبينة الظاهرة والمعجزة القاهرة، تفرقوا واختلفوا، فآمن بعضهم وكفر بعضهم. وفى ذلك دلالة على بطلان قول من يقول: إن الكفار خلقوا كفارا في بطون إمهاتهم، لانه تعالى بين أنهم لم يختلفوا في ذلك قبل مجئ معجزاته وأدلته، ولا يلزم على ذلك أن يكون مجيئ الايات مفسدة من حيث وقع الفساد عندها، لانه ليس حد المفسدة ما يقع عنده الفساد، بل حده ما يقع عنده الفساد ولولاه لم يقع، من غير أن يكون تمكينا، وههنا المعجزات تمكين فلم يكن مفسدة.
ثم قال تعالى (وما أمروا) أي لم يأمرهم الله تعالى (إلا ليعبدوا الله) وحده ولا يشركوا بعبادته غيره (مخلصين له الدين) لا يخلطون بعبادته عبادة سواه.
وقوله (حنفاء) جمع حنيف، وهو المائل إلى الحق، والحنفية الشريعة المائلة إلى الحق، وأصله الميل، ومن ذلك الاحنف: المائل القدم إلى جهة القدم الاخرى.
وقيل: أصله الاستقامة، وإنما قيل للمائل القدم أحنف على وجه التفاؤل (وقوله

===============
(390)
(ويقيموا الصلاة) أي يدوموا عليها ويقوموا بحددوها (ويؤتوا الزكاة) المفروضة من أموالهم. ثم قال (وذلك دين القيمة) أي ذلك الذي تقدم ذكره دين القيمة وتقديره ذلك دين الملة القيمة والشريعة القيمة.
وقوله (وما أمروا إلا ليعبدوا الله) دليل على فساد مذهب المجبرة: ان الله خلق الكفار ليكفروا به، لانه صرح ههنا أنه خلقهم ليعبدوه. وليس في الاية دلالة على أن أفعال الجوارح من الايمان، ولا من الدين، لانه يجوز أن يكون المراد (وذلك) إشارة إلى الدين، وتقديره والدين بذلك هو دين القيمة، لان من لا يعتقد جميع ذلك ويؤمن بجميع ما يجب عليه فليس بمسلم. وقد تقدم قوله (مخلصين له الدين) ثم قال (وذلك) يعني وذلك الدين (دين القيمة) وليس يلزم أن يكون راجعا إلى جميع ما تقدم، كما لا يلزم على مذهبهم في قوله (ومن يفعل ذلك يلق أثاما) (1) أن يكون راجعا إلى الشرك، وقتل النفس والزنا، بل عندهم يرجع إلى كل واحد من ذلك، فكذلك - ههنا - وقد أستوفينا ما يتعلق بذلك في كتاب الاصول.
وفي الاية دلالة على وجوب النية في الطهارة، لانه بين تعالى أنه أمرهم بالعبادة على الاخلاص، ولا يمكن ذلك إلا بالنية والقربة، والطهارة عبادة لقوله (صلى الله عليه وآله) (الوضوء شطر الايمان) وما هو شطر الايمان لا يكون إلا عبادة.
ثم اخبر تعالى عن حال الكفار والمشركين فقال (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) يعني من جحد توحيد الله وأنكر نبوة نبيه وأشرك معه إلها آخر في العبادة (في نار جهنم) معاقبين فيها جزاء على كفرهم (خالدين فيها) أي مؤبدين لا يفنى عقابهم. ثم قال (أولئك هم شر البرية) أي شر الخليقة، والبرية

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 25 الفرقان آية 68 (*)

===============
(391)
(فعيلة) من برأ الله الخلق إلا أنه ترك فيهما الهمز، ومن همز فعلى الاصل. ويجوز أن يكون (فعيلة) من البري وهو التراب ثم أخبر عن حال المؤمنين فقال (إن الذين آمنوا) بالله وأقروا بتوحيده واعترفوا بنبوة نبيه (وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) أي هم أحسنهم حالة. وإنما أطلق بأنهم خير البرية، لان البرية هم الخلق، ولا يخلوا أن لا يكونوا مكلفين، فالمؤمن خير منهم لا محالة. وإن كانوا مكلفين: فاما أن يكونوا مؤمنين أو كافرين أو مستضعفين، فالمؤمن خيرهم أيضا لامحالة بما معه من الثواب.
وقوله (جزاءهم عند ربهم) يعني جزاء إيمانهم وطاعاتهم عند الله يوفيهم الله يوم القيامة. ثم فسر ذلك الجزاء فقال (جنات عدن) أي بساتين إقامة (خالدين فيها) أى مؤبدين فيها (أبدا رضي الله عنهم) أي رضي أفعالهم (ورضوا عنه)
بما فعل بهم من الثواب. والرضا هو الارادة، إلا أنها لا تسمى بذلك إلا إذا وقع مرادها، ولم يتعقبها كراهية، فتسمى حينئذ رضا، فأما الارادة لما يقع في الحال او فيما يفعل بعد، فلا تسمى رضا، فرضى الله عن العباد إرادته منهم الطاعات التي فعلوها، ورضاهم عنه إرادتهم الثواب الذى فعله بهم، ثم قال (ذلك لمن خشي ربه) أي ذلك الرضا والثواب والخلود في الجنة لمن خاف الله فترك معاصيه وفعل طاعاته.

===============
(392)
99 - سورة الزلزال مدنية في قول ابن عباس وقال الضحاك مكية، وهي ثمان آيات في الكوفي والمدني الاول، وتسع آيات في البصري والمدني الاخير بسم الله الرحمن الرحيم (إذا زلزلت الارض زالزالها (1) وأخرجت الارض أثقالها (2) وقال الانسان مالها (3) يومئذ تحدث أخبارها (4)
بأن ربك أوحى لها (5) يومئذ يصدر الناس أشتاتا * ليروا أعمالهم (6)
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) (8) ثمان آيات.
قرأ عاصم في رواية أبان عنه (خيرا يره وشرا يرده) بضم الياء فيهما بمعنى انه يريه غيره. الباقون بفتح الياء بمعنى أنه يراه ويبصره. وقرأ ابن عامر - في رواية هشام - وابن عامر والكسائي عن أبي بكر - بسكون الهاء - في قوله (خيرا يره، وشرا يره) الباقون بالاشباع فيهما. قال ابوعلي: الاشباع هو الاصل، وهو الوجه، كما تقول: اكرمهو، وضربهو. وإنما يجوز إسكانها في الشعر. وقد حكى ابوالحسن أنها لغة رديئة فمن سكن فعلى هذه اللغة. وقرأ ابوجعفر من طريق

===============
(393)
ابن العلاف وروح - بضم الياء - من غير صلة بواو فيهما وقد بينا الوجه فيه.
يقول الله تعالى مخوفا لعباده أهوال يوم القيامة ومنذرا لهم بالايات الباهرة بأن قال (إذا زلزلت الارض زالزالها) فالزلزلة شدة الاضطراب بما يهدم البنيان زلزل يزلزل زلزالا، فكأنه مكرر (زل، يزل) للتكثير والتعظيم، والزلزال - بكسر الزاي - المصدر، وبالفتح الاسم. وقال الحسن: زلزلت ورجت ورجفت بمعنى واحد وقوله (وأخرجت الارض أثقالها) قال ابن عباس ومجاهد: معناه أخرجت موتاها، وأثقال الارض ما فيها مدفون من الموتى وغيرها، فان الارض تلفظ بكل ما فيها عند انقضاء أمر الدنيا، وتجديد أمر الاخرة.
وقوله (وقال الانسان مالها) معناه يقول الانسان: أي شئ اصارها إلى هذه الحالة التي ترى بها، يقول الانسان ذلك متعجبا من عظم شأنها وأنه لامر عظيم لفظت بما فيها، وتخلت من جميع الامور التي استودعها. وقوله (يومئذ تحدث أخبارها) قيل معناه يظهر بالدليل الذي يجعله الله فيها ما يقوم مقام اخبارها بأن أمر الدنيا قد انقضى وأمر الاخرة قد أتى، وانه لابد من الجزاء وأن الفوز لمن اتقى وأن النار لمن عصى. وقيل: معناه تحدث أخبارها بمن عصا عليها إما بأن يقلبها حيوانا قادرا على الكلام فتتكلم بذلك أو يحدث الله تعالى الكلام فيها، ونسبه اليها مجازا او يظهر فيها ما يقوم مقام الكلام فعبر عنه بالكلام، كما قال الشاعر:
امتلا الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملات بطني (1)
وقال آخر:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 1 / 231 و 8 / 85، 369، 47 و 9 / 111، 369 (ج 10 م 50 من التبيان) (*)

