سيرة ابن هشام مجلد: 3
سيرة النبى
صلى الله عليه وسلم
ألفها أ بوعبدالله محمد بن إسحاق بن يسار المطلبى
المتوفى في سنة 151 من الهجرة
وهذبها أبومحمد عبدالملك بن هشام بن أيوب ، الحميرى
المتوفى في سنة 218 من الهجرة
حقق أصلها ، وضبط غرائبها ، وعلق عليها
محمد محيى الدين عبدالحميد
عفا الله تعالى عنه
وجميع حق إعادة الطبع محفوظ له
الجزء الثالث

ـ581ـ
بسم الله الرحمن الرحيم

غزوة أحد ( 1 )
وكان من حديث أحد ، كما حدثنى محمد بن مسلم الزهرى ومحمد بن يحيى
ابن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن
معاذ وغيرهم من علمائنا ، كلهم قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد ، وقد
اجتمع حديثهم كله فيما سقت من هذا الحديث عن يوم أحد ، قالوا ، أو من
قاله منهم :
لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ، ورجع فلهم إلى مكة ،
ورجع أبوسفيان بن حرب بعيره ، مشى عبدالله بن أبى ربيعة ، وعكرمة
ابن أبى جهل ، وصفوان بن أمية ، في رجال من قريش ، ممن أصيب آباؤهم
وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر ، فكلموا أبا سفيان بن حرب ، ومن كانت له
في تلك العير من قريش تجارة ، فقالوا : يا معشر قريش ، إن محمدا قد وتركم ،
وقتل خياركم ، فأعينوا ( 2 ) بهذا المال على حربه ، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن
أصاب منا ، ففعلوا .
قال ابن إسحاق : ففيهم ، كما ذكر لى بعض أهل العلم ، أنزل الله تعالى :
( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ، ف سينفقونها
ثم تكون عليهم حسرة ، ثم يغلبون ، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون -
36 من سورة الانفال " .
فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك
أبوسفيان ابن حرب ، وأصحاب العير بأحابيشها ، ومن أطاعها من قبائل كنانة ،
وأهل تهامة . وكان أبوعزة عمرو بن عبدالله الجمحى قد من عليه رسول الله
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " امر أحد وحديثه " ( 2 ) في ا " فأعينونا " . ( * )
ـ582ـ
صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، وكان فقيرا ذا عيال وحاجة ، ـ وكان ـ في الاسارى
فقال : يا رسول الله إنى فقير ذوعيال وحاجة قد عرفتها فامنن على صلى الله عليك
ـ وسلم ـ فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له صفوان بن أمية :
يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر ، فأعنا بلسانك ، فاخرج معنا ، فقال : إن محمدا
قد من على فلا أريد أن أظاهر عليه ، قال : ـ بلى ـ فأعنا بنفسك ، فلك الله
على إن رجعت أن أغنيك ، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتى ، يصيبهن
ما أصابهن من عسر ويسر . فخرج أبوعزة في تهامة ، يدعو بنى كنانة ويقول :
إيها بنى عبد مناة الرزام * أنتم حماة وأبوكم حام
لا تعدونى نصر كم بعد العام *
لا تسلمونى ، لا يحل إسلام
وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بنى مالك بن
كنانة ، يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال :
يا مال ، مال الحسب المقدم * أنشد ذا القربى وذا التذمم
من كان ذا رحم ومن لم يرحم * الحلف وسط البلد المحرم
عند حطيم الكعبة المعظم
ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيا يقال له : وحشى ، يقذف بحربة له
قذف الحبشة ، قلما يخطئ بها ، فقال له : اخرج مع الناس ، فإن أنت قتلت
حمرة عم محمد بعمى طعيمة بن عدى ، فأنت عتيق .
ـ قال ـ فخرجت قريش بحدها وجدها وحديدها وأحابيشها ، ومن تابعها
من بنى كنانة ، وأهل تهامة ، وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة ، وألا يفروا
فخرج أبوسفيان بن حرب ، وهو قائد الناس بهند بنة عتبة ، وخرج عكرمة
ابن أبى جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة ، وخرج الحارث بن
هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة ، وخرج صفوان بن أمية ببرزة
ـ583ـ
بنت مسعود بن عمروبن عمير الثقفية ، وهى أم عبدالله بن صفوان ـ بن أمية ـ
قال ابن هشام : ويقال : رقية .
قال ابن إسحاق : وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج
وهى أم عبدالله بن عمرو ، وخرج طلحة بن أبى طلحة - وأبوطلحة عبدالله بن
عبدالعزى بن عثمان بن عبد الدار - بسلافة بنت سعد بن شهيد الانصارية ، وهى
أم بنى طلحة : مسافع ، والجلاس ، وكلاب ، قتلوا يومئذ ـ هم ـ وأبوهم ،
وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب إحدى نساء بنى مالك بن حسل
مع ابنها أبى عزيز بن عمير ، وهى أم مصعب بن عمير ، وخرجت عمرة بنت
علقمة إحدى نساء بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة ، وكانت هند بنت عتبة
كلما مرت بوحشى أومر بها ، قالت : ويها أبادسمة اشف واستشف ، وكان
وحشى يكنى بأبى دسمة ، فأقبلوا حتى نزلوا بعينين ، بجبل ـ ببطن ـ السبخة
من قناة على شفير الوادى ، مقابل المدينة .
قال : فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد نزلوا حيث
نزلوا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين : إنى قد رأيت والله خيرا ،
رأيت بقرا ـ تذبح ـ ، ورأيت في ذباب سيفى ثلما ، ورأيت أنى أدخلت يدى في
درع حصينة ، فأولتها المدينة .
قال ابن هشام : وحدثنى بعض أهل العلم ، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : رأيت بقرا لى تذبح ؟ قال : فأما البقر فهى ناس من أصحابى يقتلون ،
وأما الثلم الذى رأيت في ذباب سيفى ، فهو رجل من أهل بيتى يقتل .
قال ابن إسحاق : فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا ، فإن
أقاموا أقاموا بشر مقام ، وإن هم دخلوا ( 1 ) علينا قاتلناهم فيها ، وكان رأى عبدالله
ابن أبى بن سلول مع رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يرى رأيه في ذلك ،
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " دخلوها " ( * )
ـ584ـ
وألا يخرج إليهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج ، فقال
رجال من المسلمين ، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره ، ممن كان فاته
بدر : يا رسول الله ، اخرج بنا إلى أعدائنا ، لا يرون أنا جبنا عنه وضعفنا ؟
فقال عبدالله بن أبى ـ بن سلول ـ : يا رسول الله ، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم ،
فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ، ولادخلها علينا إلا أصبنا منه
فدعهم يا رسول الله ، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال
في وجههم ( 1 ) ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجعوا
خائبين كما جاءوا . فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذين كان
من أمرهم حب لقاء القوم ، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ،
فلبس لامته ، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة . وقد مات في ذلك اليوم
رجل من الانصار يقال له : مالك بن عمرو ، أحد بنى النجار ، فصلى عليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم خرج عليهم ، وقد ندم الناس ، وقالوا :
استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن لنا ذلك . فلما خرج عليهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا : يا رسول الله ، ا ستكرهناك ولم يكن
ذلك لنا ، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ما ينبغى لنبى إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل ، فخرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه .
قال ابن هشام : واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس .
قال ابن إسحاق : حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد ، انخزل عنه
عبدالله بن أبى ـ بن سلول ـ بثلث الناس ، وقال : أطاعهم وعصانى ، ما ندرى
علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس ، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق
والريب ، واتبعهم عبدالله بن عمرو بن حرام ، أخو بنى سلمة ، يقول : يا قوم ،
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " وجوههم " . ( * )
ـ585ـ
أذكر كم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم ، فقالوا : لو نعلم
أنكم تقاتلون لما أسلمنا كم ، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال . قال : فلما
استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم ، قال : أبعدكم الله أعداء الله ، فسيغنى
الله عنكم نبيه .
قال ابن هشام : وذكر غير زياد ، عن محمد بن إسحاق عن الزهرى : أن
الانصار يوم أحد ، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ألا نستعين
بحلفائنا من يهود ؟ فقال : لا حاجة لنا فيهم
قال زياد : حدثنى محمد بن إسحاق ، قال : ومضى رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى سلك في حرة بنى حارثة ، فذب فرس بذنبه ، فأصاب كلاب سيف
فاستله .
قال ابن هشام : ويقال : كلاب سيف .
قال ابن إسحاق : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يحب الفأل
ولا يعتاف ، لصاحب السيف : شم سيفك ، فإنى أرى السيوف ستسل اليوم .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه : من رجل يخرج بنا على القوم
من كثب : أى من قرب ، من طريق لايمر بنا عليهم ؟ فقال أبوخيثمة أخو
بنى حارثة بن الحارث : أنا يا رسول الله ، فنفذ به في حرة بنى حارثة ، وبين
أموالهم ، حتى سلك في مال لمربع بن قيظى ، وكان رجلا منافقا ضرير البصر ،
فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين ، قام يحثى
في وجوههم التراب ، ويقول : إن كنت رسول الله فإنى لا أحل لك أن تدخل
حائطى . وقد ذكر لى أنه أخذ حفنة من تراب في يده ، ثم قال : والله لو أعلم
أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك . فابتدره القوم ليقتلوه ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوه ، فهذا الاعمى أعمى القلب ، أعمى البصر .
ـ586ـ
وقد بدر إليه سعد بن زيد ، أخو بنى عبد الاشهل ، قبل نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عنه ، فضربه بالقوس في رأسه ، فشجه .
قال : ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد ،
في عدوة الوادى إلى الجبل ، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد ، وقال : لا يقاتلن
أحد منكم حتى نأمره بالقتال . وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع
كانت بالصمغة ، من قناة للمسلمين : فقال رجل من الانصار حين نهى رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن القتال : أترعى زروع بنى قيلة ولما نضارب ! وتعبى
رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال ، وهو في سبع مئة رجل ، وأمر على
الرماة عبدالله بن جبير ، أخا بنى عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض ،
والرماة خمسون رجلا ، فقال : انضح الخيل عنا بالنبل ، لا يأتونا من خلفنا ،
إن كانت لنا أو علينا ، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك . وظاهر رسول الله
صلى الله عليه وسلم بين درعين ، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير ، أخى بنى
عبد الدار .
قال ابن هشام : وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سمرة بن جندب
الفزارى ، ورافع بن خديج ، أخا بنى حارثة ، وهما ابنا خمس عشرة سنة ، وكان
قد ردهما ، فقيل له : يا رسول الله إن رافعا رام ، فأجازه ، فلما أجاز رافعا ،
قيل له : يا رسول الله ، فإن سمرة يصرع رافعا ، فأجازه . ورد رسول الله صلى الله
عليه وسلم : أسامة بن زيد ، وعبدالله بن عمر بن الخطاب ، وزيد بن ثابت ،
أحد بنى مالك بن النجار ، والبراء بن عازب ، أحد بنى حارثة ، وعمرو بن حزم
أحد بنى مالك بن النجار ، وأسيد بن ظهير أحد بنى حارثة ، ثم أجازهم يوم
الخندق ، وهم أبناء خمس عشرة سنة .
قال ابن إسحاق : وتعبأت قريش ، وهم ثلاثة آلاف رجل ومعهم مئتا
ـ587ـ
فرس قد جنبوها ، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتها
عكرمة بن أبى جهل .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فقام إليه
رجال ، فأمسكه عنهم ، حتى قام إليه أبودجانة سماك بن خرشة ، أخو بنى ساعدة
فقال : وما حقه يارسول الله ؟ قال : أن تضرب به العدو حتى ينحنى ، قال :
أنا آخذه يا رسول الله بحقه ، فأعطاه إياه . وكان أبودجانة رجلا شجاعا يختال
عند الحرب ، إذا كانت ، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء ، فاعتصب بها ، علم
الناس أنه سيقاتل ، فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج
عصابته تلك ، فعصب بها رأسه ، وجعل ( 1 ) يتبختر بين الصفين .
قال ابن إسحاق : فحدثنى جعفر بن عبدالله بن أسلم ، مولى عمر بن الخطاب
عن رجل من الانصار من بنى سلمة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
حين رأى أبا دجانة يتبختر : إنها لمشية يبغضها الله ، إلا في مثل هذا الموطن .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة : أن أبا عامر ، عبد عمرو
ابن صيفى بن مالك بن النعمان أحد بنى ضبيعة - وقد كان خرج حين خرج إلى
مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، معه خمسون غلاما من الاوس ،
وبعض الناس كان يقول : كانوا خمسة عشر رجلا ، وكان يعد قريشا أن لو قد لقى
قومه لم يختلف عليه منهم رجلان ، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبوعامر
في الاحابيش وعبدان أهل مكة ، فنادى : يا معشر الاوس ، أنا أبوعامر ، قالوا :
فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق - وكان أبوعامر يسمى في الجاهلية : الراهب ،
فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق - فلما سمع ردهم عليه قال : لقد
أصاب قومى بعدى شر ، ثم قاتلهم قتالا شديدا ، ثم راضخهم بالحجارة .
قال ابن إسحاق : وقد قال أبوسفيان لاصحاب اللواء من بنى عبدالدار
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " ثم جعل " . ( * )
ـ588ـ
يحرضهم بذلك على القتال : يا بنى عبد الدار ، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر ،
فأصابنا ما قد رأيتم ، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا ، فإما أن
تكفونا لواءنا ، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه ـ فهموا به وتواعدوه ،
وقالوا : نحن نسلم إليك لواءنا ، ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع ! وذلك أراد
أبوسفيان .
فلما التقى الناس ، ودنا بعضهم من بعض ، قامت هند بنت عتبة في النسوة
اللاتى معها ، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ، ويحرضنهم ، فقالت
هند فيما تقول :
ويها بنى عبد الدار * ويها حماة الادبار
ضربا بكل بتار
وتقول :
إن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق
وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد : أمت ،
أمت ، فيما قال ابن هشام .
قال ابن إسحاق : فاقتتل الناس حتى حميت الحرب ، وقاتل أبودجانة
حتى أمعن في الناس .
قال ابن هشام : حدثنى غير واحد ، من أهل العلم ، أن الزبير بن العوام
قال : وجدت في نفسى حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه
وأعطاه أبا دجانة ، وقلت : أنا ابن صفية عمته ، ومن قريش ، وقد قمت إليه
فسألته إياه قبله ، فأعطاه إياه وتركنى ، والله لانظرن ما يصنع ، فاتبعته ، فأخرج
عصابة له حمراء ، فعصب بها رأسه ، فقالت الانصار : أخرج أبودجانة عصابة
ـ589ـ
الموت ، وهكذا كانت تقول له إذا تعصب بها . فخرج وهو يقول :
أنا الذى عاهدنى خليلى * ونحن بالسفح لدى النخيل
ألا أقوم الدهر في الكيول * أضرب بسيف الله والرسول
قال ابن هشام : ويروى في الكبول .
قال ابن إسحاق : فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله . وكان في المشركين رجل
لا يدع لنا جريحا إلا ذفف عليه ، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه .
فدعوت الله أن يجمع بينهما ، فالتقيا ، فاختلفا ضربتين ، فضرب المشرك
أبا دجانة ، فاتقاه بدرقته ، فعضت بسيفه ، وضربه أبودجانة فقتله ثم رأيته
قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ، ثم عدل السيف عنها . قال
الزبير : فقلت : الله ورسوله أعلم .
قال ابن إسحاق : وقال أبودجانة سماك بن خرشة : رأيت إنسانا يخمش
الناس خمشا شديدا ، فصمدت له ، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة ،
فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة .
وقاتل حمزة بن ع بدالمطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن
عبد مناف بن عبد الدار ، وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء ، ثم مر به سباع
ابن عبدالعزى الغبشانى ، وكان يكنى بأبى نيار ، فقال له حمزة : هلم إلى
يا بن مقطعة البظور - وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب
الثقفى .
( قال ابن هشام : شريق بن الاخنس بن شريق ) . وكانت ختانة بمكة -
فلما التقيا ضربه حمزة فقتله .
قال وحشى ، غلام جبير بن مطعم : والله إنى لانظر إلى حمزة يهد
ـ590ـ
الناس بسيفه ما يليق به شيئا ( 1 ) ، مثل الجمل الاورق إذ تقدمنى إليه سباع بن
عبدالعزى ، فقال له حمزة : هلم إلى يابن مقطعة البظور ، فضربه ضربة ،
فكأن ما أخطأ رأسه ، وهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه ،
فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه ، فأقبل نحوى ، فغلب فوقع ،
وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتى ، ثم تنحيت إلى العسكر ، ولم تكن
لى بشئ حاجة غيره .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عبدالله بن الفضل بن عياش بن ربيعة بن
الحارث عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمروبن أمية الضمرى ، قال : خرجت
أنا وعبيد الله بن عدى بن الخيار ، أخو بنى نوفل بن عبد مناف ، في زمان
معاوية بن أبى سفيان ، فأدربنا مع الناس ، فلما قفلنا مررنا بحمص - وكان
وحشى ، مولى جبير بن مطعم ، قد سكنها ، وأقام بها - فلما قد مناها ، قال لى
عبيد الله بن عدى : هل لك في أن نأتى وحشيا فنسأله عن قتل حمزة كيف
قتله ؟ قال : قلت له : إن شئت ، فخرجنا نسأل عنه بحمص ، فقال لنا رجل ،
ونحن نسأل عنه : إنكما ستجدانه بفناء داره ، وهو رجل قد غلبت عليه الخمر ،
فإن تجداه صاحيا تجدا رجلا عربيا ، وتجدا عنده بعض ما تريدان ، وتصيبا
عنده ما شئتما من حديث تسألانه عنه ، وإن تجداه وبه بعض ما يكون به ،
فانصرفا عنه ودعاه ، قال : فخرجنا نمشى حتى جئناه ، فإذا هو بفناء داره على
طنفسة له فإذا شيخ كبير مثل البغاث .
قال ابن هشام : البغاث : ضرب من الطير ـ إلى الواد ـ .
فإذا هو صاح لا بأس به . قال : فلما انتهينا إليه سلمنا عليه ، فرفع رأسه
إلى عبيد الله بن عدى ، فقال : ابن لعدى بن الخيار أنت ؟ قال : نعم ، قال :
أما والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التى أرضعتك بذى طوى ، فإنى
* ( هامش ) * ( 1 ) في هامش ا " ما يقوم له شئ " كما سيأتى في حديث وحشى . ( * )
ـ591ـ
ناولتكها وهى على بعير ها ، فأخذتك بعرضيك ( 1 ) ، فلمعت لى قد ماك حين
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 591 سطر 1 الى ص 600 سطر 24
ناولتكها وهى على بعير ها ، فأخذتك بعرضيك ( 1 ) ، فلمعت لى قد ماك حين
رفعتك إليها ، فوالله ما هو إلا أن وقفت على فعرفتهما . قال : فجلسنا إليه ،
فقلنا له : جئناك لتحدثنا عن قتلك حمزة ، كيف قتلته ؟ فقال : أما إنى
سأحدثكما كما حدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألنى عن ذلك ،
كنت غلاما لجبير بن مطعم ، وكان عمه طعيمة بن عدى قد أصيب يوم بدر ،
فلما سارت قريش إلى أحد ، قال لى جبير : إن قتلت حمزة عم محمد بعمى
فأنت عتيق ، قال : فخرجت مع الناس ، وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة
قذف الحبشة ، قلما أخطئ بها شيئا ، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة
وأتبصره ، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الاورق ، يهد الناس بسيفه
هدا ، ما يقوم له شئ ، فوالله إنى لاتهيأ له ، أريده وأستتر منه بشجرة أو حجر
ليدنو منى إذ تقدمنى إليه سباع بن عبدالعزى ، فلما رآه حمزة قال : هلم إلى يابن
مقطعة البظور . قال : فضربه ضربة كأن ما أخطأ رأسه . قال : وهززت
حربتى ، حتى إذا رضيت منها ، دفعتها عليه ، فوقعت في ثنته ، حتى خرجت
من بين رجليه ، وذهب لينوء نحوى ، فغلب ، وتركته وإياها حتى مات ، ثم
أتيته فأخذت حربتى ، ثم رجعت إلى العسكر ، فقعدت فيه ، ولم يكن لى بغيره
حاجة ، وإنما قتلته لاعتق . فلما قدمت مكة أعتقت ، ثم أقمت حتى إذا افتتح
رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت إلى الطائف ، فمكثت ( 2 ) بها ، فلما
خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا تعيت على المذاهب
فقلت : ألحق بالشام ، أو باليمن ، أو ببعض البلاد ، فو الله إنى لفى ذلك من همى ،
إذ قال لى رجل : ويحك ! إنه والله ما يقتل أحدا من الناس دخل في دينه ،
وتشهد شهادته .
فلما قال لى ذلك ، خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " بعرضك " بالافراد ( 2 ) في ا " فكنت بها " . ( * )
ـ592ـ
المدينة ، فلم يرعه إلا بى قائما على رأسه أتشهد بشهادة الحق ، رآنى قال :
أوحشى ؟ قلت : نعم يا رسول الله ، قال : اقعد فحدثنى كيف قتلت حمزة ، قال :
فحدثته كما حدثتكما ، فلما فرغت من حديثى قال : ويحك ! غيب عنى وجهك ،
فلا أرينك . قال : فكنت أتنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان
لئلا يرانى ، حتى قبضه الله صلى الله عليه وسلم .
فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم ،
وأخذت حربتى التى قتلت بها حمزة ، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة الكذاب
قائما في يده السيف ، وما أعرفه ، فتهيأت له ، وتهيأ له رجل من الانصار من
الناحية الاخرى ، كلانا يريده فهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها
عليه ، فوقعت فيه ، وشد عليه الانصارى فضربه بالسيف ، فربك أعلم أينا قتله ،
فإن كنت قتلته ، فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد
قتلت شر الناس .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عبدالله بن الفضل ، عن سليمان بن يسار ، عن
عبدالله بن عمر بن الخطاب ، وكان قد شهد اليمامة ، قال : سمعت يومئذ صارخا
يقول : قتله العبد الاسود .
قال ابن هشام : فبلغنى أن وحشيا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من
الديوان ، فكان عمر بن الخطاب يقول : قد علمت أن الله تعالى لم يكن ليدع
قاتل حمزة .
قال ابن إسحاق : وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم
حتى قتل ، وكان الذى قتله ابن قمئة الليثى ، وهو يظن أنه رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فرجع إلى قريش فقال : قتلت محمدا ، فلما قتل مصعب ـ بن عمير ـ
أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء على بن أبى طالب ، وقاتل على بن
أبى طالب ورجال من المسلمين .
ـ593ـ
قال ابن هشام : وحدثنى مسلمة بن علقمة المازنى ، قال : لما اشتد القتال
يوم أحد جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الانصار ، وأرسل
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى على بن أبى طالب رضوان الله عليه : أن قدم
الراية ، فتقدم على ، فقال : أنا أبوالقصم ، ويقال : أبوالقصم ، فيما قال ابن
هشام - فناداه أبوسعد بن أبى طلحة ، وهو صاحب لواء المشركين : أن هل
لك يا أباالقصم في البراز من حاجة ؟ قال : نعم ، فبرزا بين الصفين ، فاختلفا
ضربتين ، فضربه على فصرعه ، ثم انصرف عنه ولم يجهز عليه ، فقال له أصحابه :
أفلا أجهزت عليه ؟ فقال : إنه استقبلغى بعورته ، فعطفتنى عنه الرحم ، وعرفت
أن الله عزوجل قد قتله .
ويقال : إن أبا سعد بن أبى طلحة خرج بين الصفين ، فنادى : ـ أنا
قاصم ـ من يبارز برازا ، فلم يخرج إليه أحد . فقال : يا أصحاب محمد ، زعمتم
أن قتلا كم في الجنة ، وأن قتلانا في النار ، كذبتم واللات ! لو تعلمون ذلك
حقا لخرج إلى بعضكم ، فخرج إليه على بن أبى طالب ، فاختلفا ضربتين ،
فضربه على فقتله .
قال ابن إسحاق : قتل أبا سعد بن أبى طلحة سعد بن أبى وقاص .
وقاتل عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح ، فقتل مسافع بن طلحة وأخاه
الجلاس بن طلحة ، كلاهما يشعره سهما ، فيأتى أمه سلافة ، فيضع رأسه في
حجرها فتقول : يا بنى ، من أصابك ؟ فيقول : سمعت رجلا حين رمانى وهو
يقول : خذها وأنا ابن أبى الاقلح . فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن
تشرب فيه الخمر ، وكان عاصم قد عاهد الله أن لا يمس مشركا أبدا ، ولا يمسه
مشرك .
وقال عثمان بن أبى طلحة يومئذ ، وهو يحمل لواء المشركين :
ـ594ـ
إن على أهل اللواء حقا * أن يخضبوا الصعدة أو تندقا
فقتله حمزة بن ع بدالمطلب .
والتقى حنظلة بن أبى عامر الغسيل وأبوسفيان ، فلما استعلاه حنظلة بن
أبى عامر رآه شداد بن الاسود ، وهوابن شعوب ، وقد علا أبا سفيان . فضربه
شداد فقتله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن صاحبكم - يعنى حنظلة -
لتغسله الملائكة . فسألوا أهله : ما شأنه ؟ فسئلت صاحبته عنه . فقالت : خرج
وهو جنب حين سمع الهاتفة .
قال ابن هشام : ويقال : الهائعة . وجاء في الحديث : خير الناس رجل
ممسك بعنان فرسه ، كلما سمع هيعة طار إليها . قال الطرماح بن حكيم الطائى ،
والطرماح : الطويل من الرجال :
أنا ابن حماة المجد من آل مالك * إذا جعلت خور الرجال تهيع
( والهيعة : الصيحة التى فيها الفزع ) .
قال ابن إسحاق : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لذلك غسلته
الملائكة .
ـ قال ابن إسحاق ـ : وقال شداد بن الاسود في قتله حنظلة :
لاحمين صاحبى ونفسى * بطعنة مثل شعاع الشمس
وقال أبوسفيان بن حرب ، وهو يذكر صبره في ذلك اليوم ، ومعاونة ابن
شعوب إياه على حنظلة :
ولو شئت نجتنى كميت طمرة * ولم أحمل النعماء لابن شعوب
ومازال مهرى مزجر الكلب منهم * لدن غدوة حتى دنت لغروب
أقاتلهم وأدعى يا لغالب * وأدفعهم عنى بركن صليب
فبكى ولا ترعى مقالة عاذل * ولا تسأمى من عبرة ونحيب
ـ595ـ
أباك وإخوانا له قد تتابعوا * وحق لهم من عبرة بنصيب
وسلى الذى قد كان في النفس أننى * قتلت من النجار كل نجيب
ومن هاشم قرما كريما ومصعبا * وكان لدى الهيجاء غير هيوب
ولو أننى لم أشف نفسى منهم * لكانت شجى في القلب ذات ندوب
فآبوا وقد أودى الجلابيب منهم * بهم خدب من معطب وكئيب
أصابهم من لم يكن لدمائهم * كفاء ولا في خطة بضريب
فأجابه حسان بن ثابت ، فيما ذكر ابن هشام ، فقال :
ذكرت القروم الصيد من آل هاشم * ولست لزور قلته بمصيب
أتعجب أن أقصدت حمزة منهم * نجيبا وقد سميته بنجيب ؟
ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه * وشيبة والحجاج وابن حبيب ؟
غداة دعا العاصى عليا فراعه * بضربة عضب بله بخضيب
قال ابن إسحاق : وقال ابن شعوب يذكر يده عند أبى سفيان فيما دفع عنه ،
فقال :
ولولا دفاعى يا بن حرب ومشهدى * لالفيت يوم النعف غير مجيب
ولولا مكرى المهر بالنعف قرقرت * ضباع عليه أو ضراء كليب
قال ابن هشام : " عليه أو ضراء " عن غير ابن إسحاق .
قال ابن إسحاق : وقال الحارث بن هشام يجيب أبا سفيان ( 1 ) :
جزيتهم يوما ببدر كمثله * على سابح ذى ميعة وشبيب
لدى صحن بدرأو أقمت نوائحا * عليك ولم تحفل مصاب حبيب
وإنك لوعاينت ما كان منهم * لابت بقلب ما بقيت نخيب
* ( هامش ) * ( 1 ) وقع ترتيب هذه الابيات في ا معكوسا الثالث فالثانى فالاول . ( * )
ـ596ـ
قال ابن هشام : وإنما أجاب الحارث بن هشام أبا سفيان لانه ظن أنه عرض
به في قوله :
ومازال مهرى مزجر الكلب منهم
لفرار الحارث يوم بدر .
قال ابن إسحاق : ثم أنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده ،
فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر ، وكانت الهزيمة لا شك فيها .
قال ابن إسحاق : وحدثنى يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه
عباد عن عبدالله بن الزبير ، عن الزبير أنه قال : والله لقد رأيتنى أنظر إلى
خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ، مادون أخذهن قليل
ولا كثير ، إذا مالت الرماة إلى العسكر ، حين كشفنا القوم عنه ، وخلوا ظهورنا
للخيل ، فأتينا من خلفنا ، وصرخ صارخ : ألا إن محمدا قد قتل ، فانكفأنا
وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى مايدنو منه أحد
من القوم .
قال ابن هشام : الصارخ : أزب العقبة ، يعنى الشيطان .
قال ابن إسحاق : وحدثنى بعض أهل العلم أن اللواء لم يزل صريعا حتى
أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية ، فرفعته لقريش ، فلاثوا به . وكان اللواء
مع صؤاب ، غلام لبنى أبى طلحة حبشى ، وكان آخر من أخذه منهم ، فقاتل
به حتى قطعت يداه ، ثم برك عليه يقاتل ، فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل
عليه ، وهو يقول : اللهم هل أعزرت - يقول : أعذرت - فقال حسان بن
ثابت في ذلك :
فخرتم باللواء ، وشر فخر * لواء حين رد إلى صؤاب
جعلتم فخركم فيه لعبد * وألام من يطا عفر التراب
ـ597ـ
ظننتم ، والسفيه له ظنون * وما إن ذاك من أمر الصواب
بأن جلادنا يوم التقينا * بمكة بيعكم حمر العياب
أقر العين أن عصبت يداه * وما إن تعصبان على خضاب
قال ابن هشام : آخرها بيتا يروى لابى خراش الهذلى ، وأنشدنيه له خلف
الاحمر :
أقر العين أن عصبت يداها * وما إن تعصبان على خضاب
في أبيات له يعنى امرأته ، في غير حديث أحد ، وتروى الابيات أيضا لمعقل
ابن خويلد الهذلى .
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت في شأن عمرة بنت علقمة ـ الحارثية ـ
ورفعها اللواء :
إذا عضل سيقت إلينا كأنها * جداية شرك معلمات الحواجب
أقمنا لهم طعنا مبيرا منكلا * وحزناهم بالضرب من كل جانب
فلولا لواء الحارثية أصبحوا * يباعون في الاسواق بيع الجلائب
قال ابن هشام : وهذه الابيات في أبيات له .
قال ابن إسحاق : وانكشف المسلمون ، فأصاب فيهم العدو ، وكان يوم
بلاء وتمحيص ، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة ، حتى خلص
العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فدث بالحجارة حتى وقع لشقه ، فأصيبت
رباعيته ، وشج في وجهه ، وكلمت شفته ، وكان الذى أصابه عتبة بن أبى وقاص .
قال ابن إسحاق : فحدثنى حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال :
كسرت رباعية النبى صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وشج في وجهه ، فجعل
الدم يسيل على وجهه ، وجعل يمسح الدم وهويقول : كيف يفلح قوم خضبوا
ـ598ـ
وجه نبيهم ، وهو يدعوهم إلى ربهم ! فأنزل الله عزوجل في ذلك : ( ليس
لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون - 128 من
سورة آل عمران ) .
قال ابن هشام : وذكر ربيح بن عبدالرحمن بن أبى سعيد الخدرى عن
أبيه ، عن أبى سعيد الخدرى : أن عتبة بن أبى وقاص رمى رسول الله صلى الله
عليه وسلم يومئذ ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى ، وجرح شفته السفلى ، وأن
عبدالله بن شهاب الزهرى شجه في جبهته ، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت
حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة
من الحفر التى عمل أبوعامر ليقع فيها المسلمون ، وهم لا يعلمون ، فأخذ على بن
أبى طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى
استوى قائما ، ومص مالك بن سنان ، أبوأبى سعيد الخدرى ، الدم عن وجه
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ازدرده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" من مس دمى دمه لم تصبه النار " .
قال ابن هشام : وذكر عبدالعزيز بن محمد الدراوردى : أن النبى صلى الله
عليه وسلم قال : " من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى على ـ وجه ـ الارض فلينظر
إلى طلحة بن عبيدالله " .
وذكر يعنى عبدالعزيز بن محمد الدراوردى ، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة ،
عن عيسى بن طلحة ، عن عائشة ، عن أبى بكر الصديق : أن أبا عبيدة بن
الجراح نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسقطت
ثنيته ، ثم نزع الاخرى ، فسقطت ثنيته الاخرى ، فكان ساقط الثنيتين .
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت لعتبة بن أبى وقاص :
إذا الله جازى معشرا بفعالهم * ونصرهم الرحمن رب المشارق
فأخزاك ربى يا عتيب بن مالك * ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق
ـ599ـ
بسطت يمينا للنبى تعمدا * فأدميت فاه ، قطعت بالبوارق
فهلا ذكرت الله والمنزل الذى * تصير إليه عند إحدى البوائق
قال ابن هشام : تركنا منها بيتين أقذع فيهما .
قال ابن إسحاق : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين غشيه القوم :
من رجل يشرى لنا نفسه ؟ - كما حدثنى الحصين بن عبدالرحمن بن عمروبن سعد
ابن معاذ ، عن محمود بن عمرو - قال : فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من
الانصار - وبعض الناس يقول : إنما هو عمارة بن يزيد بن السكن - فقاتلوا
دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رجلا ثم رجلا ، يقتلون دونه ، حتى كان
آخرهم زياد أو عمارة ، فقاتل حتى أثبتته الجراحة ، ثم فاءت فئة من المسلمين
فأجهضوهم عنه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أدنوه منى ، فأدنوه منه ،
فوسده قدمه ، فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن هشام : وقاتلت أم عمارة ، نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد .
فذكر سعيد بن أبى زيد الانصارى : أن أم سعد بنت سعد بن الربيع
كانت تقول : دخلت على أم عمارة ، فقلت لها : يا خالة ، أخبرينى خبرك ،
فقالت : خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس ، ومعى سقاء فيه ماء ،
فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في أصحابه ، والدولة والريح
للمسلمين . فلما انهزم المسلمون ، انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقمت أباشر القتال ، وأذب عنه بالسيف ، وأرمى عن القوس ، حتى خلصت
الجراح إلى ، قالت : فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور ، فقلت : من
أصابك بهذا ؟ قالت : ابن قمئة ، أقمأه الله ! لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أقبل يقول : دلونى على محمد ، فلا نجوت إن نجا ، فاعترضت له أنا
ومصعب بن عمير ، وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضربنى
ـ600ـ
هذه الضربة فلقد ضربته على ذلك ضربات ، ولكن عدو الله كان عليه
درعان .
قال ابن إسحاق : وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبودجانة
بنفسه ، يقع النبل في ظهره ، وهو منحن عليه ، حتى كثر فيه النبل ، ورمى
سعد بن أبى وقاص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال سعد : فلقد رأيته يناولنى
النبل وهو يقول : ارم ، فداك أبى وأمى ، حتى إنه ليناولنى السهم ما له ـ من ـ
نصل ، فيقول : ارم به .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عاصم ـ بن عمر ـ بن قتادة أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم : رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها ، فأخذها قتادة بن النعان ،
فكانت عنده ، وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان ، حتى وقعت على وجنته .
قال ابن إسحاق : فحدثنى عاصم ـ بن عمر ـ بن قتادة أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ردها بيده ، فكانت أحسن عينيه وأحدهما .
قال ابن إسحاق : وحدثنى القاسم بن عبدالرحمن بن رافع أخو بنى عدى
ابن النجار ، قال : انتهى أنس بن النضر ، عم أنس بن مالك ، إلى عمر
ابن الخطاب ، وطلحة بن عبيد الله ، في رجال من المهاجرين والانصار ، وقد
ألقوا بأيديهم ، فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
قال : فماذا تصنعون ( 1 ) بالحياة بعده ؟ ـ قوموا ـ فموتوا على ما مات عليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم استقبل القوم ، فقاتل حتى قتل ، وبه سمى
أنس بن مالك .
قال ابن إسحاق : فحدثنى حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : لقد
وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة ، فما عرفه إلا أخته ، عرفته ببنانه .
قال ابن هشام : حدثنى بعض أهل العلم أن عبدالرحمن بن عوف أصيب
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " فما تصنعون " . ( * )
ـ601ـ
فوه يومئذ فهتم ، وجرح عشرين جراحة أو أكثر ، أصابه بعضها في
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 601 سطر 1 الى ص 610 سطر 23
فوه يومئذ فهتم ، وجرح عشرين جراحة أو أكثر ، أصابه بعضها في
رجله فعرج .
قال ابن إسحاق : وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعد
الهزيمة ، وقول الناس : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ذكر لى ابن
شهاب الزهرى - كعب بن مالك ، قال : عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر ،
فناديت بأعلى صوتى : يا معشر المسلمين ، أبشروا ، هذا رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فأشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن أنصت .
قال ابن إسحاق : فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا
به ، ونهض معهم نحو الشعب ، معه أبوبكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ،
وعلى بن أبى طالب ، وطلحة بن عبيدالله ، والزبير بن العوام ، رضوان الله
عليهم ، والحارث بن الصمة ، ورهط من المسلمين .
ـ قال ـ : فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبى
ابن خلف وهو يقول : أى محمد ، لا نجوت إن نجوت ، فقال القوم : يا رسول الله ،
أيعطف عليه رجل منا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوه ،
فلما دنا ، تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ،
يقول بعض القوم - فيما ذكر لى - : فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه
انتفض بها انتفاضة ، تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها -
- قال ابن هشام : الشعراء : ذباب له لدغ - ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ
منها عن فرسه مرارا .
قال ابن هشام : تدأدأ ، يقول : تقلب عن فرسه فجعل يتدحرج .
قال ابن إسحاق : وكان أبى بن خلف ، كما حدثنى صالح بن إبراهيم
ابن عبدالرحمن بن عوف ، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فيقول :
ـ602ـ
يا محمد إن عندى العوذ ، فرسا أعلفه كل يوم فرقا من ذرة ، أقتلك عليه ،
فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أنا أقتلك إن شاء الله . فلما رجع
إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غيركبير ، فاحتقن الدم ، قال : قتلنى
والله محمد ! قالوا له : ذهب والله فؤادك ! والله إن بك ـ من ـ بأس ، قال : إنه قد
كان قال لى بمكة : أنا أقتلك ، فوالله لو بصق على لقتلنى . فمات عدو الله
بسرف ، وهم قافلون به إلى مكة .
قال ابن إسحاق : فقال حسان بن ثابت في ذلك :
لقد ورث الضلالة عن أبيه * أبى يوم بارزه الرسول
أتيت إليه تحمل رم عظم
وتوعده وأنت به جهول
وقد قتلت بنو النجار منكم * أمية إذا يغوث : يا عقيل
وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا * أبا جهل ، لامهما الهبول
وأفلت حارث لما شغلنا * بأسر القوم ، أسرته فليل
قال ابن هشام : أسرته : قبيلته .
وقال حسان بن ثابت أيضا في ذلك :
ألا من مبلغ عنى أبيا * لقد ألقيت في سحق السعير
تمنى بالضلالة من بعيد * وتقسم أن قدرت مع النذور
تمنيك الامانى من بعيد * وقول الكفريرجع في غرور
فقد لاقتك طعنة ذى حفاظ * كريم البيت ليس بذى فجور
له فضل على الاحياء طرا * إذا نابت ملمات الامور
ـ قال ـ : فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج
على بن أبى طالب ، حتى ملا درقته ـ ماء ـ من المهراس ، فجاء به إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليشرب منه ، فوجد له ريحا ، فعافه ، فلم يشرب منه ، وغسل
ـ603ـ
عن وجهه الدم ، وصب على رأسه وهو يقول : اشتد غضب الله على من دمى
وجه نبيه .
قال ابن إسحاق : فحدثنى صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن
أبى وقاص أنه كان يقول : والله ما حرصت على قتل رجل قط كحرصى على
قتل عتبة بن أبى وقاص ، وإن كان ما علمت لسيئ الخلق مبغضا في قومه ،
ولقد كفانى منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : اشتد غضب الله على من
دمى وجه رسوله .
قال ابن إسحاق : فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعب ، معه أولئك
النفر من أصحابه ، إذا علت عالية من قريش الجبل .
قال ابن هشام : كان على تلك الخيل خالد بن الوليد .
قال ابن إسحاق : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم إنه لا ينبغى
لهم أن يعلونا ! فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم
من الجبل .
وقال ابن إسحاق : ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من
الجبل ليعلوها ، وقد كان بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وظاهر بين
درعين ، فلما ذهب لينهض صلى الله عليه وسلم لم يستطع ، فجلس تحته لمحة
ابن عبيد الله ، فنهض به ، حتى استوى عليها . فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم - كما حدثنى يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عبدالله
ابن الزبير ، عن الزبير ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ
يقول : " أوجب طلحة " حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع .
قال ابن هشام : وبلغنى عن عكرمة عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لم يبلغ الدرجة المبنية في الشعب .
ـ604ـ
قال ابن هشام : وذكر عمر مولى غفرة : أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى
الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التى أصابته ، وصلى المسلمون خلفه قعودا .
قال ابن إسحاق : وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه
حتى انتهى بعضهم إلى المنقى ، دون الاعوص .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ،
قال : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد ، رفع حسيل بن جابر ،
وهواليمان أبوحذيفة بن اليمان وثابث بن وقش ، في الآطام مع النساء والصبيان ،
فقال أحدهما لصاحبه ، وهما شيخان كبيران : لا أبالك ، ما تنتظر ؟ فوالله ما بقى
لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار ، إنما نحن هامة اليوم أوغد ، أفلا نأخذ
أسيافنا ، ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، لعل الله يرزقنا شهادة مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأخذا أسيافهما ثم خرجا ، حتى دخلا في الناس ،
ولم يعلم بهما ، فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون ، وأما حسيل بن جابر ،
فاختلفت عليه أسياف المسلمين ، فقتلوه ولا يعرفونه ، فقال حذيفة : أبى ،
فقالوا : والله إن عرفناه ، وصدقوا . قال حذيفة : يغفرالله لكم وهو أرحم
الراحمين ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه ، فتصدق حذيفة بديته
على المسلمين ، فزاده ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة أن رجلا منهم كان يدعى
حاطب بن أمية بن رافع ، وكان له ابن يقال له يزيد بن حاطب ، أصابته جراحة
يوم أحد ، فأتى به دار قومه وهو بالموت ، فاجتمع إليه أهل الدار ، فجعل
المسلمون يقولون له من الرجال والنساء : أبشر يابن حاطب بالجنة ، قال : وكان
حاطب شيخا قد عسا في الجاهلية ، فنجم يومئذ نفاقه ، فقال : بأى شئ
تبشرونه ؟ بجنة من حرمل ! غررتم والله هذا الغلام من نفسه .
ـ605ـ
قال ابن إسحاق : وحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة ، قال : كان فينا رجل
أتى لا يدرى ممن هو ، يقال له : قزمان ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول ، إذا ذكر له : إنه لمن أهل النار ، قال : فلما كان يوم أحد قاتل قتالا
شديدا ، فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين ، وكان ذا بأس ، فأثبتنه
الجراحة ، فاحتمل إلى دار بنى ظفر ، قال : فجعل رجال من المسلمين يقولون له :
والله لقد أبليت اليوم يا قزمان ، فأبشر ، قال : بماذا أبشر ؟ فو الله إن قاتلت
إلا عن أحساب قومى ، ولولا ذلك ما قاتلت . قال : فلما اشتدت عليه جراحته
أخذ سهما من كنانته ، فقتل به نفسه .
قال ابن إسحاق : وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق ، وكان أحد بنى ثعلبة
ابن الفطيون ، قال : لما كان يوم أحد ، قال : يا معشر يهود ، والله لقد علمتم
إن نصر محمد عليكم لحق ، قالوا : إن اليوم السبت ، قال : لا سبت لكم .
فأخذ سيفه وعدته ، وقال : إن أصبت فمالى لمحمد يصنع فيه ما شاء ، ثم
غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقاتل معه حتى قتل ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا - مخيريق خير يهود .
قال ابن إسحاق : وكان الحارث بن سويد بن صامت منافقا ، فخر يوم
أحد مع المسلمين ، فلما التقى الناس ، عدا على المجذر بن ذياد البلوى ، وقيس
ابن زيد ، أحد بنى ضبيعة ، فقتلهما ، ثم لحق بمكة بقريش ، وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - قد أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر
به ، ففاته ، فكان بمكة ، ثم بعث إلى أخيه الجلاس بن سويد يطلب التوبة ،
ليرجع إلى قومه . فأنزل تعالى فيه - فيما بلغنى - عن ابن عباس : ( كيف
يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم ، وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم
البينات ، والله لا يهدى القوم الظالمين - 86 من سورة آل عمران ) إلى
آخر القصة .
ـ606ـ
قال ابن هشام : حدثنى من أثق به من أهل العلم : أن الحارث بن سويد
قتل المجذر بن ذياد ، ولم يقتل قيس بن زيد ، والدليل على ذلك أن ابن
إسحاق لم يذكره في قتلى أحد ، وإنما قتل المجذر ، لان المجذر ـ بن ذياد ـ كان
قتل أباه سويدا في بعض الحروب التى كانت بين الاوس والخزرج ، وقد ذكرنا
ذلك فيما مضى من هذا الكتاب .
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في نفر من أصحابه ، إذ خرج الحارث
ابن سويد من بعض حوائط المدينة ، وعليه ثوبان مضرجان ، فأمر به رسول الله
صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان ، فضرب عنقه ، ويقال : بعض الانصار .
قال ابن إسحاق : قتل سويد بن الصامت معاذ بن عفراء غيلة ، في غير
حرب ، رماه بسهم فقتله قبل يوم بعاث .
قال ابن إسحاق : وحدثنى الحصين بن عبدالرحمن بن عمرو بن سعد بن
معاذ عن أبى سفيان ، مولى ابن أبى أحمد ، عن أبى هريرة قال : كان يقول :
حدثونى عن رجل دخل الجنة لم يصل قط ، فإذا لم يعرفه الناس سألوه : من هو ؟
فيقول : أصيرم ، من بنى عبد الاشهل ، عمرو بن ثابت بن وقش . قال الحصين :
فقلت لمحمود بن لبيد : كيف كان شأن الاصيرم ؟ قال : كان يأبى الاسلام على
قومه . فلما كان يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد ، بداله في
الاسلام فأسلم ، ثم أخذ سيفه ، فعدا حتى دخل في عرض الناس ، فقاتل حتى
أثبتته الجراحة . قال : فبينا رجال من بنى عبد الاشهل يلتمسون قتلاهم في
المعركة إذا هم به ، فقالوا : والله إن هذا للاصيرم ، ما جاء به ؟ لقد تركناه وإنه
لمنكر لهذا الحديث ، فسألوه ما جاء به ، فقالوا : ما جاء بك يا عمرو ؟ أحدب
على قومك أم رغبة في الاسلام ؟ قال : بل رغبة في الاسلام ، آمنت بالله
وبرسوله وأسلمت ، ثم أخذت سيفى ، فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه
ـ607ـ
وسلم ، ثم قاتلت حتى أصابنى ما أصابنى ، ثم لم يلبث أن مات في أيديهم .
فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنه لمن أهل الجنة .
قال ابن إسحاق : وحدثنى أبى إسحاق بن يسار ، عن أشياخ من بنى سلمة :
أن عمرو بن الجموح كان ـ رجلا ـ أعرج شديد العرج ، وكان له بنون أربعة مثل
الاسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد ، فلما كان يوم أحد
أرادوا حبسه ، وقالوا له : إن الله عزوجل قد عذرك ، فأتى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن بنى يريدون أن يحبسونى عن هذاالوجه ،
والخروج معك فيه ، فوالله إنى لارجو أن أطأ بعرجتى هذه في الجنة ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك ، وقال
لبنيه : ما عليكم أن لا تمنعوه ، لعل الله أن يرزقه الشهادة ، فخرج معه فقتل يوم أحد .
قال ابن إسحاق : ووقعت هند بنت عتبة ، كما حدثنى صالح بن كيسان ،
والنسوة اللاتى معها ، يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
يجد عن الآذان والآنف ( 1 ) ، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدما
وقلائد ، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشيا ، غلام جبير بن مطعم ،
وبقرت عن كبد حمزة فلا كتها ، فلم تستطع أن تسيغها ، فلفظتها ، ثم علت على
صخرة مشرفة ، فصرخت بأعلى صوتها فقالت :
نحن جزينا كم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لى من صبر * ولا أخى وعمه وبكرى
شفيت نفسى وقضيت نذرى * شفيت وحشى غليل صدرى
فشكر وحشى على عمرى * حتى ترم أعظمى في قبرى
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب ، فقالت :
خزيت في بدر وبعد بدر * يا بنت وقاع عظيم الكفر
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " والانوف " . ( * )
ـ608ـ
صبحك الله غداة الفجر * ملها شميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفرى * حمزة ليثى وعلى صقرى
إذ رام شيب وأبوك غدرى * فخضبا منه ضواحى النحر
ونذرك السوء فشر نذر
قال ابن هشام : تركنا منها ثلاثة أبيات أقذعت فيها .
قال ابن إسحاق : وقالت هند بنت عتبة أيضا :
شفيت من حمزة نفسى بأحد * حتى بقرت بطنه عن الكبد
أذهب عنى ذاك ما كنت أجد * من لذعة الحزن الشديد المعتمد
والحرب تعلوكم بشؤبوب برد * تقدم إقداما عليكم كالاسد
قال ابن إسحاق : فحدثنى صالح بن كيسان أنه حدث أن عمر بن
الخطاب قال لحسان بن ثابت : يا بن الفريعة - قال ابن هشام : الفريعة بنت
خالد بن خنيس ، ويقال : خنيس : ابن حارثة بن لوذان بن عبدود بن زيد
ابن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج - لو سمعت ما تقول هند ،
ورأيت أشرها قائمة على صخرة تر تجزبنا ، وتذكر ما صنعت بحمزة ؟ قال له
حسان : والله إنى لانظر إلى الحربة تهوى وأنا على رأس فارع - يعنى أطمه -
فقلت : والله إن هذه لسلاح ما هى بسلاح العرب ، وكأنها إنما تهوى إلى حمزة
ولا أدرى ، لكن أسمعنى بعض قولها أكفكموها ، قال : فأنشده عمر بن
الخطاب بعض ما قالت ، فقال حسان بن ثابت :
أشرت لكاع وكان عادتها * لؤما إذا أشرت مع الكفر
قال ابن هشام : وهذا البيت في أبيات له تركناها ، وأبياتا أيضا له على
الدال ، وأبياتا أخر على الذال ، لانه أقذع فيها .
قال ابن إسحاق : وقد كان الحليس بن زبان ، أخو بنى الحارث بن عبد
مناة ، وهو يومئذ سيد الاحابيش ، قد مر بأبى سفيان ، وهو يضرب في شدق
ـ609ـ
حمزة بن ع بدالمطلب بزج الرمح ويقول : ذق عقق ، فقال الحليس : يا بنى
كنانة ، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما ؟ فقال : ويحك !
اكتمها عنى ، فإنها كانت زلة .
ثم إن أبا سفيان بن حرب ، حين أراد الانصراف ، أشرف على الجبل ،
ثم صرخ بأعلى صوته فقال : أنعمت فعال ، وإن الحرب سجال ، يوم بيوم بدر ،
أعل هبل ، أى أظهر دينك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قم يا عمر
فأجبه ، فقل : الله أعلى وأجل ، لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلا كم في النار .
فلما أجاب عمر أبا سفيان ، قال له أبوسفيان : هلم إلى يا عمر ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم لعمر : ائته فانظر ما شأنه ، فجاءه ، فقال له أبوسفيان :
أنشدك الله يا عمر ، أقتلنا محمدا ؟ قال عمر : اللم لا ، وإنه ليسمع كلامك الآن ،
قال : أنت أصدق عندى من ابن قمثة وأبر ، لقول ابن قمئة لهم : إنى قد
قتلت محمدا .
قال ابن هشام : واسم ابن قمئه ( 1 ) عبدالله .
قال ابن إسحاق : ثم نادى أبوسفيان : إنه قد كان في قتلاكم مثل ،
والله ما رضيت ، وما سخطت ، وما نهيت ، وما أمرت
ولما انصرف أبوسفيان ومن معه ، نادى : إن موعدكم بدر للعام القابل ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه : قل : نعم ، هو بيننا
وبينكم موعد .
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب ، فقال : اخرج
في آثار القوم ، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون فإن كانوا قد جنبوا الخيل ،
وامتطوا الابل ، فإنهم يريدون مكة ، وإن ركبوا الخيل وساقوا الابل ، فإنهم
يريدون المدينة ، والذى نفسى بيده ، لئن أرادوها لاسيرن إليهم فيها ،
* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة " ابن قميئة " في كل موضع ورد فيه . ( * )
ـ610ـ
ثم لاناجزنهم ، قال على : فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون ، فجنبوا الخيل ،
وامتطوا الابل ، ووجهوا إلى مكة .
وفرغ الناس لقتلاهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثنى محمد
ابن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبى صعصعة المازنى ، أخوبنى النجار - : من رجل
ينظر لى ما فعل سعد بن الربيع ؟ أفى الاحياء هو أم في الاموات ؟ فقال رجل
من الانصار : أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد ، فنظر فوجده جريحا
في القتلى وبه رمق . قال : فقلت له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى
أن أنظر ، أفى الاحياء أنت أم في الاموات ؟ قال : أنا في الاموات ، فأبلغ
رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى السلام ، وقل له : إن سعد بن الربيع يقول
لك : جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته ، وأبلغ قومك عنى السلام وقل
لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى
نبيكم صلى الله عليه وسلم منكم عين تطرف ، قال : ثم لم أبرح حتى مات ،
قال : فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره .
قال ابن هشام : وحدثنى أبوبكر الزبيرى : أن رجلا دخل على أبى بكر
الصديق ، وبنت لسعد بن الربيع جارية صغيرة على صدره يرشفها ويقبلها ،
فقال له الرجل : من هذه ؟ قال : هذه بنت رجل خير منى ، سعد بن الربيع ،
كان من النقباء يوم العقبة ، وشهد بدرا ، واستشهد يوم أحد .
قال ابن إسحاق : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما بلغنى ،
يلتمس حمزة بن ع بدالمطلب ، فوجده ببطن الوادى قد بقر بطنه عن كبده ،
ومثل به ، فجدع أنفه وأذناه .
فحدثنى محمد بن جعفر بن الزبير : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
حين رأى ما رأى : لولا أن تحزن صفية ، ويكون سنة من بعدى لتركته ،
ـ611ـ
حتى يكون في بطون السباع ، وحواصل الطير ، ولئن أظهرنى الله على قريش
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 611 سطر 1 الى ص 620 سطر 23
حتى يكون في بطون السباع ، وحواصل الطير ، ولئن أظهرنى الله على قريش
في موطن من المواطن لامثلن بثلاثين رجلا منهم . فلما رأى المسلمون حزن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل ، قالوا : والله
لئن أظفرنا الله بهم يومامن الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب .
قال ابن هشام : ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة قال :
لن أصاب بمثلك أبدا ! ما وقفت موقفا قط أغيظ إلى من هذا ! ثم قال : جاءنى
جبريل فأخبرنى أن حمزة بن ع بدالمطلب مكتوب في أهل السموات السبع : حمزة
ابن ع بدالمطلب ، أسد الله وأسد رسوله .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة وأبوسلمة بن عبدالاسد ،
إخوة من الرضاعة ، أرضعتهم مولاة لابى لهب .
قال ابن إسحاق : وحدثنى بريدة بن سفيان بن فروة الاسلمى ، عن محمد
ابن كعب القرظى ، وحدثنى من لا أتهم ، عن ابن عباس ، أن الله عزوجل
أنزل في ذلك ، من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقول أصحابه :
( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين .
واصبر وما صبرك إلا بالله ، ولا تحزن عليهم ، ولا تك في ضيق مما
يمكرون - 126 و 127 من سورة النحل ) ، فعفا رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وصبر ، ونهى عن المثلة .
قال ابن إسحاق : وحدثنى حميد الطويل ، عن الحسن ، عن سمرة بن جندب ،
قال : ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه ، حتى يأمرنا
بالصدقة ، وينهانا عن المثلة .
قال ابن إسحاق : وحدثنى من لا أتهم عن مقسم ، مولى عبدالله بن الحارث ،
عن ابن عباس ، قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجى ببردة
ثم صلى عليه ، فكبر سبع تكبيرات ، ثم أتى بالقتلى فيوضعون إلى حمزة ،
ـ612ـ
فصلى عليهم وعليه معهم ، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة .
قال ابن إسحاق : وقد أقبلت - فيما بلغنى - صفية بنت ع بدالمطلب لتنظر
إليه ، وكان أخاها لابيها وأمها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها
الزبير بن العوام : القها فارجعها ، لا ترى ما بأخيها ، فقال لها : يا أمه ، إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعى ، قالت : ولم ؟ وقد بلغنى أن
قد مثل بأخى ، وذلك في الله ، فما أرضانا بما كان من ذلك ! لاحتسبن ولاصبرن
إن شاء الله . فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ،
قال : خل سبيلها ، فأتته ، فنظرت إليه ، فصلت عليه ، واسترجعت ،
واستغفرت له ، ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن .
قال : فزعم لى آل عبدالله بن جحش - وكان لاميمة بنت ع بدالمطلب ،
حمزة خاله ، وقد كان مثل به كما مثل بحمزة ، إلا أنه لم يبقر عن كبده -
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفنه مع حمزة في قبره ، ولم أسمع ذلك
إلا عن أهله .
قال ابن إسحاق : و ـ كان ـ قد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة ،
فدفنوهم بها ، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وقال : ادفنوهم
حيث صرعوا .
قال ابن إسحاق : وحدثنى محمد بن مسلم الزهرى ، عن عبدالله بن ثعلبة
ابن صعير العذرى ، حليف بن زهرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما
أشرف على القتلى يوم أحد ، قال : أنا شهيد على هؤلاء ، أن ما من جريح
يجرح في ـ سبيل ـ الله ، إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه ، اللون لون دم ،
والريح ريح مسك ، وانظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن ، فاجعلوه أمام أصحابه في
القبر - وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر ـ الواحد ـ .
