إعداد وإخراج
موقع مؤسسة الإمام الكاظم عليه السلام ـ المكتبة العامة ـ مكتبة العقائد الإسلامية
www.alkadhum.org
ــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم

شكر وعرفان
إلى التي فتحت أمامي آفاق العلم والمعرفة
إلى التي غرست في قلبي حب أهل بيت النبوة عليهم السلام.
إلى التي عمقت في كياني الولاء المطلق لآل بيت الرسول..
إلى التي علّمتني البذل والإنتاج والعطاء.
إلى التي علّمتني الإصرار على سلوك النهج القويم مهما كانت الظروف والمحن..
إلى حوزة القائم (عج) المباركة أقدم شكري وامتناني..

-------------------------------------------------------------
الصفحة 2
-------------------------------------------------------------

إهداء
إلى المولودة في معقل العصمة والتقى، ومهبط الوحي والهدى، والمورّثة عظيم الفضل والندى..
إلى المرأة الصالحة، والمجاهدة الناصحة، والحرة الأبية، واللبوة الطالبية، والمعجزة المحمدية، والذخيرة الحيدرية، والوديعة الفاطمية..
إلى من أطاعت الله تعالى في السر والعلن، وتحدت بمواقفها أهل النفاق والفتن.
إلى من أرهبت الطغاة في صلابتها، وأدهشت العقول برباطة جأشها، ومثلت أباها علياً بشجاعتها، وأشبهت أمها الزهراء في عظمتها وبلاغتها..
إلى المنسوبة لأسرة النبوة والإمامة، الموهوبة وسام الشرف والمجد والكرامة..
إلى.. بطلة كربلاء عقيلة بني هاشم..

سيدتي ومولاتي زينب (ع)

-------------------------------------------------------------
الصفحة 3
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 4
-------------------------------------------------------------


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والشكر على ما أنعم وهدى وتضل علينا وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
أيها القارئ الكريم: ثلاث شروط لمعرفة الحقيقة الضائعة.
أولاً: أعظم هبة من الله للإنسان هي العقل الذي أودعه فيه إذ هو سر من أسرار الله وحجة ونور يرفع قدر الإنسان من الجهل إلى العلم ومن الظلمات إلى النور ومن الباطل إلى الحق.
أنه السفينة التي تعبر بالانسان عباب البحر وتشق طريقه وسط أمواجه إلى شاطئ السلامة والنجاة.. وو جناحه الذي يطير به إلى الآفاق العالية ويحلق به في سماء الحقائق ويتغنى بذكر الله ويستريح على أغصان العبادة والصلاة ويترنم بآيات الله صباحاً وآناء اليل ويسرح في نجوم السماوات وضوء القمر. قائلاً: (ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار) (آل عمران: 191).

أخي القارئ العزيز
أن هذا المصباح الذي أودعه الله في الإنسان جعل منه اليوم يسبر أغوار العلم ويكتشف الذرة وجزئياتها التي هي أصغر شيء، ويحولها إلى طاقات هائلة جبارة يتقدم الإنسان عبرها كل يوم مسافات طويلة نحو العلم والمكتشفات الجديدة، وتسخير الطبيعة في البحار والبراري والقمر..

-------------------------------------------------------------
الصفحة 5
-------------------------------------------------------------

نعم إن الله يدعوك أيها الإنسان لكي تطلق سراح عقلك وتكسر الأغلال عنه عبر رفع الحجب وتصفيته من الشوائب والأفكار المسبقة، وعدم الخضوع لضغوط المجتمع والإرهاب الفكري الذي يفرضه المؤرخون والكتاب وأنصاف العلماء.
إن الحق هو المقياس الذي يجب ان يبحث عنه الإنسان في الحياة ويتبع فإذا كانت سيرة السلف والرواة وأنصاف المثقفين يخالفون نور الحق فإن الخضوع لها تكون أصناماً تعبد من دون الله.. (قالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراؤنا فأضلونا السبيلا) (الأحزاب/67).
ثانياً: في رحلتك التي تبحث فيها عن النور واليقين فإن مظاهر الحياة والطبيعة من حولك تدلك على الحقائق لأن الطبيعة والقلب مخلوقان وكلاهما يتفاعل مع الآخر وبينها قواسم مشتركة.
فكما أن الأرض الموات والعمارى القاحلة سرعان ما تتحول جنة وربوة ذات بهجة حينما ينزل عليها المطر بقدرة الله سبحانه كذلك قلب الإنسان الخاشع اللين حينما يتعرض إلى نور لاح فإنه يحيى وينبعث نحو الهدى.
ولكن ومضة النور هذه التي تأتي في قلبك لا بد لك أن تجري ورائها بشكل دائم حتى تستولي على قلبك وتزداد هدى واستقامة على طريق الحق. (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) (محمد: 7).
ولا بد أن يواصل الإنسان مسيرته نحو البحث عن الحقيقة والتسليم لله حتى يصل شاطئ النجاة والصراط المستقيم الذي هو صراط الأنبياء والأوصياء والشهداء والصالحين (صراط الذين أنعمت عليهم).
وإذا يفعل الإنسان ذلك فإنه يتعرض لحالة الانتكاسة والتراجع إلى الوراء كما هي تلك الجنة الخضراء التي سرعان ما بهيج بها هواء حارق فتصبح يابسة حطاماً تذرها الرياح.
ويضرب الله لنا مثلاً واضحاً من القرآن الكريم على هذه الحقيقة حيث يقول تعالى (الم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً إن في ذلك لذكرى لأولى الألباب، أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ظلال مبين) (الزمر: 21ـ22).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 6
-------------------------------------------------------------

إذا من شروط الهداية والعاقبة الحسنى هو خشوع القلب والتعرض لنور الحق وإستعداده لقبول الحق وإن كان مخالفاً لهواه وأفكاره السابقة وسيرة الأسلاف.
عزيزي القارئ: إن ترويضك لنفسك وتسليمك لله ولرسوله هو الذي يوصلك لمزيد من الهداية والنجاة والعكس كذلك فإن القساوة والتزمت وعدم الانفتاح تجعل الإنسان بعيداً عن الحقائق الجديدة التي كانت غائبة عنه.
والمشكلة أن الإنسان دائما يفضل المسبقات التي سار عليها كي يريح نفسه من عناء الحقيقة المجهولة عليه ويخدع بذلك نفسه ويطيع هواه ويستجيب لوسوسة الشيطان التي تصده عن الحق.
ثالثاً: عزيزي القارىء: لكي تصل إلى تلك الحقائق وتثبيت نفسك عليها لابد من طلب العون من الله سبحانه والإلحاح بالدعاء إلى الله والتوكل وحده والخشية منه فقط.....وبدون التوجه إلى الله سبحانه يصبح الإنسان عرضه لضغوط المجتمع والأهواء مما يجعله في عناء الحيرة والشكوك والتردد.
ذلك لأن الإنسان بطبيعته الضعيفة تميل إلى الراحة وعدم العناء من أجل التقدم والتطور، فتأتي السوابق الفكرية وسيرة الأجداد والتاريخ المقدس حاجباً ومبرراً لعدم الخوض في عباب القضايا الفكرية المصيرية.
المؤمن الخاضع لله يصبح قلبه صلباً لا يميل لأي قوى مهما كانت التحديات والصعوبات لأنه أتصل بالقوة المطلقة المهيمنة على كل القوى في الأرض سواء كانوا أنس أم جن..
المؤمن يسعى دائماً للوصول للحقيقة ويزيح عن قلبه كل الحجب ويكسر كل الأغلال التي تقف دون وصوله للحقيقة.. لأن الأمور لا تقاس إلا بالحق الذي أراده الله حاكماً ومهيمناً في هذه الدنيا..
وطالما أن الحق هو المقياس فلا تصبح هنالك أزمة في رؤية الإنسان أن الأشياء كلها إذا قيست على أساس الحق فإنها تصبح واضحة جلية..

-------------------------------------------------------------
الصفحة 7
-------------------------------------------------------------

أن الحق لا يقاس بالرجال ولكن الرجال يقاسون بالحق. وإذا وصلت عزيزي إلى هذه القناعة فقد وصلت إلى ثلاثة أرباع الحقيقة ويبقى عليك البحث عن الربع الباقي بمجهر الحق والاستعانة بالله تعالى بإياك نعبد وإياك نستعين.
وخلاصة الحقائق السالفة هي التي تحتاجها في رحلة النور هي:
أولاً: العقل اللبيب المتحرر.
ثانياً: القلب المسلم لله فقط.
ثالثاً: الإرادة المستقلة المستعينة بالله فقط.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 8
-------------------------------------------------------------


أيها القارئ النبيه:
هذا الكتاب إنما هو تجرية مستحقة للدراسة والتقيم والوقوف عليها لأنها تجربة انسان عاش في مجتمع وبنى فكره على عقيدة الآباء والأجداد والمجتمع ثم تفكر وانفتح وتحر وسلم لله نفسه فوصل إلى حقائق جديدة وحرى بأي انسان عاقل شجاع لا يهاب إلا الله ولا يتوكل إلا عليه ولا يعتمد غيره.. أن يفتح لبه وقلبه وبعده لقراءة هذا الكتاب.
وللعلم فإن الكاتب يعرض لنا دراسة بأسلوب علمي وموضوعي يعتمد على أسلوب المقارنة العلمية بين فكرين ومدرستين في حياة المسلمين من أجل التعرف على الخيار الأفضل وعلى تجربة عاشها وأراد أن يعرضها بكل تفاصيلها وشواهدها وأدلتها العلمية.
والمهم في الأمر أن الأدلة تعتمد على قاعدة (الزموهم بما ألزموا أنفسهم) وهي قاعدة علمية موضوعية عند كل العقلاء وأهل الشرع والقانون المدني يقبلون بها ويطبقونها في معاملاتهم.
أنها فعلاً رحلة شيقة في البحث عن الحقيقة الضائعة التي سماها الكاتب.. فهل نحن من الذين نبحث عنها كي نجدها.
جمعية الرسالة والتضامن
السودان ـ الخرطوم

-------------------------------------------------------------
الصفحة 9
-------------------------------------------------------------

الفصل الأول
مقتطفات من حياتي

أيام صباي
كيف كانت البداية
في الجامعة
في قريتنا
مناظرة مع شيخ الوهابية
ملاحظات للباحث لا بد منها

-------------------------------------------------------------
الصفحة 10
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 11
-------------------------------------------------------------


مقتطفات من حياتي

أيام صباي:
كانت تنتابني الرغبة منذ صغري.. وتسدني الفطرة نحو الالتزام بالدين، وكانت الصورة التي تراود ذهني واستشف منها مستقبلي، لا تخرج عن إطار التدين، فكنت أرى نفسي عبر أحلام اليقظة بطلاً، وفارساً إسلامياً مجاهداً، أردُّ للدين حرمته وللإسلام عزته، لم أكن قد تجاوزت المراحل الأولى في المدارس وحضارتهم محدوداً، ولم أكن أعرف إلا بعض القصص عن رسول الله (ص) وحروبه مع الكفار، وبطولات الإمام علي (ع) وشجاعته.. وبعد دراستنا لتاريخ الدولة المهدية في السودان، أعجبت بشخصية (عثمان دقنة) وهو أحد قواد جيش المهدي الثائر في شرق السودان، وكان يشدني جهاده عندما كان استأذنا في التاريخ يصور لنا استبساله وعظمة شخصيته، وهو مجاهد بين الجبال والوديان.. وهكذا تعلق قلبي به، وبنت آمالي على أن أكون مثله، وبدأت أفكر بعقلي الصغير، للوصول لهذا الهدف فكان طريقي الوحيد الذي كنت أتصوره أن أكون خريجاً في المستقبل من الكلية الحربية العسكرية، حتى أتدرب على فنون القتال واستعمال السلاح، وعشت على هذا الهوس سنين من عمري.. حتى انتقلت إلى المرحلة الثانوية، وفيها تفتحت مداركي وازدادت معرفتي،
-------------------------------------------------------------
الصفحة 12
-------------------------------------------------------------

فتعرفت على قادات التحرر في العالم الإسلامي، أمثال عبد الرحمن الكواكبي، والسنوسي، وعمر المختار.. وجمال الدين الأفغاني، ذلك الثائر والعبقري المفكر الذي انطلق من أفغانستان وتنقل في عواصم الدول الإسلامية والغير إسلامية ناشراً الفكر الحيوي الذي يتناول أبعاد التخلف في العالم الإسلامي وكيفية علاجها.
وما شدّ انتباهي! هو أسلوبه الذي كان يمارسه في عمله الجهادي من الحكمة والحنكة ونشر الثقافة وإعطاء الرشد الفكري للأمة الإسلامية، من غير أن يحمل سلاحاً..!
فقد كنت أعتقد، أن كل من يريد أن يجاهد ويدافع عنالمسلمين، لا بد أن يرفع السيف ويخوض الحروب والمعارك، فكان أسلوبه مغايراً تماماً لما كنت أتصوره، فأسلوب الكلمة والثقافة الواعية شيء جديد في تفكيري الديني، ولكني لم أستطع التخلي بسهولة عما بنيت عليه أفكاري وطموحاتي، رغم اكتشافي أن أزمة الأمة أزمة ثقافة رسالية ناضجة، لأن الثقافة هي التي يمكن أن تُحمّل كل فرد مسؤوليته، فهذا هو جمال الدين طاف العالم وهو يبث نوره وبركته وينشر الفكر والثقافة التي تلقاها المسلمون بترحيب وتفاعل، لأنها كانت تحل لهم مشاكلهم وتتعامل مع واقعهم، فأرهب بذلك القوى الاستعمارية الحاقدة، فكانت العروة الوثقى(1) وحدها تحد شامخ لهم جعلهم يعملون على محاصرتها ومنع إصدارها.
فكان التساؤل الذي يراودني:
كيف تمكن هذا لفرد الوحيد أن يغير تلك الموازنات، وكيف أرهب كل هذه القوى المستكبرة؟!

____________
1- وهي جريدة اصدرها جمال الدين وتلميذه محمد عبده في لندن.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 13
-------------------------------------------------------------

وللإجابة على هذا السؤال، انفتحت أمامي بوابة من الأسئلة بعضها بسيط، وبعضها لا إجابة له في الواقع السوداني.. مما جعلني أحاول أن أتحرر من هذا الواقع، وأفك كل القيود والأغلال التي كانت تدعوني للاستسلام والخضوع لهذا الواقع الديني، لكي أسير في هذه الحياة كما كان آبائي وأجدادي، ولكن شعوري بالمسؤولية وحبي لجمال الدين كان ناقوساً يدق على أوتار فطرتي.. فكنت أتساءل:
كيف يمكن لي أن أصير مثل جمال الدين؟!.
وهل الدين الذي ورثته يمكن أن يحملني لذلك المستوى؟!
ثم أقول: ولِمَ لا؟!، هل كان لجمال الدين دين غير ديننا؟!، وإسلام غير إسلامنا؟!.
وللإجابة، تحيرت سنين عديدة وكل ما توصلت إليه هو تغير مفهومي للدين بصورة إجمالية، فأصبحت أرى في جمال الدين القدوة والمثال بعدما كان عثمان دقنة، وتغيرت تبعاً لذلك الوسيلة، فبعدما كانت الكلية الحربية، أصبح المنهج السليم الذي يُعرّفني على الفكر والثقافة الإسلامية الأصيلة، التيمن خلالها تكون النهضة الإسلامية.

كيف كانت البداية:
كان البحث عن المنهج والفكر الناضج والثقافة المسؤولة صعباً، وكانت المرحلة مريرة، رغم أن بحثي كان بصورة عفوية وفطرية، ففي أثناء حياتي الطبيعية كنت أسأل وأناقش وغير ذلك، ولم يكن هناك تفرغ للبحث والمثابرة.
وبعد الغزو الوهابي العنيف على السودان، واشتداد المناظرات والمناقشات، وازدياد الحركة الدينية، انكشفت كثير من الحقائق، وظهرت
-------------------------------------------------------------
الصفحة 14
-------------------------------------------------------------

كثير من الاختلافات والمفارقات التاريخية والعقائدية والفقهية، وبدأت عملية تفكير بعض الفرق وإخراجها من ربقة الإسلام، مما أدى إلى التمذهب وتباين الخطوط.
ورغم مرارة ما حدث، فقد وجدت بغيتي وازداد بحثي، وأصبحت أشعر بواقعية تلك الأسئلة العفوية التي كانت تراود ذهني.
فكثر اهتمامي بالوهابية، متابعاً لمناظراتهم ندواتهم التي كانت تشدني، وأهم ما تعلمته منهم فيتلك المرحلة، هي الجرأة وتحدي الواقع ومخالفته، فلقد كنت أعتقد أن الواقع مقدس لا يمكن التهجم عليه أو التعرض له، رغم ملاحظاتي الكثيرة عليه التي غالباً ما كنت استشفها من جداني وفطرتي، فكنت أتحفظ على كثير من أفعال وممارسات المجتمع الديني.
فواصلت معهم المسير، ودار بيني وبينهم كثير من المناقشات، التي كانت في الواقع عبارة عن تلك الأسئلة التي كانت حائرة في ذهني، فوجدت لبعضها أجوبة أرضتني في تلك المرحلة، وأسئلة لم أجد لها أجوبة عندهم، فكان هذا كفيلاً بالنسبة لي أن أتعاطف معهم، وأشد أزرهم، مع بقاء بعض الملاحظات التي كانت حائلاً بيني وبين أن ألتزم تماماً بالمنهج الوهابي، أولها وأهمها أنني لم أجد عندهم ما يكفيني ويلبي طموحاتي الرسالية..، وكان الوسواس يأخذني أحياناً بقوله: إن الذي تفكر فيه وتبحث عنه شيء مثالي لا واقع له، وأن الوهابية أقرب نموذج للإسلام ولا بديل غيرها..
فكنت أنساق لهذا الوسواس وأصدقه، لعدم معرفتي بالأفكار والمدارس الأخرى، ولكن سرعان ما انتبه إلى أن الذي صنع جمال الدين لا يمكن أن يكون هذا الفكر الوهابي، فكنت أصرح: إن الوهابية هي أقرب الطرق إلى
-------------------------------------------------------------
الصفحة 15
-------------------------------------------------------------

الإسلام ـ لما يقيمونه من أدلة ونصوص على صدق مذهبهم لم أشهدها في الطوائف الأخرى في السودان ـ ولكن مشكلتهم أن هذا المذهب الذي يتبنونه أشبه بقوانين الرياضيات، فهو عبارة عن قواعد وقوانين جامدة، تطبق من غير أن تكون لها انعكاسات حضارية واضحة في حياة الإنسان، وفي فن تعامله مع هذه الدنيا في شتى الأصعدة الفردية منها أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية..، وحتى في كيفية العلاقة مع الله تعالى. بل العكس تماماً فكثيراً ما تجعل الإنسان متوحشاً في عزلة عن المجتمع بما يحمله من صكوك التكفير لكل قطاعاته، فلا يستطيع الواحد منهم أن يتعايش مع المجتمع فيتميز عنهم بلباسه وتصرفاته وفي كل جزئية من حياته، ولا يتآلف إلا مع أقرانه، فكنت أحس منهم الغرور والكبر والأنفة لأنهم ينظرون إلى الناس من شاهق عال، لا يتفاعلون معهم ولا يشاركونهم في حياتهم.
وكيف يشاركونهم؟!، وكل ما يفعله المجتمع بدعة وضلال.
وأنا أذكر جيداً عندما دخل المد الوهابي إلى قريتنا، ففي مدة قليلة ومن غير دراسة ووعي، انضمت مجموعة كبيرة من الشباب على الخط الوهابي، ثم لم يستمر الزمن كثيراً حتى تخلّوا عنه جميعاً، وكان هذا توقعي، لأن المذهب الجديد منعهم من مخالطة المجتمع وحرّم عليهم كثيراً من العادات التي تربوا عليها، وهي في الواقع لا تخالف الدين.
ومن الطريف أن أذكر، أن من الأشياء التي كان يعاني منها الشباب المنضمون إلى المذهب الوهابي، أنه كان من العادة في قريتنا أن الشباب في ليالي القمر يجلسون على الرمال الصافية ويتسامرون ويقضون أوقاتهم، وهي ساعة اللقاء الوحيدة لشباب القرية الذين يعملون طوال النهار في مزارعهم وأشغالهم المتعددة فكان شيخهم يمنعهم من ذلك ويحرّمه عليهم بحجة أن رسول الله (ص) حرَّمَ الجلوس في الطرقات، رغم أن هذه
-------------------------------------------------------------
الصفحة 16
-------------------------------------------------------------

الأماكن لا تعتبر طرقات، وثانياً وهي مشكلة كل الوهابية، أن الواحد منهم بزمن قليل من تدينه وبقليل من العلم، يصبح مجتهداً يحق له أن يفتي في أي مسالة، وأذكر يوماً أن أحدهم كان جالساً معي أناقشه في كثير من الأمور، وفي أثناء النقاش انتفض قائماً بعدما سمع صوت أذان المغرب في مسجدهم، قلت له مهلاً نكمل حديثنا. قال: لا حديث، قد حان وقت الصلاة، هيا لنصلي في المسجد، قلت له: أنا أصلي في بيتي ـ رغم التزامي بالصلاة معهم ـ قال صارخاً: باطلة صلاتك. انذهلت من هذا القول.. وقبل أن استفسر أدار ظهره ليذهب. قلت له: مكانك، ما هو سبب بطلان صلاتي في البيت؟
قال (بكل افتخار وعجب): قال رسول الله (ص): لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. قلت له: لا خلاف في أفضلية صلاة الجماعة في المسجد، ولكن هذا لا يعني سلب صحة الصلاة في غير هذا الموضع، والحديث ناظر لتأكيد هذه الأفضلية لا لتبيين حكم الصلاة في البيت، والدليل على ذلك أننا لم نر في الفقه أن من مبطلات الصلاة الصلاة في البيت، ولم يفت أحد من الفقهاء في هذه المسألة، ثم ثانياً بأي حق تصدر هذه الأحكام؟! هل أنت فقيه؟!.. ومن الصعب جداً أن يفتي الإنسان ويبين حكماً لموضوع معين، فالفقيه يقم بدراسة كل النصوص في مثل هذا المورد، ويتعرف على دلالة الأمر والنهي في النص.. هل يدل الأمر على الوجوب أم على الاستحباب، والنهي هل يدل على الحرمة أم الكراهة.. فهذا الدين عميق فأوغل فيه برفق.
بدا الانكسار في وجهه، وعبس وبسر ثم قال: أنت تؤول الحديث، والتأويل حرام.. وذهب..
فاحتسبت أمري لله من هذا الأحمق الذي لا يفهم شيئاً.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 17
-------------------------------------------------------------

هذه العقلية المتحجرة، كانت هي السبب الثاني الذي حال بيني وبين أن أكون وهابياً، رغم أنني تأثرت بكثير من أفكارهم، فكنت أتبناها وأدافع عنها.
وبقيت على هذه الحال مدة من الزمن تائهاً لا قرار لي ولا اتجاه، اقترب من الوهابية حيناً وأتبعد عنها حيناً آخر، ورأيت أن الحل الوحيد أمامي ـ بدلاً من الكلية العسكرية ـ ان أدرس في كلية أو جامعة إسلامية حتى أواصل بحثي بطريقة أكثر دقة وإمعاناً. وبعد امتحاني للجامعة، كانت هناك ستة رغبات من الجامعات والمعاهد التي رغب الطال في دراستها، فلم اختر غير الجامعات والكليات الإسلامية، وبالفعل تم قبولي في احد الكليات الإسلامية (وهي كلية الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة وادي النيل في السودان). فطرت بها فرحاً، وأعددت العدة لهذه المرحلة الجديدة في حياتي، وبعد أداء التدريب العسكري (الدفاع الشعبي) الذي لا يمكن دخول الجامعة إلا بعد الفراغ منه، بدأت الوفود من مختلف أنحاء السودان بالمجئ إلى الجامعة وكنت أنا من أولهم، وأثناء المقابلة سألني مدير الكلية عن شخصية أعجبت بها في حياتي؟ قلت له: جمال الدين الأفغاني، وأوضحت له سر إعجابي به..، فأبدى ارتياحه من كلامي، وبعد كثير من الأسئلة تمّ قبولي رسمياً في الكلية. وبعدها انطلقت إلى المكتبة التي حوت كثيراً من الكتب والموسعات الضخمة فأصبحت ملازماً لها، ولكن المشكلة التي واجهتني هي من أين أبدأ؟ وأي شيء أقرأ؟
وبقيت على هذا الحال، انتقل من كتاب إلى آخر.. وقبل أن أضع لنفسي برنامجاً، فتح لي أحد أقاربنا باباً واسعاً ومهماً في البحث والتنقيب، وهو دراسة التاريخ وتتبع المذاهب الإسلامية لمعرفة الحق من بينها، وكان هذا الفتح توفيقاً إلهياً لم يكن في حسباني، عندما التقيت بقريبي عبد المنعم ـ وهو
-------------------------------------------------------------
الصفحة 18
-------------------------------------------------------------

خرّيج كلية القانون ـ في منزل ابن عمي في مدينة عطبرة، وقبل غروب الشمس رأيته في ساحة المنزل يتحاور مع أحد (من الأخوان المسلمين) الذي كان ضيفاً في البيت، فأرهفت السمع لأرى فيم يتحادثان.. وأسرعت إليهم عندما علمت بطبيعة النقاش وهو في الأمور الدينية، فجلست بالقرب منهم أراقب تطورات المحاورة التي امتاز فيها عبد المنعم بالهدوء التام رغم استفزازات الطرف الآخر وتهجمه، لم أعرف طبيعة النقاش بتمامه إلى أن قال الأخ المسلم: الشيعة كفّار وزنادقة...!!
هنا انتبهت، وأمعنت النظر، ودار في ذهني استفهام حائر..
من هم الشيعة؟ ولماذا هم كفّار؟
وهل عبد المنعم شيعي؟

وما يقوله من غريب الحديث، هل هو كلام الشيعة؟!
وللإنصاف إن عبد المنعم افحم خصمه في كل مسألة طُرحت في النقاش، بالإضافة إلى لباقة منطقه وقوة حجته.
وبعد الانتهاء من الحوار، وأداء صلاة المغرب انفردت بقريبي عبد المنعم، وسألته بكل احترام: هل أنت شيعي؟.. ومن هم الشيعة؟ ومن أين تعرفت عليهم؟
قال: مهلاً. مهلاً.. سؤال بعد سؤال.
قلت له: عفواً، أنا ما زلت مذهولاً مما سمعته منك.
قال: هذا بحث طويل، ومجهود أربع سنوات من العناء والتعب مع الأسف لم تكن النتيجة متوقعة.
فقاطعته: أي نتيجة هذه؟.
قال: ركانُ من الجهل والتجهيل عشناه طوال حياتنا، نركض خلف مجتمعاتنا من غير أن نسأل، هل ما عندنا من دين هو مراد الله تعالى، وهو
-------------------------------------------------------------
الصفحة 19
-------------------------------------------------------------

الإسلام؟ وبعد البحث اتضح أن الحق كان مع أبعد الطرق تصوراً في نظري وهم الشيعة.
قلت له: لعلك تعجلتَ... أو اشتبهت...!..
فابتسم في وجهي قائلاً: لماذا لا تبحث أنت بتأمل وصبر؟ وخاصة أن لكم مكتبة في الجامعة تفيدك في هذا الأمر كثيراً.
قلت (متعجباً): مكتبتنا سنية، فكيف أبحث فيها عن الشيعة؟!..
قال: من دلائل صدق التشيع أنه يستدل على صحته من كتب وروايات علماء السنة فإن فيها ما يظهر حقهم بأجلى الصور.
قلت: إذن مصادر الشيعة هي نفس مصادر أهل السنة؟!
قال: لا، فإن للشيعة مصادر خاصة تفوق أضعافاً مضاعفة مصادر السنة كلها مروية عن أهل البيت عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنهم لا يحتجون على أهل السنة بروايات مصادرهم، لأنها غير ملزمة لهم فلا بدأن يحتجوا عليهم بما يثقون به، أي ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.
سرني كلامه وزاد تفاعلي للبحث، قلت له: إذن كيف أبدأ؟
قال: هل يوجد في مكتبتكم ـ صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند أحمد والترمذي والنسائي ـ؟
قلت: نعم، عندنا قسم ضخم لمصادر الحديث.
قال: من هذه ابدأ، ثم تأتي بعد ذلك التفاسير وكتب التاريخ فإن في هذه الكتب أحاديث دالة على وجوب أتباع مدرسة أهل البيت.
وبدأ يسرد لي أمثلة منها، مع ذكر المصدر ورقم المجلد والصفحة....
توقفت حائراً، أستمع إلى هذه الأحاديث التي لم أسمع بها من قبل مما جعلني أشك في أنها موجودة في كتب السنة.....ولكن سرعان ما قطع عني
-------------------------------------------------------------
الصفحة 20
-------------------------------------------------------------

هذا الشك، بقوله: سجل هذه الأحاديث عندك، ثم ابحثها في المكتبة ونلتقي يوم الخميس القادم بإذن الله.

في الجامعة:
بعد مراجعة تلك الأحاديث في البخاري ومسلم والترمذي.... في مكتبة جامعتنا تأكد لي صدق مقالته، وفوجئت بأحاديث أخرى، أكثر منها دلالة على وجوب أتباع أهل، مما جعلني أعيش في حالة من الصدمة..
لِمَ لَمْ نسمع بهذه الأحاديث من قبل؟!
فعرضتها على بعض زملائي في الكلية حتى يشاركونني في هذه الأزمة، فتفاعل البعض ولم يكترث لها البعض الآخر، ولكنني صممت على مواصلة البحث ولو كلفني ذلك كل عمري.. وعندما جاء يوم الخميس، انطلقت لعبد المنعم.. فاستقبلني بكل ترحاب وهدوء وقال: يجب عليك ألا تتعجل، وأن تواصل البحث بكل وعي.
ثم بدأنا في بحوث أخرى متفرقة استمرت إلى مساء الجمعة، استفدت منها الكثير وتعرفت على أشياء لم أكن أعرفها، وقبل رجوعي إلى الجامعة.. طلب مني عدة أمور أبحثها.. وهكذا دواليك إلى مدة من الزمن. وكانت طبيعة النقاش بيني وبينه تتغير من فترة إلى أخرى، فأحياناً احتد معه في الكلام، وأحياناً أكابر في الحقائق الواضحة، فكنت مثلاً عندما أراجع بعض الأحاديث في المصادر وأتأكد من وجودها، أقول له: إن هذه الأحاديث غير موجودة. ش. ولست أعلم إلى الآن ما الذي كان يدفعني إلى ذلك، سوى الشعور بالانهزام وحب الانتصار.
وبهذه الصورة وبمزيد من البحث انكشفت أمامي كثير من الحقائق لم أكن أتوقعها، وكنت في طول هذه الفترة كثير النقاش مع زملائي، وبعدما
-------------------------------------------------------------
الصفحة 21
-------------------------------------------------------------

ضاق زملائي بي ذرعاً، طلبوا مني أن أناقش دكتوراً كان يدرسنا الفقه، قلت: لام انع لدي، ولكن هناك حواجز بيني وبينه تمنعني من الحرية في الكلام، فلم يقتنعوا بهذا، وقالوا: بيننا وبينك الأستاذ، فإذا أقنعته فنحن معك..!
قلت: ليست المسألة هي الاقناع، وإنما هي الدليل والبرهان، والبحث عن الحق..
وفي أول درس للفقه بدأت النقاش معه بصورة أسئلة متعددة..
فوجدته لا يخالفني كثيراً بل العكس كان يؤكد على حب أهل البيت (ع) ولزوم أتباعهم وذكر فضائلهم.. وبعد أيام متعددة طلب مني أن آتيه في مكتبه في مقر الجامعة، وبعد الذهاب إليه قدم لي كتاباً من عدة أجزاء وهو (صحيح الكافي) من أوثق مصادر الحديث عند الشيعة. وطلب مني عدم التفريط في هذا الكتاب لأنه تراث أهل البيت.. لم أتكلم من شدة المفاجأة.. أخذت الكتاب وشكرته على ذلك، وكنت اسمع بهذا الكتاب ولم أراه، مما جعلني أشك في تشيع هذا الدكتور، مع معرفتي أنه مالكي، وبعد السؤال والاستفسار اتضح لي أنه صوفي متعلق بحب أهل البيت (ع).
وعندما شعر زملائي بهذا التوافق بيني وبين الاستاذ، طلبوا مني مناقشة أستاذ آخر كان يدّرسنا مادة الحديث، وكان رجلاً متديناً كثير التواضع طيب الأخلاق، وكنت أحبه كثيراً، فاستجبت لطلبهم، وبدأت بيننا نقاشات متعددة، وكنت أسأله عن صحة بعض الأحاديث فكان يؤكد صحتها، وبعد مدة من الزمن شعرت منه النفور وعدم الارتياح من نقاشي وقد أحس بذلك زملائي، ففكرت أن أفضل وسيلة لمواصلة النقاش، هي الكتابة، فكتبت له مجموعة من الأحاديث والروايات التي تدل بصراحة على وجوب أتباع مذهب أهل البيت (ع)، وطلبت منه البحث في صحتها، وكنت أسأله كل
-------------------------------------------------------------
الصفحة 22
-------------------------------------------------------------

يوم عن الإجابة فيعتذر بعدم البحث.. وتابعت معه بهذه الطريقة حتى أحس مني المضايقة.
قال لي: كلها صحيحة.
قلت: إنها واضحة في أتباع أهل البيت..
لم يجب وذهب مسرعاً على المكتب.
كان هذا التصرف صدمة بالنسبة لي، مما جعلني أشعر بصدق مقالة الشيعة. ولكني أحببت التريث وعدم العجلة في الحكم.
ومن غريب الصدفة، أن عميد الكلية وهو الأستاذ علوان، كان يدّرسنا التفسير فقال يوماً في تفسير قوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع): إن رسول الله (ص) لما كان في غدير خم، نادى الناس فاجتمعوا فأخذ بيد علي (ع) فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، فشاع ذلك في أقطار البلاد وبلغ ذلك الحارث بن نعمان الفهري فأتى رسول الله (ص) على ناقته فأناخ راحلته ونزل عنها، وقال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله فقبلناه ,أمرتنا أن نصوم رمضان فقبلناه وأمرتنا بالحج فقبلناه، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا فقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله؟
فقال النبي (ص: والله الذي لا إله إلا هو، إن هذا من الله عز وجل، فولى الحادث يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقوله محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله بحجر سقط على هامته وخرج من دبره.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 23
-------------------------------------------------------------

فأنزل الله عز وجل: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع، من الله ذي المعارج)(1)..
وبعد الفراغ من الدرس لحق به أحد أصدقائي، وقال له: إنما قلته هو كلام الشيعة، توقف الأستاذ العميد هنيهة ثم نظر إلى هذا المعترض وقال له: ادع لي (معتصماً) إلى مكتب الإدارة..!
استغربت هذا الطلب، وتهيبت لقاء الأستاذ العميد، ولكني حزمت أمري وذهبت إليه، وقبل أن أجلس، قال: يقولون أنك شيعي!.
قلت: أنا مجرد باحث.
قال: إن البحث جميل ولا بد منه.
أخذ العميد يذكر لي بعض الشبهات عن الشيعة التي كثيراً ما كانت تُرَدَّدُ وقد أعانني الله على الرد عليها بأقوى الأدلة والبراهين، حيث انطلقت في الحديث بأكثر ما كنت أتوقع، وقبل ختام حديثنا أوصاني بكتاب المراجعات، وقال: إنه من الكتب الجيدة في هذا المجال.
وبعد قراءتي لكتاب المراجعات ومعالم المدرستين وبعض الكتب الأخرى، اتضح لي الحق وانكشف الباطل، لما في هذين السفرين من أدلة واضحة وبراهين ساطعة بأحقية مذهب أهل البيت. وازدادت قوتي في النقاش والبحث، حتى كشف الله نور الحق في قلبي، وأعلنت تشيعي...
ومن ثم بدأت مرحلة جديدة من الصراع، فلم يجد الذين عجزوا عن النقاش طريقاً، غير السخرية والسب والشتم والتهديد والافتراء.. وغير ذلك من أساليب الجهل فاحتسبت أمري عند الله، وصبرت على ما جرى، رغم أن الضربات قد وجّهت لي من أعز أصدقائي الذي حرّموا الأكل والنوم معي تحت سقف واحد.

____________
1- راجع نور الأبصار للشبلنجي ص75.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 24
-------------------------------------------------------------

وضرُبت عليَّ عزلة كاملة، غلا من بعض الأخوة الذي هم أكثر فهماً وتحرراً. وبعد مدة من الزمن استعطت أن أعيد علاقتي بالجميع وبصورة أفضل من الأول بل ولقد أصبحت بينهم محترماً ومقدراً، وكان بعضهم يستشيرني في كل صغيرة وكبيرة من أمور حياته، ولكن هذا الحال لم يستمر طويلاً، فقد شبت نار الفتنة من جديد، بعدما أعلن ثلاثة من الطلبة تشيعهم، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الطلبة أظهروا تعاطفهم وتأييدهم للشيعة، فدارات سلسلة أخرى من الصدامات والصراعات التزمنا فيها جميعاً الأخلاق الرسالية والحكمة، فتمكنا من امتصاص الغضب بأسرع ما يكون.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 25
-------------------------------------------------------------


في قريتنا
قريتنا (ندي) من القرى الصغيرة في شمال السودان على ضفاف النيل، ومعظم سكانها من قبيلة الرباطاب)، وقد اشتهرت هذه القبيلة بالذكاء وسرعة البديهة، ويعتمد سكانها على الخيل وزراعة المحاصيل الموسمية.
وقد استغل الوهابيون أهلها الطيبين في نشر الفكر الوهابي، فأثروا بطريقة غير مباشرة على مفاهيمهم وعقولهم، لكثرة المحاضرات والندوات التي يقيمونها، فأديت تحفظي في البداية، وملأت أوقاتي بالقراءة والإطلاع والدعوة إلى مذهب أهل البيت (ع) بين الأهل والأقارب. وقد جرى بيني وبين أخي الأكبر كثير من المناقشات والمشادات إلى درجة أنه رفض أن يقرأ كتب الشيعة وهددني بحرقها، وبعد النقاش تمكنت من التأثير عليه، فقرأ بعض الكتب أمثال: (أهل البيت قيادة ربانية، المراجعات، معالم المدرستين...) إلى أن هداه الله إلى نور أهل البيت (ع) وأعلن تشيعه، أما بقية الأهل فقد أبدى الغالبية تعاطفهم وتأييدهم..
وبهذا انتشر أمري في القرية، وبدأت أطرح مذهب أهل البيت على كثير من أهلها، فشبت نار الوهابية وتأجج غضب مروجيها، فأصبحت كل محاضراتهم في أية مناسبة كانت هي عبارة عن سب وشتم الشيعة والافتراء عليهم وأحياناً يتعرضون لشخصيتي، وواجهت كل ذلك بالصبر والصفح الجميل.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 26
-------------------------------------------------------------


مناظرة مع شيخ الوهابية:
وجرى حوار بيني وبين شيخهم ـ أحمد الأمين ـ وطلبت منه العقلانية وترك الاستهتار والتهجم دون جدوى، وبعدما طفح الكيل وازداد تعنتهم وتعصبهم ذهبت إلى مسجدهم وصليت خلفه صلاة الظهر، وبعد الانتهاء من الصلاة سألته: هل تعرضت لك يوماً طوال هذه المدة، التي تسب فيها الشيعة وتكفرهم بمكبرات الصوت؟!
قال: لا.
قلت: أو تدري ما السبب؟!
قال: لا أدري.
قلت: إن كلامك تهجم وجهل، وتعرض لشخصيتي، فخفت أن اعترض عليك فيكون ذلك دفاعاً عن نفسي، وليس دفاعاً عن الحق، والآن أطلب منك مناظرة علمية ومنهجية أمام الجميع حتى ينكشف الحق.
قال: لا مانع عندي.
قلت: لا مانع عندي.
قلت: إذا حدد محاور المناظرة.
قال: تحريف القرآن، وعدالة الصحابة.
قلت: حسناً، ولكن هناك أمران ضروريان لا بد من مناقشتهما، وهما صفات الله، والنبوة في اعتقادكم ورواياتكم..
قال: لا.
قلت: ولِمَ؟
قال: أنا أحدد المحاور، فإذا طلبتُ منك ـ أنا ـ المناظرة، يكون الحق لك في تحديد المحاور.
قلت: لا خلاف.. متى موعدنا؟

-------------------------------------------------------------
الصفحة 27
-------------------------------------------------------------

قال: اليوم، بعد صلاة المغرب.. ـ ظناً منه أنه سيرهبني بهذا الموعد القريب ـ فأظهرت موافقتي بكل سرور، وخرجت من المسجد.
وبعد أداء صلاة المغرب، بدأت المناظرة. فبدأ شيخهم ـ أحمد الأمين ـ الحديث كعادته يتهجم ويتهم الشيعة بالقول بتحريف القرآن وكان يمسك في يده كتاب (الخطوط العريضة لمحب الدين)، وبعد الفراغ من حديثه، ابتدأت حديثي، وقمت بالرد على كل ما افتراه من اتهامات بالتفصيل، وبرأت الشيعة تماماً من القول بتحريف القرآن، وبعد ذلك، قلت له كما قال عيسى (ع): (ترون التبنة في أعين غيركم ولا ترون الخشبة في أعينكم)، فإن الروايات التي احتوتها كتب الحديث عند السنة ظاهرة في اتهام القرآن الكريم بالتحريف، فنسبة القول بالتحريف إلى السنة أقرب منها إلى الشيعة، وذكرت ما يقارب عشرين رواية مع ذكر المصدر، ورقم الصفحة من صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد والإتقان في علوم القرآن للسيوطي، مثال:
أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، عن أبي بن كعب قال: كم تقرؤون سورة الأحزاب؟ قال: بضعاً وسبعين آية، قال: لقد قرأتها مع رسول الله (ص) مثل البقرة أو أكثر منها وإن فيها آية الرجم(1).
وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب، قال: إن الله بعث محمداً (ص) بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها فلذا رجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله.. إلى أن يقول: ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله:

____________
1- مسند أحمد ج5 ص131.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 28
-------------------------------------------------------------


(أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، وإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم)(1).
وروى مسلم في صحيحه، قال: بُعث أبو موسى إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة، وقراؤهم، فأتلوه ولا يطولن عليكم الأمر، فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة)(2).
وفي أثناء ذكري لهذه الروايات، لاحظت أن الشيخ حملق عينيه وفتح فاه وظهرت الحيرة والدهشة على وجهه، فما أن توقفت عن الكلام حتى أخذ يقول: أنا لم أسمع بذلك وأنا لم أر ذلك، وأطالبك أن تحضر هذه المصادر أمامي.
قلت: قبل قليل كنت تتهجم على الشيعة وتتهمهم بالتحريف، فلماذا لم تحضر كتبهم التي لم ترها في حياتك كلها، فأنت ملزم بإحضار مصادرك وهذه مكتبتك، فيها البخاري ومسلم وكتب الحديث، أحضرها حتى أخرج لك هذه الروايات منها.. وعندما لم يجد مخرجاً قفز إلى موضوع آخر، وهو أن الشيعة تقول بالتقية فكيف نصدّق كلامهم؟!
وهرج ومرج، حتى قام أحدهم وأذن لصلاة العشاء، وبعد الصلاة تواعدنا أن نكمل المناظرة في الأيام القادمة، على أن نختار كل يوم
____________
1- صحيح البخاري ج8 ص26، رجم الحبلى من الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
2- صحيح مسلم ج3 ص155 ، باب لو أن لابن آدم ...

-------------------------------------------------------------
الصفحة 29
-------------------------------------------------------------

موضوعاً نتناظر حوله.. ولما جاء الغد كنت جالساً أمام منزلنا في الصباح فمر الشيخ وسلم عليَّ بكل احترام وقال: عن هذه المباحث لا يفهمها العامة، فمن الأفضل أن نتحاور ونتناظر أنا وأنت على انفراد.
قلت: أوافق، لكن بشرط أن تترك التهجم على الشيعة، وفيما بعد لم نسمع له تهجماً على الشيعة.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 30
-------------------------------------------------------------


ملاحظات للباحث لا بد منها
قبل البدء في تسجيل بعض بحوثي في هذا الكتاب، أحببت أن أشير على بعض الملاحظات، التي استفدتها من تجاربي السابقة في منهج البحث.
(19 الثقة والتوكل على الله تعالى، وهي نقطة الانطلاق في البحث، فقد أعطى الله سبحانه الإنسان نور العقل والعلم، وجعل أمر الاستفادة منه بيد الإنسان نور العقل والعلم، وجعل أمر الاستفادة منه بيد الإنسان، فمن أهمل ذلك النور ولم يشعله لكشف الواقع، سيظل يعيش في ركام من الجهل والخرافات والضلال، بخلاف الذي يستثمر عقله وينمّيه، والفرق بين الاثنين يرجع إلى سبب واحد، وهو الثقة وعدمها، فالذي يشعر بالضعف والانهزام لا يستفيد من عقله، أما الذي يقف بالله تعالى وبما أعطاه من نور العقل يصل إلى قمة المعرفة والتحضر، فلذلك إن كثيراً ممن اعترض طريقي في البحث كان يستخدم هذا لأسلوب لضعضعة ثقتي، فيقول: من أين لك القدرة في بحث هذه الأمور؟! وإن بار علمائنا لم يتوصلوا إلى ما توصلت إليه فما هي قيمتك أمام جهابذة العلماء؟!.. وغير ذلك من أساليب تحطيم القدرات.
ولم يكونوا يريدون مني أكثر من أن أخوض فيما يخوضون، وأنعق كما ينعقون قال تعالى: (قالوا حسينا ما وجدنا عليه آباءنا) المائدة/104.
(2) التجنب من خداع الذات، بمعنى منع تسرب الحقيقة إلى العقل، قد يكون ذلك بإغلاق منافذ النفس المطلة على الواقع الخارجي، فيتعصب
-------------------------------------------------------------
الصفحة 31
-------------------------------------------------------------

ويمتنع عن سماع أحاديث المعرفة والأفكار الأخرى وقراءة الكتب وغير ذلك، وأي نوع من أنواع الانفتاح على الثقافات الأخرى، فكل دعوى تآمر بالانغلاق وعدم البحث وتحصيل المعرفة، فإنها دعوى تقصد تكريس الجهل وإبعاد الناس عن الحق، إن ما يقوم به الوهابية من تحصن بعدم الإضلاع على الكتب الشيعية وعم مجالسة أفراد الشيعة والنقاش معهم، هو أسلوب العاجز وهو منطق غير سليم، وقد عارض القرآن الكريم هذه الفكرة بقوله: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) البقرة/111.
تقوية الإرادة، أمام تيارات الشهوة وخطوط ضغط المجتمع، الذي بنفر من كل من يخالفه أو يتمرد عليه، فلا بد /ن مواجهة هذه الضغوط بالصبر والعزيمة لأن الحق لم يكن امتداداً للمجتمعات وإفرازات طبيعة الإنسان، وهذا تاريخ أنبياء الله تعالى فقد لاقوا أشد أنواع العذاب من مجتمعاتهم، فكان بنوا إسرائيل يقتلون في اليوم سبعين، قال تعالى (وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون) الزخرف/7.
(4) هناك حجب كثيرة قد تكون حاجزاً عن اكتشاف الحق، فلا بد من الالتفات إليها ومراعاتها حتى تكون الحقيقة أكثر وضوحاً وضياء، ومن بين هذه الحجب.
آ ـ حب الذات، وهو شر داء، يصيب كل إنسان، فمنه تنعكس كل صفة ذميمة مثل الحسد والحقد والعناد، فعندما يجعل الإنسان أفكاره ومعتقداته ومعتقداته جزءاً من ذاته وكيانه حتى ولو كانت خرافية لا يمكن ن يتقبل أي نقد لها، لأنه يعتبر نقدها نقداً لذاته وكيانه، فبغريزة الدفاع عن النفس وحبها يستبسل في الدفاع عنها من غير وعي وفهم، وأحياناً يتعصب لفكرة لأنها تجلب له نفعاً أو تتدفع عنه ضراً يتلون معها ويحامي عنها، ويرفض بذلك كل الأفكار حتى ولو كانت خرافية لا يمكن أن يتقبل أي نقد لها، لأنه يعتبر نقدها نقداً لذاته وكيانه، فبغريزة الدفاع عن النفس وحبها يستبسل في الدفاع عنها من غير وعي وفهم، وأحياناً يتعصب لفكرة لأنها تجل له نفعاً وتدفع عنه ضراً يتلون معها ويحامي عنها، ويرفض بذلك كل الأفكار حتى ولو كانت خرافية لا يمكن أن يتقبل نقد لها، لأنه يعتبر نقدها نقداً لذاته وكيانه، فبغريزة الدفاع عن النفس وحبها يستبسل في الدفاع عنها من غير وعي وفهم، وأحياناً يتعصب لفكرة لأنها تجلب له نفعاً أوتدفع عنه ضراً يتلون معها ويحامي عنها، ويرفض بذلك كل الأفكار حتى ولو كانت
-------------------------------------------------------------
الصفحة 32
-------------------------------------------------------------

حقيقتها ظاهرة للعيان، وقد يحب الفكرة أيضاً لأنها تنسجم مع هواه أو هوى مجتمعه فلا يتنازل عنها.
ب ـ حُب الآباء، وهو يبعث الإنسان على تقليدهم من غير تفكر وتدبر، فتحت داعي الاحترام والخشية بالإضافة إلى الوراثة والتربية يسلم تسليماً مطلقاً بأفكارهم وعقائدهم، وهذا من أعظم الحجب التي تمنع الإنسان من اكتشاف الحقيقة.
ج ـ حب السلف، إن النظرة القدسية للعلماء السابقين والعظماء تدعو الإنسان إلى تقليدهم مطلقاً والاتكال على أفكارهم، فالاستسلام لهذا التقليد مدعاة للانحراف عن الحق، فلم يجعل الله تعالى عقولهم حجة علينا، وإنما عقل كان إنسان حجة عليه، فلا يمنعنا احترامنا لهم من مناقشة أفكارهم والتدقيق فيها حتى لا ندخل في قوله تعالى: (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السبيلا) الأحزاب/67.
د ـ ومن عوامل الخطأ أيضاً، التسرع، وهو نتاج حب الراحة، فمن غير أن يتعب الإنسان نفسه في البحث والتنقيب يريد أن يصدر حكمه من أول ملاحظة، ومن هنا قل المفكرون في العالم لصعوبة التفكير والبحث، فمن يريد لاحق فلا بد أن يجهد نفسه في البحث.
وغير ذلك من الملاحظات العلمية التي لا بد من أن يضعها الباحث نصب عينيه قبل الشروع في البحث، وهذا مع التجرد التام والتسليم المطلق إذا ظهر الحق، وبالإضافة إلى طلب العون والتضرع إلى الله تعالى لكن ينبر قلبك بنور الحق: (اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وأرزقنا اجتنابه) حديث شريف).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 33
-------------------------------------------------------------

الفصل الثاني
وانكشف الزيف

عليكم بسنتي.. الخدعة الزائفة
مصادر الحديث
رواية الترمذي
سند الحديث عند أبي داوود
سند الحديث عند ابن ماجة
الواقع التاريخي وحديث (وسنتي)
الحديث الآخر
حوار مع المحدث الدمشقي الأرنؤوطي
لا تحل مشكلة أهل السنة بالحديثين
الخلفاء هم أئمة أهل البيت
أهل البيت طريق التمسك بالكتاب والسنة

-------------------------------------------------------------
الصفحة 34
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 35
-------------------------------------------------------------


... وانكشف الزيف...
إن الحديثين: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) و(إني تارك ما أن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي)؛ كانا بالنسبة لي من أقوى الأدلة التي كنت أحتج بها حينما كنت أميل إلى الفكر الوهابي، فبعد أن حفظت الحديثين اللذين يرددهما كثير من علمائهم في الكتب والمحاضرات، ولم أحده نفسي يوماً بالرجوع إلى مصادراهما الأصلية من كتب الحديث، وكنت أتعامل معهما تعامل المسلّمات والبديهيات، وهذا ليس بالشيء الغريب فهما في الواقع الأساس الأول الذي يبتني عليه الفكر السني، وبالأخص الفكر الوهابي الذي تبنى الحديثين بصلابة.. فلم يطرأ ببالي مجر الشك في صحتهما لأنهما القاعدة التي أنطلق منها في انتمائي إلى المذهب السني فالشك فيهما يعني الشك في انتمائي.
وهذه الفكرة التي انخدعت بها لم تكن ـ بعد التحقيق ـ وليدة العصر أو وليدة الفكر السني، وإنما هي وليدر خطة مدروسة دبر لها من قديم الزمان لتمويه الحقائق ولمواجهة خط أهل البيت، الذي يمثل الإسلام بأروع صوره، وللأسف الشديد فإن كثيرا من المدارس الفكرية، قامت على أنقاض ذلك المخطط الخبيث، فتبنت أفكاره وكأنها نازلة من عند الله سبحانه وتعالى، وروجوا لها ودافعوا عنها بكل السبل والوسائل. وما الوهابية إلا مثال
-------------------------------------------------------------
الصفحة 36
-------------------------------------------------------------

واضح لضحايا ذلك المخطط الذي أودى بالأمة الإسلامية إلى واد سحيق من الانقسام والفرقة والشتات.
وسنحاول كشف نزر يسير من مكائده في كل فصل من فصول الكتاب.
وما يهمنا من ذلك المخطط في هذا المجال هما الحديثان اللذان كانا الخطة الأولى لتحريف الدين وتغيير مسار الرسالة ولإبعاد المسلمين عن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي)..ذلك الحديث المتواتر الذي روته كتب الحديث وتعدت مصادره عند السنة والشيعة، ولكن يد الغدر والخيانة حاولت أن تخفيه عن الأنظار وروجت بدلا عنه حديثي: (كتاب الله وسنتي) و(عليكم بسنتي..) اللذين سينكشف ما ينطويان عليه من ضعف.
فوجئت عندما سمعت أول مرة حديث: (كتاب الله وعترتي).. وأخذني الخوف.. وتمنيت ألا يكون صحيحا، لأنه يهدم كل ما كنت بنيته من فكري الديني، بل ينسف مرتكز المذهب السني... ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن.. وحدث العكس تماما عندما نظرت إلى الحديثين في مصادرهما الأصلية، فوجدت أن حديث: (كتاب الله وعترتي...) عليه من الصحة والوثاقة ما لا يستطيع أحد أن يشك فيه، بخلاف حديث: (كتاب لله وسنتي..) الذي لا يتجاوز أن يكون خبر آحاد مرفوعا أو مرسلا، وعليه عندما شعرت بمرارة الهزيمة، فبدأت بعد ذلك تجتمع عندي القرائن والإشارات واحدة بعد أخرى، حتى انكشف لي الحق بأجلى صوره... وسوف نثبت هنا ضعف حديثي: (عليكم بسنتي..) و(وكتاب الله
-------------------------------------------------------------
الصفحة 37
-------------------------------------------------------------

وسنتي..) وصحة حديث العترة الذي هو الرصاصة الأولى التي تصيب قلب الفكر السني..

حديث: (عليكم بسنتي..) الخدعة الزائفة:
(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ).
الناظر لأول وهلة لهذا الحديث يظن أنه الحجة الدامغة الدلالة الواضحة على وجوب إتباع مدرسة الخلفاء الراشدين، وهم: (أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب)، ولا يمكن له أن يحمله على غير هذا المعنى، إلا أن يكون ضربا من التأويل فبه يثبت صحة مذهب أهل السنة والجماعة ـ مدرسة الخلفاء ـ في قبال مدارس تسير في اتجاه مخال لمذهب أهل البيت، لأنها قامت على هذا الحديث وأمثاله..
ولكن بالنظرة العلمية وبقليل من الجهد في تفحص الواقع التاريخي، وملابسات هذا الحديث وأمثاله، أو بالنظر في مجال علم الحديث وفنون الجرح والتعديل يظهر وينكشف زيف هذا الحديث وبطلانه..
.. ومن الجهل أن يحتج أي سني على أحد من الشيعة بهذا الحديث وذلك لانفراد أهل السنة به، ولا يمكن إلزام الشيعة بما لم يروونه في مصادرهم التي يثقون بها.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 38
-------------------------------------------------------------

ولكن بما أنني، باحث سني لابد أن تكون انطلاقتي من الكتب والمصادر السنية، حتى تكون ملزمة لي، وهذه نقطة منهجية ومحورية في البحث. لابد أن نلتفت إليها في احتجاجاتنا وحواراتنا لأن الحجة لا تسمى حجة إلا إذا التزم بها الخصم حتى تكون حجة عليه وهذا ما لا ينتبه له كثير من علماء أهل السنة، عندما يحتجون على الشيعة، بهذا الحديث مثلا..
مقابل ما يحتج به الشيعة من حديث كتاب الله وعترتي، والفارق بين الحجتين واسع، إذ أن حديث سنتي من مختصات السنة، بخلاف حديث وعترتي الذي يعتَدّ به عند الطرفين.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 39
-------------------------------------------------------------


مصادر الحديث:
إن أول إشكال يوجه للحديث (عليكم بسنتي..) أنه مما أعرض عنه الشيخان ـ البخاري ومسلم ـ ولم يخرجاه، وهذا يعني النقصان في درجة صحته، وذلك لأن أصح الأحاديث ما أخرجه الشيخان، ثم ما انفرد في إخراجه البخاري، ثم ما انفرد في إخراجه مسلم ثم ما كان على شرطيهما، ثم ما كان على شرط البخاري، ثم ما كان على شرط مسلم، وهذه المميزات لا توجد في هذا الحديث.
يوجد الحديث في (سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن ابن ماجة).
إن رواة هذا الحديث لا يخلو جميعهم من ضعف وطعن عند علماء الجرح والتعديل، والمتتبع لتراجمهم يلاحظ ذلك جيدا، ولا يسعني في هذه العجالة أن أناقش رواة هذا الحديث واحدا واحدا، بشتى طرقه، ونقل آراء علماء الجرح والتعديل فيهم، وسأكتفي بتضعيف راو واحد أو اثنين من مسند كل رواية: وهو كاف لتضعيفها كما اتفق على ذلك علماء الجرح والتعديل، إذ ربما يكون هذا الراوي الضعيف قد اختلق هذه الرواية.

رواية الترمذي:
روى الترمذي هذا الحديث عن بغية بن الوليد، وإليك آراء علماء الجرح والتعديل فيه: قال فيه ابن الجوزي في حديث: (وقد ذكرنا أن بغية
-------------------------------------------------------------
الصفحة 40
-------------------------------------------------------------

كان يروي عن المجهولين والضعفاء، ولربما أسقط ذكرهم وذكر من رووا له عنهم)(1).
وقال ابن حبان: (لا يحتج ببغية)(2). وقال: (بغية مدلس، يروي عن الضعفاء، وأصحابه لا يسوون حديثه ويحذفون الضعفاء منهم)(3).
وقال أبو إسحاق الجوزجاني: (رحم الله بغية ما كان يبالي إذا وجد خرافة عمن يأخذه)(4).
وغيرها من كلمات الحفاظ وعلماء الجرح والتعديل وما ذكرناه كاف للمقام.

سند الحديث عن أبي داود:
ـ الوليد بن مسلم: روى الخبر عن ثور الناصبي كما قال ابن حجر العسقلاني: (و كان جده قتل يوم طعن مع معاوية، فكان ثور إذا ذكر عليا قال: لا أحب رجلا قتل جدي)(5).
أما الوليد فقد قال الذهبي: (و قال أبو مسهر الوليد مدلس، وربما دلس عن كذابين)(6).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: (سئل عنه أبي فقال: كان رفّاعاً)(7). وغير ذلك وهو كاف لتضعيف روايته.

____________
1- الموضوعات لابن الجوزي ج1ص109 .
2- المصدر السابق ص151 .
3- المصدر السابق ص218 .
4- خلاصة عبقات الأنوارج2ص350 .
5- المصدر السابق ص344 .
6- ميزان الاعتدال ج4 ص347 .
7- تهذيب التهذيب ج11ص154 .

-------------------------------------------------------------
الصفحة 41
-------------------------------------------------------------


سند الحديث عند ابن ماجه:
روي بثلاث طرق:
ـ ففي طريق الحديث الأول، عبد الله بن علاء، وقد قال فيه الذهبي: (وقال ابن حزم ضعفّه يحيى وغيره)(1) وهو روى الخبر عن يحيى وهو مجهول عند ابن قطان(2).
ـ أما في الطريق الثاني ففيه إسماعيل بن بشير بن منصور، فقد كان قدريا كما في تهذيب التهذيب(3).
ـ أما في الطريق الثالث عند ابن ماجه:
روى الخبر عن ثور ـ الناصبي ـ عبد الملك بن الصباح، ففي ميزان الاعتدال: (متهم بسرقة الحديث)(4).
هذا بالإضافة إلى أن الحديث خبر أحاد، ترجع كل رواياته إلى صحابي واحد وهو العرباض بن سارية، وخبر الأحاد لا يثبت في مقام الاحتجاج، بالإضافة إلى أن العرباض كان من شيعة معاوية وجلاوزته.

الواقع التاريخي وحديث وسنتي:
أما الواقع التاريخي فإنه يكذب هذا الحديث أيضا:
ذكر التاريخ أن السنة المطهرة لم تكتب على عهد رسول الله (ص)، بل هناك أحاديث من طرق أهل السنة ينهى فيها رسول الله (ص) عن كتابة الأحاديث، مثل قوله (ص):
(لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) كما في سنن الدارمي(5)، ومسند أحمد، وفي رواية (أنهم استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله
____________
1- ميزان الاعتدال ج2 ص343 .
2- تهذيب التهذيب ج11 ص280 .
3- ج1 ص284 .
4- ج2 ص656 .
5- رواه أحمد و مسلم و الدارمي، و الترمذي و النسائي عن أبي سعيد الخدري.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 42
-------------------------------------------------------------

وسلم أن يكتبوا عنه فلم يأذنهم) وغيرها من الروايات الظاهرة بمنع الكتابة عن رسول الله (ص)، وكل هذا كان ضمن المخطط الذي نفذ لمنع نشر الحديث وكتمانه حتى لا يظهر الحق، ولم يقفوا عند ذلك فقد اجتهد عمر اجتهادا واضحا لمحو السنة، روى عروة بن الزبير أن فمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن. فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله (ص) فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال:
إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا)(1).
وعن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار من كان عنده شيء فليمحه(2).
وروى ابن جرير أن الخليفة عمر بن الخطاب كان كلما أرسل حاكما أو واليا إلى قطر أو بلد، يوصيه في جملة ما يوصيه: (جرد القرآن وأقل الرواية عن محمد وأنا شريككم)(3).
وقد حفظ التاريخ أن الخليفة قال لأبي ذر وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء: (ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمد؟!)(4).
كما ذكر أن عمر جمع الحديث من الناس، فظنوا أنه يريد أن ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار،
____________
1- رواه حافظ المغرب بن عبد البر و البيهقي في المدخل عن عروة.
2- جامع بيان العلم و فضله ج1 ص64ــ 65. طبقات ابن سعد ج1 ص3 .
3- تاريخ الطبري ج3 ص273.
4- كنز العمال ج10 ص239.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 43
-------------------------------------------------------------

ثم قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب، كما روى الخطيب عن القاسم في تقييد العلم.
وما ذكره عمر من سبب لمصادرة السنة، فإنه سبب لا يقبله الجاهل فضلاً عن العالم، لأنه مخالف للقرآن لروح الدين والعقل، فكيف يقول: (جردوا القرآن وأقلوا الرواية) والقرآن نفسه يؤكد أن حجته تقوم بالسنة لأنها موضحة وشارحة ومخصصة ومقيدة وغير ذلك وقد قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) فكيف يبين رسول الله (ص) القرآن! أو ليس بالسنة؟! وقال تعالى: (ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى* إنه هو إلا وحي يوحى) فما فائدة الوحي إذا أمرنا بكتمانه وحرقه وهذه السنة التي تحتجون بلزوم إتباعها قد مرت عليها سلسلة من المؤامرات فقد بدأت المسيرة من أبي بكر فقد أحرق في خلافته خمسمائة حديث كتبه عن رسول الله (ص)(1)، قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب ولما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فأحرقها وقال: حشيت أن أموت وهي عندك فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد تقلدت ذلك)(2).
وكتب عمر في خلافته إلى الآفاق أن من كتب حديثاً فليمحه(3).
وسار عثمان على نفس الخط؛ لأنه وقع على أن يواصل مسيرة الشيخين - أبي بكر وعمر - فقال على المنبر: (لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر)(4).

____________
1- كنز العمال ج1 ص237 ـ 239.
2- تذكرة الحفاظ ج1ص5.
3- مسند أحمد ج 3 ص 12 ـ 14.
4- كنز العمال ج10 ص295 رقم الحديث 29490.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 44
-------------------------------------------------------------

ثم واصل المسيرة من بعده معاوية بن أبي سفيان، قائلاً: (يا ناس أقلوا الرواية عن رسول الله وإن كنم تتحدثون فتحدثوا بما كان يُتحدث به عمر)(1).
وبذلك أصبح ترك كتابة الأحاديث سنة متبعة، وعدت كتابتها شيئاً منكراً.
ولم يكن هذا الكبت والتضليل الإعلامي الذي مارسته السلطات الحاكمة على كتابة الحديث إلا من أجل كتم فضائل أهل البيت والحيلولة دون انتشارها. هذا هو السبب الذي لا يرضاه الكثيرون، ولكن هو الواقع المرير الذي يصطدم به المتتبع في التاريخ والدارس لأحداثه.

وبعد ذلك أي سنة أمر رسول الله (ص) بإتباعها؟!.
هل هي ما محاه عمر أم ما أحرقه أبو بكر؟!.
ولو كان هناك أمر بإتباع السنة. فلماذا لا ينصاع له الخلفاء الراشدون، فيكثروا من روايتها ويحرصوا على كتابتها؟!.
فماذا يصنع من يريد التمسك (بالسنة) من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!.
فلنفترض أنه عاشر الصحابة، أيظل يبحث عن جميع الصحابة ليأخذ منهم سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيهم الولاة والحكام، والقواد والجنود في الثغور؟!.
أيبحث عنهم جميعا ليسألهم عن طبيعة ما يريد التعرف عليه من أحكام، أم يكتفي بالرجوع إلى الموجودين، وهو لا يجزئه لاحتمال صدور الناسخ أو المقيد أو المخصص بحضور واحد أو اثنين ممن ليسوا بالمدينة؟ والحجية ـ كما يقول ابن حزم ـ: لا تتقوم إلا بهم.

____________
1- كنز العمال ج10 ص291 رقم الحديث 29413.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 45
-------------------------------------------------------------

وإذا كانت هذه مشكلة من أدرك الصحابة، وهم قلة فما بالك من بعدما توسعت الدولة الإسلامية وكثرت الفتوحات، وكثرت الأسئلة عن الحوادث والمتغيرات.
فبماذا يجابون؟!!
وهكذا ضاع كثير من الأحاديث والأحكام، وإلى هذا كانت تهدف المؤامرة، فقد صرح عمر بذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند وفاته: (ائتوني بكتف ودواة أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا). فقال فمر إنه يهجر، حسبنا كتاب الله(1).
فالغاية التي منعت من إحضار الكتف والدواة لرسول الله ليكتب لهم كتابا يمنعهم من الضلالة هي نفسها التي منعتهم عن جمع الأحاديث وكتابتها.
فكيف يروى بعد ذلك (تمسكوا بسنتي).
ولم يتمسك بها الصحابة ولا الخلفاء، بل صرحوا بغير ذلك، كما روى الذهبي في تذكرة الحفاظ قال: إن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه(2).
(إن الشيء الطبيعي أن لا يفرض أي مصدر تشريعي على الأمة ما لم يكن مدونا ومحدد المفاهيم، أو يكون هناك مسؤول عنه يكون هو المرجع
____________
1- البخاري، كتاب العلم، ج1ص30
2- أضواء على السنة المحمدية، محمد أبو رية ص53 .

-------------------------------------------------------------
الصفحة 46
-------------------------------------------------------------

فيه)(1). وقد أجمعت الأمة على أن السنة لم تدون في عهد الرسول ولا عهد الخلفاء ولم تدون إلا بعد قرن ونصف من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فبأي وجه يقول قائل: (عليكم بسنتي..).

الحديث الآخر:
ـ نصه:
(تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة نبيه).
هذا الحديث أسخف من أن يناقش وكل ما يمكن أن يقال فيه بالإضافة لما تقدم:
(1) إن هذا الحديث لم يروه أصحاب الصحاح الستة عند أهل السنة، وهذا كاف لتضعيفه فكيف يا ترى تمسكوا بحديث لم يكن له وجود في صحاحهم ومسانيدهم، والناظر لمكانة الحديث عند أهل السنة لا يختلجه الشك في أن هذا الحديث قد روته الصحاح وعلى رأسها البخاري ومسلم، وفي الواقع لا وجود له بتاتا.
(2) إ، أقدم المصادر التي ذكرت هذا الحديث، هي موطأ الإمام مالك، وسيرة ابن هشام، والصواعق لابن حجر.. ولم أجد كتابا آخر روى هذا الحديث. وقد اشتركت هذه الكتب في نقل الحديثين ما عدا الموطأ.
(3) رواية الحديث مرسلة في الصواعق، ومبتورة السند في سيرة ابن هشام(2)، ويدعي ابن هشام أنه أخذ الحديث من سيرة ابن إسحاق، وبحثت
____________
1- أصول الفقه المقارن، محمد تقي الحكيم ص73 .
2- سيرة ابن هشام، الطبعة القديمة ج2ص603 ، الطبعة الثانيةج4ص185، و الطبعة الأخيرةج2ص221 .

-------------------------------------------------------------
الصفحة 47
-------------------------------------------------------------

سيرة ابن إسحاق فلم أجد الحديث في كل الطبعات، فيا ترى من أين أتى به ابن هشام؟!.
(4) أما رواية مالك للحديث، فهو خبر مرفوع لا سند له، قال راوي الموطأ: (حدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله (ص) قال: ....الحديث)(1).
... كما تلاحظ أن هذا الحديث من غير سند فلا يمكن الاعتماد عليه. ولماذا انفرد مالك بهذا الحديث ولم يرويه أستاذه أبو حنيفة أو تلميذه الشافعي وأحمد بن حنبل، فلو كان الحديث صحيح لماذا أعرضت عنه أئمة المذاهب، وأئمة الحديث؟!.
(5) أخرج الحاكم في مستدركه(2) الحديث بطريقتين، الطريق الأول فيه زيد الديلسي عن عكرمة عن ابن عباس، ولا يمكن أن نقبل هذا الحديث لأن في سنده عكرمة الكذاب(3) وهو من أعداء أهل البيت (ع) ومن الذين خرجوا على علي (ع) وكفروه، وأما الطريق الآخر فيه صالح بن موسى الطلحي عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن صالح عن أبي هريرة، وهذا الحديث أيضاً لا يمكن أن يقبل لأن الحديث على رواية أبي سعيد الخدري قاله رسول الله (ص) وهو على فراش الموت، وفي هذه الفترة كان أبو هريرة في البحرين أرسل مع العلاء الحضرمي قبل أن يتوفى رسول الله (ص) بسنة ونصف، إذن متى سمع النبي وهو على فراش الموت؟!.

____________
1- الموطأ، للإمام مالك توفي 179 ه، ج2،ص46،صححه، ورقمه، وخرج أحاديثه و علق عليه محمد عبد الباقي..
2- المستدرك ج1ص93 اشرف د. يوسف عبد الرحمن المرعشي، دار المعرفة، بيروت ـ لبنان.
3- سوف يأتيك كلمات علماء الجدح والتعديل في عكرمة.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 48
-------------------------------------------------------------

(6) السنن الكبرى للبيهقي ينقل الحديث ج10 ص4، دار المعرفة بيروت ـ لبنان، نقل حديث مسلم (تركت فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، ثم ينقل حديثي المستدرك بالنص.
(7) كتاب الفقيه المتفقه ـ للخطيب البغدادي ج1 ص94 قام بتصحيحه والتعليق عليه فضيلة الشيخ إسماعيل الأنصاري عضو دار الإفتاء - دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، نقل حديثين، الأول هو حديث المستدرك، (عن أبي صالح عن أبي هريرة). أما الحديث الجديد إلي نقله، قال حدثني سيف بن عمر، عن ابن إسحاق الأسدي عن الصباح بن محمد عن أبي حازم عن أبي سعيد الخدري... الحديث، وهذا السند لا يمكن أن يقبل بشهادة علماء الحرج والتعديل في سيف بن عمر الذين أجمعوا على كذبه وافتراءه، وسوف يأتيك قول العلماء فيه.
(8) كتاب: الألماع إلى معرفة أصول الرواية وتقيد السماع للقاضي عياض 479 ـ 544هـ تحقيق السيد أحمد صقير الطبعة الأولى، الناشر دار الراس الناصرة - المكتبة العتيقة - تونس ص9، نقل نص الحديث من كتاب الفقيه المتفقه الذي في سنده سيف بن عمر.
وغير ما ذكرناه لا يوجد كتاب قط نقل حديث (كتاب الله وسنتي) فإذن لم يثبت للحديث إلا ثلاثة طرق عن ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة، وهذه الطرق مع ضعفها لم تظهر إلا في وسط القرن الخامس الهجري أي بعد الحاكم، ولم يأتي كتاب أقدم من ذلك يذكر هذه الطرق. هذا أولاً، وثانياً أن هؤلاء الصحابة الثلاثة أبو هريرة وابن عباس وأبو سعيد الخدري رووا حديث (كتاب الله وعترتي) في القرن الثاني الهجري كما روى مسلم، فأيهما نقبل(1).

____________
1- وقد أفادني سماحة العلامة السيد علي البدري كثيراً في تخريجات حديث (كتاب الله وسنتي).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 49
-------------------------------------------------------------

وبذلك لا تتجاوز هذه الرواية كونها خبر أحاديث مرفوعة أو مرسلة.. ومما يدل على أنها موضوعة أن حديثاً مثل هذا الحديث في الأهمية بمكان وهو الدستور الذي سوف تسلكه الأمة بعد رسول الله (ص): (لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه).! فيفترض أن يكرره رسول الله (ص) في مواضع كثيرة، وان يتناوله الصحابة بالرواية والحفظ كما في حديث (كتاب الله وعترتي).
فلا يمكن أن يكون رسول الله (ص) قد جعل لنا هذا الحديث مصدراً تشريعياً من بعده لأنه حديث مبهم قاصر الدلالة، بالإضافة إلى ظنية صدوره.

حوار مع المُحدث والحافظ الدمشقي عبد القادر الأرنؤوطي:
حدث لي أثناء إقامتي في الشام لقاء مع الشيخ عبد القادر الأرنؤوطي، وهو من علماء الشام وله إجازة في علم الحديث.
وقد تم هذا اللقاء من غير إعداد مني، وإنما كان من طريق الصدفة..
كان لي أحد الأصدقاء السودانيين اسمه عادل، تعرفت عليه في منطقة السيدة زينب (ع) وقد أنار الله قلبه بنور أهل البيت (ع) وتشيع لهم، وامتاز هذا الأخ بصفات حميدة قلت ما تجدها في غيره، فكان خلوقاً متديناً ورعاً. وقد أجبرته الظروف على العمل في إحدى المزارع في منطقة تسمى (العادلية) - 9 كم تقريباً جنوب السيدة زينب (ع) - وكان بجوار المزرعة التي يعمل بها مزرعة أخرى لرجل كبير السن متدين يكنى بأبي سلمان.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 50
-------------------------------------------------------------

فعندما عرف هذا الجار أن السوداني الذي يعمل بجواره شيعي، جاء إليه وتحدث معه، قال:
- يا أخي، السودانيون سنة طيبون.... من أين لك بالتشيع؟!. هل في أسرتك أحد شيعي؟
قال عادل: لا، ولكن الدين والقناعة لا تبتني على تقليد المجتمع والأسرة.
قال: إن الشيعة يكذبون ويخدعون العامة.
قال عادل: أنا لم أر منهم ذلك.
قال: بلى نحن نعرفهم جيداً.
قال عادل: يا حاج، هل تؤمن بالبخاري، ومسلم وصحاح السنة؟
قال: نعم.
قال عادل: إن الشيعة يستدلون على أي عقيدة يؤمنون بها من هذه المصادر، فضلاً عن مصادرهم.
قال: إنهم يكذبون ولهم بخاري ومسلم مُحرَّف.
قال عادل: إنهم لم يلزموني بكتاب مخصص، بل طلبوا مني أن أبحث في أي مكتبة في العالم العربي.
قال: هذا كذب، وأنا من واجبي أن أردك مرة أخرى إلى السنة، (وإن يهدي بك الله رجل واحد خير لك مما طلعت عليه الشمس)....
قال عادل: نحن طالبي حق وهدى، نميل مع الدليل حيثما مال.
قال: غني سأحضر لك أكبر عالم في تدمشق، وهو العلامة عبد القادر الأرنؤوطي، عالم جليل، ومحدث حافظ، وقد حاول الشيعة إغراءه بالملايين حتى يصبح معهم، لكنه رفض,...
-------------------------------------------------------------
الصفحة 51
-------------------------------------------------------------


وافق - الأخ - عادل على هذا الطرح، وقال له أبو سليمان: موعدنا يوم الاثنين أنت وكل السودانيين الذين تأثروا بالفكر الشيعي.
داء إليّ عادل، واخبرني بما حدث، وطلب مني أن أذهب معه.. وبفرحة شديدة قبلت هذا العرض، وتواعدت معه يوم الاثنين بتاريخ 8 صفر 1417 من الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم، في تمام الساعة 12 ظهراً.
وكان يوماً شديد الحر، تقابلنا في الموعد، وانطلقنا إلى المزرعة مع ثلاثة من السوادنيين، وبعد وصولنا كان الأخ عادل في استقبالنا في مزرعة خضراء تحفها الأشجار المثمرة من الخوخ والتفاح والتوت وغيرها من الفواكه التي لا توجد عندنا في السودان.
وبعدها أخذنا نحث الخطى إلى مزرعة، جاره السني، فاستقبلنا بحفاوة بالغة، وبعد قليل من الاستجمام في ذلك المكان الذي تحيط به الخضرة من كل حدب، قمت إلى صلاة الظهر، وفي أثناء الصلاة، جاءت قافلة في مقدمتها سيارة تحمل الشيخ الأرنؤوطي، وقد امتلأ المكان بالناس وخارج المبنى بالسيارات، وعلت الدهشة وجوه أصحابي السودانيين من هيبة هذا المقام، لأنهم لم يتصوروا أن الأمر بهذا الحجم. وبعدما استقر كل واحد في مكانه، اخترت مكاناً بجوار الشيخ.
وبعد إجراء التعريف بين الجميع، تحدث صاحب المزرعة مع الشيخ قائلاً: إن هؤلاء إخواننا من السودان وقد تأثروا بالتشيع في السيدة زينب، وبينهم واحد شيعي يعمل في المزرعة التي بجوارنا.
قال الشيخ: أين هذا الشيعي؟
قالوا له: ذهب إلى مزرعته وسيرجع بعد قليل.
قال: إذن نؤخر الحديث إلى رجوعه..

-------------------------------------------------------------
الصفحة 52
-------------------------------------------------------------

... ذهب إليه أحد السودانيين وأحضره إلى المجلس، وقد استغل الشيخ هذه الفرصة، بقراءة أحاديث كثرة يحفظها عن ظهر قلب، وكان موضوعها أفضلية بعض البلدان على بعض وخاصة الشام ودمشق، وقد أخذ هذا الموضوع حوالي نصف ساعة - وهو موضوع لا جدوى فيه -، وقد تعجبت منه كثيراً كيف لا يستغل هذا الظرف، وقد أعاره الجميع عقولهم بحديث يستفيدون منه في دينهم ودنياهم، ثم قال: إن دين الله لا يؤخذ بالحسب والنسب، وقد جعل الله شرعه لكل الناس، فبأي حق نأخذ ديننا من أهل البيت؟! وقد أمرنا رسول الله (ص) بالتمسك بكتاب الله وسنته وهو حديث صحيح لا يستطيع أحد تضعيفه، ولا يوجد عندنا طريق آخر غير هذا الطريق. وضرب بيده على ظهر عادل وقال له: يا ابني، لا يُغرنك كلام الشيعة.
استوقفته قائلاً:
ـ سماحة الشيخ، نحن باحثون عن الحق، وقد اختلط علينا الأمر وجئنا كي نستفيد منك عندما عرفنا انك عالم جليل ومحدث وحافظ.
قال: نعم.
قلت: من البديهيات، التي لا يتغافل عنها إلا أعمى أن المسلمين قد تقسموا إلى طوائف ومذاهب متعددة وكل فرقة تدعي أنها الحق وغيرها الخطوط المتناقضة؟! هل أراد الله لنا أن نكون متفرقين، أم أراد أن نكون على ملة واحدة، ندين الله بتشريع واحد؟! وإذا كان نعم، ما هي الضمان التي تركها الله ورسوله لنا لكي تُحصن الأمة من الضلالة؟

-------------------------------------------------------------
الصفحة 53
-------------------------------------------------------------

مع العلم أن أول ما وقع الخلاف بين المسلمين كان بعد وفاة رسول الله (ص) مباشرة، فليس جائز في حق الرسول أن يترك أمته من غير هدى يسترشدون به.
قال الشيخ: إن الضمانة التي تركها رسول الله لتمنع الأمة من الاختلاف قوله (ص): (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وسنتي).
قلت: لقد ذكرت قبل قليل، في معرض كلامك قد يكون هناك حديث لا أصل له غير مذكور في كتب الحديث.
قال: نعم.
قلت له: هذا الحديث لا أصل له في الصحاح الستة، فكيف تقول به، وأنت رجل محدث؟
... هنا، شبت ناره، وأخذ يصرخ قائلاً: ماذا تقصد، هل تريد أن تضعّف هذا الحديث.
تعجبت من هذه الطريقة، وعن سبب هيجانه، مع أنني لم أقل شيئاً.
فقلت: مهلاً، إن سؤالي واحد ومحدد، هل يوجد هذا الحديث في الصحاح الستة؟
قال: الصحاح ليست ستة، وكتب الحديث كثيرة، وإن هذا الحديث يوجد في كتاب الموطأ للإمام مالك.
قلت (متوجهاً إلى الحضور): حسناً، قد اعترف الشيخ أن هذا الحديث، لا وجود له في الصحاح الستة، ويوجد في موطأ مالك..
فقاطعني (بلهجة شديدة) قائلاً: شو، الموطأ مو كتاب حديث؟
قلت: الموطأ كتاب الحديث ولكن حديث: (كتاب الله وسنتي) مرفوع في الموطأ من غير سند - مع العلم أن كل أحاديث الموطأ مسندة -.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 54
-------------------------------------------------------------

هنا صرخ الشيخ بعدما سقطت حجته، وأخذ يضربني بيده ويهزني شمالاً ويميناً: أنت تريد أن تضعف الحدث، وأنت من حتى تضعفه.. حتى خرج عن حدود المعقول. وأخذ الجميع يندهش من حركاته وتصرفه هذا.
قلت: يا شيخ!، هنا مقام مناقشة ودليل وهذا الأسلوب الغريب الذي تتبعه لا يجدي، وقد جلست أنا مع الكثير من علماء الشيعة، ولم أر مثل هذا الأسلوب أبداً. قال تعالى (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك).. وبعد هذا، هدأ قليلاً من ثورته.
قلت: أسألك يا شيخ: هل رواية مالك لحديث (كتاب الله وسنتي)، في الموطأ، ضعيفة أم صحيحة؟!
قال (بتحسر شديد): ضعيفة.
قلت: فلماذا إذن، قلت أن الحديث في الموطأ وأنت تعلم أنه ضعيف؟
قال: (رافعاً صوته): إن للحديث طرق أخرى.
قلت للحضور: قد تنازل الشيخ عن رواية الموطأ، وقال: إن للحديث طرق أخرى، فلنسمع منه هذه الطرق.
.. هنا أحس الشيخ بالهزيمة والخجل، لأن ليس للحديث طرق صحيحة، وفي هذه الأثناء، تحدث أحد الجلوس، فوكزني الشيخ بيده، وقال لي وهو مشيراً إلى المتحدث: اسمع له، والتفت يريد بذلك الهروب من السؤال المحرج الذي وجهته له.
.. أحسست منه هذا، ولكني أصررت وقلت: أسمعنا يا شيخ الطرق الأخرى للحديث؟؟
قال (بلهجة منكسرة): لا أحفظها، وسوف أكتبها لك.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 55
-------------------------------------------------------------

قلت: سبحان الله!، أنت تحفظ كل هذه الأحاديث، في فضل البلدان والمنطق، ولا تحفظ طريق أهم الأحاديث وهو مرتكز أهل السنة والجماعة والذي يعصم الأمة عن الضلالة كما قلت.. فظل ساكتا.
وعندما أحس الحضور بخجله، قال لي أحدهم:
ـ ماذا بريد من الشيخ وقد وعدك أن يكتبها لك.
قلت: أنا أقرب لك الطريق، إن هذا الحديث يوجد أيضا في سيرة ابن هشام من غير سند.
قال الشيخ الأرنؤوطي: إن سيرة ابن هشام، كتاب سيرة وليس حديث.
قلت: إذن تضعف هذا الرواية.
قال: نعم.
قلت: كفيتني مؤونة النقاش فيها.
وواصلت كلامي قائلا: ويوجد أيضا في كتاب الالماع للقاضي عياض، وفي كتاب الفقيه المتفقه للخطيب البغدادي.. هل تأخذ بهذه الروايات؟
قال: لا.
قلت: إذن، حديث (كتاب الله وسنتي)، ضعيف بشهادة الشيخ، ولم يبقى أمامنا إلا ضمانة واحدة تمنع الأمة من الاختلاف، وهي حديث متواتر عن رسول الله (ص) وقد روته كتب الحديث السنية، والصحاح الستة ما عدا البخاري وهو قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
(إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، فإن العليم الخبير، أنبئني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). كما في رواية أحمد بن حنبل، ولا مناص لمؤمن يريد الإسلام الذي أمر الله به ورسوله غير هذا
-------------------------------------------------------------
الصفحة 56
-------------------------------------------------------------

الطريق، وهو طريق أهل البيت المطهرين في القرآن الكريم من الرجس والمعاصي، وذكرت مجموعة من فضائل أهل البيت (ع)، والشيخ ساكت لم يتفوه بكلمة طوال هذه المدة ـ على غير عادته ـ فقد كان يقاطع حديثي بين كلمة وأخرى.
وعندما رأى مريدوه الانكسار في شيخهم، أصبحوا يهرجون ويمرجون.
قلت: كفى دجلا ونفاقا، ومراوغة عن الحق، إلى متى هذا التنكر؟!! والحق واضحة آياته، ظاهرة بيناته، وقد أقمت عليكم الحجة، بأن لا دين من غير الكتاب والعبرة الطاهرة من آل محمد صلة الله عليه وآله وسلم.
وظل الشيخ ساكتا ولم يرد علي كلمة واحدة. فقام منتفضا قائلا: أنا أريد أن أذهب، وأنني مرتبط بدرس. ـ مع العلم أنه كان مدعوا لطعام الغداء!! ـ.
أصر عليه صاحب المنزل بالبقاء، وبعد إحضار طعام الغداء، هدأ المجلس، ولم يتفوه الشيخ بكلمة واحدة في أي موضوع كان، طيلة جلسة الغداء وقد كان فيما سبق هو صاحب المجلس والحديث أولا!...
هكذا مصير كل من يراوغ ويخفي الحقائق، فلابد أن ينكشف أمام الملأ..

لا تحل مشكلة أهل السنة بالحديثين:
إذا تغاضينا عن كل ذلك وسلمنا جدلا بصحة الحديثين، (عليكم بسنتي..) (كتاب الله وسنتي) فذلك لا ينقذ أهل السنة ولا يفك محنتهم، بل إنه بكل الطرق والاتجاهات يؤيد ويدعم مذهب أهل البيت (التشيع) وذلك للآتي: الحديث الأول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 57
-------------------------------------------------------------


الخلفاء هم أئمة أهل البيت:
فإن كلمة الخلفاء منه عامة غير مخصصة لفئة معينة، وتفسير أهل السنة لها بالخلفاء الأربعة تأويل من غير مصدر ولا دليل، لأن القضية أوسع من المدعى، بل إن الأدلة تنطق بعكس ذلك إذ أن الخلفاء الراشدين هم الأئمة الاثنا عشر من أهل البيت، لما ثبت من الأدلة والروايات القاطعة أن الخلفاء بعد الرسول (ص) اثنا عشر خليفة، وقد أورد القندوزي الحنفي في ينابيع المودة، قال: (ذكر يحيى بن الحسن في كتاب العمدة من عشرين طريقا أن الخلفاء من بعد النبي صلى الله عليه وله وسلم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش، في البخاري من ثلاثة طرق. وفي الترمذي من طريق واحد، وفي الحميدي من ثلاثة طرق.ففي البخاري عن جابر رفعه: يكون من بعدي اثنا فشر أميرا، فقال كلمة لم أسمعها فسألت أبي: ماذا قال: قال: كلهم من قريش، وفي مسلم عن عامر بن سعد، قال: كتبت إلى ابن سمرة أخبرني بشيء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم فكتب إلي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة عشية رجم الأسلمي، يقول: لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة ويكون عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)(1).
وبعد هذا لا يمكن بأن يحتج محتج بحديث (وسنة الخلفاء..) حاملا ذلك على الخلفاء الأربعة، لهذا الروايات المتواترة التي بلغت عشرين طريق وكلها تصرح أن الخلفاء اثنا عشر خليفة، ولا يمكن أن نجد تفسيرا لهذه الروايات في الواقع الخارجي إلا في أئمة مذهب أهل البيت الإثني عشر.