===============
(394)
وقالت له العينان سمعا وطاعة (1)
ويقولون عيناك تشهد لسهرك، وغير ذلك مما قد مضى نظائره. وقال ابن مسعود: الارض تتكلم يومئذ، فتقول أمرني الله بهذا. وقوله (بأن ربك أوحى لها) معناه إن الارض تحدث بهذا، فتقول: إن ربك يا محمد أوحى اليها.
قال العجاج:
وحى لها القرار فاستقرت (2)
أي أوحى اليها بمعنى القى اليها من جهة تخفى يقال: أوحى ووحى بمعنى واحد، ثم قال تعالى (يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم) اخبار من الله تعالى بأن ذلك اليوم يصدر الناس اشتاتا أي مختلفين (ليروا أعمالهم) أي ليجازوا على أعمالهم او ليريهم الله جزاء أعمالهم. وقيل: معنى رؤية الاعمال المعرفة بها عند تلك الحال، وهي رؤية القلب، ويجوز أن يكون التأويل على رؤية العين بمعنى ليروا صحائف أعمالهم يقرؤن ما فيها لقوله (وقالوا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها) وقيل ليروا جزاء اعمالهم حسب ما قدمناه. وقيل يرى الكافر حسناته فيتحسر عليها، لانها محبطة، ويرى المحسن سيئاته مكفرة وحسناته مثبتة ثم قال تعالى على وجه الوعيد (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) قال ابوعبيدة: مثقال ذرة شرا يره أي يرى ما يستحق عليه من العقاب، ويمكن أن يستدل بذلك على بطلان الاحباط، لان عموم الاية يدل أنه لا يفعل شيئا من طاعة أو معصية إلا ويجازي عليها وعلى مذهب القائلين بالاحباط بخلاف ذلك، فان مايقع محبطا لا يجازى عليه ولا يدل على أنه لا يجوز

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 1 / 431 و 6 / 45 و 8 / 471، 479 (2) مر في 2 / 459 و 3 / 84 و 4 / 61 و 6 / 403 (*)

===============
(395)
أن يعفي عن مرتكب كبيرة، لان الاية مخصوصة بلا خلاف، لانه ان تاب عفى عنه وقد شرطوا أن لا يكون معصية صغيرة، فاذا شرطوا الامرين جاز أن نخص من يعفو الله عنه.
100 - سورة العاديات مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك: هي مدنية، وهي إحدى عشرة آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم.
(والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) فأثرن به نقعا (4) فوسصن به جمعا (5) إن الانسان لربه لكنود (6) وإنه على ذلك لشهيد (7) وإنه لحب الخير لشديد (8) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم بهم يومئذ لخبير) (11) احدى عشرة آية.
قوله (والعاديات ضبحا) قسم من الله تعالى بالعاديات. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء: يعني الخيل تضبح ضبحا، فضبحا نصب على المصدر. وقال

===============
(396)
عبدالله بن مسعود: يعني الابل، فعلى قول ابن عباس أراد ضبح الخيل في الجهاد والحرب. وقال ابن مسعود: أراد ضبح الابل في طريق الحج. وروي عن علي (عليه السلام) أن المراد به الابل، لانه لم يكن يومئذ خيل للمسلمين. والضبح في الخيل اظهر عند أهل اللغة. وروي عن علي (عليه السلام) أن الضبح في الخيل الحمحمة عند العدو وقيل الضبح شدة النفس عند العدو. وضبحت الخيل تضبح ضبحا وضباحا. وقال أبوعبيدة: ضبح وضبع بمعنى واحد أي تمد أضباعها في السير.
وقوله (فالموريات قدحا) معناه المظهرات بسنابكها النار قدحا، يقال:
أورى القادح النار يوري ايراء إذا قدح قدحا، وتسمى تلك النار نار الحباحب لضعفها، قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسبحه * ويوقدن بالصفاح نار الحباحب (1)
وهو رجل بخيل كانت نارة ضعيفة لئلا براها الاضياف. وقال قتادة والضحاك وعطاء (فالموريات قدحا) الخيل حين توري النار بسنابكها، وقال ابن عباس: هم الذين يورون النار بعد إنصرافهم من الحرب، وقال مجاهد: يعني ابطال الرجال. وقال عكرمة: الاسنة.
وقوله (فالمغيرات صبحا) قال ابن عباس: يعني الخيل في سبيل الله. وقيل:
إنما ذكر (صبحا) لانهم كانوا يسيرون إلى العدو ليلا فيأتوهم صبحا، وقيل: إنهم لعزهم أغاروا نهارا. وقيل إنما أقسم بالمغيرات صبحا لعظم شأنها في الغارة على أعداء الله من المشركين ومعناه أمر الغارة عظيم، وإنما القسم تنبيه على عظم الشأن وتأكيد للاخبار.
وقوله (فاثرن به نقعا) إخبار منه تعالى أن هذه الخيل تثير الغبار بعدوها

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 71 (*)

===============
(397)
وسمي الغبار النقع، لانه يغوص فيه صاحبه كما يغوص في الماء يقال: نقعه ينقعه نقعا، فهو ناقع، واستنقع إستنقاعا وانتقع انتقاعا. وقال قتادة: النقع الغبار.
وقيل: الهاء في قوله (به) عائد إلى معلوم أي بالمكان أو بالوادي.
وقوله (فوسطن به جمعا) قال قتادة: يعني وسطن بذلك المكان جمع العدو.
وقال مجاهد: يعني جمع الفريقين. وقوله (إن الانسان لربه لكنود) جواب القسم ومعناه - في قول ابن عباس وقتادة والحسن ومجاهد وابن زيد - لكفور، فالكنود الكفور ومنه الارض الكنود التي لا تنبت شيئا، وأصله منع الحق والخير، قال الاعشى:
احدث لها تحدث لوصلك إنها * كند لوصل الزائر المعتاد (1)
وقيل: إنها سميت كند لقطعها إياها عن سماك.
وقوله (وإنه على ذلك لشهيد) قال الحسن: معناه إن حسن الانسان على ذلك لشاهد. وقال قتادة: تقديره وإن الله على ذلك لشهيد. وقوله (وإنه لحب الخير لشديد) قيل تقديره وإنه لشديد الحب للخير. وقيل: معناه وإنه لشديد الحب للمال، فهو يظلم الناس بمنعه. وقال الحسن: لشديد معناه لشحيح يمنع منه حق الله. وقال المبرد والربيع: معناه من أجل حب الخير الذي هوالمال أو الملك لبخيل ثم قال على وجه التنكير على الانسان والوعيد له (أفلا يعلم) يعني الانسان الذي وصفه (إذا بعثر ما في القبور) معناه اثير ما في القبور وأخرج، ومثله بحثر. وقوله (وحصل ما في الصدور) قال سفيان: معناه ميز الحق من الباطل. وقال غيره:
معناه جمع وأبرز.
وقوله (إن ربهم بهم يومئذ لخبير) اخبار من الله تعالى واعلام لخلقه ان الذي خلقهم ودبرهم في ذلك اليوم بهم لعالم خبير بأحوالهم لا يخفى عليه شئ