ـ613ـ
قال : وحدثنى عمى موسى بن يسار ، أنه سمع أبا هريرة يقول : قال
أبوالقاسم صلى الله عليه وسلم : ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة
وجرحه يدمى : اللون لون دم ، والريح ريح مسك .
قال ابن إسحاق : وحدثنى أبى إسحاق بن يسار ، عن أشياخ من بنى سلمة :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال يومئذ ، حين أمر بدفن القتلى : انظروا
إلى عمرو بن الجموح ، وعبدالله بن عمرو بن حرام ، فإنهما كانا متصافيين في
الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد .
قال ابن إسحاق : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى
المدينة ، فلقيته حمنة بنت جحش ، كما ذكر لى ، فلما لقيت الناس نعى إليها
أخوها عبدالله بن جحش ، فاسترجعت واستغفرت له ، ثم نعى لها خالها حمزة بن
ع بدالمطلب ، فاسترجعت واستغفرت له ، ثم نعى لهازوجها مصعب بن عمير ،
فصاحت وولو لت ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن زوج المرأة منها
لبمكان ! لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها ، وصياحها على زوجها .
قال ابن إسحاق : ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار من دورالانصار
من بنى عبد الاشهل وظفر ، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم ، فذرفت عينا
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكى ، ثم قال : لكن حمزة لا بواكى له ! فلما
رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بنى عبد الاشهل أمرا نساءهم أن
يتحزمن ، ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن إسحاق : حدثنى حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف ، عن بعض
رجال بنى عبد الاشهل ، قال : لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن
على حمزة خرج عليهن وهن على باب مسجده يبكين عليه ، فقال : ارجعن
يرحمكن الله ، فقد آسيتن بأنفسكن .
ـ614ـ
قال ابن هشام : ونهى يومئذ عن النوح .
قال ابن هشام : وحدثنى أبوعبيدة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما
سمع بكاءهن ، قال : رحم الله الانصار ! فإن المواساة منهم ما علمت لقديمة ،
مروهن فلينصرفن .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عبدالواحد بن أبى عون ، عن إسماعيل بن
محمد ، عن سعد بن أبى وقاص ، قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة
من بنى دينار ، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم بأحد ، فلما نعوا لها ، قالت : فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قالوا : خيرا يا أم فلان ، هو بحمد الله كما تحبين ، قالت : أرونيه حتى أنظر
إليه ؟ قال : فأشير لها إليه ، حتى إذا رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل !
تريد صغيرة .
قال ابن هشام : الجلل : ـ يكون ـ من القليل ، ومن الكثير ، وهو هاهنا
من القليل . قال امرؤ القيس في الجلل القليل :
لقتل بنى أسد ربهم * ألا كل شئ سواه جلل
قال ابن هشام وأما قول الشاعر ، وهو الحارث بن وعلة الجرمى :
ولئن عفوت لاعفون جللا * ولئن سطوت لاوهنن عظمى
فهو من الكثير .
قال ابن إسحاق : فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول
سيفه ابنته فاطمة ، فقال : اغسلى عن هذا دمه يا بنية ، فو الله لقد صدقنى اليوم ،
وناولها على بن أبى طالب سيفه ، فقال : وهذا أيضا ، فاغسلى عنه دمه ، فو الله
لقد صدقنى اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم : لئن كنت صدقت
القتال لقد صدق ـ معك ـ سهل بن حنيف وأبودجانة .
ـ615ـ
قال ابن هشام : وكان يقال لسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ذوالفقار .
قال ابن هشام : وحدثنى بعض أهل العلم ، أن ابن أبى نجيح قال : نادى
مناد يوم أحد .
لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا على
قال ابن هشام : وحدثنى بعض أهل العلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال لعلى بن أبى طالب : لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا .
قال ابن إسحاق : وكان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال .
قال : فلما كان الغد من يوم الاحد لست عشرة ليلة مضت من شوال
أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو ، فأذن مؤذنه
أن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالامس ، فكلمه جابربن
عبدالله بن عمروبن حرام ، فقال : يا رسول الله ، إن أبى كان خلفنى على
أخوات لى سبع ، وقال : يا بنى ، إنه لا ينبغى لى ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة
لا رجل فيهن ، ولست بالذى أو ثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله وسلم
على نفسى ، فتخلف على أخواتك ، فتخلفت عليهن ، فأذن له رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فخرج معه ، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا
للعدو ، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ، ليظنوا به قوة ، وأن الذى أصابهم
لم يوهنهم عن عدوهم .
قال ابن إسحاق : فحدثنى عبدالله بن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبى
السائب مولى عائشة بنت عثمان : أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، من بنى عبد الاشهل ، كان شهد أحد مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، قال : شهدت أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنا وأخ لى ،
فرجعنا جريحين ، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب
ـ616ـ
العدو ، قلت لاخى أو قال لى : أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
والله مالنا من دابة نركبها ، وما منا إلا جريح ثقيل ، فخرجنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وكنت أيسر جرحا منه ، فكان إذا غلب حملته عقبة ،
ومشى عقبة ، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون .
قال ابن إسحاق : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء
الاسد ، وهى من المدينة على ثمانية أميال ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم
فيما قال ابن هشام .
قال ابن إسحاق : فأقام بها الاثنين والثلاثاء والاربعاء ، ثم رجع إلى المدينة .
قال : وقد مربه - كما حدثنى عبدالله بن أبى بكر - معبد بن أبى معبد
الخزاعى ، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ، بتهامة ، صفقتهم معه ، لا يخفون عنه شيئا كان بها ، ومعبد يومئذ
مشرك ، فقال : يا محمد ، أما والله لقد عز علينا ماأصابك ـ في أصحابك ـ ، ولوددنا أن
الله عافاك فيهم ، ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الاسد ، حتى لقى
أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء ، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأصحابه ، وقالوا : أصبنا حد أصحابه وأشرافهم وقادتهم ، ثم نرجع قبل
أن نستأصلهم ! لنكرن على بقيتهم ، فلنفرغن منهم . فلما رأى أبوسفيان
معبدا ، قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع
لم أرمثله قط ، يتحرقون عليكم تحرقا ، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم
وندموا على ما صنعوا ، فيهم من الحنق عليكم شئ لم أر مثله قط ، قال : ويحك !
ما تقول ؟ قال : والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصى الخيل ، قال : فو الله
لقد أجمعنا الكرة عليهم ، لنستأصل بقيتهم ، قال : فإنى أنهاك عن ذلك ، قال :
والله لقد حملنى ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر ، قال : وما قلت ؟
قال : قلت :
ـ617ـ
كادت تهد من الاصوات راحلتى * إذ سالت الارض بالجرد الابابيل
تردى بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا ميل معازيل
فظلت عدوا أظن الارض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول
فقلت : ويل ابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل
إنى نذير لاهل البسل ضاحية * لكل ذى إربة منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وخش تنابلة * وليس يوصف ما أنذرت بالقيل
فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه .
ومر به ركب من عبدالقيس ، فقال : أين تريدون ؟ قالوا : نريد المدينة ؟
قال : ولم ؟ قالوا : نريد الميرة ، قال : فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة أرسلكم
بها إليه ، وأحمل لكم هذه غدا زبيبا يعكاظ إذا وافيتموها ؟ قالوا : نعم ، قال :
فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم ، فمر
الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الاسد ، فأخبروه بالذى قال
أبوسفيان ـ وأصحابه ـ ، فقال : حسبنا الله ونعم الوكيل .
قال ابن هشام : حدثنا أبوعبيدة : أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم
أحد ، أراد الرجوع إلى المدينة ليستأصل بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فقال لهم صفوان بن أمية بن خلف : لا تفعلوا ، فان القوم قد حربوا ،
وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذى كان ، فارجعوا ، فرجعوا . فقال النبى
صلى الله عليه وسلم ، وهو بحمراء الاسد ، حين بلغه أنهم هموا بالرجعة : والذى
نفسى بيده ، لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب .
قال أبوعبيدة : وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه ذلك ، قبل
رجوعه إلى المدينة ، معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس ،
وهو جد عبدالملك بن مروان ، أبوأمه عائشة بنت معاوية ، وأباعزة الجمحى ،
ـ618ـ
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسره ببدر ، ثم من عليه ، فقال : يا رسول
الله ، أقلنى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لا تمسح عارضيك بمكة
بعدها وتقول : خدعت محمدا مرتين ، اضرب عنقه يا زبير ، فضرب عنقه .
قال ابن هشام : وبلغنى عن سعيد بن المسيب أنه قال : قال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم : إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ، اضرب عنقه يا عاصم
ابن ثابت ، فضرب عنقه .
قال ابن هشام : ويقال : إن زيد بن حارثة وعمار بن ياسر قتلا معاوية
ابن المغيرة بعد حمراء الاسد ، كان لجأ إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأمنه ، على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل ، فأقام بعد ثلاث
وتوارى ، فبعثهما النبى صلى الله عليه وسلم ، وقال : إنكما ستجدانه بموضع كذا
وكذا ، فوجداه فقتلاه .
قال ابن إسحاق : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وكان
عبدالله بن أبى ابن سلول - كما حدثنى ابن شهاب الزهرى - له مقام يقومه كل
جمعه لا ينكر ، شرفا له في نفسه وفى قومه ، وكان فيهم شريفا ، إذا جلس
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس ، قام فقال : أيها الناس ،
هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم ، أكرمكم الله وأعزكم به ،
فانصروه وعزروه ، واسمعوا له وأطيعوا ـ له ـ ، ثم يجلس ، حتى إذا صنع يوم أحد
ما صنع ، ورجع بالناس ، قام ففعل ذلك كما كان يفعله ، فأخذ المسلمون بثيابه
من نواحيه ، وقالوا : اجلس ، أى عدوالله ، لست لذلك بأهل ، وقد صنعت
ما صنعت ، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول : والله لكأنما قلت بجرا أن
قمت أشدد أمره ، فلقيه رجل من الانصار بباب المسجد ، فقال : مالك ؟ ويلك !
قال : قمت أشدد أمره ، فوثب على رجال من أصحابه يجذبوننى ويعنفوننى ،
ـ619ـ
لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره ، قال : ويلك ! ارجع يستغفرلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : والله ما أبتغى أن يستغفرلى .
قال ابن إسحاق : كان يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص ، اختبر الله به
المؤمنين ، ومحن به المنافقين ، ممن كان يظهر الايمان بلسانه ، وهو مستخف
بالكفر في قلبه ، ويوما أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته .
ذكر ما أنزل الله في أحد من القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم
قال : حدثنا أبومحمد عبدالملك بن هشام ، قال : حدثنا زياد بن عبدالله
البكائى عن محمد بن إسحاق المطلبى ، قال : فكان مما أنزل الله تبارك وتعالى في
يوم أحد من القرآن ستون آية من آل عمران ، فيها صفة ما كان في يومهم ذلك ،
ومعاتبة من عاتب منهم ، يقول الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :
" وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ، والله سميع عليم - 121 " .
قال ابن هشام : تبوئ المؤمنين : تتخذ لهم مقاعد ومنازل ، قال الكميت
ابن زيد :
ليتنى كنت قبله * قد تبوأت مضجعا
وهذا البيت في أبيات له .
أى سميع بما تقولون ، عليم بما تخفون .
" إذا همت طائفتان منكم أن تفشلا " : أى أن تتخاذلا ، و الطائفتان :
بنو سلمة بن جشم بن الخزرج ، وبنو حارثة بن النبيت من الاوس ، وهما الجناحان
يقول الله تعالى : " والله وليهما " : أى المدافع عنهما ماهمتا به من فشلهما ، وذلك
أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما ـ عن ـ
غير شك في دينهما ، فتولى
ـ620ـ
دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته ، حتى سلمنا من وهونهما وضعفهما ، ولحقتا
بنبيهما صلى الله عليه وسلم .
قال ابن هشام : حدثنى رجل من الاسد من أهل العلم ، قال : قالت
الطائفتان : ما نحب أنا لم نهم بما هممنا به ، لتولى الله إيانا في ذلك .
قال ابن إسحاق : يقول الله تعالى : ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) :
أى من كان به ضعف من المؤمنين فليتوكل على ، وليستعن بى ، أعنه على
أمره ، وأدافع عنه ، حتى أبلغ به ، وأدفع عنه ، وأقويه على نيته . ( ولقد
نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ، فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) :
أى فاتقونى ، فإنه شكر نعمتى . ( ولقد نصركم الله ببدر ) وأنتم أقل عددا
وأضعف قوة ( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة
آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقواو يأتوكم من فورهم
هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) : أى إن
تصبروا لعدوى ، وتطيعوا أمرى ، ويأتوكم من وجههم هذا ، أمدكم بخمسة
آلاف من الملائكة مسومين
قال ابن هشام : مسومين : معلمين . بلغنا عن الحسن بن أبى الحسن
البصرى أنه قال : أعلموا على أذناب خيلهم ونواصيها بصوف أبيض ، فأما ابن
إسحاق فقال : كانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضا ، وقد ذكرت ذلك في حديث
بدر . والسيما : العلامة . وفى كتاب الله عزوجل : ( سيماهم في وجوههم من
أثرالسجود 29 - من سورة الفتح ) : أى علامتهم . و ( حجارة من سجيل
منضود . مسومة - 82 و 83 من سورة هود ) يقول : معلمة . بلغنا عن الحسن بن
أبى الحسن البصرى أنه قال : عليها علامة ، أنها ليست من حجارة الدنيا ، وأنها
من حجارة العذاب . قال رؤبة بن العجاج :
ـ621ـ
فآلان تبلى بى الجياد السهم * ولا تجارينى إذا ما سوموا
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 621 سطر 1 الى ص 630 سطر 23
فآلان تبلى بى الجياد السهم * ولا تجارينى إذا ما سوموا
وشخصت أبصارهم وأجذموا
أجذموا - بالذال المعجمة - : أى أسرعوا ، وأجدموا - بالدال المهملة - :
أقطعوا .
وهذه الابيات في أرجوزة له . والمسومة أيضا : المرعية . وفى كتاب الله
تعالى : ( والخيل المسومة - 14 من سورة آل عمران ) و ( شجر فيه تسيمون -
10 من سورة النحل ) تقول العرب : سوم خيله وإبله ، وأسامها : إذا رعاها .
قال الكميت بن زيد :
راعيا كان مسجحا ففقدناه * وفقد المسيم هلك السوام
قال ابن هشام : مسجحا : سلس السياسة محسنا ـ إلى الغنم ـ . وهذا
البيت في قصيدة له .
( وما جعله الله إلا بشرى لكم ، ولتطمئن قلوبكم به ، وما النصر
إلا من عند الله العزيز الحكيم ) : أى ما سميت لكم من سميت من جنود
ملائكتى إلا بشرى لكم ، ولتطمئن قلوبكم به ، لما أعرف من ضعفكم ،
وما النصر إلا من عندى ، لسلطانى وقدرتى ، وذلك أن العز والحكم إلى ،
لا إلى أحد من خلقى ، ثم قال : ( ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم
فينقلبوا خائبين ) : أى ليقطع طرفا من المشركين بقتل ينتقم به منهم ، أو
يردهم خائبين : أى ويرجع من بقى منهم فلا خائبين ، لم ينالوا شيئا مما كانوا
يأملون .
قال ابن هشام يكبتهم : يغمهم أشد الغم ، ويمنعهم ما أرادوا ( 1 ) . قال
ذو الرمة :
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " ما أرادوه " . ( * )
ـ622ـ
ما أنس من شجن لا أنس موقفنا * في حيرة بين مسرور ومكبوت
ويكبتهم ، أيضا : يصرعهم لوجوههم .
قال ابن إسحاق : ثم قال لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس
لك من الامر شئ ، أو يتوب عليهم ، أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) :
أى ليس لك من الحكم شئ في عبادى ، إلا ما أمرنك به فيهم ، أو أتوب
عليهم برحمتى ، فإن شئت فعلت ، أو أعذبهم بذنوبهم فبحقى ( فإنهم
ظالمون ) : أى قد استوجبوا ذلك بمعصيتهم إياى ( والله غفور رحيم ) :
أى يغفر الذنب ويرحم العباد ، على ما فيهم .
ثم قال : ( يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ) ،
أى لا تأكلوا في الاسلام ، إذ هداكم الله به ما كنتم تأكلون إذ أنتم على
غيره ، مما لا يحل لكم في دينكم ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) : أى
فأطيعوا الله لعلكم تنجون مما حذركم الله من عذابه ، وتدركون ما رغبكم الله
فيه من ثوابه ( واتقوا النار التى أعدت للكافرين ) : أى التى جعلت
دارا لمن كفر بى .
ثم قال : ( وأطيعو الله والرسول لعلكم ترحمون ) معاتبة للذين
عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بماأمرهم به في ذلك اليوم وفى
غيره . ثم قال : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات
والارض أعدت للمتقين ) : أى دارا لمن أطاعنى وأطاع رسولى . ( الذين
ينفقون في السراء والضراء ، والكاظمين الغيظ ، والعافين عن الناس ،
والله يحب المحسنين ) : أى وذلك ـ هو ـ الاحسان ، وأنا أحب من عمل به ،
( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ،
ومن يغفر الذنوب إلا الله ، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) : أى إن
أتوا فاحشة ، أو ظلموا أنفسهم بمعصية ذكروا نهى الله عنها ، وما حرم عليهم ،
ـ623ـ
فاستغفروه لها ، وعرفوا أته لا يغفر الذنوب إلا هو ( ولم يصروا على ما فعلوا
وهم يعلمون ) : أى لم يقيموا على معصيتى كفعل من أشرك بى فيما غلوا به
في كفرهم ، وهم يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيرى . ( أولئك جزاؤهم
مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ، ونعم أجر
العاملين ) : أى ثواب المطيعين .
ثم استقبل ذكر المصيبة التى نزلت بهم ، والبلاء الذى أصابهم ، والتمحيص
لما كان فيهم ، واتخاذه الشهداء منهم ، فقال - تعزية لهم ، وتعريفا لهم فيما
صنعوا ، وفيما هو صانع بهم - : ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض
فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) : أى قد مضت منى وقائع نقمة
في أهل التكذيب لرسلى والشرك بى : عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين ،
فرأوا مثلاث قد مضت منى فيهم ، ولمن هو على مثل ما هم عليه من ذلك منى ،
فإنى أمليت لهم : أى لئلا يظنوا أن نقمتى انقطعت عن عدوكم وعدوى ،
للدولة التى أدلتهم بها عليكم ، ليبتليكم بذلك ، ليعلمكم ما عندكم .
ثم قال تعالى : ( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) : أى هذا
تفسير للناس إن قبلوا الهدى ( وهدى وموعظة ) أى نور وأدب " للمتقين "
أى لمن أطاعنى وعرف أمرى . ( ولا تهنوا ولا تحزنوا ) : أى لا تضعفوا
ولا تبتئسوا على ما أصابكم ، ( وأنتم الاعلون ) : أى لكم تكون العاقبة
والظهور ( إن كنتم مؤمنين ) : أى إن كنتم صدقتم نبيى بما جاء كم به عنى
إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ) : أى جراح مثلها ، ( وتلك
الايام نداولها بين الناس ) : أى نصرفها بين الناس للبلاء والتمحيص
( وليعلم الله الذين آمنوا ، ويتخذ منكم شهداء ، والله لا يحب الظالمين )
أى ليميز بين المؤمنين و المنافقين ، وليكرم من أكرم من أهل الايمان بالشهادة
ـ624ـ
والله لا يحب الظالمين ) : أى المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم
مصرة على المعصية * ( وليمحص الله الذين آمنوا ) : أى يختبر الذين آمنوا
حتى يخلصهم بالبلاء الذى نزل بهم ، وكيف صبرهم ويقينهم ( ويمحق
الكافرين " : أى يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ،
حتى يظهر منهم كفرهم الذين يستترون به .
ثم قال تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا
منكم ويعلم الصابرين ) : أى أحسبتم أن تدخلوا الجنة ، فتصيبوا من
ثوابى الكرامة ، ولم أختبركم بالشدة ، وأبتليكم بالمكاره ، حتى أعلم صدق
ذلك منكم بالايمان بى ، والصبر على ما أصابكم في ، ولقد كنتم تمنون
الشهادة على الذى أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم ، يعنى الذين استنهضوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خروجه بهم إلى عدوهم ، لما فاتهم من حضور
اليوم الذى كان قبله ببدر ، ورغبة في الشهادة التى فاتتهم بها ، فقال : ( ولقد
كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه ) يقول : ( فقد رأيتموه وأنتم
تنظرون ) : أى الموت بالسيوف في أيدى الرجال قد خلى بينكم وبينهم وأنتم
تنظرون إليهم ، ثم صدهم عنكم ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله
الرسل ، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ، ومن ينقلب على
عقبيه فلن يضر الله شيئا ، وسيجزى الله الشاكرين ) : أى لقول الناس :
قتل محمد صلى الله عليه وسلم ، وانهزامهم عند ذلك ، وانصرافهم عن عدوهم
( أفإن مات أو قتل ) رجعتم عن دينكم كفارا كما كنتم ، وتركتم جهاد
عدوكم ، وكتاب الله ، وما خلف نبيه صلى الله عليه وسلم من دينه معكم وعندكم ،
وقد بين لكم فيما جاء كم به عنى أنه ميت ومفارقكم ( ومن ينقلب على
عقبيه ) : أى يرجع عن دينه ( فلن يضر الله شيئا ) : أى ليس ينقص ذلك
ـ625ـ
عز الله تعالى ولا ملكه ولا سلطانه ولا قدرته ( وسيجزى الله الشاكرين ) :
أى من أطاعه وعمل بأمره .
ثم قال : ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ) :
أى أن لمحمد صلى الله عليه وسلم أجلا هو بالغه ، فإذا أذن الله عزوجل في ذلك
كان ( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته
منها ، وسنجزى الشاكرين ) : أى من كان منكم يريد الدنيا ، ليست له
رغبة في الآخرة ، نؤته منها ما قسم له من رزق ، ولا يعدوه فيها ، وليس له
في الآخرة من حظ ( ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ) ما وعد به ، مع
ما يجرى عليه من رزقه في دنياه ، وذلك جزاء الشاكرين ، أى المتقين .
ثم قال : ( وكأين من نبى قتل معه ربيون كثير ، فما وهنوا لما
أصابهم في سبيل الله ، وما ضعفوا وما استكانوا ، والله يحب الصابرين ) :
أى وكأين من نبى أصابه القتل ، ومعه ربيون كثير : أى جماعة ، فما وهنوا لفقد
نبيهم ، وما ضعفوا عن عدوهم ، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله تعالى
وعن دينهم ، وذلك الصبر ، والله يحب الصابرين ( وما كان قولهم إلا أن
قالوا : ربنا اغفرلنا ذنوبنا ، وإسرافنا في أمرنا ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا
على القوم الكافرين ) .
قال ابن هشام : واحد الربيين : ربى ، وقولهم : الرباب ، لولد عبد مناة
ابن أد بن طابخة بن إلياس ، ولضبة ، لانهم تجمعوا وتحالفوا ، من هذا ، يريدون
الجماعات ، وواحدة الرباب : ربة ـ وربابة ـ وهى جماعات قداح أو عصى ونحوها
ف شبهوهابها ، ـ قال أبوذؤيب الهذلى :
وكأنهن ربابة وكأنه * يسر يفيض على القداح ويصدع
وهذا البيت في أبيات له ـ وقال أمية بن أبى الصلت :
ـ626ـ
حول شياطينهم أبابيل ربيون * شدوا سنورا مدسورا
وهذا البيت في قصيدة له .
قال ابن هشام : والربابة ، أيضا : الخرقة التى تلف فيها القداح .
قال ابن هشام : والسنور : الدروع ، والدسر : هى المسامير التى في الحلق ،
يقول الله عزوجل ( وحملناه على ذات ألواح ودسر - 13 من سورة القمر )
قال الشاعر ، وهو أبوالاخزر الحمانى من تميم :
* دسرا بأطراف القنا المقوم *
قال ابن إسحاق : أى فقولو مثل ما قالوا ، واعلموا أنما ذلك بذنوب منكم ،
واستغفروه كما استغفروه ، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم ، ولا ترتدوا
على أعقابكم راجعين ، واسألوه كماسألوه أن يثبت أقدامكم ، واستنصروه كما
استنصروه على القوم الكافرين ، فكل هذا من قولهم قد كان : وقد قتل
نبيهم فلم يفعلوا كما فعلتم ، فآتاهم الله ثواب الدنيا بالظهور على عدوهم ، وحسن
ثواب الآخرة وما وعد الله فيها ، والله يحب المحسنين .
( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم
فتنقلبوا خاسرين ) : أى عن عدوكم ، فتذهب ديناكم وآخرتكم ( بل الله
مولا كم وهو خير الناصرين ) ، فإن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا في قلوبكم
فاعتصموا به ، ولا تستنصروا بغيره ، ولا نرجعوا على أعقابكم مرتدين عن دينه
( سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب ) : أى الذى به كنت أنصركم عليهم
بما أشركوا بى ما لم أجعل لهم من حجة ، أى فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر
ولا ظهور عليكم ما اعتصمتم بى ، واتبعتم أمرى ، للمصيبة التى أصابتكم منهم
بذنوب قدمتموها لانفسكم ، خالفتم بها أمرى للمعصية ، وعصيتم بها النبى صلى الله
عليه وسلم . ( ولقد صدقكم الله وعده إذا تحسونهم بإذنه ، حتى إذا
ـ627ـ
فشلتم وتنازعتم في الامر ، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ،
منكم من يريد الدنيا ، ومنكم من يريد الآخرة ، ثم صرفكم عنهم
ليبتليكم ، ولقد عفا عنكم ، والله ذو فضل على المؤمنين ) : أى وقد
وفيت لكم بما وعدتكم من النصرعلى عدوكم ، إذ تحسونهم بالسيوف ، أى
القتل ، بإذنى وتسليطى أيديكم عليهم ، وكفى أيديهم عنكم .
قال ابن هشام : الحس : الاستئصال ، يقال : حسست الشئ : أى استأصله
بالسيف وغيره . قال جرير :
تحسهم السيوف كما تسامى * حريق النار في الاجم الحصيد
وهذا البيت في قصيدة له وقال رؤبة بن العجاج :
إذا شكونا سنة حسوسا
تأكل بعد الاخضر اليبيسا
وهذان البيتان في أرجوزة له .
قال ابن إسحاق : " حتى إذا فشلتم " : أى تخاذلتم " وتنازعتم في الامر "
أى اختلفتم في أمرى ، أى تركتم أمر نبيكم وما عهد إليكم ، يعنى الرماة " وعصيتم
من بعد ما أراكم ما تحبون " : أى الفتح ، لا شك فيه ، وهزيمة القوم عن
نسائهم وأموالهم ، ( منكم من يريد الدنيا ) : أى الذين أرادوا النهب في
الدنيا وترك ما أمروا به من الطاعة التى عليها ثواب الآخرة ( ومنكم من يريد
الآخرة ) : أى الذين جاهدوا في الله ، ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه ، لعرض من
الدنيا ، رغبة فيها ، رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة ، أى الذين
جاهدوا في الدين ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه ، لعرض من الدنيا ، ليختبركم ،
وذلك ببعض ذنوبكم ، ولقد عفا الله عن عظيم ذلك ، أن لا يهلككم بما أتيتم
من معصية نبيكم ، ولكنى عدت بفضلى عليكم ، وكذلك ( من الله على
المؤمنين " أن عاقب ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أ دباوموعظة ، فإنه غير
ـ628ـ
مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم ، بما أصابوا من معصيته ، رحمة
لهم ، وعائدة عليهم ، لما فيهم من الايمان .
ثم أنبهم بالفرار عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وهم يدعون لا يعطفون
عليه لدعائه إياهم ، فقال : ( إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ، والرسول
يدعوكم في أخراكم ، فأثابكم غما بغم ، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم
ولا ما أصابكم ) : أى كربا بعد كرب ، بقتل من قتل من إخوانكم ، وعلو
عدوكم عليكم ، وبما وقع في أنفسكم من قول من قال : قتل نبيكم ، فكان
ذلك مما تتابع عليكم غما بغم ، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ، من ظهوركم على
عدوكم ، بعد أن رأيتموه بأعينكم ، ولا ما أصابكم من قتل إخوانكم ، حتى
فرجت ذلك الكرب عنكم ( والله خبير بما تعملون ) وكان الذى فرج الله
به عنهم ما كانوا فيه من الكرب والغم الذى أصابهم ، أن الله عزوجل رد
عنهم كذبة الشيطان بقتل نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فلما رأوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم حيا بين أظهرهم ، هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظهور عليهم ،
والمصيبة التى أصابتهم في إخوانهم ، حين صرف الله القتل عن نبيهم صلى الله
عليه وسلم . ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة
منكم ، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ،
يقولون : هل لنا من الامر من شئ ؟ قل : إن الامر كل لله ، يخفون في أنفسهم
ما لا يبدون لك ، يقولون : لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا ، قل :
لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ،
وليبتلى الله ما في صدوركم ، وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات
الصدور ) ، فأنزل الله النعاس أمنة منه على أهل اليقين به ، فهم نيام لا يخافون ،
وأهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم ، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ، تخوف
ـ629ـ
القتل ، وذلك أنهم لا يرجون عاقبة ، فذكر الله عزوجل تلاومهم وحسرتهم
على ما أصابهم . ثم قال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم : " قل لو كنتم
في بيوتكم " لم تحضروا هذا الموطن الذى أظهر الله فيه منكم ما أظهر من
سرائركم " لبرز " لاخرج " الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم "
إلى موطن غيره يصرعون فيه ، حتى يبتلى به ما في صدروهم " وليمحص ما في
قلوبكم ، والله عليم بذات الصدور " : أى لا يخفى عليه ما في صدورهم
مما استخفوا به منكم .
ثم قال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا
لاخوانهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى : لو كانوا عندنا ما ماتوا
وما قتلوا ، ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ، والله يحيى ويميت ، والله
بما تعملون بصير ) : أى لا تكونوا ك المنافقين الذين ينهون إخوانهم عن
الجهاد في سبيل الله ، والضرب في الارض في طاعة الله عزوجل ، وطاعة
رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا : لو أطاعونا ما ماتوا
وما قتلوا " ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم " لقلة اليقين بربهم ، " والله
يحيى ويميت " : أى يعجل ما يشاء ويؤخر ما يشاء من ذلك من آجالهم
بقدرته . ثم قال تعالى : ( ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله
ورحمة خير مما يجمعون ) : أى إن الموت لكائن لا بد منه ، فموت في
سبيل الله ، أو قتل ، خير لو علموا وأيقنوا مما يجمعون من الدنيا التى لها يتأخرون
عن الجهاد تخوف الموت والقتل لما جمعوا من زهرة الدنيا زهادة في الآخرة
" ولئن متم أو قتلتم " أى ذلك كان " لالى الله تحشرون " : أى أن إلى الله
المرجع : فلا تغرنكم الدنيا ، ولا تغتروا بها ، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه
ـ من ثوابه ـ آثر عندكم منها .
ـ630ـ
ثم قال تبارك وتعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظا
غليظ القلب لا نفضوا من حولك ) : أى لتركوك ( فاعف عنهم ) :
أى فتجاوز عنهم ( واستغفر لهم ، وشاورهم في الامر ، فإذا عزمت فتوكل
على الله ، إن الله يحب المتوكلين ) فذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم لينه لهم ،
وصبره عليهم ، لضعفهم ، وقلة صبرهم على الغلظة لو كانت منه عليهم في كل
ما خالفوا عنه مما افترض عليهم من طاعة نبيهم صلى الله عليه وسلم . ثم قال
تبارك وتعالى : " فاعف عنهم " : أى تجاوز عنهم ، " واستغفر لهم "
ذنوبهم ، من قارف من أهل الايمان منهم " وشاورهم في الامر " : أى لتريهم
أنك تسمع منهم ، وتستعين بهم ، وإن كنت غنيا عنهم ، تألفا لهم بذلك على
دينهم " فإذا عزمت " : أى على أمر جاءك منى وأمر من دينك في جهاد عدوك
لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك ، فامض على ماأمرت به ، على خلاف من
خالفك ، وموافقة من وافقك ، " وتوكل على الله " ، أى ارض به من العباد ،
( إن الله يحب المتوكلين ، إن ينصركم الله فلا غالب لكم ، وإن يخذلكم
فمن ذا الذى ينصركم من بعده ) : أى لئلا تترك أمرى للناس ، وارفض
أمر الناس إلى أمرى ، وعلى الله لا على الناس ، فليتوكل المؤمنون .
ثم قال : ( وما كان لنبى أن يغل ، ومن يغلل يأت بما غل يوم
القيامة ، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) : أى ما كان لنبى
أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم ، عن رهبة من الناس ولا رغبة ، ومن
يفعل ذلك يأت يوم القيامة به ، ثم يجزى بكسبه ، غير مظلوم ولا معتدى عليه
( أفمن اتبع رضوان الله ) على ما أحب الناس أو سخطوا ( كمن باء بسخط
من الله ) لرضا الناس أو لسخطهم . يقول : أفمن كان على طاعتى ، فثوابه الجنة
ورضوان من الله كمن باء بسخط من الله واستوجب سخطه ، فكان " مأواه
ـ631ـ
جهنم وبئس المصير " أسواء المئلان ! فاعرفوا . ( هم درجات عند الله ، والله
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 631 سطر 1 الى ص 640 سطر 23
جهنم وبئس المصير " أسواء المئلان ! فاعرفوا . ( هم درجات عند الله ، والله
بصير بما يعملون ) لكل درجات مما عملوا في الجنة والنار : أى إن الله لا يخفى
عليه أهل طاعته من أهل معصيته .
ثم قال : ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم
يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وإن كانوا
من قبل لفى ضلال مبين ) : أى لقد من الله عليكم يا أهل الايمان ، إذ بعث
فيكم رسولا من أنفسكم يتلو عليكم آياته فيما أحدثتم ، وفيما عملتم ، فيعلمكم
الخير والشر ، لتعرفوا الخير فتعملوا به ، والشر فتتقوه ، ويخبركم برضاه عنكم
إذا أطعتموه فتستكثروا من طاعته وتجتنبوا ما سخط منكم من معصيته ، لتتخلصوا
بذلك من نقمته ، وتدركوا بذلك ثوابه من جنته " وإن كنتم من
قبل لفى ضلال مبين " : أى لفى عمياء من الجاهلية ، أى لا تعرفون حسنة ولا
تستغفرون من سيئة ، صم عن الخير ، بكم عن الحق ، عمى عن الهدى .
ثم ذكر المصيبة التى أصابتهم ، فقال : ( أولما أصابتكم مصيبة قد
أصبتم مثليها قلتم : أنى هذا ؟ قل : هو من عند أنفسكم ، إن الله على
كل شئ قدير ) : أى إن تك قد أصابتكم مصيبة في إخوانكم بذنوبكم
فقد أصبتم مثليها قبل من عدوكم ، في اليوم الذى كان قبله ببدر ، قتلا وأسرا
ونسيتم معصيتكم وخلافكم عما أمركم به نبيكم صلى الله عليه وسلم ، أنتم أحللتم
ذلك بأنفسكم " إن الله على كل شئ قدير " : أى إن الله على ما أراد بعباده
من نقمة أو عفو قدير ( وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ، وليعلم
المؤمنين ) : أى ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوكم فبإذنى ، كان ذلك حين
فعلتم ما فعلتم بعد أن جاء كم نصرى ، وصدقتكم وعدى ، ليميز بين المؤمنين
و المنافقين ، ( وليعلم الذين نافقوا منكم ) : أى ليظهر ما فيهم . ( وقيل لهم
ـ632ـ
تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ) : يعنى عبدالله بن أبى وأصحابه الذين
رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين سار إلى عدوه من المشركين
بأحد ، وقولهم : لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم ، ولدفعنا عنكم ، ولكنا
لا نظن أنه يكون قتال ، فأظهر الله منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم . يقول الله
عزوجل : ( هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان ، يقولون بأفواههم
ما ليس في قلوبهم ) أى يظهرون لك الايمان وليس في قلوبهم ( والله أعلم
بما يكتمون ) : أى ما يخفون ( الذين قالوا لاخوانهم ) الذين أصيبوا معكم
من عشائرهم وقومهم : ( لو أطاعونا ما قتلوا ، قل : فادرءوا عن أنفسكم
الموت إن كنتم صادقين ) : أى أنه لا بد من الموت ، فإن استطعتم أن تدفعوه
عن أنفسكم فافعلوا ، وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله ، حرصا
على البقاء في الدنيا ، وفرارا من الموت .
ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ، يرغب المؤمنين في الجهاد ، ويهون عليهم
القتل : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، بل أحياء عند ربهم
يرزقون ، فرحين بما أتاهم الله من فضله ، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا
بهم من خلفهم ، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون " : أى لا تظنن الذين
قتلوا في سبيل الله أمواتا : أى قد أحييتهم ، فهم عندى يرزقون في روح الجنة
وفضلها ، مسرورين بما آتاهم الله من فضله ( 1 ) على جهادهم عنه ، ويستبشرون بالذين
لم يلحقوا بهم من خلفهم : أى ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على
ما مضوا عليه من جهادهم ، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذى أعطاهم ،
قد أذهب الله عنهم الخوف والحزن . يقول الله تعالى : " يستبشرون بنعمة
من الله وفضل ، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين " لما عاينوا من وفاء الموعود ،
وعظيم الثواب .
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " من ثوابه " . ( * )
ـ633ـ
قال ابن إسحاق : وحدثنى إسماعيل ابن أمية ، عن أبى الزبير ، عن ابن
عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما أصيب إخوانكم بأحد ،
جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد أنهار الجنة ، فتشرب وتأكل
من ثمارها ، وتأوى إلى قناديل من ذهب ، في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب
مشربهم ومأكلهم ، وحسن مقيلهم ، قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع
الله بنا ، لئلا يزهدوا في الجهاد ، ولا ينكلوا عن الحرب ، فقال الله تعالى :
فأنا أبلغهم عنكم ، فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الآيات :
" ولا تحسبن . . . " .
قال ابن إسحاق : وحدثنى الحارث بن الفضل ( 1 ) ، عن محمود بن لبيد الانصارى
عن ابن عباس أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الشهداء على
بارق نهر بباب الجنة ، في قبة خضراء ، يخرج عليهم رزقهم من الجنة
بكرة وعشيا " .
قال ابن إسحاق : وحدثنى من لا أتهم ، عن عبدالله بن مسعود أنه سئل
عن هؤلاء الآيات : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل لله أمواتا بل أحياء
عند ربهم يرزقون " فقال : أما إنا قد سألنا عنها ، فقيل لنا : إنه لما أصيب
إخوانكم ـ من المسلمين ـ بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ، ترد
أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوى إلى قناديل من ذهب في ظل العرش ،
فيطلع الله عزوجل عليهم اطلاعة فيقول : يا عبادى ، ما تشتهون فأزيد كم ؟ قال :
فيقولون : ربنا لا فوق ما أعطيتنا ، الجنة نأكل منها حيث شئنا ! قال : ثم يطلع الله
عليهم اطلاعة ، فيقول : يا عبادى ، ما تشتهون فأزيدكم ؟ فيقولون : ربنا لا فوق
ما أعطيتنا ، الجنة نأكل منها حيث شئنا ! ـ قال : ثم يطلع عليهم اطلاعة ،
فيقول : ياعبادى ، ما تشتهون فأزيدكم ؟ فيقولون : ربنا لا فوق ما أعطيتنا ،
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " الفضيل " بالتصغير . ( * )
ـ634ـ
الجنة نأكل منها حيث شئنا ـ ( 1 ) إلا أنا نحب أن ترد أرواحنا في أجسادنا ، ثم
نرد إلى الدنيا ، فنقاتل فيك ، حتى نقتل فيك مرة أخرى .
قال ابن إسحاق : وحدثنى بعض أصحابنا . عن عبدالله بن محمد بن عقيل ،
قال : سمعت جابر بن عبدالله يقول : قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا
أبشرك يا جابر ؟ قال : قلت : بلى يا نبى الله ، قال : إن أباك حيث أصيب بأحد
أحياه الله عزجل ، ثم قال له : ما تحب يا عبدالله بن عمرو أن أفعل بك ؟ قال :
أى رب ، أحب أن تردنى إلى الدنيا فأقاتل فيك ، فأقتل فيك مرة أخرى .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عمروبن عبيد ، عن الحسن ، قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : " والذى نفسى بيده ، ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن
يرجع إليها ساعة من نهار ، وأن له الدنيا وما فيها ، إلا الشهيد ، فإنه يحب أن يرد
إلى الدنيا ، فيقاتل في سبيل الله ، فيقتل مرة أخرى " .
قال ابن إسحاق : ثم قال الله تعالى : ( الذين استجابوا لله والرسول من
بعد ما أصابهم القرح ) : أى الجراح ، وهم المؤمنون الذين ساروا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم الغد من يوم أحد إلى حمراء الاسد على ما بهم من ألم الجراح :
( للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ، الذين قال لهم الناس إن الناس
قد جمعوا لكم فاخشوهم ، فزادهم إيمانا ، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) ،
والناس الذين قالوا لهم ما قالوا ، النفر من عبدالقيس ، الذين قال لهم أبوسفيان
ما قال ، قالوا : إن أبا سفيان ومن معه راجعون إليكم . يقول الله عزوجل :
( فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ، واتبعوا رضوان الله ،
والله ذو فضل عظيم ) لما صرف الله عنهم من لقاء عدوهم ( إنما ذلكم
الشيطان ) أى لاولئك الرهط وما ألقى الشيطان على أفواههم ( يخوف أولياءه )
أى يرهبكم بأوليائه ، ( فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين . ولا يحزنك
* ( هامش ) * ليست في ا ، كررت الاطلاعة والجواب فيها مرتين فقط . ( * )
ـ635ـ
الذين يسارعون في الكفر ) : أى المنافقون ( إنهم لن يضروا الله شيئا ،
يريد الله ألا يجعل حظا في الآخرة ، ولهم عذاب عظيم ، إن الذين
اشتروا الكفر بالايمان لن يضرواالله شيئا ولهم عذاب أليم . ولا يحسبن
الذين كفروا أنما نملى لهم خير لانفسهم ، إنما نملى لهم ليزدادوا إثما
ولهم عذاب مهين ، ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز
الخبيث من الطيب ) : أى المنافقين ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) :
أى فيما يريد أن يبتليكم به لتحذروا ما يدخل عليكم فيه ( ولكن الله يجتبى
من رسله من يشاء ) أى يعلمه ذلك ( فآمنوا بالله ورسله ، وإن تؤمنوا
وتتقوا ) : أى ترجعوا وتتوبوا ( فلكم أجر عظيم ) .
ذكرمن استشهد بأحد من المهاجرين والانصار
قال ابن إسحاق : واستشهد من المسلمين يوم أحد مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم من المهاجرين من قريش ، ثم من بنى هاشم بن عبد مناف : حمزة بن
ع بدالمطلب بن هشام ، رضى الله عنه ، قتله وحشى ، غلام جبير بن مطعم .
ومن بنى أمية بن عبد شمس : عبدالله بن جحش ، حليف لهم ، من بنى
أسد بن خزيمة .
ومن بنى عبد الدار بن قصى : مصعب بن عمير ، قتله ابن قمئة الليثى .
ومن بنى مخزوم بن يقظة : شماس بن عثمان . أربعة نفر .
ومن الانصار ، ثم من بنى عبد الاشهل : عمرو بن معاذ بن النعمان ،
والحارث بن أنس بن رافع ، وعمارة بن زياد بن السكن .
قال ابن هشام : السكن : ابن رافع بن امرئ القيس ، ويقال : السكن .
ـ636ـ
قال ابن إسحاق : وسلمة بن ثابت بن وقش ، وعمرو بن ثابت بن وقش .
رجلان .
قال ابن إسحاق : وقد زعم لى عاصم بن عمر بن قتادة : أن أباهما ثابتا قتل
يومئذ . ورفاعة بن وقش ، وحسيل بن جابر ، أبوحذيفة وهو اليمان ، أصابه
المسلمون في المعركة ولا يدرون ، فتصدق حذيفة بديته على من أصابه ، وصيفى
ابن قيظى . وحباب بن قيظى . وعباد بن سهل ، والحارث بن أوس بن معاذ .
اثنا عشر رجلا .
ومن أهل راتج : إياس بن أوس بن عتيك بن عمرو بن عبد الاعلم بن
زعوراء بن جشم بن عبد الاشهل ، وعبيد بن التيهان .
قال ابن هشام : ويقال : عتيك بن التيهان
وحبيب بن يزيد بن تيم . ثلاثة نفر .
ومن بنى ظفر : يزيد بن حاطب بن أمية بن رافع . رجل
ومن بنى عمرو بن عوف ، ثم من بنى ضبيعة بن زيد : أبوسفيان بن الحارث
ابن قيس بن زيد ، وحنظلة بن أبى عامر بن صيفى بن نعمان بن مالك بن أمة ،
وهو غسيل الملائكة ، قتله شداد بن الاسود بن شعوب الليثى . رجلان .
قال ابن هشام : قيس : ابن زيد بن ضبيعة ، ومالك : ابن أمة بن ضبيعة .
قال ابن إسحاق : ومن بنى عبيد بن زيد : أنيس بن قتادة . رجل .
ومن بنى ثعلبة بن عمرو بن عوف : أبوحية ، وهو أخو سعد بن خثيمة لامه .
قال ابن هشام : أبوحية : ابن عمرو بن ثابت .
قال ابن إسحاق : وعبدالله بن جبير النعمان ، وهو أمير الرماة . رجلان .
ومن بنى السلم بن امرى القيس بن مالك بن الاوس : خيثمة أبوسعد بن
خيثمة . رجل .
ـ637ـ
ومن حلفائهم من بنى العجلان : عبدالله بن سلمة رجل .
ومن بنى معاوية بن مالك : سبيع بن حاطب بن الحارث بن قيس بن
هيشة . رجل .
قال ابن هشام : ويقال . سويبق بن الحارث بن حاطب بن هيشة .
قال ابن إسحاق : ومن بنى النجار ، ثم من بنى سواد بن مالك بن غنم :
عمروبن قيس ، وابنه قيس بن عمرو .
قال ابن هشام : عمروبن قيس : ابن زيد بن سواد .
قال ابن إسحاق : وثابت بن عمرو بن زيد ، وعامر بن مخلد . أربعة نفر .
ومن بنى مبذول : أبوهبيرة بن الحارث بن علقمة بن عمروبن ثقف بن
مالك بن مبذول ، وعمروبن مطرف بن علقمة بن عمرو . رجلان .
ومن بنى عمروبن مالك : أوس بن ثابت بن المنذر . رجل .
قال ابن هشام : أوس بن ثابت ، أخو حسان بن ثابت .
قال ابن إسحاق : ومن بنى عدى بن النجار : أنس بن النضربن ضمضم
ابن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار . رجل
قال ابن هشام : أنس بن النضر ، عم أنس بن مالك : خادم رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
ومن بنى مازن بن النجار : قيس بن مخلد ، وكيسان ، عبد لهم . رجلان .
ومن بنى دينار بن النجار : سليم بن الحارث ، ونعمان بن عبد عمرو .
رجلان .
ومن بنى الحارث بن الخزرج : خارجة بن زيد بن أبى زهير ، وسعد بن
الربيع بن عمروبن أبى زهير ، دفنا في قبر واحد ، وأوس بن الارقم بن زيد بن قيس
ـ638ـ
ابن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب . ثلاثة نفر .
ومن بنى الابجر ، وهم بنو خدرة : مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن
عبيد بن الابجر ، وهو أبوأبى سعيد الخدرى .
قال ابن هشام : اسم أبى سعيد الخدرى : سنان ، ويقال : سعد .
قال ابن إسحاق : وسعيد بن سويد بن قيس بن عامر بن عباد بن الابجر ،
وعتبة بن ربيع بن رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الابجر .
ثلاثة نفر .
ومن بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج : ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد
ابن ثعلبة بن حارثة بن عمروبن الخزرج بن ساعدة ، وثقف بن فروة بن البدى .
رجلان .
ومن بنى طريف ، رهط سعد بن عبادة : عبدالله بن عمرو بن وهب
ابن ثعلبة بن وقش بن ثعلبة بن طريف ، وضمرة ، حليف لهم من ـ بنى ـ جهينة .
رجلان .
ومن بنى عوف بن الخزرج ، ثم من بنى سالم ، ثم من بنى مالك بن العجلان
ابن زيد بن غنم بن سالم : نوفل بن عبدالله ، وعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك
ابن العجلان ، ونعمان بن مالك بن ثعلبة بن فهر بن غنم بن سالم ، والمجذر بن
ذياد ، حليف لهم من بلى ، وعبادة بن الحسحاس .
دفن النعمان بن مالك ، والمجذر ، وعبادة ، في قبر واحد . خمسة نفر .
ومن بنى الحبلى : رفاعة بن عمرو . رجل
ومن بنى سلمة ، ثم من بنى حرام : عبدالله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن
حرام ، وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام ، دفنا في قبر واحد ، وخلاد بن
ـ639ـ
عمرو بن الجموح ـ بن زيد بن حرام ـ ، وأبوأيمن ، مولى عمرو بن الجموح .
أربعة نفر .
ومن بنى سواد بن غنم : سليم بن عمرو بن حديدة ، ومولاه عنترة ، وسهل
ابن قيس بن أبى كعب بن القين . ثلاثة نفر .
ومن بنى زريق بن عامر : ذكوان بن عبد قيس ، وعبيد بن المعلى بن
لوذان . رجلان .
قال ابن هشام : عبيد بن المعلى ، من بنى حبيب .
قال ابن إسحاق : فجميع من استشهد من المسلمين مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم من المهاجرين والانصار خمسة وستون رجلا .
قال ابن هشام : وممن لم يذكر ابن إسحاق من السبعين الشهداء الذين
ذكرنا ، من الاوس ، ثم من بنى معاوية بن مالك : بن تميلة ، حليف لهم
من مزينة .
ومن بنى خطمة - واسم خطمة : عبدالله بن جشم بن مالك بن الاوس -
الحارث بن عدى بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة .
ومن بنى الخزرج ، ثم من بنى سواد بن مالك : مالك بن إياس .
ومن بنى عمرو بن مالك بن النجار : إياس بن عدى .
ومن بنى سالم بن عوف : عمرو بن إياس .
ذكر من قتل المشركين يوم أحد
قال ابن إسحاق : وقتل من المشركين يوم أحد من قريش ، ثم من بنى
عبد الدار بن قصى من أصحاب اللواء : طلحة بن أبى طلحة - واسم أبى طلحة :
ـ640ـ
عبدالله - بن عبدالعزى بن عثمان بن عبدالدار ، قتله على بن أبى طالب ، ( و )
أبوسعيد ( 1 ) بن أبى طلحة ، قتله سعد بن أبى وقاص .
قال ابن هشام : ويقال : قتله على بن أبى طالب .
قال ابن إسحاق : وعثمان بن أبى طلحة ، قتله حمزة بن ع بدالمطلب ، ومسافع
ابن طلحة ، والجلاس بن طلحة ، قتلهما عاصم بن ثابت بن أبى الاقلح . وكلاب
ابن طلحة ، والحارث بن طلحة ، قتلهما قزمان ، حليف لبنى ظفر .
قال ابن هشام : ويقال : قتل كلابا عبدالرحمن بن عوف .
قال ابن إسحاق : وأرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن
عبد الدار ، قتله حمزة بن ع بدالمطلب ، وأبويزيد بن عمير بن هاشم بن عبد مناف
ابن عبد الدار ، قتله قزمان ، وصؤاب : غلام له حبشى ، قتله قزمان
قال ابن هشام : ويقال : قتله على بن أبى طالب ، ويقال : سعد بن أبى
وقاص ، ويقال : أبودجانة .
قال ابن إسحاق : والقاسط بن شريح بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار
قتله قزمان . أحد عشر رجلا .
ومن بنى أسد بن عبدالعزى بن قصى : عبدالله بن حميد بن زهير بن
الحارث بن أسد . قتله على بن أبى طالب . رجل .
ومن بنى زهرة بن كلاب : أبوالحكم بن الاخنس بن شريق بن عمرو
ابن وهب الثقفى ، حليف لهم ، قتله على بن أبى طالب ، وسباع بن عبدالعزى -
واسم عبدالعزى : عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم بن ملكان بن أفصى -
حليف لهم من خزاعة ، قتله حمزة بن ع بدالمطلب . رجلان .
ومن بنى مخزوم بن يقظة : هشام بن أبى أمية بن المغيرة ، قتله قزمان ،
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " أبوسعد " . ( * )
ـ641ـ
والوليد بن العاص بن هشام بن المغيرة ، قتله قزمان ، وأبوأمية بن أبى حذيفة بن
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 641 سطر 1 الى ص 650 سطر 22
والوليد بن العاص بن هشام بن المغيرة ، قتله قزمان ، وأبوأمية بن أبى حذيفة بن
المغيرة ، قتله على بن أبى طالب ، وخالد بن الاعلم ، حليف لهم ، قتل قزمان .
أربعة نفر
ومن بنى جمح بن عمرو : عمرو بن عبدالله بن عمير بن وهب بن حذافة بن
جمح ، وهو أبوعزة ، قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا ، وأبى بن خلف
ابن وهب بن حذافة بن جمح ، قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ بيده ـ .
رجلان .
ومن بنى عامر بن لؤى : عبيدة بن جابر ، وشيبة بن مالك بن المضرب ،
قتلهما قزمان . رجلان .
قال ابن هشام : ويقال : قتل عبيدة بن جابر عبدالله بن مسعود .
قال ابن إسحاق : فجميع من قتل الله تبارك وتعالى يوم أحد من المشركين ،
اثنان وعشرون رجلا
ذكر ما قيل من الشعر يوم أحد
قال ابن إسحاق : وكان مما قيل من الشعر في يوم أحد ، قول هبيرة بن
أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم - قال ابن هشام : عائذ :
ابن عمران بن مخزوم :
ما بال هم عميد بات يطرقنى * بالود من هند إذ تعدو عواديها
باتت تعاتبنى هند وتعذلنى * والحرب قد شغلت عنى مواليها
مهلا فلا تعذلينى إن من خلقى * ما قد علمت وما إن لست أخفيها
مساعف لبنى كعب بما كلفوا * حمال عبء وأثقال أعانيها
وقدحملت سلاحى فوق مشترف * ساط سبوح إذا تجرى يباريها
ـ642ـ
كأنه إذ جرى عير بفدفدة * مكدم لا حق بالعون يحميها
من آل أعوج يرتاح الندى له * كجذع شعراء مستعل مراقيها
أعددته ورقاق الحد منتخلا * ومارنا لخطوب قد ألاقيها
هذا وبيضاء مثل النهى محكمة * نيطت على فما تبدو مساويها
سقنا كنانة من أطراف ذى يمن * عرض البلاد على ما كان يزجيها
قالت كنانة : أنى تذهبون بنا ؟ * قلنا : النخيل ، فأموها ومن فيها
نحن الفوارس يوم الجر من أحد * هابت معد فقلنا : نحن نأتيها
هابوا ضرابا وطعنا صادقا خذما * مما يرون وقد ضمت قواصيها
ثمت رحنا كأنا عارض برد * وقام هام بنى النجار يبكيها
كأن هامهم عند الوغى فلق * من قيض ربدنفته عن أداحيها
أو حنظل ذعذعته الريح في غصن * بال تعاوره منها سواقيها
قد نبذل المال سحا لاحساب له * ونطعن الخيل شزرا في مآقيها
وليلة يصطلى بالفرث جازرها * يختص بالنقرى المثرين داعيها
وليلة من جمادى ذات أندية * جربا جمادية قد بت أسريها
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة * من القريس ولا تسرى أفاعيها
أوقدت فيها لذى الضراء جاحمة * كالبرق ذاكية الاركان أحميها
أورثنى ذاكم عمرو ووالده * من قبله كان بالمثنى يغاليها
كانوا يبارون أنواء النجوم فما * دنت عن السورة العليا مساعيها
قال ابن إسحاق : فأجابه حسان بن ثابت ، فقال :
سقتم كنانة جهلا من سفاهتكم * إلى الرسول فجند الله مخزيها
أوردتموها حياض الموت ضاحية * فالنار موعدها ، والقتل لا قيها
ـ643ـ
جمعتموها أحابيشا بلا حسب * أئمة الكفر غرتكم طواغيها
ألا اعتبرتم بخيل الله إذ قتلت * أهل القليب ومن ألقينه فيها
كم من أسير فككناه بلا ثمن * وجز ناصية كنا مواليها
قال ابن هشام : أنشدنيها أبوزيد الانصارى لكعب بن مالك
قال ابن هشام : وبيت هبيرة بن أبى وهب الذى بقول فيه :
وليلة يصطلى بالفرث جازرها * يختص بالنقرى المثرين داعيها
يروى لجنوب ، أخت عمرو ذى الكلب الهذلى ، في أبيات لها في غير
يوم أحد .
قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك يجيب هبيرة بن أبى وهب أيضا :
ألا هل أتى غسان عنا ودونهم * من الارض خرق سيره متنعنع
صحار وأعلام كأن قتامها * من البعد نقع هامد متقطع
تظل به البزل العراميس رزحا * ويخلو به غيث السنين فيمرع
به جيف الحسرى يلوح صليبها * كما لاح كتان التجار الموضع
به العين والآرام يمشين خلفة * وبيض نعام قيضه يتقلع
مجالدنا عن ديننا كل فخمة * مذربة فيها القوانس تلمع
وكل صموت في الصوان كأنها * إذا لبست نهى من الماء مترع
ولكن ببدر سائلوا من لقيتم * من الناس والانباء بالغيب تنفع
وإنا بأرض الخوف لو كان أهلها * سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا
إذا جاء منا راكب كان قوله * أعدوا لما يزجى ابن حرب ويجمع
فمهما يهم الناس مما يكيدنا * فنحن له من سائر الناس أوسع
فلو غيرنا كانت جميعا تكيده البرية قد أعطوا يدا وتوزعوا
ـ644ـ
نجالد لا تبقى علينا قبيلة * من الناس إلا أن يهابوا ويفظعوا
ولما ابتنوا بالعرض قال سراتنا : * علام إذا لم نمنع العرض نزرع
وفينا رسول الله نتبع أمره * إذا قال فينا القول لا نتطلع
تدلى عليه الروح من عند ربه * ينزل من جو السماء ويرفع
نشاوره فيما نريد وقصرنا * إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع
وقال رسول الله لما بدوا لنا * ذروا عنكم هول المنيات واطمعوا
وكونوا كمن يشرى الحياة تقربا * إلى ملك يحيا لديه ويرجع
ولكن خذوا أسيافكم وتوكلوا * على الله إن الامر لله أجمع
فسرنا إليهم جهرة في رحالهم * ضحيا علينا البيض لا نتخشع
يملمومة فيها السنور والقنا * إذا ضربوا أقدامها لا تورع
فجئنا إلى موج من البحر وسطه * أحابيش منهم حاسر ومقنع
ثلاثة آلاف ونحن نصية * ثلاث مئين إن كثرنا وأربع
نغاورهم تجرى المنية بيننا * نشارعهم حوض المنايا ونشرع
تهادى قسى النبع فينا وفيهم * وما هو إلا اليثربى المقطع
ومنجوفة حرمية صاعدية * يذر عليها السم ساعة تصنع
تصوب بأبدان الرجال وتارة * تمر بأعراض البصار تقعقع
وخيل تراها بالفضاء كأنها * جراد صبا في قرة يتريع
فلما تلاقينا ودارت بنا الرحى * وليس لامر حمسه الله مدفع
ضربناهم حتى تركنا سراتهم * كأنهم بالقاع خشب مصرع
لدن غدوة حتى استفقنا عشية * كأن ذكانا حر نار تلفع
وراحوا سراعا موجفين كأنهم * جهام هراقت ماءه الريح مقلع
ورحنا وأخرانا بطاء كأننا * أسود على لحم ببيشه ظلع
ـ645ـ
فنلنا ونال القوم منا ، وربما * فعلنا ، ولكن مالدى الله أوسع
ودارت رحانا واستدارت رحاهم * وقد جعلوا كل من الشر يشبع
ونحن أناس لا نرى القتل سبة * على كل من يحمى الذمار ويمنع
جلاد على ريب الحوادث لا ترى * على هالك عينا لنا الدهر تدمع
بنو الحرب لا نعيا بشئ نقوله * ولا نحن مما جرت الحرب نجزع
بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفحش * ولا نحن من إظفارها نتوجع
وكنا شهابا يتقى الناس حره * ويفرج عنه من يليه ويسفع
فخرت على ابن الزبعرى وقد سرى * لكم طلب من آخر الليل متبع
فسل عنك في عليا معد وغيرها * من الناس من أخزى مقاما وأشنع
ومن هو لم تترك له الحرب مفخرا * ومن خده يوم الكريهة أضرع
شددنا بحول الله والنصر شدة * عليكم وأطراف الاسنة شرع
تكر القنا فيكم كأن فروعها * عزالى مزاد ماؤها يتهزع
عمدنا إلى أهل اللواء ، ومن يطر * بذكر اللواء فهو في الحمد أسرع
فخانوا وقد أعطوا يدا وتخاذلوا * أبى الله إلا أمره وهو أصنع
قال ابن هشام : وكان كعب بن مالك قد قال :
مجالدنا عن جذمنا كل فخمة
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيصلح أن تقول : مجالدنا عن ديننا ؟
فقال كعب : نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهو أحسن ، فقال
كعب : مجالدنا عن ديننا .
قال ابن إسحاق : وقال عبدالله بن الزبعرى في يوم أحد .
يا غراب البين أسمعت فقل * إنما تنطق شيئا قد فعل
إن للخير وللشر مدى * وكلا ذلك وجه وقبل
ـ646ـ
والعطيات خساس بينهم * وسواء قبر مثر ومقل
كل عيش ونعيم زائل * وبنات الدهر يلعبن بكل
أبلغن حسان عنى آية * فقريض الشعر يشفى ذا الغلل
كم ترى بالجر من جمجمة * وأكف قد أترت ورجل
وسرابيل حسان سريت * عن كماة أهلكوا في المنتزل
كم قتلنا من كريم سيد * ماجدا الجدين مقدام بطل
صادق النجدة قرم بارع * غير ملتاث لدى وقع الاسل
فسل المهراس من ساكنه ؟ * بين أقحاف وهام كالحجل
ليت أشياخى ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل
حين حكت بقباء بركها * واستحر القتل في عبد الاشل
تم خفوا عند ذاكم رقصا * رقص الحفان يعلو في الجبل
فقتلنا الضعف من أشرافهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل
لا ألوم النفس إلا أننا * لو كررنا لفعلنا المفتعل
بسيوف الهند تعلو هامهم * عللا تعلوهم يعد نهل
فأجابه حسان بن ثابت ـ الانصارى رضى الله عنه ـ قال :
ذهبت يابن الزبعرى وقعة * كان منا الفضل فيها لو عدل
ولقد نلتم ونلنا منكم * وكذاك الحرب أحيانا دول
نضع الاسياف في أكتافكم * حيث نهوى عللا بعد نهل
نخرج الاضياح من أستاهكم * كسلاح النيب يأكلن العصل
إذ تولون على أعقابكم * هربا في الشعب أشباه الرسل
إذ شددنا شدة صادقة * فأجأنا كم إلى سفح الجبل
بخناطيل كأشداف الملا * من يلاقوه من الناس يهل
ـ647ـ
ضاق عنا الشعب إذ نجزعه * وملانا الفرط منه والرجل
برجال لستم أمثالهم * أيدوا جبريل نصرا فنزل
وعلونا يوم بدر بالتقى * طاعة الله وتصديق الرسل
وقتلنا كل رأس منهم * وقتلنا كل جحجاج رفل
وتركنا في قريش عورة * يوم بدر وأحاديث المثل
ورسول الله حقا شاهد * يوم بدر والتنابيل الهبل
في قريش من جموع جمعوا * مثل ما يجمع في الخصب الهمل
نحن لا أمثالكم ولد أستها * نحضر البأس إذا البأس نزل
قال ابن هشام : وأنشدنى أبوزيد الانصارى ، " وأحاديث المثل " والبيت
الذى قبله . وقوله : " في قريش من جموع جمعوا " عن غير ابن إسحاق .
قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك يبكى حمزة بن ع بدالمطلب وقتلى
أحد من المسلمين .
نشجت وهل لك من منشج * وكنت متى تذكر تلجج
تذكر قوم أتانى لهم * أحاديث في الزمن الاعوج
فقلبك من ذكرهم خافق * من الشوق والحزن المنضج
وقتلاهم في جنان النعيم * كرام المداخل والمخرج
بما صبروا تحت ظل اللواء * لواء الرسول بذى الاضوج
غداة أجابت بأسيافها * جميعا بنو الاوس والخزرج
وأشياع أحمد إذ شايعوا * على الحق ذى النور والمنهج
فما برحوا يضربون الكماة * ويمضون في القسطل المرهج
كذلك حتى دعاهم مليك * إلى جنة دوحة المولج
ـ648ـ
فكلهم مات حر البلاء * على ملة الله لم يحرج
كحمزة لما وفى صادقا * بذى هبة صارم سلجج
فلاقاه عبد بنى نوفل * يبربر كالجمل الادعج
فأوجره حربة كالشهاب * تلهب في اللهب الموهج
ونعمان أوفى بميثاقه * وحنظلة الخير لم يحنج
عن الحق حتى غدت روحه * إلى منزل فاخر الزبرج
أولئك لا من ثوى منكم * من النار في الدرك المرتج
فأجابه ضرار بن الخطاب الفهرى ، فقال :
أيجزع كعب لاشياعه * ويبكى من الزمن الاعوج
عجيج المذكى رأى إلفه * تروح في صادر محنج
فراح الروايا وغادرنه * يعجعج قسرا ولم يحدج
فقولا لكعب يثنى البكا * وللنئ من لحمه ينضج
لمصرع إخوانه في مكر * من الخيل ذى قسطل مرهج
فياليت عمرا وأشياعه * وعتبة في جمعنا السورج
فيشفوا النفوس بأوتارها * بقتلى أصيب من الخزرج
وقتلى من الاوس في معرك * أصيبوا جميعا بذى الاضوج
ومقتل حمزة تحت اللواء * بمطرد ، مارن ، مخلج
وحيث انثنى مصعب ثاويا * بضربة ذى هبة سلجج
بأحد وأسيافنا فيهم * تلهب كاللهب الموهج
غداة لقينا كم في الحديد * كأسد البراح فلم تعنج
بكل مجلحة كالعقاب * وأجرد ذى ميعة مسرج
ـ649ـ
فدسناهم ثم انثنوا * سوى زاهق النفس أو محرج
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لضرار . وقول كعب :
" ذى النور والمنهج " عن أبى زيد الانصارى .
قال ابن إسحاق : وقال عبدالله بن الزبعرى في يوم أحد ، يبكى القتلى :
ألا ذرفت من مقلتيك دموع * وقد بان من حبل الشباب قطوع
وشط بمن تهوى المزار وفرقت * نوى الحى دار بالحبيب فجوع
وليس لما ولى على ذى حرارة * وإن طال تذراف الدموع رجوع
فذرذا ، ولكن هل أتى أم مالك * أحاديث قومى والحديث يشيع
ومجنبنا جردا إلى أهل يثرب * عناجيج منها متلد ونزيع
عشية سرنا في لهام يقودنا * ضرور الاعادى للصديق نفوع
نشد علينا كل زغف كأنها * غدير بضوج الواديين نقيع
فلما رأونا خالطتهم مهاية * وعاينهم أمر هناك فظيع
وودوا لو ان الارض ينشق ظهرها * بهم وصبور القوم ثم جزوع
وقد عريت بيض كأن وميضها * حريق ترقى في الاباء سريع
بأيماننا نعلو بها كل هامة * ومنها سمام للعدو ذريع
فغادرون قتلى الاوس عاصبة بهم * ضباع وطير يعتفين وقوع
وجمع بنى النجار في كل تلعة * بأبدانهم من وقعهن نجيع
ولولا علو الشعب غادرن أحمدا * ولكن علا والسمهرى شروع
كما غادرت في الكر حمزة ثاويا * وفى صدره ماضى الشباة وقيع
ونعمان قد غادرن تحت لوائه * على لحمه طير يجفن وقوع
بأحد وأرماح الكماة يردنهم * كما غال أشطان الدلاء نزوع
ـ650ـ
فأجابه حسان بن ثابت فقال :
أشاقك من أم الوليد ربوع * بلا قع ما من أهلهن جميع
عفاهن صيفى الرياح وواكف * من الدلو رجاف السحاب هموع
فلم يبق إلا موقد النار حوله * رواكد أمثال الحمام كنوع
فدع ذكر دار بددت بين أهلها * نوى لمتينات الحبال قطوع
وقل إن يكن يوم بأحد يعده * سفيه فإن الحق سوف يشيع
فقد صابرت فيه بنو الاوس كلهم * وكان لهم ذكر هناك رفيع
وحامى بنو النجار فيه وصابروا * وما كان منهم في اللقاء جزوع
أمام رسول الله لا يخذلونه * لهم ناصر من ربهم وشفيع
وفوا إذ كفرتم يا سخين بربكم * ولا يستوى عبد وفى ومضيع
بأيديهم بيض إذا حمش الوغى * فلا بد أن يردى لهن صريع
كما غادرت في النقع عتبة ثاويا * وسعدا صريعا والوشيج شروع
وقد غادرت تحت العجاجة مسندا * أبيا وقد بل القميص نجيع
بكف رسول الله حيث تنصبت * على القوم مما قد يثرن نقوع
أولئك قوم سادة من فروعكم * وفى كل قوم سادة وفروع
بهن نعز الله حتى يعزنا * وإن كان أمر ياسخين فظيع
فلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم * قتيل ثوى لله وهو مطيع
فإن جنان الخلد منزلة له * وأمر الذى يقضى الامور سريع
وقتلا كم في النار أفضل رزقهم * حميم معا في جوفها وضريع
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرهما لحسان وابن الزبعرى
وقوله : " ماضى الشباة ، وطير يجفن " عن غير ابن إسحاق .
ـ651ـ
وقال ابن إسحاق : وقال عمرو بن العاصى ـ في ـ يوم أحد :
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 651 سطر 1 الى ص 660 سطر 24
وقال ابن إسحاق : وقال عمرو بن العاصى ـ في ـ يوم أحد :
خرجنا من الفيفا عليهم كأننا * مع الصبح من رضوى الحبيك المنطق
تمنت بنو النجار جهلا لقاءنا * لدى جنب سلع والامانى تصدق
فما راعهم بالشر إلا فجاءة * كراديس خيل في الازقة تمرق
أرادوا لكيما يستبيحوا قبابنا * ودون القباب اليوم ضرب محرق
وكانت قبابا أومنت قبل ما ترى * إذا رامها قوم أبيحوا وأحنقوا
كأن رءوس الخزرجيين غدوة * وأيمانهم بالمشرفية بروق
فأجابه كعب بن مالك ، فيما ذكر ابن هشام ، فقال :
ألا أبلغا فهرا على نأى دارها * وعندهم من علمنا اليوم مصدق
بأنا غداة السفح من بطن يثرب * صبرنا ورايات المنية تخفق
صبرنا لهم والصبر منا سجية * إذا طارت الابرام نسمو ونرتق
على عادة تلكم جرينا بصبرنا * وقد ما لدى الغايات نجرى فنسبق
لنا حومة لا تستطاع يقودها * نبى أتى بالحق عف مصدق
ألا هل أتى أفناء فهر بن مالك * مقطع أطراف وهام مفلق
قال ابن إسحاق : وقال ضرار بن الخطاب :
إنى وجدك لولا مقدمى فرسى * إذ جالت الخيل بين الجزع والقاع
مازال منكم بجنب الجزع من أحد * أصوات هام تزاقى أمرها شاعى
وفارس قد أصاب السيف مفرقه * أفلاق هامته كفروة الراعى
إنى وجدك لا أنفك منتطقا * بصارم مثل لون الملح قطاع
على رحالة ملواح مثابرة * نحو الصريخ إذا ما ثوب الداعى
وما انتميت إلى خور ولا كشف * ولا لئام غداة الباس أوراع
ـ652ـ
بل ضاربين حبيك البيض إذ لحقوا * شم العرانين عند الموت لذاع
شم بهاليل مسترخ حمائلهم * يسعون للموت سعيا غير دعداع
وقال ضرار بن الخطاب أيضا :
لما أتت من بنى كعب مزينة * والخزرجية فيها البيض تأتلق
وجردوا مشرفيات مهندة * وراية كجناح النسر تختفق
فقلت : يوم بأيام ومعركة * تنبى لما خلفها ماهز هز الورق
قد عودوا كل يوم أن تكون لهم * ريح القتال وأسلاب الذين لقوا
خبرت نفسى على ما كان من وجل * منها وأيقنت أن المجد مستبق
أكرهت مهرى حتى خاض غمرتهم * وبله من نجيع عانك علق
فظل مهرى وسربالى جسيدهما * نفخ العروق رشاش الطعن والورق
أيقنت أنى مقيم في ديارهم * حتى يفارق ما في جوفه الحدق
لا تجزعوا يا بنى مخزوم إن لكم * مثل المغيرة فيكم ما به زهق
صبرا فدى لكم أمى وما ولدت * تعاوروا الضرب حتى يدبر الشفق
وقال عمرو بن العاص :
لما رأيت الحرب ينزو * شرها بالرضف نزوا
وتناولت شهباء تلحو * الناس بالضراء لحوا
أيقنت أن الموت حق * والحياة تكون لغوا
حملت أثوابى على * عتد يبذ الخيل رهوا
سلسل إذا نكبن في البيداء * يعلو الطرف علوا
وإذا تنزل ماؤه * من عطفه يزداد زهوا
ربذ كيعفور الصريمة * راعه الرامون دحوا
شنج نساه ضابط * للخيل إرخاء وعدوا
ـ653ـ
ففدى لهم أمى غداة * الروع إذ يمشون قطوا
سير إلى كبش الكتيبة * إذا جلته الشمس جلوا
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لعمرو .
قال ابن إسحاق : فأجابهما كعب بن مالك ، فقال :
أبلغ قريشا وخير القول أصدقه * والصدق عنه ذوى الالباب مقبول
أن قد قتلنا بقتلانا سراتكم * أهل اللواء ففيما يكثر القيل
ويوم بدر لقيناكم لنا مدد * فيه مع النصر ميكال وجبريل
إن تقتلونا فدين الحق فطرتنا * والقتل في الحق عند الله تفضيل
وإن تروا أمرنا في رأيكم سفها * فرأى من خالف الاسلام تضليل
فلا تمنوا لقاح الحرب واقتعدوا * إن أخا الحرب أصدى اللون مشعول
إن لكم عندنا ضربا تراح له * عرج الضباع له خذم رعابيل
إنا بنو الحرب نمريها وننتجها * وعندنا لذوى الاضغان تنكيل
إن ينج منها ابن حرب بعد ما بلغت * منه الترافى وأمر الله مفعول
فقد أفادت له حلما وموعظة * لمن يكون له لب ومعقول
ولو هبطتم ببطن السيل كافحكم * ضرب بشاكلة البطحاء ترعيل
تلقاكم عصب حول النبى لهم * مما يعدون للهيجا سرابيل
من جذم غسان مسترخ حمائلهم * لا جبناء ولا ميل معازيل
يمشون تحت عمايات القتال كما * تمشى المصاعبة الادم المراسيل
أو مثل مشى أسود الطل ألثقها * يوم رذاذ من الجوزاء مشمول
في كل سابغة كالنهى محكمة * قيامها فلج كالسيف بهلول
ترد حد قرام النبل خاسئة * ويرجع السيف عنهاوهو مفلول
ولو قذفتم بسلع عن ظهوركم * وللحياة ودفع الموت تأجيل
ـ654ـ
مازال في القوم وتر منكم أبدا * تعفو السلام عليه وهو مطلول
عبد وحر كريم موثق قنصا * شطر المدينة مأسور ومقتول
كنا نؤمل أخراكم فأعجلكم * منا فوارس لاعزل ولا ميل
إذا جنى فيهم الجانى فقد علموا * حقا بأن الذى قد جر محمول
ما نحن لا نحن ، من إثم مجاهرة * ولا ملوم ولا في الغرم مخذول
وقال حسان بن ثابت ، يذكر عدة أصحاب اللواء يوم أحد :
ـ - قال ابن هشام : هذه أحسن ماقيل - ـ
منع النوم بالعشاء الهموم * وخيال إذا تغور النجوم
من حبيب أضاف قلبك منه * سقم فهو داخل مكتوم ( 1 )
يا لقومى هل يقتل المرء مثلى * واهن البطش والعظام سؤوم
لو يدب الحولى من ولد الذ * ر عليها لاندبتها الكلوم
شأنها العطر والفراش ويعلو * ها لجين ولؤلؤ منظوم
لم تفتها شمس النهار بشئ * غير أن الشباب ليس يدوم
إن خالى خطيب جابية الجو * لان عند النعمان حين يقوم
وأنا الصقر عند باب ابن سلمى * يوم نعمان في الكبول سقيم
وأبى وواقد أطلقا لى * يوم راحا وكبلهم محطوم
ورهنت اليدين عنهم جميعا * كل كف جزء لها مقسوم
وسطت نسبتى الذوائب منهم * كل دار فيها أب لى عظيم
وأبى في سميحة القائل الفا * صل يوم التقت عليه الخصوم
تلك أفعالنا وفعل الزبعرى * خامل في صديقه مذموم
رب حلم أضاعه عدم المال * ، وجهل غطى عليه النعيم
لا تسبننى فلست بسبى * إن سبى من الرجال الكريم
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " أصاب قلبك " . ( * )
ـ655ـ
ما أبالى أنب بالحزن تيس * أم لحانى بظهر غيب لئيم
ولى البأس منكم إذ رحلتم * أسرة من بنى قصى صميم
تسعة تحمل اللواء ، وطارت * في رعاع من القنا مخزوم
وأقاموا حتى أبيحوا جميعا * في مقام ، وكلهم مذموم
بدم عانك ، وكان حفاظا ، أن يقيموا ، إن الكريم كريم
وأقاموا حتى أزيروا شعوبا * والقنا في نحورهم محطوم
وقريش تفر منا لواذا * أن يقيموا وخف منها الحلوم
لم تطق حمله العواتق منهم * إنما يحمل اللواء النجوم
قال ابن هشام : قال حسان هذه القصيدة :
منع النوم بالعشاء الهموم
ليلا ، فدعا قومه ، فقال لهم : خشيت أن يدركنى أجلى قبل أن أصبح ،
فلا ترووها عنى .
قال ابن هشام : أنشدنى أبوعبيدة للحجاج بن علاط السلمى يمدح
ـ أبا الحسن أمير المؤمنين ـ على بن أبى طالب ، ويذكر قتله طلحة بن أبى طلحة
ابن عبدالعزى بن عثمان بن عبدالدار ، صاحب لواء المشركين يوم أحد :
لله أى مذبب عن حرمة * أعنى ابن فاطمة المعم المخولا
سبقت يداك له بعاجل طعنة * تركت طليحة للجبين مجدلا
وشددت شدة باسل فكشفتهم * بالجر إذ يهوون أخول أخولا
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت يبكى حمزة بن ع بدالمطلب ومن
أصيب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد :
يا مى قومى فاندبن * بسحيرة شجو النوائح
كالحاملات الوقر بالثقل * الملحات الدوالح
ـ656ـ
المعولات الخامشات * وجوه حرات صحائح
وكأن سيل دموعها الانصاب * تخضب بالذبائح
ينقضن أشعارا لهن * هناك بادية المسائح
وكأنها أذناب خيل * بالضحى شمس روامح
من بين مشزور ومجزور * يذعذع بالبوارح
يبكين شجوا مسلبات * كدحتهن الكوادح
ولقد أصاب قلوبها * مجل له جلب قوارح
إذ أقصد الحدثان من * كنا نرجى إذ نشايح
أصحاب أحد غالهم دهر ألم له جوارح
من كان فارسنا وحا * مينا إذا بعث المسالح
ياحمز ، لا والله لا * أنساك ما صر اللقائح
لمناخ أيتام وأضياف * وأرملة تلامح
ولما ينوب الدهر في * حرب لحرب وهى لاقح
يا فارسا يا مدرها * يا حمز قد كنت المصامح
عنا شديدات الخطوب * إذا ينوب لهن فادح
ذكرتنى أسد الرسول * ، وذاك مدرهنا المنافح
عنا وكان يعد إذ * عد الشريفون الجحاجح
يعلو القماقم جهرة * سبط اليدين أغر واضح
لا طائش رعش ، ولا * ذو علة بالحمل آنح
بحر فليس يغب جارا * منه سيب أو منادح
أودى شباب أولى الحفائظ * والثقيلون المراجح
ـ657ـ
المطعمون إذا المشاتى * ما يصففهن ناضح
لحم الجلاد وفوقه * من شحمه شطب شرائح
ليدافعوا عن جارهم * مارام ذو الضغن المكاشح
لهفى لشبان رزئناهم * كأنهم المصابح
شم ، بطارقة ، غطارفة * ، خضارمة ، مسامح
المشترون الحمد بالاموال * ، إن الحمد رابح
والجامزون بلجمهم * يوما إذاما صاح صائح
من كان يرمى بالنواقر * من زمان غير صالح
ماإن تزال ركابه * يرسمن في غبر صحاصح
راحت تبارى وهو في * ركب صدورهم رواشح
حتى تئوب له المعالى * ليس من فوز السفانح
يا حمز قد أوحدتنى * كالعود شذبه الكوافح
أشكو إليك وفوقك الترب * المكور والصفائح
من جندل نلقيه فوقك * إذ أجاد الضرح ضارح
في واسع يحثونه * بالترب سوته المماسح
فعزاؤنا أنا نقول * وقولنا برح بوارح
من كان أمسى وهو عما * أوقع الحدثان جانح
فليأتنا فلتبك عيناه * لهلكانا النوافح
القائلين الفاعلين * ذوى السماحة والممادح
من لا يزال ندى يديه * له طوال الدهر مائح
قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان ، وبيته :
ـ658ـ
" المطعمون إذا المشاتى " ، وبيته : " الجامزون بلجمهم " ، وبيته : " من
كان يرمى بالنواقر " عن غير ابن إسحاق .
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضا يبكى حمزة بن ع بدالمطلب :
أتعرف الدار عفا رسمها * بعدك صوب المسبل الهاطل ؟
بين السراديح فأدمانة * فمدفع الروحاء في حائل
ساءلتها عن ذاك فاستعجمت * لم تدر ما مرجوعة السائل ؟
دع عنك دارا قد عفا رسمها * وابك على حمزة ذى النائل
المالئ الشيزى إذا أعصفت * غبراء في ذى الشبم الماحل
والتارك القرن لدى لبدة ، يعثر في ذى الخرص الذابل
واللابس الخيل إذ أجحمت * كالليث في غابته الباسل
أبيض في الذروة من هاشم * لم يمر دون الحق بالباطل
مال شهيدا بين أسيافكم * شلت يدا وحشى من قاتل
أى امرئ غادر في ألة * مطرورة مارنة العامل
أظلمت الارض لفقدانه * واسود نورالقمر الناصل
صلى الله عليه في جنة * عالية مكرمة الداخل
كنا نرى حمزة حرزا لنا * في كل أمر نابنا نازل
وكان في الاسلام ذا تدرأ * يكفيك فقد القاعد الخاذل
لا تفرحى يا هند واستحلبى * دمعا وأذرى عبرة الثاكل
وابكى على عتبة إذ قطه * بالسيف تحت الرهج الجائل
إذ خر في مشيخة منكم * من كل عات قبله جاهل
أرداهم حمزة في أسرة * يمشون تحت الحلق الفاضل
غداة جبريل وزير له * نعم وزير الفارس الحامل
وقال كعب بن مالك يبكى حمزة بن ع بدالمطلب :
ـ659ـ
رقت همومك فالرقاد مسهد * وجزعت أن سلخ الشباب الاغيد
ودعت فؤادك للهوى ضمرية * فهواك غورى وصحوك منجد
فدع التمادى في الغواية سادرا * قد كنت في طلب الغواية تفند
ولقد أنى لك أن تناهي طائعا * أو تستفيق إذا نهاك المرشد
ولقد هددت لفقد حمزة هدة * ظلت بنات الجوف منها ترعد
ولو أنه فجعت حراء بمثله * لرأيت راسى صخرها يتبدد
قرم تمكن في ذؤابة هاشم * حيث النبوة والندى والسودد
والعاقر الكوم الجلاد إذ غدت * ريح يكاد الماء منها يجمد
والتارك القرن الكمى مجدلا * يوم الكريهة والقنا يتقصد
وتراه يرفل في الحديد كأنه * ذو لبدة شثن البراثن أربد
عم النبى محمد وصفيه * ورد الحمام فطاب ذاك المورد
وأتى المنية معلما في أسرة * نصروا النبى ، ومنهم المستشهد
ولقد إخال بذاك هندا بشرت * لتميت داخل غصة لا تبرد
مما صبحنا بالعقنقل قومها * يوما تغيب فيه عنها الاسعد
وببئر بدر إذ يرد وجوههم * جبريل تحت لوائنا ومحمد
حتى رأيت لدى النبى سراتهم * قسمين : يقتل من نشاء ويطرد
فأقام بالعطن المعطن منهم * سبعون : عتبة منهم والاسود
وابن المغيرة قد ضربنا ضربة * فوق الوريد لها رشاش مزيد
وأمية الجمحى قوم ميله * عضب بأيدى المؤمنين مهند
فأتاك قل المشركين كأنهم * والخيل تثقتهم نعام شرد
شتان من هو في جهنم ثاويا * أبدا ومن هو في الجنان مخلد
ـ660ـ
وقال كعب أيضا يبكى حمزة :
صفية قومى ولا تعجزى * وبكى النساء على حمزة
ولا تسأمى أن تطيلى البكا * على أسد الله في الهزة
فقد كان عزا لايتامنا * وليث الملاحم في البزة
يريد بذاك رضا أحمد * ورضوان ذى العرش والعزة
وقال كعب أيضا في يوم أحد :
إنك عمر أبيك الكريم * أن تسألى عنك من يجتدينا
فإن تسألى ثم لا تكذبى * يخبرك من قد سألت اليقينا
بأنا ليالى ذات العظام * كنا ثمالا لمن يعترينا
تلوذ النجود بأذرائنا * من الضر في أزمات السنينا
بجدوى فضول أولى وجدنا * وبالصبر والبذل في المعدمينا
وأبقت لنا جلمات الحروب * ممن نوازى لدن أن برينا
معاطن تهوى إليها الحقوق * يحسبها من رآها الفتينا
تخيس فيها عتاق الجمال * صحما دواجن حمرا وجونا
ودفاع رجل كموج الفرات * يقدم جأواء جولا طحونا
ترى لونها مثل لون النجوم * رجراجة تبرق الناظرينا
فإن كنت عن شأننا جاهلا * فسل عنه ذا العلم ممن يلينا
بنا كيف نفعل إن قلصت * عوانا ضروسا عضوضا حجونا
ألسنا نشد عليها العصاب * حتى تدر وحتى تلينا
ويوم له رهج دائم * شديد التهاول حامى الارينا
طويل شديد أ وارالقتال * تنفى قواحزه المقر فينا
تخال الكماة بأعراضه * ثمالا على لذة منزفينا
تعاور أيمانهم بينهم * كئوس المنايا بحد الظبينا
ـ661ـ
شهدنا فكنا أولى بأسه * وتحت العماية و المعلمينا
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 661 سطر 1 الى ص 670 سطر 23
شهدنا فكنا أولى بأسه * وتحت العماية و المعلمينا
بخرس الحسيس حسان رواء * وبصرية قد أجمن الجفونا
فما ينفللن وما ينحنين * وما ينتهين إذا مانهينا
كبرق الخريف بأيدى الكماة * يفجعن بالظل هاما سكونا
وعلمنا الضرب آباؤنا * وسوف نعلم أيضا بنينا
جلاد الكماة ، وبذل التلاد * ، عن جل أحسابنا ما بقينا
إذا مر قرن كفى نسله * وأورثه بعده آخرينا
نشب وتهلك آباؤنا * وبينا نربى بنينا فنينا
سألت بك ابن الزبعرى فلم * أنبأك في القوم إلا هجينا
خبيثا تطيف بك المنديات * مقيما على اللؤم حينا فحينا
تبجست تهجو رسول المليك * ، قاتلك الله جلفا لعينا
تقول الخنا ثم ترمى به * نقى الثياب تقيا أمينا
قال ابن هشام : أنشدنى بيته : " بنا كيف نفعل " ، والبيت الذى يليه ،
والبيت الثالث منه ، وصدر الرابع منه ، وقوله " نشب وتهلك آباؤنا " والبيت
الذى يليه ، والبيت الثالث منه ، أبوزيد الانصارى .
قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك أيضا ، في يوم أحد :
سائل قريشا غداة السفح من أحد * ماذا لقينا وما لاقوا من الهرب
كنا الاسود وكانوا النمر إذ زحفوا * ما إن نراقب من آل ولا نسب
فكم تركنا بها من سيد بطل * حامى الذمار كريم الجدو الحسب
فينا الرسول شهاب ثم يتبعه * نور مضئ له فضل على الشهب
الحق منطقه ، والعدل سيرته * فمن يجبه إليه ينج من تبب
تحد المقدم ، ماضى الهم ، معتزم * حين القلوب على رجف من الرعب
ـ662ـ
يمضى ويذمرنا عن غير معصية * كأنه البدر لم يطبع على الكذب
بدا لنا فاتبعناه نصدقه * وكذبوه فكنا أسعد العرب
جالوا وجلنا فما فاءوا وما رجعوا * ونحن نثفنهم لم نأل في الطلب
ليس سواء وشتى بين أمرهما * حزب الاله وأهل الشرك والنصب
قال ابن هشام أنشدنى من قوله : " يمضى ويذمرنا " إلى آخرها ، أبوزيد
الانصارى .
قال ابن إسحاق : وقال عبدالله بن رواحة يبكى حمزة بن ع بدالمطلب .
قال ابن هشام : أنشدنيها أبوزيد الانصارى لكعب بن مالك :
بكت عينى وحق لها بكاها * وما يغنى البكاء ولا العويل
على أسد الاله غداة قالوا : * أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعا * هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى لك الاركان هدت * وأنت الماجد البر الوصول
عليك سلام ربك في جنان * مخالطها نعيم لا يزول
ألا يا هاشم الاخيار صبرا * فكل فعالكم سن جميل
رسول الله مصطبر كريم * بأمر الله ينطق إذ يقول
ألا من مبلغ عنى لؤيا * فبعد اليوم دائلة تدول
وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا * وقائعنا بها يففى الغليل
نسيتم ضربنا بقليب بدر * غداة أتاكم الموت العجيل
غداة ثوى أبوجهل صريعا * عليه الطير حائمة تجول
وعتبة وابنه خرا جميعا * وشيبة عضه السيف الصقيل
ومتركنا أمية مجلعبا * وفي حيزومه لدن نبيل
وهام بنى ربيعة سائلوها * ففى أسيافنا منها فلول
ـ663ـ
ألا يا هند فابكى لا تملى * فأنت الواله العبرى الهبول
ألا يا هند لا تبدى شماتا * بحمزة إن عزكم ذليل
قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك أيضا :
أبلغ قريشا على نأيها * أتفخر منا بما لم تلى
فخرتم بقتلى أصابتهم * فواضل من نعم المفضل
فحلوا جنانا وأبقوا لكم * أسودا تحامى عن الاشبل
تقاتل عن دينها ، وسطها * نبى عن الحق لم ينكل
رمته معد بعور الكلام * ونبل العداوة لا تاتلى
قال ابن هشام : أنشدنى قوله : " لم تلى " ، وقوله : " من نعم المفضل "
أبوزيد الانصارى .
قال ابن إسحاق : وقال ضرار بن الخطاب في يوم أحد :
ما بال عينك قد أزرى بها السهد * كأنما جال في أجفانها الرمد
أمن فراق حبيب كنت تألفه * قد حال من دونه الاعداء والبعد
أم ذاك من شغب قوم لا جداء بهم * إذا الحروب تلظت نارها تقد
ما ينتهون عن الغى الذى ركبوا * وما لهم من لؤى ويحهم عضد
وقد نشدناهم بالله قاطبة * فما تردهم الارحام والنشد
حتى إذا ما أبوا إلا محاربة * واستحصدت بيننا الاضغان والحقد
سرنا إليهم بجيش في جوانبه * قوانس البيض والمحبوكة السرد
والجرد ترفل بالابطال شازبة * كأنها حداء في سيرها تؤد
جيش يقودهم صخر ويرأسهم * كأنه ليث غاب هاصر حرد
فأبرز الحين قوما من منازلهم * فكان منا ومنهم ملتقى أحد
فغودرت منهم قتلى مجدلة * كالمعز أصرده بالصردح البرد
ـ664ـ
قتلى كرام بنوالنجار وسطهم * ومصعب من قنانا حوله قصد
وحمزة القرم مصروع تطيف به * ثكلى وقد حغ منه الانف والكبد
كأنه حين يكبو في جديته * تحت العجاج وفيه ثعلب جسد
حوار ناب وقد ولى صحابته * كما تولى النعام الهارب الشرد
مجلحين ولا يلوون ، قد ملئوا * رعبا ، فنجتهم العوصاء والكؤد
تبكى عليهم نساء لا بعول لها * من كل سالبة أثوابها قدد
وقد تركناهم للطير ملحمة * وللضباع إلى أجسادهم تفد
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لضرار .
قال ابن إسحاق : وقال أبوزعنة بن عبدالله بن عمرو بن عتبة . أخو بنى
جشم بن الخزرج ، يوم أحد :
أنا أبوزعنة يعدو بى الهزم * لم تمنع المخزاة إلا بالالم
يحمى الذمار خزرجى من جشم
قال ابن إسحاق : وقال على ابن أبى طالب - قال ابن هشام : قالها رجل
من المسلمين ـ في ـ يوم أحد غير على ، فيما ذكر لى بعض أهل العلم بالعشر ، ولم أر
أحدا منهم يعرفها لعلى :
لا هم إن الحارث بن الصمة * كان وفيا وبنا ذا ذمه
أقبل في مهامه مهمه * كليلة ظلماء مدلهمه
بين سيوف ورماح جمه * يبغى رسول الله فيما ثمه
قال ابن هشام : قوله : " كليلة " عن غير ابن إسحاق .
قال ابن إسحاق : وقال عكرمة بن أبى جهل في يوم أحد :
كلهم يزجره أرحب هلا ( 1 ) * ولن يروه اليوم إلا مقبلا
يحمل رمحا ورئيسا جحفلا
* ( هامش ) * في أ " كلهم ابن حرة أرحب هلا " . ( * )
ـ665ـ
وقال الاعشى بن زرارة بن النباش التميمى - قال ابن هشام : ثم أحد
بنى أسيد ( 1 ) بن عمرو بن تميم - يبكى قتلى بنى عبد الدار يوم أحد :
حيى من حى على نأيهم * بنو أبى طلحة لا تصرف
يمر ساقيهم عليهم بها * وكل ساق لهم يعرف
ـ لا جارهم يشكو ولا ضيفهم * من دونه باب لهم يصرف ـ
وقال عبدالله بن الزبعرى يوم أحد :
قتلنا ابن جحش فاغتبطنا بقتله * وحمزة في فرسانه وابن قوقل
وأفلتنا منهم رجال فأسرعوا * فليتهم عاجوا ولم نتعجل
أقاموا لنا حتى تعض سيوفنا * سراتهم وكلنا غير عزل
وحتى يكون القتل فينا وفيهم * ويلقوا صباحا شره غير منجلى
قال ابن هشام : وقوله : " وكلنا " ، وقوله : " ويلقوا صباحا " : عن
غير ابن إسحاق .
قال ابن إسحاق : وقالت صفية بنت ع بدالمطلب تبكى أخاها حمزة بن
ع بدالمطلب :
أسائلة أصحاب أحد مخافة * بنات أبى من أعجم وخبير
فقال الخبير : إن حمزة قد ثوى * وزير رسول الله خير وزير
دعاه إله الحق ذو العرش دعوة * إلى جنة يحيا بها وسرور
فذلك ما كنا نرجى ، ونرتجى * لحمزة يوم الحشر خير مصير
فو الله لا أنساك ما هبت الصبا * بكاء وحزنا محضرى ومسيرى
على أسد الله الذى كان مدرها * يذود عن الاسلام كل كفور
فياليت شلوى عند ذلك وأعظمى * لدى أضبع تعتادنى ونغور
أقول وقد أعلى النعى عشيرتى * جزى الله خيرا من أخ ونصير
* ( هامش ) * ( 1 ) في ب " أسد " مكبرا . ( * )
ـ666ـ
قال ابن هشام : وأنشدنى بعض أهل العلم بالشعر قولها :
بكاء وحزنا محضرى ومسيرى
قال ابن إسحاق : وقالت نعم ، امرأة شماس بن عثمان ، تبكى شماسا ، وأصيب
يوم أحد :
يا عين جودى بفيض غير إبساس * على كريم من الفتيان أباس ( 1 )
صعب البديهة ميمون نقيبته * حمال ألوية ركاب أفراس
أقول لما أتى الناعى له جزعا : * أودى الجواد وأودى المطعم الكاسى
وقلت لماخلت منه مجالسه : * لا يبعد الله عنا قرب شماس
فأجابها أخوها ، وهو أبوالحكم بن سعيد بن يربوع ، يعزيها ، فقال :
أقنى حياءك في ستر وفى كرم * فإنما كان شماس من الناس
لا تقتلى النفس إذ حانت منيته * في طاعة الله يوم الروع والباس
قد كان حمزة ليث الله فاصطبرى * فذاق يومئذ من كأس شماس
وقالت هند بنت عتبة ، حين انصرف المشركون عن أحد :
رجعت وفى نفسى بلا بل جمة * وقد فاتنى بعض الذى كان مطلبى
من اصحاب بدر من قريش وغيرهم * بنو هاشم منهم ومن أهل يثرب
ولكننى قد نلت شيئا ولم يكن * كما كنت أرجو في مسيرى ومركبى
قال ابن هاشم : وأنشدنى بعض أهل العلم بالشعر قولها :
وقد فاتنى بعض الذى كان مطلبى
وبعضهم ينكرها لهند ، والله أعلم .
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " لباس " . ( * )
ـ667ـ
ذكر يوم الرجيع
في سنة ثلاث
قال : حدثنا أبومحمد عبدالملك بن هشام ، قال : حدثنا زياد بن عبدالله
البكائى عن محمد بن إسحاق المطلبى ، قال : حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة ، قال :
قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة .
قال ابن هشام : عضل والقارة ، من الهون بن خزيمة بن مدركة .
قال ابن هشام : ويقال : الهون ، بضم الهاء
قال ابن إسحاق : فقالوا : يا رسول الله ، إن فينا إسلاما ، فابعث نفرا من
أصحابك يفقهو ننافي الدين ، ويقرئوننا القرآن ، ويعلموننا شرائع الاسلام فبعث
رسول الله صلى الله عليه وغلم نفرا ستة من أصحابه ، وهم : مرثد بن أبى مرثد
الغنوى ، حليف حمزة بن ع بدالمطلب ، وخالد بن البكير الليثى ، حليف
بنى عدى بن كعب ، وعاصم بن ثابت بن أبى الاقلح ، أخو بنى عمرو بن عوف
ابن مالك بن الاوس ، وخبيب بن عدى ، أخو بنى جحجبى بن كلفة بن
عمرو بن عوف ، وزيد بن الدثنة بن معاوية ، أخو بنى بياضة بن عمرو بن زريق
ابن عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جشم بن الخزرج ، وعبدالله بن طارق
حليف بنى ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس .
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم مرثد بن أبى مرثد الغنوى ،
فخرج ( 1 ) مع القوم . حتى إذا كانوا على الرجيع ، ماء لهذيل بناحية الحجاز ، على
صدور الهدأة غدروابهم ، فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم ، وهم في رحالهم ،
إلا الرجال بأيديهم السيوف ، قد غشوهم ، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم ( 2 ) فقالوا
لهم : إنا والله ما نريد قتلكم ، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة
ولكم عهدالله وميثاقه أن لا نقتلكم .
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " فخرجوا " . ( 2 ) في ا " ليقاتلوا القوم " . ( * )
ـ668ـ
فأما مرثد بن أبى مرثد ، وخالد بن البكير ، وعاصم بن ثابت فقالوا :
والله لانقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا ، فقال عاصم بن ثابت :
ما علتى وأنا جلد نابل * والقوس فيها وتر عنابل
تزل عن صفحتها المعابل * الموت حق والحياة باطل
وكل ماحم الاله نازل * بالمرء ، والمرء إليه آئل
إن لم أقاتلكم فأمى هابل
قال ابن هشام : هابل : ثاكل
وقال عاصم بن ثابت أيضا :
أبوسليمان وريش المقعد * وضالة مثل الجحيم الموقد
إذا النواجى افترشت لم أرعد * ومجنا من جلد ثور أجرد
ومؤمن بما على محمد
وقال عاصم بن ثابت أيضا :
أبوسليمان ومثلى رامى * وكان قومى معشرا كراما
وكان عاصم بن ثابت يكنى : أبا سليمان . ثم قاتل القوم ـ عاصم ـ حتى
قتل وقتل صاحباه .
فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ، ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن
شهيد ، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد : لئن قدرت على رأس
عاصم لتشربن في قحفه الخمر ، فمنعته الدبر ، فلما حالت بينه وبينهم ـ الدبر ـ
قالوا : دعوه حتى يمسى فتذهب عنه ، فنأخذه ، فبعث الله الوادى ، فاحتمل عاصما ،
فذهب به . وقد كان عاصم قد أعطى الله عهدا أن لا يمسه مشرك ، ولا يمس
مشركا أبدا ، تنجسا ، فكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول : حين بلغه
أن الدبر منعته : يحفظ الله العبد المؤمن ، كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ،
ـ669ـ
ولا يمس مشركا أبدا في حياته ، فمنعه الله بعد وفاته ، كما امتنع منه في حياته .
وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدى ، وعبدالله بن طارق ، فلانوا
ورقوا ورغبوا في الحياة ، فأعطوا بأيديهم ، فأسروهم ، ثم خرجوا بهم إلى مكة ،
ليبيعوهم بها ، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبدالله بن طارق يده من
القران ، ثم أخذ سيفه ، واستأخر عنه القوم ، فرموه بالحجارة حتى قتلوه ،
فقبره ، رحمه الله ، بالظهران ، وأما خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة فقدموا
بهما مكة .
قال ابن هشام : فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة
قال ابن إسحاق : فابتاع خبيبا حجير بن أبى إهاب التميمى ، حليف بنى
نوفل ، لعقبة بن الحارث ( 1 ) بن عامر بن نوفل ، وكان أبوإهاب أخا الحارث بن
عامر لامه ليقتله بأبيه .
قال ابن هشام : الحارث بن عامر ، خال أبى إهاب ، وأبوإهاب : أحد بنى
أسيد بن عمرو بن تميم ، ويقال : أحد بنى عدس بن زيد بن عبدالله بن دارم ،
من بنى تميم .
قال ابن إسحاق : وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه ،
أمية بن خلف ، وبعث به صفوان بن أمية مع مولى له ، يقال له نسطاس ، إلى
التنعيم ، وأخرجوه من الحرم ليقتلوه ، واجتمع رهط من قريش ، فيهم أبوسفيان
ابن حرب ، فقال له أبوسفيان حين قدم ليقتل : أنشدك الله يا زيد ، أتحب
أن محمدا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه ، وأنك في أهلك ؟ قال : والله
ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه ، وأنى جالس
في أهلى . قال : يقول أبوسفيان : ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب
أصحاب محمد محمدا ، ثم قتله نسطاس ، يرحمه الله .
* ( هامش ) * في ا " لعتبة بن الحارث " . ( * )
ـ670ـ
وأماخبيب بن عدى ، فحدثنى عبدالله بن أبى نجيح ، أنه حدث عن
ماوية ، مولاة حجير بن أبى إهاب ، وكانت قد أسلمت ، قالت : كان خبيب
ـ عندى ـ حبس في بيتى ، فلقد اطلعت عليه يوما ، وإن في يده لقطفا من عنب ،
مثل رأس الرجل يأكل منه ، وما أعلم في أرض الله عنبا يؤكل .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبى نجيح
ـ جميعا ـ أنها قالت : قال لى حين حضره القتل : ابعئى إلى بحديدة أتطهر بها للقتل ،
قالت : فأعطيت غلاما من الحى الموسى ، فقلت : ادخل بها على هذا الرجل البيت ،
قالت : فو الله ماهو إلا أن ولى الغلام بها إليه ، فقلت : ماذا صنعت ! أصاب والله
الرجل ثأره بقتل هذا الغلام ، فيكون رجلا برجل ، فلما ناوله الحديدة أخذها من
يده ثم قال : لعمرك ، ماخافت أمك غداى حين بعثتك بهذه الحديدة إلى !
ثم خلى سبيله .
قال ابن هشام : ويقال : إن الغلام ابنها .
قال ابن إسحاق : قال عاصم : ثم خرجوا بخبيب ، حتى إذا جاءوا به إلى
التنعيم ليصلبوه ، قال لهم : إن رأيتم أن تدعونى حتى أركع ركعتين فافعلوا ،
قالوا : دونك فاركع . فركع ركع ين أتمهما وأحسنهما ، ثم أقبل على القوم فقال :
أما والله لولا أن تظنوا أنى إنما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة .
قال : فكان خبيب بن عدى أول من سن الركعتين عند القتل للمسلمين . قال
ثم رفعوه على خشبة ، فلما أو ثقوه ، قال : اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك ،
فبلغه الغداة ما يصنع بنا ، ثم قال : اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تغادر
منهم أحدا . ثم قتلوه ، رحمه الله .
فكان معاوية بن أبى سفيان يقول : حضرته يومئذ فيمن حضره مع أبى سفيان
فلقد رأيته يلقينى إلى الارض فرقا من دعوة خبيب ، وكانوا يقولون : إن الرجل
ـ671ـ
إذا دعى عليه ، فاضطجع لجنبه زالت عنه . ( 1 )
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 671 سطر 1 الى ص 680 سطر 23
إذا دعى عليه ، فاضطجع لجنبه زالت عنه . ( 1 )
قال ابن إسحاق : حدثنى يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه عباد ،
عن عقبة بن الحارث ، قال : سمعته يقول : ما أنا والله قتلت خبيبا ، لانى كنت
أصغر من ذلك ، ولكن أبا ميسرة ، أخا بنى عبد الدار ، أخذ الحربة فجعلها
في يدى ، ثم أخذ بيدى وبالحربة ، ثم طعنه بها حتى قتله .
قال ابن إسحاق : وحدثنى بعض أصحابنا ، قال : كان عمر بن الخطاب رضى الله
عنه استعمل سعيد بن عامر بن حذيم الجمحى على بعض الشام ، فكانت تصيبه
غشية ، وهو بين ظهرى القوم ، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب ، وقيل : إن
الرجل مصاب ، فسأله عمر في قدمة قدمها عليه ، فقال : يا سعيد ، ما هذا الذى
يصيبك ؟ فقال : والله يا أمير المؤمنين ما بى من بأس ، ولكنى كنت فيمن
حضر خبيب بن عدى حين قتل ، وسمعت دعوته ، فو الله ما خطرت على قلبى
وأنا في مجلس قط إلا غشى على ، فزادته عند عمر خيرا .
قال ابن هشام : أقام خبيب في أيديهم حتى انقضت الاشهر الحرم ، ثم قتلوه .
قال : قال ابن إسحاق : وكان مما نزل من القرآن في تلك السرية ، كما حدثنى
مولى لآل زيد بن ثابت ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، أو عن سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس .
قال : قال ابن عباس : لما أصيب السرية التى كان فيها مرثد وعاصم
بالرجيع ، قال رجال من المنافقين : ياويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا
ـ هكذا ـ لاهم قعدوا في أهليهم ، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم ! فأنزل الله تعالى
في ذلك من قول المنافقين ، وأما أصاب أولئك النفر من الخير بالذى أصابهم ،
فقال سبحانه : ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا - 204 و 207 من
سورة البقرة ) : أى لما يظهر من الاسلام بلسانه ، ( ويشهدالله على ما في قلبه )
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " زلت عنه " . ( * )
ـ672ـ
وهو مخالف لما يقول بلسانه ، ( وهو ألد الخصام ) : أى ذو جدال إذا كلمك
وراجعك .
قال ابن هشام : الالد : الذى يشغب فتشتد خصومته ، وجمعه : لد .
ـ وفى كتاب الله عزوجل : " وتنذر به قوما لدا - 97 من سورة مريم " ـ
وقال المهلهل بن ربيعة التغلبى ، واسمه ا مرؤالقيس ، ويقال : عدى بن ربيعة :
إن تحت الاحجار حدا ولينا * وخصيما ألد ذا معلاق ،
ويروى " ذامعلاق " فيما قال ابن هشام . وهذا البيت في قصيدة له ، وهو الالندد .
قال الطرماح بن حكيم الطائى يصف الحرباء :
يوفى على جذم الجذول كأنه * خصم أبر على الخصوم ألندد
وهذا البيت في قصيدة له .
قال ابن إسحاق : قال تعالى : ( وإذا تولى ) : أى خرج من عندك
( سعى في الارض ليفسد فيها ، ويهلك الحرث والنسل ، والله لا يحب
الفساد ) أى لا يحب عمله ولا يرضاه ( وإذاقيل له : اتق الله ، أخذته
العزة بالاثم ، فحسبه جهنم ولبئس المهاد . ومن الناس من يشرى نفسه
ابتغاء مرضات الله ، والله رءوف بالعباد ) : أى قد شروا أنفسهم من الله
بالجهاد في سبيله ، والقيام بحقه ، حتى هلكوا على ذلك ، يعنى تلك السرية .
قال ابن هشام : يشرى نفسه : يبيع نفسه ، وشروا : باعوا . قال يزيد
ـ ابن ربيعة ـ بن مفرغ الحميرى :
وشريت بردا ليتنى * من بعد برد كنت هامه
برد : غلام له باعه . وهذا البيت في قصيدة له . وشرى أيضا : اشترى
قال الشاعر :
فقلت لها : لا تجزعى أم مالك * على ابنيك إن عبد لئيم شراهما
ـ673ـ
قال ابن إسحاق : وكان مما قيل في ذلك من الشعر ، قول خبيب بن عدى
حين بلغه أن القوم قد اجتمعوا لصلبه .
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له :
لقد جمع الاحزاب حولى وألبوا * قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وكلهم مبدى العداوة جاهد * على لانى في وثاق بمضيع
وقد جمعوا ابناءهم ونساءهم * وقربت من جذع طويل ممنع
إلى الله أشكو غربتى ثم كربتى * وما أرصد الاحزاب لى عند مصرعى
فذا العيش ، صبرنى على ما يراد بى ، * فقد بضعوا لحمى وقد ياس مطمعى
وذلك في ذات الاله ، وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد خيرونى الكفر والموت دونه * وقد هملت عيناى من غير مجزع
وما بى حذار الموت ، إنى لميت * ولكن ذارى جحم نار ملفع
فو الله ما أرجو إذا مت مسلما * على أى جنب كان في الله مصرعى
فلست بمبد للعدو تخشعا * ولا جزعا ، إنى إلى الله مرجعى
وقال حسان بن ثابت يبكى خبيبا :
مابال عينك لا ترقا مدامعها * سحا على الصدر مثل اللؤلؤ القلق
على خبيب فتى الفتيان قد علموا * لا فشل حين تلقاه ولا نزق
فاذهب خبيب جزاك الله طيبة * وجنة الخلد عند الحور في الرفق
ماذا تقولون إن قال النبى لكم * حين الملائكة الابرارفى الافق :
فيم قتلتم شهيد الله في رجل * طاغ قد اوعث في البلدان والرفق
قال ابن هشام : ويروى : " الطرق " . وتركنا ما بقى منها ، لانه
أقذع فيها .
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضايبكى خبيبا :
ـ674ـ
يا عين جودى بدمع منك منسكب * وابكى خبيبا مع الفتيان لم يؤب
صقرا توسط في الانصار منصبه * سمح السجية محضا غير مؤتشب
قد هاج عينى على علات عبرتها * إذ قيل نص إلى جذع من الخشب
يأيها الراكب الغادى لطيته * أبلغ لديك وعيدا ليس بالكذب
بنى كهينة أن الحرب قد لقحت * محلوبها الصاب إذ تمرى لمحتلب
فيها أسود بنى النجار تقدمهم * شهب الاسنة في معصوصب لجب
قال ابن هشام : وهذه القصيدة مثل التى قبلها ، وبعض أهل العلم بالشعر
ينكرهما لحسان ، وقد تركنا أشياء قالها حسان في أمر خبيب لما ذكرت .
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضا :
لو كان في الدارقرم ما جد بطل * ألوى من القوم صقر خاله أنس
إذن وجدت خبيبا مجلسا فسحا * ولم يشد عليك السجن والحرس
ولم تسقك إلى التنعيم زعنفة * من القبائل منهم من نفت عدس
دلوك غدرا وهم فيها أولو خلف * وأنت ضيم لها في الدار محتبس
قال ابن هشام : أنس : الاصم السلمى : خال مطعم بن عدى بن نوفل
ابن عبد مناف . وقوله : " من نفت عدس " يعنى حجير بن أبى إهاب ،
ويقال : الام شى بن زرارة بن النباش الاسدى ، وكان حليفا لبنى نوفل
ابن عبد مناف .
قال ابن إسحاق : وكان الذين أجلبوا على خبيب في قتله حين قتل من
قريش : عكرمة بن أبى جهل ، وسعيد بن عبدالله بن أبى قيس بن عبدود ،
والاخنس بن شريق الثقفى ، حليف بنى زهرة ، وعبيدة بن حكيم بن أمية
ابن حارثة بن الاوقص السلمى ، حليف بنى أمية بن عبد شمس ، وأمية بن
أبى عتبة ، وبنو الحضرمى .
ـ675ـ
وقال حسان أيضا يهجو هذيلا فيما صنعوا بخبيب بن عدى :
أبلغ بنى عمرو بأن أخاهم * شراه امرؤ قد كان للغدر لازما
شراه زهير بن الاغر وجامع * وكانا جميعا يركبان المحارما
أجرتم فلما أن أجرتم غدرتم * وكنتم بأكناف الرجيع لها ذما
فليت خبيبا لم تخنه أمانة * وليت خبيبا كان بالقوم عالما
قال ابن هشام : زهير بن لاغر وجامع : الهذليان اللذان باعا خبيبا .
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضا :
إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له * فأت الرجيع فسل عن دار لحيان
قوم تواصوا بأكل الجار بينهم * فالكلب والقرد والانسان مثلان
لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم * وكان ذا شرف فيهم وذا شان
قال ابن هشام : وأنشدنى أبوزيد الانصارى قوله :
لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم * وكان ذا شرف فيهم وذا شان
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضا يهجو هذيلا :
سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هذيل بما سالت ولم تصب
سالوا رسولهم ما ليس معطيهم * حتى الممات ، وكانوا سبة العرب
ولن ترى لهذيل داعيا أبدا * يدعو لمكرمة عن منزل الحرب
لقد أرادوا خلال الفحش ويحهم * وأن يحلوا حراما كان في الكتب
وقال حسان بن ثابت أيضا يهجو هذيلا :
لعمرى لقد شانت هذيل بن مدرك * أحاديث كانت في خبيب وعاصم
أحاديث لحيان صلوا بقبيحا * ولحيان جرامون شر الجرائم
أناس هم من قومهم في صميمهم * بمنزلة الزمعان دبر القوادم
ـ676ـ
هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت * أمانتهم ذا عفة ومكارم
رسول رسول الله غدرا ، ولم تكن * هذيل توقى منكرات المحارم
فسوف يرون النصر يوما عليهم * بقتل الذى تحميه دون الحرائم
أبابيل دبر شمس دون لحمه * حمت لحم شهاد عظام الملاحم
لعل هذيلا أن يروا بمصابه * مصارع قتلى أو مقاما لماتم
ونوقع فيهم وقعة ذات صولة * يوافى بها الركبان أهل المواسم
بأمر رسول الله ، إن رسوله * رأى رأى ذى حزم بلحيان عالم
قبيلة ليس الوفاء يهمهم * وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم
إذا الناس حلوا بالفضاء رأيتهم * بمجرى مسيل الماء بين المخارم
محلهم دار البوار ، ورأيهم * - إذا نابهم أمر - كرأى البهائم
وقال حسان بن ثابت يهجو هذيلا :
لحى الله لحيانا فليست دماؤهم * لنا من قتيلى غيرة بوفا
هم قتلوا يوم الرجيع ابن حرة * أخا ثقة في وده وصفاء
فلو قتلوا يوم الرجيع بأسرهم * لدى الدبر ما كانوا له بكفاء
قتيل حمته الدبر بين بيوتهم * لدى أهل كفر ظاهر وجفاء
فقد قتلت لحيان أكرم منهم * وباعوا خبيبا ويلهم بلفاء
فأف للحيان على كل حالة * على ذكرهم في الذكر كل عفاء
قبيلة باللؤم والغدر تعتزى * فلم تمس يخفى لؤمها بخفاء
فلو قتلوا لم توف منه دماؤهم * بلى إن قتل القاتليه شفائى
فإلا أمت أذعر هذيلا بغارة * كغادى الجهام المغتدى بإفاء
بأمر رسول الله والامر أمره * يبيت للحيان الخنا بفناء
يصبح قوما بالرجيع كأنهم * جداء شتاء بتن غير دفاء
ـ677ـ
وقال حسان بن ثابت أيضا يهجو هذيلا :
فلا والله ، ما تدرى هذيل * أصاف ماء زمزم أم مشوب
ولا لهم إذا اعتمروا وحجوا * من الحجرين والمسعى نصيب
ولكن الرجيع لهم محل * به اللؤم المبين والعيوب
كأنهم لدى الكنات أصلا * تيوس بالحجاز لها نبيب
هم غروا بذمتهم خبيبا * فبئس العهد عهدهم الكذوب
قال ابن هشام : آخرها بيتا عن أبى زيد الانصارى .
