ابوهريرة مجلد: 1
ـ 1 ـ
* أبوهريرة *
بقلم
للامام السيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي
ـ 2 ـ
هوية الكتاب
اسم الكتاب : ابوهريره
بقلم : للامام السيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي
ـ 3 ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
ـ 5 ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه دراسة لحياة صحابي روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله فأكثر حتى أفرط وروت عنه صحاح الجمهور وسائر مسانيدهم فأكثرت حتى أفرطت أيضا ،
ولايسعنا ازاء هذه الكثرة المزدوجة إلا أن نبحث عن مصدرها لاتصالها
بحياتنا الدينية والعقلية اتصالا مباشرا ولو لا ذلك ل تجاوزناها وتجاوزنا مصدرها
إلى ما يغنينا عن تجشم النظر فيها وفيه .
ولكن اسلات هذه الكثرة قد استفاضت في فروع الدين واصوله
فاحتاج بها فقهاء الجمهور ومتكلموهم في كثير من أحكام الله عزوجل وشرائعه
ملقين اليها سلاح النظر والتفكير .
ولا عجب منهم في ذلك بعد بنائهم على اصالة العدالة في الصحابة اجمعين .
وحيث لا دليل على هذا الاصل ( كما هو مبين في محله بايضاح ) لم يكن
لنا بد من البحث عن هذا المكثر نفسه وعن حديثه كما وكيفا لنكون على بصيرة
فيما يتعلق من حديثه بأحكام الله فروعا واصولا وهذا ما اضطرنا إلى هذه
الدراسة الممعنة في حياة هذا الصحابي ( وهو أبوهريرة ) وفي نواحي حديثه وقد
بالغت في الفحص وأغرقت في التنقيب حتى أسفر وجه الحق في كتابي هذا وظهر
فيه صبح اليقين والحمد لله رب العالمين .
أما أبوهريرة نفسه فنحيلك الآن في تاريخ حياته وتحليل نفسيته على
ما ستقف عليه في الكتاب ، إذ مثلناه بكنهه وحقيقته من جميع نواحيه تمثيلا
تاما تدركه بحواسك كلها والحمد لله على التوفيق .
وأما حديثه فقد أمعنا النظر فيه كما وكيفا فلم يسعنا - شهد الله - إلا
ـ 6 ـ
الانكار عليه في كل منهما ، وقد سبقنا إلى ذلك معاصروه كما ستقف عليه في
محله ( 1 ) ان شاء الله مفصلا .
وأي ذي روية متجرد متحرر يطمئن إلى هذه الكثرة لا يعادلها المجموع
من كل ما حدث به الخلفاء الاربعة وأمهات المؤمنين التسع و الهاشميون وا لهاشميات
كافة كما فصلنا في الاصل ( 2 ) .
وكيف تسنى لامى ( تأخر اسلامه فقلت صحبته ) أن يعى عن رسول الله
صلى الله عليه وآله مالم يعه السابقون الاولون من الخاصة وأولي القربى .
ونحن حين نحكم الذوق الفني والمقياس العلمي نجدهما لا يقران كثيرا مما
رواه هذا المفرط في اكثاره وعجائبه .
فان للسنة في حكمتها وأساليبها وخصائصها ميزات يعرفها أولوا الالباب
والاذواق الفنية وأهل الاختصاص من علماء البلاغة .
فما يسمعوه أو يقرؤوه منها يجدوه متميزا في أذواقهم ومقاييسهم بوضوح
واعلان ويجدوا سماته وشاراته متميزة في غير شك ولاشبهة .
فالسنة أرفع من أن تحتضن اعشابا شائكة وخز بها أبوهريرة ضمائر
الاذواق الفنية ، وأدمى بها تفكير المقاييس العلمية قبل أن يشوه بها السنة المنزهة
ويسئ إلى النبي وأمته صلى الله عليه وآله .
وبالجملة : فان السنة منهاج الاسلام ، ودستور الحياة اللا حب في كل ما يجب
أن تصاغ الحياة على مثاله في الاخلاق والعقائد والاجتماع والعلم والآداب ، فلا
يصح في منطق أن نسكت عن هذا الدخل الشائن لجوهر الاسلام وروحه الرفيعة
المنادية بالتحرر والانعتاق من كبول العقائد السخيفة و الخرافات التي يسبق إلى
الذهن استنكارها .
* هامش *
( 1 ) - في الفصل 14 . ( 2 ) - راجع منه الفصل 10 .
( * )
ـ 7 ـ
وأذن فالواجب تطهير الصحاح والمسانيد من كل ما لا يحتمله العقل من
حديث هذا المكثار .
أقول هذا وأنا أرى وجوها تنقبض دوني ، ونفوسا تتقبض مزورة
عني ، وقد يكون لها بسبب الوراثة والتربية والبيئة أن تنقبض وتتقبض أمام
حقيقة وضعها البحث على غير ما الفت من احترام الصحابة واعتقاد عدالتهم
أجمعين أكتعين أبصعين من غير أن تزن أعمالهم وأقوالهم بالموازين التي أخذ
النبي صلى الله عليه وآله بها أمته ، لان الصحبة عندهم بمجردها حرم لا تنال من اعتصم به
معرة ولا يمس بجرح وان فعل ما فعل وهذا شطط على المنطق ، وتمرد على الادلة
وبعد عن الصواب .
والحق أن الصحبة بما هي فضيلة جليلة ، لكنها غير عاصمة ، والصحابة
فيهم العدول وفيهم الاولياء والاصفياء والصديقون وهم علماؤهم وعظماؤهم وفهيم
مجهول الحال ، وفيهم المنافقون من أهل الجرائم والعظائم ، والكتاب الحكيم
يعلن ذلك بصراحة ( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم )
فعدولهم حجة ومجهول الحال نتبين أمره ، وأهل الجرائم لا وزن لهم
ولا لحديثم .
هذا رأينا في حملة الحديث من الصحابة وغيرهم والكتاب والسنة بينتنا
على هذا الرأي ( 1 ) فالوضاعون لا نعفيهم من الحرج وان اطلق عليهم لفظ
الصحابة ، لان في اعفائهم خيانة لله عزوجل ولرسوله ولعباده ، ونحن في غنى
* هامش *
( 1 ) - لكن الجمهور بالغوا في تقديس كل من يسمونه صحابيا حتى خرجوا
عن الاعتدال فاحتجوا بالغث منهم والسمين وافتدوا بالطلقاء وأمثالهم ممن سمع
النبي أو رآه اقتداء أعمى وانكروا على من يخالفهم في هذا الغلو وخرجوا في
الانكار عن كل حد من الحدود كما بيناه على سبيل التفصيل في ص 11 إلى منتهى
ص 15 من أجوبة موسى جار الله وفي الفصل الذي عقدناه في ص 23 منها فراجع
( * )
ـ 8 ـ
بالعلماء . والعظماء . والصديقين ، والصالحين ، من أصحابه صلى الله عليه وآله ومن عترته التي
أنزلها منزلة الكتاب وجعلها قدوة لاولي الالباب .
وعلى هذا فقد اتفقنا في النتيجة وان قضى الالتواء في المقدمات شيئا من
الخلاف ، فان الجمهور إنما يعفون أبا هريرة ، وسمرة بن جندب ، والمغيرة ،
ومعاوية ، وابن العاص ، ومروان ، وأمثالهم تقديسا لرسول الله ولسنته صلى الله عليه وآله شأن
الاحرار في عقولهم ممن فهم الحقيقة من التقديس والتعظيم .
وبديهي - بعد - أن تكذيب كل من يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا
خارجا عن طاقة التصديق أولى بتعظيم النبي وتنزيهه وأجرى مع المنطق العلمي
الذي يريده صلى الله عليه وآله لرواد الشريعة ورواد العلم من أمته . وقد أنذر صلى الله عليه وآله بكثرة
الكذابة عليه وتوعدهم بتبوء مقاعدهم من النار فاطلق القول بالوعيد .
وإني أنشر هذه الدراسة في كتابي هذا - أبوهريرة - مخلصا للحق في
تمحيص السنة وتنزيهها في ذاتها المقدسة وفي نسبتها لقدسي النبي الحكيم العظيم
( وما ينطق عن الهوى ) .
وللحق في سلامة التفكير وصدق النظر .
وللحق في قواعد العلم والعقل التي تأبى احترام كذاب على رسول الله
صلى الله عليه وآله فتعفيه من الجرح لانه صحب رسول الله ! ! وتأبى كل الاباء ان تخضع
لروايته ( مغلولين مفلولين ) فيما يمس السنة النبوية وهي أولى بالتنزيه والتقديس
لانها رسالته إلى العالمين وبقيته الباقية إلى يوم الدين .
وليس لاحد أن يتقبض أو تنقبض نفسه بعد أن نقدم له كتابنا هذا
وفيه صفايا ما عندنا من هذه الدراسة ، ونحن نكرم الفكر نفسه ونرفعه عن ان
يهون فيسف إلى حياطة الخرافة واحاطتها بسور من قدس موهوم ( له باب
ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب ) .
ـ 9 ـ
ولا زيد لوجه أن يتقبض ولالنفس أن تنقبض ، بل نريد لمن تمر به
هذه السحابة المركومة من التقاليد أن يتحرر منها ثم يمعن في الكتاب امعان
إولي الالباب ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله
وأولئك هم أولوا الالباب ) .
لا نفصد بهذا الكتاب - شهد الله - أن نصدع هذه الوحدة المتواكبة
المتراكمة في هذه اللحظة المستيقظة ، بل نقصد تعزيز هذه الوحدة واقامتها على
حدية الرأي والمعتقد ، لتكون الوحدة على هذا الضوء أهدى للغاية وادل على
القصد ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب .
والكرامة العقلية أسمى الكرامات التي يسعى اليها أولوا الالباب باغلى
ما لديهم من أموال وأنفس ودماء ، لانها السلم إلى المجد والجسر إلى الاتحاد .
أما إذا شاء بعض اخواننا في الدين الاسلامي أن يصغر خده محمرا أو
مصفرا فليصغ إلى هذه الملاحظات المتواضعة ، وليفتنا بعدها يجدنا إن شاء الله
تعالى أقرب إلى تأليف الكلمة وتوحيد الصفوف بالرغم عن هذا الشوك الذي يقض
المضجع ، ويخز الفكر ، ويدمي الضمير ، ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم .
بين أيدينا الآن من هذه الملاحظات ألوان : بعضها يمس الطبائع في
نواميسها وفطراتها ، وبعضها متناقض متداحض ، وبعضها خارج على قواعد العلم
المشتقة من صلب الدين ، وكثير منها تزلف إلى بني أمية أو إلى الرأي العام في
تلك الايام ، وبعضها خيال أو خبال ، وهي بجملتها خروج على أصول الصحة
في كل معانيها .
فمن بلاياه أن ملك الموت كان قبل موسى يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى
فلطمه موسى ففقا عينه ! وأرجعه على حافرته إلى ربه أعور ! فكان بعد هذه
الحادثة يأتي الناس خفيا ! .
ـ 10 ـ
ومنها : تلك المسابقة الطريفة بين الحجر وموسى ، أو بين موسى والحجر
إذ وضع موسى ثيابه عليه ليغتسل في ناحية عن الناس ففر الحجر بثياب موسى
ليستدرجه إلى لحاقه عاريا ! كي ينفي الشائعة عن فتق موسى بمروره على الملا
من بني اسرائيل مكشوفا كما خلق يشتد خلف الحجر يناديه بأعلى صوته ثوبي
حجر ثوبي حجر حتى وقف الحجر إذ انتهت مهمته فطفق موسى يضربه بعصاه
ضربا أثر فيه ندوبا أي جروحا قال أبوهريرة : إن في الحجر ندبا ستة أو سبعا
وأطراف مافي هذه الاسطورة هذا التردد من أبي هريرة في ندوب الحجر
فان ورعه في الحديث كان يفرض عليه أن لايحدث عن شئ حتى يكون منه
على مثل ضوء الشمس .
ومنها : ذلك الجراد الذهبي المتراكم يتساقط على أيوب عليه السلام وهو يغتسل
فجعل يحثى منه في ثوبه .
ومنها : ان مولدين تكلما برشد وعقل وعلم بالعواقب الغيبية حيث لا
مقتضى لخرق العادة ونواميس الطبيعة .
ومنها : ان بقرة وذئبا يتكلمان بلسان عربي مبين ، يدل على عقل وحكمة
وعلم الغيب ، حيث لا مقتضى للتحدي والاعجاز ، في حديث حدث به في
فضل الخليفتين .
ومنها : مجئ الشيطان اليه في صورة رجل في ثلاث ليالي متوالية
ليسرق لعياله وأطفاله الجوعى من طعام كان أبوهريرة موكولا اليه حفظه
في خرافة عجيبة .
ومنها : ان أمة من بني اسرائيل فقدت ، وبعد البحث عنها تبين أنها الفأر
بدليل أن الفأر اذا وضع لها البان الابل لم تشرب ! واذا وضع لها البان
الشاة شربت ومنها : حديثه إذ كان - فيما زعم - مع العلاء في أربعة آلاف
فأتوا خليجا من البحر ماخاضه أحد قبلهم ! ولايخوضه أحد بعدهم ! فأخذ
ـ 11 ـ
العلاء بعنان فرسه فسسار على وجه الماء ! وسار الجيش وراءه ( قال أبوهريرة )
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 11 سطر 1 الى ص 20 سطر 21
العلاء بعنان فرسه فسسار على وجه الماء ! وسار الجيش وراءه ( قال أبوهريرة )
فوالله ما ابتل لنا قدم ولا خف ولا حافر ! ومنها : حديثه عن مزودة المبارك اذ كان فيه تميرات طعم منها الجيش
كله حتى شبع و التميرات على حالها فكانت معاشه مدة أيامه على عهد النبي صلى الله عليه وآله
وابي بكر وعمر وعثمان ، حتى كانت مأساة هذا المزود الكريم في طي مأساة
عثمان ، اذا انتهب مع ما انتهب في تلك المحنة
ومنها : حديثه عن داود إذ خفف القرآن عليه فكان يقرؤه كله في وقت
لا يسع قراءته كان - فيما زعم أبوهريرة يأمر بدابته فتسرح فيقراء القرآن
قبل أن تسرج ، فهل هذا إلا كقول القائل : كان يضع الدنيا على سعتها في
البيضة على ضيقها ؟
* * *
ومنها : أحاديث تناول فيها الحق تبارك وتعالى فصوره في اشكال تعالى
الله عزوجل عنها علوا كبيرا .
كحديثه في ان الله خلق آدم على صورته ، طوله ستون ذراعا في سبعة
أذرع عرضا . وقد تطور فيه . فتارة رواه كما سمعت . وتارة بلفظ : اذا قاتل
أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فان الله خلق آدم على صورته . ومرة بلفظ : اذا قاتل
أحدكم أخاه فليجتنب الوجه ولا يقل قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك
فان الله خلق آدم على صورته ، ومرة رواه بلفظ : خلق آدم على صورة الرحمان .
وهذا افتتان في خيال طريف في تصوير الله تعالى وآدم ضمنه أدبا بارعا
وتعاليم إن ننسبها إلى الدين الاسلامي نجد فيها إغرابا يثير فينا الضحك والبكاء
في آن واحد .
وحديثه في أن الله تعالى يأتي هذه الامة يوم القيامة في الصورة التي
يعرفون فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا
ـ 12 ـ
فاذا أتانا عرفنا فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم ! فيقولون
أنت ربنا فيتبعونه ، في قصة طويلة مظلمة باردة ذات خيال شرود آبد يعرض
الله في اشكال يتنكر في بعضها ! ويغدو على عباده ! ويروح في ملابسات فيها
النكتة وفيها الحوار وفيها المخادعة ! وفيها الضحك من الله في غير عجب ! على
نحو لايقتصر الاصطدام فيه بالعقائد الاسلامية و المستقلات العقلية فحسب .
بل يصطدم إلى ذلك ب اللياقات الملكية اذا ماشينا - والعياذ بالله - فكرة التجسيم
حاشا لله وتعالى الله وتقدست اسماؤه .
وحديثه في أن جهنم لا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها ! في خرافة فيها
افتخار النار ب المتكبرين واستكانة الجنة بدخول سقطة الناس اليها .
وحديثه في أن ربه - تعالى الله ربنا - ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا يقول
من يدعوني فاستجيب له .
إلى غير ذلك من الاحاديث التي كانت مصدرا لمذهب التجسيم في الاسلام
كما ظهر في عصر التعقيد الفكري ، فظهر بسببها أنواع من البدع والاضاليل .
* * *
وله أحاديث عنى فيها بالانبياء عليهم السلام ، فوصفهم بما تجب عصمتهم منه ، وحسبك
منها حديثه اذ وصف أهوال القيامة فصور الناس يفزعون إلى آدم ثم إلى نوح ثم
إلى ابراهيم ثم إلى موسى ثم إلى عيسى عليهم السلام في لجلجة لم تعد عليهم بطائل لان
هؤلاء الانبياء " ع " حجبت - على زعم أبي هريرة - شفاعتهم بما فرض لهم
هذا الرجل من الذنوب التي غضب الله بها عليهم غضبا بكرا فذا ما غضب مثله
قبله ولن يغضب مثله بعده وأخيرا كانت الشفاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وى . كأن أبا هريرة لم يجد سبيلا إلى تفضيل النبي صلى الله عليه وآله إلا بالغض من سلفه أولى العزم
عليهم السلام .
وحديثه المتضمن نسبة الشك إلى خليل الله ابراهيم عليه السلام إذ قال : رب
ـ 13 ـ
أرني كيف تحيي الموتى في كلام جعل رسول الله صلى الله عليه وآله أحق بالشك من ابراهيم
وجعل يوسف أفضل من النبي بالصبر والاناة ولم يسلم فيه لوط من التفنيد إذ
قال : أو آوى إلى ركن شديد .
وحديثه المشتل على نقض سليمان حكم أبيه ! في اسطورة مثلت متداعيتين
على ولد قضى به داود للكبرى فقال سليمان : ائتوني بالسكين أشقه بينهما .
فقالت الصغرى : لاتفعل هو ابنها فقضى به للصغرى والتناقض بين نبيين في حكم
خاص من احكام الله تعالى لايتفق ومباني العقائد الاسلامية الصحيحة واطرف
مافي هذه الاسطورة حلف أبي هريرة انه لم يكن سمع في حياته بالسكين إلا
يومئذ وانهم ما كانوا يقولون إلا المدية .
وحديثه عن سليمان إذ قال : لاطوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة
غلاما يقاتل في سبيل الله فقال له الملك : قل إن شاء الله فلم يقل فأطاف بهن !
فلم تلد منهن إلا امرأة نصف انسان .
وحديثه في نملة قرصت موسى فامر بقرية النمل فاحرقت فاوحى الله اليه
قرصتك نملة فاحرقت أمة من الامم تسبح لله تعالى .
وحديثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه كان يؤذي ويسب ويلعن ويجلد على
الغضب من لايستحق ذلك فيكون ايذاؤه وجلده وسبه ولعنه كفارة لذنوب
من يتعرض منه لهذا الشر .
ولو نسب هذا إلى فرعون لاساء إلى أخلاقه . على أن ناسا لعنهم
رسول الله صلى الله عليه وآله لايستحقون المغفرة فهل يلزمنا أبوهريرة بحبهم واحترامهم
ورفعهم كما ترفع البررة الصالحون ؟ وما هي المقاييس الصحيحة بعد هذا المقياس
الهريري الطريف ؟
وحديثه في عروض الشيطان لرسول الله صلى الله عليه وآله ليقطع عليه صلاته فذعته
أي خنقه - وهم أن يوثقه إلى سارية لينظر الناس اليه مكتوفا لكنه صلى الله عليه وآله
ـ 14 ـ
ذكر قول سليمان . رب هب لي ملكا لاينبغي لاحد من بعدي . فخلى سبيله .
وحديثه في نوم النبي صلى الله عليه وآله عن صلاة الصبح .
إلى غير ذلك من أحاديثه التي فتحت الباب للقول بعدم عصمة
الانبياء وعريضهم للخطأ والزلل في رأي معوج لايستقيم عليه معنى النبوة في
حقيقته وواقعه .
* * *
وهنالك لون آخر في حديثه يريك التناقض بأجلى مظاهره فانظر إلى
حديثي أبو سلمة قائلا له : يا أبا هريرة ألم تحدث انه لا عدوى ؟ فانكر حديثه
الاول ورطن بالحبشية .
وانظر إلى حديثه عن طواف سليمان - على زعمه - بنسائه تجده متعارضا
متناقضة فتارة روى انهن مائة ، وأخرى روى انهن سبعون . ومرة روى انهن
سبعون وأخرى انهن ستون ! وكل ذلك ثابت عنه في الصحاح .
وانظر إلى أحاديثه في هجرته تجدها صريحة بأنه انما هاجر مسكينا حافيا
طاويا خادما يخدم هذا وهذه يشبع بطنه فمن اين له الغلام الذي حدث عنه في
الشام ؟ إذ قال ( على عهد معاوية ) : لما قدمت على النبي صلى الله عليه وآله ابق غلام لي في
الطريق ، فبينما أنا عند رسول الله أبايعه إذ طلع الغلام فقال لي النبي : يا أبا هريرة
هذا غلامك ؟ فقلت : هو لوجه الله فاعتقته .
وأنظر إلى احاديثه عن نفسه وهو في الصفة تجدها صريحة بانه انما كان
من مساكينها المعدمين وقد استوطنها طيلة عمر النبي صلى الله عليه وآله فكانت مثواه ليلا
ونهارا إذ لم يكن له في المدينة عشيرة ولا منزل سواها ولم يكن عليه إلا نمرة
يدب القمل عليها كان يربطها في عنقه فتبلغ ساقيه فيجمعها بيده لئلا تبدو
عورته . وكان يصرعه الجوع فيخر مغشيا عليه بين المنبر والحجرة فمن اين له
ـ 15 ـ
الدار التي ادعاها اواخر حياته ؟ في حديث حدث به في الشام عن نفسه وعن
أمه اذ أسلمت بدعاء النبي صلى الله عليه وآله لها وله - فبما زعم - .
وانظر إلى احتجاجه على مستنكري حديثه تجده متعارضا متساقطا كما
فصلناه في الاصل على انه في نفسه مما تنبو عنه الاسماع لسخافته وتفيه العقول
لسقمه - كما بيناه ثمة - وقد جاء فيه : ان أبا هريرة بسط نمرته لرسول الله
فطفق صلى الله عليه وآله يغرف العلم بيديه فيكيله في النمرة ثم يقول ضمه يا أبا هريرة فيضمه
إلى صدره فيعصم بذلك من النسيان ويكون به احفظ الصحابة واعلمهم بالسنة .
هذه حجته على مستنكري حديثه سخره الله بها حجة لخوصمه عليه
وبرهانا قاطعا على صحة ما نسبوه اليه وشوارد احاديثه التي كان يكيلها جزافا
ويحدث بها متنافرة متنا كرة كثيرة إلى الغاية لكن هذا القدر كاف لما اردناه
ولاحول ولاقوة إلا بالله .
وحسبك في أبي هريرة انه كان يحدث بما لم يره ولم يسمع ويدعي مع
ذلك الرؤية والسماع كما ستسمعه في فصله الخاص به من الكتاب ، واليك الآن
نموذجا من ذلك تقيس عليه ما سواه .
قال أبوهريرة فيما صح عنه بالاجماع : دخلت على رقية بنت رسول الله
زوجة عثمان وبيدها مشط فقالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من عندي آنفا
رجلت شعره الحديث .
ومن المعلوم اجماعا وقولا واحدا أن رقية انما ماتت سنة ثلاث بعد فتح
بدر ، وأبوهريرة انما أسلم سنة سبع بعد فتح خيبر فأين كان عن رقية ومشطها
يا أولي الالباب ؟ .
* * *
واليك نموذجا من حديثه الخارج على قواعد العلم المشتقة من صلب الدين
ألا وهو قوله : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله في بعث فقال : أن وجدتم فلانا وفلانا
ـ 16 ـ
فاحرقوهما بالنار ( قال ) ثم قال لنا حين أردنا الخروج : أني أمرتكم أن تحرقوهما
وان النار لايعذب بها إلا الله تعالى فان وجدتموهما فاقتلوهما أه .
وهذا من النسخ قبل حضور وقت العمل ، وهو محال على الله تعالى
ورسوله صلى الله عليه وآله .
ورب حديث له خارج على العقل كحديثه عن داود وقراءته القرآن بأجمعه
في لحظة لا تسع اسراج الدابة كما سمعت .
وله أحاديث خيالية أوردنا منها ستة في ختام الاربعين من حديثه في
الفصل 11 لتكون نموذجا لسائر ما كان من نوعها .
* * *
أما ما تزلف به إلى بني أمية وأعوانهم أو إلى الرأي العام في تلك الايام
فكثير أوردنا منه طائفة في الفصل 5 والفصل 7 والفصل 9 وستجدها على
أنواعها مختلفة ، فأمعن فيها متحررا متجردا تجده جائعا يريد أن يشبع من
الحديث ، ويريد أن يشبع خياله من الحياة كما يراها الرجل الجائع وهو - بعدئذ
- يعترف انه موطئ الاقدام في عصر حقره وأجاعه ، ثم قذفه إلى عصر أشبعه
من أجل صناعة الاحاديث ، أفيجوز أن نجعله بعد كل هذا حجة ؟ نلقي اليه بازمة
عقولنا وعقائدنا من غير نظر نختاره لهذه العقول والعقائد ؟
فان صح هذا عقلا وشرعا فليمض أبوهريرة ومن اليه في حرمهم الذي
بنته السياسة ووضعته بين التقاليد و المواريث .
وان صح عماية التقاليد و المواريث منشأ لفرقة ، أو مثارا لخلاف فلتبق
حتى يأذن الصبح ، إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه
توكلت واليه أنيب .
ـ 17 ـ
* بسم الله الرحمن الرحيم *
* أبوهريرة *
حدث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأكثر ، وروت عنه
الصحاح الستة وسائر مسانيد الجمهور فأكثرت . فلم يسعنا ازاء هذه الكثرة
المزدوجة إلا أن نبحث عن مصدرها ، لاتصالها بحياتنا الدينية والعقلية اتصالا
مباشرا . ولولا ذلك ل تجاوزناها وتجاوزنا مصدرها إلى ما يغنينا عن تجشم
النظر فيها وفيه .
لكن آسلات هذه الكثرة قد استفاضت في فروع الدين وأصوله فاحتج
بها أهل المذاهب الاربعة ومتكلموهم من الاشاعرة وغيرهم في كثير من أحكام
الله وشرائعه عزوجل ملقين اليها سلاح النظر والتفكير لذلك لم يكن بد من
البحث عن هذا المكثر نفسه . وعن حديثه كما وكيفا لنكون على بصيرة فيما
يتعلق من حديثه باحكام الله عزوجل .
ـ 18 ـ
* إسمه ونسبه *
كان أبوهريرة غامض الحسب ، مغمور النسب ، فاختلف الناس في اسمه
واسم ابيه اختلافا كثيرا . لايحاط به ولا يضبط في الجاهلية والاسلام ( 1 )
وانما يعرف بكنيته . وينسب إلى دوس . وهي قبيلة يمانية تفرعت عن دوس
ابن عدنان بن عبدالله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن
النضر بن الازد بن الغوث .
أما أبوه : فقد قيل ( 2 ) ان اسمه عمير وانه ابن عامر بن عبد ذي الشرى
* ( هامش ) *
( * ) - بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وسلام على عباده
الذين اصطفى .
وبعد : فيقول أضعف المومنين عملا ، وأقواهم بعفو الله أملا ،
عبدالحسين بن شرف الدين الموسوي العاملي : هذه تعليقة تضمن بيان مصادر
الكتاب . ولا ندع شاردة عنه إلا ردتها اليه ، فما أولى البحث والتدقيق
بتتبعها ، والله سبحانه هو المرجو أن ينفع بها وبأصلها ويجعلهما خالصين لوجهه
الكريم إنه أرحم الراحمين .
( 1 ) - نص على هذا بعين لفظه أبوعمر بن عبدالبر في ترجمة أبي هريرة
من استيعابه ومن راجع ترجمته في معاجم التراجم ك الاستيعاب والاصابة
وأسد الغابة وطبقات ابن سعد وغيرها يجد غموض حسبه ونسبه محسوسا .
( 2 ) - القائل بهذا محمد بن هشام بن السائب الكلبي فيما نقله عنه ابن سعد
في ترجمة أبي هريرة من طبقاته وقواه أبوأحمد الدمياطي فيما نقله عنه ابن حجر
في ترجمة أبي هريرة من اصابته .
ـ 19 ـ
ابن طريف بن غياث بن أبي صعب بن هنية بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن
غنم بن دوس .
وأمه أميمة ابنة صفيح بن الحارث بن شابي بن أبي صعب بن هنية بن سعد
ابن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس ( 1 ) .
وكنى أبا هريرة بهرة صغيرة كان مغرما بها ( 2 ) ولعل من غرامه بها حدث
عن رسول الله صلى الله عليه وآله : ان امرأة دخلت النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها
تأكل من خشاش الارض ( 3 ) وردت عليه عائشة إذ بلغها حديثه هذا - كما
ستسمعه إن شاء الله تعالى في محله من هذا الكتاب - .
( 1 ) - هكذا ساق نسبها محمد بن سعد في ترجمة أبي هريرة : وهي في
ص 52 وما بعدها من القسم الثاني من الجزء الرابع من طبقاته .
( 2 ) - روى ابن قتيبة الدينوري ( في ترجمة أبي هريرة ص 93 من
كتابه المعارف ) ان أبا هريرة كان يقول : وكنيت بابي هريرة بهرة صغيرة كنت
ألعب بها . وأخرج ابن سعد في ترجمة أبي هريرة من الطبقات بالاسناد اليه قال
كنت أرعى غنما وكانت لي هرة صغيرة فكنت اذا كان الليل وضعتها في شجرة
فاذا أصبحت أخذتها فلعبت بها فكنوني أبا هريرة وكل من ترجم ذكر هذا أو
نحوه واستمر في الاسلام على غرامه بالهرة والعبث بها حتى رآه النبي صلى الله عليه وآله
يحملها في كمه كما ذكره الفيروز آبادي في مادة الهرة من قاموسه المحيط .
( 3 ) - أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق ص 149 من الجزء الثاني
من صحيحه . وأخرجه أحمد بن حنبل من حديث أبي هريرة ص 261 من الجزء
الثاني من مسنده .
ـ 20 ـ
* نشأته وإسلامه وصحبته *
نشأ في مسقط رأسه ( اليمن ) وشب ثمة حتى أناف على الثلاثين ( 1 ) جاهليا
لايستضئ بنور بصيرة ولا يقدح بزناد فهم ، صعلوكا قد أخمله الدهر ويتيما
أزرى به الفقر . يخدم هذا وذاك وتي وتلك مؤجرا نفسه بطعام بطنه ( 2 )
حافيا عاريا . راضيا بهذا الهوان ، مطمئنا اليه كل الاطمئنان .
لكن لما أظهر الله أمر نبيه صلى الله عليه وآله في المدينة الطيبة بعد بدر وأحد
والاحراب وبعد اللتيا والتي . لم يكن لهذا البائس المسكين حينئذ مذهب عن باب
رسول الله صلى الله عليه وآله فهاجر اليه بعد فتح خيبر فبايعه على الاسلام وكان ذلك سنة
سبع للهجرة باتفاق أهل الاخبار .
أما صحبته فقد صرح أبوهريرة - في حديث أخرجه البخاري ( 3 ) -
بأنها انما كانت ثلاث سنين .
( * هامش * )
( 1 ) - قال أبوهريرة من حديث تجده في ترجمته من الاصابة وغيرها
قدمت ورسول الله بخيبر وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين .
( 2 ) - كان أبوهريرة يحدث عن نفسه فيقول كما في ترجمته من الطبقات
والاصابة وحلية الاولياء وغيرها - : كنت أجيرا لابن عفان وابنة غزوان
بطعام بطني اسوق بهم اذا ركبوا وأخدمهم اذا نزلوا . وله كلام في هذا المعنى
كثير سنورده في محله من الاصل .
( 3 ) - في باب علامات النبوة في الاسلام ص 182 من الجزء الثاني من
صحيحه . وهو موجود في ترجمة أبي هريرة من الاصابة والطبقات .
ـ 21 ـ
* على عهد النبي صلى الله عليه وآله *
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 21 سطر 1 الى ص 30 سطر 24
* على عهد النبي صلى الله عليه وآله *
لما أسلم أبوهريرة انضوى باسلامه إلى مساكين الصفة ( 1 ) وهم - كما قال
أبوالفداء في تاريخه المختصر : أناس فقراء لا منازل لهم ولا عشائر ينامون
على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد ويظلون فيه . وكانت صفة المسجد مثواهم
فنسبوا اليها . وكان اذا تعشى رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو منهم طائفة يتعشون معه ،
ويفرق منهم طائفة على الصحابة ليعشوهم . قال : ومن مشاهيرهم أبوهريرة
إلى آخر كلامه ( 2 ) .
وكان أبوهريرة - كما نص عليه أبونعيم الاصفهاني في حلية الاولياء ( 3 )
أشهر من سكن الصفة واستوطنها طول عمر النبي صلى الله عليه وآله ولم ينتقل عنها . وكان
عريف من سكن الصفة من القاطنين ومن نزلها من الطارقين إلى آخر كلامه .
وصف أبوهريرة نفسه فقال - كما في أول البيوع من صحيح البخاري :
وكنت مسكينا من مساكين الصفة ، الحديث وهو طويل ( 4 ) .
قال - كما في باب نوم الرجال في المسجد من كتاب الصلاة من صحيح
* هامش *
( 1 ) - قال ابن الاثير في مادة صفف من النهاية : أهل الصفة هم فقراء
المهاجرين ومن لم يكن له منزل يسكنه وكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد
المدينة يسكنونه .
( 2 ) - فراجعه في آخر حياة النبي عند ذكر أصحابه .
( 3 ) - ص 376 من جزئها الاول حيث ترجم أبا هريرة .
( 4 ) - فراجعه في الصفحة الاولى من الجزء الثاني من الصحيح .
ـ 22 ـ
البخاري ( 1 ) : رأيت سبعين من أصحاب الصفة ( 2 ) ما منهم رجل عليه رداء
وانما عليه أما أزار واما كساء ربطوه في اعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين .
يومنها مايبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته اه .
وفي صحيح البخاري من حديث طويل ( 3 ) عن أبي هريرة قال فيه : وإن
أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وآله بشبع بطنه .
وفيه أيضا من طريق ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة من
حديث ( 4 ) قال فيه : وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وآله على ملئ البطن .
وحدث عن نفسه في مقام آخر فقال ( 5 ) : كنت من أصحاب الصفة
فظللت صائما فامسيت وأنا أشتكي بطني فانطلقت لاقضي حاجتي فجئت وقد
أوكل الطعام . وكان أغنياء قريش يبعثون بالطعام لاهل الصفة فقلت : إلى من
أذهب ؟ فقيل لي : إلى عمر بن الخطاب فاتيته وهو يسبح بعد الصلاة فانتظرته
فلما انصرف دنوت منه : فقلت : أقرئني وما أريد إلا الطعام ، قال : فاقرأني
* هامش *
( 1 ) - ص 60 من جزئه الاول .
( 2 ) - السبعون من اصحاب الصفة قد استشهدوا باجمعهم يوم بئر معونة
قبل إسلام أبي هريرة ، وهذا الحديث نظير حديثه إذ قال : دخلت على رقية
بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وفي يدها مشط مع ان رقية قد ماتت قبل مجئ أبي هريرة
إلى المدينة بزمان وكم له من نظير هذا كما ستسمعه في محله من الاصل .
( 3 ) - تجده في باب حفظ العلم من كتاب العلم ص 24 من جزئه الاول
وأخرجه ايضا غير واحد من حفظة الاثار كأبي نعيم في حليته .
( 4 ) - هو الحديث الاول من كتاب البيوع في الصفحة الاولى من
جزئه الثاني .
( 5 ) - فيما أخرجه أبونعيم في ترجمة أبي هريرة من الحلية ص 378
من جزئها الاول .
ـ 23 ـ
آيات من سورة آل عمران ، فلما بلغ أهله دخل وتركني على الباب فأبطأ ،
فقلت : ينزع ثيابه ، ثم يأمر لي بطعام ، فلم أر شيئا ، فلما طال على قمت فاستقبلني
رسول الله صلى الله عليه وآله فانطلقت معه حتى أتى بيته فدعا جارية له سوداء ( 1 ) فقال :
آتينا بتلك القصعة . قال : فأتتنا بقصعة فيها وضر ( 2 ) من طعام اراه شعيرا
قد اكل وبقى في جوانبها بعضه وهو يسير فأكلت حتى شبعت اه .
وكثيرا ما كان يصف نفسه فيقول ( 3 ) : والله الذي لا إله إلا هو إن
كنت لاعتمد بكبدي على الارض من الجوع وإن كنت لاشد الحجر على بطني
من الجوع ، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه من المسجد -
فمر أبوبكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل ثم
مر عمر بي فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر فلم يفعل . ثم
مر بي أبوالقاسم صلى الله عليه وآله فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي .
ثم قال : أبا هر قلت : لبيك يارسول الله ، قال : إلحق ومضى فتبعته فدخل
فأذن لي فدخلت فوجدنا لبنا في قدح ، فقال صلى الله عليه وآله : من اين هذا اللبن ؟ قالوا
أهداه لك فلان أو فلانة ، قال : أبا هر ، قلت : لبيك ، قال : إلحق إلى أهل
الصفة فادعهم لي ، قال : وأهل الصفة اضياف الاسلام لا يأوون إلى أهل ولا
على أحد ، وكان صلى الله عليه وآله اذا أتته صدقة بعث بها اليهم ولم يتناول منها شيئا . واذا
أتته هدية أشركهم فيها ، قال فساءني ذلك ، فقلت : وما هذا اللبن في أهل الصفة ؟
كنت أنا أحق ان أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها ، فاذا جاؤا أمرني أن
* هامش *
( 1 ) - ما عهدنا ولا سمعنا ان في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله جارية سوداء .
( 2 ) - في النهاية وضر الصحفة دسمها وأثر الطعام فيها .
( 3 ) - كما في باب كيف كان يعيش النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه من كتاب الرقاق
ص 81 من الجزء الرابع من صحيح البخاري . وأخرجه أبونعيم مختصرا في
ترجمة أبي هريرة من حلية الاولياء .
ـ 24 ـ
أعطيهم ، وما عسى ان يبلغني من هذا اللبن ؟ ولم يكن من طاعة الله ورسوله بد
فأتيتهم فدعوتهم فاقبلوا فاستأذنوا فاذن لهم واخذوا مجالسهم فقال صلى الله عليه وآله
يا أبا هريرة خذ فاعطهم ، فاخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى
ثم يرد على القدح فاعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرده على فاعطيه
الآخر فيشرب حتى يروى ، ولم ازل حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وآله وقد روى القوم
كلهم فاخذ القدح وتبسم الي فقال : أبا هر بقيت أنا وأنت ، قلت : صدقت
يارسول الله قال : اقعد فاشرب ، فقعدت فشربت ، قال : اشرب فشربت ، فما
زال يقول : اشرب ، حتى قلت : لا والذي بعثك بالحق ما اجد له مسلكا
قال : فأرنيه . فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة ( 1 ) .
وفي صحيح البخاري ( 2 ) عن أبي هريرة قال : رأيتني واني لاخر فيما بين
منبر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حجرة عائشة مغشيا علي فجئ الجائي فيضع رجله
على عنقي ويرى اني مجنون وما بي من جنون ما بي إلا الجوع اه .
وكان ذو الجناحين جعفر بن أبي طالب عليهما السلام كثير البر والاحسان
والصدقة والعطف على البائسين . فكان يطعم أبا هريرة من جوع فوالاه
* هامش *
( 1 ) - هذا الحديث اخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه وهو
من أعلام النبوة - لو صح فما ندري لم لم يروه غير أبي هريرة ؟ وهلا حدث
بهذه الآية شركاء أبي هريرة في اللبن على الاقل ؟ وما ندري هل كان ثمة مقتض
للتحدي والاعجاز ؟ وموجب لخرق العادات ؟ فان مثل هذه الآية لا تكون إلا
عند الاقتضاء ونحن نؤمن بآيات الله تعالى ومعجزات رسله ومع ذلك فان
الظاهر ان هذا الحديث مما نزلف به أبا هريرة إلى غوغاء الناس وعوامهم بعد
وفاة كبراء الصحابة حيث لم يبق منهم من يخشاه .
( 2 ) - راجع من جزئه الرابع ص 175 تجده في أواخر كتاب
الاعتصام بالكتاب والسنة .
ـ 25 ـ
أبوهريرة وفضله - كما في ترجمة جعفر من الاصابة - على الناس بعد النبي كافة .
وقد روى البخاري ( 1 ) بالاسناد إلى أبي هريرة قال : إن الناس يقولون
اكثر أبوهريرة على رسول الله صلى الله عليه وآله واني كنت ألزمه بشبع بطني حتى لا أكل
الخمير ولا ألبس الحبير ولا يخدمني فلان وفلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء
من الجوع ، وكنت استقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني ، وكان
اخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في
بيته الحديث ( 2 ) .
وأخرج البغوى من طريق المقبري - كما في ترجمة جعفر من الاصابة -
قال : كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويجلس اليهم ويخدمهم ويخدمونه
ويحدثهم ويحدثونه فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يكنيه أبا المساكين ( 3 ) .
وأخرج الترمذي والنسائي الصحيح كما في ترجمة جعفر من
الاصابة أيضا عن أبي هريرة قال : ما احتذي النعال ولااركب المطايا ولا وطأ
التراب بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل من جعفر بن أبي طالب ( 4 ) .
* هامش *
( 1 ) في ص 197 من الجزء الثاني من صحيحه في باب مناقب جعفر وأخرج
نحوه أبونعيم في ترجمة جعفر 117 من الجزء الاول من حليته .
( 2 ) ونقل ابن عبد ربه الاندلسي - في فصل الجود مع الاقلال من الجزء الاول
من عقده الفريد - عن أبي هريرة انه قال : تبعت جعفر بن أبي طالب ذات يوم وانا
جائع فلما بلغ الباب التفت فرآني فقال لي : أدخل فدخلت ففكر حينا فما وجد في
بيته شيئا إلا نحيا كان فيه سمن مرة ، فانزله من رف لهم ، فشقه بين أيدينا ، فجعلنا
نلعق ما كان فيه من السمن والزيت وهو يقول : ما كلف الله نفسا فوق طاقتها * ولا تجود يد إلا بما تجد
( 3 ) وهذا الحديث أخرجه أبونعيم في ترجمة جعفر من حلية الاولياء ص 117
من جزئها الاول من طريق المقبري عن أبي هريرة ايضا .
( 4 ) وهذا الحديث أورده ابن عبدالبر في ترجمة جعفر من الاستيعاب
ـ 26 ـ
وما زالت الصفة موطن أبي هريرة الذي يطمئن اليه ليلا ونهارا ، لا يأوي
إلى ما سواها حتى ارتحل النبي صلى الله عليه وآله من هذه الدار الفانية ولحق بالرفيق الاعلى
وقبل ذلك لم يقم أبوهريرة بشئ يعود عليه بشبع بطنه سوى القعود في طريق
المارة ينزع اليهم بجوعه . لا تخفزه مهمة . ولا يذكر في حرب ولا في سلم ، بلى
ذكروا أنه فر من الزحف يوم مؤتة ( 1 ) .
وزعم أنه كان في البعث الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله مع علي ببراءة إلى
مكة وأنه نادى يوم الحج الاكبر حتى صحل صوته ، وله في ذلك حديثان
متناقضان متساقطان كما ستقف عليه في محله إن شاء الله تعالى .
وزعم أن النبي صلى الله عليه وآله وكله بحفظ زكاة رمضان في حديث طويل ( 2 )
سنورده في الاباطيل .
4 - * على عهد الخليفتين *
ألممنا بأخبار الخليفتين ، واستقرأنا ما كان على عهدهما ، فلم نجد لابي
هريرة ثمة أثرا يذكر ، سوى ان عمر بعثه واليا على البحرين سنة إحدى
وعشرين ( 3 ) . فلما كانت سنة ثلاث وعشرين وعزله وولى عثمان بن أبي العاص
* ( هامش ) *
( 1 ) راجع ص 42 من الجزء الثالث من المستدرك تجد أبا هريرة يعير بذلك
فلا يدري أي شئ يقول لمن عيره .
( 2 ) أخرجه البخاري في كتاب الوكالة ص 29 من الجزء الثاني من صحيحه .
( 3 ) حين مات الوالي عليها من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وابي بكر وعمر وهو العلاء
ابن الحضرمي .
ـ 27 ـ
الثقفي ( 1 ) ، ولم يكتف بعزله حتى استنقذ منه لبيت المال عشرة الآف زعم انه
سرقها من مال الله في قضية مستفيضة ، وحسبك منها ما ذكره ابن عبد ربه
المالكي ( فيما يأخذ به السلطان من الحزم والعزم من أوائل الجزء الاول من
عقده الفريد ) إذ قال - وقد ذكر عمر : ثم دعا أبا هريرة . فقال له : علمت
اني استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين . ثم بلغني انك ابتعت افراسا بألف
دينار وستمائة دينار . قال : كانت لنا أفراس تناجت وعطايا تلاحقت . قال :
حسبت لك رزقك ومؤنتك وهذا أفضل فأده قال : ليس ذلك . قال : بلا
والله وأوجع ظهرك ثم قام اليه بالدرة فضربه حتى أدماه ثم قال : ائت بها ،
قال : احتسبها عند الله قال : ذلك لو أخذتها من حلال وأديتها طائعا ، أجئت
من أقصى حجر البحرين يجبى الناس لك لا لله ولا للمسلمين ؟ ما رجعت ( 2 )
بك أمسية إلا لرعية الحمر .
قال ابن عبد ربه : وفي حديث أبي هريرة : لما عزلني عمر عن البحرين
قال لي : ياعدو الله وعدو كتابه سرقت مال الله ؟ قال فقلت : ما أنا عدو الله
وعدو كتابه ولكني عدو من عاداك وما سرقت مال الله ، قال : فمن أين اجتمعت
لك عشرة آلاف ؟ قال فقلت : خيل تناتجت ، وعطايا تلاحقت ، وسهام تتابعت
قال : فقبضها مني فلما صليت الصبح استغفرت لامير المؤمنين الحديث ، وقد أورده
ابن أبي الحديد إذ ألم بشئ من سيرة عمر في المجلد الثالث من شرح النهج ( 3 )
* ( هامش ) *
( 1 ) كما هو ثابت لدى أهل الاخبار ومصرح به في عدة حوادث تلك السنة من
تاريخ ابن الاثير وغيره .
( 2 ) الرجع والرجيع العذرة والروث سميا رجيعا لانهما رجعا من حالتهما
الاولى بعد ان كانا طعاما وعلفا ، واميمة ام ابي هريرة ، وكلمة الخليفة هذه من افظع
كلمات الشتم .
( 3 ) ص 104 طبع مصر .
ـ 28 ـ
وأخرجه ابن سعد في ترجمة أبي هريرة من طبقاته الكبرى ( 1 ) من طريق محمد
ابن سيرين عن أبي هريرة قال : قال لي عمر : ياعدو الله وعدو كتابه أسرقت
مال الله إلى آخر الحديث . وأورده ابن حجر العسقلاني في ترجمة أبي هريرة
من أصابته فحوره عطفا على على أبي هريرة تحويرا خالف فيه الحقيقة الثابتة باتفاق
أهل العلم ، وذهل عما يستلزمه ذلك التحرير من الطعن بمن ضرب ظهره فأدماه
وأخذ ماله وعزله .
5 .
* على عهد عثمان *
أخلص أبوهريرة لآل أبي العاص وسائر بني أمية على عهد غثمان واتصل
بمروان وتزلف إلى آل أبي معيط ، فكان له بسبب ذلك شأن ، ولا سيما بعد يوم
الدار إذ حوصر عثمان فكان أبوهريرة معه . وبهذا نال نضارة بعد الذبول
ونباهة بعد الخمول .
سنحت له في تلك الفتنة فرصة الانضواء إلى الدار فأسدى بها إلى آل أبي
العاص وغيرهم من الامويين يدا كان لها أثرها عندهم وعند أعوانهم ومقوبة
سلطانهم ، فنضوا عنه دثار الخمول وشادوا بذكره ، على أنه لم يخف عليهم
كونه ما استسلم إلى الحصار ولا دخل الدار إلا بعد أن كف الخليفة أيدي أوليائه
عن القتال وأمرهم بالسكينة . كما قال بعض معاصريه في رثائه !
فكف يديه ثم أغلق بابه * وأيقن أن الله ليس بغافل
وقال لاهل الدار لا تقتلوهم * عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل
وانما فعل ذلك احتياطا على نفسه واحتفاظا بأصحابه . وكان أبوهريرة
* ( هامش ) *
( 3 ) ص 90 من قسمها الثاني من زئها الرابع ( * )
ـ 29 ـ
على علم بأن الثائرين لايطلبون إلا عثمان ومروان . وهذا ما شجعه على أن يكون
في المحصورين .
ومهما يكن فقد أختلس الرجل هذه الفرصة فربحت صفقته وراجت
سلعته ، وأكب بعدها بنو أمية وأولياؤهم على السماع منه . فلم يألوا جهدا في
نشر حديثه ، والاحتجاج به . وكان ينزل فيه على ما يرغبون .
وكان مما حدثهم به عن رسول الله صلى الله عليه وآله إن لكل نبي خليلا من أمته وان
خليلي عثمان ( 1 ) .
وقال ( 2 ) : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : عثمان حبي تستحي منه الملائكة .
ورووا عنه مرفوعا : لكل نبي رفيق في الجنة ورفيقي فيها عثمان ( 3 ) .
ورووا عنه مرفوعا أيضا : أتاني جبرئيل فقال لي : إن الله يأمرك أن
تزوج عثمان أم كلثوم على مثل صداق رقية الحديث ( 4 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) أهل العلم كافة متصافقون على بطلان هذا الحديث ، لكن أولياء أبي هريرة
يحيلون الآفة به على اسحاق بن نجيع الملطي أحد رجال سنده إلى أبي هريرة ، وقد
أورده الذهبي في ترجمة اسحاق من ميزان الاعتدال جازما ببطلانه
( 2 ) فيما أخرجه ابن كثير عند ذكر فضائل عثمان في حوادث سنة 35 ص 203
من الجزء السابع من كتابه " البداية والنهاية "
( 3 ) هذا الحديث باطل بالاجماع ، وأولياء أبي هريرة يحيلون الآفة فيه على
عثمان بن خالد بن عمر بن عبدالله بن الوليد بن عثمان بن عفان أحد سلسلة سنده المتصلة
بأبي هريرة ، وقد أورده الذهبي في ترجمة عثمان بن خالد المذكور من ميزان الاعتدال
وعده من منكراته .
( 4 ) اخرجه ابن منده وقال : غريب تفرد به محمد بن عثمان بن خالد العثماني اه
" قلت " : وقد نقل هذا الحديث ابن حجر العسقلاني في آخر ترجمة السيدة ام كلثوم
عليها السلام من الجزء الرابع من الاصابة ، وذكر انه غريب ، وانه تفرد به محمد بن
عثمان بن خالد العثماني فراجع ( * )
ـ 30 ـ
وقال : دخلت على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أمرأة عثمان وبيدها مشط
فقالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من عندي آنفا رجلت شعره ، فقال لي : كيف
تجدين أبا عبدالله ( عثمان ) ؟ قلت : بخير . قال أكرميه ، فانه من اشبه أصحابي
بي خلقا ( 1 ) .
وربما حرف الكلم عن مواضعه ، كما فعل في الصحيح الثابت عن
رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله : ستكون بعدي فتنة واختلاف . قالوا فما تأمرنا عند
ذلك يارسول الله ؟ قال صلى الله عليه وآله - وقد أشار إلى علي - : عليكم بالامير وأصحابه .
لكن أبا هريرة آثر التزلف إلى آل أبي العاص وآل معيط وآل أبي
سفيان فروى لهم ان النبي صلى الله عليه وآله أشار في هذا الحديث إلى عثمان ( 2 ) وقد
حفظوا له هذا الصنع . كما ستقف عليه في الفصل 8 من هذا الاملاء أن شاء
الله تعالى .
- 6 -
* على عهد علي *
خفت صوت أبي هريرة على عهد أمير المؤمنين . واحتبى برد الخمول وكاد
إن يرجع إلى سيرته الاولى . حيث كان هيان بن بيان وصلعمة بن قلعمة قعد
* ( هامش ) *
( 1 ) سنورد هذا الحديث في أول الفصل 13 فراجعه ثمة واعجب
( 2 ) ولذا أخرجه الحاكم عن أبي هريرة في فضائل عثمان اول ص 99 من الجزء
3 من المستدرك .
والحق يوجب ذكره في فضائل علي ، نظير قول النبي صلى الله عليه وآله : تكون بين الناس
فرقة واختلاف فيكون هذا واصحابه على الحق ، واشار إلى علي ، أخرجه الطبراني
عن كعب بن عجرة ، وهو الحديث 2635 من الجزء 6 من كنز العمال ، وقوله صلى الله عليه وآله -
ستكون بعدي فتنة فالزموا فيها علي بن أبي طالب فانه اول من آمن بي واول من -
ـ 31 ـ
عن نصرة أمير المؤمنين فلم ينضو إلى لوائه ، بل كان وهه ونصيحته إلى أعدائه
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 31 سطر 1 الى ص 40 سطر 23
عن نصرة أمير المؤمنين فلم ينضو إلى لوائه ، بل كان وهه ونصيحته إلى أعدائه
* ( هامش ) *
- يصافحني يوم القيامة وهو الصديق الاكبر وهو فاروق هذه الامة الحديث ، أخرجه
ابواحمد وابن مندة وغيرهما عن ابي ليلى الغفاري ، ونقله في ترجمة ابي ليلى كل من ابن
عبدالبر في استيعابه وابن حجر في اصابته وغيرهما ، وقوله صلى الله عليه وآله : ياعمار
إن رايت عليا قد سلك واديا وسلك الناس في واديا غيره فاسلك مع علي ودع الناس
إنه لن يدلك على ردى ولن يخرجك من الهدى الحديث ، أخرجه الديلمي عن كل من
عمار وأبي أيوب وهو الحديث 259 في آخر ص 155 من الجزء 6 من كنز العمال
وقوله صلى الله عليه وآله : يا أبا رافع سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا حق على الله جهادهم الحديث
أخرجه الطبراني في الكبير عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن ابيه عن جده وهو
الحديث 2589 من الجزء 6 من الكنز إلى كثير من امثال هذه النصوص التي لايسعنا
الآن استقصاؤها ، وحسبك قوله صلى الله عليه وآله : إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما
قاتلت على تنزيله فاستشرف لها القوم وفيهم ابوبكر وعمر ، فقال ابوبكر انا هو ؟
قال لا ، قال عمر : انا هو ؟ قال : لا ولكنه خاصف النعل الحديث ، أخرجه الحاكم
في آخر ص 122 من الجزء 3 من المستدرك وصححه على شرط الشيخين واورده
الذهبي في تلخيصه معترفا بصحته على شرطهما واخرجه أحمد من الحديث ابي سعيد في
ص 33 وص 82 من الجزء 3 من المسند ورواه الحافظ ابونعيم في ترجمة على ص
67 من الجزء الاول من حليته واخرجه ابويعلى في السنن وسعيد بن منصور في سننه
وهو الحديث 2585 في ص 155 من الجزء 6 من الكنز ، والاحاديث في وجوب قتال
الناكثين والقاسطين والمارقين متظافرة ، واخباره صلى الله عليه وآله بوقوع الفتن من بعده
متواترة وهي من اعلام النبوة وكلها صريح بوجوب اتباع علي ، فحديث أبي هريرة
الذي اخرجه الحاكم من جملتها بلا ريب ، ويؤيد ذلك ان النبي صلى الله عليه وآله لم يطلق الامير
على غير علي أبدا ، اما علي فقد نال منه هذا الوسام ، وحسبك قوله صلى الله عليه وآله لانس
اول من يدخل عليك من هذا الباب امير المؤمنين وسيد الوصيين ، الحديث ، اخرجه
الحافظ الاصفهاني في ترجمة علي من الجزء الاول من حلية الاولياء ، وقد أمر صلى الله عليه وآله
ان يسلموا على علي بالامرة كما هو ثابت من طرق العترة الطاهرة ، والمقام
لا يسع التفصيل . ( * )
ـ 32 ـ
وقد أرسله معاوية مع النعمان بن بشير - وكانا عنده في الشام - إلى علي عليه السلام
يسألانه أن يدفع قتلة عثمان إلى معاوية ليقيدهم بعثمان ، وقد أراد معاوية بهذا
أن يرجعا من عند علي إلى الشام وهما لمعاوية عاذران ولعلي لائمان ، علما من
معاوية أن عليا لا يدفع قتلة عثمان اليه ، فاراد أن يكون النعمان وأبوهريرة
شاهدين له عند أهل الشام بذلك ، وان يظهرا للناس عذر معاوية في قتال علي .
فقال لهما ائتينا علي فانشدناه الله لما دفع الينا قتلة عثمان ، فانه قد آواهم ، ثم
لا حرب بيننا وبينه ، فان ابى فكونوا شهداء الله عليه ، واقبلا على الناس
فاعلماهم بذلك . فأتينا عليا فدخلا عليه ، فقال له أبوهريرة : يا أبا الحسن ان الله
قد جعل لك في الاسلام فضلا وشرفا ، فأنت ابن عم محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وقد
بعثنا اليك ابن عمك يسألك امرا تسكن به هذه الحرب ، ويصلح الله به ذات
البين ان تدفع اليه قتلة ابن عمه عثمان فيقتلهم به ويجمع الله تعالى امرك وامره
ويصلح بينكم وتسلم هذه الامة من الفتنة والفرقة ، ثم تكلم النعمان بنحو من هذا
فقال لهما : دعا الكلام في هذا ، حدثني عنك يا نعمان ، هل أنت أهدى قومك
سبيلا ؟ - يعني الانصار - قال : لا . قال فكل قومك قد اتبعني الا شذاذ منهم
ثلاثة أو أربعة افتكون أنت من الشذاذ ؟ قال النعمان : اصلحك الله انما جئت
لاكون معك والزمك ، وقد كان معاوية سألني ان اؤدي هذا الكلام . ورجوت
ان لي موقف اجتمع فيه معك . وطمعت ان يجري الله تعالى بينكما صلحا
فاذا كان رأيك غير ذلك فانا ملازمك وكائن معك .
قال حفظة الآثار : أما أبوهريرة فلم يكلمه أمير المؤمنين فانصرف إلى
الشام فاخبر معاوية بالخبر فامره معاوية ان يعلم الناس ففعل ذلك وعمل اعمالا
ترضى معاوية .
واقام النعمان بعده عند علي ثم خرج فارا إلى الشام فأخبر أهلها بما لقي
ـ 33 ـ
إلى آخر ما كان من هذه الواقعة ( 1 ) .
وحين جد الجد ، وحمى وطيس الحرب ، ورد على أبي هريرة من الهول
ماهزم فؤاده وزلزل اقدامه ، وكان في أول تلك الفتنة لا يشك بأن العاقبة
ستكون لعلي . فضرب الارض بذقنه ، قابعا في زوايا الخمول يثبط الناس عن
نصرة أمير المؤمنين بما يحدثهم به سرا وكان مما قاله يومئذ : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وآله يقول : ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي
والماشي خير من الساعي ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به ( 2 ) .
ولم يزل كذلك حتى خرجت الخوارج على أمير المؤنين واختلف الناس
عليه في العراق واستفحل أمر معاوية باستيلائه على مصر وقتله محمد بن أبي بكر
وعبثه في بلاد أمير المؤمنين ، وشنه الغارات عليها ، وبعثه بسرا في ثلاثة آلاف
إلى الحجاز واليمن عبثا في الارض وفسادا ، وتنكيلا بعباد الله وتقتيلا ، وتحريفا
لهم وتمزيقا ، وانتهاكا لحرمات الله . وهتكا لامائه وسبيا لذراى المؤمنين من
عباده ، وعبرة للناظرين ، ومثلا واحدوثة في الغابرين .