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجاز 2 / 307 (*)

===============
(398)
من ذلك.
وكان سبب نزول هذه السورة أن النبي (صلى الله عليه وآله) بعث سرية إلى حيين من كنانة واستعمل عليهم أحد النقباء: المنذر بن عمرو الانصاري، فغابت عن النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يعلم لها مخبر فانزل الله تعالى السورة وأخبر بحال القوم.
101 - سورة القارعة.
مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي إحدى عشرة آية في الكوفي.
وعشر في المدنيين وثمان في البصري.
بسم الله الرحمن الرحيم (ألقارعة (1) ما القارعة (2) وما أدريك ما القارعة (3)
يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (4) وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7)
وأما من خفت موازينه (8) فامه هاوية (9) وما أدريك ماهيه (10)
نار حامية) (11) احدى عشر آية.
قرأ حمزة ويعقوب (ماهي) بحذف الهاء في الوصل، الباقون باثباتها، ولم

===============
(399)
يختلفوا في الوقف أنه بالهاء. ومعنى (القارعة) البلية التي تقرع القلب بشدة المخافة تقول: قرع يقرع قرعا وهو الصوت بشدة اعتماد، ومنه انشقت القرعة، وتقارع القوم في القتال إذا تضاربوا بالسيوف، وقرع رأسه إذا ضرب في أعلى الشعر حتى يذهبه، والقرعة كالضرب بالفال. وقال وكيع: القارعة، والواقعة، والحاقة القيامة.
وقوله (وما أدراك ما القارعة) تعظيم لشأنها، وتفخيم لامرها وتهويل لشدتها. ومعناه وأي شئ القارعة ومعناه إنك يا محمد (صلى الله عليه وآله) لاتعلم كبر وصفها وحقيقة أمرها على التفصيل وإنما تعلمها على طريق الجملة، ثم وصفها الله تعالى فقال (يوم تكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش) والمعنى إن القارعة التي وصفها وذكرها تقرع القلوب يوم تكون الناس بهذه الصفة. والفراش الجرات الذي ينفرش ويركب بعضه بعضا، وهو غوغاء الجراد - في قول الفراء - وقال ابوعبيدة: هو طير يتفرش وليس بذباب، ولا بعوض. وقال قتادة: الفراش هو هذا الطير الذي يتساقط في النار والسراج. والمبثوث المتفرق في الجهات، كأنه محمول على الذهاب فيها، يقال: بثه يبثه إذا فرقه، وأبثثته الحديث إذا ألفيته اليه كأنك فرقته بأن جعلته عند اثنين.
وقوله (وتكون الجبال كالعهن المنفوش) فالعهن الصوف الالوان - في قول أبي عبيدة - قال زهير:
كأن فتات العهن في كل منزل * نزلن به حب الفنا لم يحطم (1)
ويقال: عهن وعهنة. وقيل: إن الخلائق لعظم ما يرونة من الاهوال ويغشاهم من العذاب يهيم كل فريق على وجهه، ويذهب في غير جهة صاحبه.
وقوله (فاما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية) قال الفراء الموازين

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه 77 (دار بيروت) (*)

===============
(400)
والاوزان واحد، يقولون: هل لك في درهم بميزان درهمك، ووزن درهمك.
وقال الحسن: في الاخرة ميزان له كفتان. وهو قول الجبائي واكثر المفسرين.
ثم اختلفوا فمنهم من قال: يجعل الله تعالى في احدى الكفتين نورا علامة للطاعات وفي الاخرى ظلمة علامة لمعاصي فأيهما رجح على الاخر حكم لصاحبه به. وقال آخرون: إنما يوزن صحف الاعمال فما فيها الطاعات نجعل في كفة وما فيها المعاصي في كفة أخرى فايهما رجح حكم لصاحبه به. وقال قوم: الميزان عبارة عن العدل ومقابلة الطاعات بالمعاصي، فايهما كان اكثر حكم له به وعبر عن ذلك بالثقل مجازا لان الاعمال أعراض لا يصح وزنها ولا وصفها بالثقل والخفة، قال الشاعر:
لقد كنت قبل لقائكم ذا مرة * عندي لكل مخاصم ميزانه (1)
يريدون كلامه في معارضته، فبين الله تعالى أن من كانت طاعته أكثر كان ثوابه أعظم، فيكون صاحبها (في عيشة راضية) أي مرضية، ففاعل - ههنا - بمعنى المفعول، لان معناه ذو رضا كقولهم (نابل) أي ذو نبل، قال النابغة:
كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل اقاسيه بطئ الكواكب (2)
أي ذو نصب وقال آخر:
وغررتني وزعمت أنك * لابن بالصيف تامر (3)
أى ذو لبن وذ وتمر.
وقال مجاهد (ثقلت موازينه) على جهة الميل، ثم بين من كانت معاصيه أكثر وقلت طاعاته (فأمه هاوية) أى مأواه هاوية يعني، جهنم، وإنما سماها

ـــــــــــــــــــــــ
(1) القرطبي 20 / 166 والشوكاني 5 / 472 (2) في مر 5 / 368 و 6 / 95، 329 و 8 / 122، 567 (3) مر في 8 / 468 (*)

===============
(401)
(أمه) لانه يأوى اليها كما يأوى الولد إلى أمه، وسميت هاوية - لما قال قتادة وابوصالح - من أن المعاصي يهوي إلى أم رأسه في النار.
ثم قال على وجه التفخيم والتعظيم لا مرها (وما أدراك) يامحمد (صلى الله عليه وآله) (ما هيه) أى انك تعلمها على الجملة ولا تعلم تفصيلها وأنواع ما فيها من العقاب.
والهاء في قوله (ما هيه) للسكت إلا أنه اجري الوصل معها مجرى الوقف، ويجوز فيها الحذف، ثم فسر الله تعالى فقال (نار حامية) أى هي نار حامية شديدة الحرارة 102 - سورة التكاثر مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي ثمان آيات بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (ألهيكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون (4) كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين (7) ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) (8) ثمان آيات.
قرأ ابن عامر (آلهاكم) ممدود، وروي عن الكسائي - بهمزتين - والمراد به الانكار (ج 10 م 51 من التبيان)

===============
(402)
وقرأ ابن عامر والكسائي (لترون) مضمومة التاء (ثم لترونها) مفتوحة التاء.
الباقون بالفتح فيهما. قال أبوعلي: وجه الضم أنهم يحشرون اليها فيرونها في حشرهم إليها فيرونها، ولذلك قرأ الثانية بالفتح، كأنه أراد لترونها. ومن فتح فعلى انهم يرونها. وقوله (ثم لترونها) مثل الاول في أنه من إبصار العين. وقيل: إن هذه السورة نزلت في حيين من قريش، وهما بنو أسهم وبنو عبد مناف، تفاخروا حتى ذكروا الاموات، فقال الله تعالى مخاطبا لهم (ألهاكم التكاثر) فالالهاء الصرف إلى اللهو واللهو الانصراف إلى ما يدعو اليه الهوى، يقال: لها يلهو لهوا، ولهى عن الشئ، يلهي لهيا، ومنه قوله (إذا استأثر الله بشئ فاله عنه) والتكاثر التفاخر بكثرة المناقب، يقال: تكاثروا إذا تعادوا ما لهم من كثرة المناقب، والمتفاخر متكبر لانه تطاول بغير حق. فالتكاثر التباهي بكثرة المال والعدد. وقيل: ما زالوا يتباهون بالعز والكثرة حتى صاروا من أهل القبور وماتوا - ذكره قتادة -.
وقوله (حتى زرتم المقابر) فالزيارة إتيان الموضع، كاتيان المأوى في الالغة على غير اقامة، زاره يزوره زيارة، ومنه زور تزويرا إذا شبه الخط في ما يوهم أنه خط فلان وليس به، والمزورة من ذلك اشتقت. وقيل في معناه قولان: احدهما حتى ذكرتم الاموات. وقال الحسن: معناه حتى متم.
وقوله (كلا سوف تعلمون، ثم كلا) معناه ارتدعو وانزجروا (سوف تعلمون) في القبر (ثم كلا سوف تعلمون) بعد الموت - روي ذلك عن علي (عليه السلام) - وقيل إنه يدل على عذاب القبر.
وقوله (كلا لو تعلمون علم اليقين) نصب (علم اليقين) على المصدر، ومعناه ارتدعوا وانزجروا، لو تعلمون علم اليقين، وهو الذي يثلج الصدر بعد اضطراب الشك ولهذا لابوصف الله بأنه متيقن.