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت يبكى خبيبا وأصحابه :
صلى الاله على الذين تتابعوا * يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا
رأس السرية مرثد وأميرهم * وابن البكير إمامهم وخبيب ( 1 )
وابن لطارق وابن دثنة منهم * وافاه ثم حمامه المكتوب
والعاصم المقتول عند رجيعهم * كسب المعالى ، إنه لكسوب
منع المقادة أن ينالوا ظهره * حتى يجالد ، إنه لنجيب
قال ابن هشام : ويروى * حتى يجدل إنه لنجيب *
قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسحان .
حديث بئر معونة
في صفر سنة أربع
قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شوال وذا القعدة
وذا الحجة - وولى تلك الحجة المشركون - والمحرم ، ثم بعث رسول الله صلى الله
عليه وسلم أصحاب بئر معونة في صفر ، على رأس أربعة أشهر من أحد .
* ( هامف ) * ( 1 ) خبيب : أصله بزنة التصغير ، وأتى به على زنة قتيل مراعاة للقافية ، كما صنع بابن
الدثنة في البيت التالى ، ومنلا صرف طارق لاقامة الوزن ( * )
ـ678ـ
وكان من حديثهم ، كما حدثنى أبى إسحاق بن يسر عن المغيرة بن
عبدالرحمن بن الحارث بن هشام ، وعبدالله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو
ابن حزم ، وغيره من أهل العلم ، قالوا : قدم أبوبراء عامر بن مالك بن جعفر
ملاعب الاسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فعرض عليه رسول
الله صلى الله عليه وسلم الاسلام ، ودعاه إليه ، فلم يسلم ولم يبعد من الاسلام ،
وقال : يا محمد ، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد ، فدعوهم إلى أمرك ،
رجوت أن يستجيبوا لك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنى أخشى
عليهم أهل نجد ، قال أبوبراء : أنا لهم جار ، فابعثهم فليدعوا الناس
إلى أمرك .
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو ، أخا بنى ساعدة ،
المعنق ليموت ، في أربعين رجلا من أصحابه ، من خيار المسلمين ، منهم :
الحارث بن الصمة ، وحرام بن ملحان أخو بنى عدى بن النجار ، وعروة بن
أسماء بن الصلت السلمى ، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعى ، وعامربن فهيرة
مولى أبى بكر الصديق ، في رجال مسمين من خيار المسلمين . فساروا حتى نزلوا
ببئر معونة ، وهى بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم ، كلا البلدين منها
قريب ، وهى إلى حرة بنى سليم أقرب .
فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى عدو الله عامر بن الطفيل ، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل
فقتله ، ثم استصرخ عليهم بنى عامر ، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ، وقالوا :
لن نخفر أبا براء ، وقد عقد لهم عقدا وجوارا ، فاستصرخ عليهم قبائل من
بنى سليم ـ من ـ عصية ورعل وذكوان ، فأجابوه إلى ذلك ، فخرجوا حتى
غشوا القوم ، فأحاطوا بهم في رحالهم ، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ، ثم قاتلوهم
ـ679ـ
حتى قتلوا من عند آخرهم ، يرحمهم الله ، إلا كعب بن زيد ، أخا بنى دينار بن
النجار ، فإنهم تركوه وبه رمق ، فارتث من بين القتلى ، فعاش حتى قتل يوم
الخندق شهيدا ، رحمه الله .
وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى ، ورجل من الانصار ، أحد
بنى عمرو بن عوف .
قال ابن هشام : هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح .
قال ابن إسحاق : فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تنوم على العسكر ،
فقالا : والله إن لهذه الطير لشأنا ، فأقبلا لينظرا ، فإذا القوم في دمائهم ، وهذه
الخيل التى أصابتهم واقفة . فقال الانصارى لعمرو بن أمية : ما ترى ؟ قال : أرى
أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنخبره الخبر ، فقال الانصارى :
ما كنت لارغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، وما كنت
لتخبرنى عنه الرجال ، ثم قاتل القوم حتى قتل ، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا ،
فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل ، وجز ناصيته ، وأعتقه عن رقبة
زعم أنها كانت على أمه .
فخرج عمروبن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة ، أقبل رجلان
من بنى عامر .
قال ابن هشام : ـ ثم ـ من بنى كلاب ، وذكر أبوعمرو المدنى أنهما من
بنى سليم .
قال ابن إسحاق : حتى نزلا معه في ظل هو فيه . وكان مع العامريين عقد من
رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار ، لم يعلم به عمرو بن أمية ، وقد سألهما حين
نزلا : ممن أنتما ؟ فقالا : من بنى عامر ، فأمهلهما ، حتى إذا ناما ، عدا عليهما
فقتلهما ، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بنى عامر ، فيما أصابوا من أصحاب
ـ680ـ
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فأخبره الخبر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد قتلت
قتيلين ، لادينهما !
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا عمل أبى براء ، قد كنت لهذا كارها
متخوفا . فبلغ ذلك أبا براء ، فشق عليه إخفار عامر إياه ، وما أصاب أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره ، وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة .
قال ابن إسحاق : فحدثنى هشام بن عروة ، عن أبيه أن عامر بن الطفيل
كان يقول : من رجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والارض ، حتى
رأيت السماء من دونه ؟ قالوا : هو عامر بن فهيرة .
قال ابن إسحاق : وقد حدثنى بعض بنى جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر ،
قال - وكان جبار فيمن حضرها يومئذ مع عامر ثم أسلم - ـ قال ـ فكان يقول :
إن مما دعانى إلى الاسلام أنى طعنت فالا منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه ، فنظرت
إلى سنان الرمح حين خرج من صدره ، فسمعته يقول : فزت والله ! فقلت في
نفسى : ما فاز ! ألست قد قتلت الرجل ! قال : حتى سألت بعد ذلك عن قوله ،
فقالوا للشهادة ، فقلت : فاز لعمر الله .
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت يحرض بنى أبى برا على عامر
ابن الطفيل :
بنى أم البنين ألم يرعكم * وأنتم من ذوائب أهل نجد
تهكم عامر بأبى براء * ليخفره ، وما خطأ كعمد
ألا أبلغ ربيعة ذا المساعى * فما أحدثت في الحدثان بعدى
أبوك أ بوالحروب أبوبراء * وخالك ما جد حكم بن سعد
قال ابن هشام : حكم بن سعد : من القين بن جسر ، وأم البنين : بنت
ـ681ـ
عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ، وهى أم أبى براء .
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 681 سطر 1 الى ص 690 سطر 23
عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ، وهى أم أبى براء .
قال ابن إسحاق : فحمل ربيعة ـ بن عامر ـ
بن مالك على عامر بن الطفيل ،
فطعنه بالرمح ، فوقع في فخذه ، فأشواه ، ووقع عن فرسه ، فقال : هذاعمل
أبى براء ، إن أمت فدمى لعمى ، فلا يتبعن به ، وإن أعش فسأرى رأيى فيما
أتى إلى .
وقال أنس بن عباس السلمى ، وكان خال طعيمة بن عدى بن نوفل ، وقتل
يومئذ نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعى :
تركت ابن ورقاء الخزاعى ثاويا * بمعترك تسفى عليه الاعاصر
ذكرت أبا الريان لما رأيته * وأيقنت أنى عند ذلك ثائر
و أبوالريان : طعيمة بن عدى .
وقال عبدالله بن رواحة يبكى نافع بن بديل بن ورقاء :
رحم الله نافع بن بديل * رحمة المبتغى ثواب الجهاد
صابر صادق وفى إذا ما * أكثر القوم قال قول السداد
وقال حسان بن ثابت يبكى قتلى بئر معونة ، ويخص المنذر بن عمرو :
على قتلى معونة فاستهلى * بدمع العين سحا غير نزر
على خيل الرسول غداة لاقوا * مناياهم ولا قتهم بقدر
أصابهم الفناء بعقد قوم * تخون عقد حبلهم بغدر
فيا لهفى لمنذر إذ تولى * وأعنق في منيته بصبر
وكائن قد أصيب غداة ذاكم * من ابيض ماجد من سر عمرو
قال ابن هشام : أنشدنى آخرها بيتا أبوزيد الانصارى .
وأنشدنى لكعب بن مالك في يوم بئر معونة ، يعير بنى جعفر بن كلاب :
تركتم جاركم لبنى سليم * مخافة حربهم عجزا وهونا
ـ682ـ
فلو حبلا تناول من عقيل * لمد بحبلها حبلا متينا
أو القرطاء ما إن أسلموه * وقدما ما وفوا إذ لاتفونا ( 1 )
قال ابن هشام : القرطاء : قبيلة من هوازن ، ويروى " من نفيل " مكان
" من عقيل " وهو الصحيح ، لان القرطاء من نفيل قريب .
أمرء إجلا بنى النضير
في سنة أربلا
قال ابن إسحاق : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى النضير
يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بنى عامر ، اللذين قتل عمرو بن أمية
الضمرى ، للجوار الذى كان رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما كما حدثنى
يزيد بن رومان ، وكان بين بنى النضير وبين بنى عامر عقد وحلف .
فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين ،
قالوا : نعم ، يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت ، مما استعنت بنا عليه . ثم خلا
بعضهم ببعض ، فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا
البيت ، فيلقى عليه صخرة ، فيريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش
ابن كعب ، أحدهم ، فقال : أنا لذلك ، فصعد ليلقى عليه صخرة كما قال ،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، فيهم أبوبكر وعمر وعلى ،
رضوان الله عليهم .
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم ، فقام
وخرج راجعا إلى المدينة . فلما استلبث النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه ، قاموا
في طلبه ، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة ، فسألوه عنه ، فقال : رأيته داخلا
* ( هامش ) * ( 1 ) القرطاء : بطون من بنى كلاب ، وهو معطوف على عقبل في البيت قبله . ( * )
ـ683ـ
المدينة فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى انتهوا إليه صلى الله
عليه وسلم ، فأخبرهم الخبر ، بما كانت اليهود أرادت من الغدر به ، وأمر رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم ، والسير إليهم .
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم .
قال ابن إسحاق : ثم سار بالناس حتى نزل بهم .
قال ابن هشام : وذلك في شهر ربيع الاول ، فحاصرهم ست ليال ، ونزل
تحريم الخمر .
قال ابن إسحاق : فتحصنوا منه في الحصون ، فأمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها ، فنادوه : أن يا محمد ، قد كنت تنهى
عن الفساد ، وتعيبه على من صنعه ، فما بال قطع النخل وتحريقها ؟
وقد كان رهط من بنى عوف بن الخزرج ، منهم ـ عدوالله ـ عبدالله
ابن أبى ابن سلول ـ و ـ وديعة ومالك بن أبى قوقل ، وسويد وداعس ، قد بعثوا
إلى بنى النضير : أن اثبتوا وتمنعوا ، فإنا لن نسلمكم ، إن قوتلتم قاتلنا معكم ،
وإن أخرج م خرجنا معكم ، فتربصوا ذلك من نصرهم ، فلم يفعلوا ، وقذف
الله في قلوبهم الرعب ، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف
عن دمائهم ، على أن لهم ما حملت الابل من أموالهم إلا الحلقة ، ففعل . فاحتملوا
من أموالهم ما استقلت به الابل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف
بابه ، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به . فخرجوا إلى خيبر ، ومنهم من سار
إلى الشام .
فكان أشرافهم من سار منهم إلى خيبر : سلام بن أبى الحقيق ، وكنانة
ابن الربيع بن أبى الحقيق ، وحيى بن أخطب . فلما نزلوها دان لهم أهلها .
قال ابن إسحاق : فحدثنى عبدالله بن أبى بكر أنه حدث : أنهم استقلوا
ـ684ـ
بالنساء والابناء والاموال ، معهم الدفوف والمزامير ، والقيان يعزفن خلفهم ،
وإن فيهم لام عمرو صاحبة عروة بن الورد العبسى ، التى ابتاعوا منه ،
وكانت إحدى نساء غفار ، بزهاء وفخر ما رئى مثله من حى من الناس
في زمانهم .
وخلوا الاموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت لرسول الله
صلى الله عليه وسلم خاصة ، يضعها حيث يشاء ، فقسمها رسول الله صلى الله
عليه وسلم على المهاجرين الاولين دون الانصار . إلا أن سهل بن حنيف
وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا ، فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان : يا مين بن عمير ، أبوكعب بن عمرو
ابن جحاش ، وأبوسعد بن وهب ، أسلما على أموالهما فأحرزاها
قال ابن إسحاق - وقدحدثنى بعض آل يامين : أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال ليامين : ألم تر ما لقيت من ابن عمك ، وما هم به من شأنى ؟
فجعل يامين ابن عمير لرجل جعلا على أن يقتل له عمرو بن جحاش ، فقتله
فيما يزعمون .
ونزل في بنى النضير سورة الحشر بأسرها ، يذكرفيها ما أصابهم الله به
من نقمته . وما سلط عليهم به رسوله صلى الله عليه وسلم ، وماعمل به فيهم ،
فقال تعالى : ( هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم
لاول الحشر ، ما ظننتم أن يخرجوا ، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من
الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ، وقذف في قلوبهم الرعب ، يخربون
بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين ) ، وذلك لهدمهم بيوتهم عن نجف أبوابهم
إذا احتملوها ( فاعتبروا يا أولى الابصار ، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء )
وكان لهم من الله نقمة ، ( لعذبهم في الدنيا ) : أى بالسيف ، ( ولهم في الآخرة
ـ685ـ
عذاب النار ) مع ذلك ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ) .
واللينة : ما خالف العجوة من النخل ( فبإذن الله ) : أى فبأمر الله قطعت ،
لم يكن فسادا ، ولكن كان نقمة من الله ( وليخزى الفاسقين - 2 ، 17 من
سورة الحشر ) .
قال ابن هشام : اللينة : من الالوان ، وهى مالم تكن برنية ولا عجوة
من النخل ، فيما حدثنا أبوعبيدة . قال ذو الرمة :
كأن قتودى فوقها عش طائر * على لينة سوقاء تهفو جنوبها
وهذا البيت في قصيدة له .
( وما أفاء الله على رسوله منهم ) - قال ابن إسحاق : يعنى من بنى
النضير - ( فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ، ولكن الله يسلط رسله
على من يشاء ، والله على كل شئ قدير ) : أى له خاصة .
قال ابن هشام : أوجفتم : حركتم وأتعبتم في السير . قال تميم بن أبى
ابن مقبل أحد بنى عامر بن صعصعة :
مذاويد بالبيص الحديث صقالها * عن الركب أحيانا إذا الركب أو جفوا
وهذا البيت في قصيدة له ، وهو الوجيف . ـ و ـ قال أبوزبيد الطائى ،
واسمه حرملة بن المنذر :
مسنفات كأنهن قنا الهند * لطول الوجيف جدب المرود
وهذا البيت في قصيدة له :
قال ابن هشام : السناف : البطان . والوجيف ـ أيضا ـ : وجيف القلب
والكبد ، وهو الضربان . قال قيس بن الخطيم الظفرى :
إنا وإن قدموا التى علموا * أكبادنا من ورائهم تجف
وهذا البيت في قصيدة له
( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ) - قال ابن
ـ686ـ
إسحاق : ما يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب ، وفتح بالحرب عنوة فلله
وللرسول - ( ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، كيلا يكون
دولة بين الاغنياء منكم ، وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم
عنه فانتهوا ) . يقول : هذا قسم آخر فيما أصيب بالحرب بين المسلمين ،
على ما وضعه الله عليه .
ثم قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين نافقوا ) يعنى عبدالله بن أبى وأصحابه ،
ومن كان على مثل أمرهم ( يقولون لاخوانهم الذين كفروا من أهل
الكتاب ) : يلنى بنى النضير ، إلى قوله ( كمثل الذين من قبلهم قريبا
ذاقوا وبال أمرهم ى ولهم عذاب أليم ) : يعنى بنى قينقاع . ثم القصة . .
إلى قوله : ( كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إنى
برئ منك ، إنى أخاف الله رب العالمين ، فكان عاقبتهما أنهما في النار
خالدين فيها ، وذلك جزاء الظالمين .
وكان مما قيل في بنى النضير من الشعر قول ابن لقيم العبسى ، ويقال :
قاله قيس بن بحر بن طريف . قال ابن هشام : قيس بن بحر الاشجعى - فقال :
أهلى فداء لامرئ غيرها لك * أحل اليهود بالحسى المزنم
يقيلون في جمر الغضاة ، وبدلوا * أهيضب عودى بالودى المكمم
فإن يك ظنى صادقا بمحمد * تروا خيله بين الصلا ويرمرم
يؤم بها عمرو بن بهثة ، إنهم * عدو ، وما حى صديق كمجرم
عليهن أبطال مساعير في الوغى * يهزون أطراف الوشيج المقوم
وكل رقيق الشفرتين مهند * تو ورثن من أزمان عاد وجرهم
فمن مبلغ عنى قريشا رسالة * فهل بعدهم في المجد من متكرم
بأن أخاكم فاعلمن محمدا * تليد الندى بين الحجون وزمزم
ـ687ـ
فدينوا له بالحق تجسم أموركم * وتسموا من الدنيا إلى كل معظم
نبى تلاقته من الله رحمة * ولا تسألوه أمر غيب مرجم
فقد كان في بدر لعمرى عبرة * لكم يا قريشا والقليب الملمم
غداة أتى في الخزرجية عامدا * إليكم مطيعا للعظيم المكرم
معانا بروح القدس ينكى عدوه * رسولا من الرحمن حقا بمعلم
رسولا من الرحمن يتلو كتابه * فلما أنار الحق لم يتلعثم
أرى أمره يزداد في كل موطن * علوا لامر حمه الله محكم
قال ابن هشام : عمرو بن بهثة ، من غطفان . وقوله " بالحسى المزنم " ،
عن غير ابن إسحاق .
قال ابن إسحاق : وقال على بن أبى طالب : يذكر إجلاء بنى النضير ، وقتل
كعب بن الاشرف .
قال ابن هشام : قالها رجل من المسلمين غير على بن أبى طالب ، فيما ذكر
لى بعض أهل العلم بالشعر ، ولم أر أحدا منهم يعرفها لعلى :
عرفت ومن يعتدل يعرف * وأيقنت حقا ولم أصدف
عن الكلم المحكم اللاء من * لدى الله ذى الرأفة الارأف
رسائل تدرس في المؤمنين * بهن اصطفى أحمد المصطفى
فأصبح أحمد فينا عزيزا
عزيز المقامة والموقف
فيأيها الموعدوه سفاها * ولم يأت جورا ولم يعنف
ألستم تخافون أدنى العذاب * وما آمن الله كالاخوف
وأن تصرعوا تحت أسيافه * كمصرع كعب أبى الافرف
غداة رأى الله طغيانه * وأعرض كال × مل الاجنف
فأنزل جبريل في قتله * بوحى إلى عبده ملطف
ـ688ـ
فدس الرسول رسولا له * بأبيض ذى هبة مرهف
فباتت عيون له معولات * متى ينع كعب لها ترف
وقلن لاحمد : ذرنا قليلا * فإنا من النوح لم نشتف
فخلاهم ثم قال : اظعنوا دحورا على رغم الآنف
وأجلى النضير إلى غربة * وكانوا بدار ذوى زخرف
إلى أذرعات ردافى ، وهم * على كل ذى دبر أعجف
فأجابه سماك اليهودى ، فقال :
إن تفخروا فهو فخر لكم * بمقتل كعب أبى الاشرف
غداة غدوتم على حتفه * ولم يأت غدرا ولم يخلف
فعل الليالى وصرف الدهور * يديل من العادل المنصف
بقتل النضير وأحلافها * وعقر النخيل ولم تقطف
فإن لا أمت نأتكم بالقنا * وكل حسام معا مرهف
بكف كمى به يحتمى * متى يلق قرنا له يتلف
مع القوم صخر وأشياعه * إذا غاور القوم لم يضعف
كليث بترج حمى غيله * أخى غابة هاصر أجوف
قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بنى النضير وقتل
كعب بن الاشرف :
لقد خزيت بغدرتها الحبور * كذاك الدهر ذو صرف يدور
وذلك أنهم كفروا برب * عزيز أمره أمر كبير
وقد أوتوا معا فهما وعلما * وجاءهم من الله النذير
نذير صادق أدى كتابا * وآيات مبينة تنير
فقالوا ما أتيت بأمر صدق * وأنت بمنكر منا جدير
ـ689ـ
فقال : بلى لقد أديت حقا * يصدقنى به الفهم الخبير
فمن يتبعه يهد لكل رشد * ومن يكفر به يجز الكفور
فلما أشربوا غدرا وكفرا * وحاد بهم عن الحق النفور
أرى الله النبى برأى صدق * وكان الله يحكم لا يجور
فأيده وسلطه عليهم * وكان نصيره ، نعم النصير
فغودر منهم كعب صريعا * فذلت بعد مصرعه النضير
على الكفين ثم وقد علته * بأيدينا مشهرة ذكور
بأمر محمد إذ دس ليلا * إلى كعب أخا كعب يسير
فماكره فأنزله بمكر * ومحمود أخو ثقة جسور
فتلك بنو النضير بدار سوء * أبارهم بما اجترموا المبير *
غداة أتاهم في الزحف رهوا * رسول الله وهو بهم بصير
وغسان الحماة موازروه * على الاعداء وهو لهم وزير
فقال : السلم ويحكم ، فصدوا * وحالف أمرهم كذب وزور
فذاقوا غب أمرهم وبالا * لكل ثلاثة منهم بعير
وأجلوا عامدين لقينقاع * وغودر منهم نخل ودور
فأجابه سماك اليهودى ، فقال :
أرقت وضافنى هم كبير * بليل غيره ليل قصير
أرى لاحبار تنكره جميعا * وكلهم له علم خبير
وكانوا الدارسين لكل علم * به التوارة تنطق والزبور
قتلتم سيد الاحبار كعبا * وقدما كان يا من من يجير
تدلى نحو محمود أخيه * ومحمود سريرته الفجور
فغادره كأن دما نجيعا * يسيل على مدارعه عبير
ـ690ـ
فقد وأبيكم وأبى جميعا * أصيبت إذ أصيب به النضير
فإن نسلم لكم نترك رجالا * بكعب حولهم طير تدور
كأنهم عتائر يوم عيد * تذبح وهى ليس لها نكير
ببيض لاتليق لهن عظما * صوافى الحد أكثرها ذكور
كا لاقيتم من بأس صخر * بأحد حيث ليس لكم نصير
وقال عباس بن مرداس أخو بنى سليم يمتدح رجال بنى النضير :
لو أن أهل الدار لم يتصدعوا * رأيت خلال الدار ملهى وملعبا
فإنك عمرى هل أريك ظعائنا * سلكن على ركن الشطاة فتيأبا
عليهن عين من ظباء تبالة * أوانس يصبين الحليم المجربا
إذا جاء باغى الخير قلن فجاءة * له بوجوه كالدنانير : مرحبا
وأهلا ، فلا ممنوع خير طلبته * ولا أنت تخشى عندنا أن تؤنبا
فلا تحسبنى كنت مولى ابن مشكم * سلام ولا مولى حيى بن أخطبا
فأجابه خوات بن جبير ، أخو بنى عمروبن عوف ، فقال :
تبكى على قتلى يهود ، وقد ترى * من الشجو لو تبكى أحب وأقربا
فهلا على قتلى ببطن أرينق * بكيت ولم تعول من الشجو مسهبا
إذا السلم دارت في صديق رددتها * وفى الدين صدادا وفى الحرب ثعلبا
عمدت إلى قدر لقومك تبتغى * لهم شبها كيما تعز وتغلبا
فإنك لما أن كلفت تمدحا * لمن كان عيبا مدحه وتكذبا
رحلت بأمر كنت أهلا لمثله * ولم تلف فيهم قائلا لك مرحبا
فهلا إلى قوم ملوك مدحتهم * تبنوا من العز المؤثل منصبا
إلى معشر صاروا ملوكا وكرموا * ولم يلف فيهم طالب العرف مجدبا
أولئك أحرى من يهود بمدحة * تراهم وفيهم عزة المجد ترتبا
ـ691ـ
فأجابه عباس بن مرداس السلمى ، فقال :
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 691 سطر 1 الى ص 700 سطر 23
فأجابه عباس بن مرداس السلمى ، فقال :
هجوت صريح الكاهنين وفيكم * لهم نعم كانت من الدهر ترتبا
أولئك أحرى لوبكيت عليهم * وقومك لو أدوا من الحق موجبا
من الشكر إن الشكر خير مغبة * وأوفق فعلا للذى كان أصوبا
فكنت كمن أمسى يقطع رأسه * ليبلغ عزا كان فيه مركبا
فبك بنى هارون واذكر فعالهم * وقتلهم للجوع إذ كنت مجدبا
أخوات أذر الدمع بالدمع وابكهم * وأعرض عن المكروه منهم ونكبا
فإنك لو لافيتهم في ديارهم * لالفيت عما قد تقول منكبا
سراع إلى العليا كرام لدى الوغى * يقال لباغى الخير اهلا ومرحبا
فأجابه كعب بن مالك ، أو عبدالله بن رواحة ، فيما قال ابن هشام ، فقال :
لعمرى لقد حكت رحى الحرب بعدما
أطارت لؤيا قبل شرقا ومغربا
بقية مال الكاهنين وعزها * فعاد ذليلا بعد ما كان أغلبا
فطرح سلام وابن سعية عنوة * وقيد ذليلا للمنايا ابن أخطبا
وأجلب يبغى العز ، والذل يبتغى * خلاف يديه ما جنى حين أجلبا
كتارك سهل الارض والحزن همه * وقد كان ذا في الناس أكدى وأصعبا
وشأس وعزال وقد صليا بها * وما غيبا عن ذاك فيمن تغيبا
وعوف بن سلمى وبن عوف كلاهما * وكعب رئيس القوم حان وخيبا
فبعدا وسحقا للنضير ومثلها * إن اعقب فتح أو إن الله أعقبا
قال ابن هشام : قال أبوعمرو المدنى : ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بعد بنى النضير بنى المصطلق . وسأذكر حديثهم إن شاء الله في الموضع الذى
ذكره ابن إسحاق فيه .
ـ692ـ
غزوة ذات الرقاع
في سنة أربع
قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة
بنى النضير شهر ربيع الآخر وبعض جمادى ، ثم غزا بحدا يريد بنى محارب
وبنى ثعلبة من غطفان ، واستعمل على المدينة أباذر الغفارى ، ويقال : عثمان
ابن عفان ، فيما قال ابن هشام :
قال ابن إسحاق : حتى نزل نخلا ، وهى غزوة ذات الرقاع .
قال ابن هشام : وإنما قيل لها غزوة ذات الرقاع ، لانهم رقعوا فيها راياتهم ،
ويقال : ذات الرقاع : شجرة بذلك الموضع ، يقال لها : ذات الرقاع .
قال ابن إسحاق : فلقى بها جمعا عظيما من غطفان ، فتقارب الناس ، ولم يكن
بينهم حرب ، وقد خاف الناس بعضهم بعضا ، حتى صلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالناس صلاة الخوف ، ثم انصرف الناس .
قال ابن هشام : حدثنا ع بدالوارث بن سعيد التنورى - وكان يكنى :
أبا عبيدة - قال : حدثنا يونس بن عبيد ، عن الحسن بن أبى الحسن ، عن
جابر بن عبدالله ، في صلاة الخوف ، قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
بطائفة ركعتين ثم سلم ، وطائفة مقبلون على العدو . قال : فجاءوا فصلى بهم
ركعتين أخريين ، ثم سلم .
قال ابن هشام : وحدثنا ع بدالوارث ، قال : حدثنا أيوب ، عن أبى الزبير
عن جابر ، قال : صفنا رسول الله قلى الله عليه وسلم صفين ، فركع بنا جميعا ،
ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسجد الصف الاول ، فلما رفعوا سجد
الذين يلونهم بأنفسهم ، ثم تأخر الصف الاول ، وتقدم الصف الآخر حتى
ـ693ـ
قاموا مقامهم ثم ركع النبى صلى الله عليه وسلم بهم جميعا ، ثم سجد النبى صلى الله
عليه وسلم وسجد الذين يلونه معه ، فلما رفعوا رءوسهم سجد الآخرون بأنفسهم ،
فركع النبى صلى الله عليه وسلم بهم جميعا ى وسجد كل واحد منهما بأنفسهم
سجدتين .
قال ابن هشام : حدثنا ع بدالوارث بن سعيد ـ التنورى ـ قال : حدثنا أيوب
عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : يقوم الامام وتقوم معه طائفة ، وطائفة مما يلى
عدوهم ، فيركع بهم الامام ويسجد بهم ، ثم يتأخرون فيكونون مما يلى العدو ،
ويتقدم الآخرون فيركع بهم الامام ركعة ، ويسجد بهم ، ثم تصلى كل طائفة
بأنفسهم ركعة ، فكانت لهم مع الامام ركعة ركعة ، وصلوا بأنفسهم ركعة ركعة
قال ابن إسحاق : وحدثنى عمروبن عبيد ، عن الحسن ، عن جابر عبدالله
أن رجلا من بنى محارب - يقال له : غورث - قال لقومه من غطفان ومحارب :
ألا أقتل لكم محمدا ؟ قالوا : بلى ، وكيف تقتله ؟ قال : أفتك به ، قال : فأقبل
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهوجالس ، وسيف رسول الله صلى الله عليه
وسلم في حجره ، فقال : يا محمد ، أنظر إلى سيفك هذا ؟ قال : نعم - وكان محلى
بفضة ، فيما قال ابن هشام - قال : فأخذه فاستله ، ثم جعل يهزه ، ويهم
فيكبته الله ، ثم قال : يا محمد ، أما تخافنى ؟ قال : لا ، وما أخاف منك ؟ قال :
أما تخافنى وفى يدى السيف ؟ قال : لا ، يمنعنى ـ الله ـ منك . ثم عمد إلى
سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرده عليه . قال : فأنزل الله : ( يا أيها
الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم
أيديهم ، فكف أيديهم عنكم ، واتقو الله ، وعلى الله فليتوكل
المؤمنون - 11 من سورة المائدة ) .
قال ابن إسحاق : وحدثنى يزيد بن رومان أنها إنما أنزلت في عمرو بن
جحاش ، أخى بنى النضير وما هم به ، فالله أعلم أى ذلك كان .
ـ694ـ
قال ابن إسحاق : وحدثنى وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبدالله ، قال :
خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل ، على
جمل لى ضعيف ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : جعلت الرفاق
تمضى ، وجعلت أتخلف ، حتى أدركنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال :
مالك يا جابر ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، أبطأبى جملى هذا ، قال : أنخه ، قال :
فأنخته ، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : أعطنى هذه العصا من
يدك ، أو اقطع لى عصا من شجرة ، قال : ففعلت . قال : فأخذها رسول الله
صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات ، ثم قال : اركب ، فركبت ، فخرج ،
والذى بعثه بالحق ، يواهق ناقته مواهقة .
قال : وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لى : أتبيعنى جملك
هذا ياجابر ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، بل أهبه لك ، قال : لا ، ولكن بعنيه
قال : قلت فسمنيه ـ يا رسول الله ـ قال : قد أخذته بدرهم ، قال : قلت : لا ،
إذن تغبننى يا رسول الله ، قال : فبدرهمين ، قال : قلت : لا ، قال : فلم يزل
يرفع لى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في ثمنه ـ حتى بلغ الاوقية ، قال : فقلت :
أفقد رضيت يا رسول الله ؟ قال : نعم ، قلت : فهو لك ، قال : قد أخذته ، قال :
ثم قال : يا جابر ، تزوجت بعد ؟ قال : قلت : نعم يارسول الله ، قال : أثيبا
أم بكرا ؟ قال : قلت : لابل ثيبا ، قال : أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك ! قال :
قلت : يا رسول الله ، إن أبى أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا ، فنكحت
امرأة جامعة ، تجمع رءوسهن ، وتقوم عليهن ، قال : أصبت إن شاء الله ، أما إنا
لو قد جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت ، وأقمنا عليها يومنا ذاك ، وسمعت بنا ،
فنفضت نمارقها . قال : قلت : والله يا رسول الله مالنا من نمارق ، قال : إنها
ستكون ، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا ، قال : فلما جئنا صرارا أمر
ـ695ـ
رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت ، وأقمنا عليها ذلك اليوم ، فلما
أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا ، قال : فحدثت المرأة الحديث ،
وما قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت : فدونك ، فسمع وطاعة ، قال :
فلما أصبحت أخذت برأس الجمل ، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، قال : ثم جلست في المسجد قريبا منه ، قال : وخرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فرأى الجمل ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : يا رسول الله ، هذا
جمل جاء به جابر ، قال : فأين جابر ؟ قال : فدعيت له ، قال : فقال : يابن أخى
خذ برأس جملك ، فهو لك ، ودعا بلالا ، فقال له : اذهب بجابر ، فأم طه
أوقية ، قال : فذهبت معه ، فأعطانى أوقية ، وزادنى شيئا يسيرا . قال : فو الله
مازال ينمى عندى ، ويرى مكانه من بيتنا ، حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا ،
يعنى يوم الحرة .
قال ابن إسحاق : وحدثنى م مى صدقة بن يسار ، عن عقيل بن جابر ، عن
جابر بن عبدالله الانصارى ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
في غزوة ذات الرقاع من نخل ، فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين ، فلما
انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا ، أتى زوجها وكان غائبا ، فلما أخبر
الخبر حلف لا ينتهى حتى يهريق في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم دما ، فخرج
يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم
منزلا ، فقال : من رجل يكلؤنا ليلتنا ـ هذه ـ ؟ قال : فانتدب رجل من
المهاجرين ، ورجل ـ آخر ـ من الانصار ، فقالا : نحن يا رسول الله ، قال : فكونا
بفم الشعب ، قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا إلى
شعب من الوادى ، وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر ، فيما قال ابن هشام .
قال ابن إسحاق : فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب ، قال الانصارى
ـ696ـ
للمهاجرى : أى الليل تحب أن أكفيكه : أوله أم آخره ؟ قال : بل اكفنى
أوله ، قال : فاضطجع المهاجرى فنام ، وقام الانصارى يصلى ، قال : وأتى
الرجل ، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم ، قال : فرمى بسهم ،
فوضعه فيه ، قال : فنزعه ووضعه ، فثبت قائما ، قال : ثم رماه سهم آخر ،
فوضعه فيه ، قال : فنزعه فوضعه ، وثبت قائما ، ثم عاد له بالثالث ، فوضعه فيه ،
قال : فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ، ثم أهب صاحبه فقال : اجلس فقد أثبت ،
قال : فوثب ، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذرا به ، فهرب ، قال : ولما رأى
المهاجرى ما بالانصارى من الدماء ، قال : سبحان الله ! أفلا أهببتنى أول
مارماك ؟ قال : كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفدها ، فلما
تابع على الرمى ركعت فأذنتك ، وايم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرنى رسول الله
صلى الله عليه وسلم لقطع نفسى قبل أن أقطعها أو أنفدها .
قال ابن هشام : ويقال : أنفذها .
قال ابن إسحاق : ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة
ذات الرقاع ، أقام بها بقية جمادى الاولى وجمادى الآخر ، ورجبا .
غزوة بدر الآخرة
في شعبان سنة أربع
قال ابن إسحاق : ثم خرج في فعبان إلى بدر ، لميعاد أبى سفيان ، حتى نزله .
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة عبدالله بن عبدالله بن أبى بن سلول
الانصارى .
قال ابن إسحاق فأقام عليه ثمانى ليال ينتظر أبا سفيان ، وخرج أبوسفيان
في أهل مكة حتى نزل مجنة ، من ناحية الظهران ، وبعض الناس يقول :
ـ697ـ
قد بلغ عسفان ، ثم بداله في الرجوع ، فقال : يا معشرقريش ، إنه لا يصلحكم إلا
عام خصيب ترعون فيه الشجر ، وتشربون فيه اللبن ، وإن عامكم هذا عام
جدب ، وإنى راجع ، فارجعوا ، فرجع الناس . فسماهم أهل مكة جيش السويق ،
يقولون : إنما خرجتم تشربون السويق .
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده ، فأتاه
مخشى بن عمرو الضمرى - وهو الذى كان وادعه على بنى ضمرة في غزوة ودان -
فقال : يا محمد ، أجئت للقاء قريش على هذا الماء ؟ قال : نعم ، يا أخا بنى ضمرة
وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك ، ثم جالدناك حتى يحكم الله
بيننا وبينك ، قال : لا والله يا محمد ، مالنا بذلك منك من حاجة .
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أبا سفيان ، فمر به معبد بن أبى
معبد الخزعى ، فقال - وقد رأى مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وناقته
تهوى به - :
قد نفرت من رفقتى محمد * وعجوة من يثرب كالعنجد
تهوى على دين أبيها الاتلد * قد جعلت ماء قديد موعدى
وماء ضجنان لها ضحى الغد
وقال عبدالله بن رواحة في ذلك - قال ابن هشام : أنشدنيها أبوزيد
لكعب بن مالك الانصارى :
وعدنا أبا سفيان بدرا ، فلم نجد * لميعاده صدقا ، وما كان وافيا
فاقسم لو وافيتنا فلقيتنا * لابت ذميما وافتقدت المواليا
تركنا به أوصال عتبة وابنه * وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا
عصيتم رسول الله ، أف لدينكم * وأمركم السئ الذى كان غاويا
فإنى وإن عنفتمونى لقائل * فدى لرسول الله أهلى وماليا
ـ698ـ
أطعناه لم نعدله فينا بغيره * شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا
وقال حسان بن ثابت في ذلك :
دعوا فلجات الشام قد حال دونها * جلاد كأفواه المخاض الاوارك
بأيدى رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصاره حقا وأيدى الملائك
إذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا لها ليس الطريق هنالك
اقمنا على الرس النزوع ثمانيا * بأرعن جرار عريض المبارك
بكل كميت جوزه نصف خلقه * وقب طوال مشرفات الحوارك
ترى العرفج العامى تذرى أصوله * مناسم أخفاف المطى الروانك
فإن نلق في تطوافنا والتماسنا * فرات بن حيان يكن رهن هالك
وإن تلق قيس بن امرئ القيس بعده * يزد في سواد لونه لون حالك
فأبلغ أبا سفيان عنى رسالة * فإنك من غر الرجال الصعالك
فأجابه أبوسفيان بن الحارث بن ع بدالمطلب ، فقال :
أحسان إنا يابن آكلة الغفا * وجدك نغتال الخروق كذلك
خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا * ولو وألت منا بشد مدارك
إذا ما انبعثنا من مناخ حسبته * مد من أهل الموسم المتعارك
أقمت على الرس النزوع تريدنا * وتتركنا في النخل عند المدارك
على الزرع تمشى خيلنا وركابنا * فما وطئت ألصقنه بالد كادك
أقمنا ثلاثا بين سلع وفارع * بجرد الجياد والمطى الروانك
حسبتم جلاد القوم عند قبابهم * كمأخذكم بالعين أرطال آنك
فلا تبعث الخيل الجياد وقل لها * على نحو قول المعصم المتماسك
سعدتم بها وغيركم كان أهلها * فوارس من أبناء فهر بن مالك
فإنك لا في هجرة إن ذكرتها * ولا حرمات لدين أنت بناسك
ـ699ـ
قال ابن هشام : بقيت منها أبيات تركناها ، لقبح اختلاف قوافيها .
وأنشدنى أبوزيد الانصارى هذا البيت :
خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا
والبيت الذى بعده لحسان بن ثابت في قوله :
دعوا فلجات الشأم قد حال دنها
وأنشدنى له فيها بيته " فأبلغ أبا سفيان " .
غزوة دومة الجندل
في شهر ربيع الاول سنة خمس
قال ابن إسحاق : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ،
فأقام بها أشهرا حتى مضى ذو الحجة ، وولى تلك الحجة المشركون وهى سنة أربع
من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم
دومة الجندل .
قال ابن هشام : في شهر ربيع الاول ، واستعمل على المدينة سباع بن
عرفطة الغفارى .
قال ابن إسحاق : ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل
إليها ، ولم يلق كيدا ، فأقام بالمدينة بقية سنته .
غزوة الخندق
في شوال سنة خمس
حدثنا أبومحمد عبدالملك بن هشام ، قال : حدثنا زياد بن عبدالله البكائى ،
عن محمد بن إسحاق المطلبى ، قال : ثم كانت غزوة الخندق في شوال
سنة خمس
ـ700ـ
فحدثنى يزيد بن رومان مولى آل الزبير عن عروة بن الزبير ، ومن لا أتهم
عن عبدالله بن كعب بن مالك ، ومحمد بن كعب القرظى ، والزهرى ، وعاصم
ابن عمر بن قتادة ، وعبدالله بن أبى بكر ، وغيرهم من علمائنا ، كلهم قد اجتمع
حديثه في الحديث عن الخندق ، وبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض ، قالوا :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود - منهم : سلام بن أبى الحقيق
النضرى ، وحيى بن أخطب النضرى ، وكنانة بن أبى الحقيق النضرى ،
وهوذة بن قيس الوائلى ، وأبوعمار الوائلى - في نفر من بنى النضير ، ونفر من
بنى وائل ، وهم الذين حزبوا الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
خرجوا حتى قدموا على قريش مكة ، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وقالوا : إنا سنكون معكم عليه ، حتى نستأصله ، فقالت لهم قريش :
يامعشر يهود ، إنكم أهل الكتاب الاول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن
ومحمد ، أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أولى بالحق
ـ منه ـ . فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من
الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى
من الذين آمنوا سبيلا ، أولئك الذين لعنهم الله ، ومن يلعن الله فلن تجد
له نصيرا ) . . . إلى قوله تعالى : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من
فضله ) : أى النبوة ، ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم
ملكا عظيما . فمنهم من آمن به ، ومنهم من صد عنه ، وكفى بجهنم
سعيرا - 51 ، 55 من سورة النساء ) .
قال : فلما قالوا ذلك لقريش ، سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه ، من حرب
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له . ثم خرج أولئك
النفر من يهود ، حتى جاءوا غطفان ، من قيس عيلان ، فدعوهم إلى حرب
ـ701ـ
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه ، وأن قريشا
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 701 سطر 1 الى ص 710 سطر 24
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه ، وأن قريشا
قد تابعوهم على ذلك ، فاجتمعوا معهم فيه .
قال ابن إسحاق : فخرجت قريش ، وقائدها أبوسفيان بن حرب ،
وخرجت غطفان ، وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، في بنى فزارة ،
والحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى ، في بنى مرة ، ومسعر بن رخيلة بن
نويرة بن طريف بن سحمة بن عبدالله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث
ابن غطفان ، فيمن تابعه من قومه ـ من ـ أشجع .
فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أجمعوا له من الامر ،
ضرب الخندق على المدينة ، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا
للمسلمين في الاجر ، وعمل معه المسلمون فيه ، فدأب فيه ودأبوا .
وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال
من المنافقين ، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم
من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا إذن . وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته
النائبة ، من الحاجة التى لا بد له منها ، يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه
وسلم ، ويستأذنه في اللحوق بحاجته ، فيأذن له ، فإذا قضى حاجته رجع إلى
ما كان فيه من عمله ، رغبة في الخير ، واحتسابا له .
فأنزل الله تعالى في أولئك من المؤمنين : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا
بالله ورسوله ، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه
إن الذين ي ستاذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ، فإذا استأذنوك
لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ، واستغفر لهم الله ، إن الله غفور
رحيم - 62 من سورة النور ) . فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من
أهل الحسبة والرغبة في الخير ، والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
ـ702ـ
ثم قال تعالى ، يعنى المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ، ويذهبون
بغير إذن من النبى صلى الله عليه وسلم : ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم
كدعاء بعضكم بعضا ، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ،
فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ، أو يصيبهم
عذاب أليم - 63 من سورة النور ) .
قال ابن هشام : اللواذ : الاستتار بالشئ عند الهرب ، قال حسان بن ثابت :
وقريش تفر منا لواذا * أن يقيموا وخف منها الحلوم
وهذا البيت في قصيدة له ، قد ذكرتها في أشعار يوم أحد .
( ألا إن لله ما في السموات والارض قد يعلم ما أنتم عليه ) قال ابن
إسحاق : من صدق أو كذب ( ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا ،
والله بكل شئ عليم - 64 من سورة النور ) .
قال ابن إسحاق : وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه ، وارتجزوا فيه برجل
من المسلمين ، يقال له جعيل ، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا ، فقالوا :
سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا
فإذا مروا " بعمرو " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عمرا ، وإذا مروا
" بظهر " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ظهرا .
قال ابن إسحاق : وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتنى ، فيها من الله
تعالى عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحقيق نبوته ، عاين
ذلك المسلمون .
فكان مما بلغنى أن جابر بن عبدالله كان يحدث : أنه اشتدت عليهم في
بعض الخندق كدية ، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا بإناء
من ماء ، فتفل فيه ، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ، ثم نضح ذلك الماء على تلك
ـ703ـ
الكدية ، فيقول من حضرها : فوالذى بعثه بالحق نبيا ، لا نهالت حتى عادت
كالكثيب لاترد فأسا ولا مسحاة .
قال ابن إسحاق : وحدثنى سعيد بن مينا أنه حدث أن ابنة لبشير بن
سعد ، أخت النعمان بن بشير ، قالت : دعتنى أمى عمرة بنت رواحة ، فأعطتنى
حفنة من تمر في ثوبى ، ثم قالت : أى بنية ، اذهبى إلى أبيك وخالك عبدالله
ابن رواحة بغدائهما ، قالت : فأخذتها ، فانطلقت بها فمررت برسول الله صلى الله
عليه وسلم وأنا ألتمس أبى وخالى ، فقال : تعالى يا بنية ، ما هذا معك ؟ قالت :
فقلت : يارسول الله ، هذا تمر ، بعثتنى به أمى إلى أبى بشير بن سعد ، وخالى
عبدالله بن رواحة يتغديانه ، قال : هاتيه ، قالت : فصببته في كفى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فما ملاتهما ، ثم أمر بثوب فبسط له ، ثم دحا بالتمر عليه ،
فتبدد فوق التوب ، ثم قال لانسان عنده : اصرخ في أهل الخندق : أن هلم إلى
الغداء . فاجتمع أهل الخندق عليه ، فجعلوا يأكلون منه ، وجعل يزيد ، حتى
صدر أهل الخندق عنه ، وإنه ليسقط من أطراف الثوب .
قال ابن إسحاق : وحدثنى سعيد بن مينا ، عن جابر بن عبدالله ، قال :
عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق ، فكانت عندى شويهة ، غير جد
سمينة ، قال : فقلت : والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال :
فأمرت امرأتى ، فطحنت لنا شيئا من شعير ، فصنعت لنامنه خبزا ، وذبحت تلك
الشاة ، فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فلما أمسينا وأراد رسول
الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق - قال : وكنا نعمل فيه نهارنا ،
فإذا أمسينا رجعنا إلى أهلينا - قال : قلت : يا رسول الله ، إنى قد صنعت لك
شويهة كانت عندنا ، وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير ، فأحب أن تنصرف
معى إلى منزلى ، وإنما أريد أن ينصرف معى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ـ704ـ
وحده . قال : فلما أن قلت له ذلك ، قال نعم ، ثم أمر صارخا فصرخ : أن
انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبدالله ، قال :
قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ! قال : فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وأقبل الناس معه ، قال : فجلس وأخرجناها إليه . قال : فبرك وسمى ـ الله ـ ،
ثم أكل ، وتواردها الناس ، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس ، حتى صدر أهل
الخندق عنها .
قال ابن إسحاق : وحدثت عن سلمان الفارسى ، أنه قال : ضربت
في ناحية من الخندق ، فغلظت على صخرة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم
قريب منى ، فلما رآنى أضرب ورأى شدة المكان على ، نزل فأخذ المعول
من يدى ، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة ، قال : ثم ضرب به
ضربة أخرى ، فلمعت تحته برقة أخرى ، قال : ثم ضرب به الثالثة ، فلمعت
تحته برقة أخرى . قال : قلت : بأبى أنت وأمى يا رسول الله ! ماهذا الذى
رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب ؟ قال : أو قد رأيت ذلك يا سلمان ؟ قال :
قلت : نعم ، قال : أما الاولى فإن الله فتح على بها اليمن ، وأما الثانية فإن الله
فتح على بها الشام والمغرب ، وأما الثالثة فإن الله فتح على بها المشرق .
قال ابن إسحاق : وحدثنى من لا أتهم عن أبى هريرة أنه كان يقول ،
حين فتحت هذه الامصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده : افتتحوا ما بدا
لكم ، فو الذى نفس أبى هربرة بيده ، ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها
إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها
قبل ذلك .
قال ابن إسحاق : ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ،
أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الاسيال من رومة ، بين الجرف وزغابة
ـ705ـ
في عشرة آلاف من أحابيشهم ، ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة ،
وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد ، حتى نزلوا بذنب نقمى ، إلى جانب
أحد . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، حتى جعلوا ظهورهم
إلى سلع ، في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فضرب هنالك عسكره ، والخندق
بينه وبين القوم .
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم .
قال ابن إسحاق : وأمر بالذرارى والنساء فجعلوا في الآطام .
ـ قال ـ : وخرج عدو الله حيى بن أخطب النضرى ، حتى أتى كعب
ابن أسد القرظى ، صاحب عقد بنى قريظة وعهدهم ، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه ، وعاقده على ذلك وعاهده ، فلما سمع كعب بحيى
ابن أخطب أغلق دون باب حصنه ، فأستأذن عليه ، فأبى أن يفتح له ، فناداه
حيى : ويحك ياكعب ! افتح لى ، قال : ويحك يا حيى ، إنك امرؤ مشئوم ،
وإنى قد عاهدت محمدا ، فلست بناقض ما بينى وبينه ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا ،
قال : ويحك افتح لى أكلمك ، قال : ما أنا بفاعل ، قال : والله إن أغلقت دونى
إلا عن جشيشتك أن آكل معك منها ، فأحفظ الرجل ، ففتح له ، فقال :
ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام ، جئتك بقريش على قادتها
وسادتها ، حتى أنزلتهم بمجتمع الاسيال من رومة ، وبغطفان على قادتها وسادتها
حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد ، قد عاهدونى وعاقدونى على أن
لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه . قال : فقال له كعب : جئتنى والله بذل
الدهر ، وبجهام قد هراق ماءه ، فهو يرعد ويبرق ، ليس فيه شئ ، ويحك
يا حيى ! فدعنى وما أنا عليه ، فإنى لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء . فلم يزل حيى
بكعب يفتله في الذروة والغارب ، حتى سمح له ، على أن أعطاه عهدا ـ من الله ـ
ـ706ـ
وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ، ولم يصيبوا محمدا ، أن أدخل معك
في حصنك حتى يصيبنى ما أصابك . فنقض كعب بن أسد عهده ، وبرئ
مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين ، بعث
رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان ، وهو يومئذ سيدالاوس ،
وسعد بن عبادة بن دليم ، أحد بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج ، وهو يومئذ سيد
الخزرج ، ومعهما عبدالله بن رواحة ، أخو بنى الحارث بن الخزرج ، وخوات
بن جبير ، أخو بنى عمرو بن عوف ، فقال : انطلقوا حتى تنظروا ، أحق ما بلغنا
عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقا فالحنوا لى لحنا أعرفه ، ولا تفتوا
في أعضاد الناس ، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس . قال :
فخرجوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ، ـ فيما ـ نالوا من
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد
ولا عقد . فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه ، وكان رجلا فيه حدة ، فقال له سعد
ابن عبادة : دع عنك مشاتمتهم ، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة . ثم أقبل
سعد وسعد ومن معهما ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلموا عليه ،
ثم قالوا : عضل والقارة ، أى كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع ،
خبيب وأصحابه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ، أبشروا
يامعشر المسلمين .
ـ قال ـ : وعظم عند ذلك البلاء ، واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوقهم
ومن أسفل منهم ، حتى ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق من بعض المنافقين ،
حتى قال معتب بن قشير ، أخو بنى عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل
كنوز كسرى وقيصر ، وأحد نا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط .
ـ707ـ
قال ابن هشام : وأخبرنى من أثق به من أهل العلم : أن معتب بن قشير
لم يكن من المنافقين ، واحتج بأنه كان من أهل بدر .
قال ابن إسحاق : وحتى قال أوس بن قيظى ، أحد بنى حارثة بن الحارث :
يا رسول الله ، إن بيوتنا عورة من العدو ، وذلك عن ملا من رجال قومه ،
فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا ، فإنها خارج من المدينة . فأقام رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة ، قريبا من شهر ،
لم تكن بينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار .
قال ابن هشام : ويقال الرميا .
فلما اشتد على الناس البلاء ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثنى
عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم ، عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب
الزهرى - إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ، وإلى الحارث بن عوف بن
أبى حارثة المرى ، وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا
بمن معهما عنه وعن أصحابه ، فجرى بينه وبينهما الصلح ، حتى كتبوا الكتاب
ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح ، إلا المراوضة في ذلك . فلما أراد رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن يفعل ، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فذكر
ذلك لهما ، و استشارهما فيه ، فقالا له : يارسول الله ، أمرا تحبه فنصنعه ، أم شيئا
أمرك الله به ، لابد لنا من العمل به ، أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال : بل شئ أصنعه
لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا لاننى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ،
وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ،
فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك
بالله وعبادة الاوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها
تمرة إلا قرى أو بيعا ، أفحين أكرمنا الله بالاسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه ،
ـ708ـ
نعطيهم أموالنا ؟ ! ـ والله ـ مالنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف
حتى يحكم الله بيننا وبينهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأنت وذاك .
فتناول سعد بن معاذ الصحيفة ، فمحا ما فيها من الكتاب ، ثم قال :
ليجهدوا علينا .
قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، وعدوهم
محاصروهم ، ولم يكن بينهم قتال ، إلا أن فوارس من قريش ، منهم عمرو بن
عبدود بن أبى قيس ، أخو بنى عامر بن لؤى .
- قال ابن هشام ويقال : عمرو بن عبد بن أبى قيس -
قال ابن إسحاق : وعكرمة بن أبى جهل ، وهبيرة بن أبى وهب ا لمخزوميان ،
وضرار بن الخطاب الشاعر ابن مرداس ، أخو بنى محارب بن فهر ، تلبسوا
للقتال ، ثم خرجوا على خيلهم ، حتى مروا بمنازل بنى كنانة ، فقالوا : تهيئوا
يا بنى كنانة للحرب ، فستعلمون من الفرسان اليوم . ثم أقبلوا تعنق بهم
خيلهم ، حتى وقفوا على الخندق ، فلما رأوه قالوا : والله إن هذه لمكيدة
ما كانت العرب تكيدها .
قال ابن هشام : يقال : إن سلمان ـ الفارسى ـ أشار به على رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
وحدثنى بعض أهل العلم : أن المهاجرين يوم الخندق قالوا : سلمان منا ،
وقالت الانصار : سلمان منا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سلمان منا
أهل البيت " .
قال ابن إسحاق : ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق ، فضربوا خيلهم
فاقتحمت منه ، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع ، وخرج على بن
أبى طالب عليه السلام في نفر معه من المسلمين ، حتى أخذوا عليهم الثغرة التى
ـ709ـ
أقحموا منها خيلهم ، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم ، وكان عمروبن عبدود
قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة ، فلم يشهد يوم أحد ، فلما كان يوم الخندق
خرج معلما ليرى مكانه . فلما وقف هو وخيله ، قال : من يبارز ؟ فبرز له على
بن أبى طالب ، فقال له : يا عمرو ، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل
من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه ، قال له : أجل ، قال له على :
فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله ، وإلى الاسلام ، قال : لا حاجة لى بذلك ،
قال : فإنى أدعوك إلى النزال ، فقال له : لم يا بن أخى ؟ فو الله ما أحب أن
أقتلك ، قال له على : لكنى والله أحب أن أقتلك ، فحمى عمرو عند ذلك ،
فاقتحم عن فرسه ، فعقره ، وضرب وجهه ، ثم أقبل على على ، فتنازلا
وتجاولا ، فقتله على رضى الله عنه ، وخرجت خيلهم منهزمة ، حتى اقتحمت من
الخندق هاربة .
قال ابن إسحاق : وقال على بن أبى طالب رضوان الله عليه في ذلك :
نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصوابى
فصددت حين تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابى
وعففت عن أثوابه ، ولو اننى * كنت المقطر بزنى أثوابى
لاتحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يامعشر الاحزاب
قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلى بن أبى طالب .
قال ابن إسحاق : وألقى عكرمة بن أبى جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن
عمرو ، فقال حسان بن ثابت في ذلك
فر وألقى لنا رمحه * لعلك عكرم لم تفعل
ووليت تعدو كعدو الظليم * ما إن تجور عن المعدل
ولم تلق ظهرك مستأنسا * كأن قفاك قفا فرعل
ـ710ـ
قال ابن هشام : الفرعل : صغير الضباع ، وهذه الابيات في أبيات له .
وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وبنى قريظة :
حم ، لا ينصرون .
قال ابن إسحاق : وحدثنى أبوليلى عبدالله بن سهل بن عبد الرحمن ـ بن سهل ـ
الانصارى ، أخو بنى حارثة : أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بنى حارثة
يوم الخندق ، وكان من أحرز حصون المدينة . قال : وكانت أم سعد بن معاذ
معها في الحصن ، فقالت عائشة : وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب ، فمر
سعد وعليه درع له مقلصة ، قد خرجت منها ذراعه كلها ، وفى يده حربته
يرقد بها ( 1 ) ويقول :
لبث قليلا يشهد الهيجا حمل * لا بأس بالموت إذا حان الاجل
ـ قال ـ فقالت له أمه : الحق أى ابنى ، فقد والله أخرت ، قالت عائشة :
فقلت لها : يا أم سعد ، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هى ،
قالت : وخفت عليه حيث أصاب السهم منه ، فرمى سعد بن معاذ بسهم ،
فقطع منه الاكحل ، رماه - كما حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة - حبان بن قيس
ابن العرقة ، أحد بنى عامر بن لؤى ، فلما أصابه قال : خذها منى وأنا ابن
العرقة ، فقال له سعد : عرق الله وجهك في النار ، اللهم إن كنت أبقيت من
حرب قريش شيئا فأبقنى لها ، فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهدهم من قوم آذوا
رسولك وكذبوه وأخرجوه ، اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم
فاجعله لى شهادة ، ولا تمتنى حتى تقر عينى من بنى قريظة .
قال ابن إسحاق : وحدثنى من لا أتهم عن عبدالله بن كعب بن مالك أنه
كان يقول : ماأصاب سعدا يومئذ إلا أبوأسامة الجشمى ، حليف بنى مخزوم .