____________
1- ينابيع المودة، القندوزي الحنفي ص104 ـ منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ـ لبنان.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 58
-------------------------------------------------------------

فيكون الشيعة بذلك هم الفرقة الوحيدة التي جسدت معاني هذه الأحاديث بولايتهم للإمام علي (ع) ثم من بعده الحسن والحسين ثم تسع أئمة من ذرية الحسين، فيكون العدد بعد ذلك اثنا عشر إماما.
ورغم أن كلمة قريش في هذه الروايات مطلقة وغير محددة ولكن بضميمة روايات وقرائن أخرى يتبين أن المراد منه أهل البيت ذلك لوجود روايات متضافرة على إمامة أهل البيت. سنتطرق إلى بعضها في البحوث القادمة.
ويكفيكم في هذا المقام رواية (إني تارك فيكم إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي)(1):
فما دام قيام الدين بولاية اثني عشر خليفة منا صرحت الروايات السابقة، وفي نفس الوقت هناك روايات تؤكد ملازمة أهل البيت للكتاب، فذلك خير دليل عل أن المقصود من (اثني عشر خليفة) هم الأئمة من أهل البيت.
وأما عبارة (كلهم من قريش) فما هي إلا تبديل وتدليس في الحديث، فوضعت حتى تتشوه الدلالة الواضحة في وجوب إتباع أل البيت، لأن العبارة الصحيحة هي (كلهم من بني هاشم) ولكن يد الغدر والخيانة تتبعت فضائل أهل البيت فأخفت منها ما استطاعت وبدلت وغيرت ما يمكن تحريفه(2).
وهذه الرواية إحدى ضحايا التغيير والتبديل، ولكن يأبى الله إلا أن يظهر نوره، فقد نقل القندوزي الحنفي نفسه في ينابيع المودة: (وفي المودة
____________
1- إن عليا(ع) هو أول الأئمة الإثني عشر إنما يناقش الكاتب هنا النظريتين هل هم أربعة خلفاء أم اثنا عشر خليفة؟ من هؤلاء الإثنا عشر و إلى أين ينتمون؟
2- راجع فصل تحريف المحدثين للأحاديث.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 59
-------------------------------------------------------------

العاشرة من كتاب ـ مودة القربى ـ للسيد علي الهمداني ـ قدس الله سره ـ وأفاض علينا بركاته وفتوحه عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: كنت مع أبي عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول بعدي إثنا عشر خليفة ثم أخفى صوته فقلت لأبي: ما الذي أخفى صوته قال: قال: كلهم من بني هاشم)(1). بل قد روى القندوزي أحاديث أكثر وضوحا من ذلك فقد روى عن عبايه بن ربعي عن جابر قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا سيد النبيين وعلي سيد الوصيين وإن أوصيائي بعدي إثنا عشر أولهم علي وآخرهم القائم المهدي)(2).
ولم يجد القندوزي الحنفي بعد ذكر هذه الأحاديث. إلا أن يعترف ويقول: (إن الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعده صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان علم أن مراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حديث هذا الأئمة الإثني عشر من أهل بيته وعترته إذ لا يمكن أن نحمله على الملوك الأموية لزيادتهم على إثني عشر ولظلمهم الفاحش إلا عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كلهم من بني هاشم في رواية عبد الملك عن جابر وإخفاء صوته (صلى الله عليه وسلم) في هذا القول يرجح هذه الرواية لأنهم لا يحسنون خلافة بني هاشم، ولا يمكن أن نحيله على الملوك العباسية لزيادتهم على العدد المذكور ولقلة رعايتهم الآية (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)، وحديث الكساء، فلا بد أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الإثني عشر من أهل بيته وعترته صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلهم وأورعهم
____________
1- المصدر السابق ص104.
2- المصدر السابق ص105.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 60
-------------------------------------------------------------

وأتقاهم وأعلاهم نسبا وأفضلهم حسبا وأكرمهم عند الله. وكان علمهم عن آبائهم متصلا بجدهم صلى الله عليه وآله وسلم..)(1). فحمل الحديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) على الأئمة من أهل البيت أقرب من حملها على الخلفاء الأربعة لما تبين بأن الخلفاء من بعد الرسول (ص) إثنا عشر خليفة من بني هاشم.

أهل البيت طريق التمسك بالكتاب والسنة:
أما حديث (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي) فإنه لا يعارض حديث (كتاب الله وعترتي) ولا يلجأ إلى التعارض إلا إذا تحكمت المعارضة واستحال الجمع بينهما، ومع إمكانية الجمع بينهما لا معارضة أصلا. وقد كفانا ابن حجر الجهد في إمكانية الجمع بينهما فقد ذكر في صواعقه: (إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما. وهما: كتاب الله وأهل بيتي عترتي. زاد الطبراني إني سألت الله ذلك لهما فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، وفي رواية كتاب الله وسنتي وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب لأن السنة مبينة له فأغنى ذكره عن ذكرها والحاصل إن الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء تهما من أهل البيت، ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة..)(2).
وبتعبير أدق مما قاله ابن حجر فإن الأمر بالتمسك بالسنة لا يكون إلا عن طريق حفظتها وهم أهل البيت وأهل البيت أعلم بما في داخله، كما أثبتت الروايات ذلك وشهد به التأريخ. فيكون الحث من رسول الله صلى
____________
1- المصدر السابق ص106 .
2- الصواعق المحرقة ص 150 .

-------------------------------------------------------------
الصفحة 61
-------------------------------------------------------------

الله عليه وآله وسلم قد وقع بالتمسك بالكتاب وبأهل البيت وليس كما قال ابن حجر الحث وقع على التمسك بالسنة، لأن الروايات الواردة بلزوم التمسك بالعترة من أهل البيت قد بلغت حد التواتر، وإضافة إلى ذلك قد علمت ما جرى على السنة من حرق وكتم وتزوير فأهل البيت هم الطريق الوحيد لمعرفة القرآن والسنة، كما قال رسول الله (ص): (فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم) كما ذكرها الطبراني، فيكون لا مناص بعد ذلك عن وجوب التمسك بأهل البيت.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 62
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 63
-------------------------------------------------------------

الفصل الثالث
حديث كتاب الله
وعترتي في المصادر السنية

عدد الرواة من الصحابة
عدد الرواة من التابعين
في صحيح مسلم
عند الحاكم
عند الترمذي
بعض الكتب التي أوردت الحديث
شبهات على حديث الثقلين
دفع الشبهة
دلالة الحديث على إمامة أهل البيت (ع)

-------------------------------------------------------------
الصفحة 64
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 65
-------------------------------------------------------------


إثبات حديث
(كتاب الله وعترتي)
وضح لك في البحث السابق وهن حديث التمسك بالسنة، الذي يعتبر العمدة الأساسية في قيام كيان أهل السنة والجماعة، وباهتزاز هذا الأساس يهتز كل الكيان، وهذا ما يفسر حرص علمائهم على كتم رواية (كتاب الله وعترتي) ترويج حديث (كتاب الله وسنتي) حتى انطلى على أذهان العامة إلى درجة أنني حينما أذكر حديث العترة لأي جماعة كانت، ترتسم الدهشة على وجوههم.
ولذلك أحببت ـ حتى تكتمل الحجة ـ أن أثبت حديث العترة في هذا الفصل من كتب أهل السنة بجميع طرقه وإليك التفصيل:

أولاً: سند الحديث

عدد الرواة من الصحابة:
لقد تواتر هذا الحديث عن مجموعة من الصحابة إليك بعض أسمائهم:
1ـ زيد بن أرقم
2ـ أبو سعيد الخدري
3ـ جابر بن عبد الله
4ـ حذيفة بن أسيد
5ـ خزيمة بن ثابت
6ـ زيد بن ثابت

-------------------------------------------------------------
الصفحة 66
-------------------------------------------------------------

7ـ سهيل بن سعد
8ـ ضميرة الأسدي
9ـ عامر بن أبي ليلى (الغفاري)
10ـ عبد الرحمن بن عوف
11ـ عبد الله بن عباس
12ـ عبد الله بن عمر
13ـ عدي بن حاتم
14ـ عقبة بن عامر
15ـ علي بن أبي طالب
16ـ أبو ذر الغفاري
17ـ أبو رافع
18ـ أبو شريح الخزاعي
19ـ أبو قدامة الأنصاري
20ـ أبو هريرة
21ـ أبو الهيثم بن التيهان
22ـ أم سلمة
23ـ أم هانئ بنت أبي طالب
24ـ ورجال من قريش.

عدد الرواة من التابعين:
وقد تواتر هذا النقل أيضاً في عهد التابعين، وإليك بعض من نقل منهم حديث كتاب الله وعترتي:
1ـ أبو الطفيل عامر بن واثلة.
2ـ عطية بن سعيد العوفي
3ـ حنش بن المعتمر
4ـ الحارث الهمداني
5ـ حبيب بن أبي ثابت
6ـ علي بن ربيعة
7ـ القاسم بن حسان

8ـ حصين بن سبرة
9ـ عمرو بن مسلم
10ـ أبو الضحى مسلم بن صبيح
11ـ يحيى بن جعدة
12ـ الأصبغ بن نباته
13ـ عبد الله بن أبي رافع
14ـ المطلب بن عبد الله بن حنطب
15ـ عبد الرحمن بن أبي سعيد
16ـ عمر بن علي بن أبي طالب
17ـ فاطمة بنت علي بن أبي طالب
18ـ الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب
19ـ زين العابدين علي بن الحسين.. وغيرهم

-------------------------------------------------------------
الصفحة 67
-------------------------------------------------------------


عدد الرواة خلال القرون:
أما من رواه من بعد الصحابة والتابعين من أعلام الأمة، وحفاظ الحديث ومشاهير الائمة عبر القرون فجماعة لا يسمح لنا المقام ذكر أسمائهم ورواياتهم. وقد أحصاها عدد ن البحاثة والعلماء، وللتفصيل ارجع إلى كتاب عبقات الأنوار الجزء الأول والثاني.
وأكتفي بذكر عددهم في كل طبقة زمنية من القرن الثاني إلى القرن الرابع عشر:
ـ القرن الثاني: عدد الرواة 36
ـ القرن الثالث: عدد الرواة 69
ـ القرن الرابع: عدد الرواة 38
ـ القرن الخامس: عدد الرواة 21
ـ القرن السادس: عدد الرواة 27
ـ القرن السابع: عدد الرواة 21
ـ القرن الثامن: عدد الرواة 24
ـ القرن التاسع: عدد الرواة 13
ـ القرن العاشر: عدد الرواة 20
ـ القرن الحادي عشر: عدد الرواة 11
ـ القرن الثاني عشر: عدد الرواة 18
ـ القرن الثالث عشر: عدد الرواة 12
ـ القرن الرابع عشر: عدد الرواة 13
فيكون مجموع رواة الحديث من القرن الثالث إلى القرن الرابع عشر: 323 فتأمل.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 68
-------------------------------------------------------------


حديث الكتاب والعترة في كتب الحديث:
أما عن الكتب التي روت الحديث فهي كثيرة نذكر منها:
1ـ صحيح مسلم: ج4 ص123 دار المعارف بيروت لبنان.
روى مسلم في صحيحه (حدثنا محمد بن بكار بن التريان حدثنا حسان (يعني ابن ابراهيم) عن سعيد (وهو ابن مسروق9 عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال: دخلنا عليه فقلنا له: لقد رايت خيراً لقد صحبت رسول الله (ص) وصليت لخفهن لقد لاقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله (ص)، قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله (ص) فما حثتكم فاقيلوا وما لا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله (ص) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس فغنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله عز وجل وهو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة. ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيت) فقلنا من أهل بيته نساؤه. قال: وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع على أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده).
وروى مسلم أيضاً:
(عن زهير بن حرب وشجاع بن مخلد جميعاً عن ابن علية قال زهير حدثنا إسماعيل بن أبراهيم حدثني أبو حيان حدثني يزدي بن حيان قال انطلقت.. ثم ذكر الحديث).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 69
-------------------------------------------------------------

ورواه مسلم عن (أبو بكر بن أبي شيبه حدثنا محمد بن فضيل وحدثنا اسحاق بن ابراهيم اخبرنا جرير كلاهما عن ابي حيان.. ثم ذكر الحديث).
وروايات مسلم كلها ترجع إلى ابي حيان بن سعيد التيمي، وقال قال فيه الذهبي:
(يحيى بن سعيد بن حيان أو حيان التميمي. كان الثوري يعظمه ويوثقه، قال أحمد بن عبد الله العجلي: ثقة، صالح، مبرز صاحب سنه)(1).
وقال الذهبي أيضاً في العبر ج1 ص205 (وفيها يحيى بن سعيد التميمي، مولى تيم الرباب الكوفي، وكان ثقة إماماً صاحب سنة روى عنه الشعبي ونحوه).
وقال اليافع: (وفيها يحيى بن سعيد التميمي الكوفي، وكان ثقة إماماً صاحب سنة)(2).
وقال العسقلاني: أبو حيان التميمي الكوفي ثقة عابد من السادسة مات سنة خمس وأربعين)(3).
.... وغيرهم من علما الجرح والتعديل.
كما لا يخفى أن كون الحديث مروياً في صحيح مسلم حاكم على صحته، لإجماع المسلمين على تصيح كل روايته.
ولقد صرح مسلم نفسه بأن جحميع ما في صحيحه مجمع على صحته فضلاً عن كونه صحيحاً عنده كما قال الحافظ السيوطي. (قال مسلم: ليس
____________
1- تهذيب التهذيب.
2- مرآة الجنان ج1 ص301.
3- تقريب التهذيب ج2 ص348.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 70
-------------------------------------------------------------

كل شيء صحيح عندي وضعته هنا وإنما وضعت ما أجمع عليه) كما في تدريب الراوي:
وقال النووي في ترجمة مسلم: (وصنف مسلم في علم الحديث كتباً كثيرة منها هذا الكتاب الصحيح الذي من الله الكريم ـ وله الحمد والنعمة والفضل والمن ـ به على المسلمين)(1)..
وغيره... لا يسع المقام لإيرادهم ولبداهة المدعى.
2ـ رواية الحديث عند الإمام الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري في مستدركه على البخاري ومسلم ج3 ص27 كتاب معرفة الصحابة ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ لبنان.
ـ روى الحديث (أبوعوانة) عنالأعمش ثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال لما رجع رسول الله (ص) من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن فقال (كأني قد دُعيتُ فأجبت، إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر ن الآخر كتاب الله وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: إن الله عزوجل مولاي وأنا مولى كل مؤمن ثم أخذ بيد علي فقال من كنت مولاه فهذا وليه) فالرسول (ص) يؤكد إذا أن أول أهل البيت ورأسهم الذي أوجب أتباعه هو علي (ع).
كما رواه عن (حسان) بن ابراهيم الكرماني ثنا محمد بن سلمى بن كهيل عن أبيه عن أبي الطفيل عن ابن واثلة أنه سمع زيد بن أرقم يقول.
وساق الحديث على نحو ما سبق إلا أنه زاد (ثم قال: تعلمون أتى أول بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات، قالوا: نعم، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه).

____________
1- تهذيب الأسماء واللغات ج2 ص91.
-------------------------------------------------------------
الصفحة 71
-------------------------------------------------------------


ـ وأيضاً رواه الحاكم بطريقين آخرين، ولمراعاة عدم التطويل اكتفينا بإثبات طريقين.
ومما يدل على صحة الحديث وتواتره أن الحاكم أخرجه وحكم بصحته على شرط البخاري ومسلم.
3ـ رواية الحديث عند أحمد بن حنبل: ج3 من مسنده ص17 ـ 26ـ 14 ـ 59ـ دار صادر بيروت، لبنان.
((حدثنا) عبد الله حدثني أبي ثنا ابو النظر ثنا محمد يعني ابن أبي طلحة عن الأعمش عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) قال: إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء على الأرض وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا بما تخلفوني فيهما).
ورواه أيضاً (حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا بن نمير ثنا عبد الملك يعني ابن أبي سليمان عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) ورواه بطرق متعددة غير التي سبقت.
4ـ وحدثنا علي بن المنذر الكوفي. حدثنا محمد بن فضيل قال: حدثنا الأعمش عن عطية وعن أبي سعيد والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم قالا: قال رسول الله (ص): إني تارك فيكم
-------------------------------------------------------------
الصفحة 72
-------------------------------------------------------------

ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما).
ـ (حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي حدثنا زيد بن الحسن وهو الأنماطي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله (ص) في حجته يوم عرفة وهو على ناقته يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس: إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي).
5ـ كما أورد هذا الحديث العلامة علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي المتوفي سنة 975 في (كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال الجزء الاول الباب الثاني ـ في الاعتصام بالكتاب والسنة ص172 طبعة مؤسسة الرسالة ـ بيروت الطبعة لاخامسة سنة 1985 ـ وهو الحديث رقم 810 و871 و872 و873).
ولو استرسلنا في هذا الباب لايراد الكتب التي روته لطال بنا لامجال واحتاج كتاباً لوحده، وسوف نذكر هنا مجموعة من الحفاظ والعلماء الذين أوردوه كنموذج لا للحصر. وللتفصيل راجع كتاب احقاق الحق لأسد الله التستري ج9 ص311، ومنهم:
1ـ الحافظ الطبراني المتوفي سنة 340 في (المعجم الصغير).
2ـ العلامة محب الدين الطبري (في ذخائر العقبى).
3ـ العلامة الشيخ ابراهيم بن محمد بن ابي بكر الحمويني في (فرائد السمطين).
4ـ ومنه ابن سعد في طبقاته الكبرى.
5ـ الحافظ نور الدين الهيثمي في (مجمع الزوائد).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 73
-------------------------------------------------------------

6ـ الحافظ السيوطي في (إحياء الميت).
7ـ الحافظ العسقلاني في (المواهب اللدنية).
8ـ العلامة النبهاني في (الأنوار المحمدية).
9ـ العلامة الدرامي في سننه.
10ـ الحافظ أبو بكر أحمد بنالحسين بن علي البيهقي في (السنن الكبرى).
11ـ العلامة البغوي في (مصابيح السنة).
12ـ الحافظ أبو لافداء بن كثير الدمشقي في (تفسير القرآن).
13ـ وفي جامع الأصول لابن الاثير.
14ـ المحدث الشهير أحمد بن حجر الهيثمي المكي المتوفي سنة 914 هجرية في كتابه (الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة) الطبعة الثانية سنة 1965 مكتبة القاهرة ـ شركة الطباعة الفنية المتحدة ـ.
وقال بعد إيراد حديث الثقلين: (ثم اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً وله طرق مبسوطة ف حادي عشر الشبهة، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة وفي أخرى أنه قاله بالمدينة في مرضه. وقد امتلأت الهجرة (الحجرة) بأصحابه وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم وفي أخرى أنه قاله لما قدم خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مر ولا تنافي غذ لا مانع من أه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة. وفي رواية عن الطبراني عن ابن عمر آخر ما تكلم به النبي (ص) أخلفوني في أهل بيتي وفي أخرى عند الطبراني وأبي الشيخ أن لله عزوجل ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه ومن لم يحفظهن لم يحفظ
-------------------------------------------------------------
الصفحة 74
-------------------------------------------------------------

الله دنياه ولا آخرته، قلت ما هن؟ قال حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي. وفي رواية للبخاري عن الصديق من قوله يا أيها الناس أرَغِبَ محمد (ص) في أهل بيته؟ أي احفظوه فيهم فلا تؤذوهم. (وأخرج) ابن سعد والملا في سيرته أنه (ص) قال: ستوصي بأهل بيتي خراً فإني أخاصمكم عنهم غداً ومن أكن خصمه أخصمه ومن أخصمه دخل النار، وأنه قال من حفظني في أهل بيتي فقد أتخذ عند الله عهداً.
(وأخرج) الأول أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وإصانها في الدنيا فمن شاء اتخذ على ربه سبيلاً، والثاني حديث: في كل خلف في أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ألا إن ائمتكم وفدكم إلى الله عز وجل فانظروا من توفدون.. ثم قال: سمي رسول الله (ص) القرآن وعترته ـ وهي بالمثناة الفوقية الأهل ولانسل والرهط الأدنون ـ ثقلين، لأن الثقل كل نفيس خطير مصون وهذان كذلك، غذ كل منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم العليا والأحكام الشرعية، ولذا حث رسول الله (ص) على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم وقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت. وقيل: سميا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما، ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض ويؤيدهم الخبر السابق ولا تعلموهم فأنهم أعلم منكم، وتميزوا بذلك عن بقية العلماء، لأن الله أذهب عنه الرجس وطرهم تطهيراً...).
فهل راعيت يا ابن حجر كل هذا فحفظت رسول الله (ص) في أهل بيته وواليتهم وانقطعت في أخذ الدين عنهم؟!

-------------------------------------------------------------
الصفحة 75
-------------------------------------------------------------

أم تقولون بأفواهكم ما ليس في قلوبكم؟! (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون).
وصدق الإمام جعفر الصادق (ع) قال: (يدعون حبنا ويتبعون عقوقنا). فابن حجر وأمثاله يدعي حب أهل البيت ويوالي ويأخذ دينه ممن ظلم أهل البيت، فهذا ابن حجر نفسه عندما يثبت فضائل أهل البيت ويعترف بلزوم التمسك بهم يشن هجومه على الشيعة في صواعقه ويصنفهم من الفرق الضالة وينهال عليهم بأبشع التهم وأقبح السبّ.
فما ذنبهم يا ابن حجر؟!
هل لأنهم والوا أهل البيت، وتمسكوا بأخذ الدين منهم؟!

-------------------------------------------------------------
الصفحة 76
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 77
-------------------------------------------------------------


شبهات على حديث الثقلين
1ـ قدح ابن الجوزي في كتابه (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية) بعدما ذكر حديث التمسك بالثقلين (كتاب الله وعترتي)، قال: (هذا حديث لا يصح، أما عطية فقد ضعفه أحمد ويحيى وغيرهما، وأما ابن عبد القدوس فقال يحيى ليس بشيء رافضي خبيث وأما عبد الله بن داهر فقال أحمد ويحيى ليس بشيء، ما يكتب من إنسان فيه خير)..

دفع الشبهة:
1ـ لم يقتصر حديث الثقلين على هذا السند، فقد روي بأسانيد متعددة كما مر.
2ـ لقد رواه مسلم ف صحيحه، بطرق كثيرة، ولا يخفى أن رواية مسلم له ولو بطريق واحد كاف لاثبات صحته، وهذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين السنة.
3ـ كما رواه الترمذي في صحيحه بطرق متعددة. عن جابر، وزيد بن أرقم، وأبي ذر، وأبي سعيد وحذيفة.
4ـ كلام ابن الجوزي لنفسه في كتابه الموضوعات ج1 ص99 ما نصه: (فمتى رأيت حديثاً خارجاً عن دواوين الإسلام (الموطأ ومسند احمد والصحيحين وسنن أبي داود والترمذي ونحوها) فانظر فيه فإن كان له نظير في الصحاح والحسان فرتب {أقرب} أمره...) وهو بهذا يناقض
-------------------------------------------------------------
الصفحة 78
-------------------------------------------------------------

نفسه حيث روي هذا الحديث في ما سماه بدواوين الإسلام كما مر عليك!.
5ـ إن كلام ابن الجوزي في عطية مردود يتوثيق ابن سعد له، فقد قال ابن حجر العسقلاني: (قال ابن سعد: خرج عطية مع ابن الاشعب، فكتب الحجاج على محمد بن القاسم أن يعرضه على سب علي، فإن لم يفعل فاضربه أربعمائة سوط واحلق لحيته، فاستدعاه، فأبى أن يسب فأمشى حكم الحجاج فيه، ثم خرج إلى خراسان فلم يزل بها حتى ولي عمر بن هبيرة العراق فقدمها فلم يزل بها إلى أن توفى سنة مائة وعشرة، وكان ثقة إنشاء الله تعالى وله أحاديث صالحة)(1).
مع العلم بأن ابن سعد من النواصب الذين يناصبون أهل البيت العداء إلى حد ضعف الإمام جعفر بن محمد الصادق، فتوثيقه لعطية كاف للخصم.
6ـ إن عطية من رجال احمد بن حنبل، وأحمد لا يروي إلا عن الثقة كما هو معلوم، فروي عنه أحمد روايات كثيرة متعددة، فنسبة تضعيف عطية لأحمد كذب ظاهر، فقد قال التقي السبكي: (وأحمد رحمه الله لم يكن يروي غلا عن ثقة، وقد صرح الخصم (يعني ابن تيمية) بذلك في الكتاب الذي صنفه في رد البكري بعد عشرة كراريس منه ـ قال: إن القائلين بالجرح والتعديل من علماء الحديث نوعان: منهم من لم يرو إلا عن ثقة عنده كمالك. وأحمد بن حنبل.. وقد كفانا الخصم بهذا الكلام مؤونة تبيين أن أحمد لا يروي غلا عن ثقة وحينئذ لا يبقى له مطعن فيه)(2).

____________
1- تهذيب التهذيب ج2 ص226.
2- شفاء الأسقام ج10 ص11.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 79
-------------------------------------------------------------

7ـ توثيق سبط ابن الجوزي له: فقد صرح بوثاقة عطية ورد تضعيفه حيث قال بعد أن اورد قول النبي (ص) لعلي (ع): لا يحل أحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك ك (فإن قيل فعطية ضعيف قالوا والدليل على ضعف الحديث أن الترمذي قال: وحدثت بهذا الحديث أو سمع مني هذا الحديث محمد بن أسماعيل ـ يعني البخاري ـ فاستطرفه.
والجواب: إن عطية العوفي قد روى عن أبن عباس والصحابة وكان ثقة وأما قول الترمذي عن البخاري فإنما استطرفه لقوله (ص). لا حله إلا لطاهر لا حائض ولا جنب).
وعن الشافعي يباح للجنب العبور في المسجد وعند أبي حنيفة لا يباح حتى يغتسل للنص ويحمل حديث علي على أنه كان مخصوصاً بذلك كما كان رسول الله (ص) مخصوصاً بأشياء)(1).
8ـ نسبة ابن الجوزي تضعيف عطية إلى يحيى بن معين مردود بنقل الدوري عن ابن معين بأنه صالح ـ فقد قال الحافظ بن حجر ترجمة عطية ما نصه: (قال الدوري عن ابن معين، صالح)(2). فسقط ما نسبه ابن الجوزي على يحيى بن معين فتأمل.
وما يدل على جهل ابن الجوزي بحديث الثقلين، ظنه أنه بمجرد تضعيف عطية يضعف حديث الثقلين، مع العلم أن توثيق عطية أو تضعيفه لا يقدح في حديث الثقلين، لأن حديث عطية الذي رواه عن أبي سعيد قد رواه أيضاً عن أبي سعيد أبو الطفيل وهو يعد من طبقة الصحابة ولو تجاوزنا ذلك فإن صحة حديث الثقلين غير موقوفة على رواية أبي سعيد سواء كانت
____________
1- خلاصة عبقات الأنوار ج2 ص45.
2- تهذيب التهذيب ج7 ص225.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 80
-------------------------------------------------------------

عن طريق عطية أو أبي الطفيل، فلو سلمنا جدلاً بضعف رواية أبي سعيد بكل طرقها فلا يضر ذلك بالحديث شيئاً لتعدد رواياته وطرقه.

الرد على ابن الجوزي في تضعيفه لابن عبد القدوس.
1ـ وأما قدحه في عبد الله بن عبد القدوس، فهو مردود بتوثيق الحافظ محمد بن عيسى إياه، قال الحافظ المقدسي بترجمة ـ عبد الله المذكور ـ: (وحكى ابن عدي عن محمد بن عيسى أنه قال: هو ثقة)(1).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (وحكى عن محمد بن عيسى أنه قال: هو ثقة)(2).
ومحمد بن عيسى هو كما ذكره الحافظ الذهبي في ترجمته قال أبو حاتم: ثقة مأمون، ما رأيت من المحدثين أحفظ للأبواب منه، وقال ابو داود: ثقة.
2ـ أورده محمد بن حبان في الثقات وقال ابن حجر بترجمته: (ذكره ابن حبان في الثقات)(3).
3ـ نقل الهيثمي في (مجمع الزوائد) قالك (وثقه البخاري وابن حبان).
4ـ قال العسقلاني بترجمته: (قال لابخاري: هو في الأصل صدوق إلا أنه يوري من أقوام ضعاف)(4).

____________
1- خلاصة عبقات الأنوار ج2 ص47 نقلاً عن الكمال في أسماء الرجال.
2- تهذيب التهذيب ج5 ص303.
3- نفس المصدر السابق.
4- نفس المصدر السابق.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 81
-------------------------------------------------------------

فإشكال البخاري على ابن عبد القدوس بعد أن وثقه بأنه يوري عن الضعاف لا يتوجه في هذا الحديث، لأن ابن عبد القدوس روى حديث الثقلين الذي أورده ابن الجوزي عن الأعمش وهو ثقة.
5ـ عبد الله بن عبد القدوس هو من رجال البخاري في صحيحه في التعليقات كما في تهذيب التهذيب ج5 ص303 وتقريب التهذيب ج1 ص430، وتخريج البخاري له ولو كان في التعليقات دليل على توثيقه.
قال ابن حجر العسقلاني في مقدمة (فتح الباري في شرح صحيح البخاري) في مقام الجواب عن الطعن في رجال البخاري: (وقبل الخوض فيه ينبغيلكل منصف لأن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح ـ يعني البخاري ـ لأي راو كان، مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف على ذلك من اطباق جمهور الائمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيحين).
6ـ عبد الله بن عبد القدوس لا يضر في صحة الحديث.
حتى برواية الأعمش عن عطية عن أبي سعيد لعدم تفرد عبد الله بن عبد القدوس بروايته عن الأعمش، فلقد رواه عن الأعمش: محمد بن طلحة بن المصرف اليامي، ومحمد بن فضيل بن غزوان الضبي في المسند والترمذي كما مر عليك، وهذا دليل على صدق الرواية، كما أن الأعمش لم يتفرد بروايته عن عطية، فقد رواه الاعمش عن عبد الملك بن أبي سليمان ميسرى العزرمي وأبي إسرائيل إسماعيل بن خليفة العبسي كما في مسند أحمد كما مرد عليك، وعن هارون بن سعد العجلي، وكثير بن إسماعيل التيمي كما في معجم الطبراني.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 82
-------------------------------------------------------------


أما تضعيفه المجمل لعبد الله بن داهر:
1ـ هذا خلاف أصول وقواعد الجرح والتعديل لأن الطعن المبهم، لا يقبل من أي كائن كان.
2ـ لم يكن هناك سبب وجيه للطعن فيه، سوى روايته فضائل أمير المؤمنين كما قال الذهبي (قال بن عدي: عامة ما يرويه في فضائل علي، وهو متهم في ذلك)(1)، وتضعيفه لهذا السبب غير مقبول.
3ـ ومن العجيب والقبيح في حق ابن الجوزي أن يكيد إلى هذا الحد لتضعيف الحديث، بإيراد عبد الله بن داهر في سند الحديث مع العلم أنه لم يقع في سند من أسانيد هذا الحديث من الأساس! فراجع الروايات السابقة والتي لم نذكرها فهل تجد في سندها عبد الله بن داهر؟!، ولا أجد لهذا المعنى غير النصب والعداء لأهل البيت وطمس حقهم، ولكن يأبى الله غلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.. فتأمل.
4ـ لقد ذكر سبط ابن الجوزي بعد إيراد حديث الثقلين من مسند أحمد بن حنبل قالك (فإن قيل فقد قال جدك في كتاب (الواهية) ـ أورد كلام ابن الجوزي في تضعيف الحديث كما تقدم ـ قلت: الحديث الذي رويناه أخرجه أحمد في الفضائل، وليس في إسناده أحد ممن ضعفه جدي، وقد أخرجه أبو داود في سننه والترمذي أيضاً وعامة المحدثين، وذكره رزين في الجمع بين الصحاح. والعجب كيف خفي عن جدي ما روى مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم..)(2). وما قاله سبط ابن الجوزي ما هو غلا تبريرات لابن الجوزي، وإلا فإنه لا يغفل عن هذا الحديث المشهود في مصادر المسلمين مع ما هو عليه من كثرة النظر والإطلاع، ولكنه أراد أن يخدع ويمكر فمكر الله به وفضح أمره.

____________
1- ميزان الاعتدال ج2 ص417.
2- تذكرة خواص الأمة.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 83
-------------------------------------------------------------


إشكال ابن تيمية
إما إشكال ابن تيمية على حديث الثقلين في كتابه منهاج السنة، فهو أسخاف من أن يناقش، ولكن نذكره على سبيل التعريض بتلك الأفكار الفارغة، التي لا تعبر إلا عن سوء فهم وخلط وكثرة هم، فعندما عجز ابن تيمية عن تضعيف حديث الثقلين من جهة السند كعادته في تضعيف كل ما يرد في فض أهل البي. عمد على أسلوب آخر لم نره في غيره، وهو قوله: إن هذا الحديث لا يدل على وجوب التمسك بأهل البيت، وإنما يدل على وجوب التمسك بالقرآن فقط.
أي عاقل يا تُرى يستفيد من هذا النص الصريح هذا المعنى وهذا الفهم؟! وظاهر الحديث يجزم ويؤكد على لزوم التمسك بهما ـ الكتاب والعترة؟! ـ وغلا أي معنى للثقلين؟! (إني تارك فيكم الثقلين)، وأي معنى لقوله (ص: (ما إن تمسكتم بهما)؟! ولكن التعصب يعمي القلوب. واستدل ـ أي ابن تيميه ـ على ذلك بحديث واحد في صحيح مسلم عن جابر، وضرب ببقية الأحاديث عرض الحائط أو تغافل عنها مع كثرة روايتها وتعدد طرقها، وهو حديث يظهر للمتأمل بأنه مبتور بالمقارنة مع بقية الأحاديث الواردة في نفس هذا الباب، وهو حديث (تركت فيكم ما لن تضلوا بعده، إن اعتصمتم به كتاب الله..).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 84
-------------------------------------------------------------

وهذا الحديث ظاهر البتر والتحريف، لان حديث جابر نفسه جاء في رواية الترمذي وفيه الأمر الواضح بوجوب التمسك بأهل البيت، ونص الحديث كما تقدم في رواية الترمذي: (أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي).
ـ كما أن ها الإشكال نفسه يتوجه على ابن تيميه أيضاً ن لأنه يقو بوجوب التمسك بالكتاب والسنة. ومن الضروري أن يكون الأمر الصادر من الرسول (ص). إما لزوم التمسك بالكتاب فقط، وإما بالكتاب والسنة. وعندما اختار ابن تيمية وجوب التمسك بالقرن فقط بسقط في المقابل وجوب التمسك بالسنة، وهذا خلاف ما يذهب إليه ابن تيمية كما هو واضح من مذهبه ـ أهل السنة ـ كما أنه سمى كتابه الذي ذكر فيه هذا الحديث (منهاج السنة) ولم يسمه منهاج القرآن؟!
وإذا كان في اعتقاده أن هذا الحديث الذي ذكره لا يلغي حديث التمسك بالكتاب والسنة فهو أيضاً لا يلغي وجوب التمسك بالكتاب والعترة.
ولم يقف ابن تيمية عند هذا الحد، فقال في (وعترتي فإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض: فهذا رواه الترمذي، وقد سُئل عنه أحمد، وضعفه غير واحد من أهل العلم وقالوا إنه لا يصح). والجواب:
تشعر من قوله أن هذا النص من الحديث لم يروه إلا الترمذي، وقد علمت كما سبق أنه قد رواه غير واحد من أعلام السنة وحفاظهم.
فماذا يقصد من قوله رواه الترمذي؟!
هل رواية الترمذي دلالة على ضعفه؟!
ومن الذي سأل أ؛مد؟! وماذا قال له؟!
وفي أي مكان هذا القول؟!

-------------------------------------------------------------
الصفحة 85
-------------------------------------------------------------

أو لم يروه أحمد ـ نفسه ـ ووثقه؟!
ومن الذي ضعّفهُ حتى يقول: غير واحد؟! ولماذا لم يذكرهم؟!
وغيرها من الأسئلة التي توجه على ابن تيمية، فإذا أجاب عليها بكلام محكم نقبل إشكاله، ولا يمكن أن نقبله على عواهنه وهو مجمل.
ولكن هذه عادة ابن تيمية إذا شمّر ساعد الجد على تضليل الأمة وستر الحق.
هذه أوجه الشبهات التي وردت في هذا الباب ولم أرَ حسب تتبعي من يطعن في حديث الثقلين الذي ثبت بالتواتر واعترف بصحته أعلام الأمة من الحفاظ والمحدثين، فلا يجرؤ على طعنه إلا ذو قلب مريض امتلأ بغضاً وغيظاً على أهل البيت ـ والعياذ بالله ـ.
وبعد أن ثبت لنا جلياً صحة هذا الحديث يجب علينا كشف دلالته ومن ثم الالتزام بها.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 86
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 87
-------------------------------------------------------------


دلالة الحديث على إمامة أهل البيت
دلالة الحديث على إمامة أهل البيت من أوضح الأمور وأظهرها ـ عند كل منصف ـ لأنه يفيد وجوب أتباعهم في المعتقدات والأحكام والآراء وعدم مخالفتهم، بقول أو فعل، لان أي عمل يخرج عن إطارهم يعتبر خارجاً عن القرآن وبالتالي خارجاً عن الدين، وهم بذلك مقياس دقيق يعرف به الطريق المستقيم والصراط السوي، حيث لا يكون الهدى إلا عن طريقهم ولا يكون الضلال إلا بمخالفتهم (ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا) لأن التمسك بالقرآن يعني العمل بما فيه، وهو الائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه، فكذلك يكون التمسك بالعترة، لأنه لا يقوم جواب شرط إلا بقيام المشروط، كما أن الضمر في (بهما) يرجع إلى الكتاب والعترة، ولا أظن أن عربياً أعطي قلياً من الفهم في اللغة يخالف في ذلك، وبذلك يكون إتباع أهل البيت بعد رسول اله (ص) فرضاً كما أن إتباع القرآن فرض، بعيداً عن من هم أهل البيت، لأن هذا بحث متأخر، والمهم هنا إثبات أن الأمر والنهي والإتباع والإقتداء لأهل البيت، وتحديد هويتهم خارج عن إطار هذا الحديث، كما يقول علماء الأصول (إن القضية لا تثبت موضوعها) فيكون بالضرورة أن أهل البيت هم الخلفاء بعد رسول الله (ص). وقوله (ص) (إني تارك فيكم) نص صريح بأن
-------------------------------------------------------------
الصفحة 88
-------------------------------------------------------------

رسول الله (ص) خلّفهم ووصى الأمة باتباعهم، وأكد ذلك قوله (ص) (فانظروا كيف تخلفوني فيهما).
فخلافة القرآن واضحة، وخلافة أهل البيت لا يتكون إلا بإمامتهم.
وبذلك، يكون كتاب الله وعترة رسوله (ص) السبب الموصل إلى رضوان الله، لأنهم حبل الله الذي أمرنا الله بالاعتصام به (واعتصموا بحبل الله)(1).
والآية هنا عامة في تعيين وتحديد حبل الله، وكل ما يتبين منها هو وجوب التمسك به. فأتت السنة بحديث الثقلين وأحاديث أخرى، تبين أن الحبل الذي يجب أن نتمسك به هو كتاب الله مع عترة رسوله (ص).
وقد قال بذلك مجموعة من المفسرين: فقد أوردها ابن حج في كتابه الصواعق في باب ما أنزل في أهل البيت من القرآن.. فراجع.
وذكرها القندوزي في كتابه ـ ينابيع المودة ـ قال: (في قوله تعالى: (واعتصمنا بحبل الله جميعاً..) اخرج الثعلبي عن بان بن تغلب عن جعفر الصادق (ع) قال: نحن حبل الله الذي قال الله عز وجل (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) وأيضاً أخرج صاحب كتاب المناقب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عنهما قال: كنا عند النبي (ص)، إذ جاء أعرابي فقال: يا رسول الله سمعتك تقول واعتصموا بحبل الله، فما حبل الله الذي نعتصم به؟ فضرب النبي (ص) يده في يد علي وقال (تمسكوا بهذا هو حبل الله المتين)(2).

____________
1- آل عمران ـ 103.
2- الينابيع ص 118 منشورات مؤسسة الأعلمي بيروت ـ لبنان.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 89
-------------------------------------------------------------

وأما قوله (ص): (لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) فهو دال على عدة وجوه:
أولها: إثبات العصمة لهم، لأن اقترانهم بالكتاب الذي لا يأتيه بالباطل من بين يديه ولا من خلفه، دال على علمهم بما في الكتاب وأنهم لا يخالفونه قولاً ولا فعلاً، ومن البديهي أن صدور أي مخالفة منه للكتاب سواء كانت عن عمد أو سهو حاكمة بافتراقهم عن القرآن، والحديث صريح في عدم افتراقهما حتى يردا الحوض، وإلا يكون تكذيباً لرسول الله (ص)، كما أن هذا الفهم تؤيده أدلة من القرآن والسنة ـ نؤجل البحث فيها إلى مكان آخر.
ثانياً: إن مفاد (لن) التأبيدية تفيد أن التمسك بهما مانع من الضلالة دائماً وأبداً، ولا يتم ذلك إلا بالتمسك بهما معاً، لا بواحد منهما كما تقدم، وقول الرسول (ص) في رواية الطبراني: (فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم) تؤكد هذا المعنى.
ثالثاً: بقاء العترة إلى جانب الكتاب إلى يوم القيامة، فلا يخلو منهما زمان، وقد قرَّب هذا المعنى ابن حجر في صواعقه (وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به على يوم القيامة، كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض كما سيأتين ويشهد لذلك الخبر السابق.. في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي. ثم أحق من يتمسك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لما قدمناه من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته)(1).

____________
1- الصواعق ص151.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 90
-------------------------------------------------------------

رابعاً: كما أنه يدل على تميزهم وعلمهم بتفاصيل الشريعة وذلك لاقترانهم بالكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، كما قال (ص): (ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم).
والخلاصة أنه لا بد من وجود ولو واحد من أهل البيت في كل زمان على قيام الساعة لا يخالف قوله ولا فعله القرآن حتى لا يفترق عنه ومعنى لا يفترق قولاً وفعلاً عن القرآن أنه معصوم لساناً وسلوكاً يجب إتباعه لأنه أمان من الضلال.
وهذا المعنى لا تقول به إلا الشيعة حيث يقولون بوجوب وجود إمام في كل زمان من أهل البيت يكون معصوماً عن الخطأ والزلل يجب موالاته ومعرفته (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) ودل على هذا المعنى قوله تعالى (ويوم ندعو كل أناس بإمامهم).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 91
-------------------------------------------------------------

الفصل الرابع
من هم أهل البيت؟

أهل البيت في آية التطهير
حديث الكساء تحديد هوية أهل البيت (ع)
أهل البيت في آية المباهلة

-------------------------------------------------------------
الصفحة 92
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 93
-------------------------------------------------------------


من هم أهل البيت؟
هذا البحث من أوضح البحوث، حيث لا يتجاهل إنسان معرفة أهل البيت إلا ذلك المعاند الذي لم بحد مخرجاً من الأدلة القاطعة في وجوب إتباعهم، فيلجأ إلى أسلوب التشكيك فيهم، وهذا ما لاحظته بنفسي خلال مناقشاتي مع بعض الأخوة والزملاء، فعندما لا بحد الواحد منهم مفراً من لزوم أتباع أهل البيت تجده مباشرة يوجه أسئلةً مبهمة:
من هم أهل البيت؟
وأليس أزواجه من أهله؟! أولم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سلمان منا أهل البيت؟!
بل أوليس أبو جهل من أهله (ص) أيضاً؟!
ولا يريد من كل هذه الأسئلة إلا أن ينكر واقع حديث الثقلين وأنه من الأحاديث الدالة على إمامة أهل البيت، ظناً منه أنه بهذه الأسئلة الحائرة البهمة يستطيع أن يسكت عقله ونداء ضميره، ولكن هبهات الحجة قائمة سواء أنكر أو لم ينكر، فكنت أقول لبعضهم عندما يسأل هذه الأسئلة، لماذا أنتم تريدون كل شيء جاهز من غير عناء أو بحث؟!
إن الأفكار المعلبة لا تفيد، فبإمكاني أن أجيب وبإمكانكم أن تردوا إجاباتي وتتنكروا لها وتتنكرا عليها لأنكم لم تذوقوا مرارة البحث ولم تتحملوا عناء الإجابة عليها، ومن ثم هل أنا الوحيد الذي يفترض عليَ أن أجيب؟ وهل أمر ني رسول الله صلى الله عليه وآله
-------------------------------------------------------------
الصفحة 94
-------------------------------------------------------------

وسلم بالتمسك بأهل البيت على وجه الخصوص؟! أما كلنا مكلًفون ويجب عليّ وعليكم الإجابة، لأنه قامت علينا الحجة بوجوب أتباع أهل البيت، وأخذ الدين عنهم فيكون لزاماً معرفتهم ومن الاقتداء بهم؟!
وأنا أيضاً في هذا المقام، لا أوسع في الأدلة والبراهين، إنما أكتفي ببعض الإشارات الواضحة ومن يريد الزيادة فعليه بالتوسع.

أهل البيت في آية التطهير:
قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)(1)...
إن نزول هذه الآية الباركة في علي وفاطمة والحسن والحسين من أوضح الأمور لمن تتبع كتب الحديث والتفسير، يقول ابن حجر في هذا الصدد: (إن أكثر المفسرين على أنها نزلت في عليً وفاطمة والحسن والحسين)(2). وهذه الآية لدلالتها الواضحة على عصمة أهل البيت لا تنسجم إلا معهم لما وضحناه آنفاً لأنهم ثقل هذه الأمة، والأئمة الهادون بعد الرسول صلى الله عليه وآلة وسلم، ولذلك أمر رسول الله (ص) باتباعهم، وإفادة العصمة واضحة من هذه الآية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وذلك لاستحالة تخلف المراد إذا كان المريد هو الله سبحانه، وأداة الحضر (إنما) شاهدةُ على ذلك، وما يهمنا في هذا المقام إثبات خصوص هذه الآية وأنها نازلة في علي وفاطمة والحسن والحسين ـ عليهم السلام ـ
____________
1- سورة الأحزاب: 33.
2- الصواعق ص143.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 95
-------------------------------------------------------------


حديث الكساء تحديد هوية أهل البيت:
أقرب الأدلة وأوضحها فيما جاء في تفسير هذه الآية من روايات عرفت عند أصحاب الحديث بحديث الكساء، ولا تقل صحته وتواتره عن حديث الثقلين.
أ ـ روى الحاكم في كتابه (المستدرك على الصحيحين في الحديث):
(عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أنه قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم إلى الرحمة هابطة قال: (أدعوا لي، أدعوا لي) فقالت صفية: من يا رسول الله؟! قال: أهل بيتي علي وفاطمة والحسن والحسين، فجيء بهم فألقى عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كساءه، ثم رفع يديه ثم قال: اللهم هؤلاء آلي (فصل على محمد وآل محمد) وأنزل الله عز وجل (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)(1).
قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد:
بـ وروى الحاكم مثله عن أم سلمة قالت: (في بيتي نزلت ـ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ـ فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال هؤلاء أهل بيتي)(2). ثم قال الحاكم: هذا صحيح على شرط البخاري، ورواه في موضع آخر عن واثلة وقال: صحيح على شرطيهما.
ج ـ ورواه مسلم في صحيحه عن عائشة قال: (خرج رسول الله غداة عليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء
____________
1- مستدرك الحاكم.
2- المصدر السابق

-------------------------------------------------------------
الصفحة 96
-------------------------------------------------------------

الحسين فأدخله معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)(1).
وجاء هذا الخبر في روايات متعددة في الصحاح وكتب الحديث والتفسير(2). وهو من الأخبار الصحيحة المتواترة لم يضعفه أحد من الأولين والآخرين. ويطول بنا المقام إذا ذكرنا كل الروايات، فانا أحصيت منها سبعاً وعشرين رواية كلها صحيحة.
ومن أوضح الروايات في هذا الباب ـ في تعيين أهل البيت ـ دون غيرهم من أزواج النبي (ص) ما نقله السيوطي في الدر المنثور عن ابن مردويه عن أم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي ـ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) ـ وفي البيت سبعة جبرائيل وميكائيل وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وأنا على باب البيت، قلت يا رسول الله ألست من أهل البيت؟! إنك على خير إنك من أزواج النبي)(3).
وفي رواية الحاكم في مستدركه قالت أم سلمة: يا رسول الله ما أنا من أهل البيت؟ قال: إنك إلى خير وهؤلاء أهل بيتي، اللهم أهل بيتي أحق(4).

____________
1- صحيح مسلم، باب فضائل أهل البيت.
2-
آ ـ البيهقي في السنن الكبرى، باب بيانأهل بيته والذين هم آله.
ب ـ تفسير الطبري ج22 ص5.
ج ـ تفسير ابن كثير ج3 ص485.
د ـ تفسير الدر المنثور ج5 ص198ـ199.
هـ ـ صحيح الترمذي، باب فضائل فاطمة.
و ـ مسند أ؛مد ج6 ص292 ـ 323 .. وغيرها.
3- الدر المنثور ج5 ص198.
4- مستدرك الحاكم ج2 ص416، تفسير الآية من سورة الأحزاب.
-------------------------------------------------------------
الصفحة 97
-------------------------------------------------------------


وفي رواية أحمد فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال إنك على خير(1). وفي هذا كفاية في إثبات أن أهل البيت هم أصحاب الكساء بأوضح العبارات وأصرح الألفاظ، فيكونون بذلك ثقل القرآن الذي أمرنا رسول الله (ص) في حديث الثقلين بالتمسك بهم.
ومن قال بأن العترة بمعنى القربى حتى يشوه المعنى فقوله غير مقبول، لان هذا لم يقل به أحد من أئمة اللغة، فقد نقل ابن منظور في لسان العرب: (إن عترة رسول الله (ص) وولد فاطمة رضي الله عنها) هذا قول ابن سيده، وقال الأزهري (ره)، وفي حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله (ص).. ويذكر حديث الثقلين ـ فجعل العترة أهل البيت، وقال أبو عبيد وغيره: عترة الرجل وأسرته وفصيلته رهطه الأدنون، ابن الأثير عترة الرجل أخص أقاربه وقال ابن الأعرابي: العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه. قال: فعترة النبي (ص) ولد فاطمة البتول (ع))(2). فيتضح من هذا المعنى أن أهل البيت ليس مطلق الأقارب وإنما هم أخص أقاربه، ولذلك عندما سئل زيد بن أرقم في رواية مسلم قالوا فمن أهل بيته؟ نساؤه؟
قال: لا وأيم الله.. إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها.. أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة من بعده..
كما أن شرف الانتماء لأهل البيت لم يدَّعِهِ أحد من أقارب رسول الله (ص) ولا زوجاته، وإلا لحدثنا التاريخ بذلك، فلا يوجد في التاريخ ولا الحديث أن زوجات النبي (ص) احتججن بهذه الآية
____________
1- مسند أحمد ج3 ص292ـ323.
2- لسان العرب ج9 ص34.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 98
-------------------------------------------------------------

وهذا الشرف بعكس أهل البيت، فهذا أمير المؤمنين (ع) يقول: (إن الله عز وجل فضلنا أهل البيت، ويكف لا يكون كذلك والله عز وجل يقول في كتابه: (إنما يريد ليذهب أهل البيت أهل البيت ويطهركم تطهيراً) فقد طهرنا الله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فنحن على منهاج الحق).
وقال ابنه الحسن (ع): أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن البشير النذير الداعي على الله فإذنه والسراج المنير، أنا من أهل البيت الذي كان ينزل فيه جبرئيل ويصعد، وانا من أهل البيت الذين أهب الله عنهم الرجس وطهركم تطهيراً). وفي موضع آخر يقول: (وأقول معشر الخلائق فاسمعوا، ولكم أفئدة وأسماع فعوا، عن أهل بيت كرمنا بالإسلام واختارنا واصطفانا واجتبانا فأذهب عنا الرجس وطهرنا تطهيرا).
واحتجاج ابن كثير بالسياق في لزوم إدخال أزواجه (ص) في هذه الآية لا مجال له، لأن حجية الظهور متوفقة على وحدة الكلام، ومن المعلوم أن الخطاب قد تغير من التأنيث في الآيات السابقة لهذه الآية إلى التذكير فغذا كان المراد من هذه الىية نساءه يكون الخطاب ـ إنما يريد الله ليذهب عنكن الرجس أهل البيت ويطهركن تطهيراً ـ لأن الايات خاصة بالنساء ولذلك استأنف الله قوله بعد هذه الآية (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة..)(1). ولم يقل أحد أن آية التطهير نازلة في أزواج النبي (ص) غير عكرمة ومقاتل، فكان عكرمة يقول: (من شاء باهلته أنها نازلة في أزواج النبي (ص)(2). وهذا الكلام من
____________
1- الأحزاب، آية 34.
2- الدر المنثور ج5 ص198.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 99
-------------------------------------------------------------

عكرمة غير مقبول لتعارضه مع روايات صحيحة صريحة كما سبق في أن أهل البيت هم أصحاب الكساء.
وثانيا ماهو الذي حرك عكرمة وأثار غضبه حتى ينادي في الأسواق للمباهلة؟.
هل حباص في أزواج النبي أم بغضاً لأصحاب الكساء؟! وما هوالداعي للمباهلة إذا كانت مسلمة أنها في أزواج النبي (ص)؟! أم كان الرأي العام والسائد أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين؟! أم كان الرأي العام والسائد أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين؟! بل هو كذلك. ويدل على ذلك فحوى كلامه: (ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي)(1) وهذا يعني أن الآية كانت واضحة عند بقية التابعين أنها في ـ علي وفاطمة والحسن والحسين ـ عليهم سلام الله.
كما أننا لا يمكن أن نقبل عكرمة حكماً وشاهداً في هذا الأمر لما عُرف عنه من شدة العداء لأمير المؤمنين (عليه السلام) فهو من الخوارج الذين قاتلوا علياً، فكان عليه أن يقول أنها نزلت في نساء النبي (ص)، لأنه لو أقر في نزولها فيعلي (ع) يكون حكم بنفسه على مذهبه وهدَّ أسس عقيدته التي سوغت له ولأصحابه الخروج على علي (ع). وغير ذلك من اشتهار عكرمة بالكذب على ابن عباس حتى أن ابن المسيب كان يقول لمولى له اسمه برد: لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس، وفي ميزان الاعتدال أن ابن عمر قال ذلك أيضاً لمولاه نافع.
وقد حاول علي بن عبد الله بن عباس صد عكرمة وردعه عن ذلك، ومن وسائله التي اتخذها معه أنه كان يوقفه على الكنيف ليرتدع عن الكذب على أبيه، يقول عبد الله بن أبي الحرث: (دخلت على ابن عبد الله بن عباس
____________
1- المصدر السابق.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 100
-------------------------------------------------------------

وعكرمة موثق على باب الكنيف، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم؟! فقال: إن هذا يكذب على أبي)(1).
وأما مقاتل فإنه لا يقل عن عكرمة في عداءه لأمير المؤمنين (ع) واشتهاره بالكذب، حتى عده النسائي في جملة الكذابين المعروفين بوضع الحديث(2).
وقال الجوزاني كما في ترجمة مقاتل من ميزان الذهب: كان مقاتل كذاباً جسوراً(3).
وقال مقاتل للمهدي العباسي: إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس، قال: لا حاجة لي فيها(4).
ومثل هؤلاء لا يمكن أن نأخذ من كلامهم، فذلك ضرباً من الغرور والجهل، لأن الأحاديث الصحيحة المتواترة خلاف ذلك كما تقدم. وهذا غير الروايات التي تقول بعد نزول هذه الآية أن رسول الله (ص) بقي تسعة أشهر يأتي باب علي بن أبي طالب (ع) عند وقت كل صلاة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) كل يوم خمس مرات(5).
وفي صحيح الترمذي ومسند أحمد ومسند الطيالسي ومستدرك الحاكم على الصحيحين وأسد الغابة وتفسير الطبري وابن كثير والسيوطي: إن رسول
____________
1- وفيات الأعيان ج1 ص320.
2- دلائل الصدق ج2 ص95.
3- الكلمة الغراء، لشرف الدين ص217.
4- الغدير ج 5 ص 266.
5- تفسير الآية عن ابن عباس في الدر المنثور ج5 ص199.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 101
-------------------------------------------------------------

الله (ص) كان يمر بباب فاطمة (ع) ستة أشهر كلما خرج إلى صلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)(1).. وغيرها من الروايات المشابهة التي وردت في هذا الباب.
وبهذا اتضح لنا جلياً أن أهل البيت هم (علي وفاطمة والحسن والحسين) ولا مجال للمنكر المراوغ، فإن الشك في هذا كالشك في الشمس في رابعة النهار.

____________
1- مستدرك الصحيحين ج3 ص158، وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 102
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 103
-------------------------------------------------------------


أهل البيت في آية المباهلة
إن الصراع بين جبهتي الحق والباطل في ساحات القتال أمرٌ صعب ولكنه أكثر صعوبة إذا كان في ساحة المحراب، عندما كل واحد نفسه أمام علام الغيوب، ويجعلونه حاكماً وقاضياً بينهم، ففي هذه الحالة لاينجح من قلبه شك أو ريبة.
نعم، قد يكون مقاتلاً جلداً في ساحات القتال، لذلك نجد رسول الله (ص) في مقاومته للكفار يدعو للجهاد كل من يقدر على حمل السلاح ولو كان منافقاً. ولكن عندما تحولت نوعية الصراع من الحرب إلى الدعاء و المباهلة مع النصارى لم يَدْعُ رسول الله (ص) لهذه النوعية الجديدة من الصراع أي واحدٍ من أصحابه، لأن في مثل هذا المقام لا يتقدم إلا من كان له قلب سليم مطهرٌ من الرجس والذنب، وهم النخبة المصطفاة، ومثل هؤلاء لا يكونون كُثُراً بين البشر، وإنما هم قلة، ولكنهم خير أهل الأرض.
فمن هؤلاء النخبة المصطفون؟
عندما جادل رسول الله (ص) علماء النصارى بالتي هي أحسن. لم يجد منهم إلا الكفر والجحود والعصيان، ولم يعد هناك سبيل سوى الابتهال، وهو أن يدعو كل واحد منهم بما عنده، ويجعلوا لعنة الله على الكاذبين، فحينها جاء الأمر الإلهي (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءكم وأنفسنا
-------------------------------------------------------------
الصفحة 104
-------------------------------------------------------------

وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين)(1). وعندها استجاب القساوسة إلى عرض الرسول الجديد حتى تكون المعركة حاسمة بينهم، فجمع القساوسة خواصهم استعداداً لهذا اليوم، وعندما جاء الموعد واحتشدت الجماهير وتقدم النصارى وهم يعتقدون بأن الرسول سوف يخرج إليهم بجمع منأصحابه ونسائه ظهر رسول اله (ص) وهو يتقدم بخطوات ثابتة مع كوكبة صغيرة من أهل البيت الحسن على يمينه والحسين على شماله، وعلي وفاطمة خلفه، وعندما رأى النصارى هذه الوجوه المشرقة ارتعشوا خوفاً، فالتفتوا جميعاً إلى الأسقف زعيمهم:
ـ يا أبا حارثة، ماذا ترى في الأمر؟
فأجابهم الأسقف: أرى وجوهاً لو سأل الله بها أحد أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله.
فازدادت دهشتهم، وعندما أحس الأسقف منهم ذلك قال:
ـ أفلا تنظرون محمداً رافعاً يديه ينظر ما تجيبان به، وحق المسيح إذا نطق فوه بكلمة لا نرجع إلى أهل ولا مال(2).
وحين ذاك قرروا التراجع وترك المباهلة، ورضوا بالذل ودفع الجزية.
فبهؤلاء الخمسة هزم رسول الله (ص) النصارى وردهم صاغرين. وبذلك قال رسول الله (ص) (والذي نفسي بيده إن العذاب تدلى على أهل نجران ولولا عفوه لمُسخوا قردة وخنازير واضرم عليهم الوادي ناراً ولأستأهل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر وما حال الحول على النصارى كلهم).

____________
1- سورة آل عمران: 61.
2- الدر المنثور، السيوطي ج2 من سورة آل عمران آية 61.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 105
-------------------------------------------------------------

ولكن لماذا أحضر الرسول (ص) هؤلاء الخمسة فقط، ولم يحضر أصحابه وزوجاته؟
والإجابة على ذلك بكلمة، وهي: أهل البيت هم أوجه الخلق بعد الرسول عند الله وأكثرهم نقاءاً وتطهيراً، ولم تتح لغيرهم هذه الصفات التي أثبتها الله لأهل البيت في آية التطهير كما تقدم. ولذلك نجد رسول الله (ص) في تطبيق هذه الآية كيف يلفت أنظار الأمة لمنزلة أهل البيت، فيفسر قوله تعالى (أبناءنا) بالحسن والحسين و(نساءنا) بالسيدة فاطمة الزهراء (ع) و(أنفسنا) بـ علي (ع)، وذلك لأن الإمام لا يدخل ضمن النساء ولا ضمن الأولاد فينحصر دخوله في كلمة أنفسنا ولأن التعبير بـ (أنفسنا) يكون قبيحاً إذا كانت الدعوة موجهة إلى ذاته فقط.
فكيف يدعو نفسه؟!. ويؤيد ذلك قول الرسول (ص) (أنا وعلي من شجرة واحدة وسائر الناس من شجر شتى).
فإن كان الإمام علي (ع) هو نفس الرسول (ص) فيكون له ما للرسول من قيادة وولاية على المسلمين إلا منزلة واحدة وهي منزلة النبوة كما عبر رسول الله (ص) في صحيح البخاري وسلم: (يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي)(1).
إن استدلالنا من هذه الآية لم يكن في هذا المقام وإنما هو في بيان من هم أهل البيت، والحمد لله لم يكن هناك خلاف في أن هذه الآية نزلت في أصحاب الكساء، وهناك أخبار وأحاديث في هذا المجال.
فقد روى مسلم والترمذي كلاهما في باب فضائل علي (ع): (عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم
____________
1- راجع البخاري كتاب المناقب، وصحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة، والمسند ج3 رواية رقم 1463.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 106
-------------------------------------------------------------

ونساءنا..) دعا رسول الله (ص) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي)(1). وذكره السيوطي والحاكم والبيهقي، وقوله هؤلاء أهلي يدل على تحديد أهل البيت في هؤلاء الأربعة.

____________
1- صحيح مسلم ج2 ص360 ط. عيسى الحلبي، وج15ط. مصر ص176 بشرح النووي، صحيح الترمذي ج4 ص293 رقم الحديث 3085، ج5 ص301 الحديث 3808، المستدرك على الصحيحين ج3 ص150.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 107
-------------------------------------------------------------

الفصل الخامس
ولاية علي (ع) في القرآن

البحث الفاصل
آية الولاية
وجه الاستدلال من هذه الآية
المصادر التي أثبتت نزولها في أمير المؤمنين علي (ع)
آية التبليغ نص صريح في الولاية
الغدير في المصادر الإسلامية
المصادر التي أثبت نزولها في الإمام علي (ع)
نص الخطبة

-------------------------------------------------------------
الصفحة 108
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 109
-------------------------------------------------------------


ولاية علي في القرآن

البحث الفاصل:
بعد فراغي من بحثي الأول الذي كلفني مجهوداً فكرياً ونفسياً، وجعلني أعيش صراعات مع ضميري وأخرى مع زملائي وأساتذتي في الجامعة، وصلت فيه إلى قناعة كافية أشك في الشمس ولا أشك فيها، وكانت النتيجة من ذلك كما وضحت وجوب اتباع أهل البيت (ع) وأخذ الدين عنهم، وكانت هذه قناعاتي الأولى لفترة من الزمن، لم أتمكن بعد من تحديد الموقف واختيار مذهبي رغم وجداني الذي كان يلح علي باتباع مذهب التشيع، ورغم أن أصدقائي وأهلي وزملائي كانوا يصنفونني شيعياً، وكثير منهم يناديني بالشيعي وبعضهم بالخميني؟، وأنا بعد لم أحدد موقفي، لا أشك فيما توصلت إليه، ولكن نفسي الأمارة بالسوء هي التي تنهاني وتوسوس لي:
كيف تترك ديناً وجدت عليه آباءك؟!
وماذا تصنع مع هذا المجتمع الذي هو بعيدٌ عن اعتقادك؟!
وأنت من حتى تصل إلى هذا؟! أغفل عنه أعاظم العلماء؟!! بل جل المسلمين؟!... وآلاف من الأسئلة والتشكيكات التي غالباً ما كانت تتغلب عليّ وتسكتني!. وأحياناً ينتفض عقلي وضميري.. وهكذا.. دفع وجذب ومد وجزر وتوتر عصبي وانفصام في نفسي، لا مفر ولا أنيس ولا صديق ولا حبيب..

-------------------------------------------------------------
الصفحة 110
-------------------------------------------------------------

فطفقت أسأل وأبحث عن الكتب التي ردت على الشيعة لعلها تنقذني مما أنه فيه وتوضح لي حقائق لعلها غائبة عني، ولقد كفاني الوهابية عن جمعها، فقد كان إمام الجماعة في مسجد قريتنا يحضر لي كل ما أطلبه..
وبعد البحث فيها تعقدت مشكلتي وازداد توتري ولم أجد فيها بغيتي، لأنها خالية من الموضوعية والنقاش المنطقي وكل ما فيها سب ولعن وشتم، وافتراءات وكذب، شكلت لي حجاباً في أول الأمر، ولكن بعد تجريدها من هذه التأثيرات الإعلامية تبينت أمامي أوهن من بيت العنكبوت.
فعزمت بعد ذلك على مواصلة البحث، رغم اقتناعي بما توصلت غليه في البحث الأول مقاوماً تسويلات نفي ومتطلعاً لرؤية الحقيقة أكثر ظهوراً وضياءً، فوقع اختياري على بحث أدلة ولاية الإمام علي (ع) والناصة على إمامته وكان في ذهني مجموعة من الأدلة التي تؤدي هذا العرض رغم أنها كافية لمن كان له عقل صاف وقلب سليم، ولكن أردت أن يكون هو البحث الفاصل بين أن أكون سنياً أعتقد بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان وبين أن أكون شيعياً، أقول بإمامة علي (ع).
وبعد البحث كانت المفاجأة! حيث لم أستطع وإلى الآن أن أجمع وأحصي وتتبع كل الأدلة سواء أكانت نقلية أو عقلية، التي تصرح وبكل وضوح بإمامة أمير المؤمنين (ع)، بعضها ظاهر في الدلالة وبعضها يحتاج إلى مقدمات مطولة.
وما أسجله في هذا الفصل هو مقتطف يسير، وذلك مراعاةً للاختصار وتشويقاً للباحث، ولاعتقادي بأن فيه الكفاية بعد الشرح والتوضيح.
(1) قوله تعالى:
(إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)(1) صدق الله العظيم.

____________
1- سورة المائدة: الآية 54.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 111
-------------------------------------------------------------


وجه الاستدلال من هذه الآية:
تكون هذه الآية واضحة في ولاية أمير المؤمنين وإمامته إذا ثبت أن المراد من قوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) هو الإمام علي (ع)، وإذا ثبت أيضاً أن كلمة الولي بمعنى الأولى بالتصرف.

المصادر التي أثبتت نزولها في علي (ع):
لقد قامت الأدلة وتواترت الروايات من الطرفين على أن هذه الآية نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بخصوص الإمام علي (ع) عندما تصدق بالخاتم وهو راكع. وقد روى هذا الخبر جمع من الصحابة منهم:
(1) أبو ذر الغفاري: وقد رواه عنه مجموعة من الحفاظ مثل:
أـ أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي في التفسير ـ (الكشف والبيان عن تفسير القرآن).
ب ـ الحافظ الكبير الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ج1 ص 177 ط. بيروت.
جـ ـ سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 18.
د ـ الحافظ ابن حجر العسقلاني في (الكاف الشاف) ص 56.
... وغيرهم من المحدثين والحفّاظ.
(2) المقداد بن الأسود: وأخرجه عنه الحافظ الحسكاني في (شواهد التنزيل) ج 1ص 171 ط. بيروت تحقيق المحمودي.
(3) أبو رافع القبطي: مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) _: أخرجها عنه مجموعة من الأعلام مثل:
أـ الحافظ بن مردويه في كتاب (الفضائل).
ب ـ الحافظ جلال الدين السيوطي في (الدر المنثور) ج2 ص 293.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 112
-------------------------------------------------------------

جـ ـ المحدث المتفي الهندي في (كنز العمال) ج1 ص 305... وآخرون.
(4) عمار بن ياسر: وأخرج روايته:
أ ـ المحدث الكبير الطبراني في (معجمه الأوسط).
ب ـ الحافظ أبو بكر بن مردويه في (الفضائل).
ج ـ الحافظ الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل).
د ـ الحافظ بن حجر العسقلاني في (الكاف الشاف) ص 56 عن الطبراني وابن مردويه.
(5) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وأخرجها:
أ ـ الحاكم النيسابوري، الحافظ الكبير في كتاب (معرفة علوم الحديث) ص 102 ط. مصر سنة 1937.
ب ـ الفقيه ابن المغازلي الشافعي في (المناقب) ص 311.
ج ـ الحافظ الحنفي الخوارزمي في (المناقب) ص 187.
د ـ الحافظ ابن عساكر الدمشقي (تاريخ دمشق) ج2 ص 409 تحقيق المحمودي.
هـ ـ ابن كثير الدمشقي في (البداية والنهاية) ج7 ص 357 ط. بيروت.
وـ الحافظ بن حجر العسقلاني في (الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف) ص56 ط. مصر.
ز ـ المحدث المتقي الهندي في (كنز العمال) ج 15 ص 146 في باب فضائل علي (ع).
(6) عمرو بن العاص: أخرجها عنه الحافظ أخطب خوارزم الحافظ أبو المؤيد في (المناقب) ص 128.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 113
-------------------------------------------------------------

(7) عبد الله بن سلام: أخرجها عنه محب الدين الطبري في (ذخائر العقبي) ص 102. وفي الرياض النضرة ج2 ص 227.
(8) عبد الله بن عباس: وأخرجها عنه:
أ ـ أحمد بن يحيى البلاذري في (أنساب الأشراف) ج2 ص 150 ط. بيروت أحمد الصمد.
ب ـ الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل) 1 ص 18.
د ـ ابن المغازلي الشافعي في (المناقب) ص 314 تحقيق المحمودي.
هـ ـ الحافظ بن حجر العسقلاني في (الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف) ط. مصر.
وـ جلال الدين السيوطي.
(9) جابر بن عبد الله الأنصاري: ومن الذين أخرجوها عنه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ج1 ص174.
(10) أنس بن مالك ـ خادم رسول الله ـ: وأخرجها:
أ ـ الحافظ الحسكاني في (شواهد التنزيل) ج1 ص 145.
ب ـ المحدث الكبير الحموي الجويني الخرساني في (فرائد السمطين) ج1 ص 187.
ونختار من هذه الروايات العديدة ما رواه أبو ذر الغفاري (رضي الله عنه) في رواية طويلة أخرجها عنه الحاكم الحسكاني بسنده ص 177 ج1 ط. بيروت.
قال أبو ذر الغفاري (رضي الله عنه): (أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري، سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين وإلا فصمتا ورأيته بهاتين وإلا فعميتا، وهو يقول:

-------------------------------------------------------------
الصفحة 114
-------------------------------------------------------------

علي قائد البررة قاتل الكفرة منصور من نصره ومخذول من خذله، أما إني صليت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يعطني أحد شيئاً، وكان علي (ع) راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين النبي (ص) فلما فرع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من صلاته، رفع رأسه إلى السماء، وقال: اللهم إن أخي موسى سألك، فقال: (رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري) فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً: (سنشد عضدك بأخيك)، اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك. اللهم فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي علياً أخي أشدد به أزري، قال: فو الله ما استتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الكلام حتى نزل عليه جبرائيل من عند الله، وقال: يا محمد هنيئاً ما وهب لك في أخيك. قال (صلى الله عليه وآله وسلم: وما ذاك يا جبرائيل؟
قال: أمر الله أمتك بموالاته إلى يوم القيامة. وأنزل عليك: (إنما وليكم اتلله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)).
وهذه الرواية جاءت بألفاظ متعددة نقتصر في هذا المقام بهذه الرواية فإنها كافية لبيان الطلب.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 115
-------------------------------------------------------------

وهذا من الفضائل التي لم يشارك بها أحد أمير المؤمنين، فلم نجد أحداً في التاريخ ادعى إعطاء الزكاة وهو راكع، وفي هذا حجة كافية ودلالة واضحة على أن أمير المؤمنين هو المقصود لا غير.
وقد يحاول البعض التشكيك في هذه الآية ونسبتها لأمير المؤمنين متذرعاً لذلك بحجج فارغة لا معنى لها. فتجد الألوسي مثلاً يصرف معنى الركوع إلى غير معناه الظاهر، فيقول: المقصود منه الخشوع، وهذا تأويل غير مقبول، لأنه لا توجد قرينه تصرف المعنى الحقيقي الظاهر في الآية ـ وهو الركوع ذو الحركة المعهودة ـ وقد حدث لي ذات يوم، وأنا أناقش مجموعة من زملائي في الجامعة بخصوص هذه الآية، فبعدما أثبت لهم أنها نزلت في أمير المؤمنين (ع)، استشكل أحدهم قائلاً:
ـ إذا أثبت نزولها في علي فقد أثبت له بذلك منقصه.
ـ قلت له: كيف ذلك؟
ـ قال: إن ذلك دلالة على عدم خشوعه في الصلاة، وإلا كيف سمع السائل وكيف أجابه؟ والمعروف أن العباد والأتقياء لا يحسون بمن حولهم في حالة توجههم إلى الله.
ـ قلت: كلامك لا وجه له، بدلالة نفس الآية، إن الصلاة لله والخضوع والخشوع له، والله سبحانه أخبرنا بقبول هذه الصلاة بل أثبت بها إمامة وولاية لصاحبها، ومقام المدح واضح في السياق، فسواء كان المتصدق علياً أو غيره فالحالة سواء، فإذا كان عندك إشكال على خشوع علي فبالأولى أن يكون على القرآن.
وفي الواقع إن هذه الآية أعلى إحكاماً من تشكيكات المشككين، فهي واضحة الدلالة في ولاية أمير المؤمنين، مع العلم أن إثبات ولاية أمير المؤمنين من أوضح الأمور في القرآن. وكنتُ أقول هذا الكلام لبعض الأصدقاء فانبرى أحدهم قائلاً: أذكر لنا آية تبين مدعاك.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 116
-------------------------------------------------------------

قلت: قبل ذلك نرى ماذا قال رسول الله (ص) في علي (ع)، فقد روى البخاري في صحيحه أن رسول الله (ص) قال لعلي:
(أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)(1).
فيظهر من ذلك أن كل ما لهارون لعلي (ع)، فله الإمامة والخلافة والوزارة وغير ذلك إلا النبوة، كما كان لهارون.
فاستنفروا جميعاً:
من أين لك هذا؟!.. قلت: مهلاً ما هي مكانة هارون من موسى؟ أو لم يقل موسى (واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري).. قالوا: لم نسمع بذلك لعل الآية ليست بهذه الطريق..! فعرفت منهم العصبية والجدل، قلت وأنا متحير في أمرهم: إن هذا أمرٌ واضح لم ينكره أحد.
قال أحدهم: لماذا المخاصمة وهذا القرآن أمامك.. أخرج لنا الآية إن كنت صادقاً..!! وهنا اضطرب حالي، لأني كنت ناسياً تماماً في أي سورة وفي أي جزء، وبعد برهة منا لزمن تشجعت وقلت في سري: (اللهم صل على محمد وآل محمد) وفتحت المصحف بطريقة عشوائية، فأول ما وقع عليه بصري كانت هذه الآية (رب اشرح لي صدري... واجعل لي وزيراً من أهلي).
فخنقتني العبرة وجرت دموعي على خدي، ولم أستطع قراءة الآية من شدة الدهشة، فسلمتهم المصحف مفتوحاً وأشرت لهم إلى الآية، فبهتوا جميعاً لشدة المفاجأة.

____________
1- البخاري، كتاب المناقب، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 117
-------------------------------------------------------------


دلالة الآية (إنما وليكم الله...) على ولاية أمير المؤمنين.
وبعدما ثبت في البحث الأول أن الآية نزلت في الإمام علي (ع)، فيكون معناها (إنما وليكم الله ورسوله وعلي بن أبي طالب)..
ولا يستشكل أحد، كيف خاطب الله الفرد بصيغة الجمع؟!
لأنه أمر جائز في لغة العرب، فيكون الجمع في هذه الآية التعظيم، والشواهد على ذلك كثيرة. كقوله تعالى: (الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) فالقائل هو حي بن أخطب وكقوله تعالى: (ومنهم الذي يؤذون النبي ويقولون هو أذن) التوبة 61. وهذه الآية نزلت في رجل من المنافقين إما في الجلاس بن سيويله أو نبتل بن الحرث أو عتاب بن قشيرة، تفسير الطبري ج8 ص 198.
وبعد ذلك يتعين البحث عن معنى الولي.
تتمسك الشيعة بأن الولي ـ في هذه الولاية ـ بمعنى الأولى بالتصرف..
فتقول: ولي أمر المسلمين أو ولي أمر السلطان، يعني الأولى بالتصرف في أمورهم.
ولذلك قالت الشيعة بوجوب اتباع أمير المؤمنين علي (ع) لكونه أولى بالتصرف في أمور المسلمين، والذي يجل على ذلك هو أن الله تعالى نفى أن يكون لنا وليٌ غيره تعالى وغير رسوله وغير (الذي آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) بلفظة [إنما]، ولو كان المقصود الموالاة في الدين، ما خُصّ بها المذكورون، لأن الموالاة في الدين عامة المؤمنين جميعاً. قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) فالتخصيص يدل على أن نوع الولاية يختلف عن ولاية المؤمنين لبعضهم البعض، فلا يكون المراد من (الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة..) مجمل ومطلق المؤمنين، وإنما تكون خاصة بعلي (ع) بدليل [إنما] التي تفيد التخصيص
-------------------------------------------------------------
الصفحة 118
-------------------------------------------------------------

فتنفي جملة المؤمنين وهذا بالإضافة إلى الأحاديث السابقة التي ذكرت الآية في علي بن أبي طالب (ع)، فالوصف الذي جاء فيها (يؤتون الزكاة وهم راكعون) لم ينطبق على أحد ولم يََّعِهِ أحد غير أمير المؤمنين (ع)، وهو كونه أتى الزكاة وهو راكع، لأن (وهم راكعون) حال لـ (يؤتون الزكاة) والركوع هو الحركة المخصوصة، وصرف الركوع لغير هذا المعنى الحقيقي يكون ضرباً من التأويل من غير دليل، لأنه ليس في الآية قرينه تصرف الركوع عن معناه الحقيقي، كما (وهم راكعون) لا يجوز جعله عطفاً على ما تقدم لأن الصلاة قد تقدمت. والصلاة مشتملة على الركوع فكانت إعادة ذكر الركوع تكراراً، فوجب جعله حالاً، وهذا بالإضافة لإجماع الأمة على أن علياً (ع) أتى الزكاة وهو راكع فتكون الآية مخصوصة به، وقد نقل القوشجي ـ شارح التجريد ـ عن المفسرين أنهم أجمعوا على أن الآية أن نزلت في علي (ع) في حالة تصدقه بالخاتم وهو راكع، وأيضاً نقله ابن شهراشوب في كتاب ـ الفضائل ـ حيث قال في محكي كلامه:
(اجتمعت الأمة على أن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين (ع)(1)، والأحاديث التي تؤيد ذلك قد بلغت حد التواتر فقد نقل السيد هاشم البحراني في كتابه ـ غاية المرام ـ من طرق أهل السنة والجماعة أربعة وعشرين حديثاً في نزولها في علي (ع) ومن طرق الشيعة تسعة عشر حديثاً).. فتأمل.
فإذا تخصصت الآية في أمير المؤمنين فلا يكون المراد من الولي، الولاية العامة أي بمعنى النصرة والمحبة، إنما هي ولاية من نوع خاص فتكون أقرب إلى معنى الأولى بالتصرف. وقد قال العلامة المظفر في ذلك: (ولو سُلِّم أن المراد الناصر فحصر الناصر بالله ورسوله وعلي لا يصح إلا بلحاظ إحدى
____________
1- الخاتم لوصي الخاتم ص 392.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 119
-------------------------------------------------------------

جهتين، الأولى: (أن نصرتهم للمؤمنين مشتملة على القيام والتصرف بأمورهم، وحينئذٍ يرجع إلى المعنى المطلوب). الثانية (أن تكون نصرة غيرهم للمؤمنين كلا نصرة بالنسبة إلى نصرتهم، وحينئذٍ يتم المطلوب أيضاً إذ من لوازم النصرة الكاملة للمؤمنين)(1).
فثبت بذلك أن ولاية الله ورسوله، والذين آمنوا ـ علي ـ ولاية من سنخ واحد وهي ولاية حق التصرف، والدليل على ذلك استخدام لفظة واحدة لكل المستويات، ولو لم يكن المعنى واحداً لكان في التباس مقصود، وحاشا الله أن يضل عباده، لأنه لو أراد معنى آخر لولاية المؤمنين لكان الأنسب أن تفرد ولاية أخرى للمؤمنين بالذكر رفعاً للالتباس، كما في آية أخرى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) فكرر لفظة الطاعة. وبذلك كان أمير المؤمنين جديراً أن يكون إمام المتقين وولي المؤمنين.

(2) آية التبليغ نص صريح في الولاية:
قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس).
قد نزلت هذه الآية لبيان فضل أمير المؤمنين (ع) في غدير خم كما مرت الإشارة إليه في حديث زيد بن أرقم في صحيح مسلم.
كنت أفكر في البداية أن أكتفي بمجرد الإشارة لهذه الحادثة لبداهتها عند من تتبع كتب الحديث والتاريخ، ولكن أثارني كاتب سوداني ـ هو المهندس الصادق الأمين ـ وهو يرد ويتهجم على الشيعة في صحيفة سودانية (آخر خبر). وقد جاء في معرض كلامه. (والحقيقة أن هذه الواقعة التي
____________
1- دلائل الصدق ج2 ص 60.
-------------------------------------------------------------
الصفحة 120
-------------------------------------------------------------

ترويها كتب الشيعة في ما يتعلق بـ (غدير خم).. وهكذا دأب علماء الشيعة على ذكر هذه (الخرافة) التي تُعد أساس المذهب الشيعي..).
وأنا لا أدري هل هذا ينم عن جهل بالحديث والتاريخ! أم عن بغض الإمام علي (ع)، ونكران لفضائله، فهذه الحادثة واضحة لا يخلو منها كتاب تاريخي.
فكيف غابت عن هذا المهندس؟!..
والواضح أنه لم يكلف نفسه، بأن يغمض عينيه ثم يأخذ أي كتاب في الحديث أو التاريخ من كتب أهل السنة، ثم يتصفحه، فإذا لم يجدها فيحق له بعد ذلك، أن ينسبها إلى كتب الشيعة أو يسميها (خرافة).

الغدير في المصادر الإسلامية:
حديث الغدير من أكثر الأحاديث تواتراً، فقد بلغ رواته من الصحابة عشرةً ومائة صحابي، وقد أحصاهم العلامة الأميني مع الكتب التي أخرجت رواياته في كتاب الغدير ج1 ص 14 إلى ص 61، ويطول بنا المقام إذا ذكرنا أسماءهم والتصنيفات التي أخرجت أحاديثهم من كتب أهل السنة.
وبلغ رواته من التابعين أربعةً وثمانين (84) راوٍ كما في الغدير ص 62 إلى ص 72، ولم يقف رواة حديث الغدير عند هذا الحد بل نُقل بالتواتر في كل طبقاته، وقد بلغ مجموع الرواة من القرن الثاني إلى القرآن الرابع عشر للهجرة 360 راوٍٍ، هذا غير آلاف الكتب السنية التي ذكرت هذا الحديث.
كيف يتسنى لهذا الكاتب بعد ذلك أن يقول هذه (الخرافة) الشيعية مع العلم بأن رواية الغدير بطرق الشيعة لا تبلغ نصف ما جاء بطرق السنة!
ولكن هذه مشكلة أنصاف المثقفين، يطلقون كلامهم من غير بحث أو دراية، فهؤلاء علماء السنة وثقاتهم من الأقدمين والمتأخرين يصرحون بصحة حديث الغدير، ومنهم على سبيل المثال.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 121
-------------------------------------------------------------

1) ابن حجر العسقلاني ـ شارح صحيح البخاري ـ يقول: (وأما حديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جداً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان)(1).
وهذا الكتاب الذي أشار إليه ابن حجر هو كتاب الولاية في رق حديث الغدير لأبي عباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمذاني الحافظ المعروف بابن عقدة المتوفي سنة 333 وقد أكثر منه النقل ابن الأثير في أسد الغابة، وبان حجر العسقلاني، وقد ذكره العسقلاني أيضاً في كتاب (تهذيب التهذيب) ج7 ص 337 بعد ذكر حديث الغدير فقال: (صححه واعتنى بجمع طرقه أبو العباس ابن عقدة، فأخرجه من حديث سبعين صحابياً أو أكثر).
وقد أشار لهذا المصنف في إثبات طرق حديث الغدير ابن تيمية بقوله:
(وقد صنف أبو العباس ابن عقدة مصنفاً في جمع طرقه)(2).
2) ابن الغازلي الشافعي: بعدما يذكر حديث الولاية بسنده يقول: (هذا حديث غدير خم عن رسول الله ـصلى الله عليه وسلم ـ وقد روي حديث غدير خم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نحو مائة نفس منهم العشرة ـ أي المبشرين بالجنة ـ وهو حديث ثابت لا أعرف له علة، تفرد علي (رضي الله عنه) بهذه الفضيلة لم يشركه أحد)(3).
3) وقد أفرد أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ـ صاحب التأريخ ـ كتاباً أخرج فيه أحاديث الغدير، وقد ذكر عنه ذلك صاحب كتاب
____________
1- فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج7 ص 61.
2- منهاج السنة ج4 ص 86.
3- مناقب أمير المؤمنين ص 26 ـ 27.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 122
-------------------------------------------------------------

ـ العمدة ـ بقوله: (وقد ذكر ابن جرير الطبري صاحب التاريخ خبر يوم الغدير وطرقه في خمسة وسبعين طريقاً، وأفرد له كتاباً سماه كتاب الولاية)(1).
وقد جاء في شرح ـ التحفة العلوية ـ لمحمد بن إسماعيل الأمير: (قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة من كنت مولاه: ألف محمد بن جرير فيه كتاباً، قال الذهبي ـ وقفت عليه فاندهشت لكثرة طرقه).
وذكر كتاب ابن جرير أيضاً ابن كثير في تاريخه: (وقد رأيت كتاباً جُمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين)(2).
4) وخرّج الحافظ. أبو سعيد مسعود بن ناصر بن أبي زيد السجستاني ـ المتوفي سنة 477 ـ حديث الغدير في كتاب (الدراية في حديث الولاية) في (17) جزءاً جمع فه طرق حديث الغدير ورواه عن (120) صحابياً.
هذا وقد ذكر الأميني في الغدير ـ 26ـ عالماً من فطاحل علماء أهل السنة، أفردوا كتباً في تخريج روايات أحاديث الغدير، فضلاً عن الكتب التي ذكرت الرواية، ونختم كلامنا هنا بما قاله ابن كثير عن الجويني: (أنه كان يتعجب ويقول: شاهدت مجلداً ببغداد في يد صحّاف فيه روايات هذا الخبر، مكتوب عليه: المجلد الثامن والعشرون من طرق (من كنت مولاه فعلي مولاه)، ويتلوه المجلد التاسع والعشرون(3).