===============
(403)
وقوله (لترون الجحيم) يعني قبل دخولهم اليها في الموقف.
وقوله (ثم لترونها) بعد الدخول اليها.
وقوله (عين اليقين) كقولهم هذا محض اليقين. والمعنى إنكم لو تحققتم وتيقنتم أنكم ترون الجحيم وأنكم إذا عصيتم وكفرتم عوقبتم، لشغلكم هذا عن طلب التكاثر في الاموال في الدنيا، ولا يجوز همز واو (لترون) لانها واو الجمع ومثله، واو (لتبلون) لا تهمز. وقوله (ثم لتسئلن) يعني معاشر المكلفين (يومئذ عن النعيم) قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. وقال سعيد بن جبير وقتادة: النعيم في المأكل والمشرب وغيرهما من الملاذ. وقال عبدالله بن مسعود ومجاهد: النعيم الصحة. وقال قوم: يسألهم الله عن كل نعمة. والفرق بين النعيم والنعمة أن النعمة كالانعام في التضمين لمعنى منعم، أنعم انعاما ونعمة، وكلاهما يوجب الشكر. والنعيم ليس كذلك، لانه من نعم نعيما فلو عمل ذلك بنفسه لكان نعيما لا يوجب شكرا. والنعمة - بفتح النون - من نعم - بضم العين - إذا لان.
وقيل المعنى (لتسألن يومئذ عن النعيم) عن ولاية علي (عليه السلام). وقيل: عن شرب الماء البارد. وقيل عن الامن والصحة. وقيل عن النورة في الحمام. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب.


(404)
103 - سورة العصر مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي ثلاث آيات بلا خلاف في جملتها وإن اختلفوا في تفصيلها.
بسم الله الرحمن الرحيم.
(والعصر (1) إن الانسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (3) ثلاث آيات.
هذا قسم من الله تعالى بالعصر. قال ابن عباس: المراد بالعصر - ههنا - الدهر. وهو قول الكلبي. وقال الحسن وقتادة: هو العشئ وكلاهما فيه العبرة من جهة مرور الليل والنهار. وأصل العصر عصر الثواب ونحوه، وهو فتله لاخراج مائه، فمنه عصر الدهر، لانه الوقت الذي يمكن فتل الامور كفتل الثوب.
قال العجاج:
عصرا وحضنا عيشة المعذلجا.
أي الناعم، وقال في العشي:
يروح بنا عمر وقد قصر العصر * وفي الروحة الاولى الغنيمة والاجر (1)
وبه سميت العصر، لانها تعصر بالتأخير، والعصارة ما يعتصر من العنب.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) القرطبي 20 / 179 والشوكاني 5 / 488 (*)

===============
(405)
وغيره، و (المعصرات) السحائب التي تنعصر بالمطر. والاعصار غبار كالعمود يصعد إلى السماء. والعصر الالتجاء إلى الملجأ. والعصر الجارية التي قد دنا بلوغها لانه عصر شبابها، وانعصار ماء الشباب منها. والاعتصار استخراج المال من الانسان، لانه ينحلب كما ينحلب ما يعصر. والعصران الغداة والعشي، والعصران الليل والنهار. قال الشاعر:
ولن يلبث العصران يوم وليلة * إذا طلبا ان يدركا ما تيمما (1)
وقوله (إن الانسان لفي خسر) جواب القسم. وفيه اخبار من الله أن الانسان يعنى الكافر (لفي خسر) أي لفي نقصان بارتكاب المعاصي وكفره بالله والخسر هلاك رأس المال للانسان وبارتكاب المعاصي في هلاك نفسه خسران، وهو اكبر من رأس ماله.
وقوله (الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) استثناء من جملة الناس المؤمنين المصدقين بتوحيد الله باخلاص عبادته العاملين بالطاعاتتواصوا بالحق) أي تواصي بعضهم بعضا بأتباع الحق وإجتناب الباطل (وتواصوا بالصبر) تواصي بعضهم بعضا بالصبر على تحمل المشاق في طاعة الله. وقال الحسن وقتادة: الصبر على طاعة الله. والصبر حبس النفس عما تنازع اليه من الامر حتى يكون الداعي إلى الفعل.
وقد أمر الله تعالى بالصبر والتواضع. والحق ما دعا اليه العقل.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) القرطبي 20 / 179 (*)

===============
(406)
104 - سورة الهمزة مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي تسع آيات بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (ويل لكل همزة لمزة (1) ألذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) كلا لينبذن في الحطمة (4) وما أدريك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) ألتي تطلع على الافئدة (7)
إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة) (9) تسع آيات.
قرأ حمزة والكسائي وخلف وابن عامر وابوجعفر وروح (جمع) بالتشديد على التكثير. الباقون بالتخفيف، لانه يقع على القليل والكثير. ومن شدد أراد جمعه من وجوه شتى شيئا بعد شئ (وعدده) أي جعله عدة. ومن قرأ مخففا أراد جمع مالا وعددا أي وقوما ذوي عدد أنصارا. وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا (عمد) بضمتين جعلوه جمع عمود وعمد، مثل قدوم وقدم، وزبون وزبن. الباقون بفتح العين والميم، لانهم قد قالوا في جمع عمود عمد، كما قالوا في جمع أديم أدم.
وفى جمع أهاب أهب.
هذا وعيد من الله تعالى وتهديد (لكل همزة لمزة) فالهمزة الكثير الطعن

===============
(407)
على غيره بغير حق، العائب له بما ليس فيه عيب لجهله وسفهه وشدة إقدامه على مكاره غيره، يقال: همز الناس يهمزهم همزا، وهو همزة. ومثله ضحكة أي كثير الضحك وعيبة أي كثير العيب. فكذلك همزة كثير الهمز بالطعن. ومنه الهمزة في الكلام لانها تخرج كالطعنة بقوة اعتماد. وقال ابن عباس: الهمزة الطعان. واللمزة المغتاب وقال زياد الاعجم:
تدلي بودي إذا لا قيتني كذبا * وإن تغيبت فانت الهامز اللمز (1)
وقال ابن عباس: الهمزة اللمزة المشاء بالنميمة، المفرق بين الاحبة الباغي المبرئ العيب بالمكابرة. وقيل: نزلت في مشرك بعينه كان يعيب الناس ويلمزهم - ذكره ابن عبا س - وقال قوم: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال السدي:
نزلت هذه السورة في الاخنس ابن شريق، وكان يهمز النبي (صلى الله عليه وآله) ويلمزه. وقيل:
نزلت في جميل بن عامر الجهني. وقال مجاهد وورقاء وابن عباس: ليست خاصة لاحد بل هي عامة.
وقوله (الذي جمع مالا وعدده) نعت للهمزة الذي تقدم ذكره في أنه يجمع المال ويحبه، ولا يخرج حق الله منه.
وقوله (يحسب أن ماله أخلده) معناه يظن هذا الذي جمع المال، ولا يخرج حق الله منه أنه سيخلده. وقوله (اخلده) يخلده كما قيل أهلك إذا حدث به سبب الهلاك من غير أن يقع هلاكه بعد. وإنما ذلك بمعنى أوجب إخلاده وهلاكه وقيل: ليس المراد أنه يظن أنه لا يموت، ولكن يجب أنه يبقى من ماله إلى أن يموت. وقيل: معناه إنه يعمل عمل من يحسب أن ماله أخلده. وقال الحسن:
معناه يحسب أن ماله أخلده حتى يفنيه.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مجاز القرآن 25 / 311 (*)