وقد قال أبوأسامة في ذلك شعرا لعكرمة بن أبى جهل :
* ( هامش ) * ( 1 ) يرقد : يسرع كالنافر ، ويروى " يرفل بها " أى يتبختر . ( * )
ـ711ـ
أعكرم هلا لمتنى إذ تقول لى * فداك بآطام المدينة خالد
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 711 سطر 1 الى ص 720 سطر 24
أعكرم هلا لمتنى إذ تقول لى * فداك بآطام المدينة خالد
ألست الذى ألزمت سعدا مرشة * لها بين أثناء المرافق عاند
قضى نحبه منها سعيد ، فأعولت * عليه مع الشمط العذارى النواهد
وأنت الذى دافعت عنه وقد دعا * عبيدة جمعا منهم إذ يكابد
على حين ما هم جائر عن طريقه * وآخر مرعوب عن القصد قاصد
ـ والله أعلم أى ذلك كان ـ .
قال ابن هشام : ويقال إن الذى رمى سعدا خفاجة بن عاصم بن حبان .
قال ابن إسحاق : وحدثنى يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه
عباد قال : كانت صفية بنت ع بدالمطلب في فارع ، حصن حسان بن ثابت ،
قالت : وكان حسان بن ثابت معنا فيه ، مع النساء والصبيان . قالت صفية : فمر
بنا رجل من يهود ، فجعل يطيف بالحصن ، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت
ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن
ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت ، قالت : فقلت : يا حسان ، إن هذا اليهودى
كما ترى يطيف بالحصن ، وإنى والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا
من يهود ، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فانزل إليه
فاقتله ، قال : يغفر الله لك يابنة ع بدالمطلب ، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب
هذا ، قالت : فلما قال لى ذلك ، ولم أر عنده شيئا ، احتجزت ثم أخذت عمودا ،
ثم نزلت من الحصن إليه ، فضربته بالعمود حتى قتلته . قالت : فلما فرغت منه ،
رجعت إلى الحصن ، فقلت : يا حسان ، انزل إليه فاسلبه ، فإنه لم يمنعنى من
سلبه إلا أنه رجل ، قال : مالى بسلبه من حاجة يابنة ع بدالمطلب .
قال ابن إسحاق : وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فيما وصف
ـ712ـ
الله من الخوف والشدة ، لتظاهر عدوهم عليهم ، وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن
أسفل منهم .
ـ قال ـ : ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفد بن
هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان ، أتى رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إنى قد أسلمت ، وإن قومى لم يعلموا بإسلامى ،
فمرنى بما شئت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أنت فينا رجل واحد ،
فخذل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة . فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى
بنى قريظة ، وكان لهم نديما في الجاهلية ، فقال : يا بنى قريظة ، قد عرفتم ودى
إياكم ، وخاصة ما بينى وبينكم ، قالوا : صدقت ، لست عندنا بمتهم ، فقال
لهم : إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم ، البلد بلدكم ، فيه أموالكم وأبناؤكم
ونساؤكم ، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره ، وإن قريشا وغطفان قد
جاءوا لحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره ، فليسوا كأنتم ، فإن رأوا نهزة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم
وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع
القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن
تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه ، فقالوا له : لقد أشرت بالرأى .
ثم خرج حتى أتى قريشا ، فقال لابى سفيان بن حرب ومن معه من رجال
قريش : قد عرفتم ودى لكم وفراقى محمدا ، وإنه قد بلغنى أمر قد رأيت على
حقا أن أبلغكموه ، نصحا لكم ، فاكتموا عنى ، فقالوا : نفعل ، قال : تعلموا
أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد ، وقد أرسلوا إليه :
إنا قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين ، من قريش
وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم ، فتضرب أعناقهم ، ثم نكون معك على
ـ713ـ
من بقى منهم حتى نستأصلهم ؟ فأرسل إليهم : أن نعم . فإن بعثت إليكم يهود
يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا .
ثم خرج حتى أتى غطفان ، فقال : يامعشر غطفان ، إنكم أصلى وعشيرتى ،
وأحب الناس إلى ، ولا أراكم تتهمونى ، قالوا : صدقت ، ما أنت عندنا بمتهم ،
قال : فاكتموا عنى ، قالوا : نفعل ، فما أمرك ؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش
وحذرهم ماحذرهم .
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس ، وكان من صنع الله لرسوله
صلى الله عليه وسلم أن أرسل أبوسفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بنى قريظة
عكرمة بن أبى جهل ، في نفر من قريش وغطفان ، فقالوا لهم : إنا لسنا بدار
مقام ، قد هلك الخف والحافر ، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ، ونفرغ مما بيننا
وبينه ، فأرسلوا إليهم : إن اليوم يوم السبت ، وهو ـ يوم ـ لا نعمل فيه
شيئا ، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا ، فأصابه ما لم يخف عليكم ، ولسنا مع
ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم ، يكونون بأيدينا
ثقة لناحتى نناجز محمدا ، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب ، واشتد عليكم القتال
أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا ، والرجل في بلدنا ، ولا طاقة لنا بذلك منه .
فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة ، قالت قريش وغطفان : والله إن
الذى حدثكم نعيم بن مسعود لحق ، فأرسلوا إلى بنى قريظة : إنا والله لا ندفع إليكم
رجلا واحدا من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا ، فقالت
بنو قريظة ، حين انتهت الرسل إليهم بهذا : إن الذى ذكر لكم نعيم بن مسعود
لحق ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا ، فإن رأوا فرصة انتهزوها ، وإن كان غير
ذلك انشمروا إلى بلادهم ، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم ، فأرسلوا إلى
قريش وغطفان : إنا والله لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا ، فأبوا عليهم ،
ـ714ـ
وخذل الله بينهم ، وبعث الله عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد ،
فجعلت تكفأ قدورهم ، وتطرح أبنيتهم .
ـ وقال ـ : فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم ،
وما فرق الله من جماعتهم ، دعا حذيفة بن اليمان ، فبعثه إليهم ، لينظر ما فعل
القوم ليلا .
قال ابن إسحاق : فحدثنى يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظى ، قال :
قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان : يا أبا عبدالله ، أرأيتم رسول الله
صلى الله عليه وسلم وصحبتموه ؟ قال : نعم يابن أخى ، قال : فكيف كنتم تصنعون ؟
قال : والله لقد كنا نجهد ، قال : فقال : والله لو أدركناه ما تركناه يمشى على
الارض ولحملناه على أعناقنا . قال : فقال حذيفة : يابن أخى ، والله لقد رأيتنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
هو يا من الليل ، ثم التفت إلينا فقال : من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم
ثم يرجع - يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة - أسأل الله تعالى
أن يكون رفيقى في الجنة ؟ فما قام رجل من القوم ، من شدة الخوف ، وشدة
الجوع ، وشدة البرد ، فلما لم يقم أحد دعانى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم
يكن لى بد من القيام حين دعانى ، فقال : يا حذيفة ، اذهب فادخل في القوم ،
فانظر ماذا يصنون ، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا ، قال : فذهبت فدخلت في
القوم والريح وجنودالله تفعل بهم ما تفعل ، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء .
فقام أبوسفيان ، فقال : يا معشر قريش ، لينظر امرؤ من جليسه ؟ قال حذيفة :
فأخذت بيد الرجل الذى كان إلى جنبى ، فقلت : من أنت ؟ قال : فلان
ابن فلان .
ثم قال أبوسفيان : يا معشر قريش ، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ،
ـ715ـ
لقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذى نكره ،
ولقينا من شدة الريح ما ترون ، ما تطمئن لنا قدر ، ولا تقوم لنا نار ،
ولايستمسك لنا بناء ، فارتحلوا فإنى مرتحل ، ثم قام إلى جمله وهو معقول ،
فجلس عليه ، ثم ضربه ، فوثب به على ثلاث ، فو الله ما أطلق عقاله إلا وهو
قائم ، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى " أن لا تحدث شيئا حتى
تأتينى " ، ثم شئت ، لقتلته بسهم
قال حذيفة : فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلى
في مرط ( 1 ) لبعض نسائه ، مراجل
قال ابن هشام : المراجل : ضرب من وشى اليمن .
فلما رآنى أدخلنى إلى رجليه ، وطرح على طرف المرط ، ثم ركع وسجد ،
وإنى لفيه ، فلما سلم أخبرته الخبر ، وسمعت غطفان بما فعلت قريش ، قانشمروا
راجعين إلى بلادهم .
قال ابن إسحاق : ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن
الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون ، ووضعوا السلاح .
غزوة بنى قريظة
في سنة خمس
فلما كانت الظهر ، أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما حدثنى
الزهرى ، معتجرا بعمامة من إستبرق ، على بغلة عليها رحالة ( 2 ) ، عليها قطيفة من
ديباج ، فقال : أوقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال : نعم ، فقال جبريل :
فما وضعت الملائكة السلاح بعد ، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم ، إن الله
عزوجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة ، فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم .
* ( هامش ) * ( 1 ) المرط : الكساء ( 2 ) الرحالة ، هنا : السرج . ( * )
ـ716ـ
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا ، فأذن في الناس : من كان سامعا
مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببنى قريظة .
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، فيما قال ابن هشام .
قال ابن إسحاق : وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب
برايته إلى بنى قريظة ، وابتدرها الناس . فسار على بن أبى طالب ، حتى إذا دنا
من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرجع حتى لقى
رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق ، فقال : يا رسول الله ، لا عليك أن لا تدنو
من هؤلاء الاخابث ، قال : لم ؟ أظنك سمعت منهم لى أذى ؟ قال : نعم
يا رسول الله ، قال : لو رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا . فلما دنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم من حصونهم قال : يا إخوان القردة ، هل أخزاكم الله وأنزل بكم
نقمته ؟ قالوا : يا أباالقاسم ، ماكنت جهولا .
ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه بالصورين قبل أن يصل
إلى بنى قريظة ، فقال : هل مربكم أحد ؟ قالوا : يا رسول الله ، قد مر بنا
دحية بن خليفة الكلبى ، على بغلة بيضاء عليها رحالة ، عليها قطيفة ديباج .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك جبريل ، بعث إلى بنى قريظة يزلزل
بهم حصونهم ، ويقذف الرعب في قلوبهم .
ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى قريظة نزل على بئر من آبارها
من ناحية أموالهم ، يقال لها بئرأنا .
قال ابن هشام : بئرأنى .
قال ابن إسحاق : وتلاحق به الناس ، فأتى رجال منهم من بعد العشاء .
الآخرة ، ولم يصلوا العصر ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يصلين أحد
العصر إلا ببنى قريظة ، فشغلهم مالم يكن لهم منه بد في حربهم ، وأبوا أن يصلوا
ـ717ـ
لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : حتى تأتوا بنى قريظة . فصلوا العصر بها ،
بعد العشاء الآخرة ، فما عابهم الله بذلك في كتابه ، ولا عنفهم به رسول الله
صلى الله عليه وسلم . حدثنى بهذا الحديث أبى إسحاق بن يسار ، عن معبد بن
كعب بن مالك الانصارى .
ـ قال ـ : وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة ،
حتى جهدهم الحصار ، وقذف الله في قلوبهم الرعب .
وقد كان حيى بن أخطب دخل مع بنى قريظة في حصنهم ، حين رجعت
عنهم قريش وغطفان ، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه . فلما أيقنوا
بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم ، قال كعب
ابن أسد لهم : يا معشر يهود ، قد نزل بكم من الامر ما ترون ، وإنى عارض
عليكم خلالا ثلاثا ، فخذوا أيها شئتم ، قالوا : وماهى ؟ قال : نتابع هذا الرجل
ونصدقه فوالله لقد تبين لكم إنه لنبى مرسل ، وإنه للذى تجدونه في كتابكم ،
فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم ، قالوا : لا نفارق حكم
التوراة أبدا ، ولا نستبدل به غيره ، قال : فإذ أبيتم على هذه ، فهلم فلنقتل
أبناءنا ونساءنا ، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف لم نترك
وراءنا ثقلا ، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، فإن نهلك نهلك ولم نترك
وراءنا نسلا نخشى عليه ، وإن نظهر فلعمرى لنجدن النساء والابناء ، قالوا :
نقتل هؤلاء المساكين ! فما خير العيش بعدهم ؟ قال : فإن أبيتم على هذه
فإن الليلة ليلة السبت ، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها ، فانزلوا
لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة ، قالوا : نفسد سبتنا علينا ، ونحدث فيه
مالم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت ، فأصابه مالم يخف عليك من المسخ !
قال : ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما .
قال : ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن ابعث إلينا
ـ718ـ
أبا لبابة بن عبدالمنذر ، أخابنى عمروبن بن عوف ، وكانوا حلفاء الاوس ،
لنستشيره في أمرنا ، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، فلما رأوه قام
إليه الرجال ، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه ، فرق لهم ، وقالوا
له : ياأبا لبابة ! أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم ، وأشار بيده إلى
حلقه ، إنه الذبح ، قال أبولبابة : فوالله مازالت قدماى من مكانهما حتى عرفت
أنى قد خنت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم انطلق أبولبابة على وجهه ولم يأت
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده ، وقال :
لا أبرح مكانى هذا حتى يتوب الله على مما صنعت ، وعاهد الله : أن لا أطأ
بنى قريظة أبدا ، ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا .
قال ابن هشام : وأنزل الله تعالى في أبى لبابة - فيما قال سفيان بن عيينة ،
عن إسماعيل بن أبى خالد ، عن عبدالله بن أبى قتادة : ( يا أيها الذين آمنوا
لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون - 27 من
سورة الانفال ) .
قال ابن إسحاق : فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره ، وكان قد
استبطأه ، قال : أما إنه لو كان جاءنى لاستغفرت له ، فأما إذ قد فعل مافعل فما
أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه .
قال ابن إسحاق : فحدثنى يزيد بن عبدالله بن قسيط أن توبة أبى لبابة
نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ من السحر ـ وهو في بيت أم سلمة .
فقالت أم سلمة : فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو
يضحك . قالت : فقلت : مم تضحك يا رسول الله ؟ أضحك الله سنك ، قال : تيب
على أبى لبابة ، قالت : قلت : أفلا أبشره يا رسول الله ؟ قال : بلى ، إن شئت .
قال : فقامت على باب حجرتها ، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب ،
فقالت : يا أبا لبابة ، أبشر فقد تاب الله عليك . قالت : فثار الناس إليه ليطلقوه
فقال : لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذى يطلقنى بيده ،
ـ719ـ
فلما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه .
قال ابن هشام : أقام أبولبابة مرتبطا بالجذع ست ليال ، تأتيه امرأته في
كل وقت صلاة ، فتحله للصلاة ، ثم يعود فيرتبط بالجذع ، فيما حدثنى بعض
أهل العلم ، والآية التى نزلت في توبته قول الله عزوجل : ( وآخرون اعترفوا
بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله
غفور رحيم - 102 من سورة التوبة ) .
قال ابن إسحاق : ثم إن ثعلبة بن سعية ، وأسيد بن سعية ، وأسد بن عبيد ،
وهم نفر من بنى هدل ، ليسوا من بنى قريظة ولا النضير ، نسبهم فوق ذلك ،
هم بنو عم القوم ، أسلموا تلك الليلة التى نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظى ، فمر بحرس رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة ، فلما رآه قال : من هذا ؟
قال : أنا عمر وبن سعدى - وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة في غدرهم
برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : لا أغدر بمحمد أبدا - فقال محمد بن
مسلمة حين عرفه : اللهم لا تحرمنى إقالة عثرات الكرام ، ثم خلى سبيله .
فخرج على وجهه حتى أتى باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك
الليلة ، ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الارض إلى يومه هذا ، فذكر لرسول الله
صلى الله عليه وسلم شأنه ، فقال : ذاك رجل نجاه الله بوفائه . وبعض الناس يزعم
أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بنى قريظة ، حين نزلوا على حكم رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فأصبحت رمته ملقاة ، لا يدرى أين ذهب ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة ، والله أعلم أى ذلك كان .
ـ قال ـ : فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ـ720ـ
فتواثبت الاوس ، فقالوا : يا رسول الله ، إنهم موالينا دون الخزرج ، وقد
فعلت في موالى إخواننا بالامس ما قد علمت - وقد كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم قبل بنى قريظة قد حاصر بنى قينقاع ، وكانوا حلفاء الخزرج ، فنزلوا على
حكمه ، فسأله إياهم عبدالله بن أبى بن سلول ، فوهبهم له - فلما كلمته الاوس
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا ترضون يا معشر الاوس أن يحكم فيهم
رجل منكم ؟ قالوا : بلى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذاك إلى سعد بن
معاذ . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة
من أسلم ، يقال لها رفيدة ، في مسجده ، كانت تداوى الجرحى ، وتحتسب
بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين ، وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق : اجعلوه في خيمه رفيدة حتى
أعوده من قريب . فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنى قريظة ، أتاه
قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم ، وكان رجلا جسيما جميلا ،
ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يقولون : يا أبا عمرو ،
أحسن في مواليك ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن
فيهم ، فلما أكثروا عليه قال : لقد أبى لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم .
فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الاشهل ، فنعى لهم رجال
بنى قريظة ، قبل أن يصل إليهم سعد ، عن كلمته التى سمع منه . فلما انتهى سعد
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
قوموا إلى سيدكم - فأما المهاجرون من قريش فيقولون : إنما أراد رسول الله
صلى الله عليه وسلم الانصار ، وأما الانصار فيقولون : قد عم بها رسول الله صلى الله
عليه وسلم - فقاموا إليه ، فقالوا : يا أبا عمرو ، إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم ، فقال سعد بن معاذ : عليكم بذلك عهد
الله وميثاقه ، أن الحكم فيهم لما حكمت ؟ قالوا : نعم ، قال : وعلى من هاهنا ؟
ـ721ـ
في الناحية التى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو معرض عن رسول الله
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 721 سطر 1 الى ص 730 سطر 22
في الناحية التى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو معرض عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم إجلالا له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، قال
سعد : فإنى أحكم فيهم أن تقتل الرجال ، وتقسم الاموال ، وتسبى الذرارى
والنساء .
قال ابن إسحاق : فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبدالرحمن بن عمرو
ابن سعد بن معاذ ، عن علقمة بن وقاص الليثى ، قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم لسعد : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة
قال ابن هشام : حدثنى ـ بعض ـ من أثق به من أهل العلم أن على بن أبى
طالب صاح وهم محاصرو بنى قريظة : يا كتيبة الايمان ، وتقدم هو والزبير بن
العوام ، وقال : والله لاذوقن ماذاق حمزة أو لافتحن حصنهم ، فقالوا : يا محمد ،
ننزل على حكم سعد ـ بن معاذ ـ .
قال ابن إسحاق : ثم استنزلوا ، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالمدينة في دار بنت الحارث ، امرأة من بنى النجار ، ثم خرج رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلى سوق المدينة ، التى هى سوقها اليوم ، فخندق بها خنادق ، ثم
بعث إليهم ، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق ، يخرج بهم إليه أرسالا ، وفيهم
عدو الله حيى بن أخطب ، وكعب بن أسد ( 1 ) ، رأس القوم ، وهى ست مئة أو
سبع مئة ، والمكثر لهم يقول : كانوا بين الثمان مئة والتسع مئة وقد قالوا لكعب
بن أسد ( 1 ) ، وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا : يا كعب ،
ماتراه يصنع بنا ؟ قال : أفى كل موطن لا تعقلون ؟ ألا ترون الداعى لا ينزع ،
وأنه من ذهب به منكم لا يرجع ؟ هو والله القتل ! فلم يزل ذلك الدأب حتى
فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأتى بحيى بن أخطب عدو الله ، وعليه حلة له فقاحية ( 2 ) - قال ابن هشام :
* ( هامش ) * ( 1 ) في ب " كعب بن أسعد " . ( 2 ) فقاحية : يضرب لونها إلى الحمرة ( * )
ـ722ـ
فقاحية : ضرب من الوشى - قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة ـ أنملة ـ لئلا
يسلبها ، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
قال : أما والله ما لمت نفسى في عداوتك ، ولكنه من يخذل الله يخذل ، ثم أقبل
على الناس ، فقال : أيها الناس ، ـ إنه ـ لا بأس بأمر الله ، كتاب وقدر وملحمة
كتبها الله على بنى إسرائيل ، ثم جلس فضربت عنقه .
فقال جبل بن جوال الثعلبى :
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخذل
لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها * وقلقل يبغى العز كل مقلقل
قال ابن إسحاق : وقد حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن
الزبير ، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة .
قالت : والله إنها لعندى تحدث معى ، وتضحك ظهرا وبطنا ، ورسول الله
صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها في السوق ، إذ هتف هاتف باسمها : أين فلانة ؟
قالت : أنا والله ، قالت : قلت لها : ويلك ! مالك ؟ قالت : أقتل ، قلت : ولم ؟
قالت : لحدث أحدثته ، قالت : فانطلق بها ، فضربت عنقها ، فكانت عائشة
تقول : فو الله ما أنسى عجبا منها : طيب نفسها ، وكثرة ضحكها ، وقد عرفت
أنها تقتل .
قال ابن هشام : وهى التى طرحت الرحا على خلاد بن سويد ، فقتلته .
قال ابن إسحاق : وقد كان ثابت بن قيس بن الشماس - كما ذكر لى ابن
شهاب الزهرى - أتى الزبير بن باطا القرظى ، وكان يكنى أبا عبدالرحمن -
وكان الزبير قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية ، ذكر لى بعض
ولد الزبير أنه كان من عليه يوم بعاث ، أخذه فجز ناصيته ، ثم خلى سبيله -
فجاءه ثابت وهو شيخ كبير ، فقال : يا أبا عبدالرحمن ، هل تعرفنى ؟ قال : وهل
ـ723ـ
يجهل مثلى مثلك ، قال : إنى قد أردت أن أجزيك بيدك عندى ، قال : إن
الكريم يجزى الكريم ، ثم أتى ثابت بن قيس رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال : يا رسول الله إنه قد كانت للزبير على منة ، وقد أحببت أن أجزيه بها ،
فهب لى دمه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو لك ، فأتاه فقال : إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لى دمك ، فهو لك ، قال : شيخ كبير
لا أهل له ولا ولد ، فما يصنع بالحياة ؟ قال : فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال : بأبى أنت وأمى يا رسول الله ، هب لى امرأته وولده ، قال : هم لك .
قال : فأتاه فقال : قد وهب لى رسول الله صلى الله عليه أهلك وولدك ، فهم لك ،
قال : أهل بيت بالحجاز لا مال لهم ، فما بقاؤهم على ذلك ؟ فأتى ثابت رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، ماله ، قال : هولك ، فأتاه ثابت فقال :
قد أعطانى رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك ، فهو لك ، قال : أى ثابت ،
ما فعل الذى كأن وجهه مرآة صينية يتراء ى فيها عذارى الحى ، كعب بن أسد ؟
قال : قتل ، قال : فما فعل سيد الحاضر والبادى حيى بن أخطب ؟ ؟ قال : قتل ،
قال : فما فعل مقدمتنا إذا شددنا ، وحاميتنا إذا فررنا ، عزال بن سموأل ؟ قال :
قتل ، قال : فما فعل المجلسان ؟ يعنى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة ،
قال : ذهبوا قتلوا ؟ قال : فإنى أسألك يا ثابت بيدى عندك إلا ألحقتنى بالقوم ،
فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير ، فما أنا بصابر لله فتلة دلو ناضح حتى ألقى
الاحبة ، فقدمه ثابت ، فضرب عنقه .
فلما بلغ أبابكر الصديق قوله " ألقى الاحبة " . قال : يلقاهم والله في نار
جنهم خالدا ـ فيها ـ مخلدا .
قال ابن هشام : قبلة دلو ناضح . ـ و ـ قال زهير بن أبى سلمى في " قبلة " :
وقابل يتغتى كلما قدرت * على العراقى يداه قائما دفقا
ـ724ـ
وهذا البيت في قصيدة له ( 1 ) .
قال ابن هشام : ويروى : وقابل يتلقى ، يعنى قابل الدلو يتناول .
قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل كل
من أنبت منهم .
قال ابن إسحاق : وحدثنى شعبة بن الحجاج ، عن عبدالملك بن عمير ،
عن عطية القرظى ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يقتل
من بنى قريظة كل من أنبت منهم ، وكنت غلاما فوجدونى لم أنبت ،
فخلوا سبيلى .
قال ابن إسحاق : وحدثنى أيوب بن عبد الرحمن بن عبدالله بن أبى
صعصعة أخو بنى عدى بن النجار أن سلمى بنت قيس ، أم المنذر ، أخت سليط
ابن قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد صلت
معه القبلتين ، وبايعته بيعة النساء - سألته رفاعة بن سموأل القرظى ، وكان
رجلا قد بلغ ، فلاذ بها ، وكان يعرفهم قبل ذلك ، فقالت : يا نبى الله ، بأبى
أنت وأمى ، هب لى رفاعة ، فإنه قد زعم أنه سيصلى ويأكل لحم الجمل ، قال :
فوهبه لها : فاستحيته .
قال ابن إسحاق : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بنى
قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين ، وأعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان
الرجال ، وأخرج منها الخمس ، فكان للفارس ثلاثة أسهم : للفرس سهمان
ولفارسه سهم ، وللراجل - من ليس له فرس - سهم ، وكانت الخيل يوم بنى
قريظة ستة وثلاثين فرسا ، وكان أول فئ وقعت فيه السهمان ، وأخرج منها
الخمس ، فعلى سنتها وما مضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت المقاسم ،
ومضت السنة في المغازى .
* ( هامش ) * ( 1 ) يريد ابن هشام أن " فتلة " رواها ابن إسحاق بالفاء والتاء ، ورواها مو بالفاف
والباء ، وانتصابها على الظرفية ، والمراد الوقت الفصير جدا . ( * )
ـ725ـ
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الانصارى أخا بنى
عبد الاشهل بسبايا من سبايا بنى قريظة إلى نجد ، فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا .
ـ قال ـ : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم
ريحانة بنت عمرو بن جنافة ، إحدى نساء بنى عمرو بن قريظة ، فكانت عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفى عنها وهى في ملكه ، وقد كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم عرض عليها أن يتزوجها ، ويضرب عليها الحجاب ،
فقالت : يا رسول الله ، بل تتركنى في ملكك ، فهو أخف على وعليك ،
فتركها . وقد كانت حين سباها قد تعصت بالاسلام ، وأبت إلا اليهودية ،
فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووجد في نفسه لذلك من أمرها . فبينا
هو مع أصحابه ، إذ سمع وقع نعلين خلفه ، فقال : إن هذا لثعلبة بن سعية
يبشرنى بإسلام ريحانة ، فجاءه فقال : يا رسول الله ، قد أسلمت ريحانة ، فسره
ذلك من أمرها .
قال ابن إسحاق : وأنزل الله تعالى في أمر الخندق ، وأمر بنى قريظة من
القرآن ، القصة في سورة الاحزاب ، يذكر فيها مانزل من البلاء ، ونعمته
عليهم ، وكفايته إياهم حين فرج ذلك عنهم ، بعد مقالة من قال من أهل النفاق :
( ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا
عليهم ريحا وجنودا لم تروها ، وكان الله بما تعملون بصيرا ) . والجنود
قريش وغطفان وبنو قريظة ، وكانت الجنود التى أرسل الله عليهم مع الريح
الملائكة . ويقول الله تعالى : ( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل
منكم ، وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر ، وتظنون بالله
الظنونا ) . فالذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة ، والذين جاءوهم من أسفل منهم
قريش وغطفان . يقول الله ـ تبارك و ـ تعالى : ( هنالك ابتلى المؤمنون
ـ726ـ
وزلزلوا زلزالا شديدا ، وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض
ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) لقول معتب بن قشير إذ يقول ما قال
( وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ، ويستأذن
فريق منهم النبى يقولون : إن بيوتنا عورة ، وما هى بعورة ، إن يريدون
إلا فرارا ) لقول أوس بن قيظى ومن كان على رأيه من قومه ( ولو دخلت
عليهم من أقطارها ) : أى المدينة .
قال ابن هشام : الاقطار : الجوانب ، وواحدها : قطر ، وهى الاقتار ،
وواحدها : قتر . قال الفرزدق :
كم من غنى فتح الاله لهم به * والخيل مقعية على الاقطار
ويروى : " على الاقتار " . وهذا البيت في قصيدة له .
( ثم سئلوا الفتنة ) : أى الرجوع إلى الشرك ( لآتوها وما تلبثوا بها
إلا يسيرا . ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لايولون الادبار ، وكان عهد
الله مسئولا ) ، فهم بنو حارثة ، وهم الذين هموأ أن يفشلوا يوم أحد مع
بنى سلمة حين همتا بالفشل يوم أحد ، ثم عاهدوالله أن لا يعودوا لمثلها أبدا ،
فذكر لهم الذى أعطوا من أنفسهم ، ثم قال تعالى : ( قل لن ينفعكم الفرار
إن فررتم من الموت أو القتل ، وإذا لا تمتعون إلا قليلا . قل من ذا
الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا ، أو أراد بكم رحمة ،
ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا . قد يعلم الله المعوقين
منكم ) أى أهل النفاق ( والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ، ولا يأتون
البأس إلا قليلا ) : أى إلا دفعا وتعذيرا ( أشحة عليكم ) : أى للضغن
ـ727ـ
الذى في أنفسهم ( فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ، تدور أعينهم
كالذى يغشى عليه من الموت ) : أى إعظاما له وفرقا منه ( فإذا ذهب
الخوف سلقوكم بألسنة حداد ) : أى في القول بما لا تحبون ، لانهم
لا يرجون آخرة ، ولا تحملهم حسبة ، فهم يهابون الموت هيبة من
لا يرجو ما بعده .
قال ابن هشام : سلقوكم : بالغوا فيكم بالكلام ، فأحرقوكم وآذوكم .
تقول العرب : خطيب سلاق ، وخطيب مسلق ومسلاق . قال أعشى بنى
قيس بن ثعلبة :
فيهم المجد والسماحة ، والنجدة فيهم ، والخاطب السلاق
وهذا البيت في قصيدة له .
( يحسبون الاحزاب لم يذهبوا ) قريش وغطفان ( وإن يأت
الاحزاب يودوا لو أنهم بادون في الاعراب ، يسئلون عن أنبائكم ،
ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا ) .
ثم أقبل على المؤمنين فقال : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة
لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ) : أى لئلا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ،
ولا عن مكان هو به .
ثم ذكر المؤمنين وصدقهم وتصديقهم بما وعد هم الله من البلاء يختبرهم به ،
فقال : ( ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله ،
وصدق الله ورسوله ، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) : أى صبرا على البلاء
وتسليما للقضاء ، وتصديقا للحق ، لما كان الله تعالى وعدهم ورسوله صلى الله عليه
وسلم ، ثم قال : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فمنهم
ـ728ـ
من قضى نحبه ) : أى فرغ من عمله ، ورجع إلى ربه ، كمن استشهد يوم
بدر ويوم أحد .
قال ابن هشام : قضى نحبه : مات ، والنحب : النفس ، فيما أخبرنى
أبوعبيدة ، وجمعه : نحوب . قال ذو الرمة :
عشية فر الحارثيون بعد ما * قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر
وهذا البيت في قصيدة له . وهوبر : من بنى الحارث بن كعب ، أراد : يزيد
ابن هوبر . والنحب ـ أيضا ـ : النذر . قال جرير بن الخطفى :
بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا * عشية بسطام جرين على نحب
يقول : على نذر ، كانت نذرت أن تقتله فقتلته ، وهذا البيت في قصيدة له .
وبسطام : بسطام بن قيس بن مسعود الشيبانى ، وهو ابن ذى الجدين . حدثنى
أبوعبيدة : أنه كان فارس ربيعة بن نزار . وطخفة : موضع بطريق البصرة .
والنحب ـ أيضا ـ : الخطار ، وهو : الرهان قال الفرزدق :
وإذ نحبت كلب على الناس أينا * على النحب أعطى للجزيل وأفضل
والنحب ـ أيضا ـ : البكاء . ومنه قولهم : ينتحب ، والنحب ـ أيضا ـ الحاجة
والهمة ، تقول : مالى عندهم نحب قال مالك بن نويرة اليربوعى :
وما لى نحب عندهم غير أننى * تلمست ما تبغى من الشدن الشجر
وقال نهار بن توسعة ، أحد بنى تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة بن صعب
ابن على بن بكر بن وائل .
قال ابن هشام : هؤلاء موالى بنى حنيفة ( 1 ) :
ونجى يوسف الثقفى ركض * دراك بعد ما وقع اللواء
ولو أدركنه لقضين نحبا * به ، ولكل مخظأة وقاء
* ( هامش ) * ( 1 ) في ب " هو مولى أبى حنيفة الفقيه " . ( * )
ـ729ـ
والنحب ـ أيضا ـ : السير الخفيف المر .
قال ابن إسحاق : ( ومنهم من ينتظر ) : أى ما وعد الله به من نصره ،
والشهادة على ما مضى عليه أصحابه . يقول الله تعالى : ( وما بدلوا تبديلا ) :
أى ما شكوا وما ترددوا في دينهم ، وما استبدلوا به غيره ( ليجزى الله
الصادقين بصدقهم ، ويعذب المنافقين إن شاء ، أو يتوب عليهم ، إن الله
كان غفورا رحيما . ورد الله الذين كفروا بغيظهم ) : أى قريشا وغطفان
( لم ينالوا خيرا ، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ، وأنزل
الذين ظاهروهم من أهل الكتاب ) : أى بنى قريظة ( من صياصيهم ) ،
والصياصى : الحصون والآطام التى كانوا فيها .
قال ابن هشام : قال سحيم عبد بن بنى الحسحاس ، وبنو الحسحاس من
بنى أسد بن خزيمة :
وأصبحت الثيران صرعى وأصبحت * نساء تميم يبتدرن الصياصيا
وهذا البيت في قصيدة له والصياصى ـ أيضا ـ : القرون . قال النابغة الجعدى :
وسادة رهطى حتى بقيت فردا كصيصية الاعضب
يقول : أصاب الموت سادة رهطى . وهذا البيت في قصيدة له . وقال
أبودؤاد الايادى :
فذعرنا سحم الصياصى بأيديهن نضح من الكحيل وقار
وهذا البيت في قصيدة له . والصياصى ـ أيضا ـ : الشوك الذى للنساجين ،
فيما أخبرنى أبوعبيدة . وأنشدنى لدريد بن الصمة الجشمى ، جشم بن معاوية
ابن بكر بن هوازن :
نظرت إليه والرماح تنوشه * كوقع الصياصى في النسيج الممدد
ـ730ـ
وهذا البيت في قصيدة له ، والصياصى ـ أيضا ـ : التى تكون في أرجل
الديكة ناتئة كأنها القرون الصغار ، والصياصى ـ أيضا ـ : الاصول . أخبرنى
أبوعبيدة أن العرب تقول : جذ الله صيصيته : أى أصله .
قال ابن إسحاق : ( وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون
فريقا ) : أى قتل الرجال ، وسبى الذرارى والنساء ، ( وأورثكم أرضهم
وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها ) : يعنى خيبر ( وكان الله على كل
شئ قديرا - 9 إلى 27 من سورة الاحزاب ) .
قال ابن إسحاق : فلما انقضى شأن بنى قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه ،
فمات منه شهيدا .
قال ابن إسحاق : حدثنى معاذ بن رفاعة الزرقى ، قال : حدثنى من شئت
من رجال قومى : أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
قبض سعد بن معاذ من جوف الليل معتجرا بعمامة من إستبرق ، فقال : يا محمد ،
من هذا الميت الذى فتحت له أبواب السماء ، واهتز له العرش ؟ قال : فقام
رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا يجر ثوبه إلى سعد ، فوجده قد مات .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عبدالله بن أبى بكر ، عن عمرة بنت عبدالرحمن
قالت : أقبلت عائشة قافلة من مكة ، ومعها أسيد بن حضير ، فلقيه موت امرأة
له ، فحزن عليها بعض الحزن ، فقالت له عائشة : يغفر الله لك يا أبا يحيى ،
أتحزن على امرأة وقد أصبت بابن عمك ، وقد اهتز له العرش ؟ !
قال ابن إسحاق : وحدثنى من لا أتهم عن الحسن البصرى ، قال : كان
سعد رجلا بادنا ، فلما حمله الناس وجدوا له خفة ، فقال رجال من المنافقين :
والله إن كان لبادنا ، وما حملنا من جنازة أخف منه ، فبلغ ذلك رسول الله
ـ731ـ
صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن له حملة غيركم ، والذى نفسى بيده ، لقد
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 731 سطر 1 الى ص 740 سطر 23
صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن له حملة غيركم ، والذى نفسى بيده ، لقد
استبشرت الملائكة بروح سعد ، واهتز له العرش .
قال ابن إسحاق : وحدثنى معاذ بن رفاعة ، عن محمود بن عبدالرحمن بن
عمرو بن الجموح ، عن جابر بن عبدالله ، قال : لما دفن سعد ونحن مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسبح
الناس معه ، ثم كبر فكبر الناس معه ، فقالوا : يا رسول الله ، مم سبحت ؟
قال : لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره ، حتى فرجه الله عنه
قال ابن هشام : ومجاز هذا الحديث قول عائشة : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : إن للقبر لضمة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ .
قال ابن إسحاق : ولسعد يقول رجل من الانصار :
وما اهتز عرش الله من موت هالك * سمعنا به إلا لسعد أبى عمرو
وقالت أم سعد ، حين احتمل نعشه وهى تبكيه - قال ابن هشام : وهى
كبيشة بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة بن عبد بن الابجر ، وهو خدرة بن
عوف بن الحارث بن الخزرج :
ويل أم سعد سعدا * صرامة وحدا
وسوددا ومجدا * وفارسا معدا
سد به مسدا * يقد هاما قدا
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل نائحة تكذب ، إلا نائحة
سعد بن معاذ .
قال ابن إسحاق : ولم يستشهد من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر .
من بنى عبد الاشهل : سعد بن معاذ ، وأنس بن أوس بن عتيك بن
عمرو ، وعبدالله بن سهل ، ثلاثة نفر .
ـ732ـ
ومن بنى جشم بن الخزرج ، ثم من بنى سلمة : الطفيل بن النعمان ، وثعلبة
ابن غنمة ، رجلان .
ومن بنى النجار ، ثم من بنى دينار : كعب بن زيد . أصابه سهم
غرب ، فقتله .
ـ قال ابن هشام : سهم غرب وسهم غرب ، بإضافة وغير إضافة ، وهو
الذى لا يعرف من أين جاء ولا من رمى به ـ .
وقتل من المشركين ثلاثة نفر .
من بنى عبد الدار بن قصى : منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن
عبدالدار ، أصابه سهم ، فمات منه بمكة .
قال ابن هشام : هو عثمان بن أمية بن منبه بن عبيد بن السباق .
قال ابن إسحاق : ومن بنى مخزوم بن يقظة : نوفل بن عبدالله بن
المغيرة ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده ، وكان اقتحم
الخندق ، فتورط فيه ، فقتل ، فغلب المسلمون على جسده . فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : لا حاجة لنا في جسده ولا بثمنه ، فخلى بينهم وبينه .
قال ابن هشام : أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده عشرة آلاف
درهم ، فيما بلغنى عن الزهرى .
قال ابن إسحاق : ومن بنى عامر بن لؤى ، ثم من بنى مالك بن حسل :
عمرو بن عبدود ، قتله على بن أبى طالب رضوان الله عليه .
قال ابن هشام : وحدثنى الثقة أنه حدث عن ابن شهاب الزهرى أنه قال :
قتل على بن أبى طالب يومئذ عمرو بن عبدود ، وابنه حسل بن عمرو .
قال ابن هشام : يقال عمرو بن عبدود ، ويقال : عمرو بن عبد .
قال ابن إسحاق : واستشهد يوم بنى قريظة من المسلمين ، ثم من بنى الحارث
ـ733ـ
ابن الخزرج : خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو ، طرحت عليه رحى ، فشدخته
شدخا شديدا ، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن له لاجر
شهيدين .
ومات أبوسنان بن محصن بن حرثان ، أخو بنى أسد بن خزيمة ،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بنى قريظة ، فدفن في مقبرة بنى قريظة
التى يدفنون فيهااليوم ، وإليه دفنوا أمواتهم في الاسلام .
ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق ، قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيما بلغنى : لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ، ولكنكم تغزونهم . فلم
تغزهم قريش بعد ذلك ، وكان هو الذى يغزوها ، حتى فتح الله عليه مكة .
ما قيل من الشعر في أمر الخندق وبنى قريظة
وقال ضرار بن الخطاب بن مرداس ، أخو بنى محارب بن فهر ، في يوم
الخندق :
ومشفقة تظن بنا الظنونا * وقد قدنا عرندسة طحونا
كأن زهاءها أحد إذا ما * بدت أركانه للناظر ينا
ترى الابدان فيها مسبغات ، على الابطال واليلب الحصينا
وجردا كالقداح مسومات * نؤم بها الغواة الخاطئينا
كأنهم إذا صالوا وصلنا * بباب الخندقين مصافحونا
أناس لا نرى فيهم رشيدا
وقد قالوا : ألسنا راشدينا
فأحجرناهم شهرا كريتا * وكنا فوقهم ك القاهرينا
نرواحهم ونغدو كل يوم * عليهم في السلاح مد ججينا
بأيدينا صوارم مرهفات * نقد بها المفارق والشئونا
ـ734ـ
كأن وميضهن معريات * إذا لاحت بأيدى مصلتينا
وميض عقيقة لمعت بليل * ترى فيها العقائق مستبينا
فلولا خندق كانوا لديه * لدمرنا عليهم أجمعينا
ولكن حال دونهم وكانوا * به من خوفنا متعوذينا
فإن نرحل فإنا قد تركنا * لدى أبياتكم سعدا رهينا
إذا جن الظلام سمعت نوحى * على سعد يرجعن الحنينا
وسوف نزوركم عما قريب * كما زرنا كم متوازرينا
بجمع من كنانة غيرعزل * كأسد الغاب قد حمت العرينا
فأجابه كعب بن مالك ، أخو بنى سلمة ، فقال :
وسائلة تسائل ما لقينا * ولو شهدت رأتنا صابرينا
صبرنا لا نرى لله عدلا * على ما نابنا متوكلينا
وكان لنا النبى وزير صدق * به نعلو البرية أجمعينا
نقاتل معشرا ظلموا وعقوا * وكانوا بالعداوة مرصدينا
نعاجلهم إذا نهضوا إلينا * بضرب يعجل ا لمتسرعينا
ترانا في فضافض سابغات * كغدران الملا متسر بلينا
وفى أيماننا بيض خفاف * بها نشفى مراح الشاغبينا
بباب الخندقين كأن أسدا * شوابكهن يحمين العرينا
فوارسنا إذا بكر واوراحوا * على الاعداء شوسا معلمينا
لننصر أحمدا والله ، حتى * نكون عباد صدق مخلصينا
ويعلم أهل مكة حين ساروا * وأحزاب أتوا متحزبينا
بأن الله ليس له شريك * وأن الله مولى المؤمنينا
فإما تقتلوا سعدا سفاها * فإن الله خير القادرينا
ـ735ـ
سيدخله جنانا طيبات * تكون مقامة للصالحينا
كما قد ردكم فلا شريدا * بغيظكم خزايا خائبينا
خزايا لم تنالوا ثم خيرا * وكدتم أن تكونوا دامرينا
بريح عاصف هبت عليكم * فكنتم تحتها متكمهينا
وقال عبدالله بن الزبعرى السهمى ، في يوم الخندق :
حى الديار محا معارف رسمها * طول البلى وتراوح الاحقاب
فكأنما كتب اليهود رسومها * إلا الكنيف ومعقد الاطناب
قفرا كأنك لم تكن تلهو بها * في نعمة بأوانس أتراب
فاترك تذكر ما مضى من عيشة * ومحلة خلق المقام يباب
واذكر بلاء معاشر واشكرهم * ساروا بأجمعهم من الانصاب
أنصاب مكة عامدين ليثرب * في ذى غياطل جحفل جبجاب
يدع الحزون مناهجا معلومة * في كل نشر ظاهر وشعاب
فيها الجياد شوازب مجنوبة * قب البطون لواحق الاقراب
من كل سلهبة وأجرد سلهب * كالسيد بادر غفلة الرقاب
جيش عيينة قاصد بلوائه * فيه ، وصخر قائد الاحزاب
قرمان كالبدرين أصبح فيهما * غيث الفقير ومعقل الهراب
حتى إذا وردوا المدينة وارتدوا * للموت كل مجرب قضاب
شهرا وعشرا قاهرين محمدا * وصحابه في الحرب خير صحاب
نادوا برحلتهم صبيحة قلتم * كدنا نكون بها مع الخياب
لو لا الخنادق غادروا من جمعهم * قتلى لطير سغب وذئاب
فأجابه حسان بن ثابت الانصارى ، فقال :
هل رسم دارسة المقام يباب * متكلم لمحاور بجواب
ـ736ـ
قفر عفا رهم السحاب رسومه * وهبوب كل مطلة مرباب
ولقد رأيت بها الحلول يزينهم * بيض الوجوه ثواقب الاحساب
فدع الديار وذكر كل خريدة * بيضاء آنسة الحديث كعاب
واشك الهموم إلى الاله وماترى * من معشر ظلموا والرسول غضاب
ساروا بأجمعهم إليه وألبوا * أهل القرى وبوادى الاعراب
جيش عيينة وابن حرب فيهم * متخمطون بحلبة الاحزاب
حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا * قتل الرسول ومغنم الاسلاب
وغدوا علينا قادرين بأيدهم * ردوا بغيظهم على الاعقاب
بهبوب معصفة تفرق جمعهم * وجنود ربك سيد الارباب
فكفى الاله المؤمنين قتالهم * وأثابهم في الاجر خير ثواب
من بعد ما قنطوا ففرق جمعهم * تنزيل نصر مليكنا الوهاب
وأقر عين محمد وصحابه * وأذل كل مكذب مرتاب
عاتى الفؤاد موقع ذى ريبة * في الكفر ليس بطاهر الاثواب
علق الشقاء بقلبه ففؤاده * في الكفر آخر هذه الاحقاب
وأجابه كعب بن مالك أيضا ، فقال :
أبقى لنا حدث الحروب بقية * من خير نحلة ربنا الوهاب
بيضاء مشرفة الذرى ، ومعاطنا * حم الجذوع غزيرة الاحلاب
كاللوب يبذل جمها وحفيلها * للجار وابن العم والمنتاب
ونزائعا مثل السراح نمى بها * علف الشعير وجزة المقضاب
عرى الشوى منها وأردف نحضها * جرد المتون وسائر الآراب
قودا تراح إلى الصياح إذا غدت * فعل الضراء تراح للكلاب
وتحوط سائمة الديار ، وتارة * تردى العدا وتئوب بالاسلاب
ـ737ـ
حوش الوحوش مطارة عندالوغى * عبس اللقاء مبينة الانجاب
علفت على دعة فصارت بدنا * دخس البضيع خفيفة الاقصاب
يغدون بالزغف المضاعف شكه * وبمترصات في الثقاف صياب
وصوارم نزع الصياقل غلبها * وبكل أورع ما جد الانساب
يصل اليمين بمارن متقارب * وكلت وقيعته إلى خباب
وأغر أزرق في القناة كأنه * في طخية الظلماء ضوء شهاب
وكتيبة ينفى القران قتيرها * وترد حد قواحز النشاب
جأوى ململمة كأن رماحها * في كل مجمعة صريمة غاب
يأوى إلى ظل اللواء كأنه * في صعدة الخطى فئ عقاب
أعيت أباكرب وأعيت تبعا * وأبت بسالتها على الاعراب
ومواعظ من ربنا نهدى بها * بلسان أزهر طيب الاثواب
عرضت علينا فاشتهينا ذكرها * من بعد ما عرضت على الاحزاب
حكما يراها المجرمون بزعمهم * حرجا ويفهمها ذوو الالباب
جاءت سخينة كى تغالب ربها * فليغلبن مغالب الغلاب
قال ابن هشام : حدثنى من أثق به ، قال : حدثنى عبدالملك بن يحيى
ابن عباد بن عبدالله بن الزبير ، قال : لما قال كعب بن مالك :
جاءت سخينة كى تغالب ربها * فليغلبن مغالب الغلاب
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد شكرك الله يا كعب على
قولك هذا .
قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك في يوم الخندق :
من سره ضرب يمعمع بعضه * بعضا كمعمعة الاباء المحرق
فليأت ماسدة تسن سيوفها * بين المذاد وبين جزع الخندق
ـ738ـ
دربوا بضرب المعلمين وأسلموا * مهجات أنفسهم لرب المشرق
في عصبة نصر الاله نبيه * بهم ، وكان بعبده ذا مرفق
في كل سابغة تخط فضولها * كالنهى هبت ريحه المترقرق
بيضاء محكمة كأن قتيرها * حدق الجنادب ذات شك موثق
جدلاء يحفزها نجاد مهند * صافى الحديدة صارم ذى رونق
تلكم مع التقوى تكون لباسنا * يوم الهياج وكل ساعة مصدق
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا * قدما ونلحقا إذا لم تلحق
فترى الجماجم ضاحيا هاماتها * بله الا كف كأنها لم تخلق
نلقى العدو بفخمة ملمومة * تنفى الجموع كقصد رأس المشرق
ونعد للاعداء كل مقلص * ورد ومحجول القوائم أبلق
تردى بفرسان كأن كماتهم * عند الهياج أسود طل ملثق
صدق يعاطون الكماة حتوفهم * تحت العماية بالوشيج المزهق
أمر الاله بربطها لعدوه * في الحرب ، إن الله خير موفق
لتكون غيظا للعدو وحيطا * للدار إن دلفت خيول النزق
ويعيننا الله العزيز بقوة * منه وصدق الصبر ساعة نلتقى
ونطيع أمر نبينا ونجيبه * وإذا دعا لكريهة لم نسبق
ومتى يناد إلى الشدائد ناتها * ومتى نر الحومات فيها نعتق
من يتبع قول النبى فإنه * فينا مطاع الامر حق مصدق
فبذاك ينصرنا ويظهر عزنا * ويصيبنا من نيل ذاك بمرفق
إن الذين يكذبون محمدا * كفروا وضلوا عن سبيل المتقى
قال ابن هشام : أنشدنى بيته : " تلكم مع التقوى تكون لباسنا " وبيته :
" من يتبع قول النبى " أبوزيد ، وأنشدنى " تنفى الجموع كرأس قدس المشرق " .
ـ739ـ
قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك في يوم الخندق :
لقد علم الاحزاب - حين تألبوا * علينا وراموا ديننا - ما نوادع
أضاميم من قيس بن عيلان أصفقت * وخندف لم يدروا بما هو واقع
يذودوننا عن ديننا ونذودهم * عن الكفر ، والرحمن راء وسامع
إذا غايظونا في مقام أعاننا * على غيظهم نصر من الله واسع
وذلك حفظ الله فينا وفضله * علينا ، ومن لم يحفظ الله ضائع
هدانا لدين الحق واختاره لنا * ولله فوق الصانعين صنائع
قال ابن هشام : وهذه الابيات في قصيدة له .
قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك في يوم الخندق :
ألا أبلغ قريشا أن سلعا * وما بين العريض إلى الصماد
نواضح في الحروب مدربات * وخوص ثقبت من عهد عاد
رواكد يزخر المرار فيها * فليست بالجمام ولا الثماد
كأن الغاب والبردى فيها * أجش إذا تبقع للحصاد
ولم نجعل تجارتنا اشتراء ال * - حمير لارض دوس أو مراد
بلاد لم تثر إلا لكيما * نجالد إن نشطتم للجلاد
أثرنا سكة الانباط فيها * فلم نر مثلها جلهات واد
قصرنا كل ذى حضر وطول * على الغايات مقتدر جواد
أجيبونا إلى ما نجتديكم * من القول المبين والسداد
وإلا فاصبروا لجلاد يوم * لكم منا إلى شطر المذاد
نصبحكم بكل أخى حروب * وكل مطهم سلس القياد
وكل طمرة خفق حشاها * تدف دفيف صفراء الجراد
ـ740ـ
وكل مقلص الآراب نهد * تميم الخلق من أخر وهادى
خيول لا تضاع إذا أضيعت * خيول الناس في السنة الجماد
ينازعن الاعنة مصغيات * إذا نادى الفزع المنادى
إذا قالت لنا النذر استعدوا * توكلنا على رب العباد
وقلنا : لن يفرج ما لقينا * سوى ضرب القوانس والجهاد
فلم نرعصبة فيمن لقينا * من الاقوام من قار وبادى
أشد بسالة منا إذا ما * أردناه وألين في الوداد
إذا ما نحن أشرجنا عليها * جياد الجدل في الارب الشداد
قذفنا في السوابغ كل صقر * كريم غير معتلث الزناد
أشم كأنه أسد عبوس * غداة بدا ببطن الجزع غادى
يغشى هامة البطل المذكى * صبى السيف مسترخى النجاد
لنظهر دينك اللهم إنا * بكفك فاهدنا سبل الرشاد
قال ابن هشام بيته :
قصرنا كل ذى حضر وطول
والبيت الذى يتلوه ، والبيت الثالث منه ، والبيت الرابع منه ، وبيته :
أشم كأنه أسد عبوس
والبيت الذى يتلوه ، عن أبى زيد الانصارى .
قال ابن إسحاق ، : وقال مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح ،
يبكى عمروبن عبدود ، ويذكر قتل على بن أبى طالب إياه :
عمروبن عبد كان أول فارس * جزع المذاد ، وكان فارس يليل
سمح الخلائق ماجد ذومرة * يبغى القتال بشكة لم ينكل
ولقد علمتم حين ولوا عنكم * أن ابن عبد فيهم لم يعجل
ـ741ـ
حتى تكنفه الكماة ، وكلهم * يبغى مقاتله وليس بمؤتلى
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 741 سطر 1 الى ص 750 سطر 22
حتى تكنفه الكماة ، وكلهم * يبغى مقاتله وليس بمؤتلى
ولقد تكنفت الاسنة فارسا * بجنوب سلع غير نكس أميل
تسل النزال على فارس غالب * بجنوب سلع ، ليته لم ينزل
فاذهب على فما ظفرت بمثله * فخرا ، ولا لاقيت مثل المعضل
نفسى الفداء لفارس من غالب * لاقى حمام الموت لم يتحلحل
أعنى الله جزع المذاد بمهره * طلبا لثأر معاشر لم يخذل
وقال مسافع أيضا يؤنب فرسان عمروالذين كانوا معه ، فأجلوا عنه وتركوه :
عمرو بن عبد والجياد يقودها * خيل تقاد له وخيل تنعل
أجلت فوارسه وغادر رهطه * ركنا عظيما كان فيها أول
عجبا ، وإن أعجب فقد أبصرته * مهما تسوم على عمرا ينزل
لا تبعدن فقد أصبت بقتله * وليت قبل الموت أمرا يثقل
وهبيرة المسلوب ولى مدبرا * عند القتال مخافة أن يقتلوا
وضرار كان البأس منه محضرا * ولى كما ولى اللئيم الاعزل
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له . وقوله : " عمرا
ينزل " عن غير ابن إسحاق
قال ابن إسحاق : وقال هبيرة بن أبى وهب يعتذر من فراره ، ويبكى
عمرا ، ويذكر قتل على إياه :
لعمرى ما وليت ظهرى محمدا * وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل
ولكننى قبلت أمرى فلم أجد * لسيفى غناء إن ضربت ولا نبلى
وقفت فلما لم أجد لى مقدما * صددت كضرغام هزبر أبى شبل
ثنى عطفه عن قرنه حين لم يجد * مكرا وقدما كان ذلك من فعلى
فلا تبعدن يا عمرو حيا وهالكا * وحق لحسن المدح مثلك من مثلى
ـ742ـ
ولا تبعدن يا عمرو حيا وهالكا * قد بنت محمود الثنا ماجد الاصل
فمن لطراد الخيل تقدع بالقنا * وللفخر يوما عند قرقرة البزل
هنالك لو كان ابن عبد لزارها * وفرجها حقا فتى غير ما وغل
فعنك على ، لا أرى مثل موقف * وقفت على نجد المقدم كالفحل
فما ظفرت كفاك فخرا بمثله * أمنت به ماعشت من زلة النعل
وقال هبيرة بن أبى وهب يبكى عمرو بن عبدود ، ويذكرقتل على إياه :
لقد علمت عليا لؤى بن غالب * لفارسها عمرو إذا ناب نائب
لفارسها عمرو إذا ما يسومه * على ، وإن الليث لا بد طالب
عشية يدعوه على ، وإنه * لفارسها إذا خام عنه الكتائب
فيا لهف نفسى إن عمرا تركته * بيثرب لا زالت هناك المصائب
وقال حسان بن ثابت يفتخر بقتل عمرو بن عبدود :
بقيتكم عمرو أبحناه بالقنا * بيثرب نحمى والحماة قليل
ونحن قتلناكم بكل مهند * ونحن ولاة الحرب حين نصول
ونحن قتلناكم ببدر فأصبحت * معاشركم في الهالكين تجول
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان .
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضا في شأن عمرو بن عبدود :
أمسى الفتى عمروبن عبد يبتغى * بجنوب يثرب ثأره لم ينظر
فلقد وجدت سيوفنا مشهورة * ولقد وجدت جيادنا لم تقصر
ولقد لقيت غداة بدر عصبة * ضربوك ضربا غير ضرب الحسر
أصبحت لا تدعى ليوم عظيمة * يا عمرو أو لجسيم أمر منكر
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان .
ـ743ـ
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضا :
ألا أبلع أبا هدم رسولا * مغلغلة تخب بها المطى
أكنت وليكم في كل كره * وغيرى في الرخاء هو الولى
ومنكم شاهد ولقد رآنى * رفعت له كما احتمل الصبى
قال ابن هشام : وتروى هذه الابيات لربيعة بن أمية الديلى ، ويروى
فيها آخرها .
كببت الخزرجى على يديه * وكان شفاء نفسى الخزرج
وتروى أيضا لابى أسامة الجشمى .