____________
1- العمدة ص 55.
2- التاريخ لابن كثير ج11 ص 147.
3- الخلاصة ج 2 ص 298.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 123
-------------------------------------------------------------


المصادر التي أثبتت نزولها في علي (ع):
أما بخصوص نزول هذه الآية: (يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك..) في أمير المؤمنين، فقد صرح بذلك كثيرون منهم على سبيل المثال.
(1) السيوطي في (الدر المنثور) في تفسير الآية عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر بأسانيدهم عن أبي سعيد قال: (نزلت على رسول الله (ص) يوم غدير خم في علي) ونقل أيضاً عن ابن مردويه بإسناده إلى ابن مسعد قوله: (كنا نقرأ على عهد رسول الله. (يا أيها الرسول بلغ ما نزل إليك من ربك أن علياً مولى المؤمنين وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)(1).
(2) روى الواحدي في أسباب النزول عن أبي سعيد قال: (نزلت يوم غدير خم في علي)(2).
(3) الحافظ أبو بكر الفارسي، روى في كتابه ما نُزِّل من القرآن في أمير المؤمنين بالإسناد عن ابن عباس أن الآية نزلت في غدير خم في علي بن أبي طالب.
(4) الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، بسنده عن الأعمش عن عطيه قال: نزلت هذه الآية على رسول الله (ص) يوم غدير خم(3).
(5) الحافظ ابن عساكر الشافعي، بإسناده عن أبي سعدي الخدري أنها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب(4).

____________
1- أسباب النزول.
2- أسباب النزول للواحدي ص 150.
3- الخصائص ص 29ـ فيما نُزل من القرآن في علي.
4- الدر المنثور ج2 ص 298.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 124
-------------------------------------------------------------

(6) بدر الدين بن العيني الحنفي، ذكر في عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري قال: قال أبو جعفر محمد بن علي الحسين: معناه بلغ ما أنزل من ربك في فضل علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه). فلما نزلت هذه الآية أخذ بيد علي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه.

نص الخطبة:
.. وعشرات غيرهم ثبتوا نزولها في علي بن أبي طالب، نختار من بين هذه الروايات المتعددة، رواية الحافظ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري.
أخرج بإسناده في كتاب ـ الولاية في طريق أحاديث الغدير ـ ما نصه: (عن زيد بن أرقم قال: لما نزل النبي صلى الله وسلم بغدر خم في رجوعه من حجة الوداع وكان في وقت الضحى والحر شديد أمر بالدوحات فقممن. ونادى الصلاة جامعة. فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة ثم قال: إن الله تعالى أنزل إلي. (بلغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)، وقد أمرني جبرائيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد وأعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي فسألت جبرائيل أن يستعفي لي ربي لعلمي بقلة المتقين وكثرة المؤذين لي واللائمين بكثرة ملازمتي لعلي وشدة إقبالي عليه حتى سموني أذناً، فقال تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم). ولو شئت أن أسميهم وأدل عليهم لفعلت، ولكني بسترهم قد تكرمت فلم يرض الله إلا بتبليغي فيه فاعلموا معاشر الناس ذلك: فإن الله قد نصبه لكم ولياً وإماماً، وفرض طاعته على كل أحد، ماض حكمه جائز قوله، ملعون من خالقه، مرحوم من صدقه، اسمعوا وأطيعوا، فإن اله مولاكم وعلي إمامكم، ثم الإمامة في ولده من صلبه إلى يوم القيامة، لا حلال إلا ما أحله الله
-------------------------------------------------------------
الصفحة 125
-------------------------------------------------------------

ورسوله وهم، ولا حرام إلا ما حرم الله ورسوله وهم: فما من علم إلا وقد أمضاه الله فيه ونقلته إليه فلا تضلوا عنه ولا تستنكفوا منه، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به، لن يتوب الله على أحد أنكره ولن يغفر له، حتماً على الله أن يفعل ذلك أن يعذبه عذاباً نُكراً أبد الآبدين، فهو أفضل الناس بعدي، ما نُزِّل الرزق وبقي الخلق، ملعون من خالفه، قولي عن جبرائيل عن الله، فتنظر نفس ما قدمت لغد.
افهموا محكم القرآن ولا تتبعوا متشابهه، ولن يفسر ذلك لكم إلا من أنا آخذٌ بيده وشائل بعضده ومعلمكم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، وموالاته من الله عز وجل أنزله علي ألا وقد أديت، ألا وقد بلغت، ألا وقد أسمعت، ألا وقت أوضحت.
لا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره، ثم رفعه إلى السماء حتى صارت رجله مع ركبة النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال:
معاشر الناس هذا أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب رب. وفي رواية: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، والعن من أنكره، واغضب على من جحد حقه، اللهم إنك أنزلت عند تبين ذلك في علي، اليوم أكملت لكم دينكم بإمامته فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي من صلبه إلى يوم القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إن إبليس أخرج آدم (ع) من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد فلا تحسدوه فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم، في علي نزلت سورة والعصر إن الإنسان لفي خسر.
معاشر الناس (آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه من قبل أن يطمس وجوهاً فنردها على أدبارهم أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت).
النور من الله في ثم في علي ثم في النسل منه إلى القائم المهدي.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 126
-------------------------------------------------------------

معاشر الناس: سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وإن الله وأنا بريئان منهم، إنهم وأنصارهم وأتباعهم في الدرك الأسفل من النار، وسيجعلونها ملكاً اغتصاباً فعندها يفرع لكم أيها الثقلان ويرسل عليكم شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران).
لا تحتاج هذه الخطبة إلى شرح وتوضيح، فعلى العافل أن يتدبر.
فالدلالة واضحة من هذه الخطبة في وجوب اتباع الإمام علي (ع) وفيها الرد الكافي على من يقول أن المقصود من (الوالي) هو الناصر أو المحب، لأن القرائن المقامية تمنع ذلك فلا يعقل أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يحتجز كل هذه الجموع الهائلة في شدة الشمس، حتى يقول لهم الرسول هذا علي فأحبوه وانصروه، أي عاقل يرتأي هذا المعنى؟ وإنه بذلك، يتهم رسول الله (ص) بالعبثية، كما أن المقال يؤكد ذلك. فقول الرسول (ص): (إن علي بن أبي طالب، أخي ووصيي، وخليفتي والإمام بعدي) وقوله (ص): (فإن الله قد نصبه لكم ولياً وإماماً وفرض طاعته على كل أحد..).
فأمر الولاية ليست بالأمر البسيط، فالإسلام كله يتوقف عليه.
أليس الإسلام هو التسليم؟!
فالذي لا يسلم بالقيادة الإلهية ينصاع إليها في كل أوامرها، هل يحق لنا أن نسميه مسلماً؟!.
بالطبع لا. وإلا يكون في ذلك التناقض بعينه، فاتباع القيادات المزيفة والتسليم لها جعله القرآن في عداد الشرك.
قال تعالى: (.. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله..)(1) فإنهم لهم يجعلوهم أصناماً وإنما أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا لهم ما احل الله فاتبعوهم، كذلك الذي يتمرد على القيادة الإلهية يُعد مشركاً لا محال.

____________
1- سورة التوبة: الآية 31.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 127
-------------------------------------------------------------

فالمتدبر في الآية بعين الوعي والبصيرة يكتشف ذلك جيداً، فقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربك..) فإن هذه الآية من سورة المائدة وهي آخر سورة القرآن كما جاء في مستدرك الحاكم.
كما أن هذه الآية بالذات نزلت في غدير خم كما تقدم، وهي في آخر حجة لرسول الله (ص)، فيعني ذلك أن الإسلام بالمعنى الظاهري قد كان مبلغاً من صلاة وزكاة وحج وجهاد،.. إلخ.
فما هو هذا الأمر الإلهي الذي يساوي عدم تبليغه عدم تبليغ الرسالة؟!
فلا بد أن يكون جوهر الإسلام وغايته، وهو التسليم للقيادة الإلهية والانصياع لأوامرها، ومن الواضح أن هذا الأمر يشكل حالة عدم رضا من الصحابة، فالأغلبية ترفضه ولذلك قال رسول الله (ص) لجبرائيل في أحد الروايات بما معناه أني قاتلتهم ثلاثة وعشرين عاماً حتى يعترفوا بنبوتي فكيف يسلموا بإمامة علي (ع) بلحظة واحدة. ومن هنا جاء الخطاب القرآني: (والله يعصمك من الناس..).
وبعد أن بلغ الرسول (ص) هذا الأمر الذي يساوي كل الرسالة نزل قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) وقد صرح بنزول هذه الآية في علي كثير من المحدثين، وذكر منهم الأميني في كتابه الغدير ج 1 ص 230 إلى ص 237 ستة عشر مصدراً، فإتمام الدين وإكمال النعمة بولاية علي (ع)، فمن هنا يمكن أن نحتمل كل الروايات التي تقول: إن قبول الأعمال من العبد منوطة بولاية أهل البيت (ع)، لأنهم الطريق الذي أمرنا الله تعالى باتباعه، قال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)، ومودتهم لا تعني مجرد الحب لهم وإنما موالاتهم وابتاعهم وأخذ معالم الدين عنهم.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 128
-------------------------------------------------------------

جاء في حديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)، قال: (إن أول ما يسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جل جلاله عن الصلوات المفروضات وعن الزكاة المفروضة وعن الصيام المفروض وعن الحج المفروض وعن ولايتنا أهل البيت، فإن أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي الله جل جلاله لم يقبل الله عز وجل منه شيئاً من أعماله)(1).
وعن علي (ع) كان يقول: (لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين، رجل يزداد كل يوم إحساناً ورجل يتدارك سيئته بالتوبة! وأنى له بالتوبة؟ والله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا أهل البيت).
وعن أنس بن مالك، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (معاشر الناس إلي إذا ذُكر آل إبراهيم (ع) تهلّلت وجوهكم وإذا ذُكر آل محمد كأنما يفقأ في وجوهكم حب الزمان؟ فو الذي بعثني بالحق نبياً لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبل ولم يجئ بولاية علي بن أبي طالب (ع) لأكبّه الله عز وجل في النار)(2).. وغير ذلك من الروايات.

____________
1- بحار الأنوار ج 27 ص 167.
2- المصدر السابق ص 170.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 129
-------------------------------------------------------------

الفصل السادس
الشورى والخلافة الإسلامية

أولاً: بحث في دلالة آيات الشورى
ثانياً: الشورى في الواقع العملي
ثالثاً: الصحابة وآية الانقلاب

-------------------------------------------------------------
الصفحة 130
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 131
-------------------------------------------------------------


أولاً: بحث عن دلالة آيات الشورى
اختلف المسلمون في كيفية تعيين الإمام والخليفة اختلافاً شديداً قديماً وحديثاً، وقد تجسد الخلاف قديماً على الواقع العملي والتطبيق الخارجي أكثر منه على الصعيد النظري والفكري، وأما حديثاً فانحصر الخلاف في الناحية الفكرية، فلا يتعدى المشادات الكلامية والبراهين النظرية.
ومساهمة منا في حل هذا النزاع أحببنا أن نناقش دلالة آيات الشورى في القرآن التي يعتمد عليها أهل السنة في نظرتهم، ومن ثم التطرق إلى الشورى في الواقع العملي بعد وفاة الرسول (ص) وما حدث بعده من انقلاب.
قال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) آل عمران/159.
وقال تعالى: (فإذا أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله وعلموا أن الله بما تعملون بصير) البقرة/233.
وقال تعالى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلوة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون). الشورى/38.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 132
-------------------------------------------------------------

يعتمد أهل السنة في نظرية الخلافة على مبدأ الشورى ويرون أن خلافة المسلمين لا تكون إلا بالشورى، وبذلك صححوا خلافة أبي بكر بانتخابه بالشورى في سقيفة بني ساعدة، وترى النظرية أو الخط الثاني وهم الشيعة ضرورة التعيين والتنصيب الإلهي للخليفة حيث لا يمكن ضمان اختيار الأصلح في النظرية الأولى وذلك لأن قضية الشورى تتأثر بانفعالات الناس وعواطفهم وتوجهاتهم الفكرية والنفسية وانتماءاتهم العقائدية والاجتماعية والسياسية، كما تحتاج إلى مستويات من النزاهة والموضوعية والتحرر من المؤثرات الشعورية واللاشعورية، وذلك يقولون لا بد لرسول الله (ص) من وصية واضحة في شأن الخلافة، وادعت أن رسول الله (ص) نص على خليفته بل خلفائه من بعده، وعلى ذلك قالوا بخلافة علي بن أبي طالب (ع) وأن الشورى التي نزل بها القرآن إنما جاءت في بعض المواضيع التي تخص ممارسة الحكم لا تعيين الحاكم الذي هو منصب إلهي.
وبما أنه انحصر الخلاف بين هذين الخطين، فإذا ثبت بطلان أحدهما ثبت صحة الآخر، مما يترتب عليه صحة أو بطلان خلافة الخليفة سواء كان أبا بكر ومن خلفه من خلفاء أو علياً (ع) ومن خلفه من أوصياء.
وقد أثبتنا بما لا يدع مجالاً للشك في الفصول السابقة صحة نظرية القائلين بالنص وأحقية أهل البيت في الخلافة الإسلامية، بل هو حق محصور فيهم لا يتعدى إلى غيرهم، ولكن من باب إتمام الفائدة وتبيان الحقائق أكثر فأكثر كان لا بد من نقاش نظرية الشورى بما هي نظرية مجرده وصلاحيتها في انتقاء خليفة المسلمين.
لقد اعتمد أهل الشورى اعتماداً عظيماً في إقامة نظريتهم على الآيات القرآنية التي توجنا بها صدر البحث فهي العمدة في الباب.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 133
-------------------------------------------------------------

فإذا رجعنا إلى الآيات يتضح لنا أن الشورى الإسلامية تتصور على نحوين:
آ ـ إما أن يكون موضوع الشورى الذي يراد الاستشارة فيه أمر جزئياً في نطاق ضيق ومحدود كموضوع فطام الطفل الرضيع كما تشير إليه الآية (فإن أرادا فصالاً..) وهذا النوع من الشورى ليس محل النزاع ولذا نغض الطرف عن مناقشته.
ب ـ وإما أن يكون موضوع الشورى الذي يراد الاستشارة فيه أمرأ كلياً وعاماً يهم كل المسلمين كإعلان الحرب على العدو أو انتخاب خليفة للمسلمين.. الخ.
ولا شك ولا ريب في أنه لا بد الرجوع في مثل هذه الموضوع إلى الرسول (ص)، إذ لا يعقل أن تتم هذا الشورى وليس للرسول (ص) فيها رأي، بل من القبيح عرفاً والعصيان شرعاً أن تتم الشورى بدون الرجوع إلى من يحل محله وهو ولي الأمر (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) النساء/83.
وهذا النوع من الشورى حسب الآية (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل..) لها ثلاثة أركان:
1ـ ضرورة وجود مستشارين حتى تتم الاستشارة وهذا يدل عليه لفظة (هم) في (وشاروهم).
2ـ وجود مادة التشاور وموضوعها لكي تقوم هذه الشورى.
3ـ ولي يدي الشورى، والأمر في النهاية منوط برأيه، وهذا يدل عليه ضمير تاء المخاطب في (فإذا عزمت فتوكل..) ولا إشكال أنه إذا كان الموضوع أمراً كلياً يخص كل المسلمين فإن الذي له حق الحسم إنما هو ولي أمر المسلمين.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 134
-------------------------------------------------------------

ولا يمكن للشورى الشرعية بالصيغة الإسلامية أن تتم بانهدام ركن من الاركان الثلاثة، لأنه إما أن يكون ولي الأمر موجوداً والمستشار موجوداً ولا يكون هناك موضوع للشورى فلا تنعقد هناك المشاورة أصلاً إذ لا أمر هناك حتى يتناقش ويتشاور فيه، وإما أن يكون ولي الأمر موجوداً وهنا يتغير العنوان من الشورى إلى النص أو الأمر.
وإما أن تكون الجماعة المستشارة موجودة وموضوع الشورى موجداً وولي الأمر غير موجود وهنا لا تقع الشورى بصيغتها الشرعية التي تقررها الله في كتابه حين فرض على الشورى قيِّماً وبصراحة للآية التي أكدت أن الأمر في النهاية منوط بولي الأمر (فإذا عزمت فتوكل على الله).
ويمكن أن يستشكل ويقال: إن هذه الآية (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل..) هي مختصة برسول اللله (ص) فلا يلزم وجود ولي الأمر في الشورى ولا مانع من انعقاد الشورى دون ولي الأمر فيها بدلالة الآية و(وأمرهم شورى بينهم) إذ ظاهر الآية ليس فيها ولي أمر يعزم ويتوكل كما في الآية الأولى.
ويدفع هذا الإشكال بما يلي:
1ـ إن كل ما ثبت لرسول الله (ص) من حق الطاعة يثبت لولي الأمر بدليل قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وبذلك يتضح أن ذات طاعة ولي الأمر هي طاعة رسول الله (ص) لوجود العطف على سبيل الجزم، كما استخدم لفظاً واحداً لكليهما (أطيعوا الرسول وأولي
-------------------------------------------------------------
الصفحة 135
-------------------------------------------------------------

الأمر منكم..) فلو أنه استخدم لفظة أطيعوا مرة ثالثة لأولي الأمر لصح القول أن هناك اختلافاً الطاعتين.
2ـ إن كيفية الشورى التي قررها الله في الأمور الكلية التي تخص جميع المسلمين هي كيفية واحدة (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل..) والإتيان بكيفية أخرى يستلزم الدليل الشرعي والاستدلال بآية (وأمرهم شورى بينهم) على كيفية ثانية من الشورى غير تامة.
إذ يرد عليها بأن هذه الآية ـ وبلا إشكال وخلاف ـ نزلت على رسول الله (ص) بمعنى أنها نزلت وهو حي بين ظهراني المسلمين، والعقل واشرع يمنعان أن يتشاور المسلمون على أمر كلي يخص المسلمين دون وجود الرسول (ص) بينهم ورجوعهم إليه، فهذا قبيح وبعيد جداً، مما يدل أنه لا بد أن يكون معهم وأن الضمير هم في (وأمرهم شورى...) شامل لرسول الله (ص)، وبالإضافة على ذلك فإن صيغ الآيات تتحدث عن صفات المؤمنين الفائزين (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يفغرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما زرقناهم ينفقون) الشورى/ 36ـ37.
ومما لا شك فيه أن أفضل مصادق للمؤمنين هو رسول الله (ص) فلا ريب أن رسول الله (ص) أحد هؤلاء، وإذا ثبت أن رسول الله (ص) ضمن هذه الشورى علمت أن أمر الشورى في الآية راجع إلى رسول اله (ص) ولا تتم إلا بعزيمته (فإذا عزمت فتوكل..) وعليه فإن هذه الشورى هي ذاتها الكيفية الأولى، وكل ما هنالك في آية (وأمرهم شورى بينهم..) مجملة
-------------------------------------------------------------
الصفحة 136
-------------------------------------------------------------

وعامة وأن آية (وشاروهم في الأمر وإذا عزمت فتوكل..) هي شارحة ومفصلة لها.
بعد أن بينت هذا اضيف إليه على الفور أننا نصل إلىنتيجة محصورة في ما لو التزمنا بأن آية (وشاورهم في الأ/ر..) مختصة برسول الله دون أولي الأ/ر، لأن الشورى عندئذ لا تتم إلا بوجود رسول الله (ص) فإذا مات فلا شورى بسبب عدم وجود ركن أساسي فيها وهو رسول الله (ص)، أما إذا لم نلتزم بانحصار الآية في رسول الله (ص) وحده اعتبرنا أنها تتعدى إلى أولي الأمر، فتكون الشورى موجودة وشرعية بشرط وجود ولي الأمر فيها وله ما لرسول الله (ص) من حقوق في الشورى لأنه يحل مله، فيكون معنى (وأمرهم شورى بينهم) أي لا يعقدون أمراً دون مشاورة الرسول (ص) وأولي الأمر فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم كما قال تعالى (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم..).
وعلى كلا الرأيين تقع نظرية الشورى في تنصيب الخليفة بمأزق ومحذور يستلزم بطلانها، فعلى الرأي الأول: وهو أن آية (وشاورهم في الأمر..) مختصة برسول الله (ص)، فمن المعلوم أن الشورى التي انعقدت لتنصيب الخليفة الأولى إنما كانت بعد وفاة رسول الله (ص) فبالتالي هي شورى غير شرعية بحكم الإسلام وبمنظور الرأي القرآني، وكل ما ينتج عنها غير شرعي، ومنها تنصيب الخليفة الأول كما دلت كتب التاريخ والروايات على كيفية تنصيبه فيما يسمونه سقيفة بني ساعدة، وقد ذكرها الذهبي في تاريخه، كما جاءت هذه الحادثة برواية عمر بن الخطاب في كتاب صحيح البخاري كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا، كما ذكرها الطبري في تاريخه عند ذكره لحوادث سنة 11 هـ، ج2، وابن الأثير، وابن قتيبة في تاريخ الخلفاء، ج1 وغيرها من مصادر التاريخ المتعددة.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 137
-------------------------------------------------------------

وعلى الراي الثاني، أي أن آية (وشاورهم..) منعقدة برسول الله (ص) أو من يحل محله وهو ولي الأمر، فإن الشورى الشرعية لا تنعقد غلا بولي الأمر وولي الأمر لا ينصب إلا بالشورى الشرعية فهذا دور والدور باطل، إذ لا يمكن انعقاد الشورى الشرعية إلا بعد وجود ولي الأمر ولا يمكن أن يوجد ولي الأمر إلا بعد انعقاد الشورى الشرعية، وهذا الأمر متوقف على نفسه فلا يمكن انعقاد الشورى الشرعية إلى أبد الآبدين، اللهم إلا أن يقال أن هناك ولي أمر معين من قبل رسول الله (ص) سبق وجوده الشورى، وهذا تسليم بنظرية النص التي تدعيها مدرسة أهل البيت أو الخط الثاني.
وربما يقال أنه ليس من الضروري وجود ولي أمر في الشورى بل يكفي فقط وجود صاحب الشورى أي المشاور ولا يشترط فيه أن يكون ولياً، وغن استشكلت أن ضمير عزمت يدل على حق المشاور في الحسم مما يدل على أنه ولي في أمر اشورى فربما أمكن رد الإشكال إن عزمت بمعنى عزم على ما وصلت إليه الشورى في تنفيذ أمرها.
وفيه: إن الظاهر غير ذلك حيث الأظهر من الآية هو ثبوت حق الحسم بالنسبة إليه، وبمعنى آخر إن الكلام يستقيم فيما لو كان رأي المستشارين واحداً ولكن إذا اختلفت آراء المستشارين فكيف ينحسم أمر الشورى؟
فإن قال صاحب الإشكال بالأكثرية فأين الدليل؟ بل إن الله تعالى ذم الأكثرية في كثير من الآيات (.. أكثر من في الأرض يضلونك)، بل إن قوله هذا يخالف صريح الآية التي توكل أمر العزم إلى المشاور عند تردد الآراء، فإن سلمنا بذلك فقد خرج من صفة المشاور إلى صفة الولي على هذه الشورى، وحتى لو اتفقت آراء المشاورين على رأي فهو له حق العزم وعمه، نعم كل ما هنالك أنه لا يستطيع العزم بأمر مخالف لرأي المستشارين وهذا لا يسلبه صفة الولاية.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 138
-------------------------------------------------------------

ومما سبق يتضح نظرية الشورى تقع بين محذورين.
آ ـ غما أن الشورى انعقدت دون رسول الله (ص) وولي الأمر، وهذه شورى باطلة غير شرعية، والقول الذي يقول بإمكانية الشورى من دون الرسول (ص) وأولي الأمر بحاجة إلى دليل شرعي ولا دليل عليها.
ب ـ وإما أن الشورى تمت بوجود ولي أمر يرجعون إليه، وهذا يتصور على وجوه 1ـ إما أن يكون ولي الأمر هذا نصب نفسه بنفسه لولاية أمر المسلمين، فهذا سلوك لا مسوغ له شرعاً، وهو مصادرة غير مشروعة لحقوق المسلمين، فكيف تجب طاعته شرعاً على جماعة المسلمين إذا عزم على أمر بعد الشورى؟.
2ـ وإما أن تكون هناك ماعة صغيرة ولته أمر المسلمين فنقع في نفس المحذورين اللذين تكلمنا عنهما، غذ كيف ولوه؟ فيقع على هذه الصورة ما وقع على نظرية الشورى من إشكالات إضافة إي مشروعية التساؤل ما هو المسوغ الشرعي لطاعة هؤلاء وأين الدليل؟!
3ـ أن يكون الله ورسوله نص عليه ونصبه لولاية الأمر فلا حاجة حينها للشورى إذ لا يمكن مخالفة الله ورسوله، وهذا الرأي عينه نظرية النص فانتفت الشورى، وعلى أثرها انتفت وبطلب خلافة الأول.
وبهذا يتضح جلياً بطلان نظرية الشورى في تعيين الخلافة من كل الوجه، ونبغي صرف موضوع الشورى في الآيات القرآنية إلى وجوه غير تصيب ولي أمر المسلمين، كالاستشارة في أساليب الحكم والحرب.. الخ.
كما هو سياق الآي (وشاورهم).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 139
-------------------------------------------------------------

ولم يبق لهم باب، اللهم إلا أن يدعوا أن الله تعالى ورسوله (ص) نصا على خلافة الأول، وهذا ما لم يدَّعه أبو بكر نفسه إذ لو كان لاحتج به على النصار في سقيفة بني ساعدة.
ومما يتضح أيضاً من آية الشورى أن الله لم يأمنهم على أساليب الحرب التي لم تخرج الاستشارة من إطارها كما يستفاد من سياق الآية وكما بينته الروايات التي توضح استشارة الرسول لأصحابه في الحرب، حتى أناط أمر الشورى برسول الله (ص) فكيف أمنهم على أمر أكبر وهو استخلاف خليفة لرسول الله (ص)، فإذا لم تأمن إنساناً في إدارة مائة دينار حتى تجعل له وصياً ومرشداً، فكيف تأمنه على ألف دينار. إن هذا قبيح في حق الإنسان العالم، وهو أشد قبحاً في حق الله تعالى ورسوله (ص).
ثم كيف يعقل أن الله يوكل الأمر إلى الأمة في اختيار خليفتها، والله ورسوله قد انذرا بوقوع انقلاب مباشر بعد وفاة رسول الله (ص) (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتهم على أعقابكم..)؟ وإذا تأملت في الآيات يتضح لك أن المخاطبين هم من المسلمين إذ لا معنى لانقلاب الكافر ولا يمكن حملها على مسيلمة الكذاب لأن انقلابه كان على عهد رسول الله (ص).
وكيف يعقل أن يترك الله ورسوله الأمر سدى بين المسلمين وهو يعلم وقوع الفتن بينهم دون تعيين راع ووال يرجعون إليه، والتاريخ خير شاهد على ذلك حيث كان فقدان ولي الأمر سبب الفتن التي حدثت بين المسلمين حيث امتد الانحراف حتى تأمر على المسلمين فسّاقهم وفسادهم ومن لم يكن
-------------------------------------------------------------
الصفحة 140
-------------------------------------------------------------

له حياء ولا خلق ولا دين. ولكي تزداد يقيناً ارجع بعقارب ساعتك عبر مصادر التاريخ 14 قرناً وتوقف قليلاً عند الأمويين والعباسيين الذي تسلطوا على رقاب الناس حقباً من الزمن، لكي تتعرف على أمرائهم وحكامهم وكيف كانوا يتجاهرون بشرب الخمر وكيف كانوا يلاعبون الكلاب والقرود بعدما يكسونها من صافي الحرير والذهب، وغير ذلك من فضائح الحكام التي يستحي القلم أن يخطها بين السطور.
وهذا مما يدلل على مساؤئ الاختيار، وعقم النظرية من أساسها، لان من نختاره اليوم قد ننقم عليه غداً، ثم لا نقدر على عزله بعد توليته، وقد حاول المسلمون جهدهم عزل عثمان فأبى قائلاً: (لا أنزع قميصاً قمصنيه الله).
وبعدما أثبتنا بُعد الدليلين اللذين استدلت بها الطائفة الأولى، التي اعتمدت الشورى كمبدأ سياسي في اختيار الخليفة لغدارة أمور المسلمين بعد رسول الله (ص) وتبين لنا بعدهما عن مقام القيادة والخلافة.
نرجع ونغض أعيننا ونتجاهل إلى حد الغفلة ونسلم بحجية هذين الدليلين في موضوع الخلافة والقيادة، فهل يشفي ذلك التجاهل والتغافل والتسليم سقم هذه النظرية التي يواجهها (الغموض التشريعي) في كل ما يتعلق بالأطر والأساليب التنفيذية لمضمونها؟ إن هذين الدليلين لا يقوِّمان انحناء ولا يسدان ثغرة من متطلبات هذه النظرية العميقة المتعددة الأطراف، حيث تحتاج إلى تحديد وتفصيل لمعناها، كما يفقد النصان المشار إليهما موازين الشورى ومقاييسها وكيفية ضبطها، إضافة إلى أنها تحتاج في تطبيقها إلى أدوات تنفيذية ووسائل تطبيقية.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 141
-------------------------------------------------------------

ونحن لا نجد في الأحاديث والروايات المأثورة ولا في سيرة رسول الله (ص) أنه قد طرح هذا المبدأ وألزم الأمة بتنفيذه، ولو كان قد فعل ذلك لوجدنا رسول الله (ص) قد حدد معالمها الواضحة أو أن يكون مارس إعداداً فكرياً وروحياُ وسياسياً للتعاطي مع هذا المبدأ.
وعلى الأقل يكون قد هيأ نماذج متعددة مؤهلة لتولي زعامة التجربة وقيادتها والإشراف على التشريع وتنفيذه، وكما قدمنا تخلو الأدلة عن ملأ هذه الفراغات. فأين تذهبون وكيف تحكمون!

-------------------------------------------------------------
الصفحة 142
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 143
-------------------------------------------------------------


ثانياً: الشورى في الواقع العملي

الشورى وسقيفة بني ساعدة:
ذكر المؤرخون أن خلافة أبي بكر كانت عن طريق ترشيحه في سقيفة بني ساعدة، وهي في الواقع الشرعية الأساسية التي يرتكز عليها أبو بكر في خلافته للمسلمين، فلا يمكن أن يلتزم المسلم بخلافته إلا إذا التزم وآمن بالسقيفة واعتبرها الكيفية الوحيدة التي يمكن من خلالها تعيين خليفة المسلمين، وبما أننا في البحث السابق أثبتنا بطلان نظرية الشورى كوسيلة لتنصيب خليفة المسلمين، أحببنا في هذا المقام أن تستعرض حادثة السقيفة، التي هي التطبيق الخارجي لنظرية الشورى حتى نستكشف مدى نزاهتها، ومن ثم يترتب على ذلك الالتزام بها أو عدم الالتزام.

السقيفة في تاريخ الطبري:
ذكر الطبري هذه الحاثة بشكل مفصل في تاريخه ج2 مطبعة الاستقلال بالقاهرة سنة 1358 هـ ـ 1939م، ننقل منه مختصراً على قدر الحاجة من ص455 ـ ص460، كالآتي:
اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وتركوا جنازة الرسول يغسله أهله، فقالوا: نولي هذا الأمر بعد محمد، سعد بن عبادة. ,أخرجوا سعداً إليهم وهو مريض.. فحمد الله وأثنى عليه، وذكر سابقة الأنصار في
-------------------------------------------------------------
الصفحة 144
-------------------------------------------------------------

الدين وفضيلتهم في الإسلام، وأعزازهم للنبي وأصحابه وجهادهم لأعدائه، حتى استقامت العرب وتفي الرسول وهو عنه راض، وقال: استبدوا بهذا الأمر دون الناس فأجابوه بأجمعهم أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت، نوليك هذا الأمر. ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم، فقالوا: فإن أبت مهاجرة قريش فقالوا: نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأولون ونحن عشيرته وأولياؤه، فعلام تنازعوننا هذا الأمر بعده؟ فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذا: منا أمير ومنكم أمير.
فقال سعد بن عبادة: هذا أول الوهن.
سمع أبو بكر وعمر بأمر الأنصار، فأسرعا إلى السقيفة مع أبي عبيدة بن الجراح وانحاز معهم أسيد بن حُضير وعويم بن ساعدة وعاصم بن عدي من بني العجلان. تكلم أبو بك ـ بعد أن من عمر من الكلام ـ فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر سابقة المهاجرين في التصديق بالرسول دون جميع العرب، وقال: (فهم أول من عبد الله في الأرض وآمن بالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم) ثم ذكر فضيلة الأنصار، وقال: (فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم فنحن الأمراء وأنتم الوزراء).فقال الحباب بن المنذر وقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم وفي ظلّكم من ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقص عليكم أمركم. فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمناً أمير ومنهم أمير.
فقال عمر: هيهات! لا يجتمع اثنان في قرن واحد والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمورهم منها، ولنا على من آمن الحجة
-------------------------------------------------------------
الصفحة 145
-------------------------------------------------------------

الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة؟!
فقام الحباب بن المنذر وقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبواعليكم ما سألتموهم فاجلوهم عن هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب. أما والله لو شئتم لنعيدنها جذعة.
قال عمر: إذاً يقتلك الله.
قال: بل إياك يقتل.
فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار، إنكم كنتم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدّل وغير.
فقام بشير بن سعد الخزرجي أبو النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضاً فإن الله ولي النعمة وأولي، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم.
فقال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا.
فقالا: والله لا نتولى هذا الأمر عليك.. الخ وقام عبد الرحمن بن عوف، وتكلم فقال: يا معشر الأنصار إنكم وإن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي، وقام المنذر ابن الأرقم فقال: ما ندفع فضل من ذكرت، وإن فيهم لرجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد ـ يعني علي بن أبي طالب (ع).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 146
-------------------------------------------------------------

(فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلا علياً).
(قال عمر: فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف فقلت: ابسط يدك لأبايعك، فلما ذهبا ليبايعاه، سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحُباب بن النذر: يا بشير بن سعد عَققَت عقاق! أنفست على ابن عمّك الإمارة؟
فقال: لا والله، ولكني كرهت أن أنازع قوماً حقاً جعله الله لهم ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعوا إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض ـوفيهم أسيد بن حضير وكان أحد النقباء ـ: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبدأ، فقوموا فبايعوا أبا بكر.
فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا اجتمعوا له من أمر... فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطأون سعد بن عبادة.
فقال أنسا من أصحاب سعد: اتقوا سعداً لا تطأوه.
فقال عمر: اقتلوه، قتله الله.
ثم قام على رأسه فقالك لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك.
فأخذ قيس ابن سعد بلحية عمر فقال: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفيك واضحة.
فقال أبو بكر: مهلاً، يا عمر! الرفق ها هنا أبلغ.
فأعرض عنه عمر.
وقال سعد: أما والله، ولو أن بي قوة، أقوى بها على النهوض لأسمعت مني في أقطارها وسككها زئيراً يحجرك وأصحابك، أما والله إذاً لأحلقنك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع. احملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه في داره.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 147
-------------------------------------------------------------

لا تحتاج هذه الحادثة إلى شرح وتعليق فهي بنفسها تكشف عن كيفية تولي أبي بكر للخلافة.. وأنها بعيدة كل البعد عن الشورى، فالشورى لا تنسجم مع هذا الريب المكانين حيث تقع سقيفة بني ساعدة في مزرعة خارج المدينة، ولكان مسجد رسول الله (ص) أولى بانعقاد هذا الأمر فيه، فإنه محل اجتماع المسلمين وموضع المشاورة في أمور الدنيا والدين، هذا بالإضافة إلى الريب الزماني حيث ما زال رسول الله (ص) مسجى لم يُوراى جسده الطاهر في التراب، فكيف سمحت لهم نفوسهم أن يتركوه في هذه الحال ليتنازعوا في أمر الخلافة، وأقطاب الصحابة وأعاظمهم مشغولون برسول الله (ص).
فهل هناك عاقل يسمي هذا الأمر شورى؟!
وفي الواقع إن القوم لم يبحثوا عن الخلافة الإسلامية الرشيدة التي عن طريقها تصان وحدة المسلمين وكينونتهم، فكلماتهم كاشفة عن هذا الأمر.
فقول سعد: استبدوا بهذا الامر دون الناس، أجابوه: أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول، ولن نعدوا ما رأيت.
وقول عمر: من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته.
وقول الحباب: املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقاله هذا وأصحابه فيذهب بنصيبكم من هذا الأمر.
... فهذه الكلمات كاشفة عن نفسية القوم، فهم لا يريدون إلا سلطة وسلطاناً.
بالإضافة للكلمات الحادة التي وقعت بين الصحابة الذين تعب رسول الله (ص) ثلاثة وعشرين عاماً في تربيتهم، فمثلاً قول عمر للحباب: قتلك الله وقول الحباب: بل إياك يقتل، أو قول عمر لسعد: اقتلوه قتله الله. وقوله: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك، أو قول قيس بن سعد لعمر وهو ماسك بلحيته: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة.
-------------------------------------------------------------
الصفحة 148
-------------------------------------------------------------


فمثل هذه الكلمات العنيفة التي تخرج في هذا المكان الانتخابي الحساس إلى حد التهديد بالضرب والدعوة للقتل إنما تدل على تلك النفوس المليئة بالحقد والمشبعة بالعداء والكراهية لبعضها البعض.. فكيف لنا أن نقبل مشورة مثل هؤلاء ـ إن صحت الشورى ـ.
ثم انظر إلى كلماتهم واحتجاجاتهم على بعضهم البعض، فهي احتجاجات واهية بعيدة عن الصواب، فاحتجاج عمر مثلاُ ـ وهو أقوى الاحتجاجات: (لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمرهم منهم).
فإذا كان العرب لا يرضون بإمارة من هون بعيد عن النبي، فبالأولى أن ترضى بإمارة من هو أقرب من رسول الله (ص) وهو علي بن أبي طالب (ع)، ولذلك قال أمير المؤمنين (ع): (احتجوا بالشجرة وتركوا الثمرة)(1).
وإذا كانت العرب لا ترضى بإمارة علي (ع) فبالأولى أن لا ترضى بإمارة رجل من قبيلة تيم، فإذا كانت هذه حجتهم فلعلي (ع) الحجة البالغة.
.. قال أبو بكر الجواهري في احتجاج علي (ع): (وعلي يقول: (أنا عبد الله وأخو رسول الله) حتى انتهوا به إلى أبي بكر، فقيل له: بايع، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم لا بايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله، فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم وإلا فبؤوا بظلم وأنتم تعلمون فقال عمر: إنك لست متروكاً حتى تبايع..

____________
1- شرح النهج لابن أبي الحديد ج2 ص2.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 149
-------------------------------------------------------------

فقال له علي: احلب له يا عمر حلباً لك شطره، اشدد له اليوم أمره ليرده عليك غداً. لا والله لا أقبل قولك ولا أتبعك(1).
فحاولوا بعدة طرق أن يكسبوا علياً (ع)، فقد حاولوا يوماً أن يغيروا العباس فقالوا أعطوه نصيباً يكون له ولعقبه من بعده فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب وتكون لكم حجة على علي إذا مال معكم)(2)... وجاء في رد العباس: (فأما ما قلت إنك تجعله لي، فإن كان حقاً للمؤمنين فلس لك أن تحكم فيه، وإن كان لنا فلم نرضى ببعضه دون بعض؟! وعلى رسلك فإن رسول الله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها)(3).
وعندما لم ينجح هذا لاأسلوب لجأوا إلى أسلوب الإكراه.
قال عمر بن الخطاب: وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه أن علياً والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة(4).
فبعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فاقتلهم.
فأقبل ـعمر بن الخطاب ومن معه ـ بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيتهم فاطمة فقالت:
يا بن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟!
قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة(5)
وفي أنساب الأشراف:

____________
1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج2 ص2ـ5.
2- الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ج2 ص14، تاريخ اليعقوبي ج2 ص124ـ125.
3- تاريخ اليعقوبي ج2 ص124.
4- مسند أحمد ج1 ص55، الطبري ج2 ص466، ابن الأثير ج2 ص124، ابن كثير ج5 ص246.
5- العقد الفريد لابن عبد ربه ج3 ص64، وأبو الفداء ج1 ص156.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 150
-------------------------------------------------------------

فتلقته فاطمة على الباب فقالت فاطمة:
يا ابن الخطاب أتراك محرقاً عليَّ بابي؟!
قال نعم(1).
وقد عد المررخون من الرجال الذين تعدوا على دار فاطمة لإحراقها:
1ـ عمر بن الخطاب.
2ـ خالد بن الوليد.
3ـ عبد الرحمن بن عوف.
4ـ ثابت بن قيس بن شماس.
5ـ زياد بن لبيد.
6ـ محمد بنمسلم.
7ـ زيد بن ثابت.
8ـ سلمة بن سلامة بن وغش.
9ـ سلمة بن أسلم.
10ـ أسيد بن حضير.
قال اليعقوبي: فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار ـ إلى قوله وكُسر سيفه ـ أي سيف علي ودخلوا الدار(2).
وقال الطبري: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فخرج عليه الزبير مسلطاً بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه(3).
ورأت فاطمة ما صنع بهما ـ أي بعلي والزبير ـ فقامت على باب الحجرة وقالت: يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله(4).
ولهذا ولمنع فاطمة إرثها ومصائب أخرى، غضبت فاطمة، ووجدت على أبي بكر فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي ستة
____________
1- أنساب الأشراف ج1 ص586، كنز العمال ج3ص140، الرياض النضرة ج1 ص167.
2- اليعقوبي ج2 ص126.
3- الطبري ج2 ص443ـ 446، عبقرية عمر للعقاد ص173.
4- شرح النهج لابن أبي الحديد ج1 ص143، ح2 ص2ـ5.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 151
-------------------------------------------------------------

أشهر...! فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر(1) ـ أي لم يحضر جنازتها.
وفي رواية أنها قالت له:
والله لأدعون عليك في كل صلاة أصليها(2).
ولهذا قال أبو بكر في مرض موته:
أما إني لا آسي على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن، وددت أني تركتهن ـ إلى قوله: فأما الثلاث التي فعلتهن: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، وإن كانوا قد أغلقوه على الحرب(3).
وفي اليعقوبي: وليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال ولو كان أغلق على الحرب(4).
وفي هذا يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم:

وقولة لعلي قالها عمر أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرّقت دارك لا أبقي عليك بها إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص يفوه بها أمام فارس عدنان وحاميها

ديوان حافظ إبراهيم ط. المصرية.
وقد تطور الأمر أكثر من ذلك، عندما هددوا علياً (ع) بالقتل، فقد أخرجوا علياً (ع) مكرهاً من بيته وذهبوا به إلى أبي بكر وقالوا له: بايع، فقال: إن أنا لم أفعل فمه؟
قالوا: إذن والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك.

____________
1- البخاري ج 5 ص 177، ج4 ص 96.
2- الإمامة والسياسة ج 1 ص 25.
3- الطبري ج2 ص 619، ومروج الذهب ج 1 ص 414، والعقد الفريد ج3 ص 69، وكنز العمال ج 3 ص 135، والإمامة والسياسة ج 1 ص 18 وتاريخ الذهبي ج 1 ص 388.
4- تاريخ اليعقوبي ج2 ص 115.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 152
-------------------------------------------------------------

فقال: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسول الله(1).
فبهذه الطريقة التي بدأت فيها الخلافة بالغلبة وانتهت بالإكراه والتهديد بالقتل، لا يمكن أن تكون مصداقاً لنظرية الشورى.
وعندما شعر أبو بكر وعمر بقبيح ما صنعوا، جاءوا للاعتذار من فاطمة، ولكن بعد فوات الأوان.
قالت لهم فاطمة: (أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله تعرفانه وتفعلان به؟
قالا: نعم؟
فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: (رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني).
قالا: نعم، سمعناه من رسول الله.
قالت: إني اشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه.
وقالت وهي تخاطب أبا بكر: والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها...)(2).
وهكذا لم يستحق أبو بكر خلافة المسلمين بالشورى، فإن الشورى باطلة نظرياً، ولم يكن لها وجود في الواقع الخارجي، فإذا تجاوزنا وسلمنا بأن بأن أبو بكر أتى إلى الخلافة عن طريق الشورى، وأن الشورى هي الطريق الوحيدة لذلك، فكيف حق له أن ينصب عمراً خليفة من بعده.
وبذلك يكون أبو بكر وخلافته أما م محظورين:

____________
1- الإمامة والسياسية ج1 ص19.
2- المصادر السابق.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 153
-------------------------------------------------------------

الأول: أن تكون الشورى هي الطريق الذي جعله اله لتنصيب الخليفة فيكون أبو بكر عاصياً لأمر الله لمخالفته هذا الأمر وتنصيبه لعمر.
الثاني: أن لا تكون الشورى أمراً إلهياً. فتكون خلافة أبي بكر غير شرعية، لأنها أتت بالشورى التي لم يأمر بها الله.
وبالتبع تكون خلافة عمر وعثمان غير شرعة، ما عدا الإمام علي (ع) فقد أجمعت الامة جميعها على مبايعته بالخلافة بعد مقتل عثمان فضلاً عن النص على خلافته وإمامته من الله ورسوله، فإن كانت هناك شورى فهي لعلي (ع) وإن كان هناك تنصيب فهو لعلي (ع).. كما تواترت الاخبار في ذلك.
ولإتمام الفائدة نختم هذا البحث بهذه المناظرة:
قيل لعلي بن ميثم: لِمَ قعد علي (ع) عن قتالهم؟
قال: كما قعد هارون عن السامري وقد عبدوا العجل(1).
كان كهارون حيث يقول: (ابن أم إن القوم استضعفوني) الأعراف/150.
وكنوح إذ قال: (إني مغلوب فانتصر) القمر/10.
وكلوط إذ قال: (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) هود/80.
وكموسى وهارون، إذ قال موسى موسى: (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي) المائدة/25.
وهذا المعنى قد أخذه من قول أمير المؤمنين لما اتصل به الخبر أنه لم ينازع الأولين. فقال (ع): لي بستة من الأنبياء أسوة أولهم خليل الرحمن إذ قال: (وأعتزلكم وما تعبدون من دون الله) مريم/48.

____________
1- أي حرص على عدم تفريق الامة والأعداء من حولها يتربصون بها الدوائر كما حرص هارون على عدم تفريق بني إسرائيل (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) طه/94.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 154
-------------------------------------------------------------

فإن قلتم: إنه اعتزلهم من غير مكروه فقد كفرتم.
وإن قلتم: إنه اعتزلهم لما راى المكروه فالوصي أعذر.
وبلوط غذ قال: (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد).

فغن قلتم: إن لوطاً كانت له بهم قوة، فقد كفرتم، وإن قلتم: لم يكن له بهم قوة، فالوصي أعذر.
وبيوسف إذ قال: (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه).
فغن قلتم: طلب السجن بغير مكروه يسخطالله، فقد كفرتم.
وإن قتلم: إنه دعي إل ما يسخ طالله فالوصي أعذر.
وبموسى إذ قالLفررت منكم لما خفتكم) الشعراءم21.
فإن قلتم: إنه فر من غير خوف فقد كفرتم.
وإن قلتم: فر منهم لسوء أرادوه به، فالوصي أعذر.
وبهارون إذ قال لأخيه: (ابن أم عن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني).
فإن قلتم: لم يستضعفوه وأشرفوا على قتله فلذلك سكت عنهم فالوصي أعذر.
وبمحمد (ص) إذ هرب إلى الغار وخلّفني على فراشه ووهبت مهجتي لله.
فإن قلتم: إنه هرب من غير خوف أخافوه فقد كفرتم.
وإن قلتم: إنهم أخافوه فلم يسعه إلا الهرب إلى الغار فالوصي أعذر.
فقال الناس: صدقت يا أمير المؤمنين(1).

____________
1- مناظرات في الإمامة، المناقب لابن شهر أشون ج2 ص270.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 155
-------------------------------------------------------------


ثالثاً: الصحابة وآية الإنقلاب
(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين) آل عمران/144.
إن محور هذه الآية الكريمة يتحدث عن وفاة رسول الله (ص) وما يحدث بعده من انقلاب، وقد جمع هذا المحور في ثلاثة ألفاظ (وما محمد) (أفإن مات أو قُتل) (انقلبتم على أعقابكم)، للدخول في عمق هذه الآية وإلقاء الأضواء عليها بشيء من التفصيل، لا بد من طرح بعض الأسئلة المحفزة لاستخراج الفكرة ومحاولة الإجابة عليها.
لماذا لم يكتف الباري بقوله (وما محمد إلا رسول) ويعقبه مباشرة بقوله (أفإن مات أو قُتِل) مع أن سياق الآية يستقيم بهذا، وإنما ذكر وبصيغة تأكيدية صفة الرسالة فيه وأنه رسول قد خلت من قبله الرسل؟
ما الفارق بين الموت والقتل، فحرف أو العاطف يفيد الافتراق بين المعطوف والمعطوف عليه فما الفرق بينهما؟ ولماذا هذا الترديد من قبل الله تعالى وهو العالم بأن رسوله (ص) سيموت؟ ومن المخاطبون في قوله (انقلبتم)؟ وعلى ماذا انقلبوا؟ ما هي علاقة الانقلاب بوفاة الرسول (ص)؟
المقام مقام استقامة فلماذا استخدم لفظة (سيجزي الله الشاكرين) ولم يقل المستقيمين أو المسلمين أو المؤمنين؟

-------------------------------------------------------------
الصفحة 156
-------------------------------------------------------------

قبل الإجابة على هذه الأسئلة لا بد من ذكر مقدمتين هامتين:
أولاً: سبب النزول: ذكر أصحاب التفاسير أن سبب نزول هذه الآية كانت الهزيمة التي لحقت بالمسلمين بعد معركة أحد حيث أشاع المشركون أن رسول الله (ص) قتل في المعركة مما سبب حالة من الانهزام والتراجع والتشكيك عند بعض المسلمين. فأنزل الله تعالى هذه الآية معاتباً المسلمين على ذلك.
ثانياً: ما هو الأصل في الآيات؟ هل الأصل في الآيات القرآنية أنها صالحة لكل زمان إلا ما خرج بدليل؟ أو العكس.
والمقصود بذلك أنها لو كانت صالحة لكل زمان فإننا نستطيع تعميم معنى الآية إلى غير زمان سبب نزولها، وإلا فإننا نتقيد بالسبب الذي نزلت فيه الآية، وشمولها إلى زمان غير زمانها هو الذي يحتاج إلى دليل.
اتفق علماء المسلمين سنة وشيعة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. إذ لو كان الأصل عدم جريان الآيات القرآنية في كل زمان لبطل العمل بالقرآن في الأزمنة التالية أو لتركنا معظم الآيات القرآنية في زاوية الجمود وعدم الصلاحية، وهذا لا يتماشى مع روح الإسلام ونهجه وتعاليمه وعموميته. هذا هو الدليل العقلي، ويؤيده من القرآن الكريم، جل الآيات التي تحث على التدبر والعمل بالقرآن الكريم وتوبخ على فعل العكس.
ولو سمحنا للرأي الثاني لما كان معنى لقوله (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) إذ الآية تشير لمطلق القرآن ولم تخصصه بجزء يسير أو ببعضه بل كل الآيات نحاول أن نفهمها وننصت لها ونستخرج العبرة منها، كما أن الله أمرنا بالتدبر فيه (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 157
-------------------------------------------------------------

ويوبخ على الإيمان ببعض دون بعض (الذين جعلوا القرآن عضين) (الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض) ويقول تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل) (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) (كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون) (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون).
فهذه الآيات تحفزنا على الالتزام بالقرآن كله لا بعضه.
وعلى كل لو التزمنا بالرأي الثاني فإن أحداً من المسلمين لا يرتضيه، وعلى فرضه فإن الآية التي نحن بصددها لها من الأدلة ما يثبت أنها ليست محصورة بزمان نزولها فقط بل تمتد على حياة رسول الله (ص) وما بعده وإليك الأدلة:
إن ما شاع في معركة أحد هو قتل الرسول (ص)، والآية تتناول حالة شيوع أو وقع موته (أفإن مات أو قتل..) ولو كانت مخصصة بزمان نزولها فقط لقال تعالى (أفغن قتل) ولعل ذكر الموت للدلالة على أن ما وقع في معركة أحد من انقلاب سيقع نظيره بعد ممات الرسول (ص).
والفائدة العملية لهذه المقدمة في بحثنا أننا لسنا ملزمين بدليل لتعميم حكم آية الإنقلاب إلى غير الواقعة التي نزلت فيها إذا ثبت الأصل الأول وهو الحق كما رأيت، وعلى القول الثاني لا بد من دليل خاص لإثبات أن الآية مخصصة بالواقعة التي من أجلها نزلت آية الإنقلاب وأنها تمتد على امتداد حياة رسول الله (ص) وما بعده، وعلى فرض صحة القول الثاني فإن دليل سريان الآية على امتداد حياة رسول الله (ص) وبعده موجود ضمن طيات ذات الآية، أين وكيف؟
أما أين ففي قوله تعالى (فإن مات أو قتل) وأما كيف لأن ما أرجف به وشاع حول المدينة وفيها عند معركة أحد هو قتل رسول (ص) مما
-------------------------------------------------------------
الصفحة 158
-------------------------------------------------------------

سبب حالة الارتداد والانقلاب على الأعقاب فلو أراد الله تخصيص هذه الآية فقط بمعركة أحد لقال (فإن قتل) ولكن شموله لحالة الموت أيضاً (فإن مات أو قتل) موحية بشكل لا لبس فيه، أن ذات الحالة ستكرر عند وقوع موته حقيقة، وما الترديد من قبل الله تعالى بحرف أو الذي يفيد الافتراق بين المعطوف والمعطوف عليه كما يجمع على ذلك أهل اللغة، وهو العالم بالغيب وكيفية موت نبيه (ص) إلا لإرادته شمول الواقعتين، واقعة شيوع قتله في أحد وواقعة موته (ص) ووفاته، وأما من نسب القتل إلى فعل البشر والموت إلى فعل الرب وأن قصد الله في ذكره هذا التفصيل في بطن الآية إنما هو واقعة أحد فقط، كل ما هنالك أنه قد تغير اللحاظ من فعل البشر إلى فعل الله؟ فغير دقيق غذ قال تعالى (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم) فيجوز إذا اسناد فعل القتل إليه سبحانه مع أن سياق الآية لا يساعد على هذا التفصيل إذ أن الله سبحانه وتعالى يتناول ويركز على التوبيخ والاستنكار على الانقلاب وليس ناظراً للتفصيل بين فعل العبد وفعل الرب.
فإن الله علق جواب الشرط وهو الانقلاب (انقلبتم) على فعلي الشرط وهو (أفإن مات أو قتل) وهذا التعليق يدل على أن تركيزه واقع على حالة الانقلاب وأنها جاءت عند موته أو قتله، وإن إدخال حرف الاستفهام على أداة الشرط التي تفيد التوكيد إنما هو للاستنكار والتوبيخ والاستهجان على هذه الحالة.
ويستبعد جداً أن يفهم من الآية ما معناه (أفإن شاع عند سماع موت محمد (ص) بفعلي وجعلت فعلي عبر قتل الكفار له بأيديهم انقلبتم على أعقابكم، إذ أن النظر الفوقي إلى الآية ككل وبهذا المعنى يخفف كثيراً من حالة توبيخ الله لهم والذي ينبغي عدم التساهل بها في حدث كهذا ويشتت تركيز الآية ويجعل لها محاور عدة وهذا خلاف بيان أي حكيم بالك بحكيم الحكماء.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 159
-------------------------------------------------------------

ويؤيد أن الآية الكريمة غير محصورة بهذه الواقعة ما سيأتيك إن شاء الله في تفصيلاتها الآتية مما يدفع أي شبهة أو شك في عدم محصوريتها وعموميتها إلى موت الرسول (ص) وبعده.
ثم أعلم أن للموت معنيين: عاماً والمقصود به قبض الروح (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم).
وهنا معنى خاصاً له يقابل القتل وهو الذي يموت حتف أنفه لفساد بنية حياته، وأي آية جاءت باللفظتين في آن واحد أي لفظ الموت والقتل فإن المقصود المعنى الخاص للموت، وتأكد ذلك عند استخدام حرف (أو) الذي يفيد المفارقة بين المعطوف والمعطوف عليه ومثال ذلك (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) (ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) (ولو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا).إذ لو كان في هذه الآيات بمعناه الأعم فليس هناك مسوغ لاستخدام لفظة القتل إذ هو من ضمنه، وهذا خلاف البلاغة وهذا ما ينطبق على محل خلافنا، ومن هنا يثبت أن المقصود بالموت في آية الانقلاب هو المعنى الأخص الذي هو قسم القتل وليس المقسم له(1).
لماذا ركز الله تعالى على صفة الرسالة في رسوله وأنه رسول قد خلت من قبله الرس، وكان يكفيه قوله (وما محمد إلا رسول) ويعقبها مباشرة (أفإن مات أو قتل)؟

____________
1- الموت بـ (المعنى الاعم) :
أ ـ القتل.
ب ـ الموت بـ (المعنى الأخص).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 160
-------------------------------------------------------------

ولأول وهلة في الإجابة على هذا السؤال، كما ذهب إليه بعض المفسرين، إ، ما اراد الله أن يفت المسلمين على حقيقة وهي أن محمداً (ص) غير مخلد، بل هو ماض وميت، شأنه شأن بقية الرسل الذين مضوا وماتوا.
هذا المعنى ظاهر ولكنه ليس الوحيد، إذ لو كان مراده تثبيت صفة الموت له فقط لقال وما محمد إلا بشر قد خلت من قبله البشر، للتأكيد على الطابع البشري من الفناء وعدم الخلود، فناك معان أبعد وأعمق من هذا استدعت أن تقدم صفة الرسالة وتؤكد عليها، وذلك.
أولاً: فكما أن الدين لم يكن معلقاً على حياة الرسول السابقين، كذلك فهو غير معلق على حياة الرسول (ص)، فكما مات الأنبياء السابقون واستمر الدين بعدهم، فكذا رسول الله (ص) عندما سيموت أو يقتل سيستمر الدين من بعده.
ثانياً: وهو أعمقها غوراً وأثقبها نظرة وأشملها معنى هو التأكيد على حقيقة تطابق السنن بين الأمم بعد موت رسلها فما حدث لتلك الأمم سيحدث لهذه الأمة حذر القذة بالقذة وطبق النعل بالنعل، يؤكد هذه الحقيقة القرآن والسنة والواقع، أما من القرآن فقوله تعالى: (وتلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البنات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) فضمير (هم) راجع على (الرسل) ولو أراد به عيسى (ع) فقط لقال من بعده، ولا يقال أنه أراد به وعيسى (ع) على سبيل التفخيم، لأن موقع الضمير (هم) في (من بعدهم مخل بالبلاغة والفصاحة أن قصد به التفخيم ثم على القول بالعدم، فإنا نقول هذا
-------------------------------------------------------------
الصفحة 161
-------------------------------------------------------------

دار الأمر بين استخدام اللفظ على نحو الحقيقة أو المجاز فإننا نتمسك بأصالة الحقيقة، وفي موردنا استخدام (هم) على نحو الحقيقة يرجع على (تلك الرسل) ومن بينهم رسول الله (ص) بدلالة قوله تعالى قبل هذه الآية (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين) ومن ثم استطرد الباري مخاطباً (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض).
ثم إن تطابق السنن تدل عليها كثير من الروايات المشهورة الصحيحة المجمع عليها عند المسلمين كقوله (ص): (ستتبعون سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة وطبق النعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) وقوله (ص) (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) وكقوله: (افترقت اليهود إلى احدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى إلى اثنين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة اثنان وسبعون في النار وواحدة ناجية). بل وتدل عليه كثير من الآيات كقوله تعالى: (فهل ينظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم) وكقوله تعالى (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه فمن الحق بإذنه) (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمناً وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذي صدقوا وليعلمن الكاذبين).
وإن لأكبر دلالة على تطابق السنن هو واقع الأصحاب بعد موت رسول الله (ص) حيث كفّر بعضهم بعضاً وفسّق كل
-------------------------------------------------------------
الصفحة 162
-------------------------------------------------------------

منهم الآخر ووصل الأمر إلى التقاتل فيما بينهم في حروب طاحنة راح ضحيتها أكثر من مائة ألف رقبة مسلمة. وهذا مصداق الآية (.. ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا..).
وبعد هذا لا يمكن القول كيف يمكن للأصحاب أن ينقلبوا وهم الذي ضحوا بأموالهم وأنفسهم وقاتلوا أهليهم ووقفوا مع رسول الله (ص) في الشدة والرخاء ورأوا آياته ومعجزاته!! إذ يرد بالإضافة إلى ما مضى.
آ ـ إن ضمير المخاطبين في (انقلبتم) إنما هو موجه لهم بالذات، إذ لا يعقل أن يقصد به الكفار أو المنافقين وهم منقلبون في الأساس.
ب ـ إن العلم لا يشفع لصاحبه أن يستقيم، فكم من الناس يعلم أن الحق في ضفة، ولكن هواه يملي عليه الضفة الأخرى فيتبعها، بل إن أكثر حالات البغي تأتي بعد العلم بالحق (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم) (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم) فكل شيء بين وواضح (البينات) ولكن اختلفوا واقتتلوا (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات) (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم).
ج ـ إن التضحيات السابقة والصبر على البلاء لا يعصم الإنسان من الانحراف في المستقبل، وليست بأعظم من التضحيات والصبر على البلاء الذي صب على بني إسرائيل عندما قطع فرعون أرجلهم وأيديهم من خلاف فصبروا وصلبهم فصبروا واستحيي نساءهم وأطفالهم وقتل رجالهم فصبروا على التمسك بدعوة موسى (ع) ورأوا وبشكل واضح معجزات موسى (ع)
-------------------------------------------------------------
الصفحة 163
-------------------------------------------------------------

الباهرات وكان من أعظمها انفلاق البحر فِرقَاً كل فرق كالطود العظيم، ولكن ما إن فارقهم موسى (ع) بضعة أيام حتى عبدوا فيها العجل، وكأن طبيعة الإنسان الطغيان عندما يحس ويستشعر الكفاية والأمان (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى).
د ـ مما ارتقى الإنسان في درجات الإيمان فإنه إن لم يكن معصوماً من قبل الله جاز عليه الانقلاب والكفر، وليس هناك مثل أعظم من بلعم بن باعوراء (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذي كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون) وهل كان أحد من الأصحاب وصل إلى إيمان هذا حيث كان يحمل الاسم الأعظم؟ وقد انحرف فما بالك بمن هو دونه.
والسؤال هنا: على ماذا تم الانقلاب.
بل بدورنا نسأل على ماذا عادة يتم الانقلاب؟
إن إمامنا في الآية عناصر أولية من خلالها نستطيع التوصل للإجابة عبر التحليل والاستنتاج:
آـ إن للانقلاب علاقة مباشرة بوفاة الرسول (ص) (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 164
-------------------------------------------------------------

ب ـ الانقلاب دلالة على وجود أصل وقع عليه الانقلاب، أصل معروف لدى جميع المنقلبين عليه ولو لم يكن المنقلبون يعرفون ذلك الأصل لما قيل لهم (انقلبتم على أعقابكم) بل وإن ما وقع عليه الانقلاب كان ملتزماً به لفترة حتى كان الانقلاب.
ج ـ إن لهذا الأمر صلة وعلاقة مباشرة بالله والرسول (ص) وعليهما انقلبوا.
د ـ إن شرر هذا الانقلاب يرجع على المنقلبين في الدنيا والآخرة (وسيجزي الله الشاكرين) (فلن يضر الله شيئاً) (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه) ثم بين الله أن هذا الشكر مردود نفعه إلى ذات العبد وكذا يفهم منه أن عدم الشكر سيرجع بالضرر على العبد ذاته.
هـ ـ إن هذا الانقلاب مرتبط بسنن الأولين فعلى ما انقلب عليه الأولون انقلب الآخرون.
وـ لم يقل تعالى وسيجزي المؤمنين والمسلمين، بل قال (وسيجزي الله الشاكرين) مما يوحي بن غير المنقلبين هم القلة (وقليل من عبادي الشكور). ويؤيده قوله (انقلبتم) الذي يفيد العموم والكثرة ولو كان المنقلبون قلة لقال (انقلب بعضكم) ولما صح توبيخ الأكثرية.
ز ـ إن هذا الانقلاب متحقق وحادث لا محالة بدلالة جواب الشرط الذي يفيد التحقق عند تحقق الشرط، واستخدام صيغة الماضي (انقلبتم) التي تفيد التحقق لا محالة.
ح ـ إن الخطاب خاص بالمسلمين ومتوجه إليهم، ولم يُرِدِ الكافرين إذ هم منقلبون في الأصل، كما يَرِدْ بخصوص المنافقين فقط إذ هو خلاف
-------------------------------------------------------------
الصفحة 165
-------------------------------------------------------------

ظاهر الآية، ولو أراد بالخطاب فقط لقال (أظهرتم انقلابكم) بل ذات الانقلاب ووقوعه بحدث عند الوفاة مباشرة.
ولمعرفة ماهية هذا الانقلاب فعند التحليل والاستنتاج لا بد من مراعاة جميع هذه العناصر، وينبغي تكون النتيجة متوافقة معا تماماً وإلا فليست هي.
لقد كان رسول الله حاكماً وبعد وفاته حدث الانقلاب.. وبدورنا نسأل: بعد وفاة الحاكم، على ماذا يقع الانقلاب عادة؟! ما هو المورد الذي كان يمثل فيه رسول اله (ص) وسلم صمام الأمان للأمة من الخلاف بحيث لو لم يكن الرسول (ص) موجوداً لتفجر هذا النزاع والخلاف؟ وهل تطرق القرآن لهذا؟ القرآن لم يتطرق بشكل صريح لأمر كان عظيماً على الناس لم يقبله الكثيرون، وتخوف الرسول على أمته من تبليغهم إياه، ولكن كان أمر الله (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس).
وبإلقاء نظرة سريعة ومختصرة على الآية نستكشف:
1ـ إن هذا الأمر الواجب تبليغه به يوازي تبليغ الرسالة، فإذا لم يبلغه فكأنما لم يبلغ الرسالة، وبالتالي فإن الكفر به كفر بالرسالة وإن الانقلاب عليه انقلاب من الرسالة.
2ـ إن هذا الأمر هو مرت خلاف عظيم بين الناس، بل إن الرسول خاف على نفسه من الناس ولذا طمأنه الله تعالى (والله يعصمك من الناس).
3ـ هذا الأمر هو تمام الرسالة لأن مفهوم الآية إنه إذا بلغ هذا الأمر فقد بلّغ الرسالة وأكملها (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي
-------------------------------------------------------------
الصفحة 166
-------------------------------------------------------------

ورضيت لكم الإسلام ديناً) وهذا مطابق لآية الإنقلاب الذي يوحي بأنه انقلاب على الدين كله.
4ـ (يعصمك من الناس) الغالبية العظمى من الناس كارهة لهذا الأمر الذي أمر الرسول بتبليغه؟
ما هوهذا الأمر الذي يريد تبليغه؟
عن هذا الأمر مرتب أولاً بالانقلاب وذلك:
1ـ لأن هذا الأمر مرتبط بالرسالة والانقلاب عليه انقلاب على الرسالة.
2ـ توجد فيه بوادر الانقلاب عدم رضى الغالبية.
3ـ تحتم على الرسول تبليغه لدنو أجله (إني أوشك أن أُدعى فأجيب) حتى لا يترك لهم مسوغاً للانقلاب ويقيم عليهم الحجة كاملة لأن الانقلاب مرتبط بوفاة الرسول (ص).
4ـ إن الأمر الذي يريد تبليغه هو الشيء الوحيد الذي يمكن الانقلاب عليه، إذ بلغ رسول الله (ص) كل الرسالة بفروعها المتعددة ولم يظهر في مفردة من مفرداتها علامة عدم الرضى من المسلمين إلا هذا الأمر الذي تخوف منه رسول الله (ص) فوعده الله بأن يعصمه من الناس.
5ـ إن الرسول (ص) كان يمثل فيه صمام الأمان فإذا مات انفلت الامام وعمل الناس عكسه.
6ـ فلم يبق شيء يقع الانقلاب عليه سوى الخلافة المنصبة من قبل الله.
من هو الرجل الذي بُلّغ رسول الله (ص) بخلافته؟
تواترت الأخبار ونقلت مئات من مصادر المسلمين حادثة الغدير وتنصيب الإمام على خليفة على المسلمين كما تقدم ذكرها.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 167
-------------------------------------------------------------

ومن هذا ومن غيره من آلاف الأحاديث يتضح أن رسول الله (ص) نصب علياً خليفة وإماماً على الخلق، ولكن هذا الأمر لم يكن محل رضى من المسلمين، فما خرج رسول الله (ص) من هذه الدنيا حتى انقلبوا عليه وغصبوا منه حقه، ولم يثبت منهم إلا القليل كما قال تعالى في ذيل آية الانقلاب (وسيجزي الله الشاكرين) فيتضح منها:
أولاً: هؤلاء قلة بدلالة.
آـ انقلبتم التي تفيد العموم والغالبية.
ب ـ (وقليل من عبادي الشكور.
ثانياً: هذا الشكر قبال الكفر وهو الانقلاب (فمنهم من آمن ومنهم من كفر) (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) وهذا السبيل معروف بدلالة:
آ ـ هدايته إلى هذا السبيل (إنا هديناه السبيل).
ب ـ الانقلاب عليه لأن الآية التي سبقت تقول (وسيجزي الله الشاكرين) أي الذين اتبعوا بمفهوم هذه الآية السبيل، ويكون غيرهم كافرين لأنهم انقلبوا على السبيل.
ج ـ ألف ولام التعريف.
وهذا السبيل موضع بلاء ونعمة في نفس الوقت، بلاء يبتلى به الناس ونعمة لم سلكه، ولأن الذي يُشكر هو النعمة، وعادة يكون الانقلاب الذي يساوي الكفر هو الانقلاب على النعمة أي الكفر بها، ولما كانت ولاية علي نعمة (وأتممت عليكم نعمتي)(1) وقع عليها الانقلاب ولم يسلم إلا القليل، وما يؤكد ذلك حديث رسول الله (ص) قال: (بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خر رجل من بيني وبينهم فقال لهم، فقلت: إلى
____________
1- كما تقدم إثبات أنها نزلت بعد تولية علي (ع) في غدير خم.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 168
-------------------------------------------------------------

أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت ما شنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا ارض يخلص منهم إلا مثل همل النعم) فيؤكد هذا الحديث على ما دلت عليه آية الانقلاب أن قليلين يصبحون شاكرين للنعمة، فقال (ص) فلا أرى يخلص منهم إلا مثل همل النعم. فكما أن النعم الشاردة من القافلة قليلة العدد فكذا الأصحاب الناجون هم القلة..
وقال (ص): إني فرطكم على الحوض من مر لي شرب ومن شب لم يظمأ أبداً، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي).
وقول الرسول (ص) لأبي بكر حينما شهد الرسول الشهداء أهل الإيمان والجنة وقال: (أما هؤلاء فإني أشهد لهم. فقال أبو بكر: ونحن يا رسول الله قال: أما أنتم فلا أدري ماذا تحدثون بعدي).
-------------------------------------------------------------
الصفحة 169
-------------------------------------------------------------


الفصل السابع
الثلاثي وتحريف الحقائق

المؤرخون
المحدثون
الكُتّاب

-------------------------------------------------------------
الصفحة 170
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 171
-------------------------------------------------------------


أولاً: المؤرخون

دور التاريخ في استنهاض الأمة:
إن الأمم التي تتقدم هي الأمم التي تستفيد من عبر التأريخ، وتستخلص قمة التجارب في حاضرها، بعد أن تعي سنن التاريخ وقوانينه التي تقود الأمة نحو التحضر، بالإضافة إلى معرفة أسباب انحلال الأمم وتراجعها، فلم يخص الله قوماً بقانون دون قوم، بل هي سنة واحد لا تتغير قال تعالى: (فلن تجد لسنة اله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً). فالحياة قائمة على حقيقة واحدة وهي الصراع الدؤوب بين الحق والباطل وكل الأحداث التي تجري في تاريخ الإنسانية لا تخرج عن كونها واجهة من واجهات الصراع بين الحق والباطل، فيمكننا بهذه البصيرة أن نغوص في التاريخ ونجعله حيوياً يتفاعل وحياتنا اليومية، ويمكننا إدراك أعمق ما يمكن إدراكه في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا الإسلامية التي تعيش أعنف التقسيمات المذهبية، ومن أجل ذلك لا بد أن نتجاوز انفعالاتنا النفسية وانشداداتنا العاطفية نحكم قواعدنا وبصائرنا القرآنية، حتى نتمكن من القدرة الموضوعية على التحليل والنظر من سطح الأحداث إلى جوهرها، فنصل إلى رؤية واضحة وواقعية بدلاً عن الرؤية الخاطئة والمشوشة. فلنبدأ كما لو أن القرآن نزل علينا من جديد، فنقرأ التاريخ من وحيه قوله تعالى:

-------------------------------------------------------------
الصفحة 172
-------------------------------------------------------------

(أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقب الذين من قبلهم، كانوا اشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).
وبالعكس تماماً تجد الأمة الجامدة عاجزة عن فهم التاريخ وقوانينه وتجاربه فتفقد بذلك الرؤية والبصيرة التي تجعلها قادرة على استيعاب الحاضر والسير نحو المستقبل.

السلطات وتحريف التاريخ:
إذن فكل سؤال أو استنكار في البحث التاريخي بداعي عدم إثارة الفتن القديمة أو أي داعي آخر لا محل له، وإن دل فإنما يدل على جهل صاحبه، وفي الواقع إن كانت هناك فتنة فهي بسبب ما حدث في التاريخ من تزييف وتحريف، وإلا فالتاريخ بما هو، هو مرآة صافية تعكس الماضي للحاضر من غير خداع أو دجل، ولكن عندما سقط التاريخ في أيدي السياسات المنحرفة تذبذبت صورته وتبدلت أشكاله، ومن هنا تعددت الآراء واختلفت المذاهب، وغلا لو كان التاريخ سليماً لانكشف زيفها وعُرف باطلها.
وما تعانيه الأمة الإسلامية اليوم من فرقة وشتات وتمزق في الصفوف ما هوإلانتاج طبيعي للانحرافات التي حدثت فيالتاريخ من تدليس المؤرخين وكتمهم للحقائق، فهم جزء لا يتجزأ من المخطط الذي استهدف مدرسة أهل البيت من أجل مصالح سياسية، فقد عمل هذا المخطط على كافة الأصعدة والمستويات ليشكل تياراً آخر ذا مظهر إسلامي في قبال الإسلام الحقيقي الأصلي. وبما أن التاريخ شاهد عيان ينقل رأى فلا بد للمخطط أن يسكته أو يعمِّيَ عليه حتى لا يفضحه ويكشف حيلته، ومن هنا كان التاريخ تحت قبضة السياسة الحاكمة يدور معها حيثما دارت.،
-------------------------------------------------------------
الصفحة 173
-------------------------------------------------------------

فأصبح المؤرخون تحت تهديد أو إغراء السلاطين ترتعش الريشة في أيديهم لتزييف الحقائق، إن السياسة التي اتبعها التيار الأموي ومن بعده العباسي كانت تستهدف من الأساس تشويه صورة أهل البيت (ع)، فكان مجرد التظاهر بالحب لعلي بن أبي طالب وأهل بيته كفيل بهدم الدار وقطع الرزق ـ حتى تتبع معاوية شيعة علي قائلاً: اقتلوهم على الشبهة والظنة ـ وحتى بات ذكر فضائلهم جريمة لا تغتفر، وللتعرف على المأساة التي لاقوها أئمة أهل البيت وشيعتهم في التاريخ ارجع إلى كتاب (مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الاصفهاني.
فما بال المؤرخين، هل يتسنى لهم في تلك الظروف القاسية تدوين مناقب وفضائل أهل البيت وذكر سيرتهم العطرة؟!
وهكذا أصبحت الأمة تتوارث جيلاً بعد جيل حقائق مشوهة، بل تطور الأمر إلى أكثر من ذلك عندما أصبح العلماء المتأخرون يبررون للسابقين وينقلون عنهم من غير تأمل أو تدبر، فتأصلت حالة العداء لأهل البيت وشيعتهم وحالة الجهل والغفلة في الآخرين، فليس غريباً من ابن كثير عندما أتي لذكر جعفر بن محمد الصادق (ع) في حوادث مائة وثمان وأربعين هجرية لا يزيد على قوله: وفيه مات جعفر بن محمد الصادق، فيذكر موته ولا يروق له ذكر شيء من حياته، والشواهد على تحريف المؤرخين كثيرة.. نكتفي بذكر نماذج منها:

كيف أرخوا لتاريخ التشيع؟
آـ فقد أرَّخ الطبري ـ أول مؤرخ في الإسلام ـ ومن نقل عنه من المؤرخين، إن مؤسس الشيعة هو يهودي، اسمه عبد الله بن سبأ من أهل صنعاء.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 174
-------------------------------------------------------------

وأذكر أن أول ما سمعت بهذا الاسم كان من أحد أقاربنا وهو تابع للوهابية، فكان يقول: الشيعة يهود يرجعون في الأصل إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، وبعد البحث في هذا الأمر، وجدتهم يضربون على نفس طبول إحسان إلهي ظهير، وأنا أكتب هذا الكلام وبين يدي كتابه (الشيعة والتشيع) وهو ينقل هذه الأكاذيب من الطبري وغيره من المرخين، وهنا ننقل عنه ما نقله عن الطبري: (ولقد ذكره أقدم المرخين الطبري بقوله ك (كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم زمان عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر، فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع وقد قال الله عز وجل (إن الذين فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقُبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد، ثم قال محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله (ص)، ووثب على وصي رسول الله (ص) وتناول أمر الأمة، ثم قال لهم بعد ذل إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله (ص) فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدؤوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر فبث دعاته وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه، ودعوا في اسر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرؤه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم.. الخ).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 175
-------------------------------------------------------------

وبهذا ينسبون عقائد الشيعة وتاريخهم إلى عبد الله بن سبأ وبذلك جعلوا حواجز نفسية بين الباحثين والحقيقة، وعندها ساروا على موال المؤرخين من غير بحث أو تدقيق، فنجد الكاتب أحمد أمين مثلاً في كتابه ـ فجر الإسلام ـ بعد أن ينقل قصة عبد الله بن سبأ ويرسلها إرسال المسلمات، يجد الطريق أمامه مفتوحاً لكيل التهم والأكاذيب على الشيعة فيقول ص269: (ولم يكتف غلاة الشيعة بهذا القدر في علي، ولم يقنعوا بأنه أفضل الخلق بعد النبي وأنه معصوم، بل آلهوه فمنهم من قال: (حلَّ في علي جزء إلهي، واتحد بجسه فيه، وبه كان يعلم الغيب) ثم بعد ذلك ينقل خرافة ابن سبأ ويحلل فيها ثم يستخلص هذه النتيجة قائلاً: (والحق أن التشيع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإٍسلام لعداوة أو حقد.. ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية..) وهو يقول ذلك مرتجلاً من غير بحث او تدقيق، بل كحاطب ليل لا يعي ما يقول، ولكن ليس اللوم عليه، فما جاء به هو ناج لانحراف التاريخ والمؤرخين.
وهكذا كان التاريخ وكانت السبأئية وبحثوها بكل تجرد ودقة فلم تظهر أمامهم إلا قصة مفتعلة، ولقد أفرد لها العلامة مرتضى العسكري مجلدين سماهما ـ عبد اله بن سبأ وأساطير أخرى ـ تتبع فيها رواية ابن سبأ في كل المصادر التاريخية، ولا يسعني المجال لسرد الأدلة التي تكشف حقيقتها فأكتفي هنا بإشارات:
ـ ترجع هذه الأكذوبة إلى راوٍ واحد وهو ـ سيف بن عمر ـ مؤلف كتاب.. (الفتوح الكبيرة والردة) و(الجمل ومسيرة عائشة وعلي ونقل عنهما الطبري في تاريخه موزعاً على حوادث السنين، وابن عساكر والذهبي في تاريخه الكبير.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 176
-------------------------------------------------------------


قول العلماء في سيف بن عمر:
1ـ قال يحيى بن معين (ت 233 ه): ضعيف الحديث فلس خبر منه.
2ـ أبو داوود (ت 275 هـ): ليس بشيء كذاب.
3ـ وقال النسائي صاحب الصحيح (ت 303 هـ): ضعيف ومتروك الحديث ليس بثقة ولا مأمون.
4ـ وقال ابن حاتم (ت 327 هـ): متروك الحديث.
5ـ وقال ابن عدي (ت 365 هـ): يروي الموضوعات عن الأثبات، أتهم بالزندقة، وقال: قالوا كان يضع الحديث.
6ـ وقال الحاكم (ت 405هـ): متروك، وقد أتهم بالزندقة.
7ـ وَهّاهً الخطيب البغدادي (ت 406 هـ):
8ـ ونقل ابن عبد البر (ت 463 هـ) عن ابن حبان أنه قال فيه: سيف متروك، وإنما ذكرنا حديثه للمعرفة) ولم يعقب ابن عبد البر على هذا الحديث شيئاً.
9ـ وقال الفيروز آبادي، صاحب تواليف، وذكره مع غيره وقال عنهم: ضعفاء.
10ـ وقال ابن حجر (ت 852هـ) بعد إيراد حديث ورد في سنده اسمه: فيه ضعفاء أشدهم سيف.
11ـ وقال صفي الدين (ت 923هـ): ضعَّفوه، روى له الترمذي فرد حديث. وهذا رأي العلماء في سيف بن عمر مدى العصور.
فكيف بهذه البساطة يسترسل المؤرخون مع روايته؟! وكيف بنى عليها الباحثون آراءهم، وهذا بالإضافة للاختلافات التي وقعت في اسمه. هل هو ابن السوداء؟! أم عبد الله بن سبأ. والاختلاف الذي وقع في ظهوره بين
-------------------------------------------------------------
الصفحة 177
-------------------------------------------------------------

الروايات، هل ظهر في أيام عثمان كما يقول الطبري، أم كما يقول سعد بن عبد الله الأشعري في المقالات والفرق: أنه ظهر في أيام علي أو بعد موته!
ولماذا سكت عنه عثمان الذي لم يسكت حتى عن أكابر الصحابة أمثال أبي ذر وعمار وابن مسعود؟!
بل هو في الواقع حلقة من مسلسل الوضع على الشيعة للشيعة ولا وجود له في الخارج). وتستهدف هذه المحاولة تشويه عقائد الشيعة التي تنبع من القرآن والسنة، مثل الولاية والعصمة، فلم يجد أعداؤهم طريقاً غلا ربط هذه العقائد بجذر يهودي، يكون بطلها شخصاً خيالياً اسمه عبد الله بن سبأ فيلقي اللوم بذلك عليه وعلى الذين أخذوا منه، وهذا بالإضافة إلى تعديل صورة الصحابة تنزيههم عن اللوم والعتاب، بما جرى بينهم من فرقة واختلاف انتهت بقتل عثمان، وحرب الجمل التي تعتبر أكبر فاجعة بعد حادثة السقيفة، حيث راح ضحيتها آلا من الصحابة، وما هذه القصة المفتعلة عن ابن سبأ إلا تغطية على تلك الفترة الزمنية الحرجة، فألقوا مسؤولية ما حدث على هذه الشخصية الوهمية وأسدلوا على ذلك الستار، وغلا من غير ذلك يكون الصحابة أنفسهم مسؤولين عما حدث، من انشقاق الأمة وتفرقهم إلى مذاهب ومعتقدات شتى ولكن هيهات، لا يدفع الخطر عن النعامة إذ وارت رأسها في التراب فقد جاؤوا بعذر أقبح من ذنب. فكيف يتسنى لهذا الدخيل أن يعبث كل هذا العبث، حتى غيَّر تاريخ الإسلام العقائدي، والصحابة شهود على ذلك؟!!!

نموذج آخر:
ب ـ هناك حذف تام لفضائل علي وأهل بيته بصورة متعمدة من كتب التاريخ، فهذا ابن هشام ناقل سيرة ابن إسحاق، يقول في مقدمة كتابه:

-------------------------------------------------------------
الصفحة 178
-------------------------------------------------------------

(وتارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب.. وأشياء يشنع الحديث بها، وبعض يسوء الناس ذكره..).
ممهداً بذلك إلى كتم الحقائق ودفنها، فمن بين هذه الأشياء التي يسوء الناس ذكرها، خبر دعوة الرسول لعبد المطلب عندما أمره الله (وأنذر عشيرتك الأقربين) فقد ذكرها الطبري بإسناده، قال رسول الله (ص): فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فأحجم القوم عنها جميعاً، وقال علي (ع) أنا يا نبي الله أكون وزيرك.. قال الرسول: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا، قال فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع(1).
فهل هذه الرواية مما يسوء الناس ذكرها؟! أو يشنع الحديث بها؟!
لا يعجبك ذكر الطبري لهذه الحادثة، فسرعان ما تراجع عن ذلك فروى في تفسيره هذه الحادثة مع تدليسها وتحريفها قال: فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا.. ثم قال: إن هذا أخي وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا(2).
فماذا تعني كذا وكذا؟!
أما ابن كثير في تاريخه عند ذكر هذه الحادثة فأعجبه ما صنعه الطبري في تفسيره فسار على خطته من غير حياء أو أمانة علمية، فقال: كذا وكذا..!(3).
فانظر إلى هذه الحادثة الواحدة التي تتناول فضيلة من فضائل أمير المؤمنين وأحقيته في الخلافة، انظر كيف فعل بها المؤرخون، فابن هشام لم
____________
1- الطبري بتلخيص ـ ط. الأولى، مصر ج2 ص216ـ217.
2- تفسير الطبري. ط بولاق ج19ص 72.
3- البداية والنهاية ج3 ص40.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 179
-------------------------------------------------------------

يستطع أن يتحايل عليها فحذفها من الأساس، وأما الطبري وتبعه ابن كثير فزيّفاها وأيهما معناها.. فتأملوا.
ج ـ وإليك نموذجاً آخر من تحريفات المؤرخين للحقائق، فكما أنهم يخفون فضائل علي (ع) وأهل بيته، ففي المقابل يخفون كل ما يشين وينقص من حق الصحابة وبالخصوص الخلفاء، وإليك هذه الحادثة التي تجمع كلا الاتجاهين من إخفاء لفضائل علي (ع) وإخفاء لفضائح الخلفاء:
أخفى المؤرخون وأولهم الطبري، الرسائل التي جرت بين محمد بن أبي بكر ـ من شيعة أمير المؤمنين ـ ومعاوية بن أبي سفيان. لأن فيها إثباتاً لوصاية الإمام علي (ع) وكشفاً لأمر الخلفاء، فاعتذر الطبري بعدما ذكر إسناد الرسالتين، بأن فيهما ما لا يتمل العامة سماه، ثم جاء من بعده ابن الاثير وفعل ما فعله الطبري، ثم سار على نهجهم ابن كثير فأشار إلى رسالة محمد بن أبي بكر، وحذف الرسالة وقال: (وفيها غلظه). وما فعله المؤرخون الثلاثة، هو من أبشع أنواع كتم الحقائق، فهو يكشف بكل وضوح عدم أمانتهم العلمية.
فماذا يقصدون من قولهم: (عدم احتمال العامة سماع ما فيهما؟
هل لأن العامة لا تبقى على عقيدتها بالخلفاء بعد سماع الكتابين؟
وإليك مختصراً من رسالة محمد بن أبي بكر إلى معاوية، ورد الأخير عليه، من كتاب ـ مروج الذهب للمسعودي ـ:
.. من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر ـ ثم ذكر الرسول (ص) والثناء عليه.. ـ وبعثه رسولاً ومبشراً ونذيراً، فكان أول منجاب وأناب وآمن وصدق وأسلم وسلم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب: صدقه بالغيب المكتوم وأثره على كل حميم، ووقاه بنفسه كل هول وحارب حربه وسالم سلمه.. لا نظير له.. اتبعه، ولا مقار له في فعله،
-------------------------------------------------------------
الصفحة 180
-------------------------------------------------------------

وقد رايتك تساميه وأنت أنت، وهو هو، أصدق الناس نية، وأفضل الناس ذرية، وخير الناس زوجة.. وأنت اللعين ابن اللعين، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لرسول الله (ص) الغواية وتجهدان في إطفاء نور الله، تجمعان على ذلك الجموع وتبذلان فيه المال، وتؤلبان عليه القبائل، وعلى ذلك مات أبوك، وعليه خلفته..
ـ ثم ذكر أنصار علي وأتباعه وقال: يرون الحق في أتباعه، والشقاء في خلافه، فكيف يا لك الوي!، تعدل أو تقرن نفسك بعلي وهو وارث رسول الله (ص) ووصيه وأبو ولده: أول الناس أتباعاً، وأقربهم به عهداً، يخبره بسره، ويطلعه على أمره، وأنت عدوه وابن عدوه، فتمتع في دنياك ما استطعت بباطلك وليمددك ابن العاص في غوايتك، فكأن أجلك قد انقضى وكيدك قد وهن ثم يتبين لمن تكون العاقبة العليا، واعلم أنك إنما تكايد ربك الذي آمنت كيده ويئست من روح، فهو لك بالمرصاد وأنت منه في غرور، والسلام على من اتبع الهدى(1).