* ( هامش ) *
( 1 ) وقد ذكرها ابراهيم بن هلال الثقفي في كتاب الغارات ، ونقلها البحاثة
المعتزلي في ص 213 من المجلد الاول من شرح نهج البلاغة فليراجعها من أراد التفصيل
ليعرف سوء نوايا معاوية وسوء منقلب النعمان في هذه الواقعة وانما أعرض
أمير المؤمنين عن أبي هريرة فلم يكلمه لكونه لم يره لهلا لتزلفه بدينه إلى معاوية ،
وعلم أمير المؤمنين ما أراده معاوية من المكائد اذ ارسلهما اليه يطلبان منه قتلة عثمان
فلم يجبهما بشئ لا سلبا ولا إيجابا بل أعرض عن طلبهما ، وتكلم مع النعمان في موضوع
آخر وهذا من قوته في سياسته عليه السلام .
( 2 ) اخرجه أحمد بن حنبل من حديث أبي هريرة في ص 282 من الجزء الثاني
من مسنده . وهو من الاباطيل بدليل قوله تعالى : ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى
أمر الله ) .
ـ 34 ـ
وفي ختام هذه الفظائع أخذ البيعة لمعاوية من أهل الحجاز واليمن عامة ( 1 )
فعندها باح أبوهريرة بما في صدره ، واستراح إلى بسر بن ارطاة بمكنون سره
فوجد بسر منه اخلاصا لمعاوية ، ونصحا في أخذ البيعة له من الناس . فولاه على
المدينة ( 2 ) حين أنصرف عنها وامر أهلها بطاعته ولم يزل بعدها يصلى بهم ويرى
لنفسه الولاية عليهم حتى جاءهم جارية بن قدامة السعدي من قبل أمير المؤمنين
في الفي فارس وأبوهريرة يصلي في الناس ، فهرب من وجهه ، فقال جارية ( 3 )
لو وجدت أبا سنور لقتلته .
وبلغ جارية - وهو في الحجاز - استشهاد أمير المؤمنين في الكوفة فأخذ
البيعة من أهل المدينة للامام السبط أبي محمد الحسن الزكي المجتبى عليه السلام ثم عاد
إلى الكوفة فرجع أبوهريرة يصلي بالناس ( 4 ) واستفحل بعدها امره حيث
انتهى الامر إلى معاوية .
- 7 -
* على عهد معاوية *
نزل أبوهريرة أيام معاوية إلى جناب مريع ، وانزل آماله منه منزل صدق
* ( هامش ) *
( 1 ) من أراد الوقوف على تفصيل هذه الفظائع والفجائع فعليه بص 116 حتى
ص 121 من المجلد الاول من شرح النهج الحميدي على ان كل من ارخ حوادث سنة
الاربعين ذكرها كابن جرير وابن الاثير وغيرهما وهي من القضايا الثابتة من افعال
معاوية ثبوت وقعتي الحرة والطف من ولده يزيد .
( 2 ) كما نص عليه ابراهيم بن هلال الثقفي في كتاب الغارات ، ونقله ابن ابي
الحديد في أواخر صفحة : 128 من المجلد الاول من شرح النهج .
( 3 ) كما نص عليه ابن الاثير عند ذكر سرية إلى الحجاز واليمن سنة 40
فراجع ص 153 من الجزء الثالث من تاريخه الكامل .
( 4 ) كما في الصفحة المتقدمة الذكر من كامل ابن الاثير . ( * )
ـ 35 ـ
لذلك نزل في كثير من الحديث على رغائبه ، فحدث الناس في فضل معاوية وغير ،
أحاديث عجيبة .
وقد كثر وضع الحديث في تلك الدولة حسبما اقتضته دعايتها ، واوجبته
سياستها في نكاية الهاشميين ، وكثرت الكذابة يومئذ على رسول الله كما أنذر به
صلى الله عليه وآله وتطوروا فيما اختلقوه من الحديث حسبما أوحى اليهم وكان أبوهريرة
في الرعيل الاول من هؤلاء ، فحدث الناس في الفضائل احاديث منكرة ، فمنها
ما أخرجه ابن عساكر بطريقين ومحمد بن عائذ بطريق
خامس ومحمد بن عبد السمرقندي بطريق سادس ومحمد بن مبارك الصورى
بطريق سابع والخطيب البغدادي بطريق ثامن كلهم عن أبي هريرة قال : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وآله يقول أن الله ائتمن على وحيه ثلاثة أنا وجبرئيل ومعاوية ؟ !
ومنها : ما أخرجه الخطيب بالاسناد إلى أبي هريرة قال : ناول النبي صلى الله عليه وآله
معاوية سهما فقال : خذ هذا السهم حتى تلقاني به في الجنة !
ومنها : ماأخرجه أ بوالعباس الوليد بن أحمد الزوزني في كتابه
شجرة العقل - من طريقين إلى أبي هريرة قال ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول
أن لابي بكر قبة من درة بيضاء لها أربعة أبواب تخترقها رياح الرحمة ظاهرها
عفو الله وباطنها رضوان الله كلما اشتاق إلى الله انفتح له مصراع ينظر منه إلى
الله عزوجل .
ومنها : ماأخرجه ابن حيان بالاسناد إلى أبي هريرة قال : لما قدم
رسول الله صلى الله عليه وآله من الغار يريد المدينة أخذ أبوبكر بغرزه فقال : ألا أبشرك
ياأبا بكر ؟ ان الله تعالى يتجلى للخلائق يوم القيامة عامة ويتجلى لك خاصة ! .
ومنها : ما أخرجه ابن حبان أيضا بالاسناد إلى أبي هريرة قال : بينا
جبرئيل مع النبي صلى الله عليه وآله إذ مر بهما أبوبكر فقال جبرئيل : هذا أبوبكر الصديق
قال رسول الله صلى الله عليه وآله أتعرفه يا جبرئيل ؟ ! قال : نعم انه في السماء لاشهر منه
ـ 36 ـ
في الارض ، وان الملائكة لتسميه حليم قريش وانه وزيرك في حياتك وخليفتك
بعد مماتك .
ومنها : ماأخرجه الخطيب بالاسناد إلى أبي هريرة قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وآله تباشرت الملائكة يوم ولد أبوبكر الصديق واطلع الله إلى جنة عدن فقال
وعزتي وجلالي لا أدخلها إلا من أحب هذا المولود .
ومنها : ما أخرجه ابن عدي بالاسناد إلى أبي هريرة قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وآله يقول : عرج بي إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت مكتوبا فيها محمد
رسول الله أبوبكر الصديق الحديث ( 1 ) .
ومنها ما أخرجه أبوالفرج ابن الجوزي بالاسناد إلى أبي هريرة قال :
حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله بان الجنة وانار تفاخرتا فقالت النار للجنة أنا أعظم
منك قدرا ، لان في الفراعنة والجبابرة والملوك وابناؤهم ، فاوحى الله إلى الجنة
أن قولي : بل لي الفضل إذ زينني الله لابي بكر .
ومنها ما أخرجه الخطيب بالاسناد إلى أبي هريرة قال : خرج النبي صلى الله اعليه وآله
متكئا على علي بن أبي طالب فاستقبله أبوبكر وعمر فقال ياعلي أبحب هذين
الشيخين ؟ قال : نعم ، قال أحببهما تدخل الجنة ! .
ومنها : ما أخرجه الخطيب أيضا في تاريخ بغداد وابن شاهين في سننه
من طريقين إلى أبي هريرة قال : سمعت رسول الله يقول : ان في السماء الدنيا
ثمانين الف ملك نستغفرون لمن أحب أبا بكر وعمر ، وفي السماء الثانية ثمانين الف
ملك يلعنون من أبغض أبا بكر وعمر .
ومنها : ما أخرجه الخطيب بالاسناد إلى أبي هريرة قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وآله يقول : ان لله تعالى في السماء سبعين الف ملك يلعنون من شتم أبا بكر وعمر . * ( هامش ) *
( 1 ) واخرجه الخطيب في ترجمة محمد بن عبدالله المهري ص 445 من المجلد
الخامس من تاريخ بغداد . ( * )
ـ 37 ـ
وهذه الاحاديث كلها باطلة اجماعا وقولا واحدا صرح بذلك كل من
اخرجها ممن ذكرناهم .
والسيوطي نظمها ب اسانيدهما ومتونها في سلك الاحاديث الموضوعة من
لآليه المصنوعة غير أنهم لم يجعلوا الآفة فيها من أبي هريرة نفسه وانما جعلوها
ممن نقلها عنه عملا برأيهم في كل من رأى النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه من المسلمين ،
وكذلك فعلوا في سائر ما صنعته يدا أبي هريرة مما ضاق به ذرعهم نحو
قوله : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : هذا جبرئيل يخبرني عن الله ما أحب
أبا بكر وعمر الا مؤمن تقي ولا أبغضهما إلا منافق شقي ( 1 ) .
وقوله : قال رسول الله صلى الله عليه وآله خلقني الله من نوره وخلق أبا بكر من
نوري وخلق عمر من نور أبي بكر وخلق أمتي من نور عمر وعمر سراج أهل
الجنة ( 2 ) .
وقوله : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : أبوبكر وعمر خير الاولين
والآخرين ( 3 ) .
وقوله : ان النبي صلى الله عليه وآله كان يقول : أصحابي كالنجوم من اقتدى بشئ
* ( هامش ) *
( 1 ) ان هذا الحديث معدود في الاباطيل باجماع اهل العلم وقد ذكره الذهبي في
ترجمة ابراهيم بن مالك الانصاري من ميزان الاعتدال فابطله وخسرت صفقة من
اراد ان يعارض الحق بالباطل .
( 2 ) وهذا كسابقه باطل بالاجماع ، وقد ذكره الذهبي في ترجمة احمد السمرقندي
من الميزان . فراجعه تعلم انه باطل مخالف لكتاب الله وخسر هنالك المبطلون الذين
يريدون معارضة الحق الواضح بالباطل الفاضح .
( 3 ) وهذا كسابقيه في البطلان . وقد ذكره الذهبي في ترجمة جيرون بن واقد
الافريقي فارسل بطلانه ارسال المسلمات . ( * )
ـ 38 ـ
منها أهتدى ( 1 ) .
وقوله : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : انزل في الانجيل نعتي ونعت أصحابي أبي
بكر وعمر وعثمان وعلي كزرع أخرج شطأه الآية ( 2 ) .
إلى آخر ما كان يسترسل به من هذه ا لمختلقات ، وله في صحيحي البخاري
ومسلم احاديث افرغها على هذا القالب . وحاكها على هذا المنوال فراجعها في
الفصل 11 من هذا الاملاء .
- 8 -
* أيادي بني أمية عليه *
تتمثل لك نعمهم عليه إذا انعمت النظر في حاليه ، حاله قبل دولتهم حيث
كان ذليلا مهينا ينظر إلى القمل يدب على نمرته ( 3 ) وحاله على عهدهم حيث
اخذوا بضبعيه واطلقوا عنه ربقة الخمول فكسوه الخز ( 4 ) والساج وجعلوه
* ( هامش ) *
( 1 ) نقله الذهبي في ترجمة جعفر بن عبدالواحد القاضي من ميزانه ونص ثمة على
انه من بلاياه .
( 2 ) تجد هذا الحديث في ترجمة محمد بن موسى بن عطاء الدمياطي من ميزان الذهبي
وتجد ثمة بطلانه لكن الجمهور يحيلون البلاء في اباطيل ابي هريرة على الرواة عنه
( 3 ) هذا مأخوذ من قول ابي هريرة : فنزعت نمرة على ظهري فبسطتها بيني
وبينه صلى الله عليه وآله حتى كأني انظر إلى القمل يدب عليها الحديث اخرجه ابونعيم في احوال
ابي هريرة ص 381 من الجزء الاول من حليته .
( 4 ) اخرج ابن سعد في ترجمة ابي هريرة من طبقاته عن وهب بن كيسان وعن
قتادة والمغيرة ان ابا هريرة كان يلبس الخز . ( * )
ـ 39 ـ
يزر ازراره بالديباج ( 1 ) والبسوه الكتان المشيق ( 2 ) وبنوا له القصر في
العقيق ( 3 ) وطوقوه ببرهم ، وناطوا نعمهم قلائد في عنقه واذاعوا ذكره ،
ونوهوا باسمه ، وولوه على المدينة الطيبة مدينة النبي ( 4 ) وانكحوه ايام ولايته
عليها بسرة بنت غزوان بن جابر بن وهب المازنية اخت الامير عتبة بن
غزوان ( 5 ) وما كان ليحلم بذلك ، ولا ليسنح في امانيه ، وقد كان يخدمها بطعام
بطنه ، ويكدح في خدمتها حافيا :
* ( هامش ) *
( 1 ) هو الطليلسان الاخضر ، وقيل الاسود ، وقيل المقور ينسج كذلك ، وفي
الاساس لبسوا السيجان وهي الطيالسة المدورة الواسعة ، وقد جاء في ترجمة ابي هريرة
من طبقات ابن سعد عن سعيد قال : رأيت على ابي هريرة ساجا مزرورا بديباج .
( 2 ) اخرج البخاري في صفحة 175 من الجزء الرابع من صحيحه في اواخر
كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة عن محمد بن سيرين قال : كنا عند ابي هريرة
وعليه ثوبان ممشقان من كتان .
( 3 ) وفيه مات كما هو منصوص عليه في كل من اصابة ابن حجر ومعارف ابن
قتيبة وطبقات ابن سعد اثناء ترجمتهم اياه .
( 4 ) فيما اخرجه الامام احمد في ص 430 من الجزء الثاني من مسنده عن محمد
ابن زياد واخرجه ابن قتيبة في ترجمة ابي هريرة من معارفه عن ابي رافع . واورده
الامام ابوجعفر الاسكافي كما في ص 359 من المجلد الاول من شرح النهج الحميدي
طبع مصر .
( 5 ) هو حليف بني عبد شمس الذي ولاه عمر ( رض ) في الفتوح فاختلط البصرة
وكان اميرها ، وفتح فتوحا وهو من مشاهير الصحابة والابطال مات على عهد عمر ،
وإنما تزوج ابوهريرة اخته بعد موته بزمان ، وقد ذكر ابن حجر العسقلاني بسرة
هذه في القسم الاول من الاصابة وذكر قصة ابي هريرة معها فقال : وكانت قد
استأجرته في العهد النبوي ثم تزوجها بعد ذلك لما كان مروان يستخلفه في امرة
المدينة على عهد معاوية . ( * )
ـ 40 ـ
قال مضارب بن جزء ( 1 ) : كنت اسير في الليل فاذا رجل يكبر فلحقته
فاذا هو أبوهريرة ، فقلت : ماهذا ؟ قال : اشكر الله على ان كنت اجيرا
لبسرة بنت غزوان بطعام بطني ، فكنت إذا ركبوا سقت بهم ، وإذا نزلوا
خدمتهم والآن تزوجتها فأنا الآن اركب ، فاذا نزلت خدمتني " قال " وكانت
إذا اتيت على نحو من مكانها قلت لها : لا اريم حتى تجعل لي عصيدة ، فها انا ذا
إذ اتيت على نحو من مكانها قلت لها : لا اريم حتى تجعلي لي عصيدة ( 2 ) .
وكان كثيرا ما يقول وهو أمير المدينة - : نشأت يتيما ، وهاجرت
مسكينا ، وكنت أجيرا لبسرة بن غزوان بطعام بطني ، وعقبة رجلي
قال : فكانت تكلفني ان اركب قائما ، واورد حافيا ، فلما كان بعد ذلك زوجنيها
الله فكلفتها ان تركب قائمة وان تورد حافية ( 4 ) ! !
وصلى بالناس يوما فلما سلم رفع صوته فقال : الحمد لله الذي جعل الدين
قواما ، وجعل أبا هريرة اماما ، بعد ان كان اجيرا لابنة غزوان على شبع بطنه
وحمولة رجله ( 5 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) فيما اخرجه أ بوالعباس السراج في تاريخه بسند صحيح ونقله العسقلاني في
ترجمة أبي هريرة من اصابته .
( 2 ) اخرجه ابن خزيمة ، ونقله ابن حجر في ترجمة أبي هريرة من الاصابة .
( 3 ) أخرجه ابن سعد في أوائل ترجمة أبي هريرة ص 53 من القسم الثاني من
الجزء الرابع من الطبقات .
( 4 ) أخرج ابن سعد هذا الحديث في أوائل الصفحة الآنفة الذكر .
( 5 ) أخرجه أبونعيم الاصفهاني في ترجمة أبي هريرة آخر ص 379 من الجزء
الاول من حليته . ( * )
ـ 41 ـ
وقام مرة على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وهو أمير المدينة فقال : الحمد لله
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 41 سطر 1 الى ص 50 سطر 25
وقام مرة على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وهو أمير المدينة فقال : الحمد لله
الذي اطعمني الخمير ، وألبسني الحرير ، وزوجني بنت غزوان بعدما كنت أجيرا
لها بطعام بطني ، فأرحلتني فأرحلتها كما ارحلتني الحديث . ( 1 ) .
* تطوره في شكر أياديهم *
استعبد بنو أمية أبا هريرة ببرهم ، فملكوا قيادة . واحتلوا سمعه وبصره
وفؤاده ، فاذا هو لسان دعايتهم في سياستهم ، يتطور فيها على ما تقتضيه اهواؤهم
فتارة يفتئت الاحاديث في فضائلهم ، كما سمعته في الفصل الخامس والفصل
السابع ( 2 ) من هذا الاملاء .
وتارة يلفق احاديث في فضائل الخليفتين نزولا على رغائب معاوية وفئته
الباغية . اذ كانت لهم مقاصد سياسية ضد الوصي وآل النبي لا تتسق لهم - فيما
كانوا يظنون - إلا بالاشادة بتفضيل الخليفتين ، فافتأت في ذلك احاديث اوردنا
بعضها في الفصل السابع من املائنا هذا .
وحسبك مما لم نورده ثمة حديثه في تأمير أبي بكر على الحج سنة براءة
- وهي سنة تسع للهجرة - وحديثه في أن عمر كان محدثا تكلمه الملائكة .
وقد اقتضت سياسة الامويين في نكابة الهاشميين تثبيت هذين الحديثين
واذاعتهما بكل ما لمعاوية وأعوانه . ومقوية سلطانه من وسيلة أو حيلة ، فبلغوا
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه أبونعيم في أحوال أبي هريرة ص 384 من الجزء الاول
من الحلية .
( 2 ) الفصل الخامس يتعلق باحواله على عهد عثمان ، والسابع يتعلق باحواله
على عهد معاوية . ( * )
ـ 42 ـ
في ذلك ماشاء حولهم وطولهم حتى أخرجتهما الصحاح ، وستسمعهما في الفصل
11 حيث نوردهما ونبسط القول فيهما على ما يوجبه العلم ، وتقتضيه قواعده
ان شاء الله تعالى .
وتارة يقتضب أحاديث ضد أمير المؤمنين جريا على مقتضى تلك السياسة
كقوله : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : لم تحبس الشمس أو ترد لاحد إلا ليوشع
ابن نون ليالي سار إلى بيت المقدس اه ( 1 )
وقوله : قام رسول الله صلى الله عليه وآله حين أنزل الله عليه : ( وأنذر عشيرتك
الاقربين ) فقال : يا معشر قريش الحديث ، بتره أبوهريرة فلم يعج على نصه الصريح تحريفا للكلم عن مواضعه جريا على مقتضيات السياسة الاموية ولا
حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وقوله : إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : لا يقتسم ورثتي ما تركت . الحديث .
وقوله : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمه أبي طالب : قل لا إله إلا الله الحديث
وآخره فأنزل الله تعالى ( انك لاتهدي من أحببت ولكن الله يهدي من
يشاء ) ( 2 ) إلى كثير من ا لمختلقات التي أريد بها نكابة الوصي وأهل بيت النبي .
قال الامام أبوجعفر الاسكافي ( 3 ) : إن معاوية حمل قوما من الصحابة
وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في على تقتضي الطعن فيه والبراءة منه
وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله ، فاختلقوا له ما أرضاه . منهم أبو
هريرة وعمر بن العاص والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير إلى
آخر كلامه .
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه الخطيب في ترجمة أسود بن عامر ص 35 من المجلد السابع من
تاريخ بغداد ، وفي ترجمة سعيد بن عثمان الحناط ص 99 من المجلد التاسع عن أبي هريرة
( 2 ) سنفصل القول في هذه الاحاديث الثلاثة ، حيث نوردها في الفصل 11 من
هذا الاملاء فراجع .
( 3 ) كما في صفحة 358 من المجلد الاول من شرح نهج البلاغة الحميدي . ( * )
ـ 43 ـ
وقال ( 1 ) : لما تقدم أبوهريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد
الكوفة ، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته
مرارا ! وقال : يا أهل العراق أتزعمون اني اكذب على الله ورسوله واحرق
نفسي بالنار ؟ والله سمعت رسول الله يقول : ان لكل نبي حرما وان
المدينة حرمي فمن احدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " قال "
واشهد بالله ان عليا احدث فيها ! ! فلما بلغ معاوية قوله أجازه واكرمه وولاه
امارة المدينة اه ! ( 2 ) .
وتارة يرتجل أحاديث يدافع بها عن منافقي بني أمية الذين لعنهم رسول الله
صلى الله عليه وآله في كثير من مواقفه ليسجل عليهم بذلك خزيا يأمن به على الدين من
نفاقهم وعلى الامة من عبثهم ( وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى ) .
لكن أبا هريرة تزلف إلى مروان ومعاوية و أوليائهما فأنشأ يقول :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : اللهم انما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر
فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعل ذلك كفارة له وقربة تقربه بها
اليك يوم القيامة .
وقد عمل مروان وبنوه في تعداد أسانيده وتكثير طرقه اعمالا جبارة
لم يألوا فيها جهدا ، ولم يدخروا وسعا ، حتى أخرجه أصحاب الصحاح
والسنن والمسانيد .
* ( هامش ) *
( 1 ) كما في ص 359 من المجلد المذكور من شرح النهج .
( 2 ) وروى سفيان الثوري عن عبدالرحمن بن قاسم عن عمر بن عبد الغفار
ان أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية كان يجلس بالعشيات بباب كندة ويجلس
الناس اليه فجاءه شاب من الكوفة لعله الاصبغ بن نباتة فجلس اليه فقال : يا أبا
هريرة أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي بن أبي طالب : اللهم وال من
والاه وعاد من عاداه ؟ فقال : اللهم نعم قال : فأشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت
وليه ثم قام عنه وانصرف . ( * )
ـ 44 ـ
ولمروان وبنيه في رفع مستوى إبي هريرة وتفضيله على من سواه في
الحفظ والضبط والاتقان والورع أعمال كان لها أثرها إلى يومنا هذا .
فمنها : أن مروان كان يزعم انه أجلس كاتبه في مكان لا يراه فيه أحد ، ثم
دعا أبا هريرة فجعل يسأله عن أشياء واكثر في سؤاله وأبوهريرة يحدثه في
الجواب عن رسول الله وكاتب مروان - واسمه زعيزعة ( 1 ) - يكتب من حيث
لا يشعر به أحد أبدا فكتب أحاديث جمة هم أمهله مروان حولا كاملا فسأله
تلك المسائل كلها ، فأجابه أبوهريرة تلك الاجوبة بألفاظها لم ينقص ولم يزد
حتى أخرجها الحاكم في أحوال أبي هريرة من مستدركه ( 2 ) .
ومنها : أن مروان لما أراد أن يجلب على بني هاشم بخيله ورجله ليمنعهم
من دفن الامام أبي محمد الحسن المجتبى - عند جده رسول الله صلى الله عليه وآله أوعز إلى
أبي هريرة - من تدجيله - إن يعارضه ويغلظ له القول في ذلك علانية ، تمويها
على العامة وسواد الناس بأن له منزلة الصديقين لا تأخذه في الله ورسوله سطوة
ولا تمنعه عن الانتصار لهما قوة .
وحين قام أبوهريرة بهذه المعارضة ، أظهر مروان الغضب منه ، فكان
بينهما صحب رياء ، وغيظ تصنع ، اشتد أبوهريرة فيهما احتجاجا على مروان
بمنزلته من رسول الله صلى الله عليه وآله ( 3 ) التي لم تكن لخاصة أصحابه وذويه وبوعيه عنه
صلى الله عليه وآله وحفظه الذي فاق به السابقين الاولين كعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير
* ( هامش ) *
( 1 ) وكنيته ابوزعبره .
( 2 ) 510 من جزئه الثالث .
( 3 ) في حديث اخرجه ابن سعد من طريق الوليد بن رباح ، ونقله ابن حجر في
ترجمة ابي هريرة من اصابته ، وسنورده بالفاظه في فضائله من هذا الاملاء معلقين
عليه مالا يسعنا اغفاله .
ـ 45 ـ
وأمثالهم . واسترسل في خصائصه التي توجب له أسمى منازل المقربين ، فانتهت
الخصومة بينهما ببخوع مروان لمنزلة أبي هريرة في الاسلام ، ومكانته في العلم
بالسنن ، برأئى الناس ببخوعه لفضل أبي هريرة ترويجا لسلعته التي كان مروان
ومعاوية وبنوهما يحاربون بها الحسن والحسين واباهما وبنيهما . وكانت من أنجح
الدعايات في تلك السياسات ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون
هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما
يكسبون ) .
- 10 -
* كمية حديثه *
أجمع أهل الحديث - كما في ترجمته من ( الاصابة ) ( 1 ) وغيرها - على انه
اكثر الصحابة حديثا ، وقد ضبط الجهابذة من الحفظة الاثبات حديثه ، فكان
خمسة الآف وثلاثمائة واربعة وسبعين مسندا . وله في البخاري فقط اربعمائة
وستة واربعين حديثا ( 2 ) .
وقد نطرنا في مجموع ما روى من الحديث عن الخلفاء الاربعة فوجدناه
* ( هامش ) *
( 1 ) راجع السطر الاخير ص 240 من الجزء الرابع من الاصابة المطبوع في
هامشها كتاب الاستيعاب .
( 2 ) راجع من إرشاد السارى شرح أول حديث لابي هريرة أخرجه البخاري
في صحيحه وهو في باب امور الايمان من كتاب الايمان ص 212 من الجزء الاول
من الارشاد للشارح القسطلاني تجد النص ثمة على أن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وآله
5374 حديثا وان له في صحيح البخاري فقط اربعمائة وستة واربعين حديثا وضبط
ابن حزم ايضا مجموع ما حدث به أبوهريرة فكان كما سمعت 5374 مسندا فراجع
ص 138 من الجزء الرابع من فصل ابن حزم أثناء كلامه في وجوه المفاضلة . ( * )
ـ 46 ـ
بالنسبة إلى حديث أبي هريرة وحدة أقل من السبعة والعشرين في المائة ، لان
جميع ما روى عن أبي بكر انما هو مائة واثنان واربعون حديثا ( 1 ) وكل ما
اسند إلى عمر انما هو خمسمائة وسبعة وثلاثين حديثا ( 2 ) وكل ما لعثمان مائة
وستة واربعين حديثا ( 3 ) وكلما رووه عن علي خمسمائة وستة وثمانين
مسندا ( 4 ) فهذه الف واربعمائة واحد عشر حديثا ، فاذا نسبتها إلى حديث أبي
هريرة وحده - وقد عرفت انه 5374 - تجد الامر كما قلناه .
فلينظر ناظر بعقله في أبي هريرة ، وتأخره في اسلامه ، وخموله في حسبه
وأميته ، وما إلى ذلك مما يوجب اقلاله . ثم لينظر إلى الخلفاء الاربعة وسبقهم
واختصاصهم ، وحضورهم تشريع الاحكام ، وحسن بلائهم في اثنين وخمسين
سنة ، ثلاث وعشرين كانت بخدمة رسول الله صلى الله عليه وآله وتسعة وعشرين من بعده
ساسوا فيها الامة وسادوا الامم ، وفتح الله لهم ملك كسرى وقيصر ، فمدنوا
المدن ، ومصروا الامصار ، ونشروا دعوة الاسلام وصدعوا بأحكامه ،
* ( هامش ) *
( 1 ) ضبطها الجهابذة ، فكانت بهذا العدد ، وممن صرح بعدتها جلال الدين
السيوطي في أحوال أبي بكر من كتابه ( تاريخ الخلفاء ) وقد أوردها ثمة باجمعها في
فصل افرده لها . وضبطها أيضا العلامة النووي في التهذيب وابن حزم الظاهري في
ص 137 من الجزء الرابع من الفصل في الملل والنحل فنص على انها بهذا العدد ،
والذهبي صرح ( في ترجمة ابراهيم بن سعيد الجوهري من ميزان الاعتدال ) : بانه
لا يصح لابي بكر عشرون حديثا .
( 2 ) قال السيوطي في أوائل ترجمة عمر من تاريخ الخلفاء : وروى له عن رسول الله
صلى الله عليه وآله خمسمائة حديث وتسعة وثلاثين حديثا ، وضبطها ابن حزم
بهذا العدد في ص 138 من الجزء الرابع من فصله وقال : إنما يصح منها نحو خمسين
( 3 ) نص على ذلك جلال الدين السيوطي في أوائل احوال عثمان من تاريخ الخلفاء
( 4 ) كما نص عليه السيوطي في أوائل ترجمة على من تاريخ الخلفاء وصرح به
ابن حزم في 137 من الجزء الرابع من فصله . ( * )
ـ 47 ـ
وأذاعوا السنن ، ينحدر عنهم السيل ، ولا يرفى اليهم الطير ، فكيف يمكن
والحال هذه أن يكون المأثور عن أبي هريرة وحده أضعاف المأثور عنهم جميعا
افتونا يا اولي الالباب ؟ ! .
وليس أبوهريرة كعائشة وان أكثرت أيضا ، فقد تزوجها رسول الله
صلى الله عليه وآله قبل إسلام أبي هريرة بعشر سنين ( 1 ) فكانت في مهبط الوحي والتنزيل
ومختلف جبرائيل وميكائيل أربعة عشر عاما ، وماتت قبل موت أبي هريرة
بيسير ( 2 ) .
وشتان بين الصحبتين وبين الفطنتين ، اما امر الصحبتين فمعلوم ، واما
الفطنتان فقد كان فهم عائشة يمارى سمعها . وقلبها يسبق شعرا ، وعن عروة
ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة . وعن مسروق
رأيت مشيخة من اكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض .
على انها اضطرت إلى نشر حديثها إذ بثت دعاتها في الامصار ، وقادت
إلى البصرة ذلك العسكر الجرار . ومع هذا فان جميع ما روى عنها انما هو عشرة
* ( هامش ) *
( 1 ) اخرج ابن عبدالبر في أحوال عائشة من الاستيعاب عن ابن شهاب ان
رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج عائشة في شوال سنة عشر من النبوة قبل الهجرة بثلاث سنين
وعرس بها في المدينة في شوال على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجرته إلى المدينة اه
فيكون زواجها قبل إسلام أبي هريرة بعشر سنين ، إذ لا ريب في ان اسلامه انما
كان سنة سبع .
( 2 ) توفيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة سبع وخمسين
أو ثمان وخمسين قبيل وفاة أبي هريرة بيسير ، وهوالذي صلى عليها بامر الوليد بن
عتبة بن أبي سفيان وكان واليا على المدينة من قبل عمه معاوية ارادا كرام أبي هريرة
فامر بالصلاة عليها ودفنت بالبقيع . ( * )
ـ 48 ـ
مسانيد ومائتا مسند ( 1 ) فحديثها كله أقل من نصف حديث أبي هريرة
ولو ضممت حديثها وحديث أم سلمة مع بقائها إلى ما بعد وقعة الطف ،
وجمعت ذلك كله إلى حديث البقية من أمهات المؤمنين ، وحديث سيدي شباب
أهل الجنة وسيدة نساء العالمين وحديث الاربعة من خلفاء المسلمين ما كان كله
إلا دون حديث أبي هريرة وحده ! وهذا أمر مهول الفت اليه ارباب العقول .
* * *
على انه كان مع ذلك يزعم ان النبي صلى الله عليه وآله أفضى اليه بأحاديث لن يميط
حجابها لاحد ولا ينالها منه متسقط ( 2 ) فهي دخلة ضميره ودفينة صدره وأبو
هريرة حصين الصدر : بعيد غور الضمير ! كما تعلمون : ولذا قال : حفظت عن
رسول الله صلى الله عليه وآله وعاءين فأما أحدهما فبثثته ، واما الآخر فلو بثثته قطع هذا
البلعوم ( 3 ) .
وقال : لو أنبأتكم بكل ما أعلم لرماني الناس بالخزف ، وقالوا : أبو
هريرة مجنون .
وقال : لو حدثتكم بكل مافي جوفي لرميتموني بالبعر .
وقال : يقولون أكثرت يا أبا هريرة والذي نفسي بيده لو حدثتكم بكل
* ( هامش ) *
( 1 ) فيما ضبطه ابن حزم الظاهري في ص 138 من الجزء الرابع من فصله وغير
واحد من الحفظة وأهل الضبط ، واما قول القائل :
حفظت أربعين الف حديث * ومن الذكر آية تنساها
فليس على حقيقته وانما هو كناية عن كثرة حفظها .
( 2 ) يقال ، تسقطه عن سره ، أي أحتال له حتى اباح به .
( 3 ) أخرجه البخاري في باب حفظ العلم من كتاب العلم ص 24 من الجزء
الاول من صحيحه . ( * )
ـ 49 ـ
شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله لرميتموني بالقشع - يعني المزابل - ثم
ما ناظرتموني ( 1 ) .
وقال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله أحاديث ما حدثتكم بها ولو حدثتكم
بحديث منها لرجمتموني بالاحجار ( 2 ) .
قال : حفظت من رسول الله خمسة جرب فأخرجت منها جرابين ولو
أخرجت الثالث لرجمتموني بالحجارة ( 3 ) .
قلت : إن أبا هريرة لم يكن من رسول الله صلى الله عليه وآله ولي عهده ، ولا خليفته
من بعده ، ليؤثره باسراره ، ويفضى اليه من العلوم مالم يفض بها إلى أحد
من خاصته .
وما الفائدة بافضاء تلك الاسرار اليه ؟ ! وهو رجل ضعيف ذو مهانة
تمنعه عن أن ينبس في شئ منها ببنت شفة . فاذا نبس رجم بالحجارة ورمى بالبعر
وبالمزابل . واذا حدث بشئ من تلك العلوم قطعوا منه البلعوم .
وهلا أفضى بها إلى الخلفاء من بعده ، الغزاة الفاتحين الذين عنت لهم وجوه
الامم ، وخضعت لاقوالهم رقاب العرب والعجم ، وساقوا الناس إلى ما أرادوا
بعصا واحدة ، فانهم أولى بما يدعيه أبوهريرة ، إذ لو كانت عندهم تلك الاسرار
لا نتشرت انتشار الشمس في الاقطار ، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يفعل عبثا
* ( هامش ) *
هذه الاحاديث الثلاثة ذوات الخزف والبعر والقشع أخرجها بالاسناد اليه
ابن سعد في ترجمته ص 57 من القسم الثاني من الجزء الرابع من الطبقات .
( 2 ) أخرجه الحاكم في ترجمة أبي هريرة من المستدرك ، فراجع ص 509 من
جزئه الثالث وقد صححه ، وكذلك فعل الذهبي في تلخيصه وما أعز نفس أبي هريرة
عليه إذ يقول : لرجمتموني بالاحجار بالخزف بالبعر بالمزابل . وكذلك حين يحدث
عن نفسه فيقول : يجئ الجائي فيضع رجله على عنقي . وحين يحدث عن بطنه وقمله
وسائر شؤونه .
( 3 ) أخرجه أبونعيم في أحوال أبي هريرة ص 381 من حليته . ( * )
ـ 50 ـ
فيودعها حيث تضيع سدى لا ينتفع بها أحدا أبدا ، ومن هو أبوهريرة ؟ ! .
ليختص بهذه الحيوة دون السابقين الاولين ( والسابقون السابقون
أولئك المقربون ) .
على أن أبا هريرة كان كثيرا ما يقول : إن أبا هريرة لا يكتم ولا يكتب ( 1 )
فكيف يجتمع هذا القول منه مع قوله : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعاءين :
فاما أحمدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم . إلى آخر أقواله في
هذا المعنى الصريحة بأنه كان يكتم ! ؟ .
ولنسأل أولى البحث عن الاسرار الالهية التي أفضاها صلى الله عليه وآله إلى أبي هريرة
فكان يكتمها خوفا على حياته ، أو اشفاقا على كرامته ، فهل كانت من سنخ
الاسرار التي عهد بها رسول الله صلى الله عليه وآله إلى وليه ووصيه أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب أمورا تتعلق بالخلافة وتختص بالخلفاء من بعده ؟ ! أم كانت من سنخ
أخر ؟ . فان كانت من السنخ الاول فلماذا كان منصرفا عنها كل الانصراف
مخالفا ل مقتضياتها كل الخلاف ؟ وكان رأيه فيما هنالك رأي الجمهور ، مسترسلا
معهم في كل الامور . وإن كانت النسخ الثاني فلا خوف عليه وان حدث بالطامات
أو جاء ب المخزيات ! .
ألم يحدث بنوم النبي عن صلاة الصبح ؟ وعروض الشيطان له صلى الله عليه وآله وهو
في الصلاة ليقطعها عليه ؟ ! .
ألم يرو انه سهى فصلى الرباعية ثنائية ! فقيل له : انسيت أم قصرت الصلاة
فقال : لم انس ولم نقصر ؟ .
ألم يخبر أنه كان صلى الله عليه وآله يؤذي ويسب ويلعن ويجلد على الغضب من لا
يستحق ذلك ؟ .
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه ابن سعد في ص 119 من القسم الثاني من الجزء الثاني من طبقاته
عند ذكر أبي هريرة في باب أهل العلم والفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله . ( * )
ـ 51 ـ
ألم يصم الانبياء بما لا يجوزه عليهم شرع ولا عقل ؟ حتى روى عن
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 51 سطر 1 الى ص 60 سطر 24
ألم يصم الانبياء بما لا يجوزه عليهم شرع ولا عقل ؟ حتى روى عن
رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال : نحن أحق بالشك من ابراهيم ، وروى عن لوط
ما يستلزم ضعف ثقته بالله تعالى .
ألم يتسور على آدم ، ونوح ، وابراهيم ، وموسى ، وعيسى بما يجب
تنزيههم عنه ؟ .
ألم ينسب إلى كليم الله ونجيبه موسى عليه السلام : انه لطم ملك الموت ففقأ عينه
وانه اشتد يركض مرة وهو عريان فمر على بني اسرائيل فنظروا إلى سوأته ؟
ألم يحدث عن الله عزوجل بما لا يجوز عليه شرعا ولا عقلا ؟ كقوله ؟
لا تمتلئ جهنم حتى يضع الله رجله فيها ؟ وكقوله في حديث أهل المحشر : فيأتيهم
الله في غير الصورة التي يعرفون فيقول : أنا ربكم فيقولون : نعوذ بالله منك
ثم يأتيهم في الصورة التي يعرفون ! فيقولون : أنت ربنا ؟ وكقوله : خلق آدم
على صورة الرحمن ! وقوله : خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا في سبعة
اذرع عرضا ؟
إلى كثير مما ستسمعه في الفصل الآتي من هذه الفظائع التي تقطع البلعوم
فما باله يحدث بها مطمئنا كل الاطمئنان ؟ . بل ممتنا بها على الامة كل الامتنان
وقد حدث ب الخرافات ، فلم يرجم يحجر ، ولم يرم بقشع ولا بعر كما يعلمه من
ألم بأحواله ، ولكن منينا بقوم لا ينصفون ، فانا لله وانا اليه راجعون .
* * *
ومما نلفت اليه أولى النظر من كل بحاثة : ان أبا هريرة كان يقول ( 1 ) :
* ( هامش ) *
( 1 ) فيما حدث به وهب بن منبه عن اخيه همام عن ابي هريرة ، واخرجه
البخاري في باب كتابة العلم من كتاب العلم ص 22 من الجزء الاول من صحيحه . ( * )
ـ 52 ـ
ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله احدا اكثر حديثا عنه مني الا ماكان من عبدالله بن
عمرو ( بن العاص ) فانه كان يكتب ولا اكتب اه . يعترف أن عبدالله هذا كان اكثر منه حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما
ترى ، وقد بحثنا عن حديث عبدالله بن عمرو فوجدناه سبعمائة مسند لا يزيد على
هذا العدد شيئا ( 1 ) .
فهو دون السبع من حديث أبي هريرة كما لا يخفى .
وقد أرتج على العلماء الاعلام باب الاعتذار عن أبي هريرة في هذا
التهافت ، لكن ابن حجر القسطلاني والشيخ زكريا الانصاري قد اعتذرا عند
انتهائهما إلى هذا الحديث في شرحيهما ( 2 ) بأن عبدالله بن عمرو بن العاص سكن
مصر ، وكان الواردون اليها قليلا فقلت روايته ، بخلاف أبي هريرة ، فانه
استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة ، فكثرت روايته .
وأنت تعلم ان كلام أبي هريرة بظاهره ، بل بصريحه يحبط هذا الاعتذار
الاتراه يقول : ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثا عنه مني الا ما كان من
عبدالله بن عمرو ، فان معناه - كما في ارشاد الساري وفي تحفة الباري كليهما -
ما أحد من أصحاب النبي حديثه اكثر من حديثي الا أحاديث حصلت من عبدالله
فانها اكثر من حديثي . واذا كان الرجل يعترف بأن الاحاديث التي حصلت
من عبدالله أكثر من حديثه فأي وجه لما اعتذر به الشارحان ؟ .
على أن مقام عبدالله في مصر كان ادعى لكثرة روايته اذ كان له ثمة
* ( هامش ) *
( 1 ) وقد ضبطه القسطلاني في شرح هذا الحديث من كتابه - ارشاد الساري في
شرح صحيح البخاري ص 373 من جزئه الاول - فكان بهذا العدد .
( 2 ) وهما ارشاد الساري القسطلاني وتحفة الباري لزكريا الانصاري وقد طبعا
معا في اثني عشر جزءا . ووضع بالهامش متن صحيح مسلم وشرحه النووي والعذر
المذكور تجده في ص 373 من الجزء الاول .
ـ 53 ـ
المكانة العالية والمنزلة السامية . حيث لم يكن هناك سواه ممن تعرفهم الناس من
الصحابة إلا نزر يسير ، أو عابر سبيل ، لذلك تبوأ مقام المرجع الوحيد في شرائع
الاسلام وعلوم الكتاب والسنة . وشتان بين مقامه في مصر ، ومقام أبي هريرة
في المدينة ، اذ كان لعبد الله في نفوس أهل مصر منزلة العالم المرشد الصدوق
وعز ابن الحاكم الفاتح عنوة ، أما أبوهريرة في المدينة ، فقد كان كواحد من
الوف الصحابة وأبوهريرة لم يكن منهم ، على انه كان متهما عندهم وكثيرا ما كانوا
ينقمون عليه اكثاره على رسول الله صلى الله عليه وآله فيقولون : ان أبا هريرة يكثر
الحديث ، ويقولون : ما للمهاجرين والانصار لا يحدثون مثل أحاديثه ( 1 ) فمقامه
في المدينة والحال هذه كان أدعى لقلة روايته . فمن الغريب أن يكون حديثه
اكثر من حديث عبدالله ، وخصوصا بعد اعترافه له . وبعد العلم بأن عبد الله
عمر بعد أبي هريرة زمنا ليس بالقصير ( 2 ) .
والحق ان أبا هريرة إنما اعترف لعبد الله في اوائل امره بعد رسول الله
صلى الله عليه وآله حين لم يكن مفرطا هذا الافراط الفاحش ، فانه انما تفاقم افراطه ، وطغى
فيه على عهد معاوية ، حيث لا أبوبكر ولا عمر ولا علي . ولا غيرهم من شيوخ
الصحابة الذين كان يخشاهم أبوهريرة كما أشرنا اليه وسنوضحه في محله من هذا
الاملاء ان شاء الله تعالى .
* ( هامش ) *
( 1 ) كان أبوهريرة يتذمر منهم ويشكوهم إلى الله فيما أخرجه البخاري عنه في
آخر المزارعة من الجزء الثاني من صحيحه .
( 2 ) لان أبا هريرة توفي - كما في آخر ترجمة من الاصابة - سنة سبع وخمسين
وقيل سنة ثمان وخمسين . وقيل سنة تسع وخمسين ، أما عبدالله به عمرو بن العاص
فقد مات - كما في ترجمة من الاصابة - سنة خمسين وستين ، وقيل سنة ثمان وستين
وقيل سنة تسع وستين ، وقيل - كما في ترجمة من كتاب القيسراني في رجال الصحيحين
- مات سنة اثنين وتسعين ، والله تعالى أعلم . ( * )
ـ 54 ـ
* كيفية حديثه *
الاذواق الفنية لا تسيغ كثيرا من أساليب أبي هريرة في حديثه
و المقاييس العلمية عقلية ونقلية لا تقرها . وحسبك عنوانا لهذه الحقيقة اربعون
حديثا صحت عنه . اتلوها الآن عليك لتمعن فيها وفيما علقناه عليها متحررا
متجردا ، ولك بعد ذلك رأيك : -
* 1 - خلق الله آدم على صورته *
أخرج الشيخان البخاري وملسم ( 1 ) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن
همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا به أبوهريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : خلق
الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا ، وزاد أحمد ( 2 ) من طريق سعيد بن
المسيب عن أبي هريرة مرفوعا : في سبعة اذرع عرضا ، قال : فلما خلقه قال
اذهب فسلم على اولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فانها تحيتك
وتحية ذريتك . قال : فذهب فقال : السلام عليكم . فقالوا السلام عليك ورحمة
الله ، قال : فزادوه ورحمة الله ، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله
ستون ذراعا ، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن اه .
* ( هامش ) *
( 1 ) راجع من البخاري الحديث الاول من كتاب الاستئذان في ص 57 من
حزئه الرابع . ومن صحيح مسلم باب يدخل الجنة اقوام افئدتهم مثل افئدة الطير
من كتاب الجنة وصفة نعيمها ص 481 من جزئه الثاني . واخرجه الامام احمد
من حديث أبي هريرة في 315 من الجزء الثاني من مسنده من حديث طويل يشتمل
على امور كثيرة .
( 2 ) كما في آخر ص 90 من الجزء السابع من ارشاد الساري في باب خلق آدم
وذريته من كتاب بدء الخلق . ( * )
ـ 55 ـ
وهذا مما لا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وآله ولا على غيره من الانبياء ولا على
أوصيائهم عليهم السلام . ولعل أبا هريرة انما اخذه عن اليهود ( 1 ) بواسطة
صديقه كعب الاحبار أو غيره ، فان مضمون هذا الحديث إنما هو عين الفقرة
السابعة والعشرين من الاصحاح الاول من اصحاحات التكوين من كتاب اليهود -
العهد القديم - واليك نصها بعين لفظة قال : فخلق الله الانسان على صورته ، على
صورة الله خلقه ذكرا وانثى خلقهم اه .
تقدس الله عن الصورة والكيفية والشبيه . وتعالى الله عما يقول الظالمون
علوا كبيرا . وربما تأولوا الحديث فارجعوا ضمير صورته إلى آدم نفسه لا إلى
الله تبارك وتعالى فيكون المعنى ان الله عز وعلا خلقه في الجنة على صورته التي
كان عليها بعد هبوطه منها إذ انشأه تاما مستويا طوله ستون ذراعا وعرضه
سبعة اذرع لم يتغير من حال إلى حال . ولم يتطور أطوارا مختلفة كذريته فلم
يكن نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما كسيت لحما ثم جنينا ثم رضيعا ثم فطيما
ثم مراهقا ثم رجلا حتى تم طوله وعرضه . بل خلقه دفعة واحدة على صورته
التي رآه عليها بنوه في الارض .
هذا غاية ما يمكن أن يقوله أهل التنزيه في تأويل هذا الحديث لولا وروده
عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ : خلق آدم على صورة الرحمن ( 2 ) ومجيؤه من
* ( هامش ) *
( 1 ) وكان في كثير من حديثه عيالا على اليهود ، الاتراه يرسل قوله : ان
سيحان وجيحان والفرات ونيل مصر كلها من الجنة ، أخرج هذا عنه الخطيب في
ترجمة محمد بن الحسين المطبخي في ص 235 من المجلد الثاني من تاريخ بغداد وهذا
مأخوذ عن العهد القديم .
( 2 ) هذا الحديث بهذا اللفظ مستفيض عن ابي هريرة وقد جعله القسطلاني
قرينة على ان الهاء من ( صورته ) في قول ابي هريرة : خلق الله آدم على صورته انما
هي لله تعالى لا لآدم فراجع ص 491 من الجزء العاشر من ارشاد الساري في شرح
صحيح البخاري . ( * )
ـ 56 ـ
طريق الجمهور بسند آخر مرفوعا أيضا بلفظ : ان موسى " ع " ضرب الحجر لبني
اسرائيل فتفجر وقال : اشربوا ياحمير فاوحى الله تعالى اليه عمدت إلى خلق
خلقتهم على صورتي فشبهتهم بالحمير الحديث . ( 1 )
وهذا ما أخرج الجمهور ولم يبق لمدافعتهم عن أبي هريرة بالتأويل الذي
قلناه محلا ، ولذا أسلموا باعادة الضمير في صورته إلى الله تعالى متأولين
تأولا آخر .
وحاصله ان المراد من قوله : خلق الله آدم على صورته ، وقوله : خلق
آدم على صورة الرحمن ، وقوله في الحديث الاخير : خلقتهم على صورتي : أنه
تعالى خلق آدم وبنيه على صفة الله . فان الله عزوجل حي سميع بصير متكلم
عالم مريد كاره وكذلك آدم وبنوه .
وأنت تعلم انهم وقعوا فيما فروا منه لان صفة الله عزوجل تنزهت عن
التشبيه باجماع أهل التنزيه ولا سيما على قولنا بأن صفاته عين ذاته ، وهو الحق
يحكم العقل والنقل كما هو مقرر في محله من أصولنا .
على أن أبا هريرة قد تطور في هذا الحديث كما هي عادته فتارة رواه كما
سمعت ، وتارة رواه بلفظ : إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فان الله خلق
آدم على صورته ( 2 ) ، ومرة رواه بلفظ : إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ولا
يقل : قبح الله وجهك ووجه من اشبه وجهك فان الله خلق آدم على صورته اه ( 3 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) أورده ابن قتيبة في ص 280 من كتابه تأويل مختلف الحديث وجعله دليلا
على ان ضمير صورته في قوله : خلق الله آدم على صورته راجع إلى الله لا إلى آدم .
( 2 ) اخرجه بهذه الالفاظ عن ابي هريرة بطرق اليه كثيرة غير واحد من
حفظة الآثار ، فراجع ص 397 من الجزء الثاني من صحيح مسلم في باب النهي عن
ضرب الوجه تجده بعين لفظه .
( 3 ) أخرجه البخاري في الادب المفرد ورواه احمد بالطرق الصحيحة عن ابي
هيريرة ص 434 من الجزء الثاني من مسنده . ( * )
ـ 57 ـ
ولا يخفى انه قطع بهذا على اوليائه خط الرجعة إلى كل من التأويلين فانك
تعلم انه لا يصح ارجاع الضمير في صورته إلى آدم في كل من الروايتين بل لا بد
من ارجاعه إلى الله عزوجل ليستقم الكلام ، ويصح تعليل النهي عن ضرب
الوجه وتقبيحه ( 1 ) وتعلم أيضا ان خلق آدم حيا سميعا بصيرا متكلما عالما مريدا
كارها لا يوجب اختصاص الوجه بالصون دون باقي الجوارح ، فحمل تينك
الروايتين على واحد من ذينك التأويلين مما لا وجه له بل لا يكون للروايتين معنى
إلا اذا اريد بهما صون وجه الانسان ، لكونه يشبه وجه الله . تعالى الله
وتقدست ذاته وصفاته وأسماؤه .
ولذلك تحير المحققون من أهل التنزيه من الجمهور ، وتوقفوا في معاني هذه
الاحاديث كلها . واحالوا العلم بالمراد منها إلى الله تعالى الذي احاط بكل شئ
علما ، كما صرح به شارحوا الصحيحين عند انتهائهم إلى هذا الحديث من
شروحهم فراجع ( 2 ) .
* تنبيهان *
( أحدهما ) : انه إذا كان طول آدم ستين ذراعا يجب مع تناسب اعضائه
* ( هامش ) *
( 1 ) ليت ابا هريرة علل النهي عن ضرب الوجه بلطفه وجماله وجمعه للاعضاء
النفيسة من السمع والبصر والانف والفم والشفتين والاسنان والحاجبين والجبهة
وغيرها فان أكثر الادراك انما يكون بها فقد يعطلها الضرب او ينقصها وقد يشوه الوجه وتشويه الوجه فاحش لكونه بارزا لا يمكن ستره لكن أبا هريرة انما
يؤثر التحريف من حيث يدري اولياؤه أو لا يدرون فانا لله وانا اليه راجعون .
( 2 ) قال الامام النووي : وان من العلماء من يمسك عن تأويل هذه الاحاديث
كلها ويقول : نؤمن بانها حق وان ظاهرها غير مراد ولها معان تليق بها قال : وهذا
مذهب جمهور السلف وهو أحوط وأسلم إلى آخر كلامه . فراجعه في شرح صحيح
مسلم وهو مطبوع في هامش شرحي البخاري وما نقلناه عنه هنا موجود في ص 18 - ( * )
ـ 58 ـ
أن يكون عرضه سبعة عشر ذراعا وسبع الذراع ، واذا كان عرضه سبعة اذرع
يجب ان يكون طوله اربعة وعشرين ذراعا ونصف الذراع لان عرض الانسان
مع استواء خلقه بقدر سبعي طوله فما بال أبي هريرة يقول طوله ستون ذراعا
في سبعة اذرع عرضا ؟ فهل كان آدم غير متناسب في خلقته مشوها في تركيبه ؟
كلا ! بل قال الله تعالى وهو اصدق القائلين ( لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم )
( ثانيهما ) : ان تحية السلام انما شرعت في دين الاسلام ، وقد قال
رسول الله صلى الله عليه وآله ( 1 ) : ما حسدكم اليهود على شئ كما حسدوكم على السلام ، فلولا
اختصاصه بهذه الامة ما اختصوهم بالحسد عليه فما بال أبي هريرة يقول في هذا الحديث : فلما خلق الله آدم قال اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة
فاستمع ما يحيونك فانها تحيتك وتحية ذريتك ؟ . وما أرى أولى النظر في هذا الخبر ! ؟
وماذا يقولون في قول أبي هريرة : فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن ؟ ! .
* 2 - رؤية الله يوم القيامة بالعين الباصرة في صورة مختلفة *
أخرج الشيخان ( 2 ) بالاسناد إلى أبي هريرة قال : قال أناس : يا رسول الله
* ( هامش ) *
- من الجزء 12 من الشرح في باب النهي عن ضرب الوجه ، ونقل القسطلاني نحوه في
ص 491 من الجزء العاشر من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري . ثم قال :
وهذ أسلم قلت : هذا بناء منهم على صحة هذه الاحاديث وهيهات ذلك - وان اوهن
البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون - .
( 1 ) فيما أخرجه ابن ماجة في صحيحه وصححه ابن خزيمة بالاسناد إلى عائشة
مرفوعا ونقله القسطلاني في صفحة 492 من الجزء العاشر من ارشاد الساري في شرح
صحيح البخاري أثناء شرح حديث أبي هريرة هذا .
( 2 ) أما البخاري فأخرجه في آخر ص 92 من الجزء الرابع من صحيحه في
باب الصراط جسر جهنم من كتاب الرقاق ، وأخرجه أيضا في ص 100 من الجزء
الاول من صحيحه في باب فضل السجود من كتاب الاذان - وأما مسلم فأخرجه - ( * )
ـ 59 ـ
هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال : هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟
قالوا : لا يا رسول الله ، قال : هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب
قالوا : لا يارسول الله ، قال ، فانكم ترونه يوم القيامة كذلك . يجمع الله الناس
فيقول : من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ، ويتبع
من كان يعبد القمر القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت . وتبقى
هذه الامة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون ! فيقول انا ربكم
فيقولون : نعوذ بالله منك ! هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فاذا أتانا ربنا عرفناه ،
فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون ! فيقول أنا ربكم ، فيقولون أنت ربنا
فيتبعونه ! ويضرب جسر جهنم ( قال ) : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فأكون أول
من يجيز ( 1 ) ودعاء الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم ، وبه كلاليب مثل شوك السعدان
أما رأيتم شوك السعدان ؟ قالوا : بلى قال : فانها مثل شوك السعدان غير أنها لا
يعلم قدر عظمتها إلا الله فتخطف الناس باعمالهم منهم الموبق بعمله ، ومنهم
المخردل ثم ينجو حتى اذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من
النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة إن يخرجوهم
فيعرفونهم بعلامة آثار السجود ، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر
السجود فيخرجونهم قد امتحشوا فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون
نبات الحية في حميل السيل ، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار ، فيقول : ياربي
قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فاصرف وجهي عن النار فلا يزال يدعو الله ،
فيقول : لعلك إن اعطيتك ان تسألني غيره ، فيقول : لا وعزتك لا اسألك
غيره ، فيصرف وجهه عن النار ، ثم يقول بعد ذلك : ياربي قربني الجنة ،
فيقول : أليس قد زعمت ان لا تسألني غيره ؟ ويلك يابن آدم ما اغدرك ، فلا
* ( هامش ) *
- في ص 86 من الجزء الاول من صحيحه في باب اثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة
وأخرجه أحمد في ص 275 من الجزء الثاني من مسنده .
( 1 ) يجيز لغة في يجوز يقال : جاز واجاز بمعنى واحد ، كذا قال في النهاية الاثيرية . ( * )
ـ 60 ـ
يزال يدعوا فيقول : لعلي ان اعطيتك ذلك تسألني غيره ، فيقول : لا وعزتك
لا أسألك غيره فيعطى الله من عهود ومواثيق ان لا يسأله غيره فيقربه إلى باب
الجنة فاذا رأى ما فيها سكت ماشاء الله ان يسكت ثم يقول : ربي أدخلني الجنة
فيقول له : أو ليس قد زعمت ان لا تسألني غيره ؟ ويلك يابن آدم ما اغدرك
فيقول : يا ربي لا تجعلني اشقى خلقك فلا يزال يدعو حتى يضحك ( الله ) ! ؟
فاذا ضحك منه اذن له بالدخول فيها فاذا دخل قيل تمن من كذا فيتمنى . ثم يقال
له : تمن من كذا فيتمنى حتى تنقطع به الاماني فيقول له هذا لك ومثله
معه . الحديث .
وقد أخرجه مسلم بسند آخر ( 1 ) ومما جاء فيه عنده : ان الله عزوجل
يأتي يوم القيامة هذه الامة وفيها البر والفاجر وهو في ادنى صورة من التي رأوه
فيها فيقول لهم : انا ربكم ، فيقولون نعوذ بالله منك ! فيقول هل بينكم وبينه
آية فتعرفونه بها ؟ فيقولون : نعم فيكشف عن ساق ! فلا يبقى من كان يسجد لله
من تلقاه نفسه الا إذن الله له بالسجود ولا يبقى من يسجد اتقاء ورئاء الا جعل
الله ظهره طبقة واحدة كلما اراد ان يسجد خر على قفاء ثم يرفعون رؤوسهم
فيرون الله وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فقال : انا ربكم ! فيقولون : أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم الحديث ، وهو وقد
اختصره البخاري في تفسير سورة نون من صحيحه ( 2 ) ولفظه ثمة : سمعت النبي
صلى الله عليه وآله يقول : يكشف ربنا عن ساقه ! فيسجد له كل مومن ومؤمنة ويبقى من
يسجد في الدنيا رئاء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا اه .
وهذا حديث مهول الفت اليه ارباب العقول فهل يجوز عندهم ان تكون
* ( هامش ) *
( 1 ) في ص 88 والتي بعدها من الجزء الاول من صحيحه في باب إثبات رؤية
المؤمنين ربهم في الآخرة من أواخر كتاب الايمان .