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت في يوم بنى قريظة يبكى سعد بن
معاذ ويذكر حكمه فيهم :
لقد سجمت من دمع عينى عبرة * وحق لعينى أن تفيض على سعد
قتيل ثوى في معرك فجعت به * عيون ذوارى الدمع دائمة الوجد
على ملة الرحمن وارث جنة * مع الشهداء وفدها أكرم الوفد
فإن تك قد ودعتنا وتركتنا * وأمسيت في غبراء مظلمة اللحد
فأنت الذى يا سعد أبت بمشهد * كريم وأثواب المكارم والحمد
بحكمك في حيى قريظة بالذى * قضى الله فيهم ما قضيت على عمد
فوافق حكم الله حكمك فيهم * ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد
فإن كان ريب الدهر أمضاك في الالى * شروا هذه الدنيا بجناتها الخلد
فنعم مصير الصادقين إذا دعوا * إلى الله يوما للوجاهة والقصد
وقال حسان بن ثابت أيضا ، يبكى سعد بن معاذ ، ورجالا من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشهداء ، ويذكرهم بما كان فيهم من الخير :
ألا يا لقومى هل لماحم دافع ؟ * وهل مامضى من صالح العيش راجع ؟
ـ744ـ
تذكرت عصرا قد مضى فتهافتت * بنات الحشى وانهل منى المدامع
صبابة وجد ذكرتنى أحبة * وقتلى مضى فيها طفيل ورافع
وسعد فأضحوا في الجنان وأوحشت * منازلهم فالارض منهم بلاقع
وفوا يوم بدر للرسول وفوقهم * ظلال المنايا والسيوف اللوامع
دعا فأجابوه بحق وكلهم * مطيع له في كل أمر وسامع
فما نكلوا حتى تولوا جماعة * ولا يقطع الآجال إلا المصارع
لانهم يرجون منه شفاعة * إذا لم يكن إلا النبيون شافع
فذلك يا خير العباد بلاؤنا * إجابتنا لله والموت ناقع
لنا القدم الاولى إليك وخلفنا * لاولنا في ملة الله تابع
ونعلم أن الملك لله وحده * وأن قضاء الله لابد واقع
وقال حسان بن ثابت أيضا في يوم بنى قريظة :
لقد لقيت قريظة ما سآها * وما وجدت لذل من نصير
أصابهم بلاء كان فيه * سوى ما قد أصاب بنى النضير
غداة أتاهم يهوى إليهم * رسول الله كالقمر المنير
له خيل مجنبة تعادى * بفرسان عليها كالصقور
تركناهم وما ظفروا بشئ * دماؤهم عليهم كالغدير ( 1 )
فهم صرعى تحوم الطير فيهم * كذلك دين ذو العند الفجور ( 2 )
فأنذر مثلها نصحا قريشا * من الرحمن إن قبلت نذيرى
وقال حسان بن ثابت في بنى قريظة :
لقد لقيت قريظة ماسآها * وحل بحصنها ذل ذليل
وسعد كان أنذرهم بنصح * بأن إلهكم رب جليل
فما برحوا بنقض العهد حتى * فلاهم في بلادهم الرسول
* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة " كالعبير " وهو هنا الزعفران . ( 2 ) ويروى " الفخور " . ( * )
ـ745ـ
أحاط بحصنهم منا صفوف * له من حر وقعتهم صليل
وقال حسان بن ثابت أيضا في يوم بنى قريظة : تفاقد معشر نصروا قريشا * وليس لهم ببلدتهم نصير
هم أوتوا الكتاب فضيعوه * وهم عمى من التوارة بور
كفرتم بالقران وقد أتيتم * بتصديق الذى قال النذير
فهان على سراة بنى لؤى * حريق بالبويرة مستطير *
فأجابه أبوسفيان بن الحارث بن ع بدالمطلب ، فقال :
أدام الله ذلك من صنيع * وحرق في طرائقها السعير
ستعلم أينا منها بنزه * وتعلم أى أرضينا تضير
فلو كان النخيل بها ركابا * لقالوا لا مقام لكم فسيروا
وأجابه جبل بن جوال الثعلبى أيضا ، وبكى النضير وقريظة ، فقال :
ألا يا سعد بنى معاذ * لما لقيت قريظة والنضير
لعمرك إن سعد بنى معاذ * غداة تحملوا لهو الصبور
فأما الخزرجى أبوحباب * فقال لقينقاع لا تسيروا
وبدلت الموالى من حضير * أسيدا ، والدوائر قد تدور
وأقفرت البويرة من سلام * وسيعة وابن أخطب فهى بور
وقد كانوا ببلدتهم ثقالا * كما ثقلت بميطان الصخور
فإن يهلك أبوحكم سلام * فلا رث السلاح ولا دثور
وكل الكاهنين وكان فيهم * مع اللين الخضارمة الصقور
وجدنا المجد قد ثبتوا عليه * بمجد لا تغيبه البدور
أقيموا يا سراة الاوس فيها * كأنكم من المخزاة عور
تركتم قدركم لا شئ فيها * وقدرالقوم حامية تفور
ـ746ـ
مقتل سلام بن أبى الحقيق
قال ابن إسحاق : ولما انقضى شأن الخندق ، وأمر بنى قريظة ، وكان
سلام بن أبى الحقيق - وهو أبورافع - فيمن حزب الاحزاب على رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وكانت الاوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الاشرف ،
في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه عليه ، استأذنت الخزرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبى الحقيق ، وهو بخيبر ،
فأذن لهم .
قال ابن إسحاق : وحدثنى محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى ، عن عبدالله بن
كعب بن مالك ، قال : وكان مما صنع الله به لرسوله صلى الله عليه وسلم أن هذين
الحيين من الانصار ، الاوس والخزرج ، كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم تصاول الفحلين ، لا تصنع الاوس شيئا فيه عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم غناء إلا قالت الخزرج : والله لا تذهبون بهذه فضلا علينا عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى الاسلام . قال : فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها ،
وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الاوس مثل ذلك .
ولما أصابت الاوس كعب بن الاشرف في عداوته لرسول الله صلى الله
عليه وسلم قالت الخزرج : والله لا تذهبون بها فضلا علينا أبدا ، قال : فتذاكروا :
من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الاشرف ؟ فذكروا
ابن أبى الحقيق وهو بخيبر ، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله ،
فأذن لهم .
فخرج إليه من الخزرج من بنى سلمة خمسة نفر : عبدالله بن عتيك ،
ومسعود بن سنان ، وعبدالله بن أنيس ، وأبوقتادة الحارث بن ربعى ، وخزاعى
ابن أسود ، حليف لهم من أسلم ، فخرجوا ، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
ـ747ـ
عبدالله بن عتيك ، ونهاهم عن أن يقتلوا وليدا أو امرأة ، فخرجوا حتى إذا قدموا
خيبر ، أتوا دار ابن أبى الحقيق ليلا ، فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه على
أهله . قال : وكان في علية له إليها عجلة قال : فأسندوا فيها ، حتى قاموا على بابه ،
فاستأذنوا عليه ، فخرجت إليهم امرأته ، فقالت : من أنتم ؟ قالوا : ناس من العرب
نلتمس الميرة . قالت : ذاكم صاحبكم ، فادخلوا عليه ، قال : فلما دخلنا
أغلقنا علينا وعليها الحجرة ، تخوفا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه ،
قالت : فصاحت امرأته ، فنوهت بنا وابتدرناه - وهو على فراشه - بأسيافنا ،
فو الله ما يدلنا عليه في سواد الليل ( 1 ) إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة ، قال : ولما صاحت
بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ، ثم يذكر نهى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فكيف يده ، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل . قال : فلما ضربناه بأسيافنا
تحامل عليه عبدالله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه ، وهو يقول : قطنى
قطنى : أى حسبى حسبى ، قال : وخرجنا ، وكان عبدالله بن عتيك رجلا سيئ
البصر ، قال : فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا - ويقال : رجله ،
فيما قال ابن هشام - وحملناه حتى نأتى به منهرا من عيونهم ، فندخل فيه
قال : فأوقدوا النيران ، واشتدوا في كل وجه يطلبوننا ، قال : حتى إذا يئسوا
رجعوا إلى صاحبهم ، فاكتنفوه وهو يقضى بينهم . قال : فقلنا : كيف لنا بأن
نعلم بأن عدو الله قد مات ؟ قال : فقال رجل منا : أنا أذهب فأنظر لكم ،
فانطلق حتى دخل في الناس . قال : فوجدت امرأته ورجال يهود حوله وفى يدها
المصباح تنظر في وجهه ، وتحدثهم وتقول : أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك ،
ثم أكذبت نفسى وقلت : أتى ابن عتيك بهذه البلاد ؟ ثم أقبلت عليه تنظر
في وجهه ثم قالت : فاظ وإله يهود ، فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسى
منها . قال : ثم جاءنا ـ فأخبرنا ـ الخبر . فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله صلى الله
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " سواد البيت " . ( * )
ـ748ـ
عليه وسلم فأخبرناه بقتل عدو الله ، واختلفنا عنه في قتله ، كلنا يدعيه . قال :
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هاتوا أسيافكم ، قال : فجئناه بها ، فنظر
إليها فقال لسيف عبدالله بن أنيس هذا قتله ، أرى فيه أثر الطعام .
قال ابن إسحاق : فقال حسان بن ثابت وهو يذكر قتل كعب بن الاشرف ،
وقتل سلام بن أبى الحقيق :
لله در عصابة لا قيتهم * يابن الحقيق وأنت يابن الاشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكم * مرحا كأسد في عرين مغرف
حتى أتوكم في محل بلادكم ، فسقوكم حتفا ببيض ذفف
مستبصرين لنصر دين نبيهم * مستصغرين لكل أمر مجحف
قال ابن هشام : قوله : " ذفف " ، عن غير ابن إسحاق .
إسلام عمرو بن العاص ، وخالد بن الوليد
قال ابن إسحاق : وحدثنى يزيد بن أبى حبيب ، عن راشد مولى حبيب بن
أبى أوس الثقفى ، عن حبيب بن أبى أوس الثقفى ، قال : حدثنى عمروبن العاص
من فيه ، قال : لما انصرفنا مع الاحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش ،
كانوا يرون رأيى ، ويسمعون منى ، فقلت لهم : تعلموا والله إنى أرى أمر
محمد يعلو الامور علوا منكرا ، وإنى قد رأيت أمرا ، فما ترون فيه ؟ قالوا :
وماذا رأيت ؟ قال : رأيت أن نلحق بالنجاشى فنكون عنده ، فإن ظهر محمد
على قومنا كنا عن النجاشى ، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن
نكون تحت يدى محمد ، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا ، فلن يأتينا منهم
إلا خير ، قالوا : إن هذا لرأى ، قلت : فاجمعوا لنا ما نهديه له ، وكان أحب
ما يهدى إليه من أرضناالادم . فجمعنا له أدما كثيرا ، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه .
فو الله إنا لعند إذا جاءه عمرو بن أمية الضمرى ، وكان رسول الله صلى الله
ـ749ـ
عليه وسلم قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه . قال : فدخل عليه ثم خرج
من عنده . قال : فقلت لاصحابى : هذا عمرو بن أمية الضمرى ، لو قد دخلت
على النجاشى وسألته إياه فأعطانية ، فضربت عنقه ، فإذا فعلت ذلك رأت قريش
أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد . قال : فدخلت عليه فسجدت له
كما كنت أصنع ، فقال : مرحبا بصديقى ، أهديت إلى من بلادك شيئا ؟ قلت :
نعم ، أيها الملك ، قد أهديت إليك أدما كثيرا ، قال : ثم قربته إليه ، فأعجبه
واشتهاه ، ثم قلت له : أيها الملك ، إنى قد رأيت رجلا خرج من عندك ،
وهو رسول رجل عدولنا ، فأعطنيه لاقتله ، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا ،
قال : فغضب ، ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره ،
فلو انشقت لى الارض لدخلت فيها فرقا منه ، ثم قلت له : أيها الملك ، والله
لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه ، قال : أتسألنى أن أعطيك رسول رجل
يأتيه الناموس الاكبر الذى كان يأتى موسى لتقتله ؟ ! قال : قلت : أيها الملك ،
أكذاك هو ؟ قال : ويحك يا عمرو أطعنى واتبعه ، فإنه والله لعلى الحق ،
وليظهرن على من خالفه ، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده ، قال : قلت :
أفتبايعنى له على الاسلام ؟ قال : نعم ، فبسط يده ، فبايعته على الاسلام ،
ثم خرجت إلى أصحابى وقد حال رأيى عما كان عليه ، وكتمت أصحابى إسلامى
ثم خرجت عامدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لاسلم ، فلقيت خالد
ابن الوليد ، وذلك قبيل الفتح ، وهو مقبل من مكة ، فقلت : أين أبا سليمان ؟
قال : والله لقد استقام المنسم ، وإن الرجل لنبى ، أذهب والله فأسلم ، فحتى
متى ؟ قال : قلت : والله ما جئت إلا لاسلم ، قال : فقدمنا المدينة على رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ، ثم دنوت ، فقلت :
يا رسول الله ، إنى أبابعك على أن يغفر لى ما تقدم من ذنبى ، ولا أذكر
ما تأخر ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عمرو ، بايع ،
ـ750ـ
فان الاسلام يجب ما كان قبله ، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها ، قال :
فبايعته ثم انصرفت .
قال ابن هشام : ويقال : فإن الاسلام يحت ما كان قبله ، وإن الهجرة
تحت ما كان قبلها .
قال ابن إسحاق ، وحدثنى من لا أتهم : أن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة ،
كان معهما ، ـ أسلم ـ حين أسلما .
قال ابن إسحاق : فقال ابن الزبعرى السهمى :
أنشد عثمان بن طلجة حلفنا * وملقى نعال القوم عند المقبل
وما عقد الآباء من كل حلفة * وما خالد من مثلها بمحلل
أمفتاح بيت غير بيتك تبتغى * وما يبتغى من مجد بيت مؤثل
فلا تأمنن خالدا بعد هذه * وعثمان جاء بالدهيم المعضل
وكان فتح بنى قريظة في ذى القعدة وصدر ذى الحجة ، وولى تلك الحجة
المشركون .
غزوة بى لحيان
قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ذا الحجة
والمحرم وصفرا وشهرى ربيع ، وخرج في جمادى الاولى على رأس ستة أشهر من
فتح قريظة ، إلى بنى لحيان يطلب بأصحاب الرجيع : خبيب بن عدى وأصحابه ،
وأظهر أنه يريد الشام ، ليصيب من القوم غرة .
فخرج من المدينة صلى الله عليه وسلم ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ،
فيما قال ابن هشام .
قال ابن إسحاق : فسلك على غراب ، جبل بناحية المدينة على طريقه إلى الشام ،
ـ751ـ
ثم على مخيض ، ثم على البتراء ، ثم صفق ذات اليسار ، فخرج على بين ، ثم
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 751 سطر 1 الى ص 760 سطر 23
ثم على مخيض ، ثم على البتراء ، ثم صفق ذات اليسار ، فخرج على بين ، ثم
على صخيرات اليمام ، ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة ، فأغذ
السير سريعا ، حتى نزل على غران وهى منازل بنى لحيان ، وغران : واد بين أمج
وعسفان ، إلى بلد يقال له : ساية ، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس
الجبال . فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخطأه من غرتهم ما أراد ،
قال : لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة ، فخرج في مئتى
راكب من أصحابه حتى نزل عسفان ، ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا
كراع الغميم ، ثم كر وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا .
فكان جابر بن عبدالله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
حين وجه راجعا : آيبون تائبون إن شاء الله لربنا حامدون ، أعوذ بالله من وعثاء
السفر ، وكآبة المنقلب ، وسوء المنظر في الاهل والمال .
والحديث في غزوة بنى لحيان ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، وعبدالله بن
أبى بكر ، عن عبدالله بن كعب بن مالك ، فقال كعب بن مالك في غزوة
بنى لحيان :
لو ان بنى لحيان كانوا تناظروا * لقوا عصبا في دارهم ذات مصدق
لقوا سرعانا يملا السرب روعه * أمام طحون كالمجرة فيلق
ولكنهم كانوا وبارا تتبعت * شعاب حجاز غير ذى متنفق
غزوة ذى قرد
ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فلم يقم بها إلا ليالى قلائل ،
حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى ، في خيل من غطفان ، على
لقاح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة ، وفيها رجل من بنى غفار وامرأة
له ، فقتلوا الرجل ، واحتملوا المرأة في اللقاح .
ـ752ـ
قال ابن إسحاق : فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبى بكر ، ومن
لا أتهم ، عن عبدالله بن كعب بن مالك ، كل قد حدث في غزوة ذى قرد
بعض الحديث : أنه كان أول من نذربهم سلمة بن عمرو بن الاكوع الاسلمى
غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله ، ومعه غلام لطلحة بن عبيدالله معه
فرس له يقوده ، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم ، فأشرف
في ناحية ـ من ـ سلع ، ثم صرخ : واصباحاه ثم خرج يشتد في آثار القوم ، وكان
مثل السبع حتى لحق بالقوم ، فجعل يردهم بالنبل ، ويقول إذا رمى : خذها وأنا
ابن الاكوع ، اليوم يوم الرضع ، فاذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ، ثم عارضهم
فإذا أمكنه الرمى رمى ، ثم قال : خذها وأنا ابن الاكوع ، اليوم يوم الرضع ،
قال : فيقول قائلهم : أو يكعنا هو أول النهار .
وقال : وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الاكوع ، فصرخ
بالمدينة الفزع الفزع ، فترامت الخيول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكان أول من انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفرسان : المقداد
ابن عمرو ، وهو الذى يقال له : المقداد بن الاسود ، حليف بنى زهرة ، ثم كان
أول فارس وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المقداد من الانصار :
عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء ، أحد بنى عبد الاشهل ، وسعد
ابن زيد ، أحد بنى كعب بن عبد الاشهل ، وأسيد بن ظهير ، أخو بنى حارثة
ابن الحارث ، يشك فيه ، وعكاشة بن محصن ، أخو بنى أسد بن خزيمة ،
ومحرز بن نضلة ، أخو بنى أسد بن خزيمة ، وأبوقتادة الحارث بن ربعى ، أخو
بنى سلمة ، وأبوعياش ، وهو عبيد بن زيد بن الصامت ، أخو بنى زريق .
فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سعد بن زيد ،
فيما بلغنى ، ثم قال : اخرج في طلب القوم ، حتى ألحقك في الناس .
ـ753ـ
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما بلغنى عن رجال من بنى زريق ،
لابى عياش : يا أبا عياش ، لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق
بالقوم ؟ قال أبوعياش : فقلت : يا رسول الله ، أنا أفرس الناس ، ثم ضربت
الفرس ، فوالله ما جرى بى خمسين ذراعا حتى طرحنى ، فعجبت أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : لو أعطيته أفرس منك ، وأنا أقول : أنا أفرس الناس .
فزعم رجال من بنى زريق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى فرس أبى عياش
معاذ بن ماعص ، أو عائذ بن ماعص بن قيس بن خلدة ، وكان ثامنا ، وبعض
الناس يعد سلمة بن عمرو بن الاكوع أحد الثمانية ، ويطرح أسيد بن ظهير ،
أخا بنى حارثة ، والله أعلم أى ذلك كان ، ولم يكن سلمة يومئذ فارسا ، وقد كان
أول من لحق بالقوم على رجليه . فخرج الفرسان في طلب القوم حتى تلاحقوا .
قال ابن إسحاق : فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة أن أول فارس لحق
بالقوم محرز بن نضلة ، أخو بنى أسد بن خزيمة - وكان يقال لمحرز : الاخرم ،
ويقال له : قمير - وأن الفزع لما كان جال فرس لمحمود بن مسلمة في الحائط ،
حين سمع صاهلة الخيل ، وكان فرسا صنيعا جاما ، فقال نساء من نساء بنى
عبدالاشهل ، حين رأبن الفرس يجول في الحائط بجذع نخل هو مربوط فيه :
يا قمير ، هل لك في أن تركب هذا الفرس ؟ فإنه كما ترى ، ثم تلحق برسول الله
صلى الله عليه وسلم و بالمسلمين ؟ قال : نعم ، فأعطينه إياه . فخرج عليه ، فلم يلبث
أن بذ الخيل بجمامه ، حتى أدرك القوم ، فوقف لهم بين أيديهم ، ثم قال : قفوا
يا معشر بنى اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين
والانصار . قال : وحمل عليه رجل منهم فقتله ، وجال الفرس ، فلم يقدر عليه
حتى وقف على آرية في بنى عبد الاشهل ، فلم يقتل من المسلمين غيره .
قال ابن هشام : وقتل يومئذ من المسلمين مع محرز : وقاص بن مجزز
المدلجى ، فيما ذكر غير واحد من أهل العلم .
ـ754ـ
قال ابن إسحاق : وكان اسم فرس محمود : ذا اللمة .
قال ابن هشام : وكان اسم فرس سعد بن زيد : لاحق ، واسم فرس
المقداد : بعزجة ، ويقال : سبحة ، واسم فرس عكاشة بن محصن : ذو اللمة ،
واسم فرس أبى قتادة : حزوة ، وفرس عباد بن بشر : لماع ، وفرس أسيد بن
ظهير : مسنون ، وفرس أبى عياش : جلوة .
قال ابن إسحاق : وحدثنى بعض من لا أتهم عن عبدالله بن كعب بن
مالك : أن مجززا ( 1 ) إنما كان على فرس لعكاشة بن محصن ، يقال لها : الجناح ،
فقتل مجزز واستلبت الجناح .
ولما تلاحقت الخيل قتل أبوقتادة الحارث بن ربعى ، أخو بنى سلمة ،
حبيب بن عيينة بن حصن ، وغشاه برده ، ثم لحق بالناس .
وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين .
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم .
قال ابن إسحاق : فإذا حبيب مسجى ببرد أبى قتادة ، فاسترجع الناس
وقالوا : قتل أبوقتادة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس بأبى قتادة ،
ولكنه قتيل لابى قتادة ، وضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه .
وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا وابنه عمرو بن أوبار ، وهما على بعير
واحد ، فانتظمها بالرمح ، فقتلهما جميعا ، واستنقذوا بعض اللقاح ، وسار
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالجبل من ذى قرد ، وتلاحق به الناس ،
فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم به ، وأقام عليه يوما وليلة ، وقال له سلمة بن
الاكوع : يا رسول الله ، لو سرحتنى في مئة رجل لا ستنقذت بقية السرح ،
وأخذت بأعناق القوم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما بلغنى : إنهم
الآن ليغبقون في غطفان .
* ( هامش ) * في ا " محرز " بحاء وراء مهملتين . ( * )
ـ755ـ
فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه في كل مئة رجل جزورا ،
وأقاموا عليها ، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا حتى قدم المدينة .
وأقبلت امرأة الغفارى على ناقة من إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر ، فلما فرغت قالت : يا رسول الله ، إنى قد
نذرت لله أن أنحرها إن نجانى الله عليها ، قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، ثم قال : بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحريها ! إنه
لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين ، إنما هى ناقة من إبلى ، فارجعى إلى
أهلك على بركة الله .
والحديث عن امرأة الغفارى وما قالت ، وما قال لها رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، عن أبى الزبير المكى ، عن الحسن بن أبى الحسن البصرى :
وكان مما قيل من الشعر في يوم ذى قرد قول حسان بن ثابت :
لولا الذى لاقت ومس نسورها * بجنوب ساية أمس في التقواد
للقينكم يحملن كل مدجج * حامى الحقيقة ماجد الاجداد
ولسر أولاد اللقيطة أننا * سلم غداة فوارس المقداد
كنا ثمانية وكانوا جحفلا * لجبا فشكوا بالرماح بداد
كنا من القوم الذين يلونهم * ويقدمون عنان كل جواد
كلا ورب الراقصات إلى منى * يقطعن عرض مخارم الاطواد
حتى نبيل الخيل في عرصاتكم * ونؤوب بالملكات والاولاد
رهوا بكل مقلص وطمرة * في كل معترك عطفن ووادى
أفنى دوابرها ولاح متونها * يوم تقاد به ويوم طراد
فكذاك إن جيادنا ملبونة * والحرب مشعلة بريح غواد
وسيوفنا بيض الحدائد تجتلى * جنن الحديد وهامة المرتاد
ـ756ـ
أخذ الاله عليهم لحرامه * ولعزة الرحمن بالاسدد
كانوا بدار ناعمين فبدلوا * أيام ذى قرد وجوه عباد
قال ابن هشام : فلما قالها حسان غضب عليه سعد بن زيد ، وحلف أن
لا يكلمه أبدا ، قال : انطلق إلى خيلى وفوارسى فجعلها للمقداد ! فاعتذر إليه
حسان وقال : والله ما ذاك أردت ، ولكن الروى وافق اسم المقداد ، وقال
أبياتا يرضى بها سعدا :
إذا أردتم الاشد الجلدا * أو ذا غناء فعليكم سعدا
سعد بن زيد لا يهد هدا
فلم يقبل منه سعد ، ولم يغن شيئا .
وقال حسان بن ثابت في يوم ذى قرد :
أظن عيينة إذ زارها * بأن سوف يهدم فيها قصورا
فأكذبت ما كنت صدقته * وقلتم : سنغنم أمرا كبيرا
فعفت المدينة إذ زرتها * وآنست للاسد فيها زئيرا
فولوا سراعا كشد النعام * ولم يكشفوا عن ملط حصيرا
أمير علينا رسول المليك * أحبب بذاك إلينا أميرا
رسول نصدق ما جاءه * ويتلو كتابا مضيئا منيرا
وقال كعب بن مالك في يوم ذى قرد للفوارس :
أتحسب أولاد اللقيطة أننا * على الخيل لسنا مثلهم في الفوارس
وإنا أناس لا نرى القتل سبة * ولا ننثنى عند الرماح المداعس
وإنا لنقرى الضيف من قمع الذرا * ونضرب رأس الابلخ المتشاوس
نرد كماة المعلمين إذا انتخوا * بضرب يسلى نخوة المتقاعس
بكل فتى حامى الحقيقة ماجد * كريم كسرحان الغضاة مخالس
ـ757ـ
يذودون عن أحسابهم وتلادهم * ببيض تقد الهام تحت القوانس
فسائل بنى بدر إذا ما لقيتهم * بما فعل الاخوان يوم التمارس
إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم * ولاتكتموا أخباركم في المجالس
وقولوا زللنا عن مخالب خادر * به وحر في الصدرما لم يمارس
قال ابن هشام : أنشدنى بيته : " وإنا لنقرى الضيف " أبوزيد .
قال ابن إسحاق : وقال شداد بن عارض الجشمى ، في يوم ذى قرد ،
لعيينة بن حصن ، وكان عيينة ـ بن حصن ـ يكنى بأبى مالك :
فهلا كررت أبا مالك * وخيلك مدبرة تقتل
ذكرت الاياب إلى عسجر * وهيهات قد بعد المقفل
وضمنت نفسك ذاميعة * مسح الفضاء إذا يرسل
إذا قبضته إليك الشمال * جاش كما اضطرم المرجل
فلما عرفتم عباد الاله * لم ينظرالآخر الاول
عرفتم فوارس قد عودوا * طراد الكماة إذا أسهلوا
إذا طردوا الخيل تشقى بهم * فضاحا وإن يطردوا ينزلوا
فيعتصموا في سواء المقام * بالبيض أخلصها الصيقل
غزوة بنى المصطلق
بالمريسيع ، في شعبان سنة ست
قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعض جمادى
الآخرة ورجبا ، ثم غرا بنى المصطلق من خزاعة ، في شعبان سنة ست .
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة أباذر الغفارى ، ويقال : نميلة بن
عبدالله الليثى .
ـ758ـ
قال ابن إسحاق : فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبى
بكر ، ومحمد بن يحيى بن حبان ، كل قد حدثنى بعض حديث بنى المصطلق ،
قالوا : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بنى المصطلق يجمعون له ، وقائدهم
الحارث بن أبى ضرار أبوجويرية بنت الحارث ، زوج رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خرج إليهم ، حتى لقيهم
على ماء لهم يقال له : المريسيع ، من ناحية قديد إلى الساحل ، فتزاحف الناس
واقتتلوا ، فهزم الله بنى المصطلق ، وقتل من قتل منهم ، ونفل رسول الله
صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم ، فأفاءهم عليه .
وقد أصيب رجل من المسلمين من بنى كلب بن عوف بن عامر بن ليث
ابن بكر ، يقال له : هشام بن صبابة ( 1 ) ، أصابه رجل من الانصار من رهط
عبادة بن الصامت ، وهو يرى أنه من العدو ، فقتله خطأ .
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الماء ، وردت واردة الناس ،
ومع عمر بن الخطاب أجير له من بنى غفار ، يقال له : جهجاه بن مسعود يقود
فرسه ، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهنى ، حليف بنى عوف بن الخزرج
على الماء ، فاقتتلا ، فصرخ الجهنى : يا معشر الانصار ، وصرخ جهجاه : يا معشر
المهاجرين ، فغضب عبدالله بن أبى بن سلول ، وعنده رهط من قومه فيهم :
زيد بن أرقم ، غلام حدث ، فقال : أوقد فعلوها ، قد نافرونا وكاثرونا في
بلادنا ، والله ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الاول : سمن كلبك
يأكلك ، وأما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل . ثم أقبل
على من حضره من قومه ، فقال لهم : ما فعلتم بأنفسكم : أحللتموهم بلادكم ،
وقاسمتوهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " هشام بن حبابة " . ( * )
ـ759ـ
فسمع ذلك زيد بن أرقم ، فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك
عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه ، فأخبره الخبر ، وعنده عمر
ابن الخطاب ، فقال : مر به عباد بن بشر فليقتله ، فقال له رسول الله صلى
الله عليه وسلم : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ! لا ولكن
أذن بالرحيل ، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها ،
فارتحل الناس .
وقد مشى عبدالله بن أبى بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين
بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه ، فحلف بالله : ما قلت ما قال ،
ولا تكلمت به - وكان في قومه شريفا عظيما - فقال من حضر رسول الله
صلى الله عليه وسلم من الانصار من أصحابه : يا رسول الله ، عسى أن يكون الغلام
قد أوهم في حديثه ، ولم يحفظ ما قال الرجل ، حدبا على ابن أبى بن سلول ،
ودفعا عنه .
قال ابن إسحاق : فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار ، لقيه
أسيد بن حضير ، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ، ثم قال : يا نبى الله ، والله لقد
رحت في ساعة منكرة ، ما كنت تروح في مثلها ، فقال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم : أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟ قال : وأى صاحب يا رسول
الله ؟ قال : عبدالله بن أبى ، قال : وما قال ؟ قال : زعم أنه إن رجع إلى المدينة
ليخرجن الاعز منها الاذل ، قال : فأنت يا رسول الله والله تخرجه منها إن
شئت ، هو والله الذليل وأنت العزير ، ثم قال : يا رسول الله ، ارفق به ، فو الله
لقد جاءنا الله بك ، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه ، فإنه ليرى أنك
قد استلبته ملكا .
ـ760ـ
ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى ،
وليلتهم حتى أصبح ، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ، ثم نزل بالناس ،
فلم يلبثواأن و × دوا مس الارض فوقعوا نياما ، وإنما فعل رسول الله صلى
الله عليه وسلم ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذى كان بالامس ، من حديث
عبدالله بن أبى .
ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ، وسلك الحجاز حتى نزل على
ماء بالحجاز فويق النقيع ، يقال له : بقعاء ، فلما راح رسول الله صلى الله عليه
وسلم هبت على الناس ريح شديدة آذتهم وتخوفوها ، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : لا تخافوها ، فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار ، فلما قدموا
المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت ، أحد بنى قينقاع ، وكان عظيما من
عظماء يهود ، وكهفا للمنافقين ، مات في ذلك اليوم .
ونزلت السورة التى ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبى ومن كان على مثل
أمره ، فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم ،
ثم قال : هذاالذى أوفى الله بأذنه . وبلغ عبدالله بن عبدالله بن أبى الذى كان
من أمر أبيه .
قال ابن إسحاق : فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة : أن عبدالله أتى رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إنه بلغنى أنك تريد قتل عبدالله
ابن أبى فيما بلغك عنه ، فإن كنت ـ لابد ـ فاعلا فمرنى به ، فأنا أحمل إليك رأسه ،
فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده منى ، وإنى أخشى أن تأمر
به غيرى فيقتله ، فلا تدعنى نفسى أنظر إلى قاتل عبدالله بن أبى يمشى في الناس ،
فأقتله فأقتل ـ رجلا ـ مؤمنا بكافر ، فأدخل النار ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : بل نترفق به ، ونحسن صحبته ما بقى معنا .
ـ761ـ
وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 761 سطر 1 الى ص 770 سطر 23
وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه
ويعنفونه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب ، حين بلغه
ذلك من شأنهم : كيف ترى يا عمر ؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لى اقتله ،
لارعدت له آنف ، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته ، قال : قال عمر : قد والله علمت
لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمرى .
قال ابن إسحاق : وقد مقيس بن صبابة من مكة مسلما ، فيما يظهر ،
فقال : يا رسول الله ، جئتك مسلما ، وجئتك أطلب دية أخى ، قتل خطأ .
فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية أخيه هشام بن قبابة ، فأقام عند
رسول الله صلى الله عليه غير كثير . ثم عسا على قاتل أخيه فقتله ، ثم خرج
إلى مكة مرتدا ، فقال في شعر يقوله
شفى النفس أن قدمات بالقاع مسندا * خرج ثوبيه دماء الاخادع
وكانت هموم النفس من قبل قتله * تلم فتحمينى وطاء المضاجع
حللت به وترى وأدركت ثؤرتى * وكنت إلى الاوثان أول راجع
فأرت به فهرا وحملت عقله * سراة بنى النجار أرباب فارع
وقال مقيس بن صبابة أيضا :
جللته ضربة باءت لها وشل * من ناقع الجوف يعلوه وينصرم
فقلت والموت تغشاه أسرته * لا تأمنن بنى بكر إذا ظلموا
قال ابن هشام : وكان شعار المسلمين يوم بنى المصطلق : يا منصور ،
أمت أمت .
قال ابن إسحاق : وأصيب من بنى المصطلق يومئذ ناس ، وقتل على بن
أبى طالب منهم رجلين ، مالكا وابنه ، وقتل عبدالرحمن بن عوف رجلا من
فرسانهم ، يقال له : أحمر ، أو أحيمر .
ـ762ـ
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب منهم سبيا كثيرا ، فشا
قسمه في المسلمين ، وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث
ابن أبى ضرار ، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن إسحاق : حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ،
عن عائشة ، قالت : لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بنى الصطلق ،
وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس ، أو لابن عم
له ، فكاتبته على نفسها ، وكانت امرأة حلوة ملاحة ، لا يراها أحد إلا أخذت
بنفسه ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها ، قالت عائشة :
فو الله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتى فكرهتها ، وعرفت أنه سيرى منها
صلى الله عليه وسلم ما رأيت ، فدخلت عليه ، فقالت : يا رسول الله ، أنا جويرية
بنت الحارث بن أبى ضرار ، سيد قومه ، وقد أصابنى من البلاء مالم يخف
عليك ، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس ، أو لابن عم له ،
فكاتبته على نفسى ، فجئتك أستعينك على كتابتى ، قال : فهل لك في خير
من ذلك ؟ قالت : وما هو يا رسول الله ؟ قال : أقضى ـ عنك ـ كتابتك وأتزوجك ،
قالت : نعم يا رسول الله ، قال : قد فعلت .
قالت : وخرج الخبر إلى الناس أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قد تزوج
جويرية بنة الحارث بن أبى ضرار ، فقال الناس : أصهار رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وأرسلوا ما بأيديهم ، قالت : فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة أهل بيت
من بنى المصطلق ، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها .
قال ابن هشام : ويقال : لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من
غزوة بنى المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث ؟ وكان بذات الجيش ، دفع
جويرية إلى رجل من الانصار وديعة ، وأمره بالاحتفاظ بها ، وقدم رسول الله
ـ763ـ
صلى الله عليه وسلم المدينة ، فأقبل أبوها الحارث بن أبى ضرار بفداء ابنته ،
فلما كان بالعقيق نظر إلى الابل التى جاء بها للفداء ، فرغب في بعيرين منها ،
فغيهما في شعب من شعاب العقيق ، ثم أتى إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقال :
يا محمد ، أصبتم ابنتى ، وهذا فداؤها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأين
البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق ، في شعب كذا وكذا ؟ فقال الحارث : أشهد
أن لا إله إلا الله ، وأنك محمد رسول الله ، فو الله ما اطلع على ذلك إلا الله ، فأسلم
الحارث ، وأسلم معه ابنان له . وناس من قومه ، وأرسل إلى البعيرين ، فجاء
بهما ، فدفع الايل إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، ودفعت إليه ابنته جويرية ،
فأسلمت ، وحسن إسلامها ، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها ،
فزوجه إياها ، وأصدقها أربع مئة درهم .
قال ابن إسحاق وحدثنى يزيد بن رومان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بعث إليهم بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبى معيط ، فلما سمعوا به ركبوا إليه
فلما سمع بهم هابهم ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره أن القوم
قد هموا بقتله ، ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم ، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم
حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يغزوهم ، فبينما هم على ذلك قدم وفدهم
على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله ، سمعنا برسولك حين بعثته
إلينا ، فخرجنا إليه لنكرمه ، ونؤدى إليه ما قبلنا من الصدقة ، فانشمر راجعا ،
فبلغنا أنه زعم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا خرجنا إليه لنقتله ، ووالله من جئنا
لذلك ، فأنزل الله تعالى فيه وفيهم : ( يأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق
ينبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين
واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطعيكم في كثير من الامر لعنتم
6 و 7 - من سورة الحجرات ) إلى آخر الآية .
ـ764ـ
وقد أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك ، كما حدثنى من لا أتهم
عن الزهرى ، عن عروة عن عائشة رضى الله عنها ، حتى إذا كان قريبا من المدينة ،
وكانت معه عائشة في سفره ذلك ، قال فيها أهل الافك ما قالوا .
خبر الافك في غزوة بنى المصطلق
سنة ست ـ
قال ابن إسحاق : حدثنا الزهرى ، عن علقمة بن وقاص ، وعن سعيد بن جبير ،
وعن عروة بن الزبير ، وعن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة ، قال : كل قد حدثنى بعض هذا الحديث ، وبعض القوم كان أوعى له من بعض . وقد جمعت لك
الذى حدثنى القوم .
قال محمد بن إسحاق : وحدثنى يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه
عن عائشة ، وعبدالله بن أبى بكر ، عن عمرة بنت عبدالرحمن ، عن عائشة ،
عن نفسها ، حين قال فيها أهل الافك ماقالوا . فكل قد دخل في حديثها عن
هؤلاء جميعا يحدث بعضهم مالم يحدث صاحبه ، وكل كان عنها ثقة ، فكلهم يحدث عنها
ما سمع ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ،
فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ، فلما كانت غزوة بنى المصطلق أقرع بين
نسائه ، كما كان يصنع ، فخرج سهمى عليهن معه ، فخرج بى رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
قالت : وكان النساء إذا ذاك إنما يأكلن العلق لم يهيجهن اللحم فيثقلن ،
وكنت إذا رحل لى بعيرى جلست في هودجى ، ثم يأتى القوم الذين يرحلون
لى ويحملوننى ، فيأخذون بأسفل الهودج ، فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير ،
فيشدونه بحباله ، ثم يأخذون برأس البعير ، فينطلقون به . قالت : فلما فرغ رسول الله
ـ765ـ
صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك ، وجه قافلا ، حتى إذا كان قريبا من المدينة
نزل منزلا . فبات به بعض الليل ، ثم أذن في الناس بالرحيل ، فارتحل الناس ،
وخرجت لبعض حاجتى ، وفى عنقى عقد لى ، فيه جزع ظفار ، فلما فرغت انسل
من عنقى ولا أدرى ، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقى ، فلم أجده ،
وقد أخذ الناس في الرحيل ، فرجعت إلى مكانى الذى ذهبت إليه ، فالتمسته حتى
وجدته ، وجاء القوم خلافى ، الذين كانوا يرحلون لى البعير ، وقد فرغوا من
رحلته ، فأخذوا الهودج ، وهم يظنون أنى فيه ، كما كنت أصنع ، فاحتملوه ،
فشدوه على البعير ، ولم يشكوا أنى فيه ، ثم أخذوا برأس البعير ، فانطلقوا به ،
فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب ، قد انطلق الناس .
قالت : فتلففت بجلبابى ، ثم اضطجعت في مكانى ، وعرفت أن لوقد افتقدت
لرجع إلى . قالت : فوالله إنى لمضطجعة إذ مربى صفوان بن المعطل السلمى ، وقد
كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته ، فلم يبت مع الناس ، فرأى سوادى ،
فأقبل حتى وقف على ، وقد كان يرانى قبل أن يضرب علينا الحجاب ، فلما رآنى
قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وأنا متلففة
في ثيابى : قال : ما خلفك يرحمك الله ؟ قالت : فما كلمته ، ثم قرب البعير ،
فقال : اركبى ، واستأخر عنى . قالت : فركبت ، وأخذ برأس البعير ، فانطلق
سريعا ، يطلب الناس ، فوالله ما أدركنا الناس ، وما افتقدت حتى أصبحت ،
ونزل الناس ، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقودنى ، فقال أهل الافك ما قالوا ،
فارتعج العسكر ( 1 ) ووالله ما أعلم بشئ من ذلك .
ثم قدمنا المدينة ، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة ، ولا يبلغنى من ذلك
شئ . وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى أبوى
لا يذكرون لى منه قليلا ولا كثيرا ، إلا أنى قد أنكرت من رسول الله صلى الله
* ( هامش ) * ( 1 ) ارتعج العسكر : تحرك واضطرب . ( * )
ـ766ـ
عليه وسلم ـ بعض ـ لطفه ـ بى ـ ، كنت إذا اشتكيت رحمنى ، ولطف بى ، فلم يفعل
ذلك بى في شكواى تلك ، فأنكرت ذلك منه ، كان إذا دخل على وعندى أمى
تمرضنى - قال ابن هشام : وهى أم رومان ، واسمها زينب بنت عبد دهمان ، أحد
بنى فراس بن غنم بن مالك بن كنانة - قال : كيف تيكم ؟ لا يزيد على ذلك .
قال ابن إسحاق : قالت : حتى وجدت في نفسى ، فقلت : يا رسول الله ،
حين رأيت ما رأيت من جفائه لى - : لو أذنت لى ، فانتقلت إلى أمى ،
فمرضتنى ؟ قال : لا عليك . قالت : فانتقلت إلى أمى ، ولا علم لى بشئ
مما كان ، حتى نقهت من وجعى بعد بضع وعشرين ليلة ، وكنا قوما م ربا ،
لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التى تتخذها الاعاجم ، نعافها ونكرهها ،
إنما كنا نذهب في فسح المدينة ، وإنما كانت النساء يخرجن كل ليلة في
حوائجهن ، فخرجت ليلة لبعض حاجتى ومعى أم مسطح بنت أبى رهم بن المطلب
ابن عبد مناف ، وكانت أمها بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم ،
خالة أبى بكر الصديق رضى الله عنه ، قالت : فو الله إنها لتمشى ملى إذ عثرت
في مرطها ، فقالت : تعس مسطح ! ومسطح لقب واسمه عوف ، قالت :
قلت : بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرا ، قالت :
أو ما بلغك الخبر يا بنت أبى بكر ؟ قالت : قلت : وماالخبر ؟ فأخبرتنى بالذى
كان من قول أهل الافك ، قالت : قلت : أو قد كان هذا ؟ قالت : نعم والله
لقد كان . قالت : فو الله ما قدرت على أن أقضى حاجتى ، ورجعت ، فوالله
ما زلت أبكى حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدى ، قالت : وقلت لامى :
يغفر الله لك ، تحدث الناس بما تحدثوا به ، ولا تذكرين لى من ذلك شيئا !
قالت : أى بنية ، خفضى عليك الشأن ، فوالله لقلما كانت امرأة حسناء ، عند
رجل يحبها ، لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها .
ـ767ـ
قالت : وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس يخطبهم ولا أعلم
بذلك ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، ما بال رجال يؤذوننى
في أهلى ، ويقولون عليهم غير الحق ، والله ما علمت منهم إلا خيرا ،
ويقولون ذلك لرجل ، والله ما علمت منه إلا خيرا ، وما يدخل بيتا من بيوتى
إلا وهو معى .
قالت : وكان كبر ذلك عند عبدالله بن أبى بن سلول في رجال من
الخزرج مع الذى قال مسطح وحمنة بنت جحش ، وذلك أن أختها زينب بنت
جحش كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم تكن من نسائه امرأة
تناصينى في المنزلة عنده غيرها ، فأما زينب فعصمها الله تعالى بدينها ، فلم تقل
إلا خيرا ، وأما حمنة بنت جحش فأشاعت من ذلك ما أشاعت ، تضادنى
لاختها ، فشقيت بذلك .
فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة ، قال أسيد بن حضير :
يا رسول الله ، إن يكونوا من الاوس نكفكهم ، وإن يكونوا من إخواننا
من الخزرج ، فمرنا بأمرك ، فوالله إنهم لاهل أن تضرب أعناقهم ، قالت :
فقام سعد بن عبادة ، وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا ، فقال : كذبت
لعمر الله ، لا تضرب أعناقهم ، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت
أنهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ماقلت هذا ، فقال أسيد : كذبت للمر
الله ، ولكنك منافق تجادل عن المنافقين ، قالت : وتساور الناس ، حتى كاد
يكون بين هذين الحيين من الاوس والخزرج شر . ونزل رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فدخل على .
ـ قالت ـ : فدعا على بن أبى طالب رضوان الله عليه ، وأسامة بن زيد ،
ف استشارهما ، فأما أسامة فأثنى ـ على ـ خيرا وقاله ، ثم قال : يا رسول الله ، أهلك
ـ768ـ
ولا تعلم إلا خيرا ، ولا نعلم منهم إلا خيرا ، وهذا الكذب والباطل ، وأما على
فإنه قال : يارسول الله ، إن النساء لكثير ، وإنك لقادر على أن تستخلف ، وسل
الجارية ، فإنها ستصدقك . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ليسألها ،
قالت : فقام إليها على بن أبى طالب ، فضربها ضربا شديدا ، ويقول : اصدقى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت : فتقول والله ما أعلم إلا خيرا ، وما كنت
أعيب على عائشة شيئا ، إلا أنى كنت أعجن عجينى ، فآمرها أن تحفظه ،
فتنام عنه ، فتأتى الشاة فتأكله .
قالت : ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندى أبواى ،
وعندى امرأة من الانصار ، وأنا أبكى ، وهى تبكى معى ، فجلس ، فحمد الله ،
وأثنى عليه ، ثم قال : يا عائشة ، إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس ، فاتقى
الله ، وإن كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبى إلى الله ، فإن الله يقبل
التوبة عن عباده ، قالت : فو الله ما هو إلا أن قال لى ذلك ، فقلص دمعى ،
حتى ما أحس منه شيئا ، وانتظرت أبوى أن يجيبا عنى رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فلم يتكلما . قالت : وايم الله لانا كنت أحقر في نفسى ، وأصغر
شأنا من أن ينزل الله في قرآنا يقرأ به في المساجد ، ويصلى به ، ولكنى
قد كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه شيئا يكذب به
الله عنى ، لما يعلم من براءتى ، أو يخبر خبرا ، فأما قرآن ينزل في ، فو الله
لنفسى كانت أحقر عندى من ذلك . قالت : فلما لم أر أبوى يتكلمان ،
قالت : قلت لهما : ألا تجيبان رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : فقالا :
والله ما ندرى بماذا نجيبه ، قالت : ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم مادخل
على آل أبى بكر في تلك الايام ، قالت : فلما أن استعجما على ، استعبرت
فبكيت ، ثم قلت : والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا . والله إنى لاعلم
ـ769ـ
لئن أقررت بما يقول الناس ، والله يعلم ـ منى ـ أنى منه بريئة ، لاقولن ما لم يكن ،
ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقوننى . قالت : ثم التمست اسم يعقوب
فما أذكره ، فقلت : ولكن سأقول كما قال أبويوسف : ( فصبر جميل ،
والله المستعان على ما تصفون - 81 من سورة يوسف ) قالت : فو الله ما برح
رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه ، فسجى
بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت ،
فو الله ما فزعت ولا باليت ، قد عرفت أنى بريئة وأن الله عزوجل غير ظالمى ،
وأما أبواى ، فو الذى نفس عائشة بيده ، ما سرى عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، حتى ظننت لتخرجن أنفسهما ، فرقا من أن يأتى من الله تحقيق
ما قال الناس ، قالت : ثم سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس ،
وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شات ، فجعل يمسح العرق عن جبينه ،
ويقول : أبشرى يا عائشة ، فقد أنزل الله براءتك ، قالت : قلت : بحمدالله ،
ثم خرج إلى الناس ، فخطبهم ، وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك ،
ثم أمر بمسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت ، وحمنة بنت جحش ، وكانوا ممن
أفصح بالفاحشة ، فضربوا حدهم .
قال ابن إسحاق : وحدثنى أبى إسحاق بن يسارعن بعض رجال بنى
النجار : أن أبا أيوب خالد بن زيد ، قالت له امرأته أم أيوب : يا أبا أيوب ،
ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال : بلى ، وذلك الكذب ، أكنت
يا أم أيوب فاعلة ؟ قالت : لا والله ما كنت لافعله ، قال : فعائشة والله
خير منك .
قالت : فلما نزل القرآن يذكر من قال من أهل الفاحشة ما قال من أهل الافك
فقال تعالى : ( إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم ، لا تحسبوه شرا
ـ770ـ
لكم ، بل هو خير لكم ، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم ،
والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) ، وذلك حسان بن ثابت
وأصحابه الذين قالوا ما قالوا .
قال ابن هشام : ويقال : وذلك عبدالله بن أبى وأصحابه .
قال ابن هشام : والذى تولى كبره عبدالله بن أبى ، وقد ذكر ذلك ابن
إسحاق في هذا الحديث قبل هذا . ثم قال تعالى : ( لولا إذ سمعتموه ظن
المؤمنون و المؤمنات بأنفسهم خيرا ) : أى فقالوا كما قال أبوأيوب وصاحبته ،
ثم قال : ( إذ تلقونه بألسنتكم ، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به
علم ، وتحسبونه هينا ، وهو عند الله عظيم ) :
فلما نزل هذا في عائشة ، وفيمن قال لها ما قال ، قال أبوبكر ، وكان ينفق
على مسطح لقرابته وحاجته : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا ، ولا أنفعه
بنفع أبدا بعد الذى قال لعائشة ، وأدخل علينا ، قالت : فأنزل الله في ذلك
( ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتواأولى القربى والمساكين
و المهاجرين في سبيل الله ، وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله
لكم ، والله غفور رحيم - 11 إلى 12 من سورة النور ) .
قال ابن هشام : يقال : كبره وكبره في الرواية ، وأما في القرآن فكبره
بالكسر .
قال ابن هشام : " ولا يأتل أولوا الفضل منكم " ولا يأل أولو الفضل منكم
قال امرؤ القيس بن حجر الكندى .
ألا رب خصم فيك ألوى رددته * نصيح على تعذاله غير مؤتل
وهذا البيت في قصيدة له ، ويقال : ولا يأتل أولو الفضل : ولا يحلف
أولو الفضل ، وهو قول الحسن بن أبى الحسن ـ البصرى ـ . فيما بلغنا عنه .
ـ771ـ
وفى كتاب الله تعالى : ( للذين يؤلون من نسائهم - 221 من سورة
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 771 سطر 1 الى ص 780 سطر 23
وفى كتاب الله تعالى : ( للذين يؤلون من نسائهم - 221 من سورة
البقرة ) ، وهو من الالية ، والالية : اليمين . قال حسان بن ثابت :
آليت ما في جميع الناس مجتهدا * منى ألية بر غير إفناد
وهذا البيت في أبيات له ، سأذكرها إن شاء الله في موضعها . فمعنى ( أن
يؤتوا ) في هذا المذهب : أن لا يؤتوا ، وفى كتاب الله عزوجل : ( يبين الله
لكم أن تضلوا - 176 من سورة النساء ) يريد : أن لا تضلوا ( ويمسك السماء
أن تقع على الارض - 65 من سورة الحج ) يريد أن لا تقع على الارض . وقال
ابن مفرغ الحميرى :
لا ذعرت السوام في وضح الصبح * مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطى مخافة الموت ضيما * والمنايا يرصدننى أن أحيدا
يريد : أن لا أحيد ، وهذان البيتان في أبيات له .
قال ابن إسحاق : قالت : فقال أبوبكر : بلى والله ، إنى لاحب أن يغفر
الله لى ، فرجع إلى مسطح نفقته التى كان ينفق عليه ، وقال : والله لا أنزعها
منه أبدا .
قال ابن إسحاق : ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بن ثابت بالسيف
حين بلغه ما كان يقول فيه ، وقد كان حسان قال شعرا مع ذلك يعرض بابن
المعطل ـ فيه ـ ، وبمن أسلم من العرب من مضر ، فقال :
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا * وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
قد ثكلت أمه من كنت صاحبه * أو كان منتشبا في برثن الاسد
ما لقتيلى الذى أغدو فآخذه * من دية فيه يعطاها ولا قود
ما البحر حين تهب الريح شامية * فيغطئل ويرمى العبر بالزبد
يوما بأغلب منى حين تبصرنى * ملغيظ أفرى كفرى العارض البرد
أما قريش فإنى لم أسالمهم * حتى ينيبوا من الغيات للرشد
ـ772ـ
ويتركوا اللات والعزى بمعزلة * ويسجدوا كلهم للواحد الصمد
ويشهدوا أن ماقال الرسول لهم * حق ، ويوفوا بعهد الله والوكد
فاعترضه صفوان بن المعطل ، فضربه بالسيف ، ثم قال كما حدثنى يعقوب
ابن عتبة :
تلق ذباب السيف عنى فإننى * غلام إذا هو جيت لست بشاعر
قال ابن إسحاق وحدثنى محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى : أن ثابت
ابن قيس بن الشماس وثب على صفوان بن المعطل ، حين ضرب حسان ، فجمع
يديه إلى عنقه بحبل ، ثم انطلق به إلى دار بنى الحارث بن الخزرج ، فلقيه
عبدالله بن رواحة ، فقال : ماهذا ؟ قال : أما أعجبك ضرب حسان بالسيف !
والله ما أراه إلا قد قتله ، قال له عبدالله بن رواحة : هل علم رسول الله صلى الله
عليه وسلم بشئ مما صنعت ؟ قال : لا والله ، قال : لقد اجترأت ، أطلق الرجل ،
فأطلقه ، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا ذلك له ، فدعا حسان
وصفوان بن المعطل ، فقال ابن المعطل : يا رسول الله ، آذانى وهجانى ، فاحتملنى
الغضب ، فضربته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان : أحسن يا حسان ،
أتشوهت على قومى أن هداهم الله للاسلام ، ثم قال : أحسن يا حسان في الذى
أصابك ، قال : هى لك يا رسول الله .
قال ابن هشام : ويقال : أبعد أن هداكم الله للاسلام .
قال ابن إسحاق : فحدثنى محمد بن إبراهيم : أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أعطاه عوضا منها بيرحاء ، وهى قصر بنى حديلة اليوم بالمدينة ، وكانت
مالا لابى طلحة بن سهل تصدق بها على ـ آل ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان في ضربته ، وأعطاه سيرين ،
أمة قبطية ، فولدت له عبدالرحمن بن حسان ، قال : وكانت عائشة تقول :
ـ773ـ
لقد سئل عن ابن المعطل ، فوجدوه رجلا حصورا ، ما يأتى النساء ، ثم قتل
بعد ذلك شهيدا
قال حسان بن ثابت يعتذر من الذى كان قال في شأن عائشة رضى الله عنها :
حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
عقيلة حى من لؤى بن غالب * كرام المساعى مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمها * وطهرها من كل سوء وباطل
فإن كنت قد قلت الذى قد زعمتم * فلا رفعت سوطى إلي أناملى
وكيف وودى ما حييت ونصرتى * لآل رسول الله زين المحافل
له رتب عال على الناس كلهم * تقاصر عنه سورة المتطاول
فإن الذى قد قيل ليس بلائط * ولكنه قول امرئ بى ماحل
قال ابن هشام : بيته " عقيلة حى " والذى بعده ، وبيته : " له رتب عال "
عن أبى زيد الانصارى
قال ابن هشام : وحدثنى أبوعبيدة : أن امرأة مدحت بنت حسان بن ثابت
عند عائشة ، فقالت :
حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت عائشة : لكن أبوها .
قال ابن إسحاق : وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه في فريتهم
على عائشة - قال ابن هشام : في ضرب حسان وصاحبيه - :
لقد ذاق حسان الذى كان أهله * وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم * وسخطة ذى العرش الكريم فأترحوا
وآذوا رسول الله فيها فجللوا * مخازى تبقى عمموها وفضحوا
وصبت عليهم محصدات كأنها * شآبيب قطر من ذرا المزن تسفح
ـ774ـ
أمر الحديبية في آخر سنة ست ، وذكر بيعة الرضوان
والصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبين سهيل بن عمرو
قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة شهر رمضان
وشوالا ، وخرج في ذى القعدة معتمرا ، لا يريد حربا .
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة نميلة بن عبدالله الليثى .
قال ابن إسحاق : واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادى من الاعراب
ليخرجوا معه ، وهو يخشى من قريش الذى صنعوا ، أن يعرضوا له بحرب أو
يصدوه عن البيت ، فأبطأ عليه كثير من الاعراب ، وخرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والانصار ومن لحق به من العرب ، وساق معه
الهدى ، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه ، وليعلم الناس أنه إنما خرج
زائرا لهذا البيت ومعظما له .
قال ابن إسحاق : حدثنى محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى ، عن عروة بن
الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا : خرج رسول
الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت ، لا يريد قتالا ، وساق معه
الهدى سبعين بدنة ، وكان الناس سبع مئة رجل ، فكانت كل بدنة عن
عشرة نفر
وكان جابر بن عبدالله ، فيما بلغنى ، يقول : كنا أصحاب الحديبية
أربع عشرة مئة .
قال الزهرى : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كان بعسفان
لقيه بشر بن سفيان الكعبى - قال ابن هشام : ويقال بسر - فقال : يا رسول الله
ـ775ـ
هذه قريش ، قد سمعت بمسيرك ، فخرجوا معهم العوذ المطافيل ، قد لبسوا
جلود النمور ، وقد نزلوا بذى طوى ، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا ،
وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم ، قال : فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ويح قريش ! لقد أكلتهم ( 1 ) الحرب ، ماذا
عليهم لو خلوا بينى وبين سائر العرب : فإن هم أصابونى كان ـ ذلك ـ الذى أرادوا ،
وإن أظهرنى رسول الله عليهم دخلوا في الاسلام وافرين ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم
قوة ، فما تظن قريش ، فو الله لا أزال أجاهد على الذى بعثنى الله به حتى
يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ، ثم قال : من رجل يخرج بنا على طريق غير
طريقهم التى هم بها ؟
قال ابن إسحاق : فحدثنى عبدالله بن أبى بكر : أن رجلا من أسلم قال :
أنا يا رسول الله ، قال : فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب ، فلما خرجوا
منه ، وقد شق ذلك على المسلمين وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادى ،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس : قولوا نستغفر الله ونتوب إليه ، فقالوا
ذلك ، فقال : والله إنها للحطة التى عرضت على بنى إسرائيل فلم يقولوها .