===============
(408)
وقوله (كلا لينبذن في الحطمة) معناه ليقذفن وليطرحن من وصفناه بجمع المال ومنع حق الله في الحطمة. ثم قال (وما أدراك ما الحطمة) تفخيما لها. ثم فسرها فقال (نار الله الموقدة) أي هي نار الله الموقدة. الحطمة الكثيرة الحطم أي الاكل، ورجل حطمة، وحطم الشئ إذا كسره. وأذهبه، وتحطم إذا تكسر وأصله الكسر المهلك.
وقوله (التى تطلع على الافئدة) معناه يبلغ ألمها ووجعها الافئدة، تقول:
اطلعت على أرض كذا إذا بلغتها، وقوله (إنها) يعني النار (عليهم) يعني الكفار (مؤصدة) أي مطبقة، يقال اصدت الباب أوصده إذا اطبقته، وأوصدته إيصادا لغتان. ومنه قوله (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) (1) وابوعمرو يهمز (مؤصدة) إذا لين الهمز، لئلا يخرج من لغة إلى لغة أخرى.
وقوله (في عمد ممددة) فالعمد جمع عمود، وقيل: جمع عماد، كقولك:
أهاب وأهب، ويجوز عمد، والعمود عمود مستدير مستطيل قوي على شدة الاعتماد.
وقال ابن مسعود: معناه إن النار مطبقة بعمد ممددة. وقال ابن عباس: في عمد مغللبن بها. وقال قتادة: في عمد يعذبون بها. وقيل: الاطباق بالعمد المددة ليتأكد يأسهم من الخروج منها.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 18 الكهف آية 18 (*)

===============
(409)
105 - سورة الفيل مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي خمس آيات بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في تضليل 2) وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) فجعلهم كعصف مأكول) (5) خمس آيات هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) ويتوجه إلى جميع المكلفين من قومه، يقول لهم على وجه التنبيه على عظم الاية التي اظهرها والمعجزة التي فعلها، منبها بذلك على توحيده ووجوب إخلاص العبادة له، فقال (ألم تر) ومعناه ألم تعلم، فالرؤية - ههنا - بمعنى العلم، لان رؤية البصر لا تتعلق بما قد تقضى وعدم، كأنه قال: ألم تعلم (كيف فعل ربك باصحاب الفيل) الذين قصدوا هدم البيت وهلاك أهله، فاهلكهم الله تعالى، وكان الذي قصد لهدم البيت ابرهة ابن الصباح.
وهو المعروف بابرهة الاشرم، ويكنى أبا يكسوم. وقيل: إنه لم يسلم من قومه غيره، فولى إلى أهله فكل ما نزل منزلا تساقط منه عضو فلما وصل اليهم أخبرهم الخبر ثم هلك، وكان ابرهة رجلا من اليمن ملكته الحبشة عليهم، وكان سبب قصده إياها لتخريبها أنه بنى كنيسة عظيمة أراد ان يحج اليها بدل الكعبة. وقال (ج 10 م 52 من التبيان)

===============
(410)
الحسن: كان السبب في ذلك أن العرب هدمت كنيسة للحبشة، وهم نصارى، فأراد تخريب الكعبة في مقابلة ذلك، فاقبل في جمع كثيف معه أفيلة، فجعل الله كيدهم في تضليل عما قصدوا له من تخريب الكعبة (وأرسل عليهم طيرا أبابيل) فمعنى أبابيل جماعات في تفرقة زمرة وزمرة لا واحد لها - في قول ابي عبيدة والفراء - كما لا واحد للعباديد والشماطيط. وزعم ابوجعفر الرواسي أنه يسمع في واحدها أبالة. وقال الكسائي: سمعت النحويين يقولون واحده (ابول) مثل (عجول) وقال بعضهم: (ابيل) وقال ابن عباس معنى أبابيل يتبع بعضها بعضا. وقال قتادة:
معنى أبابيل كثيرة متتابعة. وقيل: إنها كانت سود الجرية تحمل في مناقيرها واكفها الحجارة - في قول عبيد بن عمير - وقيل: كان مع كل طائر ثلاثة أحجار إثنان في رجليه وواحد في منقاره، وقال موسى بن أبي عائشة: كانت الحجارة اكبر من العدسة وأصغر من الحمصة وقيل كان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره.
وقيل: إن المعروف بأبرهة الاشرم الذي ملكته الحبشة كان يكنى أبا يكسوم وقيل: إنه لم يسلم من قومه غيره فولى إلى أهله وكلما نزل منزلا تساقط منه عضو فلما وصل اليهم اخبرهم الخبر ثم هلك.
وقيل كان الفيل إذا وجهوه نحو مكة وقف ولم يسر، وإذا وجهوه إلى جهة غيرها سار إنذارا من الله لهم وموعظة، وكان هذا من أعظم المعجزات في ذلك الوقت أظهره الله تعالى ليدل به على وجوب معرفته وإخلاص عبادته. وقال قوم:
إنه كان معجزة لنبي كان في ذلك الزمان، ويجوز أن يكون ذلك خالد بن سنان.
وقيل انه كان ذلك توطيئا لنبوة نبينا (صلى الله عليه وآله)، لانه كان ولد في عام الفيل.
وقوله (ترميهم بحجارة) أى تقذفهم بحجارة (من سجيل) قال ابوعبيدة كل شديد سجيل. قال ابن مقبل:

===============
(411)
ضربا تواصى به الابطال سجيلا (1)
وقيل هي حجارة من الجحيم وهي (سجين) ثم ابدلت النون لاما، كما قالوا في أصيلان اصيلال. وقيل: معنى من (سجيل) أي من طين مطبوخ كالاجر.
وقيل: هو (سنل وكل) بلغة الفرس. فأعرب، وكذلك روي عن ابن عباس وقوله (فجعلهم كعصف مأكول) العصف ورق الزرع - في قول ابي عبيدة - وهو عصيفة، لان الريح تعصفه أي تذهب به يمينا وشمالا، وقيل: معنى (كعصف مأكول) أي مأكول الثمرة كما يقال: فلان حسن أي حسن الوجه، فاجري مأكول على العصف من أجل اكل ثمرته، لان المعنى معلوم للايجاز. وقال قتادة: العصف التبن، ومعنى مأكول قد أكلت بعضه المواشي وكسرت بعضه.
وقال الزجاج: معنى مأكول وقع فيه الاكال. وقيل العصف التبن بلغة بني حنيفة، وبلسان قريش النحالة.
وقصة أصحاب الفيل من الادلة الواضحة والحجج اللائحة على الملحدين، ومن أنكر الصانع، لانه لا يمكن نسب ذلك إلى طبيعة ولا موجب كما تأولوا الزلازل والرياح والخسوف وغير ذلك مما أهلك الله به الامم، لانه ليس في الطبيعة إقبال طير بأحجار وتقصد اقواما دون غيرهم حتى تهلكهم بما ترميهم به، ولا تعدى إلى غيرهم، بل ذلك من أوضح الادلة على انه من فعل الله تعالى، وليس لاحد أن يضعف ذلك وينكر الخبر به، لان النبي (صلى الله عليه وآله) لما قرأ على أهل مكة هذه السورة، كانوا قرببي عهد بالفيل، فلو لم يكن كذلك ولم يكن له اصل لانكروه، فكيف وهم ارخوا به كما أرخوا بنيان الكعبة وموت قصي وغيره، وقد نظم الشعراء في قصة الفيل الشعر ونقلته الرواة، فلا يمكن جحد ذلك، لانه مكابرة.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مر في 6 / 45 (*)