( 2 ) ص 138 من جزئه الثاني . ( * )
ـ 61 ـ
لله صور مختلفة ينكرون بعضها ويعرفون البعض الآخر ؟ وهل يرون ان لله
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 61 سطر 1 الى ص 70 سطر 25
لله صور مختلفة ينكرون بعضها ويعرفون البعض الآخر ؟ وهل يرون ان لله
ساقا تكون آية له وعلامة عليه ؟ وبأي شئ كانت ساقه علامة دون غيرها من
الاعضاء ؟ وهل تجوز عليه الحركة والانتقال فيأتيهم اولا وثانيا وهل يجوز
عليه الضحك ؟ واي وزن لهذا الكلام ؟ وهل يشبه كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ لا
والذي بعثه بالحق ( رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة
وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) .
* كلمة في الرؤية *
أما رؤية الله عزوجل بالعين الباصرة فقد أجمع الجمهور على امكانها في
الدنيا الآخرة ، وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة ، وان المؤمنين و المؤمنات
سيرونه يوم القيامة بأبصارهم ، وان الكافرين و الكافرات لا يرونه أبدا ، واكثر
هؤلاء على أن الرؤية لا تقع في الدنيا ، وربما قال بعضهم بوقوعها أيضا ، ثم ان
المجسمة ماثلا أمامهم فينظرون اليه كما ينظر بعضهم إلى بعض لا يمارون فيه كما
لا يمارون في الشمس والقمر ليس دونهما سحاب على مايقتضيه حديث أبي هريرة
وقد خالف هؤلاء حكم العقل والنقل ، وخرقوا اجماع الامة بأسرها ، وخرجوا
عليها . ومرقوا من الدين ، وخالفوا ما علم منه بحكم الضرورة الاسلامية . فلا
كلام لنا معهم .
وأما غيرهم من الجمهور وهم المنزهون من الاشعرية فقد قالوا بأن الرؤية
قوة سيجعلها الله تعالى يوم القيامة بابصار المؤمنين و المؤمنات خاصة لا تكون
باتصال الاشعة ، ولا بمقابلة المرئي ولا بتحيزه ولا بتكيفه ، ولا ، ولا فهي على
غير الرؤية المعهودة للناس ، بل هي رؤية خاصة تقع من أبصار المؤمنين و المؤمنات
على الله عزوجل لا كيف فيها ولا جهة من الجهات الست .
ـ 62 ـ
وهذا محال لا يعقل ، ولا يمكن أن يتصور متصور إلا اذا اختص الله
المؤمنين في الدار الآخرة ببصر آخر لا تكون فيه خواص الابصار المعهودة في
الحياة الدنيا على وجه تكون فيه الرؤية البصيرة كالرؤية القلبية وهذا خروج عن
محل النزاع في ظاهر الحال ، ولعل النزاع بيننا وبينهم في الواقع ونفس الامر لفظي .
* 3 - لا تمتلئ النار حتى يضع الله تعالى رجله فيها *
أخرج الشيخان من طريق عبدالرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة
قال : قال النبي صلى الله عليه وآله : تحاجت الجنة والنار فقالت النار : أو ثرت ب المتكبرين
و المتجبرين ! . وقالت الجنة : مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطتهم قال
الله تبارك وتعالى للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي . وقال للنار
إنما أنت عذاب اعذب بك من أشاء من عبادي . ولكل واحدة منهما ملؤها
فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول قط قط فهناك تمتلئ ويزوى بعضها
إلى بعض الحديث ( 1 ) .
إن أبا هريرة كلما أزداد مثالة زاده الله رعالة ( 2 ) رأى ان جهنم أوسع
من أن تمتلئ بالعصاة وان الله عزوجل أخبر بامتلائها إذ قال ( فالحق والحق
أقول لاملان جهنم ) فوقف أبوهريرة أمام هذين الامرين قفة الحائر يفكر
في الجمع بينهما حتى انتهى به الفكر إلى حل المشكلة بادخال رجل الله في جهنم لان
رجل الله تعالى - على رأي أبي هريرة - لا بد أن تكون أفخم وأعظم من جهنم
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة ق ص 127 من الجزء الثالث من صحيحه
وأخرجه مسلم في ص 482 من الجزء الثاني من صحيحه في باب النار يدخلها الجبارون
والجنة يدخلها الضعفاء أخرجه من خمسة طرق عن أبي هريرة ، وأخرجه أحمد من
حديث أبي هريرة آخر ص 314 من الجزء الثاني من مسنده .
( 2 ) مثل يضرب لمن كان كلما أزداد رزقا زاده الله حمقا . ( * )
ـ 63 ـ
مهما كانت جهنم متسعة الا كناف ، ومهما كانت متباعدة الاطراف ، وأبو
هريرة كيس ثقف لقف ، فلا غرو ان جمع بين ال متناقضات ، لكن فاته تدبر
قوله تعالى اذ ( قال فالحق ( 1 ) والحق أقول لاملان جهنم منك وممن تبعك
منهم أجمعين ) ولو تدبر الآية لاعتقل لسانه وانصرف يتعثر بنمرته ، فانها نص
في أن امتلاءها لايكون الا منه ، أي من جنسه وهم الشياطين وممن تبعه من
الناس كافة .
وعلى كل : فان هذا الحديث محال ممتنع بحكم العقل والشرع ، وهل يؤمن
مسلم ينزه الله تعالى بأن لله رجلا ؟ . وهل يصدق عاقل بأنه يضعها في جهنم لتمتلئ
بها ؟ ! وما الحكمة بذلك ؟ ! وأي وزن لهذا الكلام البارد ! ؟ وبأي لسان
تتحاج النار والجنة ؟ وباي حواسهما ادركتا ما ادركتاه وعرفتا من دخلهما
وأي فضل للمتجبرين و المتكبرين لتفخر بهم النار وهم يومئذ في اسفل سافلين ؟
وكيف تظن الجنة ان الفائزين بها من سقطة الناس وهم من الذين انعم الله عليهم
بين نبي وصديق وشهيد وصالح ما أظن الجنة والنار قد بلغ بهما الجهل والحمق
والخرف إلى هذه الغاية ؟ .
* 4 - نزول ربه كل ليلة إلى سماء الدنيا تعالى الله *
أخرج الشيخان من طريق ابن شهاب عن أبي عبدالله الاغر وأبي سلمة
ابن ع بدالرحمان عن أبي هريرة مرفوعا قال : ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا
حين يبقى الثلث الاخير يقول : من يدعوني فأستجب له الحديث ( 2 ) .
تعالى الله عن النزول والصعود والمجئ والذهاب والحركة والانتقال
* ( هامش ) *
( 1 ) فالحق مبتدأ ، خبره محذوف ، تقديره : فالحق قسمي أو يميني لاملان جهنم
والحق أقول اعتراض بين المقسم به والمقسم عليه معناه : لا أقول إلا الحق .
( 2 ) أخرجه البخاري في باب الدعاء نصف الليل ص 68 من الجزء الرابع من - ( * )
ـ 64 ـ
وسائر العوارض والحوادث ، وقد كان هذا الحديث والثلاثة التي قبله مصدرا
للتجسيم في الاسلام ، كما ظهر في عصر التعقيد الفكري . وكان من الحنابلة
بسببها انواع من البدع والاضاليل ، ولا سيما ابن تيمية الذي قام على منبر الجامع
الاموي في دمشق يوم الجمعة خطيبا ، فقال اثناء اضاليله : ان الله ينزل إلى سماء
الدنيا كنز ولي هذا ونزل درجة من درج المنبر يريهم نزول الله تعالى نزولا
حقيقيا بكل ما للنزول من لوازم كالحركة والانتقال من العالي إلى السافل ،
فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وانكر عليه ما قال ، فقامت العامة إلى
هذا الفقيه وضربوه بالايدي والنعال ضربا كثيرا فسقطت عمامته واحتملوه
إلى قاضي الحنابلة يومئذ في دمشق واسمه عز الدين ابن مسلم ، فأمر بسجنه ،
وعزره بعد ذلك ، إلى آخر ما كان في هذه الواقعة ( 1 ) .
* 5 - نقض سليمان حكم أبيه داود *
أخرج الشيخان ( 2 ) بالاسناد إلى أبي هريرة مرفوعا قال : كانت امرأتان
* ( هامش ) *
- صحيحة في كتاب الدعوات ، وأخرجه أيضا في آخر ص 136 من الجزء الاول من
صحيحه في باب الدعاء والصلاة من آخر الليل في كتاب الكسوف ، وأخرجه مسلم في
283 من الجزء الاول من صحيحه في باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل
واخرجه احمد بن حنبل من حديث أبي هريرة في ص 258 من الجزء الثاني من مسنده .
( 1 ) التي حضرها الرحالة ابن بطوطة بنفسه ورآها بعينه وسجلها في ص 57 من
الجزء الاول من رحلته عند ذكره قضاة دمشق فراجع .
( 2 ) أما البخاري فقد أخرجه في اول ص 166 من الجزء الثاني من صحيحه في
باب قوله تعالى : ( ووهبنا لداود سليمان نعم العبد انه أواب ) من كتاب بدء الخلق
واما مسلم فاخرجه في ص 57 من الجزء الثاني من صحيحه في باب بيان اختلاف
المجتهدين من كتاب الاقضية ، واخرجه احمد بن حنبل من حديث ابي هريرة في ص
322 من الجزء الثاني من مسنده . ( * )
ـ 65 ـ
معهما ابنهاهما جاء الذئب فذهب بابن أحداهما فقالت صاحبتها : انما دهب بابنك
وقالت الاخرى : انما ذهب بابنك ، فتحا كمتا إلى داود فقضى به للكبرى
فخرجتا على سليمان بن داود عليه السلام فأخبرتاه فقال ائتوني بالسكين اشقه بينهما
فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى ، قال أبوهريرة
والله ان سمعت بالسكين الا يومئذ وما كنا نقول الا المدينة اه في هذا الحديث
نظر من وجوه !
( أحدهما ) : ان داود عليه السلام خليفة الله في أرضه ، ونبيه المرسل إلى عباده
وقد أمر الله ان يحكم بين الناس بالحق فقال عز من قائل ( ياداود انا جعلناك
خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ) وقد أثنى عليه في الذكر الحكيم
والفرقان العظيم فقال عز من قائل ( واذكر عبدنا داود ذا الايد انه اواب انا
سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق والطير محشورة كل له اواب
وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) إلى ان قال عز سلطانه ( وان
له عندنا لزلفى وحسن مآب ) وقال عز وعلا ( ولقد فضلنا بعض النبيين على
بعض وآتينا داود زبورا ) فداود ممن فضله الله بزبوره فهو معصوم من الخطأ
ولا سيما في القضاء والحكم بما انزل الله تعالى ( ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك
هم الظالمون ) وولده سليمان وارث علمه وحكمه ، وهو نبي معصوم ايضا فكيف
يقض حكم أبيه وهو أعرف الناس بعصمته ؟ ولو ان حاكما في هذه الايام من
قضاة الشرع جامعا لشرائط الحكومة الشرعية حكم بين اثنين ترافعا اليه لوجب
على سائر حكام الشرع اعتبار حكمه بدون توقف الا مع العلم بخطئه والخطأ هنا
مأمون لوجوب عصمة الانبياء ، فلا يجوز على سليمان وهو من انبياء الله ان
ينقض حكم أبيه الذي ارتضاه الله رسولا لعباده وحاكما بينهم لان نقضه رد
على الله تعالى وسوء ادب مع أبيه بل عقوق له .
( ثانيهما ) : ان هذا الحديث صريح يتناقض الحكمين الصادرين من هذين
ـ 66 ـ
النبيين وذلك مما يوجب القطع بخطأ احداهما لو كان الحديث صحيحا والخطأ
ممتنع على الانبياء ولا سيما في مقام الحكم بما أنزل الله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل
الله فأولئك هم الفاسقون ) .
( ثالثهما ) : ظاهر هذا الحديث ان داود عليه السلام حكم بالولد للكبرى بدون
بينة ولا مستند غير أنها كبرى وهذا لا يصدر إلا من جاهل بالموازين الشرعية
بعيد عن قوانين ا لمحاكمات تعالى الله وتنزهت انبياؤه عن ذلك .
( رابعا ) : ان هذا الحديث صريح في ان سليمان انما حكم به للصغرى
بمجرد اشفاقها عليه من الشق بالسكين وهذا بمجرده لا يكون ميزانا لحكمه ، ولا
سيما بعد اقرارها به للكبرى ، وبعد حكم أبيه بذلك .
( خامسها ) : لا ينقضى والله عجبي ممن يسعه تصديق أبي هريرة في قوله :
والله ان سمعت بالسكين الا يومئذ وما كنا نقول الا المدية ، وي أن السكين
اكثر دورانا في كلام العرب من المدية بكثير ! وما أظن احدا منهم يجهل معنى
السكين بخلاف المدية ، فان اكثر العامة لا يعرفونها وي كأن أبا هريرة لم يقرأ
ولم يسمع قوله تعالى في سورة يوسف وهي مكية ( وآتت كل واحدة
منهن سكينا ) ( 1 ) .
وكأنه لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله : من جعل قاضيا بين الناس فقد
ذبح بغير سكين ( 2 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) سورة يوسف كلها نزلت في مكة إلا اربع آيات منها نزلت في المدينة ثلاث
من اولها والرابعة : ( لقد كان في بوسف وأخوته آيات للسائلين ) وأبوهريرة إنما
اسلم بعد نزولها بأكثر من سبع سنين وكانت محفوظة يرتلها المسلمون آناء الليل
واطراف النهار ، وقد سمعهم يقرؤونها في صلواتهم وخلواتهم وفي كثير من اوقاتهم .
( 2 ) بلى قد رواه وأخرجه عنه الامام احمد في ص 230 من الجزء الثاني من
مسنده من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن العلاء عن ابيه عن ابي هريرة مرفوعا . ( * )
ـ 67 ـ
* تنبيه *
ظن أبوهريرة أن داود وسليمان ( إذ يحكمان في الحرث ) كانا متناقضين
في الحكم فهان عليه تزوير تلك القصة الخيالية ولم يدر أنهما انما كانا على الصواب
وان حكم كل منهما وعلمه انما كان من لدن رب الارباب .
ومجمل قضيتهما أن غنما أصابت في الليل حرثا وكان كرما قد بدت
عناقيده ( 1 ) فاكلته فترافع صاحب الحرث وأصحاب الغنم إلى داود عليه السلام فكان
بمقتضى شرعه الموحى اليه من الله تعالى أن يحكم بالغنم لصاحب الحرث لان قيمة
الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث ، فلما أراد أن يحكم بذلك نسخة الله تعالى
على لسان سليمان وكان شريكه في النبوة فأفهمه الله أن الحكم أصبح في مثل تلك
الواقعة أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأصوافها ويدفع الحرث
إلى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود كهيئته قبل عبث الغنم فيه ثم يترادان .
جعل الله في هذا الحكم انتفاع صاحب الحرث بالغنم بازاء ما فاته من
الانتفاع بحرثه من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم واوجب على أصحاب الغنم
أن يعملوا في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان ، فلما أفهم الله عزوجل
سليمان ذلك رفعه إلى أبيه فعزم أبوه عليه ليحكمن بما أنزل الله عليه فحكم به .
هذا ملخص ما كان يومئذ بينهما لا تناقض فيه ولا اختلاف شأن كل
حكمين عن الله تعالى نسخ ثانيهما الاول .
وأنا أتلو عليك من محكمات الفرقان ما يلمسك هذه الحقيقة قال تبارك
وتعالى ( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث اذ نفشت ( 2 ) فيه غنم القوم وكنا
* ( هامش ) *
( 1 ) فيما روى عن الامامين الباقرين الصادقين أبي جعفر وأبي عبدالله " ع "
( 2 ) النفش هو الانتشار في الليل . ( * )
ـ 68 ـ
لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان ( 1 ) وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود
الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين ) فأنظر إلى قوله عز اسمه وكلا آتينا حكما
وعلما تجده نصا في انهما كانا جميعا على الصواب ، وان حكم كل منهما وعلمه انما
هو من لدن رب الارباب .
لكن من رأى أبي هريرة ان أنبياء الله يجوز عليهم الحكم بمجرد الاجتهاد
لذلك جوز عليهم الخطأ فيما يحكمون به كسائر المجتهدين .
( ما قدروا الله حق قدره ) إذ جوزوا الاجتهاد والعمل بالظن على
مهابط وحي الله ، ومختلف ملائكته ، وجوزوا الخطأ عليهم حتى في القضاء
الشرعي والحكم عن الله عزوجل ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون ) .
ولو ثابت اليهم أحلامهم لعلموا أن العمل بالاجتهاد واستفراغ الواسع
محال على الانبياء لانه لا يوصل غالبا إلا إلى الظن ، والانبياء لا يعولون عليه
لتمكنهم من العلم بسبب الوحي ، وانما يجوز ذلك لمجتهدي الامة لانه أقصى
ما يتمكنون منه .
ولو جاز الاجتهاد على الانبياء لجاز لغيرهم من ن المجتهدين أن يعارضوهم
فيما يصدعون به من أحكام الله وحينئذ لا تبقى للنبوة منزلتها ، ولا للنبيين الشأو
لا يلحقه لاحق ولا يطمع من غيررهم فيه طامع ، وهل يجرأ مومن من ن المجتهدين
أن يعارض النبي وينقض حكمه صلى الله عليه وآله كلا ! انه الكفر بالاجماع .
على أن القرآن العظيم والذكر الحكيم صريح بأن النبي صلى الله عليه وآله إنما يعمل
بالوحي ( وما ينطق عل الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) وهكذا سائر الانبياء
والمرسلين صليوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
* ( هامش ) *
( 1 ) أي ففهمنا هذه الحكومة سليمان فكانت ناسخة للحكومة التي كان الله من
ذي قبل فهمها داود عليهما السلام . ( * )
ـ 69 ـ
* ( 6 - طواف سليمان بمائة امرأة في ليلة ) *
أخرج الشيخان بالاسناد إلى أبي هريرة مرفوعا قال : قال سليمان ابن داود
لاطوفن الليلة بمائة أمرأة ! تلد كل امرأة غلاما ! يقاتل في سبيل الله ! فقال له
الملك : قل إن شاء الله فلم يقل ! فأطاف بهن ! فلم تلد منهن إلا امرأة نصف
انسان ! ( قال أبو هريرة ) : قال النبي صلى الله عليه وآله لو قال ان شاء الله لم يحنث
وكان أرجى لحاجته .
( قلت ) : وفي هذا أيضا نظر من وجوه : -
( أحدهما ) : ان القوة البشرية لتضعف عن الطواف بهن في ليلة واحدة
مهما كان الانسان قويا ، فما ذكره أبوهريرة من طواف سليمان عليه السلام بهن
مخالف لنواميس الطبيعة لايمكن عادة وقوعه ابدا .
( ثانيهما ) : انه لا يجوز على نبي الله تعالى سليمان عليه السلام أن يترك التعليق
على المشيئة ، ولا سيما بعد تنبيه الملك إياه إلى ذلك . وما يمنعه من قول ان شاء
الله ؟ وهو من الدعاة إلى الله والادلاء عليه ، وانما يتركها الغافلون عن الله
عزوجل ، الجاهلون بأن الامور كلها بيده . فما شاء منها كان وما لم يشأ لم يكن ،
وحاشا أنبياء الله عن غفلة الجاهلين إنهم عليهم السلام لفوق ما يظن المخرفون .
( ثالثهما ) : أن أبا هريرة قد اضطرب في عدة نساء سليمان ، فتارة روى انهن مائة كما سمعت ( 1 ) ، وتارة روى انهن تسعون ( 2 ) ، وتارة روى انهن
* ( هامش ) *
( 1 ) وقد أخرجه البخاري في باب قول الرجل : لاطوفن الليلة على نسائي في
آخر ص 176 من الجزء الثالث من صحيحه في الورقة الاخيرة من كتاب النكاح ،
وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة ص 229 وص 270 من الجزء الثاني من مسنده .
( 2 ) كما أخرجه البخاري عنه في ص 107 من الجزء الرابع من صحيحه في باب
الاستثناء في الايمان من كتاب الايمان والنذور . ( * )
ـ 70 ـ
سبعون ( 1 ) ، وتارة روى أنهن ستون ( 2 ) وهذه الروايات كلها في صحيحي
البخاري ومسلم ومسند أحمد فما أدرى ما يقوله فيها المعتذرون عن هذا الرجل ؟
أيقولون ان هذه الحادثة تكررت من سليمان مع زوجاته ؟ وكن مرة مائة ومرة
كن تسعين ومرة سبعين وأخرى ستين ! وفي كل مرة ينبهه الملك فلا يقول :
ما اظنهم يقولون بهذا ولو قالوا قد اتسع الخرق على الراقع ، لكان أولى بهم
وفي المثل السائر ، ليس لكذوب حافظة .
* ( 7 - لطم موسى عين ملك الموت ) *
أخرج الشيخان في صحيحيهما بالاسناد إلى أبي هريرة قال : جاء ملك
الموت إلى موسى عليهما السلام فقال له : أجب ربك . قال فلطم موسى عين ملك
الموت ففقأها : قال : فرجع الملك إلى الله تعالى فقال : أنك ارسلتني إلى عبد لك
لا يريد الموت ففقأ عيني . قال فرد الله اليه عينه وقال ارجع إلى عبدي فقل :
الحياة تريد فان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور : فما توارت بيدك من
شعرة فانك تعيش بها سنة الحديث . ( 3 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) كما أخرجه البخاري بالاسناد اليه في ص 165 من الجزء الثاني من صحيحه
في باب قوله تعالى ( ووهبنا لداود سليمان نعم العبد انه أواب ) من كتاب بدء الخلق
( 2 ) كما أخرجه مسلم بالاسناد اليه في باب الاستثناء من كتاب الايمان - ص
23 من الجزء الثاني من صحيحه ، وأخرج مسلم ايضا في ذلك الباب نفسه حديثا من
طريق آخر عن ابي هريرة انهن سبعون واخرج فيه من طريق ثالث انهن تسعون فراجع .
( 3 ) اوردناه بلفظ مسلم وقد اخرجه - عن ابي هريرة بطرق كثيرة - في باب
فضائل موسى من كتاب الفضائل من صحيحه ص 309 من جزئه الثاني ، واخرجه
البخاري في باب وفاة موسى من كتاب بدء الخلق بعد حديث الخضر بأقل من صفحتين
من صحيحه فراجع ص 163 من جزئه الثاني واخرجه ايضا في باب من احب الدفن
في الارض المقدسة من ابواب الجنائز من صحيحه فراجع ص 158 من جزئه الاول . ( * )
ـ 71 ـ
وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة في مسنده ( 1 ) وفيه : أن ملك
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 71 سطر 1 الى ص 80 سطر 24
وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة في مسنده ( 1 ) وفيه : أن ملك
الموت كان يأتي الناس عيانا : قال : فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه الحديث ،
وأخرجه ابن جرير الطبري في الجزء الاول من تاريخه ( 2 ) عن أبي هريرة
ولفظه عنده : أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ
عينه وفي آخره ان ملك الموت جاء إلى الناس خفيا بعد موت موسى ( 3 ) .
وأنت ترى ما فيه مما لا يجوز على الله تعالى ، ولا على انبيائه . ولا على
ملائكته ، أيليق بالحق تبارك وتعالى ان يصطفي من عباده من يبطش على الغضب
بطش الجبارين ؟ . ويوقع بأسه حتى في ملائكة الله المقربين ويعمل عمل
المتمردين ؟ : ويكره الموت كراهة الجاهلين ؟ : وكيف يجوز ذلك على موسى ؟
وقد اختاره الله لرسالته ، وائتمنه على وحيه ، وآثره بمناجاته ، وجعله من سادة
رسله ، وكيف يكره الموت هذا الكره مع شرف مقامه ؟ ورغبته في القرب
من الله تعالى والفوز بلقائه ؟ وما ذنب ملك الموت عليه السلام ؟ وانما هو رسول الله
اليه . وبما استحق الضرب والمثلة فيه بقلع عينه ؟ وما جاء إلا عن الله وما قال
له : سوى أجب ربك أيجوز على أولي العزم من الرسل اهانة الكروبيين من
الملائكة ؟ وضربهم حين يبلغونهم رسالات الله وأوامره عزوجل ؟ . تعالى الله
وتعالت انبياؤه وملائكته عن ذلك علوا كبيرا .
ونحن لم يرئنا من أصحاب الرس ، وفرعون موسى ، وأبي جهل ، وأمثالهم
ولعناهم بكرة وأصيلا ؟ . أليس ذلك لانهم آذوا رسل الله حين جاؤوهم بأوامره
* ( هامش ) *
( 1 ) ص 315 من جزئه الثاني .
( 2 ) وذلك حيث ذكره وفاة موسى في كتابه تاريخ الامم والملوك .
( 3 ) لو ان ملك الموت كان يأتي عيانا قبل وفاة موسى لطفحت به الاخبار
واشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار فما بال المحدثين المؤرخين واهل الاخبار من
جميع الامم اغفلوا هذا الخبر لو كان له اثر ، وما بال القصاصين والمخرفين ما حام
خيالهم حوله ، فهل تركوا الامتياز به لابي هريرة ؟ ( * )
ـ 72 ـ
فكيف نجوز مثل فعلهم على انبياء الله وصفوته من عباده ؟ ! حاشا لله ان هذا
لبهتان عظيم .
ثم إن من المعلوم أن قوة البشر بأسرهم ، بل قوة جميع ا لحيوانات منذ
خلقها الله تعالى إلى يوم القيامة لا تثبت امام قوة ملك الموت فكيف - والحال
هذه - تمكن موسى " ع " من الوقية فيه ؟ وهلا دفعه الملك عن نفسه ؟ مع قدرته
على ازهاق روحه ، وكونه مأمورا عن الله تعالى بذلك .
ومتى كان للملك عين يجوز أن تفقأ ؟ ! .
ولا تنس تضييع حق الملك وذهاب عينه . ولطمته هدرا ، إذ لم يؤمر
الملك من الله بأن يقتص من موسى صاحب التوراة التي كتب الله فيها ( ان
النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن
والجروح قصاص ) ( 1 ) ولم يعاقب الله موسى على فعله هذا بل اكرمه إذ خيره
بسببه بين الموت والحياة سنين كثيرة بقدر ما تواريه يده من شعر الثور .
وما ادري والله ما الحكمة في ذكره شعر الثور بالخصوص ؟ ! .
أما وعزة الحق ، وشرف الصدق ، وعلوهما على الباطل والافك لقد
حمل هذا الرجل اولياءه ما لا طاقة لهم به . وكلفهم باحاديثه هذه بما لا تحتمله
عقولهم ابدا ولا سيما قوله في هذا الحديث : إن ملك الموت قبل وفاة موسى كان
يأتي الناس عيانا وانما جاءهم خفيا بعد موت موسى نعوذ بالله من سبات العقل
وخطل القول والفعل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
* ( هامش ) *
( 1 ) إشارة إلى الآية 45 من سورة المائدة ، وقد وجدنا في الفقرة 23 من
الاصحاح 21 من اصحاحات الخروج ، من التوراة الموجودة في ايدي اليهود
والنصارى في هذه الايام ماهذا لفظه : ان حصلت اذية تعطى نفسا بنفس وعينا بعين
وسنا بسن ويدا بيد ورجلا برجل وكيا بكي وجرحا بجرح ورضا برض . ( * )
ـ 73 ـ
* ( 8 - فرار الحجر بثياب موسى وعدو موسى خلفه
ونظر بني اسرائيل اليه مكشوفا ) *
أخرج الشيخان في صحيحيهما بالاسناد إلى أبي هريرة قال : كان بنو
اسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض ، وكان موسى عليه السلام يغتسل
وحده ، فقالوا : والله ما يمنع ان يغتسل معنا إلا أنه آدر ( أي ذو فتق )
قال فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه ! فجمح موسى
بأثره يقول : ثوبي حجر ! ثوبي حجر ! حتى نظر بنو اسرائيل إلى سوأة موسى
فقالوا : والله ما بموسى من بأس فقام الحجر بعد حتى نظر اليه فأخذ موسى ثوبه
فطفق بالحجر ضربا ؟ فوالله ان بالحجر ندبا ( 1 ) ستة أو سبعة الحديث ( 2 ) .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن هذه الواقعة هي التي أشار الله اليها بقوله
عز من قائل ( ياايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما
قالوا وكان عند الله وجيها ) اه .
وأنت ترى ما في هذا الحديث من المحال الممتنع عقلا فانه لا يجوز تشهير
كليم الله " ع " بابداء سوأته على رؤوس الاشهاد من قومه لان ذلك ينقصه
ويسقط من مقامه ، ولا سيما اذا رأوه يشتد عاريا ينادي الحجر وهو لا يسمع
ولا يبصر : ثوبي حجر ثوبي حجر ثم يقف عليه وهو عاري أمام الناس فيضربه
* ( هامش ) *
( 1 ) الندب بوزن جمل اثر الجراح اذا لم يرتفع عن الجلد .
( 2 ) اوردناه بلفظ مسلم إذ اخرجه عن ابي هريرة بطرق كثيرة فراجع باب
فضائل موسى ص 308 من الجزء الثاني من صحيحه واخرجه البخاري في باب
الذي هو بعد حديث الخضر من صحيحه ص 162 من جزئه الثاني وفي ص 42 من
جزئه الاول في باب من اغتسل عريانا من كتاب الغسل ، واخرجه احمد من حديث
ابي هريرة من طرق كثيرة فراجع ص 315 من الجزء الثاني من مسنده . ( * )
ـ 74 ـ
والناس تنظر اليه مكشوف العورة كالمجنون !
وهذه الحركة لو صحت فانما هي من فعل الله تعالى فكيف يغضب منها
كليم الله فيعاقب الحجر عليها ؟ ! وما هو إلا مقسور على الحركة وأي أثر
لعقوبة الحجر ؟ .
ثم ان هربه بثياب موسى عليه السلام لا يبيح له ابداء عورته ، وهتك نفسه بذلك
وقد كان في امكانه أن يبقى في مكانه حتى يؤتي بثيابه أو بساتر غيرها كما يفعله كل
ذي لب اذا ابتلى بمثل هذه القصة .
على أن هرب الحجر من المعجزات وخوارق العادات التي لا تكون الا
في مقام التحدي كمقام انتقال الشجرة في مكة المعظمة لرسول الله صلى الله عليه وآله حين
اقترح عليه المشركون ذلك فنقلها الله عزوجل من مكانها تصديقا لدعوته وتثبيتا
لنبوته صلى الله عليه وآله ومن المعلوم أن مقام موسى عليه السلام وهو يغتسل لم يكن مقام تحد
وتعجيز فلا تقع فيه المعجزات وخوارق العادات ولا سيما اذا ترتب عليها
فضيحة نبي الله بأبداء سوأته للملا من قومه على وجه يستخف به كل من رآه
وكل من سمع بخبره هذا واما براءته من الادرة فليست من الامور التي يباح في
سبيلها هتكه وتشهيره ولاهي من المهمات التي تصدر بسببها الآيات اذ يمكن
العلم ببراءته منها بسبب اطلاع نسائه عليه ، واخبارهن بحقيقة حاله .
ولو فرض ابتلاؤه بالادرة فأي بأس عليه بذلك ؟ . وقد اصيب شعيب
عليه السلام ببصره وايوب عليه السلام بجسمه وانبياء الله كافة تمرضوا وماتوا ، ولا يجب
انتفاء مثل هذه العوارض عن انبياء الله ورسله ، ولا سيما اذا كانت مستورة
عن الناس كالادرة ، نعم لا يجوز عليهم ما يوجب نقصا في مداركهم أو في مروءتهم
أو يوجب نفرة الناس عنهم و استخفافهم بهم والادرة ليست في شئ من ذلك .
على ان القول بأن بني اسرائيل كانوا يظنون ان في موسى ادرة لم ينقل الا
عن ابي هريرة .
ـ 75 ـ
أما الواقعة التي أشار الله اليها بقوله عز من قائل ( ياأيها الذين آمنوا
لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ) فالمروي عن أمير المؤمنين " ع "
وابن عباس أنها قضية إتهامهم إياه بقتل هارون . وهو الذي اختاره الجبائي
وقيل هي قضية المومسة التي اغراها قارون بقذف موسى " ع " بنفسها فبرأه الله
تعالى اذ انطقها بالحق ، وقيل آذوه من حيث نسبوه إلى السحر والكذب
والجنون بعد ما رأوا الايات .
واني لاعجب من الشيخين يخرجان هذا الحديث والذي قبله في فضائل
موسى وما أدري أي فضلية بضرب ملائكة الله المقربين وفق ء عيونهم عند
أرادتهم تنفيذ أوامر الله عزوجل ؟ وأي منقبة بابداء العورة للناظرين وأي
وزن لهذه السخافات ؟ ان كليم الله ونجيبه ونبيه لاكبر من هذا ، وحسبه ما صدع
به الذكر الحكيم والفرقان العظيم ، من خصائصه الحسنى عليه السلام .
* ( 9 - فزع الناس يوم القيامة إلى آدم فنوح فابراهيم فموسى
فعيسى رجاء شفاعتهم فاذا هم في أمرهم مبلسون ) *
أخرج الشيخان بالاسناد إلى أبي هريرة حديثا ( من أحاديثه الطويلة )
مرفوعا جاء فيه ما هذا نصه : يجمع الله الناس الاولين منهم والآخرين يوم
القيامة في صعيد واحد يسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر ، وتدنو الشمس فيبلغ
الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يتحملون ، فيقول الناس : ألا ترون
ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ؟ . فيقول بعض الناس لبعض
عليكم بآدم فيأتون آدم " ع " فيقولون له : أنت أبوالبشر خلقك الله بيده
ونفخ فيك من روحهه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك ، اشفع لنا إلى ربك ألا
ترى إلى مانحن فيه ؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا ؟ فيقول آدم : ان ربي قد غضب
اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ! ولن يغضب بعده مثله ! وانه نهاني عن الشجرة
ـ 76 ـ
فعصيته نفسي نفسي ! ! أذهبوا إلى غيري إذهبوا إلى نوح ( قال ) فيأتون
نوحا عليه السلام فيقولون : يانوح انك أنت أول الرسل إلى أهل الارض وقد سماك
الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى مانحن فيه ؟ فيقول : ان ربي
قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ! وانه قد كانت
لي دعوة دعوتها على قومي ! نفسي نفسي نفسي ! ! اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى
ابراهيم ( قال ) : فيأتون ابراهيم عليه السلام فيقولون : يا ابراهيم أنت نبي الله وخليله
من أهل الارض اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى مانحن فيه ؟ فيقول لهم : ان
ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله : ولن يغضب بعده مثله ! واني قد
كنت كذبت ثلاث كذبات ! نفسي نفسي نفسي ، ، ، اذهبوا إلى غيري اذهبوا
إلى موسى عليه السلام ( قال ) : فيأتون موسى فيقولون : ياموسى أنت رسول الل فضلك
الله برسالته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك أترى إلى مانحن فيه ؟ فيقول
ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، واني
قد قتلت نفسا لم اؤمر بقتلها ، نفسي نفسي نفسي ، ، ، أذهبوا إلى غيري اذهبوا
إلى عيسى عليه السلام ( قال ) : فيأتون عيسى فيقولون : ياعيسى أنت رسول الله وكلمته
التي القاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد صبيا اشفع لنا إلى ربك
ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ ( قال ) : فيقول عيسى عليه السلام ان ربي قد غضب اليوم
غضبا لم يغضب قبله مثله ! ولن يغضب بعده مثله ، - ولم يذكر ذنبا - نفسي نفسي
نفسي ، ، ، اذهبوا إلى محمد ، قال فيأتون محمدا صلى الله عليه وآله فيقولون : يامحمد أنت
رسول الله وخاتم الانبياء وقد غفر الله لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر اشفع
لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى مانحن فيه ؟ قال أبوهريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
فانطلق فآتى تحت العرش فأقع ساجدا لربي عزوجل ثم يفتح الله على من محمامده
وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال : يامحمد ارفع رأسك
سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول : امتي يارب أمتي يارب فيقال
ـ 77 ـ
يامحمد ادخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الايمن من أبواب الجنة
وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الابواب الحديث . ( 1 ) .
وفيه من التسور على مقام أولى العزم من أنبياء الله وأصفيائه ما تبرأ
منه السنن وتتنزه عن خطله فان للسنن المقدسة ( سنن نبينا صلى الله عليه وآله ) في
تعظيم الانبياء غاية تملا الصدور هيبة واجلالا وتعنوا لها الجباه بخوعا وقد
ملات مسامع الدهر بحمدهم ونظمت حاشيتي البر والبحر بمجدهم ، فكل ما عرفته
الامم لهم من جلالة تخشع امامها العيون ومهابة تتطامن لديها المفارق وعظمة
تتصاغر عندها الهمم وينخفض لها جناح الضعة فانما هو من آثاره صلى الله عليه وآله ولو لا
فرقانه العظيم ، وقرآنه الحكيم ، وسنته المعصومة ما عرفهم ممن تأخر عنهم احد
اذ ليس ( غير الكتاب والسنة ) في ايدي الناس برهان قاطع ولا حجة بالغة ،
بل لا خبر مسند ولا رواية تليق بالعقول ، فرسول الله صلى الله عليه وآله حفظ بسنته
وكتاب ربه عزوجل خصائص الانبياء وسننهم ، وخلد مجدهم وحمدهم ، ومثل
اخلاصهم لله بالعبادة ، واخلاصهم للعباد بالنصح والارشاد والافادة ، كما حفظ
بهما تاريخ الامم الماضية ، والقرون الخالية ، وتمم بهما مكارم الاخلاق ،
ومحامد الصفات والآداب ، وشرع بهما عن الله تعالى تلك الانظمة الحكيمة ،
والقوانين القويمة ، شرائع تضمن للبشر كافة سعادة الدنيا والآخرة وجمع فيهما
العلم والحكمة والسياسة وشرف المعاش والمعاد ، وحفظ بهما لغة الضاد إلى
يوم التناد .
* ( هامش ) *
( 1 ) أوردناه بلفظ البخاري في صفحة 100 من الجزء الثالث من صحيحه في
باب ذرية من حملنا مع نوح من تفسير سورة بني اسرائيل ، وأخرجه مسلم في ص
97 من الجزء الاول من صحيحه في أواخر باب اثبات الشفاعة وهو في أواخر كتاب
الايمان ، وأخرجه احمد من حديث أبي هريرة بطرق اليه كثيرة في الجزء الثاني
من مسنده . ( * )
ـ 78 ـ
فحديث أبي هريرة هذا - بهرائه وهذره ( 1 ) - أجنبي عن كلام رسول الله
صلى الله عليه وآله مباين سننه كل المباينة . ومعاذ الله ان ينسب إلى انبياء الله ما اشتمل عليه هذا الحديث الغث التفه ( 2 ) وحاشا آدم من المعصية بارتكاب المحرم الذي
يوجب غضب الله ، وانما كان منهيا عن الشجرة نهي تنبيه وارشاد ، وتقدس
نوح من الدعاء إلا على اعداء الله تقربا اليه عز سلطانه ؟ وتنزه ابراهيم عن
الكذب وعن كل قول أو فعل يغضب الله عزوجل أو يخالف الحكمة ومعاذ
الله أن يقتل موسى نفسا يغضب الله لقتلها وإنما يقتل من لا حرمة له عند الله
تعالى ولا وزن له عند أولي الالباب ، وتعالى الله عن أن يعاملهم إلا بالحسنى
كما قال عز من قائل ( هل جزاء الاحسان إلا الاحسان ) وأنبياء الله اجل من
ان يتوهموا بربهم تبارك وتعالى انه قد غضب عليهم غضبا لم يغضب قبله مثله
ولن يغضب بعده مثله ، ويمتنع على رسول الله ان يذكرهم إلا بما هم أهله .
ثم كيف يتسنى لاهل المحشران يشتوروا ويأتمروا ؟ وهم بحيث : ( تذهل
كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حلمها وترى الناس سكارى وما
هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) ، ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه
وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) .
وأنى لهم بالوصول إلى الانبياء في ذلك الموقف والانبياء يومئذ على
الاعراف ، وهل يصل أهل الارض إلى السماء ؟ وما الذي منعهم من التوسل
توا برسول الله ؟ فانه صلى الله عليه وآله صاحب المقام المحمود والجاه العظيم والشفاعة
المقبولة لا يجهله يومئذ احد من الناس ، ولو لم يرجعهم اليه آدم ولا نوح ولا ابراهيم ولا موسى ؟ وهلا اراحوا اولئك المساكين بدلالتهم من أول الامر
على ولي الامر في ذلك الحشر ؟ ! أكانوا يجهلون مقامه المحمود في اليوم الموعود
* ( هامش ) *
( 1 ) الهراء المنطق الفاسد لانظام له ، والهذر هو الاكثار من الخطأ والباطل
( 2 ) الذي لا طعم له . ( * )
ـ 79 ـ
أم كانوا يؤثرون عناء اولئك المؤمنين ا لمستغيثين .
ولنا ان نسأل أبا هريرة عن هؤلاء المساكين أمن أمة محمد هم ؟ أم من
أمة غيره ؟ فان كانوا من أمته فما الذي صرفهم عنه إلى غيره ؟ وان كانوا من
امة غيره فمن الطبيعي له ان لا يحبط مساعيهم . ولا يخيب آمالهم فكيف اختص
أمته بالشفاعة دونهم ؟ ومع ما فطر عليه من الرحمة الواسعة ومع ما آتاه الله
يومئذ من الشفاعة والوسيلة معاذ الله ان يخيبهم وهو أمل الراغب الراجي وامن
الخائف اللاجئ يجيب لسان العافي بلسان نداه ويروي صدى اللهيف قبل رجع
صداه صلى الله عليه وآله :
* ( 10 - شك الانبياء والتنديد بلوط وتفضيل يوسف
على رسول الله صلى الله عليه وآله بصبره ) *
أخرج الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا قال : نحن احق بالشك من
ابراهيم إذ قال : ربي ارني كيف تحيي الموتى ، قال : أولم تؤمن ؟ قال : بلى
ولكن ليطمئن قلبي ، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت
في السجن طول ما لبث يوسف لا جبت الداعي اه . وهذا الحديث ( 1 ) ممتنع
من وجوه : -
( احداها ) : انه اثبت الشك لخليل الله ابراهيم عليه السلام ، وقد قال الله عز
من قائل ( ولقد آتينا ابراهيم رشده من قبل ) وقال جل سلطانه ( وكذلك
نرى ابراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين ) والايقان
اسمى مراتب العلم والموقن بالشئ لا يمكن ان يكون شاكا فيه ، والعقل بمجرده
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه البخاري في ص 158 من الجزء الثاني من صحيحه في باب ونبئهم
عن ضيف ابراهيم إذ دخلوا عليه من كتاب بدء الخلق ، واخرجه مسلم في ص 71
من الجزء الاول من صحيحه في باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الادلة من كتاب
الايمان . واخرجه الامام احمد من حديث ابي هريرة في الجزء الثاني من مسنده . ( * )
ـ 80 ـ
يحيل وقوع الشك من الانبياء عليهم السلام كافة ، وهذا من الامور المسلمة .
اما قوله تعالى ( وإذ قال ابراهيم ربي ارني كيف تحيي الموتى ) فظاهر في
ان ابراهيم " ع " انما سأل ربه عن كيفية الاحياء لا عن الاحياء نفسه ، وهذا لا
يتأتي الا اذا كان نفس الاحياء محققا معلوما لدى ابراهيم .
وبعبارة اوضح الاستفهام بكيف انما هو سؤال عن حال شئ موجود
معلوم الوجود لدى السائل والمسؤول نحو : كيف زيد ، يعنى اصحيح هو مثلا أم
مريض ؟ وكيف فعل زيد أي احسانا فعل مثلا أم قبيحا ؟ وكيف وقعت القضية
أو كيف تقع يعني أعلى ما نريد مثلا أم على خلاف مانريد ؟ وعلى هذا فقوله :
ارني كيف تحيي الموتى . انما هو طلب لان يريه كيفية ما قد علمه وتقرر لديه من
أحياء الموتى .
لكن لما كان مثل هذا الطلب قد يكون ناشئا عن الشك في القدرة على
الاحياء ، وربما يتوهم من يبلغه هذا الطلب ممن لا يعرف مقام ابراهيم انه " ع "
قد شك في القدرة اراد الله تعالى بسبب ذلك ان يرفع هذا التوهم ببيان منشأ طلبه
فقال له : أولم تؤمن ؟ قال : بلى ، أي : أنا مؤمن بالقدرة ولكني انما طلبت
ذلك ليطمئن قلبي بسبب رؤية الكيفية التي تحيي بها الموتى بعد تفرق اجزائها في
مضامين القبور وأوجار الطيور وبطون السباع ، ومطارح المهالك من البر
والبحر ، وكأن قلبه عليه السلام قد ولع برؤية الكيفية فقال : ليطمئن قلبي ، أي لتبرد
غلة شوقه برؤيتها .
هذا هو المراد من الآية الكريمة ، ومن نسب الشك اليه صلوات الله
وسلامه عليه فقد ضل ضلالا مبينا .
( ثانيها ) ان الظاهر من قوله : نحن أولى بالشك من ابراهيم ثبوت الشك
لرسول الله صلى الله عليه وآله ولسائر الانبياء ، وانهم جميعا أولى به من ابراهيم .
ولو فرض عدم ارادة الانبياء جميعا فارادة رسول الله صلى الله عليه وآله مما لابد
ـ 81 ـ
منها ، والحديث نص صريح في أنه أولى بالشك ( سبحانك هذا بهتان عظيم ) قد
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 81 سطر 1 الى ص 90 سطر 24
منها ، والحديث نص صريح في أنه أولى بالشك ( سبحانك هذا بهتان عظيم ) قد
انعقد الاجماع على بطلانه ، وتصافق العقل والنقل على امتناعه .
وما ندري والله لم كان صلى الله عليه وآله أولى بالشك من ابراهيم " ع " مع ما آتاه الله
مما لم يؤت ابراهيم وغيره من الانبياء والمرسلين والملائكة المقربين .
ووصية أمير المؤمنين عليه السلام انما كان الباب من مدينة علمه وانما هو منه
بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بنبي ، وقد قال " ع " لو كشف لي الغطاء ما
ازددت يقينا ( 1 ) فما الظن بسيد المرسلين ، وخاتم النبيين صلى الله عليه وآله
وسلم وعليهم أجمعين .
( ثالها ) : ان قوله : ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد
تنديد بلوط ورد عليه ، وتهمة له بما لا يليق بمنزلة من الله عزوجل وحاشاه
أن يكون قليل الثقة بالله وانما أراد أن يستفز عشيرته وذويه ، ويستظهر بفصيلته
التي تؤويه نصحا منه لله عزوجل في أمر عباده بالمعروف ونهيهم عن المنكر ،
وحاشا رسول الله صلى الله عليه وآله ان يندد بلوط أو يفند قوله ومعاذ الله أن يظن به إلا
ما هو أهله ولكنه صلى الله عليه وآله انذر بكثرة الكذابة عليه .
( رابعا ) : ان قوله : ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لاجبت
الداعي ظاهر في تفصيل يوسف على رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا خلاف ما اجمعت
عليه الامة وتواترت به الصحاح الصريحة وثبت بحكم الضرورة بين المسلمين .
فان قلت : انما كان هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله تواضعا ليوسف واعجابا
بحزمه وصبره وحكمته في اثبات برائته حتى حصحص الحق قبل خروجه
من السجن .
* ( هامش ) *
( 1 ) هذه الكلمة مستفيضة عنه " ع " وقد اشار اليها البوصيري في همزيته اذ يقول :
ووزير ابن عمه في المعالي * ومن الاهل تسعد الوزراء
لم يزده كشف الغطاء يقينا * بل هو الشمس ما عليه غطاء ( * )
ـ 82 ـ
( قلنا ) لا يجوز مثل هذا الكلام على رسول الله صلى الله عليه وآله ولو كان على
سبيل التواضع ، لاشتماله على خبر غير مطابق للواقع ، لانه لو ابتلى بما ابتلى
به يوسف لكان اصبر من يوسف وأولى منه بالحزم والحكمة ، وبكل ما
يتحصحص به الحق ، وهيهات أن يجيب الداعي بمجرد أن يدعوه إلى الخروج
فتفوته الحكمة التي آثرها يوسف إذ قال لرسول الملك حين أخلي سبيله : ارجع
إلى ربك - أي صاحبك - فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن أن ربي
بكيدهن عليم ، قال - يعني الملك - : ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ،
قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز : الآن حصحص الحق
أنا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين .
فما خرج من السجن حتى تجلت براءته كالشمس الضاحية ليس دونها سحاب
ولئن اخذ يوسف بالحزم فلم يسرع بالخروج من السجن حتى تم له ما
أراد ، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد مثل الصبر والاناة والحلم والحزم والعزم والحكمة
والعصمة في كل أفعاله وأقواله وهو الذي لو وضعوا اشمس في يمينه والقمر في
شماله على ان يترك الامر ما تركه .
وكان الاولى أن يقول أبوهريرة في هذا المقام : ولو لبث رسول الله
صلى الله عليه وآله في السجن أضعاف اضعاف ما لبث فيه يوسف ما توسل إلى خروجه منه
بما توسل اليه يوسف إذ قال الذي ظن انه ناج من صاحبي السجن - اذكرني
عند ربك - أي صفني عند الملك بصفاتي وقص عليه قصتي لعله يرحمني ويتداركني
من هذه الورطة ( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) أي ان الشيطان أنسى الرجل أن
يذكر يوسف لربه - أعني الملك - ( فلبث في السجن بضع سنين ) وكان نسيان
الرجل ولبث يوسف في السجن بضع سنين انما كانا تنبيها له إلى انه قد فعل غير
الاولى إذ كان الاولى به أن لا يتوسل إلى رحمة الله بغير الله عزوجل كما هو
المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وقد مني صلى الله عليه وآله بما هو أعظم محنة من سجن يوسف
ـ 83 ـ
وابتلى بما هو اكثر ضررا واكبر خطرا من كل ما قاساه آل يعقوب عليه السلام
فما وهن ولا استكان ولا استعان إلا بالله وقد حوصر وجميع عشيرته في الشعب
سنين ، فكانوا في منتهى الضائقة واوذي في نفسه وعشيرته والمؤمنين به بما لم
يؤذ به نبي قبله واجلبوا عليه بما لديهم من حول وطول ، فاتل ان شئت : ( وإذ
يمكر بك الذين كفروا ليقتلوك أو يثبتوك أو يخرجوك ) واقرأ ( ان لا
تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين اذهما في الغار إذ
يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم
تروها ) وأمعن في قوله عز أسمه : ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ) وتدبر
قوله عز سلطانه ( إذ تصدعون ولا تلوون على احد والرسول يدعوكم في اخراكم
فاثابكم غما بغم ) وانعم النظر في قوله عن الاحزاب ( إذ جاؤوكم من فوقكم ومن
اسفل منكم واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا
هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) واوغل في البحث عن وقعة
هوازن وحسبك منها ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت
عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى
المؤمنين ) إلى كثير من مواقفه الكريمة التي خاض فيها الاهوال فكان فيها
أرسى من الجبال يتلقى شدائدها برحب صدره وثبات جنانه فتنزل منه في بال
واسع وخلق وادع لم يتوسل في الخروج من عسر إلى يسر إلا بالله وحده ولم
يتذرع إلى شئ مامن شؤؤنه إلا بالصبر والتوكل على الله تعالى فأين من
عزائمه في صبره وحلمه وحكمه عزائم يوسف ويعقوب ؟ واسحاق وابراهيم
وسائر النبيين والمرسلين صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين .
ـ 84 ـ
* ( 11 - جراد الذهب المتساقط على أيوب وهو يغتسل
ومعاتبة الله إياه على ما حشاه منه في ثوبه ) *
أخرج الشيخان بطرق متعددة ( 1 ) عن أبي هريرة مرفوعا قال : بينما
أيوب يغتسل عريانا فخر عليه ( 2 ) جراد من ذهب فجعل أيوب يحتثي في ثوبه
فناداه ربه ألم اكن أغنيك عما ترى ؟ قال : بلى وعزتك ولكن لا غنى بي
عن بركتك .
( قلت ) : لا بركن إلى هذا الحديث إلا أغشى البصيرة ، مظلم الحس ،
فان خلق الجراد من ذهب آية من الآيات ، وخوارق العادات وسنة الله عزوجل
في خلقه ان لا يخلق مثلها إلا عند الضرورة كما لو توقف ثبوت النبوة عليها فتأتي
حينئذ برهانا على النبوة ودليلا على الرسالة وماكان الله ليخلقها عبثا وجزافا
فتخر على أيوب " ع " وهو منفرد بنفسه يغتسل عريانا كما يزعم أبوهريرة .
ولو خرت عليه فجعل يحتثى في ثوبه لكان ذلك في محله لانها نعمة من
الله خارقة لم يحتسبها فيقتضى شكرها بتعظيم شأنها وتلقيها بكل قبول ولا يحسن
منه الاعراض عنها و الاستخفاف بها ، وقد اختصه الله فيها لان فيه من كفران
النعمة ما يجب تنزيه الانبياء عنه .
والانبياء إذ اجمعوا المال فانما يجمعونه لينفقوه في سبيل الله وابتغاء
مرضاته و ليستعينوا به على مشاريعهم الاصلاحية والله عزوجل خبير بهم
عليم بنواياهم فلا يعاتبهم على جمعه ابدا .
* ( هامش ) *
( 1 ) راجع من البخاري ص 42 من الجزء الاول من صحيحه قبل كتاب
الحيض بأقل من صفحتين وص 60 من جزئه الثاني قبل حديث الخضر مع موسى
بأقل من صفحتين .
( 2 ) هكذا في صحيح البخاري والاصح إذ خر عليه . ( * )
ـ 85 ـ
* ( 12 - التنديد بموسى اذ قرصته نملة فاحرق قريتها ! ! ) *
أخرج الشيخان بالاسناد إلى أبي هريرة مرفوعا قال : قرصت نملة نبيا
من الانبياء - هو موسى بن عمران فيما نص عليه الترمذي ( 1 ) - فأمر بقرية النمل
فأحرقت فاوحى الله اليه ان قرصتك نملة احرقت أمة من الامم تسبح الله ! ؟ ( 2 ) .
إن أبا هريرة مولع بالانبياء عليهم السلام هائم بكل مصيبة غريبة تقذى بها
الابصار وتصتك منها المسامع وان انبياء الله لاعظم صبرا وأوسع صدرا ،
وأعلى قدرا ، مما يحدث عنهم المخرفون .
وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول
في خطبة له ( 3 ) : والله لو أعطيت الاقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن
أعصى الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلت وان دنياكم عندي لاهون من
ورقة فم جرادة تقضمها ، ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى .
وعلي عليه السلام ماكان نبيا وانما هو وصي وصديق وهذه حالة تمثل عصمة
الانبياء عما ينسبه الجاهلون اليهم ، وما كان الله ليصطفي لرسالاته ويختص
بمناجاته من لا يتنزه عن ذلك ، تعالى الله وتعالت رسله عما يقوله المخرفون
علوا كبيرا .
* ( هامش ) *
( 1 ) كما نص القسطلاني في شرح هذا الحديث من ارشاد الساري في شرح
صحيح البخاري ص 288 من جزئه السادس .
( 2 ) أخرجه البخاري في آخر ص 114 من الجزء الثاني في أواخر كتاب
الجهاد والسير من صحيحه ، وأخرجه مسلم في باب النهي عن قتل النمل ص 267 من
الجزء الثاني من صحيحه في كتاب قتل الحيات وغيرها وأخرجه أبوداود في الادب
وابن ماجة والنسائي في الصيد ، وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة في مسنده .
( 3 ) خطبها في تهويل الظلم وتبرئه منه وبيان صغر الدنيا في نظره والخطبة في
نهج البلاغة أولها والله لئن ابيت على حسبك السعدان مسهدا . ( * )
ـ 86 ـ
وما أدري والله ماذا يقول مصححوا هذا الحديث فيما فعله هذا النبي من
تعذيب النمل بالنار ؟ مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله : لا يعذب بالنار إلا الله وقد
أجمعوا على أنه لايجوز الاحراق بالنار للحيوان مطلقا إلا إذا احرق انسان
انسانا فمات بالاحراق فلو ليه الاقتصاص باحراق الجاني وسواء في منع الاحراق
بالنار النمل وغيره من سائر ا لحيوانات للحديث المشهور ( لا يعذب بالنار
إلا الله ) ( 1 ) .
وأخرج أبوداود باسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم عن ابن عباس
ان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد .
* ( 13 - سهو النبي عن ركعتين ) *
أخرج الشيخان فيما جاء في السهو من صحيحيهما عن أبي هريرة قال صلى
النبي أحدى صلاتي العشي واكثر ظني العصر ( 2 ) ركعتين ثم سلم ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها ( 3 ) وفيهم أبوبكر وعمر فهابا ان يكلماه
وخرج سرعان الناس فقالوا : أقصرت الصلاة ؟ ورجل يدعوه النبي
ذو اليدين ( 4 ) فقال : انسيت أم قصرت ؟ فقال : لم انس ولم تقصر ! قال : بلى
* ( هامش ) *
( 1 ) نقله النووي في شرح هذا الحديث ص 6 من الجزء 11 من شرح صحيح
مسلم المطبوع في هامش شرح صحيح البخاري .
( 2 ) ما اروع ابا هريرة ! واحوطه في حديثه ، الا تراه كيف لم يجزم انها
العصر ولم يعول على ظنه ! .
( 3 ) ورع ابي هريرة في حديثه يتمثل للناظرين بذكر هذه الخشبة ووضع
النبي يده عليها إذ لا دخل لهما في موضوع هذا الكلام ولا في حكمه وانما دعاه إلى
ذكرها الاحتياط بنقل الوقائع بجميع حذافيرها ؟ .
( 4 ) كذا في صحيح البخاري ولعل الصواب ذا اليدين . ( * )
ـ 87 ـ
نسيت ! فصل ركعتين ! ثم سلم ثم كبر ! فسجد الحديث ، ( 1 ) . وفيه كيفية
سجود السهو ، وأنت ترى ما فيه من الوجوه الحاكمة بامتناعه .
احدها : ان مثل هذا السهو الفاحش لا يكون ممن فرغ للصلاة شيئا من
قلبه ، أو أقبل عليها بشئ من لبه ، وانما يكون من الساهين عن صلاتهم ،
اللاهين عن مناجاتهم ، وحاشا انبياء الله من احوال الغافلين ، وتقدسوا عن
اقوال الجاهلين ، فان انبياء الله عزوجل ولا سيما سيدهم وخاتمهم أفضل مما
يظنون على أنه لم يبلغنا مثل هذا السهو عن أحد ولا أظن وقوعه الا ممن يمثل
حال القائل :
أصلي فما أدري اذا ما ذكرتها * أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا ؟
وأما سيد النبيين . وتقلبه في الساجدين ، ان مثل هذا السهو لو صدر مني
لاستولى على الحياء واخذني الخجل واستخف المؤمتون بي وبعبادتي ومثل هذا
لا يجوز على انبياء الله ابدا .
الثاني ان الحديث قد اشتمل على ان النبي صلى الله عليه وآله قال لم أنس ولم تقصر
فكيف يمكن أن يكون قد نسى بعد هذا ؟ ولو فرضنا عدم وجوب عصمته عن
مثل هذا السهو . فان عصمته عن المكابرة والتسرع بالاقوال المخالفة للواقع
مما لا بد منه عند جميع المسلمين .
الثالث : ان أبا هريرة قد أضطرب في هذا الحديث ، وتعارضت أقواله
* ( هامش ) *
( 1 ) نقلناه بلفظ البخاري في باب من يكبر في سجدتي السهو ، واخرجه أيضا في
كل من البابين المذكورين قبله بلا فصل فراجع ابواب ما جاء في السهو ص 145 من
الجزء الاول من صحيحه وأخرجه ايضا في مواضع أخر كثيرة يعرفها المتتبعون ،
اما مسلم فقد أخرجه في باب السهو في الصلاة والسجود له بطرق عديدة فراجع ص
215 من الجزء الاول من صحيحه ، واخرجه احمد في آخر ص 234 من الجزء
الثاني من مسنده وفي مواضع اخر كثيرة . ( * )
ـ 88 ـ
فتارة يقول : صلى بنا احدى صلاتي العشى اما الظهر واما العصر - على سبيل
الشك - واخرى يقول : صلى بنا صلاة العصر - على سبيل القطع بأنها
الظهر - وهذه الروايات كلها ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم كليهما ، وقد ارتبك
فيها شارحو الصحيحين ارتباكا دعاهم إلى التعسف والتكلف كما تكلفوا وتعسفوا
في الرد على الزهري إذ جزم بان ذا اليدين وذا الشمالين واحد لا اثنان ، وقد
أوضحنا ذلك في كتابنا ( تحفة المحدثين ) .