رسالة معاوية في الرد على محمد بن أبي بكر ـ باختصار ـ:
(من معاوية بن يخر، إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر.. ـ يتحدث عن رسالة محمد بن أبي بكر قائلاً:
ذكرت فيه ابن أبي طالب، وقديم سوابقه وقرابته إلى رسول الله (ص)، مواساته إياه في كل هول فكان احتجاجك علي وعيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك، فأحمد رباً صرف هذا الفضل عنك وجعله لغيرك، فقد كنا وأبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب وحقه لازماً لنا مبروراً علينا، فلما اختار الله لنبيه عليه الصلاة والسلام ما عنده وأتم له ما
____________
1- مروج الذهب ـ للمسعودي ـ ج3 ص20 ، تحقيق محمد محي الدين، دار المعرفة بيروت.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 181
-------------------------------------------------------------

وعده، وأظهر دعوته، وأبلج حجته، وقبضه الله إليه صلوات الله عليه، فكان أبوك وفاروقه أولمن ابتزه حقه، وخالفه على أمره، على ذلك اتفاقاً واتساقاً، ثم إنهما دعوه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهما به الهموم وأرادا به العظيم، ثم إنه بايعهما وسلم لهما، وأقاما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرهما حتى قبضهما الله. أبوك مهد مهاده وبنى لملكه وساده، فإن يك ما نحن فيه صواباً فأبوك استبد به ونحن شركاؤه، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خلافنا ابن أبن طالب، وسلمنا إليه، ولكن رأينا أباك فعل ذلك به قبلنا فأخذنا بمثله، فعب أباك بما بدا لك أو دع ذلك. والسلام على من أناب)(1).
فقد عرفت بذلك السر الذي منع الطبري وابن الأثير وابن كثير من نقل هذه لأنها تكف واقع الصراع والخلاف الذي حدث بين المسلمين في أمر الخلافة، التي هي حق لعل، فهذا معاوية يعترف بذلك ولكنه يعتذر بأن خلافته هي امتداد لخلافة أبي بكر، ويشنع بذلك على ابنه (محمد بن أبي بكر) حتى يسكته عن الكلام في هذا الأمر.
.. ولكن لا عليك يا معاوية فإن لم يسكت محمد بن أبي بكر ولم يستر أمرك فقد سكت عنها الطبري وابن الأثير وابن كثير.
والشواهد على ذلك كثيرة من تزييف المؤرخين وتحريفهم للحقائق، يطول بنا المجال باستقصائها، والمتبع في التاريخ يجد ذلك جلياً، ومن العجب أن المؤرخين لا يسترون ما فعلون من التحريفات، فتجد إشارة واضحة على ما فعلوه، فمثلاً فيما حدث لأبي ذر من إهانات جرت له من سوء معاملة عثمان له، ففي هذا يقول الطبري: فقد ذكر في سبب إشخاصه ـ أي أبي ذر ـ إياه منها أ أي من الشام ـ أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها)!
وبهذه الصورة الواضحة نكتشف تحريف الطبري للحقيقة.

____________
1- المصدر السابق ص21.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 182
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 183
-------------------------------------------------------------


ثانياً: المُحدِّثون
عندما تقف أمام المؤامرات التي حيكت في الحديث، وتبديل حقائقه، تشعر بضرورة نظرية الشيعة، أي لا بد من حاكم وإمام معصوم نزيهاً فسوف يُسخّر الدين لخدمة الدين وأهدافه وسياساته ويحرف الحديث لمصلحته، هذا إذا لم يحاربه ويمنع من كتابته ونشره، كما مر عليك من فعل الخلفاء الثلاثة ـ أبي بكر، عمر، عثمان ـ الذين منعوا من رواية الحديث واحرقوا ما عند المسلمين وحبسوا الصحابة بالمدينة حتى لا ينشروا الحديث في المناطق الأخرى، وقال الإمام علي (ع) في ذلك: (قد عملت الولاة قبلي أعملاً خالفوا فيها رسول الله متعمدين بخلافه، ناقضين لعهده، مغيرين لسنته..).
وأنا لن أتناول هذه الفترة في هذا الفصلين، وسأكتفي بالإشارات السابقة، وإنما سوف أتناول هنا عهد تدوين الحديث الذي يعتبر عند أهل السنة العصر الذهبي للحديث، مع الإشارة لما فعله معاوية من وضع الأحادي وكتم فضائل أهل البيت.

الحديث في عهد معاوية:
ويمكن أن نطوي فترة معاوية بما نقله المدائني في كتاب الأحداث، يقول: (كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة(1) أن: (برئت
____________
1- هو العام الذي جمع فيه معاوية شيعته سنة 42هـ وسماهم أهل السنة والجماعة بذلك اشتهر بعام الجماعة.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 184
-------------------------------------------------------------

الذمة ممن روى شيئاً في فضل أبي تراب ـ أي الإمام علي (ع) ـ وأهل بيته)، فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر يلعنون علياً ويبرأون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته. وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة ما بها من شيعة علي (ع)، فاستعمل عليهم زياد بن سميه، وضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي (ع)، فقلتهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم. وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة وكتب إليهم، أن أنظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه، وأهل ولايته والذين يروون فضائه ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم واكتبوا غلي بكل ما يروي رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته، ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إيهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطايع، ويعظمهم في العرب منهم والموالي فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فلبس يجيء أحد مرود من الناس عاملاً من عمال معاوية، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه، فلبثوا بذلك حيناً).
ويضيف المدائي بقول: (ثم كتب إلى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية. فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي واقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 185
-------------------------------------------------------------

ثم يواصل قوله: (فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجري حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقى على معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم، وخدمهم، وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله).
ويضيف: (ثم كتاب إلى عماله نسخة إلى جميع البلدان: انظرا من قامت عليه البينة أنه يحب علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتى أن الرجل من شيعة علي (ع) ليأتيه من يثقبه، فيدخل بيته، فيلقي إليه سره ويخاف من خادمه مملوكه، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الإيمان الغليظة، ليكتمن عليهم، فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاء والولاة. وكان أعظم الناس في ذلك بلية، القراء المرأؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقدروا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين، الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها، وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها)(1).
ويتضح لك من ذلك شدة المؤامرة التي حيكت لتزييف الحقائق إلى درجة أنهم أحلو الكذب على رسول الله (ص)، وكل هذا يرجع للعداء الشديد الذي يحمله معاوية لعلي وشيعته، ولذلك جند معاوية كل إمكانياته
____________
1- تأملات في الصحيحين ص 42ـ44.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 186
-------------------------------------------------------------

للوقوف في وجه علي وشيعته، فكانت أول خطوة هي تعرية الإمام (ع) من كل فضيلة ومنقبة بل لعنه على المنابر لمدة ثماني عاماً. والثانية هي تشكيل سياج ذي مظهر ميل خلاب حول مجموعة من الصحابة حتى يكنوا رموزاً بدلاً من الإمام علي (ع)، فتحت تهديدات معاوية وإغراءاته انجرف لخدمته مجموعة من المنافقين يضعون الأحاديث كذباً على رسول الله (ص) تحت ستار أنهم صحابة رسول الله (ص).
قال أبو جعفر الإسكافي: إن معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه ـ منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبه، ومن التابعين عروة بن الزبير)(1).
فهكذا باع هؤلاء القوم آخرتهم بدنيا معاوية، فهذا هو أبو هريرة كما يروي ال'مش. قال: لما قدم أبو هرية العراق مع معاوية عام الجماعة، جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس، حثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مراراً، وقال: يا أهل العراق أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله، وأحرق نفسي بالنار؟! والله لقد سمعت رسول الله (ص) يقول: عن لكل نبي حرماً وإن حرمي بالمدينة ما بين عير على ثور(2)، فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله، والملائكة والناس أجمعين، واشهد بالله أن علياً أحدث فيها. فلما بلغ معاوية قوله أجازه، وأكرمه، وولاه المدينة(3).

____________
1- أبو هريرة ـ محمود أبو ريه ـ ص 236.
2- قال ابن أبي الحديد في شرحه: الظاهر أنه لغط من الراوي، لأن ثور بمكة .. والصواب ما بين عير واحد.
3- أحاديث أم المؤمنين عائشة ص 399.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 187
-------------------------------------------------------------

وإليك سَمُرَةَ بن جندب نموذجاً آخر من عمال معاوية في وضع الأحاديث. جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد: روى أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشه الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد)(1). أن الآية الثانية نزلت على ابن ملجم ـ قاتل علي بن أبي طالب ـ وهي قوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)(2). فلم يقبل ـ أي سمرة ـ فبذل ـ أي معاوية ـ له مائتي ألف رهم فلم يقبل أيضاً. فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل)(3).
روى الطبري: سُئل ابن سيرين، هل كان سمرة قتل أحداً؟! فقال: وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب؟! استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس. وروى أنه قتل في غداة واحدة سبعاً وأربعين كلهم قد جمعوا القرآن(4).
فيا تُرى هل يكون هؤلاء المقتولين غير شيعة علي (ع)؟!
وقال ـ أي الطبري ـ: مات زياد وعلى البصرة سمرة بن جندب، فأغره معاوية أشهراً، ثم عزله فقال سمرة: لعن الله معاوية، والله لن أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا(5).

____________
1- سورة البقرة: 204.
2- البقرة: 207.
3- أحاديث أم المؤمنين ص 400.
4- في حوادث سنة خمسين من تاريخ الطبري ج6 ص 132، وابن الاثير ج2 ص193.
5- في حوادث 52 من تاريخ الطبري ج 6 ص 164، وإبن الأثير ج 3 ص 195.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 188
-------------------------------------------------------------

أما المغيرة بن شعبة فقد صرح بهذه الضغوط اتي سلطها عليه معاوية.
روى الطبري عنه: (أن المغيرة بن شعبه قال لصعصعة بن صوحان العبدي ـ وكان المغيرة يومذاك أميراً على الكوفة من قبل معاوية ـ: إياك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان عند أحد من الناس، وإياك أن يبلغني عنك أنك تذكر شيئاً من فضل علي علانية فإنك لست بذاكر من فضل علي شيئاص أجهله. بل أنا أعلم بذلك، ولكن هذا السلطان ـ يقصد معاوية ـ قد ظهر وقد أخذنا بإظهار عيبه ـ أي علي ـ للناس، فنحن ندع كثيراً مما أمرنابه، ونذكر الشيء الذي لا نجد منه بداً ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقية، فإن كنت ذاكراً فضله فاذكره بينك وبين أصحابك، وفي منازلكم سراً، وأما علانية في المسجد، فإن هذا لا يحتمله الخليفة لنا ولا يعذرنا فيه..)(1).
وهكذا استجاب لمعاوية جمع من الصحابة والتابعين، ومن رفض قتل، كالشهيد حجر بن عدي وميثم التمار وآخرين.
وبهذا ظهرت في تلك الفترة آلاف من الأحاديث المكذوبة التي تنسج فضائل وبطولات للصحابة وخاصة للخلفاء الثلاثة ـ أبي بكر، وعمر، وعثمانـ ثم تناقل هذه الأحاديث جيل بعد جيل حتى دونت في المصادر المعتمدة.
وإليك بعض النماذج من الأحاديث المكذوبة، ومن أراد التوسع فليرجع إلى موسوعة الغدير للعلامة الأميني ج7، 8، 9.

1ـ الشمس تتوسل بأبي بكر:
قال النبي (ص): (عُرض عليَّ كل شيء ليلة المعراج حتى الشمس فإني سلمت عليها وسألتها عن كسوفها فأنطقها الله
____________
1- تاريخ الطبري ج6 ص108 في ذكر حوادث سنة 43 هـ.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 189
-------------------------------------------------------------

تعالى وقالت: لقد جعلني الله تعالى على عجلة تجري حيث يريد فانظر إلى نفسي بعين العجب فتنزل بي العجلة فأقع في البحر فأرى شخصين أحدهما يقول: أحد، أحد، والآخر يقول: صدق صدق. فأتوسل بهما إلى الله تعالى فينقذني من الكسوف، فأقول يا رب من هما؟! فيقول: الذي يقول أحد، أحد هو حبيبي محمد (ص)، والذي يقول صدق، صدق هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه(1).

2ـ أبو بكر في قاب قوسين:
بلغنا أن النبي (ص) لما كان قاب قوسين أو أدنى أخذته وحشة فسمع في حضرة الله تعالى صوت أبي بكر رضي الله عنه، فاطمأن قلبه واستأنس بصوت صاحبه(2).

3ـ أبو بكر ألف القرآن:
ما نزل في أبي بكر من القرآن كثير، نكتفي بألف القرآن: (آلم، ذلك الكتاب) فالألف: أبو بكر، واللام الله، والميم محمد(3).
ولم يتركوا فضيلة عمر فحدث ولا حرج، ونذكر منها ما كان له من ولاية تكوينية، وقد قال الرازي في تفسيره: وقعت الزلزلة في المدينة فضرب عمر الدرة على الأرض، وقال: اسكني بإذن الله، فسكنت وما حدثت الزلزلة في المدينة بعد ذلك!.

____________
1- الغدير ج7 ص 288، نقلاً عن نزهة المجالس، ج2 ص184.
2- الغدير ج7 ص 293 نقلاً عن العبيدي المالكي في عمدة التحقيق ص 154، وقال: هذه كرامة للصديق انفرد بها وحده.
3- الغدير ج7، نقلاً عن عمدة التحقيق، العبيدي المالكي ص134.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 190
-------------------------------------------------------------

ونقل أيضاً: وقعت النار في بعض دور المدينة، فكتب عمر على خرقة: يا نار اسكني بإذن الله، فألقوها في النار فانطفأت في الحال.

ب ـ رواة الحديث وتدليس الحقائق:
وهنا فنون كثيرة ومتعددة لتزييف الحقائق وتحويرها عند كتاب الأحاديث، فطابع التعصب واضح في كتبهم، فحينما يتعرضون لأحاديث تتضمن فضيلة لعلي (ع) أو تمس وتكشف منقصة عند الخلفاء والصحابة، تمتد إليها أياديهم لتقلب حقيقتها، وإليك نماذج من هذه الفنون حتى تقف على الدور الخطير الذي لعبه المحدثون في تزوير الحقائق.

1ـ النموذج الأول:
لما أراد معاوية أن يأخذ البيعة ليزيد كان عبد الرحمن بن أبي بكر من أشد المعارضين لبيعة يزيد. خطب مروان في مسجد الرسول (ص) وكان والياً على الحجاز من قبل معاوية فقال: إن أمير المؤمنين قد اختاركم، قلم يأل، وقد استخلف لابنه يزيد بعده، فقام عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: كذبت والله يا مروا! وكذب معاوية، ما الخيار أردتماه لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلمات مات هرقل قام هرقل. فقال مروان: هذا الذي أنزل اله فيه والذي قال لوالديه (أف لكما) الآية، فسمعت عائشة مقالته من وراء الحجاب، فقامت من وراء الحجاب وقالت: يا مروان، يا مروان!ـ فأنصت الناس، وأقبل مروان بوجهه ـ، فقالت: أنت القائل لعبد الرحمن أنه نزل فيه القرآن، كذبت والله ما هو به ولكنه فلان بن فلان، ولكنه فضض من لعنه الله. وفي رواية، فقالت: كذب والله ما هو به.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 191
-------------------------------------------------------------

ولكن رسول الله (ص) لعن أبا مروان، ومروان في صلبه فمروان فضض من لعنة الله عز وجل(1).
ثم تعال وانظر كيف حرّف البخاري ما يشين بمعاوية ومروان:
(كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر (شيئاً) فقال: خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله في (والذي قال لوالديه أف لكما) أتعذر؟! فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فيه شيئاً من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري)(2).
فحذف قول عبد الرحمن وأبدله بقول: (قال (شيئاً) كما أبدل قول عائشة، كل هذا محافظة على صورة معاوية ومروان. وقد أورد هذه الحادثة ابن حجر في تفح الباري مفصلاً، فانظر إلى أي مدى بلغت النزاهة بالبخاري في نقل الحقائق.

2ـ النموذج الثاني:
حذف البخاري فتوى عمر بعدم الصلاة.
روى مسلم عن شعبه قال: حدثني الحكم عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه: أن رجلاً أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء. فقال: لا تصلي.
فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي
____________
1- تاريخ ابن الاثير ج3 ص149 في ذكر حوادث سنة 56 هـ.
2- البخاري ج3 ص126 باب، والذي قال لوالديه من تفسير سورة الأحقاف.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 192
-------------------------------------------------------------

(ص) إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك!.
فقال عمر: اتق الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أحدث به(1).
بما أن الحديث ظاهر في جهل عمر بأبسط الأحكام الشرعية الضرورية التي يعرفها كل مسلم (التيمم) والتي صرح بها القرآن وعلمهم رسول الله (ص) كيفيتها، ورغم ذلك يفتي عمر بعدم الصلاة، مما يدل على جهله أولاً، ويدل على عدم اهتمامه بالصلاة، بل عدم الصلاة في حالة كونه جنباً كما صرحت الرواية.
وأذكر في هذا المقام أن أحد الأصدقاء كان يناقشني في علم عمر، فقال لي: إن عمر كان يوافق القرآن قبل نزوله.
قلت له: هذه مجرد أخبار لا تمت إلى الواقع بصلة، وإلا كيف يوافقه قبل نزوله وهو لم يوافق القرآن بعد أن نزل في حادثة التميم وتحديد مهور النساء. وقد كان هذا الحديث أعنف صدمة لاقتني في بحثي عن شخصية عمر، لأنه يكشف تماماً عن وزنه العلمي والديني، ومما زاد استغرابي هو إصرار عمر على جهله بعد أن أخبره عمار بالحكم الشرعي في المسألة.
ثم انظر إلى البخاري الذي لم يرق له أن يروي هذه الفتوى التي لم يفتها حتى جهلاء السوق، فأخرج في صحيحه بنفس السند وبنفس المتن غير أنه أسقط الفتوى.
(جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني اجنبت فلم أصب الماء.
فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر..)(2).

____________
1- صحيح مسلم باب التيمم ج 1.
2- صحيح البخاري ج1 كتاب التيمم، باب التيمم، هل ينفخ فيها.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 193
-------------------------------------------------------------


3ـ النموذج الثالث:
أخرج ابن حجر في فتح الباري في شرح صحح البخاري ج17 ص31 حديث: (إن رجلاً سأل عمر بن الخطاب عن قوله: (وفاكهة وأباً) ما الأب؟!
قال عمر: (نهينا عن التعمق والتكلف).
قال ابن حجر: أنه جاء في رواية أخرى عن ثابت عن أنس أن عمر قرأ: (وفاكهة وأبّاً) فقال ما الأب؟!، ثم قال: (ما كُلفنا) أو قال: (ما أمرنا بهذا).
ثم انظر ماذا فعل التعصب بالبخاري فهو يعمل قصارى جهد لينزه عمر والخلفاء من كل ما يلصق بهم فكيف يا ترى يروي هذا الحديث وهو يثبت جهل عمر بالقرآن، لأن ما سأل عنه في غاية البساطة لمن عرف القرآن وأسلوبه، واحتجاج عمر بعدم التكلف لا وجه له لأنه ليس مورداً من موارد التكلف، فالعذر أقبح من الذنب، وعندما سئل الإمام علي (ع) نفس هذا السؤال، قال الجواب في نفس الآية (فاكهة وأباً، متاعاً لكم ولأنعامكم) الفاكهة متاع لنا والاباء متا للأنعام، وهو نوع من العشب.
قال البخاري في صحيحه عن ثابت عن أنس قال: (كنا عند عمر فقال: نهينا عن التكلف)(1).
إن هذا الحديث كغيره من عشرات الأحاديث التي كانت لا تنسجم مع معتقدات البخاري فاعتمد هذه الطريقة من إسقاط وتبديل وحذف للخبر كالماص، كما فعل بحديث الثقلين (كتاب الله وعترتي..) الذي أخرجه مسلم والحاكم على شرطه، وغيره من الأحاديث الصحيحة التي لم يستطع
____________
1- صحيح البخاري ج9 كتاب الاعتصام باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعلم.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 194
-------------------------------------------------------------

البخاري توجيهها وتحريفها، فتجنب تدوينها في كتابه، وهذا هو السبب الأساسي الذي جعل صحيح البخاري لدى الحكام أصح كتاب بعد كتاب الله ولا أعرف له سبباً غير هذا.

4ـ النموذج الرابع:
وإليك هذه الحادثة التي يظهر لك من خلالها إلى أي مدى يتعمد البخاري تحريف الحقائق، فقد روى علماء السنة وحفاظهم مثل الترمذي في صحيه، والحاكم في مستدركه وأحمد بن حنبل في مسنده، والنسائي في خصائصه والطبي في تفسيه، وجلال الدين السيوطي في تفسيره (الدر المنثور)، والمتقي الهندي في كنز العمال، وابن الاثير في تاريخه وغيرهم كثيرون، رووا:
(أن رسول الله (ص) بعث أبا بكر رضي الله عنه وأمره بأن ينادي بهذه الكلمات وهي براءة من الله ورسوله..)، ثم أتبعهم علياً (ع) وأمره بأن ينادي بها هو. فقام علي (ع) في أيام التشريق فنادى: إن الله برئ من المشركين ورسوله، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان) ورجع أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله نزل في شيء؟ قال: لا ولكن جبرائيل جاءني فقال لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك).
وهنا وقع البخاري في معضلة، فهذه الرواية تخالف تماماً مذهبه وعقيدته. فهي تثبت فضيلة لعلي (ع) وما أعظمها من فضيلة، وفي المقابل تنتقص أو لا تثبت شيئاً لأبي بكر، فكيف له أن يحور هذه الرواية إلى مصلحته وعقيدته، فيثبت بها منقبة لأبي بكر ولا شيء لعلي.
تعالوا، لكي تنظروا، كيف خرج البخاري بذكائه من هذه المخمصة.
-------------------------------------------------------------
الصفحة 195
-------------------------------------------------------------


أخرج البخاري في صحيحه في كتاب تفسير القرآن، باب قوله (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر).
قال: أخبرني حُميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعضهم يوم النحر يؤذنون بمنىأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد بن عبد الرحمن، ثم أردف رسول الله (ص) بعلي بن أبي طالب (ع) وأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان)(1).
سوف أترك لك أيها لقارئ مساحة للتعليق، لكي تنظر إلى هذا التشويه والتحريف، وكيف قضى البخاري على فضيلة علي بن أبي طالب (ع) وكيف أثبت لأبي بكر منقبه لم يحلم بها بعد أن عزله الله بوحي من عنده، فقال جبرائيل للرسول (ص): لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك. ثم أنظر، كيف جعل الأمر في بد أبي بكر فأصبح هو الآمر والمرسل والمسير للأمور بحضرة رسول الله...!
فسبحان مقلب الأحوال من حال إلى حال.

5ـ النموذج الخامس:
اشترك مسلم في صحيحه مع ابن هاشم والطبري في حذف جزء من حديث يشين منزلة أبي بكر وعمر.
بعدما نقل ابن هشام أخبار غزوة بدر وتعرض رسول الله (ص) وأصحابه لقافلة قريش التجارية، ذكر استشارة رسول الله (ص) لأصحابه وقال: (وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم
____________
1- صحيح البخاري ج5 ص202.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 196
-------------------------------------------------------------

ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش: فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما اراك الله فنحن معك، والله لانقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: إذهب أنت ورك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله (ص) خيرا ودعا له).
فيا ترى ماذا كان قول أبي بكر وعمر لرسول الله؟!
وإذا كان حسناً فلماذا لم يذكره! ولماذا ذكر قول المقداد من دون قوليهما؟!
ثم نرجع إلى مسلم لكينرى هل وصل به الغدر أيضاً، ليفعل كما فعل ابن هاشم والطبري. روى مسلم: (أن رسول الله (ص)، شاور أصحابه حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه.. ثم ذكر بقية الحديث)(1).
وأيضاً لم يذكر مسلم ما قاله أبو بكر وعمر ولكنه كان أكثر صدقاً، ابن هشام والطبري، فقال: (أعرض رسول الله) ولم يقل (وأحسن). رغم أن ما فعله جناية في حق الحديث. فمن المفترض أن يذكر قولهما، مما يدل على أن في الأمر نكاية، فلماذا أعرض رسول الله عن قولهما إذا كان حسناً؟!
يتضح لنا من الخبرين بعدما حصل فيهم التزوير الواضح أن هنا أمراً لا يليق بالشيخين لم يذكروه ولكن أظهر الله نوره ولو كره الكافرون، فقد روي في كتاب المغازي للواقدي وإمتاع الأسماع للمقريزي. بعدما ذكر
____________
1- صحيح مسلم كتاب الجهاد، باب غزوة بدر ج3 ص.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 197
-------------------------------------------------------------

الخبر: فقال عمر: يا رسول الله، إنها والله قريش وعزها والله ما ذلت مذ عزت والله ما آمنت مذ كفرت والله لا تسلم عزها أبداً، ولتقاتلنك فتأهب لذلك أهيته وأعد لذلك عدته.
ومن هنا نعرف سبب إعراض رسول الله (ص)، فهذا الكلام الذي قاله عمر لا يليق بصاحب رسول الله فكيف يدعي أن لقريش عزاً؟
وهل كان رسول الله (ص) يقصد ذلتها؟
ولكن للأسف، هذه معرفة عمر للإسلام ومنهجه الحضاري.
وهكذا دائماً يخلط البخاري ومسلم الحق بالباطل، ويبدلان الأحاديث التي يشعران منها توهيناً وتنقيصاً لأبي بكر وعمر.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 198
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 199
-------------------------------------------------------------


ثالثاً: الكتاب
ودورهم في تحريف الحقائق
واصل دور المحدثين والمؤرخين من جاء بعدهم من كتاب، بذلوا قصارى جهدهم لتزييف الحقائق وتشويه مذهب أهل البيت، بشتى أساليب الدعاية ونشر الأكاذيب، وقد نجح هؤلاء الكتاب نجاحاً كبيراً في تعميق الجهل في نفوس أهل مذهبهم وتوسيع الفجوة بينهم وبين معرفة الحقيقة، فصوروا التشيع بأبشع وأقبح ما يكون من الصور، من جراء ما نسجوه من خرافات وأوهام، ولا أقول هذا مجرد افتراض، إنما عايشت هذا الجهل مدة من الزمن، وأحسست به أكثر عندما تفتحت بصيرتي وأنار الله قلبي بنور أهل البيت، فوجدت مجتمعي يركد في ركام من الجهل والافتراءات على الشيعة، فكلما أسأل عن الشيعة سواء كان المسؤول عالماً أو مثقفاً كان يجيبني بسلسلة من الأكاذيب على الشيعة فيقول مثلاً: إن الشيعة تدعي أن الإمام علي (ع) هو الرسول ولكن جبرائيل أخطأ وأنزل الرسالة على محمد، أو أنهم يعبدون الإمام علي... وغيرها من الأكاذيب التي لا تمت إلى الواقع بصلة، واشد محنة من ذلك عندما يبادرك سؤال حائر:
هل الشيعة مسلمون؟
وما هو الفرق بين الشيعة والشيوعية؟

-------------------------------------------------------------
الصفحة 200
-------------------------------------------------------------

إن هذا الجهل بالتشيع، الذي تعيشه مجموعة كبيرة من الأمة الإسلامية، كان نتاجاً طبيعياُ لمجهود هؤلاء هؤلاء الكتاب، لفرض الجهل المطبق على أبناء هذه الأمة لكي لا يتعرفوا على مذهب التشيع، وهذا هو المخطط الذي بدأ قديماً ليتم مسيرته إلى اليوم، فتجد مئات من الكتب المسمومة ضد الشيعة في متناول يد الجميع، هذا إذا لم تكن توزع مجاناً من قبل الوهابية، ويفتر ض في هذا الجو المشحون ضد الشيعة أن يُسمح للكتاب الشيعي بالانتشار، حتى تكون المعادلة متكافئة، وهذا ما لم يحصل، فهذه هي المكتبات الإسلامية يكاد يندر فيها الكتاب الشيعي بخلاف المكتبات الشيعية سواء كانت تجارية أو في المعاهد العلمية فهي لا تخلو من كتب ومصادر السنة بجميع خطوطها واتجاهاتها.
والأدهى والأمر من كل ذلك. إذا وفرت لأحدهم كتاباً فإنه لا يقرؤه هذا إذا لم يحرقه بحجة أنه لا يجوز قراءة كتب الضلال...
وأذكر كيف كان إمام المسجد في قريتنا يُصرح بكفري وضلالتي، ويمنع الجميع من الجلوس مع ي أو قراءة كتبي. أي منطق هذا يسلب الإنسان حرية تفكيره ولكنها سياسة الجهل والتجهيل والحصار الفكري.

آ ـ بعض الكتب التي أُلفت ضد الشيعة:
1ـ محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية، للخضري.
2ـ السنة والشيعة، لرشيد رضا، صاحب (المنار).
3ـ الصراع بين الوثنية والإسلام، للقصيمي.
4ـ فجر الإسلام وضحى الإسلام، لأحمد أمين.
5ـ الوشيعة في نقد الشيعة، لموسى جار الله.
6ـ الخطوط العريضة، لمحب الدين الخطب.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 201
-------------------------------------------------------------

7ـ الشيعة والسنة ـ الشيعة والقرآن ـ الشيعة وأهل البيت ـ الشيعة والتشيع، احسان إلهي ظهير.
8ـ منهاج السنة لابن تيمية.
9ـ إبطال الباطل، للفضل ابن روزبهان.
10ـ أصول مذهب الشيعة، د. ناصر الغفاري.
11ـ وجاء دور المجوس، عبد الله محمد الغريب.
12ـ التحفة الاثنا عشرية، للدهلوي.
13ـ جولة في ربوع الشرق الأدنى، لمحمد ثابت المصري.
وغيرها من الكتب المغرضة، وقد رد علماء الشيعة على هذه الكتب، وأمثالها بردود وافية ومفصلة.
وقد لاحظت اختلاف المنهجية بين النوعين من الكتب، فتجد كتب الشيعة تهدف إلى تأصيل وإثبات صحة مذهبها بالأدلة والبراهين، اعتماداً على مصادر ومراجع أهل السنة، من غير أن تتهجم على المذاهب الأخرى.
أما الكتب التي تحاول الرد على الشيعة فإنها تهدف من الأساس ضرب المذهب الشيعي بأي طريقة كانت حتى ولو كانت بالتهم والافتراءات.
والشواهد على ما قلناه كثيرة وسوف نتطرق لها أثناء عرضي لبعض النماذج.

ب ـ ومن الكتب الشيعية التي ردت وأصلت مذهبها:

1ـ الشافي في الإمامة:
يتكون فمن أربعة مجلدات، أثبت فيه الشريف المرتضى (الإمامة كمبدأ ديني واجتماعي وسياسي، وأثبت بدليل النقل والعقل الصحيح أنها ضرورة دينية واجتماعية، وأن علياً (ع) هو الخليفة الحق المنصوص عليه بعد الرسول
-------------------------------------------------------------
الصفحة 202
-------------------------------------------------------------

(ص) وأن من عارض وعاند فقد عارض الحق والصالح العام. ذكر الشريف جميع الشبهات التي قيلت والتي يمكن أن تقال حول الإمامة، وأبطلها بمنطق العقل والحجة الدامغة)(1).
وهذا الكتاب بمثابة رد على كتاب (المغني) لعبد الجبار المعتزلي.

2ـ كتب نهج الحق وكشف الصدق، للعلامة الحلي:
وقد تناول فيه مجموعة من المسائل تنحصر في مسائل:
1ـ الإدراك.
2ـ النظر.
3ـ صفات الله.
4ـ النبوة.
5ـ الإمامة.
6ـ المعاد.
7ـ أصول الفقه.
8ـ فيما يتعلق بالفقه.
ويظهر لقارئ هذا الكتاب أن مؤلفه، كان باحثاً علمياً غير متعصب لرأيه، ولا منحاز لعقيدة ابتداء، ولم يبحث عن الدليل لعقيدته، بل جعل رأيه وعقيدته تابعين للقرآن وخاضعين للدليل.
وقد قام الفضل بن روزبهان الأشعري بنقد هذا الكتاب وسماه إبطال الباطل وإهمال كشف العاطل ولكنه لم يستخدم أسلوب العلامة الحلي بل كان كثير التعرض والسب، ولكنه في الجملة كتاب يعتمد ـ نسبياً ـ الحجة والمناقشة العلمية. ولذلك دفع كثيراً من علماء الشيعة للرد على وتبيين مواضع الشبهة.

3ـ إحقاق الحق ـ للسيد نور الله الحسيني التستري
كتاب صخم، ألفه صاحبه في الرد على الروزبهان في كتابه ـ إبطال الباطل ـ، وقد علق على هذا الكتاب أي ـ إحقاق الحق ـ آية الله شهاب الدين المرعشي النجفي، فبلغ عدد مجلداته خمسة وعشرين مجلداً من الحجم
____________
1- الشافي ص19 ، من كلام المحقق.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 203
-------------------------------------------------------------

الضخم، وقد بذل فيه صاحبه الجهد الواضح والشاق من تتبع الأدلة واستخراج الأحاديث والروايات من كتب أهل السنة. وحري بهذا الكتاب أن يكون في متاحف المسلمين، لما يعبر عن مجهود فردي جبار، تعجز عن القيام به لجنة متخصصة.
4ـ ورد على روزبهان أيضاً، العلامة المظفر، في كتاب من ثلاثة مجلدات، اسمه ـ دلائل الصدق ـ وتطرق فيه أيضاً، للرد على كتاب منهاج السنة لابن تيمية، الذي كتبه رداً على العلامة الحلي في كتابه منهاج الكرامة، ولكنه لم يفصل ـ أي المظفر ـ في الرد عليه ـ أي الرد على ابن تيميه ـ وأشار في المقدمة بقوله: (ولولا سفالة مطالبه وبذاءة لسان قلمه، وطول عباراته، وظهور نصبه وعداوته لنفس النبي الأمين وأبناءئه الطاهرين لكان هو الأحق بالبحث معه)(1).

5ـ موسوعة الغدير، 11 مجلداً للعلامة عبد الحسين الأميني:
وهو مجهود جبار بل فيه مؤلفه، غاية الجهد والمشقة، أثبت فيه بكل الطرق والأدلة مذهب أهل البيت (ع)، ومما يزيد عجبك فيه، أن مؤلفه جمع فيه من المصادر التي بلغت 94000، مصدراً من كتب أهل السنة.
وقد تعرض فيه للرد على بعض الكتب السنية التي تعرضت للشيعة، مثل:
1ـ العقد الفريد.
2ـ والفرق بين الفرق.
3ـ الملل والنحل.
4ـ منهاج السنة.
5ـ البداية والنهاية.
6ـ المحصر.
7ـ السنة والشيعة.
8ـ الصراع.

____________
1- دلائل الصدق ج1 ص3.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 204
-------------------------------------------------------------

9ـ فجر الإسلام.
10ـ ظهر الإسلام.
11ـ ضحى الإسلام.
12ـ عقيدة الشيعة.
13ـ الوشيعة.
وقد أحسن وأجاد في الرد عليهم بالحجج والأدلة الباهرة والبراهين الساطعة.
وقد تميز بالنقاش الذي لا يميل إلى التعصب والجدل.
6ـ وأ]يضاً من الموسوعات الضخمة، التي أثبتت مذهب التشيع، وردت على أعدائه، كتاب (عبقات الانوار في إمامة الأئمة الأطهار) للسيد حامد حسين ابن السيد محمد قلي الهندي، ولم أحصل على نسخته الأصلية، وحصلت على ملخص له أسمه (خلاصة عبقات الأنوار) للمؤلف علي الحسيني الميلاني. يتكون من 10 مجلدات، وهو رد على كتاب (التحفة الاثنا عشرية) لعبد العزيز الدهلوي، وهو نقد لعقائد الشيعة، وقد رد عليه مجموعة من علماء الشيعة بعدد من الكتب، منها كتاب (السيف المسلول على مخربي دين الرسول) لأبي أحمد بن عبد النبي النيسابوري) وكتاب من أربع مجلدات، كل مجلد منها باسم للسيد دلدار علي التقي، وكتاب (النزهة الاثنا عشرية) للميرزا محمد الكشميري، وكتاب (الأجناد الاثنا عشرية المحمدية) للسيد محمد قلي وهو مجموعة من المجلدات الضخمة، وكتاب الوجيز في الأصول للشيخ سبحانه علي خان الهندي، وكتاب الإمامة للسيد محمد بن السيد، وله رد آخر بالفارسية سماه (البوارق الإلهية).
وغيرها من الكتب التي ردت على الدهلوي، ذكرها صاحب كتاب الذريعة، وكتاب أعيان الشيعة، ومن أعظم هذه الردود هو كتاب العبقات (وتتجلى عظمة المؤلف ودقته في النظر، وأحاطته بالعلوم و، وتتبعه للأقوال، وأمانته في النقل العلمي بقواعد البحث، في أساليبه في الرد على الإشكالات
-------------------------------------------------------------
الصفحة 205
-------------------------------------------------------------

أو النقد للاستدلالات، لقد قطع رحمه الله بأقوى الحجج وأمتن البراهين كافة الطق والذارائع، ودفع جميع الشكوك والشبهات، حتى لم يبق للخصوم أي طعن في المذهب أو قدح في دليل أو تضعيف لحديث..غلا ودفعه بالتي هي أحسن ورد عليه الرد الجميل بتحقيقات أنيقة وتدقيقات رشيقة واحتجاجات برهانية وإلزامات نبوية، واستدلالات علوية، ونغوض رضوية، مستنداً في ذلك كله إلى كتب أهل السنة، ومستدلاً بأقوال أساطين علمائهم في مختلف العلوم والفنون، ولقد تناول كل كلمة جاءت في التحفة راداً عليها أو منتقداً لها)(1).
وقد ساعده على ذلك مكتبة أسرته الشهيرة التي فقت 30 ألف كتاب من مطبوع إلى مخطوط من مختلف المذاهب والفرق، ولم نجد ـ على يومنا هذا ـ كتباً في الرد عليه، رغم أن كتاب التحفة، قد دارت حوله الردود. فأول من رد عليه السيد دلدار علي في كتابه الصوارم الإلهية وكتاب صارم الإسلام، فرد عليه رشيد الدين الدهلوي، تلميذ صاحب التحفة بكتاب ـ الشوكة العمرية ـ فرد عليه باقر علي بكتاب ـ الحملة الحيدرية ـ كما رد على التحفة الميرزا في كتابه (النزهة الاثنا عشرية) فرد عليه أحد السنة بكاب (رجوم الشياطين)، فرد عليه السيد جعفر الموسوي بكتاب (معين الصادقين في رد رجوم الشياطين).
كما رد على التحفة أيضاً، السيد محمد قلي والد صاحب العبقات بكتاب (الأجناد الاثنا عشرية المحمدية) فرد عليه محمد رشيد الدهلوي، فعاد السيد ورد عليه بكتاب (الأجوبة الفاخرة في الرد على الأشاعرة) حتى حسم هذا الأمر صاحب العبقات، فلم يرد عليه. وهذا كاف للدلالة على العجز.

____________
1- من كلام المحقق.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 206
-------------------------------------------------------------


7ـ معالم المدرستين، للمرتضى العسكري.
وهو من الكتب المقارنة بين مدرسة أهل البيت ومدرسة الخلفاء، اعتمد صاحبه الموضوعية والنقاش العلمي التدقيق، وهو من ثلاثة أجزاء.

8ـ المراجعات، لعبد الحسين شرف الدين:
وهو مناظرة جرت بينه، وبي شيخ الأزهر سليم البشري، ويعتبر من المناظرات النادرة التي التزم فيها المتناظران الأسلوب الهادئ والحوار الأخلاقي، ولعبد الحسين كتب أخرى كثيرة في هذا المجال، من بينها النص والاجتهاد، والفصول المهمة في تأليف الأمة، والكلمة الغراء في تفضيل الزهراء، وكتاب (أبو هريرة).
وهناك ردود متعددة من علماء الشيعة على كتب السنة مثل:
1ـ أجوبة مسائل جار الله لعبد الحسن شرف الدين الموسوي.
2ـ مع الخطيب في خطوطه العريضة، للطف الله الصافي.
3ـ شبهات حول الشيعة.
4ـ كذبوا على الشيعة.

علماء السنة ومثقفوها يتشيعون:
قد تمكنت مجموعة من نخبة السنة وعلمائها من كسر الأغلال وتعدي حواجز الكبت الإعلامي، لتنفتح على العلوم والمعارف الأ×رى وكان من بينها التشيع كمذهب له تاريخه ومعارفه وثقافاته مما أدرى إلى انجلاء سحاب التعتيم الداكن على سماء الحقيقة فلم يسعهم إلا إعلاء صرخة الحق وإعلان ولائهم لنهج أهل البيت (ع).
وقد ضم هذا الموكب آلافاً من أصحاب الفكر والأٌقلام والحرة قديماً وحديثاً، لا يسعنا المجال لذكرهم وإنما نكتفي بذكر نماذج منهم:

-------------------------------------------------------------
الصفحة 207
-------------------------------------------------------------

1ـ المحدث الجليل أبو النفر محمد بن مسعود بن عياش المعروف بالعياشي، كان من كبار علماء السنة قبل تشيعه، وهو يعد من كبار علماء الشيعة الإمامية، له تفسيره المأثور (تفسير العياشي).
2ـ الشيخ محمد مرعي الأمين الأنطاكي، تخرج من الأزهر وتقلد منصب قاضي القضاة في حلب، وله مركزه العلمي والاجتماعي، وقد هداه الله تعالى للالتزام بمنهج أهل البيت (ع) وله كتاب مطبوع ومنتشر (لماذا اخترت مذهب الشيعة) وقد تشيع معه آلاف من أهالي حلب.
3ـ الشيخ سليم البشري، وهو من علماء أهل السنة والجماعة، قد تزعم مشيخة الأزهر الشريف مرتين في حياته، وقد جرت بينه وبين عبد الحسين شرف الدين وهو من علماء الشيعة حوارات متعددة جمعت في كتاب يسمى بـ (المراجعات) وقد أسفر هذا الحوار الهادي عن تشيع الشيخ سليم البشري فقد صرح في أول محاورة أنه غير متعصب بقوله:
(وإنما أنا نشاد ضالة، وبحاث حقيقة، فإن تبين الحق، فإن الحق أحق أن يتبع، وإلا فأنا كما قال القائل:

نحن بما عندنا وأنت بما عنـ ــدك راضٍ والرأي مختلف)(1)

وبعد الحوارات التي أفصحت عن علم الطرفين، وعظيم قدرهما وأخلاقهما وتجردهما للحقيقة، يصرح الشيخ سليم البشري في آخر المطاف بقوله: (حتى يرح الخفاء، وصرح الحق عن محضه، وبان الصبح لذي عينين، والحمد لله على هدايته لدينه، والتوفيق لما دعا إليه من سبيله، وصلى الله عليه وأله وسلم)(2).

____________
1- المراجعات ص59.
2- المصدر السابق ص424.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 208
-------------------------------------------------------------

4ـ الشيخ محمود أبو رية، عالم وكاتب مصري له كثير من الكتب والإبداعات من بينها: (أضواء على السنة المحمدية) وكتاب (أبو هريرة شيخ المضيره).
5ـ المحامي أحمد حسين يعقوب، وهو كاتب أردني متشيع له كتاب (نظرية عدالة الصحابة) وكتاب (الخطط السياسية لتوحيد الأمة الإسلامية).
6ـ الدكتور التيجاني السماوي، وهو تونسي، وهو متشيع وله مجموعة من الكتب منها: (ثم اهتديت) و(لأكون مع الصادقين) و(فاسألوا أهل الذكر) و(الشيعة هم أهل السنة).
7ـ الكاتب الصحفي السيد إدريس الحسيني من المغرب العربي، له (لقد شيعني الحسين) و(الخلافة المغتصبة) و(هكذا عرفت الشيعة) مخطوط).
8ـ صائب عبد الحميد، له كتاب (منهج في الانتماء المذهبي).
9ـ سعيد أيوب، له كتاب (عقيدة المسيح الدجال) يقول في بداية كتابه: (لقد وجدتني داخل ابحث أحاول إزالة الركام عن الحقائق، حتى تكون الحقيقة واضحة أمام العيون والعقول، ذلك الركام الذي وضعه أساتذة التعتيم على امتداد التاريخ البشري! وعندما أمسكت بالمعول الذي أزيل به شباك الالتواء، كانت عندي الأسباب الكافية لإنجاز هذا العمل)(1). وله كتاب (معالم الفتن) يتكون من جزئين.
10ـ الكاتب المصري صالح الورداني له كتاب (الخدعة ـ رحلتي من السنة إلى الشيعة ـ حركة أهل البيت (ع) ـ الشيعة ف مصر ـ عقائد السنة وعقائد الشيعة التقارب والتباعد).
11ـ الكاتب المصري، محمد عبد الحفيظ، له كتاب (لماذا أنا جعفري)
____________
1- عقيدة المسيح الدجال ص9.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 209
-------------------------------------------------------------

12ـ الكاتب السوداني عبد المنعم محمد الحسن، وله كتاب (بنور فاطمة اهتديت).
13ـ الشيخ عبد اله ناصر من كينيا، تشيع بعد أن كان من كبار مشايخ الوهابية وله كتب عديدة في هذا المجال منها: (الشيعة والقرآن)، (الشيعة والحديث)، (الشيعة والصحابة)، (الشيعة والتقية)، (الشيعة والإمامة).
14ـ سماحة العالم والخطيب والمناظر السيد علي البدري، له خدمة واسعة في نشر مذهب أهل البيت (ع) بعد أن تشيع، فطاف العالم وهو يعقد المناظرات المتعددة وقد ضمنها كتاب ضخم في طريقه إلى المطبعة تحت عنوان (أحسن المواهب في حقائق المذاهب).
15ـ الكاتب السوري السيد ياسين المعيوف البدراني، له كتباً تحت عنوان (يا ليت قومي يعلمون9ز
ج ـ نماذج من تحريفات الكتاب:
وهي كثيرة يطول بنا المجال في سردها، فجلّ الكتب التي ردت على الشيعة لم تقصد إلا التشويه والتزوير ونشر التهم والأكاذيب. هذا بالإضافة إلى اعتمادهم على الكتب السنية في رد المعتقدات الشيعية، وهذا غير منهجي في باب الاحتجاج والمناظرة.
يقول الشيخ المظفر في ذلك: (إعلم أنه لا يصح الاستدلال على خصم إلا بما هو حجة عليه، ولذا ترى المصنف رحمه الله وغيره ـ أي العلامة الحلي ـ إذا كتبوا في الاحتجاج على أهل السنة التزموا بذكر أخبارهم لا أخيارنا، والقوم لم يلتزموا بقاعدة البحث ولم يسلطوا طريق المناظرة)(1). كما أنهم يعتمدون في الرد على التصوير المجمل لعقائد الشيعة من غير الرد المنطقي لكل جزئية من جزئيات المذهب، وهذا غير منصف في باب الأمانة
____________
1- دلائل الصدق ج1 ، المقدمة.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 210
-------------------------------------------------------------

العلمية، فتجد الدكتور ناصر الغفاري يقول في مقدمة كتابه (أصول مذهب الشيعة) ص15: (.. لأن في ملة من العقائد ما يكفي لمعرفة حقيقتها بمجرد عرضها، ولهذا ذكر شيخ الإسلام، ابن تيمية أن تصور المذهب الباطل يكفي في بيان فساده، ولا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر).
وإذا صح هذا فلا بد أن يكون المصور للعقيدة مؤمناً معتقداً بها، حتى يكون له الحرية الكافية في توضيح معتقداته، ومن الاجحاف أن يأتي طرف دخيل ليصور عقائد غيره بأبشع الصور. وما يقول به ابن تيمية هو ضرب من سياسة التجهيل على أتباعه عندما يصور لهم المذاهب التي تخالفه بالصورة التي يرديها، ولو كان هذا كاف للحجة لكان ذلك الكافر الذي يعيش في أوروبا الحامل صورة مشوهة عن الإسلام بسبب تصوير المستشرقين وأعداء الدين، معذوراً في ذلك، ولكن هذا كلام ضعيف ومنهجية خاطئة لا تصلح للاستدلال، ومع الأسف هذا هو ديدنهم، وإليك بعض النماذج من التحريفات.
(1) كتاب، أصول مذهب الشيعة، د. ناصر عبد الله الغفاري، الذي هو عبارة عن رسالة دكتوراه، من جامعة محمد بن سعود الإسلامية، ونال بها مرتبة الشرف الأولى.

1ـ افتراءاته على الشيعة:
أ ـ قوله: (إذن فالشيعة تحارب السنة، لهذا فإن أهل السنة اختصوا بهذا الاسم لاتباعهم سنة المصطفى (ص)(1). ثم بعد ذلك يحاول أن يخرج من تلك الروايات الشيعية التي توجب اتباع السنة. فيقول (غير أن الدارس لنصوص الشيعة ورواياتها قد ينتهي إلى الحكم بأن الشيعة، تقول
____________
1- ج1 ص301.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 211
-------------------------------------------------------------

بالسنة ظاهراً، وتنكرها باطناًن غذ أن معظم رواياتهم وأقوالهم تتجه اتجاهاً مجانفاً للسنة التي يعرفها المسلمون، في الفهم والتطبيق، وفي الأسانيد، والمتون..)(1).
أما قوله: عن الشيعة تحارب السنة، فلا محل له، فكتب الحديث عند الشيعة تفوق أضعافاً كتب أهل السنة، بل روايات الكافي وحدها تزيد على روايات الصحاح الستة، هذا بالإضافة على العديد من الموسعات الضخمة في الحديث كبحار الأنوار الذي بلغ عدد مجلداته 110 مجلد.
فإذا كان الشيعة يحاربون السنة فملاذا هذه الموسعات الضخمة؟!
أم ماذا يقصد بالنسبة.
هل هي ما رواه أهل السنة في صحاحهم؟.
إذا كان نعم، فهذا حجة عليهم لا على الشيعة.
وقوله: (عن معظم رواياتهم وأقوالهم تتجه اتجاهاً مجانفاً..). هذا من عجي القول فإذا كانوا من الأصل يوافقون السنة في الأحاديث سنداً ومتناً وتطبيقاً وفهماً لم يكن هناك داع للاختلاف. فالشيعة يؤمنون بسنة رسول الله (ص) ويلتزمون بها، واحتكار أهل السنة لسنة رسول الله هذا أمر غير منصف..
ثم ثانياً: هل أنت وقومك محور الدين تقيس كل شيء بنفسك؟! أي عدل يحكم بذلك.
ب ـ تحريفه للحقائق في نقل النصوص المبتورة التي تغير المعنى، وهو يقول في آخر مقدمته: (واهتمت بالنقل الحرفي في الغالب رعاية للموضوعية وضرورة الدقة في النقل والعذو، وهذا ما يفرضه المنهج العلمي في نقل كلام الخصوم).

____________
1- ج1 ص307.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 212
-------------------------------------------------------------

فهل التزم ـ حضرة الدكتورـ بذلك؟
(1) ذكر في ص252 ج2، في كلامه عن رؤية الله حديثاً عن ابن بابويه القمي عنابي بصير عنابي عبد الله (ع) قال: (قلت له: أخبرني عن الله عز وجل، هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟.
قال: نعم.
وينقل هذه الرواية من كتاب التوحيد ص117 ولكن لم يذكر الرواية كاملة مما غير المعنى تماماً. وغليك الرواية كاملة ولك الحكم.
قال: قلت له: اخبرني عن الله عز وجل. هل يراه المؤمنون يوم القيامة.
قال: نعم، وقد رأوه قبل يوم القيامة.
فقلت: متى؟
قال حين قال لهم، ألست بربكم. قالوا بلى).
ثم سكت ـ أي الإمام ـ ساعة ثم قال: وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، ألست تراه في وقتك هذا؟
قال ابو بصير، فقلت له: جعلت فداك، فأجدث بهذا عنك.
فقال: لا، فإنك إذا حدثت به. فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقول قد قدر أن ذلك تشبيه، كفر، وليست الرؤية بالقلب كبالرؤية بالعين تعالى الله عما يصفه المشبهون والملحدون.
فترى كم هو الفارق بين المعنى الأول والثاني، بل المعنى الأول بمنطوق الرواية كاملة هو من قول المشبهين والملحدين.
ولماذا لم ينقل قول الإمام الباقر عندما سأله الخارجي، قال له يا أبا جعفر أي شيء تعبد.
قال: الله.
قال: رأيته.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 213
-------------------------------------------------------------

قال: بلى، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان، لا يعرف بالقياس ولا يدرك بالحواس موصوف بالآيات، معروف بالدلالات ولا يجوز في حكمه، ذلك الله لا إله إلا هو)(1).
(2) ومن الشواهد أيضاً على بتر الرواية، كلامه في الكيفية لله. فينقل رواية من بحار الأنوار عن أبي عبد الله جعفر الصادق بأنه سئل: (عن الله تبارك وتعال، هل يرى في الميعاد؟
فقال: سبحان الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً.. عن الأبصار لا تدرك إلا ما له لو وكيفية، والله خالق الألوان والكيفية)(2).
ويقول تعقيباً لذلك: (ويظهر أن الحجة التي احتج بها هؤلاء الذين وضعوا هذه الرواية على جعفر تتضمن نفي الوجود الحق، لأن ما لا كيفية له مطلقاً لا وجود له)(3).
وذكر هذه القاعدة ـ الغريبة من نوعها ـ نقضاً لحديث الإمام الصادق (ع) المتقدم. وحقيقة ن عقلا لم يتنور برواية هل البيت وتربى على مرويات كعب الأحبار ووهب بن منبه لا يفهم أحاديث أهل البيت.
فماذا يعني بقوله: (مطلقاً). هل يعني ما لا كيفية له من مطلق مقولات الكيف؟
وإذا كان يعني ذلك، نعم فالله سبحانه وتعالى خارج من مقولات الكيف. لا يحاط بأين أو جهة أو مكان. ومن يقول إن الله يكيف بهذه
____________
1- الاحتجاج ص 321.
2- ج2 ص551.
3- نفس المصدر السابق.
-------------------------------------------------------------
الصفحة 214
-------------------------------------------------------------

المقولات المعروفة في الكيف فقد كفر، ووصف الله بأوصاف المادة، لأن الكيفية من لوازم الجسمية والمحدودية والله غير محدود وغير مادة، وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه الكاتب، عندما تصور الله سبحانه وتعالى يكف بكيف وهذا رجع على نزعته الحسية فلا يستطيع أن يفهم إلا في حدود الحس، ولذلك ينكر وجود كل موجود خارج عن اطار الكيف.
إما إذا كان يقصد كيفاً خارجاً عن مقولات الكيف المعروفة، فلا يسمى هذا كيفاً. فكلامه إذن لا وجه له.
ثم يذكر جزء من رواية ليؤيد بها كلامه ويثبت التناقض في روايات الشيعة، يقول: كما أن هذا يناقض ما رواه صاحب الكافي عن أبي عبد الله أنه: (.. ولكن لا بد من إثبات أن له كيفية لا يستحقها غيره، ولا يشارك فيها ولا يحاط به، ولا يعلمها غيره(1).
وإليك الرواية يتمامها لكي أثبت لك خلاف ما ادعاه:
(قال السائل: فقد حددته إذا أثبت وجوده، قال أبو عبد الله (ع): (لم أحدده، ولكني أثبته، إذ لم تكن بين النفي والاثبات منزلة، قال السائل: فله أنية وماهية؟ قال (ع): نعم لايثبت الشيء إلا بأنية وماهية. قال السائل: فله كيف؟ قال: لا، لأن الكيفية جهة الصفة والإحاطة، ولكن لا بد من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه، لأن من نفاه فقد أنكره ورفع ربوبيته وأبطله، ومن شبهه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين المسموعين الذي لا يستحقون الربوبية ولكن لا بد من إثبات ان له كيفية لا يستحقها غيره، ولا يشارك فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره)(2).

____________
1- المصدر السابق.
2- الشافي شرح الكافي ج2 ص62.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 215
-------------------------------------------------------------

اقرأ وتأمل المعنى الذي يستفاد من هذه الرواية، فإنه مغاير تماماً لما قاله: (ما لا كيفية له مطلقاً لا وجود له) فقول الإمام للسائل: (فله كيفية؟ قال: لا).
رداً على هذه القاعدة التي استدل عليها بالحديث وهو مبتور، فالكيفية التي يقصدها الكاتب ويعتقد بها هي الكيفية التي من عوارض الموضوع، وقد نزهه الإمام منها بجوابه للسائل: (لن الكيفية جهة الصفة والإحاطة) وهذا لا يجري على الله سبحانه وتعالى وأما الكيفية التي قالها الإمام في آخر الحديثك0كيفية لا يستحقها غيره، ولا يشارك فيها.. فهذه الكيفية إن سميت كيفية فهي ضرب من المجاز لقصور مفردات اللغة وما سميت كيفية إلا من باب الاشتراك اللفظي، فاشترك اللفظ واختلف المعنى.
وقد روى هذه الرواية ابن بابويه القمي بنفس السند ونفس المتن: (.. ولكن لا بد من إثبات ذات بلا كيفية لا يستحقها غيره ولا يشارك فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره)(1).
فهذه الرواية ترفع الاشتباه وتبين تمام المقصود، وهي نفي كل كيفية، لأن إثباتها لله هو عين التشبيه بل المراد منها إثبات جميع صفاته الكمالية، وهي عين ذاته.

2ـ إحسان إلهي ظهير:
وهو من أكثر الكتاب عداوة للشيعة، وله في الرد عليهم مجموعة من الكتب بين يدي منها أربعة:
(1) الشيعة والسنة.
(2) الشيعة وأهل البيت.

____________
1- التوحيد، للشيخ الصدوق ص247.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 216
-------------------------------------------------------------

(3) الشيعة والقرآن.
(4) الشيعة والتشيع.
وقد استخدم كل طاقاته في الرد عليهم والتعرض فأكابرهم، ويا ليته كان نزيهاً أميناً حسن الخلق والأدب، فقد افترى على الشيعة ما يشيب منه الصغير ويهرم فيه الكبير، وأنا أدعو كل صاحب عقل صائب أن يقرأ كتبه، ثلم يلاحظ، أولاً: أسلوبه، وثانياً: افتراءاته، وثالثاً: تزويره. بعد مراجعة كتب الشيعة التي تتناول نفس الموضوع.
وأكتفي في هذا المقام، بذكر بعض الشواهد، لأن المقام لا يسمح بالرد والتفصيل، وقبل أن أتعرض لتزويره للحقائق، أشير إلى ملاحظتين سريعتين على منهجه في الطرح وأسلوبه في عرض الأفكار.

آ ـ الملاحظة الأولى:
يرتكز منهجه على سرد معتقدات الشيعة بأسلوب مشوه، تحت عناوين منفرة. حتى يشكل حجابا بين القارئ وبين معتقدات الشيعة، ومن المفتر أن يتبع منهجاً سليماً في الرد بأن يذكر معتقدات الشيعة أولاً، ثم يذكر أدلتهم عليها وبعد ذلك يردها بالدليل والبرهان، ثم يستدل على ما يعتقد به.
ومثال لذلك، يذكر في كتابه (الشيعة والسنة) ص53، تحت عنوان، مسألة البداء يقول: (وكان من الأفكار التي روجها اليهود، وعبد الله بن سبأ 0أن الله يحصل له البدا) أي النسيان والجهل تعالى الله عما يقولون).
ثم يذكر روايات من كتب الشيعة حول البداء، من غير أن يذكر أدلة الشيعة على البداء من الكتاب وروايات البخاري ومسلم، وأقوال علماء السنة، ومن العقل، ومن غير أن يوضح مفهوم الشيعة للبداء. بل يعرفه من عنده بـ (النسيان والجهل) ويبني على هذا التعريف الخاطئ تفسيره لروايات الشيعة للبداء. وحاله هذا كحاله في مسألة التقية، فيذكر ص127 تحت
-------------------------------------------------------------
الصفحة 217
-------------------------------------------------------------

عنوان (الشيعة والكذب). ويبدأ قوله: (الشيعة والكذب كأنهما لفظان مترادفان لا فرق بينهما، تلاما من أول يوم أسس فيه هذا المذهب وكون فيه، هذا فما كانت بدايته إلا ن الكذب وبالكذب) ثم يبرهن على ذلك فيقول: (ولما كان التشيع وليد الكذب أعطوه صبغة التقديس التعظيم وسموه بغير اسمه، واستعملوا له لفظة (التقية)..).
أسألكم ـ بالله ـ أي منهج هذا في المناقشة العلمية، تهجم وسخرية من غير فهم، فكيف جاز له أن يفسر التقية بالكذب؟، وقد استخدم القرآن هذا الفظ قال تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء غلا أن تتقوا منهم تقاة..) آل عمران /28.
وبالمعنى في آية أخرى:
(من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان..) النحل/106.
والتقية بمعنى إخفاء الايمان وإظهار خلافه، إذا خاف الإنسان على نفسه وماله وعرضه، وهذا ما لا يخالف فيه أحد من المسلمين، لأن الذي يكره لا يحاسب فيما أكره عليه، بل أحياناً يجب عليه ذلك إذا تعلق الضرر بالآخرين، أو على مصلحة الرسالة والدين كما فعل مؤمن آل فرعون، وفي حالة الاضطرار يرتفع الحكم من الموضوع.
قال تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) البقرة/173.
ولم يرد إحسان ظهير من هذا إلا الخدعة والمكر بطريقة ذكية. فيفسر التقية بالكذب ويرسلها إرسال المسلمات، وعندما يثبت هذا في ذهن القارئ
-------------------------------------------------------------
الصفحة 218
-------------------------------------------------------------

يحشد له مجموعة من الروايات الشيعية التي تصرح بالتقية، فيضع القارئ في مكان (التقية) كلمة (الكذب)، فيخرج بمعان تجعله ينفر مما يقوله الشيعة.
ولست هنا في مقام الرد أو إثبات ما يقوله الشيعة لأنه لم يكن أهلاً للمناقشة والأدلة ولم يذكر دليلاً واحداً مخالفاً حتى يرد عليه، وما يهمنا هنا هو بيان أسلوبه فقط. ومنهجه فقط.

ب ـ الملاحظة الثانية:
من غير المنطقي التهكم على عقائد الغير ومحاكمتها لأنها تخالف معتقداتك، ولكنمع الاسف هذا أسلوبه وأسلوب غيره من الكتاب ـ كل شيء يخالف ما قلناه. صلاتهم غير صلاتنا وصومهم غير صومنا وزكاتهم غير زكاتنا...
كأنما هم محور الدين وائمة المسلمين، لا بد أن يدور كل شيء حول رحاهم، متجاوزين بذلك القاعدة التي تقول (نحن مع الدليل نميل معه حيثما مال).
وهذا مخالف لمنهج القرآن في المباحثة والمناظرة العلمية، الذي يعترف بالطرفين، فيعلم الله رسوله، كيف يخاطب الكفار والمشركين.
قال تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) سبأ/25.
فانظر هذا التعامل الأخلاقي النبيل، فلم يقل لهم إني على حق وأنتم على حق أو على باطل.. فهذا هو منهج القرآن عندما طرح للجميع حرية المناقشة قائلاً: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).
فكان رسول الله (ص) يسمع براهينهم ويردها بالتي هي أحسن، وقد سجل القرآن نماذج كثيرة سواء كانت مع رسول الله (ص) أو مع الأنبياء
-------------------------------------------------------------
الصفحة 219
-------------------------------------------------------------

السابقين، ففي قصص ابراهيم ونمرود، وموسى وفرعون، خير عبر، وقد اثبت الله سبحانه وتعالى حجج وبراهين الكافرين في قرآنه، وأعطاها من القداسة ما أعطى غيرها من الآيات ولم يجوز لمسلم أن يمسها من غير وضوء. بناء على الفقه الشيعي.
أين إحسان.. ظهير، وأمثاله من هذا المنهج القرآني الأصيل، وهو يفتخر بنفسه وجماعته قائلاً: (قراء القرآن الذين يتلونه آناء الليل وآناء النهار).
فما فائدة من يقرأ القرآن ويتلوا آياته ولا يتدبرها، ويستخلص منها الرؤى والبصائر، التي تكشف له طريقه في الحياة، ويستنطقها كيفية التعامل مع الآخرين، الذين يخالفونه في العقيدة والمذهب، ولكن صدق الإمام علي (ع) حينما قال: (كم قارئ للقرآن والقرآن يلعنه).

آ ـ نماذج من تزويراته:
(1) نقل في كتابه الشيعة وأهل البيت ص 40 نصاً للإمام علي (ع) من نهج البلاغة، مستدلاً على أن الإمام علي (ع) معترف بالشورى وليس بالنص، وأن شورى المهاجرين والأنصار هي رضا لله، ولا تنعقد الغمامة بدونهم، هذا ما استخلصه من النص، وهو كما تعلم نقض كامل لما تقوله الشيعة، وإليك النص الذي استنتج منه ذلك: (إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل، وسموه إماماً كان ذلك رضا لله، فإن خرج خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على أتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 220
-------------------------------------------------------------

وبعد رجوعي إلى المصدر تبين لي أن الرجل غير أمين في نقله، فإنه اقتطع ما يعجبه من وسط الكلام وترك صدره وآخر، حتى يزيف الحقيقة ويحرفها.
وإليكتمام النص الذي يتغير بتمامه كل المفهوم، ويتضح أن ما ذكره الإمام (ع) كان من باب ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم، وهو عبارة عن خطاب من علي (ع) إلى معاوية:
(إنه بايعني القوم، الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليهِ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا.. ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه، إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك والسلام)(1).
فاحتج أمير المؤمنين على معاوية بنفس ما يحتج به معاوية وأتباعه إلى اليوم بصحة خلافة ابي بطر وعمر وعثمان، فألزمه علي (ع) بحجته ـ أي حجة معاوية نفسه ـ، فقال: إن كانت بيعة الخلفاء قبلي صحيحة فبيعتي مثلهم، فقد بايعني الناس ولا طريق لمنكر بعد ذلك، فليس لشاهد البيعة أن يختار كما حدث في بيعة عمر بعدما عينه أبو بكر، فلم يكن لهم خيرة بعد تعيينه، ولا للغائب أن يرد ذلك، كما لم يتمكن الإمام (ع) من رد بيعة أبي بكر في السقيفة، لأنها كانت خفية، فهذه هي الشورى التي أدعيتموها، سواء كانت في إمرة أبي بكر أو عمر أو عثمان، فهي رضا لله كما تدعون، فلا يجوز أن يخرج منها خارج وإلا رد كما ردوا مانعي الزكاة عندما امتنعوا عن دفعها إلى أبي بكر، لأنه لم يكن الخليفة الشرعي في نظرهم فليس
____________
1- نهج البلاغة، شرح محمد عبده ص22.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 221
-------------------------------------------------------------

لك مناص يا معاوية لأنه قد اجتمع الناس إلى مبايعتي. إلا أن تتجنى، فتجن ما بدا لك.
هذا هو المعنى الذي يستفاد من جملة السياق، ولكنه لم يرق لهوى إلهي ظهير.
(2) أورد في كتابه حديثاً من التفسير المنسوب إلى الحسن العسكري، يقول فيه: (إن رجلاً ممن يبغض آل محمد، وأصحابه الخيرين.. أو واحد منهم يعذبه الله عذاباً.. لو قسم على مثل عدد خلق الله لأهلكهم أجمعين)(1).
ثم يقول: ولأجل ذلك قال جده الأكبر، علي بن موسى الملقب بالرضا ـ الإمام الثامن عند الشيعة ـ حينما سئل: عن قول النبي (ص): أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم أهتديتم. وعن قوله (ع): دعوا لي أصحابي: فقال (ع): هذا صحيح)(2).
ويريد أن يستدل بذلك على أن نظرة أهل البيت للصحابة، كانت تعتبر عدالتهم جميعاً فلا يحق للشيعة الطعن أو الجرح في أحد منهم، وإلا يكونوا مخالفين لأقوال أئمتهم.
تأمل إلى هذا الكذب الصريح عندما أنقل إليك تمام النص.
(قال: حدثني أبي، قال سئل الرضا (ع) عن قول النبي (ص): أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، وعن قوله: دعوا لي أصحابي، فقال (ع): هذا صحيح يريد من لم يغير بعده ولم يبدل، قيل: وكيف يعلم أنهم قد غيروا أو بدّلوا؟ قال: لما يروونه من أنه (ص) قال: ليذادن رجال من أصحابي يوم القيامة عن حوضي، كما تذاد غرائب الإبل عن الماء، فأقول: يا رب أصحابي، أصحابي.

____________
1- الشيعة وأهل البيت ، ص41ـ42.
2- الشيعة واهل البيت. ص41،42.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 222
-------------------------------------------------------------

فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: بعداً لهم وسحقاً لهم. فترى هذا لمن لم يغير ولم يبدل)(1).
انظر ما فعلته الخيانة في نقل الحديث كيف غيرت مفهومه تماماً، ألم أقل لكم أنه كذاب؟!
وقول الإمام (ع): (لما يروونه) أي ما يرويه محدثوهم وحفاظهم من أهل السنة والجماعة، وتصديقاً لقول الإمام (ع)، سوف أنقل لك بعض الروايات التي جاءت في البخاري ومسلم.
روى البخاري في تفسير سورة المائدة، باب أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك، وتفسير سورة الانبياء كما رواه الترمذي في أبواب صفة القيامة، باب ما ء جاء في شأن الحشر، وتفسير سورة طه: (وإنه يجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول يا رب أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح (وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم)، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم، مذ فارقتهم).
وروى البخاري في كتاب الدعوات باب الحوض، وابن ماجه كتاب المناسك باب الخطبة يوم النحر، حديث رقم 5830، كما أورده أحمد في مسنده بطرق متعددة:
(ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم، اختلجوا دوني فأقول: أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك).
وفي صحيح مسلم: كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا، الحديث 40: (ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رأيتهم رفعوا لي
____________
1- عيون أخبار الرضا، ص85.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 223
-------------------------------------------------------------

اختلجوا دوني، فلأقولن: أي رب أصحابي، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
وروى البخاري ـ أيضاُ ـ: (إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً ليردن علي أقوام، أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما حدثوا بعدك، فأقول: سُحقاً لمن غيري بعدي).
ولولا الخوف من الخروج عن الموضوع، لوسعت في هذا المقام.
فيا إحسان، إذا امتدت يدك لتحرف ما جاء في أحاديث الشيعة، فإنك لا تستطيع أن تحرِّف ما جاء في صحاحكم.
(3) أورد في ص66، من نفس الكتاب، حديثاً للإمام علي (ع) من نهج البلاغة وإليك ما نقل: (دعوني، والتمسوا غيري، فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً).
وعندما رجع إلى مصدر النص، وجدت مكره وحيلته، حيث أخذ أول الكلام وآخره وترك ما بينهما، فتغير بذلك المعنى، وإليك تمام النص.
قال عندما أراده الناس على البيعة، بعد قتل عثمان: (دعوني والتمسوا غيري، فإذا مستقبلون أمراً له وجوه، وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت. والمحجة قد تنكرت، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً)(1).

____________
1- نهج البلاغة ص136، الخطبة رقم 92.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 224
-------------------------------------------------------------

فانظر إلى النص الذي حذفه، كيف ينقلب المعنى رأساً على عقب من دونه، فماذا تسمى هذا ـ يا إحسان ـ؟! ومن هو الذي يكذب على أهل البيت؟!
ليس فقط من أ نواع الكذب أن تقول قولاً وتنسبه إلى من لم يقله، وإنما من الكذب أيضاً أن تحرّف مراد كلامه وتنسبه إليه.
سبحان الله قد عرف أمير المؤمنين (ع) أنهم لا يثبتون على هذه البيعة، وسوف يرتدون عليه ويقاتلونه في الجمل وصفين والنهروان، ويحتجون عليه بآلاف التبريرات، ولذلك أقام عليهم الحجة، وأخبرهم بمنهجه في الحكم، وهو الحق والحق مر صعب (وأكثرهم للحق كارهون).
وحدث ما قاله (ع) بالفعل، ولكن لم أكن أتوقع أن يستمر هذا الانقلاب والتبرير إلى يومنا هذا فيحرفون كلامه، لما فيه من كشف عن سوء نية وزيف من بايعه.
(4) وأختم بهذا التزوير والتحريف الواضح، وأترك لك التعليق، وأكتفي به، لأني لو جاريت هذا النسق من التزوير والتحريف لطال بنا المقام، وباختصار فإن الرجل لم يكن صادقاً حتى مع نفسه، وحمله على هذه الأفعال شدة عداوته لأهل البيت وشيعتهم، وإلا لماذا هذا التعسف الواضح أريد به أن يثبت للناس حقاً مضيعاً؟ وهو يتبع الباطل والتزوير وسيلة وهدفاً؟!
أورد في كتابه، الشيعة وأهل البيت ص67: (والطبرسي أيضاً ينقل عن محمد الباقر، ما يقطع أن علياً كان مقراً بخلافته، ومعترفاً بإمامته، ومبايعاً له بإمارته، كما يذكر أن أسام بن زيد حب رسول الله لما أراد الخروج، انتقل رسول الله إلى الملأ الأعلى: فلما ورد الكتاب على أسامة، انصرف بمن معه حتى دخل المدينة فلما رأى اجتماع الخلق على أبي بكر، انطلق إلى علي بن
-------------------------------------------------------------
الصفحة 225
-------------------------------------------------------------

أبي طالب (ع) فقال: ما هذا؟ قال علي (ع): هذا ما ترى، قال أسامة: فهل بايعته؟ فقال: نعم.
وقد نقل هذه الحادثة من كتاب الاحتجاج للطبرسي، وإليك تمام النص من المصدر:
(وروى عن الباقر (ع)، أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: أكتب إلى أسامة بن زيد يقدم عليك، فإن في قدومه قطع الشنيعة عنا. فكتب أبو بكر إليه:
من أبي بكر خليفة رسول الله (ص)، إلى أسامة بن زيد أما بعد:
فانظر إذا أتاك كتابي، فأقبل إلي أنت ومن معك، فإن المسلمين قد اجتمعوا علي وولوني أمرهم، فلا تتخلفن، فتعصي ويأتيك مني ما تكره، والسلام.
قال: فكتب أسامة إليه جواب كتابه: (من اسامة بن زيد عامل رسول الله (ص) على غزوة الشام. أما بعد: فقد أتاني منك كتاب ينقض أوله آخره، ذكرت ف أوله أنك خليفة رسول الله وذكرت في آخره أن المسلمين قد اجتمعوا عليك فولوك أمرهم ورضوك، فاعلم أني ومن معي من جماعة المسلمين والأنصار فلا والله ما رضيناك ولا وليناك أمرنا، وانظر أن تدفع الحق إلى أهله، وتخليهم وإياه فإنهم أحق به منك، فقد علمت ما كان من قول رسول الله (ص) في علي يوم الغدير فما طال العهد فتنسى، انظر مركز ولاتخالف فتعصي الله ورسوله (ص) ونعصي من استخلفه رسول الله عليك وعلى صاحبك ولم يهذلني حتى قبض رسول اله (ص) وإنك وصاحبك رجعتما، وعصيتما ـ يعني عمر ـ فأقمتما في المدينة بغير إذن).
فأراد أبو بكر، يأن يخلعها من عنقه، قال: فقال له عمر: لا تفعل، قميص قمصك الله لا تخلعه فتندم، ولكن ألح عليه بالكتب والرسائل، ومُرْ
-------------------------------------------------------------
الصفحة 226
-------------------------------------------------------------

فلاناً وفلاناً أن يكتبوا على أسامة أن لا يفرق جماعة المسلمين، وأن يدخل معهم فيما صنعوا. قال: فكتب إليه أبو بكر وكتب إليه الناس من المنافقين: أن إرض بما اجتمعنا عليه وإياك أن تشمل المسلمين فتنة من قبلك فإنهم حديثوا عهد بالكفر) قال: فلما وردت الكتب على أسامة انصر فبمن معه حتى دخل المدينة، فلما أي اجتماع الخلق على أبي بكر انطلق إلى علي بن أبي طالب (ع) فقال له: ما هذا؟ قال له علي: هذا ما ترى، قال له أسامة: فهل بايعته؟ فقال: نعم يا أسامة، فقال: طائعاً أو مكرهاً؟، فقال: لا بل كارهاً.
قال: فانطلق أسامة فدخل على أبي بكر وقال له: السلام عليك يا خليفة المسلمين، قال: فرد عليه أبو بكر وقال: السلام عليك أيها الأمير)(1).
ولا نقول له أكثر مما قاله عز وجل في محكم كتابه الكريم:
(انظر كيف يفترون على اله الكذب وكفى به إثماً مبيناً)(2).
(فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرّفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلاً منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين)(3).
(3) كتاب (تبديد الظلام وتنبيه النيام إلى خطر التشيع على المسلمين والإسلام) لابن الجبهان:
لم أرَ كاتباً أكثر منه عداءاً لأهل البيت وشيعتهم، فقد شدَّ عزمه على التشنيع بهم والافتراء عليهم من غير منهج في النقاش أو أسلوب في الحوار
____________
1- الاحتجاج ، للطبرسي ص87.
2- سورة النساء/ الآية 50.
3- سورة المائدة، الآية 13.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 227
-------------------------------------------------------------

وكل ما عنده تكفير وتفسيق لآراء الآخرين، والذي يقرأ الكتاب سيجدني متسامحاً جداً.
وقد ثبت لي أنه لا يريد من كتابه هذا إلا إثارة الفتنة بين الشيعة والسنة وتفريق صفوف المسلمين بشتى الوسائل والطرق، لكي يزدادوا بلاء وضعفاً على ضعفهم، وكان من الأفضل أن يوجه كتابه إلى أعداء الإسلام والمسلمين دويلة (إسرائيل).
وبما أنه أتفقه من أن يناقش لأنه لم يذكر دليلاً حتى يكون أهلاً لذلك، وإنما ومجموعة من الأكاذيب والافتراءات على أهل البيت وشيعتهم، فينفي كل فضل جاء في حقهم وينكر الايات الواضحة والاحاديث الدالة على وجوب التمسك بهم.
وإليك نماذج من أساليبه في كيفية تضعيف الأحاديث التي تذكر فضائل أهل البيت.
أ ـ بعد أن يورد مجموعة من الأحاديث يقول: (ونرد عليها وعلى الأمساخ البشرية التي تشبثت بها)(1).
1ـ الحديث الأول: (مثل أهل بيتي فيكم كمثل باب حطة من دخله كان آمناً).
(مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من تمسك بها نجا ومن تخلف عنها غرق).
.. يضعّف هذا الحديث بأوهن ما يكون من الأدلة، فيقول أن هذا الحديث يستوجب أن النجاة والأمن في التمسك بأهل البيت، والهلاك والضياع في التخلف عنهم وهذا لا يجوز بمنطوق القرآن، لأن القرآن لا يشترط في النجاة إلا الإيمان بالله والعمل الصالح، ولا ينذر بالهلاك إلا على
____________
1- تبديد الظلام ص90.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 228
-------------------------------------------------------------

الكفر واقتراف المعاصي، ولا توجد في كتاب الله آية واحدة تنقض قولنا هذا(1).
أقول: ولكن ما علاقة قولك بهذا الحديث! فإثبات الشيء لا ينفي ما عداه.. هذا أولاً.
ثانياً: كل القرآن ينقض قولك، فهذا القرآن بين يديك يأمرنا بالتمسك بالأنبياء والرسل، ويحكم بكفر من لم يتمسك بهم (ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، كما يأمرنا بالتمسك بالأولياء: (أ"يعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، فالأمر في هذا الآية واضح في الوجوب فيلزم التمسك بهم، وأوجب الله علينا أيضاً التمسك بالمؤمنين واتباع سبيلهم.
قال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً)(2).
فعدم التمسك بهم يعني الهلاك ـ ومع الاسف ـ لم يرجع الجبهان على كتاب الله حتى يرى كيف كان دخول الباب لبني اسرائيل غفراناً لذنوبهم.
(وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة، نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين)(3).
لم يجهل الجبان ذلك لكن شدة عداوته لأهل البيت حملته على ذلك، ونزيده غيظاً بقوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً غلا المودة في القربى)(4).
فقد جعل الله أجر رسالته في موالاة أهل البيت.

____________
1- المصدر السابق ص91.
2- سورة النساء، الآية 115.
3- سورة البقرة، الآية 58.
4- سورة الشورى، الآية 23.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 229
-------------------------------------------------------------

ويضيف مستدلاً بقوله: لماذا نتبع أهل البيت، هل لهم علم لم يبلّغه رسول الله (ص) للمسلمين عامة. إن اعتقاد ذلك، يعني اتهام النبي (ص) بالمحاباة وكتمان الرسالة... وما دام الدين قد اكتمل فما الذي نحتاجه من أهل البيت.
انظر إلى سخافة الاستدلال، فإذا كان تبليغ أحكام الدين وتوضيحها لبعض الناس دون غيرهم محاباة فلم على رسول الله (ص) ـ وهو رسول لكل البشر ـ أن يبلغ بنفسه كل البشر فرداً فرداً، أو على الأقل الذين في زمانه، هذا ما لا يقول به عقال كما أن هذا الأمر خارج عن نطاق التبليغ، فقد امتاز أهل البيت بصفات أهلتهم لقيادة الأمة، فمن الواضح اختلاف الناس في مدى فهمهم واستيعابهم، واختلافهم في درجات الإيمان، فقد بلغ رسول الله (ص) للكل ولكن أهل البيت كانوا أسبق الناس إيمانا وأكثرهم جهاداً وأفضلهم تقوى وورعاً، ولذلك طهرهم الله من الرجس في كتابه.. فما هذا الحقد الدفين يا ابن الجبهان؟!
أما أن اكتمال الدين ينفي حاجة المسلمين، فلماذا نحتاج غلى الصحابة والسلف الصالح لنقلدهم؟!!
وبهذه الأدلة السخيفة رد هذا الحديث.
2ـ الحديث الثاني: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي).
يقول: (محرف، وصحته (كتاب الله وسنتي)، وعلى فرض أنه غير محرف. فمن هم العترة المشار إليه في هذا الحديث)(1).
.. بهذه البساطة رد حديث (كتاب الله وعترتي)!
وقد مر البحث حوله في أول الكتاب.

____________
1- ص 40.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 230
-------------------------------------------------------------

من الواضح كما أقر علماء الأصول أن القضية لا تثبت موضوعها، فالحديث هنا في مقام إثبات مجمل القضية وهو وجوب التمسك بكتاب الله وعترة أهل البيت أما معرفة ما هو الكتاب، وما هي العترة، لا يعرف من هذا الحديث، فيحتاج على دليل آخر خارج عنه، حتى يفصل المراد منهما.
فكي يستشكل على الحديث بقوله: من هم أهل البيت؟!
فهذا سؤال يفترض عليه أن يوجهه إلى رسول الله (ص) لأنه افترض صحة الحديث.
3ـ الحديث الثالث: (يا علي لا يحب إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق).
يقول: موضوع ولا أساس له من الصحة، لأن محبة غير الله ورسوله لا تصلح معياراً للايمان ولا مقياساً، لأن محبة الله ورسوله تستتبع حتماً محبة الصالحين ولا تنفصل عنها.
أولاً ـ لماذا يا ترى استثنى رسول الله (ص)، فإذا كان المعيار هو الاستتباع فحب الله يستتبع أيضاً حب رسوله وعباده الصالحين.
ثانياً ـ فإذا كان حب الله ورسوله يستتبع حب الصالحين، فأيضاً حب الصالحين يستتبع حب رسوله وحب اله، وهذا يثبت صحة الحديث لأن الحديث في بيان كيفية معرفة المنافق، وبما أن الذي يظهر الايمان بالله ورسوله لا يستطيع أن يعلن عن عدم حبه لله ورسوله وغلا لا يسمى منافقاً ولكن يستطيع أن يعلن بغضه لأي شخص آخر، وبما ان الإمام علياً (ع) من الصالحين بل من أصدق المصاديق فمن أ[غضه يكون بالاستتباع يبغض الله ورسوله، فيشكل لنا هذا الحديث معياراً دقيقاً في معرفة المنافقين.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 231
-------------------------------------------------------------

ثالثاً ـ وإذا كان عنوانك أن الحب والبغض ليس معياراً للإيمان ولا مقياساً للعقيدة فلماذا تكفر الشيعة، بسبب بغضهم لبعض الصحابة ـ على حسب زعمك ـ؟!
ألا ترجو من ذلك ثواباً؟!
فإن كان، لا، فكلامك كله لغو وضياع للوقت.
4ـ الحديث الرابع: (أنا مدينة العلم وعلي بابها).
يقول إن صبغة الحديث تدل على تفاهته، وتافهة من نسبه إلى رسول الله (ص) فإن النفور واضح بين كلمة (المدينة) وكلمة (العلم) ولا يوجد أي انسجام لا تلقى بين مفهومهما ولا بين منطوقهما، ولو قال (أنا بحر العلم وعلي شاطئه) لكان أليق.
ويستدل أيضاً: لماذا جعل رسول الله هذا العلم في مدينة وجعل مفاتحه عند علي ولم يجعلها مشاعاً من غير أبواب، حتى يتيسر لكل الناس الدخول إليها من حيث شاءوا..
هذا مبلغ علمه وغاية استدلاله. أي منافاة، والحديث لم يكن بخصوص تعريف العلم حتى يقول: بحر.
هذا مبلغ علمه وغاية استدلاله. أي منافاة، والحديث لم يكن بخصوص تعريف العلم حتى يقول: بحر.
وإنما أراد بيان الرابطة بينه وبين علي (ع)، فالحديث ناظر إلى مجمل العلاقة بينهما، فكان مثال المدينة أوضح لعدم التمكن من الدخول إليها إلا عن طريق الباب.
أما قوله: ولم يجعلها مشاعاً من غير أبواب...

-------------------------------------------------------------
الصفحة 232
-------------------------------------------------------------

فيكفيه قوله تعالى: (فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(1).
هذا هو منهجه الذي يدل على نصبه وشدة عداوته لرسول الله وعترته الطاهرة. فبهذا التفكير الساذج والأدلة المضحكة لا يثبت لأهل البيت منقبة، وفي المقابل يصحح كل الروايات الضعيفة والأحاديث المردودة متناً وسنداً لأنها تثبت فضيلة لأي واحد آخر من السلف.
فيا علماء أهل السنة والجماعة، أتقبلون مثل هذا عالماً من علمائكم، يدافع عنكم ويمثل رايكم، فإذا كان نعم. فعلى أهل السنة والجماعة السلام.وإذا كان. لا، فلماذا لا تعترضون عليه وتوقفونه عند حده، وهذا الكتاب الذي بين يدي هو الطبعة الثالثة، وقد يكون طبع عشرات المرات.. فأوقفوه.
ومن المؤسف جداً. أنه مكتوب عليه (طبع هذا الكتاب بإذن من رئاسة إدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد.
فسبحان الله!، اسم مناقض تماماً لهذا الكتاب، فاي بحوث علمية وهي لم تبحث هذا الكتاب نفسه، وإلا ينسب إليها ما نسب على مؤلفه من الجهالة وحماقة العقل وقلة الفهم، والتحريف وتزوير الحقائق لأن الإقرار بالشيء هو التصديق به.
وأي دعوة، وأي إرشاد؟!
اللهم إلا الدعوة إلى الافتراق والاختلاف، والإرشاد إلى هذه المتناقضات المخزية فإلى متى تعيش الوهابية في هذا التناقض، فعندما ضعف الدكتور الترابي حديث الذبابة بأدلة منطقية وبراهين علمية، شهروا عليه سيوفهم وأفتوا بكفره، ولكن عندما يضعف الجبهان عشرات الأحاديث
____________
1- سورة النحل، الآية 43.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 233
-------------------------------------------------------------

الصحيحة والمتواترة عندكم، التي رواها البخاري ومسلم، لا يحرك له ساكن..!
فهل عندكم الذبابة أكثر شرفاً من أهل بيت رسول الله (ص)؟!!
(وحقاً يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا بغضك إلا منافق).