===============
(412)
106 - سورة قريش مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك هي مدنية وهي أربع آيات في الكوفي والبصري وخمس في المدنيين.
بسم الله الرحمن الرحيم (لايلاف قريش (1) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2)
فليعبدوا رب هذا البيت (3) ألذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) (4) اربع آيات.
قرأ ابن عامر (لالاف قريش) بقصرها، ولم يجعل بعد هذه الهمزة ياء على وزن (لعلاف)، (إيلافهم) بياء بعد الهمزة خلاف لفظ الاول. الباقون (لايلاف قريش إيلافهم) جميعا بهمزة بعدها ياء. وقرأ ابوجعفر وابن فليح (إلا فهم)
بهمزة بلا ياء بعدها مثل (علافهم) ورواه ابوالحسن حماد - بهمزتين مكسورتين - بعدها ياء. الباقون بهمزة بعدها ياء ساكنة مثل (عيلافهم) قال الازهرى:
الايلاف الاجارة بالحفارة يقال: أولف يولف وألف يؤلف إذا أجار الابل بالحفارة. والفت المكان ألفة والفا وألفته إيلافا بمعنى واحد. وقد قدمنا القول فيما (رواه إصحابنا أن (ألم تر كيف) و (لايلاف) سورة واحدة، مثل (الضحى وألم

===============
(413)
نشرح) فعلى هذا العامل في (لايلاف) قوله (فجعلهم كعصف مأكول لايلاف قريش)
وهو قول الحسن: ومن قال: هما سورتان لم يجز ذلك، فقال العامل فيها، قوله (فليعبدوا) فكأنه قال لذلك الانعام (فليعبدوا) ومثله في تقديم القول فيه قوله (أفغير الله تأمروني) (1) لان تأمروني إعتراض على هذا التفسير، إنما جاز أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبله لانها زائدة غير عاطفة، كقولك زيدا فاضرب، وتريد فاضربه، فهي على شبه الجواب الذي يجوز فيه تقديم المعمول كقولك زيدا:
إن يأتني زيدا اكرمه. ولو كانت عطفا لم يجز التقديم، كما لا يجوز في الواو، ولا (ثم). وقيل العامل فيه (اعجبوا) لايلاف قريش إلا انه حذف لدلالة الكلم عليه.
وقيل هو على (ألم تر كيف فعل ربك... لايلاف قريش) أي فعل ذلك لايلافهم والايلاف أصحاب الالف بحسن التدبير والتلطف، يقال: ألف يألف الفا، والفه يؤلفه إيلافا إذا جعله يألف، وائتلف القوم ائتلافا وتآلفوا تآلفا وألفهم تأليفا. والايلاف نقيض الايحاش، ونظيره الايناس. والف الشئ لزومه على عادة في سكون النفس اليه.
وقوله (رحلة الشتاء والصيف) قال ابن زيد والكلبي: كانت لهم رحلتان رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن في التجارة. والرحلة حال السير على الراحلة وهي الناقة القوية على السفر، ومنه الحديث المروي (الناس كابل مئة لا يوجد فيها راحلة) والرجل متاع السفر والارتحال احتمال الرحل للمسير في السفر. والشتاء أوان شدة البرد. والصيف زمان شدة الحر. وفصول السنة أربع: ربيع، وصيف وخريف، وشتاء.
وقوله (فليعبدوا رب هذا البيت) أمر من الله تعالى للمكلفين أن يوجهوا عبادتهم إلى الله رب البيت الحرام دون غيره من الاصنام (الذي أطعمهم من

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 39 الزمر آية 64 (*)

===============
(414)
جوع) بما أعطاهم من الاموال وسبب لهم من الارزاق بالسعي في التجارة في رحلة الشتاء ورحلة الصف (وآمنهم من خوف) الغارة بالحرم الذي جبل قلوب العرب على تعظيمه. وقيل (آمنهم) من الجذام. قال سفيان بن عيينة: كان لنا إمام بالكوفة يقرأ (ألم تر، ولايلاف) ولا يفرق بينهما.
107 - سورة الماعون وتسمى سورة (أرأيت) مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك مدنية وهي سبع آيات في الكوفى والبصري وست في المدنيين. عد أهل الكوفة والبصري (يراؤن) رأس آية، يجوز أن يقال (أريت)
بحذف الهمزة. ولا يجوز ان يقال (ريت) لان ألف الاستفهام يصير غيرها بسم الله الرحمن الرحيم (أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على طعام المسكين (3) فويل للمصلين (4)
ألذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراؤن (6) ويمنعون الماعون) (7) سبع آيات.

===============
(415)
قوله (أرأيت) خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) على وجه التعجيب له من الكافر (الذي يكذب بالدين) وذهابه عن الايمان به مع وضوح الامر فيه وقيام الدلالة على صحته والمراد بالدين الجزاء من الثواب والعقاب، فالتكذيب بالجزاء من أضر شئ على صاحبه، لانه يعدم به أكثر الدواعي إلى الخير، والصوارف عن الشر، فهو يتهالك في الاسراع إلى الشر الذي يدعوه اليه طبعه لا يخاف عاقبة الضرر فيه.
وقوله (فذلك الذي يدع اليتيم) وصف الذي يكذب بالدين، فبين أن من صفته أنه يدع اليتيم، ومعناه يدفعه عنفا، وذلك لانه لا يؤمن بالجزاء عليه، فليس له رادع عنه، كما لمن يقر بأنه يكافئ عليه، دعه يدعه دعا إذا دفعه دفعا شديدا، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة (يدع اليتيم) معناه يدفعه عن حقه. وقوله (ولا يحض على طعام المسكين) معناه ولايجث على طعام المسكين بخلا به، لانه لو كان لا يحض عليه عجزا عنه لم يذم به، وكذلك لو لم يحض عليه من غير قبيح كان منه لم يذم عليه، لان الذم لا يستحق إلا بما له صفة الوجوب إذ أخل به أو القبيح إذا فعله على وجه مخصوص.
وقوله (فويل للمصلين) تهديد لمن يصلي على وجه الرياء والسمعة. إنما أطلق مع انه رأس آية يقتضي تمام الجملة، لانه معرف بما يدل على انه أراد من يصلي على جهة الرياء والنفاق. ثم بين ذلك بقوله (الذين هم عن صلاتهم ساهون) قال ابن عباس ومسروق: معناه يؤخرونها عن وقتها، وقال قتادة: معناه غافلون وقال مجاهد: لاهون كأنهم يسهون للهوهم عنها واللهو يوجب تأخيرها عن وقتها لانه قال عن صلاتهم. وقيل: ساهون فيها (الذين هم يراؤن) معناه إنه يراؤن بصلاتهم الناس دون أن يتقربوا بها إلى الله. وإنما ذم السهو في الصلاة مع انه ليس من فعل العبد بل هو من فعل الله، لان الذم توجه في الحقيقة على التعرض للسهو