قال ابن هشام : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال : اسلكوا
ذات اليمين بين ظهرى الحمض ، في طريق ـ تخرجه ـ على ثنية المرار مهبط
الحديبية من أسفل مكة ، قال : فسلك الجيش ذلك الطريق ، فلما رأت خيل
قريش فترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ، رجعوا راكضين إلى قريش ،
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت
ناقته ، فقال الناس : خلات الناقة ، قال : ما خلات وما هولها بخلق ،
ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة . لاتدعونى قريش اليوم إلى خطة
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " أهلكتهم الحرب " ( * )
ـ776ـ
يسألوننى فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ، ثم قال للناس : انزلوا ، قيل له :
يا رسول الله : ما بالوادى ماء ننزل عليه ، فأخرج سهما من كنانته ، فأعطاه
رجلا من أصحابه ، فنزل به في ` قليب من تلك القلب ، فغرزه في جوفه ، فجاش
بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن .
قال ابن إسحاق : فحدثنى بعض أهل العلم عن رجال من أسلم : أن الذى
نزل في القليب بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب بن عمير
ابن يعمر بن دارم بن عمرو بن وائلة بن سهم بن ` مازن بن سلامان بن أسلم بن
أفصى بن أبى حارثة ، وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وغلم .
قال ابن ` هشام : أفصى بن حارثة .
قال ابن إسحاق : وقد زعم لى بعض أهل العلم : أن البراء بن عازب كان
يقول : أنا نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فا لله أعلم أى ذلك كان .
وقد أنشدت أسلم أبياتا من شعر قالها ناجية ، قد ظننا أنه هو الذى نزل
بالسهم ، فزعمت أسلم أن جارية من الانصار أقبلت بدلوها ، وناجية في القليب
يميح على الناس ، فقالت :
يأيها المائح دلوى دونكا * إنى رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجدونكا
قال ابن هشام : ويروى :
إنى رأيت الناس يمدحونكا
قال ابن إسحاق : فقال ناجية ، وهو في القليب يميح على الناس :
قد علمت جارية يمانيه * أنى أنا المائح واسمى ناجيه
وطعنة ذات رشاش واهيه * طعنتها عند صدور العاديه
فقال الزهرى في حديثه : فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه
ـ777ـ
بديل ابن ورقاء الخزاعى ، في رجال من خزاعة ، فكلموه وسألوه : ما الذى
جاء به ؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا ، وإنما جاء زائرا للبيت ، ومعظما
لحرمته ، ثم قال لهم نحوا مما قال لبشر بن سفيان ، فرجعوا إلى قريش فقالوا :
يا معشر قريش ، إنكم تعجلون على محمد ، إن محمدا لم يأت لقتال ، وإنما
جاء زائرا هذا البيت ، فاتهموهم وجبهوهم ، وقالوا : وان كان جاء ولا يريد
قتالا ، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ، ولا تحدث بذلك عنا العرب .
قال الزهرى : وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
مسلمها ومشركها ( 1 ) ، لا يخفون عنه شيئا كان بمكة .
قال : ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الاخيف ، أخا بنى عامر بن لؤى ،
فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال : هذا رجل غادر ، فلما انتهى
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم
نحوا مما قال لبديل وأصحابه ، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن ز ان ، وكان يومئذ سيد الاحابيش ،
وهو أحد بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة ى فلما رآه رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : إن هذا من قوم يتألهون ، فابعثوا الهدى في و × هه حتى يراه ، `
فلما رأى الهدى يسيل عليه من غير عرض الوادى في قلائده ، وقد أكل أوباره
من طول الحبس عن محله ، رجع إلى قريش ، ولم يصل إلى رسول لله صلى ` الله
عليه وسلم إعظاما لما رأى ، فقال لهم ذلك ، قال : فقالوا له : اجلس ، فإنما أنت
أعرابى لا علم لك .
قال ابن إسحاق : فحدثنى عبدالله بن أبى بك : أن الحليس غضب عند
ذلك وقال : يا معشر قريش ، والله ما على هذا حالفناكم ، ولا على هذا
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " مسلمها وكافرها " ( * )
ـ778ـ
عاقدناكم . أيصد عن بيت الله من جاء معظما له ! والذى نفس الحليس بيده ،
لتخلن بين محمد وبين ما جاء له ، أو لانفرن بالاحابيش نفرة رجل واحد .
قال : فقالوا : مه ، كف عنايا حليس حتى نأخذ لانفسنا ما نرضى به .
قال الزهرى في حديثه : ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة
ابن مسعود الثقفى ، فقال : يا معشر قريش ، إنى قد رأيت ما يلقى منكم من
بعثتموه إلى محمد إذا جاء كم من التعنيف وسوء اللفظ ، وقد عرفتم أنكم والد
وأنى ولد - وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس - وقد سمعت بالذى نابكم ،
فجمعت من أطاعنى من قومى ، ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسى ، قالوا : صدقت ،
ما أنت عندنا بمتهم . فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس
بين يديه ، ثم قال : يا محمد ، أجمعت أوشاب الناس ، ثم جئت بهم إلى بيضتك
لتفضهابهم ، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل . وقد لبسوا جلود
النمور ، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا . وايم الله ، لكأنى بهؤلاء
قد انكشفوا عنك غدا . قال : وأبوبكر الصديق خلف رسول الله صلى الله
عليه وسلم قاعد ، فقال : امصص بظر اللات ، أنحن ننكشف عنه ؟ قال :
من هذا يا محمد ؟ قال : هذا ابن أبى قحافة ، قال : أما والله لولا بد كانت
لك عندى لكافأتك بها ، ولكن هذه بها ، قال : ثم جعل يتناول لحية
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه . قال : والمغيرة بن شعبة واقف على
رأس رسول لله صلى الله عليه وسلم في الحديد ، قال : فجعل يقرع يده إذا تناول
لحية رسول لله صلى الله عليه وسلم ، ويقول : اكفف يدك عن وجه رسول الله
قلى الله عليه وسلم قبل ` أن لا تصل إليك ، قال : فيقول عروة : ويحك !
ما أفظك ` وأغلظك ! قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له عروة :
من هذا يا محمد ؟ قال : هذ ابن أخيك المغيرة بن شلبة ، قال : أى غ ر ، وهل `
غسلت سوءتك إلا بالامس .
ـ779ـ
قال ابن هشام : أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة بن شع ة قبل إغلامه قتل
ثلاثة م شر رجلا من بنى مالك ، من ثقيف ، فتهايج الحيان من ثقيف : بنو مالك
رهط المقتولين ، والاحلاف رهط المغيرة ، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة
دية ، وأصلح ذلك الامر
قال ابن إسحاق : قال الزهرى : فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم
بنحو مما كلم به أصحابه ، وأخبره أنه لم يأت يريد حربا .
فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه :
لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ، ولا يسقط من
شعره شئ إلا أخذوه ، فرجع إلى قريش ، فقال : يا معشر قريش ، إنى قد
جشت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ، والنجاشى في ملكه ، وإنى
والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه ، ولقد رأيت قوما
لا يسلمونه لشئ أبدا ، فروا رأيكم .
قال ابن إسحاق : وحدثنى بعض أهل العلم : أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعى ، فبعثه إلى قريش بمكة ، وحمله على بعير
له يقال له الثعلب ، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له ، فعقروا به جمل رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وأرادوا قتله ، فمنعته الاحابيش ، فخلوا سبيله ، حتى أتى
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن إسحاق : وقد حدثنى بعض من لا أتهم عن عكرمة مولى ابن عباس
عن ابن عباس : أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين رجلا ،
وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليصيبوا لهم من أصحابه
أحدا ، فأخذوا أخذا ، فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعفا عنهم ، وخلى
سبيلهم ، وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل .
ـ780ـ
ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة ، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء
له ، فقال : يا رسول الله ، إنى أخاف قريشا على نفسى ، وليس ` ` بمكة من بنى عدى
ابن كعب ` أحد يمنعنى ، وق عرفت قريش عداوتى إياها ، وغلظتى عليها ،
ولكنى أدلك على رجل أعز بها منى ، عثمان ن عفان n فدعا رسول الله صلى
الله ` عليه وسلم عثمان بن عفان ، فبعثه إلى أبى سفيان وأشراف ق يش ، يخبرهم أنه
لم يأت لحرب ` ، وأنه إنما جاء زائرا لهذا البي ، ومعظما لحرم ه .
قال ابن إسحاق : فخرج عثمان إلى مكة ، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص
حين دخل مكة ، أو قبل أن يدخلها ، فحمله ` بين يديه ، ثم أ × اره حتى ` بلغ رسالة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش ،
فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به ، فقالوا لعثمان حين فرغ من
رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف ،
فقال : ما كنت لافعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم
واحتبسته قريش عندها ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان
ابن عفان قد قتل .
بيعة الرضوان
قال ابن إسحاق : فحدثنى عبدالله بن أبى بكر : أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، قال حين بلغه أن عثمان قد قتل : لا نبرح حتى نناجز القوم ، فدعا
رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت
الشجرة ، فكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت ،
وكان جابر بن عبدالله يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على
الموت ، ولكن بايعنا على أن لا نفر .
فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين
ـ781ـ
حضرها ، إلا الجد بن قيس ، أخو بنى سلمة ، فكان جابر بن عبدالله يقول :
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 781 سطر 1 الى ص 790 سطر 23
حضرها ، إلا الجد بن قيس ، أخو بنى سلمة ، فكان جابر بن عبدالله يقول :
والله لكأنى أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته . قد ضبأ إليها ، يستتر بها من الناس .
ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذى ذكر من أمر عثمان باطل
قال ابن هشام : فذكر وكيع عن إسماعيل بن أبى خالد ، عن الشعبى :
أن أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أبوسنان الاسدى .
قال ابن هشام : وحدثنى من أثق به عمن حدثه بإسناد له ، عن ابن أبى
مليكة عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع لعثمان ، فضرب
بإحدى يديه على الاخرى .
أمرالهدنة
` قال ابن إسحاق : ` قال الزهرى ` : ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو ، أخا
بنى عامر ن لؤى ، إلى رسول الله صلى الله عليه ` وسلم ، وقالوا له : ائت محمدا
فصالحه ، ولا يكن ـ في ـ صلحه إلا أن يرجع عنا عامه ه ا ، فو الله لا ت دث
العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا . فأتاه سهيل بن عمرو ، فلما رآه رسول الله
صلى لله عليه وسلم مقبلا ، قد أراد لقوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل ،
فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال
الكلام ، وتراجعا ، ثم جرى بينهما الصلح .
فلما التأم الامر ولم يبق إلا الكتاب ، وثب عمر بن الخطاب ، فأتى
أبابكر فقال : يا أبابكر ، أليس برسول الله ؟ قال : بلى ، قال : أولسنا
بالمسلمين ؟ قال : بلى ، قال : أو ليسوا بالمشركين ؟ قال : بلى ، قال : فعلام نعطى
الدنية في ديننا ؟ قال أبوبكر : يا عمرم الزم غرزه ، فإنى أشهد أنه رسول الله ،
قال عمر : وأنا أشهد أنه رسول الله ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ـ782ـ
فقال : يا رسول الله ألست برسول الله ؟ قال : بلى ، قال : أو لسنا بالمسلمين ؟ قال :
بلى ، قال : أو ليسوا بالمشركين ؟ قال : بلى ، قال : فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟
قال : أنا عبدالله ورسوله ، لن أخالف أمره ، ولن يضيعنى ! قال : فكان
عمر يقول : ما زلت أتصدق وأصوم وأصلى وأعتق ، من الذى صنعت يومئذ !
مخافة كلامى الذى تكلمت به ، حين رجوت أن يكون خيرا .
قال : ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب رضوان الله
عليه ، فقال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، قال : فقال سهيل : لا أعرف
هذا ، ولكن اكتب : باسمك اللهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
اكتب باسمك اللهم ، فكتبها ، ثم قال : اكتب : هذا ما صالح عليه محمد
رسول الله سهيل بن عمرو ، قال : فقال سهيل : لو شهدت أنك رسول الله
لم أقاتلك ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك ، قال : فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سهيل بن عمرو ، اصطلحا
على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم
عن بعض ، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه ر ه عليهم ، ومن
` جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه ، وأن بيننا عيبة مكفوفة ، وأنه لا إسلال \ ولا إغلال ، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحب
أن يد ل في عق قريش وعهدهم دخل فيه .
فتواثبت خزاعة فق لوا : نحن في عقد محمد وعهده ، وتواثبت نو بكر ى
فقالوا : نحن ` في عقد قريش ` ` ` ` وعهدهم .
وأنك ت جع عنا م امك هذا ، فلا تدخل علينا مكة ، وأنه إذا ` كان
عام قابل ، خرجنا عنك فدخلتها أصحابك ` ، فأقمت بها ثلا ا ، معك سلاح
الراكب ، السيوف في القرب ، لا تدخلها بغيرها .
ـ783ـ
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو ،
إذ جاء أبوجندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد ، قد انفلت إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا
وهم لا يشكون في الفتح ، لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما
رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع ، وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم ، حتى كادوا يهلكون ، فلما رأى
سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه ، وأخذ بتلبيبه ، ثم قال : يا محمد ، قد
لجت القضية بينى وبينك قبل أن يأتيك هذا ، قال : صدقت ، فجعل ينتره بتلبيبه ،
ويجره ليرده إلى قريش ، وجعل أبوجندل يصرخ بأعلى صوته : يا معشر
المسلمين ، أأرد إلى المشركين يفتنوننى في دينى ؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا جندل ، اصبر واحتسب ، فإن الله
جاعل لك ولمن معك من ا لمستضعفين فرجا ومخرجا ، إنا قد عقدنا بيننا وبين
القوم صلحا ، وأعطيناهم على ذلك ، وأعطونا عهد الله ، وإنا لا نغدر بهم ، قال :
فوثب عمر بن الخطاب مع أبى جندل يمشى إلى جنبه ، ويقول : اصبر يا أبا جندل ،
فإنما هم المشركون ، وإنما دم أحدهم دم كلب . قال : وبدنى قائم السيف منه .
قال : يقول عمر : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه ، قال : فضن الرجل
بأبيه ، ونفذت القضية .
فلما فرغ ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ من الكتاب أشهد على الصلح
رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين : أبوبكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ،
و عبدالرحمن بن عوف ، وعبدالله بن سهيل بن عمرو ، وسعد بن أبى وقاص ،
وم مود بن مسلمة ، ومكرز بن حفص ، وهو يومئذ مشرك ، وعلى بن أبى طالب
وكتب ، وكان هو كاتب القحيفة .
قال ابن إس اق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربا في الحل ،
ـ784ـ
` وكان يصلى في الحرم ، ` فلما فرغ من الصلح قام إلى هديه فنحره ، ثم جلس
فحلق رأسه ، وكان الذى حلقه ، فيما بلغنى ، في ذلك اليوم خراف بن أمية
ابن الفضل الخزاعى ، فلما رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحر
وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون
قال ابن إسحاق : فحدثنى عبدالله بن أبى نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن
` عباس ، قال : حلق رجال يوم الحديبية ، وقصر آخرون ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : يرحم الله المحلقين ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال :
يرحم الله المحلقين ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : يرحم الله المحلقين ،
قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : والمقصرين ، فقالوا : يا رسول الله فلم
ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين ؟ قال : لم يشكوا .
وقال عبدالله بن أبى نجيح : حدثنى مجاهد ، عن ابن عباس : أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية في هداياه جملا لابى جهل ، في رأسه
برة من فضة ، يغيظ بذلك المشركين .
قال الزهرى في حديثه : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من
وجهه ذلك قافلا ، حتى إذا كان بين مكة والمدينة ، نزلت سورة الفتح :
( إنا فتحنا لك فتحنا مبينا ، ليغفرلك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ،
ويتم نعمته عليك ، ويهديك صراطا مستقيما - 1 و 2 من سورة الفتح ) .
ثم كانت القصة فيه وفى أصحابه ، حتى انتهى إلى ذكرالبيعة ، فقال جل
ثناؤه : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ، يد الله فوق أيديهم ، فمن
نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفى بما عاهد عليه الله ، فسيؤتيه
أجرا عظيما - 10 من سورة الفتح ) .
ثم ذكر من تخلف عنه من الاعراب ، حين استفزهم ( 1 ) للخروج معه
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " حين استنفرهم " ( * )
ـ785ـ
فأبطئوا عليه : ( سيقول ` لك المخلفون من الاعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا ) .
ثم القصة عن خبرهم ، ح ى انتهى إلى قوله : ( ` سيقول المخلفون إذا انطلقتم
إلى مغانم لتأخذوها ذرونا ` نتبعكم ، يريدون أن يبدلوا كلام الله ` ، قل لن
تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ) . . . ثم القصة عن خب هم وما م رض
عليهم من × هاد القوم أولى لبأس الشديد .
قال ابن إسحاق : حدثنى عبدالله بن أبى نجيح ، عن عطا بن أبى رباح ،
عن ابن ` عباس ، قال : فارس . قال بن إسحاق : وحدثنى من لا أتهم ، عن
الزهرى أنه قال : أولو البأس الشديد حنيفة مع الكذاب .
ثم قال تعالى : ( لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ،
فعلم ما في قلوبهم ، فأنزل السكينة عليهم ، وأثابهم فتحا قريبا ، ومغانم
كثيرة يأخذونها ، وكان الله عزيزا حكيما ، وعدكم الله مغانم كثيرة
تاخذونها ، فعجل لكم هذه ، وكف أيدى الناس عنكم ، ولتكون آية
للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما ، وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله
بها ، وكان الله على كل شئ قديرا - 18 إلى 21 من سورة الفتح ) .
ثم ذكر محبسه وكفه إياه عن القتال ، بعد الظفر منه بهم ، يعنى النفر
الذين أصاب منهم وكفهم عنه ، ثم قال تعالى : ( وهو الذى كف أيديهم
عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ، وكان
الله بما تعملون بصيرا ) . ثم قال تعالى : ( هم الذين كفروا وصدوكم عن
المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله 24 و 25 من سورة الفتح ) .
قال ابن هشام : المعكوف : المحبوس ، قال أعشى بنى قيس بن ثعلبة :
وكأن السموط عكفه السلك بعطفى جيداء أم غزال
وهذا البيت في قصيدة له .
ـ786ـ
قال ابن إسحاق : ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم
أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ) ، والمعرة : الغرم ، أى أن تصيبوا
منهم ـ معرة ـ بغير علم فتخرجوا ديته ، فأما إثم فلم يخشه عليهم .
قال ابن هشام : بلغنى عن مجاهد أنه قال : نزلت هذه الآية في الوليد
ابن الوليد بن المغيرة ، وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبى ربيعة ، وأبى جندل
ابن سهيل ، وأشباههم .
قال ابن إسحاق : ثم قال تبارك وتعالى : ( إذ جعل الذين كفروا
في قلوبهم الحمية ، حمية الجاهلية ) يعنى سهيل بن عمرو حين حمى أن يكتب
بسم الله الرحمن الرحيم ، وأن محمدا رسول الله ، ثم قال تعالى : ( فأنزل الله
سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وألزمهم كلمة النقوى ، وكانوا
أحق بها وأهلها - 26 من سورة الفتح ) : أى التوحيد ، شهادة أن لا إله إلا الله ،
وأن محمدا عبده ورسوله .
ثم قال تعالى : ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد
الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون ، فعلم
مالم تعلموا - 27 من سورة الفتح ) : أى لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم التى
رأى ، أنه سيدخل مكة آمنا لا يخاف ، يقول : محلقين رؤسكم ومقصرين معه ،
لا تخافون ، فعلم من ذلك ما لم تعلموا ، فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ، صلح الحديبية .
يقول الزهرى : فما فتح في الاسلام فتح قبله كان أعظم منه ، إنما كان
القتال حيث التقى الناس ، فلما كانت الهدنة ، ووضعت الحرب ، وأمن الناس
بعضهم بعضا ، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، فلم يكلم أحد بالاسلام
يعقل شيئا إلا دخل فيه ، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الاسلام
قبل ذلك أو أكثر .
ـ787ـ
قال ابن هشام : والدليل على قول الزهرى أن رسول الله ` صلى الله عليه وسلم
خرج إلى لحديبية في ألف وأربع مئة ، في قول جابر بن عبدالله ، ثم خرج عام
فت مكة بعد ذلك بغنتين في عشرة آلاف .
ما جرى عليه أمر قوم من ا لمستضعفين ` بعد الصلح \ قال ابن إسحاق z فلما ق م رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه أبوبصير
عتبة بن أسيد بن جارية ، وكان ممن حبس بمكة ، فلما ق م على رغول الله صلى الله
عليه وسلم كتب فيه أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة ، والاخنس
ابن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى إلى رسول الله قلى الله عليه وسلم ، وبعثا
رجلا من بنى عامر بن لؤى ، ومعه مولى لهم ، فقدما على رسول الله صلى الله
عليه وسلم بكتاب الازهر والاخنس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا بصير
إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر ، وإن الله
جاعل لك ولمن معك من ا لمستضعفين فرجا ومخرجا ، فانطلق إلى قومك ، قال
يا رسول الله ، أتردنى إلى المشركين يفتنوننى في دينى ؟ قال : يا أبا بصير ، انطلق
فإن الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من ا لمستضعفين فرجا ومخرجا .
فانطلق معهما ، حتى إذا كان بذى الحليفة ، جلس إلى جوار جدار ، وجلس
معه صاحباه ، فقال أبوبصير : أصارم سيفك هذا يا أخا بنى عامر ؟ فقال : نعم ،
قال : أنظر إليه ؟ قال : نغم ، إن شئت . قال : فاستله أبوبصير ، ثم علاه به
حتى قتله ، وخرج المولى سريعا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس
في المسجد ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم طالعا ، قال : إن هذا لرجل قد
رأى فزعا ، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ويحك ! مالك ؟
قال : قتل صاحبكم صاحبى ، فو الله ما برح حتى طلع أبوبصير متوشحا بالسيف
ـ788ـ
حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، وفت
ذمتك ، وأدى الله عنك ، أسلمتنى بيد القوم وقد امتنعت بدينى أن أفتن فيه ،
أو يعبث بى . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويل امه محش حرب
لو كان معه رجال !
ثم خرج أبوبصير حتى نزل العيص ، من ناحية ذى المروة ، على ساحل
البحر ، بطريق قريش التى كانوا ` يأخذون ـ عليها ـ إلى الشام ، وبلغ المسلمين الذين
كانوا احتبسوا بمكة قول رغول الله صلى الله عليه وسلم لابى بصير : " ` ويل امه
محش حرب لو كان معه رجال ! ` " فخرجوا إلى أبى بصير بالعيص ، فاجتمع إليه
منهم قريب من سبعين رجلا ، وكانوا قد ضيقوا على قريش ، لا يظفرون بأحد
منهم إلا قتلوه ، ولا تمربهم عير إلا اقتطعوها ، حتى كتبت قريش إلى
رسول الله صلى الله ` عليه وسلم تسأله ` بأرحامها إلا آواهم ، فلا حاجة لهم بهم . فآواهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقدموا عليه المدينة .
قال ابن هشام : أبوبصير ثقفى .
قال ابن إسحاق : فلما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبى بصير صاحبهم العامرى ،
أسند ظهره إلى الكعبة ، ثم قال : والله لا أوخر ظهرى عن الكعبة حتى يودى
هذاالرجل ، فقال أبوسفيان بن حرب : والله إن هذا لهو السفه ، والله لا يودى
ـ ثلاثا ـ فقال في ذلك موهب بن رباح أبوأنيس ، حليف بنى زهرة :
- قال ابن هشام : أبوأنيس أشعرى -
أتانى عن سهيل ذرو قول * فأيقظنى وما بى من رقاد
فإن تكن العتاب تريد منى * فعاتبنى فما بك من بعاد
أتوعدنى وعبد مناف حولى * بمخزوم ألهفا من ، تعادى
فإن تغمز قناتى لا تجدنى * ضعيف العود في الكرب الشداد
ـ789ـ
أسامى الاكرمين أبا بقومى * إذا وطئ الضعيف بهم أرادى
هم منعوا الظواهر غير شك * إلى حيث البواطن فالعوادى
بكل طمرة وبكل نهد * سواهم قد طوين من الطراد
لهم بالخيف قد علمت معد * رواق المجد رفع بالعماد
فأجابه عبدالله بن الزبعرى ، فقال :
وأمسى موهب كحمار سوء * أجاز ببلدة فيها ينادى
فإن العبد مثلك لا يناوى * سهيلا ، ضل سعيك ، من تعادى
فأقصر يابن قين السوء عنه * وعد عن المقالة في البلاد
ولا تذكر عتاب أبى يزيد * فهيهات البحور من الثماد
أمر ا لمهاجرات بعد الهدنة
ـ قال ابن إسحاق ـ : وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم
كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط في تلك المدة ، فخرج أخواها عمارة والوليد
ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه أن يردها عليهما
بالعهد الذى بينه وبين قريش في الحديبية ، فلم يفعل ، أبى الله ذلك .
قال ابن إسحاق : فحدثنى الزهرى ، عن عروة بن الزبير ، قال : دخلت
على وهو يكتب كتابا إلى ابن أبى هنيدة ، صاحب الوليد بن عبدالملك ،
وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا إذا ج ءكم المؤمنات
مهاجرات فامتحنوهن ، الله أعلم بإيمانهن ، فإن علمتموهن مؤمنات
فلا ترجعوهن إلى الكفار ، لاهن حل نهم ، ولا هم يحلون لهن ، وآتوهم
ما أنفقو ، ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذ آتيتموهن أجورهن ،
ولا تمسكوا بعصم الكوافر - 10 من سورة الممتحنة ) .
ـ790ـ
قال ابن هشام : ` واحدة العصم : عصمة ، وهى الحبل والسبب . قال ` أعشى
بنى قيس بن ثعلبة :
إلى المرء قيس نطيل السرى * ونأخذ من كل حى عصم
وهذا البيت في قصيدة له .
( واسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا م أنفقوا ، ذلكم حكم الله يحكم
بينكم ، والله عليم حكيم ) .
قال : فكتب إليه عروة بن الزبير : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه ، فلما
هاجر النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السلام ، أبى الله أن
يرددن إلى المشركين إذا هن امتحن بمحنة الاسلام فعرفوا أنهن إنما جئن
رغبة في الاسلام ، وأمر برد صدقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم ، إن هم ردوا
على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم ، ذلكم حكم الله يحكم بينكم ،
والله عليم حكيم . فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ورد الرجال ،
وسأل الذى أمره الله به أن يسأل من صدقات النساء من حبسوا منهن ، وأن
يردوا عليهم مثل الذى يردون عليهم ، إن هم فعلوا ، ولو لا الذى حكم الله
به من هذا الحكم لرد رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ، كما رد الرجال ،
ولولا الهدنة والعهد الذى كان بينه وبين قريش يوم الحديبية ، لامسك
النساء ، ولم يردد لهن صداقا ، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات
قبل العهد .
قال ابن إسحاق : وسألت الزهرى عن هذه الآية ، وقول الله عزوجل
فيها : ( وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم ، فآتوا
الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ، واتقو الله الذى أنتم به
ـ791ـ
مؤمنون - 11 من سورة الممتحنة ) ، فقال : يقول : إن فات أحدا منكم أهله
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 791 سطر 1 الى ص 800 سطر 23
مؤمنون - 11 من سورة الممتحنة ) ، فقال : يقول : إن فات أحدا منكم أهله
إلى الكفار ، ولم تأتكم امرأة تأخذون بها مثل الذى يأخذون منكم ، فعوضوهم
من فئ إن أصبتموه ، فلما نزلت هذه الآية : " يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم
المؤمنات مهاجرات " . . . إلى قول الله عزوجل : " ولاتمسكوا بعصم
الكوافر " ، كان ممن ` طلق عمربن الخطا ، طلق امرأته قريبة بنت
أبى أمية بن المغيرة ، فتزوجها ـ بعده ـ معاوية بن ` أبى سفيان ، وهما على شركهما
بمكة ` ، وأم كلثوم بنت جرول أم عبيد الله بن عمر الخزاعية ، ` فتزوجها أبوجهم \ ابن حذيفة بن غ نم ، رجل من قومه ، وهما على شركهما .
قال ابن هشام : حدثنا أبوعبيدة z أن بعض من كان مع رسول ` الله
صلى الله عليه وسلم قال له لما قدم المدينة : ألم تقل يا رسول الله إنك تدخل مكة
آمنا ؟ قال : بلى ، أفقلت لكم من عامى هذا ؟ قالوا : لا ، قال : فهو كما قال
لى جبريل عليه السلام .
ذكر المسير إلى خيبر
في المحرم سنة سبع
قال محمد بن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين
رجع من الحديبية ، ذا الحجة وبعض المحرم ، وولى تلك الحجة المشركون ،
ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر .
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة نميلة بن عبدالله الليثى ، ودفع
الراية إلى على بن أبى طالب رضى الله عنه ، وكانت بيضاء .
قال ابن إسحاق : فحدثنى محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى ، عن
أبى الهيثم بن نصر بن دهر الاسلمى أن أباه حدثه : أنه سمع رسول الله صلى الله
ـ792ـ
عليه وسلم يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الاكوع ، وهو عم سلمة بن عمرو
ابن الاكوع ، وكان اسم الاكوع سنان : انزل يا بن الاكوع ، فخذ لنا من
هناتك ، قال : فنزل يرتجز برسول صلى الله عليه وسلم ، فقال :
والله لولا الله ما اهتدينا * ولاتصدقنا ولاصلينا
إنا إذا قوم بغوا علينا * وإن أرادو فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرحمك الله ، فقال عمر بن الخطاب :
وجبت والله يا رسول الله ، لو أمتعتنا به ! فقتل يوم خيبر شهيدا ، وكان قتله ،
فيما بلغنى ، أن سيفه رجع عليه وهو يقاتل ، فكلمه كلما شديدا ، فمات منه ،
فكان المسلمون قد شكوا فيه ، وقالوا : إنما قتله سلاحه ، حتى سأل ابن أخيه
سلمة بن عمرو بن الاكوع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وأخبره
بقول الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لشهيد ، وصلى عليه ،
فصلى عليه المسلمون .
قال ابن إسحاق : وحدثنى من لا أتهم ، عن عطاء بن أبى مروان لاسلمى ،
عن أبيه ، عن أبى معتب بن عمرو : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف
على خيبر قال لاصحابه ، وأنافيهم : قفوا ، ثم ق ل : اللهم رب السموات
وما أظللن ، ورب الا ضين وما ` أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ور
الرياح وما أذرين ، فإنا نسألك خيرهذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ، ونعوذ
بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها ى أقدموا بسم الله . قال : وكان ` يقولها
عليه السلام لكل قرية دخلها .
قال ابن إسحاق : وحدثنى من لا أتهم عن أنس بن مالك ، قال : كان \ رسول الله صلى لله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح ، فإن سمع
ـ793ـ
أذانا أمسك ، وإن لم يسمع أذانا أغار . فنزلنا خيبر ليلا ، فبات رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، حتى إذا أصبح لم يسمع أذانا ، فركب وركبنا معه ، فركبت خلف
أبى طلحة ، وإن قدمى لتمس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستقبلنا
عمال خيبر غادين ، قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم ، فلما رأوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم والجيش ، قالوا : محمد والخميس معه ! فأدبروا هرابا ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ، خرجت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة
قوم فساء صباح المنذرين .
قال ابن إسحاق : حدثنا هارون عن حميد ، عن أنس بمثله .
قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من
المدينة إلى خيبر سلك على عصر ، فبنى له فيها مسجد ، ثم على الصهباء ، ثم أقبل
رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه ، حتى نزل بواد يقال له الرجيع ، فنزل
بينهم وبين غطفان ، ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر ، وكانوا لهم
مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فبلغنى أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم
من خيبر جمعوا له ، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه ، حتى إذا ساروا منقلة
سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا ، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم ، فرجعوا
على أعقابهم ، فأقاموا في أهليهم وأموالهم ، وخلوا بين رسول الله صلى الله
عليه وسلم وبين خيبر .
وتدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الاموال يأخذها مالا مالا ، ويفتتحها
حصنا حصنا ، فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم ، وعنده قتل محمود
ابن مسلمة ، ألقيت عليه منه رحى فقتلته ، ثم القموص ، حصن بنى أبى الحقيق ، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا ، منهن صفية بنت حيى بن
ـ794ـ
أخطب ، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق ، وبنتى عم لها ،
فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه .
وكان دحية بن خليفة الكلبى قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم
صفية ، فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتى عمها ، وفشت السبايا من خيبر
في المسلمين .
وأكل المسلمون لحوم الحمر ـ الاهلية ـ من حمرها ، فقام رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فنهى الناس عن أمور سماها لهم .
قال ابن إسحاق : فحدثنى عبدالله بن عمرو بن ضمرة الفزارى عن عبدالله
ابن أبى سليط ، عن أبيه ، قال : أتانا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن أكل لحوم الحمر الانسية ، والقدور تفور بها ، فكفأناها
على وجوهها .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عبدالله بن أبى نجيح ، عن مكحول : أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم يومئذ عن أربع : عن إتيان الحبالى من السبايا ،
وعن أكل الحمار الاهلى ، وعن أكل كل ذى ناب من السباع ، وعن بيع
المغانم حتى تقسم .
قال ابن إسحاق : وحدثنى سلام بن كركرة ، عن عمرو بن دينار ،
عن جابر بن عبدالله الانصارى ، ولم يشهد جابر خيبر : أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر ، أذن لهم في أكل
لحوم الخيل .
قال ابن إسحاق : وحدثنى يزيد بن أبى حبيب ، عن أبى مرزوق مولى
تجيب ، عن حنش الصنعانى ، قال : غزونا مع رويفع بن ثابت الانصارى
المغرب ، فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها جربة ، فقام فينا خطيبا ، فقال :
ـ795ـ
يأيها الناس ، إنى لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقوله فينا يوم خيبر ، قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا يحل
لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره ، يعنى إتيان الحبالى
من السبايا ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبى
حتى يستبرئها ، ولا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى
يقسم ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فئ المسلمين
حتى إذا أعجفها ردها فيه ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس
ثوبا من فئ المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه .
قال ابن إسحاق : وحدثنى يغ يد بن عبدالله بن قسيط ، أنه حدث عن
ع ادة بن الصامت ، قال : ` نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن أن
نبيع أو نبتاع تبر الذه بالذهب العين ، وتبر الفضة بالورق لعين ، وقال :
` ابتاعوا تبر الذهب بالورق العين ، وتبر الفضة بالذهب ` العين .
قال ا ن إسحاق : ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدنى الحصون
والاموال .
فحدثنى عبدالله بن أبى بكر انه حدثه ` بعك أسلم : أن بنى سهم من سلم
أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : والله يا رسول الله لقد جهدنا
وما بأيدينا من شئ ، فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم
إياه ، فقال : اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة ، وأن ليس بيدى
شئ أعطيهم إياه ، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء ، وأكثرها طعاما
وودكا ، فغدا الناس ، ففتح الله عليهم عزوجل حصن الصعب بن معاذ ،
وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه .
قال ابن إسحاق : ولماافتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم
ـ796ـ
ما افتتح ، وحاز من الاموال ماحاز ، انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسلالم ،
وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحا ، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
بضع عشرة ليلة .
قال ابن هشام : وكان شعار أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يوم خيبر :
يا منصور ، أمت أمت .
قال ابن إسحاق ، فحدثنى عبدالله بن سهل بن عبدالرحمن بن سهل ، أخو
بنى حارثة ، عن جابر بن عبدالله ، قال : خرج مرحب اليهودى من حصنهم ،
قد جمع سلاحه ، يرتجز وهو يقول :
قد علمت خيبر أنى مرحب * شاكى السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب * إذا الليوث أقبلت تحرب
إن حماى للحمى لا يقرب * يحجم عن صولتى المجرب
وهو يقول : من يبارز ؟ فأجابه كعب بن مالك فقال :
قد علمت خيبر أنى كعب * مفرج الغمى جرئ صلب
إذ شبت الحرب تلتها الحرب * معى حسام كالعقيق عضب
نطؤكم حتى يذل الصعب * نعطى الجزاء أو يفئ النهب
بكف ماض ليس فيه عتب
قال ابن هشام : أنشدنى أبوزيد الانصارى :
قد علمت خيبر أنى كعب * وأننى متى تشب الحرب
ماض على الهول جرئ صلب * معى حسام كالعقيق عضب
بكف ماض ليس فيه عتب * ندككم حتى يذل الصعب
قال ابن هشام : ومرحب من حمير .
قال ا ن إسحاق : فحدثنى عبدالله بن سهل ، عن جابر بن عبدالله
ـ797ـ
الانصارى ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لهذا ؟ قال محمد مسلمة :
أنا له يارسول الله ، أناوالله الموتور الثائر ، قتل أخى بالامس ، فقال : فقم إليه .
اللهم أعنه عليه . قال : فلما دنا أحدهما من صاحبه ، خلت بينهما شجرة
عمرية من شجر العشر ، فجعل أحدهما يلو بها من صاحبه ، ` كلما لاذبها منه
اقتطع صاحبه بسيفه مادونه منها ، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه ، وصارت
بينهما كالرجل القائم ، ما فيها فنن ، ثم ` حمل مرح على م مد بن مسلمة ،
فضربه فاتقاه بالدرقة ، فوقع سيفه فيها ، فعضت به فأمسكته ، وضربه محمد بن
مسلمة حتى قتله .
قال ابن إسحاق : ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر ، وهو يقول : من
يبارز ؟ فزعم هشام بن عروة أن الزبير بن العوام خرج إلى ياسر ، فقالت
أمه صفية بنت ع بدالمطلب : يقتل ابنى يا رسول الله ! قال : بل ابنك يقتله إن
شاء الله ، فخرج الزبير فالتقيا ، فقتله الزبير .
قال ابن إسحاق : فحدثنى هشام بن عروة : أن الزبير كان إذا قيل له :
والله إن كان سيفك لصارما عضبا ، قال : والله ما كان صارما ، ولكنى
أكرهته .
قال ابن إسحاق : وحدثنى بريدة بن سفيان بن فروة الاسلمى ، عن أبيه
سفيان ، عن سلمة بن عمرو بن الاكوع ، قال : بعث رسول الله صلى الله
عليه وسلم أبابكر الصديق رضى الله عنه برايته ، وكانت بيضاء ، فيما قال
ابن هشام ، إلى بعض حصون خيبر ، فقاتل ، فرجع ولم يك فتح ، وقد جهد ،
ثم بعث الغد عمربن الخطاب ، فقاتل ، ثم رجع ولم يك فتح ، وقد جهد ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ،
يفتح الله على يديه ، ليس بفرار . قال : يقول سلمة : فدعا رسول الله صلى الله
ـ798ـ
عليه وسلم عليا رضوان الله عليه ، وهو أرمد ، فتفل في عينه ، ثم قال : خذ
هذه الراية ، فامض بها حتى يفتح الله عليك .
قال : يقول سلمة : فخرج والله بها يأنح ، يهرول هرولة ، وإنا لخلفه نتبع
أثره ، حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن ، فاطلع إليه يهودى من
رأس الحصن ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا على بن أبى طالب . قال : يقول
اليهودى : علوتم ، وماأنزل على موسى ، أو كما قال . قال : فما رجع حتى فتح
الله على يديه .
قال ابن إسحاق : حدثنى عبدالله بن الحسن ، عن بعض أهله ، عن
أبى رافع ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : خرجنا مع على بن أبى طالب
رضى الله تعالى عنه ، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته ، فلما دنا
من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم ، فضربه رجل من يهود ، فطاح ترسه من
يده ، فتناول على عليه السلام بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه ، فلم يزل
في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ، ثم ألقاه من يده حين فرغ ، فلقد رأيتنى
في نفر سبعة معى ، أنا ثامنهم ، نجهد على أن نقلب ذلك الباب ، فما نقلبه .
قال ابن إسحاق : وحدثنى بريدة بن سفيان الاسلمى ، عن بعض رجال
بنى سلمة عن أبى اليسر كعب بن عمرو ، قال : والله إنا لمع رسول الله صلى الله
عليه وسلم
بخيبر ذات عشية ، إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم ،
ونحن محاصروهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من رجل يطعمنا من
هذه الغنم ؟ قال أبواليسر : فقلت : أنايا رسول الله ، قال : فافعل ، قال :
فخرجت أشتد مثل الظليم ، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا
قال : اللهم أمتعنا به ، قال : فأدركت الغنم وقد دخلت أولاها الحصن ،
فأخذت شاتين من أخراها ، ف احتضنتهما تحت يدى ، ثم أقبلت بهما اشتد ،
ـ799ـ
كأنه ليس معى شئ ، حتى ألقيتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذبحوهما
فأكلوهما ، فكان أبواليسر من آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
هلاكا ، فكان إذا حدث هذا الحديث بكى ، ثم قال : أمتعوا بى ، لعمرى ،
حتى كنت من آخرهم هلكا .
قال ابن إسحاق : ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم القموص ،
حصن بنى أبى الحقيق ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بنة حيى بن
أخطب ، وبأخرى معها ، فمر بهما بلال - وهو الذى جاء بهما - على قتلى من
قتلى يهود ، فلما رأتهم التى مع صفية صاحت ، وصكت وجهها ، وحثت التراب
على رأسها ، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أعزبوا عنى هذه
الشيطانة ، وأمر بصفية فحيزت خلفه ، وألقى عليها رداءه ، فعرف المسلمون
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفاها لنفسه . قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لبلال ، فيما بلغنى ، حين رأى بتلك اليهودية ما رأى : أنزعت منك
الرحمة يا بلال ، حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما ؟
وكانت صفية قد رأت في المنام وهى عروس بكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق ،
أن قمرا وقع في حجرها ، فعرضت رؤياها على زوجها ، فقال : ما هذا إلا أنك
تمنين ملك الحجاز محمدا ، فلطم وجهها لطمة خضر عينها منها ، فأتى بها رسول الله
صلى الله عليه وسلم وبها أثر منه ، فسألها ما هو ؟ فأخبرته هذا الخبر .
بقية أمر خيبر
وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع ، وكان عنده كنز
بنى النضير ، فسأله عنه ، فجحد أن يكون يعرف مكانه ، فأتى رسول الله صلى الله
عليه وسلم رجل من يهود ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنى رأيت كنانة
يطيف بهذه الخربة كل غداة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة :
ـ800ـ
أرأيت إن وجدناه عندك ، أأقتلك ؟ قال : نعم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالخربة فحفرت ، فأخرج منها بعض كنزهم ، ثم سأله عما بقى ، فأبى أن يؤديه ،
فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام ، فقال : عذبه حتى
تستأصل ما عنده ، فكان الزبير يقدح بزند في صدره ، حتى أشرف على نفسه ،
ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة ، فضرب عنقه بأخيه
محمود بن مسلمة .
وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أهل خيبر في حصنيهم الوطيح
والسلالم ، حتى إذا أيقنوا بالهلكة ، سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم ،
ففعل . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الاموال كلها : الشق ونطاة
والكتيبة وجميع حصونهم ، إلا ما كان من ذينك الحصنين . فلما سمع بهم أهل
فدك قد صنعوا ما صنعوا ، بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن
يسيرهم ، وأن يحقن دماءهم ، ويخلوا له الاموال ، ففعل ، وكان فيمن مشى
بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود ، أخو بنى حارثة
فما نزل أهل خيبر على ذلك ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم
في الاموال على النصف ، وقالوا : نحن أعلم بها منكم ، وأعمر لها ، فصالحهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف ، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم ،
فصالحه أهل فدك على مثل ذلك ، فكانت خيبر فيئا بين المسلمين ، وكانت فدك
خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لانهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب .
فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنة الحارث ، امرأة
سلام بن مشكم ، شاة مصلية ، وقد سألت : أى عضو من الشاة أحب إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها : الذراع ، فأكثرت فيها من السم ،
ثم سمت سائر الشاة ، ثم جاءت بها ، فلما وضعتها بين يدى رسول الله صلى الله عليه
ـ801ـ
وسلم ، تناول الذراع ، فلاك منها مضغة ، فلم يسغها ، ومعه بشر بن البراء بن
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 801 سطر 1 الى ص 810 سطر 23
وسلم ، تناول الذراع ، فلاك منها مضغة ، فلم يسغها ، ومعه بشر بن البراء بن
معرور ، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما بشر فأساغها ،
وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ، ثم قال : إن هذا العظم ليخبرنى
أنه مسموم ، ثم دعا بها ، فاعترفت ، فقال : ما حملك على ذلك ؟ قالت : بلغت من
قومى مالم يخف عليك ، فقلت : إن كان ملكا استرحت منه ، وإن كان نبيا
فسيخبر ، قال : فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومات بشر من
أكلته التى أكل .
قال ابن إسحاق : وحدثنى مروان بن عثمان بن أبى سعيد بن المعلى ، قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذى توفى فيه ، ودخلت
أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده : يا أم بشر ، إن هذا لاوان وجدت فيه
انقطاع أبهرى من الاكلة التى أكلت مع أخيك بخيبر ، قال : فإن كان المسلمون
ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا ، مع ما أكرمه الله به
من النبوة .
قال ابن إسحاق : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر انصرف
إلى وادى القرى ، فحاصر أهله ليالى ، ثم انصرف راجعا إلى المدينة .
قال ابن إسحاق : فحدثنى ثور بن زيد ، عن سالم ، مولى عبدالله بن مطيع ،
عن أبى هريرة ، قال : فلما انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خيبر إلى
وادى القرى نزلنا بها أصيلا مع مغرب الشمس ، ومع رسول الله صلى الله عليه
وسلم غلام له ، أهداه له رفاعة بن زيد الجذامى ، ثم الضبينى .
قال ابن هشام : جذام ، أخو لخم .
قال : فو الله إنه ليضع رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه سهم غرب
فأصابه فقتله ، فقلنا : هنيئا له الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلا ،
ـ802ـ
والذى نفس محمد بيده ، إن شملته الآن لتحترق عليه في النار ، كان غلها من
فئ المسلمين يوم خيبر . قال : فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فأتاه فقال : يا رسول الله ، أصبت شراكين لنعلين لى ، قال : فقال :
يقد لك مثلهما من النار .
قال ابن إسحاق : وحدثنى من لا أتهم ، عن عبدالله بن مغفل المزنى ، قال :
أصبت من فئ خيبر جراب شحم ، فاحتملته على عاتقى إلى رحلى وأصحابى .
قال : فلقينى صاحب المغانم الذى جعل عليها ، فأخذ بناحيته ، وقال : هلم هذا
نقسمه بين المسلمين ، قال : قلت : لا والله لا أعطيكه ، قال : فجعل يجابذنى
الجراب . قال : فرآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصنع ذلك . قال
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا ، ثم قال لصاحب المغانم : لا أبالك ،
خل بينه وبينه . قال : فأرسله ، فانطلقت به إلى رحلى وأصحابى ، فأكلناه .
قال ابن إسحاق : ولما أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بخيبر
أو ببعض الطريق - وكانت التى جملتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومشطتها
وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان ، أم أنس بن مالك - فبات بها رسول الله
صلى الله عليه وسلم في قبة له ، وبات أبوأيوب خالد بن زيد ، أخو بنى النجار
متوشحا سيفه ، يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويطيف بالقبة ، حتى
أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى مكانه قال : مالك يا أبا أيوب ؟
قال : يا رسول الله ، خفت عليك من هذه المرأة ، وكانت امرأة قد قتلت أباها
وزوجها وقومها ، وكانت حديثة عهد بكفر ، فخفتها عليك ، فزعموا أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال : اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظنى .
قال ابن إسحاق : وحدثنى الزهرى ، عن سعيد بن المسيب ، قال : لما
انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ، فكان ببعض الطريق ، قال
ـ803ـ
من آخر الليل : من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام ؟ قال بلال : أنا يا رسول الله
أحفظه عليك ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزل الناس فناموا ،
وقام بلال يصلى ، فصلى ما شاء الله عزوجل أن يصلى ، ثم استند إلى بعيره ،
واستقبل الفجر يرمقه ، فغلبته عينه فنام ، فلم يوقظهم إلا مس الشمس ، وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم أول أصحابه هب ، فقال ماذا صنعت بنايا بلال ؟
قال : يا رسول الله ، أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك ، قال : صدقت ، ثم اقتاد
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره غير كثير ، ثم أناخ فتوضأ ، وتوضأ الناس .
ثم أمر بلالا فأقام الصلاة ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ، فلما
سلم أقبل على الناس فقال : " إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها ، فإن
الله تبارك وتعالى يقول : ( وأقم الصلاة لذكرى 14 من سورة طه ) " .
قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنى - قد
أعطى ابن لقيم العبسى - حين افتتح خيبر - ما بها من دجاجة أو داجن ،
وكان فتح خيبر في صفر ، فقال ابن لقيم العبسى في خيبر :
رميت نطاة من الرسول بفيلق * شهباء ذات مناكب وفقار
واستيقنت بالذل لما شيعت * ورجال أسلم وسطها وغفار
صبحت بنى عمرو بن زرعة غدوة * والشق أظلم أهله بنهار
جرت بأبطحها الذيول فلم تدع * إلا الدجاج تصيح في الاسحار
ولكل حصن شاغل من خيلهم * من عبد أشهل أو بنى النجار
ومهاجرين قد اعلموا سيماهم * فوق المغافر لم ينوا لفرار
ولقد علمت ليغلبن محمد * وليثوين بها إلى أصفار
فرت يهود يوم ذلك في الوغى * تحت العجاج غمائم الابصار
قال ابن هشام : فرت : يريد كشفت الجفون عن العيون .
ـ804ـ
قال ابن إسحاق : وشهد خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء من
نساء العالمين ، فرضخ لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفئ ، ولم يضرب
لهن بسهم .
قال ابن إسحاق : حدثنى سليمان بن سحيم ، عن أمية بن أبى الصلت ، عن
امرأة من بنى غفار ، قد سماها لى ، قالت : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
في نسوة من بنى غفار ، فقلنا : يا رسول الله ، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك
هذا ، وهو يسير إلى خيبر ، فنداوى الجرحى ، ونعين المسلمين بما استطعنا ،
فقال : على بركة الله ، قالت : فخرجنا معه ، وكنت جارية حدثة ، فأردفنى
رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحله ، قالت : فو الله لنزل رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى الصبح وأناخ ، ونزلت عن حقيبة رحله ، وإذا بها دم
منى ، وكانت أول حيضة حضتها ، قالت : فتقبضت إلى الناقة واستحييت ،
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بى ورأى الدم ، قال : مالك ؟ لعلك
نفست ، قالت : قلت : نعم ، قال : فأصلحى من نفسك ، ثم خذى إناء من
ماء ، فاطرحى فيه ملحا ، ثم اغسلى به ما أصاب الحقيبة من الدم ، ثم عودى
لمركبك .
قالت : فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ، رضخ لنا من الفئ ،
وأخذ هذه القلادة التى ترين في عنقى فأعطانيها ، وعلقها بيده في عنقى ، فو الله
لا تفارقنى أبدا .
قالت : فكانت في عنقها حتى ماتت ، ثم أوصت أن تدفن معها . قالت :
وكانت لا تطهر من حيضة إلا جعلت في طهورها ملحا ، وأوصت به أن يجعل
في غسلها حين ماتت .
قال ابن إسحاق : وهذه تسمية من استشهد بخيبر من المسلمين ، من قريش ،
ـ805ـ
ثم من بنى أمية بن عبد شمس ، ثم من حلفائهم : ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن
عمرو بن لكيز ( 1 ) بن عامر بن غنم بن دودان بن أسد ، وثقف بن عمرو ،
ورفاعة بن مسروح .
ومن بنى أسد بن عبدالعزى : عبدالله بن الهبيب ، ويقال : ابن الهبيب ،
- قال ابن هشام : ابن أهيب - بن سحيم بن غيرة ، من بنى سعد بن ليث ، حليف
لبنى أسد ، وابن أختهم .
ومن الانصار ثم من بنى سلمة : بشر بن البراء بن معرور ، مات من الشاة
التى سم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفضيل بن النعمان . رجلان .
ومن بنى زريق : مسعود بن سعد بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق .
ومن الاوس ثم من بنى عبد الاشهل : محمود بن مسلمة بن خالد بن عدى بن
مجدعة بن حارثة بن الحارث ، حليف لهم من بنى حارثة .
ومن بنى عمرو بن عوف : أبوضياح بن ثابت بن النعمان بن أمية بن
امرئ القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عوف ، والحارث بن حاطب ، وعروة بن مرة
ابن سراقة ، وأوس بن القائد ، وأنيف بن حبيب ، وثابت بن أثلة ، وطلحة .
ومن بنى غفار : عمارة بن عقبة ، رمى بسهم .
ومن أسلم : عامر بن الاكوع ، والاسود الراعى ، وكان اسمه أسلم
قال ابن هشام : الاسود الراعى من أهل خيبر .
وممن استشهد بخيبر فيما ذكر ابن شهاب الزهرى ، من بنى زهرة : مسعود بن
ربيعة ، حليف لهم من القارة .
ومن الانصار من بنى عمرو بن عوف : أوس بن قتادة .
* ( هامش ) * ( 1 ) في ب " بكير " . ( * )
ـ806ـ
أمر الاسود الراعى في حديث خيبر
قال ابن إسحاق : وكان من حديث الاسود الراعى - فيما بلغنى - أنه أتى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر لبعض حصون خيبر ، ومعه غنم له ، كان
فيها أجيرا لرجل من يهود ، فقال : يا رسول الله ، اعرض على الاسلام ، فعرضه
عليه ، فأسلم - وكان رسول الله صلى الله وسلم لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى
الاسلام ، ويعرضه عليه - فلما أسلم قال : يا رسول الله ، إنى كنت أجيرا لصاحب
هذه الغنم ، وهى أمانة عندى ، فكيف أصنع بها ؟ قال : اضرب في وجوهها ،
فانها سترجع إلى ربها - أو كما قال - فقام الاسود ، فأخذ حفنة من الحصى ( 1 ) ،
فرمى بها في وجوهها ، وقال : ارجعى إلى صاحبك ، فوالله لا أصحبك أبدا ،
فخرجت مجتمعة ، كأن سائقا يسوقها ، حتى دخلت الحصن ، ثم تقدم إلى ذلك
الحصن ليقاتل مع المسلمين ، فأصابه حجر فقتله ، وما صلى لله صلاة قط ، فأتى
به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوضع خلفه ، وسجى بشملة كانت عليه ،
فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه نفر من أصحابه ، ثم أعرض عنه ،
فقالوا : يا رسول الله ، لم أعرضت عنه ؟ قال : إن معه الآن زوجتيه من
الحور العين .
قال ابن إسحاق : وأخبرنى عبدالله بن أبى نجيح أنه ذكر له : أن الشهيد
إذا ما أصيب تدلت ـ له ـ زوجتاه من الحور العين ، تنفضان التراب عن وجهه ،
وتقولان : ترب الله وجه من تربك ، وقتل من قتلك .
أمر الحجاج بن علاط السلمى
قال ابن إسحاق : ولما فتحت خيبر ، كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم
الحجاج بن علاط السلمى ثم البهزى ، فقال : يارسول الله ، إن لى بمكة مالا
عند صاحبتى أم شيبة بنت أبى طلحة - وكانت عنده ، له منها معرض بن الحجاج -
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " من الحصباء " . ( * )
ـ807ـ
ومال متفرق في تجار أهل مكة ، فأذن لى يا رسول الله ، فأذن له ، قال : إنه لابد
لى يا رسول الله من أن أقول ، قال : قل ، قال الحجاج : فخرجت حتى إذا قدمت
مكة وجدت بثنية البيضاء رجالا من قريش بتسمعون الاخبار ، ويسألون عن
أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر ، وقد عرفوا
أنها قرية الحجاز ، ريفا ومنعة ورجالا ، فهم يتحسسون الاخبار ، ويسألون
الركبان ، فلما رأونى قالوا : الحجاج بن علاط - قال : ولم يكونوا علموا بإسلامى -
عنده والله الخبر ، أخبرنا يا أبا محمد ، فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر ،
وهى بلد يهود وريف الحجاز ، قال : قلت : قد بلغنى ذلك وعندى من الخبر
ما يسركم ، قال : فالتبطوا بجنبى ناقتى يقولون : إيه يا حجاج ، قال : قلت :
هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط ، وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط ، وأسر
محمد أسرا ، وقالوا : لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فيقتلوه بين أظهرهم
بمن كان أصاب من رجالهم ، قال : فقاموا وصاحوا بمكة ، وقالوا : قد جاءكم
الخبر ، وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم ، فيقتل بين أظهركم . قال :
قلت : أعينونى على جمع مالى بمكة وعلى غرمائى ، فإنى أريد أن أقدم خيبر ،
فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقنى التجار إلى ما هنالك .
قال ابن هشام : ويقال : من فئ محمد .
قال ابن إسحاق : قال : فقاموا فجمعوا لى مالى كأحث جمع سمعت به . قال :
وجئث صاحبتى فقلت : مالى ، وقد كان لى عندها مال موضوع ، لعلى ألحق
بخيبر ، فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقنى التجار ، قال : فلما سمع العباس
ابن ع بدالمطلب الخبر ، وجاءه عنى ، أقبل حتى وقف إلى جنبى وأنا في خيمة من
خيام التجار ، فقال : يا حجاج ، ما هذا الخبر الذى جئت به ؟ قال : فقلت :
وهل عندك حفظ لما وضعت عندك ؟ قال : نعم ، قال : قلت : فاستأخر عنى
حتى ألقاك على خلاء ، فإنى في جمع مالى كما ترى ، فانصرف عنى حتى أفرغ . قال :
ـ808ـ
حتى إذا فرغت من جمع كل شئ كان لى بمكة ، وأجمعت الخروج ، لقيت العباس ،
فقلت : احفظ على حديثى يا أباالفضل ، فإنى أخشى الطلب ، ثلاثا ، ثم قل ما شئت ،
قال : أفعل ، قلت : فإنى والله لقد تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم ،
يعنى صفية بنت حيى ، ولقد افتتح خيبر ، وانتثل ما فيها ، وصارت له ولاصحابه ،
فقال : ما تقول يا حجاج ؟ قال : قلت : إى والله ، فاكتم عنى ، ولقد أسلمت
وما جئت إلا لآخذ مالى ، فرقا من أن أغلب عليه ، فإذا مضت ثلاث فأظهر
أمرك ، فهو والله على ما تحب ، قال : حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس
حلة له ، وتخلق ، وأخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى الكعبة ، فطاف بها ، فلما رأوه
قالوا : يا أبا الفضل ، هذا والله التجلد لحر المصيبة ، قال : كلا ، والله الذى حلفتم
به ، لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على بنت ملكهم ، وأحرز أموالهم وما فيها
فأصبحت له ولاصحابه ، قالوا : من جاءك بهذا الخبر ؟ قال : الذى جاءكم بما جاءكم
به ، ولقد دخل عليكم مسلما ، فأخذ ماله ، فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه ،
فيكون معه ، قالوا : يا لعباد الله ! انفلت عدو الله ، أما والله لو علمنا لكان
لنا وله شأن ، قال : ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك .
قال ابن إسحاق : وكان مما قيل من الشعر في يوم خيبر قول حسان
ابن ثابت :
بئسما قاتلت خيابر عما * جمعوا من مزارع ونخيل
كرهوا الموت فاستبيح حماهم * وأقروا ، فعل اللئيم الذليل
أمن الموت يهربون فإن الموت * موت الهزال غير جميل
وقال حسان بن ثابت أيضا ، وهو يعذر أيمن بن أم أيمن بن عبيد ،
وكان قد تخلف عن خيبر ، وهو من بنى عوف بن الخزرج ، وكانت أمه
ـ809ـ
أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهى أم أسامة بن زيد ، فكان
أخا أسامة لامه :
على حين أن قالت لايمن أمه * جبنت ولم تشهد فوارس خيبر
وأيمن لم يجبن ، ولكن مهره * أضر به شرب المديد المخمر
ولولا الذى قد كان من شأن مهره * لقاتل فيهم فارسا غير أعسر
ولكنه قد صده فعل مهره * وما كان منه عنده غير أيسر
قال ابن هشام : أنشدنى أبوزيد هذه الابيات لكعب بن مالك ،
وأنشدنى :
ولكنه قد صده شأن مهره * وما كان لولا ذاكم بمقصر
قال ابن إسحاق : وقال ناجية بن جندب الاسلمى :
يا لعباد لله فيم يرغب * ماهو إلا مأكل ومشرب
وجنة فيها نعيم معجب
وقال ناجية بن جندب الاسلمى ـ أيضا ـ :
أنا لمن أنكرنى ابن جندب * يا رب قرن في مكرى أنكب
طاح بمغدى أنسر وثعلب
قال ابن هشام : وأنشدنى بعض الرواة للشعر قوله : " في مكرى " ،
و " طاح بمغدى " .
وقال كعب بن مالك في يوم خيبر ، فيما ذكر ابن هشام ، عن أبى زيد
الانصارى :
ونحن وردنا خيبرا وفروضه * بكل فتى عارى الاشاجع مذود
جواد لدى الغايات لاواهن القوى * جرئ على الاعداء في كل مشهد
ـ810ـ
عظيم رماد القدر في كل شتوة * ضروب بنصل المشرفى المهند
يرى القتل مدحا إن أصاب شهادة * من الله يرجوها وفوزا بأحمد
يذود ويحمى عن ذمار محمد * ويدفع عنه باللسان وباليد
وينصره من كل أمر يريبه * يجود بنفس دون نفس محمد
يصدق بالانباء بالغيب مخلصا * يربد بذاك الفوز والعز في غد
ذكر مقاسم خيبر وأموالها
قال ابن إسحاق : وكانت المقاسم على أموال خيبر ، على الشق ونطاة
والكتيبة ، فكانت الشق ونطاة في سهمان المسلمين ، وكانت الكتيبة خمس
الله ، وسهم النبى صلى الله عليه وسلم ، وسهم ذوى القربى واليتامى والمساكين ،
وطعم أزواج النبى صلى الله عليه وسلم ، وطعم رجال مشوابين رسول الله صلى الله
عليه وسلم وبين أهل فدك بالصلح ، منهم محيصة بن مسعود ، أعطاه رسول الله
صلى الله عليه وسلم منها ثلاثين وسقا من شعير ، وثلاثين وسقا من تمر ، وقسمت
خيير على أهل الحديبية : من شهد خيبر ، ومن غاب عنها ، ولم يغب عنها
إلا جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام ، فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم
كسهم من حضرها ، وكان وادياها ، وادى السرير ، ووادى خاص ، وهما
اللذان قسمت عليهما خيبر ، وكانت نطاة والشق ثمانية عشر سهما ، نطاة من ذلك
خمسة أسهم ، والشق ثلاثة عشر سهما ، وقسمت الشق ونطاة على ألف سهم ،
وثمان مئة سهم .
وكانت عدة الذين قسمت عليهم خيبر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
ألف سهم وثمان مئة سهم ، برجالهم وخيلهم ، الرجال أربع عشرة مئة ، والخيل
مئتا فرس ، فكان لكل فرس سهمان ، ولفارسه سهم ، وكان لكل راجل سهم ،
فكان لكل سهم رأس جمع إليه مئة رجل ، فكانت ثمانية عشر سهما جمع .
ـ811ـ
قال ابن هشام : وفى يوم خيبر عرب رسول الله صلى الله عليه وسلم العربى
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 811 سطر 1 الى ص 820 سطر 24
قال ابن هشام : وفى يوم خيبر عرب رسول الله صلى الله عليه وسلم العربى
من الخيل ، وهجن الهجين .
قال ابن إسحاق : فكان على بن أبى طالب رأسا ، والزبير بن العوام ،
وطلحة بن عبيدالله ، وعمر بن الخطاب ، و عبدالرحمن بن عوف ، وعاصم بن عدى ،
أخو بنى العجلان ، وأسيد بن حضير ، وسهم الحارث بن الخزرج ، وسهم ناعم ،
وسهم بنى بياضة ، وسهم بنى عبيد ، وسهم بنى حرام من بنى سلمة وعبيد السهام .
قال ابن هشام : وإنما قيل له عبيد السهام لما اشترى من السهام يوم خيبر ،
وهو عبيد بن أوس ، أحد بنى حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك
ابن الاوس .
قال ابن إسحاق : وسهم ساعدة ، وسهم غفار وأسلم ، وسهم النجار ، وسهم
حارثة ، وسهم أوس . فكان أول سهم خرج من خيبر بنطاة سهم الزبير
ابن العوام ، وهو الخوع ، وتابعه السرير ، ثم كان الثانى سهم بياضة ، ثم كان
الثالث سهم أسيد ، ثم كان الرابع سهم بنى الحارث بن الخزرج ، ثم كان الخامس
سهم ناعم لبنى عوف بن الخزرج ومزينة وشركائهم ، وفيه قتل محمود بن مسلمة ،
فهذه نطاة .
ثم هبطوا إلى الشق ، فكان أول سهم خرج منه سهم عاصم بن عدى ،
أخى بنى العجلان ، ومعه كان سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم سهم
عبدالرحمن بن عوف ، ثم سهم ساعدة ، ثم سهم النجار ، ثم سهم على بن
أبى طالب رضوان الله عليه ، ثم سهم طلحة بن عبيد الله ، ثم سهم غفار وأسلم ،
ثم سهم عمر بن الخطاب ، ثم سهما سلمة بن عبيد وبنى حرام ، ثم سهم حارثة ،
ثم سهم عبيد السهام ، ثم سهم أوس ، وهو سهم اللفيف ، جمعت إليه جهينة
ومن حضر خيبر من سائر العرب ، وكان حذوه سهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، الذى كان أصابه في سهم عاصم بن عدى .
ـ812ـ
ثم قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتيبة - وهى وادى خاص - بين
قرابته وبين نسائه ، وبين رجال من المسلمين ونساء أعطاهم منها ، فقسم رسول الله
صلى الله عليه وسلم لفاطمة ابنته متئى وسق ، ولعلى بن أبى طالب مئة وسق ،
ولاسامة بن زيد مئتى وسق ، وخمسين وسقا من نوى ، ولعائشة أم المؤمنين
مئتى وسق ، ولابى بكر بن أبى قحافة مئة وسق ، ولعقيل بن أبى طالب مئة
وسق وأربعين وسقا ، ولبنى جعفر خمسين وسقا ، ولربيعة بن الحارث مئة وسق ،
وللصلت بن مخرمة وابنيه مئة وسق ، للصلت منها أربعون وسقا ، ولابى نبقة
خمسين وسقا ، ولركانة بن عبد يزيد خمسين وسقا ، ولقيس بن مخرمة ثلاثين
وسقا ، ولابى القاسم بن مخرمة أربعين وسقا ، ولبنات عبيدة بن الحارث وابنة
الحصين بن الحارث مئة وسق ، ولبنى عبيد بن عبد يزيد ستين وسقا ، ولابن
أوس بن مخرمة ثلاثين وسقا ، ولمسطح بن أثاثه وابن إلياس خمسين وسقا ،
ولام رميثة أربعين وسقا ، ولنعيم بن هند ثلاثين وسقا ، ولبحينة بنت الحارث
ثلاثين وسقا ، ولعجيربن عبد يزيد ثلاثين وسقا ، ولام حكيم ـ بنت
الزبين بن ع بدالمطلب ـ ثلاثين وسقا ، ولجمانة بنت أبى طالب ثلاثين وسقا ،
ولام الارقم خمسين وسقا ، ولعبد الرحمن بن أبى بكر أربعين وسقا ،
ولحمنة بنت جحش ثلاثين وسقا ، ولام الزبير أربعين وسقا ، ولضباعة بنت
الزبير أربعين وسقا ، ولابن أبى خنيس ثلاثين وسقا ، ولام طالب أربعين
وسقا ، ولابى بصرة عشرين وسقا ، ولنميلة الكلبى خمسين وسقا ، ولعبد الله
ابن وهب وابنيه تسعين وسقا ، لابنيه منها أربعين وسقا ، ولام حبيب بنت
جحش ثلاثين وسقا ، ولملكوبن عبدة ثلاثين وسقا ، ولنسائه صلى الله عليه
وسلم سبع مئة وسق .
ـ قال ابن هشام : قمح وشعيروتمر ونوى وغيرذلك ، قسمه على قدر حاجتهم
وكانت الحاجة في بنى ع بدالمطلب أكثر ، ولهذا أعطاهم أكثر ـ .
ـ813ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر ما أعطى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه من قمح خيبر :
قسم لهن مئة وسق وثمانين وسقا ، ولفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه
وسلم خمسة وثمانين وسقا ، ولاسامة بن زيد أربعين وسقا ، وللمقداد بن الاسود
خمسة عشر وسقا ، ولام رميثة خمسة أوسق .
شهد عثمان بن عفان وعباس وكتب .
قال ابن إسحاق : وحدثنى صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب الزهرى ،
عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود ، قال : لم يوص رسول الله صلى الله
عليه وسلم عند موته إلا بثلاث ، أوصى للرهاويين بجاد مئة وسق من خيبر ،
وللداريين بجاد مئة وسق من خيبر ، و للسبائيين بجاد مئة وسق من خيبر
وللاشعريين بجاد مئة وسق من خيبر . وأوصى بتنفيذ بعث أسامة بن زيد بن
حارثة ، وألا يترك بجزيرة العرب دينان .
أمر فدك في خبر خيبر
قال ابن إسحاق : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قذف
الله الرعب في قلوب أهل فدك - حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر -
فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحونه على النصف من فدك ، فقدمت
عليه رسلهم بخيبر ، أو بالطائف ، أو بعد ما قدم المدينة ، فقبل ذلك منهم ،
فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ، لانه لم يوجف عليها بخيل
ولا ركاب .
ـ814ـ
تسمية النفر الداريين
الذين أوصى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر
وهم بنو الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم ، الذين ساروا إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشام : تميم بن أوس ، ونعيم بن أوس أخوه ،
ويزيد بن قيس ، وعرفة بن مالك ، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم
عبدالرحمن .
قال ابن هشام : ويقال : عزة بن مالك ، وأخوه مران بن مالك .
قال ابن هشام : مروان بن مالك .
قال ابن إسحاق : وفاكه بن نعمان ، وجبلة بن مالك ، وأبوهند بن بر ،
وأخو الطيب بن بر ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله .
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - كماحدثنى عبدالله بن أبى بكر -
يبعث إلى أهل خيبر عبدالله بن رواحة خارصا بين المسلمين ويهود ، فيخرص
عليهم ، فإذا قالوا : تعديت علينا ، قال : إن شئتم فلكم ، وإن شئتم فلنا ، فتقول
يهود : بهذا قامت السموات والارض .
وإنما خرص عليهم عبدالله بن رواحة عاما واحدا ، ثم أصيب بمؤتة يرحمه
الله ، فكان جباربن صخر بن أمية بن خنساء ، أخو بنى سلمة ، هو الذى
يخرص عليهم بعد عبدالله بن رواحة .
فأقامت يهود على ذلك ، لا يرى بهم المسلمون بأسافى معاملتهم ، حتى
عدوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبدالله بن سهل ، أخى بنى
حارثة ، فقتلوه ، فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون عليه .
قال ابن إسحاق : فحدثنى الزهرى عن سهل بن أبى حثمة ، وحدثنى أيضا
ـ815ـ
بشير بن يسار ، مولى بنى حارثة ، عن سهل بن أبى حثمة ، قال : أصيب
عبدالله بن سهل بخيبر ، وكان خرج إليها في أصحاب له يمتار منها تمرا ، فوجد
في عين قد كسرت عنقه ، ثم طرح فيها ، قال : فأخذوه فغيبوه ، ثم قدموا
على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا له شأنه ، فتقدم إليه أخوه عبدالرحمن
ابن سهل ، ومعه ابنا عمه حويصة ومحيصة ابنا مسعود ، وكان عبدالرحمن من
أحدثهم سنا ، وكان صاحب الدم ، وكان ذا قدم في القوم ، فلما تكلم قبل
ابنى عمه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الكبر الكبر .
قال ابن هشام : ويقال : كبر كبر - فيما ذكر مالك بن أنس - فسكت ،
فتكلم حويصة ومحيصة ، ثم تكلم هو بعد ، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه
وسلم قتل صاحبهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتسمون قاتلكم ،
ثم تحلفون عليه خمسين يمينا فنسلمه إليكم ؟ قالوا : يا رسول الله ، ما كنا لنحلف
على ما لا نعلم ، قال : أفيحلفون بالله ـ لكم ـ خمسين يمينا ما قتلوه ولا يعلمون له
قاتلا ثم يبرءون من دمه ؟ قالوا : يا رسول الله ، ما كنا لنقبل أيمان يهود ، ما فيهم
من الكفر أعظم من أن يحلفوا على إثم . قال : فوداه رسول الله صلى الله عليه
وسلم من عنده مئة ناقة .
قال سهل : فوالله ما أنسى بكرة منها حمراء ضربتنى وأنا أحوزها .
قال ابن إسحاق : وحدثنى محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى ، عن
عبدالرحمن بن بجيد بن قيظى ، أخى بنى حارثة ، قال محمد بن إبراهيم : وايم
الله ، ما كان سهل بأكثر علما منه ، ولكنه كان أسن منه ، إنه قال له :
والله ما هكذا كان الشأن ! ولكن سهلا أوهم ، ما قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، احلفوا على مالا علم لكم به ، ولكنه كتب إلى يهود خيبر
حين كلمته الانصار : إنه قد وجد قتيل بين أبياتكم فدوه ، فكتبوا إليه
ـ816ـ
يحلفون بالله ما قتلوه ، ولا يعلمون له قاتلا . فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم
من عنده .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عمرو بن شعيب مثل حديث عبد الرحمن بن بجيد ،
إلا أنه قال في حديثه : دوه أو ائذنوا بحرب . فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه
ولا يعلمون له قاتلا ، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده .
قال ابن إسحاق : وسألت ابن شهاب الزهرى : كيف كان إعطاء رسول الله
صلى الله عليه وسلم يهود خيبر نخلهم ، حين أعطاهم النخل على خرجها ، أبت
ذلك لهم حتى قبض ، أم أعطاهم إياها للضرورة من غير ذلك ؟
فأخبرنى ابن شهاب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة
بعد القتال ، وكانت خيبر مما أفاء الله عزوجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
خمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقسمها بين المسلمين ، ونزل من نزل من
أهلها على الجلاء بعد القتال ، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن
شئتم دفعت إليكم هذه الاموال على أن تعملوها ، وتكون ثمارها بيننا وبينكم ،
وأقركم ما أقركم الله ، فقبلوا ، فكانوا على ذلك يعملونها . وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يبعث عبدالله بن رواحة ، فيقسم ثمرها ، ويعدل عليهم
في الخرص ، فلما توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، أقرها أبوبكر - رضى الله
تعالى عنه - بعد رسول صلى الله عليه وسلم بأيديهم ، على المعاملة التى عاملهم
عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى توفى ، ثم أقرها عمر رضى الله عنه صدرا
من إمارته . ثم بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذى
قبضه الله فيه : لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان ، ففحص عمر ذلك ، حتى بلغه
الثبت ، فأرسل إلى يهود ، فقال : إن الله عزوجل قد أذن في جلائكم ، قد
بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان ،
فمن كان عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود فليأتنى به أنفذه
ـ817ـ
له ، ومن لم يكن عنده عهد من رسول صلى الله عليه وسلم من اليهود فليتجهز
للجلاء ، فأجلى عمرمن لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم
قال ابن إسحاق : وحدثنى نافع ، مولى عبدالله بن عمر ، عن عبدالله بن عمر
قال : خرجت أنا والزبير بن العوام والمقداد بن الاسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها ،
فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا ، قال : فعدى على تحت الليل ، وأنا نائم على فراشى ،
ففدعت يداى من مرفقى ، فلما أصبحت استصرخ على صاحباى ، فأتيانى
فسألانى : من صنع هذا بك ؟ فقلت : لا أدرى ، قال : فأصلحا من يدى ، ثم
قدما بى على عمر رضى الله عنه ، فقال : هذا عمل يهود ، ثم قام في الناس خطيبا
فقال : أيها الناس ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على
أنا نخرجهم إذا شئنا ، وقد عدوا على عبدالله بن عمر ، ففدعوا يديه ، كما قد
بلغكم ، مع عدوهم على الانصارى قبله ، لا نشك أنهم أصحابه ، ليس لنا هناك
عدو غيرهم ، فمن كان له مال بخيبر فليلحق به ، فإنى مخرج يهود ، فأخرجهم .
قال ابن إسحاق : فحدثنى عبدالله بن أبى بكر ، عن عبدالله بن مكنف
أخى بنى حارثة ، قال : لما أخرج عمر يهود من خيبر ركب في المهاجرين
والانصار ، وخرج معه جبار بن صخر بن أمية بن خنساء ، أخو بنى سلمة ، وكان
خارص أهل المدينة وحاسبهم ، ويزيد بن ثابت ، وهما قسما خيبر بين أهلها ،
على أصل جماعة السهمان ، التى كانت عليها .
وكان ما قسم عمر بن الخطاب من وادى القرى ، لعثمان بن عفان خطر ،
ولعبد الرحمن بن عوف خطر ، ولعمر بن أبى سلمة خطر ، ولعامر بن أبى ربيعة
خطر ، ولعمرو بن سراقة خطر ، ولاشيم خطر .
قال ابن هشام : ويقال : ولاسلم ولبنى جعفر خطر .
ولمعيقيب خطر ، ولعبد الله بن الارقم خطر ، ولعبد الله وعبيد الله
ـ818ـ
خطران ، ولابن عبدالله بن جحش خطر ، ولابن البكير خطر ، ولمعتمر
خطر ، ولزيد بن ثابت خطر ، ولابى بن كعب خطر ، ولمعاذ بن عفراء خطر ،
ولابى طلحة وحسن خطر ، ولجبار بن صخر خطر ، ولجابر بن عبدالله بن رئاب
خطر ، ولمالك بن صعصعة وجابر بن عبدالله بن عمرو خطر ، ولابن حضير خطر
ولابن سعد بن معاذ خطر ، ولسلمة بن سلامة خطر ، ولعبد الرحمن بن ثابت
وأبى شريك خطر ، ولابى عبس بن جبر خطر ، ولمحمد بن مسلمة خطر ،
ولعبادة بن طارق خطر .
قال ابن هشام : ويقال : لقتادة .
قال ابن إسحاق : ولجبر بن عتيك نصف خطر ، ولابنى الحارث بن قيس
نصف خطر ، ولا بن حزمة والضحاك خطر .
فهذا ما بلغنا من أمر خيبر ووادى القرى ومقاسمهما .
قال ابن هشام : الخطر : النصيب . يقال : أخطر لى فلان خطرا .
ذكر قدوم جعفر بن أبى طالب من الحبشة
وحديث المهاجرين إلى الحبشة
قال ابن هشام : وذكر سفيان بن عينية عن الاجلح ، عن الشعبى : أن
جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه ، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم
فتح خيبر ، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه ، والتزمه وقال :
ما أدرى بأيهما أنا أسر : بفتح خيبر ، أم بقدوم جعفر ؟
قال ابن إسحاق : وكان من أقام بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشى عمرو بن
أمية الضمرى ، فحملهم في سفينتين ، فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية .
ـ819ـ
من بنى هاشم بن عبد مناف : جعفر بن أبى طالب بن عبد المطلب ، ومعه
امرأته أسماء بنت عميس الخثعمية ، وابنه عبدالله بن جعفر ، وكانت ولدته بأرض
الحبشة . قتل جعفر بمؤتة من أرض الشام أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،
رجل .
ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف : خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن
عبد شمس ، ومعه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد - قال ابن هشام : ويقال :
همينة بنت خلف - وابناه سعيد بن خالد ، وأمة بنت خالد ، ولدتهما بأرض
الحبشة . قتل خالد بمرج الصفر في خلافة أبى بكر الصديق بأرض الشام ،
وأخوه عمروبن سعيد بن العاص ، ومعه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث
الكنانى ، هلكت بأرض الحبشة . قتل عمرو بأجنادين من أرض الشام في خلافة
أبى بكر رضى الله عنه .
ولعمرو بن سعيد يقول أبوه سعيد بن العاص أبوأحيحة :
ألا ليت شعرى عنك يا عمرو سائلا * إذا شب واشتدت يداه وسلحا
أتترك أمر القوم فيه بلابل * وتكشف غيظا كان في الصدر موجحا
ولعمرو وخالد يقول أخوهما أبان بن سعيد بن العاص ، حين أسلما ، وكان
أبوهم سعيد بن العاص هلك بالظريبة ، من ناحية الطائف ، هلك في مال له بها :
ألا ليت ميتا بالظريبة شاهد * لما يفترى في الدين عمرو وخالد
أطاعا بنا أمر النساء فأصبحا * يعينان من أعدائنا من نكايد
فأجابه خالد بن سعيد ، فقال :
أخى ما أخى لا شاتم أنا عرضه * ولا هوعن سوء المقالة مقصر
يقول إذا اشتدت عليه أموره : * ألا ليت ميتا بالظريبة ينشر
فدع عنك ميتا قد مشى لسبيله * وأقبل على الادنى الذى هو أفقر
ومعيقيب بن أبى فاطمة ، خازن عمر بن الخطاب على بيت مال المسلمين ، وكان
ـ820ـ
إلى آل سعيد بن العاص ، وأبوموسى الاشعرى عبدالله بن قيس ، حليف
آل عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، أربعة نفر .
ومن بنى أسد بن عبدالعزى بن قصى : الاسود بن نوفل بن خويلد .
رجل .
ومن بنى عبدالدار بن قصى : جهم بن قيس بن عبد شرحبيل ، ومعه
ابناه : عمرو بن جهم ، وخزيمة بن جهم ، وكانت معه امرأته أم حرملة بنت عبد
الاسود ، هلكت بأرض الحبشة ، وابناه لها . رجل .
ومن بنى زهرة بن كلاب : عامر بن أبى وقاص ، وعتبة بن مسعود ،
حليف لهم من هذيل . رجلان .
ومن بنى تيم بن مرة بن كعب : الحارث بن خالد بن صخر ، وقد كانت
معه امرأته ريطه بنت الحارث بن جبيلة ، هلكت بأرض الحبشة . رجل .
ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب : عثمان بن ربيعة بن أهبان .
رجل .
ومن بنى سهم بن عمروبن هصيص بن كعب : محمية بن الجزء ، حليف
لهم من بنى زبيد ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله على خمس المسلمين ،
رجل .
ومن بنى عدى بن كعب بن لؤى : معمر بن عبدالله بن نضلة . رجل .
ومن بنى عامر بن لؤى بن غالب : أبوحاطب بن عمرو بن عبد شمس ،
ومالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس ، معه امرأته عمرة بنت السعدى بن
وقدان بن عبد شمس . رجلان .
ومن بنى الحارث بن فهر بن مالك : الحارث بن عبد قيس بن لقيط
رجل .
وقد كان حمل معهم في السفينتين نساء من نساء من هلك هنالك من المسلمين .
ـ821ـ
فهؤلاء الذين حمل النجاشى مع عمرو بن أمية الضمرى في السفينتين ، فجميع
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 821 سطر 1 الى ص 830 سطر 23
فهؤلاء الذين حمل النجاشى مع عمرو بن أمية الضمرى في السفينتين ، فجميع
من قدم في السفينتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر رجلا .
وكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة ، ولم يقدم إلا بعد بدر ، ولم يحمل
النجاشى في السفينتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن قدم بعد ذلك ،
ومن هلك بأرض الحبشة ، من مهاجرة الحبشة .
من بنى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف : عبيد الله بن جحش بن رئاب
الاسدى ، أسد خزيمة ، حليف بنى أمية بن عبد شمس ، معه امرأته أم حبيبة
بنت أبى سفيان ، وابنته حبيبة بنت عبيدالله ، وبها كانت تكنى أم حبيبة
بنت أبى سفيان ، وكان اسمها رملة
خرج مع المسلمين مهاجرا ، فلما قدم أرض الحبشة تنصر بها وفارق الاسلام ،
ومات هنالك نصرانيا ، فخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأته من
بعده أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب .
قال ابن إسحاق : حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، قال : خرج
عبيد الله بن جحش مع المسلمين مسلما ، فلما قدم أرض الحبشة تنصر ، قال :
فكان إذا مر بالمسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فقحنا
وصأصأتم ، أى قد أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروابعد وذلك
أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه للنظر صأصأ قبل ذلك ، فضرب ذلك
له ولهم مثلا : أى أنا فتحنا أعيننا فأبصرنا ، ولم تفتحوا أعينكم فتبصروا ،
وأنتم تلتمسون ذلك .
قال ابن إسحاق : وقيس بن عبدالله ، رجل من بنى أسد بن خزيمة ،
وهو أبوأمية بنت قيس التى كانت مع أم حبيبة ، وامرأته بركة بنت يسار ،
مولاة أبى سفيان بن حرب ، كانتا ظئرى عبيد الله بن جحش وأم حبيبة بنت
ـ822ـ
أبى سفيان ، فخرجا بهما معهما حين هاجرا إلى أرض الحبشة . رجلان .
ومن بنى أسد بن عبدالعزى بن قصى : يزيد بن زمعة بن الاسود بن
المطلب بن أسد ، قتل يوم حنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا ،
وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد ، هلك بأرض الحبشة . رجلان .
ومن بنى عبد الدار بن قصى : أبوالروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف
ابن عبدالدار ، وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن
عبد مناف بن عبد الدار . رجلان .
ومن بنى زهرة بن كلاب بن مرة : المطلب بن أزهر بن عبد عوف بن
عبد ـ بن ـ الحارث بن زهرة ، معه امرأته رملة بنت أبى عوف بن ضبيرة بن
سعيد بن سعد بن سهم ، هلك بأرض الحبشة ، ولدت له هنالك عبدالله بن
المطلب ، فكان يقال : إن كان لاول رجل ورث أباه في الاسلام . رجل .
ومن بنى تيم بن مرة بن كعب بن لؤى : عمرو بن عثمان بن عمرو بن
كعب بن سعد بن تيم ، قتل بالقادسية مع سعد بن أبى وقاص . رجل .
ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب : هبار بن سفيان بن
عبدالاسد ، قتل بأجنادين من أرض الشام ، في خلافة أبى بكر رضى الله
عنه ، وأخوه عبدالله بن سفيان ، قتل عام اليرموك بالشام ، في خلافة عمر
ابن الخطاب رضى الله عنه ، يشك فيه أقتل ثم أم لا ، وهشام بن ـ أبى ـ حذيفة
ابن المغيرة ، ثلاثة نفر
ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب : حاطب بن الحارث بن
معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح ، وابناه محمد والحارث ، معه
امرأته ـ فاطمة ـ بنت المجلل . هلك حاطب هنالك مسلما ، فقدمت امرأته وابناه ، وهى أمهما ، في إحدى السفينتين ، وأخوه حطاب بن الحارث ، معه امرأته
ـ823ـ
فكيهة بنت يسار ، هلك هنالك مسلما ، فقدمت امرأته فكيهة في إحدى
السفينتين ، وسفيان بن معمر بن حبيب ، وابناه جنادة وجابر ، وأمهما معه
حسنة ، وأخوهما لامهما شرحبيل بن حسنة ، وهلك سفيان وهلك ابناه جنادة
وجابر في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه . ستة نفر .
ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب : عبدالله بن الحارث بن
قيس بن عدى بن سعيد ( 1 ) بن سهم الشاعر ، هلك بأرض الحبشة ، وقيس بن
حذافة بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم ، وأبوقيس بن الحارث بن قيس
ابن عدى بن سعيد بن سهم ، قتل يوم اليمامة في خلافة أبى بكر الصديق
رضى الله عنه ، وعبدالله بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم ،
وهورسول ـ رسول ـ الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ، والحارث بن الحارث
ابن قيس بن عدى ، ومعمر بن الحارث بن قيس بن عدى ، وبشر بن
الحارث بن قيس بن عدى ، وأخ له من أمه من بنى تميم ، يقال له : سعيد بن
عمرو ، قتل بأجنادين في خلافة أبى بكر رضى الله عنه ، وسعيد بن الحارث بن
قيس ، قتل عام اليرموك في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، والسائب
ابن الحارث بن قيس ، جرح بالطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وقتل يوم فحل في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، ويقال : قتل يوم
خيبر ، يشك فيه ، وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم بن سعيد بن سهم .
قتل بعين التمر مع خالد بن الوليد ، منصرفه من اليمامة ، في خلافة أبى بكر
رضى الله عنه . أحد عشر رجلا .
ومن بنى عدى بن كعب ـ بن لؤى ـ : عروة بن عبد العزى بن حرثان بن
عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب ، هلك بأرض الحبشة ،
وعدى بن نضلة بن عبدالعزى بن حرثان ، هلك بأرض الحبشة . رجلان .
* ( هامش ) * ( 1 ) في ب " سعد بن سهم " في كل هذه الاعلام . ( * )
ـ824ـ
وقد كان مع عدى ابنه النعمان بن عدى ، فقدم النعمان مع من قدم من
المسلمين من أرض الحبشة ، فبقى حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب ، فاستعمله
على ميسان ، من أرض البصرة ، فقال أبياتا من شعر ، وهى :
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها * بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتنى دهاقين قرية * ورقاصة تجذو على كل منسم
فإن كنت ندمانى فبالا كبراسقنى * ولا تسقنى بالاصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوءه * تنادمنا في الجوسق المتهدم
فلما بلغت أبياته عمر ، قال : نعم والله ، إن ذلك ليسوءنى ، فمن لقيه
فليخبره أنى قد عزلته ، وعزله . فلما قدم عليه اعتذر إليه وقال : والله يا أمير
المؤمنين ، ما صنعت شيئا مما بلغك أنى قلته قط ، ولكنى كنت امرأ شاعرا ،
وجدت فضلا من قول ، فقلت فيما تقول الشعراء ، فقال له عمر : وايم الله ،
لا تعمل لى على عمل ما بقيت ، وقد قلت ما قلت .
ومن بنى عامر بن لؤى بن غالب بن فهر : سليط بن عمرو بن عبد شمس
ابن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل ـ بن عامر ـ ، وهو كان رسول رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن على الحنفى باليمامة . رجل .
ومن بنى الحارث بن فهر بن مالك : عثمان بن عبد غنم بن زهير بن
أبى شداد ، وسعد بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث
ابن فهر ، وعياض بن زهير بن أبى شداد . ثلاثة نفر .
فجميع من تخلف عن بدر ، ولم يقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم
مكة ، ومن قدم بعد ذلك ، ومن لم يحمل النجاشى في السفينتين ، أربعة
وثلاثون رجلا .
وهذه تسمية ـ جملة ـ من هلك منهم ومن أبنائهم بأرض الحبشة .
ـ825ـ
من بنى عبد شمس بن عبد مناف : عبيد الله بن جحش بن رئاب ، حليف
بنى أمية ، مات بها نصرانيا .
ومن بنى أسد بن عبدالعزى بن قصى : عمرو بن أمية بن الحارث
ابن أسد .
ومن بنى جمح : حاطب بن الحارث ، وأخوه حطاب بن الحارث .
ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب : عبدالله بن الحارث
ابن قيس .
ومن بنى عدى بن كعب بن لؤى : عروة بن عبدالعزى بن حرثان بن
عوف ، وعدى بن نضلة . سبعة نفر .
ومن أبنائهم ، من بنى تيم بن مرة : موسى بن الحارث بن خالد بن صخر
ابن عامر . رجل .
وجميع من هاجر إلى أرض الحبشة من النساء ، من قدم منهن ومن هلك
هنالك ست عشرة امرأة ، سوى بناتهن اللاتى ولدن هنالك ، من قدم منهن
ومن هلك هنالك ، ومن خرج به معهن حين خرجن .
من قريش ، من بنى هاشم : رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن بنى أمية : أم حبيبة بنت أبى سفيان ، معها ابنتها حبيبة ، خرجت
بها من مكة ، ورجعت بها معها .
ومن بنى مخزوم : أم سلمة بنت أبى أمية ، قدمت معها بزينب ابنتها من
أبى سلمة ، ولدتها هنالك .
ومن بنى تيم بن مرة : ريطة بنت الحارث بن جبيلة ، هلكت بالطريق ،
وبنتان لها كانت ولدتهما هنالك : عائشة بنت الحارث ، وزينب بنت الحارث ،
هلكن جميعا ، وأخوهن موسى بن الحارث ، من ماء شربوه في الطريق ،
ـ826ـ
وقدمت بنت لها ولدتها هنالك ، فلم يبق من ولدها غيرها ، يقال لها فاطمة .
ومن بنى سهم بن عمرو : رملة بنت أبى عوف بن ضبيرة .
ومن بنى عدى بن كعب ليلى بنت أبى حثمة بن غانم .
ومن بنى عامر بن لؤى : سودة بنت زمعة بن قيس ، وسهلة بنت سهيل
ابن عمرو ، وابنة المجلل ، وعمرة بنت السعدى بن وقدان ، وأم كلثوم بنت
سهيل بن عمرو .
ومن غرائب العرب : أسماء بنت عميس بن النعمان الخثعمية ، وفاطمة
بنت صفوان بن أمية بن محرث الكنانية ، وفكيهة بنت يسار ، وبركة بنت
يسار ، وحسنة ، أم شرحبيل بن حسنة .
وهذه تسمية من ولد من أبنائهم بأرض الحبشة .
من بنى هاشم : عبدالله بن جعفر بن أبى طالب .
ومن بنى عبد شمس : محمد بن أبى حذيفة ، وسعيد بن خالد بن سعيد ،
وأخته أمة بنت خالد .
ومن بنى مخزوم : زينب بنت أبى سلمة بن عبدالاسد .
ومن بنى زهرة : عبدالله بن المطلب بن أزهر .
ومن بنى تيم : موسى بن الحارث بن خالد ، وأخواته : عائشة بنت الحارث ،
وفاطمة بنت الحارث ، وزينب بنت الحارث .
الرجال منهم خمسة : عبدالله بن جعفر ، ومحمد بن أبى حذيفة ، وسعيد بن
خالد ، وعبدالله بن المطلب ، وموسى بن الحارث .
ومن النساء خمس : أمة بنت خالد ، وزينب بنت أبى سلمة ، وعائشة وزينب
وفاطمة ، بنات الحارث بن خالد بن صخر .
ـ827ـ
عمرة القضاء
في ذى القعدة سنة سبع
قال ابن إسحاق : فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من
خيبر ، أقام بها شهرى ربيع وجماديين ورجبا وشعبان ورمضان وشوالا ، يبعث
فيما بين ذلك من غزوه وسراياه صلى الله عليه وسلم . ثم خرج في ذى القعدة في
الشهر الذى صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء ، مكان عمرته التى صدوه عنها .
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة عويف بن الاضبط الديلى .
ويقال لها عمرة القصاص ، لانهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في
ذى القعدة في الشهر الحرام من سنة ست ، فاقتص رسول الله صلى الله عليه
وسلم منهم ، فدخل مكة في ذى القعدة ، في الشهر الحرام الذى صدوه فيه ،
من سنة سبع .
وبلغنا عن ابن عباس أنه قال : فأنزل الله في ذلك : ( والحرمات قصاص
194 - من سورة البقرة )
قال ابن إسحاق : وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته تلك ،
وهى سنة سبع ، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه ، وتحدثت قريش بينها أن
محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة .
قال ابن إسحاق : فحدثنى من لا أتهم ، عن ابن عباس ، قال : صفوا له
عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه
وسلم المسجد اضطبع بردائه ، وأخرج عضده اليمنى ، ثم قال : رحم الله امرأ
أراهم اليوم من نفسه قوة ، ثم استلم الركن ، وخرج يهرول ويهرول أصحابه
معه ، حتى إذا واراه البيت منهم ، واستلم الركن اليمانى مشى حتى يستلم الركن
الاسود ، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ، ومشى سائرها . فكان ابن عباس
يقول : كان الناس يظنون أنها ليست عليهم ، وذلك أن رسول الله صلى الله
ـ828ـ
عليه وسلم إنما صنعها لهذا الحى من قريش للذى بلغه عنهم ، حتى إذا حج حجة
الوداع فلزمها ، فمضت السنة بها .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عبدالله بن أبى بكر : أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم حين دخل مكة في تلك العمرة دخلها وعبدالله بن رواحة آخذ
بخطام ناقته يقول :
خلوا بنى الكفار عن سبيله * خلوا فكل الخير في رسوله
يا رب إنى مؤمن بقيله * أعرف حق الله في قبوله
* * *
نحن قتلناكم على تأويله * كما قتلناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله
قال ابن هشام : " نحن قتلنا كم على تأويله " إلى آخر الابيات ، لعمار بن
ياسر في غير هذا اليوم ، والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين ،
والمشركون لم يقروا بالتنزيل ، وإنما يقتل على التأويل من أقر بالتنزيل .
قال ابن إسحاق : وحدثنى أبان بن صالح وعبدالله بن أبى نجيح ، عن
عطاء بن أبى رباح ومجاهد أبى الحجاج ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام . وكان الذى
زوجه إياها العباس بن ع بدالمطلب .
قال ابن هشام : وكانت جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل ، وكانت أم
الفضل تحت العباس ، فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس ، فزوجها رسول الله
صلى الله عليه وسلم بمكة . وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع
مئة درهم .
قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثا ، فأتاه
ـ829ـ
حويطب بن عبدالعزى بن أبى قيس بن عبدود بن نصربن مالك بن حسل ،
في نفر من قريش ، في اليوم الثالث ، وكانت قريش قد وكلته بإخراج رسول الله
صلى الله عليه وسلم من مكة ، فقالوا له : إنه قد انقضى أجلك ، فاخرج عنا ،
فقال النبى صلى الله عليه وسلم : وما عليكم لو تركتمونى فأعرست بين أظهركم ،
وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه ، قالوا : لا حاجة لنا في طعامك ، فاخرج عنا ، فخرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة ، حتى أتاه بها
بسرف ، فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هنالك ، ثم انصرف رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ذى الحجة .
قال ابن هشام : فأنزل الله عزوجل عليه فيما حدثنى أبوعبيدة : ( لقد
صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ، لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله
آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين ، لا تخافون ، فعلم ما لم تعلموا ، فجعل
من دون ذلك فتحا قريبا - 27 من سورة الفتح ) يعنى خيبر .
ذكر غزوة مؤتة
في جمادى الاولى سنة ثمان ، ومقتل جعفر وزيد وعبدالله بن رواحة
قال ابن إسحاق : فأقام بها بقية ذى الحجة ، وولى تلك الحجة المشركون ،
والمحرم وصفرا وشهرى ربيع ، وبعث في جمادى الاولى بعثه إلى الشام الذين
أصيبوا يمؤتة .
قال ابن إسحاق : حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ،
قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مؤتة في جمادى الاولى سنة
ثمان ، واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال : إن أصيب زيد فجعفر بن
أبى طالب على الناس ، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس .
فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج ، وهم ثلاثة آلاف ، فلما حضر خروجهم
ـ830ـ
ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم . فلما ودع عبدالله
ابن رواحة مع من ودع من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى ، فقالوا :
ما يبكيك يابن رواحة ؟ فقال : أما والله مابى حب الدنيا ولا صبابة بكم ،
ولكنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله عزوجل ،
يذكر فيها النار ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا - 71 من
سورة مريم ) ، فلست أدرى كيف لى بالصدر بعد الورود ، فقال المسلمون :
صحبكم الله ودفع عنكم ، وردكم إلينا صالحين ، فقال عبدالله بن رواحة :
لكننى أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدى حران مجهزة * بحربة تنفذ الاحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثى * أرشده الله من غاز وقد رشدا
قال ابن إسحاق : ثم إن القوم تهيئوا للخروج ، فأتى عبدالله بن رواحة
رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه ، ثم قال :
فثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذى نصروا
إنى تفرست فيك الخير نافلة * الله يعلم أنى ثابت البصر
أنت الرسول فمن يحرم نوافله * والوجه منه فقد أزرى به القدر
قال ابن هشام : أنشدنى بعض أهل العلم بالشعر هذه الابيات :
أنت الرسول فمن يحرم نوافله * والوجه منه فقد أزرى به القدر
فثبت الله ما آتاك من حسن * في المرسلين ونصرا كالذى نصروا
إنى تفرست فيك الخير نافلة * فراسة خالفت فيك الذى نظروا
يعنى المشركين ، وهذه الابيات في قصيدة له .
قال ابن إسحاق : ثم خرج القوم ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
ليشيعهم حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم ، قال عبدالله بن رواحة :
ـ831ـ
خلف السلام على امرئ ودعته * في النخل خيرمشيع وخليل
............................................................................
- سيرة ابن هشام مجلد: 3 من ص 831 سطر 1 الى ص 840 سطر 23
خلف السلام على امرئ ودعته * في النخل خيرمشيع وخليل
ثم مضوا حتى نزلوا معان ، من أرض الشام ، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل
مآب ، من أرض البلقاء ، في مئة ألف من الروم ، وانضم إليهم من لخم وجذام
والقين وبهراء وبلى مئة ألف منهم ، عليهم رجل من بلى ثم أحد إراشة ،
يقال له : مالك بن زافلة ، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون
في أمرهم ، وقالوا : نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنخبره بعدد عدونا ،
فإما أن يمدنا بالرجال ، وإما أن يأمرنا بأمره ، فنمضى له .
قال : فشجع الناس عبدالله بن رواحة ، وقال : يا قوم ، والله إن التى
تكرهون ، للتى خرجتم تطلبون ، الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة
ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به ، فانطلقوا فإنما هى
إحدى الحسنيين : إما ظهور ، وإما شهادة . قال : فقال الناس : قد والله صدق
ابن رواحة ، فمضى الناس ، فقال عبدالله بن رواحة في محبسهم ذلك :
جلبنا الخيل من أجإ وفرع * تغر من الحشيش لها العكوم
حذوناها من الصوان سبتا * أزل كأن صفحته أديم
أقامت ليلتين على معان * فأعقب بعد فترتها جموم
فرحنا والحياد مسومات * تنفس في مناخرها السموم
فلا وأبى مآب لنأتينها * وإن كانت بها عرب وروم
فعبأنا أعنتها فجاءت * عوابس والغبار لها بريم
بذى لجب كأن البيض فيه * إذا برزت قوانسها النجوم
فراضية المعيشة طلقتها * أسنتها فتنكح أو تئم
قال ابن هشام : ويروى : " جلبنا الخيل من آجام قرح " ، وقوله :
" فعبأنا أعنتها " عن غير ابن إسحاق .
ـ832ـ
قال ابن إسحاق : ثم مضى الناس ، فحدثنى عبدالله بن أبى بكر أنه حدث
عن زيد بن أرقم ، قال : كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره ، فخرج بى
في سفره ذلك مردفى على حقيبة رحله ، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد
أبياته هذه :
إذا أديتنى وحملت رحلى * مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك أنعم وخلاك ذم * ولا أرجع إلى أهل ورائى
وجاء المسلمون وغادرونى * بأرض الشام مشتهى الثواء
وردك كل ذى نسب قريب * إلى الرحمن منقطع الاخاء
هنالك لا أبالى طلع بعل * ولا نخل أسافلها رواء
فلما سمعتهن منه بكيت . قال : فخفقنى بالدرة ، وقال : ما عليك يالكع
أن يرزقنى الله شهادة وترجع بين شعبتى الرحل !
قال : ثم قال عبدالله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتحز :
يا زيد زيد اليعملات الذبل * تطاول الليل هديت فانزل
قال ابن إسحاق : فمضى الناس ، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع
هرقل ، من الروم والعرب ، بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ، ثم دنا
العدو ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة ، فالتقى الناس عندها ، فتعبأ لهم
المسلمون ، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة ، يقال له : قطبة بن قتادة ،
وعلى ميسرتهم رجلا من الانصار يقال له : عباية بن مالك
قال ابن هشام : وبقال عبادة بن مالك .
قال ابن إسحاق : ثم التقى الناس واقتتلوا ، فقاتل زيد بن حارثة براية
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم .
ـ833ـ
ثم أخذها جعفر فقاتل بها ، حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء ،
فعقرها ، ثم قاتل القوم حتى قتل . فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر
في الاسلام .
وحدثنى يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه عباد ، قال :
حدثنى أبى الذى أرضعنى ، وكان أحد بنى مرة بن عوف ، وكان في تلك
الغزوة غزوة مؤتة قال : والله لكأنى أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس
له شقراء ، ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل وهو يقول :
يا حبذا الجنة واقترابها * طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها * كافرة بعيدة أنسابها
على إذ لاقيتها ضرابها
قال ابن هشام : وحدثنى من أثق به من أهل العلم : أن جعفر بن أبى طالب
أخذ اللواء بيمينه فقطعت ، فأخذه بشماله فقطعت ، فاحتضنه بعضديه حتى قتل
رضى الله عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير
بهما حيث شاء . ويقال : إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة ، فقطعه
بنصفين ( 1 ) .
قال ابن إسحاق : وحدثنى يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه
عباد قال : حدثنى أبى الذى أرضعنى ، وكان أحد بنى مرة بن عوف ، قال : فلما
قتل جعفر أخذ عبدالله بن رواحة الراية وتقدم بها ، وهو على فرسه ، فجعل
يستنزل نفسه ، ويتردد بعض التردد ، ثم قال :
أقسمت يا نفس لتنزلنه * لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه * مالى أراك تكرهين الجنه
قد طال ما قد كنت مطمئنه * هل أنت إلا نطفة في شنه
* ( هامش ) * ( 1 ) في ا " فقطعه نصفين " . ( * )
ـ834ـ
وقال أيضا :
يا نفس إلا تقتلى تموتى * هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت * إن تفعلى فعلهما هديت
يريد صاحبيه : زيدا ، وجعفرا ، ثم نزل . فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من
لحم فقال : شد بهذا صلبك ، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت ، فأخذه
من يده ثم انتهس منه نهسة ، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس ، فقال : وأنت في
الدنيا ! ثم ألقاه من يده ، ثم أخذ سيفه فتقدم ، فقاتل حتى قتل .
ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم أخو بنى العجلان ، فقال : يا معشر المسلمين
اصطلحوا على رجل منكم ، قالوا : أنت ، قال : ما أنا بفاعل ، فاصطلح الناس على
خالد بن الوليد ، فلما أخذ الراية دافع القوم ، وحاشى بهم ، ثم انحاز وانحيز عنه ،
حتى انصرف بالناس .
قال ابن إسحاق : ولما أصيب القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما
بلغنى : أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ، ثم أخذها جعفر
فقاتل بها حتى قتل شهيدا ، فقال : ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى
تغيرت وجوه الانصار ، وظنوا أنه قد كان في عبدالله بن رواحة بعض ما يكرهون ،
ثم قال : ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ، ثم قال : لقد
رفعوا إلى في الجنة ، فيما يرى النائم ، على سرر من ذهب ، فرأيت في سرير
عبدالله بن رواحة ازورارا عن سريرى صاحبيه ، فقلت : عم هذا ؟ فقيل لى :
مضيا وتردد عبدالله بعض التردد ، ثم مضى .
قال ابن إسحاق : فحدثنى عبدالله بن أبى بكر ، عن أم عيسى الخزاعية ،
عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبى طالب ، عن جدتها أسماء بنة عميس ،
قالت : لما أصيب جعفر وأصحابه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد
ـ835ـ
دبغت أربعين منا - قال ابن هشام : ويروى أربعين منيئة - وعجنت عجينى ،
وغسلت بنى ودهنتهم ونظفتهم ، قالت : فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ائتنى ببنى جعفر ، قالت : فأتيته بهم ، فتشممهم وذرفت عيناه ، فقلت :
يارسول الله ، بأبى أنت وأمى ، ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شئ ؟
قال : نعم ، أصيبوا هذا اليوم . قالت : فقمت أصيح ، واجتمعت إلى النساء ،
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ، فقال : لا تغفلوا آل جعفر من
من أن تصنعوا لهم طعاما ، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم .
وحدثنى عبدالرحمن بن القاسم بن محمد ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبى
صلى الله عليه وسلم ، قالت : لما أتى نعى جعفر عرفنا في وجه رسول الله صلى الله
عليه وسلم الحزن . قالت : فدخل عليه رجل فقال : يا رسول الله ، إن النساء عنيننا
وفتننا ، قال : فارجع إليهن فأسكتهن ، قالت : فذهب ثم رجع ، فقال له مثل
ذلك - قال : تقول وربما ضر التكلف أهله - قالت : قال : فاذهب فأسكتهن ،
فإن أبين فاحث في أفواههن التراب ، قالت : وقلت في نفسى : أبعدك الله !
فوالله ماتركت نفسك وما أنت بمطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت :
وعرفت أنه لا يقدر على أن يحثى في أفواههن التراب .
قال ابن إسحاق : وقد كان قطبة بن قتادة العذرى ، الذى كان على ميمنة
المسلمين ، قد حمل على مالك بن زافلة فقتله ، فقال قطبة بن قتادة :
طعنت ابن زافلة بن الاراش * برمح مضى فيه ثم انحطم
ضربت على جيده ضربة * فمال كما مال غصن السلم
وسقنا نساء بنى عمه * غداة رقوقين سوق النعم
قال ابن هشام : قوله : " ابن الاراش " عن غير ابن إسحاق .
والبيت الثالث عن خلاد بن قرة ، ويقال : مالك بن رافلة : ـ عن غير بن إسحاق ـ
ـ836ـ
قال ابن إسحاق : وقد كانت كاهنة من حدس - حين سمعت بجيش رسول الله
صلى الله عليه وسلم مقبلا - قد قالت لقومها من حدس ، وقومها بطن يقال لهم
بنو غنم - أنذركم قوما خزرا ، ينظرون شزرا ، ويقودون الخيل تترى ،
ويهريقون دما عكرا ، فأخذوا بقولها ، واعتزلوا من بين لخم ، فلم تزل بعد أثرى
حدس . وكان الذين صلوا الحرب يومئذ بنو ثعلبة ، بطن من حدس ، فلم يزالوا
قليلا بعد . فلما انصرف خالد بالناس أقبل بهم قافلا .
قال ابن إسحاق : فحدثنى محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ،
قال : لما دنوا من حول المدينة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون .
قال : ولقيهم الصبيان يشتدون ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم
على دابة ، فقال : خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطونى ابن جعفر . فأتى بعبد الله
فأخذه فحمله بين يديه ، قال : وجعل الله الناس يحثون على الجيش التراب ، ويقولون :
يا فرار ، فررتم في سبيل الله ! قال : فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليسوا
بالفرار ، ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى .
قال ابن إسحاق : وحدثنى عبدالله بن أبى بكر ، عن عامر بن عبدالله بن
الزبير ، عن بعض آل الحارث بن هشام ، وهم أخواله ، عن أم سلمة زوج النبى
صلى الله عليه وسلم ، قال : قالت أم سلمة لامرأة سلمة بن هشام بن العاص بن
المغيرة : مالى لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع
المسلمين ؟ قالت : والله ما يستطيع أن يخرج ، وكلما خرج صاح به الناس : يافرار ،
فررتم في سبيل الله ، حتى قعد في بيته فما يخرج .
قال ابن إسحاق : وقد قال فيما كان من أمرالناس وأمر خالد ومحاشاته
بالناس وانصرافه بهم ، قيس بن المحسر اليعمرى ، يعتذر مما صنع يومئذ
وصنع الناس :
ـ837ـ
فوالله لا تنفك نفسى تلومنى * على موقفى والخيل قابعة قبل
وقفت بها لا مستحيزا فنافذا * ولا مانعا من كان حم له القتل
على أننى آسيت نفسى بخالد * ألا خالد في القوم ليس مثل
وجاشت إلى النفس من نحو جعفر * بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل
وضم إلينا حجزتيهم كليهما * مهاجرة لا مشركون ولا عزل
فبين قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره ، أن القوم حاجزوا
وكرهوا الموت ، وحقق انحياز خالد بمن معه .
قال ابن هشام : فأما الزهرى فقال فيما بلغنا عنه : أمر المسلمون عليهم خالد
ابن الوليد ، ففتح الله عليهم ، وكان عليهم حتى قفل إلى النبى صلى الله عليه وسلم .
قال ابن إسحاق : وكان مما بكى به أصحاب مؤتة من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم قول حسان بن ثابت :
تأوبنى ليل بيثرب أعسر * وهم إذا ما نوم الناس مسهر
لذكرى حبيب هيجت لى عبرة * سفوحا ، وأسباب البكاء التذكر
بلى ، إن فقدان الحبيب بلية * وكم من كريم يبتلى ثم يصبر
رأيت خيار المؤمنين تواردوا * شعوب ، وخلفا بعدهم يتأخر
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا * بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبدالله حين تتابعوا * جميعا ، وأسباب المنية تخطر
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم * إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغر كضوء البدر من آل هاشم * أبى إذا سيم الظلامة مجسر
فطاعن حتى مال غير موسد * لمعترك فيه قنا متكسر
فصار مع ا لمستشهدين ثوابه * جنان وملتف الحدائق أخضر
وكنا نرى في جعفر من محمد * وفاء وأمرا حازما حين يأمر
ـ838ـ
فما زال في الاسلام من آل هاشم * دعائم عز لا يزلن ومفخر
هم جبل الاسلام والناس حولهم * رضام إلى طود يروق ويقهر
بها ليل منهم جعفر وابن أمه * على ، ومنهم أحمد المتخير
وحمزة والعباس منهم ، ومنهم * عقيل ، وماء العود من حيث يعصر
بهم تفرج اللاواء في كل مأزق * عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر
هم أولياء الله أنزل حكمه * عليهم ، وفيهم ذو الكتاب المطهر
وقال كعب بن مالك :
نام العيون ودمع عينك يهمل * سحا كما وكف الضباب المخضل
في ليلة وردت على همومها * طورا أحن وتارة أتململ
واعتادنى حزن ، فبت كأننى * ببنات نعش والسماك موكل
وكأنما بين الجوانح والحشى * مما تأوبنى شهاب مدخل
وجدا على النفر الذين تتابعوا * يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
صلى الاله عليهم من فتية * وسقى عظامهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للاله نفوسهم * حذر الردى ومخافة أن ينكلوا
فمضوا أمام المسلمين كأنهم * فنق عليهن الحديد المرفل
إذ يهتدون بجعفر ولوائه * قدام أولهم ، فنعم الاول
حتى تفرجت الصفوف وجعفر * حيث التقى وعث الصفوف مجدل
فتغير القمر المنير لفقده * والشمس قد كسفت وكادت تأفل
قرم علا بنيانه من هاشم * فرعا أشم وسؤددا ما ينقل
قوم بهم عصم الاله عباده * وعليهم نزل الكتاب المنزل
فضلوا المعاشر عزة وتكرما * وتغمدت أحلامهم من يجهل
لا يطلقون إلى السفاه حباهم * ويرى خطيبهم بحق يفصل
ـ839ـ
بيض الوجوه ترى بطون أكفهم * تندى إذا اعتذر الزمان الممحل
وبهديهم رضى الاله لخلقه * وبجدهم نصر النبى المرسل
وقال حسان بن ثابت يبكى جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه :
ولقد بكيت وعز مهلك جعفر * حب النبى على البرية كلها
ولقد جزعت وقلت حين نعيت لى : * من للجلاد لدى العقاب وظلها
بالبيض حين تسل من أغمادها * ضربا وإنهال الرماح وعلها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر * خير البرية كلها وأجلها
رزءا ، وأكرمها جميعا محتدا * وأعزها متظلما وأذلها
للحق حين ينوب غير تنحل * كذبا ، وأنداها يدا ، وأقلها
فحشا ، وأكثرها إذا ما يجتدى * فضلا ، وأبذلها ندى ، وأبلها
بالعرف ، غير محمد لا مثله * حى من احياء البرية كلها
وقال حسان بن ثابت في يوم مؤتة يبكى زيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة :
عين جودى بدمعك المنزور * واذكرى في الرخاء أهل القبور
واذكرى مؤتة وما كان فيها * يوم راحوا في وقعة التغوير
حين راحوا وغادروا ثم زيدا * نعم مأوى الضريك والمأسور
حب خير الانام طرا جميعا * سيد الناس حبه في الصدور
ذاكم أحمد الذى لا سواه * ذاك حزنى له معا وسرورى
إن زيدا قد كان منا بأمر * ليس أمر المكذب المغرور
ثم جودى للخزرجى بدمع * سيدا كان ثم غير نزور
قد أتانا من قتلهم ما كفانا * فبحزن نبيت غير سرور
وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من غزوة مؤته :
كفى حزنا أنى رجعت وجعفر * وزيد وعبدالله في رمس أقبر
ـ840ـ
قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر
ـ ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر ـ
وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة .
من قريش ، ثم من بنى هاشم : جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه ، وزيد
ابن حارثة رضى الله عنه .
ومن بنى عدى بن كعب : مسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة .
ومن بنى مالك بن حسل : وهب بن سعد بن أبى سرح .
ومن الانصار ، ثم من بنى الحارث بن الخزرج : عبدالله بن رواحة ، وعباد
ابن قيس .
ومن بنى غنم بن مالك بن النجار : الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة
ابن عبد بن عوف بن غنم .
ومن بنى مازن بن النجار : سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء .
قال ابن هشام : وممن استشهد في يوم مؤتة ، فيما ذكر ابن شهاب :
من بنى مازن بن النجار : أبوكليب وجابر ، ابنا عمرو بن زيد بن عوف
ابن مبذول ، وهما لاب وأم .
ومن بنى مالك بن أفصى : عمرو وعامر ، ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن
سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى .
قال ابن هشام : ويقال أبوكلاب وجابر ابنا عمرو .
قد تم بحمد الله تعالى الجزء الثالث من سيرة النبى صلى الله عليه وسلم التى صنفها
ابن إسحاق . وهذبها ابن هشام ، ويليه - بمشيئة الله جلت قدرته - الجزء الرابع ،
وأوله ( ذكر الاسباب الموجبة المسير إلى المكة وفتح مكة ) نسأل الله أن يمن بإ كماله ،
هو المعين وعليه التكلان .