ب ـ نماذج من افتراءاته على الشيعة:
1ـ قال في ص4949: (وزد على ذلك أن أذانهم يختلف عن أذاننا، وصلاتهم تختلف عن صلاتنا وصيامهم يختلف عن صيامنا، وهم لا يعترفون بالزكاة ولا بمستحقيها).
2ـ يقول في ص495: (وأنهم لا يعذبون بكبيرة ولا صغيرة، وأن من سواهم مخلدون في النار، ثم إباحتهم إعارة فروج النساء، وإسقاطهم الجمعة والجماعة والحدود بحجة غيبة الإمام، وتسميتهم أمة محمد بالأمة الملعونة، واعتقادهم بأن لعن الصحابة وأمهات المؤمنين من أعظم القربات إلى الله).
3ـ ويذكر في ص222: (وقد لا يصدق القارئ الكريم أن نكاح الأم عندهم هو من البر بالوالدين، وأنه عندهم من أعظم القربات).
4ـ وفي ص: (يمد الشيعي إليك يده مصافحاً، ولكن ليشغلك عن اليد الأخرى التي امتدت إلى جيبك).
5ـ وفي ص28: (كل من يولد في أيام عاشوراء فهو سيد، وكل من حملت به أمه في أيام عاشوراء فهو سيد حتى ولو كان حملاً غير شرعي).
بل لم يقف عند ذلك، فقد امتد لسانه إلى الإمام جعفر الصادق (ع) ابن رسول (ص)، الذي اعتقد فيه مجموعة من
-------------------------------------------------------------
الصفحة 234
-------------------------------------------------------------

المسلمين، أنه إمام معصوم، والمجموعة الأخرى تعتقد فيه أنه من جهابذة العلم والعلماء، وقد دان بفضله أئمة المذاهب الأربعة.
ولم يذكر لنا التاريخ أن احداً قدح فيه، ولو كان من أشد أعدائه، إلى أن أتى ابن الجبهان قائلاً في حقه: (إن قول جعفر: (من أراد الدنيا لا ينصحك ومن أراد الآخرة لا يصحبك) قول من برع في أسالي المراوغة وأتقن فنون الدجل). ولكن إذا كان القول بأن الناس على دين ملوكهم صحيحاً فصحة القول بأنهم على دين أئمتهم من باب أولى، وبما أنكم نسخة مطابقة لأصل (جعفر) الذي تعترفون بأنه المؤسس الأكبر لكل معتقداتكم)(1).
فانظر إلى أي مدى بلغ به النصب والعداء لأهل بيت الرسالة.
8ـ ولم يكن هذا المنهج من إبداعات الجبهان، فقد سبقه إليه أستاذه مؤسس الوهابية محمد بن عبد الوهاب، فقد جاء في رسالة (في الرد على الرافضة9: ص34:) إباحتهم نكاح المتعة، بل يجعلونها خيراً من سبعين نكاحاً دائماً، وقد جوّز لهم شيخهم الغالي علي بن العالي، أن يتمتع أثنا عشر نفساً في ليلة واحدة بإمرأة واحدة. وإذا جاء الولد منهم أقرعوا بينهم فمن خرجت قرعته كان الولد له.
9ـ ص 44: (ومنها أن اليهود مسخوا قردة وخنازير، وقد نقل أنه وقع ذلك لبعض الرافضة في المدينة المنورة وغيرها، بل قد قيل أنهم يمسخ صورهم ووجوههم عند الموت، والله أعلم.
فهذا هو منهجهم في الرد على الشيعة، لا يخرج عن أساطير ألف ليلة وليلة وأحلام قمر الزمان وشهرزاد.

____________
1- ص 206.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 235
-------------------------------------------------------------

رابعاً ـ وأما افتراءات أحمد أمين في ـ ضحى الإسلام ـ فسوف نضرب عنها صفحاً، خاصة بعدما بلغنا اعتذاره عما كتبه عن الشيعة، ويذكر ذلك الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه ـأصل الشيعة وأصولها ـ ص72:
(ومن غريب الاتفاق أن احمد أمين في العام الماضي 1349هـ بعد انتشار كتابه، ووقوف العديد من علماء النجف عليه ـ زار مدينة العلم ـ النجف، وحظي بالتشرف بأعتاب تلك المدينة، في الوافد المصري المؤلف من زهاء 30 بين مدرس وتلميذ وزارنا بجماعته، ومكثوا هزيعاً من ليلة من ليالي رمضان، في نادينا في محفل حاشد، فعاتبناه على تلك الهفوات، عتاباً خفيفاً، وصفحنا عنه صفحاً جميلاُ. وأردنا أن نمر عليه كراماً، ونقول له سلاماً، وكان أقصى ما عنده من الاعتذار عدم الإطلاع وقلة المصادر، فقلنا: وهذا أيضاً غير سديد، فإن من يريد أن يكتب عن موضوع يلزم عليه أولاً أن يستحضر العدة الكافية ويستقصي الاستقصاء التام، وغلا فلا يجوز له الخوض والتعرض له، وكيف أصبحت مكتبات الشيعة ومنها مكتبتنا مشتملة على ما يناهز 5000 مجلداً أكثرها من كتب علماء السنة وهي في بلدة كالنجف فقيرة من كل شيء إلا من العلم والصلاة إن شاء اله، ومكتبات القاهرة ذات العظمة والشأن خالية من كتب الشيعة إلا من شيء لا يذكر.
نعم، القوم لا علم لهم من الشيعة بشيء وهم يكتبون عنهم كل شيء)..

-------------------------------------------------------------
الصفحة 236
-------------------------------------------------------------


-------------------------------------------------------------
الصفحة 237
-------------------------------------------------------------


الفصل الثامن
المذاهب الأربعة تحت المجهر

حركة الاختلاف بين المذاهب
وقفة مع أئمة المذاهب
خاتمة
لمحة عن الفقه الشيعي
مناظرة يوحنا مع علماء المذاهب الأربعة


-------------------------------------------------------------
الصفحة 238
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 239
-------------------------------------------------------------


المذاهب الأربعة تحت المجهر
لقد انعكست آثار السقيفة وتحويل الخلافة عن أهل البيت في كل المجالات والأصعدة فأثرت سلبياً في التاريخ وعلم الحديث. وغيرها من العلوم وظهرت آثارها الواضحة على الفقه الإسلامي، فتعددت المدارس الفقهية، وتباينت عن بعضها.
وقد نقل التاريخ تعصب كل جماعة لمدرستهم الفقهية وما حصل بينهم من مشادات ونزاعات إلى درجة أن يكفر بعضهم البعض، وكشف لنا أيضا دور السلطات الحاكمة وكيف كانت تتلاعب بدين المسلمين فالعالم الذي يوافق هواها يكون إماماً للمسلمين وتلزم الناس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بتقليده والإقتداء به.
وقد رست المرجعية الفقهية بعد ظروف وملابسات متعددة على أربع من مئات المجتهدين وهم: مالك، أبو حنيفة، الشافعي، أحمد بن حنبل، ثم حُرِّم الاجتهاد من بعدهم وأمرَ الجميع بتقليدهم، ويرجع ذلك إلى تاريخ 645هـ عندما رأت السلطات الحاكمة أن مصلحتها تتطلب حصر الاجتهاد في المشايخ الأربعة، وقد تعصب مجموعة من العلماء فهذه الفكرة وأعلنوا تأيدهم لها، واعتبرت مجموعة أخرى أن هذا التصرف ما هو إلا كبت للحرية ومصادرةً للقدرات، وقد ألف ابن القيم فصلاً طويلاً في - إعلام الموقعين - استقصى فيه أدلة القائلين بوجوب سد باب الاجتهاد وعطلها بالأدلة القوية، ورغم أن الرأي الذي يقول بوجوب الوقوف على اجتهادات
-------------------------------------------------------------
الصفحة 240
-------------------------------------------------------------

الأئمة الأربعة مخالف للدين والعقل السليم إلا أنه كانت له الغلبة لتأييد السلطات لهذا الرأي الذي يضمن لها مصالحها.
يقول الأستاذ عبد المتعال الصعيدي: (وإني أستطيع أن أحكم بعد هذا بأن منع الاجتهاد قد حصل بطرق ظالمة، وبوسائل القهر والإغراء بالمال، ولا شك أن هذه الوسائل لو قُدرت لغير المذاهب الأربعة - التي نقلدها اليوم - لبقي جمهور يقلدها أيضاً ولكانت الآن مقبولة عند من ينكرها، فنحن إذا في حل من التقيد بهذه المذاهب الأربعة التي فُرضت علينا بتلك الوسائل الفاسدة وفي حل من العود إلى الاجتهاد في أحكام ديننا، لأنه منعه لم يكن إلا بطريق القهر، والإسلام لا يرضى بما يحصل بطريق الرضا والشورى بين المسلمين. كما قال تعالى: [وأمرهم شورى بينهم](1).
هذه هي الحقيقة المُرة التي يصل لها الباحث المنصف في تاريخ المذاهب الأربعة فبأي حق فُرض على المسلمين التعبد بأحدهم، وبأي دليل مُنع العلماء من الاجتهاد ولماذا اختير هؤلاء الأربعة دون غيرهم؟! مع وجود علماء أكثر منهم علماً وفضلاً. مثل.

(1) سفيان الثوري:
ولد سنة 65هـ، وله مذهب خاص ولكن لم يطل العمل به لقلة أتباعه، وعدم مؤازرة السلطة له. وهو أحد تلاميذ الإمام الصادق (ع)، وخريج مدرسته، ويعتبر من الفقهاء الذين تُشدّ لهم الرحال في طلب العلم، وقد روى عنه عشرون ألفاً.
وأراد المنصور قتله فلم يتمكن وهرب حتى توفى متوارياً منه سنة 161هـ فبقي مذهبه معمولاً به إلى القرن الرابع.

____________
1- ميزان الاجتهاد ص 14.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 241
-------------------------------------------------------------


(2) سفيان بن عيينة:
عالم وفقيه ثابت أخذ العلم عن الصادق (ع)، والزهري وابن دينار وغيرهم. وقال الشافعي في حقه ما رأيت أحداً فيه من آلة الفتيا ما في سفيان وما رأيت أكفأ منه على الفتيا، وله مذهب يُعمل به انقرض في القرن الرابع.

(3) الأوزاعي:
لقد كان الأوزاعي من العلماء، وقد انتشر مذهبه في الشام، وعمل أهلها بمذهبه مدة من الزمن، ولقد كان الأوزاعي محترماً مقرباً من قبل السلطة، فقد كان من المؤيدين لها، فاتخذته لذلك رمزاً دينياً، وعندما جاء العباسيون قربوه لمكانته من أهل الشام، فكان المنصور يعظمه ويراسله لما عرف منه الانحراف عن آل محمد صلوات الله عليهم، ولكن رغم ذلك فقد انقرض مذهب الأوزاعي ندما عُين محمد بن عثمان - الشافعي - قاضياً على دمشق، فحكم بمذهب الشافعية وعمل على فرضه ونشره في الشام، حتى تحول الشاميون إلى شوافع سنة 203هـ.
إلى غيرهم من عشرات المجتهدين أمثال: ابن جرير الطبري، وداود ابن على الظاهري، والليث بن سعيد والأعمش والشعبي. وآخرين..
فلماذا بقيت هذه المذاهب الأربعة وانتشرت دون غيرها؟!
أكان أئمتها أعلم الناس في عهدهم؟!
أم اجتمع عليهم رضا الناس فجعلوهم أئمتهم؟!
كل هذا لم يكن متوفراً للمذاهب الأربعة، فناهيك عن التاريخ الذي يثبت وجود علماء كانوا أعلم منهم، فالعقل وحده يحكم بانتفاء هذا الشرط لأن تحديد الأعلمية من الصعوبة بمكان، كما أن انتشار هذه المذاهب واشتهار أئمتها لم يكن في ظروف وأجواء تحكمها الحرية والنزاهة العلمية، بل يظهر للمتتبع لتاريخها أنها فرضت على المسلمين في حين غرة من أمرهم، أما
-------------------------------------------------------------
الصفحة 242
-------------------------------------------------------------

اجتماع الناس عليهم ورضاهم بهم فلم يكن له أثر في التاريخ الإسلامي، بل على العكس تماماً، فقد تعصب كل أناس لمذهبهم وطعن بعضهم في معتقدات البعض حتى نتج من ذلك نزاعات دموية راح ضحيتها الآلاف من المسلمين، فأصبحوا أعداء متخاصمين، وعاملوا بعضهم معاملة الخارجين عن الدين حتى قال محمد بن موسى الحنفي - قاضي دمشق - المتوفي سنة 506هـ: لو كان لي من الأمر شيء لأخذت من الشافعية الجزية. ويقول أبو حامد الطوسي المتوفي سنة 567هـ: لو كان لي أمر لوضعت على الحنابلة الجزية. فكثرت الحوادث التي وقعت بين الحنفية والحنابلة، وبين الحنابلة والشافعية. فقام خطباء الحنفية يلعنون الحنابل والشوافع على ابنابر، والحنابل يحرقون مسجداً للشافعية بمرو، وشبت نار الفتنة والعصبية بن الحنفية والشافعية في نيسابور فحُرقت الأسواق والمدارس، وكثُر القتل في الشافعية، ثم يسرف الشافعية في أخذ الثأر منهم وذلك سنة 554هـ ومثل ذلك حدث بين الشافعية والحنابلة حتى تضطر السلطة إلى حل النزاع بالقوة وذلك في سنة 716هـ(1).
وكان الحنابلة يخلّون بأعمالهم بالأمن ويهرجون في بغداد، ويستظهرون بالعميان على الشافعية، الذين كانوا يأوون إلى المساجد، فإذا مرّ بهم شافعي المذهب أغروا به العميان فيضربونه(2).
وتجتمع بقية الذاهب على الحنابلة غضباً من أعمال ابن تيمية، ونودي في دمشق وغيرها: من كان على دين ابن تيمية حُلّ ماله ودمه. بمعنى أنهم يعاملونهم معاملة الكفرة، وفي القمابل نجد الشيخ ابن حاتم الحنبلي يقول: (من لم يكن حنبلياً فليس بمسلم)(3).

____________
1- البداية والنهاية ج4 ص76، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ص 190.
2- ابن الأثير ج8 ص 229.
3- تذكرة الحفّاظ ج3ص375.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 243
-------------------------------------------------------------

فهو يكفِّر جميع المسلمين ما عدا الحنابلة، وعكسه الشيخ أبو بكر المغربي - الواعظ في جوامع بغداد - ذهب إلى تكفير الحنابلة أجمع(1).
وغيرها من الحوادث التي يدمى لها القلب، فقد بلغ بهم التعصب إلى قتل العلماء والفقهاء غدراً بالسم. وهذا الفقيه - أبو منصور - المتوفي سنة 567هـ قتله الحنابلة بالسم تعصباً عليه، قال ابن الجوزي: إن الحنابلة دسوا إليه امرأة جاءت إليه بصحن حلاوة، وقالت: هذا يا سيدي من غزلي، فأكل هو وامرأته وولده وولدٌ له صغير فأصبحوا موتى، وكان من علماء الشافعية المبرزين(2). وكثير من أمثالهم من العلماء الذين قتلوا بسيف التعصب.
وهكذا تعصب كل أناس لأئمتهم إلى درجة أنهم وضعوا في فضلهم أحاديث ونسبوها إلى رسول الله كذباً وزوراً، فأخرجتهم عن حدود المعقول والاتزان وذلك مثل ما نسبوه لرسول الله (ص): (آن آدم افتخر بي وأنا أفتخر برجل من آمتي اسمه النعمان، وصورة أخرى: الأنبياء يفتخرون بي، وأنا أفتخر بأبي حنيفة من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني)(3)، وقد أخذهم الغلو في أبي حنيفة إلى أن ذكروا في فضائله (الله خصّ أبا حنيفة بالشريعة والكرامة، ومن كرامته أن الخضر (ع) كان يجيء إليه كل يوم وقت الصبح. ويتعلم منه أحكام الشريعة إلى خمس سنين، فلما توفي أبو حنيفة دعا الخضر ربه فقال: يا رب إن كان لي عندك منزلة فأذن لأبي حنيفة حتى يعلمني من القبر على عادته حتى أعلم الناس شريعة محمد على الكمال ليحصل لي الطريق، فأجابه ربه إلى ذلك. وتمت للخضر
____________
1- راجع شذرات الذهب ج3ص 252.
2- طبقات الشافعية ج4 ص 184.
3- الياقوت في الوعظ، لأبي فرج على بن الجوزي ص48.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 244
-------------------------------------------------------------

دراسته على أبي حنيفة وهو في قبره في مدة خمسة وعشرين سنة، إلى آخر ما في هذه الأسطورة التي تتلى في مجالس الحنفية في الهند ومساجدهم)(1).
وادعت المالكية لإمامهم أموراً، منها: أنه مطتوب على فخذه بقلم القدرة مالك حجة الله في أرضه، وأنه يحضر الأموات من أصحابه في قبورهم ويُنّحي الملكين عن الميت، ولا يدعهما يحاسبانه على أعماله(2).
وقد ذُكر أنه: اُلقي كتابه الموطأ في الماء ولم يبتل.
وقال الحنابلة في إمامهم: (أحمد بن حنبل إمامنا لم يرض فهو مبتدع). فكل المسلمين مبتدعون على حسب هذه القاعدة.
ويقولون أنه ما قام بأمر الإسام أحد بعد رسول الله كما قام به أحمد بن حنبل ولا أبو بكر الصديق مثله، وأن الله جل وعلا كان يزور قبره، كما روى ابن الجوزي في مناقب أحمد ص 454 قال: (حدثني أبو بكر بن مكارم ابن أبي يعلى الحربي - وكان شيخاً صالحاً - قال: كان قد جاء في بعض السنين مطر كثير جداً قبل دخول رمضان بأيام فنمت ليلة في رمضان فرأيت في منامي كأني قد جئت على عادتي إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل أزوره فرأيت قبره قد التصق بالأرض مقدار ساف - أي صف من الطين أو اللبن - أو سافين فقلت: إنما تمم هذا على قبر الإمام أحمد من كثرة الغيث فسمعته من القبر وهو يقول: لا بل هذا من هيبة الحق عز وجل قد زارني فسألته عن سر زيارته إياي في كل عام فقال عز وجل: يا أحمد لأنك نصرت كلامي فهو يُنشر ويُتلى في المحاريب. فأقبلت على لحده أقبله ثم قلت: يا سيدي ما السر في أنه لا يقبل قبر إلا قبرك؟ فقال لي: يا بني ليس هذا كرامة لي ولكن هذا كرامة لرسول الله (ص) لأن معي شعرات من
____________
1- المرجع السابق، ص48.
2- مشارق الأنوار للعدوي ص 88.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 245
-------------------------------------------------------------

شعره (ص) من يحبني يزورني في شهر رمضان. قال ذلك مرتين).
وغير ذلك من المناقب التي تدل على التعصب والغلو الفاحش وقد ظهر هذا التعصب بوضوح في أشعارهم.
قال شاعر الحنفية:

غدا مذهب النعمان خير المذاهب كذا القمر الوضواح خير الكواكب
مذاهب أهل الفقه عندي تقلصت وأين عن الرواسي نسج العناكب

ويقول شاعر الشافعية:

مثل الشافعي في العلماء مثل البدر في نجوم السماء
قل لمن قاسه بنعمان جهلاً أيقاس الضياء بالظلماء

ويقول شاعر المالكية:

إذا ذكروا كتب العلوم فحيي هل بكتب الموطأ من تصانيف مالك
فشد به كف الصيانة تهتدي فمن حاد عنه هالك في الهوالك

ويقول الحنبلي:

سبرت شرائع العلماء طراً فلم أر كاعتقاد الحنبلي
فكن من أهله سراً وجهراً تكن أبداً على النهج السوي

ويقول آخر:

أنا حنبلي ما حييت وإن أمت فوصيتي للناس أن يتحنبلوا
-------------------------------------------------------------
الصفحة 246
-------------------------------------------------------------

وهكذا كل واحد يجر النار إلى قرصه، ويتعصب لإمامه، ويفتخر بمذهبه ويتبرى من المذاهب الأخرى، حتى قيل: (إن من يصير حنفياً يُخلع عليه، ومن يصير شافعياً يُعزّز(1). وقد وصف السبكي، في طبقات الشافعية بقوله: (فهذا أبو سعيد المتوفي سنة 562هـ كان حنفي المذهب، وتحول شافعياً، فلقي عناء وامتحن لذلك، وهذا السمعاني لما انتقل من المذهب الحنفي إلى المذهب الشافعي لاقى محناً وتعصباً، وقامت الحروب على ساق، وأضرمت نيران الفتنة بين الفريقين، فكانت تملأ ما بين خراسان والعراق واضطرب أهل مرو لذلك اضطرباً فظيعاً، وفُتحت باب المشاقة، وتعلق أهل الرأي بأهل الحديث وساروا إلى باب السلطان... إلى آخر ما وصفه(2).
ومثل هذه الحوادث كثيرة لا تخصى، وما ذكرناه كاف كنماذج وأمثلة لحركة الاختلاف والتعصب بين المذاهب الأربعة، حتى أصبح التكتم بالمذهب لازماً. يقول أبو بكر محمد بن عبد الباقي المتوفي سنة 535هـ في ذلك - وكان حنبلياً يصف حالة التكتم بقوله:

احفظ لسانك لا تبح بثلاثة سن ومال ما استطعت ومذهب
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة بمكفر وبحاسد ومكذب

وقد صور الزمخشري الخلاف وشدة التطاحن بين المذاهب بقوله:

____________
1- الدين الخالص ج3 ص 355.^
2- طبقات الشافعية ج3ص 22.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 247
-------------------------------------------------------------

إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به وأكتمه كتمانه لي أسلم
فإن حنفياً قلت قالوا بأنني أبيح الطلى وهو الشراب المحرم
وإن شافعياً قلت قالوا بأنني أبيح نكاح البنت والبنت تحرم
وإن مالكياً قلت قالوا بأنني أبيح لهم أكل الكلاب وهم هم
وإن قلت من أهل الحديث وحزبه يقولون تيس ليس يدري ويفهم(1)
____________
1- الكشاف للزمخشري ج 2 ص 498.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 248
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 249
-------------------------------------------------------------


وقفة مع أئمة المذاهب الأربعة
عن البحث عن تاريخ أئمة المذاهب الأربعة من الصعوبة بمكان، لأن أخبارهم إما منقولة عن المتعصبين لهم الغالين فيهم، وإما عن طريق أعدائهم المتحاملين عليهم، وبين هذين الخطين المتعارضين يصعب الخروج رؤية مجردة نزيهة.
يقول أحمد أمين: كما أن العصبية المذهبية حملت بعض الأتباع لكل مذهب أن يضعوا الأخبار لإعلاء شأن إمامهم، ومن هذا الباب ما زوروه من الأحاديث بتبشير النبي (ص) لكل إمام من مثل ما روي أن النبي (ص) قال في أهل العراق: إن الله وضع خزائن علمه فيهم، ومثل: يكون في الأمة رجل يقال له النعمان بن ثابت ويكنى بأبي حنيفة يُحيي اله على يديه سنتي في الإسلام... إلخ، حتى لقد زعموا أن أبا حنيفة بشرت به التوراة، وكذلك فعل بعض الشافعية بالشافعي والمالكية في مالك، وما كان أغناهم عن ذلك. ومن أجل ذلك صَعُب على الباحث معرفة التاريخ الصحيح لكل إمام، فقد كان كلما أتى جيل زاد في فضائل إمامه(1).

____________
1- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج ص 275.2

-------------------------------------------------------------
الصفحة 250
-------------------------------------------------------------

ولقد حظي أبو حنيفة وحده من هذه الفضائل بمجموعة من الكتب، نذكر منها على سبيل المثال: (عقود المرجان في مناقب أبي حنيفة النعمان)، لأبي جعفر الطحاوي. و(مناقب أبي حنيفة) للخوارزمي. و(البستان في مناقب النعمان) للشيخ محي الدين عبد القادر بن أبي الوفاء، و(شقائق النعمان في مناقب النعمان) للزمخشري. وغيرها وهذا إن دل إنما يدل على درجة الغلو والتعب لأبي حنيفة، والتنازع والمشادة حول المذاهب وأئمتها، وإلا ما هو الداعي لكتابة كل هذه الكتب، التي لم يُحظ بمثلها الخلفاء الراشدون؟!.
ومن بين هذين الخطين المتناقضين بين الغلو والتحامل، نحاول أن نستكشف رؤية مجردة لتاريخ المذاهب والملابسات التي انتشرت فيها.

(1) الإمام أبو حنيفة

نشأة أبي حنيفة:
هو النعمان بن ثابت، ولد سنة 80هـ في خلافة عبد الملك بن مروان، وتوفى ببغداد سنة 150هـ، وقد نشأ في الكوفة في عهد الحجاج، وكانت الكوفة إحدى مدن العراق العظيمة، التي نشأت بها حلقات العلم، وكانت الأهواء المتضادة والآراء المتضاربة في السياسة والعلم وأصول العقائد آنذاك تدعو إلى الدهشة، وفي هذه الأجواء نبغ أبو حنيفة في علم الكلام والجدل وناظر فيه، ثم انتقل إلى حلقة الفقه حتى اختص به، وقد تتلمذ على يد حمّاد بن أبي سليمان المتوفي سنة 120هـ وكان من أنبغ تلاميذه، وقد انفرد أبو حنيفة بعد وفاة حمّاد فعلاً صيته واشتهر اسمه، وقد درس أيضاً على مشايخ عصره، وحضر عند عطاء بن رباح في مكة، وعلى نافع مولى
-------------------------------------------------------------
الصفحة 251
-------------------------------------------------------------

ابن عمر في المدينة وآخرين، وكان أكثر ملازمة لحماد بن سليمان، وقد روى عن أهل البيت مثل الإمام محمد الباقر وابنه الصادق عليهما السلام.

فقه أبي حنيفة:
لم يُعرف لأبي حنيفة فقه خاص إلا عن طريق تلامذته، فلم يكتب فقهاً بنفسه ولم يدون شيئاً من آرائه، وكان لأبي حنيفة تلاميذ كثيرون، ولكن الذين حملوا مذهبه ونشروه أربعة وهم: أبو يوسف وزفر ومحمد بن الحسن الشيباني والحسن بن زياد اللؤلؤي.
وقد علب أبو يوسف وهو يعقوب بن إبراهيم دوراً كبيراً في نشر المذهب الحنفي، فقد حظي بالقبول عند خلفاء بني العباس، وولي رئاسة القضاء في عهد المهدي والهادي والرشيد، ونال عند الرشيد حظاً مكيناً، فاستغل أبو يوسف هذا المنصب فعمل على نشر المذهب الحنفي في الأقطار، على أيدي القضاة الذي كان يعينهم من أصحابه، فكان نفوذ المذهب الحنفي يستمد من نفوذ سلطته، قال ابن عبد البر في ذلك، (كان أبو يوسف قاضي القضاة قضى لثلاثة من الخلفاء، ولي القضاء في بعض أيام المهدي ثم للهادي ثم للرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويجله، وكان عنده حظياً مكيناً، لذلك كانت له اليد الطولى في نشر ذكر أبي حنيفة وإعلاء شأنه، لما أوتي من قوة السلطان وسلطان القوة)(1).
وقد شارك تلميذ أبي حنيفة/ محمد بن الحسن الشيباني في نشر مذهب أبي حنيفة بتأليفاته التي أصبحت المرجع الأول لفقه أبي حنيفة، رغم انه تتلمذ أيضاً على الثوري والأوزاعي ومالك، وأدخل الحديث في فقه أهل الرأي.

____________
1- الانتفاء لابن عبد البر ص 5.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 252
-------------------------------------------------------------

أما زُفر ابن الهذيل وهو من أقدم أصحاب أبي حنيفة فقد نشر مذهب أبي حنيفة بلسانه، وتولى القضاء في زمن أبي حنيفة في البصرة، وقد كان شديد القياس، حتى هجاه أحمد بن المعدل المالكي بقوله:

إن كنت كذاباً بما حدثتني فعليك إثم أبي حنيفة أو زفر
الماثلين إلى القياس تعمداً والراغبين عن التمسك بالخبر

وكان القياس أكثر ما يعاب على أبي حنيفة وأصحابه، وقد ذُكر في العقد الفريد ص 408 أن مساوراً قال في أبي حنيفة:

كنا من الدين قبل اليوم في سعة حتى بُلينا بأصحاب المقاييس
قاموا من السوق إذ قامت مكاسبهم فاستعملوا الرأي بعد الجهد والبؤس

فلقيه أبو حنيفة فقال: هجوزتنا يا مساور، نحن نُرضيك. فوصله بدراهم فقال مساور:

إذا ما الناس يوماً قايسونا بآبدة من الفتيا طريفه
أتيناهم بمقياس صحيح تلاد من طراز أبي حنيفة
إذا سمع الفقيه بها وعاها وأثبتها بحبر من سحيفة

فأجابه أصحاب الحديث:

إذا ذو الرأي خاصم عن قياس وجاء ببدعة هنة سخيفة
أتيناهم بقول الله فيها وآثار مبرزة شريفه
-------------------------------------------------------------
الصفحة 253
-------------------------------------------------------------

ومن الغريب في الحال أن العلماء الذي أصلوا المذهب الحنفي ودونوه لم يكونوا مقلدين لأبي حنيفة في آرائه، وإنما كانوا علماء مستقلين يوافقون أستاذهم أبا حنيفة أحياناً ويخالفونه أحياناً، ولذلك نجد كتب الحنفية تورد أقوال أربعة في المسألة الواحدة. لأبي حنيفة قول، ولأبي يوسف قول، ولمحمد قول، ولزُفر قول.
يقول العلامة الخضري: (وقد حاول بعض الحنفية أن يجعل أقوالهم المختلفة أقوالاً لإمام رجع عنها، ولكن هذه غفلة شديدة عن تاريخ هؤلاء الأئمة، بل عما ذكر في كتبهم، فإن أبا يوسف يحكي في كتاب (الخراج) رأي أبي حنيفة، ثم يذكر رأيه مصرحاً بأنه يخالفه، ويبين سبب الخلاف، وكذلك يعفل في كتاب أبي حنيفة وابن أبي ليلي، فإنه أحياناً يقول برأي ابن أبي ليلى بعد ذكر الرأيين، ومحمد رحمه الله يحكي في كتبه أقوال الإمام، وأقوال أبي يوسف، وأقواله مصرحاً بالخلاف، على أنه لم كان كما قالوا لم يكن ما رجع عنه من الآراء مذهباً.
ومن الثابت أنا أبا يوسف، ومحمد رجعا عن آراء رآها الإمام، لما اطلعوا على ما عند أهل الحجاز من الحديث، فالمحقق تاريخياً أن أئمة الحنفية الذين ذكرناهم بعد أبي حنيفة، رحمه الله، ليسوا مقلدين له(1).
الخلاصة، أن المذهب الحنفي اتسع وانتشر بمجهود أصحابه بمجهود أصحابه، وقد ساعدهم على ذلك السلطة التي كان يمتلكها أبو يوسف، فيكون المذهب الحنفي من تأسيس مجموعة من الفقهاء كل واحد مستقل بنفسه وليس من إمام واحد وهو أبو حنيفة. ومحاولة الحنفية بإرجاع الجميع إليه أمر غير وجيه.

____________
1- الخضري، تاريخ الشريع الإسلامي ص 275.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 254
-------------------------------------------------------------


طعون على أبي حنيفة:
كان هناك غير المغالين فيه طرف آخر من معاصريه من العلماء العدول الذين رموه بالزندقة، والخروج عن الجادة، ووصفوه بفساد العقيدة والخروج عن نظام الدين، ومخالفة الكتاب والسنة، وطعنوا في دينه وجرّدوه عن الإيمان(1).
اجتمع سفيان الثوري وشريك وحسن بن صالح وابن أبي ليلى، فبعثوا إلى أبي حنفية. فقالوا: ما تقول في رجل قتل أباه ونكح أمه وشرب الخمر في رأس أبيه؟
فقالك مؤمن، فقال ابن أبي ليلى: لا قبلت لك شهادة أبداً.
وقال له سفيان الثوري: لا كلمتك أبداً(2).
وحدّث إبراهيم بن بشار عن سفيان بن عينية أنه قال: ما رأيت أحداً أجرأ على الله من أبي حنيفة، وعنه أيضاً: كان أبو حنيفة يضرب لحديث رسول الله الأمثال فيبرره بعلمه(3).
وحُكي عن أبي يوسف، قيل له: أكان أبو حنيفة مرجئياً؟
قال: نعم، قيل: كان جَهْمِيّاً؟ قال: نعم، قيل: أين أنت منه؟ قال: إنما كان أبو حنيفة مدرساً، فما كان من قوله حسناً قبلناه وما كان قبيحاً تركناه عليه(4).
فهذا رأي أقرب المقربين إليه، تلميذه والنشار مذهبه، فما بال الآخرين....!.

____________
1- أبو حنيفة، لمحمد أبو زهرة ص 5.
2- أبو حنيفة، لمحمد أبو زهرة ص5.
3- الخطيب ص 13ص 374.
4- الانتقاء لابن عبد البر ص 148.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 255
-------------------------------------------------------------

وعن الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن أنس: أيُذكر أبو حنيفة في بلادكم؟ قلت: نعم، قال: لا ينبغي لبلادكم أن تُسكن(1).
وقال الأوزاعي: إننا لا ننقم على أبي حنيفة أنه رأى، لكنا يرى، ولكنا ننقم عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي (ص)، فيخالفه إلى غيره(2).
قال ابن عبد البر: وممن طعن عليه وجرحه، محمد بن إسماعيل البخاري، فقال في كتابه (الضعفاء والمتروكون): أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، قال نعيم بن حمّاد: حدّثنا يحيى بن سعيد ومعاذ بن معاذ سمعنا سفيان الثوري يقول:
استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين، وقال نعيم الفزاري: كنت عند سفيان بن عيينة، فجاء نعي أبي حنيفة، فقال:... كان يهدم الإسلام عروة عروة، وما ولد في الإسلام مولود أشر منه، هذا ما ذكره البخاري(3).
وقال ابن الجارود في كتابه (الضعفاء والمتروكون): النعمان بن ثابت جل حديثه وهم.
وعن وكيع بن الجرّاح أنه قال: وحدت أبا حنيفة خالف مائتي حديث عن رسول الله.
وقيل لابن المبارك: كان الناس يقولون أنك تذهب إلى قول أبي حنيفة، قال: ليس كل ما يقول الناس يُصيبون فيه، كنا نأتيه زماناً ونحن لا نعرفه، فلما عرفناه(4).

____________
1- الخطيب ج3ص 374.
2- تأويل مختلف الحديث لا بن قتيبة ص 63.
3- الانتفاء لابن عبد البر ص 150.
4- المصدر السابق.
-------------------------------------------------------------
الصفحة 256
-------------------------------------------------------------


ومن الواضح أن هذه الآراء قد تميزت بالموضوعية، فلم تكن سبأ وشتماً وخروجاً عن حد المعقول بل هي إشكالات علمية على أبي حنيفة، وقد تغاضينا في هذا المقام عن تهريجات أعدائه وعن مغالاة أتباعه، واكتفينا بآراء العلماء فيه، وهي كافية في قدح شخصيته، فكيف تسنى له أن يكون إماماً، وفي الأمة من هو أجدر منه، فقهاً وعلماً وعدالة؟! ولكنها السياسة، وما أدراك ما السياسة.

أبو حنيفة والإمام الصادق (ع).
كان أبو حنيفة كثير الجدل قوي المناظرة، وقد أراد المنصور، أن يستغله في ضرب الإمام الصادق (ع)، الذي انتشر ذكره وعلا صيته، وكان يصعب على المنصور أن يرى في الكوفة ومكة والمدينة وقم حلقات علمية هي اشبه شي بفروع لمدرسة الغمام جعفر بن محمد الصادق (ع)، ولذلك اضطر المنصور لجلب الإمام (ع) من المدينة إلى الكوفة وطلب من أبي حنيفة أن يهييء من مهمات المسائل، فيسأل الإمام بها في مجلس عام لكي يحرج الإمام الصادق (ع)، ويحظ من منزلته.
قال أبو حنيفة: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق، لما أقدمه المنصور بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة، إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهييء له من المسائل الشداد، فهيأت له أربعين مسألة.
ثم بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته، فدخلت عليه، وجعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلما بصرت به، دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور، فسلمت عليه، وأومأ إليّ فجلست ثم التفت إليه فقال: يا أبا عبد الله، هذا أبو حنيفة.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 257
-------------------------------------------------------------

قال جعفر: نعم، قد أتانا، كأنه كره ما يقول فيه قومه أنه إذا رأى الرجل عرفه، ثم التفت المنصور إليّ فقال: يا با حنيفة ألق على أبي عبد الله مسائلك، فجعلت أُلقي فيُجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا، فربما تابعنا وربما تابعهم وربما خالفنا جميعاً حتى أتيت على الأربعين مسألة، ثم قال أبو حنيفة: ألسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس(1)..
وكان الإمام الصادق (ع)، ينهى أبا حنيفة عن القياس ويشدد الإنكار عليه، ويقول: بلغني أنك تقيس الدين برايك، لا تفعل فإن أول من قاس إبليس(2).
وقال له: يا أبا حنيفة، ما تقول في محرم كسر رباعية ظبي؟! قال: يا ابن رسول الله ما أعلم فيه. فقال: أنت تتداهى ولا تعلم أن الظبي لا يكون له رباعية، وهو ثني أبداً(3).
وحدّثنا أبو نعيم: إن أبا حنيفة وعبد الله بن أبي شبرمة وابن أبي ليلى دخلوا على جعفر بن محمد الصادق، فقال لابن أبي ليلى: من هذا الذي معك؟
قالك هذا رجل له بصر ونفاذ في الدين.
قال: لعله يقيس أمر الدين برأيه؟

قال: نعم.
فقال جعفر لأبي حنيفة: ما اسمك؟
قال: نعمان.

____________
1- مناقب أبي حنيفة، للموفق ج1 ص 137. تذكرة الحفّاظ للذهبي ج1 ص 157.
2- الطبقات الكبرى للشعراني ج1 ص 28.
3- وفيات الأعيان ج1ص 212، شذرات الذهب ج1 ص 220.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 258
-------------------------------------------------------------

قال: ما أراك تحسن شيئاً، ثم جعل يوجه إليه أسئلة فكان جواب أبي حنيفة عدم الجواب عنها.
فأجابه الإمام عنها.
ثم قال: يا نعمان حدثني أبي عن جدي أن رسول الله (ص) قال: أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس.
قال الله تعالى له: اسجد لآدم. فقال: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين، فمن قاس الدين برأيه قرنه الله يوم القيامة بإبليس، لأنه من أتباعه بالقياس.
يقول الفخر الرازي: (العجب أن أبا حنيفة كان تعويله على القياس، وخصومه يذمونه بسبب كثرة القياسات، ولم يُنقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنه صنف في إثبات القياس ورقة، ولا أنه ذكر في تقريره شبهة، فضلاً عن حجة، ولا أنه أجاب عن دلائل خصومه في إنكار القياس، بل أول من قال في هذه المسألة وأورد فيها الدلائل هو الشافعي)(1).
ومن أجل ذلك نجد الإمام الصادق (ع)، يوجه الأمة إلى الطرق الصحيحة في استنباط الأحكام الشرعية، وخاصة بعدما تفشى القياس والعمل به كمصدر من مصادر التشريع، فتخرج من مدرسته آلاف العلماء المجتهدين. وكان من بينهم أبو حنيفة الذي انقطع له طوال عامين قضاهما بالمدينة، وفيها يقول: لولا العامان لهلك النعمان.
وكان لا يخاطب صاحب المجلس إلا بقول: (جُعلت فداك يا ابن بنت رسول الله)(2).

____________
1- الإمام الصادق، لعبد الحليم الجندي هامش ص 180.
2- المصدر السابق ص 162.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 259
-------------------------------------------------------------

ويعلق عبد الحليم الجندي لتلمذة أبي حنيفة على الإمام الصادق (ع) بقوله:
(ولئن كان مجداً لمالك أن يكون أكبر أشياخ الشافعي، أو مجداً للشافعي أن يكون أكبر أساتذة ابن حنبل، أو مجداً يتتلمذا أن يتلمذا لشيخيهما هذين، إن التلمذة للإمام الصادق قد سربلت بالمجد فقه المذاهب الأربعة لأهل السنة، أما الإمام الصادق فمجده لا يقبل الزيادة أو النقصان.
فالإمام مبلغ للناس كافة، علم جده عليه الصلاة والسلام. والإمامة مرتبته وتلمذة أئمة السنة له تشرف منهم لمقاربة صاحب المرتبة)(1).
فحقاً إن مجالسة الإمام الصادق (ع) شرف يفتخر به، فهو عالم أهل البيت ومعدن الحكمة. قد اعترف بفضله الأعداء، قال المنصور: هذا الشجى المعترض في حلقي أعلم أهل زمانه. وإنه ممن يريد الآخرة لا الدنيا.
وليس الأمر هو الاعتراف بفضلهن التشرف بمجالسته، فحسب إنما هو التسليم له والإنصياع لأمره لأن طاعته فرض من الله على كل مسلم، كما هو ثابت بحديث الثقلين (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) ومع الأسف لم يكن أبو حنيفة من أهل التسليم له فانفرد بنفسه يفتي برأيه ويقيس في الدين، ويخالف بذلك أحاديث رسول الله (ص) التي لم يقبل منها سوى سبعة عشر حديثاً...!
وأختم هذا المقام بمناظرة جرت بين الإمام الصادق (ع) وأبي حنيفة عندما جاء إليه أبو حنيفة:
قال له الصادق (ع): من أنت؟
- أبو حنيفة.
- مفتي أهل العراق؟

____________
1- المصدر السابق ص 163.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 260
-------------------------------------------------------------

- نعم.
- بم تفتيهم؟
- بكتاب الله.
- وإنك لعالم بكتاب الله؟.. ناسخة ومنسوخة؟.. محكمه ومتشابه؟
- نعم.
- فأخبرني عن قول الله عز وجل: (وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين). أي موضع هو؟
- هو ما بين مكة والمدينة.
فالتفت الإمام يميناً وشمالاً.
- ناشدتكم بالله.. هل تسيرون بين مكة والمدينة ولا تأمنون على دمائكم من القتل؟ وعلى أموالكم من السرقة؟
(وبصوت واحد قال الحاضرون: اللهم نعم) والتفت الإمام (ع) إلى أبي حنيفة هذه المرة:
- ويحك يا أبا حنيفة!.. إن الله لا يقول إلا حقاً.
فسكت أبو حنيفة لحظات، ثم تراجع عن قوله السابق:
- ليس لي علم بكتاب الله.
وطرح مبرراً جديداً:
- إنما أنا صاحب قياس.
قال الإمام (ع):
- انظر في قياسك، إن كنت مُقيساً.
أيهما أعظم عند الله: القتل؟.. أو الزنا؟
- بل القتل.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 261
-------------------------------------------------------------

- فكيف رضي في القتل شاهدين، ولم يرض في الزنا إلا بأربعة؟
أيقاس لك هذا؟
- قال: لا.
- حسناً:
الصلاة أفضل من الصوم؟
- بل الصلاة أفضل.
- فيجب على قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حالة حيضها. دون الصيام، وقد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة. وأعرض عن هذا أيضاً.
- البول أقذر أم المني؟
- البول أقذر.
- يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول، دون المني، وقد أوجب الله تعالى الغسل من المني دون البول.
أيقاس لك ذلك؟
فسكت أبو حنيفة، وقال:
إنما أنا صاحب رأي.
وسرعان ما سأله الإمام:
- فما ترى في رجل كان له عبد، فتزوج وزوج عبده في ليلة واحدة، فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة، ثم سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت واحد، وولدتا غلامين.. فسقط البيت عليهم فقتل المرأتين وبقي الغلامان، أيهما في رأيك المالك وأيهما المملوك؟.. وأيهما الوارث وأيهما الموروث.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 262
-------------------------------------------------------------

وللمرة الثالثة، تراجع أبو حنيفة عن قوله: إنه صاحب رأي، وأعلن بعد لحظات صمت وتفكير وحيرة وخجل:
إنما أنا صاحب حدود.
فقال الإمام:
- فما ترى في رجل أعمى، فقأ عين صحيح-، وأقطع قطع يد رجل كيف يقام عليهما الحد؟
حالو أبو حينفة أن يجيب عن أسئلة الإمام حتى يحصل على تبرير لتربعه على عرش الفتيا، في العراق، ولكنه فشل ثم قال بتحسر:
- لا علم لي... لا علم لي -... لولا أن يقال دخل على ابن رسول الله، فلم يسأله عن شيء ما سألتك عن شيء.. فقس إن كنت مقيساً.
- لا.. لا أتلكم بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس.
ولكن الإمام (ع) ابتسم قائلاً:
كلا.. كلا.. إن حب الرئاسة غير تاركك.. كما لم يترك من قبلك.

(2) الإمام مالك بن أنس
هو أبو عبد الله، مالك بن أنس بن مالك، ولد في المدينة سنة 93هـ على أحد الأقوال وتوفى سنة 179هـ على أحد الأقوال، وقد ازدهر عهد مالك بالعلم وأصبحت المدينة يؤمها طلاب العلم من مختلف الأقطار الإسلامية، وامتازت مدرسة المدينة بالتمسك بالحديث ومحاربة مدرسة الرأي بالكوفة برئاسة أبي حنيفة، مما أحدث بينهما خلافاً وتنازعاً خرج عن حد العلم والموضوعية.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 263
-------------------------------------------------------------

وكان في قبال هذه المدارس، مدرسة الإمام الصادق (ع) التي كانت تضج بالعلماء الوفود من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، الذين كانوا يتحينون الفرص للقاء أئمة أهل البيت (ع) وكان الصادق (ع)، أقلهم مضايقة من قبل السلطات. وقد انتمى مالك إلى مدرسته مدة من الزمن وأخذ عنه الحديث، فيعتبر من أكبر شيوخ مالك، ثم تتلمذ مالك على يد عدد من المشايخ، أثمال: عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبري وأبي حازم، وصفوان بن سليم، وغيرهم، وقد اختص مالك بملازمة والأخذ من وهب بن هرمز، نافع مولى بن عمر، وابن شهاب الزهري، وربيعة الرأي، وأبو الزناد، وقد تقدم مالك حتى تزعم مدرسة الحديث، ولكن سرعان ما تدخلت السياسة، لكي تنتصر لمدرسة الرأي، وتسخط على أهل الحديث ولذلك كان مالك بن أنس عرضة لضغوط الدولة حتى منعوه من الحديث وضُرب بالسياط لأجل فتوى أفتاها لم توافق هوى الدولة، وذلك في زمن ولاية جعفر بن سليمان سنة 146هـ فإنه تجرد مالكاً ومده وضربه بالسياط حتى انخلعت كتفاه.
قال إبراهيم بن حمّاد: كنت أنظر إلى مالك إذا أقيم من مجلسه حمل يده اليمنى أو يده اليسرى بالأخرى.
ومن الغريب والمثير جداً أنه بعد زمن قليل أصبح مالك مقدماً في الدولة، منوطاً بالعناية، وصل إلى مرحلة كان يتهيب منه الأمراء، فالسؤال الذي يطرح نفسه أي شيء حصل عند مالك حتى ترضى عنه الدولة وترفعه هذه المكانة؟
فهل كانت الدولة تبغضه لرأي معين تنازل عنه مالك؟
أم ثبت على ما يراه وتحملته الدولة وتنازلت له؟
أم هناك شيء آخر؟

-------------------------------------------------------------
الصفحة 264
-------------------------------------------------------------

وهذا السؤال الحائر، والاستفهام الذي يعترض من يدرس تاريخ الإمام مالك فيلاحظ تبدل العلاقة بينه وبين الدولة، من حالة ضغط وغضب إلى أن أخذ مالك والمنصور يتبادلان العواطف والثناء.
فالمنصور يقول لمالك: أنت والله أقل الناس وأعلم، ولئن بغيت لأكتبنّ قولك كما تُكتب المصاحف، ولأبعثنّ به إلى الآفاق فأحملهم عليه.
ومن هنا كانت انطلاقة مذهب الإمام مالك عندما أصبح رضاً للسلطان، وإلا فإن المسالة ليست علماً وعدمه بل ملك وسلطان ودعاية وإعلام، وحمل الناس بالرضا أوب القهر على تقليد المذهب، وهذا هو الذي دعى ربيعة الرأي - أستاذ مالك وأكثر منه علماً - أن يقول: أما علمتم أن مثقالاً من دولة خير حمل علم(1).
وعندما حصل مالك من السلطتن هذا الرضا، أخذ يقول: (وجدت المنصور أعلم بكتاب الله وسنة رسوله وآثار من مضى).
سبحان الله!، أي علم للمنصور، حتى يكون أعلم الناس بكتاب الله وسنة رسوله (ص)؟!
ولكنه التزلف، والتقرب إلى المُلك والسلطان.
وأما الدليل على أن مالكاً كان منزوياً عن السلطان؟! لم يحدثنا التاريخ انه وقف بجرأة أمام المنصور، يخالفه في أمر أو يعترض طريقه، كما فعل عبد الله بن مرزوق عدما التقى بأبي جعفر في الطواف، وقد تنحى الناس عنه، فقال له عبد الله: من جعلك أحق بهذا البيت من الناس تحول بينه وبينهم وتنحيهم منه؟!
فنظر أبو جعفر في وجهه فعرفه. فقال: يا عبد الله بن مرزوق، من جرأك على هذا، ومن أقدمك عليه؟

____________
1- طبقات الفقهاء لأبي اسحاق.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 265
-------------------------------------------------------------

فقال عبد الله: وما تصنع بي؟ أبيدك ضرر أو نفع؟ والله ما أخاف ضرك ول أرجو نفعك، حتى يكون الله عز وجل يأذن لك فيّ.
قال المنصور: إنك أحللت بنفسك وأهلكتها.
فقال عبد الله: اللهم إن كان بيد أبي جعفر ضري، فلا تدع من الضر شيئاً إلا أنزلته علي، وإن كان بيده منفعتي، فاقطع عني كل منفعة منه، أنت يا رب بيدك كل شيء، وأنت مليك كل شيء.
فأمر به أبو جعفر، فحمله إلى بغداد، فسجنه بها ثم أطلقه(1).
ولذلك نجد مالكاً بعُد عن الإمام الصادق (ع)، لأنه لا يتفق مع آرائه من مجانبة السلطان والابتعاد عنه.
وأنا - في نظري - أن السبب الأساسي في غضب السلطة أولاً على مالك لأنها رأت منه تودداً للإمام الصادق (ع)، والشبهة التي كانت تدور في ذلك القوت، أن العرب يريدون أن يثاروا لأهل البيت، ولذلك نجد أن السلطة قربت الموالي ونصرت أبا حنيفة في الكوفة، وعندما انتفى هذا الأمر لم تجد السلطة طريقاً إلا أن تلمع شخصية مالك وتطرحه كرمز ديني للدولة، حتى يصدق عليها اسم الدولة الإسلامية، وخاصة أن العباسيين ثاروا على الأمويين بحجة أنهم بعدوا عن الدين، ولهذا نجد أن المرسوم الملكي صرح بصلاحيات لمالك لم تكن معهودة عند عالم من قبل: (إن رابك ريب من عامل المدينة أو عامل مكة أو أحد من عمال الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك أو سوء أو شر في الرعية. فاكتب إليّ بذلك أُنزل بهم ما يستحقون).
فعظُمت بذلك منزلة مالك، فأخذ الولاة يهابونه هيبة المنصور، كما حدّث الشافعي عندما قدم المدينة يحمل كتاباً لواليها من والي مكة، ويطلب منه أن يوصله إلى مالكن فقال الوالي: يا فتى إن المشي من جوف المدينة إلى
____________
1- الإمامة والسياسة ج1ص 156.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 266
-------------------------------------------------------------

جوف مكة حافياً راجلاً أهون عليّ من المشي إلى باب مالك، فلست أرى الذلة حتى أقف على باب داره(1).
وعندما جاء المهدي بعد المنصور عظُمت مكانة مالك وازداد قرباً إلى السلطة، فكان المهدي يجله ويحترمه ويصله بهدايا جزيلة، وعطاء وافر، ويظهر للناس شأنه وعلو منزلته وعندما جاء الرشيد لم يغير في الموازين فاحتفظ بمالك بمكانة وعظمة غاية التعظيم، فوقعت هيبة مالك في النفوس.
هكذا السياسة.
ترفع من تريد أن ترفعهن وتنسي ذكر من تريد له ذلك. وبعد ذلك ما هو المانع الذي يحول بين مذهب مالك من الانتشار بعد أن أصبح رضاً للدولة؟!.
لك الله يا سيدي، جعفر بن محمد الصادق (ع).
يعرفون أن الحق لك وعندك، ولا تجوز الإمامة لغيرك.
أو لم يقل مالك: (ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق، فضلاً وعلماً وعبادة وورعاً)(2).
ومع ظهور فضله، لم يلق (ع) وشيعته إلا الضغط والإرهاب والقتل والتشريد، والذي يشه به تاريخ الشيعة من وفاة رسول الله (ص) وطوال تاريخهم.
ولكني أتساءل، كما يتساءل صاحب كتاب (الإمام الصادق معلم الإنسان)، عندما قال: (إنني لا أتساءل لماذا ظل المسلمون ممزقين إلى سنة وشيعة، لا: وإنما أتساءل بدهشة: كيف استطاع الشيعة الصمود حتى اليوم، رغم كل الظروف القاهرة العصيبة، التي مروا بها في ظل الإرهاب
____________
1- معجم الأدباء ج 11 ص 275.
2- ابن شهراشوب، مناقب الإمام الصادق - الإمام الصادق معلم الإنسان ص 24.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 267
-------------------------------------------------------------

الفكري والجسدي؟!.. ورغم لك محاولات طمس معالم الحق وتمزيق الإسلام؟!)(1).
وإلا، أو ليس من الظلم تقديم كل المذاهب على مهذب جعفر بن محمد (ع)؟!. بل، من المؤسف جداً أنه غير معروف إلى الآن حتى في أوساط المثقفين من طبقات المجتمع.
وأذكر يوماً، أن أستاذنا في الجامعة كان يدرسنا الفقه المالكي فاعترض عليه مجموعة من الطلبة قائلين: لماذا لا تدرسنا الفقه على المذاهب الأربعة؟ قال: أنا مالكي، وأهل السودان كلهم مالكية، ومن كانت منكم غير مالكي أن مستعد أن أدرسه مذهبه بصورة خاصة، قلت له: أنا غير مالكي أتدرسني مذهبي؟، قال: نعم، وما مذهبك؟ أشافعي أنت؟
قلت: لا.
قال: حنفي أنت؟
قلت: لا.
قال: حنبلي أنت؟
قلت: لا.
ظهرت الحيرة والاندهاشة على وجهه. قال:
- إذن من تقلد؟!
قلت: جعفر بن محمد الصادق (ع).
قال: ومن جعفر؟!
قلت: أستاذ مالك وأبي حنيفة، ومن ذرية أهل البيت، اشتهر مذهبه باسم المذهب الجعفري.
قال: ما سمعت بهذا المذهب من قبل.

____________
1- الإمام الصادق معلم الإنسان ص 52.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 268
-------------------------------------------------------------

قلت: نحن الشيعة؟
قال: أعوذ بالله من الشيعة...
وخرج.......!
فمن كان له تحظ وإعلام وسلطان بلغ الثريا، فمالك نفسه لم يكن طامعاً في هذه المرتبة لأنه يعلم أن هناك كثيرين أجدر منه بهذه المكانة.
ولكن السلطة تريده مرجعاً عاماً في الفتوى، وقد أمره المنصور بوضع كتاب يحمل الناس عليه بالقهر، فامتنع مالك فقال المنصور: ضعه فما أحد اليوم أعلم منك(1)، فوضع الموطأ، ونادى منادي السلطان أيام الحج: أن لا يفتي إلا مالك.

انتشار المذهب المالكي:
انتشر المذهب المالكي بواسطة القضاة والملوك، ففي الأندلس حمل ملكها الناس على تقليد مذهب مالكن لما بلغه من مالك في مدحه عندما سأل عن سيرة الملك في الأندلس فذكر له عنها ما أعجبه، فقال: نسأل الله تعالى أن يزين حرمنا بملككم. فلما بلغ قوله إلى الملك حمل الناس على مذهبه، وترك مذهب الأوزاعي فاتبعه الناس خضوعاً لسلطته - فالناس على دين ملوكهم -.
وكذلك انتشر في أفريقيا بواسطة القاضي سحنون. يقول المقريزي: ولما ولي المعز ابن باديس حمل جميع أهل إفريقيا على التمسك بمذهب مالك وترك ما عداه، فرجع أهل إفريقيا وأهل الأندلس كلهم إلى مذهبه، رغبة فيما عند السلطان، وحرصاً على طلب الدنيا إذ كان القضاء والإفتاء في جميع تلك المدن لا يكون إلا لمن تسمى بمذهب مالك، فاضطرت العامة إلى
____________
1- شرح الموطأ للزرقاني ج1ص 8.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 269
-------------------------------------------------------------

أحكامهم وفتاويهم، ففشا هذا المذهب هناك وحظي بالقبول لا بحسب مؤهلاته ومقوماته الروحية، وإنما سار على حسب نظام القوة التي خضع الناس لها بدون تبصر)(1).
وكذلك انتشر في المغرب عندما تولى علي بن يوسف بن تاشفين، في دولة بني تاشفين فعظم الفقهاء وقربهم، وكان لا يقرب إلا من كان مالكياً، فتنافس الناس في تحصيل المذهب المالكي فنُفقت في زمانه كتب المذهب وعملوا بها وتركوا ما سواها حتى قلّ اهتمام الناس بكتاب الله وسنة نبيه.
هكذا لعبت السياسة في دين المسلمين فأصبحت هي التي تتحكم في اعتقادتهم وتسيّر عباداتهم، فتوارث الناس المذاهب المفروضة وسلموا بها من غير جدال أو نقاش، وكان الأجدر أن يستقل كل جيل في معرفة ذلك ولا يقلد ويطيع طاعة عمياء.
قال ابن حزم: مذهبات انتشرا في مدبء أمرهما بالرئاسة والسلطان:
مذهب أبي حنيفة فإنه لما ولي أبو يوسف القضاء كان لا يولي قاضياً إلا من أصحابه المنتسبين إليه وإلى مذهبه.
والثاني: مذهب مالك عندنا في الأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكيناً عند السلطان مقبولاً في القضاء، فكان لا يولي قاضياً في أقطار الأندلس غلا بمشاورته واختياره ولا يسير إلا بأصحابه، والناس راع إلى الدنيا، فأقبلوا عل ما يرجون به بولغ أغراضهم(2).

طعون على مالك:
تجاوزت في هذا المقام، أقوال المتعصبين له، وتركت ما عندهم من فضائل ما أنزل الله بها من سلطان، لأنها ليست ميزاناً واقعياً لمعرفة شخصية
____________
1- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج1 ص 166.
2- ابن خلكان ج 2 ص 116.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 270
-------------------------------------------------------------

مالك، وإليك نموذجاً منها: (إن القيسي رأى النبي (ص) يمشي في طريق وأبو بكر خلفه وعمر خلف أبي بكر ومالك بن أنس خلف عمر وسحنون(1) خلف مالك)(2).
.. ومئات من أمثالها.. وهي قضايا تافهة وفضائل مصطنعة ليست جديرة بالنقاش.
واكتفيت هنا بكلمات العلماء وبعض المعاصرين لمالك، وهي آراء حرة لا تعدو أن تكون مجرد مؤاخذات علمية.
قال الشافعي: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وقال سعيد بن أيوب: لو أن الليث ومالك اجتمعا لكان مالك عند الليث أبكم ولباع الليث مالكاً في من يريد(3).
وسأل علي بن المديني يحيى بن سعيد: أيما أحب إليك رأي مالك أو رأي سفيان؟
قال: رأي سفيان لا يشك في هذا.
وقال: سفيان فوق مالك في كل شيء.
وقال يحيى بن معين: سمعت يحيى بن سعيد يقول سفيان أحب إليّ من مالك في كل شيء(4).
وقال سفيان الثوري: ليس له حفظ يعني مالكاً.
وقال ابن عبد البر: تلكم ابن ذويب في مالك بن انس بكلام فيه جفاء وخشونة، كرهت ذكرها(5).

____________
1- هو القاضي المالكي الذي نشر مذهب مالك في الأندلس.
2- مناقب مالك للزاوي ص 17، ص 18.
3- الرحمة الغيثية، لابن حجر ص6.
4- تاريخ بغداد ج10 ص 164.
5- جامع فضائل العلم ج25 ص 158.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 271
-------------------------------------------------------------

وتكلم في مالك إبراهيم بن سعد، وكان يدعو عليه، وكذلك تكلم فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وابن أبي يحيى، ومحمد بن اسحقا الواقدي، وابن أبي الزناد، وعابوا أشياء من مذهبه.
وقال سلمة بن سليمان لابن المبارك: وضعت شيئاً في رأي أبي حنيفة ولم تضع في رأي مالك؟
قال: لم أره عالماً(1).
وقال ابن عبد البر في مالك: أنهم عابوا أشياء من مذهبه، وعن عبد الله بن إدريس قال: قدم علينا محمد بن إسحاق فذكرنا له شيئاً عن مالك، فقال: هاتوا عمله، وقال يحيى بن صالح: قال لي ابن أكثم: قد رأيت مالكاً وسمعت منه ورافقت محمد بن الحسن، فأيهما كان أفقه؟ فقلت: محمد بن الحسن فيما يأخذه لنفسه أفقه من مالك(2).
وكان أبو محمد بن أبي حاتم يقول: عن أبي زرعة عن يحيى بن بكير أنه قال: الليث أفقه من مالك، إلا أنه كانت الحظوة لمالك(3).
وقال أحمد بن حنبل: كان ابن أبي ذؤيب يشبه سعيد بن المسيب، وكان أفضل من مالكن إلا أن مالكاً أشد تنقية للرجال منه(4).
ومن كل هذه الأقوال يمكننا القول: بأنه ليس هناك أفضلية بمالك على غيره من العلماء، وليست له ميزة تؤهله للمرجعية الفقهية، ولكن السياسة لا تنظر للمؤهلات الموضوعية، فلها ميزانها الخاص الذي تقيم به على أساس
____________
1- المصدر السابق.
2- الخطيب البغدادي ج2ص 175.
3- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج1 ص498.
4- تذكرة الحفّاظ ج 1 ص 176.
-------------------------------------------------------------
الصفحة 272
-------------------------------------------------------------

موازينها السياسية ومصالحها، فالفقيه الذي لا يتعارض مع سياستها هو الفقيه الذي يجب على المسلمين تقليده والاقتداء به.

(3) الإمام الشافعي
هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع. ونلد سنة 150هـ وقيل في اليوم الذي مات به أبو حنيفة. واختلف في مكان ولادته بين غزة وعسقلان واليمن وقول شاذ متروك بمكة، وتوفي في مصر سنة 204هـ.
هاجر مع أمه وهو صغير إلى مكة، وفيها التحق بالكتاب فحفظ القرآن الكريم، وتعلم الكتابة وبعدها خرج إلى البادية ولازم هذيلاً 20 سنة على ما حدّث به ابن كثير في البداية والنهاية وسبع عشرة سنة كما حدث هو عن نفسه في معجم البلدان، فاكتسب فصاحة هذيل وفي طوال هذه المدة لم يكن للشافعي توجه علمي وفقهي حيث لم يتوجه إليه إلا في العقد الثالث من عمره، وإذا كان بقاؤه في البادية 20 سنة فيكون طلبه للفقه في العقد الرابع، أي بعد أن تجاوز الثلاثين سنة.
تتلمذ الشافعي على شيوخ من مكة والمدينة واليمن وبغداد، وأول من تلقى الشافعي منه العلم هو مسلم بن خالد المخزومي المعروف بالزنجي، وكان ممن لا يُعتمد عليه في الحديث، فقد ضعّفه وطعن فيه من الحفّاظ، كأبي داود وأبي حاتم، والنسائي(1).
ثم درس على سعيد بن سالم القدّاح، وقد أُتهم بأنه من المرجئة، وأخذ عن سفيان ب عيينة تلميذ الإمام الصادق (ع)، وهو أحد أصحاب المذاهب البائدة، كما أخذ من مالك بن أنس في المدينة.. وآخرين، وقد ذكر ابن
____________
1- تهذيب التهذيب ج ص .

-------------------------------------------------------------
الصفحة 273
-------------------------------------------------------------

حجر منهم ثمانين.. وفيه ضرب من المبالغة، وقد أنظر الرازي تعصباً منه، أخذ الشافعي من محمد بن الحسن الشيباني، القاضي، تلميذ أبي حنيفة ولا مجال لتعصبه فقد اعترف الشافعي بأخذه العلم منه.
أما تلاميذ الشافعي فمنهم العراقي ومنهم المصري، وقد شكلوا فيما بعد العامل الرئيسي في نشر مذهبه، فمن العراق: خالد اليماني الكلبي، أبو ثور البغدادي الذي يعد صاحب مذهب منفرد كان له مقلدون إلى القرن الثاني، وتوفى سنة 240هـ. والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، والحسن بن علي الكرابيسي، كان يشبه الشافعي ويوصف به لأنه انتصر للمذهب ودافع عن أصحابه لمكانته من السلطان وعلو منزلته في الدولة فكان له جاه عظيم. ومن تلاميذه أحمد بن حنبل، رغم إدعاء الحنابلة بأن الشافعي كان يحدث عن أحمد وتتلمذ عليه كما جاء في طبقات الحنابلة.
أما تلاميذه في مصر، فقد كانوا أكثر تأثيراً في نشر مذهبه، وتأليف الكتب ومن أشهرهم، يوسف بن يعقوب البويطي وهو خليفة الشافعي في الدرس ومن أكبر الدعاة له.
فكان يدني الغرباء ويعرفهم فضل الشافعي، حتى كثر أتباعه وانتشر مذهبه فحسده بن أبي الليث الحنفي وأخرجه من مصر فمات في السجن ببغداد.
ومن تلاميذه: إسماعيل بن يحيى المني، أبو إبراهيم المصري، له تصانيف في المذهب الشافعي ساعدت في نشر المذهب، مثل الجامع الكبير، الجامع الصغير، والمنثور.....
والدارس لتاريخ الشافعي يجد أن تلاميذه وأصحابه هم الذين ساندوه ونشروا مذهبه.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 274
-------------------------------------------------------------

وهناك اختلاف بين مدرسة الشافعي في العراق، ومدرسته في مصر، تستدعي التامل، فقد عرف عن الشافعي أنه عدل عن فتاويه في اعراق، وعرفت بالمذهب القديم وهو الذي أخذه تلاميذه في العراق، ومن كتب المذهب القديم، الأمالي ومجمع الكافي، فعند هجرته إلى مصر حرّم الأخذ بمذهبه القديم بعد أن انتشر وعمل به العوام.. فهل رجع عنها لأنها كانت باطلة؟! أم أن اجتهاده كان ناقصاً في بغداد واكتمل في مصر؟!
ثم ما هو الضمان بصحة مذهبه الجديد في مصر؟!
وهل لو طال به العمر يعدل عنه؟!. فلذلك تجد قولين في المسألة الواحدة في الفقه الشافعي، كما جاء في كتاب الأم، وقد يُعتبر هذا التردد والاختلاف ناتجاً من عدم الجزم وهو نقص في الاجتهاد والعلم.
وقد أكد هذا المعنى قول البزاز: (كان الشافعي (رض) بالعراق يُصنف الكتب وأصحاب محمد - أي الشيباني - يكثرون عليه أقاويله بالحجج ويضعفون أقواله وقد ضيقوا عليه، وأصحاب الحديث لا يلتفتون إلى قوله، ويرمونه بالاعتزال فلما لم يقم له بالعراق سوق خرج إلى مصر، ولم يكن بها فقيه معلوم فقام له بها سوق(1)..
واختلف هذا الوضع عندما هاجر إلى مصر لأن الشافعي عرف بأنه تلميذ مالك ونار مذهبه والمدافع عنه وهذا هو العامل الذي هيأ له النجاح في مصر، وذلك أن الطابع العام كان مالكياً، بالإضافة إلى أنه قدم إلى مصر بتوصية من خليفة العصر إلى أمير مصر فوجد بذلك العناية الكافية في مصر وخاصة من أصحاب مالك فأخذ بعد ذلك بنشر مذهبه الجديد.
ولكن ما برح الشافعي كثيراً حتى أخذ يؤلف الكتب في الرد على مالك، ومعارضة أقواله، ويقول الربيع في ذلك: سمعت الشافعي يقول:

____________
1- المناقب للبزاز ج2 ص153.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 275
-------------------------------------------------------------

قدمت مصر ولا أعرف أن مالكاً يخالف من أحاديثه إلا ستة عشرة حديثاً، فنظرت، فإذا هو يقول بالأصل ويدع الفرع ويقول بالفرع ويدع الأصل. وقال أبو عمر: وتكلم في مالك أيضاً فيما ذكره الساجي في كتاب العلل، عبد العزيز بن أبي سلمى، وعبد الرحمن بن زيد، وعابوا أشياء من مذهبه إلى أن يقول وتحامل عليه الشافعي، وبعض أصحاب أبي حنيفة في شيء من رأيه حسداً لموضع إمامته(1).
فضاق المالكية به ذرعاً، وتربصوا به حتى قتلوه، وقد نصّ ابن حجر على أنهم ضربوه بمفتاح حديد فمات(2)، وذكر قصيدة أبي حيان في مدح الشافعي:

ولما أتى مصر انبرى بالأذى له أناس طووا كشحاً على بغضه طيا
أتى ناقداً ما حصّلوه وهادماً لما أضلوا إذ كان بنيانهم وهيا
فدسوا عليه عندما انفردوا به شقياً لهم شلّ الإله له اليديا
فشّق بمفتاح الحيد جبينه فراح قتيلاً لا بواك ولا نعيا

فذهب الشافعي ضحية التعصب المذهبي من المالكية.
ورغم كل ذلك كانت مصر البذرة الأولى التي انتشر منها مذهب الشافعي، بفضل أصحابه وتلامذته، ولولاهم لكان حاله حال المذاهب
____________
1- جامع بيان العلم وفضله.
2- توالي التأسيس ص 86.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 276
-------------------------------------------------------------

المنقرضة، كما انتشر في الشام التي كانت يغلب عليها مذهب الأوزاعي.
وبعدما ولي القضاء فيها محمد بن عثمان الدمشقي الشافعي عمل على نشر مذهب الشافعي في الشام وانقرض بعد ذلك المذهب الأوزاعي وتمت الغلبة لمذهب الشافعي أيام الدولة الأيوبية فكان ملوكهم شوافع، مما ساعد على تمكين المذهب، وعندما جاءت بعدهم دولة المماليك في مصر لم تنقص من حظوة المذهب الشافعي، فقد كان كل ملوكها شوافع إلا سيف الدين فقد كان حنفياً ولكنه لم يؤثر في انتشار مذهب الشافعي.
وبهذه الطريقة علا اسم الشافعي بواسطة الملوك والسلاطين ولولا ذلك لكان مذهبه نسياً منسياً.

طعون على الشافعي:
كان لكل إمام خطان مضادان، المغالون والمبغضون، كما تقدم ذكره..
ولا يمكن والحال هذا القيام بتقييم دقيق لحال الشافعي، وقد وصفه المغالون بصفات، فجعلوه بدرجة من الكمال، بحيث يمتنع لأي مخلوق الوصول إليها، وفي المقابل وضع المبغضون فيه أحاديث نزلوه بها إلى درجة إبليس.
روى أحمد بن عبد الله الجويباري عن عبد بن معدان عن أنس عن النبي (ص): يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي)(1).
وهذا مما لا يختلف فيه اثنان بأنه موضوع.

____________
1- اللآلي المصنوعة، للسيوطي ج 1 ص217.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 277
-------------------------------------------------------------

وفي المقابل يروى ابن عبد البر بسنده عن سويد بن سعيد قال: (كنا عند سفيان بن عيينة في مكة، فجاء رجل ينعى الشافعي ويقول: إنه مات، فقال سفيان: إن مات محمد بن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه(1).
وهذا أيضاً خبر مكذوب لأن وفاة سفيان كانت سنة 198هـ أي قبل وفاة الشافعي بست سنوات.
ولكن رغم هذا فقد توجهت الطعون على الشافعي فرموه بالاعتزال مرة وبالتشيع مرة أخرى وأنه يروي عن الكذابين وأنه قليل الحديث.
وسئل يحيى بن معين: الشافعي كان يكذب؟
قال: لا أحب حديثه ولا أذكره.
وروى الخطيب عن يحيى بن معين أنه قال: الشافعي ليس بثقة....
وهناك طعون لا قيمة لها، ولست في مقام الترجيح والتقييم، وما أثارني هو تهمة الشافعي بالتشيع، وتعد هذه التهمة من اخطر الاتهامات في تلك العصور التي كان فيها العلويون والشيعة تبنى عليهم الأعمدة ويقتلون شر قتلة حتى أصبح التظاهر بالعداء لعلي (ع) وأولاده وشيعته أمراً رائجاً... وللتوسع راجع الكتب التاريخية مثل، مقاتل الطالبين، لأبي الفرج الأصفهاني، حتى تتعرف على نوع قليل من أنواع التعذيب لأهل البيت وشيعتهم، وبذلك انقسم الناس إلى قسمين قسم صبر وضحى وتمسك بولائه لأهل البيت، وهم الأقلية، وقسم وهو السواد الأعظم خضع وباع دينه بدنيا السلاطين، وقد صدق الإمام الحسين (ع)، عندما قال: الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما د=رث معايشهم، فإذا ما محصلوا بالبلاء قلّ الديّانون.

____________
1- الانتقاء ج 70.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 278
-------------------------------------------------------------

وفي هذا الجو المظلم أظهر الشافعي حبه لأهل البيت، وكان مجرد الحب لهم تهمة بالتشيع، وفي الواقع لم يكن الشافعي شيعياً، أي موالياً لأئمة أهل البيت ومتابعاً لخطاهم ولكنه مجرد الحب الذي يعلق على فطرة كل إنسان، ولذلك قال الشافعي:

يا آل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الذكر أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له

مستنداً في ذلك على قوله تعالى: (قلا لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)(1).
وهي آية صريحة في وجوب حب أهل البيت (ع)، وقد كنت أعجب كيف يجعل الله أجر رسالته في حب أهل البيت؟! ولم يتضح لي هذا الأمر إلا بعدما عرفت كم هي قيمة الابتلاء في حب أهل البيت والتمسك بهم.. وهذا الشافعي نموذج أمامك فما أن أظهر حبه لأهل البيت حتى اتهموه بالترفض، قال الشافعي:

قالوا: ترفضت، قلت: كلا ما الرفض ديني ولا اعتقادي
لكن توليت دون شك خير إمام وخير هاد
إن كان حب الوصي رفضاً فإنني أرفض العباد

وعندما ظهر منه حبه لعلي (ع)، هجاه بعض الشعراء: د
يموت الشافعي وليس يدري على ربه أم ربه الله

والشافعي في هذا الجو المشحون ضد أهل البيت وشيعتهم، لم يتوان في الجهر بالحب لهم حتى أنشد يقول:

____________
1- الشورى، الآية 23.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 279
-------------------------------------------------------------

يا راكباً قف بالمحصب من منى واهتف بقاعد خيفها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضاً حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي

كما كان الشافعي يسمي الذين خرجوا على علي (ع) وقاتلوه، أهل البغي. مما ثبت عليه تهمة التشيع التي كانت كابوساً في صدور السلطة.
ولكن بعد الدراسة والتقييم يظهر لنا أن تشيع الشافعي كان تشيعاً بالنسبة إلى مجتمعه الذي غرق في العداء لأهل البيت (ع) تبعاً لملوكهم ولذلك أتهم بالتشيع، وإذا جردنا ذلك المجتمع من تبعية السلطة وسياستها فلا نجد أحداً يبغض أهل البيت ما عدا الخوارج ومن حذا حذوهم، فحب أهل البيت لا يخلو منه قلب مسلم غير مستسلم فيكون الشافعي بذاك محباً لأهل البيت وليس بشيعي، والفرق شاسع لأن كل من يحب القيم والمبادئ يحب أهل البيت الذين تجسدت فيهم هذه المبادئ، حتى ولو كان غير مسلم، والشواهد على ذلك كثيرة، يكفينا منها أن الكاتب المسيحي جورج جرداق، ألف موسوعة من خمس مجلدات في الإمام علي (ع) يصفه فيها بأعظم ما يوصف،... ويكتب آخر في السيدة الطاهرة فاطمة الزهراء - عليها السلام- كتاباً يسميه (فاطمة وتر في غمد)، وهو سليمان كتاني صاحب كتاب (الإمام علي نبراس ومتراس)، كما أن أطول قصيدة في العالم والتي تتكون من خمسة آلاف بيت ألفها مسيحي في حق الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وثاني قصيدة تتكون من ثلاثة آلاف بيت أيضاً لمسيحي في فضل الإمام علي بن أبيت طالب (ع)، وثالث قصيدة من ألف بيت لمسيحي في الإمام علي (ع)... كل هذا لا يكفي لتشيعهم، فمجرد الحب لا يكفي وإنما الحب الحقيقي هو المولاة والاتباع والانقطاع التام إليهم لأخذ الدين ومعالم الإسلام كما يقول الشاعر:

-------------------------------------------------------------
الصفحة 280
-------------------------------------------------------------

لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
(4) الإمام أحمد بن حنبل
هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، ولد سنة 164هـ في بغداد على الأشهر ومرو على الأضعف، وقد نشأ أحمد يتيماً في حجر أمه، وتوجه إلى العلم وهو ابن خمسة عشر عاماً.. أي سنة 179هـ، فدرس علم الحديث بعد تعلم قراءة القرآن واللغة، وأول شيخ تلقى عليه العلم هو هشام بن بشير السلمي، المتوفي سنة 183هـ، وقد صاحبه أحمد ثلاث سنوات أو أكثر، وقد رحل إلى مكة لطلب أحاديث والكوفة والبصرة والمدينة واليمن والشام والعراق وتتلمذ فيها على مجموعة من العلماء، لا حاجة لذكرهم، أهمهم الشافعي، ومن الغريب من الحنابلة أنهم جعلوا الشافعي تلميذاً لأحمد.
وله تلامذة كثيرون أشهرهم أحمد بن محمد بن هاني المعروف بالأثرم المتوفى سنة 261هـ، وصالح بن أحمد بن حنبل وهو أكبر وأولاده، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، المتوفى سنة 290هـ روى الحديث عن أبيه.

من كتب أحمد وآثاره:
لم يصنف أحمد كتباً في الفقه يعد أصلاً يؤخذ منه مذهبه الفقهي، وإنما له كتب عدت من الموضوعات الفقهية، مثل المناسك الكبيرة، والمناسك الصغيرة، ورسالة صغير في الصلاة، ولكنها لا تتعدى أن تكون كتب حديث وإن كان في موضوعاتها ما تناوله بالبسط والشرح(1).

____________
1- أحمد بن حنبل، لأبي زهرة ص 198.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 281
-------------------------------------------------------------

ومن المعروف عنه أنه يكره وضع الكتب التي تشمل التفريع والرأي، فقد قال يوماً لعثمان بن سعيد: لا تنظر إلى ما في كتب أبي عبيد ولا فيما وضع إسحاق ولا فيما وضع سفيان ولا الشافعي ولا مالك وعليك بالأصل.
ومن أشهر تأليفاته في الحديث مسنده - يشمل أربعين ألف حديث تكرر منها عشرة آلاف -، وقد وثق أحمد مسنده، فعندما سُئل عن حديث قال: (انظر فإن كان في المسند وإلا فليس بحجة) وقد طعن فيه كثير من الحفاظ لوم يوثقوا كل ما فيه، بل صرحوا بوجود روايات موضوعة وليس هنا مقام البحث في هذا الأمر.

محنة أحمد بن حنبل:
إن أظهر منعطف في تاريخ أحمد بن حنبل هي المحنة التي لاقاها بسبب القول بعدم خلق القرآن وقد بدأت محنته في زمن المأمون الذي كان يأخذ الناس بالعنف للقول بخلق القرآن، وقد كان المأمون متكلماً عالماً فأرسل منشوره إلى كل ولاته يأمرهم بامتحان الناس بخلق القرآن، جاء فيه: (إن خليفة المسلمين واجب عليه حفظ الدين وإقامته والعمل بالحق في الرعية، وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة مما لا نظر له ولا روية، ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته، ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه، في جميع الأقطار والآفاق، أهل جهالة بالله وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده، والإيمان به، ونكوب عن واضحات أعلامه، وواجب سبيله، وقصور عن أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفونه كنه معرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه، لضعف آرائهم ونقص عقولهم وجفائهم عن التفكر والتذكر، وذلك أنهم ساووا بين الله تبارك وتعالى وما
-------------------------------------------------------------
الصفحة 282
-------------------------------------------------------------

أنزل من القرآن، فأطبقوا مجتمعين على أنه - أي القرآن قديم أزلي لم يخلقه الله ويخترعه.....)(1).
ومن هنا بدأت محنة خلق القرآن، ولم يقع ابن حنبل في فخ الامتحان والتعذيب إلا في عهد المعتصم، لوفاة المأمون قبل امتحانه. وقد كان المعتصم شديداً في امتحان الناس والتكيل بهمن وعندما جاء دور أحمد بن حنبل، فقد أقسم أنه لا يقتله بالسيف وإنما يضربه ضرباً بعد ضرب.. ويزجه في مكان مظلم لا يرى فيه النور، وبقي أحمد ثلاثة أيام يؤتي به كل يوم للمناظرة، عسى أن يرضخ لحكم السلطة ولكنه تمسك بقوله ورفض. فلما يئس المعتصم منه أمر بضربه بالسياط، وضرب 38 سوطاً، ولم يدم بعد ذلك تعذيب ابن حنبل فقد أطلق المعتصم سراحه وهذا ما يثير العجب والغرابة، هل هذا كاف في أن يصنع من أحمد بطلاً تاريخياً وقد شهد التاريخ أناساً أكثر منه تعذيباً وصبراً؟! ثم لماذا لم يدم تعذيبه؟! هل خضع وقال بمقالة السلطان؟
وقد ذكر بعضهم أن العامة قد اجتمعوا على دار السلطان، وهموا بالهجوم، فأمر المعتصم بإطلاقه..، وهذا لا يستقيم وتاريخ المعتصم الذي عرف بالقوة وصلابة الإرادة، وعظمت دولته، فلا يؤثر فيها استنكار العامة، ثم أي عامة هذه، هل هم أتباع أحمد؟! لم يكن أحمد مشهوراً ومعروفاً قبل المحنة حتى يكون له عوام، وإذا كانوا أتباعه فقد تحرم أحمد عليهم الخروج على السلطان..! فهذا السبب غير مقنع.
ويظهر أن سبب ذلك أن احمد أجاب الخليفة وقال بمقالته، فأطلق سراحه كما ذكر الجاحظ في رسالته مخاطباً أهل الحديث بعد أن ذكر المحنة
____________
1- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج2 ص453.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 283
-------------------------------------------------------------

والامتحان: (وقد كان صاحبكم هذا - أي أحمد بن حنبل - يقول: لا تقية إلا في دار الشرك، فلو كان ما اقر به من خلق القرآن كان منه على وجه التقية، فلقد أعملها في دار الإسلام وقد كذب نفسه، وإن كان ما أقربه على الصحة والحقيقة فلستم منه وليس منكم، على أنه لم ير سيفاً مشهوراً، ولا ضرب ضرباً كثيراً، ولا ضرب إلا ثلاثين سوطاً مقطوعة الثمار مشبعة الأطراف، حتى أفصح بالإقرار مراراً، ولا كان في مجلس ضيق ولا كانت حله مؤيسة، ولا كان مثقلاً بالحديد، ولا خُلع قلبه بشدة الوعيد ولقد كانت منازع بألين الكلام ويجيب بأغلظ الجواب ويرزنون ويخف ويحلمون ويطيش)(1)...
ويؤيد ذلك ما ذكره اليعقوبي في تاريخه من قول الجاحظ بإقرار أحمد بن حنبل بأن القرآن مخلوق، قال: (وامتحن المعتصم أحمد بن حنبل في خلق القرآن، فقال أحمد: أنا رجل علمت علماً ولم أعلم فيه بهذا فأحضر له الفقهاء وناظره عبد الرحمن بن إسحاق، وغيره.. فامتنع أن يقول أن القرآن مخلوق، فضرب عدة سياط، فقال إسحاق بن إبراهيم: ولني يا أمير المؤمنين مناظرته، فقال: شأنك به، فقال إسحاق: هذا العلم الذي علمته نزل به عليك ملك أو علمته من الرجال؟!
فقال أحمد: بل علمته من الرجال.
فقال إسحاق: شيئاً بعد شيء أو جملة؟
قال: علمته شيئاً بعد شيء.
قال إسحاق: فبقي عليك شيء لم تعلمه.
قال أحمد: بقي عليّ شيء لم أعلمه.

____________
1- مقدمة كتاب - أحمد بن حنبل والمحنة ص 14، نقلاً عن هامش الامل ج 3 ص 131 - ص 139.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 284
-------------------------------------------------------------

قال إسحاق: فهذا مما لم تعلمه، وعلمكه أمير المؤمنين.
قال أحمد: فإني أقول بقول أمير المؤمنين.
قال إسحاق: في خلق القرآن؟
قال أحمد: في خلق القرآن.
فأشهد عليه وخلع عليه وأطلقه إلى منزله(1).
وتكون هذه الضجة مفتعلة أكثر من الواقع، وقد صنع منها الحنابلة أساطير وأوهاماً حتى تكون دعاية وإعلاماً بطرح إمامة أحمد بن حنبل، وإلا إذا حوكمت هذه المسألة على أرض الواقع، لم يكن ابن حنبل بطلها.

أبطال لم تسلط عليهم الأضواء:
(1) أحمد بن نصر الخزاعي، المقتول سنة 231هـ، وهو من تلاميذ مالك بن أنس وروى عنه ابن معين ومحمد بن يوسف، وكان من أهل العلم، وقد امتحنه الواثق وسأله: ما تقول في القرآن؟
قال: كلام الله ليس بمخلوق، فحمله أن يقول أنه مخلوق فأبى وسأله عن رؤية الله يوم القيامة، فقال بها. وروى الحديث في ذلك فقال الواثق: ويحك، هل يُرى هذه صفته، ولما أصرّ أحمد الخزاعي على رأيه، دعا الخليفة السيف المسمى الصمصامة، وقال: إنني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد رباً لا نعبده، ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم مشى إليه بنفسه فضرب عنقه، وأمر به وحمل رأسه إلى بغداد، فنصب بالجانب الشرقي أياماً، ثم بالجانب الغربي أياماً، ولما صُلب كتب الواثق ورقة وعلقت في رأسه:

____________
1- تاريخ اليعقوبي ج ص 198.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 285
-------------------------------------------------------------

هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك، دعاه عبد الله الإمام هارون - وهو الواثق - إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلا المعاندة فعجل الله به إلى ناره(1).
(2) يوسف بن يحيى البويطي، كما تقدم من تلاميذ الشافعي وخليته على حلقة درسه، حُمل من مصر إلى بغداد مثقلاً بأربعين رطلاً من الحديد، وامتحن فأبى أن يقول أن القرآن مخلوق، وقال: والله لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن دخلت عليه - يعني الواثق - لأصدقن، ومضى على امتناعه حتى مات بسجنه سنة 232هـ.
.... وآخرون لا يتسع المجال لذكرهم كانوا أكثر جموداً وإصراراً من أحمد، ومن الظلم أن يُخصّ احمد بن حنبل بهذه المحنة وأن تكون أعظم بطولاته، رغم نه كان غير ذلك تماماً كما عرفت خضوعه وإقراره للمعتصم.

أحمد في عهد المتوكل:
عندما جاء المتوكل إلى سدة الحكم، قرّب أهل الحديث ونكّل بالمعتزلة، بعكس ما كان في عهد المأمون والمعتصم والواثق، وامتحنهم بخلق القرآن، فمن قال منهم بخلق القرآن عُذب وقتل، فوجد أهل الحديث بغيتهم وارتفع بذلك صيتهم، وتبوأوا المكانة الرفيعة، وانتقموا من المعتزلة شر انتقام.
قال أحمد أمينك (فأراد الخليفة المتوكل أن يحتضن الرأي العام وأن يكتسب تأييده، فأبطل قوله بخلق القرآن، وأبطل الامتحانات والمحاكمات، ونصر المحدثين)(2).