===============
(416)
بدخوله فيها وجه الرياء وقلبه مشغول بغيرها، لا يرى لها منزلة تقتضي صرف الهم اليها.
وقوله (ويمنعون الماعون) قال ابوعبيدة: كل ما فيه منفعة، فهو الماعون.
وقال الاعشى:
باجود منه بما عونه * إذا ما سماؤهم لم تغم (1)
وقال الراعي:
قوم على الاسلام لما يمنعوا * ماعونهم ويضيعوا التنزيلا (2)
وقال اعرابي في ناقة: إنها تعطيك الماعون أي تنقاد لك، والماعون أصله القلة من قولهم: المعن القليل قال الشاعر:
فان هلاك مالك غير معن أي غير قليل، فالماعون القليل القيمة مما فيه منفعة من آلة البيت نحو الفاس والمقدحة والابرة والدلو - وهو قول ابن مسعود وابن عباس وإبراهيم وابي مالك وسعيد ابن جبير - وسئل عكرمة فقيل له: من منع ذلك فالويل له؟ قال: لا، ولكن من جمع ذلك بأن صلى ساهيا مرائيا ومنع هذا وقوله (فويل للمصلين) وهو يعني المنافقين، فدل على أن السورة مدنية لانه لم يكن بمكة نفاق، ويقال: معن الوادي إذا جرت مياهه قليلا قليلا. والماء المعين الجاري قليلا قليلا. وأمعن في الامر إذا أبعد فيه قليلا قليلا. وروي عن علي (عليه السلام) أنه قال: الماعون الزكاة، وهو قول ابن عمر والحسن وقتادة والضحاك وقال الشاعر:

ـــــــــــــــــــــــ
(1) ديوانه (199 واللسان (معن) ومجاز القرآن 2 / 313 (2) اللسان (معن) ومجاز القرآن 2 / 315 وقد مر في 7 / 373 (*)

===============
(417)
بمج صبيره الماعون صبا (1)
فالصبير السحاب. وقال أنس بن مالك: الحمد لله الذي لم يجعلها في صلاتهم وإنما جعلها عن صلاتهم، فتأولها من تركها متعمدا. والمراد بالصلاة هنا الفرض.
108 - سورة الكوثر مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك مدنية، وهي ثلاث آيات بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن شانئك هو الابتر) (3) ثلاث آيات هذا خطاب من الله لنبيه (صلى الله عليه وآله) على وجه تعداد نعمه عليه. يقول (إنا اعطيناك الكوثر) فالاعطاء إخراج الشئ إلى آخذ له، وهو على وجهين: اعطاء تمليك واعطاء غير تمليك. فاعطاء الكوثر إعطاء تمليك، كاعطاء الاجر، وأصله التناول من عطا يعطوا إذا تناول. و (الكوثر) الشئ الذي من شأنه الكثرة، والكوثر الخير الكثير. وهو (فوعل) من الكثرة، قال عطاء: هو حوض النبي (صلى الله عليه وآله) الذي

ـــــــــــــــــــــــ
(1) القرطبي 20 / 219 والشوكاني 5 / 487 (ج 10 م 53 من التبيان) (*)

===============
(418)
يكثر الناس عليه يوم القيامة. وقال ابن عباس: هو الخير الكثير. وروى عن عائشة: أن الكوثر نهر في الجنة جانباه قباب الدر والياقوت، وقال الحسن: الكوثر القرآن. وقال ابن عمر: هو نهر يجري في الجنة على الدر والياقوت وقوله (فصل لربك) أمر من الله تعالى لنبيه ويدخل معه جميع المكلفين يأمرهم بالصلاة وأن ينحروا وقال ابن عباس وأنس بن مالك ومجاهد وعطاء: معنى وانحر انحر البدن متقربا إلى الله بنحرها خلافا لمن نحرها للاوثان. وقيل: معناه (فصل لربك) صلاة العيد (وانحر) البدن والاضاحي. وقيل: معناه صل لربك الصلاة المكتوبة واستقبل القبلة بنحرك. تقول العرب: منازلنا نتناحر هذا ينحر هذا أي مستقبلة، وانشد بعضهم:
ابا حكم ها انت عم مجالد * وسيد أهل الابطح المتناحر (1) وروي عن علي (عليه السلام) أن معناه ضع اليمنى على اليسرى حذاء النحر - وهذه الرواية غير صحيحة - والمروي عن ابي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام) أن معناه وانحر البدن والاضاحي.
وقوله (إن شانئك هو الابتر) فالشانئ المبغض تقول: شنئته اشنؤه شناء إذا أبغضته، وقال ابن عباس: معناه عدوك، وهو قول سعيد بن جبير، وقال:
هو العاص بن وائل السهمي، فانه قال في النبي (صلى الله عليه وآله) إنه أبتر لا عقب له، فقال الله تعالى (إن شانئك هو الابتر) يعني الذي انقطع عنه كل خير. وقيل: إنه أراد به انه لا ولدله على الحقيقة، وأن من ينسب اليه ليس بولدله، والابتر هو المنقطع عن الخير. وقيل: هوالذي لا عقب له - ذكره مجاهد - وقال قتادة: معناه الاقل الاذل بانقطاعه عن الخير. وقيل: قوله (إن شانئك هو الابتر) جواب لقول قريش انه أبتر لا ولد له ذكر إذا مات قام مقامه يدعو اليه، وقد انقطع أمره.

ـــــــــــــــــــــــ
(1) القرطبي 20 / 219 والشوكان 5 / 489 (*)

===============
(419)
فقيل: إن شانئك هو الابتر الذي ينقطع ما هو عليه من كفره بموته، فكان الامر كما اخبر به، وقيل: الحمار الابتر المقطوع الذنب، فشبه به. وقيل: في السورة تشاكل المقاطع للفواصل وسهولة مخارج الحروف بحسن التإليف وتقابل المعاني بما هو أولى لان قوله (فصل لربك) احسن من صل لنا، لانه يجب أن يذكر في الصلاة بصفة الربوبية (وانحر) ههنا أحسن من قوله (وانسكه) لانه على بريعم بعد بريخص.
و (الابتر) احسن من (الاخس) لانه أدل على الكناية في النفس، فهذه الحروف القليلة قد جمعت المحاسن الكثيرة. ومالها في النفس من المنزلة اكثر بالفخامة والجزالة وعظم الفائدة التي يعمل عليها وينتهى اليها.
109 - سورة الكافرون مكية في قول ابن عباس، وقال الضحاك مدنية، وهي ست آيات بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (قال يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد (3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم ولي دين) (6) ست آيات.

===============
(420)
قرأ ابوعمرو وحمزة والكسائي (ولي دين) ساكنة الياء. الباقون بفتحها من فتح الياء فلخفة الفتحة ومن أسكنها فانه كره الحركة على حرف العلة. وقرأ (ديني) بياء في الحالين يعقوب. الباقون بلا ياء فيهما. من أثبت الياء، فلانها الاصل. ومن حذفها اجتزأ بالكسرة الدالة عليها. وقيل: إن هذه السورة نزلت جوابا لقول جماعة من المشركين دعوا النبي صلى الله عليه وا له إلى أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا هم إلهه سنة. وفيهم نزل قوله (أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون) (1) هذا قول ابن عباس. وقيل: إنهم قالوا: نشركك في أمرنا، فان كان الذي في أيدينا خيرا كنت قد أخذت بحظ منه، وإن كان الذي في يدك خيرا قد أخذنا بحظ منه. وقيل: إن الذي قال ذلك الوليد ابن المغيرة والعاص ابن وائل والاسود ابن المطلب وأمية ابن خلف. وقيل: إنهم قالوا: نتداول العبادة ليزول ما بيننا من البغضاء والعداوة، فأمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) أن يقول لهم (لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد) ومعناه لا أعبد ما تعبدون لفساد عبادة الاوثان، ولا أنتم عابدون ما أعبد لجهلكم بوجوب اخلاص العبادة لله، لان العقل يقتضي أنه (صلى الله عليه وآله) لهذا امتنع وامتنعوا، وإنما كرر ذكر العبادة لتصريفها في الفوائد المختلفة وقد نفى عبادة المؤمن للوثن كيف تصرفت الحال في ماض أو حاضر أو مستقبل لقبحها، ونفي عبادة الكافر لله مع إقامته على الجهل بوجوب إخلاص العبادة له.
وقيل: في وجه التكرير في السورة أن ظاهر ذلك وإن كان تكريرا، فليس في الحقيقة تكريرا أصلا، ولا تكرير في اللفظ إلا في موضع واحد سنبينه بعد بيان المعنى إن شاء الله، وذلك أن قوما من المشركين سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مناقلة العبادة سنة يعبدون فيها ما يعبده (صلى الله عليه وآله) وسنة يعبد هو ما يعبدون لزوال العادة بوقوع العبادة