الرابع : ان ما اشتمل هذا الحديث عليه من قيام النبي صلى الله عليه وآله عن مصلاه
ووضع يده على الخشبة وخروج سرعان الناس من المسجد وقولهم أقصرت
الصلاة ؟ . وقول ذي اليدين أنسيت أم قصرت ؟ . وقول النبي صلى الله عليه وآله لم أنس
ولم تقصر . فقال له : قد نسيت ، وقول النبي لاصحابه : أحق ما يقول قالوا :
بلى نعم وغير ذلك مما نقله أبوهريرة ( 1 ) لمما يمحو صورة الصلاة بتاتا ، والمعلوم
من الشريعة المقدسة يقينا بطلان الصلاة بكل ماح لصورتها فلا يمكن بعد هذا
بناؤه صلى الله عليه وآله على الركعتين الاوليتين لانه يناقض الحكم المقطوع بثبوته عنه
صلى الله عليه وآله فتأمل .
الخامس : أن ذا اليدين المذكور في الحديث انما هو ذو الشمالين ( 2 ) ابن
عبد عمرو حليف بني زهرة ، وقد استشهد في بدر ، نص على ذلك امام بني
زهرة واعرف الناس بحلفائهم محمد بن مسلم الزهري كما في الاستيعاب والاصابة
وشروح الصحيحين كافة وهذا هو الذي صرح به الثوري في أصح الروايتين
عنه وأبوحنيفة حين تركوا العمل بهذا الحديث ، وافتوا بخلاف مفاده - كما في
* ( هامش ) *
( 1 ) فان من جملة ما نقله في رواية اخرى أنه صلى الله عليه وآله دخل الحجرة ثم خرج
ورجع الناس .
( 2 ) اسمه عمير ، ويقال ، عمرو كذا في الاصابة . ( * )
ـ 89 ـ
اواخر باب السهو والسجود له من شرح النووي لصحيح مسلم ( 1 ) - وحسبك
حديث النسائي - مما يدل على ان ذا اليدين وذا الشمالين واحد - واليك لفظه :
قال ( 2 ) فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو : انقصت الصلاة أم نسيت ؟ فقال
النبي صلى الله عليه وآله : ما يقول ذو اليدين فصرح بان ذا الشمالين هو ذو اليدين ، ومثله
بل اصرح منه ما أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة ( 3 ) عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن وأبي بكر بن سليمان ابن أبي خيثمة كليهما عن أبي هريرة ، قال : صلى
رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر أو العصر فسلم في ركعتين ، فقال له ذو الشمالين بن عبد
عمرو ( قال ) : وكان حليفا لبني زهرة أخففت الصلاة أم نسيت ؟ . فقال النبي
صلى الله عليه وآله ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا صدق ، الحديث .
وأخرج أبوموسى من طريق حعفر المستغفري كما في ترجمة عبد عمرو
ابن نضلة من الاصابة بالاسناد إلى محمد بن كثير عن الاوزاعي عن الزهري عن
كل من سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعبيد الله بن عبدالله عن أبي هريرة قال :
سلم رسول الله صلى الله عليه وآله في الركعتين فقام عبد عمرو ( 4 ) ابن نضلة رجل من
خزاعة حليف لبني زهرة فقال : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ . الحديث ، وفيه
قول النبي صلى الله عليه وآله : اصدق ذو الشمالين ؟ .
فهذه الاحاديث كلها صريحة في أن ذا اليدين المذكور في حديث أبي هريرة
انما هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو حليف بني زهرة ، ولا ريب في ان ذا الشمالين
المذكور قتل يوم بدر قبل ان يسلم أبوهريرة باكثر من خمس سنين ، وان
* ( هامش ) *
( 1 ) في ص 235 من الجزء الرابع من الشرح وهو مطبوع في هامش ارشاد
القسطلاني وتحفة زكريا الانصاري .
( 2 ) كمافي ص 267 من الجزء الثالث من ارشاد القسطلاني .
( 3 ) كما في ص 271 وفي ص 284 من الجزء 2 من المسند .
( 4 ) كذا في الاصابة وقد عرفت انه قد قال : ان اسم ذي الشمالين عبد عمرو . ( * )
ـ 90 ـ
قاتله اسامة الجشعي ، نص على ذلك ابن عبدالبر وسائل أهل الاخبار فكيف
يمكن أن يجتمع مع أبي هريرة في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ياأولي الالباب ؟ .
وقد اعتذر بعضهم بأن الصحابي قد يروي ما لا يحضره بأن يسمعه من
النبي صلى الله عليه وآله أو من صحابي آخر ، وعلى هذا لايكون موت ذي اليدين قبل اسلام
أبي هريرة مانعا من رواية أبي هريرة لهذا الحديث .
لكن هذا الاعتذار غلط محض ، لان دعوى الحضور من ابي هريرة
محفوظة ثابتة برواية الثقات الحفظة الاثبات ، وحسبك في اثباتها ما أخرجه
البخاري فيما جاء في السهو من صحيحه ( 1 ) عن آدم بن شعبة عن سعد بن ابراهيم
عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : صلى بنا النبي صلى الله عليه وآله الظهر أو العصر وساق
حديث ذي اليدين .
وأخرج مسلم في باب السهو في الصلاة والسجود له من صحيحه ( 2 ) عن
محمد بن سيرين قال : سمعت أبا هريرة يقول : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله احدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر وساق الحديث .
وقد ارتبك الامام الطحاوي في هذه الاحاديث لبنائه على صحتها مع جزمه
بما جزم به الامام الزهري من أن ذا اليدين انما هو ذو الشمالين حليف بني
زهرة المستشهد في بدر قبل اسلام أبي هريرة باكثر من خمس سنين ، فلا يمكن
اجتماعهما في الصلاة أبدا ، لذلك اضطر إلى التأويل فحمل - كما في ص 266 من
الجزء الثالث من ارشاد الساري في شرح البخاري للقسطلاني - قول أبي هريرة
* ( هامش ) *
( 1 ) راجع الباب الثالث من أبواب ما جاء في السهو وهو باب اذا سلم في
ركعتين أو في ثلاث فسجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو اطول ص 145 من
جزئه الاول .
( 2 ) ص 215 من جزئه الاول . ( * )
ـ 91 ـ
في هذه الاحاديث : صلى بنا على المجاز وأن المراد صلى بالمسلمين .
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 91 سطر 1 الى ص 100 سطر 25
في هذه الاحاديث : صلى بنا على المجاز وأن المراد صلى بالمسلمين .
والجواب أنه قد ثبت عن أبي هريرة النص الصريح بحضوره على وجه
لا يقبل التأويل ابدا . وحسبك ما أخرجه مسلم في باب السهو في الصلاة
والسجود له من صحيحه ( 1 ) عن أبي هريرة قال : بينا أنا أصلي مع رسول الله
صلى الله عليه وآله صلاة الظهر سلم في الركعتين وساق الحديث ، فهل يتأتى التجوز فيه ؟ .
كلا ! بل منينا بقوم لا يتأملون ؟ فانا لله وإنا اليه راجعون .
* ( 14 - كان النبي يؤذي ويجلد ويسب ويلعن من لا يستحق ! ) *
أخرج الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا : أللهم انما محمد بشر يغضب كما
يغضب البشر واني قد اتخذت عندك عهدا لم تخلفنيه فأيما مؤمن آذيته أو سببته
أو لعنته ، أو جلدته ، فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها اليك . الحديث ( 2 ) .
وفيه ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسائر الانبياء لا يجوز عليهم أن يؤذوا أو
يجلدوا أو يسبوا أو يلعنوا من لا يستحق ، سواء أكان ذلك في حال الرضا
أم في حال الغضب ، بل لا يمكن ان يغضبوا بغير حق ، وتعالى الله عن ارسال
رسل يستفزهم الغضب إلى جلد من لا يستحق أو لعنه أو سبه أو أذيته .
وتنزهت انبياء الله عن كل قول أو فعل ينافي عصمتهم ، وتقدسوا عن كل ما لا
يليق بالحكماء .
* ( هامش ) *
( 1 ) ص 216 من جزئه الاول .
( 2 ) أخرجه مسلم في ص 392 والتي قبلها من الجزء الثاني من صحيحه في باب
من لعنه النبي وليس هو اهلا لذلك من كتب البر والصلة والآداب وطرقة ثمة إلى
أبي هريرة ثمانية ، وأخرجه البخاري ايضا في صفحة 71 من الجزء الرابع من
صحيحه في باب قول النبي من آذيته فاجعل ذلك له قربة اليك من كتاب الدعوات ،
وأخرجه أحمد في 243 من الجزء الثاني من مسنده . ( * )
ـ 92 ـ
وقد علم البر والفاجر والمؤمن والكافر ان ايذاء من لايستحق من
المؤمنين أو جلدهم أو سبهم أو لعنهم على الغضب ظلم قبيح وفسق صريح ، يربأ
عنه عدول المؤمنين ، فكيف يجوز على سيد النبيين ، وخاتم المرسلين ؟ وقد
قال صلى الله عليه وآله ( 1 ) : سباب المسلم فسوق ، وعن أبي هريرة ( 2 ) قال قيل يارسول الله
ادع على المشركين ، قال : إني لم أبعث امانا وانما بعثت رحمة ، هذه حاله مع
المشركين فكيف به مع من لا يستحق من المؤمنين ؟ . وقد قال صلى الله عليه وآله ( 3 ) :
لايكون اللعانون شفعاء ولاشهداء يوم القيامة ، وعن عبدالله بن عمرو ( 4 )
لم يكن رسول الله فاحشا ولا متفحشا ، وكان يقول : ان خياركم أحاسنكم اخلاقا
وعن أنس ( 5 ) قال : لم يكن رسول الله فاحشا ولا لعانا ولا سبابا ، وقال
أبوذر ( 6 ) لاخيه حين بلغه مبعث النبي صلى الله عليه وآله إركب إلى هذا الوادي فاسمع من
قوله ، فرجع فقال : رأيته يأمر بمكارم الاخلاق ، وعن عبدالله بن عمر وقال
كنت أكتب كل شئ اسمعه من رسول الله اريد حفظه فنهتني قريش وقالوا :
اتكتب كل شئ تسمعه ورسول الله يتكلم في الرضا والغضب فامسكت عن
الكتاب ، وذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فأومأ باصابعه إلى فيه وقال اكتب
* ( هامش ) *
( 1 ) من حديث أخرجه البخاري ص 39 من الجزء الرابع من صحيحه في باب
ماينهى عنه من السباب واللعن من كتاب الآداب .
( 2 ) فيما أخرجه مسلم في ص 393 من الجزء الثاني من صحيحه في باب النهي
عن لعن الدواب وغيرها .
( 3 ) فيما أخرجه مسلم في الصفحة المذكورة اعني ص 393 من جزء 2 .
( 4 ) فيما اخرجه البخاري في ص 38 من الجزء الرابع من صحيحه في باب ما
حسن الخلق .
( 5 ) فيما اخرجه البخاري في ص 39 من الجزء الرابع من صحيحه في باب ما
ينهى عنه من السباب واللعن .
( 6 ) كما في ص 38 من الجزء الرابع من صحيح البخاري . ( * )
ـ 93 ـ
فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق اه . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده قال : قلت يارسول الله أكتب كل ما أسمع منك ؟ قال : نعم ، قلت
في الرضا والغضب ؟ قال : نعم فاني لا أقول في ذلك كله إلا حقا اه ( 1 ) .
وسئلت عائشة عن خلق النبي صلى الله عليه وآله فقالت : هل قرأت القرآن قال : نعم
قالت : خلقه القرآن قلت : يا لها كلمة تدل على بلاغتها ومعرفتها بكنه اخلاقه
صلى الله عليه وآله ولا غرو فقد رأته صلى الله عليه وآله والقرآن نصب عينه يهتدي بهديه ، ويستضئ
بنور علمه ، متعبدا بأوامره وزواجره ، متأدبا بآدابه ، مطبوعا على حكمته ،
يتبع أثره ، ويقتفي سوره ، فاقرأ خلقه - ان شئت - في قوله تعالى ( 2 ) ( والذين
يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا واثما مبينا *
والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش واذا ما غضبوا هم يغفرون ( 3 )
والكاظمين الغيظ العافين عن الناس والله يحب المحسنين ( 4 ) واذا خاطبهم
الجاهلون قالوا سلاما ( 5 ) خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين ( 6 )
ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ( 7 ) وقولوا
للناس حسنا ( 8 ) واجتنبوا قول الزور ( 9 ) ولا تعتدوا ان الله لا يحب * ( هامش ) *
( 1 ) أخرج هذين الحديثين كليهما ابن عبدالبر في كتابه جامع بيان العلم وفضله
فراجع من مختصره باب الرخصة في كتاب العلم ص 36 .
( 2 ) هي الآية 58 من سورة الاحزاب .
( 3 ) هي الآية 38 من سورة الشورى .
( 4 ) هي الآية 135 من آل عمران .
( 5 ) هي الآية 64 من سورة الفرقان .
( 6 ) هي الآية 199 من الاعراف .
( 7 ) هي الآية 34 من فصلت .
( 8 ) هي الآية 83 من البقرة .
( 9 ) هي الآية 30 من الحج . ( * )
ـ 94 ـ
المعتدين ( 1 ) ومالنا ان لانتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما
آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ( 2 ) ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب
من قبلكم ومن الذين اشركوا اذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم
الامور ( 3 ) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ( 4 ) فيما رحمة من الله
لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر
لهم وشاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل على الله ( 5 ) ) .
هذا خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وهذه حاله مع المؤمنين وغيرهم وهو القائل ( 6 )
الرجل من ملك نفسه عند الغضب ، وقال صلى الله عليه وآله ( 7 ) من يحرم الرفق يحرم الخير
وقال صلى الله عليه وآله ( 8 ) الرفق لايكون في شئ إلا زانه ، ولا ينزع من شئ إلا شانه
وقال صلى الله عليه وآله ( 9 ) : ان الله رفيق يحب الرفق ويعطى على الرفق ما لا يعطى على
العنف وما لا يعطى على ماسواه ، وقال صلى الله عليه وآله ( 10 ) : المسلم من سلم الناس من
يده ولسانه ، وحسبك قوله تعالى وهو أصدق القائلين : ( وإنك لعلى خلق عظيم )
فكيف يجوز عليه - بعد هذا - ان يلعن أو يسب أو يجلد أو يؤذي على
* ( هامش ) *
( 1 ) هي الآية 37 من المائدة .
( 2 ) هي الآية 12 من ابراهيم .
( 3 ) هي الآية 186 من آل عمران .
( 4 ) هي الآية 215 من الشعراء .
( 5 ) هي الآية 159 من آل عمران .
( 6 ) فيما أخرجه مسلم في ص 396 من الجزء الثاني من صحيحه .
( 7 ) فيما أخرجه مسلم في ص 390 من الجزء الثاني من صحيحه .
( 8 ) فيما أخرجه مسلم في الصفحة المذكورة .
( 9 ) فيما أخرجه مسلم في الصفحة الآنفة الذكر اعني ص 390 من الجزء الثاني
من صحيحه .
( 10 ) فيما أخرجه البخاري في الصفحة السادسة من الجزء الاول من صحيحه . ( * )
ـ 95 ـ
مجرد الغضب نعوذ بالله وبه نستجير ؟ ! ما قدروا الله حق قدره فصبر جميل والله
المستعان على ما تصفون .
انما وضع هذا الحديث على عهد معاوية تزلفا اليه ، وتقربا إلى آل أبي
العاص ، وسائر بني أمية وتداركا لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله : من لعن جماعة من
منافقيهم وفراعنتهم إذ كانوا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا فسجل عليهم
رسول الله صلى الله عليه وآله بلعنه إياهم في كثير من مواقفه المشهودة خزيا مؤبدا ، ليعلم
الناس أنهم ليسوا من الله ورسوله في شئ ، فيأمن على الدين من نفاقهم ، وعلى
الامة من عبثهم ، وما كان ذلك منه إلا نصحا لله ولكتابه ولرسوله ولائمة
المسلمين من بعده ولعامتهم .
وقد كان صلى الله عليه وآله رأى في منامه كأن بني الحكم ابن أبي العاص ينزون على
منبره كما تنزو القردة فيردون الناس على اعقابهم القهقرى ، فما رؤى بعدها
مستجمعا ضاحكا حتى توفى ( 1 ) وقد انزل الله تعالى في ذلك عليه قرآنا يتلوه
المسلمون آناء الليل وأطراف النهار ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة
للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا وكفرا ( 2 )
والشجرة الملعونة في القرآن هي الاسرة الاموية اخبره الله تعالى بتغلبهم على مقامه
وقتلهم ذريته ، وعبثهم في أمته فلم ير بعدها ضاحكا حتى لحق بالرفيق الاعلى ،
وهذا من اعلام النبوة وآيات الاسلام والصحاح فيه متواترة ولا سيما من طريق
العترة الطاهرة .
أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر هؤلاء المتغلبين ليهلك من هلك عن بينة ويحيى
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه الحاكم في ص 480 من الجزء الرابع من مستدركه في كتاب الفتن
والملاحم وصححه على شرط الشيخين واعترف الذهبي بصحته في تلخيص المستدرك
على تعنته .
( 2 ) هي الآية 6 من الاسراء . ( * )
ـ 96 ـ
من حي عن بينة وما على الرسول إلا البلاغ المبين .
وحسبك من اعلانه أن الحكم بن أبي العاص استأذن عليه مرة فعرف
صلى الله عليه وآله صوته وكلامه فقال ( 1 ) : إئذنوا له عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه
إلا المؤمنون منهم ( 2 ) وقليل ما هم يشرفون في الدنيا ويضعون في الآخرة ذوو
مكر وخديعة يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق .
وقال صلى الله عليه وآله ( 3 ) : إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا
وعباد الله خولا ، ودين الله دغلا .
وقال صلى الله عليه وآله مرة اخرى ( 4 ) : إذا بلغ بنو أمية أربعين اتخذوا عباد الله
خولا ، ومال الله نخلا ، وكتاب الله دغلا .
وكان لا يولد لاحد مولود إلا أتى به النبي صلى الله عليه وآله فدعا له فدخل عليه
مروان بن الحكم ، فقال صلى الله عليه وآله ( 5 ) هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون .
* ( هامش ) *
( 1 ) فيما أخرجه الحاكم وصححه في صفحة 481 من الجزء الرابع من مستدركه
في كتاب الفتن والملاحم .
( 2 ) هذا المؤمن المسكين لم يبق له في عرف أبي هريرة حظ من القريب لله ولا
نصيب من الرحمة حيث استثناه النبي " ص " من هذه اللعنة فاولياء أبي هريرة يؤثرون
عدم استثنائه كما يتمنون ان يلعنهم رسول الله ويلعن آباءهم ليكون ذلك كفارة
لهم وقربة .
( 3 ) أخرجه الحاكم بالاسناد إلى كل من أبي ذر وأمير المؤمنين علي وابي سعيد
الخدري وصححه في ص 480 من الجزء الرابع من المستدرك وصححه الذهبي في تلخيصه ايضا .
( 4 ) أخرجه الحاكم في ص 479 من الجزء الرابع من صحيحه المستدرك باسناده
إلى أبي ذر من طريقين .
( 5 ) فيما أخرجه الحاكم وصححه في صفحة 479 من الجزء الرابع من مستدركه ( * )
ـ 97 ـ
وعن عائشة من حديث ( 1 ) قالت فيه : ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن
أبا مروان ومروان في صلبه - قالت - : فمروان قصص من لعنة الله .
وعن الشعبي عن عبدالله بن الزبير قال ( 2 ) : أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن
الحكم وولده .
والصحاح في هذا ونحوه متواترة ، وحسبك منها ما أخرجه الحاكم في
كتاب الفتن والملاحم من صحيحه المستدرك ، إذ أخرج منها ما فيه بلاغ لاوبي
الالباب ، وختم الباب بقوله ( 3 ) : ليعلم طالب العلم أن هذا باب لم اذكر فيه
ثلث ما روى وان أول الفتن في هذه الامة فتنتهم - قال - : ولم يسعى فيما بيني
وبين الله ان اخلى الكتاب من ذكرهم اه .
( قلت ) : وهذا القدر كاف لاثبات ما قلناه من أنهم انما اختلقوا هذا
الحديث وامثاله تداركا لتلك اللعنات ، ومما يوجب الاسف أن العامة آثرت
اولئك اللعناء المنافقين على نبيها صلى الله عليه وآله من حيث لا تشعر إذ صححوا هذه
الخرافة صوتا للملعونين ، ولم يأبهوا بما يلزم ذلك من اللوازم التي لا تليق
برسول الله صلى الله عليه وآله .
وما كان للامة أن تحتفظ بكرامة من لعنهم نبيها لنفاقهم ، ونفاهم
افسادهم فتضيع على انفسها المصلحة التي توخاها صلى الله عليه وآله لها في لعنهم واقصائهم ،
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه الحاكم وصحخه على شرط الشيخين في ص 481 من الجزء الرابع
من مستدركه .
( 2 ) أخرجه الحاكم وصححه في آخر صفحة 481 من الجزء الرابع من المستدرك
( 3 ) في أول صفحة 480 من الجزء الرابع من مستدركه ولا يخفى ما في كلامه
من الدلالة على تخوفه من العامة وجمهور المسلمين أن ينكروا عليه إخراج هذه
الصحاح فاعتذر اليهم بأنه لم يسعه أن يخلى كتابه منها وجعل الله شهيدا فيما بينه
وبينهم على ذلك وهنا عرفت معنى قول القائل : ما المسلمون بامة محمد * كلا ولكن امة لعدوه ( * )
ـ 98 ـ
وهم الذين دحرجوا الدباب ليلة العقبة لينفروا برسول الله فيطرحوه ، وكان
إذ ذاك قافلا من غزوة تبوك في حديث ثابت مستفيض ( 1 ) وهو طويل ، وقد
جاء في آخر فلعنهم رسول الله صلى الله عليه وآله نومئذ .
والعجب من المسلم ينتصر لهم وقد جرعوا النبي صلى الله عليه وآله كل غصة وقعدوا
له في كل مرصد ، ووثبوا عليه وعلى أهل بيته من بعده كل وثبة ( 2 ) وما لعنهم
* ( هامش ) *
( 1 ) وقد أخرجه الامام أحمد من حديث أبي الطفيل عامر بن وائلة في أواخر
الجزء الخامس من مسنده .
( 2 ) ذكر الزبير بن بكار قضية كانت في الشام بين إمام الامة وسيد شباب أهل
الجنة أبي محمد الحسن السبط وخصومه وهم معاوية وأخوه عتبة وابن العاص وابن
عقبة وابن شعبة ، وقد احتدم فيها الجدال فكان من جملة ما قاله الحسن يومئذ :
وانتم تعلمون ان رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردها
واسترسل في ذكرها موطنا موطنا ثم تكلم مع ابن العاص ، فكان مما قاله يومئذ له :
أنك لتعلم وكل هؤلاء يعلمون أنك هجوت رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين بيتا من الشعر
فقال صلى الله عليه وآله : أللهم إني لا أقول الشعر ولا ينبغي لي أللهم العنه بكل حرف الف لعنة
فعليك إذن من الله مالا يحصى من اللعن ، والقضية طويلة فراجعها في ص 101 إلى
ص 104 من المجلد الثاني من شرح النهج الحميدي . واوردها الطبرسي في احتجاجه
ص 104 من المجلد الثاني من شرح النهج الحميدي . واوردها الطبرسي في احتجاجه
المجلسي في بحاره ، وغير واحد من الخاصة والعامة ، واخرج مسلم في آخر باب من
لعنة النبي وليس أهلا لذلك ص 393 من الجزء الثاني من صحيحه - بالاسناد إلى
ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله أمره أن يدعو له معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل ، ثم
قال لي : إذهب فادع لي معاوية ، قال فجئت فقلت هو يأكل ، فقال صلى الله عليه وآله لا اشبع
الله بطنه ( قلت ) : وجاء في بعض طرقنا إلى ابن عباس في هذا الحديث ان رسول الله
صلى الله عليه وآله لعن معاوية يومئذ . ويدلك على لعنه يومئذ ان مسلما اورد هذا
الحديث في باب من لعنه النبي في صحيحه كما سمعت لكنهم يحرفون الكلم عن مواضعه
احتفاظا منهم بكرامة هؤلاء المنافقين . ( * )
ـ 99 ـ
إلا ليطردهم الله من رحمته ، ويجتنبهم المؤمنون من أمته جزاء وفاقا ، لا ليقربهم
إلى الله زلفى كما يخرفون .
* ( 15 - عروض الشيطان لرسول الله وهو في الصلاة ) *
أخرج الشيخان بالاسناد إلى أبي هريرة قال : صلى رسول الله صلاة
فقال صلى الله عليه وآله : ان الشيطان عرض لي فشد علي يقطع الصلاة على فامكنني الله
منه فذعته - أي فخنقته - ولقد هممت ان اوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا
اليه فذكرت قول سليمان عليه السلام : ربي هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي
الحديث . ( 1 ) .
وفيه ان انبياء الله وخيرته من خلقه صلوات الله وسلامه عليهم يجب
أن يكونوا في نجوة ( 2 ) من هذا وفي منتزح عنه ( 3 ) فانه ينافي عصمتهم ،
ويضع من قدرهم ، ومعاذ الله يشدد الشيطان عليهم ، أو يعرض لهم ، أو تسول
له نفسه الطمع فيهم ، وقد قال الله عزوجل له " ان عبادي ليس لك عليهم
سلطان إلا من اتبعك من الغاوين " .
وعلم المسلمون على اختلافهم في المذاهب والمشارب أن الشيطان قد
عقر ( 4 ) بمولد رسول الله " ص " ودهش بمبعثه ، وبرق بهجرته وخرق ( 5 )
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه البخاري في ص 143 من الجزء الاول من صحيحه في باب
ما يجوز من العمل في الصلاة ، واخرجه مسلم في ص 204 من الجزء الاول من
صحيحه في باب جواز لعن الشيطان في الصلاة ، وأخرجه احمد في ص 298 من
حديث ابي هريرة في الجزء الثاني من مسنده .
( 2 ) النجوة في الاصل ما ارتفع من الارض جمعه نجاه ، تقول : انك من الامر
بنجوة إذا كنت بعيدا منه بريئا سالما .
( 3 ) مأخوذ من انتزح بمعنى ابتعد .
( 4 ) بفتح العين وكسر القاف أي فاجأه الروع فدهش فلم يقدر ان يتقدم أو يتأخر .
( 5 ) اي بهت شاخصا ببصره . ( * )
ـ100ـ
بظهوره ، ونصرته ، وانماث كالملح في الماء يهديه وقوانينه ونظمه . وطار شعاعا
من صلاته ، وذهب لماءا بما اودعه الله فيها من الحكم والاسرار فاذا هي تنهى
عن الفحشاء والمنكر .
وكان " ص " إذا قام إلى الصلاة تخلى بنفسه المطمئنة . وتجرد بروحه
الروحية عن كل شئ سوى الله وحده يتمحض اقبالا على الله ، وعبودية خالصة
لوحدانية عز سلطانه ، فاذا أحرم لها بالتكبير تعوذ بالله قبل الشروع في القراءة
عملا بقوله تعالى " فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " .
ومن البديهي أنه اذا استعاذ بالله يعوذه ، والشيطان لا يجهل هذه الحقيقة
وإن جهلها المخرفون .
وقد روى أبوهريرة ( 1 ) ان الشيطان إذا سمع الاذان للصلاة من أي
مسلم كان أدبر هاربا وولى فرقا ، وله ضراط هلع وجزع ، فكيف يجرأ على
رسول الله " ص " فيتسور على مقامه الرفيع ، وهو في ذلك الحرم المنبع ، بين
يدي الله ، عائذا بعزته ، لائذا بعصمته ، منقطعا اليه عن كل شئ ، هيهات هيهات
" أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون انما سلطانه على الذين
يتولونه وهم به مشركون " .
فان قلت : ما تقولون في الآية 37 من حم السجدة وهي قوله عز من قائل
" وأما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله أنه هو السميع العليم " .
قلنا : ان الله جلت آلاؤه أدب حبيبه محمدا بآداب اختصه بها ففضله على
العالمين حتى لم يبق نبي مرسل ، ولا ملك مقرب ، ولا شيطان مريد ، ولا خلق
فيما بين ذلك شهيد ، الا بخع لآدابه ، وخشع لاخلاقه ، فما من أمر في الذكر
* ( هامش ) *
( 1 ) فيما أخرجه البخاري في أول كتاب الاذان ص 78 من الجزء الاول من
صحيحه ، واخرجه مسلم في باب فضل الاذان وهرب الشيطان منه ص 153 من
الجزء الاول من صحيحه . ( * )
ـ101ـ
الحكيم الا ائتمر به ، وما ن زجر في القرآن العظيم الا انزجر به ، وما من
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 101 سطر 1 الى ص 110 سطر 25
الحكيم الا ائتمر به ، وما ن زجر في القرآن العظيم الا انزجر به ، وما من
حكمة الا اخذ بها ، كان القرآن نصب عينيه ، يقتفي أثره ، ويتبع سوره ،
وهذه الآية مما جاء في سياق آدابه واخلاقه ، فانظر إلى ما قبلها من الآيات البينات
تجد الحكمة ، وفصل الخطاب ، فان ما قبلها بلا فصل ( ادفع بالتي هي احسن
فذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها الا الذين صبروا وما
يلقاها الا ذو حظ عظيم ) .
هذه هي الغاية في الاخلاق طبع الله عليها عبده ، وخاتم رسله ، فكان
صلى الله عليه وآله يمثلها في هديه منذ قال في مبدأ أمره ( ودم جبهته يسيل على وجهه ولحيته )
أللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون إلى ان نادى مناديه يوم الفتح وكان في منتهى
عمره من خل دار أبي سفيان فهو آمن .
أرهف الله عزائمه ، وشحذ هممه للاخذ بهذه التعاليم وحمله على هذه
الاخلاق بكل أسلوب يأخذ اليها بالاعناق ، ألا تراه جل وعلا كيف لم يكتف
ببعثه عليها حتى شوقه اليها ، وبلغ الغاية في تحظيضه عليها ، فقال وهو أصدق
القائلين : ( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) ثم لم
يقف على هذا الحد في أرهاف عزيمته حتى حذره مما طبع البشر عليه من فورة
تكون في النفس ، ونزغة - أي نخسة - تكون في القلب عند هجوم الاذى ،
اممض من العدو الملح ، وسمي تلك النخسة البشرية نزغا من الشيطان على سبيل
المجاز تنفيرا منها وتنزيها عنها فقال ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ
بالله ) أي وإما ينخسنك من الغضب الذي طبع عليه البشر نخس يشبه نزغ
اشيطان في تضييق الصدر وتوهين عرى الصبر ( فاستعذ بالله ) ونظير هذه
الآية قوله عز من قائل - في سورة الاعراف - ( خذ العفو وأمر بالعرف
واعرض عن الجاهلين * واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله أنه سميع
عليم ) فان الله عزوجل اراد صيانة حبيبه عن مقابلة الجاهلين الذين قامت عليهم
ـ102ـ
الحجة فجحدوها وتمادوا بالكفر عنادا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله فأمره بالاعراض
عنهم ، ولمزيد عنايته في تهذيبه وتفضيله على البشر حذره بما طبع البشر عليه من
التأثر القلبي ، والتزفر النفسي عند هجوم الجاهلين بسفههم وبذاتهم ، وسمي ذلك
التأثر الطبيعي نزغا من الشيطان على سبيل التجوز تنزيها لنبيه عنه ، وتنفيرا له
منه إذ كان صلى الله عليه وآله لا ينفر من شئ نفوره من الشيطان ، ومما يشبه عمله فقال
عز من قائل : ( واما ينزغنك من الشيطان نزغ ) يوهن صبرك عن احتمال سفه
الجاهلين ويدعوك إلى إظهار الغضب منهم ( فاستعذ بالله ) .
فاين هذا المعنى عما جاء في حديث أبي هريرة من شد الشيطان على
رسول الله صلى الله عليه وآله ليقطع عليه صلاته ؟ الامر الذي لا يجوز بحكم العقل والنقل .
( فان قلت ) : ما تقول في الآية 52 من سورة الحج ( وما ارسلنا من
قبلك من رسول ولا نبي إلا اذا تمنى القي الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى
الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في
قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وان الظالمين لفي شقاق بعيد ، وليعلم الذين أوتوا
العلم أنه الحق من ربك ) الآية .
( قلنا ) : ان من المعلوم بحكم الضرورة من دين الاسلام ان رسول الله
صلى الله عليه وآله وسائر الرسل والانبياء عليهم السلام لايجوز عليهم أن يتمنوا مالا يرضى الله به
وحاشاهم ان يتمنوا من الامور كلها إلا ما كان لله فيه رضا ولعباده صلاح .
وقد كان صلى الله عليه وآله يتمنى لاهل الارض كافة ولكل واحد منهم أن يؤمنوا
إذ جاءهم الهدى ولا سيما الاقرب اليه منهم فالاقرب والشيطان كان يلقى في هذه
الامنية ( 1 ) بغروره وحيله ما يشوهها في نظر من كان كأبي لهب وأبي جهل ممن
استحوذ عليهم بفتنته فصدهم عما تمناه الرسول لهم من خير الدنيا والآخرة
حتى أغراهم بقتاله واستئصاله .
* ( هامش ) *
( 1 ) الامنية ما يتمنى والجمع امان واماني . ( * )
ـ103ـ
وكان " ص " يتمنى لمن دخل في الاسلام كافة ولكل واحد منهم أن
يخلصوا لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولسائر عباده اخلاصا تستوي فيه ظواهرهم
وبواطنهم وعلانياتهم وسرائرهم لكن الشيطان كان يلقى في هذه الامينة
المبرورة من تسويله وتضليله ما يقتضى تشويش كثير من الناس ويوجب نفاقهم
وكان " ص " يتمنى لكل فرد من أمته ان ينهج منهاجه القويم ، وصراطه
المستقيم ، لا يحيد قيد شعرة فما دونها عن سنته المقدسة وكانت قصارى أمانيه
أن تتفق الامة على هديه وتكون باجمعها نصب أمره ونهيه فلا يختلف منها
اثنان لكن الشيطان القى في هذه الامنية المشكورة من وسوسته في صدور
كثير من الناس ما خدعهم عن السنن فتفرقت بهم السبل وكانوا طرائق قددا ،
وهكذا كان الغرور الرجيم يرصد ما يتمناه الرسول من خير عام أو خاص فيلقى
فيه من التشويه في نظر المغترين بزخارفه ما يصرفهم عنه .
و المنخدعون بأباطيل الشيطان وأضاليله كثيرون ، قد اعدلهم خيله
ورجله ، ونصب لهم حبائله وأشراكه ، ووقف لهم على ساق يريهم الحق
بغروره باطلا ، والباطل بزخارفه حقا ، لا يألوا جهدا في تشويه مايتمناه
الرسول لهم ، ولا يدخر وسعا في صدهم عنه بكل حيلة .
وهذا ما أقض مضجع رسول الله صلى الله عليه وآله اشفاقا على الناس منهذا
الوسواس الخناس ، وفرقا من أضاليله وأباطيله أن تظهر على الحق المبين
فكان صلى الله عليه وآله بسبب ذلك مستوجبا للتعزة من الله عزوجل فعزاه وخفض
عليه بهذه الآية ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ( 1 ) إلا إذا تمنى )
مثل ما تمنيت من الخير خاضا أو عاما ( القى الشيطان في أمنيته ) ما ألقاه في
* ( هامش ) *
( 1 ) من ، الاولى لابتداء الغاية ، ومن ، الثانية زائدة لتأكيد النفي وهذه
الآية دالة بظاهرها على التغاير بين الرسول والنبي ، والتحقيق في هذا موكول
إلى مظانه . ( * )
ـ104ـ
أمنيتك من التشويه بالتمويه على كثير من الناس فصدهم عنها بغروره وفتنته
فان الرسل والانبياء كانوا باجمعهم يتمنون لاهل الارض عامة أن يكونوا على
هدى من ربهم ، وكانوا بأسرهم يتمنون لمن آمنوا بهم أن يخلصوا لله اخلاصا
حقيقيا لا تشوبه شائبة ، وكانت قصارى امانيهم أن تتفق اممهم على هديهم
فلا يختلف في ذلك منهم اثنان ، لكن الشيطان كان يلقى في هذه الاماني الشريفة
من وسوسته ما يخدعهم عنها فلم تتحقق أمانيهم إلا قليلا حتى افترقت امة موسى
احدى وسبعين فرقة ، وافترقت امة عيسى اثنين وسبعين فرقة ، وهكذا امم
الانبياء كافة لم تتحقق فيهم أماني رسلهم بسبب مايلقيه الشيطان فيها من التشويه
بالتمويه ، فلا يكبرن عليك ( يامحمد ) مامنيت به في أمانيك المقدسة حيث لم
تتحقق في كثير من الاوقات بسبب مايلقيه الشيطان فيها من التشويه الموجب
لصرف كثير من الناس عنها ولك أسوة حسنة في هذا بجميع من كان قبلك
من الرسل والانبياء فانك وإياهم في هذا الامر شرع سواء ، سنة من قد أرسلنا
من قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا .
وحيث كان صلى الله عليه وآله مشفقا من أباطيل الشيطان أن تظهر على الحق أمنه
عزوجل منهذه الناحية إذ قال : ( فينسخ الله ) أي فيزيل الله ( مايلقي الشيطان )
في أمانيك وأماني الرسل والانبياء من تشويهها بتمويهه الذي لا يثبت أمام الحق
الساطع والبرهان القاطع ابدا ثم بشره بظهور الحق الذي جاء به عن ربه . وجاءت
به الرسل والانبياء من قبله وبقائه محكما فقال وقوله الحق ووعده الصدق
( ثم يحكم الله آياته ) أي يتقنها كما قال في مقام آخر ( ويحق الحق بكلماته ولو
كره المجرمون ) .
وألوا الالباب يعلمون ان ليس المراد من النسخ والاحكام هنا معناها
المصطلح عليه في عرف المفسرين ، وإنما المراد من النسخ والاحكام في هذه
الآية معناها اللغوي ، فالنسخ بمعنى الازالة والاحكام بمعنى الاتقان
ـ105ـ
وهذه الآية في نسخها وإحكامها ليست إلا كقوله تعالى : ( فأما الزبد فيذهب
جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض كذلك يضرب الله الامثال ) .
ثم لمزيد عنايت عز وعلا بنبيه الفته إلى ما يوجب له مزيد الطمأنينة بفوز
الانبياء وخزى الشيطان فقال ( والله عليم حكيم ) وسع كل شئ علما وحكمة
يعلم اخلاص الرسل والانبياء في أمانيهم فيمدهم بروح القدس من عنده ويبوئهم
مبوأ صدق من كرامته ويعلم عداوة الشيطان لله ولرسوله ولعباده بما يلقيه من
التشويه في أماني الرسل والانبياء فيخزيه بخبث سريرته ولؤم علانيته على
ما تقتضيه الحكمة من كرامة من يستحق الكرامة وخزي من يستحق الخزي فان
الحكمة وضع الامور مواضعها .
وشاءت حكمته تعالى ان يميز الخبيث من الطيب من عباده فابتلاهم
بالغرور الرجيم يلقى التشويه في أماني الرسل والانبياء ( ليجعل ما يلقى الشيطان
فتنة ) اي اختبارا وتمحيصا ( الذين في قلوبهم مرض ) من النفاق ( والقاسية
قلوبهم ) لا تلين لذكر الله وما نزل من الحق إذ ران عليها ما سول الشيطان لهم
من الكفر فحجبها عن نور الايمان والهدى ( وان الظالمين ) من المنافقين والكفار
( لفي شقاق بعيد ) أي في عداوة لله ولرسوله لا أجل لها قد اعمت عن الحق ابصارهم
واصمت اسماعهم ورانت على قلوبهم ، ونعقوا بسببها مع كل ناعق من الشيطان
( وليعلم الذين اوتوا العلم ) بوحدانية الله وحكمته وبعثة الرسل والانبياء ( انه
الحق من ربك ليؤمنوا به ) غير آبهين بالشيطان ولا بشئ من تهويله وتضليله .
وبالجملة : فان الله سبحانه شاءت حكمته ان يميز الخبيث من الطيب فامتحن
الناس بما قلناه فازداد الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم مرضا وقسوة
وازداد المؤمنين ايمانا ويقينا ، فقوله عزوجل : ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة
إلى ان قال : وليعلم الذين اوتوا العلم ، جاري مجرى قوله تعالى : أحسب الناس
أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله
ـ106ـ
الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين * ( 1 ) وقوله تعالى : ما كان الله ليذر المؤمنين على
ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ( 2 ) وقوله عز اسمه وليمحص الذين آمنوا
ويمحق الكافرين ( 3 ) .
ولا غرو فان الله عزوجل ان يمتحن عباده من صنوف المحن وانواع
الفتن له الحجة في الثواب والعقاب كما هو مبرهن عليه في محله من كتب الاصحاب
فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ( 4 ) ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من
حي عن بينة ( 5 ) .
ولنرجع إلى اصل الآية : وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا اذا
تمنى القى الشيطان في أمنيته ، فانه لا يراد بها ان الشيطان يلقى في نفس الرسول
اوالنبي شيئا ( والعياذ بالله ) ليشكل الامر فنحتاج إلى تخريج الآية على خلاف
ظاهرها وإنما المراد مانصت الآية عليه من أن الشيطان يلقى في الامنية نفسها
اي يلقى فيما يتمناه الرسول او النبي - من الخير والسعادة شيئا من التشويه في
نظر رعاع الشيطان والناعقين معه ليصدهم بسبب ذلك عما تمناه الرسول لهم
ويحول بين الامنية وتحققها في الخارج فتكون الآية الحكيمة على حد قول القائل :
ما كل ما يتمنى المرء يدركه .
هذا هو المراد من الآية قطعا وهو المتبادر منها إلى الاذهان وان لم يذكره
- فيما اعلمه - احد من المفسرين أو غيرهم ، والعجب من غفلتهم عنه على
وضوحه وكونه هو اللائق بالذكر الحكيم والنبي العظيم ، وسائر الرسل والانبياء
* ( هامش ) *
( 1 ) في اول سورة العنكبوت .
( 2 ) الآية 179 من سورة آل عمران .
( 3 ) الآية 141 من سورة آل عمران .
( 4 ) الآية 149 من سورة الانعام .
( 5 ) الآية 42 من سورة الانفال . ( * )
ـ107ـ
عليهم السلام فلا يجوز حمل الآية على ما سواه أبدا ( 1 ) .
أما حديث الغرانقة فانه من مختلقات الزنادقة كما أوضحناه على سبيل
التفصيل في رسالة أفردناها لهذا الحديث ولكل ما كان حوله متنا وسندا
اسميناها خرافة الزنادقة أو سخافة الغرانقة ( 2 ) والله المسؤول ان يوفقنا لنشرها
فانها في بابها مما لا نظير له ، والحمد لله على هدايته وعظيم عنايته .
ولنرجع إلى ما كنا فيه من حديث أبي هريرة إذ قال : صلى رسول الله
صلاة فقال : ان الشيطان عرض لي فشد علي يقطع الصلاة علي فأمكنني الله منه
فذعته وقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا اليه فذكرت قول
سليمان : رب هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي الحديث .
فليسمح لي الشيخان وغيرهما ممن يعتبرون حديث أبي هريرة لاسألهم
هل الشيطان جسم يشد وثاقه ويربط بالسارية حتى يصبح وتراه الناس باعينها
أسيرا مكبلا ؟ ما أظن ان احدا يقول بأن الشيطان ذو جسم كثيف يقع
عليه ذلك .
ولعل الذي جرأ أبا هريرة على هذا الحديث قصور مداركه عن معاني
الذكر الحكيم والفرقان العظيم ، فظن ان بعض آياته تثبت وقوع مثل ذلك إذ قال
الله عزوجل فيما اقص من خبر سليمان : فسخروا له الريح تجري بأمره رخاء
حيث أصاب والشيطان كل بناء وغواص ، وآخرين مقرنين بالاصفاد .
* ( هامش ) *
( 1 ) نشرنا هذا التفسير في المجلد الحادي والثلاثين من مجلة العرفان ص 113
وما بعدها .
( 2 ) كنا اولا تصدينا في هذا المقام لحديث الغرانيق فلم نبق مما يتعلق به شيئا
إلا فصلناه تفصيلا حتى افضت بنا التفاصيل إلى الخروج عن موضوع الكتاب لذلك
آثرت ان اسلخ منه ما يتعلق بسخافة الغرانقة فأخرجته كتابا غزير المادة جم الفوائد
داني القطوف . ( * )
ـ108ـ
فظن الرجل انهم كانوا كسائر المقربين بالاصفاد من البشر ولم يدر أنهم
كانوا مقرنين في عالمهم الشيطان باصفاد تتفق مع طبائعهم الشيطانية تمنعهم عما
يحاولونه من العبث والفساد من حيث لا يراهم من الآدميين أحد أبدا .
ذكر أبوهريرة في هذا الحديث : ان النبي صلى الله عليه وآله إنما أطلق سراح الشيطان
كراهة أن يكون له ملك سليمان ، ولولا ذلك لاوثقه إلى سارية حتى تصبحوا
فينظروا اليه .
وقد أشتبه أبوهريرة قان الله عز سلطانه وهب لسليمان ملكا سخر له
به الريح غدوها شهر ورواحها شهر ، وأسال له عين القطر ومن الجن من يعمل
بين يديه باذن ربه ومن يزغ منهم عن أمره يذقه من عذاب السعير يعملون له
مايشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات فوهب له بهذا
ملكا لم يهبه لرسول الله في ظاهر الحال فلو أوثق صلى الله عليه وآله شيطان أبي هريرة
لا يكون بمجرد ذلك مساويا في الملك لسليمان إذ تبقى الميزة لملك سليمان بتسخير
الريح وإسالة عين القطر وعمل الجن والشياطين من كل بناء وغواص ، فالتعليل
الذي ذكره أبوهريرة عليل وحديثه منن الابابطيل وحاشا رسول الله ان يحير
الحواس ، ويدهش مشاعر الناس وهو صلى الله عليه وآله الذي نص على اختصاص العقل
بالخطاب وحاكم اليه الخطأ والصواب فجعل صحة الدليل آية الحق وأمرنا أن
لا نسير إلا على ضوئه ( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على
صراط مستقيم ؟ ) .
* ( 16 - نوم النبي عن صلاة الصبح ! ) *
أخرج الشيخان بالاسناد إلى أبي هريرة واللفظ لمسلم ( 1 ) قال : عرسنا
مع نبي الله فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس ، فقال النبي صلى الله عليه وآله ليأخذ كل رجل
* ( هامش ) *
( 1 ) في باب قضاء الصلاة الفائتة ص 254 من الجزء الاول ن صحيحه . ( * )
ـ109ـ
منكم برأس راحلته فان هذا منزل حضره الشيطان ، قال أبوهريرة : ففعلنا ثم
دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم اقيمت الصلاة فصلى صلاة الغداة .
وهذا الحديث يبرأ منه هدى رسول الله صلى الله عليه وآله فان الله عزوجل يقول :
( ياأيها المزمل قم الليل الا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل
القرآن ترتيلا ) إلى ان قال وهو اصدق القائلين ( ان ربك يعلم أنك تقوم ادنى
من ثلثى الليل ونصفه ) ويقول مخاطبا له في مقام آخر : ( اقم الصلاة لدلوك
الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهودا ( 1 ) ومن الليل
فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) أي ومن الليل فصل
بالقرآن زيادة لك على الفرائض الخمس التي اوجبتها الآية الاولى ، وبينت أوقاتها
وذلك ان الفرائض الخمس واجبة على جميع المكلفين ، اما صلاة الليل فانما كانت
فريضة عليه صلى الله عليه وآله خاصة لم تكتب على غيره ، وقال مخاطبا له في مقام ثالث
( وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ) أي
يراك إذ تقوم لعبادته في الليل حين لا يطلع عليك احد ، ويرى تصرفك في
المصلين بالقيام والقعود والركوع والسجود والذكر والقراءة والدعاء والابتهال
اذا صليت في جماعة ، وقال مخاطبا له في مقام رابع ( وسبح بحمد ربك قبل
طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وادبار السجود ) .
وكان صلى الله عليه وآله يصلي الليل كله ويعلق صدره بحبل حتى لا يغلبه النوم ( 2 )
* ( هامش ) *
( 1 ) إن الله سبحانه جعل في هه الآية من دلوك الشمس الذي هو الزوال إلى
غسق الليل وقتا للصلوات الاربع الظهر والعصر والمغرب والعشاء فالظهر والعصر
اشتركا في الوقت من الزوال إلى المغرب ، إلا ان الظهر قبل العصر ، والمغرب والعشاء
اشتركا في الوقت من المغرب إلى الغسق ، الا ان المغرب قبل العشاء ، وأفرد الله صلاة
الفجر بالذكر في قوله : وقرآن الفجر ، ففي الآية بيان وجوب الصلوات الخمس وبيان
اوقاتها على ما هو المعروف من مذه بناالامامي .
( 2 ) كذا في تفسير آية طه من مجمع البيان نقلا عن قتاده ( * )
ـ110ـ
فيظل عائما وقاعدا وراكعا وساجدا حتى اسمغدت - أي تورمت قدماه ( 1 ) -
فقال له جبرائيل عن الله عزوجل ، ابق على نفسك فان لها عليك حقا وأوحي
اليه : طه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى ، والشقاء هو
الاستمرار فيما يشق على النفس نقيض السعادة . والمعنى ماانزلنا عليك القرآن
لتستمر فيما يشق عليك فتهلك نفسك بالعبادة وتحملها المشقة والفادحة ، وانما
انزلنا عليك القرآن تذكرة لمن يخشى ، فرفقا بنفسك .
وقد عقد البخاري في صحيحه بابا لتهجده في الليل وبابا لطول سجوده في
صلاة الليل . وبابا لطول قيامه فيها ، وبابا لقيامه حتى تورمت ساقاه
وتفطرت قدماه .
هذا دأبه في قيام الليل ، فما ظنك به في اقامة الفرائض الخمس وهي أحد
الاركان التي بني الاسلام عليها أيجوز عليه أن ينام عنها ؟ ! معاذ الله وحاشا لله
وهو الذي أهاب بأهل الارض يتلو عليهم عن ربهم جل وعلا ( حافظوا على
الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) ونادى في الناس ( قد افلح
المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ) إلى أن قال في وصفهم ( والذين هم على
صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون )
وصاح في بني آدم ( فأقيموا الصلاة أن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا )
وأذن فاسمع العالم ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ) .
والقرآن الحكيم مشحون بمثل هذه الآيات البينات التي كان رسول الله
صلى الله عليه وآله يحوط الناس بحكمتها وموعظتها الحسنة ، وكم وخز الساهين عن عبادة
ربهم بقوله : ( ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون )
وفضح المنافقين بما أوحى الله اليه من صفاتهم بقوله تعالى ( ولا ياتون الصلاة
* ( هامش ) *
( 1 ) تجد الرواية في تورم قدميه في تفسير آية طه من الكشاف وعقد البخاري
بابا لقيام النبي حتى تفطر قدماه وتورم ساقاه في ص 135 من الجزء الاول من صحيحه ( * )
ـ111ـ
إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ) وندد برجل نام عن صلاة الليل
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 111 سطر 1 الى ص 120 سطر 26
إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ) وندد برجل نام عن صلاة الليل
حتى أصبح فقال صلى الله عليه وآله ( 1 ) : بال الشيطان في أذنه .
يالها كناية عن سوء حال من يستمر في عادته على النوم عن صلاة الليل
وما ابلغها من رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين .
كلمة تقض مضاجع المؤمنين وتقلقهم فلا ينامون بعدها عن نافلة الليل لو
انصفوا أنفسهم وقد علم البر والفاجر وشهد المسلم والكافر بأن محمدا صلى الله عليه وآله
كان أول المبادرين إلى العمل بتعاليمه وأعظم المتعبدين بها ا لمستقيمين المستمرين
عليها وأنه كان يهذب أمته بافعاله ، ويحملهم بها على البخوع لتعاليمه اكثر مما
يهذبهم بأقواله وما كان وهو سيد الحكماء ليندد بمن نام عن صلاة الليل هذا
التنديد ثم ينام هو بمنظر من أصحابه عن صلاة الصبح ، سبحانك هذا بهتان عظيم
وقد روى أبوهريرة نفسه ( 2 ) ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال : يعقد الشيطان
على قافية رأس احدكم إذا هو نام ثلاث عقد فان استيقظ فذكر الله انحلت عقدة
فان توضأ انحلت عقدة فان صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا
أصبح خبيث النفس كسلانا .
وهذا الحديث فيه من الكناية البليغة ما في الحديث السابق وهما يمثلان
نصح النبي صلى الله عليه وآله لامته في تحذيرها من الشيطان وتنشيطها إلى عبادة الرحمن
ولئن صدق فيه أبوهريرة في هذا الحديث فقد كذب في نوم النبي عن صلاة الصبح
* ( هامش ) *
( 1 ) فيما أخرجه البخاري في باب اذا نام ولم يصل بال الشيطان في اذنه من
كتاب الصلاة ص 136 من الجزء الاول من صحيحه .
( 2 ) فيما أخرجه البخاري في باب عقد الشيطان على قافية الرأس اذا لم يصل
بالليل ص 136 من الجزء الاول من صحيحه ، والعجب من البخاري يثبت في
صحيحه هذا الحديث عن أبي هريرة ويثبت عنه ايضا نوم النبي عن الفريضة فاعتبروا
يااولي الالباب ، وأخرجه أحمد عن أبي هريرة في ص 153 من الجزء 2 من مسنده . ( * )
ـ112ـ
وروى أبوهريرة أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ( 1 ) : ليس صلاة
اثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيها لاثرها ولو حبوا لقد
هممت أن آمر المؤذن فيقيم ثم آمر رجلا يؤم الناس ثم آخذ شعلا من نار فأحرق
على من لا يخرج إلى الصلاة بعد اه .
اتراه صلى الله عليه وآله يحض الناس على الصلاة هذا الحض ، ويهتم بصلاة الفجر
هذا الاهتمام ، ويهدد بالتحريق على من لا يخرج اليها ثم ينام عنها ، حاشا لله
ومعاذ الله أن يكون كذلك .
ورحم الله عبدالله بن رواحة الصحابي الشهيد إذ يقول ( 2 ) : وفينا رسول الله يتلو كتابه * اذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا * به موقنات ان ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه * إذا استثقلت بالعابدين المضاجع
نرجع إلى الحديث ومابقى من قرائن بطلانه وهي أمور :
( أحدها ) : أنهم ذكروا في خصائص النبي صلى الله عليه وآله انه كان لاينام قلبه اذا
نامت عيناه ، وصحاحهم صريحة بذلك ( 3 ) .
وهذا من أعلام النبوة ، وآيات الاسلام ، فلا يمكن والحال هذه ان
تفوته صلاة الصبح بنومه عنها ، إذ لو نامت عيناه فقلبه في مأمن من الغفلة . ولا
سيما عن ربه ، لا تأخذه عن واجباته سنة ولانوم ، وقد صلى مرة صلاة الليل
فنام قبل ان يوتر فقالت له احدى زوجاته يارسول الله تنام قبل ان توتر ؟ * ( هامش ) *
( 1 ) فيما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة في ص 73 من الجزء الاول
من صحيحه في باب فضل العشاء من كتاب الصلاة .
( 2 ) فيما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ص 138 من الجزء الاول من صحيحه
( 3 ) وقد افرد البخاري في صحيحه لهذه الخصيصة بابا على حده فراجع من
179 من جزئه الثاني . ( * )
ـ113ـ
فقال لها ( 1 ) تنام عيني ولاينام قلبي . أراد صلى الله عليه وآله أنه في مأمن من فوات الوتر
بسبب ولوعه فيها ، ويقضة قلبه تجاهها فهو هاجع في عينه ، يقظان في قلبه ،
منتبه إلى وتره ، واذا كانت هذه حاله في نومه قبل صلاة الوتر فما ظنك به اذا
نام قبل صلاة الصبح .
( ثانيها ) ان أبا هريرة صرح كما في صحيح مسلم ( 2 ) بأن هذه الواقعة قد
انفقت لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو قافل من غزوة خيبر فكيف يدعي أبوهريرة
حضوره فيها ؟ واين كان أبوهريرة عن غزوة خيبر ؟ وانما اسلم بعد خروج
النبي صلى الله عليه وآله اليها باتفاق أهل العلم ، واجماع أهل الاخبار ( 3 ) .
( ثالثها ) ان أبا هريرة يقول في هذا الحديث : ليأخذ كل رجل منكم
برأس راحلته فان هذا منزل حضره الشيطان قال : ففعلنا .
وقد علمت ما اسلفناه ان الشيطان لا يدنوا من النبي ابدا . وعلم الناس كافة
* ( هامش ) *
( 1 ) كما في باب كان النبي صلى الله عليه وآله تنام عينه ولا ينام قلبه ص 179 من الجزء
الثاني من صحيح البخاري ، وأخرجه أحمد في ص 251 من حديث أبي هريرة في
الجزء 2 من مسنده .
( 2 ) راجع ص 254 من جزئه الاول في باب قضاء الصلاة .
( 3 ) نعم كان أبوهريرة في اواخر حياته يقول : قدمت المدينة في نفر من
قومي لنسلم وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خيبر واستخلف على المدينة سباع بن
عرفطة الغفاري فصلينا خلفه صلاة الصبح فلما فرغنا من صلاتنا زودنا سباع شيئا
حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد افتتح خيبر فكلم المسلمين فأشركونا في سهامهم
وهذا الحديث مما انفرد به أبوهريرة فلم يثبت عن غيره ، ولكن الجمهور أخذوا به
اعتمادا على أبي هريرة كما هي طريقتهم فأرسلوا حضوره خيبر ارسال المسلمات ولا
دليل في الحقيقة لهم على ذلك والحق ما هو المأثور عن ائمة اهل البيت عليهم السلام
من ان قدومه إلى المدينة واسلامه انما كانا وقت رجوع النبي صلى الله عليه وآله من خيبر . ( * )
ـ114ـ
ان أبا هريرة كان في تلك الاوقات لا يملك شبع بطنه فمن أين له الراحة ليأخذ
رأسها كما زعم إذ قال : ففعلنا ؟ .
( رابعا ) أنه قال في هذا الحديث . ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين
ثم صلى صلاة الغداة .
أما صلاة الغداة فانها قضاء عما فات لكن السجدتين لم نعرف لهما وجها
ولا محلا من الاعراب ! والفاضل النووي ظفر عنهما في شرحه .
( خامسا ) ان من عادة الجيش وقواده ان يكون لهم حرس يقوم عليهم
اذا ناموا ، ولا سيما اذا كان فيهم الملك أو نحوه وكان له من الاعداء الالداء
الموتورين من لا تؤمن معرتهم ، وكان في جيشه من المنافقين من يتربص به
الدوائر ، ويقلب له الامور ، ويعضون الانامل من الغيظ وقد مردوا على
النفاق ، فرسول الله " ص " لا يخالف عادة القواد والامراء في المحافظة على نفسه
وعلى جيشه ، ولا ينام بأصحابه في تلك الفلاة المحاطة بذؤبان العرب ومردة أهل
الكتاب من اعدائه الذين وترهم وسفك دماءهم الا والحرس قائم بوظيفته من
مراقبة العدو الخارجي والمنافق الداخلي ، وحاشا رسول الله " ص " أن يغفل
عن هذه المهمة وهو سيد الحكماء قبل ان يكون سيد الانبياء فهل نام الحرس
ايضا كما نام المؤذنون ؟ كلا ! بل انذر " ص " بكثرة الكذابة عليه .