____________
1- طبقات الشافعية ج 1 ص 270.
2- ظهر الإسلام ج 4 ص8.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 286
-------------------------------------------------------------

وقد كان النصيب الأكبر في القرب من المتوكل هو لأحمد بن حنبل، لأنه هو البقية من محنة القرآن بعد أن قتل أبطاله. وكان المتوكل يوصي الأمراء باحترام أحمد وتقديره، ويصله بصلات سنيه ويعطف ليه ورتب له في كل شهر أربعة آلاف درهم(1). فعلا نجم أحمد وازدحم الناس على بابه وتهافت رجال الدولة وأعيانها عليه، وكان أحمد في المقابل يذهب إلى صحة خلافة المتوكل وإمامته ولزوم طاعته، وكان يؤيد الدولة ويشد أزرها، وهذا ليس بغريب من أحمد فإنه يرى طاعة الحاكم أياً كان براً أو فاجراً.
قال أحمد في إحدى رسائله: والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين، البر ولافاجر، ومن ولي الخلافة فأجمع الناس عليه ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف وسُميّ أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر، وإقامة الحدود إلى الأئمة وليس لأحد أن يطعن عليهم أو ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائز من دفعها إليهم أجزأت عنه، براً كان أو فاجراً.
وصلاة الجمعة خلفه وخلف كل من ولي جائزة إمامته ومن أ، عادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة.
ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وكان الناس قد اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه من الوجوه، أكان بالرضا أو الغلبة، فقد شق الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية(2).
ويقول أبو زهرة في نفس الكتاب ص 321: (ولأحمد رأي يتلاقى فيه مع سائر الفقهاء وهو جواز إمامة من تغلب ورضيه الناس، وأقام الحكم
____________
1- تاريخ ابن كثير ج10ص 239.
2- تاريخ المذاهب الإسلامية، لأبي زهرة ج2 ص 322.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 287
-------------------------------------------------------------

الصالح بينهم، بل إنه يرى أكثر من ذلك، إن من تغلب وإن كان فاجراً تجب طاعته حتى لا تكون الفتنة.
فلذلك نجد تباعه من السلفية والوهابية يحكمون على الحسين بن علي عليهما السلام بأنه باغ ويجب على يزيد قتله لخروجه على إمام زمانه، وقد سمعته بأذني من أحدهم وهو يناقشني مدافعاً دفاعاً مستميتاً عن يزيد، قال: الحسين خرج على إمام زمانه ويجب أن يقتل، فانظر إلى أي مدى يأخذ الإنسان التقليد الأعمى لأسلافه، فما قيمة أحمد بن حنبل في قبال الحسين (ع)، حتى اقول بمقالته واعمل بفتواه وأرمي الحسين بالظلم والبغي؟!.
إذا تجردنا من هذا التقليد الأعمى، وتدبرنا آيات القرآن لكان خيراً وأقرب للحق، قال تعالى: [ولا تركنوا للذين ظلموا فتمسكم النار] هود 113.
وقال: [ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً] الكهف 28. وقال جل شأنه: [ولا تطع المكذبين] القلم 8. وقال: [ولا تطيعوا أمر المسرفين] الشعراء 151.
.. ولكنهم تركوا القرآن وراء ظهورهم، واحتجوا بروايات وضعها الظلمة من حكام بني أمية، حتى يخضعوا الناس لسلطانهم، وقد رد أهل البيت هذه الأحاديث بأحاديث صادقة وموافقة للقرآن ولروح الإسلام.
قال الإمام الصادق (ع): (من أحب بقاء الظالمين فقد أحب أن يُعصى الله). هذا فوق كونه حديثاً فهو دليل عقلي متين، حيث من يرى الاستسلام للظالم وطاعته ولا يخرج عليه فقد أحب بقاء معصية الله. قال تعالى: [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.. الظالمون.. الفاسقون] المائدة 44 ـ 45ـ 47.
بالإضافة إلى الآيات والروايات الدالة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلذلك عندما أراد الحسين (ع)، الخروج على طاغية زمانه يزيد قال:

-------------------------------------------------------------
الصفحة 288
-------------------------------------------------------------

(أيها الناس إن رسول الله (ص) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأطهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلةوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غيري)(1).
ولكن ماذا نقول لأناس تركوا أئمة أهل البيت وأبدلوهم بأئمة مصطنعين لم يأمر الله بطاعتهم، قال تعالى: [وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً] الأحزاب 67ـ68.
فما أعظم هذه الجريمة في حق الأمة الإسلامية، التي ارتكبها حكام الأمويين بوضع هذه الأحاديث المكذوبة على رسول الله (ص)، بل ما أعظم ذنب هذه الفتوى التي أفتى بها أحمد بن حنبل، وكم هي محبطة لجيل الثورة الإسلامية الذين يرفضون الظلم والاستبداد في هذا العصر الذي اتصف بالوعي والنهضة الشاملة، التي لا يمكن أن يقف في طريقها إيحاءات علماء البلاط واسلطة. فإن كان هناك جرماً ارتكبته مجموعة من الشباب الذين انضموا تحت رايات شيوعية وغير إسلامية، فالجرم الأكبر ارتكبه علماء السوء.

الفقه عند احمد بن حنبل:
من المعروف عن أبن حنبل أنه رجل حديث ولم يكن فقيهاً، فقد جمع أتباعه بعض آرائه المتفرقة المنسوبة له وجعلوا منها مذهباً فقهياً، ولذلك نجد
____________
1- تاريخ الطبري ج4، حوادث سنة 61هـ ص 304.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 289
-------------------------------------------------------------

المجموعة الفقهية التي نسبت إلى أحمد مختلفة متضاربة، بالإضافة إلى اختلافهم في تفسير من بعض الكلمات التي لا يفهم منها الحكم الشرعي في المسألة مثل قوله: (لا ينبغي). فهل هي تحمل على الحرمة أو الكراهة، وكذلكقوله: يعجبني أو لا يعجبني... أو أكره، أو لا أحب.
كما أن أحمد نفسه لم يدّع أنه من أهل الفقه والفقاهة، بل كان يتحرز من الفتيا ويفر منها. قال الخطيب بإسناده: (كنت عند أحمد بن حنبل، فسأله رجل عن مسألة في الحلال والحرام، فقال له أحمد: سل عافاك الله غيرنا، قال: إنما نريد جوابك يا أبا عبد الله، قال: سل عافاك الله غيرنا، سل الفقهاء، سل أبا ثور)(1). فلا يحسب نفسه بذلك من الفقهاء.
وقال المروزي: سمعت أحمد يقول: أما الحديث فقد استرحنا منه وأما المسائل فقد عزمت إن سألني أحد عن شيء أنا لا أجيب(2).
وذكر الخطيب بالإسناد أنه قدم أحمد بن حرب (الزاهد النيسابوري) من مكة، فقال لي أحمد بن حنبل: من هذا الخراساني الذي قدم؟
قلت: من زهده كذا وكذا.
فقال: لا ينبغي لمن يدعي ما يدعيه - يعني الزهد - أن يدخل نفسه بالفتيا(3).
.. فهذا هو ديدنه لا يتدخل في الفتيا، بل يراها لا تنسجم مع الزهد.
فكيف يكون لمثل هذا فقه أو مذهب يُقلد في الأمور العبادية؟!.
وقال أبو بكر الأشرم - تلميذ أحمد بن حنبل -: كنت أحفظ الفقه والاختلاف فلما صحبت أحمد تركت كل ذلك.

____________
1- تاريخ بغداد، ج2ص 66.
2- مناقب أحمد ص75.
3- تاريخ بغداد ج4 ص 119.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 290
-------------------------------------------------------------

وقال أحمد بن حنبل: إياك أن تكلم في مسألة ليس لك فيها إمام(1).
... أي بصريح العبارة: لا تفت حتى ولو كان في يدك حديث، إلا إذا كان لك إمام تعتمد عليه في هذه الفتوى.
كما أنه لا يرى الترجيح بين أقوال الصحابة، إذا اختلفوا في مسألة، بل يرى تقليد من شئت، وكان هذا جوابه لعبد الرحمن الصير في عندما سأله هل يمكن الترجيح بين أقوال الصحابة.
والذي ينهى عن الترجيح وأخذ الأصلح من الأقوال هو أبعد عن الاجتهاد. ومن الأدلة التي تدل على عدم وجود مذهب فقهي لأحمد بن حنبل، أن كثيراً من أصحابه المتعصبين له اختلفوا في مذهبهم الفقهي.
هل هم أحناف أم شافعية؟، مثل أبي الحسن الأشعري، عندما ترك الاعتزال وأصبح حنبلياً، فلم يُعرف عنه أن يدين الله عز وجل بفقه حنبلي، وكذلك القاضي الباقلاني فقد كان مالكياً، وكذلك عبد الله الأنصاري الهروي، المتوفى سنة 481هـ، القائل: د
أنا حنبلي ما حييت وإن أمت فوصيتي للناس أن يتحنبلوا

ورغم تعصبه لأحمد كان في الفقه على طريقة ابن المبارك، وهذا هو المعروف من معاصريه والمقربين من عهده، فالمنتسبون له إنما ينتسبون عقائدياً وليس فقهياً.
فبالإضافة إلى أن ابن حنبل ينهى في رسائله عنه: الرأي والقياس والاستحسان ويجعل القائلين بالقياس في رديف الجهمية والقدرية والروافض ويحمل على أبي حنيفة في شخصه، ورغم ذلك نجد أن القول بالقياس قد
____________
1- أحمد بن حنبل، لأبي زهرة ص 196.
-------------------------------------------------------------
الصفحة 291
-------------------------------------------------------------

أدخل بالفقه الحنبلي، وهذا مما يدعونا نشك أن أحمد بن محمد بن هارون (أبو بكر الخلال)، المتوفي سنة 311هـ وهو الراوي والناقل للفقه الحنبلي، لم يكن أميناً في نقله أو اختلط عليه الأمر، خاصة أنه لم يكن في عر أحمد بن حنبل ف5د جمع أشتات المسائل الفقهية المنسوبة إلى أحمد. ويؤيد ذلك اختلاف الروايات في أقوال أحمد اختلافاً عظيماً يصعب على العقل نسبتها جميعها إليه.
يقول أبو زهرة: (إن الفقه المنقول عن أحمد بن حنبل قد تضاربت أقواله فيه تضارباً يصعب على القعبل نسبة كل هذه الأقوال إليه. وافتح أي كتاب من كتب الحنابلة، وأي باب من أبوابه تجده لا يخلو من عدة مسائل، اختلفت فيها الرواية بين، لا ونعم(1).
فلم يكن المذهب الفقهي لابن حنبل واضحاً عند معاصريه، وما هو موجود إنما هو مذهب مصطنع نشره الحنابلة بالعنف والشدة، كما في بغداد التي كان يغلب عليها المذهب الشيعي، أما خارج بغداد فلم يكن معروفاً، فكان يعتنقه أفراد معدودون في مصر وذلك في القرن السابع، ولكن عندما ولي القضاء موفق الدين عبد الله بن محمد بن عبد الملك الحجازي، المتوفي 769هـ انتشر مذهب احمد بواسطته، فقرب الفقهاء الحنابلة ورفع منزلتهم، وأما في باقي الأقطار فلم يكن لهم ذكر، وقد علل ابن خلدون ذلك بقوله: (أما أحمد فمقلده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد)، كما في المقدمة. فلم يجد الحنابلة طريقاً إلى نشر مذهبهم إلا بالهرج والمرج وضرب الناس في الشوارع والطرقات، حتى بلبلوا النظام في بغداد، فخرج توقيع الخليفة الراضي يستنكر عليهم فعائلهم ويذمهم بقولهم بالتشبيه، فمنه: (تارة إنكم تزعمون صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين وهيأتكم الرذيلة على
____________
1- أحمد بن حنبل، لأبي زهرة ص 168.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 292
-------------------------------------------------------------

هيئته، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين المذهبين.. والصعود إلى المساء والنزول إلى الدنيا، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً..)(1).
فأصبح المذهب الحنبلي على ذلك المستوى، لم يكن له كثير من الأتباع كما كانت تفر منه النفوس لعقائدهم في الله وتشبيههم الرب ووصفه بصفات لا تليق به، فلم يجد الفرصة الكافية في الانتشار حتى جاء المذهب الوهابي بزعامة محمد بن عبد الوهاب الذي تبنى الخط الحنبلي فساعدته سلطة آل سعود على نشر المذهب بحد السيف في أوله وبريق الريالات في آخره8، ومع الأسف إن كثيراً من الناس يتمسكون بالفقه الحنبلي ولا دليل لهم على ذلك إلا من باب: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثارهم مقتدون)، وإن كان غير ذلك فلا بد من إثبات براهينهم في هذه الموارد الثلاثة: كون أحمد بن حنبل فقيهاً، وكون الفقه المنسوب إليه غير مكذوب، وبعد أن يثبت ذلك كله لا بد من إثبات حجة دامغة في وجوب إتباع أحمد بن حنبل بالذات. وإلا يكون اتباعاً للظن، والظن لا يغني عن الحق شيئاً، وهذا بالإضافة إلى أن المتعصبين لأحمد مثل ابن قتيبة لم يذكره في جماعة الفقهاء، فلو كان فقيهاً مجتهداً لم يبخسه حقه وكذلك ابن عبد البر لم يذكره عندما ذكر الفقهاء في كتابه الانتقاء، ولم يتطرق له ابن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ في كتاب9 اختلاف الفقهاء، فسئل عن ذلك فقال: لم يكن أحمد فقيهاً إنما كان محدثاً وما رأيت له أصحاباً يعوّل عليهم، فأساء ذلك الحنابلة، وقالوا: إنه رافضي، وسألوه عن حديث الجلوس على العرش، فقال: إنه محال. وأنشد.

____________
1- الإمام الصادق والمذاهب الاربعة ج2 ص 509.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 293
-------------------------------------------------------------

سبحان من ليس له أنيس ولا له في عرشه جليس

فمنعوا الناس من الجلوس إليه، ومن الدخول عليه، ورموه بمحابرهم فلما داره رموه بالجارة حتى تكدست(1).
وهذا يدل على تعصب الحنابلة وشذوذهم في نشر مذهبهم الذي لم يعترف به العلماء، قال الشيخ أبو زهرة، إن كثيراً من الأقدمين لم يعدوا أحمداً من الفقهاء، كابن قتيبة وهو قريب من عصر أحمد جداً وابن جرير الطبري وغيرهما.

خاتمة:
وبعد هذا العرض لمدارس الفقه عند أهل السنة، اتضح لنا جلياً أنه ليس هناك ميزة لهذه المذاهب عن غيرها حتى تنتشر وتعم كل العالم الإسلامي، لولا السياسة التي اقتضت أن يكون أئمة المذاهب الأربعة هم مصادر الفقه، وذلك لأن السياسة الحاكمة لا يمكن أن تحارب الدين، بل بالعكس فإنها تنر العلماء وتقربهم لكن بشرط أن لا تمس تعاليمهم مصالح الدولة. فمركز السطان فوق كل شيء.
ولذلك نجد أن المذاهب الأربعة قد اختيرت من بين مئات المذاهب وشملها العفو الملكي والرضا السلطاني، فقلدت تلاميذهم منصب القضاء وجعلت أمور الدين بأيديهم. فنشروا ما يشاؤون من مذابه شيوخهم كما تقدم شرحه.

____________
1- ضحى الإسلام ج2 ص235، لأحمد أمين.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 294
-------------------------------------------------------------

وصدر مرسوم في عهد المنتصر العباسي، يقتضي الالتزام بقول المشايخ السابقين وأن لا يذكر قول مع أقوالهم، وأفتى علماء الأمصار بوجوب اتباع المذاهب الاربعة وتحريم ما سواها وغلق باب الاجتهاد.
يقول أحمد أمين: (كان للحكومات دخل كبير في نصرة مذاهب أهل السنة، والحكومة عادة، إذا كانت قوية وأيدت مذهباً من المذاهب تبعه الناس بالتقليد، وظل سائداً إلى أن تزول الدولة(1).
وبعد هذا، هل يحتج محتج بوجوب اتباع المذاهب الأربعة؟!.
بل من الأساس، هل جاء دليل على حر المذاهب في أربعة؟!
وإذا لم يكن هناك دليل على أتباعهم، هل غفل الله ورسوله عن هذا الأمر فلم يبين لهم عمن يأخذون دينهم وشرائع أحاكمهم..؟! وعمن لا يأخذون؟!
تعالى الله أن يترك الخلق من غير أن يبين لهم أحكامهم والطريق الذي به نجاتهم، فقد بي!ن على لسان رسول الله (ص) وأقام الحجة والبرهان على وجوب اتباع عترة رسول الله (ص) وخاصته ومعدن حكمته، ولكن لما كانت العترة الطاهرة مناهضة لحكام وطواغيت عصرهم وظالميهم ومغتصبي حقهم، عملتم السلطة على صرف الناس عنهم، وعدم التمسك بهم، والناس همج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح لا يستضيئون بنور العلم ولا يلجأون لركن وثيق.
وفي المقابل يمكنك أن تنظر إلى مدرسة أهل البيت - التشيع -، التي م تحتج إلى السلطة كي تلمع لها فقهاءها، بل تمسكوا بما قال رسول الله (ص): (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإن العليم الخبير أنبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض).

____________
1- ظهر الإسلام ج4 ص96.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 295
-------------------------------------------------------------

فلازموا العترة واستقوا منها دينهم وأفكارهم، لم يخافوا أهل البيت ولم يتقدموا عليهم ولم يحتاجوا إلى غيرهم كي يستقتوهم، بل أخذوا ممن كان حديثهم حديث جده وحديث جده رسول الله (ص) وحديث رسول الله حديث جبرائيل وحديث جبريل حديث الله.
قال الشاعر.

إذا شئت أن تغبي لنفسك مذهباً ينجيك يوم البعث من لهب النار
فدع عنك قول الشافعي ومالك وأحمد المروي عن كعب أحبار
ووال أناساً قولهم وحديثهم روى جدنا عن جبرائيل عن الباري
الفقه عند الشيعة:
واستمر هذا الواضع في الأخذ من أئمة أهل البيت (ع) مباشرة حتى جاء الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن المهدي (ع)، فرسم للشيعة طريقهم الذي يسلكونه في أخذ الأحكام الفقهية حال غيبته، فقال: (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مواله فللعوام أن يقلدوه)(1).
وبذلك انفتح لهم باب الاجتهاد والتحقيق والاستنباط، فظهرت فكرة المرجعية الفقهية، بحيث يختار الشيعي من العلماء أكثرهم علماً وتقوى وورعاً ويقلده في أحكام الفقه والمستجدات، وقد فصل الفقهاء في هذا الباب وإليك
____________
1- وسائل الشيعة ، ج18 ص 94.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 296
-------------------------------------------------------------

بعضها من كتاب - المسائل الإسلامية، لسماحة آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي ص 90:
(المسألة 1): يجب أن يكون اعتقاد المسلم بـ (أصول الدين) عن دليل وبرها، ولا يجوز له أن يقلد فيها بمعنى أن يقبل كلام أحد فيها دونما دليل.
أما في (أحكام الدين وفروعه) فيجب إما أن يكون مجتهداً يقدر على استنباط الأحكام من أدلتها، وإما أن يكون مقلداً بمعنى أن يعمل على رأي مجتهد جامع للشرائط، وإما أن يقوم بوظيفته عن طريق الاحتياط بنحو يحصل له اليقين بأنه قام بالتكليف، مثلما لو أفتى جماعة من المجتهدين برحمة عمل، وأفتى آخرون باستحبابه احتاط بان يقوم بذلك العمل، فمن لا يكون مجتهداً ولا يمكنه الاحتياط يجب عليه أن يقلد مجتهداً ويعمل وفق رأيه.
(مسألة 4): بناء على وجوب تقليد الأعلم، إذا تعسر تشخيص الأعلم وجب تقليد من يظن أنه أعلم، بل يجب تقليد من يتحمل احتمالاً ضعيفاً فأعلميته، ويعلم بعدم أعلمية غيره. أما إذا تساوى جماعة في العلم - في نظره - قلد واحداً منهم، ولكن إذا كان أحدهم أورع وجب تقليده دون سواه على الأحوط.
(مسالة 5): الحصول على فتوى المجتهد ورأيه يمكن بإحدى الطرق الأربعة التالية:
1) السماع المباشر من المجتهد.
2) السماع من عادلين ينقلان فتوى المجتهد.
3) السماع ممن يثق بقوله ويعتمد على نقله.
4) وجود الفتوى في رسالته العملية، في صورة الاطمئنان إلى صحة ما جاء على الرسالة وسلامتها من الأخطاء.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 297
-------------------------------------------------------------

وقد تطور الفقه وتقدم عند الشيعة وفتحت المدارس والحوزات الدينية التي تخرّج الفقهاء والمراجع فظهر فيهم الأفذاذ طول التاريخ إلى العصر الحاضر.
والذي يراجع المكتبة الفقهية الشيعية، يقف منذهلاً أمام تلك الجهودات الجبّارة.
... وأنقل إليك نزراً يسيراً من الكتب الفقهية الشيعية.
ففي باب الروايات الفقهية، هناك كتب كثيرة أشهرها:
(1) وسائل الشيعة: 20 مجلداً ضخماً، للحر العاملي.
(2) مستدرك الوسائل: 18 مجلداً، للنوري الطبرسي.
ومن الكتب الفقهية الاستدلالية:
(1) جواهر الكلام، لمحمد حسن النجفي يتكون من 43 مجلداً.
(2) الحدائق النضرة، للشيخ يوسف البحراني، 25 مجلداً.
(3) مستمسك العروة الوثقى، للسيد محسن الطباطبائي الحكيم، 14 مجلداً (4) الموسوعة الفقهية، للسيد محمد الحسيني الشيرازي ـ من العلماء المعاصرين ـ وقد طُبع من هذه الموسوعة 110 مجلدات، وقد تناولت جميع أبواب الفقه، من بيتها: فقه القرآن الكريم، وفقه الحقوق، وفقه الدولة الإسلامية، وفقه الإدارة، وفقه السياسة، وفقه الاقتصاد، وفقه الاجتماع.
(5) ومن الموسوعات الحديثة أيضاً: فقه الصادق. للسيد محمد صادق الروحاني، تتكون من 26 مجلداً، وسلسلة ينابيع المودة، لعلي أصغر مرواريدي تتكون من 30 مجلداً.

مناظرة يوحنا مع علماء المذاهب الأربعة:
ونختم هذا الفصل بمناظرة يوحنا مع علماء الذاهب الأربعة، وهي من أروع المناظرات في هذا الباب، وعلى القارئ أن يتمعن ما فيها من احتجاجات حكيمة وسديدة وقد نقلنا هذه الناظرة من كتاب مناظرات في الإمامة لمؤلفه عبد الله الحسن.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 298
-------------------------------------------------------------

قال يوحنّا: فلمّا رأيت هذه الاختلافات من كبار الصحابة الذين يُذكرون مع رسول الله (ص) ـ فوق المنابر عظم عليَّ الأمر وغمَّ عليَّ الحال وكدت أفتتن في ديني، فقصدت بغداد وهي قُبّةُ الإسلام لأُفاوض فيما رأيت من اختلاف علماء المسلمين لأنظر الحقّ وأتّبعه، فلمّا اجتمعت بعلماء الذاهب الأربعة، قلت لهم: إني رجل ذمّي، وقد هداني الله إلى الإسلام فأسلمت وقد أتيت إليكم لأنقل عنكم معالم الدين، وشرائع الإسلام، والحديث، لأزداد بصيرة في ديني.
فقال كبيرهم وكان حنفيّاً: يا يوحنا، مذاهب الإسلام أربعة فاختر واحداً منها، ثمّ اشرع في قراءة ما تريد.
فقلت له: إنّي رأيت تخالفاً وعلمت أنّ الحقّ منها واحدٌ فاختاروا لي ما تعلمون أنّه الحق الذي كان عليه نبيّكم.
قال الحنفي: إنّا لا نعلم يقيناً ما كان عليه نبيّنا بل نعلم أن طريقته ليست خارجة من الفرق الإسلاميّة وكلّ من أربعتنا يقول إنّه محقّ، لكن يمكن أن يكون مبطلاً، ويقول: إنّ غيره مبطل لكن يمكن أن يكون محقّاً، وبالجملة إن مذهب أبي حنيفة أنسب المذاهب، وأطبقها للسنّة، وأوفقها للعقل، وأرفعها عند الناس، إنّ مذهبه مختار أكثر الأمّة بل مختار سلاطينها، فعليك به تَنْجُ.
قال يوحنّا: فصاح به إمام الشافعية، وأظنّ أنّه كان بين الشافعي والحنفي منازعاتْ فقال له: اسكت لأنطقت، والله لقد كذبت وتقوّلت، ومن أين أنت والتمييز بين المذاهب، وترجيح المجتهدين؟ ويلك ثكلتك أمّك وأين لك الوقوف على ما قاله أبو حنيفة، وما قاسه برأيه، فإنّه المسمّى بصاحب الرأي يجتهد في مقابل النصّ، ويستحسن في دين الله ويعمل به حتى أوقعه رأيه الواهي في أن قال: لو عقد رجل في بلاد الهند على امرأة
-------------------------------------------------------------
الصفحة 299
-------------------------------------------------------------

كانت في الروم عقداً شرعيّاً، ثمّ أتاها بعد سنين فوجدها حاملاً وبين يديها صبيان يمشون ويقول لها: ما هؤلاء؟ وتقول له: أولادك فيرافعها في ذلك إلى القاضي الحنفي فيحكم أن الأولاد من صلبه، ويلحقونه ظاهراّ وباطناّ، يرثهم ويرثونه، فيقول ذلك الرجل: وكيف هذا ولم أقربها قطّ؟ فيقول القاضي: يحتمل أنّك أجنبت أو أن تكون أمنيت فطار منيك في قطعة فوقعت في فرج هذه المرأة(1)، هل هذا يا حنفي مطابق للكتاب والسنة؟
قال الحنفي: نعم إنمّا يلحق به لأنها فراشه والفراش يلحق ويلتحق بالعقد ولا يشترط فيه الوطي، وقال النبي ـ (ص) ـ (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فمنع الشافعي أن يصير فراشاً بدون الوطي، وغلب الشافعي النفي بالحجّة.
ثمّ قال الشافعي: وقال أبو حنيفة: لو أنّ امرأة زُفّت إلى زوجها فعشقها رجل فادّعى عند قاضي الحنفيّة أنه عقد عليها قبل الرجل الذي زُفّت إليه، وأرشى المدّعي فاسقين حتى شهدا له كذباً بدعواه، فحكم القاضي له تحرم على زوجها الأول ظاهراً وباطناً وتثبت زوجية تلك المرأة للثاني وأنها تحل عليه ظاهراً وباطناً، وتحل منها على الشهود الذين تعمدوا الكذب في الشهادة(2)! فانظروا أيها الناس هل هذا مذهب من عرف قواعد الإسلام؟
قال الحنفي: لا اعترضا لك، عندنا أن حكم القاضي ينفذ ظاهراً وباطناً وهذا متفرع عليه، فخصمه الشافعي ومنع أن ينفذ حكم القاضي ظاهراً وباطناً بقوله تعالى (وأن احكم بما أنزل الله)(3) ولم ينزل الله ذلك.

____________
1- انظر: الفقه على المذاهب الأربعة ج4 ص14ـ15.
2- انظر: الأم للشافعي ج5 ص22ـ25.
3- سورة المائدة: الآية 49.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 300
-------------------------------------------------------------

ثمّ قال الشافعي: وقال أبو حنيفة: لو أنّ امرأة غاب عنها زوجها فانقطع خبره، فجاء رجل فقال لها: إنّ زوجك قد مات فاعتدي، فاعتدت، ثمّ بعد العدّة عقد عليها آخر ودخل عليها، وجاءت منه بالأولاد، ثم غاب الرجل الثاني وظهرت حياة الرجل الأول وحضر عندها فإن جميع أولاد الرجل الثاني أولاد للرجل الأول يرثهم ويرثونه(1).
فيا أولي العقول، هل يذهب إلى هذا القول من له دراية وفطنة؟
فقال الحنفي: إنما أخذ أبو حنيفة هذا من قول النبي (ص): (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فاحتج عليه الشافعي بكون الفراش مشروطاً بالدخول، فغلبه.
ثم قال الشافعي: وإمامك أبو حنيفة قال: أيما رجل رأى امرأة مسلمة فادعى عند القاضي بأن زوجها طلقها، وجاء بشاهدين، شهدا له كذباً فحكم القاضي بطلاقها، حرمت على زوجها، وجاز للمدعي نكاحها وللشهود أيضاً(2)، وزعم أن حكم القاضي ينفذ ظاهراً وباطناً.
ثم قال الشافعي: وقال إمامك أبو حنيفة: إذا شهد أربعة رجال على رجل بالزنا، فإن صدقهم سقط عنه الحد، وإن كذبهم لزمه، وثبت الحد(3) فاعتبروا يا أولي الأبصار.
ثم قال الشافعي: وقال أبو حنيفة: لو لاط رجل بصبي وأوقبه فلا حد عليه بل يعزّر(4).

____________
1- الفقه على الذاهب الأربعة ج5 ص119.
2- ومثله أيضاً، كما قال في ج13 من تاريخ بغداد ص370، قال الحارث بن عمير: وسمعته يقول (يعني أبوحنيفة): لو أن شاهدين شهدا عند قاض، أن فلان بن فلان طلق امرأته، وعلموا جميعاً أنهما شهدا بالزور ففرق القاضي بينهما، ثم لقيها أحد الشاهدين فله أن يتزوج بها.
3- الفقه على المذاهب الأربعة ج5 ص129.
4- الفقه على المذاهب الأربعة ج5 ص 141.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 301
-------------------------------------------------------------

وقال رسول الله (ص) (من عمل عمل قوط لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول)(1).
وقال أبو حنيفة: لو غصب أحد حنطة فطحنها ملكها بطحنها، فلو أراد أن يأخذ صاحب الحنطة طحينها ويعطي الغاصب الأجرة لم يجب على الغاصب إجابته وله منعه، فإن قتل صاحب الحنطة كان دمه هدراً، ولو قتل الغاصب قُتل صاحب الحنطة به(2).
وقال أبو حنيفة: لو سرق سارق ألف دينار وسرق ألفاً آخر من آخر ومزجها ملك الجميع ولزمه البدل.
وقال أبو حنيفة: لو قتل المسلم التقي العالم كافراً جاهلاً قتل المسلم به والله يقول: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)(3).
وقال أبو حنيفة: لو اشترى أحد أمه أو أخته ونكحهما لم يكن عليه حد وإن علم وتعمّد(4).
قال أبو حنيفة: لو عقد أحد على أمه أوأخته عالماً بها أنها أمه أو اخته ودخل بها لم يكن عليه حد لأن العقد شبهة(5).
وقال أبو حنيفة: لو نام جنب على طرف حوض من نبيذ فانقلب في نومه، ووقع في الحوض ارتفعت جنابته وطهر.
وقال أبو حنيفة: لا تجب النية في الوضوء(6)، ولا في الغسل(7)، وفي الصحيح: (إنما الأعمال بالنيات)(8).

____________
1- المستدرك للحاكم ج4 ص355، كنز العمال ج5 ص340 ح13129.

2- الفتاوي الخيرية ج2 ص150.
3- سورة النساء: الآية 141.
4- الفقه على المذاهب الأربعة ج5 ص123.
5- الفقه على المذاهب الأربعة ج5 ص124.
6- الفقه على المذاهب الأربعة ج1 ص63.
7- الفقه على المذاهب الأربعة ج1 ص117.
8- مسند أحمد ج1 ص25، حلبة الأولياء ج6 ص342، السنن الكبرى للبيهقي ج1 ص41.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 302
-------------------------------------------------------------

وقال أبو حنيفة: لا تجب البسملة في الفاتحة(1) وأخرجها منها مع أن الخلفاء كتبوها في المصاحب بعد تحرير القرآن.
وقال أبو حنيفة: لو سلخ جلد الكلب الميت ودُبع طهر وإن له الشراب فيه ولبسه في الصلاة(2), هذا مخالف للنص بتنجيس العين المقتضي لتحريم الانتفاع به.
ثم قال: يا حنفي، يجوز في مدهبك للمسلم إذا أراد الصلاة يتوضأ بنبيذ ويبدأ بغسل رجليه، ويختم بيديه(3)، ويلبس جلد كلب ميت مدبوغ(4)، ويسجد على عذرة يابسة، ويكبر بالهندية، ويقرأ فاتحةالكتاب بالعبرانية(5)، ويقول بعد الفاتحة: دو برك سبز ـ يعني مدهامتان ـ ثم يركع ولا يرفع رأسه، ثم يسجد ويفصل بين السجدتين بمثل حد السيف وقبل السلام يتعمد خروج الريح، فإن صلاته صحيحة، وإن أخرج الريح ناسياً بطلت صلاته(6).
ثم قال: نعم يجوز هذا، فاعتبروا يا أولي الأبصار، هل يجوز التعبد بمثل هذه العبادة؟ أم يجوز لنبي أن يأمر أمته بمثل هذه العبادة افتراء على الله ورسوله؟
فأفحم الحنفي وامتلأ غيظاً وقال: يا شافعي أقصر فض الله فاك، وأين أنت من الأخذ على أبي حنيفة وأين مذهبك من مذهبه؟ فإنما مذهبك
____________
1- الفقه على المذاهب الأربعة ج1 ص242.
2- الفقه على المذاهب الأربعة ج1 ص26.
3- الفقه على المذاهب الأربعة ج1 ص68، الفقه على المذاهب الخمسة ص37.
4- الفقه على المذاهب الأربعة ج1 ص26.
5- الفقه على المذاهب الأربعة ج1 ص230.
6- الفقه على المذاهب الأربعة ج1 ص307.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 303
-------------------------------------------------------------

بمذهب المجوس أليق لأن في مذهبك يجوز للرجل أن ينكح ابنته من الزنا وأخته، ويجوز أن يجمع بين الأختين من الزنا، ويجوز أن ينكح أمه من الزنا، وكذا عمته وخالته من الزنا(1)، والله يقول: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم)(2) وهذه صفات حقيقية لا تتغير بتغير الشرائع والأديان، ولا تظن يا شافعي يا أحمق أن منعهم من التوريث يخرجهم من هذه الصفات الذاتية الحقيقية ولذا تضاف إليه، فيقال: بنته وأخته من الزنا، وليس هذا التقييد موجباً لمجازيته كما في قولنا أخته من النسب بل لتفصيله، إنما التحريم شامل للذي يصدق عليه الألفاظ حقيقة ومجازاً اجتماعاً، فإن الجدة داخلة تحت الأم إجماعاً، وكذا بنت البنت، ولا خلاف في تحريمها بهذه الآية، فانظروا يا أولي الألباب هل هذا إلا مذهب المجوسي، يا خارجي.
يا شافعي، إمامك أباح للناس لعب الشطرنج(3) مع أن النبي (ص) قال: (لا يحب الشطرنج إلا عابد وثن).
يا شافعي، إمامك أباح للناس الرقص والدف والقصب(4)، فقبّح الله مذهبك، ينكح فيه الرجل أمه وأخته ويلعب بالشطرنج ويرقص، ويدف، فهل هذا إلا ظاهر الافتراء على الله ورسوله، وهل يلتزم بهذا المذهب إلا أعمى القلب وأعمى عن الحق.
قال يوحنا: وطال بينهما الجدال واحتمى الحنبلي للشافعي، واحتمى المالكي للحنفي، ووقع النزاع بين المالكي والحنبلي، وكان فيما وقع بينهما أن الحنبلي قال: إن مالكاً أبدع في الدين بدعاً أهلك الله عليها أمماً وهو
____________
1- أنظر الفقه على المذاهب الأربعة ج5 ص134.
2- سورة النساء: الآية 23.
3- انظر: الأم للشافعي. ج6 ص208، الفقه الإسلامي وأدلته ج5 ص566.
4- الفقه الإسلامي وأدلته ج7 ص128.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 304
-------------------------------------------------------------

أباحها، وهو لواط الغلام، لواط المملوك وقد صح أن رسول الله (ص) قال: (من لاط بغلام فاقتلوا الفاعل والمفعول)(1).
وأنا رأيت أن مالكياً ادّعى عند القاضي على آخر أنه باعه مملوكاً والمملوك لا يمكنه من وطئه، فاثبت القاضي أنه عيب في المملوك ويجوز له ردّه، أفلا تستحي من الله يامالكي يكون لك مذهب مثل هذا وأنت تقول مذهبي خير مذهبك؟! وإمامك أباح لحم الكلاب فقبح الله مذهبك واعتقادك.
فرجع المالكي عليه وصاح به: اسكت يا مجسّم يا حلولي، يا حولي، يا فاسق، بل مذهبك أولى بالقبح، وأحرى بالتنفير، إذ عند إمامك أحمد بن حنبل أن الله جسم يجلس على العرش، ويفضل عنه العرش بأربع أصابع، وأنه ينزل كل ليلة جمعة سماء الدنيا على سطوح المساجد في صورة أمرد، قطط الشعر، له نعلان شراكهما من اللؤلؤ الرطب، راكباً على حمار له ذوائب(2).
قال يوحنّا: فوقع بين الحنبلي والمالكي والشافعي والحنفي النزاع، فعلت أصواتهم وأظهروا قبائحهم ومعايبهم حتى ساء كل من حضر كلامهم الذي بدا منهم، وعاب العامة عليهم.
فقلت لهم: على رسلكم، فوالله قسماً إني نفرت من اعتقاداتكم، فإن كان الإسلام هذا فياويلاه، واسوأتاه، لكني أقسم عليكم بالله الذي لا إله إلا هو أن تقطعوا هذا البحث وتذهبوا فإن العوام قد أنكروا عليكم.

____________
1- الفقه على المذاهب الأربعة ج5 ص140.
2- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج2 ص509 وممن روى أنه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً) البخاري في التهجد بالليل، مسند أحمد بن حنبل ج1 ص120 وص446 ، الترمذي ج1 ص142.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 305
-------------------------------------------------------------

قال يوحنّا: فقاموا وتفرّقوا وسكتوا أسبوعاً لا يخرجون من بيوتهم، فإذا خرجوا أنكر الناس عليهم، ثم بعد أيام اصطلحوا واجتمعوا في المستنصرية فجلست غداة إليهم وفاوضتهم فكان فيما جرى أن قلت لهم: كنت أريد علاماً من علماء الرافضة نناظره في مذهبه، فهل عليكم أن تأتونا بواحد منهم فنبحث معه؟
فقال العلماء: يا يوحنا، الرافضة فرقة قليلة لا يستطيعون أن يتظاهروا بين المسلمين لقلتهم، وكثرة مخالفيهم، ولا يتظاهرون فضلاً أن يستطيعوا المحاجة عندنا على مذهبهم، فهم الأرذلون الأقلون، ومخالفوهم الأكثرون، فقال يوحنا: فهذا مدح لهم لأن الله سبحانه وتعالى مدح القليل، وذم الكثير بقوله: (وقليل من عبادي الشكور)(1) (وما آمن معه إلا قليل)(2) (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله)(3) (ولا تجد أكثرهم شاكرين)(4) (ولكن أكثر الناس لا يشكرون)(5) (ولكن أكثرهم لا يعلمون)(6) (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون)(7) إلى غير ذلك من الآيات.
قال العلماء: يا يوحنا حالهم أعظم من أن يوصف، لأننا لو علمنا بأحد منهم فلا نزال نتربص به حتى نقتله، لانهم عندنا كفرة تحل علينا دماؤهم، وفي علمائنا من يفتي بحل أموالهم ونسائهم.

____________
1- سورة سبأ: الآية 13.
2- سورة هود: الآية 40.
3- سورة الأنعام: الآية 16.
4- سورة الأعراف: الآية 17.
5- سورة البقرة: الآية 343.
6- سورة الأنعام: الآية 37.
7- سورة الرعد: الآية 1.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 306
-------------------------------------------------------------

قال يوحنا: الله أكبر هذا أمر عظيم، أترى بما استحقوا هذا فهل هم ينكرون الشهادتين؟
قالوا: لا.
قال: أفهم لاي توجهون إلى قبلة الإسلام؟
قالوا: لا.
قال: إنهم ينكرون الصلاة أم الصيام أم الحج أم الزكاة أم الجهاد؟
قالوا: لا، بل هم يصلون ويصومون يزكون ويحجون ويجاهدون.
قال: إنهم ينكرون الحشر والنشر والصراط والميزان والشفاعة.
قالوا: لا، بل مقرّون بذلك بأبلغ وجه.
قال: أفهم يبيحون الزنا واللواط وشرب الخمر والربا والمزامر وأنواع الملاهي؟
قالوا: بل يجتنبون عنها ويحرّمونها.
قال يوحنا: فيالله والعجب قوم يشهدون الشهادتين، ويصلون إلى القبلة، ويصومون شهر رمضان، ويحجون البيت الحرام، ويقولون بالحشر والنشر وتفاصيل الحساب، كيف تباح أموالهم ودماؤهم ونساؤهم ونبيكم يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ونساءهم إلا بحق وحسابهم على الله)(1).
قال العلماء: يا يوحنا إنهم أبدعوا في الدين بدعاً فمنها أنهم يدّعون أن علياً (ع) أفضل الناس بعد رسول الله (ص) ويفضّلونه على الخلفاء الثلاثة، والصدر الأول أجمعوا على أن أفضل الخلفاء كبير تيم.

____________
1- صحيح مسلم ج1 ص51ـ 53.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 307
-------------------------------------------------------------

قال يوحنا: افترى إذا قال أحد: إن علياً يكون خيراً من أبي بكر وأفضل منه تكفّرونه؟
قالوا: نعم لإنه خالف الإجماع.
قال يوحنا: فما تقولون في محدثكم الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه؟
قال العلماء: هو ثقة مقبول الرواية صحيح المثل.
قال يوحنا: هذا كتابه المسمى بكتاب المناقب روى فيه أن رسول الله (ص) قال: (علي خير البشر، ومن أبى فقد كفر).
وفي كتابه أيضاً سأل حذيفة عن علياً (ع) قال: (أنا خير هذه الأمة بعد نبيها، ولا يشك في ذلك إلا منافق).
وفي كتابه أيضاً عن سلمان، عن النبي (ص) أنه قال: (علي بن أبي طالب خير من أخلّفه بعدي).
وفي كتابه أيضاً عن أنس بن مالك أن رسول الله (ص) قال: (أخي ووزيري وخير من أخلفه بعدي علي بن أبي طالب).
وعن إمامكم أحمد بن حنبل روى في مسنده أن النبي (ص) قال لفاطمة: (أما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً)(1).
وروى في مسند أحمد بن حنبل أيضاً أن النبي (ص) قال: (اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك)(2) فجاء علي بن أبي طالب في
____________
1- مسند أحمد ج 5 ص 25، المعجم الكبير للطبراني ج 20 ص 229 - 230 ج 538، مجمع الزوائد ج 9 ص 102، كنز العمال ج 11 ص 605 ج 32924.
2- المعجم الكبير للطبراني ج1 ص226 ح730، تاريخ بغداد ج9 ص369، كنز العمال ج13 ص167 ح3650، وقد أفردت لهذا الحديث كتب مستقلة، مثل : قصة الطير للحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405 هـ ، وقد تقدم بعض المصادر لهذا الحديث فراجع.


-------------------------------------------------------------
الصفحة 308
-------------------------------------------------------------

حديث الطائر، وذكر هذا الحديث النسائي والترمذي في صحيحهما(1) وهما من علمائكم.
وروى أخطب خوارزم في كتاب المناقب وهو من علمائكم عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله (ص): (يا علي أخصمك بالنبوة والنبوة بعدي، وتخصم الناس بسبع فلا يحاجّك أحد من قريش: أنت أولهم إيماناً بالله وأوفاهم بأمر الله وبعده، ,اقسمهم بالسوية، وأعدلهم بالرعية، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم يوم القيامة عند الله عز وجل في المزية)(2).
وقال صاحب كفاية الطالب من علمائكم: هذا حديث حسن عال ورواه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء(3).
قال يوحنا: فيا أئمة الاسلام فهذه أحاديث صحاح روتها أئمتكم وهي مصرحة بأفضلية علي وخيرته على جميع الناس، فما ذنب الرافضة؟ وإنما الذنب لعلمائكم والذين يروون ما ليس بحق، ويفترون الكذب على الله ورسوله.
قالوا: يا يوحنا، إنهم لم يرووا غير الحق ولم يفتروا بل الأحاديث لها تأويلات ومعارضات.
قال يوحنا: فأي تأويل تقبل هذه الأحاديث بالتخصيص على البشر، فإنه نص في أنه خير من أبي بكر إلا أن تخروا أبا بكر من البشر. سلّمنا أن الأحاديث لاتدل على ذلك فأخبروني أيهما أكثر جهاداً؟.

____________
1- صحيح الترمذي ج595 ص3721 ، مجمع الزوائد ج9 ص126، المستدرك ج3 ص130 ـ 131، مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي ج3 ص1721 ح6085، خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص34 ح12.
2- مناقب الخوارزمي ص110 ص18، فرائد السمطين ج1 ص223 ح174.
3- كفاية الطالب ص270 ، حلية الأولياء ج1 ص65 ـ 66.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 309
-------------------------------------------------------------

فقالوا: علي.
قال يوحنا: قال الله تعالى: (وفضل اله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً)(1) وهذا نص صريح.
قالوا: أبو بكر أيضاً مجاهد فلا يلزم تفضيله عليه.
قال يوحنا: الجهاد الأقل إذا نسب إلى الجهاد الأكثر بالنسبة إليه قعود، وهب أنه كذلك فما مرادكم بالأفضل؟
قالوا: الذي تجتمع فيه الكمالات والفضائل الجبلية والكسبية كشرف الأصل والعلم والزهد والشجاعة والكرم وما يتفرع عليها.
قال يوحنا: هذه الفضائل كلها لعلي (ع) بوجه هو أبلغ من حصولها لغيره.
قال يوحنا: أما شرف الأصل فهو ابن عم النبي (ص) وزوج ابنته، وأبو سبطيه.
وأما العلم فقال النبي (ص): (أنا مدينة العلم وعلي بابها) (2)وإليه تعزى كل قضية، وتنتهي كل فرقة، وتنحاز إليه كل طائفة،
____________
1- سورة النساء: الآية 95.
2- راجع: ابن جرير الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار ص105 ح173، المستدرك ج3 ص126، مجمع الزوائد ج9 ص114، المعجم الكبير للطبراني ج11 ص65ـ 66 ح11061، تاريخ بغداد ج4 ص348، كنز العمال ج11 ص614 ح32977 و32078 ، ذخائر العقبى ص83، وقد أفردت لهذا الحديث كتب مستقلة، مثل فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي، للمغربي.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 310
-------------------------------------------------------------

فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وابو عذرها، وسابق مضمارها، ومجلّي حلبتها، كل من برع فيها فمنه أخذ، وبه اقتفى، وعلى مثاله احتذى، وقد عرفتم أن أشرف العلوم العلم الإلهي، ومن كلامه اقتبس وعنه نقل ومنه ابتدأ.
فإن المعتزلة الذين هم أهل النظر ومنهم تعلم الناس هذا الفن هم تلامذته، فإن كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية(1)، وأبو هاشم عبد الله تلميذ أبيه، وابوه تلميذ علي بن أبي طالب (ع).
وأما الأشعريون فإنهم ينتهون إلى أبي الحسن الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وهو تلميذ واصل بن عطاء(2).
وأما الإمامية والزيدية فانتهاؤهم إليه ظاهر.
وأما علم الفقه فهو أصله وأساسه، وكل فقيه في الإسلام فإليه يعزي نفسه.
أما مالك فأخذ الفقه عن ربيعة الرأي، وهو أخذه عن عكرمة، وهو أخذه عن عبد الله، وهو أخذه عن علي.
وأما أبو حنيفة فعن الصادق (ع).
وأما الشافعي فهو تلميذ مالك، والحنبلي تلميذ الشافعي(3)، وأما فقهاء الشيعة فرجوعهم إليه ظاهر، وأما فقهاء الصحابة فرجوعهم إليه ظاهر كابن عباس وغيرهم، وناهيكم قول عمر غير مرة: (لا يفتين أحد في
____________
1- هو عبد الله بن محمد بن الحنفية الملقب بالأكبر، والمكنى بأبي هاشم، إمام الكيسانية مات سنة 98 و99. تنقيح المقال للمامقاني ج2 ص212.
2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص17.
3- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص17.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 311
-------------------------------------------------------------

المسجد وعلي حاضر) وقوله: (لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن)(1)، وقوله: (لولا علي لهلك عمر)(2).
وقال الترمذي في صحيحه والبغوي عنابي بكر قال (قال رسول الله (ص): (من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وغلى نوح في فهمه، وإلى يحيى بن زكريا في زهده، وإلى موسى بن عمران في بطشه فلينظر إلى علي بن أبي طالب)(3).
وقال البيهقي بإسناده إلى رسول الله (ص): (من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب)(4) وهو الذي بين حد الشرب(5)، وهو الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة أشهر(6)، وبقسمة الدراهم على صاحب الأرغفة(7) والآمر بشق الولد
____________
1- مناقب الخوارزمي ص96 ـ 97 ص97و98، فرائد السمطين ج1 ص34 ـ 345 ح266 و267.
2- فيض القدير ج4 ص357، فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج2 ص309، علي إمام المتقين لعبد الرحمن الشرقاوي ج1 ص100ـ 101، مناقب ابن شهر آشوب ج2 ص361.
3- البداية والنهاية ج7 ص356، كفاية الطالب ص121.
4- كنز العمال ص226، الرياض النضرة ج2 ص218، كفاية الطالب ص122 ، الغدير ج3 ص353.
5- الموطأ لمالك ج2 ص842 ح2، المستدرك ج4 ص375، فضائل الخمسة ج2 ص310.
6- الاستيعاب ج3 ص1103، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحيد ج1 ص19، وذكر القرطبي ف تفسيره ج16 ص390 عند الكلام على تفسير قوله تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) سورة الأحقاف: الآية 15، أن عثمان قد أتي بامرأة ولدت لستة أشهر، فأراد أن يقضي عليها الحد فقال له علي (ع) ليس ذلك عليها، قال الله تعالى (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا).
7- الاستيعاب ج3 ص1105 ـ 1106، فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج2 ص302، ذخائر العقبى ص84، الصواعق المحرقة ص77.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 312
-------------------------------------------------------------

نصفين(1)، والآمر بضرب عنق العبد، والحاكم في ذي الرأسين(2) ومبين أحكام البغاة(3) وهو الذي أفتى في الحامل والزانية(4).
ومن العلوم علم التفسير، وقد علم الناس حال ابن عباس فيه وكان تلميذ علي (ع) وسئل فقيل له: أين علمك من علم ابن عمك؟
فقال: كبشة مطر في البحر المحيط(5).
ومن العلوم علم الطريقة والحقيقية، وعلم التصوف، وقد علمتم أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام غليه ينتهون، وعنده يقفون، وقد صرح بذلك الشبلي والحنبلي وسري السقطي وأبو البسطامي وابو محفوظ معروف الكرخي وغيرهم، ويكفيكم دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم وكونهم يسندونها بإسناد معنعن إليه أنه واضعها(6).

____________
1- مناقب ابن شهر ِاشوب ج2 ص367،الفصول المائة ج5 ص366 ح15، كنز العمال ج 3 ص375، بحار الأنوار ج40 ص252، الغدير ج6 ص174.
2- كنز العمال ج3 ص179 ، بحار الأنوار ج40 ص257.
3- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج9 ص231، كتاب الأم ج4 ص233، باب الخلافة في قتال أهل البغي، وقد قال الشافعي: عرفنا حكم البغاة من علي (ع).
4- فقد روي أنه أتى عمر الخطاب بامرأةحامل قد اعترفت بالفجور فأمر ربجمها فلقيها علي فقال : ما بال هذه؟ فقالوا: أمر عمر برجمها، فردعا علي (ع) وقال: هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها: ولعلك انتهرتها، أو أخفتها، قال: قد كان ذلك، قال: أو ما سمعت رسول اله (ص) قال: لا حد على معترف بعد بلاء أنه من قيد أو حبس أو تهدد فلا إقرار له، فخلى سبيلها ثم قال: عجزت النساء أن تلد مثل علي بن أبي طالب، لولا علي لهلك عمر. راجع: الرياض النضرة ج3 ص163، ذخائر العقبى ص81، مطالب السؤول ص13، مناقب الخوارزمي ص48، الأربعين للفخر الرازي ص466، الغدير ج6 ص110.
5- نهج الحق وكشف الصدق ص238، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص19.
6- نهج الحق وكشف الصدق ص228، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج1 ص19.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 313
-------------------------------------------------------------

ومن العلوم علم النحو والعربية، وقد علم الناس كافة أنه هوالذي ابتدعه وانشأه، وأملي على أبي الأسود الدؤلي جوامع تكاد تلحق بالمعجزات، لأن القوة البشرية لا تفي بمثل هذا الاستنباط.
فأين من هو بهذه الصفة من رجل يسألونه ما معنى (ابّا) فيقول: لا أقول في كتاب الله برأيي، ويقضي في ميراث الجد بمائة قضية يغاير بعضها بعضاً، ويقول: إن زغت فقوّموني وإن استقمت فاتبعوني(1). وهل يقيس عاقل مثل هذا إلى ن قال: سلوني قبل أن تفقدوني(2)، سلوني عن طرق السماء فوالله إني لأعلم بها من طرق الأرض؟ وقال: إن ها هنا لعلماً جماً، وضرب بيده على صدره، وقال: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً فقد ظهر أنه أعلم(3).
وأما الزهد فإنه سيد الزهاد، وبدل الأبدال، وإليه تُشدّ الرحال، وتنقص الأحلاس، وما شبع من طعام قط، وكان أخشن الناس لبساً ومأكلاً.
قال عبد الله بن أبي رافع: دخلت على علي (ع) يوم عيد فقدم جراباً مختوماً فوجد فيه خبز شعير يابساً مرضوضاً فتقدم فأكل.
فقلت: يا أمير المؤمنين فكيف تختمه وإنما هو خبز شعير؟
فقال: خفت هذين الولدين يلتانه بزيت أو سمن(4). وكان ثوبه مرقوعاً بجلد تارة وبليف أخرى، ونعلاه من ليف، وكان يلبس الكرباس الغليظ فإن وجد كمه طويلاً قطعه بشفرة ولم يخيطهن وكان لا يزال ساقطاً على ذراعيه حتى يبقى سدى بلا لحمة، وكان يأتدم إذا ائتدم بالخل والملح
____________
1- تقدمت تخريجاته.
2- تقدمت تخريجاته.
3- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج7 ص253، وقد تقدمت تخريجاته فيما سبق.
4- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج7 ص253، وقد تقدمت تخريجاته فيما سبق.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 314
-------------------------------------------------------------

فإن ترقّى عن ذلك فبعض نبات الأرض، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل، ولا يأكل اللحم إلا قليلاً ويقول: لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوانات، وكان مع ذلك أشد الناس قوة، وأعظمهم يداً(1).
وأما العبادة فمنه تعلّم الناس صلاة الليل، وملازمة الأوراد، وقيام النافلة، وما ظنك برجل كانت جبهته كثفة البعير، ومن محافظته على ورده أن بسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير فيصلي عليه والسهام تقع عليه وتمر على صماخيه يميناً وشمالاً فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته.
فأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وتعالى وإجلاله وما تضمنته من الخضوع لهيبته والخشوع لعزته عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص.
وكان زين العابدين (ع) يصلّي فيكل ليلة ألف ركعة ويقول: أنّي لي بعبادة علي (ع)(2).
وأما الشجاعة فهو ابن جلاها وطلاع ثناياها، أنسى الناس فيها ذكر من قبله، ومحى اسم من يأتي بعده، ومقاماته في الحروب مشهورة تضرب بها الامثال إلى يوم القيامة، وهو الشجاع الذي ما فر قط ولا ارتاع من كتيبة ولا بارز أحداً إلا قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت إلى ثانية.
وجاء في الحديث إذا ضرب واعتلا قدّ، وإذا ضرب واعترض قطّ، وفي الحديث: كانت ضرباته وتراً(3) وكان المشركون إذا أبصروه في الحرب عهد بعضهم إلى بعض، وبسيفه شيدت مباني الدين، وثبتت دعائمه وتعجبت الملائكة من شدة ضرباته وحملاته.

____________
1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص26.
2- الإشاد للمفيد ص256، إعلام الورى ص255، بحار الأنوار ج46 ص74 ح62.
3- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص20.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 315
-------------------------------------------------------------

وفي غزوة بدر الداهية العظمى على المسلمين قتل فيها صناديد قريش كالوليد بن عتبة والعاص بن سعيد ونوفل بن خويلد الذي قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة وعذبهما، وقال رسول الله (ص): (الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه)(1). ولم يزل في ذلك يصرع صنديداً بعد صنديد حتى قتل نصف المقتولين فكان سبعين، وقتل المسلمون كافة مع ثلاثة آلاف من الملائكة مسومين النصف الآخر(2)، وفيه نادى جبرائيل:

لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي(3)

ويوم أحد لما انهزم المسلمون عن النبي ـ (ص) ورُمى رسول الله ـ (ص) ـ إلى الأرض وضربه المشركون بالسيوف والرماح وعلي ـ عليه السلام ـ مصلت سيفه قدامه، ونظر النبي ـ (ص) ـ بعد إفاقته من غشوته فقال: نقضوا العهود وولوا الدبر.
فقال: اكفني هؤلاء، فكشفهم عنه ولم يزل يصادم كتيبة بعد كتيبة وهو ينادي المسلمين حتى تجمّعوا، وقال جبرئيل ـ عليه السلام ـ: إن هده لهي المواساة، لقد عجبت الملائكة من حسن مواساة علي لك بنفيه.

____________
1- المغازي للواقدي ج1 ص92.
2- المغازي ج1 ص147ـ 152، الارشاد المفيد ص41 ـ 43، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص24.
3- مناقب الخوارزمي ص167 ح200، مناقب ابن المغازلي ص198 ـ 199 ح235،كفاية الطالب ص277، الطبري ج2 ص197، ابن هشام في السيرة ج3 ص52، سنن البيهقي ج3 ص276، المستدرك ج2 ص385، الرياض النضرة ج3 ص155، ذخائر العقبى ص74، ميزان الاعتدال ج2 ص317، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص29.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 316
-------------------------------------------------------------

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وما يمنعه من ذلك وهو مني وأنا منه(1). ولثبات علي (ع) رجع بعض المسلمين ورجع عثمان بعد ثلاثة أيام، فقال له النبي (ص): لقد ذهبت بها عريضة(2).
وفي غزوة الخندق إذ أحدق المشركون بالمدينة كما قال الله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا)(3)، واقتحم عمرو بن عبدود الخندق على المسلمين ونادى بالبراز فأحجم عنه المسلمون وبرز علي (ع) متعمماً بعمامة رسول الله (ص) وبيده سيف فضربه ضربة كانت توازن عمل الثقلين إلى يوم القيامة(4)، وأين كان هناك أبو بكر وعمر وعثمان.
ومن نظر غزوات الواقدي وتاريخ البلاذري علم محله من رسول الله من الجهاد وبلاءه يوم الأحزاب، ويم بني المصطلق، ويوم قلع باب خبير، وفي غزاة الخيبر، وهذا باب لا يغني الإطناب فيه لشهرته.
وروى أبو بكر الأنباري في أماليه أن علياً (ع) جلس إلى عمر في المسجد وعنده أناس، فلما قام عرّض وأحد بذكره ونسبه إلى التيه والعجب.

____________
1- ذخائر العقبى ص 68، فضائل الصحابة لأحمد ج2 ص 594 ح 1010، مجمع الزوائد ج6 ص 114، نهج الحق وكشف الصدق ص 249.
2- تاريخ الطبري ج 2 ص 203، الكامل لابن الأثير ج2 ص 110، السيرة الحلبية ج 2 ص 227، البداية والنهاية ج4 ص 28، السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص 55، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج15 ص 21، الدر المنثور ج2 ص 89.
3- سورة الأحزاب: الآية 10.
4- المغازي للواقدي ج2 ص470ـ 471، وقد تقدم حديث قتل عمر بن ود.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 317
-------------------------------------------------------------

فقال عمر: لمثله أن يتيه، لولا سيفه لما قام عمود الدين، وهو بعد أقضى الأمة وذو سابقتها، وذو شأنها.
فقال له ذلك القائل: فما منعكم يا أمير المؤمنين منه؟
فقال: ما كرهناه إلا على حداثة سنه، وحبه لبني عبد المطلب، وحمله سورة براءة إلى مكة.
ولما دعا معاوية إلى البراز لتسريح الناس من الحرب بقتل أحدهما فقال له عمرو: قد أنصفك الرجل.
فقال له معاوية: ما غششتني في كل ما نصحتني إلا اليوم، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطوق؟ أراك طمعت في إمارة الشام بعدي(1).
وكانت العرب تفتخر لوقعها في الحرب في مقابلته، فأما قتلاه فافتخر رهطهم لأنه (ع) قتلهم وأقوالهم في ذلك أظهر وأكثر من أن تحصى وقالت أم كلثوم(2) في عمر بن عبد ود ترثيه:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله بكيته أبداً ما عشت في الأبد
لكن قاتله من لا نظير له قد كان يدعى أبوه بيضة البلد(3)

وجملة الأمر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتمي، وباسمه من مشارق الأرض ومغاربها.
وأما كرمه وسخاؤه فهو الذي كان يطوي في صيامه حتى صام طاوياً ثلاثة أيام يؤثر السائل كل ليلة بطعامه حتى أنزل الله فيه: (هل أتى
____________
1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص20 وج 8 ص53.
2- وهي أخته عمرة وكنيتها أم كلثوم.
3- المستدرك على الصحيحين ج3 ص 33، الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص62، الإرشاد للمفيد ج1 ص 108، لسان العرب لابن منظور ج 7 ص 127.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 318
-------------------------------------------------------------

على الإنسان)(1) وتصدق بخاتمه في الركوع فنزلت الآية: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)(2)، وتصدق بأربعة دراهم فأنزل الله فيه الآية (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية)(3) وتصدّق بعشرة دراهم يوم النجوى(4) فخفف الله سبحانه عن سائر الأمة بها، وهو الذي كان يستسقي للنخل بيده ويتصدق بأجرته، وفيه قال عدوه معاوية بن أبي سفيان لمحجن الضبي لما قال له: جئتك من عند أبخل الناس، فقال: ويحك كيف قلت؟ تقول له أبخل الناس ولو ملك بيتاً من تبر وبيتاً من بتن لأنفق تبره قبل تبنه(5)، وهو الذي يقول: يا صفراء ويا بيضاء غري غيري، بي تعرضت أم لي تشوقت، هيهات هيهات قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها(6)، وهو الذي جاد بنفسه ليلة الفراش وفدى النبي (ص) حتى نزل في حقه (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله)(7).
قال يوحنا: قلما سمعوا هذا الكلام لم ينكره أحد منهم، وقالوا: صدقت إن هذا الذي قلت قرأناه من كبتنا ونقلناه عن أئمتنا لكن محبة الله ورسوله وعنايتهما أمر وراء هذا كله، فعسى الله أن يكون له عناية بأبي بكر أكثر من علي فيفصله عليه.

____________
1- سورة الإنسان: الآية 1، تقدمت تخريجاته.
2- سورة المائدة: الآية 55.
3- سورة البقرة: الآية 274.
4- تقدمت تخريجاته.
5- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص 22.
6- نهج البلاغة صبحي الصالح ص 480 ـ 481، قصار الحكم 77.
7- سورة البقرة: الآية 207، تقدمت تخريجات نزولها.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 319
-------------------------------------------------------------

قال يوحنا: إنا لا نعلم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، وهذا الذي قلتموه تخوص، وقال الله تعالى: (قتل الخراصون)(1) ونحن إنما نحكم بالشواهد التي لعلي (ع) على أفضليته فذكرناها.
وأما عناية الله به فتحصل من هذه الكمالات دليل قاطع عليها، فأي عناية خير من أن يجعله الله بعد نبيه أشرف الناس نسباً، وأعمهم حلماً، وأشجعهم قلباً، وأكثرهم جهاداً وزهداً وعبادة وكرماً وورعاً، وغير ذلك من الكمالات القديمة، هذه هي العناية.
وأما محبة الله ورسوله فقد شهد بها رسول الله (ص) في مواضع منها: الموقف الذي لا ينكر وهو يوم خيبر، إذ قال النبي (ص): (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)(2) فأعطاها علياً.

____________
1- سورة الذاريات : الآية 10 .
2- ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر ج1 ص 205 ح269 وص157 ح219 ـ 231، سنن الترمذي ج5 ص596 ح3724، فرائد السمطين ج1 ص259، مجمع الزوائد د6 ص151، المستدرك للحاكم ج3 ص38، وص 437، عيون الأثر ج2 ص132، مسند أحمد بن حنبل ج2 ص384، صحيح مسلم ج4 ص1878 ح33ـ (2405)، أنساب الأشراف للبلاذري ج2 ص93، خصائص النسائي ص34 ح11، مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص181 ح216، الطبقات لابن سعد ج2 ص 110، ينابيع المودة ص49، المعجم الصغير للطبراني ج2 ص100، مسند أبي داود الطيالسي ص320، تذكرة الخواص للسبط بن الجوزي ص24، السنن الكبرى للبيهقي ج9 ص106 وص131، حلية الأولياء ج1 ص62، أسنى المطالب للجزري ص62، صحيح البخاري ج5 ص22، أسد الغابة ج4 ص21، البداية والنهاية ج4 ص182، تاريخ الطبري ج3 ص12، ذخائر العقبى ص87، تاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص194، العقد الفريد ج2 ص194، الكامل في التاريخ ج2 ص149، مروج الذهب ج3 ص14، إحقاق ج5 ص400، فضائل الخمسة ج2 ص161.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 320
-------------------------------------------------------------

وروى عالمكم أخطب خوارزم في كتاب المناقب أن النبي (ص) قال: (يا علي لو أن عبداً عبد الله عز وجل مثلما قام نوح في قومه، وكان له مثل جبل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله، ومدّ في عمره حتى حج ألف حجة على قدميه، ثم قتل ما بين الصفا والمروة مظلوماً ثم لم يوالك يا علي لم يشم رائحة الجنة ولم يدخلها)(1).
وفي الكتاب المذكور قال رسول الله (ص): (لو اجتمع الناس على حب علي بن أبي طالب لم يخلق الله النار)(2) وفي كتاب الفردوس: حب علي حسنة لا تضر معها سيئة، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة(3).
وفي كتاب ابن خالويه عن حذيفة بن اليمان قال، قال رسول الله (ص): (من أراد أن يتصدق بفصه الياقوت التي خلق الله بيده ثم قال لها: كوني فكانت فليتول علي بن أبي طالب بعدي).
وفي مسند أحمد بن حنبل في المجلد الأول: أن رسول الله (ص) أخذ بيد حسن وحسين وقال: (من أحبني وأحب هذين وأحب أباهما كان معي في درجتي يوم القيامة)(4).
قال يوحنا: يا أئمة الإسلام هل بعد هذا كلام في قول الله تعالى ورسوله في محبته وفي تفضيله على من هو عاطل عن هذه الفضائل؟

____________
1- لسان الميزان ج5 ص219، ميزان الاعتدال ج3 ص597.
2- مناقب الخوارزمي ج67 ح39، الفردوس ج3 ص373 ح5135.
3- الفردوس ج2 ص142 ح2725، مناقب الخوارزمي ص75 ح56.
4- مسند أحمد ج1 ص877، سنن الترمذي ج5 ص599 ح3733، تاريخ بغداد ج13 ص288، كنز العمال ج13 ص639 ح37613.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 321
-------------------------------------------------------------

قالت الأئمة: يا يوحنا، الرافضة يزعمون أن النبي (ص) بالخلافة إلى علي (ع) ونص عليه بها، وعندنا أن النبي (ص) لم يوص إلى أحد بالخلافة.
قال يوحنا: هذا كتابكم فيه: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين)(1).
وفي بخاريكم يقول: قال رسول الله (ص): (ما من حق امرئ مسلم أن يبيت إلا وصيته تحت رأسه)(2) أفتصدقون أن نبيكم يأمر بما لا يفعل مع أن في كتابكم تقريعاً للذي يأمر بما لا يفعل من قوله (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)(3) فوالله إن كان نبيكم قد مات بغير وصية فقد خالف أمر ربه، وناقض قول نفسه، ولم يقتد بالأنبياء الماضية من إيصائهم إلى من يقوم بالأمر من بعدهم، على أن الله تعالى يقول: (فبهداهم اقتده)(4) لكنه حاشاه من ذلك وإنما تقولون هذا لعدم علم منكم وعناد، فإن إمامكم أحمد بن حنبل روى في مسنده أن سلمان قال: يا رسول الله فمن وصيّك؟
قال: يا سلمان من كان وصي أخي موسى (ع).
قال: يوشع بن نون! قال: فإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب.
وفي كتاب ابن المغازلي الشافعي بإسناده عن رسول الله (ص) قال: لكل نبي وصي ووارث، وأنا وصيي ووارثي علي بن أبي طالب(5).

____________
1- سورة البقرة: الآية 180.
2- صحيح البخاري ج4 ص2، صحيح مسلم ج3 ص1249، ح1، سنن ابن ماجة ح2 ص901 ح2699.
3- سورة البقرة: الآية 44.
4- سورة الأنعام: الآية 90.
5- مناقب ابن المغازلي ص200ـ 201 ح238، ذخائر العقبى ص71.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 322
-------------------------------------------------------------

وهذا الإمام البغوي محيي سن الدين، وهو من أعاظم محدثيكم ومفسريكم، وقد روى في تفسيره المسمى بمعالم التنزيل عند قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين)(1) عن علي (ع) أنه قال: لما نزلت هذه الآية أمرني رسول الله (ص) أن أجمع له بني عبد المطلب فجمعتهم وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون، فقال لهم بعد أن أضافهم رجل شاة وعسّ من لبن شبعاً وريّا وإن كان أحدهم ليأكله ويشربه: يا بني عبد المطلب إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني عليه، ويكون أخي ووصيي وخليفتي من بعدي؟ فلم يجبه أحد.
قال علي: فقمت إليه، وقلت: أنا أجيبك يا رسول الله.
فقال لي: أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، فقاموا يضحكون ويقولون لأبي طالب، قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع(2).
وهذه الرواية قد رواها أيضاً إمامكم أحمد بن حنبل في مسنده(3) ومحمد بن إسحاق الطبري في تاريخه(4) والخركوشي أيضاً رواها، فإن كانت كذباً فقد شهدتم على أئمتكم بأنهم يروون الكذب على الله ورسوله، والله تعالى يقول: (ألا لعنة الله على الظالمين)(5) (الذين يفترون على الله الكذب)(6)، وقال الله تعالى في كتابه: (فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(7).

____________
1- سورة الشعراء: الآية 214.
2- معالم التنزيل للبغوي ج3 ص400.
3- مسند أحمد ج1 ص159.
4- تاريخ الطبري ج2 ص319 ـ 321.
5- سورة هود: الآية 18.
6- سورة يونس: الآية 69و96، وسورة النحل: الآية 116.
7- سورة آل عمران: الآية 61.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 323
-------------------------------------------------------------

وإن كانوا لم يكذبوا وكان الأمر على ذلك فما ذنب الرافضة؟ إذن فاتقوا الله يا أئمة الإسلام د، بالله عليكم ماذا تقولون في خبر الغدير الذي تدّعيه الشيعة؟
قال الأئمة: أجمع علماؤنا على أنه كذب مفترى.
قال يوحنا: الله أكبر، فهذا إمامكم ومحدّثكم أحمد بن حنبل روى في مسنده أن البراء بن عازب قال: كنّا مع رسول الله ـ (ص) ـ في سفر فنزلنا بغدير خم فنودي فينا الصلاة جامعة وكسح لرسول الله ـ (ص) ـ تحت شجرتين، وصلّى الظهر، وأخذ بيد علي ـ عليه السلام ـ فقال: ألستم تعلمون أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟
قالوا: بلى فأخذ بيد علي ورفعها حتى بان بياض إبطيهما وقال لهم: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه، وعاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.
فقال له عمر بن الخطاب: هنيئاً لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
ورواه في مسنده بطريق آخر وأسنده إلى أبي الطفيل، ورواه بطريق آخر وأسنده إلى زيد بن أرقم(1)، ورواه ابن عبد ربّه في كتاب العقد الفريد(2)، ورواه سعيد بن وهب، وكذا الثعالبي في تفسيره(3) وأكد الخبر مما رواه من تفسير (سأل سائل) أنّ حارث بن النعمان الفهري أتى رسول الله
____________
1- مسند أحمد ج 2 ص93 وج 4ص 368 وص372 وص381.
2- العقد الفريد جْ 5ص 61 .
3- وممن ذكر خبر الحارث بن النعمان: فرائد السمطين ج 1ص 82 ح53، نور الأبصار للشبلنجي ص71 ط السعيدية وص 71 ط العثمانية، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص93، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 328 ط الحيدرية وص 274 ط اسلامبول وج2 ص99 ط العرفان بصيدا.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 324
-------------------------------------------------------------

ـ (ص) ـ في ملأ من أصحابه فقال:
يا محمد أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله فقبلنا، وأمرتنا أن نصلي خمساً فقبلنا منك، وأمرتنا أن نصوم شهر رمضان فقبلنا، وأمرتنا أن نحج البيت فقبلنا، ثمّ لم ترض حتى رفعت بضبعي ابن عمّك ففضّلته علينا وقلت: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) فهذا شيء منك أم من الله؟
فقال: والله الذي لا إله إلا هو، إنهّ أمر من الله تعالى، فولّى الحارث بن النعمان وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد ـ (ص) ـ حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء، فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله بحجر فسقط على رأسه وخرج من دبره فخر صريعاً، فنزل: (سأل سائل بعذاب واقع)(1)، فكيف يجوز منكم أن يروي أئمّتكم وأنتم تقولون: إنّه مكذوب غير صحيح؟
قال الأئمة: يا يوحنّا قد روت أئمتنا ذلك لكن إذا رجعت إلى عقلك وفكرك علمت أنّه من المحال أن ينصّ رسول الله ـ (ص) ـ على علي بن أبي طالب الذي هو كما وصفتم ثم يتّفق كل الصحابة على كتمان هذا النص ويتراخون عنه، ويتفقون على إخفائه، ويعدلون إلى أبي بكر التيمي الضعيف القليل العشيرة، مع أن الصحابة كانوا إذا أمرهم رسول الله (ص) يقتل أنفسهم فعلوا، فكيف يصدّق عاقل هذا الحال من المحال؟
قال يوحنا: لا تعجبوا من ذلك فأمة موسى (ع) كانوا ستة أضعاف أمة محمد (ص) واستخلف عليهم أخاه هارون وكان نبيهم أيضاً وكانوا يحبّونه أكثر من موسى، فعدلوا عنه إلى السامري، وعكفوا على عبادة عجل جسد له خوار، فلا يبعد من أمة محمد
____________
1- سورة المعارج: الآية 1.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 325
-------------------------------------------------------------

أن يعدلوا عن وصيه بعد موته إلى شيخ كان رسول الله (ص) تزوج ابنته، ولعله لو لم يرد القرآن بقصة عبادة العجل لما صدقتموها.
قال الائمة: يا يوحنا فلم لم ينازعهم بل سكت عنهم وبايعهم؟
قال يوحنا: لا شك أنه لما مات رسول الله (ص) كان المسلمون قلة، واليمامة فيها مسيلمة الكذاب وتبعه ثمانون ألفاً والمسلمون الذي في المدينة حشوهم منافقون، فلو أظهر النزاع بالسيف لكان كل من قتل علي بن أبي طالب بنيه أو أخاه كان عليه وكان قليل من الناس يومئذ من لم يقتل علي من قبيلته وأصحابه وأناسبه قتيلاص أو أزيد وكانوا يكونون عليه، فلذلك صبر وشاققهم على سبيل الحجة ستة أشهر بلا خلاف بين أهل السنة، ثم بعدما جرى من طلب البيعة منهم فعند أهل السنة أنه بايع، وعند الرافضة أنه لم يبايع، وتاريخ الطبري(1) يدل على أنه لم يبايع، وإنما العباس لما شاهد الفتنة صاح: بايع ابن أخي.
وأنتم تعلمون أن الخلافة لو لم تكن لعلي لما أدعاها، ولو ادعاها بغير حق لكان مبطلاً، وأنتم تروون عن رسول الله (ص) أنه قال: (علي مع الحق والحق مع علي)(2) فكيف يجوز منه أن يدّعي ما ليس بحق فيكذب نبيكم يومئذ؟!
وأما تعجبكم من مخالفة بني إسرائيل نبيهم في خليفته وعدولهم إلى العجل والسامري ففيه سر عجيب إنكم رويتم أن نبيكم قال: (ستحذون حذو بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر
____________
1- تاريخ الطبري ج3 ص208.
2- تقدمت تخريجاته.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 326
-------------------------------------------------------------

ضب لدخلتموه)(1) وق ثبت في كتابكم أن بني إسرائيل خالفت نبيها في خليفته، وعدلوا عنه إلى ما لا يصلح لها.
قال العماء: يا يوحنا أفتدري أنت أن أبا بكر لا يصلح للخلافة؟
قال يوحنا: أما أنا فوالله لم أر أبا بكر يصلح للخلافة، ولا أنا متعصب للرافضة، لكني نظرت الكتب الإسلامية فرأيت أن أئمتكم أعلمونا أن الله ورسوله أخر أن أبا بكر لا يصلح للخلافة..
قال الأئمة: وأين ذلك.
قال يوحنا: رأيت في بخاريكم(2)، وفي الجمع بين الصحاح الستة، وفي صحيح ابي داود، وصحيح الترمذي(3)، ومسند أحمد بن حنبل(4) أن رسول الله (ص) بعث سورة براءة مع أبي بكر إلى أهل مكة، فلما بلغ ذي الحليفة دعاً علياً (ع) ثم قال له: أدرك أبا بكر وخذ الكتاب منه فاقرأه عليهم، فلحقه بالجحفة فأخذ الكتاب منه ورجع أبو بكر إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله أنزل فيّ شيء؟
قال: قال ولكن جاءني جبريل (ع) وقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك.
فإذا كان الأمر هكذا وأبو بكر لا يصلح لأداء آيات يسيرة عن النبي (ص) في حياته، فكيف يصلح أن يكون خليفته بعد
____________
1- انظر : معالم التنزيل للبغوي ج4 ص465، مجمع البيان ج10 ص462، باختلاف، وقد تقدم المزيد من تخريجات الحديث فيما سبق.
2- صحيح البخاري ج6 ص81.
3- سنن الترمذي ج5 ص256ـ 257 ح3090 ـ 3092 وج3 ص222 وح871.
4- مسند أحمد ج6 ص81.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 327
-------------------------------------------------------------

مماته ويؤدي عنه، وعلمنا من هذا أن علياً (ع) يصلح أن يؤدي عن النبي (ص).
فيا أيها المسلمون لم تتعامون عن الحق الصير؟ ولم تركنون إلى هؤلاء وكم ترهبون الأهوال؟
أطرق الحنفي بأسه إلى الأرض ثم رفعه وقال: يا يوحنا والله إنك لتنظر بعين الانصاف، وإن الحق لكما تقول، وأزيدك في معنى هذا الحديث، وهو أن اله تعالى أراد أن يبين للناس أن أبا بكر لا يصلح للخلافة، فلذلك أمر رسول الله (ص) أن يخرج علياً وراءه ويعزله عن هذا لامنصب العظيم ليعلم الناس أن أبا بكر لا يصلح لها، وأن الصالح لها علي (ع) فقال لرسول الله (ص): لا يبلغ عنك إلا أنت أو رجل منك(1)، فما تقول أنت يا مالكي؟
قال المالكي والله فإنه لم يزل يختلج في خاطري أن علياً نازع أبا بكر في خلافته مدة ستة أشهر، وكل متنازعين في الأمر لا بد وأن يكون أحدهما محقاً، فإن قلنا إن أبا بكر كان محقاً فقد خالفنا مدلول قول النبي ص): (علي مع الحق والحق مع علي)(2). وهذا حديث صحيح لا خلاف فيه ونظر إلى الحنبلي ليرى رأيه.
قال الحنبلي: يا أصحابنا كم نتعامى عن الحق؟ والله إن اليقين أن أبا بكر وعمر غصبا حق علي (ع).
وقال يوحنا: فاختبط القوم، وكثر بينهم النزاع لكن كان مآل كلامهم أن الحق في طرف الرافضة، وكان أقربهم إلى لاحق إذن إمام الشافعية، فقال
____________
1- مسند أحمد ج3 ص212، المصنف لابن ابي شيبة ص84 ـ 85 ح12184، كنز العمال ج2 ص431 ح4421، البداية والنهاية ج5 ص37، ود قتدمت تخريجاته.
2- تقدمت تخريجاته.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 328
-------------------------------------------------------------

لهم اراكم تشكون أن النبي (ص) قال: من مات ولم يعرف إمام زمانه(1) فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً.
فما لامراد بإمام الزمان؟ ومن هو؟
قالوا: إمام زماننا القرآن فإنا به نقتدي.
فقال الشافعي: أخطأتم لأن النبي (ص) قال: الائمة من قريش(2) ولا يقال للقرآن إنه قد شيء.
فقالوا: النبي إمامنا.
فقال الشافعي: أخطأتم، لأن علماءنا لم اعترض عليهم بان كيف يجوز لأبي بكر وعمر أن يتركا رسول الله (ص) مسجّى غير مغسَّل ويذهبا لطلب الخلافة، وهذا دليل على حرصهم عليها، وهو قادح في صحة خلافتهما.
أجاب علماؤنا إنهم لمحموا أقوال النبي (ص) (من مات ولم يعرف إمم زمانه مات ميتة جاهلية) ولم يجوّزوا على أنفسهم الموت قبل تعيين الإمام فبادروا لتعيينه هرباً من ذلك الوعيد، فعلمنا أن ليس المراد بالإمام هنا النبي.
فقالوا للشافعي: فأنت من إمامك يا شافعي؟
قال: إن كنت من قبيلتكم فلا إمام لي، وإن كنت من قبيلة الاثني عشرية فإمامي محمد بن الحسن (ع).
فقال العلماء: هذا والله أمر بعيد كيف يجوز أن يكون إمامك واحداً من مدة لا يعيش أحد مثله، ولا يراه أحد؟ هذا بعيد جداً.

____________
1- تقدمت تخريجاته.
2- مسند أبي داود ص125 ح926، مسند أحمد ج3 ص183، المصنف لابن أبي شيبة ج12 ص169 ح12438 وص173 ح12447، كنز العمال ج12 ص30 ح33831.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 329
-------------------------------------------------------------

فقال الشافعي: الدجّال من الكفرة تقولون: إنه حي وموجود، وهو قبل المهدي والسامري، كذلك ووجود إبليس لا تنكرونه، وهذا الخضر، وهذا عيسى تقولون: إنهما حيان، وقد ورد عندكم ما يدل على التعمير في حق السعداء والأشقياء، وهذا القرآن ينطق أن أهل الكهف ناموا ثلاث مائة سنة وتسع سنين لا يأكلون ولا يشربون، أفبعيد أن يعيش من ذرية محمد (ص واحد مدة طويلة يأكل ويشرب إلا أنه لا يخبرنا أحد أنه رأه؟! فاستبعادكم هذا بعيد جداً.
قال يوحنا: إن نبيكم قال: ستفترق أمتي من بعدي إلى ثلاث وسبعين فرقة واحدة ناجية، واثنتان وسبعون في النار فهل تعرف الناجية من هي؟
قالوا: إنم أهل السنة والجماعة لقول النبي (ص) لما سئل عن الفرقة الناجية من هم؟ فقال: (الذين هم على ما أنا عليه اليوم وأصحابي)(1).
قال يوحنا: فمن اين لكم أنكم أنتم اليوم على ما كان عليه لانبي (ص)؟
قالوا: ينقل ذلك الخلف عن السلف.
فقال يوحنا: فمن الذي يعتمد على نقلكم؟
قالوا: وكيف ذلك؟
قال: لوجهين:
الأول: أن علماءكم نقلوا كثيراً من الأحاديث التي تدل على إمامة علي (ع) وأفضليته، وأنتم تقولون إنه مكذوب عليه، وشهدتم على علمائكم أنهم ينقلون الكذب فربما يكون هذا أيضاً كذباً ولا مرحج لكم.

____________
1- المعجم الصغر للطبراني ج1 ص256، كنز العمال ج1 ص210 ح1055 و1057، مجمع الزوائد ج1 ص189.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 330
-------------------------------------------------------------

الثاني: أن النبي (ص) كان يصلي كل يوم الصلوات الخمس في المسجد ولم يضبط له أنه هل كان يبسمل للحمد أم لا؟ وهل كان يعتقد وجوبها أم لا؟ وهل كان يسبل يديه أم لا؟ ولو كان يعقدهما فهل يعقدهما تحت السرة أو فوقها؟ وهل كان يمسح الوضوء ثلاث شعرات أو ربع الرأس، أو بعضه أو جميعه، فإذا كان سلفكم لم يضبط شيئاً كان رسول الله (ص) يفعله في اليوم والليلة مراراً متعددة، فكيف يضبطون شيئاً لم يفعله في العمر إلا مرة واحدة أو مرتين، هذا بعيد! وكيف تقولون إن أهل السنة هم على ما كان عليه النبي (ص) والحال أنهم يناقض بعضهم بعضاً في اعتقاداتهم، واجتماع النقيضين محال.
قال يوحنا: فأطرقوا جميعاً، ودار الكلام بينهم، وارتفعت الأصوات بينهم، وقالوا الصحيح أنا لا نعرف الفرقة الناجية من هي، وكل منا يزعم أنه هو الناجي، وأن غيره هو الهالك، ويمكن أن يكون هو الهالك، وغيره الناجي.
قال يوحنا: هذه الرافضة الذين تزعمون أنهم ضالون يجزمون بنجاتهم، وهلاك من سواهم، ويستدلون على ذلك بأن اعتقادهم أوفى للحق، وأبعد عن الشك.
قالت العلماء: يا يوحنا، قل وإنا والله لا نتهمك لعلمنا أنك تجادلنا على إظهار الحق.
قال يوحنا: أنا أقول باعتقاد الشيعة أن الله قديم ولا قديم سواه، وأنه موجود، وأنه ليس بجسم، ولا في محل، وهو منزه عن الحلول، واعتقادكم أنكم تثبتون معه ثمانية قدماء هي الصفات حتى إن إمامكم الفخر الرازي شنّع عليكم، وقال: إن النصارى واليهود، كفروا حيث جعلوا مع الله إلهين
-------------------------------------------------------------
الصفحة 331
-------------------------------------------------------------

اثنين قديمين واصحابنا أثبتوا قدماء تسعة، وابن حنبل أحد أئمتكم قال: إن الله جسم، وإنه على العرش، ونه ينزل في صورة أمرد، فبالله عليكم أليس الحال كما قلت؟
قالوا: نعم.
قال يوحنا: فاعتقادهم إذا خير من اعتقادكم، واعتقاد الشيعة أن الله سبحانه لا يفعل قبيحاً، ولا يخلّ بواجب، وليس في فعله ظلم، ويرضون بقضاء الله لأنه لا يقضي إلا بالخير، ويعتقدون أن فعله لغرض لا لعبث، وأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يضل أحداً من عباده، ولا يحول بينهم وبين عبادته، وأنه أراد الطاعة، ونهى عن المعصية، وأنهم مختارون في أفعال أنفسهم، واعتقادكم أنتم أن الفواحش كلها من الله ـ تعال الله عن ذلك علواً كبيراً ـ وأن كل ما يقع في الوجود من الكفر والفسوق والمعصية والقتل والسرقة والزنا فإنه خلقه الله تعالى في فاعليه وأراده منهم وقضى عليهم به ورفع اختيارهم، ثم يعذبهم عليه، وأنتم لا ترضون بقضاء الله بل إن الله تعالى لا يرضى بقضاء نفسه، وانه هو الذي أضل العباد وحال بينهم وبين العبادة والإيمان، وإن الله تعالى يقول: (ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى)(1)، فاعتبروا هل اعتقادكم خير من اعتقادهم أم اعتقادهم خير من اعتقادكم ونتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون!!
وقالت الشيعة: أنبياء الله معصومون من أول عمرهم إلى آخره عن الصغائر والكبائر فيما يتعلق بالوحي وغيره عمداً وخطأً، واعتادكم أنه يجوز عليهم الخطأ والنسيان، ونسبتم أن رسول الله (ص) سهى في القرآن بما يوجب الكفر فقلتم: إنه صلى الصبح فقرأ سورة النجم:

____________
1- سورة الزمر: الآية 7.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 332
-------------------------------------------------------------

(أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى)(1)، وهذا كفر وشرك جلي، حتى أن بعض علمائكم صنّف كتاباً فيه تعداد ذنوب نسبها للأنبياء (ع) فأجابته الشيعة عن ذلك الكتاب بكتاب سموه بتنزيه الأنبياء(2)، فماذا تقولون أي الاعتقادين أقرب إلى الصواب، وأدنى من الفوز؟
واعتقاد الشيعة أن رسول الله (ص) لم يقبض حتى أوصى إلى من يقوم بالأمر بعده، وأنه لم يترك أمته هملاً ولم يخالف قوله تعالى، واعتقادكم أن ترك أمته هملاً، ولم يوص إلى من يقوم بالأمر بعده، وإن كتابكم الذي أنزل عليكم فيه وجوب الوصية، وفي حديث نبيكم وجوب الوصية، فلزم على اعتقادكم أن يكون النبي (ص) أمر الناس بما لم يفعله، فأي الاعتقادين أولى بالنجاة.
واعتقاد الشيعة أن رسول الله (ص) لم يخرج من الدنيا حتىنص الخلافة على علي بن أبي طالب ع) ولم يترك أمته هملاً فقال له يوم الدار: (أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا أمره)(3) وأنتم نقلتموه ونقله إمام القرّاء والطبري والخركوشي وابن اسحاق.
وقال فيه يوم غدير خم: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) حتى قال له عمر: بخ لخ لك يا علي، أصبحت مولاي وولى كل مؤمن ومؤمنة، نقله إمامكم أحمد بن حنبل في مسنده(4). وقال فيه لسلمان: (عن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب) رواه إمامكم أحمد بن حنبل(5). وقال فيه: (إن الأنبياء
____________
1- سورة النجم: الآية 19و20.
2- تنزيه الأنبياء لعلم الهدى الشريف المرتضى أعلى الله مقامه).
3- تقدمت تخريجاته.
4- مسند أحمد ج4 ص281.
5- فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ج2 ص615 ح1052.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 333
-------------------------------------------------------------

ليلة المعراج قالوا لي: بعثنا على الإقرار بنبوتك، والولاية لعلي بن أبي طالب) ورويتموه في الثعلبي والبيان وقال فيه: (إنه يحب الله ورسوله) رويتموه في البخاري ومسلم(1). وقال فيه (لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني)، وعنى به علي بن أبي طالب، ورويتموه في الجمع بين الصحيحين، وقال فيه: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)، وريتموه في البخاري(2). وأنزل الله فيه: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر)(3) وأنزل فيه: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة وهم راكعون)(4) وأنه صاحب آية الصدقة(5)، وضربته لعمرو بن ود العامري أفضل من عمل الأمة إلى يوم القيامة(6)، وهو أخو رسول الله (ص) وزوج ابنته، وباب المدينة، وإمام المتقين، ويعسوب الدين، وقائد الغر المحجلين(7)، حلال المشكلات، وفكّاك المعضلات، هو الإمام بالنص الإلهي، ثم من بعده الحسن والحسين اللذان قال
____________
1- صحيح مسلم ج4 ص1871 ـ 1873 ح32 ـ 35، صحيح البخاري ج5 ص23.
2- صحيح مسلم ج5 ص1870 ح30 ـ 32، صحيح البخاري ج5 ص24.
3- سورة الدهر: الآية 1.
4- سورة المائدة: الآية 55.
5- وهي قوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية)، سورة البقرة الآية 274، وقد تقدمت تخريجات نزولها فيه (ع).
6- المستدرك ج3 ص32، تاريخ بغداد ج13 ص19 رقم 6978، الفردوس بمأثور الخطاب ج3 ص455 ح5406.
7- فقد جاء في فرائد السمطين ج1 ص143 ح105: عن عبد الله بن عكيم الجهني، قال: اقل رسول الله (ص) إن الله تبارك وتعالى أوحى إلي في علي (ع) ثلاثة أشياء ليلة أسري بي إنه سيد المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 334
-------------------------------------------------------------

فيهما النبي (ص): (هذان إمامان قاما أوقعدا، وأبوهما خير منهما)(1).
وقال النبي (ص): (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)(2)، ثم علي زين العابدين، ثم أولاده المعصومون الذين خاتمهم الحج القائم المهدي إمام الزمان (ع) الذي من مات ولم يعرفه مات ميتة الجاهلية(3)، وأنتم رويتم في صحاحكم عن جابر بن سمرة أنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول (يون بعدي إثنا عشر أميراً) وقال كلمة لم أسمعها(4) وفي بخاريكم(5) قال رسول الله (ص) (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم إثنا عشر رجلاً) ثم تكلم بكلمة خفيفة خفيت علي.
وفي صحيح مسلم (لا يزال أمر الدين قائماً حتى تقوم الساعة ويكون عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)(6)، وفي الجمع بين الصحيحين والصحاح الستة أن رسول الله (ص) قال: (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي أثنا عشر خليفة كلهم من قريش)(7).
وروى عالمكم ومحدثكم وثقتكم صاحب كفاية الطالب عن أنس بن مالك، قال: كنت أنا وأبو ذر وسلمان وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم عند
____________
1- كفاية الأثر: ص38، بحار الانوار ج36 ص289.
2- مسند أحمد ج3 ص3 و66، سنن الترمذي ج5 ص614 ح3768، تاريخ بغداد ج11 ص90 ، كنز العمال ج12 ص112 ح34246.
3- تقدمت تخريجاته.
4- مسند أحمد ج5 ص92و94، المعجم ج2 ص236 ح1875 وص248 ح1923.
5- صحيح البخاري ج4 ص218.
6- صحيح مسلم ج3 ص1453 ح10.
7- صحيح مسلم ج3 ص1452 ح5، مسند أحمد ج4 ص94 و96، وقد تقدمت تخريجات هذه الأحاديث.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 335
-------------------------------------------------------------

النبي (ص) إذ دخل الحسن والحسين (عليهما السلام) فقبّلهما رسول الله، وقام أبو ذر فانكب عليهما، وقبّل أيديهما، ورجع فقعد معنا، فقلنا له سراً: يا ابا ذر رايت شيخاً من أصحاب رسول الله (ص) يقوم إلى صبيين من بني هاشم فينكب عليهما ويقبّلهما ويقبّل ايديهما.
فقال: نعم، لو سمعتم ما سمعت لفعلتم بهما أكثر مما فعلت.
فقلنا: وما سمعت فيهما من رسول الله (ص يا أبا ذر؟
فقال: سمعته يقول لعلي ولهما: (والله لو أن عبداً صلى وصام حتى يصير كالشن البالي إذاً ما نفعه صلاته ولا صومه إلا بحبكم والبراءة من عدوكم).
ياعلي، من توسل إلى الله بحقكم فحق على الله أن لا يرده خائباً.
يا علي، من أحبكم وتمسك بكم فقد تمسك بالعروة الوثقى.
قال: ثم قام أبو ذر وخرج فتقدمنا على رسول الله (ص) فقلنا: يا رسول الله أخبرنا أبو ذر بكيت وكيت.
فقال: صدق أبو ذر، والله ما أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر(1).
ثم قال (ص): خلقني الله تعالى وأهل بيتي من نور واحد قبل أن يخلق اله آدم بسبعة آلاف عام، ثم نقلنا من صلبه في أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات.