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 39 الزمر آية 64 (*)

===============
(421)
على هذه الجهلة فجاء الكلام على طريق الجواب لانكار ما سألوا، فقيل (لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد) وهذا نفي منه لما يعبدون في الاستقبال ثم قال (ولا أنا عابد ما عبدتم) على نفي العبادة لما عبدوا في الماضي، وهذا واضح في أنه لا تكرير في لفظه ولا معناه. وقوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد) فعلى التكرير في اللفظ دون المعنى من قبل أن التقابل يوجب أن معناه ولا أنتم عابدون ما عبدت إلا انه عدل بلفظه إلى اعبد للاشعار أن ما عبدت هو ما أعبد، واستغني بما يوجبه التقابل من معنى عبدت عن الافصاح به،. وعدل عن لفظه لتضمين معنى آخر فيه، وكان ذلك اكثر في الفائدة وأولى بالحكمة، لانه دل على (عبدت) دلالة التصريح باللفظ فان قيل فهلا قال: ما عبدت ليتقابل اللفظ، كما تقابل المعنى؟ قيل: هو في حكم التقابل في اللفظ من حيث هو دال عليه إلا انه عدل عن الافصاح به للاشعار بأن معبوده واحد كيف تصرفت الحال، وكان هذا أبعد في الايهام أن معبوده فيما مضى غير معبوده فيما يستقبل. وقد يجوز في الماضي والمستقبل ان يقع أحدهما موقع الاخر إذا كان في الكلام ما يدل عليه، كما قال (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) (1) على معنى ينادون، ومنه قولهم: يدعوهم ابن رسول الله فلا يجيبونه، ويدعوهم ابن زياد إلى الباطل فيسرعون اليه.
فان قيل: فهلا دل على اختلاف المعنى باختلاف اللفظ إذ هو الاصل في حسن البيان؟ قيل: إن التقابل في ذلك قد صير اللفظ في حكم المختلف، لانه مقيد به، ودلالة المقيد خلاف دلالة المطلق نحو: زيد قائم بالتدبير على خلاف معنى زيد قائم.
فان قيل: فهلا دل على ذلك من أصول مختلفة إذ هو أدل على خلاف المعنى بصريح الجهة؟ قيل: إنه لما أريد نفي العبادة على تصريف الاحوال صرف لفظ

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 7 الاعراف آية 43 (*)

===============
(422)
العبادة لتصريف المعنى، ولم يصلح فيه أصول مختلفة، لئلا يوهم النفي نفي معنى غير تصريف عبادة الله على الوجوه والاسباب كلها، وكان تصريف لفظ العبادة لتصريف معناها أحق وأولى من تصريف معناها في غير لفظها لما فيه من التشاكل المنافي للتنافر، ولفظة (الكافرون) في السورة مخصوصة بمن علم الله من حاله أنه يموت على كفره.
ولا يجوز ان يكون المراد العموم لانا علمنا دخول كثير ممن كان على الكفر ثم دخل في الاسلام، وقيل: ان الالف واللام في الاية للمعهود، لان (أيا) لا يوصف إلا بالجنس، فخرج اللفظ على الجنس من حيث هو صفة ل (أي) ولكن (أيا) للمخاطبين من الكفار بأعيانهم فآل إلى معنى المعهود في انه يرجع إلى جماعة بعينها، ونحوه يا أيها الرجال ادخلوا الدار، فلم تأمر جميع الرجال، ولكن أمرت الذي أشرت اليهم باقبالك عليهم. وقيل: يجوز أن تكون الاية عامة، والتقدير ولا أنتم عابدون ما أعبد بالشرط الذي ذكرتموه من أني أعبد إلهكم، لان هذا الشرط لا يكون ابدا، ولكن يجوز أن يؤمنوا فيما بعد بغير هذا الشرط.
فان قيل: ما فائدة الكلام؟ قيل الانكار لما لا يجوز من مناقلة العبادة على ما توهمه قوم من الكفار لتقوم الحجة به من جهة السمع كما كانت من جهة العقل مع الاعجاز الذي فيه. فان قال قائل: من أي وجه تضمن الاعجاز؟ قيل: له من جهة الاخبار بما يكون في مستقبل الاوقات مما لا سبيل إلى علمه إلا بوحي الله إلى من يشاء من العباد، فوافق المخبر بما تقدم به الخبر، وفي ذلك أكبر الفائدة وأوضح الدلالة.
فان قيل: ما معنى (لكم دينكم ولي دين)؟ قيل معناه لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني وحسبك بجزاء دينهم وبالا وعقابا كما حسبك بجزاء دينه نعيما وثوابا.

===============
(423)
فان قيل: لم لا ذكرت الحجة في أن ما يدعون اليه لا يجوز.
قيل له: تقبيحا لها من حيث أخرجت مخرج مقالة يكفي العلم بفسادها، حكايتها مع الاستغناء بما في العقول عن الدلالة على بطلانها.
فان قيل: فهلا أنكر عليهم من طريق أن كل ما دعوا اليه لا يجوز للايجاز؟ قيل: لانه إنكار متصل على حد ما يسألوا ولو أنكر انكارا مجملا لم يبين به تفصيل ما سألوه إلا بأن يحكى على انفراده. ثم يحمل الانكار به فحينئذ يفهم منه معنى المفصل.
فان قيل: فهلا بين ذكرهم بصفة غير منكر؟ قيل: قد بين ذلك بعلم التعريف له إلا أنه بصفات الذم التي فيها معنى الزجر وهي دالة على احوالهم فيما دعوا له من الباطل، وتقحموا من أحوال الجاهل.
فان قيل: فلم قال (لكم دينكم ولي دين) مع ما يقتضي ظاهره التسليم؟ قيل: مظاهرة في الانكار، كما قال تعالى (اعملوا ما شئتم) (1) لما صاحبه من الدليل على التمكين وشدة الوعيد بالقبح لانه إذا اخرج الكلام مخرج التسليم للامر دل على أن الضرر لا يلحق إلا المسلم اليه، فكأنه قيل له: اهلك نفسك إن كان ذلك خيرا لك.
فان قال: فلم قيل: ولا انتم عابدون ماأعبد، ولم يقل من أعبد؟ قيل له: لانه مقابل لقوله (ولا أنا عابد ما عبدتم) من الاصنام، ولا يصلح ههنا إلا (ما) دون (من) لانه يعني ولا أنا عابد ما عبدتم من الاصنام ثم حمل الثاني على الاول للتقابل حتى لا يتنافر. وقيل: ان معناه ولا أنا عابد عبادتكم ولا انتم عابدون عبادتي، لان عبادته متوجهة إلى الله، وعبادتهم متوجهة إلى الاصنام

ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة 41 (فصلت) حم السجدة آية 40 (*)

===============
(424)
ف (ما) ههنا مع ما بعدها بمنزلة المصدر.
فان قيل: فلم انكر ما لا يجوز في الحكمة بألين النكير مع خروجه إلى أفحش القبح؟ قيل: ليس ذلك بألين النكير في المعنى وإن خرج لفظه ذلك المخرج، لانه إنما عومل تلك المعاملة ليجعل في حيز ما يكفي فيه التنبيه، حتى يظهر انه أقبح قبيح وهذا ضرب من البلاغة عجيب يفهمه كل عاقل له أدنى فطنة، ويعلم موضعه في الحكم فان قيل: ما الدليل على ان تأويل السورة ما ذكرتم دون غيره من التأويلات قيل: الدليل على ان ذلك الكلام إذا احتمل وجهين فصاعدا في اللغة، وأحد الوجهين يجوز، والاخر لا يجوز، وجب ان يكون تأويله ما يجوز علي