( سادسها ) ان النبي صلى الله عليه وآله كان يومئذ في جيش مؤلف من الف وستمائة رجل فيهم فارس ، فالعادة تأتي أن يناموا باجمعهم فلا ينتبه احد منهم
اصلا وعلى فرض عدم انتباههم من انفسهم فلا بد بحكم العادة المألوفة ان
ينتبهوا بصهيل مائتي فرس وضربها الارض بحوافرها في طلب علفها عند حضور
وقته من الصبح فما هذا السبات العميق الشامل لجميع من كان ثمة من انسان
وحيوان ؟ ولعل هذا من خوارى أبي هريرة ! .
ـ115ـ
* ( 17 - بقرة وذئب يتكلمان بلسان عربي مبين ) *
أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة
الصبح ثم اقبل على الناس ، فقال بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت
انا لم نخلق لهذا انماخلقنا للحرث ! فقال الناس : سبحان الله بقرة تكلم ! قال
صلى الله عليه وآله فاني أؤمن بهذا انا وأبوبكر وعمر ! وماهما ثم وبينا رجل في غنمه إذ
عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلبها حتى استنقذها منه ، فقال له الذئب :
استنقذتها مني ! فمن لها يوم السبع ؟ ! يوم لا راعي لها غيري ! فقال الناس :
سبحان الله ذئب يتكلم ! قال صلى الله عليه وآله فاني أؤمن بهذا أنا وأبوبكر وعمر :
وما هما ثم اه ( 1 ) .
ان أبا هريرة نزوع إلى الغرائب تواق إلى العجائب قد استخفته إلى
خوارق العادات نزية من الشوق والهيام ( 2 ) فتراه طروبا إلى التحدث بما هو
فوق النواميس الطبيعية ، كفرار الحجر بثياب موسى ، وكضرب موسى ملك
الموت حتى فقأ عينه ، ونزول جراد الذهب على أيوب ، وأمثال ذلك من
ا لمستحيلات عادة .
وها هو الآن يحدث بأن بقرة وذئبا يتكلمان بلسان عربي مبين فيفصحان
عن عقل وعلم وحكمة ، الامر الذي لم يقع أصلا ، ولا هو واقع قطعا ، ولن
* ( هامش ) *
( 1 ) أي وماهما بحاضرين هناك وهذا الحديث تجده في ص 171 من الجزء
الثاني من صحيح البخاري وأورده ايضا في 190 من الجزء نفسه في فضل أبي بكر ،
وأخرجه مسلم من عدة طرق عن أبي هريرة في ص 316 والتي بعدها من الجزء
الثاني من صحيحه في فضائل أبي بكر ، وأخرجه أحمد في اول ص 246 من الجزء
الثاني من مسنده من حديث أبي هريرة .
( 2 ) النزية من الشوق والهيام ما فاجأ الانسان منهما . ( * )
ـ116ـ
يقع ابدا ، وسنة الله في خلقه نحيل وقوعه إلا في مقام التحدي والتعجيز حيث
يكون آية للنبوة ، وبرهانا على الاتصال بالله عز سلطانه ، ومقام الرجل حيث
ساق بقرته إلى حقل فركبها في الطريق لم يكن مقام تحدي واعجاز لتصدر فيه
الآيات وخوارق العادات . وكذلك مقام راعي الغنم حين عدا الذئب عليه فلا
سبيل إلى القول بامكان صحة هذا الحديث عقلا فان المعجزات وخوارق العادات
لا تقع عبثا باجماع العقلاء .
وما أغنى أبا بكر وعمر عن هذه الفضيلة . وليتهما سمعا أبا هريرة يحدث
بها ولو فعل على عهدهما لاعذر إلى الله تعالى فيه ، ولكنه تذرع بهما إلى اشباع
شهرة الاغراب والتخريف في نفسه ، ومشى ظلهما إلى ذلك ، وهو يعلم ان
مكذبيه يمنى بسخط الرأي العام ، ويرمي بالخروج على الخليفتين .
* ( 18 - تأمير أبي بكر على الحج سنة تسع
ونداء أبي هريرة ببراءة سنتئذ
أخرج الشيخان عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف : ان أبا هريرة أخبره
ان أبا بكر الصديق بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وآله قبل حجة
الوداع بسنة يوم النحر في رهط يؤذنون في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك
ولا يطوف بالبيت عريان ( 1 ) .
وأخرج البخاري عن حميد عن أبي هريرة أيضا قال : بعثني ابوبكر
الصديق في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى ان لا يحج بعد
العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ( قال ) : ثم اردف النبي صلى الله عليه وآله بعلي
* ( هامش ) *
( 1 ) هذا لفظ الحديث في ص 192 من الجزء الاول من صحيح البخاري في
باب لا يطوف بالبيت عريان من كتاب الحج ، واخرجه مسلم في ص 517 من الجزء
الاول من صحيحه في باب لا يحج بالبيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان . ( * )
ـ117ـ
فأمره ان يؤذن ببراءة فأذن معنا على في اهل منى يوم النحر الحديث ( 1 ) .
لا عجب من سياسة الشام إذا فرضت هذا الباطل على أبي هريرة وحميد
ولا عجب منهما إذا تطوعا لها فتواطآ عليه .
فان ابا هريرة إنما أتى الشام متجرا بما يروج فيها من سلعته والدنيا يومئذ
متسقة مستوسقة لسطان بني أمية و الدعايات ضد الوصي وآل النبي أربح
تجارات الدجالين في ذلك العهد .
وحميد كان ممن صنعوا على عين معاوية لحمل امثال هذا الحديث والرثاء
بالعبادة والتقشف ، وللولوع بالسماع من اعداء علي ( 2 ) وكان بني أمية
كألدهم خصومة واشدهم لهجة ، وقد وشجت به عروقهم وولدته ا لعبشميات من
امهاتهم ، فان امه ام كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بن ذكوان بن امية بن
عبد شمس فهي اخت الوليد بن عقبة لابيه وأمه ، وام امه ام عثمان بن عفان ( 3 )
واسمها اروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس " شنشنة نعرفها "
على ان اباه عبدالرحمن كان منحرفا عن علي وقد آثر يوم الشورى عثمان
لصهره ( 4 ) مع هن وهن ، فلا غرو ان تواطأ أبوهريرة وحميد على هذا الباطل
في تلك الظروف فأذاعته الدعايات الجبارة حتى استطار .
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه البخاري بهذا اللفظ في ص 90 من الجزء 3 من صحيحه في تفسيره
سورة براءة .
( 2 ) سمع معاوية ، وحديثه عنه في صحيح البخاري وسمع النعمان ابن بشير
وحديثه عنه في صحيح مسلم وله عن المغيرة بن شعبة وابن الزبير ومروان وغيرهم من
أمثالهم .
( 3 ) فعثمان اخو امه لامها أروى فقط ، وام اروى هذه البيضاء وتكنى ام
حكيم وهي بنت ع بدالمطلب بن هاشم وبهذا كان يقال لعثمان انه ابن اخت الهاشميين .
( 4 ) كان عبدالرحمن بن عوف زوج ام كلثوم بنت عقبة وهي اخت عثمان لامه
واخت الوليد لابيه وامه كما بيناه في الاصل . ( * )
ـ118ـ
ومما نحتج به على بطلانه ان ابا هريرة ( قبل ان يتصل باسباب بني امية )
كان يقول ( 1 ) : كنت في البعث الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله مع علي ببراءة
فقال له ولده المحرر : فيم كنتم تنادون ؟ قال : كنا نقول : لايدخل الجنة إلا
مؤمن ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه
وبين رسول الله صلى الله عليه وآله عهد فأجله إلى اربعة اشهر ( 2 ) فناديت حتى صحل صوتي اه
هذا حديثه الثابت منه من طريق الثقات الاثبات لم يذكر فيه ابا بكر
بالمرة ، وإنما نص فيه على ان البعث الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله تلك السنة
إلى مكة - وهم الحجاج - إنما بعثهم مع علي - وفي ركابه - وهذه هي الامرة التي
اسندها ابوهريرة في ذلك الحديث إلى أبي بكر .
واذا كان مبعوثا مع علي بأمر النبي صلى الله عليه وآله كما يزعم في هذا الحديث ، فما
معنى قوله في ذلك الحديث ، بعثني ابوبكر الصديق في تلك الحجة في مؤذنين
بعثهم يوم النحر ؟ ! وما الوجه في قوله : ثم أردف النبي بعلي فأذن معنا ؟ وهل هذا
إلا تهافت ( 3 ) ؟ ! يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا ان يتم نوره .
* ( هامش ) *
( 1 ) فيما اخرجه الحاكم وصححه في تفسير سورة براءة من مستدركه ص 131
من جزئه الثاني ، واورده الذهبي في التلخيص مصرحا بصحته أيضا ، واخرجه الامام
احمد من حديث أبي هريرة ص 299 من الجزء الثاني من مسنده ولفظه عنده : كنت
مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى اهل مكة ببراءة .
( 2 ) انكر العلماء قوله فأجله إلى أربعة اشهر لان الذي كان في خطبة امير المؤمنين
يومئذ ومن كان له عهد من المشركين فأجله إلى امده بالغا ما بلغ ومن ليس له امد فأجله
إلى اربعة اشهر والظاهر ان ابا هريرة لم يكن ممن حضر الموسم ليعي الاذان بكهنه
وحقيقة ولا عجب فانه كثيرا ما يدعي الحضور في وقائع لم يحضرها فينقلها على غير
وجهها كما ستسمعه في الفصل 13 من الاصل .
( 3 ) التهافت بين الحديثين واضح من حيث تعيين الامير ومن حيث تعيين
الباعث لابي هريرة وغيره من المؤذنين ومن حيث مكان بعثهم هل كان من المدينة - ( * )
ـ119ـ
واني بعون الله تعالى ممحص لك الحقيقة في هذه العجالة مجلوة في مباحث :
( المبحث الاول ) : في بيان الواقع من هذه المهمة على سبيل
الاختصار .
ومجمل القول هنا انه لما نزلت ( براءة ) على رسول الله صلى الله عليه وآله بعث بها
أبا بكر ليتلوها يوم الحج الاكبر على رؤوس الاشهاد إذانا ببراءة الله ورسوله
من المشركين ، ونبذا لعهودهم ، ومنعا لهم عن مكة ، واعلانا لتحريم الجنة
عليهم ، وان لا يطوف بالبيت عريان .
فلما سار غير بعيد أوحى الله إلى نبيه أن لا يؤدي عنك إلا انت أو رجل
منك فاستدعى عليا وأمره بلحاق أبي بكر وأخذ براءة منه والمضي بها إلى مكة
لاداء المهمة عن الله ورسوله وعهد اليه بالولاية العامة على الموسم ( 1 ) وأمره بأن
يخبر أبا بكر بين أن يسير مع ركابه او يرجع إلى المدينة ، فركب على ناقة
رسول الله صلى الله عليه وآله العضباء ولحق أبا بكر فقال له فيم جئت يا أبا الحسن ؟ قال
أمرني رسول الله أن آخذ منك الآيات فانبذ بها عهد المشركين ( 2 ) ولك الخيار
* ( هامش ) *
- ام من مكة ؟ ومن حيث زمان البعث هل كان يوم النحر أو قبله ؟ كما لا يخفى على من
تدبر الحديثين .
( 1 ) قال الامام الطبرسي عند ذكر القصة ص 3 من المجلد 3 من مجمع البيان
طبع صيدا : وروى أصحابنا ان النبي صلى الله عليه وآله ولاه ( يعني عليا ) على الموسم ، وانه حين
اخذ براءة من أبي بكر رجع أبوبكر - أي إلى المدينة - .
( 2 ) فان قلت : كيف يدفع النبي براءة لابي بكر لينبذ بها عهد المشركين أيام
الموسم ثم يعزله قبل وقت الموسم ؟ أليس هذا من النسخ قبل حضور وقت العمل ؟
وهو محال على الله ورسوله . قلنا : كلا ! بل تبين لنا من امره اياه بالذهاب وارجاعه
اياه من الطريق قبل حضور الموسم ، انه انما كان في الواقع ونفس الامر مكلفا بالمسير
نحو مكة ليرجعه من الطريق ويرسل عليا مكانه ، فيظهر بذلك من تفضيل علي " ع "
ما لا يظهر بارسال علي من اول الامر ، الا ترى ان الله عزوجل كان في ظاهر الحال - ( * )
ـ120ـ
في الذهاب معي أو الرجوع اليه ، قال بل أرجع اليه ، فمضى علي بمن معه من
حجاج المدينة وما حولها إلى مكة ، ورجع أبوبكر إلى المدينة فقال يارسول الله
أهلتني لامر طالت الاعناق إلى فيه فلما توجهت له رددتني عنه مالي ؟
أنزل في قرآن ؟ قال صلى الله عليه وآله : لا ولكن الامين جبرئيل عليه السلام هبط إلى
عن الله عزوجل بأنه : لا يؤدي عنك الا أنت أو رجل منك وعلي مني ولا
يؤدي عني إلا علي اه . والاخبار في هذا المعنى متواترة من طريق العترة
الطاهرة ( 1 ) .
( البحث الثاني ) : في يسير مما جاء من طريق الجمهور مؤيدا لما ذكرناه
وحسبك نص أبي بكر الصحيح حجة بالغة ، قال : ان النبي صلى الله عليه وآله
بعثني ببراءة لاهل مكة لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان
ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، ومن كان بينه وبين رسول الله مدة فأجله
إلى مدته والله برئ من المشركين ورسوله " قال " فسرت بها ثلاثا ثم قال :
رسول الله " ص " لعلي : الحق أبا بكر فرده على وبلغها انت ( قال ) ففعل علي
ذلك ورجعت إلى المدينة فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وآله بكيت اليه وقلت يارسول الله
* ( هامش ) *
- قد امر خليله ابراهيم يذبح ولده عليهما السلام ثم لما هم بذلك وتله للجبين اوحى الله
اليه : ان قد صدقت الرؤيا يا ابراهيم ، فظهر انه لم يكن في الواقع ونفس الامر
مأمورا بذبح ولده ، وانه انما كان مأمورا بمقدمات الذبح ، ليظهر من فضل
وفضل ولده الذبيح ما كان يجهله الناس ولم يكن هذا من النسخ في شئ .
الغاية التي ذكرناها بعث رسول الله يوم خيبر ابا بكر اولا فرجع فبعث عمر
فرجع ، فقال صلى الله عليه وآله : اما والله لاعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله
ورسوله ويحبه الله ورسوله فأعطاها عليا فكان الفتح على يديه ، وظهر من فضله ما
لا يظهر لو بعثه من اول الامر ، ولهذه القضايا نظائر يعرفها المتتبعون .
( 1 ) فراجع منها ما أخرجه الثقة الثبت الحجة علي بن ابراهيم في تفسير سورة
التوبة من تفسيره الشهير ، وما ارسله شيخنا المفيد ارسال المسلمات في ارشاده . ( * )
ـ121ـ
حدث في شئ ؟ قال ما حدث فيك الاخير ولكني امرت أن لا يبلغها الا انا
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 121 سطر 1 الى ص 130 سطر 25
حدث في شئ ؟ قال ما حدث فيك الاخير ولكني امرت أن لا يبلغها الا انا
أو رجل مني ، هذا حديث أبي بكر بلفظه " 1 " فهل ترى بكاءه واشفاقه يجتمعان
مع تأميره ؟ كلا ! وانما يكونان بتنحيته .
ومثله حديث علي إذ قال ( 2 ) : لما نزلت عشر آيات من سورة براءة دعا
النبي صلى الله عليه وآله أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة ، ثم دعاني فقال لي : ادرك
أبا بكر فحيثما لحقته خذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم
فلحقته فأخذت الكتاب منه فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال يارسول الله نزل في
شئ ؟ قال : لا ولكن جبرائيل جاءني فقال لن يؤدي عنك إلا أنت أو
رجل منك اه .
وحدث عليه السلام في مقام آخر فقال ( 3 ) : ان رسول الله صلى الله عليه وآله بعث ببراءة
إلى أهل مكة مع أبي بكر ثم اتبعه بي فقال لي : خذ الكتاب منه فامض به إلى
أهل مكة قال : فلحقت أبا بكر فأخذت الكتاب منه فانصرف إلى المدينة وهو
كئيب فقال : يارسول الله أنزل في شئ ؟ قال : لا إلا اني أمرت ان ابلغه أنا
أو رجل من أهل بيتي .
ونحوه حديث ابن عباس وقد احتج يوما على خصوم أمير المؤمنين عليه السلام
فأفاض في خصائصه وموجبات تفضيله على الامة بعد نبيها صلى الله عليه وآله فقال : من
حديث طويل ( 4 ) : ثم بعث رسول الله أبا بكر بسورة التوبة فبعث عليا خلفه
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه الامام احمد في الصفحة الثانية من الجزء الاول من مسنده من
طريق وكيع عن اسرائيل عن ابي اسحاق .
( 2 ) فيما أخرجه الامام احمد في ص 151 من الجزء الاول من مسنده .
( 3 ) فيما أخرجه النسائي في ص 20 من خصائصه العلوية ، والامام احمد من
حديث على من مسنده ، ورواه غير واحد من اثبات الخاصة والعامة .
( 4 ) أخرجه الحاكم في ص 32 من الجزء الثالث من المستدرك في فضائل علي
وصحيحه . واعترف الذهبي بصحته اذ اورده في تلخيص المستدرك ، وأخرجه النسائي - ( * )
ـ122ـ
فأخذه منه وقال صلى الله عليه وآله : لا يذهب بها الا رجل هو مني وأنا منه الحديث
فبخع لابن عباس بهذا حسدة على ولو كان أبوبكر أميرا في ذلك الموسم
ما بخعوا ولا ارعووا ولكن رأوا الحجة قاطعة فاستكانوا لها .
وكم لحبر الامة وذي حجتها البالغة ومقولها الصارم وابن عم نبيها - عبدالله
ابن العباس - من امثال هذا .
قال مرة : اني لاماشي عمر بن الخطاب في سكة من سكك المدينة إذ قال
لي : يا ابن عباس ما أرى صاحبك الا مظلوما قال : فقلت في نفسي والله لا
يسبقني بها ، فقلت له ياأمير المؤمنين : فاردد اليه ظلامته ، فانتزع يده من يدي
ومضى يهمهم ساعة ثم وقف فلحقته ، قال : يا ابن عباس ماأظنهم منعهم عنه
الا أنهم استصغروه ، فقلت : والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن
يأخذ براءة من صاحبك فأعرض عني واسرع . الحديث ، ( 1 ) .
* ( هامش ) *
- في ص 6 من الخصائص العلوية . والامام أحمد أخرجه من حديث ابن عباس في ص
331 من الجزء الاول من مسنده .
( 1 ) رواه الزبير بن بكار بن عبدالله بن مصعب بن ثابت بن عبدالله بن الزبير
ابن العوام في تاريخه ( ا لموفقيات ) الذي ألفه للموفق بالله ابن المتوكل الخليفة العباسي
وان من سر الله الذي لا يخفى ونوره الذي لا يطفأ أن يروى الزبير بن بكار مثل
هذه الرواية في كتابه الذي الفه لابن المتوكل فان ابن بكار ممن عرف العداوة لعلي
وأهل البيت وهو الذي استخلفه رجل من الطالبيين بين القبر والمنبر الشريفين فحلف
كاذبا فرماه الله بالبرص وكان ينال من العلويين ومن جدهم علي . فأجمعوا على قتله
فهرب منهم إلى عمه مصعب بن عبد الله بن مصعب فسأله ان يكلم المعتصم في تأمينه فلم
يجد عنده ما اراد إذ لم يكن عمه على رأيه في مكاشفة العلويين ذكر ذلك ابن الاثير في
سيرة المعتصم من تاريخه الكامل . اما أبوه بكار فقد كان من المكاشفين للرضا في
النصب والعداوة فدعا عليه الرضا فسقط من قصره فاندق عنقه ، وأما جده عبدالله
ابن مصعب فهو الذي افتى هارون الرشيد بقتل يحيى بن عبدالله بن الحسن ، فقال : - ( * )
ـ123ـ
فلله أبوه كيف استظهر على الخليفة بهذه الحجة البالغة فأخذه من بين
يديه ومن خلفه ومن جميع نواحيه حتى لم يبق في وسعه أن يثبت فأعرض واسرع
ولو ان صاحبه كان هو الامير في ذلك الموسم - كما يزعم أبوهريرة - ما لاذ إلى
الاسراع بل كانت له الحجة على ابن عباس وعمر كان مع أبي بكر إذ توجه
ببراءة وإذ رجع من الطريق فهو من اعرف الناس بحقائق تلك الاحوال .
وسئل الحسن البصري عن علي عليه السلام فقال : ما أقول فيمن جمع الخصال
الاربع : ائتمانه على براءة ، وما قاله له رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك فلو كان
يفوته شئ غير النبوة لاستثناه ، وقول النبي صلى الله عليه وآله الثقلان كتاب الله وعترتي
وأنه لم يؤمر عليه أمير قط ، وقد أمرت الامراء على غيره ، هذا كلامه
بعين لفظه ( 1 ) .
وأنت تعلم أخلاصه لابي بكر وحرصه على بيان فضله ، فلو كان أبوبكر
هو الامير على الحج عام براءة دون علي ما كتم امارته ، ولا بخسه حقه ، ولا
شهد لعلي بأنه لم يؤمر عليه احد قط ، ولا عرض بأبي بكر إذ يقول وقد أمرت
الامراء على غيره ، ومن تدبر كلامه هذا علم أنه يقدر الائتمان على براءة حق
قدره ، وانه يراه خصيصة مقصورة على علي ليس لها كفؤ سواه .
* ( هامش ) *
- اقتله يا أمير المؤمنين وفي عنقي دمه ، فقال الرشيد : ان عنده صكا مني أعطيته فيه
الامان ، فقال عبدالله بن مصعب : لا أمان له يا أمير المؤمنين وعمد إلى يحيى فانتزع
الصك منه قهرا ومزقه بيده عداوة ورثوها عن جدهم ، ورثها عدو عن عدو عن
عدو من عبدالله بن الزبير حتى انتهت إلى الزبير بن بكار ، وبها نال الحظوة عند
المتوكل فاختاره لتأديب ولده الموفق . وامر له بعشرة آلاف درهم وعشرة تخوت من
الثياب وعشرة بغال يحمل عليها رحله إلى سامراء فأدب ولده الموفق والف له
ا لموفقيات وهو من الكتب الممتازة الممتعة ننقل عنه كثيرا في املائنا هذا وفي غيره
( 1 ) فراجعه في ص 369 من المجلد الاول من شرح النهج الحميدي نقلا
عن الوافدي . ( * )
ـ124ـ
وكان الصحابة اذا أشادوا بذكر علي في المدينة الطيبة على عهد الخليفتين
يحدثون بهذه الخصيخة من مناقبه فلا يناقشهم فيها احد .
هذا سعد يقول ( 1 ) : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر ببراءة حتى اذا كان
بعض الطريق ارسل عليا فاخذها منه ثم سار بها فوجد أبوبكر في نفسه ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وآله لا يؤدي عني إلا انا أو رجل مني اه .
وهذ أنس يقول ( 2 ) : بعث النبي صلى الله عليه وآله براءة مع أبي بكر ثم دعاه فقال
ال ينبغي ان يبلغ هذا إلا رجل من أهلي فدعا عليا فاعطاه إياها .
وهذا عبدالله بن عمر يسأله جميع بن عمير الليثي عن علي فينتهره ابن عمر
ثم يقول له ( 3 ) : الا احدثك عن علي هذا بيت رسول الله في المسجد وهذا
بيت علي ان رسول الله بعث أبا بكر وعمر ( 4 ) ببراءة إلى أهل مكة فانطلقا فاذا
هما براكب فقالا من هذا ؟ قال : أنا علي يا أبا بكر هات الكتاب الذي معك
قال مالي ؟ قال والله ما علمت إلا خيرا مأخذ علي الكتاب فذهب به ورجع
أبوبكر وعمر إلى المدينة فقالا : مالنا يارسول الله ؟ قال : ما لكما إلا خير ولكن
قيل لي انه لا يبلغ عنك إلا أنت أو رجل منك .
والسنن المأثورة في هذا متضافرة وكلها صريح برجوع أبي بكر إلى
* ( هامش ) *
( 1 ) فيما أخرجه النسائي في ص 20 من الخصائص العلوية عند ذكر توجيه براءة
مع علي . ورواه الامام أحمد في مسنده .
( 2 ) فيما أخرجه النسائي ص 20 من الخصائص العلوية والامام احمد من حديث
أنس ص 216 من الجزء الثالث من مسنده .
( 3 ) فيما اخرجه الحاكم في ص 51 من الجزء 3 من المستدرك .
( 4 ) انما كان عمر يومئذ تابعا لابي بكر وكان ممن خرج معه من الصحابة
وكانوا ثلاثمائة فيهم عبدالرحمن بن عوف ، وكان عمر اخصهم بأبي بكر ولذا رجع
معه إلى المدينة دونهم ، وقد انضروا - بعد رجوع ابي بكر - إلى لواء علي وسار بهم
إلى مكة مهيمنا عليهم وشهد الجميع رجوع ابي بكر إلى المدينة وفي نفسه من ذلك شئ ( * )
ـ125ـ
المدينة كئيبا مشفقا من نزول الوحي فيه وهذ ما لايجتمع مع تأميره في ذلك
الموسم ابدا ، لكن الدعاية ضد الوصي كانت في منتهى القوة فكان لها اثرها في
فجر الاسلام .
( المبحث الثالث ) : فيما ترتب من الآثار الشريفة على نبذ عهد المشركين
وما كان لامير المومنين بسبب قيامه بهذه المهمة من علو المقام عند العرب كافة
وما بوأه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله من المجد والعلاء ب اختيارهما إياه لهذه المهمة
ولا سيما بعد أرجاع أبي بكر عنها ، إلى خصائص أخر تتصل بذلك وتوجب
كونه أفضل الامة واولاها برسول الله صلى الله عليه وآله حيا وميتا .
كان ينبذ النبي صلى الله عليه وآله عهد المشركين ومنعه إياهم عن الحج وعن مكة واعلانه
تحريم الجنة عليهم واذانه بالبراءة منهم ، كمال الدين وصلاح امر المسلمين وقوة
الحق وأهله ووهن الباطل وأهله .
أدرك المسلمون به منتهى العزة ونالوا به غاية المجد فهدأت فورة الشرك
وذلت نواصي المشركين فكان الدين كله لله عز سلطانه .
وقد شاء الله سبحانه أن يجري ذلك كله على يد عبده ووصي نبيه علي بن
أبي طالب تنويها بأسمه ، وتنبيها إلى فضله ، واعلاء لذكره ، واعلانا لعظيم
قدره ، وتمهيدا للعهد بالخلافة اليه ، ومقدمة للنص في العام المقبل عليه ( 1 )
فنشر صلى الله عليه وآله ذكره ( بارساله إياه لاداء هذه المهمة عنه ) انتشار الصبح واطار
صيته في العرب استطارة البرق ، وذلك ان نبذ العهد كان مختصا عندهم بالزعيم
الذي عقده ولا يتجاوزه إلا إلى من كان يمثله في زعامته ويخلفه في مكانته ، ويأمن وهنه ، ولا يخشى سقطته ، ولا يرتاب في احكامه ولا يعتر به شك في
نقضه وابرامه .
* ( هامش ) *
( 1 ) اذ كان نبذ العهد سنة تسع وكان النص عليه سنة عشر والنبي صلى الله عليه وآله قافل من
حجة الوداع . ( * )
ـ126ـ
يرشدك إلى هذا كله قول رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي حين بعثه ليأخذ براءة
من أبي بكر ويذهب بها هو إلى مكة : لابد أن أذهب بها أنا أو تذهب بها انت
قال علي : فان كان ولا بد فسأذهب بها أنا ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فأنطلق فان
الله يثبت لسانك ، ويهدي قلبك ، الحديث ( 1 ) .
وأنت تعلم ان المهمة التي لايقوم بها إلا النبي صلى الله عليه وآله أو من كان جاريا
مجرى نفسه لهي الغاية القصوى في المهمات لايتعلق بها درك قد أحرز بها على
نصب السبق وأستولى على الامد فأنى يسبقه سابق او يلحقه لاحق أو يطمع
في أدراكه طامع .
ومن انعم النظر في ارجاع أبي بكر عن المهمة وارسال علي فيها ظهرت
له الحقيقة بأجلى مظاهرها .
ويجدر بنا أن نمعن في قول النبي صلى الله عليه وآله اذ بين السبب فقال ( 2 ) جائني
جبرائيل فقال : لن يؤدي عنك الا أنت أو رجل منك لمكانه " لن " من النفي
مؤكدا ومؤيدا ومكانة المفعول المحذوف من العموم أعني مفعول الفعل المنفي
بلن ، اذ تقدير الحديث : لى يؤدي عنك شيئا من الاشياء الا انت أو رجل
منك ولولا قصد العموم ما حذف المفعول .
" فان قلت " : مورد هذا الحديث يفرض علينا تخصيصه به ، فيكون معناه
ان يؤدي عنك هذه المهمة الا انت أو رجل منك فلا عموم هنا .
" قلنا " : ان المورد لا يخصص الوارد ، علن ان الحديث ليس بالوحيد
في بابه ، فان في الصحاح من نظائره نصوصا تعنو لها الجباه بخوعا لم ترد في
مورد خاص لتختص به ، بل جاءت عامة لفظا وموردا .
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه احمد في ص 150 من الجزء الاول من مسنده وهو من الاحاديث
الصحيحة المستفيضة من طريق الفريقين .
( 2 ) فيما استفاض عنه من حديث علي وقد مر عليك في المبحث الثاني . ( * )
ـ127ـ
وحسبك منها عهده يوم عرفة من حجة الوداع وقد أهاب بأهل الموقف
يدلهم على مفزعهم في أداء رسالته وهو اذ ذاك على ناقته يناديهم باعلي صوته
فأشخص أبصارهم وأسماعهم وافئدتهم اليه فاذا به يقول : علي مني وأنا من علي
ولا يؤدي عني الا أنا أو علي ( 1 ) .
يا له عهدا ما أخفه على اللسان وما أثقله في الميزان جعل لعلي من صلاحية
الاداء عنه " ص " عين الصلاحية الثابتة للنبي في الاداء عن نفسه فأشركه في أمره
وأئتمنه على سره كما كان هارون من موسى الا ان عليا لم يكن بنبي وانما هو وزير
ووصي يطبع على غرار نبيه ويبين عنه للناس ما اختلفوا فيه .
وتلك ذروة ما جعل الله تعالى ورسوله لغير علي أن يتبوأها أبدا
" فأرجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر
خاسئا وهو حسير " وقد رفع رسول الله عليا إلى مستوى هو أعلى من مستوى
الامة اذ مزج لحمه بلحمه ودمه بدمه وسمعه وبصره وفؤاده وروحه بسمعه
وبصره وفؤاده وروحه فقال : علي مني وأنا من علي ثم لم يكتف حتى قال :
ولا يؤدي عني الا انا أو علي فجمع فأوعى وعم فاستقصى ولا غرو فان الله
تعالى يقول وهو اصدق القائلين " ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم
من الآيات ما فيه بلاء مبين " .
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في فضائل الصحابة ص 92 من الجزء الاول من سننه
ورواه الترمذي والنسائي في صحيحيهما وهو الحديث 2531 في ص 153 من الجزء
السادس من كنز العمال . وأخرجه الامام أحمد من حديث حبشي بن جنادة ص 164
من الجزء الرابع من مسنده بطرق متعددة كلها صحيحة وحسبك انه أخرجه عن يحيى
ابن آدم عن اسرائيل ابن يونس عن جده أبي اسحاق السبيعي عن حبشي عن
رسول الله ( ص ) وكل هؤلاء حجج عند الشيخين وغيرهما ، ومن راجع هذا الحديث
في مسند أحمد علم انه إنما صدر في حجة الوداع التي ما لبث النبي صلى الله عليه وآله بعدها في هذه
الدار الفانية إلا قليلا . ( * )
ـ128ـ
فأين أولوا النظر يمعنون في هذا العهد ليعلموا أنه - على اختصاره - لا يقل
وزنا عن نصوص يوم الغدير فان الاداء عن رسول الله صلى الله عليه وآله المختص به وبعلي
المنفى في هذا الحديث عمن سواهما انما هو الاداء التشريعي الكاشف عن حكم الله
في الواقع ونفس الامر المعصوم عن الخطأ عصمة القرآن عنه فيكون بمجرده
حجة قاطعة يجب على الامة التعبد به كما يجب عليهم التعبد بأحكام القرآن العظيم
والذكر الحكيم .
يدلك على أن هذا هو المراد اجماع الامة على اباحة الاداء عن النبي
صلى الله عليه وآله - على غير هذا الوجه - لكل عالم بقوله سماعا منه
أو استنباطا صحيحا من سنته فان الصحابة كانوا يؤدون عنه ما سمعوه من اقواله
وما رأوه من أفعاله وكان المجتهدون بعدهم يؤدون عنه ما أستنبطوا من الادلة
الشرعية فلو لم يحمل الحديث على ما قلناه لم يبق له معنى يصح حمله عليه .
ويؤيد هذا قول رسول الله صلى الله عليه وآله : على مع القرآن والقرآن مع علي
لا يفترقان ( 1 ) وقوله صلى الله عليه وآله : رحم الله عليا اللهم أدر الحق معه حيث دار ( 2 )
إلى كثير من أمثال هذه النصوص التر ترمي إلى عصمته ، ( ربنا آمنا بما انزلت
واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) .
( المبحث الرابع ) : فيما كان من اعداء علي من المكر به ، والبغي عليه
وما كان من دجاجيلهم في صرف خصائصه عنه ، وما تزلف به أبوهريرة اليهم
من تحريف هذا الحديث .
إن اعداء علي من المنافقين ، وحسدة فضله ومنافسيه من الناكثين
والقاسطين ، والمارقين ، ولا سيما أهل الحول والطول منهم كمعاوية وأعوانه
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين في ص 124 من الجزء الثالث
من مستدركه واورده الذهبي في تلخيصه معترفا بصحته .
( 2 ) أخرجه الحاكم في الصفحة نفسها على شرط مسلم . ( * )
ـ129ـ
فسخروا دجاجيلهم في تشويهها ومسخها ومعارضتها بما استطاعوا أو ان
الدجاجيل تزلفوا اليهم بذلك ولا ذنب لعلي . ولا عذرلهم إلا ما اختصه الله تعالى
من فضله اذ بلغ بسوابقه - في ايمانه وجهاده - منزلة عند الله ورسوله تقاصرت
لم يطيقوا الخصائص العليا التي كانت لعلي . فلم يصبروا عن تحويرها وتحريفها
عنها الاقران ونال ( بعلمه وعمله مخلصا لله ولرسلوله وللامة ) غاية
تطاولت اليها أعناق الاماني وشأوا تقطعت دونه المطامع .
فدبت بذلك له عقارب الحسد في قلوب المنافقين ( 1 ) .
وسادت في منافسيه آكلة الاكباد ( 2 ) فكشفوا لمناصبته وجوههم وقعدوا
له في كل مرصد مرهفين للمكر به كل حيلة ناصبين للبغي عليه كل احبولة
( والحاسد مغتاظ على من لا ذنب له ) ( 3 ) .
تطوروا في كيده اطوارا مختلفة ، نزعوا أيديهم من يده ، قطعوا رحمه
سلبوه سلطان ابن امه ( 4 ) هجروا السبب الذي أمروا بمودته ، نقلوا البناء عن
رص اساسه فبنوه في غير موضعه ( 5 ) تصغيرا منهم لعظيم منزلته واجماعا على
* ( هامش ) *
( 1 ) ان لبطل الاسلام بكل ما للبطولة من معان شريفة محمد بن أمير المؤمنين
المعروف بابن الحنفية كلاما في هذا المعنى يفرغ به الحقيقة لا ريب فيها فدع به ابن
الزبير أيام إمارته في الحجاز فبخعه ما اولى أهل البحث بالوقوف عليه ص 350 من
المجلد الاول من شرح النهج الحميدي .
( 2 ) تورية لطيفة .
( 3 ) هذا مثل معروف .
( 4 ) قال عليه السلام في كتاب كتبه إلى أخيه عقيل : فجزت قريشا عنى الجوازى
فقد قطعوا رحمي وسلبوني سلطان ابن أمي .
( 5 ) هذا مقتبس من الخطبة 146 من ص 48 والتي بعدها من الجزء الثاني من
نهج البلاغة . ( * )
ـ130ـ
منازعته أمرا أهوله ( 1 ) .
ثم كان من الناكثين والفاسقين والمارقين ما ملا الاجواء ، وطبق
الارض والسماء وما اكشفوا حتى : -
لعنوا أمير المؤمنين * كمثل اعلان الاقامة
وليتهم لم يتناولوا السنن المقدسة بتمزيق ما جاء منها في تفضيله حيث
حكموا - بغير دليل - على صحيحها بالوضع ، وعلى صريحها بالتأويل ، وعلى
رواتها بالرفض . وعلى اثباتها بالتضعيف ، فشوهوا كثيرا من خصائصها
الحسنى ، ومسخوا كثيرا من أمثالها العليا . وحرفوا كثيرا منها عن مواضعه
وصرفوا الكثير منها إلى غير اهله كما فصلناه في كتابنا " تحفة المحدثين " وكما يمثله
أبوهريرة في حديثه هذا إذ يقول بعثني أبوبكر اذ يقول : بعثني أبوبكر في
الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وآله قبل حجة الوداع بسنة في مؤذنين بعثهم
يوم النحر يؤذنون بمنى ، أن لايحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان
ثم أردف رسول الله بعلي بن أبي طالب فأذن معنا يوم النحر الحديث .
كان لم يكن لعلي بن أبي طالب في ذلك الموسم سوى انه اذن في معية
أبي هريرة ، ولا عجب من أبي هريرة في هذه الجرأة فانه كان بفتئت الاحاديث
فيقتها ويرتجلها ( 2 ) مزخرفة مزوقة على ريق لم يبلعه ونفس لم يقطعه فيخرجها
لرعاع الناس بالوشي الذي يحبه السواد الاعظم من العامة وتقتضيه السياسة
الغاشمة وتوجيه دعايتها الكاذبة .
ألا تراه كيف حرف الحديث عن موضعه ، وصرف الفضل فيه عن
أهله متقربا فيما حرف إلى اولياء الامور ، ومتحببا فيما صحف إلى سواد الجمهور
* ( هامش ) *
( 1 ) هذا مقتبس من الخطبة 167 من النهج أيضا .
( 2 ) يفتئتها بمعنى يبتدعها ، ويقتها بمعنى يزورها ويحسنها ، ويرتجلها بمعنى
يختلقها لساعته . ( * )
ـ131ـ
اختلق لهم ما يروقهم من تأمير أبي بكر الصديق .
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 131 سطر 1 الى ص 140 سطر 27
اختلق لهم ما يروقهم من تأمير أبي بكر الصديق .
وما أدراك ما فعل ؟ انه اخرس بذلك ألسنة الثقات الاثبات عن
معارضته ، وألجم أفواههم ان تنبس في بيان الحقيقة ببنت شفة خوفا من تألب
العامة ورعاع الناس . واشفاقا من نكال أولي الامر ووبالهم يومئذ ؟ وما ادراك
ما يومئذ ؟ ! .
اراد أبوهريرة بحديثه هذا أن يجتاح المقام المحمود الذي رفع الله ورسوله
يومئذ سمكة مقام أمير المؤمنين في ذلك الموسم إذ كان يرمي إلى امرين .
( احدهما ) ان المهمة التي جاء بها علي انما كان امرها بيد أبي بكر الصديق
بسبب امارته على الحج وولايته العامة تلك السنة على الموسم وان أبا بكر لم
يكتف بعلي في اداء المهمة حتى بعث أبا هريرة في رهط من امثاله الاقوياء
الاشداء ! اهتماما بأدائها .
( ثانيهما ) أنه لم يكن لعلي في تلك المهمة ! اكثر مما كان لابي هريرة وسائر
الرهط الذين بعثهم أبوبكر لانهم قاموا بأدائها كما قام علي معهم بذلك .
وحسبك في تزييف هذا ان الله تعالى لم ير أبا بكر نفسه أهلا لاداء هذه
المهمة فارجعه عنها واوكلها إلى احد كفئيها اللذين لا ثالث لهما اذ لم يكن لها ثمة
سوى النبي والوصي كما سمعت النص عليه اذ قال صلى الله عليه وآله : لابد ان اذهب بها أنا أو
تذهب بها أنت قال علي فان كان ولابد فأذهب بها أنا .
وقد روت الامة احاديث صحيحة صريحة في ذلك لا تزال تدوى
فتملا الخافقين .
على ان أبا هريرة كان قبل ان يتسخر لدعاية بني أمية يحدث عن هذه
المهمة فلا يؤمر أبا بكر ولا يأتي على ذكره ، وكان يضيف نفسه وسائر البعث
إلى علي ، فيزعم انه انما كان في البعث الذي كان في ركابه عليه السلام ، وقد مر عليك
حديثه في هذا فراجع .
ـ132ـ
والنفس لاتطمئن شهد الله بكلا حديثيه ولا بكونه ممن نادى يوم النحر
ولا بكونه ممن حضر الموسم ، ولا بشئ مما يرويه مطلقا والله على ما أقول وكيل
( المبحث الخامس ) : في الاشارة إلى ما جنته الدعاية السياسية على الآثار
النبوية وما اختلقته دجاجيلها تزلفا اليها وماروقوه ليشتروا به ثمنا قليلا وما
افتأتوه من الاسانيد تثبيتا لحديث حميد عن أبي هريرة .
كان وضع الحديث على عهد معاوية حرفة منمقة يتجر بها كل متزلف إلى
تلك الدولة وعمالها ، وكان لاولئك المتزلفين المتجرين لباقة في تزويق تجارتهم
وترويجها لا يشعر بها ( على عهدهم ) الا أولوا البصائر النافذة ، والاحلام
الراسخة - وقليل ماهم - وكان من ورائهم من يرفع ذكرهم من الخاصة ويروج
حديثهم من حفظة السنن ا لمستأجرين ، وحملة العلم المتزلفين ومن المرائين بالعبادة
والتقشف كحميد بن ع بدالرحمان ومحمد بن كعب القرظي وأمثالهما ، ومن زعماء
القبائل في الحواضر ، وشيوخ العشائر في البوادي ، وكان هؤلاء كلهم اذاسمعوا
ما يحدث به اولئك الدجالون روجوه عند العامة ، واذاعوه في رعاع الناس
( من مسلمي الفتوحات بعد النبي ) وخطبوا به على المنابر ، واتخذوه حجة ،
واعتدوه أصلا من الاصول المتبعة ، وكان الثقات الاثبات من سدنة الآثار
النبوية لا يسعهم في ذلك العهد الا السكوت عن معارضة اولئك المتزلفين
المؤيدين برعاية اولي الامر وعناية أهل الحول الطول ، فكان المساكين اذا
سئلوا عما يحدث به اولئك الدجالون يخافون - من مبادهة العامة بغيرها عندهم -
ان تقع فتنة عمياء بكماء صماء ، ولا سيما اذا كان الحديث موضوعا في فضل
الصديق والفاروق ، فكانوا يضطورن في الجواب إلى اللواذ ب المعاريض من
القول خوفا من تألب اولئك المتزلفين ومروجيهم من الخاصة ، وتألب من
ينعق معهم من العامة ورعاع الناس ، فضاعت بذلك حقائق ، وحفظت أباطيل
وكان هذا الباطل - أعني حديث حميد عن أبي هريرة - أوفرها حظا من كل
ـ133ـ
عدو لاهل البيت ، اختلفوا في سبيل تأييده احاديث ترادفه في معناه فركبوها
على اسانيد رفعوا أحدهاالى علي نفسه ، ورفعوا الثاني إلى ابن عمه وخريج
حوزته عبدالله بن العباس ، والثالث إلى وليه وخصيصه جابر بن عبدالله
الانصاري ، والرابع إلى حفيده ووارث علمه الامام أبي جعفر الباقر ، وهذه
مكيدة اعتادها خصوم علي فاستمرت عليها سيرتهم في مكابرة أهل البيت ،
ونكابة أوليائهم من حيث لا تشعر عامة الناس ، وجاء بعدهم قوم ممن جمعوا
الاخبار على علاتها فاغتروا بهم ، فأثبتوها فيما جمعوه وهم غافلون .
والآفة فيما أسندوه من هذا الباطل إلى علي أبوزرعة وهب بن راشد ،
وكان مفرطا في النصب ، أخذ عداوة بني هاشم وبغض علي بالخصوص عن
شيخه أبي يزيد يونس بن يزيد بن النجاد الابلى مولى معاوية بن أبي سفيان ( 1 )
وآفة ما أسندوه إلى ابن عباس أبوالقاسم مقسم بن مجزاة كان لا يكتم
عداوة أمير المؤمنين ، وقد اغتر الحاكم به لظنه أنه من رجال البخاري فأخرج
في ص 51 من الجزء 30 من مستدركه ما لفقه هذا النصب ( من امراة أبي بكر )
عن ابن عباس مع ان مقسما احد الضعفاء الذين نص البخاري على ضعفهم في
كتابه الذي افرده لهم ، وقد ترجمه الذهبي في الميزان فنقل تضعيفه عن البخاري
وعن ابن حزم " وترجمه ابن سعد في ص 346 من الجزء 5 من طباقته فقال :
وكان كثير الحديث ضعيفا .
( قلت ) : ولضعفه أعرض عنه الشيخان " فلم يرويا له شيئا نعم روى
* ( هامش ) *
( 1 ) ذكر أبونصر الكلاباذي وأبوبكر الاصبهاني وأبوالفضل الشيباني
المعروف بابن القيسراني كلهم يونس بن يزيد هذا في كتبهم التي ترجموا فيها رجال
الاسانيد فنصوا جميعا على انه من موالي معاوية بن أبي سفيان فراجع ص 485 من كتاب ابن القيسراني ، وهذا الاموي السفياني يونس الابلى هو الذي روى موت
أبي طالب على الكفر فيما أخرجه مسلم عنه في ص 30 من الجزء الاول من صحيحه
وهو شيخ ابي زرعة وهب ومربيه تستفيد ذلك من ترجمة وهب بن راشد في ميزان الذهبي ( * )
ـ134ـ
البخاري عن عبدالكريم بن مالك الجزري أنه سمع مقسما يقول : قال ابن عباس
لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والارجون إلى بدر .
وقد أورد البخاري هذا التفسير عن ابن عباس بواسطة مقسم في موضعين
من صحيحه احدهما في غزوة بدر ( 1 ) والثاني في تفسير سورة النساء ( 2 ) ولم
يرو عن مقسم في جميع صحيحه سوى هذا التفسير ، وانما رواه عنه مع جزمه
بضعفه لاجماع الامة على التسامح في أمثال هذا التفسير إذ لم يشتمل على حكم
شرعي ، على انه لم يرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليكون من السنن التي اشترط
صحتها كما لا يخفى .
وآفة مارفعوه إلى جابر بن عبدالله الانصاري أبوصالح اسحاق بن نجيح
الملطي ، فانه رجل سوء خبيث مفرط في الكذب ، جرئ على وضع الحديث
ساقط باجماع أهل الجرح والتعديل ، وقد ترجمه الذهبي في ميزانه ، فأورد ما
قاله الائمة في خبثه وكذبه ودجله .
وآفة ما أسندوه من هذا الباطل إلى الامام أبي جعفر الباقر " ع " محمد بن
اسحاق ، اذ أوردوه في سيرته التي شحتها بأباطيل ما انزل الله بها من سلطان .
وعلى كل : فالامر سهل في هذه الاضاليل ، لانحطاطها بانحطاط طرقها
عن درجة الاعتبار ، ولركة متونها ومناقضتها للصحيح الثابت عمن اسندت
اليهم ، بل لمناقضتها لما أوردناه في المبحث الثاني من حديث أبي بكر وعلى وابن
عباس وابن عمر وسعد وأنس ولا تتفق مع سيرة النبي في بعوثه صلى الله عليه وآله فانه ما أمر
على علي احدا مدة حياته بل كانت له الامرة ، وكان حامل لوائه في كل زحف
بخلاف غيره ، فان أبا بكر وعمر ومن دونهما كانوا - حين لحق النبي ( ص )
بالرفيق الاعلى - في بعث اسامة باجماع أهل الاخبار ، وكانا في غزوة
* ( هامش ) *
( 1 ) في الصفحة الثانية من الجزء الثالث من الصحيح .
( 2 ) ص 81 من الجزء نفسه . ( * )
ـ135ـ
ذات السلاسل في بعث عمرو بن العاص بالاتفاق ، ولهما قضية في تلك الغزوة
مع أميرها ابن العاص ( 1 ) .
اما علي فلم يكن طيلة حياة النبي تابعا لغيره صلى الله عليه وآله الا ترى أنه لم يرسله
في جيش اسامة ، ولا في جيش ابن العاص ، ولا في جيش أبي بكر وعمر حين
بعثهما إلى خيبر فلما رجعا وبعث عليا كانا كلاهما تحت لوائه حتى فتح الله عليه ،
ولما بعث خالد بن الوليد إلى اليمن بجيش وبعث عليا اليها بجيش آخر عهد اليهما
بأنه اذا التقيتما فعلي على الجيشين وان افترقتما فكل منكما على جيشه الحديث ( 2 )
وقد قال ابن عباس : ان لعلي اربع خصال ليست لاحد
هو اول عربي وعجمي صلى لله تعالى مع رسوله صلى الله عليه وآله وهو الذي كان
لواؤه معه في كل زحف الحديث ( 3 ) .
وقد مر عليك آنفا قول الحسن البصري ما أقول فيمن جمع الخصال
الاربع ائتمانه على براءة وما قال له رسول الله في غزوة تبوك إلى ان قال وانه
لم يؤمر عليه أمير قط وقد أمرت الامراء على غيره ، وهذا القدر كاف لما أردناه
في هذه العجالة ، والحمد لله على الهداية والتوفيق .
* ( 19 - الملائكة تكلم عمر ) *
أخرج البخاري ( 4 ) عن أبي هريرة مرفوعا : لقد كان فيمن كان قبلكم من
بني اسرائيل رجال يكلمون من غير ان يكونوا أنبياء فان يكن من أمتي منهم * ( هامش ) *
( 1 ) أخرجها الحاكم وصححها في ص 43 من الجزء الثالث من المستدرك
واوردها الذهبي فصححها ايضا في تلخيصه .
( 2 ) أخرجه الامام أحمد في ص 356 من الجزء الخامس من مسنده .
( 3 ) أخرجه الحاكم في ص 111 من الجزء الثالث من مستدركه .
( 4 ) في باب ( مناقب عمر ) في أول ص 194 من الجزء الثاني من صحيحه . ( * )
ـ136ـ
أحد فعمر اه ( 1 ) .
وأخرج البخاري ( 2 ) عن أبي هريرة مرفوعا أيضا قال : انه قد كان فيما
مضى قبلكم من الامم محئثون وانه ان كان في أمتي هذه منهم فانه عمر بن
الخطاب اه .
حديث مفترى صاغه أبوهريرة من زخرف القول - بعد وفاة عمر
بأعوام - فجاء مزوقا منمقا على ما تقتضيه سياسة الخاصة يومئذ مما تصفق له
العامة طربا ، فقد كان للخاصة من ساسة البغي الاموي مآرب ضد الوصي وآل
النبي لا تتم على زعمهم إلا برفع أبي بكر وعمر إلى مستوى الانبياء و المعصومين
وكان غوغاء الامة وسوادها مندفعين إلى ذلك كل الاندفاع بما فتح الله على
المسلمين في أيام الخليفتين ، فكان أبوهريرة يتزلف بهذا الحديث وأمثاله إلى
كل من سائس الامة ومسوسها ، وبهذا نال الحظوة من الخاصة والمنزلة في
نفوس العامة ، ولو حدث بهذه الاحاديث على عهد عمر لاخذت درة الخليفة
من ظهره مأخذها ، لكن خلا له الجو على عهد معاوية فجاء بمرمات الاخبار .
وقد علم اولوا الالباب أن من كان من الامم الماضية مكلما أو محدثا على
سبيل الحقيقة او على سبيل المجاز فإنما هم المعصومون كانوا جميعا بين نبي ووصي
* ( هامش ) *
( 1 ) قال القسطلاني في تفسير هذا الحديث من كتابه ارشاد الساري في شرح
صحيح البخاري ص 349 من جزئه السابع ما هذا لفظه : يكلمون بفتح اللام المشددة
تكلمهم الملائكة ( قال ) : وليس قوله : فان يكن . للترديد بل للتأكيد كقولك : ان
يكن لي صديق ففلان ، اذ المراد اختصاصه بكمال الصداقة لانفي الاصدقاء ( قال ) واذا ثبت ان هذا وجد في غير هذه الامة المفضولة فوجوده في هذه الامة الفاضلة
أحرى اه .
( 2 ) في ص 171 من الجزء الثاني من صحيحه بعد حديث أقرع وابرص واعمى
بمقدار صفحة من كتاب بدء الخلق وهو موجود في باب مناقب عمر من البخاري
أيضا ، واخرجه النسائي في المناقب . ( * )
ـ137ـ
نبي فالنبي تحدثه الملائكة وتكلمه على سبيل الحقيقة . والوصي يلهمه الله الحق
فيتجلى له كفلق الصبح لا يختلج فيه ريب حتى كأن ملكا حدثه به عن الله عزوجل
ولا محدث ولا مكلم في الحقيقة وإنا هو ما يلقيه الله تعالى في روعه من الصواب
ولا كلام في أن عم رقد توغل الدرجات الرفيعة في الاسلام . وبلغ
الاقدار الخطيرة في هذه الامة . لكنه لم يكن بنبي ولا بوصي ولا بمعصوم اجماعا
وقولا واحدا ، فلا تكلمه الملائكة على سبيل الحقيقة ، ولا تحدثه على سبيل
المجاز ، وإنما تحدث من كان في هذه الامة بمنزلة هارون أو كان في أقل المراتب
كيوشع أو شمعون .
على ان بوادر عمر - على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وبعده - لا تجتمع مع
كونه محدثا مطلقا .
* ( 20 - تركة النبي صدقة ) *
أخرج الشيخان ( 1 ) بالاسناد إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال :
لا يقتسم ورثتي دينارا ما تركت بعد نفقة نسائي ، ومؤنة عاملي ، فهو صدقة ! .
هذا مضمون الحديث الذي أنفرد أبوبكر بروايته عن رسول الله صلى الله عليه وآله
محتجا على عدم توريث الزهراء ، أخرجه الشيخان وغيرهما بالاسناد إلى
عائشة اذ قالت ( 2 ) ان فاطمة بنت النبي ارسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من
رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أبوبكر : ان رسول الله قال : لا نورث ما تركنا
* ( هامش ) *
( 1 ) راجع من صحيح البخاري ص 125 من جزئه الثاني في باب نفقة نساء
النبي بعد وفاته من كتاب الجهاد ، وراجع من صحيح مسلم ص 74 من جزئه الثاني في
آخر باب قول النبي : لانورث ما تركناه فهو صدقة .
( 2 ) كما في ص 37 والتي بعدها من الجزء الثالث من صحيح البخاري اثناء غزوة
خيبر وص 72 من الجزء الثاني من صحيح مسلم في باب قول النبي لا نورث ما تركناه
فهو صدقة من كتاب الجهاد والسير وص 6 من الجزء الاول من مسند احمد . ( * )
ـ138ـ
صدقة ( 1 ) قالت عائشة : فأبى أبوبكر أن يدفع منه شيئا فوجدت فاطمة على
أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله ستة أشهر فلما
توفيت دفنها زوجها علي ليلا ( بوصية منها ) ( 2 ) ولم يؤذن بها أبا بكر الحديث
وتراه صريحا بوجدها وغضبها وهجرها حتى توفيت عليها السلام .
نعم غضبت على اثارة ( 3 ) واستقلت غضبا ( 4 ) فلائت خمارها
واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمة في حفدتها ونساءها قومها ، تطأ ذيولها ما تخزم
مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من
المهاجرين والانصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة ( 5 ) ثم أتت أءنة أجهش لها
القوم بالبكاء وارتج المجلس فأمهلتهم حتى سكن نشيجهم وهدأت فورتهم افتتحت
الكلام بحمد الله عزوجل ثم انحدرت في خطبتها : * ( هامش ) *
( 1 ) هذا الحديث ردته الزهراء والائمة من بنيها وهو مع ذلك لا يصلح لان
يكون حجة عليها ، إبا ان يكون له لفظ صدقة مرفوعا على الاخبار به عن ما الموصولة
في قوله : ما تركناه ، ولا سبيل إلى اثبات مجيئه مرفوعا . ولعل ما الموصولة في محل
نصب على المفعولية بتركنا وصدقة حال من . ما فان الاموال التي تركها كان منها
ما هو ملكه ومنها ما هو صدقة يضعها في مواضعها فلعله خشى صلى الله عليه وآله ان يتوهم متوهم
بأن الانبياء يورثون كل ما كان في قبضتهم سواء أكان ملكهم ام كان صدقة فقال :
نحن لا نورث ما تركناه صدقة ، ليعلم ان حالهم في هذه المسألة حال الناس .
( 2 ) كما اعترف به شارحوا البخاري فراجع ص 157 من المجلد الثامن من كل
من ارشاد الساري وتحفة الباري اذ ينتهيان فيهما إلى هذا الحديث .
( 3 ) انما يقولون : غضب فلان على أثارة - بالفتح - إذا كان غضبه مسبوقا
بغضب كغضب الزهراء لارثها مسبوقا بغضبها لكشف بيتها .
( 4 ) انما يقولون : استقل غضبا ، اذا اشخصه فرط الغضب كما اشخص
الزهراء من بيتها حتى دخلت على الخليفة محتجة .
( 5 ) الملاءة : الازرار والربطة ذات لفقين . ( * )
ـ139ـ
تعظ القوم في أتم خطاب * حكت المصطفى به وحكاها
فخشعت الابصار . وبخعت النفوس ، ولولا السياسة ضاربة يومئذ بحرانها
لردت شوارد الاهواء ، وقادت حرون الشهوات ، لكنها السياسة توغل في
غاياتها لا تلوي على شئ .
ومن وقف على خطبتها في ذلك اليوم ( 1 ) عرف ما كان بينها وبين
القوم ( 2 ) حيث أقامت على ارثها آيات محكمات هن ( من ) ام الكتاب حججا
* ( هامش ) *
( 1 ) السلف من بني علي وفاطمة يروى خطبتها في ذلك اليوم لمن بعده ومن
بعده رواها لمن بعده ، حتى انتهت الينا يدا عن يد ، فنحن الفاطميين نرويها عن
آبائنا وآباؤنا يروونها عو آبائهم ، وهكذا كانت الحال في جميع الاجيال إلى زمن
الائمة من ابناء علي وفاطمة ودونكموها في كتاب احتجاج الطبرسي وفي بحار الانوار
وقد أخرجها من اثبات الجمهور واعلامهم ابوبكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في
كتاب السقيفة وفدك بطرق وأسانيد ينتهي بعضها إلى السسيدة زينب بنت علي
وفاطمة وبعضها إلى الامام أبي جعفر محمد الباقر ، وبعضها إلى عبدالله بن الحسن بن
الحسن يرفعونها جميعا إلى الزهراء كما في ص 87 من المجلد الرابع من شرح النهج
الحميدي ، وأخرجها أيضا أ بوعبدالله محمد بن عمران المرزباني بالاسناد إلى عروة
ابن الزبير عن عائشة ترفعها إلى الزهراء كما في ص 93 من المجلد الرابع من شرح النهج
واخرجها المرزباني أيضا كما في ص 94 من المجلد المذكور بالاسناد إلى أبي الحسين زيد
ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده يبلغ بها فاطمة عليها السلام ،
ونقل ثمة عن زيد انه قال رأيت مشائخ آل أبي طالب يرونها عن آبائهم ويعلمونها
أولادهم .
( 2 ) ومما كان بينها وبينهم ان قالت لابي بكر حين منعها ارثها : لئن مت اليوم
يا ابا بكر من يرثك ؟ قال ولدي واهلي ، قالت : فلم ورثت انت رسول الله دون ولده
واهله ؟ قال : ما فعلت يابنت رسول الله ، قالت : بلى عمدت إلى فدك وكانت
صافية لرسول الله فأخذتها منها وعمدت إلى ما انزل الله من السماء فرفعته عنا الحديث
أخرجه أبوبكر بن عبدالعزيز الجوهري في كتاب السقيفة وفدك ( كما في ص 87 -
ـ140ـ
لاترد ولا تكابر .