____________
1- مجمع الزوائد ج5 ص197 ص442، مشكل الآثار ج1 ص224، مسند أحمد بن حنبل ج2 ص175 وص223 ط الميمنية، الكامل في الضعفاء لابن عدي ج5 ص1816، البداية النهاية ج7 ص165، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج8 ص259، بتفاوت.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 336
-------------------------------------------------------------

قلت يا رسول الله: وأين كنتم؟ وعلى أي شأن كنتم؟
فقال رسول الله (ص): كنا اشباحاً من نور تحت العرش نسبّح الله ونقدسه.
ثم قال (ص): (لما عرج بي إلى السماء وبلغت إلى سدرة المنتهى ودعّني جبرئيل.
فقلت: يا حبيبي جبرئيل في مثل هذا المقام تفارقني؟
فقال يا محمد إني لا أجوز هذا الموضع فتحترق أجنحتي، ثم زج بي من النور على النور ما شاء الله تعالى، فأوحى الله تعالى إلي: يا محمد: إني أطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها وجعلتك نبياً، ثم اطلعت ثانياً فاخترت منها علياً وجعلته وصيك ووارث علمك وإماماً من بعدك، وأخرج من أصلابكم الذرية الطاهرة والأئمة المعصومين خزان علمي، ولولاهم ما خلقت الدنيا ولا الآخرة، ولا الجنة ولا النار، أتحب أن تراهم؟
فقلت: نعم يا رب، فنوديت: يا محمد أرفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار علي، والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والحجة بن الحسن يتلألأ من بينهم كأنه كوكب دري (ع).
فقلت: يا رب من هؤلاء ومن هذا؟
فقال سبحانه وتعالى: هؤلاء الأئمة من بعدك المطهّرون من صلبك، وهذا هو الحجة الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ويشفي صدور قوم مؤمنين.
فقلنا: بآبائنا وأمهاتنا أنت يا رسول الله لقد قلت عجباً.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 337
-------------------------------------------------------------

فقال (ص): وأعجب من هذا أن أقواماً يسمعون هذا مني ثم يرجعون على أعقابهم بعد إذ هداهم الله ويؤذونني فيهم لا أنالهم الله شفاعتي(1).
قال يوحنا: واعتقادكم أنتم ن رسول الله (ص) لما مات مات على غير وصية، ولم ينص على خليفته، وأن عمر بن الخطاب اختار أبا بكر وبايعه وتبعته الأمة، وأنه سمى نفسه خليفة رسول الله (ص9 وانتم تعلمون كلكم أن أبا بكر وعمر لما مات رسول الله (ص) تركاه بغير غسل ولا كفن وذهبا إلى سقيفة بني ساعدة فنازعا الأنصار في الخلافة، وولي أبو بكر الخلافة ورسول الله (ص) مسجى، ولا شك أن رسول الله (ص) لم يستخلفه، وأنه كان يعبد الأصنام قبل أن يسلم أربعين سنة، والله تعالى يقول (لا ينال عهدي الظالمين)(2) ومنع فاطمة إرثها من أبيها رسول الله (ص) بخر (رواه).
قالت فاطمة: يا أبا بكر ترث أباك ولا أرث أبي، لقد جئت شيئاً فرياً، وعارضته بقول الله: (يرثني ويرث من آل يعقوب)(3) (وورث سليمان داود)(4)، وقال اله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم)(5) ولو كان حديث أبي بكر صحيحاً لم يمسك علي بن أبي طالب (ع) سيف رسول الله (ص) ويغلته وعمامته ونازع العباس علياً بعد موت فاطمة (ع) في ذلك، ولو كان هذا الحديث معروفاً لم يجز
____________
1- كفاية الأثر: ص69 ـ 73.
2- سورة البقرة: الآية 124.
3- سورة مريم: الآية 6.
4- سورة النمل: الآية 16.
5- سورة النساء: الآية 11.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 338
-------------------------------------------------------------

لهم ذلك، وابو بكر منع فاطمة (عليها السلام) فدكاً لانها ادّعت ذلك، وذكرت أن النبي (ص) نحلها إياها فلم يصدّقها في ذلك مع أنها من أهل الجنة، وان الله تعالى أذهب عنها الرجس الذي هو أعمّ من الكذب وغيره، واستشهدت علياً (ع) وأم أيمن مع شهادة النبي (ص) لها بالجنة، فقال: رجل مع رجل وإمرأة، وصدّق الأزواج في ادعاء الحجرة، ولم يجعل الحجرة صدقة فأوصت فاطمة وصية مؤكدة أن يدفنها علي ليلاً حتى لا يصلي عليها أبو بكر(1).
وأبو بكر قال: أقيلوني فلست بخيركم وعلي فيكم(2)، فإن صدق فلا يصح له التقدم على علي بن أبي طلاب (ع) وإن كذب فلا يصلح للإمامة، ولا يحمل هذا على التواضع لجعله شيئاً موجباً لفسخ الإمامة وحاملاً له عليه.
وأبو بكر قال: إن لي شيطاناً يعتريني، فإذا زغت فقوّموني(3). ومن يعتريه الشيطان فلا يصلح للإمامة!!
وأبو بكر قال في حقه عمر: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، ووقى الله المسلمين شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه(4)، فتبين أن بيعته كانت خطأ على غير الصواب، وأن مثلها مما يجب المقاتلة عليها.
وأبو بكر تخلف عن جيش أسامة وولاه عليه، ولم يولّ النبي (ص) على علي أحداً(5).

____________
1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 ص280 ـ 281، وقد تقدمت تخريجاته.
2- الإمامة والسياسة ج1 ص22، كنز العمال ج5 ص588 ح14046 و1405، تاريخ الطبري ج3 ص210، نهج الحق ص264، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص169.
3- نفس المصدر السابق.
4- تقدمت تخريجاته.
5- انظر: الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص144، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج4 ص96.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 339
-------------------------------------------------------------

وأبو بكر لم يولّه رسول الله (ص) عملاً في زمانه قط إلا سورة براءة، وحين ما خرج أمر الله تعالى رسوله بعزله وأعطاها علياً(1).
وأبو بكر لم يكن عالماً بالأحكام الشرعية، حتى قطع يسار السارق، وأحرق بالنار الفجاءة السلمي التيمي(2)، وقد قال رسول الله (ص): (لا يعذّب بالنار إلا رب النار)(3).
ولما سئل عن الكلالة لم يعرف ما يقول فيها فقال: أقول برأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن الله وإن كان خطأ فمن الشيطان.
وسألته جّدة عن ميراثها، فقال: لا أجد لك في كتاب اله شيئاً ولا في سنة محمد، ارجعي حتى أسأل فأخبره المغيرة بن شعبة أن النبي (ص) أعطاها السدس وكان يستفتي الصحابة في كثير من الأحكام.
وأبو بكر لم ينكر على خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة، ولا في تزويج امرأته ليلة قتله من غير عدة.
وأبو بكر بعث على بيت أمير المؤمنين (ع) لما امتنع من البيعة فأضرم فيه النار(4) وفيه فاطمة (ع) وجماعة من بني هاشم وغيرهم فانكروا عليه.

____________
1- تقدمت تخريجاته..
2- راجع: الإمامة والسياسة ج1 ص14.
3- شرح السنة للبغوي ج12 ص198، مجمع الزوائد ج6 ص251، كشف الأستار ج2 ص211 ح1538.
4- الإمامة والسياسة ج1 ص191، نهج الحق ص27، وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج2 ص56: فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، وخرجت فاطمة (ع) تبكي وتصبح، فنهنهت من الناس إلخ وروى ذلك عن أبي بكر الجوهري.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 340
-------------------------------------------------------------

وأبو بكر لمّا صعد المنبر جاء الحسن والحسين وجماعة من بني هاشم وغيرهم وأنكروا عليه وقال له الحسن والحسين (ع): هذا مقام جدّنا ولست أهلاً له(1).
وأبو بكر لما حضرته الوفاة، قال: يا ليتني تركت بيت فاطمة لم أكشفه، وليتني كنت سألت رسول الله (ص): هل للأنصار في هذا الأمر حق؟
وقال: ليتني في ظلة بني ساعدة ضربت على يد أحد الرجلين، وكان هو الأمير وأنا الوزير(2).
وأبو بكر بكر عندكم أنه خالف رسول الله (ص) في الاستخلاف، لأنه استخلف عمر بن الخطاب ولم يكن النبي (ص) ولاه قط عملاً إلاغزوة خيبر فرجع منهزماً، وولاه الصدقات فشكا العباس فعزله النبي (ص): وأنكر الصحابة على أبي كر تولية عمر حتى قال طلحة: وليت عمر فظاً غليظاً.
وأما عمر، فإنه أتي إليه بإمراة زنت وهي حامل فأمر رجمها، فقال علي (ع): إن كان لك عليها سبيل فليس لك على حملها من سبيل، فأمسك وقال: لولا علي لهلك عمر(3).
وعمر شك في موت النبي (ص) وقال: ما مات محمد ولا يموت حتى تلا عليه أبو بكر الآية (إنك ميت وإنهم ميتون)(4) فقال: صدقت، وقال: كأني لم أسمعها(5).

____________
1- نهج الحق ص272، أسد الغابة ج2 ص14، الصواعق المحرقة ص175، ط المحمدية وص105 ط الميمنية بمصر.
2- الإمامة والسياسة: ج1 ص1، مروج الذهب ج2 ص301 ـ 302، نهج الحق ص265.
3- تقدمت تخرجاته.
4- سورة الزمر: الآية 3.
5- تاريخ الخميس ج2 ص167، صحيح البخاري ج6 ص17، وقد تقدم الحديث مع تخريجاته.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 341
-------------------------------------------------------------

وجاءوا إلى عمر بإمراة مجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال له علي (ع): القلم مرفوع الن المجنون حتى يفيق، فأمسك، فقال: لولا علي لهلك عمر(1).
وقال في خطبة له: من غالى في مهر امرأته جعلته في بيت مال المسلمين، فقال له امرأة، تمنعنا ما أحل اله لنا حيث يقول (وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً)(2) فقال: كل الناس أفقه من عمر حتى المخدّرات في البيوت(3).
وكان يعطي حفصة وعائشة كل واحدة منهما مأئتي ألف درهم، وأخذ مائتي الف درهم من بيت المال فأنكر عليه المسلمون فقال: أخذته على وجه القرض(4).
ومنع الحسن والحسين (ع) إرثهما من رسول اله (ص ومنعما الخمس(5).
وعمر قضى ف الحد بسبعين قضية وفضل في العطاء والقسمة ومنع المتعتين وقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) حلالاً وأنا محرّمهما، ومعاقب من فعلهما(6).
وخالف النبي (ص) وأبا بكر في النص وعدمه، وجعل الخلافة في ستة نفر، ثم ناقض نفسه وجعلها في أربعة نفر، ثم في
____________
1- تقدمت تخريجاته.
2- سورة النساء.
3- الدر المنثور ج2 ص466، نهج الحق ص278، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص182 وج12 ص17.
4- نهج الحق ص279، وفيه عشرة آلاف.
5- أحكام القرآن للجصّاص ج3 ص61.
6- نهج الحق: ص281، الدر المنثور ج2 ص487، وقد تقدمت تخريجاته.
-------------------------------------------------------------
الصفحة 342
-------------------------------------------------------------

الثلاثة، ثم في واحد، فجعل إلى عبد الرحمن بن عوف الاختيار بعد أن وصفه بالضعف والقصور، ثم قال: إن اجتمع علي وعثمان فالقول ما قالا، وإن صاروا ثلاثة ثلاثة فالقول للذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، لعلمه أن علياً وعثمان لا يجتمعان على أمر، وأن عبد الرحمن بن عوف لا يعدل بالأمر عن ابن أخته وعثمان، ثم أمر بضرب عنق من تأخر عن البيعة ثلاثة أيام(1).
وعمر أيضاً مزق الكتاب كتاب فاطمة (ع) وهو أنه لما طالت المنازعة بين فاطمة وأبيك، رد عليها فدك والعوالي، وكتب هلا كتاباً فخرجت والكتاب في يدها فلقيها عمر فسألها عن شأنها، فقصت قصتها، فأخذ منها الكتاب وخرّقه(2)، ودعت عليه فاطمة، فدخل علي أبي بكر ولامه على ذلك واتفقا على منعها.
وأما عثمان بن عفان فجعل الولايات بين أقاربه، فاستعمل الوليد أخاه لأمه على الكوفة، فشرب الخمر، وصلى بالناس وهو سكران(3)، فطرده أهل الكوفة فظهر منه ما ظهر.
وأعطى الأموال العظيمة أزواج بناته الأربع، فأعطى كل واحد من أزواجهن مائة ألف مثقال من الذهب من بيت مال المسلمين وأعطى مروان ألف ألف درهم من خمس افريقية(4).

____________
1- الإمامة والسياسة ج1 ص28ـ 29، نهج الحق ص285، تقدم الحديث مع تخريجاته.
2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 ص274.
3- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج3 ص18، تاريخ الخميس ج2 ص255 و259، الكامل في التاريخ ج3 ص52، الإمامة والسياسة ج1 ص32، أسد الغابة ج5 ص90، نهج الحق ص290.
4- تاريخ الخميس ج1 ص26، تاريخ الطبري ج5 ص49، تاريخ اليعقوبي ج2 ص155، المعارف لابن قتيبة ص84، نهج الحق ص293، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص198، تاريخ الخلفاء.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 343
-------------------------------------------------------------

وعثمان حمى لنفسه عن المسلمين ومنعهم عنه(1)، ووقع منه أشياء منكرة في حق الصحابة. وضرب ابن مسعود(2) حتى مات وأحرق مصحفه، وكان ابن مسعود يطعن في عثمان ويكفره.
وضرب عمار بن ياسر صاحب رسول الله (ص) حتى صار به فتق(3).
واستحضر أبا ذر من الشام لهوى معاوية وضربه ونفاه على الربذة(4)، مع أن النبي (ص) كان يقرّب هؤلاء الثلاثة.
وعثمان أسقط القود ـ عن ابن عمر ـ لما قتل النوار بعد الإسلام.
واراد أن يسقط حد الشراب عن الوليد بن عتبة الفاسق، فاستوفى منه علي (ع) وخذلته الصحابة حتى قتل ولم يدفن إلا بعد ثلاثة أيام ودفنوه في حشّ كوكب.
وغاب عن المسلمين يوم بدر، ويوم أحد، وعن بيعة الرضوان.
وهو كان السبب في أن معاوية حارب علياً (ع) على الخلافة، ثم آل الأمر إلى أن سبّ بنو أمية علياً (ع) على المنبر، وسمّوا الحسن، وقتلوا الحسين، وشهّروا أولاد النبي (ص) وذريته في البلاد يطاف بهم على المطايا(5)، فآل الأمر إلى الحجّاج
____________
1- نهج الحق ص294 ، تاريخ الخميس ج2 ص262، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص199، تاريخ الخلفاء ص164.
2- نهج الحق ص295، أسد الغابة ج3 ص259، تاريخ ابن كثير ج7 ص163،تاريخ الخميس ج2 ص268، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص198، وج3 ص40.
3- تاريخ الخميس ج2 ص271، الإمامة والسياسة ج1 ص32، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج1 ص238، نهج الحق ص296.
4- تاريخ اليعقوبي ج2 ص162، الكامل في التاريخ ج3 ص56، نهج الحق ص298، أنساب الأشراف ج5 ص52، مروج الذهب ج2 ص339.
5- انظر: ينابيع المودة ب61 ص350، مقتل الحسين (ع)ـ للمقرم.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 344
-------------------------------------------------------------

حتى أنه قتل من آل محمد إثني عشر ألفاً، وبنى كثيراً منهم في الحيطان وهم أحياء، وكل السبب في هذا أنهم جعلوا الإمامة بالأختيار والارادة، ولو أنهم اتبعوا النص في ذلك ولم يخالف عمر بن الخطاب النبي (ص) في قوله: (آتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبدأً)(1)، لما حصل الخلاف وهذا الضلال.
قال يوحنا: يا علماء الدين هؤلاء الذين يسمّون الرافضة هذا اعتقادهم الذي ذكرنا، وأنتم هذا اعتقادكم الذي قررناهن ودلائلهم هذه التي سمعتموها، ودلائلكم هذه التي نقلتموها.
فبالله عليكم أي الفريقين أحق بالأمر إن كنتم تعلمون؟
فقالوا بلسان واحد: والله عن الرافضة على الحق، وإنهم المصدقون على أقوالهم، لكن الأمر جرى على ما جرى فإنه لم يزل أصحاب الحق مقهورين، وأشهد علينا يا يوحنا إنا على موالاة آل محمد، ونتبرأ من أعدائهم، غلا أنا نستدعي منك أن تكتم علينا أمرنا لأن الناس على دين ملوكهم.
قال يوحنا: فقمت عنهم وأنا عارف بدليلي، واثق باعتقادي بيقين فلله الحمد والمنة، ومن يهد الله فهو المهتد.
فسطرت هذه الرسالة لتكون هداية لمن طلب سبيل النجاة، فمن نظر فيها بعين الإنصاف أرشد إلى الصواب، وكان بذلك مأجورا، ومن ختم على قلبه ولسانه فلا سبيل إلى هدايته كما قال الله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)(2) فإن أكثر المتعصبين (سواء عليهم
____________
1- تقدمت تخرجاته.
2- سورة القصص : الآية 56.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 345
-------------------------------------------------------------

أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم)(1).
اللهم إنا نحمدك على نعمك الجسام، ونصلي على محمد وآل المطهرين من الآثام، مدى الأيام على الدوام إلى يوم القيامة.
إلى هنا ما وقفنا عليه من الكتاب المذكور، ولله سبحانه الحمد والمنة(2).

____________
1- سورة البقرة: الآية 6ـ 7.
2- الكشكول للبحراني ج2 ص28.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 346
-------------------------------------------------------------

-------------------------------------------------------------
الصفحة 347
-------------------------------------------------------------

الفصل التاسع
عقائد أهل السنة

عقائد السلفية
مرحلة أحمد بن حنبل
مرحلة ابن تيمية
مرحلة محمد بن عبد الوهاب
تهافت الأشاعرة

-------------------------------------------------------------
الصفحة 348
-------------------------------------------------------------


عقائد أهل السنة

لمحة تاريخية:
كان أهل السنة قبل تصدر أحمد بن حنبل منصة الإمامة في مجال العقائد، على فرق متعددة وطوائف مختلفة، بين مرجئ يرى أنه لا علاقة بين الايمان والعمل، فلا يضر مع الايمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وقدري ينكر القدر إلى جهمي ينفي كل صفة لله سبحانه وخارجي.. وغلى غير ذلك من الاختلافات الفكرية والعقائدية. حتى جاء أحمد بن حنبل فقضى على سائر المذاهب الدارجة بين أهل الحديث، ووحدهم على أصول اختارها، وادعى أنها عقائد السلف الصالح من الصحابة والتابعين. وفي واقع الحقيقة أن نسبة هذه الأصول والعقائد إلى أحمد أقرب واصدق من نسبتها على الصحابة والتابعين، فلم تكن معروفة، ولا متفقاً عليها قبل ظهور ابن حنبل، والاختلافات العقائدية عند السنة في تاريخهم وإلى الآن كاشفة عن هذا الأمر.
وقد أخذت هذه العقائد الحنبلية في الذيوع والانتشار في أيام المتوكل الذي قرّب أحمد إلى بلاطه وفتح له المجال حتى صار إمام العقائد من غير منازع، واستمر على هذا الحال حتى ظهر أبو الحسن الأشعري في الساحة العقائدية، بعد أن تاب من الاعتزال والتحق بالعقائد الحنبلية، ولكنه لم يكتف بتقليد ابن حنبل فعمل على تغليف وعقلنة عقائده فظهر باعتقادات لم يوافق فيها أحمد كل الموافقة ولم يخالفه، ورغم ذلك فإن مذهبه الجديد أتيح له
-------------------------------------------------------------
الصفحة 349
-------------------------------------------------------------

الانتشار في كافة الاقطار الاسلامية حتى تمكن من سحب البساط من تحت أقدام ابن حنبل في الامامة العقائدية، فاصبح المذهب الاشعري هوالمذهب الرسمي لأهل السنة، يقول المقريزي بعد أن يشير إلى اصول عقيدة الإمام الأشعري: (هذه جملة من أصول عقيدته التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية، والتي من جهر بخلافها أريق دمه)(1). فتأججت بذلك نار النزاع بين الأشاعرة والحنابلة على طل العصور المختلفة. فكان الحنابلة يتمسكون بروايات التشبيه والتجسيم ويثبتون لله تعالى صفات لا يجوز نسبتها إليه، وكان الأشاعرة يتبرأون من هذه الأمور.
ولكن إذاتجاوزنا المشاكل يمكننا أن نقسم المعقتدات السنية إلى مدرستين هما الاشاعرة والحنابلة، بعد أنقراض المعتزلة تقريباً المعتزلة تقريباً، وسوف نتناول في هذا الفصل نماذج من المدرستين.

مدرسة الحنابلة (السلفية)
وللتحدت عن العقائد السلفية لا بد أن نقسمها إلى ثلاث مراحل تاريخية وهي:
أ ـ مرحلة أحمد بن حنبل.
ب ـ مرحلة ابن تيمية.
ج ـ مرحلة محمد بن عبد الوهاب.

أولاً: أحمد بن حنبل (منهجه في العقائد).
إن المرتكز العقائدي في منهجية ابن حنبل والحنابلة هو السماع، أي الاعتماد على الآيات والأحاديث النبوية في إثبات العقائد، ولا يعطون بذلك الدليل العقيل والبرهان كبير عناية واهتمام.

____________
1- الخطط المقريزية ج2 ص390.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 350
-------------------------------------------------------------

وهذه المقدمة نفسها تحتاج إلى إثبات، حيث لا يمكن اعتبار أن السماع هو الميزان والمعيار لمعرفة العقائد مجرداً عن العقل، وذلك لان السماع لا يمكن أن يكون حجة ملزمة إلا إذا آمن الإنسان أولاً بالله سبحانه وتعالى، ثم آمن برسوله (ص)، وهذه المراحل الثلاثة إذا لم تتوفر يستحيل عليك أن تلزم إنساناً وتحتج عليه بالآيات والروايات، وإلا يصبح الأمر جدلاً فارغاً يدور في حلقة لا نهاية لها، ومن المعروف عقلاً امتناع إثبات الشيء من نفسه لأنه يستلزم الدور، والدور باطل، وإليك مثالاً لذلك:
إن إثبات وجود الله سبحانه وتعالى بآية قرآنية والاحتجاج بها موقوف على الايمان والتصديق بالآية القرآنية، والايمان بالآية موقوف على الايمان بالله تعالى والايمان بالله تعالى موقوفاً على الايمان بالآية موقوف على الايمان بالله تعالى والايمان بالله تعالى موقوفاً على الايمان بالآية، وبحذف المتكر يصبح الايمان بالآية موقوفاً على الايمان بالآية.. وهذا باطل.
ثم نسال على أي شيء نزل هذا الوحي؟ أعلى غير الإنسان نزل.
فإذا نزل على الإنسان: فلماذا خص الله الإنسان بذلك؟
أليس لأن الإنسان يملك تلك الجوهرة الثمينة وهي العقل؟
فإن كانت الاجابة نعم. فأين محل العقل في هذا المعيار.
وهذه هي بداية الانحراف في الفكر الحنبلي، حيث لم يعط اهتماماً للعقل ولم يدخله في استدلالاته العقائدية مع علمنا بأنه لا يستقيم الدليل إلا إذا وافق العقل.
والاشتباه الذي وقع فيه الحنابلة وغيرهم من الحشوية والاشاعرة هو عدم معرفتهم بالعقل الذي لا يمكن معرفته كما هو إلا عن طريق مردسة أهل البيت (ع)، إن الحنابلة وغيرهم من الحشوية والأشاعرة يعتقدون أن العقل قد يوافق الشرع وقد يخالفه، وبالأحرى فإنه لا كاشفية للعقل ولا
-------------------------------------------------------------
الصفحة 351
-------------------------------------------------------------

حجية له، وإن كان في العقل قدر من الحجية فإنما هي مستمدة من الشرع، وما كان هذا الرأي المتطرف إلا ردة فعل عن منهج المعتزلة الذي يعتبر ان حجية العقل ذاتية، وأن الدليل السمعي الذي لا يوافقه العقل القيمة له، وقد علمت أن المعتزلة قد أخذوا الناس بالجبر في عهد المأمون والمعتصم والواثق لقبول منهجهم وقد ابتلوا أهل الحديث خاصة بأنواع العذاب مما سبب لهم موقفاً خاصاً من المنهج العقلي، وإلا ما هو دليلهم في العزوف عن العقل وجمودهم على ظاهر النصوص؟! وما حدث من الشد والجذب بين المعتزلة والحنابلة قطع بينهم أسلوب التفاهم للوصول إلى نقاط مشتركة، فحافظ كل كيان على منهجه وتعصب له، ولا يمكن حل هذه المشكلة الجوهرية التي ينبني عليها فهم الدين ومعتقداته إلا باكتشاف معيار ثابت يتفق عليه الجميع حتى يكون قاسماً مشتركاً في التفكير والتعامل مع الدين.
ينقل المؤلفان، حنا الفاخوري، وخليل الجر: (وهناك نوعان من البرهان العقلي الذي لا يستند إلا إلى العقل ومبادئه، والبرهان السمعي الذي يستند إلى القرآن والحديث والاجماع، وفيما نرى المعتزلة لا يعترفون إلا بقيمة الأول، ويعتبرون أن كل برهان سمعي لا يدعمه العقل مردود، يظل المتكلمون وعلى رأسهم الاشاعرة يؤكدون أن البراهين العقلية لا قيمة لها غلا لأن الشرع يأمر بها، وأن العقل لا قيمة له في ذاته بل فيما يستمده من الشرع)(1).
فانظر إلى البون الشاسع في وجهات النظر، فريق لا يعترف بقيمة العقل وحجيته وفريق لا يعترف بقيمة سوى العقل.
وهذا الاختلاف المنهجي هو سبب تفرق المسلمين وتمذهبهم عندما اختلفوا في أسس التفكير، فباختلاف المناهج اختلفت النتائج، فإذا كان هناك
____________
1- تاريخ الفلسفة العربية ج1 ص179.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 352
-------------------------------------------------------------

تفكير لإعادة وحدة المسلمين لا بد أن يبدأ من توحيد قواعد الفكر وإثبات طرق البرهان، فمثلاً: انظر إلى هذا الاختلاف الذي نتج عن التباين في أسس التفكير، ففي موضوع أفعال العباد، قالت المعتزلة: إن الإنسان خالق لأفعاله، وإلا يكون مخالفاً هذا للعقل على حد زعمهم. فضربت لذلك بكل الروايات التي تخالف هذا المعنى عرض الحائط، وفي الاتجاه المقابل نجد الحنابلة وصلوا إلى نتائج بأن أفعال الإنسان ليست بإرادته، وإنما بإرادة الله، فالإنسان مجبور على أفعاله، وتمسكوا لإثبات ذلك بظواهر الآيات والأحاديث ولم يعطوا للعقل أهمية.
يقول أحمد بن حنبل في رسالته: (.... والزنا والسرقة، وشرب الخمر، وقتل النفس، وأكمل المال الحرام، والشرك بالله عز وجل، والذنوب والعاصي، كلها بقضاء وقدر من الله عز وجل)(1).

روايات في ضرورة العقل:
وإذا نظرنا إلى حقيقة الأمر نجد أن كلاً من الأشاعرة والحنابلة والمعتزلة لم يتعرفوا على حقيقة العقل، ولكي نعرف هذه الحقيقة لا بد أن نطلع أولاً على بعض روايات أهل البيت (ع)، لنعرف أهمية العقل ومكانته.
عن أبي جعفر (ع) الإمام محمد الباقر قالك لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسن منك إياك آمر وإياك أنهى، وإياك أثيب وإياك أعاقب)(2).
جاء في وصية الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام، لهشام بن الحكم، في حديث طويل أحببنا نقله بالكامل لإتمام الفائدة:

____________
1- الملل والنحل للشهر ستاني ج 1 ص164.
2- مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول ج1 ص84.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 353
-------------------------------------------------------------

يا هشام، إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: 0فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب) الزمر/18.
يا هشام: عن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول ونصر النبيين بالبيان ودلّهم على ربوبيته بالأدلة، فقال: (وإلهكم إله واحد لا غله غلا هو الرحمن الرحيم إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل اله من السماء من ما فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) البقرة/163.
يا هشام: قد جعل الله ذلك دليلاً على معرفته لأن لهم مدبراً، فقال: (ويسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) النحل/13. وقال (وهو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلاً مسمى ولعلكم تعقلون) سورة غافر/67.
وقال: إن في اختلاف الليل والنهار وما أنزل من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح والسحاب بين السماء والأرض لآيات يعقلون) الجاثية/4.
وقال: (يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون) الحديد/17.
وقال: (وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل في ذلك لآيات يعقلون) الرعد/5.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 354
-------------------------------------------------------------

وقال: (ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) الروم/24.
وقال: (قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصّاكم به لعلكم تعقلون) الأنعام/152.
وقال: (هل لكم من ما ملكت إيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون) الروم/28.
يا هشام: ثم وعظ أهل العقل ورغّبهم في الآخرة فقال: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) الأنعام/32.
يا هشام: ثم خوف الذين لا يعقلون من عقابه فقال تعالى: (ثم دمّرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم عليهم مصبحين وفي الليل أفلا تعقلون) الصافات/137.
وقال: (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) العنكبوت /35.
ياهشام: إن العقل مع العلم، فقال: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) العنكبوت/43.
ياهشام: ثم ذم الذين لا يعقلون فقال: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) البقرة/170.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 355
-------------------------------------------------------------

وقال: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) البقرة/171.
وقال: (ومنهم من يستمع إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون) يونس/41.
وقال: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إنهم كالأنعام بل هم اضل سبيلاً) الفرقان 44.
وقال: (لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون). الحشر /14.
وقال: (تنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) البقرة/ 44.
يا هشام: ثم ذم الله الكثرة فقال: (وإن تطع أثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) الأنعام/116.
وقال: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) لقمان/25.
وقال: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الارض من بعد موتها ليقولن اله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون) العنكبوت/63.
يا هشام ثم مدح القلة وقال: (وقليل من عبادي الشكور) سبأ /13.
وقال: (وقليل ما هم) ص/24. وقال: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً يقول أن ربي الله) غافر/28.
وقال: (ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) هود/40.
وقال: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) وقال (أكثرهم لا يعقلون).
وقال: (أكثرهم لا يشعرون).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 356
-------------------------------------------------------------

يا هشام: ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر وحلاهم بأحسن الحلية فقال: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولوا الألباب) البقرة/269.
وقال: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) آل عمران/7.
وقال: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) آل عمران/190.
وقال: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب) الرعد/20.
وقال: (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) الزمر /9.
وقال: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) ص/29.
وقال: (ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب) الذاريات /55.
وقال: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) ق/37.
يا هشام: إن الله تعالى يقول في كتابه (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) لقمان /12، يعني عقل.
وقال: (ولقد آتينا لقمان الحكمة) قال الفهم والعقل.
يا هشام: إن لقمان قال لابنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس وإن الكيس لذي الحق يسير، يا بني: إن الدنيا بحر عميق، قد غرق فيه عالم كثير
-------------------------------------------------------------
الصفحة 357
-------------------------------------------------------------

فلتكن سفينتك فيها تقوى الله وحشوها الايمان وشراعها التوكل، وقيّمها العقل ودليلها العلم وسكانها الصبر.
يا هشام: عن لكل شيء دليلاً، ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت، ولكل شيء مطية ومطية لعقل التواضع، وكفى بك جهلاً أن تركب ما نهيت عنه.
يا هشام: ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده غلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً، وأكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.
يا هشام: إن لله على الناس حجتين، حجة ظاهرة، وحجة باطنة فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والائمة عليهم السلام وأما الباطنة فالعقول..
يا هشام: إن العاقل الذي لا يُشغل الحلال شكره ولا يغلل الحرام صبره.
يا هشام: من سلط ثلاثاً على ثلاث فكأنما أعان هواه على هدم عقله:
من أظلم نور تفكره بطول أمله، ومحى طرائف حكمت بفضول كلامه وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه. فكأنما أعان هواه على هدم عقله.ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه.
يا هشام: كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت قلبك عن أمر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك.
يا هشام: الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند اله وكان الله أنيسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة وغناه في العيلة وعزه من غير عشيرة.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 358
-------------------------------------------------------------

يا هشام: نصب الحق لطاعة الله ولا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم والعلم بالتعلم بالعقل ولا علم غلا من عالم رباني، ومعرفة العلم بالعقل.
يا هشام: قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود.
يا هشام: إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم.
يا هشام: إن العقلاء تركوا فضول الدنيا، فكيف الذنوب، ترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض.
يا هشام: إن العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة، ونظر إلى الآخرة فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة، فطلب بالمشقة أبقاهما.
يا هشام: إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة ورغبوا في الآخرة، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة مطلوبة والآخرة طالبة مطلوبة. فمن طلب الآخرة، طلبته الدنيا، حتى يستوفي منها رزقه، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت، فيفسد عليه دنياه وآخرته.
يا هشام: من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد والسلامة في الدين: فليتضرع على الله عز وجل في مسألته بأن يكمل عقله فمن عقل قنع بما يكفيه ومن قنع بما يكفيه استغنى، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبداً.
يا هشام: إن الله حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا:
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد غذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة) آل عمران/8.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 359
-------------------------------------------------------------

حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها.
إنه لم يخف الله من لم يعلم عن الله، ومن لم يعقل عن اله، لم يعقد قلبه علىمعرفة ثابتة ببصرها ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقاً وسره لعلانيته موافقاً.
لأن الله تبارك اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه.
يا هشام: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ماعُبد الله بشيء أفضل من العقل، وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى: الكفر والشرك منه مأمونان، والرشد والخير منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفول، ونصيبه من الدنيا القوت، لايشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف، استكثر قليل المعروف من غيره واستقل كثير المعروف من نفسه، ورأى الناس كلهم خيراً منه، وأنه شرهم في نفسه وهو تمام الأمر.
يا هشام: إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه.
يا هشام: لا دين لمن لا مروءة له، ولا مروءة لمن لا عقل له، وإن أعظم الناس قدراً الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطراً، أما إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها.
يا هشام: إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول:
إن علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سُئل، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شيء فهو أحمق.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 360
-------------------------------------------------------------

إن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو احدة منن، فمن لم يكن فيه شيء منهن فجلس فهوالأحمق.
وقال الحسن بن علي عليهما السلام: إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها: قيل يا ابن رسول الله من أهلها؟
قال: الذين قص الله في كتابه ذكرهم، فقال: (إنما يتذكر أولوا الالباب) الزمر/39.
قال: هم أولوا العقول.
وقال علي بن الحسين عليهما السلام: مجالسة اصالحين داعية على الصلاح، وآداب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولادة العدل تمام العز، واستثمار المال تمام المروءة، وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الأذى من كمال العقل، وفيه راحة البدن عاجلاً وآجلاً.
يا هشام: إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يعد بما لا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجاءه، ولا يقوم على ما يخاف فوته بالعجز عنه)(1).
وهناك مئات الروايات التي تكشف عن أهمية العقل ومكانته في مدرسة أهل البيت (ع)، والعقل هو ذلك النور الإلهي الذي يكشف به الإنسان حقائق الأشياء وهو بذلك عطاء إلهين وليس أمراً ذاتياً في الإنسان يتحول معه من القوة إلى الفعل كما ذهبت إلى الفلاسفة، الذين عرَّفوا العقل بتلك القدرة التي يقدر بها الإنسان على استخراج النظريات من الضروريات كاستحالة اجتماع النقيضين، وأن كل متغير حادث. وعند استخراج النظريات من هذه الضروريات يكون الإنسان قد وصل إلى حد العقل، وهو
____________
1- المصدر السابق.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 361
-------------------------------------------------------------

مرتبة من مراتب النفس، وعند كمالها تكون عقلاً. فالنتائج تسمى معقولات، بعد إيصالها إلى الضروريات، وإن كان بعشرين واسطة، فخلطوا بين العقل والمعقول، وبين العلم والمعلوم، واشتغلوا بالمعلوم والمعقول فتاهوا عن النور الذي به علموا وعقلوا الاشياء، وهذا هو الضلال البعيد، لاننا نرى بوجداننا أن هذا النور الذي نتعرف به على حقائق الأشياء خارج عن ذواتنا وعن ذوات المعلومات، وإنما هو عطاء إلهي نعلم به أنفسنا ونكشف به حقائق الأشياء، وإلا أين هذا العقل حال الطفولة، ومن المعلوم أنه إذا كان ذاتياً فالذاتي لا ينفصل.
قال تعالى: (والله أخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئاً) والآية لاتعدو أن تكون تنبيهاً إلى واقع العقل والعلم، وأنهما هما النوران الكاشفات اللذان لم يكن أحد منا يملكهما، حينما أخرج من بطن أمه، ثم أصبح الآن يملكهما. فلا بد إذن أن يعترف أنهما من الله. لأنه لو كان من نفسه إذن لكان لديه من الطفولة.
يقول (ص) مؤكداً هذه الحقيقة: (فإذا بلغ المولد حد الرجال أوحد النساء، كشف ذلك الستر، فيقع في قلب هذا الإنسان نور فيفهم الفريضة والسنة، والجيد والردئ. ألا ومثل العقل في القلب كمثل السراج في البيت).
فالعقل إذن نور إلهي معصوم عن الخطأ، والوحي أيضاً نور إلهي معصوم عن الخطأ، فلا اختلاف بينهما. وإنما هم نوران من مشكاة واحدة فقد جعل الله النور الأول في الإنسان، وجعل النور الثاني في القرآن والأحاديث، وكلاهما يكمل الآخر ويصدقه.
وتكون العلاقة بين العقل والوحي علاقة الإثارة، كما قال أمير المؤمنين (ع) واصفاً مهمة الأنبياء: (ليثيروا دفائن العقول) فإذن لا انفصال بين العقل
-------------------------------------------------------------
الصفحة 362
-------------------------------------------------------------

وبين الوحي طبقاً لمبدأ العقلانية القرآنية القائمة على اصل الذكر، وهو العقل السليم الذي يزكو وينمو ويؤيد ويسدد بالوحي الإلهي، فيكون بذلك المقياس السليم لكشف معارف الدين هو العقل المستبصر ببصائر الوحي.
وهذه الحقيقة المخيفة كانت هي السبب في اختلاف المسلمين وتمذهبهم.
فاهل الحديث جمدوا على ظاهر النص، والمعتزلة اعتمدوا التأويل، والأشاعرة حاولوا الجمع بين التأويل والجمود على النصوص، والفلاسفة شقوا لأنفسهم طريقاً مخالفاً لطريق الله، وادعوا الوصول إلى الحقائق عبر الطاقة البشرية. وكلهم لم يصيبوا واقع الحقيقة.
بوما أن حديثنا الآن عن الحنابلة، فإنكارهم للعقل وعدم العمل به لا وجه له، والذي ينظر إلى كتب الحنابلة يجد تلك العقائد المتناقضة أو التي تخالف عقل الإنسان وفطرته، فيؤمنون بالروايات التي تثبت التشبيه والتجسيم لله سبحانه وتعالى، فترى عقائدهم لا تختلف عن عقائد اليهودية والنصرانية والمجوسية بكثير، فظهرت بينهم مذاهب التجسيم والتشبيه والرؤية والجبر..وغير ذلك من معتقدات أهل البيت.
وهذا كله يرجع لتعاملهم التعسفي مع الأحاديث التي لم يدققوا في مدلولاتها أو لم ينظروا إلى أسانيدها، من غير عرضها على القرآن والعقل، بل آمنوا بها مطلقاً.
: (فبلغ بهم التقليد إلى حد أن صاروا يأخذون بظواهر كل ما رواه الرواة من الأخبار والآثار الموقوفة والمرفوعة والموضوعية والمصنوعة، وإن كانت شاذة أو منكرة أو غريبة أو من الاسرائيليات مثل ما روي عن كعب
-------------------------------------------------------------
الصفحة 363
-------------------------------------------------------------

ووهب و.. أو معارضة بالقطعيات التي تعد من نصوص الشرع ومدركات الحس ويقينيات العقل، ويكفرون من أنكرها ويفسقون من خالفها...)(1).
وإذا كان التعامل مع الأحاديث بهذه الصورة، فلا محال أن تكون العقائد الإسلامية أسيرة آلاف من الأحاديث الموضوعة والاسرائيليات التي قام اليهود بدسها في المعتقدات الإسلامية.
وادعاء الحنابلة تمسكهم بالكتاب والسنة، ورمي غيرهم بالضلال والكفر ادعاء فارغ لا دليل عليه، فالكل يعترف بحجية السنة والعمل بها ولكن في الفرق هو أن الحنابلة يؤمنون بكل ما روي عن رسول الله من غير توثيق ومن غير فهم أو وعي في مدلولاته، كما قال الزمخشري.

إن قلت من أهل الحديث قالوا تيس ليس يدري ويفهم

وقال رسول الله (ص) من كذّب عليّ متعمداً فليتبواً مقعده من النار) إشارة صريحة بأن أعداء الدين سوف ينسبون إلى الرسول وإلى الإسلام كل ما يشينه ويحرف عقائده، فلذلك لا بد أن تخضع دراسة الحديث إلى الأساليب العلمية والمنطقية، وليس كما فعلت الحنابلة يؤمنون بكل ما وجد في بطون الكتب من أحاديث معقولة أو غير معقولة، موافقة للقرآن أو غير موافقة.
يقول ابن حنبل في رسالته: (فنروي الحديث كما جاء على ما روي، نصدق به ونعلم أنه كما جاء)(2)..
: (قال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلياً حدّثهم قال: سالت ابا عبد الله عن الأحاديث التي تروي إن الله تبارك وتعال ينزل كل ليلة إلى
____________
1- من كلام السيد رشيد رضا ـ تلميذ محمد عبده ـ كتاب أضواء على السنة المحمدية لمحمود أبو رية ص23.
2- الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص165.
-------------------------------------------------------------
الصفحة 364
-------------------------------------------------------------

سماء الدنيا) (وأن اله يُرى) (وأن الله يضع قدمه) وما أشبه هذه الأحاديث فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى. أي لا نكيفها ولانحرفها بالتأويل. فنقول معناها كذا، ولا نرد منها شيئاً)(1)..
هذه هي منجيتهم مع الأحاديث، لا يردون منها شيئاً ويصدقون بكل شيء، وما يتذرعون به من تبريرات واهية، تضحك الثكلى، لأن إثبات هذه الأحاديث هو عين إثبات التجسيم والتشبيه، وقد تطرف بعضهم من الحشوية، وأثبت فعلاً الجسمية لله سبحانه وتعالى.
قال الشهرستاني: (أما مشبهة الحشوية فقد أجازوا على ربهم الملامسة والمصافحة، وأن المسلمين المخلصين يعانقونه سبحانه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة إلى حد الإخلاص)(2).

نماذج من أحاديث التجسيم:
وإليك مجموعة الروايات كنموذج وليس للحصر، وقد اخترتها من كتاب اسنة الذي رواه عبد الله من أبيه أحمد بن حنبل وكتاب التوحيد لابن خزيمة:
1ـ روى عبد الله بن أحمد بإسناده قال: قال رسول الله (ص): (حك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره قال: قلت: يا رسول الله أو يضحك الرب؟ قال: نعم. قلت لم نعدم من رب يضحك خيراً)(3) وغيرها من الروايات التي تثبت الضحك لله سبحانه وتعالى.
2ـ (قال عبد الله: قرأت على أبي.. ثم ذكر الإسناد إلى سعيد بن جبير: أنهم يقولون: إن الأرواح ما ياقوته، لا أدري أقال حمراء أم لا؟ وأنا
____________
1- في عقائد الإسلام ـ من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص155.
2- الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص105.
3- كتاب السنة ص54.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 365
-------------------------------------------------------------

اقول سعيد بن جبير يقول: إنها كنت من زمردة وكتابتها الذهب وكتبها الرحمن بيده ويسمع أهل السموات صرير القلم)(1).
3ـ قال: حدثني أبي.. بإسناده عن أبي عطاق قال: (كتب الله التوارة لموسى بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة في الألواح من در، يسمع صريف القلم ليس بينه وبينه إلا الحجاب)(2).
فهل تفهم من هذه الروايات غير التجسيم المحض والتشبيه الظاهر، كذب من يؤمن بهذه الأحاديث ولا يتخيل ربه ويتصوره بل هم يتصورونه ويتوهمونه.
وقد حدث يوماً نقاش بين أخي وأحد مشايخ الوهابية ـ الذين هم الامتداد الطبيعي لعقائد الحنابلة ـ وكان النقاش يدور حلول الصفات الإلهية، فينزه أخي الله عن هذه الصفات، وثبت له بكل الطرق فساد تلك المعتقدات، ولكن من غير جدوى، وأخيراً وجه له أخي سؤالاً قائلاً:
إذا أثبت له سبحانه هذه الصفات من مكان وجهه، ويدين ورجلين وعينين.. وإلى آخر ما يصفون به ربهم ألا يمكن أن يتصوّره الإنسان ويتخيله؟ بل حتماً يتخيله لأن نفس الإنسان مجبولة على التصور والتخيل بعد الوصف، فكان جوابه مفصحاً عن تمام عقيدته في التجسيم والتصوير، قال: (تخيله وتصوره ولكن لا تخبر به..!!
فقال له أخيك ما هو الفرق بين أن تضع أمامك صنماً وتعبده، وبين أن تتخيل صنماً وتعبده؟
فقال: هذا كلام الروافض قبحهم الله، يؤمنون بالله ولا يصفونه بهذه الصفات، فهم يعبدون رباً غير موجود..

____________
1- كتاب السنة ص76.
2- المصدر السابق.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 366
-------------------------------------------------------------

قال له أخي: إن الله الحق هو الذي لا تحيط به العقول ولا تدركه الأبصار لا يؤين بأين ولا يكيف بكيف، ولا يقالله لما وكيف لأنه هو الذي اين الاين وكيف الكيف، فكل ما لا تتصوره هو الله، وكل ما يتصور هومخلوق، فقد تعلمنا من ائمة أهل البيت عليهم السلام قولهم: (كل ماتصورتمه في أدق معانيه فهو مخلوق مثلكم، مردود عليكم) فتمام معرفة الله هوبالعجز عن معرفته.
فقال غاضباً: نحن نثبت ما اثبته الله لنفسه وكفى.
ثم انظر كيف اثبتوا لله سبحانه أصبعاً، قاتلهم الله، ثم يثبتون من الأصابع الخنصر ومن الخنصر ـ والعياذ بالله ـ المفل، كما ذكر ابن خزيمة في كتاب التوحيد، قال بإسناده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (ص): لما تجلى ربه للجبل رفع خنصره وقبض على مفصل منها فانساخ الجبل، فقال له حميد: أتحدث بهذا؟ فقال: حدثنا أنس عن لنبي (ص) وتقول لا تحدث به؟(1).
وروى ابن حنبل عن أبيه مثل هذا الخبر بإسناده عن أنس، عن النبي (ص): (فلما تجلى ربه للجبل قال هكذا.. وأشار بطرف الخنصر يحكيه)(2).

ماذا تفهم من هذا أيها القارئ اللبيب؟
أثبتوا لله يداً ولليد أصبعاً، ومن الأصابع الخنصر، ثم قالوا للخنصر مفصل..!!! وقِفْ عند ذلك حتى نكمل لك الصورة.
فقد أثبتوا أن لله ذراعين وصدراً، قال عبد الله حدثني أبي.. وذكر الإسناد عن عبد الله بن عمرو قال: خلقت الملائكة من نور الذراعين والصدر)(3).

____________
1- كتاب التوحيد ص113.
2- كتاب السنة ص65.
3- المصدر السابق ص190.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 367
-------------------------------------------------------------

وقال بإسناده عن أبي هريرة عن رسول الله (ص): (إن غلظ جلد الكافر اثنان وسبعون ذراعاً بذراع الجبار، وضرسه مثل ذلك)(1).
ويفهم أيضاً من هذا الحديث بالإضافة إلى الصدر والذراعين أن الراعين لهما طول محدد، وإلا لا يمكن أن يكونا مقياساً للطول.
ولم يقفوا عند هذا الحد بل جعلوا لله رجلاً.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص): (يُلقى في النار فتقول هل من مزيد حتى يضع قدمه أو رجله عليها فتقول: قط قط)(2).
وروى ابن خزيمة عن أبي هريرة عن رسول الله (ص) قال: (وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها، فتقول قط قط، فهنالك تمتلئ)(3).
وبعد ذلك تعال معي أيها القارئ الكريم لكي ترى أنهم تجاوزوا ذلك وأثبتوا لله نفساً، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده إلى أبي بن كعب قال: (لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن)(4).
فماذا تبقى حتى تكتمل الصورة، وخاصة بعدما أثبتوا له وجه. هل الكلام والصوت؟!
قد أثبتوه بل شبهوه بصوت الحديد..
قال عبد اله بن أحمد بسنده: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كصلصلة الحديد على الصفا)(5).

____________
1- المصدر السابق.
2- المصدر السابق ص184.
3- المصدر السابق ص184.
4- السنة ص190.
5- السنة ص71.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 368
-------------------------------------------------------------

ثم أثبتوا لله ثقلاً ووزناً ولذلك يسمع الكرسي صوت أطيط إذا جلس عليه، وإذا لم يكن له وزن فما معنى الأطيط؟
روى عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن عمر قال: (إذا جلس على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد)(1) أي كصوت سرج الناقة بالراكب الثقيل.
وقال بإسناده إلى عبد الله بن خليفة قال: (جاءت امرأة إلى النبي (ص) فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظم الرب، وقال: وسع كرسيه السموات والارض، إنه ليقعد عليه فما يفضل منه غلا قيد أربع اصابع وإن له أطيطاً كأطيط الرحل إذا رُكب)(2).
وزاد بن خزيمة: (من ثقله)(3).
وتكتمل الصورة الدرامية بذلك فيكون الله إنساناً له من الصفات ما للإنسان من جسمية ومحدودية وأعضاء وتراكيب، وهذا هو الظاهر وإن تنكروا عليه بل صرحوا بأكثر من ذلك:
جاء في الحديث خلق الله آدم على صورته طوله سبعون ذراعاً.
ويثبتون له إمكانية الرؤية والنظر إليه، كما روى ابن خزيمة بإسناده إلى ابن عباس أن النبي (ص) قال: (رأيت ربي في أحسن صوره، فقال: يا محمد، قلت: لبيك وسعديك، قال: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: يا رب لا أدري، قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما بين المشرق والمغرب)(4).

____________
1- السنة ص79.
2- السنة ص80.
3- التوحيد ص106.
4- التوحيد ص217.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 369
-------------------------------------------------------------

وقال بإسناده.. إن عبد الله بن عمر بن الخطاب بعث إلى عبد الله بن عباس يسأله: هل رأى محمد (ص) ربه؟ فأرسل إليه عبد الله بن عباس: أن نعم. فرد عليه عبد الله بن عمر رسوله عن كيف رآه؟ قال: فأرسل أنه رآه في روضة خضراء دون فراش من ذهب على كرسي من ذهب يحمله أربة من الملائكة. لك في صورة رجل وملك في صورة ثور وملك في صورة نسر وملك في صورة أسد)(1).
وهذا غيض من فيض، ونكتفي بهذا القدر من عقائد الحنابلة ومن لف لفهم، في صفات الله سبحانه وتعالى، وتجاوزنا بقية معتقداتهم الأخرى، وما ذكرناه كاف لفضح عقائدهم.
وعندما رأى بعض الحنابلة قبيح ما صنعوا حاولوا أن يبرروا ذلك ويتذرعوا بقولهم: بلا كيف.
وقد اعتمد الأشعري هذا التبرير، فيقول في كتابه الإبانة ص18: 0إن لله سبحانه وجههاً بلا كيف، كما قال: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) وإن له يدين بلا كيف، كما قال (خلقت بيدي).
وقد صدق فيهم قول الشاعر:

قد شبهوه بخلقه وتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفه(2)

ومن الواضح لكل صاحب عقل سليم أن هذا التبرير لا يغير في وجه القضية لأن الجهل بالكيفية لا يفيد شيئاً، ولا يرجع إلى معنى صحيح وهو أقرب على الإبهام والألغاز، لأن إثبات هذه الألفاظ بمعانيها الحقيقة هو عين إثبات الكيفية لها، لأن الألفاظ قائمة بنفس كيفيتها، وإجراء هذه الصفات
____________
1- التوحيد ص198.
2- أي بلا كيف.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 370
-------------------------------------------------------------

بمعانيها المتعارفة هو عين التجسيم والتشبيه، والاعتذار بقولهم: بلا كيف لا يتعدى أن يكون لقلقة لسان.
وأذكر يوماً كنت أناقش أحد أساتذتي في الجماعة حول أستواء الله على العرش، وعندما ضاق بي ذرعاً قال: نحن نقول ما قاله السلف: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة).
قلت له: لم تزد في الأمر إلا إبهاماً، وفسرت الماء بعد الجهد بالماء.
قال: كيف ـ وقد احتد النقاش.
قلت: إذا كان الاستواء معلوماً، فالكيف أيضاً معلوم.
وإذا كان الكيف مجهولاً، فكذلك الاستواء مجهول ولا ينفصل عنه، فالعلم بالاستواء هو عين العلم بالكيفية، والعقل لا يفرق بين وصف الشيء وبين كيفيته، لأنهما شيء واحد.
فإذا قلت فلان جالس، فعلمك بجلوسه هو علمك بكيفيته فأنت عندما تقول الاستواء معلوم فنفس العلم بالاستواء هو العلم بالكيفية وغلا يكون في كلامك تناقض، بل هو التناقض بذاته. فتكون عالماً بالاستواء وفي نفس الوقت غير عالم بالكيفية.
.. فسكت مدة ولم يحر جواباً، ثم اعتذر أنه على عجل واستأذن وذهب. فكل ما يقولونه من عدم الكيف مع إجراء المعاني الحقيقية للألفاظ هو تناقض وتهافت، وكذلك قولهم أن لله يداً حقيقية، لكن لا كالأيدي كلام ينقض آخره أوله والعكس، لأن اليد بالمعنى الحقيقية لها تلك الكيفية المعلومة، ونفي الكيفية منها هو حذف لحقيتها.
وإذا كانت هذه الألفاظ الجوفاء تكفي لإثبات التنزيه لله عز وجل فيمكن أن يقال، إن لله جسماً بلا كيف ولا كالأجسام وله دم بلا كيف ولحم وشعر.. بلا كيف.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 371
-------------------------------------------------------------

حتى قال أحد المشبهة: (إنما استحييت عن إثبات الفرج واللحية واعفوني عنهما واسالوا عما وراء ذلك)شنع الورى فتستروا بالبلكفه(1).
ولا يُفهم من ذلك أننا نؤمن بالتأويل في مثل هذه الايات فلا يجوز تأويل ظاهر الكتاب والسنة بحجة أنها تخالف العقل بل ليس في القرآن والسنة ما يخالف العقل، وما يتبادر من الظاهر أنه مخالف للعقل، ليس بظاهر وإنما يتخيلونه ظاهراً.
وفي مثل هذه الآيات لا يحتاج الامر إلى تأويل، لأن اللغة تنقسم في دلالاتها المعنوية إلى قسمين:
1 ـ دلالة إفرادية.
2 ـ دلالة تركيبية.
فقد يختلف المعنى الإفرادي عن المعنى التركيبي إذا كان هناك قرينة تصرفه إلى ذلك، ويكون موافقاً إذا لم توجد قرينة تصرفه عن المعنى الإفرادي فمثلاً: عندما نقول: أسد ـوهو مفرد ـ يتبادر إلى الذهن ذلك الحيوان المفترس الذي يعيش في الغابة، ويفهم أيضاً نفس هذا المعنى في حالة التركيب إذا لم تكن هناك قرينة مثل قولك: رأيت أسداً يأكل فريسته في الغابة.
ويتغير هذا المعنى تماماً إذا قلنا في الجملة التركيبية:
رأيت أسداً يقود سيارة
فيكون المقصود منه ذلك الرجل الشجاع، وهذا ديدن العرب في فهم الكلام فعندما يقْول الشاعر:

أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامة فتخاءُ تنفر من صفير الصافر
____________
1- الشهرستاني ج1 ص105.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 372
-------------------------------------------------------------

فلا يمكن أن نفهم منه إلا ذلك الرجل الذي يتظاهر بالشجاعة أمام الضعفاء ويفر جبناً إذا لاقى الأعداء.
والذي يفهم هذا الكلام لا يمكن أن نسميه مؤولاً للنص خارجاً عن ظاهر الكلام.
وهكذا الحال في مثل هذا الآيات، فعنما يقول تعالى مثلاً (يد الله فوق أيديهم) فيكون معنى اليد القدرة من غير تأويل، كالذي يقول وإن كان سلطاناً مقطوع اليد وكذلك في بقية الآيات. نثبت المعنى التركيبي الذي يظهر من خلال بقية السياق ولا نجمد على المعنى الحرفي الفردي من غير تأويل أوتحريف، وهذا هو العمل بالظاهر ولكن الظاهر التي تظهر من بقية السياق.
وهؤلاء الحنابلة يضلون العامة بالظاهر الفردية دون الاجماعية التركيبية.
وبهذه الطريقة تكون ظاهر الكتاب والسنة حجة لا يجوز العدول عنها ولا يجوز لأحد تأويلها، بعد إمعان النظر في القرآن المتصلة والمنفصلة، والذي يحتج بالظاهر الفردية الحرفية فقد ضل وغفل عن كلام العرب.
وقبل أن نودع أحمد بن حنبل وعقائده، أحببنا أن نطلع القارئ الكريم على كلمات أهل البيت وأحاديثهم في صفات الله، لكي تعرف أن هذا النور الذي يصدر من كلماتهم هو من مشكاة القرآن الكريم، وأن عظم المأساة التي تعرض لها الفكر الإسلامي بنتاج طبيعي لابتعادنا عن هذه الكلمات وأئمة أهل البيت، وصدق الإمام الصادق (ع) عندما قال: (لو عرف الناس محاسن كلامنا لأتبعونا).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 373
-------------------------------------------------------------

وأنقل إليك هذه الكلمات من كتاب التوحيد للشيخ الصدوق، وهو كتاب ضخم حوى جواهركلمات أهل البيت في باب التوحيد، وأطلب من القارئ الكريم أن يتدير في هذه الكلمات بعين البصيرة والفهم، ثم يقارن بينها ويبن ما جاء في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، وكتاب التوحيد لابن خزيمة، أو أي كتاب عند أهل السنة جمعت فيه أحاديث التوحيد وصفات الله سبحانه وتعالى.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 374
-------------------------------------------------------------


خطبة رسول الله (ص)
(الحمد لله الذي كان في أوليته وحدانياً، وفي أزليته متعظماً بالإلهية، متكبراً بكبريائه وجبروته، ابتدأ ما ابتدع، وأنشأ ما خلق على غير مثال كان سبق بشيء مما خلقن ربنا القديم بلطف ربوبيته وبعلم خبره فتق وبأحكام قدرته خلق جميع ما خلق، وبنور الاصباح فلقن فلا مبدل لخلقه، ولا مغير لصنعه، ولا معصب لحكمه، ولا راد لأمره، ولا مستراح عن دعوته ولا زوال لملكه ولا انقطاع لمدته، وهو الكينون أولاً والديموم أبدأً، المحتجب بنوره دون خلقه في الأفق الطامح، والعز الشامخ والملك الباذخ، فوق كل شيء علا، ومن كلا شيء دنا، فتجلى لخلقه من غير أن يكون يرى. وهو بالمنظر الأعلى فأحب الاختصاص بالتوحيد إذ احتجب بنوره، وسما في علوه، واستتر عن خلقه، وبعث إليهم الرسل لتكون له الحجة البالغة على خلقه ويكون رسله إليهم شهداء عليهم، وابتعث فهم النبيين مبشرين ومنذرين ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من يا عن بينة، وليعقل العباد عن ربهم ما جهلوه فيعرفوه بربوبيته بعدما أنكروا، ويوحدوه بالإلهية بعدما عضدوا)(1).

____________
1- التوحيد للشيخ الصدوق ص44 الحديث رقم 4.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 375
-------------------------------------------------------------


حديث الرضا (ع)
عن الفتح بن يزيد الجرجاني قال: (قلقيته (ع) على الطريق عند منصرفي من مكة إلى خراسان وهو سائر إلى العراق فسمعته يقول: من اتقى الله يتقى، ومن أطاع الله يطاع.
فتلطفت في الوصول إليه فوصلت فسلمت فرد علي السلام ثم قال: يا فتح من أرضي الخالق لم يبال بسخط المخلوق، ومن اسخط، ومن أسخط الخلاق فقمن أن يسلط عليه سخط المخلوق، وإن الخالق لا يوصف غلا بما وصف به نفسه، وأنى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام ن تناله، والخطرات أن تحده، والأبصار عن الإحاطة به؟ جل عما وصفه الواصفون، وتعالى عما ينعته الناعتون، نأى في قربه، وقرب فينا يه، فهو في بعده قري، وفي قربه بعيد، كيف الكيف فلا يقال له: كيف وأين الأين فلا يقال له: أين. إذ هو مبدع الكيفوفية والاينونية. يا فتح كل جسم مغذّى بغذاء إلا الخالق الرزاق، فإنه جسم الأجسام، وهو ليس بجسم ولا صورة، لم يتجزأ، ولم يتناه، ولم يتزايد، ولم يتناقص، مبرء من ذات ما ركب في ذات من جسمه، وهو اللطيف الخبير السميع البصير الواحد الاحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، منشئ الأشياء ومجسم الأجسام، ومصور الصور، لو كان كما يقول المشبهة لم يعرف الخالق من المخلوق، ولا الرازق من المرزوق، والمنشيء من المنشأ، لكنه المنشيء، فرق بين من جسمه وصورة وشيأه وبينه إذ كان لا يشبهه شيء.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 376
-------------------------------------------------------------

قلت: فالله واحد والإنسان واحد، فليس قد تشابهت الوحدانية؟ قال: أحلت ثبتك الله إنما التشبيه في المعاني فأما في الأسماء فهي واحدة وهي دلالة على المسمى، وذلك أن الإنسان وإن قيل واحد فإنه يخبر أنه جثة واحدة وليس باثنين، والإنسان نفسه ليس بواحد، لأن أعضاءه مختلفة وألوانه مختلفة غير واحدة، وهو أجزاء مجزأة ليس سواء دمه غير لحمه، ولحمه غير دمه، وعصبه غير عروقه، وشعره غير بشره، وسواده غير بياضه، وكذلك سائر جميع الخلق، فالإنسان واحد في الاسم، لا واحد في المعنى والله جل جلاله واحد لا واحد غيره، ولا اختلاف فيه ولا تفاوت ولا زيادة ولا نقصان، فأما الإنسان المخلوق المصنوع المؤلف فمن أجزاء مختلفة وجواهر شتى غي أنه الاجتماع شيء واحد.
قلت: فرجت عني فرج اله عنك، غير أنك قلت: السميع البصير، سميع بالاذن وبصير بالعين؟ فقال: إنه يسمع بما يبصر، ويرى بما يسمع، بصير لا بعين مثل عين المخلوقين، وسميع لا بمثل سمع السامعين، لكن لما لم يخف عليه خافية من أثر الذرة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلمات تحت الثرى والبحار قلنا: بصير، لا بمثل عين المخلوقين، ولما لم يشتبه عليه ضروب اللغات ولم يشغله سمع عن سمع قلنا: سميع، لا بمثل سمع السامعين..)(1).

____________
1- المصدر السابق ص61

-------------------------------------------------------------
الصفحة 377
-------------------------------------------------------------


خطبة أمير المؤمنين (ع)
الحمد لله الذي لا من شيء كان، ولا من شيء كَوَّن ما قد كان، مُستشهدٍ بحدوث الاشياء على أزليته وبما وسمها به من العجز على قدرته، وبما اضطرها إليه من الفناء على دوامة، لم يخل منه مكان فيدرك بأينية، ولا له شبه مثال فيوصف بكفية ولم ولم يغب عن علمه شيء فيعلم بحيثية، مبائن لجميع ما أحدث في الصفات، وممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات وخارج بالكبرياء والعظمة من جميع تصرف الحالات، محرم على بوارع ثاقبات الفطن تحديده وعلى عوامق ناقبات الفكر تكييفه، وعلى غوائص سابحات الفطر تصويره لا تحويه الاماكن لعظمته، ولا تذرعه المقادير لجلالته، ولا تقطعه المقائيس لكبريائه، ممتنع عن الاوهام أن تكتنهه، وعن الأفهام أن تستغرقه وعن الاذهان أن تمثله، قد يئست من استنباط الاحاطة به طوامح العقول، ونضبت عن الاشرة إليه بالاكتناه بحار العلوم، ورجعن بالصغر عن السمو إلى وصف قدرته لطائف الخصوم، وأحد لا من عدد، ودائم لا بأمد، وقائم لا بعمد، ليس يجنس فتعادله الأجناس، ولا بشبح فتضارعه الأشباح، ولا كالاشياء فتقع عليه الصفات، قد ضلت العقول في أمواج تيار إدراكه، وتحيرت الأوهام عن إطاحة ذكر أزليته، وحصرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته، وغرقت الأذهان في لجج أفلاك ملكوته، مقتدر بالآلاء وممتنع بالكبرياء، ومتملك على الأشياء يُخْلِقه ولا
-------------------------------------------------------------
الصفحة 378
-------------------------------------------------------------

وصف يحيط به، قد خضعت له ثوابت الصعاب في محل تخوم قرارها، وأذعنت له رواصن الأشباب في منتهى شواهق اقطارها مستشهد بكلية الأجناس على ربوبيته وبعجزها على قدرته، وبفطورها على قدمته، وبزوالها على بقائه، فلا لها محيص عن إدراكه إياها، والخروج من إحاطته بها، ولا احتجاب عن إحصائه لها ولا امتناع من قدرته عليها، كفى بإتقان الصنع لها آية، وبمركب الطبع عليها دلالة وبحدوث الفطر عليها قدمة وبإحكام الصنعة لها عبرة، فلا إليه حد منسوب، ولا له مثل مضروب، ولا شيء عنه محجوب، تعالى عن ضرب الأمثال والصفات المخلوقة علواً كبيراً..

-------------------------------------------------------------
الصفحة 379
-------------------------------------------------------------


ثانياً: مرحلة ابن تيمية، احمد بن عبد الحليم:
بعد انتشا العقائد الاشعري، التي عمت معظم البلدان الاسلامية حتى أصبحت المذهب الرسمي في الأصول لجمهور المسلمين، قل ذكر ابن حنبل وتحجم مذهبه العقائدي حتى ظهر ابن تيمية الذي ولد سنة 661هـ في بيت المشيخة الحنبلية وفي وحد من أم معاقل الحنابلة في مدينة حران، نشأ في هذه الاسرة وتتلمذ على يد والده الذي أفرد له كرسياً في دمشق بعد هجرته إليها، ودرس على آخرين علوم الحديث والرجال واللغة والتفسير والفقه والأصول، وبعد وفاة والده ترأس ابن تيمية حلقة التدريس، وكانت هذه فرصته ليعيد لعقائد الحنابلة أمجادها، فاستغل هذا المنبر في التكلم في صفات الله، ذاكراً براهين تناصر عقيدة القائلين بالتجسيم، ظهر هذا الامر واضحاً عندما جاب على أسئلة حماه عندما كتبوا غليه يسألونه عن آيات الصفات مثل قوله (الرحمن على العرش استوى) وقوله (ثم استوى إلى السماء) ومثل قوله (ص): (إن قلب ابن آدم بين اصبعين من اصابع الرحمن) فأجابهم برسالة طويلة، سميت بالعقيدة الحموية، كشف فيها عن اعتقاده بالتجسيم والتشبيه، من غير أن يفصح بذلك، تستراً بألفاظ وكلمات لو رفعت لظهر واقع الأمر، فأحدثت هذه الرسالة ضجة في أوساط العلماء، وأنكروا عليه ذلك، فاحتمى بأمير دمشق الذي انتصر له، وينقل ابن كثير في ذلك: (كان وقع في دمشق محنة للشيخ تقي الدين ابن تيمية، وقام عليه جماعة من الفقهاء، وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة التي كان قد سأله عنها أهل حماه المسماة بـ (الحموية)،
-------------------------------------------------------------
الصفحة 380
-------------------------------------------------------------

فانتصر له الأمير سيف الدين جاعان، وأرسل يطلب الذين قاموا عليهن فاختفى كثير منه، وضرب جماعة ممن نادى على العقيدة فسكت الباقون)(1).
وهكذا سكت العلماء عن العقائد المنحرفة بقوة السلطان، فوجد ابن تيمية مجاله ليتحدث كيف يشاء، وقد نقل لنا شاهد عيان اعتقاد اين تيمية في الله، وهو ذلك الرحالة الشهير ابن بطوطة، فصادف أن حضر يوماً درس اين تيمية في المسجد الأموي، قال: وكنت إذ ذلك بدمشق فحضرت يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع، ويذكرهم فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من المنبر.
فعارضه فقيه مالكي، يعرف بابن الزهراء وأنكر عليه ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتى سقطت عممته وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه على دار عز الدين بن مسلم قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه وعززه بعد ذلك(2).
وذكر هذه المقولة لابن تيمية ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة ج1 ص154 ويظهر لك جلياً من ذلك تعصبه الشديد للمثبتين للصفات حتى وصل به الحد أن يتشبه بالله سبحانه، وهذا هو الكفر والزندقة بعينه.
وقد تستر على هذه العقائد بقوله أنها عقائد السلف وما جرى عليه أمر المسلمين، فيفتري على السلف ويتستر بهم ليواري سوء عقيدته، مع العلم أن غطاء السلف قد حاول الحنابلة من قبل التلحف به، ولكن من غير جدوى لكثرة المذاهب العقائدية التي كانت قبل أحمد وبعده، وهذه
____________
1- البداية والنهاية ج14 ص5ـ 4، أحداث سنة 698هـ.
2- رحلة ابن بطوطة ص95.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 381
-------------------------------------------------------------

الاختلافات تؤكد على عدم وحدة المسلمين على عقيدة واحدة، وكل من المذاهب يدعي وصلاً بليلى، وليلى لا تقر لهم بذلك.
ويكذب الشهرستاني ادعاء ابن تيمية لمذهب السلف كما ذكر في الملل والنحل: (ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا: هذه الايات لا بد من إجرائها على ظاهرها، والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر ـ كما فعل ابن تيمية ـ فوقعوا في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف. ولقد كان التشبيه صرفاً خالصاً في اليهود لا في كلهم، بل لعلها القراء أو القرائين منهم، إذ وجدوا في التوراة ألفاظاً كثيرة تدل على ذلك)(1).
وقد خدع بن تيمية العامة بإطلاقاته الكثيرة مثل قوله: (أما الذي أقوله الآن وأكتبه، وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي، وإنما أقوله في كثير من المجالس: إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويله، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد على ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات أو أحاديث الصفات يخلاف مقتضاها المفهوم المعروف)(2).
وبهذا الاطلاق يصدّق العوام مقالته، وبقليل من المراجعة في كتب التفاسير المأثورة يظهر لنا كذب ابن تيمية، إما في عدم مراجعته للتفاسير أو في الادعاء بعدم وجود تأويل في آيات الصفات من الصحابة، وأكتفي لك بالشواهد:

____________
1- الملل والنحل ص84.
2- تفسير سورة النور، ابن تيمية ص178 ـ 179.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 382
-------------------------------------------------------------

إذا راجعنا تفسير الطبري، والذي يصفه ابن تيمية بقوله: ليس فيه بدعة، ولا يروي عن متهمين(1).
وعندما نراجع فيه آية الكرسي التي اعتبرها ابن تيمية من أعظم آيات الصفات، كما في الفتاوي الكبيرة ج6 ص322.
يورد الطبري روايتين بالإسناد إلى ابن عباس، في تفسير قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والارض).
قال: اختف أهل التأويل في معنى الكرسي، فقال بعضهم هو علم الله تعالى ذكره، وذكر من قال ذلك بإسناده عن أن ابن عباس قال: كرسيه علمه.
ورواية أخرى بإسناده عن ابن عباس أيضاً، قال: كرسيه علمه، ألا ترى في قوله (ولا يؤوده حفظهما)(2).
انظر وتعجب، في الكذب المحض، فهو يقول: (أن السلف لم يختلفوا في شيء من الصفات والطبري يقول: (اختلف أهل التأويل) ويطلق ابن تيمية قوله: (لم أجد إلى ساعتي هذه أحداً من الصحابة تأول شيئاً من آيات الصفات) رغم ادعائه أنه راجع مائة تفسير، والطبري يذكر روايتين عن ابن عباس.
وإليك الشاهد الثاني: من نفس تفسير الطبري، في تفسير قوله تعالى: (وهو العلي العظيم).
يقول الطبري: واختلف أهل البحث في معنى قوله (وهو العلي العظيم) فقال بعضهم (يعني بذلك وهوعلي عن النظير والأشباه، أنكروا أن يكون معنى ذلك هو العلي: المكان. وقالوا: غير جائز أن يخلو منه مكان ولا معنى لوصفه بعلو المكان لأن ذلك وصف بأنه في مكان دون مكان)(3).

____________
1- المقدمة في أصول التفسير ص51
2- تفسير الطبري ج3 ص7.
3- تفسير الطبري ج3 ص9.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 383
-------------------------------------------------------------

هذا هو قول السلف، ولكن ابن تيمية اختار لنفسه طريقا آخر، فلم يجد من يؤيده فنسبه إلى السلف، فنرى السلف لا يؤمنون بالمكان لله سبحانه، ونرى ابن تيمية يحشد مجموعة من الآيات والأحاديث ليثبت بها مكان الله سبحانه وتعلى في رسالته لأهل حماة، فيصل إلى قوله: (... إن الله سبحانه على العرش استوى، وأنه فوق السماء)(1) ويقصد بذلك المكان.
أما في تفسير ابن عطية الذي يعتبره ابن تيمية أرجح التفاسير فقد أورد ما أورده الطبري من روايات ابن عباس، ثم علق على بعض الروايات التي ذكرها الطبري وتمسك بها ابن تيمية بقوله: (هذه أقوال جهلة مجسمين وكان الواجب ألا تُحكى)(2).
وهذا شاهد أخير في تفسير قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) القصص/88.
وقوله: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) الرحمن/27. التي يثبت بها ابن تيمية الوجه على الحقيقة.
قال الطبري: واختلف في معنى قوله (ألا وجهه) فقال بعضهم معناه كل شيء هالك إلا هو.
وقال آخرون: معنى ذلك إلا ما اريد به وجهه، واستشهدوا بتأويلهم بقول الشاعر

أستغفر الله ذنباً لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل(3)

ولم يزد على ذلك شيئاً.

____________
1- العقيدة الحموية الكبرآ، مجموع الرسائل الكبرى لابن تيمية ص329 ـ 332.
2- فتح القدير للشوكاني.
3- تفسير الطبري ج2 ص82.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 384
-------------------------------------------------------------

وقال البغوي: (إلا وجه) أي إلا هو، وقيل إلا ملكه.
قال ابو العالية: إلا ما أريد به وجهه(1) ولم يزد على ذلك.
وفي الدر المنثور عن ابن عباس قال: المعنى إلا ما يريد به وجهه.
وعن مجاهد: غلا ما أريد به وجهه.
وعن سفيان: إلا ما اريد به وجهه من الأعمال الصالحة.
هذا قول السلف، ولم يزد فيهم واحد على ذلك، فمن أين بعد ذلك لابن تيمية، ن يقول: هذا قول السلف...!
فلا نقول له إلا قوله تعالى: (لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) آل عمران/61.
(إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعدما بيناه للناس في الكتاب أولئك ليعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) البقرة/ 159.
.. ولذلك لم يسكت العلماء المعاصرون على قوله، وأفتوا فيه ونفّروا الناس عنه، حتى سجن ومنع من الكتابة داخل السجن، ومات مسجوناً في دمشق لعقائده الفاسدة ولآرائه الشاذة، وقد رد عليها كثير من العلماء والحفاظ، وأرسل إليه الذهبي رسالة يعاتبه فيها على ما جاء به من معتقدات، وهي طويلة نكتفي منها ببعض الشواهد، وقد ذكرها العلامة الاميني بطولها في كتابه الغدير ج7 ص528.. نقلاً عن تكملة السيف الصقيل للكوثري ص190.
: (يا خيبة من اتبعك، فإنه معرض للزندقة والانحلال، ولا سيما إذا كان قليل العلم والدين باطنياً شهوانياً، لكنه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه، وفي الباطن عدولك بحاله وقلبه فهل معظم أتباعك إلا بعيد مربوط خفيف العقل.

____________
1- تفسير البغوي.
-------------------------------------------------------------
الصفحة 385
-------------------------------------------------------------


أو عامي كذاب بليد الذهن؟
أوغريب واجم قوي المكر؟
أو ناشف طالح عديم الفهم؟
فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل..).
وجاء في الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني ج1 ص141:
(فمن نا وهناك ردوا عليه، ما أبدعته يده الاثيمة من المخاريق التافهة والآراء المحدثة، الشاذة، عن الكتاب والسنة والاجماع والقياس، ونودي عليه بدمشق: من اعتقد عقيدة ابن تيمية، حل دمه وماله.
وقال فيه الحافظ عبد الكافي السبكي، وقد ألف في الرد على ابن تيمية كتاباً سماه شفاء الاسقام في زيارة خير الانام عليه الصلاة والسلام.
وقال في خطبة كتابه ـ الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية: (أما بعد فإنه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد، ونقض من دعائم الاسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داع إلى الحق، هاد إلى الجنة، فخرج عن الإتباع إلى الابتداع، وشد عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة وإن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال لمحلول الحوادث بذات الله تعالى...)(1).
وعشرات العلماء الذين اعترضوا عليه، ولا يتسع المقام لتتبع كلماتهم وإيراد أقوالهم، ونكتفي في الختام بقول شهاب الدين ابن حجر الهيثمي، قال في ترجمة ابن تيمية: (إن تيمية عبد خذله الله، وأضلّه، وأعماه، واصمه، وأذله، لذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله، وكذبوا أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرحلة
____________
1- الملل والنحل ج4 ص42 للشهرستاني.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 386
-------------------------------------------------------------

الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العز بن جماعة، وهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية، ولم يقصر اعتراضه على متأخري السلف الصوفية بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما والحاصل أنه لا يقام لكلامه وزن بل يرمى في كل وعر وحزن، ويعتقد فيه أنه مبتدع، ضال، مضل، غال، عامله الله بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله. آمين!.. إلى أن قال: إنه قائل بالجهة وله في إثباتها جزء، ويلزم أهل هذا المهب الجسمية والمحاذاة والاستقرار)(1).
.. نكتفي بهذا القدر عن ابن تيمية، وسوف نتناول بعض أفكاره بالتحليل العلمي والرد عليها عندما نتحدث عن الوهابية، لأنها هي الامتداد التاريخي لعقائد ابن تيمية، الذي هو بدوره امتداد لعقائد الحنابلة.
ولقد تفنّن الرجل في خلط الحق بالباطل، ولذلك ظن فيه بعض المسلمين الخير، فسمه ـ شيخ الإسلام ـ واشتهر أمره وانتشر، وإلا فالباطل المطلق لا أنصار له.
وقد قال أمير المؤمنين (ع) في ذلك: (إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اله، ويتولى عليها رجال رجالاً على غير دين الله. فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين، ولو أن الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم منا الحسنى) نهج البلاغة خطبة 49.

____________
1- المصدر السابق ص48.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 387
-------------------------------------------------------------


ثالثاً: مرحلة محمد بن عبد الوهاب:
قام ابن عبد الوهاب مجدداً لعقائد الحنابلة بعد أن أشرب في قلبه فكر ابن تيمية، فأعلن حركته في نجد وبدأ تحركه في المنطقة التي شهدت أسوأ أنواع الكبت والظلم والقتل والتشريد، وبلغت العقيدة الحنبلية المتحجرة عظمتها ومجدها ودخلت في إطارها التطبيقي على الواقع الخارجي، لأول مرة في تاريخها بعد أن مرت بمرحلتين لم تجد فيهما كبير حظ وعناية، وكان السبب في ذلك أن الأشاعرة احتكروا الساحة العقائدية بعد أحمد بن حنبل مباشرة، أما في المرحلة الثانية: (إن ابن تيمية افتقد الارضية الكفيلة بإنجاح دعوته لأنه بثها بين أوساط علمية كان فيهم كبار العلماء والفقهاء، فأخمدوا ضوضاءها بالاستدلال والبرهنة فثاروا في وجهه ثورة اخمدت دعوته وأبطلت كيده، وكانت السلطة أيضاً ناصرت العلماء في مجابهتهم له، فلم يكن لبذرة الفساد نصيب سوى الكمون في ثنايا الكتب، أو النجاح في مرضى القلوب)(1).
وعكس هذا فقد كانت الاجواء مهيأة لمحمد بن عبد الوهاب في نشر أفكاره وسمومه في الامة، فكان الجهل والأمية في كل مكان من أقاليم نجد، بالإضافة إلى سلطة آل سعود التي آلت على نفسها نشر الدعوة بحد السيف، وبهذه العوامل حملوا الناس على الايمان بالوهابية، وإلا حكموا عليهم بالكفر والشرك وأحلوا مالهم ودمهم.. مبررين ذلك بمجموعة عقائد فاسدة تحت عنوان التوحيد الصحيح، فيبدأ ابن عبد الوهاب الحديث عن التوحيد
____________
1- الملل والنحل للسبحاني.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 388
-------------------------------------------------------------

بقوله: (.. وهو نوعان: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فيقر به الكافر والمسلم، وأما توحيد الألوهية فهو الفارق بين الكفر والإسلام، فينبغي لكل مسلم أن يميز بين هذا وهذا ويعرف أن الكفار لا ينكرون أن الله هو الخالق الرازق المدبر، قال الله تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الامر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون) الآية: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس لقولن الله) الآية. فإن ثبت لك أن الكفار يقرون بذلك، عرفت أن قولك لا يخلق ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر الأمر إلا الله، لا يصيرك مسلماً حتى تقول: لا إله إلا الله معل العمل بمعناها)(1).
وبهذا المفهوم الساذج البسيط الذي لا ينم إلا عن جهل بحكمة الله وآياته، يكفر كل المجتمع بعد أن يصل إلىمراده بقوله: (إن مشركي زماننا ـ أي المسلمين ـ إلظ شركاً من الأولين، لأن أولئك يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون). العنكبوت/659)(2).
فكل من يتوسل بوسل الله (ص) وأهل بيته (ع) أو يزور مقاماتهم هو مشرك كافر، بل شركه أعظم من شرك عبدة اللات والعزى ومناة وهبل، وتحت هذه العقيدة قتل الأنفس ونهب الأموال، وسبي الذراري من مسلمي نجد والحجاز وكان شعارهم:
أدخل في الوهابية وإلا فالقتل لك والترمل لنسائك واليتم لأطفالك.