فكان مما أدلت به يومئذ أن قالت : أعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه
وراء ظهوركم ؟ إذ يقول ( وورث سليمان داود ) وقال فيما اقتص من خير
* ( هامش ) *
- من المجلد الرابع من شرح النهج ) بسنده إلى مولى ام هاني ، واخرجه الجوهري في
كتابه المذكور ( كما في ص 82 من المجلد الرابع من شرح النهج ) بالاسناد إلى ابي
سلمة ان فاطمة لما طلبت ارثها قال أبوبكر : سمعت رسول الله يقول : ان النبي
لايورث ولكني أعول من كان النبي يعوله وانفق على من كان النبي ينفق عليه ، فقالت
يا أبا بكر أيرثك بناتك ؟ ولا يرث رسول الله بناته ؟ فقال : هو ذاك ، وأخرج
الامام احمد بالاسناد إلى أبي سلمة نحوه فراجع ص 10 من الجزء الاول من مسنده
حيث أورد حديث أبي بكر ، واخرج الجوهري في كتاب السقيفة وفدك ايضا ( كما
في ص 81 من المجلد الرابع من شرح النهج ) بالاسناد إلى ام هاني بنت أبي طالب :
ان فاطمة قالت لابي بكر من يرثك اذا مت ؟ قال : ولدي واهلي ، قالت : فما لك ترث
رسول الله دوننا ؟ قال : يابنت رسول الله ما ورث أبوك شيئا . قالت : بلى سهم
الله الذي جعله لنا وصار فيأنا وهو الآن في يدك ، فقال لها : سمعت رسول الله يقول
انما هي طعمة اطعمناها الله فاذا مت كانت بين المسلمين ، وعن ابي الطفيل فيما اخرجه
الجوهري مثله ، والاخبار في هذا متواترة ولا سيما من طريق العترة الطاهرة وحسبك
خطبتها العصماء التي اشرنا اليها في الاصل ولها خطبة اخرى تتعلق بالخلافة أخرجها
الجوهري في كتاب السقيفة وفدك ( كما في ص 87 من المجلد الرابع من شرح النهج )
بالاسناد إلى عبدالله بن الحسن بن الحسن عن امه فاطمة بنت الحسين قالت : لما اشتد
بفاطمة بنت رسول الله الوجع وثقلت في علتها اجتمع عندها نساء المهاجرين
والانصار فقلن لها : كيف اصبحت يا بنت رسول الله ؟ قالت اصبحت والله عائفة
لدنياكن ، قالية لرجالكن ، الخطبة . وهي من ابلغ المأثور عن أهل البيت عليهم السلام
وقد أخرجها ايضا الامام أبوالفضل أحمد بن أبي طاهر في ص 23 من كتابه بلاغات
النساء بالاسناد إلى الزهراء واصحابنا يروونها بالاسناد إلى سويد بن غفلة بن عوسجة
الجعفي عن الزهراء ، وقد اوردها المجلسي في البحار والطبرسي في الاحتجاج . ( * )
ـ141ـ
زكريا ( فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربي رضيا )
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 141 سطر 1 الى ص 150 سطر 25
زكريا ( فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربي رضيا )
وقال ( واولوا الارحام بعضهم أولي بعض وفي كتاب الله ) وقال : ( يوصيكم الله
الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين ) وقال : ( كتب عليكم - اذا حضر
أحدكم الموت إن ترك خيرا - الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقا
على المتقين ) .
ثم قالت : أخصكم الله بآية أخرج بها أبي ؟ أم أنتم أعلم بخصوص
القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ؟ ! أم تقولون : أهل ملتين لا يتوارثان ؟
الخطبة . .
فانظر كيف احتجت أولا على توريث الانبياء بآيتي داود وزكريا
الصريحتين بتوريثهما ولعمري انها عليها السلام اعلم بمفاد القرآن ممن جاؤوا
متأخرين عن تنزيله فصرفوا الارث ها هنا إلى وراثة الحكمة والنبوة دون
الاموال تقديما للمجاز على الحقيقة بلا قرينة تصرف اللفظ عن معناه الحقيقي
المتبادر منه بمجرد الاطلاق وهذا مما لا يجوز ، ولو صح هذا التكلف لعارضها
به أبوبكر يومئذ أو غيره ممن كان في ذلك الحشد من المهاجرين والانصار
وغيرهم ( 1 ) على ان هناك قرائن تعين وراثة الاموال كما أفاده سيدنا علم الهدى
* ( هامش ) *
( 1 ) لكنهم لم يعارضوها يومئذ به ولا بشئ سوى المصادرة اذ احابها ابوبكر
بقوله : ياابنة رسول الله والله ما خلق الله خلقا احب الي من رسول الله ابيك ( ص )
ولوددت ان السماء وقعت على الارض يوم مات ابوك صلى الله عليه وآله والله لان تفتقر عائشة
أحب إلى من ان تفتقري اترينني اعطى الابيض والاحمر حقه واظلمك حقك ؟ وانت
بنت رسول الله وان هذا المال لم يكن للنبي وانما كان مالا من أموال المسلمين يحمل به
النبي الرجال وينفقه في سبيل الله فلما توفى وليته كما كان يليه . قالت والله لا كلمتك
ابدا . فلما حضرتها الوفاة اوصت ان لا يصلي عليها . الحديث أخرجه أبوبكر الجوهري
بهذه الالفاظ في كتاب السقيفة وفدك ( كما في ص 80 من المجلد الرابع من شرح - ( * )
ـ142ـ
في كتابه الشافي ( 1 ) .
واحتجت ثانيا على استحقاقها الارث من أبيها صلى الله عليه وآله بعموم آيات
المواريث وعموم آية الوصية منكرة عليهم تخصيص تلك العمومات بلا مخصص
شرعي من كتاب أو سنة ، وما اشد انكارها على وجود المخصص في الكتاب
إذ قالت : أخصكم الله بآية أخرج بها أبي ثم قالت . ام أنتم أعلم بخصوص القرآن
وعمومه من أبي وابن عمي ؟ فنفت بهذا الاستفهام التوبيخي وجود المخصص في
البينة بل نفت وجوده مطلقا ، إذ لو كان ثمة مخصص لبينه لها النبي والوصي
ويستحيل عليهما الجهل به لو كان في الواقع موجودا ولا يجوز عليهما أن يهملا
تبيينه لها لما في ذلك من التفريط في البلاغ والتسويف في الانذار والكتمان
للحق والاغراء بالجهل والتعريض لطلب الباطل والتغرير بكرامتها والتهاون في
صوتها عن المجادلة والمجابهة والبغضاء والعداوة بغير حق وكل ذلك محال ممتنع
على الانبياء وأوصيائهم عليهم السلام .
* ( هامش ) *
- النهج ) وتراه ما عارضها فيما فهمته من التوريث في آيتي داود وزكريا وإنما عارضها
بدعواه ان هذا المال لم يكن للنبي فلم تقنع منه إذ هي اعلم بشؤون أبيها ولا حول ولا
قوة إلا بالله العلي العظيم .
( 1 ) حيث اعتبر ( اعلى الله مقامه ) خوف زكريا من الموالي قرينة على انه انما
اراد وراثة الاموال لان الموالي كانوا ورثته اذ لم يكن له ولد وكانوا من سفهاء الفسقة
فلا يمكن ان يكونوا أنبياء ولا حكماء ليخاف ان يرثوا مكانته من العلم والحكم
والنبوة وإنما كان يخشى أن يرثوا امواله فيصرفوها في عيشهم وفسادهم فسأل ربه ان
يهب له ولدا ليكون احق بوراثة امواله منهم - واعتبر ايضا ( قدس الله سره ) شرط
زكريا على ربه أن يجعل وارثه رضيا قرينة أخرى على ارادة ارث المال اذ لو اراد
ارث النبوة لكان هذا الشرط لغوا وجهلا وكان جاريا فيه مجرى من يقول أللهم
أبعث لنا نبيا صادقا غير كاف . ( * )
ـ143ـ
الآباء الرحيمة اشفاقهم على ابنائهم البررة يؤويها إلى الوارف من ظلال رحمته
ويفديها بنفسه ( 1 ) مسترسلا اليها بأنسه ، وكان يحرص بكل مالديه على تأديبها
وتهذيبها وتعليمها وتكريمها حتى بلغ في ذلك كل غاية يزفها المعرفة بالله والعلم
بشرائعه زقا لا يألوا في ذلك حهدا ولا يدخر وسعا حتى عرج بهما إلى اوج
كل فضل ، ومستوى كل مكرمة فهل يمكن أن يكتم عليها أمرا يرجع إلى تكليفها
الشرعي ؟ حاشا لله وكيف يمكن أن يعرضها ( بسبب الكتان ) لكل ما أصابها
من بعده في سبيل الميراث بل يعرض الامة للفتنة التي ترتبت على منع أرثها ؟ .
وما بال بعلها خليل النبوة ، والمخصوص بالاخوة ، يجهل حديث : نحن
لانورث ( مع ما آتاه الله من العلم ، والحكم ، والسبق ، والصهر ، والقرابة
والكرامة ، والمنزلة ، والخصيصة ، والولاية ، والوصاية ، والنجوى ) وما بال
رسول الله ( ص ) يكتم ذلك عنه ، وهو حافظ سره ، وكاشف ضره ، وباب
مدينة علمه ، وباب دار حكمته ، واقضى أمته ، وباب حطتها ، وسفينة نجاتها
وامانها من الاختلاف ؟ . وما بال أبي الفضل العباس وهو صنو أبيه ، وبقية
السلف من أهليه ، لم يسمع بذلك الحديث ؟ وما بال الهاشميين كافة وهم عيبته
وبيضته التي تفقأت عنه لم يبلغهم الحديث حتى فوجئوا به بعد النبي صلى الله عليه وآله ؟ .
وما بال أمهات المؤمنين يجهلنه فيرسلن عثمان يسأل لهن ميراثهن من رسول الله
صلى الله عليه وآله ؟ ( 2 ) وكيف يجوز على رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبين هذا الحكم لغير الوارث
* ( هامش ) *
( 1 ) ذكرها صلى الله عليه وآله مرة فقال : فداؤها أبوها فداؤها أبوها فداؤها أبوها
( ثلاث مرات ) في حديث أخرجه الامام احمد بن حنبل ونقله عنه وعن غيره ابن
حجر في الامر الثاني من الامور التي ذكرها في خاتمة الآية الرابعة عشر من الآيات
التي أوردها في الفصل الاول من الباب الحادي عشر من صواعقه ص 109 .
( 2 ) فيما أخرجه أبوبكر الجوهري في كتاب السقيفة وفدك كما في ص 83 من
المجلد الرابع من شرح النهج الحميدي . ( * )
ـ144ـ
ويدع بيانه للوارث ؟ ما هكذا كانت سيرته صلى الله عليه وآله إذ يصدع بالاحكام فيبلغها
عن الله عزوجل ولا هذا هو المعروف عنه في انذار عشيرته الاقربين ، ولا
مشبه لما كان يعاملهم به من جميل الرعاية وجليل العناية .
بقى للطاهرة البتول كلمة استفزت بها حمية القوم ، واستثارت حفائظهم
بلغت بها ابعد الغايات ، ألا وهي قولها : أم تقولون أهل ملتين لا نتوارثان تريد
بهذا ان عمومات المواريث لاتتخصص بمثل ما زعمتم وإنما تتخصص بمثل قوله
صلى الله عليه وآله لاتوارث بين أهل ملتين واذن فهل تقولون ( إذ تمنعوني الارث من
أبي ) : اني لست على ملته فتكونون ( لو اثبتم خروجي من الملة ) على حجة
شرعية فيما تفعلون ؟ فانا لله وإنا اليه راجعون .
وبالجملة : اخفقت الزهراء يومئذ في طلبها بسبب هذا الحديث وقد انفرد
الخليفة به فلم يروه على عهده احد سواه ، وربما قيل بأنه قد رواه معه مالك بن
أوس بن الحدثان ( 1 ) .
نعم ذكروا أنه ترفع علي والعباس إلى عمر أيام خلافته وكان عنده
حينئذ عثمان و عبدالرحمن والزبير وسعد فقال لهم ( 2 ) هل تعلمون ان رسول الله
صلى الله عليه وآله قال : لا نورث ما تركنا صدقة ، فاضطر الرهط إلى التصديق ، ولم يسعهم
في تلك الظروف سوى الاذعان للخليفتين .
اما أبوهريرة لم يكن تلك الايام في عيرها ولا نفيرها ، ولا كان ممن
يصغى اليهم أو يؤبه بهم وكان متهما في لهجته ولا يجرأ مع وجود اولئك الاعلام
على الحديث ، ولا يرى في نفسه أهلية الانضواء إلى من ينتصر الخليفة بروايته
* ( هامش ) *
( 1 ) فيما نص عليه جماعة من الاثبات فراجع صفحة 91 من المجلد الرابع من
شرح النهج .
( 2 ) فيما أخرجه البخاري ص 124 من الجزء الثاني من صحيحه في باب
فرض الخمس . ( * )
ـ145ـ
لذلك لم ينبس في هذا الموضوع يومئذ ببنت شفة حتى ذهب معظم الصحابة
وفتحت الامصار كالشام ومصر وافريقيا والعراق وفارس والهند وغيرها ،
واسلم اهلوها جميعا ، فدخل المسلمون في دور جديد قد نوه بنو أمية فيه باسم
أبي هريرة ، واشادوا بذكره ، فأطلقوا عنه ربقة الخمول ، وكسوه نضرة بعد
الذبول ، فتسنى له حينئذ أن يقول ما شاء أن يقول ، فكان يحدث العامة وسواد
الناس بما يستوجب حبهم إياه وعطفهم عليه ، فكان هذا الحديث مما تزلف به
إلى ساسة الامة وسوقتها ، لما فيه من تأييد الخليفة المحبوب ، تأييده لدى الرأي
العام وجمهور المسلمين .
* ( 21 - أبوطالب أبى الشهادتين ) *
قال أبوهريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمه أبي طالب : قل لا إله إلا الله
أشهد لك بها يوم القيامة ، قال : لو لا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على
ذلك الجزع لاقررت بها عينيك ، فأنزل الله تعالى ( إنك لاتهدي من احببت
ولكن الله يهدي من يشاء ) اه .
وقال في مقام آخر : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمه عند الموت : قل لا إله
إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة فأبى ، قال : فانزل الله تعالى الحديث ( 1 ) .
ان أبا طالب رضوان الله وبركاته ورحمته عليه قضى في مكة سنة عشر
للبعثة قبل الهجرة بثلاث سنين ، وقيل بل قضى سنة تسع ، وقيل سنة ثمان قبل
قدوم أبي هريرة إلى الحجاز تعشر سنين في أقل ما يفرض فأين كان أبوهريرة
عن النبي وعمه صلى الله عليه وآله ؟ وهما يتبادلان الكلام الذي ارسله عنهما كأنه رآهما
بعينيه وسمع كلامهما بأذنيه ؟ نعوذ بالله ممن لم يكن لدينه ولا لعقله على لسانه رقيب
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه والذي قبله مسلم في ص 31 من الجزء الاول من صحيحه من طريقين
عن يزيد بن كيسان عن ابي حازم عن أبي هريرة . ( * )
ـ146ـ
إن هذا الحديث مما ارتجله المبطلون تزلفا لاعداء آل أبي طالب ، وعملت الدولة
الاموية في نشر أعمالها ، وقد كفانا السلف الصالح من أعلامنا مؤنة الاهتمام بتزييفه
وتلك مؤلفاتهم تثبت إيمانه بادلة لاتجحد ، وحجج لاتكابر نحيل عليها من أراد
الوقوف على الحقيقة ( 1 ) من شأن عم رسول الله ومربيه وكافله وحاميه المنادي :
* ( هامش ) *
( 1 ) حسبك منها كتاب الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب لمؤلفه
الامام شمس الدين ابي علي فخار بن الشريف معد الموسوي وهذا الكتاب طبع في
المطبعة العلوية في النجف الاشرف سنة 1351 وعليه تعليقة شريفة للشريف العلامة
البحاثة السيد الصادق الحسني الطبطبائي النجفي تصدى في آخرها لذكر المؤلفات في
هذا الموضوع ومؤلفيها ، فكان مما ذكره كتاب ولدى الاكبر ابي عبد الرؤوف
عافاه الله وشافاه ، قال الطبطبائي : وشيخ الابطح أبوطالب للعلامة السيد محمد
على آل شرف الدين الموسوي العاملي دام علاه طبع في بغداد سنة 1349
قال وهذا
الكتاب خير كتاب الف في هذا الموضوع حلل فيه نفسية شيخ الابطح وبين ماله
من الفضل وكبير القدر في جميع ادوار حياته ويحق ظهر للوجود وحيدا في بابه
تأريخيا فلسفيا علميا جيد التبويب والترتيب مفرغا في قالب بديع متين ، واسلوب
جذاب ، والفاط قوية بليغة اثبت ايمان ابي طالب " ع " واسلامه بادلة فطعت الخصام
وبراهين سطعت فأماطت عن وجه الحقيقة ستر الظلام ولذا لم يمض خمسة اشهر من
تاريخ طبعة ترجمة في لكنهور ( احدى حواضر الهند الكبرى ) العالم الفاضل السيد
ظفر مهدي إلى اللغة الهندية ( الاوردية ) ونشر بتلك اللغه ايضا ( أولا ) في الجزء
8 و 9 و 10 من المجلد الخامس من مجلة سهيل بمن طبعه ثانيا مستقلا . وتقديرا
لجهود مؤلفه الجليل اتيت بكلمتي هذه كما قدر جهوده قبلي جمهور من الاماثل فقد
اطلعت على الكتب التي جاءت للمولف من الاقطار في اطراء كتابه وهي كثيرة
وفيها التفاريظ القيمة من العلماء الاعلام ومن ملوك الاسلام ( فمنهم ) من آتاه الله من
فضله العلم والملك وجمع له بين السلطتين الدينية والزمنية عاهل اليمن الامام يحيى خلد الله
ملكه . وأما تقاريظ الصحف في العراق وسوريا ومصر ، فقد كانت حافلة بالشكر - ( * )
ـ147ـ
ياشاهد الله علي فاشهد * أني على دين النبي أحمد ( 1 )
ذي الايادي التي هي من المسلمين طوق الهوادي ، شيخ الاباطح
وبيضة البلد : -
لولاه ما شد أزر المسلمين ولا * عين الحنيفة سالت في مجاريها
آوى وحامى وساوى قيد طاقته * عن خير حاضرها طرا وباديها
ما كان ذاك الحفاظ المرأطة أر * حام وضرب عروق فار غاليها
بل للاله كما فاهت روائعه ال * عصماء في كل شطر من قوافيها
ضاقت بما رحبت أم القرى برسو * ل الله من بعده واسود ضاحيها
فانصاع يدعو له بالخير مبتهلا * بدعوة ليس بالمجبوه داعيها
لو لم تكن نفس عم المصطفى طهرت * ما فاه فوه بما فيه ينجيها
عاما قضى عمه فيه وزوجته * قضاه بالحزن يبكيه ويبكيها
اعظم بايمان مكي المصطفى سنة * أيامها البيض أدجى من لياليها
من صلبه انبثت الانوار قاطبة * فالمرتضى بدؤها والذخر تاليها ( 2 )
* ( 22 - الانذار يوم الدار ) *
أخرج الشيخان عن أبي هريرة ( 3 ) قال : قام رسول الله صلى الله عليه وآله حين
* ( هامش ) *
- والثناء والمدح والاطراء كثر الله في رجال العلم والعمل امثال السيد المؤلف ولا
حرم العالم الاسلامي من ثمرات جهوده وجزاه عن جده ابي طالب وعن الحقيقة خير
جزاء المحسنين .
( 1 ) ولابي طالب اشعار كثيرة سائرة تثبت ايمانه .
( 2 ) هذه الابيات من القصيدة العلوية العصماء ذات البروج لناظم عقودها
سلطان العلماء وامير الشعراء الشيخ عبدالحسين الصادق العاملي قدس سره .
( 3 ) راجع من صحيح البخاري ص 86 من جزئه الثاني في باب هل يدخل النساء - ( * )
ـ148ـ
أنزل الله عليه ( وانذر عشيرتك الاقربين ) فقال : يامعشر قريش لا أغنى
عنكم من الله شيئا . يابني عبد مناف لاأغنى عنكم من الله شيئا ، يا عباس لاأغنى
عنك من الله شيئا ، يافاطمة لاأغنى عنك من الله شيئا ، يافاطمة بنت محمد سليني
من مالي ي ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئا .
( قلت ) : هذه الآية إنما نزلت في مبدأ البعثة قبل ظهور الاسلام بمكة
حيث كان أبوهريرة في اليمن ، وإنما كان قدومه إلى الحجاز ، واسلامه بعد يزولها
بعشرين سنة تقريبا ، وقد بتر أبوهريرة هذا الحديث وحرفه عن مواضعه
جريا على مقتضيات السياسة السفيانية وموجبات دعايتها ضد الوصي وسائر
آل النبي فانه " ص " جمع عشريته الاقربين يوم نزول الآية وفيهم أعمامه أبوطالب
وحمزة والعباس رضى الله عنهم ، وأبولهب تبت يداه . فدعاهم إلى الله عزوجل
وكان مما قاله يومئذ لهم : فأيكم يوازرني على أمري هذا على ان يكون أخي
ووزيرري ووصيي ووارثي وخليفتي ؟ فقال علي وهو إذ ذاك أصغرهم : أنايا
نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ رسول الله " ص " حينئذ برقبته فقال : ان
هذا أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي فيكم فاسمعواله واطيعوا الحديث ( 1 )
* ( هامش ) *
- الولد في الاقارب من كتاب الوصايا حيث أخرجه ثمة من حديث الزهري عن
سعيد بن المسيب وابي سلمة عن أبي هريرة ، وأخرجه مسلم من طريق عبد الملك بن
عمير ومن طريق الزهري عن ابن المسيب وابي سلمة عن أبي هريرة ، وله طرق أخر
عن ابي هريرة في مسند احمد وغيره .
( 1 ) هذا الحديث من صحاح السنن كما بيناه في اول المبحث الثاني من ا لمراجعات
حيث فصلنا من أخرجه من اصحاب السنن والمسانيد وارباب السير والتواريخ من
المسلمين وغيرهم فلا مندوحة لكل بحاثة عن ( ا لمراجعات ) فان ثمة ماتشتهي الانفس
وتلذ الاعين . ( * )
ـ149ـ
* ( 23 - لعب الحبشة في المسجد عند النبي صلى الله عليه وآله ) *
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال : بينا الحيشة يلعبون في المسجد عند
النبي " ص " بحرابهم دخل عمر فأهوى إلى الحصى فحصبهم بها فقال النبي صلى الله عليه وآله
دعهم يا عمر الحديث ( 1 ) .
" قلت " : ان رسول الله " ص " أبعد عن اللعب ، وأرفع عن العبث
وأعرف بحرمات الله ورسوله من أن يوسع للجهال مجالا إلى اللهو في المسجد
بمحضر منه ، وان أوقاته الشريفة المفعمة بالمهمات الاخروية والدنيوية لا تتسع
للهو منها شئ ، وحاشا لله أن يشتغل مسجده الشريف بعبث أو لهو أو لغو
" كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا " .
* ( 24 - النسخ قبل حضور وقت العمل ) *
أخرج البخاري ( 2 ) عن أبي هريرة قال : بعثنا رسول الله في بعث فقال
صلى الله عليه وآله : إن وجدتم فلانا وفلانا فاحرقوهما بالنار ( قال ) : ثم قال رسول الله
صلى الله عليه وآله لنا حين أردنا الخروج أني امرتكم ان تحرقوا فلانا وفلانا وان النار لا
يعذب بها إلا الله تعالى فان وجدتموهما فاقتلوهما اه .
( قلت ) : هذا الحديث باطل ، لاشتماله على النسخ قبل حضور وقت
العمل وذلك محال على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وآله كما هو مقرر في محله فان
رسول الله حين قال : احرقوا فلانا وفلانا فانما قال ذلك عن الله عزوجل وما
* ( هامش ) *
( 1 ) في باب اللهو بالحراب ص 120 من الجزء الثاني من صحيحه في كتاب
الجهاد والسير .
( 2 ) في باب لا يعذب بعذاب الله ص 114 من الجزء الثاني من صحيحه في كتاب
الجهاد والسير . ( * )
ـ150ـ
ينطق عن الهوى أن هو إلا وحي يوحى فكيف يمكن نسخ هذا القول قبل
حضور وقت العمل به أليس نسخه والحال هذه مسلتزما للجهل ؟ تعالى الله عما
يقول الظالمون علوا كبيرا .
* ( 25 - ايقاع الفعل في وقت لا يسعه ) *
أخرج البخاري عن أبي هريرة يرفعه قال : خفف على داود القرآن
فكان يأمر بدابته فتسرح فيقرأ القرآن قبل أن تسرج ، الحديث ( 1 ) .
( قلت ) : هذا محال من وجهين : -
أحدهما : ان القرآن انما انزل على خاتم الانبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله وقبله
لم يكن . فكيف يقرؤه داود عليه السلام .
أجابوا بأن المراد بالقرآن هنا إنما هو الزبور والتوراة وانه إنما سماه قرآنا
لوقوع المعجزة بهما كوقوعهما بالقرآن فيكون المراد به مصدر القراءة لا القرآن
المنزل على محمد صلى الله عليه وآله ( 2 ) .
قلت : في هذا الجواب نظر ، إذ حملوا فيه كلام أبي هريرة على مالم
يقصده والله أعلم .
ثانيهما : ان مدة اسراج الدابة لتضيق عن قراءة القرآن ، سواء أريد به
المنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله أم أريد به الزبور والتوراة ، ومن المقرر بحكم
الضرورة العقلية امتناع وقوع الفعل في وقت لا يسعه ، وهذا مما لا سبيل إلى
التشكيك فيه أبدا .
* ( هامش ) *
( 1 ) راجعه في باب قوله تعالى : ( وآتينا داود زبورا ) ص 101 من الجزء
الثالث من صحيحه في كتاب تفسير القرآن ، وتجده ايضا في احاديث الانبياء " ع "
ص 164 من الجزء الثاني من صحيحه في كتاب بدء الخلق .
( 2 ) تجد هذا الجواب في اول ص 500 من الجزء الثامن من ارشاد الساري
عند انتهائه إلى هذا الحديث من شرح صحيح البخاري . ( * )
ـ151ـ
واذن لا يؤبه بما ذكره العلامة القسطلاني في هذا المقام من ارشاد
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 151 سطر 1 الى ص 160 سطر 26
واذن لا يؤبه بما ذكره العلامة القسطلاني في هذا المقام من ارشاد
ساري إذ قال ( 1 ) وقد دل هذا الحديث على ان الله تعالى يطوى الزمان لمن
شاء من عباده كما يطوي المكان لهم ( قال ) : قال النووي إن بعضهم كان يقرأ
أربع ختمات بالليل واربعا بالنهار . ولقد رأيت أبا الطاهر بالقدس الشريف
سنة سبع وثمان مائة وسمعت عنه إذ ذاك أنه كان يقرأ فيهما اكثر من
عشر ختمات بل قال لي شيخ الاسلام البرهان بن أبي شريف أدام الله النفع
بعلومه عنه أنه كان يقرأ خمس عشرة ختمة في اليوم والليلة ( قال ) : وهذا
باب لاسبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني انتهى بلفظه .
( قلت ) : بل لاسبيل إلى امكانه إلا اذا امكن وضع الدنيا على سعتها في
البيضة على ضيقها .
وألوا الالباب يعلمون ان طي الزمان وطي المكان كليهما مما لا حقيقة
له ، ولو فرض وقوعهما فلا وجه لطي الزمان اذ بطيه يزداد الاشكال .
نعم لو قال بطي الكلام في هذا المقام لكان أنسب لمراده وان كان باطلا .
ولا يمكن أن يكون ما نقله في هذا الحديث عن داود معجزة له عليه السلام
لان معجزات الانبياء خوارق للعادة وهذا خارق للعقل كما لا يخفى .
* ( 26 - أمة مسخت فأرا ) *
أخرج الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا ( 1 ) قال : امة من بني
* ( هامش ) *
( 1 ) في ص 182 من جزئه السابع حيث تكلم في شرح هذا الحديث فراجع
وحين تكلم في شرحه ايضا في ص 500 من الجزء الثامن اعاد هذه القصص وزاد ان
رجلا من اليمن ختم القرآن في شوط واحد من اشواط الطواف أو في اسبوع
فتأمل واعجب .
( 1 ) في ص 149 من الجزء الثاني من صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق ، وفي
باب الفأر وأنه مسخ ص 536 من الجزء الثاني من صحيح مسلم . ( * )
ـ152ـ
لا تدري ما فعلت وإني لا أراها الا الفأر إذا وضع لها البان الابل لم
تشرب وإذا وع لها ألبان الشاة شربت ( 1 ) الحديث .
( قلت ) : هذا من السخافة بمثابة تربا عنها الامة الوكعاء إلا أن تكون
مدخولة العقل ، لكن الشيخين يلبسان هذا المخرف على عثيثته ( 2 ) ويحتجان به
على سخافته ولو أن هذا لا يعود على الاسلام بوصمة لقدناه حبله لكنها
السنة المعصومة يجب الذود عن حياضها بكل ما أوتي المسلم من قوة علمية
وعملية . فان هذه الخرافات من اعظم ما مني به الاسلام من الآفات فانا لله وانا
اليه راجعون .
* ( 27 - المكروه عليه فاعتذر بسماعه من الفضل ) *
أخرج مسلم من طريق عبدالملك بن أبي بكر بن عبدالرحمن عن أبي بكر
قال : سمعت أبا هريرة يقص في قصصه ( 3 ) : من أدركه الفجر جنبا فلا يصم ،
قال : فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحرث لابيه ( 4 ) فأنكر ذلك فانطلق
عبدالرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة فسألها عبدالرحمن
عن ذلك قال : فكلتاهما قالت : كان النبي صلى الله عليه وآله يصبح جنبا من غير حلم ( 5 ) ثم
* ( هامش ) *
( 1 ) أين أولوا الالباب ينظرون إلى هذا التخريف في أصل الدعوى وفي
دليلها وقد لا يخفز أن الدليل أظهر في السخافة من جهات شتى .
( 2 ) أي فساد عقله .
( 3 ) لا يخفى ازدراؤه بأبي هريرة إذ جعله قصاصا ، والقصاص في اللغة ما يقرأ
القصص في مجتمعات الناس ليأخذهم منهم الجزاء عليها واكثر القصاصين مخرفون .
( 4 ) هكذا هو في جميع النسخ وهو صحيح ومعناه ذكره ابوبكر لابيه
عبدالرحمن فقوله لابيه بدل من عبدالرحمن لاعادة حرف الجر .
( 5 ) ان رسول الله صلى الله عليه وآله أجل وأفضل وأكمل مما يظنون وحاشاه أن يصبح
جنبا ولا سيما في ايام الصوم والانبياء لا يجوز عليهم الاحتلام لانه من تلاعب
الشيطان وهم منزهون عنه . ( * )
ـ153ـ
يصوم قال فانطلقنا حتى دخلنا على مروان وهو والي المدينة من قبل معاوية
فذكر ذلك له عبدالرحمن فقال مروان : عزمت عليك الا ماذهبت إلى أبي
فقال أبوهريرة أهما قالتا لك ؟ قال : نعم ، قال هما اعلم ، ثم رد أبوهريرة ما
كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس فقال : سمعت ذلك من الفضل ولم اسمعه
من النبي صلى الله عليه وآله قال : فرجع أبوهريرة عما كان يقول الحديث ( 2 ) .
قلت : من المعلوم أن الفضل بن العباس قد توفى على عهد أبي بكر ( 3 )
وهذه القضية انما كانت على عهد معاوية ( 4 ) وبهذا تسنى لابي هريرة أن يقول
سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله ولو كان الفضل حيا ما اجترأ عليه .
* ( 28 - حديثان متناقضان ) *
أخرج البخاري ( 5 ) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا لا
* ( هامش ) *
( 1 ) أراد مروان بهذا النصح لابي هريرة اشفاقا عليه من الفضيحة إذا لم يتدارك
خطأه قبل أن يتسع الفتق .
( 2 ) تجده في باب : صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو بجنب صفحة 412 من
الجزء الاول من صحيح مسلم في كتاب الصوم فراجع .
( 3 ) هذا هو الصحيح ، وقيل مات على عهد عمر وعلى كل فقد مات قبل هذه
الواقعة باجماع اهل الاخبار فراجع ترجمة في الاستيعاب والاصابة واسد الغاية
وطبقات ابن سعد وغيرها .
( 4 ) حيث كان مروان واليا على المدينة من قبل معاوية كما سمعت النص عليه في هذا الحديث .
( 5 ) في لاهامة ص 15 من الجزء الرابع من صحيحه في أواخر كتاب
الطب ، وأخرجه مسلم ايضا في باب لا عدوى ولا طيرة في ص 258 والتي بعدها
من الجزء الثاني من صحيحه . ( * )
ـ154ـ
عدوى ولا صفر ( 1 ) ولاهامة ( 2 ) قال فقال اعرابي يارسول الله فما بال الابل
تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الاجرب فيجربها ؟ . فقال رسول الله
صلى الله عليه وآله فمن اعدى الاول ؟ .
أورد البخاري هذا الحديث ثم روى بعده بلا فصل عن أبي سلمة أنه سمع
أبا هريرة فيما بعد يحدث فيقول قال النبي صلى الله عليه وآله لا يوردن ممرض على مصح
فقال أبوسملة يا أبا هريرة ألم تحدث أنه لا عدوى قال فانكر حديثه الاول ( 3 )
ورطن بالحبشة ( 4 ) .
" قلت " : هذا شأن من لا تتساير خيلاه ( 5 ) وكفى بذابلاغا للناس
( ولينذروا به - وليذكر اولوا الالباب ) .
* ( 29 - مولودان يتكلمان ب المغيبات ) *
أخرج الشيخان ( 6 ) عن أبي هريرة مرفوعا من حديث قال فيه : وكان
* ( هامش ) *
( 1 ) لعله نفى لما يتوهم من حصول الدواهي في شهر صفر او في آخر اربعاء منه .
( 2 ) الهامة : بتخفيف الميم على الافصح طائر كان اهل الجاهلية يزعمون ان
روح الميت وقيل عظامه تنقلب هامة ، فابطل الاسلام هذه الخرافة ، وقد يقال ان
الهامة هنا هي البومة يتشاءمون بها ، فأبطل هذا التشاؤم .
( 3 ) قد اتسع الخرق ( بانكاره ) على الواقع إذ لا محل بعده لتأويل الحديثين
بحملهما على وجه يرتفع به تناقضهما كما لا يخفى .
( 4 ) إنما رطن بالحبشة حيث ارتجت عليه العربية فأخذ من جميع نواحيه فلم
يجد سبيلا إلا الرطانة .
( 5 ) أي لا تسير في طريق واحد والمراد انه لا يوثق بأقواله لتناقضها .
( 6 ) راجع باب ، واذكر في الكتاب مريم ص 167 من الجزء الثاني من
صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق واخرجه ايضا في ص 49 من الجزء الثاني وفي
ص 143 من الجزء الاول ، اما مسلم فاخرجه في ص 377 من الجزء الثاني من صحيحه
في باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها من كتاب البر والصلة والآداب ( * )
ـ155ـ
في بني اسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلى فجاءته أمه فدعته فقال أجيبها
أو أصلى ؟ فقالت امه أللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات " قال وكان
جريج في صومعته " فتعرضت له امرأة فأبى فأتت راعيا فأمكنته من نفسها
فولدت غلاما فقالت من جريج فاتوه فكسروا صومعته وانزلوه وسبوه
فتوضأ ! ( 1 ) وصلى ثم اتى الغلام فقال من أبوك ياغلام ؟ فقال " الغلام ان
أبي لهو " الراعي ! قالوا نبني صومعتك من ذهب قال لا إلا من طين " قال أبو
هريرة " وكانت امرأة ترضع ابنها لها من بني اسرائيل فمر بها رجل راكب
ذو شاة . فقالت أللهم اجعل ابني مثله فترك ثديها واقبل على الراكب فقال :
أللهم لا تجعلني مثله ! ثم اقبل على ثديها يمصه قال " أبوهريرة " كأني انظر إلى
النبي " ص " يمص اصبعه ! ثم مرت أم الغلام بأمة فقالت أللهم لانجعل ابني مثل
هذه فترك الغلام ثدي أمه فقال أللهم اجعلني مثلها ! فقالت له أمه لم ذاك ؟ فقال
لها : الراكب جبار من الجبار من الجبابرة وهذه الامة يقول لها الناس سرقت زينب ولم تفعل اه .
" قلت " : لم يكن جريج من الانبياء ، وكذلك هذان الطفلان ، فلا يمكن
أن تصدر على ايديهم خوارق العادات ، فان الخوارق انما تكون من النبيين في
مقام تعجيز البشر اثباتا لنبوتهم كما هو مقرر في محله وكلام هذين المولودين
واخبارهما ب المغيبات مما تأباه فطرة اله " التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله
ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لايعلمون " .
* ( 30 - توكيله بحفظ زكاة الفطرة ومجئ الشيطان
في ثلاث ليالي ليسرق منها ) *
أخرج البخاري بسنده ( 2 ) إلى أبي هريرة قال : وكلمني رسول الله صلى الله عليه وآله
* ( هامش ) *
( 1 ) كأن أبا هريرة لم يعلم ان الوضوء لم يكن مشروعا قبل الاسلام .
( 2 ) في الصفحة الثانية من كتاب الوكالة وهي ص 29 من الجزء الثاني من صحيحه ( * )
ـ156ـ
بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت والله لارفعنك
إلى رسول الله قال أني محتاج وعلى عيال ولي حاجة شديدة ، قال : فخليت
عنه ، فأصبحت فقال النبي " ص " يا أبا هريرة ما فعل اسيرك البارحة ؟ فقلت :
يارسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله ، قال " ص " اما انه
قد كذبك وسيعود قال فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لارفعنك إلى
رسول الله قال : دعني فاني محتاج وعلى عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله ،
فأصبحت فقال لي رسول الله : يا أبا هريرة ما فعل اسيرك البارحة ؟ قلت
يارسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته ! فخليت سبيله ! قال " ص " اما
أنه قد كذبك وسيعود ، قال : فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته
فقلت لارفعنك إلى رسول الله قال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها اذا آويت
إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فانك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك
شيطان حتى تصبح ! فخليت سبيله فلما أصبحت قال لي رسول الله ما فعل أسيرك
البارحة ؟ فحكيت له القصة فقال أتعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟
قلت لا قال " ص " : ذلك الشيطان ! اه .
" أقول " : هذه خرافة لا يصغى اليها من رك عقله ، وطفئت شعلة
ذهنه ، تدهور أبو هريرة بها في مهواة سحيقة فان رحمة هذا السارق فرع تصديقه
وفي تصديقه تكذيب لقول رسول الله صلى الله عليه وآله : أما انه قد كذبك ، يكرر ذلك
ثلاث مرات .
وكبا أبوهريرة في هذا الحديث ليديه وفمه من جهة أخرى : اذ حلف
بالله ليرفعنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فحنث ولم يرفعه بل خلى عنه ورحمه أولا وثانيا
وثالثا . فهل كان الحنث بالايمان على رأي أبي هريرة مباحا ؟ .
وهناك سقطة ثالثة وعثرة لاتقال اذ لم يكن أبوهريرة وكيلا بالعطاء
ـ157ـ
وانما كان - فيما زعم - وكيلا بحفظ الزكاة ( 1 ) فكيف ترك هذا السارق يأخذ
منها ؟ ! وهل يجوز للوكيل بحفظ الشئ أن يتسامح في حفظه أولا وثانيا وثالثا ؟
وهل هذا التسامح من الامانة في شئ ؟ ! .
وما أغرب ما يحدثنا به أبوهريرة عن شياطينه - وكل ما انفرد به أبو
هريرة غريب - تارة يزعم أنهم يسرقون الطعام لعيالهم وأخرى ان لهم ضراطا
اذا سمعوا الاذان ، وثالثة أنهم يربطون بسارية المسجد فتراهم الناس موثوقين ،
إلى غير ذلك من القصص التي يربأ أولو العقول الوافرة ، والاذهان النيرة عن
سماعها ، نعوذ بالله من سبات العقل ، وضعف التمييز .
* ( 31 - اسلام امه بدعاء النبي ، ودعاؤه صلى الله عليه وآله بأن يجيبهما
إلى المؤمنين ويجيب المؤمنوين اليهما )
أخرج مسلم ( 2 ) بسنده إلى أبي هريرة قال : كنت ادعو أمي إلى الاسلام
وهي مشركة فدعوتها يوما فاسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وآله ما أكره فأتيت رسول الله
وانا باكي قلت يارسول الله اسمعتني امي فيك ما اكره فادع الله أن يهديها
* ( هامش ) *
( 1 ) كما هو صريح قوله في اول هذا الحديث : وكلني رسول الله بحفظ زكاة
رمضان . وقد صرح الزركشي وغيره ان ابا هريرة لم يكن وكيلا بالعطاء بل بالحفظ
خاصة فراجع صفحة 231 من الجزء الخامس من ارشاد الساري للقسطلاني اثناء
شرحه لهذا الحديث .
( 2 ) في باب فضائل ابي هريرة ص 357 من الجزء الثاني من صحيحه ، واخرجه
الامام احمد من حديث ابي هريرة في آخر ص 319 من الجزء الثاني من مسنده ،
واخرجه ابن سعد في ترجمة ابي هريرة ص 54 من القسم الثاني من الجزء الرابع من
طبقاته ، ونقله ابن حجر العسقلاني في ترجمة اميمة بنت صفيح من اصابته عن مسلم
ونقله في ترجمة ابي هريرة من الاصابة ايضا عن احمد بن حنبل والحديث موجود في
الجمع بين الصحيحين والجمع بين الصحاح الستة . ( * )
ـ158ـ
فقال صلى الله عليه وآله أللهم اهد أم أبي هريرة فخرجت مستبشرا فلما بلغت الباب فاذا هو
مجاف ( 1 ) فسمعت امي وطئ قدمي فقالت : مانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة
الماء فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت
يا أبا هريرة اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، قال فرجعت
إلى رسول الله وأنا أبكي من الفرح فقلت يارسول الله ابشر قد استجاب الله
دعوتك فهدى أم أبي هريرة فحمد الله واثنى عليه وقال خيرا قال قلت
يارسول الله ادع الله ان يحببني انا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم الينا قال :
فقال رسول الله أللهم حبب عبيدك هذا وامه إلى عبادك المؤمنين وحبب اليهم
المؤمنين فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني الا احبني اه .
( قلت ) : في هذا الحديث نظر من وجوه : أحدهما : أنه لم يروه عن رسول الله صلى الله عليه وآله سوى أبي هريرة فهو اذن
معطوف على سائر ماانفرد به .
ثانيهما : أنه اذا كانت امه على الحال التي ذكرها من الاصرار على الشرك
والامعان في الكفر تأبى الاسلام وتنال من رسول الله صلى الله عليه وآله اذا دعيت اليه
فبأي أمل هجرت النبي ومحل نصرته صلى الله عليه وآله ؟ وهلا بقيت وحالهاهذه - في أوطانها
عاكفة في أوثانها ؟ اسوة بأهل اليمن في ذلك الزمن فماذا يقول اولياء أبي
هريرة في الجواب عن هذا ؟ وليخبروني هل لديهم عن أم أبي هريرة شئ يسند
إلى غير أبي هريرة من هجرتها واسلامها وسائر شؤونها فان كان لديهم شئ من
ذلك فليرشدونا اليه فاني كما يشهد الله لم اجد فيمن كانت له صحبة أحدا ذكر أم
أبي هريرة بشئ ما سوى الخليفة الثاني حين عزل أبا هريرة عن البحرين فقال
له ما رجعت بك اميمة الا لرعية الحمر وهذا يدل على اكثر من معرفة اسمها * ( هامش ) *
( 1 ) مأخوذ من اجاف الباب اي ردها . ( * )
ـ159ـ
اما أصحاب المعاجم والتراجم فقد يذكروونها معتمدين فيما ينقلونه من أحوالها على
أبي هريرة لاغير كما لا يخفى .
ثالثها : أن أبا هريرة كان من اشد مساكين الصفة فاقة وفقرا يلتمس في
الطريق صدقة تمسك رمقه كما مر عليك في أحواله على عهد النبوة وقد سمعت
ثمة قوله رأيتني واني لاخر فيما بين منبر رسول الله إلى حجرة عائشة مغشيا على
فيجئ الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى اني مجنون وما بي من جنون ما بي الا
الجوع . وسمعت اعترافه بأنه وسائر أهل الصفة كانوا ضيوف الاسلام
لا يأوون إلى احد ولا على أحد اذ لم تكن لهم منازل يأوون اليها فكانوا ينامون
في المسد مثواهم ليلا ونهارا وأبوهريرة كان
اشهر من سكن الصفة واستوطنها طول عمر النبي ولم ينقل عنها حتى مضى صلى الله عليه وآله
لسبيله كما سمعت مفصلا بل كان عريف من سكن الصفة من القاطنين ومن نزلها
من الطارقين ، فمن أين له البيت الذي ذكره في حديثه هذا يا أولي الالباب ؟ .
رابعها : لو صح ما قاله أبوهريرة في هذا الحديث لكان من أعلام
النبوة وآيات الاسلام وادلة أهل الحق حيث استجاب الله دعاء النبي صلى الله عليه وآله على
سبيل الفور فهدى الله به أم أبي هريرة وقلب حقيقتها فانها بينا كانت تمعن في
الكفر وتسترسل في الضلال اذا هي من المؤمنات القانتات المؤدبات بالآداب
الشرعية ( 1 ) واعلام النبوة كلها متواترة يحدث بها كبار الصحابة وصغارهم فما
بالهم يعرضون عن هذه الآية فلم يروها منهم سوى أبي هريرة لو كانت صحيحة .
خامسها : لو صح ما زعمه أبوهريرة من دعاء النبي له ولامه بأن يحببها
إلى المؤمنين ويحبب المؤمنين ليهما لاحبه أهل بيت النبوة وموضع الرسالة فانهم
سادة مؤمنين وقادة أهل الملة والدين فما بال أئمتهم الاثنى عشر وسائر علمائهم
* ( هامش ) *
( 1 ) يدلك على آدابها ما سمعته من غسلها ولبسها درعها قبل فتح الباب وعجلتها
عن خمارها . ( * )
ـ160ـ
يرذلونه ويسقطون حديثه ؟ ولا يأبهون بشئ مما انفرد به حتى قال أمير المؤمنين
عليه السلام ( 1 ) : ألا إن أكذب الناس أو قال : أكذب الاحياء على
رسول الله صلى الله عليه وآله لابو هريرة الدوسي .
ولو كان أبوهريرة في حب أمير المؤمنين اياه وحبه اياهم كما زعم لما
قال له عمر حين عزله عن البحرين ( 2 ) : يا عدو الله وعدو كتابه سرقت مال
الله الخ . فكيف يكون عدو الله وعئو كتابه محبا للمؤمنين كافة ومحبوبا منهم
جميعا ؟ وقد ضربه عمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله بين ثدييه ( 3 ) ضربة خر بها
لاسته ، وضربه بالدرة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أدمى ظهره وانتزع منه
عشرة آلاف سرقها من مال المسلمين فأرجعها إلى بيت المال ، وضربه مرة ثالثة
حين قال له ( 4 ) : أكثرت يا أبا هريرة من الرواية وأحر بك أن تكون كاذبا
على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال له مرة متغيظا : لتتركن الحديث أو لالحقنك بأرض
دوس أو بأرض القردة ( 5 ) .
وهناك نوادر كانت بينه وبين كل من عبدالله بن عباس وعائشة وغيرهما
لا تجتمع مع تبادل المحبة بينه وبينهم أبدا .
نعم كانت المحبة متبادلة في آخر أمره بينه وبين آل أبي العاص وآل أبي
معيط وآل أبي سفيان ، حببه اليهم حديثه إذ وجدوا فيه ضالتهم المنشودة
* ( هامش ) *
( 1 ) في هذا المعنى أخبار متواترة عن ائمة العترة الطاهرة وقد أرسل هذه
الكلمة عن أمير المؤمنين عليه السلام بالخصوص اام المعتزلة أبوجعفر الاسكافي
كما في ص 360 من المجلد الاول من شرح النهج الحميدي .
( 2 ) مر عليك حديث عزله في أحوال أبي هريرة على عهد الخليفتين .
( 3 ) فيما اخرجه مسلم في ص 34 من الجزء الاول من صحيحه .
( 4 ) كما في ص 360 من المجلد الاول من شرح النهج الحميدي .
( 5 ) اخرجه ابن عساكر من حديث السائب بن يزيد وهو الحديث 4857 في
ص 239 من الجزء الخامس من كنز العمال . ( * )
ـ161ـ
لدعايتهم الكاذبة وحببهم اليه سوابغ نعمهم عليه إذ أنعشوه بعد الخمول وأنالوه
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 161 سطر 1 الى ص 170 سطر 25
لدعايتهم الكاذبة وحببهم اليه سوابغ نعمهم عليه إذ أنعشوه بعد الخمول وأنالوه
النضرة بعد الذبول ، كان مروان بن الحكم يستخلفه على المدينة ( 1 ) كلما غاب
عنها ، وهو الذي زوجه بسرة بنت غزوان ( 2 ) وما كان ليرمقها بطرفه لو لا
آل أبي العاص وآل أبي سفيان ، ولما مرض مرض الموت كان مروان يبره
ويصله وكان مشفقا عليه فان يدعو له بالشفاء حين يعوده وقد عاده في آخر
أيام حياته فلما انصرف عنه أدركه إنسان فقال له ( 3 ) : قضى أبوهريرة ، وحين
حمل نعشه كان مروان أمام الجنازة ( 4 ) وكان أبناء عثمان يحملون النعش حتى
بلغوا به البغيع فصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، ونعاه إلى عمه معاوية
فامره أن يدفع إلى ورثته عشرة آلاف وان يحسن جوارهم ، وهذه صورة تريك
عطفهم عليه ، ومزيد إحسانهم اليه ، وتلمسك انقطاعه اليهم وعكوفه عليهم فهل
كنوا في أصطلاح أبي هريرة هم المؤمنين ؟ الذين حببهم الله اليه . وحببه اليهم ؟ .
* ( 32 - غلام أبي هريرة في هجرته ! ! ) *
أخرج البخاري ( 5 ) بسنده إلى أبي هريرة . قال : لما قدمت على النبي صلى الله عليه وآله
قلت في الطريق :
ياليلة من طولها وعنائها * على أنها من دارة الكفر نجت
قال : وابق غلام لي في الطريق فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وآله فبايعته فبينما
* ( هامش ) *
( 1 ) كما اخرجه في ترجمة أبي هريرة كل من ابن سعد في طبقاته وابن قتيبة في
معارفه ، ورواه احمد بن حنبل في مسنده كما بيناه إذ ذكرنا أيادي بني امية عليه .
( 2 ) نعرف ذلك من ترجمة بسرة في اصابة ابن حجر .
( 3 ) فيما اخرجه ابن سعد في ترجمة أبي هريرة من طبقاته .
( 4 ) كما اخرجه ابن سعد في ترجمة ابي هريرة من الطبقات .
( 5 ) في قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي ص 55 من الجزء الثالث من
صحيحه واخرجه ابن سعد في ترجمة ابي هريرة من طبقاته . ( * )
ـ162ـ
أنا عنده إذ طلع الغلام فقال لي النبي : يا أبا هريرة هذا غلامك قلت هو لوجه
الله فاعتقته اه .
ان أبا هريرة ليحير الحواس ، ويدهش مشاعر الناس ، بينما يقول نشأت
يتيما ، وهاجرت مسكينا ، وكنت أجيرا لفلان وفلانة بطعام بطني أسوق بهم
إذا ركبوا وأخدمهم اذا نزلوا ، اذا هو يدعى انه يوم هجرته كان يملك غلاما
فاعتقه لوجه الله ، والظاهر أنه انما حدث بهذا في اواخر حياته حين كان مغمورا
بنعمة مروان وآل أبي سفيان ، فنسى حاله يوم الهجرة وقبلها وبعدها ، حيث
كان طاويا خاويا كاسفا خاسفا تئط أمعاؤه وتنق أحشاؤه ، مطروحا على الطريق
يعتمد على كبده من الجوع ، ملتمسا صدقة من المارة تمسك رمقه ، كما أفصح
عنه اذ قال : والله الذي لا إله الا هو ان كنت لاعتمد على كبدي من الجوع
وان كنت لاشد الحجر على بطني من الجوع - الحديث - وقد مر عليك وفيه
قعوده على الطريق يلتمس الصدقة ، وقد قال في حديث آخر : رأيتني وأني
لاخر فيما بين منبر رسول الله إلى حجرة عائشة مغشيا على ، فيجئ الجائي فيضع
رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي من جنون ما بي الا الجوع إلى كثير من
كلماته الصريحة بأنه كان ممن لا يمضه الهوان ، ولا يؤلمه الامتهان ، وان غاية
ما يرجوه شبعة من طعام فمن أين له الغلام ؟ وحاله أن طلع ؟ لاحرجنا
مقامه إذ لم تكن له صلى الله عليه وآله معرفة به سابقة ، ولعل لابي هريرة جلالة تستوجب
الوحى إلى النهي في شأنه وشأن غلامه ؟ .
* ( 33 - قصة خيالية ترمى إلى حسن عواقب الصدقة ) *
أخرج مسلم عن أبي هريرة مرفوعا ، قال بينا رجل بفلاة من الارض
فسمع صوتا في سحابة : اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه كله
ـ163ـ
في تلك الحديقة واذا رجل قائم في الحديقة يحول الماء بمسحاته ، فقال له :
يا عبدالله ما اسمك ؟ قال : فلان للاسم الذي سمعه في الصحابة فقال له : لم تسألني
عن اسمي ، قال : اني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول له : اسق
حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها قال : أما اذا قلت هذا فاني انظر إلى مايخرج
منها فأتصدق بثلثه . الحديث ( 1 ) .
وهذا مما تحكم العادة بامتناع وقوعه وتأباه نواميس الفطرة التي فطرت
الاكوان عليها ، لكن أبا هريرة أفتأته كرواية خيالية ترمي إلى حسن عواقب
الصدقة ، وتقوله على رسول الله صلى الله عليه وآله كما هي عادته في قصصه الخيالية وغيرها
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
* ( 34 - خيالية اخرى ترمي إلى حسن عواقب الوفاء بالشرط ) *
أخرج البخاري عن أبي هريرة مرفوعا : أنه ذكر رجلا من بني اسرائيل
سأل بعض بني أسرائيل أن يسلفه الف دينار فقال : ائتني بالشهداء أشهدهم
فقال : كفى بالله شهيدا ، قال ، فأتني بالكفيل : قال : كفى بالله كفيلا ، قال :
صدقت . فدفعها اليه إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس
مركبا يركبها يقدم عليه للاجل الذي أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها
فأدخل فيها الف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ، ثم زجج موضعها ثم أتى بها إلى
البحر ، فقال : اللهم انك تعلم أني كنت تسلفت فلانا الف دينار فسألني كفيلا
فقلت : كفى بالله كفيلا فرضى بك ، وسألني شهيدا فقلت كفى بالله شهيدا
فرضى بك ، واني اجهد أن أجهد مركبا ابعث اليه الذي له فلم اقدر واني
استودعكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ، ثم انصرف فخرج الرجل الذي
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه مسلم في باب الصداقة في المساكين ص 533 من الجزء الثاني
من صحيحه ( * )
ـ164ـ
كان اسلفه ينظر لعل مركبا قد جاء بماله ، فاذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها
لاهله حطبا فلما نشرها وجد المال والصحيفة - الحديث ( 1 ) - وهو في البعد إلى
حد السقوط عن درجة الاعتبار .
على ان القاء الف دينار في البحر مما لا يبيحه شرع ولا عقل ولا يستوجب
براءة ذمة المدين لو لم يصل المال اليه والعقلاء يعدون هذا العمل منه سفها
او جنونا يستوجبان التحجير عليه ، ولو فرض وقوع هذا الامر في بني اسرائيل
او غيرهم فرسول الله صلى الله عليه وآله لا يحدث به حتى يعلق عليه كلمة تستوجب عدم
العمل به مقتضاه ، اذ لو حدث به من غير تعليق عليه - كما في الحديث -
لاغرى به المؤمنين من امته وذلك محال عليه صلى الله عليه وآله لكن أبا هريرة صاغه كما
تصاغ الروايات الخيالية ، ومرماه الارتباط بالشرط ، والوفاء بالعقد ، ثم
تقوله على رسول الله صلى الله عليه وآله ترويجا لبضاعته .
* ( 35 - خيالية ثالثة ترمى إلى عواقب
شكر النعم وعواقب كفرها ) *
أخرج البخاري ( 2 ) عن أبي هريرة مرفوعا قال : ان ثلاثة من بني
اسرائيل ابرص وافرع واعمى بدا لله عزوجل ان يبتليهم ( 3 ) فبعث اليهم ملكا
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه البخاري بهذه الالفاظ في باب الكفالة في القرض والديون ص
26 من الجزء الثاني من صحيحه وأخرجه أيضا بألفاظ اخر في الاستقراض واللقطة
والاستئذان والشروط والبيع والزكاة فراجع .
( 2 ) في ص 170 من الجزء الثاني من صحيحه في باب ماذكر عن بني اسرائيل
في كتاب بدء الخلق .
( 3 ) بدا بفتح الباء الموحدة وفتح الدال المهملة المخففة بعدها الف مقلوبة عن واو
بغير همز بمعنى سبق في علم الله الازلي ولم يكن ظاهرا للناس فاراد الله عزوجل اظهاره
وهذا هو البداء الذي تقول به الشيعة الامامية وخطأ من رماهم بالدواهي ، والحمد لله اذ
وجدنا في حديث أبي هريرة دليلا عليه فان خصومنا لا يقنعهم حديث العترة الطاهرة . ( * )
ـ165ـ
فأتى الابرص فقال : أي شئ احب اليك ؟ قال : لون حسن وجلد حسن قد
قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه فاعطى لونا حسنا وجلدا حسنا ، فقال : أي
المال احب اليك ؟ قال : الابل ، فاعطى ناقة عشراء فقال : يبارك لك فيها .
وأتى الاقرع فقال : اي شئ احب اليك ؟ قال : شعر حسن وقد قذرني
الناس ، قال : فمسحه فذهب واعطى شعرا حسنا ، قال : فأي المال احب اليك ؟
قال : البقر فاعطاه بقرة حاملا وقال يبارك لك فيها .
وأتى الاعمى فقال : اي شئ احب اليك ؟ قال : يرد الله إلى بصري
قال : فمسحه فرد الله اليه بصره ، قال : فاي المال احب اليك ؟ قال : الغنم ، فاعطاه
الله شاة والدا فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من ابل ولهذا واد من بقر
ولهذا واد من الغنم .
ثم انه أتى الابرص في صورته وهيئته - التي كان الابرص أولا عليها -
فقال له : رجل مسكين تقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم
بك ، اسألك بالذي اعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا اتبلغ عليه
في سفري ، فقال له : ان الحقوق كثيرة ، فقال له كأني اعرفك الم تكن ابرص
يقذرك الناس فقيرا ؟ فاعطاك الله . فقال : ورثت هذا كابرا عن كابر ، فقال :
ان كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت .
واتى الاقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا ، فرد عليه مثل
ما رد عليه هذا ، فقال : ان كنت كاذبا فصيرك الله إلى ماكنت .
واتى الاعمى في صورته ، فقال : رجل مسكين وابن سبيل تقطعت بي
الحبال في سفري ، فلا بلاغ اليوم الا بالله ثم بك ، اسألك بالذي رد عليك
بصرك شاة اتبلغ بها في سفري ، فقال : كنت اعمى فرد الله بصري وفقيرا
فاغناني فخذ ما شئت فوالله لا اجهدك اليوم بشئ اخذته لله فقال أمسك مالك
فانما ابتليتهم فقد رضى الله عنك وسخط على صاحبيك .
ـ166ـ
( قلت ) : هذا الحديث من منسوجات أبي هريرة وقد رقشه ووشاه
فكان كأحدث رواية خيالية يمثلها المزخرفون على مسارحهم في عصرنا الحاضر
يرمي بها إلى عاقبتي شكر النعمة والكفر بها .
* ( 36 - خيالية رابعة ترمى إلى سوء عاقبة الظلم ) *
أخرج الشيخان بسندهما إلى أبي هريرة ( 1 ) مرفوعا قال : دخلت امرأة
النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الارض اه .
وهذا الحديث مما انكرته عائشة على أبي هريرة فكان مما قالت له إذ بلغها :
إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة فاذا حدثت عن رسول الله فانظر
كيف تحدث ( 2 ) .
( قلت ) : وهذا من رواياته الخيالية يرمي فيه إلى سوء عواقب الظلم
والعدوان .
* ( 37 - خيالية خامسة ترمي إلى حسن عواقب الرحمة ) *
أخرج البخاري عن أبي هريرة ( 3 ) يرفعه قال : غفر لامرأة مومسة
مرت بكلب على رأس ركي يلهث ( قال ) وكاد يقتله العطش فنزعت خفها
واوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فشرب فغفر لها بذلك .
* ( هامش ) *
( 1 ) راجع ص 149 من الجزء الثاني من صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق
وأول ص 445 من الجزء الثاني من صحيح مسلم في باب سعة رحمة الله من كتاب
التوبة تجد الحديث .
( 2 ) هذا الرد مشهور عن عائشة وقد رواه عنها شارحوا صحيح البخاري
ومسلم عند انتهائهم إلى هذا الحديث في شهورتهم فراجع ص 84 من المجلد السابع من
ارشاد الساري .
( 3 ) في ص 150 من الجزء الثاني من صحيحه واخرجه ايضا في مواضع اخر . ( * )
ـ167ـ
وأخرج البخاري عن أبي هريرة يرفعه قال : بينما رجل يمشي في طريق
اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فاذا كلب يلهث يأكل
الثرى من العطش ! قال فنزل الرجل البئر فملاء خفه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب
فشكر الله له وغفر له بذلك - الحديث ( 1 ) - .
وقد تعلم أن هذا الحديث والذي قبله إنما هما من مخيلة أبي هريرة يمثل
بينما حسن عواقب العطف والحنان ويحض بهما على البر والاحسان .
* ( 39 - مسرف كافر غفر له ) *
أخرج مسلم عن معمر قال : قال لي الزهري : ألا أحدثك بحديثين
عجيبين ( 2 ) ؟ ! اخبرني حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة عن النبي قال : أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت اوصى بنيه فقال : إذا أنا مت
فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فو الله لئن قدر علي ربي ( 3 )
ليعذبني عذابا ما عذب به أحدا ففعلوا ذلك به فقال الله للارض أدي ما اخذت
فاذا هو قائم فقال له : ما حملك على ماصنعت ؟ فقال : مخافتك يا رب فغفر له
بذلك ، قال الزهري : وحدثني حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة عن
رسول الله صلى الله عليه وآله قال : دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي اطعمتها
* ( هامش ) *
( 1 ) تجده في باب رحمة الناس بالبهائم ص 36 من الجزء الرابع من كتاب
الادب وفي باب فضل سقى الماء ص 35 من الجزء الثاني من صحيحه في كتاب
المساقاة فراجع .
( 2 ) يحق للزهري أن يعجب من هذين الحديثين واولو الالباب كلهم يعجبون منهما
( 3 ) تأمل كلمته هذه تجدها صريحة بأنه كان لا يؤمن بان ربه قادر على بعثه بعد
انجاز وصيته فهو كافر بذلك . ( * )
ـ168ـ
ولاهي ارسلتها تأكل من خشاش الارض - الحديث - ( 1 ) .
( قلت ) : أما المرأة ذات الهرة فان كانت مؤمنة كانت كما قالت عائشة .
اكرم على الله من يعذبها في النار بهرة ، وان كانت كافرة فانما تعذب بكفرها .
وأما ذلك المسرف فانه - على ما يقتضيه الحديث - لم يكن أهلا للمغفرة
إذ لم يكتف بتمرده على الله تعالى طيلة حياته وتجاوزه الحد في موبقاته حتى مات
مصرا على تمرده يائسا من روح الله فارا من سلطانه إلى حيث لا تناله - على زعمه -
قدرة الله عز سلطانه التي احاطت بكل سئ ولذلك اوصى تلك الوصية البربرية
فهو كافر بيأسه من رحمة الله وانكاره لقدرة الله عزوجل والكافر لا يستحق
المغفرة ، ولا هو لها باهل اجماعا وقولا واحدا .
عن أن أسلوب هذا الحديث انما هو اسلوب حكاية خيالية ترمى إلى عدم
اليأس من رحمة الله ولو مع الاسراف وإلى عدم الامن من غذاب الله ولو مع
الايمان ، وهاتان الحقيقتان في غي عن روايات أبي هريرة وخيالاته لثبوتهما
بنص الذكر الحكيم والفرقان العظيم ( ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس
من روح الله إلا القوم الكافرون * افأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا
القوم الخاسرون ) فاسنن المقدسة تبرأ أبوار الساليبها من هذا الحديث
واسلوبه كما لا يخفى .
وأيضا لو فرض وقوع تلك الوصية من ذلك المسرف وفرض انها
بمجردها كانت سببا لمغفرة ذنوبه فرسول الله صلى الله عليه وآله لا يمكن أن يحدث بها حتى
يعلق عليها كملة تحضرها إذ لو حدث بها من غير تعليق - كما نقله أبوهريرة -
لاغرى بها المسرفين من أمته وهذا محال كما لا يخفى .
* ( هامش ) *
( 1 ) تجده في ص 444 من الجزء الثاني من صحيح مسلم في باب سعة رحمة الله
وانها سبقت غضبه من كتاب التوبة . ( * )
ـ169ـ
* ( 40 - مذنب يتوب إلى الله ثم يؤوب إلى ذنوبه يكرر ذلك
قيقول الله له : إعمل ما شئت
فقد غفرت لك ) *
قال أبوهريرة : أذنب عبد ذنبا ، فقال : اللهم اغفر لي ذنبي فقال الله تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنبا فعلم ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب
قال : ثم عاد فأذنب ، فقال : اي رب اغفر لي ذنبي ، فقال تبارك وتعالى :
عبدي اذنب ذنبا فعلم ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ، ثم عاد فاذنب فقال
اي رب اغفر لي ذنبي ، فقال تبارك وتعالى : اذنب عبدي ذنبا فعلم ان له ربا
يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ، اعمل ما شئت فقد غفرت لك ! الحديث ( 1 ) .
( قلت ) : وهذا كسابقه معنا ومرمى واسلوبا نسجته يدا أبي هريرة من
غزل مخيلته كحكاية العجائز والقصاصين يرمى به إلى سعة مغفرة الله غزوجل
وسعة مغفرة الله ورحمته في غنى عن الروايات الخيالية لثبوتها بحكم العقل والنقل
كتابا وسنة ولاجماع الامة عليها بل اجماع أهل الاديان كافة بل هي من
ضروريات الاسلام وغيره من سائر الاديان .
وأنت تعلم ان ليس بين الله عزوجل وبين احد من خلقه هوادة في حمى
حرمه على العالمين ، ألا تراه كيف يقول عز من قائل : ( ولو تقول علينا
بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعناه منه الوتين وما منكم من أحد عنه
حاجزين ) فكيف يمكن بعدها ان يحابى هذا المذنب الراجع عن توبته مرارا
قيقول له : اعمل ما شئت فقد غفرت لك ، وبأي شئ استحق هذا الضعيف في
ذات الله ان ينال هذه الهوادة التي ما نالها الصديقون والانبياء والمرسلون .
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا في باب قبول التوبة من الذنب وان
تكررت الذنوب والتوبة ص 445 من الجزء الثاني من صحيحه في كتاب التوبة . ( * )
ـ170ـ
وكم لابي هريرة من هذه القصص الخيالية يحدث بها الطغاة بهوينا لجرائمهم
وتعزية لهم عن موبقاتهم كقوله سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : حضر ملك
الموت رجلا يموت فلم يجد فيه خيرا وشق عن قلبه فلم يجد فيه شيئا ثم فك عن
لحييه فوجد طرف لسانه لا صقا بفكه بقول لا إله إلا الله فغفر الله له -
الحديث ( 1 ) - .
ومن سخافات هذا الرجل قوله : أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف فلما قام
رسول الله صلى الله عليه وآله في مصلاه ذكر انه جنب الحديث ( 2 ) .
نبرأ إلى الله منه وممن يجيزه على رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كان في جميع اوقاته
على طهور وكان الوضوء على الوضوء عنده نورا على نور وانبياء الله كافة
منزهون عن مضمونه معصوصمون عما هو دونه مما لايليق بالصديقين وصالجي
المؤمنين .
ومنها : حديثه ( 3 ) في النهي عن تفضيل النبي على موسى وحديثه ( 4 ) في
أن من قال ان رسول الله خير من يونس بن متي فقد كذب .
وقد أجمعت الامة على تفضيله ، وثبت ذلك بالنصوص الصريحة الصحيحة
وقامت عليه الضرورة من دين الاسلام .
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه الخطيب في ترجمة سعد بن عبدالحميد ص 125 من المجلد 9 من
تاريخ بغداد .
( 2 ) أخرجه البخاري في باب إذا ذكر في المسجد انه جنب يخرج ولا يتيمم
ص 41 من الجزء الاول من صحيحه .
( 3 ) الذي أخرجه البخاري في الخصومات ص 40 من الجزء الثاني من صحيحه .
( 4 ) الذي اخرجه البخاري في باب قوله تعالى : ( انا اوحينا اليك اوحينا
إلى نوح ) إلى قوله تعالى ( ويونس وهارون وسليمان في ص 82 من الجزء الثاني من
صحيحه في كتاب تفسير القرآن . ( * )
ـ171ـ
وحديثه ( 1 ) بأنه لن يدخل احدا عمله الجنة " قال " قالوا ولا أنت
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 171 سطر 1 الى ص 180 سطر 25
وحديثه ( 1 ) بأنه لن يدخل احدا عمله الجنة " قال " قالوا ولا أنت
يارسول الله ؟ قال : ولا أنا ؟ .
يضرب بهذا الحديث عرض الحائط لمخالفته كتاب الله عزوجل في كثير
من آياته ، وحسبك منها : " ان هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا " .
وحديثه ( 2 ) في أنه ما بعث نبي الا ورعى الغنم وهذا في البعد إلى
حد السقوط .
ومثله حديثه ( 3 ) في ان ابراهيم عليه السلام قد اختتن بالقدوم ( 4 ) بعد ثمانين
سنة من عمره .
وحديثه ( 5 ) في ان عيسى بن مريم عليه السلام رأى رجلا يسرق فقال له :
أسرقت ؟ فقال : كلا ؟ والذي لا اله إلا هو ، فصدقته وكذب عينيه .
وحديثه : اذ خلق الله آدم فمسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو
خالقها إلى يوم القيامة امثال الذر ثم جعل بين عيني كل انسان منهم وبيضا " أي
بريقا " من نور ثم عرضهم على آدم فقال آدم من هؤلاء يارب ؟ قال : ذريتك
فرأى آدم رجلا منهم أعجبه وبيض ما بين عينيه فقال يارب من هذا ؟ قال
هذا ابنك داود ، قال آدم : كم جعلت له من العمر ؟ قال ستين سنة ، قال : يارب
* ( هامش ) *
( 1 ) الذي اخرجه الباخري في باب تمنى المريض الموت من آخر كتاب المرضى
ص 6 من الجزء الرابع من صحيحه .
( 2 ) الذي اخرجه البخاري في كتاب الاجارة ص 22 من الجزء الثاني من صحيحه
( 3 ) الذي أخرجه البخاري في باب الختان ص 65 من الجزء الرابع من صحيحه
في اواخر كتاب الاستئذان .
( 4 ) ولعل هذا القدوم كان علي رأي أبي هريرة مما ورثه ابراهيم عن نوح وانه
مما استعمله نوح في صنع فلكه .
( 5 ) الذي أخرجه البخاري في باب . واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت ص
168 من الجزء الثاني من صحيحه . ( * )
ـ172ـ
زده من عمري اربعين سنة حتى يكون عمره مائة سنة ، فقال الله عزوجل
اذن يكتب ويختم فلا يدل فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت لقبض روحه
قال آدم : أو لم يبق من عمري اربعون سنة قال له ملك الموت أو لم تجعلها
لابنك داود ؟ قال : فجحد فجحدت ذريته ! - الحديث - ( 1 ) .
ومثله حديثه ( 2 ) عن آدم وموسى حيث مثلهما يتحاجان على كيفية تدل
على انهما كانا من القدرية الجبرية ، وقد ظهر فيها آدم على موسى فحجه إلى كثير
مما لا يليق بالانبياء ، ويجب تنزيههم عنه .
وما اكثز حديثه في خوارق النواميس الطبيعية ، وحسبك منها ( مضافا
إلى ماسمعته آنفا ) حديثان نجعلهما خاتمة هذا الفصل .
( أحدهما ) : حديثه اذ كان : فيما زعم - مع العلاء بن الحضرمي لم بعث
في أربعة الآف إلى البحرين فانطلقوا حتى اتوا على خليج من البحر ما خاضه
قبلهم أحد ولا يخوضه بعدهم احد ! .
( قال أبوهريرة ) : أخذ العلاء بعنان فرسه فسار على وجه الماء وسار
الجيش وراءه قال : فوالله ما ابتل لنا قدم ولا خف ولاحافر ؟ الحديث ( 3 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه الحاكم وصححه في ص 325 من الجزء الثاني من المستدرك في
كتاب التفسير في شرح ، وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ، وأورده
الذهبي وصححه في تلخيص المستدرك .
( 2 ) الذي اخرجه البخاري في باب وفاة موسى ص 163 من الجزء الثاني من
صحيحه في كتاب بدء الخلق .
( 3 ) رواه الشيخ الامام العلامة أبوبكر بن محمد الوليد الفهري الطرطوشي
المعروف بابن ابي وندة المتوفي سنة اثنتين وخمسمائة في الاسكندرية في كتابه الذي
افرده الدعاء ونقله عنه الشيخ كمال الدين الدميري في مادة البعوض من كتابه حياة
الحيوان واشار إلى هذه القصة صاحبا الاستيعاب والاصابة في ترجمة العلاء وقالا
انها مشهورة . ( * )
ـ173ـ
وهذا لو كان حقا لرواه كل واحد من ذلك الجيش المؤلف من أربعة
آلاف صحابي فكان في طليعة الاحاديث المتواترة فما باله لا يسند إلا إلى أبي
هريرة يا أولي الالباب ؟ .
( ثانيهما ) : حديث المزود إذ قال : اصبت بثلاث مصيبات في الاسلام
لم أصب بمثلهن : موت رسول الله صلى الله عليه وآله وكنت صويحبه ، وقتل عثمان ، والمزود
قالوا : وما المزود يا ابا هريرة ؟ قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر فقال :
يا أبا هريرة أمعك شئ ؟ قال قلت تمر في مزود ، قال جئ به ، فاخرجت
تمرا فأتيته به ، قال : فمسه ودعا فيه ثم قال : ادع عشرة ، فدعوت عشرة
فأكلوا حتى شبعوا ثم كذلك حتى اكل الجيش كله وبقى من تمر معي في المزود
فقال : يا ابا هريرة إذا اردت ان تأخذ منه شيئا فادخل يدك فيه ولا تكفه
قال : فأكلت منه حياة النبي واكلت منه حياة أبي بكر كلها واكلت منه حياة عمر
كلها واكلت منها حياة عثمان كلها ؟ ؟ فلما قتل عثمان انتهب ما في يدي وانتهب
المزود ، ألا أخبركم كم أكلت منه ؟ أكلت منه أكثر من مائتي وسق ! ! .
( قلت ) : لا ريب في ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يطعم الجم الغفير من الزاد
اليسير في كثير من ايامه المباركة ، وذلك من اعلام نبوته وآيات رسالته ، لكن
هذا الحديث بالخصوص مما صنعته يدا أبي هريرة مدلا على السواد من احزاب
بني امية والغوغاء من اشياعهم العاكفين على قميص عثمان واصابع زوجته بالبكاء
والعويل ليستنهض معروفهم ، ويجتدي برهم ، وهذا من اساليبه المدهشة في تزلفه
إلى بني امية وامتياح فضلهم .
ومما يدلك على وضعه ان أبا هريرة كان يتلون فيه تلون الحرباء ويتطور
في نقله على انحاء كما يعلمه متتبعوا طرق المزود في مسانيد السنة وكتبها ( 1 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) حديث المزود واخرجه الامام احمد بن حنبل من طريقين ، وابوبكر
البيهقي من طريقين آخرين ، واخرجه غيرهما من طرق اخر فليراجعها من اراد - ( * )
ـ174ـ
ولابي هريرة كيس وسع هذا المزود وغيره كان عيبة علمه يتناول منه
ما يشاء متى شاء وكيف شاء وربما سئل عما يحدث فيقال له ابا هريرة سمعت
هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول : لا هذا من كيس أبي هريرة ( 1 ) .
وعجائب أبي هريرة يضيق عنها املاؤنا هذا وحسبنا منها ما اوردناه حجة
على ما اردناه والحمد لله .
- 12 -
* مسنده في حكم المرسل *
كان من دأب أبي هريرة في حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن يسند اليه
ما بلغه عنه بالواسطة لا يقيم عليها قرينة كما يسند اليه ما سمعه منه مشافهة لا يفرق
بين هذا وذاك في شئ ما ، وهذا ما جعل حديثه كله في حكم المرسل لا يصلح
حجة ولا يقوم دليلا .
وإن كنت في ريب مما قلناه في دأبه فاني احيلك على قوله : قال
رسول الله صلى الله عليه وآله لعمه أبي طالب : قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة
قال : لولا ان تعيرني في قريش الحديث ( 2 ) .
وقد علم الناس ان أبا طالب " ع " إنما توفى قبل قدوم أبي هريرة إلى الحجاز
* ( هامش ) *
- الوقوف على مافيها من التهافت والتناقض الحاكمين بسقوطها ، وقد اورد ابن كثير
جملة منها في ص 116 من الجزء السادس من البداية والنهاية .
( 1 ) هذا نصه من حديث اخرجه عنه البخاري في اول كتاب النفقات ص 189
من الجزء الثالث من صحيحه .
( 2 ) اخرجه مسلم في كتاب الايمان ص 31 من الجزء الاول من صحيحه ، وقد
اوردناه وعلقنا عليه في الفصل السابق من هذا الاملاء . ( * )
ـ175ـ
بعشر سنين في أقل الروايات ، فاين كان عن النبي وعمه " ع " وهما يتبادلان الكلام
الذي اسنده اليهما كأنه وآهما بعينيه وسمعهما بأذنيه ؟ ! .
وقال : قام رسول الله حين انزل الله عليه ، " وانذر عشيرتك الاقربين "
فقال يامعشر قريش لا اغنى عنكم من الله شيئا الحديث ( 1 ) .
وألو العلم باسرهم مجمعون على ان هذه الآية انما نزلت في مبدأ الدعوة
الاسلامية قبل ظهورها في مكة ، وأبوهريرة اذ ذاك في اليمن جاهليا وانما اتى
الحجاز بعد نزول هذه الآية بنحو عشرين سنة ، فين كان عند نزولها ليقول :
قام رسول الله حين نزلت فقال : يامعشر قريش إلى آخر حديثه الذي اسنده
إلى النبي ، كأنه رآه قائما بعينيه ، وسمعه ينذر عشيرته بأذنيه ؟ ! .
وقال : كان النبي يدعو في القنوت فيقول : أللهم انج سلمة بن هشام ،
أللهم انج الوليد بن الوليد ، أللهم انج عياش بن أبي ربيعة ، أللهم انج ا لمستضعفين
من المؤمنين " الذين حبسهم المشركون عن الهجرة في حديث صحيح ( 2 ) " .
ومن المعلوم بحكم الضرورة من اخبار السلف انه انما حبس هؤلاء عن
الهجرة فقنت رسول الله " ص " بالدعاء لهم قبل اسلام أبي هريرة بنحو سبع
سنين ، فاين كان عن رسول الله " ص " ليسند هذا الحديث اليه كأنه رآه بعينيه
قانتا وسمعه بأذنيه داعيا ؟ ! .
قال : وقال أبوجهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ فقيل : نعم ،
الحديث ( 3 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) اخرجه البخاري في ص 86 من الجزء الثاني من صحيحه ومسلم واحمد ،
وقد اوردناه وعلقنا عليه في الفصل السابق من الاصل .
( 2 ) أخرجه البخاري في باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة ص 105
من الجزء الثاني من صحيحه .
( 3 ) أخرجه مسلم في باب قوله تعالى : ان الانسان ليطغى ص 467 من الجزء
الثاني من صحيحه . ( * )
ـ176ـ
فان كان هذا القول واقعا من أبي جهل فانه انما يكون قبل اسلام أبي هريرة
وقبل قدومه من اليمن بنحو عشرين سنة فأين كان عن أبي جهل ليسنده اليه
كأنه سمعه بأذنيه ؟ ! .
واين كان عن وقعة الرجيع وعن أميرها عاصم بن ثابت الانصاري
المستشهد فيها ليحدث عنها وعنه حديث المشاهد لهما ؟ ( 1 ) وقد كانت تلك
الوقعة في صفر سنة اربع للهجرة قبل اسلامه بثلاث سنين تقريبا .
ومن وقف على سيرة أبي هريرة المستمرة في حديثه علم ان دأبه ما قلناه
وحسبك هذا القدر دليلا على ما ادعيناه .
وقد انتبه اليه أحمد أمين المصري البحاثة المعاصر اذ قال في كلام له ( 2 )
حول أبي هريرة : ويظهر انه لم يكنن يقتصر على ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله
بل يحدث عن رسول الله بما اخبره به غيره .
( قلت ) : وأعترف بهذا أبوهريرة نفسه إذ حدث عن رسول الله
صلى الله عليه وآله بأن من ادركه الفجر جنبا فلا يصم ، فلما انكرت عائشة وأم سلمة عليه
ذلك جعل الجناح فيه على الفضل بن العباس ( وكان الفضل يومئذ ميتا ( 3 ) فقال
* ( هامش ) *
( 1 ) حديثه عنهما ثابت في الصحاح فراجعه في كتاب الجهاد السير ص 117
من الجزء الثاني من صحيح البخاري .
( 2 ) تجده في ص 262 والتي بعدها من كتاب ( فجر الاسلام ) في الفصل الثاني
من الباب السادس .
( 3 ) فان هذه القضية كانت ومروان بن الحكم أمير على المدينة في عهد معاوية -
كما جاء في حديث البخاري عنها في باب الصائم يصبح جنبا ص 225 من الجزء الاول
من صحيحه وبه صرح شارحوا الصحيح كالقسطلاني وغيره - وقد استشهد الفضل
يوم اجنادين في خلافة أبي بكر وقيل بل يوم مرج الصفر سنة 13 ، وقيل يوم
اليرموك سنة 15 في خلافة عمر ، وقيل مات في طاعون عمواس بالشام سنة ثمان
عشرة ولم يبق حيا إلى سنة العشرين اجماعا وقولا واحدا . ( * )
ـ177ـ
سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي وهذا " سواء كان حقا أم باطلا "
اعتراف منه صريح بانه كان يسند إلى النبي صلى الله عليه وآله ما لا يسمعه منه كما ترى .
( فان قلت ) أي مانع للعدل ان يسند إلى النبي الحديث يسمعه من غيره
مرفوعا اليه صلى الله عليه وآله .
" قلنا " لا مانع من ذلك غير ان الحديث في هذا لافرض لا يكون حجة
ولا يوصف بالصحة " وان رواه العدل " وانما يكون مرسلا حتى تعزف
الواسطة وتحرز عدالتها .
وبعبارة أخرى عدالة الراوي شرط في صحة حديثه ، فلا بد من احرازها
ولا يمكن ذلك في الواسطة المجهولة .
ومجمل القول في هذا الفصل أن في حديث أبي هريرة مراسيل كثيرة لا
يمكن الاحتجاج بها ، وقد اشتبهت بمسانيده ، اذ لم يفرق بينهما في شئ وهذا ما
أوجب سقوط الجميع عملا بالقاعدة المقررة في الشبهات المحصورة .
- 13 -
* دعواه الحضور في وقائع لم يحضرها *
وقد اضطرنا هذا الرجل إلى الريب فيه بدعواه الحضور في وقائع لم
يحضرها قطعا .
وحسبك منها قوله : دخلت على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله امرأة عثمان
وبيدها مشط ، فقالت : خرج رسول الله من عندي آنفا جلت شعره فقال
لي : كيف تجدين أبا عبدالله ؟ - يعني عثمان - قلت بخير قال : اكرميه فانه من
اشبه أصحابي بي خلقا ، أخرجه الحاكم ( 1 ) ثم قال : هذا حديث صحيح
* ( هامش ) *
( 1 ) في أحوال رقية ص 48 من الجزء الرابع من المستدرك . ( * )
ـ178ـ
الاسناد واهي المتن فان رقية ماتت سنة ثلاث من الهجرة عند فتح بدر وأبو
هريرة انما اسلم بعد فتح خيبر .
" قلت " : واورده الذهبي في تلخيص المستدرك ثم قال : صحيح منكر
المتن فان رقية ماتت وقت بدر وأبوهريرة اسلم وقت خيبر .
وقال في سهو النبي : صلى بنا النبي " ص " الظهر أو العصر فسلم في ركعتين
فقال له ذو اليدين : انقصت الصلاة أم نسيت ؟ الحديث .
وذو اليدين هذا استشهد ببدر قبل ان يسلم أبوهريرة بزمان كما بينا في
الفصل 11 من هذا الاملاء ( 1 ) .
وكم كان يتبجح فيقول : افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبا ولا فضة انما غنمنا
البقر والابل والمتاع والحوائط الحديث ( 2 ) .
مع انه لم يحضر الفتح إجماعا وقولا واحدا ، وإنما جاء بعد الفتح ولذا
ارتبك شارحوا الصحيحين عند انتهائهم إلى قوله : افتتحنا خيبر ، فحملوا كلمته
هذه على التجوز وان المراد جنسه من المسلمين ( 3 ) .
وكم كان يحدث فيقول : شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر فقال لرجل معه
ممن يدعي الاسلام : هذا من أهل النار ، فلما حضر القتال قاتل الرجل اشد
القتال حتى كثرت به الجراحة ، فكاد بعض الناس ان يرتاب فوجد الرجل ألم
* ( هامش ) *
( 1 ) فراجع منه الحديث 13 .
( 2 ) أخرجه البخاري في باب غزوة خيبر ص 37 من الجزء الثالث من صحيحه
( 3 ) راجع ص 154 من المجلد الثامن من شرحي البخاري و المطبوعين معا في
اثني عشر مجلدا وهما ارشاد الساري للقسطلاني وتحفة الباري للانصاري تجد التأويل
المذكور مع التصريح بأن أبا هريرة لم يحضر فتح خيبر ، وكذلك فعل السندي فيما
علقه على هذا الحديث من تعليقته المطبوعة في هامش الصحيح . ( * )
ـ179ـ
الجراحة فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه
الحديث ( 1 ) .
( قلت ) : هذا محل النظر من وجهين : احدهما دعواه انه شهد الوقعة مع
رسول الله صلى الله عليه وآله وقد عرفت انه لم يشهدها ، ولذلك ارتبك شارحوا هذا
الحديث فقالوا : أما قول أبي هريرة شهدنا مع رسول الله خيبر فمحمول على
المجاز والمراد جنسه من المسلمين لان الثابت انه انما جاء بعد أن فتحت خيبر
انتهى بلفظ الشارح القسطلاني ( 2 ) .
ثانيهما : ان الرجل الذي قتل نفسله انما هو قزمان بن الحرث حليف ظفر
المنافق . كان يقاتل على الاحساب ، وقضيته التي ذكرها أبوهريرة في حديثه
هذا معروفة ( 3 ) وقد قتل باحد قبل اسلام أبي هريرة بدهر لكن أبا هريرة قد
رأب في أمره فخلط الحابل بالنابل .
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه البخاري في باب غزوة خيبر ص 34 من الجزء الثالث من صحيحه
وفي باب ان الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر من كتاب الجهاد والسير ص 120 من
الجزء الثاني من الصحيح .
( 2 ) في باب ان الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر ص 322 من الجزء السادس من
ارشاد الساري .
( 3 ) وقد ذكرها الواقدي وابن اسحاق وغيرهما وترجمة ابن حجر في الاصابة
وكثير من أصحاب المعاجم والتراجم ، وقزمان هذا هو الذي كان في احد لا يدع
للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه حتى قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ ما
أجزأ عنا أحد كما أجزأ فلان ، فقال النبي : اما انه من أهل النار ، فجرح جرحا
شديدا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الارض وذبا به بين ثديه ثم تحامل عليه
فقتل نفسه الحديث ، أخرجه البخاري بالاسناد إلى سهل بن سعد في باب : لا يقول
فلان شهيد ، من كتاب الجهاد والسير ص 101 من الجزء الثاني من صحيحه . ( * )
ـ180ـ
وقد قال : رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم عليه رداء ،
الحديث ( 1 ) .
( قلت ) : استشهد هؤلاء السبعون باجمعهم يوم بئر معونة فحزن النبي
صلى الله عليه وآله عليهم وقنت شهرا يدعو في الصلاة على قاتليهم وكانت هذه الوقعة في
صفر سنة أربع من الهجرة قبل اسلام أبي هريرة وقبل قدومه من اليمن فكيف
يدعي رؤيتهم ؟ وقال القسطلاني ( 2 ) : ان السبعين الذين رآهم أبوهريرة غير
اولئك السبعين والله تعالى أعلم .
وبالجملة : علمنا من تعقب أبي هريرة واستقراء حديثه انه كان كثيرا ما
يحدث عن النبي صلى الله عليه وآله بما لم يسمعه منه . وكثيرا ما يحدث عن الوقائع التي
لم يحضرها ، وربما ادعى حضورها وربما سمع شيئا من كعب الاحبار أو غيره
فراقه فحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما فعل في حديث " خلق الله آدم على
صورته طوله ستون ذراعا في عرض سبعة اذرع " ( 3 ) وهذا ما يضطر المؤمن
إلى اتقاء حديث هذا الرجل .
والعجب من أصحاب الصحاح يشحنون به مسانيدهم لا يلتفتون إلى لوازمه
الباطلة ولا يأبهون بما يكتنفه من دلائل الوضع والاختلاق ، ومن تتبع حديث
الصحيحين عجب من بساطة الشيخين ، واليك مثلا يلمسك هذه الحقيقة :
أخرج مسلم في باب فضائل أبي سفيان من طريق عكرمة بن عمار العجلى
اليماني : ان المسلمين كانوالا ينظرون إلى ابي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه البخاري في ص 60 من الجزء الثاني من صحيحه وقد اوردناه في
أحوال ابي هريرة على عهد النبي صلى الله عليه وآله من هذا الاملاء .
( 2 ) في شرح هذا الحديث صفحة 220 من الجزء الثاني من ارشاد الساري .
( 3 ) وقد فصلنا القول فيما يتعلق بهذا الحديث إذ أوردناه اول الفصل 11 من
هذا الاملاء . ( * )
ـ181ـ
صلى الله عليه وآله : يانبي الله ثلاث اعطيهن ، قال : نعم ، قال : عندي أحسن العرب
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 181 سطر 1 الى ص 190 سطر 27
صلى الله عليه وآله : يانبي الله ثلاث اعطيهن ، قال : نعم ، قال : عندي أحسن العرب
وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان ازوجكها ، قال : نعم قال ومعاوية تجعله
كاتبا بين يديك ، قال : نعم ، قال : تأمرني ان اقاتل الكفار كما كنت اقاتل
المسلمين ، قال : نعم ، الحديث ( 1 ) .
اقتصر عليه مسلم في باب فضائل أبي سفيان إذ لم يجد والحمد لله سواه وهو
باطل بالاجماع ، لان أبا سفيان انما دخل في عداد المسلمين يوم فتح مكة اجماعا
وقولا واحدا ، وقبل الفتح كان عدو لله ولرسوله ومحاربا لها .
اما بنته أم حبيبة واسمها رملة فقد اسلمت قبل الهجرة وحسن اسلامها
فكانت ممن هاجر إلى الحبشة هربا من أبيها وقومها ، وقد تزوجها رسول الله
صلى الله عليه وآله وأبوها ممعن في الكفر مسترسل في محاربته للنبي فلما بلغه ان النبي قد
تزوجها قال : ذلك الفحل لا يقدع انفه ، وقدم بعد ذلك على المدينة يريد أن
يزيد في الهدنة فدخل على بنته أم حبيبة فلما أراد الجلوس على فراشها طوته دونه
فقال لها : رغبت به عني فقالت : نعم هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت امرؤ
نجس مشرك ، نص على هذا كله اعلام الامة واثباتها وهو مما لا ريب فيه ، ومن
راجع كتب السير والاخبار ووقف على احوال حبيبة في كتب المعاجم
والتراجم على التفصيل .
* ( هامش ) *
( 1 ) تقف عليه في ص 361 من الجزء الثاني من صحيحه وهو من الاباطيل
التي وضعها عكرمة اليماني ، وقد جرم بذلك ابن حزم كما نقله عنه النووي حيث اتى على
هذا الحديث في شرح صحيح مسلم فراجع ، وقال الذهبي في آخر ترجمة عكرمة بن
عمار من ميزان الاعتدال ما هذا نصه : وفي صحيح مسلم قد ساق له اصلا منكرا عن
سماك الحنفي عن ابن عباس في الثلاثة التي طلبها أبوسفيان وثلاثة احاديث أخر بالاسناد اه .
( قلت ) : ومن منكرات عكرمة هذا ما رواه عن أياس عن ابيه سلة ان رسول الله
صلى الله عليه وآله قال : ابوبكر خير الناس الحديث ، رواه ابن عدي في كتابه
الكامل وهو كما قال الذهبي في أول ميزانه اكمل الكتب واجلها في معرفة الضعفاء ( * )
ـ182ـ
وحسبك ما اورده النووي عند بلوغه إلى هذا الحديث في شرحه لصحيح
مسلم ( 1 ) والحمد لله على الهداية للصواب ، والشكر لهإذ جعلنا من أولي الالباب
صلى الله عليه وآله .
- 14 -
* انكار السلف عليه *
أنكر الناس على أبي هريرة واستفظوا حديثه على عهده إذ أفرط في
كثار وانفرد باسلوب خاص يوجب الشك فيه فلهذا وذاك كاشفه الناس
وانكروا عليه من حيث كمية حديثه ومن حيث كيفيته .
يدلك على هذا قوله متإلما متظلما : يقولون ان أبا هريرة يكثر الحديث
والله الموعد ويقولون ما للمهاجرين والانصار لايحدثون مثل حديثه ؟ .
فيصرح بأن كمية حديثه وكيفيته كانتا كلتاهما مدار الانكار وقد تهددهم
بالله وبالدار الآخرة على ذلك إذ قال : والله الموعد متفجعا متوجعا منهم حتى
زعم انه لو لا تكليفه الشرعي ما حدثهم بشئ لسوء ظنهم به فقال في آخر
الحديث : والله لو لا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئا ابدا ، ان الذين
يكتمون ماانزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك
يلعهم الله ويلعنهم اللاعنون الحديث ( 2 ) وهو كما ترى صحيح بما قلناه .
* ( هامش ) *
( 1 ) شرح النووي مطبوع في هامش شرحي صحيح البخاري وهما ارشاد
الساري وتحفة الباري ، وما احلناك هنا عليه من شرح النووي موجود في آخر
ص 360 وما بعدها من المجلد الحادي عشر فراجعه لتكون على بصيرة واعجب من
ابن الصلاح وهذياته .
( 2 ) اخرجه البخاري في اول المزارعة وآخر البيوع من صحيحه واخرجه - ( * )
ـ183ـ
وأصرح منه ما حدث به أبورزين اذ قال ( 1 ) . : خرج الينا أبوهريرة
فضرب بيده على جبهته فقال : الا انكم تحدثون اني اكذب على رسول الله
لتهتدوا واضل الحديث .
ولما اتى العراق مع معاوية عام الجماعة ورأى كثرة مستقبليه من الناس جثا
على ركبتيه في مسجد الكوفة وجعل يضرب صلعته مرارا يلفت الناس بذلك
اليه وحين اجتمعوا عليه أهاب بهم : يا أهل العراق اتزعمون أني أكذب على
الله وعلى رسوله فاحرق نفسي بالنار إلى آخر ما استرسل فيه يومئذ من التحامل
على الوصي تزلفا إلى اعدائه في كلام باطل ( 2 ) .
وحسبك ان في مكذبيه عظماء الصحابة ، قال المعاصر البحاثة أحمد أمين
المصري من كلام له ( 3 ) حول أبي هريرة : وقد اكثر بعض الصحابة من نقده
على الاكثار من الحديث عن رسلو الله صلى الله عليه وآله وشكوا فيه كما يدل على ذلك
ما روى مسلم في صحيحه . ثم اورد حديثين اخرجهما مسلم صريحين في نقده
والشك فيه .
وقال الفاضل المعاصر مصطفى صادق الرافعي المصري من كلام له في هذا
الموضوع : وكان اكثر الصحابة رواية أبوهريرة ( قال ) : وقد صحب ثلاث
سنين ولهذا كان عمر وعثمان وعلي وعائشة ينكرون عليه ويتهمونه وهو أول
* ( هامش ) *
- مسلم في الصحيح ايضا وسنذكره في الفصل الآتي فنتوسع فيما نعلقه عليه مما يقتضيه
المقام ان شاء الله تعالى فراجع .
( 1 ) فيما اخرجه مسلم في كتاب اللباس ص 217 من الجزء الثاني من صحيحه
فراجع منه باب اذا انتعل احدكم فيبدأ باليمين .
( 2 ) نقله عنه الامام ابوجعفر الاسكافي من طريق الاعمش كما في ص 359 من
المجلد الاول من شرح النهج الحميدي طبع مصر .
( 3 ) في الفصل الثاني من الباب السادس ص 262 والتي بعدها من كتابه
( فجر الاسلام ) . ( * )
ـ184ـ
رواية انهم في الاسلام وكانت عائشة اشدهم انكارا عليه إلى آخر كلامه ( 1 ) .
وقال النظام ( 2 ) : أكذب أبا هريرة والرد على النظام لم يستطع
إلا الاعتراف بما نقله النظام في هذا المقام ، واليك رده بعين لفظه :
قال ( 3 ) : وأما طعن النظام على أبي هريرة بتكذيب عمر وعثمان وعلي
وعائشة له فان أبا هريرة صحب رسول الله صلى الله عليه وآله نحوا من ثلاث سنين وقد
اكثر الرواية عنه فلما اتى من الرواية عنه مالم يأت بمثله من صحبه من جلة
الصحابة والسابقين الاولين اليه اهموه وانكروا عليه ( 4 ) وقالوا كيف سمعت
هذا وحدك ؟ ومن سمعه معك ؟ قال : وكانت عائشة اشدهم انكارا عليه لتطاول
الايام بها وبه وكان عمر ايضا شديدا على من اكثر الرواية أو أتى بخبر في الحكم
لاشاهد له عليه إلى آخر كلامه الذي اجراه الحق على لسانه فكان ( بالرغم
عنه ) مصدقا للنظام فيما نقله عن اولئك الاعلام ولا غرو فالحق ينطق
منصفا وعنيدا .
اما ما زعمه ابن قتيبة ( 5 ) " من امساك الصحابة عن أبي هريرة لما أخبرهم
* ( هامش ) *
( 1 ) فراجعه في مبحث الرواية بعد الاسلام ص 282 من الجزء الاول من
كتابه ( آداب العرب ) .
( 2 ) فيما نقله عنه ابن قتيبة في ص 27 من كتابه ( تأويل مختلف الحديث )
حيث ذكر أقاويل النظام في الصحابة .
( 3 ) في ص 48 من كتابه - تأويل مختلف الحديث - .
( 4 ) أراد ابن قتيبة ان يرد على النظام فأيد قوله ولم يقتصر على ذكر عمر وعثمان
وعلي وعائشة في مكذبي ابي هريرة حتى اضاف اليهم بقية السابقين الاولين ، فان الواو
في اتهموه وانكروا عليه فراجع اليهم جميعا كما ترى .
( 5 ) في ص 50 من كتابه - تأويل مختلف الحديث - . ( * )
ـ185ـ
بمنزلته الخاصة من رسول الله ، فجزاف لا يصغى اليه ، فان عظماء الصحابة
يعرفون منزلته بكنهها فلا حاجة بهم إلى من يعرفهم بها فلو كانت له في نفوسهم
منزلة الصادقين ما كذبوه ولا اتهموه ، وقد مر عليك حديثه ( 1 ) اذ يخر بين
المنبر والحجرة مغشيا عليه " في العهد النبوي " فيجئ الجائي فيضع رجله على
عنقه بري انه مجنون ، وهذا ما لا يجتمع مع احترامه فضلا عن سمو مقامه .
وبالجملة : فان انكار الاجلاء " من الصحابة و التابعيين " عليهم واتهامهم اياه
مما لاريب فيه ما تورع منهم عن ذلك احد حتى مضوا لسبيلهم وانما تورع
الجمهور ممن جاء بعدهم اذ قرروا القول بعدالة الصحابة اجمعين اكتعين اصبعين ،
ومنعوا من النظر في شؤونهم ، وجعلوا ذلك من الاصول المتتبعة وجوبا ،
فأعتقلوا العقول بهذا ، وسلموا العيون ، وجعلوا على القلوب اكنة وعلى الاسماع
وقرا فاذاهم ( صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) .
حاشا أئمة أهل البيت عليهم السلام فانهم انزلوا الصحابة حيث انزل الصحابة
انفسهم ( 2 ) فرأيهم في أبي هريرة لم يعد رأى على وعمر وعثمان وعائشة وتبعهم
في هذا شيعتهم كافة القدماء منهم و المتأخرون من عهد أمير المؤمنين إلى
يومنا هذا
* ( هامش ) *
( 1 ) في أوائل هذا الاملاء .
( 2 ) قال الفاضل المعاصر احمد امين في ص 259 من ( فجر الاسلام ) ويظهر ان
الصحابة انفسهم في زمنهم كان يضع بعضهم بعضا موضع النقد وينزلون بعضا منزلة
اسمى من بعض ، فقد كان منهم اذا روى له حديث طلب من المحدث برهانا ، بل
روى ما هو اكثر من ذلك ، فقد روى ان ابا هريرة روى حديثا فلم يأخذ ابن
عباس بخبره ورد عليه وحدث بحديث فلم تأخذ به عائشة وردت عليه ، وروت فاطمة
بنت قيس حديثا يتعلق بزوجها فرده عمر قائلا : لا تترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول
امرأة لاتدري اصدقت ام كذبت حفظت ام نسيت وردته عائشة ايضا فقالت لفاطمة
الا تتقين الله - قال - : ومثل هذا كثير . ( * )
ـ186ـ
ولعل جل المعتزلة على هذا الرأي . قال الامام أبوجعفر الاسكافي ( 1 ) ما
هذا نصه : وأبوهريرة مدخول ( 2 ) عند شيوخنا غير مرضى الرواية ، " قال "
ضربه عمر بالدرة ، وقال : قد أكثرت من الرواية ولحر بك أن تكون كاذبا
على رسول الله صلى الله عليه وآله ، " قال " : وروى سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم
التيمي قال : كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلا ماكان من ذكر جنة أو نار
( قال ) وروى أبوأسامة عن الاعمش قال : كان ابراهيم صحيح الحديث فكنت
إذا سمعت الحديث اتيته فعرضته عليه فأتيته يوما بأحاديث من احاديث أبي صالح
عن أبي هريرة فقال : دعني من أبي هريرة أنهم كانوا يتركون كثيرا من حديثه
" قال " : وقد روى عن علي أنه قال : ان اكذب الناس أو قال اكذب
الاحياء على رسول الله " ص " لابو هريرة الدوسي " قال " : وروى أبويوسف
أنه قال قلت لابي حنيفة يجئ الخبر عن رسول الله " ص " يخالف قياسنا فما
نصنع به ؟ قال : اذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي ، فقلت : ما
تقول في أبي بكر وعمر ؟ فقال : ناهيك بهما ، قلت : وعلي وعثمان ، قال :
كذلك فلما رآني اعد الصحابة قال : والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالا ثم عد
منهم أبا هريرة وانس بن مالك .
( قلت ) : وقد علمنا ان الامام ابا حنيفة واصحابه كانوا يتركون حديث
أبي هريرة اذا عارض قياسهم كما فعلوا في حديثه عن المصراة ) وهي البقرة
أو الشاة او الناقة يجمع اللبن في ضرعها ويحبس اياما لا تحلب فيها لايهام المشتري
انها غزيرة اللبن ) إذ روى ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال : لاتصروا الابل والغنم
من ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين من بعد أن يحلبها . فان رضيها امسكها
وان سخطها ردها وصاعا من تمر فلم يأبهوا بحديثه هذا وقالوا : أبوهريرة غير
* ( هامش ) *
( 1 ) كما في ص 360 من المجلد الاول من شرح النهج الحميدي .
( 2 ) اي كان في عقله دخل . ( * )
ـ187ـ
فقيه وحديثه هذا مخالف للاقيسة بأسرها فان حلب اللبن من التعدي ، وضمان
التعدي يكون بالمثل او القيمة ، والصاع من التمر ليس واحدا منهما ، إلى آخر
كلامهم ( 1 ) .
وعلمنا أيضا ان رأى أبي حنيفة وأصحابه كافة بطلان الصلاة بالكلام
مطلقا ولو عن نسيان او جهل أو ظن المصلي بأنه خرج من الصلاة ، والفقه
الحنفي صريح بهذا الرأي وعليه سفيان الثوري في اصح الروايتين عنه وهذا
مما يدل على ان لا قيمة عندهم لحديث أبي هريرة ، اذ حدث بأن النبي صلى الله عليه وآله
سها فسلم في الرباعية عن ركعتين ثم قالم من مصلاه ودخل حجرته ثم رجع
فقيل له ، اقصرت الصلاة ام نسيت ؟ فقال : لم تقصر ولم أنس ، فقالوا : بلى
صليت بنا ركعتين . وبعد حوار كان بينه وبينهم أيقن مما يقولون فبني على
الركعتين وأتم الصلاة ثم سجد للسهو ( 2 ) وبهذا اخذ مالك والشافعي واحمد
والاوراعي وغيرهم فأفتوا بأن كلام الناسي للصلاة والذي يظن انه ليس فيها
لايبطلها لكن ابا حنيفة حيث لم يأبه بحديث أبي هريرة افتى بالبطلان ( 3 )
ولنختم الفصل بنوادر كانت بين أبي هريرة وبعض الصحابة تلمسك منزلته في نفوسهم .
" فمنها " : ما ذكره أبوهريرة إذ قال : لما بلغ عمر حديثي استدعاني فقال
لي : أكنت معنا يوم كنا في بيت فلان ؟ فقلت : نعم وان رسول الله " ص " قال
* ( هامش ) *
( 1 ) راجعه في مظانهمن فقه الحنفية ، وقد نقله عنهم الفاضل احمد امين في
آخر ص 263 والتي بعدها من كتابه فجر الاسلام .
( 2 ) وقد مر حديثه هذا في فصل 11 فراجعه وامعن فيما علقناه عليه .
( 3 ) وقد نقل النووي في شرح صحيح مسلم بطلان الصلاة في هذا العرض عن
ابي حنيفة واصحابه وعن الثوري في اصح الروايتين عنه ونقل عدم البطلان عمن سواهم
عملا بحديث أبي هريرة هذا فراجع شرح الحديث في آخر ص 234 والتي بعدها من
الجزء الرابع من شرح النووي المطبوع في هامش شرحي البخاري . ( * )
ـ188ـ
يومئذ : من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار الحديث ( 1 ) .
وهذا من الادلة على انه لم يكن ممن يحدث بحضرة عمر ولا ممن كان عمر
يراهم او يسمعهم يحدثون ، وإنما بلغه حديثه من افواه الناس فاتهمه به لغرابته
فاستدعاه لينذره بالنار اذا كذب .
( ومنها ) : انه زجره مرة فقال له ( 2 ) : لتتركن الحديث عن
رسول الله صلى الله عليه وآله او لالحقنك بأرض دوس أو بأرض القردة .
( ومنها ) : انه غضب عليه باكثاره على رسول الله ( ص ) فضربه بالدرة
ردعا له وهو يوبخه بقوله ( 3 ) : اكثرت يا ابا هريرة وأحر بك ان تكون كاذبا
على رسلو الله صلى الله عليه وآله .
( ومنها ) : انه عزله عن البحرين بعد ان ضربه فأدمى ظهره وانتزع منه
عشرة آلاف لبيت المال ووبخه بكلام فظيع كما فصلنا آنفا ( 4 ) .
( ومنها ) : انه ضربه على عهد النبي صلى الله عليه وآله ضربه خر بها لاسته ( 5 ) .
( ومنها ) : ان عليا لما بلغه حديث أبي هريرة قال ( 6 ) : ألا ان اكذب
الناس أو قال : اكذب الاحياء على رسول الله صلى الله عليه وآله أبوهريرة الدوسي .
( ومنها ) : أنه بلغ عليا إن أبا هريرة يبتدئ بميامينه فقال ( 7 ) لاخالفن أبا هريرة .
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه مسدد في مسنده من طريق خالد بن يحيى عن ابيه عن أبي هريرة
ونقله ابن حجر في ترجمة أبي هريرة من الاصابة .
( 2 ) فيما أخرجه ابن عساكر وهو الحديث 4885 في ص 239 من الجزء
الخامس من كنز العمال وتراه صريحا في امره بترك الحديث بالمرة .
( 3 ) فيما رواه الامام الاسكافي وقد مر عليك قريبا .
( 4 ) فراجع احواله على عهد الخليفتين .
( 5 ) فيما اخرجه مسلم في ص 34 من الجزء الاول من صحيحه .
( 6 ) فيما رواه ابوجعفر الاسكافي وقد مر عليك قريبا .
( 7 ) العمدة في هذه الرواية على ابن قتيبة في ص 27 من تأويل مختلف الحديث . ( * )
ـ189ـ
( ومنها ) : ان أبا هريرة كان يقول : حدثني خليلي : ورأيت خليلي
وقال لي خليلي رسول الله ، فبلغ عليا ذلك فقال له : متى كان النبي خليلك
يا ابا هريرة ؟ ينكر عليه قوله هذا ، إذ كان سئ الرأي فيه ( 1 ) وعلى مع القرآن
والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا الحوض على رسول الله صلى الله عليه وآله ( 2 ) ، وعلي
مع الحق والحق مع علي يدور معه كيف دار ( 3 ) .
" منها " : ان عائشة دعت أبا هريرة إذبلغها حديثه فقالت له : ما هذه
الاحاديث التي تبلغنا انك تحدث بها عن النبي صلى الله عليه وآله هل سمعت إلا ماسمعناه ؟
ورأيت إلا ما رأيناه ؟ قال : يا أماه انه كان يشغلك عن رسول الله المرآة
والمكحلة الحديث ( 4 ) .
" ومنها " : انه روى ان الكلب والمرأة والحمار تقطع الصلاة . فكذبته عائشة
وقالت : رأيت رسول الله يصلي وسط السرير وأنا على السرير معترضة بينه وبين القبلة
" ومنها " : انه روى حديثا في النهي عن المشي بالخف الواحد فبلغ عائشة
ذلك فمشت بخف واحد وقالت لاخالفن أبا هريرة .
" ومنها " : انه روى من أصبح جنبا فلا صيام له ، فردت عليه عائشة
وحفصة وكذبتا حديثه فاعترف أبوهريرة لهما ورجع عن قوله معتذرا بأنه
* ( هامش ) *
( 1 ) قاله ابن قتيبة في ص 52 من تأويل مختلف الحديث .
( 2 ) اخرجه الحاكم في المستدرك والطبري في الاوسط عن ام سلمة مرفوعا وهو
الحديث 2529 في ص 153 من الجزء السادس من كنز العمال .
( 3 ) عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله : الحق مع ذا الحق مع ذا
يشير إلى علي ، اخرجه ابويعلى في مسنده وسعيد بن منصور في سننه ، وهو
الحديث 2637 في 157 من الجزء السادس من الكنز .
( 4 ) اخرجه وصححه الحاكم في ص 509 من الجزء الثالث من صحيحه المستدرك
وصحيحه الذهبي اذ اورده في تلخيص المستدرك ، وعائشة لم تقبل عذره بدليل انها
ما امسكت عنه حتى ماتت . ( * )
ـ190ـ
لم يكن سمع ذلك من رسول الله وإنما سمعه من الفضل بن العباس وكن الفضل
" حين أعتذر بهذا " ميتا ( 1 ) .
" ومنها " : أن رجلين دخلا على عائشة فثالا : ان ابا هريرة يحدث عن
رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : إنما الطيرة في المرأة والدابة فطارت عائشة شغفا ثم
قالت : كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم من حدث بهذا عن
رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ الحديث ( 2 ) .
( ومنها ) : انه جلس مرة إلى جنب حجرة عائشة يحدث عن النبي صلى الله عليه وآله
وهي مشغولة في سبحتها فقالت بعد فراغها : ألا يعجبك أبوهريرة يجلس إلى
جنب حجرتي يحدث عنالنبي يسمعني ذلك ؟ وكنت أسبح فقام قبل ان أقضى
سبحتي ولو ادركته لرددت عله الحديث ( 3 ) .
( ومنها ) : انه روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال : متى استيقظ أحدكم من
نومه فليغسل يده قبل أن يضعها في الاناء فان أحدكم لا يدري اين باتت يده ؟
فانكرت عائشة عليه ( 4 ) فلم تأخذ به وقالت : كيف نصنع بالمهراس ( 5 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) تجد حديث الكلب والمرأة والحمار وحديث المشي في الخف الواحد
وحديث من أصبح جنبا في ص 27 والتي بعدها من تأويل مختلف الحديث والصواب
ان اللتين ردتا حديثه فيمن اصبح جنبا انما هما عائشة وأم سلمة كما نقلناه في الحديث
27 عن صحيح البخاري .
( 2 ) أورده ابن قتيبة في صفحة 126 والتي بعدها من " تأويل مختلف الحديث "
( 3 ) أخرجه مسلم في ص 358 وفي ص 538 من الجزء الثاني من صحيحه في
فضائل أبي هريرة وفي التثبت في الحديث .
( 4 ) نقل ذلك أحمد أمين ص 259 من فجر الاسلام ، والانصاف ان انكار
عائشة في هذا على أبي هريرة إنما يكون متجها لعدم وثاقته ، اما نقضها عليه بالمهراس
فغير متجه كما لايخفى .
( 5 ) المهراس : حجر منقور ضخم لا يقله الرجال ولا يحركونه لثقله يملاونه
ماء ويتطهرون منه . ( * )
ـ191ـ
" ومنها " : ان أبا هريرة روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن من حمل جنازه
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 191 سطر 1 الى ص 200 سطر 23
" ومنها " : ان أبا هريرة روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن من حمل جنازه
فليتوضأ ، فلم يأخذ ابن عباس بخبره ورده صريحا قال : لا يلزمنا الوضوء في
حمل عيدان يابسة ( 1 ) .
" ومنها " : ان ابن عمر كان يروى ان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بقتل الكلاب
إلا كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية فقيل لابن عمر : ان أبا هريرة يقول :
أو كلب زرع ، فلم يأبه بذلك ابن عمر وقال في رده : ان لابي هريرة زرعا
يتهمه بزيادة كلب الزرع في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله احتفاظا بكلبه واحتياطا
على زرعه والحديث في صحيح مسلم ( 2 ) .
ومثله ما في صحيح مسلم أيضا ( 3 ) عن أبي هريرة مرفوعا : من اتخذ كلبا
إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من اجره كل يوم قيراط ، فذكر
لابن عمر قول أبي هريرة هذا فقال : يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع -
يتهمه بزيادة كلب زرع ايثارا لمصلحته - وقد اتهمه بهذا ايضا سالم بن عبدالله
ابن عمر في حديث أخرجه مسلم أيضا ( 4 ) .
" ومنها " : ان ابن عمر لم يصدق أبا هريرة في حديثه في القنفذ وبقى
شاكا فيه .
" ومنها " : ان ابن عمر سمعه يحدث بأن من اتبع جنازة فله قيراط من
الاجر فقال اكثر علينا أبوهريرة ولم يصدقه حتى بعث إلى عائشة يسألها عن
* ( هامش ) *
( 1 ) رواه جماعة من الاثبات ونقله الاستاذ احمد أمين في ص 259 من فجره .
( 2 ) راجعه في صفحة 625 من الجزء الاول من صحيحه في باب الامر بقتل
الكلاب وبيان نسخها .
( 3 ) راجعه في صفحة 627 من الجزء الاول من صحيحه في باب تحريم اقتناء
الكلاب إلا لصيد أو زرع أو ماشية ونحو ذلك .
( 4 ) في صفحة 626 من الجزء الاول من صحيحه . ( * )
ـ192ـ
ذلك فروته له فصدق حينئذ والحديث في هذا ثابت ( 1 ) .
وكذلك فعل عامر بن شريح بن هاني إذ سمع أبا هريرة يحدث بأن من
أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ، فلم يصدق
أبا هريرة بذلك حتى سأل عائشة فروته له وأفهمته المراد منه ، والحديث في
ذلك ثابت أيضا ( 2 ) .
ولو أردنا استقصاء الموارد التي رد فيها السلف حديث أبي هريرة
وانكروا فيها عليه ابطال بنا الكلام ، وهذا القدر كاف لما أردناه والحمد لله .
وناهيك تكذيب كل من عمر وعثمان وعلي وعائشة له ، وقد تقرر
بالاجماع تقديم الجرح على التعديل في مقام التعارض على انه لا تعارض هنا
قطعا فان العاطفة بمجردها لا تعارض تكذيب من كذبه من الائمة .
أما أصالة العدالة في الصحابة فلا دليل عليها والصحابة لا يعرفونها ولو
فرض صحتها فانما يعمل على مقتضاها في مجهول الحال لا فيمن يكذبه عمر
وعثمان وعلي وعائشة ولا فيمن قامت على جرحه ادلة الوجدان فاذا نحن من
جرحه على يقين جازم .
* ( سبوح لها منها عليها شواهد ) *
ونحن الامامية لنا في الصحابة رأي هو أوسط الآراء عقدنا لبيانه في
أجوبة موسى جار الله فصلا مخصوصا ( 3 ) وعقدنا لتأييده فصلا آخر ( 4 )
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه مسلم في باب فضل الصلاة على الجنائز واتباعها ص 349 والتي
بعدها من الجزء الاول من صحيحه ، واخرج الحاكم في ص 510 من الجزء الثالث
من المستدرك نحوه .
( 2 ) أخرجه مسلم ص 422 في باب : من احب لقاء الله احب الله لقاءه من
الجزء الثاني من صحيحه .
( 3 ) تجده في ص 11 وما بعدها إلى منتهى ص 15 من الآجوبة .
( 4 ) تجده في ص 23 وما بعدها إلى ص 27 من الاجوبة ايضا . ( * )
ـ193ـ
فليراجعها من اراد التحقيق من أولى الالباب والحمد لله على الهداية للصواب .
- 15 -
* إحتجاجه على متهميه *
كان يقول أبوهريرة يحتج على مكذبيه ومتهميه فيقول ( 1 ) : يقولون ان
أبا هريرة يكثر الحديث ! والله الموعود ! ويقولون ما للمهاجرين والانصار لا
يحدثون مثل احاديثه ؟ وان اخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الاسواق
وان اخوتي من الانصار كان يشغلهم عمل أموالهم ! وكنت امرءا مسكينا الزم
رسول الله على ملء بطني فأحضر حين يغيبون ! وأعي حين ينسون ! .
وقال النبي صلى الله عليه وآله يوما : لن يبسط احد منكم ثوبه حتى افضى مقالتي هذه
ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي ثم جمعتها إلى صدري فو الذي بعثه بالحق ما
نسيت من مقالته تلك شيئا إلى يومي هذا والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم
شيئا ابدا : ان الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى ، إلى قوله ، وأنا
التواب الرحيم .