____________
1- في عقائد الإسلام ، من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص38.
2- محمد بن عبد الوهاب رسالة أربع قواعد ص4.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 389
-------------------------------------------------------------

ويقول أخوه سليمان بن عبد الوهاب في رده عليه في كتاب (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية): (حثت من قبل زمان الإمام أحمد في زمن أئمة الإسلام حتى ملئت بلاد الإسلام كلها ولم يرو عن أح من أئمة المسلمين أنهم كفّروا بذلك ولا قالوا هؤلاء مرتدون ولا أمروا بجهادهم، ولا سموا بلاد المسلمين بلاد شرك وحرب كما قلتم ِأنتم، بل كفّرتم من لم يكفر بهذه الافاعيل وإن لم يفعلها، وتمضي قرون على الائمة من ثمانمائة عام ومع هذا لم يرو عن عالم من علماء المسلمين أنه كفر بل ما يظن هذا عاقل، بل والله لازم قولكم أن جميع الامة بعد زمان أحمد (ره) علماؤها وأمراؤها وعامتها كلهم كفار مرتدون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، واغواثاه إلى الله! ثم واغوثاه أن تقولوا كما يقول بعض عامتكم أن الحجة ما قامت إلا بكم....)(1).
ويقول أيضاً في ص4: (فإن اليوم ابتلي الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنة ويستنبط من علومهما ولا يبالي ن خالفه. وإذا طلبت منه أن يعرض كلامه على أهل العلم لم يفعل، بل يوجب على الناس الأخذ بقوله وبمفهومه، ومن خالفه فهو عنده كافر، هذا وهو لم تكن فيه خصلة واحدة من فعال أهل الاجتهاد لا والله، وعشر واحدة، ومع هذا فراح كلامه ينطلي على كثير من الجهال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، الأمة كلها تصبح بلسان واحد، ومع هذا لا يرد لهم في كلمة بل كلهم كفار وجهال: اللهم أهد هذا الضال ورده إلى الحق).

____________
1- ص 38.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 390
-------------------------------------------------------------


مناقشة توحيد الربوبية:
ولكي نبين الخطأ تعمده ابن عبد الوهاب، والاشتباه الذي وقع فيه كثير من أتباعه، والذي على أساسه يكفرون غالبية المسلمين إلى عصرنا هذا، لا بد أن نطرح أفكاره على طاولة البحث والتدقيق.
ونبدأ هنا بتوحيد الربوبية: فتفسير الرب بمعنى الخالق، بعيد عن مراد القرآن. فمعنى الرب في اللغة والقرآن الكريم لا يخرج عن معنى من بيده أمر التدبير والإدارة والتصرف وقد ينطبق هذا المعنى الكلي على مصاديق متعددة مثل التربية والاصلاح والحاكمية والمالكية والصاحبية، ولا يمكن متعددة مثل التربية والاصلاح والحاكمية والمالكية والصاحبية، ولا يمكن حمل الرب على معنى الخالقية كما ذهبت إليه الوهابية التي بنت على أساسه إهرامات من الأفكار المنحرفة. ولكي يثبت هذا الخطأ بجلاء تعال نتدبر هذه الآيات القرآنية لكي نكتشف منها معنى الرب في الكتاب العزيز.
قال تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم) البقرة/21.
وقال تعالى: (بل ربكم السموات والأرض الذي فطرهن) الأنبياء/56.
فلو كان الرب بمعنى الخالق لم يكن هناك حاجة لذكر (الذي خلقكم) أ, (الذي فطرهم) مرة أخرى، وإلا يصبح تكراراً من غير معنى، فإذا وضعنا بدل الرب في الايتين (الخالق)، لم يكن هناك حاجة لقوله (الذي خلقكم) (الذي فطرهن) بخلاف إذا قلنا أن معنى الرب هو المدبر، المتصرف إذ تكون الحاجة إلى الجملة الاخيرة متحققة، فيكون معنى الآية الأولى، أن الذي خلقكم هو مدبركم، وفي الآية الثانية أن خالق السموات والأرض هو المتصرف فيه المالك لتدبيرهما، والشواهد على ذلك كثيرة لا يتسع المجال التفصيل فيها.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 391
-------------------------------------------------------------

وعلى ذلك فقوله: (أما توحيد الربوبية فيقر به الكافر والمسلم) كلام لا وجه له وتخالفه النصوص القرآنية الصريحة، قال تعالى: (قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء) الأنعام /164، هذا خطاب من اله سبحانه إلى رسول (ص)، ليقول لقومه، أتأمروني أن أتخذ رباً أقر له بالربوبية والتدبير غير الله الذي لا مدبر سواه، كما تتخذون أنتم أصنامكم وأوثانكم وتقرون لها بالتدبير، وإذا كن الكفار يقرون بالربوبية لله وحده، كما يزعم ابن عبد الوهاب لكان ليس لهذه الآية معنى، فتكون زائدة ونازلة عبثاً ـ والعياذ بالله ـ لا، كل الناس ـ على حد زعمه ـ مسلمهم وكافرهم يوحدون الله في ربوبيته فلا يأمرون الرسول (ص) بأن يتخذ رباً غير اله، ومثل هذه الآية ما نزل في مؤمن آل فرعون، قال تعالى: (.. أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اله وقد جاءكم بالبينات من ربكم) غافر/28.
وعشرات الآيات تؤكد أن الرب لا يعني الخالق، وإنما يعني المدبر الذي بيده تدبير الأمور، والرب بهذا المعنى كما تؤكد الآيات لم يكن موضع اتفاق بين البشر، ولم يكن ابن عبد الوهاب إلا تلميذاً مقلداً لابن تيمية. فقد نقل منه هذه الفكرة من غير تدبر فيها فكان خطره على المسلمين أعظم، لان ابن تيمية لم يخرج هذه الفكرة من إطار الاصطلاح والمنهج العلمي، بخلاف ابن عبد الوهاب الذي ساعدته الظروف على ممارسة هذه الفكرة على الواقع العملي وتطبيقها على المسلمين، فكانت نتيجتها تكفيرهم ما عدا الوهابية، ولكي يتضح لك ذلك نتناول نظرته حول توحيد الألوهية.

مناقشة توحيد الألوهية:
يقصد الوهابية بتوحيد الألوهية أنه صرف العبادة لله سبحانه وتعالى، وأن لا شرك في عبادته غيره، وهذا هو التوحيد الذي بعث الله الأنبياء والرسل من أجله.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 392
-------------------------------------------------------------

لا إشكال ولا غبار على هذا المفهوم، وإن كان هناك إشكال فهو في نفس الاصطلاح لأن الله في القرآن لا يعني المعبود، فيمكننا أن نسمي هذا التوحيد بتوحيد العبادة ولكن لا كلام لنا في الاصطلاحات إذا اتفقنا في المفاهيم.
قد أجمع المسلمون على وجوب اجتناب عبادة غير الله، وأن يفرد الله تعالى وحده بالعبادة، ولكن الخلاف هو في تحديد ـ مفهوم العبادة ـ وهو أهم شيء في هذا الباب، لأنه المكان الذي زلت فيه أقدام الوهابية، فإذا قلنا أن التوحيد الخالص هو صرف العبادة لله تعالى، لا يكون له معنى إذا لم نحدد مفهوم العبودية، ونعرف حدودها وضوابطها، حتى يكون لنا معيار ثابت نعرف به الموحد من المشرك، فمثلاً الذي يتوسل، ويزور مقابر الأولياء ويعظمهم، هل يعد مشركاً أم موحداً؟ وقبل الإجابة لا لنا من ضابط نكتشف به مصاديق العبادة في الواقع الخارجي.

مناقشة الوهابية في مناط مفهوم العبادة:
اعتبرت الوهابية أن مطلق الخضوع والتذلل والتكريم عبادة.
فكل من يخضع أو يتذلل لشيء يعتبر عابداً له، فمن يخضع ويتذلل لنبي من أنبياء الله أو ولي من أوليائه بأي شكل من أشكال الخضوع يكون عابداً له، وبالتالي مشركاً بالله تعالى، فالذي سافر ويقطع المسفات من أجل زيارة رسول الله (ص) حتى يُقبّل ضريحه الطاهر ويتمسح به تبركاً يُعتبر كافراً مشركاً، وكذلك الذي يبني المشاهد والقبب على الأضرحة لتكريمها وتعظيمها.
يقول ابن عبد الوهاب في احدى رسائله: (.. فمن قصد شيئاً من قبر أو شجر أ ونجم أو ملك مقرب أو نبي مرسل لجب نفع أو كشف ضر فقد
-------------------------------------------------------------
الصفحة 393
-------------------------------------------------------------

اتخذ إلهاً من دون الله، فكذب بلا إله إلا الله، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإن قال هذا المشرك: لم أقصد غلا التبرك، وإني لأعلم أن الله هو الذي ينفع ويضر. فقل له: عن بني إسرائيل ما أرادوا إلا ما أردت، كما أخبر الله عنهم أنهم لما جاوزوا البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى أجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فأجابهم بقوله (إنكم قوم تجهلون)...)(1).
ويقول في رسالة أخرى: (.. وأيضاً من تبرك بحجر أو شجر أو مسح على قبر أو قبة يتبرك بهم فقد اتخذهم آلهة...)(2).
ثم انظر إلى هذا الوهابي، محمد سلطان المعصومي، كيف وصف المسلمين الموحدين الذين يزورون قبر رسول الله (ص)، ويتبركون بمقامه الطاهر ويقولون: أشهد أن لا إله غلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، يقول في حقهم: (.. والعبد الضعيف في زياراتي الأربع للمدينة الطيبة، قد أمعنت النظر فشاهدت في المسجد النبوي وعند قبره الشريف، ما يضاد الايمان ويهدم الإسلام ويبطل العبادات من الشركيات والوثنيات الصادرة من الغلو وتراكم الجهالات والتقليد الجامد الأعمى أو التعصب الباطل، وغالب من يرتكب هذه المنكرات بعض الغرباء من أهل الآفاق، مما لا خبر له عن حقيقة الدين، فإنهم قد اتخذوا قبر النبي (ص) وثناً غلواً في المحبة وهم لا يشعرون)(3).
ولكي يتضح الخلط والجهل الذي ارتكبه الوهابية لا بد أن تنقض هذه القاعدة التي اعتمدوها مقياساً في معرفة العبادة، وهو الخضوع والتذلل والتكريم.

____________
1- عقائد الإسلام ، من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص26.
2- المصدر السابق.
3- المشاهدت المعصومية عند قبر خير البرية ص15.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 394
-------------------------------------------------------------

لا يمكن شرعاً وعقلاً حمل مطلق الخضوع والتذلل على العبادة، فنحن نرى كثيراً من الأمور التي يمارسها الإنسان في حياته الطبيعية، يتخللها الخضوع والتذلل، مثل خضوع التلميذ لأستاذه والجندي أمام قائده، ولا يمكن أن يتجرأ إنسان ويصف عملهم هذا بالعبادة ن فقد أمرنا الله سبحانه بإظهار الخضوع والتذلل للوالدين، قال تعالى: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة)(1) والخفض هما كناية عن الخضوع الشديد، فلا يمكن أن نسمي هذا العمل عبادة إن شعار المسلم هو التذلل والخضوع للمؤمن والتعزز على الكافر قال تعالى: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) وإذا كان التذلل عبادة يكون قد أمر الله المؤمنين بأن يعبدوا بعضهم البعض، وهذا محال.
وهناك آيات أكثر وضوحاً في هذا الأمر، وتنفي تماماً ما ادعته الوهابية، منها سجود الملائكة لآدم، والسجود هو أعلى مراتب الخضوع والتذلل. قال تعالى: (وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) البقرة 34.
فإذا كان السجود لغير الله سبحانه وإظهار قمة الخضوع والتذلل عبادة كما تدعي الوهابية فيتحتم عليها أن تسمي الملائكة ـ والعياذ بالله ـ مشركين كفاراً، وأن تسمي آدم طاغوتاً، فما لهم لا يتدبرون القرآن؟ أم على قلوبهم أقفالها؟
ومن هذه الآية نعرف أن قمة الخضوع ليس عبادة، ولا يعترض معترض بقوله إ ن السجود ليس بمعناه الحقيقي، أو إن المقصود من السجود لآدم (ع) هو جعله قبلة ـ كما يجعل المسلمون الكعبة المشرفة قبلة ـ فإن كلا الاحتمالين باطل، لأن السجود الظاهر من هذه الآية هو الهيئة المتعارفة. ولا يجوز صرفه إلى أي معنى آخر، وأما كونه قبلة فهذا تأويل من غير مصدر ولا
____________
1- الإسراء 24 .

-------------------------------------------------------------
الصفحة 395
-------------------------------------------------------------

دليل، كما أن السجود لآدم (ع) كان قبلة لما كان لإبليس أي مبرر للاعتراض حيث السجود لا يكون لآدم بذاته، وقد أكد القرآن الكريم خلاف ذلك بقول إبليس: (أأسجد لمن خلقت طيناً) ففهم إبلييس من الأمر الإلهي السجود لنفس آدم (ع). لذلك اعترض بقوله: (.. أناخيرمنه) أي أفضل فكيف يسجد الأفضل للمفضول وغذا كان المقصود من السجود هو اتخاذ آدم قبلة فلا يلزم من ذلك أنتكون القبلة أفضل من الساجد، فبذلك لا يكون لآدم حظ من الفضل وهذا خلاف ظاهر الآية. والذي يؤكد ذلك قول إبليس: (أأسجد لمن خلقت طيناً.. أرأيتك هذا الذي كرمت علي) الاسراء 61ـ62.
فامتناع إبليس عن السجود كان لأن في هذا السجود لآدم (ع) منزلة وفضلاً عظيماً، وقد اعترض علي أحد الوهابية يوماً. وهو أمير جماعة أنصار السنة في مدينة بربر شمال السودان ـ في هذا المبحث بقوله إن سجود الملائكة كان بأمر الله، وهو يظن بذلك أنه القمني حجراً وأبطل حجتي. قلت له: إذن أنت ما زلت تصر على أن هذا الفعل ـ وهو السجود ـ من مصاديق الشرك بل هو الشرك بعينه، ولكن أمر الله به. قال نعم.
قلت: وهل هذا الأمر الإلهي يخرج سجود الملائكة (ع) من الشركية.
قال: نعم.
قلت: هذا كلام لا وجه له، ولا يقبله جاهل فضلاً عن عالم، فإن الأمر الإلهي لا يغير ماهية الشيء ولا يبدل موضوعه، فمثلاً إن ماهية السب والشتم هي الاهانة، فإذا أمرنا الله تعالى بسب فرعون فهل هذا الأمر الإلهي يغير ماهية السب، فيكون سبناً له مدحاً وتكريماً لفرعون...؟!

-------------------------------------------------------------
الصفحة 396
-------------------------------------------------------------

وأيضاً إذا حرم الله علينا ضيافة شخص معين، فلا يغير هذا التحريم ماهية الضيافة وهي الإكرام والاحترام فتصبح الضيافة إهانة للضيف، فإذا اعتبرت أن السجود شرك وعبادة، فإذا أمر الله به فلا يغير هذا الأمر ماهيته، فيصبح السجود بالأمر الإلهي توحيداً خالصاً، وهذا محال، فيلزم منكلامك أن تتهم الملائكة بالشرك.
بدأت الحيرة على وجهه وظل ساكتاً.
قطعت صمته قائلاً: أمامك أمران، إما أن يكون هذا السجود خارجاً من الأساس عن إطار العبادة.. وهذا ما نقوله.
وإما أن يكون هذا السجود من أجلى مصاديق العبادة وتكون الملائكة الساجدة مشركة ولكنه شرك أذن الله به وأجازه، وهذا ما لا يقول به مسلم عاقل، وهو مردود بقوله تعالى: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون) الأعراف 28.
فلو كان السجود عبادة وشركاً لما كان الله سبحانه وتعالى يأمر به.
وقد أخبرنا القرآن أيضاً بسجود أخوة يوسف وأبيه، وهذا السجود لم يكن بالأمر الإلهي، ولم يصفه الله سبحانه بالشرك، ولم يتهم أخوة يوسف وأباه بذلك، قال تعالى: (.. رفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً) يوسف 100.
وكانت هذه الرؤية في الآية 4 (إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين).
فقد عبر الله تعالى في الموضعين بالسجود ليوسف، وبهذا يستفاد أن مجرد السجود أو أي عمل يظهر منه الخضوع والتذلل والتعظيم ليس عبادة.
وبهذا لا يمكن أن نسمي ذلك المسلم الموحد الذي يخضع ويتذلل أمام قبر رسول الله وأضرحة الائمة والأولياء مشركاً عابداً للقبر، لأن الخضوع لا
-------------------------------------------------------------
الصفحة 397
-------------------------------------------------------------

يعني العبادة ولو أن مثل هذا العمل عبادة للقبر لكان عمل المسلمين في الحج من الطواف حول البيت الحرام والسعي بين الصفا والمروة وتقبيل الحجر الأسود أيضاً عبادة لأن هذه الأعمال من حيث الشكل والظاهر لا تختلف عن الطواف بقبر رسول الله (ص) أو تقبيله أو التمسح به، ورغم ذلك نجد الله سبحانه وتعالى يقول: (وليطوفوا بالبيت العتيق) الحج 29. وقال جل شأنه: (إن الصفات والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أواعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما).
فهل ترىأن الطواف بالحجارة والطين عبادة لها؟
لو كان مطلق الخضوع عبادة للزم أن يتكون هذه الأفعال عبادة، ولا مخرج هنا بالأمر الإلهي، كما وضحنا أن الأمر الإلهي لا يغير ماهية الفعل، ولكن مشكلة الوهابية أنهم لم يفهموا العبادة ولم يعرفوا روحها وحقيقتها، فيتعاملون فقط بالظواهر والأشكال، فعندما يروا ذلك الزائر يقبل مقام رسول الله (ص) يذهب ذهنهم إلى ذلك المشرك الذي يقبل صنمه، فينتزع الحكم من تلك الحالة الذهنية لينسبها إلى ذلك الموحد الذي يقبل مقام رسول الله (ص) وهذا هو الاشتباه، فلو كان مجرد الشكل الخارجي كافياً للحكم لوجب عليهم أن يكفروا كل من يقبل الحجر الأسود، ولكن الواقع غير ذلك.. فتقبيل الحجر الأسود من المسلم توحيد خالص، وتقبيل الصنم من الكافر يعد شركاً خالصاً.
فما هو الفرق؟!
هناك ضابط آخر نتعرف به على العبادة وهو:

-------------------------------------------------------------
الصفحة 398
-------------------------------------------------------------


تعريف العبادة بالمفهوم القرآني:
العبادة هي الخضوع اللفظي والعملي عن اعتقاد بألوهية المعبود أو ربوبيته أو الاعتقاد باستقلاله في فعله أو بأنه يملك شأناً من شؤون وجوده وحياته على وجه الاستقلال.
فكل عمل مصحوب بهذا الاعتقاد يعد شركاً بالله، ولذلك نجد أن مشركي الجاهلية كانوا يعتقدون بألوهية معبوداتهم وقد صرح القرآن بذلك، قال تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا) مريم 81 أي كان هؤلاء يعتقدون بألوهية معبوداتهم.
قال الله تعالى: (الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون) الحجر 69.
فهذه الآيات ترد الوهابية على أعقابهم حيث تصرح أن الشرك الذي كان يقع فيه الوثنييون هو من باب اعتقادهم بألوهية معبوداتهم، وقد نص الله سبحانه على هذا الأمر في قوله تعالى: (وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون) الحجر 94ـ96.
فتحدد هذه الآيات الملاك الأساسي في قضية الشرك، وهو الاعتقاد بألوهية المعبود، ولذلك استنكروا واستكبروا على عقيدة التوحيد التي جاء بها الرسول (ص)، قال تعالى: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون).
ولذلك كانت دعوة الأنبياء لهم محاربة اعتقادهم بإله غير الله سبحانه وتعالى، حيث يمتنع عقلاً عبادة من لا يعتقد بألوهيته، فيعقد أولاً ثم يعبد ثانياً.
قال تعالى: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) الأعراف 59.
فيبين القرآن الكريم بذلك انحرافهم عن الإله الحقيقي.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 399
-------------------------------------------------------------

فإذاً المناط في الشرك، هو الخضوع المقترن بالاعتقاد بالألوهية، وقد يكون الشرك ناتجاً من الاعتقاد بربوبية المعبود، أيكونه مالكه ومسيطراً على أمره من الخلق والرزق والحياة والممات، أو لكونه مالكاً للشفاعة والمغفرة، فالذي يخضع لشيء معتقداً بربوبيته يكون عابداً له، ولذلك جاءت الآيات القرآنية تدعوا الكفار والمشركين لعبادة الرب الحق، قال تعالى: (وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم) المائدة 72.
قال تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) الأنبياء 92.
وهنا مناط ثالث، وهو الاعتقاد بأن الشيء مستقل في ذاته أو في فعله من غير أن يكون قائماً بالله، فالخضوع المقترن بهذا الاعتقاد يعد شركاً.
فإذا خضعت أمام إنسان باعتبار أنه مستقل في فعله سواء كان هذا الفعل عادياً مثل التكلم والحركة أو كالمعجزات التي كان يقوم بها الأنبياء يكون هذا الخضوع عبادة على حد سواء بل لو اعتقد الإنسان أن حبة الصداع تشفي بصورة مستقلة عن الله تعالى يكون هذا الاعتقاد شركا.
وبهذا نعرف أن الملاك في العبادة ليس فقط إظهار الخضوع والتذلل وإنما الملاك الحقيقي هو الخضوع والتذلل بالقول أو الفعل لمن يعتقد بأنه إله أو رب أو مالك لشيء من شؤونه على وجه الاستقلال.

الاعتقاد بالاستقلالية وعدمها ملاك في التوحيد والشرك:
وأركز على هذا المعنى ـ أي على وجه الاستقلال ـ لأن فيه نكتة دقيقة تعتبر الفاصل بين التوحيد والشرك، لم يتلفت إليها الوهابية، وهي لا بد منها لكي نعرف كيفية التعامل مع السنن الطبيعية والغيبية، فذهبت الوهابية إلى أن التوسل بالأسباب الطبيعية لا غبار عليه كالأخذ بالأسباب المادية في الحالة
-------------------------------------------------------------
الصفحة 400
-------------------------------------------------------------

الطبيعية، أما التوسل بالأسباب الغيبية كأن تطلب من أحد شيئاً لا يحصل عليه بالسنن المادية وإنما بالسنن الغيبية فهو شرك، وهذا خلط واضح حيث جعلوا السنن المادية والغيبية ملاكاً في التوحيد والشرك، فالأخذ بالسنن المادية يكون عين التوحيد والأخذ بالسنن الغيبية يكون عين الشرك.
وإذا أمعنا النظر في هذه السنن بشقيها نجد أن ملاك التوحيد والشرك خارج عن إطار نفس هذه السنن، وإنما يعود الماك إلى نفس الإنسان ونوعية اعتقاده بهذه السنن، فإذا اعتقد انسان أن لهذه الوسائل والأسباب استقلالية بذاتها أي منفصلة عن الله، يكون هذا الاعتقاد شركا.
فمثلاً، يعتقد أن الدواء الفلاني يشفي من المرض بصورة مستقلة وذاتية فيكون عمله شركا، فمهما كان نوع السبب بسيطاً طبيعياً أم غيبياً فلا دخل له في الأمر وإنما الأساس في الاعتقاد بالاستقلالية وعدمها فإذا اعتقد إنسان أن كل الأسباب غير مستقلة لا في وجودها ولا في تأثيرها بل هي مخلوقة لله تعالى مسيرة لأمره وإرادته، يكون اعتقاده هذا عين التوحيد.
ولا أعتقد أن مسلماً على ظهر هذه الأرض يعتقد في سبب ما أنه مؤثر على نحو الاستقلال، فلا يحق لنا نسب الشرك والكفر لهم، فتوسلهم بالرسل والأولياء أ, التبرك بآثارهم لطلب الشفاء أوغيره، لا يعد شركاً لأنه حالة طبيعية في الأخذ بالأسباب المتعددة.
وقد تحدت القرآن الكريم عن الاسباب بحيث ينسب بعض بعض الأشياء إلى الله سبحانه، وأحياناً ينسبها إلى أسبابها المباشرة، وإليك أمثلة من ذلك.
قال تعالى: (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) الذاريات 58 فهي تؤكد ان الرزق بيد الله.
وإذا نظرنا إلى قوله (وارزقوهم فيها واكسوهم..) تنسب الرزق إلى الإنسان.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 401
-------------------------------------------------------------

وفي آية تجعل الله هو الزارع الحقيقي قال تعالى: (أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) الواقعة 63ـ64.
وفي آية أخرى يجعل الله سبحانه صفة الزراعة للإنسان قال تعالى: (يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) الفتح 39.
وفي آية يجعل الله وفاة الانفس بيده قال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) الزمر 42.
وفي آية اخرى يجعل التوفي فعل الملائكة قال تعالى: (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا).
وفي آية يعتبر القرآن الشفاعة حقاً مختصاً بالله وحده، قال تعالى: (قل لله الشفاعة جميعاً) الزمر 44.
ويخبر في آية أخرى عن وجود شفعاء غير الله سبحانه كالملائكة قال تعالى: (وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله) النجم 26.
وفي آية يجعل الله الإطلاع على الغيب أمراً مختصاً به، قال تعالى: (قل لا يعلم ما في السموات والارض الغيب إلا الله) النمل 65.
ونجد في آية أخرى أن الله اختار من عباده رسلاً لإطلاعهم على الغيب إذ يقول: (وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) آل عمران 179.
وغير هذه من الآيات.
فالنار لهذه الآيات من أول وهلة ومن غير تدبر يشعر أن هناك شيئاً من التناقض، وفي الواقع إنها تقر ما قلناه أي أن الله سبحانه هو المستقل بفعل كل شيء وأما بقية الأسباب التي تقوم بنفس الفعال نما تقوم بها على نحو التبعية وفي ظل القدرة الإلهية، وقد لخص الله سبحانه هذا الأمر بقوله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) الأنفال 17.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 402
-------------------------------------------------------------

فيصف النبي بأنه رمى ـ إذ رميت ـ وفي المقابل يصف نفسه أنه هو الرامي الحقيقي لأن النبي (ص) لم يرم إلا بالقدرة التي منحها له الله، فيكون رامياً بالتبع.
فيمكننا أن نقسم الفعل الإلهي إلى قسمين:
1ـ فعل من غير واسطة (كن فيكون).
2ـ فعل بتوسط واسطة، مثل أن ينزل الله المطر بواسطة السحاب، ويشفي المريض بواسطة العقاقير الطبية... وهكذا.
فإذا تعلق الإنسان وتوسل بهذه الوسائط معتقداً أنها غير مستقلة يكون موحداً وخلاف ذلك يكون مشركاً.

هل القدرة وعدمها ملاك في التوحيد والشرك:
وللوهابية خلط واشتباه آخى في قضية التوحيد والشرك وهو مشابه تماماً لما سبق، فيجعلون من ملاكات التوحيد والشرك، قدرة المطلوب منه أو عدم قدرته فإذا كان قادراً لا إشكال وإلا يكون شركاً... وهذا جهل أحمق.
فما دخل هذا الأمر في التوحيد والشرك، ولا يتعدى البحث هنا عن جدوائية الطلب أو عدم ذلك.
فما بال أولئك من قساة الوهابية ينتهرون زوار رسول الله (ص) قائلين: يا مشرك، هل ينفعك رسول الله بشيء.
ناسين أو جاهلين، وهم للجهل أقرب أن المنفعة وعدمها ليس لها دخل في التوحيد والشرك.
وهذا مثل جهل آخر عند الوهابية وهو عدم جواز التوسل والطلب من الأموات.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 403
-------------------------------------------------------------

يقول ابن القيم ـ تلميذ ابن تيمية ـ: (ومن أنواع الشرك، طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله هو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً)(1).
وهذا من عجائب القول وغرائبه، لا يصدر إلا ممن ليس له نصيب في الدين علماً وفهماً، فكيف يكون طلب شيء محدد من حي عين التوحيد، وطلب ذلك الشيء نفسه من ميت شركا؟!، ومن الواضح أن مثل هذا العمل خارج عن إطار التوحيد والشرك، ويمكننا أن نضعه في إطار جدوائية هذا الطلب وعدمها، فيكون الطلب من غير فائدة ولا يكون شركاً.
وكما أشرنا إن الملاك الأساسي في التوحيد والشرك هو الاعتقاد، والاعتقاد ها مطلق لا يخصص بحياة أو موت، فكلام ابن القيم ظاهر البطلان، فقوله: (إن الميت قد انقطع عمله) إن صح لا يزيد على كون أن الطلب من الميت لا فائدة فيه لا إنه شرك، وقوله: (ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً) فهو كلام عام يشمل الميت والحي فكل ما هو موجود لا يملك لنفسه شيئاً سواء كان حياً أو ميتاً، وإنما يملك بإذن الله وإرادته حياً وميتاً.
وهناك مجموعة أخرى من اشتباهاتهم، هي أصغر من أن تناقش ويمكنك أيها القارئ الرد عليها كما تبين لك من الأسس السابقة.
فيجتز لكل مسلم أن يستغيث ويتوسل بأولياء الله في أي أمر غيبياً كان أو مادياً مع ملاحظة الشروط السابقة.
فيجوز لكل مسلم أن يستغيث ويتوسل بأولياء اله في أي أمر غيبياً كان أو مادياً مع ملاحظة الشروط السابقة.
قال تعالى: (قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي..) النمل 38ـ49ـ40.

____________
1- فتح المجيد، تأليف مفيد ابن عبد الوهاب ص67 ط6 .

-------------------------------------------------------------
الصفحة 404
-------------------------------------------------------------

فإذا طلب سيدنا سليمان (ع) هذا الأمر الغيبي من أتباعه، وإذا تمكن رجل عنده علم من الكتاب أن يقوم بذلك، فجاز لنا أن نطلب من الذي عنده علم الكتاب كله، وهذا بالتأكيد عند رسول الله (ص) وأهل بيته (ع).

هل التوسل بالأنبياء والصالحين حرام؟
قد عرفنا فيما سبق أن التوسل والاستغاثة خارجة من إطار التوحيد والشرك، وبقي شيء آخر وهوجواز هذا الأمر أو حرمته.
لم يقل أحد من علماء الإسلام بحرمة التوسل قديماً وحديثاً، وقد جاءت كثير من الروايات تبيح ذلك، وإليك بعض الأحاديث:

ـ حديث عثمان بن حنيف:
(إن رجلاً ضريراً أتى على النبي (ص) فقال: إدع الله أن يعافيني، فقال إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير، قال: فادع، فأمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي، اللهم شفعه في. قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضر)(1).
وقد ناقش إسناد هذا الحديث الشيخ جعفر السبحاني في كتابه (مع الوهابيين فيخططهم وعقائدهم) وقال: (.. لا شك في صحة وسند الحديث هذا، حتى أن إمام الوهابية (ابن تيمية) قد اعترف بصحة سنده قائلاً: إن
____________
1- سنن ابن ماجة ج1 ص441، مستدرك الحاكم ج1 ص313، مسند أحمد ج4 ص138، الجامع الصغير ص59، تلخيص المستدرك للذهبي.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 405
-------------------------------------------------------------

المقصود من اسم (أبو جعفر) الذي ورد في سند الحديث هوأبو جعفر الخطي وهو موثق.
يقول الرفاعي ـ الكاتب الوهابي المعاصر ـ الذي يسعى لتضعيف الأحاديث الخاصة بالتوسل يقول ول هذا الحديث: (لا شك أن هذا الحديث صحيح ومشهور وقد ثبت فيه بلا شك ولا ريب ارتداد بصر الأعمى بدعاء رسول الله)(1).
ويقول الرفاعي في كتابه التوصل لقد أورد هذا الحديث النسائي، البهقي، الطبراني، الترمذي، والحاكم في مستدركه، ولكن أورد الترمذي والحاكم جملة (اللهم شفعني فيه) بدلاً من جملة (وشفعه في). كتب زيني دحلان في (خلاصة الكلام) ذكر هذا الحديث مع مستندات صحيحة كل من البخاري في تاريخه وابن ماجة والحاكم في مستدركهما، كما ذكره جلال الدين السيوطي في كتابه الجامع(2)...)(3).
وهناك أحاديث وروايات أخرى كثيرة تجاوزنا ذكرها روماً للاختصار وللزيادة، راجع حديث توسل آدم برسول الله كما جاء في مستدرك الحاكم ج2 ص615 والدر المنثور ج1 ص59، نقلاً عن الطبراني وأبي نعيم الاصفهاني والبيهقي، وحديث توسل النبي بحق الأنبياء من قبله، كما رواه الطبراني في الكبير والأوسط وابن حبان والحاكم وصححوه، وحديث التوسل بحق السائلين في صحيح ابن ماجة ج1 ص261، باب المساجد، ومسند أحمد ج3 ص21.. وغيرها من الروايات.

____________
1- التوصل إلى حقيقة التوسل ص158.
2- كشف الارتياب ص309، نقلاً عن خلاصة الكلام.
3- التوصل إلى حقيقة التوسل ص66.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 406
-------------------------------------------------------------

وبالإضافة إلى ذلك ما يدل على جواز التوسل إجماع التوسل إجماع المسلمين وسيرة المتشرعة فقد كان المسلمون من القديم إلى اليوم يتوسلون بالأنبياء والصالحين ولم يعترض عليهم عالم أو يحرم ذلك.
نكتفي بهذا القدر ـ الموجز ـ عن عقائد الوهابية، فالنقاش معهم يطول ويحتاج إلى كتابمنفصل، وقد رد عليهم العلماء في عشرات الكتب والمقالات.. ومن الطريف ذكره أن العلامة محسن الأمين رد على الوهابية بقصيدة طويلة تناول فيها عقائدهم ورد على إشكالاتهم تتكون من 546 بيتاً راجعها في آخر كتابه (كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 407
-------------------------------------------------------------


تهافت الأشاعرة
ذكر التاريخ أن أبا الحسن الأشعري انتقل من مدرسة الاعتزال وأعلن انتماءه إلى المدرسة الحنبلية، ولكن لم تكن هذه النقلة كافية للتخلي تماما عن منهج الاعتزال فقد ظهرت انعكاسته واضحة في اسلوبه الجديد، فقد حاول أن يصبغ المعتقدات السلفية بصبغة عقلية، فلم يحالفه التوفيق في ذلك، لأن العقائد السلفية عقائد سماعية تعتمد على الحديث، ومع العلم أن كثيراً من الأحاديث غير صحيحة دست من قبل أعداء الدين في التراث الإسلامي، فلم تمماش هذه الأحاديث مع القواعد العقلية مما أحدث تناقضاً واضحاً في منهج أبي الحسن الاشعري، فنتجب مجموعة من التهافتات عندما أراد أن يبرهن على عقائد أهل الحديث بمنهج عقلي.
ونستعرض هنا نموذجاً واحداً من تهافتاته، وهو كاف لعرض العقلية الأشعرية وهي: مسألة رؤية الله... وقد أجمع أهل السنة والجماعة على إمكانها.
وقد حاول أبو الحسن الأشعري وتلاميذه أن يخرجوها من إطار الأحاديث على إطار البرهان العقلي، ولذلك اخترناهم في هذا الباب حتى نستعرض آراءهم.
قد حفلت الكتب السنية بروايات صريحة في الرؤية البصرية لله جل ولعا، وإليك نماذج من هذه الأحاديث قبل الدخول في غمار البحث.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 408
-------------------------------------------------------------

ـ عن جابر، قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ: (و سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب).
صحيح البخاري ج1، باب فضل صلاة العصر.
صحيح مسلم ج2باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما.
ـ وجاء في حديث طويل، أن أبا هريرة أخبرهما: أن أناساً قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة.
قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر، ليس دونه سحاب؟
قالوا: لا، يا رسول الله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تمارون في رؤية الله تبارك تعالى يوم القيامة، إلا كما تمارون في رؤية أحدكم... إلى أن يقول: حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صوره من التي رأوه فيها، فيقال: ماذا تنتظرون؟... تتبع كل أمة ما كانت تعبد.
قالوا: فارقنا الناس في الدنيا، على أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد.
فيقول: أنا ربكم.
فيقولون: لا نشرك بالله شيئاً.. مرتين أو ثلاثة.
حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه علامة فتعرفونه بها؟
فيقولون: الساق.
-------------------------------------------------------------
الصفحة 409
-------------------------------------------------------------


فيكشف عن الساق.
صحيح البخاري ج6، تفسير سورة النساء ـ ج9 كتاب التوحيد.
صحيح مسلم ج1، باب معرفة طريق الرؤية.
ـ عن جرير بن عبد الله، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم سترون ربكم عياناً.
صحيح البخاري ج9 كتاب التوحيد، قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة).
... وغيرها من عشرات الأحاديث التي وردت في الصحاح، يقول ابن حجر حول أحاديث الرؤية: (جمع الدار قطني الأحاديث الواردة في رؤيته تعالى في الآخرة فزادت على العشرين، وتتبعها ابن القيم في حادي الأرواح فبلغت الثلاثين وأكثرها جياد، وأسند الدار قطني عن يحيى بن معين قال: عندي سبعة عشر حديثاً في الرؤية صحاح(1).
وبهذه الأحاديث التي زعموا صحتها بنوا اعتقادهم برؤية الله تعالى يوم القيامة حتى تطرف إمام الحنابلة وكفّر كل من يخالف هذا الاعتقاد، ولم يقفوا عند هذا الحد بل جوزوا إمكانية رؤيته في الدنيا.
قال الاسفرائيني: أجمع أهل السنة على أن الله تعالى يكون مرئياً للمؤمنين في الآخرة، وقالوا بجواز رؤيته في كل حال، ولكل حي من طريق العقل ووجوب رؤيته للمؤمنين خاصة في الآخرة من طريق الخبر(2).
بل قالوا بوقوع رؤيته في المنام، وادعوا ــ كذباً وزوراً ــ أن أول من رأى ربه في المنام رسول الله (ص) وقد تقدم ذكر الخبر.

____________
1- فتح الباري، في شرح صحيح البخاري ج13 ص371.
2- الفرقُ بين الفِرق ص5.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 410
-------------------------------------------------------------

وبعد ذلك أصبح علماؤهم يدعون رؤية الله في المنام، وأورد الشعراني وابن الجوزي والشبلنجي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعت أبي يقول: رأيت رب العزة عز وجل في المنام فقلت: يا رب، ما أفضل ما تقرب به المتقربون إليك؟
فقال: كلامي يا أحمد.
فقلت: يا رب، بفهم أو بغير فهم؟
قال: بفهم أو بغير فهم(1).
ويدعي الألوسي في تفسيره روح المعاني رؤية الله ثلاث مرات: (فأنا ولله تعالى الحمد قد رأيت ربي مناماً ثلاث مرات وكانت المرة الثالثة في السنة السادسة والأربعين والمائتين والألف بعد الهجرة رأيته جل شأنه له من النور ماله، متوجهاً جهة المشرق، فكلمني بكلمات أنسيتها حين استيقظت، ورأيت مرة في منام طويل كأني في الجنة بين يديه تعالى وبيني وبينه ستر حبيك بلؤلؤ مختلفة ألوانه فأمة سبحانه أن يذهب بي إلى مقام عيسى عليه السلام ثم إلى مقام محمد صلى الله عليه وسلم فذهب بي إليهما، فرأيت ما رأين ولله تعالى الفضل والمنة(2).
هذا ملخص عقيدتهم في رؤية الله سبحانه،... وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
.. وما قدروا الله حق قدره.
ومن الواضح أن هذا الاعتقاد يستلزم مما لا شك فيه وبأدنى تفكر الآتي:

____________
1- طبقات الشعراني ج1ص44 وعن ابن الجوزي في مناقب أحمد ص343، نور الأبصار للشبلنجي ص225.
2- تفسير روح المعاني ج9 ص52 ـ دار إحياء التراث العربي بيروت ط1985 م.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 411
-------------------------------------------------------------

ـ إن الرؤية الحسية التي تؤكدها الأحاديث تستلزم أن يكون المرئي جسماً له كثافة ولون حتى تتم الرؤية، فمن مستلزمات الرؤية أن يكون المرئي جسماً تنعكس منه الأشعة، وأن يكون في مقابل الرائي، وأن تكون هناك مسافة بين الرائي والمرئي بالإضافة إلى سلامة الحاسة، وبهذه الشروط يكون الله ـ والعياذ بالله ـ جسماً له لون ويكون محدوداً بمكان وهذا محال.
ـ ويستلزم أيضاً أن الله يتغير ويتشكل بصور مختلفة (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، فيأتيهم في الصورة التي يعرفون).. والطريقة التي يعرفونه بها هي (الساق) فله ـ سبحانه ـ ساق تكشف وتغطى..!!
وهذه العقائد التي تستلزم الكفر صراحة هي ناج طبيعي للأحاديث الإسرائيلية التي سلم بها إخواننا أهل السنة لورودها في البخاري ومسلم، فقد استهما مقدمة على قداسة الله وتنزيهه، وإلا لولا هذه الأحاديث لما ذهب عقل سليم لهذا القول.
ولذلك تجد أهل البيت عليهم السلام وقفوا في وجه هذه العقيدة وكل العقائد التي تودي إلى التجسيم والتشبيه، وكذبوا تلك الأحاديث التي دسها كعب الأحبار اليهودي، ووهب بن منبه اليماني اللذان روجا فكرة التجسيم والرؤية كثيراً. وهذه العقيدة قد حفلت بها كتب أهل الكتاب وهي بعيدة كل البعد عن المعارف القرآنية.
وخلاصة القول: إن هذه الأحاديث مهما كثرت لا قيمة لها في أصول العقائد تعد حكم العقل، وإذا تنازلن وسلمنا بدخولها في مجال تقسيم الأفكار العقائدية فيقابلها كم هائل متضافر متواتر وارد عن أهل البيت (ع) تنفي التجسيم ولوازمه والرؤية وكل ألوان الإحاطة بالله تعالى.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 412
-------------------------------------------------------------


نماذج من أحاديث أهل البيت في نفي الرؤية:
دخل المحدث أبو قرة على أبي الحسن الرضا عليه السلام، فسأله عن الحلال والحرام والأحكام حتى بلغ سؤاله التوحيد، فقال أبو قرة:
إنا روينا أن الله عز وجل قسم الرؤية والكلام بين اثنين فقسم لموسى عليه السلام الكلام ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم الرؤية:
فقال أبو الحسن (ع): فمن المبلغ عن الله عز وجل إلى الثقلين الجن والإنس (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) (و لا يحيطون به علماً) (وليس كمثله شيء).. أليس محمداً صلى الله عليه وآله وسلم؟
قال: بلى.
قال (ع): فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنه جاء من عند الله وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) (ولا يحيطون به علماً) (وليس كمثله شيء)، ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً وهو على صورة البشر.
... أما تستحون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن الله بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر!!
قال أبو قرة: فإنه يقول (و لقد رآه نزلة أخرى).
فقال أبو الحسن (ع): إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال: (ما كذب الفؤاد ما رأى) يقول: ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى، فقال: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى)... فآيات الله عز وجل غير لله، وقد قال: (و لا يحيطون به علماً) فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة.
فقال أبو قرة: فتكذب بالروايات.
فقال أبو الحسن (ع): إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبت بها.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 413
-------------------------------------------------------------

وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علم ولا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء(1).
ــ حضر أبو عبد الله بن سنان عند الإمام أبي جعفر عليه السلام، فدخل عليه رجل من الخوارج فقال له: يا أبا جعفر أي شيء تعبد؟
قال (ع): الله.
قال: رأيته.

قال (ع): لم تره العيون بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يعرف بالقياس ولا يدرك بالحواس، ولا يشبه بالناس، موصوف بالآيات معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلا هو.
... قال أبو عبد الله بن سنان: فخرج الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته(2).
ــ كتب أحمد بن إسحاق إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام يسأله عن الرؤية وما فيه الناس، فكتب عليه السلام:
(لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فإذا انقطع الهواء وعدم الضياء بين الرائي والمرئي لم تصح الرؤية وكان في ذلك الاشتباه، لأن الرائي من ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه وكان في ذلك التشبيه، لان الأسباب لابد من اتصالها بالمسببات)(3).
ــ كتب محمد بن عبيدة إلى الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام يسأله عن الرؤية وما ترويه العامة والخاصة، فكتب عليه السلام بخطه:

____________
1- التوحيد للصدوق ص 112 حديث رقم9.
2- المصدر السابق ص109 حديث رقم1.
3- المصدر السابق ص 108 حديث رقم 5.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 414
-------------------------------------------------------------

(اتفق الجميع فلا تمانع بينهم أن المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، فإذا جاز أن يرى الله عز وجل بالعين وقعت المعرفة من أن تكون إيماناً أو ليست بإيمان فإن كانت تلك المعرفة من جهة الرؤية إيماناً فالمعرفة التي في دار الدنيا من جهة الاكتساب ليست بإيمان لأنها ضده فلا يكون في الدنيا أحد مؤمناً لأنهم لم يروا الله عز ذكره، وإن لن تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية إيماناً لم تخل هذه المعرفة التي هي من جهة الاكتساب أن تزول أو لا تزول في المعاد، فهذا دليل على أن الله عز ذكره، لا يرى بالعين، إذا العين تؤدي إلى ما وصفنا(1).

أدلة الأشاعرة عقلياً على جواز الرؤية ومناقشتها:
آـ عدم الممانعة العقلية في إمكان الرؤية البصرية، لأن هذا الإمكان لا يقتضي إثبات محذور أو محال عقلي على الله تعالى:
1ـ فليس في جواز الرؤية إثبات حدوثه، لأن المرئي لا يكون مرئياً لأنه محدث وإلا لكان من اللازم أن يرى كل محدث.
2ـ وليس في الرؤية إثبات حدوث معنى في المرئي، لأن الألوان مرئيات ولا يجوز حدوث معنى فيها لأنها أعراض.
3ـ وليس في إثبات الرؤية لله تعالى تشبيه الباري تعالى، ولا تجنيسه ولا قلبه عن حقيقته، لأنا السواد والبياض فلا يتجانسان ولا يشتبهان بوقوع الرؤية عليهما.

... ونلاحظ على هذا الادعاء الآتي:
ـ ولنا أن نقول على الأول، صحيح أن الحدوث ليس شرطاً كافياً في الرؤية، بل لا بد من انضمام شروط أ أخر، كالمسافة المناسبة والكثافة التي
____________
1- المصدر السابق حديث رقم 8.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 415
-------------------------------------------------------------

تسمح بانعكاس الضوء، وعدم توفرها في بعض المحدثات يسمح بعدم رؤيتها. ولكن الرؤية بنفسها تسلتزم الجهة (للمقابلة)، والجسمية (للكثافة) فهي تسلتزم الحدوث، فكل مرئي محدث، لا العكس.
ونقول عن الثاني (وليس في الرؤية إثبات حدوث معنى...): إن المعنى يحدث باتصال الضوء والمقابلة، وإن لم يكن اتصال ضوء ولا مقابلة لم تكن رؤية بصرية.
ونقول عن الثالث: إنها مجرد دعوى كسوابقها فالتشبيه متحقق لا مفر منه فإن حقيقية الرؤية قائمة بالمقابلة، والمقابلة لا تنفك عن كون المرئي في جهة ومكان، وليس أظهر من هكذا تشبيه، حيث الجهة والجسمية، وتعالى ليس كمثله شيء.
ب ـ يقول الباقلاني: (والحجة على ذلك أنه تعالى موجود: والشيء إنما يصح أن يرى من حيث كان موجوداً إذا كان لا يرى لجنسه، لأنا لا نرى الأجناس المختلفة ولا يرى لحدوثه إذا أنا نرى الشيء في حال لا يصح أن يحدث فيها، ولا لحدوث معنى فيه إذا قد ترى الأعراض التي لا تحدث المعاني)(1).
وبتقرير آخر: (إننا ما دمنا نرى الأعراض فإننا نرى الجواهر بالضرورة)(2).
(إن الرؤية مشتركة بين الجواهر والأعراض، ولا بد للرؤية المشتركة من علة واحدة وهي: إما الوجود أو الحدوث، والحدوث لا يصح للعلية لأنه أمر عدمي، فتعين الوجود.. فنتج أن صحة الرؤية مشتركة بين الواجب والممكن)(3).

____________
1- د. عبد الرحمن البدوي، مذاهب الإسلاميين ج1 ص316.
2- د. حسن حنفي (من العقيدة إلى الثورة) ج2 ص253.
3- الملل والنحل للسبحاني ج2 ص200.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 416
-------------------------------------------------------------

وضعف الدليل واضح إذ ينتقض بعدم رؤية أشياء مع القطع بوجودها (كرؤية الأفكار والعقائد والروحيات والنفسانيات من القدرة والإدارة). مما يكشف عن سبب آخر للرؤية وليس هو الوجود.
ولذا اعترض عليه كثير من الأشاعرة أنفسهم كشارح المواقف، والتفتازاني في شرح المطالع، وكذا القوشجي في شرح التجريد(1).
ومع أن لفظ (الوجود) أصح من (الحدوث) في جعله من شرائط الرؤية إلا أن مقولة كل موجود تجوز رؤيته غير صحيحة بإطلاقها، وحتى تصح لا بد أن تقيد بسائر شروط الرؤية، وهذه الشروط لا تنسجم إلا مع الموجودات المخلوقة أما بشأن الرب تعالى فلا يمكن المقايسة بين الخلق والخالق (ليس كمثله شيء) ولا يخفى أن إجراء القوانين الطبيعية على الرب تعالى هي عين التشبيه والجهل.
وبهذه الأدلة المتساقطة التي زعموا أنها عقلية أثبتوا الرؤية لله سبحانه وتعالى، والله بريء مما يقولون.

أدلة الأشاعرة على الرؤية من القرآن ومناقشتهما:
آ ـ قال تعالى: (كلا بل تحبون العاجلة - وتذرون الآخرة - وجوه يومئذ ناضرة -إلى ربها ناظرة -ووجوه يومئذ باسرة -تظن أن يفعل بها فاقرة) القيامة 20ـ25 وقد ميز الأشعري بين معنى كلمة (النظر)، بمعنى الاعتبار (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) الغاشية 17، وبمعنى الانتظار (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) يس 49 وبمعنى الرحمة (لا ينظر الله إليهم) آل عمران 11، وبمعنى الرؤية.

____________
1- دلائل الصدق للمظفر ج2 ص184.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 417
-------------------------------------------------------------

وقد اختار الأشعري من بين هذه المعاني معنى (الرؤية)، لعدم صحة بقية المعاني فأما الأولى (الاعتبار) فدار الآخرة ليست جار اعتبار بل جزاء، وليس بمعنى (الانتظار) لأنها علقت على الوجه، كما أن الانتظار فيه مشقة لا يناسب أهل الجنة. أما معنى (الرحمة) فبعيد، لعدم جواز تعطف الخلق على الخالق كما هو واضح ثم عضد اختيار الرؤية بقرينة من لسان العرب، وهي أن النظر بمعنى الرؤية يرتبط ب (إلى) ولا تقول العرب في النظر بمعنى الانتظار باستخدام (إلى) (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) فلما أراد الانتظار لم يقل (إلى) فلما قال عز وجل (إلى ربها ناظرة) علمنا أنه لم يرد الانتظار، وإنما أراد نظر الرؤية، ولما قرن الله النظر بذكر الوجه أراد نظر العينين اللتين في الوجه.
واستدل أيضاً بأن النظر في هذه الآية لا يمكن أن يكون نظر الانتظار لأن الانتظار معه تنقيص وتكدير وذلك لا يكون يوم القيامة، لأن الجنة دار نعيم وليست دار ثواب أو عقاب(1).

ويلاحظ عليه:
1ـ أما قوله كلمة النظر إذا كانت بمعنى الرؤية تعدت بالحرف إلى وإذا كانت بمعنى الانتظار تعدى بنفسها، يجاب بأن (ناظرة) اسم فاعل، وهو في عمله فرع الفعل، والفرعية تسبب ضعف العامل فيفتقر إلى ما يقويه، كما أن المعمول هنا مقدم، والتقديم سبب آخر لضعف العامل ومن هنا عدي ب (إلى).
كما أن تعديته ب (إلى) مستعملة في كلام العرب، كما في قول جميل بن معمر:

____________
1- الملل والنحل، للشهر ستاني ج2 ص203

-------------------------------------------------------------
الصفحة 418
-------------------------------------------------------------

وإذا نظرت إليك من ملك والبحر دونك زدتني نعما

أي: وإذا انتظرتك.
وقال حسان بن ثابت:

وجوه يوم بدر ناظرات إلى الرحمن يأتي بالفلاح

أي: منتظرات.. وهو كثير الاستعمال.
وقد عدى القرآن الكريم اسم الفاعل (ناظرة) بالباء في قوله تعالى:
(فناظرة بم يرجع المسلمون) النمل.
ومعنى هذا الكلام أن (ناظرة) تتعدى بنفسها وبالحرف.
2ـ أما أن الانتظار فيه تنقيص، ولا يناسب أهل الجنة..نتساءل، من أين عرف أن الآيات تتحدث عن الجنة؟
بل هي ظاهر في الموقف -الحساب -بدلالة السياق (تظن أن يفعل بها فاقرة) فالآيات تحكي عن أحوالهم قبل دخولهم إلى مستقرهم ومأواهم، لأنهم إن دخلوا النار فقد فعل بهم الفاقرة يقيناً.
فمعنى الانتظار، وارد جداً، ولا سيما أنه استعمال حقيقي في لسان العرب فلا يحق للأشعري أن يصادر هذا المعنى فإذا قلنا (النظر) بمعنى الانتظار، فذلك ينفي الرؤية الحسية لله سبحانه، وإذا قلنا أن (النظر) بمعنى الرؤية فيكون المراد منه الاستعمال المجازي، وقد قرر هذا الاستخدام الشيخ السبحاني، وذلك بتقدير حذف مضاف (إلى ثواب ربها ناظرة) ويبرر هذا التقدير حكم العقل بعد المقابلة بين الآيات، فالآية الثالثة تقابل الآية الأولى، والآية الرابعة تقابل الثانية، وعند المقابلة يرفع إبهام الثانية بالآية الرابعة، وإليك تنظيم الآيات حسب المقابلة:
آـ (وجوه يومئذ ناضرة) يقابلها قوله (وجوه يومئذ باسرة).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 419
-------------------------------------------------------------

ب ـ (إلى ربها ناظرة) يقابلها قوله (تظن أن يفعل بها فاقرة).
وبما أن الآية الرابعة (تظن أن يفعل بها فاقرة) واضحة المعنى تكون قرينة على المراد من الآية الثانية (إلى ربها ناظرة)
فإذا كان المقصود من الآية الرابعة أن الطائفة العاصية تظن وتتوقع أن ينزل بها عذاب يكسر فقارها ويقصم ظهرها، يكون ذلك قرينة على أن الطائفة المطيعة تكون مستبشرة برحمته متوقعة لفضله وكرمه، لا النظر لذاته وهويته سبحانه وإلا لخرج المتقابلان عن التقابل وهو خلف.
(يجب أن يكون المتقابلان -بحكم التقابل -متحدي المعنى والمفهوم ولا يكونان مختلفين في شيء سوى النفي والإثبات)(1).
وبهذه المقابلة تكون الآية واضحة الدلالة غير متشابهة، ولا سيما أن الآيات الشريفة تتحدث عن المواقف، فما غير الثواب والرحمة يرتجى.
وإلى هذا تشير جملة من الأخبار مثل ما ورد في توحيد الصدوق عن الإمام الرضا (عليه السلام) في قوله تعالى (وجوهٌ يومئذٍ ناظرة إلى ربها ناظرة) يعني مشرقة تنتظر ثواب ربها(2).
وبهذا عرفنا أن رؤية الله سبحانه ووقوع النظر إلى ذاته خارج عن إطار هذه الآية بكلا الاحتمالين، فسواء كان المعنى من (ناظرة) الانتظار تسقط دلالة الآية على الرؤية، وإذا كان بمعنى الرؤية فهي كناية عن النظر إلى رحمة الله، مثلاً يقال: فلان ينظر إلى يد فلان. وهذا سائد في التعبيرات العرفية، وعلى هذا قول الشاعر:

إني إليك لما وعدت لناظرٌ نظر الفقير إلى الغني الموسر
____________
1- الملل والنحل، للسبحاني ج2 ص205 0
2- التوحيد للصدوق ص 116.


-------------------------------------------------------------
الصفحة 420
-------------------------------------------------------------


ولهذا ينظر المؤمنون إلى رحمة الله يوم القيامة، أما الكفار يبين حالهم قوله تعالى:
(.. ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) آل عمران 11.
ومن الواضح أن المراد من (لا ينظر إليهم) هو عدم شمولهم برحمته ولا يكون المقصود هو عدم رؤية الله لهم، لأن رؤيتهم أو عدم رؤيتهم ليس أمراً مطلوباً حتى يهددوا به لأن المقام مقام رحمة.

الدليل الثاني:
ب ـ قال تعالى: { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرَّ موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } الأعراف 143.
لم يستدل أبو الحسن الأشعري بهذه الآية، واستدل بها الأشاعرة، وتقريب الاستدلال بهذه الآية عند الشيخ الباجوري(1).
1ـ إن سيدنا موسى (ع) قد طلبها - أي الرؤية - ولاشك أنه أدرى من المعتزلة بما يجوز في حقه تعالى وبما لا يجوز، ولو كان يعلم استحالتها لما استساغ أن يطلبها.
2ـ أنه سبحانه علق حصول الرؤية في آخر الآية على أمر جائز في نفسه، وهو استقرار الجبل، بل هو من حيث ذاته أقرب من صيرورته دكاً، وكل أمر يعلق على أمر جائز فهو جائز.

____________
1- الشيخ ابراهيم الباجوري (شرح جواهر التوحيد) نسقه وأخرج أحاديثه محمد أديب الكيلاني وعبد الكريم شنان، وراجعه عبد الكريم الرفاعي دمشق 1972 0

-------------------------------------------------------------
الصفحة 421
-------------------------------------------------------------

3ـ وقالوا - أي المعتزلة ـ: أنه سألها لأجل قومه، وهو قول باطل لأن تجويز الرؤية باطل بل هو كفر عند أكثر المعتزلة، فلا يجوز لموسى (ع) تأخير الرد عليهم، ففيه تقرير الباطل.
ألا ترى أنهم لما قالوا له: { اجعل لنا إلهاً كما لهم إله } رد عليهم بساعته { إنكم قوم تجهلون } الأعراف 138، والحق أن السائلين القائلين: { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } البقرة 55، لم يكونوا مؤمنين، ولم يكونوا حاضرين عند سؤاله - عليه الصلاة والسلام - للرؤية.
4ـ وقد نقل ابن نورك عن الأشعري (ر ه) أنه قال: قال تعالى (لن تراني) ولم يقل (لست بمرئي) على ما مقتضى المقام لو امتنعت الرؤية.
هذه زبدة استدلالاتهم بهذه الآية، وإليك مناقشة ما قالوا:
ـ الوجه الأول، ويجاب عليه بأن سؤال موسى كان بلسان بني إسرائيل وهو ما يرفضه الأشاعرة، ولمعرفة صحته أو عدم صحته ينبغي أولاً معرفة أن الآيات المتعددة حول طلب الرؤية تحكي واقعة واحدة أم اثنتين، فلا بد أن نستعرض كل الآيات التي تناولت الموضوع.
1ـ سورة طه: (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدنا كم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى) 80.
ـ (وما أعجلك عن قومك يا موسى -قال هم أولاء على أثرى وعجلت إليك رب لترضى -قال فإنا قد فتناّ قومك من بعدك وأضلهم السامري) 80 -85.
2ـ سورة البقرة:
(وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون - ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون -وظللنا
-------------------------------------------------------------
الصفحة 422
-------------------------------------------------------------

عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) 55ـ57 3ـ سورة البقرة:
ـ (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون) 51 4ـ سورة النساء:
ـ (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فإخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطاناً مبيناً) 153 سورة الأعراف:
(وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) 142 ـ (وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين) 145 ـ (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً اتخذوه وكانوا ظالمين) 148 ـ (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين) 150
-------------------------------------------------------------
الصفحة 423
-------------------------------------------------------------

ـ واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وأياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين) 155 وبعد هذا الاستعراض نلاحظ الآتي 1ـ إن سؤال بني إسرائيل (حتى نرى الله جهرة) (أرنا الله جهرة) هو سؤال واحد في سورة طه، ويأتي بعد السؤال الصاعقة والعفو، كما يتلوه عبادة العجل.
2ـ في سورة طه آية 80 -موعد بني إسرائيل يتلوه المن والسلوى ويليه فتنة السامري وعبادة العجل.
3ـ وفي سورة الأعراف 155 الميقات وهو الموعد المضروب.
نصل إلى أن السؤال وقع في الميقات بقرينة إضافية هي الصاعقة والرجفة.
4ـ هل كان سؤال موسى للرؤية في نفس الميقات؟ وهو ميقات أربعين ليلة (ثلاثون + عشرة)، وفي الآية 51 سورة البقرة بعده عبد العجل، وفي آية الأعراف 143ـ 148 تلقى موسى الألواح، ووجد قومه يعبدون العجل، وفي سورة طه 82 -85 موعد لقوم موسى وعبادة العجل، وفي سورة النساء 153 بعد سؤالهم الرؤية تذكر ثم اتخذوا العجل.
والخلاصة أن سؤال قوم موسى في الميقات ومن بعده عبادة العجل وسؤال موسى (ع) الرؤية في نفس الميقات ووجد قومه يعبدون العجل.
وعلى هذا فإن سؤال قوم موسى (ع) (أرنا الله جهرة) هو سؤال موسى (ع): (أرني أنظر إليك) تم في واقعة واحدة وهي الميقات.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 424
-------------------------------------------------------------

ومما يؤكد أنها واقعة واحدة أنه من البعيد تكرار سؤال موسى (ع) وسؤال قومه بعد أن تأخذهم الصاعقة أو ندك الجبل، وعلى أقل تقدير أنه (ع) يذكرهم بها.
ولذا يصح أن موسى سال الرؤية بلسان بني إسرائيل.
وقد بين الإمام علي بن موسى الرضا (ع) هذا المطلب في جواب المأمون العباسي. قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليه السلام فقال له المأمون: يا بن رسول الله أليس من قولك أن الانبياء معصومون؟ قال: بلى، فسأله عن آيات من القرآن، فكان فيما سأله أن قال له: فما معنى قول الله عز وجل: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر غليك قال لن تراني) الآية، كيف يجوز أن يسأل كليم الله موسى بن عمران عليه السلام ربه الرؤية؟ الا يعلم أن اله تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأل هذا السؤال فقال الرضا عليه السلام: إن كليم الله موسى بن عمران عليه السلام علم أن الله، تعالى عن أن يرى بالأبصار ولكنه لما كلمه الله عز وجل وقر به نجياً ورجع على قومه فاخبرهم ان الله عز وجل كلمه وقربه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة ألف رجلن فاختار منهم سبعين ألفاً، ثم اختار منهم سبعة ألاف ثم اختار منم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربه، فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في صفح الجبل، وصعد موسى عليه السلام إلى الطور وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه، فكلمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأم/ن لأن الله عز وجل أحدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن لك بأن هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة، فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا، بعث الله عز
-------------------------------------------------------------
الصفحة 425
-------------------------------------------------------------

وجل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقاً فيما ادعيت من مناجاة الله إياك، فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك أن تنظر إليه لأجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته، فقال موسى عليه السلام: يا قوم إن الله لا يرى بالأبصار ولا كيفية له، وإنما يعرف بآياته ويعلم بإعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى عليه السلام يا رب إنك قد سمعت مقالة بتي إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جل جلاله إليه: يا موسى اسألني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى عليه السلام: (رب أرني أنظر غليك قال لن تراني ولكن انظر غلى الجبل فإن استقر مكانه (وهو يهوي) فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل (بآية من آياته) جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك (يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي) ولنا أول المؤمنين) منهم بأنك لا ترى، فقال المأمون: لله درك يا أبا الحسن. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة، وقد أخرجه بتمامه في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام.
وعليه لا يلقى وجه لمثل هذا الاستدلال، فالسؤال بلسان بني إسرائيل وكان الجواب بتدبير إلهي منه تعالى، لأنهم لا يسمعون لموسى (ع) والتعليق على الجبل ودكه وأسلوب الصدمة العنيف مألوف في تأديب بتي إسرائيل لنزعتهم الحسية وقسوة قلوبهم.
فكيف ينسب لموسى (ع) ما تبرأ منه في آية 155 الأعراف حيث دعا الله سائلاً إياه تعالى إحياء قومه، فبدأ تأدباً بقوله: (رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي) فلا يتهمني بنو إسرائيل بقتلهم، ثم قال: (أتهلكنا بما فعل
-------------------------------------------------------------
الصفحة 426
-------------------------------------------------------------

السفهاء منا) فإذن هو فعل سفيه (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء).
ثم يشرع في الدعاء: (أنت ولينا فأغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين).
أما الوجه الثاني: فإنه تعالى لم يعلق الرؤية على استقرار الجبل ـ من حيث هو ـ الذي هو ممكن، ولا على استقرار الجبل حال دكه بل علقه تعالى على استقرار الجبل بعد تجلي الرب تعالى، وهو غير ممكن وغير واقع، وهي طريقة عقلائية تفيد الامتناع، مما يدلل على عدم إمكانية الرؤية، ولا يقال لو أراد الله تعالى الامتناع لعلق على المحال العقلي بنفسه لا بالدلالة العقلائية، كما في قوله (حتى يلج الجمل في سم الخياط). نقول إن الحكمة الإلهية اقتضت أن تظهر المنع بطريقة العجز البشري، لما هو معروف من طباع بني إسرائيل ـ المادية، الحسية، التشكيكية، فلا ينفع معهم الحوار العقلي الهادئ، بل لابد من أسلوب الصدمة الرادعة نفسياً والكاشفة عقلياً عن الاستحالة، ونلاحظ أن دخول الكفار الجنة ليس بمستحيل عقلاً وقد شبهه الله سبحانه بالمستحيل وهو ولوج الجمل في سم الخياط، مقابل الرؤية التي هي مستحيلة عقلاً، وعلقت على أمر بنفسه ليس مستحيلاً لعدم الوقوع وللتضاد.
أما ردع موسى (ع) لبني إسرائيل، فليس محكياً في الآيات القرآنية لأنها ليست بصدد تفصيل القصة، والروايات الواردة عن أهل البيت (ع) تبين أنه (ع) رد عليهم، ولكن كافة أساليب موسى في نصحهم وردعه لهم لم يمنعهم عن التفكير بنفس النسق الحسي.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 427
-------------------------------------------------------------

أما بقية الوجوه فما هي إلا احتمالات لا يعول عليها، وباب الاحتمال واسع حتى في أوضح النصوص، فلذلك لا يؤخذ إلا بالاحتمال العقلائي الناقض للحجة، لا مطلق ما يرد في الذهن.. هذا أولاً.
وثانياً: إن بين أيدينا نصاً ينبغي النظر فيه أولاً ثم البحث عما يعارضه أو يقيده أو يخصصه في نص آخر أو دلالة عقلية واضحة.
أما التساؤل، لِمَ لم يقل (لست بمرئي) للدلالة على الامتناع بدلاً عن (لن تراني) فسؤال غير وجيه، لأنه إن سلمنا بدلالة (لست بمرئي) أظهر في الامتناع، إلا أنه (لن تراني) تفيد ذلك، والذي ينبغي النظر فيه هو مدلول (لن تراني) هل تفيد الامتناع أم لا؟
ثم ليبحث من شاء في حكمة اختيار (لن تراني) والحق أن (لن) تؤكد وتؤبد النفي، لكن تأبيد النفي يكون بحسب متعلقه فتكون مؤبدة في متعلقها (محمولها) مثل قوله تعالى: (فلن أكلم اليوم إنسيا) مريم.
فالتأبيد هنا متعلق على اليوم، أي مؤبد في هذا اليوم، كما أن التأبيد يكون عاماً بحسب متعلقه ولا يشمل غيره، مثل (ولن يتمنونه أبداً) فلمن تفيد التأبيد و(أبدا ً) مؤكد لهذا التأبيد، رغم هذا هي مختصة بالدنيا بقرينة (بما قدمت أيديهم) هذا إذا كانت لن التأبيدية متعلقة بزمن، وتفيد الديمومة إذا لم تعلق بزمن.
أما قول الناس: لن أفعل، ثم يفعل، فلا ينبغي الاستشهاد به لأن هذا الأمر لا دخل له بفعل (لن) التي تفيد التأبيد وإنما يتعلق بإرادة القائل والظروف المحيطة بالفعل.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 428
-------------------------------------------------------------

و (لن) في الآية الكريمة تفيد الامتناع في الرؤية ذلك لأنها علقت على استقرار الجبل بعد التجلي، وأيضاً قول موسى (سبحانك) يفيد تنزيه الله سبحانه والتنزيه في هذه الآية في الرؤية ويعني ذلك أن الرؤية نقص وهو محال بحق الرب تعالى.
أما دعوى التقييد بالدنيا بعد التسليم كون (لن) للتأبيد فغير وارد لأن سياق الآية لا يقبل التقييد أو التخصيص وذلك لأن سبب لتفي واحد وهو التنزيه، في قوله (سبحانه) والتنزيه لا يقيد بزمن.
هذا إلى أن هناك كثيراً من الآيات تنفي الرؤية عن الله سبحانه بكل وضوح وصراحة، ونكتفي في هذا المقام باستعراض آية واحدة هي أكثر ظهوراً في الأمر.
قال تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) الأنعام 103.
1ـ (الإدراك مفهوم عام لا يتعين في البصر أو السمع أو العقل إلا بإضافته إلى الحاسة التي يراد منه السماع ولأجل ذلك لو قال قائل: أدركته ببصري وما رأيته، يكون تناقض)(1).
2ـ (تمدَّح تعالى بنفي إدراك الأبصار له، فيكون إثباته له نقصاً)(2).
3ـ إن (لا تدركه) مطلقة في الدنيا والآخرة، و(الأبصار) عامة لأنها جمع محلى بألف ولام، فتشمل جميع الخلق لعدم جواز الاستثناء وهو الظاهر.
وقد تهرب أبو الحسن الأشعري من هذه الآية بقوله يحتمل أن يكون (لا تدركه) في الدنيا وتدركه في الآخرة، لأن رؤية الله أفضل اللذات،
____________
1- الملل و النحل، للسبحاني ج2ص221.
2- الفاضل البغدادي السيوري، النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر ص57.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 429
-------------------------------------------------------------

وأفضل اللذات في أفضل الدارين. ويحتمل أن تكون (الأبصار) أبصار الكافرين لأن الله وعد المؤمنين برؤيته.
هذا كلام أقل من أن يحتاج إلى النقاش، لأن مجرد الاحتمال لا يمنع الظهور، والاحتمال يمكن أن يرد على كل شيء، وواضح أن طرح الاحتمالين لإثارة الشك. والذي دفعه لذلك الأحاديث المكذوبة التي آمن بها، وهي تثبت الرؤية.
أما الرازي فلم تسلم هذه الآية من تشكيكاته التي عمت كل شيء فقال في تفسيره الكبير ص124: (احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى تجوز رؤيته وأن المؤمنين يرونه يوم القيامة بوجوه عدة منها:
آ ـ أن الآية في مقام المدح، فلو لم يكن جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله (لا تدركه الأبصار) ألا تر أن المعدوم لا تصح رؤيته كما الروائح والطعوم والإرادة ولا مدح في شيء منها بذلك، لأن الشيء إذا كان معدوما في نفسه بحيث تمتنع رؤيته فلا يلزم من عدم رؤيته وعند إدراكه مدح، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم أنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه، كانت هذه القدرة الكاملة دلالة على المدح والعظمة، فتثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته.
ويلاحظ على هذا الكلام أن فيه قياس الرب على الخلق وهو تعالى (ليس كمثه شئ).. هذا أولاً:
ثانياً: لو كان المدح دليلاً على الجواز، فليكن في مثل قوله تعالى: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا) الإسراء 111.
فهل الشريك والولد وولي الذل جائز على الله تعالى؟!
فالملازمة ممنوعة كما هو واضح، فإذن يمدح أيضاً على الغير جائز.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 430
-------------------------------------------------------------

أما مدح المعدوم يرد بأن المدح ليس بالجزء الأول (لا تدركه الأبصار) والمدح هنا في المقابلة.
ب ـ واستشكل الرازي أيضاً بأن الأبصار صيغة جمع لا تفيد الاستغراق بمعنى لا تدركه جميع الأبصار، فيمكن أن تدركه بعض الأبصار، وهذا يفيد سلب العموم ـ أي أن النفي متوجه إلى المجموع لا لكل جزء من أجزاء المجموع ـ ولا يفيد عموم السلب ـ أي التفي المتوجه إلى كل جزء من أجزاء المجموعة.
ويلاحظ عليه: أن لفظة (الأبصار) صيغة جمع محلى بألف ولام، فهي تفيد العموم (الاستغراقي) بلا ريب، والنفي متوجه للنسبة (العموم ومتعلقه) فيفيد عموم السلب ـ أي كل الأبصار لا تدركه ـ نعم لو توجه النفي لنفس العموم لكان سلب العموم ولكن هذا أجنبيٌ عن المقام غير ظاهر ونظير هذا: (إن الله لا يحب المعتدين) فتفيد عموم السلب ـ أي أن الله لا يحب كل المعتدين ـ وقوله تعالى (فإن الله لا بحب الكافرين) آل عمران 320، وقوله (لا يحب الظالمين).. كذلك تفيد عموم السلب كما أن المقابلة بين (لا تدركه الأبصار) وبين (وهو يدرك الأبصار) لدلالة قطعية على عموم السلب في الأولى، كما أن الثانية عامة في الإثبات.
ج ـ وقد نقل الرازي إشكالاً آخر وهو ما نقل عن ضرار الكوفي وهو: أن الله تعالى لا يرى بالعين وإنما بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة، وذلك لتخصيص عدم الرؤية بالبصر فقط، فيكون إدراك الله بغير البصر جائز.
... وهذا هروب من طاولة البحث لأن محل النزاع هو الرؤية البصرية التي صرحوا بها (وهي بهذه العيون كالقمر في ليلة البدر).

-------------------------------------------------------------
الصفحة 431
-------------------------------------------------------------

د ـ يقول الرازي أيضاً: إن الإدراك لا يساوق الرؤية بل هو اللحوق والإحاطة (قال أصحاب موسى إنا لمدركون) (حتى إذا أدركه الغرق).
وليس مجرد العلم أو الرؤية.
ولا شك أن الإحاطة بالله نقص فيكون النفي مدحاً والرؤية التي نثبتها ليست إحاطة.
والرد عليه، أنا نسلم أن الإدراك بمعنى اللحوق والبلوغ ونمتنع أن يكون بمعنى الإحاطة، ولا ترادف ولا ملازمة بينهما.
فاإدراك مفهوم عام ضمن معنى (اللحوق ـ والبلوغ) ولا يتحدد إلا بمتعلقه فإذا قيل، أدركته ببصري أي أن البصر لحق بالمرئي ورآه، وكذا العقل والأذن وكل حاسة يحسبها، كما يستخدم الإدراك بمفهومه العام كقوله (إنا لمدركون) بمعنى ملحوقون. أما الزعم أن اللحاق يقتضي الإحاطة، فدعوى لا يعرف لها وجه كما أن الرؤية هي إحاطة سواء وقعت على الجزء أو الكل، وما يرى بعضه يرى كله بتعدد اللحاظ والزوايا.
والخلاصة: أن الآية الشريفة محكمة الدلالة على منع الرؤية، وفي نسق حكم العقل الواضح، وما هذه الإشكالات إلا لإثارة التشكيك وأغلبها يمكن وصفه (بالمهزلة).
وقبل أن نختم هذا البحث أحب أن أشير إلى جوهر الخلاف في هذه المسائل التي تتعلق بالله سبحانه وتعالى.
فلماذا أخواننا أهل المنة والجماعة بمختلف طوائفهم ينسبون لله سبحانه ما لا يليق بجلالته؟!
ولماذا تسعى الشيعة دائماً لتنزيه الله من كل نقص وشائبة؟!
يمكن أن يجاب على هذا السؤال بعدة إجابات، إلا أننا نقتصر على جواب واحد شامل لجميع الأجوبة على نحو الإجمال:

-------------------------------------------------------------
الصفحة 432
-------------------------------------------------------------

بعد أهل السنة عن نهج أهل البيت وتقوقعهم على رواياتهم الخاصة، ويستحيل أن يعرف الله بغير الطريق الذي حدده، فلا يمكن معرفته بروايات كعب الأحبار، ووهب ابن منبه، وأبو هريرة.... وغيرهم.
وإن الذي يؤسفني هو حرمان أهل السنة أنفسهم من هذا الكم الهائل من المعارف الإلهية التي رواها الثقات عن أئمة الطهر ومعادن الحكمة الإلهية، ولو أنهم اطلعوا على قليل منها لما أتوا بهذه الأفكار المخزية.
صدق أبو عبد الله الحسين عليه السلام عندما قال: نحن حزب الله الغالبون وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله الأقربون وأهل بيته الطيبون وأحد الثقلين اللذين جعلنا رسول الله صلى الله عليه وآله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل كل شيء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره، لا يبطينا تأويله بل نتبع حقائقه، فأطيعونا، فإن طاعتنا مفروضة، أن كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله عز وجل (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله).
وقال: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذي يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً)(1).
وإليك في هذا المقام قليلاً من الروايات حتى تعلم أن إلهاً كما صفه أهل البيت لا تقع عليه الرؤية:
روى الطبرسي في خطبة عن علي (ع) قال:
(دليله آياته، ووجوده إثباته، ومعرفته توحيد، وتوحيده تمييزه من خلقه، وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة. إنه رب خالق غير مربوب مخلوق، كل ما تصور فهو بخلافه)(2).

____________
1- الاحتجاج ص299.
2- المصدر السابق.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 433
-------------------------------------------------------------

وقوله (ع): (توحيده تمييزه من خلقه) مطلق يفيد أنه سبحانه ممتاز عن خلقه بالحقيقة في جميع شؤونه لا مشاركة بينه وبين خلقه بوجه من الوجوه، وقوله (ع): (حكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة) تصريح بهذا الإطلاق لأن المباينة الصفتية هي أن كل صفة وحكم يجري على الله تعالى، لا يجري ولا يطلق على ما سواه من الخلق بما له من المعنى الشخصي، وكذلك كل نعت وتقديس يمجد ويقدس تعالى به لا يطلق على من سواه بما له من معنى(1).
وجاء في خطبة الإمام الرضا (ع) في مجلس المأمون: أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده، ونظام توحيده الله نفي الصفات عنه بشهادة العقول أن كل صفةٍ وموصوفٍ مخلوق وشهادة كل مخلوق أن له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدث وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث، فليس الله عرف من عرف بالتشبيه ذاته، ولا إياه وحد من اكتنهه ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نهاه، ولا صمد صمده من أشار إليه، ولا إياه عنى من شبهه، ولا له تذلل من بعضه، ولا إياه أراد من توهمه، كل معروف بنفسه مصنوع وكل قائم في سواه معلول، بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول يعتقد معرفته، وبالفطرة تثبت حجته، خلق الله الخلق حجاب بينه وبينهم ومباينته إياهم مفارقته إنيتهم، وابتداؤه إياهم دليلهم على أن لا ابتداء له لعجز كل مبتدإ عن ابتداء غيره، وأدوه إياهم دليل على أن لا أداة فيه لشهادة الأدوات بفاقة المتأدين وأسماؤه تعبير وأفعاله تفهيم، وذاته حقيقة، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغبره تحديد لما سواه فقد جهل الله من استوصفه وقد تعداه من استمثله وقد أخطأه من اكتنهه، ومن قال: كيف
____________
1- توحيد الإمامية، آية الله الشيخ محمد باقر الملكي ص204.

-------------------------------------------------------------
الصفحة 434
-------------------------------------------------------------

فقد شبهه ومن قال: لِمَ فَقَد علّله، ومن قال: متى فقد وقته، ومن قال: فيم فقد ضمّنه، ومن قال: إلام فقد نهاه، ومن قال: حتام فقد غيّاه ومن غياه فقد غاياه، ومن غاياه فقد جزأه، ومن جزأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه، لا يتغير الله بتغير المخلوق، كما لا يتحدد بتحديد المحدود، أحد لا بتأويل عدد، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلٍّ لا باستهلال رؤية، باطن لا بموايلة، مبائن لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدر لا بجول فكرة مدبر لا بحركة، مريد لا بهمامة، شاء لا بهمة، مدرك لا بمجسة سميع لا بآلة، بصير لا بأداة.
لا تصحبه الأوقات، ولا تضمنه الأماكن، ولا بأخذه السنات ولا تحده الصفات، ولا تقيده الأدوات سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأمور عرف أن لا قرين له، ضادّ النور بالظلمة، والجلاية بالبهمة، والجسو بالبلل، والصّرد بالحرور، مؤلّفٌ بين متعادياتها، مفرق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها، ذلك قوله عز وجل: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) ففرق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، دالة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها غبره له معنى البوبية إذ لا مربوب وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه ومعنى العالم ولا معلوم، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وتأويل السمع ولا مسموع، ليس منذ خلق استحق معنى الخالق، ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البارئية، كيف ولا تغيبه مذ ولا تدنيه قد ولا تحجبه لعل، ولا توقته متى، ولا يشتمله حين ولا تقارنه مع، إنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلة
-------------------------------------------------------------
الصفحة 435
-------------------------------------------------------------

إلى نظائرها وفي الأشياء توجد فعالها، منعتها (منذ) القدمة، وحمتها (قد) لا الأزلية، وجنبتها (لولا) التكملة، افترقت فدلت على مفرقها، وتباينات فأعربت عن مبانيها، بها تجلى صانعها للعقول وبها احتجب عن الرؤية، وإليها تحاكم الأوهام، وفيها أثبت غيره، ومنها أنيط الدليل، وبها عرف الإقرار، وبالعقول يعتقد التصديق بالله، وبالإقرار يكمل الإيمان به، لا ديانة إلا بعد معرفته، ولا معرفة إلا بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، ولا نفي مع إثبات الصفات للتشبيه فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه، لا تجري عليه الحركة ولا السكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، أو يعود فيه ما هو ابتدأه إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولما كان للبارئ معنى غير المبروء، ولوحد له وراء إذاً حد له أمام، ولو التمس له التمام إذاً لزمه النقصان، كيف يستحق الأزل من لا يمتنع من الحدث، أم كيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء، إذاً لقامت عليه آية المصنوع، ولتحول دليلاً بعدما كان مدلولاً عليه، ليس في محال القول حجة ولا في المسألة عنه جواب، ولا في معناه لله تعظيم، ولا في إبانته عن الحق ضيم، إلا بامتناع الأزلي أن يثنى، وما لا بدأ له أن يبدأ، لا إله إلا الله العلي العظيم، كذب العادلون بالله، وضلوا ضلالاً، وخسروا خسراناً مبيناً، وصلى الله على محمد النبي وآله الطيبين الطاهرين.
ــــــــــــــــــــــ
فهرست المحتويات
ــــــــــــــــــــــ
شكر وعرفان
إهداء

الفصل الأول
مقتطفات من حياتي
مقتطفات من حياتي
أيام صباي
كيف كانت البداية
في الجامعة
في قريتنا
مناظرة مع شيخ الوهابية
ملاحظات للباحث لا بد منها
الفصل الثاني
وانكشف الزيف
وانكشف الزيف
حديث: (عليكم بسنتي..) الخدعة الزائفة
مصادر الحديث
رواية الترمذي
سند الحديث عن أبي داود
سند الحديث عند ابن ماجه
الواقع التاريخي وحديث وسنتي
الحديث الآخر
حوار مع المُحدث والحافظ الدمشقي عبد القادر الأرنؤوطي
لا تحل مشكلة أهل السنة بالحديثين
الخلفاء هم أئمة أهل البيت
أهل البيت طريق التمسك بالكتاب والسنة
الفصل الثالث
حديث كتاب الله وعترتي في المصادر السنية
إثبات حديث (كتاب الله وعترتي)
أولاً: سند الحديث
عدد الرواة من الصحابة
عدد الرواة من التابعين
عدد الرواة خلال القرون
حديث الكتاب والعترة في كتب الحديث
شبهات على حديث الثقلين
دفع الشبهة
الرد على ابن الجوزي في تضعيفه لابن عبد القدوس
أما تضعيفه المجمل لعبد الله بن داهر
إشكال ابن تيمية
دلالة الحديث على إمامة أهل البيت
الفصل الرابع
من هم أهل البيت؟
من هم أهل البيت؟
أهل البيت في آية التطهير
حديث الكساء تحديد هوية أهل البيت
أهل البيت في آية المباهلة
الفصل الخامس
ولاية علي (ع) في القرآن
ولاية علي في القرآن
البحث الفاصل
وجه الاستدلال من هذه الآية
المصادر التي أثبتت نزولها في علي (ع)
دلالة الآية (إنما وليكم الله...) على ولاية أمير المؤمنين
آية التبليغ نص صريح في الولاية
الغدير في المصادر الإسلامية
المصادر التي أثبتت نزولها في علي (ع)
نص الخطبة
الفصل السادس
الشورى والخلافة الإسلامية
أولاً: بحث عن دلالة آيات الشورى
ثانياً: الشورى في الواقع العملي
الشورى وسقيفة بني ساعدة
السقيفة في تاريخ الطبري
ثالثاً: الصحابة وآية الإنقلاب
الفصل السابع
الثلاثي وتحريف الحقائق
أولاً: المؤرخون
دور التاريخ في استنهاض الأمة
السلطات وتحريف التاريخ
كيف أرخوا لتاريخ التشيع؟
قول العلماء في سيف بن عمر
نموذج آخر
رسالة معاوية في الرد على محمد بن أبي بكر ـ باختصار ـ
ثانياً: المُحدِّثون
الحديث في عهد معاوية
1ـ الشمس تتوسل بأبي بكر
2ـ أبو بكر في قاب قوسين
3ـ أبو بكر ألف القرآن
رواة الحديث وتدليس الحقائق
1ـ النموذج الأول
2ـ النموذج الثاني
3ـ النموذج الثالث
4ـ النموذج الرابع
5ـ النموذج الخامس
ثالثاً: الكتاب ودورهم في تحريف الحقائق
آ ـ بعض الكتب التي أُلفت ضد الشيعة
ب ـ ومن الكتب الشيعية التي ردت وأصلت مذهبها
1ـ الشافي في الإمامة
2ـ كتب نهج الحق وكشف الصدق، للعلامة الحلي
3ـ إحقاق الحق ـ للسيد نور الله الحسيني التستري
5ـ موسوعة الغدير، 11 مجلداً للعلامة عبد الحسين الأميني
7ـ معالم المدرستين، للمرتضى العسكري
8ـ المراجعات، لعبد الحسين شرف الدين
علماء السنة ومثقفوها يتشيعون
ج ـ نماذج من تحريفات الكتاب
1ـ افتراءاته على الشيعة
2ـ إحسان إلهي ظهير
آ ـ نماذج من تزويراته
ب ـ نماذج من افتراءاته على الشيعة
الفصل الثامن
المذاهب الأربعة تحت المجهر
المذاهب الأربعة تحت المجهر
وقفة مع أئمة المذاهب الأربعة
(1) الإمام أبو حنيفة
نشأة أبي حنيفة
فقه أبي حنيفة
طعون على أبي حنيفة
أبو حنيفة والإمام الصادق (ع)
(2) الإمام مالك بن أنس
انتشار المذهب المالكي
طعون على مالك
(3) الإمام الشافعي
طعون على الشافعي
(4) الإمام أحمد بن حنبل
من كتب أحمد وآثاره
محنة أحمد بن حنبل
أبطال لم تسلط عليهم الأضواء
أحمد في عهد المتوكل
الفقه عند احمد بن حنبل
خاتمة
الفقه عند الشيعة
مناظرة يوحنا مع علماء المذاهب الأربعة
الفصل التاسع
عقائد أهل السنة
عقائد أهل السنة
لمحة تاريخية
مدرسة الحنابلة (السلفية)
أولاً: أحمد بن حنبل (منهجه في العقائد)
روايات في ضرورة العقل
نماذج من أحاديث التجسيم
خطبة رسول الله (ص)
حديث الرضا (ع)
خطبة أمير المؤمنين (ع)
ثانياً: مرحلة ابن تيمية، احمد بن عبد الحليم
ثالثاً: مرحلة محمد بن عبد الوهاب
مناقشة توحيد الربوبية
مناقشة توحيد الألوهية
مناقشة الوهابية في مناط مفهوم العبادة
تعريف العبادة بالمفهوم القرآني
الاعتقاد بالاستقلالية وعدمها ملاك في التوحيد والشرك
هل القدرة وعدمها ملاك في التوحيد والشرك
هل التوسل بالأنبياء والصالحين حرام؟
حديث عثمان بن حنيف
تهافت الأشاعرة
نماذج من أحاديث أهل البيت في نفي الرؤية
أدلة الأشاعرة عقلياً على جواز الرؤية ومناقشتها
أدلة الأشاعرة على الرؤية من القرآن ومناقشتهما