( قلت ) : ان أبا هريرة كلما ازداد مثالة زاده الله رعالة ( 2 ) يريد ان يقنع
المنكرين عليه في كمية أحاديثه وكيفيتها فجاءهم بهذا الحديث تزكية لنفسه
* ( هامش ) *
( 1 ) فيما أخرجه في البخاري في آخر المزارعة ص 34 من الجزء الثاني من
صحيحه وأخرجه في البيوع وفي غير موضع من الصحيح وكذلك مسلم في عدة مواضع
من صحيحه واحمد في مواضع من الجزء الثاني من مسنده وجميع أصحاب السنن
والمسانيد أخرجوه من حديث أبي هريرة بطرق اليه كثيرة والفاظ مختلفة .
( 2 ) أي كلما ازداد رزقا زاده الله حمقا . ( * )
ـ194ـ
واحتجاجا عليهم فاذا حجته جفاء أو ثأطة مدت بماء ( 1 ) كأن الله عزوجل
صخره بهذا الحديث حجة للمنكرين عليه ودليلا على صحة ما نسبوه الله فاني
" وشرف الصدق " وعلو مقام الصادقين " ما رأبت في كل ما صنعته ايدي
المخرفين ابرد من هذا الحديث ولا ابعد منه عن الصدق وما كنت لالم به ولا
لاعرج عليه لو لا ان اشيخين وامثالهما قد نظموه في سلك الصحاح بكل ارتياح
وانما فعلوا ذلك تعبدا برأيهم في كل صحابي وقد خالفوا في ذلك الادلة عقلية
ونقلية وخالفوا السلف الصالح من أولي الاباب كما أوضحناه في كتابنا - تحفة
المحدثين - ولنا على بطلان هذا الحديث وجوه : -
( الاول ) : زعم ان المهاجرين كان يشغلهم عن النبي صلى الله عليه وآله الصفق
بالاسواق ( 2 ) والانصار كان يشغلهم عمل اموالهم ( 3 ) فساق السابقين الاولين
من المهاجرين والانصار كافة بعصا واحدة لقد هزلت - وحن قدح ليس
منها - واي قيمة للقول بأن جميع المهاجرين كان يلهيهم الصفق بالاسواق ؟ بعد
قوله عز من قال ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله . ) الآية
وهل لمعارض كتاب الله إلا الضرب بعرض الجدار ؟ ومن هو أبوهريرة ؟
ليحضر حين يغيب الخصيصون برسول الله صلى الله عليه وآله ويحفظ حين ينسون يقول هذا
القول بملء فيه غير متئد ولا خجل ولا وجل إذ قاله على عهد معاوية حيث لا
عمر ولاعثمان ولا علي ولا طلحة ولاالزبير ولا سلمان ولا عمار ولا المقداد
ولا أبوذر ولا أمثالهم كبرت كلمة تخرج من فيه ما أبعدها عن الصدق وقد علم
* ( هامش ) *
( 1 ) الجفاء هنا ما نفاه الباطل ، والشأطة الحمأة كلما ازدادت ماء قل تماسكها .
( 2 ) الصفق : كناية عن التبايع إذ كان البايعان يتصافقان بالاكف ، وكان
عمر يقول عما جهله من السنن ألهاني عنه الصفق بالاسواق ، أي الخروج إلى
التجارة اخرجه في صفحة 4 من الجزء الثاني من صحيحه في باب الخروج بالتجارة .
( 3 ) أي أدارة حدائقهم إذ كانوا أهل نخيل .
ـ195ـ
الناس موضع علي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة وضعه
في حجره وهو ولد يضمه إلى صدره ويكنفه إلى فراشه ويمسه جسده ويشمه
عرفه وكان يمضغ الشئ ثم يلقمه إناه وما وجد له كذبة في قول ولا خلطة في
عمل ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن ان كان فطيما اعظم ملك من ملائكته
يسلك به طرق الماكارم ومحاسن أخلاق العالم فكان علي يتبع رسول الله اتباع
الفصيل أثر أمه يرفع له في كل يوم من اخلاقه علما ويأمره بالاقتداء به ولقد
كان معه ( وهو الصديقة الكبرى خديجة أم المؤمنين ) بحراء فيرى نور الوحي
والرسالة ويشم ريح النبوة وكان بعد ذلك باب مدينته وأقضى أمته ، وعيبه سره
وولي أمره ، ووارث حكمه ، وفارج همه ، وصاحب الاذن الواعية - ومن
عنده علم الكتاب - فهل يمكن ان ينسى من سننه ما حفظه أبوهريرة أو يكتم
منها ما بينه أبوهريرة ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .
على انه لم يكن من المهاجرين من يصفق في الاسواق إلا القليل ، وحسبك
أبوذر والمقداد وعمار ورفقاء أبي هريرة في الصفة وهم سبعون كانوا كما وصفهم
أبوهريرة ما منهم رجل عليه رداء وإنما عليه إما ازار وإما كساء قد ربطوه في
أعناقهم إلى آخر كلامه في وصفهم ( 1 ) فما بالهم لم يحدثوا بمثل احاديثه ، ولم
يكثروا كما اكثر بل لم يكن المجموع من حديثهم كافة إلا دون حديثه خاصة .
وكذا الانصار لم يكونوا باجمعهم من أهل الاموال والاشغال كما زعم
وحسبك " ممن لا مال له مهم " سلمان الفارسي الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله فيه :
سلمان منا أهل البيت ، وقال : - كما في ترجمة سلمان من الاستيعاب - لو كان
الدين عند الثريا لناله سلمان ، وقالت عائشة - كما في ترجمته من الاستيعاب ايضا -
كان لسمان مجلس من رسول الله ينفرد به في الليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله
صلى الله عليه وآله وفي الاستيعاب ايضا قال علي : أن سملمان الفارسي مثل لقمان الحكيم علم
* ( هامش ) *
( 1 ) فراجعه في احواله على عهد النبي صلى الله عليه وآله من هذا الاملاء . ( * )
ـ196ـ
علم الاول والآخر بحر علم لا ينزف ، وقال كعب الاحبار - كما في الاستيعاب
وغيره - : سلمان حشى علما وحكمة إلى آخر ما هو مأثور عنه من امثال هذه
الخصائص ، وقد علم الناس ان أبا أيوب الانصاري لم يكن له من العيش إلا
بلغة لا تشغله عن علم ولا عن عمل ، وكذلك أبوسعيد الخدري وأبوفضالة
الانصاري وغيرهم من نظائرهم من علماء الانصار وعظمائهم رضى الله
تعالى عنهم .
على ان سيد الحكماء وخاتم الانبياء صلى الله عليه وآله لم تكن اوقاتع فوضى وإنما كانت
في الليل والنهار مرتبة للمهمات على ماتقتضيه الحكمة في تلك الاوقات ، وقد
خصص منها لالقاء العلم وقتا لا يعارض اوقات الصفق في الاسواق ولا اوقات
العمل في الاموال ، وكان المهاجرون والانصار لا يغيبون في ذلك الوقت ابدا
وهم احرص على العلم مما يخرفه المخرفون .
( الثاني ) : لو صح ما زعمه أبوهريرة ( من قول النبي صلى الله عليه وآله لاصحابه : ان
يبط أحد منكم ثوبه حتى أفضى مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فنيسى من
مقالتي شيئا ابدا ) لتسابقوا اليه ، واجتمعوا بقضهم وقضيضهم عليه ، فانه
الفضل لا يبلغه الطالب بشد الرحال ، والعلم لا يناله ببذل الاموال ، وما الذي
ثبطهم عن نيله ؟ ومنعهم عن بسط اثوابهم في سبيله ؟ وكيف زهدوا في هذه
الغنيمة وضيعوا على أنفسهم تلك الفوائد العظيمة ؟ أترى انهم كانوا بهذه المثابة
من الزهد في العلم والرغبة عما يدعوهم الرسول اليه ؟ كلا ! ما هكذا الظن بهم
ولا هذا بمشبه لما كانوا عليه من التعبد بأوامره ، والمبادرة إلى مايدعوهم اليه .
( الثالث ) : لوصح ما زعمه أبوهريرة لعظم ندم الصحابة ، واسفهم على
ما ضيعوه من ذلك الفضل الكبير ، والعلم الغزير ، ولتواتر لهفهم على ماأهملوه
من بسط اثوابهم لرسول الله حين انه لا كلفة فيه ولا مشقة عليهم ، ولندد
بعضهم ببعض ، وتلاوموا على تركهم ذلك بسوء اختيارهم ولتواترت منهم
ـ197ـ
الغبطة لابي هريرة بالفوز به دونهم على حين انهم لم يكن عليه إلا ثوب واحد
وما منهم من أحد إلا وعليه ثوبان او اكثر فلما لم يكن شئ من ذلك علمنا ان
هذا من كيس أبي هريرة .
( الرابع ) : لو كان الامر كما قصه أبوهريرة لحدث به غيره ممن دعاهم
النبي صلى الله عليه وآله يومئذ إلى بسط اثوابهم ، بل لو كان لعده الصحابة والتابعون من
اعلام النبوة ، وآيات الاسلام وادلة الدين ، ولتواترت به الاخبار ، واشتهر
اشتهار الشمس في رائعة النهار . فلما لم نجده إلا في حديث أبي هريرة عطفناه
على واهياته .
( الخامس ) : انه قد تناقض كلام أبي هريرة في هذه القصة ، فتارة حدث بها
كما سمعت إذ قال - فما رواه الاعرج عنه - ( 1 ) : أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوما لاصحابه
لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى اقضى مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من
مقالتي شيئا ابدا ( قال ) : فبسطت نمرة ليس على ثوب غيرها حتى قضى
النبي صلى الله عليه وآله مقالته ثم جمعتها إلى صدري فو الذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته
تلك شيئا إلى يومي هذا اه بلفظه .
وتارة حدث بها فقال - فيما رواه عنه المقبري - ( 2 ) : قلت يارسول الله
* ( هامش ) *
( 1 ) الاعرج هو عبدالرحمن بن هرمز وحديثه هذا عن أبي هريرة موجود في
آخر المزارعة ص 34 من الجزء الثاني من صحيح البخاري ، وموجود في فضائل
أبي هريرة ص 357 من الجزء الثاني من صحيح مسلم واخرج البخاري نحوه في اول
البيوع في الصفحة الاولى من الجزء الثاني من صحيحه بالاسناد إلى سعيد بن المسيب
وأبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة ولفظه : ان رسول الله قال في حديث حدثه
انه : لن يبسط احد ثوبه حتى اقضى مقالتي هذه ثم يجمع اليه ثوبه الا وعى ما اقول
فبسطت نمرة على حتى قضى مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالته تلك من شئ .
( 2 ) هو سعيد بن ابي سعيد وحديثه هذا عن ابي هريرة موجود في ص 24
من الجزء الاول من صحيح البخاري في باب : حفظ العلم من كتاب العلم . ( * )
ـ198ـ
اني اسمع منك حديثا انساه قال صلى الله عليه وآله : ابسط رداءك فغرف بيديه ( 1 ) ثم قال
ضمه ! فضممته فما نسيت شيئا بعده اه بنصه .
وانت ترى ان القصة على مقتضى الحديث الاول - حديث الاعرج - انها
كانت بين رسول الله صلى الله عليه وآله واصحابه والمبتدئ فيها إنما كان رسول الله إذ دعاهم
إلى بسط اثوابهم اشفاقا عليهم من النسيان وانها على مقتضى الحديث الثاني -
حديث المقبري - انما كانت بين أبي هريرة خاصة ورسول الله والمبتدئ فيها
إنما هو أبوهريرة حيث شكا نسيانه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله .
وأيضا فان الحديث الاول - حديث الاعرج - يقتضي تخصيص عدم
النسيان بتلك المقالة فقط ( 2 ) لقوله فيه : ما نسيت من مقالته تلك شيئا والحديث
الثاني - حديث المقبري - يقتضى العموم في عدم النسيان لكل شئ من الاشياء
حديثا كان ام غيره مطلقا لقوله فيه مانسيت شيئا بعده ، فان النكرة في سياق
النفي حقيقة في العموم ، وقد ارتبك هنا شارحوا البخاري واتجت عليهم أبواب
الاعتذار عنه حتى قرر ابن حجر في فتح البارى وقوع هذه القضية مرتين ( 3 )
* ( هامش ) *
( 1 ) قال القسطلاني في شرح هذه الكلمة : فغرف بيديه من فيض فضل الله
فجعل الحفظ كالشئ الذي يغرف منه ورمى به في ردائه إلى آخر لامه فراجعه في ص
379 من الجزء الاول من ارشاد الساري في شرح هذا الحديث من صحيح البخاري .
( 2 ) وقع في جامع الترمذي وحلية أبي نعيم التصريح بهذه المقالة وانها كانت
ما هذا لفظه : ما من رجل يسمع كلمة او كلمتين مما فرض الله تعالى عليه فيتعلمهن
او يعلمهن الا دخل الجنة .
( 3 ) قال القسطلاني في شرح هذه الاحاديث في باب حفظ العلم من كتاب العلم
ص 380 من الجزء الاول من ارشاد الساري ما هذا لفظه : ويحتمل أن يكون وقعت
له - أي لابي هريرة مع النبي - قضيتان فالتي رواها الزهري عن الاعرج مختصة بتلك
المقالة ، والتي رواها المقبري عامة قال : هكذا قرره في فتح الباري ، قال : وهذا من
المعجزات الظاهرات حيث رفع صلى الله عليه وآله عن أبي هريرة النسيان الذي هو من لوازم - ( * )
ـ199ـ
مرة كان النسيان فيها مختصا بتلك المقالة ، وأخرى كان عدم النسيان فيها
عاما لكل شئ من الاشياء سواء أكان حديثا أم كان غيره مطلقا وهذا
كما ترى ( 1 ) .
على ان مسلما اخرجه ( 2 ) من طريق يونس عن ابن المسيب على وجه
ثالث إذ قال فيه أبوهريرة : فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به صلى الله عليه وآله
وهذا يقتضي كون عدم النسيان اعم مما اقتضاه حديث الاعرج وأخص مما
اقتضاه حديث المقبري ( 3 ) .
ونحو حديث ابن سعد ( 4 ) بسنده إلى عمر بن مرداس بن عبدالرحمن
الجندي عن أبي هريرة قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله ابسط ثوبك فبسطته فحدثني
النهار ثم ضممت ثوبي إلى بطني فما نسيت شيئا مما حدثني اه لكن قوله فيه :
فحدثني النهار ، لا يوجد في هذا الحديث إلا من هذا الطريق طريق الجندي
* ( هامش ) *
- الانسان حتى قيل أنه مشتق منه ، وحصول هذا في بسط الرداء الذي ليس للعقل فيه مجال
( 1 ) فان مثل هذا لو صدر مرة واحدة فضلا عن مرتين او أكثر لتواتر الخبر
به فاستطار استطارة البرق فما بال الصحابة اغفلوه فلم يروه منهم احد غير أبي هريرة .
( 3 ) أما كونه اعم من حديث الاعرج فواضح لاختصاص عدم النسيان في
حديث الاعرج بتلك المقالة فقط ، واما كونه اخص مما اقتضاه حديث المقبري
فلان حديث المقبري يقتضى تعميم عدم النسيان لكل شئ من حديث وغيره ، وهذا
الحديث - اعني حديث يونس عن الزهري عند مسلم - يقتضي تخصيص عدم النسيان
بجميع الاحاديث التي سمعها من النبي دون غيرها من سائر الاشياء ، وقد نص
القسطلاني في ص 380 من الجزء الاول من ارشاد الساري على ان مسلما رواه على
وجه ثالث فراجع .
( 4 ) في صفحة 56 من القسم الثاني من الجزء الرابع من طبقاته حيث ترجم
ابا هريرة . ( * )
ـ200ـ
فقط وبه كان مخالفا لكل ماجاء في هذا الموضوع من سائر الطرق إلى أبي هريرة .
وقد أخرجه أبويعلى من طريق أبي سلمة على وجه خاص يخالف سائر
الوجوه في سائر الطرق ، إذ روى ان أبا هريرة جاء يعود النبي في شكواه فسلم
عليه وهو قائم والنبي صلى الله عليه وآله متساند إلى صدر علي ويد علي على صدر النبي يضمه
اليه والنبي باسط رجليه فقال صلى الله عليه وآله : أدن يا ابا هريرة فدنا ، ثم قال له اجلس فجلس فقال له : ادن مني طرف ثوبك فمد
أبوهريرة ثوبه ففتحه وأدناه من النبي صلى الله عليه وآله فقال له النبي اوصيك يا ابا هريرة
بخصال لا تدعهن ما بقيت ، قال أوصني ما شئت فقال له : عليك بالغسل يوم
الجمعة والبكور اليها ولا تلغ ولاتله وأوصيك بصيام ثلاثة أيام من كل شهر
فانه صوم الدهر واوصيك بركعتي الفجر لاتدعها وان صليت الليل كله فان
فيهما الرغائب قالها ثلاثا ثم قال ضم اليك ثوبك فضم ثوبه إلى صدره
الحديث ( 1 ) .
وأخرج أبويعلى - كما في ترجمة أبي هريرة من الاصابة - من طريق الوليد
ابن جميع عن أبي هريرة قال : شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله سوء الحفظ فقال :
افتح كساءك ففتحته ثم قال : ضمه إلى صدرك فضممته فما نسيت حديثا بعد .
وأخرج أبو يعلى - كما في الاصابة ايضا - من طريق يونس بن عبيد عن
الحسن الطبري عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال : من يأخذ مني كلمة أو
كلمتين أو ثلاثا فيصرهن في ثوبه فيتعلمهن ويعلمهن قال : فنشرت ثوبي بين يديه
وهو يحدث ثم ضممته فأرجو ان لا أكون نسيت حديثا مما قاله اه .
( قلت ) : وأخرج أحمد - كما في الاصابة ايضا - من طريق المبارك بن
* ( هامش ) *
( 1 ) هذا الحديث وسائر الاحاديث التي بعده موجودة بأسرها في ترجمة ابي
هريرة من الاصابة فراجع . ( * )
ـ201ـ
فضالة عن الحسن نحوه .
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 201 سطر 1 الى ص 210 سطر 22
فضالة عن الحسن نحوه .
وأخرج أبونعيم ( 1 ) من طريق عبدالله بن أبي يحيى عن سعيد بن أبي
هند عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال يا أبا هريرة : ألا تسألني عن هذه
الغنائم التي يسألني أصحابك ؟ فقلت أسألك أن تعلمني مما علمك الله ، قال :
فنزعت نمرة على ظهري فبسطتها بيني وبينه حتى كأني انظر إلى القمل يدب عليها
فحدثني حتى استوعبت حديثه قال : اجمعها فصرها اليك فاصبحت لا اسقط
حرفا مما حدثني اه .
ومن ألم بهذا الحديث من جميع الطرق وجده مختلف الالفاظ والمعاني
باختلاف طرقه لا تتجارى معانيه ولا الفاظه إلى غاية ، ولا تتساير في حلبة
يصدم كل منها الآخر فاذا هو زاهق والحمد لله رب العالمين .
( السادس ) : انه قال : فبسطت نمرة ليس على ثوب غيرها ، فيقتضى
على الظاهر ان تبدوا سوأته ، لكن القسطلاني وزكريا الانصاري تأولا كلامه
إذ بلغا اليه في آخر المزارعة من شرحيهما فحملاه على أنه بسط بعض النمرة لئلا
تنكشف عورته .
( السابع ) : ان هذه الحكاية في ذاتها تشبه قصص المخرفين ، ولاتكاد
تمتاز عن خلط الدجالين ، وحاشا لله ان تمتزج بمعجزات الرسول أو يصدق
بنسبتها اليه أصحاب العقول فان معجزاته صلى الله عليه وآله بهرت إلى النهي بانوار
حقيقتها وقهرت جبابرة الارض بحسن اسلوبها واعتدال طريقتها فظلت
اعناقهم لها خاضعين .
ضرب بيده صلى الله عليه وآله على صدر علي لما بعثه قاضيا إلى اليمن فقال ( 2 ) أللهم
* ( هامش ) *
( 1 ) في ص 381 في ترجمة أبي هريرة من حلية الاولياء فراجع .
( 2 ) كما في ترجمة علي من الاستيعاب وغيره ، وأخرجه أصحاب المسانيد
بطرقهم وأسانيدهم . ( * )
ـ202ـ
أهد قلبه وسدد لسانه قال علي " ع " : فوالله ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين .
ولما انزل الله عزسلطانه ( وتعيها اذن واعية ) قال صلى الله عليه وآله ( 1 ) مخاطبا
لعلي : سألت الله ان يجعلها اذنك ، قال علي : فما نسيت شيئا بعدها وما كان
لي ان انسى .
وقال صلى الله عليه وآله يوم خيبر حين اخذ الراية علي عليه السلام : أللهم اكفه الحر والبرد
قال علي : ( 2 ) فما آذاني بعدها حر ولا برد ، وكان بعد ذلك يخرج في الشتاء في
ازار ورداء وثوبين خفيفين ، وفي الصيف يخرج في القباء المحشو والثوب الثقيل
اظهارا لمعجزة رسول الله صلى الله عليه وآله والفاتا اليها على الدوام .
ولما شكا جابر اليه صلى الله عليه وآله دينا كان على أبيه انطلق معه إلى بيدر تمره
فمشى حوله ودعا بالبركة فيه ثم جلس عليه وحضر الغرماء فأواهم الذي لهم وبقى
لجابر وذويه مثل ما كانوا يستغلون ، وهكذا كان ( ص ) اذا اراد بأحد خيرا
دعا له ، وإذا أراد به غير ذلك دعا عليه كما فعل بمعاوية إذ قال صلى الله عليه وآله : لا أشبع
الله له بطنا ، وكما فعل مع الحكم بن أبي العاص وما عهدناه صلى الله عليه وآله يفعل شيئا
يشبه الذي حكاه أبوهريرة حاشا حكمته التي تستسصبح بها البصائر الضالة ،
وتنكشف بها معالم الهدى ، فتحل عقد الاشكال وتمزق ظلمات الغي والضلال .
* ( هامش ) *
( 1 ) هذا مذكور في كشاف الزمخشري ، وفي تفسير الثعلبي ، والرازي
وغيرهما فراجع .
( 2 ) أخرجه احمد بن حنبل في مسنده ، وابن ابي شيبة البزار وابن جرير ،
وصححه كما في صفحة 44 من الجزء الخامس من منتخب كنز العمال المطبوع في هامش
مسند احمد . ( * )
ـ203ـ
- 16 -
* نظرة في فضائله *
تتبعنا الاسانيد فيما يرسله الناس في فضائل أبي هريرة ، فلم نجد لها مصدرا
في الاغلب سواه ، واليك مثلا يلمسك هذه الحقيقة .
قال صاحب الاستيعاب في أحواله : أسلم أبوهريرة عام خيبر ، وشهدها
مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثم لزمه وواظب عليه رغبة في العلم ، راضيا بشبع بطنه ،
فكانت يده في يد رسول الله ، وكان يدور معه في حيث الدار ، وكان من أحفظ
أصحاب رسول الله ، كان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرون والانصار
لاشتغال المهاجرين بالتجارة ، والانصار بحوائجهم ، وقد شهد له رسول الله
صلى الله عليه وآله بأنه حريص على العلم والحديث ، وقال له يا رسول الله أني سمعت منك
حديثا كثيرا وأنا أخشى ان أنسى : فقال ( ض ) ابسط رداءك ، قال : فبسطته
فغرف فيه ! ثم قال : ضمه ، فضضمته فما نسيت شيئا بعد ! اه .
( قلت ) : هذه الفضائل ونحوها ليست إلا مضامين أحاديث كان أبو
هريرة يحدث بها عن نفسه ، ولم نجد لها مستندا سواه ، وهكذا سائر خصائصه
انما أخذت عنه كما يعلمه المتتبعون .
ولنوضح هذه الجملة فنقول : أما اسلامه عام خيبر فمسلم ، لثبوته من
حديث غيره .
وأما كونه شهدها مع رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يرو إلا عنه ، وأهل العلم
يتأولون دعواه الحضور كما أوضحناه سابقا .
وأما لزومه لرسول الله ومواظبته عليه ، رغبة في العلم ، ورضا بشبع بطنه
وان يده كانت في يده يدور معه حيث دار ، فأمور كان أبوهريرة يدعيها ،
ـ204ـ
فالعهدة فيها عليه . إذ قال ( 1 ) : قدمت المدينة ورسول الله بخيبر وأنا يومئذ قد
زدت على الثلاثين ، فأقمت معه حتى مات ، وأدور معه في بيوت نسائه ! ( 2 )
وأخدمه وأغزو معه واحج ؟ ( 3 ) وكنت أعلم الناس بحديثه ؟ وقد والله
سبقني قوم بصحبته فكانوا يعرفون لزومي له فيسألونني عنه حديثه : منهم
عمر : وعثمان : وعلي : وطلحة : والبير : إلى آخر كلامه ، ( قلت ) : لعل
أولى الالباب يعجبون من جرأة أبي هريرة على التحديث بمثل هذا ، لمخالفته
الواقع ، وبعده عن الصدق ، لكن من عرف الحقيقة علم انه ما كان ليحدث
به على عهد الشيوخ والعلماء والعظماء منهم ، وانما اجترأ على التحديث به وبأمثاله
بعد الموت اكثر الصحابة وفتح الشام والعراق ومصر وافريقيا وفارس وغيرها
من الامصار ، حيث قلت الصحابة وكثر مسلموا الفتوحات الذين لا إلمام لهم
بشئ مما كان على عهد النبوة فكأنه حينئذ وسائر الكذابة وجدوا انفسهم في
عالم آخر لا يعرف شيئا مما كان في الصدر الاول ، ورأوا عالمهم الجديد يصدقهم
ويتعبد بما سمعه منهم لكونهم في نظره من البقية الباقية من اصحاب رسول الله
الامناء على سننه والموكول اليهم تبليغا ، وكانت السلطة الاموية بذلت في
تأييدهم جهدها فتسنى لهم بهذه الاسباب كلها ان يحدثوا بما حدثوا به من الواهيات
و المنكرات ، وبما لا يجوز شرعا ، وبما لايمكن عقلا ، وبكل سخافة وبكل
باطل حسبما اقتضته اغراضهم او أوجبتهم دعاية الظالمين الذين اتخذوا دين الله
* ( هامش ) *
( 1 ) فيما اخرجه ابن سعد بالاسناد إلى ابي هريرة كما في ترجمته من الاصابة .
( 2 ) ان من عرف النبي " ص " وانفته من دخول الرجال على نسائه لايمكن ان
يصدق بهذا ابدا .
( 3 ) قوله : واحج ، ظاهر في استمراره على الحج معه " ص " مرة بعد اخرى
وهذا عار عن الحقيقة فان رسول الله ما حج بعد الهجرة سوى حجة الوداع ولو قال
حججت معه لكان ممكن الوقوع . ( * )
ـ205ـ
دغلا ، وعباد الله خولا ، ومال الله دولا ، وكانت هذه الكذابة قد اتصلت
بأسباب أولئك الغاشمين فتوسلت اليهم بالطامات فأرضعوها اخلاف برهم ،
واولوها فوق ذلك انهم انفقوا في تأييد قواهم الجبارة إذ كانت ( ولا سيما
على عهد معاوية ) اداة من ادواتهم بل كانت لسان دعايتهم ، وعين تجسسهم
( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ) .
وأني وأيم الله لا ينقضى عجبي من البخاري ومسلم وأحمد وأمثالهم ممن
يرجعون إلى عقل اصيل ورأي جميع ثم ينقادون انقياد الاكمة الابله إلى ما
يشاء أبوهريرة وامثاله ، فهل في امكانهم ان يعلموا متى سأله علي وعمر وعثمان
وطلحة والزبير وغيرهم من أهل السوابق ؟ وهل كان سؤالهم إياه في اليقظة
أو في النوم أو في عالم الخيال ؟ وأي حديث سألوه عنه ؟ ومن روى هذا عنهم
غير أبي هريرة ؟ واي رجل من أهل المعاجم والتراجم أو من غيرهم عد واحدا
من هؤلاء في زمرة من روى عن أبي هريرة ؟ ولو حديثا واحدا ( 1 ) ومتى
كان هؤلاء يأبهون بحديثه ؟ فانا ما عهدناه يحدث في مجالسهم وما كان ليجرأ
على الحديث بحضورهم ، وكانوا يرذلونه ويكذبونه كما سمعته مفصلا . ولنرجع
الآن إلى ما ذكره ابن عبدالبر في ترجمة أبي هريرة فنقول :
وأما قوله : وكان من أحفظ اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فانه مأخوذ من
قول أبي هريرة في الحديث السابق وكنت اعلم الناس بحديثه .
وأما قوله : كان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والانصار ، فانه مأخوذ
من حديثه الذي ذكره فيه بسط النمرة ، وقد بيناه سابقا وعلقنا عليه ما نلفت
* ( هامش ) *
( 1 ) قد احصى الحاكم في ترجمة أبي هريرة من روى عنه من الصحابة فكانوا
ثمانية وعشرين رجلا ليس فيهم علي ولا عمر ولا عثمان ولاطلحة ولا الزبير أما
غيرهم من الصحابة فانما رووا عنه امورا تتعلق بالجنة والنار او بالاخلاق والحض
على العلم دون الاحكام التكليفية . ( * )
ـ206ـ
وأما قوله : بأنه قد شهد له رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه حريص على العلم
والحديث فانما هو مأخوذ من قول أبي هريرة : قلت : يا رسول الله من أسعد
الناس بشفاعتك ؟ قال صلى الله عليه وآله : لقد ظننت ان لا يسألني عن هذا الحديث احد
اولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث ( 1 ) .
ومن خصائصه التي تداولتها اقلام مترجميه المزود الذي اكل منه اكثر
من مائتي وسق تمرا ! وغلامه الآبق الذي اعتقه لوجه الله ! وحفظه وعاءين
من العلم بث احدهما وكتم الآخر ؟ ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله له ولامه ! ومشيه
على وجه الماء حتى عبر خليجا من البحر فما ابتل ! له قدم إلى غير ذلك من
المضحكات المبكيات في آن واحد فانا لله وإنا اليه راجعون .
- 17 -
* نوادره *
أخرج الامام أحمد من حديث أبي هريرة ( 2 ) عن محمد بن زياد قال :
كان مروان - ايام ولايته على المدينة في خلافة معاوية - يستخلف أبا هريرة
على المدينة فيضرب برجليه فيقول : خلوا الطريق خلوا الطريق قد جاء الامير
قد جاء الامير - يعني نفسه .
وأخرج ابن قتيبة الدينوري في ترجمة أبي هريرة من معارفه ( 3 ) عن
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه البخاري في الصحيح من طريق سعيد المقبري عن ابي هريرة ونقله
ابن حجر في ترجمة ابي هريرة من الاصابة وكان ابوهريرة يقول ( كما في ترجمته من
الاصابة ) صحبت رسول الله ثلاث سنين لم يكن احد احرص على ان يعي الحديث
عنه مني .
( 2 ) ص 34 من الجزء الثاني من مسنده .
( 3 ) في ص 94 منها . ( * )
ـ207ـ
أبي رافع قال : كان مروان يستخلف أبا هريرة على المدينة فيركب حمارا قد شد
عليه برذعة وفي رأسه خلبة من ليف فيسير فيلقى الرجل فيقول : الطريق ! قد جاء الامير ! ( قال ) : وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب
فلا يشعرون بشئ حتى يلقى نفسه بينهم ، ويضرب برجليه ! الحديث ( 1 ) .
واخرج ابونعيم ( 2 ) بسنده إلى ثعلبة بن أبي ملك القرظي قال : اقبل
أبوهريرة في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان فقال :
اوسع الطريق للامير يا ابن أبي مالك ، فقلت له : يكفى هذا . فقال : اوسع
الطريق للامير والحزمة عليه ؟ اه .
واخرج ابونعيم ايضا ( 3 ) من طريق احمد بن حنبل عن عثمان الشحام
عن فرقد السبخي ، قال : كان أبوهريرة يطوف بالبيت ( اعزه الله تعالى )
وهو يقول : ويل لي بطني إذا اشبعته كظني ، وان اجعته سبني .
وعن ربيع الابرار للزمخرشي قال : كان ابوهريرة يقول : اللهم ارزقني
ضرسا طحونا ومعدة هضوما ( 4 ) ودبرا نثورا .
وعن ربيع الابرار ايضا ( 5 ) قال : وكان يعجبه - يعني ابا هريرة -
المضيرة جدا فيأكله مع معاية وإذا حضرت الصلاة صلى خلف علي فاذا قيل
له قال : مضيرة معاية ادسم والصلاة خلف علي افضل ، فكان يقال له شيخ
* ( هامش ) *
( 1 ) أخرجه أيضا ابن سعد باسانيد متعددة في ترجمة أبي هريرة آخر ص 60
من القسم الثاني من الجزء الرابع من الطبقات .
( 2 ) في أحوال أبي هريرة صفحة 382 من الجزء الاول من حلية الاولياء .
( 3 ) في أحوال أبي هريرة من كتابه حلية الاولياء ص 382 من جزئه الاول .
( 4 ) بزنة فعول ، يستوى فيها المؤنث والمذكر كرغوث ، نقله عن ربيع الابرار
جماعة من الاثبات كالشيخ القمي في أحوال ابي هريرة من كتاب الكنى والالقاب .
( 5 ) كما في أحوال أبي هريرة من الكنى والالقاب للمعاصر القمي ( * )
ـ208ـ
وعن أبي عثمان النهدي ان ابا هريرة كان في سفر فلما نزلوا وضعوا
السفرة وبعثوا اليه وهو يصلى ، فقال : أني صائم فلما كادوا يفرغون جاء فجعل
يأكل الطعام فنظر القوم إلى رسولهم فقال : ما تنظرون ؟ قد والله أخبرني أنه
صائم : فقال أبوهريرة صدق اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : صوم رمضان
وصوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر وقد صمت ثلاثة أيام من أول الشهر
فانا مفطر في تخفيف الله صائم في تضعيف الله ، اخرجه ابونعيم ( 2 ) .
واخرج البخاري ( 3 ) عن محمد بن سيرين قال : كنا عند أبي هريرة وعليه
ثوبان ممشقان من كتان فتمخط بهما فقال : بخ بخ ابوهريرة يتمخط في الكتان
لقد رأيتني وأني لاخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حجرة عائشة مغشيا
على فجئ الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى اني مجنون وما بي من جنون
ما بي الا الجوع .
ومن نوادره انه كان يلعب السدر قال ابن الاثير في مادة السدر من نهايته
* ( هامش ) *
( 1 ) المضيرة هي مريقة تطبخ باللبن المضير اي الحامض ، ويظهر من هذه
الحكاية وغيرها انه كان ممن حضر وقعة صفين ، وانه كان يصانع الفئتين شأن المتلون
ذي الوجهين واللسانين يريد بهذا ان لا يقطع على نفسه خط الرجعة إلى الفئة المنتصرة
وقد راينا بين سوريا والعراق على مقربة من صفين مقاما مشادا يدعى مقام أبي هريرة
وحدثني غير واحد ان ابا هريرة كان في بعض ايام صفين يصلى في جماعة علي ويأكل
في جماعة معاوية فاذا حمى الوطيس لحق الجبل فاذا سئل قال : علي اعلم ومعاوية ادسم
والجبل اسلم .
( 2 ) في أواخر ترجمة ابي هريرة ص 385 من الجزء الاول من الحلية .
( 3 ) ص 157 من الجزء الرابع من صحيحه في اواخر كتاب الاعتصام
بالكتاب والسنة ، واخرجه ابونعيم في ص 379 من الجزء الاول من حليته . ( * )
ـ209ـ
ما هذا لفظه : وفي حديث بعضهم قال : رأيت أبا هريرة يلعب الدر ، ثم
قال : السدر لعبة مقامر بها - وتكسر سينها وتضم وهي فارسية معربة عن
ثلاثة ابواب ( 1 ) اه .
وفي هذه المادة من لسان العرب عين ما في النهاية وزاد عليه فقال ومنه
حديث يحيى بن ابي كثير : السدر هي الشيطانة الصغرى ( قال ) يعنى انها من
أمر الشيطان انتهى بلفظه ( 2 ) .
وذكر الدميري في مادة عقرب من حياة الحيوان لعب الشطرنج فقال :
وروى الصعلوكي تجويزه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأبي البسر
وأبي هريرة ثم قال : والمروي عن أبي هريرة من اللعب به مشهور في كتب
الفقه ، قال : وروى الآجري عن أبي هريرة انه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله
إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بالازلام الشطرنج والنرد فلا تسلموا عليهم ( 3 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) قوله : معربة عن ثلاثة أبواب ، اي ان اصلها في لغة الفرس " سه در "
ومعناها عندهم ثلاثة ابواب ، فاستعملها العرب وتصرفوا فيها فقالوا : سدرة .
( 2 ) فراجعه في ص 30 ج 6 مادة س در .
( 3 ) لكن الدميري ضعف اسناد هذا الحديث وكذب الصولى فيما نقله عن
الامام زين العابدين من القول باباحة الشطرنج فان ائمة اهل البيت كافة يحرمونه
وكذلك مالك واحمد وابوحنيفة . ( * )
ـ210ـ
* وفاته وعقبه *
كانت وفاته في قصره بالعقيق ( 1 ) فحمل إلى المدينة فكان ولد عثمان بن
عفان يحملون سريره حتى بلغوا به البقيع حفظا بما كان من رأيه في أبيهم ( 2 )
وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان يومئذ أميرا على
المدينة وكان مروان معزولا ( 3 ) وانما صلى عليه الوليد تكريما له تقدم للصلاة
عليه بعد ان صلى بالناس فريضة العصر وفي القوم ابن عمر وابوسعيد الخدري
واضرابهما ( 4 ) .
وكتب الوليد إلى عمه معاوية ينعى اليه أبا هريرة فكتب اليه معاوية ( 5 )
انظر من ترك وادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم واحسن جوارهم وافعل اليهم
معروفا فانه ممن نصر عثمان وكان معه في الدار .
* ( هامش ) *
( 1 ) نص على ذلك ابن حجر في ترجمة ابي هريرة من الاصابة ونقل موته
بالعقيق ابن عبدالبر اذ ترجمه في الاستيعاب ، واخرجه الحاكم في ترجمة من المستدرك
وارسله اهل الاخبار .
( 2 ) أخرج ذلك ابن سعد في ص 63 من القسم الثاني من الجزء الرابع من
الطبقات في ترجمة أبي هريرة ورواه أهل الاخبار .
( 3 ) نص على ذلك الاستيعاب والاصابة والطبقات و المستدرك في ترجمة
أبي هريرة .
( 4 ) نص على ذلك كل من ذكرناهم ممن ترجموا ابا هريرة .
( 5 ) كما في ترجمة ابي هريرة من مستدرك الحاكم وطبقات ابن سعد واصابة
ابن حجر وغيرها من كتب الاخبار . ( * )
ـ211ـ
وكانت وفاته سنة سبع وخمسين ، وقيل سنة ثمان وخمسين ، وقيل سنة
............................................................................
- ابوهريرة مجلد: 1 من ص 211 سطر 1 الى ص 220 سطر 12
وكانت وفاته سنة سبع وخمسين ، وقيل سنة ثمان وخمسين ، وقيل سنة
تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة .
أما عقبة فانما نعرف منه ولده المحرر ابن ابي هريرة وبنته التي كان
يقول لها : قولي أبي أبي ان يحليني الذهب يخشى على حر اللهب . ونعرف لمحرر
ولدا اسمه نعيم وهو الذي روى عن جده أبي هريرة انه كان له خيط فيه الفا
عقدة فلا ينام حتى يسبح به ( 1 ) .
وروى عنه أيضا : ان رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله بما تأمروني ان اتجر
قال صلى الله عليه وآله : عليك بالبز فان صاحب البز يعجبه ان يكون الناس بخير وفي جدة .
اما المحرر فقد ترجمه ابن سعد في طبقاته ( 2 ) وذكر سلسلة نسبه المتصلة
بدوس ، وانه توفى في خلافة عمر بن عبدالعزيز ، وأنه كان قليل الرواية ( 3 ) .
* ( هامش ) *
( 1 ) وقد جاء في ص 380 من الجزء الاول من حلية الاولياء ذكر بنت أبي
هريرة التي كان لا يلبسها الذهب وفي ص 383 ذكر نعيم بن المحرر بن أبي هريرة
الذي روى عن جده التسبيح بالخيط .
( 2 ) ص 188 من جزئها الخامس .
( 3 ) ان لابي هريرة في إمارة الحج سنة تسع للهجرة حديثين متناقضين يروى
عنه احدهما ولده المحرر والثاني يرويه حميد الحديثان في الصحاح وقد اوردناهما فيما
سبق من الاصل وبسطنا القول فيهما فراجع الحديث 18 من الفصل 11 . ( * )
ـ212ـ
* خاتمة الكتاب *
ولنختم إملاءنا هذا بكلمتين لرسول الله صلى الله عليه وآله تتعلقان بابي هريرة ضربهما
النبي صلى الله عليه وآله على غرار فذ من أغرته الحكيمة في التدليل على زيغ الزائغين
والتحذير منهم .
الكلمة الاولى يشترك فيها أبوهريرة والرحال بن عنفوه والفرات
ابن حيان ، وذلك انهم خرجوا ذات يوم من مجلسه الشريف ، فقال صلى الله عليه وآله
مشيرا اليهم ( 1 ) : لضرس أحدكم في النار أعظم من أحد ، وان معه لقفا غادر اه
فكان أبوهريرة والفرات يقولان بعدها ( 2 ) فما أمنا بعد هذا حتى ارتد
الرحال وقتل مع مسليمة الكذاب .
( قلت ) : كأنهما كانا يحاولان تأويل الحديث فيجعلان المراد منه واحدا
منهم بعينه وهو الرحال بقرينة التحاقه بعد النبي صلى الله عليه وآله بمسيلمة وقتله مرتدا .
وهذا تضليل عن الحقيقة المتبادرة من الحديث عند اطلاقه ، فانه على
حد قوله تعالى ، ( يود احدكم ان تكون له جنة ) ( يود احدهم لو يعمر الف
سنة ) ( وإذا بشر احدهم بما ضرب للرحمن مثلا ) ( واذا بشر احدهم بالانثى ظل
وجهه مسودا وهو كظيم ) إلى كثير من امثال ذلك في الكتاب والسنة ، وكلام
* ( هامش ) *
( 1 ) فيما أخرجه سيف بن عمر في الفتوح من طريق احمد بن فرات بن حيان
ونقله في ترجمة فرات صاحبا الاستيعاب والاصابة وغير واحد .
( 2 ) فيما نقله عنهما صاحبا الاستيعاب والاصابة في ترجمة الفرات ورواه غير
واحد من حفظة الآثار . ( * )
ـ213ـ
العرب تقول في المدح : كف أحدهم تمرطر ذهبا ، وقلب أحدهم يفيض حنانا ،
وفي الذم : وجه أحدهم عنوان الوفاحة ، وفلب أحدهم أنسى من الصلد ، فلا
ترتد واحدا منهم بعينه وانما تريد الجميع ، وهذا هو المراد في الحديث وهو
المتبادر منه إلى الاذهان .
ولو أرارد صلى الله عليه وآله واحدا منهم بعينه لابانه بقرينة تعينه . فان تأخير البيان
في مثل هذا المقام مما لا يجوز على الانبياء لقبحه عقلا بسبب استلزامه ظلم
البريئين منهم ، لانه متى علم ان احدهم من أهل النار وانه غدار ، ولم يعرف
بعينه تفصيلا سقط الثلاثة عن درجة الاعتبار ، إذ لا يركن بعدها اليهم ، ولا
يعتمد عليهم ، ولا يؤبه بما يقولون في اصول أو فروع ولا يحتج بحديثهم ،
ولاتقبل لهم شهادة في مرافعة أو غيرها ، ولا يولون أمرا من أمور المسلمين ،
ولا يوكل اليهم شأن تشترط الوثاقة فيمن يوكل اليه ، فيحرمون بأجمعهم بحديثهم من
الحقوق المدنية في الاسلام ، ويجب على الامة اجتنابهم في كل شئ تشترط فيه
العدالة نزولا على حكم القاعدة العقلية في الشبهة المحصورة مع العلم الاجمالي كما
هو مقرر في محله من الاصول .
وحسبك بهذا سقوطا لكل من الثلاثة على السواء .
وإذا كان احدهم بعينه هو الجهنمي الغادر المستوجب للحرمان فما ذنب
الآخرين ؟ أيجوز على سيد الحكماء ، وخاتم الانبياء أن يسقط برئين فنجعلهما
طيلة حياتهما بحكم الغدار من أهل النار ؟ ثم يلقى الله تعالى عن غير بيان حاشا لله
وما الذي منعه ان يقول مشيرا اليه نفسه : لضرس هذا في النار أعظم من احد
لو لم يكونوا جميعا في الامر على السواء .
( فان قلت ) . لعله صلى الله عليه وآله عين الرحال حينئذ بقرينة لفظية أو حالية
كالايماء اليه بالخصوص مثلا ثم خفيت علينا .
( قلنا ) : لو كان ثمة قرينة ما خفيت على أبي هريرة وفرات ، وقد
ـ214ـ
أستفرغا الوسع فلم يتشبثا بشئ سوى ردة الرحال وحينئذ سجدا لله شكرا
وكانا بعد ذلك يقولان : فما أمنا بعد قول النبي صلى الله عليه وآله ما قال حتى صنع الرحال
ما صنع ( 1 ) .
على انه لا فرق في هذه المشكلة بين عدم البيان وخفائه بعد صدوره
لاتحاد النتيجة فيهما ، إذ لا مندوحة لنا - على كلا الفرضين - عن العمل بما
يقتضيه العلم الاجمالي في الشبهة المحصورة كما لايخفى .
( فان قلت ) : إنما كان المنصوص عليه بهذا الذم مجملا قبل التحاق الرحال
بمسيلمة وموته مرتدا وبمجرد صنعه ما صنع تعين أنه هو المراد دون صاحبه ، وحينئذ لا اجمال ولا اشكال .
( قلنا ) : أولا ان المتبادر من قوله صلى الله عليه وآله : لضرس احدكم في النار انما
هو الجميع على حد المتبادر من قوله تعالى " واذا بشر أحدهم بالانثى " واذن فلا
اجمال في المنصوص عليه بالذم هنا ولا أثر لردة الرحال للعلم بسوء حاله وحال
صاحبيه منذ باؤوا بالضرس والقفا .
( وثانيا ) : ان الانبياء عليهم السلام كما يمتنع عليهم ترك البيان مع الحاجة اليه
يستحيل عليهم تأخيره عن وقت الحاجة ، ولعلك تعلم ان وقت الحاجة هنا
متصل بصدور هذه الكلمة في حقهم من رسول الله ( ص ) ( لو كان لاحدهم
شئ من الاعتبار ) لانهم منذ أسلموا كانوا محل الابتلاء في حديثهم وشهاداتهم
والائتمام بهم ، والوصاية اليهم ، والتولية لهم ، وما إلى ذلك من حقوق المدنية
( في الدين ) فلو لا وجوب اقصائهم عنها لما ترك صلى الله عليه وآله البيان حتى لحق بالرفيق
الاعلى ، وما كان ليتكل في ذلك على ما صنع الرحال من الردة بعد وفاته .
( وثالثا ) : ان الفرات بن حيان كان جاسوسا للمشركين ، وعينا لابي
* ( هامش ) *
( 1 ) سجودهما حينئذ لله كشرا وقولهما فما أمنا ثابتان عنهما ، ومذكوران في
ترجمة فرات من الاستيعاب والاصابة وغيرهما . ( * )
ـ215ـ
سفيان على رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمين ، فلما أرادوا قتله بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله
كما في ترجمته من الاستيعاب والاصابة وغيرهما اسلم حقنا لدمه ، فقال النبي
صلى الله عليه وآله ( 1 ) : ان منكم من اتألفه على الاسلام منهم الفرات بن حيان ، فالرجل في
سوء الحال معطوف على الرحال ، فكيف مع ذلك يكون صنع الرحال قرينة
على تخصيصه بالجرح والقدح دون الفرات الذي ما أسلم الا حقنا لدمه ؟ ودون
أبي هريرة الذي تبوأ مقعده .
( الكلمة الثانية ) : يشترك فيها أبوهريرة وسمرة بن جندب الفزاري
و ابومحذورة الجمحي إذ أنذرهم صلى الله عليه وآله فقال لهم ذات يوم ( 2 ) آخركم موتا في النار .
وهذا أسلوب حكيم من أساليبه في اقصاء المنافقين عن التصرف في
شؤون الاسلام والمسلمين ، فانه صلى الله عليه وآله لما كان عالما بسوء بواطن هؤلاء الثلاثة
اراد ان يشرب في قلوب أمته الريب فيهم والنفرة منهم اشفاقا عليها ان تركن
إلى واحد منهم في شئ مما يناط بعدول المؤمنين وثقاتهم ، فنص بالنار على
واحد منهم وهو آخرهم موتا ، لكنه اجمل القول فيه على وجه جعله دائرا بين
الثلاثة على السواء ثم لم يتبع هذا الاجمال بشئ من البيان وتمضى الايام والليالي
على ذلك ويلحق صلى الله عليه وآله بالرفيق الاعلى ولا بيان ، فيضطر أولي الالباب من
أمته إلى اقصائهم جميعا عن كل امر يناط بالعدول والثقات من الحقوق المدينة
* ( هامش ) *
( 1 ) كما في ترجمة فرات من الاستيعاب والاصابة وغيرهما وأخرج الحاكم في
كتاب الحدود ص 366 من الجزء 4 من المستدرك حديثا ذكر فيه الفرات بن
حيان وانه كان عينا لابي سفيان وحليفا له وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أمر بقتله فمر
على حلقه من الانصار فقال : أني مسلم ، فقال بعضهم : يارسول الله إنه يقول :
أني مسلم ، فقال رسول الله إن منكم رجالا نكلهم إلى ايمانهم منهم الفرات بن حيان ،
وهذا الحديث صححه الحاكم في المستدرك والذهبي في تلخيصه .
( 2 ) كما في ترجمة سمرة من الاستيعاب والاصابة وغيرهما . ( * )
ـ216ـ
في دين الاسلام لاقتضاء العلم الاجمالي ذلك بحكم القاعدة العقلية في الشبهات
المحصورة ، فلولا انهم في وجوب الاقصاء على السواء لاستحال عليه - وهو
سيد الحكماء - عدم البيان في مثل هذا المقام .
فان قلت : لعله بين هذا الاجمال بقرينة خفيت علينا بتطاول المدة .
( قلنا ) : لو كان ثمة قرينة ما كان كل من هؤلاء في الرجال من هذا
الانذار على السواء ( 1 ) .
على انك قد عرفت مما سبق انه لافرق في هذه المشكلة بين عدم البيان
واختفائه بعد صدوره لاتحاد النتيجة فيهما بالنسبة الينا اذ لا مندوحة لنا
عن العمل بما يقتضيه العلم الاجمالي من تنجيز التكليف في الشبهة المحصورة على كلا الفرضين كما بيناه آنفا .
( فان قلت ) : انما كان المنصوص عليه بالنار مجملا قبل موت الاول
والثاني منهم وبسبقهما إلى الموت تبين وتعين انه انما هو الباقي بعدهما بعينه دون
سابقيه ، وحينئذ لا اجمال ولا اشكال .
( قلنا ) : أولا علمت مما ذكرناه آنفا ان الانبياء عليهم السلام كما يمتنع عليهم ترك
البيان مع الحاجة اليه يستحيل عليهم تأخيره عن وقت الحاجة ، وعلمت أيضا ان وقت
الحاجة هنا متصل بصدور هذا الانذار لو كان لاحد الثلاثة شئ من الاعتبار ،
لانهم منذ اسلموا كانوا محل ابتلاء المسلمين في الحقوق المدنية الدينية كما بيناه آنفا
فلولا وجوب اقصائهم عنها لما أخر البيان انكالا على صروف الزمان ، وحاشا
رسول الله صلى الله عليه وآله ان يقصى أحدا عن حقه طرفة عين ، ومعاذ الله ان يخزى
من لا يستحق الخزي ثم يبقيه على خزيه حتى يموت مخزيا إذ لا تعرف براءته
- بناء على هذا الفرض الفاسد - إلا بموته .
* ( هامش ) *
( 1 ) كما يعلمه متتبعوا شؤونهم حول هذا الوعيد . ( * )
ـ217ـ
( وثانيا ) : إنا - شهد الله - بذلنا الطاقة بحثا وتنقيبا ، فلم يكن
في الوسع أن نعلم أيهم المتأخر موتا لان الاقوال في تاريخ وفياتهم بين
متناقض متساقط ( 1 ) وبين مجمل متشابه لا يركن اليها كما يعلمه متتبعوها .
( وثالثا ) : لم يكن من خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وهو " العزيز عليه عنت
المؤمنين الحريص عليهم الرؤوف بهم الرحيم لهم ) أن يجابه بهذا القول - آخركم
موتا من النار - من يحترمه وما كان ( وأنه لعلى خلق عظيم ) ليفاجئ به
( أو بقوله : لضرس أحدكم في النار ) غير مستحقيه ، ولو أن في واحد من
هؤلاء الثلاثة ( أو من أولئك ) خيرا ما أشركه في هذه المفاجأة القاسية
والمجابهة الغليظة ، لكن اضطره الوحي إلى ذلك نصحا لله تعالى وللامة
( وما ينطق عن الهوى ) . .
على ان أحوال هؤلاء الثلاثة كلها قرائن قطعية على ماقلناه حول انذارهم
هذا كما ان احوال أولئك أدلة ما قلناه فيهم .
وحسبك من أبي هريرة ما تبوأه من مقعده ، ويكفيك من سمرة اسرافه
الفظيع في دماء المسلمين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ( 2 ) وبيعه الخمر
* ( هامش ) *
( 1 ) أما تنافضها فلائن بعضها نص بموت سمرة سنة ثمان وخمسين وموت
أبي هريرة سنة تسع وخمسين وهذا منقوض بالقول بأن موت أبي هريرة كان سنة
سبع وخمسين ، وهكذا بقية الاقوال في موت الثلاثة وأما المجمل المتشابه منها
فكالقول بموت الثلاثة كلهم في سنة تسع وخمسين من غير بيان اليوم والشهر الذي
وقع فيه الموت .
( 2 ) نحيلك في تفصيل ذلك على ص 363 من المجلد الاول من شرح النهج
الحميدي وما أخرجه الطبري منها في أحداث سنة خمسين من تأريخه الشهير وما ذكرناه
نحن منها في الفصل 8 من فصولنا المهمة . ( * )
ـ218ـ
علانية ( 3 ) ومضارته للانصاري ، وتمرده على ما دعاه النبي صلى الله عليه وآله يومئذ اليه
من الصلح وزهده في الجنة على وجه يستفاد منه عدم ايمانه ( 1 ) وشجه رأس ناقة
النبي ( 2 ) استخفافا ومتهانا إلى غير ذلك من بوائقه .
وناهيك من أبي محذورة أنه من الطلقاء وللمؤلفة قلوبهم ، دخل في
الاسلام بعد فتح مكة ، وبعد أن قفل رسول الله صلى الله عليه وآله من حنين منتصرا على
هوازن ، ولم يكن شئ اكره إلى أبي محذورة يومئذ من رسول الله صلى الله عليه وآله ولا
مما يأمر به ، وكان يسخر بمؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله فيحكيه رافعا صوته استهزاء
لكن صرة الفضة التي اختصه بها رسول الله صلى الله عليه وآله فيحكمه رافعا صوته استهزاء
لكن صرة الفضة التي اختصه بها رسول الله صلى الله عليه وآله وغنائم حنين التي اسبغها
على الطلقاء من اعدائه ومحاربيه واخلاقه العظيمة التي وسعت كل من اعتصم
باول الشهادتين من اولئك المنافقين مع شدة وطأته على من لم يعتصم بها ودخل
العرب في دين الله أفواجا ، كل ذلك ألجأ أبا محذورة وأمثاله إلى الدخول فيما
دخل فيه الناس ولم يهاجر حتى مات في مكة ( 3 ) والله يعلم بواطنه .
* ( هامش ) *
( 3 ) فيما اخرجه الامام أحمد من حديث عمر بن الخطاب في ص 25 من الجزء
الاول من مسنده .
( 1 ) كما في كتاب للتجارة من الكافي في باب الضرار وفي الفقيه انه خالف
رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يرض بنخلة في الجنة في قضية اوردها ابن أبي الحديد في ص 363
من المجلد الاول من شرح النهج حيث ذكر سمرة وفظائعه .
( 2 ) كما في روضة الكافي .
( 3 ) كلما نقلناه هنا عن أبي محذورة موجود في ترجمته من الاصابة وهو
مما لا خلاف فيه .
تمت التعليقة بتمام الاصل بقلم مؤلفها الاقل عبدالحسين والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وسلم تسليما كثيرا . ( * )
ـ219ـ
بقيت كلمة لابن البر حول هذا الانذار إذ قال في ترجمة سمرة من
الاستيعاب : وكانت وفاته بالبصرة في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين سقط
في قدر مملؤة ماءا حارا كان يتعالج بالقعود عليها من كزاز شديد اصابه فسقط
في القدر الحارة فمات " قال " : كان ذلك تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله
له ولابي هريرة ولثالث معهما : آخركم موتا في النار اه .
( قلت ) : هذا تأويل غريب لا يدل عليه اللفظ ولا يفهمه منه أحد
والثلاثة المخاطبون به لم يرتابوا في مفاده المتبادر منه ، ولذا كان كل منهم يتمنى
سبق صحابيه إلى الموت كما هو ثابت عنهم ، على أن تأخر سمرة في الموت عن
صاحبيه كليهما غير معلوم ، ولا سيما على ماجزم به ابن عبدالبر من موته سنة ثمان
وخمسين ، لان أبا هريرة قد مات في قول الواقدي وابن نمير وابن عبيد وابن الاثير
وابن جرير وغيرهم سنة تسع وخمسين وفيها مات أبومحذورة ، وقيل : بل مات
أبومحذورة سنة تسع وسبعين ، ونص ابن الكلبي على ان أبا محذورة مات بعد
موت سمرة ، فتأويل ابن عبدالبر هذه الكلمة - آخركم موتا في النار -
مما لا يصغى اليه .
وهذا آخر ما اردناه من تمحيص السنة المقدسة وتنزيهها عن الدخل
الشائن لجوهر الاسلام وروحه الرفيعة ، والحمد لله على التوفيق لذلك واليه نبتهل
في أن ينفع به المؤمنين ، ويجعله ذخيرة ليوم الدين ، وصلى الله على سيد النبيين
وخاتم المرسلين ، وآله الطيبين الطاهرين ، وصحبه الهداة الميامين .
وكان الفراغ منه في مدينة صور يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر
رمضان المبارك سنة 1362 ه الموافق 23 من أيلول سنة 1943 م بقلم مؤلفه
أضعف المؤمنين عملا واقواهم بعفو الله أملا عبدالحسين بن الشريف يوسف
ابن الشريف جواد بن الشريف اسماعيل بن محمد بن محمد بن شرف الدين واسمه
ابراهيم بن زين العابدين بن علي نور الدين بن نور الدين علي بن عز الدين
ـ220ـ
الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن محمد بن تاج الدين المعروف بأبي الحسن
ابن محمد ولقبه شمس الدين بن عبدالله ولقبه جلال الدين بن أحمد بن حمزة
ابن سعد الله بن حمزة بن أبي السعادات محمد بن أبي محمد عبدالله نقيب النقباء
الطالبيين في بغداد ابن أبي الحرث محمد بن أبي الحسن علي المعروف بابن الديلمية
أبن أبي طاهر عبدالله بن أبي الحسن محمد المحدث بن أبي الطيب طاهر بن الحسين
القطعي بن موسى أبي سبحة بن ابراهيم المرتضى بن الامام الكاظم بن الامام
الصادق بن الامام الباقر بن الامام زين العابدين بن الامام أبي عبدالله الحسين
سيد الشهداء ، وخامس أصحاب الكساء ، وسبط خاتم النبيين والمرسلين ، وابن
أمير المؤمنين ، وسيد الوصيين ، على بن أبي طالب ، صلى الله على رسوله
وعليهم أجمعين . .
" تم طبع الكتاب في يوم 2 / 4 / 1965 م " "